######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_006478 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: فخر الدين الرازي #META# 010.AuthorNAME :: فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي #META# 011.AuthorBORN :: 544 #META# 011.AuthorDIED :: 606 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير :: كتب التفاسير :: كتب التفاسير وعلوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 32 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: التفسير الكبير #META# 030.LibURI :: JK_006478 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1421هـ - 2000م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # < # > بسم الله الرحمن الرحيم < # > الحمد لله الذي وفقنا لأداء أفضل الطاعات ووفقنا على كيفية اكتساب أكمل ~~السعادات وهدانا إلى قولنا : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من كل المعاصي ~~والمنكرات @QB@ بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ نشرع في أداء كل الخيرات ~~والمأمورات @QB@ الحمد لله @QE@ الذي له ما في السموات @QB@ رب العالمين ~~@QE@ بحسب كل الذوات والصفات @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ على أصحاب الحاجات ~~وأرباب الضرورات @QB@ مالك يوم الدين @QE@ في إيصال الأبرار إلى الدرجات ~~وإدخال الفجار في الدركات @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ في القيام ~~بأداء جملة التكليفات @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ بحسب كل أنواع ~~الهدايات @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ في كل الحالات والمقامات @QB@ ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ من أهل الجهالات والضلالات والصلاة على ~~محمد المؤيد بأفضل المعجزات والآيات وعلى آله وصحبه بحسب تعاقب الآيات وسلم ~~تسليما أما بعد : فهذا كتاب مشتم على شرح بعض ما رزقنا الله تعالى من علوم ~~الفاتحة ونسأل الله العظيم أن يوفقنا لإتمامه وان يجعلنا في الدارين أهلا ~~لإكرامه وإنعامه إنه خير موفق ومعين وبإسعاف الطالبين قمين وهذا الكتاب ~~مرتب على مقدمة وكتب أما المقدمة ففيها فصول : - < # > الفصل الأول < # > < # > في التنبيه على علوم هذه السورة على سبيل الإجمال < # > اعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة يمكن أن ~~يستنبط من فوائدها ونفائسها عشرة آلاف مسألة فاستبعد هذا بعض الحساد وقوم ~~من أهل الجهل وألغي والعناد وحملوا ذلك على ما ألفو من أنفسهم من التعلقات ~~الفارغة عن المعاني والكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد والمباني فلما شرعت ~~في تصنيف هذا الكتاب قدمت هذه المقدمة لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ~~ممكن الحصول قريب الوصول فنقول وبالله التوفيق : إن قولنا ^ { أعوذ بالله ~~من الشيطان الرجيم } ^ لا شك أن المراد منه الاستعاذة بالله من جميع ~~المنهيات والمحظورات ولا شك ان المنهيات إما أن تكون من باب الإعتقاد أو من ~~باب أعمال الجوارح ؛ أما الإعتقاد فقد جاء في الخبر المشهور قوله صلى الله ~~عليه وسلم ستفترق أمتي PageV01P015 على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في ms0001 النار إلا ~~فرقة واحدة وهذا يدل على أن الاثنتين والسبعين موصوفون بالعقائد الفاسدة ~~والمذاهب الباطلة ؛ ثم إن ضلال كل واحدة من أولئك الفرق غير مختص بمسألة ~~واحدة بل هو حاصل في مسائل كثيرة من المباحث المعلقة بذات الله تعالى ~~وبصفاته وبأحكامه وبأفعاله وبأسمائه وبمسائل الجبر والقدر والتعديل ~~والتجوير والثواب والمعاد والوعد والوعيد والأسماء والأحكام والإمامة فإذا ~~وزعنا الفرق الضالة - وهو الاثنتان والسبعون - على هذه المسائل الكثيرة بلغ ~~العدد الحاصل مبلغا عظيما وكل ذلك أنواع الضلالات الحاصلة في فرق الأمة في ~~جميع المسائل العقلية المتعلقة بالإلهيات والمتعلقة بأحكام الذوات والصفات ~~؛ بلغ المجموع مبلغا عظيما في العدد ؛ ولا شك أن قولنا @QB@ أعوذ بالله ~~@QE@ يتناول الاستعاذة من جميع تلك الأنواع والاستعاذة من الشيء لا تمكن ~~إلا بعد معرفة المستعاذ منه وإلا بعد معرفة كون ذلك الشيء باطلا وقبيحا ~~فظهر بهذا الطريق أن قولنا @QB@ أعوذ بالله @QE@ مشتمل على عشرة آلاف مسئلة ~~أو أزيد أو أقل من المسائل المهمة المعتبرة . PageV01P016 < # > سورة الفاتحة < # > < # > وآياتها سبع مكية < # > < # > @QB@ بسم الله الرحمن الرحيم > 2 @QB@ # > واما قوله جل جلاله @QB@ بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ ففيه نوعان من ~~البحث : النوع الأول : قد اشتهر عند العلماء أن لله تعالى ألفا وواحدا من ~~الأسماء المقدسة المطهرة وهي موجودة في الكتاب والسنة ولا شك أن البحث عن ~~كل واحد من تلك الأسماء مسألة شريفة عالية وأيضا فالعلم بالاسم لا يحصل إلا ~~إذا كان مسبوقا بالعلم بالمسمى وفي البحث عن ثبوت تلك المسميات وعن الدلائل ~~الدالة على ثبوتها وعن أجوبة الشبهات التي تذكر في نفيها مسائل كثيرة ~~ومجموعها يزيد على الألوف النوع الثاني من مباحث هذه الآية : أن الباء في ~~قوله @QB@ بسم الله @QE@ باء الإلصاق وهي متعلقة بفعل والتقدير : باسم الله ~~أشرع في أداء الطاعات وهذا المعنى لا يصير ملخصا معلوما إلا بعد الوقوف على ~~أقسام الطاعات وهي العقائد الحقة والأعمال الصافية مع الدلائل والبينات ومع ~~الأجوبة عن الشبهات وهذا المجموع ربما زاد على عشرة آلاف مسألة . ومن ~~اللطائف أن قوله @QB@ أعوذ بالله @QE@ إشارة إلى نفي ms0002 ما لا ينبغي من ~~العقائد والأعمال وقوله @QB@ بسم الله @QE@ إشارة إلى ما ينبغي من ~~الاعتقادات والعمليات فقوله @QB@ بسم الله @QE@ لا يصير معلوما إلا بعد ~~الوقوف على جميع العقائد الحقة والأعمال الصافية وهذا هو الترتيب الذي يشهد ~~بصحته العقل الصحيح والحق الصريح . أما قوله جل جلاله @QB@ الحمد لله @QE@ ~~فاعلم أن الحمد إنما يكون حمدا على النعمة والحمد على النعمة لا يمكن إلا ~~بعد معرفة تلك النعمة لكن أقسام نعم الله خارجة عن التحديد والإحصاء كما ~~قال تعالى : @QB@ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها @QE@ [ إبراهيم : 34 ] ~~ولنتكلم في مثال واحد وهو ان العاقل يجب أن يعتبر ذاته وذلك لأنه مؤلف من ~~نفس وبدن ؛ ولا شك أن أدون الجزءين وأقلهما فضيلة ومنفعة هو البدن ثم إن ~~أصحاب التشريح وجدوا قريبا من خمسة آلاف نوع من المنافع والمصالح التي ~~دبرها الله عز وجل بحكمته في تخليق بدن الإنسان ثم إن من وقف على هذه ~~الأصناف المذكورة في كتب التشريح عرف أن نسبة هذا القدر المعلوم المذكور ~~إلى ما لم يعلم وما لم يذكر كالقطرة في البحر المحيط وعند هذا يظهر أن ~~معرفة PageV01P017 أقسام حكمة الرحمن في خلق الإنسان تشتمل على عشرة آلاف ~~مسألة أو أكثر ؛ ثم إذا ضمت إلى هذه الجملة آثار حكم الله تعالى في تخليق ~~العرش والكرسي وأطباق السموات وأجرام النيرات من الثوابت والسيارات وتخصيص ~~كل واحد منها بقدر مخصوص ولون مخصوص وغير مخصوص ثم يضم إليها آثار حكم الله ~~تعالى في تخليق الأمهات والمولدات من الجمادات والنباتات والحيوانات وأصناف ~~أقسامها وأحوالها - علم أن هذا المجموع مشتمل على ألف ألف مسألة أو أكثر أو ~~أقل ثم إنه تعالى نبه على أن أكثرها مخلوق لمنفعة الإنسان كما قال تعالى : ~~@QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض @QE@ [ الجاثية : 13 ] وحينئذ ~~يظهر أن قوله جل جلاله @QB@ الحمد لله @QE@ مشتمل على ألف ألف مسألة أو ~~أكثر أو أقل . وأما قوله جل جلاله @QB@ رب العالمين @QE@ فاعلم أن قوله ~~@QB@ رب @QE@ مضاف وقوله @QB@ العالمين @QE@ مضاف إليه وإضافة الشيء ms0003 إلى ~~الشيء تمتنع معرفتها إلا بعد حصول العلم بالمتضايفين فمن المحال حصول العلم ~~بكونه تعالى ربا للعالمين إلا بعد معرفة رب العالمين ثم إن العالمين عبارة ~~عن كل موجود سوى الله تعالى وهي على ثلاثة أقسام : المتحيزات والمفارقات ~~والصفات أما المتحيزات فهي إما بسائط أو مركبات أما البسائط فهي الأفلاك ~~والكواكب والأمهات وأما المركبات فهي المواليد الثلاثة واعلم أنه لم يقم ~~دليل على أنه لا جسم إلا هذه الأقسام الثلاثة وذلك لأنه ثبت بالدليل أنه ~~حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له وثبت بالدليل أنه تعالى قادر على جميع ~~الممكنات فهو تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج العالم بحيث يكون ~~كل واحد من تلك العوالم أعظم وأجسم من هذا العالم ويحصل في كل واحد منها ~~مثل ما حصل في هذا العالم من العرش والكرسي والسموات والأرضين والشمس ~~والقمر ودلائل الفلاسفة في إثبات أن العالم واحد دلائل ضعيفة ركيكة مبنية ~~على مقدمات واهية ؛ قال أبو العلاء المعري : # % يا أيها الناس كم لله من فلك % % تجري النجوم به والشمس والقمر % # % هين على الله ماضينا وغابرنا % % فما لنا في نواحي غيره خطر % % ومعلوم ~~أن البحث عن هذه الأقسام التي ذكرناها للمتحيزات مشتمل على ألوف ألوف من ~~المسائل بل الإنسان لو ترك الكل وأراد أن يحيط علمه بعجائب المعادن ~~المتولدة في أرحام الجبال من الفلزات والأحجار الصافية وأنواع الكباريت ~~والزرانيخ والأملاح وأن يعرف عجائب أحوال النبات مع ما فيها من الأزهار ~~والأنوار والثمار وعجائب أقسام الحيوانات من البهائم والوحوش والطيور ~~والحشرات - لنفد عمره في أقل القليل من هذه المطالب ولا ينتهي إلى غورها ~~كما قال تعالى : ^ { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } ^ [ لقمان : 27 ] وهي بأسرها وأجمعها داخلة ~~تحت قوله @QB@ رب العالمين @QE@ ؟ وأما قوله تعالى @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ ~~فاعلم أن الرحمة عبارة عن التخليص من أنواع الآفات وعن إيصال الخيرات إلى ~~أصحاب الحاجات أما التخليص عن أقسام الآفات فلا يمكن ms0004 معرفته إلا بعد معرفة ~~أقسام الآفات وهي كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى ومن شاء أن يقف على قليل ~~منها فليطالع كتب الطب حتى يقف عقله على أقسام الأسقام التي يمكن تولدها في ~~كل واحد من الأعضاء والأجزاء ثم يتأمل في أنه تعالى كيف PageV01P018 هدى ~~عقول الخلق إلى معرفة أقسام الأغذية والأدوية من المعادن والنبات والحيوان ~~فإنه إذا خاض في هذا الباب وجده بحرا لا ساحل له . وقد حكى جالينوس أنه لما ~~صنف كتابه في منافع أعضاء العين قال : بخلت على الناس بذكر حكمة الله تعالى ~~في تخليق العصبين المجوفين ملتقيين على موضع واحد فرأيت في النوم كان ملكا ~~نزل من السماء وقال : يا جالينوس إن إلهك يقول : لم بخلت على عبادي بذكر ~~حكمتي ؟ قال : فانتبهت فصنفت فيه كتابا وقال أيضا : إن طحالي قد غلظ ~~فعالجته بكل ما عرفت فلم ينفع فرأيت في الهيكل كأن ملكا نزل من السماء ~~وأمرني بفصد العرق الذي بين الخنصر والبنصر ؛ واكثر علامات الطب في أوائلها ~~تنتهي إلى أمثال هذه التنبيهات والإلهامات فإذا وقف الإنسان على أمثال هذه ~~المباحث عرف أن أقسام رحمة الله تعالى على عباده خارجة عن الضبط والإحصاء . ~~وأما قوله تعالى @QB@ مالك يوم الدين @QE@ فاعلم أن الإنسان كالمسافر في ~~هذه الدنيا وسنوه كالفراسخ وشهوره كالأميال وأنفاسه كالخطوات ومقصده الوصول ~~إلى عالم أخراه ؛ لأن هناك يحصل الفوز بالباقيات الصالحات فإذا شاهد في ~~الطريق أنواع هذه العجائب في ملكوت الأرض والسموات فلينظر أنه كيف يكون ~~عجائب حال عالم الآخرة في الغبطة والبهجة والسعادة إذا عرفت هذا فنقول : ~~قوله : @QB@ مالك يوم الدين @QE@ إشارة إلى مسائل المعاد والحشر والنشر وهي ~~قسمان : بعضها عقلية محضة وبعضها سمعية أما العقلية المحضة فكقولنا : هذا ~~العالم يمكن تخريبه وإعدامه ثم يمكن إعادته مرة اخرى وإن هذا الإنسان بعد ~~موته تمكن إعادته وهذا الباب لا يتم إلا بالبحث عن حقيقة جوهر النفس وكيفية ~~أحوالها وصفاتها وكيفية بقائها بعد البدن وكيفية سعادتها وشقاوتها وبيان ~~قدرة الله عز وجل على إعادتها وهذه المباحث ms0005 لا تتم إلا بما يقرب من خمسمائة ~~مسألة من المباحث الدقيقة العقلية . وأما السمعيات فهي على ثلاثة أقسام : ~~أحدها الأحوال التي توجد قبل قيام القيامة وتلك العلامات منها صغيرة ومنها ~~كبيرة وهي العلامات العشرة التي سنذكرها ونذكر أحوالها وثانيها الأحوال ~~التي توجد عند قيام القيامة وهي كيفية النفخ في الصورة وموت الخلائق وتخريب ~~السموات والكواكب وموت الروحانيين والجسمانيين وثالثها الأحوال التي توجد ~~بعد قيام القيامة وشرح أحوال أهل الموقف وهي كثيرة يدخل فيها كيفية وقوف ~~الخلق % % وكيفية الأحوال التي يشاهدونها وكيفية حضور الملائكة والأنبياء ~~عليهم السلام وكيفية الحساب وكيفية وزن الأعمال وذهاب فريق إلى الجنة وفريق ~~إلى النار وكيفية صفة أهل الجنة وصفة أهل النار ومن هذا الباب شرح أحوال ~~أهل الجنة وأهل النار بعد وصولهم إليها وشرح الكلمات التي يذكرونها ~~والأعمال التي يباشرونها ولعل مجموع هذه المسائل العقلية والنقلية يبلغ ~~الألوف من المسائل وهي بأسرها داخلة تحت قوله @QB@ مالك يوم الدين @QE@ ~~.وأما قوله تعالى @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فاعلم أن العبادة عبارة ~~عن الإتيان بالفعل المأموز به على سبيل التعظيم للآمر فما لم يثبت بالدليل ~~أن لهذا العالم إلها واحدا قادرا على مقدورات لا نهاية لها عالما بمعلومات ~~لا نهاية لها غنيا عن كل الحاجات فإنه أمر عباده ببعض الأشياء ونهاهم عن ~~بعضها وأنه يجب على الخلائق طاعته والانقياد لتكاليفه - فإنه لا يمكن ~~القيام بلوازم قوله تعالى @QB@ إياك نعبد @QE@ ثم إن بعد PageV01P019 ~~الفراغ من المقام المذكور لا بد من تفصيل أقسام تلك التكاليف وبيان أنواع ~~تلك الأوامر والنواهي وجميع ما صنف في الدين من كتب الفقه يدخل فيه تكاليف ~~الله ثم كما يدخل فيه تكاليف الله تعالى بحسب هذه الشريعة فكذلك يدخل فيه ~~تكاليف الله تعالى بحسب الشرائع التي قد كان أنزلها الله تعالى على ~~الأنبياء المتقدمين وأيضا يدخل فيه الشرائع التي كلف الله بها ملائكته في ~~السموات منذ خلق الملائكة وأمرهم بالاشتغال بالعبادات والطاعات وأيضا فكتب ~~الفقه مشتملة على شرح التكاليف المتوجهة في أعمال الجوارح اما أقسام ~~التكاليف ms0006 الموجودة في أعمال القلوب فهي أكبر وأعظم وأجل وهي التي تشتمل ~~عليها كتب الأخلاق وكتب السياسات بحسب الملل المختلفة والأمم المتباينة ~~وإذا اعتبر الإنسان مجموع هذه المباحث وعلم أنها بأسرها داخلة تحت قوله ~~تعالى @QB@ إياك نعبد @QE@ علم حينئذ أن المسائل التي اشتملت هذه الآية ~~عليها كالبحر المحيط الذي لا تصل العقول والأفكار إلا إلى القليل منها . ~~أما قوله جل جلاله @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ فاعلم أنه عبارة عن طلب ~~الهداية ولتحصيل الهداية طريقان : أحدهما طلب المعرفة بالدليل والحجة ~~والثاني : بتصفية الباطن والرياضة أما طرق الاستدلال فإنها غير متناهية ~~لأنه لا ذرة من ذرات العالم الأعلى والأسفل إلا وتلك الذرة شاهدة بكمال ~~إلهيته وبعزة عزته وبجلال صمديته كما قيل : # % وفي كل شيء له آية % % تدل على أنه واحد % % وتقريره : أن أجسام العالم ~~متساوية في ماهية الجسمية ومختلفة في الصفات وهي الألوان والأمكنة والأحوال ~~ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم ~~الجسمية وإلا لزم حصول الاستواء فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصص وتدبير مدبر ~~وذلك المخصص إن كان جسما عاد الكلام فيه وإن لم يكن جسما فهو المطلوب ثم ~~ذلك الموجود إن لم يكن حيا عالما قادرا بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد ~~الإلزام في وجوب الاستواء وإن كان حيا عالما قادرا فهو المطلوب إذا عرفت ~~هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السموات والأرض شاهد صادق ومخبر ناطق بوجود ~~الإله القادر الحكيم العليم وكان الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر رحمه ~~الله يقول : إن لله تعالى في كل جوهر فرد أنواعا غير متناهية من الدلائل ~~الدالة على القدرة والحكمة والرحمة وذلك لأن كل جوهر فرد فإنه يمكن وقوعه ~~في أحياز غير متناهية على البدل ويمكن أيضا اتصافه بصفات غير متناهية على ~~البدل وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على ~~الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم الرحيم فثبت بما ذكرنا أن هذا النوع من ~~المباحث غير متناه وأما تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية فذلك ms0007 بحر لا ~~ساحل له ولكل واحد من السائرين إلى الله تعالى منهج خاص ومشرب معين كما قال ~~ولكل وجهة هو موليها ولا وقوف للعقول على تلك الأسرار ولا خبر عند الافهام ~~من مبادئ ميادين تلك الأنوار والعارفون المحققون لحظوا فيها مباحث عميقة ~~وأسرارا دقيقة قلما ترقى إليها أفهام الأكثرين . وأما قوله جل جلاله @QB@ ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ فما أجل هذه ~~المقامات وأعظم مراتب هذه الدرجات ! ومن وقف على ما ذكرناه من البيانات ~~أمكنه أن يطلع على مبادئ هذه الحالات فقد ظهر بالبيان الذي سبق أن هذه ~~السورة مشتملة على مباحث لا نهاية لها وأسرار لا غاية PageV01P020 لها وأن ~~قول من يقول هذه السورة مشتملة على عشرة آلاف مسئلة كلام خرج على ما يليق ~~بأفهام السامعين . < # > الفصل الثاني < # > < # > في تقرير مشرع آخر يدل على أنه يمكن استنباط المسائل الكثيرة من ~~الألفاظ القليلة < # > ولنتكلم في قولنا @QB@ أعوذ بالله @QE@ فنقول : أعوذ نوع من أنواع ~~الفعل المضارع والفعل المضارع نوع من أنواع الفعل وأما الباء في قوله بالله ~~فهي باء الإلصاق وهي نوع من أنواع حروف الجر وحروف الجر نوع من أنواع ~~الحروف وأما قولنا اله فهو اسم معين : إما من أسماء الأعلام أو من الأسماء ~~المشتقة على اختلاف القولين فيه والاسم العلم والاسم المشتق كل واحد منهما ~~نوع من أنواع مطلق الاسم وقد ثبت في العلوم العقلية أن معرفة النوع ممتنع ~~حصولها إلا بعد معرفة الجنس لأن الجنس جزء من ماهية النوع والعلم بالبسيط ~~مقدم على العلم بالمركب لا محالة فقولنا @QB@ أعوذ بالله @QE@ لا يمكن ~~تحصيل العلم به كما ينبغي إلا بعد معرفة الاسم والفعل والحرف أولا وهذه ~~المعرفة لا تحصل إلا بعد ذكر حدودها وخواصها ثم بعد الفراغ منه لا بد من ~~تقسيم الاسم إلى الاسم العلم وإلى الاسم المشتق وإلى اسم الجنس وتعريف كل ~~واحد من هذه الأقسام بحده ورسمه وخواصه ثم بعد الفراغ منه يجب الكلام في أن ~~لفظة { الله } اسم علم أو اسم مشتق ms0008 وبتقدير أن يكون مشتقا فهو مشتق من ماذا ~~ويذكر فيه الوجوه الكثيرة التي قيل بكل واحد منها وأيضا يجب البحث عن حقيقة ~~الفعل المطلق ثم يذكر بعده أقسام الفعل ومن جملتها الفعل المضارع ويذكر حده ~~وخواصه وأقسامه ثم يذكر بعده المباحث المتعلقة بقولنا أعوذ على التخصيص ~~وأيضا يجب البحث عن حقيقة الحرف المطلق ثم يذكر بعده حرف الجر وحده وخواصه ~~وأحكامه ثم يذكر بعده باء الإلصاق وحده وخواصه وعند الوقوف على تمام هذه ~~المباحث يحصل الوقوف على تمام المباحث اللفظية المتعلقة بقوله @QB@ أعوذ ~~بالله @QE@ ومن المعلوم أن المباحث التي أشرنا إلى معاقدها كثيرة جدا . ثم ~~نقول : والمرتبة الرابعة من المراتب أن نقول : الاسم والفعل والحرف أنواع ~~ثلاثة داخلة تحت جنس الكلمة فيجب البحث أيضا عن ماهية الكلمة وحدها وخواصها ~~وأيضا فههنا ألفاظ أخرى شبيهة بالكلمة وهي : الكلام والقول واللفظ واللغة ~~والعبارة فيجب البحث عن كل واحد منها ثم يجب البحث عن كونها من الألفاظ ~~المترادفة أو من الألفاظ المتباينة وبتقدير أن تكون ألفاظا متباينة فإنه ~~يجب ذكر تلك الفروق على التفصيل والتحصيل . ثم نقول : والمرتبة الخامسة من ~~البحث أن نقول : لا شك أن هذه الكلمات إنما تحصل من الأصوات والحروف فعند ~~ذلك يجب البحث عن حقيقة الصوت وعن أسباب وجوده ولا شك أن حدوث الصوت في ~~الحيوان إنما كان بسبب خروج النفس من الصدر فعندها يجب البحث عن حقيقة ~~النفس وأنه ما الحكمة في كون الإنسان متنفسا على سبيل الضرورة وأن هذا ~~الصوت يحصل بسبب استدخال النفس أو بسبب إخراجه وعند هذا تحتاج هذه المباحث ~~إلى معرفة أحوال القلب والرئة ومعرفة الحجاب الذي هو المبدأ الأول لحركة ~~الصوت ومعرفة سائر العضلات المحركة للبطن والحنجرة واللسان والشفتين وأما ~~الحرف PageV01P021 فيجب البحث أنه هل هو نفس الصوت أو هيئة موجودة في الصوت ~~مغايرة له وأيضا لا شك أن هذه الحروف إنما تتولد عند تقطيع الصوت وهي مخارج ~~مخصوصة في الحلق واللسان والأسنان والشفتين فيجب البحث عن أحوال تلك ~~المحابس ويجب أيضا البحث ms0009 عن أحوال العضلات التي باعتبارها تتمكن الحيوانات ~~من إدخال الأنواع الكثيرة من الجنس في الوجود وهذه المباحث لا تتم دلالتها ~~إلا عند الوقوف على علم التشريح . ثم نقول : والمرتبة السادسة من البحث هي ~~أن الحرف والصوت كيفيات محسوسة بحاسة السمع وأما الألوان والأضواء فهي ~~كيفيات محسوسة بحاسة البصر والطعوم كيفيات محسوسة بحاسة الذوق وكذا القول ~~في سائر الكيفيات المحسوسة فهل يصح أن يقال : هذه الكيفيات أنواع داخلة تحت ~~جنس واحد وهي متباينة بتمام الماهية وأنه لا مشاركة بينها إلا باللوازم ~~الخارجية أم لا ؟ ثم نقول : والمرتبة السابعة من البحث أن الكيفيات ~~المحسوسة نوع واحد من أنواع جنس الكيف في المشهور فيجب البحث عن تعريف ~~مقولة الكيف ثم يجب البحث أن وقوعه على ما تحته هل هو قول الجنس على ~~الأنواع أم لا ؟ ثم نقول : والمرتبة الثامنة أن مقولة الكيف ومقولة الكم ~~ومقولة النسبة عرض فيجب البحث عن مقولة العرض وأقسامه وعن أحكامه ولوازمه ~~وتوابعه . ثم نقول : والمرتبة التاسعة أن العرض والجوهر يشتركان في الدخول ~~تحت الممكن والممكن والواجب مشتركان في الدخول تحت الموجود فيجب البحث عن ~~لواحق الوجود والعدم وهي كيفية وقوع الموجود والممكن أنه هل هو قول الجنس ~~على أنواعه أو هو قول اللوازم على موصوفاتها وسائر المباحث المتعلقة بهذا ~~الباب . ثم نقول : والمرتبة العاشرة أن نقول : لا شك أن المعلوم والمذكور ~~والمخبر عنه يدخل فيها الموجود والمعدوم فكيف يعقل حصول أمر أعم من الموجود ~~؟ ومن الناس من يقول المظنون أعم من المعلوم وأيضا فهب أن أعم الاعتبارات ~~هو المعلوم ولا شك أن المعلوم مقابلة غير المعلوم لكن الشيء ما لم تعلم ~~حقيقته امتنع الحكم عليه بكونه مقابلا لغيره % % فلما حكمنا على غير ~~المعلوم بكونه مقابلا للمعلوم وجب أن يكون غير المعلوم معلوما فحينئذ يكون ~~المقابل للمعلوم معلوما وذلك محال . واعلم أن من اعتبر هذه المراتب العشرة ~~في كل جزء من جزئيات الموجودات فقد انفتحت عليه أبواب مباحث لا نهاية لها ~~ولا يحيط عقله بأقل القليل منها فظهر بهذا ms0010 كيفية الاستنباط للعلوم الكثيرة ~~من الألفاظ القليلة . < # > الفصل الثالث < # > < # > في تقرير مشرع آخر لتصحيح ما ذكرناه من استنباط المسائل الكثيرة من هذه ~~السورة < # > اعلم أنا إذا ذكرنا مسألة واحدة في هذا الكتاب ودللنا على صحتها بوجوه ~~عشرة فكل واحد من تلك الوجوه والدلائل مسألة بنفسها ثم إذا حكينا فيها مثلا ~~شبهات خمسة فكل واحد منها أيضا مسألة مستقلة PageV01P022 بنفسها ثم إذا ~~أجبنا عن كل واحد منها بجوابين أو ثلاثة فتلك الأجوبة الثلاثة أيضا مسائل ~~ثلاثة وإذا قلنا مثلا : الألفاظ الواردة في كلام العرب جاءت على ستين وجها ~~وفصلنا تلك الوجوه فهذا الكلام في الحقيقة ستون مسألة وذلك لأن المسألة لا ~~معنى لها إلا موضع السؤال والتقرير فلما كان كل واحد من هذه الوجوه كذلك ~~كان كل واحد منها مسألة على حدة وإذا وقفت على هذه الدقيقة فنقول : إنا لو ~~اعتبرنا المباحث المتعلقة بالاسم والفعل ثم ننزل منها إلى المباحث المتعلقة ~~بتقسيم الأفعال بالمعلوم والمذكور والمباحث المتعلقة بالموجود والمعدوم ~~والمباحث المتعلقة بالواجب والممكن والمباحث المتعلقة بالجوهر والعرض ~~والمباحث المتعلقة بمقولة الكيف وكيفية انقسامه إلى الكيفية المحسوسة وغير ~~المحسوسة والمباحث المتعلقة بالصوت وكيفية حدوثه وكيفية العضلات المحدثة ~~للأصوات والحروف - عظم الخطب واتسع الباب ولكنا نبدأ في هذا الكتاب ~~بالمباحث المتعلقة بالكلمة والكلام والقول واللفظ والعبارة ثم ننزل منها ~~إلى المباحث المتعلقة بالاسم والفعل والحرف ثم ننزل منها إلى المباحث ~~المتعلقة بتقسيمات الأسماء والأفعال والحروف حتى ننتهي إلى الأنواع الثلاثة ~~الموجودة في قوله @QB@ أعوذ بالله @QE@ ونرجو من فضل الله العميم أن يوفقنا ~~للوصول إلى هذا المطلوب الكريم . < # > الكتاب الأول < # > < # > في العلوم المستنبطة من قوله ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) اعلم أن ~~العلوم المستنبطة من هذه الكلمة نوعان : أحدهما المباحث المتعلقة باللغة ~~والإعراب والثاني : المباحث المتعلقة بعلم الأصول والفروع . القسم الأول من ~~هذا الكتاب في المباحث الأدبية المتعلقة بهذه الكلمة وفيه أبواب . < # > الباب الأول < # > < # > في المباحث المتعلقة بالكلمة وما يجري مجراها وفيه مسائل < # > < # > المسألة الأولى : < # > اعلم أن أكمل الطرق في تعريف مدلولات الألفاظ هو ms0011 طريقة الاشتقاق ثم إن ~~الاشتقاق على نوعين : الاشتقاق الأصغر والاشتقاق الأكبر أما الاشتقاق ~~الأصغر فمثل اشتقاق صيغة الماضي والمستقبل من المصدر ومثل اشتقاق اسم ~~الفاعل واسم المفعول وغيرهما منه واما الاشتقاق الأكبر فهو أن الكلمة إذا ~~كانت مركبة من الحروف كانت قابلة للانقلابات لا محالة فنقول : أول مراتب ~~هذا التركيب أن تكون الكلمة مركبة من حرفين ومثل هذه الكلمة لا تقبل إلا ~~نوعين من التقليب كقولنا من وقلبه نم وبعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة ~~مركبة من ثلاثة أحرف كقولنا حمد وهذه الكلمة تقبل ستة أنواع من التقليبات ~~وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الثلاثة ابتداء لتلك الكلمة وعلى ~~كل واحد من التقديرات الثلاث فإنه يمكن وقوع الحرفين الباقيين على وجهين ~~لكن ضرب الثلاثة في اثنين بستة فهذه التقليبات الواقعة في الكلمات ~~الثلاثيات يمكن وقوعها على ستة أوجه ثم بعد هذه المرتبة أن PageV01P023 ~~تكون الكلمة رباعية كقولنا عقرب وثعلب وهي تقبل أربعة وعشرين وجها من ~~التقليبات وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الأربعة ابتداء لتلك ~~الكلمة وعلى كل واحد من تلك التقديرات الأربعة فإنه يمكن وقوع الحروف ~~الثلاثة الباقية على ستة أنواع من التقليبات وضرب أربعة في ستة يفيد أربعة ~~وعشرين وجها ثم بعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة خماسية كقولنا سفرجل وهي ~~تقبل مائة وعشرين نوعا من التقليبات وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك ~~الحروف الخمسة ابتداء لتلك الكلمة وعلى كل واحد من هذه التقديرات فإنه يمكن ~~وقوع الحروف الأربعة الباقية على أربعة وعشرين وجها على ما سبق تقريره وضرب ~~خمسة في أربعة وعشرين بمائة وعشرين والضابط في الباب أنك إذا عرفت التقاليب ~~الممكنة في العدد الأقل ثم أردت أن تعرف عدد التقاليب الممكنة في العدد ~~الذي فوقه فاضرب العدد الفوقاني في العدد الحاصل من التقاليب الممكنة في ~~العدد الفوقاني والله أعلم . < # > المسألة الثانية : < # > اعلم أن اعتبار حال الاشتقاق الأصغر سهل معتاد مألوف أما الاشتقاق ~~الأكبر فرعايته صعبة وكأنه لا يمكن ms0012 رعايته إلا في الكلمات الثلاثية لأن ~~تقاليبها لا تزيد على الستة أما الرباعيات والخماسيات فإنها كثيرة جدا ~~وأكثر تلك التركيبات تكون مهملة فلا يمكن رعاية هذا النوع من الاشتقاق فيها ~~إلا على سبيل الندرة . وأيضا الكلمات الثلاثية قلما يوجد فيها ما يكون جميع ~~تقاليبها الممكنة معتبرة بل يكون في الأكثر بعضها مستعملا وبعضها مهملا ومع ~~ذلك فإن القدر الممكن منه هو الغاية القصوى في تحقيق الكلام في المباحث ~~اللغوية . < # > المسألة الثالثة : < # > في تفسير الكلمة : اعلم أن تركيب الكاف واللام والميم بحسب تقاليبها ~~الممكنة الستة تفيد القوة والشدة خمسة منها معتبرة وواحد ضائع فالأول : ك ل ~~م فمنه الكلام لأنه يقرع السمع ويؤثر فيه وأيضا يؤثر في الذهن بواسطة إفادة ~~المعنى ومنه الكلم للجرح وفيه شدة والكلام ما غلظ من الأرض وذلك لشدته ~~الثاني ك م ل لأن الكامل أقوى من الناقص والثالث ل ك م ومعنى الشدة في ~~اللكم ظاهر والرابع م ك ل ومنه بئر مكول إذا قل ماؤها وإذا كان كذلك كان ~~ورودها مكروها فيحصل نوع شدة عند ورودها الخامس م ل ك يقال ملكت العجين إذا ~~أمعنت عجنه فاشتد وقوي ومنه ملك الإنسان لأنه نوع قدرة وأملكت الجارية لأن ~~بعلها يقدر عليها . < # > المسألة الرابعة : < # > لفظ الكلمة قد يستعمل في اللفظة الواحدة ويراد بها الكلام الكثير الذي ~~قد ارتبط بعضه ببعض كتسميتهم القصيدة بأسرها كلمة ومنها يقال كلمة الشهادة ~~ويقال : الكلمة الطيبة صدقة ولما كان المجاز أولى من الاشتراك علمنا أن ~~إطلاق لفظ الكلمة على المركب مجاز وذلك لوجهين الأول : أن المركب إنما ~~يتركب من المفردات فإطلاق لفظ الكلمة على الكلام المركب يكون إطلاقا لاسم ~~الجزء على الكل والثاني : أن الكلام الكثير إذا ارتبط بعضه ببعض حصلت له ~~وحدة فصار شبيها بالمفرد في تلك الوجوه والمشابهة سبب من أسباب حسن المجاز ~~فأطلق لفظ الكلمة على الكلام الطويل لهذا السبب . < # > المسألة الخامسة : < # > لفظ الكلمة جاء في القرآن لمفهومين آخرين أحدهما يقال لعيسى كلمة الله ~~إما PageV01P024 لأنه حدث بقوله كن ms0013 أو لأنه حدث في زمان قليل كما تحدث ~~الكلمة كذلك والثاني أنه تعالى سمى أفعاله كلمات كما قال تعالى في الآية ~~الكريمة @QB@ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد ~~كلمات ربي @QE@ والسبب فيه الوجهان المذكوران فيما تقدم والله أعلم . < # > المسألة السادسة في القول : < # > هذا التركيب بحسب تقاليبه الستة يدل على الحركة والخفة فالأول ق ول ~~فمنه القول ؛ لأن ذلك أمر سهل على اللسان الثاني ق ^ ل و ومنه القلو وهو ~~حمار الوحش وذلك لخفتة في الحركة ومنه قلوت البر والسويق فهما مقلوان لأن ~~الشيء إذا قلي جف وخف فكان أسرع إلى الحركة ومنه القلولي وهو الخفيف الطائش ~~والثالث و ق ل الوقل الوعل وذلك لحركته ويقال توقل في الجبل إذا صعد فيه ~~والرابع و ل ق ^ يقال : ولق يلق إذا أسرع وقرئ إذ تلقونه بألسنتكم أي : ~~تخفون وتسرعون والخامس ل وق كما جاء في الحديث لا آكل الطعام إلا ما لوق لي ~~أي : أعملت اليد في تحريكه وتليينه حتى يصلح ومنه اللوقة وهي الزبدة قيل ~~لها ذلك لخفتها وإسراع حركتها لأنه ليس بها مسكة الجبن والمصل والسادس ل ق ~~^ و ومنه اللقوة وهي العقاب قيل لها ذلك لخفتها وسرعة طيرانها ومنه اللقوة ~~في الوجه لأن الوجه اضطرب شكله فكأنه خفة فيه وطيش واللقوة الناقة السريعة ~~اللقاح . < # > المسألة السابعة : < # > قال ابن جني رحمه الله تعالى : اللغة فعلة من لغوت أي : تكلمت وأصلها ~~لغوة ككرة وقلة فإن لاماتها كلها واوات بدليل قولهم كروت بالكرة وقلوت ~~بالقلة وقيل فيه لغي يلغي إذا هذى ومنه قوله تعالى ^ { وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما } ^ قلت : إن ابن جني قد اعتبر الاشتقاق الأكبر في الكلمة ~~والقول ولم يعتبره ههنا وهو حاصل فيه فالأول ل غ و ومنه اللغة ومنه أيضا ~~الكلام اللغو والعمل اللغو والثاني ل وغ ويبحث عنه والثالث غ ل و ومنه يقال ~~: لفلان غلو في كذا ومنه الغلوة والرابع غ ول ومنه قوله تعالى ^ { لا فيها ~~غول } ^ والخامس و ms0014 غ ل ومنه يقال : فلان أوغل في كذا والسادس و ل غ ومنه ~~يقال : ولغ الكلب في الإناء ويشبه أن يكون القدر المشترك بين الكل هو ~~الإمعان في الشيء والخوض التام فيه . < # > المسألة الثامنة في اللفظ : < # > وأقول : أظن أن إطلاق اللفظ على هذه الأصوات والحروف على سبيل المجاز ~~وذلك لأنها إنما تحدث عند إخراج النفس من داخل الصدر إلى الخارج فالإنسان ~~عند إخراج النفس من داخل الصدر إلى الخارج يحبسه في المحابس المعينة ثم ~~يزيل ذلك الحبس فتتولد تلك الحروف في آخر زمان حبس النفس وأول زمان إطلاقه ~~والحاصل أن اللفظ هو : الرمي وهذا المعنى حاصل في هذه الأصوات والحروف من ~~وجهين : الأول أن الإنسان يرمي ذلك النفس من داخل الصدر إلى خارجه ويلفظه ~~وذلك هو الإخراج واللفظ سبب لحدوث هذه الكلمات فأطلق اسم اللفظ على هذه ~~الكلمات لهذا السبب والثاني : أن تولد الحروف لما كان بسبب لفظ ذلك الهواء ~~من الداخل إلى الخارج صار ذلك شبيها بما أن الإنسان يلفظ تلك الحروف ~~ويرميها من الداخل إلى الخارج والمشابهة إحدى أسباب المجاز . < # > المسألة التاسعة < # > العبارة : وتركيبها من ع ب ر وهي في تقاليبها الستة تفيد العبور ~~والانتقال فالأول ع ب ر ومنه العبارة لأن الإنسان لا يمكنه أن يتكلم بها ~~إلا إذا انتقل من حرف إلى حرف آخر ؛ وأيضا كأنه بسبب تلك العبارة ينتقل ~~المعنى من ذهن نفسه إلى ذهن السامع ومنه العبرة لأن تلك الدمعة تنتقل من ~~داخل العين إلى الخارج ومنه العبر لأن الإنسان ينتقل فيها من الشاهد إلى ~~الغائب ومنه المعبر لأن الإنسان ينتقل PageV01P025 بواسطته من أحد طرفي ~~البحر إلى الثاني ومنه التعبير لأنه ينتقل مما يراه في النوم إلى المعاني ~~الغائبة والثاني ع ر ب ومنه تسمية العرب بالعرب لكثرة انتقالاتهم بسبب رحلة ~~الشتاء والصيف ومنه فلان أعرب في كلامه لأن اللفظ قبل الإعراب يكون مجهولا ~~فإذا دخله الإعراب انتقل إلى المعرفة والبيان والثالث ب ر ع ومنه فلان برع ~~في كذا إذا تكامل وتزايد الرابع ms0015 ب ع ر ومنه البعر لكونه منتقلا من الداخل ~~إلى الخارج الخامس ر ع ب ومنه يقال للخوف رعب لأن الإنسان ينتقل عند حدوثه ~~من حال إلى حال أخرى والسادس ر ب ع ومنه الربع لأن الناس ينتقلون منها ~~وإليها . < # > المسالة العاشرة : < # > قال أكثر النحويين : الكلمة غير الكلام فالكلمة هي اللفظة المفردة ~~والكلام هو الجملة المفيدة وقال أكثر الأصوليين إنه لا فرق بينهما فكل واحد ~~منهما يتناول المفرد والمركب وابن جني وافق النحويين واستبعد قول المتكلمين ~~وما رأيت في كلامه حجة قوية في الفرق سوى أنه نقل عن سيبويه كلاما مشعر بأن ~~لفظ الكلام مختص بالجملة المفيدة وذكر كلمات اخرى إلا أنها في غاية الضعف ~~أما الأصوليون فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه الأول : أن العقلاء قد ~~اتفقوا على أن الكلام ما يضاد الخرس والسكوت والتكلم بالكلمة الواحدة يضاد ~~الخرس والسكوت فكان كلاما الثاني : أن اشتقاق الكلمة من الكلم وهو الجرح ~~والتأثير ومعلوم أن من سمع كلمة واحدة فإنه يفهم معناها فههنا قد حصل معنى ~~التأثير فوجب أن يكون كلاما والثالث : يصح أن يقال : إن فلانا تكلم بهذه ~~الكلمة الواحدة ويصح أن يقال أيضا : أنه ما تكلم إلا بهذه الكلمة الواحدة ~~وكل ذلك يدل على أن الكلمة الواحدة كلام وإلا لم يصح أن يقال تكلم بالكلمة ~~الواحدة الرابع أنه يصح أن يقال تكلم فلان بكلام غير تام وذلك يدل على أن ~~حصول الإفادة التامة غير معتبر في اسم الكلام . < # > المسألة الحادية عشرة : < # > تفرع على الاختلاف المذكور مسألة فقهية وهي أولى مسائل أيمان الجامع ~~الكبير لمحمد بن الحسن رحمه الله تعالى وهي أن الرجل إذا قال لامرأته التي ~~لم يدخل بها : إن كلمتك فأنت طالق ثلاث مرات قالوا عن ذكر هذا الكلام في ~~المرة الثانية طلقت طلقة واحدة وهل تنعقد هذه الثانية طلقة ؟ قال أبو حنيفة ~~وصاحباه : تنعقد وقال زفر : لا تنعقد وحجة زفر أنه لما قال في المرة ~~الثانية إن كلمتك فعند هذا القدر من الكلام حصل الشرط لأن اسم ms0016 الكلام اسم ~~لكل ما أفاد شيئا سواء أفاد فائدة تامة أو لم يكن كذلك وإذا حصل الشرط حصل ~~الجزاء وطلقت عند قوله إن كلمتك فوقع تمام قوله أنت طالق خارج تمام ملك ~~النكاح وغير مضاف إليه فوجب أن لا تنعقد وحجة أبي حنيفة أن الشرط - وهو ~~قوله إن كلمتك - غير تام والكلام اسم للجملة التامة فلم يقع الطلاق إلا عند ~~تمام قوله إن كلمتك فأنت طالق وحاصل الكلام أنا إن قلنا إن اسم الكلام ~~يتناول الكلمة الواحدة كان القول قول زفر وإن قلنا لا يتناول إلا الجملة ~~فالقول قول أبي حنيفة ومما يقوي قول زفر أنه لو قال في المرة الثانية إن ~~كلمتك وسكت عليه ولم يذكر بعده قوله فأنت طالق طلقت ولولا أن هذا القدر ~~كلام وإلا لما طلقت ومما يقوي قول أبي حنيفة أنه لو قال كلما كلمتك فأنت ~~طالق ثم ذكر هذه الكلمة في المرة الثانية فكلمة كلما توجب التكرار فلو كان ~~التكلم بالكلمة الواحدة كلاما لوجب أن يقع عليه الطلقات الثلاث عند قوله في ~~المرة الثانية كلما كلمتك وسكت عليه ولم يذكر بعده قوله فأنت طالق لأن هذا ~~المجموع مشتمل على ذكر الكلمات الكثيرة وكل واحد منها يوجب وقوع الطلاق ~~وأقول : لعل زفر يلتزم ذلك . PageV01P026 < # > المسالة الثانية عشرة : < # > محل الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وزفر ينبغي أن يكون مخصوصا بما إذا ~~قال إن كلمتك فأنت طالق أما لو قال : إن تكلمت بكلمة فأنت طالق أو قال إن ~~نطقت أو قال إن تلفظت بلفظة أو قال إن قلت قولا فأنت طالق وجب أن يكون الحق ~~في جميع هذه المسائل قول زفر قولا واحدا والله أعلم . < # > المسالة الثالثة عشرة : < # > لفظ الكلمة والكلام هل يتناول المهمل أم لا ؟ منهم من قال يتناوله لأنه ~~يصح أن يقال الكلام منه مهمل ومنه مستعمل ولأنه يصح أن يقال تكلم بكلام غير ~~مفهوم ولأن المهمل يؤثر في السمع فيكون معنى التأثير والكلام حاصلا فيه ~~ومنهم من قال الكلمة والكلام مختصان بالمفيد إذ لو ms0017 لم يعتبر هذا القيد لزم ~~تجويز تسمية أصوات الطيور بالكلمة والكلام . < # > المسألة الرابعة عشرة : < # > إذا حصلت أصوات متركبة تركيبا يدل على المعاني إلا أن ذلك التركيب كان ~~تركيبا طبيعيا لا وضعيا فهل يسمى مثل تلك الأصوات كلمة وكلاما ؟ مثل أن ~~الإنسان عند الراحة أو الوجع قد يقول أخ وعند السعال قد يقول أح أح فهذه ~~أصوات مركبة وحروف مؤلفة وهي دالة على معان مخصوصة لكن دلالتها على ~~مدلولاتها بالطبع لا بالوضع فهل تسمى أمثالها كلمات ؟ وكذلك صوت القطا يشبه ~~كأنه يقول قطا وصوت اللقلق يشبه كانه يقول لق لق فأمثال هذه الأصوات هل ~~تسمى كلمات ؟ اختلفوا فيه وما رأيت في الجانبين حجة معتبرة وفائدة هذا ~~البحث تظهر فيما إذا قال : إن سمعت كلمة فعبدي حر فهل يترتب الحنث والبر ~~على سماع هذه الألفاظ أم لا ؟ < # > المسالة الخامسة عشرة : < # > قال ابن جني : لفظ القول يقع على الكلام التام وعلى الكلمة الواحدة على ~~سبيل الحقيقة أما لفظ الكلام فمختص بالجملة التامة ولفظ الكلمة مختص ~~بالمفرد وحاصل كلامه في الفرق بين البابين أنا إذا بينا أن تركيب القول يدل ~~على الخفة والسهولة وجب أن يتناول الكلمة الواحدة أما تركيب الكلام فيفيد ~~التأثير وذلك لا يحصل إلا من الجملة التامة ؛ إلا أن هذا يشكل بلفظ الكلمة ~~ومما يقوي ذلك قول الشاعر : # % قلت لها قفي فقالت قاف % % سمي نطقها بمجرد القاف قولا % < # > المسألة السادسة عشرة : < # > قال أيضا إن لفظ القول يصح جعله مجازا عن الاعتقادات والآراء كقولك : ~~فلان يقول بقول أبي حنيفة ويذهب إلى قول مالك أي : يعتقد ما كانا يريانه ~~ويقولان به ألا ترى أنك لو سألت رجلا عن صحة رؤية الله تعالى فقال : لا ~~تجوز رؤيته فتقول : هذا قول المعتزلة ولا تقول هذا كلام المعتزلة إلا على ~~سبيل التعسف وذكر أن السبب في حسن هذا المجاز أن الإعتقاد لا يفهم إلا ~~بغيره فلما حصلت المشابهة من هذا الوجه لا جرم حصل سبب جعله مجازا عنه . < # > المسألة السابعة عشرة : < # > لفظ قال قد يستعمل في ms0018 غير النطق قال أبو النجم : - # % قالت له الطير تقدم راشدا % % إنك لا ترجع إلا حامدا % % PageV01P027 ~~وقال آخر : - # % وقالت له العينان سمعا وطاعة % % وحدرتا كالدر لما يثقب % % وقال : - # % امتلأ الحوض وقال : : قطني % % مهلا رويدا قد ملأت بطني % % ويقال في ~~المثل : قال الجدار للوتد لم تشقني قال : سل من يدقني فإن الذي ورائي ما ~~خلاني ورأيي ومنه قوله تعالى : ^ { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له ~~كن فيكون } ^ [ النحل : 40 ] وقوله تعالى : @QB@ فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين @QE@ [ فصلت : 11 ] . < # > المسألة الثامنة عشرة : < # > الذين ينكرون كلام النفس اتفقوا على أن الكلام والقول اسم لهذه الألفاظ ~~والكلمات أما مثبتو كلام النفس فقد اتفقوا على أن ذلك المعنى النفساني يسمى ~~بالكلام وبالقول واحتجوا عليه بالقرآن والأثر والشعر : أما القرآن فقوله ~~تعالى : ^ { والله يشهد أن المنافقين لكاذبون المنافقون } ^ وظاهر أنهم ما ~~كانوا كاذبين في اللفظ لأنهم أخبروا أن محمدا رسول الله وكانوا صادقين فيه ~~فوجب أن يقال إنهم كانوا كاذبين في القول اللساني قوله أخبروا أن محمدا ~~رسول الله قلنا لا نسلم بل أخبروا عن كونهم شاهدين بأن محمدا رسول الله ~~لأنهم كانوا قالوا نشهد إنك لرسول الله المنافقون والشهادة لا تحصل إلا مع ~~العلم وهم ما كانوا عالمين به فثبت أنهم كانوا كاذبين فيما أخبروا عنه ~~بالقول اللساني وأما الأثر فما نقل أن عمر قال يوم السقيفة : كنت قد زورت ~~في نفسي كلاما فسبقني إليه أبو بكر وأما الشعر فقول الأخطل : - # % إن الكلام لفي الفؤاد وإنما % % جعل اللسان على الفؤاد دليلا % % وأما ~~الذين أنكروا كون المعنى القائم بالنفس يسمى بالكلام فقد احتجوا عليه بأن ~~من لم ينطق ولم يتلفظ بالحروف يقال إنه لم يتكلم وأيضا الحنث والبر يتعلق ~~بهذه الألفاظ ومن أصحابنا من قال : اسم القول والكلام مشترك بين المعنى ~~النفساني وبين اللفظ اللساني . المسألة التاسعة عشرة : هذه الكلمات ~~والعبارات قد تسمى أحاديث قال الله تعالى @QB@ فليأتوا بحديث مثله @QE@ ~~والسبب في هذه التسمية أن هذه الكلمات إنما تتركب من ms0019 الحروف المتعاقبة ~~المتوالية فكل واحد من تلك الحروف يحدث عقيب صاحبه فلهذا السبب سميت ~~بالحديث ويمكن أيضا ان يكون السبب في هذه التسمية أن سماعها يحدث في القلوب ~~العلوم والمعاني والله أعلم . المسألة العشرون : ههنا الفاظ كثيرة فأحدها ~~الكلمة وثانيها الكلام وثالثها القول ورابعها اللفظ وخامسها العبارة ~~وسادسها الحديث وقد شرحناها بأسرها وسابعها النطق ويجب البحث عن كيفية ~~اشتقاقه وأنه هل هو مرادف لبعض تلك الألفاظ المذكورة أو مباين لها وبتقدير ~~حصول المباينة فما الفرق . < # > المسألة الحادية والعشرون : < # > في حد الكلمة قال الزمخشري في أول المفصل : الكلمة هي اللفظة الدالة ~~على معنى مفرد بالوضع وهذا التعريف ليس بجيد لأن صيغة الماضي كلمة مع أنها ~~لا تدل على معنى مفرد بالوضع فهذا التعريف غلط لأنها دالة على أمرين : حدث ~~وزمان وكذا القول في أسماء PageV01P028 الأفعال كقولنا : مه وصه وسبب الغلط ~~أنه كان يجب عليه جعل المفرد صفة للفظ فغلط وجعله صفة للمعنى . < # > المسألة الثانية والعشرون : < # > اللفظ إما أن يكون مهملا وهو معلوم أو مستعملا وهو على ثلاثة أقسام : ~~أحدها : أن لا يدل شيء من أجزائه على شيء من المعاني البتة وهذا هو اللفظ ~~المفرد كقولنا فرس وجمل وثانيها : أن لا يدل شيء من أجزائه على شيء أصلا ~~حين هو جزؤه أما باعتبار آخر فإنه يحصل لأجزائه دلالة على المعاني كقولنا ~~عبد الله فإنا إذا اعتبرنا هذا المجموع اسم علم لم يحصل لشيء من أجزائه ~~دلالة على شيء أصلا أما إذا جعلناه مضافا ومضافا إليه فإنه يحصل لكل واحد ~~من جزأيه دلالة على شيء آخر وهذا القسم نسميه بالمركب وثالثها : أن يحصل ~~لكل واحد من جزأيه دلالة على مدلول آخر على جميع الاعتبارات وهو كقولنا : ~~العالم حادث والسماء كرة وريد منطلق وهذا نسميه بالمؤلف . < # > المسألة الثالثة والعشرون : < # > المسموع المفيد ينقسم إلى أربعة أقسام : لأنه إما أن يكون اللفظ مؤلفا ~~والمعنى مؤلفا كقولنا الإنسان حيوان وغلام زيد وإما أن يكون المسموع مفردا ~~والمعنى مفردا وهو كقولنا الوحدة والنقطة بل قولنا الله سبحانه وتعالى ms0020 وإما ~~أن يكون اللفظ مفردا والمعنى مؤلفا وهو كقولك إنسان فإن اللفظ مفرد والمعنى ~~ماهية مركبة من أمور كثيرة وإما أن يكون اللفظ مركبا والمعنى مفردا وهو ~~محال . < # > المسألة الرابعة والعشرون : < # > الكلمة هي اللفظة المفردة الدالة بالاصطلاح على معنى وهذا التعريف مركب ~~من قيود أربعة : فالقيد الأول كونه لفظا والثاني كونه مفردا وقد عرفتهما ~~والثالث كونه دالا وهو احتراز عن المهملات والرابع كونه دالا بالاصطلاح ~~وسنقيم الدلالة على أن دلالات الألفاظ وضعية لا ذاتية . < # > المسألة الخامسة والعشرون : < # > قيل : الكلمة صوت مفرد دال على معنى بالوضع قال أبو علي بن سينا في ~~كتاب الأوسط : وهذا غير جائز لأن الصوت مادة واللفظ جنس وذكر الجنس أولى من ~~ذكر المادة وله كلمات دقيقة في الفرق بين المادة والجنس ومع دقتها فهي ~~ضعيفة قد بينا وجه ضعفها في العقليات وأقول : السبب عندي في أنه لا يجوز ~~ذكر الصوت أن الصوت ينقسم إلى صوت الحيوان وإلى غيره وصوت الإنسان ينقسم ~~إلى ما يحدث من حلقة وإلى غيره والصوت الحادث من الحلق ينقسم إلى ما يكون ~~حدوثه مخصوصا بأحوال مخصوصة مثل هذه الحروف وإلى ما لا يكون كذلك مثل ~~الأصوات الحادثة عند الأوجاع والراحات والسعال وغيرها فالصوت جنس بعيد ~~واللفظ جنس قريب وإيراد الجنس القريب أولى من الجنس البعيد . < # > المسالة السادسة والعشرون : < # > قالت المعتزلة : الشرط في كون الكلمة مفيدة أن تكون مركبة من حرفين ~~فصاعدا فنقضوه بقولهم ق وع وأجيب عنه بأنه مركب في التقدير فإن الأصل أن ~~يقال قي وعي بدليل أن عند التثنية يقال قيا وعيا وأجيب عن هذا الجواب بان ~~ذلك مقدر أما الواقع فحرف واحد وأيضا نقضوه بلام التعريف وبنون التنوين ~~وبالإضافة فإنها بأسرها حروف مفيدة والحرف نوع داخل تحت جنس الكلمة ومتى ~~صدق النوع فقد صدق الجنس فهذه الحروف كلمات مع أنها غير مركبة . ~~PageV01P029 < # > المسألة السابعة والعشرون : < # > الأولى أن يقال : كل منطوق به أفاد شيئا بالوضع فهو كلمة وعلى هذا ~~التقدير يدخل فيه المفرد والمركب وبقولنا : منطوق به يقع الاحتراز عن ms0021 الخط ~~والإشارة . < # > المسألة الثامنة والعشرون : < # > دلالة الألفاظ على مدلولاتها ليست ذاتية حقيقية خلافا لعباد لنا أنها ~~تتغير باختلاف الأمكنة والأزمنة والذاتيات لا تكون كذلك حجة عباد أنه لو لم ~~تحصل مناسبات مخصوصة بين الألفاظ المعينة والمعاني المعينة وإلا لزم أن ~~يكون تخصيص كل واحد منها بمسماه ترجيحا للممكن من غير مرجح وهو محال ~~وجوابنا أنه ينتقض باختصاص حدوث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده ~~وإلا لم يرجح ويشكل أيضا باختصاص كل إنسان باسم علمه المعين . < # > المسألة التاسعة والعشرون : < # > وقد يتفق في بعض الألفاظ كونه مناسبا لمعناه مثل تسميتهم القطا بهذا ~~الاسم لأن هذا اللفظ يشبه صوته وكذا القول في اللقلق وأيضا وضعوا لفظ الخضم ~~لأكل الرطب نحو البطيخ والقثاء ولفظ القضم لأكل اليابس نحو قضمت الدابة ~~شعيرها لأن حرف الخاء يشبه صوت أكل الشيء الرطب وحرف القاف يشبه صوت أكل ~~الشيء اليابس ولهذا الباب أمثلة كثيرة ذكرها ابن جني في الخصائص . < # > المسألة الثلاثون : < # > لا يمكننا القطع بان دلالة الألفاظ توقيفية ومنهم من قطع به واحتج فيه ~~بالعقل والنقل : أما العقل فهو أن وضع الألفاظ المخصوصة للمعاني المخصوصة ~~لا يمكن إلا بالقول فلو كان ذلك القول بوضع آخر من جانبهم لزم أن يكون كل ~~وضع مسبوقا بوضع آخر لا إلى نهاية وهو محال فوجب الانتهاء إلى ما حصل ~~بتوقيف الله تعالى وأما النقل فقوله تعالى : @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها ~~@QE@ [ البقرة : 31 ] وأجيب عن الأول بأنه لم لا يجوز أن يكون وضع الألفاظ ~~للمعاني يحصل بالإشارة وعن الثاني لم لا يجوز أن يكون المراد من التعليم ~~الإلهام ؟ وأيضا لعل هذه اللغات وضعها أقوام كانوا قبل آدم عليه السلام ثم ~~إنه تعالى علمها لآدم عليه السلام . < # > المسألة الحادية والثلاثون : < # > لا يمكن القطع بأنها حصلت بالاصطلاح خلافا للمعتزلة واحتجوا بأن العلم ~~بالصفة إذا كان ضروريا كان العلم بالموصوف أيضا ضروريا فلو خلق الله تعالى ~~العلم في قلب العاقل بأنه وضع هذا اللفظ لهذا المعنى لزم أن يكون العلم ~~بالله ضروريا وذلك يقدح ms0022 في صحة التكليف وأجيب عنه بأنه لم لا يجوز أن يقال ~~إنه تعالى يخلق علما ضروريا في القلب بأن واضعا وضع هذا اللفظ لهذا المعنى ~~من غير أن يخلق العلم بأن ذلك الواضع هو الله تعالى ؟ وعلى هذا التقدير ~~فيزول الإشكال . < # > المسالة الثانية والثلاثون : < # > لما ضعفت هذه الدلائل جوزنا أن تكون كل اللغات توقيفية وان تكون كلها ~~اصطلاحية وأن يكون بعضها توقيفيا وبعضها اصطلاحيا . < # > المسألة الثالثة والثلاثون : < # > اللفظ المفرد لا يفيد البتة مسماه لأنه ما لم يعلم كون تلك اللفظة ~~موضوعة لذلك المعنى لم يفد شيئا لكن العلم بكونها موضوعة لذلك المعنى علم ~~بنسبة مخصوصة بين ذلك اللفظ وذلك المعنى والعلم بالنسبة المخصوصة بين أمرين ~~مسبوق بكل واحد منهما فلو كان العلم بذلك المعنى مستفادا من ذلك اللفظ لزم ~~الدور وهو محال وأجيب عنه بأنه يحتمل أنه إذا استقر في الخيال مقارنة بين ~~اللفظ المعين والمعنى المعين فعند حصول الشعور باللفظ ينتقل الخيال إلى ~~المعنى وحينئذ يندفع الدور . PageV01P030 < # > المسألة الرابعة والثلاثون : < # > والإشكال المذكور في المفرد غير حاصل في المركب ؛ لأن إفادة الألفاظ ~~المفردة لمعانيها إفادة وضعية أما التركيبات فعقلية فلا جرم عند سماع تلك ~~المفردات يعتبر العقل تركيباتها ثم يتوصل بتلك التركيبات العقلية إلى العلم ~~بتلك المركبات فظهر الفرق . < # > المسألة الخامسة والثلاثون : < # > للألفاظ دلالات على ما في الأذهان لا على ما في الأعيان ولهذا السبب ~~يقال : الألفاظ تدل على المعاني لأن المعاني هي التي عناها العاني وهي أمور ~~ذهنية والدليل على ما ذكرناه من وجهين : الأول : أنا إذا رأينا جسما من ~~البعد وظنناه صخرة قلنا إنه صخرة فإذا قربنا منه وشاهدنا حركته وظنناه طيرا ~~قلنا إنه طير فإذا ازداد القرب علمنا أنه إنسان فقلنا إنه إنسان فاختلاف ~~الأسماء عند اختلاف التصورات الذهنية يدل على أن مدلول الألفاظ هو الصور ~~الذهنية لا الأعيان الخارجية الثاني : أن اللفظ لو دل على الموجود الخارجي ~~لكان إذا قال إنسان العالم قديم وقال آخر العالم حادث لزم كون العالم قديما ~~حادثا معا وهو محال أما ms0023 إذا قلنا أنها دالة على المعاني الذهنية كان هذان ~~القولان دالين على حصول هذين الحكمين من هذين الإنسانين وذلك لا يتناقض . < # > المسألة السادسة والثلاثون : < # > لا يمكن أن تكون جميع الماهيات مسميات بالألفاظ لأن الماهيات غير ~~متناهية وما لا نهاية له لا يكون مشعورا به على التفصيل وما لا يكون مشعورا ~~به امتنع وضع الاسم بإزائه . < # > المسألة السابعة والثلاثون : < # > كل معنى كانت الحاجة إلى التعبير عنه أهم كان وضع اللفظ بإزائه أولى ~~مثل صيغ الأوامر والنواهي والعموم والخصوص والدليل عليه أن الحاجة إلى ~~التعبير عنها ماسة فيكون الداعي إلى ذلك الوضع كاملا والمانع زائلا وإذا ~~كان الداعي قويا والمانع زائلا كان الفعل به واجب الحصول . < # > المسالة الثامنة والثلاثون : < # > المعنى الذي يكون خفيا عند الجمهور يمتنع كونه مسمى باللفظ المشهور ~~مثاله لفظة الحركة لفظة مشهورة وكون الجسم منتقلا من جانب إلى جانب أمر ~~معلوم لكل أحد أما الذي يقول به بعض المتكلمين - وهو المعنى الذي يوجب ذلك ~~الانتقال - فهو أمر خفي لا يتصورة إلا الخواص من الناس وإذا كان كذلك وجب ~~أن يقال : الحركة اسم لنفس هذا الانتقال لا للمعنى الذي يوجب الانتقال ~~وكذلك يجب أن يكون العلم اسما لنفس العالمية والقدرة اسما للقادرية لا ~~للمعنى الموجب للعالمية والقادرية . < # > المسألة التاسعة والثلاثون في المعنى : < # > المعنى اسم للصورة الذهنية لا للموجودات الخارجية لأن المعنى عبارة عن ~~الشيء الذي عناه العاني وقصده القاصد وذاك بالذات هو الأمور الذهنية ~~وبالعرض الأشياء الخارجية فإذا قيل : إن القائل أراد بهذا اللفظ هذا المعنى ~~فالمراد أنه قصد بذكر ذلك اللفظ تعريف ذلك الأمر المتصور . المسألة ~~الأربعون : < # > قد يقال في بعض المعاني : إنه لا يمكن تعريفها بالألفاظ مثل أنا ندرك ~~بالضرورة تفرقة بين الحلاوة المدركة من النبات والحلاوة المدركة من الطبرزذ ~~فيقال : إنه لا سبيل إلى تعريف هذه التفرقة بحسب اللفظ وأيضا ربما اتفق ~~حصول أحوال في نفس بعض الناس ولا يمكنه تعريف تلك الحالة بحسب التعريفات ~~اللفظية إذا عرفت هذا فنقول : أما القسم الأول فالسبب فيه أن ما ms0024 به يمتاز ~~حلاوة النبات PageV01P031 من حلاوة الطبرزذ ما وضعوا له في اللغة لفظة ~~معينة بل لا يمكن ذكرها إلا على سبيل الإضافة مثل أن يقال حلاوة النبات ~~وحلاوة الطبرزذ فلما لم توضع لتلك التفرقة لفظة مخصوصة لا جرم لا يمكن ~~تعريفها باللفظ ولو أنهم وضعوا لها لفظة لقد كان يمكن تعريفها باللفظ على ~~ذلك التقدير وأما القسم الثاني : وهو أن الإنسان إذا أدرك من نفسه حالة ~~مخصوصة وسائر الناس ما أدركوا تلك الحالة المخصوصة استحال لهذا المدرك وضع ~~لفظ لتعريفة لأن السامع ما لم يعرف المسمى أولا لم يمكنه أن يفهم كون هذا ~~اللفظ موضوعا له فلما لم يحصل تصور تلك المعاني عند السامعين امتنع منهم أن ~~يتصوروا كون هذه الألفاظ موضوعة لها فلا جرم امتنع تعريفها أما لو فرضنا أن ~~جماعة تصوروا تلك المعاني ثم وضعوا لها ألفاظا مخصوصة فعلى هذا التقدير كان ~~يمكن تعريف تلك الأحوال بالبيانات اللفظية - فهكذا يجب أن يتصور معنى ما ~~يقال إن كثيرا من المعاني لا يمكن تعريفها بالألفاظ . < # > المسألة الحادية والأربعون : < # > في الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني : وهي أن الإنسان خلق بحيث لا يستقل ~~بتحصيل جميع مهماته فاحتاج إلى أن يعرف غيره ما في ضميره ليمكنه التوسل به ~~إلى الاستعانة بالغير ولا بد لذلك التعريف من طريق والطرق كثيرة مثل ~~الكتابة والإشارة والتصفيق باليد والحركة بسائر الأعضاء إلا أن أسهلها ~~وأحسنها هو تعريف ما في القلوب والضمائر بهذه الألفاظ ويدل عليه وجوه : ~~أحدها : أن النفس عند الإخراج سبب لحدوث الصوت والأصوات عند تقطيعاتها ~~أسباب لحدوث الحروف المختلفة وهذه المعاني تحصل من غير كلفة ومعونة بخلاف ~~الكتابة والإشارة وغيرهما والثاني : أن هذه الأصوات كما توجد تفنى عقيبه في ~~الحال فعند الاحتياج إليه تحصل وعند زوال الحاجة تفنى وتنقضي والثالث : أن ~~الأصوات بحسب التقطيعات الكثيرة في مخارج الحروف تتولد منها الحروف الكثيرة ~~وتلك الحروف الكثيرة بحسب تركيباتها الكثيرة يتولد منها كلمات تكاد أن تصير ~~غير متناهية فإذا جعلنا لكل واحد من المعاني واحدا من تلك ms0025 الكلمات توزعت ~~الألفاظ على المعاني من غير التباس واشتباه ومثل هذا لا يوجد في الإشارة ~~والتصفيق فلهذه الأسباب الثلاثة قضت العقول السليمة بان أحسن التعريفات لما ~~في القلوب هو الألفاظ . < # > المسألة الثانية والأربعون : < # > كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به وجوهر النفس ~~في أصل الخلقة عار عن هذين الكمالين ولا يمكنها اكتساب هذه الكمالات إلا ~~بواسطة هذا البدن فصار تخليق هذا البدن مطلوبا لهذه الحكمة ثم إن مصالح هذا ~~البدن ما كانت تتم إلا إذا كان القلب ينبوعا للحرارة الغريزية ولما كانت ~~هذه الحرارة قوية احتاجت إلى الترويح لأجل التعديل فدبر الخالق الرحيم ~~الحكيم هذا المقصود بأن جعل للقلب قوة انبساط بها يجذب الهواء البارد من ~~خارج البدن إلى نفسه ثم إذا بقي ذلك الهواء في القلب لحظة تسخن واحتد وقويت ~~حرارته فاحتاج القلب إلى دفعة مرة أخرى وذلك هو الانقباض فإن القلب إذا ~~انقبض انعصر ما فيه من الهواء وخرج إلى الخارج فهذا هو الحكمة في جعل ~~الحيوان متنفسا والمقصود بالقصد الأول هو تكميل جوهر النفس بالعلم والعمل ~~فوقع تخليق البدن في المرتبة الثانية من المطلوبية ووقع تخليق القلب وجعله ~~منبعا للحرارة الغريزية في المرتبة الثالثة ووقع إقدار القلب على الانبساط ~~الموجب لانجذاب الهواء الطيب من الخارج لأجل الترويح في المرتبة الرابعة ~~ووقع إقدار القلب على الانقباض الموجب لخروج ذلك الهواء المحترق في المرتبة ~~الخامسة ووقع صرف ذلك PageV01P032 الهواء الخارج عند انقباض القلب إلى مادة ~~الصوت في المرتبة السادسة ثم إن المقدر الحكيم والمدبر الرحيم جعل هذا ~~الأمر المطلوب على سبيل الغرض الواقع في المرتبة السابعة مادة للصوت وخلق ~~محابس ومقاطع للصوت في الحلق واللسان والأسنان والشفتين وحينئذ يحدث بذلك ~~السبب هذه الحروف المختلفة ويحدث من تركيباتها الكلمات التي لا نهاية لها ~~ثم أودع في هذا النطق والكلام حكما عالية وأسرارا باهرة عجزت عقول الأولين ~~والآخرين عن الإحاطة بقطرة من بحرها وشعلة من شمسها فسبحان الخالق المدبر ~~بالحكمة الباهرة والقدرة الغير متناهية . < # > المسألة الثالثة والأربعون ms0026 : < # > ظهر بما قلناه أنه لا معنى للكلام اللساني إلا الاصطلاح من الناس على ~~جعل هذه الأصوات المقطعة والحروف المركبة معرفات لما في الضمائر ولو قدرنا ~~أنهم كانوا قد تواضعوا على جعل أشياء غيرها معرفات لما في الضمائر لكانت ~~تلك الأشياء كلاما أيضا وإذا كان كذلك لم يكن الكلام صفة حقيقية مثل العلم ~~والقدرة والإرادة بل أمرا وضعيا اصطلاحيا والتحقيق في هذا الباب : أن ~~الكلام عبارة عن فعل مخصوص يفعله الحي القادر لأجل أن يعرف غيره ما في ~~ضميره من الإرادات والاعتقادات وعند هذا يظهر أن المراد من كون الإنسان ~~متكلما بهذه الحروف مجرد كونه فاعلا لها لهذا الغرض المخصوص وأما الكلام ~~الذي هو صفة قائمة بالنفس فهي صفة حقيقية كالعلوم والقدر والإرادات . < # > المسألة الرابعة والأربعون : < # > لما ثبت أن الألفاظ دلائل على ما في الضمائر والقلوب والمدلول عليه ~~بهذه الألفاظ هو الإرادات والاعتقادات أو نوع آخر قالت المعتزلة : صيغة ~~افعل لفظة موضوعة لإرادة الفعل وصيغة الخبر لفظة موضوعة لتعريف أن ذلك ~~القائل يعتقد أن الأمر الفلاني كذا وكذا وقال أصحابنا : الطلب النفساني ~~مغاير للإرادة والحكم الذهني أمر مغاير للاعتقاد أما بيان أن الطلب ~~النفساني مغاير للإرادة فالدليل عليه أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان وهذا ~~متفق عليه ولكن لم يرد منه الإيمان ولو أراده لوقع ويدل عليه وجهان : الأول ~~: أن قدرة الكافر إن كانت موجبة للكفر كان خالق تلك القدرة مريدا للكفر لأن ~~مريد العلة مريد للمعلول وإن كانت صالحة للكفر والإيمان امتنع رجحان أحدهما ~~على الآخر إلا بمرجح وذلك المرجح إن كان من العبد عاد التقسيم الأول فيه ~~وإن كان من الله تعالى فحينئذ يكون مجموع القدرة مع الداعية موجبا للكفر ~~ومريد العلة مريد للمعلول فثبت أنه تعالى مريد الكفر من الكافر والثاني : ~~أنه تعالى عالم بأن الكافر يكفر وحصول هذا العلم ضد لحصول الإيمان والجمع ~~بين الضدين محال والعالم بكون الشيء ممتنع الوقوع لا يكون مريدا له فثبت ~~أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان وثبت أنه لا يريد منه الإيمان فوجب ms0027 أن يكون ~~مدلول أمر الله تعالى فعل شيء آخر سوى الإرادة وذلك هو المطلوب وأما بيان ~~أن الحكم الذهني مغاير للاعتقاد والعلم فالدليل عليه أن القائل إذا قال : ~~العالم قديم فمدلول هذا اللفظ هو حكم هذا القائل بقدم العالم وقد يقول ~~القائل بلسانه هذا مع أنه يعتقد أن العالم ليس بقديم فعلمنا أن الحكم ~~الذهني حاصل والاعتقاد غير حاصل فالحكم الذهني مغاير للاعتقاد . < # > المسالة الخامسة والأربعون : < # > مدلولات الألفاظ قد تكون أشياء مغايرة للألفاظ : كلفظة السماء والأرض ~~وقد تكون مدلولاتها أيضا ألفاظا كقولنا : اسم وفعل وحرف وعام وخاص ومجمل ~~ومبين فإن هذه الألفاظ أسماء ومسمياتها أيضا ألفاظ . PageV01P033 < # > المسألة السادسة والأربعون : < # > طريق معرفة اللغات إما العقل وحده وهو محال وإما النقل المتواتر أو ~~الآحاد وهو صحيح وإما ما يتركب عنهما كما إذا قيل : ثبت بالنقل جواز إدخال ~~الاستثناء على صيغة من وثبت بالنقل أن حكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ~~فيه فيلزم من مجموعهما بحكم العقل كون تلك الصيغة موضوعة للعموم وعلى هذا ~~الطريق تعويل الأكثرين في إثبات أكثر اللغات وهو ضعيف لأن هذا الاستدلال ~~إنما يصح لو قلنا إن واضع تينك المقدمتين وجب أن يكون معترفا بهذه الملازمة ~~وإلا لزم التناقض لكن الواضع للغات لو ثبت أنه هو الله تعالى وجب تنزيهه عن ~~المناقضة أما لو كان هو الناس لم يجب ذلك ولما كان هذا الأصل مشكوكا كان ~~ذلك الدليل مثله . < # > المسألة السابعة والأربعون : < # > اللغات المنقولة إلينا بعضها منقول بالتواتر وبعضها منقول بالآحاد وطعن ~~بعضهم في كونها متواترة فقال : أشهر الألفاظ هو قولنا الله وقد اختلفوا ~~فيها فقيل : إنها ليست عربية بل هي عبرية وقيل : إنها اسم علم وقيل : إنها ~~من الأسماء المشتقة وذكروا في اشتقاقها وجوها عشرة وبقي الأمر في هذه ~~الاختلافات موقوفا إلى الآن وأيضا فلفظة الإيمان والكفر قد اختلفوا فيهما ~~اختلافا شديدا وكذا صيغ الأوامر والنواهي والعموم والخصوص مع أنها أشد ~~الألفاظ شهرة وإذا كان الحال كذلك في الأظهر الأقوى فما ظنك بما سواها ؟ ~~والحق أن ورود هذه ms0028 الألفاظ في أصول هذه الموارد معلوم بالتواتر فأما ~~ماهياتها واعتباراتها فهي التي اختلفوا فيها وذلك لا يقدح في حصول التواتر ~~في الأصل . < # > المسالة الثامنة والأربعون : < # > منهم من سلم حصول التواتر في بعض هذه الألفاظ في هذا الوقت إلا أنه زعم ~~أن حال الأدوار الماضية غير معلوم فلعل النقل ينتهي في بعض الأدوار الماضية ~~إلى الآحاد وليس لقائل أن يقول : لو وقع ذلك لاشتهر وبلغ إلى حد التواتر ~~لأن هذه المقدمة إن صحت فإنما تصح في الوقائع العظيمة وأما التصرفات في ~~الألفاظ فهي وقائع حقيرة والحق أن العلم الضروري حاصل بأن لفظ السماء ~~والأرض والجدار والدار كان حالها وحال أشباهها في الأزمنة الماضية كحالها ~~في هذا الزمان . < # > المسألة التاسعة والأربعون : < # > لا شك أن أكثر اللغات منقول بالآحاد ورواية الواحد إنما تفيد الظن عند ~~اعتبار أحوال الرواة وتصفح أحوالهم بالجرح والتعديل ثم إن الناس شرطوا هذه ~~الشرائط في رواة الأحاديث ولم يعتبروها في رواة اللغات مع أن اللغات تجري ~~مجرى الأصول للأحاديث ومما يؤكد هذا السؤال أن الأدباء طعن بعضهم في بعض ~~بالتجهيل تارة وبالتفسيق أخرى والعداوة الحاصلة بين الكوفيين والبصريين ~~مشهورة ونسبة أكثر المحدثين أكثر الأدباء إلى ما لا ينبغي مشهورة وإذا كان ~~كذلك صارت رواياتهم غير مقبولة وبهذا الطريق تسقط أكثر اللغات عن درجات ~~القبول والحق أن أكثر اللغات قريب من التواتر وبهذا الطريق يسقط هذا الطعن ~~. < # > المسألة الخمسون : < # > دلالة الألفاظ على معانيها ظنية لأنها موقوفة على نقل اللغات ونقل ~~الإعرابات والتصريفات مع أن أول أحوال تلك الناقلين أنهم كانوا آحادا ~~ورواية الآحاد لا تفيد إلا الظن وأيضا فتلك الدلائل موقوفة على عدم ~~الاشتراك وعدم المجاز وعدم النقل وعدم الإجمال وعدم التخصيص وعدم المعارض ~~العقلي فإن بتقدير حصوله يجب صرف اللفظ إلى المجاز ولا شك أن اعتقاد هذه ~~المقدمات ظن محض والموقوف على الظن أولى أن يكون ظنا والله أعلم . ~~PageV01P034 < # > الباب الثاني < # > < # > في المباحث المستبنطة من الصوت والحروف وأحكامها وفيه مسائل < # > < # > المسألة الأولى : < # > ذكر الرئيس أبو علي بن سينا في ms0029 تعريف الصوت أنه كيفية تحدث من تموج ~~الهواء المنضغط بين قارع ومقروع وأقول : أن ماهية الصوت مدركة بحس السمع ~~وليس في الوجود شيء أظهر من المحسوس حتى يعرف المحسوس به بل هذا الذي ذكره ~~إن كان ولا بد فهو إشارة إلى سبب حدوثه لا إلى تعريف ماهيته . < # > المسألة الثانية : < # > يقال إن النظام المتكلم كان يزعم أن الصوت جسم وأبطلوه بوجوه : منها أن ~~الأجسام مشتركة في الجسمية وغير مشتركة في الصوت ومنها أن الأجسام مبصرة ~~وملموسة أولا وثانيا وليس الصوت كذلك ومنها أن الجسم باق والصوت ليس كذلك ~~وأقول : النظام كان من أذكياء الناس ويبعد أن يكون مذهبه أن الصوت نفس ~~الجسم إلا أنه لما ذهب إلى أن سبب حدوث الصوت تموج الهواء ظن الجهال به أنه ~~يقول إنه عين ذلك الهواء . < # > المسألة الثالثة : < # > قال بعضهم : الصوت اصطكاك الأجسام الصلبة وهو باطل ؛ لأن الاصطكاك ~~عبارة عن المماسة وهي مبصرة والصوت ليس كذلك وقيل : الصوت نفس القرع أو ~~القلع وقيل أنه تموج الحركة وكل ذلك باطل ؛ لأن هذه الأحوال مبصرة والصوت ~~غير مبصر والله أعلم . < # > المسألة الرابعة : < # > قيل سببه القريب تموج الهواء ولا نعني بالتموج حركة انتقالية من مبدأ ~~واحد بعينه إلى منتهى واحد بعينه بل حالة شبيهة بتموج الهواء فإنه أمر يحدث ~~شيئا فشيئا لصدم بعد صدم وسكون بعد سكون وأما سبب التموج فإمساس عنيف وهو ~~القرع أو تفريق عنيف وهو القلع ويرجع في تحقيق هذا إلى كتبنا العقلية حد ~~الحرف . < # > المسألة الخامسة : < # > قال الشيخ الرئيس في حد الحرف : إنه هيئة عارضة للصوت يتميز بها عن صوت ~~آخر مثله في الخفة والثقل تميزا في المسموع . < # > المسالة السادسة : < # > الحروف إما مصوتة وهي التي تسمى في النحو حروف المد واللين ولا يمكن ~~الابتداء بها أو صامتة وهي ما عداها أما المصوتة فلا شك أنها من الهيئات ~~العارضة للصوت وأما الصوامت فمنها ما لا يمكن تمديده كالباء والتاء والدال ~~والطاء وهي لا توجد إلا في الآن الذي هو آخر زمان حبس النفس وأول زمان ms0030 ~~إرساله وهي بالنسبة إلى الصوت كالنقطة بالنسبة إلى الخط والآن بالنسبة إلى ~~الزمان وهذه الحروف ليست بأصوات ولا عوارض أصوات وإنما هي أمور تحدث في ~~مبدأ حدوث الأصوات وتسميتها بالحروف حسنة لأن الحرف هو الطرف وهذه الحروف ~~أطراف الأصوات ومباديها ومن الصوامت ما يمكن تمديدها بحسب الظاهر ثم هذه ~~على قسمين : منها ما الظن الغالب أنها آنية الوجود في نفس الأمر وإن كانت ~~زمانية بحسب الحس مثل الحاء والخاء فإن الظن أن هذه جاءت آنية متوالية كل ~~واحد منها آني الوجود في نفس الأمر لكن الحس لا يشعر بامتياز بعضها عن بعض ~~فيظنها حرفا واحدا زمانيا ومنها ما الظن الغالب كونها زمانية في الحقيقة ~~كالسين والشين فإنها هيئات عارضة للصوت مستمرة باستمراره . PageV01P035 < # > المسألة السابعة : < # > الحرف لا بد وأن يكون إما ساكنا أو متحركا ولا نريد به حلول الحركة ~~والسكون فيه لأنهما من صفات الأجسام بل المراد أنه يوجد عقيب الصامت بصوت ~~مخصوص . < # > المسألة الثامنة : < # > الحركات أبعاض المصوتات والدليل عليه أن هذه المصوتات قابلة للزيادة ~~والنقصان ولا طرف في جانب النقصان إلا هذه الحركات ولأن هذه الحركات إذا ~~مدت حدثت المصوتات وذلك يدل على قولنا . < # > المسألة التاسعة : < # > الصامت سابق على المصوت الذي يسمى بالحركة بدليل أن التكلم بهذه ~~الحركات موقوف على التكلم بالصامت فلو كانت هذه الحركات سابقة على هذه ~~الصوامت لزم الدور وهو محال . < # > المسألة العاشرة : < # > الكلام الذي هو متركب من الحروف والأصوات فإنه يمتنع في بديهة العقل ~~كونه قديما لوجهين : الأول : أن الكلمة لا تكون كلمة إلا إذا كانت حروفها ~~متوالية فالسابق المنقضي محدث لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه والآتي الحادث ~~بعد انقضاء الأول لا شك أنه حادث والثاني : أن الحروف التي منها تألفت ~~الكلمة إن حصلت دفعة واحدة لم تحصل الكلمة لأن الكلمة الثلاثية يمكن وقوعها ~~على التقاليب الستة فلو حصلت الحروف معا لم يكن وقوعها على بعض تلك الوجوه ~~أولى من وقوعها على سائرها ولو حصلت على التعاقب كانت حادثة واحتج القائلون ~~بقدم الحروف بالعقل والنقل ms0031 : أما العقل فهو أن لكل واحد من هذه الحروف ~~ماهية مخصوصة باعتبارها تمتاز عما سواها والماهيات لا تقبل الزوال ولا ~~العدم فكانت قديمة وأما النقل فهو أن كلام الله قديم وكلام الله ليس إلا ~~هذه الحروف فوجب القول بقدم هذه الحروف أما أن كلام الله قديم فلأن الكلام ~~صفة كمال وعدمه صفة نقص فلو لم يكن كلام الله قديما لزم أن يقال إنه تعالى ~~كان في الأزل ناقصا ثم صار فيما لا يزال كاملا وذلك بإجماع المسلمين باطل ~~وإنما قلنا إن كلام الله تعالى ليس إلا هذه الحروف لوجوه : أحدها قوله ~~تعالى : @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ [ ~~التوبة : 6 ] ومعلوم أن المسموع ليس إلا هذه الحروف فدل هذا على أن هذه ~~الحروف كلام الله وثانيها : أن من حلف على سماع الله تعالى فإنه يتعلق البر ~~والحنث بسماع هذه الحروف وثالثها : أنه نقل بالتواتر إلينا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول # إن هذا القرآن المسموع المتلو هو كلام الله فمنكره منكر لما عرف بالتواتر ~~من دين محمد عليه الصلاة والسلام فيلزمه الكفر . والجواب عن الأول أن ما ~~ذكرتم غير مختص بماهية دون ماهي فيلزمكم قدم الكل وعن الثاني أن ما ذكرتم ~~من الاستدلال خفي في مقابلة البديهيات فيكون باطلا . < # > المسألة الحادية عشرة : < # > إذا قلنا لهذه الحروف المتوالية والأصوات المتعاقبة إنها كلام الله ~~تعالى كان المراد أنها ألفاظ دالة على الصفة القائمة بذات الله تعالى فأطلق ~~اسم الكلام عليها على سبيل المجاز وأما حديث الحنث والبر فذلك لأن مبنى ~~الإيمان على العرف وإذا قلنا : كلام الله قديم لم نعن به إلا تلك الصفة ~~القديمة التي هي مدلول هذه الألفاظ والعبارات وإذا قلنا : كلام الله معجزة ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم عنينا به هذه الحروف وهذه الأصوات التي هي حادثة ~~فإن القديم كان موجودا قبل محمد عليه الصلاة والسلام فكيف يكون معجزة له ؟ ~~وإذا قلنا : كلام الله سور وآيات عنينا به هذه الحروف وإذا قلنا : كلام ms0032 ~~الله فصيح عنينا به هذه الألفاظ وإذا شرعنا في تفسير كلام الله تعالى عنينا ~~به أيضا هذه الألفاظ . PageV01P036 < # > المسألة الثانية عشرة : < # > زعمت الحشوية أن هذه الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان عين كلام الله ~~تعالى وهذا باطل لأنا نعلم بالبديهة أن هذه الحروف والأصوات التي نسمعها من ~~هذا الإنسان صفة قائمة بلسانه وأصواته فلو قلنا بأنها عين كلام الله تعالى ~~لزمنا القول بان الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى وحالة في بدن ~~هذا الإنسان وهذا معلوم الفساد بالضرورة وأيضا فهذا عين ما يقوله النصارى ~~من أن أقنوم الكلمة حلت في ناسوت صريح وزعموا انها حالة في ناسوت عيسى عليه ~~السلام ومع ذلك فهي صفة لله تعالى وغير زائلة عنه وهذا عين ما يقوله ~~الحشوية من أن كلام الله تعالى حال في لسان هذا الإنسان مع أنه غير زائل عن ~~ذات الله تعالى ولا فرق بين القولين إلا أن النصارى قالوا بهذا القول في حق ~~عيسى وحده وهؤلاء الحمقى قالوا بهذا القول الخبيث في حق كل الناس من المشرق ~~إلى المغرب . < # > المسألة الثالثة عشرة : < # > قالت الكرامية : الكلام اسم للقدرة على القول بدليل أن القادر على ~~النطق يقال إنه متكلم وإن لم يكن في الحال مشتغلا بالقول وأيضا فضد الكلام ~~هو الخرس لكن الخرس عبارة عن العجز عن القول فوجب أن يكون الكلام عبارة عن ~~القدرة على القول وإذا ثبت هذا فهم يقولون : إن كلام الله تعالى قديم بمعنى ~~أن قدرته على القول قديمة أما القول فإنه حادث هذا تفصيل قولهم وقد أبطلناه ~~. < # > المسألة الرابعة عشرة : < # > قالت الحشوية للأشعرية : إن كان مرادكم من قولكم إن القرآن قديم هو أن ~~هذا القرآن دال على صفة قديمة متعلقة بجميع المأمورات والمحرمات وجب أن ~~يكون كل كتاب صنف في الدنيا قديما لأن ذلك الكتاب له مدلول ومفهوم وكلام ~~الله سبحانه وتعالى لما كان عام التعلق بجميع المتعلقات كان خبرا عن ~~مدلولات ذلك الكتاب فعلى هذا التقدير لا فرق بين القرآن وبين سائر كتب ~~الفحش ms0033 والهجو في كونه قديما بهذا التفسير وأن المراد من كونه قديما وجها ~~آخر سوى ذلك فلا بد من بيانه والجواب أنا لا نلتزم كون كلامه تعالى متعلقا ~~بجميع المخبرات وعلى هذا التقدير فيسقط هذا السؤال . واعلم أنا لا نقول : ~~إن كلامه لا يتعلق بجميع المخبرات لكونها كذبا والكذب في كلام الله محال ~~لأنه تعالى لما أخبر أن أقواما أخبروا عن تلك الأكاذيب والفحشيات فهذا لا ~~يكون كذبا وإنما يمنع منه لأمر يرجع إلى تنزيه الله تعالى عن النقائص ~~والإخبار عن هذه الفحشيات والسخفيات يجري مجرى النقص وهو على الله محال ~~واعلم أن مباحث الحرف والصوت وتشريح العضلات الفاعلات للحروف وذكر ~~الإشكالات المذكورة في قدم القرآن أمور صعبة دقيقة فالأولى الاكتفاء بما ~~ذكرناه والله أعلم بالصواب . < # > الباب الثالث < # > < # > في المباحث المتعلقة بالاسم والفعل والحرف وفيه مسائل < # > < # > المسالة الأولى : < # > اعلم أن تقسيم الكلمة إلى هذه الأنواع الثلاثة يمكن إيراده من وجهين ~~الأول : أن الكلمة إما أن يصح الإخبار عنها وبها وهي الاسم وإما أن لا يصح ~~الإخبار عنها لكن يصح الإخبار بها وهي الفعل وإما أن لا يصح الإخبار عنها ~~ولا بها وهو الحرف واعلم أن هذا التقسيم مبني على أن الحرف والفعل لا يصح ~~الإخبار عنهما وعلى أن الاسم يصح الإخبار عنه فلنذكر البحثين في مسألتين : ~~PageV01P037 < # > المسألة الثانية : < # > اتفق النحويون على أن الفعل والحرف لا يصح الإخبار عنهما قالوا : لأنه ~~لا يجوز أن يقال : ضرب قتل ولقائل أن يقول المثال الواحد لا يكفي في إثبات ~~الحكم العام وأيضا فإنه لا يصح أن يقال : جدار سماء ولم يدل ذلك على أن ~~الاسم لا يصح الإخبار عنه وبه لأجل أن المثال الواحد لا يكفي في إثبات ~~الحكم العام فكذا ههنا ثم قيل : الذي يدل على صحة الإخبار عن الفعل والحرف ~~وجوه : الأول : أنا إذا أخبرنا عن ضرب يضرب أضرب بأنها أفعال فالمخبر عنه ~~في هذا الخبر إما أن يكون اسما أو فعلا أو حرفا فإن كان الأول كان هذا ~~الخبر كذبا وليس كذلك ms0034 وإن كان الثاني كان الفعل من حيث أنه فعل مخبرا عنه ~~فإن قالوا : المخبر عنه بهذا الخبر هو هو هذه الصيغ وهي أسماء قلنا : هذا ~~السؤال ركيك لأنه على هذا التقدير يكون المخبر عنه بأنه فعل اسما فرجع حاصل ~~هذا السؤال إلى القسم الأول من القسمين المذكورين في أول هذا الإشكال وقد ~~أبطلناه الثاني : إذا أخبرنا عن الفعل والحرف بأنه ليس باسم فالتقدير عين ~~ما تقدم الثالث : أن قولنا : الفعل لا يخبر عنه إخبار عنه بأنه لا يخبر عنه ~~وذلك متناقض فإن قالوا : المخبر عنه بأنه لا يخبر عنه هو هذا اللفظ فنقول : ~~قد أجبنا على هذا السؤال فإنا نقول : المخبر عنه بأنه لا يخبر عنه إن كان ~~اسما فهو باطل لأن كل اسم مخبر عنه وأقل درجاته أن يخبر عنه بأنه اسم وإن ~~كان فعلا فقد صار الفعل مخبرا عنه . الرابع : الفعل من حيث هو فعل والحرف ~~من حيث هو حرف ماهية معلومة متميزة عما عداها وكل ما كان كذلك صح الإخبار ~~عنه بكونه ممتازا عن غيره فإذا أخبرنا عن الفعل من حيث هو فعل بأنه ماهية ~~ممتازة عن الاسم فقد أخبرنا عنه بهذا الامتياز . الخامس : الفعل إما أن ~~يكون عبارة عن الصيغة الدالة على المعنى المخصوص وإما أن يكون عبارة عن ذلك ~~المعنى المخصوص الذي هو مدلول لهذه الصيغة فإن كان الأول فقد أخبرنا عنه ~~بكونه دليلا على المعنى وإن كان الثاني فقد أخبرنا عنه بكونه مدلولا لتلك ~~الصيغة فهذه سؤالات صبعة في هذا المقام . < # > المسألة الثالثة : < # > طعن قوم في قولهم الاسم ما يصح الإخبار عنه بأن قالوا : لفظة أين وكيف ~~وإذا أسماء مع أنه لا يصح الإخبار عنها وأجاب عبد القاهر النحوي عنه بأنا ~~إذا قلنا الاسم ما جاز الأخبار عنه أردنا به ما جاز الإخبار عن معناه ويصح ~~الإخبار عن معنى إذا لأنك إذا قلت آتيك إذا طلعت الشمس كان المعنى آتيك وقت ~~طلوع الشمس والوقت يصح الإخبار عنه بدليل أنك تقول : طاب الوقت وأقول وهذا ms0035 ~~العذر ضعيف لأن إذا ليس معناه الوقت فقط بل معناه الوقت حال ما تجعله ظرفا ~~لشيء آخر والوقت حال ما جعل ظرفا لحادث آخر فإنه لا يمكن الإخبار عنه البتة ~~فإن قالوا لما كان أحد أجزاء ماهيته اسما وجب كونه اسما فنقول : هذا باطل ~~لأنه إن كفى هذا القدر في كونه اسما وجب أن يكون الفعل اسما لأن الفعل أحد ~~أجزاء ماهيته المصدر وهو اسم ولما كان هذا باطلا فكذا ما قالوه . < # > المسألة الرابعة : < # > في تقرير النوع الثاني من تقسيم الكلمة أن تقول : الكلمة إما أن يكون ~~معناها مستقلا بالمعلومية أو لا يكون والثاني هو الحرف أما الأول : فإما أن ~~يدل ذلك اللفظ على الزمان المعين لمعناه وهو الفعل أو لا يدل وهو الاسم وفي ~~هذا القسم سؤالات نذكرها في حد الاسم والفعل . < # > المسألة الخامسة : < # > في تعريف الاسم : الناس ذكروا فيه وجوها : < # > التعريف الأول : < # > أن الاسم هو الذي يصح الإخبار عن معناه واعلم أن صحة الإخبار عن ماهية ~~PageV01P038 الشيء حكم يحصل له بعد تمام ماهيته فيكون هذا التعريف من باب ~~الرسوم لا من باب الحدود والإشكال عليه من وجهين الأول : أن الفعل والحرف ~~يصح الإخبار عنهما والثاني : أن إذا وكيف وأين لا يصح الإخبار عنها وقد سبق ~~تقرير هذين السؤالين . < # > التعريف الثاني : < # > أن الاسم هو الذي يصح أن يأتي فاعلا أو مفعولا أو مضافا واعلم أن حاصله ~~يرجع إلى أن الاسم هو الذي يصح الإخبار عنه . < # > التعريف الثالث : < # > أن الاسم كلمة تستحق الإعراب في أول الوضع وهذا أيضا رسم لأن صحة ~~الإعراب حالة طارئة على الاسم بعد تمام الماهية وقولنا في أول الوضع احتراز ~~عن شيئين : أحدهما المبنيات فإنها لا تقبل الإعراب بسبب مناسبة بينها وبين ~~الحروف ولولا هذه المناسبة لقبلت الإعراب والثاني : أن المضارع معرب لكن لا ~~لذاته بل بسبب كونه مشابها للاسم وهذا التعريف أيضا ضعيف . < # > التعريف الرابع : < # > قال الزمخشري في المفصل : الاسم ما دل على معنى في نفسه دلالة مجردة عن ~~الاقتران . واعلم أن هذا التعريف مختل ms0036 من وجوه : الأول : أنه قال في تعريف ~~الكلمة أنها اللفظ الدال على معنى مفرد بالوضع ثم ذكر فيما كتب من حواشي ~~المفصل أنه إنما وجب ذكر اللفظ لأنا لو قلنا الكلمة هي الدالة على المعنى ~~لانتقض بالعقد والخط والإشارة كذلك مع أنها ليست أسماء . والثاني : أن ~~الضمير في قوله في نفسه إما أن يكون عائدا إلى الدال أو إلى المدلول أو إلى ~~شيء ثالث فإن عاد إلى الدال صار التقدير الاسم ما دل على معنى حصل في الاسم ~~فيصير المعنى الاسم ما دل على معنى هو مدلوله وهذا عبث ثم مع ذلك فينتقض ~~بالحرف والفعل فإنه لفظ يدل على مدلوله وإن عاد إلى المدلول صار التقدير ~~الاسم ما دل على معنى حاصل في نفس ذلك المعنى وذلك يقتضي كون الشيء حاصلا ~~في نفسه وهو محال فإن قالوا معنى كونه حاصلا في نفسه أنه ليس حاصلا في غيره ~~فنقول : فعلى هذا التفسير ينتقض الحد بأسماء الصفات والنسب فإن تلك ~~المسميات حاصلة في غيرها . < # > التعريف الخامس : < # > أن يقال : الاسم كلمة دالة على معنى مستقل بالمعلومية من غير أن يدل ~~على الزمان المعين الذي وقع فيه ذلك المعنى وإنما ذكرنا الكلمة ليخرج الخط ~~والعقد والإشارة فإن قالوا : لم لم يقولوا لفظة دالة على كذا وكذا ؟ قلنا : ~~لأنا جعلنا اللفظ جنسا للكلمة والكلمة جنس للاسم والمذكور في الحد هو الجنس ~~القريب لا البعيد وأما شرط الاستقلال بالمعلومية فقيل : إنه باطل طردا ~~وعكسا أما الطرد فمن وجوه . الأول : أن كل ما كان معلوما فإنه لا بد وأن ~~يكون مستقلا بالمعلومية لأن الشيء ما لم تتصور ماهيته امتنع أن يتصور مع ~~غيره وإذا كان تصوره في نفسه متقدما على تصورة مع غيره كان مستقلا ~~بالمعلومية الثاني : أن مفهوم الحرف يستقل بأن يعلم كونه غير مستقل ~~بالمعلومية وذلك استقلال . الثالث : أن النحويين اتفقوا على أن الباء تفيد ~~الإلصاق ومن تفيد التبعيض فمعنى الإلصاق إن كان مستقلا بالمعلومية وجب أن ~~يكون المفهوم من الباء مستقلا بالمعلومية فيصير الحرف ms0037 اسما وإن كان غير ~~مستقل بالمعلومية كان المفهوم من الإلصاق غير مستقل بالمعلومية فيصير الاسم ~~حرفا وأما العكس فهو أن قولنا كم وكيف ومتى وإذا وما الاستفهامية والشرطية ~~كلها أسام مع أن مفهوماتها غير مستقلة وكذلك الموصولات . الثالث : أن قولنا ~~: من غير دلالة على زمان ذلك المعنى يشكل بلفظ الزمان وبالغد وباليوم ~~وبالاصطباح وبالاغتباق والجواب عن PageV01P039 السؤال الأول أنا ندرك تفرقة ~~بين قولنا الإلصاق وبين حرف الباء في قولنا كتبت بالقلم فنريد بالاستقلال ~~هذا القدر . فأما لفظ الزمان واليوم والغد فجوابه أن مسمى هذه الألفاظ نفس ~~الزمان ولا دلالة منها على زمان آخر لمسماه . وأما الاصطباح والاغتباق ~~فجزؤه الزمان والفعل هو الذي يدل على زمان خارج عن المسمى والذي يدل على ما ~~تقدم قولهم : اغتبق يغتبق فأدخلوا الماضي والمستقبل على الاصطباح والاغتباق ~~. < # > المسألة السادسة : < # > علامات الاسم إما أن تكون لفظية أو معنوية فاللفظية إما أن تحصل في أول ~~الاسم وهو حرف تعريف أو حرف جر أو في حشوه كياء التصغير وحرف التكسير أو في ~~آخره كحرفي التثنية والجمع . وأما المعنوية فهي كونه موصوفا وصفة وفاعلا ~~ومفعولا ومضافا إليه ومخبرا عنه ومستحقا للإعراب بأصل الوضع . < # > المسألة السابعة : < # > ذكروا للفعل تعريفات : < # > التعريف الأول : < # > قال سيبويه أنها أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وينتقض بلفظ الفاعل ~~والمفعول . < # > التعريف الثاني : < # > أنه الذي أسند إلى شيء ولا يستند إليه شيء وينتقض بإذا وكيف فإن هذه ~~الأسماء يجب إسنادها إلى شيء آخر ويمتنع استناد شيء آخر إليها . < # > التعريف الثالث : < # > قال الزمخشري : الفعل ما دل على اقتران حدث بزمان وهو ضعيف لوجهين : ~~الأول : أنه يجب أن يقال كلمة دالة على اقتران حدث بزمان وإنما يجب ذكر ~~الكلمة لوجوه : أحدها : أنا لو لم نقل بذلك لانتقض بقولنا اقتران حدث بزمان ~~فإن مجموع هذه الألفاظ دال على اقتران حدث بزمان مع أن هذا المجموع ليس ~~بفعل أما إذا قيدناه بالكلمة اندفع هذا السؤال لأن مجموع هذه الألفاظ ليس ~~كلمة واحدة . وثانيها أنا لو لم نذكر ذلك لانتقض بالخط والعقد ms0038 والإشارة ~~وثالثها أن الكلمة لما كانت كالجنس القريب لهذه الثلاثة فالجنس القريب واجب ~~الذكر في الحد . الوجه الثاني ما نذكره بعد ذلك . < # > التعريف الرابع : < # > الفعل كلمة دالة على ثبوت المصدر لشيء غير معين في زمان معين وإنما ~~قلنا كلمة لأنها هي الجنس القريب وإنما قلنا دالة على ثبوت المصدر ولم نقل ~~دالة على ثبوت شيء لأن المصدر قد يكون أمرا ثابتا كقولنا ضرب وقتل وقد يكون ~~عدميا مثل فني وعدم فإن مصدرهما الفناء والعدم وإنما قلنا بشيء غير معين ~~لأنا سنقيم الدليل على أن هذا المقدار معتبر وإنما قلنا في زمان معين ~~احترازا عن الأسماء . واعلم أن في هذه القيود مباحثات : القيد الأول هو ~~قولنا يدل على ثبوت المصدر لشيء فيه إشكالات : الأول : أنا إذا قلنا خلق ~~الله العالم فقولنا خلق إما أن يدل على ثبوت الخلق لله سبحانه وتعالى أو لا ~~يدل فإن لم يدل بطل ذلك القيد وإن دل فذلك الخلق يجب أن يكون مغايرا ~~للمخلوق وهو إن كان محدثا افتقر إلى خلق آخر ولزم التسلسل وإن كان قديما ~~لزم قدم المخلوق . والثاني : أنا إذا قلنا وجد الشيء فهل دل ذلك على حصول ~~الوجود لشيء أو لم يدل ؟ فإن لم يدل بطل هذا القيد وإن دل لزم أن يكون ~~الوجود حاصلا لشيء غيره وذلك الغير يجب أن يكون حاصلا في نفسه لأن ما لا ~~حصول له في نفسه امتنع حصول غيره له . فيلزم أن يكون حصول الوجود له مسبوقا ~~بحصول آخر إلى غير النهاية وهو محال . والثالث : إذا قلنا عدم الشيء وفني ~~فهذا يقتضي حصول العدم وحصول الفناء لتلك الماهية وذلك محال لأن العدم ~~والفناء نفي محض PageV01P040 فكيف يعقل حصولهما لغيرهما . والرابع : أن على ~~تقدير أن يكون الوجود زائدا على الماهية فإنه يصدق قولنا أنه حصل الوجود ~~لهذه الماهية فيلزم حصول وجود آخر لذلك الوجود إلى غير نهاية وهو محال وأما ~~على تقدير أن يكون الوجود نفس الماهية فإن قولنا حدث الشيء وحصل فإنه لا ~~يقتضي حصول وجود ms0039 لذلك الشيء وإلا لزم أن يكون الوجود زائدا على الماهية ~~ونحن الآن إنما نتكلم على تقدير أن الوجود نفس الماهية . < # > وأما القيد الثاني : < # > وهو قولنا في زمان معين ففيه سؤالات : أحدها : أنا إذا قلنا وجد الزمان ~~أو قلنا فني الزمان فهذا يقتضي حصول الزمان في زمان آخر ولزم التسلسل فإن ~~قالوا : يكفي في صحة هذا الحد كون الزمان واقعا في زمان آخر بحسب الوهم ~~الكاذب قلنا : الناس أجمعوا على أن قولنا حدث الزمان وحصل بعد أن كان ~~معدوما كلام حق ليس فيه باطل ولا كذب ولو كان الأمر كما قلتم لزم كونه ~~باطلا وكذبا وثانيها : أنا إذا قلنا : كان العالم معدوما في الأزل فقولنا : ~~كان فعل فلو أشعر ذلك بحصول الزمان لزم حصول الزمان في الأزل وهو محال فإن ~~قالوا : ذلك الزمان مقدر لا محقق قلنا التقدير الذهني إن طابق الخارج عاد ~~السؤال وإن لم يطابق كان كذبا ولزم فساد الحد وثالثها : أنا إذا قلنا : كان ~~الله موجودا في الأزل فهذا يقتضي كون الله زمانيا وهو محال ورابعها أنه ~~ينتقض بالأفعال الناقصة فإن كان الناقصة إما أن تدل على وقوع حدث في زمان ~~أو لا تدل . فإن دلت كان تاما لا ناقصا لأنه متى دل اللفظ على حصول حدث في ~~زمان معين كان هذا كلاما تاما لا ناقصا وإن لم يدل وجب أن لا يكون فعلا ~~وخامسها : أنه يبطل بأسماء الأفعال فإنها تدل على ألفاظ دالة على الزمان ~~المعين والدال على الدال على الشيء دال على ذلك الشيء فهذه الأسماء دالة ~~على الزمان المعين وسادسها : أن اسم الفاعل يتناول إما الحال وإما ~~الاستقبال ولا يتناول الماضي البتة فهو دال على الزمان المعين . والجواب ~~أما السؤالات الأربعة المذكورة على قولنا الفعل يدل على ثبوت المصدر لشيء ~~والثلاثة المذكورة على قولنا الفعل يدل الزمان فجوابها أن اللغوي يكفي في ~~علمه تصور المفهوم سواء كان حقا أو باطلا وأما قوله يشكل هذا الحد بالأفعال ~~الناقصة قلنا : الذي أقول به وأذهب إليه أن لفظة ms0040 كان تامة مطلقا إلا أن ~~الاسم الذي يستند إليه لفظ كان قد يكون ماهية مفردة مستقلة بنفسها مثل ~~قولنا : كان الشيء بمعنى حدث وحصل وقد تكون تلك الماهية عبارة عن موصوفية ~~شيء لشيء آخر مثل قولنا : كان زيد منطلقا فإن معناه حدوث موصوفية زيد ~~بالانطلاق فلفظ كان ههنا معناه أيضا الحدوث والوقوع إلا أن هذه الماهية لما ~~كانت من باب النسب والنسبة يمتنع ذكرها إلا بعد ذكر المنتسبين لا جرم وجب ~~ذكرهما ههنا فكما أن قولنا : كان زيد معناه انه حصل ووجد فكذا قولنا كان ~~زيد منطلقا معناه أنه حصلت موصوفية زيد بالانطلاق ؛ وهذا بحث عميق دقيق غفل ~~الأولون عنه وقوله خامسا يبطل ما ذكرتم بأسماء الأفعال قلنا المعتبر في كون ~~اللفظ فعلا دلالته على الزمان ابتداء لا بواسطة وقوله سادسا اسم الفاعل ~~مختص بالحال والاستقبال قلنا : لا نسلم بدليل أنهم قالوا : إذا كان بمعنى ~~الماضي لم يعمل عمل الفعل وإذا كان بمعنى الحال فإنه يعمل عمل الفعل . < # > المسألة الثامنة : < # > الكلمة إما أن يكون معناها مستقلا بالمعلومية أو لا يكون وهذا الأخير ~~هو الحرف فامتياز الحرف عن الاسم والفعل بقيد عدمي ثم نقول : والمستقل ~~بالمعلومية إما أن يدل على الزمان المعين PageV01P041 لذلك المسمى أو لا ~~يدل والذي لا يدل هو الاسم فامتاز الاسم عن الفعل بقيد عدمي وأما الفعل فإن ~~ماهيته متركبة من القيود الوجودية . < # > المسألة التاسعة : < # > إذا قلنا : ضرب فهو يدل على صدور الضرب عن شيء ما إلا أن ذلك الشيء غير ~~مذكور على التعيين بحسب هذا اللفظ فإن قالوا : هذا محال ويدل عليه وجهان : ~~الأول : أنه لو كان كذلك لكانت صيغة الفعل وحدها محتملة للتصديق والتكذيب ~~الثاني : أنها لو دلت على استناد الضرب إلى شيء مبهم في نفس الأمر وجب أن ~~يمتنع إسناده إلى شيء معين وإلا لزم التناقض ولو دلت على استناد الضرب إلى ~~شيء معين فهو باطل لأنا نعلم بالضرورة أن مجرد قولنا ضرب ما وضع لاستناد ~~الضرب إلى زيد بعينه أو عمرو بعينه والجواب عن ms0041 هذين السؤالين بجواب واحد ~~وهو أن ضرب صيغة غير موضوعة لأسناد الضرب إلى شيء مبهم في نفس الأمر بل ~~وضعت لإسناده إلى شيء معين يذكره ذلك القائل فقبل أن يذكره القائل لا يكون ~~الكلام تاما ولا محتملا للتصديق والتكذيب وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل . ~~< # > المسألة العاشرة : < # > قالوا الحرف ما جاء المعنى في غيره وهذا لفظ مبهم لأنهم إن أرادوا معنى ~~الحرف أن الحرف ما دل على معنى يكون المعنى حاصلا في غيره وحالا في غيره ~~لزمهم إن تكون أسماء الأعراض والصفات كلها حروفا وإن أرادوا به أنه الذي دل ~~على معنى يكون مدلول ذلك اللفظ غير ذلك المعنى فهذا ظاهر الفساد وإن أرادوا ~~به معنى ثالثا فلا بد من بيانه . < # > المسألة الحادية عشرة : < # > التركيبات الممكنة من هذه الثلاثة ستة : الاسم مع الاسم وهو الجملة ~~الحاصلة من المبتدأ والخبر والاسم مع الفعل وهو الجملة الحاصلة من الفعل ~~والفاعل وهاتان الجملتان مفيدتان بالاتفاق وأما الثالث - وهو الاسم مع ~~الحرف - فقيل : إنه يفيد في صورتين < # > الصورة الأولى : < # > قولك يا زيد فقيل : ذلك إنما أفاد لأن قولنا يا زيد في تقدير أنادي ~~واحتجوا على صحة قولهم بوجهين : الأول : أن لفظ يا تدخله الإمالة ودخول ~~الإمالة لا يكون إلا في الاسم أو الفاعل والثاني : أن لام الجر تتعلق بها ~~فيقال يالزيد فإن هذه اللام لام الاستغاثة وهي حرف جر ولو لم يكن قولنا يا ~~قائمة مقام الفعل وإلا لما جاز أن يتعلق بها حرف الجر لأن الحرف لا يدخل ~~على الحرف ومنهم من أنكر أن يكون يا بمعنى أنادي واحتج عليه بوجوه : الأول ~~: أن قوله أنادي إخبار عن النداء والإخبار عن الشيء مغاير للمخبر عنه فوجب ~~أن يكون قولنا أنادي زيدا مغايرا لقولنا يا زيد الثاني : أن قولنا أنادي ~~زيدا كلام محتمل للتصديق والتكذيب وقولنا يا زيد لا يحتملها الثالث : أن ~~قولنا يا زيد ليس خطابا إلا مع المنادى وقولنا أنادي زيدا غير مختص ~~بالمنادى الرابع : أن قولنا يا زيد يدل على حصول النداء في ms0042 الحال وقولنا ~~أنادي زيدا لا يدل على اختصاصه بالحال الخامس : أنه يصح أن يقال أنادي زيدا ~~قائما ولا يصح أن يقال يا زيد قائما فدلت هذه الوجوه الخمسة على حصول ~~التفرقة بين هذين اللفظين < # > الصورة الثانية : < # > قولنا زيد في الدار فقولنا زيد مبتدأ والخبر هو ما دل عليه قولنا في ~~إلا أن المفهوم من معنى الظرفية قد يكون في الدار أو في المسجد فأضيفت هذه ~~الظرفية إلى الدار لتتميز هذه الظرفية عن سائر أنواعها فإن قالوا : هذا ~~الكلام إنما أفاد لأن التقدير زيد استقر في الدار وزيد مستقر في الدار ~~فنقول : هذا باطل لأن قولنا استقر معناه حصل في الاستقرار فكان قولنا فيه ~~يفيد حصولا آخر ؛ وهو أنه حصل فيه PageV01P042 حصول ذلك الاستقرار وذلك ~~يفضي إلى التسلسل وهو محال فثبت أن قولنا زيد في الدار كلام تام ولا يمكن ~~تعليقه بفعل مقدر مضمر < # > المسألة الثانية عشرة : < # > الجملة المركبة إما أن تكون مركبة تركيبا أوليا أو ثانويا اما المركبة ~~تركيبا أوليا فهي الجملة الاسمية أو الفعلية والأشبه أن الجملة الاسمية ~~أقدم في المرتبة من الجملة الفعلية لأن الاسم بسيط والفعل مركب والبسيط ~~مقدم على المركب فالجملة الاسمية يجب أن تكون أقدم من الجملة الفعلية ويمكن ~~أن يقال : بل الفعلية أقدم ؛ لأن الاسم غير أصيل في أن يسند إلى غيره فكانت ~~الجملة الفعلية أقدم من الجملة الاسمية وأما المركبة تركيبا ثانويا فهي ~~الجملة الشرطية كقولك إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لأن قولك الشمس ~~طالعة جملة وقولك النهار موجود جملة أخرى ثم أدخلت حرف الشرط في إحدى ~~الجملتين وحرف الجزاء في الجملة الأخرى فحصل من مجموعها جملة واحدة والله ~~سبحانه وتعالى أعلم < # > الباب الرابع < # > < # > في تقسيمات الاسم إلى أنواعه وهي من وجوه < # > < # > التقسيم الأول : < # > إما أن يكون نفس تصور معناه مانعا من الشركة أو لا يكون فإن كان الأول ~~فإما أن يكون مظهرا وهو العلم وإما أن يكون مضمرا وهو معلوم وأما إذا لم ~~يكن مانعا من الشركة فالمفهوم منه : إما أن ms0043 يكون ماهية معينة وهو أسماء ~~الأجناس وإما أن يكون مفهومة أنه شيء ما موصوف بالصفة الفلانية وهو المشتق ~~كقولنا أسود فإن مفهومه أنه شيء ما له سواد فثبت بما ذكرناه أن الاسم جنس ~~تحته أنواع ثلاثة : أسماء الأعلام وأسماء الأجناس والأسماء المشتقة فلنذكر ~~أحكام هذه الأقسام < # > النوع الأول : < # > أحكام الأعلام وهي كثيرة : الحكم الأول : قال المتكلمون : اسم العلم لا ~~يفيد فائدة أصلا وأقول : حق أن العلم لا يفيد صفة في المسمى وأما ليس بحق ~~أنه لا يفيد شيئا وكيف وهو يفيد تعريف تلك الذات المخصوصة ؟ الحكم الثاني : ~~اتفقوا على أن الأجناس لها أعلام فقولنا أسد اسم جنس لهذه الحقيقة ؛ وقولنا ~~ثعالة اسم علم لها وأقول : الفرق ين اسمالجنس وبين علم الجنس من وجهين : ~~الأول : أن اسم العلم هو الذي يفيد الشخص المعين من حيث إنه المعين فإذا ~~سمينا أشخاصا كثيرين باسم زيد فليس ذلك لأجل أن قولنا زيد موضوع لإفادة ~~القدر المشترك بين تلك الأشخاص بل لأجل أن لفظ زيد وضع لتعريف هذه الذات من ~~حيث أنها هذه ولتعرف تلك من حيث إنها تلك على سبيل الاشتراك إذا عرفت هذا ~~فنقول : إذا قال الواضع : وضعت لفظ أسامة لإفادة ذات كل واحد من أشخاص ~~الأسد بعينها من حيث هي هي على سبيل الاشتراك اللفظي كان ذلك علم الجنس ~~وإذا قال : وضعت لفظ الأسد لإفادة الماهية التي هي القدر المشترك بين هذه ~~الأشخاص فقط من غير أن يكون فيها دلالة على الشخص المعين كان هذا اسم الجنس ~~فقد ظهر الفرق بين اسم الجنس وبين علم الجنس الثاني : أنهم وجدوا أسامة ~~اسما غير منصرف وقد تقرر عندهم أنه ما لم يحصل في الاسم شيئان لم يخرج ~~PageV01P043 عن الصرف ثم وجدوا في هذا اللفظ التأنيث ولم يجدوا شيئا آخر ~~سوى العلمية فاعتقدوا كونه علما لهذا المعنى . < # > الحكم الثالث : < # > اعلم أن الحكمة الداعية إلى وضع الأعلام أنه ربما اختص نوع بحكم واحتيج ~~إلى الاخبار عنه بذلك الحكم الخاص ومعلوم أن ذلك الإخبار على سبيل التخصيص ms0044 ~~غير ممكن إلا بعد ذكر المخبر عنه على سبيل الخصوص فاحتيج إلى وضع الأعلام ~~لهذه الحكمة الحكم الرابع أنه لما كانت الحاجات المختلفة تثبت لأشخاص الناس ~~فوق ثبوتها لسائر الحيوانات لا جرم كان وضع الأعلام للأشخاص الإنسانية أكثر ~~من وضعها لسائر الذوات العلم اسم ولقب وكنية . < # > الحكم الخامس : في تقسيمات الأعلام وهي من وجوه : الأول : العلم إما أن ~~يكون اسما كإبراهيم وموسى وعيسى أو لقبا كإسرائيل أو كنية كأبي لهب . واعلم ~~أن هذا التقسيم يتفرع عليه أحكام الحكم الأول : الشيء إما أن يكون له الاسم ~~فقط أو اللقب فقط أو الكنية فقط أو الاسم مع اللقب أو الاسم مع الكنية أو ~~اللقب مع الكنية واعلم أن سيبويه أفرد أمثلة الأقسام المذكورة من تركيب ~~الكنية والاسم وهي ثلاثة : أحدها : الذي له الاسم والكنية كالضبع فإن اسمها ~~حضاجر وكنيتها أم عامر وكذلك يقال للأسد أسامة وأبو الحارث وللثعلب ثعالة ~~وأبو الحصين وللعقرب شبوة وأم عريط وثانيها أن يحصل له الاسم دون الكنية ~~كقولنا قثم لذكر الضبع ولا كنية له وثالثها الذي حصلت له الكنية ولا اسم له ~~كقولنا للحيوان المعين أبو براقش الحكم الثالث : الكنية قد تكون بالإضافات ~~إلى الآباء وإلى الأمهات وإلى البنين وإلى البنات فالكنى بالآباء كما يقال ~~للذئب أبو جعدة للأبيض وأبو الجون وأما الأمهات فكما يقال للداهية أم حبو ~~كرى وللخمر أم ليلى واما البنون فكما يقال للغراب ابن دأية وللرجل الذي ~~يكون حاله منكشفا ابن جلا وأما البنات فكما يقال للصدى ابنة الجبل وللحصاة ~~بنت الأرض . والحكم الرابع : الإضافة في الكنية قد تكون مجهولة النسب نحو ~~ابن عرس وحمار قبان وقد تكون معلومة النسب نحو ابن لبون وبنت لبون وابن ~~مخاض وبنت مخاض لأن الناقة إذا ولدت ولدا ثم حمل عليها بعد ولادتها فإنها ~~لا تصير مخاضا إلا بعد سنة والمخاض الحامل المقرب فولدها إن كان ذكرا فهو ~~ابن مخاض وإن كان أنثى فهي بنت مخاض ثم إذا ولدت وصار لها لبن صارت لبونا ~~فأضيف الولد إليها ms0045 بإضافة معلومة . الحكم الخامس : إذا اجتمع الاسم واللقب ~~: فالاسم إما أن يكون مضافا أو لا فإن لم يكن مضافا أضيف الاسم إلى اللقب ~~يقال هذا سعيد كرز وقيس بطة لأنه يصير المجموع بمنزلة الاسم الواحد وأما إن ~~كان الاسم مضافا فهم يفردون اللقب فيقولون هذا عبد الله بطة . الحكم السادس ~~: المقتضي لحصول الكنية أمور : أحدها الاخبار عن نفس الأمر كقولنا أبو طالب ~~فإنه كني بابنه طالب وثانيها : التفاؤل والرجا كقولهم أبو عمرو لمن يرجو ~~ولدا يطول عمره وأبو الفضل لمن يرجو ولدا جامعا للفضائل وثالثها : الإيماء ~~إلى الضد كأبي يحيى للموت ورابعها أن يكون الرجل إنسانا مشهورا وله أب ~~مشهور فيتقارضان الكنية فإن يوسف كنيته أبو يعقوب ويعقوب كنيته أبو يوسف ~~وخامسها : اشتهار الرجل بخصلة فيكنى بها إما بسبب اتصافه بها أو انتسابه ~~إليها بوجه قريب أو بعيد . < # > التقسيم الثاني للأعلام : < # > العلم إما أن يكون مفردا كزيد أو مركبا من كلمتين لا علاقة بينهما ~~PageV01P044 كبعلبك أو بينهما علاقة وهي : إما علاقة الإضافة كعبد الله ~~وأبي زيد أو علاقة الإسناد وهي إما جملة اسمية أو فعليه ومن فروع هذا الباب ~~أنك إذا جعلت جملة اسم علم لم تغيرها البتة بل تتركها بحالها مثل تأبط شرا ~~وبرق نحوه . < # > التقسيم الثالث : < # > العلم إما أن يكون منقولا أو مرتجلا أما المنقول فإما أن يكون منقولا ~~عن لفظ مفيد أو غير مفيد والمنقول من المفيد إما أن يكون منقولا عن الاسم ~~أو الفعل أو الحرف أو ما يتركب منها أما المنقول عن الاسم فإما أن يكون عن ~~اسم عين : كأسد وثور أو عن اسم معنى : كفضل ونصر أو صفة حقيقية : كالحسن أو ~~عن صفة إضافية كالمذكور والمردود والمنقول عن الفعل إما أن يكون منقولا عن ~~صيغة الماضي كشمر أو عن صيغة المضارع كيحيى أو عن الأمر كاطرقا والمنقول عن ~~الحرف كرجل سميته بصيغة من صيغ الحروف وأما المنقول عن المركب من هذه ~~الثلاثة فإن كان المركب مفيدا فهو المذكور في التقسيم الثاني وإن كان غير ms0046 ~~مفيد فهو يفيد وأما المنقول عن صوت فهو مثل تسمية بعض العلوية بطباطبا وأما ~~المرتجل فقد يكون قياسا مثل عمران وحمدان فإنهما من أسماء الأجناس مثل ~~سرحان وندمان وقد يكون شاذا قلما يوجد له نظير مثل محبب وموهب . < # > التقسيم الرابع : < # > الأعلام إما أن تكون للذوات أو المعاني وعلى التقديرين فإما أن يكون ~~العلم علم الشخص أو علم الجنس فههنا أقسام أربعة وقبل الخوض في شرح هذه ~~الأقسام فيجب أن تعلم أن وضع الأعلام للذوات أكثر من وضعها للمعاني لأن ~~أشخاص الذوات هي التي يتعلق الغرض بالإخبار عن أحوالها على سبيل التعيين ~~أما أشخاص الصفات فليست كذلك في الأغلب . ولنرجع إلى أحكام الأقسام الأربعة ~~فالقسم الأول العلم للذوات والشرط فيه أن يكون المسمى مألوفا للواضع والأصل ~~في المألوفات الإنسان لأن مستعمل أسماء الأعلام هو الإنسان وإلف الشيء ~~بنوعه أتم من إلفه بغير نوعه وبعد الإنسان الأشياء التي يكثر احتياج ~~الإنسان إليها وتكثر مشاهدته لها ولهذا السبب وضعوا أعوج ولاحقا علمين ~~لفرسين وشذقما وعليا لفحلين وضمران لكلب وكساب لكلبة وأما الأشياء التي لا ~~يألفها الإنسان فقلما يضعون الأعلام لأشخاصها أما القسم الثاني فهو علم ~~الجنس للذوات وهو مثل أسامة للأسد وثعالة للثعلب وأما القسم الثالث فهو وضع ~~الأعلام للأفراد المعينة من الصفات ؛ وهو مفقود لعدم الفائدة وأما القسم ~~الرابع فهو علم الجنس للمعاني والضابط فيه أنا إذا رأينا حصول سبب واحد من ~~الأسباب التسعة المانعة من الصرف ثم منعوه الصرف علمنا أنهم جعلوه علما لما ~~ثبت أن المنع من الصرف لا يحصل إلا عند اجتماع سببين وذكر ابن جني أمثلة ~~لهذا الباب وهي تسميتهم التسبيح بسبحان والغدو بكيسان لأنهما غير منصرفين ~~فالسبب الواحد - وهو الألف والنون - حاصل . ولا بد من حصول العلمية ليتم ~~السببان . < # > التقسيم الخامس للأعلام : < # > اعلم أن اسم الجنس قد ينقلب اسم علم كما إذا كان المفهوم من اللفظ أمرا ~~كليا صالحا لأن يشترك فيه كثيرون ثم إنه في العرف يختص بشخص بعينه مثل ~~النجم فإنه في الأصل اسم لكل ms0047 نجم ثم اختص في العرف بالثريا وكذلك السماك ~~اسم مشتق من الارتفاع ثم اختص بكوكب معين . PageV01P045 < # > الباب الخامس < # > < # > في أحكام أسماء الأجناس والأسماء المشتقة وهي كثيرة < # > أما أحكام أسماء الأجناس فهي أمور : < # > الحكم الأول : < # > الماهية قد تكون مركبة وقد تكون بسيطة وقد ثبت في العقليات أن المركب ~~قبل البسيط في الجنس وأن البسيط قبل المركب في الفصل وثبت بحسب الاستقراء ~~أن قوة الجنس سابقة على قوة الفصل في الشدة والقوة فوجب أن تكون أسماء ~~الماهيات المركبة سابقة على أسماء الماهيات البسيطة . < # > الحكم الثاني : < # > أسماء الأجناس سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقة لأن الاسم المشتق ~~متفرع على الاسم المشتق منه فلو كان اسمه أيضا مشتقا لزم إما التسلسل أو ~~الدور وهما محالان فيجب الانتهاء في الاشتقاقات إلى أسماء موضوعة جامدة ~~فالموضوع غني عن المشتق والمشتق محتاج إلى الموضوع فوجب كون الموضوع سابقا ~~بالرتبة على المشتق ويظهر بهذا أن هذا الذي يعتاده اللغويون والنحويون من ~~السعي البليغ في أن يجعلوا كل لفظ مشتقا من شيء آخر سعي باطل وعمل ضائع . < # > الحكم الثالث : < # > الموجود إما واجب وإما ممكن والممكن إما متحيز أو حال في المتحيز ؛ أو ~~لا متحيز ولا حال في المتحيز أما هذا القسم الثالث فالشعور به قليل وإنما ~~يحصل الشعور بالقسمين الأولين ثم إنه ثبت بالدليل أن المتحيزات متساوية في ~~تمام ذواتها وأن الاختلاف بينها إنما يقع بسبب الصفات القائمة بها فالأسماء ~~الواقعة على كل واحد من أنواع الأجسام يكون المسمى بها مجموع الذات مع ~~الصفات المخصوصة القائمة بها هذا هو الحكم في الأكثر الأغلب . وأما أحكام ~~الأسماء المشتقة فهي أربعة : الحكم الأول : ليس من شرط الاسم المشتق أن ~~تكون الذات موصوفة بالمشتق منه بدليل أن المعلوم مشتق من العلم مع أن العلم ~~غير قائم بالمعلوم . وكذا القول في المذكور والمرئي والمسموع وكذا القول في ~~اللائق والرامي الحكم الثاني : شرط صدق المشتق حصول المشتق منه في الحال ~~بدليل أن من كان كافرا ثم أسلم فإنه يصدق عليه أنه ليس بكافر . وذلك يدل ms0048 ~~على أن بقاء المشتق منه شرط في صدق الاسم المشتق . الحكم الثالث : المشتق ~~منه إن كان ماهية مركبة لا يمكن حصول أجزائها على الاجتماع مثل الكلام ~~والقول والصلاة فإن الاسم المشتق إنما يصدق على سبيل الحقيقة عند حصول ~~الجزء الأخير من تلك الأجزاء . < # > الحكم الرابع : < # > المفهوم من الضارب أنه شيء ما له ضرب فأما أن ذلك الشيء جسم أو غيره ~~فذلك خارج عن المفهوم لا يعرف إلا بدلالة الالتزام . < # > الباب السادس < # > < # > في تقسيم الاسم إلى المعرب والمبني وذكر الأحكام المفرعة على هذين ~~القسمين وفيه مسائل < # > < # > المسألة الأولى : < # > في لفظ الإعراب وجهان : أحدهما أن يكون مأخوذا من قولهم أعرب عن نفسه ~~إذا بين ما في ضميره فإن الإعراب إيضاح المعنى والثاني : أن يكون أعرب ~~منقولا من قولهم عربت معدة الرجل إذا فسدت فكان المراد من الإعراب إزالة ~~الفساد ورفع الإبهام مثل أعجمت الكتاب بمعنى أزلت عجمته . PageV01P046 < # > المسالة الثانية : < # > إذا وضع لفظ الماهية وكانت تلك الماهية موردا لأحوال مختلفة وجب أن ~~يكون اللفظ موردا لأحوال مختلفة لتكون الأحوال المختلفة اللفظية دالة على ~~الأحوال المختلفة المعنوية كما أن جوهر اللفظ لما كان دالا على أصل الماهية ~~كان اختلاف أحواله دالا على اختلاف الأحوال المعنوية فتلك الأحوال المختلفة ~~اللفظية الدالة على الأحوال المختلفة المعنوية هي الإعراب . < # > المسألة الثالثة : < # > الأفعال والحروف أحوال عارضة للماهيات والعوارض لا تعرض لها عوارض أخرى ~~هذا هو الحكم الأكثري وإنما الذي يعرض لها الأحوال المختلفة هي الذوات ~~والألفاظ الدالة عليها هي الأسماء فالمستحق للإعراب بالوضع الأول هو ~~الأسماء . < # > المسألة الرابعة : < # > إنما اختص الإعراب بالحرف الأخير من الكلمة لوجهين : الأول أن الأحوال ~~العارضة للذات لا توجد إلا بعد وجود الذات واللفظ لا يوجد إلا بعد وجود ~~الحرف الأخير منه فوجب أن تكون العلامات الدالة على الأحوال المختلفة ~~المعنوية لا تحصل إلا بعد تمام الكلمة . الثاني : أن اختلاف حال الحرف ~~الأول والثاني من الكلمة للدلالة على اختلاف أوزان الكلمة فلم يبق لقبول ~~الأحوال الإعرابية إلا الحرف الأخير من الكلمة . < # > المسالة الخامسة : < # > الإعراب ms0049 ليس عبارة عن الحركات والسكنات الموجودة في أواخر الكلمات ~~بدليل أنها موجودة في المبينات والإعراب غير موجود فيها بل الإعراب عبارة ~~عن استحقاقها لهذه الحركات بسبب العوامل المحسوسة وذلك الاستحقاق معقول لا ~~محسوس والإعراب حاجة معقولة لا محسوسة . المسألة السادسة : < # > إذا قلنا في الحرف : إنه متحرك أو ساكن فهو مجاز لأن الحركة والسكون من ~~صفات الأجسام والحرف ليس بجسم بل المراد من حركة الحرف صوت مخصوص يوجد عقيب ~~التلفظ بالحرف والسكون عبارة عن أن يوجد الحرف من غير أن يعقبه ذلك الصوت ~~المخصوص المسمى بالحركة . < # > المسألة السابعة : < # > الحركات إما صريحة أو مختلسة والصريحة إما مفردة أو غير مفردة فالمفردة ~~ثلاثة وهي : الفتحة والكسرة والضمة وغير المفردة ما كان بين بين وهي ستة ~~لكل واحدة قسمان فللفتحة ما بينها وبين الكسرة أو ما بينها وبين الضمة أو ~~ما بينها وبين الفتحة والضمة على هذا القياس فالمجموع تسعة وهي أما مشبعة ~~أو غير مشبعة فهي ثمانية عشر والتاسعة عشرة المختلسة وهي ما تكون حركة وإن ~~لم يتميز في الحس لها مبدأ وتسمى الحركة المجهولة وبها قرأ أبو عمرو : @QB@ ~~فتوبوا إلى بارئكم @QE@ [ البقرة : 54 ] مختلسة الحركة من بارئكم وغير ~~ظاهرة بها . < # > المسألة الثامنة : < # > لما كان المرجع بالحركة والسكون في هذا الباب إلى أصوات مخصوصة لم يجب ~~القطع بانحصار الحركات في العدد المذكور قال ابن جني اسم المفتاح بالفارسية ~~- وهو كليد - لا يعرف أن أوله متحرك أو ساكن قال : وحدثني أبو علي قال : ~~دخلت بلدة فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل فتعجبت منها وأقمت ~~هناك أياما فتكلمت أيضا بها فلما فارقت تلك البلدة نسيتها . < # > المسألة التاسعة : < # > الحركة الإعرابية متأخرة عن الحرف تأخرا بالزمان ويدل عليه وجهان : ~~الأول أن PageV01P047 الحروف الصلبة كالباء والتاء والدال وأمثالها إنما ~~تحدث في آخر زمان حبس النفس وأول إرساله وذلك أن فاصل ما بين الزمانين غير ~~منقسم والحركة صوت يحدث عند إرسال النفس ومعلوم أن ذلك الآن متقدم على ذلك ~~الزمان فالحرف متقدم على الحركة . الثاني : أن الحروف ms0050 الصلبة لا تقبل ~~التمديد والحركة قابلة للتمديد فالحرف والحركة لا يوجدان معا لكن الحركة لا ~~تتقدم على الحرف فبقي أن يكون الحرف متقدما على الحركة . < # > المسألة العاشرة : < # > الحركات أبعاض من حروف المد واللين ويدل عليه وجوه الأول : أن حروف ~~المد واللين قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فله طرفان ولا طرف لها ~~في النقصان إلا هذه الحركات الثاني : أن هذه الحركات إذا مددناها ظهرت حروف ~~المد واللين فعلمنا أن هذه الحركات ليست إلا أوائل تلك الحروف الثالث : لو ~~لم تكن الحركات أبعاضا لهذه الحروف لما جاز الاكتفاء بها لأنها إذا كانت ~~مخالفة لها لم تسد مسدها فلم يصح الاكتفاء بها منها بدليل استقراء القرآن ~~والنثر والنظم وبالجملة فهب أن إبدال الشيء من مخالفه القريب منه جائز إلا ~~أن إبدال الشيء من بعضه أولى فوجب حمل الكلام عليه . < # > المسألة الحادية عشرة : < # > الابتداء بالحرف الساكن محال عند قوم وجائز عند آخرين لأن الحركة عبارة ~~عن الصوت الذي يحصل التلفظ به بعد التلفظ بالحرف وتوقيف الشيء على ما يحصل ~~بعده محال . < # > المسألة الثانية عشرة : < # > أثقل الحركات الضمة لأنها لا تتم إلا بضم الشفتين ولا يتم ذلك إلا بعمل ~~العضلتين الصلبتين الواصلتين إلى طرفي الشفة وأما الكسرة فإنه يكفي في ~~تحصيلها العضلة الواحدة الجارية ثم الفتحة يكفي فيها عمل ضعيف لتلك العضلة ~~وكما دلت هذه المعالم التشريحية على ما ذكرناه فالتجربة تظهره أيضا . واعلم ~~أن الحال فيما ذكرناه يختلف بحسب أمزجة البلدان فإن أهل أذربيجان يغلب على ~~جميع ألفاظهم إشمام الضمة وكثير من البلاد يغلب على لغاتهم إشمام الكسرة ~~والله أعلم . < # > المسألة الثالثة عشرة : < # > الحركات الثلاثة مع السكون إن كانت إعرابية سميت بالرفع والنصب والجر ~~أو الخفض والجزم وإن كانت بنائية سميت بالفتح والضم والكسر والوقف . < # > المسألة الرابعة عشرة : < # > ذهب قطرب إلى أن الحركات البنائية مثل الإعرابية والباقون خالفوه وهذا ~~الخلاف لفظي فإن المراد من التماثل إن كان هو التماثل في الماهية فالحس ~~يشهد بأن الأمر كذلك وإن كان المراد حصول التماثل في ms0051 كونها مستحقة بحسب ~~العوامل المختلفة فالعقل يشهد أنه ليس كذلك . < # > المسألة الخامسة عشرة : < # > من أراد أن يتلفظ بالضمة فإنه لا بد له من ضم شفتيه أولا ثم رفعهما ~~ثانيا ومن أراد التلفظ بالفتحة فإنه لا بد له من فتح الفم بحيث تنتصب الشفة ~~العليا عند ذلك الفتح ومن أراد التلفظ بالكسرة فإنه لا بد له من فتح الفم ~~فتحا قويا والفتح القوي لا يحصل إلا بانجرار اللحي الأسفل وانخفاضة فلا جرم ~~يسمى ذلك جرا وخفضا وكسرا لأن انجرار القوى يوجب الكسر وأما الجزم فهو ~~القطع وأما أنه لم سمي وقفا وسكونا فعلته ظاهرة . < # > المسألة السادسة عشرة : < # > منهم من زعم أن الفتح والضم والكسر والوقف أسماء للأحوال البنائية كما ~~أن الأربعة الثانية أسماء للأحوال الإعرابية ومنهم من جعل الأربعة الأول ~~أسماء تلك الأحوال سواء كانت PageV01P048 بنائية أو إعرابية وجعل الأربعة ~~الثانية أسماء للأحوال الإعرابية فتكون الأربعة الأولى بالنسبة إلى الأربعة ~~الثانية كالجنس بالنسبة إلى النوع . < # > المسالة السابعة عشرة : < # > أن سيبويه يسميها بالمجاري ويقول : هي ثمانية وفيه سؤالان : الأول : لم ~~سمي الحركات بالمجاري فإن الحركة نفسها الجري والمجرى موضع الجري فالحركة ~~لا تكون مجرى ؟ وجوابه أنا بينا أن الذي يسمى ههنا بالحركة فهو في نفسه ليس ~~بحركة إنما هو صوت يتلفظ به بعد التلفظ بالحرف الأول فالمتكلم لما انتقل من ~~الحرف الصامت إلى هذا الحرف فهذا الحرف المصوت إنما حدث لجريان نفسه ~~وامتداده فلهذا السبب صحت تسميته بالمجرى . السؤال الثاني : قال المازني : ~~غلط سيبويه في تسميته الحركات البنائية بالمجاري لأن الجري إنما يكون لما ~~يوجد تارة ويعدم تارة . والمبني لا يزول عن حاله فلم يجز تسميته بالمجاري - ~~بل كان الواجب أن يقال : المجاري أربعة وهي الأحوال الإعرابية . والجواب أن ~~المبنيات قد تحرك عند الدرج ولا تحرك عند الوقف فلم تكن تلك الأحوال لازمة ~~لها مطلقا . < # > المسألة الثامنة عشرة : < # > الإعراب اختلاف آخر الكلمة باختلاف العوامل : بحركة أو حرف تحقيقا أو ~~تقديرا أما الاختلاف فهو عبارة عن موصوفية آخر تلك الكلمة بحركة أو سكون ms0052 ~~بعد أن كان موصوفا بغيرها . ولا شك أن تلك الموصوفية حالة معقولة لا محسوسة ~~فلهذا المعنى قال عبد القاهر النحوي : الإعراب حالة معقولة لا محسوسة وأما ~~قوله باختلاف العوامل فاعلم أن اللفظ الذي تلزمه حالة واحدة أبدا هو المبني ~~وأما الذي يختلف آخره فقسمان أحدهما : أن لا يكون معناه قابلا للأحوال ~~المختلفة كقولك أخذت المال من زيد فتكون من ساكنة ثم تقول أخذت المال من ~~الرجل فتفتح النون ثم تقول أخذت المال من ابنك فتكون مكسورة فههنا اختلف ~~آخر هذه الكلمة إلا أنه ليس بإعراب لأن المفهوم من كلمة من لا يقبل الأحوال ~~المختلفة في المعنى وأما القسم الثاني وهو الذي يختلف آخر الكلمة عند ~~اختلاف أحوال معناها - فذلك هو الإعراب . < # > المسألة التاسعة عشرة : < # > أقسام الإعراب ثلاثة : الأول : الإعراب بالحركة وهي في أمور ثلاثة : ~~أحدها : الاسم الذي لا يكون آخره حرفا من حروف العلة سواء كان أوله أو وسطه ~~معتلا أو لم يكن نحو رجل ووعد وثوب وثانيها أن يكون آخر الكلمة واوا أو ياء ~~ويكون ما قبله ساكنا فهذا كالصحيح في تعاقب الحركات عليه تقول : هذا ظبي ~~وغزو ومن هذا الباب المدغم فيهما كقولك : كرسي وعدو لأن المدغم يكون ساكنا ~~فسكون الياء من كرسي والواو من عدو كسكون الباء من ظبي والزاي من غزو ~~وثالثها : أن تكون الحركة المتقدمة على الحرف الأخير من الكلمة كسرة وحينئذ ~~يكون الحرف الأخير ياء وإذا كان آخر الكلمة ياء قبلها كسرة كان في الرفع ~~والجر على صورة واحدة وهي السكون وأما في النصب فإن الياء تحرك بالفتحة قال ~~الله تعالى : @QB@ أجيبوا داعي الله @QE@ [ الأحقاف : 31 ] . القسم الثاني ~~من الإعراب : ما يكون بالحرف وهو في أمور ثلاثة : أحدها في الأسماء الستة ~~مضافة وذلك جاءني أبوه وأخوه وحموه وهنوه وفوه وذو مال ورأيت أباه ومررت ~~بأبيه وكذا في البواقي وثانيها كلا مضافا إلى مضمر تقول جاءني كلاهما ومررت ~~بكليهما ورأيت كليهما وثالثها التثنية والجمع تقول : جاءني مسلمان ومسلمون ~~PageV01P049 ورأيت مسلمين ومسلمين ومررت بمسلمين . ومسلمين والقسم ms0053 الثالث : ~~الإعراب التقديري وهو في الكلمة التي يكون آخرها ألفا وتكون الحركة التي ~~قبلها فتحة فإعراب هذه الكلمة في الأحوال الثلاثة على صورة واحدة تقول : ~~هذه رحا ورأيت رحا ومررت برحا . < # > المسألة العشرون : < # > أصل الإعراب أن يكون بالحركة لأنا ذكرنا أن الأصل في الإعراب أن يجعل ~~الأحوال العارضة للفظ دلائل على الأحوال العارضة للمعنى والعارض للحرف هو ~~الحركة لا الحرف الثاني وأما الصور التي جاء إعرابها بالحروف فذلك للتنبيه ~~على أن هذه الحروف من جنس تلك الحركات . < # > المسألة الحادية والعشرون : < # > الاسم المعرب ويقال له المتمكن نوعان : أحدهما : ما يستوفي حركات ~~الإعراب والتنوين وهو المنصرف والأمكن والثاني ما لا يكون كذلك بل يحذف عنه ~~الجر والتنوين ويحرك بالفتح في موضع الجر إلا إذا أضيف أو دخله لام التعريف ~~ويسمى غير المنصرف والأسباب المانعة من الصرف تسعة فمتى حصل في الاسم اثنان ~~منها أو تكرر سبب واحد فيه امتنع من الصرف وهي : العلمية والتأنيث اللازم ~~لفظا ومعنى ووزن الفعل الخاص به أو الغالب عليه والوصفية والعدل والجمع ~~الذي ليس على زنة واحدة والتركيب والعجمة في الأعلام خاصة والألف والنون ~~المضارعتان لألفي التأنيث سبب منع الصرف . < # > المسألة الثانية والعشرون : < # > إنما صار اجتماع اثنين من هذه التسعة مانعا من الصرف لأن كل واحد منها ~~فرع والفعل فرع عن الاسم فإذا حصل في الاسم سببان من هذه التسعة صار ذلك ~~الاسم شبيها بالفعل في الفرعية وتلك المشابهة تقتضي منع الصرف فهذه مقدمات ~~أربع : < # > المقدمة الأولى : < # > في بيان أن كل واحد من هذه التسعة فرع أما بيان أن العلمية فرع فلأن ~~وضع الاسم للشيء لا يمكن إلا بعد صيرورته معلوما والشيء في الأصل لا يكون ~~معلوما ثم يصير معلوما وأما أن التأنيث فرع فبيانه تارة بحسب اللفظ وأخرى ~~بحسب المعنى . أما بحسب اللفظ فلأن كل لفظة وضعت لماهية فإنها تقع على ~~الذكر من تلك الماهية بلا زيادة وعلى الأنثى بزيادة علامة التأنيث وأما ~~بحسب المعنى فلأن الذكر أكمل من الأنثى والكامل مقصود بالذات والناقص مقصود ~~بالعرض ms0054 وأما أن الوزن الخاص بالفعل أو الغالب عليه فرع فلأن وزن الفعل فرع ~~للفعل والفعل فرع للاسم وفرع الفرع فرع وأما أن الوصف فرع فلأن الوصف فرع ~~عن الموصوف واما أن العدل فرع فلأن العدول عن الشيء إلى غيره مسبوق بوجود ~~ذلك الأصل وفرع عليه وأما أن الجمع الذي ليس على زنته واحد فرع فلأن ذلك ~~الوزن فرع على وجود الجمع لأنه لا يوجد إلا فيه والجمع فرع على الواحد لأن ~~الكثرة فرع على الوحدة وفرع الفرع فرع وبهذا الطريق يظهر أن التركيب فرع ~~وأما أن المعجمة فرع فلأن تكلم كل طائفة بلغة أنفسهم أصل وبلغة غيرهم فرع ~~واما أن الألف والنون في سكران وأمثاله يفيدان الفرعية فلأن الألف والنون ~~زائدان على جوهر الكلمة والزائد فرع فثبت بما ذكرنا أن هذه الأسباب التسعة ~~توجب الفرعية . < # > المقدمة الثانية : < # > في بيان أن الفعل فرع والدليل عليه أن الفعل عبارة عن اللفظ الدال على ~~وقوع المصدر في زمان معين فوجب كونه فرعا على المصدر . PageV01P050 < # > المقدمة الثالثة : < # > أنه لما ثبت ما ذكرناه ثبت أن الاسم الموصوف بأمرين من تلك الأمور ~~التسعة يكون مشابها للفعل في الفرعية ومخالفا له في كونه اسما في ذاته ~~والأصل في الفعل عدم الإعراب كما ذكرنا فوجب أن يحصل في مثل هذا الاسم ~~أثران بحسب كل واحد من الاعتبارين المذكورين وطريقة أن يبقى إعرابها من ~~أكثر الوجوه ويمنع من إعرابها من بعض الوجوه ليتوفر على كل واحد من ~~الاعتبارين ما يليق به . < # > المسألة الثالثة والعشرون : < # > إنما ظهر هذا الأثر في منع التنوين والجر لأجل أن التنوين يدل على كمال ~~الاسم فإذا ضعف الاسم بحسب حصول هذه الفرعية أزيل عنه ما دل على كمال حاله ~~وأما الجر فلأن الفعل يحصل فيه الرفع والنصب وأما الجر فغير حاصل فيه فلما ~~صارت الأسماء مشابهة للفعل لا جرم سلب عنها الجر الذي هو من خواص الأسماء . ~~< # > المسألة الرابعة والعشرون : < # > هذه الأسماء بعد أن سلب عنها الجر إما أن تترك ساكنة في حال الجر أو ms0055 ~~تحرك والتحريك أولى تنبيها على أن المانع من هذه الحركة عرضي لا ذاتي ثم ~~النصب أول الحركات لأنا رأينا أن النصب حمل على الجر في التثنية والجمع ~~السالم فلزم هنا حمل الجر على النصب تحقيقا للمعارضة . < # > المسألة الخامسة والعشرون : < # > اتفقوا على أنه إذا دخل على ما لا ينصرف الألف واللام أو أضيف انصرف ~~كقوله : مررت بالأحمر والمساجد وعمركم ثم قيل : السبب فيه أن الفعل لا تدخل ~~عليه الألف واللام والإضافة فعند دخولهما على الاسم خرج الاسم عن مشابهة ~~الفعل قال عبد القاهر : هذا ضعيف ؛ لأن هذه الأسماء إنما شابهت الأفعال لما ~~حصل فيها من الوصفية ووزن الفعل وهذه المعاني باقية عند دخول الألف واللام ~~والإضافة فيها فبطل قولهم : إنه زالت المشابهة . وأيضا فحروف الجر ~~والفاعلية والمفعولية من خواص الأسماء ثم إنها تدخل على الأسماء مع أنها ~~تبقى غير منصرفة والجواب عن الأول : أن الإضافة ولام التعريف من خواص ~~الأسماء فإذا حصلتا في هذه الأسماء فهي وإن ضعفت في الاسمية بسبب كونها ~~مشابهة للفعل إلا أنها قويت بسبب حصول خواص الأسماء فيها إذا عرفت هذا ~~فنقول : أصل الاسمية يقتضي قبول الإعراب من كل الوجوه إلا أن المشابهة ~~للفعل صارت معارضة للمقتضى فإذا صار هذا المعارض معارضا بشيء آخر ضعف ~~المعارض فعاد المقتضى عاملا عمله وأما السؤال الثاني فجوابه : أن لام ~~التعريف والإضافة أقوى من الفاعلية والمفعولية لأن لام التعريف والإضافة ~~يضادان التنوين والضدان متساويان في القوة فلما كان التنوين دليلا على كمال ~~القوة فكذلك الإضافة وحرف التعريف . < # > المسألة السادسة والعشرون : < # > لو سميت رجلا بأحمر لم تصرفه بالاتفاق لاجتماع العلمية ووزن الفعل أما ~~إذا نكرته فقال سيبويه : لا أصرفه وقال الأخفش : أصرفه . واعلم أن الجمهور ~~يقولون في تقرير مذهب سيبويه على ما يحكى أن المازني قال : قلت للأخفش : ~~كيف قلت مررت بنسوة أربع فصرفت مع وجود الصفة ووزن الفعل ؟ قال : لأن أصله ~~الاسمية فقلت : فكذا لا تصرف أحمر اسم رجل إذا نكرته لأن أصله الوصفية قال ~~المازني : فلم يأت الأخفش بمقنع وأقول ms0056 : كلام المازني ضعيف لأن الصرف ثبت ~~على وفق الأصل في قوله : مررت بنسوة أربع لأنه يكفي عود الشيء إلى حكم ~~الأصل أدنى سبب PageV01P051 بخلاف المنع من الصرف ؛ فإنه على خلاف الأصل ~~فلا يكفي فيه إلا السبب القوي وأقول : الدليل على صحة مذهب سيبويه أنه حصل ~~فيه وزن الفعل والوصفية الأصلية فوجب كونه غير منصرف أما المقدمة الأولى ~~فهي إنما تتم بتقرير ثلاثة أشياء : الأول : ثبوت وزن الفعل وهو ظاهر ~~والثاني الوصفية والدليل عليه أن العلم إذا نكر صار معناه الشيء الذي يسمى ~~بذلك الاسم فإذا قيل رب زيد رأيته كان معناه رب شخص مسمى باسم زيد رأيته ~~ومعلوم أن كون الشخص مسمى بذلك الاسم صفة لا ذات والثالث : أن الوصفية ~~أصلية والدليل عليه أن لفظ الأحمر حين كان وصفا معناه الاتصاف بالحمرة فإذا ~~جعل علما ثم نكر كان معناه كونه مسمى بهذا الاسم وكونه كذلك صفة إضافية ~~عارضة له ف المفهومان اشتركا في كون كل واحد منهما صفة إلا أن الأول يفيد ~~صفة حقيقية والثاني يفيد صفة إضافية والقدر المشترك بينهما كونه صفة فثبت ~~بما ذكرنا أنه حصل فيه وزن الفعل والوصفية الأصلية فوجب كونه غير منصرف لما ~~ذكرناه . فإن قيل : يشكل ما ذكرتم بالعلم الذي ما كان وصفا فإنه عند ~~التنكير ينصرف مع أنه عند التنكير يفيد الوصفية بالبيان الذي ذكرتم . قلنا ~~: إنه وإن صار عند التنكير وصفا إلا أن وصفيته ليست أصلية ؛ لأنها ما كانت ~~صفة قبل ذلك بخلاف الأحمر ؛ فإنه كان صفة قبل ذلك والشيء الذي يكون في ~~الحال صفة مع أنه كان قبل ذلك صفة كان أقوى في الوصفية مما لا يكون كذلك ؛ ~~فظهر الفرق . واحتج الأخفش بأن المقتضي للصرف قائم وهو الاسمية والعارض ~~الموجود لا يصح معارضا ؛ لأنه علم منكر والعلم المنكر موصوف بوصف كونه ~~منكرا والموصوف باق عند وجود الصفة فالعلمية قائمة في هذه الحالة والعلمية ~~تنافي الوصفية فقد زالت الوصفية فلم يبق سوى وزن الفعل والسبب الواحد لا ~~يمنع من الصرف والجواب : أنا ms0057 بينا بالدليل العقلي إن العلم إذا جعل منكرا ~~صار وصفا في الحقيقة فسقط هذا الكلام . < # > المسألة السابعة والعشرون : < # > قال سيبويه : السبب الواحد لا يمنع الصرف خلافا للكوفيين حجة سيبويه أن ~~المقتضي للصرف قائم وهو الاسمية والسببان أقوى من الواحد فعند حصول السبب ~~الواحد وجب البقاء على الأصل . وحجة الكوفيين قولهم المقدم وقد قيل أيضا : # % وما كان حصن ولا حابس % % يفوقان مرداس في مجمع % % وجوابه أن الرواية ~~الصحيحة في هذا البيت : يفوقان شيخي في مجمع . < # > المسألة الثامنة والعشرون : < # > قال سيبويه : ما لا ينصرف يكون في موضع الجر مفتوحا واعترضوا عليه بأن ~~الفتح من باب البناء وما لا ينصرف غير مبني وجوابه أن الفتح اسم لذات ~~الحركة من غير بيان أنها إعرابية أو بنائية . < # > المسألة التاسعة والعشرون : < # > إعراب الأسماء ثلاثة : الرفع والنصب والجر وكل واحد منها علامة على ~~معنى فالرفع علم الفاعلية والنصب علم المفعولية والجر علم الإضافة وأما ~~التوابع فإنها في حركاتها مساوية للمتبرعات . PageV01P052 < # > المسألة الثلاثون : < # > السبب في كون الفاعل مرفوعا والمفعول منصوبا والمضاف إليه مجرورا وجوه ~~: الأول : أن الفاعل واحد والمفعول أشياء كثيرة لأن الفعل قد يتعدى إلى ~~مفعول واحد وإلى مفعولين وإلى ثلاثة ثم يتعدى أيضا إلى المفعول له وإلى ~~الظرفين وإلى المصدر والحال فلما كثرت المفاعيل اختير لها أخف الحركات وهو ~~النصب ولما قل الفاعل اختير له أثقل الحركات وهو الرفع حتى تقع الزيادة في ~~العدد مقابلة للزيادة في المقدار فيحصل الاعتدال . الثاني : أن مراتب ~~الموجودات ثلاثة : مؤثر لا يتأثر وهو الأقوى وهو درجة الفاعل ومتأثر لا ~~يؤثر وهو الأضعف وهو درجة المفعول وثالث يؤثر باعتبار ويتأثر باعتبار وهو ~~المتوسط وهو درجة المضاف إليه والحركات أيضا ثلاثة : أقواها الضمة وأضعفها ~~الفتحة وأوسطها الكسرة فألحقوا كل نوع بشبيهه فجعلوا الرفع الذي هو أقوى ~~الحركات للفاعل الذي هو أقوى الأقسام والفتح الذي هو أضعف الحركات للمفعول ~~الذي هو أضعف الأقسام والجر الذي هو المتوسط للمضاف إليه الذي هو المتوسط ~~من الأقسام . الثالث : الفاعل مقدم على المفعول ؛ لأن الفعل لا يستغني ms0058 عن ~~الفاعل وقد يستغني عن المفعول فالتلفظ بالفاعل يوجد والنفس قوية فلا جرم ~~أعطوه أثقل الحركات عند قوة النفس وجعلوا أخف الحركات لما يتلفظ به بعد ذلك ~~. < # > المسألة الحادية والثلاثون : < # > المرفوعات سبعة : الفاعل والمبتدأ وخبره واسم كان واسم ما ولا ~~المشبهتين بليس وخبر إن وخبر لا النافية للجنس ثم قال الخليل الأصل في ~~الرفع الفاعل والبواقي مشبهة به وقال سيبويه : الأصل هو المبتدأ والبواقي ~~مشبهة به وقال الأخفش : كل واحد منهما أصل بنفسه واحتج الخليل بان جعل ~~الرفع إعرابا للفاعل أولى من جعله أعرابا للمبتدأ والأولوية تقتضي الأولية ~~. بيان الأول : أنك إذا قلت ضرب زيد بكر بإسكان المهملتين لم يعرف أن ~~الضارب من هو والمضروب من هو أما إذا قلت زيد قائم بإسكانهما عرفت من نفس ~~اللفظتين أن المبتدأ أيهما والخبر أيهما فثبت أن افتقار الفاعل إلى الإعراب ~~أشد فوجب أن يكون الأصل هو . وبيان الثاني أن الرفعية حالة مشتركة بين ~~المبتدأ والخبر فلا يكون فيها دلالة على خصوص كونه مبتدأ ولا على خصوص كونه ~~خبرا أما لا شك أنه في الفاعل يدل على خصوص كونه فاعلا فثبت أن الرفع حق ~~الفاعل إلا أن المبتدأ لما أشبه الفاعل في كونه مسندا إليه جعل مرفوعا ~~رعاية لحق هذه المشابهة وحجة سيبويه : أنا بينا أن الجملة الاسمية مقدمة ~~على الجمل الفعلية فإعراب الجملة الاسمية يجب أن يكون مقدما على إعراب ~~الجملة الفعلية والجواب : أن الفعل أصل في الإسناد إلى الغير فكانت الجملة ~~الفعلية مقدمة . وحينئذ يصير هذا الكلام دليلا للخليل . < # > المسألة الثانية والثلاثون : < # > المفاعيل خمسة لأن الفاعل لا بد له من فعل وهو المصدر ولا بد لذلك ~~الفعل من زمان ولذلك الفاعل من عرض ثم قد يقع ذلك الفعل في شيء آخر وهو ~~المفعول به وفي مكان ومع شيء آخر فهذا ضبط القول في هذه المفاعيل . وفيه ~~مباحث عقلية : أحدها : أن المصدر قد يكون هو نفس المفعول به كقولنا خلق ~~الله العالم فإن خلق العالم لو كان مغايرا للعالم لكان ذلك المغاير ms0059 له إن ~~كان قديما لزم من قدمه قدم العالم وذلك ينافي كونه مخلوقا وإن كان حادثا ~~افتقر خلقه إلى PageV01P053 خلق آخر ولزم التسلسل : وثانيها : أن فعل الله ~~يستغني عن الزمان لأنه لو افتقر إلى زمان وجب أن يفتقر حدوث ذلك الزمان إلى ~~زمان آخر ولزم التسلسل : وثالثها : أن فعل الله يستغني عن العرض ؛ لأن ذلك ~~العرض إن كان قديما لزم قدم الفعل وإن كان حادثا لزم التسلسل وهو محال . < # > المسالة الثالثة والثلاثون : < # > اختلفوا في العامل في نصب المفعول على أربعة أقوال : الأول : وهو قول ~~البصريين - أن الفعل وحده يقتضي رفع الفاعل ونصب المفعول والثاني : وهو قول ~~الكوفيين - أن مجموع الفعل والفاعل يقتضي نصب المفعول والثالث : وهو قول ~~هشام بن معاوية من الكوفيين - أن العامل هو الفاعل فقط والرابع : وهو قول ~~خلف الأحمر من الكوفيين - أن العامل في الفاعل الفاعلية وفي المفعول معنى ~~المفعولية . حجة البصريين أن العامل لا بد وأن يكون له تعلق بالمعمول وأحد ~~الاسمين لا تعلق له بالآخر فلا يكون له فيه عمل البتة وإذا سقط لم يبق ~~العمل إلا للفعل . حجة المخالف أن العامل الواحد لا يصدر عنه أثران لما ثبت ~~أن الواحد لا يصدر عنه إلا أثر واحد . قلنا : ذاك في الموجبات أما في ~~المعرفات فممنوع . واحتج خلف بأن الفاعلية صفة قائمة بالفاعل والمفعولية ~~صفة قائمة بالمفعول ولفظ الفعل مباين لهما وتعليل الحكم بما يكون حاصلا في ~~محل الحكم أولى من تعليله بما يكون مباينا له وأجيب عنه بأنه معارض بوجه ~~آخر : وهو أن الفعل أمر ظاهر وصفة الفاعلية والمفعولية أمر خفي وتعليل ~~الحكم الظاهر بالمعنى الظاهر أولى من تعليله بالصفة الخفية والله أعلم . < # > الباب السابع < # > < # > في إعراب الفعل < # > اعلم أن قوله : @QB@ أعوذ @QE@ يقتضي إسناد الفعل إلى الفاعل فوجب ~~علينا أن نبحث عن هذه المسائل . المسألة الأولى : إذا قلنا في النحو فعل ~~وفاعل فلا نريد به ما يذكره علماء الأصول لأنا نقول : مات زيد وهو لم يفعل ~~ونقول من طريق النحو : مات فعل وزيد فاعله بل ms0060 المراد أن الفعل لفظة مفردة ~~دالة على حصول المصدر لشيء غير معين في زمان غير معين فإذا صرحنا بذلك ~~الشيء الذي حصل المصدر له فذاك هو الفاعل ومعلوم أن قولنا حصل المصدر له ~~أعم من قولنا بإيجاده واختياره كقولنا قام أو لا باختياره كقولنا مات فإن ~~قالوا : الفعل كما يحصل في الفاعل فقد يحصل في المفعول قلنا : إن صيغة ~~الفعل من حيث هي تقتضي حصول ذلك المصدر لشيء ما هو الفاعل ولا تقتضي حصوله ~~للمفعول بدليل أن الأفعال اللازمة غنية عن المفعول . المسألة الثانية : ~~الفعل يجب تقديمه على الفاعل لأن الفعل إثباتا كان أو نفيا يقتضي أمرا ما ~~يكون هو مسندا إليه فحصول ماهية الفعل في الذهن يستلزم حصول شيء يسند الذهن ~~ذلك الفعل إليه والمنتقل إليه متأخر بالرتبة عن المنتقل عنه فلما وجوب كون ~~الفعل مقدما على الفاعل في الذهن وجب تقدمه عليه في الذكر فإن قالوا : لا ~~نجد في العقل فرقا بين قولنا ضرب زيد وبين قولنا زيد ضرب قلنا : ~~PageV01P054 الفرق ظاهر لأنا إذا قلنا زيد لم يلزم من وقوف الذهن على معنى ~~هذا اللفظ أن يحكم بإسناد معنى آخر إليه أما إذا فهمنا معنى لفظ ضرب لزم ~~منه حكم الذهن بإسناد هذا المفهوم إلى شيء ما إذا عرفت هذا فنقول : إذا ~~قلنا ضرب زيد فقد حكم الذهن بإسناد مفهوم ضرب إلى شيء ثم يحكم الذهن بأن ~~ذلك الشيء هو زيد الذي تقدم ذكره فحينئذ قد أخبر عن زيد بأنه هو ذلك الشيء ~~الذي أسند الذهن مفهوم ضرب إليه وحينئذ يصير قولنا : زيد مخبرا عنه وقولنا ~~ضرب جملة من فعل وفاعل وقعت خبرا عن ذلك المبتدأ . المسألة الثالثة : قالوا ~~: الفاعل كالجزء من الفعل والمفعول ليس كذلك وفي تقريره وجوه : الأول : ~~أنهم قالوا ضربت فأسكنوا لام الفعل لئلا يجتمع أربع متحركات وهم يحتجزون عن ~~تواليها في كلمة واحدة وأما بقرة فإنما احتملوا ذلك فيها لأن التاء زائدة ~~واحتملوا ذلك في المفعول كقولهم ضربك وذلك يدل على أنهم اعتقدوا أن ms0061 الفاعل ~~جزء من الفعل وأن المفعول منفصل عنه الثاني : أنك تقول : الزيدان قاما ~~أظهرت الضمير للفاعل وكذلك إذا قلت زيد ضرب وجب أن يكون الفعل مسند إلى ~~الضمير المستكن طردا للباب والثالث : وهو الوجه العقلي - أن مفهوم قولك ضرب ~~هو أنه حصل الضرب لشيء ما في زمان مضى فذلك الشيء الذي حصل له الضرب جزء من ~~مفهوم قولك ضرب فثبت أن الفاعل جزء من الفعل . المسألة الرابعة : الإضمار ~~قبل الذكر على وجوه : أحدها : أن يحصل صورة ومعنى كقولك ضرب غلامه زيدا ~~والمشهور أنه لا يجوز لأنك رفعت غلامه بضرب فكان واقعا موقعة والشيء إذا ~~وقع موقعه لم تجز إزالته عنه وإذا كان كذلك كانت الهاء في قولك غلامه ضميرا ~~قبل الذكر وأما قول النابغة : # % جزى ربه عني عدي بن حاتم % % جزاء الكلاب العاويات وقد فعل % % فجوابه ~~: أن الهاء عائدة إلى مذكور متقدم وقال ابن جني : وأنا أجيز أن تكون الهاء ~~في قوله ربه عائدة على عدي خلافا للجماعة ثم ذكر كلاما طويلا غير ملخص ~~وأقول : الأولى في تقريره أن يقال : الفعل من حيث أنه فعل كان غنيا عن ~~المفعول لكن الفعل المتعدي لا يستغني عن المفعول وذلك لأن الفاعل هو المؤثر ~~والمفعول هو القابل والفعل مفتقر إليهما ولا تقدم لأحدهما على الآخر أقصى ~~ما في الباب أن يقال أن الفاعل مؤثر والمؤثر أشرف من القابل فالفاعل متقدم ~~على المفعول من هذا الوجه لأنا بينا أن الفعل المتعدي مفتقر إلى المؤثر ~~وإلى القابل معا وإذا ثبت هذا فكما جاز تقديم الفاعل على المفعول وجب أيضا ~~جواز تقديم المفعول على الفاعل . القسم الثاني : وهو أن يتقدم المفعول على ~~الفاعل في الصورة لا في المعنى ؛ وهو كقولك ضرب غلامه زيد : فغلامه مفعول ~~وزيد فاعل ومرتبة المفعول بعد مرتبة الفاعل إلا أنه وإن تقدم في اللفظ لكنه ~~متأخر في المعنى . والقسم الثالث : وهو أن يقع في المعنى لا في الصورة ~~كقوله تعالى @QB@ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات @QE@ [ البقرة : 124 ] ~~فههنا الإضمار قبل الذكر غير ms0062 حاصل في الصورة لكنه حاصل في المعنى لأن ~~الفاعل مقدم في المعنى ومتى صرح بتقديمه لزم الإضمار قبل الذكر . < # > المسألة الخامسة : < # > الفاعل قد يكون مظهرا كقولك : ضرب زيد وقد يكون مضمرا بارزا كقولك : ~~ضربت وضربنا ومضمرا مستكنا كقولك : زيد ضرب فتنوي في ضرب فاعلا وتجعل ~~الجملة خبرا عن زيد ومن إضمار الفاعل قولك : إذا كان غدا فأتني أي : إذا ~~كان ما نحن عليه غدا . < # > المسألة السادسة : < # > الفعل قد يكون مضمرا يقال : من فعل ؟ فتقول : زيد والتقدير فعل زيد ~~ومنه : قوله تعالى : @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ~~الله @QE@ [ التوبة : 6 ] والتقدير : وإن استجارك أحد من المشركين . < # > المسألة السابعة : < # > إذا جاء فعلان معطوفا أحدهما على الآخر وجاء بعدهما اسم صالح ؛ لأن ~~يكون معمولا لهما ؛ فهذا على قسمين ؛ لأن الفعلين : إما أن يقتضيا عملين ~~متشابهين أو مختلفين وعلى التقديرين فإما أن يكون الاسم المذكور بعدهما ~~واحدا أو أكثر فهذه أقسام أربعة : القسم الأول : أن يذكر فعلان يقتضيان ~~عملا واحدا ويكون المذكور بعدهما اسما واحدا كقولك : قام وقعد زيد فزعم ~~الفراء أن الفعلين جميعا عاملان في زيد والمشهور أنه لا يجوز ؛ لأنه يلزم ~~تعليل الحكم الواحد بعلتين ممتنع في المؤثرات أما في المعرفات ؛ فجائز ~~وأجيب عنه بأن المعرف يوجب المعرفة فيعود الأمر إلى اجتماع المؤثرين في ~~الأثر الواحد . القسم الثاني : إذا كان الاسم غير مفرد وهو كقولك : قام ~~وقعد أخواك فههنا : إما أن ترفعه بالفعل الأول أو بالفعل الثاني فإن رفعته ~~بالأول قلت : قام وقعدا أخواك ؛ لأن التقدير : قام أخواك وقعدا أما إذا ~~أعملت الثاني جعلت في الفعل الأول ضمير الفاعل ؛ لأن الفعل لا يخلو من فاعل ~~مضمر أو مظهر تقول : قاما وقعد أخواك وعند البصريين إعمال الثاني أولى وعند ~~الكوفيين إعمال الأول أولى حجة البصريين أن إعمالهما معا ممتنع فلا بد من ~~إعمال أحدهما والقرب مرجح فإعمال الأقرب أولى وحجة الكوفيين إذا أعملنا ~~الأقرب وجب إسناد الفعل المتقدم إلى الضمير ويلزم حصول الإضمار قبل الذكر ~~وذلك أولى بوجوب الاحتراز ms0063 عنه . القسم الثالث : ما إذا اقتضى الفعلان ~~تأثيرين متناقضين وكان الاسم المذكور بعدهما مفردا فيقول البصريون : إن ~~إعمال الأقرب أولى خلافا للكوفيين حجة البصريين وجوه ؛ الأول : قوله - ~~تعالى - @QB@ آتوني أفرغ عليه قطرا @QE@ [ الكهف : 96 ] فحصل ههنا فعلان كل ~~واحد منهما يقتضي مفعولا : فإما أن يكون الناصب لقوله قطرا هو قوله آتوني ~~أو أفرغ والأول باطل وإلا صار التقدير : آتوني قطرا وحينئذ كان يجب أن يقال ~~: أفرغه عليه ولما لم يكن كذلك علمنا أن الناصب لقولك : قطرا هو قوله : ~~أفرغ ؛ الثاني : قوله تعالى : ^ { هاؤم اقرؤا كتابيه } ^ [ الحاقة : 19 ] ~~فلو كان العامل هو الأبعد لقيل : هاؤم اقرؤه وأجاب الكوفيون عن هذين ~~الدليلين بأنهما يدلان على جواز إعمال الأقرب وذلك لا نزاع فيه وإنما ~~النزاع في أنا نجوز إعمال الأبعد وأنتم تمنعونه وليس في الآية ما يدل على ~~المنع الحجة الثالثة للبصريين أنه يقال : ما جاءني من أحد فالفعل رافع ~~والحرف جار ثم يرجح الجار لأنه هو الأقرب . الحجة الرابعة : أن اهمالهما ~~وإعمالهما لا يجوز ولا بد من الترجيح والقرب مرجح فأعمال الأقرب أولى . ~~PageV01P055 واحتج الكوفيون بوجوه : الأول أنا بينا أن الاسم المذكور بعد ~~الفعلين إذا كان مثنى أو مجموعا فإعمال الثاني يوجب في الأول الإضمار قبل ~~الذكر وأنه لا يجوز فوجب القول بإعمال الأول هناك فإذا كان الاسم مفردا وجب ~~أن يكون الأمر كذلك طردا للباب . الثاني : أن الفعل الأول وجد معمولا خاليا ~~عن العائق لأن الفعل لا بد له من مفعول والفعل الثاني وجد المعمول بعد أن ~~عمل الأول فيه وعمل الأول فيه عائق عن عمل الثاني فيه ومعلوم أن إعمال ~~الخالي عن العائق أولى من إعمال العامل المقرون بالعائق . القسم الرابع : ~~إذا كان الاسم المذكور بعد الفعلين مثنى أو مجموعا فإن أعملت الفعل الثاني ~~قلت ضربت وضربني الزيدان وضربت وضربني الزيدون وإن أعملت الأول قلت ضربت ~~وضرباني الزيدين وضربت وضربوني الزيدين . < # > المسألة الثامنة : < # > قول امرئ القيس : # % فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة % % كفاني ولم أطلب قليل من المال % # % ولكنما أسعى ms0064 لمجد مؤثل % % وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي % % فقوله ~~كفاني ولم أطلب ليسا متوجهين إلى شيء واحد لأن قوله كفاني موجه إلى قليل من ~~المال وقوله ولم أطلب غير موجه إلى قليل من المال وإلا لصار التقدير فلو أن ~~ما أسعى لأدنى معيشة لم أطلب قليلا من المال وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء ~~لانتفاء غيره فيلزم حينئذ أنه ما سعى لأدنى معيشة ومع ذلك فقد طلب قليلا من ~~المال وهذا متناقض فثبت أن المعنى ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني قليل ~~من المال ولم أطلب الملك وعلى هذا التقدير فالفعلان غير موجهين إلى شيء ~~واحد . ولنكتف بهذا القدر من علم العربية قبل الخوض في التفسير . القسم ~~الثاني : من هذا الكتاب المشتمل على تفسير ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~) في المباحث النقلية والعقلية وفيه أبواب : - < # > الباب الأول < # > < # > في المسائل الفقهية المستنبطة من قولنا ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~) < # > < # > المسألة الأولى : < # > اتفق الأكثرون على أن وقت قراءة الاستعاذ قبل قراءة الفاتحة وعن النخعي ~~أنه بعدها وهو قول داود الأصفهاني وإحدى الروايتين عن ابن سيرين وهؤلاء ~~قالوا : الرجل إذا قرأ سورة الفاتحة بتمامها وقال ( آمين ) فبعد ذلك يقول : ~~أعوذ بالله والأولون احتجوا بما روى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين افتتح الصلاة قال : الله أكبر كبيرا ثلاث مرات والحمد لله كثيرا ~~ثلاث مرات وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاث مرات ثم قال : أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه . واحتج المخالف على صحة قوله بقوله ~~سبحانه : @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ [ ~~النحل : 98 ] دلت هذه الآية على أن قراءة القرآن شرط وذكر الاستعاذة جزاء ~~والجزاء متأخر عن الشرط فوجب أن تكون الاستعاذة متأخره عن قراءة القرآن ثم ~~قالوا : وهذا موافق لما في العقل لأن من قرأ القرآن فقد استوجب الثواب ~~العظيم فلو دخله العجب في آداء تلك الطاعة سقط ذلك الثواب لقوله عليه ~~الصلاة PageV01P057 والسلام ثلاث مهلكات وذكر منها إعجاب المرء بنفسه ؛ ~~فلهذا السبب أمره ms0065 الله سبحانه وتعالى بأن يستعيذ من الشيطان لئلا يحمله ~~الشيطان بعد قراءة القرآن على عمل يحبط ثواب تلك الطاعة . قالوا : ولا يجوز ~~أن يقال : إن المراد من قوله تعالى : @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~@QE@ أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ كما في قوله تعالى : @QB@ إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ [ المائدة : 6 ] والمعنى إذا أردتم القيام ~~إلى الصلاة لأنه يقال : ترك الظاهر في موضع الدليل لا يوجب تركه في سائر ~~المواضع لغير دليل . أما جمهور الفقهاء فقالوا : لا شك أن قوله : @QB@ فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ @QE@ [ النحل : 98 ] يحتمل أن يكون المراد منه إذا أردت ~~وإذا ثبت الاحتمال وجب حمل اللفظ عليه توفيقا بين هذه الآية وبين الخبر ~~الذي رويناه ومما يقوي ذلك من المناسبات العقلية أن المقصود من الاستعاذة ~~نفي وساوس الشيطان عند القراءة قال تعالى : @QB@ وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان @QE@ [ الحج : 52 ] وإنما أمر تعالى بتقديم الاستعاذة قبل القراءة ~~لهذا السبب . وأقول : ههنا قول ثالث : وهو أن يقرأ الاستعاذة قبل القراءة ~~بمقتضى الخبر وبعدها بمقتضى القرآن جمعا بين الدليلين بقدر الإمكان . < # > المسألة الثانية : < # > قال عطاء : الاستعاذة واجبة لكل قراءة سواء كانت في الصلاة أو في غيرها ~~وقال ابن سيرين : إذا تعوذ الرجل مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط ~~الوجوب وقال الباقون : إنها غير واجبة . حجة الجمهور أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يعلم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة ولقائل أن يقول ~~: إن ذلك الخبر غير مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة فلا يلزم من عدم ذكر ~~الاستعاذة فيه عدم وجوبها . واحتج عطاء على وجوب الاستعاذة بوجوه : الأول : ~~أنه عليه السلام واظب عليه فيكون واجبا لقوله تعالى : @QB@ واتبعوه @QE@ [ ~~الأعراف : 158 ] . الثاني : أن قوله تعالى : @QB@ فاستعذ @QE@ أمر وهو ~~للوجوب ثم إنه يجب القول بوجوبه عند كل القراءات لأنه تعالى قال : @QB@ ~~فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله @QE@ [ النحل : 98 ] وذكر الحكم عقيب الوصف ~~المناسب ms0066 يدل على التعليل والحكم يتكرر لأجل تكرر العلة . الثالث : أنه ~~تعالى أمر بالاستعاذة لدفع الشر من الشيطان الرجيم لأن قوله @QB@ فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم @QE@ مشعر بذلك ودفع شر الشيطان واجب وما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب فوجب أن تكون الاستعاذة واجبة . الرابع : أن طريقة ~~الاحتياط توجب الاستعاذة فهذا ما لخصناه في هذه المسألة . < # > المسألة الثالثة : < # > التعوذ مستحب قبل القراءة عند الأكثرين وقال مالك لا يتعوذ في المكتوبة ~~ويتعوذ في قيام شهر رمضان لنا الآية التي تلوناها والخبر الذي رويناه ~~وكلاهما يفيد الوجوب فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندب . PageV01P058 < # > المسألة الرابعة : < # > قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : روي أن عبد الله بن عمر لما قرأ ~~أسر بالتعوذ وعن أبي هريرة أنه جهر ثم قال : فإن جهر به جاز وإن أسر به ~~أيضا جاز وقال في الإملاء : ويجهر بالتعوذ فإن أسر لم يضر بين أن الجهر ~~عنده أولى وأقول : الاستعاذة إنما تقرأ بعد الافتتاح وقبل الفاتحة فإن ~~ألحقناها بما قبلها لزم الإسرار وإن ألحقناها بالفاتحة لزم الجهر إلا أن ~~المشابهة بينها وبين الافتتاح أتم لكون كل واحد منهما نافلة عند الفقهاء ~~ولأن الجهر كيفية وجودية والإخفاء عبارة عن عدم تلك الكيفية والأصل هو ~~العدم . < # > المسألة الخامسة : قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : قيل إنه يتعوذ ~~في كل ركعة ثم قال : والذي أقوله إنه لا يتعوذ إلا في الركعة الأولى وأقول ~~: له أن يحتج عليه بأن الأصل هو العدم وما لأجله أمرنا بذكر الاستعاذة هو ~~قوله : @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله @QE@ وكلمة إذا لا تفيد العموم ~~ولقائل أن يقول : قد ذكرنا أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على ~~العلية فيلزم أن يتكرر الحكم بتكرر العلة والله أعلم . < # > المسألة السادسة : < # > أنه تعالى قال في سورة النحل : @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم @QE@ [ النحل : 98 ] وقال في سورة أخرى : @QB@ إنه هو ~~السميع العليم @QE@ [ الأنفال : 61 ] وفي سورة ثالثة @QB@ إنه سميع عليم ~~@QE@ [ الأعراف : 200 ] فلهذا السبب ms0067 اختلف العلماء فقال الشافعي : واجب أن ~~يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو قول أبي حنيفة قالوا : لأن هذا ~~النظم موافق لقوله تعالى : فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وموافق أيضا ~~لظاهر الخبر الذي رويناه عن جبير بن مطعم وقال أحمد : الأولى أن يقول أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم جمعا بين الآيتين وقال بعض ~~أصحابنا الأولى أن يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم لأن ~~هذا أيضا جمع بين الآيتين وروى البيهقي في كتاب السنن عن أبي سعيد الخدري ~~أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر ثلاثا ~~وقال : # أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقال الثوري والأوزاعي : ~~الأولى أن يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم ~~وروى الضحاك عن ابن عباس أن أول ما نزل جبريل على محمد عليه الصلاة والسلام ~~قال : قل يا محمد : استعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال : ~~قل : ^ { بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذي خلق } ^ [ العلق : 1 ] ~~. وبالجملة فالاستعاذة تطهر القلب عن كل ما يكون مانعا من الاستغراق في ~~الله والتسمية توجه القلب إلى هيبة جلال الله والله الهادي . < # > المسألة السابعة : < # > التعوذ في الصلاة لأجل القراءة أم لأجل الصلاة ؟ عند أبي حنيفة ومحمد ~~أنه لأجل القراءة وعند أبي يوسف أنه لأجل الصلاة ويتفرع على هذا الأصل ~~فرعان : الفرع الأول : أن المؤتم هل يتعوذ خلف الإمام أم لا ؟ عندهما لا ~~يتعوذ لأنه لا يقرأ وعنده يتعوذ وجه قولهما قوله تعالى : @QB@ فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ [ النحل : 98 ] علق الاستعاذة ~~على القراءة ولا قراءة على المقتدي فلا يتعوذ ووجه أبي يوسف أن التعوذ لو ~~كان للقراءة لكان يتكرر بتكرر القراءة ولما لم يكن كذلك بل كرر بتكرر ~~الصلاة دل على أنها للصلاة لا للقراءة الفرع الثاني : إذا افتتح صلاة العيد ~~فقال : سبحانك اللهم وبحمدك هل يقول : أعوذ بالله ثم يكبر أم لا ؟ عندهما ~~أنه ms0068 يكبر التكبيرات ثم يتعوذ عند القراءة PageV01P059 وعند أبي يوسف يقدم ~~التعوذ على التكبيرات . وبقي من مسائل الفاتحة أشياء نذكرها ههنا : - < # > المسألة الثامنة : < # > السنة أن يقرأ القرآن على الترتيل لقوله تعالى @QB@ ورتل القرآن ترتيلا ~~@QE@ [ المزمل : 4 ] والترتيل هو أن يذكر الحروف والكلمات مبينة ظاهرة ~~والفائدة فيه أنه إذا وقعت القراءة على هذا الوجه فهم من نفسه معاني تلك ~~الألفاظ وأفهم غيره تلك المعاني وإذا قرأها بالسرعة لم يفهم ولم يفهم فكان ~~الترتيل أولى فقد روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا قال أبو سليمان ~~الخطابي : جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة يقال للقارئ : ~~اقرأ وارق في الدرج على عدد ما كنت تقرأ من القرآن فمن استوفى قراءة جميع ~~آي القرآن استولى على أقصى الجنة . < # > المسألة التاسعة : < # > إذا قرأ القرآن فالسنة أن يجيد في القراءة روى أبو داود عن البراء بن ~~عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # زينوا القرآن بأصواتكم . < # > المسألة العاشرة : < # > المختار عندنا أن اشتباه الضاد بالظاء لا يبطل الصلاة ويدل على أن ~~المشابهة حاصلة بينهما جدا والتمييز عسر فوجب أن يسقط التكليف بالفرق بيان ~~المشابهة من وجوه : الأول : أنهما من الحروف المجهورة والثاني : أنهما من ~~الحروف الرخوة والثالث : أنهما من الحروف المطبقة والرابع : أن الظاء وإن ~~كان مخرجه من بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ومخرج الضاد من أول ~~حافة اللسان وما يليها من الأضراس إلا أنه حصل في الضاد انبساط لأجل ~~رخاوتها وبهذا السبب يقرب مخرجه من مخرج الظاء والخامس : أن النطق بحرف ~~الضاد مخصوص بالعرب قال عليه الصلاة والسلام : # أنا أفصح من نطق بالضاد فثبت بما ذكرنا أن المشابهة بين الضاد والظاء ~~شديدة وأن التمييز عسر وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان هذا الفرق معتبرا لوقع ~~السؤال عنه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أزمنة الصحابة لا ~~سيما ms0069 عند دخول العجم في الإسلام فلما لم ينقل وقوع السؤال عن هذه المسألة ~~البتة علمنا أن التمييز بين هذين الحرفين ليس في محل التكليف . < # > المسألة الحادية عشرة : < # > اختلفوا في أن اللام المغلظة هل هي من اللغات الفصيحة أم لا ؟ وبتقدير ~~أن يثبت كونها من اللغات الفصيحة لكنهم اتفقوا على أنه لا يجوز تغليظها حال ~~كونها مكسورة لأن الانتقال من الكسرة إلى التلفظ باللام المغلظة ثقيل على ~~اللسان فوجب نفيه عن هذه اللغة . < # > المسألة الثانية عشرة : < # > اتفقوا على أنه لا يجوز في الصلاة قراءة القرآن بالوجوه الشاذة مثل ~~قولهم الحمد لله بكسر الدال من الحمد أو بضم اللام من لله لأن الدليل ينفي ~~جواز القراءة بها مطلقا لأنها لو كانت من القرآن لوجب بلوغها في الشهرة إلى ~~حد التواتر ولما لم يكن كذلك علمنا أنها ليست من القرآن إلا أنا عدلنا عن ~~هذا الدليل في جواز القراءة خارج الصلاة فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة ~~على أصل المنع . < # > المسألة الثالثة عشرة : < # > اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالنقل المتواتر وفيه ~~إشكال : وذلك لأنا نقول : هذه القراءات المشهورة إما أن تكون منقولة بالنقل ~~المتواتر أو لا تكون فإن كان الأول PageV01P060 فحينئذ قد ثبت بالنقل ~~المتواتر أن الله تعالى قد خير المكلفين بين هذه القراءات وسوى بينها في ~~الجواز وإذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على البعض واقعا على خلاف الحكم ~~الثابت بالتواتر فوجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين ~~للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير لكنا نرى أن كل واحد من هؤلاء القراء يختص ~~بنوع معين من القراءة ويحمل الناس عليها ويمنعهم من غيرها فوجب أن يلزم في ~~حقهم ما ذكرناه وأما إن قلنا إن هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر بل بطريق ~~الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم والقطع واليقين وذلك باطل ~~بالإجماع ولقائل أن يجيب عنه فيقول : بعضها متواتر ولا خلاف بين الأمة فيه ~~وتجويز القراءة بكل واحد منها وبعضها من باب الآحاد وكون بعض القراءات ms0070 من ~~باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بكليته عن كونه قطعيا والله أعلم . < # > الباب الثاني < # > < # > في المباحث العقلية المستنبطة من قولنا ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~) < # > اعلم أن الكلام في هذا الباب يتعلق بأركان خمسة : الاستعاذة والمستعيذ ~~والمستعاذ به والمستعاذ منه والشيء الذي لأجله تحصل الاستعاذة . < # > الركن الأول : < # > في الاستعاذة وفيه مسائل : - < # > المسألة الأولى : < # > في تفسير قولنا : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بحسب اللغة فنقول : ~~قوله ( أعوذ ) مشتق من العوذ وله معنيان : أحدهما : الالتجاء والاستجارة ~~والثاني : الالتصاق يقال أطيب اللحم عوذه وهو ما التصق منه بالعظم فعلى ~~الوجه الأول معنى قوله أعوذ بالله أي : ألتجئ إلى رحمة الله تعالى وعصمته ~~وعلى الوجه الثاني معناه ألتصق نفسي بفضل الله وبرحمته . وأما الشيطان ففيه ~~قولان : الأول أنه مشتق من الشطن وهو البعد يقال : شطن دارك أي بعد فلا جرم ~~سمي كل متمرد من جن وإنس ودابة شيطانا لبعده من الرشاد والسداد قال الله ~~تعالى : @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن @QE@ [ الأنعام ~~: 112 ] فجعل من الإنس شياطين وركب عمر برذونا فطفق يتبختر به فجعل يضربه ~~فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه وقال : ما حملتموني إلا على شيطان . والقول ~~الثاني أن الشيطان مأخوذ من قوله شاط يشيط إذا بطل ولما كان كل متمرد ~~كالباطل في نفسه بسبب كونه مبطلا لوجوه مصالح نفسه سمي شيطانا . وأما ~~الرجيم فمعناه المرجوم فهو فعيل بمعنى مفعول . كقولهم : كف خضيب أي مخضوب ~~ورجل لعين أي ملعون ثم في كونه مرجوما وجهان : الأول : أن كونه مرجوما كونه ~~ملعونا من قبل الله تعالى قال الله تعالى : @QB@ اخرج منها فإنك رجيم @QE@ ~~[ الحجر : 34 ] واللعن يسمى رجما وحكى الله تعالى عن والد إبراهيم عليه ~~السلام أنه قال له : @QB@ لئن لم تنته لأرجمنك @QE@ [ مريم : 46 ] قيل عنى ~~به الرجم بالقول وحكى الله تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا @QB@ لئن لم تنته ~~يا نوح لتكونن من المرجومين @QE@ [ الشعراء : 116 ] وفي سورة يس @QB@ لئن ~~لم تنتهوا لنرجمنكم @QE@ [ يس : 18 ] والوجه الثاني أن الشيطان إنما ms0071 وصف ~~بكونه مرجوما لأنه تعالى أمر الملائكة برمي الشياطين بالشهب والثواقب طردا ~~لهم من السموات ثم وصف بذلك كل شرير متمرد . PageV01P061 وأما قوله : @QB@ ~~إنه هو السميع العليم @QE@ [ الأنفال : 61 ] ففيه وجهان الأول : أن الغرض ~~من الاستعاذة الاحتراز من شر الوسوسة ومعلوم أن الوسوسة كأنها حروف خفية في ~~قلب الإنسان ولا يطلع عليها أحد فكأن العبد يقول : يا من هو على هذه الصفة ~~التي يسمع بها كل مسموع ويعلم كل سر خفي أنت تسمع وسوسة الشيطان وتعلم غرضه ~~فيها وأنت القادر على دفعها عني فادفعها عني بفضلك فلهذا السبب كان ذكر ~~السميع العليم أولى بهذا الموضع من سائر الأذكار الثاني : أنه إنما تعين ~~هذا الذكر بهذا الموضع اقتداء بلفظ القرآن وهو قوله تعالى : @QB@ وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم @QE@ [ : 200 ] وقال في ~~حم السجدة : @QB@ إنه هو السميع العليم @QE@ [ فصلت : 36 ] . < # > المسألة الثانية : < # > في البحث العقلي عن ماهية الاستعاذة : اعلم أن الاستعاذة لا تتم إلا ~~بعلم وحال وعمل أما العلم فهو كون العبد عالما بكونه عاجزا عن جلب المنافع ~~الدينية والدنيوية وعن دفع جميع المضار الدينية والدنيوية وأن الله تعالى ~~قادر على إيجاد جميع المنافع الدينية والدنيوية وعلى دفع جميع المضار ~~الدينية والدنيوية قدرة لا يقدر أحد سواه على دفعها عنه . فإذا حصل هذا ~~العلم في القلب تولد عن هذا العلم حصول حالة في القلب وهي انكسار وتواضع ~~ويعبر عن تلك الحالة بالتضرع إلى الله تعالى والخضوع له ثم إن حصول تلك ~~الحالة في القلب يوجب حصول صفة أخرى في القلب وصفة في اللسان أما الصفة ~~الحاصلة في القلب فهي أن يصير العبد مريدا لأن يصونه تعالى عن الآفات ويخصه ~~بإفاضة الخيرات والحسنات وأما الصفة التي في اللسان فهي أن يصير العبد ~~طالبا لهذا المعنى بلسانه من الله تعالى وذلك الطلب هو الاستعاذة وهو قوله ~~( أعوذ بالله ) إذا عرفت ما ذكرنا يظهر لك أن الركن الأعظم في الاستعاذة هو ~~علمه بالله وعلمه بنفسه وأما علمه بالله فهو أن ms0072 يعلم كونه سبحانه وتعالى ~~عالما بجميع المعلومات فإنه لو لم يكن الأمر كذلك لجاز أن لا يكون الله ~~عالما به ولا بأحواله فعلى هذا التقدير تكون الاستعاذة به عبثا ولا بد أن ~~يعلم كونه قادرا على جميع الممكنات وإلا فربما كان عاجزا عن تحصيل مراد ~~البعد ولا بد أن يعلم أيضا كونه جوادا مطلقا إذ لو كان البخل عليه جائزا ~~لما كان في الاستعاذة فائدة ولا بد أيضا وأن يعلم أنه لا يقدر أحد سوى الله ~~تعالى على أن يعينه على مقاصده إذ لو جاز أن يكون غير الله يعينه على ~~مقاصده لم تكن الرغبة قوية في الاستعاذة بالله وذلك لا يتم إلا بالتوحيد ~~المطلق وأعني بالتوحيد المطلق أن يعلم أن مدبر العالم واحد وأن يعلم أيضا ~~أن العبد غير مستقل بأفعال نفسه إذ لو كان مستقلا بأفعال نفسه لم يكن في ~~الاستعاذة بالغير فائدة فثبت بما ذكرنا أن العبد ما لم يعرف عزة الربوبية ~~وذلة العبودية لا يصح منه أن يقول : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ومن ~~الناس من يقول : لا حاجة في هذا الذكر إلى العلم بهذه المقدمات بل الإنسان ~~إذا جوز كون الأمر كذلك حسن منه أن يقول : أعوذ بالله على سبيل الإجمال ~~وهذا ضعيف جدا لأن إبراهيم عليه السلام عاب أباه في قوله : @QB@ لم تعبد ما ~~لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا @QE@ [ مريم : 42 ] فبتقدير أن لا يكون ~~الإله عالما بكل المعلومات قادرا على جميع المقدورات كان سؤاله سؤالا لمن ~~لا يسمع ولا يبصر وكان داخلا تحت ما جعله إبراهيم عليه السلام عيبا على ~~أبيه . وأما علم العبد بحال نفسه فلا بد وان يعلم عجزه وقصوره عن رعاية ~~مصالح نفسه على سبيل التمام وأن يعلم أيضا أنه بتقدير أن يعلم تلك المصالح ~~بحسب الكيفية والكمية لكنه لا يمكنه تحصيلها عند عدمها ولا إبقاؤها عند ~~وجودها . إذا عرفت هذا فنقول : إنه إذا حصلت هذه العلوم في قلب العبد وصار ~~مشاهدا لها متيقنا فيها وجب أن ms0073 يحصل PageV01P062 في قلبه تلك الحالة ~~المسماة بالانكسار والخضوع وحينئذ يحصل في قلبه الطلب وفي لسانه اللفظ ~~الدال على ذلك الطلب وذلك هو قوله : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) ~~والذي يدل على كون الإنسان عاجزا عن تحصيل مصالح نفسه في الدنيا والآخرة أن ~~الصادر عن الإنسان إما العمل وإما العلم وهو في كلا البابين في الحقيقة في ~~غاية العجز أما العلم فما أشد الحاجة في تحصيله إلى الاستعاذة بالله وفي ~~الاحتراز عن حصول ضده إلى الاستعاذة بالله ويدل عليه وجوه : - الحجة الأولى ~~: أنا كم رأينا من الأكياس المحققين بقوا في شبهة واحدة طول عمرهم ولم ~~يعرفوا الجواب عنها بل أصروا عليها وظنوها علما يقينيا وبرهانا جليا ثم بعد ~~انقضاء أعمارهم جاء بعدهم من تنبه لوجه الغلط فيها وأظهر للناس وجه فسادها ~~وإذا جاز ذلك على بعض الناس جاز على الكل مثله ولولا هذا السبب لما وقع بين ~~أهل العلم اختلاف في الأديان والمذاهب وإذا كان الأمر كذلك فلولا إعانة ~~الله وفضله وإرشاده وإلا فمن ذا الذي يتخلص بسفينة فكره من أمواج الضلالات ~~ودياجي الظلمات ؟ الحجة الثانية : أن كل أحد إنما يقصد أن يحصل له الدين ~~الحق والاعتقاد الصحيح وإن أحدا لا يرضى لنفسه بالجهل والكفر فلو كان الأمر ~~بحسب سعيه وإرادته لوجب كون الكل محقين صادقين وحيث لم يكن الأمر كذلك بل ~~نجد المحقين في جنب المبطلين كالشعرة البيضاء في جلد ثور أسود علمنا أنه لا ~~خلاص من ظلمات الضلالات إلا بإعانة إله الأرض والسموات . الحجة الثالثة : ~~أن القضية التي توقف الإنسان في صحتها وفسادها فإنه لا سبيل له إلى الجزم ~~بها إلا إذا دخل فيما بينهما الحد الأوسط فنقول : ذلك الحد الأوسط إن كان ~~حاضرا في عقله كان القياس منعقدا والنتيجة لازمة . فحينئذ لا يكون العقل ~~متوقفا في تلك القضية بل يكون جازما بها وقد فرضناه متوقفا فيها هذا خلف ~~وأما إن قلنا إن ذلك الحد الأوسط غير حاضر في عقله فهل يمكنه طلبه أو لا ~~يمكنه طلبه ؟ والأول باطل ms0074 لأنه إن كان لا يعرفه بعينه فكيف يطلبه ؟ لأن طلب ~~الشيء بعينه إنما يمكن بعد الشعور به وإن كان يعرفه بعينه فالعلم به حاضر ~~في ذهنه فكيف يطلب تحصيل الحاصل ؟ وأما إن كان لا يمكنه طلبه فحينئذ يكون ~~عاجزا عن تحصيل الطريق الذي يتخلص به من ذلك التوقف ويخرج من ظلمة تلك ~~الحيرة وهذا يدل على كون العبد في غاية الحيرة والدهشة . الحجة الرابعة : ~~أنه تعالى قال لرسوله عليه الصلاة والسلام @QB@ وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين @QE@ [ المؤمنون : 97 ] فهذه الاستعاذة مطلقة غير مقيدة بحالة ~~مخصوصة فهذا بيان كمال عجز العبد عن تحصيل العقائد والعلوم وأما عجز العبد ~~عن الأعمال الظاهرة التي يجر بها النفع إلى نفسه ويدفع بها الضرر عن نفسه ~~فهذا أيضا كذلك ويدل عليه وجوه : الأول : أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن ~~هذا البدن يشبه الجحيم وانكشف لهم أنه جلس على باب هذا الجحيم تسعة عشر ~~نوعا من الزبانية وهي الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والشهوة ~~والغضب والقوى الطبيعية السبع وكل واحد من هذه التسعة عشر فهو واحد بحسب ~~الجنس إلا أنه يدخل تحت كل واحد منها أعداد لا نهاية لها بحسب الشخص والعدد ~~واعتبر ذلك بالقوة الباصرة فإن الأشياء التي تقوى القوة الباصرة على ~~إدراكها أمور غير متناهية ويحصل من إبصار كل واحد منها أثر خاص في القلب ~~وذلك الأثر يجر القلب من أوج عالم الروحانيات إلى PageV01P063 حضيض عالم ~~الجسمانيات وإذا عرفت هذا ظهر أن مع كثرة هذه العوائق والعلائق أنه لا خلاص ~~للقلب من هذه الظلمات إلا بإعانة الله تعالى وإغاثته ولما ثبت أنه لا نهاية ~~لجهات نقصانات العبد ولا نهاية لكمال رحمة الله وقدرته وحكمته ثبت أن ~~الاستعاذة بالله واجبة في كل الأوقات فلهذا السبب يجب علينا في أول كل قول ~~وعمل ومبدأ كل لفظة ولحظة أن نقول : ^ { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } ^ ~~. الحجة الخامسة : أن اللذات الحاصلة في هذه الحياة العاجلة قسمان : أحدهما ~~: اللذات الحسية والثاني : اللذات الخيالية وهي لذة الرياسة ms0075 وفي كل واحد من ~~هذين القسمين الإنسان إذا لم يمكن أن يمارس تحصيل تلك اللذات ولم يزاولها ~~لم يكن له شعور بها وإذا كان عديم الشعور بها كان قليل الرغبة فيها ثم إذا ~~مارسها ووقف عليها التذ بها وإذا حصل الالتذاذ بها قويت رغبته فيها وكلما ~~اجتهد الإنسان حتى وصل إلى مقام آخر في تحصيل اللذات والطيبات وصل في شدة ~~الرغبة وقوة الحرص إلى مقام آخر أعلى مما كان قبل ذلك فالحاصل أن الإنسان ~~كلما كان أكثر فوزا بالمطالب كان أعظم حرصا وأشد رغبة في تحصيل الزائد ~~عليها وإذا كان لا نهاية لمراتب الكمالات فكذلك لا نهاية لدرجات الحرص وكما ~~أنه لا يمكن تحصيل الكمالات التي لا نهاية لها فكذلك لا يمكن إزالة ألم ~~الشوق والحرص عن القلب فثبت أن هذا مرض لا قدرة للعبد على علاجه ووجب ~~الرجوع فيه إلى الرحيم الكريم الناصر لعباده فيقال : ^ { أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم } ^ . الحجة السادسة : في تقرير ما ذكرناه قوله تعالى @QB@ ~~إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ وقوله : ^ { واستعينوا بالصبر والصلاة } [ ~~البقرة : 45 ] وقول موسى لقومه : ^ { استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين } ^ [ الأعراف : 128 ] وفي بعض ~~الكتب الإلهية أن الله تعالى يقول : وعزتي وجلالي لأقطعن امل كل مؤمل غيري ~~باليأس ولألبسنه ثوب المذلة عند الناس ولأخيبنه من قربي ولأبعدنه من وصلي ~~ولأجعلنه متفكرا حيران يؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي وأنا الحي ~~القيوم ويرجو غيري ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة ~~وبابي مفتوح لمن دعاني . < # > المسألة الثالثة : < # > في أن الاستعاذة كيف تصح على مذهب أهل الجبر ومذهب القدرية قالت ~~المعتزلة : قوله : ( أعوذ بالله ) يبطل القول بالجبر من وجوه : - الأول : ~~أن قوله : { أعوذ بالله } اعتراف بكون العبد فاعلا لتلك الاستعاذة ولو كان ~~خالق الأعمال هو الله تعالى لامتنع كون العبد فاعلا لأن تحصيل الحاصل محال ~~وأيضا فإذا خلقه الله في العبد امتنع دفعه وإذا لم يخلقه الله فيه امتنع ~~تحصيله فثبت أن قوله : ( أعوذ بالله ms0076 ) اعتراف بكون العبد موجدا لأفعال نفسه ~~. والثاني : أن الاستعاذة إنما تحسن من الله تعالى إذا لم يكن الله تعالى ~~خالقا للأمور التي منها يستعاذ أما إذا كان الفاعل لها هو الله تعالى امتنع ~~أن يستعاذ بالله منها لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد استعاذ بالله من ~~الله في عين ما يفعله الله . والثالث : أن الاستعاذة بالله من المعاصي تدل ~~على أن العبد غير راض بها ولو كانت المعاصي تحصل بتخليق الله تعالى وقضائه ~~وحكمه وجب على العبد كونه راضيا بها ؛ لما ثبت بالإجماع أن الرضا بقضاء ~~الله واجب . PageV01P064 والرابع : أن الاستعاذة بالله من الشيطان إنما ~~تعقل وتحسن لو كانت تلك الوسوسة فعلا للشيطان أما إذا كانت فعلا لله ولم ~~يكن للشيطان في وجودها أثر البتة فكيف يستعاذ من شر الشيطان بل الواجب أن ~~يستعاذ على هذا التقدير من شر الله تعالى لأنه لا شر إلا من قبله . الخامس ~~: أن الشيطان يقول : إذا كنت ما فعلت شيئا أصلا وأنت يا إله الخلق علمت ~~صدور الوسوسة عني ولا قدرة لي على مخالفة قدرتك وحكمت بها علي ولا قدر لي ~~على مخالفة حكمك ثم قلت : @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ [ البقرة ~~: 286 ] وقلت : @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ [ البقرة ~~: 185 ] وقلت : @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ [ الحج : 78 ] فمع ~~هذه الأعذار الظاهرة والأسباب القوية كيف يجوز في حكمتك ورحمتك أن تذمني ~~وتلعنني ؟ السادس : جعلتني مرجوما ملعونا بسبب جرم صدر مني أو لا بسبب جرم ~~صدر مني ؟ فإن كان الأول ؛ فقد بطل الجبر وإن كان الثاني ؛ فهذا محض الظلم ~~وأنت قلت : { وما الله يريد ظلما للعباد } [ غافر : 31 ] فكيف يليق هذا بك ~~؟ فإن قال قائل : هذه الإشكالات إنما تلزم على قول من يقول بالجبر وأنا لا ~~أقول بالجبر ولا بالقدر ؛ بل أقول : الحق حالة متوسطة بين الجبر والقدر وهو ~~الكسب . فنقول : هذا ضعيف ؛ لأنه إما أن يكون لقدرة العبد أثر في الفعل على ~~سبيل الاستقلال أو لا ms0077 يكون فإن كان الأول ؛ فهو تمام القول بالاعتزال وإن ~~كان الثاني فهو الجبر المحض والسؤالات المذكورة واردة على هذا القول فكيف ~~يعقل حصول الواسطة . قال أهل السنة والجماعة : أما الإشكالات التي ~~ألزمتموها علينا ؛ فهي بأسرها واردة عليكم من وجهين : الأول : أن قدرة ~~العبد إما أن تكون معينة لأحد الطرفين أو كانت صالحة للطرفين معا فإن كان ~~الأول فالجبر لازم وإن كان الثاني فرجحان أحد الطرفين على الآخر إما أن ~~يتوقف على المرجح أو لا يتوقف فإن كان الأول ؛ ففاعل ذلك المرجح إن كان هو ~~العبد عاد التقسيم الأول فيه وإن كان هو الله تعالى فعندما يفعل ذلك المرجح ~~يصير الفعل واجب الوقوع وعندما لا يفعله يصير الفعل ممتنع الوقوع وحينئذ ~~يلزمكم كل ما ذكرتموه وأما الثاني : وهو أن يقال : إن رجحان أحد الطرفين ~~على الآخر لا يتوقف على مرجح ؛ فهذا باطل ؛ لوجهين : الأول : أنه لو جاز ~~ذلك لبطل الاستدلال بترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر على وجود المرجح ~~والثاني : أن على هذا التقدير يكون ذلك الرجحان واقعا على سبيل الاتفاق ولا ~~يكون صادرا عن العبد وإذا كان الأمر كذلك ؛ فقد عاد الجبر المحض فثبت بهذا ~~البيان أن كل ما أوردتموه علينا ؛ فهو وارد عليكم . الوجه الثاني : في ~~السؤال : أنكم سلمتم كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ووقوع الشيء على ~~خلاف علمه يقتضي انقلاب علمه جهلا وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فكان ~~كل ما أوردتموه علينا في القضاء والقدر لازما عليكم في العلم لزوما لا جواب ~~عنه . ثم قال أهل السنة والجماعة : قوله : ^ { أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم } ^ يبطل القول بالقدر من وجوه : PageV01P065 الأول : أن المطلوب من ~~قولك : ^ { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } ^ إما أن يكون هو أن يمنع الله ~~الشيطان من عمل الوسوسة منعا بالنهي والتحذير أو على سبيل القهر والجبر أما ~~الأول فقد فعله ولما فعله كان طلبه من الله محالا ؛ لأن تحصيل الحاصل محال ~~وأما الثاني فهو غير جائز ؛ لأن الإلجاء ينافي كون الشياطين مكلفين وقد ثبت ~~كونهم ms0078 مكلفين أجابت المعتزلة عنه فقالوا : المطلوب بالاستعاذة فعل الألطاف ~~التي تدعو المكلف إلى فعل الحسن وترك القبيح لا يقال : فتلك الألطاف فعل ~~الله بأسرها فما الفائدة في الطلب ؛ لأنا نقول : إن من الألطاف ما لا يحسن ~~فعله إلا عند هذا الدعاء فلو لم يتقدم هذا الدعاء لم يحسن فعله أجاب أهل ~~السنة عن هذا السؤال : بأن فعل تلك الألطاف إما أن يكون له أثر في ترجيح ~~جانب الفعل على جانب الترك أو لا أثر فيه فإن كان الأول فعند حصول الترجيح ~~يصير الفعل واجب الوقوع والدليل عليه أن عند حصول رجحان جانب الوجود لو حصل ~~العدم فحينئذ يلزم أن يحصل عند رجحان جانب الوجود رجحان جانب العدم وهو جمع ~~بين النقيضين وهو محال فثبت أن عند حصول الرجحان يحصل الوجوب وذلك يبطل ~~القول بالاعتزال وأما إن لم يحصل بحسب فعل تلك الألطاف رجحان طرف الوجود لم ~~يكن لفعلها البتة أثر فيكون فعلها عبثا محضا وذلك في حق الله تعالى محال . ~~الوجه الثاني : أن يقال : إن الله تعالى إما أن يكون مريدا لصلاح حال العبد ~~أو لا يكون فإن كان الحق هو الأول فالشيطان إما أن يتوقع منه إفساد العبد ~~أو لا يتوقع فإن توقع منه إفساد العبد مع أن الله تعالى مريد إصلاح حال ~~العبد فلم خلقه ولم سلطه على العبد ؟ وأما إن كان لا يتوقع من الشيطان ~~إفساد العبد فأي حاجة للعبد إلى الاستعاذة منه ؟ وأما إذا قيل : إن الله ~~تعالى لا يريد ما هو صلاح حال العبد فالاستعاذة بالله كيف تفيد الاعتصام من ~~شر الشيطان . الوجه الثالث : أن الشيطان إما أن يكون مجبورا على فعل الشر ~~أو يكون قادرا على فعل الشر والخير معا فإن كان الأول فقد أجبره الله على ~~الشر وذلك يقدح في قولهم : إنه تعالى لا يريد إلا الصلاح والخير وإن كان ~~الثاني - وهو أنه قادر على فعل الشر والخير - ؛ فهنا يمتنع أن يترجح فعل ~~الخير على فعل الشر إلا بمرجح وذلك المرجح يكون من ms0079 الله تعالى وإذا كان ~~كذلك فأي فائدة في الاستعاذة ؟ الوجه الرابع : هب أن البشر إنما وقعوا في ~~المعاصي بسبب وسوسة الشيطان فالشيطان كيف وقع في المعاصي ؟ فإن قلنا إنه ~~وقع فيها بوسوسة شيطان آخر لزم التسلسل وإن قلنا : وقع الشيطان في المعاصي ~~لا لأجل شيطان آخر فلم لا يجوز مثله في البشر ؟ وعلى هذا التقدير ؛ فلا ~~فائدة في الاستعاذة من الشيطان وإن قلنا : إنه تعالى سلط الشيطان على البشر ~~ولم يسلط على الشيطان شيطانا آخر ؛ فهذا حيف على البشر وتخصيص له بمزيد ~~الثقل والإضرار وذلك ينافي كون الإله ريحما ناصرا لعباده . الوجه الخامس : ~~أن الفعل المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع ؛ فهو واجب الوقوع فلا فائدة في ~~الاستعاذة منه وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع ؛ فلا فائدة في ~~الاستعاذة منه . واعلم أن هذه المناظرة تدل على أنه لا حقيقة لقوله : { ~~أعوذ بالله } إلا أن ينكشف للعبد أن الكل من الله وبالله وحاصل الكلام فيه ~~ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم : أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من ~~غضبك PageV01P066 وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك . ~~الركن الثاني : المستعاذ به : واعلم أن هذا ورد في القرآن والأخبار على ~~وجهين : أحدهما أن يقال : @QB@ أعوذ بالله @QE@ والثاني أن يقال أعوذ ~~بكلمات الله أما قوله أعوذ بالله فبيانه إنما يتم بالبحث عن لفظة الله ~~وسيأتي ذلك في تفسير بسم الله وأما قوله : أعوذ بكلمات الله التامات ؛ ~~فاعلم أن المراد بكلمات الله هو قوله تعالى : ^ { إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون } ^ [ النحل : 40 ] والمراد من قوله : { كن } ~~نفاذ قدرته في الممكنات وسريان مشيئته في الكائنات بحيث يمتنع أن يعرض له ~~عائق ومانع ولا شك أنه لا تحسن الاستعاذة بالله إلا لكونه موصوفا بتلك ~~القدرة القاهرة والمشيئة النافذة وأيضا فالجسمانيات لا يكون حدوثها إلا على ~~سبيل الحركة والخروج من القوة إلى الفعل يسيرا يسيرا وأما الروحانيات ؛ ~~فإنما يحصل تكونها الآن الذي لا ينقسم فلهذه ms0080 المشابهة سميت نفاذ قدرته ~~بالكلمة وأيضا ثبت في علم المعقولات أن عالم الأرواح مستول على عالم ~~الأجسام وإنما هي المدبرات لأمور هذا العالم كما قال تعالى : @QB@ ~~فالمدبرات أمرا @QE@ [ النازعات : 5 ] فقوله : # أعوذ بكلمات الله التامات استعاذة من الأرواح البشرية بالأرواح العالية ~~المقدسة الطاهرة الطيبة في دفع شرور الأرواح الخبيثة الظلمانية الكدرة ~~فالمراد بكلمات الله التامات تلك الأرواح العالية الطاهرة . ثم ههنا دقيقة ~~وهي أن قوله : # أعوذ بكلمات الله التامات إنما يحسن ذكره إذا كان قد بقي في نظره التفات ~~إلى غير الله وأما إذا تغلغل في بحر التوحيد وتوغل في قعر الحقائق وصار ~~بحيث لا يرى في الوجود أحدا إلا الله تعالى ؛ لم يستعذ إلا بالله ولم يلتجئ ~~إلا إلى الله ولم يعول إلا على الله فلا جرم يقول : أعوذ بالله و أعوذ من ~~الله بالله كما قال عليه السلام # وأعوذ بك منك واعلم أن في هذا المقام يكون العبد مشتغلا أيضا بغير الله ~~لأن الاستعاذة لا بد وأن تكون لطلب أو لهرب وذلك اشتغال بغير الله تعالى ~~فإذا ترقى العبد عن هذا المقام وفني عن نفسه وفني أيضا عن فنائه عن نفسه ~~فههنا يترقى عن مقام قوله أعوذ بالله ويصير مستغرقا في نور قوله { بسم الله ~~} ألا ترى أنه عليه السلام لما قال # وأعوذ بك منك ترقى عن هذا المقام فقال # أنت كما أثنيت على نفسك . الركن الثالث من أركان هذا الباب : المستعيذ : ~~واعلم أن قوله { أعوذ بالله } أمر منه لعباده أن يقولوا ذلك وهذا غير مختص ~~بشخص معين فهو أمر على سبيل العموم ؛ لأنه تعالى حكى ذلك عن الأنبياء ~~والأولياء وذلك يدل على أن كل مخلوق يجب أن يكون مستعيذا بالله فالأول : ~~أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال : @QB@ رب إني أعوذ بك أن أسألك ~~ما ليس لي به علم @QE@ [ هود : 47 ] فعند هذا أعطاه الله خلعتين : السلام ~~والبركات وهو قوله تعالى : @QB@ قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك ~~@QE@ [ هود : 48 ] والثاني : حكى عن يوسف ms0081 عليه السلام أن المرأة لما راودته ~~قال @QB@ معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي @QE@ [ يوسف : 23 ] فأعطاه الله ~~تعالى خلعتين صرف السوء والفحشاء حيث قال : @QB@ لنصرف عنه السوء والفحشاء ~~@QE@ [ يوسف : 24 ] والثالث : @QB@ فخذ أحدنا مكانه @QE@ [ يوسف : 78 ] ~~فقال : @QB@ معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده @QE@ [ يوسف : 79 ~~] فأكرمه الله تعالى بقوله : @QB@ ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا @QE@ ~~[ يوسف : 100 ] PageV01P067 الرابع : حكى الله عن موسى عليه السلام أنه لما ~~أمر قومه بذبح البقرة قال قومه : @QB@ أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون ~~من الجاهلين @QE@ [ البقرة : 67 ] فأعطاه الله خلعتين إزالة التهمة وإحياء ~~القتيل فقال : @QB@ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم ~~آياته @QE@ [ البقرة : 73 ] الخامس : أن القوم لما خوفوه بالقتل قال : @QB@ ~~وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون @QE@ [ الدخان : 20 ] وقال في آية أخرى : ~~@QB@ إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب @QE@ [ غافر : 27 ~~] فأعطاه الله تعالى مراده فأفنى عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم والسادس : أن ~~أم مريم قالت : @QB@ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم @QE@ [ آل ~~عمران : 36 ] فوجدت الخلعة والقبول وهو قوله @QB@ فتقبلها ربها بقبول حسن ~~وأنبتها نباتا حسنا @QE@ [ آل عمران : 37 ] والسابع : أن مريم عليها السلام ~~لما رأت جبريل في صورة بشر يقصدها في الخلوة @QB@ قالت إني أعوذ بالرحمن ~~منك إن كنت تقيا @QE@ [ مريم : 18 ] فوجدت نعمتين ولدا من غير أب وتنزيه ~~الله إياها بلسان ذلك الولد عن السوء وهو قوله : @QB@ إني عبد الله @QE@ [ ~~مريم : 30 ] الثامن : أن الله تعالى أمر محمدا عليه الصلاة والسلام ~~بالاستعاذة مرة بعد أخرى فقال : @QB@ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ~~وأعوذ بك رب أن يحضرون @QE@ [ المؤمنون : 97 ] وقال : @QB@ قل أعوذ برب ~~الفلق @QE@ [ الفلق : 1 ] و @QB@ قل أعوذ برب الناس @QE@ [ الناس : 1 ] ~~والتاسع : قال في سورة الأعراف : ^ { خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن ~~الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } ^ [ ~~الأعراف : 199 ] وقال في حم السجدة @QB@ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك ~~وبينه ms0082 عداوة كأنه ولي حميم @QE@ [ فصلت : 34 ] إلى أن قال @QB@ وإما ينزغنك ~~من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم @QE@ [ فصلت : 36 ] فهذه ~~الآيات دالة على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا أبدا في الاستعاذة من شر ~~شياطين الإنس والجن . وأما الأخبار فكثيرة : الخبر الأول : عن معاذ بن جبل ~~قال : استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم وأغرقا فيه : فقال عليه ~~السلام # : إني لأعلم كلمة لو قالاها لذهب عنهما ذلك وهي قوله ^ { أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم } ^ وأقول هذا المعنى مقرر في العقل من وجوه : الأول : أن ~~الإنسان يعلم أن علمه بمصالح هذا العالم ومفاسده قليل جدا وأنه إنما يمكنه ~~أن يعرف ذلك القليل بمدد العقل وعند الغضب يزول العقل فكل ما يفعله ويقوله ~~لم يكن على القانون الجيد فإذا استحضر في عقله هذا صار هذا المعنى مانعا له ~~عن الاقدام على تلك الأفعال وتلك الأقوال وحاملا له على أن يرجع إلى الله ~~تعالى في تحصيل الخيرات ودفع الآفات فلا جرم يقول أعوذ بالله . الثاني : أن ~~الإنسان غير عالم قطعا بأن الحق من جانبه ولا من جانب خصمه فإذا علم ذلك ~~يقول : أفوض هذه الواقعة إلى الله تعالى فإذا كان الحق من جانبي فالله ~~يستوفيه من خصمي وإن كان الحق من جانب خصمي فالأولى أن لا أظلمه وعند هذا ~~يفوض تلك الحكومة إلى الله ويقول أعوذ بالله . الثالث : أن الإنسان إنما ~~يغضب إذا أحس من نفسه بفرط قوة وشدة بواسطتها يقوى على قهر الخصم فإذا ~~استحضر في عقله أن إله العالم أقوى وأقدر مني ثم إني عصيته مرات وكرات وأنه ~~بفضله تجاوز عني فالأولى لي أن أتجاوز عن هذا المغضوب عليه فإذا أحضر في ~~عقله هذا المعنى ترك الخصومة والمنازعة وقال أعوذ بالله وكل هذه المعاني ~~مستنبطة من قوله تعالى : @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون @QE@ [ الأعراف : 201 ] والمعنى أنه إذا تذكر هذه ~~الأسرار والمعاني أبصر طريق الرشد فترك النزاع والدفاع ورضي بقضاء الله ms0083 ~~تعالى . PageV01P068 < # > والخبر الثاني : < # > # روى معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من ~~آخر سورة الحشر ؛ وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي فإن مات ~~في ذلك اليوم مات شهيدا ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة . قلت : ~~وتقريره من جانب العقل أن قوله : { أعوذ بالله } مشاهدة لكمال عجز النفس ~~وغاية قصورها والآيات الثلاث من آخر سورة الحشر مشاهدة لكمال الله وجلاله ~~وعظمته وكمال الحال في مقام العبودية لا يحصل إلا بهذين المقامين . < # > الخبر الثالث : < # > # روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من استعاذ في اليوم عشر ~~مرات وكل الله تعالى به ملكا يذود عنه الشيطان . قلت : والسبب فيه أنه لما ~~قال { أعوذ بالله } وعرف معناه عرف منه نقصان قدرته ونقصان علمه وإذا عرف ~~ذلك من نفسه لم يلتفت إلى ما تأمره به النفس ولم يقدم على الأعمال التي ~~تدعوه نفسه إليها والشيطان الأكبر هو النفس فثبت أن قراءة هذه الكلمة تذود ~~الشيطان عن الإنسان . < # > والخبر الرابع : < # > عن خولة بنت حكيم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : # من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء ~~حتى يرتحل من ذلك المنزل . قلت : والسبب فيه أنه ثبت في العلوم العقلية أن ~~كثرة الأشخاص الروحانية فوق كثرة الأشخاص الجسمانية وأن السموات مملوءة من ~~الأرواح الطاهرة كما قال عليه الصلاة والسلام # أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو قاعد ~~وكذلك الأثير والهواء مملوءة من الأرواح وبعضها طاهرة مشرقة خيرة وبعضها ~~كدرة مؤذية شريرة فإذا قال الرجل # أعوذ بكلمات الله التامات فقد استعاذ بتلك الأرواح الطاهرة من شر تلك ~~الأرواح الخبيثة وأيضا كلمات الله هي قوله كن وهي عبارة عن القدرة النافذة ~~ومن استعاذ بقدرة الله لم يضره شيء . < # > والخبر الخامس : < # > عن ms0084 عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : # إذا فزع أحدكم من النوم فليقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه عقابه وشر ~~عباده ومن شر همزات الشياطين وأن يحضرون فإنها لا تضر وكان عبد الله بن عمر ~~يعلمها من بلغ من عبيده ومن لم يبلغ كتبها في صك ثم علقها في عنقه . < # > والخبر السادس : < # > عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : # أنه كان يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما ويقول : أعيذكما بكلمات الله ~~التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ويقول : # كان أبي إبراهيم عليه السلام يعوذ بها إسماعيل وإسحق عليهما السلام . < # > الخبر السابع : < # > أنه عليه الصلاة والسلام كان يعظم أمر الاستعاذة حتى أنه لما تزوج ~~امرأة ودخل بها فقالت أعوذ بالله منك فقال عليه الصلاة والسلام : # عذت بمعاذ فالحقي بأهلك . واعلم أن الرجل المستبصر بنور الله لا التفات ~~له إلى القائل وإنما التفاته إلى القول فلما ذكرت تلك المرأة كلمة أعوذ ~~بالله بقي قلب الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم مشتغلا بتلك ~~الكلمة ولم يلتفت إلى أنها قالت تلك الكلمة عن قصد أم لا . < # > والخبر الثامن : < # > # روى الحسن قال : بينما رجل يضرب مملوكا له فجعل المملوك يقول { أعوذ ~~بالله } إذ جاء نبي الله فقال : أعوذ برسول الله فأمسك عنه فقال عليه ~~السلام : عائذ الله أحق أن يمسك عنك فقال : فإني أشهدك يا رسول الله أنه حر ~~لوجه الله فقال عليه الصلاة والسلام : أما والذي نفسي بيده لو لم تقلها ~~لدافع وجهك سفع النار . < # > والخبر التاسع : < # > # قال سويد : سمعت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول على المنبر : ~~أعوذ بالله من الشيطان الرجيم # وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~فلا أحب أن أترك ذلك ما بقيت . < # > والخبر العاشر : < # > # قوله عليه الصلاة والسلام أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ ~~بك منك . الركن الرابع من أركان هذا الباب ms0085 : الكلام في المستعاذ منه وهو ~~الشيطان والمقصود من الاستعاذة دفع شر الشيطان واعلم أن شر الشيطان إما أن ~~يكون بالوسوسة أو بغيرها كما ذكره في قول الله تعالى : ^ { كما يقول الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس } ^ [ البقرة : 275 ] وفي هذا الباب مسائل غامضة ~~دقيقة من العقليات ومن علوم المكاشفات . < # > المسألة الأولى : < # > اختلف الثاني في وجود الجن والشياطين فمن الناس من أنكر الجن والشياطين ~~واعلم أنه لا بد أولا من البحث عن ماهية الجن والشياطين فنقول : أطبق الكل ~~على أنه ليس الجن والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجيء وتذهب مثل ~~الناس والبهائم بل القول المحصل فيه قولان : الأول أنها أجسام هوائية قادرة ~~على التشكل بأشكال مختلفة ولها عقول وأفهام وقدرة على أعمال صعبة شاقة ~~والقول الثاني : أن كثيرا من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة ولا ~~حالة في المتحيز وزعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية ثم هذه الموجودات قد ~~تكون عالية مقدسة عن تدبير الأجسام بالكلية وهي الملائكة المقربون كما قال ~~الله تعالى : @QB@ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون @QE@ [ ~~الأنبياء : 19 ] ويليها مرتبة الأرواح المتعلقة بتدبير الأجسام وأشرفها ~~حملة العرش كما قال تعالى : @QB@ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ [ ~~الحاقة : 17 ] والمرتبة الثانية الحافون حول العرش كما قال تعالى : @QB@ ~~وترى الملائكة حافين من حول العرش @QE@ [ الزمر : 75 ] والمرتبة الثالثة ~~ملائكة الكرسي والمرتبة الرابعة ملائكة السموات طبقة طبقة والمرتبة الخامسة ~~ملائكة كرة الأثير والمرتبة السادسة ملائكة كرة الهواء الذي هو في طبع ~~النسيم والمرتبة السابعة ملائكة كرة الزمهرير والمرتبة الثامنة مرتبة ~~الأرواح المتعلقة بالبحار والمرتبة التاسعة مرتبة الأرواح المتعلقة بالجبال ~~والمرتبة العاشرة مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية ~~والحيوانية الموجودة في هذا العالم . واعلم أنه على كلا القولين فهذه ~~الأرواح قد تكون مشرقة إلهية خيرة سعيدة وهي المسماة بالصالحين من الجن وقد ~~تكون كدرة سفلية شريرة شقية وهي المسماة بالشياطين . PageV01P069 واحتج ~~المنكرون لوجود الجن والشياطين بوجوه : الحجة الأولى : أن الشيطان لو كان ~~موجودا لكان إما أن يكون جسما ms0086 كثيفا أو لطيفا والقسمان باطلان فيبطل القول ~~بوجوده وإنما قلنا أنه يمتنع أن يكون جسما كثيفا لأنه لو كان كذلك لوجب أن ~~يراه كل من كان سليم الحس إذ لو جاز أن يكون بحضرتنا أجسام كثيفة ونحن لا ~~نراها لجاز أن يكون بحضرتنا جبال عالية وشموس مضيئة ورعود وبروق مع أنا لا ~~نشاهد شيئا منها ومن جوز ذلك كان خارجا عن العقل وإنما قلنا إنه لا يجوز ~~كونها أجساما لطيفة وذلك لأنه لو كان كذلك لوجب أن تتمزق أو تتفرق عند هبوب ~~الرياح العاصفة القوية وأيضا يلزم أن لا يكون لها قوة وقدرة على الأعمال ~~الشاقة ومثبتو الجن ينسبون إليها الأعمال الشاقة ولما بطل القسمان ثبت فساد ~~القول بالجن . الحجة الثانية : أن هذه الأشخاص المسماة بالجن إذا كانوا ~~حاضرين في هذا العالم مخالطين للبشر فالظاهر الغالب أن يصل لهم بسبب طول ~~المخالطة والمصاحبة إما صداقة وإما عداوة فإن حصلت الصداقة وجب ظهور ~~المنافع بسبب تلك الصداقة وإن حصلت العداوة وجب ظهور المضار بسبب تلك ~~العداوة إلا أنا لا نرى أثرا لا من تلك الصداقة ولا من تلك العداوة وهؤلاء ~~الذين يمارسون صنعة التعزيم إذا تابوا من الأكاذيب يعترفون بأنهم قط ما ~~شاهدوا أثرا من هذا الجن وذلك مما يغلب على الظن عدم هذه الأشياء وسمعت ~~واحدا ممن تاب على تلك الصنعة قال إني واظبت على العزيمة الفلانية كذا من ~~الأيام وما تركت دقيقة من الدقائق إلا أتيت بها ثم إني ما شاهدت من تلك ~~الأحوال المذكورة أثرا ولا خبرا . الحجة الثالثة : أن الطريق إلى معرفة ~~الأشياء إما الحس وإما الخبر وإما الدليل : أما الحس فلم يدل على وجود هذه ~~الأشياء ؛ لأن وجودها إما بالصورة أو الصوت فإذا كنا لا نرى صورة ولا سمعنا ~~صوتا فكيف يمكننا أن ندعي الإحساس بها والذين يقولون إنا أبصرناها أو سمعنا ~~أصواتها فهم طائفتان : المجانين الذين يتخيلون أشياء بسبب خلل أمزجتهم ~~فيظنون أنهم رأوا والكذابون المخرفون وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة إخبار ~~الأنبياء والرسل فباطل ms0087 لأن هذه الأشياء لو ثبتت لبطلت نبوة الأنبياء فإن ~~على تقدير ثبوتها يجوز أن يقال إن كل ما تأتي به الأنبياء من المعجزات إنما ~~حصل بإعانة الجن والشياطين وكل فرع أدى إلى إبطال الأصل كان باطلا مثاله ~~إذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الإنسان فلم لا يجوز أن يقال : إن حنين الجذع ~~إنما كان لأجل أن الشيطان نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين ولم لا يجوز أن ~~يقال إن الناقة إنما تكلمت مع الرسول عليه السلام لأن الشيطان دخل في بطنها ~~وتكلم ولم لا يجوز أن يقال إن الشجرة إنما انقلعت من أصلها لأن الشيطان ~~اقتلعها فثبت أن القول بإثبات الجن والشياطين يوجب القول ببطلان نبوة ~~الأنبياء عليهم السلام وأما إثبات هذه الأشياء بواسطة الدليل والنظر فهو ~~متعذر لأنا لا نعرف دليلا عقليا يدل على وجود الجن والشياطين فثبت أنه لا ~~سبيل لنا إلى العلم بوجود هذه الأشياء فوجب أن يكون القول بوجود هذه لأشياء ~~باطلا فهذه جملة شبه منكري الجن والشياطين . والجواب عن الأولى : بأنا نقول ~~: إن الشبهة التي ذكرتم تدل على أنه يمتنع كون الجن جسما فلم لا يجوز أن ~~يقال أنه جوهر مجرد عن الجسمية . واعلم أن القائلين بهذا القول فرق : ~~الأولى الذين قالوا : النفوس الناطقة البشرية المفارقة للأبدان قد ~~PageV01P071 تكون خيرة وقد تكون شريرة فإن كانت خيرة فهي الملائكة الأرضية ~~وإن كانت شريرة فهي الشياطين الأرضية ثم إذا حدث بدن شديد المشابهة ببدن ~~تلك النفوس المفارقة وتعلق بذلك البدن نفس شديدة المشابهة لتلك النفس ~~المفارقة فحينئذ يحدث لتلك النفس المفارقة ضرب تعلق بهذا البدن الحادث ~~وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن على ~~الأعمال اللائقة بها فإن كان النفسان من النفوس الطاهرة المشرفة الخيرة ~~كانت تلك المعاونة والمعاضدة إلهاما وإن كانتا من النفوس الخبيثة الشريرة ~~كانت تلك المعاونة والمناصرة وسوسة فهذا هو الكلام في الإلهام والوسوسة على ~~قول هؤلاء . الفريق الثاني : الذين قالوا : الجن والشياطين جواهر مجردة عن ~~الجسمية وعلائقها وجنسها مخالف ms0088 لجنس النفوس الناطقة البشرية ثم إن ذلك ~~الجنس يندرج فيه أنواع أيضا فإن كانت طاهرة نورانية فهي الملائكة الأرضية ~~وهم المسمون بصالحي الجن وإن كانت خبيثة شريرة فهي الشياطين المؤذية إذا ~~عرفت هذا فنقول : الجنسية علة الضم فالنفوس البشرية الطاهرة النورانية تنضم ~~إليها تلك الأرواح الطاهرة النورانية وتعينها على أعمالها التي هي من أبواب ~~الخير والبر والتقوى والنفوس البشرية الخبيثة الكدرة تنضم إليها تلك ~~الأرواح الخبيثة الشريرة وتعينها على أعمالها التي هي من باب الشر والإثم ~~والعدوان . الفريق الثالث : وهم الذين ينكرون وجود الأرواح السفلية ولكنهم ~~أثبتوا وجود الأرواح المجردة الفلكية وزعموا أن تلك الأرواح أرواح عالية ~~قاهرة قوية وهي مختلفة بجواهرها وماهياتها فكما أن لكل روح من الأرواح ~~البشرية بدنا معينا فكذلك لكل روح من الأرواح الفلكية بدن معين وهو ذلك ~~الفلك المعين وكما أن الروح البشرية تتعلق أولا بالقلب ثم بواسطته يتعدى ~~أثر ذلك الروح إلى كل البدن فكذلك الروح الفلكي يتعلق أولا بالكواكب ثم ~~بواسطة ذلك التعلق يتعدى أثر ذلك الروح إلى كلية ذلك الفلك وإلى كلية ~~العالم وكما أنه يتولد في القلب والدماغ أرواح لطيفة وتلك الأرواح تتأدى في ~~الشرايين والأعصاب إلى أجزاء البدن ويصل بهذا الطريق قوة الحياة والحس ~~والحركة إلى كل جزء من أجزاء الأعضاء فكذلك ينبعث من جرم الكواكب خطوط ~~شعاعية تتصل بجوانب العالم وتتادى قوة تلك الكواكب بواسطة تلك الخطوط ~~الشعاعية إلى أجزاء هذا العالم وكما أن بواسطة الأرواح الفائضة من القلب ~~والدماغ إلى أجزاء البدن يحصل في كل جزء من اجزاء ذلك البدن قوى مختلفة وهي ~~الغاذية والنامية والمولدة والحساسة - فتكون هذه القوى كالنتائج والأولاد ~~لجوهر النفس المدبرة لكلية البدن فكذلك بواسطة الخطوط الشعاعية المنبثة من ~~الكواكب الواصلة إلى أجزاء هذا العالم تحدث في تلك الأجزاء نفوس مخصوصة مثل ~~نفس زيد ونفس عمرو وهذا النفوس كالأولاد لتلك النفوس الفلكية ولما كانت ~~النفوس الفلكية مختلفة في جواهرها وماهياتها فكذلك النفوس المتولدة من نفس ~~فلك زحل مثلا طائفة والنفوس المتولدة من نفس فلك ms0089 المشتري طائفة أخرى فتكون ~~النفوس المنتسبة إلى روح زحل متجانسة متشاركة ويحصل بينها محبة ومودة وتكون ~~النفوس المنتسبة إلى روح زحل مخالفة بالطبع والماهية للنفوس المنتسبة إلى ~~روح المشتري وإذا عرفت هذا فنقول : قالوا : إن العلة تكون أقوى من المعلول ~~فلكل طائفة من النفوس البشرية طبيعة خاصة وهي تكون معلولة لروح من تلك ~~الأرواح الفلكية وتلك الطبيعة تكون في الروح الفلكي أقوى وأعلى بكثير منها ~~في هذه الأرواح البشرية وتلك الأرواح الفلكية بالنسبة إلى تلك الطائفة من ~~الأرواح البشرية كالأب المشفق والسلطان الرحيم فلهذا السبب تلك الأرواح ~~الفلكية تعين أولادها على PageV01P072 مصالحها وتهديها تارة في النوم على ~~سبيل الرؤيا وأخرى في اليقظة على سبيل الإلهام ثم إذا اتفق لبعض هذه النفوس ~~البشرية قوة قوية من جنس تلك الخاصية وقوي اتصاله بالروح الفلكي الذي هو ~~أصله ومعدنه ظهرت عليه أفعال عجيبة وأعمال خارقة للعادات فهذا تفصيل مذاهب ~~من يثبت الجن والشياطين ويزعم أنها موجودات ليست أجساما ولا جسمانية . ~~واعلم أن قوما من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب وزعموا أن المجرد يمتنع ~~عليه إدراك الجزئيات والمجردات يمتنع كونها فاعلة للأفعال الجزئية . واعلم ~~أن هذا باطل لوجهين : الأول : أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص المعين ~~بأنه إنسان وليس بفرس والقاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضي عليهما ~~فههنا شيء واحد هو مدرك للكلي وهو النفس فيلزم أن يكون المدرك للجزئي هو ~~النفس . الثاني : هب أن النفس المجردة لا تقوى على إدراك الجزئيات ابتداء ~~لكن لا نزاع أنه يمكنها أن تدرك الجزئيات بواسطة الآلات الجسمانية فلم لا ~~يجوز أن يقال : إن تلك الجواهر المجردة المسماة بالجن والشياطين لها آلات ~~جسمانية من كرة الأثير أو من كرة الزمهرير ثم إنها بواسطة تلك الآلات ~~الجسمانية تقوى على إدراك الجزئيات وعلى التصرف في هذه الأبدان فهذا تمام ~~الكلام في شرح هذا المذاهب . وأما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أو ~~نارية فقالوا : الأجسام متساوية في الحجمية والمقدار وهذان المعنيان أعراض ~~فالأجسام متساوية في قبول هذه ms0090 الأعراض والأشياء المختلفة بالماهية لا يمتنع ~~اشتراكها في بعض اللوازم فلم لا يجوز أن يقال : الأجسام مختلفة بحسب ذواتها ~~المخصوصة وماهياتها المعينة وإن كانت مشتركة في قبول الحجمية والمقدار ؟ ~~وإذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يقال : أحد أنواع الأجسام أجسام لطيفة ~~نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها قادرة على الأعمال الشاقة لذواتها وهي غير ~~قابلة للتفرق والتمزق ؟ وإذا كان الأمر كذلك فتلك الأجسام تكون قادرة على ~~تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة ثم إن الرياح العاصفة لا تمزقها والأجسام ~~الكثيفة لا تفرقها أليس أن الفلاسفة قالوا : إن النار التي تنفصل عن ~~الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد وتخرج من الجانب ~~الآخر ؟ فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة وعلى هذا التقدير فإن الجن تكون ~~قادرة على النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها وإنها تبقى حية فعالة ~~مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعلوم فكل هذه الأحوال احتمالات ~~ظاهرة والدليل لم يقم على إبطالها فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها . ~~وأما الجواب عن الشبهة الثانية : أنه لا يجب حصول تلك الصداقة والعداوة مع ~~كل واحد وكل واحد لا يعرف إلا حال نفسه أما حال غيره فإنه لا يعلمها فبقي ~~هذا الأمر في حيز الاحتمال . وأما الجواب عن الشبهة الثالثة فهو أنا نقول : ~~لا نسلم أن القول بوجود الجن والملائكة يوجب الطعن في نبوة الأنبياء عليهم ~~السلام وسيظهر الجواب عن الأجوبة التي ذكرتموها فيما بعد ذلك فهذا آخر ~~الكلام في الجواب عن الشبهات . < # > المسألة الثانية : < # > اعلم أن القرآن والإخبار يدلان على وجود الجن والشياطين أما القرآن ~~فآيات : الآية الأولى قوله تعالى : ^ { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا PageV01P073 إلى ~~قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما ~~بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم } ^ [ الأحقاف : 29 ] وهذا نص على ~~وجودهم وعلى أنهم سمعوا القرآن وعلى أنهم أنذروا قومهم والآية الثانية قوله ~~تعالى : ^ { واتبعوا ms0091 ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } ^ [ البقرة : 102 ~~] والآية الثالثة قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام : ^ { يعملون له ما ~~يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا } ^ [ سبأ : 13 ~~] وقال تعالى : ^ { والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد } ^ ~~[ ص : ] وقال تعالى : ^ { ولسليمان الريح } ^ إلى قوله تعالى : ^ { ومن ~~الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه } ^ [ سبأ : 12 ] والآية الرابعة قوله ~~تعالى : ^ { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات ~~والأرض } ^ [ الرحمن : 33 ] والآية الخامسة قوله تعالى : ^ { إنا زينا ~~السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد } ^ [ الصافات : 6 ] ~~وأما الأخبار فكثيرة : < # > الخبر الأول : < # > # روى مالك في الموطأ عن صيفي بن أفلح عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه ~~دخل على أبي سعيد الخدري قال : فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته ~~قال : فسمعت تحريكا تحت سريره في بيته فإذا هي حية فقمت لأقتلها فأشار أبو ~~سعيد أن اجلس فلما انصرف من صلاته أشار إلى بيت في الدار فقال : ترى هذا ~~البيت ؟ فقلت : نعم فقال إنه كان فيه فتى حديث عهد بعرس وساق الحديث إلى أن ~~قال : فرأى امرأته واقفة بين الناس فأدركته غيرة فأهوى إليها بالرمح ~~ليطعنها بسبب الغيرة فقالت : لا تعجل حتى تدخل وتنظر ما في بيتك فدخل فإذا ~~هو بحية مطوقة على فراشه فركز فيها رمحه فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر ~~الفتى ميتا فما ندري أيهما كان أسرع موتا الفتى أم الحية فذكرت ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال : # إن بالمدينة جنا قد أسلموا فمن بدا لكم منهم فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا ~~لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان . < # > الخبر الثاني : < # > # روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد : قال : لما أسري برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رآه فقال ~~جبريل عليه السلام : ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه قل : ~~أعوذ بوجه الله الكريم ms0092 وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ~~ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما نزل إلى الأرض وشر ما ~~يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا ~~يطرق بخير يا رحمن . < # > والخبر الثالث : < # > # روى مالك أيضا في الموطأ أن كعب الأحبار كان يقول : أعوذ بوجه الله ~~العظيم الذي ليس شيء أعظم منه وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا ~~فاجر وبأسمائه كلها ما قد علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ . ~~والخبر الرابع : # روى أيضا مالك أن خالد بن الوليد قال : يا رسول الله إني أروع في منامي ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل : أعوذ بكلمات الله التامات من ~~غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وان يحضرون . < # > والخبر الخامس : < # > ما اشتهر وبلغ مبلغ التواتر من خروج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~الجن وقراءته عليهم ودعوته إياهم إلى الإسلام . PageV01P074 < # > والخبر السادس : < # > # روى القاضي أبو بكر في الهداية أن عيسى ابن مريم عليهما السلام دعا ربه ~~أن يريه موضع الشيطان من بني آدم فأراه ذلك فإذا رأسه مثل رأس الحية واضع ~~رأسه على قلبه فإذا ذكر الله تعالى خنس وإذا لم يذكره وضع رأسه على حبة ~~قلبه . < # > والخبر السابع : < # > قوله عليه السلام # : إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم وقال # ما منكم أحد إلا وله شيطان قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال # : ولا أنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم والأحاديث في ذلك كثيرة ~~والقدر الذي ذكرناه كاف . < # > المسألة الثالثة : < # > في بيان أن الجن مخلوق من النار : والدليل عليه قوله تعالى : @QB@ ~~والجان خلقناه من قبل من نار السموم @QE@ [ الحجر : 27 ] وقال تعالى حاكيا ~~عن إبليس لعنه الله أنه قال @QB@ خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ واعلم ~~أن حصول الحياة في النار غير مستبعد ألا ترى أن الأطباء قالوا المتعلق ~~الأول للنفس هو القلب والروح وهما ms0093 في غاية السخونة وقال جالينوس : إني بقرت ~~مرة بطن قرد فأدخلت يدي في بطنه وأدخلت أصبعي في قلبه فوجدته في غاية ~~السخونة بل تزيد ونقول : أطبق الأطباء على أن الحياة لا تحصل إلا بسبب ~~الحرارة الغريزية وقال بعضهم : الأغلب على الظن أن كرة النار تكون مملوءة ~~من الروحانيات . < # > المسالة الرابعة : < # > ذكروا قولين في أنهم لما سموا بالجن الأول : أن لفظ الجن مأخوذ من ~~الاستتار ومنه الجنة لاستتار أرضها بالأشجار ومنه الجنة لكونها ساترة ~~للإنسان ومنه الجن لاستتارهم عن العيون ومنه المجنون لاستتار عقله ومنه ~~الجنين لاستتاره في البطن ومنه قوله تعالى : @QB@ اتخذوا أيمانهم جنة @QE@ ~~[ المنافقون : 2 ] أي وقاية وسترا واعلم أن على هذا القول يلزم أن تكون ~~الملائكة من الجن لاستتارهم عن العيون إلا أن يقال : إن هذا من باب تقييد ~~المطلق بسبب العرف . والقول الثاني : أنهم سموا بهذا الاسم لأنهم كانوا في ~~أول أمرهم خزان الجنة والقول الأول أقوى . < # > المسألة الخامسة : < # > اعلم أن طوائف المكلفين أربعة : الملائكة والإنس والجن والشياطين ~~واختلفوا في الجن والشياطين فقيل : الشياطين جنس والجن جنس آخر كما أن ~~الإنسان جنس والفرس جنس آخر وقيل : الجن منهم أخيار ومنهم أشرار والشياطين ~~اسم لأشرار الجن . < # > المسألة السادسة : < # > المشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر وأنكر أكثر ~~المعتزلة ذلك أما المثبتون فقد احتجوا بوجوه : الأول : أنه إن كان الجن ~~عبارة عن موجود ليس بجسم ولا جسماني فحينئذ يكون معنى كونه قادرا على ~~النفوذ في باطنه أنه يقدر على التصرف في باطنه وذلك غير مستبعد وإن كان ~~عبارة عن حيوان هوائي لطيف نفاذ كما وصفناه كان نفاذه في باطن بني آدم أيضا ~~غير ممتنع قياسا على النفس وغيره . الثاني : قوله تعالى : @QB@ لا يقومون ~~إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس @QE@ [ البقرة : 275 ] . الثالث ~~: قوله عليه السلام # إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم . أما المنكرون فقد احتجوا بأمور ~~: الأول : قوله تعالى حكاية عن إبليس : ^ { لعنه الله وما كان لي عليكم من ~~سلطان إلا أن ms0094 دعوتكم فاستجبتم لي } ^ [ إبراهيم : 22 ] صرح بأنه ما كان له ~~على البشر سلطان إلا من الوجه الواحد وهو إلقاء الوسوسة والدعوة إلى الباطل ~~. الثاني : لا شك أن الأنبياء والعلماء المحققين يدعون الناس إلى لعن ~~الشيطان والبراءة منه فوجب أن تكون العداوة بين الشياطين وبينهم أعظم أنواع ~~PageV01P075 العداوة فلو كانوا قادرين على النفوذ في بواطن البشر وعلى ~~إيصال البلاء والشر إليهم لوجب أن يكون تضرر الأنبياء والعلماء منهم أشد من ~~تضرر كل أحد ولما لم يكن كذلك علمنا أنه باطل . < # > المسألة السابعة : < # > اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون وأما الجن والشياطين فإنهم يأكلون ويشربون قال عليه ~~السلام في الروث والعظم # إنه زاد إخوانكم من الجن وأيضا فإنهم يتوالدون قال تعالى : @QB@ ~~أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني @QE@ [ الكهف : 50 ] . < # > المسألة الثامنة : < # > في كيفية الوسوسة بناء على ما ورد في الآثار : ذكروا أنه يغوص في باطن ~~الإنسان ويضع رأسه على حبة قلبه ويلقي إليه الوسوسة واحتجوا عليه بما روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : # إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ألا فضيقوا مجاريه بالجوع وقال ~~عليه السلام # لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات . ~~ومن الناس من قال : هذه الأخبار لا بد من تأويلها لأنه يمتنع حملها على ~~ظواهرها واحتج عليه بوجوه : الأول : أن نفوذ الشياطين في بواطن الناس محال ~~؛ لأنه يلزم إما اتساع تلك المجاري أو تداخل تلك الأجسام . الثاني : ما ~~ذكرنا أن العداوة الشديدة حاصلة بينه وبين أهل الدين فلو قدر على هذا ~~النفوذ فلم لا يخصهم بمزيد الضرر ؟ الثالث : أن الشيطان مخلوق من النار فلو ~~دخل في داخل البدن لصار كأنه نفذ النار في داخل البدن ومعلوم أنه لا يحس ~~بذلك . الرابع : أن الشياطين يحبون المعاصي وأنواع الكفر والفسق ثم إنا ~~نتضرع بأعظم الوجوه إليهم ليظهروا أنواع الفسق فلا نجد منه أثرا ولا فائدة ~~وبالجملة فلا نرى لا من عداوتهم ضررا ولا من ms0095 صداقتهم نفعا . وأجاب مثبتو ~~الشياطين عن السؤال الأول بان على القول بأنها نفوس مجردة فالسؤال زائل ~~وعلى القول بأنها أجسام لطيفة كالضوء والهواء فالسؤال أيضا زائل وعن الثاني ~~لا يبعد أن يقال : إن الله وملائكته يمنعونهم عن إيذاء علماء البشر وعن ~~الثالث أنه لما جاز أن يقول الله تعالى لنار إبراهيم : @QB@ يا نار كوني ~~بردا وسلاما على إبراهيم @QE@ [ الأنبياء : 69 ] فلم لا يجوز مثله ههنا وعن ~~الرابع أن الشياطين مختارون ولعلهم يفعلون بعض القبائح دون بعض . < # > المسألة التاسعة : < # > في تحقيق الكلام في الوسوسة على الوجه الذي قرره الشيخ الغزالي في كتاب ~~الإحياء قال : القلب مثل قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب أو ~~مثل هدف ترمي إليه السهام من كل جانب أو مثل مرآة منصوبة تجتاز عليها ~~الأشخاص فتتراءى فيها صورة بعد صورة أو مثل حوض تنصب إليه مياه مختلفة من ~~أنهار مفتوحة واعلم أن مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب ساعة فساعة إما ~~من الظاهر كالحواس الخمس وإما من البواطن كالخيال والشهوة والغضب والأخلاق ~~المركبة في مزاج الإنسان فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب ~~وكذا إذا هاجت الشهوة أو الغضب حصل من تلك الأحوال آثار في القلب وأما إذا ~~منع الإنسان عن الإدراكات الظاهرة فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل ~~الخيال من شيء إلى شيء وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال ~~فالقلب دائما في التغير والتأثر من هذه الأسباب وأخص الآثار الحاصلة في ~~القلب هي الخواطر وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار والأذكار وأعني ~~بها إدراكات وعلوما إما على سبيل التجدد وإما على PageV01P076 سبيل التذكر ~~ونما تسمي خواطر من حيث أنها تخطر بالخيال بعد أن كان القلب غافلا عنها ~~فالخواطر هي المحركات للإرادات والإرادات محركة للأعضاء ثم هذه الخواطر ~~المحركة لهذه الإرادات تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني إلى ما يضر في ~~العاقبة - وإلى ما ينفع - أعني ما ينفع في العاقبة - فهما خاطران مختلفان ~~فافتقرا إلى اسمين مختلفين ms0096 فالخاطر المحمود يسمى إلهاما والمذموم يسمى ~~وسواسا ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر أحوال حادثة فلا بد لها من سبب والتسلسل ~~محال فلا بد من انتهاء الكل إلى واجب الوجود وهذا ملخص كلام الشيخ الغزالي ~~بعد حذف التطويلات منه . < # > المسألة العاشرة : < # > في تحقيق الكلام فيما ذكره الغزالي : اعلم أن هذا الرجل دار حول ~~المقصود إلا أنه لا يحصل الغرض إلا من بعد مزيد التنقيح فنقول : لا بد قبل ~~الخوض في المقصود من تقديم مقدمات . < # > المقدمة الأولى : < # > لا شك أن ههنا مطلوبا ومهروبا . وكل مطلوب فإما أن يكون مطلوبا لذاته ~~أو لغيره ولا يجوز أن يكون كل مطلوب مطلوبا لغيره . وأن يكون كل مهروب ~~مهروبا عنه لغيره وإلا لزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان فثبت أنه لا ~~بد من الاعتراف بوجود شيء يكون مطلوبا لذاته وبوجود شيء يكون مهروبا عنه ~~لذاته . < # > المقدمة الثانية : < # > إن الاستقراء دل على أن المطلوب بالذات هو اللذة والسرور والمطلوب ~~بالتبع ما يكون وسيلة إليهما والمهروب عنه بالذات هو الألم والحزن والمهروب ~~عنه بالتبع ما يكون وسيلة إليهما . < # > المقدمة الثالثة : < # > إن اللذيذ عند كل قوة من القوى النفسانية شيء آخر فاللذيذ عند القوة ~~الباصرة شيء واللذيذ عند القوة السامعة شيء آخر واللذيذ عند القوة ~~الشهوانية شيء ثالث واللذيذ عند القوة الغضبية شيء رابع واللذيذ عند القوة ~~العاقلة شيء خامس . < # > المقدمة الرابعة : < # > القوة الباصرة إذا أدركت موجودا في الخارج لزم من حصول ذلك الإدراك ~~البصري وقوف الذهن على ماهية ذلك المرئي وعند الوقوف عليه يحصل العلم بكونه ~~لذيذا أو مؤلما خاليا عنهما فإن حصل العلم بكونه لذيذا ترتب على حصول هذا ~~العلم أو الإعتقاد حصول الميل إلى تحصيله وإن حصل العلم بكونه مؤلما ترتب ~~على هذا العلم والاعتقاد حصول الميل إلى البعد عنه والفرار منه فإن لم يحصل ~~العلم بكونه مؤلما ولا بكونه لذيذا لم يحصل في القلب لا رغبة إلى الفرار ~~عنه ولا رغبة إلى تحصيله . < # > المقدمة الخامسة : < # > إن العلم بكونه لذيذا إنما يوجب حصول الميل ms0097 والرغبة في تحصيله إذا حصل ~~ذلك العلم خاليا عن المعارض والمعاوق فأما إذا حصل هذا المعارض لم يحصل ذلك ~~الاقتضاء مثاله إذا رأينا طعاما لذيذا فعلمنا بكونه لذيذا إنما يؤثر في ~~الإقدام على تناوله إذا لم نعتقد أنه حصل فيه ضرر زائد أما إذا اعتقدنا أنه ~~حصل فيه ضرر زائد فعند هذا يعتبر العقل كيفية المعارضة والترجيح فأيهما غلب ~~على ظنه أنه أرجح عمل بمقتضى ذلك الرجحان ومثال آخر لهذا المعنى : أن ~~الإنسان قد يقتل نفسه وقد يلقي نفسه من السطح العالي إلا أنه إنما يقدم على ~~هذا العمل إذا اعتقد أنه بسبب تحمل ذلك العمل المؤلم يتخلص عن مؤلم أعظم ~~منه أو يتوصل به إلى تحصيل منفعة أعلى حالا منها فثبت بما ذكرنا أن اعتقاد ~~كونه لذيذا أو مؤلما إنما يوجب الرغبة والنفرة إذا خلا ذلك الإعتقاد عن ~~المعارض . PageV01P077 < # > المقدمة السادسة : < # > في بيان أن التقرير الذي بيناه على أن الأفعال الحيوانية لها مراتب ~~مرتبة ترتيبا ذاتيا لزوميا عقليا وذلك لأن هذه الأفعال مصدرها القريب هو ~~القوى الموجودة في العضلات إلا أن هذه القوى صالحة للفعل وللترك فامتنع ~~صيرورتها مصدرا للفعل بدلا عن الترك % % وللترك بدلا عن الفعل إلا بضميمة ~~تنضم إليها وهي الإرادات ثم إن تلك الإرادات إنما توجد وتحدث لأجل العلم ~~بكونها لذيذة أو مؤلمة ثم إن تلك العلوم إن حصلت بفعل الإنسان عاد البحث ~~الأول فيه ولزم إما الدور وإما التسلسل وهما محالان وإما الانتهاء إلى علوم ~~وإدراكات وتصورات تحصل في جوهر النفس من الأسباب الخارجة وهي إما الاتصالات ~~الفلكية على مذهب قوم أو السبب الحقيقي وهو أن الله تعالى يخلق تلك ~~الاعتقادات أو العلوم في القلب فهذا تلخيص الكلام في أن الفعل كيف يصدر عن ~~الحيوان . إذا عرفت هذا فاعلم أن نفاة الشيطان ونفاة الوسوسة قالوا : ثبت ~~أن المصدر القريب للأفعال الحيوانية هو هذه القوى المذكورة في العضلات ~~والأوتار فثبت أن تلك القوى لا تصير مصادر للفعل والترك إلا عند انضمام ~~الميل والإرادة إليها وثبت أن ms0098 تلك الإرادة من لوازم حصول الشعور بكون ذلك ~~الشيء لذيذا أو مؤلما وثبت أن حصول ذلك الشعور لا بد وأن يكون بخلق الله ~~تعالى ابتداء أو بواسطة مراتب شأن كل واحد منها في استلزام ما بعده على ~~الوجه الذي قررناه وثبت أن ترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبل أمر ~~لازم لزوما ذاتيا واجبا فإنه إذا أحس بالشيء وعرف كونه ملائما مال طبعه ~~إليه وإذا مال طبعه إليه تحركت القوة إلى الطلب فإذا حصلت هذه المراتب حصل ~~الفعل لا محالة فلو قدرنا شيطانا من الخارج وفرضنا أنه حصلت له وسوسة كانت ~~تلك الوسوسة عديمة الأثر ؛ لأنه إذا حصلت تلك المراتب المذكورة حصل الفعل ~~سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل وإن لم يحصل مجموع تلك المراتب امتنع حصول ~~الفعل سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل فعلمنا أن القول بوجود الشيطان ~~وبوجود الوسوسة قول باطل بل الحق أن نقول : إن اتفق حصول هذه المراتب في ~~الطرف النافع سميناها بالإلهام وإن اتفق حصولها في الطرف الضار سميناها ~~بالوسوسة هذا تمام الكلام في تقرير الإشكال . والجواب : أن كل ما ذكرتموه ~~حق وصدق إلا أنه لا يبعد أن يكون الإنسان غافلا عن الشيء فإذا ذكره الشيطان ~~ذلك الشيء تذكره ثم عند التذكر يترتب الميل عليه ويترتب الفعل على حصول ذلك ~~الميل فالذي أتى به الشيطان الخارجي ليس إلا ذلك التذكر وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى حاكيا عن إبليس أنه قال @QB@ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي @QE@ [ إبراهيم : 22 ] إلا أنه بقي لقائل أن يقول : ~~فالإنسان إنما أقدم على المعصية بتذكير الشيطان فالشيطان إن كان إقدامه على ~~المعصية بتذكير شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين وإن كان عمل ذلك الشيطان ليس ~~لأجل شيطان آخر يثبت أن ذلك الشيطان الأول إنما أقدم على ما أقدم عليه ~~لحصول ذلك الإعتقاد في قلبه ولا بد لذلك الإعتقاد الحادث من سبب وما ذاك ~~إلا الله سبحانه وتعالى وعند هذا يظهر أن الكل من ms0099 الله تعالى فهذا غاية ~~الكلام في هذا البحث الدقيق العميق وصار حاصل الكلام ما قاله سيد الرسل ~~عليه الصلاة والسلام وهو قوله # أعوذ بك منك والله أعلم . < # > المسألة الحادية عشرة : < # > اعلم أن الإنسان إذا جلس في الخلوة وتواترت الخواطر في قلبه فربما صار ~~بحيث كأنه يسمع في داخل قلبه ودماغه أصواتا خفية وحروفا خفية فكأن متكلما ~~يتكلم معه ومخاطبا يخاطبه فهذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه ثم اختلف ~~الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة إن PageV01P078 تلك الأشياء ليست ~~حروفا ولا أصواتا وإنما هي تخيلات الحروف والأصوات وتخيل الشيء عبارة عن ~~حضور رسمه ومثاله في الخيال وهذا كما أنا إذا تخيلنا صور الجبال والبحار ~~والأشخاص فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل والقلب بل الموجود في ~~العقل والقلب صورها وأمثلتها ورسومها وهي على سبيل التمثيل جارية مجرى ~~الصورة المرتسمة في المرآة فإنا إذا أحسسنا في المرآة صورة الفلك والشمس ~~والقمر فليس ذلك لأجل أنه حضرت ذوات هذه الأشياء في المرآة فإن ذلك محال ~~وإنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء وأمثلتها وصورها وإذا عرفت هذا في ~~تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف والكلمات المسموعة كذلك فهذا ~~قول جمهور الفلاسفة ولقائل أن يقول : هذا الذي سميته بتخيل الحروف والكلمات ~~هل هو مساو للحرف والكلمة في الماهية أو لا ؟ فإن حصلت المساواة فقد عاد ~~الكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف والأصوات وإلى أن الحاصل في ~~الخيال عند تخيل البحر والسماء حقيقة البحر والسماء وإن كان الحق هو الثاني ~~- وهو أن الحاصل في الخيال شيء آخر مخالف للمبصرات والمسموعات - فحينئذ ~~يعود السؤال وهو : أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات وكيف نجد من ~~أنفسنا هذه الكلمة والعبارات وجدانا لا نشك أنها حروف متوالية على العقل ~~وألفاظ متعاقبة عل الذهن فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة أما الجمهور ~~الأعظم من أهل العلم فإنهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف ~~وأصوات حقيقة . واعلم أن القائلين بهذا القول قالوا ms0100 : فاعل هذه الحروف ~~والأصوات إما ذلك الإنسان أو إنسان آخر وإما شيء آخر روحاني مباين يمكنه ~~إلقاء هذه الحروف والأصوات إلى هذا الإنسان سواء قيل إن ذلك المتكلم هو ~~الجن والشياطين أو الملك وإما أن يقال : خالق تلك الحروف والأصوات هو الله ~~تعالى . أما القسم الأول - وهو أن فاعل هذه الحروف والأصوات هو ذلك الإنسان ~~- فهذا قول باطل لأن الذي يحصل باختيار الإنسان يكون قادرا على تركه فلو ~~كان حصول هذه الخواطر بفعل الإنسان لكان الإنسان إذا أراد دفعها أو تركها ~~لقدر عليه ومعلوم أنه لا يقدر على دفعها فإنه سواء حاول فعلها أو حاول ~~تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره وأما ~~القسم الثاني - وهو أنها حصلت بفعل إنسان آخر - فهو ظاهر الفساد ولما بطل ~~هذان القسمان بقي الثالث - وهي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله ~~تعالى . أما الذين قالوا إن الله تعالى لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق ~~بمذهبهم أن يقولوا إن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى فبقي ~~أنها من أحاديث الجن والشياطين وأما الذين قالوا إنه لا يقبح من الله شيء ~~فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من إسناد هذه الخواطر إلى الله تعالى . واعلم ~~أن الثنوية يقولون : للعالم إلهان أحدهما خير وعسكره الملائكة والثاني شرير ~~وعسكره الشياطين وهما يتنازعان أبدا كل شيء في هذا العالم فلكل واحد منهما ~~تعلق به والخواطر الداعية إلى أعمال الخير إنما حصلت من عساكر الله ~~والخواطر الداعية إلى أعمال الشر إنما حصلت من عساكر الشيطان واعلم أن ~~القول بإثبات الإلهين قول باطل فاسد على ما ثبت فساده بالدلائل فهذا منتهى ~~القول في هذا الباب PageV01P079 < # > المسألة الثانية عشرة : < # > من الناس من أثبت لهذه الشياطين قدرة على الإحياء وعلى الإماتة وعلى ~~خلق الأجسام وعلى تغيير الأشخاص عن صورتها الأصلية وخلقتها الأولية ومنهم ~~من أنكر هذه الأحوال وقال : أنه لا قدرة لها على شيء من هذه الأحوال . أما ~~أصحابنا قد أقاموا الدلالة على أن ms0101 القدرة على الإيجاد والتكوين والإحداث ~~ليست إلا لله فبطلت هذه المذاهب بالكلية . وأما المعتزلة فقد سلموا أن ~~الإنسان قادر على إيجاد بعض الحوادث فلا جرم صاروا محتاجين إلى بيان أن هذه ~~الشياطين لا قدرة لها على خلق الأجسام والحياة ودليلهم أن قالوا الشيطان ~~جسم % % وكل جسم فإنه قادر بالقدرة والقدرة لا تصلح لإيجاد الأجسام فهذه ~~مقدمات ثلاث : المقدمة الأولى أن الشيطان جسم وقد بنوا هذه المقدمة على أن ~~ما سوى الله تعالى إما متحيز وإما حال في المتحيز وليس لهم في إثبات هذه ~~المقدمة شبهة فضلا عن حجة وأما المقدمة الثانية - وهي قولهم الجسم إنما ~~يكون قادرا بالقدرة - فقد بنوا هذا على أن الأجسام مما تستلزم مماثلة فلو ~~كان شيء منها قادرا لذاته لكان الكل قادرا لذاته وبناء هذه المقدمة على ~~تماثل الأجسام وأما المقدمة الثالثة - وهي قولهم هذه القدرة التي لنا لا ~~تصلح لخلق الأجسام فوجب أن لا تصلح القدرة الحادثة لخلق الأجسام - وهذا ~~أيضا ضعيف لأنه يقال لهم لم لا يجوز حصول قدرة مخالفة لهذه القدرة الحاصلة ~~لنا وتكون تلك القدرة صالحة لخلق الأجسام فإنه لا يلزم من عدم وجود الشيء ~~في الحال امتناع وجوده ؟ فهذا إتمام الكلام في هذه المسألة . < # > المسألة الثالثة عشرة : < # > اختلفوا في أن الجن هل يعلمون الغيب ؟ وقد بين الله تعالى في كتابه ~~أنهم بقوا في قيد سليمان عليه السلام وفي حبسه بعد موته مدة وهم ما كانوا ~~يعلمون موته وذلك يدل على أنهم لا يعلمون الغيب ومن الناس من يقول أنهم ~~يعلمون الغيب ثم اختلفوا فقال بعضهم أن فيهم من يصعد إلى السموات أو يقرب ~~منها ويخبر ببعض الغيوب على ألسنة الملائكة ومنهم من قال : لهم طرق أخرى في ~~معرفة الغيوب لا يعلمها إلا الله واعلم أن فتح الباب في أمثال هذه المباحث ~~لا يفيد إلا الظنون والحسبانات والعالم بحقائقها هو الله تعالى . الركن ~~الخامس من أركان مباحث الاستعاذة المطالب التي لأجلها يستعاذ : اعلم أنا قد ~~بينا أن حاجات العبد غير متناهية فلا ms0102 خير من الخيرات إلا وهو محتاج إلى ~~تحصيله ولا شر من الشرور إلا وهو محتاج إلى دفعه وإبطاله فقوله ( أعوذ ~~بالله ) يتناول دفع جميع الشرور الروحانية والجسمانية وكلها أمور غير ~~متناهية ونحن ننبه على معاقدها فنقول : الشرور إما أن تكون من باب ~~الاعتقادات الحاصلة في القلوب وإما أن تكون من باب الأعمال الموجودة في ~~الأبدان أما القسم الأول فيدخل فيه جميع العقائد الباطلة . واعلم أن أقسام ~~المعلومات غير متناهية كل واحد منها يمكن أن يعتقد اعتقادا صوابا صحيحا ~~ويمكن أن يعتقد اعتقادا فاسدا خطأ ويدخل في هذه الجملة مذاهب فرق الضلال في ~~العالم وهي اثنتان وسبعون فرقة من هذه الأمة وسبعامائة أو أكثر خارج عن هذه ~~الأمة فقوله ( أعوذ بالله ) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها PageV01P080 ~~وأما ما يتعلق بالأعمال البدنية فهي على قسمين : منها ما يفيد المضار ~~الدينية ومنها ما يفيد المضار الدنيوية فأما المضار الدينية فكل ما نهى ~~الله عنه في جميع أقسام التكاليف وضبطها كالمعتذر وقوله ( أعوذ بالله ) ~~يتناول كلها وأما ما يتعلق بالمضار الدنيوية فهو جميع الآلام والأسقام ~~والحرق والغرق والفقر والزمانة والعمى وأنواعها تقرب أن تكون غير متناهية ~~فقوله ( أعوذ بالله ) يتناول الاستعاذة من كل واحد منها . والحاصل أن قوله ~~( أعوذ بالله ) يتناول ثلاثة أقسام وكل واحد منها يجري مجرى ما لا نهاية له ~~أولها الجهل ولما كانت أقسام المعلومات غير متناهية كانت أنواع الجهالات ~~غير متناهية فالعبد يستعذ بالله منها ويدخل في هذه الجملة مذاهب أهل الكفر ~~وأهل البدعة على كثرتها وثانيها الفسق ولما كانت أنواع التكاليف كثيرة جدا ~~وكتب الأحلام محتوية عليها كان قوله : ( أعوذ بالله ) متناولا لكلها ~~وثالثها المكروهات والآفات والمخافات ولما كانت أقسامها وأنواعها غير ~~متناهية كان قوله ( أعوذ بالله ) متناولا لكلها ومن أراد أن يحيط بها ~~فليطالع كتب الطب حتى يعرف في ذلك لكل واحد من الأعضاء أنواعا من الآلام ~~والأسقام ويجب على العاقل أنه إذا أراد أن يقول ( أعوذ بالله ) فإنه يستحضر ~~في ذهنه هذه الأجناس الثلاثة وتقسيم كل ms0103 واحد من هذه الأجناس إلى أنواعها ~~وأنواع أنواعها ويبالغ في ذلك التقسيم والتفصيل ثم إذا استحضر تلك الأنواع ~~التي لا حد لها ولا عد لها في خياله ثم عرف أن قدرة جميع الخلائق لا تفي ~~بدفع هذه الأقسام على كثرتها فحينئذ يحمله طبعه وعقله على أن يلتجئ إلى ~~القادر على دفع ما لا نهاية له من المقدورات فيقول عند ذلك أعوذ بالله ~~القادر على كل المقدورات من جميع أقسام الآفات والمخافات ولنقتصر على هذا ~~القدر من المباحث في هذا الباب والله الهادي . < # > الباب الثالث < # > < # > في اللطائف المستنبطة من قولنا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم < # > < # > النكتة الأولى : < # > في قوله { أعوذ بالله } عروج من الخلق إلى الخالق ومن الممكن إلى ~~الواجب : وهذا هو الطريق المتعين في أول الأمر لأن في أول الأمر لا طريق ~~إلى معرفته إلا بأن يستدل باحتياج الخلق على وجود الحق الغني القادر فقوله ~~{ أعوذ } إشارة إلى الحاجة التامة فإنه لولا الاحتياج لما كان في الاستعاذة ~~فائدة وقوله { بالله } إشارة إلى الغنى التام للحق فقول العبد { أعوذ } ~~إقرار على نفسه بالفقر والحاجة وقوله { بالله } إقرار بأمرين أحدهما بان ~~الحق قادر على تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات والثاني أن غيره غير موصوف ~~بهذه الصفة فلا دافع للحاجات إلا هو ولا معطي للخيرات إلا هو فعند مشاهدة ~~هذه الحالة يفر العبد من نفسه ومن كل شيء سوى الحق فيشاهد في هذا الفرار سر ~~قوله : @QB@ ففروا إلى الله @QE@ [ الذاريات : 50 ] وهذه الحالة تحصل عند ~~قوله { أعوذ } ثم إذا وصل إلى غيبة الحق وصار غريقا في نور جلال الحق شاهد ~~قوله : قل الله ثم ذرهم فعند ذلك يقول { أعوذ بالله } . < # > النكتة الثانية : < # > أن قوله { أعوذ بالله } اعتراف بعجز النفس وبقدرة الرب وهذا يدل على ~~أنه لا وسيلة إلى القرب من حضرة الله إلا بالعجز والانكسار ثم من الكلمات ~~النبوية قوله عليه الصلاة والسلام # من عرف PageV01P081 نفسه فقد عرف ربه والمعنى من عرف نفسه بالضعف والقصور ~~عرف ربه بأنه هو القادر على كل ms0104 مقدور ومن عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالفضل ~~والعدل ومن عرف نفسه باختلال الحال عرف ربه بالكمال والجلال . < # > النكتة الثالثة : < # > أن الإقدام على الطاعات لا يتيسر إلا بعد الفرار من الشيطان وذلك هو ~~الاستعاذة بالله إلا أن هذه الاستعاذة نوع من أنواع الطاعة فإن كان الإقدام ~~على الطاعة يوجب تقديم الاستعاذة عليها افتقرت الاستعاذة إلى تقديم استعاذة ~~أخرى ولزم التسلسل وإن كان الإقدام على الطاعة لا يحوج إلى تقديم الاستعاذة ~~عليها لم يكن في الاستعاذة فائدة فكأنه قيل له : الإقدام على الطاعة لا يتم ~~إلا بتقديم الاستعاذة عليها وذلك يوجب الإتيان بما لا نهاية له وذلك ليس في ~~وسعك إلا أنك إذا عرفت هذه الحالة فقد شاهدت عجزك واعترفت بقصورك فأنا ~~أعينك على الطاعة وأعلمك كيفية الخوض فيها فقل { أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم } . < # > النكتة الرابعة : < # > أن سر الاستعاذة هو الالتجاء إلى قادر يدفع الآفات عنك ثم إن أجل ~~الأمور التي يلقي الشيطان وسوسته فيها قراءة القرآن لأن من قرأ القرآن ونوى ~~به عبادة الرحمن وتفكر في وعده ووعيده وآياته وبيناته ازدادت رغبته في ~~الطاعات ورهبته عن المحرمات ؛ فلهذا السبب صارت قراءة القرآن من أعظم ~~الطاعات فلا جرم كان سعي الشيطان في الصد عنه أبلغ وكان احتياج العبد إلى ~~من يصونه عن شر الشيطان أشد فلهذه الحكمة اختصت قراءة القرآن بالاستعاذة . ~~< # > النكتة الخامسة : < # > الشيطان عدو الإنسان كما قال تعالى : @QB@ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا @QE@ [ فاطر : 6 ] والرحمن مولى الإنسان وخالقة ومصلح مهماته ثم إن ~~الإنسان عند شروعه في الطاعات والعبادات خاف العدو فاجتهد في أن يتحرى ~~مرضاة مالكه ليخلصه من زحمة ذلك العدو فلما وصل الحضرة وشاهد أنواع البهجة ~~والكرامة نسي العدو وأقبل بالكلية على خدمة الحبيب فالمقام الأول هو الفرار ~~وهو قوله : { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } والمقام الثاني هو الاستقرار ~~في حضرة الملك الجبار فهو قوله { بسم الله الرحمن الرحيم } . < # > النكتة السادسة : < # > قال تعالى @QB@ لا يمسه إلا المطهرون @QE@ فالقلب لما تعلق بغير الله ~~واللسان لما جرى بذكر ms0105 غير الله حصل فيه نوع من اللوث فلا بد من استعمال ~~الطهور فلما قال { أعوذ بالله } حصل الطهور فعند ذلك يستعد للصلاة الحقيقية ~~وهي ذكر الله تعالى فقال { بسم الله } . < # > النكتة السابعة : < # > قال أرباب الإشارات : لك عدوان أحدهما ظاهر والآخر باطن وأنت مأمور ~~بمحاربتهما قال تعالى في العدو الظاهر : @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~@QE@ [ التوبة : 29 ] وقال في العدو الباطن ^ { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا } [ فاطر : 6 ] فكأنه تعالى قال : إذا حاربت عدوك الظاهر كان مددك ~~الملك كما قال تعالى : ^ { يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } ^ ~~[ آل عمران : 125 ] وإذا حاربت عدوك الباطن كان مددك الملك كما قال تعالى : ~~^ { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ^ [ الإسراء : 65 ] وأيضا فمحاربة العدو ~~الباطن أولى من محاربة العدو الظاهر ؛ لأن العدو الظاهر إن وجد فرصة ففي ~~متاع الدنيا والعدو الباطن إن وجد فرصة ففي الدين واليقين وأيضا فالعدو ~~الظاهر إن غلبنا كنا مأجورين والعدو PageV01P082 الباطن إن غلبنا كنا ~~مفتونين وأيضا فمن قتله العدو الظاهر كان شهيدا ومن قتله العدو الباطن كان ~~طريدا فكان الاحتراز عن شر العدو الباطن أولى وذلك لا يكون إلا بأن يقول ~~الرجل بقلبه ولسانه { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } . < # > النكتة الثامنة : < # > أن قلب المؤمن أشرف البقاع فلا تجد ديارا طيبة ولا بساتين عامرة ولا ~~رياضا ناضرة إلا وقلب المؤمن أشرف منها بل قلب المؤمن كالمرآة في الصفاء بل ~~فوق المرآة لأن المرآة إن عرض عليها حجاب لم ير فيها شيء وقلب المؤمن لا ~~يحجبه السموات السبع والكرسي والعرش كما قال تعالى : @QB@ إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ [ فاطر : 10 ] بل القلب مع جميع هذه الحجب ~~يطالع جلال الربوبية ويحيط علما بالصفات الصمدية ومما يدل على أن القلب ~~أشرف البقاع وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام قال القبر روضة من ~~رياض الجنة وما ذاك إلا أنه صار مكان عبد صالح ميت فإذا كان القلب سريرا ~~لمعرفة الله وعرشا لإلهيته وجب أن يكون القلب أشرف البقاع الثاني : كأن ms0106 ~~الله تعالى يقول : يا عبدي قلبك بستاني وجنتي بستانك فلما لم تبخل علي ~~ببستانك بل أنزلت معرفتي فيه فكيف أبخل ببستاني عليك وكيف أمنعك منه ؟ ~~الثالث : أنه تعالى حكى كيفية نزول العبد في بستان الجنة فقال : @QB@ في ~~مقعد صدق عند مليك مقتدر @QE@ [ القمر : 55 ] ولم يقل عند المليك فقط كأنه ~~قال : أنا في ذلك اليوم أكون مليكا مقتدرا وعبيدي يكونون ملوكا إلا أنهم ~~يكونون تحت قدرتي . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : كأنه تعالى يقول : يا ~~عبدي إني جعلت جنتي لك وأنت جعلت جنتك لي لكنك ما انصفتني فهل رأيت جنتي ~~الآن وهل دخلتها ؟ فيقول العبد : لا يا رب فيقول تعالى : وهل دخلت جنتك ؟ ~~فلا بد وأن يقول العبد : نعم يا رب فيقول تعالى : إنك بعد ما دخلت جنتي ~~ولكن لما قرب دخولك أخرجت الشيطان من جنتي لأجل نزولك وقلت له اخرج منها ~~مذؤوما مدحورا فأخرجت عدوك قبل نزولك وأما أنت فبعد نزولي في بستانك سبعين ~~سنة كيف يليق بك أن لا تخرج عدوي ولا تطرده فعند ذلك يجيب العبد ويقول : ~~إلهي أنت قادر على إخراجه من جنتك وأما أنا فعاجز ضعيف ولا أقدر على إخراجه ~~فيقول الله تعالى : العاجز إذا دخل في حماية الملك القاهر صار قويا فادخل ~~في حمايتي حتى تقدر على إخراج العدو من جنة قلبك فقل { أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم } . فإن قيل : فإذا كان القلب بستان الله فلماذا لا يخرج ~~الشيطان منه ؟ قلنا قال أهل الإشارة : كانه تعالى يقول للعبد أنت الذي ~~أنزلت سلطان المعرفة في حجرة قلبك ومن أراد أن ينزل سلطانا في حجرة نفسه ~~وجب عليه أن يكنس تلك الحجرة وأن ينظفها ولا يجب على السلطان تلك الأعمال ~~فنظف أنت حجرة قلبك من لوث الوسوسة فقل { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } . ~~< # > النكتة التاسعة : < # > كأنه تعالى يقول يا عبدي ما أنصفتني أتدري لأي شيء تكدر ما بيني وبين ~~الشيطان ؛ إنه كان يعبدني مثل عباده الملائكة وكان في الظاهر مقرا بإلهيتي ~~وإنما تكدر ما بيني وبينه ms0107 لأني أمرته بالسجود لأبيك آدم فامتنع فلما تكبر ~~نفيته عن خدمتي وهو في الحقيقة ما عادى أباك إنما امتنع من خدمتي ثم إنه ~~يعاديك منذ سبعين سنة وأنت تحبه وهو يخالفك في كل الخيرات وأنت توافقه في ~~كل المرادات فاترك هذه الطريقة المذمومة وأظهر عداوته فقل : { أعوذ بالله ~~من الشيطان الرجيم } . PageV01P083 < # > النكتة العاشرة : < # > أما إن نظرت إلى قصة أبيك فإنه أقسم بأنه له من الناصحين ثم كان عاقبة ~~ذلك الأمر أنه سعى في إخراجه من الجنة وأما في حقك فإنه أقسم بأنه يضلك ~~ويغويك فقال : @QB@ فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ [ ~~ص : 82 ] فإذا كانت هذه معاملته مع من أقسم أنه ناصحه فكيف تكون معاملته مع ~~من أقسم أنه يضله ويغويه . < # > النكتة الحادية عشرة : < # > إنما قال : { أعوذ بالله } ولم يذكر اسما آخر بل ذكر قوله : { الله } ~~لأن هذا الاسم أبلغ في كونه زاجرا عن المعاصي من سائر الأسماء والصفات لأن ~~الإله هو المستحق للعبادة ولا يكون كذلك إلا إذا كان قادرا عليما حكيما ~~فقوله : { أعوذ بالله } جار مجرى أن يقول أعوذ بالقادر العليم الحكيم وهذه ~~الصفات هي النهاية في الزجر وذلك لأن السارق يعلم قدرة السلطان وقد يسرق ~~ماله لأن السارق عالم بأن ذلك السلطان وإن كان قادرا إلا أنه غير عالم ~~فالقدرة وحدها غير كافية في الزجر بل لا بد معها من العلم وأيضا فالقدرة ~~والعلم لا يكفيان في حصول الزجر لأن الملك إذا رأى منكرا إلا أنه لا ينهي ~~عن المنكر لم يكن حضوره مانعا منه أما إذا حصلت القدرة وحصل العلم وحصلت ~~الحكمة المانعة من القبائح فههنا يحصل الزجر الكامل ؛ فإذا قال العبد { ~~أعوذ بالله } فكأنه قال أعوذ بالقادر العليم الحكيم الذي لا يرضى بشيء من ~~المنكرات فلا جرم يحصل الزجر التام . < # > النكتة الثانية عشرة : < # > لما قال العبد { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } دل ذلك على أنه لا ~~يرضى بأن يجاور الشيطان وإنما لم يرض بذلك لأن الشيطان عاص وعصيانه لا يضر ~~هذا المسلم في الحقيقة ms0108 فإذا كان العبد لا يرضى بجوار العاصي فبأن لا يرضى ~~بجوار عين المعصية أولى . < # > النكتة الثالثة عشرة : < # > الشيطان اسم والرجيم صفة ثم إنه تعالى لم يقتصر على الاسم بل ذكر الصفة ~~فكأنه تعالى يقول إن هذا الشيطان بقي في الخدمة ألوفا من السنين فهل سمعت ~~أنه ضرنا أو فعل ما يسوءنا ؟ ثم إنا مع ذلك رجمناه حتى طردناه وأما أنت فلو ~~جلس هذا الشيطان معك لحظة واحدة لألقاك في النار الخالدة فكيف لا تشتغل ~~بطرده ولعنه فقل { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } . < # > النكتة الرابعة عشرة : < # > لقائل أن يقول : لم لم يقل أعوذ بالملائكة مع أن أدون ملك من الملائكة ~~يكفي في دفع الشيطان ؟ فما السبب في أن جعل ذكر هذا الكلب في مقابلة ذكر ~~الله تعالى ؟ وجوابه كأنه تعالى يقول : عبدي إنه يراك وأنت لا تراه بدليل ~~قوله تعالى : @QB@ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم @QE@ [ الأعراف : ~~27 ] وإنما نفذ كيده لأنه يراكم وأنتم لا ترونه فتمسكوا بمن يرى الشيطان ~~ولا يراه الشيطان وهو الله سبحانه وتعالى فقولوا { أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم } . < # > النكتة الخامسة عشرة : < # > أدخل الألف واللام في الشيطان ليكون تعريفا للجنس ؛ لأن الشياطين كثيرة ~~مرئية وغير مرئية بل المرئي ربما كان أشد حكي عن بعض المذكرين أنه قال في ~~مجلسه : إن الرجل إذا أراد أن يتصدق فإنه يأتيه سبعون شيطانا فيتعلقون ~~بيديه ورجليه وقلبه ويمنعونه من الصدقة فلما سمع بعض القوم ذلك فقال : إني ~~أقاتل هؤلاء السبعين وخرج من المسجد وأتى المنزل وملأ ذيله من الحنطة وأراد ~~أن يخرج ويتصدق به فوثبت زوجته وجعلت تنازعه وتحاربه حتى أخرجت ذلك من ذيله ~~فرجع الرجل خائبا إلى المسجد فقال المذكر : ماذا عملت ؟ فقال : هزمت ~~السبعين فجاءت أمهم فهزمتني . وأما إن جعلنا الألف PageV01P084 واللام ~~للعهد فهو أيضا جائز لأن جميع المعاصي برضى هذا الشيطان والراضي يجري مجرى ~~الفاعل له وإذا استبعدت ذلك فاعرفه بالمسألة الشرعية فإن عند أبي حنيفة ~~قراءة الإمام قراءة للمقتدي من حيث رضي بها وسكت خلفه ms0109 . < # > النكتة السادسة عشرة : < # > الشيطان مأخوذ من شطن إذا بعد فحكم عليه بكونه بعيدا وأما المطيع فقريب ~~قال الله تعالى : ^ { واسجد واقترب } [ العلق : 19 ] والله قريب منك قال ~~الله تعالى ^ { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ^ [ البقرة : 186 ] وأما ~~الرجيم فهو المرجوم بمعنى كونه مرميا بسهم اللعن والشقاوة وأما أنت فموصول ~~بحبل السعادة قال الله تعالى : ^ { وألزمهم كلمة التقوى } ^ [ الفتح : 26 ] ~~فدل هذا على أنه جعل الشيطان بعيدا مرجوما وجعلك قريبا موصولا ثم إنه تعالى ~~أخبر إنه لا يجعل الشيطان الذي هو بعيد قريبا لأنه تعالى قال : ^ { ولن تجد ~~لسنة الله تحويلا } ^ [ فاطر : 43 ] فاعرف أنه لما جعلك قريبا فإنه لا ~~يطردك ولا يبعدك عن فضله ورحمته . < # > النكتة السابعة عشرة : < # > قال جعفر الصادق : إنه لا بد قبل القراءة من التعوذ وأما سائر الطاعات ~~فإنه لا يتعوذ فيها والحكمة فيه أن العبد قد ينجس لسانه بالكذب والغيبة ~~والنميمة فأمر الله تعالى العبد بالتعوذ ليصير لسانه طاهرا فيقرأ بلسان ~~طاهر كلاما أنزل من رب طيب طاهر . < # > النكتة الثامنة عشرة : < # > كأنه تعالى يقول : إنه شيطان رجيم وأنا رحمن رحيم فابعد عن الشيطان ~~الرجيم لتصل إلى الرحمن الرحيم . < # > النكتة التاسعة عشرة : < # > الشيطان عدوك وأنت عنه غافل غائب قال تعالى : ^ { إنه يراكم هو وقبيله ~~من حيث لا ترونهم } ^ [ الأعراف : 27 ] فعلى هذا لك عدو غائب ولك حبيب غالب ~~لقوله تعالى : ^ { والله غالب على أمره } ^ [ يوسف : 21 ] فإذا قصدك العدو ~~الغائب فافزع إلى الحبيب الغالب والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده . < # > الباب الرابع < # > < # > في المسائل الملتحقة بقوله ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) < # > < # > المسألة الأولى : < # > فرق بين أن يقال أعوذ بالله وبين أن يقال بالله أعوذ فإن الأول لا يفيد ~~الحصر والثاني يفيده فلم ورد الأمر بالأول دون الثاني مع أنا بينا أن ~~الثاني أكمل وأيضا جاء قوله الحمد لله وجاء قوله لله الحمد وأما هنا فقد ~~جاء أعوذ بالله وما جاء قوله بالله أعوذ فما الفرق ؟ < # > المسألة الثانية : < # > قوله { أعوذ بالله } لفظه الخبر ومعناه الدعاء والتقدير : اللهم أعذني ms0110 ~~ألا ترى أنه قال : ^ { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } ^ [ آل ~~عمران : 36 ] كقوله أستغفر الله أي اللهم اغفر لي والدليل عليه أن قوله { ~~أعوذ بالله } إخبار عن فعله وهذا القدر لا فائدة فيه إنما الفائدة في أن ~~يعيذه الله فما السبب في أنه قال أعوذ بالله ولم يقل أعذني ؟ والجواب أن ~~بين الرب وبين العبد عهدا كما قال تعالى : ^ { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ~~} ^ [ النحل : 91 ] وقال ^ { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } ^ [ البقرة : 40 ] ~~فكأن العبد يقول أنا مع لؤم الإنسانية PageV01P085 ونقص البشرية وفيت بعهد ~~عبوديتي حيث قلت : أعوذ بالله فأنت مع نهاية الكرم وغاية الفضل والرحمة ~~أولى بأن تفي بعهد الربوبية فتقول : إني أعيذك من الشيطان الرجيم . المسألة ~~ج : أعوذ فعل مضارع وهو يصلح للحال والاستقبال فهل هو حقيقة فيهما ؟ والحق ~~أنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال وإنما يختص به بحرف السين وسوف . ( د ~~) لم وقع الاشتراك بين الحاضر والمستقبل ولم يقع بين الحاضر والماضي ؟ ( ه ~~) كيف المشابهة بين المضارع وبين الاسم . ( و ) كيف العامل فيه ولا شك أنه ~~معمول فما هو . ( ز ) قوله { أعوذ } يدل على أن العبد مستعيذ في الحال وفي ~~كل المستقبل وهو الكمال فهل يدل على أن هذه الاستعاذة باقية في الجنة . ( ح ~~) قوله { أعوذ } حكاية عن النفس ولا بد من الأربعة المذكورة في قوله @QB@ ~~أتين @QE@ [ الأحزاب : 33 ] . أما المباحث العقلية المتعلقة بالباء في قوله ~~أعوذ بالله فهي كثيرة ( أ ) الباء في قوله بالله باء الإلصاق وفيه مسائل : ~~< # > المسألة الأولى : < # > البصريون يسمونه باء الألصاق والكوفيون يسمونه باء الآلة ويسميه قوم ~~باء التضمين واعلم أن حاصل الكلام أن هذه الباء متعلقة بفعل لا محالة ؛ ~~والفائدة فيه أنه لا يمكن إلصاق ذلك الفعل بنفسه إلا بواسطة الشيء الذي دخل ~~عليه هذا الباء فهو باء الإلصاق لكونه سببا للإلصاق وباء الآلة لكونه داخلا ~~على الشيء الذي هو آلة . < # > المسألة الثانية : < # > اتفقوا على أنه لا بد فيه من إضمار فعل فإنك إذا قلت بالقلم لم يكن ذلك ms0111 ~~كلاما مفيدا بل لا بد وأن تقول كتبت بالقلم وذلك يدل على أن هذه الحرف ~~متعلق بمضمر ونظيره قوله بالله لأفعلن ومعناه أحلف بالله لأفعلن فحذف أحلف ~~لدلالة الكلام عليه فكذا ههنا ويقول الرجل لمن يستأذنه في سفره : على اسم ~~الله أي سر على اسم الله . < # > المسألة الثالثة : < # > لما ثبت أنه لا بد من الإضمار فنقول : الحذف في هذا المقام أفصح والسبب ~~فيه أنه لو وقع التصريح بذلك المضمر لاختص قوله أعوذ بالله بذلك الحكم ~~المعين أما عند الحذف فإنه يذهب الوهم كل مذهب ويقع في الخاطر أن جميع ~~المهمات لا تتم إلا بواسطة الاستعاذة بالله وإلا عند الابتداء باسم الله ~~ونظيره أنه قال الله أكبر ولم يقل فإنه أكبر من الشيء الفلاني لأجل ما ~~ذكرناه من إفادة العموم فكذا هنا . < # > المسألة الرابعة : < # > قال سيبويه لم يكن لهذه الباء عمل إلا الكسر فكسرت لهذا السبب فإن قيل ~~: كاف التشبيه ليس لها عمل إلا الكسر ثم إنها ليست مكسورة بل مفتوحة قلنا : ~~كاف التشبيه قائم مقام الاسم وهو في العمل ضعيف أما الحرف فلا وجود له إلا ~~بحسب هذا الأثر فكان فيه كلاما قويا . < # > المسألة الخامسة : < # > الباء قد تكون أصلية كقوله تعالى : @QB@ قل ما كنت بدعا من الرسل @QE@ ~~[ الأحقاف : 9 ] وقد تكون زائدة وهي على أربعة أوجه أحدها للإلصاق وهي ~~كقوله { أعوذ بالله } وقوله { بسم الله } وثانيها PageV01P086 للتبعيض عند ~~الشافعي رضي الله عنه وثالثها لتأكيد النفي كقوله تعالى @QB@ وما ربك بظلام ~~للعبيد @QE@ [ فصلت : 46 ] ورابعها للتعدية كقوله تعالى ^ { ذهب الله ~~بنورهم } [ البقرة : 17 ] أي أذهب نورهم وخامسها الباء بمعنى في قال : # % حل بأعدائك ما حل بي % % أي : حل في أعدائك وأما باء القسم وهو قوله ~~بالله فهو من جنس باء الإلصاق . < # > المسألة السادسة : < # > قال بعضهم : الباء في قوله : ^ { وامسحوا برؤوسكم } ^ [ المائدة : 6 ] ~~زائدة والتقدير : وامسحوا رؤسكم وقال الشافعي رضي الله عنه إنها تفيد ~~التبعيض حجة الشافعي رضي الله عنه وجوه الأول أن هذه الباء إما أن تكون ~~لغوا أو مفيدا والأول ms0112 باطل ؛ لأن الحكم بأن كلام رب العالمين وأحكم ~~الحاكمين لغو في غاية البعد وذلك لأن المقصود من الكلام إظهار الفائدة ~~فحمله على اللغو على خلاف الأصل فثبت أنه يفيد فائدة زائدة وكل من قال بذلك ~~قال إن تلك الفائدة هي التبعيض الثاني أن الفرق بين قوله مسحت بيدي المنديل ~~وبين قوله مسحت يدي بالمنديل يكفي في صحة صدقه ما إذا مسح يده بجزء من ~~أجزاء المنديل . الثالث : أن بعض أهل اللغة قال : الباء قد تكون للتبعيض ~~وأنكره بعضهم لكن رواية الإثبات راجحة فثبت أن الباء تفيد التبعيض ومقدار ~~ذلك البعض غير مذكور فوجب أن تفيد أي مقدار يسمى بعضا فوجب الاكتفاء بمسح ~~أقل جزء من الرأس وهذا هو قول الشافعي والإشكال عليه أنه تعالى قال : ^ { ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } ^ [ النساء : 43 ] فوجب أن يكون مسح أقل جزء من ~~أجزاء الوجه واليد كافيا في التيمم وعند الشافعي لا بد فيه من الإتمام وله ~~أن يجيب فيقول : مقتضى هذا النص الاكتفاء في التيمم بأقل جزء من الأجزاء ~~إلا أن عند الشافعي الزيادة على النص ليست نسخا فأوجبنا الإتمام لسائر ~~الدلائل وفي مسح الرأس لم يوجد دليل يدل على وجوب الإتمام فاكتفينا بالقدر ~~المذكور في هذا النص . < # > المسألة السابعة : < # > فرع أصحاب أبي حنيفة على باء الإلصاق مسائل : إحداها قال محمد في ~~الزيادات : إذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق بمشيئة الله تعالى لا يقع ~~الطلاق وهو كقوله : أنت طالق إن شاء الله ولو قال : لمشيئة الله يقع لأنه ~~أخرجه مخرج التعليل وكذلك أنت طالق بإرادة الله لا يقع الطلاق ولو قال ~~لإرادة الله يقع أما إذا قال : أنت طالق بعلم الله أو لعلم الله فإنه يقع ~~الطلاق في الوجهين ولا بد من الفرق وثانيها قال في كتاب الأيمان لو قال ~~لامرأته : إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني فأنت طالق فإنها تحتاج في كل مرة ~~إلى إذنه ولو قال : إن خرجت إلا أن آذن لك فأذن لها مرة كفى ولا بد من ~~الفرق وثالثها لو ms0113 قال لامرأته : طلقي نفسك ثلاثا بألف فطلقت نفسها واحدة ~~وقعت بثلث الألف وذلك أن الباء ههنا تدل على البدلية فيوزع البدل على ~~المبدل فصار بإزاء كل طلقة ثلث الألف ولو قال : طلقي نفسك ثلاثا على ألف ~~فطلقت نفسها واحدة لم يقع شيء عند أبي حنيفة لأن لفظة على كلمة شرط ولم ~~يوجد الشرط وعند صاحبيه تقع واحدة بثلث الألف . قلت : وههنا مسائل كثيرة ~~متعلقة بالباء . ( أ ) قال أبو حنيفة : الثمن إنما يتميز عن المثمن بدخول ~~حرف الباء عليه فإذا قال : بعت كذا بكذا فالذي دخل عليه الباء هو الثمن فقط ~~وعلى هذا الفرق بنى مسألة البيع الفاسد فإنه قال : إذا قال : بعت هذا ~~PageV01P087 الكرباس بمن من الخمر صح البيع وانعقد فاسدا وإذا قال بعت هذا ~~الخمر بهذا الكرباس لم يصح والفرق أن في الصورة الأولى الخمر ثمن وفي ~~الصورة الثانية الخمر مثمن وجعل الخمر ثمنا جائزا اما جعله مثمنا فإنه لا ~~يجوز . ( ب ) قال الشافعي : إذا قال بعت منك هذا الثوب بهذا الدرهم تعين ~~ذلك الدرهم وعند أبي حنيفة لا يتعين . ( ج ) قال الله تعالى : @QB@ إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة @QE@ [ التوبة : 111 ] ~~فجعل الجنة ثمنا للنفس والمال . ومن أصول الفقه مسائل ( أ ) الباء تدل على ~~السببية قال الله تعالى @QB@ ذلك بأنهم شاقوا الله @QE@ [ الأنفال : 13 ] ~~ههنا الباء دلت على السببية وقيل : إنه لا يصح لأنه لا يجوز إدخال لفظ ~~الباء على السبب فيقال ثبت هذا الحكم بهذا السبب . ( ب ) إذا قلنا الباء ~~تفيد السببية فما الفرق بين باء السببية وبين لام السببية ؟ لا بد من بيانه ~~. ( ج ) الباء في قوله # سبحانك اللهم وبحمدك لا بد من البحث عنه فإنه لا يدري أن هذه الباء بماذا ~~تتعلق وكذلك البحث عن قوله : @QB@ ونحن نسبح بحمدك @QE@ [ البقرة : 30 ] ~~فإنه يجب البحث عن هذه الباء . ( د ) قيل : كل العلوم مندرج في الكتب ~~الأربعة وعلومها في القرآن وعلوم القرآن في الفاتحة وعلوم الفاتحة في ( بسم ~~الله الرحمن الرحيم ) وعلومها في ms0114 الباء من بسم الله قلت لأن المقصود من كل ~~العلوم وصول العبد إلى الرب وهذا الباء باء الإلصاق فهو يلصق العبد بالرب ~~فهو كمال المقصود . النوع الثالث من مباحث هذا الباب مباحث حروف الجر : فإن ~~هذه الكلمة اشتملت على نوعين منها أحدهما الباء ؛ وثانيهما لفظ من فنقول : ~~في لفظ من مباحث : - ( أ ) أنك تقول أخذت المال من ابنك فتكسر النون ثم ~~تقول أخذت المال من الرجل فتفتح النون فههنا اختلف آخر هذه الكلمة وإذا ~~اختلفت الأحوال دلت على اختصاص كل حالة بهذه الحركة فههنا اختلف آخر هذه ~~الكلمة باختلاف العوامل فإنه لا معنى للعامل إلا الأمر الدال على استحقاق ~~هذه الحركات فوجب كون هذه الكلمة معربة . ( ب ) كلمة من وردت على وجوه ~~أربعة : ابتداء الغاية والتبعيض والتبيين والزيادة . ( ج ) قال المبرد : ~~الأصل هو ابتداء الغاية والبواقي مفرعة عليه وقال آخرون : الأصل هو التبعيض ~~والبواقي مفرعة عليه . ( د ) أنكر بعضهم كونها زائدة وأما قوله تعالى : ~~@QB@ يغفر لكم من ذنوبكم @QE@ [ آل عمران : 31 ] فقد بينوا أنه يفيد فائدة ~~زائدة فكأنه قال يغفر لكم بعض ذنوبكم ومن غفر كل بعض منه فقد غفر كله . ( ه ~~) الفرق بين من وبين عن لا بد من ذكره قال الشيطان @QB@ ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم @QE@ [ الأعراف : 17 ] وفيه ~~سؤالان : الأول : لم خص الأولين بلفظ من والثالث والرابع PageV01P088 بلفظ ~~عن . الثاني : لما ذكر الشيطان لفظ من ولفظ عن فلم جاءت الاستعاذة بلفظ من ~~فقال { أعوذ بالله من الشيطان } ولم يقل عن الشيطان . < # > النوع الرابع : < # > من مباحث هذا الباب : - ( أ ) الشيطان مبالغة في الشيطنة كما أن الرحمن ~~مبالغة في الرحمة والرجيم في حق الشيطان فعيل بمعنى مفعول كما أن الرحيم في ~~حق الله تعالى فعيل بمعنى فاعل إذا عرفت هذا فهذه الكلمة تقتضي الفرار من ~~الشيطان الرجيم إلى الرحمن الرحيم وهذا يقتضي المساواة بينهما وهذا ينشأ ~~عنه قول الثنوية الذين يقولون إن الله وإبليس أخوان إلا أن الله هو الأخ ~~الكريم الرحيم الفاضل ms0115 وإبليس هو الأخ اللئيم الخسيس المؤذي فالعاقل يفر من ~~هذا الشرير إلى ذلك الخير . ( ب ) الإله هل هو رحيم كريم ؟ فإن كان رحيما ~~كريما فلم خلق الشيطان الرجيم وسلطه على العباد وإن لم يكن رحيما كريما فأي ~~فائدة في الرجوع إليه والاستعاذة به من شر الشيطان . ( ج ) الملائكة في ~~السموات هل يقولون { أعوذ بالله من الشيطان الرجيم } فإن ذكروه فإنما ~~يستعيذون من شرور أنفسهم لا من شرور الشيطان . ( د ) أهل الجنة في الجنة هل ~~يقولون أعوذ بالله . ( ه ) الأنبياء والصديقون لم يقولون { أعوذ بالله } مع ~~أن الشيطان أخبر أنه لا تعلق له بهم في قوله @QB@ فبعزتك لأغوينهم أجمعين ~~إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ [ ص : 82 ] . ( و ) الشيطان أخبر أنه لا تعلق ~~له بهم إلا في مجرد الدعوة حيث قال : @QB@ وما كان لي عليكم من سلطان إلا ~~أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم @QE@ [ إبراهيم : 22 ] ~~وأما الإنسان فهو الذي ألقى نفسه في البلاء فكانت استعاذة الإنسان من شر ~~نفسه أهم وألزم من استعاذته من شر الشيطان فلم بدأ بالجانب الأضعف وترك ~~الجانب الأهم ؟ < # > الكتاب الثاني < # > < # > في مباحث بسم الله الرحمن الرحيم وفيه أبواب < # > < # > الباب الأول < # > < # > في مسائل جارية مجرى المقدمات وفيه مسائل < # > < # > المسألة الأولى : < # > قد بينا أن الباء من { بسم الله الرحمن الرحيم } < < # | الفاتحة : ( 1 ) بسم الله الرحمن . . . . . # > > متعلقة بمضمر فنقول : هذا المضمر يحتمل أن يكون اسما وأن يكون فعلا ~~وعلى التقديرين فيجوز أن يكون متقدما وأن يكون متأخرا فهذه أقسام أربعة أما ~~إذا كان متقدما وكان فعلا فكقولك : أبدأ باسم الله وأما إذا كان متقدما ~~وكان اسما فكقولك : ابتداء الكلام باسم الله وأما إذا كان متأخرا وكان فعلا ~~فكقولك : باسم الله أبدا وأما إذا كان متأخرا وكان اسما فكقولك : باسم الله ~~ابتدائي . ويجب البحث ههنا عن شيئين : الأول : أن التقديم أولى أم التأخير ~~؟ فنقول كلاهما وارد في القرآن أما التقديم فكقوله ^ { باسم الله مجراها ~~ومرساها } ^ وأما التأخير فكقوله PageV01P089 ^ { اقرأ باسم ربك العلق : 1 ~~] وأقول : التقديم عندي أولى ويدل عليه ms0116 وجوه : الأول : أنه تعالى قديم ~~الوجود لذاته فيكون وجوده سابقا على غيره والسابق بالذات يستحق السبق في ~~الذكر الثاني : قال تعالى : ^ { هو الأول والآخر } ^ [ الحديد : 3 ] وقال : ~~^ { لله الأمر من قبل ومن بعد } ^ [ الروم : 4 ] الثالث : أن التقديم في ~~الذكر أدخل في التعظيم الرابع : أنه قال : ^ { إياك نعبد } ^ فههنا الفعل ~~متأخر عن الاسم فوجب أن يكون في قوله { بسم الله } كذلك فيكون التقدير باسم ~~الله أبتدئ الخامس : سمعت الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رضي الله عنه يقول : ~~سمعت الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول : حضر الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير ~~الميهني مع الأستاذ أبي القاسم القشيري فقال الأستاذ القشيري : المحققون ~~فإنهم ما رأوا شيئا إلا وكانوا قد رأوا الله قبله قلت : وتحقيق الكلام أن ~~الانتقال من المخلوق إلى الخالق إشارة إلى برهان الآن والنزول من الخالق ~~إلى المخلوق برهان اللم ومعلوم أن برهان اللم أشرف وإذا ثبت هذا فمن أضمر ~~الفعل أولا فكأنه انتقل من رؤية فعله إلى رؤية وجوب الاستعانة باسم الله ~~ومن قال : باسم الله ثم أضمر الفعل ثانيا فكأنه رأى وجوب الاستعانة بالله ~~ثم نزل منه إلى أحوال نفسه . < # > المسألة الثانية : < # > إضمار الفعل أولى أم إضمار الاسم قال الشيخ أبو بكر الرازي : نسق تلاوة ~~القرآن يدل على أن المضمر هو الفعل وهو الأمر لأنه تعالى قال : ^ { إياك ~~نعبد وإياك نستعين } ^ والتقدير : قولوا إياك نعبد وإياك نستعين فكذلك قوله ~~: { بسم الله الرحمن الرحيم } التقدير : قولوا بسم الله وأقول : لقائل أن ~~يقول : بل إضمار الاسم أولى ؛ لأنا إذا قلنا : تقدير الكلام بسم الله ~~ابتداء كل شيء كان هذا إخبارا عن كونه مبدأ في ذاته لجميع الحوادث وخالقا ~~لجميع الكائنات سواء قاله قائل أو لم يقله وسواء ذكره ذاكر أو لم يذكره ولا ~~شك أن هذا الاحتمال أولى وتمام الكلام فيه يجيء في بيان أن يقال : قولوا ~~الحمد لله أو الأولى أن يقال : الحمد لله ؛ لأنه إخبار عن كونه في نفسه ~~مستحقا للحمد سواء قاله قائل أو لم يقله . < # > المسألة ms0117 الثالثة : < # > الجر يحصل بشيئين : أحدهما بالحرف كما في قوله : باسم والثاني بالإضافة ~~كما في الله من قوله : باسم الله وأما الجر الحاصل في لفظ الرحمن الرحيم ؛ ~~فإنما حصل لكون الوصف تابعا للموصوف في الإعراب فههنا أبحاث : أحدها أن ~~حروف الجر لم اقتضت الجر ؟ وثانيها أن الإضافة لم اقتضت الجر وثالثها : أن ~~اقتضاء الحرف أقوى أو اقتضاء الإضافة ورابعها : أن الإضافة على كم قسم تقع ~~قالوا إضاقة الشيء إلى نفسه محال فبقي أن تقع الإضافة بين الجزء والكل أو ~~بين الشيء والخارج عن ذات الشيء المنفصل عنه أما القسم الأول فنحو باب حديد ~~وخاتم ذهب ؛ لأن ذلك الباب بعض الحديد وذلك الخاتم بعض الذهب وأما القسم ~~الثاني ؛ فكقولك : غلام زيد ؛ فإن المضاف إليه مغاير للمضاف بالكلية وأما ~~أقسام النسب والإضافات ؛ فكأنها خارجة عن الضبط والتعديد ؛ فإن أنواع النسب ~~غير متناهية . < # > المسألة الرابعة : < # > كون الاسم اسما للشيء نسبة بين اللفظة المخصوصة التي هي الاسم وبين ~~الذات المخصوصة التي هي المسمى وتلك النسبة معناها : أن الناس اصطلحوا على ~~جعل تلك اللفظة المخصوصة معرفة لذلك الشيء المخصوص فكأنهم قالوا متى سمعتم ~~هذه اللفظة منا فافهموا أنا أردنا بها ذلك المعنى الفلاني فلما حصلت هذه ~~النسبة بين الاسم وبين المسمى لا جرم صحت إضافة الاسم إلى المسمى ؛ ~~PageV01P090 فهذا هو المراد من إضافة الاسم إلى الله تعالى . < # > المسألة الخامسة : < # > قال أبو عبيد : ذكر الاسم في قوله : بسم الله صلة زائدة والتقدير : ~~بالله قال : وإنما ذكر لفظة الاسم إما للتبرك وإما ليكون فرقا بينه وبين ~~القسم وأقول : والمراد من قوله : بسم الله قوله : ابدءوا ببسم الله وكلام ~~أبي عبيد ضعيف ؛ لأنا لما أمرنا بالابتداء ؛ فهذا الأمر إنما يتناول فعلا ~~من أفعالنا وذلك الفعل هو لفظنا وقولنا فوجب أن يكون المراد ابدأ بذكر الله ~~والمراد : ابدأ ببسم الله وأيضا فالفائدة فيه أنه كما أن ذات الله تعالى ~~أشرف الذوات ؛ فكذلك ذكره أشرف الأذكار واسمه أشرف الأسماء فكما أنه في ~~الوجود سابق على كل ما سواه وجب أن يكون ms0118 ذكره سابقا على كل الأذكار وأن ~~يكون اسمه سابقا على كل الأسماء وعلى هذا التقدير ؛ فقد حصل في لفظ الاسم ~~هذه الفوائد الجليلة . < # > الباب الثاني < # > < # > فيما يتعلق بهذه الكلمة من القراءة والكتابة < # > أما المباحث المتعلقة بالقراءة فكثيرة : < # > المسألة الأولى : < # > أجمعوا على أن الوقف على قوله بسم ناقص قبيح وعلى قوله بسم الله أو على ~~قوله بسم الله الرحمن كاف صحيح وعلى قوله بسم الله الرحمن الرحيم تام . ~~واعلم أن الوقف لا بد وأن يقع على أحد هذه الأوجه الثلاثة وهو أن يكون ~~ناقصا أو كافيا أو كاملا فالوقف على كل كلام لا يفهم بنفسه ناقص والوقف على ~~كل كلام مفهوم المعاني إلا أن ما بعده يكون متعلقا بما قبله يكون كافيا ~~والوقف على كل كلام تام ويكون ما بعده منقطعا عنه يكون وقفا تاما . ثم ~~لقائل أن يقول : قوله الحمد لله رب العالمين كلام تام إلا أن قوله الرحمن ~~الرحيم ملك متعلق بما قبله لأنها صفات والصفات تابعة للموصوفات فإن جاز قطع ~~الصفة عن الموصوف وجعلها وحدها آية فلم لم يقولوا بسم الله الرحمن آية ؟ ثم ~~يقولوا الرحيم آية ثانية وإن لم يجز ذلك فكيف جعلوا الرحمن الرحيم آية ~~مستقلة فهذا الإشكال لا بد من جوابه . < # > المسألة الثانية : < # > أطبق القراء على ترك تغليظ اللام في قوله بسم الله وفي قوله الحمد لله ~~والسبب فيه أن الانتقال من الكسرة إلى اللام المفخمة ثقيل ؛ لأن الكسرة ~~توجب التسفل واللام المفخمة حرف مستعل والانتقال من التسفل إلى التصعد ثقيل ~~وإنما استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من هذه الكلمة في حال كونها مرفوعة أو ~~منصوبة كقوله @QB@ الله لطيف بعباده @QE@ [ الشورى : 19 ] وقوله @QB@ قل هو ~~الله أحد @QE@ [ الإخلاص : 1 ] وقوله : @QB@ إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم @QE@ [ التوبة : 111 ] . < # > المسألة الثالثة : < # > قالوا المقصود من هذا التفخيم أمران : الأول : الفرق بينه وبين لفظ ~~اللاة في الذكر الثاني أن التفخيم مشعر بالتعظيم وهذا اللفظ يستحق المبالغة ~~في التعظيم الثالث أن اللام الرقيقة إنما تذكر بطرف اللسان وأما هذه اللام ms0119 ~~المغلظة فإنما تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر فوجب أن يكون أدخل في ~~الثواب ؛ وأيضا جاء في التوراة يا موسى أجب ربك بكل قلبك فههنا كان الإنسان ~~يذكر ربه بكل لسانه وهو يدل على أنه يذكره بكل قلبه فلا جرم كان هذا أدخل ~~في التعظيم . PageV01P091 < # > المسألة الرابعة : < # > لقائل أن يقول : نسبة اللام الرقيقة إلى اللام الغليظة كنسبة الدال إلى ~~الطاء وكنسبة السين إلى الصاد فإن الدال تذكر بطرف اللسان والطاء تذكر بكل ~~اللسان وكذلك السين تذكر بطرف اللسان والصاد تذكر بكل اللسان فثبت أن نسبة ~~اللام الرقيقة إلى اللام الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء وكنسبة السين إلى ~~الصاد ثم أنا رأينا أن القوم قالوا الدال حرف والطاء حرف آخر وكذلك السين ~~حرف والصاد حرف آخر فكان الواجب أيضا أن يقولوا : اللام الرقيقة حرف واللام ~~الغليظة حرف آخر وأنهم ما فعلوا ذلك ولا بد من الفرق . < # > المسألة الخامسة : < # > تشديد اللام من قولك الله للإدغام فإنه حصل هناك لامان الأولى لام ~~التعريف وهي ساكنة والثانية لام الأصل وهي متحركة وإذا التقى حرفان مثلان ~~من الحروف كلها وكان أول الحرفين ساكنا والثاني متحركا أدغم الساكن في ~~المتحرك ضرورة سواء كانا في كلمتين أو كلمة واحدة أما في الكلمتين فكما في ~~قوله : ^ { فما ربحت تجارتهم وما بكم من نعمة ما لهم من الله } ^ [ البقرة ~~: 16 ] وأما في الكلمة الواحدة فكما في هذه الكلمة . واعلم أن الألف واللام ~~والواو والياء إن كانت ساكنة امتنع اجتماع مثلين فامتنع الإدغام لهذا السبب ~~وإن كانت متحركة واجتمع فيها مثلان كان الإدغام جائزا . < # > المسألة السادسة : < # > لأرباب الإشارات والمجاهدات ههنا دقيقة وهي أن لام التعريف ولام الأصل ~~من لفظة الله اجتمعا فأدغم أحدهما في الثاني فسقط لام المعرفة وبقي لام ~~لفظة الله وهذا كالتنبيه على أن المعرفة إذا حصلت إلى حضرة المعروف سقطت ~~المعرفة وفنيت وبطلت وبقي المعروف الأزلي كما كان من غير زيادة ولا نقصان . ~~< # > المسألة السابعة : < # > لا يجوز حذف الألف من قولنا الله في اللفظ وجاز ذلك ms0120 في ضرورة الشعر عند ~~الوقف عليه قال بعضهم : # % أقبل سيل جاء من عند الله % % يجود جود الجنة المغله % % انتهى ويتفرع ~~على هذا البحث مسائل في الشريعة : إحداها : أنه عند الحلف لو قال بله فهل ~~ينعقد يمينه أم لا قال بعضهم : لا ؛ لأن قوله بله اسم للرطوبة فلا ينعقد ~~اليمين وقال آخرون ينعقد اليمين به لأنه بحسب أصل اللغة جائز وقد نوى به ~~الحلف فوجب أن تنعقد ثانيها : لو ذكره على هذه الصفة عند الذبيحة هل يصح ~~ذلك أم لا وثالثها : لو ذكر قوله الله في قوله الله أكبر هل تنعقد الصلاة ~~به أم لا ؟ < # > المسألة الثامنة : < # > لم يقرأ أحد الله بالإمالة إلا قتيبة في بعض الروايات انتهى . < # > المسألة التاسعة : < # > تشديد الراء من قوله الرحمن الرحيم لأجل إدغام لام التعريف في الراء ~~ولا خلاف بين القراء في لزوم إدغام لام التعريف في اللام وفي ثلاثة عشر ~~حرفا سواه وهي : الصاد والضاد والسين والشين والدال والذال والراء والزاي ~~والطاء والظاء والتاء والثاء والنون انتهى كقوله تعالى : @QB@ التائبون ~~العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون ~~عن المنكر @QE@ [ التوبة : 112 ] والعلة الموجبة لجواز هذا الإدغام قرب ~~المخرج فإن اللام PageV01P092 وكل هذه الحروف المذكورة مخرجها من طرف ~~اللسان وما يقرب منه فحسن الإدغام ولا خلاف بين القراء في امتناع إدغام لام ~~التعريف فيما عدا هذه الثلاثة عشر كقوله : العابدون الحامدون الآمرون ~~بالمعروف كلها بالإظهار وإنما لم يجز الإدغام فيها لبعد المخرج فإنه إذا ~~بعد مخرج الحرف الأول عن مخرج الحرف الثاني ثقل النطق بهما دفعة فوجب تمييز ~~كل واحد منهما عن الاخر بخلاف الحرفين اللذين يقرب مخرجاهما لأن التمييز ~~بينهما مشكل صعب . < # > المسألة العاشرة : < # > أجمعوا على أنه لا يمال لفظ الرحمن وفي جواز إمالته قولان للنحويين ~~أحدهما : أنه يجوز ولعله قول سيبويه وعلة جوازه انكسار النون بعد الألف ~~والقول الثاني وهو الأظهر عند النحويين أنه لا يجوز . < # > المسألة الحادية عشرة : < # > أجمعوا على أن إعراب الرحمن الرحيم هو الجر لكونهما صفتين للمجرور ~~الأول إلا أن ms0121 الرفع والنصب جائزان فيهما بحسب النحو أما الرفع فعلى تقدير ~~بسم الله هو الرحمن الرحيم وأما النصب فعلى تقدير بسم الله أعني الرحمن ~~الرحيم . النوع الثاني من مباحث هذا الباب ما يتعلق بالخط وفيه مسائل : < # > المسألة الأولى : < # > طولوا الباء من بسم الله وما طولوها في سائر المواضع وذكروا في الفرق ~~وجهين : الأول : أنه لما حذفت ألف الوصل بعد الباء طولوا هذه الباء ليدل ~~طولها على الألف المحذوفة التي بعدها ألا ترى أنهم لما كتبوا @QB@ اقرأ ~~باسم ربك @QE@ [ العلق : 1 ] بالألف ردوا الباء إلى صفتها الأصلية الثاني : ~~قال القتيبي : إنما طولوا الباء لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا ~~بحرف معظم وكان عمر بن عبد العزيز يقول لكتابه : طولوا الباء وأظهروا السين ~~ودوروا الميم ؛ تعظيما لكتاب الله . < # > المسألة الثانية : < # > قال أهل الإشارة والباء حرف منخفض في الصورة فلما اتصل بكتبه لفظ الله ~~ارتفعت واستعلت فنرجو أن القلب لما اتصل بخدمة الله عز وجل أن يرتفع حاله ~~ويعلو شأنه . < # > المسألة الثالثة : < # > حذفوا ألف اسم من قوله بسم الله وأثبتوه في قوله : اقرأ باسم ربك ~~والفرق من وجهين : الأول : أن كلمة بسم الله مذكورة في أكثر الأوقات عند ~~أكثر الأفعال فلأجل التخفيف حذفوا الألف بخلاف سائر المواضع فإن ذكرها قليل ~~. الثاني : قال الخليل : إنما حذفت الألف في قوله بسم الله لأنها إنما دخلت ~~بسبب أن الابتداء بالسين الساكنة غير ممكن فلما دخلت الباء على الاسم نابت ~~عن الألف فسقطت في الخط وإنما لم تسقط في قوله اقرأ باسم ربك لأن الباء لا ~~تنوب عن الألف في هذا الموضع كما في بسم الله لأنه يمكن حذف الباء من اقرأ ~~باسم ربك مع بقاء المعنى صحيحا فإنك لو قلت اقرأ اسم ربك صح المعنى أما لو ~~حذفت الباء من بسم الله لم يصح المعنى فظهر الفرق . < # > المسألة الرابعة : < # > كتبوا لفظة الله بلامين وكتبوا لفظة الذي بلام واحدة مع استوائهما في ~~اللفظ وفي كثرة الدوران على الألسنة وفي لزوم التعريف والفرق من وجوه : ~~الأول أن ms0122 قولنا الله اسم معرب متصرف تصرف الأسماء فأبقوا كتابته على الأصل ~~أما قولنا الذي فهو مبني لأجل أنه ناقص ؛ لأنه لا يفيد إلا مع صلته فهو ~~كبعض الكلمة ومعلوم أن بعض الكلمة يكون مبنيا فأدخلوا فيه النقصان لهذا ~~السبب ألا ترى أنهم كتبوا قولهم اللذان بلامين لأن التثنية أخرجته عن ~~مشابهة الحروف فإن الحرف لا يثنى . PageV01P093 الثاني : أن قولنا الله لو ~~كتب بلام واحدة لالتبس بقوله إله وهذا الالتباس غير حاصل في قولنا الذي . ~~الثالث : أن تفخيم ذكر الله في اللفظ واجب فكذا في الخط والحذف ينافي ~~التفخيم وأما قولنا الذي فلا تفخيم له في المعنى فتركوا أيضا تفخيمه في ~~الخط . < # > المسألة الخامسة : < # > إنما حذفوا الألف قبل الهاء من قولنا الله في الخط لكراهتهم اجتماع ~~الحروف المتشابهة بالصورة عند الكتابة وهو مثل كراهتهم اجتماع الحروف ~~المتماثلة في اللفظ عند القراءة . < # > المسألة السادسة : < # > قالوا : الأصل في قولنا الله الإله وهي ستة حروف فلما أبدلوه بقولهم ~~الله بقيت أربعة أحرف في الخط همزة ولامان وهاء ؛ فالهمزة من أقصى الحلق ~~واللام من طرف اللسان والهاء من أقصى الحلق وهو إشارة إلى حالة عجيبة فإن ~~أقصى الحلق مبدأ التلفظ بالحروف ثم لا يزال يترقى قليلا إلى أن يصل إلى طرف ~~اللسان ثم يعود إلى الهاء الذي هو في داخل الحلق ومحل الروح فكذلك العبد ~~يبتدىء من أول حالته التي هي حالة النكرة والجهالة ويترقى قليلا في مقامات ~~العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات ~~والأنوار أخذ يرجع قليلا قليلا حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد فهو ~~إشارة إلى ما قيل : النهاية رجوع إلى البداية . < # > المسألة السابعة : < # > إنما جاز حذف الألف قبل النون من الرحمن في الخط على سبيل التخفيف ولو ~~كتب بالألف حسن ولا يجوز حذف الياء من الرحيم لأن حذف الألف من الرحم لا ~~يخل بالكلمة ولا يحصل فيها التباس بخلاف حذف الياء من الرحيم . < # > الباب الثالث < # > < # > من هذا الكتاب في مباحث الاسم وهي نوعان < # > أحدهما ms0123 : ما يتعلق من المباحث النقلية بالاسم والثاني : ما يتعلق من ~~المباحث العقلية بالاسم . النوع الأول : وفيه مسائل : < # > المسألة الأولى : < # > في هذا اللفظ لغتان مشهورتان تقول العرب : هذا اسمه وسمه قال : باسم ~~الذي في كل سورة سمه . وقيل : فيه لغتان غيرهما سم وسم قال الكسائي : إن ~~العرب تقول تارة إسم بكسر الألف وأخرى بضمه فإذا طرحوا الألف قال الذين ~~لغتهم كسر الألف سم وقال الذين لغتهم ضم الألف سم وقال ثعلب : من جعل أصله ~~من سما يسمى قال إسم وسم ومن جعل أصله من سما يسمو قال اسم وسم وقال المبرد ~~: سمعت العرب تقول اسمه واسمه وسمه وسمه وسماه . < # > المسألة الثانية : < # > أجمعوا على أن تصغير الاسم سمي وجمعه أسماء وأسامي . < # > المسألة الثالثة : < # > في اشتقاقه قولان : قال البصريون : هو مشتق من سما يسمو إذا علا وظهر ~~فاسم الشيء ما علاه حتى ظهر ذلك الشيء به وأقول : اللفظ معرف للمعنى ومعرف ~~الشيء متقدم في المعلومية على PageV01P094 المعرف فلا جرم كان الاسم عاليا ~~على المعنى ومتقدما عليه وقال الكوفيون : هو مشتق من وسم يسم سمة والسمة ~~العلامة فالاسم كالعلامة المعرفة للمسمى حجة البصريين لو كان اشتقاق الاسم ~~من السمة لكان تصغيره وسيما وجمعه أوساما . < # > المسألة الرابعة : < # > الذين قالوا اشتقاقه من السمة قالوا أصله من وسم يسم ثم حذف منه الواو ~~ثم زيد فيه ألف الوصل عوضا عن المحذوف كالعدة والصفة والزنة أصله الوعد ~~والوصف والوزن أسقط منها الواو وزيد فيها الهاء وأما الذين قالوا اشتقاقه ~~من السمو وهو العلو فلهم قولان : الأول : أن أصل الاسم من سما يسمو وسما ~~يسمى والأمر فيه اسم : كقولنا ادع من دعوت أو اسم مثل ارم من رميت ثم إنهم ~~جعلوا هذه الصيغة اسما وأدخلوا عليها وجوه الأعراب وأخرجوها عن حد الأفعال ~~قالوا : وهذا كما سموا البعير يعملا وقال الأخفش : هذا مثل الآن فإن أصله ~~آن يئين إذا حضر ثم ادخلوا الألف واللام على الماضي من فعله وتركوه مفتوحا ~~والقول الثاني : أصله سمو مثل حمو وإنما حذفت الواو من ms0124 آخره استثقالا ~~لتعاقب الحركات عليها مع كثرة الدوران وإنما أعربوا الميم لأنها صارت بسبب ~~حذف الواو آخر الكلمة فنقل حركة الواو إليها وإنما سكنوا السين لأنه لما ~~حذفت الواو بقي حرفان أحدهما ساكن والآخر متحرك فلما حرك الساكن وجب تسكين ~~المتحرك ليحصل الاعتدال وإنما أدخلت الهمزة في أوله لأن الابتداء بالساكن ~~محال فاحتاجوا إلى ذكر ما يبتدأ به وإنما خصت الهمزة بذلك لأنها من حروف ~~الزيادة . النوع الثاني من مباحث هذا الباب المسائل العقلية : فنقول : أما ~~حد الاسم وذكر أقسامه وأنواعه فقد تقدم ذكره في أول هذا الكتاب وبقي ههنا ~~مسائل : < # > المسألة الأولى : < # > قالت الحشوية والكرامية والأشعرية : الاسم نفس المسمى وغير التسمية ~~وقالت المعتزلة : الاسم غير المسمى ونفس التسمية والمختار عندنا أن الاسم ~~غير المسمى وغير التسمية . وقبل الخوض في ذكر الدلائل لا بد من التنبيه على ~~مقدمة ؛ وهي أن قول القائل الاسم هل هو نفس المسمى أم لا يجب أن يكون ~~مسبوقا ببيان أن الاسم ما هو وأن المسمى ما هو حتى ينظر بعد ذلك في أن ~~الاسم هل هو نفس المسمى أم لا فنقول : إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي ~~هو أصوات مقطعة وحروف مؤلفة وبالمسمى تلك الذوات في أنفسها وتلك الحقائق ~~بأعيانها فالعلم الضروري حاصل بأن الاسم غير المسمى والخوض في هذه المسألة ~~على هذا التقدير يكون عبثا وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى وبالمسمى أيضا ~~تلك الذات كان قولنا الاسم هو المسمى معناه أن ذات الشيء عين الشيء وهذا ~~وإن كان حقا إلا أنه من باب إيضاح الواضحات وهو عبث فثبت أن الخوض في هذا ~~البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث . < # > المسألة الثانية : < # > اعلم أنا استخرجنا لقول من يقول الاسم نفس المسمى تأويلا لطيفا دقيقا ~~وبيانه أن الاسم اسم لكل لفظ دل على معنى من غير أن يدل على زمان معين ولفظ ~~الاسم كذلك فوجب أن يكون لفظ الاسم اسما لنفسه فيكون لفظ الاسم مسمى بلفظ ~~الاسم ففي هذه الصورة الاسم نفس المسمى إلا ms0125 أن فيه إشكالا وهو أن كون الاسم ~~اسما للمسمى من باب الاسم المضاف وأحد المضافين لا بد وأن يكون مغايرا ~~للآخر . < # > المسألة الثالثة : < # > في ذكر الدلائل الدالة على أن الاسم لا يجوز أن يكون هو المسمى وفيه ~~وجوه : الأول : أن الاسم قد يكون موجودا مع كون المسمى معدوما فإن قولنا ~~المعدوم منفي معناه سلب لا ثبوت له والألفاظ موجودة مع أن المسمى بها عدم ~~محض ونفي صرف وأيضا قد يكون المسمى موجودا والاسم معدوما مثل الحقائق التي ~~ما وضعوا لها أسماء معينة وبالجملة فثبوت كل واحد منهما حال عدم الآخر ~~معلوم مقرر وذلك يوجب المغايرة . الثاني : أن الأسماء تكون كثيرة مع كون ~~المسمى واحدا كالأسماء المترادفة وقد يكون الاسم واحدا والمسميات كثيرة ~~كالأسماء المشتركة وذلك أيضا يوجب المغايرة . الثالث : أن كون الاسم اسما ~~للمسمى وكون المسمى بالاسم من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية وأحد ~~المضافين مغاير للآخر ولقائل أن يقول : يشكل هذا بكون الشيء عالما بنفسه . ~~الرابع : الاسم أصوات مقطعة وضعت لتعريف المسميات وتلك الأصوات أعراض غير ~~باقية والمسمى قد يكون باقيا بل يكون واجب الوجود لذاته . الخامس : أنا إذا ~~تلفظنا بالنار والثلج فهذان اللفظان موجودان في ألسنتنا فلو كان الاسم نفس ~~المسمى لزم أن يحصل في ألسنتنا النار والثلج وذلك لا يقوله عاقل . السادس : ~~قوله تعالى : @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها @QE@ [ الأعراف : 180 ] ~~وقوله صلى الله عليه وسلم # صلى الله عليه وسلم إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما فههنا الأسماء كثيرة ~~والمسمى واحد وهو الله عز وجل . السابع : أن قوله تعالى : بسم الله وقوله : ~~@QB@ تبارك اسم ربك @QE@ [ الرحمن : 78 ] ففي هذه الآيات يقتضي إضافة الاسم ~~إلى الله تعالى وإضافة الشيء إلى نفسه محال . الثامن : أنا ندرك تفرقة ~~ضرورية بين قولنا اسم الله وبين قولنا اسم الاسم وبين قولنا الله الله وهذا ~~يدل على أن الاسم غير المسمى . التاسع : أنا نصف الأسماء بكونها عربية ~~وفارسية فنقول : الله اسم عربي وخداي اسم فارسي وأما ذات الله تعالى فمنزه ~~عن كونه كذلك . العاشر ms0126 : قال الله تعالى @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه ~~بها @QE@ [ الأعراف : 180 ] أمرنا بأن ندعو الله بأسمائه فالاسم آلة الدعاء ~~والمدعو هو الله تعالى والمغايرة بين ذات المدعو وبين اللفظ الذي يحصل به ~~الدعاء معلوم بالضرورة . واحتج من قال الاسم هو المسمى بالنص والحكم أما ~~النص فقوله تعالى : @QB@ تبارك اسم ربك @QE@ [ الرحمن : 78 ] والمتبارك ~~المتعالي هو الله تعالى لا الصوت ولا الحرف وأما الحكم فهو أن الرجل إذا ~~قال : زينب طالق وكان زينب اسما لامرأته وقع عليها الطلاق ولو كان الاسم ~~غير المسمى لكان قد أوقع الطلاق على غير تلك المرأة فكان يجب أن لا يقع ~~الطلاق عليها . والجواب عن الأول أن يقال : لم لا يجوز أن يقال : كما أنه ~~يجب علينا أن نعتقد كونه تعالى منزها عن PageV01P095 النقائص والآفات فكذلك ~~يجب علينا تنزيه الألفاظ الموضوعة لتعريف ذات الله تعالى وصفاته عن العبث ~~والرفث وسوء الأدب . وعن الثاني أن قولنا زينب طالق معناه أن الذات التي ~~يعبر عنها بهذا اللفظ طالق فلهذا السبب وقع الطلاق عليها . < # > المسألة الرابعة : < # > التسمية عندنا غير الاسم والدليل عليه أن التسمية عبارة عن تعيين اللفظ ~~المعين لتعريف الذات المعينة وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته وأما ~~الاسم فهو عبارة عن تلك اللفظة المعينة والفرق بينهما معلوم بالضرورة . < # > المسألة الخامسة : < # > قد عرفت أن الألفاظ الدالة على تلك المعاني تستتبع ذكر الألفاظ الدالة ~~على ارتباط بعضها بالبعض فلهذا السبب الظاهر وضع الأسماء والأفعال سابق على ~~وضع الحروف فأما الأفعال والأسماء فأيهما أسبق ؟ الأظهر أن وضع الأسماء ~~سابق على وضع الأفعال ويدل عليه وجوه : الأول : أن الاسم لفظ دال على ~~الماهية والفعل لفظ دال على حصول الماهية بشيء من الأشياء في زمان معين ~~فكان الاسم مفردا والفعل مركبا والمفرد سابق على المركب بالذات والرتبة ~~فوجب أن يكون سابقا عليه في الذكر واللفظ . الثاني : أن الفعل يمتنع التلفظ ~~به إلا عند الإسناد إلى الفاعل أما اللفظ الدال على ذلك الفاعل فقد يجوز ~~التلفظ به من غير أن يسند إليه الفعل فعلى ms0127 هذا الفاعل غني عن الفعل والفعل ~~محتاج إلى الفاعل والغني سابق بالرتبة على المحتاج فوجب أن يكون سابقا عليه ~~في الذكر . الثالث : أن تركيب الاسم مع الاسم مفيد وهو الجملة المركبة من ~~المبتدأ والخبر أما تركيب الفعل مع الفعل فلا يفيد البتة بل ما لم يحصل في ~~الجملة الاسم لم يفد البتة فعلمنا أن الاسم متقدم بالرتبة على الفعل فكان ~~الأظهر تقدمه عليه بحسب الوضع . < # > المسألة السادسة : < # > قد علمت أن الاسم قد يكون اسما للماهية من حيث هي هي وقد يكون اسما ~~مشتقا وهو الاسم الدال على كون الشيء موصوفا بالصفة الفلانية كالعالم ~~والقادر والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على المشتقات لأن ~~الماهيات مفردات والمشتقات مركبات والمفرد قبل المركب . < # > المسألة السابعة : < # > يشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة ~~بأنفسها ؛ لأنا لا نعرف الذوات إلا بواسطة الصفات القائمة بها والمعرف ~~معلوم قبل المعرف والسبق في المعرفة يناسب السبق في الذكر . < # > المسألة الثامنة : < # > في أقسام الأسماء الواقعة على المسميات : اعلم أنها تسعة فأولها الاسم ~~الواقع على الذات وثانيها الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزاء ذاته ~~كما إذا قلنا للجدار إنه جسم وجوهر وثالثها الاسم الواقع على الشيء بحسب ~~صفة حقيقية قائمة بذاته كقولنا للشيء إنه أسود وأبيض وحار وبارد فإن السواد ~~والبياض والحرارة والبرودة صفات حقيقية قائمة بالذات لا تعلق لها بالأشياء ~~الخارجية ورابعها الاسم الواقع على الشيء بحسب صفة إضافية فقط كقولنا للشيء ~~إنه معلوم ومفهوم PageV01P097 ومذكور ومالك ومملوك وخامسها الاسم الواقع ~~على الشيء بحسب حالة سلبية كقولنا أنه أعمى وفقير وقولنا إنه سليم عن ~~الآفات خال عن المخالفات وسادسها الاسم الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية ~~مع صفة إضافية كقولنا للشيء إنه عالم وقادر فإن العلم عند الجمهور صفة ~~حقيقية ولها إضافة إلى المعلومات والقدرة صفة حقيقية ولها إضافة إلى ~~المقدورات وسابعها الاسم الواقع على الشيء بحسب صفة حقيقية مع صفة سلبية ~~كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا ms0128 يجهل شيئا . وثامنها ~~الاسم الواقع على الشيء بحسب صفة إضافية مع صفة سلبية مثل لفظ الأول فإنه ~~عبارة عن مجموع أمرين أحدهما أن يكون سابقا على غيره وهو صفة إضافية ~~والثاني أن لا يسبقه غيره وهو صفة سلبية ومثل القيوم فإن معناه كونه قائما ~~بنفسه مقوما لغيره فقيامه بنفسه أنه لا يحتاج إلى غيره وتقويمه لغيره ~~احتياج غيره إليه والأول سلب والثاني إضافة وتاسعها الاسم الواقع على الشيء ~~بحسب مجموع صفة حقيقية وإضافية وسلبية فهذا هو القول في تقسيم الأسماء ~~وسواء كان الاسم اسما لله سبحانه وتعالى أو لغيره من أقسام المحدثات فإنه ~~لا يوجد قسم آخر من أقسام الأسماء غير ما ذكرناه . < # > المسألة التاسعة : < # > في بيان أنه هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا ؟ اعلم أن ~~الخوض في هذه المسألة مسبوق بمقدمات عالية من المباحث الإلهية . < # > المقدمة الأولى : < # > أنه تعالى مخالف لخلقه لذاته المخصوصة لا لصفة والدليل عليه أن ذاته من ~~حيث هي هي مع قطع النظر عن سائر الصفات إن كانت مخالفة لخلقه فهو المطلوب ~~وإن كانت مساوية لسائر الذوات فحينئذ تكون مخالفة ذاته لسائر الذوات لا بد ~~وأن يكون لصفة زائدة فاختصاص ذاته بتلك الصفة التي لأجلها وقعت المخالفة إن ~~لم يكن لأمر البتة فحينئذ لزم رجحان الجائز لا لمرجح وإن كان لأمر آخر لزم ~~إما التسلسل وإما الدور وهما محالان فإن قيل هي قولنا فهذا يقتضي أن تكون ~~خصوصية تلك الصفة لصفة أخرى ويلزم منه التسلسل وهو محال . < # > المقدمة الثانية : < # > أنا نقول : إنه تعالى ليس بجسم ولا جوهر لأن سلب الجسمية والجوهرية ~~مفهوم سلبي وذاته المخصوصة أمر ثابت والمغايرة بين السلب والثبوت معلوم ~~بالضرورة وأيضا فذاته المخصوصة ليست عبارة عن نفس القادرية والعالمية لأن ~~المفهوم من القادرية والعالمية مفهومات إضافية وذاته ذات قائمة بنفسها ~~والفرق بين الموجود القائم بالنفس وبين الاعتبارات النسبية والإضافية معلوم ~~بالضرورة . < # > المقدمة الثالثة : < # > في بيان أنا في هذا الوقت لا نعرف ذاته المخصوصة ويدل عليه وجوه : ~~الأول : أنا إذا رجعنا ms0129 إلى عقولنا وأفهامنا لم نجد عند عقولنا من معرفة ~~الله تعالى إلا أحد أمور أربعة : إما العلم بكونه موجودا وإما العلم بدوام ~~وجوده وإما العلم بصفات الجلال وهي الاعتبارات السلبية وإما العلم بصفات ~~الإكرام وهي الاعتبارات الإضافية وقد ثبت بالدليل أن ذاته المخصوصة مغايرة ~~لكل واحد من هذه الأربعة ؛ فإنه ثبت بالدليل أن حقيقته غير وجوده وإذا كان ~~كذلك كانت حقيقته أيضا مغايرة لدوام وجوده وثبت أن حقيقته غير سلبية وغير ~~إضافية وإذا كان لا معلوم عند الخلق إلا أحد هذه الأمور الأربعة وثبت أنها ~~مغايرة لحقيقته المخصوصة ثبت أن حقيقته المخصوصة غير معلومة للبشر . الثاني ~~: أن الاستقراء التام يدل على أنا لا يمكننا أن نتصور امرا من الأمور إلا ~~من طرق أمور أربعة : PageV01P098 أحدها الأشياء التي أدركناها بإحدى هذه ~~الحواس الخمس وثانيها الأحوال التي ندركها من أحوال أبداننا كالألم واللذة ~~والجوع والعطش والفرح والغم وثالثها الأحوال التي ندركها بحسب عقولنا مثل ~~علمنا بحقيقة الوجود والعدم والوحدة والكثرة والوجوب والإمكان ورابعها ~~الأحوال التي يدركها العقل والخيال من تلك الثلاثة فهذه الأشياء هي التي ~~يمكننا أن نتصورها وأن ندركها من حيث هي هي فإذا ثبت هذا وثبت أن حقيقة ~~الحق سبحانه وتعالى مغايرة لهذه الأقسام ثبت أن حقيقته غير معقولة للخلق . ~~الثالث : أن حقيقته المخصوصة علة لجميع لوازمه من الصفات الحقيقية ~~والإضافية والسلبية والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول ولو كانت حقيقته ~~المخصوصة معلومة لكانت صفاته بأسرها معلومة بالضرورة وهذا معدوم فذاك معدوم ~~فثبت أن حقيقة الحق غير معقولة للبشر . المقدمة الرابعة : في بيان أنها وإن ~~لم تكن معقولة للبشر فهل يمكن أن تصير معقولة لهم . المقدمة الخامسة : في ~~بيان أن البشر وإن امتنع في عقولهم إدراك تلك الحقيقة المخصوصة فهل يمكن ~~ذلك العرفان في حق جنس الملائكة أو في حق فرد من أفرادهم ؟ الإنصاف أن هذه ~~المباحث صعبة والعقل كالعاجز القاصر في الوفاء بها كما ينبغي وقال بعضهم : ~~عقول المخلوقات ومعارفهم متناهية والحق تعالى غير متناه والمتناهي يمتنع ~~وصوله إلى غير ms0130 المتناهي ولأن أعظم الأشياء هو الله تعالى وأعظم العلوم علم ~~الله سبحانه وتعالى وأعظم الأشياء لا يمكن معرفته إلا بأعظم العلوم فعلى ~~هذا لا يعرف الله إلا الله . المقدمة السادسة : اعلم أن معرفة الأشياء على ~~نوعين : معرفة عرضية ومعرفة ذاتية : أما المعرفة العرضية فكما إذا رأينا ~~بناءا علمنا بأنه لا بد له من بان فأما أن ذلك الباني كيف كان في ماهيته ~~وأن حقيقته من أي أنواع الماهيات فوجود البناء لا يدل عليه وأما المعرفة ~~الذاتية فكما إذا عرفنا اللون المعين ببصرنا وعرفنا الحرارة بلمسنا وعرفنا ~~الصوت بسمعنا فإنه لا حقيقة للحرارة والبرودة إلا هذه الكيفية الملموسة ولا ~~حقيقة للسواد والبياض إلا هذه الكيفية المرئية إذا عرفت هذا فنقول : أنا ~~إذا علمنا احتياج المحدثات إلى محدث وخالق فقد عرفنا الله تعالى معرفة ~~عرضية إنما الذي نفيناه الآن هو المعرفة الذاتية فلتكن هذه الدقيقة معلومة ~~حتى لا تقع في الغلط . المقدمة السابعة : اعلم أن إدراك الشيء من حيث هو هو ~~- أعني ذلك النوع الذي سميناه بالمعرفة الذاتية - يقع في الشاهد على نوعين ~~: أحدهما : العلم والثاني : الإبصار فإنا إذا أبصرنا السواد ثم غمضنا العين ~~فإنا نجد تفرقة بديهية بين الحالتين فعلمنا أن العلم غير وأن الإبصار غير ~~إذا عرفت هذا فنقول : بتقدير أنه يقال يمكن حصول المعرفة الذاتية للخلق فهل ~~لتلك المعرفة ولذلك الإدراك طريق واحد فقط أو يمكن وقوعه على طريقين مثل ما ~~في الشاهد من العلم والإبصار ؟ هذا أيضا مما لا سبيل للعقل إلى القضاء به ~~والجزم فيه وبتقدير أن يكون هناك طريقان أحدهما المعرفة والثاني الإبصار ~~فهل الأمر هناك مقصور على هذين الطريقين أو هناك طرق كثيرة ومراتب مختلفة ؟ ~~كل هذه المباحث مما لا يقدر العقل على الجزم فيها البتة فهذا هو الكلام في ~~هذه المقدمات . < # > المسألة العاشرة : < # > في أنه هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا ؟ نقل عن قدماء ~~الفلاسفة PageV01P099 إنكاره قالوا : والدليل عليه أن المراد من وضع الاسم ~~الإشارة بذكره إلى المسمى فلو كان لله ms0131 بحسب ذاته اسم لكان المراد من وضع ~~ذلك الاسم ذكره مع غيره لتعريف ذلك المسمى فإذا ثبت أن أحدا من الخلق لا ~~يعرف ذاته المخصوصة البتة لم يبق في وضع الاسم لتلك الحقيقة فائدة فثبت أن ~~هذا النوع من الاسم مفقود فعند هذا قالوا : إنه ليس لتلك الحقيقة اسم بل له ~~لوازم معرفة وتلك اللوازم هي أنه الأزلي الذي لا يزول وأنه الواجب الذي لا ~~يقبل العدم وأما الذين قالوا إنه لا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يشرف بعض ~~المقربين من عباده بأن يجعله عارفا بتلك الحقيقة المخصوصة قالوا إذا كان ~~الأمر كذلك فحينئذ لا يمتنع وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة فثبت أن هذه ~~المسألة مبنية على تلك المقدمات السابقة . < # > المسألة الحادية عشرة : < # > بتقدير أن يكون وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكنا وجب القطع بأن ~~ذلك الاسم أعظم الأسماء وذلك الذكر أشرف الأذكار لأن شرف العلم بشرف ~~المعلوم وشرف الذكر بشرف المذكور فلما كان ذات الله تعالى أشرف المعلومات ~~والمذكورات كان العلم به أشرف العلوم وكان ذكر الله أشرف الأذكار وكان ذلك ~~الاسم أشرف الأسماء وهو المراد من الكلام المشهور الواقع في الألسنة وهو ~~اسم الله الأعظم ولو اتفق لملك مقرب أو نبي مرسل الوقوف على ذلك الاسم حال ~~ما يكون قد تجلى له معناه لم يبعد أن يطيعه جميع عوالم الجسمانيات ~~والروحانيات . < # > المسألة الثانية عشرة : < # > القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه : الأول : قول ~~من يقول إن ذلك الاسم الأعظم هو قولنا ^ { ذو الجلال ولإكرام } ^ [ الرحمن ~~: 27 ] وورد فيه قوله عليه الصلاة والسلام # ألظوا بياذا الجلال والإكرام وهذا عندي ضعيف لأن الجلال إشارة إلى الصفات ~~السلبية والإكرام إشارة إلى الصفات الإضافية وقد عرفت أن حقيقته المخصوصة ~~مغايرة للسلوب والإضافات . والقول الثاني : قول من يقول أنه هو الحي القيوم ~~لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي بن كعب : ما اعظم آية في كتاب الله تعالى ؟ ~~فقال : @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ [ البقرة : 255 ] فقال # ليهنك العلم أبا ms0132 المنذر وعندي أنه ضعيف وذلك لأن الحي هو الدراك الفعال ~~وهذا ليس فيه كثرة عظمة لأنه صفة وأما القيوم فهو مبالغة في القيام ومعناه ~~كونه قائما بنفسه مقوما لغيره فكونه قائما بنفسه مفهوم سلبي وهو استغناؤه ~~عن غيره وكونه مقوما لغيره صفة إضافية فالقيوم لفظ دال على مجموع سلب ~~وإضافة فلا يكون ذلك عبارة عن الاسم الأعظم . القول الثالث : قول من يقول : ~~أسماء الله كلها عظيمة مقدسة ولا يجوز وصف الواحد منها بأنه أعظم ؛ لأن ذلك ~~يقتضي وصف ما عداه بالنقصان وعندي أن هذا أيضا ضعيف لأنا بينا أن الأسماء ~~منقسمة إلى الأقسام التسعة وبينا أن الاسم الدال على الذات المخصوصة يجب أن ~~يكون أشرف الأسماء وأعظمها وإذا ثبت هذا بالدلائل فلا سبيل فيه إلى الإنكار ~~. القول الرابع : أن الاسم الأعظم هو قولنا الله وهذا هو الأقرب عندي لأنا ~~سنقيم الدلالة على أن هذا الاسم يجري مجرى اسم العلم في حقه سبحانه وإذا ~~كان كذلك كان دالا على ذاته المخصوصة . PageV01P100 < # > المسألة الثالثة عشرة : < # > أما الاسم الدال على المسمى بحسب جزء من أجزاء ماهية المسمى فهذا في حق ~~الله تعالى محال لأن هذا إنما يتصور في حق من كانت ماهيته مركبة من الأجزاء ~~وذلك في حق الله محال لأن كل مركب فإنه محتاج إلى جزئه وجزؤه غيره فكل مركب ~~فإنه محتاج إلى غيره وكل محتاج إلى غيره فهو ممكن ينتج أن كل مركب فهو ممكن ~~لذاته فما لا يكون ممكنا لذاته امتنع أن يكون مركبا وما لا يكون مركبا ~~امتنع أن يحصل له اسم بحسب جزء ماهيته . < # > المسألة الرابعة عشرة : < # > اعلم أنا بينا أن الاسم الدال على الذات هل هو حاصل في حق الله تعالى ~~أم لا قد ذكرنا اختلاف الناس فيه وأما الاسم الدال بحسب جزء الماهية فقد ~~أقمنا البرهان القاطع على امتناع حصوله في حق الله تعالى فبقيت الأقسام ~~السبعة فنقول : أما الاسم الدال على الشيء بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته ~~المخصوصة فتلك الصفة إما أن تكون هي الوجود ms0133 وإما أن تكون كيفية من كيفيات ~~الوجود وإما أن تكون صفة أخرى مغايرة للوجود ولكيفيات ذلك الوجود ونحن نذكر ~~المسائل المفرعة على هذه الأقسام والله الهادي . < # > الباب الرابع < # > < # > في البحث عن الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية < # > قد عرفت أن هذا البحث ينقسم إلى ثلاثة أقسام : الأول : الأسماء الدالة ~~على الوجود وفيه مسائل : < # > المسألة الأولى : < # > أطبق الأكثرون على أنه يجوز تسمية الله تعالى باسم الشيء ونقل عن جهم ~~بن صفوان أن ذلك غير جائز أما حجة الجمهور فوجوه : الحجة الأولى : قوله ~~تعالى ^ { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله } ^ [ الأنعام : 19 ] وهذا يدل على ~~أنه يجوز تسمية الله باسم الشيء فإن قيل : لو كان الكلام مقصورا على قوله ~~قل الله لكان دليلكم حسنا لكن ليس الأمر كذلك بل المذكور هو قوله تعالى : ~~@QB@ قل الله شهيد بيني وبينكم @QE@ [ الأنعام : 19 ] وهذا كلام مستقل ~~بنفسه ولا تعلق له بما قبله وحينئذ لا يلزم أن يكون الله تعالى مسمى باسم ~~الشيء . قلنا : لما قال أي شيء أكبر شهادة ثم قال قل الله شهيد بيني وبينكم ~~وجب أن تكون هذه الجملة جارية مجرى الجواب عن قوله أي شيء أكبر شهادة ~~وحينئذ يلزم المقصود . الحجة الثانية : قوله تعالى : ^ { كل شيء هالك إلا ~~وجهه } ^ [ القصص : 88 ] والمراد بوجهه ذاته ولو لم تكن ذاته شيئا لما جز ~~استثناؤه عن قوله : كل شيء هالك وذلك يدل على أن الله تعالى مسمى بالشيء . ~~الحجة الثالثة : قوله عليه السلام في خبر عمران بن الحصين # كان الله ولم يكن شيء غيره وهذا يدل على أن اسم الشيء يقع على الله تعالى ~~. الحجة الرابعة : # روى عبد الله الأنصاري في الكتاب الذي سماه بالفاروق عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من شيء أغير من الله ~~عز وجل . PageV01P101 الحجة الخامسة : أن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ~~ويخبر عنه وذات الله تعالى كذلك فيكون شيئا . واحتج جهم بوجوه : الحجة ~~الأولى : قوله تعالى : ^ { الله خالق كل شيء ms0134 } ^ [ الرعد : 16 ] وكذلك قوله ~~^ { وهو على كل شيء قدير } ^ [ المائدة : 120 ] فهذا يقتضي أن يكون كل شيء ~~مخلوقا ومقدورا والله تعالى ليس بمخلوق ولا مقدور ينتج أن الله سبحانه ~~وتعالى ليس بشيء . فإن قالوا إن قوله تعالى الله خالق كل شيء وقوله : وهو ~~على كل شيء قدير عام دخله التخصيص قلنا الجواب عنه من وجهين : الأول أن ~~التخصيص خلاف الأصل والدلائل اللفظية يكفي في تقريرها هذا القدر الثاني أن ~~الأصل في جواز التخصيص هو أن أهل العرف يقيمون الأكثر مقام الكل فلهذا ~~السبب جوزوا دخول التخصيص في العموميات إلا أن إجراء الأكثر مجرى الكل إنما ~~يجوز في الصورة التي يكون الخارج عن الحكم حقيرا قليل القدر فيجعل وجوده ~~كعدمه ويحكم على الباقي بحكم الكل فثبت أن التخصيص إنما يجوز في الصورة ~~التي تكون حقيرة ساقطة الدرجة إذا عرفت هذا فنقول إن بتقدير أن يكون الله ~~تعالى مسمى بالشيء كان أعظم الأشياء وأجلها هو الله تعالى فامتنع أن يحصل ~~فيه جواز التخصيص فوجب القول بأن ادعاء هذا التخصيص محال . الحجة الثانية : ~~قوله تعالى : ^ { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ^ [ الشورى : 11 ] حكم ~~الله تعالى بأن مثل مثله ليس بشيء ولا شك أن كل شيء مثل لمثل نفسه وثبت ~~بهذه الآية أن مثل مثله ليس بشيء ينتج أنه تعالى غير مسمى بالشيء فإن قالوا ~~إن الكاف زائدة قلنا هذا الكلام معناه أن هذا الحرف من كلام الله تعالى لغو ~~وعبث وباطل ومعلوم أن هذا الكلام هو الباطل ومتى قلنا إن هذا الحرف ليس ~~بباطل صارت الحجة التي ذكرناها في غاية القوة والكمال . الحجة الثالثة : ~~لفظ الشيء لا يفيد صفة من صفات الجلال والعظمة والمدح والثناء وأسماء الله ~~تعالى يجب كونها كذلك ينتج أن لفظ الشيء ليس اسما لله تعالى . أما قولنا إن ~~اسم الشيء لا يفيد المدح والجلال فظاهر وذلك لأن المفهوم من لفظ الشيء قدر ~~مشترك بين الذرة الحقيرة وبين أشرف الأشياء وإذا كان كذلك كان المفهوم من ~~لفظ الشيء حاصلا ms0135 في أخس الأشياء وذلك يدل على أن اسم الشيء لا يفيد صفة ~~المدح والجلال وأما قولنا : أن أسماء الله يجب أن تكون دالة على صفة المدح ~~والجلال فالدليل عليه قوله تعالى ^ { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذورا ~~الذين يلحدون في أسمائه } ^ [ الأعراف : 180 ] والاستدلال بالآية أن يكون ~~الأسماء حسنة لا معنى له إلا كونها دالة على الصفات الحسنة الرفيعة الجليلة ~~فإذا لم يدل الاسم على هذا المعنى لم يكن الاسم حسنا ثم إنه تعالى أمرنا ~~بان ندعوه بهذه الأسماء ثم قال بعد ذلك @QB@ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ~~@QE@ [ الأعراف : 180 ] وهذا كالتنبيه على أن من دعاه بغير تلك الأسماء ~~الحسنة فقد ألحد في أسماء الله فتصير هذه الآية دالة دلالة قوية على أنه ~~ليس للعبد أن يدعو الله إلا بالأسماء الحسنى الدالة على صفات الجلال والمدح ~~وإذا ثبت هاتان المقدمتان فقد حصل المطلوب . الحجة الرابعة : أنه لم ينقل ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة أنه خاطب الله ~~تعالى بقوله يا شيء وكيف يقال ذلك وهذا اللفظ في غاية الحقارة فكيف يجوز ~~للعبد خطاب الله بهذا الاسم بل نقل PageV01P102 عنهم أنهم كانوا يقولون : ~~يا منشئ الأشياء يا منشئ الأرض والسماء . واعلم أن من الناس من يظن أن هذا ~~البحث واقع في المعنى وهذا في غاية البعد فإنه لا نزاع في أن الله تعالى ~~موجود وذات وحقيقة إنما النزاع في أنه هل يجوز إطلاق هذا اللفظ عليه فهذا ~~نزاع في مجرد اللفظ لا في المعنى ولا يجري بسببه تكفير ولا تفسيق فليكن ~~الإنسان عالما بهذه الدقيقة حتى لا يقع في الغلط . < # > المسألة الثانية : < # > في بيان أنه هل يجوز إطلاق لفظ الموجود على الله تعالى ؟ اعلم أن هذا ~~البحث يجب أن يكون مسبوقا بمقدمة وهي أن لفظ الوجود يقال بالاشتراك عن ~~معنيين : أحدهما : أن يراد بالوجود الوجدان والإدراك والشعور ومتى أريد ~~بالوجود الوجدان والإدراك فقد أريد بالموجود لا محالة المدرك والمشعور به ~~والثاني : أن يراد بالوجود الحصول ms0136 والتحقق في نفسه % % واعلم أن بين ~~الأمرين فرقا وذلك لأن كونه معلوم الحصول في الأعيان يتوقف على كونه حاصلا ~~في نفسه ولا ينعكس لأن كونه حاصلا في نفسه لا يتوقف على كونه معلوم الحصول ~~في الأعيان ؛ لأنه يمتنع في العقل كونه حاصلا في نفسه مع انه لا يكون ~~معلوما لأحد بقي ههنا بحث وهو أن لفظ الوجود هل وضع أولا للإدراك والوجدان ~~ثم نقل ثانيا إلى حصول الشيء في نفسه أو الأمر فيه بالعكس أو وضعا معا ؟ ~~فنقول : هذا البحث لفظي والأقرب هو الأول : لأنه لولا شعور الإنسان بذلك ~~الشيء لما عرف حصوله في نفسه فلما كان الأمر كذلك وجب أن يكون وضع اللفظ ~~لمعنى الشعور والإدراك سابقا على وضعه لحصول الشيء نفسه . إذا عرفت هذه ~~المقدمة فنقول : إطلاق لفظ الموجود على الله تعالى يكون على وجهين : أحدهما ~~: كونه معلوما مشعورا به والثاني : كونه في نفسه ثابتا متحققا أما بحسب ~~المعنى الأول فقد جاء في القرآن قال الله تعالى : @QB@ لوجدوا الله @QE@ [ ~~النساء : 64 ] ولفظ الوجود ههنا بمعنى الوجدان والعرفان وأما بالمعنى ~~الثاني فهو غير موجود في القرآن . فإن قالوا : لما حصل الوجود بمعنى ~~الوجدان لزم حصول الوجود بمعنى الثبوت والتحقق إذ لو كان عدما محضا لما كان ~~الأمر كذلك . فنقول : هذا ضعيف من وجهين : الأول : أنه لا يلزم من حصول ~~الوجود بمعنى الوجدان والمعرفة حصول الوجود بمعنى الثبوت ؛ لما ثبت أن ~~المعدوم قد يكون معلوما والثاني : أنا بينا أن هذا البحث ليس إلا في اللفظ ~~فلا يلزم من حصول الاسم بحسب معنى حصول الاسم بحسب معنى آخر ثم نقول : ثبت ~~بإجماع المسلمين إطلاق هذا الاسم فوجب القول به . فإن قالوا : ألستم قلتم ~~إن أسماء الله تعالى يجب كونها دالة على المدح والثناء ولفظ الموجود لا ~~يفيد ذلك ؟ قلنا عدلنا عن هذا الدليل بدلالة الإجماع وأيضا فدلالة لفظ ~~الموجود على المدح أكثر من دلالة لفظ الشيء عليه وبيانه من وجوه : الأول : ~~أنه عند قوم يقع لفظ الشيء على المعدوم كما يقع ms0137 على الموجود أما الموجود ~~فإنه لا يقع على المعدوم البتة فكان إشعار هذا اللفظ بالمدح أولى . الثاني ~~: أن لفظ الموجود PageV01P103 بمعنى المعلوم يفيد صفة المدح والثناء لأنه ~~يفيد أن بسبب كثرة الدلائل على وجوده وإلاهيته صار كأنه معلوم لكل أحد ~~موجود عند كل أحد واجب الإقرار به عند كل عقل فهذا اللفظ أفاد المدح ~~والثناء من هذا الوجه فظهر الفرق بينه وبين لفظ الشيء . < # > المسألة الثالثة : < # > في الذات : # روى عبد الله الأنصاري الهروي في الكتاب الذي سماه بالفاروق أخبارا تدل ~~على هذا اللفظ أحدها عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~إن من اعظم الناس أجرا الوزير الصالح من أمير يطيعه في ذات الله وثانيها # عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن إبراهيم لم يكذب ~~إلا في ثلاث ثنتين في ذات الله وثالثها # عن كعب بن عجرة عن أبيه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : لا تسبوا عليا فإنه كان مخشوشا في ذات الله ورابعها # عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الجهاد أفضل ؟ قال ~~إن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله وخامسها # عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن للشيطان مصايد ~~وفخوخا منها البطر بأنعم الله والفخر بعطاء الله والكبر على عباد الله ~~واتباع الهوى في غير ذات الله . وأقول : إن كل شيء حصل به أمر من الأمور ~~فإن كان اللفظ الدال على ذلك الشيء مذكرا قيل إنه ذو ذلك الأمر وإن كان ~~مؤنثا قيل إنها ذات ذلك الأمر فهذه اللفظة وضعت لإفادة هذه النسبة والدلالة ~~على ثبوت هذه الإضافة إذا عرفت هذا فنقول : إنه من المحال أن تثبت هذه ~~الصفة لصفة ثانية وتلك الصفة الثانية تثبت لصفة ثالثة وهكذا إلى غير ~~النهاية بل لا بد وأن تنتهي إلى حقيقة واحدة قائمة بنفسها مستقلة بماهيتها ~~وحينئذ يصدق على تلك الحقيقة أنها ذات تلك الصفات فقولنا ms0138 : إنها ذات كذا ~~وكذا إنما يصدق في الحقيقة على تلك الماهية القائمة بنفسها فلهذا السبب ~~جعلوا هذه اللفظة كاللفظة المفردة الدالة على هذه الحقيقة ولما كان الحق ~~تعالى قيوما في ذاته كان إطلاق اسم الذات عليه حقا وصدقا وأما الأخبار التي ~~رويناها عن الأنصاري الهروي فإن شيئا منها لا يدل على هذا المعنى ؛ لأنه ~~ليس المراد من لفظ الذات فيها حقيقة الله تعالى وماهيته وإنماالمراد منه ~~طلب رضوان الله ألا ترى أنه قال : لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث ثنتين في ~~ذات الله أي : في طلب مرضاة الله وهكذا الكلام في سائر الأخبار . < # > المسألة الرابعة : < # > في لفظ النفس وهذا اللفظ وارد في القرآن قال تعالى @QB@ تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم ما في نفسك @QE@ [ المائدة : 116 ] وقال : @QB@ ويحذركم الله ~~نفسه @QE@ [ آل عمران : 28 ] # وعن عائشة قالت : كنت نائمة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~فقدته فطلبته فوقعت يدي على قدميه وهو ساجد وهو يقول : اللهم إني أعوذ ~~برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت على نفسك # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقول الله تعالى : ~~أنا مع عبدي حين يذكرني فإن ذكرني في في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ~~ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه وإن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا وإن تقرب ~~مني ذراعا تقربت منه باعا وإن جاءني يمشي جئته أهرول والخبر الثالث # عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : لما خلق الله الخلق كتب في كتابه على نفسه وهو مرفوع فوق العرش ~~: إن رحمتي تغلب غضبي والخبر الرابع # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ليس أحد أحب إليه المدح من الله تعالى ومن أجل ذلك مدح نفسه وليس ~~أحد أغير من الله ومن أجل ذلك ms0139 حرم الفواحش وليس أحد أحب إليه العذر ~~PageV01P104 من الله ومن أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل . الخبر الخامس # عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم علمها هذا التسبيح : ~~سبحان الله وبحمده عدد خلقه ومداد كلماته ورضا نفسه وزنة عرشه . الخبر ~~السادس : # روى أبو ذر عن النبي عليه الصلاة والسلام عن الله سبحانه وتعالى أنه قال ~~: حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا وتمام الخبر مشهور . ~~الخبر السابع : # عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ذات يوم على المنبر @QB@ وما ~~قدروا الله حق قدره @QE@ [ الأنعام : 91 ] ثم أخذ يمجد الله نفسه : أنا ~~الجبار أنا المتكبر أنا العزيز أنا الكريم فرجف برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المنبر حتى خفنا سقوطه . الخبر الثامن : # عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : التقى آدم وموسى ~~عليهما السلام فقال له موسى : أنت الذي أشقيت الناس فأخرجتهم من الجنة قال ~~آدم : أنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطنعك لنفسه وأنزل عليك التوراة فهل ~~وجدت كتبته علي قبل أن يخلقني ؟ قال : نعم قال فحج آدم موسى ثلاث مرات ~~الخبر التاسع : # عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~يقول الله تعالى : هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق ~~فأكرموه بهما . الخبر العاشر : # عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه أنه قال : من ~~أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة فلا أبالي في أي واد من الدنيا أهلكه ~~وأقذفه في جهنم وما ترددت في نفسي في قضاء شيء قضيت ترددي في قبض عبدي ~~المؤمن ؛ يكره الموت ولا بد له منه وأكره مساءته . الخبر الحادي عشر : # عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما قال عبد قط إذا ~~أصابه هم أو حزن : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في ~~حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل ms0140 اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو ~~علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك - أن تجعل القرآن ربيع ~~قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله ~~مكان حزنه فرحا الخبر الثاني عشر : # عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله ~~تعالى بعثني رحمة للعالمين وأن أكسر المعازف والأصنام وأقسم ربي على نفسه ~~أن لا يشرب عبد خمرا ثم لم يتب إلى الله تعالى منه إلا سقاه الله تعالى من ~~طينة الخبال فقال : قلت : يا رسول الله وما طينة الخبال ؟ قال : صديد أهل ~~جهنم . واعلم أن النفس عبارة عن ذات الشيء وحقيقته وهويته وليس عبارة عن ~~الجسم المركب من الأجزاء لأن كل جسم مركب وكل مركب ممكن وكل ممكن محدث وذلك ~~على الله محال فوجب حمل لفظ النفس على ما ذكرناه . < # > المسألة الخامسة : < # > في لفظ الشخص # عن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا شخص أغير من الله ~~ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا شخص أحب إليه العذر من ~~الله ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ولا شخص أحب إليه المدح من ~~الله . واعلم انه لا يمكن أن يكون المراد من الشخص الجسم الذي له تشخص ~~وحجمية بل المراد منه الذات المخصوصة والحقيقة المعينة في نفسها تعينا ~~باعتباره يمتاز عن غيره . < # > المسألة السادسة : < # > في أنه هل يجوز إطلاق لفظ النور على الله قال الله تعالى @QB@ الله نور ~~السماوات والأرض @QE@ [ النور : 35 ] وأما الأخبار # فروى أنه قيل لعبد الله بن عمر : نقل عنك أنك تقول الشقي من شقي ~~PageV01P105 في بطن أمه فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور ~~شيء فقد اهتدى ومن أخطأ فقد ضل فلذلك أقول : جف القلم على علم الله تعالى ms0141 . ~~واعلم أن القول بان الله تعالى هو هذا النور أو من جنسه قول باطل ويدل عليه ~~وجوه : الأول : أن النور إما أن يكون جسما أو كيفية في جسم والجسم محدث ~~فكيفياته أيضا محدثة وجل الإله عن ان يكون محدثا . الثاني : أن النور تضاده ~~الظلمة والإله منزه عن أن يكون له ضد . الثالث : أن النور يزول ويحصل له ~~أفول والله منزه عن الأفول والزوال وأما قوله تعالى : @QB@ الله نور ~~السماوات والأرض @QE@ فجوابه أن هذه الآية من المتشابهات والدليل عليه ما ~~ذكرناه من الدلائل العقلية وأيضا فإنه تعالى قال عقيب هذه الآية @QB@ مثل ~~نوره @QE@ [ النور : 35 ] فأضاف النور إلى نفسه إضافة الملك إلى مالكه فهذا ~~يدل على أنه في ذاته ليس بنور بل هو خالق النور . بقي أن يقال : فما ~~المقتضي لحسن إطلاق لفظ النور عليه ؟ فنقول فيه وجوه : الأول : قرأ بعضهم ~~لله نور السموات والأرض وعلى هذه القراءة فالشبهة زائلة والثاني : أنه ~~سبحانه منور الأنوار ومبدعها وخالقها ؛ فلهذا التأويل حسن إطلاق النور عليه ~~. والثالث : أن بحكمته حصلت مصالح العالم وانتظمت مهمات الدنيا والآخرة ومن ~~كان ناظما للمصالح وساعيا في الخيرات فقد يسمى بالنور يقال : فلان نور هذه ~~البلد إذا كان موصوفا بالصفة المذكورة . والرابع : أنه هو الذي تفضل على ~~عباده بالإيمان والهداية والمعرفة وهذه الصفات من جنس الأنوار ويدل عليه ~~القرآن والأخبار : أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية : @QB@ نور على نور ~~يهدي الله لنوره من يشاء @QE@ [ النور : 35 ] وأما الأخبار فكثيرة . الخبر ~~الأول : # ما روى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : اتقوا ~~فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله . الخبر الثاني : # عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : هل تدرون أي الناس ~~أكيس ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم له ~~استعدادا قالوا : يا رسول الله هل لذلك من علامة ؟ قال : نعم التجافي عن ~~دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود فإذا دخل النور في القلب انفسح واتسع ~~للاستعداد قبل ms0142 نزول الموت . الخبر الثالث : # عن ابن مسعود قال : تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : @QB@ أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه @QE@ [ الزمر : 22 ] فقلت : يا ~~رسول الله كيف يشرح الله صدره ؟ قال : إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح ~~فقلت # ما علامة ذلك يا رسول الله ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن ~~دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت . الخبر الرابع : # عن أنس رضي الله عنه قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في ~~طريق إذ لقيه حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أصبحت يا ~~حارثة ؟ قال : أصبحت والله مؤمنا حقا فقال عليه الصلاة والسلام : انظر ما ~~تقول فإن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ فقال : عزفت نفسي عن الدنيا ~~وأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل ~~الجنة يتزاورون فيها وإلى أهل PageV01P106 النار يتعاوون فيها فقال عليه ~~الصلاة والسلام : عرفت فالزم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سره ~~أن ينظر إلى رجل نور الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى هذا ثم قال : يا رسول ~~الله ادع لي بالشهادة فدعا له فنودي بعد ذلك : يا خيل الله اركبي فكان أول ~~فارس ركب فاستشهد في سبيل الله . الخبر الخامس : # عن ابن عباس رضي الله عنه قال : بينما أنا جالس عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم : صلى الله عليه وسلم إذ سمع صوتا من فوقه فرفع رأسه إلى السماء فقال ~~: إن هذا الباب من السماء قد فتح وما فتح قط فنزل منه ملك فقال : يا محمد ~~أبشر بنورين لم يؤتهما أحد من قبلك : فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة . ~~الخبر السابع : # عن نافع عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : ~~اللهم بك نصبح وبك نمسي وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور اللهم اجعلني من ~~أفضل عبادك عندك حظا ونصيبا في كل خير تقسمه اليوم من نور تهدي به ms0143 أو رحمة ~~تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو بلاء تدفعه أو سوء ترفعه أو فتنة ~~تصرفها . الخبر الثامن : # عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ~~أهل الجنة فقال : أهل الجنة شعث رؤسهم وسخة ثيابهم لو قسم نور أحدهم على ~~أهل الأرض لوسعهم . الخبر التاسع : # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ان اهل الجنة ~~كل أشعث أغبر ذي طمرين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم وإذا خطبوا ~~النساء لم ينكحوا وإذا قالوا لم ينصت لقولهم حاجة أحدهم تتلجلج في صدره لو ~~قسم نوره على أهل الأرض لوسعهم . الخبر العاشر : # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~إن الله عز وجل يقول : نوري هداي ولا إله إلا الله كلمتي فمن قالها أدخلته ~~حصني ومن أدخلته حصني فقد أمن . الخبر الحادي عشر : # عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يدعو أعوذ بكلمات الله التامة وبنوره الذي أشرقت له الأرض وأضاءت ~~به الظلمات من زوال نعمتك ومن تحول عافيتك ومن فجأة نقمتك ومن درك الشقاء ~~وشر قد سبق . الخبر الثاني عشر : # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : اللهم اجعل في قلبي نورا وفي ~~سمعي نورا وفي بصري نورا والحديث مشهور . < # > المسألة السابعة : < # > في لفظ الصورة وفيه أخبار : الخبر الأول : # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن ~~الله خلق آدم على صورته # وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبحوا الوجه فإن ~~الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن # قال إسحاق بن راهويه : صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق ~~آدم على صورة الرحمن . الخبر الثاني : # عن معاذ بن جبل قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه ms0144 وسلم ذات غدوة فقال ~~له قائل : ما رأيتك أسفر وجهك مثل الغداة قال : وما أبالي وقد بدا لي ربي ~~في أحسن صورة فقال : فيم يختصم PageV01P107 الملأ الأعلى يا محمد ؟ قلت : ~~أنت أعلم أي ربي فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها فعلمت ما في السموات والأرض ~~. واعلم أن العلماء ذكروا في تأويل هذه الأخبار وجوها : ( الأول ) أن قوله ~~إن الله خلق آدم على صورته الضمير عائد إلى المضروب يعني أن الله تعالى خلق ~~آدم على صورة المضروب فوجب الاحتراز عن تقبيح وجه ذلك المضروب ( الثاني ) ~~أن المراد أن الله خلق آدم على صورته التي كان في آخر أمره يعني أنه ما ~~تولد عن نطفة ودم وما كان جنينا ورضيعا بل خلقه الله رجلا كاملا دفعة واحدة ~~( الثالث ) أن المراد من الصورة الصفة يقال صورة هذا الأمر كذا أي : صفته ~~فقوله خلق الله آدم على صورة الرحمن أي : خلقه على صفته في كونه خليفة له ~~في أرضه متصرفا في جميع الأجسام الأرضية كما أنه تعالى نافذ القدرة في جميع ~~العالم . < # > المسألة الثامنة : < # > الفلاسفة قد يطلقون لفظ الجوهر على ذات الله تعالى وكذلك النصارى ~~والمتكلمون يمتنعون منه أما الفلاسفة فقالوا : المراد من الجوهر الذات ~~المستغني عن المحل والموضوع والله تعالى كذلك فوجب أن يكون جوهرا فالجوهر ~~فوعل واشتقاقه من الجهر وهو الظهور فسمي الجوهر جوهرا لكونه ظاهرا بسبب ~~شخصيته وحجميته فكونه جوهرا عبارة عن كونه ظاهر الوجود وأما حجميته فليست ~~نفس الجوهر بل هي سبب لكونه جوهرا وهو ظهور وجوده والحق سبحانه وتعالى أظهر ~~من كل ظاهر بحسب كثرة الدلائل على وجوده فكان أولى الأشياء بالجوهرية هو هو ~~وأما المتكلمون فقالوا : أجمع المسلمون على الامتناع من هذا اللفظ فوجب ~~الامتناع منه . < # > المسألة التاسعة : < # > أطلق أكثر الكرامية لفظ الجسم على الله تعالى فقالوا : لا نريد به كونه ~~مركبا مؤلفا من الأعضاء وإنما نريد به كونه موجودا قائما بالنفس غنيا عن ~~المحل وأما سائر الفرق فقد أطبقوا على إنكار هذا الاسم . ولنا مع الكرامية ~~مقامان ms0145 : المقام الأول : أنا لا نسلم أنهم أرادوا بكونه جسما معنى غير ~~الطول والعرض والعمق وكيف لا نقول ذلك وأنهم يقولون : أنه تعالى فوق العرش ~~ولا يقولون إنه في الصغر مثل الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ بل يقولون ~~: إنه أعظم من العرش وكل ما كان كذلك كانت ذاته ممتدة من أحد جانبي العرش ~~إلى الجانب الآخر فكان طويلا عريضا عميقا فكان جسما بمعنى كونه طويلا عريضا ~~عميقا فثبت أن قولهم إنا أردنا بكونه جسما معنى غير هذا المعنى كذب محض ~~وتزوير صرف . المقام الثاني : أن نقول : لفظ الجسم لفظ يوهم معنى باطلا ~~وليس في القرآن والأحاديث ما يدل على وروده فوجب الامتناع منه لا سيما ~~والمتكلمون قالوا : لفظ الجسم يفيد كثرة الأجزاء بحسب الطول والعرض والعمق ~~فوجب أن يكون لفظ الجسم يفيد أصل هذا المعنى . < # > المسألة العاشرة : < # > في إطلاق لفظ الإنية على الله تعالى : اعلم أن هذه اللفظة تستعملها ~~الفلاسفة كثيرا وشرحه بحسب أصل اللغة أن لفظة إن في لغة العرب تفيد التأكيد ~~والقوة في الوجود ولما كان الحق سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته وكان واجب ~~الوجود أكمل الموجودات في تأكد الوجود وفي قوة الوجود لا جرم أطلقت ~~الفلاسفة بهذا التأويل لفظ الإنية عليه . PageV01P108 < # > المسألة الحادية عشرة : في إطلاق لفظ الماهية عليه : اعلم أن لفظ ~~الماهية ليس لفظا مفردا بحسب أصل اللغة بل الرجل إذا أراد أن يسأل عن حقيقة ~~من الحقائق فإنه يقول : ما تلك الحقيقة وما هي ؟ وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول : أرنا الأشياء كما هي فلما كثر السؤال عن معرفة الحقائق بهذه ~~اللفظة جعلوا مجموع قولنا ما هي كاللفظة المفردة ووضعوا هذه اللفظة بإزاء ~~الحقيقة فقالوا ماهية الشيء أي حقيقته المخصوصة وذاته المخصوصة . < # > المسألة الثانية عشرة : < # > في إطلاق لفظ الحق اعلم أن هذا اللفظ إن أطلق على ذات الشيء كان المراد ~~كونه موجودا وجودا حقيقيا في نفسه والدليل عليه أن الحق مقابل للباطل ~~والباطل هو المعدوم قال لبيد : # % ألا كل شيء ما خلا الله باطل ms0146 % % فلما كان مقابل الحق هو المعدوم وجب ~~أن يكون الحق هو الموجود وأما إن أطلق لفظ الحق على الإعتقاد كان المراد أن ~~ذلك الإعتقاد صواب مطابق للشيء في نفسه وإنما سمي هذا الإعتقاد بالحق لأنه ~~إذا كان صوابا مطابقا كان واجب التقرير والإبقاء وأما إن أطلق لفظ الحق على ~~القول والخبر كان المراد أن ذلك الإخبار صدق مطابق لأنه إذا كان كذلك كان ~~ذلك القول واجب التقرير والإبقاء إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى هو ~~المستحق لاسم الحق أما بحسب ذاته فلأنه هو الموجود الذي يمتنع عدمه وزواله ~~. وأما بحسب الإعتقاد فلأن اعتقاد وجوده ووجوبه هو الإعتقاد الصواب المطابق ~~الذي لا يتغير من هذه الصفة وأما بحسب الأخبار والذكر فلان هذا الخبر أحق ~~الأخبار بكونه صدقا واجب التقرير فثبت أنه تعالى هو الحق بحسب جميع ~~الاعتبارات والمفهومات والله الموفق الهادي . < # > القسم الثاني من هذا الباب الأسماء الدالة على كيفية الوجود : < # > اعلم أن الكلام في هذا الباب يجب أن يكون مسبوقا بمقدمات عقلية . ~~المقدمة الأولى : اعلم أن كونه تعالى أزليا أبديا لا يوجب القول بوجود زمان ~~لا آخر له وذلك لأنا نقول : كون الشيء دائم الوجود في ذاته إما أن يتوقف ~~على حصوله في زمان أو لا يتوقف عليه فإن لم يتوقف عليه فهو المقصود لأن على ~~هذا التقدير يكون تعالى أزليا أبديا من غير حاجة إلى القول بوجود زمان آخر ~~وأما إن توقف عليه فنقول : ذلك الزمان إما أن يكون أزليا أو لا يكون ذلك ~~الزمان أزليا فالتقدير هو أن كونه أزليا لا يتقرر إلا بسبب زمان آخر فحينئذ ~~يلزم افتقار الزمان إلى زمان آخر فيلزم التسلسل وأما أن قلنا أن ذلك الزمان ~~ليس أزليا فحينئذ قد كان الله أزليا موجودا قبل ذلك الزمان وذلك يدل على أن ~~الدوام لا يفتقر إلى وجود زمان آخر وهو المطلوب فثبت أن كونه تعالى أزليا ~~لا يوجب الاعتراف بكون الزمان أزليا . المقدمة الثانية : أن الشيء كلما كان ~~أزليا كان باقيا لكن لا ms0147 يلزم من كون الشيء باقيا كونه أزليا ولفظ الباقي ~~ورد في القرآن قال الله تعالى : @QB@ ويبقى وجه ربك @QE@ [ الرحمن : 27 ] ~~وأيضا قال تعالى : ^ { كل شيء هالك إلا وجهه } ^ [ القصص : 88 ] والذي لا ~~يصير هالكا يكون باقيا لا محالة وأيضا قال تعالى : @QB@ هو الأول والآخر ~~@QE@ [ الحديد : 3 ] فجعله أولا لكل سواه وما كان أولا لكل ما سواه امتنع ~~أن يكون له أول ؛ إذ لو كان له أول لامتنع أن يكون أولا لأول نفسه ولو كان ~~له آخر لامتنع كونه آخرا لأول نفسه فلما كان أولا لكل ما سواه PageV01P109 ~~وكان آخر لكل ما سواه امتنع أن يكون له أول وآخر فهذا اللفظ يدل على كونه ~~تعالى أزليا لا أول له ولا آخر له . المقدمة الثالثة : لو كان صانع العالم ~~محدثا لافتقر إلى صانع آخر ولزم التسلسل وهو محال فهو قديم وإذا ثبت أنه ~~قديم وجب أن يمتنع زواله لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه . إذا ثبتت هذه ~~المقدمات فلنشرع في تفسير الأسماء : الاسم الأول : القديم واعلم أن هذا ~~اللفظ يفيد في أصل اللغة طول المدة ولا يفيد نفي الأولية يقال : دار قديم ~~إذا طالت مدته قال الله تعالى @QB@ حتى عاد كالعرجون القديم @QE@ [ يس : 39 ~~] وقال : @QB@ إنك لفي ضلالك القديم @QE@ [ يوسف : 95 ] . الاسم الثاني : ~~الأزلي وهذا اللفظ يفيد الانتساب إلى الأزل فهذا يوهم أن الأزل شيء حصل ذات ~~الله فيه وهذا باطل إذ لو كان الأمر كذلك لكانت ذات الله مفتقرة إلى ذلك ~~الشيء ومحتاجة إليه وهو محال بل المراد وجود لا أول له البتة . الاسم ~~الثالث : قولنا لا أول له وهذا اللفظ صريح في المقصود واختلفوا في أن قولنا ~~لا أول له صفة ثبوتية أو عدمية قال بعضهم : إن قولنا لا أول له إشارة إلى ~~نفي العدم السابق ونفي النفي إثبات فقولنا لا أول له وإن كان بحسب اللفظ ~~عدما إلا أنه في الحقيقة ثبوت وقال آخرون : إنه مفهوم عدمي لأنه نفي لكون ~~الشيء مسبوقا بالعدم وفرق بين العدم وبين كونه مسبوقا ms0148 بالعدم فكونه مسبوقا ~~بالعدم كيفية ثبوتية فقولنا لا أول له سلب لتلك الكيفية الثبوتية فكان ~~قولنا لا أول مفهوما عدميا وأجاب الأولون عنه بأن كونه مسبوقا بالعدم لو ~~كان كيفية وجودية زائدة على ذاته لكانت تلك الكيفية الزائدة حادثة فكانت ~~مسبوقة بالعدم فكان كونها كذلك صفة أخرى ولزم التسلسل وهو محال . الاسم ~~الرابع : الأبدي وهو يفيد الدوام بحسب الزمان المستقبل . الاسم الخامس : ~~السرمدي واشتقاق هذه اللفظة من السرد وهو التوالي والتعاقب قال عليه الصلاة ~~والسلام في الأشهر الحرم : واحد فرد وثلاثة سرد أي : متعاقبة ولما كان ~~الزمان إنما يبقى بسبب تعاقب أجزائه وتلاحق أبعاضه وكان ذلك التعاقب ~~والتلاحق مسمى بالسرد أدخلوا عليه الميم الزائدة ليفيد المبالغة في ذلك ~~المعنى . إذا عرفت هذا فنقول : الأصل في لفظ السرمد أن لا يقع إلا على ~~الشيء الذي تحدث أجزاؤه بعضها عقيب البعض ولما كان هذا المعنى في حق الله ~~تعالى محالا كان إطلاق لفظ السرمدي عليه مجازا فإن ورد في الكتاب والسنة ~~أطلقناه وإلا فلا . الاسم السادس : المستمر وهذا بناء الاستفعال وأصله ~~المرور والذهاب ولما كان بقاء الزمان بسبب مرور أجزائه بعضها عقيب البعض لا ~~جرم أطلقوا المستمر إلا أن هذا إنما يصدق في حق الزمان أما في حق الله فهو ~~محال ؛ لأنه باق بحسب ذاته المعينة لا بحسب تلاحق أبعاضه وأجزائه . الاسم ~~السابع : الممتد وسميت المدة مدة لأنها تمتد بحسب تلاحق أجزائها وتعاقب ~~أبعاضها فيكون PageV01P110 قولنا في الشيء إنه امتد وجوده إنما يصح في حق ~~الزمان والزمانيات أما في حق الله تعالى فعلى المجاز . الاسم الثامن : لفظ ~~الباقي قال تعالى : @QB@ ويبقى وجه ربك @QE@ [ الرحمن : 27 ] واعلم أن كل ~~ما كان أزليا كان باقيا ولا ينعكس فقد يكون باقيا ولا يكون أزليا ولا أبديا ~~كما في الأجسام والأعراض الباقية ومن الناس من قال : لفظ الباقي يفيد ~~الدوام وعلى هذا لا يصح وصف الأجسام بالباقي وليس الأمر كذلك لإطباق أهل ~~العرف على قول بعضهم لبعض أبقاك الله . الاسم التاسع : الدائم قال تعالى ^ ~~{ أكلها دائم ms0149 } ^ [ الرعد : 35 ] ولما كان أحق الأشياء بالدوام هو الله كان ~~الدائم هو الله . الاسم العاشر : قولنا واجب الوجود لذاته ومعناه أن ماهيته ~~وحقيقته هي الموجبة لوجوده وكل ما كان كذلك فإنه يكون ممتنع العدم والفناء ~~واعلم أن كل كان واجب الوجود لذاته وجب أن يكون قديما أزليا ولا ينعكس ؛ ~~فليس كل ما كان قديما أزليا كان واجب الوجود لذاته لأنه لا يبعد أن يكون ~~الشيء معللا بعلة أزلية أبدية فحينئذ يجب كونه أزليا أبديا بسبب كون علته ~~كذلك فهذا الشيء يكون أزليا أبديا مع انه لا يكون واجب الوجود لذاته وقولهم ~~بالفارسية خداي معناه أنه واجب الوجود لذاته لأن قولنا خداي كلمة مركبة من ~~لفظتين في الفارسية إحداهما : خود ومعناه ذات الشيء ونفسه وحقيقته والثانية ~~قولنا آي ومعناه جاء فقولنا : خداي معناه انه بنفسه جاء وهو إشاره إلى أنه ~~بنفسه وذاته جاء إلى الوجود لا بغيره وعلى هذا الوجه فيصير تفسير قولهم ~~خداي أنه لذاته كان موجودا . الاسم الحادي عشر : الكائن واعلم أن هذا اللفظ ~~كثير الورود في القرآن بحسب صفات الله تعالى قال الله تعالى : ^ { وكان ~~الله على كل شيء مقتدرا } ^ [ الكهف : 45 ] وقال : @QB@ إن الله كان عليما ~~حكيما @QE@ [ النساء : 11 ] وأما ورود هذا اللفظ بحسب ذات الله تعالى فهو ~~غير وارد في القرآن لكنه وارد في بعض الأخبار روي في الأدعية المأثورة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # يا كائنا قبل كل كون ويا حاضرا مع كل كون ويا باقيا بعد انقضاء كل كون أو ~~لفظ يقرب معناه مما ذكرناه ويناسبه من بعض الوجوه واعلم أن ههنا بحثا لطيفا ~~نحويا : وذلك أن النحويين أطبقوا على أن لفظ كان على قسمين : أحدهما : الذي ~~يكون تاما وهو بمعنى حدث ووجد وحصل قال تعالى @QB@ كنتم خير أمة @QE@ [ آل ~~عمران : 110 ] أي حدثتم ووجدتم خير أمة . والثاني : الذي يكون ناقصا كقولك ~~كان الله عليما حكيما فإن لفظ كان بهذا التفسير لا بد له من مرفوع ومنصوب ~~واتفقوا على أن كان على كلا ms0150 التقديرين فعل إلا أنهم قالوا : أنه على الوجه ~~الأول فعل تام وعلى الثاني فعل ناقص فقلت للقوم : لو كانت هذه اللفظة فعلا ~~لكان دالا على حصول حدث في زمان معين ولو كان كذلك لكنا إذا أسندناه إلى ~~اسم واحد لكان حينئذ قد دل على حصول حدث لذلك الشيء وحينئذ يتم الكلام فكان ~~يجب أن يستغني عن ذكر المنصوب وعلى هذا التقدير يصير فعلا تاما . فثبت أن ~~القول بان بهذه الكلمة الناقصة فعل يوجب كونها تامة غير ناقصة وما أفضى ~~ثبوته إلى نفيه كان باطلا فكان القول بان هذه الكلمة ناقصة كلاما باطلا ~~ولما أوردت هذا السؤال عليهم بقي الأذكياء من النحويين والفضلاء منهم ~~متحيرين فيه زمانا طويلا وما أفلحوا في الجواب ثم لما تأملت فيه وجدت ~~الجواب الحقيقي الذي يزيل الشبهة وتقريره أن نقول : لفظ كان لا يفيد إلا ~~الحدوث والحصول والوجود إلا أن هذا على قسمين : منه ما يفيد حدوث ~~PageV01P111 الشيء في نفسه ومنه ما يفيد موصوفية شيء بشيء آخر . أما القسم ~~الأول : فإن لفظ كان يتم بإسناده إلى ذلك الشيء الواحد لأنه لا يفيد أن ذلك ~~الشيء قد حدث وحصل وأما القسم الثاني فإنه لا تتم فائدته إلا بذكر الاسمين ~~فإنه إذا ذكر كان معناه حصول موصوفية زيد بالعلم ولا يمكن ذكر موصوفية هذا ~~بذاك إلا عند ذكرهما جميعا فلا جرم لا يتم المقصود إلا بذكرهما فقولنا : ~~كان زيد عالما معناه أنه حدث وحصل موصوفية زيد بالعلم فثبت بما ذكرنا أن ~~لفظ الكون يفيد الحصول والوجود فقط إلا أنه في القسم الأول يكفيه إسناده ~~إلى اسم واحد وفي القسم الثاني لا بد من ذكر الاسمين وهذا من اللطائف ~~النفيسة في علم النحو إذا عرفت هذا فنقول : فعلى هذا التقدير لا فرق بين ~~الكائن والموجود فوجب جواز إطلاقه على الله تعالى . < # > القسم الثالث : من أقسام الصفات الحقيقية : - < # > الصفة التي تكون مغايرة للوجود ولكيفيات الوجود . اعلم أن هذا البحث ~~مبني على أنه هل يجوز قيام هذه الصفات بذات الله تعالى ms0151 ؟ فالمعتزلة ~~والفلاسفة ينكرونه أشد الإنكار ويحتجون عليه بوجوه : - الأول : أن تلك ~~الصفة إما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة لذاتها والقسمان باطلان فبطل ~~القول بالصفات وإنما قلنا أن يمتنع كونها واجبة لذاتها لوجهين ( الأول ) ~~أنه ثبت في الحكمة أن واجب الوجود لذاته لا يكون إلا واحدا ( الثاني ) أن ~~الواجب لذاته هو الذي يكون غنيا عما سواه والصفة هي التي تكون مفتقرة إلى ~~الموصوف فالجمع بين الوجوب الذاتي وبين كونه صفة للغير محال وإنما قلنا إنه ~~لا يجوز أن يكون ممكنا لذاته لوجهين ( الأول ) أن الممكن لذاته لا بد له من ~~سبب وسببه لا يجوز أن يكون غير ذات الله لأن تلك الذات لما امتنع خلوها عن ~~تلك الصفة وتلك الصفة مفتقرة إلى الغير لزم كون تلك الذات مفتقرة إلى الغير ~~. وما كان كذلك كان ممكنا لذاته فيلزم أن يكون الواجب لذاته ممكنا لذاته ~~وهو محال ولا يجوز أن يكون هو ذات الله تعالى ؛ لأنها قابلة لتلك الصفة فلو ~~كانت مؤثرة فيها لزم كون الشيء الواحد بالنسبة إلى الشيء الواحد فاعلا ~~وقابلا معا وهو محال ؛ لما ثبت أن الشيء الواحد لا يصدر عنه إلا أثر واحد ~~والفعل والقبول أثران مختلفان ( الثاني ) أن الأثر مفتقر إلى المؤثر ~~فافتقاره إليه إما أن يكون بعد حدوثه أو حال حدوثه أو حال عدمه والأول باطل ~~. وإلا لكان تأثير ذلك المؤثر في إيجاده تحصيلا للحاصل وهو محال فبقي ~~القسمان الأخيران وذلك يقتضي أن يكون كلما كان الشيء أثرا لغيره كان حادثا ~~فوجب أن يقال : الشيء الذي لا يكون حادثا فإنه لا يكون أثرا للغير فثبت أن ~~القول بالصفات باطل . الحجة الثانية : على نفي الصفات : قالوا : إن تلك ~~الصفات إما أن تكون قديمة أو حادثة والأول باطل لأن القدم صفة ثبوتية على ~~ما بيناه فلو كانت الصفات قديمة لكانت الذات مساوية للصفات في القدم ويكون ~~كل واحد منهما مخالفا للآخر بخصوصية ماهيته المعينة وما به المشاركة غير ما ~~به المخالفة فيكون كل واحد من تلك الأشياء القديمة ms0152 مركبا من جزأين ثم نقول ~~: ويجب أن يكون كل واحد من ذينك الجزأين قديما لأن جزء ماهية القديم يجب أن ~~يكون قديما وحينئذ يكون ذانك الجزآن يتشاركان في القدم ويختلفان بالخصوصية ~~فيلزم كون كل واحد منهما مركبا من جزأين وذلك محال لأنه يلزم أن يكون حقيقة ~~الذات PageV01P112 وحقيقة كل واحدة من تلك الصفات مركبة من أجزاء غير ~~متناهية وذلك محال وإنما قلنا إنه يمتنع كون تلك الصفات حادثة لوجوه : ( ~~الأول ) : أن قيام الحوادث بذات الله محال لأن تلك الذات إن كانت كافية في ~~وجود تلك الصفة أو دوام عدمها لزم دوام وجود تلك الصفة أو دوام عدمها بدوام ~~تلك الذات وإن لم تكن كافية فيه فحينئذ تكون تلك الذات واجبة الاتصاف بوجود ~~تلك الصفة أو عدمها وذلك الوجود والعدم يكونان موقوفين على شيء منفصل ~~والموقوف على الموقوف على الغير موقوف على الغير والموقوف على الغير ممكن ~~لذاته ينتج أن الواجب لذاته ممكن لذاته وهو محال . ( والثاني ) أن ذاته لو ~~كانت قابلة للحوادث لكانت قابلية تلك الحوادث من لوازم ذاته فحينئذ يلزم ~~كون تلك القابلية أزلية لأجل كون تلك الذات أزلية لكن يمتنع كون قابلية ~~الحوادث أزلية ؛ لأن قابلية الحوادث مشروط بإمكان وجود الحوادث وإمكان وجود ~~الحوادث في الأزل محال فكان وجود قابليتها في الأزل محالا . ( الثالث ) أن ~~تلك الصفات لما كانت حادثة فإن الإله الموصوف بصفات الإلهية كان موجودا قبل ~~حدوث هذه الصفات فحينئذ تكون هذه الصفات مستغنى عنها في ثبوت الإلهية فوجب ~~نفيها فثبت أن تلك الصفات إما أن تكون حادثة أو قديمة وثبت فسادهما فثبت ~~امتناع وجود الصفة . الحجة الثالثة : أن تلك الصفات إما أن تكون بحيث تتم ~~الإلهية بدونها أو لا تتم فإن كان الأول كان وجودها فضلا زائدا فوجب نفيها ~~وإن كان الثاني كان الإله مفتقرا في تحصيل صفة الإلهية إلى شيء آخر . ~~والمحتاج لا يكون إلها . الحجة الرابعة : ذاته تعالى إما أن تكون كاملة في ~~جميع الصفات المعتبرة في المدائح والكمالات وإما أن لا تكون ms0153 فإن كان الأول ~~فلا حاجة إلى هذه الصفات وإن كان الثاني كانت تلك الذات ناقصة في ذاتها ~~مستكملة بغيرها وهذه الذات لا يليق بها صفة الإلهية . الحجة الخامسة : لما ~~كان الإله هو مجموع الذات والصفات فحينئذ يكون الإله مجزأ مبعضا منقسما ~~وذلك بعيد عن العقل ؛ لأن كل مركب ممكن لا واجب . الحجة السادسة : أن الله ~~تعالى كفر النصارى في التثليث فلا يخلو إما أن يكون لأنهم قالوا بإثبات ~~ذوات ثلاثة أو لأنهم قالوا بالذات مع الصفات والأول لا يقوله النصارى ~~فيمتنع أن يقال إن الله كفرهم بسبب مقالة هم لا يقولون بها فبقي الثاني ~~وذلك يوجب أن يكون القول بالصفات كفرا . فهذه الوجوه يتمسك بها نفاة الصفات ~~وإذا كان الأمر كذلك فعلى هذا التقدير يمتنع أن يحصل الله تعالى اسم بسبب ~~قيام الصفة الحقيقية به . < # > المسالة الثانية في دلائل مثبتي القول بالصفات : < # > اعلم أنه ثبت أن إله العالم يجب أن يكون عالما قادرا حيا فنقول يمتنع ~~أن يكون علمه وقدرته نفس تلك الذات ويدل عليه وجوه ( الأول ) أنا ندرك ~~تفرقة ضرورية بديهية بين قولنا : ذات الله ذات وبين قولنا : ذات الله عالمة ~~قادرة وذلك يدل على أن كونه عالما قادرا ليس نفس تلك الذات ( الثاني ) أنه ~~يمكن العلم بكونه موجودا مع الذهول عن كونه قادرا وعالما وكذلك يمكن أن ~~يعلم كونه قادرا مع الذهول عن كونه عالما وبالعكس وذلك يدل على أنه كونه ~~عالما قادرا ليس نفس تلك الذات ( الثالث ) أن كونه عالما عام التعلق ~~بالنسبة إلى الواجب والممتنع والممكن وكونه قادرا ليس عام التعلق ~~PageV01P113 بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة : بل هو مختص بالجائز فقط ولولا ~~الفرق بين العلم وبين القدرة وإلا لما كان كذلك ( الرابع ) أن كونه تعالى ~~قادرا يؤثر في وجود المقدور وكونه عالما لا يؤثر ولولا المغايرة وإلا لما ~~كان كذلك ( الخامس ) أن قولنا : موجود يناقضه قولنا : ليس بموجود ولا ~~يناقضه قولنا : ليس بعالم وذلك يدل على أن المنفي بقولنا : ليس بموجود ~~مغاير للمنفي بقولنا : ليس بعالم وكذا ms0154 القول في كونه قادرا . فهذه دلائل ~~واضحة على أنه لا بد من الإقرار بوجود الصفات لله تعالى إلا أنه بقي أن ~~يقال : لم لا يجوز أن تكون هذه الصفات صفات نسبية وإضافية فالمعنى من كونه ~~قادرا كونه بحيث يصح منه الإيجاد وتلك الصحة معللة بذاته وكونه عالما معناه ~~الشعور والإدراك وذلك حالة نسبية إضافية وتلك النسبية الحاصلة معللة بذاته ~~المخصوصة وهذا تمام الكلام في هذا الباب . < # > المسألة الثالثة : < # > أنا إذا قلنا بإثبات الصفات الحقيقية فنقول : الصفة الحقيقية إما أن ~~تكون صفة يلزمها حصول النسبة والإضافة وهي مثل العلم والقدرة فإن العلم صفة ~~يلزمها كونها متعلقة بالعلوم والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور ~~فهذه الصفات وإن كانت حقيقية إلا أنه يلزمها لوازم من باب النسب والإضافات ~~. أما الصفة الحقيقية العارية عن النسبة والإضافة في حق الله تعالى فليست ~~إلا صفة الحياة فلنبحث عن هذه الصفة فنقول : قالت الفلاسفة : الحي هو ~~الدراك الفعال ؛ إلا أن الدراكية صفة نسبية والفعالية أيضا كذلك وحينئذ لا ~~تكون الحياة صفة مغايرة للعلم والقدرة على هذا القول وقال المتكلمون إنها ~~صفة باعتبارها يصح أن يكون عالما قادرا واحتجوا عليه بان الذوات متساوية في ~~الذاتية ومختلفة في هذه الصحة فلا بد وأن تكون تلك الذوات مختلف في قبول ~~صفة الحياة فوجب أن تكون صحيحة لأجل صفة زائدة فيقال لهم : قد دللنا على أن ~~ذات الله تعالى مخالفة لسائر الذوات لذاته المخصوصة فسقط هذا الدليل وأيضا ~~الذوات مختلفة في قبول صفة الحياة فوجب أن يكون صحة قبول الحياة لصفة أخرى ~~ولزم التسلسل ولا جواب عنه إلا أن يقال : إن تلك الصحة من لوازم الذات ~~المخصوصة فاذكروا هذا الكلام في صحة العالمية وقال قوم ثالث : معنى كونه ~~حيا أنه لا يمتنع أن يقدر ويعلم فهذا عبارة عن نفي الامتناع ولكن الامتناع ~~عدم فنفيه يكون عدما للعدم فيكون ثبوتا فيقال لهم : هذا مسلم لكن لم لا ~~يجوز أن يكون هذا الثبوت هو تلك الذات المخصوصة ؟ فإن قالوا : الدليل عليه ~~أنا ms0155 نعقل تلك الذات مع الشك في كونها حية فوجب أن يكون كونها حية مغايرا ~~لتلك الذات فيقال لهم : قد دللنا على أن لا نعقل ذات الله تعالى تعقلا ~~ذاتيا وإنما نتعقل تلك الذات تعقلا عرضيا وعند هذا يسقط هذا الدليل فهذا ~~تمام الكلام في هذا الباب . < # > المسألة الرابعة : < # > لفظ الحي وارد في القرآن قال الله تبارك وتعالى : @QB@ الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم @QE@ [ البقرة : 255 ] وقال : @QB@ وعنت الوجوه للحي القيوم ~~@QE@ [ طه : 111 ] وقال : @QB@ هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له ~~الدين @QE@ [ غافر : 65 ] فإن قيل : الحي معناه الدراك الفعال أو الذي لا ~~يمتنع أن يعلم ويقدر وهذا القدر ليس فيه مدح عظيم فما السبب في أن ذكره ~~الله تعالى في معرض المدح العظيم ؟ فالجواب أن التمدح لم يحصل بمجرد كونه ~~حيا بل بمجموع كونه حيا قيوما وذلك لأن القيوم هو القائم بإصلاح حال كل ما ~~PageV01P114 سواه وذلك لا يتم إلا بالعلم التام والقدرة التامة والحي هو ~~الدراك الفعال فقوله الحي يعني كونه دراكا فعالا وقوله القيوم يعني كونه ~~دراكا لجميع الممكنات فعالا لجميع المحدثات والممكنات فحصل المدح من هذا ~~الوجه . < # > الباب الخامس < # > < # > في الأسماء الدالة على الصفات الإضافية < # > اعلم أن الكلام في هذا الباب يجب أن يكون مسبوقا بمقدمة عقلية وهي أن ~~التكوين هل هو نفس المكون أم لا ؟ قالت المعتزلة والأشعرية : التكوين نفس ~~المكون وقال آخرون إنه غيره واحتج النفاة بوجوه : - الحجة الأولى : أن ~~الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة أو على سبيل الوجوب فإن ~~كان الأول فتلك الصفة هي القدرة لا غير وإن كان الثاني لزم كونه تعالى ~~موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار . الحجة الثانية : أن تلك الصفة المسماة ~~بالتكوين إن كانت قديمة لزم من قدمها الآثار وإن كانت محدثة افتقر تكوينها ~~إلى تكوين آخر ولزم التسلسل . الحجة الثالثة : أن الصفة المسماة بالقدرة ~~إما أن يكون لها صلاحية التأثير عند حصول سائر الشرائط من العلم والإرادة ~~أو ليس لها هذه الصلاحية فإن ms0156 كان الأول فحينئذ تكون القدرة كافية في خروج ~~الأثر من العدم إلى الوجود وإلى هذا التقدير فلا حاجة إلى إثبات صفة أخرى ~~وإن كان الثاني فحينئذ القدرة لا تكون لها صلاحية التأثير فوجب أن لا تكون ~~القدرة قدرة وذلك يوجب التناقض . واحتج مثبتو قدم الصفة بأن القادر على ~~الفعل قد يوجده وقد لا يوجده ألا ترى أن الله تعالى قادر على خلق ألف شمس ~~وقمر على هذه السماء إلا أنه ما أوجده وصحة هذا النفي والإثبات يدل على أن ~~المعقول من كونه موجدا مغاير للمعقول من كونه قادرا ثم نقول : كونه موجدا ~~إما أن يكون معناه دخول الأثر في الوجود أو يكون أمرا زائدا والأول باطل ~~لأنا نعلل دخول هذا الأثر في الوجود بكون الفاعل موجدا له ألا ترى أنه إذا ~~قيل : لم وجد العالم ؟ قلنا : لأجل أن الله أوجده فلو كان كون الموجد موجدا ~~له معناه نفس هذا الأثر لكان تعليل وجود الأثر بالموجودية يقتضي تعليل ~~وجوده نفسه ولو كان معللا بنفسه لامتنع إسناده إلى الغير فثبت أن تعليل ~~الموجدية بوجود الأثر يقتضي نفي الموجدية وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان ~~باطلا فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر كلام باطل فوجب أن يكون كون ~~الموجد موجدا أمرا مغايرا لكون الفاعل قادرا لوجود الأثر فثبت أن التكوين ~~غير المكون . إذا عرفت هذا الأصل فنقول : القائلون بأن التكوين نفس المكون ~~قالوا : معنى كونه تعالى خالقا رازقا محييا مميتا ضارا نافعا عبارة عن نسبة ~~مخصوصة وإضافة مخصوصة وهي تأثير قدرة الله تعالى في حصول هذه الأشياء . ~~وأما القائلون بأن التكوين غير المكون فقالوا معنى كونه خالقا رازقا ليس ~~عبارة عن الصفة الإضافية فقط بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية ~~. PageV01P115 اعلم أن الصفات الإضافية على أقسام ( أحدها ) كونه معلوما ~~مذكورا مسبحا ممجدا فيقال : يا أيها المسبح بكل لسان يا أيها الممدوح عند ~~كل إنسان يا أيها المرجوع إليه في كل حين وأوان ولما كان هذا النوع من ~~الإضافات غير متناه ms0157 كانت الأسماء الممكنة لله بحسب هذا النوع من الصفات غير ~~متناهية . وثانيها : كونه تعالى فاعلا للأفعال صفة إضافية محضة بناء على أن ~~تكوين الأشياء ليس بصفة زائدة إذا عرفت هذا فالمخبر عنه إما أن يكون مجرد ~~كونه موجدا أو المخبر عنه كونه موجدا للنوع الفلاني لأجل الحكمة الفلانية ~~أما القسم الأول - وهو اللفظ الدال على مجرد كونه موجدا - فههنا ألفاظ تقرب ~~من أن تكون مترادفة مثل : الموجد والمحدث والمكون والمنشئ والمبدع والمخترع ~~والصانع والخالق والفاطر والبارئ فهذه ألفاظ عشرة متقاربة ومع ذلك فالفرق ~~حاصل : أما الاسم الأول - وهو الموجد - فمعناه المؤثر في الوجود وأما ~~المحدث فمعناه الذي جعله موجودا بعد أن كان معدوما وهذا أخص من مطلق ~~الإيجاد وأما المكون فيقرب من أن يكون مرادفا للموجد وأما المنشئ فاشتقاقه ~~من النشوء والنماء وهو الذي يكون قليلا قليلا على التدريج وأما المبدع فهو ~~الذي يكون دفعة واحدة وهما كنوعين تحت جنس الموجد . والمخترع قريب من ~~المبدع وأما الصانع فيقرب أن يكون اسما لمن يأتي بالفعل على سبيل التكلف ~~وأما الخالق فهو عبارة عن التقدير وهو في حق الله تعالى يرجع إلى العلم ~~وأما الفاطر فاشتقاقه من الفطر وهو الشق ويشبه أن يكون معناه هو الأحداث ~~دفعة وأما البارئ فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق للمصلحة يقال : برى ~~القلم إذا أصلحه وجعله موافقا لغرض معين فهذا بيان هذه الألفاظ الدالة على ~~كونه موجدا على سبيل العموم أما الألفاظ الدالة على إيجاد شيء بعينه فتكاد ~~أن تكون غير متناهية ويجب أن نذكر في هذا الباب أمثلة فالمثال الأول : إنه ~~إذا خلق النافع سمي نافعا وإذا خلق المؤلم سمي ضارا والمثال الثاني : إذا ~~خلق الحياة سمي محييا وإذا خلق الموت سمي مميتا والمثال الثالث : إذا خصهم ~~بالإكرام سمي برا لطيفا وإذا خصهم بالقهر سمي قهارا جبارا والمثال الرابع : ~~إذا قلل العطاء سمي قابضا وإذا أكثره سمي باسطا والمثال الخامس : إن جارى ~~ذوي الذنوب بالعقاب سمي منتقما وإن ترك ذلك الجزاء سمي عفوا غفورا رحيما ms0158 ~~رحمانا المثال السادس : إن حصل المنع والإعطاء في الأموال سمي قابضا باسطا ~~وإن حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضا رافعا . إذا عرفت هذا فنقول : إن ~~أقسام مقدورات الله تعالى بحسب الأنواع والأجناس غير متناهية فلا جرم يمكن ~~أن يحصل لله تعالى أسماء غير متناهية بحسب هذا الاعتبار . وإذا عرفت هذا ~~فنقول : ههنا دقائق لا بد منها : فالدقيقة الأولى أن مقابل الشيء تارة يكون ~~ضده وتارة يكون عدمه فقولنا : المعز المذل وقولنا المحيي المميت يتقابلان ~~تقابل الضدين وأما قولنا : القابض الباسط الخافض الرافع فيقرب من أن يكون ~~تقابلهما تقابل العدم والوجود لأن القبض عبارة عن أن لا يعطيه المال الكثير ~~والخفض عبارة أن لا يعطيه الجاه الكبير أما الإعزاز والإذلال فهما متضادان ~~؛ لأنه فرق بين أن لا يعزه وبين أن يذله . والدقيقة الثانية أنه قد تكون ~~الألفاظ تقرب من أن تكون مترادفة ولكن التأمل التام يدل على الفرق اللطيف ~~وله أمثله : المثال الأول : الرؤوف الرحيم يقرب من هذا الباب إلا أن الرؤوف ~~أميل إلى جانب إيصال النفع والرحيم أميل إلى جانب دفع الضرر والمثال الثاني ~~: ألفاتح PageV01P116 والفتاح والنافع والنفاع والواهب والوهاب فالفاتح ~~يشعر بإحداث سبب الخير والواهب يشعر بإيصال ذلك الخير إليه والنافع يشعر ~~بإيصال ذلك النفع إليه بقصد أن ينتفع ذلك الشخص به وإذا وقفت على هذا ~~القانون المعتبر في هذا الباب أمكنك الوقوف على حقائق هذا النوع من الأسماء ~~. < # > الباب السادس < # > < # > في الأسماء الواقعة بحسب الصفات السلبية < # > واعلم أن القرآن مملوء منه وطريق الضبط فيه أن يقال : ذلك السلب إما أن ~~يكون عائدا إلى الذات أو إلى الصفات أو إلى الأفعال أما السلوب العائدة إلى ~~الذات فهي قولنا إنه تعالى ليس كذا ولا كذا كقولنا : إنه ليس جوهرا ولا ~~جسما ولا في المكان ولا في الحيز ولا حالا ولا محلا واعلم أنا قد دللنا على ~~أن ذاته مخالفة لسائر الذوات والصفات لعين ذاته المخصوصة لكن أنواع الذوات ~~والصفات المغايرة لذاته غير متناهية فلا جرم يحصل ههنا سلوب غير متناهية ms0159 ~~ومن جملتها قوله تعالى @QB@ والله الغني وأنتم الفقراء @QE@ [ محمد : 38 ] ~~وقوله : @QB@ وربك الغني ذو الرحمة @QE@ [ الأنعام : 133 ] لأن كونه غنيا ~~أنه لا يحتاج في ذاته ولا في صفاته الحقيقية ولا في صفاته السلبية إلى شيء ~~غيره ومنه أيضا قوله @QB@ لم يلد ولم يولد @QE@ [ الإخلاص : 3 ] وأما ~~السلوب العائدة إلى الصفات فكل صفة تكون من صفات النقائص فإنه يجب تنزيه ~~الله تعالى عنها فمنها ما يكون من باب أضداد العلم ومنها ما يكون من باب ~~أضداد القدرة ومنها ما يكون من باب أضداد الاستغناء ومنها ما يكون من باب ~~أضداد الوحدة ؛ ومنها ما يكون من باب أضداد العلم فأقسام أحدها : نفي النوم ~~قال تعالى : @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ [ البقرة : 255 ] وثانيها نفي ~~النسيان قال تعالى : @QB@ وما كان ربك نسيا @QE@ [ مريم : 64 ] وثالثها نفي ~~الجهل قال تعالى : @QB@ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ~~@QE@ [ سبأ : 3 ] ورابعها أن علمه ببعض المعلومات لا يمنعه عن العلم بغيره ~~فإنه تعالى لا يشغله شأن عن شان . وأما السلوب العائدة إلى صفة القدرة ~~فأقسام : أحدها : أنه منزه في أفعاله عن التعب والنصب قال تعالى ^ { وما ~~مسنا من لغوب ق } ^ [ ^ : 38 ] وثانيها أن لا يحتاج في فعله إلى الآلات ~~والأدوات وتقدم المادة والمدة قال تعالى : ^ { إنما قولنا لشيء إذا أردناه ~~أن نقول له كن فيكون } ^ [ النحل : 40 ] وثالثها أنه لا تفاوت في قدرته بين ~~فعل الكثير والقليل قال تعالى : ^ { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو ~~أقرب } ^ [ النحل : 77 ] ورابعها نفي انتهاء القدرة وحصول الفقر قال تعالى ~~: ^ { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } ^ [ آل ~~عمران : 181 ] واما السلوب العائدة إلى صفة الاستغناء فكقوله : ^ { وهو ~~يطعم ولا يطعم } ^ [ الأنعام : 14 ] ^ { وهو يجير ولا يجار عليه } ^ [ ~~المؤمنون : 88 ] وأما السلوب العائدة إلى صفة الوحدة - وهو مثل نفي الشركاء ~~والأضداد والأنداد فالقرآن مملوء منه وأما السلوب العائدة إلى الأفعال وهو ~~أنه لا يفعل كذا وكذا - فالقرآن مملوء منه أحدها أنه ms0160 لا يخلق الباطل قال ~~تعالى : ^ { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ~~} ^ [ ص : 27 ] وقال تعالى حكاية عن المؤمنين ^ { ويتفكرون في خلق السموات ~~والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا } ^ [ آل عمران : 191 ] وثانيها أنه لا يخلق ~~اللعب قال تعالى : ^ { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين وما ~~خلقناهما إلا بالحق } ^ وثالثها لا يخلق العبث ؛ قال تعالى : ^ { أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الملك الحق } ^ [ المؤمنون ~~: 115 ] ورابعها أنه لا يرضى بالكفر قال تعالى : PageV01P117 @QB@ ولا يرضى ~~لعباده الكفر @QE@ [ الزمر : 7 ] وخامسها أنه لا يريد الظلم قال تعالى : ~~@QB@ وما الله يريد ظلما للعباد @QE@ [ غافر : 31 ] وسادسها أنه لا يحب ~~الفساد قال تعالى : @QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ [ البقرة : 205 ] ~~وسابعها أنه لا يعاقب من غير سابقة جرم قال تعالى : @QB@ ما يفعل الله ~~بعذابكم إن شكرتم @QE@ [ النساء : 147 ] وثامنها أنه لا ينتفع بطاعات ~~المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين قال تعالى : @QB@ إن أحسنتم أحسنتم ~~لأنفسكم وإن أسأتم فلها @QE@ [ الإسراء : 7 ] وتاسعها : أنه ليس لأحد عليه ~~اعتراض في أفعاله وأحكامه قال تعالى : ^ { لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون } ^ ~~[ الأنبياء : 23 ] وقال تعالى : ^ { فعال لما يريد } ^ [ هود : 107 ] ~~وعاشرها : أنه لا يخلف وعده ووعيده قال تعالى : @QB@ ما يبدل القول لدي وما ~~أنا بظلام للعبيد @QE@ [ ق : 29 ] . إذا عرفت هذا الأصل فنقول : أقسام ~~السلوب بحسب الذات وبحسب الصفات وبحسب الأفعال غير متناهية فيحصل من هذا ~~الجنس أيضا أقسام غير متناهية من الأسماء إذا عرفت هذا الأصل ؛ فلنذكر بعض ~~الأسماء المناسبة لهذا الباب : فمنها القدوس والسلام ويشبه أن يكون القدوس ~~عبارة عن كون حقيقة ذاته مخالفة للماهيات التي هي نقائص في أنفسها والسلام ~~عبارة عن كون تلك الذات غير موصوفة بشيء من صفات النقص فالقدوس سلب عائد ~~إلى الذات والسلام سلب عائد إلى الصفات وثانيها العزيز وهو الذي لا يوجد له ~~نظير وثالثها الغفار وهو الذي يسقط العقاب عن المذنبين ورابعها الحليم وهو ~~الذي لا يعاجل بالعقوبة ومع ذلك ؛ فإنه لا يمتنع ms0161 من إيصال الرحمة وخامسها ~~الواحد ومعناه أنه لا يشاركه أحد في حقيقته المخصوصة ولا يشاركه أحد في نظم ~~العالم وتدبير أحوال العرش سادسها الغني : ومعناه كونه منزها عن الحاجات ~~والضرورات وسابعها الصبور والفرق بينه وبين الحليم أن الصبور هو الذي لا ~~يعاقب المسيء مع القدرة عليه والحليم هو الذي يكون كذلك مع أنه لا يمنعه من ~~إيصال نعمته إليه وقس عليه البواقي والله الهادي . < # > الباب السابع < # > < # > في الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية وفيه فصول < # > < # > الفصل الأول < # > < # > في الأسماء الحاصلة بسبب القدرة < # > والأسماء الدالة على صفة القدرة كثيرة : الأول القادر قال تعالى : @QB@ ~~قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم @QE@ [ ~~الأنعام : 65 ] وقال في أول سورة القيامة : @QB@ أيحسب الإنسان ألن نجمع ~~عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه @QE@ [ القيامة : 3 ] وقال في آخر ~~السورة : @QB@ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى @QE@ [ القيامة : 40 ] ~~الثاني : القدير قال تعالى : ^ { تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير } ^ [ الملك : 1 ] وهذا اللفظ يفيد المبالغة في وصفه بكونه قادرا ~~الثالث : المقتدر قال تعالى : ^ { وكان الله على كل شيء مقتدرا } ^ [ الكهف ~~: 45 ] وقال : @QB@ في مقعد صدق عند مليك مقتدر @QE@ [ القمر : 55 ] الرابع ~~: عبر عن ذاته بصيغة الجمع في هذه الصفة قال تعالى : @QB@ فقدرنا فنعم ~~القادرون @QE@ [ المرسلات : 23 ] واعلم أن لفظ الملك يفيد القدرة أيضا بشرط ~~خاص ثم إن هذا اللفظ جاء في القرآن على وجوه مختلفة : فالأول المالك قال ~~الله تعالى : @QB@ مالك يوم الدين @QE@ [ الفاتحة : 3 ] الثاني : الملك قال ~~تعالى @QB@ فتعالى الله الملك الحق @QE@ [ المؤمنون : 116 ] وقال : @QB@ هو ~~الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس @QE@ [ الحشر : 23 ] وقال : @QB@ ملك ~~الناس @QE@ [ الناس : 2 ] واعلم أن ورود لفظ الملك في القرآن أكثر من ورود ~~لفظ المالك والسبب فيه أن الملك أعلى شأنا من المالك الثالث : مالك الملك ~~قال تعالى : @QB@ قل اللهم مالك الملك @QE@ [ الناس : 2 ] الرابع : المليك ~~قال تعالى : @QB@ عند مليك مقتدر @QE@ [ القمر : 55 ] الخامس : لفظ الملك ~~قال ms0162 تعالى : @QB@ الملك يومئذ الحق للرحمن @QE@ [ الفرقان : 26 ] وقال ~~تعالى : @QB@ له ملك السماوات والأرض @QE@ [ الحديد : 2 ] واعلم أن لفظ ~~القوة يقرب من لفظ القدرة وقد جاء هذا اللفظ في القرآن على وجوه مختلفة : ~~الأول القوي قال تعالى : @QB@ إن الله لقوي عزيز @QE@ [ الحج : 74 ] الثاني ~~: ذو القوة قال تعالى : @QB@ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ [ ~~الذاريات : 58 ] . < # > الفصل الثاني < # > في الأسماء الحاصلة بسبب العلم وفيه ألفاظ : الأول : العلم وما يشتق ~~منه وفيه وجوه الأول : إثبات العلم لله تعالى قال تعالى : ^ { ولا يحيطون ~~بشيء من علمه } ^ [ البقرة : 255 ] وقال تعالى : @QB@ ولا تضع إلا بعلمه ~~@QE@ [ فاطر : 11 ] وقال تعالى : ^ { قد أحاط بكل شيء علما } ^ [ الطلاق : ~~12 ] وقال تعالى : @QB@ إن الله عنده علم الساعة @QE@ [ لقمان : 34 ] الاسم ~~الثاني : العالم قال تعالى : @QB@ عالم الغيب والشهادة @QE@ [ الرعد : 9 ] ~~الثالث : العليم وهو كثير في القرآن الرابع العلام قال تعالى - حكاية عن ~~عيسى عليه السلام - : @QB@ إنك أنت علام الغيوب @QE@ [ المائدة : 116 ] ~~الخامس : الأعلم قال تعالى : @QB@ الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ [ ~~الأنعام : 124 ] السادس : صيغة الماضي قال تعالى : @QB@ علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم @QE@ [ البقرة : 187 ] السابع : صيغة المستقبل قال تعالى : ~~@QB@ وما تفعلوا من خير يعلمه الله @QE@ [ البقرة : 197 ] وقال : @QB@ ~~والله يعلم ما تسرون وما تعلنون @QE@ [ النحل : 19 ] الثامن : لفظ علم من ~~باب التفعيل قال تعالى : @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ [ البقرة : 31 ] ~~وقال في حق الملائكة : @QB@ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا @QE@ [ البقرة ~~: 32 ] وقال : @QB@ وعلمك ما لم تكن تعلم @QE@ [ النساء : 113 ] وقال : ~~@QB@ الرحمن علم القرآن @QE@ [ الرحمن : 2 ] . واعلم أنه لا يجوز أن يقال ~~إن الله معلم مع كثرة هذه الألفاظ ؛ لأن لفظ المعلم مشعر بنوع نقيصة التاسع ~~لا يجوز إطلاق لفظ العلامة على الله تعالى ؛ لأنها وإن أفادت المبالغة ~~لكنها تفيد أن هذه المبالغة إنما حصلت بالكد والعناء وذلك في حق الله تعالى ~~محال . اللفظ الثاني : من ألفاظ هذا الباب لفظ الخبر والخبرة وهو كالمرادف ~~للعلم حتى قال بعضهم في حد العلم : إنه الخبر . إذا عرفت هذا ms0163 فنقول : ورد ~~لفظ الخبير في حق الله تعالى في حد العلم أنه الخبر . إذا عرفت هذا فنقول : ~~ورد لفظ الخبير في حق الله تعالى كثيرا في القرآن وذلك أيضا يدل على العلم ~~. النوع الثالث من الألفاظ : الشهود والمشاهدة ومنه الشهيد في حق الله ~~تعالى إذا فسرناه بكونه مشاهدا لها عالما بها أما إذا فسرناه بالشهادة كان ~~من صفة الكلام . النوع الرابع : الحكمة وهذه اللفظة قد يراد بها العلم وقد ~~يراد بها أيضا ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي . PageV01P118 النوع الخامس : ~~اللطيف وقد يراد به العلم بالدقائق وقد يراد به إيصال المنافع إلى العباد ~~بطريق خفية عجيبة . < # > الفصل الثالث < # > < # > في الأسماء الحاصلة بسبب صفة الكلام وما يجري مجراه : < # > اللفظ الأول : الكلام وفيه وجوه : الأول : لفظ الكلام قال تعالى : @QB@ ~~وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ [ التوبة : 6 ] ~~الثاني : صيغة الماضي من هذا اللفظ قال تعالى @QB@ وكلم الله موسى تكليما ~~@QE@ [ النساء : 164 ] وقال : @QB@ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه @QE@ ~~[ الأعراف : 143 ] الثالث : صيغة المستقبل قال تعالى : @QB@ وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا @QE@ [ الشورى : 51 ] . اللفظ الثاني : القول : ~~وفيه وجوه : الأول : صيغة الماضي قال تعالى : @QB@ وإذ قال ربك للملائكة ~~@QE@ [ البقرة : 30 ] ونظائره كثيرة في القرآن الثاني : صيغة المستقبل قال ~~تعالى @QB@ إنه يقول إنها بقرة @QE@ [ البقرة : 68 ] الثالث : القيل والقول ~~قال تعالى : @QB@ ومن أصدق من الله قيلا @QE@ [ النساء : 122 ] وقال تعالى ~~@QB@ ما يبدل القول لدي @QE@ [ ق : 29 ] . اللفظ الثالث : الأمر قال تعالى ~~: @QB@ لله الأمر من قبل ومن بعد @QE@ [ الروم : 4 ] وقال : @QB@ ألا له ~~الخلق والأمر @QE@ [ الأعراف : 54 ] وقال حكاية عن موسى عليه السلام : @QB@ ~~إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة @QE@ [ البقرة : 67 ] . اللفظ الرابع : ~~الوعد قال تعالى : @QB@ وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن @QE@ [ ~~التوبة : 111 ] وقال تعالى : @QB@ وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ~~@QE@ [ يونس : 4 ] . اللفظ الخامس : الوحي قال تعالى : @QB@ وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا @QE@ [ الشورى : 51 ] وقال : @QB@ فأوحى إلى عبده ~~ما أوحى ms0164 @QE@ [ النجم : 10 ] . اللفظ السادس : كونه تعالى شاكرا لعباده قال ~~تعالى : @QB@ فأولئك كان سعيهم مشكورا @QE@ [ الإسراء : 19 ] @QB@ وكان ~~الله شاكرا عليما @QE@ [ النساء : 147 ] . < # > الفصل الرابع < # > < # > في الإرادة وما يقرب منها : < # > فاللفظ الأول : الإرادة قال تعالى : @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر @QE@ [ البقرة : 185 ] . اللفظ الثاني : الرضا قال تعالى : @QB@ ~~وإن تشكروا يرضه لكم @QE@ [ الزمر : 7 ] وقال : @QB@ ولا يرضى لعباده الكفر ~~@QE@ [ الزمر : 7 ] وقال @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة @QE@ [ الفتح : 18 ] وقال في صفة السابقين الأولين : @QB@ رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه @QE@ [ المجادلة : 22 ] وقال حكاية عن موسى : @QB@ وعجلت ~~إليك رب لترضى @QE@ [ طه : 84 ] . PageV01P120 اللفظ الثالث : المحبة قال ~~@QB@ يحبهم ويحبونه @QE@ [ المائدة : 54 ] وقال : @QB@ ويحب المتطهرين @QE@ ~~[ البقرة : 222 ] . اللفظ الرابع : الكراهة قال تعالى : @QB@ كل ذلك كان ~~سيئه عند ربك مكروها @QE@ [ الإسراء : 38 ] وقال : @QB@ ولكن كره الله ~~انبعاثهم فثبطهم @QE@ [ التوبة : 46 ] قالت الأشعرية : الكراهة عبارة عن ~~يريد أن لا يفعل وقالت المعتزلة : بل هي صفة أخرى سوى الإرادة والله أعلم . ~~< # > الفصل الخامس < # > < # > في السمع والبصر : < # > قال تعالى : ^ { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } [ الشورى : 11 ] ~~وقال تعالى : ^ { لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير } ^ [ الإسراء : 1 ~~] وقال تعالى : ^ { إنني معكما أسمع وأرى } ^ [ طه : 46 ] وقال : ^ { لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر } ^ [ مريم : 42 ] وقال تعالى : ^ { لا تدركه ~~الأبصار وهو يدرك الأبصار } ^ [ الأنعام : 103 ] . < # > الفصل السادس < # > < # > في الصفات الإضافية مع السلبية < # > اعلم أن الأول هو الذي يكون سابقا على غيره ولا يسبقه غيره فكونه سابقا ~~على غيره إضافة وقولنا إنه لا يسبقه غيره فهو سلب فلفظ الأول يفيد حالة ~~متركبة من إضافة وسلب والآخر هو الذي يبقى بعد غيره ولا يبقى بعده غيره ~~والحال فيه كما تقدم أما لفظ الظاهر فهو إضافة محضة لأن معناه كونه ظاهرا ~~بحسب الدلائل وأما لفظ الباطن فهو سلب محض لأن معناه كونه خفيا بحسب ~~الماهية . ومن الأسماء الدالة على مجموع إضافة وسلب القيوم لأن هذا اللفظ ~~يدل على المبالغة في هذا المعنى وهذه المبالغة ms0165 تحصل عند اجتماع أمرين : ~~أحدهما أن لا يكون محتاجا إلى شيء سواه البتة وذلك لا يحصل إلا إذا كان ~~واجب الوجود في ذاته وفي جملة صفاته والثاني : أن يكون كل ما سواه محتاجا ~~إليه في ذواتها وفي جملة صفاتها وذلك بأن يكون مبدأ لكل ما سواه فالأول سلب ~~والثاني إضافة ومجموعهما هو القيوم . < # > الفصل السابع < # > < # > في الأسماء الدالة على الذات والصفات الحقيقية < # > < # > والإضافية والسلبية < # > فمنها قولنا الإله وهذا الاسم يفيد الكل ؛ لأنه يدل على كونه موجودا ~~وعلى كيفيات ذلك الوجود أعني كونه أزليا أبديا واجب الوجود لذاته وعلى ~~الصفات السلبية الدالة على التنزيه وعلى الصفات الإضافية الدالة على ~~الإيجاد والتكوين واختلفوا في أن هذا اللفظ هل يطلق على غير الله تعالى ؟ ~~أما كفار قريش فكانوا يطلقونه في حق الأصنام وهل يجوز ذلك في دين الإسلام ؟ ~~المشهور أنه لا يجوز وقال PageV01P121 بعضهم : إنه يجوز ؛ لأنه ورد في بعض ~~الأذكار : يا إله الآلهة وهو بعيد وأما قولنا : الله ؛ فسيأتي بيان أنه اسم ~~علم لله تعالى فهل يدل هذا الاسم على هذه الصفات ؟ فنقول : لا شك أن أسماء ~~الأعلام قائمة مقام الإشارات والمعنى : أنه تعالى لو كان بحيث يصح أن يشار ~~إليه لكان هذا الاسم قائما ؟ مقام تلك الإشارة ثم اختلفوا في أن الإشارة ~~إلى الذات المخصوصة : هل تتناول الصفات فإن قالوا : الإشارة لا تتناول ~~الصفات السلبية فوجب أن لا يدل عليها لفظ الله قلنا : الإشارة في حق الله ~~إشارة عقلية منزهة عن العلائق الحسية والإشارة العقلية قد تتناول السلوب . ~~< # > الفصل الثامن < # > < # > في الأسماء التي اختلف العقلاء فيها أنها هل هي < # > < # > من أسماء الذات أو من أسماء الصفات < # > هذا البحث إنما ظهر من المنازعة القائمة بين أهل التشبيه وأهل التنزيه ~~وذلك لأن أهل التشبيه يقولون : الموجود إما أن يكون متحيزا وإما أن يكون ~~حالا في ا لمتحيز أما الذي لا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز - فكان ~~خارجا عن القسمين - ؛ فذاك محض العدم وأما أهل التوحيد والتقديس ؛ فيقولون ~~: أما المتحيز ؛ فهو منقسم وكل ms0166 منقسم ؛ فهو محتاج فكل متحيز هو محتاج ؛ فما ~~لا يكون محتاجا امتنع أن يكون متحيزا وأما الحال في المتحيز ؛ فهو أولى ~~بالاحتياج فواجب الوجود لذاته يمتنع أن يكون متحيزا أو حالا في المتحيز . ~~إذا عرفت هذا الأصل ؛ فنقول : ههنا ألفاظ ظواهرها مشعرة بالجسمية والحصول ~~في الحيز والمكان : فمنها العظيم ؛ وذلك لأن أهل التشبيه قالوا : معناه أن ~~ذاته أعظم في الحجمية والمقدار من العرش ومن كل ما تحت العرش ومنها : ~~الكبير وما يشتق منه وهو لفظ الأكبر ولفظ الكبرياء ولفظ المتكبر . واعلم ~~أني ما رأيت أحدا من المحققين بين الفرق بينهما إلا أن الفرق حاصل في ~~التحقيق من وجوه : الأول : أنه جاء في الأخبار الإلهية أنه تعالى يقول : ~~الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فجعل الكبرياء قائما مقام الرداء والعظمة ~~قائمة مقام الإزار ومعلوم أن الرداء أرفع درجة من الإزار فوجب أن يكون صفة ~~الكبرياء أرفع حالا من صفة العظمة والثاني : أن الشريعة فرقت بين الحالين ؛ ~~فإن المعتاد في دين الإسلام أن يقال في تحريمة الصلاة : الله أكبر ولم يقل ~~أحد : الله أعظم ولولا التفاوت لما حصلت هذه التفرقة الثالث : أن الألفاظ ~~المشتقة من الكبير مذكورة في حق الله تعالى ؛ كالأكبر والمتكبر بخلاف ~~العظيم ؛ فإن لفظ المتعظم غير مذكور في حق الله . واعلم أن الله تعالى أقام ~~كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى فقال : @QB@ ولا يؤوده حفظهما وهو ~~العلي العظيم @QE@ [ البقرة : 255 ] وقال في آية أخرى : @QB@ حتى إذا فزع ~~عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير @QE@ [ سبأ : ~~32 ] إذا عرفت هذا فالمباحث السابقة مشعرة بالفرق بين العظيم وبين الكبير ~~وهاتان الآيتان مشعرتان بأنه لا فرق بينهما فهذه العقدة يجب البحث عنها ~~فنقول - ومن الله الإرشاد PageV01P122 والتعليم - : يشبه أن يكون الكبير في ~~ذاته كبيرا سواء استكبره غيره أم لا وسواء عرف هذه الصفة أحد أو لا وأما ~~العظمة ؛ فهي عبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره وإذا كان كذلك كانت الصفة ~~الأولى ذاتية والثانية عرضية والذاتي أعلى وأشرف من العرضي ms0167 فهذا هو الممكن ~~في هذا المقام والعلم عند الله . ومن الأسماء المشعرة بالجسمية والجهة ؛ ~~الألفاظ المشتقة من العلو ؛ فمنها قوله تعالى @QB@ العلي @QE@ [ البقرة : ~~255 ] ومنها قوله : @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ [ الأعلى : 1 ] ومنها ~~المتعالي ومنها : اللفظ المذكور عند الكل على سبيل الإطباق وهو أنهم كلما ~~ذكروه أردفوا ذلك الذكر بقولهم : ^ { تعالى } ^ ؛ لقوله تعالى في أول سورة ~~النحل : @QB@ سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ [ النحل : 1 ] إذا عرفت هذا ؛ ~~فالقائلون بأنه في الجهة والمكان قالوا : معنى علوه وتعاليه كونه موجودا في ~~جهة فوق ثم هؤلاء منهم من قال إنه جالس فوق العرش ومنهم من قال : إنه مباين ~~للعرش ببعد متناه ومنهم من قال : إنه مباين للعرش ببعد غير متناه وكيف كان ~~فإن المشبهة حملوا لفظ العظيم والكبير على الجسمية والمقدار وحملوا لفظ ~~العلي على العلو في المكان والجهة وأما أهل التنزيه والتقديس ؛ فإنهم حملوا ~~العظيم والكبير على وجوه لا تفيد الجسمية والمقدار : فأحدها : أنه عظيم ~~بحسب مدة الوجود وذلك لأنه أزلي أبدي وذلك هو نهاية العظمة والكبرياء في ~~الوجود والبقاء والدوام وثانيها أنه عظيم في العلم والعمل وثالثها : أنه ~~عظيم في الرحمة والحكمة ورابعها : أنه عظيم في كمال القدرة وأما العلو ؛ ~~فأهل التنزيه يحملون هذا اللفظ على كونه منزها عن صفات النقائص والحاجات . ~~إذا عرفت هذا ؛ فلفظ العظيم والكبير عند المشبهة من أسماء الذات وعند أهل ~~التوحيد من أسماء الصفات وأما لفظ العلي ؛ فعند الكل من أسماء الصفات إلا ~~أنه عند المشبهة يفيد الحصول في الحيز الذي هو العلو الأعلى وعند أهل ~~التوحيد يفيد كونه منزها عن كل ما لا يليق بالإلهية فهذا تمام البحث في هذا ~~الباب . < # > الفصل التاسع < # > < # > في الأسماء الحاصلة لله تعالى من باب الأسماء المضمرة < # > اعلم أن الأسماء المضمرة ثلاثة : أنا وأنت وهو وأعرف الأقسام الثلاثة ~~قولنا : أنا ؛ لأن هذا اللفظ لفظ يشير به كل أحد إلى نفسه وأعرف المعارف ~~عند كل أحد نفسه وأوسط هذه الأقسام قولنا : أنت ؛ لأن هذا خطاب للغير بشرط ~~كونه حاضرا فلأجل كونه خطابا ms0168 للغير يكون دون قوله أنا ولأجل أن الشرط فيه ~~كون ذلك المخاطب حاضرا يكون أعلى من قوله : هو ؛ فثبت أن أعلى الأقسام هو ~~قوله : أنا وأوسطها : أنت وأدناها : هو وكلمة التوحيد وردت بكل واحدة من ~~هذه الألفاظ أما لفظ أنا ؛ فقال في أول سورة النحل : @QB@ أن أنذروا أنه لا ~~إله إلا أنا @QE@ [ النحل : 2 ] وفي سورة طه : @QB@ إنني أنا الله لا إله ~~إلا أنا @QE@ [ طه : 14 ] وأما لفظ أنت فقد جاء في قوله : @QB@ فنادى في ~~الظلمات أن لا إله إلا أنت @QE@ [ الأنبياء : 87 ] وأما لفظ هو ؛ فقد جاء ~~كثيرا في القرآن أولها في سورة البقرة في قوله : @QB@ وإلهكم إله واحد لا ~~إله إلا هو الرحمن الرحيم @QE@ [ البقرة : 163 ] وآخرها في سورة المزمل وهو ~~قوله : @QB@ رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا @QE@ [ المزمل : ~~9 ] وأما ورود هذه الكلمة مقرونا باسم آخر سوى هذه الأربعة ؛ فهو الذي حكاه ~~الله تعالى عن فرعون أنه قال : @QB@ آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو ~~إسرائيل @QE@ [ يونس : 90 ] ثم بين الله تعالى أن تلك الكلمة ما قبلت منه . ~~إذا عرفت هذا ؛ فلنذكر أحكام هذه الأقسام فنقول : أما قوله : لا إله إلا ~~أنا ؛ فهذا الكلام لا يجوز أن يتكلم به أحد إلا الله أو من يذكره على سبيل ~~الحكاية عن الله ؛ لأن تلك الكلمة تقتضي إثبات الإلهية لذلك القائل وذلك لا ~~يليق إلا بالله - سبحانه - واعلم أن معرفة هذه الكلمة مشروطة بمعرفة قوله : ~~أنا وتلك المعرفة على سبيل التمام والكمال لا تحصل إلا للحق سبحانه وتعالى ~~؛ لأن علم كل أحد بذاته المخصوصة أكمل من علم غيره به لا سيما في حق الحق ~~تعالى فثبت أن قوله لا إله إلا أنا لم يحصل العلم به على سبيل الكمال إلا ~~للحق تعالى وأما الدرجة الثانية وهي قوله : لا إله إلا أنت ؛ فهذا يصح ذكره ~~من العبد ؛ لكن بشرط أن يكون حاضرا لا غائبا : لكن هذه الحالة إنما اتفق ~~حصولها ليونس عليه السلام عند غيبته عن ms0169 جميع حظوظ النفس وهذا تنبيه على أن ~~الإنسان ما لم يصر غائبا عن كل الحظوظ لا يصل إلى مقام المشاهدة وأما ~~الدرجة الثالثة وهي قوله : لا إله إلا هو ؛ فهذا يصح من الغائبين . واعلم ~~أن درجات الحضور مختلفة بالقرب والبعد وكمال التجلي ونقصانه وكل درجة ناقصة ~~من درجات الحضور ؛ فهي غيبة بالنسبة إلى الدرجة الكاملة ولما كانت درجات ~~الحضور غير متناهية كانت مراتب الكمالات والنقصانات غير متناهية فكانت ~~درجات الحضور والغيبة غير متناهية فكل من صدق عليه أنه حاضر فباعتبار آخر ~~يصدق عليه أنه غائب وبالعكس وعن هذا قال الشاعر : # % أيا غائبا حاضرا في الفؤاد % % سلام على الغائب الحاضر % % ويحكى أن ~~الشبلي لما قربت وفاته قال بعض الحاضرين : قل لا إله إلا الله فقال : # % كل بيت أنت حاضره % % غير محتاج إلى السرج % # % وجهك المأمول حجتنا % % يوم تأتي الناس بالحجج % % واعلم أن لفظ هو فيه ~~أسرار عجيبة وأحوال عالية فبعضها يمكن شرحه وتقريره وبيانه وبعضها لا يمكن ~~قال مصنف الكتاب : وأنا بتوفيق الله كتبت أسرارا لطيفة إلا أني كلما أقابل ~~تلك الكلمات المكتوبة بما أجده في القلب من البهجة والسعادة عند ذكر كلمة ~~هو أجد المكتوب بالنسبة إلى تلك الأحوال المشاهدة حقيرا فعند هذا عرفت أن ~~لهذه الكلمة تأثيرا عجيبا في القلب لا يصل البيان إليه ولا ينتهي الشرح ~~إليه فلنكتب ما يمكن ذكره فنقول : فيه أسرار : الأول : أن الرجل إذا قال : ~~يا هو فكأنه يقول : من أنا حتى أعرفك ومن أنا حتى أكون مخاطبا لك وما ~~للتراب ورب الأرباب وأي مناسبة بين المتولد عن النطفة والدم وبين الموصوف ~~بالأزلية والقدم ؟ فأنت أعلى من جميع المناسبات وأنت مقدس عن علائق العقول ~~والخيالات فلهذا السبب خاطبه العبد بخطاب الغائبين ؛ فقال : يا هو . ~~والفائدة الثانية : أن هذا اللفظ كما دل على إقرار العبد على نفسه بالدناءة ~~والعدم ؛ ففيه أيضا دلالة على أنه أقر بأن كل ما سوى الله تعالى ؛ فهو محض ~~العدم ؛ لأن القائل إذا قال : يا هو فلو حصل في الوجود شيئان ms0170 لكان قولنا هو ~~صالحا لهما جميعا فلا يتعين واحد منهما بسبب قوله : هو فلما قال يا هو ؛ ~~فقد حكم على PageV01P123 كل ما سوى الله تعالى بأنه عدم محض ونفي صرف كما ~~قال تعالى : ^ { كل شيء هالك إلا وجهه } ^ [ القصص : 88 ] وهذان المقامان ~~في الفناء عن كل ما سوى الله مقامان في غاية الجلال ولا يحصلان إلا عند ~~مواظبة العبد على أن يذكر الله بقوله : يا هو . والفائدة الثالثة : أن ~~العبد متى ذكر الله بشيء من صفاته لم يكن مستغرقا في معرفة الله تعالى ؛ ~~لأنه إذا قال : يا رحمن ؛ فحينئذ يتذكر رحمته فيميل طبعه إلى طلبها ؛ فيكون ~~طالبا للحصة وكذلك إذا قال : يا كريم يا محسن يا غفار يا وهاب يا فتاح وإذا ~~قال : يا ملك ؛ فحينئذ يتذكر ملكه وملكوته وما فيه من أقسام النعم فيميل ~~طبعه إليه فيطلب شيئا منها وقس عليه سائر الأسماء أما إذا قال : يا هو ؛ ~~فإنه يعرف أنه هو وهذا الذكر لا يدل على شيء غيره البتة فحينئذ يحصل في ~~قلبه نور ذكره ولا يتكدر ذلك النور بالظلمة المتولدة عن ذكر غير الله وهناك ~~يحصل في قلبه النور التام والكشف الكامل . والفائدة الرابعة : أن جميع ~~الصفات المعلومة عند الخلق إما صفات الجلال وإما صفات الإكرام أما صفات ~~الجلال ؛ فهي قولنا ليس بجسم ولا بجوهر ولا عرض ولا في المكان ولا في المحل ~~وهذا فيه دقيقة ؛ لأن من خاطب السلطان فقال : أنت لست أعمى ولست أصم ولست ~~كذا ولا كذا ويعد أنواع المعايب والنقصانات ؛ فإنه يستوجب الزجر والحجر ~~والتأديب ويقال : إن مخاطبته بنفي هذه الأشياء عنه إساءة في الأدب وأما ~~صفات الإكرام ؛ فهي كونه خالقا للمخلوقات مرتبا لها على النظم الأكمل وهذا ~~أيضا فيه دقيقة من وجهين : الأول لا شك أن كمال الخالق أعلى وأجل من كمال ~~المخلوق بمراتب لا نهاية لها فإذا شرحنا نعوت كمال الله وصفات جلاله بكونه ~~خالقا لهذه المخلوقات ؛ فقد جعلنا كمال هذه المخلوقات كالشرح والبيان لكمال ~~جلال الخالق وذلك يقتضي تعريف الكامل ms0171 المتعالي بطريق في غاية الخسة ~~والدناءة وذلك سوء أدب والثاني : أن الرجل إذا أخذ يمدح السلطان القاهر ~~بأنه أعطى الفقير الفلاني كسرة خبز أو قطرة ماء ؛ فإنه يستوجب الزجر والحجر ~~ومعلوم أن نسبة جميع عالم المخلوقات من العرش إلى آخر الخلاء الذي لا نهاية ~~له إلى ما في خزائن قدرة الله أقل من نسبة كسرة الخبز وقطرة الماء إلى جميع ~~خزائن الدنيا فإذا كان ذلك سوء أدب ؛ فهذا أولى أن يكون سوء أدب فثبت أن ~~مدح الله وثناءه بالطريقين المذكورين فيه هذه الاعتراضات إلا أن ههنا سببا ~~يرخص في ذكر هذه المدائح وهو أن النفس صارت مستغرقة في عالم الحس والخيال ؛ ~~فالإنسان إذا أراد جذبها إلى عتبة عالم القدس احتاج إلى أن ينبهها على كمال ~~الحضرة المقدسة ولا سبيل له إلى معرفة كمال الله وجلاله إلا بهذين الطريقين ~~أعني : ذكر صفات الجلال وصفات الإكرام فيواظب على هذين النوعين حتى تعرض ~~النفس عن عالم الحس وتألف الوقوف على عتبة القدس فإذا حصلت هذه الحالة ؛ ~~فعند ذلك يتنبه لما في ذينك النوعين من الذكر من الاعتراضات المذكورة وعند ~~ذلك يترك تلك الأذكار ويقول : يا هو كأن العبد يقول : أجل حضرتك أن أمدحك ~~وأثني عليك بسلب نقائص المخلوقات عنك أو بإسناد كمالات المخلوقات إليك فإن ~~كمالك أعلى وجلالك أعظم بل لا أمدحك ولا أثني عليك إلا بهويتك من حيث هي ~~ولا أخاطبك أيضا بلفظة أنت ؛ لأن تلك اللفظة تفيد التيه والكبر حيث تقول ~~الروح : إني قد بلغت مبلغا صرت كالحاضر في حضرة واجب الوجود ؛ ولكني لا ~~أزيد على قولي : هو ؛ ليكون إقرارا بأنه هو الممدوح لذاته بذاته ويكون ~~إقرارا بأن حضرته أعلى PageV01P125 وأجل من أن يناسبه حضور المخلوقات فهذه ~~الكلمة الواحدة تنبه على هذه الأسرار في مقامات التجلي والمكاشفات فلا جرم ~~كان هذا الذكر أشرف الأذكار لكن بشرط التنبيه لهذه الأسرار . الفائدة ~~الخامسة : في هذا الذكر : أن المواظبة على هذا الذكر تفيد الشوق إلى الله ~~والشوق إلى الله ألذ المقامات وأكثرها بهجة وسعادة ms0172 إنما قلنا : أن المواظبة ~~على هذا الذكر تورث الشوق إلى الله ؛ وذلك لأن كلمة هو ضمير الغائب إذا ذكر ~~هذه الكلمة علم أنه غائب عن الحق ثم يعلم أن هذه الغيبة ليست بسبب المكان ~~والجهة وإنما كانت بسبب أنه موصوف بنقصانات الحدوث والإمكان ومعيوب بعيب ~~الكون في إحاطة المكان والزمان فإذا تنبه العقل لهذه الدقيقة وعلم أن هذه ~~الصفة حاصلة في جميع الممكنات والمحدثات ؛ فعند هذا يعلم أن كل المحدثات ~~والإبداعيات غائبة عن عتبة علو الحق سبحانه وتعالى وعرف أن هذه الغيبة إنما ~~حصلت بسبب المفارقة في النقصان والكمال والحاجة والاستغناء فعند هذا يعتقد ~~أن الحق موصوف بأنواع من الكمال متعالية عن مشابهة هذه الكمالات ومقدسة عن ~~مناسبة هذه المحدثات واعتقد أن تصوره غائب عن العقل والفكر والذكر فصارت ~~تلك الكمالات مشعورا بها من وجه دون وجه والشعور بها من بعض الوجوه يشوق ~~إلى الشعور بدرجاتها ومراتبها وإذا كان لا نهاية لتلك المراتب والدرجات ؛ ~~فكذلك لا نهاية لمراتب هذا الشوق وكلما كان وصول العبد إلى مرتبة أعلى مما ~~كان أسهل ؛ كان شوقه إلى الترقي عن تلك الدرجة أقوى وأكمل فثبت أن لفظ هو ~~يفيد الشوق إلى الله تعالى وإنما قلنا : إن الشوق إلى الله أعظم المقامات ؛ ~~وذلك لأن الشوق يفيد حصول آلام ولذات متوالية متعاقبة ؛ لأن بقدر ما يصل ~~يلتذ وبقدر ما يمتنع وصوله إليه يتألم والشعور باللذة حال زوال الألم يوجب ~~مزيد الالتذاذ والابتهاج والسرور وذلك يدل على أن مقام الشوق إلى الله أعظم ~~المقامات فثبت أن المواظبة على ذكر كلمة هو تورث الشوق إلى الله تعالى وثبت ~~أن الشوق إلى الله أعظم المقامات وأكثرها بهجة وسعادة ؛ فيلزم أن يقال : ~~المواظبة على ذكر هذه الكلمة تفيد أعلى المقامات وأسنى الدرجات . الفائدة ~~السادسة : في شرح جلالة هذا الذكر : واعلم أن المقصود لا يتم إلا بذكر ~~مقدمتين : المقدمة الأولى : أن العلم على قسمين : تصور وتصديق أما التصور ؛ ~~فهو أن تحصل في النفس صورة من غير أن تحكم النفس عليها بحكم البتة ms0173 لا بحكم ~~وجودي ولا بحكم عدمي أما التصديق ؛ فهو أن يحصل في النفس صورة مخصوصة ثم إن ~~النفس تحكم عليها إما بوجود شيء أو عدمه إذا عرفت هذا فنقول : التصور مقام ~~التوحيد وأما التصديق فإنه مقام التكثير . المقدمة الثانية : أن التصور على ~~قسمين : تصور يتمكن العقل من التصرف فيه وتصور لا يمكنه التصرف فيه : أما ~~القسم الأول فهو تصور الماهيات المركبة فإنه لا يمكنه تصور الماهيات ~~المركبة إلا بواسطة استحضار ماهيات أجزاء ذلك المركب وهذا التصرف عمل وفكر ~~وتصرف من بعض الوجوه وأما القسم الثاني فهو تصور الماهيات البسيطة المنزهة ~~عن جميع جهات التركيبات فإن الإنسان لا يمكنه أن يعمل عملا يتوسل به إلى ~~استحضار . . . تلك الماهية فثبت بما ذكرنا أن التصديق يجري مجرى التكثير ~~بالنسبة إلى التصور وأن التصور توحيد بالنسبة إلى التصديق وثبت أيضا أن ~~تصور الماهية البسيطة هو النهاية في التوحيد والبعد عن الكثرة وإذا عرفت ~~هذا فنقول : قولنا في الحق سبحانه وتعالى يا هو هذا تصور محض خال عن ~~التصديق ثم إن هذا التصور تصور لحقيقة منزهة عن PageV01P126 جميع جهات ~~التركيب والكثرة فكان قولنا يا هو نهاية في التوحيد والبعد عن الكثرة وهو ~~أعظم المقامات . الفائدة السابعة : أن تعريف الشيء إما أن يكون بنفسه أو ~~بالأجزاء الداخلة فيه أو بالأمور الخارجة عنه أما القسم الأول - وهو تعريفه ~~بنفسه - فهو محال ؛ لأن المعرف سابق على المعرف فتعريف الشيء بنفسه يقتضي ~~تقدم العلم به على العلم به وذلك محال وأما القسم الثاني - وهو تعريفه ~~بالأمور الداخلة فيه - فهذا في حق الحق محال ؛ لأن هذا إنما يجري في ~~الماهية المركبة وذلك في حق الحق محال وأما القسم الثالث - وهو تعريفه ~~بالأمور الخارجة عنه - فهذا أيضا باطل محال ؛ لأن أحوال الخلق لا يناسب شيء ~~منها شيئا من أحوال القديم الواجب لذاته ؛ لأنه تعالى مخالف بذاته المخصوصة ~~وبهويته المعينة لكل ما سواه ولما كان كذلك امتنع أن تكون أحوال الخلق ~~كاشفة عن ماهية الله تعالى وحقيقته المخصوصة فإذا كان كذلك فقد ms0174 انسدت أبواب ~~التعريفات بالنسبة إلى هويته المخصوصة وماهيته المعينة فلم يبق طريق إليه ~~إلا من جهة واحدة وهو أن يوجه الإنسان حدقة عقله وروحه إلى مطلع نور تلك ~~الهوية على رجاء أنه ربما أشرق ذلك النور حال ما كانت حدقة عقله متوجهة ~~إليها فيستسعد بمطالعة ذلك النور فقول الذاكر يا هو توجيه لحدقة العقل ~~والروح إلى الحضرة القدسية على رجاء أنه ربما حصلت له تلك السعادة . ~~الفائدة الثامنة : أن الرجل إذا دخل على الملك المهيب والسلطان القاهر ووقف ~~بعقله على كمال تلك المهابة وعلى جلال تلك السلطنة فقد يصير بحيث تستولي ~~عليه تلك المهابة وتلك السلطة فيصير غافلا عن كل ما سواه حتى إنه ربما كان ~~جائعا فينسى جوعه وربما كان به ألم شديد فينسى ذلك الألم في تلك الحالة ~~وربما رأى أباه أو ابنه في تلك الحالة ولا يعرفهما وكل ذلك لأن استيلاء تلك ~~المهابة عليه أذهله عن الشعور بغيره فكذلك العبد إذا قال يا هو وتجلى لعقله ~~وروحه ذرة من نور جلال تلك الهوية وجب أن يستولي على قلبه الدهشة وعلى روحه ~~الحيرة وعلى فكره الغفله فيصير غائبا عن كل ما سوى تلك الهوية معزولا عن ~~الألتفات إلى شيء سواها وحينئذ لا يبقى معه في تلك الحالة إلا أن يقول ~~بعقله هو وبلسانه هو فإذا قال العبد هو وواظب على هذا الذكر فهذا منه تشبه ~~بتلك الحالة على رجاء أنه ربما وصل إلى تلك الحالة فنسأل الله تعالى الكريم ~~أن يسعدنا بها . الفائدة التاسعة : من فوائد هذا الذكر العالي : روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # : من جعل همومه هما واحدا كفاه الله هموم الدنيا والآخرة فكأن العبد يقول ~~: همومي في الدنيا والآخرة غير متناهية والحاجات التي هي غير متناهية لا ~~يقدر عليها إلا الموصوف بقدرة غير متناهية ورحمة غير متناهية وحكمة غير ~~متناهية فعلى هذا أنا لا أقدر على دفع حاجاتي ولا على تحصيل مهماتي بل ليس ~~القادر على دفع تلك الحاجات وعلى تحصيل تلك ms0175 المهمات إلا الله سبحانه وتعالى ~~فأنا أجعل همي مشغولا بذكره فقط ولساني مشغولا بذكره فقط فإذا فعلت ذلك فهو ~~برحمته يكفيني مهمات الدنيا والآخرة . الفائدة العاشرة : أن العقل لا يمكنه ~~الاشتغال بشيء حالة الاستغراق في العلم بشيء آخر فإذا وجه فكره إلى شيء ~~يبقى معزولا عن غيره فكأن العبد يقول : كلما استحضرت في ذهني العلم بشيء ~~فاتني في ذلك الوقت العلم بغيره فإذا كان هذا لازما فالأولى أن أجعل قلبي ~~وفكري مشغولا بمعرفة أشرف PageV01P127 المعلومات وأجعل لساني مشغولا بذكر ~~أشرف المذكورات ؛ فلهذا السبب أواظب على قوله يا هو . الفائدة الحادية عشرة ~~: أن الذكر أشرف المقامات قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى # : إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ ~~خير من ملئه . وإذا ثبت هذا فنقول : أفضل الأذكار ذكر الله بالثناء الخالي ~~عن السؤال قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى # : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين إذا عرفت هذه ~~المقدمة فنقول : العبد فقير محتاج ؛ والفقير المحتاج إذا نادى مخدومه بخطاب ~~يناسب الطلب والسؤال كان ذلك محمولا على السؤال فإذا قال الفقير للغني يا ~~كريم كان معناه أكرم وإذ قال له يا نفاع كان معناه طلب النفع وإذا قال يا ~~رحمن كان معناه ارحم فكانت هذه الأذكار جارية مجرى السؤال وقد بينا أن ~~الذكر إنما يعظم شرفه إذا كان خاليا عن السؤال والطلب أما إذا قال يا هو ~~كان معناه خاليا عن الإشعار بالسؤال والطلب فوجب أن يكون قولنا هو أعظم ~~الأذكار . ولنختم هذا الفصل بذكر شريف رأيته في بعض الكتب : يا هو يا من لا ~~هو إلا هو يا من لا إله إلا هو يا أزل يا أبد يا دهر يا ديهار يا ديهور يا ~~من هو الحي الذي لا يموت . ومن لطائف هذا الفصل أن الشيخ الغزالي رحمة الله ~~عليه كان يقول : لا إله إلا الله توحيد العوام ولا إله إلا هو توحيد الخواص ~~ولقد استحسنت ms0176 هذا الكلام وقررته بالقرآن والبرهان أما القرآن فإنه تعالى ~~قال : @QB@ ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو @QE@ [ القصص : 88 ] ثم ~~قال بعده ^ { كل شيء هالك إلا وجهه } ^ [ القصص : 88 ] معناه إلا هو فذكر ~~قوله إلا هو بعد قوله لا إله فدل ذلك على أن غاية التوحيد هي هذه الكلمة ~~وأما البرهان فهو أن من الناس من قال إن تأثير الفاعل ليس في تحقيق الماهية ~~وتكوينها بل لا تأثير له إلا في إعطاء صفة الوجود لها فقلت فالوجود أيضا ~~ماهية فوجب أن لا يكون الوجود واقعا بتأثيره فإن التزموا ذلك وقالوا الواقع ~~بتأثير الفاعل موصوفية الماهية بالوجود فنقول : تلك الموصوفية إن لم تكن ~~مفهوما مغايرا للماهية والوجود امتنع إسنادها إلى الفاعل وإن كانت مفهوما ~~مغايرا فذلك المفهوم المغاير لا بد وأن يكون له ماهية وحينئذ يعود الكلام ~~فثبت أن القول بأن المؤثر لا تأثير له في الماهيات ينفي التأثير والمؤثر ~~وينفي الصنع والصانع بالكلية وذلك باطل فثبت أن المؤثر يؤثر في الماهيات ~~فكل ما بالغير فإنه يرتفع بارتفاع الغير فلولا المؤثر لم تكن تلك الماهية ~~ماهية ولا حقيقة فبقدرته صارت الماهيات ماهيات وصارت الحقائق حقائق وقبل ~~تأثير قدرته فلا ماهية ولا وجود ولا حقيقة ولا ثبوت وعند هذا يظهر صدق ~~قولنا لا هو إلا هو أي : لا تقرر لشيء من الماهيات ولا تخصص لشيء من ~~الحقائق إلا بتقريره وتخصيصه فثبت أنه لا هو إلا هو والله أعلم . < # > الباب الثامن < # > < # > في بقية المباحث عن أسماء الله تعالى وفيه مسائل هل أسماؤه تعالى ~~توقيفية المسألة الأولى اختلف العلماء في أن أسماء الله تعالى < # > توقيفية أم اصطلاحية قال بعضهم لا يجوز إطلاق شيء من الأسماء والصفات ~~على الله تعالى إلا إذا كان واردا في القرآن والأحاديث الصحيحة وقال ~~PageV01P128 آخرون : كل لفظ دل على معنى يليق بجلال الله وصفاته فهو جائز ~~وإلا فلا وقال الشيخ الغزالي رحمة الله عليه : الاسم غير والصفة غير فاسمي ~~محمد واسمك أبو بكر فهذا من باب الأسماء ms0177 وأما الصفات فمثل وصف هذا الإنسان ~~بكونه طويلا فقيها كذا وكذا إذا عرفت هذا الفرق فيقال : أما إطلاق الاسم ~~على الله فلا يجوز إلا عند وروده في القرآن والخبر وأما الصفات فإنه لا ~~يتوقف على التوقيف . واحتج الأولون بأن قالوا : إن العالم له أسماء كثيرة ~~ثم إنا نصف الله تعالى بكونه عالما ولا نصفه بكونه طبيبا ولا فقيها ولا ~~نصفه بكونه متيقنا ولا بكونه متبينا وذلك يدل على أنه لا بد من التوقيف ~~وأجيب عنه فقيل : أما الطبيب فقد ورد ؛ # نقل أن أبا بكر لما مرض قيل له : نحضر الطبيب ؟ قال : الطبيب أمرضني وأما ~~الفقيه فهو عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه بعد دخول الشبهة فيه وهذا ~~القيد ممتنع الثبوت في حق الله تعالى وأما المتيقن فهو مشتق من يقن الماء ~~في الحوض إذا اجتمع فيه فاليقين هو العلم الذي حصل بسبب تعاقب الأمارات ~~الكثيرة وترادفها حتى بلغ المجموع إلى إفادة الجزم وذلك في حق الله تعالى ~~محال وأما التبيين فهو عبارة عن الظهور بعد الخفاء وذلك لأن التبيين مشتق ~~من البينونة والإبانة وهي عبارة عن التفريق بين أمرين متصلين فإذا حصل في ~~القلب اشتباه صورة بصورة ثم انفصلت إحداهما عن الأخرى فقد حصلت البينونة ؛ ~~فلهذا السبب سمي ذلك بيانا وتبيينا ومعلوم أن ذلك في حق الله تعالى محال . ~~واحتج القائلون بأنه لا حاجة إلى التوقيف بوجوه : الأول : أن أسماء الله ~~وصفاته مذكورة بالفارسية وبالتركية وبالهندية وأن شيئا منها لم يرد في ~~القرآن ولا في الأخبار مع أن المسلمين أجمعوا على جواز إطلاقها . الثاني : ~~أن الله تعالى قال : @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها @QE@ [ الأعراف : ~~180 ] والاسم لا يحسن إلا لدلالته على صفات المدح ونعوت الجلال فكل اسم دل ~~على هذه المعاني كان اسما حسنا فوجب جواز إطلاقه في حق الله تعالى تمسكا ~~بهذه الآية . الثالث : أنه لا فائدة في الألفاظ إلا رعاية المعاني فإذا ~~كانت المعاني صحيحة كان المنع من إطلاق اللفظة المعينة عبثا وأما الذي قاله ~~الشيخ الغزالي ms0178 رحمة الله تعالى عليه فحجته أن وضع الاسم في حق الواحد منا ~~يعد سوء أدب ففي حق الله أولى أما ذكر الصفات بالألفاظ المختلفة فهو جائز ~~في حقنا من غير منع فكذلك في حق البارىء تعالى . المسألة الثانية : اعلم ~~أنه قد ورد في القرآن ألفاظ دالة على صفات لا يمكن إثباتها في حق الله ~~تعالى ونحن نعد منها صورا فأحدها الاستهزاء قال تعالى @QB@ الله يستهزئ بهم ~~@QE@ [ البقرة : 15 ] ثم أن الاستهزاء جهل والدليل عليه أن القوم لما قالوا ~~لموسى عليه السلام @QB@ أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ~~@QE@ [ البقرة : 67 ] وثانيها المكر قال تعالى : @QB@ ومكروا ومكر الله ~~@QE@ [ آل عمران : 54 ] وثالثها الغضب قال تعالى : @QB@ وغضب الله عليهم ~~@QE@ [ الفتح : 6 ] ورابعها : التعجب قال تعالى : @QB@ بل عجبت ويسخرون ~~@QE@ [ الصافات : 12 ] فمن قرأ عجبت بضم التاء كان التعجب منسوبا إلى الله ~~والتعجب عبارة عن حالة تعرض في القلب عند الجهل بسبب الشيء . وخامسها ~~التكبر قال تعالى : @QB@ العزيز الجبار المتكبر @QE@ [ الحشر : 23 ] وهو ~~صفة ذم . وسادسها الحياء قال تعالى : @QB@ إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ~~ما @QE@ [ البقرة : 26 ] والحياء عبارة عن تغير يحصل في الوجه والقلب عند ~~فعل شيء قبيح . PageV01P129 واعلم أن القانون الصحيح في هذه الألفاظ أن ~~نقول : لكل واحد من هذه الأحوال أمور توجد معها في البداية آثار تصدر عنها ~~في النهاية مثاله أن الغضب حالة تحصل في القلب عند غليان دم القلب وسخونة ~~المزاج والأثر الحاصل منها في النهاية إيصال الضرر إلى المغضوب عليه فإذا ~~سمعت الغضب في حق الله تعالى فأحمله على نهايات الأعراض لا على بدايات ~~الأعراض وقس الباقي عليه . < # > المسألة الثالثة : < # > رأيت في بعض كتب التذكير أن لله تعالى أربعة آلاف اسم : ألف منها في ~~القرآن والأخبار الصحيحة وألف منها في التوراة وألف في الإنجيل وألف في ~~الزبور ويقال : ألف آخر في اللوح المحفوظ ولم يصل ذلك الألف إلى عالم البشر ~~وأقول : هذا غير مستبعد فإنا بينا أن أقسام صفات الله بحسب السلوب ~~والإضافات غير ms0179 متناهية ونبهنا على تقرير هذا الموضع وشرحناه شرحا بليغا بل ~~نقول : كل من كان اطلاعه على آثار حكمة الله تعالى في تدبير العالم الأعلى ~~وتدبير العالم الأسفل أكثر كان اطلاعه على أسماء الله تعالى أكثر ووقوفه ~~على الصفات الموجبة للمدح والتعظيم أكثر فمن طالع تشريح بدن الإنسان ووقف ~~فيه على ما يقرب من عشرة آلاف نوع من أنواع الرحمة والحكمة في تخليق بدن ~~الإنسان فقد حصل في عقله عشرة آلاف نوع من أسماء الله تعالى الدالة على ~~المدح والتعظيم ثم إن من وقف على العدد الذي ذكرناه من أقسام الرحمة ~~والحكمة في بدن الإنسان صار ذلك منبها للعقل على أن الذي لم يعرفه من أقسام ~~الحكمة والرحمة في تخليق هذا البدن أكثر مما عرفه وذلك [ أنه ] لما عرف أن ~~الأرواح الدماغية من العصب سبعة عرف لكل واحد منها فائدة وحكمة ثم لما عرف ~~أن كل واحد من هذه الأرواح ينقسم إلى ثلاثة أقسام أو أربعة عرف بالجبلة ~~الشديدة وجه الحكمة في كل واحد من تلك الأقسام . ثم إن العقل يعلم أن كل ~~واحد من تلك الأقسام ينقسم إلى شظايا دقيقة وكل واحدة من تلك الشظايا تنقسم ~~إلى أقسام أخر وكل واحد من تلك الأقسام يتصل بعضو معين اتصالا معينا ويكون ~~وصول ذلك القسم إلى ذلك العضو في ممر معين إلا أنها لما كثرت ودقت خرجت عن ~~ضبط العقل فثبت أن تلك العشرة آلاف تنبه العقل على أن أقسام حكمة الله ~~تعالى في تخليق هذا البدن خارج عن التعديد والتحديد والإحصاء والاستقصاء ~~كما قال تعالى : @QB@ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها @QE@ [ إبراهيم : 34 ] ~~فكل من وقف على نوع آخر من أنواع تلك الحكمة فقد وصل إلى معرفة اسم آخر من ~~أسماء الله تعالى ولما كان لا نهاية لمراتب حكمة الله تعالى ورحمته فكذلك ~~لا نهاية لأسمائه الحسنى ولصفاته العليا وذكر جالينوس في كتاب منافع ~~الأعضاء أنه لما صنف ذلك الكتاب لم يكتب فيه منافع مجمع النور قال وإنما ~~تركت كتابتها ضنة ms0180 بها لشرفها فرأيت في بعض الليالي كأن ملكا نزل من السماء ~~وقال جالينوس إن إلهك يقول : لم أخفيت حكمتي عن عبادي قال : فلما انتهيت ~~صنفت في هذا المعنى كتابا مفردا وبالغت في شرحه . فثبت بما ذكرنا أنه لا ~~نهاية لأسماء الله الحسنى . < # > المسألة الرابعة : < # > أنا نرى في كتب الطلسمات والعزائم أذكارا غير معلومة ورقي غير مفهومة ~~وكما أن تلك الألفاظ غير معلومة فقد تكون الكتابة غير معلومة وأقول : لا شك ~~أن الكتابة دالة على الألفاظ ولا شك أن الألفاظ دالة على الصور الذهنية ~~فتلك الرقي إن لم يكن فيها دلالة على شيء أصلا لم يكن فيها فائدة وإن كانت ~~دالة على شيء فدلالتها إما أن تكون على صفات الله ونعوت كبريائه وإما أن ~~تكون دالة PageV01P130 على شيء آخر : أما الثاني فإنه لا يفيد ؛ لأن ذكر ~~غير الله لا يفيد لا الترغيب ولا الترهيب فبقي أن يقال : إنها دالة على ذكر ~~الله وصفات المدح والثناء فنقول : ولما كانت أقسام ذكر الله مضبوطة ولا ~~يمكن الزيادة عليها كان أحسن أحوال تلك الكلمات أن تكون من جنس هذه الأدعية ~~وأما الاختلاف الحاصل بسبب اختلاف اللغات فقليل الأثر فوجب أن تكون هذه ~~الأذكار المعلومة أدخل في التأثير من قراءة تلك المجهولات لكن لقائل أن ~~يقول : إن نفوس أكثر الخلق ناقصة قاصرة فإذا قرؤا هذه الأذكار المعلومة ~~وفهموا ظواهرها وليست لهم نفوس قوية مشرقة إلهية لم يقو تأثرهم عن الإلهيات ~~ولم تتجرد نفوسهم عن هذه الجسمانيات فلا تحصل لنفوسهم قوة وقدرة على ~~التأثير أما إذا قرؤا تلك الألفاظ المجهولة ولم يفهموا منها شيئا وحصلت ~~عندهم أوهام أنها كلمات عالية استولى الخوف والفزع والرعب على نفوسهم فحصل ~~لهم بهذا السبب نوع من التجرد عن عالم الجسم وتوجه إلى عالم القدس وحصل ~~بهذا السبب لنفوسهم مزيد قوة وقدرة على التأثير فهذا ما عندي في قراءة هذه ~~الرقي المجهولة . < # > المسألة الخامسة : < # > أن بين الخلق وبين أسماء الله تعالى مناسبات عجيبة والعاقل لا بد وأن ~~يعتبر تلك المناسبات حتى ms0181 ينتفع بالذكر والكلام في شرح هذا الباب مبني على ~~مقدمة عقلية وهي أنه ثبت عندنا أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة بالجوهر ~~والماهية فبعضها إلهية مشرقة حرة كريمة وبعضها سفلية ظلمانية نذلة خسيسة ~~وبعضها رحيمة عظيمة الرحمة وبعضها قاسية قاهرة وبعضها قليلة الحب لهذه ~~الجسمانيات قليلة الميل إليها وبعضها محبة للرياسة والاستعلاء ومن اعتبر ~~أحوال الخلق علم أن الأمر كما ذكرناه ثم إنا نرى هذه الأحوال لازمة لجواهر ~~النفوس وأن كل من راعى أحوال نفسه علم أن له منهجا معينا وطريقا مبينا في ~~الإرادة والكراهة والرغبة والرهبة وأن الرياضة والمجاهدة لا تقلب النفوس عن ~~أحوالها الأصلية ومناهجها الطبيعية وإنما تأثير الرياضة في أن تضعف تلك ~~الأخلاق ولا تستولي على الإنسان فأما أن ينقلب من صفة أخرى فذلك محال وإليه ~~الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام # الناس معادن كمعادن الذهب والفضة وبقوله عليه الصلاة والسلام # : الأرواح جنود مجندة إذا عرفت هذا فنقول : الجنسية علة الضم فكل اسم من ~~أسماء الله تعالى دال على معنى معين فكل نفس غلب عليها ذلك المعنى كانت تلك ~~النفس شديدة المناسبة لذلك الاسم فإذا واظب على ذكر ذلك الاسم انتفع به ~~سريعا وسمعت أن الشيخ أبا النجيب البغدادي السهروردي كان يأمر المريد ~~بالأربعين مرة أو مرتين بقدر ما يراه من المصلحة ثم كان يقرأ عليه الأسماء ~~التسعة والتسعين وكان ينظر إلى وجهه فإن رآه عديم التأثر عند قراءتها عليه ~~قال له اخرج إلى السوق واشتغل بمهمات الدنيا فإنك ما خلقت لهذا الطريق وإن ~~رآه متأثرا عند سماع اسم خاص مزيد التأثر أمره بالمواظبة على ذلك الذكر ~~وأقول : هذا هو المعقول فإنه لما كانت النفوس مختلفة كان كل واحد منها ~~مناسبا لحالة مخصوصة فإذا اشتغلت تلك النفس بتلك الحالة التي تناسبها كان ~~خروجها من القوة إلى الفعل سهلا هينا يسيرا وليكن هذا آخر كلامنا في البحث ~~عن مطلق الأسماء والله الهادي . < # > الباب التاسع < # > < # > في المباحث المتعلقة بقولنا الله وفيه مسائل لفظ الجلالة علم لا مشتق < # > < # > المسألة الأولى : < # > المختار عندنا ms0182 أن هذا اللفظ اسم علم لله تعالى وأنه ليس بمشتق البتة ~~وهو قول PageV01P131 الخليل وسيبويه وقول أكثر الأصوليين والفقهاء ويدل ~~عليه وجوه وحجج : الحجة الأولى : أنه لو كان لفظا مشتقا لكان معناه معنى ~~كليا لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه لأن اللفظ المشتق لا يفيد إلا ~~أنه شيء ما مبهم حصل له ذلك المشتق منه وهذا المفهوم لا يمنع من وقوع ~~الشركة فيه بين كثيرين فثبت أن هذا اللفظ لو كان مشتقا لم يمنع وقوع الشركة ~~فيه بين كثيرين ولو كان كذلك لما كان قولنا لا إله إلا الله توحيدا حقا ~~مانعا من وقوع الشركة فيه بين كثيرين ؛ لأن بتقدير أن يكون الله لفظا مشتقا ~~كان قولنا الله غير مانع من أن يدخل تحته أشخاص كثيرة وحينئذ لا يكون قولنا ~~لا إله إلا الله موجبا للتوحيد المحض وحيث أجمع العقلاء على أن قولنا لا ~~إله إلا الله يوجب التوحيد المحض علمنا أن قولنا الله اسم علم موضوع لتلك ~~الذات المعينة وأنها ليست من الألفاظ المشتقة . الحجة الثانية : أن من أراد ~~أن يذكر ذاتا معينة ثم يذكره بالصفات فإنه يذكر اسمه أولا ثم يذكر عقيب ~~الاسم الصفات مثل أن يقول : زيد الفقيه النحوي الأصولي إذا عرفت هذا فنقول ~~: إن كل من أراد أن يذكر الله تعالى بالصفات المقدسة فإنه يذكر أولا لفظة ~~الله ثم يذكر عقيبه صفات المدائح مثل أن يقول : الله العالم القادر الحكيم ~~ولا يعكسون هذا فلا يقولون : العالم القادر الله وذلك يدل على أن قولنا ~~الله اسم علم . فإن قيل : أليس أنه تعالى قال في أول سورة إبراهيم : @QB@ ~~العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض @QE@ [ إبراهيم : ~~1 ] ؟ قلنا : ههنا قراءتان منهم من قرأ الله بالرفع وحينئذ يزول السؤال ؛ ~~لأنه لما جعله مبتدأ فقد أخرجه عن جعله صفة لما قبله وأما من قرأ بالجر فهو ~~نظير لقولنا : هذه الدار ملك للفاضل العالم زيد وليس المراد أنه جعل قوله ~~زيد صفة للعالم الفاضل بل ms0183 المعنى أنه لما قال هذه الدار ملك للعالم الفاضل ~~بقي الاشتباه في أنه من ذلك العالم الفاضل ؟ فقيل عقيبه زيد ليصير هذا ~~مزيلا لذلك الاشتباه ولما لم يلزم ههنا أن يقال اسم العلم صار صفة فكذلك في ~~هذه الآية . الحجة الثالثة : قال تعالى : @QB@ هل تعلم له سميا @QE@ [ مريم ~~: 65 ] وليس المراد من الاسم في هذه الآية الصفة وإلا لكذب قوله هل تعلم له ~~سميا فوجب أن يكون المراد اسم العلم فكل من أثبت لله اسم علم قال ليس ذاك ~~إلا قولنا الله . واحتج القائلون بأنه ليس اسم علم بوجوه وحجج : الحجة ~~الأولى : قوله تعالى : @QB@ وهو الله في السماوات @QE@ [ الأنعام : 3 ] ~~وقوله : @QB@ هو الله الذي لا إله إلا هو @QE@ [ الحشر : 22 ] فإن قوله ~~الله لا بد وأن يكون صفة ولا يجوز أن يكون اسم علم بدليل أنه لا يجوز أن ~~يقال : هو زيد في البلد وهو بكر ويجوز أن يقال : هو العالم الزاهد في البلد ~~وبهذا الطريق يعترض على قول النحويين : إن الضمير لا يقع موصوفا ولا صفة ~~وإذا ثبت كونه صفة امتنع أن يكون اسم علم . الحجة الثانية : أن اسم العلم ~~قائم مقام الإشارة فلما كانت الإشارة ممتنعة في حق الله تعالى كان اسم ~~العلم ممتنعا في حقه . الحجة الثالثة : أن اسم العلم إنما يصار إليه ليتميز ~~شخص عن شخص آخر يشبهه في الحقيقة والماهية وإذا كان هذا في حق الله ممتنعا ~~كان القول بإثبات الاسم العلم محالا في حقه . PageV01P132 والجواب عن الأول ~~لم لا يجوز أن يكون ذلك جاريا مجرى أن يقال : هذا زيد الذي لا نظير له في ~~العلم والزهد ؟ والجواب عن الثاني أن الاسم العلم هو الذي وضع لتعيين الذات ~~المعينة ولا حاجة فيه إلى كون ذلك المسمى مشارا إليه بالحس أم لا وهذا هو ~~الجواب عن الحجة الثالثة . < # > المسألة الثانية : < # > الذين قالوا : إنه اسم مشتق ذكروا فيه فروعا : الفرع الأول : أن الإله ~~هو المعبود سواء عبد بحق أو بباطل ثم غلب في عرف الشرع على المعبود ms0184 بالحق ~~وعلى هذا التفسير لا يكون إلها في الأزل . واعلم أنه تعالى هو المستحق ~~للعبادة وذلك لأنه تعالى هو المنعم بجميع النعم أصولها وفروعها وذلك لأن ~~الموجود إما واجب وإما ممكن والواجب واحد وهو الله تعالى وما سواه ممكن ~~والممكن لا يوجب إلا بالمرجح فكل الممكنات إنما وجدت بإيجاده وتكوينه إما ~~ابتداء وإما بواسطة فجميع ما حصل للعبد من أقسام النعم لم يحصل إلا من الله ~~فثبت أن غاية الإنعام صادرة من الله والعبادة غاية التعظيم فإذا ثبت هذا ~~فنقول : إن غاية التعظيم لا يليق إلا لمن صدرت عنه غاية الإنعام فثبت أن ~~المستحق للعبودية ليس إلا الله تعالى . الفرع الثاني : أن من الناس من يعبد ~~الله لطلب الثواب وهو جهل وسخف ويدل عليه وجوه : الأول : أن من عبد الله ~~ليتوصل بعبادته إلى شيء آخر كان المعبود في الحقيقة هو ذلك الشيء فمن عبد ~~الله لطلب الثواب كان معبوده في الحقيقة هو الثواب وكان الله تعالى وسيلة ~~إلى الوصول إلى ذلك المعبود وهذا جهل عظيم . الثاني : أنه لو قال : أصلي ~~لطلب الثواب أو للخوف من العقاب لم تصح صلاته . الثالث : أن من عمل عملا ~~لغرض آخر كان بحيث لو وجد ذلك الغرض بطريق آخر لترك الواسطة فمن عبد الله ~~للأجر والثواب كان بحيث لو وجد الأجر والثواب بطريق آخر لم يعبد الله ومن ~~كان كذلك لم يكن محبا لله ولم يكن راغبا في عبادة الله وكل ذلك جهل ومن ~~الناس من يعبد الله لغرض أعلى من الأول وهو أن يتشرف بخدمة الله لأنه إذا ~~شرع في الصلاة حصلت النية في القلب وتلك النية عبارة عن العلم بعزة ~~الربوبية وذلة العبودية وحصل الذكر في اللسان وحصلت الخدمة في الجوارح ~~والأعضاء فيتشرف كل جزء من أجزاء العبد بخدمة الله فمقصود العبد حصول هذا ~~الشرف . الفرع الثالث : من الناس من طعن في قول من يقول : الإله هو المعبود ~~من وجوه : الأول : أن الأوثان عبدت مع أنها ليست آلهة . الثاني : أنه تعالى ~~إله الجمادات ms0185 والبهائم مع أن صدور العبادة منها محال . الثالث : أنه تعالى ~~إله المجانين والأطفال مع أنه لا تصدر العبادة عنها . الرابع : أن المعبود ~~ليس له بكونه معبودا صفة ؛ لأنه لا معنى لكونه معبودا إلا أنه مذكور بذكر ~~ذلك الإنسان ومعلوم بعلمه ومراد خدمته بإرادته وعلى هذا التقدير فلا تكون ~~الإلهية صفة لله تعالى . الخامس يلزم أن يقال : إنه تعالى ما كان إلها في ~~الأزل . الفرع الرابع : من الناس من قال : الإله ليس عبارة عن المعبود بل ~~الإله هو الذي يستحق أن يكون معبودا وهذا القول أيضا يرد عليه أن لا يكون ~~إلها للجمادات والبهائم والأطفال والمجانين وأن لا يكون إلها في الأزل ~~ومنهم من قال : إنه القادر على أفعال لو فعلها لاستحق العبادة ممن يصح صدور ~~العبادة PageV01P133 عنه واعلم أنا إن فسرنا الإله بالتفسيرين الأولين لم ~~يكن إلها في الأزل ولو فسرناه بالتفسير الثالث كان إلها في الأزل . التفسير ~~الثاني : الإله مشتق من ألهت إلى فلان أي : سكنت إليه فالعقول لا تسكن إلا ~~إلى ذكره والأرواح لا تعرج إلا بمعرفته وبيانه من وجوه : الأول : أن الكمال ~~محبوب لذاته وما سوى الحق فهو ناقص لذاته ؛ لأن الممكن من حيث هو هو معدوم ~~والعدم أصل النقصان والناقص بذاته لا يكمل إلا بتكميل الكامل بذاته فإذا ~~كان الكامل محبوبا لذاته وثبت أن الحق كامل لذاته وجب كونه محبوبا لذاته . ~~الثاني : أن كل ما سواه فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يقف عند نفسه بل ~~يبقى متعلقا بغيره لأنه لا يوجد إلا بوجود غيره فعلى هذا كل ممكن فإنه لا ~~يقف عند نفسه بل ما لم يتعلق بالواجب لذاته لم يوجد وإذا كان الأمر كذلك في ~~الوجود الخارجي وجب أن يكون كذلك في الوجود العقلي فالعقول مترقبة إلى عتبة ~~رحمته والخواطر متمسكة بذيل فضله وكرمه وهذان الوجهان عليهما التعويل في ~~تفسير قوله تعالى : ^ { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ^ [ الرعد : 28 ] . ~~التفسير الثالث : أنه مشتق من الوله وهو ذهاب العقل واعلم أن الخلق قسمان : ~~واصلون إلى ms0186 ساحل بحر معرفته ومحرومون فالمحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة ~~وتيه الجهالة فكأنهم فقدوا عقولهم وأرواحهم وأما الواجدون فقد وصلوا إلى ~~عرصة النور وفسحة الكبرياء والجلال فتاهوا في ميادين الصمدية وبادوا في ~~عرصة الفردانية فثبت أن الخلق كلهم والهون في معرفته فلا جرم كان الإله ~~الحق للخلق هو هو وبعبارة أخرى وهي أن الأرواح البشرية تسابقت في ميادين ~~التوحيد والتمجيد فبعضها تخلفت وبعضها سبقت فالتي تخلفت بقيت في ظلمات ~~الغبار والتي سبقت وصلت إلى عالم الأنوار فالأولون بادوا في أودية الظلمات ~~والآخرون طاشوا في أنوار عالم الكرامات . التفسير الرابع : أنه مشتق من لاه ~~إذا ارتفع والحق سبحانه وتعالى وهو المرتفع عن مشابهة الممكنات ومناسبة ~~المحدثات لأن الواجب لذاته ليس إلا هو والكامل لذاته ليس إلا هو والأحد ~~الحق في هويته ليس إلا هو والموجد لكل ما سواه ليس إلا هو وأيضا فهو تعالى ~~مرتفع عن أن يقال : إن ارتفاعه بحسب المكان لأن كل ارتفاع حصل بسبب المكان ~~فهو للمكان بالذات وللمتمكن بالعرض ؛ لأجل حصوله في ذلك المكان وما بالذات ~~أشرف مما بالغير فلو كان هذا الارتفاع بسبب المكان لكان ذلك المكان أعلى ~~وأشرف من ذات الرحمن ولما كان ذلك باطلا علمنا أنه سبحانه وتعالى أعلى من ~~أن يكون علوه بسبب المكان وأشرف من أن ينسب إلى شيء مما حصل في عالم ~~الإمكان . التفسير الخامس : من أله في الشيء إذا تحير فيه ولم يهتد إليه ~~فالعبد إذا تفكر فيه تحير ؛ لأن كل ما يتخيله الإنسان ويتصوره فهو بخلافه ~~فإن أنكر العقل وجوده كذبته نفسه ؛ لأن كل ما سواه فهو محتاج وحصول المحتاج ~~بدون المحتاج إليه محال وإن أشار إلى شيء يضبطه الحس والخيال وقال إنه هو ~~كذبته نفسه أيضا ؛ لأن كل ما يضبطه الحس والخيال فأمارات الحدوث ظاهرة فيه ~~فلم يبق في يد العقل إلا أن يقر بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن ~~الإدراك فههنا العجز عن درك الإدراك إدراك ولا شك أن هذا موقف عجيب تتحير ~~العقول فيه وتضطرب الألباب ms0187 في حواشيه . PageV01P134 التفسير السادس : من ~~لاه يلوه إذا احتجب ومعنى كونه محتجبا من وجوه : الأول : أنه بكنه صمديته ~~محتجب عن العقول . الثاني : أن لو قدرنا أن الشمس كانت واقفة في وسط الفلك ~~غير متحركة كانت الأنوار باقية على الجدران غير زائله عنها فحينئذ كان يخطر ~~بالبال أن هذه الأنوار الواقعة على هذه الجدران ذاتية لها إلا لما شاهدنا ~~أن الشمس تغيب وعند غيبتها تزول هذه الأنوار عن هذه الجدران فبهذا الطريق ~~علمنا أن هذه الأنوار فائضة عن قرص الشمس فكذا ههنا الوجود الواصل إلى جميع ~~عالم المخلوقات من جناب قدرة الله تعالى كالنور الواصل من قرص الشمس فلو ~~قدرنا أنه كان يصح على الله تعالى الطلوع والغروب والغيبة والحضور لكان عند ~~غروبه يزول ضوء الوجود عن الممكنات فحينئذ كان يظهر أن نور الوجود منه لكنه ~~لما كان الغروب والطلوع عليه محالا لا جرم خطر ببال بعض الناقصين أن هذه ~~الأشياء موجودة بذواتها ولذواتها فثبت أنه لا سبب لاحتجاب نوره إلا كمال ~~نوره فلهذا قال بعض المحققين : سبحان من احتجب عن العقول بشدة ظهوره واختفى ~~عنها بكمال نوره . وإذا كان كذلك ظهر أن حقيقة الصمدية محتجبة عن العقول ~~ولا يجوز أن يقال محجوبة لأن المحجوب مقهور والمقهور يليق بالعبد أما الحق ~~فقاهر وصفة الاحتجاب صفة القهر فالحق محتجب والخلق محجوبون . التفسير ~~السابع : اشتقاقه من أله الفصيل إذا ولع بأمه والمعنى أن العباد مولهون ~~مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال ويدل عليه أمور : الأول : أن الإنسان ~~إذا وقع في بلاء عظيم وآفة قوية فهنالك ينسى كل شيء إلا الله تعالى فيقول ~~بقلبه ولسانه : يا رب يا رب فإذا تخلص عن ذلك البلاء وعاد إلى منازل الآلاء ~~والنعماء أخذ يضيف ذلك الخلاص إلى الأسباب الضعيفة والأحوال الخسيسة وهذا ~~فعل متناقض لأنه إن كان المخلص عن الآفات والموصل إلى الخيرات غير الله وجب ~~الرجوع في وقت نزول البلاء إلى غير الله وإن كان مصلح المهمات هو الله ~~تعالى في وقت البلاء وجب أن يكون ms0188 الحال كذلك في سائر الأوقات وأما الفزع ~~إليه عند الضرورات والإعراض عنه عند الراحات فلا يليق بأرباب الهدايات ~~والثاني : أن الخير والراحة مطلوب من الله والثالث : أن المحسن في الظاهر ~~إما الله أو غيره فإن كان غيره فذلك الغير لا يحسن إلا إذا خلق الله في ~~قلبه داعية الإحسان فالحق سبحانه وتعالى هو المحسن في الحقيقة والمحسن ~~مرجوع إليه في كل الأوقات والخلق مشغوفون بالرجوع إليه . شكا بعض المريدين ~~من كثرة الوسواس فقال الأستاذ : كنت حدادا عشر سنين وقصارا عشرة أخرى ~~وبوابا عشرة ثالثة فقالوا : ما رأيناك فعلت ذلك قال : فعلت ولكنكم ما رأيتم ~~أما عرفتم أن القلب كالحديد ؟ فكنت كالحداد ألينه بنار الخوف عشر سنين ثم ~~بعد ذلك شرعت في غسله عن الأوضار والأقذار عشر سنين ثم بعد هذه الأحوال ~~جلست على باب حجرة القلب عشرة أخرى سالا سيف لا إله إلا الله فلم أزل حتى ~~يخرج منه حب غير الله ولم أزل حتى يدخل فيه حب الله تعالى فلما خلت عرصة ~~القلب عن غير الله تعالى وقويت فيه محبة الله سقطت من بحار عالم الجلال ~~قطرة من النور فغرق القلب في تلك القطرة وفني عن الكل ولم يبق فيه إلا محض ~~سر لا إله إلا الله . التفسير الثامن : أن اشتقاق لفظ الإله من أله الرجل ~~يأله إذا فزع من أمر نزل به فألهه أي أجاره والمجير لكل الخلائق من كل ~~المضار هو الله سبحانه وتعالى لقوله تعالى @QB@ وهو يجير ولا يجار عليه ~~@QE@ PageV01P135 [ المؤمنون : 88 ] ولأنه هو المنعم لقوله تعالى @QB@ وما ~~بكم من نعمة فمن الله @QE@ [ النحل : 53 ] ولأنه هو المطعم لقوله تعالى : ~~@QB@ وهو يطعم ولا يطعم @QE@ [ الأنعام : 14 ] ولأنه هو الموجد لقوله تعالى ~~: @QB@ قل كل من عند الله @QE@ [ النساء : 78 ] فهو سبحانه وتعالى قهار ~~للعدم بالوجود والتحصيل جبار لها بالقوة والفعل والتكميل فكان في الحقيقة ~~هو الله ولا شيء سواه . وههنا لطائف وفوائد : الفائدة الأولى : عادة ~~المديون أنه إذا رأى صاحب الدين من البعد فإنه يفر منه والله ms0189 الكريم يقول : ~~عبادي ! أنتم غرمائي بكثرة ذنوبكم ولكن لا تفروا مني بل أقول : @QB@ ففروا ~~إلى الله @QE@ [ الذاريات : 50 ] فإني أنا الذي أقضي ديونكم وأغفر ذنوبكم ~~وأيضا الملوك يغلقون أبوابهم عن الفقراء دون الأغنياء وأنا أفعل ضد ذلك . ~~الفائدة الثانية : قال صلى الله عليه وسلم # : إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والطير ~~والبهائم والهوام فبها يتعاطفون ويتراحمون وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها ~~عباده يوم القيامة وأقول : إنه صلى الله عليه وسلم إنما ذكر هذا الكلام على ~~سبيل التفهيم وإلا فبحار الرحمة غير متناهية فكيف يعقل تحديدها بحد معين . ~~الفائدة الثالثة : قال صلى الله عليه وسلم # : إن الله عز وجل يقول يوم القيامة للمذنبين : هل أحببتم لقائي ؟ فيقولون ~~: نعم يا رب فيقول الله تعالى : ولم ؟ فيقولون : رجونا عفوك وفضلك فيقول ~~الله تعالى : إني قد أوجبت لكم مغفرتي . الفائدة الرابعة : # قال عبد الله بن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله عز ~~وجل ينشر على بعض عباده يوم القيامة تسعة وتسعين سجلا كل واحد منها مثل مد ~~البصر فيقول له : هل تنكر من هذا شيئا ؟ هل ظلمك الكرام الكاتبون ؟ فيقول : ~~لا يا رب فيقول الله تعالى : فهل كان لك عذر في عمل هذه الذنوب ؟ فيقول : ~~لا يا رب فيضع ذلك العبد قلبه على النار فيقول الله تعالى : إن لك عندي ~~حسنة وإنه لا ظلم اليوم ثم يخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد ~~أن محمدا رسول الله فيقول العبد : يا رب كيف تقع هذه البطاقة في مقابلة هذه ~~السجلات ؟ فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة أخرى فطاشت السجلات وثقلت ~~البطاقة ولا يثقل مع ذكر الله شيء . الفائدة الخامسة : وقف صبي في بعض ~~الغزوات ينادي عليه في من يزيد في يوم صائف شديد الحر فبصرت به امرأة فعدت ~~إلى الصبي وأخذته وألصقته إلى بطنها ثم ألقت ظهرها على البطحاء وأجلسته على ~~بطنها تقيه الحر وقالت : ابني ابني فبكى الناس وتركوا ms0190 ما هم فيه فأقبل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف عليهم فأخبروه الخبر فقال # : أعجبتم من رحمة هذه بابنها فإن الله تعالى أرحم بكم جميعا من هذه ~~المرأة بابنها فتفرق المسلمون على أعظم أنواع الفرح والبشارة . المسألة ~~الثالثة : في كيفية اشتقاق هذه اللفظة بحسب اللغة قال بعضهم هذه اللفظة ~~ليست عربية بل عبرانية أو سريانية فإنهم يقولون إلها رحمانا ومرحيانا فلما ~~عرب جعل الله الرحمن الرحيم وهذا بعيد ولا يلزم من المشابهة الحاصلة بين ~~اللغتين الطعن في كون هذه اللفظة عربية أصلية والدليل عليه قوله تعالى : ~~@QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ [ لقمان : 25 ] ~~وقال تعالى : ^ { هل تعلم PageV01P136 له سميا } ^ [ مريم : 65 ] وأطبقوا ~~على أن المراد منه لفظة الله وأما الأكثرون فقد سلموا كونها لفظة عربية أما ~~القائلون بأن هذا اللفظ اسم علم لله تعالى فقد تخلصوا عن هذه المباحث وأما ~~المنكرون لذلك فلهم قولان : قال الكوفيون : أصل هذه اللفظة إلاه فأدخلت ~~الألف واللام عليها للتعظيم فصار الالاه فحذفت الهمزة استثقالا لكثرة ~~جريانها على الألسنة فاجتمع لامان فأدغمت الأولى فقالوا الله وقال البصريون ~~أصله لاه فألحقوا بها الألف واللام فقيل الله وأنشدوا : # % كحلفه من أبي رباح % % يسمعها لاهه الكبار % % فأخرجه على الأصل . < # > المسألة الرابعة : < # > قال الخليل : أطبق جميع الخلق على أن قولنا الله مخصوص بالله سبحانه ~~وتعالى وكذلك قولنا الإله مخصوص به سبحانه وتعالى وأما الذين كانوا يطلقون ~~اسم الإله على غير الله فإنما كانوا يذكرونه بالإضافة كما يقال إله كذا أو ~~ينكرونه فيقولون إله كما قال الله تعالى خبرا عن قوم موسى : ^ { اجعل لنا ~~يعرشون وجاوزنا ببنى إسرءيل البحر فأتوا على قوم تجهلون } ^ [ الأعراف : ~~138 ] . < # > المسألة الخامسة : < # > اعلم أن هذا الاسم مختص بخواص لم توجد في سائر أسماء الله تعالى ونحن ~~نشير إليها ( فالخاصة الأولى ) أنك إذا حذفت الألف من قولك الله بقي الباقي ~~على صورة لله وهو مختص به سبحانه كما في قوله : ^ { ولله جنود السموات ~~والأرض } ^ [ الفتح : 4 ] ^ { ولله خزائن السموات والأرض } ^ [ المنافقون ms0191 : ~~7 ] وإن حذفت عن هذه البقية اللام الأولى بقيت البقية على صورة له كما في ~~قوله تعالى : ^ { له مقاليد السموات والأرض } ^ [ الزمر : 63 ] وقوله : ^ { ~~له الملك وله الحمد } ^ [ التغابن : 1 ] فإن حذفت اللام الباقية كانت ~~البقية هي قولنا هو وهو أيضا يدل عليه سبحانه كما في قوله : ^ { قل هو الله ~~أحد } ^ [ الإخلاص : 1 ] وقوله : ^ { هو الحي لا إله إلا هو } ^ [ غافر : ~~65 ] والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع ؛ فإنك تقول : هما هم ~~فلا تبقى الواو فيهما فهذه الخاصية موجودة في لفظ الله غير موجودة في سائر ~~الأسماء وكما حصلت هذه الخاصية بحسب اللفظ فقد حصلت أيضا بحسب المعنى فإنك ~~إذا دعوت الله بالرحمن فقد وصفته بالرحمة وما وصفته بالقهر وإذا دعوته ~~بالعليم فقد وصفته بالعلم وما وصفته بالقدرة وأما إذا قلت يا الله فقد ~~وصفته بجميع الصفات ؛ لأن الإله لا يكون إلها إلا إذا كان موصوفا بجميع هذه ~~الصفات فثبت أن قولنا الله قد حصلت له هذه الخاصية التي لم تحصل لسائر ~~الأسماء . الخاصية الثانية : أن كلمة الشهادة وهي الكلمة التي بسببها ينتقل ~~الكافر من الكفر إلى الإسلام لم يحصل فيها إلا هذا الاسم فلو أن الكافر قال ~~: أشهد أن لا إله إلا الرحمن أو إلا الرحيم أو إلا الملك أو إلا القدوس لم ~~يخرج من الكفر ولم يدخل في الإسلام أما إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله ~~فإنه يخرج من الكفر ويدخل في الإسلام وذلك يدل على اختصاص هذا الاسم بهذه ~~الخاصية الشريفة والله الهادي إلى الصواب . < # > الباب العاشر < # > < # > في البحث المتعلق بقولنا الرحمن الرحيم < # > اعلم أن الأشياء على أربعة أقسام : الذي يكون نافعا وضروريا معا والذي ~~يكون نافعا ولا يكون ضروريا والذي يكون ضروريا ولا يكون نافعا والذي لا ~~يكون نافعا ولا يكون ضروريا . أما القسم الأول - وهو الذي يكون نافعا ~~وضروريا معا - فإما أن يكون كذلك في الدنيا فقط % % وهو مثل النفس - فإنه ~~لو انقطع منك لحظة واحدة حصل الموت وإما أن يكون كذلك ms0192 في الآخرة وهو معرفة ~~الله تعالى فإنها إن زالت عن القلب لحظة واحدة مات القلب واستوجب عذاب ~~الأبد . وأما القسم الثاني - وهو الذي يكون نافعا ولا يكون ضروريا - فهو ~~كالمال في الدنيا وكسائر العلوم والمعارف في الآخرة . وأما القسم الثالث - ~~وهو الذي يكون ضروريا ولا يكون نافعا - فكالمضار التي لا بد منها في الدنيا ~~: كالأمراض والموت والفقر والهرم ولا نظير لهذا القسم في الآخرة فإن منافع ~~الآخرة لا يلزمها شيء من المضار . وأما القسم الرابع - وهو الذي لا يكون ~~نافعا ولا ضروريا - فهو كالفقر في الدنيا والعذاب في الآخرة . إذا عرفت هذا ~~فنقول : قد ذكرنا أن النفس في الدنيا نافع وضروري فلو انقطع عن الإنسان ~~لحظة لمات في الحال وكذلك معرفة الله تعالى أمر لا بد منه في الآخرة فلو ~~زالت عن القلب لحظة لمات القلب لا محالة لكن الموت الأول أسهل من الثاني ؛ ~~لأنه لا يتألم في الموت الأول إلا ساعة واحدة وأما الموت الثاني فإنه يبقى ~~ألمه أبد الآباد وكما أن التنفس له أثران : أحدهما : إدخال النسيم الطيب ~~على القلب وإبقاء اعتداله وسلامته والثاني : إخراج الهواء الفاسد الحار ~~المحترق عن القلب كذلك الفكر له أثران : أحدهما : إيصال نسيم الحجة ~~والبرهان إلى القلب وإبقاء اعتدال الإيمان والمعرفة عليه والثاني : إخراج ~~الهواء الفاسد المتولد من الشبهات عن القلب وما ذاك إلا بان يعرف أن هذه ~~المحسوسات متناهية في مقاديرها منتهية بالآخرة إلى الفناء بعد وجودها فمن ~~وقف على هذه الأحوال بقي آمنا من الآفات واصلا إلى الخيرات والمسرات وكمال ~~هذين الأمرين ينكشف لعقلك بان تعرف أن كل ما وجدته ووصلت إليه فهو قطرة من ~~بحار رحمة الله وذرة من أنوار إحسانه فعند هذا ينفتح على قلبك معرفة كون ~~الله تعالى رحمانا رحيما . فإذا أردت أن تعرف هذا المعنى على التفصيل فاعلم ~~أنك جوهر مركب من نفس وبدن وروح وجسد . أما نفسك فلا شك أنها كانت جاهلة في ~~مبدأ الفطرة كما قال تعالى : ^ { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا ms0193 وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } ^ [ النحل : 78 ] ثم ~~تأمل في مراتب القوى الحساسة والمحركة والمدركة والعاقلة وتأمل في مراتب ~~المعقولات وفي جهاتها واعلم أنه لا نهاية لها البتة ولو أن العاقل أخذ في ~~اكتساب العلم بالمعقولات وسرى فيها سريان البرق الخاطف والريح PageV01P137 ~~العاصف وبقي في ذلك السير أبد الآبدين ودهر الداهرين لكان الحاصل له من ~~المعارف والعلوم قدرا متناهيا ولكانت المعلومات التي ما عرفها ولم يصل ~~إليها أيضا غير متناهية والمتناهي في جنب غير المتناهي قليل في كثير فعند ~~هذا يظهر له أن الذي قاله الله تعالى في قوله : @QB@ وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا @QE@ [ الإسراء : 85 ] حق وصدق . وأما بدنك فاعلم أنه جوهر مركب ~~من الأخلاط الأربعة فتأمل كيفية تركيبها وتشريحها وتعرف ما في كل واحد من ~~الأعضاء والأجزاء من المنافع العالية والآثار الشريفة وحينئذ يظهر لك صدق ~~قوله تعالى : @QB@ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها @QE@ [ إبراهيم : 34 ] ~~وحينئذ ينجلي لك أثر من آثار كمال رحمته في خلقك وهدايتك فتفهم شيئا قليلا ~~من معنى قوله الرحمن الرحيم . فإن قيل : فهل لغير الله رحمة أم لا ؟ قلنا : ~~الحق أن الرحمة ليست إلا لله ثم بتقدير أن تكون لغير الله رحمة إلا أن رحمة ~~الله أكمل من رحمة غيره وههنا مقامان : المقام الأول : في بيان أنه لا رحمة ~~إلا لله فنقول : الذي يدل عليه وجوه : الأول : أن الجود هو إفادة ما ينبغي ~~لا لعوض فكل أحد غير الله فهو إنما يعطي ليأخذ عوضا إلا أن الأعواض أقسام : ~~منها جسمانية مثل أن يعطي دينارا ليأخذ كرباسا ومنها روحانية وهي أقسام : ~~فأحدها أنه يعطي المال لطلب الخدمة وثانيها يعطى المال لطلب الإعانة ~~وثالثها يعطي المال لطلب الثناء الجميل ورابعها يعطي المال لطلب الثواب ~~الجزيل وخامسها يعطي المال ليزيل حب المال عن القلب وسادسها يعطي المال ~~لدفع الرقة الجنسية عن قلبه وكل هذه الأقسام أعواض روحانية وبالجملة فكل من ~~أعطى فإنما يعطي ليفوز بواسطة ذلك العطاء بنوع من أنواع الكمال فيكون ذلك ms0194 ~~في الحقيقة معاوضة ولا يكون جودا ولا هبة ولا عطية أما الحق سبحانه وتعالى ~~فإنه كامل لذاته فيستحيل أن يعطي ليستفيد به كمالا فكان الجواد المطلق ~~والراحم المطلق هو الله تعالى . الحجة الثانية : أن كل من سوى الله فهو ~~ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد واجب الوجود لذاته فكل رحمة ~~تصدر من غير الله فهي إنما دخلت في الوجود بإيجاد الله فيكون الرحيم في ~~الحقيقة هو الله تعالى . الحجة الثالثة : أن الإنسان يمكنه الفعل والترك ~~فيمتنع رجحان الفعل على الترك إلا عند حصول داعية جازمة في القلب فعند عدم ~~حصول تلك الداعية يمتنع صدور تلك الرحمة منه وعند حصولها يجب صدور الرحمة ~~منه فيكون الراحم في الحقيقة هو الذي خلق تلك الداعية في ذلك القلب وما ذاك ~~إلا الله تعالى فيكون الراحم في الحقيقة هو الله تعالى . الحجة الرابعة : ~~هب أن فلانا يعطي الحنطة ولكن ما لم تحصل المعدة الهاضمة للطعام لم يحصل ~~الانتفاع بتلك الحنطة وهب أنه وهب البستان فما لم تحصل القوة الباصرة في ~~العين لم يحصل الانتفاع بذلك البستان بل الحق أن خالق تلك الحنطة وذلك ~~البستان هو الله تعالى والممكن من الانتفاع بهما هو الله والحافظ له عن ~~أنواع الآفات والمخافات حتى يحصل الانتفاع بتلك الأشياء هو الله تعالى فوجب ~~أن يقال : المنعم والراحم في الحقيقة هو الله تعالى . المقام الثاني : في ~~بيان أن بتقدير أن تحصل الرحمة من غير الله إلا أن رحمة الله أكمل وأعظم . ~~وبيانه من PageV01P139 وجوه : الأول : أن الإنعام يوجب علو حال المنعم ~~ودناءة حال المنعم عليه بالنسبة إلى المنعم فإذا حصل التواضع بالنسبة إلى ~~حضرة الله فذاك خير من حصول هذه الحالة بالنسبة إلى بعض الخلق . الثاني : ~~أن الله تعالى إذا أنعم عليك بنعمة طلب عندها منك عملا تتوصل به إلى ~~استحقاق نعم الآخرة فكأنه تعالى يأمرك بان تكتسب لنفسك سعادة الأبد وأما ~~غير الله فإنه إذا أنعم عليك بنعمة أمرك بالاشتغال بخدمته والانصراف إلى ~~تحصيل مقصوده ولا شك ms0195 أن الحالة الأولى أفضل . الثالث أن المنعم عليه يصير ~~كالعبد للمنعم وعبودية الله أولى من عبودية غير الله الرابع : أن السلطان ~~إذا أنعم عليك فهو غير عالم بتفاصيل أحوالك فقد ينعم عليك حال ما تكون غنيا ~~عن إنعامه وقد يقطع عنك إنعامه حال ما تكون محتاجا إلى إنعامه وأيضا فهو ~~غير قادر على الإنعام عليك في كل الأوقات وبجميع المرادات أما الحق تعالى ~~فإنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات فإذا ظهرت بك حاجة عرفها ~~وإن طلبت منه شيئا قدر على تحصيله فكان ذلك أفضل . الخامس : الإنعام يوجب ~~المنة وقبول المنة من الحق أفضل من قبولها من الخلق . فثبت بما ذكرنا أن ~~الرحمن الرحيم هو الله تعالى وبتقدير أن يحصل رحمن آخر فرحمة الله تعالى ~~أكمل وأفضل وأعلى وأجل والله أعلم . < # > الباب الحادي عشر < # > < # > في بعض النكت المستخرجة من قولنا @QB@ بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ ~~النكتة الأولى : مرض موسى عليه السلام واشتد وجع بطنه فشكا إلى الله تعالى ~~فدله على عشب في المفازة فأكل منه فعوفي بإذن الله تعالى ثم عاوده ذلك ~~المرض في وقت آخر فأكل ذلك العشب فازداد مرضه فقال يا رب أكلته أولا ~~فانتفعت به وأكلته ثانيا فازداد مرضي فقال : لأنك في المرة الأولى ذهبت مني ~~إلى الكلأ فحصل فيه الشفاء وفي المرة الثانية ذهبت منك إلى الكلأ فازداد ~~المرض أما علمت أن الدنيا كلها سم قاتل وترياقها اسمي ؟ الثانية : باتت ~~رابعة ليلة في التهجد والصلاة فلما انفجر الصبح نامت فدخل السارق دارها ~~وأخذ ثيابها ؛ وقصد الباب فلم يهتد إلى الباب فوضعها فوجد الباب ففعل ذلك ~~ثلاث مرات فنودي من زاوية البيت : ضع القماش واخرج فإن نام الحبيب فالسلطان ~~يقظان . الثالثة : كان بعض العارفين يرعى غنما وحضر في قطيع غنمة الذئاب ~~وهي لا تضر أغنامه فمر عليه رجل وناداه : متى اصطلح الذئب والغنم ؟ فقال ~~الراعي : من حين اصطلح الراعي مع الله تعالى . الرابعة : قوله { بسم الله } ~~معناه أبدأ باسم الله فأسقط منه قوله أبدأ تخفيفا فإذا قلت ms0196 بسم الله فكأنك ~~قلت أبدأ باسم الله والمقصود منه التنبيه على أن العبد من أول ما شرع في ~~العمل كان مدار أمره على التسهيل والتخفيف والمسامحة فكأنه تعالى في أول ~~كلمة ذكرها لك جعلها دليلا على الصفح والإحسان . الخامسة : روي أن فرعون ~~قبل أن يدعي الإلهية بنى قصرا وأمر أن يكتب { بسم الله } على بابه ~~PageV01P140 الخارج فلما ادعى الإلهية وأرسل إليه موسى عليه السلام ودعاه ~~فلم ير به أثر الرشد قال : إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيرا فقال تعالى : يا ~~موسى لعلك تريد إهلاكه أنت تنظر إلى كفره وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه ~~والنكتة أن من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج صار آمنا من الهلاك وإن كان ~~كافرا فالذي كتبه على سويداء قلبه من أول عمره إلى آخره كيف يكون حاله ؟ ~~السادسة : سمى نفسه رحمانا رحيما فكيف لا يرحم ؟ # روي أن سائلا وقف على باب رفيع فسأل شيئا فأعطي قليلا فجاء في اليوم ~~الثاني بفأس وأخذ يخرب الباب فقيل له : ولم تفعل ؟ قال : إما أن يجعل الباب ~~لائقا بالعطية أو العطية لائقة بالباب . إلهنا إن بحار الرحمة بالنسبة إلى ~~رحمتك أقل من الذرة بالنسبة إلى العرش فكما ألقيت في أول كتابك على عبادك ~~صفة رحمتك فلا تجعلنا محرومين عن رحمتك وفضلك . السابعة : الله إشارة إلى ~~القهر والقدرة والعلو ثم ذكر عقيبه الرحمن الرحيم وذلك يدل على أن رحمته ~~أكثر وأكمل من قهره . الثامنة : كثيرا ما يتفق لبعض عبيد الملك أنهم إذا ~~اشتروا شيئا من الخيل والبغال والحمير وضعوا عليها سمة الملك لئلا يطمع ~~فيها الأعداء فكأنه تعالى يقول : إن لطاعتك عدوا وهو الشيطان فإذا شرعت في ~~عمل فاجعل عليه سمتي وقل : بسم الله الرحمن الرحيم حتى لا يطمع العدو فيها ~~. التاسعة : اجعل نفسك قرين ذكر الله تعالى حتى لا تبعد عنه في الدارين # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دفع خاتمه إلى أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه فقال : اكتب فيه لا إله إلا ms0197 الله فدفعه إلى النقاش وقال : اكتب ~~فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله فكتب النقاش فيه ذلك فأتى أبو بكر ~~بالخاتم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى النبي فيه لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله أبو بكر الصديق فقال : يا أبا بكر ما هذه الزوائد ؟ فقال أبو بكر ~~: يا رسول الله ما رضيت أن أفرق اسمك عن اسم الله وأما الباقي فما قلته ~~وخجل أبو بكر فجاء جبريل عليه السلام وقال : يا رسول الله أما اسم أبي بكر ~~فكتبته أنا لأنه ما رضي أن يفرق اسمك عن اسم الله فما رضي الله أن يفرق ~~اسمه عن اسمك والنكتة أن أبا بكر لما لم يرض بتفريق اسم محمد صلى الله عليه ~~وسلم عن اسم الله عز وجل وجد هذه الكرامة فكيف إذا لم يفارق المرء ذكر الله ~~تعالى ؟ العاشرة : # أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة قال : @QB@ بسم الله مجراها ومرساها ~~@QE@ [ هود : 41 ] فوجد النجاة بنصف هذه الكلمة فمن واظب على هذه الكلمة ~~طول عمره كيف يبقى محروما عن النجاة ؟ # وأيضا أن سليمان عليه السلام نال مملكة الدنيا والآخرة بقوله : @QB@ إنه ~~من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ [ النمل : 30 ] فالمرجو أن ~~العبد إذا قاله فاز بملك الدنيا والآخرة . الحادية عشرة : إن قال قائل لم ~~قدم سليمان عليه السلام اسم نفسه على اسم الله تعالى في قوله : ( إنه من ~~سليمان ) فالجواب من وجوه : الأول : أن بلقيس لما وجدت ذلك الكتاب موضوعا ~~على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد واقفا على طرف الجدار ~~علمت أن ذلك الكتاب من سليمان فأخذت الكتاب وقالت : إنه من سليمان فلما ~~فتحت الكتاب ورأت بسم الله الرحمن الرحيم قالت : وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم فقوله : ( إنه من سليمان ) من كلام بلقيس لا كلام سليمان . الثاني : ~~لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب إنه من سليمان وفي داخل الكتاب ابتدأ ~~بقوله { بسم الله الرحمن الرحيم } كما هو العادة في جميع PageV01P141 الكتب ~~فلما أخذت بلقيس ms0198 ذلك الكتاب قرأت ما في عنوانه فقالت : إنه من سليمان فلما ~~فتحت الكتاب قرأت : بسم الله الرحمن الرحيم فقالت : وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم . الثالث : أن بلقيس كانت كافرة فخاف سليمان أن تشتم الله إذا نظرت ~~في الكتاب فقدم اسم نفسه على اسم الله تعالى ليكون الشتم له لا لله تعالى . ~~الثانية عشرة : الباء من بسم مشتق من البر فهو البار على المؤمنين بأنواع ~~الكرامات في الدنيا والآخرة وأجل بره وكرامته أن يكرمهم يوم القيامة برؤيته ~~. مرض لبعضهم جار يهودي قال : فدخلت عليه للعيادة وقلت له : أسلم فقال : ~~على ماذا ؟ قلت : من خوف النار قال : لا أبالي بها فقلت للفوز بالجنة فقال ~~لا أريدها قلت فماذا تريد ؟ قال : على أن يريني وجهه الكريم قلت : أسلم على ~~أن تجد هذا المطلوب فقال لي : اكتب بهذا خطا فكتبت له بذلك خطا فأسلم ومات ~~من ساعته فصلينا عليه ودفناه فرأيته في النوم كأنه يتبختر فقلت له : يا ~~شمعون ما فعل بك ربك ؟ قال : غفر لي وقال لي : أسلمت شوقا إلي . وأما السين ~~فهو مشتق من اسمه السميع يسمع دعاء الخلق من العرش إلى ما تحت الثرى . # روي أن زيد بن حارثة خرج مع منافق من مكة إلى الطائف فبلغا خربة فقال ~~المنافق ندخل ههنا ونستريح فدخلا ونام زيد فأوثق المنافق زيدا وأراد قتله ~~فقال زيد : لم تقتلني ؟ قال : لأن محمدا يحبك وأنا أبغضه فقال زيد : يا ~~رحمن أغثني فسمع المنافق صوتا يقول : ويحك لا تقتله فخرج من الخربة ونظر ~~فلم ير أحدا فرجع وأراد قتله فسمع صائحا أقرب من الأول يقول : لا تقتله ~~فنظر فلم يجد أحدا فرجع الثالثة وأراد قتله فسمع صوتا قريبا يقول : لا ~~تقتله فخرج فرأى فارسا معه رمح فضربه الفارس ضربة فقتله ودخل الخربة وحل ~~وثاق زيد وقال له : أما تعرفني ؟ أنا جبريل حين دعوت كنت في السماء السابعة ~~فقال الله عز وجل : أدرك عبدي وفي الثانية كنت في السماء الدنيا وفي ~~الثالثة بلغت إلى المنافق . وأما الميم فمعناه ms0199 أن من العرش إلى ما تحت ~~الثرى ملكه وملكه . # قال السدي : أصاب الناس قحط على عهد سليمان بن داود عليهما السلام فأتوه ~~فقالوا له : يا نبي الله لو خرجت بالناس إلى الاستسقاء فخرجوا وإذا بنملة ~~قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول : اللهم إنا خلق من خلقك ولا غني لي ~~عن فضلك قال : فصب الله تعالى عليهم المطر فقال لهم سليمان عليه السلام : ~~ارجعوا فقد استجيب لكم بدعاء غيركم . أما قوله الله فاعلموا أيها الناس أني ~~أقول طول حياتي الله فإذا مت أقول الله وإذا سئلت في القبر أقول الله وإذا ~~جئت يوم القيامة أقول الله وإذا أخذت الكتاب أقول الله وإذا وزنت أعمالي ~~أقول الله وإذا جزت الصراط أقول الله وإذا دخلت الجنة أقول الله وإذا رأيت ~~الله قلت الله . النكتة الثالثة عشرة : الحكمة في ذكر هذه الأسماء الثلاثة ~~أن المخاطبين في القرآن ثلاثة أصناف كما قال تعالى : @QB@ فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات @QE@ [ فاطر : 32 ] فقال أنا الله ~~PageV01P142 للسابقين الرحمن للمقتصدين الرحيم للظالمين وأيضا الله هو معطي ~~العطاء والرحمن هو المتجاوز عن زلات الأولياء والرحيم هو المتجاوز عن ~~الجفاء ومن كمال رحمته كانه تعالى يقول أعلم منك ما لو علمه أبواك لفارقاك ~~ولو علمته المرأة لجفتك ولو علمته الأمة لأقدمت على الفرار منك ولو علمه ~~الجار لسعى في تخريب الدار وأنا أعلم كل ذمك وأستره بكرمي لتعلم أني إله ~~كريم . الرابعة عشرة : الله يوجب ولايته قال الله تعالى : @QB@ الله ولي ~~الذين آمنوا @QE@ [ البقرة : 257 ] والرحمن يوجب محبته قال الله تعالى : ~~@QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا @QE@ [ مريم : ~~96 ] والرحيم يوجب رحمته @QB@ وكان بالمؤمنين رحيما @QE@ [ الأحزاب : 43 ] ~~. الخامسة عشرة : قال عليه الصلاة والسلام # : من رفع قرطاسا من الأرض فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالا له تعالى ~~كتب عند الله من الصديقين وخفف عن والديه وإن كانا مشركين . # وقصة بشر الحافي في هذا الباب معروفة # وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : يا أبا ms0200 هريرة إذا توضأت فقل ~~: بسم الله فإن حفظتك لا تبرح أن تكتب لك الحسنات حتى تفرغ وإذا غشيت أهلك ~~فقل : بسم الله فإن حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى تغتسل من الجنابة فإن حصل ~~من تلك الواقعة ولد كتب لك من الحسنات بعدد نفس ذلك الولد وبعدد أنفاس ~~أعقابه إن كان له عقب حتى لا يبقى منهم أحد . يا أبا هريرة ! إذا ركبت دابة ~~؛ فقل : بسم الله والحمد لله يكتب لك الحسنات بعدد كل خطوة وإذا ركبت ~~السفينة ؛ فقل : بسم الله والحمد لله يكتب لك الحسنات حتى تخرج منها # وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ستر ما بين أعين ~~الجن وعورات بني آدم إذا نزعوا ثيابهم أن يقولوا : بسم الله الرحمن الرحيم ~~والإشارة فيه أنه إذا صار هذا الاسم حجابا بينك وبين أعدائك من الجن في ~~الدنيا أفلا يصير حجابا بينك وبين الزبانية في العقبى ؟ السادسة عشرة : # كتب قيصر إلى عمر رضي الله عنه أن بي صداعا لا يسكن فابعث لي دواء فبعث ~~إليه عمر قلنسوة فكان إذا وضعها على رأسه يسكن صداعه وإذا رفعها عن رأسه ~~عاوده الصداع فعجب منه ففتش القلنسوة فإذا فيها كاغد مكتوب فيه : بسم الله ~~الرحمن الرحيم . السابعة عشرة : قال صلى الله عليه وسلم # : من توضأ ولم يذكر اسم الله تعالى كان طهورا لتلك الأعضاء ومن توضأ وذكر ~~اسم الله تعالى كان طهورا لجميع بدنه فإذا كان الذكر على الوضوء طهورا لكل ~~البدن فذكره عن صميم القلب أولى أن يكون طهورا للقلب عن الكفر والبدعة . ~~الثامنة عشرة : طلب بعضهم آية من خالد بن الوليد فقال : إنك تدعي الإسلام ~~فأرنا آية لنسلم فقال : ائتوني بالسم القاتل فأتي بطاس من السم فأخذها بيده ~~وقال : بسم الله الرحمن الرحيم وأكل الكل وقام سالما بإذن الله تعالى فقال ~~المجوس : هذا دين حق . التاسعة عشرة : # مر عيسى ابن مريم عليه السلام على قبر فرأى ملائكة العذاب يعذبون ميتا ~~فلما انصرف من حاجته مر على القبر ms0201 فرأى ملائكة الرحمة معهم أطباق من نور ~~فتعجب من ذلك فصلى ودعا الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه : يا عيسى كان ~~هذا العبد عاصيا ومذ مات كان محبوسا في عذابي وكان قد ترك امرأة حبلى فولدت ~~ولدا وربته حتى كبر فسلمته إلى الكتاب فلقنه المعلم بسم الله الرحمن الرحيم ~~فاستحييت من عبدي أن أعذبه بناري في بطن الأرض وولده يذكر اسمي على وجه ~~الأرض . PageV01P143 العشرون : # سئلت عمرة الفرغانية - وكانت من كبار العارفات - : ما الحكمة في أن الجنب ~~والحائض منهيان عن قراءة القرآن دون التسمية فقالت : لأن التسمية ذكر اسم ~~الحبيب والحبيب لا يمنع من ذكر الحبيب . الحادية والعشرون : قيل في قوله : ~~الرحيم هو تعالى رحيم بهم في ستة مواضع : في القبر وحشراته والقيامة ~~وظلماته والميزان ودرجاته وقراءة الكتاب وفزعاته والصراط ومخافاته والنار ~~ودركاته الثانية والعشرون كتب عارف بسم الله الرحمن الرحيم وأوصى أن تجعل ~~في كفنه فقيل له أي فائدة لك فيه فقال أقول يوم القيامة إلهي بعثت كتابا ~~وجعلت عنوانه بسم الله الرحمن الرحيم فعاملني بعنوان كتابك . الثالثة ~~والعشرون : قيل بسم الله الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفا وفيه فائدتان : ~~إحداهما : أن الزبانية تسعة عشر فالله تعالى يدفع بأسهم بهذه الحروف التسعة ~~عشر الثانية : خلق الله تعالى الليل والنهار أربعة وعشرين ساعة ثم فرض خمس ~~صلوات في خمس ساعات فهذه الحروف التسعة عشر تقع كفارات للذنوب التي تقع في ~~تلك الساعات التسعة عشر . الرابعة والعشرون : لما كانت سورة التوبة مشتملة ~~على الأمر بالقتال لم يكتب في أولها بسم الله الرحمن الرحيم وأيضا السنة أن ~~يقال عند الذبح : باسم الله والله أكبر ولا يقال : بسم الله الرحمن الرحيم ~~؛ لأن وقت القتال والقتل لا يليق به ذكر الرحمن الرحيم فلما وفقك لذكر هذه ~~الكلمة في كل يوم سبع عشرة مرة في الصلوات المفروضة دل ذلك على أنه ما خلقك ~~للقتل والعذاب وإنما خلقك للرحمة والفضل والإحسان والله تعالى الهادي إلى ~~الصواب . < # > الكلام في سورة الفاتحة وفي ذكر أسماء هذه السورة وفيه أبواب ms0202 : # < # > الباب الأول < # > اعلم أن هذه السورة لها أسماء كثيرة وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ~~: - فالأول : فاتحة الكتاب سميت بذلك الاسم لأنه يفتتح بها في المصاحف ~~والتعليم والقراءة في الصلاة وقيل : سميت بذلك ؛ لأن الحمد فاتحة كل كلام ~~على ما سيأتي تقريره وقيل : لأنها أول سورة نزلت من السماء . والثاني : ~~سورة الحمد والسبب فيه أن أولها لفظ الحمد . والثالث : أم القرآن والسبب ~~فيه وجوه : - الأول : أن أم الشيء أصله والمقصود من كل القرآن تقرير أمور ~~أربعة : الإلهيات والمعاد والنبوات وإثبات القضاء والقدر لله تعالى فقوله : ~~@QB@ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم @QE@ يدل على الإلهيات وقوله : ~~@QB@ مالك يوم الدين @QE@ يدل على المعاد وقوله : @QB@ إياك نعبد وإياك ~~نستعين @QE@ يدل على نفي الجبر والقدر وعلى إثبات أن الكل بقضاء الله وقدره ~~وقوله : @QB@ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين @QE@ يدل أيضا على إثبات قضاء الله وقدره وعلى النبوات ~~PageV01P144 وسيأتي شرح هذه المعاني بالاستقصاء فلما كان المقصد الأعظم من ~~القرآن هذه المطالب الأربعة وكانت هذه السورة مشتملة عليها لقبت بأم القرآن ~~. السبب الثاني لهذا الاسم : أن حاصل جميع الكتب الإلهية يرجع إلى أمور ~~ثلاثة : إما الثناء على الله باللسان وإما الاشتغال بالخدمة والطاعة وإما ~~طلب المكاشفات والمشاهدات فقوله : @QB@ الحمد لله رب العالمين الرحمن ~~الرحيم مالك يوم الدين @QE@ كله ثناء على الله وقوله : @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ اشتغال بالخدمة والعبودية إلا أن الابتداء وقع بقوله ~~@QB@ إياك نعبد @QE@ وهو إشارة إلى الجد والاجتهاد في العبودية ثم قال : ~~@QB@ وإياك نستعين @QE@ وهو إشارة إلى اعتراف العبد بالعجز والذلة والمسكنة ~~والرجوع إلى الله وأما قوله : @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ فهو طلب ~~للمكاشفات والمشاهدات وأنواع الهدايات . السبب الثالث لتسمية هذه السورة ~~بأم الكتاب : أن المقصود من جميع العلوم : إما معرفة عزة الربوبية أو معرفة ~~ذلة العبودية فقوله @QB@ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم ~~الدين @QE@ يدل على أنه هو الإله المستولي على كل أحوال الدنيا والآخرة ثم ~~من قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ إلى آخر ms0203 السورة يدل على ذل ~~العبودية فإنه يدل على أن العبد لا يتم له شيء من الأعمال الظاهرة ولا من ~~المكاشفات الباطنة إلا بإعانة الله تعالى وهدايته . السبب الرابع : أن ~~العلوم البشرية إما علم ذات الله وصفاته وأفعاله وهو علم الأصول وإما علم ~~أحكام الله تعالى وتكاليفه وهو علم الفروع وإما علم تصفية الباطن وظهور ~~الأنوار الروحانية والمكاشفات الإلهية والمقصود من القرآن بيان هذه الأنواع ~~الثلاثة وهذه السورة الكريمة مشتملة على تقرير هذه المطالب الثلاثة على ~~أكمل الوجوه : فقوله : @QB@ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم ~~الدين @QE@ إشارة إلى علم الأصول ؛ لأن الدال على وجوده وجود مخلوقاته ~~فقوله : @QB@ رب العالمين @QE@ يجري مجرى الإشارة إلى أنه لا سبيل إلى ~~معرفة وجوده إلا بكونه ربا للعالمين وقوله : @QB@ الحمد لله @QE@ إشارة إلى ~~كونه مستحقا للحمد ولا يكون مستحقا للحمد إلا إذا كان قادرا على كل ~~الممكنات عالما بكل المعلومات ثم وصفه بنهاية الرحمة - وهو كونه رحمانا ~~رحيما - ثم وصفه بكمال القدرة - وهو قوله مالك يوم الدين - حيث لا يهمل أمر ~~المظلومين بل يستوفي حقوقهم من الظالمين وعند هذا تم الكلام في معرفة الذات ~~والصفات وهو علم الأصول ثم شرع بعده في تقرير علم الفروع وهو الاشتغال ~~بالخدمة والعبودية وهو قول : @QB@ إياك نعبد @QE@ ثم مزجه أيضا بعلم الأصول ~~مرة أخرى وهو أن أداء وظائف العبودية لا يكمل إلا بإعانة الربوبية ثم شرع ~~بعده في بيان درجات المكاشفات وهي على كثرتها محصورة في أمور ثلاثة : أولها ~~: حصول هداية النور في القلب وهو المراد من قوله تعالى : @QB@ اهدنا الصراط ~~المستقيم @QE@ وثانيها : أن يتجلى له درجات الأبرار المطهرين من الذين أنعم ~~الله عليهم بالجلايا القدسية والجواذب الإلهية حتى تصير تلك الأرواح ~~القدسية كالمرايا المجلوة فينعكس الشعاع من كل واحدة منها إلى الأخرى وهو ~~قوله : @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ وثالثها : أن تبقى مصونة معصومة ~~عن أوضار الشهوات وهو قوله : @QB@ غير المغضوب عليهم @QE@ وعن أوزار ~~الشبهات وهو قوله : @QB@ ولا الضالين @QE@ فثبت أن هذه السورة مشتملة على ~~هذه الأسرار العالية ms0204 التي هي أشرف المطالب فلهذا السبب سميت بأم الكتاب كما ~~أن الدماغ يسمى أم الرأس لاشتماله على جميع الحواس والمنافع . PageV01P145 ~~السبب الخامس : # قال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب قال : سمعت أبا بكر القفال قال : ~~سمعت أبا بكر بن دريد يقول : الأم في كلام العرب الراية التي ينصبها العسكر ~~قال قيس بن الحطيم : - # % نصبنا أمنا حتى ابذعروا % % وصاروا بعد ألفتهم سلالا % % فسميت هذه ~~السورة بأم القرآن لأن مفزع أهل الإيمان إلى هذه السورة كما أن مفزع العسكر ~~إلى الراية والعرب تسمي الأرض أما ؛ لأن معاد الخلق إليها في حياتهم ~~ومماتهم ولأنه يقال : أم فلان فلانا إذا قصده . الاسم الرابع : من أسماء ~~هذه السورة السبع المثاني قال الله تعالى : ^ { ولقد آتيناك سبعاص من ~~المثاني } ^ وفي سبب تسميتها بالمثاني وجوه : الأول : أنها مثنى : نصفها ~~ثناء العبد للرب ونصفها عطاء الرب للعبد . الثاني : سميت مثاني لأنها تثنى ~~في كل ركعة من الصلاة . الثالث : سميت مثاني لأنها مستثناة من سائر الكتب ~~قال عليه الصلاة والسلام صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ما أنزل في ~~التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثل هذه السورة وإنها ~~السبع المثاني والقرآن العظيم . الرابع : سميت مثاني لأنها سبع آيات كل آية ~~تعدل قراءتها قراءة سبع من القرآن فمن قرأ الفاتحة أعطاه الله ثواب من قرأ ~~كل القرآن . الخامس : آياتها سبع وأبواب النيران سبعة فمن فتح لسانه ~~بقراءتها غلقت عنه الأبواب السبعة والدليل عليه ما # روي أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد كنت ~~أخشى العذاب على أمتك فلما نزلت الفاتحة أمنت قال : لم يا جبريل ؟ قال : ~~لأن الله تعالى قال : @QB@ وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب ~~منهم جزء مقسوم @QE@ [ الحجر : 43 ] وآياتها سبع فمن قراها صارت كل آية ~~طبقا على باب من أبواب جهنم فتمر أمتك عليها منها سالمين . السادس : سميت ~~مثاني لأنها تقرأ في الصلاة ثم إنها تثنى بسورة أخرى . السابع : سميت مثاني ~~لأنها أثنية ms0205 على الله تعالى ومدائح له . الثامن : سميت مثاني لأن الله ~~أنزلها مرتين واعلم أنا قد بالغنا في تفسير قوله تعالى : @QB@ سبعا من ~~المثاني @QE@ في سورة الحجر . الاسم الخامس : الوافية كان سفيان بن عيينة ~~يسميها بهذا الاسم قال الثعلبي : وتفسيرها أنها لا تقبل التنصيف ألا ترى أن ~~كل سورة من القرآن لو قرىء نصفها في ركعة والنصف الثاني في ركعة أخرى لجاز ~~وهذا التنصيف غير جائز في هذه السورة . الاسم السادس : الكافية : سميت بذلك ~~لأنها تكفي عن غيرها وأما غيرها فلا يكفي عنها # روي محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضا عنها . PageV01P146 ~~الاسم السابع : الأساس وفيه وجوه : - الأول : أنها أول سورة من القرآن فهي ~~كالأساس . الثاني : أنها مشتملة على أشرف المطالب كما بيناه وذلك هو الأساس ~~. الثالث : أن أشرف العبادات بعد الإيمان هو الصلاة وهذه السورة مشتملة على ~~كل ما لا بد منه في الإيمان والصلاة لا تتم إلا بها . الاسم الثامن : ~~الشفاء # عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاتحة ~~الكتاب شفاء من كل سم . ومر بعض الصحابة برجل مصروع فقرأ هذه السورة في ~~أذنه فبرىء فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هي أم القرآن وهي ~~شفاء من كل داء . وأقول : الأمراض منها روحانية ومنها جسمانية والدليل عليه ~~أنه تعالى سمى الكفر مرضا فقال تعالى : @QB@ في قلوبهم مرض @QE@ [ البقرة : ~~10 ] وهذه السورة مشتملة على معرفة الأصول والفروع والمكاشفات فهي في ~~الحقيقة سبب لحصول الشفاء في هذه المقامات الثلاثة . الاسم التاسع : الصلاة ~~قال عليه الصلاة والسلام # : يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين . والمراد هذه ~~السورة . الاسم العاشر : السؤال # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكى عن رب العزة سبحانه وتعالى أنه ~~قال : من شغله ذكري عن سؤالي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين . وقد فعل ~~الخليل عليه السلام ذلك حيث قال @QB@ الذي خلقني فهو ms0206 يهدين @QE@ [ الشعراء ~~: 78 ] إلى أن قال : @QB@ رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين @QE@ [ الشعراء ~~: 83 ] ففي هذه السورة أيضا وقعت البداءة بالثناء عليه سبحانه وتعالى وهو ~~قوله : ^ { الحمد لله - إلى قوله - مالك يوم الدين } ^ ثم ذكر العبودية وهو ~~قوله : @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ ثم وقع الختم على طلب الهداية وهو ~~قوله تعالى : @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ وهذا يدل على أن أكمل ~~المطالب هو الهداية في الدين وهو أيضا يدل على أن جنة المعرفة خير من جنة ~~النعيم لأنه تعالى ختم الكلام هنا على قوله اهدنا ولم يقل ارزقنا الجنة . ~~الاسم الحادي عشر : سورة الشكر وذلك لأنها ثناء على الله بالفضل والكرم ~~والإحسان . الاسم الثاني عشر : سورة الدعاء لاشتمالها على قوله : @QB@ ~~اهدنا الصراط المستقيم @QE@ فهذا تمام الكلام في شرح هذه الأسماء والله ~~أعلم . < # > الباب الثاني < # > < # > في فضائل هذه السورة وفيه مسائل < # > المسألة الأولى : ذكروا في كيفية نزول هذه السورة ثلاثة أقوال : الأول ~~: أنها مكية # روى الثعلبي بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : نزلت ~~فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش ثم قال الثعلبي : وعليه أكثر العلماء # وروى أيضا بإسناده عن عمرو بن شرحبيل أنه قال : أول ما نزل من القرآن ~~PageV01P147 @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أسر إلى خديجة فقال لقد : خشيت أن يكون خالطني شيء فقالت : وما ~~ذاك ؟ قال : إني إذا خلوت سمعت النداء بإقرأ ثم ذهب إلى ورقة بن نوفل وسأله ~~عن تلك الواقعة فقال له ورقة : إذا أتاك النداء فاثبت له فأتاه جبريل عليه ~~السلام وقال له : قل : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ~~وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال : بسم الله الرحمن الرحيم فقالت قريش : دق الله فاك . والقول الثاني : ~~أنها نزلت بالمدينة # روى الثعلبي بإسناده عن مجاهد أنه قال : فاتحة الكتاب أنزلت بالمدينة قال ~~الحسين بن الفضل : لكل عالم هفوة وهذه هفوة مجاهد ؛ لأن العلماء ms0207 على خلافه ~~ويدل عليه وجهان : الأول : أن سورة الحجر مكية بالاتفاق ومنها : قوله تعالى ~~: @QB@ ولقد آتيناك سبعا من المثاني @QE@ وهي : فاتحة الكتاب وهذا يدل على ~~أنه تعالى آتاه هذه السورة فيما تقدم الثاني : أنه يبعد أن يقال : إنه أقام ~~بمكة بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب . القول الثالث : قال بعض العلماء : ~~هذه السورة نزلت بمكة مرة وبالمدينة مرة أخرى فهي مكية مدنية ؛ ولهذا السبب ~~سماها الله بالمثاني ؛ لأنه ثنى إنزالها وإنما كان كذلك مبالغة في تشريفها ~~. المسألة الثانية : في بيان فضلها # عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : فاتحة الكتاب ~~شفاء من السم وعن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا فيقرأ صبي من صبيانهم في ~~المكتب @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم ~~بسببه العذاب أربعين سنة وعن الحسين قال : أنزل الله تعالى مائة وأربعة كتب ~~من السماء فأودع علوم المائة في الأربعة وهي التوراة والإنجيل والزبور ~~والفرقان ثم أودع علوم هذه الأربعة في الفرقان ثم أودع علوم الفرقان في ~~المفصل ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة فمن علم تفسير الفاتحة كان كمن علم ~~تفسير جميع كتب الله المنزلة ومن قرأها فكأنما قرأ التوراة والإنجيل ~~والزبور والفرقان . قلت : والسبب فيه أن المقصود من جميع الكتب الإلهية علم ~~الأصول والفروع والمكاشفات وقد بينا أن هذه السورة مشتملة على تمام الكلام ~~في هذه العلوم الثلاثة فلما كانت هذه المطالب العالية الشريفة حاصلة فيها ~~لا جرم كانت كالمشتملة على جميع المطالب الإلهية . المسألة الثالثة : قالوا ~~: هذه السورة لم يحصل فيها سبعة من الحروف وهي الثاء والجيم والخاء والزاي ~~والشين والظاء والفاء والسبب فيه أن هذه الحروف السبعة مشعرة بالعذاب ~~فالثاء تدل على الويل والثبور قال تعالى : @QB@ لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ~~وادعوا ثبورا كثيرا @QE@ [ الفرقان : 14 ] والجيم أول حروف اسم جهنم قال ~~تعالى : @QB@ وإن جهنم لموعدهم أجمعين @QE@ [ الحجر : 43 ] وقال تعالى : ~~@QB@ ولقد ذرأنا ms0208 لجهنم كثيرا من الجن والإنس @QE@ [ الأعراف : 179 ] وأسقط ~~الخاء لأنه يشعر بالخزي قال تعالى : @QB@ يوم لا يخزي الله النبي والذين ~~آمنوا معه @QE@ التحريم : 8 ] وقال تعالى : @QB@ إن الخزي اليوم والسوء على ~~الكافرين @QE@ [ النحل : 27 ] وأسقط الزاي والشين لأنهما أول حروف الزفير ~~والشهيق قال تعالى : ^ { لهم فيها زفير وشهيق } ^ [ هود : 106 ] وأيضا ~~الزاي تدل على الزقوم قال تعالى : @QB@ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم @QE@ [ ~~الدخان : 43 ] والشين تدل على الشقاوة قال تعالى : ^ { فأما الذين شقوا ففي ~~النار } ^ [ هود : 106 ] وأسقط الظاء لقوله : ^ { انطلقوا إلى ظل ذي ~~PageV01P148 ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب } ^ [ المرسلات : 30 ] ~~وأيضا يدل على لظى قال تعالى : ^ { كلا إنها لظى نزاعة للشوى } ^ [ المعارج ~~: 15 ] وأسقط الفاء ؛ لأنه يدل على الفراق قال تعالى : ^ { يومئذ يتفرقون } ~~^ [ الروم : 14 ] وأيضا قال : ^ { لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب ~~وقد خاب من افترى } ^ [ طه : 61 ] . فإن قالوا : لا حرف من الحروف إلا وهو ~~مذكور في شيء يوجب نوعا من العذاب فلا يبقى لما ذكرتم فائدة فنقول : ~~الفائدة فيه أنه تعالى قال في صفة جهنم : ^ { لها سبعة أبواب لكل باب منهم ~~جزء مقسوم } ^ [ الحجر : 44 ] والله تعالى أسقط سبعة من الحروف من هذه ~~السورة وهي أوائل ألفاظ دالة على العذاب تنبيها على أن من قرأ هذه السورة ~~وآمن بها وعرف حقائقها صار آمنا من الدركات السبع في جهنم والله أعلم . < # > الباب الثالث < # > < # > في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة وفيه مسائل < # > المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : ^ { الحمد لله } فكأن سائلا ~~يقول : الحمد لله منبئ عن أمرين : أحدهما : وجود الإله والثاني : كونه ~~مستحقا للحمد فما الدليل على وجود الإله وما الدليل على أنه مستحق للحمد ~~ولما توجه هذان السؤالان لا جرم ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الجواب عن ~~هذين السؤالين فأجاب عن السؤال الأول بقوله @QB@ رب العالمين @QE@ وأجاب عن ~~السؤال الثاني بقوله @QB@ الرحمن الرحيم مالك يوم الدين @QE@ أما تقرير ~~الجواب الأول ففيه مسائل : المسألة الأولى : إن علمنا بوجود الشيء إما ms0209 أن ~~يكون ضروريا أو نظريا لا جائز أن يقال العلم بوجود الإله ضروري لأنا نعلم ~~بالضرورة أنا لا نعرف وجود الإله بالضرورة فبقي أن يكون العلم نظريا والعلم ~~النظري لا يمكن تحصيله إلا بالدليل ولا دليل على وجود الإله إلا أن هذا ~~العالم المحسوس بما فيه من السموات والأرضين والجبال والبحار والمعادن ~~والنبات والحيوان محتاج إلى مدبر يدبره وموجود يوجده ومرب يربيه ومبق يبقيه ~~فكان قوله : { رب العالمين } إشارة إلى الدليل الدال على وجود الإله القادر ~~الحكيم . ثم فيه لطائف : اللطيفة الأولى : أن العالمين إشارة إلى كل ما سوى ~~الله فقوله : { رب العالمين } إشارة إلى أن كل ما سواه فهو مفتقر إليه ~~محتاج في وجوده إلى إيجاده وفي بقائه إلى إبقائه فكان هذا إشارة إلى أن كل ~~جزء لا يتجزأ وكل جوهر فرد وكل واحد من آحاد الأعراض فهو برهان باهر ودليل ~~قاطع على وجود الإله الحكيم القادر كما قال تعالى : ^ { وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } ^ [ الإسراء : 44 ] . اللطيفة الثانية ~~: أنه تعالى لم يقل الحمد لله خالق العالمين بل قال : @QB@ الحمد لله رب ~~العالمين @QE@ والسبب فيه أن الناس أطبقوا على أن الحوادث مفتقرة إلى ~~الموجد والمحدث حال حدوثها لكنهم اختلفوا في أنها حال بقائها هل تبقى ~~محتاجة إلى المبقي أم لا ؟ فقال قوم : الشيء حال بقائه يستغني عن السبب ~~والمربي هو القائم بإبقاء الشيء وإصلاح حاله حال بقائه فقوله : @QB@ رب ~~العالمين @QE@ تنبيه على أن جميع العالمين مفتقرة إليه في حال بقائها ~~والمقصود أن افتقارها إلى الموجد في حال حدوثها أمر متفق عليه أما ~~PageV01P149 افتقارها إلى المبقي والمربي حال بقائها هو الذي وقع فيه ~~الخلاف فخصه سبحانه بالذكر تنبيها على أن كل ما سوى الله ؛ فإنه لا يستغني ~~عنه لا في حال حدوثه ولا في حال بقائه . اللطيفة الثالثة : أن هذه السورة ~~مسماة بأم القرآن فوجب كونها كالأصل والمعدن وأن يكون غيرها كالجداول ~~المتشعبة منه فقوله : @QB@ رب العالمين @QE@ تنبيه على أن كل موجود سواه ؛ ~~فإنه دليل ms0210 على إلهيته . ثم إنه تعالى افتتح سورا أربعة بعد هذه السورة ~~بقوله : @QB@ الحمد لله @QE@ فأولها : سورة الأنعام وهو قوله : @QB@ الحمد ~~لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور @QE@ [ الأنعام : 1 ] ~~واعلم أن المذكور ههنا قسم من أقسام قوله : @QB@ رب العالمين @QE@ ؛ لأن ~~لفظ العالم يتناول كل ما سوى الله والسموات والأرض والنور والظلمة قسم من ~~أقسام ما سوى الله فالمذكور في أول سورة الأنعام كأنه قسم من أقسام ما هو ~~مذكور في أول سورة الفاتحة وأيضا فالمذكور في أول سورة الأنعام أنه خلق ا ~~لسماوات والأرض ؛ والمذكور في أول سورة الفاتحة كونه ربا للعالمين وقد بينا ~~أنه متى ثبت أن العالم محتاج حال بقائه إلى إبقاء الله كان القول باحتياجه ~~حال حدوثه إلى المحدث أولى أما لا يلزم من احتياجه إلى المحدث حال حدوثه ~~احتياجه إلى المبقي حال بقائه فثبت بهذين الوجهين أن المذكور في أول سورة ~~الأنعام يجري مجرى قسم من أقسام ما هو مذكور في أول سورة الفاتحة . وثانيها ~~: سورة الكهف وهو قوله : @QB@ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب @QE@ ~~والمقصود منه تربية الأرواح بالمعارف فإن الكتاب الذي أنزله على عبده سبب ~~لحصول المكاشفات والمشاهدات فكان هذا إشارة إلى التربية الروحانية فقط ~~وقوله في أول سورة الفاتحة : @QB@ رب العالمين @QE@ إشارة إلى التربية ~~العامة في حق كل العالمين ويدخل فيه التربية الروحانية للملائكة والإنس ~~والجن والشياطين والتربية الجسمانية الحاصلة في السماوات والأرضين فكان ~~المذكور في أول سورة الكهف نوعا من أنواع ما ذكره في أول الفاتحة . وثالثها ~~: سورة سبأ وهو قوله : @QB@ الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ~~@QE@ [ سبأ : 1 ] فبين في أول سورة الأنعام أن السماوات والأرض له وبين في ~~أول سورة سبأ أن الأشياء الحاصلة في السماوات والأرض له وهذا أيضا قسم من ~~الأقسام الداخلة تحت قوله : @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ . ورابعها : ~~قوله : @QB@ الحمد لله فاطر السماوات والأرض @QE@ [ فاطر : 1 ] والمذكور في ~~أول سورة الأنعام كونه خالقا لها والخلق هو التقدير والمذكور في هذه السورة ms0211 ~~كونه فاطرا لها ومحدثا لذواتها وهذا غير الأول إلا أنه أيضا قسم من الأقسام ~~الداخلة تحت قوله : @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ . ثم إنه تعالى لما ~~ذكر في سورة الأنعام كونه خالقا للسموات والأرض ذكر كونه جاعلا للظلمات ~~والنور أما في سورة الملائكة ؛ فلما ذكر كونه فاطر السماوات والأرض ذكر ~~كونه جاعلا الملائكة رسلا ففي سورة الأنعام ذكر بعد تخليق السماوات والأرض ~~جعل الأنوار والظلمات وذكر في سورة الملائكة بعد كونه فاطر السماوات والأرض ~~جعل الروحانيات وهذه أسرار عجيبة ولطائف عالية ؛ إلا أنها بأسرها تجري مجرى ~~الأنواع الداخلة تحت البحر الأعظم المذكور في قوله : @QB@ الحمد لله رب ~~العالمين @QE@ ؛ فهذا هو التنبيه على أن قوله : @QB@ رب العالمين @QE@ يجري ~~مجرى ذكر الدليل على وجود الإله القديم . PageV01P150 المسألة الثانية : أن ~~هذه الكلمة كما دلت على وجود الإله ؛ فهي أيضا مشتملة على الدلالة على كونه ~~متعاليا في ذاته عن المكان والحيز والجهة ؛ لأنا بينا أن لفظ العالمين ~~يتناول كل موجود سوى الله ومن جملة ما سوى الله المكان والزمان فالمكان ~~عبارة عن الفضاء والحيز والفراغ الممتد والزمان عبارة عن المدة التي يحصل ~~بسببها القبلية والبعدية فقوله : @QB@ رب العالمين @QE@ يدل على كونه ربا ~~للمكان والزمان وخالقا لهما وموجدا لهما ثم من المعلوم أن الخالق لا بد وأن ~~يكون سابقا وجوده على وجود المخلوق ومتى كان الأمر كذلك كانت ذاته موجودة ~~قبل حصول الفضاء والفراغ والحيز متعالية عن الجهة والحيز فلو حصلت ذاته بعد ~~حصول الفضاء في جزء من أجزاء الفضاء لانقلبت حقيقة ذاته وذلك محال فقوله : ~~@QB@ رب العالمين @QE@ يدل على تنزيه ذاته عن المكان والجهة بهذا الاعتبار ~~. المسألة الثالثة : هذه اللفظة تدل على أن ذاته منزهة عن الحلول في المحل ~~كما تقول النصارى والحلولية ؛ لأنه لما كان ربا للعالمين كان خالقا لكل ما ~~سواه والخالق سابق على المخلوق فكانت ذاته موجودة قبل كل محل فكانت ذاته ~~غنية عن كل محل فبعد وجود المحل امتنع احتياجه إلى المحل . المسألة الرابعة ~~: هذه الآية تدل على أن إله العالم ms0212 ليس موجبا بالذات بل هو فاعل مختار ~~والدليل على أن الموجب بالذات لا يستحق على شيء من أفعاله الحمد والثناء ~~والتعظيم ألا ترى أن الإنسان إذا انتفع بسخونة النار أو ببرودة الجمد فإنه ~~لا يحمد النار ولا الجمد لما أن تأثير النار في التسخين وتأثير الجمد في ~~التبريد ليس بالقدرة والاختيار بل بالطبع فلما حكم بكونه مستحقا للحمد ~~والثناء ثبت أنه فاعل بالاختيار وإنما عرفنا كونه فاعلا مختارا ؛ لأنه لو ~~كان موجبا لدامت الآثار والمعلولات بدوام المؤثر الموجب ولامتنع وقوع ~~التغير فيها وحيث شاهدنا حصول التغيرات علمنا أن المؤثر فيها قادر ~~بالاختيار لا موجب بالذات ولما كان الأمر كذلك لا جرم ثبت كونه مستحقا ~~للحمد . المسألة الخامسة : لما خلق الله العالم مطابقا لمصالح العباد ~~موافقا لمنافعهم كان الإحكام والإتقان ظاهرين في العالم الأعلى والعالم ~~الأسفل وفاعل الفعل المحكم المتقن يجب أن يكون عالما فثبت بما ذكرنا أن ~~قوله @QB@ الحمد لله @QE@ يدل على وجود الإله ويدل على كونه منزها عن الحيز ~~والمكان ويدل على كونه منزها عن الحلول في المحل ويدل على كونه في نهاية ~~القدرة ويدل على كونه في نهاية العلم ويدل على كونه في نهاية الحكمة . وأما ~~السؤال الثاني - وهو قوله : هب أنه ثبت القول بوجود الإله القادر فلم قلتم ~~إنه يستحق الحمد والثناء ؟ والجواب هو قوله @QB@ الرحمن الرحيم مالك يوم ~~الدين @QE@ وتقرير هذا الجواب أن العبد لا يخلو حاله في الدنيا عن أمرين : ~~إما أن يكون في السلامة والسعادة وإما أن يكون في الألم والفقر والمكاره ~~فإن كان في السلامة والكرامة فأسباب تلك السلامة وتلك الكرامة لم تحصل إلا ~~بخلق الله وتكوينه وإيجاده فكان رحمانا رحيما وإن كان في المكاره والآفات ~~فتلك المكاره والآفات إما أن تكون من العباد أو من الله فإن كانت من العباد ~~فالله سبحانه وتعالى وعد بأنه ينتصف للمظلومين في يوم الدين وإن كانت من ~~الله فالله تعالى وعد بالثواب الجزيل والفضل الكثير على كل ما أنزله بعباده ~~في الدنيا من المكروهات والمخافات وإذا ms0213 كان الأمر كذلك ثبت أنه لا بد وأن ~~يكون مستحقا للحمد الذي لا نهاية له والثناء الذي لا غاية له فظهر ~~PageV01P151 بالبيان الذي ذكرناه أن قوله : @QB@ الحمد لله رب العالمين ~~الرحمن الرحيم مالك يوم الدين @QE@ مرتب ترتيبا لا يمكن في العقل وجود كلام ~~أكمل وأفضل منه . واعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الصفات المعتبرة في ~~الربوبية أردفه بالكلام المعتبر في العبودية واعلم أن الإنسان مركب من جسد ~~ومن روح والمقصود من الجسد أن يكون آلة للروح في اكتساب الأشياء النافعة ~~للروح فلا جرم كان أفضل أحوال الجسد أن يكون آتيا بأعمال تعين الروح على ~~اكتساب السعادات الروحانية الباقية وتلك الأعمال هي أن يكون الجسد آتيا ~~بأعمال تدل على تعظيم المعبود وخدمته وتلك الأعمال هي العبادة فأحسن أحوال ~~العبد في هذه الدنيا أن يكون مواظبا على العبادات وهذه أول درجات سعادة ~~الإنسان وهو المراد بقوله : { إياك نعبد } فإذا واظب على هذه الدرجة مدة ~~فعند هذا يظهر له شيء من أنوار عالم الغيب وهو أنه وحده لا يستقل بالإتيان ~~بهذه العبادة والطاعات بل ما لم يحصل له توفيق الله تعالى وإعانته وعصمته ~~فإنه لا يمكنه الإتيان بشيء من العبادات والطاعات وهذا المقام هو الدرجة ~~الوسطى في الكمالات وهو المراد من قوله : @QB@ وإياك نستعين @QE@ ثم إذا ~~تجاوز عن هذا المقام لاح له أن الهداية لا تحصل إلا من الله وأنوار ~~المكاشفات والتجلي لا تحصل إلا بهداية الله وهو المراد من قوله : @QB@ ~~اهدنا الصراط المستقيم @QE@ وفيه لطائف . اللطيفة الأولى : أن المنهج الحق ~~في الاعتقادات وفي الأعمال هو الصراط المستقيم أما في الاعتقادات فبيانه من ~~وجوه : ( الأول ) : أن من توغل في التنزيه وقع في التعطيل ونفي الصفات ومن ~~توغل في الإثبات وقع في التشبيه وإثبات الجسمية والمكان فهما طرفان معوجان ~~والصراط المستقيم الإقرار الخالي عن التشبيه والتعطيل ( والثاني ) : أن من ~~قال فعل العبد كله منه فقد وقع في القدر ومن قال لا فعل للعبد فقد وقع في ~~الجبر وهما طرفان معوجان والصراط المستقيم إثبات ms0214 الفعل للعبد مع الإقرار ~~بان الكل بقضاء الله وأما في الأعمال فنقول : من بالغ في الأعمال الشهوانية ~~وقع في الفجور ومن بالغ في تركها وقع في الجمود والصراط المستقيم هو الوسط ~~وهو العفة وأيضا من بالغ في الأعمال الغضبية وقع في التهور ومن بالغ في ~~تركها وقع في الجبن والصراط المستقيم هو الوسط وهو الشجاعة . اللطيفة ~~الثانية : أن ذلك الصراط المستقيم وصفه بصفتين أولاهما إيجابية والأخرى ~~سلبية أما الإيجابية فكون ذلك الصراط صراط الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأما السلبية فهي أن تكون بخلاف صراط ~~الذين فسدت قواهم العملية بارتكاب الشهوات حتى استوجبوا غضب الله عليهم ~~وبخلاف صراط الذين فسدت قواهم النظرية حتى ضلوا عن العقائد الحقية والمعارف ~~اليقينية . اللطيفة الثالثة : قال بعضهم : إنه لما قال @QB@ اهدنا الصراط ~~المستقيم @QE@ لم يقتصر عليه بل قال : @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ ~~وهذا يدل على أن المريد لا سبيل له إلى الوصول إلى مقامات الهداية ~~والمكاشفة إلا إذا اقتدى بشيخ يهديه إلى سواء السبيل ويجنبه عن مواقع ~~الأغاليط والأضاليل وذلك لأن النقص غالب على أكثر الخلق وعقولهم غير وافيه ~~بإدراك الحق وتمييز الصواب عن الغلط فلا بد من كامل يقتدي به الناقص حتى ~~يتقوى عقل ذلك الناقص بنور عقل ذلك الكامل ؛ فحينئذ يصل إلى مدارج السعادات ~~ومعارج الكمالات . PageV01P152 وقد ظهر بما ذكرنا أن هذه السورة وافية ~~ببيان ما يجب معرفته من عهد الربوبية وعهد العبودية المذكورين في قوله ~~تعالى @QB@ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم @QE@ [ البقرة : 40 ] . المسألة ~~الثانية : في تقرير مشرع آخر من لطائف هذه السورة : اعلم أن أحوال هذا ~~العالم ممزوجة بالخير والشر والمحبوب والمكروه وهذه المعاني ظاهرة لا شك ~~فيها إلا أن نقول : الشر وإن كان كثيرا إلا أن الخير أكثر والمرض وإن كان ~~كثيرا إلا أن الصحة أكثر منه والجوع وإن كان كثيرا إلا أن الشبع أكثر منه ~~وإذا كان الأمر كذلك فكل عاقل اعتبر أحوال نفسه فإنه يجدها دائما في ~~التغيرات والانتقال من حال إلى حال ثم ms0215 إنه يجد الغالب في تلك التغيرات هو ~~السلامة والكرامة والراحة والبهجة أما الأحوال المكروهة فهي وإن كانت كثيرة ~~إلا أنها أقل من أحوال اللذة والبهجة والراحة إذا عرفت هذا فنقول إن تلك ~~التغيرات لأجل أنها تقتضي حدوث أمر بعد عدمه تدل على وجود الإله القادر ~~ولأجل أن الغالب فيها الراحة والخير تدل على أن ذلك الإله رحيم محسن كريم ~~أما دلالة التغيرات على وجود الإله فلأن الفطرة السليمة تشهد بأن كل شيء ~~وجد بعد العدم فإنه لا بد له من سبب ولذلك فإنا إذا سمعنا أن بيتا حدث بعد ~~أن لم يكن فإن صريح العقل شاهد بأنه لا بد من فاعل تولى بناء ذلك البيت ولو ~~أن إنسانا شككنا فيه لم نتشكك فإنه لا بد وأن يكون فاعل تلك الأحوال ~~المتغيرة قادرا إذ لو كان موجبا بالذات لدام الأثر بدوامه فحدوث الأثر بعد ~~عدمه يدل على وجود مؤثر قادر وأما دلالة تلك التغيرات على كون المؤثر رحيما ~~محسنا ؛ فلأنا بينا أن الغالب في تلك التغيرات هو الراحة والخير والبهجة ~~والسلامة ومن كان غالب أفعاله راحة وخيرا وكرامة وسلامة كان رحيما محسنا ~~ومن كان كذلك كان مستحقا للحمد ولما كانت هذه الأحوال معلومة لكل أحد ~~وحاضرة في عقل كل أحد عاقل كان موجب حمد الله وثنائه حاضرا في عقل كل أحد ؛ ~~فلهذا السبب علمهم كيفية الحمد فقال ( الحمد لله ) ولما نبه على هذا المقام ~~نبه على مقام آخر أعلى وأعظم من الأول وكأنه قيل : لا ينبغي أن تعتقد أن ~~الإله الذي اشتغلت بحمده هو إلهك فقط بل هو إله كل العالمين وذلك لأنك إنما ~~حكمت بافتقار نفسك إلى الإله لما حصل فيك من الفقر والحاجة والحدوث ~~والإمكان وهذه المعاني قائمة في كل العالمين فإنها محل الحركات والسكنات ~~وأنواع التغيرات فتكون علة احتياجك إلى الإله المدبر قائمة فيها وإذا حصل ~~الاشتراك في العلة وجب أن يحصل الاشتراك في المعلول فهذا يقتضي كونه ربا ~~للعالمين وإلها للسموات والأرضين ومدبرا لكل الخلائق أجمعين ولما ms0216 تقرر هذا ~~المعنى ظهر أن الموجود الذي يقدر على خلق هذه العوالم على عظمتها ويقدر على ~~خلق العرش والكرسي والسموات والكواكب لا بد وأن يكون قادرا على إهلاكها ولا ~~بد وأن يكون غنيا عنها فهذا القادر القاهر الغني يكون في غاية العظمة ~~والجلال وحينئذ يقع في قلب العبد أني مع نهاية ذلتي وحقارتي كيف يمكنني أن ~~أتقرب إليه وبأي طريق أتوسل إليه فعند هذا ذكر الله ما يجري مجرى العلاج ~~الموافق لهذا المرض فكأنه قال : أيها العبد الضعيف أنا وإن كنت عظيم القدرة ~~والهيبة والإلهية إلا أني مع ذلك عظيم الرحمة فأنا الرحمن الرحيم وأنا مالك ~~يوم الدين فما دمت في هذه الحياة الدنيا لا أخليك عن أقسام رحمتي وأنواع ~~نعمتي وإذا مت فأنا مالك يوم الدين لا أضيع عملا من أعمالك فإن أتيتني ~~بالخير قابلت الخير الواحد بما لا نهاية له من الخيرات وإن أتيتني بالمعصية ~~قابلتها بالصفح والإحسان والمغفرة . PageV01P153 ثم لما قرر أمر الربوبية ~~بهذا الطريق أمره بثلاثة أشياء : أولها : مقام الشريعة وهو أن يواظب على ~~الأعمال الظاهرة وهو قوله @QB@ إياك نعبد @QE@ وثانيها : مقام الطريقة وهو ~~أن يحاول السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فيرى عالم الشهادة كالمسخر ~~لعالم الغيب فيعلم أنه لا يتيسر له شيء من الأعمال الظاهرة إلا بمدد يصل ~~إليه من عالم الغيب وهو قوله @QB@ وإياك نستعين @QE@ وثالثها : أنه يشاهد ~~عالم الشهادة معزولا بالكلية ويكون الأمر كله لله وحينئذ يقول : اهدنا ~~الصراط المستقيم . ثم إن ههنا دقيقة وهي أن الروح الواحد يكون أضعف قوة من ~~الأرواح الكثيرة المجتمعة على تحصيل مطلوب واحد فحينئذ علم العبد أن روحه ~~وحده لا يكفي في طلب هذا المقصود فعند هذا أدخل روحه في زمرة الأرواح ~~المقدسة المطهرة المتوجهة إلى طلب المكاشفات الروحانية والأنوار الربانية ~~حتى إذا اتصل بها وانخرط في سلكها صار الطلب أقوى والاستعداد أتم فحينئذ ~~يفوز في تلك الجمعية بما لا يقدر على الفوز به حال الوحدة فلهذا قال : @QB@ ~~صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ . ثم لما بين ms0217 أن الاتصال بالأرواح المطهرة ~~يوجب مزيد القوة والاستعداد ؛ بين أيضا أن الاتصال بالأرواح الخبيثة يوجب ~~الخيبة والخسران والخذلان والحرمان فلهذا قال : @QB@ غير المغضوب عليهم ~~@QE@ وهم الفساق : @QB@ ولا الضالين @QE@ وهم الكفار . ولما تمت هذه ~~الدرجات الثلاث وكملت هذه المقامات الثلاثة أعني الشريعة المدلول عليها ~~بقوله إياك نعبد والطريقة المدلول عليها بقوله وإياك نستعين والحقيقة ~~المدلول عليها بقوله اهدنا الصراط المستقيم - ثم لما حصل الاستسعاد ~~بالاتصال بأرباب الصفاء والاستكمال بسبب المباعدة عن أرباب الجفاء والشقاء ~~فعند هذا كملت المعارج البشرية والكمالات الإنسانية . المسألة الثالثة : في ~~تقرير مشرع آخر من لطائف هذه السورة : اعلم أن الإنسان خلق محتاجا إلى جر ~~الخيرات واللذات ودفع المكروهات والمخافات ثم إن هذا العالم عالم الأسباب ~~فلا يمكنه تحصيل الخيرات واللذات إلا بواسطة أسباب معينة ولا يمكنه دفع ~~الآفات والمخافات إلا بواسطة أسباب معينة ولما كان جلب النفع ودفع الضرر ~~محبوبا بالذات وكان استقراء أحوال هذا العلم يدل على أنه لا يمكن تحصيل ~~الخير ولا دفع الشر إلا بتلك الأسباب المعينة ثم تقرر في العقول أن ما لا ~~يمكن الوصول إلى المحبوب إلا بواسطته فهو محبوب - صار هذا المعنى سببا ~~لوقوع الحب الشديد لهذه الأسباب الظاهرة وإذا علم أنه لا يمكنه الوصول إلى ~~الخيرات واللذات إلا بواسطة خدمة الأمير والوزير والأعوان والأنصار بقي ~~الإنسان متعلق القلب بهذه الأشياء شديد الحب لها عظيم الميل والرغبة إليها ~~ثم قد ثبت في العلوم الحكمية أن كثرة الأفعال سبب لحدوث الملكات الراسخة ~~وثبت أيضا أن حب التشبه غالب على طباع الخلق . أما الأول فكل من واظب على ~~صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف مدة مديدة صارت تلك الحرفة والصناعة ملكة ~~راسخة قوية وكلما كانت المواظبة عليها أكثر كانت الملكة أقوى وأرسخ وأما ~~الثاني فهو أن الإنسان إذا جالس الفساق مال طبعة إلى الفسق وما ذاك إلا لأن ~~الأرواح جبلت على حب المحاكاة وإذا عرفت هذا فنقول : إنا بينا أن استقراء ~~حال الدنيا يوجب تعلق القلب بهذه الأسباب الظاهرة التي بها يمكن التوسل ms0218 إلى ~~جر المنافع ودفع المضار وبينا أنه كلما كانت مواظبة الإنسان عليها أكثر كان ~~استحكام هذا الميل PageV01P154 والطلب في قلبه أقوى وأثبت وأيضا فأكثر أهل ~~الدنيا موصوفون بهذه الصفة مواظبون على هذه الحالة . وبينا أن النفوس ~~مجبولة على حب المحاكاة وذلك أيضا يوجب استحكام هذه الحالة . فقد ظهر ~~بالبينات التي ذكرناها أن الأسباب الموجبة لحب الدنيا والمرغبة في التعلق ~~بأسبابها كثيرة قوية شديدة جدا ثم نقول : إنه إذا اتفق للإنسان هداية إلهية ~~تهديه إلى سواء السبيل وقع في قلبه أن يتأمل في هذه الأسباب تأملا شافيا ~~وافيا فيقول : هذا الأمير المستولي على هذا العالم استولى على الدنيا بفرط ~~قوته وكمال حكمته أم لا ؟ الأول باطل لأن ذلك الأمير ربما كان أكثر الناس ~~عجزا وأقلهم عقلا فعند هذا يظهر له أن تلك الإمارة والرياسة ما حصلت له ~~بقوته وما هيئت له بسبب حكمته وإنما حصلت تلك الإمارة والرياسة لأجل قسمة ~~قسام وقضاء حكيم علام لا دافع لحكمه ولا مرد لقضائه ثم ينضم إلى هذا النوع ~~من الاعتبار أنواع أخرى من الاعتبارات تعاضدها وتقويها فعند حصول هذه ~~المكاشفة ينقطع قلبه عن الأسباب الظاهرة وينتقل منها إلى الرجوع في كل ~~المهمات والمطلوبات إلى مسبب الأسباب ومفتح الأبواب ثم إذا توالت هذه ~~الاعتبارات وتواترت هذه المكاشفات صار الإنسان بحيث كلما وصل إليه نفع وخير ~~قال هو النافع وكلما وصل إليه شر ومكروه قال هو الضار وعند هذا لا يحمد ~~أحدا على فعل إلا الله ولا يتوجه قلبه في طلب أمر من الأمور إلا إلى الله ~~فيصير الحمد كله لله والثناء كله لله فعند هذا يقول العبد الحمد لله . ~~واعلم أن الاستقراء المذكور يدل العبد على أن أحوال هذا العالم لا تنتظم ~~إلا بتقدير الله ثم يترقى من العالم الصغير إلى العالم الكبير فيعلم أنه لا ~~تنتظم حالة من أحوال العالم الأكبر إلا بتقدير الله وذلك هو قوله : @QB@ رب ~~العالمين @QE@ ثم إن العبد يتأمل في أحوال العالم الأعلى فيشاهد أن أحوال ~~العالمين منظومة على الوصف ms0219 الأتقن والترتيب الأقوم والكمال الأعلى والمنهج ~~الأسنى فيرى الذرات ناطقة بالإقرار بكمال رحمته وفضله وإحسانه فعند ذلك ~~يقول : @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ فعند هذا يظهر للعبد أن جميع مصالحة في ~~الدنيا إنما تهيأت برحمة الله وفضله وإحسانه ثم يبقى العبد متعلق القلب ~~بسبب أنه كيف يكون حاله بعد الموت فكأنه يقال : مالك يوم الدين ليس إلا ~~الذي عرفته بأنه الرحمن الرحيم فحينئذ ينشرح صدر العبد وينفسح قلبه ويعلم ~~أن المتكفل بإصلاح مهماته في الدنيا والآخرة ليس إلا الله وحينئذ ينقطع ~~التفاته عما سوى الله ولا يبقى متعلق القلب بغير الله ثم إن العبد حين كان ~~متعلق القلب بالأمير والوزير كان مشغولا بخدمتهما وبعد الفراغ من تلك ~~الخدمة كان يستعين في تحصيل المهمات بهما وكان يطلب الخير منهما فعند زوال ~~ذلك التعلق يعلم أنه لما كان مشتغلا بخدمة الأمير والوزير فلأن يشتغل بخدمة ~~المعبود كان أولى فعند هذا يقول : إياك نعبد والمعنى إني كنت قبل هذا ~~أستعين بغيرك وأما الآن فلا أستعين بأحد سواك ولما كان يطلب المال والجاه ~~اللذين هما على شفا حفرة الانقراض والانقضاء من الأمير والوزير فلأن يطلب ~~الهداية والمعرفة من رب السماء والأرض أولى فيقول : اهدنا الصراط المستقيم ~~ثم إن أهل الدنيا فريقان : أحدهما : الذين لا يعبدون أحدا إلا الله ولا ~~يستعينون إلا بالله ولا يطلبون الأغراض والمقاصد إلا من الله والفرقة ~~الثانية : الذين يخدمون الخلق ويستعينون بهم ويطلبون الخير منهم فلا جرم ~~العبد يقول : إلهي اجعلني في زمرة الفرقة PageV01P155 الأولى وهم الذين ~~أنعمت عليهم بهذه الأنوار الربانية والجلايا النورانية ولا تجعلني في زمرة ~~الفرقة الثانية وهم المغضوب عليهم والضالون فإن متابعة هذه الفرقة لا تفيد ~~إلا الخسار والهلاك كما قال إبراهيم عليه السلام # : لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ؟ ! والله أعلم . < # > الباب الرابع < # > < # > في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه السورة < # > المسألة الأولى : أجمع الأكثرون على أن القراءة واجبة في الصلاة وعن ~~الأصم والحسن بن صالح أنها لا تجب . لنا أن كل دليل نذكره ms0220 في بيان أن قراءة ~~الفاتحة واجبة ؛ فهو يدل على أن أصل القراءة واجب ونزيد ههنا وجوها : الأول ~~: قوله تعالى : ^ { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر } ^ ~~[ الإسراء : 78 ] والمراد بالقرآن : القراءة والتقدير : أقم قراءة الفجر ~~وظاهر الأمر للوجوب . الثاني : # عن أبي الدرداء : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أفي ~~الصلاة قراءة ؟ فقال : نعم فقال السائل : وجبت فأقر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك الرجل على قوله : وجبت . الثالث : عن ابن مسعود أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل : أيقرأ في الصلاة ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام - # : أتكون صلاة بغير قراءة ! وهذان الخبران نقلتهما من تعليق الشيخ أبي ~~حامد الإسفرايني . حجة الأصم قوله - عليه الصلاة والسلام - # : صلوا كما رأيتموني أصلي جعل الصلاة من الأشياء المرئية والقراءة ليست ~~بمرئية فوجب كونها خارجة عن الصلاة والجواب : أن الرؤية إذا كانت متعدية ~~إلى مفعولين كانت بمعنى العلم . المسألة الثانية : قال الشافعي - رحمه الله ~~- : قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة فإن ترك منها حرفا واحدا وهو يحسنها لم ~~تصح صلاته وبه قال الأكثرون وقال أبو حنيفة : لا تجب قراءة الفاتحة . لنا ~~وجوه : الأول : أنه - عليه الصلاة والسلام - واظب طول عمره على قراءة ~~الفاتحة في الصلاة ؛ فوجب أن يجب علينا ذلك ؛ لقوله تعالى : @QB@ واتبعوه ~~@QE@ [ الأعراف : 158 ] ؛ ولقوله : @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره @QE@ ~~[ النور : 63 ] ؛ ولقوله تعالى : @QB@ فاتبعوني يحببكم الله @QE@ [ آل ~~عمران : 31 ] ويا للعجب من أبي حنيفة ! أنه تمسك في وجوب مسح الناصية بخبر ~~واحد وذلك ما رواه المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه في أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - مسح على الناصية فجعل ذلك القدر من المسح شرطا لصحة ~~الصلاة وههنا نقل أهل العلم نقلا متواترا أنه - عليه الصلاة والسلام - واظب ~~طول عمره على قراءة الفاتحة ثم قال : إن صحة الصلاة غير موقوفة عليها وهذا ~~من العجائب . الحجة الثانية : قوله تعالى : @QB@ أقيموا الصلاة @QE@ [ ~~البقرة : 43 ] والصلاة ms0221 لفظة مفردة محلاة بالألف واللام فيكون المراد منها ~~المعهود السابق وليس عند المسلمين معهود سابق من لفظ الصلاة إلا الأعمال ~~التي كان PageV01P156 رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بها : وإذا كان ~~كذلك كان قوله # : أقيموا الصلاة جاريا مجرى قوله # : أقيموا الصلاة التي كان يأتي بها الرسول والتي أتى بها الرسول - عليه ~~الصلاة والسلام - هي الصلاة المشتملة على الفاتحة فيكون قوله : أقيموا ~~الصلاة أمرا بقراءة الفاتحة وظاهر الأمر الوجوب ثم إن هذه اللفظة تكررت في ~~القرآن أكثر من مائة مرة ؛ فكان ذلك دليلا قاطعا على وجوب قراءة الفاتحة في ~~الصلاة . الحجة الثالثة : أن الخلفاء الراشدين واظبوا على قراءتها طول ~~عمرهم ويدل عليه أيضا ما # روي في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله ~~عنهما كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين وإذا ثبت هذا وجب أن ~~يجب علينا ذلك ؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - # : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ؛ ولقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - # : اقتدوا باللذين من بعدي : أبي بكر وعمر والعجب من أبي حنيفة رضي الله ~~عنه أنه تمسك في مسألة طلاق الفار بأثر عثمان مع أن عبد الرحمن وعبد الله ~~بن الزبير كانا يخالفانه ونص القرآن أيضا يوجب عدم الإرث فلم لم يتمسك بعمل ~~كل الصحابة على سبيل الإطباق والاتفاق على وجوب قراءة الفاتحة مع أن هذا ~~القول على وفق القرآن والإخبار والمعقول ؟ الحجة الرابعة : أن الأمة وإن ~~اختلفت في أنه : هل تجب قراءة الفاتحة أم لا ؛ لكنهم اتفقوا عليه في العمل ~~؛ فإنك لا ترى أحدا من المسلمين في المشرق والمغرب إلا ويقرأ الفاتحة في ~~الصلاة إذا ثبت هذا ؛ فنقول : إن من صلى ولم يقرأ الفاتحة كان تاركا سبيل ~~المؤمنين فيدخل تحت قوله : ^ { ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وساءت مصيرا } ^ [ النساء : 115 ] ؛ فإن قالوا : إن الذين ~~اعتقدوا أنه لا يجب قراءتها قرأوها لا على اعتقاد الوجوب بل على اعتقاد ~~الندبية فلم يحصل الإجماع على وجوب قراءتها فنقول : أعمال ms0222 الجوارح غير ~~أعمال القلوب ونحن قد بينا إطباق الكل على الإتيان بالقراءة فمن لم يأت ~~بالقراءة كان تاركا طريقة المؤمنين في هذا العمل فدخل تحت الوعيد وهذا ~~القدر يكفينا في الدليل ولا حاجة بنا في تقرير هذا الدليل إلى ادعاء ~~الإجماع في اعتقاد الوجوب . الحجة الخامسة : # الحديث المشهور وهو أنه - سبحانه وتعالى - قال : قسمت الصلاة بيني وبين ~~عبدي نصفين فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ؛ يقول الله - تعالى - ~~: حمدني عبدي إلى آخر الحديث وجه الاستدلال أنه تعالى حكم على كل صلاة ~~بكونها بينه وبين العبد نصفين ثم بين أن هذا التنصيف لم يحصل إلا بسبب آيات ~~هذه السورة ؛ فنقول : الصلاة لا تنفك عن هذا التنصيف وهذا التنصيف لا يحصل ~~إلا بسبب هذه السورة ولازم اللازم لازم فوجب كون هذه السورة من لوازم ~~الصلاة وهذا اللزوم لا يحصل إلا إذا قلنا قراءة الفاتحة شرط لصحة الصلاة . ~~الحجة السادسة : قوله عليه الصلاة والسلام # : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب : قالوا : حرف النفي دخل على الصلاة وذلك ~~غير ممكن فلا بد من صرفه إلى حكم من أحكام الصلاة وليس صرفه إلى الصحة أولى ~~من صرفه إلى الكمال والجواب من وجوه : الأول : أنه جاء في بعض الروايات : ~~لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وعلى هذه الرواية فالنفي ما دخل على ~~الصلاة وإنما دخل على حصولها للرجل وحصولها للرجل عبارة عن انتفاعه بها ~~وخروجه عن عهدة التكليف بسببها وعلى هذا التقدير فإنه يمكن إجراء النفي على ~~ظاهره . الثاني : من اعتقد أن قراءة الفاتحة جزء من أجزاء ماهية الصلاة ~~فعند عدم قراءة الفاتحة لا توجد PageV01P157 ماهية الصلاة لأن الماهية ~~يمتنع حصولها حال عدم بعض أجزائها وإذا ثبت هذا فقولهم إنه لا يمكن إدخال ~~حرف النفي على مسمى الصلاة إنما يصح لو ثبت أن الفاتحة ليست جزءا من الصلاة ~~وهذا هو أول المسألة فثبت أن على قولنا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره . ~~الثالث : هب أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره إلا أنهم أجمعوا ms0223 على ~~أنه متى تعذر العمل بالحقيقة وحصل للحقيقة مجازان أحدهما أقرب إلى الحقيقة ~~والثاني أبعد فإنه يجب حمل اللفظ على المجاز الأقرب إذا ثبت هذا فنقول : ~~المشابهة بين المعدوم وبين الموجود الذي لا يكون صحيحا أتم من المشابهة بين ~~المعدوم وبين الموجود الذي يكون صحيحا لكنه لا يكون كاملا فكان حمل اللفظ ~~على نفي الصحة أولى . الوجه الرابع : أن الحمل على نفي الصحة أولى لوجوه : ~~أحدها : أن الأصل إبقاء ما كان على ما كان والثاني : أن جانب الحرمة راجح ~~والثالث : أن هذا أحوط . الحجة السابعة : # عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كل صلاة لم يقرا ~~فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام قالوا : الخداج هو النقصان وذلك لا ~~يدل على عدم الجواز قلنا : بل هذا يدل على عدم الجواز ؛ لأن التكليف ~~بالصلاة قائم والأصل في الثابت البقاء خالفنا هذا الأصل عند الإتيان ~~بالصلاة على صفة الكمال فعند الإتيان بها على سبيل النقصان وجب أن لا نخرج ~~عن العهدة والذي يقوي هذا أن عند أبي حنيفة يصح الصوم في يوم العيد إلا أنه ~~لو صام يوم العيد قضاء عن رمضان لم يصح قال : لأن الواجب عليه هو الصوم ~~الكامل والصوم في هذا اليوم ناقص فوجب أن لا يفيد هذا القضاء الخروج عن ~~العهدة وإذا ثبت هذا فنقول : فلم لم يقل بمثل هذا الكلام في هذا المقام . ~~الحجة الثامنة : نقل الشيخ أبو حامد في تعليقه عن ابن المنذر أنه روى ~~بإسناده # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تجزىء ~~صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب . والحجة التاسعة : # روى رفاعة بن مالك أن رجلا دخل المسجد وصلى فلما فرغ من صلاته وذكر الخبر ~~إلى أن قال الرجل : علمني الصلاة يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام : ~~إذا توجهت إلى القبلة فكبر واقرأ بفاتحة الكتاب . وجه الدليل أن هذا أمر ~~والأمر للوجوب وأيضا الرجل قال : علمني الصلاة فكل ما ذكره الرسول صلى ms0224 الله ~~عليه وسلم وجب أن يكون من الصلاة فلما ذكر قراءة الفاتحة وجب أن تكون قراءة ~~الفاتحة جزءا من أجزاء الصلاة . الحجة العاشرة : # روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ألا أخبركم بسورة ليس في التوراة ~~ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها قالوا : نعم قال : فما تقرأوا في ~~صلاتكم ؟ قالوا : الحمد لله رب العالمين فقال : هي هي وجه الدليل أنه عليه ~~الصلاة والسلام لما قال : ما تقرأوا في صلاتكم فقالوا الحمد لله وهذا يدل ~~على أنه كان مشهورا عند الصحابة أنه لا يصلي أحد إلا بهذه السورة فكان هذا ~~إجماعا معلوما عندهم . الحجة الحادية عشرة : التمسك بقوله تعالى : @QB@ ~~فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@ [ المزمل : 20 ] وجه الدليل أن قوله فاقرؤا ~~أمر والأمر للوجوب فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسر من القرآن واجبة فنقول : ~~المراد بما تيسر من القرآن إما أن يكون هو الفاتحة أو غير الفاتحة أو ~~المراد التخيير بين الفاتحة وبين غيرها والأول يقتضي أن تكون الفاتحة ~~بعينها واجبة وهو المطلوب والثاني يقتضي أن تكون قراءة غير الفاتحة واجبة ~~علينا وهو PageV01P158 باطل بالإجماع . والثالث يقتضي أن يكون المكلف مخيرا ~~بين قراءة الفاتحة وبين قراءة غيرها وذلك باطل بالإجماع لأن الأمة مجمعة ~~على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها وسلم أبو حنيفة أن الصلاة بدون ~~قراءة الفاتحة خداج ناقص والتخيير بين الناقص والكامل لا يجوز . واعلم أنه ~~تعالى إنما سمى قراءة الفاتحة قراءة لما تيسر من القرآن لأن هذه السورة ~~محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين فهي متيسرة للكل وأما سائر السور فقد ~~تكون محفوظة وقد لا تكون وحينئذ لا تكون متيسرة للكل . الحجة الثانية عشرة ~~: الأمر بالصلاة كان ثابتا والأصل في الثابت البقاء خالفنا هذا الأصل عند ~~الإتيان بها للصلاة المشتملة على قراءة الفاتحة لأن الأخبار دالة على أن ~~سورة الفاتحة أفضل من سائر السور ولأن المسلمين أطبقوا على أن الصلاة مع ~~قراءة هذه السورة أكمل من الصلاة الخالية عن قراءة هذه السورة فعند عدم ~~قراءة هذه السورة ms0225 وجب البقاء على الأصل . الحجة الثالثة عشرة : قراءة ~~الفاتحة توجب الخروج عن العهدة باليقين فكانت أحوط فوجب القول بوجوبها للنص ~~والمعقول أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام # : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وأما المعقول فهو أنه يفيد دفع ضرر الخوف ~~عن النفس ودفع الضرر عن النفس واجب ؛ فإن قالوا فلو اعتقدنا الوجوب لاحتمل ~~كوننا مخطئين فيه فيبقى الخوف قلت : اعتقاد الوجوب يورث الخوف المحتمل ~~واعتقاد عدم الوجوب يورثه أيضا فيتقابل هذان الضرران وأما في العمل فإن ~~القراءة لا توجب الخوف أما تركه فيفيد الخوف فثبت أن الأحوط هو العمل . ~~الحجة الرابعة عشرة : لو كانت الصلاة بغير الفاتحة جائزة وكانت الصلاة ~~بالفاتحة جائزة لما كانت الصلاة بالفاتحة أولى ؛ لأن المواظبة على قراءة ~~الفاتحة توجب هجران سائر السور وذلك غير جائز لكنهم أجمعوا على أن الصلاة ~~بهذه السورة أولى فثبت أن الصلاة بغير هذه السورة غير جائزة . الحجة ~~الخامسة عشرة : أجمعنا على أنه لا يجوز إبدال الركوع والسجود بغيرهما فوجب ~~أن لا يجوز إبدال قراءة الفاتحة بغيرها والجامع رعاية الاحتياط . الحجة ~~السادسة عشرة : الأصل بقاء التكليف فالقول بأن الصلاة بدون قراءة الفاتحة ~~تقتضي الخروج عن العهدة إما أن يعرف بالنص أو القياس أما الأول فباطل لأن ~~النص الذي يتمسكون به هو قوله تعالى : ^ { فاقرؤا ما تيسر من القرآن } ^ [ ~~المزمل : 20 ] وقد بينا أنه دليلنا وأما القياس فباطل لأن التعبدات غالبة ~~على الصلاة وفي مثل هذه الصورة يجب ترك القياس . الحجة السابعة عشرة : لما ~~ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام واظب على القراءة طول عمره فحينئذ تكون ~~قراءة غير الفاتحة ابتداعا وتركا للاتباع وذلك حرام لقوله عليه الصلاة ~~والسلام اتبعوا ولا تبتدعوا ولقوله عليه الصلاة والسلام # : وأحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها . الحجة الثامنة عشرة : ~~الصلاة مع الفاتحة وبدون الفاتحة إما أن يتساويا في الفضيلة أو الصلاة مع ~~الفاتحة أفضل والأول باطل بالإجماع ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام واظب على ~~الصلاة بالفاتحة فتعين PageV01P159 الثاني فنقول : الصلاة بدون الفاتحة ~~توجب فوات الفضيلة ms0226 الزائدة من غير جابر ؛ فوجب أن لا يجوز المصير إليه ؛ ~~لأنه قبيح في العرف فيكون قبيحا في الشرع . واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر ~~أما القرآن فقوله تعالى : ^ { فاقرؤا ما تيسر من القرآن } ^ وأما الخبر فما ~~روى أبو عثمان النهدي # عن أبي هريرة أنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج ~~وأنادي : لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة ا لكتاب . والجواب عن الأول : أنا ~~بينا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على قولنا وذلك لأن قوله : ^ { فاقرؤا ~~ما تيسر من القرآن } ^ أمر والأمر للوجوب فهذا يقتضي أن قراءة ما تيسر من ~~القرآن واجبة ؛ فنقول : المراد بما تيسر من القرآن : إما أن يكون هو ~~الفاتحة أو غير الفاتحة أو المراد : التخيير بين الفاتحة وبين غيرها والأول ~~يقتضي أن يكون الفاتحة بعينها واجبة وهو المطلوب والثاني يقتضي أن يكون ~~قراءة غير الفاتحة واجبة بعينها وهو باطل بالإجماع والثالث يقتضي أن يكون ~~المكلف مخيرا بين قراءة الفاتحة وبين قراءة غيرها وذلك باطل بالإجماع ؛ لأن ~~الأمة مجمعة على أن قراءة الفاتحة أولى من قراءة غيرها وسلم أبو حنيفة أن ~~الصلاة بدون قراءة الفاتحة خداج ناقص والتخيير بين الناقص والكامل لا يجوز ~~. واعلم أنه تعالى إنما سمى قراءة الفاتحة قراءة لما تيسر من القرآن لأن ~~هذه السورة محفوظة لجميع المكلفين من المسلمين فهي متيسرة للكل وأما سائر ~~السور فقد تكون محفوظة وقد لا تكون وحينئذ لا تكون متيسرة للكل ( 1 ) وعن ~~الثاني أنه معارض بما نقل عن أبي هريرة أنه قال أمرني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أخرج وأنادي لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وأيضا لم لا يجوز أن ~~يقال المراد من قوله لا صلاة إلا بقراءة ولو بفاتحة الكتاب هو أنه لو اقتصر ~~على الفاتحة لكفى وإذا ثبت التعارض فالترجيح معنا لأنه أحوط ولأنه أفضل ~~والله أعلم . المسألة الثالثة : لما كان قول أبي حنيفة وأصحابه أن قراءة ~~الفاتحة غير واجبة لا جرم اختلفوا في مقدار القراءة فقال أبو حنيفة : إذا ms0227 ~~قرأ آية واحدة كفت مثل قوله آلم وحم والطور ومدهامتان وقال أبو يوسف ومحمد ~~: لا بد من قراءة ثلاث آيات قصار أو آية واحدة طويلة مثل آية الدين . ~~المسألة الرابعة : قال الشافعي رضي الله عنه : بسم الله الرحمن الرحيم آية ~~من أول سورة الفاتحة وتجب قراءتها مع الفاتحة وقال مالك والأوزاعي رضي الله ~~تعالى عنهما : إنه ليس من القرآن إلا في سورة النمل ولا يقرأ لا سرا ولا ~~جهرا إلا في قيام شهر رمضان فإنه يقرؤها وأما أبو حنيفة فلم ينص عليه وإنما ~~قال : يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويسر بها ولم يقل إنها آية من أول ~~السورة أم لا قال يعلى سألت محمد بن الحسن عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال ~~: ما بين الدفتين قرآن قال : قلت : فلم تسره ؟ قال : فلم يجبني وقال الكرخي ~~لا أعرف هذه المسألة بعينها لمتقدمي أصحابنا إلا أن أمرهم بإخفائها يدل على ~~أنها ليست من السورة وقال بعض فقهاء الحنفية : تورع أبو حنيفة وأصحابه عن ~~الوقوع في هذه المسألة لأن الخوض في إثبات أن التسمية من القرآن أو ليست ~~منه أمر عظيم فالأولى السكوت عنه . PageV01P160 واعلم أن هذه المسألة تشتمل ~~على ثلاث مسائل : إحداها : أن هذه المسألة هل هي مسألة اجتهادية حتى يجوز ~~الاستدلال فيها بالظواهر وأخبار الآحاد أو ليست من المسائل الاجتهادية بل ~~هي من المسائل القطعية . وثانيتها : أن بتقدير أنها من المسائل الاجتهادية ~~فما الحق فيها ؟ وثالثتها : الكلام في أنها تقرأ بالإعلان أو بالإسرار ~~فلنتكلم في هذه المسائل الثلاث . المسألة الخامسة : في تقرير أن هذه ~~المسألة ليست من المسائل القطعية وزعم القاضي أبو بكر أنها من المسائل ~~القطعية قال : والخطأ فيها إن لم يبلغ إلى حد التكفير فلا أقل من التفسيق ~~واحتج عليه بان التسمية لو كانت من القرآن لكان طريق إثباته إما التواتر أو ~~الآحاد والأول باطل لأنه لو ثبت بالتواتر كون التسمية من القرآن لحصل العلم ~~الضروري بأنها من القرآن ولو كانت كذلك لامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأمة ~~والثاني ms0228 أيضا باطل ؛ لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلو جعلناه طريقا إلى ~~إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية ولصار ذلك ظنيا ولو جاز ذلك ~~لجاز ادعاء الروافض في أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف ~~وذلك يبطل الإسلام . واعلم أن الشيخ الغزالي عارض القاضي فقال : نفي كون ~~التسمية من القرآن إن ثبت بالتواتر لزم أن لا يبقى الخلاف وإن ثبت بالآحاد ~~فحينئذ يصير القرآن ظنيا ثم أورد على نفسه سؤالا وهو أنه لو قال قائل ليس ~~من القرآن عدم فلا حاجة في إثبات هذا العدم إلى النقل ؛ لأن الأصل هو العدم ~~واما قولنا إنه قرآن فهو ثبوت فلا بد فيه من النقل ثم أجاب عنه بان قال : ~~هذا وإن كان عدما إلا أن كون التسمية مكتوبة بخط القرآن يوهم كونها من ~~القرآن فههنا لا يمكننا الحكم بأنها ليست من القرآن إلا بدليل منفصل وحينئذ ~~يعود التقسيم المذكور من أن الطريق إما أن يكون تواترا أو آحادا فثبت أن ~~الكلام الذي أورده القاضي لازم عليه فهذا آخر ما قيل في هذا الباب . والذي ~~عندي فيه أن النقل المتواتر ثابت بأن بسم الله الرحمن الرحيم كلام أنزله ~~الله على محمد صلى الله عليه وسلم وبأنه مثبت في المصحف بخط القرآن وعند ~~هذا ظهر أنه لم يبق لقولنا إنه من القرآن أو ليس من القرآن فائدة إلا أنه ~~حصل فيها أحكام شرعية هي من خواص القرآن مثل أنه هل يجب قراءتها في الصلاة ~~أم لا وهل يجوز للجنب قراءتها أم لا وهل يجوز للمحدث مسها أم لا ومعلوم أن ~~هذه الأحكام اجتهادية فلما رجع حاصل قولنا إن التسمية هل هي من القرآن إلى ~~ثبوت هذه الأحكام وعدمها وثبت أن ثبوت هذه الأحكام وعدمها أمور اجتهادية ~~ظهر أن البحث اجتهادي لا قطعي وسقط تهويل القاضي . المسألة السادسة : في ~~بيان أن التسمية هل هي من القرآن وأنها آية من الفاتحة قال قراء المدينة ~~والبصرة وفقهاء الكوفة إنها ليست من الفاتحة وقال قراء ms0229 مكة والكوفة وأكثر ~~فقهاء الحجاز إنها آية من الفاتحة وهو قول ابن المبارك والثوري ويدل عليه ~~وجوه : - الحجة الأولى : # روى الشافعي رضي الله عنه عن مسلم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم ~~سلمة أنها قالت # : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب فعد بسم الله الرحمن ~~الرحيم آية الحمد لله رب العالمين آية الرحمن الرحيم آية مالك يوم الدين ~~آية إياك نعبد وإياك نستعين آية اهدنا الصراط المستقيم آية صراط ~~PageV01P161 الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية وهذا نص ~~صريح . الحجة الثانية : # روى سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # : فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم . الحجة الثالثة ~~: # روى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # : إلا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري فقلت بلى فقال ~~: بأي شيء تفتتح القرآن إذا افتتحت الصلاة ؟ قلت : ببسم الله الرحمن الرحيم ~~قال : هي هي فهذا الحديث يدل على أن التسمية من القرآن . الحجة الرابعة : # روى الثعلبي بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له : كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة قال : أقول ~~الحمد لله رب العالمين قال : قل : بسم الله الرحمن الرحيم وروى أيضا ~~بإسناده عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن ~~الرحيم الحمد لله رب العالمين . # وروى أيضا بإسناده عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان إذا افتتح ~~السورة في الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكان يقول : من ترك قراءتها ~~فقد نقص . # وروى أيضا بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : @QB@ ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني @QE@ [ الحجر : 87 ] قال : فاتحة الكتاب فقيل لابن ~~عباس : فأين السابعة ؟ فقال : بسم الله الرحمن الرحيم . وبإسناده عن أبي ms0230 ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم # أنه قال إذا : قرأتم أم القرآن فلا تدعوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها ~~إحدى آياتها . وبإسناده أيضا # عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى : قسمت ~~الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال ~~الله سبحانه مجدني عبدي وإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله تبارك ~~وتعالى حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله عز وجل أثنى علي عبدي ~~وإذا قال مالك يوم الدين قال الله فوض إلي عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك ~~نستعين قال الله تعالى هذا بيني وبين عبدي وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم ~~قال الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . وبإسناده # عن أبي هريرة قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ دخل رجل يصلي فافتتح الصلاة ~~وتعوذ ثم قال : الحمد لله رب العالمين فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~فقال له : يا رجل قطعت على نفسك الصلاة أما علمت أن بسم الله الرحمن الرحيم ~~من الحمد من تركها فقد ترك آية منها ومن ترك آية منها فقد قطع صلاته فإنه ~~لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فمن ترك آية منها فقد بطلت صلاته . وبإسناده # عن طلحة بن عبيد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ترك ~~بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله PageV01P162 واعلم أني ~~نقلت جملة هذه الأحاديث من تفسير الشيخ أبي إسحاق الثعلبي رحمه الله . ~~الحجة الخامسة : قراءة بسم الله الرحمن الرحيم واجبة في أول الفاتحة وإذا ~~كان كذلك وجب أن تكون آية منها بيان الأول قوله تعالى : @QB@ اقرأ باسم ربك ~~@QE@ [ العلق : 1 ] ولا يجوز أن يقال : الباء صلة زائدة لأن الأصل أن يكون ~~لكل حرف من كلام الله تعالى فائدة وإذا كان هذا الحرف مفيدا كان التقدير ~~اقرأ مفتتحا باسم ربك وظاهر الأمر للوجوب ولم ms0231 يثبت هذا الوجوب في غير ~~القراءة في الصلاة فوجب إثباته في القراءة في الصلاة صونا للنص عن التعطيل ~~. الحجة السادسة : التسمية مكتوبة بخط القرآن وكل ما ليس من القرآن فإنه ~~غير مكتوب بخط القرآن ألا ترى أنهم منعوا من كتابة أسامي السور في المصحف ~~ومنعوا من العلامات على الأعشار والأخماس والغرض من ذلك كله أن يمنعوا من ~~أن يختلط بالقرآن ما ليس منه فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كتبوها بخط ~~القرآن ولما أجمعوا على كتابتها بخط القرآن علمنا أنها من القرآن . الحجة ~~السابعة : أجمع المسلمون على أن ما بين الدفتين كلام الله والتسمية موجودة ~~بين الدفتين فوجب جعلها من كلام الله تعالى ولهذا السبب حكينا أن يعلى لما ~~أورد هذا الكلام على محمد بن الحسن بقي ساكتا . واعلم أن مذهب أبي بكر ~~الرازي أن التسمية من القرآن ولكنها ليست آية من سورة الفاتحة بل المقصود ~~من تنزيلها إظهار الفصل بين السور وهذان الدليلان لا يبطلان قول أبي بكر ~~الرازي . الحجة الثامنة : أطبق الأكثرون على أن سورة الفاتحة سبع آيات إلا ~~أن الشافعي رضي الله تعالى عنه قال : قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية ~~واحدة وقوله صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية ~~واحدة وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فإنه قال : بسم الله ليس بآية منها ~~لكن قوله صراط الذين أنعمت عليهم آية وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~آية أخرى وسنبين في مسألة مفردة أن قول أبي حنيفة مرجوح ضعيف فحينئذ يبقى ~~أن الآيات لا تكون سبعا إلا إذا اعتقدنا أن قوله بسم الله الرحمن الرحيم ~~آية منها تامة . الحجة التاسعة : أن نقول : قراءة التسمية قبل الفاتحة ~~واجبة فوجب أن تكون آية منها بيان الأول أن أبا حنيفة يسلم أن قراءتها أفضل ~~وإذا كان كذلك فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها فوجب أن يجب ~~علينا قراءتها لقوله تعالى : @QB@ واتبعوه @QE@ [ الأعراف : 158 ] وإذا ثبت ~~وجوب قراءتها ثبت أنها من السورة لأنه لا قائل ms0232 بالفرق . الحجة العاشرة : ~~قوله عليه السلام # : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر أو أجذم وأعظم الأعمال ~~بعد الإيمان بالله الصلاة فقراءة الفاتحة فيها بدون قراءة بسم الله يوجب ~~كون هذه الصلاة بتراء ولفظ الأبتر يدل على غاية النقصان والخلل بدليل أنه ~~تعالى ذكره في معرض الذم للكافر الذي كان عدوا للرسول عليه السلام فقال : ~~@QB@ إن شانئك هو الأبتر @QE@ [ الكوثر : 3 ] فلزم أن يقال : الصلاة ~~الخالية عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم تكون في غاية النقصان والخلل وكل ~~من أقر بهذا الخلل والنقصان قال بفساد هذه الصلاة وذلك يدل على أنها من ~~الفاتحة وأنه يجب قراءتها . PageV01P163 الحجة الحادية عشرة : # ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب : ما اعظم آية في ~~كتاب الله تعالى ؟ فقال : بسم الله الرحمن الرحيم فصدقه النبي عليه السلام ~~في قوله . وجه الاستدلال أن هذا الكلام يدل على أن هذا القدر آية ومعلوم ~~أنها ليست آية تامة في قوله إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم بل ~~هذا بعض آية فلا بد وأن يكون آية تامة في غير هذا الموضع وكل من قال بذلك ~~قال إنه آية تامة في أول سورة الفاتحة . الحجة الثانية عشرة : إن معاوية ~~قدم المدينة فصلى بالناس صلاة يجهر فيها فقرأ أم القرآن ولم يقرأ بسم الله ~~الرحمن الرحيم فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية أنسيت ~~؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم حين استفتحت القرآن ؟ فأعاد معاوية الصلاة ~~وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وهذا الخبر يدل على إجماع الصحابة رضي الله ~~عنهم على أنه من القرآن ومن الفاتحة وعلى أن الأولى الجهر بقراءتها . الحجة ~~الثالثة عشرة : أن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا عند الشروع في ~~أعمال الخير يبتدئون بذكر بسم الله فوجب أن يجب على رسولنا صلى الله عليه ~~وسلم ذلك وإذا ثبت هذا الوجوب في حق الرسول ثبت أيضا في حقنا وإذا ثبت ~~الوجوب في حقنا ثبت أنه آية ms0233 من سورة الفاتحة أما المقدمة الأولى : فالدليل ~~عليها أن نوحا عليه السلام لما أراد ركوب السفينة قال : @QB@ اركبوا فيها ~~بسم الله مجراها ومرساها @QE@ [ هود : 41 ] وأن سليمان لما كتب إلى بلقيس ~~كتب بسم الله الرحمن الرحيم فإن قالوا : أليس أن قوله تعالى : @QB@ إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ [ النمل : 30 ] يدل على أن سليمان ~~قدم اسم نفسه على اسم الله تعالى ؟ قلنا : معاذ الله أن يكون الأمر كذلك ~~وذلك لأن الطير أتى بكتاب سليمان ووضعه على صدر بلقيس وكانت المرأة في بيت ~~لا يقدر أحد على الدخول فيه لكثرة من أحاط بذلك البيت من العساكر والحفظة ~~فعلمت بلقيس أن ذلك الطير هو الذي أتى بذلك الكتاب وكانت قد سمعت باسم ~~سليمان فلما أخذت الكتاب قالت هي من عند نفسها : إنه من سليمان فلما فتحت ~~الكتاب رأت التسمية مكتوبة فقالت : وإنه بسم الله الرحمن الرحيم . فثبت أن ~~الأنبياء عليهم السلام كلما شرعوا في عمل من أعمال الخير ابتدؤا بذكر بسم ~~الله الرحمن الرحيم . والمقدمة الثانية : أنه لما ثبت هذا في حق سائر ~~الأنبياء وجب أن يجب على رسولنا ذلك لقوله تعالى : @QB@ أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده @QE@ [ الأنعام : 90 ] وإذا ثبت ذلك في حق الرسول وجب ~~أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى : @QB@ واتبعوه @QE@ [ الأعراف : 158 ] وإذا ~~ثبت وجوب قراءته علينا ثبت أنه آية من الفاتحة لأنه لا قائل بالفرق . الحجة ~~الرابعة عشرة : أنه تعالى متقدم بالوجود على وجود سائر الموجودات ؛ لأنه ~~تعالى قديم وخالق وغيره محدث ومخلوق والقديم الخالق يجب أن يكون سابقا على ~~المحدث المخلوق وإذا ثبت أنه تعالى سابق على غيره وجب بحكم المناسبة ~~العقلية أن يكون ذكره سابقا على ذكر غيره وهذا السبق في الذكر لا يحصل إلا ~~إذا كان قراءة بسم الله الرحمن الرحيم سابقة على سائر الأذكار والقراءات ~~وإذا ثبت أن القول بوجوب هذا التقدم حسن في العقول وجب أن يكون معتبرا في ~~الشرع لقوله عليه الصلاة والسلام : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند ms0234 الله حسن ~~وإذا ثبت وجوب القراءة ثبت أيضا أنها آية من الفاتحة لأنه لا قائل بالفرق . ~~الحجة الخامسة عشرة : أن بسم الله الرحمن الرحيم لا شك أنه من القرآن في ~~سورة النمل ثم إنا نراه PageV01P164 مكررا بخط القرآن فوجب أن يكون من ~~القرآن كما أنا لما رأينا قوله تعالى : @QB@ فبأي آلاء ربكما تكذبان @QE@ ~~من سورة الرحمن وقوله تعالى : @QB@ ويل يومئذ للمكذبين @QE@ من سورة ~~المرسلات مكررا في القرآن بخط واحد وصورة واحدة قلنا : إن الكل من القرآن . ~~الحجة السادسة عشرة : # روى أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتب في أول الأمر على رسم قريش باسمك ~~اللهم حتى نزل قوله تعالى : @QB@ اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها @QE@ ~~[ هود : 41 ] فكتب بسم الله فنزل قوله @QB@ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ~~@QE@ [ الإسراء : 110 ] فكتب بسم الله الرحمن فلما نزل قوله تعالى : @QB@ ~~إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم @QE@ [ النمل : 30 ] كتب مثلها ~~وجه الاستدلال أن أجزاء هذه الكلمة كلها من القرآن ومجموعها من القرآن ثم ~~إنه ثبت في القرآن فوجب الجزم بأنه من القرآن إذ لو جاز إخراجه من القرآن ~~مع هذه الموجبات الكثيرة ومع الشهرة لجاز إخراج سائر الآيات كذلك وذلك يوجب ~~الطعن في القرآن . الحجة السابعة عشرة : قد بينا أنه ثبت بالتواتر أن الله ~~تعالى كان ينزل هذه الكلمة على محمد عليه الصلاة والسلام وكان يأمر بكتبه ~~بخط المصحف وبينا أن حاصل الخلاف في أنه هل هو من القرآن فرجع إلى أحكام ~~مخصوصة مثل أنه هل يجب قراءته وهل يجوز للجنب قراءته وللمحدث مسه ؟ فنقول : ~~ثبوت هذه الأحكام أحوط فوجب المصير إليه لقوله عليه الصلاة والسلام # : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . واحتج المخالف بأشياء : الأول : تعلقوا ~~بخبر أبي هريرة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله تعالى : ~~قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين ~~يقول الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله تعالى أثنى ~~علي عبدي ms0235 وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله تعالى مجدني عبدي وإذا قال ~~إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله تعالى هذا بيني وبين عبدي والاستدلال ~~بهذا الخبر من وجهين : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر التسمية ~~ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها والثاني : أنه تعالى قال # : جعلت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين والمراد من الصلاة الفاتحة ؛ وهذا ~~التنصيف إنما يحصل إذا قلنا إن التسمية ليست آية من الفاتحة لأن الفاتحة ~~سبع آيات فيجب أن يكون فيها لله ثلاث آيات ونصف وهي من قوله الحمد لله إلى ~~قوله إياك نعبد - وللعبد ثلاث آيات ونصف - وهي من قوله وإياك نستعين إلى ~~آخر السورة - أما إذا جعلنا بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة حصل لله ~~أربع آيات ونصف وللعبد آيتان ونصف وذلك يبطل التنصيف المذكور . الحجة ~~الثانية : # روت عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح ~~الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وهذا يدل على أن التسمية ~~ليست آية من الفاتحة . الحجة الثالثة : لو كان قوله بسم الله الرحمن الرحيم ~~آية من هذه السورة : لزم التكرار في قوله الرحمن الرحيم وذلك بخلاف الدليل ~~. والجواب عن الحجة الأولى من وجوه : الأول : # أنا نقلنا أن الشيخ أبا إسحق الثعلبي روى بإسناده أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما ذكر هذا الحديث عد بسم الله الرحمن الرحيم آية تامة من سورة ~~الفاتحة ولما تعارضت الروايتان فالترجيح معنا لأن رواية الإثبات مقدمة على ~~رواية النفي . الثاني : # روى أبو داود السختياني ( 1 ) عن PageV01P165 النخعي عن مالك عن العلاء ~~بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~وإذا قال العبد مالك يوم الدين يقول الله تعالى مجدني عبدي وهو بيني وبين ~~عبدي إذا عرفت هذا فنقول : قوله في مالك يوم الدين هذا بيني وبين عبدي يعني ~~في القسمة وإنما يكون كذلك إذا حصلت ثلاثة قبلها وثلاثة بعدها وإنما يحصل ~~ثلاثة قبلها لو كانت التسمية آية ms0236 من الفاتحة فصار هذا الخبر حجة لنا من هذا ~~الوجه . الثالث : أن لفظ النصف كما يحتمل النصف في عدد الآيات فهو أيضا ~~يحتمل النصف في المعنى قال عليه الصلاة والسلام # : الفرائض نصف العلم وسماه بالنصف من حيث أنه بحث عن أحوال الأموات ~~والموت والحياة قسمان وقال شريح : أصبحت ونصف الناس علي غضبان سماه نصفا من ~~حيث أن بعضهم راضون وبعضهم ساخطون . الرابع : أن دلائلنا في أن بسم الله ~~الرحمن الرحيم آية من الفاتحة صريحة وهذا الخبر الذي تمسكوا به ليس المقصود ~~منه بيان أن بسم الله الرحمن الرحيم هل هي من الفاتحة أم لا لكن المقصود ~~منه بيان شيء آخر فكانت دلائلنا أقوى وأظهر . الخامس : أنا بينا أن قولنا ~~أقرب إلى الاحتياط . والجواب عن حجتهم الثانية ما قال الشافعي فقال : لعل ~~عائشة جعلت الحمد لله رب العالمين اسما لهذه السورة كما يقال : قرأ فلان ~~الحمد لله الذي خلق السموات والمراد أنه قرا هذه السورة فكذا ههنا وتمام ~~الجواب عن خبر أنس سيأتي بعد ذلك . والجواب عن الحجة الثالثة أن التكرار ~~لأجل التأكيد كثير في القرآن وتأكيد كون الله تعالى رحمانا رحيما من أعظم ~~المهمات والله أعلم . المسألة السابعة : في بيان عدد آيات هذه السورة رأيت ~~في بعض الروايات الشاذة أن الحسن البصري كان يقول : هذه السورة ثمان آيات ~~فأما الرواية المشهورة التي أطبق الأكثرون عليها أن هذه السورة سبع آيات ~~وبه فسروا قوله تعالى @QB@ ولقد آتيناك سبعا من المثاني @QE@ [ الحجر : 87 ~~] إذا ثبت هذا فنقول : الذين قالوا إن بسم الله الرحمن الرحيم آية من ~~الفاتحة قالوا إن قوله صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين آية تامة وأما أبو حنيفة فإنه لما أسقط التسمية من السورة لا جرم ~~قال قوله صراط الذين أنعمت عليهم آية وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~آية أخرى إذا عرفت هذا فنقول : الذي قاله الشافعي أولى : ويدل عليه وجوه : ~~الأول : أن مقطع قوله صراط الذين أنعمت عليهم لا يشابه مقطع الآيات ~~المتقدمة ورعاية ms0237 التشابه في المقاطع لازم ؛ لأنا وجدنا مقاطع القرآن على ~~ضربين متقاربة ومتشاكلة فالمتقاربة كما في سورة ق والمتشاكلة كما في سورة ~~القمر وقوله @QB@ أنعمت عليهم @QE@ ليس من القسمين فامتنع جعله من المقاطع ~~الثاني : أنا إذا جعلنا قوله غير المغضوب عليهم ابتداء آية فقد جعلنا أول ~~الآية لفظ غير وهذا اللفظ إما أن يكون صفة لما قبله أو استثناء عما قبله ~~والصفة مع الموصوف كالشيء الواحد وكذلك الاستثناء مع المستثنى منه كالشيء ~~الواحد وإيقاع الفصل بينهما على خلاف الدليل أما إذا جعلنا قوله صراط الذين ~~أنعمت عليهم إلى آخر السورة آية واحدة كنا قد جعلنا الموصوف مع الصفة ~~والمستثنى مع المستثنى منه كلاما واحدا وآية واحدة وذلك أقرب إلى الدليل ~~الثالث : أن المبدل منه في حكم المحذوف فيكون تقدير الآية اهدنا صراط الذين ~~أنعمت عليهم لكن طلب الاهتداء بصراط من أنعم الله عليهم لا يجوز إلا بشرطين ~~: أن يكون ذلك المنعم عليه غير مغضوب عليه ولا ضالا فإنا لو أسقطنا هذا ~~الشرط لم يجز الاهتداء به PageV01P166 والدليل عليه قوله تعالى @QB@ ألم تر ~~إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا @QE@ [ إبراهيم : 28 ] وهذا يدل على أنه قد ~~أنعم عليهم إلا أنهم لما صاروا من زمرة المغضوب عليهم ومن زمرة الضالين لا ~~جرم لم يجز الاهتداء بهم فثبت أنه لا يجوز فصل قوله : @QB@ صراط الذين ~~أنعمت عليهم @QE@ عن قوله @QB@ غير المغضوب عليهم @QE@ بل هذا المجموع كلام ~~واحد فوجب القول بأنه آية واحدة فإن قالوا : أليس أن قوله الحمد لله رب ~~العالمين آية واحدة وقوله الرحمن الرحيم آية ثانية ومع أن هذه الآية غير ~~مستقلة بنفسها بل هي متعلقة بما قبلها ؟ قلنا : الفرق أن قوله الحمد لله رب ~~العالمين كلام تام بدون قوله الرحمن الرحيم فلا جرم لم يمتنع أن يكون مجرد ~~قوله الحمد لله رب العالمين آية تامة ولا كذلك هذا لما بينا أن مجرد قوله ~~اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ليس كلاما تاما بل ما لم يضم ~~إليه قوله غير المغضوب ms0238 عليهم ولا الضالين لم يصح قوله اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم فظهر الفرق . المسألة الثامنة : ذكر بعض ~~أصحابنا قولين للشافعي في أن بسم الله الرحمن الرحيم هل هي آية من أوائل ~~سائر السور أم لا . أما المحققون من الأصحاب فقد اتفقوا على أن بسم الله ~~قرآن من سائر السور وجعلوا القولين في أنها هل هي آية تامة وحدها من أول كل ~~سورة أو هي وما بعدها آية وقال بعض الحنفية إن الشافعي خالف الإجماع في هذه ~~المسألة لأن أحدا ممن قبله لم يقل إن بسم الله آية من أوائل سائر السور ~~ودليلنا أن بسم الله مكتوب في أوائل السور بخط القرآن فوجب كونه قرآنا ~~واحتج المخالف بما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سورة ~~الملك # : إنها ثلاثون آية وفي سورة الكوثر : إنها ثلاث آيات ثم أجمعوا على أن ~~هذا العدد حاصل بدون التسمية فوجب أن لا تكون التسمية آية من هذه السور ~~والجواب أنا إذا قلنا بسم الله الرحمن الرحيم مع ما بعده آية واحدة فهذا ~~الإشكال زائل فإن قالوا : لما اعترفتم بأنها آية تامة من أول الفاتحة فكيف ~~يمكنكم أن تقولوا أنها بعض آية من سائر السور ؟ قلنا : هذا غير بعيد ألا ~~ترى أن قوله الحمد لله رب العالمين آية تامة ثم صار مجموع قوله : @QB@ وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين @QE@ [ يونس : 10 ] آية واحدة ؛ فكذا ههنا ~~. وأيضا فقوله سورة الكوثر ثلاث آيات يعني ما هو خاصية هذه السورة ثلاث ~~آيات وأما التسمية فهي كالشيء المشترك فيه بين جميع السور فسقط هذا السؤال ~~. المسألة التاسعة : يروى عن أحمد بن حنبل أنه قال : التسمية آية من ~~الفاتحة إلا أنه يسر بها في كل ركعة وأما الشافعي فإنه قال : إنها آية منها ~~ويجهر بها وقال أبو حنيفة : ليست آية من الفاتحة إلا أنها يسر بها في كل ~~ركعة ولا يجهر بها أيضا فنقول الجهر بها سنة ويدل عليه وجوه وحجج . الحجة ~~الأولى : قد ms0239 دللنا على أن التسمية آية من الفاتحة وإذا ثبت هذا فنقول : ~~الاستقراء دل على أن السورة الواحدة إما أن تكون بتمامها سرية أو جهرية ~~فأما أن يكون بعضها سريا وبعضها جهريا فهذا مفقود في جميع السور ؛ وإذا ثبت ~~هذا كان الجهر بالتسمية مشروعا في القراءة الجهرية . الحجة الثانية : أن ~~قوله بسم الله الرحمن الرحيم لا شك أنه ثناء على الله وذكر له بالتعظيم ~~فوجب أن يكون الإعلان به مشروعا لقوله تعالى : @QB@ فاذكروا الله كذكركم ~~آباءكم أو أشد ذكرا @QE@ [ البقرة : 200 ] ومعلوم أن الإنسان إذا كان ~~مفتخرا بأبيه غير مستنكف منه فإنه يعلن بذكره ويبالغ في إظهاره أما إذا ~~أخفى ذكره أو أسره دل ذلك على كونه مستنكفا منه فإذا كان المفتخر بأبيه ~~يبالغ في الإعلان والإظهار وجب أن يكون إعلان ذكر PageV01P167 الله أولى ~~عملا بقوله : ^ { فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا } ^ . الحجة ~~الثالثة : هي أن الجهر بذكر الله يدل على كونه مفتخرا بذلك الذكر غير مبال ~~بإنكار من ينكره ولا شك أن هذا مستحسن في العقل فيكون في الشرع كذلك ؛ ~~لقوله عليه السلام # : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ومما يقوى هذا الكلام أيضا أن ~~الإخفاء والسر لا يليق إلا بما يكون فيه عيب ونقصان فيخفيه الرجل ويسره ~~لئلا ينكشف ذلك العيب . أما الذي يفيد أعظم أنواع الفخر والفضيلة والمنقبة ~~فكيف يليق بالعقل إخفاؤه ؟ ومعلوم أنه لا منقبة للعبد أعلى وأكمل من كونه ~~ذاكرا لله بالتعظيم ولهذا قال عليه السلام # : طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر الله وكان علي بن أبي طالب عليه السلام ~~يقول # : يا من ذكره شرف للذاكرين . ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعى في ~~إخفائه ؟ ولهذا السبب نقل أن عليا رضي الله عنه كان مذهبه الجهر ببسم الله ~~الرحمن الرحيم في جميع الصلوات وأقول إن هذه الحجة قوية في نفسي راسخة في ~~عقلي لا تزول البتة بسبب كلمات المخالفين . الحجة الرابعة : ما رواه ~~الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم ms0240 يقرأ بسم الله الرحمن ~~الرحيم ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود فلما سلم ناداه المهاجرون ~~والأنصار : يا معاوية سرقت منا الصلاة أين بسم الله الرحمن الرحيم ؟ وأين ~~التكبير عند الركوع والسجود ؟ ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير قال ~~الشافعي : إن معاوية كان سلطانا عظيم القوة شديد الشوكة فلولا أن الجهر ~~بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار وإلا ~~لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية . الحجة الخامسة : # روى البيهقي في السنن الكبير عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ثم إن الشيخ البيهقي روى ~~الجهر عن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأما أن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر ومن اقتدى في دينه ~~بعلى بن أبي طالب فقد اهتدى والدليل عليه قوله عليه السلام # : اللهم أدر الحق مع علي حيث دار . الحجة السادسة : أن قوله بسم الله ~~الرحمن الرحيم يتعلق بفعل لا بد من إضماره والتقدير بإعانة اسم الله اشرعوا ~~في الطاعات أو ما يجري مجرى هذا المضمر ولا شك أن استماع هذه الكلمة ينبه ~~العقل على أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله ~~إلا بتوفيق الله وينبه العقل على أنه لا يتم شيء من الخيرات والبركات إلا ~~إذا وقع الابتداء فيه بذكر الله ومن المعلوم أن المقصود من جميع العبادات ~~والطاعات حصول هذه المعاني في العقول فإذا كان استماع هذه الكلمة يفيد هذه ~~الخيرات الرفيعة والبركات العالية دخل هذا القائل تحت قوله : كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ؛ لأن هذا القائل بسبب إظهار ~~هذه الكلمة أمر بما هو أحسن أنواع الأمر بالمعروف وهو الرجوع إلى الله ~~بالكلية والاستعانة بالله في كل الخيرات وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق ~~بالعاقل أن يقول إنه بدعة . واحتج المخالف بوجوه وحجج : # روى البخاري ms0241 بإسناده عن أنس أنه قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان وكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب ~~العالمين وروى مسلم هذا الخبر PageV01P168 في صحيحه وفيه أنهم لا يذكرون ~~بسم الله الرحمن الرحيم وفي رواية أخرى # ولم أسمع أحدا منهم قال بسم الرحمن الرحيم وفي رواية رابعة # : فلم يجهر أحد منهم ببسم الله الرحمن الرحيم . الحجة الثانية : # ما روى عبد الله بن المغفل أنه قال : سمعني أبي وأنا أقول بسم الله ~~الرحمن الرحيم فقال : يا بني إياك والحدث في الإسلام فقد صليت خلف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وخلف عمر وعثمان فابتدؤا القراءة ~~بالحمد لله رب العالمين فإذا صليت فقل : الحمد لله رب العالمين وأقول : إن ~~أنسا وابن المغفل خصصا عدم ذكر بسم الله الرحمن الرحيم بالخلفاء الثلاثة ~~ولم يذكرا عليا وذلك يدل على إطباق الكل على أن عليا كان يجهر ببسم الله ~~الرحمن الرحيم . الحجة الثالثة : قوله تعالى @QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ~~@QE@ [ الأعراف : 55 ] @QB@ واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة @QE@ [ الأعراف ~~: 205 ] وبسم الله الرحمن الرحيم ذكر الله فوجب إخفاؤه وهذه الحجة استنبطها ~~الفقهاء واعتمادهم على الكلامين الأولين . والجواب عن خبر أنس من وجوه : ~~الأول : قال الشيخ أبو حامد الاسفرايني : # روي عن أنس في هذا الباب ست روايات أما الحنفية فقد رووا عنه ثلاث روايات ~~: إحداها قوله صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر ~~وعثمان فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين : وثانيتها قوله : ~~إنهم ما كانوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم . وثالثتها قوله : لم أسمع ~~أحدا منهم قال بسم الله الرحمن الرحيم فهذه الروايات الثلاث تقوي قول ~~الحنفية وثلاث أخرى تناقض قولهم إحداها ما ذكرنا أن أنسا روى أن معاوية لما ~~ترك بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار وقد ~~بينا أن هذا يدل على أن الجهر بهذه الكلمات كالأمر المتواتر فيما بينهم . ~~وثانيتها # روى أبو قلابة عن أنس أن ms0242 رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ~~كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم . وثالثتها أنه سئل عن الجهر ببسم ~~الله الرحمن الرحيم والإسرار به فقال : لا أدري هذه المسألة فثبت أن ~~الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظم فيها الخبط والاضطراب فبقيت متعارضة ~~فوجب الرجوع إلى سائر الدلائل وأيضا ففيها تهمة أخرى وهي أن عليا عليه ~~السلام كان يبالغ في الجهر بالتسمية فلما وصلت الدولة إلى بني أمية بالغوا ~~في المنع من الجهر سعيا في إبطال آثار علي عليه السلام فلعل أنسا خاف منهم ~~فلهذا السبب اضطربت أقواله فيه ونحن وإن شككنا في شيء فإنا لا نشك أنه مهما ~~وقع التعارض بين قول أنس وابن المغفل وبين قول علي بن أبي طالب عليه السلام ~~الذي بقي عليه طول عمره فإن الأخذ بقول علي أولى فهذا جواب قاطع في المسألة ~~. ثم نقول : هب أنه حصل التعارض بين دلائلكم ودلائلنا إلا أن الترجيح معنا ~~وبيانه من وجوه : الأول : أن راوي أخباركم أنس وابن المغفل وراوي قولنا علي ~~بن أبي طالب عليه السلام وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وهؤلاء كانوا اكثر ~~علما وقربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنس وابن المغفل . والثاني ~~: أن مذهب أبي حنيفة أن خبر الواحد إذا ورد على خلاف القياس لم يقبل ولهذا ~~السبب فإنه لم يقبل خبر المصراة مع أنه لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لأن القياس يخالفه . إذا ثبت هذا فنقول قد بينا أن صريح العقل ناطق بان ~~إظهار هذه الكلمة أولى من إخفائها فلأي سبب رجح قول أنس وقول ابن المغفل ~~على هذا البيان الجلي البديهي ؟ والثالث : أن من المعلوم بالضرورة أن النبي ~~عليه السلام كان يقدم الأكابر على الأصاغر والعلماء على غير PageV01P169 ~~العلماء والأشراف على الأعراب ولا شك أن عليا وابن عباس وابن عمر كانوا ~~أعلى حالا في العلم والشرف وعلو الدرجة من أنس وابن المغفل والغالب على ~~الظن أن عليا وابن عباس وابن عمر ms0243 كانوا يقفون بالقرب من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان أنس وابن المغفل يقفان بالعبد منه وأيضا أنه عليه السلام ما ~~كان يبالغ في الجهر امتثالا لقوله تعالى : @QB@ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~بها @QE@ [ الإسراء : 110 ] وأيضا فالإنسان أول ما يشرع في القراءة إنما ~~يشرع فيها بصوت ضعيف ثم لا يزال يقوى صوته ساعة فساعة فهذه أسباب ظاهرة في ~~أن يكون علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة سمعوا الجهر بالتسمية من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأن أنسا وابن المغفل ما سمعاه . الرابع : قال ~~الشافعي : لعل المراد من قول أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح ~~الصلاة بالحمد لله رب العالمين أنه كان قدم هذه السورة في القراءة على ~~غيرها من السور فقوله الحمد لله رب العالمين المراد منه تمام هذه فجعل هذه ~~اللفظة اسما لهذه السورة . الخامس : لعل المراد من عدم الجهر في حديث ابن ~~المغفل عدم المبالغة في رفع الصوت كما قال تعالى : @QB@ ولا تجهر بصلاتك ~~ولا تخافت بها @QE@ [ الإسراء : 110 ] . السادس : الجهر كيفية ثبوتية ~~والإخفاء كيفية عدمية والرواية المثبتة أولى من النافية . السابع : أن ~~الدلائل العقلية موافقة لنا وعمل علي بن أبي طالب عليه السلام معنا ومن ~~اتخذ عليا إماما لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه . وأما ~~التمسك بقوله تعالى @QB@ واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة @QE@ [ الأعراف : ~~205 ] فالجواب أنا نحمل ذلك على مجرد الذكر أما قوله بسم الله الرحمن ~~الرحيم فالمراد منه قراءة كلام الله تعالى على سبيل العبادة والخضوع فكان ~~الجهر به أولى . المسألة العاشرة : في تفاريع التسمية وفيه فروع : - الفرع ~~الأول : قالت الشيعة : السنة هي الجهر بالتسمية سواء كانت في الصلاة ~~الجهرية أو السرية وجمهور الفقهاء يخالفونهم فيه . الفرع الثاني : الذين ~~قالوا التسمية ليست آية من أوائل السور اختلفوا في سبب إثباتها في المصحف ~~في أول كل سورة وفيه قولان : الأول : أن التسمية ليست من القرآن وهؤلاء ~~فريقان : منهم من قال إنها كتبت للفصل بين السور وهذا ms0244 الفصل قد صار الآن ~~معلوما فلا حاجة إلى إثبات التسمية فعلى هذا لو لم تكتب لجاز ومنهم من قال ~~: إنه يجب إثباتها في المصاحف ولا يجوز تركها أبدا . والقول الثاني أنها من ~~القرآن وقد أنزلها الله تعالى ولكنها آية مستقلة بنفسها وليست آية من ~~السورة وهؤلاء أيضا فريقان : منهم من قال : إن الله تعالى كان ينزلها في ~~أول كل سورة على حدة ومنهم من قال : لا بل أنزلها مرة واحدة وأمر بإثباتها ~~في أول كل سورة والذي يدل على أن الله تعالى أنزلها وعلى أنها من القرآن ما # روي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعد بسم الله الرحمن ~~الرحيم آية فاصلة وعن إبراهيم بن يزيد قال : قلت لعمرو بن دينار : إن الفضل ~~الرقاشي يزعم أن بسم الله الرحمن الرحيم ليس من القرآن فقال : سبحان الله ~~ما أجرأ هذا الرجل ! علم أن تلك السورة قد ختمت وفتح غيرها وعن عبد الله بن ~~المبارك أنه قال : من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة ~~آية وروي مثله عن ابن عمر وأبي هريرة . PageV01P170 الفرع الثالث : ~~القائلون بأن التسمية آية من الفاتحة وأن الفاتحة يجب قراءتها في الصلاة لا ~~شك أنهم يوجبون قراءة التسمية أما الذين لا يقولون به فقد اختلفوا فقال أبو ~~حنيفة وأتباعه والحسن بن صالح بن جني وسفيان الثوري وابن أبي ليلى : يقرا ~~التسمية سرا وقال مالك : لا ينبغي أن يقرأها في المكتوبة لا سرا ولا جهرا ~~وأما في النافلة فإن شاء قرأها وإن شاء ترك . الفرع الرابع : مذهب الشافعي ~~يقتضي وجوب قراءتها في كل الركعات أما أبو حنيفة فعنه روايتان روى يعلى عن ~~أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يقرأها في كل ركعة قبل الفاتحة وروى أبو يوسف ~~ومحمد والحسن بن زياد ثلاثتهم جميعا عن أبي حنيفة أنه قال : إذا قرأها في ~~أول ركعة عند ابتداء القراءة لم يكن عليه أن يقرأها في تلك الصلاة حتى يفرغ ~~منها قال : وإن قرأها مع ms0245 كل سورة فحسن . الفرع الخامس : ظاهر قول أبي حنيفة ~~أنه لما قرأ التسمية في أول الفاتحة فإنه لا يعيدها في أوائل سائر السور ~~وعند الشافعي أن الأفضل إعادتها في أول كل سورة لقوله عليه السلام # كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر . الفرع السادس : اختلفوا ~~في أنه هل يجوز للحائض والجنب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم ؟ والصحيح ~~عندنا أنه لا يجوز . الفرع السابع : أجمع العلماء على أن تسمية الله على ~~الوضوء مندوبة وعامة العلماء على أنها غير واجبة لقوله صلى الله عليه وسلم # : توضأ كما أمرك الله به والتسمية غير مذكورة في آية الوضوء وقال أهل ~~الظاهر إنها واجبة فلو تركها عمدا أو سهوا لم تصح صلاته وقال إسحق إن تركها ~~عامدا لم يجز وإن تركها ساهيا جاز . الفرع الثامن : متروك التسمية عند ~~التذكية هل يحل أكله أم لا ؟ المسألة في غاية الشهرة قال الله تعالى : @QB@ ~~فاذكروا اسم الله عليها صواف @QE@ [ الحج : 36 ] وقال تعالى : @QB@ ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه @QE@ [ الأنعام : 121 ] . الفرع التاسع : ~~أجمع العلماء على أنه يستحب أن لا يشرع في عمل من الأعمال وإلا ويقول بسم ~~الله فإذا نام قال بسم الله وإذا قام من مقامه قال بسم الله وإذا قصد ~~العبادة قال بسم الله وإذا دخل الدار قال بسم الله أو خرج منها قال بسم ~~الله وإذا أكل أو شرب أو أخذ أو أعطى قال بسم الله ويستحب للقابلة إذا أخذت ~~الولد من الأم أن تقول بسم الله وهذا أول أحواله من الدنيا وإذا مات وأدخل ~~القبر قيل بسم الله وهذا آخر أحواله من الدنيا وإذا قام من القبر قال أيضا ~~بسم الله وإذا حضر الموقف قال بسم الله فتتباعد عنه النار ببركة قوله بسم ~~الله . المسألة الحادية عشرة : ترجمة القرآن لا تكفي في صحة الصلاة لا في ~~حق من يحسن القراءة ولا في حق من لا يحسنها وقال أبو حنيفة : إنها كافية في ~~حق القادر والعاجز وقال أبو ms0246 يوسف ومحمد : إنها كافية في حق العاجز وغير ~~كافية في حق القادر واعلم أن مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة بعيد جدا ولهذا ~~السبب فإن الفقيه أبا الليث السمرقندي والقاضي أبا زيد الدبوسي صرحا بتركه ~~. لنا حجج ووجوه : الحجة الأولى : أنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى بالقرآن ~~المنزل من عند الله تعالى PageV01P171 باللفظ العربي وواظب عليه طول عمره ~~فوجب أن يجب علينا مثله لقوله تعالى : @QB@ فاتبعوه @QE@ [ الأنعام : 153 ] ~~والعجب أنه احتج بأنه عليه السلام مسح على ناصيته مرة على كونه شرطا في صحة ~~الوضوء ولم يلتفت إلى مواظبته طول عمره على قراءة القرآن باللسان العربي . ~~الحجة الثانية : أن الخلفاء الراشدين صلوا بالقرآن العربي فوجب أن يجب ~~علينا ذلك لقوله عليه السلام # : اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ولقوله عليه السلام : عليكم بسنتي ~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ . الحجة الثالثة : أن ~~الرسول وجميع الصحابة ما قرؤا في الصلاة إلا هذا القرآن العربي فوجب أن يجب ~~علينا ذلك لقوله عليه السلام # : ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة قيل : ~~ومن هم يا رسول الله ؟ قال ما أنا عليه وأصحابي . وجه الدليل أنه عليه ~~السلام هو وجميع أصحابه كانوا متفقين على القراءة في الصلاة بهذا القرآن ~~العربي فوجب أن يكون القارئ بالفارسية من أهل النار . الحجة الرابعة : أن ~~أهل ديار الإسلام مطبقون بالكلية على قراءة القرآن في الصلاة كما أنزل الله ~~تعالى فمن عدل عن هذا الطريق دخل تحت قوله تعالى : @QB@ ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين @QE@ [ النساء : 115 ] . الحجة الخامسة : أن الرجل أمر بقراءة ~~القرآن في الصلاة ومن قرأ بالفارسية لم يقرأ القرآن فوجب أن لا يخرج عن ~~العهدة إنما قولنا إنه أمر بقراءة القرآن لقوله تعالى : ^ { فاقرأوا ما ~~تيسر من القرآن } ^ [ المزمل : 20 ] ولقوله عليه السلام للأعرابي # : ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن وإنما قلنا إن الكلام المرتب بالفارسية ~~ليس بقرآن لوجوه : الأول : قوله تعالى : @QB@ وإنه لتنزيل رب العالمين @QE@ ~~[ الشعراء : 192 ] إلى ms0247 قوله : @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ [ الشعراء : 195 ] ~~الثاني : قوله تعالى : @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ [ ~~إبراهيم : 4 ] الثالث : قوله تعالى : @QB@ ولو جعلناه قرآنا أعجميا @QE@ [ ~~فصلت : 44 ] وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره وهذا يدل على أنه ~~تعالى ما جعله قرآنا أعجميا فيلزم أن يقال : إن كل ما كان أعجميا فهو ليس ~~بقرآن . الرابع : قوله تعالى : @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا @QE@ [ ~~الإسراء : 88 ] فهذا الكلام المنظوم بالفارسية : إما أن يقال إنه عين ~~الكلام العربي أو مثله أو لا عينه ولا مثله والأول معلوم البطلان بالضرورة ~~والثاني باطل إذ لو كان هذا النظم الفارسي مثلا لذلك الكلام العربي لكان ~~الآتي به آتيا بمثل القرآن وذلك يوجب تكذيب الله سبحانه في قوله : @QB@ لا ~~يأتون بمثله @QE@ [ الإسراء : 88 ] ولما ثبت أن هذا الكلام المنظوم ~~بالفارسية ليس عين القرآن ولا مثله ثبت أن قارئه لم يكن قارئا للقرآن وهو ~~المطلوب فثبت أن المكلف أمر بقراءة القرآن ولم يأت به فوجب أن يبقى في ~~العهدة . الحجة السادسة : # ما رواه ابن المنذر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فنقول : هذه الكلمات المنظومة ~~بالفارسية إما أن يقول أبو حنيفة إنها قرآن أو يقول إنها ليست بقرآن والأول ~~جهل عظيم وخروج عن الإجماع وبيانه من وجوه : الأول : أن أحدا من العقلاء لا ~~يجوز في عقله ودينه أن يقول إن قول القائل دوستان در بهشت قرآن . الثاني : ~~يلزم أن يكون القادر على ترجمة القرآن آتيا بقرآن مثل الأول وذلك باطل . ~~الحجة السابعة : # روى عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا قال : يا رسول الله إني لا أستطيع أن ~~أحفظ PageV01P172 القرآن كما يحسن في الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم # : قل سبحان الله والحمد لله إلى آخر هذا الذكر وجه الدليل أن الرجل لما ~~سأله عما يجزئه في الصلاة عند العجز عن ms0248 قراءة القرآن العربي أمره الرسول ~~عليه السلام بالتسبيح وذلك يبطل قول من يقول أنه يكفيه أن يقول دوستان ~~دربهشت . الحجة الثامنة : يقال إن أول الإنجيل هو قوله بسم إلاها رحمانا ~~ومرحيانا وهذا هو عين ترجمة بسم الله الرحمن الرحيم فلو كانت ترجمة القرآن ~~نفس القرآن لقالت النصارى إن هذا القرآن إنما أخذته من عين الإنجيل ولما لم ~~يقل أحد هذا علمنا أن ترجمة القرآن لا تكون قرآنا . الحجة التاسعة : أنا ~~إذا ترجمنا قوله تعالى : @QB@ فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر ~~أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه @QE@ [ الكهف : 19 ] كان ترجمته ~~بفرستيديكي أزشمابانقرة بشهربس بنكردكه كدام طعام بهترست يارة ازان بياورد ~~ومعلوم أن هذا الكلام من جنس كلام الناس لفظا ومعنى فوجب أن لا تجوز الصلاة ~~به لقوله عليه الصلاة والسلام # : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وإذا لم تنعقد الصلاة ~~بترجمة هذه الآية فكذا بترجمة سائر الآيات لأنه لا قائل بالفرق وأيضا فهذه ~~الحجة جارية في ترجمة قوله تعالى : @QB@ هماز مشاء بنميم @QE@ [ القلم : 11 ~~] إلى قوله : @QB@ عتل بعد ذلك زنيم @QE@ [ القلم : 12 ] فإن ترجمتها تكون ~~شتما من جنس كلام الناس في اللفظ والمعنى وكذلك قوله تعالى ^ { ادع ( 1 ) ~~لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها } ^ [ البقرة : 61 ] فإن ~~ترجمة هذه الآية تكون من جنس كلام الناس لفظا ومعنى وهذا بخلاف ما إذا ~~قرأنا عين هذه الآيات بهذه الألفاظ لأنها بحسب تركيبها المعجز ونظمها ~~البديع تمتاز عن كلام الناس والعجب من الخصوم أنهم قالوا إنه لو ذكر في آخر ~~التشهد دعاء يكون من جنس كلام الناس فسدت صلاته ثم قالوا : تصح الصلاة ~~بترجمة هذه الآيات مع أن ترجمتها عين كلام الناس لفظا ومعنى . الحجة ~~العاشرة : قوله عليه الصلاة والسلام # : أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف ولو كانت ترجمة القرآن بحسب كل ~~لغة قرآنا لكان قد أنزل القرآن على أكثر من سبعة أحرف لأن على مذهبهم قد ~~حصل بحسب كل لغة قرآن ms0249 على حدة وحينئذ لا يصح حصر حروف القرآن في السبعة . ~~الحجة الحادية عشرة : أن عند أبي حنيفة تصح الصلاة بجميع الآيات ولا شك أنه ~~قد حصل في التوراة آيات كثيرة مطابقة لما في القرآن من الثناء على الله ومن ~~تعظيم أمر الآخرة وتقبيح الدنيا فعلى قول الخصم تكون الصلاة صحيحة بقراءة ~~الإنجيل والتوراة وبقراءة زيد وإنسان ولو أنه دخل الدنيا وعاش مائة سنة ولم ~~يقرأ حرفا من القرآن بل كان مواظبا على قراءة زيد وإنسان فإنه يلقى الله ~~تعالى مطيعا ومعلوم بالضرورة أن هذا الكلام لا يليق بدين المسلمين . الحجة ~~الثانية عشرة : أنه لا ترجمة للفاتحة ألا نقول الثناء لله رب العالمين ~~ورحمان المحتاجين والقادر على يوم الدين أنت المعبود وأنت المستعان اهدنا ~~إلى طريق أهل العرفان لا إلى طريق أهل الخذلان وإذا ثبت أن ترجمة الفاتحة ~~ليست إلا هذا القدر أو ما يقرب منه فمعلوم أنه لا خطبة إلا وقد حصل فيها ~~هذا القدر فوجب أن يقال الصلاة صحيحة بقراءة جميع الخطب ولما كان باطلا ~~علمنا فساد هذا القول . الحجة الثالثة عشرة : لو كان هذا جائزا لكان قد أذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسي في أن يقرأ القرآن ~~PageV01P173 بالفارسية ويصلي بها ولكان قد أذن لصهيب في أن يقرأ بالرومية ~~ولبلال في أن يقرأ بالحبشية ؛ ولو كان هذا الأمر مشروعا لاشتهر جوازه في ~~الخلق فإنه يعظم في أسماع أرباب اللغات بهذا الطريق لأن ذلك يزيل عنهم ~~إتعاب النفس في تعلم اللغة العربية ويحصل لكل قوم فخر عظيم في أن يحصل لهم ~~قرآن بلغتهم الخاصة ومعلوم أن تجويزه يفضي إلى اندراس القرآن بالكلية وذلك ~~لا يقوله مسلم . الحجة الرابعة عشرة : لو جازت الصلاة بالقراءة بالفارسية ~~لما جازت بالقراءة بالعربية وهذا جائز وذاك غير جائز بيان الملازمة أن ~~الفارسي الذي لا يفهم من العربية شيئا لم يفهم من القرآن شيئا البتة أما ~~إذا قرأ القرآن بالفارسية فهم المعنى وأحاط بالمقصود وعرف ما فيه من الثناء ~~على الله ومن الترغيب ms0250 في الآخرة والتنفير عن الدنيا ومعلوم أن المقصد ~~الأقصى من إقامة الصلوات حصول هذه المعاني قال تعالى : @QB@ وأقم الصلاة ~~لذكري @QE@ [ طه : 14 ] وقال تعالى : @QB@ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب ~~أقفالها @QE@ [ محمد : 24 ] فثبت أن قراءة الترجمة تفيد هذه الفوائد ~~العظيمة . وقراءة القرآن باللفظ العربي تمنع من حصول هذه الفوائد فلو كانت ~~القراءة بالفارسية قائمة مقام القراءة بالعربية في الصحة ثم إن القراءة ~~بالفارسية تفيد هذه الفوائد العظيمة والقراءة بالعربية مانعة منها لوجب أن ~~تكون القراءة بالعربية محرمة وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن القراءة ~~بالفارسية غير جائزة . الحجة الخامسة عشرة : المقتضى لبقاء الأمر بالصلاة ~~قائم والفارق ظاهر أما المقتضى فلأن التكليف كان ثابتا والأصل في الثابت ~~البقاء وأما الفارق فهو أن القرآن العربي كما أنه يطلب قراءة لمعناه كذلك ~~تطلب قراءته لأجل لفظه وذلك من وجهين : الأول : أن الإعجاز في فصاحته ؛ ~~وفصاحته في لفظه . والثاني : أن توقيف صحة الصلاة على قراءة لفظه يوجب حفظ ~~تلك الألفاظ وكثرة الحفظ من الخلق العظيم يوجب بقاءه على وجه الدهر مصونا ~~عن التحريف وذلك يوجب تحقيق ما وعد الله تعالى بقوله : @QB@ إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون @QE@ [ الحجر : 9 ] أما إذا قلنا إنه لا يتوقف صحة ~~الصلاة على قراءة هذا النظم العربي فإنه يختل هذا المقصود فثبت أن المقتضى ~~قائم والفارق ظاهر . واحتج المخالف على صحة مذهبه بأنه أمر بقراءة القرآن ~~وقراءة الترجمة قراءة القرآن ويدل عليه وجوه : الأول : # روي أن عبد الله بن مسعود كان يعلم رجلا القرآن فقال : @QB@ إن شجرة ~~الزقوم طعام الأثيم @QE@ [ الدخان : 43 ] وكان الرجل عجميا فكان يقول : ~~طعام اليتيم ؛ فقال : قل طعام الفاجر ثم قال عبد الله إنه ليس الخطأ في ~~القرآن أن يقرأ مكان العليم الحكيم بل أن يضع آية الرحمة مكان آية العذاب . ~~الثاني : قوله تعالى : @QB@ وإنه لفي زبر الأولين @QE@ [ الشعراء : 196 ] ~~فأخبر أن القرآن في زبر الأولين وقال تعالى : @QB@ إن هذا لفي الصحف الأولى ~~صحف إبراهيم وموسى @QE@ [ الأعلى : 19 ] ثم أجمعنا على أنه ms0251 ما كان القرآن ~~في زبر الأولين بهذا اللفظ لكن كان بالعبرانية والسريانية . الثالث : أنه ~~تعالى قال : @QB@ وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به @QE@ [ الأنعام : 19 ] ~~ثم إن العجم لا يفهمون اللفظ العربي إلا إذا ذكر تلك المعاني لهم بلسانهم ~~ثم إنه تعالى سماه قرآنا فثبت أن هذا المنظوم بالفارسية قرآن . والجواب عن ~~الأول أن نقول : إن أحوال هؤلاء عجيبة جدا فإن ابن مسعود نقل عنه أنه كان ~~يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ولم ينقل عن أحد من الصحابة المبالغة في نصرة ~~هذا المذهب كما نقل عن ابن PageV01P174 مسعود ثم إن الحنفية لا تلتفت إلى ~~هذا بل تقول : إن القائل به شاك في دينه والشاك لا يكون مؤمنا فإن كان قول ~~ابن مسعود حجة فلم لم يقبلوا قوله في تلك المسألة ؟ وإن لم يكن حجة فلم عول ~~عليه في هذه المسألة ؟ ولعمري هذه المناقضات عجيبة وأيضا فقد نقل عن ابن ~~مسعود حذف المعوذتين وحذف الفاتحة عن القرآن ويجب علينا إحسان الظن به ؛ ~~وأن نقول : إنه رجع عن هذه المذاهب وأما قوله تعالى : @QB@ وإنه لفي زبر ~~الأولين @QE@ [ الشعراء : 196 ] فالمعنى أن هذه القصص موجودة في زبر ~~الأولين وقوله تعالى : @QB@ لأنذركم @QE@ [ الأنعام : 19 ] فالمعنى لأنذركم ~~معناه وهذا القدر القليل من المجاز يجوز تحمله لأجل الدلائل القاهرة ~~القاطعة التي ذكرناها . المسألة الثانية عشرة : قال الشافعي في القول ~~الجديد تجب القراءة على المقتدي ؛ سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها ~~وقال في القديم تجب القراءة إذا أسر الإمام ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك ~~وابن المبارك وقال أبو حنيفة تكره القراءة خلف الإمام بكل حال ولنا وجوه : ~~الحجة الأولى : قوله تعالى : ^ { فاقرؤا ما تيسر من القرآن } ^ [ المزمل : ~~20 ] وهذا الأمر يتناول المنفرد والمأموم . الحجة الثانية : # أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصلاة فيجب علينا ذلك لقوله تعالى ~~@QB@ فاتبعوه @QE@ [ الأنعام : 153 ] إلا أن يقال : إن كونه مأموما يمنع ~~منه إلا أنه معارضة . الحجة الثالثة : أنا بينا أن قوله تعالى @QB@ وأقيموا ~~الصلاة @QE@ [ البقرة : 43 ms0252 ] أمر بمجموع الأفعال التي كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يفعلها ومن جملة تلك الأفعال قراءة الفاتحة فكان قوله ~~أقيموا الصلاة يدخل فيه الأمر بقراءة الفاتحة . الحجة الرابعة : قوله عليه ~~السلام # : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقد ثبت تقرير وجه الدليل . فإن قالوا : هذا ~~الخبر مخصوص بحال الانفراد لأنه روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم # : قال من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا أن يكون وراء ~~الإمام قلنا : هذا الحديث طعنوا فيه . الحجة الخامسة : قوله عليه الصلاة ~~والسلام للأعرابي الذي علمه أعمال الصلاة # ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن وهذا يتناول المنفرد والمأموم . الحجة ~~السادسة : # روى أبو عيسى الترمذي في جامعه بإسناده عن محمود بن الربيع عن عبادة بن ~~الصامت قال : قرأ النبي عليه الصلاة والسلام في الصبح فثقلت عليه القراءة ~~فلما انصرف قال : ما لي أراكم تقرأون خلف إمامكم قلنا : أي والله قال : لا ~~تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها قال أبو عيسى الترمذي ~~: هذا حديث حسن . الحجة السابعة : # روى مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى ~~هشام يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تام قال : فقلت يا أبا ~~هريرة إني أكون أحيانا خلف الإمام قال : اقرأ بها يا فارسي في نفسك ~~PageV01P175 والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : أن صلاة المقتدي ~~بدون مبرة عن الخداج عند الخصم وهو على خلاف النص . الثاني : أن السائل ~~أورد الصلاة خلف الإمام على أبي هريرة بوجوب القراءة عليه في هذه الحالة ~~وذلك يؤيد المطلوب . الحجة الثامنة : # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى يقول : ~~قسمت الصلاة بين وبين عبدي نصفين بين أن التنصيف إنما يحصل بسبب القراءة ~~فوجب أن تكون قراءة الفاتحة من لوازم الصلاة وهذا التنصيف قائم في صلاة ~~المنفرد ms0253 وفي صلاة المقتدي . الحجة التاسعة : # روى الدارقطني بإسناده عن عبادة بن الصامت قال : صلى بنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فلما انصرف أقبل علينا ~~بوجهه الكريم فقال : هل تقرأون إذا جهرت بالقراءة ؟ فقال بعضنا إنا لنصنع ~~ذلك فقال : وأنا أقول مالي أنازع القرآن لا تقرؤا شيئا من القرآن إذا جهرت ~~بقراءتي إلا أم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها . الحجة العاشرة : أن ~~الأحاديث الكثيرة دالة على أن قراءة القرآن توجب الثواب العظيم وهي متناولة ~~للمنفرد والمقتدى فوجب أن تكون قراءتها في الصلاة خلف الإمام موجبة للثواب ~~العظيم وكل من قال بذلك قال بوجوب قراءتها . الحجة الحادية عشرة : وافق أبو ~~حنيفة رضي الله عنه على أن القراءة خلف الإمام لا تبطل الصلاة وأما عدم ~~قراءتها فهو عندنا يبطل الصلاة فثبت أن القراءة أحوط فكانت واجبة لقوله ~~عليه الصلاة والسلام # : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك . الحجة الثانية عشرة : إذا بقي المقتدي ~~ساكتا عن القراءة مع أنه لا يسمع قراءة الإمام بقي معطلا فوجب أن يكون حال ~~القارئ أفضل منه لقوله عليه الصلاة والسلام # : أفضل الأعمال قراءة القرآن وإذا ثبت أن القراءة أفضل من السكوت في هذه ~~الحالة ثبت القول بالوجوب لأنه لا قائل بالفرق . الحجة الثالثة عشرة : لو ~~كان الاقتداء مانعا من القراءة لكان الاقتداء حراما لأن قراءة القرآن عبادة ~~عظيمة والمانع من العبادة الشريفة محرم فيلزمه أن يكون الاقتداء حراما وحيث ~~لم يكن كذلك علمنا أن الاقتداء لا يمنع من القراءة . واحتج أبو حنيفة ~~بالقرآن والخبر أما القرآن فقوله تعالى : @QB@ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا @QE@ [ الأعراف : 204 ] واعلم أنا بينا في تفسير هذه الآية أنها لا ~~تدل على قولهم وبالغنا فليطالع ذلك الموضع من هذا التفسير ؛ وأما الأخبار ~~فقد ذكروا أخبارا كثيرة والشيخ أحمد البيهقي بين ضعفها ثم نقول : هب أنها ~~صحيحة ولكن الأخبار لما تعارضت وكثرت فلا بد من الترجيح وهو معنا من وجوه : ~~الأول : أن قولنا : يوجب ms0254 الاشتغال بقراءة القرآن وهو من أعظم الطاعات ~~وقولهم يوجب العطلة والسكوت عن ذكر الله ولا شك أن قولنا أولى . الثاني : ~~أن قولنا أحوط . الثالث : أن قولنا يوجب شغل جميع أجزاء الصلاة بالطاعات ~~والأذكار الجميلة وقولهم يوجب تعطيل الوقت عن الطاعة والذكر . المسألة ~~الثالثة عشرة : قال الشافعي رضي الله عنه # : قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة فإن تركها في PageV01P176 ركعة بطلت ~~صلاته قال الشيخ أبو حامد الاسفرايني : وهذا القول مجمع عليه بين الصحابة ~~قال به أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود . واعلم أن المذاهب في هذه المسألة ~~ستة : أحدها : قول الأصم وابن علية وهو أن القراءة غير واجبة أصلا . ~~والثاني : قول الحسن البصري والحسن بن صالح بن جني أن القراءة إنما تجب في ~~ركعة واحدة لقوله عليه الصلاة والسلام # لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب والاستثناء من النفي إثبات فإذا حصلت قراءة ~~الفاتحة في الصلاة مرة واحدة وجب القول بصحة الصلاة بحكم الاستثناء . ~~والثالث : قول أبي حنيفة وهو أن القراءة في الركعتين الأولتين واجبة وهو في ~~الأخيرتين بالخيار إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت وذكر في كتاب ~~الاستحباب أن القراءة واجبة في الركعتين من غير تعيين . والرابع : نقل ابن ~~الصباغ في كتاب الشامل عن سفيان أنه قال : تجب القراءة في الركعتين ~~الأوليين وتكره في الأخريين . والخامس : وهو قول مالك أن القراءة واجبة في ~~أكثر الركعات ولا تجب في جميعها فإن كانت الصلاة أربع ركعات كفت القراءة في ~~ثلاث ركعات وإن كانت مغربا كفت في ركعتين وإن كانت صبحا وجبت القراءة فيهما ~~معا . والسادس : وهو قول الشافعي وهو أن القراءة واجبة في كل الركعات . ~~ويدل على صحته وجوه : الحجة الأولى : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ~~كل الركعات فيجب علينا مثله لقوله تعالى @QB@ واتبعوه @QE@ [ الأعراف : 158 ~~] الحجة الثانية : أن الأعرابي الذي علمه عليه الصلاة والسلام الصلاة أمره ~~أن يقرأ بأم القرآن ثم قال : وكذلك فافعل في كل ركعة والأمر للوجوب فإن ~~قالوا قوله # فافعل في كل ركعة راجع ms0255 إلى الأفعال لا إلى الأقوال قلنا القول فعل اللسان ~~فهو داخل في الأفعال . الحجة الثالثة : نقل الشيخ أبو نصر بن الصباغ في ~~كتاب الشامل عن أبي سعيد الخدري أنه قال # : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة ~~فريضة كانت أو نافلة . الحجة الرابعة : القراءة في الركعات أحوط فوجب القول ~~بوجوبها . الحجة الخامسة : أمر بالصلاة والأصل في الثابت البقاء حكمنا ~~بالخروج عن العهدة عند القراءة في كل الركعات لأجل أن هذه الصلاة أكمل فعند ~~عدم القراءة في الكل وجب أن يبقى في العهدة . واحتج المخالف بما روي عن ~~عائشة أنها قالت # : فرضت الصلاة في الأصل ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر وإذا ثبت ~~هذا فنقول : الركعتان الأوليان أصل والأخريان تبع ومدار الأمر في التبع على ~~التخفيف ولهذا المعنى فإنه لا يقرأ السورة الزائدة فيهما ولا يجهر بالقراءة ~~فيهما . والجواب أن دلائلنا أكثر وأقوى ومذهبنا أحوط فكان أرجح . المسألة ~~الرابعة عشرة : إذا ثبت أن قراءة الفاتحة شرط من شرائط الصلاة فله فروع : ~~الفرع الأول : قد بينا أنه لو ترك قراءة الفاتحة أو ترك حرفا من حروفها ~~عمدا بطلت صلاته أما لو تركها سهوا قال الشافعي في القديم لا تفسد صلاته ~~واحتج بما روى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال : صلى بنا عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه المغرب فترك القراءة فلما انقضت الصلاة قيل له : تركت القراءة قال ~~: كيف كان الركوع والسجود ؟ قالوا : حسنا قال : فلا بأس قال الشافعي : فلما ~~وقعت هذه الواقعة بمحضر من الصحابة كان ذلك إجماعا ورجع الشافعي عنه في ~~الجديد وقال : تفسد صلاته ؛ لأن الدلائل المذكورة عامة في العمد والسهو ثم ~~أجاب عن قصة عمر من وجهين : الأول : أن الشعبي # روى أن عمر رضي الله عنه أعاد PageV01P177 الصلاة . والثاني : أنه لعله ~~ترك الجهر بالقراءة لا نفس القراءة قال الشافعي هذا هو الظن بعمر . الفرع ~~الثاني : تجب الرعاية في ترتيب القراءة فلو قرأ النصف الأخير ثم النصف ~~الأول يحسب له الأول ms0256 دون الأخير . الفرع الثالث : الرجل الذي لا يحسن تمام ~~الفاتحة إما أن يحفظ بعضها وإما أن لا يحفظ شيئا منها أما الأول فإنه يقرأ ~~تلك الآية ويقرأ معها ست آيات على الوجه الأقرب وأما الثاني - وهو أن لا ~~يحفظ شيئا من الفاتحة - فههنا إن حفظ شيئا من القرآن لزمه قراءة ذلك ~~المحفوظ لقوله تعالى : ^ { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } ^ [ المزمل : 20 ] ~~وإن لم يحفظ شيئا من القرآن فههنا يلزمه أن يأتي بالذكر وهو التكبير ~~والتحميد وقال أبو حنيفة لا يلزمه شيء حجة الشافعي # ما روى رفاعة بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا قام ~~أحدكم إلى الصلاة فليتوضأ كما أمره الله ثم يكبر فإن كان معه شيء من القرآن ~~فليقرأ وإن لم يكن معه شيء من القرآن فليحمد الله وليكبر بقي ههنا قسم واحد ~~وهو أن لا يحفظ الفاتحة ولا يحفظ شيئا من القرآن ولا يحفظ أيضا شيئا من ~~الأذكار العربية وعندي أنه يؤمر بذكر الله تعالى بأي لسان قدر عليه تمسكا ~~بقوله عليه الصلاة والسلام # إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . المسألة الخامسة عشرة : نقل في ~~الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة من القرآن وكان ينكر ~~كون المعوذتين من القرآن واعلم أن هذا في غاية الصعوبة لأنا إن قلنا إن ~~النقل المتواتر كان حاصلا في عصر الصحابة بكون سورة الفاتحة من القرآن ~~فحينئذ كان ابن مسعود عالما بذلك فإنكاره يوجب الكفر أو نقصان العقل وإن ~~قلنا إن النقل المتواتر في هذا المعنى ما كان حاصلا في ذلك الزمان فهذا ~~يقتضي أن يقال إن نقل القرآن ليس بمتواتر في الأصل وذلك يخرج القرآن عن ~~كونه حجة يقينية والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل كاذب ~~باطل وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة . وههنا آخر الكلام في المسائل الفقهية ~~المفرعة على سورة الفاتحة والله الهادي للصواب . < # > الباب الخامس < # > < # > في تفسير سورة الفاتحة وفيه فصول < # > < # > الفصل الأول < # > في تفسير ms0257 قوله تعالى @QB@ الحمد لله > 2 @QB@ < # | الفاتحة : ( 2 ) الحمد لله رب . . . . . # > > وفيه وجوه : الأول : ههنا ألفاظ ثلاثة : الحمد والمدح والشكر فنقول : ~~الفرق بين الحمد والمدح من وجوه الأول : أن المدح قد يحصل للحي ولغير الحي ~~ألا ترى أن من رأى لؤلؤة في غاية الحسن أو ياقوتة في غاية الحسن فإنه قد ~~يمدحها ويستحيل أن يحمدها فثبت أن المدح أعم من الحمد . الوجه الثاني في ~~الفرق : أن المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده أما الحمد فإنه لا ~~يكون إلا بعد الإحسان . الوجه الثالث : في الفرق : أن المدح قد يكون منهيا ~~عنه # قال عليه الصلاة والسلام : احثوا التراب في وجوه المداحين أما الحمد فإنه ~~مأمور به مطلقا # قال صلى الله عليه وسلم PageV01P178 من لم يحمد الناس لم يحمد الله الوجه ~~الرابع : أن المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصا بنوع من أنواع ~~الفضائل وأما الحمد فهو القول الدال على كونه مختصا بفضيلة معينة وهي فضيلة ~~الإنعام والإحسان فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد . وأما الفرق بين ~~الحمد وبين الشكر فهو أن الحمد يعم ما إذا وصل ذلك الإنعام إليك أو إلى ~~غيرك وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك . إذا عرفت هذا فنقول : قد ~~ذكرنا أن المدح حاصل للحي ولغير الحي وللفاعل المختار ولغيره فلو قال المدح ~~لله لم يدل ذلك على كونه تعالى فاعلا مختارا أما لما قال الحمد لله فهو يدل ~~على كونه مختارا فقوله : @QB@ الحمد لله @QE@ يدل على كون هذا القائل مقرا ~~بأن إله العالم ليس موجبا بالذات كما تقول الفلاسفة بل هو فاعل مختار وأيضا ~~فقوله الحمد لله أولى من قوله الشكر لله لأن قوله الحمد لله ثناء على الله ~~بسبب كل إنعام صدر منه ووصل إلى غيره وأما الشكر لله فهو ثناء بسبب إنعام ~~وصل إلى ذلك القائل ولا شك أن الأول أفضل لأن التقدير كان العبد يقول : ~~سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين وأنت مستحق للحمد ~~العظيم وقيل ms0258 الحمد على ما دفع الله من البلاء والشكر على ما أعطى من ~~النعماء . فإن قيل : النعمة في الإعطاء أكثر من النعمة في دفع البلاء ~~فلماذا ترك الأكثر وذكر الأقل قلنا فيه وجوه : الأول : كأنه يقول أنا شاكر ~~لأدنى النعمتين فكيف لأعلاهما . الثاني : المنع غير متناه والإعطاء متناه ~~فكان الابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له أولى . الثالث : أن دفع ~~الضرر أهم من جلب النفع فلهذا قدمه . الفائدة الثانية : أنه تعالى لم يقل ~~أحمد الله ولكن قال @QB@ الحمد لله @QE@ وهذه العبارة الثانية أولى لوجوه : ~~أحدها : أنه لو قال أحمد الله أفاد ذلك كون ذلك القائل قادرا على حمده أما ~~لما قال @QB@ الحمد لله @QE@ فقد أفاد ذلك أنه كان محمودا قبل حمد الحامدين ~~وقبل شكر الشاكرين فهؤلاء سواء حمدوا أو لم يحمدوا وسواء شكروا أو لم ~~يشكروا فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم . ~~وثانيها : أن قولنا الحمد لله معناه أن الحمد والثناء حق لله وملكه فإنه ~~تعالى هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد فقولنا ~~الحمد لله معناه أن الحمد لله حق يستحقه لذاته ولو قال أحمد الله لم يدل ~~ذلك على كونه مستحقا للحمد لذاته ومعلوم أن اللفظ الدال على كونه مستحقا ~~للحمد أولى من اللفظ الدال على أن شخصا واحدا حمده . وثالثها : أنه لو قال ~~أحمد الله لكان قد حمد لكن لا حمدا يليق به وأما إذا قال الحمد لله فكأنه ~~قال من أنا حتى أحمده ؟ لكنه محمود بجميع حمد الحامدين مثاله ما لو سئلت : ~~هل لفلان عليك نعمة ؟ فإن قلت نعم فقد حمدته ولكن حمدا ضعيفا ولو قلت في ~~الجواب : بل نعمه على كل الخلائق فقد حمدته بأكمل المحامد ورابعها : أن ~~الحمد عبارة عن صفة القلب وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلا منعما مستحقا ~~للتعظيم والإجلال فإذا تلفظ الإنسان بقوله أحمد الله مع أنه كان قلبه غافلا ~~عن معنى التعظيم اللائق بجلال الله كان كاذبا لأنه أخبر عن نفسه بكونه ms0259 ~~حامدا مع أنه ليس كذلك أما إذا قال الحمد لله سواء كان غافلا أو مستحضرا ~~لمعنى التعظيم فإنه يكون صادقا لأن معناه أن الحمد حق لله وملكه وهذا ~~المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلا بمعنى التعظيم والإجلال أو لم يكن فثبت ~~أن قوله الحمد لله PageV01P179 أولى من قوله أحمد الله ونظيره قولنا لا إله ~~إلا الله فإنه لا يدخله التكذيب بخلاف قولنا أشهد أن لا إله إلا الله لأنه ~~قد يكون كاذبا في قوله أشهد ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين : @QB@ ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون @QE@ [ المنافقون : 1 ] ولهذا السر أمر في ~~الأذان بقوله أشهد ثم وقع الختم على قوله لا إله إلا الله . الفائدة ~~الثالثة : اللام في قوله الحمد لله يحتمل وجوها كثيرة أحدها : الاختصاص ~~اللائق كقولك الجل للفرس . وثانيها : الملك كقولك الدار لزيد . وثالثها : ~~القدرة والاستيلاء كقولك البلد للسلطان واللام في قولك الحمد لله يحتمل هذه ~~الوجوه الثلاثة فإن حملته على الاختصاص اللائق فمن المعلوم أنه لا يليق ~~الحمد إلا به لغاية جلاله وكثرة فضله وإحسانه وإن حملته على الملك فمعلوم ~~أنه تعالى مالك للكل فوجب أن يملك منهم كونهم مشتغلين بحمده وإن حملته على ~~الاستيلاء والقدرة فالحق سبحانه وتعالى كذلك لأنه واجب لذاته وما سواه ممكن ~~لذاته والواجب لذاته مستول على الممكن لذاته فالحمد لله بمعنى أن الحمد لا ~~يليق إلا به وبمعنى أن الحمد ملكه وملكه وبمعنى أنه هو المستولي على الكل ~~والمستعلي على الكل . الفائدة الرابعة : قوله الحمد لله ثمانية أحرف وأبواب ~~الجنة ثمانية فمن قال هذه الثمانية عن صفاء قلبه استحق ثمانية أبواب الجنة ~~. الفائدة الخامسة : الحمد لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف وفيه قولان ~~الأول : أنه إن كان مسبوقا بمعهود سابق انصرف إليه وإلا يحمل على الاستغراق ~~صونا للكلام عن الإجمال والقول الثاني : أنه لا يفيد العموم إلا أنه يفيد ~~الماهية والحقيقة فقط . إذا عرفت هذه فنقول : قوله الحمد لله إن قلنا ~~بالقول الأول أفاد أن كل ما كان حمدا وثناء فهو لله ms0260 وحقه وملكه وحينئذ يلزم ~~أن يقال : إن ما سوى الله فإنه لا يستحق الحمد والثناء البتة وإن قلنا ~~بالقول الثاني كان معناه أن ماهية الحمد حق لله تعالى وملك له وذلك ينفي ~~كون فرد من أفراد هذه الماهية لغير الله فثبت على القولين أن قوله الحمد ~~لله ينفي حصول الحمد لغير الله . فإن قيل : أليس أن المنعم يستحق الحمد من ~~المنعم عليه والأستاذ يستحق الحمد من التلميذ والسلطان العادل يستحق الحمد ~~من الرعية وقال عليه السلام # : من لم يحمد الناس لم يحمد الله ؟ قلنا إن كل من أنعم على غيره بإنعام ~~فالمنعم في الحقيقة هو الله تعالى لأنه لولا أنه تعالى خلق تلك الداعية في ~~قلب ذلك المنعم وإلا لم يقدم على ذلك الإنعام ولولا أنه تعالى خلق تلك ~~النعمة وسلط ذلك المنعم عليها ومكن المنعم عليه من الانتفاع لما حصل ~~الانتفاع بتلك النعمة فثبت أن المنعم في الحقيقة هو الله . الفائدة السادسة ~~: أن قوله الحمد لله كما دل على أنه لا محمود إلا الله فكذلك العقل دل عليه ~~وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى لو لم يخلق داعية الإنعام في قلب ~~المنعم لم ينعم فيكون المنعم في الحقيقة هو الله الذي خلق تلك الداعية . ~~وثانيها : أن كل من أنعم على الغير فإنه يطلب بذلك الإنعام عوضا إما ثوابا ~~أو ثناء أو توصيل حق أو تخليصا للنفس من خلق البخل وطالب العوض لا يكون ~~منعما فلا يكون مستحقا للحمد في الحقيقة أما الله سبحانه وتعالى فإنه كامل ~~لذاته والكامل لذاته لا يطلب الكمال لأن تحصيل الحاصل محال فكانت عطاياه ~~جودا محضا وإحسانا محضا فلا جرم كان مستحقا للحمد فثبت PageV01P180 أنه لا ~~يستحق الحمد إلا الله تعالى . وثالثها : أن كل نعمة فهي من الموجودات ~~الممكنة الوجود وكل ممكن الوجود فإنه وجد بإيجاد الحق إما ابتداء وإما ~~بواسطة ينتج أن كل نعمة فهي من الله تعالى ويؤكد ذلك بقوله تعالى : @QB@ ~~وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ [ النحل : 53 ] والحمد لا معنى له ms0261 إلا ~~الثناء على الإنعام فلما كان لا إنعام إلا من الله تعالى وجب القطع بأن ~~أحدا لا يستحق الحمد إلا الله تعالى . ورابعها : النعمة لا تكون كاملة إلا ~~عند اجتماع أمور ثلاثة : أحدها : أن تكون منفعة والانتفاع بالشيء مشروط ~~بكونه حيا مدركا وكونه حيا مدركا لا يحصل إلا بإيجاد الله تعالى . وثانيها ~~: أن المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلا إذا كانت خالية عن شوائب الضرر والغم ~~وإخلاء المنافع عن شوائب الضرر لا يحصل إلا من الله تعالى . وثالثها : أن ~~المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلا إذا كانت آمنة من خوف الانقطاع وهذا الأمر ~~لا يحصل إلا من الله تعالى إذا ثبت هذا فالنعمة الكاملة لا تحصل إلا من ~~الله تعالى فوجب أن لا يستحق الحمد الكامل إلا الله تعالى فثبت بهذه ~~البراهين صحة قوله تعالى الحمد لله . الفائدة السابعة : قد عرفت أن الحمد ~~عبارة عن مدح الغير بسبب كونه منعما متفضلا وما لم يحصل شعور الإنسان بوصول ~~النعمة إليه امتنع تكليفه بالحمد والشكر إذا عرفت هذا فنقول : وجب كون ~~الإنسان عاجزا عن حمد الله وشكره ويدل عليه وجوه : الأول : أن نعم الله على ~~الإنسان كثيرة لا يقوى عقل الإنسان على الوقوف عليها كما قال تعالى : @QB@ ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها @QE@ [ إبراهيم : 34 ] وإذا امتنع وقوف ~~الإنسان عليها امتنع اقتداره على الحمد والشكر والثناء اللائق بها . الثاني ~~: أن الإنسان إنما يمكنه القيام بحمد الله وشكره إذا أقدره الله تعالى على ~~ذلك الحمد والشكر وإذا خلق في قلبه داعية إلى فعل ذلك الحمد والشكر وإذا ~~زال عنه العوائق والحوائل فكل ذلك إنعام من الله تعالى فعلى هذا لا يمكنه ~~القيام بشكر الله تعالى إلا بواسطة نعم عظيمة من الله تعالى عليه وتلك ~~النعم أيضا توجب الشكر وعلى هذا التقدير : فالعبد لا يمكنه الإتيان بالشكر ~~والحمد إلا عند الإتيان به مرارا لا نهاية لها وذلك محال والموقوف على ~~المحال محال فكان الإنسان يمتنع منه الإتيان بحمد الله وبشكره على ما يليق ~~به ms0262 الثالث : أن الحمد والشكر ليس معناه مجرد قول القائل بلسانه الحمد لله ؛ ~~بل معناه علم المنعم عليه بكون المنعم موصوفا بصفات الكمال والجلال وكل ما ~~خطر ببال الإنسان من صفات الكمال والجلال فكمال الله وجلاله أعلى وأعظم من ~~ذلك المتخيل والمتصور وإذا كان كذلك امتنع كون الإنسان آتيا بحمد الله ~~وشكره وبالثناء عليه . الرابع : أن الاشتغال بالحمد والشكر معناه أن المنعم ~~عليه يقابل الإنعام الصادر من المنعم بشكر نفسه وبحمد نفسه وذلك بعيد لوجوه ~~( أحدها ) : أن نعم الله كثيرة لا حد لها فمقابلتها بهذا الإعتقاد الواحد ~~وبهذه اللفظة الواحدة في غاية البعد وثانيها : أن من اعتقد أن حمده وشكره ~~يساوي نعم الله تعالى فقد أشرك وهذا معنى قول الواسطي الشكر شرك وثالثها : ~~أن الإنسان محتاج إلى إنعام الله في ذاته وفي صفاته وفي أحواله والله تعالى ~~غني عن شكر الشاكرين وحمد الحامدين فكيف يمكن مقابلة نعم الله بهذا الشكر ~~وبهذا الحمد فثبت بهذه الوجوه أن العبد عاجز عن الإتيان بحمد الله وبشكره ~~فلهذه الدقيقة لم يقل احمدوا الله بل قال الحمد لله لأنه لو قال احمدوا ~~الله فقد كلفهم ما لا طاقة لهم به أما لما قال الحمد لله كان المعنى أن ~~كمال الحمد حقه وملكه سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا ~~PageV01P181 عليه ؛ ونقل أن داود عليه السلام قال # يا رب كيف أشكرك وشكري لك لا يتم إلا بإنعامك علي وهو أن توفقني لذلك ~~الشكر ؟ فقال : يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب قدرتك ~~وطاقتك . الفائدة الثامنة : # عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : إذا أنعم الله على عبده نعمة ~~فيقول العبد الحمد لله فيقول الله تعالى : انظروا إلى عبدي أعطيته ما لا ~~قدر له فأعطاني ما لا قيمة له وتفسيره أن الله إذا أنعم على العبد كان ذلك ~~الإنعام أحد الأشياء المعتادة مثل أنه كان جائعا فأطعمه أو كان عطشانا ~~فأرواه أو كان عريانا فكساه أما إذا قال العبد الحمد لله كان معناه ms0263 أن كل ~~حمد أتى به أحد من الحامدين فهو لله وكل حمد لم يأت به أحد من الحامدين ~~وأمكن في حكم العقل دخوله في الوجود فهو لله وذلك يدخل فيه جميع المحامد ~~التي ذكرها ملائكة العرش والكرسي وساكنو أطباق السموات وجميع المحامد التي ~~ذكرها جميع الأنبياء من آدم إلى محمد صلوات الله عليهم وجميع المحامد التي ~~ذكرها جميع الأولياء والعلماء وجميع الخلق وجميع المحامد التي سيذكرونها ~~إلى وقت قولهم : @QB@ دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين @QE@ [ يونس : 10 ] ثم جميع هذه المحامد ~~متناهية وأما المحامد التي لا نهاية لها هي التي سيأتون بها أبد الآباد ~~ودهر الداهرين فكل هذه الأقسام التي لا نهاية لها داخلة تحت قول العبد @QB@ ~~الحمد لله رب العالمين @QE@ فلهذا السبب قال تعالى # : انظروا إلى عبدي قد أعطيته نعمة واحدة لا قدر لها فأعطاني من الشكر ما ~~لا حد له ولا نهاية له . أقول : ههنا دقيقة أخرى وهي أن نعم الله تعالى على ~~العبد في الدنيا متناهية وقوله الحمد لله حمد غير متناه ومعلوم أن غير ~~المتناهي إذا سقط منه المتناهي بقي الباقي غير متناه فكأنه تعالى يقول : ~~عبدي ! إذا قلت الحمد لله في مقابلة تلك النعمة فالذي بقي لك من تلك الكلمة ~~طاعات غير متناهية فلا بد من مقابلتها بنعمة غير متناهية فلهذا السبب يستحق ~~العبد الثواب الأبدي والخير السرمدي فثبت أن قول العبد لله يوجب سعادات لا ~~آخر لها وخيرات لا نهاية لها . الفائدة التاسعة : لا شك أن الوجود خير من ~~العدم والدليل عليه أن كل موجود حي فإنه يكره عدم نفسه ولولا أن الوجود خير ~~من العدم وإلا لما كان كذلك وإذا ثبت هذا فنقول وجود كل شيء ما سوى الله ~~تعالى فإنه حصل بإيجاد الله وجوده وفضله وإحسانه وقد ثبت أن الوجود نعمة ~~فثبت أنه لا موجود في عالم الأرواح الأجسام والعلويات والسفليات إلا ولله ~~عليه نعمة ورحمة وإحسان والنعمة والرحمة والإحسان موجبة للحمد والشكر فإذا ms0264 ~~قال العبد الحمد لله فليس مراده الحمد لله على النعم الواصلة إلي بل المراد ~~الحمد لله على النعم الصادرة منه وقد بينا أن إنعامه واصل إلى ما كل سواه ~~فإذا قال العبد الحمد لله كان معناه الحمد لله على إنعامه على كل مخلوق ~~خلقه وعلى كل محدث أحدثه من نور وظلمة وسكون وحركة وعرش وكرسي وجني وإنسي ~~وذات وصفة وجسم وعرض إلى أبد الآباد ودهر الداهرين وأنا أشهد أنها بأسرها ~~حقك وملكك وليس لأحد معك فيها شركة ومنازعة . الفائدة العاشرة : لقائل أن ~~يقول : التسبيح مقدم على التحميد لأنه يقال سبحان الله والحمد لله فما ~~السبب ههنا في وقوع البداية بالتحميد ؟ والجواب أن التحميد يدل على التسبيح ~~دلالة التضمن فإن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص ~~والآفات والتحميد يدل مع حصول تلك الصفة على كونه PageV01P182 محسنا إلى ~~الخلق منعما عليهم رحيما بهم فالتسبيح إشارة إلى كونه تعالى تاما والتحميد ~~يدل على كونه تعالى فوق التمام فلهذا السبب كان الابتداء بالتحميد أولى ~~وهذا الوجه مستفاد من القوانين الحكمية وأما الوجه اللائق بالقوانين ~~الأصولية فهو أن الله تعالى لا يكون محسنا بالعباد إلا إذا كان عالما بجميع ~~المعلومات ليعلم أصناف حاجات العباد وإلا إذا كان قادرا على كل المقدورات ~~ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه وإلا إذا كان غنيا عن كل الحاجات إذ لو لم ~~يكن كذلك لكان اشتغاله بدفع الحاجة عن نفسه يمنعه عن دفع حاجة العبد فثبت ~~أن كونه محسنا لا يتم إلا بعد كونه منزها عن النقائص والآفات فثبت أن ~~الابتداء بقوله الحمد لله أولى من الابتداء بقوله سبحان الله . الفائدة ~~الحادية عشرة : الحمد لله له تعلق بالماضي وتعلق بالمستقبل أما تعلقه ~~بالماضي فهو أنه يقع شكرا على النعم المتقدمة وأما تعلقه بالمستقبل فهو أنه ~~يوجب تجدد النعم في الزمان المستقبل لقوله تعالى : @QB@ لئن شكرتم لأزيدنكم ~~@QE@ [ إبراهيم : 7 ] والعقل أيضا يدل عليه وهو أن النعم السابقة توجب ~~الإقدام على الخدمة والقيام بالطاعة ثم إذا اشتغل بالشكر ms0265 انفتحت على العقل ~~والقلب أبواب نعم الله تعالى وأبواب معرفته ومحبته وذلك من أعظم النعم ~~فلهذا المعنى كان الحمد بسبب تعلقه بالماضي يغلق عنك أبواب النيران وبسبب ~~تعلقه بالمستقبل يفتح لك أبواب الجنان فتأثيره في الماضي سد أبواب الحجاب ~~عن الله تعالى ؛ وتأثيره في المستقبل فتح أبواب معرفة الله تعالى ولما كان ~~لا نهاية لدرجات الله فكذلك لا نهاية للعبد في معارج معرفة الله ولا مفتاح ~~لها إلا قولنا الحمد لله فلهذا السبب سميت سورة الحمد بسورة الفاتحة . ~~الفائدة الثانية عشرة : الحمد لله كلمة شريفة جليلة لكن لا بد من ذكرها في ~~موضعها وإلا لم يحصل المقصود منها قيل للسري السقطي : كيف يجب الإتيان ~~بالطاعة ؟ قال : أنا منذ ثلاثين سنة أستغفر الله عن قولي مرة واحدة الحمد ~~لله فقيل كيف ذلك ؟ قال : وقع الحريق في بغداد واحترقت الدكاكين والدور ~~فأخبروني أن دكاني لم يحترق فقلت الحمد لله وكان معناه أني فرحت ببقاء ~~دكاني حال احتراق دكاكين الناس وكان حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك ~~فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة عن قولي الحمد لله فثبت بهذا أن هذه ~~الكلمة وإن كانت جليلة القدر إلا أنه يجب رعاية موضعها ثم إن نعم الله على ~~العبد كثيرة إلا أنها بحسب القسمة الأولى محصورة في نوعين : نعم الدنيا ~~ونعم الدين ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا لوجوه كثيرة وقولنا الحمد لله ~~كلمة جليلة شريفة فيجب على العاقل إجلال هذه الكلمة من أن يذكرها في مقابلة ~~نعم الدنيا بل يجب أن لا يذكرها إلا عند الفوز بنعم الدين ثم نعم الدين ~~قسمان : أعمال الجوارح وأعمال القلوب والقسم الثاني أشرف ثم نعم الدنيا ~~قسمان : تارة تعتبر تلك النعم من حيث هي نعم وتارة تعتبر من حيث إنها عطية ~~المنعم والقسم الثاني أشرف فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يكون ذكر قولنا ~~الحمد لله موافقا لموضعه لائقا بسببه . الفائدة الثالثة عشرة : أول كلمة ~~ذكرها أبونا آدم هو قوله الحمد لله وآخر كلمة يذكرها أهل الجنة هو ms0266 قولنا ~~الحمد لله أما الأول فلأنه لما بلغ الروح إلى سرته عطس فقال الحمد لله رب ~~العالمين وأما الثاني فهو قوله تعالى @QB@ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين @QE@ [ يونس : 10 ] ففاتحة العالم مبنية على الحمد PageV01P183 ~~وخاتمته مبنية على الحمد فاجتهد حتى يكون أول أعمالك وآخرها مقرونا بهذه ~~الكلمة فإن الإنسان عالم صغير فيجب أن تكون أحواله موافقة لأحوال العالم ~~الكبير . الفائدة الرابعة عشرة : من الناس من قال : تقدير الكلام قولوا ~~الحمد لله وهذا عندي ضعيف لأن الإضمار إنما يصار إليه ليصح الكلام وهذا ~~الإضمار يوجب فساد الكلام والذي يدل عليه وجوه : الأول : أن قوله الحمد لله ~~إخبار عن كون الحمد حقا له وملكا له وهذا كلام تام في نفسه فلا حاجة إلى ~~الإضمار . الثاني : أن قوله الحمد لله يدل على كونه تعالى مستحقا للحمد ~~بحسب ذاته وبحسب أفعاله سواء حمدوه أو لم يحمدوه لأن ما بالذات أعلى وأجل ~~مما بالغير . الثالث : ذكروا مسألة في الواقعات وهي أنه لا ينبغي للوالد أن ~~يقول لولده اعمل كذا وكذا لأنه يجوز أن لا يمتثل أمره فيأثم بل يقول إن كذا ~~وكذا يجب أن يفعل ثم إذا كان الولد كريما فإنه يجيب ويطيعه وإن كان عاقا لم ~~يشافهه بالرد فيكون إثمه أقل فكذلك ههنا قال الله تعالى الحمد لله فمن كان ~~مطيعا حمده ومن كان عاصيا إثمه أقل . الفائدة الخامسة عشرة : تمسكت الجبرية ~~والقدرية بقوله الحمد لله ؛ أما الجبرية فقد تمسكوا به من وجوه : الأول : ~~أن كل من كان فعله أشرف وأكمل وكانت النعمة الصادرة عنه أعلى وأفضل كان ~~استحقاقه للحمد أكثر ولا شك أن أشرف المخلوقات هو الإيمان فلو كان الإيمان ~~فعلا للعبد لكان استحقاق العبد للحمد أولى واجل من استحقاق الله له ولما لم ~~يكن كذلك علمنا أن الإيمان حصل بخلق الله لا بخلق العبد الثاني : أجمعت ~~الأمة على قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان لو كان الإيمان فعلا للعبد وما ~~كان فعلا لله لكان قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان ms0267 باطلا فإن حمد الفاعل ~~على ما لا يكون فعلا له باطن قبيح لقوله تعالى : @QB@ ويحبون أن يحمدوا بما ~~لم يفعلوا @QE@ [ آل عمران : 188 ] الثالث : أنا قد دللنا على أن قوله ~~الحمد لله يدل ظاهره على أن كل الحمد لله وأنه ليس لغير الله حمد أصلا ~~وإنما يكون كل الحمد لله لو كان كل النعم من الله والإيمان أفضل النعم فوجب ~~أن يكون الإيمان من الله الرابع : أن قوله الحمد لله مدح منه لنفسه ومدح ~~النفس مستقبح فيما بين الخلق فلما بدأ كتابة بمدح النفس دل ذلك على أن حاله ~~بخلاف حال الخلق وأنه يحسن من الله ما يقبح من الخلق وذلك يدل على أنه ~~تعالى مقدس عن أن تقاس أفعاله على أفعال الخلق فقد تقبح أشياء من العباد ~~ولا تقبح تلك الأشياء من الله تعالى وهذا يهدم أصول الاعتزال بالكلية . ~~والخامس : أن عند المعتزلة أفعاله تعالى يجب أن تكون حسنة ويجب أن تكون لها ~~صفة زائدة على الحسن وإلا كانت عبثا وذلك في حقه محال والزائدة على الحسن ~~إما أن تكون واجبة وإما أن تكون من باب التفضل : أما الواجب فهو مثل إيصال ~~الثواب والعوض إلى المكلفين وأما الذي يكون من باب التفضل : أما الواجب فهو ~~مثل إيصال الثواب والعوض إلى المكلفين وأما الذي يكون باب التفضل فهو مثل ~~أنه يزيد على قدر الواجب على سبيل الإحسان فنقول : هذا يقدح في كونه تعالى ~~مستحقا للحمد ويبطل صحة قولنا الحمد لله وتقريره أن نقول : أما أداء ~~الواجبات فإنه لا يفيد استحقاق الحمد ألا ترى أن من كان له على غيره دين ~~دينار فأداه فإنه لا يستحق الحمد فلو وجب على الله فعل لكان ذلك الفعل ~~مخلصا له عن الذم ولا يوجب استحقاقه للحمد وأما فعل التفضل فعند الخصم أنه ~~يستفيد بذلك مزيد حمد لأنه لو لم يصدر عنه ذلك الفعل لما حصل له ذلك الحمد ~~وإذا كان كذلك كان ناقصا لذاته مستكملا بغيره وذلك يمنع من كونه تعالى ~~مستحقا للحمد PageV01P184 والمدح ms0268 . السادس : قوله الحمد لله يدل على أنه ~~تعالى محمود فنقول : استحقاقه الحمد والمدح إما أن يكون أمرا ثابتا له ~~لذاته أو ليس ثابتا لذاته فإن كان الأول امتنع أن يكون شيء من الأفعال ~~موجبا له استحقاق المدح لأن ما ثبت لذاته امتنع ثبوته لغيره وامتنع أيضا أن ~~يكون شيء من الأفعال موجبا له استحقاق الذم لأن ما ثبت لذاته امتنع ارتفاعه ~~بسبب غيره وإذا كان كذلك لم يتقرر في حقه تعالى وجوب شيء عليه فوجب أن لا ~~يجب للعباد عليه شيء من الأعواض والثواب وذلك يهدم أصول المعتزلة وأما ~~القسم الثاني - وهو أن يكون استحقاق الحمد لله ليس ثابتا له لذاته - فنقول ~~: فيلزم أن يكون ناقصا لذاته مستكملا بغيره وذلك على الله محال أما ~~المعتزلة فقالوا : إن قوله الحمد لله لا يتم إلا على قولنا لأن المستحق ~~للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبيح في فعله ولا جور في أقضيته ولا ظلم في ~~أحكامه وعندنا أن الله تعالى كذلك فكان مستحقا لأعظم المحامد والمدائح أما ~~على مذهب الجبرية لا قبيح إلا وهو فعله ولا جور إلا وهو حكمه ولا عبث إلا ~~وهو صنعه لأنه يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ويؤلم الحيوانات من غير ~~أن يعوضها فكيف يعقل على هذا التقدير كونه مستحقا للحمد ؟ وأيضا فذلك الحمد ~~الذي يستحقه الله تعالى بسبب الإلهية إما أن يستحقه على العبد أو على نفسه ~~فإن كان الأول وجب كون العبد قادرا على الفعل وذلك يبطل القول بالجبر وإن ~~كان الثاني كان معناه أن الله يجب عليه أن يحمد نفسه وذلك باطل قالوا : ~~فثبت أن القول بالحمد لله لا يصح إلا على قولنا . الفائدة السادسة عشرة : ~~اختلفوا في أن وجوب الشكر ثابت بالعقل أو بالسمع ؛ من الناس من قال : إنه ~~ثابت بالسمع لقوله تعالى : @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ [ ~~الإسراء : 15 ] ولقوله تعالى : @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل @QE@ [ النساء : 165 ] ومنهم من قال إنه ثابت قبل ms0269 ~~مجيء الشرع وبعد مجيئه على الإطلاق والدليل عليه قوله تعالى : @QB@ الحمد ~~لله @QE@ وبيانه من وجوه : الأول : أن قوله الحمد لله يدل أن هذا الحمد حقه ~~وملكه على الإطلاق وذلك يدل على ثبوت هذا الاستحقاق قبل مجيء الشرع . ~~الثاني : أنه تعالى قال : @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ وقد ثبت في أصول ~~الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك ~~الوصف فههنا أثبت الحمد لنفسه ووصف نفسه بكونه تعالى ربا للعالمين رحمانا ~~رحيما بهم مالكا لعاقبة أمرهم في القيامة فهذا يدل على أن استحقاق الحمد ~~إنما يحصل لكونه تعالى مربيا لهم رحمانا رحيما بهم وإذا كان كذلك ثبت أن ~~اسحقاق الحمد ثابت لله تعالى في كل الأوقات سواء كان قبل مجيء النبي أو ~~بعده . الفائدة السابعة عشرة : يجب علينا أن نبحث عن حقيقة الحمد وماهيته ~~فنقول : تحميد الله تعالى ليس عبارة عن قولنا الحمد لله لأن قولنا الحمد ~~لله إخبار عن حصول الحمد والإخبار عن الشيء مغاير للمخبر عنه فوجب أن يكون ~~تحميد الله مغايرا لقولنا الحمد لله فنقول : حمد المنعم عبارة عن كل فعل ~~يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما . وذلك الفعل إما أن يكون فعل القلب أو ~~فعل اللسان أو فعل الجوارح أما فعل القلب فهو أن يعتقد فيه كونه موصوفا ~~بصفات الكمال والإجلال وأما فعل اللسان فهو أن يذكر ألفاظا دالة على كونه ~~موصوفا بصفات الكمال وأما فعل الجوارح فهو أن يأتي بأفعال دالة على كون ذلك ~~المنعم موصوفا بصفات الكمال والإجلال فهذا هو المراد من الحمد واعلم أن أهل ~~العلم افترقوا في هذا المقام PageV01P185 فريقين : الفريق الأول : الذين ~~قالوا إنه لا يجوز أن يأمر الله عبيده بأن يحمدوه واحتجوا عليه بوجوه : ~~الأول : أن ذلك التحميد إما أن يكون بناء على إنعام وصل إليهم أولا وبناء ~~عليه فالأول باطل لأن هذا يقتضي أنه تعالى طلب منهم على إنعامه جزاء ~~ومكافأة وذلك يقدح في كمال الكرم فإن الكريم إذا أنعم لم يطلب المكافأة ~~وأما الثاني ms0270 فهو إتعاب للغير ابتداء وذلك يوجب الظلم . الثاني : قالوا ~~الاشتغال بهذا الحمد متعب للحامد وغير نافع للمحمود لأنه كامل لذاته ~~والكامل لذاته يستحيل أن يستكمل بغيره فثبت أن الاشتغال بهذا التحميد عبث ~~وضرر فوجب أن لا يكون مشروعا . الثالث : أن معنى الإيجاب هو أنه لو لم يفعل ~~لاستحق العقاب فإيجاب حمد الله تعالى معناه أنه قال لو لم تشتغل بهذا الحمد ~~لعاقبتك وهذا الحمد لا نفع له في حق الله فكان معناه أن هذا الفعل لا فائدة ~~فيه لأحد ولو تركته لعاقبتك أبد الآباد وهذا لا يليق بالحكم الكريم . ~~الفريق الثاني : قالوا الاشتغال بحمد الله سوء أدب من وجوه : الأول : أنه ~~يجري مجرى مقابلة إحسان الله بذلك الشكر القليل والثاني : أن الاشتغال ~~بالشكر لا يتأتى إلا مع استحضار تلك النعم في القلب واشتغال القلب بالنعم ~~يمنعه من الاستغراق في معرفة المنعم . الثالث : أن الثناء على الله تعالى ~~عند وجدان النعمة يدل على أنه إنما أثنى عليه لأجل الفوز بتلك النعم وذلك ~~يدل على أن مقصوده من العبادة والحمد والثناء الفوز بتلك النعم وهذا الرجل ~~في الحقيقة معبوده ومطلوبه إنما هو تلك النعمة وحظ النفس وذلك مقام نازل ~~والله أعلم . < # > الفصل الثاني < # > < # > في تفسير قوله رب العالمين وفيه فوائد الفائدة الأولى : اعلم أن ~~الموجود إما أن يكون واجبا لذاته وإما أن يكون ممكنا لذاته أما الواجب ~~لذاته فهو الله تعالى فقط وأما الممكن لذاته فهو كل ما سوى الله تعالى وهو ~~العالم لأن المتكلمين قالوا : العالم كل موجود سوى الله وسبب تسمية هذا ~~القسم بالعالم أن وجود كل شيء سوى الله يدل على وجود الله تعالى فلهذا ~~السبب سمي كل موجود سوى الله بأنه عالم . إذا عرفت هذا فنقول : كل ما سوى ~~الله تعالى إما أن يكون متحيزا وإما أن يكون صفة للمتحيز وإما أن لا يكون ~~متحيزا ولا صفة للمتحيز فهذه أقسام ثلاثة : القسم الأول المتحيز : وهو إما ~~أن يكون قابلا للقسمة أو لا يكون فإن كان قابلا للقسمة فهو ms0271 الجسم وإن لم ~~يكن كذلك فهو الجوهر الفرد ؛ أما الجسم فإما أن يكون من الأجسام العلوية أو ~~من الأجسام السفلية ؛ أما الأجسام العلوية فهي الأفلاك والكواكب وقد ثبت ~~بالشرع أشياء أخر سوى هذين القسمين مثل العرش والكرسي وسدرة المنتهى واللوح ~~والقلم والجنة وأما الأجسام السفلية فهي إما بسيطة أو مركبة : أما البسيطة ~~فهي العناصر الأربعة : وأحدها : كرة الأرض بما فيها من المفاوز والجبال ~~والبلاد المعمورة وثانيها : كرة الماء وهي البحر المحيط وهذه الأبحر ~~الكبيرة الموجودة في هذا الربع المعمور وما فيه من الأودية العظيمة التي لا ~~يعلم عددها إلا الله تعالى وثالثها : كرة الهواء ورابعها : كرة النار . ~~وأما الأجسام المركبة فهي النبات والمعادن والحيوان على كثرة أقسامها ~~وتباين أنواعها وأما القسم الثاني - وهو الممكن الذي يكون صفة للمتحيزات - ~~فهي الأعراض والمتكلمون ذكروا ما يقرب من أربعين جنسا من أجناس الأعراض . ~~أما الثالث - وهو الممكن الذي لا يكون متحيزا ولا صفة للمتجيز - فهو ~~PageV01P186 الأرواح وهي إما سفلية وإما علوية : أما السفلية فهي إما خيرة ~~وهم صالحو الجن وإما شريرة خبيثة وهي مردة الشياطين . والأرواح العلوية إما ~~متعلقة بالأجسام وهي الأرواح الفلكية وإما غير متعلقة بالأجسام وهي الأرواح ~~المطهرة المقدسة فهذا هو الإشارة إلى تقسيم موجودات العالم ولو أن الإنسان ~~كتب ألف ألف مجلد في شرح هذه الأقسام لما وصل إلى أقل مرتبة من مراتب هذه ~~الأقسام إلا أنه لما ثبت أن واجب الوجود لذاته واحد ثبت أن كل ما سواه ممكن ~~لذاته % % فيكون محتاجا في وجوده إلى إيجاد الواجب لذاته وأيضا ثبت أن ~~الممكن حال بقائه لا يستغني عن المتبقي والله تعالى إله العالمين من حيث ~~إنه هو الذي أخرجها من العدم إلى الوجود وهو رب العالمين من حيث إنه هو ~~الذي يبقيها حال دوامها واستقرارها وإذا عرفت ذلك ظهر عندك شيء قليل من ~~تفسير قوله الحمد لله رب العالمين وكل من كان أكثر إحاطة بأحوال هذه ~~الأقسام الثلاثة كان أكثر وقوفا على تفسير قوله رب العالمين . الفائدة ~~الثانية : المربي على ms0272 قسمين أحدهما : أن يربي شيئا ليربح عليه المربي ~~والثاني : أن يربيه ليربح المربي وتربية كل الخلق على القسم الأول لأنهم ~~إنما يربون غيرهم ليربحوا عليه إما ثوابا أو ثناء والقسم الثاني هو الحق ~~سبحانه كما قال : خلقتكم لتربحوا علي لا لأربح عليكم فهو تعالى يربي ويحسن ~~وهو بخلاف سائر المربين وبخلاف سائر المحسنين . واعلم أن تربيته تعالى ~~مخالفة لتربية غيره وبيانه من وجوه : الأول : ما ذكرناه أنه تعالى يربي ~~عبيده لا لغرض نفسه بل لغرضهم وغيره يربون لغرض أنفسهم لا لغرض غيرهم ~~الثاني : أن غيره إذا ربى فبقدر تلك التربية يظهر النقصان في خزائنه وفي ~~ماله وهو تعالى متعال عن النقصان والضرر كما قال تعالى : ^ { وإن من شيء ~~إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ^ [ الحجر : 21 ] . الثالث : ~~أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير عليه أبغضه وحرمه ومنعه والحق تعالى ~~بخلاف ذلك كما قال عليه الصلاة والسلام # : إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء . الرابع : أن غيره من المحسنين ~~ما لم يطلب منه الإحسان لم يعط أما الحق تعالى فأنه يعطي قبل السؤال ترى ~~أنه رباك حال ما كنت جنينا في رحم الأم وحال ما كنت جاهلا غير عاقل لا تحسن ~~أن تسأل منه ووقاك وأحسن إليك مع أنك ما سألته وما كان لك عقل ولا هداية . ~~الخامس أن غيره من المحسنين ينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو ~~الموت والحق تعالى لا ينقطع إحسانه البتة السادس : أن غيره من المحسنين ~~يختص إحسانه بقوم دون قوم ولا يمكنه التعميم أما الحق تعالى فقد وصل تربيته ~~وإحسانه إلى الكل كما قال ^ { ورحمتي وسعت كل شيء } ^ [ الأعراف : 156 ] ~~فثبت أنه تعالى رب العالمين ومحسن إلى الخلائق أجمعين فلهذا قال تعالى في ~~حق نفسه الحمد لله رب العالمين . الفائدة الثالثة : أن الذي يحمد ويمدح ~~ويعظم في الدنيا إنما يكون كذلك لأحد وجوه أربعة : إما لكونه كاملا في ذاته ~~وفي صفاته منزها عن جميع النقائص والآفات وإن لم يكن منه إحسان ms0273 إليك وإما ~~لكونه محسنا إليك ومنعما عليك وإما لأنك ترجو وصول إحسانه إليك في المستقبل ~~من الزمان وإما لأجل انك تكون خائفا من قهره وقدرته وكمال سطوته فهذه ~~الحالات هي الجهات الموجبة للتعظيم فكأنه سبحانه وتعالى يقول : إن كنتم ممن ~~يعظمون الكمال الذاتي فاحمدوني فإني إله العالمين وهو المراد من قوله الحمد ~~لله وإن كنتم ممن تعظمون الإحسان فأنا رب العالمين وإن كنتم تعظمون للطمع ~~في المستقبل فأنا PageV01P187 الرحمن الرحيم وإن كنتم تعظمون للخوف فأنا ~~مالك يوم الدين . الفائدة الرابعة : وجوه تربية الله للعبد كثيرة غير ~~متناهية ونحن نذكر منها أمثلة : المثال الأول : لما وقعت قطرة النطفة من ~~صلب الأب إلى رحم الأم فانظر كيف أنها صارت علقة أولا ثم مضغة ثانيا ثم ~~تولدت منها أعضاء مختلفة مثل العظام والغضاريف والرباطات والأوتار والأوردة ~~والشرايين ثم اتصل البعض بالبعض ثم حصل في كل واحد منها نوع خاص من أنواع ~~القوى فحصلت القوة الباصرة في العين والسامعة في الأذن والناطقة في اللسان ~~فسبحان من أسمع بعظم وبصر بشحم وأنطق بلحم . واعلم أن كتاب التشريح لبدن ~~الإنسان مشهور وكل ذلك يدل على تربية الله تعالى للعبد . المثال الثاني : ~~أن الحبة الواحدة إذا وقعت في الأرض فإذا وصلت نداوة الأرض إليها انتفخت ~~ولا تنشق من شيء من الجوانب إلا من أعلاها وأسفلها مع أن الانتفاخ حاصل من ~~جميع الجوانب : أما الشق الأعلى فيخرج منه الجزء الصاعد من الشجرة ؛ وأما ~~الشق الأسفل فيخرج منه الجزء الغائص في الأرض وهو عروق الشجرة فأما الجزء ~~الصاعد فبعد صعوده يحصل له ساق ثم ينفصل من ذلك الساق أغصان كثيرة ثم يظهر ~~على تلك الأغصان الأنوار أولا ثم الثمار ثانيا ويحصل لتلك الثمار أجزاء ~~مختلفة بالكثافة واللطافة وهي القشور ثم اللبوب ثم الأدهان وأما الجزء ~~الغائص من الشجرة فإن تلك العروق تنتهي إلى أطرافها ؛ وتلك الأطراف تكون في ~~اللطافة كأنها مياه منعقدة ومع غاية لطافتها فإنها تغوص في الأرض الصلبة ~~الخشنة وأودع الله فيها قوى جاذبة تجذب الأجزاء اللطيفة ms0274 من الطين إلى نفسها ~~والحكمة في كل هذه التدبيرات تحصيل ما يحتاج العبد إليه من الغذاء والأدام ~~والفواكه والأشربة والأدوية كما قال تعالى : @QB@ أنا صببنا الماء صبا ثم ~~شققنا الأرض شقا @QE@ [ عبس : 25 ] الآيات . المثال الثالث : أنه وضع ~~الأفلاك والكواكب بحيث صارت أسبابا لحصول مصالح العباد فخلق الليل ليكون ~~سببا للراحة والسكون وخلق النهار ليكون سببا للمعاش والحركة @QB@ هو الذي ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب @QE@ [ ~~يونس : 5 ] ما خلق الله ذلك إلا بالحق @QB@ وهو الذي جعل لكم النجوم ~~لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر @QE@ [ الأنعام : 97 ] واقرأ قوله : ^ { ~~ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا - إلى آخر الآية } ^ [ النبأ : 6 ] ~~واعلم انك إذا تأملت في عجائب أحوال المعادن والنبات والحيوان وآثار حكمة ~~الرحمن في خلق الإنسان قضى صريح عقلك بأن أسباب تربية الله كثيرة ودلائل ~~رحمته لائحة ظاهرة وعند ذلك يظهر لك قطرة من بحار أسرار قوله الحمد لله رب ~~العالمين . الفائدة الخامسة : أضاف الحمد إلى نفسه فقال تعالى الحمد لله ثم ~~أضاف نفسه إلى العالمين والتقدير : إني أحب الحمد فنسبته إلى نفسي بكونه ~~ملكا ثم لما ذكرت نفسي عرفت نفسي بكوني ربا للعالمين ومن عرف ذاتا بصفة ~~فإنه يحاول ذكر أحسن الصفات وأكملها وذلك يدل على أن كونه ربا للعالمين ~~أكمل الصفات والأمر كذلك ؛ لأن أكمل المراتب أن يكون تاما وفوق التمام ~~فقولنا الله يدل على كونه واجب الوجود لذاته في ذاته وبذاته وهو التمام ~~وقوله رب العالمين معناه أن وجود كل ما سواه فائض عن تربيته وإحسانه وجوده ~~وهو المراد من قولنا أنه فوق التمام . الفائدة السادسة : أنه يملك عبادا ~~غيرك كما قال @QB@ وما يعلم جنود ربك إلا هو @QE@ [ المدثر : 31 ] وأنت ليس ~~لك رب سواه ثم إنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وأنت تخدمه كان لك ربا غيره ~~فما أحسن هذه PageV01P188 التربية أليس أنه يحفظك في النهار عن الآفات من ~~غير عوض وبالليل عن المخافات من غير عوض ؟ واعلم أن الحراس ms0275 يحرسون الملك كل ~~ليلة فهل يحرسونه عن لدغ الحشرات وهل يحرسونه عن أن تنزل به البليات ؟ أما ~~الحق تعالى فإنه يحرسه من الآفات ويصونه من المخافات ؛ بعد أن كان قد زج ~~أول الليل في أنواع المحظورات وأقسام المحرمات والمنكرات فما أكبر هذه ~~التربية وما أحسنها أليس من التربية أنه صلى الله عليه وسلم قال # : الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب ؛ فلهذا المعنى قال تعالى ~~@QB@ قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن @QE@ [ الأنبياء : 42 ] ما ذاك ~~إلا الملك الجبار والواحد القهار ومقلب القلوب والأبصار والمطلع على ~~الضمائر والأسرار . الفائدة السابعة : قالت القدرية : إنما يكون تعالى ربا ~~للعالمين ومربيا لهم لو كان محسنا إليهم دافعا للمضار عنهم أما إذا خلق ~~الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ؛ ويأمر بالإيمان ثم يمنعه منه ؛ لم يكن ربا ~~ولا مربيا بل كان ضارا ومؤذيا وقالت الجبرية : إنما سيكون ربا ومربيا لو ~~كانت النعمة صادرة منه والألطاف فائضة من رحمته ولما كان الإيمان أعظم ~~النعم وأجلها وجب أن يكون حصولها من الله تعالى ليكون ربا للعالمين إليهم ~~محسنا بخلق الإيمان فيهم . الفائدة الثامنة : قولنا الله أشرف من قولنا رب ~~على ما بينا ذلك بالوجوه الكثيرة في تفسير أسماء الله تعالى ثم إن الداعي ~~في أكثر الأمر يقول : يا رب يا رب والسبب فيه النكت والوجوه المذكورة في ~~تفسير أسماء الله تعالى فلا نعيدها . < # > الفصل الثالث < # > < # > في تفسير قوله الرحمن الرحيم وفيه فوائد < # > < < # | الفاتحة : ( 3 ) الرحمن الرحيم # > > الفائدة الأولى : الرحمن : هو المنعم بما لا يتصور صدور جنسه من ~~العباد والرحيم : هو المنعم بما يتصور جنسه من العباد حكي عن إبراهيم بن ~~أدهم أنه قال كنت ضيفا لبعض القوم فقدم المائدة فنزل غراب وسلب رغيفا ~~فاتبعته تعجبا فنزل في بعض التلال وإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين فألقى ~~الغراب ذلك الرغيف على وجهه . # وروي عن ذي النون أنه قال : كنت في البيت إذ وقعت ولولة في قلبي وصرت ~~بحيث ما ملكت نفسي فخرجت من البيت وانتهيت إلى ms0276 شط النيل فرأيت عقربا قويا ~~يعدو فتبعته فوصل إلى طرف النيل فرأيت ضفدعا واقفا على طرف الوادي فوثب ~~العقرب على ظهر الضفدع واخذ الضفدع يسبح ويذهب فركبت السفينة وتبعته فوصل ~~الضفدع إلى الطرف الآخر من النيل ونزل العقرب من ظهره واخذ يعدو فتبعته ~~فرأيت شابا نائما تحت شجرة ورأيت أفعى يقصده فلما قربت الأفعى من ذلك الشاب ~~وصل العقرب إلى الأفعى فوثب العقرب على الأفعى فلدغه والأفعى أيضا لدغ ~~العقرب فماتا معا وسلم الإنسان منهما . ويحكى أن ولد الغراب كما يخرج من ~~قشر البيضة يخرج من غير ريش فيكون كأنه قطعة لحم أحمر والغراب يفر منه ولا ~~يقوم بتربيته ثم إن البعوض يجتمع عليه لأنه يشبه قطعة لحم ميت فإذا وصلت ~~البعوض إليه التقم تلك البعوض واغتذى بها ولا يزال على هذه الحال إلى أن ~~يقوى وينبت ريشه ويخفى لحمه تحت ريشه فعند ذلك تعود أمه إليه ولهذا السبب ~~جاء في أدعية العرب : يا رزاق النعاب في عشه فظهر بهذه الأمثلة أن فضل الله ~~عام وإحسانه شامل ورحمته واسعة . PageV01P189 واعلم أن الحوادث على قسمين : ~~منه ما يظن أنه رحمة مع أنه لا يكون كذلك بل يكون في الحقيقة عذابا ونقمة ~~ومنه ما يظن في الظاهر أنه عذاب ونقمة مع أنه يكون في الحقيقة فضلا وإحسانا ~~ورحمة . أما القسم الأول : فالوالد إذا أهمل ولده حتى يفعل ما يشاء ولا ~~يؤدبه ولا يحمله على التعلم فهذا في الظاهر رحمة وفي الباطن نقمة . وأما ~~القسم الثاني كالوالد إذا حبس ولده في المكتب وحمله على التعلم فهذا في ~~الظاهر نقمة وفي الحقيقة رحمة وكذلك الإنسان إذا وقع في يده الآكلة فإذا ~~قطعت تلك اليد فهذا في الظاهر عذاب وفي الباطن راحة ورحمة فالأبله يغتر ~~بالظواهر والعاقل ينظر في السرائر . إذا عرفت هذا فكل ما في العالم من محنة ~~وبلية وألم ومشقة فهو وإن كان عذابا وألما في الظاهر إلا أنه حكمة ورحمة في ~~الحقيقة وتحقيقه ما قيل في الحكمة : إن ترك الخير الكثير لأجل ms0277 الشر القليل ~~شر كثير فالمقصود من التكاليف تطهير الأرواح عن العلائق الجسدانية كما قال ~~تعالى @QB@ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم @QE@ [ الإسراء : 7 ] والمقصود من خلق ~~النار صرف الأشرار إلى أعمال الأبرار وجذبها من دار الفرار إلى دار القرار ~~كما قال تعالى : @QB@ ففروا إلى الله @QE@ [ الذاريات : 50 ] وأقرب مثال ~~لهذا الباب قصة موسى والخضر عليهما السلام فإن موسى كان يبني الحكم عن ~~ظواهر الأمور فاستنكر تخريق السفينة وقتل الغلام وعمارة الجدار المائل وأما ~~الخضر فإنه كان يبني أحكامه على الحقائق والأسرار فقال : @QB@ أما السفينة ~~فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل ~~سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ~~فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان ~~لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك ~~أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك @QE@ [ الكهف : 79 ] فظهر ~~بهذه القصة أن الحكيم المحقق هو الذي يبني أمره على الحقائق لا على الظاهر ~~فإذا رأيت ما يكرهه طبعك وينفر عنه عقلك فاعلم أن تحته أسرارا خفية وحكما ~~بالغة وأن حكمته ورحمته اقتضت ذلك وعند ذلك يظهر لك أثر من بحار أسرار قوله ~~الرحمن الرحيم . الفائدة الثانية : الرحمن : اسم خاص بالله والرحيم : ينطلق ~~عليه وعلى غيره . فإن قيل : فعلى هذا الرحمن أعظم فلم ذكر الأدنى بعد ذكر ~~الأعلى ؟ والجواب : لأن الكبير العظيم لا يطلب منه الشيء الحقير اليسير حكي ~~أن بعضهم ذهب إلى بعض الأكابر فقال : جئتك لمهم يسير فقال : اطلب للمهم ~~اليسير رجلا يسيرا كأنه تعالى يقول : لو اقتصرت على ذكر الرحمن لاحتشمت عني ~~ولتعذر عليك سؤال الأمور اليسيرة ولكن كما علمتني رحمانا تطلب مني الأمور ~~العظيمة فأنا أيضا رحيم ؛ فاطلب مني شراك نعلك وملح قدرك كما قال تعالى ~~لموسى # : يا موسى سلني عن ملح قدرك وعلف شاتك . الفائدة الثالثة : وصف نفسه ~~بكونه رحمانا رحيما ثم إنه أعطى مريم عليها السلام رحمة واحدة حيث قال @QB@ ~~ورحمة ms0278 منا وكان أمرا مقضيا @QE@ [ مريم : 21 ] فتلك الرحمة صارت سببا ~~لنجاتها من توبيخ الكفار الفجار ثم إنا نصفه كل يوم أربعة وثلاثين مرة أنه ~~رحمن وأنه رحيم وذلك لأن الصلوات سبع عشرة ركعة ويقرأ لفظ الرحمن الرحيم في ~~كل ركعة مرتين مرة في بسم الله الرحمن الرحيم ومرة في قوله @QB@ الحمد لله ~~رب العالمين الرحمن الرحيم @QE@ فلما صار ذكر الرحمة مرة واحدة سببا لخلاص ~~مريم عليها السلام عن PageV01P190 المكروهات أفلا يصير ذكر الرحمة هذه ~~المرات الكثيرة طول العمر سببا لنجاة المسلمين من النار والعار والدمار ؟ ~~الفائدة الرابعة : أنه تعالى رحمن لأنه يخلق ما لا يقدر العبد عليه رحيم ~~لأنه يفعل ما لا يقدر العبد على جنسه فكأنه تعالى يقول : أنا رحمن لأنك ~~تسلم إلي نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة كما قال تعالى : @QB@ وصوركم ~~فأحسن صوركم @QE@ [ غافر : 64 ] وأنا رحيم لأنك تسلم إلي طاعة ناقصة فأسلم ~~إليك جنة خالصة . الفائدة الخامسة : روي أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن ~~شهادة أن لا إله إلا الله فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه به فقام ~~ودخل عليه وجعل يعرض عليه الشهادة وهو يتحرك ويضطرب ولا يعمل لسانه فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم # : أما كان يصلي ؟ أما كان يصوم ؟ أما كان يزكي ؟ فقالوا : بلى فقال هل عق ~~والديه ؟ فقالوا بلى فقال عليه السلام # : هاتوا بأمه فجاءت وهي عجوز عوراء فقال عليه السلام : هلا عفوت عنه ~~فقالت : لا أعفو لأنه لطمني ففقأ عيني فقال عليه السلام : هاتوا بالحطب ~~والنار فقالت وما تصنع بالنار ؟ فقال عليه السلام : أحرقه بالنار بين يديك ~~جزاء لما عمل بك فقالت عفوت عفوت أللنار حملته تسعة أشهر ؟ أللنار أرضعته ~~سنتين ؟ فأين رحمة الأم ؟ فعند ذلك انطلق لسانه وذكر أشهد أن لا إله إلا ~~الله والنكتة أنها كانت رحيمة وما كانت رحمانة فلأجل ذلك القدر القليل من ~~الرحمة ما جوزت الإحراق بالنار فالرحمن الرحيم الذي لم يتضرر بجنايات عبيده ~~مع عنايته بعباده كيف يستجيز أن يحرق المؤمن الذي واظب ms0279 على شهادة أن لا إله ~~إلا الله سبعين سنة بالنار ؟ الفائدة السادسة : لقد اشتهر أن النبي عليه ~~السلام لما كسرت رباعيته قال : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون فظهر أنه ~~يوم القيامة يقول : أمتي أمتي فهذا كرم عظيم منه في الدنيا وفي الآخرة ~~وإنما حصل فيه هذا الكرم وهذا الإحسان لكونه رحمة كما قال تعالى : @QB@ وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ [ الأنبياء : 107 ] فإن كان أثر الرحمة ~~والواحدة هذا المبلغ فكيف كرم من هو رحمن رحيم ؟ وأيضا روي أنه عليه السلام ~~قال # : اللهم اجعل حساب أمتي على يدي ثم إنه امتنع عن الصلاة على الميت لأجل ~~أنه كان مديونا بدرهمين وأخرج عائشة عن البيت بسبب الإفك فكأنه تعالى قال ~~له إن لك رحمة واحدة وهي قوله @QB@ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ [ ~~الأنبياء : 107 ] والرحمة الواحدة لا تكفي في إصلاح المخلوقات فذرني وعبيدي ~~واتركني وأمتك فإني أنا الرحمن الرحيم فرحمتي لا نهاية لها ومعصيتهم ~~متناهية والمتناهي في جنب غير المتناهي يصير فانيا فلا جرم معاصي جميع ~~الخلق تفنى في بحار رحمتي لأني أنا الرحمن الرحيم . الفائدة السابعة : قالت ~~القدرية : كيف يكون رحمانا رحيما من خلق الخلق للنار ولعذاب الأبد ؟ وكيف ~~يكون رحمانا رحيما من يخلق الكفر في الكافر ويعذبه عليه ؟ وكيف يكون رحمانا ~~رحيما من أمر بالإيمان ثم صد ومنع عنه ؟ وقالت الجبرية : أعظم أنواع النعمة ~~والرحمة هو الإيمان فلو لم يكن الإيمان من الله بل كان من العبد لكان اسم ~~الرحمن الرحيم بالعبد أولى منه بالله والله أعلم . PageV01P191 < # > الفصل الرابع < # > < # > في تفسير قوله مالك يوم الدين وفيه فوائد < # > < < # | الفاتحة : ( 4 ) مالك يوم الدين # > > الفائدة الأولى : قوله مالك يوم الدين أي مالك يوم البعث والجزاء ~~وتقريره أنه لا بد من الفرق بين المحسن والمسيء والمطيع والعاصي والموافق ~~والمخالف وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء كما قال تعالى ^ { ليجزي الذين ~~أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ^ [ النجم : 31 ] وقال ~~تعالى : @QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل ms0280 المتقين كالفجار @QE@ [ ص : 8 ] وقال @QB@ إن الساعة آتية أكاد أخفيها ~~لتجزى كل نفس بما تسعى @QE@ [ طه : 15 ] واعلم أن من سلط الظالم على ~~المظلوم ثم إنه لا ينتقم منه فذاك إما للعجز أو للجهل أو لكونه راضيا بذلك ~~الظلم وهذه الصفات الثلاث على الله تعالى محال فوجب أن ينتقم للمظلومين من ~~الظالمين ولما لم يحصل هذا الانتقام في دار الدنيا وجب أن يحصل في دار ~~الأخرى بعد دار الدنيا وذلك هو المراد بقوله : @QB@ مالك يوم الدين @QE@ ~~وبقوله : ^ { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - الآية } ^ [ الزلزلة : 7 ] # روي أنه يجاء برجل يوم القيامة فينظر في أحوال نفسه فلا يرى لنفسه حسنة ~~البتة فيأتيه النداء يا فلان ادخل الجنة بعملك فيقول : إلهي ماذا عملت ؟ ~~فيقول الله تعالى ألست لما كنت نائما تقلبت من جنب إلى جنب ليلة كذا فقلت ~~في خلال ذلك الله ثم غلبك النوم في الحال فنسيت ذلك أما أنا فلا تأخذني سنة ~~ولا نوم فما نسيت ذلك وأيضا يؤتى برجل وتوزن حسناته وسيئاته فتخف حسناته ~~فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة أن لا إله إلا الله فلا يثقل مع ~~ذكر الله غيره . واعلم أن الواجبات على قسمين : حقوق الله تعالى وحقوق ~~العباد . أما حقوق الله تعالى فمبناها على المسامحة لأنه تعالى غني عن ~~العالمين وأما حقوق العباد فهي التي يجب الاحتراز عنها . # روي أن أبا حنيفة رضي الله عنه كان له على بعض المجوس مال فذهب إلى داره ~~ليطالبه به فلما وصل إلى باب داره وقع على نعله نجاسة فنفض نعله فارتفعت ~~النجاسة عن نعله ووقعت على حائط دار المجوسي فتحير أبو حنيفة وقال : إن ~~تركتها كان ذلك سببا لقبح جدار هذا المجوسي وإن حككتها انحدر التراب من ~~الحائط فدق الباب فخرجت الجارية فقال لها : قولي لمولاك أن أبا حنيفة ~~بالباب فخرج إليه وظن أنه يطالبه بالمال فأخذ يعتذر فقال أبو حنيفة رضي ~~الله عنه : ههنا ما هو أولى وذكر قصة الجدار وأنه كيف السبيل إلى تطهيره ~~فقال ms0281 المجوسي : فأنا أبدأ بتطهير نفسي فأسلم في الحال والنكتة فيه أن أبا ~~حنيفة لما احترز عن ظلم المجوسي في ذلك القدر القليل من الظلم فلأجل تركه ~~ذلك انتقل المجوسي من الكفر إلى الإيمان فمن احترز عن الظلم كيف يكون حاله ~~عند الله تعالى . الفائدة الثانية : اختلف القراء في هذه الكلمة فمنهم من ~~قرأ مالك يوم الدين ومنهم من قرأ ملك يوم الدين . حجة من قرأ مالك وجوه : ~~الأول : أن فيه حرفا زائدا فكانت قراءته أكثر ثوابا . الثاني أنه يحصل في ~~القيامة ملوك كثيرون . أما المالك الحق ليوم الدين فليس إلا الله الثالث : ~~المالك قد يكون ملكا وقد لا يكون كما أن الملك قد يكون مالكا وقد لا يكون ~~فالملكية والمالكية قد تنفك كل واحدة منهما عن الأخرى إلا أن المالكية سبب ~~لإطلاق التصرف والملكية ليست كذلك فكان المالك أولى . الرابع : أن الملك ~~ملك للرعية والمالك مالك للعبيد والعبد أدون حالا من الرعية فوجب أن يكون ~~القهر في المالكية أكثر منه في الملكية PageV01P192 فوجب أن يكون المالك ~~أعلى حالا من الملك الخامس : أن الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية ~~لذلك الملك باختيار أنفسهم أما المملوك فلا يمكنه إخراج نفسه عن كونه ~~مملوكا لذلك المالك باختيار نفسه فثبت أن القهر في المالكية أكمل منه في ~~الملكية . السادس : أن الملك يجب عليه رعاية حال الرعية قال عليه الصلاة ~~والسلام # : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ولا يجب على الرعية خدمة الملك . أما ~~المملوك فإنه يجب عليه خدمة المالك وأن لا يستقل بأمر إلا بإذن مولاه حتى ~~إنه لا يصح منه القضاء والإمامة والشهادة وإذا نوى مولاه السفر يصير هو ~~مسافرا وإن نوى مولاه الإقامة صار هو مقيما ؛ فعلمنا أن الانقياد والخضوع ~~في المملوكية أتم منه في كونه رعية فهذه هي الوجوه الدالة على أن المالك ~~أكمل من الملك . وحجة من قال إن الملك أولى من المالك وجوه : الأول : أن كل ~~واحد من أهل البلد يكون مالكا أما الملك لا يكون إلا أعظم ms0282 الناس وأعلاهم ~~فكان الملك أشرف من المالك . الثاني : أنهم أجمعوا على أن قوله تعالى : ~~@QB@ قل أعوذ برب الناس ملك الناس @QE@ [ الناس : 1 ] لفظ الملك فيه متعين ~~ولولا أن الملك أعلى حالا من المالك وإلا لم يتعين الثالث : الملك أولى ~~لأنه أقصر والظاهر أنه يدرك من الزمان ما تذكر فيه هذه الكلمة بتمامها ~~بخلاف المالك فإنها أطول فاحتمل أن لا يجد من الزمان ما يتم فيه هذه الكلمة ~~هكذا نقل عن أبي عمرو وأجاب الكسائي بأن قال : إني أشرع في ذكر هذه الكلمة ~~فإن لم أبلغها فقد بلغتها حيث عزمت عليها نظيره في الشرعيات من نوى صوم ~~الغد قبل غروب الشمس من اليوم في أيام رمضان لا يجزيه لأنه في هذا اليوم ~~مشتغل بصوم هذا اليوم فإذا نوى صوم الغد كان ذلك تطويلا للأمل أما إذا نوى ~~بعد غروب الشمس فإنه لا يجزيه ؛ لأنه وإن كان ذلك تطويلا للأمل إلا أنه خرج ~~عن الصوم بسبب غروب الشمس ويجوز أن يموت في تلك الليلة فيقول : إن لم أبلغ ~~إلى اليوم فلا أقل من أكون على عزم الصوم كذا ههنا يشرع في ذكر قوله مالك ~~فإن تممها فذاك وإن لم يقدر على إتمامها كان عازما على الإتمام وهو المراد ~~. ثم نقول : إنه يتفرع على كونه ملكا أحكام وعلى كونه مالكا أحكام أخر . ~~أما الأحكام المتفرعة على كونه ملكا فوجوه : الأول : أن السياسات على أربعة ~~أقسام : سياسة الملاك وسياسة الملوك وسياسة الملائكة وسياسة ملك الملوك ~~فسياسة الملوك أقوى من سياسة الملاك ؛ لأنه لو اجتمع عالم من المالكين ~~فإنهم لا يقاومون ملكا واحدا ألا ترى أن السيد لا يملك إقامة الحد على ~~مملوكه عند أبي حنيفة وأجمعوا على أن الملك يملك إقامة الحدود على الناس ~~وأما سياسة الملائكة فهي فوق سياسات الملوك ؛ لأن عالما من أكابر الملوك لا ~~يمكنهم دفع سياسة ملك واحد وأما سياسة ملك الملوك فإنها فوق سياسات ~~الملائكة ألا ترى إلى قوله تعالى ^ { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا ~~يتكلمون إلا لمن ms0283 أذن له الرحمن وقال صوابا } ^ [ النبأ : 38 ] وقوله تعالى ~~: @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ [ البقرة : 255 ] وقال في صفة ~~الملائكة : @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ [ الأنبياء : 28 ] فيا أيها ~~الملوك لا تغتروا بمالكم من المال والملك فإنكم أسراء في قبضة قدرة مالك ~~يوم الدين ويا أيها الرعية إذا كنتم تخافون سياسة الملك أفما تخافون سياسة ~~ملك الملوك الذي هو مالك يوم الدين . الحكم الثاني من أحكام كونه تعالى ~~ملكا : أنه ملك لا يشبه سائر الملوك لأنهم إن تصدقوا بشيء PageV01P193 ~~انتقص ملكهم وقلت خزائنهم ؛ أما الحق سبحانه وتعالى فملكه لا ينتقص بالعطاء ~~والإحسان بل يزداد بيانه أنه تعالى إذا أعطاك ولدا واحدا لم يتوجه حكمه إلا ~~على ذلك الولد الواحد أما لو أعطاك عشرة من الأولاد كان حكمه وتكليفه لازما ~~على الكل فثبت أنه تعالى كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكا . الحكم الثالث ~~من أحكام كونه ملكا : كمال الرحمة والدليل عليه آيات : إحداها : ما ذكر في ~~هذه السورة من كونه ربا رحمانا رحيما وثانيها : قوله تعالى @QB@ هو الله ~~الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم @QE@ [ الحشر : ~~22 ] ثم قال بعده @QB@ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك @QE@ [ الحشر : 23 ~~] ثم ذكر بعده كونه قدوسا عن الظلم والجور ثم ذكر بعده كونه سلاما وهو الذي ~~سلم عباده من ظلمه وجوره ثم ذكر بعده كونه مؤمنا وهو الذي يؤمن عبيده عن ~~جوره وظلمه فثبت أن كونه ملكا لا يتم إلا مع كمال الرحمة . وثالثها : قوله ~~تعالى : @QB@ الملك يومئذ الحق للرحمن @QE@ [ الفرقان : 26 ] لما أثبت ~~لنفسه الملك أردفه بان وصف نفسه بكونه رحمانا يعني إن كان ثبوت الملك له في ~~ذلك اليوم يدل على كمال القهر فكونه رحمانا يدل على زوال الخوف وحصول ~~الرحمة . ورابعها : قوله تعالى : @QB@ قل أعوذ برب الناس ملك الناس @QE@ [ ~~الناس : 1 ] فذكر أولا كونه ربا للناس ثم أردفه بكونه ملكا للناس وهذه ~~الآيات دالة على أن الملك لا يحسن ولا يكمل إلا ms0284 مع الإحسان والرحمة فيا ~~أيها الملوك اسمعوا هذه الآيات وارحموا هؤلاء المساكين ولا تطلبوا مرتبة ~~زائدة في الملك على ملك الله تعالى . الحكم الرابع للملك : أنه يجب على ~~الرعية طاعته فإن خالفوه ولم يطيعوه وقع الهرج والمرج في العالم وحصل ~~الاضطراب والتشويش ودعا ذلك إلى تخريب العالم وفناء الخلق فلما شاهدتم أن ~~مخالفة الملك المجازي تفضي آخر الأمر إلى تخريب العالم وفناء الخلق فانظروا ~~إلى مخالفة ملك الملوك كيف يكون تأثيرها في زوال المصالح وحصول المفاسد ؟ ~~وتمام تقريره أنه تعالى بين أن الكفر سبب لخراب العالم قال تعالى @QB@ تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا @QE@ ~~[ مريم : 90 ] وبين أن طاعته سبب للمصالح قال تعالى : @QB@ وأمر أهلك ~~بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى @QE@ [ طه : ~~132 ] فيا أيها الرعية كونوا مطيعين لملوككم ويا أيها الملوك كونوا مطيعين ~~لملك الملوك حتى تنتظم مصالح العالم . الحكم الخامس : أنه لما وصف نفسه ~~بكونه ملكا ليوم الدين أظهر للعالمين كمال عدله فقال @QB@ وما ربك بظلام ~~للعبيد @QE@ [ فصلت : 46 ] ثم بين كيفية العدل فقال : @QB@ ونضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا @QE@ [ الأنبياء : 47 ] فظهر بهذا أن ~~كونه ملكا حقا ليوم الدين إنما يظهر بسبب العدل فإن كان الملك المجازي ~~عادلا كان ملكا حقا وإلا كان ملكا باطلا فإن كان ملكا عادلا حقا حصل من ~~بركة عدله الخير والراحة في العالم وإن كان ملكا ظالما ارتفع الخير من ~~العالم . يروى أن أنوشروان خرج إلى الصيد يوما وأوغل في الركض وانقطع عن ~~عسكره واستولى العطش عليه ووصل إلى بستان فلما دخل ذلك البستان رأى أشجار ~~الرمان فقال لصبي حضر في ذلك البستان : أعطني رمانة واحدة فأعطاه رمانة ~~فشقها وأخرج حبها وعصرها فخرج منه ماء كثير فشربه وأعجبه ذلك الرمان فعزم ~~على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه ثم قال لذلك الصبي : أعطني رمانة أخرى ~~فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده عفصا مؤذيا فقال : أيها ~~الصبي ms0285 لم صار الرمان هكذا ؟ فقال الصبي : لعل PageV01P194 ملك البلد عزم ~~على الظلم فلأجل شؤم ظلمه صار الرمان هكذا فتاب أنوشروان في قلبه عن ذلك ~~الظلم وقال لذلك الصبي : أعطني رمانة أخرى فأعطاه فعصرها فوجدها أطيب من ~~الرمانة الأولى فقال للصبي : لم بدلت هذه الحالة ؟ فقال الصبي : لعل ملك ~~البلد تاب عن ظلمه فلما سمع أنوشروان هذه القصة من ذلك الصبي وكانت مطابقة ~~لأحوال قلبه تاب بالكلية عن الظلم فلا جرم بقي اسمه مخلدا في الدنيا بالعدل ~~حتى إن من الناس من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال # : ولدت في زمن الملك العادل . أما الأحكام المفرعة على كونه مالكا فهي ~~أربعة : الحكم الأول : قراءة المالك أرجى من قراءة الملك ؛ لأن أقصى ما ~~يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ينجو الإنسان منه رأسا برأس أما المالك ~~فالعبد يطلب منه الكسوة والطعام والرحمة والتربية فكأنه تعالى يقول : أنا ~~مالككم فعلي طعامكم وثوابكم وجنتكم . الحكم الثاني : الملك وإن كان أغنى من ~~المالك غير ان الملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه وليست لنا طاعات ولا ~~خيرات فلا يريد أن يطلب منا يوم القيامة أنواع الخيرات والطاعات بل يريد أن ~~نطلب منه يوم القيامة الصفح والمغفرة وإعطاء الجنة بمجرد الفضل فلهذا السبب ~~قال الكسائي : اقرأ مالك يوم الدين ؛ لأن هذه القراءة هي الدالة على الفضل ~~الكثير والرحمة الواسعة . الحكم الثالث : أن الملك إذا عرض عليه العسكر لم ~~يقبل إلا من كان قوي البدن صحيح المزاج أما من كان مريضا فإنه يرده ولا ~~يعطيه شيئا من الواجب أما المالك إذا كان له عبد فإن مرض عالجه وإن ضعف ~~أعانه وإن وقع في بلاء خلصه فالقراءة بلفظ المالك أوفق للمذنبين والمساكين ~~. الحكم الرابع : الملك له هيبة وسياسة والمالك له رأفة ورحمة واحتياجنا ~~إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة . الفائدة الثالثة ~~: الملك عبارة عن القدرة فكونه مالكا وملكا عبارة عن القدرة ههنا بحث : وهو ~~أنه تعالى إما أن يكون ملكا للموجودات ms0286 أو للمعدومات والأول باطل لأن إيجاد ~~الموجودات محال فلا قدرة لله على الموجودات إلا بالإعدام وعلى هذا التقرير ~~فلا مالك إلا للعدم والثاني باطل أيضا ؛ لأنه يقتضي أن تكون قدرته وملكه ~~على العدم ويلزم أن يقال : إنه ليس لله في الموجودات مالكية ولا ملك وهذا ~~بعيد . والجواب أن الله تعالى مالك الموجودات وملكها بمعنى أنه تعالى قادر ~~على نقلها من الوجود إلى العدم أو بمعنى أنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة ~~وهذه القدرة ليست إلا لله تعالى فالملك الحق هو الله سبحانه وتعالى إذا ~~عرفت أنه الملك الحق فنقول : إنه الملك ليوم الدين وذلك لأن القدرة على ~~إحياء الخلق بعد موتهم ليست إلا لله والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبدان ~~الناس ليس إلا لله فإذا كان الحشر والنشر والبعث والقيامة لا يتأتى إلا ~~بعلم متعلق بجميع المعلومات وقدرة متعلقة بجميع الممكنات ثبت أنه لا مالك ~~ليوم الدين إلا الله وتمام الكلام في هذا الفصل متعلق بمسألة الحشر والنشر ~~. فإن قيل : إن المالك لا يكون مالكا للشيء إلا إذا كان المملوك موجودا ~~والقيامة غير موجودة في الحال فلا يكون الله مالكا ليوم الدين بل الواجب أن ~~يقال : مالك يوم الدين بدليل أنه لو قال : أنا قاتل زيد فهذا إقرار ولو قال ~~أنا قاتل زيدا بالتنوين كان تهديدا ووعيدا . قلنا : الحق ما ذكرتم إلا أن ~~قيام القيامة لما كان أمرا حقا لا يجوز الإخلال في الحكمة جعل وجود ~~PageV01P195 القيامة كالأمر القائم في الحال الحاصل في الحال وأيضا من مات ~~فقد قامت قيامته فكانت القيامة حاصلة في الحال فزال السؤال . الفائدة ~~الرابعة : أنه تعالى ذكر في هذه السورة من أسماء نفسه خمسة : الله والرب ~~والرحمن والرحيم والمالك . والسبب فيه كأنه يقول : خلقتك أولا فأنا إله ثم ~~ربيتك بوجوه النعم فأنا رب ثم عصيت فسترت عليك فأنا رحمن ثم تبت فغفرت لك ~~فأنا رحيم ثم لا بد من إيصال الجزاء إليك فأنا مالك يوم الدين . فإن قيل : ~~إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم ms0287 في التسمية مرة واحدة وفي السورة مرة ثانية ~~فالتكرير فيهما حاصل وغير حاصل في الأسماء الثلاثة فما الحكمة ؟ قلنا : ~~التقدير كأنه قيل : اذكر أني إله ورب مرة واحدة واذكر أني رحمن رحيم مرتين ~~لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور ثم لما بين الرحمة ~~المضاعفة فكأنه قال : لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ونظيره قوله ~~تعالى @QB@ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول @QE@ [ غافر : 3 ] ~~. الفائدة الخامسة : قالت القدرية : إن كان خالق أعمال العباد هو الله ~~امتنع القول بالثواب والعقاب والجزاء ؛ لأن ثواب الرجل على ما لم يعمله عبث ~~وعقابه على ما لم يعمله ظلم وعلى هذا التقدير فيبطل كونه مالكا ليوم الدين ~~وقالت الجبرية : لو لم تكن أعمال العباد بتقدير الله وترجيحه لم يكن مالكا ~~لها ولما أجمع المسلمون على كونه مالكا للعباد ولأعمالهم ؛ علمنا أنه خالق ~~لها مقدر لها والله أعلم . < # > الفصل الخامس < # > < # > في تفسير قوله إياك نعبد وإياك نستعين وفيه فوائد < # > < < # | الفاتحة : ( 5 ) إياك نعبد وإياك . . . . . # > > الفائدة الأولى : العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتي به لغرض تعظيم ~~الغير وهو مأخوذ من قولهم : طريق معبد أي مذلل واعلم أن قولك إياك نعبد ~~معناه لا أعبد أحد سواك والذي يدل على هذا الحصر وجوه : الأول : أن العبادة ~~عبارة عن نهاية التعظيم وهي لا تليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام واعظم ~~وجوه الإنعام الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع وخلق المنتفع به ~~فالمرتبة الأولى - وهي الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع - وإليها ~~الإشارة بقوله تعالى : @QB@ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا @QE@ [ مريم : 9 ~~] وقوله ^ { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم - الآية } ^ [ البقرة : ~~28 ] والمرتبة الثانية - وهي خلق المنتفع به - وإليها الإشارة بقوله تعالى ~~@QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا @QE@ [ البقرة : 29 ] ولما كانت ~~المصالح الحاصلة في هذا العالم السفلي إنما تنتظم بالحركات الفلكية على ~~سبيل إجراء العادة لا جرم أتبعه بقوله : ^ { ثم استوى إلى السماء فسواهن ~~سبع سموات وهو بكل شيء عليم } ^ [ البقرة ms0288 : 29 ] فثبت بما ذكرنا أن كل ~~النعم حاصل بإيجاد الله تعالى فوجب أن لا تحسن العبادة إلا لله تعالى فلهذا ~~المعنى قال إياك نعبد فإن قوله إياك نعبد يفيد الحصر . الوجه الثاني : في ~~دلائل هذا الحصر والتعيين : وذلك لأنه تعالى سمى نفسه ههنا بخمسة أسماء : ~~الله والرب والرحمن والرحيم ومالك يوم الدين وللعبد أحوال ثلاثة : الماضي ~~والحاضر والمستقبل ؛ أما الماضي فقد كان معدوما محضا كما قال تعالى : @QB@ ~~وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا @QE@ [ البقرة : 29 ] وكان ميتا فاحياه الله ~~تعالى كما قال : @QB@ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم @QE@ [ البقرة ~~: 28 ] وكان جاهلا فعلمه الله كما PageV01P196 قال : @QB@ والله أخرجكم من ~~بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة @QE@ [ ~~النحل : 78 ] والعبد إنما انتقل من العدم إلى الوجود ومن الموت إلى الحياة ~~ومن العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى العلم لأجل أن الله تعالى كان قديما ~~أزليا فبقدرته الأزلية وعلمه الأزلي أحدثه ونقله من العدم إلى الوجود فهو ~~إله لهذا المعنى وأما الحال الحاضرة للعبد فحاجته شديدة لأنه كلما كان ~~معدوما كان محتاجا إلى الرب الرحمن الرحيم أما لما دخل في الوجوه انفتحت ~~عليه أبواب الحاجات وحصلت عنده أسباب الضرورات فقال الله تعالى : أنا إله ~~لأجل أني أخرجتك من العدم إلى الوجود . أما بعد أن أصرت موجودا فقد كثرت ~~حاجاتك إلي فأنا رب رحمن رحيم وأما الحال المستقبلة للعبد فهي حال ما بعد ~~الموت والصفة المتعلقة بتلك الحالة هي قوله مالك يوم الدين فصارت هذه ~~الصفات الخمس من صفات الله تعالى متعلقة بهذه الأحوال الثلاثة للعبد فظهر ~~أن جميع مصالح العبد في الماضي والحاضر والمستقبل لا يتم ولا يكتمل إلا ~~بالله وفضله وإحسانه فلما كان الأمر كذلك وجب أن لا يشتغل العبد بعبادة شيء ~~إلا بعبادة الله تعالى فلا جرم قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين على سبيل ~~الحصر . الوجه الثالث : في دليل هذا الحصر وهو أنه قد دل الدليل القاطع على ~~وجوب كونه تعالى قادرا عالما محسنا جوادا ms0289 كريما حليما وأما كون غيره كذلك ~~فمشكوك فيه ؛ لأنه لا أثر يضاف إلى الطبع والفلك والكواكب والعقل والنفس ~~إلا ويحتمل إضافته إلى قدرة الله تعالى ومع هذا الاحتمال صار ذلك الانتساب ~~مشكوكا فيه فثبت أن العلم بكون الإله تعالى معبودا للخلق أمر يقيني وأما ~~كون غيره معبودا للخلق فهو أمر مشكوك فيه والأخذ باليقين أولى من الأخذ ~~بالشك فوجب طرح المشكوك والأخذ بالمعلوم وعلى هذا لا معبود إلا الله تعالى ~~فلهذا المعنى قال إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه الرابع : أن العبودية ذلة ~~ومهانة إلا أنه كلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية به أهنأ وأمرأ ~~ولما كان الله تعالى أشرف الموجودات وأعلاها فكانت عبوديته أولى من عبودية ~~غيره وأيضا قدرة الله تعالى أعلى من قدرة غيره وعلمه أكمل من علم غيره ~~وجوده أفضل من جود غيره فوجب القطع بأن عبوديته أولى من عبودية غيره فلهذا ~~السبب قال إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه الخامس : أن كل ما سوى الواجب ~~لذاته يكون ممكنا لذاته وكل ما كان ممكنا لذاته كان محتاجا فقيرا والمحتاج ~~مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه القيام بدفع الحاجة عن الغير والشيء ما لم يكن ~~في ذاته لم يقدر على دفع الحاجة عن غيره والغني لذاته هو الله تعالى فدافع ~~الحاجات هو الله تعالى فمستحق العبادات هو الله تعالى فلهذا السبب قال إياك ~~نعبد وإياك نستعين . الوجه السادس : استحقاق العبادة يستدعي قدرة الله ~~تعالى بأن يمسك سماء بلا علاقة وأرضا بلا دعامة ويسير الشمس والقمر ويسكن ~~القطبين ويخرج من السحاب تارة النار وهو البرق وتارة الهواء وهي الريح ~~وتارة الماء وهو المطر وأما في الأرض فتارة يخرج الماء من الحجر وهو ظاهر ~~وتارة يخرج الحجر من الماء وهو الجمد ثم جعل في الأرض أجساما مقيمة لا ~~تسافر وهي الجبال ؛ وأجساما مسافرة لا تقيم وهي الأنهار وخسف بقارون فجعل ~~الأرض فوقه ورفع محمدا عليه الصلاة والسلام فجعل قاب قوسين تحته وجعل الماء ~~نارا على قوم فرعون أغرقوا فأدخلوا نارا وجعل النار ms0290 بردا وسلاما على ~~إبراهيم ورفع موسى فوق الطور وقال له ^ { اخلع ( 1 ) كذا في الأصل واللفظ ~~في الآية 12 من سورة طه ^ { فاخلع نعليك } @QB@ نعليك @QE@ ورفع الطور على ~~موسى وقومه @QB@ ورفعنا فوقكم الطور @QE@ PageV01P197 [ النساء : 154 ] ~~وغرق الدنيا من التنور اليابسة لقوله : @QB@ وفار التنور @QE@ [ هود : 40 ] ~~وجعل البحر يبسا لموسى عليه السلام فمن كانت قدرته هكذا كيف يسوى في ~~العبادة بينه وبين غيره من الجمادات أو النبات أو الحيوان أو الإنسان أو ~~الفلك أو الملك فإن التسوية بين الناقص والكامل والخسيس والنفيس تدل على ~~الجهل والسفه . الفائدة الثانية : قوله إياك نعبد يدل على أنه لا معبود إلا ~~الله ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه لا إله إلا الله فقوله : @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ يدل على التوحيد المحض . واعلم أن المشركين طوائف وذلك ~~لأن كل من اتخذ شريكا لله فذلك الشريك إما أن يكون جسما وإما أن لا يكون ~~أما الذين اتخذوا شريكا جسمانيا فذلك الشريك إما أن يكون من الأجسام ~~السفلية أو من الأجسام العلوية أما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام ~~السفلية فذلك الجسم إما أن يكون مركبا أو بسيطا أما المركب فإما أن يكون من ~~المعادن أو من النبات أو من الحيوان أو من الإنسان أما الذين اتخذوا ~~الشركاء من الأجسام المعدنية فهم الذين يتخذون الأصنام إما من الأحجار أو ~~من الذهب أو من الفضة ويعبدونها وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام ~~النباتية فهم الذين اتخذوا شجرة معينة معبودا لأنفسهم وأما الذين اتخذوا ~~الشركاء من الحيوان فهم الذين اتخذوا العجل معبودا لأنفسهم وأما الذين ~~اتخذوا الشركاء من الناس فهم الذين قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله ~~وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام البسيطة فهم الذين يعبدون النار وهم ~~المجوس وأما الذين اتخذوا الشركاء من الأجسام العلوية فهم الذين يعبدون ~~الشمس والقمر وسائر الكواكب ويضيفون السعادة والنحوسة إليها وهم الصابئة ~~وأكثر المنجمين وأما الذين اتخذوا الشركاء لله من غير الأجسام فهم أيضا ~~طوائف : الطائفة الأولى : الذين قالوا مدبر العالم هو ms0291 النور والظلمة وهؤلاء ~~هم المانوية والثنوية والطائفة الثانية : هم الذين قالوا الملائكة عبارة عن ~~الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح معين من الأرواح الفلكية يدبره ولكل نوع من ~~أنواع هذا العالم روح فلكي يدبره ويتخذون لتلك الأرواح صورا وتماثيل ~~ويعبدونها هؤلاء عبدة الملائكة والطائفة الثالثة : الذين قالوا للعالم ~~إلهان : أحدهما خير والآخر شر وقالوا : مدبر هذا العالم هو الله تعالى ~~وإبليس وهما أخوان % % فكل ما في العالم من الخيرات فهو من الله وكل ما فيه ~~من الشر فهو من إبليس . إذا عرفت هذا التفصيل فنقول : كل من اتخذ لله شريكا ~~فإنه لا بد وأن يكون مقدما على عبادة ذلك الشريك من بعض الوجوه إما طلبا ~~لنفعه أو هربا من ضرره وأما الذين أصروا على التوحيد وأبطلوا القول ~~بالشركاء والأضداد ولم يعبدوا إلا الله ولم يلتفتوا إلى غير الله فكان ~~رجاؤهم من الله وخوفهم من الله ورغبتهم في الله ورهبتهم من الله فلا جرم لم ~~يعبدوا إلا الله ولم يستعينوا إلا بالله ؛ فلهذا قالوا إياك نعبد وإياك ~~نستعين فكان قوله إياك نعبد وإياك نستعين قائما مقام قوله لا إله إلا الله ~~. واعلم أن الذكر المشهور هو أن تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد دللنا على أن ~~قولنا الحمد لله يدخل فيه معنى قولنا سبحان الله لأن قوله سبحان الله يدل ~~على كونه كاملا تاما في ذاته وقوله الحمد لله يدل على كونه مكملا متمما ~~لغيره والشيء لا يكون مكملا متمما لغيره إلا إذا كان قبل ذلك تاما كاملا في ~~ذاته فثبت أن قولنا الحمد لله دخل فيه معنى قولنا PageV01P198 سبحان الله ~~ولما قال الحمد لله فأثبت جميع أنواع الحمد ذكر ما يجري مجرى العلة لإثبات ~~جميع أنواع الحمد لله فوصفه بالصفات الخمس وهي التي لأجلها تتم مصالح العبد ~~في الأوقات الثلاثة على ما بيناه ولما بين ذلك ثبت صحة قولنا سبحان الله ~~والحمد لله ثم ذكر بعده قوله ms0292 إياك نعبد وقد دللنا على أنه قائم مقام لا إله ~~إلا الله ثم ذكر قوله وإياك نستعين ومعناه أن الله تعالى أعلى وأجل وأكبر ~~من أن يتم مقصود من المقاصد وغرض من الأغراض إلا بإعانته وتوفيقه وإحسانه ~~وهذا هو المراد من قولنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فثبت أن ~~سورة الفاتحة من أولها إلى آخرها منطبقة على ذلك الذكر وآيات هذه السورة ~~جارية مجرى الشرح والتفصيل للمراتب الخمس المذكورة في ذلك الذكر . الفائدة ~~الثالثة : قال إياك نعبد فقدم قوله إياك على قوله نعبد ولم يقل نعبدك وفيه ~~وجوه : أحدها : أنه تعالى قدم ذكر نفسه ليتنبه العابد على أن المعبود هو ~~الله الحق فلا يتكاسل في التعظيم ولا يلتفت يمينا وشمالا ؛ يحكى أن واحدا ~~من المصارعين الأستاذين صارع رستاقيا جلفا فصرع الرستاقي ذلك الأستاذ مرارا ~~فقيل للرستاقي : إنه فلان الأستاذ فانصرع في الحال منه وما ذاك إلا ~~لاحتشامه منه فكذا ههنا : عرفه ذاته أولا حتى تحصل العبادة مع الحشمة فلا ~~تمتزج بالغفلة . وثانيها : أنه إن ثقلت عليك الطاعات وصعبت عليك العبادات ~~من القيام والركوع والسجود فاذكر أولا قوله إياك نعبد لتذكرني وتحضر في ~~قلبك معرفتي فإذا ذكرت جلالي وعظمتي وعزتي وعلمت أني مولاك وأنك عبدي سهلت ~~عليك تلك العبادات ومثاله أن من أراد حمل الجسم الثقيل تناول قبل ذلك ما ~~يزيده قوة وشدة فالعبد لما أراد حمل التكاليف الشاقة الشديدة تناول أولا ~~معجون معرفة الربوبية من بستوقة قوله إياك حتى يقوى على حمل ثقل العبودية ~~ومثال آخر وهو أن العاشق الذي يضرب لأجل معشوقه في حضرة معشوقه يسهل عليه ~~ذلك الضرب فكذا ههنا : إذا شاهد جمال إياك سهل عليه تحمل ثقل العبودية ~~وثالثها : قال الله تعالى : ^ { إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون } ^ [ الأعراف : 201 ] فالنفس إذا مسها طائف من ~~الشيطان من الكسل والغفلة والبطالة تذكروا حضرة جلال الله من مشرق قوله ~~إياك نعبد فيصيرون مبصرين مستعدين لأداء العبادات والطاعات . ورابعها : أنك ~~إذا ms0293 قلت نعبدك فبدأت أولا بذكر عبادة نفسك ولم تذكر أن تلك العبادة لمن ~~فيحتمل أن إبليس يقول هذه العبادة للأصنام أو للأجسام أو للشمس أو القمر ~~أما إذا غيرت هذا الترتيب وقلت أولا إياك ثم قلت ثانيا نعبد كان قولك أولا ~~إياك صريحا بأن المقصود والمعبود هو الله تعالى فكان هذا أبلغ في التوحيد ~~وأبعد عن احتمال الشرك . وخامسها : وهو أن القديم الواجب لذاته متقدم في ~~الوجود على المحدث الممكن لذاته % % فوجب أن يكون ذكره متقدما على جميع ~~الأذكار ؛ فلهذا السبب قدم قوله إياك على قوله نعبد ليكون ذكر الحق متقدما ~~على ذكر الخلق . وسادسها : قال بعض المحققين : من كان نظره في وقت النعمة ~~إلى المنعم لا إلى النعمة كان نظره في وقت البلاء إلى المبتلي لا إلى ~~البلاء وحينئذ يكون غرقا في كل الأحوال في معرفة الحق سبحانه وكل من كان ~~كذلك كان أبدا في أعلى مراتب السعادات أما من كان نظره في وقت النعمة إلى ~~النعمة لا إلى المنعم كان نظره في وقت البلاء إلى البلاء لا إلى المبتلي ~~فكان غرقا في كل الأوقات في الاشتغال بغير الله فكان أبدا في الشقاوة لأن ~~في وقت وجدان النعمة يكون خائفا من زوالها فكان في العذاب وفي وقت فوات ~~النعمة كان مبتلى بالخزي والنكال فكان في محض السلاسل والأغلال ولهذا ~~التحقيق قال لأمة موسى : اذكروا نعمتي وقال لأمة محمد عليه السلام : ~~اذكروني أذكركم PageV01P199 إذا عرفت هذا فنقول : إنما قدم قوله إياك على ~~قوله نعبد ليكون مستغرقا في مشاهدة نور جلال إياك ومتى كان الأمر كذلك كان ~~في وقت أداء العبادة مستقرا في عين الفردوس كما قال تعالى # : لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا ~~وبصرا . وسابعها : لو قيل نعبدك لم يفد نفي عبادتهم لغيره لأنه لا امتناع ~~في أن يعبدوا الله ويعبدوا غير الله كما هو دأب المشركين أما لما قال إياك ~~نعبد أفاد أنهم يعبدونه ولا يعبدون غير الله . وثامنها : أن هذه النون ms0294 نون ~~العظمة فكأنه قيل له متى كنت خارج الصلاة فلا تقل نحن ولو كنت في ألف ألف ~~من العبيد أما لما اشتغلت بالصلاة وأظهرت العبودية لنا فقل نعبد ليظهر للكل ~~أن كل من كان عبدا لنا كان ملك الدنيا والآخرة . وتاسعها : لو قال إياك ~~أعبد لكان ذلك تكبرا ومعناه أني أنا العابد أما لما قال إياك نعبد كان ~~معناه أني واحد من عبيدك فالأول تكبر والثاني تواضع ومن تواضع لله رفعه ~~الله ومن تكبر وضعه الله . فإن قال قائل : جميع ما ذكرتم قائم في قوله ~~الحمد لله مع أنه قدم فيه ذكر الحمد على ذكر الله . فالجواب أن قوله الحمد ~~يحتمل أن يكون لله ولغير الله فإذا قلت لله فقد تقيد الحمد بأن يكون لله ~~أما لو قدم قوله نعبد احتمل أن يكون لله واحتمل أن يكون لغير الله وذلك كفر ~~؛ والنكتة أن الحمد لما جاز لغير الله في ظاهر الأمر كما جاز لله لا جرم ~~حسن تقدم الحمد أما ههنا فالعبادة لما لم تجز لغير الله لا جرم قدم قوله ~~إياك على نعبد فتعين الصرف للعبادة فلا يبقى في الكلام احتمال أن تقع ~~العبادة لغير الله . الفائدة الرابعة : لقائل أن يقول : النون في قوله نعبد ~~إما أن تكون نون الجمع أو نون التعظيم والأول باطل لأن الشخص الواحد لا ~~يكون جمعا والثاني باطل لأن عند أداء العبادة فاللائق بالإنسان أن يذكر ~~نفسه بالعجز والذلة لا بالعظمة والرفعة . واعلم أنه يمكن الجواب عنه من ~~وجوه كل واحد من تلك الوجوه يدل على حكمة بالغة : فالوجه الأول : أن المراد ~~من هذه النون نون الجمع وهو تنبيه على أن الأولى بالإنسان أن يؤدي الصلاة ~~بالجماعة واعلم أن فائدة الصلاة بالجماعة معلومة في موضعها ويدل عليه قوله ~~عليه السلام # : التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا وما فيها ثم نقول : إن ~~الإنسان لو أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر الجماعة لئلا يتأذى منه ~~إنسان فكأنه تعالى يقول : هذه الطاعة التي ms0295 لها هذا الثواب العظيم لا يفي ~~ثوابها بأن يتأذى واحد من المسلمين برائحة الثوم والبصل فإذا كان هذا ~~الثواب لا يفي بذلك فكيف يفي بإيذاء المسلم وكيف يفي بالنميمة والغيبة ~~والسعاية . الوجه الثاني : أن الرجل إذا كان يصلي بالجماعة فيقول نعبد ~~والمراد منه ذلك الجمع وإن كان يصلي وحده كان المراد أني أعبدك والملائكة ~~معي في العبادة . فكان المراد بقوله نعبد هو وجميع الملائكة الذين يعبدون ~~الله . الوجه الثالث : أن المؤمنين أخوة فلو قال إياك أعبد لكان قد ذكر ~~عبادة نفسه ولم يذكر عبادة غيره أما لما قال إياك نعبد كان قد ذكر عبادة ~~نفسه وعبادة جميع المؤمنين شرقا وغربا فكأنه سعى في إصلاح مهمات سائر ~~المؤمنين وإذا فعل ذلك قضى الله مهماته لقوله عليه السلام # : من قضى لمسلم حاجة قضى الله له جميع حاجاته . PageV01P200 الوجه الرابع ~~: كأنه تعالى قال للعبد لما أثنيت علينا بقولك الحمد لله رب العالمين ~~الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وفوضت إلينا جميع محامد الدنيا والآخرة فقد ~~عظم قدرك عندنا وتمكنت منزلتك في حضرتنا فلا تقتصر على إصلاح مهماتك وحدك ~~ولكن أصلح حوائج جميع المسلمين فقل إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه الخامس ~~: كأن العبد يقول : إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث أستحق أن أذكرها وحدها ؛ ~~لأنها ممزوجة بجهات التقصير ولكني أخلطها بعبادات جميع العابدين وأذكر الكل ~~بعبارة واحدة وأقول إياك نعبد . وههنا مسألة شرعية وهي أن الرجل إذا باع من ~~غيره عشرة من العبيد فالمشتري إما أن يقبل الكل أو لا يقبل واحدا منها وليس ~~له أن يقبل البعض دون البعض في تلك الصفقة فكذا هنا إذا قال العبد إياك ~~نعبد فقد عرض على حضرة الله جميع عبادات العابدين فلا يليق بكرمه أن يميز ~~البعض عن البعض ويقبل البعض دون البعض فإما أن يرد الكل وهو غير جائز لأن ~~قوله إياك نعبد دخل فيه عبادات الملائكة وعبادات الأنبياء والأولياء وإما ~~أن يقبل الكل وحينئذ تصير عبادة هذا القائل مقبولة ببركة قبول عبادة غيره ~~والتقدير كأن العبد ms0296 يقول : إلهي إن لم تكن عبادتي مقبولة فلا تردني لأني ~~لست بوحيد في هذه العبادة بل نحن كثيرون فإن لم أستحق الإجابة والقبول ~~فأتشفع إليك بعبادات سائر المتعبدين فأجبني . الفائدة الخامسة : اعلم أن من ~~عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها ؛ وثقل عليه الاشتغال بغيرها وبيانه ~~من وجوه : الأول أن الكمال محبوب بالذات وأكمل أحوال الإنسان وأقواها في ~~كونها سعادة اشتغاله بعبادة الله فإنه يستنير قلبه بنور الإلهية ويتشرف ~~لسانه بشرف الذكر والقراءة وتتجمل أعضاؤه بجمال خدمة الله وهذه الأحوال ~~أشرف المراتب الإنسانية والدرجات البشرية فإذا كان حصول هذه الأحوال أعظم ~~السعادات الإنسانية في الحال وهي موجبة أيضا لأكمل السعادات في الزمان ~~المستقبل فمن وقف على هذه الأحوال زال عنه ثقل الطاعات وعظمت حلاوتها في ~~قلبه . الثاني : أن العبادة أمانة بدليل قوله تعالى : ^ { إنا عرضنا ~~الأمانة على السموات - الآية } ^ [ الأحزاب : 72 ] وأداء الأمانة واجب عقلا ~~وشرعا بدليل قوله @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها @QE@ [ ~~النساء : 58 ] وأداء الأمانة صفة من صفات الكمال محبوبة بالذات ؛ ولأن أداء ~~الأمانة من أحد الجانبين سبب لأداء الأمانة من الجانب الثاني قال بعض ~~الصحابة : رأيت أعرابيا أتى باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد ~~وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء فتعجبنا فلما خرج لم يجد ناقته فقال : ~~إلهي أديت أمانتك فأين أمانتي ؟ قال الراوي فزدنا تعجبا فلم يمكث حتى جاء ~~رجل على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه والنكتة أنه لما حفظ أمانة ~~الله حفظ الله أمانته وهو المراد من قوله عليه السلام لابن عباس # : يا غلام احفظ الله في الخلوات يحفظك في الفلوات . الثالث : أن الاشتغال ~~بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى عالم السرور ومن الاشتغال بالخلق إلى ~~حضرة الحق وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة . # يحكى عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف وتفرق الناس وكان أبو حنيفة في ~~الصلاة ولم يشعر بها . ووقعت الآكلة في بعض أعضاء عروة بن الزبير واحتاجوا ~~إلى قطع ذلك العضو فلما شرع في ms0297 الصلاة قطعوا منه ذلك العضو فلم يشعر عروة ~~بذلك القطع . # وعن رسول PageV01P201 الله صلى الله عليه وسلم أنه كان حين يشرع في ~~الصلاة كانوا يسمعون من صدره أزيزا كأزيز المرجل ومن استبعد هذا فليقرأ ~~قوله تعالى : @QB@ فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن @QE@ [ يوسف : 31 ] فإن ~~النسوة لما غلب على قلوبهن جمال يوسف عليه السلام وصلت تلك الغلبة حيث قطعن ~~أيديهن وما شعرن بذلك فإذا جاز هذا في حق البشر فلأن يجوز عند استيلاء عظمة ~~الله على القلب أولى ولأن من دخل على ملك مهيب فربما مر به أبواه وبنوه وهو ~~ينظر إليهم ولا يعرفهم لأجل أن استيلاء هيبة ذلك تمنع القلب عن الشعور بهم ~~فإذا جاز هذا في حق ملك مخلوق مجازي فلأن يجوز في حق خالق العالم أولى . ثم ~~قال أهل التحقيق : العبادة لها ثلاث درجات : الدرجة الأولى : أن يعبد الله ~~طمعا في الثواب أو هربا من العقاب وهذا هو المسمى بالعبادة وهذه الدرجة ~~نازلة ساقطة جدا ؛ لأن معبوده في الحقيقة هو ذلك الثواب وقد جعل الحق وسيلة ~~إلى نيل المطلوب ومن جعل المطلوب بالذات شيئا من أحوال الخلق وجعل الحق ~~وسيلة إليه ؛ فهو خسيس جدا . والدرجة الثانية : أن يعبد الله لأجل أن يتشرف ~~بعبادته أو يتشرف بقبول تكاليفه أو يتشرف بالانتساب إليه وهذه الدرجة أعلى ~~من الأولى ؛ إلا أنها أيضا ليست كاملة ؛ لأن المقصود بالذات غير الله . < # > والدرجة الثالثة : أن يعبد الله لكونه إلها وخالقا ولكونه عبدا له ~~والإلهية توجب الهيبة والعزة والعبودية توجب الخضوع والذلة وهذا أعلى ~~المقامات وأشرف الدرجات هذا هو المسمى بالعبودية وإليه الإشارة بقول المصلي ~~في أول الصلاة : أصلي لله ؛ فإنه لو قال أصلي لثواب الله أو للهرب من عقابه ~~؛ فسدت صلاته . واعلم أن العبادة والعبودية مقام عال شريف ويدل عليه آيات : ~~الأولى : قوله تعالى في آخر سورة الحجر : @QB@ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما ~~يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين @QE@ [ ا ~~لحجر : 97 ] والاستدلال بها من وجهين : أحدهما ms0298 : أنه قال : @QB@ واعبد ربك ~~حتى يأتيك اليقين @QE@ ؛ فأمر محمدا عليه الصلاة والسلام بالمواظبة على ~~العبادة إلى أن يأتيه الموت ومعناه أنه لا يجوز الإخلال بالعبادة في شيء من ~~الأوقات وذلك يدل على غاية جلالة أمر العبادة وثانيهما : أنه قال : @QB@ ~~ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون @QE@ ؛ ثم إنه تعالى أمره بأربعة أشياء ~~: التسبيح ؛ وهو قوله فسبح ؛ والتحميد : وهو قوله : بحمد ربك ؛ والسجود : ~~وهو قوله : وكن من الساجدين ؛ والعبادة : وهي قوله : واعبد ربك حتى يأتيك ~~اليقين ؛ وهذا يدل على أن العبادة تزيل ضيق القلب وتفيد انشراح الصدر وما ~~ذاك إلا لأن العبادة توجب الرجوع من الخلق إلى الحق وذلك يوجب زوال ضيق ~~القلب . الآية الثانية في شرف العبودية : قوله تعالى : @QB@ سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا @QE@ [ الإسراء : 1 ] ولولا أن العبودية أشرف المقامات ~~وإلا لما وصفه الله بهذه الصفة في أعلى مقامات المعراج ومنهم من قال : ~~العبودية أشرف من الرسالة ؛ لأن بالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق ~~وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق وأيضا بسبب العبودية ينعزل عن التصرفات ~~وبسبب الرسالة يقبل على التصرفات واللائق بالعبد الانعزال عن التصرفات ~~وأيضا العبد يتكفل المولى بإصلاح مهماته والرسول هو المتكفل بإصلاح مهمات ~~الأمة وشتان ما بينهما . PageV01P202 الآية الثالثة في شرف العبودية : أن ~~عيسى أول ما نطق قال : @QB@ إني عبد الله @QE@ [ مريم : 30 ] وصار ذكره ~~لهذه الكلمة سببا لطهارة أمه ولبراءة وجوده عن الطعن وصار مفتاحا لكل ~~الخيرات ودافعا لكل الآفات وأيضا لما كان أول كلام عيسى ذكر العبودية كانت ~~عاقبته الرفعة كما قال تعالى : @QB@ ورافعك إلي @QE@ [ آل عمران : 55 ] ~~والنكتة أن الذي ادعى العبودية بالقول رفع إلى الجنة والذي يدعيها بالعمل ~~سبعين سنة ؛ كيف يبقى محروما عن الجنة ؟ الآية الرابعة : قوله تعالى لموسى ~~عليه السلام : @QB@ إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني @QE@ [ طه : 14 ] ~~أمره بعد التوحيد بالعبودية ؛ لأن التوحيد أصل والعبودية فرع والتوحيد شجرة ~~؛ والعبودية ثمرة ولا قوام لأحدهما إلا بالآخر فهذه الآيات دالة على شرف ~~العبودية . وأما المعقول ؛ فظاهر ؛ وذلك لأن ms0299 العبد محدث ممكن الوجود لذاته ~~فلولا تأثير قدرة الحق فيه لبقي في ظلمة العدم وفي فناء الفناء ولم يحصل له ~~الوجود فضلا عن كمالات الوجود فلما تعلقت قدرة الحق به وفاضت عليه آثار ~~جوده وإيجاده حصل له الوجود وكمالات الوجود ولا معنى لكونه مقدور قدرة الحق ~~؛ ولكونه متعلق إيجاد الحق إلا العبودية فكل شرف وكمال وبهجة وفضيلة ومسرة ~~ومنقبة حصلت للعبد ؛ فإنما حصلت بسبب العبودية فثبت أن العبودية مفتاح ~~الخيرات وعنوان السعادات ومطلع الدرجات وينبوع الكرامات فلهذا السبب قال ~~العبد : إياك نعبد وإياك نستعين وكان علي كرم الله وجهه يقول # : كفى بي فخرا أن أكون لك عبدا وكفى بي شرفا أن تكون لي ربا اللهم إني ~~وجدتك إلها كما أردت فاجعلني عبدا كما أردت . . < # > الفائدة السادسة < # > : اعلم أن المقامات محصورة في مقامين : معرفة الربوبية ومعرفة العبودية ~~وعند اجتماعهما يحصل العهد المذكور في قوله : @QB@ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~@QE@ [ البقرة : 40 ] أما معرفة الربوبية ؛ فكمالها مذكور في قوله : ^ { ~~الحمد لله رب العالمين . الرحمن ا لرحيم . مالك يوم الدين } ^ ؛ فكون العبد ~~منتقلا من العدم السابق إلى الوجود يدل على كونه إلها وحصول الخيرات ~~والسعادات للعبد حال وجوده يدل على كونه ربا رحمانا رحيما وأحوال معاد ~~العبد تدل على كونه مالك يوم الدين وعند الإحاطة بهذه الصفات حصلت معرفة ~~الربوبية على أقصى الغايات وبعدها جاءت معرفة العبودية ولها مبدأ وكمال ~~وأول وآخر أما مبدؤها وأولها ؛ فهو الاشتغال بالعبودية وهو المراد بقوله : ~~@QB@ إياك نعبد @QE@ وأما كمالها ؛ فهو أن يعرف العبد أن لا حول عن معصية ~~الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله فعند ذلك ~~يستعين بالله في تحصيل كل المطالب وذلك هو المراد بقوله وإياك نستعين ولما ~~تم الوفاء بعهد الربوبية وبعهد العبودية ترتب عليه طلب الفائدة والثمرة وهو ~~قوله : @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ وهذا ترتيب شريف رفيع عال ؛ يمتنع ~~في العقول حصول ترتيب آخر أشرف منه . < # > الفائدة السابعة < # > : لقائل أن يقول : قوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم ms0300 ~~الدين ؛ كله مذكور على لفظ الغيبة وقوله : إياك نعبد وإياك نستعين انتقال ~~من لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب فما الفائدة فيه ؟ قلنا : فيه وجوه : الأول : ~~أن المصلي كان أجنبيا عند الشروع في الصلاة فلا جرم أثنى على الله بألفاظ ~~المغايبة إلى قوله مالك يوم الدين ثم إنه تعالى كأنه يقول له حمدتني وأقررت ~~بكوني إلها ربا رحمانا رحيما PageV01P203 مالكا ليوم الدين فنعم العبد أنت ~~قد رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل إياك نعبد . ~~الوجه الثاني : إن أحسن السؤال ما وقع على سبيل المشافهة ألا ترى أن ~~الأنبياء عليهم السلام لما سألوا ربهم شافهوه بالسؤال فقالوا : @QB@ ربنا ~~ظلمنا أنفسنا @QE@ [ الأعراف : 23 ] @QB@ ربنا اغفر لنا @QE@ [ الحشر : 10 ~~] @QB@ رب هب لي @QE@ [ الشعراء : 83 ] @QB@ رب أرني @QE@ [ الأعراف : 143 ~~] والسبب فيه أن الرد من الكريم على سبيل المشافهة والمخاطبة بعيد وأيضا ~~العبادة خدمة والخدمة في الحضور أولى . الوجه الثالث : أن من أول السورة ~~إلى قوله إياك نعبد ثناء والثناء في الغيبة أولى ومن قوله إياك نعبد . ~~وإياك نستعين إلى آخر السورة دعاء والدعاء في الحضور أولى . الوجه الرابع : ~~العبد لما شرع في الصلاة وقال نويت أن أصلي تقربا إلى الله فينوي حصول ~~القربة ثم إنه ذكر بعد هذه النية أنواعا من الثناء على الله فاقتضى كرم ~~الله إجابته في تحصيل تلك القربة فنقله من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ~~فقال : إياك نعبد وإياك نستعين . < # > الفصل السادس < # > < # > في قوله وإياك نستعين < # > اعلم أنه ثبت بالدلائل العقلية أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة ~~الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ويدل عليه وجوه من العقل ~~والنقل أما العقل فمن وجوه : الأول : أن القادر متمكن من الفعل والترك على ~~السوية فما لم يحصل المرجح لم يحصل الرجحان وذلك المرجح ليس من العبد وإلا ~~لعاد في الطلب فهو من الله تعالى فثبت أن العبد لا يمكنه الإقدام على الفعل ~~إلا بإعانه الله . الثاني : أن جميع الخلائق يطلبون الدين الحق والاعتقاد ~~الصدق مع استوائهم ms0301 في القدرة والعقل والجد والطلب ففوز البعض بدرك الحق لا ~~يكون إلا بإعانة معين وما ذاك المعين إلا الله تعالى لأن ذلك المعين لو كان ~~بشرا أو ملكا لعاد الطلب فيه . الثالث : أن الإنسان قد يطالب بشيء مدة ~~مديدة ولا يأتي به ثم في أثناء حال أو وقت يأتي به ويقدم عليه ولا يتفق له ~~تلك الحالة إلا إذا وقعت داعية جازمة في قلبه تدعوه إلى ذلك الفعل فإلقاء ~~تلك الداعية في القلب وإزالة الدواعي المعارضة لها ليست إلا من الله تعالى ~~ولا معنى للإعانة إلا ذلك . وأما النقل فيدل عليه آيات : أولاها : قوله ~~وإياك نستعين وثانيتها : قوله @QB@ استعينوا بالله @QE@ [ الأعراف : 128 ] ~~وقد اضطربت الجبرية والقدرية في هذه الآية : أما الجبرية فقالوا : لو كان ~~العبد مستقلا بالفعل لما كان للاستعانة على الفعل فائدة وأما القدرية ~~فقالوا الاستعانة إنما تحسن لو كان العبد متمكنا من أصل الفعل فتبطل ~~الإعانة من الغير أما إذا لم يقدر على الفعل لم تكن للاستعانة فائدة . ~~وعندي أن القدرة لا تؤثر في الفعل إلا مع الداعية الجازمة فالإعانة ~~المطلوبة عبارة عن خلق الداعية الجازمة وإزالة الداعية الصارفة . ولنذكر ما ~~في هذه الكلمة من اللطائف والفوائد : < # > الفائدة الأولى : < # > لقائل أن يقول : الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع في العمل ~~وههنا ذكر قوله إياك نعبد ثم ذكر عقيبه وإياك نستعين فما الحكمة فيه ؟ ~~الجواب من وجوه الأول : كأن المصلي يقول : شرعت في العبادة فأستعين بك في ~~إتمامها فلا تمنعني من إتمامها بالموت ولا بالمرض ولا بقلب الدواعي وتغيرها ~~. الثاني : كأن الإنسان يقول : يا إلهي إني أتيت بنفسي إلا أن لي قلبا يفر ~~مني فأستعين PageV01P204 بك في إحضاره وكيف وقد قال عليه الصلاة والسلام # : قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن فدل ذلك على أن الإنسان لا ~~يمكنه إحضار القلب إلا بإعانة الله . الثالث : لا أريد في الإعانة غيرك لا ~~جبريل ولا ميكائيل بل أريدك وحدك وأقتدي في هذا المذهب بالخليل عليه السلام ~~لأنه لما قيد نمروذ رجليه ms0302 ويديه ورماه في النار جاء جبريل عليه السلام وقال ~~له : هل لك من حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا فقال : سله فقال : حسبي من سؤالي ~~علمه بحالي بل ربما أزيد على الخليل في هذا الباب وذلك لأنه قيد رجلاه ~~ويداه لا غير وأما أنا فقيدت رجلي فلا أسير ويدي فلا أحركهما وعيني فلا ~~أنظر بهما وأذني فلا أسمع بهما ولساني فلا أتكلم به وكان الخليل مشرفا على ~~نار نمروذ وأنا مشرف على نار جهنم فكما لم يرض الخليل عليه السلام بغيرك ~~معينا فكذلك لا أريد معينا غيرك فإياك نعبد وإياك نستعين كأنه تعالى يقول : ~~أتيت بفعل الخليل وزدت عليه فنحن نزيد أيضا في الجزاء لأنا ثمت قلنا : @QB@ ~~يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم @QE@ [ الأنبياء : 69 ] وأما أنت فقد ~~نجيناك من النار وأوصلناك إلى الجنة وزدناك سماع الكلام القديم ورؤية ~~الموجود القديم وكما أنا قلنا لنار نمروذ يا نار كوني بردا وسلاما على ~~إبراهيم فكذلك تقول لك نار جهنم : جز يا مؤمن قد أطفأ نورك لهبي . الرابع : ~~إياك نستعين : أي : لا أستعين بغيرك وذلك لأن ذلك الغير لا يمكنه إعانتي ~~إلا إذا أعنته على تلك الإعانة فإذا كانت إعانة الغير لا تتم إلا بإعانتك ~~فلنقطع هذه الواسطة ولنقتصر على إعانتك . الوجه الخامس : قوله إياك نعبد ~~يقتضي حصول رتبة عظيمة للنفس بعبادة الله تعالى وذلك يورث العجب فأردف ~~بقوله وإياك نستعين ليدل ذلك على أن تلك الرتبة الحاصلة بسبب العبادة ما ~~حصلت من قوة العبد بل إنما حصلت بإعانة الله فالمقصود من ذكر قوله وإياك ~~نستعين إزالة العجب وإفناء تلك النخوة والكبر . < # > الفصل السابع < # > < # > في قوله اهدنا الصراط المستقيم وفيه فوائد < # > < < # | الفاتحة : ( 6 ) اهدنا الصراط المستقيم # > > الفائدة الأولى : لقائل أن يقول : المصلي لا بد وأن يكون مؤمنا وكل ~~مؤمن مهتد فالمصلي مهتد فإذا قال اهدنا كان جاريا مجرى أن من حصلت له ~~الهداية فإنه يطلب الهداية فكان هذا طلبا لتحصيل الحاصل وإنه محال والعلماء ~~أجابوا عنه من وجوه : الأول : المراد منه صراط ms0303 الأولين في تحمل المشاق ~~العظيمة لأجل مرضاة الله تعالى . # يحكى أن نوحا عليه السلام كان يضرب في كل يوم كذا مرات بحيث يغشى عليه ~~وكان يقول في كل مرة : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون . فإن قيل : إن ~~رسولنا عليه الصلاة والسلام ما قال ذلك إلا مرة واحدة وهو كان يقول كل يوم ~~مرات فلزم أن يقال إن نوحا عليه السلام كان أفضل منه والجواب لما كان ~~المراد من قوله اهدنا الصراط المستقيم طلب تلك الأخلاق الفاضلة من الله ~~تعالى والرسول عليه السلام كان يقرأ الفاتحة في كل يوم كذا مرة كان تكلم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة أكثر من تكلم نوح عليه السلام بها . ~~الوجه الثاني في الجواب : أن العلماء بينوا أن في كل خلق من الأخلاق طرفي ~~تفريط وإفراط وهما مذمومان والحق هو الوسط ويتأكد ذلك بقوله تعالى : @QB@ ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ [ البقرة : 143 ] وذلك الوسط هو العدل والصواب ~~فالمؤمن بعد أن عرف الله بالدليل صار مؤمنا مهتديا أما بعد حصول هذه ~~PageV01P205 الحالة فلا بد من معرفة العدل الذي هو الخط المتوسط بين طرفي ~~الإفراط والتفريط في الأعمال الشهوانية وفي الأعمال الغضبية وفي كيفية ~~إنفاق المال فالمؤمن يطلب من الله تعالى أن يهديه إلى الصراط المستقيم الذي ~~هو الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط في كل الأخلاق وفي كل الأعمال وعلى هذا ~~التفسير فالسؤال زائل . الوجه الثالث : أن المؤمن إذا عرف الله بدليل واحد ~~فلا موجود من أقسام الممكنات إلا وفيه دلائل على وجود الله وعلمه وقدرته ~~وجوده ورحمته وحكمته وربما صح دين الإنسان بالدليل الواحد وبقي غافلا عن ~~سائر الدلائل فقوله اهدنا الصراط المستقيم معناه عرفنا يا إلهنا ما في كل ~~شيء من كيفية دلالته على ذاتك وصفاتك وقدرتك وعلمك وعلى هذا التقدير ~~فالسؤال زائل . الوجه الرابع : أنه تعالى قال : @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض @QE@ [ الشورى : 52 ~~- 53 ] وقال أيضا لمحمد عليه السلام : @QB@ وأن هذا صراطي ms0304 مستقيما فاتبعوه ~~@QE@ [ الأنعام : 153 ] وذلك الصراط المستقيم هو أن يكون الإنسان معرضا عما ~~سوى الله مقبلا بكلية قلبه وفكره وذكره على الله فقوله اهدنا الصراط ~~المستقيم المراد أن يهديه الله إلى الصراط المستقيم الموصوف بالصفة ~~المذكورة مثاله : أن يصير بحيث لو أمر بذبح ولده لأطاع كما فعله إبراهيم ~~عليه السلام ولو أمر بأن ينقاد ليذبحه غيره لأطاع كما فعله إسماعيل عليه ~~السلام ؛ ولو أمر بأن يرمي نفسه في البحر لأطاع كما فعله يونس عليه السلام ~~ولو أمر بأن يتلمذ لمن هو أعلم منه بعد بلوغه في المنصب إلى أعلى الغايات ~~لأطاع كما فعله موسى مع الخضر عليهما السلام ولو أمر بأن يصبر في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر على القتل والتفريق نصفين لأطاع كما فعله يحيى ~~وزكريا عليهما السلام فالمراد بقوله : اهدنا الصراط المستقيم هو الاقتداء ~~بأنبياء الله في الصبر على الشدائد والثبات عند نزول البلاء ؛ ولا شك أن ~~هذا مقام شديد هائل ؛ لأن أكثر الخلق لا طاقة لهم به إلا أنا نقول : أيها ~~الناس لا تخافوا ولا تحزنوا ؛ فإنه لا يضيق أمر في دين الله إلا اتسع ؛ لأن ~~في هذه الآية ما يدل على اليسر والسهولة ؛ لأنه تعالى لم يقل صراط الذين ~~ضربوا وقتلوا بل قال : @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ ؛ فلتكن نيتك عند ~~قراءة هذه الآية أن تقول : يا إلهي ! إن والدي رأيته ارتكب الكبائر كما ~~ارتكبتها وأقدم على المعاصي كما أقدمت عليها ثم رأيته لما قرب موته تاب ~~وأناب فحكمت له بالنجاة من النار والفوز بالجنة ؛ فهو ممن أنعمت عليه بأن ~~وفقته للتوبة ثم أنعمت عليه بأن قبلت توبته فأنا أقول : اهدنا إلى مثل ذلك ~~الصراط المستقيم طلبا لمرتبة التائبين فإذا وجدتها ؛ فاطلب الاقتداء بدرجات ~~الأنبياء عليهم السلام فهذا تفسير قوله : اهدنا الصراط المستقيم . الوجه ~~الخامس : كأن الإنسان يقول في الطريق : كثرة الأحباب يجرونني إلى طريق ~~والأعداء إلى طريق ثان والشيطان إلى طريق ثالث وكذا القول في الشهوة والغضب ~~والحقد والحسد وكذا القول في التعطيل والتشبيه والجبر والقدر ms0305 والإرجاء ~~والوعيد والرفض والخروج والعقل ضعيف والعمر قصير والصناعة طويلة والتجربة ~~خطرة والقضاء عسير وقد تحيرت في الكل ؛ فاهدني إلى طريق أخرج منه إلى الجنة ~~والمستقيم : السوي الذي لا غلظ فيه . # يحكى عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله فإذا أعرابي على ناقة ~~له فقال : يا شيخ ! إلى PageV01P206 أين ؟ فقال إبراهيم : إلى بيت الله قال ~~كأنك مجنون لا أرى لك مركبا ولا زادا والسفر طويل فقال إبراهيم : إن لي ~~مراكب كثيرة ؛ ولكنك لا تراها قال : وما هي ؟ قال : إذا نزلت علي بلية ركبت ~~مركب الصبر وإذا نزل علي نعمة ركبت مركب الشكر وإذا نزل بي القضاء ركبت ~~مركب الرضا وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى ~~فقال الأعرابي : سر بإذن الله ؛ فأنت الراكب وأنا الراجل . الوجه السادس : ~~قال بعضهم : الصراط المستقيم : الإسلام وقال بعضهم : القرآن وهذا لا يصح ؛ ~~لأن قوله @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ بدل من الصراط المستقيم وإذا ~~كان كذلك كان التقدير : اهدنا صراط من أنعمت عليهم من المتقدمين ومن تقدمنا ~~من الأمم ما كان لهم القرآن والإسلام وإذا بطل ذلك ثبت أن المراد اهدنا ~~صراط المحقين المستحقين للجنة وإنما قال الصراط ولم يقل السبيل ولا الطريق ~~وإن كان الكل واحدا ليكون لفظ الصراط مذكرا لصراط جهنم ؛ فيكون الإنسان على ~~مزيد خوف وخشية . القول الثاني في تفسير اهدنا : أي ثبتنا على الهداية التي ~~وهبتها منا ونظيره قوله تعالى : @QB@ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ~~@QE@ [ آل عمران : 8 ] ؛ أي : ثبتنا على الهداية فكم من عالم وقعت له شبهة ~~ضعيفة في خاطره فزاغ وذل وانحرف عن الدين القويم والمنهج المستقيم . < # > الفائدة الثانية : < # > لقائل أن يقول : لم قال : اهدنا ولم يقل : اهدني ؟ والجواب من وجهين : ~~الأول أن الدعاء كلما كان أعم كان إلى الإجابة أقرب كان بعض العلماء يقول : ~~لتلامذته : إذا قرأتم في خطبة السابق : ورضي الله عنك وعن جماعة المسلمين ~~إن نويتني في قولك رضي الله عنك فحسن وإلا فلا ms0306 حرج ولكن إياك وأن تنساني في ~~قولك وعن جماعة المسلمين لأن قوله رضي الله عنك تخصيص بالدعاء فيجوز أن لا ~~يقبل وأما قوله وعن جماعة المسلمين فلا بد وأن يكون في المسلمين من يستحق ~~الإجابة وإذا أجاب الله الدعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي ~~ولهذا السبب فإن السنة إذا أراد أن يذكر دعاء أن يصلي أولا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم يدعو ثم يختم الكلام بالصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثانيا ؛ لأن الله تعالى يجيب الداعي في صلاته على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم إذا أجيب في طرفي دعائه امتنع أن يرد في وسطه . الثاني : قال عليه ~~الصلاة والسلام # : ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها قالوا : يا رسول الله ومن لنا بتلك ~~الألسنة ؟ قال يدعو بعضكم لبعض ؛ لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك . ~~والثالث : كأنه يقول : أيها العبد ألست قلت في أول السورة الحمد لله وما ~~قلت أحمد الله فذكرت أولا حمد جميع الحامدين فكذلك في وقت الدعاء أشركهم ~~فقل أهدنا . الرابع : كأن العبد يقول : سمعت رسولك يقول : الجماعة رحمة ~~والفرقة عذاب فلما أردت تحميدك ذكرت حمد الجميع فقلت الحمد لله ولما ذكرت ~~العبادة ذكرت عبادة الجميع فقلت إياك نعبد ولما ذكرت الاستعانة ذكرت ~~استعانة الجميع فقلت وإياك نستعين فلا جرم لما طلبت الهداية طلبتها للجميع ~~فقلت اهدنا الصراط المستقيم ولما طلبت الاقتداء بالصالحين طلبت الاقتداء ~~بالجميع فقلت صراط الذين أنعمت عليهم ولما طلبت الفرار من المردودين فررت ~~من الكل فقلت غير المغضوب عليهم ولا الضالين فلما لم أفارق الأنبياء ~~والصالحين في الدنيا فأرجو أن لا أفارقهم في القيامة قال تعالى : ^ { ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين - الآية } ^ [ النساء : 69 ] . ~~PageV01P207 < # > الفائدة الثالثة : < # > اعلم أن أهل الهندسة قالوا الخط المستقيم هو أقصر خط يصل بين نقطتين ~~فالحاصل أن الخط المستقيم أقصر من جميع الخطوط المعوجة فكأن العبد يقول : ~~اهدنا الصراط المستقيم لوجوه : الأول : أنه أقرب الخطوط وأقصرها وأنا ms0307 عاجز ~~فلا يليق بضعفي إلا الطريق المستقيم . الثاني : أن المستقيم واحد وما عداه ~~معوجة وبعضها يشبه بعضا في الاعوجاج فيشتبه الطريق علي أما المستقيم فلا ~~يشابهه غيره فكان أبعد عن الخوف والآفات وأقرب إلى الأمان . الثالث : ~~الطريق المستقيم يوصل إلى المقصود والمعوج لا يوصل إليه . والرابع : ~~المستقيم لا يتغير والمعوج يتغير فلهذه الأسباب سأل الصراط المستقيم والله ~~أعلم . < # > الفصل الثامن < # > < # > في تفسير قوله صراط الذين أنعمت عليهم وفيه فوائد < # > < < # | الفاتحة : ( 7 ) صراط الذين أنعمت . . . . . # > > < # > الفائدة الأولى < # > : في حد النعمة وقد اختلف فيها فمنهم من قال إنها عبارة عن المنفعة ~~المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة ~~المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير قالوا وإنما زدنا هذا القيد لأن النعمة ~~يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لا يستحق بها الشكر والحق أن هذا القيد ~~غير معتبر لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظورا لأن جهة ~~استحقاق الشكر غير جهة الذنب والعقاب فأي امتناع في اجتماعهما ؟ ألا ترى أن ~~الفاسق يستحق بإنعامه الشكر والذم بمعصية الله فلم لا يجوز أن يكون الأمر ~~ههنا كذلك . ولنرجع إلى تفسير الحد المذكور فنقول : أما قولنا المنفعة فلأن ~~المضرة المحضة لا تكون نعمة وقولنا المفعولة على جهة الإحسان لأنه لو كان ~~نفعا حقا وقصد الفاعل به نفع نفسه لا نفع المفعول به لا يكون نعمة وذلك كمن ~~أحسن إلى جاريته ليربح عليها . إذا عرفت حد النعمة فيتفرع عليه فروع : ~~الفرع الأول : اعلم أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع ودفع الضرر فهو من ~~الله تعالى على ما قال تعالى : @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ [ النحل ~~: 53 ] ثم إن النعمة على ثلاثة أقسام : أحدها : نعمة تفرد الله بإيجادها ~~نحو أن خلق ورزق . وثانيها : نعمة وصلت من جهة غير الله في ظاهر الأمر وفي ~~الحقيقة فهي أيضا إنما وصلت من الله تعالى وذلك لأنه تعالى هو الخالق لتلك ~~النعمة والخالق لذلك المنعم والخالق لداعية الإنعام بتلك النعمة في قلب ms0308 ذلك ~~المنعم إلا أنه تعالى لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد كان ذلك العبد ~~مشكورا ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى ولهذا قال : @QB@ أن اشكر لي ~~ولوالديك إلي المصير @QE@ [ لقمان : 14 ] فبدأ بنفسه تنبيها على أن إنعام ~~الخلق لا يتم إلا بإنعام الله وثالثها : نعم وصلت من الله إلينا بسبب ~~طاعتنا وهي أيضا من الله تعالى ؛ لأنه لولا أن الله سبحانه وتعالى وفقنا ~~للطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار عنا وإلا لما وصلنا إلى ~~شيء منها فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم في الحقيقة من الله تعالى . ~~الفرع الثاني : أن أول نعم الله على العبيد هو أن خلقهم أحياء ويدل عليه ~~العقل والنقل أما العقل فهو أن الشيء لا يكون نعمة إلا إذا كان بحيث يمكن ~~الانتفاع به ولا يمكن الانتفاع به إلا عند حصول PageV01P208 الحياة فإن ~~الجماد والميت لا يمكنه أن ينتفع بشيء فثبت أن أصل جميع النعم هو الحياة ~~وأما النقل فهو أنه تعالى قال : @QB@ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم @QE@ [ البقرة : 28 ] ثم قال عقيبه : { هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا } ^ [ البقرة : 29 ] فبدأ بذكر الحياة وثنى بذكر الأشياء التي ~~ينتفع بها وذلك يدل على أن أصل جميع النعم هو الحياة . الفرع الثالث : ~~اختلفوا في أنه هل لله تعالى نعمة على الكافر أم لا ؟ فقال بعض أصحابنا ليس ~~لله تعالى على الكافر نعمة وقالت المعتزلة : لله على الكافر نعمة دينية ~~ونعمة دنيويه واحتج الأصحاب على صحة قولهم بالقرآن والمعقول : أما القرآن ~~فآيات . إحداها : قوله تعالى ^ { صراط الذين أنعمت عليهم } ^ وذلك لأنه لو ~~كان لله على الكافر نعمة لكانوا داخلين تحت قوله تعالى : ^ { أنعمت عليهم } ~~^ ولو كان ذلك لكان قوله : ^ { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت ~~عليهم } ^ طلبا لصراط الكفار وذلك باطل فثبت بهذه الآية أنه ليس لله نعمة ~~على الكفار فإن قالوا : إن قوله الصراط يدفع ذلك قلنا : إن قوله : ^ { صراط ~~الذين أنعمت عليهم } ^ بدل من قوله ^ { الصراط المستقيم } ^ فكان التقدير ms0309 ~~اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم وحينئذ يعود المحذور المذكور . والآية ~~الثانية : قوله تعالى : ^ { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } ^ [ آل عمران : 178 ] وأما المعقول ~~فهو أن نعم الدنيا في مقابلة عذاب الآخرة على الدوام قليلة كالقطرة في ~~البحر ومثل هذا لا يكون نعمة بدليل أن من جعل السم في الحلواء لم يعد النفع ~~الحاصل منه نعمة لأجل أن ذلك النفع حقير في مقابلة ذلك الضرر الكثير فكذا ~~ههنا . وأما الذين قالوا إن لله على الكافر نعما كثيرة فقد احتجوا بآيات : ~~إحداها : قوله تعالى : ^ { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء } ^ [ البقرة 21 ~~- 22 ] فنبه على أنه يجب على الكل طاعة الله لمكان هذه النعم العظيمة . ~~وثانيها قوله : ^ { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ^ [ البقرة : ~~28 ] ذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم . وثالثها : قوله تعالى : ^ { يا ~~بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ^ [ البقرة : 40 ] . ورابعها ~~: قوله تعالى : ^ { وقليل من عبادي الشكور } ^ [ سبأ : 13 ] وقول إبليس : ^ ~~{ ولا تجد أكثرهم شاكرين } ^ [ الأعراف : 17 ] ولو لم تحصل النعم لم يلزم ~~الشكر ولم يلزم من عدم إقدامهم على الشكر محذور ؛ لأن الشكر لا يمكن إلا ~~عند حصول النعمة . < # > الفائدة الثانية : < # > قوله ^ { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } ^ يدل على ~~إمامة أبي بكر رضي الله عنه ؛ لأنا ذكرنا أن تقدير الآية : اهدنا صراط ~~الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله ~~عليهم من هم فقال : ^ { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين - الآية } ^ [ النساء : 69 ] ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية ~~التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقين ولو كان أبو بكر ظالما لما ~~جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر رضي ~~الله ms0310 عنه . < # > الفائدة الثالثة : قوله ^ { أنعمت عليهم } ^ يتناول كل من كان لله عليه ~~نعمة وهذه النعمة إما أن يكون المراد منها نعمة الدنيا أو نعمة الدين ولما ~~بطل الأول ثبت أن المراد منه نعمة الدين فنقول : كل نعمة PageV01P209 دينية ~~سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان وأما النعمة التي هي الإيمان فيمكن ~~حصولها خاليا عن سائر النعم الدينية وهذا يدل على أن المراد من قوله @QB@ ~~أنعمت عليهم @QE@ هو نعمة الإيمان فرجع حاصل القول في قوله اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم أنه طلب لنعمة الإيمان وإذا ثبت هذا الأصل ~~فنقول : يتفرع عليه أحكام : الحكم الأول : أنه لما ثبت أن المراد من هذه ~~النعمة نعمة الإيمان ولفظ الآية صريح في أن الله تعالى هو المنعم بهذه ~~النعمة ؛ ثبت أن خالق الإيمان والمعطي للإيمان هو الله تعالى وذلك يدل على ~~فساد قول المعتزلة ولأن الإيمان أعظم النعم فلو كان فاعله هو العبد لكان ~~إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله ولو كان كذلك لما حسن من الله أن ~~يذكر إنعامه في معرض التعظيم . الحكم الثاني : يجب أن لا يبقى المؤمن مخلدا ~~في النار لأن قوله : @QB@ أنعمت عليهم @QE@ مذكور في معرض التعظيم لهذا ~~الإنعام ولو لم يكن له أثر في دفع العقاب المؤبد لكان قليل الفائدة فما كان ~~يحسن من الله تعالى ذكره في معرض التعظيم . الحكم الثالث : دلت الآية على ~~أنه لا يجب على الله رعاية الصلاح والأصلح في الدين لأنه لو كان الإرشاد ~~واجبا على الله لم يكن ذلك إنعاما ؛ لأن أداء الواجب لا يكون إنعاما وحيث ~~سماه الله تعالى إنعاما علمنا أنه غير واجب . الحكم الرابع : لا يجوز أن ~~يكون المراد بالإنعام هو أن الله تعالى أقدر المكلف عليه وأرشده إليه وأزاح ~~أعذاره وعلله عنه ؛ لأن كل ذلك حاصل في حق الكفار فلما خص الله تعالى بعض ~~المكلفين بهذا الإنعام مع أن هذا الأقدار وإزاحة العلل عام في حق الكل ~~علمنا أن المراد من الإنعام ليس هو الأقدار عليه وإزاحة الموانع ms0311 عنه . < # > الفصل التاسع < # > < # > في قوله تعالى غير المغضوب عليهم ولا الضالين وفيه فوائد الفائدة ~~الأولى : < # > المشهور أن المغضوب عليهم هم اليهود لقوله تعالى : @QB@ من لعنه الله ~~وغضب عليه @QE@ [ المائدة : 60 ] والضالين : هم النصارى لقوله تعالى : @QB@ ~~قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ [ المائدة : 77 ] ~~وقيل : هذا ضعيف ؛ لأن منكري الصانع والمشركين أخبث دينا من اليهود ~~والنصارى فكان الاحتراز عن دينهم أولى بل الأولى أن يحمل المغضوب عليهم على ~~كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفساق ويحمل الضالون على كل من أخطأ في ~~الإعتقاد لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل ويحتمل أن يقال : المغضوب ~~عليهم هم الكفار والضالون هم المنافقون وذلك لأنه تعالى بدأ بذكر المؤمنين ~~والثناء عليهم في خمس آيات من أول البقرة ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله : ~~@QB@ إن الذين كفروا @QE@ [ البقرة : 6 ] ثم أتبعه بذكر المنافقين وهوقوله ~~: @QB@ ومن الناس من يقول آمنا @QE@ [ البقرة : 8 ] فكذا ههنا بدأ بذكر ~~المؤمنين وهو قوله : @QB@ أنعمت عليهم @QE@ ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله ~~: @QB@ غير المغضوب عليهم @QE@ ثم أتبعه بذكر المنافقين وهو قوله : @QB@ ~~ولا الضالين @QE@ . < # > الفائدة الثانية : < # > لما حكم الله عليهم بكونهم ضالين امتنع كونهم مؤمنين وإلا لزم انقلاب ~~خبر الله الصدق كذبا وذلك محال والمفضي إلى المحال محال . PageV01P210 < # > الفائدة الثالثة : < # > قوله { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } يدل على أن أحدا من الملائكة ~~والأنبياء عليهم السلام ما أقدم على عمل يخالف قول الذين أنعم الله عليهم ~~ولا على اعتقاد الذين أنعم الله عليهم لأنه لو صدر عنه ذلك لكان قد ضل عن ~~الحق لقوله تعالى : @QB@ فماذا بعد الحق إلا الضلال @QE@ [ يونس : 32 ] ولو ~~كانوا ضالين لماجاز الاقتداء بهم ولا الاقتداء بطريقهم ولكانوا خارجين عن ~~قوله : { أنعمت عليهم } ولما كان ذلك باطلا علمنا بهذه الآية عصمة الأنبياء ~~والملائكة عليهم السلام . < # > الفائدة الرابعة : < # > الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب لشهوة الانتقام واعلم أن هذا على ~~الله تعالى محال لكن ههنا قاعدة كلية وهي أن جميع الأعراض النفسانية - أعني ~~الرحمة والفرح ms0312 والسرور والغضب والحياء والغيرة والمكر والخداع والتكبر ~~والاستهزاء - لها أوائل ولها غايات ومثاله الغضب فإن أوله غليان دم القلب ~~وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه فلفظ الغضب في حق الله تعالى لا ~~يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب بل على غايته الذي هو إرادة الإضرار ~~وأيضا الحياء له أول وهو انكسار يحصل في النفس وله غرض وهو ترك الفعل فلفظ ~~الحياء في حق الله يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس وهذه قاعدة ~~شريفة في هذا الباب . < # > الفائدة الخامسة : < # > قالت المعتزلة : غضب الله عليهم يدل على كونهم فاعلين للقبائح ~~باختيارهم وإلا لكان الغضب عليهم ظلما من الله تعالى وقال أصحابنا : لما ~~ذكر غضب الله عليهم وأتبعه بذكر كونهم ضالين دل ذلك على أن غضب الله عليهم ~~علة لكونهم ضالين وحينئذ تكون صفة الله مؤثرة في صفة العبد أما لو قلنا إن ~~كونهم ضالين يوجب غضب الله عليهم لزم أن تكون صفة العبد مؤثرة في صفة الله ~~تعالى وذلك محال . < # > الفائدة السادسة : < # > أول السورة مشتمل على الحمد لله والثناء عليه والمدح له وآخرها مشتمل ~~على الذم للمعرضين عن الإيمان به والإقرار بطاعته وذلك يدل على أن مطلع ~~الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على الله تعالى ومطلع الآفات ورأس ~~المخافات هو الإعراض عن الله تعالى والبعد عن طاعته والاجتناب عن خدمته . < # > الفائدة السابعة : < # > دلت هذه الآية على أن المكلفين ثلاث فرق : أهل الطاعة وإليهم الإشارة ~~بقوله : أنعمت عليهم وأهل المعصية وإليهم الإشارة بقوله غير المغضوب عليهم ~~وأهل الجهل في دين الله والكفر وإليهم الإشارة بقوله ولا الضالين . فإن قيل ~~: لم قدم ذكر العصاة على ذكر الكفرة ؟ قلنا : لأن كل واحد يحترز عن الكفر ~~أما قد لا يحترز عن الفسق فكان أهم فلهذا السبب قدم . < # > الفائدة الثامنة : < # > في الآية سؤال وهو أن غضب الله إنما تولد عن علمه بصدور القبيح ~~والجناية عنه فهذا العلم إما أن يقال إنه قديم أو محدث فإن كان هذا العلم ~~قديما فلم خلقه ولم ms0313 أخرجه من العدم إلى الوجود مع علمه بأنه لا يستفيد من ~~دخوله في الوجود إلا العذاب الدائم ولأن من كان غضبان على الشيء كيف يعقل ~~إقدامه على إيجاده وعلى تكوينه ؟ وأما إن كان ذلك العلم حادثا كان الباري ~~تعالى محلا للحوادث ولأنه يلزم أن يفتقر إحداث ذلك العلم إلى سبق علم آخر ~~ويتسلسل وهو محال وجوابه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد . < # > الفائدة التاسعة : < # > في الآية سؤال آخر وهو أن من أنعم الله عليه امتنع أن يكون مغضوبا عليه ~~وأن PageV01P211 يكون من الضالين فلما ذكر قوله أنعمت عليهم فما الفائدة في ~~أن ذكر عقيبه غير المغضوب عليهم ولا الضالين ؟ والجواب : الإيمان إنما يكمل ~~بالرجاء والخوف كما قال عليه السلام # : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا فقوله صراط الذين أنعمت عليهم يوجب ~~الرجاء الكامل وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين يوجب الخوف الكامل ~~وحينئذ يقوى الإيمان بركنيه وطرفيه وينتهي إلى حد الكمال . < # > الفائدة العاشرة : < # > في الآية سؤال آخر ما الحكمة في أنه تعالى جعل المقبولين طائفة واحدة ~~وهم الذين أنعم الله عليهم والمردودين فريقين : المغضوب عليهم والضالين ؟ ~~والجواب أن أن الذين كملت نعم الله عليهم هم الذين جمعوا بين معرفة الحق ~~لذاته والخير لأجل العمل به فهؤلاء هم المرادون بقوله أنعمت عليهم فإن اختل ~~قيد العمل فهم الفسقة وهم المغضوب عليهم كما قال تعالى @QB@ ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه @QE@ [ النساء : 93 ] ~~وإن اختل قيد العلم فهم الضالون لقوله تعالى @QB@ فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال @QE@ [ يونس : 32 ] وهذا آخر كلامنا في تفسير كل واحدة من آيات هذه ~~السورة على التفصيل والله أعلم . < # > القسم الثاني < # > < # > الكلام في تفسير مجموع هذه السورة وفيه فصول < # > < # > الفصل الأول < # > < # > في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة < # > اعلم أن عالم الدنيا عالم الكدورة وعالم الآخرة عالم الصفا فالآخرة ~~بالنسبة إلى الدنيا كالأصل بالنسبة إلى الفرع وكالجسم بالنسبة إلى الظل فكل ~~ما في الدنيا فلا بد له في الآخرة من أصل ms0314 وإلا كان كالسراب الباطل والخيال ~~العاطل وكل ما في الآخرة فلا بد له في الدنيا من مثال وإلا لكان كالشجرة ~~بلا ثمرة ومدلول بلا دليل فعالم الروحانيات عالم الأضواء والأنوار والبهجة ~~والسرور واللذة والحبور ولا شك أن الروحانيات مختلفة بالكمال والنقصان ولا ~~بد وأن يكون منها واحد هو أشرفها وأعلاها وأكملها وأبهاها ويكون ما سواه في ~~طاعته وتحت أمره ونهيه كما قال : @QB@ ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم ~~أمين @QE@ [ التكوير : 21 ] وأيضا فلا بد في الدنيا من شخص واحد هو أشرف ~~أشخاص هذا العالم وأكملها وأعلاها وأبهاها ويكون كل ما سواه في هذا العالم ~~تحت طاعته وأمره فالمطاع الأول هو المطاع في عالم الروحانيات والمطاع ~~الثاني هو المطاع في عالم الجسمانيات فذاك مطاع العالم الأعلى وهذا مطاع ~~العالم الأسفل . ولما ذكرنا أن عالم الجسمانيات كالظل لعالم الروحانيات ~~وكالأثر وجب أن يكون بين هذين المطاعين ملاقاة ومقارنة ومجانسة فالمطاع في ~~عالم الأرواح هو المصدر والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر والمصدر هو ~~الرسول الملكي والمظهر هو الرسول البشري وبهما يتم أمر السعادات في الآخرة ~~وفي الدنيا . وإذا عرفت هذا فنقول : كمال حال الرسول البشري إنما يظهر في ~~الدعوة إلى الله وهذه الدعوة إنما تتم بأمور سبعة ذكرها الله تعالى في ~~خاتمة سورة البقرة وهي قوله : ^ { والمؤمنون كل آمن بالله - الآية } ^ [ ~~البقرة : 285 ] ويندرج في أحكام الرسل قوله : @QB@ لا نفرق بين أحد من رسله ~~@QE@ [ البقرة : 285 ] فهذه الأربعة PageV01P212 متعلقة بمعرفة المبدأ وهي ~~معرفة الربوبية ثم ذكر بعدها ما يتعلق بمعرفة العبودية وهو مبني على أمرين ~~: أحدهما المبدأ والثاني : الكمال . فالمبدأ هو قوله تعالى : @QB@ وقالوا ~~سمعنا وأطعنا @QE@ [ البقرة : 285 ] لأن هذا المعنى لا بد منه لمن يريد ~~الذهاب إلى الله وأما الكمال فهو التوكل على الله والالتجاء بالكلية إليه ~~وهو قوله : @QB@ غفرانك ربنا @QE@ [ البقرة : 285 ] وهو قطع النظر عن ~~الأعمال البشرية والطاعات الإنسانية والالتجاء بالكلية إلى الله تعالى وطلب ~~الرحمة منه وطلب المغفرة ثم إذا تمت معرفة الربوبية بسبب معرفة الأصول ms0315 ~~الأربعة المذكورة وتمت معرفة العبودية بسبب معرفة هذين الأصلين المذكورين ~~لم يبق بعد ذلك إلا الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب والاستعداد للذهاب إلى ~~المعاد وهو المراد من قوله : @QB@ وإليك المصير @QE@ [ البقرة : 285 ] ~~ويظهر من هذا أن المراتب ثلاثة : المبدأ والوسط والمعاد . أما المبدأ فإنما ~~يكمل معرفته بمعرفة أمور أربعة : وهي معرفة الله والملائكة والكتب والرسل ~~وأما الوسط فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمرين سمعنا وأطعنا نصيب عالم الأجساد ~~وغفرانك ربنا نصيب عالم الأرواح وأما النهاية فهي إنما تتم بأمر واحد وهو ~~قوله : وإليك المصير فابتداء الأمر أربعة وفي الوسط صار اثنين وفي النهاية ~~صار واحدا . ولما ثبتت هذه المراتب السبع في المعرفة تفرع عنها سبع مراتب ~~في الدعاء والتضرع : فأولها : قوله : @QB@ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا @QE@ [ البقرة : 286 ] وضد النسيان هو الذكر كما قال تعالى : @QB@ ~~يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا @QE@ [ الأحزاب : 41 ] وقوله : ~~@QB@ واذكر ربك إذا نسيت @QE@ [ الكهف : 24 ] وقوله @QB@ تذكروا فإذا هم ~~مبصرون @QE@ [ الأعراف : 201 ] وقوله : @QB@ واذكر اسم ربك @QE@ [ المزمل : ~~8 ] وهذا الذكر إنما يحصل بقوله بسم الله الله الرحمن الرحيم . وثانيها : ~~قوله : @QB@ ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا @QE@ [ ~~البقرة : 286 ] ودفع الإصر - والإصر هو الثقل - يوجب الحمد وذلك إنما يحصل ~~بقوله الحمد لله رب العالمين . وثالثها : قوله : @QB@ ربنا ولا تحملنا ما ~~لا طاقة لنا به @QE@ [ البقرة : 286 ] وذلك إشارة إلى كمال رحمته وذلك هو ~~قوله الرحمن الرحيم . ورابعها : قوله : @QB@ واعف عنا @QE@ [ البقرة : 286 ~~] لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين وهو قوله مالك يوم الدين . ~~وخامسها : قوله تعالى @QB@ واغفر لنا @QE@ [ البقرة : 286 ] لأنا في الدنيا ~~عبدناك واستعنا بك في كل المهمات وهو قوله إياك نعبد وإياك نستعين . ~~وسادسها : قوله : @QB@ وارحمنا @QE@ [ البقرة : 286 ] لأنا طلبنا الهداية ~~منك في قولنا اهدنا الصراط المستقيم . وسابعها : قوله : @QB@ أنت مولانا ~~فانصرنا على القوم الكافرين @QE@ [ البقرة : 286 ] وهو المراد من قوله غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين . فهذه المراتب السبع المذكورة في آخر سورة ~~البقرة ms0316 ذكرها محمد عليه الصلاة والسلام في عالم الروحانيات عند صعوده إلى ~~المعراج فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها ~~بسورة الفاتحة فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر ~~كما نزلت هذه الأنوار في PageV01P213 عهد محمد عليه الصلاة والسلام من ~~المصدر إلى المظهر فلهذا السبب قال عليه السلام # : الصلاة معراج المؤمن . < # > الفصل الثاني < # > < # > في مداخل الشيطان < # > اعلم أن المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة : الشهوة ~~والغضب والهوى فالشهوة بهيمية والغضب سبعية والهوى شيطانية فالشهوة آفة لكن ~~الغضب أعظم منه والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه فقوله تعالى : @QB@ إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء @QE@ [ العنكبوت : 45 ] المراد آثار الشهوة وقوله : ~~( والمنكر ) المراد منه آثار الغضب وقوله : @QB@ والبغي @QE@ [ العنكبوت : ~~45 ] المراد منه آثار الهوى فبالشهوة يصير الإنسان ظالما لنفسه وبالغضب ~~يصير ظالما لغيره وبالهوى يتعدى ظلمه إلى حضرة جلال الله تعالى ولهذا قال ~~عليه السلام # : الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم عسى الله أن يتركه . ~~فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد ~~بعضهم بعضا والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه فمنشأ الظلم ~~الذي لا يغفر هو الهوى ومنشأ الظلم الذي لا يترك هو الغضب ومنشأ الظلم الذي ~~عسى الله أن يتركه هو الشهوة ثم لها نتائج : فالحرص والبخل نتيجة الشهوة ~~والعجب والكبر نتيجة الغضب والكفر والبدعة نتيجة الهوى فإذا اجتمعت هذه ~~الستة في بني آدم تولد منها سابع - وهو الحسد - وهو نهاية الأخلاق الذميمة ~~. كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة ولهذا السبب ختم الله ~~مجامع الشرور الإنسانية بالحسد وهو قوله @QB@ ومن شر حاسد إذا حسد @QE@ [ ~~الفلق : 5 ] كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة وهو قوله : @QB@ ~~يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس @QE@ [ الناس : 6 ] فليس في بني آدم ~~أشر من الحسد كما أنه ليس في الشياطين أشر من الوسواس بل قيل : الحاسد أشر ~~من إبليس لأن ms0317 إبليس روي أنه أتى باب فرعون وقرع الباب فقال فرعون من هذا ؟ ~~فقال إبليس : لو كنت إلها لما جهلتني فلما دخل قال فرعون : أتعرف في الأرض ~~شرا مني ومنك قال نعم الحاسد وبالحسد وقعت في هذه المحنة . إذا عرفت هذا ~~فنقول : أصول الأخلاق القبيحة هي تلك الثلاثة والأولاد والنتائج هي هذه ~~السبعة المذكورة فأنزل الله تعالى سورة الفاتحة وهي سبع آيات لحسم هذه ~~الآفات السبع وأيضا أصل سورة الفاتحة هو التسمية وفيها الأسماء الثلاثة وهي ~~في مقابلة تلك الأخلاق الأصلية الفاسدة . فالأسماء الثلاثة الأصلية في ~~مقابلة الأخلاق الثلاثة الأصلية والآيات السبع التي هي الفاتحة في مقابلة ~~الأخلاق السبعة ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة وكذا جميع ~~الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة فلا جرم القرآن كله كالعلاج ~~لجميع الأخلاق الذميمة . أما بيان أن الأمهات الثلاثة في مقابلة الأمهات ~~الثلاثة فنقول : إن من عرف الله وعرف أنه لا إله إلا الله تباعد عنه ~~الشيطان والهوى ؛ لأن الهوى إله سوى الله يعبد بدليل قوله تعالى : @QB@ ~~أفرأيت من اتخذ إلهه هواه @QE@ [ الجاثية : 23 ] وقال تعالى لموسى # : يا موسى خالف هواك فإني ما خلقت خلقا نازعني في ملكي إلا الهوى ومن عرف ~~أنه رحمن لا يغضب لأن منشأ الغضب طلب الولاية والولاية للرحمن لقوله تعالى ~~: PageV01P214 @QB@ الملك يومئذ الحق للرحمن @QE@ [ الفرقان : 26 ] ومن عرف ~~أنه رحيم وجب أن يتشبه به في كونه رحيما وإذا صار رحيما لم يظلم نفسه ولم ~~يلطخها بالأفعال البهيمية . وأما الأولاد السبعة فهي مقابلة الآيات السبع ~~وقبل أن نخوض في بيان تلك المعارضة نذكر دقيقة أخرى وهي أنه تعالى ذكر أن ~~تلك الأسماء الثلاثة المذكورة في التسمية في نفس السورة وذكر معها اسمين ~~آخرين : وهما الرب والمالك ؛ فالرب قريب من الرحيم لقوله : @QB@ سلام قولا ~~من رب رحيم @QE@ [ يس : 58 ] والمالك قريب من الرحمن لقوله تعالى @QB@ ~~الملك يومئذ الحق للرحمن @QE@ [ الفرقان : 26 ] فحصلت هذه الأسماء الثلاثة ~~: الرب والملك والإله فلهذا السبب ختم الله آخر سورة القرآن عليها والتقدير ~~كأنه ms0318 قيل : إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل @QB@ أعوذ برب الناس @QE@ [ ~~الناس : 1 ] وإن أتاك من قبل الغضب فقل @QB@ ملك الناس @QE@ [ الناس : 2 ] ~~وإن أتاك من قبل الهوى فقل @QB@ إله الناس @QE@ [ الناس : 3 ] . ولنرجع إلى ~~بيان معارضة تلك السبعة فنقول : من قال الحمد لله فقد شكر الله واكتفى ~~بالحاصل فزالت شهوته ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد وبخله ~~فيما وجد فاندفعت عنه آفة الشهوة ولذاتها ومن عرف أنه مالك يوم الدين بعد ~~أن عرف أنه الرحمن زال غضبه ومن قال إياك نعبد وإياك نستعين زال كبره ~~بالأول وعجبه بالثاني فاندفعت عنه آفة الغضب بولديها فإذا قال اهدنا الصراط ~~المستقيم اندفع عنه شيطان الهوى وإذا قال صراط الذين أنعمت عليهم زال عنه ~~كفره وشبهته وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين اندفعت عنه بدعته فثبت ~~أن هذه الآيات السبع دافعة لتلك الأخلاق القبيحة السبعة . < # > الفصل الثالث < # > < # > في تقرير أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يحتاج الإنسان < # > < # > إليه في معرفة المبدأ والوسط والمعاد < # > اعلم أن قوله الحمد لله إشارة إلى إثبات الصانع المختار وتقريره : أن ~~المعتمد في إثبات الصانع في القرآن هو الاستدلال بخلقة الإنسان على ذلك ألا ~~ترى أن إبراهيم عليه السلام قال # : ربي الذي يحيي ويميت وقال في موضع آخر # : الذي خلقني فهو يهدين وقال موسى عليه السلام # : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وقال في موضع آخر # : ربكم ورب آبائكم الأولين وقال تعالى في أول سورة البقرة : @QB@ يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون @QE@ [ البقرة : ~~21 ] وقال في أول ما أنزله على محمد عليه السلام : @QB@ اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق خلق الإنسان من علق @QE@ [ العلق : 1 ] فهذه الآيات الست تدل على أنه ~~تعالى استدل بخلق الإنسان على وجود الصانع تعالى وإذا تأملت في القرآن وجدت ~~هذا النوع من الاستدلال فيه كثيرا جدا . واعلم أن هذا الدليل كما أنه في ~~نفسه هو دليل فكذلك هو نفسه إنعام عظيم فهذه ms0319 الحالة من حيث أنها تعرف العبد ~~وجود الإله دليل ومن حيث أنها نفع عظيم وصل من الله إلى العبد إنعام فلا ~~جرم هو دليل من وجه وإنعام من وجه والإنعام متى وقع بقصد الفاعل إلى إيقاعه ~~إنعاما كان يستحق هو الحمد PageV01P215 وحدوث بدن الإنسان أيضا كذلك وذلك ~~لأن تولد الأعضاء المختلفة الطبائع والصور والأشكال من النطفة المتشابهة ~~الأجزاء لا يمكن إلا إذا قصد الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور ~~والطبائع فحدوث هذه الأعضاء المختلفة يدل على وجود صانع عالم بالمعلومات ~~قادر على كل المقصودات قصد بحكم رحمته وإحسانه خلق هذه الأعضاء على الوجه ~~المطابق لمصالحنا الموافق لمنافعنا ومتى كان الأمر كذلك كان مستحقا للحمد ~~والثناء فقوله : @QB@ الحمد لله @QE@ يدل على وجود الصانع وعلى علمه وقدرته ~~ورحمته وكمال حكمته وعلى كونه مستحقا للحمد والثناء والتعظيم فكان قوله ~~الحمد لله دالا على جملة هذه المعاني وأما قوله : @QB@ رب العالمين @QE@ ؛ ~~فهو يدل على أن ذلك الإله واحد وأن كل العالمين ملكه وملكه وليس في العالم ~~إله سواه ولا معبود غيره وأما قوله : @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ فيدل على أن ~~الإله الواحد الذي لا إله سواه موصوف بكمال الرحمة والكرم والفضل والإحسان ~~قبل الموت وعند الموت وبعد الموت وأما قوله : @QB@ مالك يوم الدين @QE@ ~~فيدل على أن من لوازم حكمته ورحمته أن يحصل بعد هذا اليوم يوم آخر يظهر فيه ~~تمييز المحسن عن المسيء ويظهر فيه الانتصاف للمظلومين من الظالمين ولو لم ~~يحصل هذا البعث والحشر لقدح ذلك في كونه رحمانا رحيما إذا عرفت هذا ظهر أن ~~قوله : @QB@ الحمد لله @QE@ يدل على وجود الصانع المختار وقوله : @QB@ رب ~~العالمين @QE@ يدل على وحدانيته وقوله : @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ يدل على ~~رحمته في الدنيا والآخرة وقوله : @QB@ مالك يوم الدين @QE@ يدل على كمال ~~حكمته ورحمته بسبب خلق الدار الآخرة وإلى ههنا تم ما يحتاج إليه في معرفة ~~الربوبية أما قوله : @QB@ إياك نعبد @QE@ إلى آخر السورة ؛ فهو إشارة إلى ~~الأمور التي لا بد من معرفتها في تقرير العبودية وهي محصورة في نوعين : ~~الأعمال ms0320 التي يأتي بها العبد والآثار المتفرعة على تلك الأعمال التي يأتي ~~بها العبد فلها ركنان : أحدهما : إتيانه بالعبادة وإليه الإشارة بقوله : ~~@QB@ إياك نعبد @QE@ . والثاني : علمه بأن لا يمكنه الإتيان بها إلا بإعانة ~~الله وإليه الإشارة بقوله : @QB@ وإياك نستعين @QE@ وههنا ينفتح البحر ~~الواسع في الجبر والقدر وأما الآثار المتفرغة على تلك الأعمال فهي حصول ~~الهداية والانكشاف والتجلي وإليه الإشارة بقوله : @QB@ اهدنا الصراط ~~المستقيم @QE@ ثم إن أهل العالم ثلاث طوائف : الطائفة الأولى : الكاملون ~~المحقون المخلصون وهم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل ~~العمل به وإليهم الإشارة بقوله : @QB@ أنعمت عليهم @QE@ والطائفة الثانية : ~~الذين أخلوا بالأعمال الصالحة وهم الفسقة وإليهم الإشارة بقوله : @QB@ غير ~~المغضوب عليهم @QE@ والطائفة الثالثة : الذين أخلوا بالاعتقادات الصحيحة ~~وهم أهل البدع والكفر وإليهم الإشارة بقوله : @QB@ ولا الضالين @QE@ . إذا ~~عرفت هذا ؛ فنقول : استكمال النفس الإنسانية بالمعارف والعلوم على قسمين : ~~أحدهما : أن يحاول تحصيلها بالفكر والنظر والاستدلال والثاني : أن تصل إليه ~~محصولات المتقدمين فتستكمل نفسه وقوله : @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ ~~إشارة إلى القسم الأول وقوله : @QB@ صراط الذين أنعمت عليهم @QE@ إشارة إلى ~~القسم الثاني ثم في هذا القسم طلب أن يكون اقتداؤه بأنوار عقول الطائفة ~~المحقة الذين جمعوا بين العقائد الصحيحة والأعمال الصائبة وتبرأ من أن يكون ~~اقتداؤه بطائفة الذين أخلوا بالأعمال الصحيحة وهم المغضوب عليهم أو بطائفة ~~الذين أخلوا بالعقائد الصحيحة وهم الضالون وهذا آخر السورة وعند الوقوف على ~~ما لخصناه يظهر أن هذه السورة جامعة لجميع المقامات المعتبرة في معرفة ~~الربوبية ومعرفة العبودية . PageV01P216 < # > الفصل الرابع < # > قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى # : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد : بسم الله الرحمن ~~الرحيم يقول الله تعالى ذكرني عبدي وإذا قال الحمد لله رب العالمين يقول ~~الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي وإذا قال ~~مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي وفي رواية أخرى فوض إلي عبدي وإذا قال ~~إياك نعبد يقول الله عبدني عبدي وإذا قال وإياك نستعين يقول الله تعالى ~~توكل علي ms0321 عبدي وفي رواية أخرى فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله ~~تعالى هذا بيني وبين عبدي وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول الله هذا ~~لعبدي ولعبدي ما سأل . فوائد هذا الحديث : الفائدة الأولى : قوله تعالى ~~قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين يدل على أن مدار الشرائع على رعاية مصالح ~~الخلق كما قال : @QB@ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها @QE@ [ ~~الإسراء : 7 ] وذلك لأن أهم المهمات للعبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية ~~ثم بمعرفة العبودية ؛ لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد كما قال @QB@ وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ [ الذاريات : 56 ] وقال : @QB@ إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا @QE@ [ الإنسان : ~~2 ] وقال : @QB@ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم @QE@ [ البقرة : 40 ] ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنزل ~~الله هذه السورة على محمد عليه السلام وجعل النصف الأول منها في معرفة ~~الربوبية والنصف الثاني منها في معرفة العبودية حتى تكون هذه السورة جامعة ~~لكل ما يحتاج إليه في الوفاء بذلك العهد . الفائدة الثانية : الله تعالى ~~سمى الفاتحة باسم الصلاة وهذا يدل على أحكام : الحكم الأول : أن عند عدم ~~قراءة الفاتحة وجب أن لا تحصل الصلاة وذلك يدل على أن قراءة الفاتحة ركن من ~~أركان الصلاة كما يقوله أصحابنا ويتأكد هذا الدليل بدلائل أخرى : أحدها : ~~أنه عليه الصلاة والسلام واظب على قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله ~~تعالى @QB@ فاتبعوه @QE@ [ الأنعام : 153 ] ولقوله عليه الصلاة والسلام # : صلوا كما رأتيموني أصلي . وثانيها : أن الخلفاء الراشدين واظبوا على ~~قراءتها فوجب أن يجب علينا ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام # : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي . وثالثها : أن جميع ~~المسلمين شرقا وغربا لا يصلون إلا بقراءة الفاتحة فوجب أن تكون متابعتهم ~~واجبة في ذلك لقوله تعالى : @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم @QE@ [ النساء : 115 ] ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام # : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب خامسها : قوله تعالى : ^ { فاقرؤا ما تيسر ~~من القرآن } ^ [ المزمل ms0322 : 20 ] وقوله فاقرؤا أمر وظاهره الوجوب فكانت قراءة ~~ما تيسر من القرآن واجبة وقراءة غير الفاتحة ليست واجبة فوجب أن تكون قراءة ~~الفاتحة واجبة عملا بظاهر الأمر وسادسها أن قراءة الفاتحة أحوط فوجب المصير ~~إليها لقوله عليه السلام # دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وسابعها : أن الرسول عليه السلام واظب على ~~قراءتها فوجب أن يكون العدول عنه محرما لقوله تعالى @QB@ فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره @QE@ [ النور : 63 ] وثامنها : أنه لا نزاع بين المسلمين ~~أن قراءة الفاتحة في الصلاة أفضل وأكمل من قراءة غيرها إذا ثبت هذا فنقول : ~~التكليف كان متوجها على العبد بإقامة الصلاة والأصل في الثابت البقاء حكمنا ~~بالخروج عن هذه العهدة عند الإيتاء بالصلاة مؤداة بقراءة الفاتحة ~~PageV01P217 وقد دللنا على أن هذه الصلاة أفضل من الصلاة المؤداة بقراءة ~~غير الفاتحة ولا يلزم من الخروج عن العهدة بالعمل الكامل الخروج عن العهدة ~~بالعمل الناقص فعند إقامة الصلاة المشتملة على قراءة غير الفاتحة وجب ~~البقاء في العهدة وتاسعها : أن المقصود من الصلاة حصول ذكر القلب لقوله ~~تعالى : @QB@ وأقم الصلاة لذكري @QE@ [ طه : 14 ] وهذه السورة مع كونها ~~مختصرة جامعة لمقامات الربوبية والعبودية والمقصود من جميع التكاليف حصول ~~هذه المعارف ولهذا السبب جعل الله هذه السورة معادلة لكل القرآن في قوله : ~~@QB@ ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم @QE@ [ الحجر : 87 ] فوجب ~~أن لا يقوم غيرها مقامها البتة . وعاشرها : أن هذا الخبر الذي رويناه يدل ~~على أن عند فقدان الفاتحة لا تحصل الصلاة . الفائدة الثالثة : أنه قال # : إذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى ذكرني عبدي وفيه ~~أحكام : أحدها : أنه تعالى قال : @QB@ فاذكروني أذكركم @QE@ [ البقرة : 152 ~~] فههنا لما أقدم العبد على ذكر الله لا جرم ذكره تعالى في ملأ خير من ملئه ~~. وثانيها : أن هذا يدل على أن مقام الذكر مقام عال شريف في العبودية لأنه ~~وقع الابتداء به ومما يدل على كماله أنه تعالى أمر بالذكر فقال @QB@ ~~اذكروني أذكركم @QE@ [ البقرة : 152 ] ثم قال @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا ms0323 الله ذكرا كثيرا @QE@ [ الأحزاب : 41 ] ثم قال : @QB@ الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم @QE@ [ آل عمران : 191 ] ثم قال @QB@ إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون @QE@ [ ~~الأعراف : 201 ] فلم يبالغ في تقرير شيء من مقامات العبودية مثل ما بالغ في ~~تقرير مقام الذكر . وثالثها : أن قوله ذكرني عبدي يدل على أن قولنا الله ~~اسم علم لذاته المخصوصة إذ لو كان اسما مشتقا لكان مفهومه مفهوما كليا ولو ~~كان كذلك لما صارت ذاته المخصوصة المعينة مذكورة بهذا اللفظ فظاهر أن لفظي ~~الرحمن الرحيم لفظان كليان فثبت أن قوله ذكرني عبدي يدل على أن قولنا الله ~~اسم علم أما قوله # وإذا قال الحمد لله يقول الله تعالى حمدني عبدي فهذا يدل على أن مقام ~~الحمد أعلى من مقام الذكر ويدل عليه أن أول كلام ذكر في أول خلق العالم هو ~~الحمد بدليل قول الملائكة قبل خلق آدم : @QB@ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ~~@QE@ [ البقرة : 30 ] وآخر كلام يذكر بعد فناء العالم هو الحمد أيضا بدليل ~~قوله تعالى في صفة أهل الجنة : @QB@ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ~~@QE@ [ يونس : 10 ] والعقل أيضا يدل عليه ؛ لأن الفكر في ذات الله غير ممكن ~~لقوله عليه الصلاة والسلام # تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق ولأن الفكر في الشيء مسبوق بسبق ~~تصوره وتصور كنه حقيقة الحق غير ممكن فالفكر فيه غير ممكن فعلى هذا الفكر ~~لا يمكن إلا في أفعاله ومخلوقاته ثم ثبت بالدليل أن الخير مطلوب بالذات ~~والشر بالعرض فكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله ~~وإحسانه أكثر فلا جرم كان اشتغاله بالحمد والشكر أكثر فلهذا قال : الحمد ~~لله رب العالمين وعند هذا يقول : حمدني عبدي فشهد الحق سبحانه بوقوف العبد ~~بعقله وفكره على وجود فضله وإحسانه في ترتيب العالم الأعلى والعالم الأسفل ~~وعلى أن لسانه صار موافقا لعقله ومطابقا له وإن غرق في بحر الإيمان به ~~والإقرار بكرمه بقلبه ولسانه وعقله وبيانه فما أجل هذه ms0324 الحالة . وأما قوله # وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي فلقائل أن يقول : إنه لما ~~قال بسم الله الرحمن الرحيم فقد ذكر الرحمن الرحيم وهناك لم يقل الله عظمني ~~عبدي وههنا لما قال الرحمن الرحيم PageV01P218 قال عظمني عبدي فما الفرق ؟ ~~وجوابه أن قوله الحمد لله دل على إقرار العبد بكماله في ذاته وبكونه مكملا ~~لغيره ثم قال بعده : رب العالمين وهذا يدل على أن الإله الكامل في ذاته ~~المكمل لغيره واحد ليس له شريك % % فلما قال بعده الرحمن الرحيم دل ذلك على ~~أن الإله الكامل في ذاته المكمل لغيره المنزه عن الشريك والنظير والمثل ~~والضد والند في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده ولا شك أن غاية ما يصل ~~العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا المقام ~~فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا : عظمني عبدي . وأما قوله # وإذا قال مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي أي : نزهني وقدسني عما لا ~~ينبغي - فتقريره أنا نرى في دار الدنيا كون الظالمين متسلطين على المظلومين ~~وكون الأقوياء مستولين على الضعفاء ونرى العالم الزاهد الكامل في أضيق ~~العيش ونرى الكافر الفاسق في أعظم أنواع الراحة والغبطة وهذا العمل لا يليق ~~برحمة أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين فلو لم يحصل المعاد والبعث والحشر حتى ~~ينتصف الله فيه للمظلومين من الظالمين ويوصل إلى أهل الطاعة الثواب وإلى ~~أهل الكفر العقاب لكان هذه الإهمال والإمهال ظلما من الله على العباد أما ~~لما حصل يوم الجزاء ويوم الدين اندفع وهم الظلم فلهذا السبب قال الله تعالى ~~: ^ { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ^ [ ~~النجم : 31 ] وهذا هو المراد من قوله تعالى : مجدني عبدي الذي نزهني عن ~~الظلم وعن شيمه . وأما قوله # : وإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي ~~فهو إشارة إلى سر مسألة الجبر والقدر فإن قوله إياك نعبد معناه إخبار العبد ~~عن إقدامه على عمل الطاعة والعبادة ثم جاء بحث الجبر والقدر : وهو ms0325 أنه ~~مستقل بالإتيان بذلك العمل أو غير مستقل به والحق أنه غير مستقل به وذلك ~~لأن قدرة العبد إما أن تكون صالحة للفعل والترك وإما أن لا تكون كذلك : فإن ~~كان الحق هو الأول امتنع أن تصير تلك القدرة مصدرا للفعل دون الترك إلا ~~لمرجح وذلك المرجح إن كان من العبد عاد البحث فيه وإن لم يكن من العبد فهو ~~من الله تعالى فخلق تلك الداعية الخالصة عن المعارض هو الإعانة وهو المراد ~~من قوله وإياك نستعين وهو المراد من قولنا ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا أي : لا تخلق في قلوبنا داعية تدعونا إلى العقائد الباطلة والأعمال ~~الفاسدة وهب لنا من لدنك رحمة وهذه الرحمة خلق الداعية التي تدعونا إلى ~~الأعمال الصالحة والعقائد الحقة فهذا هو المراد من الإعانة والاستعانة وكل ~~من لم يقل بهذا القول لم يفهم البتة معنى قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين ~~@QE@ وإذا ثبت هذا ظهر صحة قوله تعالى : هذا بيني وبين عبدي اما الذي منه ~~فهو خلق الداعية الجازمة وأما الذي من العبد فهو أن عند حصول مجموع القدرة ~~والداعية يصدر الأثر عنه وهذا كلام دقيق لا بد من التأمل فيه . وأما قوله # وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول الله تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ~~وتقريره أنا نرى أهل العلم مختلفين في النفي والإثبات في جميع المسائل ~~الإلهية وفي جميع مسائل النبوات وفي جميع مسائل المعاد والشبهات غالبة ~~والظلمات مستولية ولم يصل إلى كنه الحق إلا القليل القليل من الكثير الكثير ~~وقد حصلت هذه الحالة مع استواء الكل في العقول والأفكار والبحث الكثير ~~والتأمل الشديد ؛ فلولا هداية الله تعالى وإعانته وأنه يزين الحق في عين ~~عقل الطالب ويقبح الباطل في عينه كما قال @QB@ ولكن الله حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان @QE@ [ الحجرات : 7 ] ~~وإلا لامتنع وصول PageV01P219 أحد إلى الحق فقوله @QB@ اهدنا الصراط ~~المستقيم @QE@ إشارة إلى هذه الحالة ويدل عليه أيضا أن المبطل لا يرضى ~~بالباطل وإنما طلب الإعتقاد ms0326 الحق والدين المتين والقول الصحيح فلو كان ~~الأمر باختياره لوجب أن لا يقع أحد في الخطأ ؛ ولما رأينا الأكثرين غرقوا ~~في بحر الضلالات علمنا أن الوصول إلى الحق ليس إلا بهداية الله تعالى ومما ~~يقوي ذلك أن كل الملائكة والأنبياء أطبقوا على ذلك أما الملائكة فقالوا : ~~@QB@ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم @QE@ [ البقرة ~~: 32 ] وقال آدم عليه السلام : @QB@ وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين @QE@ [ الأعراف : 23 ] وقال إبراهيم عليه السلام : @QB@ لئن لم ~~يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين @QE@ [ الأنعام : 77 ] وقال يوسف عليه ~~السلام @QB@ توفني مسلما وألحقني بالصالحين @QE@ [ يوسف : 101 ] وقال موسى ~~عليه السلام : ^ { رب اشرح لي صدري - الآية } ^ [ طه : 25 ] وقال محمد عليه ~~السلام : @QB@ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك ~~أنت الوهاب @QE@ [ آل عمران : 8 ] فهذا هو الكلام في لطائف هذا الخبر والذي ~~تركناه أكثر مما ذكرناه . الفائدة الرابعة : من فوائد هذا الخبر : أن آيات ~~الفاتحة سبع والأعمال المحسوسة أيضا في الصلاة سبعة وهي : القيام والركوع ~~والانتصاب والسجود الأول : والانتصاب فيه والسجود الثاني والقعدة فصار عدد ~~آيات الفاتحة مساويا لعدد هذه الأعمال فصارت هذه الأعمال كالشخص والفاتحة ~~لها كالروح والكمال إنما يحصل عند اتصال الروح بالجسد فقوله : @QB@ بسم ~~الله الرحمن الرحيم @QE@ بإزاء القيام ألا ترى أن الباء في بسم الله لما ~~اتصل باسم الله بقي قائما مرتفعا وأيضا فالتسمية لبداية الأمور قال عليه ~~الصلاة والسلام # : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر وقال تعالى : @QB@ قد ~~أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى @QE@ [ الأعلى : 14 ] وأيضا القيام لبداية ~~الأعمال فحصلت المناسبة بين التسمية وبين القيام من هذه الوجوه وقوله تعالى ~~: @QB@ الحمد لله رب العالمين @QE@ بإزاء الركوع وذلك لأن العبد في مقام ~~التحميد ناظر إلى الحق وإلى الخلق ؛ لأن التحميد عبارة عن الثناء بسبب ~~الإنعام الصادر منه والعبد في هذا المقام ناظر إلى المنعم وإلى النعمة فهو ~~حالة متوسطة بين الإعراض وبين الاستغراق ms0327 والركوع حالة متوسطة بين القيام ~~وبين السجود وأيضا الحمد يدل على النعم الكثيرة والنعم الكثيرة مما تثقل ~~ظهره فينحني ظهره للركوع وقوله : @QB@ الرحمن الرحيم @QE@ مناسب للانتصاب ~~لأن العبد لما تضرع إلى الله في الركوع فيليق برحمته أن يرده إلى الانتصاب ~~ولذلك قال عليه السلام # : إذا قال العبد سمع الله لمن حمده نظر الله إليه بالرحمة وقوله : @QB@ ~~مالك يوم الدين @QE@ مناسب للسجدة الأولى ؛ لأن قولك مالك يوم الدين يدل ~~على كمال القهر والجلال والكبرياء وذلك يوجب الخوف الشديد فيليق به الإتيان ~~بغاية الخضوع والخشوع وهو السجدة . وقوله : @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين ~~@QE@ مناسب للقعدة بين السجدتين لأن قوله إياك نعبد إخبار عن السجدة التي ~~تقدمت وقوله وإياك نستعين استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة الثانية وأما ~~قوله : @QB@ اهدنا الصراط المستقيم @QE@ فهو سؤال لأهم الأشياء فيليق به ~~السجدة الثانية الدالة على نهاية الخضوع . وأما قوله : ^ { صراط الذين ~~أنعمت عليهم - إلى آخره } ^ فهو مناسب للقعدة وذلك لأن العبد لما أتى بغاية ~~التواضع قابل الله تواضعه بالإكرام وهو أن أمره بالقعود بين يديه وذلك ~~إنعام عظيم من الله على العبد فهو شديد المناسبة لقوله أنعمت عليهم وأيضا ~~أن محمدا عليه السلام لما أنعم الله عليه بأن رفعه إلى قاب قوسين قال عند ~~ذلك : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله والصلاة معراج المؤمن فلما ~~PageV01P220 وصل المؤمن في معراجه إلى غاية الإكرام - وهي أن جلس بين يدي ~~الله - وجب أن يقرأ الكلمات التي ذكرها محمد عليه السلام فهو أيضا يقرأ ~~التحيات ويصير هذا كالتنبيه على أن هذا المعراج الذي حصل له شعلة من شمس ~~معراج محمد عليه السلام وقطرة من بحره وهو تحقيق قوله ^ { فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين - الآية } ^ [ النساء : 69 ] . واعلم أن آيات ~~الفاتحة وهي سبع صارت كالروح لهذه الأعمال السبعة وهذه الأعمال السبعة صارت ~~كالروح للمراتب السبعة المذكورة في خلقة الإنسان وهي قوله : @QB@ ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين @QE@ [ المؤمنون : 12 ] إلى قوله : @QB@ ~~فتبارك الله أحسن الخالقين @QE@ [ المؤمنون : 14 ] وعند هذا ms0328 ينكشف أن مراتب ~~الأجساد كثيرة ومراتب الأرواح كثيرة وروح الأرواح ونور الأنوار هو الله ~~تعالى كما قال سبحانه وتعالى : @QB@ وأن إلى ربك المنتهى @QE@ [ النجم : 42 ~~] . < # > الفصل الخامس < # > < # > في الصلاة معراج العارفين < # > اعلم أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم معراجان : أحدهما من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والآخر من الأقصى إلى أعالي ملكوت الله ~~تعالى فهذا ما يتعلق بالظاهر وأما ما يتعلق بعالم الأرواح فله معراجان : ~~أحدهما : من عالم الشهادة إلى عالم الغيب . والثاني : من عالم الغيب إلى ~~عالم غيب الغيب وهما بمنزلة قاب قوسين متلاصقين فتخطاهما محمد عليه السلام ~~وهو المراد من قوله تعالى : @QB@ فكان قاب قوسين أو أدنى @QE@ [ النجم : 9 ~~] وقوله أو أدنى إشارة إلى فنائه في نفسه أما الانتقال من عالم الشهادة إلى ~~عالم الغيب فاعلم أن كل ما يتعلق بالجسم والجسمانيات فهو من عالم الشهادة ~~لأنك تشاهد هذه الأشياء ببصرك فانتقال الروح من عالم الأجساد إلى عالم ~~الأرواح هو السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وأما عالم الأرواح فعالم ~~لا نهاية له وذلك لأن آخر مراتب الأرواح هو الأرواح البشرية ثم تترقى في ~~معارج الكمالات ومصاعد السعادات حتى تصل إلى الأرواح المتعلقة بسماء الدنيا ~~ثم تصير أعلى وهي أرواح السماء الثانية وهكذا حتى تصل إلى الأرواح الذين هم ~~سكان درجات الكرسي وهي أيضا متفاوتة في الاستعلاء ثم تصير أعلى وهم ~~الملائكة المشار إليهم بقوله تعالى : @QB@ وترى الملائكة حافين من حول ~~العرش @QE@ [ الزمر : 75 ] ثم تصير أعلى وأعظم وهم المشار إليهم بقوله ~~تعالى : @QB@ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ [ الحاقة : 17 ] وفي ~~عدد الثمانية أسرار لا يجوز ذكرها ههنا ثم تترقى فتنتهي إلى الأرواح ~~المقدسة عن التعلقات بالأجسام وهم الذين طعامهم ذكر الله وشرابهم محبة الله ~~وأنسهم بالثناء على الله ولذتهم في خدمة الله وإليهم الإشارة بقوله : @QB@ ~~ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته @QE@ وبقوله : @QB@ يسبحون الليل والنهار ~~لا يفترون @QE@ [ الأنبياء : 20 ] ثم لهم أيضا درجات متفاوته ومراتب ~~متباعدة والعقول البشرية قاصرة عن الإحاطة بأحوالها والوقوف ms0329 على شرح صفاتها ~~ولا يزال هذا الترقي والتصاعد حاصلا كما قال تعالى : @QB@ وفوق كل ذي علم ~~عليم @QE@ [ يوسف : 76 ] إلى أن ينتهي الأمر إلى نور الأنوار ومسبب الأسباب ~~ومبدأ الكل وينبوع الرحمة ومبدأ الخير وهو الله تعالى فثبت أن عالم الأرواح ~~هو عالم الغيب وحضرة جلال الربوبية هي غيب الغيب ولذلك قال عليه الصلاة ~~والسلام # إن لله سبعين حجابا من النور لو كشفها PageV01P221 لأحرقت سبحات وجهه كل ~~ما أدرك البصر وتقدير عدد تلك الحجب بالسبعين مما لا يعرف إلا بنور النبوة ~~. فقد ظهر بما ذكرنا أن المعراج على قسمين : أولهما : المعراج من عالم ~~الشهادة إلى عالم الغيب والثاني : المعراج من عالم الغيب إلى عالم غيب ~~الغيب وهذه كلمات برهانية يقينية حقيقية . إذا عرفت هذا فلنرجع إلى المقصود ~~فنقول : إن محمدا عليه السلام لما وصل إلى المعراج وأراد أن يرجع قال : يا ~~رب العزة إن المسافر إذا أراد أن يعود إلى وطنه احتاج إلى محمولات يتحف بها ~~أصحابه وأحبابه فقيل له : إن تحفة أمتك الصلاة وذلك لأنها جامعة بين ~~المعراج الجسماني وبين المعراج الروحاني : أما الجسماني فبالأفعال وأما ~~الروحاني فبالأذكار فإذا أردت أيها العبد الشروع في هذا المعراج فتطهر أولا ~~لأن المقام مقام القدس فليكن ثوبك طاهرا وبدنك طاهرا لأنك بالوادي المقدس ~~طوى وأيضا فعندك ملك وشيطان فانظر أيهما تصاحب ؛ ودين ودنيا فانظر أيهما ~~تصاحب ؛ وعقل وهوى فانظر أيهما تصاحب ؛ وخير وشر وصدق وكذب وحق وباطل وحلم ~~وطيش وقناعة وحرص ؛ وكذا القول في كل الأخلاق المتضدة والصفات المتنافية ~~فانظر أنك تصاحب أي الطرفين وتوافق أي الجانبين فإنه إذا استحكمت المرافقة ~~تعذرت المفارقة ألا ترى أن الصديق اختار صحبة محمد عليه السلام فلزمه في ~~الدنيا وفي القبر وفي القيامة وفي الجنة وأن كلبا صحب أصحاب الكهف فلزمهم ~~في الدنيا وفي الآخرة ولهذا السر قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وكونوا مع الصادقين @QE@ [ التوبة : 119 ] ثم إذا تطهرت فارفع يديك ~~وذلك الرفع إشارة إلى توديع عالم الدنيا وعالم الآخرة فاقطع نظرك ms0330 عنهما ~~بالكلية ووجه قلبك وروحك وسرك وعقلك وفهمك وذكرك وفكرك إلى الله ثم قل : ~~الله أكبر والمعنى أنه أكبر من كل الموجودات وأعلى وأعظم واعز من كل ~~المعلومات بل هو أكبر من أن يقاس إليه شيء أو يقال إنه أكبر ثم قل : سبحانك ~~اللهم وبحمدك وفي هذا المقام تجلى لك نور سبحات الجلال ثم ترقيت من التسبيح ~~إلى التحميد ثم قل : تبارك اسمك وفي هذا المقام انكشف لك نور الأزل والأبد ~~لأن قوله تبارك إشارة إلى الدوام المنزه عن الإفناء والإعدام وذلك يتعلق ~~بمطالعة حقيقة الأزل في العدم ومطالعة حقيقة الأبد في البقاء ثم قل : ~~وتعالى جدك وهو إشارة إلى إنه أعلم وأعظم من أن تكون صفات جلاله ونعوت ~~كماله محصورة في القدر المذكور ثم قل : ولا إله غيرك وهو إشارة إلى أن كل ~~صفات الجلال وسمات الكمال له لا لغيره فهو الكامل الذي لا كامل إلا هو ~~والمقدس الذي لا مقدس إلا هو وفي الحقيقة لا هو إلا هو ولا إله إلا هو ~~والعقل ههنا ينقطع واللسان يعتقل والفهم يتبلد والخيال يتحير والعقل يصير ~~كالزمن ثم عد إلى نفسك وحالك وقل : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ~~فقولك سبحانك اللهم وبحمدك معراج الملائكة المقربين وهو المذكور في قوله : ~~@QB@ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك @QE@ [ البقرة : 30 ] وهو أيضا معراج محمد ~~عليه السلام لأن معراجه مفتتح بقوله سبحانك اللهم وبحمدك وأما قولك وجهت ~~وجهي فهو معراج إبراهيم الخليل عليه السلام وقولك إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله فهو معراج محمد الحبيب عليه السلام فإذا قرأت هذين الذكرين فقد ~~جمعت بين معراج أكابر الملائكة المقربين وبين معراج عظماء الأنبياء ~~والمرسلين ثم إذا فرغت من هذه الحالة فقل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~لتدفع ضرر العجب من نفسك . PageV01P222 واعلم أن للجنة ثمانية أبواب ففي ~~هذا المقام انفتح لك باب من أبواب الجنة وهو باب المعرفة والباب الثاني هو ~~باب الذكر وهو قولك بسم الله الرحمن الرحيم والباب الثالث باب الشكر وهو ~~قولك الحمد ms0331 لله رب العالمين والباب الرابع الرجاء وهو قولك الرحمن الرحيم ~~والباب الخامس باب الخوف وهو قولك مالك يوم الدين والباب السادس باب ~~الإخلاص المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية وهو قولك إياك نعبد ~~وإياك نستعين والباب السابع باب الدعاء والتضرع كما قال : ^ { أمن يجيب ~~المضطر إذا دعاه } ^ [ النمل : 62 ] وقال : @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ [ ~~غافر : 60 ] وهو ههنا قولك اهدنا الصراط المستقيم والباب الثامن باب ~~الاقتداء بالأرواح الطيبة الطاهرة والاهتداء بأنوارهم وهو قولك صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين وبهذا الطريق إذا قرأت هذه ~~السورة ووقفت على أسرارها انفتحت لك ثمانية أبواب الجنة وهو المراد من قوله ~~تعالى : @QB@ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب @QE@ [ ص : 50 ] فجنات المعارف ~~الربانية انفتحت أبوابها بهذه المقاليد الروحانية فهذا هو الإشارة إلى ما ~~حصل في الصلاة من المعراج الروحاني . وأما المعراج الجسماني فالمرتبة ~~الأولى أن تقوم بين يدي الله مثل قيام أصحاب الكهف وهو قوله تعالى : @QB@ ~~إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض @QE@ [ الكهف : 14 ] بل قم قيام ~~أهل القيامة وهو قوله تعالى : @QB@ يوم يقوم الناس لرب العالمين @QE@ [ ~~المطففين : 6 ] ثم اقرأ سبحانك اللهم وبعده وجهت وجهي وبعده الفاتحة وبعدها ~~ما تيسر لك من القرآن واجتهد في أن تنظر من الله إلى عبادتك حتى تستحقرها ~~وإياك أن تنظر من عبادتك إلى الله فإنك إن فعلت ذلك صرت من الهالكين وهذا ~~سر قوله إياك نعبد وإياك نستعين . واعلم أن النفس الآن جارية مجرى خشبة ~~عرضتها على نار خوف الجلال فلانت فاجعلها محنية بالركوع فقل : سمع الله لمن ~~حمده ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى فإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا ~~تبغض إلى نفسك عبادة الله فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى فإذا عادت ~~إلى استقامتها فانحدر إلى الأرض بنهاية التواضع واذكر ربك بغاية العلو وقل ~~: سبحان ربي الأعلى فإذا أتيت بالسجدة الثانية فقد حصل لك ثلاثة أنواع من ~~الطاعة : الركوع الواحد والسجودان وبها تنجو من العقبات الثلاث المهلكة ~~فبالركوع تنجو عن ms0332 عقبة الشهوات وبالسجود الأول تنجو عن عقبة الغضب الذي هو ~~رئيس المؤذيات وبالسجود الثاني تنجو عن عقبة الهوى الذي هو الداعي إلى كل ~~المهلكات والمضلات فإذا تجاوزت هذه العقبات وتخلصت عن هذه الدركات فقد وصلت ~~إلى الدرجات العاليات وملكت الباقيات الصالحات وانتهيت إلى عتبة جلال مدبر ~~الأرض والسموات فقل عند ذلك التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ~~فالتحيات المباركات باللسان والصلوات بالأركان والطيبات بالجنان وقوة ~~الإيمان ثم في هذا المقام يصعد نور روحك وينزل نور روح محمد صلى الله عليه ~~وسلم فيتلاقى الروحان ويحصل هناك الروح والراحة والريحان فلا بد لروح محمد ~~عليه الصلاة والسلام من محمدة وتحية فقل : السلام عليك أيها النبي ورحمة ~~الله وبركاته فعند ذلك يقول محمد عليه الصلاة والسلام # : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وكانه قيل لك فهذه الخيرات ~~والبركات بأي وسيلة وجدتها ؟ وبأي طريق وصلت إليها ؟ فقل بقولي : أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقيل لك إن محمدا هو الذي هداك ~~إليه فأي شيء هديتك له ؟ PageV01P223 فقل : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~فقيل لك : إن إبراهيم هو الذي طلب من الله أن يرسل إليك مثل هذا الرسول ~~فقال @QB@ ربنا وابعث فيهم رسولا منهم @QE@ [ البقرة : 129 ] فما جزاؤك له ~~؟ فقل : كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فيقال لك : فكل هذه الخيرات ~~من محمد أو من إبراهيم أو من الله ؟ فقل : بل من الحميد المجيد إنك حميد ~~مجيد . ثم إن العبد إذا ذكر الله بهذه الأثنية والمدائح ذكره الله تعالى في ~~محافل الملائكة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن الله عز وجل # إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه فإذا سمع الملائكة ذلك ~~اشتاقوا إلى هذا العبد فقال الله : إن ملائكة السموات اشتاقوا إلى زيارتك ~~وأحبوا القرب منك وقد جاؤك فأبدأ بالسلام عليهم لتحصل لك فيه مرتبة ~~السابقين فيقول العبد عن يمينه وعن شماله : السلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته فلا جرم أنه إذا دخل ms0333 الجنة الملائكة يدخلون عليه من كل باب فيقولون ~~: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار . < # > الفصل السادس < # > < # > في الكبرياء والعظمة < # > أعظم المخلوقات جلالة ومهابة المكان والزمان : أما المكان فهو الفضاء ~~الذي لا نهاية له والخلاء الذي لا غاية له وأما الزمان فهو الامتداد ~~المتوهم الخارج من قعر ظلمات عالم الأزل إلى ظلمات عالم الأبد كأنه نهر خرج ~~من قعر جبل الأزل وامتد حتى دخل في قعر جبل الأبد فلا يعرف لانفجاره مبدأ ~~ولا لاستقراره منزل فالأول والآخر صفة الزمان والظاهر والباطن صفة المكان ~~وكمال هذه الأربعة الرحمن الرحيم فالحق سبحانه وسع المكان ظاهرا وباطنا ~~ووسع الزمان أولا وآخرا وإذا كان مدبر المكان والزمان هو الحق تعالى كان ~~منزها عن المكان والزمان . إذا عرفت هذا فنقول : الحق سبحانه وتعالى له عرش ~~وكرسي فعقد المكان بالكرسي فقال : @QB@ وسع كرسيه السماوات والأرض @QE@ [ ~~البقرة : 255 ] وعقد الزمان بالعرش فقال : @QB@ وكان عرشه على الماء @QE@ [ ~~هود : 7 ] لأن جري الزمان يشبه جري الماء فلا مكان وراء الكرسي ولا زمان ~~وراء العرش فالعلو صفة الكرسي وهو قوله : @QB@ وسع كرسيه السماوات والأرض ~~@QE@ [ البقرة : 255 ] والعظمة صفة العرش وهو قوله : @QB@ فقل حسبي الله لا ~~إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم @QE@ [ التوبة : 129 ] وكمال ~~العلو والعظمة لله كما قال : @QB@ ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم @QE@ ~~[ البقرة : 255 ] . واعلم أن العلو والعظمة درجتان من درجات الكمال إلا أن ~~درجة العظمة أكمل وأقوى من درجة العلو وفوقهما درجة الكبرياء قال تعالى : ~~الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ولا شك أن الرداء أعظم من الإزار وفوق جميع ~~هذه الصفات بالرتبة والشرف صفة الجلال وهي تقدسه في حقيقته المخصوصة وهويته ~~المعينة عن مناسبة شيء من الممكنات وهو لتلك الهوية المخصوصة استحق صفة ~~الإلهية فلهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام # : ألظوا بياذا الجلال والإكرام وقال : @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام @QE@ [ الرحمن : 27 ] وقال : @QB@ تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام @QE@ [ الرحمن : 78 ] إذا عرفت هذا PageV01P224 الأصل فاعلم أن ~~المصلي إذا قصد الصلاة صار من ms0334 جملة من قال الله في صفتهم : @QB@ يريدون ~~وجهه @QE@ [ الكهف : 28 ] ومن أراد الدخول على السلطان العظيم وجب عليه أن ~~يطهر نفسه من الأدناس والأنجاس ولهذا التطهير مراتب : المرتبة الأولى : ~~التطهير من دنس الذنوب بالتوبة كما قال تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~توبوا إلى الله توبة نصوحا @QE@ [ التحريم : 8 ] ومن كان في مقام الزهد ~~كانت طهارته من الدنيا حلالها وحرامها ومن كان في مقام الإخلاص كانت طهارته ~~من الالتفات إلى أعماله ومن كان في مقام المحسنين كانت طهارته من الالتفات ~~إلى حسناته ومن كان في مقام الصديقين كانت طهارته من كل ما سوى الله ~~وبالجملة فالمقامات كثيرة والدرجات متفاوته كأنها غير متناهية كما قال ~~تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله @QE@ [ الروم : 30 ] فإذا أردت أن تكون من جملة من قال الله فيهم ~~: @QB@ يريدون وجهه @QE@ [ الكهف : 28 ] فقم قائما واستحضر في نفسك جميع ~~مخلوقات الله تعالى من عالم الأجسام والأرواح وذلك بان تبتدئ من نفسك ~~وتستحضر في عقلك جملة أعضائك البسيطة والمركبة وجميع قواك الطبيعية ~~والحيوانية والإنسانية ثم استحضر في عقلك جملة ما في هذا العالم من أنواع ~~المعادن والنبات والحيوان من الإنسان وغيره ثم ضم إليه البحار والجبال ~~والتلال والمفاوز وجملة ما فيها من عجائب النبات والحيوان وذرات البهاء ثم ~~ترق منها إلى سماء الدنيا على عظمها واتساعها ثم لا تزال ترقى من سماء إلى ~~سماء حتى تصل إلى سدرة المنتهى والرفرف واللوح والقلم والجنة والنار ~~والكرسي والعرش العظيم ثم انتقل من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح واستحضر ~~في عقلك جميع الأرواح الأرضية السفلية البشرية وغير البشرية واستحضر جميع ~~الأرواح المتعلقة بالجبال والبحار مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام ~~عن ملك الجبال وملك البحار ثم استحضر ملائكة سماء الدنيا وملائكة جميع ~~السموات السبع كما قال عليه الصلاة والسلام # ما في السموات موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو قاعد واستحضر جميع الملائكة ~~الحافين حول العرش وجميع حملة العرش والكرسي ثم انتقل ms0335 منها إلى ما هو خارج ~~هذا العالم كما قال تعالى : @QB@ وما يعلم جنود ربك إلا هو @QE@ [ المدثر : ~~31 ] فإذا استحضرت جميع هذه الأقسام من الروحانيات والجسمانيات فقل : الله ~~أكبر وتريد بقولك الله الذات التي حصل بإيجادها وجود هذه الأشياء وحصلت لها ~~كمالاتها في صفاتها وأفعالها وتريد بقولك أكبر أنه منزه عن مشابهتها ~~ومشاكلتها بل هو منزه عن أن يحكم العقل بجواز مقايسته بها ومناسبته إليها ~~فهذا هو المراد من قوله في أول الصلاة الله أكبر . والوجه الثاني : في ~~تفسير هذا التكبير : أنه عليه الصلاة والسلام قال : الإحسان أن تعبد الله ~~كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك فتقول : الله أكبر من أن لا يراني ومن ~~أن لا يسمع كلامي . والوجه الثالث : أن يكون المعنى الله أكبر من أن تصل ~~إليه عقول الخلق وأوهامهم وأفهامهم قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : ~~التوحيد أن لا تتوهمه . الوجه الرابع : أن يكون المعنى الله أكبر من أن ~~يقدر الخلق على قضاء حق عبوديته فطاعاتهم قاصرة عن خدمته وثناؤهم قاصر عن ~~كبريائه وعلومهم قاصرة عن كنه صمديته . واعلم أيها العبد أنك لو بلغت إلى ~~أن يحيط عقلك بجميع عجائب عالم الأجسام والأرواح فإياك أن تحدثك نفسك بأنك ~~بلغت مبادئ ميادين جلال الله فضلا عن أن تبلغ الغور والمنتهى ونعم ما قال ~~الشاعر : PageV01P225 # % أساميا لم تزده معرفة % % وإنما لذة ذكرناها % % ومن دعوات رسول الله ~~عليه السلام وثنائه على الله # : لا ينالك غوص الفكر ولا ينتهي إليك نظر ناظر ارتفعت عن صفة المخلوقين ~~صفات قدرتك وعلا عن ذلك كبرياء عظمتك . وإذا قلت الله أكبر فاجعل عين عقلك ~~في آفاق جلال الله وقل سبحانك اللهم وبحمدك ثم قل وجهت وجهي ثم انتقل منها ~~إلى عالم الأمر والتكليف واجعل سورة الفاتحة مرآة لك تبصر فيها عجائب عالم ~~الدنيا والآخرة وتطالع فيها أنوار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا ~~والأديان السالفة والمذاهب الماضية وأسرار الكتب الإلهية والشرائع النبوية ~~وتصل إلى الشريعة ومنها إلى الطريقة ومنها إلى الحقيقة وتطالع ms0336 درجات ~~الأنبياء والمرسلين ودركات الملعونين والمردودين والضالين فإذا قلت بسم ~~الله الرحمن الرحيم فأبصر به الدنيا إذ باسمه قامت السموات والأرضون وإذا ~~قلت الحمد لله رب العالمين أبصرت به الآخرة إذ بكلمة الحمد قامت الآخرة كما ~~قال : @QB@ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين @QE@ [ يونس : 10 ] وإذا ~~قلت الرحمن الرحيم فأبصر به عالم الجمال وهو الرحمة والفضل والإحسان وإذا ~~قلت مالك يوم الدين فأبصر به عالم الجلال وما يحصل فيه من الأحوال والأهوال ~~وإذا قلت إياك نعبد فابصر به عالم الشريعة وإذا قلت وإياك نستعين فأبصر به ~~الطريقة وإذا قلت اهدنا الصراط المستقيم فأبصر به الحقيقة وإذا قلت صراط ~~الذي أنعمت عليهم فابصر به درجات أرباب السعادات وأصحاب الكرامات من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وإذا قلت غير المغضوب عليهم فابصر به ~~مراتب فساق أهل الآفاق وإذا قلت ولا الضالين فأبصر به دركات أهل الكفر ~~والشقاق والخزي والنفاق على كثرة درجاتها وتباين أطرافها وأكنافها . ثم إذا ~~انكشفت لك هذه الأحوال العالية والمراتب السامية فلا تظنن أنك بلغت الغور ~~والغاية بل عد إلى الإقرار للحق بالكبرياء ولنفسك بالذلة والمسكنة وقل : ~~الله أكبر ثم انزل من صفة الكبرياء إلى صفة العظمة فقل : سبحان ربي العظيم ~~وإن أردت أن تعرف ذرة من صفة العظمة فاعرف أنا بينا أن العظمة صفة العرش ~~ولا يبلغ مخلوق بعقله كنه عظمة العرش وإن بقي إلى آخر أيام العالم ثم اعرف ~~أن عظمة العرش في مقابلة عظمة الله كالقطرة في البحر فكيف يمكنك أن تصل إلى ~~كنه عظمة الله ؟ ثم ههنا سر عجيب وهو أنه ما جاء سبحان ربي الأعظم وإنما ~~جاء سبحان ربي العظيم وما جاء سبحان ربي العالي وإنما جاء سبحان ربي الأعلى ~~ولهذا التفاوت أسرار عجيبة لا يجوز ذكرها فإذا ركعت وقلت سبحان ربي العظيم ~~فعد إلى القيام ثانيا وادع لمن وقف موقفك وحمد حمدك وقل : سمع الله لمن ~~حمده فإنك إذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك وهو المراد من قوله عليه السلام ~~لا يزال الله في ms0337 عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم . فإن قيل : ما ~~السبب في أنه لم يحصل في هذا المقام التكبير ؟ قلنا : لأن التكبير مأخوذ من ~~الكبرياء وهو مقام الهيبة والخوف وهذا المقام مقام الشفاعة وهما متباينان . ~~ثم إذا فرغت من هذه الشفاعة فعد إلى التكبير وانحدر به إلى صفة العلو وقل ~~سبحان ربي الأعلى وذلك لأن السجود أكثر تواضعا من الركوع لا جرم الذكر ~~المذكور في السجود هو بناء المبالغة - وهو PageV01P226 الأعلى - والذكر ~~المذكور في الركوع هو لفظ العظيم من غير بناء المبالغة روي أن لله تعالى ~~ملكا تحت العرش اسمه حزقيل أوحى الله إليه : أيها الملك ! طر فطار مقدار ~~ثلاثين ألف سنة ثم ثلاثين ثم ثلاثين فلم يبلغ من أحد طرفي العرش إلى الثاني ~~فأوحى الله إليه لو طرت إلى نفخ الصور لم تبلغ الطرف الثاني من العرش فقال ~~الملك عند ذلك : سبحان ربي الأعلى . فإن قيل : فما الحكمة في السجدتين ؟ ~~قلنا : فيه وجوه : الأول : أن السجدة الأولى للأزل والثانية للأبد ~~والارتفاع فيما بينهما إشارة إلى وجود الدنيا فيما بين الأزل والأبد وذلك ~~لأنك تعرف بأزليته أنه هو الأول لا أول قبله فتسجد له وتعرف بأبديته أنه ~~الآخر لا آخر بعده فتسجد له ثانيا الثاني : قيل : اعلم بالسجدة الأولى فناء ~~الدنيا في الآخرة وبالسجدة الثانية فناء عالم الآخرة عند ظهور نور جلال ~~الله الثالث : السجدة الأولى فناء الكل في نفسها والسجدة الثانية : بقاء ~~الكل بإبقاء الله تعالى : ^ { كل شيء هالك إلا وجهه } ^ [ القصص : 88 ] ~~الرابع : السجدة الأولى تدل على انقياد عالم الشهادة لقدرة الله والسجدة ~~الثانية تدل على انقياد عالم الأرواح لله تعالى كما قال : @QB@ ألا له ~~الخلق والأمر @QE@ [ الأعراف : 54 ] والخامس : السجدة الأولى سجدة الشكر ~~بمقدار ما أعطانا من معرفة ذاته وصفاته والسجدة الثانية سجدة العجز والخوف ~~مما لم يصل إليه من أداء حقوق جلاله وكبريائه . واعلم أن الناس يفهمون من ~~العظمة كبر الجثة ويفهمون من العلو علو الجهة ويفهمون من الكبر طول المدة ~~وجل الحق سبحانه ms0338 عن هذه الأوهام فهو عظيم لا بالجثة عال لا بالجهة كبير لا ~~بالمدة وكيف يقال ذلك وهو فرد أحد فكيف يكون عظيما بالجثة وهو منزه عن ~~الحجمية وكيف يكون عاليا بالجهة وهو منزه عن الجهة ؟ وكيف يكون كبيرا ~~بالمدة والمدة متغيرة من ساعة إلى ساعة ؛ فهي محدثة فمحدثها موجود قبلها ~~فكيف يكون كبيرا بالمدة ؟ فهو تعالى عال على المكان لا بالمكان وسابق على ~~الزمان لا بالزمان فكبرياؤه كبرياء عظمة وعظمته عظمة علو وعلوه علو جلال ~~فهو أجل من أن يشابه المحسوسات ويناسب المخيلات وهو أكبر مما يتوهمه ~~المتوهمون وأعظم مما يصفه الواصفون وأعلى مما يمجده الممجدون فإذا صور لك ~~حسك مثالا ؛ فقل : الله أكبر وإذا عين خيالك صورة ؛ فقل : سبحانك الله ~~وبحمدك وإذا زلق رجل طلبك في مهواة التعطيل ؛ فقل : وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض وإذا جال روحك في ميادين العزة والجلال ثم ترقى إلى الصفات ~~العلى والأسماء الحسنى وطالع من مرقومات القلم على سطح اللوح نقشا وسكن عند ~~سماع تسبيحات المقربين وتنزيهات الملائكة الروحانيين إلى صورة فاقرأ عند كل ~~هذه الأحوال { سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ~~رب العالمين } ^ [ الصافات : 180 ] . < # > الفصل السابع < # > < # > في لطائف قوله الحمد لله وفوائد الأسماء < # > < # > الخمسة المذكورة في هذه السورة < # > أما لطائف قوله الحمد لله فأربع نكت : النكتة الأولى : # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم الخليل عليه السلام سأل ربه ~~وقال : يا رب ما جزاء من حمدك فقال : الحمد لله ؟ فقال تعالى : الحمد لله ~~فاتحة الشكر PageV01P227 وخاتمته قال أهل التحقيق : لما كانت هذه الكلمة ~~فاتحة الشكر جعلها الله فاتحة كلامه ولما كانت خاتمته جعلها الله خاتمة ~~كلام أهل الجنة فقال : @QB@ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين @QE@ [ ~~يونس : 10 ] ك وروي عن علي عليه السلام أنه قال : خلق الله العقل من نور ~~مكنون مخزون من سابق علمه فجعل العلم نفسه والفهم روحه والزهد رأسه والحياء ~~عينه والحكمة لسانه والخير سمعه والرأفة قلبه والرحمة همه والصبر ms0339 بطنه ثم ~~قيل له تكلم فقال : الحمد لله الذي ليس له ند ولا ضد ولا مثل ولا عدل الذي ~~ذل كل شيء لعزته فقال الرب : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز علي منك . ~~وأيضا # نقل أن آدم عليه السلام لما عطس فقال : الحمد لله فكان أول كلامه ذلك إذا ~~عرفت هذا فنقول : أول مراتب المخلوقات هو العقل وآخر مراتبها آدم وقد نقلنا ~~أول كلام العقل هو قوله : الحمد لله وأول كلام آدم هو قوله : الحمد فثبت أن ~~أول كلام لفاتحة المحدثات هو هذه الكلمة وأول كلام لخاتمة المحدثات هو هذه ~~الكلمة فلا جرم جعلها الله فاتحة كتابه فقال : @QB@ الحمد لله رب العالمين ~~@QE@ وأيضا ثبت أن أول كلمات الله قوله : الحمد لله وآخر أنبياء الله محمد ~~رسول الله وبين الأول والآخر مناسبة فلا جرم جعل قوله @QB@ الحمد لله @QE@ ~~أول آية من كتاب محمد رسوله ولما كان كذلك وضع لمحمد عليه السلام من كلمة ~~الحمد اسمان أحمد ومحمد ؛ وعند هذا قال عليه السلام # : أنا في السماء أحمد وفي الأرض محمد فأهل السماء في تحميد الله ورسول ~~الله أحمدهم والله تعالى في تحميد أهل الأرض كما قال تعالى : @QB@ فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا @QE@ [ الإسراء : 19 ] ورسول الله محمدهم . والنكتة ~~الثانية : أن الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالنعمة والرحمة فلما كان الحمد ~~أول الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال والأحكام فلهذا السبب ~~قال : سبقت رحمتي غضبي . النكتة الثالثة : أن الرسول اسمه أحمد ومعناه أنه ~~أحمد الحامدين أي : أكثرهم حمدا فوجب أن تكون نعم الله عليه أكثر لما بينا ~~أن كثرة الحمد بحسب كثرة النعمة والرحمة وإذا كان كذلك لزم أن تكون رحمة ~~الله في حق محمد عليه السلام أكثر منها في حق جميع العالمين . فلهذا السبب ~~قال : @QB@ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين @QE@ [ الأنبياء : 107 ] . ~~النكتة الرابعة : أن المرسل له اسمان مشتقان من الرحمة وهما الرحمن الرحيم ~~وهما يفيدان المبالغة والرسول له أيضا اسمان مشتقان من الرحمة وهما محمد ~~وأحمد لأنا بينا أن ms0340 حصول الحمد مشروط بحصول الرحمة فقولنا محمد وأحمد جار ~~مجرى قولنا مرحوم وأرحم . وجاء في بعض الروايات أن من أسماء الرسول : الحمد ~~والحامد والمحمود فهذه خمسة للرسول دالة على الرحمة إذا ثبت هذا فنقول إنه ~~تعالى قال : @QB@ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم @QE@ [ الحجر : 49 ] ~~فقوله نبئ إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو مذكور قبل العباد والياء ~~في قوله عبادي ضمير عائد إلى الله تعالى والياء في قوله أني عائد إليه ~~وقوله أنا عائد إليه وقوله الغفور الرحيم صفتان لله فهي خمسة ألفاظ دالة ~~على الله الكريم الرحيم فالعبد يمشي يوم القيامة وقدامه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم مع خمسة أسماء تدل على الرحمة وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء الله ~~تدل على الرحمة ورحمة الرسول كثيرة كما قال تعالى : @QB@ وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين @QE@ [ الأنبياء : 107 ] ورحمة الله غير متناهية كما قال ~~تعالى : ^ { ورحمتي وسعت كل شيء } ^ [ الأعراف : 156 ] PageV01P228 فكيف ~~يعقل أن يضيع المذنب مع هذه البحار الزاخرة العشرة المملوءة من الرحمة ؟ ~~وأما فوائد الأسماء الخمسة المذكورة في هذه السورة فأشياء : النكتة الأولى ~~: أن سورة الفاتحة فيها عشرة أشياء منها خمسة من صفة الربوبية وهي : الله ~~والرب والرحمن والرحيم والمالك ؛ وخمسة أشياء من صفات العبد وهي : العبودية ~~والاستعانة وطلب الهداية وطلب الاستقامة وطلب النعمة كما قال : @QB@ صراط ~~الذين أنعمت عليهم @QE@ فانطبقت تلك الأسماء الخمسة على هذه الأحوال الخمسة ~~فكأنه قيل : إياك نعبد لأنك أنت الله وإياك نستعين لأنك أنت الرب اهدنا ~~الصراط المستقيم لأنك أنت الرحمن وارزقنا الاستقامة لأنك أنت الرحيم وأفض ~~علينا سجال نعمك وكرمك لأنك مالك يوم الدين . النكتة الثانية : الإنسان ~~مركب من خمسة أشياء : بدنه ونفسه الشيطانية ونفسه الشهوانية ونفسه الغضبية ~~وجوهره الملكي العقلي فتجلى الحق سبحانه بأسمائه الخمسة لهذه المراتب ~~الخمسة فتجلى اسم الله للروح الملكية العقلية الفلكية القدسية فخضع وأطاع ~~كما قال ^ { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ^ [ الرعد : 28 ] وتجلى للنفس ~~الشيطانية بالبر والإحسان - وهو اسم الرب - فترك العصيان وانقاد لطاعة ~~الديان وتجلى ms0341 للنفس الغضبية السبعية باسم الرحمن وهذا الاسم مركب من القهر ~~واللطف كما قال : @QB@ الملك يومئذ الحق للرحمن @QE@ [ الفرقان : 26 ] فترك ~~الخصومة وتجلى للنفس الشهوانية البهيمية باسم الرحيم وهو أنه أطلق المباحات ~~والطيبات كما قال @QB@ أحل لكم الطيبات @QE@ [ المائدة : 4 ] فلان وترك ~~العصيان وتجلى للأجساد والأبدان بقهر قوله @QB@ مالك يوم الدين @QE@ فإن ~~البدن غليظ كثيف فلا بد من قهر شديد وهو القهر الحاصل من خوف يوم القيامة ~~فلما تجلى الحق سبحانه بأسمائه الخمسة لهذه المراتب انغلقت أبواب النيران ~~وانفتحت أبواب الجنان ثم هذه المراتب ابتدأت بالرجوع كما جاءت فأطاعت ~~الأبدان وقالت @QB@ إياك نعبد @QE@ وأطاعت النفوس الشهواينة فقالت @QB@ ~~وإياك نستعين @QE@ على ترك اللذات والإعراض عن الشهوات وأطاعت النفوس ~~الغضبية فقالت @QB@ اهدنا @QE@ وأرشدنا وعلى دينك فثبتنا وأطاعت النفس ~~الشيطانية وطلبت من الله الاستقامة والصون عن الانحراف فقالت @QB@ اهدنا ~~الصراط المستقيم @QE@ وتواضعت الأرواح القدسية الملكية فطلبت من الله أن ~~يوصلها بالأرواح القدسية العالية المطهرة المعظمة فقالت @QB@ صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ . النكتة الثالثة : قال ~~عليه السلام # بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فشهادة أن لا إله إلا ~~الله حاصلة من تجلي نور اسم الله وإقام الصلاة من تجلي الرب ؛ لأن الرب ~~مشتق من التربية والعبد يربي إيمانه بمدد الصلاة وإيتاء الزكاة من تجلي اسم ~~الرحمن ؛ لأن الرحمن مبالغة في الرحمة وإيتاء الزكاة لأجل الرحمة على ~~الفقراء ووجوب صوم رمضان من تجلي اسم الرحيم ؛ لأن الصائم إذا جاع تذكر جوع ~~الفقراء فيعطيهم ما يحتاجون إليه وأيضا إذا جاع حصل له فطام عن الالتذاذ ~~بالمحسوسات فعند الموت يسهل عليه مفارقتها ووجوب الحج من تجلى اسم مالك يوم ~~الدين ؛ لأن عند الحج يجب هجرة الوطن ومفارقة الأهل والولد وذلك يشبه سفر ~~يوم القيامة وأيضا الحاج يصير حافيا حاسرا عاريا وهو يشبه حال أهل القيامة ~~وبالجملة فالنسبة بين الحج وبين أحوال القيامة كثيرة جدا . النكتة الرابعة ~~: أنواع القبلة ms0342 خمسة : بيت المقدس والكعبة والبيت المعمور والعرش وحضرة ~~جلال PageV01P229 الله . فوزع هذه الأسماء الخمسة على الأنواع الخمسة من ~~القبلة . النكتة الخامسة : الحواس خمس : أدب البصر بقوله : @QB@ فاعتبروا ~~يا أولي الأبصار @QE@ [ الحشر : 2 ] والسمع بقوله : @QB@ الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه @QE@ [ الزمر : 18 ] والذوق بقوله : @QB@ يا أيها ~~الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا @QE@ [ المؤمنون : 51 ] والشم بقوله : ~~@QB@ إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون @QE@ [ يوسف : 94 ] واللمس بقوله : ~~@QB@ والذين هم لفروجهم حافظون @QE@ [ المؤمنون : 5 ] فاستعن بأنوار هذه ~~الأسماء الخمسة على دفع مضار هذه الأعداء الخمسة . النكتة السادسة : اعلم ~~أن الشطر الأول من الفاتحة مشتمل على الأسماء الخمسة فتفيض الأنوار على ~~الأسرار والشطر الثاني منها مشتمل على الصفات الخمسة للعبد فتصعد منها ~~أسرار إلى مصاعد تلك الأنوار وبسبب هاتين الحالتين يحصل للعبد معراج في ~~صلاته : فالأول هو النزول والثاني هو الصعود والحد المشترك بين القسمين هو ~~الحد الفاصل بين قوله : @QB@ مالك يوم الدين @QE@ وبين قوله : @QB@ إياك ~~نعبد @QE@ وتقرير هذا الكلام أن حاجة العبد إما في طلب الدنيا وهو قسمان : ~~إما دفع الضرر أو جلب النفع وإما في طلب الآخرة وهو أيضا قسمان : دفع الضرر ~~وهو الهرب من النار وطلب الخير وهو طلب الجنة فالمجموع أربعة والقسم الخامس ~~- وهو الأشرف - طلب خدمة الله وطاعته وعبوديته لما هو هو لا لأجل رغبة ولا ~~لأجل رهبة فإن شاهدت نور اسم الله لم تطلب من الله شيئا سوى الله وإن طالعت ~~نور الرب طلبت منه خيرات الجنة وإن طالعت منه نور الرحمن طلبت منه خيرات ~~هذه الدنيا وإن طالعت نور الرحيم طلبت منه أن يعصمك عن مضار الآخرة وإن ~~طالعت نور مالك يوم الدين طلبت منه أن يصونك عن آفات هذه الدنيا وقبائح ~~الأعمال فيها لئلا تقع في عذاب الآخرة . النكتة السابعة : يمكن أيضا تنزيل ~~هذه الأسماء الخمسة على المراتب الخمس المذكورة في الذكر المشهور - وهو ~~قوله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم - أما قولنا ms0343 سبحان الله فهو فاتحة سورة واحدة وهي : ~~@QB@ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا @QE@ [ الإسراء : 1 ] وأما قولنا الحمد ~~لله فهو فاتحة خمس سور وأما قولنا لا إله إلا الله فهو فاتحة سورة واحدة ~~وهي قوله : @QB@ الم الله لا إله إلا هو @QE@ [ آل عمران : 1 ] وأما قولنا ~~الله أكبر فهو مذكور في القرآن لا بالتصريح في موضعين مضافا إلى الذكر تارة ~~وإلى الرضوان أخرى فقال : @QB@ ولذكر الله أكبر @QE@ [ العنكبوت : 45 ] ~~وقال : @QB@ ورضوان من الله أكبر @QE@ [ التوبة : 72 ] وأما قولنا لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهو غير مذكور في القرآن صريحا لأنه من ~~الأذكار الخمسة فقولنا الله مبدأ لقولنا سبحان الله وقولنا رب مبدأ لقولنا ~~الحمد لله وقولنا الرحمن مبدأ لقولنا لا إله إلا الله فإن قولنا لا إله إلا ~~الله إنما يليق بمن يحصل له كمال القدرة وكمال الرحمة وذلك هو الرحمن ؛ ~~وقولنا الرحيم مبدأ لقولنا الله أكبر ومعناه أنه أكبر من أن لا يرحم عباده ~~الضعفاء وقولنا مالك يوم الدين مبدأ لقولنا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم لأن الملك والمالك هو الذي لا يقدر عبيده على أن يعملوا شيئا على ~~خلاف إرادته والله أعلم . PageV01P230 < # > الفصل الثامن < # > < # > في السبب المقتضي لاشتمال بسم الله الرحمن الرحيم على الأسماء الثلاثة ~~< # > وفيه وجوه ( الأول ) : لا شك أنه تعالى يتجلى لعقول الخلق إلا أن لذلك ~~التجلي ثلاث مراتب : فإنه في أول الأمر يتجلى بأفعاله وآياته وفي وسط الأمر ~~يتجلى بصفاته وفي آخر الأمر يتجلى بذاته قيل إنه تعالى يتجلى لعامة عباده ~~بأفعاله وآياته قال : @QB@ ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام @QE@ [ ~~الشورى : 32 ] وقال @QB@ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~لآيات @QE@ [ آل عمران : 190 ] ثم يتجلى لأوليائه بصفاته قال : @QB@ ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا @QE@ [ آل عمران : ~~191 ] ويتجلى لأكابر الأنبياء ورؤساء الملائكة بذاته @QB@ قل الله ثم ذرهم ~~في خوضهم يلعبون @QE@ [ الأنعام : 91 ] إذا عرفت هذا فنقول : اسم الله عز ~~وجل أقوى الأسماء في تجلي ms0344 ذاته لأنه أظهر الأسماء في اللفظ وأبعدها معنى عن ~~العقول فهو ظاهر باطن يعسر إنكاره ولا تدرك أسراره قال الحسين بن منصور ~~الحلاج : # % اسم الله مع الخلق قد تاهوا به ولها % % ليعلموا منه معنى من معانيه % # % والله ما وصلوا منه إلى سبب % % حتى يكون الذي أبداه مبديه % % وقال ~~أيضا : # % يا سر سر يدق حتى % % يخفى على وهم كل حي % # % فظاهرا باطنا تجلى % % لكل شيء بكل شيء % % وأما اسمه الرحمن فهو يفيد ~~تجلى الحق بصفاته العالية ولذلك قال ^ { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ~~ما تدعو فله الأسماء الحسنى } ^ [ الإسراء : 110 ] وأما اسمه الرحيم فهو ~~يفيد تجلي الحق بأفعاله وآياته ولهذا السبب قال ^ { ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما } ^ [ غافر : 7 ] . < # > الفصل التاسع < # > < # > في سبب اشتمال الفاتحة على الأسماء الخمسة < # > السبب فيه أن مراتب أحوال الخلق خمسة : أولها الخلق وثانيها التربية في ~~مصالح الدنيا وثالثها التربية في تعريف المبدأ ورابعها التربية في تعريف ~~المعاد وخامسها نقل الأرواح من عالم الأجساد إلى دار المعاد فاسم الله منبع ~~الخلق والإيجاد والتكوين والإبداع واسم الرب يدل على التربية بوجوه الفضل ~~والإحسان واسم الرحمن يدل على التربية في معرفة المبدأ واسم الرحيم في ~~معرفة المعاد حتى يحترز عما لا ينبغي ويقدم على ما ينبغي واسم الملك يدل ~~على أنه ينقلهم من دار الدنيا إلى دار الجزاء ثم عند وصول العبد إلى هذه ~~المقامات انتقل الكلام من الغيبة إلى الحضور فقال : @QB@ إياك نعبد @QE@ ~~كأنه يقول : إنك إذا انتفعت بهذه الأسماء الخمسة في هذه المراتب الخمس ~~وانتقلت إلى دار الجزاء صرت بحيث ترى الله فحينئذ تكلم معه على سبيل ~~المشاهدة لا على سبيل المغايبة ثم قال : إياك نعبد وإياك نستعين كأنه ~~PageV01P231 قال : إياك نعبد لأنك الله الخالق وإياك نستعين لأنك الرب ~~الرازق إياك نعبد لأنك الرحمن وإياك نستعين لأنك الرحيم إياك نعبد لأنك ~~الملك وإياك نستعين لأنك المالك . واعلم أن قوله مالك يوم الدين دل على أن ~~العبد منتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة ومن ms0345 دار الشرور إلى دار السرور ~~فقال : لا بد لذلك اليوم من زاد واستعداد وذلك هو العبادة فلا جرم قال : ~~إياك نعبد ثم قال العبد : الذي اكتسبته بقوتي وقدرتي قليل لا يكفيني في ذلك ~~اليوم الطويل فاستعان بربه فقال : ما معي قليل فأعطني من خزائن رحمتك ما ~~يكفيني في ذلك اليوم الطويل فقال : وإياك نستعين ثم لما حصل الزاد ليوم ~~المعاد قال : هذا سفر طويل شاق والطرق كثيرة والخلق قد تاهوا في هذه ~~البادية فلا طريق إلا أن أطلب الطريق ممن هو بإرشاد السالكين حقيق فقال : ~~اهدنا الصراط المستقيم ثم إنه لا بد لسالك الطريق من رفيق ومن بدرقة ودليل ~~فقال : صراط الذين أنعمت عليهم والذين أنعم الله عليهم هم النبيون ~~والصديقون والشهداء والصالحون فالأنبياء هم الأدلاء والصديقون هم البدرقة ~~والشهداء والصالحون هم الرفقاء ثم قال : غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~وذلك لأن الحجب عن الله قسمان : الحجب النارية - وهي عالم الدنيا - ثم ~~الحجب النورية - وهي عالم الأرواح - فاعتصم بالله سبحانه وتعالى من هذين ~~الأمرين وهو أن لا يبقى مشغول السر لا بالحجب النارية ولا بالحجب النورية . ~~< # > الفصل العاشر < # > في هذه السورة كلمتان مضافتان إلى اسم الله واسمان مضافان إلى غير الله ~~: أما الكلمتان المضافتان إلى اسم الله فهما قوله : بسم الله وقوله : الحمد ~~لله فقوله بسم الله لبداية الأمور وقوله الحمد لله لخواتيم الأمور فبسم ~~الله ذكر والحمد لله شكر فلما قال بسم الله استحق الرحمة ولما قال الحمد ~~لله استحق رحمة أخرى فبقوله بسم الله استحق الرحمة من اسم الرحمن وبقوله ~~الحمد لله استحق الرحمة من اسم الرحيم فلهذا المعنى قيل : يا رحمن الدنيا ~~ورحيم الآخرة وأما قوله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ~~فالربوبية لبداية حالهم بدليل قوله @QB@ ألست بربكم قالوا بلى @QE@ [ ~~الأعراف : 172 ] وصفة الرحمن لوسط حالهم وصفة الملك لنهاية حالهم بدليل ~~قوله @QB@ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار @QE@ [ غافر : 16 ] والله ~~أعلم بالصواب وهو الهادي إلى الرشاد PageV01P232 < # > 1 ( سورة البقرة ) 1 < # > # مدنية إلا آية 281 ms0346 فنزلت بمنى في حجة الوداع # وآياتها مائتان وست وثمانون # ! 7 < { الم} . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 1 ) الم # > > تفسير آلم حروف الهجاء : # { الم } فيه مسألتان : المسألة الأولى : # اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة ، لأن ~~الضاد مثلا لفظة مفردة دالة بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه من غير دلالة ~~على الزمان المعين لذلك المعنى ، وذلك المعنى هو الحرف الأول من ( ضرب ) ~~فثبت أنها أسماء ولأنها يتصرف فيها بالأمالة والتفخيم والتعريف والتنكير ~~والجمع والتصغير والوصف والإسناد والإضافة ، فكانت لا محالة أسماء . فإن ~~قيل قد روى أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة ، والحسنة ~~بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ، لكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف ) ~~الحديث ، والاستدلال به يناقض ما ذكرتم قلنا : سماه حرفا مجازا لكونه اسما ~~للحرف ، وإطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور . # معاني تسمية حروفها : # فروع : الأول : أنهم راعوا هذه التسمية لمعان لطيفة ، وهي أن المسميات ~~لما كانت ألفاظا كأساميها وهي حروف مفردة والأسامي ترتقي عدد حروفها إلى ~~الثلاثة اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في الاسم على المسمى ، فجعلوا المسمى ~~صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون ~~إلا ساكنا . # حكمها ما لم تلها العوامل : # الثاني : حكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ساكنة الأعجاز كأسماء الأعداد ~~فيقال ألف لام ميم ، كما تقول واحد اثنان ثلاثة فإذا وليتها العوامل أدركها ~~الأعراب كقولك هذه ألف وكتبت ألفا ونظرت إلى ألف ، وهكذا كل اسم عمدت إلى ~~تأدية مسماه فحسب ، لأن جوهر اللفظ موضوع لجوهر المعنى ، وحركات اللفظ دالة ~~على أحوال المعنى ، فإذا أريد إفادة جوهر المعنى وجب إخلاء اللفظ عن ~~الحركات . # / كونها معربة : # الثالث : هذه الأسماء معربة وإنما سكنت سكون سائر الأسماء حيث لا يمسها ~~إعراب لفقد موجبه ، والدليل على أن سكونها وقف لا بناء أنها لو بنيت لحذي ~~بها حذو كيف وأين وهؤلاء ms0347 ولم يقل صاد قاف نون مجموع فيها بين الساكنين . # معاني آلم : # المسألة الثانية : للناس في قوله تعالى : { الم } وما يجري مجراه من ~~الفواتح قولان : أحدهما : أن هذا PageV02P003 علم مستور وسر محجوب استأثر ~~الله تبارك وتعالى به . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لله في كل كتاب ~~سر وسره في القرآن أوائل السور ، وقال علي رضي الله عنه : إن لكل كتاب صفوة ~~وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي . وقال بعض العارفين : العلم بمنزلة البحر ~~فأجرى منه واد ثم أجرى من الوادي نهر . ثم أجرى من النهر جدول ، ثم أجرى من ~~الجدول ساقية ، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وأفسده ، ولو سال ~~البحر إلى الوادي لأفسده ، وهو المراد من قوله تعالى : { أنزل من السماء ~~ماء فسالت أودية بقدرها } ( الرعد : 17 ) فبحور العلم عند الله تعالى ، ~~فأعطي الرسل منها أودية ، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهارا إلى العلماء ، ~~ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغارا على قدر طاقتهم ، ثم أجرت العامة ~~سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم . وعلى هذا ما روي في الخبر ( للعلماء سر ، ~~وللخلفاء سر . وللأنبياء سر ، وللملائكة سر ، ولله من بعد ذلك كله سر ، فلو ~~اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم ، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء ~~لنابذوهم ، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم ، ولو اطلع الأنبياء ~~على سرالملائكة لاتهموهم ، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا ~~حائرين ، وبادوا بائرين . والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل ~~الأسرار القوية / كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش ، فلما زيدت ~~الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة ، ولما زيدت العلماء في ~~عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه ، وكذلك علماء الباطن ، ~~وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر . ~~وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال : سر الله فلا تطلبوه ، وروى أبو ظبيان عن ~~ابن عباس قال : عجزت العلماء عن إدراكها ، وقال الحسين بن الفضل : هو من ~~المتشابه . # واعلم أن المتكلمين أنكروا ms0348 هذا القول هذا القول ، وقالوا لا يجوز أن يرد ~~في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق ، واحتجوا عليه بالآيات ~~والأخبار والمعقول . # حجج المتكلمين بالآيات : # أما الآيات فأربعة عشر . أحدها : قوله تعالى : { أفلا يتدبرون القرءان أم ~~على قلوب أقفالها } ( محمد : 24 ) أمرهم بالتدبر في القرآن ، ولو كان غير ~~مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه وثانيها : قوله : { أفلا يتدبرون القرءان ~~ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) فكيف ~~يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي الناقص والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق ؟ ~~وثالثها : قوله : { وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الامين * على ~~قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربى مبين } ( الشعراء : 192 195 ) فلو لم ~~يكن مفهوما بطل كون الرسول صلى الله عليه وسلم منذرا به ، وأيضا قوله : { ~~بلسان عربى مبين } يدل على أنه نازل بلغة العرب ، وإذا / كان الأمر كذلك ~~وجب أن يكون مفهوما . ورابعها : قوله : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ~~والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه وخامسها : قوله : { تبيانا ~~لكل شىء } ( النحل : 89 ) وقوله : { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } وسادسها : ~~قوله : { هدى للناس } ( البقرة : 185 ) ، { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) ~~وغير المعلوم لا يكون هدى وسابعها : قوله : { حكمة بالغة } ( القمر : 5 ) ~~وقوله : { وشفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } ( يونس : 57 ) وكل ~~هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم وثامنها : قوله : { قد جاءكم من الله ~~نور وكتاب مبين } ( المائدة : 15 ) وتاسعها : قوله : { أو لم * يكفهم أنا ~~أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن فى ذالك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } ( ~~العنكبوت : 51 ) وكيف يكون الكتاب كافيا وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم ؟ ~~وعاشرها : قوله تعالى : { هاذا * بلاغ للناس ولينذروا به } فكيف يكون بلاغا ~~، وكيف PageV02P004 يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم ؟ وقال في آخر الآية { ~~وليذكر أولوا الالباب } ( إبراهيم : 52 ) وإنما يكون كذلك لو كان معلوما ~~الحادي عشر : قوله : { قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا } ~~( النساء : 174 ) فكيف يكون برهان ونورا مبينا مع ms0349 أنه غير معلوم ؟ الثاني ~~عشر : قوله : { فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكرى فإن له ~~معيشة ضنكا } ( طه : 123 ، 124 ) فكيف يمكن اتباعه والأعراض عنه غير معلوم ~~؟ الثالث عشر : { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } ( الإسراء : 9 ) ~~فكيف يكون هاديا مع أنه غير معلوم ؟ الرابع عشر : قوله تعالى : { الرسول ~~بما * إلى * قوله * سمعنا وأطعنا } ( البقرة : 285 ) والطاعة لا تمكن إلا ~~بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوما . # الاحتجاج بالأخبار : # وأما الأخبار : فقوله عليه السلام : ( إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن ~~تضلوا كتاب الله وسنتي ) فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم ؟ وعن علي رضي ~~الله عنه أنه عليه السلام قال : عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما ~~بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ~~ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، والذكر الحكيم ~~والصراط المستقيم ، هو الذي لا نزيغ به الأهواء ، ولا تشبع منه العلماء ، ~~ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، من قال به صدق ، ومن حكم به ~~عدل ، ومن خاصم به فلج ، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم . # الاحتجاج بالمعقول : # أما المعقول فمن وجوه : أحدها : أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به ~~لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية ، ولما لم يجز ~~ذاك فكذا هذا وثانيها : أن المقصود من الكلام الإفهام ، فلو لم يكن مفهوما ~~لكانت المخاطبة به عبثا وسفها ، وأنه لا يليق بالحكيم وثالثها : أن التحدي ~~وقع بالقرآن وما لا يكون معلوما لا يجوز وقوع التحدي به ، فهذا مجموع كلام ~~المتكلمين ، واحتج مخالفوهم بالآية ، والخبر ، والمعقول . # احتجاج مخالفي المتكلمين بالآيات : # أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وأنه غير معلوم ، لقوله تعالى : { ~~وما يعلم تأويله إلا الله } والوقف ههنا واجب لوجوه . أحدها : أن قوله ~~تعالى : { والرسخون في العلم } ( آل عمران : 7 ) لو كان معطوفا على قوله : ~~{ إلا الله } لبقي { يقولون ءامنا به ms0350 } منقطعا عنه وأنه غير جائز لأنه وحده ~~لا يفيد ، لا يقال أنه حال ، / لأنا نقول حينئذ يرجع إلى كل ما تقدم ، ~~فيلزم أن يكون الله تعالى قائلا آمنا به كل من عند ربنا وهذا كفر . وثانيها ~~: أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان ~~به وجه ، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا كالإيمان بالمحكم ~~، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح وثالثها : أن تأويلها لو كان مما يجب أن ~~يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذما ، لكن قد جعله الله تعالى ذما حيث قال : ~~{ فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله } ( آل عمران : 7 ) . # احتجاجهم بالخبر : # وأما الخبر فقد روينا في أول هذه المسألة خبرا يدل على قولنا ، وروي أنه ~~عليه السلام قال : ( أن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله ~~، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله ) ولأن القول بأن هذه الفواتح غير ~~معلومة مروي عن أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقا ، لقوله عليه السلام ) ~~أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) . # احتجاجهم بالمعقول : # وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان . منها ما نعرف وجه ~~الحكمة فيها على الجملة PageV02P005 بعقولنا : كالصلاة والزكاة والصوم ؛ ~~فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق ، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير ، ~~والصوم سعي في كسر الشهوة . ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه : كأفعال الحج ~~فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة ~~، والرمل ، والاضطباع ، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى ~~أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني ، لأن ~~الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما ~~أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه ، أما الطاعة في النوع الثاني ~~فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم / لأنه لما لم يعرف فيه وجه ~~مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض ms0351 الانقياد والتسليم ، فإذا كان الأمر ~~كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضا أن يكون الأمر كذلك في الأقوال ؟ وهو أن ~~يأمرنا الله تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه ، وتارة بما لا نقف على ~~معناه ، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر ، ~~بل فيه فائدة أخرى ، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه ~~عن القلب ، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم ~~الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتا إليه أبدا ، ومتفكرا فيه أبدا ، ولباب ~~التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه ، فلا يبعد أن يعلم ~~الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدا مصلحة ~~عظيمة له ، فيتعبده بذلك تحصيلا لهذه المصلحة ، فهذا ملخص كلام الفريقين في ~~هذا الباب . # هل المراد من الفواتح معلوم : # القول الثاني : قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم ، ثم اختلفوا ~~فيه وذكروا وجوها . الأول : أنها أسماء السور ، وهو قول أكثر المتكلمين ~~واختيار الخليل وسيبويه وقال القفال : وقد سمت العرب بهذه الحروف أشياء ، ~~فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي ، وكقولهم للنحاس : صاد ، وللنقد عين ~~، وللسحاب غين ، وقالوا : جبل قاف ، وسموا الحوت نونا ، الثاني : أنها ~~أسماء الله تعالى ، روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول : ( يا كهيعص ، يا ~~حم عسق ) الثالث : أنها أبعاض / أسماء الله تعالى ، قال سعيد بن جبير : ~~قوله ( آلر ، حم ، ن) مجموعها هو اسم الرحمن ، ولكنا لا نقدر على كيفية ~~تركيبها في البواقي ، الرابع : أنها أسماء القرآن ، وهو قول الكلبي والسدي ~~وقتادة الخامس : أن كل واحد منها دال على اسم من أسماء الله تعالى وصفة من ~~صفاته ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في ( آلم ) : الألف إشارة إلى أنه ~~تعالى أحد ، أول ، آخر ، أزلي ، أبدي ، واللام إشارة إلى أنه لطيف ، والميم ~~إشارة إلى أنه ملك مجيد منان ، وقال في : { كهيعص } إنه ثناء من الله تعالى ~~على نفسه ، والكاف يدل على كونه كافيا ، والهاء يدل ms0352 على كونه هاديا ، ~~والعين يدل على العالم ، والصاد يدل على الصادق وذكر ابن جرير عن ابن عباس ~~أنه حمل الكاف على الكبير والكريم ، والياء على أنه يجير ، والعين على ~~العزيز والعدل . والفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصص كل واحد من هذه ~~الحروف باسم معين ، وفي الثاني ليس كذلك ، السادس : بعضها يدل على أسماء ~~الذات ، وبعضها على أسماء الصفات . قال ابن عباس في { الم } أنا الله أعلم ~~، وفي { المص } أنا الله أفصل ، وفي { الر } أنا الله أرى ، وهذا رواية أبي ~~صالح وسعيد بن جبير عنه . السابع : كل واحد منها يدل على صفات الأفعال ، ~~فالألف آلاؤه ، واللام لطفه ، والميم مجده . قاله محمد بن كعب القرظي . ~~وقال الربيع بن أنس : ما منها حرف إلا في ذكر آلائه ونعمائه . الثامن : ~~بعضها يدل على أسماء الله تعالى وبعضها يدل على أسماء غير الله ، فقال ~~الضحاك : الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد ، أي أنزل الله ~~الكتاب على لسان جبريل PageV02P006 إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، التاسع : ~~كل واحد من هذه الحروف يدل على فعل من الأفعال ، فالألف معناه ألف الله ~~محمدا فبعثه نبيا ، واللام أي لامه الجاحدون ، والميم أي ميم الكافرون ~~غيظوا وكبتوا بظهور الحق . وقال بعض الصوفية : الألف معناه أنا ، واللام ~~معناه لي ، والميم معناه مني ، العاشر : ما قاله المبرد واختاره جمع عظيم ~~من المحققين إن الله تعالى إنما ذكرها احتجاجا على الكفار ، وذلك أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن ، أو بعشر سور ، أو ~~بسورة واحدة فعجزوا عنه أنزلت هذه الحروف تنبيها على أن القرآن ليس إلا من ~~هذه الحروف / وأنتم قادرون عليها ، وعارفون بقوانين الفصاحة ، فكان يجب أن ~~تأتوا بمثل هذا القرآن ، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من ~~البشر ، الحادي عشر : قال عبد العزيز بن يحيى : إن الله تعالى إنما ذكرها ~~لأن في التقدير كأنه تعالى قال : اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة ~~كنتم قد عرفتموها ms0353 قبل ذلك ، كما أن الصبيان يتعلمون هذه الحروف أولا مفردة ~~ثم يتعلمون المركبات ، الثاني عشر : قول ابن روق وقطرب : إن الكفار لما ~~قالوا : ( لا تسمعوا لهذاالقرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) وتواصلوا ~~بالأعراض عنه أراد الله تعالى لما أحب من صلاحهم ونفعهم أن يورد عليهم ما ~~لا يعرفونه ليكون ذلك سببا لإسكاتهم واستماعهم لما يرد عليهم من القرآن ؛ ~~فأنزل الله تعالى عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين : ~~اسمعوا إلى ما يجيء به محمد عليه السلام ، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن ~~فكان ذلك سببا لاستماعهم وطريقا إلى انتفاعهم ، الثالث عشر : قول أبي ~~العالية إن كل حرف منها في مدة أقوام ، وآجال / آخرين ، قال ابن عباس رضي ~~الله عنه : مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يتلو ~~سورة البقرة { الم * ذالك الكتاب } ، ( البقرة : 1 ، 2 ) ثم أتى أخوه حيى ~~بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن آلم وقالوا : ننشدك الله الذي لا إله إلا ~~هو أحق أنها أتتك من السماء ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( نعم كذلك ~~نزلت ) ، فقال حيى إن كنت صادقا إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين ، ثم ~~قال كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى أجل أمته ~~إحدى وسبعون سنة ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم فقال حيى فهل غير هذا ؟ ~~فقال : نعم { المص } ، فقال يحيى : هذا أكثر من الأول هذا مائة وإحدى وستون ~~سنة ، فهل غير هذا ، قال : نعم { الر } ، فقال حيى هذا أكثر من الأولى ~~والثانية ، فنحن نشهد إن كنت صادقا ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين ~~سنة ، فهل غير هذا ؟ فقال : نعم { المر } ، قال حيى : فنحن نشهد أن من ~~الذين لا يؤمنون ولا ندري بأي أقوالك نأخذ . فقال أبو ياسر : أما أنا فاشهد ~~على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون ، ~~فإن كان محمد صادقا فيما يقول إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود ms0354 ، ~~وقالوا اشتبه علينا أمرك كله ، فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير ؟ فذلك ~~قوله تعالى : { هو الذى أنزل عليك الكتاب } . ( آل عمران : 7 ) الرابع عشر ~~: هذه الحروف تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر ، قال أحمد بن يحيى بن ~~ثعلب : إن العرب إذا استأنفت كلاما فمن شأنهم أن يأتوا بشيء غير الكلام ~~الذي يريدون استئنافه ، فيجعلونه تنبيها للمخاطبين على قطع الكلام الأول ~~واستئناف الكلام الجديد . الخامس عشر : روى ابن الجوزي عن ابن عباس أن هذه ~~الحروف ثناء أثنى الله عز وجل به على نفسه ، السادس عشر : قال الأخفش : إن ~~الله تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها ولأنها مباني كتبه المنزلة ~~بالألسنة المختلفة ، ومباني أسماء الله الحسنى وصفاته العليا ، وأصول كلام ~~الأمم ، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه ثم إنه تعالى اقتصر على ذكر ~~البعض وإن كان المراد ، هو الكل ، كما تقول قرأت PageV02P007 الحمد ، وتريد ~~السورة بالكلية ، فكأنه تعالى قال : أقسم بهذه الحروف إن هذا الكتاب هو ذلك ~~الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ ، السابع عشر : أن التكلم بهذه الحروف ، ~~وإن كان معتادا لكل أحد ، إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء لا يعرفه إلا من ~~اشتغل بالتعلم والاستفادة ، فلما أخبر الرسول عليه السلام عنها من غير سبق ~~تعلم واستفادة كان ذلك إخبارا عن الغيب ؛ فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكرها ~~ليكون أول ما يسمع من هذه السورة معجزة دالة على صدقه . الثامن عشر : قال ~~أبو بكر التبريزي : إن الله تعالى علم أن طائفة من هذه الأمة تقول بقدم ~~القرآن فذكر هذه الحروف تنبيها على أن كلامه مؤلف من هذه الحروف ، فيجب أن ~~لا يكون قديما . التاسع عشر : قال القاضي الماوردي : المراد من ( آلم ) أنه ~~ألم بكم ذلك الكتاب . أي نزل عليكم ، والإلمام الزيارة ، وإنما قال تعالى ~~ذلك لأن جبريل عليه السلام نزل به نزول الزائر العشرون : الألف إشارة إلى ~~ما لا بد منه من الاستقامة في أول الأمر ، وهو رعاية الشريعة ، قال تعالى : ~~/ { من * الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } ( فصلت : 30 ) واللام إشارة ms0355 ~~إلى الانحناء الحاصل عند المجاهدات ، وهو رعاية الطريقة ، قال الله تعالى : ~~{ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ( العنكبوت : 69 ) والميم إشارة إلى ~~أن يصير العبد في مقام المحبة ، كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها ~~وبدايتها عين نهايتها ، وذلك إنما يكون بالفناء في الله تعالى بالكلية ، ~~وهو مقام الحقيقة ، قال تعالى : { قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون } ( ~~الأنعام : 91 ) الحادي والعشرون : الألف من أقصى الحلق ، وهو أول مخارج ~~الحروف ، واللام من طرف اللسان ، وهو وسط المخارج ، والميم من الشفة ، وهو ~~آخر المخارج ، فهذه إشارة إلى أنه لا بد وأن يكون أول ذكر العبد ووسطه ~~وآخره ليس إلا الله تعالى ، على ما قال : { ففروا إلى الله } ( الذاريات : ~~50 ) . # كون فوائح السور أسماءها : # والمختار عند أكثر المحققين من هذه الأقوال أنها أسماء السور ، والدليل ~~عليه أن هذه الألفاظ إما أن لا تكون مفهومة ، أو تكون مفهومة ، والأول باطل ~~، أما أولا فلأنه لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج ، وأما ~~ثانيا فلأنه تعالى وصف القرآن أجمع بأنه هدى وذلك ينافي كونه غير معلوم . ~~وأما القسم الثانيفنقول : إما أن يكون مراد الله تعالى منها جعلها أسماء ~~الألقاب ، أو أسماء المعني ، والثاني باطل ؛ لأن هذه الألفاظ غير موضوعة في ~~لغة العرب لهذه المعاني التي ذكرها المفسرون ، فيمتنع حملها عليها ؛ لأن ~~القرآن نزل بلغة العرب ، فلا يجوز حملها على ما لا يكون حاصلا في لغة العرب ~~؛ ولأن المفسرين ذكروا وجوها مختلفة ، وليست دلالة هذه الألفاظ على بعض ما ~~ذكروه أولى من دلالتها على الباقي فأما أن يعمل على الكل ، وهو معتذر ~~بالإجماع ؛ لأن كل واحد من المفسرين إنما حمل هذه الألفاظ على معنى واحد من ~~هذه المعاني المذكورة ، وليس فيهم من حملها على الكل ، أو لا يحمل على شيء ~~منها ، وهو الباقي ، ولما بطل هذا القسم وجب الحكم بأنها من أسماء الألقاب ~~. # جعلها أسماء ألقاب أو معاني : # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذه الألفاظ غير معلومة ، قوله : ( لو ~~جاز ذلك لجاز التكلم مع ms0356 العربي بلغة الزنج ) قلنا : ولم لا يجوز ذلك ؟ ~~وبيانه أن الله تعالى تكلم بالمشكاة وهو بلسان الحبشة ، والسجيل والاستبرق ~~فارسيان ، قوله : ( وصف القرآن أجمع بأنه هدى وبيان ) قلنا : لا نزاع في ~~اشتمال القرآن على المجملات والمتشابهات ، فإذا لم يقدح ذلك في كونه هدى ~~وبيانا فكذا ههنا ، سلمنا أنها مفهومة ، لكن قولك : ( إنها إما أن تكون من ~~أسماء الألقاب أو من أسماء المعاني ) إنما يصح لو ثبت كونها موضوعة لإفادة ~~أمر ما وذلك ممنوع ، ولعل الله تعالى تكلم بها لحكمة أخرى ، مثل ما قال ~~قطرب من أنهم لما تواضعوا في الابتداء PageV02P008 على أن لا يلتفتوا إلى ~~القرآن أمر الله تعالى رسوله بأن يتكلم بهذه الأحرف في الابتداء حتى ~~يتعجبوا عند سماعها فيسكتوا ، فحينئذ يهجم القرآن على أسماعهم ، سلمنا أنها ~~موضوعة لأمر ما ، فلم لا يجوز أن يقال : إنها من أسماء المعاني ؟ قوله : ( ~~إنها في اللغة غير موضوعه لشيء البتة ) قلنا لا نزاع في أنها وحدها غير ~~موضوعة لشيء / ولكن لم لا يجوز أن يقال : إنها مع القرينة المخضوضة تفيد ~~معنى معينا ؟ وبيانه من وجوه : / أحدها : أنه عليه السلام كان يتحداهم ~~بالقرآن مرة بعد أخرى فلما ذكر هذه الحروف دلت قرينة الحال على أن مراده ~~تعالى من ذكرها أن يقول لهم : إن هذا القرآن إنما تركب من هذه الحروف التي ~~أنتم قادرون عليها ، فلو كان هذا من فعل البشر لوجب أن تقدروا على الإتيان ~~بمثله ، وثانيها : أن حمل هذه الحروف على حساب الجمل عادة معلومة عند الناس ~~، وثالثها : أن هذه الحروف لما كانت أصول الكلام كانت شريفة عزيزة ، فالله ~~تعالى أقسم بها كما أقسم بسائر الأشياء ، ورابعها : أن الاكتفاء من الاسم ~~الواحد بحرف واحد من حروفه عادة معلومة عند العرب ، فذكر الله تعالى هذه ~~الحروف تنبيها على أسمائه تعالى . # سلمنا دليلكم لكنه معارض بوجوه : أحدها : أنا وجدنا السور الكثيرة اتفقت ~~في { الم } و { حم } فالاشتباه حاصل فيها ، والمقصود من اسم العلم إزالة ~~الاشتباه . # فإن قيل : يشكل هذا بجماعة كثيرين يسمون بمحمد ؛ فإن ms0357 الاشتراك فيه لا ~~ينافي العلمية . قلنا : قولنا { الم } لا يفيد معنى ألبتة ، فلو جعلناه ~~علما لم يكن فيه فائدة سوى التعيين وإزالة الاشتباه فإذا لم يحصل هذا الغرض ~~امتنع جعله علما ، بخلاف التسمية بمحمد ، فإن في التسمية به مقاصد أخرى سوى ~~التعيين ، وهو التبرك به لكونه إسما للرسول ، ولكونه دالا على صفة من صفات ~~الشرف ، فجاز أن يقصد التسمية به لغرض آخر من هذه الأغراض سوى التعيين ، ~~بخلاف قولنا : { الم } فإنه لا فائدة فيه سوى التعيين ، فإذا لم يفد هذه ~~الفائدة كانت التسمية به عبثا محضا . وثانيها : لو كانت هذه الألفاظ أسماء ~~للسور لوجب أن يعلم ذلك بالنواثر ؛ لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء ~~العرب ، والأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نفلها لا سيما فيما لا يتعلق ~~بإخفائه رغبة أو رهبة ، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوما ~~بالتواتر وارتفع الخلاف فيه ، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من ~~أسماء السور ، وثالثها : أن القرآن نزل بلسان العرب ، وهم ما تجاوزوا ما ~~سموا به مجموع اسمين نحو معد يكرب وبعلبك ، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة ~~أسماء وأربعة وخمسة ، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغة العرب ، وأنه ~~غير جائز ، ورابعها : أنها لو كانت أسماء هذه السور لوجب اشتهار هذه السور ~~بها لا بسائر الأسماء ، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء ، كقولهم سورة ~~البقرة وسورة آل عمران ، وخامسها : هذه الألفاظ داخلة في السورة وجزء منها ~~، وجزء الشيء مقدم على الشيء بالرتبة ، واسم الشيء متأخر عن الشيء بالرتبة ~~، فلو جعلناها اسما للسورة لزم التقدم والتأخر معا ، وهو محال ، فإن قيل : ~~مجموع قولنا : ( صاد ) اسم للحرف الأول منه ، فإذا جاز أن يكون المركب اسما ~~لبعض مفرداته فلم لا يجوز أن تكون بعض مفردات ذلك المركب اسما لذلك المركب ~~؟ قلنا : الفرق ظاهر ؛ لأن المركب يتأخر عن المفرد ، والاسم يتأخر عن ~~المسمى ، فلو جعلنا المركب اسما للمفرد لم يلزم إلا تأخر ذلك المركب عن ذلك ~~المفرد من وجهين ، وذلك غير مستحيل ، أما لو ms0358 جعلنا المفرد اسما للمركب لزم ~~من حيث أنه مفرد كونه متقدما ومن حيث أنه اسم كونه متأخرا ، / وذلك محال ، ~~وسادسها : لو كان كذلك لوجب أن لا تخلو سورة من سور القرآن من اسم على هذا ~~الوجه ، ومعلوم أنه غير حاصل . PageV02P009 # الجواب : ( قوله المشكاة والسجيل ليستا من لغة العرب ) قلنا : عنه جوابان ~~: أحدهما : أن كل ذلك عربي ، لكنه موافق لسائر اللغات ، وقد يتفق مثل ذلك ~~في اللغتين : الثاني : أن المسمى بهذه الأسماء لم يوجد أولا في بلاد العرب ~~، فلما عرفوه عرفوا منها أسماءها ، فتكلموا بتلك الأسماء ، فصارت تلك ~~الألفاظ عربية أيضا . # قوله : ( وجد أن المجمل في كتاب الله لا يقدح في كونه بيانا ) قلنا : كل ~~مجمل وجد في كتاب الله تعالى قد وجد في العقل ، أو في الكتاب ، أو في السنة ~~بيانه ، وحينئذ يخرج عن كونه غير مفيد ، إنما البيان فيما لا يمكن معرفة ~~مراد الله منه . # وقوله : ( لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذكر هذه الألفاظ إسكاتهم عن ~~الشغب ؟ ) قلنا : لو جاز ذكر هذه الألفاظ لهذاالغرض فليجز ذكر سائر ~~الهذيانات لمثل هذا الغرض ، وهو بالإجماع باطل . # وأما سائر الوجوه التي ذكروها فقد بينا أن قولنا : ( آلم ) غير موضوع في ~~لغة العرب لإفادة تلك المعاني ، فلا يجوز استعمالها فيه ، لأن القرآن إنما ~~نزل بلغة العرب ، ولأنها متعارضة ، فليس حمل اللفظ على بعضها أولى من البعض ~~؛ ولأنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت أبواب تأويلات الباطنية وسائر ~~الهذيانات ، وذلك مما لا سبيل إليه . # أما الجواب عن المعارضة الأولى : فهو أن لا يبعد أن يكون في تسمية السور ~~الكثيرة باسم واحد ثم يميز كل واحد منها عن الآخر بعلامة أخرى حكمة خفية . # وعن الثاني : أن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام ، فجاز ~~أن لا يبلغ في الشهرة إلى حد التواتر . # وعن الثالث : أن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب إذا جعلت اسما ~~واحدا على طريقة ( حضرموت ) فأما غير مركبة بل صورة نثر أسماء الأعداد فذاك ~~جائز ؛ فإن سيبويه نص على ms0359 جواز التسمية بالجملة ، والبيت من الشعر ، ~~والتسمية بطائفة من أسماء حروف المعجم . # وعن الرابع : أنه لا يبعد أن يصير اللقب أكثر شهرة من الاسم الأصلي فكذا ~~ههنا . # وعن الخامس : أن الاسم لفظ دال على أمر مستقل بنفسه من غير دلالة على ~~زمانه المعين ، ولفظ الاسم كذلك ، فيكون الاسم اسما لنفسه ، فإذا جاز ذلك ~~فلم لا يجوز أن يكون جزء الشيء اسما له . # وعن السادس : أن وضع الاسم إنما يكون بحسب الحكمة ، ولا يبعد أن تقتضي ~~الحكمة / وضع الاسم لبعض السور دون البعض . على أن القول الحق : أنه تعالى ~~يفعل ما يشاء ، فهذا منتهى الكلام في نصرة هذه الطريقة . # واعلم أن بعد هذا المذهب الذي نصرناه بالأقوال التي حكيناها قول قطرب : ~~من أن المشركين قال بعضهم لبعض : ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) ~~فكان إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول هذه السورة بهذه ~~الألفاظ ما فهموا منها شيئا ، والإنسان حريص على ما منع ، فكانوا يصغون إلى ~~القرآن ويتفكرون ويتدبرون في مقاطعه ومطالعه ؛ رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ~~ذلك المبهم ، ويوضح ذلك المشكل . فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين ~~للقرآن ومتدبرين في مطالعه ومقاطعه . والذي يؤكد هذا المذهب أمران : أحدهما ~~: أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور ، وذلك يوهم أن الغرض ما ذكرنا ~~والثاني : أن PageV02P010 العلماء قالوا : أن الحكمة في إنزال المتشابهات ~~هي أن المعلل لما علم اشتمال القرآن على المتشابهات فإنه يتأمل القرآن ~~ويجتهد في التفكر فيه على رجاء أنه ربما وجد شيئا يقوي قوله وينصر مذهبه ، ~~فيصير ذلك سببا لوقوفه على المحكمات المخلصة له عن الضلالات ، فإذا جاز ~~إنزال المتشابهات التي توهم الضلالات لمثل هذا الغرض فلأن يجوز إنزال هذه ~~الحروف التي لا توهم شيئا من الخطأ والضلال لمثل هذا الغرض كان أولى . أقصى ~~ما في الباب أن يقال : لو جاز ذلك فليجز أن يتكلم بالزنجية مع العربي . وأن ~~يتكلم بالهذيان لهذا الغرض ، وأيضا فهذا يقدح في كون القرآن هدى وبيانا ، ~~لكنا ms0360 نقول : لم لا يجوز أن يقال : إن الله تعالى إذا تكلم بالزنجية مع ~~العربي وكان ذلك متضمنا لمثل هذه المصلحة فإن ذلك يكون جائزا ؟ وتحقيقه أن ~~الكلام فعل من الأفعال ، والداعي إليه قد يكون هو الإفادة / وقد يكون غيرها ~~، قوله : ( أنه يكون هذيانا ) قلنا : إن عنيت بالهذيان الفعل الخالي عن ~~المصلحة بالكلية فليس الأمر كذلك ، وإن عنيت به الألفاظ الخالية عن الإفادة ~~فلم قلت أن ذلك يقدح في الحكمة إذا كان فيها وجوه أخر من المصلحة سوى هذا ~~الوجه ؟ وأما وصف القرآن بكونه هدى وبيانا فذلك لا ينافي ما قلناه ؛ لأنه ~~إذا كان الغرض ما ذكرناه كان استماعها من أعظم وجوه البيان والهدى والله ~~أعلم . # القول بأنها أسماء السور : # فروع على القول بأنها أسماء السور : الأول : هذه الأسماء على ضربين : ~~أحدهما : يتأتى فيه الإعراب ، وهو أما أن يكون اسما مفردا ( كصاد ، وقاف ، ~~ونون ) أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحم ، وطس ويس ؛ فإنها موازنة ~~لقابيل وهابيل ، وأما طسم فهو وإن كان مركبا من ثلاثة أسماء فهو كدر ابجرد ~~، وهو من باب ما لا ينصرف ، لاجتماع سببين فيها وهما العلمية والتأنيث . ~~والثاني : ما لا يتأتى فيه الإعراب ، نحو كهيعص ، والمر ، إذا عرفت هذا ~~فنقول : أما المفردة ففيها قراءتان : إحداهما : قراءة من قرأ صاد وقاف ونون ~~بالفتح ، وهذه الحركة يحتمل أن تكون هي النصب بفعل مضمر نحو : اذكر ، وإنما ~~لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف كما تقدم بيانه وأجاز / سيبويه مثله في ~~حموطس ويس لو قرىء به ، وحكى السيرافي أن بعضهم قرأ ( يس ) بفتح النون ؛ ~~وأن يكون الفتح جرا ، وذلك بأن يقدرها مجرورة بإضمار الباء القسمية ، فقد ~~جاء عنهم : ( الله لأفعلن ) غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة ~~، ويتأكد هذا بما روينا عن بعضهم ( أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف ) ، ~~وثانيتهما : قراءة بعضهم صاد بالكسر . وسببه التحريك لالتقاء الساكنين . ~~أما القسم الثاني وهو ما لا يتأتى الإعراب فيه فهو يجب أن يكون محكيا ، ~~ومعناه أن يجاء بالقول بعد نقله على ms0361 استبقاء صورته الأولى كقولك : ( دعني ~~من تمرتان ) . # الثاني : أن الله تعالى أورد في هذه الفواتح نصف أسامي حروف المعجم : ~~أربعة عشر سواء ، وهي : الألف ، واللام ، والميم ، والصاد ، والراء ، ~~والكاف ، والهاء ، والياء ، والعين والطاء ، والسين ، والحاء ، والقاف ، ~~والنون في تسع وعشرين سورة . # الثالث : هذه الفواتح جاءت مختلفة الأعداد ، فوردت ( ص ق ن ) على حرف ، و ~~( طاه وطس ويس وحم ) على حرفين ، و ( آلم والر وطسم ) على ثلاثة أحرف ، ~~والمص والمر على أربعة أحرف ، و ( كهعيص وحمعسق ) على خمسة أخرف ، والسبب ~~فيه أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف فقط فكذا ههنا . ~~PageV02P011 # الرابع : هل لهذه الفواتح محل من الإعراب أم لا ؟ فنقول : إن جعلناها ~~أسماء للسور فنعم ، ثم يحتمل الأوجه الثلاثة ، أما الرفع فعلى الابتداء ، ~~وأما النصب والجر فلما مر من صحة القسم بها ، ومن لم يجعلها أسماء للسور لم ~~يتصور أن يكون لها محل على قوله ، كما لا محل للجمل المبتدأ وللمفردات ~~المعدودة . # الإشارة في ( ذلك الكتاب ) : # ! 7 < { ذالك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } . > 7 ! # قوله تعالى : { ذالك الكتاب } < < # | البقرة : ( 2 ) ذلك الكتاب لا . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : المشار إليه ههنا حاضر ، و ( ذلك ) اسم ~~مبهم يشار به إلى البعيد ، والجواب عنه من وجهين : الأول : لا نسلم أن ~~المشار إليه حاضر ، وبيانه من وجوه : أحدها : ما قاله الأصم : وهو أن الله ~~تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض ، فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة ، وهي كل ~~ما نزل بمكة مما فيه الدلالة على التوحيد وفساد الشرك وإثبات النبوة وإثبات ~~المعاد ، فقوله : { ذالك } إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل هذه السورة ، ~~وقد يسمى بعض القرآن قرآنا ، قال الله تعالى : { وإذا قرىء القرءان ~~فاستمعوا له } ( الأعراف : 204 ) وقال حاكيا عن الجن { قل أوحى إلى أنه } ( ~~الجن : 1 ) وقوله : { إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } ( الأحقاف : 30 ) ~~وهم ما سمعوا إلا البعض ، وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك ms0362 الوقت ، وثانيها : ~~أنه تعالى وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماحي ، وهو ~~عليه السلام أخبر أمته بذلك وروت الأمة ذلك عنه ، / ويؤيده قوله : { إنا ~~سنلقى عليك قولا ثقيلا } ( المزمل : 5 ) وهذا في سورة المزمل ، وهي إنما ~~نزلت في ابتداء المبعث ، وثالثها : أنه تعالى خاطب بني إسرائيل ، لأن سورة ~~البقرة مدنية ، وأكثرها احتجاج على بني إسرائيل ، وقد كانت بنو إسرائيل ~~أخبرهم موسى وعيسى عليهما السلام أن الله يرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وينزل عليه كتابا فقال تعالى : { ذالك الكتاب } أي الكتاب الذي أخبر ~~الأنبياء المتقدمون بأن الله تعالى سينزله على النبي المبعوث من ولد ~~إسماعيل ، ورابعها : أنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ ~~بقوله : { وإنه فى أم الكتاب لدينا } ( الزخرف : 4 ) وقد كان عليه السلام ~~أخبر أمته بذلك ، فغير ممتنع أن يقول تعالى : { ذالك الكتاب } ليعلم أن هذا ~~المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ . وخامسها : أنه وقعت ~~الإشارة بذلك إلى ( آلم ) بعد ما سبق التكلم به وانقضى ، والمنقضى في حكم ~~المتباعد ، وسادسها : أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد ~~البعد ، كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئا احتفظ بذلك . وسابعها : أن القرآن ~~لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها ~~بأسرها والقرآن وإن كان حاضرا نظرا إلى صورته لكنه غائب نظرا إلى أسراره ~~وحقائقه فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب . # ( ذلك ) يشار بها للقريب والبعيد : # المقام الثاني : سلمنا أن المشار إليه حاضر ، لكن لا نسلم أن لفظة . ( ~~ذلك ) لا يشار بها إلا إلى البعيد ، بيانه أن ذلك ، وهذا حرفا إشارة ، ~~وأصلهما ( ذا ) ؛ لأنه حرف للإشارة ، قال تعالى : { من ذا الذى يقرض الله ~~قرضا حسنا } ( البقرة : 245 ) ومعنى ( ها ) تنبيه ، فإذا قرب الشيء أشير ~~إليه فقيل : هذا ، أي تنبه PageV02P012 أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه ~~حاضر لك بحيث تراه ، وقد تدخل الكاف على ( ذا ) للمخاطبة واللام لتأكيد ~~معنى الإشارة فقيل : ( ذلك ) فكأن ms0363 المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار ~~إليه عنه ، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيدالبعد في أصل الوضع ، بل اختص ~~في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها ، فصارت كالدابة ، ~~فإنها مختصة في العرف بالفرس ، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب ~~على الأرض / وإذا ثبت هذا فنقول : إنا نحمله ههنا على مقتضى الوضع اللغوي ، ~~لا على مقتضى الوضع . العرفي ، وحينئذ لا يفيد البعد ؛ ولأجل هذه المقاربة ~~يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى : { واذكر عبادنا إبراهيم ~~وإسحاق * إلى * قوله * وكل من الاخيار } ( ص: 45 48 ) ثم قال : { هاذا ذكر ~~} ( الأنبياء : 24 ) وقال : { وعندهم قاصرات الطرف أتراب * هاذا ما توعدون ~~ليوم الحساب } ( ص: 52 ، 53 ) وقال : { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت ~~منه تحيد } ( ق: 19 ) وقال : { فأخذه الله نكال الاخرة والاولى * إن فى ذلك ~~لعبرة لمن يخشى } ( النازعات : 25 ، 26 ) وقال : { ولقد كتبنا فى الزبور من ~~بعد الذكر أن الارض يرثها عبادى الصالحون } ( الأنبياء : 105 ) ثم قال : { ~~إن فى هاذا لبلاغا لقوم عابدين } ( الأنبياء : 106 ) وقال : { فقلنا اضربوه ~~ببعضها كذالك * يحيى * الله الموتى } ( البقرة : 73 ) أي هكذا يحيى الله ~~الموتى ، وقال : { وما تلك بيمينك ياموسى * موسى } ( طه : 17 ) أي ما هذه ~~التي بيمينك والله أعلم . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث ~~، وهو السورة ، / الجواب : لا نسلم أن المشار إليه مؤنث ؛ لأن المؤنث إما ~~المسمى أو الاسم ، والأول باطل ، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ~~ليس بمؤنث ، وأما الاسم فهو ( آلم ) وهو ليس بمؤنث ، نعم ذلك المسمى له اسم ~~آخر وهو السورة وهو مؤنث ، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو ~~( آلم ) ، لا الذي هو مئنث وهو السورة . # مدلول لفظ ( كتاب ) : # المسألة الثالثة : اعلم أن أسماء القرآن كثيرة : أحدها : الكتاب وهو مصدر ~~كالقيام والصيام وقيل : فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس ، واتفقوا ~~على أن المراد من الكتاب القرآن قال : { كتاب أنزلناه إليك } ( ص: 29 ms0364 ) ~~والكتاب جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الفرض { كتب عليكم القصاص } ( ~~البقرة : 178 ) { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) { فإذا قضيتم ~~الصلواة فاذكروا الله قياما وقعودا } ( النساء : 103 ) وثانيها : الحجة ~~والبرهان { فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } ( الصافات : 157 ) أي برهانكم . ~~وثالثها : الأجل { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } ( الحجر : 4 ) ~~أي أجل . ورابعها : بمعنى مكاتبة السيد عبده { والذين يبتغون الكتاب مما ~~ملكت أيمانكم } ( النور : 33 ) وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال ~~والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة ، واشتقاق الكتاب من ~~كتبت الشيء إذا جمعته ، وسميت الكتيبة لاجتماعها ، فسمي الكتاب كتابا لأنه ~~كالكتيبة على عساكر الشبهات ، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم ، أو لأن الله ~~تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق . # اشتقاق لفظ ( قرآن ) : # وثانيها : القرآن { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا ~~القرءان } ( الإسراء : 88 ) { إنا جعلناه قرءانا عربيا } ( الزخرف : 3 ) { ~~شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن } ( البقرة : 185 ) . { إن هاذا القرءان * ~~يهدى * للتى هى أقوم } ( الإسراء : 9 ) وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : قول ~~ابن عباس أن القرآن والقراءة PageV02P013 واحد ، كالخسران والخسارة واحد / ~~والدليل عليه قوله : { فإذا قرأناه فاتبع قرءانه } ( القيامة : 18 ) أي ~~تلاوته ، أي إذا تلوناه عليك فاتبع تلاوته : الثاني : وهو قول قتادة أنه ~~مصدر من قول القائل : قرأت الماء في الحوض إذا جمعته ، وقال سفيان بن عيينة ~~: سمي القرآن قرآنا لأن الحروف جمعت فصارت كلمات ، والكلمات جمعت فصارت ~~آيات ، والآيات جمعت فصارت سورا ، والسور جمعت فصارت قرآنا ، ثم جمع فيه ~~علوم الأولين والآخرين . فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو ~~من الجمعية . # معنى الفرقان : # وثالثها : الفرقان { تبارك الذى نزل الفرقان على عبده } ( الفرقان : 1 ) ~~. { وبينات من الهدى والفرقان } ( البقرة : 185 ) واختلفوا في تفسيره ، ~~فقيل : سمي بذلك لأن نزوله كان متفرقا أنزله في نيف وعشرين سنة ، ودليله ~~قوله تعالى : { وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا } ~~( الإسراء : 106 ) ونزلت سائر الكتب جملة واحدة ، ووجه الحكمة فيه ذكرناه ~~في سورة الفرقان في قوله ms0365 تعالى : { وقالوا لولا نزل عليه * وقال الذين ~~كفروا لولا نزل عليه القرءان } ( الفرقان : 32 ) وقيل : وقال الذين كفروا ~~سمي بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل ، والحلال والحرام ، والمجمل والمبين ~~، والمحكم والمؤول ، وقيل : الفرقان هو النجاة ، وهو قول عكرمة والسدي ، ~~وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة ، / وعليه حمل ~~المفسرون قوله : { وإذا * موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون * وإذ } ( ~~البقرة : 53 ) . # معنى تسميته بالذكر : # ورابعها : الذكر ، والتذكرة ، والذكرى ، أما الذكر فقوله : { وهاذا ذكر ~~مبارك أنزلناه } ( الأنبياء : 50 ) { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) ~~. { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) وفيه وجهان : أحدهما : أنه ذكر ~~من الله تعالى ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه وأوامره . والثاني : أنه ذكر ~~وشرف وفخر لمن آمن به ، وأنه شرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وأمته ، وأما ~~التذكرة فقوله : { وإنه لتذكرة للمتقين } ( الحاقة : 48 ) وأما الذكرى ~~فقوله تعالى : { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } ( الذاريات : 55 ) . # تسميته تنزيلا وحديثا : # وخامسها : التنزيل { وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الامين } ( ~~الشعراء : 192 193 ) . # وسادسها : الحديث { الله نزل أحسن الحديث كتابا } ( الزمر : 23 ) سماه ~~حديثا ؛ لأن وصوله إليك حديث ، ولأنه تعالى شبهه بما يتحدث به ، فإن الله ~~خاطب به المكلفين . # وسابعها : الموعظة { ترجعون ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم } ( ~~يونس : 57 ) وهو في الحقيقة موعظة لأن القائل هو الله تعالى ، والآخذ جبريل ~~، والمستملي محمد صلى الله عليه وسلم ، فكيف لا تقع به الموعظة . # تسميته بالحكم والحكمة : # وثامنها : الحكم ، والحكمة ، والحكيم ، والمحكم ، أما الحكم فقوله : { ~~وكذالك أنزلناه حكما عربيا } ( الرعد : 37 ) وأما الحكمة فقوله : { حكمة ~~بالغة } ( القمر : 5 ) { واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من ءايات الله والحكمة } ~~( الأحزاب : 34 ) وأما الحكيم فقوله : { يس * والقرءان الحكيم } ( يس : 1 ، ~~2 ) وأما المحكم فقوله : { كتاب أحكمت ءاياته } ( هود : 1 ) . # معنى الحكمة : # واختلفوا في معنى الحكمة ، فقال الخليل : هو مأخوذ من الأحكام والإلزام / ~~وقال المؤرخ : هو مأخوذ من حكمة اللجام ؛ لأنها تضبط الدابة ، والحكمة تمنع ~~من السفه . # وتاسعها : الشفاء { وننزل من القرءان ما هو ms0366 شفاء ورحمة للمؤمنين } ( ~~الإسراء : 82 ) وقوله : { وشفاء لما فى الصدور } وفيه وجهان : أحدهما : أنه ~~شفاء من الأمراض . والثاني : أنه شفاء من مرض PageV02P014 الكفر ، لأنه ~~تعالى وصف الكفر والشك بالمرض ، فقال : { فى قلوبهم مرض } ( البقرة : 10 ) ~~وبالقرآن يزول كل شك عن القلب ، فصح وصفه بأنه شفاء . # كونه هدي وهاديا : # وعاشرها : الهدى ، والهادي : أما الهدى فلقوله : { هدى للمتقين } ( ~~البقرة : 2 ) . { هدى للناس } ( آل عمران : 4 ، الأنعام : 91 ) . { وشفاء ~~لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } ( يونس : 57 ) وأما الهادي { إن هاذا ~~القرءان يهدى للتى هى أقوم } ( الإسراء : 9 ) وقالت الجن : { قل أوحى إلى ~~أنه * يهدى إلى الرشد } . # الحادي عشر : الصراط المستقيم : قال ابن عباس في تفسيره : إنه القرآن ، ~~وقال : { وأن هاذا صراطي مستقيما فاتبعوه } . # والثاني عشر : الحبل : { واعتصموا بحبل الله جميعا } ( آل عمران : 103 ) ~~في التفسير : إنه القرآن ، وإنما سمي به لأن المعتصم به في أمور دينه يتخلص ~~به من عقوبة الآخرة ونكال الدنيا ، كما أن المتمسك بالحبل ينجو من الغرق ~~والمهالك ، ومن ذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم عصمة فقال : ( إن هذا ~~القرآن / عصمة لمن اعتصم به ) لأنه يعصم الناس من المعاصي . # الثالث عشر : الرحمة { وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } ( ~~الإسراء : 88 ) وأي رحمة فوق التخليص من الجهالات والضلالات . # تسميته بالروح : # الرابع عشر : الروح { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) ~~. { ينزل الملائكة بالروح من أمره } ( النحل : 2 ) وإنما سمي به لأنه سبب ~~لحياة الأرواح ، وسمي جبريل بالروح { فأرسلنا إليها روحنا } ( مريم : 17 ) ~~وعيسى بالروح { ألقاها إلى مريم وروح منه } ( النساء : 171 ) . # الخامس عشر : القصص { نحن نقص عليك أحسن القصص } ( يوسف : 3 ) سمي به ~~لأنه يجب اتباعه { وقالت لاخته قصيه } ( القصص : 11 ) أي اتبعي أثره ؛ أو ~~لأن القرآن يتتبع قصص المتقدمين ، ومنه قوله تعلى : { إن هاذا لهو القصص ~~الحق } ( آل عمران : 62 ) . # السادس عشر : البيان ، والتبيان ، والمبين : أما البيان فقوله : { هاذا ~~بيان للناس } ( آل عمران : 138 ) والتبياني فهو قوله : { ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شىء } ( النحل : 89 ms0367 ) وأما المبين فقوله : { تلك ءايات ~~الكتاب المبين } ( يوسف : 1 ) . # السابع عشر : البصائر { هاذا بصائر من ربكم } ( الأعراف : 203 ) أي هي ~~أدلة يبصر بها الحق تشبيها بالبصر الذي يرى طريق الخلاص . # الثامن عشر : الفصل { إنه لقول فصل * وما هو بالهزل } ( الطارق : 13 ، 14 ~~) واختلفوا فيه ، فقيل معناه القضاء ، لأن الله تعالى يقضي به بين الناس ~~بالحق قيل لأنه يفصل بين الناس يوم القيامة فيهدي قوما إلى الجنة ويسوق ~~آخرين إلى النار ، فمن جعله إمامه في الدنيا قاده إلى الجنة ، ومن جعله ~~وراءه ساقه إلى النار . # تسميته بالنجوم : PageV02P015 # التاسع عشر : النجوم { فلا أقسم بمواقع النجوم } ( الواقعة : 75 ) { ~~والنجم إذا هوى } ( النجم : 1 ) لأنه نزل نجما نجما . # العشرون : المثاني : { مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } ( الزمر ~~: 23 ) قيل لأنه ثنى فيه القصص والأخبار . # تسميه القرآن نعمة وبرهانا : # الحادي والعشرون : النعمة : { وأما بنعمة ربك فحدث } ( الضحى : 11 ) قال ~~ابن عباس يعني به القرآن . # الثاني والعشرون : البرهان { قد جاءكم برهان من ربكم } ( النساء : 174 ) ~~وكيف لا يكون برهانا وقد عجزت الفصحاء عن أن يأتوا بمثله . # الثالث والعشرون : البشير والنذير ، وبهذا الاسم وقعت المشاركة بينه وبين ~~الأنبياء قال تعالى في صفة الرسل : { مبشرين ومنذرين } ( النساء : 165 ، ~~الأنعام : 48 ) وقال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم : { إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا } ( الفتح : 8 ) وقال في صفة القرآن في حم السجدة { بشيرا ~~ونذيرا فأعرض أكثرهم } ( فصلت : 4 ) يعني مبشرا بالجنة لمن أطاع وبالنار ~~منذرا لمن عصى ، ومن ههنا نذكر الأسماء المشتركة بين الله تعالى وبين ~~القرآن . # تسميته قيما : # الرابع والعشرون : القيم { فيما * لينذر بأسا شديدا } ( الكهف : 2 ) ~~والدين أيضا قيم { ذالك الدين القيم } ( التوبة : 36 ) والله سبحانه هو ~~القيوم { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم } ( البقرة : 255 ، آل عمران : 2 ~~) وإنما سمي قيما لأنه قائم بذاته في البيان والإفادة . # الخامس والعشرون : المهيمن { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } ( المائدة : 48 ) وهو مأخوذ من الأمين ، ~~وإنما وصف به لأنه من ms0368 تمسك بالقرآن أمن الضرر في / الدنيا والآخرة ، والرب ~~المهيمن أنزل الكتاب المهيمن على النبي الأمين لأجل قوم هم أمناء الله ~~تعالى على خلقه كما قال : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس } ( البقرة : 143 ) . # السادس والعشرون : الهادي { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } ( ~~الإسراء : 9 ) وقال : { يهدى إلى الرشد } ( الجن : 2 ) والله تعالى هو ~~الهادي لأنه جاء في الخبر ( النور الهادي ) . # تسميته نورا : # السابع والعشرون : النور { الله نور * السماوات والارض } ( النور : 35 ) ~~وفي القرآن { واتبعوا النور الذى أنزل معه } ( الأعراف : 157 ) يعني القرآن ~~وسمي الرسول نورا { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } ( المائدة : 15 ) ~~يعني محمد وسمي دينه نورا { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم } ( الصف : 8 ~~) وسمي بيانه نورا { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } ( ~~الزمر : 22 ) وسمي التوراة نورا { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( ~~المائدة : 44 ) وسمي الإنجيل نورا { وقفينا علىءاثارهم بعيسى ابن } ( ~~المائدة : 46 ) وسمي الإيمان نورا { يسعى نورهم بين أيديهم } ( الحديد : 12 ~~) . # الثامن والعشرون : الحق : ورد في الأسماء ( الباعث الشهيد الحق ) والقرآن ~~حق { وإنه لحق اليقين } ( الحاقة : 51 ) فسماه الله حقا ؛ لأنه ضد الباطل ~~فيزيل الباطل كما قال : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق } ~~( الأنبياء : 18 ) أي ذاهب زائل . PageV02P016 # التاسع والعشرون : العزيز { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } ( الشعراء : 9 ، ~~68 ) وفي صفة القرآن { وإنه لكتاب عزيز } ( فصلت : 41 ) والنبي عزيز { لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه } والأمة عزيزة { ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين } ( المنافقون : 8 ) فرب عزيز أنزل كتابا عزيزا على نبي عزيز ~~لأمة عزيزة ، وللعزيز معنيان : أحدهما : القاهر ، والقرآن كذلك ؛ لأنه هو ~~الذي قهر الأعداء وامتنع على من أراد معارضته . والثاني : أن لا يوجد مثله ~~. # تسمية القرآن بالكريم : # الثلاثون : الكريم { وأنه * إنه لقرءان * فى كتاب مكنون } ( الواقعة : 77 ~~) واعلم أنه تعالى سمي سبعة أشياء بالكريم { ما غرك بربك الكريم } ( ~~الانفطار : 60 ) إذ لا جواد إجود منه ، والقرآن بالكريم ، لأنه لا يستفاد ~~من كتاب من الحكم ms0369 والعلوم ما يستفاد منه ، وسمي موسى كريما { وجاءهم رسول ~~كريم } ( الدخان : 17 ) وسمي ثواب الأعمال كريما { فبشره بمغفرة وأجر كريم ~~} ( يس : 11 ) وسمي عرشه كريما { الله لا إلاه إلا هو رب العرش * الكريم } ~~( النمل : 26 ) لأنه منزل الرحمة ، وسمي جبريل كريما { إنه لقول رسول كريم ~~} ( التكوير : 19 ) ومعناه أنه عزيز ، وسمي كتاب سليمان كريما { إنى ألقى ~~إلى كتاب كريم } ( النمل : 29 ) فهو كتاب كريم من رب كريم نزل به ملك كريم ~~على نبي كريم لأجل أمة كريمة ، فإذا تمسكوا به نالوا ثوابا كريما . # ومن أسمائه ( العظيم ) : # الحادي والثلاثون : العظيم : { ولقد ءاتيناك سبعا من المثاني والقرءان ~~العظيم } ( الحجر : 87 ) اعلم أنه تعالى سمى نفسه عظيما فقال : { وهو العلى ~~العظيم } ( البقرة : 255 ) وعرشه عظيما { وهو رب العرش العظيم } ( التوبة : ~~129 ) وكتابه عظيما { ولقد ءاتيناك } ( الحجر : 87 ) ويوم القيامة عظيما { ~~ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين } ( المطففين : 5 ، 6 ) والزلزلة ~~عظيمة { إن زلزلة الساعة شىء عظيم } ( الحج : 1 ) وخلق الرسول عظيما { وإنك ~~لعلى خلق عظيم } ( القلم : 4 ) والعلم عظيما { وكان فضل الله عليك عظيما } ~~( النساء : 113 ) وكيد النساء عظيما { إن كيدكن عظيم } ( يوسف : 28 ) وسحر ~~سحرة / فرعون عظيما { وجاءو بسحر عظيم } ( الأعراف : 116 ) وسمي نفس الثواب ~~عظيما { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } ( ~~الفتح : 29 ) وسمي عقاب المنافقين عظيما { ولهم عذاب عظيم } ( البقرة : 7 ) ~~. # ومنها المبارك : # الثاني والثلاثون : المبارك : { وهاذا ذكر مبارك } ( الأنبياء : 50 ) ~~وسمى الله تعالى به أشياء ، فسمي الموضع الذي كلم فيه موسى عليه السلام ~~مباركا { فى البقعة المباركة من الشجرة } ( القصص : 30 ) وسمى شجرة الزيتون ~~مباركة { يوقد من شجرة مباركة زيتونة } ( التوبة : 35 ) لكثرة منافعها ، ~~وسمي عيسى مباركا { وجعلنى مباركا } ( مريم : 31 ) وسمي المطر مباركا { ~~ونزلنا من السماء ماء مباركا } ( ق: 9 ) لما فيه من المنافع ، وسمي ليلة ~~القدر مباركة { إنا أنزلناه فى ليلة مباركة } ( الدخان : 3 ) فالقرآن ذكر ~~مبارك أنزله ملك مبارك في ليلة مباركة على نبي مبارك لأمة مباركة . # اتصال ( آلم ) بقوله ( ذلك ms0370 الكتاب ) : # المسألة الرابعة : في بيان اتصال قوله : { الم } بقوله : { ذالك الكتاب } ~~قال صاحب الكشاف : إن جعلت { الم } اسما للسورة ففي التأليف وجوه : # الأول : أن يكون { الم } مبتدأ و { ذالك } مبتدأ ثانيا و { الكتاب } خبره ~~والجملة خبر المبتدأ الأول / ومعناه أن ذلك هو الكتاب الكامل ، كأن ما عداه ~~من الكتب في مقابلته ناقص ، وإنه الذي يستأهل أن يكون كتابا PageV02P017 ~~كما تقول : هو الرجل ، أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من ~~مرضيات الخصال ، وأن يكون الكتاب صفة ، ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود ، وأن ~~يكون { الم } خبر مبتدأ محذوف أي هذه { الم * ويكون * ذالك الكتاب } خبرا ~~ثانيا أو بدلا على أن الكتاب صفة ، ومعناه هو ذلك ، وأن تكون هذه { الم } ~~جملة و { ذالك الكتاب } جملة أخرى وإن جعلت { الم } بمنزلة الصوت كان { ~~ذالك } مبتدأ وخبره { الكتاب } أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل ، أو ~~الكتاب صفة والخبر ما بعده أو قدر مبتدأ محذوف ، أي هو يعني المؤلف من هذه ~~الحروف ذلك الكتاب وقرأ عبد الله { الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه } ( ~~السجدة : 2 ) وتأليف هذا ظاهر . # تفسير قوله تعالى : { لا ريب فيه } : # قوله تعالى : { لا ريب فيه } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : الريب قريب من الشك ، . وفيه زيادة ، كأنه ظن سوء تقول ~~رابني أمر فلان إذا ظننت به سوء ، ومنها قوله عليه السلام : ( دع ما يريبك ~~إلى ما لا يريبك ) فإن قيل : قد يستعمل الريب في قولهم : ( ريب الدهر ) و ( ~~ريب الزمان ) أي حوادثه قال الله تعالى : { نتربص به ريب المنون } ( الطور ~~: 30 ) ويستعمل أيضا في معنى ما يختلج في القلب من أسباب الغيظ كقول الشاعر ~~: # % فقضينا من تهامة كل ريب % % وخيبر ثم أجمعنا السيوفا % # قلنا : هذان قد يرجعان إلى معنى الشك ، لأن ما يخاف من ريب المنون محتمل ~~، فهو كالمشكوك / فيه ، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن ، فقوله تعالى ~~: { لا ريب فيه } المراد منه نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه ، ~~والمقصود أنه لا شبهة في صحته ، ولا في ms0371 كونه من عند الله ، ولا في كونه ~~معجزا . ولو قلت : المراد لا ريب في كونه معجزا على الخصوص كان أقرب لتأكيد ~~هذا التأويل بقوله : { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا } ( البقرة : ~~23 ) وها هنا سؤالات : السؤال الأول : طعن بعض الملحدة فيه فقال : إن عني ~~أنه لا شك فيه عندنا فنحن قد نشك فيه ، وإن عني أنه لا شك فيه عنده فلا ~~فائدة فيه . الجواب : المراد أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن ~~يرتاب فيه ، والأمر كذلك ؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية ~~عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن ، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في ~~الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه . السؤال الثاني : لم قال ههنا ~~: { لا ريب فيه } وفي موضع آخر { لا فيها غول } ( الصافات : 47 ) ؟ الجواب ~~: لأنهم يقدمون الأهم فالأهم ، وههنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب ، ~~ولو قلت : لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتابا آخر حصل الريب فيه لا ها هنا ، ~~كما قصد في قوله : { لا فيها غول } تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا ، ~~فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا السؤال الثالث : من أين يدل ~~قوله : { لا ريب فيه } على نفي الريب بالكلية ؟ الجواب : قرأ أبو الشعثاء { ~~لا ريب فيه } بالرفع . واعلم أن القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب ~~بالكلية ، والدليل عليه أن قوله : { لا ريب } نفي لماهية الريب ونفي ~~الماهية يقتضي نفي كل فرد من PageV02P018 أفراد الماهية ، لأنه لو ثبت فرد ~~من أفراد الماهية لثبتت الماهية ، وذلك يناقض نفي الماهية ، ولهذا السر كان ~~قولنا : ( لا إله إلا الله ) نفيا لجميع الآلهة سوى الله تعالى . وأما ~~قولنا : ( لا ريب فيه ) بالرفع فهو نقيض لقولنا : ( ريب فيه ) وهو يفيد ~~ثبوت فرد واحد / فذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ليتحقق التناقض . # الوقف على ( فيه ) : # المسألة الثانية : الوقف على { فيه } هو المشهور ، وعن نافع وعاصم أنهما ~~وقفا على { لا ريب } ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا ms0372 ، ونظيره قوله : { ~~قالوا لا ضير } وقول العرب : لا بأس ، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز ؛ ~~والتقدير : { لا ريب فيه } { فيه هدى } . واعلم أن القراءة الأولى أولى ؛ ~~لأن على القراءة الأولى يكون الكتاب نفسه هدى ، وفي الثانية لا يكون الكتاب ~~نفسه هدى بل يكون فيه هدى ، والأول أولى لما تكرر في القرآن من أن القرآن ~~نور وهدى والله أعلم . # حقيقة الهدى : # قوله تعالى : { هدى للمتقين } فيه مسائل : # المسألة الأولى : في حقيقة الهدى : الهدى عبارة عن الدلالة ، وقال صاحب ~~الكشاف : الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية ، وقال آخرون : الهدى هو ~~الاهتداء والعلم . والذي يدل / على صحة القول الأول وفساد القول الثاني ~~والثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبرا في مسمى الهدى ~~لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء ، لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء ~~حال عدم الاهدتاء محال ، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى : { وأما ثمود ~~فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } أثبت الهدى مع عدم الاهتداء ، ولأنه ~~يصح في لغة العرب أن يقال : هديته فلم يهتد ، وذلك يدل على قولنا ، واحتج ~~صاحب الكشاف بأمور ثلاثة : أولها : وقوع الضلالة في مقابلة الهدى ، قال ~~تعالى : { أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ( البقرة : 16 ) وقال : { ~~لعلى هدى } أو { فى ضلال مبين } ( الأعراف : 60 ) وثانيها : يقول مهدي في ~~موضع المدح كمهتدي ، فلو لم يكن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية ~~لم يكن الوصف بكونه مهديا مدحا لاحتمال أنه هدى فلم يهتد وثالثها : أن ~~اهتدى مطاوع هدى يقال : هديته فاهتدى ، كما يقال : كسرته فانكسر ، وقطعته ~~فانقطع فكما أن الإنكسار والانقطاع لا زمان للكسر والقطع ، وجب أن يكون ~~الاهتداء من لوازم الهدى . والجواب عن الأول : أن الفرق بين الهدى وبين ~~الاهتداء معلوم بالضرورة ، فمقابل الهدى هو الإضلال ومقابل الاهتداء هو ~~الضلال ، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع ، وعن الثاني : أن المنتفع ~~بالهدى سمي مهديا ، وغير منتفع به لا يسمى مهديا ؛ ولأن الوسيلة إذا لم تفض ~~إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم . وعن الثالث : أن الائتمار ms0373 مطاوع ~~الأمر يقال : أمرته فائتمر ، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمرا حصول ~~الائتمار ، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضيا إلى الاهتداء ، على ~~أنه معارض بقوله : هديته فلم يهتد ، ومما يدل على فساد قول من قال الهدى هو ~~العلم خاصة أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم ~~، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم . # معنى المتقي : PageV02P019 # المسألة الثانية : المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقي ، ~~والوقاية فرط الصيانة ، إذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى ذكر المتقي ~~ههنا في معرض المدح ، ومن يكون كذلك أولى بأن يكون متقيا في أمور الدنيا ، ~~بل بأن يكون متقيا فيما يتصل بالدين ، وذلك بأن يكون آتيا بالعبادات محترزا ~~عن المحظورات . واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى ؟ فقال ~~بعضهم : يدخل كما يدخل الصغائر في الوعيد ، وقال آخرون : لا يدخل ، ولا ~~نزاع في وجوب التوبة عن الكل ، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل ~~يستحق هذا الاسم ؟ فروي عنه عليه السلام أنه قال : ( لا يبلغ العبد درجة ~~المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس ) وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما : أنهم الذين يحذرون من الله العقوبة في ترك ما يميل الهوى إليه ، ~~ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه . واعلم أن التقوى هي الخشية ، قال في ~~أول النساء : { تفلحون يأيها الناس اتقوا ربكم } ( النساء : 1 ) ومثله في ~~أول الحج ، وفي الشعراء { إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون } ( هود : 106 ) ~~يعني ألا تخشون الله ، وكذلك قال هود وصالح ، ولوط ، وشعيب لقومهم ، وفي ~~العنكبوت قال إبراهيم لقومه { اعبدوا الله واتقوه } ( نوح : 3 ) يعني اخشوه ~~، وكذا قوله : { اتقوا الله حق تقاته } ( آل عمران : 102 ) { وتزودوا فإن ~~خير الزاد التقوى } ( البقرة : 197 ) { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس ~~شيئا } ( البقرة : 48 ) واعلم أن حقيقة التقوى وإن كانت هي التي ذكرناها ~~إلا أنها قد ms0374 جاءت في القرآن ، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة ، والتوبة ~~أخرى ، والطاعة ثالثة ، وترك المعصية رابعا : والإخلاص خامسا : أما الإيمان ~~فقوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } ( الفتح : 26 ) أي التوحيد { أولئك ~~الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } ( الحجرات : 3 ) وفي الشعراء { قوم فرعون ~~ألا يتقون } ( الشعراء : 11 ) أي أو يؤمنون وأما التوبة فقوله : { ولو أن ~~أهل القرىءامنوا واتقوا } ( الأعراف : 96 ) أي تابوا ، وأما الطاعة فقوله ~~في النحل : { أن أنذروا أنه لا إلاه إلا أنا فاتقون } ( النحل : 2 ) وفيه ~~أيضا : { أفغير الله تتقون } ( النحل : 52 ) وفي المؤمنين { وأنا ربكم ~~فاتقون } ( المؤمنون : 52 ) وأما ترك المعصية فقوله : { وأتوا البيوت من ~~أبوابها واتقوا الله } ( البقرة : 189 ) أي فلا تعصوه ، وأما الإخلاص فقوله ~~في الحج : { فإنها من تقوى القلوب } ( الحج : 32 ) أي من إخلاص القلوب ، ~~فكذا قوله : { وإياى فاتقون } ( البقرة : 41 ) واعلم أن مقام التقوى مقام ~~شريف قال تعالى : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ( النحل : ~~128 ) وقال : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) وعن ابن عباس ~~قال عليه السلام : ( من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ، ومن أحب أن ~~يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما ~~في يد الله أوثق مما في يده ) وقال علي بن أبي طالب : التقوى ترك الإصرار ~~عل المعصية ، وترك الاغترار وبالطاعة . قال الحسن : التقوى أن لا تختار عل ~~الله سوى الله ، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله . وقال إبراهيم بن أدهم : ~~التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيبا . ولا الملائكة في أفعالك عيبا ولا ~~ملك العرش في سرك عيبا وقال الواقدي : التقوى أن تزين سرك للحق كما زينت ~~ظاهرك للخلق ، ويقال : التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك ، ويقال : المتقي ~~من سلك سبيل المصطفى ، ونبذ الدنيا وراء القفا ، وكلف نفسه الإخلاص والوفا ~~، واجتنب الحرام والجفا ، ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى : ~~{ هدى للمتقين } كفاه ، لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله : { ~~شهر رمضان ms0375 الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس } ( البقرة : 185 ) ثم قال ههنا ~~في القرآن : إنه هدي للمتقين ، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس ، فمن ~~لا يكون متقيا كأنه ليس بإنسان . PageV02P020 # المسألة الثالثة : في السؤالات : السؤال الأول : كون الشيء هدى ودليلا لا ~~يختلف بحسب شخص دون شخص ، فلماذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط ؟ وأيضا ~~فالمتقي مهتدى ، والمهتدي لا يهتدي ثانيا والقرآن لا يكون هدى للمتقين . ~~الجواب : القرآن كما أنه هدى للمتقين ودلالة لهم على وجود الصانع ، وعلى ~~دينه وصدق رسوله ، فهو أيضا دلالة للكافرين . إلا أن الله تعالى ذكر ~~المتقين مدحا ليبين أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال : { إنما أنت ~~منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) وقال : { إنما تنذر من اتبع الذكر } ( ~~يس : 11 ) وقد كان عليه السلام منذرا لكل الناس ، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن ~~هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره . وأما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى ~~المقصود فهذا السؤال زائل عنه ، لأن كون القرآن موصلا إلى المقصود ليس إلا ~~في حق المتقين . السؤال الثاني : كيف وصف القرآن كله بأنه هدى وفيه مجمل ~~ومتشابه كثير ؛ ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه ، فيكون ~~الهدى / في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن ، ومن هذا نقل عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولا إلى الخوارج . لا ~~تحتج عليهم بالقرآن ، فإنه حصم ذو وجهين ، ولو كان هدى لما قال علي بن أبي ~~طالب ذلك فيه ؛ ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به ، ونرى القرآن مملوءا ~~من آيات بعضها صريح في الجبر وبعضها صريح في القدر ، فلا يمكن التوفيق ~~بينهما إلا بالتعسف الشديد ، فكيف يكون هدى ؟ . # الجواب : أن ذلك المتشابه والمجمل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين ~~وهو إما دلالة العقل أو دلالة السمع صار كله هدى . السؤال الثالث : كل ما ~~يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه ، فإذن استحال ~~كون القرآن هدى في معرفة ذات ms0376 الله تعالى وصفاته ، وفي معرفة النبوة ، ولا ~~شك أن هذه المطالب أشرف المطالب ، فإذا لم يكن القرآن هدى فيها فكيف جعله ~~الله تعالى هدى على الإطلاق ؟ . # الجواب : ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء ، بل يكفي فيه أن ~~يكون هدى في بعض الأشياء ، وذلك بأن يكون هدى في تعريف الشرائع ، أو يكون ~~هدى في تأكيد ما في العقول ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلق لا ~~يقتضي العموم ، فإن الله تعالى وصفه بكونه هدى من غير تقييد في اللفظ ، مع ~~أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة ، فثبت أن ~~المطلق لا يفيد العموم . # السؤال الرابع : الهدى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين غيره ، ~~والقرآن ليس كذلك ، فإن المفسرين ما يذكرون آية إلا وذكروا فيها أقوالا ~~كثيرة متعارضة ، وما يكون كذلك لا يكون مبينا في نفسه فضلا عن أن يكون ~~مبينا لغيره ، فكيف يكون هدى ؟ قلنا : من تكلم في التفسير بحيث يورد ~~الأقوال المتعارضة ، ولا يرجح واحدا منها على الباقي يتوجه عليه هو هذا ~~السؤال ، وأما نحن فقد رجحنا واحدا على البواقي بالدليل فلا يتوجه علينا ~~هذا السؤال . # المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : محل { هدى للمتقين } الرفع ؛ ~~لأنه خبر مبتدأ محذوف أو خبر مع { لا ريب فيه } { * لذلك } ، أو مبتدأ إذا ~~جعل الظرف المتقدم خبرا عنه ، ويجوز أن ينصب على الحال ، PageV02P021 ~~والعامل فيه الإشارة ، أو الظرف ، والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب ~~عن هذا المجال صفحا ، وأن يقال : إن قوله : { الضالين الم } جملة برأسها ، ~~أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها ، و { ذالك الكتاب } جملة ثانية ، و ~~{ لا ريب فيه } ثالثة و { هدى للمتقين } رابعة وقد أصيب بترتيبها مفصل ~~البلاغة وموجب حسن النظم ، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق ، وذلك ~~لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض ، والثانية متحدة بالأولى وهلم جرا إلى ~~الثالثة ، والرابعة . # بيانه : أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدي به ، ثم ms0377 أشير إليه بأنه ~~الكتاب المنعوت بغاية الكمال / فكان تقرير الجهة التحدي / ثم نفى عنه أن ~~يتشبث به طرف من الريب ، فكان شهادة بكماله ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، ~~فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله ، ثم لم يخل كل واحدة من هذه ~~الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة ، ففي الأولى الحذف والرمز ~~إلى الغرض بألطف وجه ، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ~~ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى ~~موضع الوصف الذي هو هاد ، وإيراده منكرا . # < < # | البقرة : ( 3 ) الذين يؤمنون بالغيب . . . . . # > > اعلم أن فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : { الذين يؤمنون } أما موصول بالمتقين ~~على أنه صفة مجرورة ، أو منصوب أو مدح مرفوع بتقدير أعني الذين يؤمنون ، أو ~~هم الذين ، وإما منقطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه { أولائك ~~على هدى } فإذا كان موصولا كان الوقف على المتقين حسنا غير تام ، وإذا كان ~~منقطعا كان وقفا تاما . # المسألة الثانية : قال بعضهم : { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلواة ~~ومما رزقناهم ينفقون } يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين ، وذلك لأن ~~المتقي هو الذي يكون فاعلا للحسنات وتاركا للسيآت ، أما الفعل فأما أن يكون ~~فعل القلب وهو قوله : { الذين يؤمنون } وأما أن يكون فعل الجوارح ، وأساسه ~~الصلاة والزكاة والصدقة ؛ لأن العبادة أما أن تكون بدنية وأجلها الصلاة ، ~~أو مالية ، وأجلها الزكاة ؛ ولهذا سمي الرسول عليه السلام : ( الصلاة عماد ~~الدين ، والزكاة قنطرة الإسلام ) وأما الترك فهو داخل في الصلاة لقوله ~~تعالى : { اتل ما أوحى إليك من الكتاب } ( العنكبوت : 45 ) والأقرب أن لا ~~تكون هذه الأشياء تفسيرا لكونهم متقين ؛ وذلك لأن كمال السعادة لا يحصل إلا ~~بترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي ، فالترك هو التقوى ، والفعل إما فعل القلب ~~، وهو الإيمان ، أو فعل الجوارح ، وهو الصلاة والزكاة ، وإنما قدم التقوى ~~الذي هو الترك على الفعل الذي هو الإيمان والصلاة والزكاة ، لأن القلب ~~كاللوح القابل لنقوش العقائد الحقة والأخلاق ms0378 الفاضلة ، واللروح يجب تطهيره ~~أولا عن النقوش الفاسدة ، حتى يمكن إثبات النقوش الجيدة فيه ، وكذا القول ~~في الأخلاق ، فلهذا السبب قدم التقوى وهو ترك ما لا ينبغي ، ثم ذكر بعده ~~فعل ما ينبغي . # المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : الإيمان إفعال من الأمن ، ثم يقال ~~آمنه إذا صدقه ، وحقيقته PageV02P022 آمنه من التكذيب والمخالفة ، وأما ~~تعديته بالباء فلتضمنه معنى ( أقر وأعترف ) وأما ما حكى أبو زيد : ما آمنت ~~أن أجد صحابة أي ماوثقت ، فحقيقته صرت ذا أمن ، أي ذا سكون وطمأنينة وكلا ~~الوجهين حسن في { يؤمنون بالغيب } أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق . وأقول ~~: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع ويجمعهم فرق أربع . # / الفرقة الأولى : الذين قالوا : الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح ~~والإقرار باللسان ، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية ، وأهل الحديث ، أما ~~الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع ~~الله عليه دليلا عقليا أو نقليا من الكتاب والسنة ، ويتناول طاعة الله في ~~جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيرا كان أو كبيرا . فقالوا مجموع ~~هذه الأشياء هو الإيمان وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر ، وأما المعتزلة ~~فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد به التصديق ، ولذلك يقال ~~فلان آمن بالله وبرسوله ، ويكون المراد التصديق ، إذ الإيمان بمعنى أداء ~~الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية ، فلا يقال فلان آمن بكذا إذا صلى وصام ، ~~بل يقال فلان آمن بالله كما يقال صام وصلى لله ، فالإيمان المعدي بالباء ~~يجري على طريقة أهل اللغة / أما إذا ذكر مطلقا غير معدي فقد اتفقوا على أنه ~~منقول من المسمى اللغوي الذي هو التصديق إلى معنى آخر ، ثم اختلفوا فيه على ~~وجوه : أحدها : أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو ~~مندوبة ، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات ، وهو قول واصل بن ~~عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار بن أحمد . وثانيها : أنه عبارة عن فعل ~~الواجبات فقط دون النوافل ، وهو ms0379 قول أبي علي وأبي هاشم . وثالثها : أن ~~الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد ، فالمؤمن عند الله كل من ~~اجتنب كل الكبائر ، والمؤمن عندنا كل من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد ، وهو ~~قول النظام ، ومن أصحابه من قال : شرط كونه مؤمنا عندنا وعند الله اجتناب ~~الكبائر كلها . وأما أهل الحديث فذكروا وجهين : الأول : أن المعرفة إيمان ~~كامل وهو الأصل ، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة ، وهذه الطاعات لا يكون ~~شيء منها إيمانا إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة . وزعموا أن ~~الجحود وإنكار القلب كفر ، ثم كل معصية بعده كفر على حدة ، ولم يجعلوا شيئا ~~من الطاعات إيمانا ما لم توجد المعرفة والإقرار ، ولا شيئا من المعاصي كفرا ~~ما لم يوجد الجحود والإنكار ، لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله ، وهو قول ~~عبد الله بن سعيد بن كلاب . الثاني : زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها ~~وهو إيمان واحد وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان ، ومن ترك ~~شيئا من الفرائض فقد انتقصإيمانه ، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه ، ~~ومنهم من قال : الإيمان اسم للفرائض دون النوافل . # الفرقة الثانية : الذين قالوا : الإيمان بالقلب واللسان معا ، وقد اختلف ~~هؤلاء على مذاهب الأول : أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب ، وهو قول ~~أبي حنيفة وعامة الفقهاء ، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين . أحدهما : اختلفوا ~~في حقيقة هذه المعرفة ، فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم سواء كان اعتقادا ~~تقليديا أو كان علما صادرا عن الدليل وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد ~~مسلم ، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال . وثانيهما : اختلفوا في ~~أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا ؟ قال بعض المتكلمين : هو ~~العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال ثم / أنه لما كثر اختلاف ~~الخلق في صفات الله PageV02P023 تعالى لا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من ~~عداها من الطوائف . وقال أهل الإنصاف : المعتبر هو العلم بكل ما علم ~~بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه ms0380 وسلم ، فعلى هذا القول العلم ~~بكونه تعالى عالما بالعلم أو عالما لذاته وبكونه مرئيا أو غيره لا يكون ~~داخلا في مسمى الإيمان . القول الثاني : أن الإيمان هو التصديق بالقلب ~~واللسان معا ، وهو قول بشر بن عتاب المريسي ، وأبي الحسن الأشعري ، والمراد ~~من التصديق بالقلب الكلام القائم بالنفس . القول الثالث : قول طائفة من ~~الصوفية : الإيمان إقرار باللسان ، وإخلاص بالقلب . # الفرقة الثالثة : الذين قالوا : الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط ، وهؤلاء ~~قد اختلفوا على قولين : أحدهما : أن الإيمان عبارة عن معرفة الله بالقلب ، ~~حتى أن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقربه فهو مؤمن كامل ~~الإيمان وهو قول جهم بن صفوان . أما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد ~~زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان . وحكى الكعبي عنه : أن الإيمان معرفة ~~الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم . ~~وثانيهما : أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب وهو قول الحسين بن الفضل البجلي ~~. # الفرقة الرابعة : الذين قالوا : الإيمان هو الإقرار باللسان فقط وهم ~~فريقان : الأول : أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط ، لكن شرط كونه إيمانا ~~حصول المعرفة في القلب / فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيمانا ، لا ~~أنها داخلة في مسمى الإيمان ، وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي والفضل ~~الرقاشي وإن كان الكعبي قد أنكر كونه قولا لغيلان . الثاني : أن الإيمان ~~مجرد الإقرار باللسان ، وهو قول الكرامية ، وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر ~~كافر السريرة فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة فهذا ~~مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع ، والذي نذهب إليه أن ~~الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ونفتقر ههنا إلى شرح ماهية التصديق بالقلب ~~فنقول : أن من قال العالم محدث فليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفا ~~بالحدوث ، بل مدلولها حكم ذلك القائل بكون العالم حادثا ، والحكم بثبوت ~~الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث للعالم فهذا الحكم الذهني بالثبوت أو ~~بالانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص ms0381 ، واختلاف الصيغ والعبارات مع ~~كون الحكم الذهني أمرا واحدا يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ ~~والعبارات ، ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم والدال غير المدلول ، ثم ~~نقول هذا الحكم الذهني غير العلم ، لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به ، فعلمنا ~~أن هذا الحكم الذهني مغاير للعلم ، فالمراد من التصديق بالقلب هو هذا الحكم ~~الذهني ، بقي ههنا بحث لفظي وهو أن المسمى بالتصديق في اللغة هو ذلك الحكم ~~الذهين أم الصيغة الدالة على ذلك الحكم الذهني وتحقيق القول فيه قد ذكرناه ~~في أصول الفقه ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : الإيمان عبارة عن التصديق ~~بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم مع الإعتقاد ~~فنفتقر في إثبات هذا المذهب إلى إثبات قيود أربعة . # / القيد الأول : أن الإيمان عبارة عن التصديق ويدل عليه وجوه : الأول : ~~أنه كان في أصل اللغة للتصديق ، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن ~~يكون المتكلم به متكلما بغير كلام العرب ، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه ~~عربيا . الثاني : أن الإيمان أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين فلو ~~صار PageV02P024 منقولا إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة ذلك ~~المسمى ، ولاشتهر وبلغ إلى حد التواتر ، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه بقي ~~على أصل الوضع . الثالث : أجمعنا على أن الإيمان المعدي بحرف الباء مبقي ~~على أصل اللغة فوجب أن يكون غير المعدي كذلك . الرابع : أن الله تعالى كلما ~~ذكر الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب قال : { من الذين قالوا ءامنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } ( البقرة : 41 ) وقوله : { وقلبه مطمئن ~~بالإيمان } ( النحل : 106 ) { كتب فى قلوبهم الإيمان } ( المجادلة : 22 ) { ~~ولاكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان فى قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) الخامس ~~: أن الله تعالى أينما ذكر الإيمان قرن العمل الصالح به ولو كان العمل ~~الصالح داخلا في الإيمان لكان ذلك تكرارا . السادس : أنه تعالى كثيرا ذكر ~~الإيمان وقرنه وبالمعاصي ، قال : { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ~~( الأنعام : 82 ) { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ms0382 فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر } ( الحجرات : ~~9 ) واحتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى : { المتقون يأيها الذين ءامنوا ~~كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 78 ) من ثلاثة أوجه : أحدهما : أن ~~القصاص إنما يجب على القاتل المتعمد ثم أنه خاطبه بقوله : { ذلك بأن الذين ~~كفروا } فدل على أنه مؤمن . وثانيها : قوله : { فمن عفى له من أخيه شىء } ( ~~البقرة : 178 ) وهذه الأخوة ليست إلا إخوة الإيمان ، لقوله تعالى : { إنما ~~المؤمنون إخوة } ( الحجرات : 10 ) وثالثها : قوله : { ذالك تخفيف من ربكم ~~ورحمة } ( البقرة : 178 ) وهذا لا يليق إلا بالمؤمن ، ومما يدل على المطلوب ~~قوله تعالى : { والذين ءاووا ونصروا أولئك } ( الأنفال : 72 ) هذا أبقى اسم ~~الإيمان لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى : { الذين ~~تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } ( النحل : 28 ) وقوله : { مالكم * من ~~ولايتهم من شىء حتى يهاجروا } ( الأنفال : 72 ) ومع هذا جعلهم مؤمنين ويدل ~~أيضا عليه قوله تعالى : { الحكيم ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى ~~وعدوكم أولياء } ( الممتحنة : 1 ) وقال : { تشكرون يأيها الذين ءامنوا لا ~~تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم } ( الأنفال : 27 ) وقوله تعالى : { ~~تعملون يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا } ( التحريم : 8 ) ~~والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال وقوله : { وتوبوا إلى الله جميعا * ءاية ~~* المؤمنون } ( النور : 31 ) لا يقال فهذا يقتضي أن يكون كل مؤمن مذنبا ~~وليس كذلك قولنا : هب أنه خص فيما عدا المذنب فبقي فيهم حجة . # القيد الثاني : أن الإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني ، والدليل عليه ~~قوله تعالى : { ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر وما هم ~~بمؤمنين } ( البقرة : 8 ) نفي كونهم مؤمنين ، ولو كان الإيمان بالله عبارة ~~عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي . # القيد الثالث : أن الإيمان ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت ~~والطاغوت لا يسمى مؤمنا . # / القيد الرابع : ليس من شرط الإيمان التصديق بجميع صفات الله عز وجل ؛ ~~لأن الرسول عليه السلام كان يحكم بإيمان من ms0383 لم يخطر بباله كونه تعالى عالما ~~لذاته أو بالعلم ، ولو كان هذا القيد وأمثاله شرطا معتبرا في تحقيق الإيمان ~~لما جاز أن يحكم الرسول بإيمانه قبل أن يجربه في أنه هل يعرف ذلك أم لا . ~~فهذا هو بيان القول في تحقيق الإيمان ، فإن قال قائل : ها هنا صورتان : ~~الصورة الأولى : من عرف الله تعالى بالدليل PageV02P025 والبرهان ولما تم ~~العرفان مات ولم يجد من الزمان والوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة . فههنا ~~أن حكمتم أنه مؤمن فقد حكمتم بأن الإقرار اللساني غير معتبر في تحقيق ~~الإيمان ، وهو خرق للإجماع ، وإن حكمتم بأنه غير مؤمن فهو باطل ؛ لقوله ~~عليه السلام : ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ) وهذا ~~قلب طافح بالإيمان ، فكيف لا يكون مؤمنا ؟ الصورة الثانية : من عرف الله ~~تعالى بالدليل ووجد من الوقت ما أمكنه أن يتلفظ بكلمة الشهادة ولكنه لم ~~يتلفظ بها فإن قلتم إنه مؤمن فهو خرق للإجماع ، وإن قلتم ليس بؤمن فهو باطل ~~؛ لقوله عليه السلام : ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~الإيمان ) ولا ينتقي الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق . # والجواب : أن الغزالي منع من هذا الإجماع في الصورتين ، وحكم بكونهما ~~مؤمنين ، وإن الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع ~~الإيمان . # المسألة الرابعة : قيل : { الغيب } مصدر أقيم مقام اسم الفاعل ، كالصوم ~~بمعنى الصائم ، والزور بمعنى الزائر ، ثم في قوله تعالى : { يؤمنون بالغيب ~~} قولان : الأول : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني أن قوله : { بالغيب } صفة ~~المؤمنين معناه أنهم يؤمنون بالله حال الغيب كما يؤمنون به حال الحضور ، لا ~~كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزءون . ونظيره قوله تعالى : { ذالك ليعلم ~~أنى لم أخنه بالغيب } ( يوسف : 52 ) ويقول الرجل لغيره : نعم الصديق لك ~~فلان بظهر الغيب ، وكل ذلك مدح للمؤمنين بكون ظاهرهم موافقا لباطنهم ~~ومباينتهم لحال المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والثاني ~~: وهو قول ms0384 جمهور المفسرين أن الغيب هو الذي يكون غائبا عن الحاسة ثم هذا ~~الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل ، وإلى ما ليس عليه دليل . فالمراد من هذه ~~الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا ~~ويستدلوا فيؤمنوا به ، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله تعالى وبصفاته والعلم ~~بالآخرة والعلم بالنبوة والعلم بالأحكام وبالشرائع فإن في تحصيل هذه العلوم ~~بالاستدلال مشقة فيصلح أن يكون سببا لاستحقاق الثناء العظيم . واحتج أبو ~~مسلم على قوله بأمور : الأول : أن قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك وبالأخرة هم يوقنون } ( البقرة : 4 ) إيمان بالأشياء ~~الغائبة فلو كان المراد من قوله : { الذين يؤمنون بالغيب } هو الإيمان ~~بالأشياء الغائبة لكان المعطوف نفس المعطوف عليه ، وأنه غير جائز : الثاني ~~: لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم إطلاق القول بأن / الإنسان يعلم الغيب ~~، وهو خلاف قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( الأنعام ~~: 59 ) أما لو فسرنا الآية بما قلنا لا يلزم هذا المحذور الثالث : لفظ ~~الغيب إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحضور ، فعلى هذا لا يجوز إطلاق ~~لفظ الغيب على ذات الله تعالى وصفاته ، فقوله : { الذين يؤمنون بالغيب } لو ~~كان المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذات الله تعالى وصفاته ~~، ولا يبقى فيه إلا الإيمان بالآخرة ، وذلك غير جائز لأن الركن العظيم في ~~الإيمان هو الإيمان بذات الله وصفاته ، فكيف يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضي ~~خروج الأصل أما لو حملناه على التفسير الذي اخترناه لم يلزمنا هذا المحذور ~~. # والجواب عن الأول : أن قوله : { يؤمنون بالغيب } يتناول الإيمان ~~بالغائبات على الإجمال ثم بعد ذلك قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك } يتناول الإيمان ببعض الغائبات فكان هذا من باب عطف ~~التفصيل على الجملة ، وهو جائز كما في قوله : { وملئكته * وجبريل * ورسله * ~~وميكال } ( البقرة : 98 ) وعن الثاني : أنه لا نزاع في أنا نؤمن بالأشياء ~~الغائبة عنا ، فكان ذلك التخصيص لازما على PageV02P026 الوجهين جميعا . فإن ~~قيل ms0385 أفتقولون : العبد يعلم الغيب أم لا ؟ قلنا قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ~~ما عليه دليل وإلى ما لا دليل عليه أما الذي لا دليل عليه فهو سبحانه ~~وتعالى العالم به لا غيره ، وأما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن تقول : نعلم ~~من الغيب ما لنا عليه دليل ، ويفيد الكلام فلا يلتبس ، وعلى هذا الوجه قال ~~العلماء : الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة . وعن الثالث : ~~لا نسلم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور ، والدليل على ~~ذلك أن المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد . ويريدون ~~بالغائب ذات الله تعالى وصفاته والله أعلم . # المسألة الخامسة : قال بعض الشيعة : المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي ~~وعد الله تعالى به في القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله : { وعد الله الذين ~~ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الارض كما استخلف الذين من ~~قبلهم } ( النو : 55 ) وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( لو لم يبق من ~~الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يواطىء ~~اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما ) واعلم ~~أن تخصيص المطلق من غير الدليل باطل . # المسألة السادسة : ذكروا في تفسير إقامة الصلاة وجوها : أحدها : أن ~~إقامتها عبارة عن تعديل أركانها وحفظها من أن يقع خلل في فرائضها وسننها ~~وآدابها ، من أقام العود إذا قومه . وثانيها : أنها عبارة عن المداومة ~~عليها كما قال تعالى : { والذين هم على صلاتهم يحافظون } وقال : { الذين هم ~~على صلاتهم دائمون } ( المعارج : 34 ) من قامت السوق إذا نفقت ، وأقامتها ~~نفاقها ؛ لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي نتوجه إليه الرغبات ~~، وإذا أضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه وثالثها : أنها عبارة عن ~~التجرد لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور من قولهم : قام / بالأمر ، ~~وقامت الحرب على ساقها ، وفي ضده : قعد عن الأمر ، وتقاعد عنه إذا تقاعس ~~وتثبط . ورابعها : إقامتها عبارة عن أدائها ، وإنما عبر عن الأداء بالإقامة ~~لأن القيام بعض ms0386 أركانها كما عبر عنها بالقنوت وبالركوع وبالسجود ، وقالوا : ~~سبح إذا صلى ، لوجود التسبيح فيها ، قال تعالى : { فلولا أنه كان من ~~المسبحين } ( الصافات : 143 ) وإعلم أن الأولى حمل الكلام على ما يحصل معه ~~من الثناء العظيم ، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الإقامة على إدامة فعلها من ~~غير خلل في أركانها وشرائطها ؛ ولذلك فإن القيم بأرزاق الجند إنما يوصف ~~بكونه قيما إذا أعطي الحقوق من دون بخس ونقص ؛ ولهذا يوصف الله تعالى بأنه ~~قائم وقيوم ؛ لأنه يجب دوام وجوده ؛ ولأنه يديم إدرار الرزق على عباده . # المسألة السابعة : ذكروا في لفظ الصلاة في أصل اللغة وجوها . أحدها : ~~أنها الدعاء قال الشاعر : # % فوقابلها الريح في دنها % % وصلى على دنها وارتشم % # وثانيها : قال الخارزنجي . اشتقاقها من الصلى ، وهي النار ، من قولهم : ~~صليت العصا إذا قومتها بالصلى ، فالمصلي كأنه يسعى في تعديل باطنه وظاهره ~~مثل من يحاول تقويم الخشبة بعرضها على النار . وثالثها : أن الصلاة عبارة ~~عن الملازمة من قوله تعالى : { تصلى نارا حامية } ( لغشية : 4 ) { سيصلى ~~نارا ذات لهب } ( المسد : 3 ) وسمي الفرس الثاني من أفراس المسابقة مصليا . ~~ورابعها : قال صاحب الكشاف : الصلاة فعلة من ( صلى ) كالزكاة من ( زكى ) ~~وكتبتها بالواو على لفظ المفخم ، وحقيقة صلى حرك الصلوين ، PageV02P027 لأن ~~المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده ، وقيل الداعي مصلى تشبيها له في تخشعه ~~بالراكع والساجد ، وأقول ها هنا بحثان : # الأول : إن هذا الاشتقاق الذي ذكره صاحب الكشاف يفضي إلى طعن عظيم في كون ~~القرآن حجة ، وذلك لأن لفظ الصلاة من أشد الألفاظ شهرة وأكثرها دورانا على ~~ألسنة المسلمين ، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء اشتهارا فيما ~~بين أهل النقل ، ولو جوزنا أن يقال : مسمى الصلاة في الأصل ما ذكره ، ثم ~~أنه خفي ولدارس حتى صار بحيث لا يعرفه إلا الآحاد لكان مثله في سائر ~~الألفاظ جائزا ، ولو جوزنا ذلك لما قطعنا بأن مراد الله تعالى من هذه ~~الألفاظ ما تتبادر أفهامنا إليه من المعاني في زماننا هذا ، لاحتمال أنها ~~كانت في زمان الرسول موضوعة ms0387 لمعان أخر ، وكان مراد الله تعالى منها تلك ~~المعاني ، إلا أن تلك المعاني خفيت في زماننا واندرست كما وقع مثله في هذه ~~اللفظة ، فلما كان ذلك باطلا بإجماع المسلمين علمنا أن الاشتقاق الذي ذكره ~~مردود باطل . # الثاني : الصلاة في الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة يتلو بعضها بعضا مفتتحة ~~بالتحريم / مختتمة بالتحليل ، وهذا الاسم يقع على الفرض والنفل . لكن ~~المراد بهذه الآية الفرض خاصة ؛ لأنه الذي يقف الصلاح عليه ؛ لأنه عليه ~~السلام لما بين للإعرابي صفة الصلاة المفروضة قال والله لا أزيد عليها ولا ~~أنقص منها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفلح إن صدق ) . # / المسألة الثامنة : الرزق في كلام العرب هو الحظ قال تعالى : { وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون } ( الواقعة : 82 ) أي حظكم من هذا الأمر ، والحظ هو ~~نصيب الرجل وما هو خاص له دون غيره ثم قال بعضهم : الرزق كل شيء يؤكل أو ~~يستعمل ، وهو باطل ، لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا فقال : { ~~وأنفقوا مما * رزقناكم } ( الرعد : 22 ) فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما ~~أمكن إنفاقه . وقال آخرون : الرزق هو ما يملك وهو أيضا باطل ، لأن الإنسان ~~قد يقول : اللهم ارزقني ولدا صالحا أو زوجة صالحة وهو لا يملك الولد ولا ~~الزوجة ، ويقول : اللهم ارزقني عقلا أعيش به وليس العقل بمملوك ، وأيضا ~~البهيمة يكون لها رزق ولا يكون لها ملك . وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا ~~فيه ، فقال أبو الحسين البصري : الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء ~~والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به ، فإذا قلنا : قد رزقنا الله ~~تعالى الأموال ، فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها ، وإذا سألناه تعالى ~~أن يرزقنا مالا فإنا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخص ، وإذا سألناه أن يرزق ~~البهيمة فإنا نقصد بذلك أن يجعلها به أخص ، وإنما تكون به أخص إذا مكنها من ~~الانتفاع به ، ولم يكن لأحد أن يمنعها من الانتفاع به ، واعلم أن المعتزلة ~~لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا : الحرام لا يكون رزقا ms0388 . وقال أصحابنا : ~~الحرام قد يكون رزقا ، فحجة الأصحاب من وجهين : الأول : أن الرزق في أصل ~~اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه ، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار ~~حظا ونصيبا ، فوجب أن يكون رزقا له الثاني : أنه تعالى قال : { وما من دابة ~~في الارض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) وقد يعيش الرجل طول عمره لا ~~يأكل إلا من السرقة ، فوجب أن يقال : أنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا . ~~أما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب والسنة والمعنى : أما الكتاب فوجوه : ~~أحدها : قوله PageV02P028 تعالى : { ومما رزقناهم ينفقون } مدحهم على ~~الإنفاق مما رزقهم الله تعالى ، فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح ~~إذا أنفقوا من الحرام ، وذلك باطل بالاتفاق . وثانيها : لو كان الحرام رزقا ~~لجاز أن ينفق الغاصب منه ، لقوله تعالى : { وأنفقوا مما * رزقناكم } ( ~~البقرة : 254 ) وأجمع المسلون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق مما أخذه بل ~~يجب عليه رده ، فدل على أن الحرم لا يكون رزقا . وثالثها : قوله تعالى : { ~~قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل * الله * ~~أذن لكم } ( يونس : 59 ) فبين أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله ، فثبت ~~أن الحرام لا يكون رزقا ، وأما السنة فما رواه أبو الحسين في كتاب الغرر ~~بإسناده عن صفوان بن أمية قال . كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ~~جاءه عمرو بن قرة فقال له يا رسول الله إن الله كتب على الشقوة فلا أراني ~~أرزق إلا من دفي بكفي فأئذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال عليه السلام : ~~( لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله رزقا طيبا ~~فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله أما إنك لو ~~قلت بعد هذه المقدمة شيئا ضربتك ضربا وجيعا ) وأما المعنى فإن الله تعالى ~~منع المكلف من الانتفاع بالحرام وأمر غيره بمنعه منه والانتفاع به / من منع ~~من ms0389 أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال أنه رزقه إياه ، ألا ترى أنه لا يقال . ~~أن / السلطن قد رزق جنده مالا قد منعهم من أخذه ، وإنما يقال : إنه رزقهم ~~ما مكنهم من أخذه ولا يمنعهم منه ولا أمر بمنعهم منه ، أجاب أصحابنا عن ~~التمسك بالآيات بأنه وإن كان لكل من الله ، لكنه كما يقال : يا خالق ~~المحدثات والعرش والكرسي ، ولا يقال : يا خالق الكلاب والخنازير ، وقال : { ~~عينا يشرب بها عباد الله } ( الإنسان : 6 ) فخص اسم العباد بالمتقين ، وإن ~~كان الكفار أيضا من العباد ، وكذلك ها هنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل ~~التشريف وإن كان الحرام رزقا أيضا ، وأجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا ~~، لأن قوله عليه السلام : ( فاخترت ما حرم االله عليك من رزقه ) صريح في أن ~~الرزق قد يكون حراما وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض للغة وهو أن ~~الحرام هل يسمى رزقا أم لا ؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ والله ~~أعلم . # المسألة التاسعة : أصل الإنفاق إخراج المال من اليد ، ومنه نفق المبيع ~~نفاقا إذا كثر المشترون له ، ونفقت الدابة إذا ماتت أي خرج روحها ، ونافقاء ~~الفأرة لأنها تخرج منها ومنه النفق في قوله تعالى : { أن تبتغى نفقا فى ~~الارض } ( الأنعام : 35 ) . # المسألة العاشرة : في قوله : { ومما رزقناهم ينفقون } فوائد : أحدها : ~~أدخل من التبعيضية صيانة لهم ، وكفى عن : الإسراف والتبذير المنهي عنه . ~~وثانيها : قدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم ، كأنه قال ويخصون بعض المال ~~بالتصدق به . وثالثها : يدخل في الإنفاق المذكور في الآية ، الإنفاق الواجب ~~، والإنفاق المندوب ، والإنفاق الواجب أقسام : أحدها : الزكاة وهي قوله في ~~آية الكنز : { ولا ينفقونها في سبيل الله } ( التوبة : 34 ) . وثانيها : ~~الإنفاق على النفس وعلى من تجب عليه نفقته . وثالثها : الإنفاق في الجهاد . ~~وأما الإنفاق المندوب فهو أيضا إنفاق لقوله : { وأنفقوا مما * رزقناكم من ~~قبل أن يأتى أحدكم الموت } وأراد به الصدقة لقوله بعده : { فأصدق وأكن من ~~الصالحين } ( المنافقون : 10 ) فكل هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية لأن كل ~~ذلك سبب لاستحقاق ms0390 المدح . # PageV02P029 ! 7 < { والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك ~~وبالأخرة هم يوقنون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 4 ) والذين يؤمنون بما . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) عام يتناول كل من ~~آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، سواء كان قبل ذلك مؤمنا بموسى وعيسى عليهما ~~السلام ، أو ما كان مؤمنا بهما ، ودلالة اللفظ العام على بعض ما دخل فيه ~~التخصيص أضعف من دلالة اللفظ الخاص على ذلك البعض ، لأن العام يحتمل ~~التخصيص والخاص لا يحتمله فلما كانت هذه السورة مدنية ، وقد شرف الله تعالى ~~المسلمين بقوله : { هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 2 ، 3 ~~) فذكر بعد ذلك أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسول : كعبد الله بن سلام ~~وأمثاله بقوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } لأن في ~~هذا التخصيص بالذكر مزيد تشريف لهم كما في قوله تعالى : { من كان عدوا * ~~الله وملائكته * ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) ثم تخصيص / عبد ~~الله بن سلام وأمثاله بهذا التشريف ترغيب لأمثاله في الدين ، فهذا هو السبب ~~في ذكر هذا الخاص بعد ذلك العام ، ثم نقول . أما قوله : { والذين يؤمنون ~~بما أنزل إليك } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : لا نزاع بين أصحابنا وبين المعتزلة في أن الإيمان إذا ~~عدي بالباء فالمراد منه التصديق ، فإذا قلنا فلان آمن بكذا ، فالمراد أنه ~~صدق به ولا يكون المراد أنه صام وصلى ، فالمراد بالإيمان ها هنا التصديق ~~بالأتفاق لكن لا بد معه من المعرفة لأن الإيمان ها هنا خرج مخرج المدح ~~والمصدق مع الشك لا يأمن أن يكن كاذبا فهو إلى الذم أقرب . # المسألة الثانية : المراد من إنزال الوحي وكون القرآن منزلا ، ومنزلا ، ~~ومنزولا به ، أن جبريل عليه السلام سمع في السماء كلام الله تعالى فنزل على ~~الرسول به ، وهذا كما يقال : نزلت رسالة الأمير من القصر ، والرسالة لا ~~تنزل لكن المستمع يسمع الرسالة من علو فينزل ويؤيدي في سفل . وقوله الأمير ~~لا يفارق ذاته ، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه ، ويقال فلان ينقل ~~الكلام ms0391 إذا سمع في موضع وأداه في موضع آخر . فإن قيل كيف سمع جبريل كلام ~~الله تعالى ، وكلامه ليس من الحروف والأصوات عندكم ؟ قلنا يحتمل أن يخلق ~~الله تعالى له سمعا لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام ~~القديم ، ويجوز أن يكون الله خلق في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم ~~المخصوص فقرأه جبريل عليه السلام فحفظه ، ويجوز أن يخلق الله أصواتا مقطعة ~~بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلفقه جبريل عليه السلام ويخلق له علما ~~ضروريا بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام القديم . # المسألة الثالثة : قوله : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك } هذا الإيمان ~~واجب ، لأنه قال في آخره : { وأولائك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) فثبت أن ~~من لم يكن له هذا الإيمان وجب أن لا يكون مفلحا ، وإذا ثبت أنه واجب وجب ~~تحصيل العلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل ، لأن ~~المرء لا يمكنه أن يقوم بما أوجبه الله عليه علما وعملا إلا إذا علمه على ~~سبيل التفصيل ، لأنه إن لم يعلمه كذلك امتنع عليه القيام به ، إلا أن تحصيل ~~هذا العلم واجب على سبيل الكفاية ، فإن تحصيل العلم بالشرائع PageV02P030 ~~النازلة على محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل غير واجب على العامة ~~، وأما قوله : { وما أنزل من قبلك } فالمراد به ما أنزل على الأنبياء الذين ~~كانوا قبل محمد / والإيمان به واجب على الجملة ، لأن الله تعالى ما تعبدنا ~~الآن به حتى يلزمنا معرفته على التفصيل ، بل إن عرفنا شيئا من تفاصيله ~~فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل ، وأما قوله : { وبالأخرة هم يوقنون ~~} ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الآخرة صفة الدار الآخرة ، وسميت بذلك لأنها متأخرة عن ~~الدنيا وقيل للدنيا دنيا لأنها أدنى من الآخرة . # المسألة الثانية : اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكا فيه ، ~~فلذلك لا يقول القائل : تيقنت وجود نفسي ، وتيقنت أن السماء فرقي لما أن ~~العلم به غير مستدرك ، ويقال ذلك في العلم / الحادث بالأمور سواء كان ذلك ms0392 ~~العلم ضروريا أو استدلاليا ، فيقول القائل : تيقنت ما أردته بهذا الكلام ~~وإن كان قد علم مراده بالاضطرار ، ويقول تيقنت أن الإله واحد وإن كان قد ~~علمه بالاكتساب ؛ ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه يتيقن الأشياء . # المسألة الثالثة : أن الله تعالى مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة ، ~~ومعلوم أنه لا يمدح المرء بأن يتيقن وجود الآخرة فقط ، بل لا يستحق المدح ~~إلا إذا تيقن وجود الآخرة مع ما فيها من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين ~~الجنة ، والكافرين النار . روى عنه عليه السلام أنه قال : ( يا عجبا كل ~~العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه ، وعجبا ممن يعرف النشأة الأولى ثم ~~ينكر النشأة الآخرة ، وعجبا ممن ينكر البعث والنشور وهو في كل يوم وليلة ~~يموت ويحيا يعني النوم واليقظة وعجبا ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ~~ثم يسعى لدار الغرور ، وعجبا من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة ~~وآخره جيفة قذرة ) . # ! 7 < { أولائك على هدى من ربهم وأولائك هم المفلحون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 5 ) أولئك على هدى . . . . . # > > اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه ثلاثة : أحدها ~~: أن ينوي الابتداء { بالذين * يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) وذلك لأنه ~~لما قيل : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) فخص المتقين بأن الكتاب هدى لهم ~~كان لسائل أن يسأل فيقول : ما السبب في اختصاص المتقين بذلك ؟ فوقع قوله : ~~{ الذين يؤمنون بالغيب } إلى قوله : { وأولائك هم المفلحون } جوابا عن هذا ~~السؤال ، كأنه قيل : الذي يكون مشتغلا بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة والفوز بالفلاح والنجاة لا بد وأن يكون على هدى من ربه . وثانيها : ~~أن لا ينوي الابتداء به بل يجعله تابعا { للمتقين } ثم يقع الابتداء من ~~قوله : { أولائك على هدى من ربهم } كأنه قيل أي سبب في أن صار الموصوفون ~~بهذه الصفات مختصين بالهدى ؟ فأجيب بأن أولئك الموصفين غير مستبعد أن ~~يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا . وثالثها : أن يجعل الموصول ~~الأول صفة { المتقين } ويرفع الثاني على الابتداء و { أولائك ms0393 } خبره ويكون ~~المراد جعل اختصاصهم بالفلاح والهدى تعريضا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا ~~PageV02P031 بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى ~~وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله تعالى . # المسألة الثانية : معنى الاستعلاء في قوله : { على هدى } بيان لتمكنهم من ~~الهدى واستقرارهم عليه حيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ونظيره ( ~~فلان على الحق ، أو على الباطل ) وقد صرحوا به في قولهم : ( جعل الغواية ~~مركبا ، وامتطى الجهل ) وتحقيق القول في كونهم على الهدى تمسكهم بموجب ~~الدليل ، لأن الواجب على المتمسك بالدليل أن يدوم على ذلك ويحرسه / عن ~~المطاعن والشبه فكأنه تعالى ومدحهم بالإيمان بما أنزل عليه أولا ، مدحهم ~~بالإقامة على ذلك والمواظبة على حراسته عن الشبه ثانيا ، وذلك واجب على ~~المكلف ، لأنه إذا كان متشددا في الدين خائفا وجلا فلا بد من أن يحاسب نفسه ~~في علمه وعمله ، ويتأمل حاله فيهما فإذا حرس نفسه عن الإخلال كان ممدوحا ~~بأنه على هدى وبصيرة ، وإنما نكر { هدى } ليفيد ضربا مبهما لا يبلغ كنهه ~~ولا يقدر قدره كما يقال لو أبصرت فلانا لأبصرت رجلا . قال عون بن عبد الله ~~: الهدى من الله كثير ، ولا يبصره إلا بصير ، ولا يعمل به إلا يسير . ألا ~~ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء ، ولا يهتدى بها إلا العلماء . # المسألة الثالثة : في تكرير { أولائك } تنبيه على أنهم كما ثبت لهم ~~الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضا ، فقد تميزوا عن غيرهم ~~بهذين الاختصاصين . فإن قيل : فلم جاء مع العاطف وما الفرق بينه وبين قوله ~~: { أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } ( الأعراف : 179 ) قلنا ~~: قد اختلف الخبران هنا فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين ثمت فإنهمامتفقان ~~لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد ، وكانت الجملة ~~الثانية مقررة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل . # المسألة الرابعة : { هم } فصل وله فائدتان : إحداهما : الدلالة على أن ~~الوارد بعده خبر لا صفة وثانيتهما : حصر الخبر في المبتدأ ، فإنك لو قلت ~~الإنسان ضاحك فهذا لا يفيد أن ms0394 الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان ، أما لو ~~قلت : الإنسان هو الضاحك فهذا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان . # المسألة الخامسة : معنى التعريف في { المفلحون } الدلالة على أن المتقين ~~هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنسانا قد تاب ~~من أهل بلدك فاستخبرت من هو ؟ فقيل زيد التائب ، أي هو الذي أخبرت بتوبته ، ~~أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحون فهم هم ، كما تقول لصاحبك : هل ~~عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام ؟ إن زيدا هو هو . # المسألة السادسة : المفلح الظافر بالمطلوب كأنه الذي انفتحت له وجوه ~~الظفر ولم تستغلق عليه ، والمفلح بالجيم مثله ، والتركيب دال على معنى الشق ~~والفتح ، ولهذا سمي الزراع فلاحا ، ومشقوق الشفة السفلى أفلح ، وفي المثل ( ~~الحديد بالحديد يفلح ) وتحقيقه أن الله تعالى لما وصفهم بالقيام بما يلزمهم ~~علما وعملا بين نتيجة ذلك وهو الظفر بالمطلوب الذي هو النعيم الدائم من غير ~~شوب على وجه الإجلال والإعظام ، لأن ذلك هو الثواب المطلوب للعبادات . # المسألة السابعة : هذه الآيات يتمسك الوعيدية بها من وجه ، والمرجئة من ~~وجه آخر . أما الوعيدية فمن وجهين : الأول : أن قوله : { وأولائك هم ~~المفلحون } يقتضي الحصر ، فوجب فيمن أخل بالصلاة والزكاة أن لا PageV02P032 ~~يكون مفلحا ، وذلك يوجب القطع على وعيد تارك الصلاة / والزكاة . الثاني : ~~أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم فيلزم أن ~~تكون علة الفلاح هي فعل الإيمان والصلاة والزكاة ، فمن أخل بهذه الأشياء لم ~~يحصل له علة الفلاح ، فوجب أن لا يحصل الفلاح . أما المرجئة فقد احتجوا بأن ~~الله حكم بالفلاح على الموصوفين بالصفات المذكروة في هذه الآية فوجب أن ~~يكون الموصوف بهذه الأشياء مفلحا وإن زنى وسرق وشرب الخمر ، وإذا ثبت في ~~هذه الطائفة تحقق العفو ثبت في غيرهم ضرورة ، إذ لا قائل بالفرق . والجواب ~~: أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر فيتساقطان ، ثم الجواب عن قول ~~الوعيدية : أن قوله : { وأولائك هم المفلحون } يدل على أنهم الكاملون ms0395 في ~~الفلاح ، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل في الفلاح ، ونحن نقول بموجب ~~، فإنه كيف يكون كاملا في الفلاح وهو غير جازم بالخلاص من العذاب ، بل يجوز ~~له أن يكون خائفا منه ، وعن الثاني : أن نفي السبب الواحد لا يقتضي نفي ~~المسبب ، فعندنا من أسباب الفلاح عفو الله تعالى . والجواب عن قول المرجئة ~~: أن وصفهم بالتقوى يكفي في نيل الثواب لأنه يتضمن إتقاء المعاصي ، وإتقاء ~~ترك الواجبات والله أعلم . # ! 7 < { إن الذين كفروا سوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } . ~~> 7 ! # < < # | البقرة : ( 6 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أن في الآية مسائل نحوية ، ومسائل أصولية ، ونحن نأتي عليها إن ~~شاء الله تعالى ، أما قوله : { ءان } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن { ءان } حرف والحرف لا أصل له في العمل ، لكن ~~هذا الحرف أشبه الفعل صورة ومعنى ، وتلك المشابهة تقتضي كونها عاملة ، وفيه ~~مقدمات : المقدمة الأولى : في بيان المشابهة ، واعلم أن هذه المشابهة حاصلة ~~في اللفظ والمعنى ، أما في اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ~~ولزمت الأسماء كالأفعال ، ويدخلها نون الوقاية نحو إنني وكأنني ، كما يدخل ~~على الفعل نحو : أعطاني وأكرمني ، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في ~~الاسم وهو تأكد موصوفيته بالخبر ، كما أنك إذا قلت : قام زيد ، فقولك قام ~~أفاد حصول معنى في الاسم المقدمة الثانية : أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن ~~تشبهها في العمل وذلك ظاهر بناء على الدوران المقدمة الثالثة : في أنها لم ~~نصبت الاسم ورفعت الخبر ؟ وتقريره أن يقال : إنها لما صارت عاملة فأما أن ~~ترفع المبتدأ والخبر معا ، أو تنصبهما معا ، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر ~~وبالعكس ، والأول باطل ؛ لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول { ءان } عليهما ~~مرفوعين ، فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر البتة ، ولأنها ~~أعطيت عمل الفعل ، والفعل لا يرفع الإسمين فلا معنى للاشتراك والفزع لا ~~يكون أقوى من الأصل ، والقسم الثاني : أيضا باطل ؛ لأن هذا أيضا مخالف لعمل ~~الفعل ، / لأن الفعل لا ينصب شيئا مع ms0396 خلوه عما يرفعه . والقسم الثالث : ~~أيضا باطل ، لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع ، فإن الفعل يكون عمله ~~في الفاعل أولا بالرفع ثم في المفعول بالنصب ، فلو جعل الحرف ههنا كذلك ~~لحصلت التسوية بين الأصل والفرع . ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين القسم ~~الرابع : وهو أنها تنصب الاسم وترفع PageV02P033 الخبر ، وهذا مما ينبه على ~~أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصلية ، لأن تقديم المنصوب على المرفوع في ~~باب الفعل عدول عن الأصل فذلك يدل ههنا على أن العمل لهذه الحروف ليس بثابت ~~بطريق الأصالة بل بطريق عارض . # المسألة الثانية : قال البصريون : هذا الحرف ينصب الاسم ويرفع الخبر ، ~~وقال الكوفيون لا أثر له في رفع الخبر بل هو مرتفع بما كان مرتفعا به قبل ~~ذلك . حجة البصريين : أن هذه الحروف تشبه الفعل مشابهة تامة على ما تقدم ~~بيانه ، والفعل له تأثير في الرفع والنصب ، فهذه الحروف يجب أن تكون كذلك . ~~وحجة الكوفيين من وجهين : الأول : أن معنى الخبرية باق في خبر المبتدأ وهو ~~أولى باقتضاء الرفع فتكون الخبرية رافعة ، وإذا كانت الخبرية رافعة استحال ~~ارتفاعه بهذه الحروف ، فهذه مقدمات ثلاثة : إحداها : قولنا : الخبرية باقية ~~، وذلك ظاهر ، لأن المراد من الخبرية كون الخبر مسندا إلى المبتدأ ، وبعد ~~دخول حرف ( إن ) عليه فذاك الإسناد باق . وثانيها : قولنا : الخبرية ههنا ~~مقتضية للرفع : وذلك لأن الخبرية كانت قبل دخول ( إن ) مقتضية للرفع ولم ~~يكن عدم الحرف هناك جزءا من المقتضى . لأن العدم لا يصلح أن يكون جزء العلة ~~، فبعد دخول هذه الحروف كانت الخبرية مقتضية للرفع ، لأن المقتضى بتمامه لو ~~حصل ولم يؤثر لكان ذلك لمانع وهو خلاف الأصل . وثالثها : قولنا : الخبرية ~~أولى بالاقتضاء ، وبيانه من وجهين : الأول : أن كونه خبرا وصف حقيقي قائم ~~بذاته ، وذلك الحرف أجنبي مباين عنه وكما أنه مباين عنه فغير مجاور له لأن ~~الاسم يتخللهما . الثاني : أن الخبر يشابه الفعل مشابهة حقيقية معنوية وهو ~~كون كل واحد منهما مسندا إلى الغير / أما الحرف فإنه لا يشابه الفعل في وصف ~~حقيقي ms0397 معنوي ، فإنه ليس فيه إسناد ، فكانت مشابهة الخبر للفعل أقوى من ~~مشابهة هذا الحرف للفعل ، فإذا ثبت ذلك كانت الخبرية باقتضاء الرفع لأجل ~~مشابهة الفعل أولى من الحرف بسبب مشابهته للفعل ورابعها : لما كانت الخبرية ~~أقوى في اقتضاء الرفع استحال كون هذا الحرف رافعا ، لأن الخبرية بالنسبة ~~إلى هذا الحرف أولى ، وإذا كان كذلك فقد حصل الحكم بالخبرية قبل حصول هذا ~~الحرف ، فيعد وجود هذا الحرف لو أسند هذا الحكم إليه لكان ذلك تحصيلا ~~للحاصل ، وهو محال . الوجه الثاني : أن سيبويه وافق على أن الحرف غير أصل ~~في العمل فيكون إعماله على خلاف الدليل ، وما ثبت على خلاف الدليل يقدر ~~بقدر الضرورة . والضرورة تندفع بأعمالها في الاسم ، فوجب أن لا يعملها في ~~الخبر . # المسألة الثالثة : روى الأنباري أن الكندي المتفلسف ركب إلى المبرد وقال ~~: إني أجد / في كلام العرب حشوا ، أجد العرب تقول : عبد الله قائم ، ثم ~~تقول إن عبد الله قائم ، ثم تقول إن عبد الله لقائم ، فقال المبرد : بل ~~المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ ، فقولهم عبد الله قائم إخبار عن قيامه ، ~~وقولهم إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل ، وقولهم إن عبد الله لقائم ~~جواب عن إنكار منكر لقيامه ، واحتج عبد القاهر على صحة قوله بأنها إنما ~~تذكر جوابا لسؤال السائل بأن قال إنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ ~~والخبر إذا كان جوابا للقسم نحو والله إن زيدا منطلق ويدل عليه من التنزيل ~~قوله : { ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا * إنا مكنا له ~~فى الارض } ( الكهف : 83 ) وقوله في أول السورة : { نحن نقص عليك نبأهم ~~بالحق إنهم فتية ءامنوا بربهم } ( الكهف : 13 ) وقوله : { فإن عصوك فقل إنى ~~برىء مما تعملون } ( الشعاء : 216 ) وقوله : { قل إنى نهيت أن أعبد الذين ~~تدعون من دون الله } ( الأنعام : 56 ) وقوله : { وقل إنى أنا النذير المبين ~~} ( االحج : 89 ) PageV02P034 وأشباه ذلك مما يعلم أنه يدل على أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا ms0398 ونظروا فيه ، ~~وعليه قوله : { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } ( الاشعراء : 16 ~~) وقوله : { وقال موسى يافرعون * فرعون إنى * رسول من رب العالمين } ( ~~االأعراف : 104 ) وفي قصة السحرة { إنا إلى * ربنا منقلبون } ( الأعراف : ~~125 ) إذ من الظاهر أنه جواب فرعون عن قوله : { قال ءامنتم له قبل أن ءاذن ~~} ( طه : 71 الشعراء : 49 ) وقال عبد القاهر : والتحقيق أنها للتأكيد وإذا ~~كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه لم يحتج هناك إلى ( إن ) وإنما ~~يحتاج إليها إذا كان السامع ظن الخلاف ، ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان ~~الخبر بأمر يبعد مثله كقول أبي نواس : # % فعليك باليأس من الناس % % إن غنى نفسك في الياس % # وإنماحسن موقعها لأن الغالب أن الناس لا يحملون أنفسهم على اليأس . وأما ~~جعلها مع اللام جوابا للمنكر في قولك : ( إن زيدا لقائم ) فجيد لأنه إذا ~~كان الكلام مع المنكر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد ، وكما يحتمل أن يكون ~~الإنكار من السامع احتمل أيضا أن يكون من الحاضرين . واعلم أنها قد تجيء ~~إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لا يوجد مثل قولك : إنه كان مني إليه إحسان ~~فعاملني بالسوء ، فكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ في الذي ~~توهمت / وعليه قوله تعالى حكاية عن أم مريم { قالت رب إنى وضعتها أنثى ~~والله أعلم بما وضعت } ( آل عمران : 36 ) وكذلك قول نوح عليه السلام : { ~~قال رب إن قومى كذبون } ( الشعراء : 117 ) . # أما قوله تعالى : { الذين كفروا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه صعب على المتكلمين ذكر حد الكفر ، وتحقيق ~~القول فيه أن كل ما ينقل عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه ذهب إليه وقال به ~~فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة أو بالاستدلال أو بخبر الواحد . أما ~~القسم الأول : وهو الذي عرف بالضرورة مجيء الرسول عليه السلام به فمن صدقه ~~في كل ذلك فهو مؤمن ، ومن لم يصدقه في ذلك ، فأما بأن لا يصدقه في جميعها ~~أو بأن لا يصدقه في البعض دون البعض ، فذلك ms0399 هو الكافر ، فإذن الكفر عدم ~~تصديق / الرسول في شيء مما علم بالضرورة مجيئه به ، ومثاله من أنكر وجود ~~الصانع ، أو كونه عالما قادرا مختارا أو كونه واحدا أو كونه منزها عن ~~النقائص والآفات ، أو أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو صحة القرآن ~~الكريم أو أنكر الشرائع التي علمنا بالضرورة كونها من دين محمد صلى الله ~~عليه وسلم كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر ، فذلك ~~يكون كافرا ؛ لأنه ترك تصديق الرسول فيما علم بالضرورة أنه من دينه . فأما ~~الذي يعرف بالدليل أنه من دينه مثل كونه عالما بالعلم أو لذاته وأنه مرئي ~~أو غير مرئي ، وأنه خالق أعمال العباد أم لا فلم ينقل بالتواتر القاطع لعذر ~~مجيئه عليه السلام بأحد القولين دون الثاني ، بل إنما يعلم صحة أحد القولين ~~وبطلان الثاني بالاستدلال ، فلا جرم لم يكن إنكاره ، ولا الإقرار به داخلا ~~في ماهية الإيمان فلا يكون موجبا للكفر ، والدليل عليه أنه لو كان ذلك جزء ~~ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يحكم بإيمان ~~أحد إلا بعد أن يعرف أنه هل يعرف الحق في تلك المسألة ، ولو كان الأمر كذلك ~~لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع الأمة ، ولنقل ذلك على سبيل التواتر ، ~~فلما لم ينقل ذلك دل على أنه عليه السلام ما وقف الإيمان عليها ، وإذا كان ~~كذلك وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان ، ولا إنكارها موجبا للكفر ، ولأجل ~~هذه القاعدة لا يكفر أحد من هذه الأمة ولا نكفر أرباب التأويل . ~~PageV02P035 وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد فظاهر أنه لا يمكن ~~توقف الكفر والإيمان عليه . فهذا قولنا في حقيقة الكفر . فإن قيل يبطل ما ~~ذكرتم من جهة العكس بلبس الغيار وشد الزنار وأمثالهما فإنه كفر مع أن ذلك ~~شيء آخر سوى ترك تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما علم بالضرورة مجيئه ~~به ، قلنا هذه الأشياء في الحقيقة ليست كفرا لأن التصديق وعدمه أمر باطن لا ~~اطلاع للخلق ms0400 عليه ، ومن عادة الشرع أنه لا يبني الحكم في أمثال هذه الأمور ~~على نفس المعنى ، لأنه لا سبيل إلى الاطلاع ، بل يجعل لها معرفات وعلامات ~~ظاهرة ويجعل تلك المظان الظاهرة مدارا للأحكام الشرعية ، وليس الغيار وشد ~~الزنار من هذا الباب ، فإن الظاهر أن من يصدق الرسول عليه السلام فإنه لا ~~يأتي بهذه الأفعال ، فحيث أتى بها دل على عدم التصديق فلا جرم الشرع يفرع ~~الأحكام عليها ، لا أنها في أنفسها كفر ، فهذا هو الكلام الملخص في هذا ~~الباب والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { إن الذين كفروا } إخبار عن كفرهم بصيغة ~~الماضي والأخبار عن الشيء بصيغة الماضي يقتضي كون المخبر عنه متقدما على ~~ذلك الأخبار ، إذا عرفت هذا فنقول : احتجت المعتزلة بكل ما أخبر الله عن ~~شيء ماض مثل قوله : { إن الذين كفروا } أو { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون } ( الحجر : 9 ) ، { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) ، ~~{ إنا أرسلنا نوحا } ( نوح : 1 ) على أن كلام الله محدث سواء كان الكلام ~~هذه الحروف والأصوات أو كان شيئا آخر . قالوا لأن الخبر على هذا الوجه لا ~~يكون صدقا إلا إذا كان مسبوقا بالخبر عنه ، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقا ~~بالغير فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديما فيجب أن يكون محدثا ، أجاب ~~القائلون بقدم الكلام عنه من وجهين : الأول : أن / الله تعالى كان في الأزل ~~عالما بأن العالم سيوجد ، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل ~~علما بأنه قد حدث في الماضي ولم يلزم حدوث علم لله تعالى ، فلم لا يجوز ~~أيضا أن يقال : إن خبر الله تعالى في الأزل كان خبرا بأنهم سيكفرون فلما ~~وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبرا عن أنهم قد كفروا ولم يلزم حدوث خبر الله ~~تعالى . الثاني : أن الله تعالى قال : { لتدخلن المسجد الحرام } ( الفتح : ~~27 ) فلما دخلوا المسجد لا بد وأن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا ~~المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز في ~~مسألتنا ms0401 مثله ؟ أجاب المستدل أولا عن السؤال الأول فقال : عند أبي الحسين ~~البصري وأصحابه العلم يتغير عند تغير المعلومات ، وكيف لا والعلم بأن ~~العالم غير موجود وأنه سيوجد لو بقي حال وجود العالم لكان ذلك جهلا لا علما ~~، وإذا كان كذلك وجب تغير ذلك العلم ، وعلى هذا سقطت هذه المعارضة . وعن ~~الثاني : أن خبر الله تعالى وكلامه أصوات مخصوصة ، فقوله تعالى : { لتدخلن ~~المسجد الحرام } معناه أن الله تعالى تكلم بهذا الكلام في الوقت المتقدم ~~على دخول المسجد لا أنه تكلم به بعد دخول المسجد ، فنظيره في مسألتنا أن ~~يقال إن قوله : { إن الذين كفروا } تكلم الله تعالى به بعد صدور الكفر عنهم ~~لا قبله إلا أنه متى قيل ذلك كان اعترافا بأن تكلمه بذلك لم يكن حاصلا في ~~الأزل وهذا هو المقصود ، أجاب القائلون بالقدم بأنا لو قلنا إن العلم يتغير ~~بتغير المعلوم لكنا إما أن نقول بأن العالم سيوجد كان حاصلا في الأزل أو ما ~~كان ، فإن لم يكن حاصلا في الأزل كان ذلك تصريحا بالجهل . وذلك كفر ، وإن ~~قلنا إنه كان حاصلا فزواله يقتضي زوال القديم ، وذلك سد باب إثبات حدوث ~~العالم والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله : { إن الذين كفروا } صيغة للجمع مع لام التعريف ~~وهي للاستغراق بظاهره ثم PageV02P036 إنه لا نزاع في أنه ليس المراد منها ~~هذا الظاهر ، لأن كثيرا من الكفار أسلموا فعلمنا أن الله تعالى قد يتكلم ~~بالعام ويكون مراده الخاص ، إما لأجل أن القرينة الدالة على أن المراد من ~~ذلك العموم ذلك الخصوص كانت ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فحسن ~~ذلك لعدم التلبيس وظهور المقصود ، ومثاله ما إذا كان للإنسان في البلد جمع ~~مخصوص من الأعداء ، فإذا قال ( إن الناس يؤذونني ) فهم كل أحد أن مراده من ~~الناس ذلك الجمع على التعيين ، وإما لأجل أن التكلم بالعام لإرادة الخاص ~~جائز وإن لم يكن البيان مقرونا به عند من يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت ~~الخطاب ، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن ms0402 التمسك بشيء من صيغ العموم على ~~القطع بالاستغراق لاحتمال أن المراد منها هو الخاص وكانت القرينة الدالة ~~على ذلك ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا جرم حسن ذلك ، وأقصى ~~ما في الباب أن يقال : لو وجدت هذه القرينة لعرفناها وحيث لم نعرفها علمنا ~~أنها ما وجدت إلا أن هذا الكلام ضعيف ، لأن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم ~~الوجود من أضعف الإمارات المفيدة للظن فضلا عن القطع ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن ~~استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف والله ~~أعلم ومن المعتزلة من / احتال في دفع ذلك فقال إن قوله : إن الذين كفروا لا ~~يؤمنون كالنقيض لقوله : إن الذين كفروا يؤمنون ، وقوله : إن الذين كفروا ~~يؤمنون لا يصدق إلا إذا آمن كل واحد منهم ، فإذا ثبت أنه في جانب الثبوت ~~يقتضي العموم وجب أن لا يتوقف في جانب النفي على العموم بل يكفي في صدقه أن ~~لا يصدر الإيمان عن واحد منهم ؛ لأنه متى لم يؤمن واحد من ذلك الجمع ثبت أن ~~ذلك الجمع لم يصدر منهم الإيمان ، فثبت أن قوله : إن الذين كفروا لا يؤمنون ~~يكفي في إجرائه على ظاهره أن لا يؤمن واحد منهم فكيف إذا لم يؤمن الكثير ~~منهم والجواب : أن قوله : { إن الذين كفروا } صيغة الجمع وقوله : { لا ~~يؤمنون } أيضا صيغة جمع والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد ~~فمعناه أن كل واحد منهم لا يؤمن وحينئذ يعود الكلام المذكور . # المسألة الرابعة : اختلف أهل التفسير في المراد ههنا بقوله : { الذين ~~كفروا } فقال قائلون : إنهم رؤساء اليهود المعاندون الذين وصفهم الله تعالى ~~بأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال ~~آخرون : بل المراد قوم من المشركين ، كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة ~~وأضرابهم ، وهم الذين جحد وأبعد البينة ، وأنكروا بعد المعرفة ونظيره ما ~~قال الله تعالى : { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون * وقالوا قلوبنا فى أكنة ~~مما تدعونا إليه } ( فصلت : 4 ، 5 ) وكان عليه السلام ms0403 حريصا على أن يؤمن ~~قومه جميعا حيث قال الله تعالى له : { فلعلك باخع نفسك علىءاثارهم إن لم ~~يؤمنوا بهاذا الحديث أسفا } ( الكهف : 6 ) وقال : { أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين } ( يونس : 99 ) ثم إنه سبحانه وتعالى بين له عليه السلام ~~أنهم لا يؤمنون ليقطع طمعه عنهم ولا يتأذى بسبب ذلك ، فإن اليأس إحدى ~~الراحتين . # أما قوله تعالى : { سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف { سوآء } اسم بمنعى الاستواء وصف به ~~كما يوصف بالمصادر منه قوله تعالى : { تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } ~~( آل عمران : 64 ) { فى أربعة أيام سواء للسائلين } ( فصلت : 10 ) بمعنى ~~مستوية ، فكأنه قيل إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه . # المسألة الثانية : في ارتفاع سواء قولان : أحدهما : أن ارتفاعه على أنه ~~خبر لأن و { ءأنذرتهم أم لم PageV02P037 تنذرهم } في موضع الرفع به على ~~الفاعلية ، كأنه قيل ، إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه كما تقول : ~~إن زيدا مختصم أخوه وابن عمه . الثاني : أن تكون أنذرتهم أم لم تنذرهم في ~~موضع الابتداء وسواء خبره مقدما بمعنى سواء عليهم إنذارك وعدمه والجملة خبر ~~لأن ، واعلم أن الوجه الثاني أولى ؛ لأن ( سواء ) اسم ، وتنزيله بمنزلة ~~الفعل يكون تركا للظاهر من غير ضرورة وأنه لا يجوز ، وإذا ثبت هذا فنقول : ~~من المعلوم أن المراد وصف الإنذار وعدم الإنذار بالاستواء ، فوجب أن يكون ~~سواء خبرا فيكون الخبر مقدما . وذلك يدل على أن تقديم الخبر على المبتدأ ~~جائز ، ونظيره قوله تعالى : { سواء محياهم ومماتهم } ( الجاثية : 21 ) وروى ~~سيبويه قولهم : ( تميمي أنا ) / ( ومشنوء من يشنؤك ) أما الكوفيون فأنهم لا ~~يجوزونه واحتجوا عليه من وجهين : الأول : المبتدأ ذات ، والخبر صفة ، ~~والذات قبل الصفة بالاستحقاق ، فوجب أن يكون قبلها في اللفظ قياسا على ~~توابع الإعراب والجامع التبعية المعنوية . الثاني : أن الخبر لا بد وأن ~~يتضمن الضمير ، فلو قدم الخبر على المبتدأ لوجد الضمير قبل الذكر ، وأنه ~~غير جائز / لأن الضمير هو اللفظ الذي أشير به إلى أم معلوم ms0404 ، فقبل العلم به ~~امتنعت الإشارة إليه ، فكان الإضمر قبل الذكر محالا ، أجاب البصريون على ~~الأول بأن ما ذكرتم يقتضي أن يكون تقدم المبتدأ أولى ، لا أن يكون واجبا ~~وعن الثاني : أن الإضمار قبل الذكر واقع في كلام العرب ، كقولهم : ( في ~~بيته يؤتى الحكم ) قال تعالى : { فأوجس فى نفسه خيفة موسى } ( طه : 67 ) ~~وقال زهير : # % فمن يلق يوما على علاته هرما % % يلق السماحة منه والندى خلقا % # والله أعلم . # المسألة الثالثة : اتفقوا على أن الفعل لا يخبر عنه ، لأن من قال : خرج ~~ضرب لم يكن آتيا بكلام منتظم ، ومنهم من قدح فيه بوجوه : أحدها : أن قوله : ~~{ ءأنذرتهم أم لم تنذرهم } فعل وقد أخبر عنه بقوله : { سواء عليهم } ونظيره ~~قوله : { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } ( يوسف : 35 ~~) فاعل ( بدا ) هو ( ليسجننه ) وثانيها : أن المخبر عنه بأنه فعل لا بد وأن ~~يكون فعلا ، فالفعل قد أخبر عنه بأنه فعل فإن قيل : المخبر عنه بأنه فعل هو ~~تلك الكلمة ، وتلك الكلمة اسم قلنا فعلى هذا : المخبر عنه بأنه فعل إذا لم ~~يكن فعلا بل إسما كان هذا الخبر كذبا ، والتحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل ~~إما أن يكون اسما أو لا يكون ، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذبا ، لأن ~~الاسم لا يكون فعلا ، وإن كان فعلا فقد صار الفعل مخبرا عنه وثالثها : أنا ~~إذا قلنا : الفعل لا يخبر عنه فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه ، والمخبر ~~عنه بهذا الخبر لو كان اسما لزم أنا قد أخبرنا عن الاسم بأنه لا يخبر عنه ، ~~وهذا خطأ وإن كان فعلا صار الفعل مخبرا عنه ثم قال هؤلاء : لما ثبت أنه لا ~~امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا حاجة إلى ترك الظاهر . أما جمهور ~~النحويين فقد أطبقوا على أنه لا يجوز الإخبار عن الفعل ، فلا جرم كان ~~التقدير : سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك ، فإن قيل العدول عن الحقيقة إلى ~~المجاز لا بد وأن يكون لفائدة زائدة إما في المعنى ms0405 أو في اللفظ فما تلك ~~الفائدة ههنا ؟ قلنا قوله : { سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم } معناه ~~سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لهم بعد ذلك لأن القوم كانوا قد بلغوا في ~~الإصرار واللجاج والأعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقي فيهم البتة ~~رجاء القبول بوجه . وقبل ذلك ما كانوا كذلك ، ولو قال سواء عليهم إنذارك ~~وعدم إنذارك لما أفاد أن هذا المعنى إنما حصل في هذا الوقت دون ما قبله ، ~~ولما قال : { ءأنذرتهم أم لم تنذرهم } PageV02P038 أفاد أن هذه الحالة إنما ~~حصلت في هذا الوقت فكان ذلك يفيد حصول اليأس وقطع الرجاء منهم ، وقد بينا ~~أن المقصود من هذه الآية ذلك . # / المسألة الرابعة : قال صاحب الكشاف : ( الهمزة ) و ( أم ) مجردتان ~~لمعنى الاستفهام وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسا ، قال سيبويه : جرى ~~هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء كقوله : اللهم اغفر لنا ~~أيتها العصابة ، يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام ، كما أن ~~ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء . # المسألة الخامسة : في قوله : { ءأنذرتهم } ست قراءات : إما بهمزتين ~~محققتين بينهما ألف ، أولا ألف بينهما ، أو بأن تكون الهمزة الأولى قوية ~~والثانية بين بين بينهما ألف ، أولا ألف بينهما وبحذف حرف الاستفهام ، ~~وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله كما قرىء ( قد أفلح ) فإن قيل : فما ~~تقول فيمن يقلب الثانية ألفا ؟ قال صاحب الكشاف : هو لاحن خارج عن كلام ~~العرب . # المسألة السادسة : الإنذار هو التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي / ~~وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى من ~~تأثير البشارة ؛ لأن اشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اشتغاله بجلب ~~المنفعة ، وهذا الموضع موضع المبالغة وكان ذكر الإنذار أولى . أما قوله : { ~~لا يؤمنون } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : هذه إما أن تكون جملة مؤكدة للجملة ~~قبلها أو خبرا ( لأن ) والجملة قبلها اعتراض . # المسألة الثانية : احتج أهل السنة بهذه الآية وكل ما أشبهها من قوله : { ~~لقد حق القول على أكثرهم فهم ms0406 لا يؤمنون } ( يس : 7 ) وقوله : { ذرنى ومن ~~خلقت وحيدا } إلى قوله : { سأرهقه صعودا } ( المدثر : 11 ، 17 ) وقوله : { ~~تبت يدا أبى لهب } ( المسد : 1 ) على تكليف ما لا يطلق ، وتقريره أنه تعالى ~~أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط ، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر لله ~~تعالى الصدق كذبا ، والكذب عند الخصم قبيح وفعل القبيح يستلزم إما الجهل ~~وإما الحاجة ، وهما محالان على الله ، والمفضي إلى المحال محال ، فصدور ~~الإيمان منه محال فالتكليف به تكليف بالمحال ، وقد يذكر هذا في صورة العلم ~~، هو أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم ~~انقلاب علم الله تعالى جهلا ، وذلك محال ومستلزم المحال محال . فالأمر واقع ~~بالمحال . ونذكر هذا على وجه ثالث : وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع ~~العلم بعدم الإيمان ؛ لأنه إنما يكون علما لو كان مطابقا للمعلوم ، والعلم ~~بعدم الإيمان إنما يكون مطابقا لو حصل عدم الإيمان ، فلو وجد الإيمان مع ~~العلم بعدم الإيمان لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجودا ومعدوما معا وهو ~~محال ، فالأمر بالإيمان مع وجود علم الله تعالى بعدم الإيمان أمر بالجمع ~~بين الضدين ، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود ، وكل ذلك محال ونذكر هذا ~~على وجه رابع : وهو أنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون ~~بالإيمان ألبتة ، والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ، ~~ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط ، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا ~~يؤمنون قط ، وهذا تكليف بالجمع بين النفي / والإثبات ، ونذكر هذا على وجه ~~خامس : وهو أنه تعالى عاب الكفار على أنهم PageV02P039 حاولوا فعل شيء على ~~خلاف ما أخبر الله عنه في قوله : { يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن ~~تتبعونا كذلكم قال الله من قبل } ( الفتح : 15 ) فثبت أن القصد إلى تكوين ~~ما أخبر الله تعالى عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله تعالى ، وذلك منهي ~~عنه . ثم ههنا أخبر الله تعالى عنهم بأنهم ms0407 لا يؤمنون البتة فمحاولة الإيمان ~~منهم تكون قصدا إلى تبديل كلام الله ، وذلك منهي عنه ، وترك محاولة الإيمان ~~يكون أيضا مخالفة لأمر الله تعالى ، فيكون الذم حاصلا على الترك والفعل ، ~~فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع ، وهذا هو الكلام الهادم لأصول ~~الاعتزال . ولقد كان السلف والخلف من المحققين معولين عليه في دفع أصول ~~المعتزلة وهدم قواعدهم ، ولقد قاموا وقعدوا واحتالوا على دفعه فما أتوا ~~بشيء مقنع ، وأنا أذكر أقصى ما ذكروه بعون الله تعالى وتوفيقه : قالت ~~المعتزلة : لنا في هذه الآية مقامان : المقام الأول : بيان أنه لا يجوز أن ~~يكون علم الله تعالى وخبر الله تعالى عن عدم الإيمان مانعا من الإيمان ، ~~والمقام الثاني : بيان الجواب العقلي على سبيل التفصيل ، أما المقام الأول ~~فقالوا : الذي يدل عليه وجوه : أحدها : أن القرآن مملوء من الآيات الدالة ~~على أنه لا مانع لأحد من الإيمان قال : { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى } ( الإسراء : 94 ) وهو إنكار بلفظ الاستفهام ومعلوم أن رجلا لو حبس ~~آخر في بيت بحيث لا يمكنه الخروج عنه ثم يقول ما منعك من التصرف في حوائجي ~~كان ذلك منه مستقبحا وكذا قوله : { وماذا عليهم لو ءامنوا } ( الأعراف : 12 ~~) وقوله لإبليس : { ما * منعك أن تسجد } ( النساء : 39 ) وقول موسى لأخيه : ~~{ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } ( طه : 92 ) وقوله : { فما لهم لا يؤمنون } ( ~~الانشقاق : 20 ) { فما لهم عن التذكرة معرضين } ( المدثر : 49 ) { عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) { لم تحرم ما أحل الله لك } ( التحريم : ~~1 ) قال الصاحب بن عباد في فصل له في هذا الباب : كيف يأمره بالإيمان وقد ~~منعه عنه ؟ وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه ، وكيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول ~~أنى تصرفون ؟ ويخلق فيهم الإفك ثم يقول أنى تؤفكون ؟ وأنشأ فيهم الكفر ثم ~~يقوم لم تكفرون ؟ وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول { لم تلبسون الحق ~~بالباطل } ( آلل عمران : 71 ) وصدهم عن السبيل ثم يقول : { لم تصدون عن ~~سبيل الله } ( آل عمران : 99 ms0408 ) وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال : { وماذا ~~عليهم لو ءامنوا } وذهب بهم عن الرشد ثم قال : { فأين تذهبون } ( التكوير : ~~26 ) وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال : { فما لهم عن التذكرة معرضين } . ~~( المدثر : 49 ) وثانيها : أن الله تعالى قال : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ( السناء : 165 ) وقال : { ولو أنا ~~أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى } ( طه : 134 ) فلما بين أنه ما أبقي لهم عذرا إلا وقد ~~أزاله عنهم ، فلو كان علمه بكفرهم وخبره عن كفرهم مانعا لهم عن الإيمان ~~لكان ذلك من أعظم الأعذار وأقوى الوجوه الدافعة للعقاب عنهم فلما لم يكن ~~كذلك علمنا أنه غير مانع . وثالثها : أنه تعالى حكى عن الكفار في سورة ( حم ~~السجدة ) أنهم قالوا : قلوبنا في أكنه مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ، ~~وإنما ذكر الله تعالى ذلك ذما لهم في هذا القول ، فلو كان العلم مانعا ~~لكانوا صادقين / في ذلك فلم ذمهم عليه ؟ ورابعها : أنه تعالى أنزل قوله : { ~~إن الذين كفروا * إلى * ءاخره } ذما لهم وزجرا عن الكفر وتقبيحا لفعلهم ، ~~فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان غير قادرين عليه لما استحقوا الذم البتة ، بل ~~كانوا معذورين كما يكون الأعمى معذورا في أن لا يمشي . وخامسها : القرآن ~~إنما أنزل ليكون حجة لله ولرسوله عليهم ، لا أن يكون لهم حجة على الله وعلى ~~رسوله ، فلو PageV02P040 كان العلم والخبر مانعا لكان لهم أن يقولوا : إذا ~~علمت الكفر وأخبرت عنه كان ترك الكفر محالا منا ، فلم تطلب المحال منا ولم ~~تأمرنا بالمحال ؟ ومعلوم أن هذا مما لا جواب لله ولا لرسوله عنه لو ثبت أن ~~العلم والخبر يمنع وسادسها : قوله تعالى : { نعم المولى ونعم النصير } ( ~~الأنفال : 40 ) ولو كان مع قيام المانع عن الإيمان كلف به لما كان نعم ~~المولى ، بل كان بئس المولى ومعلوم أن ذلك كفر ، قالوا : فثبت بهذه الوجوه ~~أنه ليس عن الإيمان والطاعة مانع البتة ، فوجب القطع بأن ms0409 علم الله تعالى ~~بعدم الإيمان وخبره عن عدمه لا يكون مانعا عن الإيمان . المقام الثاني : ~~قالوا إن الذي يدل على أن العلم بعدم الإيمان لا يمنع من وجود الإيمان وجوه ~~: أحدها : أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يكون الله تعالى قادرا على شيء ؛ لأن ~~الذي علم وقوعه يكون واجب الوقوع ، والذي علم عدم وقوعه يكون ممتنع الوقوع ~~، والواجب لا قدرة له عليه ؛ لأنه إذا كان واجب الوقوع ، لا بالقدرة فسواء ~~حصلت القدرة أو لم تحصل كان واجب الوقوع / والذي يكون كذلك لم يكن للقدرة ~~فيه أثر ، وأما الممتنع فلا قدرة عليه ، فيلزم أن لا يكون الله تعالى قادرا ~~على شيء أصلا ، وذلك كفر بالاتفاق فثبت أنا لعلم بعدم الشيء لا يمنع من ~~إمكان وجوده . وثانيها : أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه ، فإن كان ~~ممكنا علمه ممكنا وإن كان واجبا علمه واجبا ، ولا شك أن الإيمان والكفر ~~بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود ، فلو صار واجب الوجود بسبب العلم كان العلم ~~مؤثرا في المعلوم ، وقد بينا أنه محال . وثالثها : لو كان الخبر والعلم ~~مانعا لما كان العبد قادرا على شيء أصلا ؛ لأن الذي علم الله تعالى وقوعه ~~كان واجب الوقوع ، والواجب لا قدرة عليه ؛ والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع ~~، والممتنع لا قدره عليه ، فوجب أن لا يكون العبد قادرا على شيء أصلا ، ~~فكانت حركاته وسكناته جارية مجرى حركات الجمادات ، والحركات الاضطرارية ~~للحيوانات ، لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك ، فإن رمى إنسان إنسانا بالآجرة ~~حتى شجه فإنا نذم الرامي ولا نذم الآجرة ، وندرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا ~~سقطت الآجرة عليه ، وبين ما إذا لكمه إنسان بالاختيار : ولذلك فإن العقلاء ~~ببداءة عقولهم يدركون الفرق بين مدح المحسن وذم المسيء ، ويلتمسون ويأمرون ~~ويعاتبون ويقولون لم فعلت ولم تركت ؟ فدل على أن العلم والخبر غير مانع من ~~الفعل والترك . ورابعها : لو كان العلم بالعدم مانعا للوجود لكان أمر الله ~~تعالى للكافر بالإيمان أمرا بإعدام علمه ، وكما أنه لا يليق به أن يأمر ms0410 ~~عباده بأن يعدموه فكذلك لا يليق به أن يأمرهم ، بأن يعدموا علمه ؛ لأن إعدم ~~ذات الله وصفاته غير معقول ، والأمر به سفه وعبث ، فدل على أن العلم بالعدم ~~لا يكون مانعا من الوجود . وخامسها : أن الإيمان في نفسه من قبيل الممكنات ~~الجائزات / نظرا إلى ذاته وعينه ، فوجب أن يعلمه الله تعالى من الممكنات ~~الجائزات ، إذ لو لم يعلمه كذلك لكان ذلك العلم جهلا ، وهو محال ، وإذا ~~علمه الله تعالى من الممكنات الجائزات التي لا يمتنع وجودها وعدمها البتة ، ~~فلو صار بسبب العلم واجبا لزم أن يجتمع على الشيء الواحد كونه من الممكنات ~~، وكونه ليس من الممكنات وذلك محال . وسادسها : أن الأمر بالمحال سفه وعبث ~~، فلو جاز ورود الشرع به لجاز وروده أيضا بكل أنواع السفه ، فما كان يمتنع ~~وروده بإظهار المعجزة على يد الكاذبين ولا إنزال الأكاذيب والأباطيل ، وعلى ~~هذا التقدير لا يبقى وثوق بصحة نبوة الأنبياء ولا بصحة القرآن ، بل يجوز أن ~~يكون كله كذبا وسفها ، ولما بطل ذلك علمنا أن العلم بعدم الإيمان والخبر عن ~~عدم الإيمان لا يمنع من الإيمان . وسابعها : أنه لو جاز ورود الأمر بالمحال ~~في هذه الصورة لجاز PageV02P041 ورود أمر الأعمى بنقط المصاحف . والمزمن ~~بالطيران في الهواء ، وأن يقال لمن قيد يداه ورجلاه وألقي من شاهق جبل : لم ~~لا تطير إلى فوق ؟ ولما لم يجز شيء من ذلك في العقول علمنا أنه لا يجوز ~~الأمر بالمحال ، فثبت أن العلم بالعدم لا يمنع من الوجود ، وثامنها : لو ~~جاز ورود الأمر بذلك لجاز بعثة الأنبياء إلى الجمادات وإنزال الكتب عليها ، ~~وإنزال الملائكة لتبليغ التكاليف إليها حالا بعد حال ، ومعلوم أن ذلك سخرية ~~وتلاعب بالدين . وتاسعها : أن العلم بوجود الشيء لو اقتضى وجوبه لأغنى ~~العلم عن القدرة والإرادة ، فوجب أن لا يكون الله تعالى قادرا مريدا مختارا ~~، وذلك قول الفلاسفة القائلين بالموجب . وعاشرها : الآيات الدالة على أن ~~تكليف ما لا يطاق لم يوجد ، قال الله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها } ( البقرة : 286 ) وقال : { وما جعل ms0411 عليكم فى الدين من حرج } ( الحج ~~: 78 ) وقال : { ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم } ( الأعراف : ~~157 ) وأي حرج ومشقة فوق التكليف بالمحال المقام الثالث الجواب على سبيل ~~التفصيل ، للمعتزلة فيه طريقان : الأول : طريقة أبي علي وأبي هاشم والقاضي ~~عبد الجبار ، فإنا لما قلنا : لو وقع خلاف معلوم الله تعالى لانقلب علمه ~~جهلا قالوا خطأ : قول من يقول : إنه ينقلب علمه جهلا ، وخطأ أيضا قول من ~~يقول : إنه لا ينقلب ، ولكن يجب الإمساك عن القولين : والثاني : طريقة ~~الكعبي واختيار أبي الحسين البصري : أن العلم تبع المعلوم ، فإذا فرضت ~~الواقع من العبد من الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل لله تعالى هو العلم ~~بالإيمان ، ومتى فرضت الواقع منه هو الكفر بدلا عن الإيمان عرفت أن الحاصل ~~في الأزل هو العلم بالكفر بدلا عن الإيمان ، فهذا فرض علم بدلا عن علم أخر ~~، لا أنه تغير العلم . فهذان الجوابان هما اللذان عليهما اعتماد جمهور ~~المعتزلة . واعلم أن هذا المبحث صار منشأ لضلالات عظيمة : فمنها أن منكري ~~التكاليف والنبوات قالوا : قد سمعنا كلام أهل الجبر فوجدناه قويا قاطعا ، ~~وهذان الجوابان اللذان ذكرهما المعتزلة يجريان مجرى الخرافة ولا يلتفت ~~العاقل إليهما ، وسمعنا كلام المعتزلة في أن مع القول بالجبر لا يجوز ~~التكليف ويقبح ، والجواب الذي ذكره أهل الجبر ضعيف جدا فصار مجموع الكلامين ~~كلاما قويا في نفي التكاليف ، ومتى بطل ذلك بطل القول بالنبوات . ومنها أن ~~الطاعنين / في القرآن قالوا : الذي قاله المعتزلة من الآيات الكثيرة الدالة ~~على أنه لا منع من الإيمان ومن الطاعة فقد صدقوا فيه ، والذي قاله الجبرية ~~: من أن العلم بعدم الإيمان مانع منه فقد صدقوا فيه ، فدل على أن القرآن ~~ورد على ضد العقل وعلى خلافه ، وذلك من أعظم المطاعن وأقوى القوادح فيه ، ~~ثم من سلم من هؤلاء أن هذا القرآن هو القرآن الذي جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم توسل به إلى الطعن فيه ، وقال قوم من الرافضة : إن هذا الذي ~~عندنا ليس هو القرآن الذي جاء به ms0412 محمد بل غير وبدل . والدليل عليه اشتماله ~~على هذه المناقضات التي ظهرت بسبب هذه المناظرة الدائرة بين أهل الجبر وأهل ~~القدر . ومنها أن المقلدة الطاعنين في النظر والاستدلال احتجوا بهذه ~~المناظرة وقالوا : لو جوزنا التمسك بالدلائل العقلية لزم القدح في التكليف ~~والنبوة بسبب هذه المناظرة ، فإن كلام أهل الجبر في نهاية القوة في إثبات ~~الجبر ، وكلام أهل القدر في بيان أنه متى ثبت الجبر بطل التكليف بالكلية في ~~نهاية القوة ، فيتولد من مجموع الكلامين أعظم شبهة في القدح والتكليف ~~والنبوة ، فثبت أن الرجوع إلى العقليات يورث الكفر والضلال ، وعند هذا قيل ~~من تعمق في الكلام تزندق . ومنها أن هشام بن الحكم زعم أنه سبحانه لا يعلم ~~الأشياء قبل PageV02P042 وقوعها وجوز البداء على الله تعالى وقال : أن قوله ~~: { إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } إنما وقع ~~على سبيل الاستدلال بالأمارة ، ويجوز له أن يظهر خلاف ما ذكره ، وإنما قال ~~بهذا المذهب فرارا من تلك الإشكالات المتقدمة . واعلم أن جملة الوجوه التي ~~رويناها عن المعتزلة كلمات لا تعلق لها بالكشف عن وجه الجواب . بل هي جارية ~~مجرى التشنيعات . فأما الجوابان اللذان عليهما اعتماد القوم ففي نهاية ~~الضعف . أما قول أبي علي وأبي هشام والقاضي : خطأ قول من يقول إنه يدل ، ~~وخطأ قول من يقول : إنه لا يدل : إن كان المراد منه الحكم بفساد القسمين ~~كان ذلك حكما بفساد النفي والإثبات وذلك لا يرتضيه العقل وإن كان معناه أن ~~أحدهما حق لكن لا أعرف أن الحق هو أنه يدل أو لا يدل كفي في دفعه تقرير وجه ~~الاستدلال ، فإنا لما بينا أن العلم بالعدم لا يحصل إلا مع العدم ، فلو حصل ~~الوجود معه لكان قد ا جتمع العدم والوجود معا ولا يتمكن العقل من تقرير ~~كلام أوضح من هذا وأقل مقدمات فيه . وأما قول الكعبي ففي نهاية الضعف ، ~~لأنا وإن كنا لا ندري أن الله تعالى كان في الأزل عالما بوجود الإيمان أو ~~بعدمه لكنا نعلم أن العلم ms0413 بأحد هذين الأمرين كان حاصلا ، وهو الآن أيضا ~~حاضر ، فلو حصل مع العلم بأحد النقيضين ذلك النقيض الآخر لزم اجتماع ~~النقيضين ، ولو قيل بأن ذلك العلم لا يبقى كان ذلك اعترافا بانقلاب العلم ~~جهلا ، وهذا آخر الكلام في هذا البحث . واعلم أن الكلام المعنوي هو الذي ~~تقدم ، وبقي في هذا الباب أمور أخرى إقناعية ولا بد من ذكرها وهي خمسة : ~~أحدها : روى الخطيب في كتاب تاريخ بغداد عن معاذ بن معاذ العنبري قال : كنت ~~جالسا عند عمرو بن عبيد فأتاه رجل فقال : يا أبا عثمان سمعت والله اليوم ~~بالكفر ، فقال : لا تعجل بالكفر ، وما سمعت ؟ قال : سمعت هاشما الأوقص يقول ~~: إن { تبت يدا أبى لهب } ( المسد : 1 ) وقوله : { ذرنى ومن خلقت وحيدا } ( ~~المدثر : 11 ) إلى قوله : { سأصليه سقر } ( المدثر : 26 ) إن هذا / ليس في ~~أم الكتاب والله تعالى يقول : { حم * والكتاب المبين } ( الدخان : 2 ) إلى ~~قوله : { وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم } ( الزخرف : 4 ) فما الكفر ~~إلا هذا يا أبا عثمان ، فسكت عمرو هنيهة ثم أقبل علي فقال والله لو كان ~~القول كما يقول ما كان على أبي لهب من لوم ، ولا على الوليد من لوم ، فلما ~~سمع الرجل ذلك قال أتقول يا أبا عثمان ذلك ، هذا والله الذي قال معاذ فدخل ~~بالإسلام وخرج بالكفر . وحكي أيضا أنه دخل رجل على عمرو بن عبيد وقرأ عنده ~~: { بل هو قرءان مجيد * فى لوح محفوظ } ( البروج : 22 ) فقال له أخبرني عن ~~{ تبت } أكانت في اللوح المحفوظ ؟ فقال عمرو : ليس هكذا كانت ، بل كانت : ~~تبت يدا من عمل بمثل ما عمل أبو لهب فقال له الرجل ، هكذا ينبغي أن تقرأ ~~إذا قمنا إلى الصلاة : فغضب عمرو وقال : إن علم الله ليس بشيطان ، إن علم ~~الله لا يضر ولا ينفع . وهذه الحكاية تدل على شك عمرو بن عبيد في صحة ~~القرآن . وثانيها : روى القاضي في كتاب طبقات المعتزلة عن ابن عمر ، أن ~~رجلا قام إليه فقال : يا أبا عبد الرحمن أن أقواما يزنون ms0414 ويسرقون ويشربون ~~الخمر ويقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ويقولون كان ذلك في علم الله ~~فلم نجد منه بدا ، فغضب ثم قال سبحان الله العظيم ، قد كان في علمه أنهم ~~يفعلونها فلم PageV02P043 يحملهم على الله على فعلها . حدثني أبي عمر بن ~~الخطاب أنه سمع رسول صلى الله عليه وسلم يقول : مثل علم الله فيكم كمثل ~~السماء التي أظلتكم ، والأرض التي أقلتكم ، فكما لا تستطيعون الخروج من ~~السماء والأرض فكذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله تعالى ، وكما لا ~~تحملكم السماء والأرض على الذنوب فكذلك لا يحملكم علم الله تعالى عليها . ~~واعلم أن في الأخبار التي يرويها الجبرية والقدرية كثرة ، والغرض من رواية ~~هذا الحديث بيان أنه لا يليق بالرسول أن يقول مثل ذلك ، وذلك لأنه متناقض ~~وفاسد ، أما المتناقض فلأن قوله : ( وكذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله ~~) صريح في الجبر وما قبله صريح في القدر فهو متناقض ، وأما أنه فاسد ، ~~فلأنا بينا أن العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان متنافيان ، فالتكليف ~~بالإيمان مع وجود العلم بعدم الإيمان تكليف بالجمع بين النفي والإثبات ، ~~أما السماء والأرض فإنهما لا ينافيان شيئا من الأعمال ، فظهر أن تشبيه إحدى ~~الصورتين بالأخرى لا يصدر إلا عن جاهل أو متجاهل ، وجل منصب الرسالة عنه . ~~وثالثها : الحديثان المشهوران في هذا الباب : أما الحديث الأول : فهو ما ~~روي في الصحيحين عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : ( إن أحدكم يجمع خلقه ~~في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك / ثم يكون مضغة مثل ذلك ~~، ثم يرسل الله إليه ملكا فينفخ فيه الروح فيؤمر بأربع كلمات ، فيكتب رزقه ~~وأجله وعمله وشقي أم سعيد ، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل ~~أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل ~~أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه ~~وبينها ms0415 إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) وحكى ~~الخطيب في تاريخ بغداد عن عمرو بن عبيد / أنه قال : لو سمعت الأعمش يقول ~~هذا لكذبته ، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أحببته ، ولو سمعت عبد الله ~~بن مسعود يقول هذا ما قبلته ، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~هذا لرددته ، ولو سمعت الله عز وجل يقول هذا لقلت ليس على هذا أخذت ميثاقنا ~~. وأما الحديث الثاني : فهو مناظرة آدم وموسى عليهما السلام ، فإن موسى قال ~~لآدم : أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ؟ فقال آدم : أنت الذي ~~اصطفاك الله لرسالاته ولكلامه وأنزل عليك التوراة فهل تجد الله قدره على ؟ ~~قال نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى ، والمعتزلة ~~طعنوا فيه من وجوه : أحدها : أن هذا الخبر يقتضي أن يكون موسى قد ذم آذم ~~على الصغيرة وذلك يقتضي الجهل في حق موسى عليه السلام ، وأنه غير جائز . ~~وثانيها : أن الولد كيف يشافه والده بالقول الغليظ . وثالثها : أنه قال : ~~أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ، وقد علم موسى أن شقاء الخلق ~~وإخراجهم من الجنة لم يكن من جهة آدم ، بل الله أخرجه منها ، ورابعها : أن ~~آدم عليه السلام احتج بما ليس بحجة إذ لو كن حجة لكان لفرعون وهامان وسائر ~~الكفار أن يحتجوا بها ، ولما بطل ذلك علمنا فساد هذه الحجة . وخامسها : أن ~~الرسول عليه السلام صوب آدم في ذلك مع أنا بينا أنه ليس بصواب . إذا ثبت ~~هذا وجب حمل الحديث على أحد ثلاثة أوجه . أحدها : أنه عليه السلام حكى ذلك ~~عن اليهود لا أنه حكاه عن الله تعالى أو عن نفسه ، والرسول عليه السلام كان ~~قد ذكر هذه الحكاية إلا أن الراوي حين دخل ما سمع إلا هذا الكلام ، فظن أنه ~~عليه السلام ذكره عن نفسه لا عن اليهود . وثانيها : أنه قال : فحج آدم ~~منصوبا أي أن موسى عليه السلام غلبه وجعله محجوبا وأن الذي أتى به آدم ms0416 ليس ~~بحجة ولا بعذر . وثالثها : وهو المعتمد أنه ليس المراد من المناظرة الذم ~~على المعصية ، ولا الاعتذار منه بعلم الله بل موسى عليه السلام سأله عن ~~السبب PageV02P044 الذي حمله على تلك الزلة حتى خرج بسببها من الجنة ، فقال ~~آدم : إن خروجي من الجنة لم يكن بسبب تلك الزلة ، بل بسبب أن الله تعالى ~~كان قد كتب علي أن أخرج من الجنة إلى الأرض وأكون خليفة فيها ، وهذا المعنى ~~كان مكتوبا في التوراة ، فلا جرم كانت حجة آدم قوية وصار موسى عليه السلام ~~في ذلك كالمغلوب واعلم أن الكلام في هذه المسألة طويل جدا والقرآن مملوء ~~منه وسنستقصي القول فيها في هذا التفسير إن قدر الله تعالى ذلك ؛ وفيما ~~ذكرنا ههنا كفاية . # ! 7 < { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب ~~عظيم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 7 ) ختم الله على . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون أخبر في هذه ~~الآية بالسبب الذي لأجله لم يؤمنوا ، وهو الختم ، والكلام ههنا يقع في ~~مسائل : # / المسألة الأولى : الختم والكتم أخوان ؛ لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب ~~الخاتم عليه كتما له وتغطية ، لئلا يتوصل إليه أو يطلع عليه ، والغشاوة ~~الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه ، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة ~~والعمامة . # المسألة الثانية : اختلف الناس في هذا الختم ، أما القائلون بأن أفعال ~~العباد مخلوقة لله تعالى فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر ، ثم لهم قولان ، ~~منهم من قال : الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار ، ومنهم من قال هو خلق ~~الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سببا موجبا لوقوع ~~الكفر ، وتقريره أن القادر على الكفر إما أن يكون قادرا على تركه أو لا ~~يكون ، فإن لم يقدر على تركه كانت القدرة على الكفر موجبة للكفر ، فخلق ~~القدرة على الكفر يقتضي خلق الكفر ، وإن قدر على الترك كانت نسبة تلك ~~القدرة إلى فعل الكفر وإلى تركه على سواء ، فإما أن يكون صيرورتها مصدرا ~~للفعل بدلا ms0417 عن الترك يتوقف على انضمام مرجح إليها أولا يتوقف ، فإن لم ~~يتوقف فقد وقع الممكن لا عن مرجح ، وتجويز يقتضي القدح في الاستدلال ~~بالممكن على المؤثر ، وذلك يقتضي نفي الصانع وهو محال ، وأما إن توقف على ~~المرجح فذلك المرجح إما أن يكون من فعل الله أو من فعل العبد أولا من فعل ~~الله ولا من فعل العبد ، لا جائز أن يكون من فعل العبد وإلا لزم التسلسل ، ~~ولا جائز أن يكون لا بفعل الله ولا بفعل العبد ؛ لأنه يلزم حدوث شيء لا ~~لمؤثر ، وذلك يبطل القول بالصانع . فثبت أن كون قدرة العبد مصدرا للمقدور ~~المعين يتوقف على أن ينضم إليها مرجح هو من فعل الله تعالى . فنقول : إذا ~~انضم ذلك المرجح إلى تلك القدرة فإما أن يصير تأثير القدرة في ذلك الأثر ~~واجبا أو جائزا أو ممتنعا ، والثاني والثالث ، باطل فتعين الأول ، وإنما ~~قلنا إنه لا يجوز أن يكون جائزا لأنه لو كان جائزا لكان يصح في العقل أن ~~يحصل مجموع القدرة مع ذلك المرجح تارة مع ذلك الأثر ، وأخرى منفكا عنه ، ~~فلنفرض وقوع ذلك ؛ لأن كل ما كان جائزا لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فذاك ~~المجموع تارة يترتب عليه الأثر ، وأخرى لا يترتب عليه الأثر ، فاختصاص أحد ~~الوقتين يترتب ذلك الأثر عليه إما أن يتوقف على PageV02P045 انضمام قرينة ~~إليه ، أو لا يتوقف ، فإن توقف كان المؤثر هو ذلك المجموع مع هذه القرينة ~~الزائدة ، لا ذلك المجموع ، وكنا قد فرضنا أن ذلك المجموع هو المستقل خلف ~~هذا ، وأيضا فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني ، فإن توقف على قيد آخر ~~لزم التسلسل وهو محال ، وإن لم يتوقف فحينئذ حصل ذلك المجموع تارة بحيث ~~يكون مصدرا للأثر ، وأخرى بحيث لا يكون مصدرا له مع أنه لم يتميز أحد ~~الوقتين عن الآخر بأمر ما البتة ، فيكون هذا قولا بترجح الممكن لا عن مرجح ~~وهو محال . فثبت أن عند حصول ذلك المرجح يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر ~~جائزا ، وأما أنه لا يكون ms0418 ممتنعا فظاهر ، وإلا لكان مرجح الوجود مرجحا ~~للعدم وهو محال ، وإذا بطل القسمان ثبت أن عند حصول مرجح الوجود يكون الأثر ~~واجب الوجود عن / المجموع الحاصل من القدرة ، ومن ذلك المرجح ، وإذا ثبت ~~هذا كان القول بالجبر لازما : لأن قبل حصول ذلك المرجح كان صدور الفعل ~~ممتنعا وبعد حصوله يكون واجبا ، وإذ عرفت هذا كان خلق الداعية الموجبة ~~للكفر في القلب ختما على القلب ومنعا له عن قبول الإيمان ؛ فإنه سبحانه لما ~~حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون ذكر عقيبة ما يجري مجرى السبب الموجب له / لأن ~~العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول ، والعلم بالمعلول لا يكمل إلا إذا ~~استفيد من العلم بالعلة ، فهذا قول من أضاف جميع المحدثات إلى الله تعالى . ~~وأما المعتزلة فقد قالوا : إنه لا يجوز أجراء هذه الآية على المنع من ~~الإيمان واحتجوا فيه بالوجوه التي حكيناها عنهم في الآية الأولى وزادوا ~~ههنا بأن الله تعالى قد كذب الكفار الذين قالوا إن على قلوبهم كنان وغطاء ~~يمنعهم عن الإيمان { وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا } ( النساء : 155 ) وقال : { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ~~* وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه } ( فصلت : 4 ، 5 ) وهذا كله عيب ~~وذم من الله تعالى فيما ادعوا أنهم ممنوعون عن الإيمان ثم قالوا : بل لا بد ~~من حمل الختم والغشاوة على أمور أخر ثم ذكروا فيه وجوها : أحدها : أن القوم ~~لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بدلائل الله تعالى حتى صار ذلك كالألف والطبيعة ~~لهم أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه وكذلك هذا في عيونهم حتى كأنها ~~مسدودة لا تبصر شيئا وكأن بآذانهم وقرأ حتى لا يخلص إليها الذكر ، وإنما ~~أضيف ذلك إلى الله تعالى لأن هذه الصفة في تمكنها وقوة ثباتها كالشيء ~~الخلقي ؛ ولهذا قال تعالى : { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون } ( ~~النساء : 155 ) { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ( المطففين : 14 ~~) { فأعقبهم نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه } . ( لتوبة : 77 ) وثانيها ms0419 : ~~أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو ~~الكافر إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره أسند إليه الختم كما يسند ~~الفعل إلى السبب . وثالثها : أنهم لما أعرضوا عن التدبر ولم يصغوا إلى ~~الذكر وكان ذلك عند إيراد الله تعالى عليهم الدلائل أضيف ما فعلوا إلى الله ~~تعالى ؛ لأن حدوثه إنما اتفق عند إيراده تعالى دلائله عليهم كقوله تعالى في ~~سورة براءة : { زادتهم * رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) أي ازدادوا بها ~~كفرا إلى كفرهم . ورابعها : أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى ~~تحصيل الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء إلا أن الله تعالى ما أقرهم عليه ~~لئلا يبطل التكليف فعبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم إشعارا بأنهم الذين ~~انتهوا في الكفر إلى حيث لا يتناهون عنه إلا بالقسر وهي الغاية القصوى في ~~وصف لجاجهم في الغي . وخامسها : أن يكون ذلك حكاية لما كان الكفرة يقولونه ~~تهكما به من قولهم : { قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) ونظيره في الحكاية والتهكم قوله : { لم ~~يكن الذين PageV02P046 كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم ~~البينة } ( البينة : 1 ) . وسادسها : الختم على قلوب الكفار من الله تعالى ~~هو الشهادة منه عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وعلى قلوبهم بأنها لا تعي الذكر ~~ولا تقبل الحق ، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق كما يقول الرجل ~~لصاحبه أريد أن تختم على / ما يقوله فلان ، أي تصدقه وتشهد بأنه حق ، فأخبر ~~الله تعالى في الآية الأولى بأنهم لا يؤمنون ، وأخبر في هذه الآية بأنه قد ~~شهد بذلك وحفظه عليهم . وسابعها : قال بعضهم : هذه الآية إنما جاءت في قوم ~~مخصوصين من الكفار فعل الله تعالى بهم هذا الختم والطبع في الدنيا عقابا ~~لهم في العاجل ، كما عجل لكثير من الكفار عقوبات في الدنيا فقال : { ولقد ~~علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين } ( البقرة ~~: 65 ) وقال : { فإنها محرمة عليهم أربعين ms0420 سنة يتيهون فى الارض فلا تأس على ~~القوم الفاسقين } ( المائدة : 26 ) ونحو هذا من العقوبات المعجلة لما علم ~~الله تعالى فيها من العبرة لعبادة والصلاح لهم ، فيكون هذا مثل ما فعل ~~بهؤلاء من الختم والطبع ، إلا أنهم إذا صاروا بذلك إلى أن لا يفهموا سقط ~~عنهم التكليف كسقوطه عمن مسخ ، وقد أسقط الله التكليف عمن يعقل بعض العقل ~~كمن قارب البلوغ ، ولسنا ننكر أن يخلق الله في قلوب الكافرين مانعا يمنعهم ~~عن الفهم والاعتبار إذا علم أن ذلك أصلح لهم كما قد يذهب بعقولهم ويعمي ~~أبصارهم ولكن لا يكونون في هذا الحال مكلفين . وثامنها : يجوز أن يجعل الله ~~على قلوبهم الختم وعلى أبصارهم الغشاوة من غير أن يكون ذلك حائلا بينهم ~~وبين الإيمان بل يكون ذلك كالبلادة التي يجدها الإنسان في قلبه والقذي في ~~عينيه والطنين في أذنه ، فيفعل الله كل ذلك بهم ليضيق صدورهم ويورثهم الكرب ~~والغم فيكون ذلك عقوبة مانعة من الإيمان كما قد فعل ببني إسرائيل فتاهوا ثم ~~يكون هذا الفعل في بعض الكفار ويكون ذلك آية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ودلالة له كالرجز الذي أنزل على قوم فرعون حتى استغاثوا منه ، وهذا كله ~~مقيد بما يعلم الله تعالى أنه أصلح للعباد . وتاسعها : يجوز أن يفعل هذا ~~الختم بهم في الآخرة كما قد أخبر أنه يعميهم قال : { ونحشرهم يوم القيامة ~~على وجوههم عميا وبكما وصما } ( الإسراء : 97 ) وقال : { ونحشر المجرمين ~~يومئذ زرقا } ( طه : 102 ) وقال : { اليوم نختم على أفواههم } ( يس : 65 ) ~~وقال : { لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون } ( االأنبياء : 100 ) . ~~وعاشرها : ما حكوه عن الحسن البصري وهو اختيار أبي على الجبائي والقاضي أن ~~المراد بذلك علامة وسمة يجعلها في قلب الكفار وسمعهم فتستدل الملائكة بذلك ~~على أنهم كفار ، وعلى أنهم لا يؤمنون أبدا فلا يبعد أن يكون في قلوب ~~المؤمنين علامة تعرف الملائكة بها كونهم مؤمنين عند الله كما قال : { أولئك ~~كتب فى قلوبهم الإيمان } وحينئذ الملائكة يحبونه ويستغفرون له ، ويكون ~~لقلوب الكفار علامة تعرف ms0421 الملائكة بها كونهم ملعونين عند الله فيبغضونه ~~ويلعنونه ، والفائدة في تلك العلامة إما مصلحة عائدة إلى الملائكة ؛ لأنهم ~~متى علموا بتلك العلامة كونه كافرا ملعونا عند الله تعالى صار ذلك منفرا ~~لهم عن الكفر أو إلى المكلف ، فإنه إذا علم أنه متى آمن فقد أحبه أهل ~~السموات صار ذلك مرغبا له في الإيمان وإذا علم أنه متى أقدم على الكفر عرف ~~الملائكة منه ذلك فيبغضونه ويلعنونه صار ذلك زاجرا له عن الكفر . قالوا : ~~والختم بهذا المعنى لا يمنع ، لأنا نتمكن بعد ختم الكتاب أن نفكه ونقرأه ، ~~ولأن الختم هو بمنزلة / أن يكتب على جبين الكافر أنه كافر ، فإذا لم يمنع ~~ذلك من الإيمان فكذا هذا الكافر يمكنه أن يزيل تلك السمة عن قلبه بأن يأتي ~~بالإيمان ويترك الكفر . قالوا : وإنما خص القلب والسمع بذلك ؛ لأن الأدلة ~~السمعية لا تستفاد إلا من جهة السمع ، والأدلة العقلية لا تستفاد إلا من ~~جان ببالقلب ، ولهذا خصهما بالذكر . PageV02P047 فإن قيل : فيتحملون ~~الغشاوة في البصر أيضا على معنى العلامة ؟ قلنا لا ، لأنا إنما حملنا ما ~~تقدم على السمة والعلامة ، لأن حقيقة اللغة تقتضي ذلك ، ولا مانع منه فوجب ~~إثباته . أما الغشاوة فحقيقتها الغطاء المانع من الإبصار ومعلوم من حال ~~الكفار خلاف ذلك فلا بد من حمله على المجاز ، وهو تشبيه حالهم بحال من لا ~~ينتفع ببصره في باب الهداية . فهذا مجموع أقوال الناس في هذا الموضع . # المسألة الثالثة : الألفاظ الواردة في القرآن القريبة من معنى الختم هي : ~~الطبع ، والكنان ، والرين على القلب ، والوقر في الآذان ، والغشاوة في ~~البصر ثم الآيات الواردة في ذلك مختلفة فالقسم الأول : وردت دلالة على حصول ~~هذه الأشياء قال : { كلا بل ران على قلوبهم } ( المطففين : 14 ) { وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا } ( الأنعام : 25 ) { وطبع على ~~قلوبهم } ( التوبة : 87 ) { بل طبع الله عليها بكفرهم } ( النساء : 155 ) { ~~فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } ( فصلت : 4 ) { لينذر من كان حيا } ( يس : 70 ~~) { إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء } النحل : 80 ms0422 ) { أموات غير ~~أحياء } { فى قلوبهم مرض } ( البقرة : 10 ) والقسم الثاني : وردت دلالة على ~~أنه لا مانع البتة { وما منع الناس أن يؤمنوا } ( الأسراء : 94 ) { فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر } ( االكهف : 29 ) { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ~~( البقرة : 286 ) { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) { كيف ~~تكفرون بالله } ( البقرة : 28 ) { لم تلبسون الحق بالباطل } ( آل عمران : ~~71 ) والقرآن مملوء من هذين القسمين ، وصار كل قسم منهما متمسكا لطائفة ، ~~فصارت الدلائل السمعية لكونها من الطرفين واقعة في حيز التعارض . أما ~~الدلائل العقلية فهي التي سبقت الإشارة إليها ، وبالجملة فهذه المسألة من ~~أعظم المسائل الإسلامية وأكثرها شعبا وأشدها شغبا ، ويحكى أن الإمام أبا ~~القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال لا ، لأنهم ~~نزهوه ، فسئل عن أهل السنة فقال لا ، لأنهم عظموه ، والمعنى أن كلا ~~الفريقين ما طلب إلا إثبات جلال الله وعلو كبريائه ، إلا أن أهل السنة وقع ~~نظرهم على العظمة فقالوا : ينبغي أن يكون هو الموجد ولا موجد سواه ، ~~والمعتزلة وقع نظرهم على الحكمة فقالوا لا يليق بجلال حضرته هذه القبائح ، ~~وأقول : ههنا سر آخر ، وهو أن إثبات الإله يلجىء إلى القول بالجبر ، لأن ~~الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح ، وهو نفي ~~الصانع ، ولو توقفت لزم الجبر . وإثبات الرسول يلجىء إلى القول بالقدرة . ~~بل ههنا سر آخر هو فوق الكل ، وهو أنا لما رجعنا إلى الفطرة السليمة والعقل ~~الأول وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجح أحدهما على ~~الآخر إلا لمرجح ، وهذا يقتضي الجبر ، ونجد أيضا تفرقة بديهية بين الحركات ~~الاختيارية والحركات الاضطرارية وجزما بديهيا بحسن المدح وقبح الذم والأمر ~~والنهي ، وذلك يقتضي مذهب المعتزلة ، فكأن / هذه المسألة وقعت في حيز ~~التعارض بحسب العلوم الضرورية ، وبحسب العلوم النظرية ، وبحسب تعظيم الله ~~تعالى نظرا إلى قدرته وحكمته ، وبحسب التوحيد والتنزيه وبحسب الدلائل ~~السمعية ، فلهذه المآخذ التي شرحناها والأسرار التي كشفنا عن حقائقها صعبت ~~المسألة وغمضت وعظمت ms0423 ، فنسأل الله العظيم أن يوفقنا للحق وأن يختم عاقبتنا ~~بالخير آمين رب العالمين . # المسألة الخامسة : قال صاحب الكشاف : اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة ~~في حكم الختم ، وفي حكم التغشية ، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم ، ~~لقوله تعالى : { وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } ( الجاثية : 23 ~~) ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم . PageV02P048 # المسألة السادسة : الفائدة في تكرير الجار في قوله : { وعلى سمعهم } أنها ~~لما أعيدت للأسماع كان أدل على شدة الختم في الموضعين . # المسألة السادسة : إنما جمع القلوب والأبصار ووحد السمع لوجوه : أحدها : ~~أنه وحد السمع ، لأن لكل واحد منهم سمعا واحدا ، كما يقال : أتاني برأس ~~الكبشين ، يعني رأس كل واحد منهما ، كما وحد البطن في قوله : ( كلوا في بعض ~~بطنكم تعيشوا ) يفعلون ذلك إذا أمنوا اللبس ، فإذا لم يؤمن كقولك . فرشهم ~~وثوبهم وأنت تريد الجمع رفضوه . الثاني : أن السمع مصدر في أصله ، والمصادر ~~لا تجمع يقال : رجلان صوم ، ورجال صوم ، فروعي الأصل ، يدل على ذلك جمع ~~الأذن في قوله : { وفىءاذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) الثالث : أن نقدر مضافا ~~محذوفا أي وعلى حواس سمعهم . الرابع قال سيبويه : إنه وحد لفظ السمع إلا ~~أنه ذكر ما قبلة وما بعده بلفظ الجمع ، وذلك يدل على أن المراد منه الجمع ~~أيضا ، قال تعالى : { يخرجهم من الظلمات إلى النور } ( البقرة : 257 ) { عن ~~اليمين وعن الشمال } ( المعارج : 37 ) قال الراعي : # % فبها جيف الحيدي فأما عظامها % % فبيض وأما جلدها فصليب % # وإنما أراد جلودها ، وقرأ ابن أبي عبلة ( وعلى أسماعهم ) . # المسألة السابعة : من الناس من قال : السمع أفضل من البصر ، لأن الله ~~تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر ، والتقديم دليل على الفضيل ، ولأن ~~السمع شرط النبوة بخلاف البصر ، ولذلك ما بعث الله رسولا أصم ، وقد كان ~~فيهم من كان مبتلي بالعمى ، ولأن بالسمع تصل نتائج عقول البعض إلى البعض ، ~~فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف ، والبصر لا يوقفك إلا على ~~المحسوسات ، ولأن السمع متصرف في الجهات الست بخلاف البصر ، ولأن السمع متى ~~بطل بطل النطق ms0424 ، والبصر إذا بطل لم يبطل النطق . ومنهم من قدم البصر ، لأن ~~آلة القوة الباصرة أشرف ، ولأن متعلق القوة الباصرة هو النور ، ومتعلق ~~القوة السامعة الريح . # المسألة الثامنة : قوله : { ختم الله على قلوبهم } يدل على أن محل العلم ~~هو القلب . واستقصينا بيانه في قوله : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ~~( الشعراء : 193 ) في سورة الشعراء . # / المسألة التاسعة : قال صاحب الكشاف : البصر نور العين وهو ما يبصر به ~~الرائي ويدرك المرئيات ، كما أن البصيرة نور القلب ، وهو ما يستبصر به ~~ويتأمل ، فكأنهما جوهران لطيفان خلق الله تعالى فيهما آلتين للأبصار ~~والاستبصار ، أقول : إن أصحابه من المعتزلة لا يرضون منه بهذا الكلام : ~~وتحقيق القول في الأبصار يستدعي أبحاثا غامضة لا تليق بهذا الموضع . # المسألة العاشرة : قرىء { غشاوة } بالكسر والنصب ، وغشاوة بالضم والرفع ، ~~وغشاوة بالفتح والنصب ، وغشوة بالكسر والرفع ، وغشوة بالفتح والرفع والنصب ~~، وغشاوة بالعين غير المعجمة والرفع من الغشا ، والغشاوة هي الغطاء ، ومنه ~~الغاشية ، ومنه غشي عليه إذا زال عقله والغشيان كناية عن الجماع . # المسألة الحادية عشرة : العذاب مثل النكال بناء ومعنى ، لأنك تقول أعذب ~~عن الشيء إذا أمسك عنه ، كما تقول نكل عنه ، ومنه العذب ، لأنه يقمع العطش ~~ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده ، ويدل عليه تسميتهم إياه نقاخا ، لأنه ينقخ ~~العطش أي يكسره ، وقراتا لأنه برقته عن القلب ، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم ~~PageV02P049 فادح عذابا وإن لم يكن نكالا أي عقابا يرتدع به الجاني عن ~~المعاودة ، والفرق بين العظيم الكبير : أن العظيم نقيض الحقير ، والكبير ~~نقيض الصغير ، فكأن العظيم فوق الكبير ، كما أن الحقير دون الصغير ، ~~ويستعملان في الجثث والأحداث جميعا ، تقول : رجل عظيم وكبير تريدجئته أو ~~خطره ، ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس ~~، وهو غطاء التعامي عن آيات الله ، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا ~~يعلم كنهه إلا الله تعالى . # المسألة الثانية عشرة : اتفق المسلمون على أنه يحسن منالله تعالى تعذيب ~~الكفار ، وقال بعضهم لا يحسن وفسروا قوله : { ولهم عذاب عظيم } بأنهم ms0425 ~~يستحقون ذلك لكن كرمه يوجب عليه العفو ، ولنذكر ههنا دلائل الفريقين ، أما ~~الذين لا يجوزون التعذيب فقد تمسكوا بأمور . أحدها : أن ذلك التعذيب ضرر ~~خال عن جهات المنفعة ، فوجب أن يكون قبيحا ، أما أنه ضرر فلا شك ، وأما أنه ~~خال عن جهات المنفعة ، فلأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى ~~، أو إلى غيره ، والأول باطل ، لأنه سبحانه متعال عن النفع والضرر بخلاف ~~الواحد منا في الشاهد ، فإن عبده إذا أساء إليه أدبه ، لأنه يستلذ بذلك ~~التأديب لما كان في قلبه من حب الانتقام ولأنه إذا أدبه فإنه ينزجر بعد ذلك ~~عما يضره . والثاني : أيضا باطل ، لأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى ~~المعذب أو إلى غيره أما إلى المعذب فهو محال ، لأن الأضرار لا يكون عين ~~الانتفاع وأما إلى غيره فمحال ، لأن دفع الضرر أولى بالرعاية من إيصال ~~النفع ، فإيصال الضرر إلى شخص لغرض إيصال النفع إلى شخص آخر ترجيح للمرجوح ~~على الراجح ، وهو باطل وأيضا فلا منفعة يريد الله تعالى إيصالها إلى أحد ~~إلا وهو قادر على ذلك الاتصال من غير توسيط الإضرار بالغير ، / فيكون توسيط ~~ذلك الإضرار عديم الفائدة . فثبت أن التعذيب ضرر خال عن جميع جهات المنفعة ~~وأنه معلوم القبح ببديهة العقل ، بل قبحه أجلى في العقول من قبح الكذب الذي ~~لا يكون ضارا ، والجهل الذي لا يكون ضارا ، بل من قبح الكذب الضار والجهل ~~الضار ، لأن ذلك الكذب الضار وسيلة إلى الضرر وقبح ما يكون وسيلة إلى الضرر ~~، دون قبيح نفس الضرر ، وإذا ثبت قبحه امتنع صدوره من الله تعالى ، لأنه ~~حكيم والحكيم لا يفعل القبيح ، وثانيها : أنه تعالى كان عالما بأن الكافر ~~لا يؤمن على ما قال : { إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) إذا ثبت هذا ثبت أنه متى كلف الكافر لم يظهر ~~منه إلا العصيان ، فلو كان ذلك العصيان سببا للعقاب لكان ذلك التكليف ~~مستعقبا لاستقحاق العقاب ، إما لأنه تمام العلة ، أو لأنه ms0426 شطر العلة ، وعلى ~~الجملة فذلك التكليف أمر متى حصل حصل عقيبة لا محالة العقاب ، وماكان ~~مستعقبا للضرر الخالي عن النفع كان قبيحا ، فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحا ~~، والقبيح لا يفعله الحكيم ، فلم يبق ها هنا إلا أحد أمرين ، إما أن يقال ~~لم يوجد هذا التكليف أو إن وجد لكنه لا يستعقب العقاب ، وكيف كان فالمقصود ~~حاصل وثالثها : أنه تعالى إما أن يقال خلق الخلق للإنفاع ، أو للإضرار ، ~~أولا للإنفاع ولا للإضرار ، فإن خلقهم للإنفاع وجب أن لا يكلفهم ما يؤدي به ~~إلى ضد مقصوده مع علمه بكونه كذلك ، ولما علم إقدامهم على العصيان لو كلفهم ~~كان التكليف فعلا يؤدي بهم إلى العقاب ، فإذا كان قاصدا لإنفاعهم وجب أن لا ~~يكلفهم ، وحيث كلفهم دل على أن العصيان لا يكون سببا لاستحقاق العذاب ، ولا ~~جائز أن يقال . خلقهم لا للإنفاع PageV02P050 ولا للإضرار ، لأن الترك على ~~العدم يكفي في ذلك ، ولأنه على هذا التقدير يكون عبثا ، ولا جائز أن يقال : ~~خلقهم للإضرار ، لأن مثل هذا لا يكون رحيما كريما ، وقد تطابقت العقول ~~والشرائع على كونه رحيما كريما ، وعلى أنه نعم المولى ونعم النصير ، وكل ~~ذلك يدل على عدم العقاب . ورابعها : أنه سبحانه هو الخالق للدواعي التي ~~توجب المعاصي ، فيكون هو الملجىء إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها ، إنما ~~قلنا إنه هو الخالق لتلك الدواعي ، لما بينا أن صدور الفعل عن مقدرة يتوقف ~~على انضمام الداعية التي يخلقها الله تعالى إليها ، وبينا أن ذلك يوجب ~~الجبر ، وتعذيب المجبور قبيح في العقول / وربما قرروا هذا من وجه آخر ~~فقالوا : إذا كانت الأوامر والنواهي الشرعية قد جاءت إلى شخصين من الناس ~~فقبلها أحدهما وخالفها الآخر فأثيب أحدهما وعوقب الآخر ، فإذا قيل لم قيل ~~هذا وخالف الآخر ؟ فيقال لأن القابل أحب الثواب وحذر العقاب فأطاع ، والآخر ~~لم يحب ولم يحذر فعصى ، أو أن هذا أصغى إلي من وعظه وفهم عنه مقالته فأطاع ~~، وهذا لم يصغ ولم يفهم فعصي ، فيقال : ولم أصغي هذا وفهم ولم يصغ ذلك ms0427 ولم ~~يفهم ؟ فنقول : لأن هذا لبيب حازم فطن ، وذلك أخرق جاهل غبي فيقال ولم اختص ~~هذا بالحزم والفطنة دون ذاك ، ولا شك أن الفطنة والبلادة من الأحوال ~~الغريزية . فإن الإنسان لا يختار الغباوة والخرق ولا يفعلهما في نفسه بنفسه ~~؟ فإذا تناهت / التعليلات إلى أمور خلقها الله تعالى اضطرارا علمنا أن كل ~~هذه الأمور بقضاء الله تعالى وليس يمكنك أن تسوي بين الشخصين اللذين أطاع ~~أحدهما وعصى الآخر في كل حال أعني في العقل والجهل ، والفطانة والغباوة ، ~~والحزم والخرق ، والمعلمين والباعثين والزاجرين ، ولا يمكنك أن تقول إنهما ~~لو استويا في ذلك كله لما استويا في الطاعة والمعصية ، فإذن سبب الطاعة ~~والمعصية من الأشخاص أمور وقعت بتخليق الله تعالى وقضائه ، وعند هذا يقال : ~~أين من العدل والرحمة والكرم أن يخلق العاصي على ما خلقه الله عليه من ~~الفظاظة والجسارة ، والغباوة والقساوة ، والطيش والخرق ، ثم يعاقبه عليه ، ~~وهلا خلقه مثل ما خلق الطائع لبيبا حازما عارفا عالما ، وأين من العدل أن ~~يسخن قلبه ويقوي غضبه ويلهب دماغه ويكثر طيشه ولا يرزقه ما رزق غيره من ~~مؤدب أديب ومعلم عالم وواعظ مبلغ ، بل يقيض له أضداد هؤلاء في أفعالهم ~~وأخلاقهم فيتعلم منهم ثم يؤاخذه بما يؤاخذ به اللبيب الحازم ، والعاقل ~~العالم ، البارد الرأس ، المعتدل مزاج القلب ، اللطيف الروح الذي رزقه ~~مربيا شفيقا ، ومعلما كاملا ؟ ما هذا من العدل والرحمة والكرم والرأفة في ~~شيءا فثبت بهذه الوجوه أن القول بالعقاب على خلاف قضايا العقول . وخامسها : ~~أنه تعالى إنما كلفنا النفع لعوده إلينا ، لأنه قال : { إن أحسنتم أحسنتم ~~لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) فإذا عصينا فقد فوتنا على أنفسنا ~~تلك المنافع ، فهل يحسن في العقول أن يأخذ الحكيم إنسانا ويقول له إني ~~أعذبك العذاب الشديد ، لأنك فوت على نفسك بعض المنافع ، فإنه يقال له إن ~~تحصيل النفع مرجوح بالنسبة إلى دفع الضرر فهب أني فوت على نفسي أدون ~~المطلوبين أفتفوت علي لأجل ذلك أعظمها وهل يحسن من السيد أن يأخذ عبده ~~ويقول إنك قدرت على ms0428 أن تكتسب دينارا لنفسك ولتنتفع به خاصة من غير أن يكون ~~لي فيه غرض البتة ، فلما لم تكتسب ذلك الدينار ولم تنتفع به آخذك وأقطع ~~أعضاءك إربا إربا ، لا شك أن هذا نهاية السفاهة ، فكيف يليق بأحكم ~~الحاكمينا ثم قالوا هب أن سلمنا هذا العقاب فمن أين القول بالدوام ؟ وذلك ~~لأن أقسى الناس قلبا وأشدهم غلظة وفظاظة وبعدا عن الخير إذا أخذ من بالغ في ~~الإساءة إليه وعذبه يوما أو شهرا أو سنة فإنه يشبع منه ويمل ، فلو بقي ~~مواظبا عليه لامه كل أحد ، ويقال PageV02P051 هب أنه بالغ هذا في أضرارك ، ~~ولكن إلى متى هذا التعذيب ، فإما أن تقتله وتريحه ، وإما أن تخلصه ، فإذا ~~قبح هذا من الإنسان الذي يلتذ بالانتقام فالغني عن الكل كيف يليق به هذا ~~الدوام الذي يقالا وسادسها : أنه سبحانه نهى عباده عن استيفاء الزيادة ، ~~فقال : { فلا يسرف فى القتل إنه كان منصورا } ( الإسرءا : 33 ) وقال : { ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) ثم إن العبد هب أنه عصى الله ~~تعالى طول عمره فأين عمره من الأبد ؟ فيكون العقاب المؤبد ظلما . وسابعها : ~~أن العبد لو واظب على الكفر طول عمره / فإذا تاب ثم مات عفا الله عنه وأجاب ~~دعاءه وقبل توبته ، ألا ترى أن هذا الكريم العظيم ما بقي في الآخرة ، أو ~~عقول أولئك المعذبين ما بقيت فلم لا يتوبون عن معاصيهم ؟ وإذا تابوا فلم لا ~~يقبل الله تعالى منهم توبتهم ، ولم لا يسمع نداءهم ، / ولم يخيب رجاءهم ؟ ~~ولم كان في الدنيا في الرحمة والكرم إلى حيث قال : { ادعونى أستجب لكم } ( ~~غافر : 60 ) { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } ( النحل : 62 ) وفي الآخرة صار ~~بحيث كلما كان تضرعهم إليه أشد فإنه لا يخاطبهم إلا بقوله : { اخسئوا فيها ~~ولا تكلمون } ( المؤمنون : 10 ) قالوا : فهذه الوجوه مما توجب القطع بعدم ~~العقاب . ثم قال من آمن من هؤلاء بالقرآن : العذر عما ورد في القرآن من ~~أنواع العذاب من وجوه : أحدها : أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد اليقين ~~، والدلائل العقلية تفيد اليقين ms0429 ، والمظنون لا يعارض المقطوع . وإنما قلنا ~~: إن الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين ، لأن الدلائل اللفظية مبنية على أصول ~~كلها ظنية والمبني على الظني ظني ، وإنما قلنا إنها مبنية على أصول ظنية ، ~~لأنها مبنية على نقل اللغات ونقل النحو والتصريف ، ورواة هذه الأشياء لا ~~يعلم بلوغهم إلى حد التواتر ، فكانت روايتهم مظنونة ، وأيضا فهي مبنية على ~~عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار بالزيادة والنقصان ~~وعدم التقديم والتأخير ، وكل ذلك أمور ظنية ، وأيضا فهي مبنية على عدم ~~المعارض العقلي ، فإنه بتقدير وجوده لا يمكن القول بصدقهما ولا بكذبهما معا ~~، ولا يمكن ترجيح النقل على العقل لأن العقل أصل النقل ، والطعن في العقل ~~يوجب الطعن في العقل والنقل معا ، لكن عدم المعارض العقلي مظنون ، هذا إذا ~~لم يوجد فكيف وقد وجدنا ههنا دلائل عقلية على خلاف هذه الظواهر ، فثبت أن ~~دلالة هذه الدلائل النقلية ظنية ، وأما أن الظني لا يعارض اليقيني فلا شك ~~فيه . وثانيها : وهو أن التجاوز عن الوعيد مستحسن فيما بين الناس ، قال ~~الشاعر : # % فوإني إذا أوعدته أو وعدته % % لمخلف إيعاد ومنجز موعدي % # بل الإصرار على تحقيق الوعيد كأنه بعد لؤما ، وإذا كان كذلك وجب أن لا ~~يصلح من الله تعالى ، وهذا بناء على حرف وهو أهل السنة جوزوا نسخ الفعل قبل ~~مدة الامتثال وحاصل حروفهم فيه أن الأمر يسن تارة لحكمة تنشأ من نفس ~~المأمور به ، وتارة لحكمة تنشأ من نفس الأمر ، فإن السيد قد يقول لعبده ~~إفعل الفعل الفلاني غدا وإن كان يعلم في الحال أنه سينهاه عنه غدا ، ويكون ~~مقصوده من ذلك الأمر أن يظهر العبد الانقياد لسيده في ذلك ويوطن نفسه على ~~طاعته ، فكذلك إذا علم الله من العبد أنه سيموت غدا فإنه يحسن عند أهل ~~السنة أن يقول : صل غدا إن عشت ، ولا يكون المقصود من هذا الأمر تحصيل ~~المأمور به ، لأنه ههنا محال بل المقصود حكمة تنشأ من نفس الأمر فقط ، وهو ~~حصول الانقياد والطاعة وترك التمرد . إذا ثبت هذا PageV02P052 فنقول : لم ~~لا ms0430 يجوز أن يقال الخبر أيضا كذلك ؟ فتارة يكون منشأ الحكمة من الأخبار هو ~~الشيء المخبر عنه وذلك في الوعد ، وتارة يكون منشأ الحكمة هو نفس الخبر لا ~~المخبر عنه كما في الوعيد ، فإن الأخبار على سبيل الوعيد مما يفيد الزجر عن ~~المعاصي والإقدام على الطاعات ، فإذا حصل هذا المقصود جاز أن لا يوجد ~~المخبر عنه كما في الوعيد ، وعند هذا قالوا إن وعد الله بالثواب حق لازم ؛ ~~وأما توعده بالعقاب فغير لازم ، وإنما قصد به صلاح المكلفين مع رحمته ~~الشاملة لهم ، كالوالد يهدد ولده / بالقتل والسمل والقطع والضرب ، فإن قبل ~~الولد أمره فقد انتفع وإن لم يفعل فما في قلب الوالد من الشفقه يرده عن ~~قتله وعقوبته / فإن قيل فعلى جميع التقادير يكون ذلك كذبا والكذب قبيح قلنا ~~لا نسلم أن كل كذب قبيح بل القبيح هو الكذب الضار ، فأما الكذب النافع فلا ~~، ثم إن سلمنا ذلك ، لكن لا نسلم أنه كذب ، أليس أن جميع عمومات القرآن ~~مخصوصة ولا يسمى ذلك كذبا ، أليس أن كل المتشابهات مصروفة عن ظواهرها ، ولا ~~يسمى ذلك كذبا فكذا ههنا . وثالثها : أليس أن آيات الوعيد في حق العصاة ~~مشروطة بعدم التوبة وإن لم يكن هذا الشرط مذكورا في صريح النص ، فهي أيضا ~~عندنا مشروطة بعدم العفو وإن لم يكن هذا الشرط مذكورا بصريح النص صريحا ، ~~أو نقول : معناه أن العاصي يستحق هذه الأنواع من العقاب فيحمل الأخبار عن ~~الوقوع على الأخبار عن استحقاق الوقوع فهذا جملة ما يقال في تقرير هذا ~~المذهب . وأما الذين أثبتوا وقوع العذاب ، فقالوا إنه نقل إلينا على سبيل ~~التواتر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوع العذاب فإنكاره يكون تكذيبا ~~للرسول وأما الشبه التي تمسكتم بها في نفي العقاب فهي مبنية على الحسن ~~والقبح وذلك مما لا نقول به والله أعلم . # ! 7 < { ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر وما هم بمؤمنين } . ~~> 7 ! # < < # | البقرة : ( 8 ) ومن الناس من . . . . . # > > اعلم أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك في وصف المنافقين ms0431 قالوا : وصف ~~الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ بالمؤمنين ~~المخلصين الذين صحت سرائرهم وسلمت ضمائرهم ، ثم أتبعهم بالكافرين الذين من ~~صفتهم الإقامة على الجحود والعناد ، ثم وصف حال من يقول بلسانه إنه مؤمن ~~وضميره يخالف ذلك ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أعلم أن الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم ~~نذكره فنقول : أحوال القلب أربعة ، وهي الإعتقاد المطابق المستفاد عن ~~الدليل وهو العلم ؛ والاعتقاد المطابق المستفاد لا عن الدليل وهو اعتقاد ~~المقلد ، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل ، وخلو القلب عن كل ذلك . فهذه ~~أقسام أربعة ، وأما أحوال اللسان فثلاثة : الإقرار ؛ والإنكار ، والسكوت . ~~فيحصل من تركيباتها اثنا عشر قسما . النوع الأول : ما إذا حصل العرفان ~~القلبي فههنا إما أن ينضم إليه الإقرار باللسان أو الإنكار باللسان أو ~~السكوت . القسم الأول : ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان فهذا ~~الإقرار إن كان اختياريا فصاحبه مؤمن حقا بالإتفاق ، وإن كان اضطراريا وهو ~~ما إذا عرف بقلبه ولكنه يجد من نفسه أنه لولا الخوف لما أقر ، بل أنكر ، ~~فهذا يجب أن يعد منافقا ؛ لأنه بقلبه PageV02P053 منكر مكذب ، فإذا كان ~~باللسان مقرا مصداقا وجب أن يعد منافقا لأنه بقلبه منكر مكذب بوجوب الإقرار ~~. القسم الثاني : أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني / فهذا الإنكار ~~إن كان اضطراريا كان صاحبه مسلما ، لقوله تعالى : { إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان } ( النحل : 106 ) وإن كان اختياريا كان كافرا معاندا . ~~القسم الثالث : أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خاليا عن الإقرار ~~والإنكار ، فهذا السكوت إما أن يكون اضطراريا أو اختياريا ، فإن كان ~~اضطراريا فذلك إذا خاف ذكره باللسان فهذا مسلم حقا أو كما إذا عرف الله ~~بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة ، فهذا مؤمن قطعا ، لأنه أتى بكل ما كلف ~~به ولم يجد زمان الإقرار والإنكار فكان معذورا فيه ، وأما إن كان اختياريا ~~فهو كمن عرف الله بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار ، فهذا محل البحث ، وميل ~~الغزالي رحمه الله إلى أنه يكون مؤمنا لقوله عليه السلام ms0432 : ( يخرج من النار ~~من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ) وهذا الرجل قلبه مملوء من نور ~~الإيمان فكيف لا يخرج من النار . النوع الثاني : أن يحصل في القلب الإعتقاد ~~التقليدي ، فإما أن يوجد معه الإقرار ، أو الإنكار أو السكوت . القسم الأول ~~: أن يوجد معه الإقرار ، ثم ذلك الإقرار إن كان اختياريا فهذا هو المسألة ~~المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا ؟ وإن كان اضطراريا فهذا يفرع على ~~الصورة الأولى ، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر ، فها هنا لا كلام ، ~~وإن حكمنا هناك بالإيمان وجب أن يحكم ها هنا بالنفاق ، لأن في هذه الصورة ~~لو كان القلب عارفا لكان هذا الشخص منافقا ، فبأن يكون منافقا عند التقليد ~~كان أولى . القسم الثاني : الإعتقاد التقليدي مع الإنكار اللساني ، ثم هذا ~~الإنكار إن كان اختياريا فلا شك في الكفر ، وإن كان اضطراريا وحكمنا بإيمان ~~المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة . القسم الثالث : الإعتقاد ~~التقليدي مع السكوت اضطراريا كان أو اختياريا ، وحكمه حكم القسم الثالث من ~~النوع الأول إذا حكمنا بإيمان المقلد . النوع الثالث : الإنكار القلبي فإما ~~أن يوجد معه الإقرار اللساني ، أو الإنكار اللساني ، أو السكوت . القسم ~~الأول : أن يوجد معه الإقرار اللساني ، فذلك الإقرار إن كان اضطراريا فهو ~~المنافق وإن كان اختياريا فهو مثل أن يعتقد بناء على شبهة أن العالم قديم ~~ثم بالاختيار أقر باللسان أن العالم محدث ، وهذا غير مستبعد ، لأنه إذا جاز ~~أن يعرف بالقلب ثم ينكر باللسان وهو كفر الجحود والعناد ، فلم لا يجوز أن ~~يجهل بالقلب ثم يقر باللسان ؟ فهذا القسم أيضا من النفاق . القسم الثاني : ~~أن يوجد الإنكار القلبي ويوجد الإنكار اللساني فهذا كافر وليس بمنافق ، ~~لأنه ما أظهر شيئا بخلاف باطنه . القسم الثالث : أن يوجد الإنكار القلبي مع ~~السكوت اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أظهر شيئا . النوع الرابع : ~~القلب الخالي عن جميع الاعتقادات فهذا إما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار ~~أو السكوت . القسم الأول : إذا وجد الإقرار فهذا ms0433 الإقرار إما أن يكون ~~اختياريا أو اضطراريا ، فإن كان اختياريا ، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم ~~يلزمه الكفر ، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق ~~فيه أم لا ؟ وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر ، أما إذا كان اضطراريا لم ~~يكفر صاحبه ، لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك ~~الإقرار لم يكن / عمله قبيحا . القسم الثاني : القلب الخالي مع الإنكار ~~باللسان وحكمه على العكس من حكم القسم العاشر القسم الثالث : القلب الخالي ~~مع اللسان الخالي ، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب ، وإن كان ~~خارجا عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم عليه بالنفاق البتة ، فهذه هي ~~الأقسام الممكنة في هذا الباب ، وقد ظهر منه أن النفاق ما هو ، وأنه الذي ~~لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ما في ظاهره أو كان باطنه ~~خاليا عما يشعر به ظاهره ، وإذ عرفت هذا ظهر أن قوله : PageV02P054 { ومن ~~الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر } المراد منه المنافقون والله ~~أعلم . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق ~~؟ قال قوم كفر الكافر الأصلي أقبح ، لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان ، ~~والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان . وقال آخرون بل المنافق أيضا كاذب ~~باللسان ، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الإعتقاد مع أنه ليس عليه ، ولذلك قال ~~تعالى : { قالت الاعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولاكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الايمان فى قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) وقال : { والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون } ( المنافقون : 1 ) ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة . أحدها ~~: أنه قصد التلبيس والكافر الأصلي ما قصد ذلك . وثانيها : أن الكافر عى طبع ~~الرجال ، والمنافق على طبع الخنوثة . وثالثها : أن الكافر ما رضي لنفسه ~~بالكذب بل استنكف منه ولم يرض إلا بالصدق ، والمنافق رضي بذلك . ورابعها : ~~أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء بخلاف الكافر الأصلي ، ولأجل غلظ كفره ~~قال تعالى : { إن ms0434 المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) . ~~وخامسها : قال مجاهد : إنه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات ، ثم ~~ثنى بذكر الكفار في آيتين ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية ، وذلك ~~يدل على أن المنافق أعظم جرما . وهذا بعيد ، لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا ~~توجب كون جرمهم أعظم ، فإن عظم فلغير ذلك ، وهو ضمهم إلى الكفر وجوها من ~~المعاصي كالمخادعة والاستهزاء ، وطلب الغوائل إلى غير ذلك ، ويمكن أن يجاب ~~عنه بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشد من ~~الاهتمام بدفع شر الكفار ، وذلك يدل على أنهم أعظم جرما من الكفار . # المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على أمرين : الأول : أنها تدل على أن ~~من لا يعرف الله تعالى وأقر به فإنه لا يكون مؤمنا ، لقوله : { وما هم ~~بمؤمنين } وقالت الكرامية : إنه يكون مؤمنا الثاني : أنها تدل على بطلان ~~قول من زعم أن كل المكلفين عارفون بالله ، ومن لم يكن به عارفا لا يكون ~~مكلفا أما الأول فلأن هؤلاء المنافقين لو كانوا عارفين بالله وقد أقروا به ~~لكان يجب أن يكون إقرارهم بذلك إيمانا ، لأن من عرف الله تعالى وأقر به لا ~~بد وأن يكون مؤمنا وأما الثاني فلأن غير العارف لو كان معذورا لما ذم الله ~~هؤلاء على عدم العرفان ، فبطل قول من قال من المتكلمين : أن من لا يعرف هذه ~~الأشياء يكون معذورا . # المسألة الرابعة : ذكروا في اشتقاق لفظ الإنسان وجوها : أحدها : يروى عن ~~ابن عباس / أنه قال : سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي ، وقال الشاعر . سميت ~~إنسانا لأنك ناسي . # وقال أبو الفتح البستي : # % فيا أكثر الناس إحسانا إلى الناس % % وأكثر الناس إفضالا على الناس % # % نسيت عهدك والنسيان مغتفر % % فاغفر فأول ناس أول الناس % # وثانيها : سمي إنسانا لاستئناسه بمثله . وثالثها : قالوا : الإنسان إنما ~~سمي إنسانا لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون من قوله : { من جانب الطور نارا ~~قال } ( القصص : 29 ) كما سمي الجن لاجتنانهم . واعلم أنه لا يجب في كل لفظ ~~أن يكون مشتقا ms0435 من شيء آخر وإلا لزم التسلسل ، وعلى هذا لا حاجة إلى جعل لفظ ~~الإنسان مشتقا من شيء آخر . # المسألة الخامسة : قال ابن عباس : أنها نزلت في منافقي أهل الكتاب ، منهم ~~عبد الله بن أبي PageV02P055 ومعتب بن قشير ، وجد ابن قيس ، كانوا إذا لقوا ~~المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون إنا لنجد في كتابنا نعته وصفته ~~ولم يكونوا كذلك إذا خلا بعضهم إلى بعض . # / المسألة السادسة : لفظة ( من ) لفظة صالحة للتثنية ، والجمع ، والواحد ~~. أما في الواحد فقوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك } ( الأنعام : 25 ) ~~وفي الجمع كقوله : { ومنهم من يستمعون إليك } ( يونس : 42 ) والسبب فيه أنه ~~موحد اللفظ مجموع المعنى ، فعند التوحيد يرجع إلى اللفظ . وعند الجمع يرجع ~~إلى المعنى ، وحصل الأمران في هذه الآية ؛ لأن قوله تعالى : { يقول } لفظ ~~الواحد و { من } لفظ الجمع وبقي من مباحث الآية أسئلة . السؤال الأول : ~~المنافقون كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر ولكنهم كانوا منكرين لنبوته ~~عليه السلام فلم كذبهم في إدعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر ؟ والجواب : ~~إن حملنا هذه الآية على منافقي المشركين فلا إشكال ، لأن أكثرهم كانوا ~~جاهلين بالله ومنكرين البعث والنشور وإن حملناها على منافقي أهل الكتاب وهم ~~اليهود فإنما كذبهم الله تعالى لأن إيمان اليهود بالله ليس بإيمان ، لأنهم ~~يعتقدونه جسما ، وقالوا عزيز بن الله ، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس ~~بإيمان ، فلما قالوا آمنا بالله كان خبثهم فيه مضاعفا لأنهم كانوا بقلوبهم ~~يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل ، وباللسان يوهمون المسلمين بهذا الكلام ~~إنا آمنا لله مثل إيمانكم ، فلهذا كذبهم الله تعالى فيه . السؤال الثاني : ~~كيف طابق قوله : { وما هم بمؤمنين } قولهم : { بالله فإذا } والأول في ذكر ~~شأن الفعل لا الفاعل ، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل ؟ والجواب : أن ~~من قال فلان ناظر في المسألة الفلانية ، فلو قلت إنه لم يناظر في تلك ~~المسألة كنت قد كذبته ، أما لو قلت إنه ليس من الناظرين كنت قد بالغت في ~~تذكيبه ، يعني أنه ليس من هذا الجنس / فكيف يظن به ذلك ؟ فكذا ههنا ms0436 لما ~~قالوا آنا بالله فلو قال الله ما آمنوا كان ذلك تكذيبا لهم أما لما قال : { ~~وما هم بمؤمنين } كان ذلك مبالغة في تكذيبهم ، ونظيره قوله : { يريدون أن ~~يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } هو أبلغ من قولهم : وما يخرجون منها ~~. السؤال الثالث : ما المراد باليوم الآخر ؟ الجواب : يجوز أن يراد به / ~~الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم ، الذي لا ينقطع له أمد ، ويجوز أن ~~يراد به الوقت المحدود من النشور إلى أن تدخل أهل الجنة الجنة . وأهل النار ~~النار ؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة ، وما بعده فلا حد له . # ! 7 < { يخادعون الله والذين ءامنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * ~~فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } . > 7 ~~@QB@ < # | البقرة : ( 9 - 10 ) يخادعون الله والذين . . . . . # > > # اعلم أن الله تعالى من قبائح المنافقين أربعة أشياء : أحدها : ما ذكره في ~~هذه الآية ، وهو أنهم { يخادعون الله والذين ءامنوا } فيجب أن يعلم أولا : ~~ما المخادعة ، ثم ثانيا : ما المراد ، بمخادعة الله ؟ وثالثا : أنهم لماذا ~~كانوا يخادعون الله ؟ ورابعا : أنه ما المراد بقوله وما يخدعون إلا أنفسهم ~~؟ . PageV02P056 # المسألة الأولى : اعلم أنه لا شبهة في أن الخديعة مذمومة ، والمذموم يجب ~~أن يميز من غيره لكي لا يفعل ، وأصل هذه اللفظة الإخفاء ، وسميت الخزانة ~~المخدع ، والأخدعان عرقان في العنق لأنهما خفيان . وقالوا : خدع الضب خدعا ~~إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلا ، وطريق خيدع وخداع ، إذا كان مخالفا ~~للمقصد بحيث لا يفطن له ، ومنه المخدع . وأما حدها فهو إظهار ما يوهم ~~السلامة والسداد ، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير والتخلص منه ، فهو ~~بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة ، وكل ذلك بخلاف ما ~~يقتضيه الدين ؛ لأن الدين يوجب الاستقامة والعدولعن الغرور والإساءة ، كما ~~يوجب المخالصة لله تعالى في العبادة ، ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه ~~مدلس إذا أظهر خلاف مراده ، ومنه أخذ التدليس في الحديث ، لأن الراوي يوهم ~~السماع ممن لم يسمع ؛ وإذا أعلن ذلك لا يقال إنه ms0437 مدلس . # المسألة الثانية : وهي أنهم كيف خادعوا الله تعالى ؟ فلقائل أن يقول : إن ~~مخادعة الله تعالى ممتنعة من وجهين : الأول : أنه تعالى يعلم الضمائر ~~والسرائر فلا يجوز أن يخادع ، لأن الذي فعلوه لو أظهروا أن الباطن بخلاف ~~الظاهر لم يكن ذلك خداعا ، فإذا كان الله تعالى لا يخفي عليه البواطن لم ~~يصح أن يخادع . الثاني : أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم ~~فلم يكن قصدهم في نافقهم مخادعة الله تعالى ، فثبت أنه لا يمكن إجراء هذا ~~اللفظ على ظاهره بل لا بد من التأويل وهو من وجهين : الأول : أنه تعالى ذكر ~~نفسه وأراد به رسولة على عادته في تفخيم وتعظيم شأنه . قال : { إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) وقال في عكسه { واعلموا أنما ~~غنمتم من شىء فأن لله خمسه } ( الأنفال : 41 ) أضاف السهم الذي يأخذه ~~الرسول إلى نفسه فالمنافقون لما خادعوا / الرسول قيل إنهم خادعوا الله ~~تعالى . الثاني : أن يقال صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم ~~كافرون صورة من يخادع ، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام ~~المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع الله معهم حيث امتثلوا ~~أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم . # المسألة الثالثة : فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه : الأول : ~~أنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يجرونهم في التعظيم ~~والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه ~~فمقصودهم من الخداع هذا . الثاني : يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم إليهم أسراره ، وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلونها إلى ~~أعدائهم من الكفار . الثالث : أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل ~~، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله ) . الرابع : أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم ، فإن قيل : ~~فالله تعالى كان قادرا على أن يوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم كيفية ~~مكرهم وخداعهم / فلم لم يفعل ذلك هتكا لسترهم ؟ قلنا : إنه تعالى ms0438 قادر على ~~استئصال إبليس وذريته ولكنه تعالى أبقاهم وقواهم ، إما لأنه يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو . فإن قيل هل للاقتصار بخادعت ~~على واحد وجه صحيح ؟ قلنا قال صاحب ( الكشاف ) وجهه أن يقال : عنى به فعلت ~~إلا أنه أخرج في زنة فاعلت ، لأن الزنة في أصلها للمبالغة والفعل متى غولب ~~فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ، لزيادة قوة ~~الداعي إليه ، ويعضده قراءة أبي حيوة ( يخدعون الله ) ثم قال : { يخادعون } ~~بيانا ليقول ويجوز أن يكون مستأنفا كأنه قيل ولم يدعون الإيمان كاذبين . ~~وما نفعهم فيه ؟ فقيل { يخادعون } . PageV02P057 # المسألة الرابعة : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمر ( وما يخادعون ) والباقون ~~( يخدعون ) وحجة الأولين : مطابقة اللفظ حتى يكون مطابقا للفظ الأول ، وحجة ~~الباقين أن المخادعة إنما تكون بين اثنين ، فلا يكون الإنسان الواحد مخادعا ~~لنفسه ، ثم ذكروا في قوله : { وما يخدعون إلا أنفسهم } وجهين : الأول : أنه ~~تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم عليه فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلا ~~أنفسهم عن الحسن . والثاني : ما ذكره أكثر المفسرين ، وهو أن وبال ذلك راجع ~~إليهم في الدنيا ، لأن الله تعالى كان يدفع ضرر خداعهم عن المؤمنين ويصرفه ~~إليهم ، وهو كقوله : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } ( النساء : ~~142 ) وقوله : { إنما نحن مستهزءون * الله يستهزىء بهم } ( البقرة : 14 ، ~~15 ) { أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء } ( البقرة : 13 ) { ~~ومكروا مكرا ومكرنا مكرا } ( النحل : 50 ) { إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا ~~} ( الطارق : 15 ، 16 ) { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } ( المائدة ~~: 33 ) { إن الذين يؤذون الله ورسوله } ( الأحزاب : 57 ) وبقي في الآية بعد ~~ذلك أبحاث . أحدها : قرىء ( وما يخادعون ) من أخدع و ( يخدعون ) بفتح الياء ~~بمعنى يختدعون ( ويخدعون ) و ( يخادعون ) على لفظ ما لم يسم فاعله . ~~وثانيها : النفس ذات الشيء وحقيقته ، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى : { ~~تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } ( المائدة : 116 ) والمراد ~~بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع / لا يعدوهم إلى غيرهم ms0439 . وثالثها : أن الشعور ~~علم الشيء إذا حصل بالحس ، ومشاعر الإنسان حواسه ، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك ~~بهم كالمحسوس ، لكنهم لتماديهم في الغفلة كالذي لا يحس . # أما قوله تعالى : { فى قلوبهم مرض } فاعلم أن المرض صفة توجب وقوع الضرر ~~في الأفعال الصادرة عن موضع تلك الصفة ، ولما كان الأثر الخاص بالقلب إنما ~~هو معرفة الله تعالى وطاعته وعبوديته ، فإذا وقع في القلب من الصفات ما صار ~~مانعا من هذه الآثار كانت تلك الصفات أمراضا للقلب . فإن قيل : الزيادة من ~~جنس المزيد عليه ، فلو كان المراد من المرض ههنا الكفر والجهل لكان قوله : ~~{ فزادهم الله مرضا } محمولا على الكفر والجهل ، فيلزم أن يكون الله تعالى ~~فاعلا للكفر والجهل . قالت المعتزلة : لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى منه ~~فعل الكفر والجهل لوجوه : أحدها : أن الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن ~~في القرآن ، فلو كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : إذا فعل ~~الله الكفر فينا ، فكيف تأمرنا بالإيمان ؟ وثانيها : أنه تعالى لو كان ~~فاعلا للكفر لجاز منه إظهار المعجزة على يد الكذاب ، فكان لا يبقى كون ~~القرآن حجة فكيف نتشاغل بمعانيه وتفسيره . وثالثها : أنه تعالى ذكر هذه ~~الآيات في معرض الذم لهم على كفرهم فكيف يذمهم على شيء خلقه فيهم . ورابعها ~~: قوله : { ولهم عذاب أليم } فإن كان الله تعالى خلق ذلك فيهم كما خلق ~~لونهم وطولهم ، فأي ذنب لهم حتى يعذبهم ؟ وخامسها : أنه تعالى أضافه إليهم ~~بقوله : { بما كانوا يكذبون } وعلى هذا وصفهم تعالى بأنهم مفسدون في الأرض ~~، وأنهم هم السفهاء ، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ، إذا ~~ثبت هذا فنقول : لا بد من التأويل وهو من وجوه : الأول : يحمل المرض على ~~الغم ، لأنه يقال مرض قلبي من أمر كذا ، والمعنى أن المنافقين مرضت قلوبهم ~~لما رأوا ثبات أمر النبي صلى الله عليه وسلم واستعلاء شأنه يوما فيوما . ~~وذلك كان يؤثر في زوال رياستهم ، كما روي أنه عليه السلام مر بعبد الله بن ~~أبي بن سلول على ms0440 حمار ، فقال له نح حمارك يا محمد فقد آذتني ريحه ، فقال له ~~بعض الأنصار اعذره يا رسول الله ، فقد كنا عزمنا على أن نتوجه الرياسة قبل ~~أن تقدم علينا : فهؤلاء لما اشتد عليهم الغم وصف ال له PageV02P058 تعالى ~~ذلك فقال : { فزادهم الله مرضا } أي زادهم الله غما على غمهم بما يزيد في ~~إعلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم شأنه . الثاني : أن مرضهم ~~وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف ، فهو كقوله تعالى في سورة التوبة : ~~{ فزادهم * رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) والسورة لم تفعل ذلك ، ~~ولكنهم لما ازدادوا رجسا عند نزولها لما كفروا بها قيل ذلك ، وكقوله تعالى ~~حكاية عن نوح { إنى دعوت قومى ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ( ~~نوح : 5 ، 6 ) والدعاء لم يفعل شيئا من هذا ، ولكنهم ازدادوا فرارا عنده ، ~~وقال : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى } ( التوبة : 49 ) والنبي عليه ~~السلام إن لم يأذن له لم يفتنه ، ولكنه كان يفتتن عند خروجه فنسبت الفتنة ~~إليه { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } ( المادة : ~~64 ) وقال : { فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا } ( فاطر : 42 ) وقولك ~~لمن وعظته فلم يتعظ وتمادى في فساده : ما زادتك موعظتي إلا / شرا ، ~~ومازادتك إلا فسادا فكذا هؤلاء المنافقون لما كانوا كافرين ثم دعاهم الله ~~إلى شرائع دينه فكفروا بتلك الشرائع وازدادوا بسبب ذلك كفرا لا جرم أضيفت ~~زيادة كفرهم إلى الله . الثالث : المراد من قوله : { فزادهم الله مرضا } ~~المنع من زيادة الألطاف ، فيكون بسبب ذلك المنع خاذلا لهم وهو كقوله : { ~~قاتلهم الله أنى يؤفكون } ( المنافقون : 4 ) الرابع : أن العرب تصف فتور ~~الطرف بالمرض ، فيقولون : جارية مريضة الطرف . قال جرير : # % فإن العيون التي في طرفها مرض % % قتلننا ثم لم يحيين قتلانا % # فكذا المرض ههنا إنما هو الفتور في النية ، وذلك لأنهم في أول الأمر كانت ~~قلوبهم قوية على المحاربة والمنازعة وإظهار الخصومة ، ثم انكسرت شوكتهم ~~فأخذوا في النفاق بسبب ذلك الخوف والإنكسار ، فقال تعالى : { فزادهم الله ms0441 ~~مرضا } أي زادهم ذلك الانكسار والجبن والضعف ، ولقد حفق الله تعالى ذلك ~~بقوله : { وقذف فى قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين } ( ~~الحشر : 2 ) الخامس : أن يحمل المرض على ألم القلب ، وذلك أن الإنسان إذا ~~صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه ، فإذا دام به ذلك فربما صار ذلك ~~سببا لغير مزاج القلب وتألمه ، وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته ~~، فكان أولى من سائر الوجوه . أما قوله : { ولهم عذاب أليم } قال صاحب ( ~~الكشاف ) : ألم فهو أليم ، كوجع فهو وجيع ، ووصف العذاب به فهو نحو قوله : ~~تحية بينهم ضرب وجيع . وهذا على طريقة قولهم : جد جده ، والألم في الحقيقة ~~للمؤلم كما أن الجد للجاد ، أما قوله : { بما كانوا يكذبون } ففيه أبحاث . ~~أحدها : أن الكذب هو الخبر عن شيء على خلاف ما هو به والجاحظ لا يسميه كذبا ~~إلا إذا علم المخبر كون المخبر عنه مخالفا للخبر ، وهذا الآية حجة عليه . ~~وثانيها : أن قوله : { ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } صريح في أن كذبهم ~~علة للعذاب الأليم ، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراما فأما ما روي أن ~~إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات ، فالمراد التعريض ، ولكن لما كانت ~~صورته صورة الكذب سمي به . وثالثها : في هذه الآية قراءتان . إحداهما : { ~~يكذبون } والمراد بكذبهم قوله : { بالله وباليوم الأخر وما } . والثانية : ~~( يكذبون ) من كذبه الذي هو نقيض صدقه ، ومن كذب الذي هو مبالغة في كذب ، ~~كما بولغ في صدق فقيل صدق . # PageV02P059 ! 7 < { وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض قالوا إنما نحن ~~مصلحون * ألاإنهم هم المفسدون ولاكن لا يشعرون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 11 - 12 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > # /إعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين ، والكلام فيه من ~~وجوه : أحدها : أن يقال : من القائل { لا تفسدوا فى الارض } ؟ وثانيها : ما ~~الفساد في الأرض ؟ وثالثها : من القائل : { إنما نحن مصلحون } ؟ ورابعها : ~~ما الصلاح ؟ . # أما المسألة الأولى : فمنهم من قال : ذلك القائل هو الله تعالى ، ومنهم ~~من قال : هو الرسول عليه السلام ، ومنهم ms0442 من قال بعض المؤمنين ، وكل ذلك ~~محتمل ، ولا يجوز أن يكون القائل بذلك من لا يختص بالدين والنصيحة ، وإن ~~كان الأقرب هو أن القائل لهم ذلك من شافههم بذلك ، فإما أن يكون الرسول ~~عليه السلام بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك فنصحهم فأجابوا بما يحقق ~~إيمانهم وأنهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين ، وإما أن يقال : إن بعض من ~~كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبله منهم وكان ينقلب واعظا لهم قائلا لهم ~~: { لا تفسدوا } فإن قيل : أفما كانوا يخبرون الرسول عليه السلام بذلك ؟ ~~قلنا : نعم ، إلا أن المنافقين كانوا إذا عوتبوا عادوا إلى إظهار الإسلام ~~والندم وكذبوا الناقلين عنهم وحلفوا بالله عليه كما أخبر تعالى عنهم في ~~قوله : { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } ( التوبة : 74 ) ~~وقال : { يحلفون لكم لترضوا عنهم } ( التوبة : 96 ) . # المسألة الثانية : الفساد خروج الشيء عن كونه منتفعا به ، ونقيضه الصلاح ~~فأما كونه فسادا في الأرض فإنه يفيد أمرا زائدا ، وفيه ثلاثة أقوال : أحدها ~~: قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي : أن المراد بالفساد في الأرض إظهار ~~معصية الله تعالى ، وتقريره ما ذكره القفال رحمه الله وهو أن إظهار معصية ~~الله تعالى إنما كان إفسادا في الأرض ، لأن الشرائع سنن موضوعة بين العباد ~~، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه ، فحقنت الدماء وسكنت ~~الفتن ، وكان فيه صلاح الأرض وصلاح أهلها ، أما إذا تركوا التمسك بالشرائع ~~وأقدم كل أحد على ما يهواه لزم الهرج والمرج والاضطراب ، ولذلك قال تعالى : ~~{ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض } ( محمد : 22 ) نبههم على أنهم ~~إذا أعرضوا عن الطاعة لم يحصلوا إلا على الإفساد في الأرض به ، وثانيها : ~~أن يقال ذلك الفساد هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم معهم ، لأنهم ~~لما مالوا إلى الكفر مع أنهم في الظاهر مؤمنون أوهم ذلك ضعف الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وضعف أنصاره ، فكان ذلك يجرىء الكفرة على إظهار عداوة ~~الرسول ونصب الحرب له وطمعهم في الغلبة ، وفيه فساد عظيم في الأرض ms0443 . ~~وثالثها : قال الأصم : كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ، وجحد الإسلام ، ~~وإلقاء الشبه . # المسألة الثالثة : الذين قالوا إنما نحن مصلحون هم المنافقون ، والأقرب ~~في مرادهم أن يكون نقيضا لما نهوا عنه ، فلما كان الذي نهوا عنه هو الإفساد ~~في الأرض كان قولهم : { إنما نحن مصلحون } كالمقابل له ، وعند ذلك يظهر ~~احتمالان : أحدهما : أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب ، PageV02P060 ~~وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين ، لا جرم قالوا : إنما نحن مصلحون ، لأنهم ~~في اعتقادهم ما سعوا إلا لتطهير وجه الأرض عن الفساد . وثانيهما : أنا إذا ~~فسرنا { لا تفسدوا } بمداراة المنافقين للكفار / فقولهم : { إنما نحن ~~مصلحون } يعني به أن هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار ، ~~ولذلك حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا : { إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا } ( ~~النساء : 62 ) فقولهم : { إنما نحن مصلحون } أي نحن نصلح أمور أنفسا . # واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أن من أظهر الإيمان وجب إجراء ~~حكم المؤمنين عليه ، وتجويز خلافه لا يطعن فيه ، وتوبة الزنديق مقبولة ~~والله أعلم . وأما قوله : { ألا إنهم هم المفسدون } فخارج على وجوه ثلاثة : ~~أحدها : أنهم مفسدون لأن الكفر فساد في الأرض ، إذ فيه كفران نعمة الله ، ~~وإقدام كل أحد على ما يهواه ، لأنه إذا كان لا يعتقد وجود الإله ولا يرجو ~~ثوابا ولا عقابا تهارج الناس ، ومن هذا ثبت أن النفاق فساد ؛ ولهذا قال : { ~~فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض } على ما تقدم تقريره . # ! 7 < { وإذا قيل لهم ءامنوا كمآ ءامن الناس قالوا أنؤمن كمآ آمن السفهآء ~~ألاإنهم هم السفهآء ولاكن لا يعلمون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 13 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين ، وذلك لأنه ~~سبحانه لما نهاهم في الآية المتقدمة عن الفساد في الأرض أمرهم في هذه الآية ~~بالإيمان ، لأن كمال حال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع الأمرين : أولهما : ~~ترك ما لا ينبغي وهو قوله : { ءامنوا } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وإذا قيل لهم ءامنوا } أي إيمانا مقرونا ~~بالإخلاص ms0444 بعيدا عن النفاق ، ولقائل أن يستدل بهذه الآية على أن مجرد ~~الإقرار إيمان ، فإنه لو لم يكن إيمانا لما تحقق مسمى الإيمان إلا إذا حصل ~~فيه الإخلاص ، فكان قوله : { ءامنوا } كافيا في تحصيل المطلوب ، وكان ذكر ~~قوله : { كما ءامن الناس } لغوا ، والجواب : أن الإيمان الحقيقي عند الله ~~هو الذي يقترن به الإخلاص ، أما في الظاهر فلا سبيل إليه إلا بإقرار الظاهر ~~فلا جرم افتقر فيه إلى تأكيده بقوله : { كما ءامن الناس } . # المسألة الثانية : اللام في { الناس } فيها وجهان : أحدهما : أنها للعهد ~~أي كما آمن رسول الله ومن معه ، وهم ناس معهودون ، أو عبد الله بن سلام ~~وأشياعه . لأنهم من أبناء جنسهم والثاني : أنها للجنس ثم ها هنا أيضا وجهان ~~: أحدهما : أن الأوس والخزرج أكثرهم كانوا مسلمين ، وهؤلاء المنافقون كانوا ~~، منهم وكانوا قليلين ، ولفظ العموم قد يطلق على الأكثر . والثاني : أن ~~المؤمنين هم / الناس في الحقيقة ، لأنهم هم الذين أعطوا الإنسانية حقها لأن ~~فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل المرشد والفكر الهادي . # المسألة الثالثة : القائل : { وإذا قيل لهم ءامنوا } إما الرسول ، أو ~~المؤمنون ، ثم كان بعضهم يقول PageV02P061 لبعض : أنؤمن كما آمن سفيه بني ~~فلان وسفيه بني فلان ، والرسول لا يعرف ذلك فقال تعالى : { ألا إنهم هم ~~السفهاء } . # المسألة الرابعة : السفه الخفة يقال : سفهت الريح الشيء إذا حركته ، قال ~~ذو الرمة : # % فجرين كما اهتزت رياح تسفهت % % أعاليها مر الرياح الرواسم % # وقال أبو تمام الطائي : # % فسفيه الرمح جاهله إذا ما % % بدا فضل السفيه على الحليم % # أراد به سريع الطعن بالرمح خفيفه ، وإنما قيل لبذيء اللسان سفيه ؛ لأنه ~~خفيف لا رزانة له وقال تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله ~~لكم قياما } ( النساء : 5 ) وقال عليه السلام : ( شارب الخمر سفيه ) لقلة ~~عقله وإنما سمي المنافقون المسلمين بالسفهاء ؛ لأن المنافقين كانوا من أهل ~~الخطر والرياسة ، وأكثر المؤمنين كانوا فقراء ، وكان عند المنافقين أن دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم باطل ، والباطل لا يقبله إلا السفيه ؛ فلهذه ~~الأسباب نسبوهم إلى السفاهة ثم إن الله تعالى ms0445 قلب عليهم هذا اللقب وقوله ~~الحق لوجوه : أحدها : أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفاهة ~~فهو السفيه . وثانيها : أن من باع آخرته بدنياه فهو السفيه . وثالثها : أن ~~من عادى محمدا عليه الصلاة والسلام فقد عادى الله ، وذلك هو السفيه . # المسألة الخامسة : إنما قال في آخر هذه الآية : { لا يعلمون } وفيما ~~قبلها : { لا يشعرون } لوجهين : الأول : أن الوقوف على أن المؤمنين على ~~الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري / وأما أن النفاق وما فيه من البغي يفضي ~~إلى الفساد في الأرض فضروري جار مجرى المحسوس . الثاني : أنه ذكر السفه وهو ~~جهل ، فكان ذكر العلم أحسن طباقا له والله أعلم . # ! 7 < { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون * الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم ~~يعمهون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 14 - 15 ) وإذا لقوا الذين . . . . . # > > # هذا هو النوع الرابع من أفعالهم القبيحة ، يقال : لقيته ولاقيته إذا ~~استقبلته قريبا منه ، وقرأ أبو حنيفة : ( وإذا لاقوا ) أما قوله : { قالوا ~~ءامنا } فالمراد أخلصنا بالقلب ، والدليل عليه وجهان : / الأول : أن ~~الإقرار باللسان كان معلوما منهم فما كانوا يحتاجون إلى بيانه ، إنما ~~المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب ، فيجب أن يكون مرادهم من هذا الكلام ذلك . ~~الثاني : أن قولهم للمؤمنين ( آمنا ) يجب أن يحمل على نقيض ما كانوا ~~يظهرونه لشياطينهم ، وإذا كانوا يظهرون لهم التكذيب بالقلب فيجب أن يكون ~~مرادهم فيما ذكروه للمؤمنين PageV02P062 التصديق بالقلب ، أما قوله : { ~~وإذا خلوا إلى شياطينهم } فقال صاحب ( الكشاف ) : يقال خلوت بفلان وإليه ، ~~وإذا انفردت معه ويجوز أن يكون من ( خلا ) بمعنى مضى ، ومنه القرون الخالية ~~، ومن ( خلوت به ) إذا سخرت منه ، من قولك : ( خلا فلان بعرض فلان ) أي : ~~يعبث به ، ومعناه أنهم أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها ~~كما تقول : أحمد إليك فلانا وأذمه إليك . وأما شياطينهم فهم الذين ماثلوا ~~الشياطين في تمردهم ، أما قوله : { إنا معكم } ففيه سؤالان : السؤال الأول ~~: هذا القائل أهم كل المنافقين أو بعضهم . الجواب : في هذا ms0446 خلاف ، لأن من ~~يحمل الشياطين على كبار المنافقين يحمل هذا القول على أنه من صغارهم وكانوا ~~يقولون للمؤمنين آمنا وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا إنا معكم ؛ لئلا ~~يتوهموا فيهم المباينة ، ومن يقول في الشياطين : المراد بهم الكفار لم يمنع ~~إضافة هذا القول إلى كل المنافقين ، ولا شبهة في أن المراد بشياطينهم ~~أكابرهم ، وهم إما الكفار وإما أكابر المنافقين ، لأنهم هم الذين يقدرون ~~على الإفساد في الأرض ، وأما أصاغرهم فلا . السؤال الثاني : لم كانت ~~مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية ، وشياطينهم بالجملة الإسمية محققة ( ~~بأن ) الجواب : ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى الكلامين ، لأنهم ~~كانوا في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم في الدرجة الكاملة منه ~~، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة لأن القول الصادر عن النفاق ~~والكراهة قلما يحصل معه المبالغة ؛ وإما لعلمهم بأن ادعاء الكمال في ~~الإيمان لا يروج على المسلمين ، وأما كلامهم مع إخوانهم فهم كانوا يقولونه ~~عن الإعتقاد وعلموا أن المستمعين يقبلون ذلك منهم ، فلا جرم كان التأكيد ~~لائقا به . أما قوله : { إنما نحن مستهزءون } ففيه سؤالان . السؤال الأول : ~~ما الاستهزاء ؟ الجواب : أصل الباب الخفة من الهزء وهو العدو السريع ، وهزأ ~~يهزأ مات على مكانه ، وناقته تهزأ به أي تسرع ، وحده أنه عبارة عن إظهار ~~موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية ، فعلى هذا قولهم : { ~~إنما نحن مستهزءون } يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنأمن شرهم ونقف على ~~أسرارهم ، ونأخذ من صدقاتهم وغنائمهم . السؤال الثاني : كيف تعلق قوله : { ~~إنما نحن مستهزءون } بقوله : { إنا معكم } الجواب : هو توكيد له ؛ لأن قوله ~~: { إنا معكم } معناه الثبات على الكفر وقوله : { إنما نحن مستهزءون } رد ~~للإسلام ، ورد نقيض الشيء تأكيد لثباته ، أو بدل منه ، لأن من حقر الإسلام ~~فقد عظم الكفر ، أو استئناف ، كأنهم اعترضوا عليه حين قالوا : إنا معكم ، ~~فقالوا إن صح ذلك فكيف توافقون أهل الإسلام ؟ فقالوا : إنما نحن مستهزئون . # واعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكى عنهم ذلك أجابهم بأشياء . أحدها : قوله ~~: { الله يستهزىء ms0447 بهم } / وفيه أسئلة . الأول : كيف يجوز وصف الله تعالى ~~بأنه يستهزىء وقد ثبت أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس ، وهو على الله محال ~~، ولأنه لا ينفك عن الجهل ، لقوله : { قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله ~~أن أكون من الجاهلين } ( البقرة : 67 ) والجهل على الله محال والجواب : ~~ذكروا في التأويل خمسة أوجه : أحدها : أن ما يفعله الله بهم جزاء على ~~استهزائهم سماه بالاستهزاء ، لأن جزء الشيء يسمى باسم ذلك PageV02P063 ~~الشيء قال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) { فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ( البقرة : 194 ) { يخادعون الله ~~وهو خادعهم } ( النساء : 144 ) { ومكروا ومكر الله } ( آل عمران : 54 ) ~~وقال عليه السلام : ( اللهم إن فلانا هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه ، ~~اللهم والعنه عدد ما هجاني ) أي أجزه جزاء هجائه ، وقال عليه السلام : ( ~~تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ) وثانيها : أن ضرر ~~استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين ، فيصير كأن الله ~~استهزأ بهم . وثالثها : أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة فذكر ~~الاستهزاء ، والمراد حصول الهوان لهم تعبيرا بالسبب عن المسبب . ورابعها : ~~إن استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا ما لهم عند الله ~~خلافها في الآخرة ، كما أنهم أظهروا للنبي والمؤمنين أمرا مع أن الحاصل ~~منهم في السر خلافه ، وهذا التأويل ضعيف ، لأنه تعالى لما أظهر لهم أحكام ~~الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء ~~المنقلب والعقاب العظيم ، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا . ~~وخامسها : أن الله تعالى يعاملهم معاملة المستهزىء في الدنيا وفي الآخرة ، ~~أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون ~~في إخفائها عنه ، وأما في الآخرة فقال ابن عباس : إذا دخل المؤمنون الجنة ، ~~والكافرون النار فتح الله من الجنة بابا على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن ~~المنافقين ، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحا أخذوا يخرجون من الجحيم ~~ويتوجهون إلى الجنة ، وأهل الجنة ms0448 ينظرون إليهم ، فإذا وصلوا إلى باب الجنة ~~فهناك يغلق دونهم الباب ، فذاك قوله تعالى : { إن الذين أجرموا كانوا من ~~الذين ءامنوا يضحكون } إلى قوله : { فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون ~~} ( المطففين : 34 ) فهذا هو الاستهزاء بهم . السؤال الثاني : كيف ابتدأ ~~قوله : { الله يستهزىء بهم } ولم يعطف على الكلام الذي قبله ؟ الجواب : هو ~~استئناف في غاية الجزالة والفخامة . وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزىء ~~بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزائهم في مقابلته كالعدم ، وفيه أيضا أن ~~الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين ، ولا يحوج المؤمنين ~~إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله . # السؤال الثالث : هل قيل : إن الله مستهزىء بهم ليكون مطابقا لقوله : { ~~إنما نحن مستهزءون } الجواب . لأن ( يستهزىء ) يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده ~~وقتا بعد وقت ، وهذا كانت نكايات الله فيهم : { أو لا * يرون أنهم يفتنون ~~فى كل عام مرة أو مرتين } ( التوبة : 126 ) وأيضا فما كانوا يخلون في أكثر ~~أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار واستشعار حذر من أن تنزل عليهم آية { ~~يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما قلوبهم قل استهزءوا إن الله ~~مخرج ما تحذرون } الجواب الثاني : قوله تعالى : { ويمدهم في طغيانهم يعمهون ~~} ( البقرة : 15 ) قال صاحب الكشاف إنه من مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق ~~به ما يقويه ويكثره ، وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها ؛ ومددت ~~السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد ، ومده الشيطان في الغي ، وأمده ~~إذا واصله بالوسواس ، ومد وأمد بمعنى واحد . وقال بعضهم : مد يستعمل في ~~الشر ، وأمد في الخير قال تعالى : { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } ~~( المؤمنين : 55 ) ومن الناس من زعم أنه من المد في العمر والإملاء ~~والإمهال وهذا خطأ لوجهين : الأول : أن PageV02P064 قراءة ابن كثير ، وابن ~~محيصن ( ونمدهم ) وقراءة نافع ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ) يدل على أنه من ~~المدد دون المد . الثاني : أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له ، كأملي له . ~~قالت المعتزلة : هذه الآية لا يمكن أجراؤها على ظاهرها لوجوه : أحدها : ~~قوله تعالى : { وإخوانهم ms0449 يمدونهم فى الغى } أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم ، ~~فكيف يكون مضافا إلى الله تعالى . # وثانيها : أن الله تعالى ذمهم على هذا الطغيان فلو كان فعلا لله تعالى ~~فكيف يذمهم عليه . # وثالثها : لو كان فعلا لله تعالى لبطلت النبوة وبطل القرآن فكان الاشتغال ~~بتفسيره عبثا . # ورابعها : أنه تعالى أضاف الطغيان إليهم بقوله : ( في طغيانهم ) ولو كان ~~ذلك من الله لما أضافه إليهم ، فظهر أنه تعالى إنما أضافه إليهم ليعرف أنه ~~تعالى غير خالق لذلك ، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ~~ولم يقيده بالإضافة في قوله : { وإخوانهم يمدونهم فى الغى } ( الأعراف : ~~202 ) إذا ثبت هذا فنقول : التأويل من وجوه : أحدها : وهو تأويل الكعبي ~~وأبي مسلم بن يحيى الأصفهاني أن الله تعالى لما منحهم ألطافه التي يمنحها ~~المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الظلمة ~~فيها وتزايد النور في قلوب المسلمين فسمي ذلك التزايد مددا وأسنده إلى الله ~~تعالى لأنه مسبب عن فعله بهم . وثانيها : أن يحمل على منع القسر والإلجاء ~~كما قيل : إن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور . وثالثها : أن يسند فعل الشيطان ~~إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده . ~~ورابعا : ما قاله الجبائي فإنه قال ويمدهم أي يمد عمرهم ثم إنهم مع ذلك في ~~طغيانهم يعمهون وهذا ضعيف من وجهين : الأول : لما تبينا أنه لا يجوز في ~~اللغة تفسير ويمدهم بالمد في العمر . الثاني : هب أنه يصح ذلك ولكنه يفيد ~~أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون وذلك يفيد الإشكال ~~أجاب القاضي عن ذلك بأنه ليس المراد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في ~~الطغيان ، بل المراد ، أنه تعالى يبقيهم ويلطف بهم في الطاعة فيأبون إلا أن ~~يعمهوا . واعلم أن الكلام في هذا الباب تقدم في قوله : { ختم الله على ~~قلوبهم } فلا فائدة في الإعادة . واعلم أن الطغيان هو الغلو في الكفر ~~ومجاوزة الحد في العتو ، قال تعالى : { إنا لما طغا الماء } ( الحاقة : 11 ~~) أي جاوز ms0450 قدره ، وقال : { اذهب إلى فرعون إنه طغى } ( طه : 24 ) أي أسرف ~~وتجاوز الحد . وقرأ زيد بن علي في طغيانهم بالكسر وهما لغتان كلقيان ولقيان ~~، والعمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة ~~، وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه . # ! 7 < { أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا ~~مهتدين } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 16 ) أولئك الذين اشتروا . . . . . # > > # واعلم أن اشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه واستبدالها به ، فإن قيل ~~كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى قلنا جعلوا لتمكنهم منه كأنه ~~في أيديهم فإذا تركوه ومالوا إلى الضلالة فقد استبدلوها به ، PageV02P065 ~~والضلالة الجور والخروج عن القصد وفقد الاهتداء ، فاستعير للذهاب عن الصواب ~~في الدين ، أما قوله : { فما ربحت تجارتهم } فالمعنى أنهم ما ربحوا في ~~تجارتهم ، وفيه سؤالان : السؤال الأول : كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو ~~لأصحابها ؟ الجواب : هو من الإسناد المجازي وهو أن يسند الفعل إلى شيء ~~يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشتري . السؤال الثاني ~~: هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال فما معنى ذكر ~~الربح والتجارة وما كان ثم مبايعة على الحقيقة والجواب : هذا مما يقوي أمر ~~المجاز ويحسنه كما قال الشاعر : # % فولما رأيت النسر عز ابن دأية % % وعشش في وكريه جاش له صدري % # لما شبه الشيب بالنسر ، والشعر الفاحم بالغراب أتبعه بذكر التعشيش والوكر ~~فكذا ههنا لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه ، تمثيلا ~~لخسارتهم وتصويرا لحقيقته . أما قوله : { وما كانوا مهتدين } فالمعنى أن ~~الذي تطلبه التجار في متصرفاتهم أمران : سلامة رأس المال والربح ، وهؤلاء ~~قد أضاعوا الأمرين لأن رأس مالهم هو العقل الخالي عن المانع ، فلما اعتقدوا ~~هذه الضلالات صارت تلك العقائد الفاسدة الكسيبة مانعة من الاشتغال بطلب ~~العقائد الحقة . وقال قتادة : انتقلوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الطاعة ~~إلى المعصية ، ومن الجماعة إلى التفرقة ومن الأمن إلى الخوف ، ومن السنة ~~إلى البدعة ، والله أعلم . # ! 7 < { مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلمآ أضاءت ms0451 ما حوله ذهب الله بنورهم ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 17 ) مثلهم كمثل الذي . . . . . # > > اعلم أنا قبل الخوض في تفسير ألفاظ هذه الآية نتكلم في شيئين : أحدها ~~: أن المقصود من ضرب الأمثال أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في ~~نفسه ، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي ، والغائب بالشاهد ، ~~فيتأكد الوقوف على ماهيته ، ويصير الحس مطابقا للعقل وذلك في نهاية الإيضاح ~~، ألا ترى أن الترغيب إذا وقع في الإيمان مجردا عن ضرب مثل له / لم يتأكد ~~وقوعه في القلب كما يتأكد وقوعه إذا مثل بالنور ، وإذا زهد في الكفر بمجرد ~~الذكر لم يتأكد قبحه في العقول كما يتأكد إذا مثل بالظلمة ، وإذا أخبر بضعف ~~أمر من الأمور وضرب مثله بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من ~~الأخبار بضعفه مجردا ، ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين وفي سائر ~~كتبه أمثاله ، قال تعالى : { وتلك الامثال نضربها للناس } ( العنكبوت : 43 ~~، الحشر : 21 ) ومن سور الإنجيل سورة الأمثال ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل وهو النظير ، ويقال ~~مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ، ثم قيل للقول الثائر الممثل مضر به ~~بمورده : مثل ، وشرطه أن يكون قولا فيه غرابة من بعض الوجوه . PageV02P066 # المسألة الثانية : أنه تعالى لما بين حقيقة صفات المنافقين عقبها بضرب ~~مثلين زيادة في الكشف والبيان . أحدهما : هذا المثل وفيه إشكالات . أحدها : ~~أن يقال : ما وجه التمثيل بمن أعطي نورا ثم سلب ذلك النور منه مع أن ~~المنافق ليس له نور . وثانيها : أن يقال : إن من استوقد نارا فأضاءت قليلا ~~فقد انتفع بها وبنورها ثم حرم ، فأما المنافقون فلا انتفاع لهم ألبتة ~~بالإيمان فما وجه التمثيل ؟ وثالثها : أن مستوقد النار قد اكتسب لنفسه ~~النور ، والله تعالى ذهب بنوره وتركه في الظلمات ، والمنافق لم يكتسب خيرا ~~وما حصل له من الخيبة والحيرة فقد أتى فيه من قبل نفسه ، فما وجه التشبيه ؟ ~~والجواب : أن العلماء ذكروا في كيفية التشبيه وجوها : أحدها ms0452 : قال السدي : ~~إن ناسا دخلوا في الإسلام عند وصوله عليه السلام إلى المدينة ثم إنهم ~~نافقوا ، والتشبيه ههنا في نهاية الصحة لأنهم بإيمانهم أولا اكتسبوا نورا ~~ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور ووقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم ~~من حيرة الدين لأن المتحير في طريقه لأجل الظلمة لا يخسر إلا القليل من ~~الدنيا ، وأما المتحير في الدين فإنه يخسر نفسه في الآخرة أبد الآبدين . ~~وثانيها : إن لم يصح ما قاله السدي بل كانوا منافقين أبدا من أول أمرهم ~~فههنا تأويل آخر ذكره الحسن رحمه الله ، وهو أنهم لما أظهروا الإسلام فقد ~~ظفروا بحقن دمائهم وسلامة أموالهم عن الغنيمة وأولادهم عن السبي وظفروا ~~بغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين ، وعد ذلك نورا من أنوار الإيمان ، ~~ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم قليلا قدرت شبههم بمستوقد النار ~~الذي انتفع بضوئها قليلا ثم سلب ذلك فدامت حيرته وحسرته للظلمة التي جاءته ~~في أعقاب النور ، فكان يسير انتفاعهم في الدنيا يشبه النور وعظيم ضررهم في ~~الآخرة يشبه الظلمة . وثالثها : أن نقول ليس وجه التشبيه أن للمنافق نورا ، ~~بل وجه التشبيه بهذا المستوقد أنه لما زال النور عنه تحير ، والتحير فيمن ~~كان في نور ثم زال عنه أشد من تحير سالك الطريق في ظلمة مستمرة ، لكنه ~~تعالى ذكر النور في مستوقد النار لكي يصح أن يوصف بهذه الظلمة الشديدة ، لا ~~أن وجه التشبيه مجمع النور والظلمة . ورابعها : أن الذي أظهروه يوهم أنه من ~~باب النور الذي ينتفع به ، وذهاب النور هو ما يظهره لأصحابه من الكفر ~~والنفاق ، ومن قال بهذا قال إن المثل إنما عطف على قوله : { وإذا لقوا ~~الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم } فالنار ~~مثل لقولهم : ( آمنا ) وذهابه مثل لقولهم للكفار : ( إنا معكم ) فإن قيل ~~وكيف صار ما يظهره المنافق من كلمة الإيمان مثلا بالنور وهو حين تكلم بها ~~أضمر خلافها ؟ قلنا إنه لو ضم إلى القول اعتقادا له وعملا به لأتم النور ~~لنفسه ، ولكنه لما ms0453 لم يفعل لم يتم نوره ، وإنما سمى مجرد ذلك القول نورا ~~لأنه قول حق في نفسه . وخامسها : يجوز أن يكون استيقاد النار عبارة عن ~~إظهار المنافق كلمة الإيمان وإنما سماه نورا لأنه يتزين به ظاهره فيهم ~~ويصير ممدوحا بسببه فيما بينهم ، ثم إن الله تعالى يذهب ذلك النور بهتك ستر ~~المنافق بتعريف نبيه والمؤمنين حقيقة أمره فيظهر له اسم النفاق بدل ما يظهر ~~منه من اسم الإيمان فبقي في ظلمات لا يبصر ، إذ النور الذي كان له قبل قد ~~كشف الله أمره فزال . وسادسها : أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة ~~بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول ~~المستوقد ، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم ~~وتركه إياهم في الظلمات . وسابعها : يجوز أن يكون المستوقد ههنا مستوقد نار ~~لا يرضاها الله تعالى ، والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها ~~بهذه النار ، فإن الفتنة التي كانوا يثيرونها كانت قليلة البقاء ، ألا ترى ~~إلى قوله تعالى : { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } ( المائدة : 64 ) ~~وثامنها : قال سعيد بن جبير : نزلت في اليهود PageV02P067 وانتظارهم لخروج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب ، فلما خرج ~~كفروا به فكان انتظارهم لمحمد صلى الله عليه وسلم كإيقاد النار ، وكفرهم به ~~بعد ظهوره كزوال ذلك النور . # المسألة الثالثة : فأما تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة فهو في كتاب ~~الله تعالى كثير ، والوجه فيه أن النور قد بلغ النهاية في كونه هاديا إلى ~~المحجة وإلى طريق المنفعة وإزالة الحيرة وهذا حال الإيمان في باب الدين ، ~~فشبه ما هو النهاية في إزالة الحيرة ووجدان المنفعة في باب الدين بما هو ~~الغاية في باب الدنيا ، وكذلك القول في تشبيه الكفر بالظلمة ، لأن الضال عن ~~الطريق المحتاج إلى سلوكه لا يرد عليه من أسباب الحرمان والتحير أعظم من ~~الظلمة ، ولا شيء كذلك في باب الدين أعظم من الكفر ، فشبه تعالى أحدهما ~~بالآخر ، فهذا هو الكلام فيما هو المقصود الكلي من ms0454 هذه الآية ، بقيت ههنا ~~أسئلة وأجوبة تتعلق بالتعلق بالتفاصيل : السؤال الأول : قوله تعالى : { ~~مثلهم كمثل الذى استوقد نارا } يقتضى تشبيه مثلهم بمثل المستوقد ، فما مثل ~~المنافقين ومثل المستوقد حتى شبه أحدهما بالآخر ؟ والجواب : استعير المثل ~~للقصة أو للصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة ، كأنه قيل قصتهم العجيبة كقصة ~~الذي استوقد نارا ، وكذا قوله : { مثل الجنة التى وعد المتقون } ( الرعد : ~~35 ) أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة { ولله المثل الاعلى ~~} ( النحل : 60 ) أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة { مثلهم فى ~~التوراة } ( الفتح : 29 ) أي وصفهم وشأنهم المتعجب منه ولما في المثل من ~~معنى الغرابة قالوا : فلان مثله في الخير والشر ، فاشتقوا / منه صفة للعجيب ~~الشأن . السؤال الثاني : كيف مثلت الجماعة بالواحد ؟ والجواب من وجوه : ~~أحدها : أنه يجوز في اللغة وضع ( الذي ) موضع ( الذين ) كقوله : { وخضتم ~~كالذي خاضوا } ( التوبة : 69 ) وإنما جاز ذلك لأن ( الذي ) لكونه وصلة إلى ~~وصف كل معرفة مجملة وكثرة وقوعه في كلامهم ، ولكونه مستطالا بصلته فهو حقيق ~~بالتخفيف ، ولذلك أعلوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا فيه على ~~اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين . وثانيها : أن يكون المراد جنس ~~المستوقدين أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا . وثالثها : وهو ~~الأقوى : أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه ~~الجماعة بالواحد وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد . ومثله قوله تعالى : { ~~مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار } ( الجمعة : 5 ) وقوله ~~: { ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت } ( محمد : 20 ) ورابعها : ~~المعنى ومثل كل واحد منهم كقوله : { يخرجكم طفلا } ( غافر : 67 ) أي يخرج ~~كل واحد منكم . السؤال الثالث : ما الوقود ؟ وما النار ؟ وما الإضاءة ؟ وما ~~النور ؟ ما الظلمة ؟ الجواب : أما وقود النار فهو سطوعها وارتفاع لهبها ، ~~وأما النار فهو جوهر لطيف مضيء ، حار محرق ، واشتقاقها من ( نارينور ) إذا ~~نفر ؛ لأن فيها حركة واضطرابا ، والنور مشتق منها وهو ضوؤها ، والمنار ~~العلامة ، والمنارة هي الشيء الذي يؤذن عليه . ويقال أيضا ms0455 للشيء الذي يوضع ~~السراج عليه ، ومنه النورة لأنها تطهر البدن والإضاءة فرط الإنارة ، ومصداق ~~ذلك قوله تعالى : { هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا } ( يونس : 5 ) و ( ~~أضاء ) يرد لازما ومتعديا . تقول : أضاء القمر الظلمة ، وأضاء القمر بمعنى ~~استضاء قال الشاعر : PageV02P068 # % فأضاءت لهم أحسابهم ووجوههم % % دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه % # وأما ما حول الشيء فهو الذي يتصل به ، تقول دار حوله وحواليه ، والحول ~~السنة لأنها تحول ، وحال عن العهد أي تغير ، وحال لونه أي تغير لونه ، ~~والحوالة انقلاب الحق من شخص إلى شخص ، والمحاولة طلب الفعل بعد أن لم يكن ~~طالبا له ، والحول انقلاب العين ، والحول الانقلاب ، قال الله تعالى : { لا ~~يبغون عنها حولا } والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير ، والظلمة في ~~أصل اللغة عبارة عن النقصان قال الله تعالى : { اتت أكلها ولم تظلم منه ~~شيئا } ( الكهف : 33 ) أي لم تنقص وفي المثل : من أشبه أباه فما ظلم ، أي ~~فما نقص حق الشبه ، والظلم الثلج لأنه ينتقص سريعا والظلم ماء السن وطراوته ~~وبياضه تشبيها له بالثلج . السؤال الرابع : أضاءت متعدية أم لا ؟ الجواب : ~~كلاهما جائز ، يقال : أضاءت النار بنفسها وأضاءت غيرها وكذلك أظلم الشيء ~~بنفسه وأظلم غيره أي صيره مظلما ، وههنا الأقرب أنها متعدية ، ويحتمل أن ~~تكون غير متعدية مستندة إلى ما حوله والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول ~~المستوقد أماكن وأشياء ، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة ( ضاء ) السؤال الخامس ~~: هلا قيل ذهب الله بضوئهم لقوله : { فلما أضاءت } ؟ الجواب : ذكر النور ~~أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة ، فلو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم / ~~ذهاب الكمال وبقاء ما يسمى نورا والغرض إزالة النور عنهم بالكلية . ألا ترى ~~كيف ذكر عقيبه : { وتركهم في ظلمات لا يبصرون } والظلمة عبارة عن عدم النور ~~، وكيف جمعها ، وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة خالصة وهو ~~قوله : { لا يبصرون } السؤال السادس : لم قال : { ذهب الله بنورهم } ولم ~~يقل أذهب الله نورهم والجواب : الفرق بين أذهب وذهب به أن معنى ms0456 أذهبه أزاله ~~وجعله ذاهبا ، ويقال ذهب به إذا استصحبه / ومعنى به معه ، وذهب السلطان ~~بماله أخذه قال تعالى : { فلما ذهبوا به } ( يوسف : 15 ) { إذا لذهب كل ~~إلاه بما خلق } ( المؤمنون : 91 ) والمعنى أخذ الله نورهم وأمسكه { وما ~~يمسك فلا مرسل له } ( فاطر : 2 ) فهو أبلغ من الإذهاب وقرأ اليماني ( أذهب ~~الله نورهم ) . السؤال السابع : ما معنى ( وتركهم ) ؟ والجواب : ترك إذا ~~علق بواحد فهو بمعنى طرح وإذا علق بشيئين كان بمعنى صير ، فيجري مجرى أفعال ~~القلوب ومنه قوله : { وتركهم في ظلمات } أصله هم في ظلمات ثم دخل ترك فنصبت ~~الجزئين . السؤال الثامن : لم حذف أحد المفعولين من لا يبصرون ؟ الجواب : ~~أنه من قبيل المتروك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال ، لا من قبيل المقدر ~~المنوي ، كأن الفعل غير متعد أصلا . # ! 7 < { صم بكم عمى فهم لا يرجعون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 18 ) صم بكم عمي . . . . . # > > PageV02P069 @70@ # اعلم أنه لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون وينطقون ويبصرون ~~امتنع حمل ذلك على الحقيقة فلم يبق إلا تشبيه حالهم لشدة تمسكهم بالعناد ~~وإعراضهم عما يطرق سمعهم من القرآن وما يظهره الرسول من الأدلة والآيات بمن ~~هو أصم في الحقيقة فلا يسمع ، وإذا لم يسمع لم يتمكن من الجواب ، فلذلك ~~جعله بمنزلة الأبكم ، وإذا لم ينتفع بالأدلة ولم يبصر طريق الرشد فهو ~~بمنزلة الأعمى ، أما قوله : { فهم لا يرجعون } ففيه وجوه : أحدها : أنهم لا ~~يرجعون عما تقدم ذكره وهو التمسك بالنفاق الذي لأجل تمسكهم به وصفهم الله ~~تعالى بهذ الصفات فصار ذلك دلالة على أنهم يستمرون على نفاقهم أبدا . ~~وثانيها : أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه ، وعن الضلالة بعد أن ~~اشتروها . وثالثها : أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا خامدين في ~~مكانهم لا يبرحون ، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وكيف يرجعون إلى حيث ~~ابتدأوا منه . # ! 7 < { أو كصيب من السمآء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم فىءاذانهم ~~من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين * يكاد البرق يخطف أبصارهم كلمآ ~~أضآء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم ms0457 عليهم قاموا ولو شآء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم إن الله على كل شىء قدير } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 19 - 20 ) أو كصيب من . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو المثل الثاني للمنافقين وكيفية المشابهة من وجوه : أحدها ~~: أنه إذا حصل السحاب الذي فيه الظلمات والرعد والبرق واجتمع مع ظلمة ~~السحاب ظلمة الليل وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في ~~آذانهم من الصواعق حذر الموت وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم ، فإذا أضاء لهم ~~مشوا فيه ، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة فوقفوا متحيرين لأن من أصابه البرق ~~في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته . وتعظم الظلمة في عينه ، ~~وتكون له مزية على من لم يزل في الظلمة ، فشبه المنافقين في حيرتهم وجهلهم ~~بالدين بهؤلاء الذين وصفهم ، إذ كانوا لا يرون طريقا ولا يهتدون ، وثانيها ~~: أن المطر وإن كان نافعا إلا أنه لما وجد في هذه الصورة مع هذه الأحوال ~~الضارة صار النفع به زائلا ، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه ~~الباطن : فإذا فقد منه الإخلاص وحصل معه النفاق صار ضررا في الدين . ~~وثالثها : أن من نزل به هذه الأمور مع الصواعق ظن المخلص منها أن يجعل ~~أصابعه في أذنيه وذلك لا ينجيه مما يريده تعالى به من هلاك وموت ، فلما ~~تقرر ذلك في العادات شبه تعالى حال المنافقين في ظنهم أن إظهارهم للمؤمنين ~~ما أظهروه ينفعهم ، مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بما ذكر ورابعها : أن ~~عادة المنافقين كانت هي التأخر عن الجهاد فرارا من الموت والقتل ، فشبه ~~الله حالهم في ذلك بحال من نزلت هذه الأمور به وأراد دفعها يجعل إصبعيه في ~~أذنيه وخامسها : أن هؤلاء الذين يجعلون PageV02P070 أصابعهم في آذانهم وإن ~~تخلصوا عن الموت في تلك الساعة فإن الموت والهلاك من ورائهم لا مخلص لهم ~~منه فكذلك حال المنافقين في أن الذي يخوضون فيه لا يخلصهم من عذاب النار . ~~وسادسها : أن من هذا حاله فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماتع أنواع ~~الظلمات وحصول أنواع المخافة ، وحصل في ms0458 المنافقين نهاية الحيرة في باب ~~الدين ونهاية الخوف في الدنيا لأن المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل ~~الوقوف على باطنه لقتل ، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق . ~~وسابعها : المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن ، والظلمات والرعد والبرق هو ~~الأشياء الشاقة على المنافقين ، وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك ~~الرياسات / والجهاد مع الآباء والأمهات ، وترك الأديان القديمة ، والانقياد ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان ~~يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعا بسبب هذه ~~الأمور المقارنة ، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه ~~الأمور المقارنة ، والمراد من قوله : { كلما أضاء لهم مشوا فيه } أنه متى ~~حصل لهم شيء من المنافع ، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم ~~فإنهم يرغبون في الدين : { وإذا أظلم عليهم قاموا } أي متى لم يجدوا شيئا ~~من تلك المنافع فحينئذ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه ، فهذه الوجوه ظاهرة ~~في التشبيه . وبقي على الآية أسئلة وأجوبة . السؤال الأول : أي التمثيلين ~~أبلغ ؟ والجواب : التمثيل الثاني ، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ ~~؛ ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ . السؤال الثاني : ~~لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك ؟ الجواب من وجوه : أحدها : لأن ~~( أو ) في أصلها تساوي شيئين فصاعدا في الشك ، ثم اتسع فيها فاستعيرت ~~للتساوي في غير الشك . كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في ~~استصواب أن تجالس أيهما شئت ، ومنه قوله تعالى : { ولا تطع منهم ءاثما أو ~~كفورا } ( الإنسان : 24 ) أي أن الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما ، ~~فكذا قوله : { أو كصيب } معناه أن كيفية المنافقين شبيهة بكيفتي هاتين ~~القصتين ، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب ، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك . ~~وثانيها : إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب ~~النار ، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر ، ونظيره قوله تعالى : { وقالوا كونوا ~~هودا أو نصارى } ( البقرة : 135 ) وقوله : { وكم من قرية أهلكناها فجاءها ~~بأسنا ms0459 بياتا أو هم قائلون } ( الأعراف : 4 ) وثالثها : أو بمعنى بل قال ~~تعالى : { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } ( الصافات : 147 ) ورابعها : ~~أو بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى : { ليس على ~~الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على } ( النور : 61 ) وقال الشاعر : # % فوقد زعمت ليلى بأني فاجر % % لنفسي تقاها أو عليها فجورها % # وهذه الوجوه مطردة في قوله : { ثم قست قلوبكم من بعد ذالك فهى كالحجارة ~~أو أشد قسوة } ( البقرة : 74 ) السؤال الثالث : المشبه بالصيب والظلمات ~~والرعد والبرق والصواعق ما هو ؟ الجواب : لعلماء البيان ههنا قولان : ~~أحدهما : أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركبا من أمور والممثل ~~يكون أيضا مركبا PageV02P071 من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيها بكل ~~واحد من الممثل ، فههنا شبه دين الإسلام بالصيب ، لأن القلوب تحيا به حياة ~~الأرض بالمطر ، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات ، وما فيه من الوعد ~~والوعيد بالبرق والرعد ؛ وما يصيب الكفرة من الفتن من جهة أهل الإسلام ~~بالصواعق ، والمعنى أو كمثل ذوي صيب ، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على ~~هذه الصفة : والقول الثاني : أنه تشبيه مركب ، وهو الذي يشبه فيه إحدى ~~الجملتين بالأخرى في أمر / من الأمور وإن لم تكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة ~~بآحاد الجملة الأخرى وههنا المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدنيا والدين ~~بحيرة من انطفت ناره بعد إيقادها ، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة ~~المظلمة مع رعد وبرق ، فإن قيل الذي كنت تقدره في التشبيه المفرق من حذف ~~المضاف وهو قولك : أو كمثل ذوي صيب هل يقدر مثله في المركب ، قلنا لولا طلب ~~الراجع في قوله : { يجعلون أصابعهم فىءاذانهم } ما يرجع إليه لما كان بنا ~~حاجة إلى تقديره : السؤال الرابع : ما الصيب ؟ الجواب : أنه المطر الذي ~~يصوب ، أي ينزل من صاب يصوب إذا نزل ومنه صوب رأسه إذا خفضه وقيل إنه من ~~صاب يصوب إذا قصد ، ولا يقال صيب إلا للمطر الجود . كان عليه الصلاة ~~والسلام يقول : ( اللهم اجعله صيبا هنيئا ) أي ms0460 مطرا جودا وأيضا يقال للسحاب ~~صيب قال الشماخ : # % وأسحم دان صادق الوعد صيب % % # وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل ، كما تنكرت النار في ~~التمثيل الأول ، وقرىء ( أو كصائب ) وصيب أبلغ : والسماء هذه المظلة . ~~السؤال الخامس : قوله من السماء . ما الفائدة فيه والصيب لا يكون إلا من ~~السماء ؟ الجواب من وجهين : الأول : لو قال . أو كصيب فيه ظلمات . احتمل أن ~~يكون ذلك الصيب نازلا من بعض جوانب السماء دون بعض / أما لما قال من السماء ~~دل على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء فكما حصل في لفظ الصيب مبالغات من ~~جهة التركيب والتنكير أيد ذلك بأن جعله مطبقا ، الثاني : من الناس من قال : ~~المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من ~~شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى ، فذاك هو المطر ثم إن الله سبحانه وتعالى ~~أبطل ذلك المذهب ههنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء ، كذا قوله : { ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ( الفرقان : 48 ) وقوله : { وينزل من السماء ~~من جبال فيها من برد } ( النور : 43 ) السؤال السادس : ما الرعد والبرق ؟ ~~الجواب : الرعد الصوت الذي يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتقض ~~وترتعد إذا أخذتها الريح فصوت عند ذلك من الارتعاد والبرق الذي يلمع من ~~السحاب من برق الشيء بريقا إذا لمع . السؤال السابع : الصيب هو المطر ~~والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته ؟ الجواب : أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم ~~مطبقا فظلمته سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل ، وأما ظلمة المطر ~~فظلمته تكاثفه وانسجامه بتتابع القطر وظلمته إظلال الغمامة مع ظلمة الليل . ~~السؤال الثامن : كيف يكون المطر مكانا للرعد والبرق وإنما مكانهما السحاب . ~~الجواب : لما كان التعليق بين السحاب والمطر شديدا جاز إجراء أحدهما مجرى ~~الآخر في الأحكام . PageV02P072 السؤال التاسع : هلا قيل رعود وبروق كما ~~قيل ظلمات ؟ الجواب : الفرق أنه حصلت أنواع مختلفة من الظلمات على الاجتماع ~~فاحتيج إلى صيغة الجمع ، أما الرعد فإنه نوع واحد ، وكذا البرق ولا يمكن ms0461 ~~اجتماع أنواع الرعد والبرق في السحاب الواحد فلا جرم لم يذكر فيه لفظ الجمع ~~. السؤال العاشر : لم جاءت هذه الأشياء منكرات . الجواب : لأن المراد أنواع ~~منها ، كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف / وبرق خاطف . السؤال الحادي ~~عشر : إلى ماذا يرجع الضمير في ( يجعلون ) . الجواب : إلى أصحاب الصيب وهو ~~وإن كان محذوفا في اللفظ لكنه باق في المعنى ولا محل لقوله يجعلون لكونه ~~مستأنفا لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلا ~~قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال ~~فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال : { يكاد البرق يخطف أبصارهم } ( البقرة ~~: 20 ) السؤال الثاني عشر : رءوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان فهلا قيل ~~أناملهم ؟ الجواب المذكور وإن كان هو الأصبع لكن المراد بعضه كما في قوله : ~~{ فاقطعوا أيديهما } ( المائدة : 38 ) المراد بعضهما . السؤال الثالث عشر : ~~ما الصاعقة ؟ الجواب : إنها قصف رعد ينقض منها شعلة من نار وهي نار لطيفة ~~قوية لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود . السؤال ~~الرابع عشر : ما إحاطة الله بالكافرين . الجواب : إنه مجاز والمعنى أنهم لا ~~يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ثم فيه ثلاثة أقوال : أحدها ~~: أنه عالم بهم قال تعالى : { وأن الله قد أحاط بكل شىء علما } ( الطلاق : ~~12 ) وثانيها : قدرته مستولية عليهم { والله من * وراءهم * محيط } ( البروج ~~: 20 ) وثالثها : يهلكهم من قوله تعالى : { إلا أن يحاط بكم } ( يوسف : 66 ~~) السؤال الخامس عشر : ما الخطف . الجواب : إنه الأخذ بسرعة ، وقرأ مجاهد ( ~~يخطف ) بكسر الطاء ، والفتح أفصح ، وعن ابن مسعود ( يختطف ) وعن الحسن ( ~~يخطف ) بفتح الياء والخاء وأصله يختطف ، وعنه يخطف بكسرهما على اتباع الياء ~~الخاء ، وعن زيد بن علي : يخطف من خطف وعن أبي يتخطف من قوله : { ويتخطف ~~الناس من حولهم } ( العنكبوت : 67 ) أما قوله تعالى : { كلما أضاء لهم مشوا ~~فيه } ( البقرة : 20 ) فهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول كيف يصنعون في ~~حالتي ms0462 ظهور البرق وخفائه ، والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته ~~على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا ~~صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة ~~فخطوا خطوات يسيرة ، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة ، ~~ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم ، وفي ضوء البرد فأعماهم . وأضاء ~~إما متعد بمعنى كلما نور لهم مسلكا أخذوه ، فالمفعول محذوف ، وإما غير متعد ~~بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره ، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة ( كلما ~~ضاء ) فإن قيل كيف قال مع الإضاءة كلما ، ومع الإظلام إذا : قلنا لأنهم ~~حراص على إمكان المشيء ، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف ~~، والأقرب في أظلم أن يكون غير متعد وهو الظاهر ، ومعنى قاموا وقفوا وثبتوا ~~في مكانهم ، ومنه قامت السوق ، وقام الماء جمد ، ومفعول شاء محذوف لأن ~~الجواب يدل عليه والمعنى ولو شاء الله أن PageV02P073 يذهب بسمعهم وأبصارهم ~~لذهب بهما وههنا مسألة ، وهي أن المشهور أن ( لو ) تفيد انتفاء الشيء ~~لانتفاء غيره ، ومنهم من أنكر ذلك وزعم أنها لا تفيد إلا الربط واحتج عليه ~~بالآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى : { ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ~~ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } ( الأنفال : 23 ) فلو أفادت كلمة لو انتفاء ~~الشيء لا انتفاء غيره للزم التناقض لأن قوله : { ولو علم الله فيهم خيرا ~~لاسمعهم } يقتضي أنه ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم وقوله : { ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون } يفيد أنه تعالى ما أسمعهم وأنهم ما تولوا ولكن عدم ~~التولي خير فلزم أن يكون قد علم فيهم خيرا ، وما علم فيهم خيرا وأما الخبر ~~فقوله عليه السلام : ( نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ) فعلى مقتضى ~~قولهم يلزم أنه خاف الله وعصاه وذلك متناقض ، فقد علمنا أن كلمة ( لو ) لا ~~تفيد إلا الربط والله أعلم . # وأما قوله : { إن الله على كل شىء قدير } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : منهم ms0463 من استدل به على أن المعدوم شيء ، قال : لأنه ~~تعالى أثبت القدرة على الشيء ، والموجود لا قدرة عليه لاستحالة إيجاد ~~الموجود ، فالذي عليه القدرة معدوم وهو شيء فالمعدوم شيء . والجواب : لو صح ~~هذا الكلام لزم أن ما لا يقدر الله عليه لا يكون شيئا ، فالموجود لما لم ~~يقدر الله عليه وجب أن لا يكون شيئا . # المسألة الثانية : احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء ، قال ~~لأنها تدل على أن كل شيء مقدور لله والله تعالى ليس بمقدور له ، فوجب أن لا ~~يكون شيئا ، واحتج أيضا على ذلك بقوله تعالى : { ليس كمثله شىء } ( الشورى ~~: 11 ) قال لو كان هو تعالى شيئا لكان تعالى مثل نفسه فكان يكذب قوله : { ~~ليس كمثله شىء } فوجب أن لا يكون شيئا حتى لا تتناقض هذه الآية ، واعلم أن ~~هذا الخلاف في الاسم ، لأنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم ، واحتج أصحابنا ~~بوجهين : الأول : قوله تعالى : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله } . ( ~~الأنعام : 19 ) والثاني : قوله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : ~~88 ) والمستثنى داخل في المستثنى منه فيجب أن يكون شيئا . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن مقدور العبد مقدور لله ~~تعالى خلافا لأبي علي وأبي هاشم ، وجه الاستدلال أن مقدور العبد شيء ، وكل ~~شيء مقدور لله تعالى بهذه الآية فيلزم أن يكون مقدور العبد مقدورا لله ~~تعالى . # المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المحدث حال حدوثه ~~مقدور لله خلافا للمعتزلة / فإنهم يقولون : الاستطاعة قبل الفعل محال ، ~~فالشيء إنما يكون مقدورا قبل حدوثه ، وبيان استدلال الأصحاب أن المحدث حال ~~وجوده شيء ، وكل شيء مقدور ، وهذا الدليل يقتضي كون الباقي مقدورا ترك ~~العمل به فبقي معمولا به في محل النزاع ، لأنه حال البقاء مقدوره ، على ~~معنى أنه تعالى قادر على إعدامه ، أما حال الحدوث ، فيستحيل أن يقدر الله ~~على إعدامه لاستحالة أن يصير معدوما في أول زمان وجوده ، فلم يبق إلا أن ~~يكون قادرا على إيجاده . # المسألة الخامسة : تخصيص العام ms0464 جائز في الجملة ، وأيضا تخصيص العام جائز ~~بدليل العقل ، لأن قوله : { والله على كل شيء قدير } ( البقرة : 284 ) ~~يقتضي أن يكون قادرا على نفسه ثم خص بدليل العقل ، فإن قيل إذا كان ~~PageV02P074 اللفظ موضوعا للكل ثم تبين أنه غير صادق في الكل كان هذا كذبا ~~، وذلك يوجب الطعن في القرآن ، قلنا : لفظ الكل كما أنه يستعمل في المجموع ~~. فقد يستعمل مجازا في الأكثر ، / وإذا كان ذلك مجازا مشهورا في اللغة لم ~~يكن استعمال اللفظ فيه كذبا والله أعلم . # القول في إقامة الدلالة على التوحيد والنبوة والمعاد # ! 7 < { ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون * الذى جعل لكم الا رض فراشا والسمآء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج ~~به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 21 - 22 ) يا أيها الناس . . . . . # > > # اعلم أن في هذه الآيات مسائل : # المسألة الأولى : أن الله تعالى لما قدم أحكام الفرق الثلاثة ، أعني ~~المؤمنين والكفار والمنافقين . أقبل عليهم بالخطاب ، وهو من باب الالتفات ~~المذكور في قوله تعالى : { إياك نعبد وإياك نستعين } وفيه فوائد : أحدها : ~~أن فيه مزيد هز وتحريك من السامع كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث : ~~إن فلانا من قصته كيت وكيت ، ثم تخاطب ذلك الثالث فقلت : يا فلان من حقك أن ~~تسلك الطريقة الحميدة في مجاري أمورك ، فهذا الانتقال من الغيبة إلى الحضور ~~يوجب مزبد تحريك لذلك الثالث . وثانيها : كأنه سبحانه وتعالى يقول . جعلت ~~الرسول واسطة بيني وبينك أولا ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك ، فأخاطبك من ~~غير واسطة ، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة ، شرف المخاطبة والمكالمة . ~~وثالثها : أنه مشعر بأن العبد إذا كان مشتغلا بالعبودية فإنه يكون أبدا في ~~الترقي ، بدليل أنه في هذه الآية ، انتقل من الغيبة إلى الحضور . ورابعها : ~~أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم ، وأما هذه الآيات فإنها أمر ~~وتكليف ، ففيه كلفة ومشقة فلا بد من راحة تقابل هذه الكلفة ، وتلك الراحة ~~هي أن يرفع ملك الملوك ms0465 الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته ، كما أن العبد إذا ~~ألزم تكليفا شاقا فلو شافهه المولى وقال : أريد منك أن تفعل كذا فإنه يصير ~~ذلك الشاق لذيذا لأجل ذلك الخطاب . # المسألة الثانية : حكي عن علقمة والحسن أنه قال : كل شيء في القرآن : { ~~يذهبكم أيها الناس } فإنه مكي ، وما كان { خبيرا يأيها الذين ءامنوا } ~~فبالمدينة ، قال القاضي : هذا الذي ذكروه إن كان الرجوع فيه إلى النقل ~~فمسلم ، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة / ~~فهذا ضعيف ، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم ، ومرة باسم جنسهم ، ~~وقد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة ، كما يؤمر PageV02P075 المؤمن بالاستمرار ~~على العبادة والازدياد منها ، فالخطاب في الجميع ممكن . # المسألة الثالثة : اعلم أن الألفاظ في الأغلب عبارات دالة على أمور هي : ~~إما الألفاظ أو غيرها ، أما الألفاظ فهي : كالاسم والفعل والحرف ، فإن هذه ~~الألفاظ الثلاثة يدل كل واحد منها على شيء ، هو في نفسه لفظ مخصوص ، وغير ~~الألفاظ : فكالحجر والسماء والأرض ، ولفظ النداء لم يجعل دليلا على شيء آخر ~~، بل هو لفظ يجري مجرى عمل يعمله عامل لأجل التنبيه . فأما الذين فسروا ~~قولنا : ( يا زيد ) بأنادي زيدا ، أو أخاطب زيدا فهو خطأ من وجوه : أحدها : ~~أن قولنا . أنادي زيدا ، خبر يحتمل التصديق والتكذيب ، وقولنا يا زيد ، لا ~~يحتملها . وثانيها : أن قولنا يا زيد ، يقتضي صيرورة زيد منادى في الحال ، ~~وقولنا أنادي زيدا ، لا يقتضي ذلك ، وثالثها : أن قولنا يا زيد يقتضي ~~صيرورة زيد مخاطبا بهذا الخطاب وقولنا أنادي زيدا لا يقتضي ذلك لأنه لا ~~يمتنع أنه يخبر إنسانا آخر بأني أنادي زيدا . ورابعها : أن قولنا أنادي ~~زيدا ، إخبار عن النداء ، والأخبار عن النداء غير النداء ، والنداء هو ~~قولنا : يا زيد ، فإذن قولنا : أنادي زيدا ، غير قولنا يا زيد ، فثبت بهذه ~~الوجوه فساد هذا القول . ثم ههنا نكتة نذكرها وهي : أن أقوى المراتب الاسم ~~، وأضعفها الحرف / فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف ، وكذا أعظم ~~الموجودات هو الحق سبحانه وتعالى ، وأضعفها البشر { وخلق الإنسان ms0466 ضعيفا } ~~فقالت الملائكة : أي مناسبة بينهما { أتجعل فيها من يفسد فيها } فقيل قد ~~يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء ، فكذا البشر يصلح لخدمة الرب حال ~~النداء والتضرع { ربنا ظلمنا أنفسنا } ، { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } . # المسألة الرابعة : ( ياء ) حرف وضع في أصله لنداء البعيد وإن كان لنداء ~~القريب لكن لسبب أمر مهم جدا ، وأما نداء القريب فله : أي والهمزة ، ثم ~~استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب تنزيلا له منزلة البعيد . فإن قيل فلم ~~يقول الداعي يا رب يا الله { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق: 16 ) ~~قلنا هو استبعاد لنفسه من مظان الزلفى وما يقربه إلى منازل المقربين هضما ~~لنفسه وإقرارا عليها بالتنقيص حتى يتحقق الإجابة بمقتضى قوله : ( أنا عند ~~المنكسرة قلوبهم من أجلي ) أو لأجل أن إجابة الدعاء من أهم المهمات للداعي ~~. # المسألة الخامسة : ( أي ) وصلة إلى نداء ما فيه الألف اللام كما أن ( ذو ~~) و ( الذي ) وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل ، وهو ~~اسم مبهم يفتقر إلى ما يزيل إبهامه ، فلا بد وأن يردفه اسم جنس ، أو ما ~~يجري مجراه يتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه حرف النداء هو ~~أي والاسم التابع له صفة كقولك يا زيد الظريف إلا أن أيا لا يستقل بنفسه ~~استقلال زيد فلم ينفك عن الصفة وموصوفها وأما كلمة التنبيه المقحمة بين ~~الصفة وموصوفها ففيها فائدتان : الأولى : معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه . ~~والثانية : وقوعها عوضا / مما يستحقه أي من الإضافة وإنما كثر في كتاب الله ~~تعالى النداء على هذه الطريقة لاستقلاله بهذه التأكيدات والمبالغات فإن كل ~~ما نادى الله تعالى به عباده من الأوامر والنواهي ، والوعد والوعيد ، ~~واقتصاص أخبار المتقدمين بأمور عظام ، وأشياء يجب على المستمعين أن يتيقظوا ~~لها مع أنهم غافلون عنها ، فلهذا وجب أن ينادوا بالأبلغ الآكد . # المسألة السادسة : اعلم أن قوله : { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم } ~~يقتضي أن الله تعالى أمر كل الناس PageV02P076 بالعبادة فلو خرج البعض عن ~~هذا الخطاب لكان ذلك ms0467 تخصيصا للعموم . وههنا أبحاث . البحث الأول : أن لفظ ~~الجمع المعرف بلام التعريف يفيد العموم ، والخلاف فيه مع الأشعري والقاضي ~~أبي بكر وأبي هاشم ، لنا أنه يصح تأكيده بما يفيد العموم كقوله : { فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون } ( االحجر : 15 ) ولو لم يكن اللفظ في أصله للعموم ~~لما كان قوله : { كلهم } تأكيدا بل بيانا ولأنه يصح استثناء كل واحد من ~~الناس عنه والاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فوجب أن يفيد العموم وتمام تقريره ~~في أصول الفقه . البحث الثاني : لما ثبت أن قوله تعالى : { يذهبكم أيها ~~الناس } يتناول جميع الناس الذين كانوا موجودين في ذلك العصر فهل يتناول ~~الذين سيوجدون بعد ذلك أم لا ؟ والأقرب أنه لا يتناولهم ؛ لأن قوله : { * ~~يا أيهاالناس } خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز ، وأيضا ~~فالذين سيوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في تلك الحالة ، وما لا يكون ~~موجودا لا يكون إنسانا وما لا يكون إنسانا لا يدخل تحت قوله : { يذهبكم ~~أيها الناس } فإن قيل : فوجب أن لا يتناول شيء من هذه الخطابات الذين وجدوا ~~بعد ذلك الزمان وأنه باطل قطعا . قلنا : لو لم يوجد دليل منفصل لكان الأمر ~~كذلك إلا أنا عرفنا بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن تلك ~~الخطابات ثابتة في حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة فلهذه الدلالة ~~المنفصلة حكمنا بالعموم . البحث الثالث : قوله : { قدير ياأيها الناس ~~اعبدوا ربكم } أمر للكل بالعبادة فهل يفيد أمر الكل بكل عبادة ؟ الحق لا ، ~~لأن قوله اعبدوا معناه ادخلوا هذه الماهية في الوجود ، فإذا أتوا بفرد من ~~أفراد الماهية في الوجود فقد أدخلوا الماهية في الوجود لأن الفرد من أفراد ~~الماهية مشتمل على الماهية لأن هذه العبادة عبارة عن العبادة مع قيد كونها ~~هذه ومتى وجد المركب فقد وجد قيداه ، فالآتي بفرد من أفراد العبادة آت ~~بالعبادة ، والآتي بالعبادة آت بتمام ما اقتضاه قوله : { اعبدوا } وإذا كان ~~كذلك وجب خروجه عن العهدة فإن أردنا أن نجعله دالا على العموم نقول : الأمر ~~بالعبادة لا بد ms0468 وأن يكون لأجل كونها عبادة لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر ~~بعلية الوصف ، لا سيما إذا كان الوصف مناسبا للحكم ، وههنا كون العبادة ~~عبادة يناسب الأمر بها ، لما أن العبادة عبارة عن تعظيم الله تعالى وإظهار ~~الخضوع له وكل ذلك مناسب في العقول ، وإذا ثبت أن كون عبادة علة للأمر بها ~~وجب في كل عبادة أن يكون مأمورا بها ، لأنه أينما حصلت العلة وجب حصول ~~الحكم لا محالة . البحث الرابع : لقائل أن يقول : قوله : { قدير ياأيها ~~الناس اعبدوا } لا يتناول الكفار البتة لأن الكفار لا يمكن أن / يكونوا ~~مأمورين بالإيمان ، وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكونوا مأمورين بالعبادة ، أما ~~أنه لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان فلأن الأمر بمعرفة الله تعالى إما ~~أن يتناوله حال كونه غير عارف بالله تعالى أو حال كونه عارفا بالله تعالى ، ~~أما إن تناوله حال كونه غير عارف بالله فيستحيل أن يكون عارفا بأمر الله ~~تعالى لأن العلم بالصفة مع الجهل بالذات محال فلو تناوله الأمر في هذه ~~الحالة لكان قد تناوله الأمر في حال يستحيل منه أن يعرف كونه مأمورا بذلك ~~الأمر ، وذلك تكليف ما لا يطاق ، وإن تناوله الأمر بالمعرفة حال كونه عارفا ~~بالله فذالك محال ، لأنه أمر بتحصيل الحاصل ، وذلك غير ممكن . فثبت أن ~~الكافر يستحيل أن يكون مأمورا بتحصيل المعرفة ، وإذا استحال ذلك استحال أن ~~يكون مأمورا بالعبادة لأنه إما أن يؤمر بالعبادة قبل PageV02P077 المعرفة ~~وهو محال لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة أو يؤمر بالعبادة بعد المعرفة إلا أن ~~على هذا التقدير يكون الأمر بالعبادة موقوفا على الأمر بالمعرفة فلما كان ~~الأمر بالمعرفة ممتنعا كان الأمر بالعبادة أيضا ممتنعا ، وأيضا يستحيل أن ~~يكون هذا الخطاب مع المؤمنين ، لأنهم يعبدون الله فأمرهم بالعبادة يكون ~~أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال . والجواب : من الناس من قال : الأمر بالعبادة ~~مشروط بحصول المعرفة ، كما أن الأمر بالزكاة مشروط بحصول ملك النصاب ، ~~وهؤلاء هم القائلون بأن المعارف ضرورية ، وأما من لم يقل بذلك استدل بهذه ~~الآية ms0469 على أن المعارف ليست ضرورية فقال : الأمر بالعبادة حاصل ، والعبادة ~~لا تمكن إلا بالمعرفة ، والأمر بالشيء أمر بما هو من ضرورياته ، كما أن ~~الطهارة إذا لم تصح إلا بإحضار الماء كان إحضار الماء واجبا ، والدهري لا ~~يصح منه تصديق الرسول إلا بتقديم معرفة الله تعالى ، فوجبت ، والمحدث لا ~~تصح منه الصلاة إلا بتقديم الطهارة فوجبت ، والمودع لا يمكنه رد الوديعة ~~إلا بالسعي إليها ، فكان السعي واجبا ، فكذا ههنا يصح أن يكون الكافر ~~مخاطبا بالعبادة وشرط الإتيان بها الإتيان بالإيمان أولا ثم الإتيان ~~بالعبادة بعد ذلك . بقي لهم : الأمر بتحصيل المعرفة محال ، قلنا هذه ~~المسألة مستقصاة في الأصول والذي نقول ههنا إن هذا الكلام وإن تم في كل ما ~~يتوقف العلم يكون الله آمرا على العلم به ، فإنه لا يجري فيما عدا ذلك من ~~الصفات . فلم لا يجوز ورود الأمر بذلك ؟ سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يقال هذا ~~الأمر بتناول المؤمنين ؟ قوله لأنه يصير ذلك أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال ، ~~قلنا لما تعذر ذلك فنحمله إما على الأمر بالاستمرار على العبادة أو على ~~الأمر بالازدياد منها ، ومعلوم أن الزيادة على العبادة عبادة ، فصح تفسير ~~قوله : ( اعبدوا ) بالزيادة في العبادة . البحث الخامس : قال منكرو التكليف ~~: لا يجوز ورود الأمر من الله تعالى بالتكليف لوجوه : أحدها : أن التكليف ~~إما أن يتوجه على العبد حال استواء دواعيه إلى الفعل أو الترك أو حال رجحان ~~أحدهما على الآخر ، فإن كان الأول فهو محال ، لأن في حال الاستواء يمتنع ~~حصول الترجيح لأن الاستواء يناقض الترجيح فالجمع بينهما محال والتكليف ~~بالفعل حال استواء الداعيين تكليف بما لا يطاق ، وإن كان الثاني فالراجح ~~واجب الوقوع ؛ لأن المرجوح حال ما كان مساويا للراجح كان ممتنع الوقوع ، ~~وإلا فقد / وقع الممكن لا عن مرجح ، وإذا كان حال الاستواء ممتنع الوقوع ~~فبأن يصير حال المرجوحية ممتنع الوقوع أولى وإذا كان المرجوح ممتنع الوقوع ~~كان الراجح واجب الوقوع ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين إذا ثبت هذا ~~فالتكليف إن وقع بالراجح ms0470 كان التكليف تكليفا بإيجاد ما يجب وقوعه ، وإن وقع ~~بالمرجوح كان التكليف تكليفا بما يمتنع وقوعه ، وكلاهما تكليف ما لا يطاق . ~~وثانيها : أن الذي ورد به التكليف إما أن يكون قد علم الله في الأزل وقوعه ~~، أو علم أنه لا يقع أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك ، فإن كان الأول كان واجب ~~الوقوع ممتنع العدم فلا فائدة في ورود الأمر به ، وإن علم لا وقوعه كان ~~ممتنع الوقوع واجب العدم ، فكان الأمر بإيقاعه أمرا بإيقاع الممتنع وإن لم ~~يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولا بالجهل على الله تعالى وهو محال ، ولأن ~~بتقدير أن يكون الأمر كذلك فإنه لا يتميز المطيع عن العاصي ، وحينئذ لا ~~يكون في الطاعة فائدة . وثالثها : أن ورود الأمر بالتكاليف إما أن يكون ~~لفائدة أو لا لفائدة ، فإن كان لفائدة فهي إما عائدة إلى المعبود أو إلى ~~العابد أما إلى المعبود فمحال لأنه كامل لذاته ، والكامل لذاته لا يكون ~~كاملا بغيره ، ولأنا نعلم PageV02P078 بالضرورة أن الإله العالي على الدهر ~~والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده ، وأما إلى العابد فمحال ؛ لأن ~~جميع الفوائد محصورة في حصول اللذة ودفع الألم ، وهو سبحانه وتعالى قادر ~~على تحصيل كل ذلك للعبد ابتداء من غير توسط هذه المشاق فيكون توسطها عبثا ، ~~والعبث غير جائز على الحكيم . ورابعها : أن العبد غير موجد لأفعاله لأنه ~~غير عالم بتفاصيلها ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجدا له وإذا لم يكن ~~العبد موجدا لأفعال نفسه فإن أمره بذلك الفعل حال ما خلقه فيه فقد أمره ~~بتحصيل الحاصل ، وإن أمره به حال ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال وكل ذلك ~~باطل . وخامسها : أن المقصود من التكليف إنما هو تطهير القلب على ما دلت ~~عليه ظواهر القرآن فلو قدرنا إنسانا مشتغل القلب دائما بالله تعالى وبحيث ~~لو اشتغل بهذه الأفعال الظاهرة لصار ذلك عائقا له عن الاستغراق في معرفة ~~الله تعالى وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة ، فإن الفقهاء والقياسيين ~~قالوا ms0471 إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف وجب اتباع الأحكام المعقولة لا ~~اتباع الظواهر . والجواب : عن الشبه الثلاثة الأول من وجهين : الأول : أن ~~أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكاليف فهذا تكليف ينفي ~~التكليف وأنه متناقض . الثاني : أن عندنا يحسن من الله تعالى كل شيء سواء ~~كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره لأنه تعالى خالق مالك ، والمالك لا ~~اعتراض عليه في فعله . البحث السادس : قالوا : الأمر بالعبادة وإن كان عاما ~~لكل الناس لكنه مخصوص في حق من لا يفهم كالصبي والمجنون والغافل والناسي ، ~~وفي حق من لا يقدر لقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة ~~: 233 ) . # ومنهم من قال إنه مخصوص في حق العبيد ، لأن الله تعالى أوجب عليهم طاعة ~~مواليهم ، واشتغالهم بطاعة الموالي يمنعهم عن الاشتغال بالعبادة ، والأمر ~~الدال على وجوب طاعة المولى / أخص من الأمر الدال على وجوب العبادة والخاص ~~يقدم على العام والكلام في هذا المعنى مذكور في أصول الفقه . # المسألة السابعة : قال القاضي : الآية تدل على أن سبب وجود العبادة ما ~~بينه من خلقه لنا والإنعام علينا . واعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على ~~أن العبد لا يستحق بفعله الثواب لأنه لما كان خلقه إيانا وإنعامه علينا ~~سببا لوجوب العبادة فحينئذ يكون اشتغالنا بالعبادة أداء للواجب ، والإنسان ~~لا يستحق بأداء الواجب شيئا فوجب أن لا يستحق العبد على العبادة ثوابا على ~~الله تعالى أما قوله : { ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } ~~ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه لما أمر بعبادة الرب أردفه بما يدل على ~~وجود الصانع وهو خلق المكلفين وخلق من قبلهم ، وهذا يدل على أنه لا طريق ~~إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال وطعن قوم من الحشوية في هذه ~~الطريقة وقالوا الاشتغال بهذا العلم بدعة ولنا في إثبات مذهبنا وجوه نقلية ~~وعقلية وههنا ثلاث مقامات : المقام الأول : في بيان فضل هذا العلم وهو من ~~وجوه : أحدها : أن شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف ms0472 كان ~~العلم الحاصل به أشرف فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب ~~أن يكون العلم المتعلق به أشرف العلوم . PageV02P079 وثانيها : أن العلم ~~إما أن يكون دينيا أو غير ديني ، ولا شك أن العلم الديني أشرف من غير ~~الديني ، وأما العلم الديني فإما أن يكون هو علم الأصول ، أو ما عداه ، أما ~~ما عداه فإنه تتوقف صحته على علم الأصول ، لأن المفسر إنما يبحث عن معاني ~~كلام الله تعالى ، وذلك فرع على وجود الصانع المختار المتكلم ، وأما المحدث ~~فإنما يبحث عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك فرع على ثبوت نبوته ~~صلى الله عليه وسلم ، والفقيه إنما يبحث عن أحكام الله ، وذلك فرع على ~~التوحيد والنبوة ، فثبت أن هذه العلوم مفتقرة إلى علم الأصول ، والظاهر أن ~~علم الأصول غني عنها فوجب أن يكون علم الأصول أشرف العلوم . وثالثها : أن ~~شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضده ، فكلما كان ضده أخس كان هو أشرف وضد ~~علم الأصول هو الكفر والبدعة ، وهما من أخس الأشياء ، فوجب أن يكون علم ~~الأصول أشرف الأشياء . ورابعها : أن شرف الشيء قد يكون بشرف موضوعه وقد ~~يكون لأجل شدة الحاجة إليه ، وقد يكون لقوة براهينه ، وعلم الأصول مشتمل ~~على الكل وذلك لأن علم الهيئة أشرف من علم الطب نظرا إلى أن موضوع علم ~~الهيئة أشرف من موضوع علم الطب ، وإن كان الطب أشرف منه نظرا إلى أن الحاجة ~~إلى الطب أكثر من الحاجة إلى الهيئة ، وعلم الحساب أشرف منهما نظرا إلى أن ~~براهين علم الحساب أقوى . أما علم الأصول فالمطلوب منه معرفة ذات الله ~~تعالى وصفاته وأفعاله ، ومعرفة أقسام المعلومات من المعدومات والموجودات ، ~~ولا شك أن ذلك أشرف الأمور ، وأما الحاجة إليه فشديدة لأن الحاجة إما في ~~الدين أو في الدنيا ، أما في الدين فشديدة لأن من عرف هذه الأشياء استوجب ~~الثواب العظيم والتحق بالملائكة ، ومن جهلها / استوجب العقاب العظيم والتحق ~~بالشياطين . وأما في الدنيا فلأن مصالح العالم إنما تنتظم عند الإيمان ~~بالصانع والبعث ms0473 والحشر ، إذ لو لم يحصل هذا الإيمان لوقع الهرج والمرج في ~~العالم ، وأما قوة البراهين فبراهين هذا العلم يجب أن تكون مركبة من مقدمات ~~يقينية تركيبا يقينيا وهذا هو النهاية في القوة فثبت أن هذا العلم مشتمل ~~على جميع جهات الشرف والفضل فوجب أن يكون أشرف العلوم . وخامسها : أن هذا ~~العلم لا يتطرق إليه النسخ ولا التغيير ، ولا يختلف باختلاف الأمم والنواحي ~~بخلاف سائر العلوم ، فوجب أن يكون أشرف العلوم . وسادسها : أن الآيات ~~المشتملة على مطالب هذا العلم وبراهينها أشرف من الآيات المشتملة على ~~المطالب الفقهية بدليل أنه جاء في فضيلة { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ~~) و { الرسول بما } ( البقرة : 285 ) وآية الكرسي ما لم يجيء مثله في فضيلة ~~قوله : { ويسئلونك عن المحيض } ( البقرة : 222 ) وقوله : { يظلمون يأيها ~~الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين } ( البقرة : 282 ) وذلك يدل على أن هذا ~~العلم أفضل . وسابعها : أن الآيات الواردة في ا لأحكام الشرعية أقل من ~~ستمائة آية ، وأما البواقي ففي بيان التوحيد والنبوة والرد على عبدة ~~الأوثان وأصناف المشركين ، وأما الآيات الواردة في القصص فالمقصود منها ~~معرفة حكمة الله تعالى وقدرته على ما قال : { لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى ~~الالباب } ( يوسف : 111 ) فدل ذلك على أن هذا العلم أفضل ، ونشير إلى معاقد ~~الدلائل : أما الذي يدل على وجود الصانع فالقرآن مملوء منه . أولها : ما ~~ذكر ههنا من الدلائل الخمسة وهي خلق المكلفين وخلق من قبلهم ، وخلق السماء ~~وخلق PageV02P080 الأرض ، وخلق الثمرات من الماء النازل من السماء إلى ~~الأرض ، وكل ما ورد في القرآن من عجائب السماوات والأرض ، فالمقصود منه ذلك ~~، وأما الذي يدل على الصفات . أما العلم فقوله : { إن الله لا يخفى عليه ~~شىء في الارض ولا فى السماء } ثم أردفه بقوله : { هو الذي يصوركم في ~~الارحام كيف يشاء } ( آل عمران : 5 ، 6 ) وهذا هو عين دليل المتكلمين فإنهم ~~يستدلون بأحكام الأفعال واتقانها على علم الصانع ، وههنا استدل الصانع ~~سبحانه بتصوير الصور في الأرحام على كونه عالما بالأشياء ، وقال : { ألا ~~يعلم ms0474 من خلق وهو اللطيف الخبير } ( االملك : 14 ) وهو عين تلك الدلالة وقال ~~: { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( الأنعام : 59 ) وذلك تنبيه على ~~كونه تعالى عالما بكل المعلومات ، لأنه تعالى مخبر عن المغيبات فتقع تلك ~~الأشياء على وفق ذلك الخبر ، فلولا كونه عالما بالمغيبات وإلا لما وقع كذلك ~~، وأما صفة القدرة فكل ما ذكر سبحانه من حدوث الثمار المختلفة والحيوانات ~~المختلفة مع استواء الكل في الطبائع الأربع فذاك يدل على كونه سبحانه قادرا ~~مختارا لا موجبا بالذات ، وأما التنزيه فالذي يدل على أنه ليس بجسم ، ولا ~~في مكان قوله : { قل هو الله أحد } فإن المركب مفتقر إلى أجزائه والمحتاج ~~محدث ، وإذا كان أحدا وجب أن لا يكون جسما وإذا لم يكن جسما لم يكن في ~~المكان ، وأما التوحيد فالذي يدل عليه قوله : { لو كان فيهما الهة إلا الله ~~لفسدتا } و ( الأنبياء : 22 ) قوله : { إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا } ( ~~الأسراء : 42 ) وقوله : { ولعلا بعضهم على بعض } ( المؤمنون : 91 ) وأما ~~النبوة فالذي يدل عليها قوله ههنا : { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) وأما المعاد فقوله : { قل يحييها ~~الذى أنشأها أول مرة } ( يس : 79 ) وأنت لو فتشت علم / الكلام لم تجد فيه ~~إلا تقرير هذه الدلائل والذب عنها ودفع المطاعن والشبهات القادحة فيها ، ~~أفترى أن علم الكلام يذم لاشتماله على هذه الأدلة التي ذكرها الله أو ~~لاشتماله على دفع المطاعن والقوادح عن هذه الأدلة ما أرى أن عاقلا مسلما ~~يقول ذلك ويرضى به . وثانيها : أن الله تعالى حكى الاستدلال بهذه الدلائل ~~عن الملائكة وأكثر الأنبياء أما الملائكة فلأنهم لما قالوا : { أتجعل فيها ~~} ( البقرة : 30 ) من يفسد فيها كان المراد أن خلق مثل هذا الشيء قبيح ، ~~والحكيم لا يفعل القبيح ، فأجابهم الله تعالى بقوله : { إني أعلم ما لا ~~تعلمون } والمراد إني لما كنت عالما بكل المعلومات كنت قد علمت في خلقهم ~~وتكوينهم حكمة لا تعلمونها أنتم ، ولا شك أن هذا هو المناظرة ، وأما مناظرة ms0475 ~~الله تعالى مع إبليس فهي أيضا ظاهرة وأما الأنبياء عليهم السلام فأولهم آدم ~~عليه السلام وقد أظهر الله تعالى حجته على فضله بأن أظهر علمه على الملائكة ~~وذلك محض الاستدلال ، وأما نوح عليه السلام فقد حكى الله تعالى عن الكفار ~~قولهم : { قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } ( هود : 32 ) ومعلوم أن ~~تلك المجادلة ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعية بل كانت في التوحيد ~~والنبوة ، فالمجادلة في نصرة الحق في هذا العلم هي حرفة الأنبياء ، وأما ~~إبراهيم عليه السلام فالاستقصاء في شرح أحواله في هذا الباب يطول وله ~~مقامات : أحدها : مع نفسه وهو قوله : { فلما جن عليه اليل رأى كوكبا قال ~~هاذا ربى فلما أفل قال لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) وهذا هو طريقة ~~المتكلمين في الاستدلال بتغيرها على حدوثها ، ثم إن الله تعالى مدحه على ~~ذلك فقال : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } ( الأنعام : 82 ) ~~PageV02P081 وثانيها : حاله مع أبيه وهو قوله : { ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ~~ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) وثالثها : حاله مع قومه تارة ~~بالقول وأخرى بالفعل ، أما بالقول فقوله : { ما هاذه التماثيل التى أنتم ~~لها عاكفون } ( الأنبياء : 52 ) وأما بالفعل فقوله : { فجعلهم جذاذا إلا ~~كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } ( الأنبياء : 58 ) . ورابعها : حاله مع ملك ~~زمانه في قوله : { ربي الذى يحى ويميت قال أنا أحى وأميت } ( البقرة : 258 ~~) إلى آخره وكل من سلمت فطرته علم أن علم الكلام ليسي إلا تقرير هذه ~~الدلائل ودفع الأسئلة والمعارضات عنها ، فهذا كله بحث إبراهيم عليه السلام ~~في المبدأ ، وأما بحثه في المعاد فقال : { رب أرنى كيف تحى الموتى } ( ~~البقرة : 26 ) إلى آخره وأما موسى عليه السلام فانظر إلى مناظرته مع فرعون ~~في التوحيد والنبوة ، أما التوحيد فاعلم أن موسى عليه السلام إنما يعول في ~~أكثر الأمر على دلائل إبراهيم عليه السلام وذلك لأن الله تعالى حكى في سوطه ~~طه : { قال فمن ربكما ياموسى * موسى * قال ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم ~~هدى } ( طه : 49 ، 50 ms0476 ) وهذا هو الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام في ~~قوله : { الذى خلقنى فهو يهدين } ( الشعراء : 78 ) وقال في سورة الشعراء { ~~ربكم ورب ءابائكم الاولين } ( الشعراء : 26 ) وهذا هو الذي قاله إبراهيم : ~~{ ربي الذى يحى ويميت } ( فلما لم يكتف فرعون بذلك وطالبه بشيء آخر قال ~~موسى : { رب المشرق والمغرب } ( الشعراء : 28 ) فهذا ينبهك على أن التمسك ~~بهذه الدلائل حرفة هؤلاء المعصومين وأنهم كما استفادوها من عقولهم فقد ~~توارثوها من أسلافهم الطاهرين ، وأما استدلال موسى على النبوة / بالمعجزة ~~ففي قوله : { أو * لو * جئتك بشىء مبين } وهذا هو الاستدلال بالمعجزة على ~~الصدق ، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فاشتغاله بالدلائل على التوحيد ~~والنبوة والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل ، فإن القرآن مملوء منه ~~ولقد كان عليه السلام مبتلى بجميع فرق الكفار فالأول : الدهرية الذين كانوا ~~يقولون : { وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) والله تعالى أبطل ~~قولهم بأنواع الدلائل . والثاني : الذين ينكرون القادر المختار ، والله ~~تعالى أبطل قولهم بحدوث أنواع النبات وأصناف الحيوانات مع اشتراك الكل في ~~الطبائع وتأثيرات الأفلاك ، وذلك يدل على وجود القادر . والثالث : الذين ~~أثبتوا شريكا مع الله تعالى ، وذلك الشريك إما أن يكون علويا أو سفليا ، ~~أما الشريك العلوي فمثل من جعل الكواكب مؤثرة في هذا العالم ، والله تعالى ~~أبطله بدليل الخليل في قوله : { فلما جن عليه اليل } وأما الشريك السفلي ~~فالنصارى قالوا بإلاهية المسيح وعبدة الأوثان قالوا : بإلاهية الأوثان ، ~~والله تعالى أكثر من الدلائل على فساد قولهم . الرابع : الذين طعنوا في ~~النبوة وهم فريقان : أحدهما : الذين طعنوا في أصل النبوة وهم الذين حكى ~~الله عنهم أنهم قالوا : { أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : 94 ) . ~~والثاني : الذين سلموا أصل النبوة وطعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~، وهم اليهود والنصارى ، والقرآن مملوء من الرد عليهم ، ثم إن طعنهم من ~~وجوه تارة بالطعن في القرآن فأجاب الله بقوله : { إن الله لا * يستحى أن ~~يضرب مثلا ما بعوضة } ( البقرة : 26 ) وتارة بالتماس سائر PageV02P082 ~~المعجزات كقوله : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر ms0477 لنا من الارض ينبوعا } ( ~~الإسراء : 90 ) وتارة بأن هذا القرآن نزل نجما نجما وذلك يوجب تطرق التهمة ~~إليه فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { كذلك لنثبت به فؤادك } ( الفرقان : 32 ~~) . # الخامس : الذين نازعوا في الحشر والنشر ، والله تعالى أورد على صحة ذلك ~~وعلى إبطال قول المنكرين أنواعا كثيرة من الدلائل . السادس : الذين طعنوا ~~في التكليف تارة بأنه لا فائدة فيه ، فأجاب الله عنه بقوله : { إن أحسنتم ~~أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) وتارة بأن الحق هو الجبر ~~، وأنه ينافي صحة التكليف ، وأجاب الله تعالى عنه بأنه { لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسئلون } ( الأنبياء : 23 ) وإنما اكتفينا في هذا المقام بهذه الإشارات ~~المختصرة لأن الاستقصاء فيها مذكور في جملة هذا الكتاب وإذا ثبت أن هذه ~~الحرفة هي حرفة كل الأنبياء والرسل علمنا أن الطاعن فيها إما أن يكون كافرا ~~أو جاهلا . المقام الثاني : في بيان أن تحصيل هذا العلم من الواجبات ، ويدل ~~عليه المعقول والمنقول . أما المعقول : فهو أنه ليس تقليد البعض أولى من ~~تقليد الباقي ، فأما أن يجوز تقليد الكل فيلزمنا تقليد الكفار ، وإما أن ~~يوجب تقليد البعض دون البعض فيلزم أن يصير الرجل مكلفا بتقليد البعض دون ~~البعض من غير أن يكون له سبيل إلى أنه لم قلد أحدهما دون الآخر ، وإما أن ~~لا يجوز التقليد أصلا وهو المطلوب ، فإذا بطل التقليد لم يبق إلا هذه ~~الطريقة النظرية . وأما المنقول فيدل عليه الآيات والأخبار أما الآيات . ~~فأحدها : قوله : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى ~~هى أحسن } ( النحل : 125 ) ولا شك أن المراد بقوله بالحكمة أي بالبرهان ~~والحجة ، فكانت الدعوة / بالحجة والبرهان إلى الله تعالى مأمورا بها ، ~~وقوله : { وجادلهم بالتى هى أحسن } ليس المراد منه المجادلة في فروع الشرع ~~لأن من أنكر نبوته فلا فائدة في الخوض معه في تفاريع الشرع ، ومن أثبت ~~نبوته فإنه لا يخالفه ، فعلمنا أن هذا الجدال كان في التوحيد والنبوة ، ~~فكان الجدال فيه مأمورا به ثم إنا مأمورون باتباعه عليه السلام لقوله ms0478 : { ~~فاتبعونى يحببكم الله } ( آل عمران : 31 ) ولقوله : { لقد كان لكم فى رسول ~~الله أسوة حسنة } ( الأحزاب : 21 ) فوجب كوننا مأمورين بذلك الجدال . ~~وثانيها : قوله تعالى : { ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم } ( الحج : ~~3 ، 8 لقمان : 20 ) ذم من يجادل في الله بغير علم وذلك يقتضي أن المجادل ~~بالعلم لا يكون مذموما بل يكون ممدوحا وأيضا حكى الله تعالى ذلك عن نوح في ~~قوله : { قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } ( هود : 32 ) وثالثها : ~~أن الله تعالى أمر بالنظر فقال : { أفلا يتدبرون القرءان } ( النساء : 82 ) ~~، { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ( الغاشية : 17 ) ، { سنريهم ءاياتنا ~~فى الافاق وفى أنفسهم } ( فصلت : 53 ) ، { أو لم * يروا أنا نأتى الارض ~~ننقصها من أطرافها } ( الرعد : 41 ) ، { قل انظروا ماذا فى السماوات والارض ~~} ( يونس : 10 ) ، أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض } ورابعها : أن ~~الله تعالى ذكر التفكر في معرض المدح فقال : { * } ورابعها : أن الله تعالى ~~ذكر التفكر في معرض المدح فقال : { إن فى ذلك لذكرى لاولى الالباب } ( ~~الزمر : 21 ) ، { إن فى ذالك لعبرة لاولى الابصار } ( آل عمران : 13 ) ، { ~~إن فى ذلك لايات * لاولى } PageV02P083 ( طه : 54 ، 128 ) وأيضا ذم ~~المعرضين فقال : { وكأين من ءاية فى * السماوات والارض * يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون } ( يوسف : 105 ) ، { لهم قلوب لا يفقهون بها } ( الأعراف : ~~179 ) وخامسها : أنه تعالى ذم التقليد ، فقال حكاية عن الكفار { وكذلك ما ~~أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير } ( الزخرف : 23 ) وقال : { بل نتبع ما ~~وجدنا عليه ءاباءنا } ( لقمان : 21 ) وقال : { بل وجدنا ءاباءنا كذلك ~~يفعلون } ( الشعراء : 74 ) وقال : { إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن ~~صبرنا عليها } ( الفرقان : 42 ) وقال عن والد إبراهيم عليه السلام : { لئن ~~لم تنته لارجمنك واهجرنى مليا } وكل ذلك يدل على وجوب النظر والاستدلال ~~والتفكر وذم التقليد فمن دعا إلى النظر والاستدلال ، كان على وفق القرآن ~~ودين الأنبياء ومن دعا إلى التقليد كان على خلاف القرآن وعلى وفاق دين ~~الكفار . وأما الأخبار ففيها كثرة ، ولنذكر منها وجوها : أحدها : ما روى ms0479 ~~الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : ( جاء من بني فزارة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال إن امرأتي وضعت غلاما أسود فقال له هل لك من إبل ~~، فقال : نعم قال : فما ألوانها قال حمر قال : فهل فيها من أورق ؟ قال : ~~نعم . قال : فأنى ذلك ، قال : عسى أن يكون قد نزعه عرق قال : وهذا عسى أن ~~يكون نزعه عرق ) واعلم أن هذا هو التمسك بالإلزام والقياس . وثانيها : عن ~~أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : ( قال الله تعالى : كذبني ابن ~~آدم ولم يكن له أن يكذبني ، وشتمني ابن آدم ولم يكن له أن يشتمني . أما ~~تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول خلقه بأهون على من ~~إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الله الأحد الصمد لم ~~ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد ) فانظر كيف احتج الله تعالى في المقام ~~الأول بالقدرة على الابتداء ، على القدرة على الإعادة ، وفي المقام الثاني ~~احتج بالأحدية على نفي الجسمية والوالدية والمولودية . وثالثها : روى عبادة ~~بن الصامت أنه عليه السلام قال : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن ~~/ كره لقاء الله كره الله لقاءه ) فقالت عائشة : يا رسول الله إنا نكره ~~الموت فذاك كراهتنا لقاء الله ؟ فقال عليه السلام : ( لا ولكن المؤمن أحب ~~لقاء الله فأحب الله لقاءه ، والكافر كره لقاء الله فكره الله لقاءه وكل ~~ذلك يدل على أن النظر والفكر في الدلائل مأمور به . واعلم أن للخصم مقامات ~~. أحدها : أن النظر لا يفيد العلم . وثانيها : أن النظر المفيد للعلم غير ~~مقدور . وثالثها : أنه لا يجوز الإقدام عليه . ورابعها : أن الرسول ما أمر ~~به . وخامسها : أنه بدعة . # أما المقام الأول : فاحتج الخصم عليه بأمور : أحدها : أنا إذا تفكرنا ~~وحصل لنا عقيب فكرنا اعتقاد فعلمنا بكون ذلك الإعتقاد علما ، إما أن يكون ~~ضروريا أو نظريا ، والأول باطل لأن الإنسان إذا تأمل في اعتقاده في كون ذلك ~~الإعتقاد علما ، وفي اعتقاده في أن الواحد نصف ms0480 الاثنين ، وأن الشمس مضيئة ~~والنار محرقة وجد الأول أضعف من الثاني ، وذلك يدل على أن تطرق الضعف إلى ~~الأول والثاني باطل ، لأن الكلام في ذلك الفكر الثاني كالكلام في الأول ~~فيلزم التسلسل وهو محال . PageV02P084 وثانيها : إنا رأينا عالما من الناس ~~قد تفكروا واجتهدوا وحصل لهم عقيب فكرهم اعتقاد ، وكانوا جازمين بأنه علم ~~ثم ظهر لهم أو لغيرهم أن ذلك كان جهلا فرجعوا عنه وتركوه وإذا شاهدنا ذلك ~~في الوقت الأول جاز أن يكون الإعتقاد الحاصل ثانيا كذلك ، وعلى هذا الطريق ~~لا يمكن الجزم بصحة شيء من العقائد المستفادة من الفكر والنظر . وثالثها : ~~أن المطلوب إن كان مشعورا به استحال طلبه ، لأن تحصيل الحاصل محال ، وإن ~~كان غير مشعور به كان الذهن غافلا عنه ، و المغفول عنه يستحيل أن يتوجه ~~الطلب إليه . ورابعها : أن العلم يكون النظر مفيدا للعلم إما أن يكون ~~ضروريا أو نظريا فإن كان ضروريا وجب اشتراك العقلاء فيه وليس كذلك . وإن ~~كان نظريا لزم إثبات جنس الشيء بفرد من أفراده وذلك محال لأن النزاع لما ~~وقع في الماهية كان واقعا في ذلك الفرد أيضا فيلزم إثبات الشيء بنفسه وهو ~~محال لأنه من حيث أنه وسيلة الإثبات يجب أن يكون معلوما قبل . ومن حيث أنه ~~مطلوب يجب أن لا يكون معلوما قبل ، فيلزم اجتماع النفي والإثبات وهو محال . ~~وخامسها : أن المقدمة الواحدة لا تنتج بل المنتج مجموع المقدمتين ، لكن ~~حضور المقدمتين دفعة واحدة في الذهن محال لأنا جربنا أنفسنا فوجدنا أنا متى ~~وجهنا الخاطر نحو معلوم استحال في ذلك الوقت توجيهه نحو معلوم آخر ، وربما ~~سلم بعضهم أن النظر في الجملة يفيد العلم لكنه يقول النظر في الإلاهيات لا ~~يفيد واحتج عليه بوجهين : الأول : أن حقيقة الإله غير متصورة وإذا لم تكن ~~الحقيقة متصورة استحال التصديق لا بثبوته ولا بثبوت صفة من صفاته . بيان ~~الأول أن المعلوم عند البشر كون واجب الوجود منزها عن الحيز والجهة ، وكونه ~~موصوفا بالعلم والقدرة . أما الوجوب والتنزيه فهو قيد سلبي وليست حقيقته ms0481 ~~نفس هذا السلب . فلم يكن العلم بهذا السلب علما بحقيقته ، وأما الموصوفية ~~بالعلم والقدرة فهو عبارة عن انتساب ذاته إلى هذه الصفات وليست ذاته نفس ~~هذا الانتساب فالعلم بهذا الانتساب ليس / علما بذاته . بيان الثاني أن ~~التصديق موقوف على التصور ، فإذا فقد التصور امتنع التصديق ، ولا يقال ذاته ~~تعالى وإن لم تكن متصورة بحسب الحقيقة المخصوصة التي له لكنها متصورة بحسب ~~لوازمها ، أعني أنا نعلم أنه شيء ما ، يلزمه الوجوب والتنزيه والدوام فيحكم ~~على هذا المتصور ، قلنا هذه الأمور المعلومة إما أن يقال إنها نفس الذات ~~وهو محال أو أمور خارجة عن الذات فلما لم نعلم الذات لا يمكننا أن نعلم ~~كونها موصوفة بهذه الصفات فإن كان التصور الذي هو شرط إسناد هذه الصفات إلى ~~ذاته هو أيضا تصور بحسب صفات آخر ، فحينئذ يكون الكلام فيه كما في الأول ~~فيلزم التسلسل وهو محال . الوجه الثاني : أن أظهر الأشياء عندنا ذاتنا ~~وحقيقتنا التي إليها نشير بقولنا أنا ثم الناس تحيروا في ماهية المشار إليه ~~يقول أنا ، فمنهم من يقول هو هذا البنية ، ومنهم من يقول هو المزاج ، ومنهم ~~من يقول بعض الأجزاء الداخلة في هذه البنية ، ومنهم من يقول شيء لا داخل ~~هذا البدن ولا خارجه ، فإذا كان الحال في أظهر الأشياء كذلك فما ظنك بأبعد ~~الأشياء مناسبة عنا وعن أحوالنا . PageV02P085 # أما المقام الثاني : وهو أن النظر المفيد للعلم غير مقدور لنا فقد احتجوا ~~عليه بوجوه : أحدها : أن تحصيل التصورات غير مقدور فالتصديقات البديهية غير ~~مقدورة فجميع التصديقات غير مقدورة وإنما قلنا إن التصورات غير مقدورة لأن ~~طالب تحصيلها إن كان عارفا بها استحال منه طلبها لأن تحصيل الحاصل محال ، ~~فإن كان غافلا عنها استحال كونه طالبا لها لأن الغافل عن الشيء لا يكون ~~طالبا له . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون معلوما من وجه ومجهولا من وجه . ~~قلنا لأن الوجه الذي يصدق عليه أنه معلوم غير الوجه الذي يصدق عليه أنه غير ~~معلوم ، وإلا فقد صدق النفي والإثبات على ms0482 الشيء الواحد وهو محال وحينئذ ~~نقول الوجه المعلوم استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل والوجه الذي هو غير ~~معلوم استحال طلبه لأن المغفول عنه لا يكون مطلوبا ، وإنما قلنا إن ~~التصورات لما كانت غير كسبية استحال كون التصديقات البديهية كسبية وذلك لأن ~~عند حضور طرفي الموضوع والمحمول في الذهن من القضية البديهية إما أن يلزم ~~من مجرد حضورهما جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات ، أو ~~لا يلزم ، فإن لم يلزم لم تكن القضية بديهية بل كانت مشكوكة . وإن لزم كان ~~التصديق واجب الحصول عند حضور ذينك التصورين وممتنع الحصول عند عدم حضورهما ~~، وما يكون واجب الدوران نفيا وإثباتا مع ما لا يكون مقدورا نفيا وإثباتا ~~وجب أن يكون أيضا كذلك فثبت أن التصديقات البديهية غير كسبية ؛ وإنما قلنا ~~إن هذه التصديقات لما لم تكن كسبية لم يكن شيء من التصديقات كسبيا لأن ~~التصديق الذي لا يكون بديهيا ، لا بد وأن يكون نظريا فلا يخلو إما أن يكون ~~واجب اللزوم عند حضور تلك التصديقات البديهية أو لا يكون فإن لم يكن واجب ~~اللزوم منها لم يلزم من صدق تلك المقدمات صدق ذلك المطلوب ، فلم يكن ذلك ~~استدلالا يقينيا بل إما ظنا أو اعتقادا / تقليديا ، وإن كان واجبا فكانت ~~تلك النظريات واجبة الدوران نفيا وإثباتا مع تلك القضايا الضرورية ، فوجب ~~أن لا يكون شيء من تلك النظريات مقدورا للعبد أصلا . وثانيها : أن الإنسان ~~إنما يكون قادرا على إدخال الشيء في الوجود لو كان يمكنه أن يميز ذلك ~~المطلوب عن غيره والعلم إنما يتميز عن الجهل بكونه مطابقا للمعلوم دون ~~الجهل وإنما يعلم ذلك لو علم المعلوم على ما هو عليه ، فإذن لا يمكنه إيجاد ~~العلم بذلك الشيء إلا إذا كان عالما بذلك الشيء لكن ذلك محال لاستحالة ~~تحصيل الحاصل ، فوجب أن لا يكون العبد متمكنا من إيجاد العلم ولا من طلبه . ~~وثالثها : أن الموجب للنظر ، إما ضرورة العقل ، أو النظر أو السمع . والأول ~~: باطل لأن الضروري لم يشترط العقل فيه ms0483 ، ووجوب الفكر والنظر ليس كذلك ، بل ~~كثير من العقلاء يستقبحونه ، ويقولون إنه في الأكثر يفضي بصاحبه إلى الجهل ~~، فوجب الاحتراز منه ، والثاني : أيضا باطل ، لأنه إذا كان العلم بوجوبه ~~يكون نظريا ، فحينئذ لا يمكنه العلم بوجوب النظر قبل النظر ، فتكليفه بذلك ~~يكون تكليف ما لا يطاق ، وأما بعد النظر فلا يمكنه النظر ، لأنه لا فائدة ~~فيه ، والثالث : باطل ، لأنه قبل النظر لا يكون متمكنا من معرفة وجوب النظر ~~، وبعد النظر لا يمكنه إيجابه أيضا لعدم الفائدة ، وإذا بطلت الأقسم ثبت ~~نفي الوجوب . المقام الثالث : وهو أن بتقدير كون النظر مفيدا للعلم ومقدورا ~~للمكلف ، لكنه يقبح من الله أن يأمر المكلف به ، وبيانه من وجوه : أحدها : ~~أن النظر في أكثر الأمر يفضي بصاحبه إلى الجهل فالمقدم عليه مقدم على أمر ~~يفضي به غالبا إلى الجهل . وما يكون كذلك يكون قبيحا ، فوجب أن يكون الفكر ~~PageV02P086 قبيحا ، والله تعالى لا يأمر بالقبيح . وثانيها : أن الواحد ~~منا مع ما هو عليه من النقص وضعف الخاطر وما يعتريه من الشبهات الكثيرة ~~المتعارضة ، لا يجوز أن يعتمد على عقله في التمييز بين الحق والباطل . فلما ~~رأينا أرباب المذاهب كل واحد منهم يدعي أن الحق معه ، وأن الباطل مع خصمه ~~ثم إذا تركوا التعصب واللجاج وأنصفوا ، وجدوا الكلمات متعارضة ، وذلك يدل ~~على عجز العقل عن إدراك هذه الحقائق . وثالثها : أن مدار الدين لو كان على ~~النظر في حقائق الدلائل لوجب أن لا يستقر الإنسان على الإيمان ساعة واحدة ، ~~لأن صاحب النظر إذا خطر بباله سؤال على مقدمة من مقدمات دليل الدين ، فقد ~~صار بسبب ذلك السؤال شاكا في تلك المقدمة ، وإذا صار بعض مقدمات الدليل ~~مشكوكا فيه . صارت النتيجة ظنية . لأن المظنون لا يفيد اليقين ، فيلزم أن ~~يخرج الإنسان في كل ساعة عن الدين ، بسبب كل ما يخطر بباله من الأسئلة ~~والمباحث . ورابعها : أنه اشتهر في الألسنة أن من طلب المال بالكيمياء أفلس ~~، ومن طلب الدين بالكلام تزندق ، وذلك يدل على أنه لا يجوز فتح الباب فيه ms0484 : ~~المقام الرابع : أن بتقدير أنه في نفسه غير قبيح ، ولكنا نقيم الدلالة على ~~أن الله ورسوله ما أمرا بذلك ، والذي يدل عليه أن هذه المطالب لا تخلو ، ~~إما أن يكون العلم بدلائلها علما ضروريا غنيا عن التعلم والاستفادة ، وإما ~~أن لا يكون كذلك ، بل يحتاج في تحصيلها إلى / التأمل والتدبر والاستفادة ، ~~والأول باطل ، وإلا لوجب أن يحصل ذلك لكل الناس وهو مكابرة ولأنا نجرب أذكى ~~الناس في هذا العلم فلا يمكنه تحصيله في السنين المتطاولة بعد الاستعانة ~~بالأستاذ والتصانيف . وإن كان الثاني وجب أن لا يحصل ذلك العلم للإنسان ، ~~إلا بعد الممارسة الشديدة والمباحثة الكثيرة ، فلو كان الدين مبنيا عليه ، ~~لوجب أن لا يحكم الرسول بصحة إسلام الرجل إلا بعد أن يسأله عن هذه المسائل ~~، ويجربه في معرفة هذه الدلائل على الاستقصاء . ولو فعل الرسول ذلك لاشتهر ~~ولما لم يشتهر بل المشهور المنقول عنه بالتواتر أنه كان يحكم بإسلام من ~~يعلم بالضرورة أنه لم يخطر بباله شيء من ذلك ، علمنا أن ذلك غير معتبر في ~~صحة الدين ، فإن قيل : معرفة أصول الدلائل حاصلة لأكثر العقلاء ، إنما ~~المحتاج إلى التدقيق دفع الأسئلة والجواب عن الشبهات وذلك غير معتبر في صحة ~~أصل الدين ، قلنا هذا ضعيف لأن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان البتة ، ~~وذلك لأن الدليل إذا كان مبنيا على مقدمات عشرة فإن كان الرجل جاز ما بصحة ~~تلك المقدمات كان عارفا بالدليل معرفة لا يمكن الزيادة عليها ، لأن الزيادة ~~عل تلك العشرة إن كان معتبرا في تحقق ذلك الدليل بطل قولنا إن ذلك الدليل ~~مركب من العشرة فقط ، وإلا لم يكن معتبرا لم يكن العلم به علما بزيادة شيء ~~في الدليل ، بل يكون علما منفصلا . فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة ~~ولا يقبل النقصان أيضا ، لأن تسعة منها لو كانت يقينية وكانت المقدمة ~~العاشرة ظنية استحال كون المطلوب يقينيا لأن المبني على الظني أولى أن يكون ~~ظنيا فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان وبطل ببطلانه ذلك ~~السؤال مثاله ms0485 إذا رأى الإنسان حدوث مطر ورعد وبرق بعد أن كان الهواء صافيا ~~قال سبحان الله ، فمن الناس من قال : إن قوله سبحان الله يدل على أنه عرف ~~الله بدليله ، وهذا باطل لأنه إنما يكون عارفا بالله إذا عرف بالدليل أن ~~ذلك الحادث لا بد له من مؤثر ثم يعرف بالدليل أنه يستحيل أن يكون المؤثر ~~فيه سوى الله تعالى / وهذه المقدمة الثانية إنما تستقيم لو عرف بالدليل أنه ~~يستحيل إسناد هذا الحدوث إلى الفلك والنجوم ، والطبيعة والعلة الموجبة . ~~فإنه لو لم يعرف بطلان ذلك بالدليل لكان معتقدا PageV02P087 لهذه المقدمة ~~الثانية من غير دليل فتكون المقدمة تقليدية ويكون المبني عليها تقليدا لا ~~يقينا فثبت بهذا فساد ما قلتموه . المقام الخامس : أن نقول الاشتغال بعلم ~~الكلام بدعة ، والدليل عليه القرآن والخبر والإجماع وقول السلف والحكم . ~~أما القرآن فقوله تعالى : { ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } ( ~~الزخرف : 58 ) ذم الجدل وقال أيضا : { وإذا رأيت الذين يخوضون فىءاياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره } ( الأنعام : 68 ) قالوا : فأمر ~~بالإعراض عنهم عند خوضهم في آيات الله تعالى وأما الخبر فقوله عليه السلام ~~: ( تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق ) وقوله عليه السلام : ( عليكم ~~بدين العجائز ) وقوله : ( إذا ذكر القدر فأمسكوا ) وأما الإجماع فهو أن هذا ~~علم لم تتكلم فيه الصحابة فيكون بدعة فيكون حراما ، أما أن الصحابة ما ~~تكلموا فيه فظاهر ، لأنه لم ينقل عن أحد منهم أنه نصب نفسه للاستدلال في / ~~هذه الأشياء ، بل كانوا من أشد الناس إنكارا على من خاض فيه ، وإذا ثبت هذا ~~ثبت أنه بدعة وكل بدعة حرام بالاتفاق ، أما الأثر ، قال مالك بن أنس : ~~إياكم والبدع قيل وما البدع يا أبا عبد الله ؟ قال أهل البدع الذين يتكلمون ~~في أسماء الله وصفاته وكلامه ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون . ~~وسئل سفيان بن عيينة عن الكلام فقال اتبع السنة ودع البدعة . وقال الشافعي ~~رضي الله عنه : لأن يبتلي الله العبد بكل ذنب سوى الشرك خير ms0486 له من أن يلقاه ~~بشيء من الكلام وقال : لو أوصى رجل بكتبه العلمية لآخر وكان فيها كتب ~~الكلام لم تدخل تلك الكتب في الوصية وأما الحكم فهو أنه لو أوصى للعلماء لا ~~يدخل المتكلم فيه والله أعلم فهذا مجموع كلام الطاعنين في النظر والاستدلال ~~. والجواب : أما الشبه التي تمسكوا بها في أن النظر لا يفيد العلم فهي ~~فاسدة ، لأن الشبه التي ذكروها ليست ضرورية بل نظرية ، فهم أبطلوا كل النظر ~~ببعض أنواعه وهو متناقض ، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن النظر غير ~~مقدور فهي فاسدة ، لأنهم مختارون في استخراج تلك الشبه فيبطل قولهم إنها ~~ليست اختيارية ، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن التعاويل على النظر قبيح ~~فهي متناقضة ، لأنه يلزمهم أن يكون إيرادهم لهذه الشبه التي أوردوها قبيحا ~~، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن الرسول ما أمر بذلك فهو باطل ، لأنا ~~بينا أن الأنبياء بأسرهم ما جاءوا إلا بالأمر بالنظر والاستدلال . وأما ~~قوله تعالى : { ما ضربوه لك إلا جدلا } فهو محمول على الجدل بالباطل ، ~~توفيقا بينه وبين قوله : { وجادلهم بالتى هى أحسن } وأما قوله : { وإذا ~~رأيت الذين يخوضون فىءاياتنا فأعرض عنهم } ( الأنعام : 68 ) فجوابه أن ~~الخوض ليس هو النظر ، بل الخوض في الشيء هو اللجاح ، وأما قوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( تفكروا في الخالق ) فذاك إنما أمر به ليستفاد منه معرفة الخالق ~~وهو المطلوب . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : ( عليكم بدين العجائز ) ~~فليس المراد ، إلا تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى والاعتماد في كل ~~الأمور على الله على ما قلنا وأما قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا ذكر ~~القدر فأمسكوا ) فضعيف ، لأن النهي الجزئي لا يفيد النهي الكلي ، وأما ~~الإجماع فنقول : إن عنيتم أن الصحابة لم يستعملوا ألفاظ المتكلمين فمسلم ، ~~لكنه لا يلزم منه القدح في الكلام ، كما أنهم لم يستعلموا ألفاظ الفقهاء ، ~~ولا يلزم منه القدح في الفقه البتة / وإن عنيتم أنهم ما عرفوا الله تعالى ~~ورسوله بالدليل ، فبئس ما قلتم ، وأما تشديد السلف على الكلام فهو محمول ms0487 ~~على أهل البدعة ، وأما مسألة الوصية فهي معارضة بما أنه لو أوصى لمن كان ~~عارفا بذات اللهوصفاته وأفعاله وأنبيائه ورسله لا يدخل فيه الفقيه . ولأن ~~مبنى الوصايا PageV02P088 على العرف فهذا إتمام هذه المسألة والله أعلم . # المسألة الثانية : أما حقيقة العبادة فذكرناها في قوله : { إياك نعبد } ~~وأما الخلق فحكى الأزهري صاحب ( التهذيب ) عن ابن الأنباري أنه التقدير ~~والتسوية ، واحتجوا فيه بالآية والشعر والاستشهاد ، أما الآية فقوله تعالى ~~: { أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) أي المقدرين { وتخلقون إفكا } ( ~~العنكبوت : 17 ) أي / تقدرون كذبا { وإذ تخلق من الطين } ( المائدة : 110 ) ~~أي تقدر . وأما الشعر فقول زهير : # ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري # وقال آخر : # % فولا يئط بأيدي الخالقين ولا % % أيدي الخوالق إلا جيد الأدم % # وأما الاستشهاد يقال خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس ، ومنه قول ~~العرب للأحاديث التي لا يصدق بها ، أحاديث الخلق ، ومنه قوله تعالى : { إن ~~هاذا إلا خلق الاولين } ( الشعراء : 137 ) والخلاق المقدار من الخير ، وهو ~~خليق أي جدير كأنه الذي منه الخلاق ، والصخرة الخلقاء الملساء لأن في ~~الملاسة استواء ، وفي الخشونة اختلاف ومنه ( أخلق الثوب ) لأنه إذا بلي صار ~~أملس واستوى نتوه واعوجاجه ، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والاستواء قال ~~القاضي عبد الجبار : الخلق فعل بمعنى التقدير واللغة لا تقتضي أن ذلك لا ~~يتأتى إلا من الله تعالى بل الكتاب نطق بخلافه في قوله : { فتبارك الله ~~أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) ، { وإذ تخلق من * طين * كهيئة الطير } ~~( المائدة : 110 ) لكنه تعالى لما كان يفعل الأفعال لعلمه بالعواقب وكيفية ~~المصلحة ولا فعل له إلا كذلك لا جرم اختص بهذا الاسم وقال أستاذه أبو عبد ~~الله البصري إطلاق اسم خالق على الله محال لأن التقدير والتسوية عبارة عن ~~الفكر والنظر والحسبان وذلك في حق الله محال ، وقال جمهور أهل السنة ~~والجماعة : الخلق عبارة عن الإيجاد والإنشاء واحتجوا عليه بقول المسلمين لا ~~خالق إلا الله ، ولو كان الخلق عبارة عن التقدير لما صح ذلك . # المسألة الثالثة : اعلم أنه سبحانه أمر بعبادته ms0488 والأمر بعبادته موقوف على ~~معرفة وجوده ، ولما لم يكن العلم بوجوده ضروريا بل استدلاليا لا جرم أورد ~~ههنا ما يدل على وجوده ، واعلم أننا بينا في ( الكتب العقلية ) أن الطريق ~~إلى إثباته سبحانه وتعالى إما الإمكان ، وإما الحدوث . وإما مجموعهما ، وكل ~~ذلك إما في الجواهر أو في الأعراض ، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجوده ~~سبحانه وتعالى ستة لا مزيد عليها . أحدها : الاستدلال بإمكان الذوات ، ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى : { والله الغنى وأنتم الفقراء } ( محمد : 38 ) ~~وبقوله حكاية عن إبراهيم : { فإنهم عدو لى إلا رب العالمين } ( الشعراء : ~~77 ) وبقوله : { وأن إلى ربك المنتهى } ( النجم : 42 ) وقوله : { قل الله ~~ثم ذرهم * ففروا إلى الله * ألا بذكر الله تطمئن القلوب } وثانيها : ~~الاستدلال بإمكان الصفات وإليه الإشارة بقوله : { خلق * السماوات والارض } ~~وبقوله : { الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء } على ما سيأتي تقريره . ~~وثالثها : الاستدلال بحدوث الأجسام . وإليه الإشارة بقول إبراهيم عليه ~~السلام : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) ورابعها : الاستدلال بحدوث ~~الأعراض ، وهذه الطريقة أقرب الطرق إلى أفهام الخلق ، وذلك محصور في أمرين ~~: PageV02P089 دلائل الأنفس ، ودلائل الآفاق ، ( والكتب الإلهية ) في ~~الأكثر مشتملة على هذين البابين ، والله تعالى جمع ههنا بين هذين الوجهين . ~~أما دلائل الأنفس ، فهي أن كل أحد يعلم بالضرورة / أنه ما كان موجودا قبل ~~ذلك وأنه صار الآن موجودا وأن كل ما وجد بعد العدم فلا بد له من موجد وذلك ~~الموجد ليس هو نفسه ولا الأبوان ولا سائر الناس ، لأن عجز الخلق عن مثل هذا ~~التركيب معلوم بالضرورة فلا بد من موجد يخالف هذه الموجودات حتى يصح منه ~~إيجاد هذه الأشخاص إلا أن لقائل أن يقول ههنا : لم لا يجوز أن يكون المؤثر ~~طبائع الفصول والأفلاك والنجوم ؟ ولما كان هذا السؤال محتملا ذكر الله ~~تعالى عقيبه ما يدل على افتقار هذه الأشياء إلى المحدث والموجد وهو قوله : ~~{ الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء } وهو المراد من دلائل الآفاق ~~ويندرج فيها كل ما يوجد من تغييرات أحوال العالم من الرعد والبرق والرياح ms0489 ~~والسحاب واختلاف الفصول ، وحاصلها يرجع إلى أن الأجسام الفلكية والأجسام ~~العنصرية مشتركة في الجسمية ، فاختصاص بعضها ببعض الصفات من المقادير ~~والأشكال والأحياز لا يمكن أن يكون للجسمية ولا لشيء من لوازمها . وإلا وجب ~~اشتراك الكل في تلك الصفات فلا بد وأن يكون لأمر منفصل ، وذلك الأمر إن كان ~~جسما عاد البحث في أنه لم اختص بتلك المؤثرية من بين تلك الأجسام ، وإن لم ~~يكن جسما فإما أن يكون موجبا أو مختارا . والأول باطل ، وإلا لم يكن اختصاص ~~بعضالأجسام ببعض الصفات أولى من العكس فلا بد وأن يكون قادرا ، فثبت بهذه ~~الدلالة افتقار جميع الأجسام إلى مؤثر قادر ليس بجسم ، ولا بجسماني ، وعند ~~هذا ظهر أن الاستدلال بحدوث الأعراض على وجود الصانع لا يكفي إلا بعد ~~الاستعانة بإمكان الأعراض والصفات ، وإذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى ~~إنما خص هذا النوع من الأدلة بالإيراد في أول كتابه لوجهين : الأول : أن ~~هذا الطريق لما كان أقرب الطرق إلى أفهام الخلق وأشدها التصاقا بالعقول ، ~~وكانت الأدلة المذكورة في القرآن يجب أن تكون أبعدها عن الدقة وأقربها إلى ~~الأفهام لينتفع به كل أحد من الخواص والعوام لا جرم ذكر الله تعالى في أول ~~كتابه ذلك . الثاني : أنه ليس الغرض من الدلائل القرآنية المجادلة ، بل ~~الغرض منها تحصيل العقائد الحقة في القلوب ، وهذا النوع من الدلائل أقوى من ~~سائر الطرق في هذا الباب ، لأن هذا النوع من الدلائل كما يفيد العلم بوجود ~~الخالق فهو يذكر نعم الخالق علينا ، فإن الوجود والحياة من النعم العظيمة ~~علينا ، وتذكير النعم مما يوجب المحبة وترك المنازعة وحصول الانقياد ، ~~فلهذا السبب كان ذكر هذا النوع من الأدلة أولى من سائر الأنواع . واعلم أن ~~للسلف طرقا لطيفة في هذا الباب ، أحدها : يروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع ~~عند جعفر الصادق رضي الله عنه . فقال جعفر : هل ركبت البحر ؟ قال نعم . قال ~~هل رأيت أهواله ؟ قال بلى ؛ هاجت يوما رياح هائلة فكسرت السفن وغرقت ~~الملاحين ، فتعلقت أنا ببعض ألواحها ثم ذهب عني ms0490 ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع ~~في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل ، فقال جعفر قد كان اعتمادك من قبل ~~على السفينة والملاح ثم على اللوح حتى تنجيك ، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك ~~هل أسلمت / نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد ؟ قال بل رجوت السلامة ، ~~قال ممن كنت ترجوها فسكت الرجل فقال جعفر : إن الصانع هو الذي كنت ترجوه في ~~ذلك الوقت ، وهو PageV02P090 الذي أنجاك من الغرق فأسلم الرجل على يده . ~~وثانيها : جاء في ( كتاب ديانات العرب ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لعمران بن حصين ( كم لك من إله ) قال عشرة / قال فمن لغمك وكربك ودفع الأمر ~~العظيم إذا نزل بك من جملتهم ؟ قال الله ، قال عليه السلام : ( مالك من إله ~~إلا الله ) ، وثالثها : كان أبو حنيفة رحمه الله سيفا على الدهرية ، وكانوا ~~ينتهزون الفرصة ليقتلوه فبينما هو يوما في مسجده قاعد إذ هجم عليه جماعة ~~بسيوف مسلولة وهموا بقتله فقال لهم : أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم ~~فقالوا له هات ، فقال : ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة ~~بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها في لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح ~~مختلفة وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يدفعها هل ~~يجوز ذلك في العقل ؟ قالوا : لا ، هذا شيء لا يقبله العقل ؟ فقال أبو حنيفة ~~: يا سبحان الله إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير ~~متعهد ولا مجري فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير ~~أعمالها وسعة أطرافها وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ؟ فبكوا جميعا ~~وقالوا : صدقت وأغمدوا سيوفهم وتابوا . ورابعها : سألوا الشافعي رضي الله ~~عنه ما الدليل على وجود الصانع ؟ فقال : ورقة الفرصاد طعمها ولونها وريحها ~~وطبعها واحد عندكم ؟ قالوا : نعم ، قال : فتأكلها دودة القز فيخرج منها ~~الإبريسم ، والنحل فيخرج منها العسل . والشاة فيخرج منها البعر ، ويأكلها ~~الظباء فينعقد في نوافجها المسك فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك مع أن الطبع ms0491 ~~واحد ؟ فاستحسنوا منه ذلك وأسلموا على يده وكان عددهم سبعة عشر . وخامسها : ~~سئل أبو حنيفة رضي الله عنه مرة أخرى فتمسك بأن الوالد يريد الذكر فيكون ~~أنثى ، وبالعكس فدل على الصانع ، وسادسها : تمسك أحمد بن حنبل رضي الله عنه ~~بقلعة حصينة ملساء لا فرجة فيها ظاهرها كالفضة المذابة وباطنها كالذهب ~~الإبريز ، ثم انشقت الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع بصير فلا بد من ~~الفاعل ، عنى بالقلعة البيضة وبالحيوان الفرخ ، وسابعها : سأل هرون الرشيد ~~مالكا عن ذلك فاستدل باختلاف الأصوات وتردد النغمات وتفاوت اللغات . ~~وثامنها : سئل أبو نواس عنه ، فقال : # % فتأمل في نبات الأرض وانظر % % إلى آثار ما صنع المليك % # % عيون من لجين شاخصات % % وأزهار كما الذهب السبيك % # % على قضب الزبر جد شاهدات % % بأن الله ليس له شريك % # وتاسعها : سئل أعرابي عن الدليل فقال : البعرة تدل على البعير . والروث ~~على الحمير ، وآثار الأقدام على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ~~. وبحار ذات أمواج ، أما تدل / على الصانع الحليم العليم القدير ؟ ~~PageV02P091 وعاشرها : قيل لطبيب : بم عرفت ربك ؟ قال باهليلج مجفف أطلق ، ~~ولعاب ملين أمسكا وقال آخر : عرفته بنحلة بأحد طرفيها تعسل ، والآخر تلسعا ~~والعسل مقلوب اللسع . وحادي عشرها : حكم البديهية في قوله : { ولئن سألتهم ~~من خلقهم ليقولن الله } ( الزخرف : 87 ) ، { فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا ~~بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين } ( غافر : 87 ) . # المسألة الرابعة : قال القاضي : الفائدة في قوله : { الذى خلقكم } أن ~~العبادة لا تستحق إلا بذلك ، فلما ألزم عباده بالعبادة بين ماله ولأجله ~~تلزم العبادة . فإن قيل فما الفائدة في قوله : { والذين من قبلكم } وخلق ~~الله من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم ، قلنا الجواب من وجهين : الأول ~~: إن الأمر وإن كان على ما ذكرت ولكن علمهم بأن الله تعالى خلقهم كعلمهم ~~بأنه تعالى خلق من قبلهم لأن طريقة العلم بذلك واحدة . الثاني : أن من ~~قبلهم كالأصول لهم ، وخلق الأصول يجري مجرى الأنعام على الفروع فكأنه تعالى ~~يذكرهم عظيم إنعامه عليهم ، كأنه تعالى يقول : لا تظن أني إنما ms0492 أنعمت عليك ~~حين وجدت بل كنت منعما عليك قبل أن وجدت بألوف سنين بسبب أني كنت خالقا ~~لأصولك وآبائك . # المسألة الخامسة : في قوله تعالى : { لعلكم تتقون } بجثان : البحث الأول ~~: أن كلمة لعل للترجي والإشفاق ، تقول لعل زيدا يكرمني وقال تعالى : { لعله ~~يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) ، { لعل الساعة قريب } ( الشورى : 17 ) ألا ~~ترى إلى قوله : { والذين ءامنوا مشفقون منها } ( الشورى : 18 ) والترجي ~~والإشفاق لا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة وذلك على الله تعالى محال ، فلا ~~بد فيه من التأويل وهو من وجوه : أحدها : أن معنى ( لعل ) راجع إلى العباد ~~لا إلى الله تعالى فقوله : { لعله يتذكر أو يخشى } أي اذهبا أنتما على ~~رجائكما وطمعكما في إيمانه ، ثم الله تعالى عالم بما يؤول إليه أمره . ~~وثانيها : أن من عادة الملوك والعظماء أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون ~~أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا لعل وعسى ونحوهما من الكلمات ، أو للظفر ~~منهم بالرمزة ، أو الابتسامة أو النظرة الحلوة فإذا عثر على شيء من ذلك لم ~~يبق للطالب شك في الفوز بالمطلوب فعلى هذاالطريق ورد لفظ لعل في كلام الله ~~تعالى . وثالثها : ما قيل أن لعل بمعنى كي ، قال صاحب ( الكشاف ) : ولعل لا ~~يكون بمعنى كي ، ولكن كلمة لعل للأطماع ، والكريم الرحيم إذا أطمع فعلى ما ~~يطمع فيه لا محالة تجري أطماعه مجرى وعده المحتوم ، فلهذا السبب قيل لعل في ~~كلام الله تعالى بمعنى كي . ورابعها : أنه تعالى فعل بالمكلفين ما لو فعله ~~غيره لاقتضى رجاء حصول المقصود ، لأنه تعالى لما أعطاهم القدرة على الخير ~~والشر وخلق لهم العقول الهادية وأزاح أعذارهم ، فكل من فعل بغيره ذلك فإنه ~~يرجو منه حصول المقصود ، فالمراد من لفظة لعل فعل ما لو فعله غيره لكان ~~موجبا للرجاء . خامسها : قال القفال : لعل مأخوذ من تكرر الشيء كقولهم عللا ~~بعد نهل ، واللام فيها هي لام التأكيد كاللام التي تدخل في لقد ، فأصل لعل ~~عل ، لأنهم يقولون علك أن تفعل كذا ، أي / لعلك ، فإذا كانت حقيقته التكرير ~~والتأكيد كان ms0493 قول القائل : افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك معنا . افعله فإن ~~فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه . البحث الثاني : أن لقائل أن يقول : إذا ~~كانت العبادة تقوى فقوله : { اعبدوا ربكم لعلكم تتقون } جار مجرى قوله : ~~اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون . أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون ، والجواب من وجهين ~~: الأول : PageV02P092 لا نسلم أن العبادة نفس التقوى ، بل العبادة فعل ~~يحصل به التقوى ، لأن الاتقاء هو الاحتراز عن المضار ، والعبادة فعل ~~المأمور به ، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز عن المضار بل يوجب ~~الاحتراز ، فكأنه تعالى قال : اعبدوا ربكم لتحترزوا به عن عقابه ، وإذا قيل ~~في نفس الفعل إنه اتقاء فذلك مجاز لأن الاتقاء غير ما يحصل به الاتقاء ، ~~لكن لاتصال أحد الأمرين بالآخر أجرى اسمه عليه . الثاني : أنه تعالى إنما ~~خلق المكلفين لكي يتقوا ويطيعوا على ما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) فكأنه تعالى أمر بعبادة الرب الذي خلقهم لهذا ~~الغرض ، وهذا التأويل لائق بأصول المعتزلة . # المسألة السادسة : قرأ أبو عمرو : خلقكم بالإدغام وقرأ أبو السميفع : ~~وخلق من قبلكم وقرأ زيد بن علي : والذين من قبلكم . قال صاحب ( الكشاف ) : ~~الوجه فيه أنه أفحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيدا كما أقحم جرير ~~في قوله : يا تيم تيم عدي لا أبا لكموا تيما الثاني بين الأول وما أضيف ~~إليه . # أما قوله تعالى : { الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من ~~السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : لفظ ( الذي ) وهو موصول مع صلته ، إما أن يكون في محل ~~النصب وصفا للذي خلقكم أو على المدح والتعظيم ، وإما أن يكون رفعا على ~~الابتداء ، وفيه ما في النصب من المدح . # المسألة الثانية : ( الذي ) كلمة موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة ~~تعريفه بقضية معلومة ، كقولك ذهب الرجل الذي أبوه منطلق ، فأبوه منطلق قضية ~~معلومة ، فإذا حاولت تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الذي ، ~~وهو تحقيق قولهم . إنه مستعمل لوصف المعارف بالجمل ، إذا ms0494 ثبت هذا فقوله : { ~~الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء } يقتضي أنهم كانوا عالمين بوجود ~~شيء جعل الأرض فراشا والسماء بناء وذلك تحقيق قوله تعالى : { ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ، الزممر : 38 ) . # المسألة الثالثة : أن الله تعالى ذكر ههنا خمسة أنواع من الدلائل اثنين ~~من الأنفس وثلاثة من الآفاق ، فبدأ أولا بقوله : { خلقكم } وثانيا : ~~بالآباء والأمهات ، وهو قوله : { والذين من قبلكم } وثالثا : بكون الأرض ~~فراشا ، ورابعا : بكون السماء بناء ، وخامسا : بالأمور الحاصلة من مجموع ~~السماء / والأرض ، وهو قوله : { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات ~~رزقا لكم } ولهذا الترتيب أسباب . الأول : أن أقرب الأشياء إلى الإنسان ~~نفسه ، وعلم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره ، وإذا كان ~~الغرض من الاستدلال إفادة العلم ، فكل ما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة ، ~~وكان أولى بالذكر . فلهذا السبب قدم ذكر نفس الإنسان ، ثم ثناه بآبائه ~~وأمهاته ثم ثلث بالأرض ، لأن الأرض أقرب إلى الإنسان من السماء والإنسان ~~أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء ، وإنما قدم ذكر السماء على نزول الماء ~~من السماء وخروج الثمرات بسببه لأن ذلك كالأمر المتولد من السماء والأرض ~~والأثر متأخر عن المؤثر ، فلهذا السبب أخر الله ذكره عن ذكر الأرض والسماء ~~. الثاني : هو أن خلق المكلفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم ، وأما خلق ~~الأرض والسماء والماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة ~~والشهوة ، فلا جرم قدم ذكر الأصول على الفروع . PageV02P093 الثالث : أن كل ~~ما في الأرض والسماء من دلائل الصانع فهو حاصل في الإنسان ، وقد حصل في ~~الإنسان من الدلائل ما لم يحصل فيهما ؟ لأن الإنسان حصل فيه الحياة والقدرة ~~والشهوة والعقل ، وكل ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى . فلما كانت ~~وجوه الدلائل له ههنا أتم كان أولى بالتقديم ، واعلم أنا كما ذكرنا السبب ~~في الترتيب فلنذكر في كل واحد من هذه الثلاثة من المنافع . # المسألة الرابعة : اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر ههنا أنه جعل الأرض ms0495 فراشا ~~، ونظيره قوله : { أم من * جعل الارض قرارا وجعل خلالها أنهارا } ( النحل : ~~61 ) وقوله : { الذى جعل لكم الارض * مهادا } ( الزخرف : 10 ) واعلم أن كون ~~الأرض فراشا مشروط بأمور : الشرط الأول : كونها ساكنة ، وذلك لأنها لو كانت ~~متحركة لكانت حركتها إما بالإستقامة أو بالاستدارة ، فإن كانت بالاستقامة ~~لما كانت فراشا لنا على الإطلاق لأن من طفر من موضع عال كان يجب أن لا يصل ~~إلى الأرض لأن الأرض هاوية ، وذلك الإنسان هاو ، والأرض أثقل من الإنسان ، ~~والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما والأبطأ لا يلحق الأسرع فكان يجب ~~أن لا يصل الإنسان إلى الأرض فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشا / أما ~~لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها ؛ لأن حركة الأرض مثلا إذا ~~كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب ولا شك أن حركة ~~الأرض أسرع فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى ~~حيث يريد ، فلما أمكنه ذلك علمنا أن الأرض غير متحركة لا بالاستدارة ولا ~~بالاستقامة فهي ساكنة ، ثم اختلفوا في سبب ذلك السكون على وجوه : أحدها : ~~أن الأرض لا نهاية لها من جانب السفل ، وإذا كان كذلك لم يكن لها مهبط فلا ~~تنزل وهذا فاسد لما ثبت بالدليل تناهي الأجسام . وثانيها : الذين سلموا ~~تناهي الأجسام قالوا الأرض ليست بكرة بل هي كنصف كرة وحدبتها فوق وسطحها ~~أسفل وذلك السطح موضوع على الماء والهواء ، ومن شأن الثقيل إذا انبسط أن ~~يندغم على الماء والهواء مثل / الرصاصة فإنها إذا انبسطت طفت على الماء ، ~~وإن جمعت رسبت وهذا باطل الوجهين : الأول : أن البحث عن سبب وقوف الماء ~~والهواء كالبحث عن سبب وقوف الأرض . والثاني : لم صار ذلك الجانب من الأرض ~~منبسطا حتى وقف على الماء وصار هذا الجانب متحدبا ؟ . وثالثها : الذين ~~قالوا سبب سكون الأرض جذب الفلك لها من كل الجوانب فلم يكن انجذابها إلى ~~بعض الجوانب أولى من بعض فبقيت في الوسط وهذا باطل لوجهين : الأول : أن ~~الأصغر أسرع انجذابا ms0496 من الأكبر ، فما بال الذرة لا تنجذب إلى الفلك . ~~الثاني : الأقرب أولى بالانجذاب فالذرة المقذوفة إلى فوق أولى بالانجذاب ~~وكان يجب أن لا تعود . ورابعها : قول من جعل سبب سكونها دفع الفلك لها من ~~كل الجوانب ، كما إذا جعل شيء من التراب في قنينة ثم أديرت القنينة على ~~قطبها إدارة سريعة ، فإنه يقف التراب في وسط القنينة لتساوي الدفع من كل ~~الجوانب . وهذا أيضا باطل من وجوه خمسة . الأول : الدفع إذا بلغ في القوة ~~إلى هذا الحد فلم لا يحس به الواحد منا ؟ الثاني : ما بال هذا الدفع لا ~~يجعل حركة السحب والرياح إلى جهة بعينها . الثالث : ما باله لم يجعل ~~انتقالها إلى المغرب أسهل من انتقالها إلى المشرق . الرابع : يجب أن يكون ~~الثقيل كلما كان PageV02P094 أعظم أن تكون حركته أبطأ ، لأن اندفاع الأعظم ~~من الدافع القاسر ، أبطأ من اندفاع الأصغر . الخامس : يجب أن تكون حركة ~~الثقيل النازل من الابتداء أسرع من حركته عند الانتهاء ، لأنه عند الابتداء ~~، أبعد من الفلك . وخامسها : أن الأرض بالطبع تطلب وسط الفلك ، وهو قول ~~أرسطاطاليس وجمهور أتباعه ، وهذا أيضا ضعيف ؛ لأن الأجسام متساوية في ~~الجسمية ، فاختصاص البعض بالصفة التي لأجلها تطلب تلك الحالة لا بد وأن ~~يكون جائزا ، فيفتقر فيه إلى الفاعل المختار . وسادسها : قال أبو هاشم : ~~النصف الأسفل من الأرض فيه اعتمادات صاعدة ، والنصف الأعلى فيه اعتمادات ~~هابطة فتدافع الاعتمادان فلزم الوقوف . والسؤال عليه : أن اختصاص كل واحد ~~من النصفين بصفة مخصوصة لا يمكن إلا بالفاعل المختار . فثبت بما ذكرنا أن ~~سكون الأرض ليس إلا من الله تعالى . وعند هذا نقول : انظر إلى الأرض لتعرف ~~أنها مستقرة بلا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها أما أنها لا علاقة فوقها ~~فمشاهد ، على أنها لو كانت معلقة بعلاقة لاحتاجت العلاقة إلى علاقة أخرى لا ~~إلى نهاية ، وبهذا الوجه ثبت أنه لا دعامة تحتها فعلمنا أنه لا بد من ممسك ~~يمسكها بقدرته واختياره ولهذا قال الله تعالى : { إن الله يمسك السماوات ~~والارض أن تزولا ولئن زالتا إن ms0497 أمسكهما من أحد من بعده } ( فاطر : 41 ) . ~~الشرط الثاني : في كون الأرض فراشا لنا أن لا تكون في غاية الصلابة كالحجر ~~، فإن النوم والمشي عليه مما يؤلم البدن ، وأيضا فلو كانت الأرض من الذهب ~~مثلا لتعذرت الزراعة عليها ، ولا يمكن اتخاذ الأبنية منه لتعذر حفرها ~~وتركيبها كما يراد ؛ وأن لا تكون في غاية اللين / كالماء الذي تغوص فيه ~~الرجل : الشرط الثالث : أن لا تكون في غاية اللطافة والشفافية فإن الشفاف ~~لا يستقر النور عليه ، وما كان كذلك فإنه لا يتسخن من الكواكب والشمس ، ~~فكان يبرد جدا / فجعل الله كونه أغبر ، ليستقر النور عليه فيتسخن فيصلح أن ~~يكون فراشا للحيوانات . الشرط الرابع : أن تكون بارزة من الماء ، لأن طبع ~~الأرض أن يكون غائصا في الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض ، ولو ~~كانت كذلك لما كانت فراشا لنا ، فقلب الله طبيعة الأرض وأخرج بعض جوانبها ~~من الماء كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشا لنا ، ومن الناس من زعم ~~أن الشرط في كون الأرض فراشا أن لا تكون كرة ، واستدل بهذه الآية على أن ~~الأرض ليست كرة ، وهذا بعيد جدا ، لأن الكرة إذا عظمت جدا كانت القطعة منها ~~كالسطح في إمكان الاستقرار عليه ، والذي يزيده تقريرا أن الجبال أوتاد ~~الأرض ثم يمكن الاستقرار عليها ، فهذا أولى والله أعلم . # المسألة الخامسة : في سائر منافع الأرض وصفاتها . فالمنفعة الأولى : ~~الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية ~~والسفلية لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى الثانية : أن يتخمر الرطب بها ~~فيحصل التماسك في أبدان المركبات . الثالثة : اختلاف بقاع الأرض ، فمنها ~~أرض رخوة ، وصلبة ، ورملة ، وسبخة ، وحرة ، PageV02P095 وهي قوله تعالى : { ~~وفى الارض قطع متجاورات } ( الرعد : 4 ) وقال : { والبلد الطيب يخرج نباته ~~بإذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكدا } ( الأعراف : 58 ) الرابعة : اختلاف ~~ألوانها فأحمر ، وأبيض ، وأسود ، ورمادي اللون ، وأغبر ، على ما قال تعالى ~~: { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود } . الخامسة : ~~انصداعها بالنبات ، قال تعالى : { والارض ذات الصدع } ( الطارق : 12 ms0498 ) . ~~السادسة : كونها خازنة للماء المنزل من السماء وإليه الإشارة بقوله تعالى : ~~{ وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الارض وإنا على ذهاب به لقادرون } ~~( المؤمنون : 18 ) وقوله : { قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء ~~معين } ( الملك : 30 ) السابعة : العيون والأنهار العظام التي فيها وإليه ~~الإشارة بقوله ) { وجعل فيها رواسى وأنهارا } . الثامنة : ما فيها من ~~المعادن والفلزات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { والارض مددناها وألقينا ~~فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شىء موزون } ( الحجر : 19 ) ثم بين بعد ذلك ~~تمام البيان ، فقال : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم } ( الحجر : 21 ) . التاسعة : الخبء الذي تخرجهالأرض من الحب والنوى ~~قال تعالى : { إن الله فالق الحب والنوى } ( الأنعام : 95 ) وقال : { يخرج ~~الخبء فى السماوات والارض } ( النحل : 25 ) ثم إن الأر لها طبع الكرم لأنك ~~تدفع إليها حبة واحدة ، وهي تردها عليك سبعمائة { كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ~~في كل سنبلة مائة حبة } ( البقرة : 261 ) . العاشرة : حياتها بعد موتها ؛ ~~قال تعالى : { أو لم * يروا أنا نسوق الماء إلى الارض الجرز * فنخرج به ~~زرعا } ( السجدة : 27 ) وقال : { وءاية لهم الارض الميتة أحييناها وأخرجنا ~~منها حبا فمنه يأكلون } ( يس : 33 ) الحادية عشرة : ما عليها من الدواب ~~المختلفة الألوان والصور والخلق ، وإليه الإشارة بقوله : { خلق السماوات ~~بغير عمد ترونها وألقى فى الارض رواسى أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة } ( ~~لقمان : 10 ) . والثانية عشر : ما فيها من النبات المختلف ألوانه وأنواعه ~~ومنافعه ، وإليه الإشارة بقوله : { وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } ( ق: 7 ) ~~فاختلاف ألوانها دلالة ، واختلاف طعومها دلالة ، واختلاف روائحها دلالة ، ~~فمنها قوت البشر ، ومنها قوت البهائم ، كما قال : { كلوا وارعوا أنعامكم } ~~( طه : 54 ) أما مطعوم البشر ، فمنها الطعام ، ومنها الأدام ، ومنها الدواء ~~، ومنها الفاكهة ، ومنها الأنواع المختلفة في الحلاوة والحموضة . قال تعالى ~~: { وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين } ( فصلت : 10 ) وأيضا ~~فمنها كسوة البشر ، لأن الكسوة إما نباتية ، وهي القطن والكتان ، وإما ~~حيوانية وهي الشعر والصوف والإبريسم ms0499 والجلود ، وهي من الحيوانات التي بثها ~~الله تعالى في الأرض ، فالمطعوم من الأرض ، والملبوس من الأرض . ثم قال : { ~~ويخلق ما لا تعلمون } وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى ~~. PageV02P096 ثم إنه سبحانه وتعالى جعل الأرض ساترة لقبائحك بعد مماتك ، ~~فقال : { ألم نجعل الارض كفاتا * أحياء وأمواتا * منها خلقناكم وفيها ~~نعيدكم } ( المرسلات : 25 ) ثم إنه سبحانه وتعالى جمع هذه المنافع العظيمة ~~للسماء والأرض فقال : { وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الارض } ( الجاثية ~~: 13 ) . الثالثة عشرة : ما فيها من الأحجار المختلفة ، ففي صغارها ما يصلح ~~للزينة فتجعل فصوصها للخواتم وفي كبارها ما يتخذ للأبنية ، فانظر إلى الحجر ~~الذي تخرج النار منه مع كثرته ، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته . ثم ~~انظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير ، وقلة النفع بهذا الشريف . الرابعة عشرة ~~: ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة ، كالذهب والفضة ، ثم تأمل ~~فإن البشر استخرجوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمكة من ~~قعر البحر ، واستنزلوا الطير من أوج الهواء ثم عجزوا عن إيجاد الذهب والفضة ~~، والسبب فيه أنه لا فائدة في وجودهما إلا الثمينة ، وهذه الفائدة لا تحصل ~~إلا عند العزة فالقادر على إيجادهما يبطل هذه الحكمة ، فلذلك ضرب الله ~~دونهما بابا مسدودا ، إظهار لهذه الحكمة وإبقاء لهذه النعمة ، ولذلك فإن ما ~~لا مضرة على الخلق فيه مكنهم منه فصاروا متمكنين من اتخاذ الشبه من النحاس ~~، والزجاج من الرمل ، وإذا تأمل العاقل في هذه اللطائف والعجائب اضطر في ~~افتقار هذه التدابير إلى صانع حكيم مقتدر عليم سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا . الخامسة عشرة : كثرة ما يوجد على الجبال والأراضي من ~~الأشجار التي تصلح للبناء ، والسقف ، ثم الحطب . وما أشد الحاجة إليه في ~~الخبز والطبخ قد نبه الله تعالى على دلائل الأرض ومنافعها بألفاظ لا يبلغها ~~البلغاء ويعجز عنها الفصحاء فقال : { وهو الذى مد الارض وجعل فيها رواسى ~~وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } ( الرعد : 3 ) وأما الأنهار ~~فمنها العظيمة كالنيل ، وسيحون ، وجيحون ms0500 ، والفرات ، ومنها الصغار ، وهي ~~كثيرة وكلها تحمل مياها عذبة للسقي والزراعة وسائر الفوائد . # المسألة السادسة : في أن السماء أفضل أم الأرض ؟ قال بعضهم : السماء أفضل ~~لوجوه : أحدها : أن السماء متعبد الملائكة ، وما فيها بقعة عصى الله فيها ~~أحد . وثانيها : لما أتى آدم عليه السلام في الجنة بتلك المعصية قيل له ~~اهبط من الجنة ، وقال الله تعالى لا يسكن في جواري من عصاني . وثالثها : ~~قوله تعالى : { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } ( المؤمنون : 32 ) وقوله : { ~~تبارك الذى جعل فى السماء بروجا } ( الفرقان : 61 ) ولم يذكر في الأرض مثل ~~ذلك . ورابعها : أن في أكثر الأمر ورد ذكر السماء مقدما / على الأرض في ~~الذكر . وقال آخرون : بل الأرض أفضل لوجوه ( ا ) أنه تعالى وصف بقاعا من ~~الأرض بالبركة بقوله : { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا } ( آل ~~عمران : 96 ) ( ب ) { فى البقعة المباركة من الشجرة } ( القصص : 30 ) ( ج ) ~~{ إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله } ( الإسراء : 1 ) ( د ) وصف أرض ~~الشام بالبركة فقال : { مشارق الارض ومغاربها التى باركنا فيها } ( الأعراف ~~: 137 ) وخامسها : وصف جملة الأرض بالبركة فقال : { قل * أئنكم * لتكفرون } ~~( فصلت : 9 ) إلى قوله : { وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها } ( فصلت : ~~10 ) فإن قيل : وأي بركة في الفلوات الخالية والمفاوز المهلكة ؟ قلنا إنها ~~مساكن للوحوش ومرعاها ، ثم إنها مساكن للناس إذا احتاجوا إليها ، فلهذه ~~البركات قال تعالى : { وفى الارض ءايات للموقنين } ( الذاريات : 20 ) وهذه ~~الآيات وإن كانت حاصلة لغير الموقنين لكن لما لم ينتفع بها إلا الموقنون ~~جعلها آيات للموقنين تشريفا لهم PageV02P097 كما قال : { هدى للمتقين } ~~وسادسها : أنه سبحانه وتعالى خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال : ~~{ منها خلقناكم وفيها نعيدكم } ( طه : 55 ) ولم يخلق من السموات شيئا لأنه ~~قال : { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } ( الأنبياء : 32 ) . وسابعها : أن ~~الله تعالى أكرم نبيه بها فجعل الأرض كلها مساجد له وجعل ترابها طهورا . ~~أما قوله : { السماء * بناء } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر أمر السماوات والأرض في كتابه في مواضع ، ~~ولا شك أن إكثار ms0501 ذكر الله تعالى من ذكر السماوات والأرض يدل على عظم شأنهما ~~، وعلى أن له سبحانه وتعالى فيهما أسرارا عظيمة ، وحكما بالغة لا يصل إليها ~~أفهام الخلق ولا عقولهم . # المسألة الثانية : في فضائل السماء وهي من وجوه : الأول : أن الله تعالى ~~زينها بسبعة أشياء بالمصابيح { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح } ( الملك ~~: 5 ) وبالقمر { وجعل القمر فيهن نورا } وبالشمس { وجعل الشمس سراجا } ( ~~نوج : 16 ) وبالعرش { رب العرش العظيم } ( التوبة : 29 ) وبالكرسي { وسع ~~كرسيه السماوات والارض } ( البقرة : 255 ) وباللوح { فى لوح محفوظ } ( ~~البروج : 22 ) وبالقلم { ن والقلم } ( القلم : 1 ) فهذه سبعة : ثلاثة منها ~~ظاهرة ، وأربعة خفية : ثبتت بالدلائل السمعية من الآيات والأخبار . الثاني ~~: أنه تعالى سمى السموات بأسماء تدل على عظم شأنها : سماء ، وسقفا محفوظا ، ~~وسبعا طباقا ، وسبعا شدادا . ثم ذكر عاقبة أمرها فقال : { وإذا السماء فرجت ~~} ( المرسلات : 9 ) ، { وإذا السماء كشطت } ( التكوير : 11 ) ، { يوم نطوى ~~السماء } ( الأنبياء : 104 ) ، { يوم تكون السماء كالمهل } ( المعارج : 8 ) ~~، { يوم تمور السماء مورا } ( الطور : 9 ) ، { فكانت وردة كالدهان } ( ~~الرحمن : 37 ) وذكر مبدأها في آيتين فقال : { ثم استوى إلى السماء وهى دخان ~~} ( فصلت : 11 ) وقال : { أو لم * ير الذين كفروا أن السماوات والارض كانتا ~~رتقا ففتقناهما } ( الأنبياء : 30 ) فهذا الاستقصاء الشديد في كيفية ~~حدوثهما وفنائهما يدل على أنه سبحانه خلقهما لحكمة بالغة على ما قال : { ~~وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا } ( ص: 27 ) ~~/ والثالث : أنه تعالى جعل السماء قبلة الدعاء : فالأيدي ترفع إليها ، ~~والوجوه تتوجه نحوها ، وهي منزل الأنوار ومحل الصفاء والأضواء والطهارة ~~والعصمة عن الخلل والفساد . الرابع : قال بعضهم السماوات والأرضون على ~~صفتين ، فالسماوات مؤثرة غير متأثرة . والأرضون متأثرة غير مؤثرة / والمؤثر ~~أشرف من القابل ، فلهذا السبب قدم ذكر السماء على الأرض في الأكثر ، وأيضا ~~ففي أكثر الأمر ذكر السموات بلفظ الجمع ، والأرض بلفظ الواحد ، فإنه لا بد ~~من السموات الكثيرة ليحصل بسببها الاتصالات المختلفة للكواكب وتغير مطارح ~~الشعاعات ، وأما الأرض فقابلة فكانت الأرض الواحدة كافية . الخامس : تفكر ~~في لون السماء وما ms0502 فيه من صواب التدبير ، فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة ~~للبصر وتقوية له ، حتى أن الأطباء يأمرون من أصابه وجع العين بالنظر إلى ~~الزرقة ، فانظر كيف جعل الله تعالى أديم PageV02P098 السماء ملونا بهذا ~~اللون الأزرق ، لتنتفع به الأبصار الناظرة إليها ، فهو سبحانه وتعالى جعل ~~لونها أنفع الألوان ، وهو المستنير وشكلها أفضل الأشكال ، وهو المستدير ، ~~ولهذا قال : { أو لم * ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها * لها ~~من فروج } يعني ما فيها من فصول ، ولو كانت سقفا غير محيط بالأرض لكانت ~~الفروج حاصلة . # المسألة الثالثة : في بيان فضائل السماء وبيان فضائل ما فيها ، وهي الشمس ~~والقمر والنجوم أما الشمس فتفكر في طلوعها وغروبها ، فلولا ذلك لبطل أمر ~~العالم كله ، فكيف كان الناس يسعون في معايشهم ، ثم المنفعة في طلوع الشمس ~~ظاهرة ، ولكن تأمل النفع في غروبها فلولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار ~~مع احتياجهم إلى الهدو والقرار لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ ~~الغذاء إلى الأعضاء على ما قال تعالى : { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا } ( يونس : 67 ) وأيضا فلولا الغروب لكان الحرص يحملهم على ~~المداومة على العمل على ما قال : { وجعلنا اليل لباسا * وجعلنا النهار ~~معاشا } والثالث : أنه لولا الغروب لكانت الأرض تحمى بشروق الشمس عليها حتى ~~يحترق كل ما عليها من حيوان ، ويهلك ما عليها من نبات على ما قال : { ألم ~~تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا } ( لفرقان : 45 ) فصارت الشمس ~~بحكمة الحق سبحانه وتعالى تطلع في وقت وتغيب في وقت ، بمنزلة سراج يدفع ~~لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا فصار النور ~~والظلمة على تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم هذا كله في ~~طلوع الشمس وغروبها . أما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله تعالى سببا ~~لإقامة الفصول الأربعة ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد ~~منه مواد الثمار ويلطف الهواء ويكثر السحاب والمطر ، ويقوي أبدان الحيوانات ~~بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن ، وفي الربيع ms0503 تتحرك الطبائع وتظهر ~~المواد المتولدة في الشتاء فيطلع النبات وينور الشجر ويهيج الحيوان للسفاد ~~، وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار ، وتنحل فضول الأبدان ، ويجف وجه ~~الأرض ، ويتهيأ للبناء والعمارات ، وفي الخريف يظهر اليبس والبرد فتنتقل ~~الأبدان قليلا قليلا إلى الشتاء ، فإنه إن وقع الانتقال دفعة واحدة هلكت ~~الأبدان وفسدت ، وأما حركة الشمس فتأمل في منافعها ، فإنها لو كانت واقفة ~~في موضع / واحد لاشتدت السخونة في ذلك الموضع واشتد البرد في سائر المواضع ~~، لكنها تطلع في أول النهار من المشرق فتقع على ما يحاذيها من وجه المغرب ، ~~ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى الغروب فتشرق على الجوانب ~~الشرقية فلا يبقى موضع مكشوف إلا ويأخذ حظا من شعاع الشمس / وأيضا كأن الله ~~تعالى يقول لو وقفت في جانب الشرق والغنى قد رفع بناءه على كوة الفقير ، ~~فكان لا يصل النور إلى الفقير ، لكنه تعالى يقول إن كان الغني منعه نور ~~الشمس فأنا أدير الفلك وأديرها عليه حتى يأخذ الفقير نصيبه . وأما منافع ~~ميلها في حركتها عن خط الاستواء ، فنقول : لو لم يكن للكواكب حركة في الميل ~~لكان التأثير مخصوصا ببقعة واحدة فكان سائر الجوانب يخلو عن المنافع ~~الحاصلة منه وكان الذي يقرب منه متشابه الأحوال ، وكانت القوة هناك لكيفية ~~واحدة ، فإن كانت حارة أفنت الرطوبات وأحالتها كلها إلى النارية ولم تتكون ~~المتولدات فيكون الموضع المحاذي لممر الكواكب على كيفية ، وخط ما لا يحاذيه ~~على كيفية أخرى PageV02P099 وخط متوسط بينهما على كيفية متوسطة فيكون في ~~موضع شتاء دائم يكون فيه الهواء والعجاجة وفي موضع آخر صيف دائم يوجب ~~الاحتراق ، وفي موضع آخر ربيع أو خريف لا يتم فيه النضج ولو لم يكن عودات ~~متتالية ؛ وكانت الكواكب تتحرك بطيئا لكان الميل قليل المنفعة وكان التأثير ~~شديد الأفراط ، وكان يعرض قريبا مما لم يكن ميل ، ولو كانت الكواكب أسرع ~~حركة من هذه لما كملت المنافع وما تمت ، فأما إذا كان هناك ميل يحفظ الحركة ~~في جهة مدة ، ثم تنتقل إلى ms0504 جهة أخرى بمقدار الحاجة وتبقى في كل جهة برهة من ~~الدهر تم بذلك تأثيره وكثرت منفعته ، فسبحان الخالق المدبر بالحكمة البالغة ~~والقدرة الغير المتناهية . هذا أما القمر ، وهو المسمى بآية الليل : فاعلم ~~أنه سبحانه وتعالى جعل طلوعه وغيبته مصلحة ، وجعل طلوعه في وقت مصلحة ، ~~وغروبه في وقت آخر مصلحة ، أما غروبه ففيه نفع لمن هرب من عدوه فيستره ~~الليل يخفيه فلا يلحقه طالب فينجو ، ولولا الظلام لأدركه العدو ، وهو ~~المراد من قول المتنبي : # % فوكم لظلام الليل عندي من يد % % تخبر أن المانوية تكذب % # وأما طلوعه ففيه نفع لمن ضل عنه شيء أخفاه الظلام وأظهره القمر . ومن ~~الحكايات : أن أعرابيا نام عن جمله ليلا ففقده ، فلما طلع القمر وجده فنظر ~~إلى القمر وقال : إن الله صورك ونورك ، وعلى البروج دورك ، فإذا شاء نورك ، ~~وإذا شاء كورك ، فلا أعلم مزيدا أسأله لك ، ولئن أهديت إلي سرورا لقد أهدى ~~الله إليك نورا ، ثم أنشأ يقول : # % فماذا أقول وقولي فيك ذو قصر % % وقد كفيتني التفصيل والجملا % # % إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا % % أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا % # ولقد كان في العرب من يذم القمر ويقول : القمر يقرب الأجل ، ويفضح السارق ~~، / ويدرك الهارب . ويهتك العاشق ، ويبلي الكتان ، ويهرم الشبان ، وينسى ~~ذكر الأحباب ، ويقرب الدين ، ويدني الحين . وكان فيهم أيضا من يفضل القمر ~~على الشمس من وجوه : أحدها : أن القمر مذكر . والشمس مؤنث لكن المتنبي طعن ~~فيه بقوله : # % ففما التأنيث لاسم الشمس عيب % % ولا التذكير فخر للهلال % # وثانيها : أنهم قالوا : القمران ، فجعلوا الشمس تابعة للقمر ، ومنهم من ~~فضل الشمس على القمر بأن الله تعالى قدمها على القمر في قوله : { الشمس ~~والقمر بحسبان } ( الرحمن : ) ، والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها } ( الشمس ~~: 21 ) إلا أن هذه الحجة منقوضة بقوله : { * } ( الشمس : 21 ) إلا أن هذه ~~الحجة منقوضة بقوله : { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ( التغابن : 2 ) وقال : { ~~لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة } ( الحشر : 20 ) وقال : { خلق الموت ~~والحيواة } ( الملك : 2 ) وقال : { إن مع العسر يسرا } ( الشرح : 6 ) وقال ms0505 ~~: { فمنهم ظالم } الآية . أما النجوم : ففيها منافع . المنفعة الأولى : ~~كونها رجوما للشياطين ، والثانية : معرفة القبلة بها ، والثالثة : أن يهتدي ~~بها المسافر في البر والبحر ، قال تعالى : { وهو الذى جعل لكم النجوم ~~لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر } ( الأنعام : 97 ) ثم النجوم على ثلاثة ~~أقسام : غاربة لا تطلع كالكواكب الجنوبية ، وطالعة لا تغرب كالشمالية ، ~~ومنها ما يغرب تارة ويطلع أخرى ، وأيضا منها ثوابت ، ومنها سيارات ، ومنها ~~شرقية ، ومنها غربية والكلام فيها طويل . أما الذي تدعيه الفلاسفة من معرفة ~~الأجرام والأبعاد . PageV02P100 # فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح # قال تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول ~~} ( الجن : 26 ، 27 ) وقال : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ( الإسراء ~~: 85 ) وقال : { ولا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب } ( هود : 31 ~~) وقال : { ما أشهدتهم خلق * السماوات والارض ولا * خلق أنفسهم } ( الكهف : ~~51 ) فقد عجز الخلق عن معرفة ذواتهم وصفاتهم فكيف يقدرون على معرفة أبعد ~~الأشياء عنهم ، والعرب مع بعدهم عن معرفة الحقائق عرفوا ذلك ، قال قائلهم : # % فوأعرف ما في اليوم والأمس قبله % % ولكنني عن علم ما في غد عمي % # وقال لبيد : # % ففوالله ما تدري الضوارب بالحصى % % ولا زاجرات الطير ما الله صانع % # المسألة الرابعة : في شرح كون السماء بناء ، قال الجاحظ : إذا تأملت في ~~هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه ، فالسماء مرفوعة ~~كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منورة كالمصابيح والإنسان كمالك ~~البيت المتصرف فيه ، وضروب النبات مهيأة لمنافعة وضروب الحيوانات مصرفة في ~~مصالحة ، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل وتقدير ~~شامل وحكمة بالغة وقدرة غير متناهية والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } ~~فاعلم أن الله تعالى لما خلق الأرض وكانت كالصدف والدرة المودعة فيه آدم ~~وأولاده ، ثم علم الله أصناف حاجاتهم فكأنه قال يا آدم لا أحوجك إلى شيء ~~غير هذه الأرض التي هي لك كالأم فقال : { أنا * صببنا الماء صبا ms0506 * ثم شققنا ~~الارض شقا } ( عبس : 25 ، 26 ) فانظر يا عبدي أن أعز الأشياء عندك الذهب ~~والفضة ، ولو أني خلقت الأرض من الذهب والفضة هل كان يحصل منها هذه المنافع ~~، ثم إني جعلت هذه الأشياء في هذه الدنيا مع أنها سجن ، فكيف الحال في ~~الجنة ، فالحاصل أن الأرض أمك بل أشفق من الأم ؛ لأن الأم تسقيك لونا واحدا ~~من اللبن ، والأرض تطعمك كذا وكذا لونا من الأطعمة ، ثم قال : { منها ~~خلقناكم وفيها نعيدكم } ( طه : 55 ) معناه نردكم إلى هذه الأم ، وهذا ليس ~~بوعيد ؛ لأن المرء لا يوعد بأمه وذلك لأن مكانك من الأم التي ولدتك أضيق من ~~مكانك من الأرض ، ثم إنك كنت في بطن الأم تسعة أشهر فما مسك جوع ولا عطش ، ~~فكيف إذا دخلت بطن الأم الكبرى ، ولكن الشرط أن تدخل بطن هذه الأم الكبرى ، ~~كما كنت في بطن الأم الصغرى ؛ لأنك حين كنت في بطن الأم الصغرى ما كانت لك ~~زلة ، فضلا عن أن تكون لك كبيرة / بل كنت مطيعا لله بحيث دعاك مرة إلى ~~الخروج إلى الدنيا فخرجت إليها بالرأس طاعة منك لربك ، واليوم يدعوك سبعين ~~مرة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الأرض ~~والسماء بين ما بينهما من شبه عقد النكاح بإنزال الماء من السماء على الأرض ~~والإخراج به من بطنها أشباه النسل الحاصل من الحيوان ، ومن أنواع الثمار ~~رزقا لبني آدم ليتفكروا في أنفسهم وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم ، ويعرفوا ~~أن شيئا من هذه الأشياء لا يقدر على تكوينها وتخليفها إلا من كان مخالفا ~~لها في الذات والصفات ، وذلك هو الصانع الحكيم سبحانه وتعالى . وههنا ~~سؤالات : PageV02P101 السؤال الأول : هل تقولون إن الله تعالى هو الخالق ~~لهذه الثمرات عقيب وصول الماء إليها بمجرى العادة ، أو تقولون إن الله ~~تعالى خلق في الماء طبيعة مؤثرة ، وفي الأرض طبيعة قابلة ، فإذا اجتمعا حصل ~~الأثر من تلك القوة التي خلقها الله تعالى ؟ والجواب : لا شك أن على كلا ~~القولين لا بد من الصانع ms0507 الحكيم وأما التفصيل فنقول : لا شك أنه تعالى قادر ~~على خلق هذه الثمار ابتداء من غير هذه الوسائط لأن الثمرة لا معنى لها إلا ~~جسم قام به طعم ولون ورائحة ورطوبة ، والجسم قابل لهذه الصفات ، وهذه ~~الصفات مقدورة لله تعالى ابتداء لأن المصحح للمقدورية إما الحدوث ، أو ~~الإمكان ، وإما هما وعلى التقديرات فإنه يلزم أن يكون الله تعالى قادرا على ~~خلق هذه الأعراض في الجسم ابتداء بدون هذه الوسائط ، ومما يؤكد هذا الدليل ~~العقلي من الدلائل النقلية ما ورد الخبر بأنه تعالى يخترع نعيم أهل الجنة ~~للمثابين من غير هذه الوسائط ، إلا أنا نقول قدرته على خلقها ابتداء لا ~~تنافي قدرته عليها بواسطة خلق هذه القوى المؤثرة والقابلة في الأجسام ، ~~وظاهر قول المتأخرين من المتكلمين إنكار ذلك ولا بد فيه من دليل . السؤال ~~الثاني : لما كان قادرا على خلق هذه الثمار بدون هذه الوسائط فما الحكمة في ~~خلقها بهذه الوسائط في هذه المدة الطويلة ؟ والجواب : يفعل الله ما يشاء ~~ويحكم ما يريد . ثم ذكروا من الحكم المفصلة وجوها : أحدها : أنه تعالى إنما ~~أجرى العادة بأن لا يفعل ذلك إلا على ترتيب وتدريج ، لأن المكلفين إذا ~~تحلوا المشقة في الحرث والغرس طلبا / للثمرات وكدوا أنفسهم في ذلك حالا بعد ~~حال علموا أنهم لما احتاجوا إلى تحمل هذه المشاق لطلب هذه المنافع الدنيوية ~~، فلأن يتحملوا مشاق أقل من المشاق الدنيوية لطلب المنافع الأخروية التي هي ~~أعظم من المنافع الدنيوية كان أولى ، وصار هذا كما قلنا أنه تعالى قادر على ~~خلق الشفاء من غير تناول الدواء لكنه أجرى عادته بتوقيفه عليه لأنه إذا ~~تحمل مرارة الأدوية دفعا لضرر المرض ، فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعا لضرر ~~العقاب كان أولى وثانيها : أنه تعالى لو خلقها دفعة من غير هذه الوسائط ~~لحصل العلم الضروري بإسنادها إلى القادر الحكيم ، وذلك كالمنافي للتكليف ~~والابتلاء أما لو خلقها بهذه الوسائط فحينئذ يفتقر المكلف في إسنادها إلى ~~القادر إلى نظر دقيق ، وفكر غامض فيستوجب الثواب ، ولهذا قيل : لولا ~~الأسباب لما ms0508 ارتاب مرتاب . وثالثها : أنه ربما كان للملائكة ولأهل ~~الاستبصار عبر في ذلك وأفكار صائبة . السؤال الثالث : قوله : { وأنزل من ~~السماء ماء } يقتضي نزول المطر من السماء وليس الأمر كذلك فإن الأمطار إنما ~~تتولد من أبخرة ترتفع من الأرض وتتصاعد إلى الطبقة الباردة من الهواء ~~فتجتمع هناك بسبب البرد وتنزل بعد اجتماعها وذلك هو المطر . والجواب من ~~وجوه : أحدها : أن السماء إنما سميت سماء لسموها فكل ما سماك فهو سماء فإذا ~~نزل من السحاب فقد نزل من السماء وثانيها : أن المحرك لإثارة تلك الأجزاء ~~الرطبة من عمق الأرض الأجزاء الرطبة { أنزل من السماء مآء } وثالثها : أن ~~قول الله هو الصدق وقد أخبر أنه تعالى ينزل المطر من السماء ، فإذا علمنا ~~أنه مع ذلك ينزل من السحاب فيجب أن يقال ينزل من السماء إلى السحاب ، ومن ~~السحاب إلى الأرض . السؤال الرابع : ما معنى من في قوله : { من الثمرات } ~~الجواب فيه وجهان : أحدهما : التبعيض لأن المنكرين أعني ماء ورزقا يكتنفانه ~~وقد قصد بتنكيرهما معنى البعضية فكأنه قيل وأنزلنا من السماء بعض الماء ~~فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم . والثاني : أن يكون للبيان كقولك ~~أنفقت من الدراهم PageV02P102 إنفاقا ، فإن قيل فيم انتصب رزقا ؟ قلنا إن ~~كان من للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له . وإن كا نت مبينة كان مفعولا ~~لأخرج . السؤال الخامس : الثمر المخرج بماء السماء كثير ، فلم قيل الثمرات ~~دون الثمر أو الثمار ؟ الجواب : تنبيها على قلة ثمار الدنيا وإشعارا بتعظيم ~~أمر الآخرة والله أعلم . # أما قوله تعالى : { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ففيه سؤالات : ~~السؤال الأول : بم تعلق قوله : { فلا تجعلوا } الجواب فيه ثلاثة أوجه : ~~أحدها : أن يتعلق بالأمر ، أي أعبدوا فلا تجعلوا لله أندادا فإن أصل ~~العبادة وأساسها التوحيد . وثانيها : بلعل ، والمعنى خلقكم لكي تنقوا ~~وتخافوا عقابه فلا تثبتوا له ندا فإنه من أعظم موجبات العقاب . وثالثها : ~~بقوله : { الذى جعل لكم الارض فراشا } أي هو الذي خلق لكم هذه الدلائل ~~الباهرة فلا تتخذوا له شركاء السؤال الثاني : ما الند ms0509 ؟ الجواب : أنه المثل ~~المنازع وناددت الرجل نافرته من ند ندودا إذا نفر كأن كل واحد من الندين ~~يناد صاحبه أي ينافره ويعانده ، فإن قيل إنهم لم يقولوا إن الأصنام / تنازع ~~الله . قلنا لما عبدوها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة ~~قادرة على منازعته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم وكما تهكم بلفظ الند شنع ~~عليهم بأنهم جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصلح أن يكون له ند قط ، وقرأ محمد ~~بن السميفع فلا تجعلوا لله ندا . السؤال الثالث : ما معنى { وأنتم تعلمون } ~~الجواب : معناه إنكم لكمال عقولكم تعلمون أن هذه الأشياء لا يصح جعلها ~~أندادا لله تعالى ، فلا تقولوا ذلك فإن القول القبيح ممن علم قبحه يكون ~~أقبح وههنا مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكا يساويه في ~~الوجود والقدرة والعلم والحكمة ، وهذا مما لم يوجد إلى الآن لكن الثنوية ~~يثبتون إلهين : أحدهما : حليم يفعل الخير والثاني : سفيه يفعل الشر ، وأما ~~اتخاذ معبود سوى الله تعالى ففي الذاهبين إلى ذلك كثرة ، الفريق الأول : ~~عبدة الكواكب وهم الصابئة ، فإنهم يقولون إن الله تعالى خلق هذه الكواكب ، ~~وهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم ، قالوا فيجب علينا أن نعبد الكواكب ~~، والكواكب تعبد الله تعالى . والفريق الثاني : النصارى الذين يعبدون ~~المسيح عليه السلام . والفريق الثالث : عبدة الأوثان ، واعلم أنه لا دين ~~أقدم من دين عبدة الأوثان ، وذلك لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا ~~تاريخهم هو نوح عليه السلام ، وهو إنما جاء بالرد عليهم على ما أخبر الله ~~تعالى عن قومه في قوله : { وقالوا لا تذرن ءالهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ~~ولا يغوث ويعوق ونسرا } ( نوح : 23 ) فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودة ~~قبل نوح عليه السلام . وهي باقية إلى الآن بل أكثر أهل العالم مستمرون على ~~هذه المقالة . والدين والمذهب الذي هذا شأنه يستحيل أن يكون بحيث يعرف ~~فساده بالضرورة لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي ~~خلقني وخلق السموات والأرض ms0510 علم ضروري فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليه ، ~~فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك والعلماء ذكروا فيه وجوها : ~~PageV02P103 أحدها : ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي في بعض ~~مصنفاته أن كثيرا من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته ~~ويعتقدون أن الله تعالى جسم وذو صورة كأحسن ما يكون من الصور ، وهكذا حال ~~الملائكة أيضا في صورهم الحسنة ، وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء وأن ~~الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر حسنة الرواء على الهيئة التي ~~كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة ، فيعكفون على عبادتها قاصدين طلب ~~الزلفى إلى الله تعالى وملائكته فإن صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة ~~الأوثان اعتقاد الشبه . وثانيها : ما ذكره أكثر العلماء وهو أن الناس رأوا ~~تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب فإن بحسب قرب الشمس ~~وبعدها عن سمت الرأس تحدث الفصول المختلفة والأحوال المتباينة ، ثم إنهم ~~رصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا ~~بكيفية وقوعها في طوالع الناس فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها ، فمنهم ~~من اعتقد أنها أشياء واجبة الوجود لذواتها وهي التي خلقت هذه العوالم ، ~~ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم ، ~~فالأولون / اعتقدوا أنها هي الإله في الحقيقة والفريق الثاني : أنها هي ~~الوسائط بين الله تعالى وبين البشر ، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها ~~، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها ~~أصناما وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات تلك الأجرام العالية ، ~~ومتقربين إلى أشباحها الغائبة ، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب ~~وتجردوا لعبادة تلك التماثيل ، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب . وثالثها : ~~أن أصحاب الأحكام كانوا يعينون أوقاتا في السنين المتطاولة نحو الألف ~~والألفين ويزعمون أن من اتخذ طلسما في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به ~~في أحوال مخصوصة نحو السعادة والخصب ودفع الآفات وكانوا إذا اتخذوا ذلك ~~الطلسم عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به فلما بالغوا في ذلك ms0511 التعظيم صار ~~ذلك كالعبادة ولما طالت مدة ذلك الفعل نسوا مبدأ الأمر واشتغلوا بعبادتها ~~على الجهالة بأصل الأمر . ورابعها : أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه ~~أنه مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله تعالى اتخذوا صنما على صورته ~~يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعا لهم يوم القيامة عند الله ~~تعالى على ما أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالة في قوله : { هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله } ( يونس : 18 ) وخامسها : لعلهم اتخذوها محاريب لصلواتهم ~~وطاعاتهم ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة ولما ~~استمرت هذه الحالة ظن الجهال من القوم أنه يجب عبادتها . وسادسها : لعلهم ~~كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل ، ~~فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل هذه المقالة عليها حت ى ليصير بحيث يعلم ~~بطلانه بضرورة العقل . PageV02P104 # المسألة الثانية : فإن قال قائل : لما رجع حاصل مذهب عبدة الأوثان إلى ~~هذه الوجوه التي ذكرتموها فمن أين يلزم من إثبات خالق العالم أن لا يجوز ~~عبادة الأوثان ؟ الجواب قلنا : إنه تعالى إنما نبه على كون الأرض والسماء ~~مخلوقتين بما بينا أن الأرض والسماء يشاركون سائر الأجسام في الجسمية فلا ~~بد وأن يكون اختصاص كل واحد منهما بما اختص به من الأشكال والصفات والأخبار ~~بتخصيص مخصص وبينا أن ذلك المخصص لو كان جسما لافتقر هو أيضا إلى مخصص آخر ~~، فوجب أن لا يكون جسما ، إذا ثبت هذا فنقول : أما قول من ذهب إلى عبادة ~~الأوثان بناء على اعتقاد الشبه فلما دللنا بهذه الدلالة على نفي الجسمية ~~فقد بطل قوله ، وأما القو ل الثاني : وهو أن هذه الكواكب هي المدبرة لهذا ~~العالم فلما أقمنا الدلالة على أن كل جسم يفتقر في اتصافه بكل ما اتصف به ~~إلى الفاعل المختار بطل كونها آلهة / وثبت أنها عبيد لا أرباب ، وأما القول ~~الثالث : وهو قول أصحاب الطلسمات فقد بطل أيضا لأن تأثير الطلسمات إنما ~~يكون بواسطة قوى الكواكب ، فلما دللنا على حدوث الكواكب ثبت قولنا وبطل ms0512 ~~قولهم . وأما القول الرابع والخامس : فليس في العقل ما يوجه أو يحيله ، لكن ~~الشرع لما منع منه وجب الامتناع عنه . وأما القول السادس : فهو أيضا بناء ~~على التشبيه فثبت بما قدمنا أن إقامة الدلالة على افتقار / العالم إلى ~~الصانع المختار المنزه عن الجسمية يبطل القول بعبادة الأوثان على كل ~~التأويلات والله أعلم . # المسألة الثالثة : اعلم أن اليونانيين كانوا قبل خروج الإسكندر عمدوا إلى ~~بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة واتخذوها ~~معبودا لهم على حدة ، وقد كان هيكل العلة الأولى وهي عندهم الأمر الإلهي ~~وهيكل العقل الصريح ، وهيكل السياسة المطلقة . وهيكل النفس والصورة مدورات ~~كلها ، وكان هيكل زحل مسدسا . وهيكل المشتري مثلثا . وهيكل المريخ مستطيلا ~~، وهيكل الشمس مربعا ، وكان هيكل الزهرة مثلثا في جوفه مربع وهيكل عطارد ~~مثلثا في جوفه مستطيل ، وهيكل القمر مثمنا فزعم أصحاب التاريخ أن عمرو بن ~~لحي لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم وولي أمر البيت الحرام اتفقت له سفرة ~~إلى البلقاء فرأى قوما يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا هذه أرباب نستنصر ~~بها فننصر ، ونستستقي بها فنسقى . فالتمس إليهم أن يكرموه بواحد منها ~~فأعطوه الصنم المعروف بهبل فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة ودعا الناس إلى ~~تعظيمه ، وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف . واعلم أن من بيوت الأصنام ~~المشهورة ( غمدان ) الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء وخربه ~~عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، ومنها ( نوبهار بلخ ) الذي بناه منهو ~~شهر الملك على اسم القمر ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل ( ود ) ~~بدومة الجندل لكلب و ( سواع ) لبني هذيل و ( يغوث ) لبني مذحج و ( يعوق ) ~~لهمدان و ( نسر ) بأرض حمير لذي الكلاع و ( اللات ) بالطائف لثقيف و ( مناة ~~) بيثرب للخزرج و ( العزى ) لكنانة بنواحي مكة و ( أساف ) ونائلة ) على ~~الصفا والمروة وكان قصي جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن عبادتها ~~ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى ، وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل وهو الذي يقول : # % فأربا واحدا ms0513 أم ألف رب % % أدين إذا تقسمت الأمور % # % تركت اللات والعزى جميعا % % كذلك يفعل الرجل البصير % % PageV02P105 # الكلام في النبوة # ! 7 < { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهدآءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا ~~النار التى وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 23 - 24 ) وإن كنتم في . . . . . # > > # / في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على ~~إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة ، وذلك يدل على ~~فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول ، وقول ~~الحشوية الذين يقولون لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار ، ولما ~~كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزا أقام ~~الدلالة على كونه معجزا . واعلم أن كونه معجزا يمكن بيانه من طريقين : ~~الأول : أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة : إما أن ~~يكون مساويا لسائر كلام الفصحاء ، أو زائدا على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ~~ينقض العادة أو زائدا عليه بقدر ينقض ، والقسمان الأولان باطلان فتعين ~~الثالث ، وإنما قلنا إنهما باطلان ، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن ~~يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين ، فإن وقع التنازع وحصل الخوف ~~من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة ، وذلك نهاية في الاحتجاج ~~لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية . ~~وكانوا في محبة أبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ~~ضروب المهالك والمحن ، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق ~~فكيف الباطل ، وكل ذلك يوجب الاتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى ~~القوادح ، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل ~~قولهم ، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتا معتادا فهو إذن تفاوت ~~ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزا ، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة ~~فظهر أنه سبحانه كما ms0514 لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة ~~النبوة لم يكتف بالتقليد ؛ واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي ~~نقصان فصاحته ، ومع ذلك فإنه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها ~~وراءها فدل ذلك على كونه معجزا ، أحدها : أن فصاحة العرب أكثرها في وصف ~~مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب ~~أو وصف غارة وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه ~~الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم ، وثانيها : أنه تعالى ~~راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه وكل شاعر ترك الكذب والتزم ~~PageV02P106 الصدق نزل شعره ولم يكن جيدا ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان ~~بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما . ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما ~~الجاهلي وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحا ~~كما ترى . وثالثها : أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في القصيدة ~~في البيت والبيتين . والباقي لا يكون كذلك ، وليس كذلك القرآن لأنه كله ~~فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته . ورابعها : أن كل من قال ~~شعرا فصيحا في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء ~~بمنزلة كلامه الأول . وفي القرآن التكرار الكثير / ومع ذلك كل واحد منها في ~~نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلا . وخامسا : أنه اقتصر على إيجاب ~~العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار ~~الآخرة ، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة . وسادسها : أنهم قالوا إن ~~شعر امرىء القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل . وشعر النابغة عند ~~الخوف ، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر ، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء ~~، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن ، ~~أما القرآن فإنه جاء فصيحا في كل الفنون على غاية الفصاحة ، ألا ترى أنه ~~سبحانه وتعالى قال ms0515 في الترغيب : { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين } ~~( السجدة : 17 ) وقال تعالى : { وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( ~~الزخرف 71 ) وقال في الترهيب : { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر * الايات } ~~( الإسراء : 68 ) وقال : { من فى السماء أن يخسف بكم الارض فإذا هى تمور أم ~~* أم أمنتم } ( الملك : 16 ، 17 ) الآية وقال : { وخاب كل جبار عنيد } ( ~~إبراهيم : 15 ) إلى قوله : { فكلا أخذنا بذنبه } إلى قوله : { ومنهم من ~~أغرقنا } ( العنكبوت : 40 ) وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه { أفرأيت إن ~~متعناهم سنين } وقال في الإلهيات : { الله يعلم ما تحمل كل أنثى * ما * ~~تغيض الارحام وما تزداد } ( الرعد : 8 ) إلى آخره } . وسابعها : أن القرآن ~~أصل العلوم كلها فعلم الكلام كله في القرآن ، وعلم الفقه كله مأخوذ من ~~القرآن ، وكذا علم أصول الفقه . وعلم النحو واللغة ، وعلم الزهد في الدنيا ~~وأخبار الآخرة ، واستعمال مكارم الأخلاق ، ومن تأمل ( كتابنا في دلائل ~~الإعجاز ) علم أن القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى ، ~~الطريق الثاني : أن نقول : القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغا في ~~الفصاحة إلى حد الإعجاز ، أو لم يكن كذلك فإن كان الأول ثبت أنه معجز . وإن ~~كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع ~~كون المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق العادة فكان ~~ذلك معجزا فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه وهذا الطريق عندنا أقرب إلى ~~الصواب . # المسألة الثانية : إنما قال : { * } . وسابعها : أن القرآن أصل العلوم ~~كلها فعلم الكلام كله في القرآن ، وعلم الفقه كله مأخوذ من القرآن ، وكذا ~~علم أصول الفقه . وعلم النحو واللغة ، وعلم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة ~~، واستعمال مكارم الأخلاق ، ومن تأمل ( كتابنا في دلائل الإعجاز ) علم أن ~~القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى ، الطريق الثاني : ~~أن نقول : القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغا في الفصاحة إلى حد ~~الإعجاز ، أو لم يكن كذلك فإن كان ms0516 الأول ثبت أنه معجز . وإن كان الثاني ~~كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون ~~المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق العادة فكان ذلك ~~معجزا فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه وهذا الطريق عندنا أقرب إلى ~~الصواب . # المسألة الثانية : إنما قال : { نزلنا } على لفظ التنزيل دون الإنزال لأن ~~المراد النزول على سبيل التدريج ، وذكر هذا اللفظ هو اللائق بهذا المكان ~~لأنهم كانوا يقولون : لو كان هذا من عند الله ومخالفا لما يكون من عند ~~الناس لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة على حسب النوازل ووقوع الحوادث ~~وعلى سنن ما PageV02P107 نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم ~~مفرقا حينا فحينا بحسب ما يظهر من الأحوال المتجددة والحاجات المختلفة فإن ~~الشاعر لا يظهر ديوان شعره دفعة والمترسل لا يظهر ديوان رسائله وخطبه دفعة ~~فلو أنزله الله تعالى لأنزله على خلاف هذه العادة جملة { وقال الذين كفروا ~~لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة } ( الفرقان : 32 ) والله سبحانه وتعالى ~~ذكر ههنا ما يدل على أن القرآن معجز مع ما يزيل هذه الشبهة وتقريره أن هذا ~~القرآن النازل على هذا التدريج إما أن يكون من جنس مقدور البشر أو لا يكون ~~، فإن كان / الأول وجب إتيانهم بمثله أو بما يقرب منه على التدريج ، وإن ~~كان الثاني ثبت أنه مع نزوله على التدريج معجز وقرىء ( على عبادنا ) يريد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته . # المسألة الثالثة : السورة هي طائفة من القرآن ، وواوها إن كانت أصلا فإما ~~أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة كالبلد ~~المسور أو لأنها محتوية على فنون من العلم كاحتواء سور المدينة على ما فيها ~~، وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة لأن السورة بمنزلة المنازل والمراتب ~~يترقى فيها القارىء وهي أيضا في أنفسها طوال وأوساط وقصار . أو لرفعة شأنها ~~وجلالة محلها في الدين ، وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة ~~من القرآن كالسورة ms0517 التي هي البقية من الشيء والفضلة منه . فإن قيل فما ~~فائدة تقطيع القرآن سورا قلنا من وجوه : أحدها : ما لأجله بوب المصنفون ~~كتبهم أبوابا وفصولا . وثانيها : أن الجنس إذا حصل تحته أنواع كان أفراد كل ~~نوع عن صاحبه أحسن . وثالثها : أن القارىء إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ~~ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأثبت على التحصيل منه لو استمر على الكتاب ~~بطوله ، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلا أو طوى فرسخا نفس ذلك عنه ~~ونشطه للسير . ورابعها : أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب ~~الله طائفة مستقلة بنفسها فيجل في نفسه ذلك ويغتبط به ، ومن ثم كانت ~~القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل . # المسألة الرابعة : قوله : { فأتوا بسورة من مثله } يدل على القرآن أن وما ~~هو عليه من كونه سورا هو على حد ما أنزله الله تعالى بخلاف قول كثير من أهل ~~الحديث : إنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان فلذلك صح التحدي مرة بسورة ~~ومرة بكل القرآن . # المسألة الخامسة : اعلم أن التحدي بالقرآن جاء على وجوه : أحدها : قوله : ~~{ فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى } ( القصص : 49 ) . وثانيها : قوله : { ~~قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرءان لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } ( الإسراء : 88 ) . وثالثها : قوهل : { فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات } ( هود : 13 ) ورابعها : قوله : { فأتوا بسورة من ~~مثله } ونظير هذا كمن يتحدى صاحبه بتصنيفه فيقول ائتني بمثله ، ائتني بنصفه ~~، ائتني بربعه ، ائتني بمسألة منه ، فإن هذا هو النهاية في التحدي وإزالة ~~العذر فإن قيل قوله : { فأتوا بسورة من مثله } يتناول سورة الكوثر ، وسورة ~~العصر وسورة قل يا أيها الكافرون ، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو ~~بما يقرب منه ممكن فإن قلتم إن الإتيان بأمثال هذه السور خارج عن مقدور ~~البشر كان ذلك مكابرة والإقدام على أمثال هذه المكابرات مما يطرق التهمة ~~إلى الدين ، قلنا فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني ، وقلنا إن بلغت هذه ms0518 ~~السورة في الفصاحة إلى حد الإعحاز فقد حصل المقصود ، وإن لم يكن الأمر كذلك ~~كان امتناعهم عن المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزا . فعلى هذين ~~PageV02P108 التقديرين يحصل المعجز . # / المسألة السادسة : الضمير في قوله : { من مثله } إلى ماذا يعود وفيه ~~وجهان : أحدهما : أنه عائد إلى ( ما ) في قوله : { مما نزلنا على عبدنا } ~~أي فأتوا بسورة مما هو على صفته في الفصاحة وحسن النظم والثاني : أنه عائد ~~إلى ( عبدنا ) أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرا أميا لم يقرأ الكتب ~~ولم يأخذ من العلماء / والأول مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن ~~وأكثر المحققين ، ويدل على الترجيح له وجوه : أحدها : أن ذلك مطابق لسائر ~~الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في يونس { فأتوا بسورة مثله ~~} . وثانيها : أن البحث إنما وقع في المنزل لأنه قال : { وإن كنتم فى ريب ~~مما نزلنا } فوجب صرف الضمير إليه ، ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن ~~القرآن منزل من عند الله فهاتوا شيئا مما يماثله وقضية الترتيب لو كان ~~الضمير مردودا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال : وإن ارتبتم في ~~أن محمد منزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله . وثالثها : أن الضمير لو كان ~~عائدا إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو ~~انفردوا وسواء كانوا أميين أو كانوا عالمين محصلين ، أما لو كان عائدا إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم فذلك لا يقتضي إلا كون أحدهم من الأميين عاجزين ~~عنه لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي فأما لو اجتمعوا وكانوا ~~قارئين لم يكونوا مثل محمد ، لأن الجماعة لا تماثل الواحد ، والقارىء لا ~~يكون مثل الأمي ، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى . ورابعها : أنا ~~لو صرفنا الضمير إلى القرآن فكونه معجزا إنما يحصل لكمال حاله في الفصاحة ~~أما لو صرفناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فكونه معجزا إنما يكمل بتقرير ~~كمال حاله في كونه أميا بعيدا عن ms0519 العلم . وهذا وإن كان معجزا أيضا إلا أنه ~~لما كان لا يتم إلا بتقرير نوع من النقصان في حق محمد عليه السلام كان ~~الأول أولى . وخامسها : أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد عليه السلام لكان ذلك ~~يوهم أن صدور مثله القرآن ممن لم يكن مثل محمد في كونه أميا ممكن . ولو ~~صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثل من الأمي وغير الأمي ممتنع فكان ~~هذا أولى . # المسألة السابعة : في المراد من الشهداء وجهان : الأول : المراد من ادعوا ~~فيه الإلهية وهي الأوثان ، فكأنه قيل لهم إن كان الأمر كما تقولون من أنها ~~تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم إلى فاقة شديدة وحاجة عظيمة في التخلص عنها فتعجلوا الاستعانة بها ~~وإلا فاعلموا أنكم مبطلون في ادعاء كونها آلهة وأنها تنفع وتضر ، فيكون في ~~الكلام محاجة من وجهين : أحدهما : في إبطال كونها آلهة . والثاني : في ~~إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن وأنه من قبله . الثاني : المراد من ~~الشهداء أكابرهم أو من يوافقهم في إنكار أمر محمد عليه السلام ، والمعنى ~~وادعوا أكابركم ورؤساءكم ليعينوكم على المعارضة وليحكموا لكم وعليكم فيما ~~يمكن ويتعذر . فإن قيل هل يمكن PageV02P109 حمل اللفظ عليهما معا وبتقدير ~~التعذر فأيهما فأولى ؟ قلنا أما الأول فممكن لأن الشهداء جمع شهيد بمعنى ~~الحاضر أو القائم بالشهادة فيمكن جعله مجازا عن / المعين والناصر ، ~~وأوثانهم وأكابرهم مشتركة في أنهم كانوا يعتقدون فيهم كونهم أنصارا لهم ~~وأعوانا ، وإذا حملنا اللفظ على هذا المفهوم المشترك دخل الكل فيه وأما ~~الثاني فنقول : الأولى حمله على الأكابر ، وذلك لأن لفظ الشهداء لا يطلق ~~ظاهرا إلا على من يصح أن يشاهد ويشهد فيتحمل بالمشاهدة ويؤدي الشهادة ، ~~وذلك لا يتحقق إلا في حق رؤسائهم ، أما إذا حملناه على الأوثان لزم المجاز ~~، في إطلاق لفظ الشهداء على الأوثان أو يقال : المراد وادعوا من تزعمون ~~أنهم شهداؤكم ، والإضمار خلاف الأصل ، أما إذا حملنا على الوجه الأول صح ~~الكلام ، لأنه يصير كأنه قال ms0520 : وادعوا من يشهد بعضكم لبعض لاتفاقكم على هذا ~~الإنكار . فإن المتفقين على المذهب يشهد بعضهم لبعض لمكان الموافقة فصحت ~~الإضافة في قوله شهداءكم ، ولأنه كان في العرب أكابر يشهدون على المتنازعين ~~في الفصاحة بأن أيهما أعلى درجة من الآخر / وإذا ثبت ذلك ظهر أن حمل الكلام ~~على الحقيقة أولى من حمله على المجاز . # المسألة الثامنة : أما ( دون ) فهو أدنى مكان من الشيء ومنه الشيء الدون ~~، وهو الحقير الدني ، ودون الكتب إذا جمعها لأن جمع الشيء أدناه بعضه من ~~بعض ويقال : هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلا ، ودونك هذا ، أصله خذه من ~~دونك أي من أدنى مكان منك فاختصر ثم استعير هذا اللفظ للتفاوت في الأحوال ، ~~فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل ما يجاوز ~~حدا إلى حد ، قال الله تعالى : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين } ( آل عمران : 28 ) أي لا يتجاوزون ولاية المؤمنين إلى ولاية ~~الكافرين فإن قيل فما متعلق من دون الله قلنا فيه وجهان : أحدهما : أن ~~متعلقه ( شهداءكم ) وهذا فيه احتمالان : الأول : المعنى ادعوا الذين ~~اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على ~~الحق ، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن ~~المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم ، والثاني : ادعوا شهداءكم من دون الله أي ~~من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله ، وهذا من ~~المساهلة والإشعار بأن شهداءهم وهم فرسان الفصاحة تأبى عليهم الطبائع ~~السليمة أن يرضوا لأنفسهم بالشهادة الكاذبة وثانيهما : أن متعلقه هو الدعاء ~~، والمعنى ادعوا من دون الله شهداءكم ، يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا ~~الله يشهد أن ما ندعيه حق ، كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه ~~، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينه تصحح بها الدعاوى عند الحكام ~~، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم ، وأنه لم يبق لهم متشبث عن قولهم : الله ~~يشهد إنا لصادقون . # المسألة التاسعة : قال القاضي هذا التحدي ms0521 يبطل القول بالجبر من وجوه : ~~أحدها : أنه مبني على تعذر مثله ممن يصح الفعل منه ، فمن ينفي كون العبد ~~فاعلا لم يمكنه إثبات التحدي أصلا وفي هذا إبطال الاستدلال بالمعجز . ~~وثانيها : أن تعذره على قولهم يكون لفقد القدرة / الموجبة ويستوي في ذلك ما ~~يكون معجزا . وما لا يكون فلا يصح معنى التحدي على قولهم PageV02P110 ~~وثالثها : أن ما يضاف إلى العبد فالله تعالى هو الخالق له فتحديه تعالى لهم ~~يعود في التحقيق إلى أنه متحد لنفسه وهو قادر على مثله من غير شك فيجب أن ~~لا يثبت الإعجاز على هذا القول ورابعها : أن المعجز إنما يدل بما فيه من ~~نقض العادة ، فإذا كان قولهم : إن المعتاد أيضا ليس بفعل لم يثبت هذا الفرق ~~فلا يصح الاستدلال بالمعجز . وخامسها : أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحتج ~~بأنه تعالى خصه بذلك تصديقا له فيما ادعاه ولو لم يكن ذلك من قبله تعالى لم ~~يكن داخلا في الإعجاز . وعلى قولهم بالجبر لا يصح هذا الفرق ، لأن المعتاد ~~وغير المعتاد لا يكون إلا من قبله ، والجواب . أن المطلوب من التحدي إما أن ~~يأتي الخصم بالمتحدى به قصدا أو أن يقع ذلك منه اتفاقا ، والثاني باطل ، ~~لأن الاتفاقيات لا تكون في وسعه ، فثبت الأول وإذا كان كذلك ثبت أن إتيانه ~~بالتحدي موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه ، فذلك القصد إن كان منه لزم ~~التسلسل وهو محال ، وإن كان من الله تعالى فحينئذ يعود الجبر ويلزمه كل ما ~~أورده علينا فيبطل كل ما قال . # أما قوله تعالى : { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } فاعلم أن هذه الآية دالة ~~على المعجز من وجوه أربعة : أحدها : أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا في ~~غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غاية الحرص على إبطال أمره ~~، لأن مفارقة الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج من أقوى ما يدل على ذلك ~~، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله تعالى : { فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا } فلو كان في وسعهم ms0522 وإمكانهم الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه ~~لأتوا به ، فحيث ما أتوا به ظهر المعجز . وثانيها : وهو أنه عليه السلام ~~وإن كان متهما عندهم فيما يتصل بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل ~~والفضل والمعرفة بالعواقب ، فلو تطرقت التهمة إلى ما ادعاه من النبوة لما ~~استجاز أن يتحداهم ويبلغ في التحدي إلى نهايته ، بل كان يكون وجلا خائفا ~~مما يتوقعه من فضيحة يعود وبالها على جميع أموره ، حاشاه من ذلك صلى الله ~~عليه وسلم ، فلولا معرفته بالاضطرار من حالهم أنهم عاجزون عن المعارضة لما ~~جوز من نفسه أن يحملهم على المعارضة بأبلغ الطرق . وثالثها : أنه عليه ~~السلام لو لم يكن قاطعا بصحة نبوته لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله ~~، لأنه إذا لم يكن قاطعا بصحة نبوته كان يجوز خلافه ، وبتقدير وقوع خلافه ~~يظهر كذبه ، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام . ولا يجزم به ، فلما ~~جزم دل على أنه عليه الصلاة والسلام كان قاطعا في أمره ، ورابعها : أنه وجد ~~مخبر هذا الخبر على ذلك الوجه لأن من أيامه عليه الصلاة والسلام إلى عصرنا ~~هذا لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام وتشتد دواعيه في ~~الوقيعة فيه . ثم إنه مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة قط ، فهذه ~~الوجوه الأربعة في الدلالة على المعجز مما تشتمل عليها هذه الآية ، وذلك ~~يدل / على فساد قول الجهال الذين يقولون إن كتاب الله لا يشتمل على الحجة ~~والاستدلال ، وههنا سؤالات . السؤال الأول : انتفاء إتيانهم بالسورة واجب ، ~~فهلا جيء بإذا الذي للوجوب دون ( إن ) الذي للشك الجواب فيه وجهان : أحدهما ~~: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم ، فإنهم كانوا بعد غير جازمين ~~PageV02P111 بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام ~~. الثاني : أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة ~~على من يقاومه : إن غلبتك ، وهو يعلم أنه غالبه تهكما به . السؤال الثاني : ~~لم قال : { فإن لم تفعلوا } ولم يقل فإن لم تأتوا به ؟ الجواب : لأن ms0523 هذا ~~أخصر من أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله . ~~السؤال الثالث : { ولن تفعلوا } ما محلها ؟ الجواب لا محل لها لأنها جملة ~~اعتراضية . السؤال الرابع : ما حقيقة لن في باب النفي ؟ الجواب : لا ولن ~~أختان في نفي المستقبل إلا أن في ( لن ) توكيدا وتشديدا تقول لصاحبك : لا ~~أقيم غدا عندك ، فإن أنكر عليك قلت لن أقيم غدا ، ثم فيه ثلاثة أقوال : ~~أحدها : أصله لا أن ، وهو قول الخليل . وثانيها : لا ، أبدلت ألفها نونا ، ~~وهو قول الفراء ، وثالثها : حرف نصب لتأكيد نفي المستقبل وهو قول سيبويه ، ~~وإحدى الروايتين عن الخليل . السؤال الخامس : ما معنى اشتراطه في اتقاء ~~النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ؟ الجواب : إذا ظهر عجزهم عن المعارضة ~~صح عندم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد ~~استوجبوا العقاب بالنار ، فاتقاء النار يوجب ترك العناد ، فأقيم المؤثر ~~مقام الأثر ، وجعل قوله : { فاتقوا النار } قائما مقام قوله فاتركوا العناد ~~، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة وفيه تهويل لشأن العناد ؛ ~~لإنابة اتقاء النار منابه متبعا ذلك بتهويل صفة النار . السؤال السادس : ما ~~الوقود ؟ الجواب : هو ما يوقد به النار وأما المصدر فمضوم وقد جاء فيه ~~الفتح ، قال سيبويه : وسمعنا من العرب من يقول وقدنا النار وقودا عاليا ، ~~ثم قال والوقود أكثر ، والوقود الحطب وقرأ عيسى بن عمر بالضم تسمية بالمصدر ~~كما يقال فلان فخر قومه وزين بلده . السؤال السابع : صلة الذي يجب أن تكون ~~قضية معلومة فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة ؟ الجواب ، ~~لا يمنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب ، أو سمعوه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو سمعوا من قبل هذه الآية قوله في سورة التحريم : { نارا ~~وقودها الناس والحجارة } ( التحريم : 6 ) . السؤال الثامن : فلم جاءت النار ~~الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم وههنا معرفة ؟ الجواب : تلك ~~الآية نزلت بمكة فعرفوا منها نارا موصوفة بهذه الصفة ثم نزلت ms0524 هذه بالمدينة ~~مستندة إلى ما عرفوه أولا . السؤال التاسع : ما معنى قوله : { وقودها الناس ~~والحجارة } الجواب : أنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس ~~والحجارة ، وذلك يدل على قوتها من وجهين : الأول : أن سائر النيران إذا ~~أريد إحراق الناس بها أو إجماء الحجارة أوقدت أولا بوقود ثم طرح فيها ما ~~يراد إحراقه أو إحماؤه ، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ~~ما تحرق . الثاني : أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر . # / السؤال العاشر : لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقودا ؟ ~~الجواب : لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصناما وجعلوها ~~للهأندادا وعبدوها من دونه قال تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم } ( الأنبياء : 98 ) وهذه الآية مفسرة لها فقوله : { إنكم وما تعبدون ~~من دون الله } PageV02P112 في معنى الناس والحجارة وحصب جهنم في معنى ~~وقودها ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء ~~والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم تمسكا بهم ، ~~وجعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغا وإغرابا في تحسرهم ~~، ونحوه ما يفعله بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحوا بها ~~ومنعوها من الحقوق حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم ~~وظهورهم ، وقيل هي حجارة الكبريت ، وهو تخصيص بغير دليل ، بل فيه ما يدل ~~على فساده ، وذلك لأن الغرض ههنا تعظيم صفة هذه النار والإيقاد بحجارة ~~الكبريت أمر معتاد فلا يدل الإيقاد بها على قوة النار ، أما لو حملناه على ~~سائر الأحجار دل ذلك على عظم أمر النار فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران ~~فكأنه قال تلك النيران بلغت لقوتها أن تتعلق في أول أمرها بالحجارة التي هي ~~مطفئة لنيران الدنيا ، أما قوله : { أعدت للكافرين } فإنه يدل على أن هذه ~~النار الموصوفة معدة للكافرين ، وليس فيه ما يدل على أن هناك نيرانا أخرى ~~غير موصوفة بهذه الصفات معدة لفساق أهل الصلاة . # الكلام في المعاد # ! 7 < { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أن لهم ms0525 جنات تجرى من تحتها ~~الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هاذا الذى رزقنا من قبل وأتوا ~~به متشابها ولهم فيهآ أزواج مطهرة وهم فيها خالدون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 25 ) وبشر الذين آمنوا . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة تكلم بعدهما في ~~المعاد وبين عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر آية ~~في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد وههنا مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن مسألة الحشر والنشر من المسائل المعتبرة في صحة ~~الدين والبحث / عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها ، أما ~~الإمكان فيجوز إثباته تارة بالعقل ، وبالنقل أخرى ، وأما الوقوع فلا سبيل ~~إليه إلا بالنقل ، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما ~~من وجوه : الوجه الأول : أن كثيرا ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر ، ~~ثم إنه تعالى حكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه ، وإنما جاز ذلك ~~لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أمكن إثباته ~~بالدليل النقلي ، وهذه المسألة كذلك فجاز إثباتها بالنقل ، مثاله ما حكم ~~ههنا بالنار للكفار ، والجنة للأبرار ، وما أقام عليه دليلا بل اكتفى ~~بالدعوى ، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر ~~فيه الدليل ، وسبب الفرق ما ذكرناه وقال في سورة النحل : { وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى عليه حقا PageV02P113 ولاكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } ( النحل : 38 ) وقال في سورة التغابن : { زعم الذين ~~كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم } ( التغابن : ~~7 ) . الوجه الثاني : أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناء على أنه ~~تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر ، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة ~~على وجوه ، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالى ذكر فيها حكاية عن ~~أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ~~أو آباؤنا الأولون ، فأجابهم الله ms0526 تعالى بقوله : { قل إن الاولين والاخرين ~~* لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } ( الواققعة : 49 ) ثم إنه تعالى احتج على ~~إمكانه بأمور أربعة : أولها : قوله : { أفرءيتم ما تمنون * تخلقونه أم نحن ~~الخالقون * نحن } ( الواقعة : 58 ) وجه الاستدلال بذلك أن المني إنما يحصل ~~من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في آفاق أطراف الأعضاء ولهذا تشترك ~~الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع بحصول الانحلال عنها كلها ، ثم إن الله تعالى ~~سلط قوة الشهوة على البقية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء الطلية ، فالحاصل أن ~~تلك الأجزاء كانت متفرقة جدا ، أولا في أطراف العالم ، ثم أنه تعالى جمعها ~~في بدن ذلك الحيوان ، ثم إنها كانت متفرقة في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها ~~الله سبحانه وتعالى في أوعية المني ، ثم إنه تعالى أخرجها ماء دافقا إلى ~~قرار الرحم فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص ، ~~فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى ؟ فهذا تقرير ~~هذه الحجة ، وإن الله تعالى ذكرها في مواضع من كتابه ، منها في سورة الحج : ~~{ السعير ياأيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب } إلى ~~قوله : { وترى الارض هامدة } ثم قال : { ذالك بأن الله هو الحق وأنه يحى ~~الموتى وأنه على كل شىء قدير * وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله يبعث ~~من فى القبور } ( الحج : 6 ، 7 ) وقال في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر ~~مراتب الخلقة : { ثم إنكم بعد ذالك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } ~~( المؤمنون : 15 ، 16 ) وقال في سورة لا أقسم : { ألم يك نطفة من منى يمنى ~~* ثم كان علقة فخلق فسوى } ( القيامة : 37 ، 38 ) وقال في سورة الطارق : { ~~فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق * يخرج } إلى قوله : { إنه على ~~رجعه لقادر } ( الطارق : 5 8 ) . وثانيها : قوله : { أفرءيتم ما تحرثون * ~~تزرعونه أم } إلى قوله : { بل نحن محرومون } ( الواقعة : 67 ) وجه ~~الاستدلال به أن الحب وأقسامه / من مطول مشقوق وغير مشقوق ، كالأرز والشعير ~~، ومدور ومثلث ومربع ، وغير ms0527 ذلك على اختلاف أشكاله إذا وقع في الأرض الندية ~~واستولى عليه الماء والتراب ، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد ، لأن ~~أحدهما يكفي في حصول العفونة ، ففيهما جميعا أولى ، ثم إنه لا يفسد بل يبقى ~~محفوظا ، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فلقتين فيخرج منها ورقتان ، ~~وأما المطول فيظهر في رأسه ثقب وتظهر الورقة الطويلة كما في الزرع ، وأما ~~النوى فما فيه من الصلابة العظيمة التي بسببها يعجز عن فلقه أكثر الناس إذا ~~وقع في الأرض الندية ينفلق بإذن الله ، ونواة التمر تنفلق من نقرة على ~~ظهرها ويصير مجموع النواة من نصفين يخرج من أحد النصفين الجزء الصاعد ، ومن ~~الثاني الجزء الهابط ، أما الصاعد فيصعد ، وأما الهابط فيغوص في أعماق ~~الأرض ، والحاصل أنه يخرج من النواة الصغيرة شجرتان : إحداهما : خفيف صاعد ~~، والأخرى ثقيل هابط مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والهواء ~~والتربة أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن ~~جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء . ونظيره قوله تعالى في الحج : { وترى الارض ~~هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } ( الحج : 5 ) وثالثها : قوله ~~تعالى : { أفرءيتم الماء الذى تشربون * أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ~~* لو } ( الواقعة : 68 ، 69 ) وتقديره أن الماء جسم ثقيل بالطبع ، وإصعاد ~~الثقيل أمر على خلاف الطبع ، فلا بد من قادر PageV02P114 قاهر يقهر الطبع ~~ويبطل الخاصية ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول . وثانيها : أن تلك الذرات ~~المائية اجتمعت بعد تفرقها . وثالثها : تسييرها بالرياح ورابعها : إنزالها ~~في مظان الحاجة والأرض الجرز ، وكل ذلك يدل على جواز الحشر . أما صعود ~~الثقيل فلأنه قلب الطبيعة ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يظهر الحياة ~~والرطوبة من حساوة التراب والماء ؟ والثاني : لما قدر على جمع تلك الذرات ~~المائية بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها ؟ والثالث ~~: تسيير الرياح فإذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض تلك الأجزاء ~~المتجانسة إلى بعض فلم لا يجوز ههنا ؟ والرابع : أنه تعالى أنشأ السحاب ~~لحاجة الناس إليه فههنا ms0528 الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما ~~استحقوه من الثواب والعقاب أولى واعلم أن الله تعالى عبر عن هذه الدلالة في ~~موضع آخر من كتابه فقال في الأعراف لما ذكر دلالة التوحيد : { إن ربكم الله ~~الذى } إلى قوله : { قريب من المحسنين } ( الأعراف : 56 ) ثم ذكر دليل ~~الحشر فقال : { وهو الذى يرسل الرياح } إلى قوله : { كذالك نخرج الموتى ~~لعلكم تذكرون } ( الأعراف : 57 ) ورابعها : قوله : { أفرءيتم النار التى ~~تورون * أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون * نحن } وجه الاستدلال أن النار ~~صاعدة والشجرة هابطة ، وأيضا النار لطيفة ، والشجرة كثيفة . وأيضا النار ~~نورانية والشجرة ظلمانية ، والنار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة ، فإذا ~~أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية فقد جمع ~~بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة ، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن ~~تركيب الحيوانات وتأليفها ؟ والله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال : ~~{ الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا } ( يس : 58 ) . # / واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء والنار وذكر في النمل أمر ~~الهواء بقوله : { أمن يهديكم فى ظلمات البر والبحر } إلى قوله : { من * ~~الله الخلق ثم يعيده } ( النمل : 64 ) وذكر الأرض في الحج في قوله : { وترى ~~الارض هامدة } ( الحج : 5 ) فكأنه سبحانه وتعالى بين أن العناصر الأربعة ~~على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر والنشر . النوع الثاني : من الدلائل ~~الدالة على إمكان الحشر : هو أنه تعالى يقول : لما كنت قادرا على الإيجاد ~~أولا فلأن أكون قادرا على الإعادة أولى . وهذه الدلالة تقريرها في العقل ~~ظاهر ، وأنه تعالى ذكرها في مواضع من كتابه ، منها في البقرة : { كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } ( ~~البقرة : 28 ) ومنها قوله في سبحان الذي : { وقالوا * أءذا كنا عظاما ~~ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا * قل كونوا حجارة } ( الإسراء : 49 ، 50 ) ~~إلى قوله : { قل الذى فطركم أول مرة } ومنها في العنكبوت : { أو لم * يروا ~~كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده } ( العنكبوت : 19 ) ومنها قوله في ms0529 الروم : ~~{ وهو الذى * يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الاعلى } ( ~~الروم : 27 ) ومنها في يس : { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة } ( يس : 79 ) ~~، النوع الثالث : الاستدلال باقتداره على السموات على اقتداره على الحشر . ~~وذلك في آيات منها في سورة سبحان : { أو لم * يروا أن الله الذى خلق * ~~السماوات والارض * قادر على أن يخلق مثلهم } ( الأسراء : 99 ) وقال في يس : ~~{ أو ليس * الذى خلق * السماوات والارض * بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو ~~الخلاق العليم } ( يس : 81 ) وقال في الأحقاف : { أو لم * يروا أن الله ~~الذى خلق * السماوات والارض * ولم * يعى بخلقهن بقادر على أن يحى الموتى ~~بلى إنه على كل شىء قدير } ( الأحقاف : 33 ) ومنها في سورة ق: { أءذا متنا ~~وكنا ترابا } إلى قوله : PageV02P115 { رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا ~~كذالك الخروج } ( ق: 11 ) ثم قال : { أفعيينا بالخلق الاول بل هم فى لبس من ~~خلق جديد } ( ق: 15 ) النوع الرابع : الاستدلال على وقوع الحشر بأنه لا بد ~~من إثابة المحسن وتعذيب العاصي وتمييز أحدهما من الآخر بآيات ، منها في ~~يونس { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزى ~~الذين ءامنوا وعملوا الصالحات بالقسط } ( يونس : 4 ) ومنها في طاه : { إن ~~الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } ( طه : 15 ) ومنها في ص: ~~{ وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا فويل * ~~الذين كفروا من * النار * أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين ~~فى الارض أم نجعل المتقين كالفجار } ( ص: 27 ، 28 ) النوع الخامس : ~~الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحة الحشر والنشر فمنها خلقه آدم ~~عليه الصلاة والسلام ابتداء ومنها قصة البقرة وهي قوله : { فقلنا اضربوه ~~ببعضها كذالك يحى الله الموتى } ( البقرة : 73 ) ومنها قصة إبراهيم عليه ~~السلام { رب أرنى كيف تحى الموتى } ( البقرة : 26 ) ومنها قوله : { أو ~~كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها } ( البقرة : 259 ) ومنها قصة يحيى ~~وعيسى عليهما السلام فإنه تعالى استدل على إمكانهما ms0530 بعين ما استدل به على ~~جواز الحشر حيث قال : { وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } ( مريم : 9 ) ومنها ~~في قصة أصحاب الكهف ولذلك قال : { ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ~~ريب فيها } ( الكهف : 21 ) ومنها قصة أيوب عليه السلام وهي قوله : { ~~فاستجبنا له } يدل على / أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا ومنها ما أظهر الله ~~تعالى على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى حيث قال : { ويحى * الموتى ~~} ( الحج : 6 ) وقال : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها ~~فتكون طيرا بإذنى } ( المائدة : 110 ) ومنها قوله : { أو لا * يذكر إلإنسان ~~أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } ( مريم : 67 ) فهذا هو الإشارة إلى أصول ~~الدلائل التي ذكرها الله تعالى في كتابه على صحة القول بالحشر ، وسيأتي ~~الاستقصاء في تفسير كل آية من هذه الآيات عند الوصول إليها إن شاء الله ~~تعالى ، ثم إنه تعالى نص في القرآن على أن منكر الحشر والنشر كافر ، ~~والدليل عليه قوله : { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هاذه ~~أبدا * وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لاجدن خيرا منها منقلبا * ~~قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب } ووجه إلزام الكفر أن ~~دخول هذا الشيء في الوجود ممكن الوجود في نفسه ، إذ لو كان ممتنع الوجود ~~لما وجد في المرة الأولى فحيث وجد في المرة الأولى علمنا أنه ممكن الوجود ~~في ذاته ، فلو لم يصح ذلك من الله تعالى لدل ذلك إما على عجزه حيث لم يقدر ~~على إيجاد ما هو جائز الوجود في نفسه ، أو على جهله حيث تعذر عليه تمييز ~~أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن المكلف الآخر ، ومع القول ~~بالعجز والجهل لا يصح إثبات النبوة فكان ذلك موجبا للكفر قطعا والله أعلم . # المسألة الثانية : هذه الآيات صريحة في كون الجنة والنار مخلوقتين ، أما ~~النار فلأنه تعالى قال في صفتها : { أعدت للكافرين } فهذا صريحة في أنها ~~مخلوقة وأما الجنة ms0531 فلأنه تعالى قال في آية أخرى : { أعدت للمتقين } ولأنه ~~تعالى قال ههنا : { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من ~~تحتها الانهار } وهذا إخبار عن وقوع هذا الملك وحصوله وحصول الملك في الحال ~~PageV02P116 يقتضي حصول المملوك في الحال فدل على أن الجنة والنار مخلوقتان ~~. # المسألة الثالثة : اعلم أن مجامع اللذات إما المسكن أو المطعم أو المنكح ~~فوصف الله تعالى المسكن بقوله : { جنات تجرى من تحتها الانهار } والمطعم ~~بقوله : { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هاذا الذى رزقنا من قبل } ~~والمنكح بقوله : { ولهم فيها أزواج مطهرة } ثم إن هذه الأشياء إذا حصلت ~~وقارنها خوف الزوال كان التنعم منغصا فبين تعالى أن هذا الخوف زائل عنهم ~~فقال : { وهم فيها خالدون } فصارت الآية دالة على كمال التنعم والسرر . ~~ولنتكلم الآن في ألفاظ الآية . # أما قوله تعالى : { وبشر الذين ءامنوا } ففيه سؤالات : الأول : علام عطف ~~هذا الأمر ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أنه ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر ~~حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه . إنما المعتمد بالعطف هو جملة ~~وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول : زيد ~~يعاقب بالقيد والضرب ، وبشر عمرا بالعفو والإطلاق . وثانيها : أنه معطوف ~~على قوله : { فاتقوا } كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم / وبشر ~~يا فلان بني أسد بإحساني إليهم . وثالثها : قرأ زيد بن علي { وبشر } على ~~لفظ المبني للمفعول عطفا على أعدت . السؤال الثاني : من المأمور بقوله وبشر ~~؟ والجواب يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكون كل أحد كما ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور ~~التام يوم القيامة ) لم يأمر بذلك واحد بعينه ، وإنما كل أحد مأمور به ، ~~وهذا الوجه أحسن وأجزل ، لأنه يؤذن بأن هذا الأمر لعظمته وفخامته حقيق بأن ~~يبشر به كل من قدر على البشارة به . السؤال الثالث : ما البشارة ؟ الجواب : ~~أنها الخبر الذي يظهر السرور ، ولهذا قال الفقهاء إذا قال لعبيده : أيكم ms0532 ~~بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم ، لأنه هو الذي أفاد خبره ~~السرور ولو قال مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعا لأنهم جميعا أخبروه ، ومنه ~~البشرة لظاهر الجلد ، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه ، وأما { فبشرهم ~~بعذاب أليم } فمن الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به ~~كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك . أما قوله : { الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الانهار } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن الأعمال غير داخلة في مسمى ~~الإيمان لأنه لما ذكر الإيمان ثم عطف عليه العمل الصالح وجب التغاير وإلا ~~لزم التكرار وهو خلاف الأصل . # المسألة الثانية : من الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال : كل من ~~أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنة . فإذا قيل له ما قولك فيمن أتى ~~بالإيمان والأعمال الصالحة ثم كفر قال إن هذا ممتنع لأن فعل الإيمان ~~والطاعة ، يوجب استحقاق الثواب الدائم ، وفعل الكفر استحقاق العقاب الدائم ~~، والجمع بينهما محال ، والقول أيضا بالتحابط محال فلم يبق إلا أن يقال هذا ~~الفرض الذي فرضتموه ممتنع ، وإنما قلنا إن القول بالتحابط محال لوجوه : ~~PageV02P117 أحدها : أن الاستحقاقين إما أن يتضادا أو لا يتضادا فإن تضادا ~~كان طريان الطارىء مشروطا بزوال الباقي ، فلو كان زوال الباقي معللا بطريان ~~الطارىء لزم الدور وهو محال . وثانيها : أن المنافاة حاصلة من الجانبين ~~فليس زوال الباقي لطريان الطارىء أولى من اندفاع الطارىء بقيام الباقي ، ~~فإما أن يوجدا معا وهو محال أو يتدافعا فحينئذ يبطل القول بالمحابطة ، ~~وثالثها : أن الاستحقاقين إما أن يتساويا أو كان المقدم أكثر أو أقل ، فإن ~~تعادلا مثل أن يقال كان قد حصل استحقاق عشرة أجزاء من الثواب فطرأ استحقاق ~~عشرة أجزاء من العقاب فنقول : استحقاق كل واحد من أجزاء العقاب مستقل ~~بإزالة كل واحد من أجزاء استحقاق الثواب . وإذا كان كذلك لم يكن تأثير هذا ~~الجزء في إزالة هذا الجزء أولى من تأثيره في إزالة ذلك الجزء ومن ms0533 تأثير جزء ~~آخر في إزالته فأما أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء الطارئة مؤثرا في إزالة ~~كل واحد من الأجزاء المتقدمة فيلزم أن يكون لكل واحد من العلل معلولات ~~كثيرة ولكل واحد من المعلولات علل كثيرة / مستقلة ، وكل ذلك محال ، وإما أن ~~يختص كل واحد من الأجزاء الطارئة بواحد من الباقي من غير مخصص فذلك محال ~~لامتناع ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وأما إن كان المقدم ~~أكثر فالطارىء لا يزيل إلا بعض أجزاء الباقي ، فلم يكن بعض أجزاء الباقي أن ~~يزول به أولى من سائر الأجزاء فأما أن يزول الكل وهو محال ، لأن الزائل لا ~~يزول إلا بالناقص . أو يتعين البعض للزوال من غير مخصص ، وهو محال ، أو لا ~~يزول شيء منها وهو المطلوب ، وأيضا فهذا الطارىء إذا أزال بعض أجزاء الباقي ~~فإما أن يبقى الطارىء ، أو يزول . أما القول ببقاء الطارىء فلم يقل به أحد ~~من العقلاء . وأما القول بزواله فباطل ، لأنه إما أن يكون تأثير كل واحد ~~منهما في إزالة الآخر معا أو على الترتيب ، والأول باطل لأن المزيل لا بد ~~وأن يكون موجودا حال الإزالة ، فلو وجد الزوالان معا لوجد المزيلان معا ، ~~فيلزم أن يوجدا حال ما عدما وهو محال وإن كان على الترتيب فالمغلوب يستحيل ~~أن ينقلب غالبا ، وأما إن كان المتقدم أقل فأما أن يكون المؤثر في زواله ~~بعض أجزاء الطارىء ، وذلك محال لأن جميع أجزائه صالح للإزالة ، واختصاص ~~البعض بذلك ترجيح من غير مرجح وهو محال ، وإما أن يصير الكل مؤثرا في ~~الإزالة فيلزم أن يجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة وذلك محال ، فقد ثبت ~~بهذه الوجوه العقلية فساد القول بالإحباط ، وعند هذا تعين في الجواب قولان ~~: الأول : قول من اعتبر الموافاة ، وهو أن شرط حصول الإيمان أن لا يموت على ~~الكفر فلو مات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولا كان كفرا وهذا قول ظاهر ~~السقوط ، الثاني : أن العبد لا يستحق على الطاعة ثوابا ولا على المعصية ~~عقابا ms0534 استحقاقا عقليا واجبا ، وهو قول أهل السنة واختيارنا ، وبه يحصل ~~الخلاص من هذه الظلمات . # المسألة الثالثة : احتج المعتزلة على أن الطاعة توجب الثواب فإن في حال ~~ما بشرهم بأن لهم جنات لم يحصل ذلك لهم على طريق الوقوع ، ولما لم يمكن حمل ~~الآية عليه وجب حملها على استحقاق الوقوع لأنه يجوز التعبير بالوقوع عن ~~استحقاق الوقوع مجازا . # المسألة الرابعة : الجنة : البستان من النخل والشجر المتكاتف المظلل ~~بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر وكأنها لتكاثفها وتظليلها ~~سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر جنه إذا ستره كأنها سترة PageV02P118 ~~واحدة لفرط التفافها وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان ، فإن قيل لم ~~نكرت الجنات وعرفت الأنهار ؟ الجواب : أما الأول فلأن الجنة اسم لدار ~~الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات ~~العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنات ، وأما تعريف الأنهار فالمراد ~~به الجنس كما يقال لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب يشير إلى ~~الأجناس التي في علم المخاطب ، أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في ~~قوله : { فيها أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } ( محمد ~~: 15 ) وأما قوله : { كلما رزقوا } فهذا لا يخلو إما أن يكون صفة ثانية ~~لجنات . أو خبر مبتدأ محذوف ، أو جملة مستأنفة لأنه لما / قيل : إن لهم ~~جنات لم يخل قلب السامع أن يقع فيه أن ثمار تلك الجنات أشباه ثمار الدنيا ~~أم لا ؟ وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما وقع من ثمرة ؟ الجواب فيه وجهان ~~: الأول : هو كقولك كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئا حمدتك فموقع من ~~ثمرة موقع قولك من الرمان فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية ، ~~لأن الرزق قد ابتدأ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وليس ~~المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفردة على هذا التفسير ، وإنما ~~المراد النوع من أنواع الثمار . الثاني : وهو أن يكون من ثمرة بيانا على ~~منهاج قولك رأيت منك أسدا تريد أنت أسد ms0535 ، وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة ~~النوع من الثمرة أو الحبة الواحدة . السؤال الثاني : كيف يصح أن يقولوا هذا ~~الذي رزقنا الآن هو الذي رزقنا من قبل ، الجواب : لما اتحد في الماهية وإن ~~تغاير بالعدد صح أن يقال هذا هو ذاك أي بحسب الماهية فإن الوحدة النوعية لا ~~تنافيها الكثرة بالشخص ولذلك إذا اشتدت مشابهة الابن بالأب قالوا إنه الأب ~~. السؤال الثالث : الآية تدل على أنهم شبهوا رزقهم الذي يأتيهم في الجنة ~~برزق آخر جاءهم قبل ذلك ، فالمشبه به أهو من أرزاق الدنيا ، أم من أرزاق ~~الجنة ؟ والجواب فيه وجهان : الأول : أنه من أرزاق الدنيا ، ويدل عليه ~~وجهان : الأول : أن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل ، فإذا رأى ما ~~لم يألفه نفر عنه طبعه ثم إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد ثم وجده ~~أشرف مما ألفه أولا عظم ابتهاجه وفرحه به ، فأهل الجنة إذ أبصروا الرمانة ~~في الدنيا ثم أبصروها في الآخرة ووجدوا رمانة الجنة أطيب وأشرف من رمانة ~~الدنيا كان فرحهم بها أشد من فرحهم بشيء مما شاهدوه في الدنيا ، والدليل ~~الثاني : أن قوله : { كلما رزقوا منها } يتناول جميع المرات فيتناول المرة ~~الأولى فلهم في المرة الأولى من أرزاق الجنة شيء لا بد وأن يقولوا هذا الذي ~~رزقنا من قبل ، ولا يكون قبل المرة الأولى شيء من أرزاق الجنة حتى يشبه ذلك ~~به فوجب حمله على أرزاق الدنيا ، القول الثاني : أن المشبه به رزق الجنة ~~أيضا والمراد تشابه أرزاقهم ثم اختلفوا فيما حصلت المشابهة فيه على وجهين : ~~الأول : المراد تساوي ثوابهم في كل الأوقات في القدر والدرجة حتى لا يزيد ~~ولا ينقص . الثاني : المراد تشابهها في المنظر فيكون الثاني كأنه الأول على ~~ما روي عن الحسن ثم هؤلاء مختلفون فمنهم من يقول الاشتباه كما يقع في ~~المنظر يقع في المطعم ، فإن الرجل إذا التذ بشيء وأعجب به لا تتعلق به نفسه ~~إلا بمثله ، فإذا جاء ما يشبه الأول من كل الوجوه كان ذلك نهاية اللذة ms0536 ~~ومنهم من يقول إنه وإن حصل الاشتباه في اللون لكنها تكون مختلفة في الطعم ، ~~قال الحسن يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بالأخرى فيقول هذا الذي ~~أتينا به من قبل ، فيقول الملك كل فاللون واحد والطعم PageV02P119 مختلف ، ~~وفي الآية قول ثالث على لسان أهل المعرفة ، وهو أن كمال السعادة ليس إلا في ~~معرفة ذات الله تعالى : ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله من الملائكة الكروبية ~~والملائكة الروحانية وطبقات لأرواح وعالم السموات وبالجملة يجب أن يصير روح ~~الإنسان / كالمرآة المحاذية لعالم القدس ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا ~~ولا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج ، لما أن العلائق البدنية تعوق عن ~~ظهور تلك السعادات واللذات ، فإذا زال هذا العائق حصلت السعادة العظيمة ~~والغبطة الكبرى ، فالحاصل أن كل سعادة روحانية يجدها الإنسان بعد الموت ~~فإنه يقول هذه هي التي كانت حاصلة لي حين كنت في الدنيا وذلك إشارة إلى أن ~~الكمالات النفسانية الحاصلة في الآخرة هي التي كانت حاصلة في الدنيا إلا ~~أنها في الدنيا ما أفادت اللذة والبهجة والسرورة وفي الآخرة أفادت هذه ~~الأشياء لزوال العائق . أما قوله : { وأتوا به متشابها } ففيه سؤالان : ~~السؤال الأول : إلام يرجح الضمير في قوله : { وأتوا به } ؟ الجواب : إن ~~قلنا المشبه به هو رزق الدنيا فإلى الشيء المرزوق في الدنيا والآخرة يعني ~~أتوا بذلك النوع متشابها يشبه الحاصل منه في الآخرة ما كان حاصلا منه في ~~الدنيا ، وإن قلنا المشبه به هو رزق الجنة أيضا ، فإلى الشيء المرزوق في ~~الجنة ، يعني أتوا بذلك النوع في الجنة بحيث يشبه بعضه بعضا . السؤال ~~الثاني : كيف موقع قوله : { وأتوا به متشابها } من نظم الكلام ؟ والجاب : ~~أن الله تعالى لما حكى عن أهل الجنة ادعاء تشابه الأرزاق في قوله : { قالوا ~~هاذا الذى رزقنا من قبل } فالله تعالى صدقهم في تلك الدعوة بقوله : { وأتوا ~~به متشابها } أما قوله : { ولهم فيها أزواج مطهرة } فالمراد طهارة أبدانهن ~~من الحيض والاستحاضة وجميع الأقذار وطهارة أزواجهن من جميع الخصال الذميمة ~~، ولا سيما ما يختص بالنساء ، وإنما ms0537 حملنا اللفظ على الكل لاشتراك القسمين ~~في قدر مشترك ، قال أهل الإشارة . وهذا يدل على أنه لا بد من التنبه لمسائل ~~. أحدها : أن المرأة إذا حاضت فالله تعالى منعك عن مباشرتها قال الله تعالى ~~: { قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض } ( البقرة : 222 ) فإذا منعك عن ~~مقاربتها لما عليها من النجاسة التي هي معذورة فيها فإذا كانت الأزواج ~~اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن حال كونك ملوثا بنجاسات المعاصي ~~مع أنك غير معذور فيها كان أولى . وثانيها : أن من قضى شهوته من الحلال ~~فإنه يمنع الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر ، فمن قضى شهوته من ~~الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون ولذلك فإن آدم ~~لما أتى بالزلة أخرج منها . وثالثها : من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا ~~تصح صلاته عند الشافعي رضي الله عنه ، فمن كان على قلبه من نجاسات المعاصي ~~أعظم من الدنيا كيف تقبل صلاته وههنا سؤالان : الأول : هلا جاءت الصفة ~~مجموعة كالموصوف ؟ الجواب : هما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلن والنساء ~~فعلت . ومنه بيت الحماسة : # % فوإذا العذارى بالدخان تقنعت % % واستعملت نصب القدور فملت % % ~~PageV02P120 # والمعنى وجماعة أزواج مطهرة ، وقرأ زيد بن علي : مطهرات وقرأ عبيد بن ~~عمير : مطهرة يعني متطهرة . السؤال الثاني : هلا قيل طاهرة ؟ الجواب : في ~~المطهرة إشعار بأن مطهرا طهرهن وليس ذلك إلا الله تعالى ، وذلك يفيد فخامة ~~أمر أهل الثواب كأنه قيل إن الله تعالى هو الذي زينهن / لأهل الثواب . أما ~~قوله : { وهم فيها خالدون } فقالت المعتزلة الخلد ههنا هو الثبات اللازم ~~والبقاء الدائم الذي لا ينقطع واحتجوا عليه بالآية والشعر ، أما الآية ~~فقوله : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون } ( ~~الأنبياء : 34 ) فنفي الخلد عن البشر مع أنه تعالى أعطى بعضهم العمر الطويل ~~، والمنفي غير المثبت ، فالخلد هو البقاء الدائم وأما الشعر فقول امرىء ~~القيس : # % فوهل يعمن إلا سعيد مخلد % % قليل هموم ما يبيت بأوجال % # وقال أصحابنا : الخلد هو الثبات الطويل سواء ms0538 دام أو لم يدم واحتجوا فيه ~~بالآية والعرف أما الآية فقوله تعالى : { خالدين فيها أبدا } ولو كان ~~التأبيد داخلا في مفهوم الخلد لكان ذلك تكرارا وأما العرف فيقال حبس فلان ~~فلانا حبسا مخلدا ولأنه يكتب في صكوك الأوقاف وقف فلان وقفا مخلدا فهذا هو ~~الكلام في أن هذا اللفظ هل يدل على دوام الثواب أم لا ؟ وقال آخرون العقل ~~يدل على دوامه لأنه لو لم يجب دوامه لجوزوا انقطاعه فكان خوف الانقطاع ينغص ~~عليهم تلك النعمة لأن النعمة كلما كانت أعظم كان خوف انقطاعها أعظم وقعا في ~~القلب وذلك يقتضي أن لا ينفك أهل الثواب البتة من الغم والحسرة والله تعالى ~~أعلم . # ! 7 < { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين ~~ءامنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله ~~بهاذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الا رض أولئك هم الخاسرون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 26 - 27 ) إن الله لا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا أورد ههنا شبهة أوردها ~~الكفار قدحا في ذلك وأجاب عنها وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل ~~والذباب والعنكبوت والنمل وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء ~~فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن / كونه معجزا ، فأجاب الله ~~تعالى عنه بأن PageV02P121 صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ~~ذكرها مشتملا على حكم بالغة ، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية ~~بما قبلها ثم في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : عن ابن عباس أنه لما نزل : { المصير يأيها الناس ضرب ~~مثل فاستمعوا له } ( الحج : 73 ) فطعن في أصنامهم ثم شبه عبادتها ببيت ~~العنكبوت قالت اليهود أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما ~~فنزلت هذه الآية . والقول الثاني : أن المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال ~~بالنار والظلمات ms0539 والرعد والبرق في قوله : { مثلهم كمثل الذى استوقد نارا } ~~والقول الثالث : أن هذا الطعن كان من المشركين قال القفال : الكل محتمل ~~ههنا ، أما اليهود فلأنه قيل في آخر الآية : { وما يضل به إلا الفاسقين * ~~الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } وهذا صفة اليهود ، لأن الخطاب ~~بالوفاء وبالعهد فيما بعد إنما هو لبني إسرائيل وأما الكفار والمنافقون فقد ~~ذكروا في سورة المدثر { وليقول الذين فى قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد ~~الله بهاذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء } الآية فأما الذين ~~في قلوبهم مرض هم المنافقون ، والذين كفروا يحتمل المشركين لأن السورة مكية ~~فقد جمع الفريقان ههنا . إذا ثبت هذا فنقول . احتمال الكل ههنا قائم لأن ~~الكافرين والمنافقين واليهود كانوا متوافقين في إيذاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد مضى من أول السورة إلى هذا الموضع ذكر اليهود ، وذكر ~~المنافقين ، وذكر المشركين . وكلهم من الذين كفروا ثم قال القفال : وقد ~~يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب لأن معناه في نفسه مفيد . # المسألة الثانية : اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما ~~يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظي ~~الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء . جعل الحيي لما يعتريه الانكسار والتغير ~~منكسر القوة منغص الحياة ، كما قالوا فلان هلك حياء من كذا ، ومات حياء ، ~~ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء ، وذاب حياء ، وإذا ثبت هذا استحال ~~الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن ، وذلك لا يعقل إلا في حق ~~الجسم ، ولكنه وارد في الأحاديث . روى سلمان عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( إن الله تعالى حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه ~~أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا ) وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان ~~: الأول : وهو القانون في أمثال هذه الأشياء ؛ أن كل صفة ثبتت للعبد مما ~~يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض ms0540 لا ~~على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى ~~/ أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى ~~القبيح ، وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل ، فإذا ورد الحياء في ~~حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته ، بل ~~ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته ، وكذلك الغضب له ، علامة ومقدمة وهي ~~غليان دم القلب ، وشهوة الانتقام وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه ~~، فإذا وصفنا الله تعالى / بالغضب فليس المراد ذلك المبدأ أعني شهوة ~~الانتقام وغليان دم القلب ، بل المراد تلك النهاية وهو أنزل العقاب ، فهذا ~~هو القانون الكلي في هذا الباب . الثاني : يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام ~~الكفرة فقالوا أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت ، فجاء ~~هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال ، وهذا فن بديع من الكلام ، ~~ثم PageV02P122 قال القاضي ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتا فيجب ~~أن لا يطلق على طريق النفي أيضا عليه ، وإنما يقال إنه لا يوصف به فأما أن ~~يقال لا يستحي ويطلق عليه ذلك فمحال ، لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه وما ذكره ~~الله تعالى من كتابه في قوله : { لا تأخذه سنة ولا نوم } وقوله : { لم يلد ~~ولم يولد } فهو بصورة النفي وليس بنفي على الحقيقة وكذلك قوله : { ما اتخذ ~~الله من ولد } وكذلك قولك : { وهو يطعم ولا يطعم } وليس كل ما ورد في ~~القرآن إطلاقه جائزا أن يطلق في المخاطبة فلا يجوز أن يطلق ذلك إلا مع بيان ~~أن ذلك محال ، ولقائل أن يقول : لا شك في أن هذه الصفات منفية عن الله ~~سبحانه فكان الإخبار عن انتفائها صدقا فوجب أن يجوز . بقي أن يقال إن ~~الإخبار عن انتفائها يدل على صحتها عليه فنقول : هذه الدلالة ممنوعة وذلك ~~لأن تخصيص هذا النفي بالذكر لا يدل على ثبوت غيره بل لو قرن باللفظ ما يدل ~~على انتفاء الصحة أيضا ms0541 كان ذلك أحسن من حيث أنه يكون مبالغة في البيان وليس ~~إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحا . # المسألة الثالثة : اعلم أن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول ~~ويدل عليه وجوه : أحدها : إطباق العرب والعجم على ذلك أما العرب فذلك مشهور ~~عندهم وقد تمثلوا بأحقر الأشياء ، فقالوا في التمثيل بالذرة : أجمع من ذرة ~~، وأضبط من ذرة ، وأخفى من الذرة وفي التمثيل بالذباب : أجرأ من الذباب ، ~~وأخطأ من الذباب ، وأطيش من الذباب ، وأشبه من الذباب بالذباب ، وألح من ~~الذباب . وفي التمثيل بالقراد ، أسمع من قراد ، وأصغر من قراد . وأعلق من ~~قراد . وأغم من قراد ، وأدب من قراد ، وقالوا في الجراد : أطير من جرادة ، ~~وأحطم من جرادة ، وأفسد من جرادة . وأصفى من لعاب الجراد ، وفي الفراشة : ~~أضعف من فراشة ، وأطيش من فراشة ، وأجهل من فراشة ، وفي البعوضة . أضعف من ~~بعوضة ، وأعز من مخ البعوضة ، وكلفني مخ البعوضة ، في مثل تكليف ما لا يطاق ~~: وأما العجم فيدل عليه ( كتاب كليلة ودمنة ) وأمثاله ، وفي بعضها : قالت ~~البعوضة ، وقد وقعت على نخلة عالية وأرادت أن تطير عنها ؛ يا هذه استمسكي ~~فإني أريد أن أطير ، فقالت النخلة : والله ما شعرت بوقوعك فكيف أشعر ~~بطيرانك ، وثانيها : أنه ضرب الأمثال في إنجيل عيسى عليه السلام بالأشياء ~~المستحقرة ، قال : مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية ~~، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة ، فلما نبت الزرع وأثمر ~~العشب غلب عليه الزوان ، فقال عبيد الزراع ؛ يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية ~~زرعت في قريتك ؟ قال : بلى ، قالوا : فمن أين هذا الزوان ؟ قال : لعلكم إن ~~ذهبتم أن تقلعوا الزوان فتقلعوا معه الحنطة فدعوهما يتربيان / جميعا حتى ~~الحصاد فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزما ثم ~~يحرقوه بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن . وأفسر لكم ذلك الرجل الذي زرع ~~الحنطة الجيدة هو أبو البشر ، والقرية هي العالم ، والحنطة الجيدة النقية ~~هو نحن أبناء الملكوت الذي يعملون بطاعة الله تعالى ، والعدو الذي زرع ms0542 ~~الزوان هو إبليس ، والزوان هو المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه ، ~~والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنوا آجالهم فيحصدون أهل الخير ~~إلى ملكوت الله ، وأهل الشر إلى الهاوية وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار ~~كذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين ، وجميع عمال الأثم ~~فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنا لك البكاء ، وصريف الأسنان ، ويكون ~~الأبرار هنالك في ملكوت PageV02P123 ربهم ، من كانت له أذن تسمع فليسمع ، ~~وأضرب لكم مثلا آخر يشبه ملكوت السماء : لو أن رجلا أخذ حبة من خردل وهي ~~أصغر الحبوب وزرعها في قريته ، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من ~~البقول وجاء طير من السماء فعشش في فروعها فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف ~~الله أجره وعظمه ورفع ذكره ، ونجى من اقتدى به ، وقال : لا تكونوا كمنخل ~~يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة ، وكذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم ~~وتبقون الغل في صدوركم ، وقال : قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا ~~يلينها الماء ولا تنسفها الرياح ، وقال لا تدخروا ذخائركم حيث السوس ~~والأرضة فتفسدها ، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم ~~وتسرقها اللصوص ولكن ادخروا ذخائركم عند الله وقال : نحفر فنجد دواب عليها ~~لباسها وهناك رزقها وهن لا يزرعن ولا يحصدن ومنهن من هو في جوف الحجر الأصم ~~أو في جوف العود ، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله ؟ أفلا تعقلون ، ~~وقال : لا تثيروا الزنابير فتلدغكم ولا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم ، فظهر أن ~~الله تعالى ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة وأما العقل فلأن من طبع ~~الخيال المحاكاة والتشبه فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة ~~الخيال ، وإذا ذكر معه الشبه أدركه العقل مع معاونة الخيال ، ولا شك أن ~~الثاني يكون أكمل وأيضا فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح له كما ~~ينبغي فإذا ذكر المثال اتضح وصار مبينا مكشوفا ، وإن كان التمثيل يفيد ~~زيادة البيان والوضوح ، وجب ذكره في الكتاب الذي لا يراد منه إلا الإيضاح ~~والبيان ، أما قولهم : ضرب الأمثال بهذه الأشياء ms0543 الحقيرة لا يليق بالله ~~تعالى ، قلنا هذا جهل ، لأنه تعالى هو الذي خلق الصغير والكبير وحكمه في كل ~~ما خلق وبرأ عام لأنه قد أحكم جميعه ، وليس الصغير أخف عليه من الكبير ~~والعظيم أصعب من الصغير ، وإذا كان الكل بمنزلة واحدة لم يكن الكبير أولى ~~أن يضربه مثلا لعباده من الصغير بل المعتبر فيه ما يليق بالقصة ، فإذا كان ~~الأليق بها الذباب والعنكبوت يضرب المثل بهما لا بالفيل والجمل ، فإذا أراد ~~تعالى أن يقبح عبادتهم الأصنام وعدولهم عن عبادة الرحمن صلح أن يضرب المثل ~~/ بالذباب ، ليبين أن قدر مضرتها لا يندفع بهذه الأصنام ، ويضرب المثل لبيت ~~العنكبوت ليبين أن عبادتها أوهن وأضعف من ذلك وفي مثل ذلك كل ما كان ~~المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح . # المسألة الرابعة : قال الأصم : ( ما ) في قوله مثلا ماصلة زائدة كقوله : ~~{ فبما رحمة من الله } وقال أبو مسلم معاذ الله أن يكون في القرآن زيادة ~~ولغو والأصح قول أبي مسلم لأن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبيانا ~~وكونه لغوا ينافي ذلك ، وفي بعوضة قراءتان : إحداهما : النصب وفي لفظة ما ~~على هذه القراءة وجهان : الأول : أنها مبنية وهي التي إذا قرنت باسم نكرة ~~أبهمته إبهاما وزادته شيوعا وبعدا عن الخصوصية . بيانه أن الرجل إذا قال ~~لصاحبه أعطني كتابا أنظر فيه فأعطاه بعض الكتب صح له أن يقول أردت كتابا ~~آخر ولم أرد هذا ولو قاله مع ما لم يصح له ذلك لأن تقدير الكلام أعطني ~~كتابا أي كتاب كان . الثاني : أنها نكرة قام تفسيرها باسم الجنس مقام الصفة ~~، أما على قراءة الرفع ففيها وجهان : الأول : أنها موصولة صلتها الجملة لأن ~~التقدير هو بعوضة فحذف المبتدأ كما حذف في ( تماما على الذي أحسن ) . ~~الثاني : أن تكون استفهامية فإنه لما قال : { إن لله * لا يستحى * أن يضرب ~~مثلا } كأنه قال بعده ما بعوضة فما فوقها حتى يضرب المثل به ، بل له أن ~~يمثل بما هو أقل من ذلك كثيرا كما يقال فلان لا يبالي ms0544 بما وهب ، ما دينار ~~وديناران ، أي يهب ما هو أكثر من ذلك بكثير . PageV02P124 # المسألة الخامسة : قال صاحب ( الكشاف ) : ضرب المثل اعتماده وتكوينه من ~~ضرب اللبن وضرب الخاتم . # المسألة السادسة : انتصب بعوضة بأنه عطف بيان لمثلا أو مفعول ليضرب ومثلا ~~حال من النكرة مقدم عليه أو ثاني مفعولين ليضرب مضمنا معنى يجعل ، وهذا إذا ~~كانت ما صلة أو إبهامية ، فإن كانت مفسرة ببعوضة فهي تابعة لما هي تفسير له ~~، والمفسر والمفسر معا لمجموعهما عطف بيان أو مفعول ، ومثلا حال مقدمة ، ~~وأما رفعها فبكونها خبر مبتدأ ، أما إذا كانت ما موصولة أو موصوفة أو ~~استفهامية فأمرها ظاهر ، فإذا كانت إبهامية فهي على الجواب كأن فائلا قال ~~ما هو فقيل بعوضة . # المسألة السابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : اشتقاق البعوض من البعض وهو ~~القطع كالبضع والعضب يقال بعضه البعوض ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه ~~والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت اسميته ، وعن بعضهم اشتقاقه من ~~بعض الشيء سمي به لقلة جرمه وصغره ولأن بعض الشيء قليل بالقياس إلى كله ، ~~والوجه القوي هو الأول ، قال وهو من عجائب خلق الله تعالى فإنه صغير جدا ~~وخرطومه في غاية الصغر ثم إنه مع ذلك مجوف ثم ذلك الخرطوم مع فرط صغره ~~وكونه جوفا يغوص في جلد الفيل والجاموس على ثخانته كما يضرب الرجل إصبعه في ~~الخبيص ، / وذلك لما ركب الله في رأس خرطومه من السم . # المسألة الثامنة : في قوله : { فما فوقها } وجهان : أحدهما : أن يكون ~~المراد فما هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب ، فإن ~~القوم أنكروا تمثيل الله تعالى بكل هذه الأشياء . والثاني : أراد بما فوقها ~~في الصغر أي بما هو أصغر منها والمحققون مالوا إلى هذا القول لوجوه : أحدها ~~: أن المقصد من هذا التمثيل تحقير الأوثان ، وكلما كان المشبه به أشد حقارة ~~كان المقصود في هذا الباب أكمل حصولا . وثانيها : أن الغرض ههنا بيان أن ~~الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير ، وفي مثل هذا الموضع يجب أن ~~يكون المذكور ms0545 ثانيا أشد حقارة من الأول يقال إن فلانا يتحمل الذل في اكتساب ~~الدينار ، وفي اكتساب ما فوقه ، يعني في القلة لأن تحمل الذل في اكتساب أقل ~~من الدينار أشد من تحمله في اكتساب الدينار . وثالثها : أن الشيء كلما كان ~~أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب ، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا ~~علم الله تعالى ، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من ~~التمثيل بالشيء الكبير ، واحتج الأولون بوجهين : الأول : بأن لفظ ( فوق ) ~~يدل على العلو ، فإذا قيل هذا فوق ذاك ، فإنما معناه أنه أكبر منه ويروى أن ~~رجلا مدح عليا رضي الله عنه والرجل متهم فيه ، فقال علي : أنا دون ما تقول ~~وفوق ما في نفسك ، أراد بهذا أعلى مما في نفسك . الثاني : كيف يضرب المثل ~~بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر ؟ والجواب عن الأول : أن كل شيء كان ~~ثبوت صفة فيه أقوى من ثبوتها في شيء آخر كان ذلك الأقوى فوق الأضعف في تلك ~~الصفة يقال إن فلانا فوق فلان في اللؤم والدناءة . أي هو أكثر لؤما ودناءة ~~منه ، وكذا إذا قيل هذا فوق ذلك في الصغر وجب أن يكون أكثر صغرا منه ، ~~والجواب عن الثاني أن جناح البعوضة أقل منها وقد ضربه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مثلا للدنيا . # المسألة التاسعة : ( أما ) حرف فيه معنى الشرط ، ولذلك يجاب بالفاء وهذا ~~يفيد التأكيد تقول زيد ذاهب فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب قلت ~~أما زيد فذاهب ، إذا ثبت هذا فنقول : إيراد PageV02P125 الجملتين مصدرتين ~~به أحماد عظيم لأمر المؤمنين وا عتداد بعلمهم أنه الحق وذم عظيم للكافرين ~~على ما قالوه وذكروه . # المسألة العاشرة : ( الحق ) الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يقال حق الأمر ~~إذا ثبت ووجب وحقت كلمة ربك ، وثوب محقق محكم النسج . # المسألة الحادية عشرة : ( ماذا ) فيه وجهان أن يكون ذا اسما موصولا بمعنى ~~الذي فيكون كلمتين وأن يكون ذا مركبة مع ما مجعولين اسما واحدا فيكون كلمة ~~واحدة فهو على ms0546 الوجهين : الأول : مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع ~~صلته ، وعلى الثاني : منصوب المحل في حكم ما وحده كما لو قلت ما أراد الله ~~. # / المسألة الثانية عشرة : الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك ~~التفرقة ا لبديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته . وإذا كان الأمر ~~كذلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجا إلى التعريف ، وقال المتكلمون إنها صفة ~~تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر لا في الوقوع بل في الإيقاع ، ~~واحترزنا بهذا القيد الأخير عن القدرة ، واختلفوا في كونه تعالى مريدا مع ~~اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى فقال النجارية إنه معنى ~~سلبي ومعناه أنه غير مغلوب ولا مستكره ، ومنهم من قال إنه أمر ثبوتي وهؤلاء ~~اختلفوا فقال الجاحظ والكعبي وأبو الحسن البصري : معناه علمه تعالى ~~باشتماله الفعل على المصلحة أو المفسدة ، ويسمون هذا العلم بالداعي أو ~~الصارف ، وقال أصحابنا وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهما إنه صفة زائدة على ~~العلم ثم القسمة في تلك الصفة إما أن تكون ذاتية وهو القول الثاني للنجارية ~~، وإما أن تكون معنوية ، وذلك المعنى إما أن يكون قديما وهو قول الأشعرية ~~أو محدثا وذلك المحدث إما أن يكون قائما بالله تعالى ، وهو قول الكرامية ، ~~أو قائما بجسم آخر وهذا القول لم يقل به أحد ، أو يكون موجودا لا في محل ، ~~وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما . # المسألة الثالثة عشرة : الضمير في ( أنه الحق ) للمثل أو لأن يضرب ، وفي ~~قولهم ماذا أراد الله بهذا استحقار كما قالت عائشة رضي الله عنها في عبد ~~الله بن عمرو بن العاص : يا عجبا لابن عمرو هذا . # المسألة الرابعة عشرة : ( مثلا ) نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب ~~غث ماذا أردت بهذا جوابا ؟ ولمن حمل سلاحا رديئا كيف تنتفع بهذا سلاحا ؟ أو ~~على الحال كقوله : { هاذه ناقة الله لكم ءاية } . # المسألة الخامسة عشرة : اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكي عنهم كفرهم ~~واستحقارهم كلام الله بقوله : { ماذا أراد الله بهاذا مثلا } أجاب عنه ~~بقوله : { يضل ms0547 به كثيرا ويهدي به كثيرا } ونريد أن نتكلم ههنا في الهداية ~~والإضلال ليكون هذا الموضع كالأصل الذي يرجع إليه في كل ما يجيء في هذا ~~المعنى من الآيات فنتكلم أولا في الإضلال فنقول : إن الهمزة تارة تجيء لنقل ~~الفعل من غير المتعدي إلى التعدي كقولك خرج فإنه غير متعد ، فإذا قلت أخرج ~~فقد جعلته معتديا وقد تجيء لنقل الفعل من المتعدي إلى غير المتعدي كقولك ~~كببته فأكب ، وقد تجيء لمجرد الوجدان . حكي عن عمرو بن معد يكرب أنه قال ~~لبني سليم : قاتلناكم فما أجبناكم ، وهاجيناكم فما أفحمناكم ، وسألناكم فما ~~أبخلناكم . أي فما وجدناكم جبناء PageV02P126 ولا مفحمين ولا بخلاء . ويقال ~~أتيت أرض فلان فأعمرتها أي وجدتها عامرة قال المخبل : # % فتمنى حصين أن يسود خزاعة % % فأمسى حصين قد أذل وأقهرا % # أي وجد ذليلا مقهورا / ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يقال الهمزة لا تفيد ~~إلا نقل الفعل / من غير المتعدي إلى المتعدي فأما قوله : كببته فأكب ، فلعل ~~المراد كببته فأكب نفسه على وجهه فيكون قد ذكر الفعل مع حذف المفعولين وهذا ~~ليس بعزيز . وأما قوله . قاتلناكم فما أجبناكم ، فالمراد ما أثر قتالنا في ~~صيرورتكم جبناء . وما أثر هجاؤنا لكم في صيرورتكم مفحمين ، وكذا القول في ~~البواقي ، وهذا القول الذي قلناه أولى دفعا للاشتراك . إذا ثبت هذا فنقول ~~قولنا : أضله الله لا يمكن حمله إلا على وجهين : أحدهما : أنه صيره ضالا ، ~~والثاني : أنه وحده ضالا أما التقدير الأول وهو أنه صيره ضالا فليس في ~~اللفظ دلالة على أنه تعالى صيره ضالا عما ذا وفيه وجهان : أحدهما : أنه ~~صيره ضالا عن الدين . والثاني : أنه صيره ضالا عن الجنة ، أما الأول وهو ~~أنه تعالى صيره ضالا عن الدين فاعلم أن معنى الإضلال عن الدين في اللغة هو ~~الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه وهذا هو الإضلال الذي أضافه الله ~~تعالى إلى إبليس فقال : { إنه عدو مضل مبين } ( القصص : 15 ) وقال : { ~~ولاضلنهم ولامنينهم } ( النساء : 119 ) و { قال الذين كفروا * ربنا أرنا * ~~الذين * أضلانا من ms0548 الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا } ( فصلت : 29 ) وقال : ~~{ فزين لهم الشيطن أعمالهم * فصدهم عن السبيل } ( النمل : 24 العنبكوت : 38 ~~) ) ، وقال الشيطان إلى قوله : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) وأيضا أضاف الله تعالى هذا الإضلال إلى ~~فرعون فقال : { وأضل فرعون قومه وما هدى } واعلم أن الأمة مجمعة على أن ~~الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى لأنه تعالى ما دعا إلى الكفر ~~وما رغب فيه بل نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب عليه ، وإذا كان المعنى الأصلي ~~للإضلال في اللغة ليس إلا هذا وهذا المعنى منفي بالإجماع ثبت انعقاد ~~الإجماع على أنه لا يجوز إجراء هذا اللفظ على ظاهره . وعند هذا افتقر أهل ~~الجبر والقدر إلى التأويل أما أهل الجبر فقد حملوه على أنه تعالى خلق ~~الضلال والكفر فيهم وصدهم عن الإيمان وحال بينهم وبينه ، وربما قالوا هذا ~~هو حقيقة اللفظ في أصل اللغة ، لأن الإضلال عبارة عن جعل الشيء ضالا كما أن ~~الإخراج والإدخال عبارة عن جعل الشيء خارجا وداخلا ، وقالت المعتزلة هذا ~~التأويل غير جائز لا بحسب الأوضاع اللغوية ولا بحسب الدلائل العقلية ، أما ~~الأوضاع اللغوية فبيانه من وجوه : أحدها : أنه لا يصح من طريق اللغة أن ~~يقال لمن منع غيره من سلوك الطريق كرها وجبرا أنه أضله بل يقال منعه منه ~~وصرفه عنه وإنما يقولون إنه أضله عن الطريق إذا لبس عليه وأورد من الشبهة ~~ما يلبس عليه الطريق فلا يهتدي له ، وثانيها : أنه تعالى وصف إبليس وفرعون ~~بكونهما مضللين ، مع أن فرعون وإبليس ما كان خالقين للضلال في قلوب ~~المستجيبين لهما بالاتفاق ، وأما عند الجبرية فلأن العبد لا يقدر على ~~الإيجاد ، وأما عند القدرية فلأن العبد لا يقدر على هذا النوع من الإيجاد ، ~~فلما حصل اسم المضل حقيقة مع نفي الخالقية بالاتفاق ، علمنا أن اسم المضل ~~غير موضوع في اللغة لخالق الضلال : PageV02P127 وثالثها : أن الإضلال في ~~مقابلة الهداية فكما صح أن يقال هديته فما اهتدى وجب صحة أن يقال ms0549 أضللته ~~فما ضل ، وإذا كان كذلك استحال حمل الإضلال على خلق الضلال ، وأما بحسب ~~الدلائل العقلية / فمن وجوه : أحدها : أنه تعالى لو خلق الضلال في العبد ثم ~~كلفه بالإيمان لكان قد كلفه بالجمع بين الضدين وهو سفه وظلم ، وقال تعالى : ~~{ وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ) وقال : { لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها } ( البقرة : 286 ) وقال : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( ~~االحج : 78 ) وثانيها : لو كان تعالى خالقا للجهل وملبسا على المكلفين لما ~~كان مبينا لما كلف العبد به ، وقد أجمعت الأمة على كونه تعالى مبينا ، ~~وثالثها : أنه تعالى لو خلق فيهم الضلال وصدهم عن الإيمان لم يكن لإنزال ~~الكتب عليهم وبعثة الرسل إليهم فائدة لأن الشيء الذي لا يكون ممكن الحصول ~~كان السعي في تحصيله عبثا وسفها . ورابعها : أنه على مضادة كبيرة من الآيات ~~نحو قوله : { فما لهم لا يؤمنون } ( الانشقاق : 20 ) { فما لهم عن التذكرة ~~معرضين } ( المدثر : 49 ) ، { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا ~~أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : 94 ) فبين أنه لا مانع لهم من ~~الإيمان البتة . وإنما امتنعوا لأجل إنكارهم بعثة الرسل من البشر وقال : { ~~وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم } ( الكهف : 55 ) ~~وقال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ( لبقرة : 28 ) وقال : { ~~إنى * تصرفون } وقال : { إنى * تؤفكون } فلو كان الله تعالى قد أضلهم عن ~~الدين وصرفهم عن الإيمان لكانت هذه الآيات باطلة . وخامسها : أنه تعالى ذم ~~إبليس وحزبه ومن سلك سبيله في إضلال الناس عن الدين وصرفهم عن الحق وأمر ~~عباده ورسوله بالاستعاذة منهم بقوله تعالى : { قل أعوذ برب الناس } إلى ~~قوله : { من شر الوسواس } و { قل أعوذ برب الفلق } ، { وقل رب أعوذ بك من ~~همزات الشياطين } ( المؤمنين : 97 ) ، { فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم } ( النحل : 98 ) فلو كان الله تعالى يضل عباده عن الدين ~~كما تضل الشياطين لاستحق من المذمة مثل ما استحقوه ولوجب الاستعاذة منه كما ~~وجب منهم ، ولوجب أن ms0550 يتخذوه عدوا من حيث أضل أكثر خلقه كما وجب اتخاذ إبليس ~~عدوا لأجل ذلك ، قالوا بل خصيصية الله تعالى في ذلك أكثر إذ تضليل إبليس ~~سواء وجوده وعدمه فيما يرجع إلى حصول الضلال بخلاف تضليل الله فإنه هو ~~المؤثر في الضلال فيلزم من هذا تنزيه إبليس عن جميع القبائح وإحالتها كلها ~~على الله تعالى فيكون الذم منقطعا بالكلية عن إبليس وعائدا إلى الله سبحانه ~~وتعالى عن قول الظالمين . وسادسها : أنه تعالى أضاف الإضلال عن الدين إلى ~~غيره وذمهم لأجل ذلك ، فقال : { وأضل فرعون قومه وما هدى } ( طه : 79 ) ، { ~~وأضلهم السامرى } ( طه : 85 ) ، { وإن تطع أكثر من فى الارض يضلوك عن سبيل ~~الله } ( الأنعام : 116 ) ، { إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب } ( ص: 26 ) وقوله تعالى حاكيا عن إبليس : { ولاضلنهم ~~ولامنينهم ولامرنهم } ( النساء : 119 ) فهؤلاء إما أن يكونوا قد أضلوا ~~غيرهم عن الدين في الحقيقة أو يكون الله هو الذي أضلهم أو حصل الإضلال ~~بالله وبهم على سبيل الشركة فإن كان الله تعالى قد أضلهم عن الدين دون ~~هؤلاء فهو سبحانه وتعالى قد تقول عليهم إذ PageV02P128 قد رماهم بدأبه ~~وعابهم بما فيه وذمهم بما لم يفعلوه ، والله متعال عن ذلك وإن كان الله ~~تعالى مشاركا لهم في ذلك فكيف يجوز أن يذمهم على فعل هو شريك فيه ومساو لهم ~~فيه وإذا فسد الوجهان صح أن لا يضاف خلق الضلال إلى الله / تعالى . وسابعها ~~: أنه تعالى ذكر أكثر الآيات التي فيها ذكر الضلال منسوبا إلى العصاة على ~~ما قال : { وما يضل به إلا الفاسقين } ( البقرة : 26 ) . { ويضل الله ~~الظالمين } ( إبراهيم : 27 ) ، { إن الله لا يهدى القوم الكافرين } ( ~~المائدة : 67 ) ، { كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب } ( غافر : 34 ) ، { ~~كذلك يضل الله من هو مسرف * كذاب } ( غافر : 28 ) فلو كان المراد بالضلال ~~المضاف إليه تعالى هو ما هم فيه كان كذلك إثباتا للثابت وهذا محال . ~~وثامنها : أنه تعالى نفى إلهية الأشياء التي كانوا يعبدونها من حيث أنهم ms0551 لا ~~يهدون إلى الحق قال : { أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن * من لا * يهدى ~~إلا أن يهدى } ( يونس : 35 ) فنفي ربوبية تلك الأشياء من حيث أنها لا تهدي ~~وأوجب ربوبية نفسه من حيث أنه سبحانه وتعالى يهدي فلو كان سبحانه وتعالى ~~يضل عن الحق لكان قد ساواهم في الضلال وفيما لأجله نهى عن اتباعهم ، بل كان ~~قد أربى عليهم ، لأن الأوثان كما أنها لا تهدي فهي لا تضل ، وهو سبحانه ~~وتعالى مع أنه إله يهدي فهو يضل . وتاسعها : أنه تعالى يذكر هذا الضلال ~~جزاء لهم على سوء صنيعهم وعقوبة عليه ، فلو كان المراد ما هم عليه من ~~الضلال كان ذلك عقوبة وتهديدا بأمرهم له ملابسون ، وعليه مقبولون ، وبه ~~ملتذون ومغتبطون ، ولو جاز ذلك لجازت العقوبة بالزنا على الزنا وبشرب الخمر ~~على شرب الخمر ، وهذا لا يجوز . وعاشرها : أن قوله تعالى : { وما يضل به ~~إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } ( البقرة : 26 ، 27 ~~) صريح في أنه تعالى إنما يفعل به هذا الإضلال بعد أن صار هو من الفاسقين ~~الناقضين لعهد الله باختيار نفسه ، فدل ذلك على أن هذا الإضلال الذي يحصل ~~بعد صيرورته فاسقا وناقضا للعهد مغاير لفسقه ونقضه ، وحادي عاشرها : أنه ~~تعالى فسر الإضلال المنسوب إليه في كتابه ، إما بكونه ابتلاء وامتحانا ، أو ~~بكونه عقوبة ونكالا ، فقال في الابتلاء : { وما جعلنا أصحاب النار إلا ~~ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } أي امتحانا إلى أن قال : { ~~كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء } ( المدثر : 31 ) فبين أن إضلاله ~~للعبد يكون على هذا الوجه من إنزاله آية متشابهة أو فعلا متشابها لا يعرف ~~حقيقة الغرض فيه ؛ والضال به هو الذي لا يقف على المقصود ولا يتفكر في وجه ~~الحكمة فيه بل يتمسك بالشبهات في تقرير المجمل الباطل كما قال تعالى : { ~~فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله } ( آل عمران : 7 ) وأما العقوبة والنكال فكقوله : { إذ الاغلال فى ~~أعناقهم ms0552 والسلاسل يسحبون } ( غافر : 71 ) إلى أن قال : { كذلك يضل الله ~~الكافرين } فبين أن إضلاله لا يعدوا أحد هذين الوجهين وإذا كان الإضلال ~~مفسرا بأحد هذين الوجهين وجب أن لا يكون مفسرا بغيرهما دفعا للاشتراك ، ~~فثبت أنه لا يجوز حمل الإضلال على خلق الكفر والضلال وإذا ثبت ذلك فنقول ~~بينا أن الإضلال في أصل اللغة الدعاء إلى الباطل والترغيب فيه والسعي في ~~إخفاء مقابحه وذلك لا يجوز على الله تعالى فوجب المصير إلى التأويل ، ~~والتأويل الذي ذهبت الجبرية إليه قد أبطلناه فوجب المصير إلى وجوه أخر من ~~التأويلات . أحدها : أن الرجل إذا ضل باختياره عند حصول شيء من غير أن يكون ~~ذلك الشيء أثر في PageV02P129 إضلاله فيقال لذلك الشيء إنه أضله قال تعالى ~~في / حق الأصنام { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } ( إبراهيم : 36 ) أي ~~ضلوا بهن ، وقال : { ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا كثيرا } ( نوح : 23 ~~، 24 ) أي ضل كثير من الناس بهم وقال : { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك ~~من ربك طغيانا وكفرا } ( المائدة : 64 ) وقال : { فلم يزدهم دعائى إلا ~~فرارا } ( نوح : 6 ) أي لم يزدادوا بدعائي لهم إلا فرارا وقال : { ~~فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى } ( المؤمنون : 110 ) وهم لم ينسوهم في ~~الحقيقة بل كانوا يذكرونهم الله ويدعوهنم إليه ولكن لما كان اشتغالهم ~~بالسخرية منهم سببا لنسيانهم أضيف الإنساء إليهم وقال في براءة : { وإذا ما ~~أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هاذه إيمانا فأما الذين ءامنوا ~~فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما } ( التوبة : 124 ، 125 ) فأخبر سبحانه ~~أن نزول السورة المشتملة على الشرائع يعرف أحوالهم فمنهم من يصلح عليها ~~فيزداد بها إيمانا ، ومنهم من يفسد عليها فيزداد بها كفرا ، فإذن أضيفت ~~الزيادة في الإيمان والزيادة في الكفر إلى السورة ، إذ كانوا إنما صلحوا ~~عند نزولها وفسدوا كذلك أيضا ، فكذا أضيف الهدى والإضلال إلى الله تعالى ~~إذا كان إحداثهما عند ضربه تعالى الأمثال لهم وقال في سورة المدثر : { وما ~~جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين ms0553 كفروا ليستيقن ~~الذين } ( لمدثر : 31 ) فأخبر تعالى أن ذكره لعدة خزنة النار امتحان منه ~~لعباده ليتميز المخلص من المرتاب فآلت العاقبة إلى أن صلح عليها المؤمنون ~~وفسد الكافرون وأضاف زيادة الإيمان وضدها إلى الممتحنين فقال ليزداد وليقول ~~ثم قال بعد قوله : { ماذا أراد الله بهاذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ~~ويهدى من يشاء } ( المدثر : 31 ) فأضاف إلى نفسه إضلالهم وهداهم بعد أن ~~أضاف إليهم الأمرين معا ، فبين تعالى أن الإضلال مفسر بهذا الامتحان ويقال ~~في العرف أيضا . أمرضني الحب أي مرضت به : ويقال قد أفسدت فلانة فلانا وهي ~~لم تعلم به ، وقال الشاعر : # % دع عنك لومي فإن اللوم إغراء % % أي يغري الملوم باللوم ، والإضلال على ~~هذا المعنى يجوز أن يضاف إلى الله تعالى على معنى أن الكافرين ضلوا بسبب ~~الآيات المشتملة على الامتحانات ففي هذه الآية الكفار لما قالوا : ما ~~الحاجة إلى الأمثال وما الفائدة فيها واشتد عليهم هذا الامتحان حسنت هذه ~~الإضافة . وثانيها : أن الإضلال هو التسمية بالضلال فيقال أضله أي سماه ~~ضالا وحكم عليه به وأكفر فلان فلانا إذا سماه كافرا وأنشدوا بيت الكميت : # % فوطائفة قد أكفروني بحبكم % % وطائفة قالوا مسيء ومذنب % # وقال طرفة : # % فوما زال شربي الراح حتى أضلني % % صديقي وحتى ساءني بعض ذلكا % # أراد سماني ضالا وهذا الوجه مما ذهب إليه قطرب وكثير من المعتزلة ، ومن ~~أهل اللغة من أنكره وقال إنما يقال ضللته تضليلا إذا سميته ضالا ، وكذلك ~~فسقته وفجرته إذا سميته فاجرا فاسقا ، وأجيب عنه بأنه متى صيره في نفسه ~~ضالا لزمه أن يصير محكوما عليه بالضلال فهذا الحكم / من لوازم ذلك التصيير ~~، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم مجاز مشهور وأنه مستعمل أيضا لأن الرجل ~~إذا قال لآخر : فلان ضال جاز أن يقال له لم جعلته ضالا ويكون المعنى لم ~~سميته بذلك ولم حكمت به عليه فعلى هذا الوجه حملوا الإضلال على PageV02P130 ~~الحكم والتسمية . وثالثها : أن يكون الإضلال هو التخلية وترك المنع بالقهر ~~والجبر ، فيقال أضله إذا خلاه وضلاله قالوا ومن مجازه قولهم ms0554 : أفسد فلان ~~ابنه وأهلكه ودمر عليه إذا لم يتعهده بالتأديب ، ومثله قول العرجي : # % فأضاعوني وأي فتى أضاعوا % % ليوم كريهة وسداد ثغر % # ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية حتى فسد وصدىء : أفسدت سيفك وأصدأته ~~. ورابعها : الضلال والإضلال هو العذاب والتعذيب بدليل قوله تعالى : { إن ~~المجرمين فى ضلال وسعر * يوم يسحبون فى النار على وجوههم ذوقوا مس سقر } ( ~~القمر : 47 ، 48 ) فوصفهم الله تعالى بأنهم يوم القيامة في ضلال وذلك لا ~~يكون إلا عذابهم وقال تعالى : { إذ الاغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون * ~~فى الحميم ثم فى النار يسجرون * ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * من دون ~~الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين } ~~( غافر : 71 74 ) فسر ذلك الضلا بالعذاب . وخامسها : أن يحمل الإضلال على ~~الإهلاك والإبطال كقوله : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } ~~( محمد : 1 ) قيل أبطلها وأهلكها ومن مجازه قولهم : ضل الماء في اللبن إذا ~~صار مستهلكا فيه ويقال أضللته أنا إذا فعلت ذلك به فأهلكته وصيرته كالمعدوم ~~ومنه يقال أضل القوم ميتهم إذا واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يرى ، قال ~~النابغة : # % فوآب مضلوه بعين جلية % % وغودر بالجولان حزم ونائل % # وقال تعالى : { وقالوا * إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد } ( السجدة ~~: 10 ) أي أئذا اندفنا فيها فخفيت أشخاصنا فيحتمل على هذا المعنى يضل الله ~~إنسانا أي يهلكه ويعدمه فتجوز إضافة الإضلال إليه تعالى على هذا الوجه ، ~~فهذه الوجوه الخمسة إذا حملنا الإضلال على الإضلال عن الدين . وسادسها : أن ~~يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنة ، قالت المعتزلة : وهذا في الحقيقة ليس ~~تأويلا بل حملا للفظ على ظاهره فإن الآية تدل على أنه تعالى يضلهم وليس ~~فيها دلالة على أنه عما ذا يضلهم ، فنحن نحملها على أنه تعالى يضلهم عن ~~طريق الجنة ثم حملوا كل ما في القرآن من هذا الجنس على هذا المحمل وهو ~~اختيار الجبائي قال تعالى : { كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه ms0555 إلى ~~عذاب السعير } أي يضله عن الجنة وثوابها . هذا كله إذا حملنا الهمزة في ~~الإضلال على التعدية . وسابعها : أن نحمل الهمزة لا على التعدية بل على ~~الوجدان على ما تقدم في أول هذه المسألة بيانه فيقال أضل فلان بعيره أي ضل ~~عنه فمعنى إضلال الله تعالى لهم أنه تعالى وجدهم ضالين . وثامنها : أن يكون ~~قوله تعالى : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } من تمام قول الكفار فإنهم ~~قالوا ماذا أراد الله بهذا المثل الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه ثم قالوا : ~~يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وذكروه على / سبيل التهكم فهذا من قول الكفار ~~ثم قال تعالى جوابا لهم : { وما يضل به إلا الفاسقين } أي ما أضل به إلا ~~الفاسق . هذا مجموع كلام المعتزلة ، وقالت الجبرية لقد سمعنا كلامكم ~~واعترفنا لكم بجودة الإيراد وحسن الترتيب وقوة الكلام ولكن ماذا نعمل ولكم ~~أعداء ثلاثة يشوشون عليكم هذه الوجوه الحسن ؟ والدلائل اللطيفة : أحدها : ~~مسألة الداعي وهي أن القادر على العلم والجهل والإهداء والإضلال لم فعل ~~أحدهما دون الآخر ؟ PageV02P131 وثانيها : مسألة العلم على ما سبق تقريرها ~~في قوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم } وما رأينا لكم في دفع هذين ~~الكلامين كلاما محيلا قويا ونحن لا شك نعلم أنه لا يخفى عليكم مع ما معكم ~~من الذكاء الضعف عن تلك الأجوبة التي تكلموا بها فكما أنصفنا واعترافنا لكم ~~بحسن الكلام الذي ذكرتموه فأنصفوا أيضا واعترفوا بأنه لا وجه لكم عن هذين ~~الوجهين فإن التعامي والتغافل لا يليق بالعقلاء . وثالثها : أن فعل العبد ~~لو كان بإيجاده لما حصل إلا الذي قصد إيجاده لكن أحدا لا يريد إلا تحصيل ~~العلم والاهتداء ، ويحترز كل الاحتراز عن الجهل والضلال فكيف يحصل الجهل ~~والإضلال للعبد مع أنه ما قصد إلا تحصيل العلم والاهتداء ؟ فإن قيل إنه ~~اشتبه عليه الكفر بالإيمان والعلم بالجهل فظن في الجهل أنه علم فقصد إيقاعه ~~فلذلك حصل له الجهل قلنا ظنه في الجهل أنه علم ظن خطأ فإن كان اختاره أولا ~~فقد اختار الجهل ms0556 والخطأ لنفسه وذلك غير ممكن وإن قلنا إنه اشتبه عليه ذلك ~~بسبب ظن آخر متقدم عليه لزم أن يكون قبل كل ظن ظن لا إلى نهاية وهو محال . ~~ورابعها : أن التصورات غير كسبية والتصديقات البديهية غير كسبية والتصديقات ~~بأسرها غير كسبية فهذه مقدمات ثلاثة . # المقدمة الأولى : في بيان أن التصورات غير كسبية ، وذلك لأن من يحاول ~~اكتسابها فإما أن يكون متصورا لها أو لا يكون متصورا لها فإن كان متصورا ~~لها استحال أن يطلب تحصيل تصورها لأن تحصيل الحاصل محال ، وإن لم يكن ~~متصورا لها كان ذهنه غافلا عنها والغافل عن الشيء يستحيل أن يكون طالبه . # المقدمة الثانية : في بيان أن التصديقات البديهية غير كسبية لأن حصول ~~طرفي التصديق إما أن يكون كافيا في جزم الذهن بذلك التصديق أولا يكون كافيا ~~فإن كان الأول كان ذلك التصديق دائرا مع ذينك التصورين على سبيل الوجوب ~~نفيا وإثباتا وما كان كذلك لم يكن مقدورا ، وإن كان الثاني لم يكن التصديق ~~بديهيا بل متوقفا فيه . # المقدمة الثالثة : في بيان أن التصديقات بأسرها غير كسبية وذلك لأن هذه ~~النظريات إن كانت واجبة اللزوم عن تلك البديهيات التي هي غير مقدورة كانت ~~تلك النظريات أيضا غير مقدورة . وإن لم تكن واجبة اللزوم عن تلك البديهيات ~~لم يمكن الاستدلال بتلك البديهيات على تلك النظريات ، فلم تكن تلك ~~الاعتقادات الحاصلة في تلك النظريات علوما ، بل لا تكون إلا اعتقادا حاصلا ~~للمقلد وليس كلامنا فيه ، فثبت أن كلامكم في عدم إسناد الاهتداء والضلال ~~إلى الله / تعالى معارض بهذه الوجوه العقلية القاطعة التي لا جواب عنها . ~~ولنتكلم الآن فيما ذكروه من التأويلات أما التأويل الأول فساقط لأن إنزال ~~هذه المتشابهات هل لها أثر في تحريك الدواعي أو ليس لها أثر في ذلك ؟ فإن ~~كان الأول وجب على قولكم أن يقبح لوجهين ، الأول : أنا قد دللنا في تفسير ~~قوله : { ختم الله على قلوبهم } على أنه متى حصل الرجحان فلا بد وأن يحصل ~~الوجوب وأنه ليس بين الاستواء وبين الوجوب المانع ms0557 من النقيض واسطة ، فإذا ~~أثر إنزال هذه المتشابهات في الترجيح وثبت أنه متى حصل الترجيح فقد حصل ~~الوجوب فحينئذ جاء الجبر وبطل ما قلتموه . الثاني : هب أنه لا ينتهي إلى حد ~~الوجوب إلا أن المكلف ينبغي أن يكون مزاح العذر والعلة وإنزال هذه ~~المتشابهات عليه مع أن PageV02P132 لها أثرا في ترجيح جانب الضلال على جانب ~~الاهتداء كالعذر للمكلف في عدم الإبقدام على الطاعة فوجب أن يقبح ذلك من ~~الله تعالى ، وأما إن لم يكن لذلك أثر في إقدامهم على ترجيح جانب الضلال ~~على جانب بالاهتداء كانت نسبة هذه المتشابهات إلى ضلالهم كصرير الباب ونعيق ~~الغراب فكما أن ضلالهم لا ينسب إلى هذه الأمور الأجنبية كذلك وجب أن لا ~~ينسب إلى هذه المتشابهات بوجه ما / وحينئذ يبطل تأويلهم ، أما التأويل ~~الثاني وهو التسمية والحكم فهو وإن كان في غاية البعد لكن الإشكال معه باق ~~لأنه إذا سماه الله بذلك وحكم به عليه فلو لم يأت المكلف به لانقلب خبر ~~الله الصدق كذبا وعلمه جهلا ، وكل ذلك محال والمفضي إلى المحال محال ، فكان ~~عدم إتيان المكلف به محالا وإتيانه به واجبا وهذا عين الجبر الذي تفرون منه ~~وأنه ملاقيكم لا محالة ، وههنا ينتهي البحث إلى الجوابين المشهورين لهما في ~~هذا المقام وكل عاقل يعلم ببديهة عقله سقوط ذلك ، وأما التأويل الثالث وهو ~~التخلية وترك المنع فهذا إنما يسمى إضلالا إذا كان الأنول والأحسن بالوالد ~~أن يمنعه عن ذلك فأما إذا كان الولد بحيث لو منعه والده عن ذلك لوقع في ~~مفسدة أعظم من تلك المفسدة الأولى لم يقل أحد أنه أفسد ولده وأضله ، وههنا ~~الأمر بخلاف ذلك لأنه تعالى لو منع المكلف جبرا عن هذه المفسدة لزمت مفسدة ~~أخرى أعظم من الأولى ، فكيف يقال إنه تعالى أفسد المكلف وأضله بمعنى أنه ما ~~منعه عن الضلال مع أنه لو منعه لكانت تلك المفسدة أعظم وأما التأويل الرابع ~~فقد اعتراض القفال عليه فقال : لا نسلم بأن الضلال جاء بمعنى العذاب أما ~~قوله تعالى : { إن ms0558 المجرمين فى ضلال وسعر } ( القمر : 47 ) فيمكن أن يكون ~~المراد في ضلال عن الحق في الدنيا وفي سعر : أي في عذاب جهنم في الآخرة ~~ويكون قوله : { يوم يسحبون } من صلة سعر وأما قوله تعالى : { إذا * الاغلال ~~فى أعناقهم } إلى قوله : { كذلك يضل الله الكافرين } فمعنى قوله ضلوا عنا ~~أي بطلوا فلم ينتفع بهم في هذا اليوم الذي كنا نرجو شفاعتهم فيه ثم قوله : ~~{ كذلك يضل الله الكافرين } قد يكون على معنى كذلك يضل الله أعمالهم أي ~~يحبطها يوم القيامة ، ويحتمل كذلك يخذلهم الله تعالى في الدنيا فلا يوفقهم ~~لقبول الحق إذ ألفوا الباطل وأعرضوا عن التدبر ، فإذا خذلهم الله تعالى ~~وأتوا يوم القيامة فقد بطلت أعمالهم التي كانوا يرجون الانتفاع بها في ~~الدنيا ، وأما / التأويل الخامس : وهو الإهلاك فغير لائق بهذا الموضع لأن ~~قوله تعالى : { ويهدي به كثيرا } يمنع من حمل الإضلال على الإهلاك . وأما ~~التأويل السادس : وهو أنه يضله عن طريق الجنة فضعيف لأنه تعالى قال : { يضل ~~به } أي يضل بسبب استماع هذه الآيات والإضلال عن طريق الجنة ليس بسبب ~~استماع هذه الآيات بل بسبب إقدامه على القبائح فكيف يجوز حمله عليه . وأما ~~التأويل السابع : وهو أن قوله : { يضله } أي يجده ضالا قد بينا أن إثبات ~~هذه اللغة لا دليل عليه وأيضا فلأنه عدى الإضلال بحرف الباء فقال : { يضل ~~به } والإضلال بمعنى الوجدان لا يكون معدى بحرف الباء . PageV02P133 وأما ~~التأويل الثامن : فهو في هذه الآية يوجب تفكيك النظم لأنه إلى قوله يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا من كلام الكفار ثم قوله : { وما يضل به إلا الفاسقين ~~} كلام الله تعالى من غير فصل بينهما بل مع حرف العطف وهو الواو ، ثم هب ~~أنه ههنا كذلك لكنه في سورة المدثر وهو قوله : { كذلك يضل الله من يشاء ~~ويهدى من يشاء } لا شك أنه قول الله تعالى فهذا هو الكلام في الإضلال . # أما الهدى فقد جاء على وجوه : أحدها : الدلالة والبيان قال تعالى : { أو ~~لم * يهد لهم كم أهلكنا } ( السجدة : 26 ms0559 ) وقال : { فإما يأتينكم منى هدى ~~فمن تبع هداي } ( البقرة : 38 ) وهذا إنما يصح لو كان الهدى عبارة عن ~~البيان وقال : { إن يتبعون * إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى } ( النجم : 23 ) وقال : { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } ~~( الإنسان : 3 ) أي سواء شكر أو كفر فالهداية قد جاءته في الحالتين وقال : ~~{ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } ( فصلت : 17 ) وقال : { ~~ثم ءاتينا موسى الكتاب تماما على الذى أحسن وتفصيلا لكل شىء وهدى ورحمة ~~لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } ( الأنعام : 154 ) وهذا لا يقال للمؤمن وقال ~~تعالى حكاية عن خصوم داود عليه السلام : { ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط ~~} ( ص: 22 ) أي أرشدنا وقال : { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما ~~تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم } ( محمد : 25 ) وقال : { أن ~~تقول نفس ياحسرتى ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } ( الزمر : 56 ) إلى ~~قوله : { أو تقول لو أن الله هدانى لكنت من المتقين } ( الزمر : 57 ) إلى ~~قوله : { بلى قد جاءتك ءاياتى فكذبت بها واستكبرت } الزمر : 59 ) أخبر أنه ~~قد هدى الكافر مما جاءه من الآيات وقال : { أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى } ( الأنعام : 157 ) ~~وهذه مخاطبة للكافرين . وثانيها : قالوا في قوله : { عبادنا وإنك لتهدى إلى ~~صراط مستقيم } ( الشورى : 52 ) أي لتدعو وقوله : { ولكل قوم هاد } ( الرعد ~~: 7 ) أي داع يدعوهم إلى ضلال أو هدى . وثالثها : التوفيق من الله بالألطاف ~~المشروطة بالإيمان يؤتيها المؤمنين جزاء على إيمانهم ومعونة عليه وعلى ~~الازدياد من طاعته ، فهذا ثواب لهم وبإزائه ضده للكافرين وهو أن يسلبهم ذلك ~~فيكون مع أنه تعالى ما هداهم يكون قد أضلهم ، والدليل على هذا الوجه قوله ~~تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) ، { ويزيد الله الذين ~~اهتدوا هدى } ( مريم : 76 ) ، { والله لا يهدى القوم الظالمين } ( آل عمران ~~: 86 ) ، { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت فى الحيواة الدنيا وفى ~~الاخرة ويضل الله الظالمين } ( إبراهيم ms0560 : 27 ) ، { كيف يهدى الله قوما ~~كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدى القوم ~~الظالمين } ( آل عمران : 86 ) فأخبر أنه لا يهديهم وأنهم قد جاءهم البينات ~~، فهذا الهدى غير البيان لا محالة ، وقال تعالى : { ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه } ( التغابن : 11 ) أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } ( ~~المجادلة : 22 ) . ورابعها : الهدى إلى طريق الجنة قال تعالى : { * } ( ~~المجادلة : 22 ) . ورابعها : الهدى إلى طريق الجنة قال تعالى : { فأما ~~الذين ءامنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل ويهديهم إليه ~~صراطا مستقيما } ( النساء : 175 ) وقال : { قد جاءكم من الله نور وكتاب ~~مبين * يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } PageV02P134 ( المائدة : 15 ، 16 ) ~~وقال : { والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم ~~* ويدخلهم الجنة } ( محمد : 4 6 ) والهداية بعد القتل لا تكون إلا إلى ~~الجنة / وقال تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم ~~بإيمانهم تجرى من تحتهم الانهار } ( يونس : 90 ) وهذا تأويل الجبائي ، ~~وخامسها : الهدى بمعنى التقديم يقال هدى فلان فلانا أي قدمه أمامه ، وأصل ~~هدى من هداية الطريق ؛ لأن الدليل يتقدم المدلول ، وتقول العرب أقبلت هوادي ~~الخيل . أي متقدماتها ويقال للعنق هادي وهوادي الخيل أعناقها لأنها تتقدمها ~~، وسادسها : يهدي أي يحكم بأن المؤمن مهتد وتسميته بذلك لأن حقيقة قول ~~القائل هداه جعله مهتديا ، وهذا اللفظ قد يطلق على الحكم والتسمية قال ~~تعالى : { ما جعل الله من بحيرة } ( المائدة : 103 ) أي ما حكم ولا شرع ، ~~وقال : { إن الهدى هدى الله } ( آل عمران : 73 ) معناه أن الهدى ما حكم ~~الله بأنه هدى وقال : { من يهد الله } أي من حكم الله عليه بالهدى فهو ~~المستحق لأن يسمى مهتديا فهذه هي الوجوه التي ذكرها المعتزلة : وقد تكلمنا ~~عليها فيما تقدم في باب الإضلال . قالت الجبرية : وههنا وجه آخر وهو أن ~~يكون الهدى بمعنى خلق الهداية والعلم ، قال الله تعالى : { والله يدعوا إلى ~~* دار السلام ويهدى ms0561 من يشاء إلى صراط مستقيم } ( يونس : 25 ) قالت القدرية ~~هذا غير جائز لوجوه : أحدها : أنه لا يصح في اللغة أن يقال لمن حمل غيره ~~على سلوك الطريق كرها وجبرا أنه هداه إليه وإنما يقال رده إلى الطريق ~~المستقيم وحمله عليه وجره إليه فأما أن يقال إنه هداه إليه فلا ، وثانيها : ~~لو حصل ذلك بخلق الله تعالى لبطل الأمر والنهي والمدح والذم والثواب ~~والعقاب ، فإن قيل هب أنه خلق الله تعالى إلا أنه كسب العبد قلنا هذا الكسب ~~مدفوع من وجهين : الأول : أن وقوع هذه الحركة إما أن يكون بتخليق الله ~~تعالى أو لا يكون بتخليقه ، فإن كان بتخليقه ، فمتى خلقه الله تعالى استحال ~~من العبد أن يمتنع منه ، ومتى لم يخلقه استحال من العبد الإتيان به ، ~~فحينئذ تتوجه الإشكالات المذكورة وإن لم يكن بتخليق الله تعالى بل من العبد ~~فهذا هو القول بالاعتزال ، الثاني : أنه لو كان خلقا لله تعالى وكسبا للعبد ~~لم يخل من أحد وجوه ثلاثة ، إما أن يكون الله بخلقه أولا ثم يكتسبه العبد ~~أو يكتسبه العبد أولا ثم يخلقه الله تعالى . أو يقع الأمران معا ، فإن خلقه ~~الله تعالى كان العبد مجبورا على اكتسابه فيعود الإلزام وإن اكتسبه العبد ~~أولا فالله مجبور على / خلقه ، وإن وقعا معا وجب أن لا يحصل هذا الأمر إلا ~~بعد اتفاقهما لكن هذا الاتفاق غير معلوم لنا فوجب أن لا يحصل هذا الاتفاق ، ~~وأيضا فهذا الاتفاق وجب أن لا يحصل إلا باتفاق آخر ، لأنه من كسبه وفعله ، ~~وذلك يؤدي إلى ما لا نهاية له من الاتفاق وهو محال هذا مجموع كلام المعتزلة ~~قالت الجبرية : إنا قد دللنا بالدلائل العقلية التي لا تقبل الاحتمال ، ~~والتأويل على أن خالق هذه الأفعال هو الله تعالى ، إما بواسطة أو بغير ~~واسطة ، والوجوه التي تمسكتم بها وجوه نقلية قابلة للاحتمال والقاطع لا ~~يعارضة المحتمل فوجب المصير إلى ما قلناه وبالله التوفيق . # المسألة السادسة عشرة : لقائل أن يقول لم وصف المهديون بالكثرة والقلة ~~صفتهم لقوله : { وقليل من ms0562 عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) ، وقليل ما هم ~~ولحديث ( الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة ) وحديث ( الناس أخبر قلة ) ، ~~والجواب : أهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها ~~PageV02P135 بالقياس إلى أهل الضلال ، وأيضا فإن القليل من المهديين كثير ~~في الحقيقة وإن قلوا في الصورة فسموا بالكثير ذهابا إلى الحقيقة . # المسألة السابعة عشرة : قال الفراء : الفاسق أصله من قولهم فسقت الرطبة ~~من قشرها أي خرجت / فكأن الفاسق هو الخارج عن الطاعة ، وتسمى الفأرة فويسفة ~~لخروجها لأجل المضرة ، واختلف أهل القبلة في أنه هل هو مؤمن أو كافر ، فعند ~~أصحابنا أنه مؤمن ، وعند الخوارج أنه كافر ، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا ~~كافر ، واحتج المخالف بقوله تعالى : { بئس الاسم الفسوق بعد الايمان } ( ~~الحجرات : 11 ) وقال : { إن المنافقين هم الفاسقون } ( التوبة : 17 ) وقال ~~: { حبب إليكم الايمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~} الحجرات : 7 ) وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام . # المسألة الثامنة عشرة : اختلفوا في المراد ، من قوله تعالى : { الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } وذكروا وجوها : أحدها : أن المراد بهذا ~~الميثاق حججه القائمة على عباده الدالة لهم على صحة توحيده وصدق رسله ، ~~فكان ذلك ميثاقا وعهدا على التمسك بالتوحيد إذا كان يلزم بهذه الحجج ما ~~ذكرنا من التمسك بالتوحيد وغيره ، ولذلك صح قوله : { وأوفوا بعهدى أوف ~~بعهدكم } ( البقرة : 40 ) ، وثانيها : يحتمل أن يعني به ما دل عليه بقوله : ~~{ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الامم ~~فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا } ( فاطر : 42 ) فلما لم يفعلوا ما ~~حلفوا عليه وصفهم بنقض عهده وميثاقه ، والتأويل الأول يمكن فيه العموم في ~~كل من ضل وكفر ، والثاني : لا يمكن إلا فيمن اختص بهذا القسم ، إذا ثبت هذا ~~ظهر رجحان التأويل الأول على الثاني من وجهين : الأول : أن على التقدير ~~الأول يمكن إجراء الآية على عمومها ، وعلى الثاني يلزم التخصيص ، الثاني : ~~أن على التقدير الأول يلزمهم الذم لأنهم نقضوا عهدا أبرمه الله وأحكمه ms0563 بما ~~أنزل من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وأوضحها وأزال التلبيس ~~عنها ، ولما أودع في العقول من دلائلها وبعث الأنبياء وأنزل الكتب مؤكدا ~~لها : وأما على التقدير الثاني / فإنه يلزمهم الذم لأجل أنهم تركوا شيئا هم ~~بأنفسهم التزموه ومعلوم أن ترتيب الذم على الوجه الأول أولى ، وثالثها : ~~قال القفال : يحتمل أن يكون المقصود بالآية قوما من أهل الكتاب قد أخذ ~~عليهم العهد والميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق محمد صلى الله ~~عليه وسلم وبين لهم أمره وأمر أمته فنقضوا ذلك وأعرضوا عنه وجحدوا نبوته . ~~ورابعا : قال بعضهم ، إنه عنى به ميثاقا أخذه من الناس وهم على صورة الذر ~~وأخرجهم من صلب آدم كذلك ، وهو معنى قوله تعالى : { وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) قال المتكلمون هذا ساقط لأنه ~~تعالى لا يحتج على العباد بعهد وميثاق لا يشعرون به كما لا يؤاخذهم بما ذهب ~~علمه عن قلبهم بالسهو والنسيان فكيف يجوز أن يعيبهم بذلك ؟ وخامسها : عهد ~~الله إلى خلقه ثلاثة عهود . العهد الأول : الذي أخذه على جميع ذرية آدم وهو ~~الإقرار PageV02P136 بربوبيته وهو قوله : { وإذ أخذ ربك } وعهد خص به ~~النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهو قوله : { وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم } وعهد خص به العلماء ، وهو قوله : { وإذ أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } ( آل عمران : ~~187 ) قال صاحب ( الكشاف ) : الضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد ~~الله من قبوله ويجوز أن يكون بمعنى توثيقه كما أن الميعاد والميلاد بمعنى ~~الوعد والولادة ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى من بعد ما وثق به ~~عهده من آياته وكتبه ورسله . # المسألة التاسعة عشرة : اختلفوا في المراد من قوله تعالى : { ويقطعون ما ~~أمر الله به أن يوصل } فذكروا وجوها : أحدها : أراد به قطيعة الرحم وحقوق ~~القرابات التي أمر الله بوصلها وهو كقوله تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن ~~تفسدوا فى الارض وتقطعوا أرحامكم } وفيه إشارة إلى ms0564 أنهم قطعوا ما بينهم ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم من القرابة ، وعلى هذا التأويل تكون الآية ~~خاصة . وثانيها : أن الله تعالى أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين فهم ~~انقطعوا عن المؤمنين واتصلوا بالكفار فذاك هو المراد من قوله : { ويقطعون ~~ما أمر الله به أن يوصل } . وثالثها : أنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن ~~وهم كانوا مشتغلين بذلك . # المسألة العشرون : أما قوله تعالى : { ويفسدون فى الارض } فالأظهر أن ~~يراد به الفساد الذي يتعدى دون ما يقف عليهم . والأظهر أن المراد منه الصد ~~عن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام لأن تمام الصلاح في الأرض بالطاعة لأن ~~بالتزام الشرائع يلتزم الإنسان كل ما لزمه ، ويترك التعدي إلى الغير ، ومنه ~~زوال التظالم وفي زواله العدل الذي قامت به السموات والأرض ، قال تعالى ~~فيما حكى عن فرعون أنه قال : { إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الارض ~~الفساد } ( غافر : 26 ) ثم إنه سبحانه وتعالى أخبر أن من فعل هذه الأفاعيل ~~خاسر فقال : { أولائك هم الخاسرون } وفي هذا الخسران وجوه : أحدها : أنهم ~~خسروا نعيم الجنة لأنه لا أحد إلا وله في الجنة أهل ومنزل ، فإن أطاع الله ~~وجده ، وإن عصاه ورثه المؤمنون ، فذلك قوله تعالى : { أولئك هم الوارثون * ~~الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون } ( المؤمنون : 10 11 ) وقال : { إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } وثانيها : أنهم خسروا ~~حسناتهم التي عملوها لأنهم أحبطوها بكفرهم فلم يصل لهم منها خير ولا ثواب ، ~~والآية في اليهود ولهم أعمال في شريعتهم ، وفي المنافقين وهم يعملون في ~~الظاهر ما يعمله المخلصون فحبط ذلك كله ، وثالثها : أنهم إنما أصروا على ~~الكفر خوفا من أن تفوتهم اللذات العاجلة ، ثم إنها تفوتهم إما عند ما يصير ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مأذونا في الجهاد أو عند موتهم ، وقال القفال ~~رحمه الله تعالى : وبالجملة أن الخاسر اسم عام يقع على كل من عمل عملا لا ~~يجزي عليه فيقال له خاسر ، كالرجل الذي إذا تعنى وتصرف في أمر فلم يحصل منه ~~على ms0565 نفع قيل له خاب وخسر لأنه كمن أعطى شيئا ولم يأخذ بإزائه ما يقوم مقامه ~~، فسمى الكفار الذين يعملون بمعاصي الله خاسرين قال تعالى : { إن الإنسان * ~~لفى * خسر * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( العصر : 2 ، 3 ) وقال : ~~{ قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم فى الحيواة الدنيا } ( ~~الكهف : 103 ، 104 ) والله أعلم . # PageV02P137 ! 7 < { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم ثم إليه ترجعون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 28 ) كيف تكفرون بالله . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ~~إلى هذا الموضع فمن هذا الموضع إلى قوله : { خالدون يابنى إسراءيل اذكروا ~~نعمتي التى أنعمت عليكم } ( البقرة : 40 ) في شرح النعم التي عمت جميع ~~المكلفين وهي أربعة : أولها : نعمة الأحياء وهي المذكورة في هذه الآية . ~~واعلم أن قوله : { كيف تكفرون بالله } وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به ~~التبكيت والتعنيف ، لأن عظم النعمة يقتضي عظم معصية المنعم ، يبين ذلك أن ~~الوالد كلما عظمت نعمته على الولد بأن رباه وعلمه وخرجه وموله وعرضه للأمور ~~الحسان ، كانت معصيته لأبيه أعظم ، فبين سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا ~~عليه من الكفر ، بأن ذكرهم نعمه العظيمة عليهم ليزجرهم بذلك عما أقدموا ~~عليه من التمسك بالكفر ويبعثهم على اكتساب الإيمان ، فذكر تعالى من نعمه ما ~~هو الأصل في النعم وهو الأحياء ، فهذا هو المقصود الكلي ، فإن قيل لم كان ~~العطف الأول بالفاء والبواقي بثم ؟ قلنا لأن الأحياء الأول قد يعقب الموت ~~بغير تراخ ، وأما الموت فقد تراخى عن الأحياء والأحياء الثاني كذلك متراخ ~~عن الموت إن أريد به النشور تراخيا ظاهرا ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن الكفر من قبل ~~العباد من وجوه : أحدها : أنه تعالى لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز ~~أن يقول : { كيف تكفرون بالله } / موبخا لهم ، كما لا يجوز أن يقول كيف ~~تسودون وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك أجمع من خلقه فيهم . وثانيها : ~~إذا كان خلقهم أولا للشقاء والنار وما أراد ms0566 بخلقهم إلا الكفر وإرادة الوقوع ~~في النار ، فكيف يصح أن يقول موبخا لهم كيف تكفرون ؟ . وثالثها : أنه كيف ~~يعقل من الحكيم أن يقول لهم : { كيف تكفرون بالله } حال ما يخلق الكفر فيهم ~~ويقول : { وما منع الناس أن يؤمنوا } حال ما منعهم عن الإيمان ويقول : { ~~فما لهم لا يؤمنون } ( الانشقاقق : 20 ) ، { فما لهم عن التذكرة معرضين } ( ~~المدثر : 49 ) وهو يخلق فيهم الأعراض ويقول : { إنى * تؤفكون * فأنى تصرفون ~~} ويخلق فيهم الإفك والصرف ومثل هذا الكلام بأن يعد من السخرية أولى من أن ~~يذكر في باب إلزام الحجة على العباد . ورابعها : أن الله تعالى إذا قال ~~للعبيد : { كيف تكفرون بالله } فهل ذكر هذا الكلام توجيها للحجة على العبد ~~وطلبا للجواب منه أو ليس كذلك ؟ فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره ~~فائدة فكان هذا الخطاب عبثا ، وإن ذكره لتوجيه الحجة على العبد ، فللعبد أن ~~يقول حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر . فالأول : أنك علمت بالكفر مني ~~والعلم بالكفر يوجب الكفر . والثاني : أنك أردت الكفر مني وهذه الإرادة ~~موجبة له . والثالث : أنك خلقت الكفر في وأنا لا أقدر على إزالة فعلك . ~~والرابع : أنك خلقت في PageV02P138 قدرة موجبة للكفر . والخامس : أنك خلقت ~~في إرادة موجبة للكفر . والسادس : أنك خلقت في قدرة موجبة للإرادة الموجبة ~~للكفر ثم لما حصلت هذه الأسباب الستة في حصول الكفر والإيمان يوقف على حصول ~~هذه الأسباب الستة في طرف الإيمان وهي بأسرها كانت مفقودة ، فقد حصل لعدم ~~الإيمان اثنا عشر سببا كل واحد منها مستقل بالمنع من الإيمان ، ومع قيام ~~هذه الأسباب الكثيرة كيف يعقل أن يقال كيف تكفرون بالله ؟ وخامسها : أنه ~~تعالى قال لرسوله قل لهم كيف تكفرون بالله الذي أنعم عليكم بهذه النعمة ~~العظيمة أعني نعمة الحياة وعلى قول أهل الجبر لا نعمة له تعالى على الكافر ~~/ وذلك لأن عندهم كل ما فعله الله تعالى بالكافر فإنما فعله ليستدرجه إلى ~~الكفر ويحرقه بالنار ، فأي نعمة تكون لله على العبد على هذا التقدير وهل ~~يكون ذلك ms0567 إلا بمنزلة من قدم إلى غيره صحفة فالوذج مسموم فإن ظاهره وإن كان ~~لذيذا ويعد نعمة لكن لما كان باطنه مهلكا فإن أحدا لا يعده نعمة ، ومعلوم ~~أن العذاب الدائم أشد ضررا من ذلك السم فلا يكون لله تعالى نعمة على الكافر ~~، فكيف يأمر رسوله بأن يقول لهم كيف تكفرون بمن أنعم عليكم بهذه النعم ~~العظيمة ، والجواب : أن هذه الوجوه عند البحث يرجع حاصلها إلى التمسك ~~بطريقة المدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب ، فنحن أيضا نقابلها ~~بالكلام المعتمد في هذه الشبهة ، وهو أن الله سبحانه وتعالى علم أنه لا ~~يكون ، فلو وجد لانقلب علمه جهلا وهو محال ومستلزم المحال محال ، فوقوعه ~~محال مع أنه قال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } وأيضا ~~فالقدرة على الكفر إن كانت صالحة للإيمان امتنع كونها مصدرا للإيمان على ~~التعيين إلا لمرجح ، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد السؤال ، وإن / كان ~~من الله فما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر ، وإذا حصل ذلك ~~المرجح وجب ، وعلى هذا كيف لا يعقل قوله : { كيف تكفرون بالله } واعلم أن ~~المعتزلي إذا طول كلامه وفرع وجوهه في المدح والذم فعليك بمقابلتها بهذين ~~الوجهين فإنهما يهدمان جميع كلامه ويشوشان كل شبهاته وبالله التوفيق . # المسألة االثانية : اتفقوا على أن قوله : { وكنتم أمواتا } المراد به ~~وكنتم ترابا ونطفا ، لأن ابتداء خلق آدم من التراب وخلق سائر المكلفين من ~~أولاده إلا عيسى عليه السلام من النطف ، لكنهم اختلفوا في أن إطلاق اسم ~~الميت على الجماد حقيقة أو مجاز والأكثرون على أنه مجاز لأنه شبه الموات ~~بالميت وليس أحدهما من الآخر بسبيل لأن الميت ما يحل به الموت ولا بد وأن ~~يكون بصفة من يجوز أن يكون حيا في العادة فيكون اللحمية والرطوبة وقال ~~الأولون هو حقيقة فيه وهو مروي عن قتادة ، قال كانوا أمواتا في أصلاب ~~آبائهم فأحياهم الله تعالى ثم أخرجهم ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ، ~~ثم أحياهم بعد الموت . فهما حياتان وموتتان واحتجوا بقوله : { خلق ms0568 الموت ~~والحيواة } والموت المقدم على الحياة هو كونه مواتا فدل على أن إطلاق الميت ~~على الموات ثابت على سبيل الحقيقة والأول هو الأقرب ، لأنه يقال في الجماد ~~إنه موات وليس بميت فيشبه أن يكون استعمال أحدهما في الآخر على سبيل ~~التشبيه قال القفال : وهو كقوله تعالى : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر ~~لم يكن شيئا مذكورا } ( الإنسان : 1 ) فبين سبحانه وتعالى أن الإنسان كان ~~لا شيء يذكر فجعله الله حيا وجعله سميعا بصيرا ومجازه من قولهم فلان ميت ~~الذكر . وهذا أمر ميت ، وهذه سلعة ميتة ، إذا لم يكن لها طالب ولا ذاكر قال ~~المخبل السعدي : # % فوأحييت لي ذكرى وما خاملا % % ولكن بعض الذكر أنبه من بعض % % ~~PageV02P139 # فكذا معنى الآية : { وكنتم أمواتا } أي خاملين ولا ذكر لكم لأنكم لم ~~تكونوا شيئا { فأحياكم } أي فجعلكم خلقا سميعا بصيرا . # المسألة الثالثة : احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القبر ، قالوا ~~لأنه تعالى بين أنه يحييهم مرة في الدنيا وأخرى في الآخرة ولم يذكر حياة ~~القبر ويؤكده قوله : { ثم إنكم بعد ذالك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون } ( المؤمنون : 15 ، 16 ) ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحالتين ، ~~قالوا ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى : { قالوا ربنا أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين } ( غافر : 11 ) لأنه قول الكفار ، ولأن كثيرا من الناس ~~أثبتوا حياة الذر في حلب آدم عليه السلام حين استخرجهم وقال : { ألست بربكم ~~} وعلى هذا التقدير حصل حياتان وموتتان من غير حاجة إلى إثبات حياة في ~~القبر ، فالجواب لم يلزم من عدم الذكر في هذه الآية أن لا تكون حاصلة ، ~~وأيضا فلقائل أن يقول : إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية . لأن ~~قوله في يحييكم ليس هو الحياة الدائمة وإلا لما صح أن يقول : { ثم إليه ~~ترجعون } لأن كلمة ثم تقتضي التراخي ، والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب ~~الحياة / الدائمة من غير تراخ فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلا على حياة ~~القبر كان قريبا . # المسألة الرابعة : قال الحسن رحمه الله قوله ms0569 : { كيف تكفرون بالله } يعني ~~به العامة ، وأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات نحو ما حكى في قوله : { ~~أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها } ( البقرة : 259 ) إلى قوله : ~~{ فأماته الله مائة عام ثم بعثه } وكقوله : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } ( البقرة : 243 ~~) وكقوله : { فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم } ~~وكقوله : { فقلنا اضربوه ببعضها كذالك يحى الله الموتى } وكقوله : { وكذالك ~~أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها } ( الكهف : ~~21 ) وكقوله في قصة أيوب عليه السلام : { فاستجبنا له فكشفنا ما } فإن الله ~~تعالى رد عليه أهله بعد ما أماتهم . # المسألة الخامسة : تمسك المجسمة بقوله تعالى : { ثم إليه ترجعون } على ~~أنه تعالى في مكان وهذا ضعيف ، والمراد أنهم إلى حكمة يرجعون لأنه تعالى ~~يبعث من في القبور ويجمعهم في المحشر وذلك هو الرجوع إلى الله تعالى وإنما ~~وصف بذلك لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم غيره كقولهم رجع أمره إلى ~~الأمير ، أي إلى حيث لا يحكم غيره . # المسألة السادسة : هذه الآية دالة على أمور : الأول : أنها دالة على أنه ~~لا يقدر على الإحياء والإماتة إلا الله تعالى فيبطل به قول أهل الطبائع من ~~أن المؤثر في الحياة والموت كذا وكذا من الأفلاك والكواكب والأركان ~~والمزاجات كما حكى عن قوم في قوله : { إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما * يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) الثاني : أنها تدل على صحة ~~الحشر النشر مع التنبيه على الدليل العقلي الدال عليه ، لأنه تعالى بين أنه ~~أحيا هذه الأشياء بعد موتها في المرة الأولى فوجب أن يصح ذلك في المرة ~~الثانية ، الثالث : أنها تدل على التكليف والترغيب والترهيب . الرابع : ~~أنها دالة على الجبر والقدر كما تقدم بيانه ، الخامس : أنها دالة على وجوب ~~الزهد في الدنيا لأنه قال : { فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } فبين أنه لا ~~بد من الموت ثم بين أنه لا يترك ms0570 على هذا الموت . بل لا بد من الرجوع إليه ~~أما أنه لا بد من الموت ، فقد بين سبحانه وتعالى PageV02P140 أنه بعد ما ~~كان نطقة فإن الله أحياه وصوره أحسن صورة وجعله بشرا سويا وأكمل عقله وصيره ~~بصيرا بأنواع المنافع والمضار وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور ، ثم ~~إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئا ولا يبقى ~~منه في الدنيا خبر ولا أثر ويبقى مدة طويلة في اللحود كما قال تعالى : { ~~ومن ورائهم برزخ } ( المؤمنون : 100 ) ينادي فلا يجيب ويستنطق فلا يتكلم ثم ~~لا يزوره الأقربون ، بل ينساه الأهل والبنون . كما قال يحيى بن معاذ الرازي ~~: # % فيمر أقاربي بحذاء قبري % % كأن أقاربي لم يعرفوني % # وقال أيضا : إلهي كأني بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها ، وانصرف المشيعون عن ~~تشييعها ، وبكى الغريب عليها لغربتها ، وناداها من شفير القبر ذو مودتها ، ~~ورحمتها الأعادي عند جزعتها ، / ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها ، فما ~~رجائي إلا أن نقول : ما تقول ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون ~~، ووحيد قد جفاه المحبون ، أصبح مني قريبا وفي اللحد غريبا ، وكان لي في ~~الدنيا داعيا ومجيبا ، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجيا ، ~~فأحسن إلى هناك يا قديم الإحسان ، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران . وأما ~~أنه لا بد من الرجوع إلى الله فلأن سبحانه يأمر بأن ينفخ في الصور { فصعق ~~من فى * السماوات * ومن فى الارض * ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ~~( الزمر : 68 ) وقال : { يخرجون من الاجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون } ( ~~المعارج : 43 ) ثم يعرضون على الله كما قال : { وعرضوا على ربك صفا } ( ~~الكهف : 48 ) فيقومون خاشعين خاضعين كما قال : { وخشعت الاصوات للرحمان } ( ~~طه : 108 ) وقال بعضهم : إلهنا إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا . ومن ~~شدة الخوف شاحبة وجوهنا ، ومن هول القيامة مطرقة رؤوسنا . وجائعة لطول ~~القيامة بطوننا ، وبادية لأهل الموقف سوآتنا ، وموقرة من ثقل الأوزار ~~ظهورنا ، وبقينا متحيرين في أمورنا نادمين على ذنوبنا ، فلا تضعف المصائب ms0571 ~~بإعراضك عنا ، ووسع رحمتك وغفرانك لنا ، يا عظيم الرحمة يا واسع المغفرة . # ! 7 < { هو الذى خلق لكم ما فى الا رض جميعا ثم استوى إلى السمآء فسواهن ~~سبع سماوات وهو بكل شىء عليم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 29 ) هو الذي خلق . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النعمة الثانية التي عمت المكلفين بأسرهم وما أحسن ما ~~رعى الله سبحانه وتعالى هذا الترتيب فإن الانتفاع بالأرض والسماء إنما يكون ~~بعد حصول الحياة فلهذا ذكر الله أمر الحياة أولا ثم أتبعه بذكر السماء ~~والأرض ، أما قوله : { خلق } فقد مر تفسيره في قوله : { اعبدوا ربكم الذى ~~خلقكم } وأما قوله : { لكم } فهو يدل على أن المذكور بعد قوله خلق لأجل ~~انتفاعنا في الدين والدنيا ، أما في الدنيا فليصلح أبداننا ولنتقوى به على ~~الطاعات وأما في الدين فللاستدلال بهذه الأشياء والاعتبار بها وجمع بقوله : ~~PageV02P141 { ما فى الارض جميعا } جميع المنافع ، فمنها ما يتصل بالحيوان ~~والنبات والمعادن والجبال ومنها ما يتصل بضروب الحرف والأمور التي استنبطها ~~العقلاء وبين تعالى أن كل ذلك إنما خلقها كي ينتفع بها كما قال : { وسخر ~~لكم ما فى * السماوات وما في الارض } فكأنه سبحانه وتعالى قال كيف تكفرون ~~بالله وكنتم أمواتا فأحياكم وكيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في السموات ~~وما في الأرض جميعا أو يقال كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة وقد أحياكم ~~بعد موتكم ولأنه خلق لكم ما في الأرض / جميعا فكيف يعجز عن إعادتكم ثم إنه ~~تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سورة مختلفة كما قال : { أنا صببنا الماء ~~صبا } وقال في أول سورة أتى أمر الله { والانعام خلقها لكم } ( النحل : 5 ) ~~إلى آخره وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال أصحابنا : إنه سبحانه وتعالى لا يفعل فعلا لغرض ~~لأنه لو كان كذلك كان مستكملا بذلك الغرض والمستكمل بغيره ناقص بذاته وذلك ~~على الله تعالى محال فإن قيل : فعله تعالى معلل بغرض غير عائد إليه بل إلى ~~غيره ، قلنا : عود ذلك الغرض إلى ذلك الغير هل هو أولى لله تعالى من عود ~~ذلك ms0572 الغرض إليه أو ليس أولى ؟ فإن كان أولى فهو تعالى قد انتفع بذلك الفعل ~~فيعود المحذور المذكور وإن كان الثاني لم يكن تحصيل ذلك الغرض المذكور لذلك ~~الغير غرضا لله تعالى فلا يكون مؤثرا فيه . وثانيها : أن من فعل فعلا لغرض ~~كان عاجزا عن تحصيل ذلك الغرض إلا بواسطة ذلك الفعل والعجز على الله تعالى ~~محال . وثالثها : أنه تعالى لو فعل فعلا لغرض لكان ذلك الغرض إن كان قديما ~~لزم قدم الفعل وإن كان محدثا كان فعله لذلك الغرض لغرض آخر ويلزم التسلسل ~~وهو محال . ورابعها : أنه تعالى لو كان يفعل لغرض لكان ذلك الغرض هو رعاية ~~مصلحة المكلفين ولو توقفت فاعليته على ذلك لما فعل ما كان مفسدة في حقهم ~~لكنه قد فعل ذلك حيث كلف من علم أنه لا يؤمن ثم إنهم تكلموا في اللام في ~~قوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } وفي قوله : { إلا ليعبدون } ~~فقالوا إنه تعالى لما فعل ما لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض ~~لا جرم أطلق الله عليه لفظ الغرض بسبب هذه المشابهة . # المسألة الثانية : احتج أهل الإباحة بقوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض ~~جميعا } على أنه تعالى خلق الكل للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا وهو ~~ضعيف لأنه تعالى قابل الكل بالكل ، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، والتعيين ~~يستفاد من دليل منفصل والفقهاء رحمهم الله استدلوا به على أن الأصل في ~~المنافع الإباحة وقد بيناه في أصول الفقه . # المسألة الثالثة : قيل إنها تدل على حرمة أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ~~ما في الأرض دون نفس الأرض / ولقائل أن يقول في جملة الأرض ما يطلق عليه ~~أنه في الأرض فيكون جمعا للموضعين ، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك وكذلك ~~عروق الأرض وما يجري مجرى بعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ~~الحكم عما عداه . # المسألة الرابعة : قوله : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } يقتضي أنه لا ~~تصح الحاجة على الله تعالى وإلا ms0573 لكان قد فعل هذه الأشياء لنفسه أيضا لا ~~لغيره ، وأما قوله تعالى : { ثم استوى إلى السماء } فيه مسائل : # المسألة الأولى : الاستواء في كلام العرب قد يكون بمعنى الانتصاب وضده ~~الإعوجاج ولما كان ذلك من صفات الأجسام ، فالله تعالى يجب أن يكون منزها عن ~~ذلك ولأن في الآية ما يدل على فساده لأن قوله : PageV02P142 { ثم استوى } ~~يقتضي التراخي ولو كان المراد من هذا الاستواء العلو / بالمكان لكان ذلك ~~العلو حاصلا أولا ولو كان حاصلا أولا لما كان متأخرا عن خلق ما في الأرض ~~لكن قوله : { ثم استوى } يقتضي التراخي ، ولما ثبت هذا وجب التأويل وتقريره ~~أن الاستواء هو الاستقامة يقال استوى العود إذا قام واعتدل ثم قيل استوى ~~إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلتفت إلى شيء آخر ومنه ~~استعير قوله : { ثم استوى إلى السماء } أي خلق بعد الأرض السماء ولم يجعل ~~بينهما زمانا ولم يقصد شيئا آخر بعد خلقه الأرض . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا ثم ~~استوى إلى السماء } مفسر بقوله : { قل * أئنكم * لتكفرون بالذى خلق الارض ~~فى يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسى من فوقها ~~وبارك فيها وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين } ( فصلت : 9 ، ~~10 ) بمعنى تقدير الأرض في يومين وتقدير الأقوات في يومين آخرين كما يقول ~~القائل من الكوفة إلى المدينة عشرون يوما ، وإلى مكة ثلاثون يوما يريد أن ~~جميع ذلك هو هذا القدر ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين ومجموع ذلك ستة ~~أيام على ما قال : { خلق * السماوات والارض * في ستة أيام } . # المسألة الثالثة : قال بعض الملحدة هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل ~~خلق السماء وكذا قوله : { أئنكم * لتكفرون بالذى خلق الارض فى يومين } إلى ~~قوله تعالى : { ثم استوى إلى السماء } وقال في سورة النازعات : { أءنتم ~~خلقا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * ~~والارض بعد ذلك دحاها } ( النازعات : 27 30 ) وهذا يقتضي ms0574 أن يكون خلق الأرض ~~بعد السماء وذكر العلماء في الجواب عنه وجوها : أحدها : يجوز أن يكون خلق ~~الأرض قبل خلق السماء إلا أنه ما دحاها حتى خلق السماء لأن التدحية هي ~~البسط ولقائل أن يقول هذا أمر مشكل من وجهين : الأول : أن الأرض جسم عظيم ~~فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية وإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء ~~كان خلقها أيضا لا محالة متأخرا عن خلق السماء . الثاني : أن قوله تعالى : ~~{ خلق لكم ما فى الارض جميعا ثم استوى إلى السماء } يدل على أن خلق الأرض ~~وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن ~~إلا إذا كانت مدحوة فهذه الآية تقتضي تقدم كونها مدحوة قبل خلق السماء ~~وحينئذ يتحقق التناقض . والجواب : أن قوله تعالى : { والارض بعد ذلك دحاها ~~} يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة ~~على خلق الأرض / وعلى هذا التقدير يزول التناقض ، ولقائل أن يقول : قوله ~~تعالى : { أشد خلقا أم السماء بناها رفع * رفع سمكها فسواها } يقتضي أن ~~يكون خلق السماء وتسويتها مقدم على تدحية الأرض ولكن تدحية الأرض ملازمة ~~لخلق ذات الأرض فإن ذات السماء وتسويتها متقدمة على ذات الأرض وحينئذ يعود ~~السؤال ، وثالثها : وهو الجواب الصحيح أن قوله : ( ثم ) ليس للترتيب ههنا ~~وإنما هو على جهة تعديد النعم ، مثاله قول الرجل لغيره : / أليس قد أعطيتك ~~النعم العظيمة ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك ، ولعل بعض ما أخره في ~~الذكر قد تقدم فكذا ههنا والله أعلم . # المسألة الرابعة : الضمير في فسواهن ضمير مبهم ، وسبع سموات تفسير له ~~كقوله ربه رجلا وفائدته أن المبهم إذا تبين كان أفخم وأعظم من أن يبين أولا ~~لأنه إذا أبهم تشوفت النفوس إلى الاطلاع عليه وفي البيان PageV02P143 بعد ~~ذلك شفاء لها بعد التشوف ، وقيل الضمير راجع إلى السماء ، والسماء في معنى ~~الجنس وقيل جمع سماءة ، والوجه العربي هو الأول ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن ~~وإخلاؤه من العوج والفطور وإتمام خلقهن . # المسألة ms0575 الخامسة : اعلم أن القرآن ههنا قد دل على وجود سبع سموات ، وقال ~~أصحاب الهيئة أقربها إلينا كرة القمر ، وفوقها كرة عطارد ، ثم كرة الزهرة ، ~~ثم كرة الشمس . ثم كرة المريخ ، ثم كرة المشتري ، ثم كرة زحل ، قالوا ولا ~~طريق إلى معرفة هذا الترتيب إلا من وجهين : الأول : الستر وذلك أن الكوكب ~~الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يصيران ككوكب واحد ~~ويتميز الساتر عن المستور بكونه الغالب كحمرة المريخ وصفرة عطارد ، وبياض ~~الزهرة ، وزرقة المشتري ، وكدورة زحل كما أن القدماء وجدوا القمر يكسف ~~الكواكب الستة . وكوكب عطارد يكسف الزهرة ، والزهرة تكسف المريخ ، وهذا ~~الترتيب على هذا الطريق يدل على كون الشمس فوق القمر لانكسافها به ولكن لا ~~يدل على كونها تحت سائر الكواكب أو فوقها لأنها لا تنكسف بشيء منها ~~لاضمحلال سائر الكواكب عند طلوعها فعند هذا ذكروا طريقين : أحدهما : ذكر ~~بعضهم أنه رأى الزهرة كشامة في صحيفة الشمس ، وهذا ضعيف لأن منهم من زعم أن ~~في وجه الشمس شامة كما أن حصل في وجه القمر المحو ، الثاني : اختلاف المنظر ~~فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل ، وأما ~~في حق الشمس فإنه قليل جدا فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين هذا ما ~~قاله الأكثرون إلا أن أبا الريحان قال في ( تلخيصه لفصول الفرغاني ) : إن ~~اختلاف المنظر لا يحس إلا في القمر فبطلت هذه الوجوه وبقي موضع الشمس ~~مشكوكا . واعلم أن أصحاب الأرصاد وأرباب الهيئة زعموا أن الأفلاك تسعة ، ~~فالسبعة هي هذه التي ذكرناها والفلك الثامن هو الذي حصلت هذه الكواكب ~~الثابتة فيه ، وأما الفلك التاسع فهو الفلك الأعظم وهو يتحرك في كل يوم ~~وليلة دورة واحدة بالتقريب ، واحتجوا على إثبات الفلك الثامن بأنا وجدنا ~~لهذه الكواكب الثابتة حركات بطيئة وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة ~~فلكها والأفلاك الحاملة لهذه السيارات تتحرك حركات سريعة فلا بد من جسم آخر ~~يتحرك حركة بطيئة ويكون هو الحامل لهذه الثوابت ، وهذه الدلالة ضعيفة من ~~وجوه : أولها : لم ms0576 لا يجوز أن يقال الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون ~~مركوزة في جسم آخر وهذا الاحتمال لا يفسد إلا بإفساد المختار / ودونه خرط ~~القتاد . وثانيها : سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال إن هذه الكواكب ~~مركوزة في ممثلات السيارات والسيارات مركوزة في حواملها ، وعند ذلك لا ~~يحتاج إلى إثبات الفلك الثامن . وثالثها : لم لا يجوز أن يكون ذلك الفلك ~~تحت فلك القمر فيكون تحت كرات السيارات لا فوقها فإن قيل إنا نرى هذه ~~السيارات تكسف هذه الثوابت والكاسف تحت المكسوف لا محالة قلنا هذه السيارات ~~إنما تكسف الثوابت القريبة من المنطقة فأما الثوابت القريبة من القطبين فلا ~~/ فلم لا يجوز أن يقال هذه الثوابت القريبة من المنطقة مركوزة في الفلك ~~الثامن الذي هو فوق كرة زحل وهذه الثوابت القريبة من القطبين التي لا يمكن ~~انكسافها بالسيارات مركوزة في كرة أخرى تحت كرة القمر وهذا الاحتمال لا ~~دافع له ، ثم نقول هب أنكم أثبتم هذه الأفلاك التسعة فما الذي دلكم على نفي ~~الفلك العاشر ، أقصى ما في الباب أن الرصد ما دل PageV02P144 إلا على هذا ~~القدر إلا أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول ، والذي يحقق ذلك أنه قال ~~بعض المحققين منهم : إنه ما تبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو ~~كرات منطو بعضها على بعض وأقول هذا الاحتمال واقع ، لأن الذي يستدل به على ~~وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال إن حركاتها متشابهة ومتى كان الأمر كذلك ~~كانت مركوزة في كرة واحدة ولكتا المقدمتين غير يقينتيني . أما الأولى : ~~فلأن حركاتها وإن كانت في الحس واحدة ولكن لعلها لا تكون في الحقيقة واحدة ~~، لأنا لو قدرنا أن واحدا منها يتمم الدورة في ستة وثلاثين ألف سنة . ~~والآخر يتمم الدورة في مثل هذه المدة بنقصان سنة واحدة فإذا وزعنا ذلك ~~النقصان على هذه السنين كان الذي هو حصة السنة الواحدة ثلاثة عشر جزءا من ~~ألف ومائتي جزء من واحد ، وهذا القدر مما لا يحس به ms0577 بل العشر سنين والمائة ~~والألف مما لا يحس به البتة ، وإذا كان ذلك محتملا سقط القطع البتة عن ~~استواء حركات الثوابت . وأما الثانية : فلأن استواء حركات الثوابت في ~~مقادير حركاتها لا يوجب كونها بأسرها مركوزة في كرة واحدة لاحتمال كونها ~~مركوزة في كرات متباينة وإن كانت مشتركة في مقادير حركاتها وهذا كما يقولون ~~في ممثلات أكثر الكواكب فإنها في حركاتها مساوية لفلك الثوابت فكذا ههنا . ~~وأقول إن هذا الاحتمال الذي ذكره هذا القائل غير مختص بفلك الثوابت فلعل ~~الجرم المتحرك بالحركة اليومية ليس جرما واحدا بل أجراما كثيرة إما مختلفة ~~الحركات لكن بتفاوت قليل لا تفي بإدراكها أعمارنا وأرصادنا وإما متساوية ~~على الإطلاق ولكن تساويها لا يوجب وحدتها ، ومن أصحاب الهيئة من قطع بإثبات ~~أفلاك أخر غير هذه التسعة فإن من الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت وتحت ~~الفلك الأعظم واستدل عليه من وجوه : الأول : أن الراصدين للميل الأعظم ~~وجدوه مختلف المقدار فكل من كان رصده أقدم وجد مقدار الميل أعظم فإن ~~بطليموس وجده ( لح يا ) ثم وجد في زمان المأمون ( كح له ) ثم وجد بعد / ~~المأمون قد تناقص بدقيقة وذلك يقتضي أن من شأن المنطقتين أن يقل ميلهما ~~تارة ويكثر أخرى وهذا إنما يمكن إذا كان بين كرة الكل وكرة الثوابت كرة ~~أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل وتكون كرة الثوابت يدور قطباها حول ~~قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضا وتارة ~~إلى جانب الجنوب مرتفعا فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة ~~البروج ، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب عندما يرتفع قطب فلك الثوابت ~~إلى الجنوب ، وتارة إلى الشمال . كما هو الآن . الثاني : أن أصحاب الأرصاد ~~اضطربوا اضطرابا شديدا في مقدار سير الشمس على ما هو مشروح في ( كتب النجوم ~~) حتى أن بطليموس حكى عن أبرخيس أنه كان شاكا في أن هذه العودة تكون في ~~أزمنة متساوية أو مختلفة وأنه يقول في بعض أقاويله : إنها مختلفة ، وفي ~~بعضها ms0578 : إنها متساوية في إن الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين : أحدهما : ~~قول من يجعل أوج الشمس متحركا فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس ~~من هذه الجهة يختلف عند نقطة الاعتدال لاختلاف بعدها عن الأوج فيختلف زمان ~~سير الشمس من أجله . الثاني : قول أهل الهند والصين وبابل وأكثر قدماء ~~الروم ومصر والشام : إن السبب فيه انتقال فلك PageV02P145 البروج وارتفاع ~~قطبه وانحطاطه ، وحكي عن أبرخيس أنه كان يعتقد هذا الرأي وذكر بارياء ~~الإسكندراني أن أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك وأن نقطة فلك البروج ~~تتقدم عن موضعها وتتأخر ثمان درجات وقالوا إن ابتداء الحركة من ( كب ) درجة ~~من الحوت إلى أول الحمل واعلم أن هذا الخبط مما ينبهك على أنه لا سبيل ~~للعقول البشرية إلى إدراك هذه الأشياء وأنه لا يحيط بها إلا علم فاطرها ~~وخالقها فوجب الاقتصار فيه على الدلائل السمعية / فإن قال قائل فهل يدل ~~التنصيص على سبع سموات على نفي العدد الزائد ؟ قلنا الحق أن تخصيص العدد ~~بالذكر لا يدل على نفي الزائد . # المسألة السادسة : قوله تعالى : { وهو بكل شىء عليم } يدل على أنه سبحانه ~~وتعالى لا يمكن أن يكون خالقا للأرض وما فيها وللسموات وما فيها من العجائب ~~والغرائب إلا إذا كان عالما بها محيطا بجزئياتها وكلياتها ، وذلك يدل على ~~أمور : أحدها : فساد قول الفلاسفة الذين قالوا إنه لا يعلم الجزئيات وصحة ~~قول المتكلمين ، و ذلك لأن المتكلمين استدلوا على علم الله تعالى بالجزئيات ~~بأن قالوا : إن الله تعالى فاعل لهذه الأجسام على سبيل الأحكام والاتقان ~~وكل فاعل على هذا الوجه فإن لا بد وأن يكون عالما بما فعله وهذه الدلالة ~~بعينها ذكرها الله تعالى في هذا الموضع لأنه ذكر خلق السموات والأرض ثم فرع ~~على ذلك كونه عالما ، فثبت بهذا أن قول المتكلمين في هذا المذهب وفي هذا ~~الاستدلال مطابق للقرآن . وثانيها : فساد قول المعتزلة وذلك لأنه سبحانه ~~وتعالى بين أن الخالق للشيء على سبيل التقدير والتحديد لا بد وأن يكون ~~عالما به وبتفاصيله لأن خالقه ms0579 قد خصه بقدر دون قدر والتخصيص بقدر معين لا ~~بد وأن يكون بإرادة وإلا فقد حصل الرجحان من غير مرجح والإرادة مشروطة ~~بالعلم فثبت أن خالق / الشيء لا بد وأن يكون عالما به على سبيل التفصيل . ~~فلو كان العبد موجدا لأفعال نفسه لكان عالما بها وبتفاصيلها في العدد ~~والكمية والكيفية فلما لم يحصل هذا العلم علمنا أنه غير موجد نفسه . ~~وثالثها : قالت المعتزلة : إذا جمعت بين هذه الآية وبين قوله : { وفوق كل ~~ذى علم عليم } ظهر أنه تعالى عالم بذاته ، والجواب : قوله تعالى : { وفوق ~~كل ذى علم عليم } عام وقوله : { أنزله بعلمه } خاص والخاص مقدم على العام . ~~والله تعالى أعلم . # ! 7 < { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنيأعلم ما لا ~~تعلمون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 30 ) وإذ قال ربك . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية دالة على كيفية خلقة آدم عليه السلام وعلى كيفية ~~تعظيم الله تعالى إياه فيكون ذلك إنعاما عاما على جميع بني آدم فيكون هذا ~~هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامة التي أوردها في هذا الموضع ثم فيه ~~مسائل : PageV02P146 # المسألة الأولى : في إذ قولان : أحدهما : أنه صلة زائدة إلا أن العرب ~~يعتادون التكلم بها والقرآن نزل بلغة العرب . الثاني : وهو الحق أنه ليس في ~~القرآن ما لا معنى له وهو نصب بإضمار اذكر ، والمعنى أذكر لهم قال ربك ~~للملائكة فأضمر هذا لأمرين : أحدهما : أن المعنى معروف . والثاني : أن الله ~~تعالى قد كشف ذلك في كثير من المواضع كقوله : { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه ~~بالاحقاف } ( الأحقاف : 21 ) وقال : { واذكر عبدنا * داوود } ( ص: 17 ) ، { ~~واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون * إذ أرسلنا إليهم اثنين } ~~( يس : 13 ، 14 ) والقرآن كله كالكلمة الواحدة ولا يبعد أن تكون هذه ~~المواضع المصرحة نزلت قبل هذه السورة فلا جرم ترك ذلك ههنا اكتفاء بذلك ~~المصرح . قال صاحب ( الكشاف ) : ويجوز أن ينتصب ( إذ ) بقالوا . # المسألة الثانية : الملك أصله ms0580 من الرسالة ، يقال ألكني إليه أي أرسلني ~~إليه والمألكة والألوكة الرسالة وأصله الهمزة من ( ملأكة ) حذفت الهمزة ~~وألقيت حركتها على ما قبلها طلبا للخفة لكثرة استعمالها ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) : الملائك جمع ملأك على الأصل كالشمائل في جمع شمأل وإلحاق التاء ~~لتأنيث الجمع . # / المسألة الثالثة : من الناس من قال : الكلام في الملائكة ينبغي أن يكون ~~مقدما على الكلام في الأنبياء لوجهين : الأول : أن الله تعالى قدم ذكر ~~الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالرسل في قوله : { والمؤمنون كل ءامن ~~بالله وملئكته وكتبه ورسله } ( المؤمنون : 285 ) ولقد قال عليه السلام : ( ~~ابدؤا بما بدأ الله به ) الثاني : أن الملك واسطة بين الله وبين الرسول في ~~تبليغ الوحي والشريعة فكان مقدما على الرسول ، ومن الناس من قال : الكلام ~~في النبوات مقدم على الكلام في الملائكة لأنه لا طريق لنا إلى معرفة وجود ~~الملائكة بالعقل بل بالسمع ، فكان الكلام في النبوات أصلا للكلام في ~~الملائكة فلا جرم وجب تقديم الكلام في النبوات ، والأولى أن يقال الملك قبل ~~النبي بالشرف والعلية وبعده في عقولنا وأذهاننا بحسب وصولنا إليها بأفكارنا ~~. واعلم أنه لا خلاف بين العقلاء في أن شرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود ~~الملائكة فيه كما أن شرف الرتبة للعالم السفلى هو وجود الإنسان فيه إلا أن ~~الناس اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتهم وطريق ضبط المذاهب أن يقال : ~~الملائكة لا بد وأن تكون ذوات قائمة بأنفسها ثم إن تلك الذوات إما أن تكون ~~متحيزة أولا تكون ، أما الأول : وهو أن تكون الملائكة ذوات متحيزة فهنا ~~أقوال : أحدها : أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة ~~مسكنها السموات ، وهذا قول أكثر المسلمين . وثانيا : قول طوائف من عبدة ~~الأوثان وهو أن الملائكة هي الحقيقة في هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد ~~والأنحاس فإنها بزعمهم أحياء ناطقة ، وأن المسعدات منها ملائكة الرحمة ~~والمنحسات منها ملائكة العذاب ، وثالثها : قول معظم المجوس والثنوية وهو أن ~~هذا العالم مركب من أصلين أزليين وهما النور والظلمة / وهما في الحقيقة ~~جوهران شفافان مختاران قادران متضادا النفس ms0581 والصورة مختلفا الفعل والتدبير ~~، فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر ، وينفع ولا ~~يمنع ، ويحيى ولا يبلى وجوهر الظلمة على ضد ذلك . ثم إن جوهر النور لم يزل ~~يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة ~~من الحكيم والضوء من المضيء . وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء وهم ~~الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح فهذه أقوال من ~~جعل الملائكة PageV02P147 أشياء متحيزة جسمانية . القول الثاني : أن ~~الملائكة ذوات قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ولا بأجسام فههنا قولان : ~~أحدهما : قول طوائف من النصارى وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس ~~الناطقة المفارقة لأبدانها على نعت الصفاء والخيرية وذلك لأن هذه النفوس ~~المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة ، وإن كانت خبيثة كدرة فهي ~~الشياطين . وثانيهما : قول الفلاسفة : وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها وليست ~~بمتحيزة البتة ، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية ~~وأنها أكمل قوة منها وأكثر علما منها ، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى ~~الشمس بالنسبة إلى الأضواء ، ثم إن هذه الجواهر على قسمين ، منها ما هي ~~بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب / كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا ~~، ومنها ما هي لا على شيء من تدبير الأفلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله ~~ومحبته ومشتغلة بطاعته ، وهذا القسم هم الملائكة المقربون ونسبتهم إلى ~~الملائكة الذين يدبرون السموات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة . ~~فهذان القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما ، ومنهم من أثبت أنواعا أخر ~~من الملائكة وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي ، ثم ~~إن المدبرات لهذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة وإن كانت شريرة فهم ~~الشياطين ، فهذا تفصيل مذاهب الناس في الملائكة واختلف أهل العلم في أنه هل ~~يمكن الحكم بوجودها من حيث العقل أو لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع ؟ أما ~~الفلاسفة فقد اتفقوا على أن في العقل دلائل تدل على وجود الملائكة ، ولنا ~~معهم في تلك الدلائل أبحاث دقيقة عميقة ، ومن الناس من ms0582 ذكر في ذلك وجوها ~~عقلية اقناعية ولنشر إليها . أحدها : أن المراد من الملك الحي الناطق الذي ~~لا يكون ميتا ، فنقول القسمة العقلية تقتضي وجود أقسام ثلاثة فإن الحي إما ~~أن يكون ناطقا وميتا معا وهو الإنسان ، أو يكون ميتا ولا يكون ناطقا وهو ~~البهائم ، أو يكون ناطقا ولا يكون ميتا وهو الملك ، ولا شك أن أخس المراتب ~~هو الميت غير الناطق ، وأوسطها الناطق الميت ، وأشرفها الناطق الذي ليس ~~بميت ، فإذا اقتضت الحكمة الإلهية إيجاد أخس المراتب وأوسطها ، فلأن تقتضي ~~إيجاد أشرف المراتب وأعلاها كان ذلك أولى ، وثانيا : أن الفطرة تشهد بأن ~~عالم السموات أشرف من هذا العالم السفلي وتشهد بأن الحياة والعقل والنطق ~~أشرف من أضدادها ومقابلتها فيبعد في العقل أن تحصل الحياة والعقل والنطق في ~~هذا العالم الكدر الظلماني ، ولا تحصل البتة في ذلك العالم الذي هو عالم ~~الضوء والنور والشرف . وثالثها : أن أصحاب المجاهدات أثبتوها من جهة ~~المشاهدة والمكاشفة ، وأصحاب الحاجات والضرورات أثبتوها من جهة أخرى وهي ما ~~يشاهد من عجائب آثارها في الهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة وتركيب ~~المعجونات واستخراج صنعة التريقات ، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة ، ~~فهذه وجوه إقناعية بالنسبة إلى من سمعها ولم يمارسها ، وقطعية بالنسبة إلى ~~من جربها وشاهدها واطلع على أسرارها ، وأما الدلائل النقلية فلا نزاع البتة ~~بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة ، بل ذلك كالأمر المجمع عليه ~~بينهم والله أعلم . # المسألة الرابعة : في شرح كثرتهم : قال عليه الصلاة والسلام : ( أطت ~~السماء وحق لها أن تئط ما فيها PageV02P148 موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو ~~راكع ) وروي أن بني آدم عشر الجن ، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر ، ~~وهؤلاء كلهم عشر الطيور ، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر ، وهؤلاء كلهم عشر ~~ملائكة الأرض الموكلين بها ، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا ، وكل هؤلاء ~~عشر ملائكة السماء الثالثة ، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة ~~ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل ، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة ~~السرادق الواحد من سرادقات ms0583 / العرش التي عددها ستمائة ألف ، طول كل سرادق ~~وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرضون وما فيها وما بينها فإنها كلها ~~تكون شيئا يسيرا وقدرا صغيرا ، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو ~~راكع أو قائم ، لهم زجل بالتسبيح والتقديس ، ثم كل هؤلاء في مقابلة ~~الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعلم عددهم إلا الله ~~. ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام . ~~والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام . وهم كلهم سامعون مطيعون لا ~~يفترون مشتغلون بعبادته سبحانه وتعالى . رطاب الألسن بذكره وتعظيمه ~~يتسابقون في ذلك مذ خلقهم ، لا يستكبرون عن عبادته آناء الليل والنهار ولا ~~يسألمون ، لا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله ~~تعالى ، وهذا تحقيق حقيقة ملكوته جل جلاله على ما قال : { وما يعلم جنود ~~ربك إلا هو } ( المدثر : 31 ) . وأقول رأيت في بعض كتب التذكير أنه عليه ~~الصلاة والسلام حين عرج به رأى ملائكة في موضع بمنزلة سوق بعضهم يمشي تجاه ~~بعض فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهم إلى أين يذهبون . فقال جبريل ~~عليه السلام . لا أدري إلا أني أراهم مذ خلقت ولا أرى واحدا منهم قد رأيته ~~قبل ذلك ثم سألوا واحدا منهم وقيل له مذ كم خلقت ؟ فقال لا أدري غير أن ~~الله تعالى يخلق كوكبا في كل أربعمائة ألف سنة فخلق مثل ذلك الكوكب منذ ~~خلقني أربعمائة ألف مرة ، فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجل كماله . ~~واعلم أن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن أصنافهم وأوصافهم ، أما الأصناف ~~. فأحدها : حملة العرش وهو قوله : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ( ~~الحاقة : 17 ) ، وثانيها : الحافون حول العرش على ما قال سبحانه : { وترى ~~الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم } ( الزمر : 75 ) وثالثها : ~~أكابر الملائكة فمنهم جبريل وميكائيل صلوات الله عليهما لقوله تعالى : { من ~~كان عدوا لله وملئكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين } ( ~~البقرة : 98 ) ثم ms0584 إنه سبحانه وتعالى وصف جبريل عليه السلام بأمور . الأول : ~~أنه صاحب الوحي إلى الأنبياء قال تعالى : { نزل به الروح الامين * على قلبك ~~} ( الشعراء : 193 ، 194 ) الثاني : أنه تعالى ذكره قبل سائر الملائكة في ~~القرآن { قل من كان عدوا لجبريل } ( البقرة : 97 ) ولأن جبريل صاحب الوحي ~~والعلم ، وميكائيل صاحب الأرزاق والأغذية ، والعلم الذي هو الغذاء الروحاني ~~أشرف من الغذاء الجسماني فوجب أن يكون جبريل عليه السلام أشرف من ميكائيل ~~الثالث : أنه تعالى جعله ثاني نفسه { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح ~~المؤمنين } . الرابع : سماه روح القدس قال في حق عيسى عليه السلام : { إذ ~~أيدتك بروح القدس } ( المائدة : 110 ) الخامس : ينصر أولياء الله ويقهر ~~أعداءه مع ألف من الملائكة مسومين ، السادس : أنه تعالى مدحه بصفات ست في ~~قوله : { إنه لقول رسول كريم * ذى قوة عند ذى العرش مكين * مطاع ثم أمين } ~~( التكوير : 19 20 ) فرسالته أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع ~~الأنبياء ، فجميع PageV02P149 الأنبياء والرسل أمته وكرمه على ربه أنه جعله ~~واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء ، وقوته أنه رفع مدائن قوم لوط ~~إلى السماء وقلبها ، ومكانته عند الله أنه / جعله ثاني نفسه في قوله تعالى ~~: { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين } وكونه مطاعا أنه إمام ~~الملائكة ومقتداهم ، وأما كونه أمينا فهو قوله : { نزل به الروح الامين * ~~على قلبك لتكون من المنذرين } ( الشعراء : 193 ) ومن جملة أكابر الملائكة ~~إسرافيل وعزرائيل صلوات الله عليهما وقد ثبت وجودهما بالأخبار وثبت بالخبر ~~أن عزرائيل هو ملك الموت على ما قال تعالى : { قل يتوفاكم ملك الموت الذى ~~وكل بكم } ( السجدة : 11 ) وأما قوله : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا } ( الأنعام : 61 ) فذلك يدل على وجود ملائكة موكلين بقبض الأرواح ~~ويجوز أن يكون ملك الموت رئيس جماعة وكلوا على قبض الأرواح قال تعالى : { ~~ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملئكة يضربون وجوههم وأدبارهم } ( الأنفال ~~: 50 ) . وأما إسرافيل عليها السلام فقد دلت الأخبار على أنه صاحب الصور ~~على ما قال تعالى { ونفخ ms0585 فى الصور فصعق من فى * السماوات * ومن فى الارض ~~إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ( الزمر : 68 ) . ~~ورابعها : ملائكة الجنة قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * ~~سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 23 ، 24 ) . وخامسها : ~~ملائكة النار قال تعالى : { عليها تسعة عشر } ( المدثر : 30 ) وقوله تعالى ~~: { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة } ( المدثر : 31 ) ورئيسهم مالك ، وهو ~~قوله تعالى : { ونادوا يامالك * مالك * ليقض علينا ربك } ( الزخرف : 77 ) ~~وأسماء جملتهم الزبانية قال تعالى : { فليدع ناديه * سندع الزبانية } ( ~~العلق : 17 ، 18 ) وسادسها : الموكلون ببني آدم لقوله تعالى : { عن اليمين ~~وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق17 ، 18 ) وقوله ~~تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ( الرعد : ~~11 ) وقوله تعالى : { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة } ( الأنعام : ~~61 ) . وسابعها : كتبة الأعمال وهو قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين * ~~كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون } ( اونفطار : 10 12 ) . وثامنها : ~~الموكلون بأحوال هذا العالم وهم المرادون بقوله تعالى : { والصافات صفا } ( ~~الصافات : 1 ) وبقوله : { والذريات ذروا } إلى قوله : { فالمقسمات أمرا } ( ~~الذاريات : 1 ، 4 ) وبقوله : { والنازعات غرقا } ( النازعات : 1 ) . وعن ~~ابن عباس قال : إن لله ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الأشجار ، ~~فإذا أصاب أحدكم حركة بأرض فلاة فليناد : أعينوا عباد الله يرحمكم الله . ~~وأما أوصاف الملائكة فمن وجوه : أحدها : أن الملائكة رسل الله ، قال تعالى ~~: { جاعل الملائكة رسلا } ( فاطر : 1 ) أما قوله تعالى : { الله يصطفى من ~~الملائكة رسلا } ( الحج : 75 ) فهذا يدل على أن بعض الملائكة هم الرسل فقط ~~، وجوابه أن من للتبيين لا للتبعيض . وثانيها : قربهم من الله تعالى ، وذلك ~~يمتنع أن يكون بالمكان والجهة فلم يبق إلا أن يكون ذلك القرب هو القرب ~~بالشرف وهو المراد من قوله : { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ( ~~الأنبياء : 19 ) وقوله : { بل عباد مكرمون } ( الأنبياء : 26 ) وقوله : { ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ( الأنبياء : 20 ) وثالثها : وصف طاعاتهم ms0586 ~~وذلك من وجوه : الأول : قوله تعالى حكاية عنهم { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ~~} وقال في موضع آخر PageV02P150 { وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون ~~} ( الصافات : 166 ) والله تعالى ما كذبهم في ذلك فثبت بها مواظبتهم على ~~العبادة . الثاني : مبادرتهم إلى امتثال أمر الله تعظيما له وهو قوله : { ~~فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ( الحجر : 30 ) . الثالث : أنهم لا يفعلون ~~شيئا إلا بوحيه وأمره وهو قوله : / { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ~~( الأنبياء : 27 ) . ورابعها : وصف قدرتهم وذلك من وجوه : الأول : أن حملة ~~العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي ثم إن الكرسي الذي هو أصغر من العرش ~~أعظم من جملة السموات السبع لقوله : { وسع كرسيه السماوات والارض } ( ~~البقرة : 255 ) فانظر إلى نهاية قدرتهم وقوتهم . الثاني : أن علو العرش شيء ~~لا يحيط به الوهم ويدل عليه قوله : { تعرج الملئكة والروح إليه فى يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة } ( المعارج : 4 ) ثم إنهم لشدة قدرتهم ينزلون منه في ~~لحظة واحدة . الثالث : قوله تعالى : { ونفخ فى الصور فصعق من فى * السماوات ~~* ومن فى الارض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ( ~~الزمر : 68 ) فصاحب الصور يبلغ في القوة إلى حيث أن بنفخة واحدة منه يصعق ~~من في السموات والأرض ، وبالنفخة الثانية منه يعودون أحياء . فاعرف منه عظم ~~هذه القوة . والرابع : أن جبريل عليه السلام بلغ في قوته إلى أن قلع جبال ~~آل لوط وبلادهم دفعة واحدة . وخامسها : وصف خوفهم ويدل عليه وجوه : الأول : ~~أنهم مع كثرة عباداتهم وعدم إقدامهم على الزلات البتة يكونون خائفين وجلين ~~حتى كأن عبادتهم معاصي قال تعالى : { يخافون ربهم من فوقهم } ( النحل : 50 ~~) وقال : { وهم من خشيته مشفقون } ( الأنبياء : 28 ) . الثاني : قوله تعالى ~~: { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى ~~الكبير } ( سبأ : 23 ) روي في التفسير أن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمعه ~~أهل السموات مثل صوت السلسلة على الصفوان ففزعوا فإذا انقضى الوحي قال ~~بعضهم لبعض ماذا قال ربكم قالوا الحق ms0587 وهو العلي الكبير ، الثالث : روى ~~البيهقي في ( شعب الإيمان ) عن ابن عباس قال بينما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بناحية ومعه جبريل إذ انشق أفق السماء فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه ~~في بعض ويدنو من الأرض فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخيرك بين أن تكون نبيا ملكا وبين ~~أن تكون نبيا عبدا ، قال عليه السلام : فأشار إلى جبريل بيده أن تواضع ~~فعرفت أنه لي ناصح فقلت عبدا نبيا فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت يا جبريل ~~قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا ~~جبريل فقال هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع ~~طرفه وبين الرب وبينه سبعون نورا ما منها نور يدنو منه إلا احترق وبين يديه ~~اللوح المحفوظ فإذا أذن الله له في شيء من السماء أو من الأرض ارتفع ذلك ~~اللوح بقرب جبينه فينظر فيه فإن كان من عملي أمرني به وإن كان من عمل ~~ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به قلت يا جبريل على أي شيء ~~أنت قال على الرياح والجنود قلت على أي شيء ميكائيل قال على النبات . قلت ~~على أي شيء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما ظننت أنه هبط إلا لقيام ~~الساعة وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفا من قيام الساعة . واعلم أنه ليس بعد ~~كلام الله وكلام رسوله كلام في وصف الملائكة أعلى وأجل من كلام أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام ، قال في بعض خطبه : ثم فتق ما بين السموات العلى ~~فملأهن أطوارا من ملائكة فمنهم سجود لا يركعون / وركوع لا ينتصبون وصافون ~~لايتزايلون ومسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا ~~فترة الأبدان ولا غفلة النسيان ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ~~ومختلفون بقضائه وأمره ومنهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه ms0588 ومنهم ~~الثابتة في الأرضين PageV02P151 السفلى أقدامهم والمارقة من السماء العليا ~~أعناقهم والخارجة من الأقطار أركانهم والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ناكسة ~~دونه أبصارهم متلفعون بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة ~~وأستار القدرة لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ولا ~~يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر . # المسألة الخامسة : اختلفوا في أن المراد من قوله : { وإذ قال ربك ~~للملائكة إني جاعل فى الارض خليفة } كل الملائكة أو بعضهم فروى الضحاك عن ~~ابن عباس أنه سبحانه وتعالى إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا ~~محاربين مع إبليس لأن الله تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا ~~الدماء وقتل بعضهم بعضا بعث الله إبليس في جند من الملائكة فقتلهم إبليس ~~بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر فقال تعالى لهم : { إني ~~جاعل فى الارض خليفة } وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين أنه تعالى قال ~~ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص لأن لفظ الملائكة يفيد العموم فيكون ~~التخصيص خلاف الأصل . # المسألة السادسة : جاعل من جعل الذي له مفعولان دخل على المبتدأ والخبر ~~وهما قوله : { فى الارض خليفة } فكانا مفعولين ومعناه مصير في الأرض خليفة ~~. # المسألة السابعة : الظاهر أن الأرض التي في الآية جميع الأرض من المشرق ~~إلى المغرب وروى عبد الرحمن بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~دحيت الأرض من مكة وكانت الملائكة تطوف بالبيت وهم أول من طاف به وهو في ~~الأرض التي قال الله تعالى : { إني جاعل فى الارض خليفة } والأول أقرب إلى ~~الظاهر . # المسألة الثامنة : الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه قال الله تعالى : { ~~ثم جعلناكم خلائف فى الارض } ( يونس : 14 ) . { واذكروا إذ جعلكم خلفاء } ( ~~الأعراف : 69 ) فأما أن المراد بالخليفة من ؟ ففيه قولان : أحدهما : أنه ~~آدم عليه السلام . وقوله : { أتجعل فيها من يفسد فيها } المراد ذريته لا هو ~~، والثاني : أنه ولد آدم ، أما الذين قالوا المراد آدم عليه السلام فقد ~~اختلفوا في أنه تعالى لم سماه خليفة وذكروا فيه وجهين : الأول : بأنه ms0589 تعالى ~~لما نفى الجن من الأرض وأسكن آدم الأرض كان آدم عليه السلام خليفة لأولئك ~~الجن الذين تقدموه . يروى ذلك عن ابن عباس . الثاني : إنما سماه الله خليفة ~~لأنه يخلف الله في الحكم بين المكلفين من خلقه وهو المروي عن ابن مسعود ~~وابن عباس والسدي وهذا الرأي متأكد بقوله : { إنا جعلناك خليفة فى الارض ~~فاحكم بين الناس بالحق } ( ص: 26 ) أما الذين قالوا المراد ولد آدم فقالوا ~~: إنما سماهم خليفة لأنهم يخلف بعضهم بعضا وهو / قول الحسن ويؤكده قوله : { ~~وهو الذى جعلكم خلائف الارض } والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع كما يصلح ~~للذكر والأنثى وقرىء خليقة بالقاف . فإن قيل ما الفائدة في أن قال الله ~~تعالى للملائكة : { إني جاعل فى الارض خليفة } مع أنه منزه عن الحاجة إلى ~~المشورة والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى علم أنهم إذا اطلعوا على ذلك ~~السر أوردوا عليه ذلك السؤال فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب ~~فعرفهم هذه الواقعة لكي يوردوا ذلك السؤال ويسمعوا ذلك الجواب . الوجه ~~الثاني : أنه تعالى علم عباده المشاورة . وأما قوله تعالى : { قالوا أتجعل ~~فيها } إلى آخر الآية ، ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل ~~الملائكة عن جميع الذنوب ومن الحشوية من خالف في ذلك ولنا وجوه : ~~PageV02P152 الأول : قوله تعالى : { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون } ( التحريم : 6 ) إلا أن هذه الآية مختصة بملائكة النار فإذا أردنا ~~الدلالة العامة تمسكنا بقوله تعالى : { يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما ~~يؤمرون } ( النحل : 50 ) فقوله ويفعلون ما يؤمرون يتناول جميع فعل ~~المأمورات وترك المنهيات لأن المنهي عن الشيء مأمور بتركه . فإن قيل ما ~~الدليل على أن قوله ويفعلون ما يؤمرون يفيد العموم قلنا لأنه لا شيء من ~~المأمورات إلا ويصح الاستثناء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ~~على ما بيناه في أصول الفقه . والثاني : قوله تعالى : { بل عباد مكرمون * ~~لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ( الأنبياء : 26 27 ) فهذا صريح في ~~براءتهم عن المعاصي ms0590 وكونهم متوقفين في كل الأمور إلا بمقتضى الأمر والوحي . ~~والثالث : أنه تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في البشر بالمعصية ولو كانوا من ~~العصاة لما حسن منهم ذلك الطعن الرابع : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه واحتج ~~المخالف بوجوه : الأول : أنه تعالى حكيى عنهم أنهم قالوا : { أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } وهذا يقتضي صدور الذنب ~~عنهم ويدل على ذلك وجوه : أحدها : أن قولهم : أتجعل فيها . هذا اعتراض على ~~الله تعالى وذلك من أعظم الذنوب . وثانيها : أنهم طعنوا في بني آدم بالفساد ~~والقتل وذلك غيبة والغيبة من كبائر الذنوب . وثالثها : أنهم بعد أن طعنوا ~~في بني آدم مدحوا أنفسهم بقولهم : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } وأنهم ~~قالوا : { وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون } ( الصافات : 165 ، 166 ~~) وهذا للحصر فكأنهم نفوا كون غيرهم كذلك وهذا يشبه العجب والغيبة وهو من ~~الذنوب المهلكة قال عليه السلام . ( ثلاث مهلكات ، وذكر فيها إعجاب المرء ~~بنفسه ) . وقال تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم } ( النجم : 32 ) . ورابعها : ~~أن قولهم لا علم لنا إلا ما علمتنا يشبه الاعتذار فلولا تقدم الذنب وإلا ~~لما اشتغلوا بالعذر . وخامسها : أن قوله : { أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين } ( البقرة : 31 ) يدل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه أو لا . ~~وسادسها : أن قوله : { ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والارض وأعلم ما ~~تبدون وما كنتم تكتمون } ( البقرة : 33 ) يدل على / أن الملائكة ما كانوا ~~عالمين بذلك قبل هذه الواقعة وأنهم كانوا شاكين في كون الله تعالى عالما ~~بكل المعلومات ، وسابعها : أن علمهم يفسدون ويسفكون الدماء ، إما أن يكون ~~قد حصل بالوحي إليهم في ذلك أو قالوه استنباطا والأول بعيد لأنه إذا أوحى ~~الله تعالى ذلك إليهم لم يكن لإعادة ذلك الكلام فائدة فثبت أنهم قالوه عن ~~الاستنباط والظن والقدح في الغير على سبيل الظن غير جائز لقوله تعالى : { ~~ولا تقف ما ليس لك به علم } ( الإسراء : 36 ms0591 ) وقال : { إن الظن لا يغنى من ~~الحق شيئا } ( يونس : 36 ) وثامنها : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال : إن الله سبحانه وتعالى قال للملائكة الذين كانوا جند إبليس في محاربة ~~الجن { إني جاعل فى الارض خليفة } فقالت الملائكة مجيبين له سبحانه : { ~~أتجعل PageV02P153 فيها من يفسد فيها } ثم علموا غضب الله عليهم : { فقالوا ~~* سبحانك لا علم لنا } وروي عن الجن وقتادة أن الله تعالى لما أخذ في خلق ~~آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق فلن يخلق ~~خلقا إلا كنا أعظم منه وأكرم عليه فلما خلق آدم عليه السلام وفضله عليهم { ~~وعلم ءادم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء ~~إن كنتم صادقين } ( البقرة : 31 ) في أني لا أخلق خلقا إلا وأنتم أفضل منه ~~ففزع القوم عند ذلك إلى التوبة و { قالوا سبحانك لا علم لنا } وفي بعض ~~الروايات أنهم لما قالوا أتجعل فيها ، أرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم . ~~الشبهة الثانية : تمسكوا بقصة هاروت وماروت وزعموا أنهما كانا ملكين من ~~الملائكة وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي أنكرا ذلك ~~وأكبراه ودعوا على أهل الأرض فأوحى الله تعالى إليهما إني لو ابتليتكما بما ~~ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني فقالا يا رب لو ابتليتنا لم نفعل ~~فجربنا فأهبطهما إلى الأرض وابتلاهما الله بشهوات بني آدم فمكثا في الأرض ~~وأمر الله الكوكب المسمى بالزهرة والملك الموكل به فهبطا إلى الأرض فجعلت ~~الزهرة في صورة امرأة والملك في صورة رجل ثم إن الزهرة اتخذت منزلا وزينت ~~نفسها ودعتهما إلى نفسها ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم فأقبلا إلى ~~منزلها ودعواها إلى الفاحشة فأبت عليهما إلا أن يشربا خمرا فقالا لا نشرب ~~الخمر ثم غلبت الشهوة عليهما فشربا ثم دعواها إلى ذلك فقالت بقيت خصلة لست ~~أمكنكما من نفسي حتى تفعلاها قالا وما هي ؟ قالت : تسجدان لهم الصنم ، ~~فقالا : لا نشرك بالله ، ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا : نفعل ms0592 ثم نستغفر ~~فسجدا للصنم فارتفعت الزهرة وملكها إلى موضعهما من السماء فعرفا حينئذ أنه ~~إنما أصابهما ذلك بسبب تعيير بني آدم وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة ~~من أهل الأرض وإنما واقعاها بعد أن شربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للصنم ~~وعلماها الاسم الأعظم الذي كانا به يعرجان إلى السماء فتكلمت المرأة بذلك ~~الاسم وعرجت إلى السماء فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب المسمى ~~بالزهرة ثم إن الله تعالى عرفت هاروت وماروت قبيح ما فيه وقعا ثم خيرهما ~~بين عذاب الآخرة آجلا وبين عذاب الدنيا عاجلا فاختارا عذاب الدنيا فجعلهما ~~ببابل منكوسين في بئر إلى / يوم القيامة وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان ~~إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر خاصة وتعلقوا ~~في ذلك بقوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } ( ~~البقرة : 102 ) الشبهة الثالثة : أن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم إنه ~~عصى الله تعالى وكفر وذلك يدل على صدور المعصية من جنس الملائكة . الشبهة ~~الرابعة : قوله تعالى : { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة } ( المدثر : 31 ~~) قالوا : فدل هذا على أن الملائكة يعذبون لأن أصحاب النار لا يكونون إلا ~~ممن يعذب فيها كما قال : { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } والجواب عن ~~الشبهة الأولى أن نقول : أما الوجه الأول وهو قولهم أنهم اعترضوا على الله ~~تعالى وهذا من أعظم الذنوب فنقول إنه ليس غرضهم من ذلك السؤال تنبيه الله ~~على شيء كان غافلا عنه / فإن من اعتقد ذلك في الله فهو كافر ، ولا الإنكار ~~على الله تعالى في فعل فعله ، بل المقصود من ذلك السؤال أمور : PageV02P154 ~~أحدها : أن الإنسان إذا كان قاطعا بحكمة غيره ثم رأى أن ذلك الغير يفعل ~~فعلا لا يقف على وجه الحكمة فيه فيقول له أتفعل هذاا كأنه يتعجب من كمال ~~حكمته وعلمه ، ويقول إعطاء هذه النعم لمن يفسد من الأمور التي لا تهتدي ~~العقول فيها إلى وجه الحكمة فإذا كنت تفعلها وأعلم أنك لا تفعلها إلا لوجه ~~دقيق ms0593 وسر غامض أنت مطلع عليه فما أعظم حكمتك وأجل علمك فالحاصل أن قوله : { ~~أتجعل فيها من يفسد فيها } كأنه تعجب من كمال علم الله تعالى وإحاطة حكمته ~~بما خفي على كل العقلاء . وثانيها : أن إيراد الإشكال طلبا للجواب غير ~~محذور فكأنهم قالوا إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه البتة ونحن نرى في ~~العرف أن تمكين السفيه من السفه سفه فإذا خلقت قوما يفسدون ويقتلون وأنت مع ~~علمك أن حالهم كذلك خلقتهم ومكنتهم وما منعتهم عن ذلك فهذا يوهم السفه وأنت ~~الحكيم المطلق فكيف يمكن الجمع بين الأمرين فكأن الملائكة أوردوا هذا ~~السؤال طلبا للجواب ، وهذا جواب المعتزلة قالوا : وهذا يدل على أن الملائكة ~~لم يجوزوا صدور القبيح من الله تعالى وكانوا على مذهب أهل العدل قالوا ~~والذي يؤكد هذا الجواب وجهان : أحدهما : أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء ~~إلى المخلوقين لا إلى الخالق . والثاني : أنهم قالوا : { ونحن نسبح بحمدك ~~ونقدس لك } لأن التسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام والتقديس تنزيه أفعاله ~~عن صفة الذم ونعت السفه ، وثالثها : أن الشرور وإن كانت حاصلة في تركيب هذا ~~العالم السفلي إلا أنها من لوازم الخيرات الحاصلة فيه وخيراتها غالبة على ~~شرورها وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالملائكة ذكروا تلك ~~الشرور ، فأجابهم الله تعالى بقوله : { إني أعلم ما لا تعلمون } يعني أن ~~الخيرات الحاصلة من أجل تراكيب العالم السفلي أكثر من الشرور الحاصلة فيها ~~والحكمة تقتضي إيجاد ما هذا شأنه لا تركه وهذا جواب الحكماء . ورابعها : أن ~~سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى فإن العبد المخلص لشدة ~~حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه . وخامسها : أن قول الملائكة : { ~~أتجعل فيها من يفسد فيها } مسألة منهم / أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ~~ذلك صلاحا فكأنهم قالوا : يا إلهنا إجعل الأرض لنا لا لهم كما قال موسى ~~عليه السلام : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } ( الأعراف : 155 ) والمعنى ~~لا تهلكنا فقال تعالى : { إني أعلم ما لا تعلمون } من ms0594 صلاحكم وصلاح هؤلاء ~~الذين أجعلهم في الأرض فبين ذلك أنه اختار لهم السماء خاصة ولهؤلاء الأرض ~~خاصة لعلمه بصلاح ذلك في أديانهم ليرضى كل فريق بما اختاره الله له . ~~وسادسها : أنهم طلبوا الحكمة التي لأجلها خلقهم مع هذا الفساد والقتل ، ~~وسابعها : قال القفال يحتمل أن الله تعالى لما أخبرهم أنه يجعل في الأرض ~~خليفة قالوا أتجعل فيها ، أي ستفعل ذلك فهو إيجاب خرج مخرج الاستفهام قال ~~جرير : # % فألستم خير من ركب المطايا % % وأندى العالمين بطون راح % # أي أنتم كذلك . ولو كان استفهاما لم يكن مدحا ، ثم قالت الملائكة إنك ~~تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك ونقدس لما أنا نعلم أنك لا تفعل إلا ~~الصواب والحكمة فلما قالوا ذلك قال الله تعالى لهم : { إني أعلم ما لا ~~تعلمون } كأنه قال والله أعلم نعم ما فعلتم حيث لم تجعلوا ذلك قادحا في ~~حكمتي فإني أعلم ما لا تعلمون فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل وما ~~علمتم باطنهم وأنا أعلم ظاهرهم وباطنهم PageV02P155 فأعلم من بواطنهم ~~أسرارا خفية وحكما بالغة تقتضي خلقهم وإيجادهم . أما الوجه الثاني : وهو ~~أنهم ذكروا بني آدم بما لا ينبغي وهو الغيبة ، فالجواب أن محل الإشكال في ~~خلق بني آدم إقدامهم على الفساد والقتل ، ومن أراد إيراد السؤال وجب أن ~~يتعرض لمحل الإشكال لا لغيره فلهذا السبب ذكروا من بني آدم هاتين الصفتين ~~وما ذكروا منهم عبادتهم وتوحيدهم لأن ذلك ليس محل الإشكال . أما الوجه ~~الثالث : وهو أنهم مدحوا أنفسهم وذلك يوجب العجب وتزكية النفس . فالجواب : ~~أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقا لقولاه : { وأما بنعمة ربك فحدث } وأيضا ~~فيحتمل أن يكون قولهم : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ليس المراد مدح النفس ~~، بل المراد بيان أن هذا السؤال ما أوردناه لنقدح به في حكمتك يا رب فإنا ~~نسبح بحمدك ونعترف لك بالإلهية والحكمة فكأن الغرض من ذلك بيان أنهم ما ~~أوردوا السؤال للطعن في الحكمة والإلهية . بل لطلب وجه الحكمة على سبيل ~~التفصيل ، أما الوجه الرابع : وهو أن قولهم ms0595 : { لا علم لنا إلا ما علمتنا } ~~يشبه الاعتذار فلا بد من سبق الذنب ، قلنا نحن نسلم أن الأولى للملائكة أن ~~لا يوردوا ذلك السؤال ، فلما تركوا هذا الأولى كان ذلك الاعتذار اعتذارا من ~~ترك الأولى فإن قيل أليس أنه تعالى قال : { لا يسبقونه بالقول } ( الأنبياء ~~: 27 ) فهذا السؤال وجب أن يكون بإذن الله تعالى ، وإذا كانوا مأذونين في ~~هذا السؤال فكيف اعتذروا عنه ؟ قلنا العام قد يتطرق إليه التخصيص . أما ~~الوجه الخامس : وهو أن إخبار الملائكة عن الفساد وسفك الدماء ، إما أن يكون ~~حصل عن الوحي أو قالوه استنباطا وظنا ، قلنا اختلف العلماء فيه ، فمنهم من ~~قال : إنهم ذكروا ذلك ظنا ثم ذكروا فيه وجهين : الأول : وهو مروي عن ابن ~~عباس والكلبي أنهم قاسوه / على حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام ~~في الأرض . الثاني : أنهم عرفوا خلقته وعرفوا أنه مركب من هذه الأخلاط ~~الأربعة فلا بد وأن تتركب فيه الشهوة والغضب فيتولد الفساد عن الشهوة وسفك ~~الدماء عن الغضب . ومنهم من قال إنهم قالوا ذلك على اليقين وهو مروي عن ابن ~~مسعود وناس من الصحابة ثم ذكروا فيه وجوها : أحدها : أنه تعالى لما قال ~~للملائكة : { إني جاعل فى الارض خليفة } قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟ ~~قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا ، فعند ذلك ~~قالوا : ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء . وثانيها : أنه تعالى ~~كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا ~~الدماء . وثالثها : قال ابن زيد لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة ~~خوفا شديدا فقالوا : ربنا لمن خلقت هذه النار ؟ قال لمن عصاني من خلقي ولم ~~يكن لله يومئذ خلق إلا الملائكة ولم يكن في الأرض خلق البتة فلما قال : { ~~إني جاعل فى الارض خليفة } عرفوا أن المعصية تظهر منهم . ورابعها : لما كتب ~~القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك ~~. وخامسها : إذا كان معنى الخليفة من ms0596 يكون نائبا لله تعالى في الحكم ~~والقضاء ، والاحتجاج إلى الحاكم والقاضي إنما يكون عند التنازع والتظالم ~~كان الأخبار عن وجود الخليفة إخبارا عن وقوع الفساد والشر بطريق ~~PageV02P156 الالتزام قال أهل التحقيق والقول بأنه كان هذا الأخبار عن مجرد ~~الظن باطل لأنه قدح في الغير بما لا يأمن أن يكون كاذبا فيه ، وذلك ينافي ~~العصمة والطهارة . أما الوجه السادس : هو الأخبار التي ذكروها فهي من باب ~~أخبار الآحاد فلا تعارض الدلائل التي ذكرناها . # أما الشبهة الثانية : وهي قصة هاروت وماروت ، فالجواب عنها أن القصة التي ~~ذكروها باطلة من وجوه : أحدها : أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال ~~لهما لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا لو فعلت ذلك بنا ~~يا رب لما عصيناك / وهذا منهم تكذيب لله تعالى وتجهيل له وذلك من صريح ~~الكفر ، والحشوية سلموا أنهما كانا قبل الهبوط إلى الأرض معصومين ، وثانيها ~~: في القصة أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وذلك فاسد بل كان ~~الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب والله تعالى خير بينهما من أشرك به ~~طول عمره وبالغ في إيذاء أنبيائه . وثالثها : في القصة أنهما يعلمان السحر ~~حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما معاقبان على المعصية . ورابعها : أن ~~المرأة الفاجرة كيف يعقل أنها لما فجرت صعدت إلى السماء وجعلها الله تعالى ~~كوكبا مضيئا وعظم قدره بحيث أقسم به حيث قال : { فلا أقسم بالخنس * الجوار ~~الكنس } ( التكوير : 15 ) فهذه القصة قصة ركيكة يشهد كل عقل سليم بنهاية ~~ركاكتها ، وأما الكلام في تعليم السحر فسيأتي في تفسير تلك الآية في موضعها ~~إن شاء الله تعالى . # وأما الشبهة الثالثة : فسنتكلم في بيان أن إبليس ما كان من الملائكة . # / وأما الشبهة الرابعة : وهي قوله : { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة } ~~( المدثر : 31 ) فهذا لا يدل على كونهم معذبين في النار وقوله : { أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون } لا يدل أيضا على كونهم معذبين بالنار بمجرد ~~هذه الآية بل إنما عرف ذلك بدليل آخر فقوله : { وما جعلنا ms0597 أصحاب النار إلا ~~ملئكة } يريد به خزنة النار والمتصرفين فيها والمدبرين لأمرها والله أعلم . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن الملائكة هل هم قادرون على المعاصي ~~والشرور أم لا ؟ فقال جمهور الفلاسفة وكثير من أهل الجبر : إنهم خيرات محض ~~ولا قدرة لهم البتة على الشرور والفساد وقال جمهور المعتزلة وكثير من ~~الفقهاء : إنهم قادرون على الأمرين واحتجوا على ذلك بوجوه : أحدها : أن ~~قولهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها } إما أن يكون معصية أو ترك الأولى وعلى ~~التقديرين فالمقصود حاصل ، وثانيها : قوله تعالى : { ومن يقل منهم إنى إلاه ~~من دونه فذالك نجزيه جهنم } ( الأنبياء : 29 ) وذلك يقتضي كونهم مزجورين ~~ممنوعين وقال أيضا : { لا يستكبرون عن عبادته } ( الأعراف : 206 ) والمدح ~~بترك الاستكبار إنما يجوز له كان قادرا على فعل الاستكبار . وثالثها : أنهم ~~لو لم يكونوا قادرين على ترك الخيرات لما كانوا ممدوحين بفعلها لأن الملجأ ~~إلى الشيء ومن لا يقدر على ترك الشيء لا يكون ممدوحا بفعل ذلك الشيء ، ولقد ~~استدل بهذا بعض المعتزلة فقلت له أليس أن الثواب والعوض واجبان على الله ~~تعالى ، ومعنى كونه واجبا عليه أنه لو تركه للزم من تركه إما الجهل وإما ~~الحاجة وهما محالان والمفضي إلى المحال محال ، فيكون ذلك الترك محالا من ~~الله تعالى ، وإذا كان الترك محالا كان الفعل واجبا فيكون الله تعالى فاعلا ~~للثواب والعوض واجب وتركه محال مع أنه تعالى ممدوح على فعل ذلك ، فثبت أن ~~امتناع الترك لا يقدح في PageV02P157 حصول المدح فانقطع وما قدر على الجواب ~~. # المسألة الثالثة : الواو في { ونحن } للحال كما تقول أتحسن إلى فلان وأنا ~~أحق بالإحسان والتسبيح تبعيد الله تعالى من السوء وكذا التقديس ، من سبح في ~~الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد ، واعلم أن التبعيد إن أريد به ~~التبعيد عن السوء فهو التسبيح وإن أريد به التبعيد عن الخيرات فهو اللعن ، ~~فنقول التبعيد عن السوء يدخل فيه التبعيد عن السوء في الذات والصفات ~~والأفعال ، أما في الذات فأن لا تكون محلا للإمكان فإن منع ms0598 السوء وإمكانه ~~هو العدم ونفي الإمكان يستلزم نفي الكثرة ، ونفيها يستلزم نفي الجسمية ~~والعرضية ونفي الضد والند ، وحصول الوحدة المطلقة والوجوب الذاتي وأما في ~~الصفات فأن يكون منزها عن الجهل فيكون محيطا بكل المعلومات وقادرا على كل ~~المقدورات وتكون صفاته منزهة عن التغييرات / وأما في الأفعال فأن لا تكون ~~أفعاله لجلب المنافع ودفع المضار وأن لا يستكمل بشيء منها ولا ينتقص بعدم ~~شيء منها فيكون مستغنيا عن كل الموجودات والمعدومات مستوليا بالإعدام ~~والإيجاد على كل الموجودات والمعدومات ، وقال أهل التذكير : التسبيح جاء ~~تارة في القرآن بمعنى / التنزيه وأخرى بمعنى التعجب . أما الأول فجاء على ~~وجوه : ( ا ) أنا المنزه عن النظير والشريك ، هو الله الواحد القهار ( ب ) ~~أنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السموات والأرض ( ج ) أنا المدبر لكل ~~العالمين سبحان الله رب العالمين ( د ) أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون ( ه ) أنا المستغني عن الكل سبحانه هو الغني ( و ) ~~أنا السلطان الذي كل شيء سوائي فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ~~ملكوت كل شيء ( ز ) أنا العالم بكل شيء ، سبحان الله عما يصفون عالم الغيب ~~( ح ) أنا المنزه عن الصاحبة والولد سبحانه أنى يكون له ولد ( ط ) أنا ~~المنزه عن وصفهم وقولهم ، سبحانه وتعالى عما يشركون ، عما يقولون ، عما ~~يصفون ، أما التعجب فكذلك ( ا ) أنا الذي سخرت البهائم القوية للبشر الضعيف ~~، سبحان الذي سخر لنا هذا ( ب ) أنا الذي خلقت العالم وكنت منزها عن التعب ~~والنصب ، سبحانه إذا قضى أمرا ( ج ) أنا الذي أعلم لا بتعليم المعلمين ولا ~~بإرشاد المرشدين ، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ( د ) أنا الذي أزيل ~~معصية سبعين سنة بتوبة ساعة فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ، ثم يقول إن ~~أردت رضوان الله فسبح ، وسبحوه بكرة وأصيلا . وإن أردت الفرج من البلاء ~~فسبح لا إله أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، وإن أردت رضا الحق فسبح ، ~~ومن الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ، وإن أردت الخلاص من النار فسبح ms0599 ، ~~سبحانك فقنا عذاب النار ، أيها العبد واظب على تسبيحي فسبحان الله فسبح ~~وسبحوه فإن لم تفعل تسبيحي فالضرر عائد إليك ، لأن لي من يسبحني ، ومنهم ~~حملة العرش { فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون } ( فصلت : 38 ) ومنهم ~~المقربون { قالوا سبحانك أنت ولينا } ( سبأ : 41 ) ومنهم سائر الملائكة { ~~قالوا سبحانك ما كان ينبغى لنا } ( الفرقان : 18 ) ومنهم الأنبياء كما قال ~~ذو النون { لا إلاه إلا أنت سبحانك } ( يونس : 1 ) وقال موسى : { سبحانك ~~إنى * تبت إليك } ( الأعراف : 143 ) والصحابة يسبحون في قوله : { سبحانك ~~فقنا عذاب النار } ( آل عمران : 191 ) والكل يسبحون ومنهم الحشرات والدواب ~~والذرات { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) وكذا الحجر والمدر ~~والرمال والجبال والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان ~~والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام على ما قال : { سبح لله ما فى ~~* السماوات } ( الحديد : 1 ) ثم يقول PageV02P158 أيها العبد : أنا الغني ~~عن تسبيح هذه الأشياء ، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ~~ثواب هذا التسبيح فقد صار ثواب هذه التسبيحات ضائعا وذلك لا يليق بي { وما ~~خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا } ( ص: 27 ) لكني أوصل ثواب هذه ~~الأشياء إليك ليعرف كل أحد أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته . ~~والنكتة الأخرى أذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أنا { سبحان ربك رب العزة } ~~( الصافات : 180 ) فإنك إذا ذكرتني بالتسبيح طهرتك عن المعاصي { وسبحوه ~~بكرة وأصيلا } ( الأحزاب : 42 ) أقرضني { وأقرضوا الله قرضا حسنا } ( ~~الحديد : 18 ) وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة { من ذا الذى ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له } ( البقرة : 245 ) كن معينا لي وإن كنت ~~غنيا عن إعانتك / { ولله جنود * السماوات والارض } ( الفتح : 4 ) وأيضا فلا ~~حاجة بي إلى العسكر { ولو يشاء الله لانتصر منهم } لكنك إذا نصرتني نصرتك { ~~إن تنصروا الله ينصركم } ( محمد : 7 ) كن مواظبا على ذكرى { واذكروا الله ~~فى أيام معدودات } ( البقرة : 203 ) ولا حاجة بي إلى ذكرك لأن الكل يذكروني ~~{ ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ms0600 ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) لكنك ~~إذا ذكرتني ذكرتك { فاذكرونى أذكركم } ( البقرة : 152 ) اخدمني : { قدير ~~ياأيها الناس اعبدوا ربكم } لا لأني أحتاج إلى خدمتك فإني أنا الملك { ولله ~~ملك * السماوات والارض } ( آل عمران : 189 ) . { ولله يسجد من فى * ~~السماوات والارض } ( الرعد : 15 ) ولكن انصرف إلى خدمتي هذه الأيام القليلة ~~لتنال الراحات الكثيرة { قل الله ثم ذرهم } ( الأنعام : 91 ) . # المسألة الرابعة : قوله : { بحمدك } قال صاحب ( الكشاف ) بحمدك في موضع ~~الحال . أي نسبح لك حامدين لك ومتلبسين بحمدك ، وأما المعنى ففيه وجهان : ~~الأول : أنا إذا سبحناك فنحمدك سبحانك يعني ليس تسبيحنا تسبيحا من غير ~~استحقاق بل تستحق بحمدك وجلالك هذا التسبيح الثاني : أنا نسبحك بحمدك فإنه ~~لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك كما قال داود عليه السلام : يا ~~رب كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك إلا بنعمتك ، ~~فأوحى الله تعالى إليه : ( الآن قد شكرتني حيث عرفت أن كل ذلك مني ) واختلف ~~العلماء في المراد من هذا التسبيح فروي أنا أبا ذر دخل بالغداة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو بالعكس ، فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي : أي ~~الكلام أحب إلى الله قال ما اصطفاه الله لملائكته : سبحان الله وبحمد رواه ~~مسلم وروى سعيد بن جبير قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فمر رجل ~~من المسلمين على رجل من المنافقين فقال له رسول الله يصلي وأنت جالس لا ~~تصلي فقال له امض إلى عملك إن كان لك عمل ، فقال ما أظن إلا سيمر بك من ~~ينكر عليك فمر عليه عمر بن الخطاب قال يا فلان إن رسول الله يصلي وأنت جالس ~~، فقال له مثلها فوثب عليه فضربه ، وقال هذا من عملي ثم دخل المسجد وصلى مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ رسول الله من صلاته قام إليه عمر ~~فقال يا نبي الله مررت آنفا على فلان وأنت تصلي وهو جالس فقلت له : نبي ~~الله يصلي وأنت جالس فقال ms0601 لي مر إلى عملك فقال عليه الصلاة والسلام هلا ~~ضربت عنقه ، فقام عمر مسرعا ليلحقه فيقتله فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم : يا عمر إرجع فإن غضبك عز ورضاك حكم إن لله في السموات ملائكة له غنى ~~بصلاتهم عن صلاة فلان ، فقال عمر يا رسول الله وما صلاتهم ، فلم يرد عليه ~~شيئا فأتاه جبريل فقال : يا نبي الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء قال : ~~نعم قال : أقرئه مني السلام وأخبره بأن أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم ~~PageV02P159 القيامة يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، وأهل السماء ~~الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت ، وأهل ~~السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون ، سبحان الحي الذي لا يموت ، ~~فهذا هو تسبيح الملائكة ) . # القول الثاني : أن المراد بقوله : { نسبح } أي نصلي والتسبيح هو الصلاة ، ~~وهو قول ابن عباس وابن مسعود . # / المسألة الخامسة : التقديس التطهير ، ومنه الأرض المقدسة ثم اختلفوا ~~على وجوه : أحدها : نطهرك أي نصفك بما يليق بك من العلو والعزة ، وثانيها : ~~قول مجاهد نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك . وثالثها : قول ~~أبي مسلم نطهر أفعالنا من ذنوبنا حتى تكون خالصة لك . ورابعها : نطهر ~~قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك قالت ~~المعتزلة هذه الآية تدل على العدل من وجوه : أحدها : قولهم : { ونحن نسبح ~~بحمدك ونقدس لك } أضافوا هذه الأفعال إلى أنفسهم فلو كانت أفعالا لله تعالى ~~لما حسن التمدح بذلك ولا فضل لذلك على سفك الدماء إذ كل ذلك من فعل الله ~~تعالى . وثانيها : لو كان الفساد والقتل فعلا لله تعالى لكان يجب أن يكون ~~الجواب أن يقول إني مالك أفعل ما أشاء . وثالثها : أن قوله : { أعلم ما لا ~~تعلمون } يقتضي التبري من الفساد والقتل لكن التبري من فعل نفسه محال . ~~ورابعها : إذا كان لا فاحشة ولا قبح ولا جور ولا ظلم ولا فساد إلا بصنعه ~~وخلقه ومشيئته فكيف يصح التنزيه والتقديس ؟ وخامسها : أن قوله : { أعلم ما ~~لا تعلمون } يدل على مذهب العدل ms0602 لأنه لو كان خالقا للكفر لكان خلقهم لذلك ~~الكفر فكان ينبغي أن يكون الجواب نعم خلقهم ليفسدوا وليقتلوا . فلما لم ~~يرضى بهذا الجواب سقط هذا المذهب . وسادسها : لو كان الفساد والقتل ، من ~~فعل الله تعالى لكان ذلك جاريا مجرى ألوانهم وأجسامهم وكما لا يصح التعجب ~~من هذه الأشياء فكذا من الفساد والقتل والجواب عن هذه الوجوه المعارضة ~~بمسألة الداعي والعلم والله أعلم . # المسألة السادسة : إن قيل قوله : { إني أعلم ما لا تعلمون } كيف يصلح أن ~~يكون جوابا عن السؤال الذي ذكروه قلنا قد ذكرنا أن السؤال يحتمل وجوها : ~~أحدها : فيكون قوله : { أعلم ما لا تعلمون } جوابا له من حيث إنه قال تعالى ~~لا تتعجبوا من أن يكون فيهم من يفسد ويقتل فإني أعلم مع هذا بأن فيهم جمعا ~~من الصالحين والمتقين وأنتم لا تعلمون . وثانيها : أنه للغم فيكون الجواب ~~لا تغتموا بسبب وجود المفسدين فإني أعلم أيضا أن فيهم جمعا من المتقين ، ~~ومن لم أقسم علي لأبره . وثالثها : أنه طلب الحكمة فجوابه أن مصلحتكم فيه ~~أن تعرفوا وجه الحكمة فيه على الإجمال دون التفصيل . بل ربما كان ذلك ~~التفصيل مفسدة لكم ورابعها : أنه التماس لأن يتركهم في الأرض وجوابه إني ~~أعلم أن مصلحتكم أن تكونوا في السماء لا في الأرض ، وفيه وجه خامس : وهو ~~أنهم لما قالوا : { نسبح بحمدك ونقدس لك } قال تعالى : { إني أعلم ما لا ~~تعلمون } وهو أن معكم إبليس وأن في قلبه حسدا وكبرا و نفاقا . ووجه سادس : ~~وهو أني أعلم ما لاتعلمون فإنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فقد ~~استعظمتم أنفسكم فكأنكم أنتم بهذا الكلام في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي ~~ولكن اصبروا حتى يظهر البشر فيتضرعون إلى الله بقولهم : { ربنا ظلمنا ~~أنفسنا } وبقوله : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى } وبقوله : { وأدخلنى ~~برحمتك فى عبادك الصالحين } . # PageV02P160 ! 7 < { وعلم ءادم الأسمآء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال ~~أنبئونى بأسمآء هاؤلاء إن كنتم صادقين } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 31 ) وعلم آدم الأسماء . . . . . # > > اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة ms0603 في خلق آدم وذريته وإسكانه ~~تعالى إياهم في الأرض وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل ~~الأجمال بقوله تعالى : { إني أعلم ما لا تعلمون } أراد تعالى أن يزيدهم ~~بيانا وأن يفصل لهم ذلك المجمل ، فبين تعالى لهم من فضل آدم عليه السلام ما ~~لم يكن من ذلك معلوما لهم ، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ~~ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم عنه في العلم فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي ~~بهذا الجواب التفصيلي وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال الأشعري والجبائي والكعبي : اللغات كلها توقيفية . ~~بمعنى أن الله تعالى خلق علما ضروريا بتلك الألفاظ وتلك المعاني ، وبأن تلك ~~الألفاظ موضوعة لتلك المعاني . واحتجوا عليه بقوله تعالى : { وعلم ءادم * ~~به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون * إن الله لا يستحى أن ~~يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ~~وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهاذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولائك هم الخاسرون * كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون * ~~هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ~~وهو بكل شىء عليم * وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل فى الارض خليفة قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني ~~أعلم ما لا تعلمون * وعلم ءادم الاسماء كلها } يقتضي إضافة التعليم إلى ~~الأسماء . وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم ، ~~وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم . ورابعها : أن آدم عليه ~~السلام لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلا بد وأن تعلم الملائكة كونه ~~صادقا في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات ، وإلا لم يحصل العلم بصدقه ، ~~وذلك يقتضي أن يكون وضع ms0604 تلك الأسماء لتلك المسميات متقدما على ذلك التعليم ~~. والجواب عن الأول : لم لا يجوز أن يقال بخلق العلم الضروري بأن واضعا وضع ~~هذه الأسماء لهذه المسميات من غير تعيين أن ذلك الواضع هو الله تعالى أو ~~الناس ؟ وعلى هذا لا يلزم أن تصير الصفة معلومة بالضرورة حال كون الذات ~~معلومة بالدليل . سلمنا أنه تعالى / ما خلق هذا العلم في العاقل ، فلم لا ~~يجوز أن PageV02P161 يقال : إنه تعالى خلقه في غير العاقل والتعويل على ~~الاستعباد في هذا المقام مستبعد . وعن الثاني : لم لا يجوز أن يقال خاطب ~~الملائكة بطريق آخر بالكتابة وغيرها . وعن الثالث : لا شك إن إرادة الله ~~تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني سابقة على التعليم فكفى ذلك في إضافة ~~التعليم إلى الأسماء ، وعن الرابع : ماسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والله ~~تعالى أعلم . # المسألة الثانية : من الناس من قال قوله : { وعلم ءادم الاسماء كلها } أي ~~علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من ~~السمة أو من السمو ، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ~~ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها ، فصح أن يكون المراد من الأسماء : ~~الصفات ، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء ~~فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول ، فكان الدليل أسمى في الحقيقة ~~، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة ، بقي أن أهل ~~النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة ، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به ~~، وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره ~~، لوجوه : أحدها : أن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في ~~معرفة أسمائها ، وحمل الكلام المذكور لإظهار الفضيلة على ما يوجب مزيد ~~الفضيلة ، أولى من حمله على ما ليس كذلك ، وثانيها : أن التحدي إنما يجوز ~~ويحسن بما يتمكن السامع من مثله في الجملة ، فإن من كان عالما باللغة ~~والفصاحة ، يحسن أن يقول له غيره على سبيل التحدي ms0605 : ائت بكلام مثل كلامي في ~~الفصاحة ، أما العربي فلا يحسن منه أن يقول للزنجي في معرض التحدي : تكلم ~~بلغتي ، وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة : بل ذلك لا ~~يحصل إلا بالتعليم ، فإن حصل التعليم ، حصل العلم به وإلا فلا ، أما العلم ~~بحقائق الأشياء ، فالعقل متمكن من تحصيله فصح وقوع التحدي فيه . القول ~~الثاني : وهو الشمهور أن المراد أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من ~~جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية ~~والرومية وغيرها ، وكان ولد آدم عليه السلام يتكلمون بهذه اللغات فلما مات ~~آدم وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة من تلك ~~اللغات ، فغلب عليه ذلك اللسان ، فلما طالت المدة ومات منهم قرن بعد قرن ~~نسوا سائر اللغات ، فهذا هو السبب في تغير الألسنة في ولد آدم عليه السلام ~~. قال أهل المعاني : قوله تعالى : { وعلم ءادم الاسماء } لا بد فيه من ~~إضمار ، فيحتمل أن يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات ، ويحتمل أن يكون ~~المراد وعلم آدم مسميات الأسماء ، قالوا لكن الأول أولى لقوله : { أنبئونى ~~بأسماء هؤلاء } وقوله تعالى : { فلما أنبأهم بأسمائهم } ولم يقل أنبئوني ~~بهؤلاء وأنبأهم بهم ، فإن قيل : فلما علمه الله تعالى أنواع جميع المسميات ~~، وكان في المسميات ما لا يكون عاقلا ، فلم قال عرضهم ولم يقل عرضها ؟ قلنا ~~لأنه لما / كان في جملتها الملائكة والإنس والجن وهم العقلاء ، فغلب الأكمل ~~، لأنه جرت عادة العرب بتغليب الكامل على الناقص كلما غلبوا . # المسألة الثالثة : من الناس من تمسك بقوله تعالى : { أنبئونى بأسماء ~~هؤلاء } على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف ، لأنه تعالى إنما استنبأهم مع ~~علمه تعالى بعجزهم على سبيل التبكيت ويدل على ذلك قوله تعالى : { إن كنتم ~~صادقين } . PageV02P162 # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن ما ظهر من آدم عليه السلام من علمه ~~بالأسماء معجزة دالة على نبوته عليه السلام في ذلك الوقت ، والأقرب أنه كان ~~مبعوثا إلى حواء ولا يبعد أيضا أن يكون ms0606 مبعوثا إلى من توجه التحدي إليهم من ~~الملائكة لأن جميعهم وإن كانوا رسلا فقد يجوز الإرسال إلى الرسول كبعثة ~~إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام واحتجوا عليه بأن حصول ذلك العلم ~~له ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزا ، وإذا ثبت كونه معجزا ثبت كونه رسولا ~~في ذلك الوقت ، ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك العلم ناقض للعادة لأن حصول ~~العلم باللغة لمن علمه الله تعالى وعدم حصوله لمن لم يعلمه الله ليس بناقض ~~للعادة . وأيضا فأما أن يقال : الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك ~~المسميات أو ما علموا ذلك فإن علموا ذلك فقد قدروا على أن يذكروا أسماء تلك ~~المسميات فحينئذ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة ، وإن لم يعلموا ~~ذلك فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك ~~الألفاظ إسما لكل واحد من تلك المسميات ، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من ~~وجهين : الأول : ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات . ~~وكان كل صنف جاهلا بلغة الصنف الآخر ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وأن ~~آدم عليه السلام عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها فعرف كل صنف إصابته في ~~تلك اللغة خاصة فعرفوا بهذا الطريق صدقه إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة ~~تلك اللغات بأسرها فكان ذلك معجزا . الثاني : لا يمتنع أن يقال إنه تعالى ~~عرفهم قبل أن سمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء ما استدلوا به على صدق ~~آدم فلما سمعوا منه عليه السلام تلك الأسماء عرفوا صدقه فيها فعرفوا كونه ~~معجزا ، سلمنا أنه ظهر عليه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من ~~باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان وحينئذ يصير الكلام في ~~هذه المسألة فرعا على الكلام فيهما واحتج من قطع بأنه عليه السلام ما كان ~~نبيا في ذلك الوقت بوجوه : أحدها : أنه لو كان نبيا في ذلك الزمان ، لكان ~~قد صدرت المعصية عنه بعد النبوة ms0607 . وذلك غير جائز ، فوجب أن لا يكون نبيا في ~~ذلك الزمان أما الملازمة فلأن صدور الزلة عنه كان بعد هذه الواقعة بالاتفاق ~~وتلك الزلة من باب الكبائر على ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى والإقدام ~~على الكبيرة يوجب استحقاق الطرد والتحقير واللعن وكل ذلك على الأنبياء غير ~~جائز فيجب أن يقال وقعت تلك الواقعة قبل النبوة . / وثانيها : لو كان رسولا ~~في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثا إلى أحد أو لا يكون فإن كان مبعوثا ~~إلى أحد ، فإما أن يكون مبعوثا إلى الملائكة أو الإنس أو الجن والأول باطل ~~لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر ولا يجوز جعل الأدون رسولا إلى ~~الأشرف لأن الرسول والأمة تبع ، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل وأيضا ~~فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولهذا قال تعالى : { ولو جعلناه ~~ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) ولا جائز أن يكون مبعوثا إلى البشر ، ~~لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حواء ، وأن حواء إنماعرفت التكليف لا ~~بواسطة آدم لقوله تعالى : { ولا تقربا هاذه الشجرة } ( الأعراف : 19 ) ~~شافههما بهذا التكليف وما جعل آدم واسطة ولا جائز أن يكون مبعوثا إلى الجن ~~لأنه ما كان في السماء أحد من الجن ولا جائز أيضا أن يكون مبعوثا إلى أحد ~~لأن المقصود من جعله رسولا التبليغ فحيث لا مبلغ لم يكن PageV02P163 في ~~جعله رسولا فائدة وهذا الوجه ليس في غاية القوة . وثالثها : قوله تعالى : { ~~ثم اجتباه ربه } فهذه الآية دل على أنه تعالى إنما اجتباه بعد الزلة فوجب ~~أن يقال إنه قبل الزلة ما كان مجتبى ، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبى وجب أن ~~لا يكون رسولا لأن الرسالة والاجتباء متلازمان لأن الاجتباء لا معنى له إلا ~~التخصيص بأنواع التشريفات وكل من جعله الله رسولا فقد خصه بذلك لقوله تعالى ~~: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) . # المسألة الخامسة : ذكروا في قوله : { إن كنتم صادقين } وجوها : أحدها : ~~معناه أعلموني أسماء هؤلاء إن علمتم أنكم ms0608 تكونون صادقين في ذلك الأعلام . ~~وثانيها : معناه أخبروني ولا تقولوا إلا حقا وصدقا فيكون الغرض منه التوكيد ~~لما نبههم عليه من القصور والعجز ، لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن ~~أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل علموا أن ذلك متعذر عليهم . ~~وثالثها : إن كنتم صادقين في قولكم أنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا ~~وأنتم تصلحون وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود . ورابعها : إن كنتم ~~صادقين في قولكم إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء ~~. # المسألة السادسة : هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر ~~كمال حكمته في خلقه آدم عليه السلام إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان ~~وجود شيء من العلم أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء . ~~لا بالعلم ، واعلم أنه يدل على فضيلة العلم الكتاب والسنة والمنقول ، أما ~~الكتاب فوجوه : الأول : أن الله تعالى سمى العلم بالحكمة ثم إنه تعالى عظم ~~أمر الحكمة وذلك يدل على عظم شأن العلم ، بيان أنه تعالى سمى العلم بالحكمة ~~ما يروى عن مقاتل : أنه قال : تفسر الحكمة في القرآن على أربعة أوجه : ~~أحدها : مواعظ القرآن قال في البقرة : { وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ~~} ( البقرة : 231 ) يعني مواعظ القرآن وفي النساء : { وأنزل * عليكم * ~~الكتاب والحكمة } يعني المواعظ ومثلها في آل عمران . وثانيها : الحكمة ~~بمعنى الفهم والعلم قوله تعالى / { واتيناه الحكم صبيا } ( مريم : 12 ) وفي ~~لقمان { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } ( لقمان : 12 ) يعني الفهم والعلم وفي ~~الأنعام { أولائك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم } ( الأنعام : 89 ) وثالثها ~~: الحكمة بمعنى النبوة في النساء { فقد ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة ~~} ، يعني النبوة وفي ص{ وشددنا ملكه } يعني النبوة وفي البقرة { وآتاه الله ~~الملك والحكمة } ، ورابعها : القرآن في النحل { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة } ~~( النساء : 54 ) وفي البقرة : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } ( ~~البقرة : 269 ) وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ثم تفكر أن ~~الله تعالى ms0609 ما أعطى من العلم إلا القليل قال : { وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا } ( الإسراء : 85 ) وسمى الدنيا بأسرها قليلا { قل متاع الدنيا قليل ~~} ( النساء : 77 ) فما سماه قليلا لا يمكننا أن ندرك كميته فما ظنك بما ~~سماه كثيرا . ثم البرهان العقلي على قلة الدنيا وكثرة الحكمة أن الدنيا ~~متناهي القدر متناهي العدد متناهي المدة . والعلم لا نهاية لقدره ، وعدده ~~ومدته ولا للسعادات الحاصلة منه ، وذلك ينبهك على فضيلة العلم . الثاني : ~~قوله تعالى : { قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ( الزمر : 9 ) ~~وقد فرق بين سبع نفر PageV02P164 في كتابه فرق بين الخبيث والطيب فقال : { ~~قل لا يستوى الخبيث والطيب } ( المائدة : 100 ) يعني الحلال والحرام ، وفرق ~~بين الأعمى والبصير فقال : { قل هل يستوى الاعمى والبصير } ( الأنعام : 50 ~~) وفرق بين النور والظلمة فقال : { أم هل تستوى الظلمات والنور } ( الرعد : ~~16 ) وفرق بين الجنة والنار وبين الظل والحرور ، وإذا تأملت وجدت كل ذلك ~~مأخوذا من الفرق بين العالم والجاهل . الثالث : قوله : { أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } ( النساء : 59 ) والمراد من أولى الأمر ~~العلماء في أصح الأقوال لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء ولا ينعكس ، ثم ~~انظر إلى هذه المرتبة فإنه تعالى ذكر العالم في موضعين من كتابه في المرتبة ~~الثانية قال : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم } ( ~~آل عمران : 18 ) ، وقال : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } ~~ثم إنه سبحانه وتعالى زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الأولى في آيتين ~~فقال تعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله والرسخون في العلم } ( آل عمران : ~~7 ) وقال : { قل * كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } ( ~~الرعد : 43 ) الرابع : { يرفع * لله * الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى ~~} ( المجادلة : 11 ) واعلم أنه تعالى ذكر الدرجات لأربعة أصناف . وألها : ~~للمؤمنين من أهل بدر قال : { إنما * المؤمنين الذين * إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم } ( الأنفال : 2 ) إلى قوله : { لهم درجات عند ربهم } ( الأنفال : 4 ~~) # والثانية : للمجاهدين قال : { وفضل الله المجاهدين على ms0610 القاعدين } ( ~~النساء : 95 ) . والثالثة : للصالحين قال : { ومن يأته مؤمنا * وقد * عمل ~~الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } . الرابعة : للعلماء . قال : { والذين ~~أوتوا العلم درجات } والله فضل أهل بدر على غيرهم من المؤمنين بدرجات وفضل ~~المجاهدين على القاعدين بدرجات وفضل الصالحين على هؤلاء بدرجات ثم فضل ~~العلماء على جميع الأصناف بدرجات ، فوجب أن يكون العلماء أفضل الناس . ~~الخامس : قوله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) ~~فإن الله تعالى وصف العلماء في كتابه بخمس مناقب ، أحدها : الإيمان { ~~والرسخون في العلم يقولون ءامنا به } ( آل عمران : 7 ) وثانيها : التوحيد ~~والشهادة { شهد الله } إلى قوله : { وأولوا العلم } وثالثها : / البكاء { ~~ويخرون للاذقان يبكون } ( الإسراء : 109 ) . ورابعها : الخشوع { إن الذين ~~أوتوا العلم من قبله } ( الإسراء : 107 ) الآية . وخامسها : الخشية { * } ( ~~الإسراء : 107 ) الآية . وخامسها : الخشية { إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء } أما الأخبار فوجوه : أحدها : روى ثابت عن أنس قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار ~~فلينظر إلى المتعلمين فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب عالم إلا ~~كتب الله له بكل قدم عبادة سنة وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة ويمشي على ~~الأرض والأرض تستغفر له ويمسي ويصبح مغفورا له وشهدت الملائكة لهم بأنهم ~~عتقاء الله من النار ) وثانيها : عن أنس قال : قال عليه السلام : ( من طلب ~~العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله ومن طلب ~~العلم لله فهو كالصائم نهاره وكالقائم ليله وإن بابا من العلم يتعلمه الرجل ~~خير من PageV02P165 أن يكون له أبو قبيس ذهبا فينفقه في سبيل الله ) . ~~وثالثها : عن الحسن مرفوعا ) من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به ~~الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة واحدة في الجنة ) ورابعها : أبو موسى ~~الأشعري مرفوعا ( يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول : يا ~~معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم ولم أضع علمي فيكم ~~لأعذبكم انطلقوا فقد غفرت ms0611 لكم ) . وخامسها : قال عليه السلام : ( معلم ~~الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب الأرض وحيتان البحور ) وسادسها : ~~أبو هريرة مرفوعا ( من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من ~~الأنبياء ) . وسابعها : ابن عمر مرفوعا ( فضل العالم على العابد بسبعين ~~درجة بين كل درجة عدو الفرس سبعين عاما وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس ~~فيبصرها العالم فيزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه ولا يتعرف لها ) ~~. وثامنها : الحسن مرفوعا قال عليه السلام : ( رحمة الله على خلفائي فقيل ~~من خلفاؤك يا رسول الله ؟ قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله ) ~~وتاسعها : قال عليه السلام : ( من خرج يطلب بابا من العلم ليرد به باطلا ~~إلى حق أو ضلالا إلى هدى كان عمله كعبادة أربعين عاما ) ، وعاشرها : قال ~~عليه السلام لعلي حين بعثه إلى اليمن ( لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك ~~مما تطلع عليه الشمس أو تغرب ) الحادي عشر : ابن مسعود مرفوعا ( من طلب ~~العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه أجر سبعين نبيا ) . الثاني عشر ~~: عامر الجهني مرفوعا ( يؤتى بمداد طالب العلم ودم الشهيد يوم القيامة لا ~~يفضل أحدهما على الآخر ) وفي رواية فيرجح مداد العلماء . الثالث عشر : أبو ~~وافد الليثي : أنه عليه السلام بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر ~~أما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها ، وأما الآخر فجلس خلفهم ، وأما ~~الثالث فإنه رجع وفر فلما فرغ عليه السلام من كلامه قال : أخبركم عن النفر ~~الثلاثة . أما الأول : فآوى إلى الله فآواه الله ، وأما الثاني : فاستحيا ~~من الله فاستحيا الله منه ، وأما الثالث : فأعرض عن الله فأعرض الله عنه ) ~~رواه مسلم ، وأما الآثار فمن وجوه ( ا ) العالم أرأف بالتلميذ من الأب ~~والأم لأن الآباء والأمهات يحفظونه من نار الدنيا وآفاتها والعلماء يحفظونه ~~من نار الآخرة وشدائدها ( ب ) قيل / لابن مسعود بم وجدت هذا العلم : قال ~~بلسان سؤول ، وقلب عقول ( ج ) قال بعضهم سل مسألة الحمقى ، واحفظ حفظ ~~الأكياس ( د ) مصعب بن الزبير ms0612 قال لابنه : يا بني تعلم العلم فإن كان لك ~~مال كان العلم لك جمالا وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالا ( ه ) قال علي ~~بن أبي طالب : لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل ( و ~~) قال بعض المحققين : العلماء ثلاثة عالم PageV02P166 بالله غير عالم بأمر ~~الله ، وعالم بأمر الله غير عالم بالله ، وعالم بالله وبأمر الله . أما ~~الأول : فهو عبد قد استولت المعرفة الإلهية على قلبه فصار مستغرقا بمشاهدة ~~نور الجلال وصفحات الكبرياء فلا يتفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بد منه ~~. الثاني : هو الذي يكون عالما بأمر الله وغير عالم بالله وهو الذي عرف ~~الحلال والحرام وحقائق الأحكام لكنه لا يعرف أسرار جلال الله . أما العالم ~~بالله وبأحكام الله فهو جالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم ~~المحسوسات فهو تارة مع الله بالحب له ، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة ، ~~فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنه لا يعرف الله وإذا خلا ~~بربه مشتغلا بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق فهذا سبيل المرسلين ~~والصديقين وهذا هو المراد بقوله عليه السلام : ( سائل العلماء وخالط ~~الحكماء وجالس الكبراء ) فالمراد من قوله عليه السلام : سائل العلماء أي ~~العلماء بأمر الله غير العالمين بالله فأمر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الله ~~استفتاء منهم ، وأما الحكماء فهم العالمون بالله الذين لا يعلمون أوامر ~~الله فأمر بمخالطتهم وأما الكبراء فهم العالمون بالله وبأحكام الله فأمر ~~بمجالستهم لأن في تلك المجالسة منافع الدنيا والآخرة ، ثم قال شقيق البلخي ~~: لكل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاث علامات أما العالم بأمر الله فله ثلاث ~~علامات أن يكون ذاكرا باللسان دون القلب ، وأن يكون خائفا من الخلق دون ~~الرب ، وأن يستحي من الناس في الظاهر ولا يستحي من الله في السر ، وأما ~~العالم بالله فإنه يكون ذاكرا خائفا مستحييا . أما الذكر فذكر القلب لا ذكر ~~اللسان ، وأما الخوف فخوف الرياء لا خوف المعصية ، وأما الحياء فحياء ما ~~يخطر ms0613 على القلب لا حياء الظاهر ، وأما العالم بالله وبأمر الله فله ستة ~~أشياء الثلاثة التي ذكرناها للعالم بالله فقط مع ثلاثة أخرى كونه جالسا على ~~الحد المشترك بين عالم الغيب وعالم الشهادة ، وكونه معلما للقسمين الأولين ~~، وكونه بحيث يحتاج الفريقان الأولان إليه وهو يستغني عنهما / ثم قال : مثل ~~العالم بالله وبأمر الله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص ، ومثل العالم بالله ~~فقد كمثل القمر يكمل تارة وينقص تارة أخرى ، ومثل العالم بأمر الله فقد ~~كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره ( ز ) قال فتح الموصلي : أليس المريض ~~إذا امتنع عنه الطعام والشراب والدواء يموت ؟ فكذا القلب إذا امتنع عنه ~~العلم والفكر والحكمة يموت ( ح ) قال شقيق البليح : الناس يقومون من مجلسي ~~على ثلاثة أصناف : كافر محض ، ومنافق محض ، ومؤمن محض ، وذلك لأني أفسر ~~القرآن فأقول عن الله وعن الرسول فمن لا يصدقني فهو كافر محض ، ومن ضاق ~~قلبه منه فهو منافق محض ، ومن ندم على ما صنع / وعزم على أن لا يذنب كان ~~مؤمنا محضا . وقال أيضا : ثلاثة من النوم يبغضها الله تعالى . وثلاثة من ~~الضحك : النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة . والنوم في الصلاة ، ~~والنوم عند مجلس الذكر ، والضحك خلف الجنازة ، والضحك في المقابر ، والضحك ~~في مجلس الذكر ( ط ) قال بعضهم في قوله تعالى : { فاحتمل السيل زبدا رابيا ~~} ( الرعد : 17 ) السيل ههنا العلم ، شبهه الله تعالى بالماء لخمس خصال : ~~أحدها : كما أن المطر ينزل من السماء كذلك العلم ينزل من السماء . والثاني ~~: كما أن إصلاح الأرض بالمطر فإصلاح الخلق بالعلم ، الثالث : كما أن الزرع ~~والنبات لا يخرج بغير المطر كذلك الأعمال والطاعات لا تخرج بغير العلم . ~~والرابع : كما أن المطر فرع الرعد والبرق كذلك العلم فإنه فرغ الوعد ~~والوعيد . الخامس : كما أن المطر نافع وضار ، كذلك العلم نافع PageV02P167 ~~وضار : نافع لمن عمل به ضار لمن لم يعمل به ( ي ) كم من مذكر بالله ناس لله ~~، وكم من مخوف بالله ، جريء على الله ، وكم من مقرب إلى الله بعيد عن ms0614 الله ~~، وكم من داع إلى الله فار من الله ، وكم من تال كتاب الله منسلخ عن آيات ~~الله ( يا ) الدنيا بستان زينت بخمسة أشياء : علم العلماء وعدل الأمراء ~~وعبادة العباد وأمانة التجار ونصيحة المحترفين . فجاء إبليس بخمسة أعلام ~~فأقامها بجنب هذه الخمس جاء بالحسد فركزه في جنب العلم ، وجاء بالجور فركزه ~~بجنب العدل ، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة ، وجاء بالخيانة فركزها بجنب ~~الأمانة ، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة ( يب ) فضل الحسن البصري على ~~التابعين بخمسة أشياء : أولها : لم يأمر أحدا بشيء حتى عمله ، والثاني : لم ~~ينه أحدا عن شيء حتى انتهى عنه ، والثالث : كل من طلب منه شيئا مما رزقه ~~الله تعالى لم يبخل به من العلم والمال . والرابع : كان يستغني بعلمه عن ~~الناس ، والخامس : كانت سريرته وعلانيته سواء . ( يج ) إذا أردت أن تعلم أن ~~علمك ينفعك أم لا فاطلب من نفسك خمس خصال : حب الفقر لقلة المؤنة ، وحب ~~الطاعة طلبا للثواب ، وحب الزهد في الدنيا طلبا للفراغ ، وحب الحكمة طلبا ~~لصلاح القلب ، وحب الخلوة طلبا لمناجاة الرب ( يد ) اطلب خمسة في خمسة ، ~~الأول : أطلب العز في التواضع لا في المال والعشيرة . والثاني : أطلب الغنى ~~في القناعة لا في الكثرة ، والثالث : أطلب الأمن في الجنة لا في الدنيا . ~~والرابع : اطلب الراحة في القلة لا في الكثرة . والخامس : أطلب منفعة العلم ~~في العمل لا في كثرة الرواية ( يه ) قال ابن المبارك ما جاء فساد هذه الأمة ~~إلا من قبل الخواص وهم خمسة : العلماء ، والغزاة ، والزهاد : والتجار ، ~~والولاة . أما العلماء فهم ورثة الأنبياء ، وأما الزهاد فعماد أهل الأرض ، ~~وأما الغزاة فجند الله في الأرض ، وأما التجار فأمناء الله في أرضه ، وأما ~~الولاة فهم الرعاة فإذا كان العالم للدين واضعا وللمال رافعا فبمن يقتدي ~~الجاهل ، وإذا كان الزاهد في الدنيا راغبا فبمن يقتدي التائب ، وإذا كان ~~الغازي طامعا مرائيا فكيف يظفر بالعدو . وإذا كان التاجر خائنا فكيف تحصل ~~الأمانة ، وإذا كان الراعي ذئبا فكيف تحصل الرعاية ( يو ) قال علي بن أبي ~~طالب رضي ms0615 الله عنه : العلم أفضل من / المال بسبعة أوجه : أولها : العلم ~~ميراث الأنبياء ، والمال ميراث الفراعنة . الثاني : العلم لا ينقص بالنفقة ~~والمال ينقص ، والثالث : يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه . ~~والرابع : إذا مات الرجل يبقى ماله والعلم يدخل مع صاحبه قبره . والخامس : ~~المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن ، والسادس : جميع ~~الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال . ~~السابع : العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه ( يز ) قال ~~الفقيه أبو الليث : إن من يجلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم ~~شيئا فله سبع كرامات : أولها : ينال فضل المتعلمين . والثاني : ما دام ~~جالسا عنده كان محبوسا عن الذنوب . والثالث : إذا خرج من منزله طلبا للعلم ~~نزلت الرحمة عليه . والرابع : إذا جلس في حلقة العلم فإذا نزلت الرحمة ~~عليهم حصل له منها نصيب . والخامس : ما دام يكون في الاستماع ، تكتب له ~~طاعة . والسادس : إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه لحرمانه عن إدراك العلم ~~فيصير ذلك الغم وسيلة له إلى حضرة الله تعالى لقوله عز وجل : ( أنا عند ~~المنكسرة قلوبهم لأجلي ) والسابع : يرى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم ~~للفساق فيرد قلبه PageV02P168 عن الفسق ويميل طبعه إلى العلم فلهذا أمر ~~عليه الصلاة والسلام بمجالسة الصالحين ( يح ) قيل من العلماء من يضن بعلمه ~~ولا يحب أن يوجد عند غيره فذاك في الدرك الأول من النار ، ومن العلماء من ~~يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد عليه شيء من حقه غضب ، فذاك في الدرك ~~الثاني من النار ، ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف ~~واليسار ولا يرى الفقراء له أهلا ، فذاك في الدرك الثالث من النار ، ومن ~~العلماء من كان معجبا بنفسه إن وعظ عنف وإن وعظ أنف فذاك في الدرك الرابع ~~من النار . ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي خطأ فذاك في الدرك ~~الخامس من النار ، ومن العلماء من يتعلم كلام المبطلين فيمزجه بالدين فهو ~~في الدرك السادس من النار ms0616 ، ومن العلماء من يطلب العلم لوجوه الناس فذاك في ~~الدرك السابع من النار ( يط ) قال الفقيه أبو الليث : من جلس مع ثمانية ~~أصناف من الناس زاده الله ثمانية أشياء . من جلس مع الأغنياء زاده الله حب ~~الدنيا والرغبة فيها ومن جلس مع الفقراء جعل الله له الشكر والرضا بقسمة ~~الله ، ومن جلس مع السلطان زاده الله القسوة والكبر ، ومن جلس مع النساء ~~زاده الله الجهل والشهوة ، ومن جلس مع الصبيان ازداد من اللهو والمزاح ، ~~ومن جلس مع الفساق ازداد من الجرأة على الذنوب وتسويف التوبة ، ومن جلس مع ~~الصالحين ازداد رغبة في الطاعات ، ومن جلس مع العلماء ازداد العلم والورع ( ~~يي ) إن الله علم سبعة نفر سبعة أشياء ( ا ) علم آدم الأسماء { وعلم ءادم ~~الاسماء كلها } ( ب ) علم الخضر الفراسة { وعلمناه من لدنا علما } ( الكهف ~~: 65 ) ( ج ) وعلم يوسف علم التعبير { رب قد اتيتنى من الملك وعلمتنى من ~~تأويل الاحاديث } ( يوسف : 101 ) ( د ) علم داود صنعة الدرع { وعلمناه صنعة ~~لبوس لكم } ( الأنبياء : 80 ) ( ه ) علم سليمان منطق الطير { وقال ياأيها ~~الناس علمنا منطق الطير } ( النمل : 16 ) ( و ) علم عيسى عليه السلام علم ~~التوراة / والإنجيل { ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } ( آل ~~عمران : 48 ) ( ز ) وعلم محمدا صلى الله عليه وسلم الشرع والتوحيد { وعلمك ~~ما لم تكن تعلم } ( النساء : 113 ) ، { ويعلمهم الكتاب والحكمة } ( البقرة ~~: 129 ) ، { الرحمان * علم القرءان } الرحمن : 1 ) فعلم آدم كان سببا له في ~~حصول السجدة والتحية / وعلم الخضر كان سببا لأن وجد تلميذا مثل موسى ويوشع ~~عليهما السلام ، وعلم يوسف كان سببا لوجدان الأهل والمملكة ، وعلم داود كان ~~سببا لوجدان الرياسة والدرجة ، وعلم سليمان كان سببا لوجدان بلقيس والغلبة ~~، وعلم عيسى كان سببا لزوال التهمة عن أمه وعلم محمد صلى الله عليه وسلم ~~كان سببا لوجود الشفاعة ، ثم نقول من علم أسماء المخلوقات وجد التحية من ~~الملائكة فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد تحية الملائكة ؟ بل يجد تحية ~~الرب { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) والخضر وجد ms0617 بعلم الفراسة صحبة ~~موسى ، فيا أمة الحبيب بعلم الحقيقة كيف لا تجدون صحبة محمد صلى الله عليه ~~وسلم { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين } ( النساء : 69 ) ~~ويوسف بتأويل الرؤيا نجا من حبس الدنيا ، فمن كان عالما بتأويل كتاب الله ~~كيف لا ينجو من حبس الشهوات { ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } ( يونس : 25 ~~) وأيضا فإن يوسف عليه السلام ذكر منة الله على نفسه حيث قال : { وعلمتنى ~~من تأويل الاحاديث } ( يوسف : 101 ) . فأنت يا عالم أما تذكر منة الله على ~~نفسك حيث علمك تفسير كتابه فأي نعمة أجل مما أعطاك الله حيث جعلك مفسرا ~~لكلامه وسميا لنفسه ووارثا لنبيه وداعيا لخلقه وواعظا لعباده وسراجا لأهل ~~بلاده وقائدا للخلق إلى جنته وثوابه وزاجرا لهم عن ناره وعقابه ، كما جاء ~~في الحديث : العلماء سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة ( كا ) المؤمن لا ~~يرغب في طلب العلم حتى يرى ست خاصل من نفسه . أحدها : أن يقول إن الله ~~PageV02P169 أمرني بأداء الفرائض وأنا لا أقدر على أدائها إلا بالعلم . ~~الثانية : أن يقول نهاني عن المعاصي وأنا لا أقدر على اجتنابها إلا بالعلم ~~. الثالثة : أنه تعالى أوجب على شكر نعمه ولا أقدر عليه إلا بالعلم . ~~والرابعة : أمرني بإنصاف الخلق وأنا لا أقدر أن أنصفهم إلا بالعلم . ~~والخامسة : أن الله أمرني بالصبر على بلائه ولا أقدر عليه إلا بالعلم ~~والسادسة : إن الله أمرني بالعداوة مع الشيطان ولا أقدر عليها إلا بالعلم ( ~~كب ) طريق الجنة في أيدي أربعة : العالم والزاهد والعابد والمجاهد ، ~~فالزاهد إذا كان صادقا في دعواه يرزقه الله الأمن ، والعابد إذا كان صادقا ~~في دعواه يرزقه الله الخوف ، والمجاهد إذا كان صادقا في دعواه يرزقه الله ~~الثناء والحمد ، والعالم إذا كان صادقا في دعواه يرزقه الله الحكمة ( كج ) ~~أطلب أربعة من أربعة : من الموضع السلامة ، ومن الصاحب الكرامة ، ومن المال ~~الفراغة ، ومن العلم المنفعة ، فإذا لم تجد من الموضع السلامة فالسجن خير ~~منه ، وإذا لم تجد من صاحبك الكرامة فالكلب خير منه ، وإذا لم تجد ms0618 من مالك ~~الفراغة فالمدر خير منه ، وإذا لم تجد من العلم المنفعة فالموت خير منه ( ~~كد ) لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء : لا يتم الدين إلا بالتقوى ، ~~ولا يتم القول إلا بالفعل ، ولا تتم / المروءة إلا بالتواض ، عولا يتم ~~العلم إلا بالعمل ، فالدين بلا تقوى على الخطر ، والقول بلا فعل كالهدر ، ~~والمروءة بلا تواضع كشجر بلا ثمر ، والعلم بلا عمل كغيث بلا مطر ( كه ) قال ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه لجابر بن عبد الله الأنصاري : قوام الدنيا ~~بأربعة بعالم يعمل بعلمه ، وجاهل لا يستنكف من تعلمه ، وغني لا يبخل بماله ~~، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، فإذا لم يعمل العالم بعلمه استنكف الجاهل ~~من تعلمه وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه فالويل لهم ~~والثبور سبعين مرة ( كو ) قال الخليل : الرجال أربعة رجل يدري ويدري أنه ~~يدري فهو عالم فاتبعوه ، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهو نائم فأيقظوه ، ~~ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهو مسترشد فأرشدوه / ورجل لا يدري ولا ~~يدري أنه لا يدري فهو شيطان فاجتنبوه ( كز ) أربعة لا ينبغي للشريف أن يأنف ~~منها وإن كان أميرا : قيامه من مجلسه لأبيه ، وخدمته لضيفه ، وخدمته للعالم ~~الذي يتعلم منه ، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه ( كح ) إذا اشتغل ~~العلماء بجمع الحلال حار العوام آكلين للشبهات ، وإذا صال العالم آكلا ~~للشبهات صار العامي آكلا للحرام ، وإذا صار العالم آكلا للحرام صار العامي ~~كافرا يعني إذا استحلوا . أما الوجوه العقلية فأمور : أحدها : أن الأمور ~~على أربعة أقسام ، قسم يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة . وقسم ترضاه الشهوة ~~ولا يرضاه العقل ، وقسم يرضاه العقل والشهوة معا ، وقسم لا يرضاه العقل ولا ~~ترضاه الشهوة . أما الأول : فهو الأمراض والمكاره في الدنيا ، وأما الثاني ~~: فهو المعاصي أجمع ، وأما الثالث : فهو العلم ، وأما الرابع : فهو الجهل ~~فينزل العلم من الجهل منزلة الجنة من النار ، فكما أن العقل والشهوة لا ~~يرضيان بالنار فكذلك لا يرضيان بالجهل وكما أنهما يرضيان بالجنة ms0619 فكذا ~~يرضيان بالعلم فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة ، ومن اشتغل بالعلم فقد ~~خاض في جنة حاضرة ، فكل من اختار العلم PageV02P170 يقال له تعودت المقام ~~في الجنة فأدخل الجنة ، ومن اكتفى بالجهل يقال له تعودت النار فأدخل النار ~~، والذي يدل على أن العلم جنة والجهل نار أن كمال اللذة في إدراك المحبوب ~~وكمال الألم في البعد عن المحبوب ، والجراحة إنما تؤلم لأنها تبعد جزءا من ~~البدن عن جزء محبوب من تلك الأجزاء وهو الاجتماع فلما اقتضت الجراحة إزالة ~~ذلك الاجتماع فقد اقتضت إزالة المحبوب وبعده ، فلا جرم كان ذلك مؤلما ~~والإحراق بالنار إنما كان أشد إيلاما من الجرح لأن الجرح لا يفيد إلا تبعيد ~~جزء معين عن جزء معين ، أما النار فإنها تغوص في جميع الأجزا فاقتضت تبعيد ~~جميع الأجزاء بعضها عن بعض ، فلما كانت التفريقات في الإحراق أشد كان الألم ~~هناك أصعب ، أما اللذة فهي عبارة عن إدراك المحبوب ، فلذة الأكل عبارة عن ~~إدراك تلك الطعوم لموافقة للبدن ، وكذلك لذة النظر إنما تحصل لأن القوة ~~الباصرة مشتاقة إلى إدراك المرئيات ، فلا جرم كان ذلك الإدراك لذة لها فقد ~~ظهر بهذا أن اللذة عبارة عن إدراك المحبوب ، والألم عبارة عن إدراك المكروه ~~وإذا عرفت هذا فنقول : / كلما كان الإدراك أغوص وأشد والمدرك أشرف وأكمل ، ~~والمدرك أنقى وأبقى . وجب أن تكون اللذة أشرف وأكمل . ولا شك أن محل العلم ~~هو الروح وهو أشرف من البدن ولا شك أن الإدراك العقلي أغوص وأشرف على ما ~~سيجيء بيانه في تفسير قوله : { الله نور * السماوات والارض } ( النور : 35 ~~) وأما المعلوم فلا شك أنه أشرف لأنه هو الله رب العالمين وجميع مخلوقاته ~~من الملائكة والأفلاك والعناصر والجمادات والنبات والحيوانات وجميع أحكامه ~~وأوامره وتكاليفه وأي معلوم أشرف من ذلك فثبت أنه لا كمال ولا لذة فوق كمال ~~العلم ولذاته ولا شقاوة ولا نقصان فوق شقاوة الجهل ونقصانه ، ومما يدل على ~~ما قلناه أنه إذا سئل الواحد منا عن مسألة علمية فإن علمها وقدر على الجواب ms0620 ~~والصواب فيها فرح بذلك وابتهج به ، وأن جهلها نكس رأسه حياء من ذلك ، وذلك ~~يدل على أن اللذة الحاصلة بالعلم أكمل اللذات ، والشقاء الحاصل بالجهل أكمل ~~أنواع الشقاء ، واعلم أن ههنا وجوها أخر من النصوص تدل على فضيلة العلم ~~نسينا إيرادها قبل ذلك فلا بأس أن نذكرها ههنا . الوجه الأول : أن أول ما ~~نزل قوله تعالى : { اقرأ باسم ربك الذى خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ ~~وربك الاكرم * الذى علمكم * بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم } ( العلق : 1 ~~5 ) فقيل فيه إنه لا بد من رعاية التناسب بين الآيات فأي مناسبة بين قوله : ~~{ خلق الإنسان من علق } وبين قوله : { اقرأ وربك الاكرم * الذى علمكم * ~~بالقلم } فأجيب عنه بأن وجه المناسبة أنه تعالى ذكر أول حال الإنسان وهو ~~كونه علقة . مع أنها أخس الأشياء وآخر حاله وهي صيرورته عالما وهو أجل ~~المراتب كأنه تعالى قال كنت أنت في أول حالك في تلك الدرجة التي هي غاية ~~الخساسة فصرت في آخر حالك في هذه الدرجة التي هي الغاية في الشرف . وهذا ~~إنما يتم لو كان العلم أشرف المراتب إذ لو كان غيره أشرف لكان ذكر ذلك ~~الشيء في هذا المقام أولى . الثاني : أنه قال : { اقرأ وربك الاكرم * الذى ~~علمكم * بالقلم } وقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر ~~بكون الوصف علة فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى إنما استحق الوصف بالأكرمية ~~لأنه أعطى العلم فلولا أن العلم أشرف من غيره وإلا لما كانت إفادته أشرف من ~~إفادة غيره : PageV02P171 الثالث : قوله سبحانه : { إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء } وهذه الآية فيها وجوه من الدلائل على فضل العلم . أحدها : ~~دلالتها على أمم من أهل الجنة وذلك لأن العلماء من أهل الخشية ؛ ومن كان من ~~أهل الخشية كان من أهل الجنة فالعلماء من أهل الجنة فبيان أن العلماء من ~~أهل الخشية قوله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ~~) وبيان أن أهل الخشية من أهل الجنة قوله تعالى : { لهم الدرجات ms0621 العلى جنات ~~عدن تجرى من تحتها الانهار } ( البينة : 8 ) إلى قوله تعالى : { ذلك لمن ~~خشى ربه } ويدل عليه أيضا قوله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى : ( وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له ~~أمنين فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا أمنته ~~يوم القيامة ) واعلم أنه يمكن إثبات مقدمتي هذه / الدلالة بالعقل ، أما ~~بيان أن العالم بالله يجب أن يخشاه ، فذلك لأن من لم يكن عالما بالشيء ~~استحال أن يكون خائفا منه ، ثم إن العلم بالذات لا يكفي في الخوف ، بل لا ~~بد له من العلم بأمور ثلاثة . منها : العلم بالقدرة ، لأن الملك عالم ~~باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة ، لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون ~~على دفعها . ومنها : العلم بكونه عالما ، لأن السارق من مال السلطان يعلم ~~قدرته ، ولكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه . ومنها العلم بكونه ~~حكيما . فإن المسخر عند السلطان عالم بكون السلطان قادرا على منعه عالما ~~بقبائح أفعاله ، لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف ؛ أما ~~لو علم اطلاع السلطان على قبائح أفعاله وعلم قدرته على منعه وعلم أنه حكيم ~~لا يرضى بشفاهته ؛ صارت هذه العلوم الثلاثة موجبة لحصول الخوف في قلبه ، ~~فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم بكونه تعالى عالما بجميع ~~المعلومات ، قادرا على كل المقدورات ، غير راض بالمنكرات والمحرمات ، فثبت ~~أن الخوف من لوازم العلم بالله ، وإنما قلنا : أن الخوف سبب الفوز بالجنة ، ~~وذلك لأنه إذا سنح للعبد لذة عاجلة وكانت تلك اللذة على خلاف أمر الله ، ~~وفعل ذلك الشيء يكون مشتملا على منفعة ومضرة ، فصريح العقل حاكم بترجيح ~~الجانب الراجح على الجانب المرجوح ، فإذا علم بنور الإيمان أن اللذة ~~العاجلة حقيرة في مقابلة الألم الآجل ، صار ذلك الإيمان سببا لفراره عن تلك ~~اللذة العاجلة ، وذلك هو الخشية ، وإذا صار تاركا للمحظور فاعلا للواجب كان ~~من أهل الثواب ، فقد ثبت بالشواهد ms0622 النقلية والعقلية أن العالم بالله خائف ~~والخائف من أهل الجنة . وثانيها : أن ظاهر الآية يدل على أنه ليس للجنة أهل ~~إلا العلماء / وذلك لأن كلمة إنما للحصر ، فهذا يدل على أن خشية الله لا ~~تحصل إلا للعلماء . والآية الثانية وهي قوله : { ذلك لمن خشى ربه } دالة ~~على أن الجنة لأهل الخشية وكونها لأهل الخشية ينافي كونها لغيرهم ، فدل ~~مجموع الآيتين على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء واعلم أن هذه الآية فيها ~~تخويف شديد ، وذلك لأنه ثبت أن الخشية من الله تعالى من لوازم العلم بالله ~~، فعند عدم الخشية يلزم عدم العلم بالله ، وهذه الدقيقة تنبهك على أن العلم ~~الذي هو سبب القرب من الله تعالى هو الذي يورث الخشية ، وأن أنواع ~~المجادلات وإن دقت وغمضت إذا خلت عن إفادة الخشية كانت من العلم المذموم . ~~PageV02P172 وثالثها : قرىء { إنما يخشى الله من عباده العلماء } برفعه ~~الأول ونصب الثاني ، ومعنى هذه القراءة : أنه تعالى لو جازت الخشية عليه ؛ ~~لما خشي العلماء ، لأنهم هم الذين يميزون بين ما يجوز وبين ما لا يجوز . ~~وأما الجاهل الذي لا يميز بين هذين البابين فأي مبالاة به وأي التفات إليه ~~، ففي هذه القراءة نهاية النصب للعلماء والتعظيم . الرابع : قوله تعالى : { ~~وقل * ربى * زدنى علما } ( طه : 114 ) . وفيه أدل دليل على نفاسة العلم ~~وعلو مرتبته وفرط محبة الله تعالى إياه ، حيث أمر نبيه بالازدياد منه خاصة ~~دون غيره . وقال قتادة : لو اكتفى أحد من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه ~~السلام ولم يقل { هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } ( الكهف : 66 ) . ~~الخامس : كان لسليمان عليه السلام من ملك الدنيا ما كان حتى أنه قال : { رب ~~هب لى * ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } ثم إنه لم يفتخر بالمملكة وافتخر ~~بالعلم حيث قال : { وقال ياأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شىء ~~} ( النمل : 16 ) فافتخر بكونه عالما بمنطق الطير فإذا حسن من سليمان أن ~~يفتخر بذلك العلم فلأن يحسن بالمؤمن أن يفتخر بمعرفة رب العالمين ms0623 كان أحسن ~~ولأنه قدم ذلك على قوله : { وأوتينا من كل شىء } وأيضا فإنه تعالى لما ذكر ~~كمال حالهم قدم العلم أولا وقال : { وداوود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث } ( ~~الأنبياء : 78 ) إلى قوله : { وكلا ءاتينا حكما وعلما } ( الأنبياء : 79 ) ~~ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحوال الدنيا فدل على أن العلم أشرف . ~~السادس : قال بعضهم الهدهد مع أنه في نهاية الضعف ومع أنه كان في موقف ~~المعاتبة قال لسليمان { أحطت بما لم تحط به } فلولا أن العلم أشرف الأشياء ~~وإلا فمن أين للهدهد أن يتكلم في مجلس سليمان بمثل هذا الكلام ولذلك يرى ~~الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول عند السلاطين وما ذاك إلا ~~ببركة العلم ، السابع : قال عليه الصلاة والسلام : ( تفكر ساعة خير من ~~عبادة ستين سنة ) وفي التفضيل وجهان : أحدها : أن التفكر يوصلك إلى الله ~~تعالى والعبادة توصلك إلى ثواب الله تعالى والذي يوصلك إلى الله خير مما ~~يوصلك إلى غير الله . والثاني : أن التفكر عمل القلب والطاعة عمل الجوارح ، ~~والقلب أشرف من الجوارح فكان عمل القلب أشرف من عمل الجوارح والذي يؤكد هذا ~~الوجه قوله تعالى : { إننى أنا الله } ( طه : 14 ) جعل الصلاة وسيلة إلى ~~ذكر القلب والمقصود أشرف من الوسيلة فدل ذلك على أن العلم أشرف من غيره . ~~الثامن : قال تعالى : { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ( ~~النساء : 113 ) فسمى العلم عظيما وسمي الحكمة خيرا كثيرا فالحكمة هي العلم ~~وقال أيضا : { الرحمان * علم القرءان } ( الرحمن : 1 ) فجعل هذه النعمة ~~مقدمة على جميع النعم ، فدل على أنه أفضل من غيره . التاسع : أن سائر كتب ~~الله ناطقة بفضل العلم . أما التوراة فقال تعالى لموسى عليه السلام ( عظم ~~الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له فتعلمها ثم ~~اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بها كرامتي في الدنيا والآخرة ) وأما الزبور ~~فقال سبحانه وتعالى : ( يا داود قل لأحبار PageV02P173 بني إسرائيل ~~ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقاء فإن لم ms0624 تجدوا فيهم تقيا فحادثوا العلماء ~~فإن لم تجدوا عالما فحادثوا العقلاء فإن التقى والعلم والعقل ثلاث مرات بما ~~جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد إهلاكه ) وأقول إنما قدم الله ~~تعالى التقي على العلم لأن التقي لا يوجد بدون العلم كما بينا أن الخشية لا ~~تحصل إلا مع العلم والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد ، وهذا ~~السر أيضا قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بد وأن يكون عاقلا ، أما ~~العاقل فقد لا يكون عالما فالعقل كالبذر والعلم كالشجرة والتقوى كالثمر . ~~وأما الإنجيل قال الله تعالى في السورة السابعة عشر منه ( ويل لمن سمع ~~بالعلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار اطلبوا العلم وتعلموه فإن ~~العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم / وإن لم يرفعكم لم يضعكم وإن لم يغنكم لم ~~يفقركم وإن لم ينفعكم لم يضركم ولا تقولوا نخاف أن نعلم فلا نعمل ولكن ~~قولوا نرجوا أن نعلم فنعمل ) والعلم شفيع لصاحبه وحق على الله تعالى أن لا ~~يخزيه ، إن الله تعالى يقول يوم القيامة : ( يا معاشر العلماء ما ظنكم ~~بربكم ؟ يقولون . ظننا أن يرحمنا ويغفر لنا ، فيقول : فأني قد فعلت ، إني ~~قد استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم ، بل لخير أردته بكم ، فادخلوا في ~~صالح عبادي إلى جنتي برحمتي ) وقال مقاتل بن سليمان وجدت في الإنجيل . أن ~~الله تعالى قال لعيسى بن مريم عليهما السلام : يا عيسى عظم العلماء واعرف ~~فضلهم لأني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين كفضل الشمس على ~~الكواكب ، وكفضل الآخرة على الدنيا ، وكفضلي على كل شيء ، أما الأخبار : ( ~~ا ) عن عبد الله بن عمر قال قال عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى ~~للعلماء ( إني لم أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم ادخلوا الجنة على ما ~~كان منكم ) ( ب ) قال أبو هريرة وابن عباس : خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خطبة بليغة قبل وفاته وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة فقال : من تعلم ~~العلم وتواضع في العلم وعلمه عباد ms0625 الله يريد ما عند الله . لم يكن في الجنة ~~أفضل ثوابا منه ولا أعظم منزلة ، ولم يكن في الجنة منزلة ولا درجة رفيعة ~~نفيسة إلا كان له فيها أوفر النصيب وأشرف المنازل ) . ( ج ) ابن عمر مرفوعا ~~إذا كان يوم القيامة صفت منابر من ذهب عليها فباب من فضة منضدة بالدر ~~والياقوت والزمرد جلالها السندس والاستبرق ، ثم ينادي منادى الرحمن : أين ~~من حمل إلى أمة محمد علما يريد به وجه الله : اجلسوا على هذه المنابر فلا ~~خوف عليكم حتى تدخلوا الجنة . ( د ) عن عيسى ابن مريم عليهما السلام : أن ~~أمة محمد عليه الصلاة والسلام علماء حكماء كأنهم من الفقه أنبياء ، يرضون ~~من الله باليسير من الرزق ، ويرضى الله منهم باليسير من العمل ، ويدخلون ~~الجنة بلا إله إلا الله ( ه ) قال عليه السلام ( من اغبرت قدماه في طلب ~~العلم ، حرم الله جسد على النار ، واستغفر له ملكاه وإن مات في طلبه مات ~~شهيدا ، وكان قبره روضة من رياض الجنة ، ويوسع له في قبره مد بصره ، وينور ~~على جيرانه أربعين قبرا عن يمينه . وأربعين قبرا عن يساره ، وأربعين عن ~~خلفه ، وأربعين أمامه ، ونوم العالم عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، ونفسه صدقة ، ~~وكل قطرة نزلت من عينيه تطفىء بحرا من جهنم فمن أهان العالم فقد أهان العلم ~~، ومن أهان العلم فقد أهان النبي ، ومن أهان النبي فقد أهان جبريل ومن أهان ~~جبريل أهان الله . ومن أهان الله أهانه الله يوم القيامة ) ( و ) قال عليه ~~الصلاة والسلام : ( ألا أخبركم بأجود الأجواد . قالوا : نعم يا رسول الله ، ~~قال الله تعالى : ( أجود الأجواد وأنا أجود ولد آدم ، وأجودهم من بعدي رجل ~~عالم ينشر علمه فيبعث يوم القيامة أمة وحده ورجل جاهد في سبيل الله حتى ~~يقتل ) . ( ز ) عن أبي PageV02P174 هريرة مرفوعا ( من نفس عن مؤمن كربة من ~~كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة ، ومن يسر على معسر يسر / ~~الله عليه في الدنيا والآخرة ، والله تعالى في عون العبد ، ما دام العبد في ~~عون أخيه ، ومن سلك ms0626 طريقا يبتغي به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وما ~~اجتمع قوم في مسجد من مساجد الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا ~~نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفت بهم الملائكة وذكرهم الله فيمن ~~عنده ) رواه مسلم في الصحيح ( ح ) قال عليه الصلاة والسلام ( يشفع يوم ~~القيامة ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ) . قال الراوي : فأعظم ~~مرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة ( ط ) معاذ بن جبل قال عليه الصلاة ~~والسلام ( تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ~~، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه صدقة ، وبذله لأهله قربة لأنه معالم الحلال ~~والحرام ومنار سبل الجنة والأنيس من الوحشة والصاحب في الوحدة والمحدث في ~~الخلوة والدليل على السراء والضراء والسلاح على الأعداء ، والدين عند ~~الاختلاف يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة هداة يهتدى بهم ، ~~وأئمة في الخير يقتفى بآثارهم ويقتدى بأفعالهم ، وينتهى إلى آرائهم ترغب ~~الملائكة في خلقتهم وبأجنحتها تمسحهم وفي صلاتها تستغفر لهم حتى كل رطب ~~ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه والسماء ونجومها . لأن العلم ~~حياة القلوب من العمى ونور الأبصار من الظلمة وقوة الأبدان من الضعف يبلغ ~~بالبعيد منازل الأحرار ومجالس الملوك والدرجات العلى في الدنيا والآخرة ~~والتفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام به يطاع الله ويعبد وبه يمجد ~~ويوحد وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام ) ( ي ) أبو هريرة قال ~~عليه الصلاة والسلام ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية ~~؛ أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له بالخير ) ( يا ) قال عليه الصلاة ~~والسلام ( إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس قيل يا رسول الله ومن الناس ؟ ~~قال أهل القرآن قيل ثم من ؟ قال أهل العلم قيل ثم من ؟ قال الصباح الوجوه ) ~~قال الراوي والمراد بأهل القرآن من يحفظ معانيه ( يب ) قال عليه الصلاة ~~والسلام : ( من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة ~~كتابه وخليفة رسوله والدنيا سم الله القتال لعباده فخذوا منها بقدر السم في ms0627 ~~الأدوية لعلكم تنجون ) قال الراوي والعلماء داخلون فيه لأنهم يقولون هذا ~~حرام فاجتنبوه وهذا حلال فخذوه ( يج ) في الخبر : العالم نبي لم يوح إليه ( ~~يد ) قال عليه الصلاة والسلام ( كن عالما ، أو متعلما ، أو مستمعا ، أو ~~محبا ، ولا تكن الخامس فتهلك ) قال الراوي : وجه التوفيق بين هذه الرواية ~~وبين الرواية الأخرى وهي قوله عليه الصلاة والسلام ( الناس رجلان عالم ~~ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيهم ) إن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم ~~وما أحسن قول بعض الأعراب لولده : كن سبعا خالسا أو ذئبا خانسا أو كلبا ~~حارسا ، وإياك وأن تكون إنسانا ناقصا ، ( يه ) قال عليه الصلاة والسلام : ( ~~من اتكأ على يده عالم كتب الله له بكل خطوة عتق رقبة ومن قبل رأس عالم كتب ~~الله له بكل شعرة حسنة ) ( يو ) قال عليه الصلاة والسلام برواية أبي هريرة ~~( بكت السموات / السبع ومن فيهن ومن عليهن والأرضون السبع ومن فيهن ومن ~~عليهن لعزيز ذل وغني افتقر وعالم يلعب به الجهال ) ( يز ) وقال عليه السلام ~~: ( حملة القرآن عرفاء أهل الجنة والشهداء قواد أهل الجنة والأنبياء سادة ~~أهل الجنة ( يح ) وقال عليه السلام : ( العلماء مفاتيح الجنة وخلفاء ~~الأنبياء ) PageV02P175 قال الراوي الإنسان لا يكون مفتاحا إنما المعنى أن ~~عندهم من العلم مفتاح الجنان والدليل عليه أن من رأى في النوم أن بيده ~~مفاتيح الجنة فإنه يؤتى علما في الدين . ( يط ) وقال عليه الصلاة والسلام ( ~~إن لله تعالى في كل يوم وليلة ألف رحمة على جميع خلقه الغافلين والبالغين ~~وغير البالغين ، فتسعمائة وتسعة وتسعون رحمة للعلماء وطالبي العلم ~~والمسلمين ، والرحمة الواحدة لسائر الناس ) . ( ك ) وقال عليه الصلاة ~~والسلام : ( قلت يا جبريل أي الأعمال أفضل لأمتي ؟ قال : العلم ، قلت ثم أي ~~؟ قال : النظر إلى العالم ، قلت : ثم أي ؟ قال : زيارة العالم ، ثم قال : ~~ومن كسب العلم لله وأراد به صلاح نفسه وصلاح المسلمين ، ولم يرد به عرضا من ~~الدنيا ، فأنا كفيله بالجنة ) ( كا ) وقال عليه الصلاة والسلام ( عشرة ~~تستجاب لهم الدعوة العالم والمتعلم وصاحب حسن الخلق والمريض واليتيم ms0628 ~~والغازي والحاج والناصح للمسلمين والولد المطيع لأبويه والمرأة المطيعة ~~لزوجها ) ( كب ) ( سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما العلم ؟ فقال : دليل ~~العمل قيل : فما العقل ؟ قال : قائد الخير ، قيل : فما الهوى ؟ قال : مركب ~~المعاصي ؛ قيل : فما المال ؟ قال : رداء المتكبرين ، قيل : فما الدنيا ؟ ~~قال : سوق الآخرة ) . # ( كج ) أنه عليه الصلاة والسلام كان يحدث إنسانا فأوحى الله إليه أنه لم ~~يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة ، وكان هذا وقت العصر ، فأخبره ~~الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال : يا رسول الله دلني على أوفق عمل لي في هذه ~~الساعة ، قال اشتغل بالتعلم فاشتغل بالتعلم ، وقبض قبل المغرب ، قال الراوي ~~: فلو كان شيء أفضل من العلم ، لأمره النبي صلى الله عليه وسلم به في ذلك ~~الوقت . ( كد ) قال عليه الصلاة والسلام : ( الناس كلهم موتى إلا العالمون ~~) والخبر مشهور ( كه ) عن أنس قال عليه الصلاة والسلام ( سبعة للعبد تجري ~~بعد موته : من علم علما أو أجرى نهرا أو حفر بئرا أو بنى مسجدا أو ورث ~~مصحفا أو ترك ولدا صالحا يدعو له بالخير أو صدقة تجري له بعد موته ) فقدم ~~عليه الصلاة والسلام التعليم على جميع الانتفاعات لأنه روحاني والروحاني ~~أبقى من الجسمانيات ( كو ) قال عليه الصلاة والسلام : ( لا تجالسوا العلماء ~~إلا إذا دعوكم من خمس إلى خمس : من الشك إلى اليقين ومن الكبر إلى التواضع ~~ومن العداوة إلى النصيحة ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد ) ( ~~كز ) أوصى النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال ~~يا علي احفظ التوحيد فأنه رأس مالي والزم العمل فإنه حرفتي ، وأقم الصلاة ~~فإنها قرة عيني ، واذكر الرب فإنه بصيرة فؤادي ، واستعمل العلم فإنه ميراثي ~~( كح ) أبو كبشة الأنصاري قال ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ~~الدنيا مثل أربعة رهط رجل آتاه الله علما وآتاه مالا فهو يعمل بعلمه في ~~ماله ، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فيقول لو أن الله تعالى آتاني ~~مثل ms0629 ما أوتي فلان لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الأجر سواء ، ورجل ~~آتاه الله مالا / ولم يؤته علما فهو يمنعه من الحق وينفقه في الباطل ، ورجل ~~لم يؤته الله علما ولم يؤته مالا فيقول : لو أن الله تعالى آتاني مثل ما ~~أوتي فلان لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الوزر سواء . # { * الآثار } ( ا ) كميل بن زياد قال أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~بيدي فأخرجني إلى الجبانة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال يا كميل بن زياد ~~إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها فاحفظ ما أقول لك : الناس ثلاثة عالم ~~رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم ~~يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق / يا كميل العلم خير من المال ~~، والعلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو ~~بالإنفاق ، وصنيع المال يزول بزواله ، يا كميل معرفة العلم زين يزان به ~~يكتسب PageV02P176 به الإنسان الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد وفاته ~~، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه ( ب ) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ~~إن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبل تهامة فإذا سمع العلم ~~وخاف واسترجع على ذنوبه انصرف إلى منزله وليس عليه ذنب فلا تفارقوا مجالس ~~العلماء فإن الله لم يخلق تربة على وجه الأرض أكرم من مجالس العلماء ( ج ) ~~عنم ابن عباس خير سليمان بين الملك والمال وبين العلم فاختار العلم فأعطي ~~العلم والملك معا ( د ) سليمان لم يحتج إلى الهدهد إلا لعلمه لما روي عن ~~نافع بن الأرزق قال لابن عباس كيف اختار سليمان الهدهد لطلب الماء قال ابن ~~عباس لأن الأرض كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها فقال نافع فكيف بأوقات الفخ ~~يغطي له بأصبع من تراب فلا يراه بل يقع فيه فقال ابن عباس إذا جاء القدر ~~عمي البصر ( ه ) قال أبو سعيد الخدري تقسم الجنة على عشرة آلاف جزء تسعة ~~آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعون منها ms0630 للذين عقلوا عن الله أمره فكان هذا ثوابهم ~~على قدر ما قسم الله لهم من العقول يقتسمون المنازل فيها وجزء للمؤمنين ~~الضعفاء الفقراء الصالحين ( و ) قال ابن عباس لولده يا بني عليك بالأدب ~~فإنه دليل على المروءة وأنس في الوحشة وصاحب في الغربة وقرين في الحضر وصدر ~~في المجلس ووسيلة عند انقضاء الوسائل وغنى عند العدم ورفعة للخسيس وكمال ~~للشريف وجلالة للملك ( ز ) عن الحسن البصري : صرير قلم العلماء تسبيح ~~وكتابة العلم والنظر فيه عبادة وإذا أصاب من ذلك المداد ثوبه فكأنما أصابه ~~دم الشهداء وإذا قطر منها على الأرض تلألأ نوره ، وإذا قام من قبره نظر ~~إليه أهل الجمع فيقال هذا عبد من عباد الله أكرمه الله وحشر مع الأنبياء ~~عليهم السلام ( ح ) في ( كتاب كليلة ) ودمنة : أحق من لا يستخف بحقوقهم ~~ثلاثة : العالم والسلطان والإخوان فإن من استخف بالعالم أهلك دينه ومن ~~استخف بالسلطان أهلك دنياه ومن استخف بالإخوان أهلك مروءته ( ط ) قال سقراط ~~من فضيلة العلم أنك لا تقدر على أن يخدمك فيه أحدكما تجد من يخدمك في سائر ~~الأشياء بل تخدمه بنفسك ولا يقدر أحد على سلبه عنك ( ي ) قيل لبعض الحكماء ~~لا تنظر فأغمض عينيه ، فقيل لا تسمع فسد أذنيه ، فقيل لا تتكلم فوضع يده ~~على فيه ، فقيل له لا تعلم فقال : لا أقدر عليه ( يا ) إذا كان السارق ~~عالما لا تقطع يده لأنه يقول كان المال وديعة لي وكذا / الشارب يقول حسبته ~~خلا وكذا الزاني يقول تزوجتها فإنه لا يحد ( يب ) قال بعضهم أحيوا قلوب ~~إخوانكم ببصائر بيانكم كما تحيون الموات بالنبات والنواة ، فإن نفسا تبعد ~~من الشهوات والشبهات أفضل من أرض تصلح للنبات . قال الشاعر : # % فوفي الجهل قبل الموت موت لأهله % % وأجسامهم قبل القبور قبور % # % وإن امرأ لم يحيى بالعلم ميت % % وليس له حتى النشور نشور % # { وأما } فمن وجوه : ( ا ) المعصية عند الجهل لا يرجى زوالها وعند ~~الشهورة يرجى زوالها ، انظر إلى زلة آدم فإنه بعلمه استغفر والشيطان غوى ~~وبقي في غيه أبدا ms0631 لأن ذلك كان بسبب الجهل ( ب ) إن يوسف عليه السلام لما ~~صار ملكا احتاج إلى زير فسأل ربه عن ذلك فقال له جبريل إن ربك يقول لا تختر ~~إلا فلانا فرآه يوسف في أسوإ الأحوال فقال لجبريل إنه كيف يصلح لهذا العمل ~~مع سوء حاله فقال جبريل إن ربك عينه لذلك لأنه كان ذب عنك حيث قال : { إن ~~كان قميصه قد من * دبر فكذبت وهو من الصادقين } ( يوسف : 27 ) والنكتة أن ~~الذي ذب عن يوسف عليه السلام استحق الشركة في مملكته فمن ذب عن الدين ~~القويم بالبرهان المستقيم كيف لا يستحق من الله الإحسان والتحسين ( ج ) ~~أراد واحد خدمة ملك فقال الملك اذهب وتعلم PageV02P177 حتى تصلح لخدمتي ~~فلما شرع في التعلم وذاق لذة العلم بعث الملك إليه وقال اترك التعلم فقد ~~صرت أهلا لخدمتي فقال كنت أهلا لخدمتك حين لم ترني أهلا لخدمتك وحين رأيتني ~~أهلا لخدمتك رأيت نفسي أهلا لخدمة الله تعالى وذلك أني كنت أظن أن الباب ~~بابك لجهلي والآن علمت أن الباب باب الرب ( د ) تحصيل العلم إنما يصعب عليك ~~لفرط حبك للدنيا لأنه تعالى أعطاك سواد العين وسويداء القلب ولا شك أن ~~السواد أكبر من السويداء في اللفظ لأن السويداء تصغير السواد ثم إذا وضعت ~~على سواد عينك جزءا من الدنيا لا ترى شيئا فكيف إذا وضعت على السويداء كل ~~الدنيا كيف ترى بقلبك شيئا ( ه ) قال حكيم : القلب ميت وحياته بالعالم ~~والعلم ميت وحياته بالطلب والطلب ضعيف وقوته بالمدارسة فإذا قوي بالمدارسة ~~فهو محتجب وإظهاره بالمناظرة وإذا ظهر بالمناظرة فهو عقيم ونتاجه بالعمل ~~فإذا زوج العلم بالعمل توالد وتناسل ملكا أبديا لا آخر له ( و ) { قالت ~~نملة يأيها * أيها * النمل ادخلوا مساكنكم } ( النمل : 18 ) إلى قوله : { ~~وهم لا يشعرون } كانت رياسة تلك النملة على غيرها لم تكن إلا بسبب أنها ~~علمت مسألة واحدة وهي قوله تعالى : { وهم لا يشعرون } كأنها قالت إن سليمان ~~معصوم والمعصوم لا يجوز منه إيذاء البريء عن الجرم ولكنه لو حطمكم ms0632 فإنما ~~يصدر ذلك منه على سبيل السهو لأنه لا يعلم حالكم فقوله تعالى : { وهم لا ~~يشعرون } إشارة إلى تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن المعصية فتلك النملة ~~لما علمت هذه المسألة الواحدة استحقت الرياسة التامة فمن علم حقائق الأشياء ~~من الموجودات والمعدومات كيف لا يستوجب الرياسة في الدنيا والدين ( ز ) ~~الكلب إذا تعلم وأرسله المالك على اسم الله تعالى صار صيده النجس طاهرا ~~والنكتة أن / العلم هناك انضم إلى الكلب فصار النجس ببركة العلم طاهرا ، ~~فههنا النفس والروح طاهرتان في أصل الفطرة إلا أنهما تلوثتا بأقذار المعصية ~~ثم انضم إليهما العلم بالله وبصفاته فنرجو من عميم لطفه أن يقلب النجس ~~طاهرا ههنا والمردود مقبولا ( ح ) القلب رئيس الأعضاء ثم تلك الرياسة ليست ~~للقوة فإن العظم أقوى منه ولا للعظم فإن الفخذ أعظم منه ولا للحدة فإن ~~الظفر أحد منه وإنما تلك الرياسة بسبب العلم فدل على أن العلم أشرف الصفات ~~. # أما الحكايات : ( ا ) حكي أن هرون الرشيد كان معه فقهاء وكان فيهم أبو ~~يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيته مالا بالليل فأقر الآخذ ~~بذلك في المجلس فاتفق الفقهاء على أنه تقطع يده . فقال أبو يوسف : لا قطع ~~عليه ، قالوا لم ؟ قال لأنه أقر بالأخذ والأخذ لا يوجب القطع بل لا بد من ~~الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في قوله ، ثم قالوا للآخذ أسرقتها ؟ قال : نعم ~~، فأجمعوا كلهم على أنه وجب القطع لأنه أقر بالسرقة فقال أبو يوسف : لاقطع ~~لأنه وإن أقر بالسرقة لكن بعد ما وجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ فإذا أقر ~~بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره ~~فتعجب الكل من ذلك ( ب ) عن الشعبي كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر فقيه ~~خراسان مع بلخ مكبلا بالحديد فقال له الحجاج أنت زعمت أن الحسن والحسين من ~~ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بلى فقال : الحجاج لتأتيني بها ~~واضحة بينة من كتاب الله أو لأقطعنك عضوا عضوا فقال آتيك ms0633 بها واضحة بينة من ~~كتاب الله يا حجاج قال : فتعجبت من جرأته بقوله يا حجاج فقال له ولا تأتني ~~بهذه الآية { ندع أبناءنا وأبناءكم } ( آل عمران : 61 ) فقال : آتيك بها ~~واضحة من كتاب الله وهو قوله : { ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته * داوود * ~~وسليمان } ( الأنعام : 84 ) إلى قوله : { وزكريا ويحيى وعيسى } فمن كان أبو ~~عيسى وقد ألحق بذرية نوح ؟ قال : فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال : كأني لم ~~أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا ( ج ) يحكى أن ~~جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في PageV02P178 القراءة ~~خلف الإمام ويبكتوه ويشنعوا عليه فقال لهم : لا يمكنني مناظرة الجميع ~~ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره فأشاروا إلى واحد فقال : هذا ~~أعلمكم ؟ قالوا : نعم قال : والمناظرة معه كالمناظرة معكم ؟ قالوا : نعم ~~قال : والإلزام عليه كالإلزام عليكم ؟ قالوا : نعم قال : وإن ناظرته ~~وألزمته الحجة فقد لزمتكم الحجة ؟ قالوا : نعم قال : كيف ؟ قالوا : لأنا ~~رضينا به إماما فكان قوله قولا لنا قال : أبو حنيفة فنحن لما اخترنا الإمام ~~في الصلاة كانت قراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالإلزام ( د ) ~~هجا الفرزدق واحدا فقال : # % فلقد ضاع شعري على بابكم % % كما ضاع در على خالصة % # وكانت خالصة معشوقة سليمان بن عبد الملك وكانت ظريفة صاحبة أدب وكانت ~~هيبة سليمان بن عبد الملك تفوق هيبة المروانيين فلما بلغها هذا البيت شق ~~عليها فدخلت على سليمان وشكت / الفرزدق فأمر سليمان بإشخاص الفرزدق على ~~أفظع الوجوه مكبلا مقيدا فلما حضر وما كان به من الرمق إلا مقدار ما يقيمه ~~على الرجل من شدة الهيبة فقال له سليمان بن عبد الملك : أنت القائل : # % فلقد ضاع شعري على بابكم % % كما ضاع در على خالصة % # فقال ما قلته هكذا وإنما غيره على من أراد بي مكروها وإنما قلت : وخالصة ~~من وراء الستر تسمع : # % فلقد ضاء شعري على بابكم % % كما ضاء در على خالصة % # فسرى عن خالصة فلم تملك نفسها أن خرجت من الستر ms0634 فألقت على الفرزدق ما كان ~~عليها من الحلي وهي زيادة على ألف ألف درهم فأتبعه سليمان بن عبد الملك ~~حاجبه لما خرج من عنده حتى اشترى الحلى من الفرزدق بما ألف ورده على خالصة ~~( ه ) دعا المنصور أبا حنيفة يوما فقال الربيع وهو يعاديه يا أمير المؤمنين ~~هذا يعني أبا حنيفة يخالف جدك حيث يقول : الاستثناء المنفصل جائز وأبو ~~حنيفة ينكره فقال أبو حنيفة هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس ~~فقال كيف ؟ قال أنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون ~~فتبطل بيعتهم فضحك المنصور وقال : إياك يا ربيع وأبا حنيفة فلما خرج فقال ~~الربيع يا أبا حنيفة سعيت في دمي فقال أبو حنيفة كنت البادي وأنا المدافع . ~~ويحكى أن مسلما قتل ذميا عمدا فحكم أبو يوسف بقتل المسلم به فبلغ زبيدة ذلك ~~فبعثت إلى أبي يوسف فقالت : إياك وأن تقتل المسلم وكانت في عناية عظيمة ~~بأمر المسلمين فلما حضر أبو يوسف وحضر الفقهاء وجيء بأولياء الذمي والمسلم ~~فقال له الرشيد أحكم بقتله فقال يا أمير المؤمنين هو مذهبي غير أني لست ~~أقتل المسلم به حتى تقوم البينة العادلة أن الذمي يوم قتله المسلم كان ممن ~~يؤدي الجزية فلم يقدروا عليه فبطل دمه ( ز ) دخل الغضبان على الحجاج بعدما ~~قال لعدوه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك فقال ~~له ما جواب السلام عليك ؟ فقال وعليك السلام ثم فطن الحجاح ، وقال : قاتلك ~~الله يا غضبان ، أخذت لنفسك أمانا بردي عليك أما والله لولا الوفاء والكرم ~~/ لما شربت الماء البارد بعد ساعتك هذه . فانظر إلى فائدة العلم في هذه ~~الصورة فلله در العلم ومن به تردى ، وتعسا للجهل ومن في أوديته تردى ( ح ) ~~بلغ عبد الملك بن مروان قول الشاعر : PageV02P179 # % فومنا سويد والبطين وقعنب % % ومنا أمير المؤمنين شبيب % # فأمر به فأدخل عليه ، فقال أنت القائل ومنا أمير المؤمنين شبيب ؟ فقال : ~~إنما قلت ومنا أمير المؤمنين شبيب ، بنصب الراء فناديتك واستغثت بك ، فسرى ms0635 ~~عن عبد الملك وتخلص الرجل من الهلاك بصنعة يسيرة عملها بعلمه ، وهو أنه حول ~~الضمة فتحة . ( ط ) قال أبو مسلم : صاحب الدولة لسليمان بن كثير : بلغني ~~أنك كنت في مجلس وقد جرى بين يديك ذكرى ، فقلت : اللهم سود وجهه واقطع عنقه ~~وأسقني من دمه ، فقال : نعم قلته ، ولكن في كرم كذا لما نظرت إلى الحصرم ~~فاستحسن / قوله ، وعفا عنه . ( ي ) قال رجل لأبي حنيفة : إني حلفت لا أكلم ~~امرأتي حتى تكلمني وحلفت بصدقة ما تملك أن لا تكلمني أو أكلمها فتحير ~~الفقهاء فيه فقال سفيان من كلم صاحبه حنث فقال أبو حنيفة : إذهب وكلمها ولا ~~حنث عليكما . فذهب إلى سفيان وأخبره بما قال أبو حنيفة ؛ فذهب سفيان إلى ~~أبي حنيفة مغضبا وقال : تبيح الفروجا فقال أبو حنيفة : وما ذاك ؟ قال سفيان ~~: أعيدوا على أبي حنيفة السؤال ، فأعادوا وأعاد أبو حنيفة الفتوى ، فقال من ~~أين قلت ؟ قال : لما شافهته باليمين بعدما حلف كانت مكلمة فسقطت يمينه ، ~~وإن كلمها فلا حنث عليه ولا عليها ؛ لأنه قد كلمها بعد اليمين فسقطت اليمين ~~عنهما . قال سفيان : إنه ليكشف لك من العلم عن شيء كلنا عنه غافل . ( يا ) ~~دخل اللصوص على رجل فأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثا أن لا يعلم أحدا ~~، فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل ~~يمينه ، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة فقال : أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك ~~فأحضرهم إياه ، فقال لهم أبو حنيفة . هل تحبون أن يرد الله على هذا متاعه ؟ ~~قالوا : نعم ، قال : فاجمعوا كلا منهم وأدخلوهم في دار ثم أخرجوهم واحدا ~~واحدا ، وقولوا أهذا لصك ؟ فإن كان ليس بلصه قال : لا ، وإن كان لصه فليسكت ~~، وإذا سكت فاقبضوا عليه ، ففعلوا ما أمرهم به أبو حنيفة ، فرد الله عليه ~~جميع ما سرق منه ( يب ) كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة ، ~~فقال يوما لأبي حنيفة : إني أريد أن أتزوج ابنة فلان وقد خطبتها ، إلا أنهم ~~قد طلبوا مني من المهر فوق ms0636 طاقتي ، فقال : احتل واقترض وادخل عليها ، فإن ~~الله تعالى يسهل الأمر عليك بعد ذلك ، ثم أقرضه أبو حنيفة ذلك القدر ؛ ثم ~~قال له : بعد الدخول أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد ، ~~وأنك تسافر بأهلك معك : فأظهر الرجل ذلك . فاشتد ذلك على أهل المرأة وجاؤا ~~إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه ، فقال لهم أبو حنيفة : له ذلك ، فقالوا : ~~وكيف الطريق إلى دفع ذلك ؟ فقال أبو حنيفة : الطريق أن ترضوه بأن تردوا ~~عليه ما أخذتموه منه ، فأجابوه إليه ؛ فذكر أبو حنيفة ذلك للزوج ، فقال ~~الزوج : فأنا أريد منهم شيئا آخر فوق ذلك ، فقال أبو حنيفة : أيما أحب إليك ~~أن ترضى بهذا القدر وإلا أقرت لرجل بدين فلا تملك المسافرة بها حتى تقضي ما ~~عليها من الدين فقال الرجل الله الله لا يسمعوا بهذا فلا آخذ منهم شيئا ~~ورضي بذلك القدر فحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين ( يج ) ~~عن الليث بن سعد قال : قال رجل لأبي حنيفة ؛ لي ابن ليس بمحمود السيرة ~~أشتري له الجارية بالمال العظيم فيعتقها وأزوجه المرأة بالمال العظيم ~~فيطلقها فقال له أبو حنيفة : إذهب به معك إلى سوق النخاسين فإذا وقعت عينه ~~على جارية فابتعها لنفسك ثم زوجها إياه فإن طلقها عادت إليك مملوكة وإن ~~أعتقها لم يجز عتقه إياها / قال الليث : فوالله ما أعجبني جوابه كما أعجبني ~~سرعة جوابه ( يد ) سئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته نهارا في رمضان ~~فلم يعرف أحد وجه الجواب فقال أبو حنيفة : يسافر مع امرأته PageV02P180 ~~فيطؤها نهارا / في رمضان ( يه ) جاء رجل إلى الحجاج فقال : سرقت لي أربعة ~~آلاف درهم فقال الحجاج : من تتهم ؟ فقال : لا أتهم أحدا قال : لعلك أتيت من ~~قبل أهلك ؟ قال : سبحان الله امرأتي خير من ذلك قال الحجاج لعطاره إعمل لي ~~طيبا ذكيا ليس له نظير فعمل له الطيب ثم دعا الشيخ فقال : ادهن من هذه ~~القارورة ولا تدهن منها غيرك ثم قال الحجاج لحرسه : اقعدوا على أبواب ~~المساجد ms0637 وأراهم الطيب وقال من وجد منه ريح هذا الطيب فخذوه فإذا رجل له ~~وفرة فأخذوه فقال الحجاج من أين لك هذا الذهن ؟ قال : اشتريته قال : أصدقني ~~وإلا قتلتك فصدقه فدعا الشيخ وقال : هذا صاحب الأربعة آلاف عليك بامرأتك ~~فأحسن أدبها ، ثم أخذ الأربعة آلاف من الرجل ، وردها إلى صاحبها ( يو ) قال ~~الرشيد يوما لأبي يوسف : عند جعفر بن عيسى جارية هي أحب الناس إلي وقد عرف ~~ذلك وقد حلف أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق ، وهو الآن يطلب حل يمينه . فقال ~~: يهب النصف ويبيع النصف ولايحنث ( يز ) قال محمد بن الحسن : كنت نائما ذات ~~ليلة ، فإذا أنا بالباب يدق ويقرع فقلت : انظروا من ذاك ؟ فقالوا : رسول ~~الخليفة يدعوك فخفت على روحي فقمت ومضيت إليه ، فلما دخلت عليه قال : دعوتك ~~في مسألة : إن أم محمد يعني زبيدة قلت لها أنا الإمام العدل ، والإمام ~~العدل في الجنة ، فقالت لي إنك ظالم عاص فقد شهدت لنفسك بالجنة فكفرت بكذبك ~~على الله وحرمت عليك ، فقلت له يا أمير المؤمنين إذاوقعت في معصية هل تخاف ~~الله في تلك الحالة أو بعدها : فقال إي والله أخاف خوفا شديدا ، فقلت : أنا ~~أشهد أن لك جنتين ، لا جنة واحدة قال تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ~~( الرحمن : 46 ) فلاطفني وأمرني بالانصراف فلما رجعت إلى داري رأيت البدر ~~متبادرة إلي ( يح ) يحكى أن أبا يوسف أتاه ذات ليلة رسول الرشيد يستعجله ، ~~فخاف أبو يوسف على نفسه ، فلبس إزاره ومشى خائفا إلى دار الخليفة ، فلما ~~دخل عليه سلم فرد عليه الجواب وأدناه ، فعند ذلك هدأ روعه ، قال الرشيد إن ~~حليا لنا فقد من الدار فاتهمت فيه جارية من جواري الدار الخاصة ، فحلفت ~~لتصدقيني أولأقتلنك وقد ندمت فاطلب لي وجها ؛ فقال أبو يوسف : فأذن لي في ~~الدخول عليها فأذن له فرأى جارية كأنها فلقة قمر ؛ فأخلى المجلس ثم قال لها ~~: أمعك الحلى ؟ فقالت : لا والله ، فقال : لها احفظي ما أقول لك ولا تزيدي ~~عليه ولا تنقصي عنه إذا دعاك الخليفة ms0638 وقال لك أسرقت الحلى فقولي نعم ، فإذا ~~قال لك فهاتها فقولي ما سرقتها ، ثم خرج أبو يوسف إلى مجلس الرشيد وأمر ~~بإحضار الجارية فحضرت ، فقال للخليفة : سلها عن الحلى ، فقال لها الخليفة : ~~أسرقت الحلى ؟ قالت : نعم ، قال لها : فهاتها ، قالت : لم أسرقها والله ، ~~قال أبو يوسف : قد صدقت يا أمير المؤمنين في الإقرار أو الإنكار وخرجت ~~مناليمين ، فسكن غضب الرشيد وأمر أن يحمل إلى دار أبي يوسف مائة ألف درهم ، ~~فقالوا : إن الخزان غيب فلو أخرنا ذلك إلى الغد ، فقال : إن القاضي أعتقنا ~~الليلة / فلا نؤخر صلته إلى الغد ، فأمر حتى حمل عشر بدر مع أبي يوسف إلى ~~منزله . ( يط ) قال بشر المريسي للشافعي : كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أن ~~أهل المشرق والمغرب لا يمكن معرفة وجود إجماعهم على الشيء الواحد وكانت هذه ~~المناظرة عند الرشيد ، فقال الشافعي : هل تعرف إجماع الناس على خلافة هذا ~~الجالس ؟ فأقر به خوفا وانقطع ؛ ( ك ) أعرابي قصد الحسين بن علي رضي الله ~~عنهما ، فسلم عليه وسأله حاجة وقال : سمعت جدك يقول : إذا سألتم حاجة ~~فاسألوها من أحد أربعة : إما عربي شريف ، أو مولى كريم / أو حامل القرآن ، ~~PageV02P181 أو صاحب وجه صبيح فأما العرب فشرفت بجدك ، وأما الكرم فدأبكم ~~وسيرتكم ، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل ، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أردتم أن تنظروا إلي فانظروا إلى الحسن ~~والحسين ، فقال الحسين : ما حاجتك ؟ فكتبها على الأرض ، فقال الحسين سمعت ~~أبي عليا يقول قيمة كل امرىء ما يحسنه . وسمعت جدي يقول : المعروف بقدر ~~المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي وإن ~~أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي وقد ~~حمل إلي صرة مختومة من العراق فقال : سل ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال : ~~أي الأعمال أفضل قال الأعرابي : الإيمان بالله . قال : فما نجاة العبد من ~~الهلكة قال : الثقة بالله ، قال : فما يزين المرء ms0639 قال : علم معه حلم قال : ~~فإن أخطأه ذلك قال : فمال معه كرم قال : فإن أخطأه ذلك قال : ففقر معه صبر ~~قال : فإن أخطأه ذلك قال : فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فضحك الحسين ورمى ~~بالصرة إليه . # أما الشواهد العقلية في فضيلة العلم فنقول : اعلم أن كون العلم صفة شرف ~~وكمال وكون الجهل صفة نقصان أمر معلوم للعقلاء بالضرورة ولذلك لو قيل للرجل ~~العالم يا جاهل فأنه يتأذى بذلك وإن كان يعلم كذب ذلك ولو قيل للرجل الجاهل ~~يا عالم فإنه يفرح بذلك وإن كان يعلم أنه ليس كذلك وكل ذلك دليل على أن ~~العلم شريف لذاته ومحبوب لذاته والجهل نقصان لذاته وأيضا فالعلم أينما وجد ~~كان صاحبه محترما معظما حتى أن الحيوان إذا رأى الإنسان احتشمه بعض ~~الاحتشام وانزجر به بعض الانزجار وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من ~~الإنسان وكذلك جماعة الرعاة إذا رأوا من جنسهم من كان أوفر عقلا منهم وأغزر ~~فضلا فيما هم فيه وبصدده انقادوا له طوعا فالعلماء إذا لم يعاندوا كانوا ~~رؤساء بالطبع على من كان دونهم في العلم ولذلك فإن كثيرا ممن كانوا يعاندون ~~النبي صلى الله عليه وسلم فصدوه ليقتلوه فما كان إلا أن وقع بصرهم عليه ~~فألقى الله في قلوبهم منه روعة وهيبة فهابوه وانقادوا له صلى الله عليه ~~وسلم ولهذا قال الشاعر : # % فلو لم تكن فيه آيات مبينة % % كانت بداهتة تنبيك عن خبر % # وأيضا فلا شك أن الإنسان أفضل من سائر الحيوانات وليست تلك الفضيلة لقوته ~~وصولته فإن كثيرا من الحيوانات يساويه فيها أو يزيد عليه فأذن تلك الفضيلة ~~ليست إلا لاختصاصه بالمزية / النورانية واللطيفة الربانية التي لأجلها صار ~~مستعدا لإدراك حقائق الأشياء والاطلاع عليها والاشتغال بعبادة الله على ما ~~قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( ) وأيضا الجاهل كأنه في ظلمة ~~شديدة لا يرى شيئا البتة والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت ويسبح في بحار ~~المعقولات فيطالع الموجود والمعدوم والواجب والممكن والمحال ثم يعرف انقسام ~~الممكن إلى الجوهر والعرض والجوهر إلى ms0640 البسيط والمركب ويبالغ في تقسيم كل ~~منها إلى أنواعها وأنواع أنواعها وأجزائها وأجزاء أجزائها والجزء الذي به ~~يشارك غيره والجزء الذي به يمتاز عن غيره ويعرف أثر كل شيء ومؤثره ومعلوله ~~وعلته ولازمه وملزومه وكليه وجزئيه وواحده وكثيره حتى يصير عقله كالنسخة ~~التي أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها فأي سعادة فوق هذه ~~الدرجة ثم إنه بعد صيرورته كذلك تصير النفوس الجاهلة عالمة فتصير تلك النفس ~~كالشمس في عالم الأرواح وسببا للحياة الأبدية لسائر النفوس فإنها كانت ~~كاملة ثم صارت مكملة وتصير واسطة بين الله وبين عباده ولهذا قال تعالى : { ~~ينزل الملائكة بالروح من أمره } ( النحل : 2 ) والمفسرون فسروا هذا الروح ~~بالعلم والقرآن وكما أن البدن بلا PageV02P182 روح ميت فاسد فكذا الروح بلا ~~علم ميت ونظيره قوله تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى ~~: 52 ) فالعلم روح الروح ونور النور ولب اللب ومن خواص هذه السعادة أنها ~~تكون باقية آمنة عن الفناء والتغير ، فإن التصورات الكلية لا يتطرق إليها ~~الزوال والتغير وإذا كانت هذه السعادة في نهاية الجلالة في ذاتها ثم إنها ~~باقية أبد الآبدين ودهر الداهرين كانت لا محالة أكمل السعادات وأيضا ~~فالأنبياء صلوات الله عليهم ما بعثوا إلا للدعوة إلى الحق قال تعالى : { ~~ادع إلى سبيل ربك بالحكمة } ( النحل : 125 ) إلى آخره ، وقال : { قل هاذه ~~سبيلى * ادعوا * إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى } ث ( يوسف : 108 ) م ~~خذ من أول الأمر فإنه سبحانه لما قال : { إني جاعل فى الارض خليفة } ( ~~البقرة : 30 ) قالت الملائكة : { أتجعل فيها من يفسد فيها } قال سبحانه : { ~~إني أعلم ما لا تعلمون } فأجابهم سبحانه بكونه عالما فلم يجعل سائر صفات ~~الجلال من القدرة . والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والوجود ، والقدم ، ~~والاستغناء عن المكان والجهة جوابا لهم وموجبا لسكوتهم وإنما جعل صفة العلم ~~جوابا لهم وذلك يدل على أن صفات الجلال والكمال وإن كانت بأسرها في نهاية ~~الشرف إلا أن صفة العلم أشرف من غيرها ثم إنه سبحانه إنما أظهر فضل آدم ~~عليه السلام بالعلم ms0641 وذلك يدل أيضا على أن العلم أشرف من غيره ثم إنه سبحانه ~~لما أظهر علمه جعله مسجود الملائكة وخليفة العالم السفلى وذلك يدل على أن ~~تلك المنقبة إنما استحقها آدم عليه السلام بالعلم ثم إن الملائكة افتخرت ~~بالتسبيح والتقديس والافتخار بهما إنما يحصل لو كانا مقرونين بالعلم فإنهما ~~إن حصلا بدون العلم كان ذلك نفاقا والنفاق أخس المراتب قال تعالى : { إن ~~المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) أو تقليدا والتقليد ~~مذموم فثبت أن تسبيحهم وتقديسهم إنما صار موجبا للافتخار ببركة العلم . ثم ~~إن آدم عليه السلام إنما وقع عليه اسم المعصية لأنه أخطأ / في مسألة واحدة ~~اجتهادية على ما سيأتي بيانه ولأجل هذا الخطأ القليل وقع فيما وقع فيه ~~والشيء كلما كان الخطر فيه أكثر كان أشرف فذلك يدل على غاية جلالة العلم . ~~ثم إنه ببركة جلالة العلم لما تاب وأناب وترك الإصرار والاستكبار وجد خلعة ~~الاجتباء ، ثم انظر إلى إبراهيم عليه السلام كيف اشتغل في أول أمره بطلب ~~العلم على ما قال تعالى : { فلما جن عليه اليل رأى كوكبا } ( الأنعام : 76 ~~) ثم انتقل من الكواكب إلى القمر ومن القمر إلى الشمس ولم يزل ينتقل بفكره ~~من شيء إلى شيء إلى أن وصل بالدليل الزاهر والبرهان الباهر إلى المقصود ~~وأعرض عن الشرك فقال : { إنى وجهت وجهى للذى فطر * السماوات والارض } ( ~~الأنعام : 79 ) فلما وصل إلى هذه الدرجة مدحه الله تعالى بأشرف المدائح ~~وعظمه على أتم الوجوه فقال تارة : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت * السماوات ~~والارض } ( الأنعام : 75 ) وقال أخرى : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على ~~قومه نرفع درجات من نشاء } ( الأنعام : 83 ) ثم إنه عليه السلام بعد الفراغ ~~من معرفة المبدأ اشتغل بمعرفة المعاد فقال : { وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف ~~تحى الموتى } ( البقرة : 26 ) ثم لما فرغ من التعلم اشتغل بالتعليم ~~والمحاجة تارة مع أبيه على ما قال : { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر } ( ~~مريم : 42 ) وتارة مع قومه فقال : { ما هاذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون ~~} ( الأنبياء ms0642 : 52 ) وأخرى مع ملك زمانه فقال : { ألم تر إلى الذى حاج ~~إبراهيم فى ربه } ( البقرة : 258 ) وانظر إلى صالح وهود وشعيب كيف كان ~~اشتغالهم في أوائل أمورهم وأواخرها بالتعلم والتعليم وإرشاد الخلق إلى ~~النظر والتفكر في الدلائل وكذلك أحوال موسى عليه السلام مع فرعون وجنوده ~~ووجوه دلائله معه ، ثم انظر إلى حال سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ~~كيف من الله عليه بالعلم مرة بعد أخرى فقال : { ووجدك ضالا فهدى * ووجدك ~~عائلا فأغنى } ( الضحى : 7 8 ) فقدم الامتنان PageV02P183 بالعلم على ~~الامتنان بالمال وقال أيضا : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( ~~الشورى : 52 ) وقال : { ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هاذا } ( هود : ~~49 ) ثم إنه أول ما أوحى إليه قال : { اقرأ باسم ربك } ( العلق : 1 ) ثم ~~قال : { وعلمك ما لم تكن تعلم } ( النساء : 113 ) وهو عليه الصلاة والسلام ~~كان أبدا يقول : أرنا الأشياء كما هي . فلو لم يظهر للإنسان مما ذكرنا من ~~الدلائل النقلية والعقلية شرف العلم لاستحال أن يظهر له شيء أصلا وأيضا فإن ~~الله تعالى سمى العلم في كتابه بالأسماء الشريفة . فمنها : الحياة { أو من ~~كان ميتا فأحييناه } ( الأنعام : 122 ) . وثانيها : الروح { وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) ، وثالثها : النور { الله نور * ~~السماوات والارض } ( النور : 35 ) وأيضا قال تعالى في صفة طالوت : { إن ~~الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم } ( البقرة : 247 ) فقدم ~~العلم على الجسم ولا شك أن المقصود من سائر النعم سعادة البدن ، فسعادة ~~البدن أشرف من السعادة المالية فإذا كانت السعادة العلمية راجحة على ~~السعادة الجسمانية فأولى أن تكون راجحة على السعادة المالية . وقال يوسف { ~~اجعلنى على خزائن الارض إنى حفيظ عليم } ( يوسف : 55 ) ولم يقل إني حسيب ~~نسيب فصيح مليح ، وأيضا فقد جاء في الخبر ( المرء بأصغريه قلبه ولسانه ) إن ~~تكلم تكلم بلسانه ، وإن قاتل قاتل بجنانه ، قال الشاعر : # % / لسان الفتى نصف ونصف فؤاده % % فلم يبق إلا صورة اللحم والدم % # وأيضا فإن الله تعالى قدم عذاب الجهل على ms0643 عذاب النار فقال : { كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالوا الجحيم } ( المطففين : 15 ، 16 ) ~~وقال بعضهم : العلوم مطالعها من ثلاثة أوجه ، قلب متفكر ، ولسان معبر ، ~~وبيان مصور ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( عين العلم من العلو ، ~~ولامه من اللطف ، وميمه من المروءة ) وأيضا قيل العلوم عشرة : علم التوحيد ~~للأديان ، وعلم السر لرد الشيطان ، وعلم المعاشرة للإخوان ، وعلم الشريعة ~~للأركان ، وعلم النجوم للأزمان ، وعلم المبارزة للفرسان ، وعلم السياسة ~~للسلطان ، وعلم الرؤيا للبيان ، وعلم الفراسة للبرهان ، وعلم الطب للأبدان ~~، وعلم الحقيقة للرحمن ، وأيضا قيل ضرب المثل في العلم بالماء قوله تعالى : ~~{ أنزل من السماء مآء } ( البقرة : 22 ) والمياه أربعة : ماء المطر ، وماء ~~السيل ، وماء القناة ، وماء العين فكذا العلوم أربعة علم التوحيد كماء ~~العين لا يجوز تحريكه لئلا يتكدر ، وكذا لا ينبغي طلب معرفة كيفية الله عز ~~وجل لئلا يحصل الكفر . وعلم الفقه يزداد بالاستنباط كماء القناة يزداد ~~بالحفر / وعلم الزهد كماء المطر ينزل صافيا ويتكدر بغبار الهواء كذلك علم ~~الزهد صاف ويتكدر بالطمع وعلم البدع كماء السيل يميت الأحياء ويهلك الخلق ~~فكذا البدع والله أعلم . # المسألة السابعة : في أقوال الناس في حد العلم قال أبو الحسن الأشعري ~~العلم ما يعلم به وربما قال ما يصير الذات به عالما واعترضوا عليه بأن ~~العالم والمعلوم لا يعرفان إلا بالعلم فتعريف العلم بهما دور وهو غير جائز ~~أجاب عنه بأن علم الإنسان بكونه عالما بنفسه وبألمه ولذاته علم ضروري ~~والعلم بكونه عالما بهذه الأشياء علم بأصل العلم لأن الماهية داخلة في ~~الماهية المقيدة فكان علمه بكون العلم علما علم ضروري فكان الدور ساقطا ~~وسيأتي مزيد تقريره إذا ذكرنا ما نختاره نحن في هذا الباب إن شاء الله ~~تعالى وقال القاضي أبو بكر العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه وربما قال ~~العلم هو المعرفة والاعتراض على الأول أن قوله معرفة المعلوم تعريف العلم ~~بالمعلوم فيعود الدور أيضا فالمعرفة لا تكون إلا وفق المعلوم فقوله على ما ~~هو PageV02P184 عليه بعد ms0644 ذكر المعرفة يكون حشوا ، أما قوله العلم هو ~~المعرفة ففيه وجوه من الخلل : أحدها : أن العلم هو نفس المعرفة فتعريفه بها ~~تعريف للشيء بنفسه وهو محال . وثانيها : أن المعرفة عبارة عن حصول العلم ~~بعد الالتباس ولهذا يقال ما كنت أعرف فلانا والآن فقد عرفته . وثالثها : أن ~~الله تعالى يوصف بأنه عالم ولا يوصف بأنه عارف لأن المعرفة تستدعي سبق ~~الجهل وهو على الله محال وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني : العلم تبيين ~~المعلوم وربما قال إنه استبانة الحقائق وربما اقتصر على التبيين فقال العلم ~~هو التبيين وهو أيضا ضعيف أما قول العلم هو التبيين فليس فيه إلا تبديل لفظ ~~بلفظ أخفى منه ولأن التبيين والاستبانة يشعران بظهور الشيء بعد الخفاء وذلك ~~لا يطرد في علم الله ، وأما قوله تبيين المعلوم على ما هو به فيتوجه عليه ~~الوجوه المذكورة على كلام القاضي قال الأستاذ أبو بكر بن فورك : العلم ما ~~يصح من المتصف به / إحكام الفعل وإتقانه وهو ضعيف ، لأن العلم بوجوب ~~الواجبات وامتناع الممتنعات لا يفيد الأحكام . وقال القفال : العلم إثبات ~~المعلوم على ما هو به وربما قيل العلم تصور المعلوم على ما هو به والوجوه ~~السالفة متوجهة على هذه العبارة . وقال إمام الحرمين : الطريق إلى تصور ~~ماهية العلم وتميزها عن غيرها أن نقول إنا نجد من أنفسنا بالضرورة كوننا ~~معتقدين في بعض الأشياء ، فنقول اعتقادنا في الشيء ، إما أن يكون جازما أو ~~لا يكون ، فإن كان جازما فأما أن يكون مطابقا أو غير مطابق فإن كان مطابقا ~~فأما أن يكون لموجب هو نفس طرفي الموضوع والمحمول وهو العلم البديهي أو ~~لموجب حصل من تركيب تلك العلوم الضرورية وهو العلم النظري أولا لموجب وهو ~~اعتقاد المقلد ، وأما الجزم الذي لا يكون مطابقا فهو الجهل والذي لا يكون ~~جازما فأما أن يكون الطرفان متساويين وهو الشك أو يكون أحدهما أرجح من ~~الآخر فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم واعلم أن هذا التعريف مختل من ~~وجوه : أحدها : أن هذا التعريف لا يتم إلا ms0645 إذا ادعينا أن علمنا بماهية ~~الإعتقاد علم بديهي وإذا جاز ذلك فلم لا ندعي أن العلم بماهية العلم بديهي ~~. وثانيها : أن هذا تعريف العلم بانتفاء أضداده وليست معرفة هذه الأضداد ~~أقوى من معرفة العلم حتى يجعل عدم النقيض معرفا للنقيض فيرجع حاصل الأمر ~~إلى تعريف الشيء بمثله أو بالأخفى . وثالثها : أن العلم قد يكون تصورا وقد ~~يكون تصديقا والتصور لا يتطرق إليه الجزم ولا التردد ولا القوة ولا الضعف ~~فإذا كان كذلك كانت العلوم التصورية خارجة عن هذا التعريف قالت المعتزلة ~~العلم هو الإعتقاد المقتضى سكون النفس وربما قالوا العلم ما يقتضي سكون ~~النفس قالوا : ولفظ السكون وإن كان مجازا ههنا إلا أن المقصود منه لما كان ~~ظاهرا لم يكن ذكره قادحا في المقصود واعلم أن الأصحاب قالوا : الإعتقاد جنس ~~مخالف للعلم فلا يجوز جعل العلم منه ولهم أن يقولوا لا شك أن بين العلم ~~واعتقاد المقلد قدرا مشتركا فنحن نعني بالاعتقاد ذلك القدر قال الأصحاب ~~وهذا التعريف يخرج عنه أيضا علم الله تعالى فإنه لا يجوز أن يقال فيه إنه ~~يقتضي سكون النفس قالت الفلاسفة العلم صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم ~~وفي هذا التعريف عيوب : أحدها : إطلاق لفظ الصورة على العلم لا شك أنه من ~~المجازات فلا بد في ذلك من تلخيص الحقيقة والذي يقال إنه كما يحصل في ~~المرآة صورة الوجه فكذلك تحصل صورة المعلوم في الذهن وهو ضعيف لأنا ~~PageV02P185 إذا عقلنا الجبل والبحر فإن حصلا في الذهن ففي الذهن جبل وبحر ~~وهذا محال وإن لم يحصلا في الذهن ولكن الحاصل في الذهن صورتاهما فقط فحينئذ ~~يكون المعلوم هو الصورة فالشيء الذي تلك الصورة صورته وجب أن لا يصير ~~معلوما وإن قيل حصلت الصورة ومحلها في الذهن فحينئذ يعود ما ذكرنا من أنه ~~يحصل الجبل والبحر في الذهن . وثانيها : أن قوله مطابقة للمعلوم يقتضي ~~الدور ، وثالثها : أن عندهم المعلومات قد تكون موجودة في الخارج وقد لا ~~تكون وهي التي يسمونها بالأمور الاعتبارية والصور الذهنية والمعقولات ~~الثانية والمطابقة ms0646 في هذا القسم غير معقول . ورابعها : / أنا قد نعقل ~~المعدوم ولا يمكن أن يقال الصورة العقلية مطابقة للمعدوم لأن المطابقة ~~تقتضي كون المتطابقين أمرا ثبوتيا والمعدوم نفي محض يستحيل تحقق المطابقة ~~فيه ولقد حاول الغزالي إيضاح كلام الفلاسفة في تعريف العلم فقال إدراك ~~البصيرة الباطنة نفهمه بالمقايسة بالبصر الظاهر ولا معنى للبصر الظاهر إلا ~~انطباع صورة المرئي في القوة الباصرة كما نتوهم انطباع الصورة في المرآة ~~مثلا فكما أن البصر يأخذ صورة المبصرات أي ينطبع فيه مثالها المطابق لها لا ~~عينها فإن عين النار لا تنطبع في العين بل مثال مطابق صورتها فكذا العقل ~~على مثال مرآة ينطبع فيها صور المعقولات وأعني بصورة المعقولات حقائقها ~~وماهياتها ففي المرآة أمور ثلاثة : الحديد وصقالته والصورة المنطبعة فيه ~~فكذا جوهر الآدمي كالحديد وعقله كالصقالة والمعلوم كالصورة واعلم أن هذا ~~الكلام ساقط جدا أما قوله لا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المرئي في ~~القوة الباصرة فباطل لوجوه : أحدها : أنه ذكر في تعريف الأبصار المبصر ~~والباصر وهو دور . وثانيها : أنه لو كان الأبصار عبارة عن نفس هذا الانطباع ~~لما أبصرنا إلا بمقدار نقطة الناظر لاستحالة انطباع العظيم في الصغير فإن ~~قيل الصورة الصغيرة المنطبعة شرط لحصول إبصار الشيء العظيم في الخارج قلنا ~~الشرط مغاير للمشروط فالإبصار مغاير للصورة المنطبعة . وثالثها : أنا نرى ~~المرئي حيث هو ، ولو كان المرئي هو الصورة المنطبعة لما رأيته في حيزه ~~ومكانه ، وأما قوله : فكذا العقل ينطبع فيه صور المعقولات فضعيف لأن الصورة ~~المرتسمة من الحرارة في العقل ، إما أن تكون مساوية للحرارة في الماهية أو ~~لا تكون ، فإن كان الأول لزم أن يصير العقل حارا عند تصور الحرارة لأن ~~الحار لا معنى له إلا الموصوف بالحرارة ، وإن كان الثاني لم يكن تعقل ~~الماهية إلا عبارة عن حصول شيء في الذهن مخالف للحرارة في الماهية وذلك ~~يبطل قوله ، وأما الذي ذكر من انطباع الصور في المرآة فقد اتفق المحققون من ~~الفلاسفة على أن صورة المرئي لا تنطبع في المرآة فثبت ms0647 أن الذي ذكره في ~~تقرير قولهم لا يوافق قولهم ولا يلائم أصولهم ولما ثبت أن التعريفات التي ~~ذكرها الناس باطلة فاعلم أن العجز عن التعريف قد يكون لخفاء المطلوب جدا ~~وقد يكون لبلوغه في الجلاء إلى حيث لا يوجد شيء أعرف منه ليجعل معرفا له / ~~والعجز عن تعريف ا لعلم لهذا الباب والحق أن ماهية العلم متصورة تصورا ~~بديهيا جليا ، فلا حاجة في معرفته إلى معرف ، والدليل عليه أن كل أحد يعلم ~~بالضرورة أنه يعلم وجود نفسه وأنه يعلم أنه ليس على السماء ولا في لجة ~~البحر ، والعلم الضروري بكونه عالما بهذه الأشياء علم باتصاف ذاته بهذه ~~العلوم والعالم PageV02P186 بانتساب شيء إلى شيء عالم لا محالة بكلا ~~الطرفين ، فلما كان العلم الضروري بهذه المنسوبية حاصلا كان العلم الضروري ~~بماهية العلم حاصلا وإذا كان كذلك كان تعريفه ممتنعا فهذا القدر كاف ههنا ~~وسائر التدقيقات مذكورة في ( الكتب العقلية ) والله أعلم . # المسألة الثامنة : في البحث عن ألفاظ يظن بها أنها مرادفة للعلم وهي ~~ثلاثون : أحدها : / الإدراك وهو اللقاء والوصول يقال أدرك الغلام وأدركت ~~الثمرة قال تعالى : { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } ( الشعراء : 61 ) ~~فالقوة العاقلة إذا وصلت إلى ماهية المعقول وحصلتها كان ذلك إدراكا من هذه ~~الجهة ، وثانيها : الشعور وهو إدراك بغير استثبات وهو أول مراتب وصول ~~المعلوم إلى القوة العاقلة وكأنه إدراك متزلزل ولهذا يقال في الله تعالى ~~إنه يشعر بكذا كما يقال إنه يعلم كذا ، وثالثها : التصور إذا حصل وقوف ~~القوة العاقلة على المعنى وأدركه بتمامه فذلك هو التصور ، واعلم أن التصور ~~لفظ مشتق من الصورة ولفظ الصورة حيث وضع فإنما وضع للهيئة الجسمانية ~~الحاصلة في الجسم المتشكل إلا أن الناس لما تخيلوا أن حقائق المعلومات تصير ~~حالة في القوة العاقلة كما أن الشكل والهيئة يحلان في المادة الجسمانية ~~أطلقوا لفظ التصور عليه بهذا التأويل . ورابعها : الحفظ فإذا حصلت الصورة ~~في العقل وتأكدت واستحكمت وصارت بحيث لو زالت لتمكنت القوة العاقلة من ~~استرجاعها واستعادتها سميت تلك الحالة حفظا ولما كان ms0648 الحفظ مشعرا بالتأكد ~~بعد الضعف لا جرم لا يسمى علم الله حفظا ولأنه إنما يحتاج إلى الحفظ ما ~~يجوز زواله ولما كان ذلك في علم الله تعالى محالا لا جرم لا يسمى ذلك حفظا ~~. وخامسها : التذكر وهو أن الصورة المحفوظة إذا زالت عن القوة العاقلة فإذا ~~حاول الذهن استرجاعها فتلك المحاولة هي التذكر . واعلم أن للتذكر سرا لا ~~يعلمه إلا الله تعالى وهو أن التذكر صار عبارة عن طلب رجوع تلك الصورة ~~الممحية الزائلة فتلك الصورة إن كانت مشعورا بها فهي حاضرة حاصلة والحاصل ~~لا يمكن تحصيله فلا يمكن حينئذ استرجاعها وإن لم تكن مشعورا بها كان الذهن ~~غافلا عنها وإذا كان غافلا عنها استحال أن يكون طالبا لاسترجاعها لأن طلب ~~ما لا يكون متصورا محال فعلى كلا التقديرين يكون التذكر المفسر بطلب ~~الاسترجاع ممتنعا مع أنا نجد من أنفسنا أنا قد نطلبها ونسترجعها وهذه ~~الأسرار إذا توغل العاقل فيها وتأملها عرف أنه لا يعرف كنهها مع أنها من ~~أظهر الأشياء عند الناس فكيف القول في الأشياء التي هي أخفى الأمور وأعضلها ~~على العقول والأذهان . وسادسها : الذكر فالصورة الزائلة إذا حاول استرجاعها ~~فإذا عادت وحضرت بعد ذلك الطلب سمي ذلك الوجدان ذكرا فإن لم يكن هذا ~~الإدراك مسبوقا بالزوال لم يسم ذلك الإدراك ذكرا ولهذا قال الشاعر : # % فالله يعلم أني لست أذكره % % وكيف أذكره إذ لست أنساه % # فجعل حصول النسيان شرطا لحصول الذكر ويوصف القول بأنه ذكر لأنه سبب حصول ~~المعنى في النفس قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( ~~الحجر : 9 ) وههنا دقيقة تفسيرية وهي أنه سبحانه وتعالى قال : { فاذكرونى ~~أذكركم } ( البقرة : 52 ) فهذا الأمر هل يتوجه على العبد حال حصول النسيان ~~أو بعد PageV02P187 زواله فإن كان الأول فهو حال النسيان غافل عن الأمر ~~وكيف يوجه عليه التكليف مع النسيان وإن كان الثاني فهو ذاكر والذكر حاصل ~~وتحصيل الحاصل محال فكيف كلفه به / وهو أيضا متوجه على قوله : { فاعلم أنه ~~لا إلاه إلائ * الله } ( محمد : 19 ) إلا ms0649 أن الجواب في قوله فاعلم أن ~~المأمور به إنما هو معرفة للتوحيد وهذا من باب التصديقات فلا يقوى فيه ذلك ~~الإشكال وأما الذكر فهو من باب التصورات فيقوى فيه ذلك الإشكال وجوابه على ~~الإطلاق أنا نجد من أنفسنا أنه يمكننا التذكر وإذا كان ذلك ممكنا كان ما ~~ذكرته تشكيكا في الضروريات فلا يستحق الجواب . بقي أن يقال فكيف يتذكر ~~فنقول لا نعرف كيف يتذكر لكن علمك بتمكنك في علمك بأن في الجملة يكفيك في ~~الاشتغال بالمجاهدة وعجزك عن إدراك تلك الكيفية يكفيك من التذكر ذاك ليس ~~منك بل ههنا سر آخر وهو أنك لما عجزت عن إدراك ماهية التذكر والذكر مع أنه ~~صفتك فأنى يمكنك الوقوف على كنه المذكور مع أنه أبعد الأشياء مناسبة منك ~~فسبحان من جعل أظهر الأشياء أخفاها ليتوصل العبد به إلى كنه عجزه ونهاية ~~قصوره فحينئذ يطالع شيئا من مبادىء مقادير أسرار كونه ظاهرا باطنا . ~~وسابعها : المعرفة وقد اختلفت الأقوال في تفسير هذه اللفظة فمنهم من قال ~~المعرفة إدراك الجزئيات والعلم إدراك الكليات وآخرون قالوا المعرفة التصور ~~والعلم هو التصديق وهؤلاء جعلوا العرفان أعظم درجة من العلم قالوا لأن ~~تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود أمر معلوم بالضرورة ~~فأما تصور حقيقته فأمر فوق الطاقة البشرية ولأن الشيء ما لم يعرف وجوده فلا ~~تطلب ماهيته فعلى هذا الطريق كل عارف عالم وليس كل عالم عارفا ولذلك فإن ~~الرجل لا يسمى بالعارف إلا إذا توغل في ميادين العلم وترقى من مطالعها إلى ~~مقاطعها ومن مباديها إلى غياتها بحسب الطاقة البشرية وفي الحقيقة فإن أحدا ~~من البشر لا يعرف الله تعالى لأن الاطلاع على كنه هويته وسر ألوهيته محال . ~~وآخرون قالوا من أدرك شيئا وانحفظ أثره في نفسه ثم أدرك ذلك الشيء ثانيا ~~وعرف أن هذا المدرك الذي أدركه ثانيا هو الذي أدركه أولا فهذا هو المعرفة ~~فيقال : عرفت هذا الرجل وهو فلان الذي كنت رأيته وقت كذا . ثم في الناس من ~~يقول بقدم الأرواح ومنهم من ms0650 يقول بتقدمها على الأبدان ويقول إنها هي الذر ~~المستخرج من صلب آدم عليه السلام وإنها أقرت بالإلهية واعترفت بالربوبية ~~إلا أنها لظلمة العلاقة البدنية نسيت مولاها فإذا عادت إلى نفسها متخلصة من ~~ظلمة البدن وهاوية الجسم عرفت ربها وعرفت أنها كانت عارفة به فلا جرم سمى ~~هذا الإدراك عرفانا . وثامنها : الفهم وهو تصور الشيء من لفظ المخاطب ~~والإفهام هو اتصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع ، وتاسعها : الفقه وهو ~~العلم بغرض المخاطب من خطابه يقال فقهت كلامك أي وقفت على غرضك من هذا ~~الخطاب ثم إن كفار قريش لما كانوا أرباب الشبهات والشهوات فما كانوا يقفون ~~على ما في تكاليف الله تعالى من المنافع العظيمة لا جرم قال تعالى : { لا ~~يكادون يفقهون قولا } ( الكهف : 93 ) أي لا يقفون على المقصود الأصلي ~~والغرض الحقيقي . وعاشرها : العقل وهو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها ~~وكمالها ونقصانها فإنك متى علمت ما فيها من المضار والمنافع صار علمك بما ~~في / الشيء من النفع داعيا لك إلى الفعل وعلمك بما فيه من الضرر داعيا لك ~~إلى الترك فصار ذلك العلم مانعا من الفعل مرة ومن الترك أخرى فيجري ذلك ~~العلم مجرى عقال PageV02P188 الناقة . ولهذا لما سئل بعض الصالحين عن العقل ~~، قال هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين ولما سئل عن العاقل قال العاقل من ~~عقل عن الله أمره ونهيه ، فهذا هو القدر اللائق بهذا المكان والاستقصاء فيه ~~يجيء في موضع آخر إن شاء الله تعالى . الحادي عشر : الدراية وهي المعرفة ~~الحاصلة بضرب من الحيل وهو تقديم المقدمات واستعمال الروية وأصله من دريت ~~الصيد والدرية لما يتعلم عليه الطعن والمدرى يقال لما يصلح به الشعر وهذا ~~لا يصح إطلاقه على الله تعالى لامتناع الفكر والحيل عليه تعالى . الثاني ~~عشر : الحكمة : وهي اسم لكل علم حسن ، وعمل صالح وهو بالعلم العملي أخص منه ~~بالعلم النظري وفي العمل أكثر استعمالا منه في العلم ، ومنها يقال أحكم ~~العمل إحكاما إذا أتقنه وحكم بكذا حكما والحكمة من الله تعالى خلق ما ms0651 فيه ~~منفعة العباد ومصلحتهم في الحال وفي المآل ومن العباد أيضا كذلك ثم قد حدت ~~الحكمة بألفاظ مختلفة فقيل هي معرفة الأشياء بحقائقها ، وهذا إشارة إلى أن ~~إدراك الجزئيات لا كمال فيه لأنها إدراكات متغيرة . فأما إدراك الماهية ، ~~فإنه باق مصون عن التغير والتبدل وقيل هي الإتيان بالفعل الذي عاقبته ~~محمودة وقيل هي الاقتداء بالخالق سبحانه وتعالى في السياسة بقدر الطاقة ~~البشرية وذلك بأن يجتهد بأن ينزه علمه عن الجهل وفعله عن الجور وجوده عن ~~البخل وحلمه عن السفه . الثالث عشر : علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين ~~قالوا إن اليقين لا يحصل إلا إذا اعتقد أن الشيء كذا وأنه يمتنع كون الأمر ~~بخلاف معتقده إذا كان لذلك الإعتقاد موجب هو إما بديهية الفطرة وإما نظر ~~العقل ، الرابع عشر : الذهن وهو قوة النفس على اكتساب العلوم التي هي غير ~~حاصلة وتحقيق القول فيه إنه سبحانه وتعالى خلق الروح خاليا عن تحقيق ~~الأشياء وعن العلم بها كما قال تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا } لكنه سبحانه وتعالى إنما خلقها للطاعة على ما قال تعالى : { ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) والطاعة مشروطة ~~بالعلم وقال في موضع آخر { اتل ما * لذكرى } ( طه : 14 ) فبين أنه أمر ~~بالطاعة لغرض العلم والعلم لا بد منه على كل حال فلا بد وأن تكون النفس ~~متمكنة من تحصيل هذه المعارف والعلوم فأعطاه الحق سبحانه من الحواس ما أعان ~~على تحصيل هذا الغرض فقال في السمع : { وهديناه النجدين } ( البلد : 10 ) ~~وقال في البصر : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } فصلت : 53 ) وقال ~~في الفكر : { وفى أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) فإذا تطابقت هذه ~~القوى صار الروح الجاهل عالما وهو معنى قوله تعالى : { الرحمان * علم ~~القرءان } ( الرحمن : 1 ) فالحاصل أن استعداد النفس لتحصيل هذه المعارف هو ~~الذهن . الخامس عشر : الفكر وهو انتقال الروح من التصديقات الحاضرة إلى ~~التصديقات المستحضرة قال بعض المحققين إن الفكر يجري مجرى التضرع إلى الله ~~تعالى في استنزال العلوم من ms0652 عنده . السادس عشر : الحدس ولا / شك أن الفكر ~~لا يتم عمله إلا بوجدان شيء يتوسط بين طرفي المجهول لتصير النسبة المجهولة ~~معلومة فإن النفس حال كونها جاهلة كأنها واقفة في ظلمة ولا بد لها من قائد ~~يقودها وسائق يسوقها وذلك هو المتوسط بين الطرفين وله إلى كل واحد منهما ~~نسبة خاصة فيتولد من نسبته إليهما مقدمتان فكل مجهول لا يحصل العلم به إلا ~~بواسطة مقدمتين معلومتين والمقدمتان هما كالشاهدين فكم أنه PageV02P189 لا ~~بد في الشرع من شاهدين فكذا لا بد في العقل من شاهدين وهما المقدمتان ~~اللتان تنتجان المطلوب فاستعداد النفس لوجدان ذلك المتوسط هو الحدس . ~~السابع عشر : الذكاء وهو شدة الحدس وكماله وبلوغه الغاية القصوى وذلك لأن ~~الذكاء هو المضاء في الأمر وسرعة القطع بالحق وأصله من ذكت النار وذكت ~~الريح وشاة مذكاة أي مدرك ذبحها بحدة السكين . الثامن عشر : الفطنة وهي ~~عبارة عن التنبه لشيء قصد تعريضه ولذلك فإنه يستعمل في الأكثر في استنباط ~~الأحاجي والرموز . التاسع عشر : الخاطر وهو حركة النفس نحو تحصيل الدليل ~~وفي الحقيقة ذلك المعلوم هو الخاطر بالبال والحاضر في النفس ولذلك يقال : ~~هذا خطر ببالي إلا أن النفس لما كانت محلا لذلك المعنى الخاطر جعلت خاطرا ~~إطلاقا لاسم الحال على المحل . العشرون : الوهم وهو الإعتقاد المرجوح وقد ~~يقال إنه عبارة عن الحكم بأمور جزئية غير محسوسية لأشخاص جزئية جسمانية ~~كحكم السخلة بصداقة الأم وعداوة المؤذي . الحادي والعشرون : الظن وهو ~~الإعتقاد الراجح ولما كان قبول الإعتقاد للقوة والضعف غير مضبوط فكذا مراتب ~~الظن غير مضبوطة فلهذا قيل أنه عبارة عن ترجيح أحد طرفي المعتقد في القلب ~~على الآخر مع تجويز الطرف الآخر ثم إن الظن المتناهي في القوة قد يطلق عليه ~~اسم العلم فلا جرم قد يطلق أيضا على العلم اسم الظن كما قال بعض المفسرين ~~في قوله تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) قالوا : ~~إنما أطلق لفظ الظن على العلم ههنا لوجهين : أحدهما : التنبيه على أن علم ~~أكثر الناس في الدنيا ms0653 بالإضافة إلى علمه في الآخرة كالظن في جنب العلم . ~~والثاني : أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين ~~الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى : { الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا } ( الحجرات : 15 ) واعلم أن الظن إن كان عن أمارة قوية قبل ومدح ~~وعليه مدار أكثر أحوال هذا العلم . وإن كان عن أمارة ضعيفة ذم كقوله تعالى ~~: { إن الظن لا يغنى * عن * الحق شيئا } ( النجم : 28 ) وقوله : { إن بعض ~~الظن إثم } ( الحجرات : 12 ) الثاني والعشرون : الخيال . وهو عبارة من ~~الصورة الباقية عن المحسوس بعد غيبته . ومنه الطيف الوارد من صورة المحبوب ~~خيالا والخيال قد يقال لتلك الصورة في المنام وفي اليقظة ، والطيف لا يقال ~~إلا فيما كان في حال النوم . الثالث والعشرون : البديهة وهي المعرفة ~~الحاصلة ابتداء في النفس لا بسبب الفكر كعلمك بأن الواحد نصف الاثنين . ~~الرابع والعشرون : الأوليات وهي البديهيات بعينها والسبب في هذه التسمية أن ~~الذهن يلحق محمول القضية بموضوعها أولا لا بتوسط شيء آخر فأما الذي يكون ~~بتوسط شيء آخر . فذاك المتوسط هو المحمول أولا / الخامس والعشرون : الروية ~~، وهي ما كان من المعرفة بعد فكر كثير ، وهي من روى ، السادس والعشرون : ~~الكياسة . وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع . ولهذا قال عليه الصلاة ~~PageV02P190 والسلام : ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ) . من حيث ~~إنه لا خير يصل إليه الإنسان أفضل مما بعد الموت . السابع والعشرون : ~~الخبرة ، وهي معرفة يتوصل إليها بطريق التجربة ، يقال خبرته قال أبو ~~الدرداء : وجدت الناس أخبر تقله . وقيل هو من قولهم : ناقة خبرة . أي غزيرة ~~اللبن ، فكان الخبر هو غزارة المعرفة . ويجوز أن يكون قولهم ناقة خبرة : هي ~~المخبر عنها بغزارتها . الثامن والعشرون : الرأي ، وهو إحاطة الخاطر في ~~المقدمات التي يرجى منها إنتاج المطلوب ، وقد يقال للقضية المستنتجة من ~~الرأي رأي ، والرأي للفكر كالآلة للصانع ، ولهذا قيل : إياك والرأي الفطير ~~، وقيل : دع الرأي تصب . التاسع والعشرون : الفراسة وهي الاستدلال بالحق ~~الظاهر على الخلق الباطن ، وقد نبه ms0654 الله تعالى على صدق هذا الطريق بقوله ~~تعالى : { إن فى ذلك لآيات للمتوسمين } ( الحجر : 75 ) وقوله تعالى : { ~~تعرفهم بسيماهم } ( البقرة : 273 ) وقوله تعالى : { ولتعرفنهم فى لحن القول ~~} ( محمد : 30 ) واشتقاقها من قولهم : فرس السبع الشاة ، فكأن الفراسة ~~اختلاس المعارف ، وذلك ضربان : ضرب يحصل للإنسان عن خاطره ولا يعرف له سبب ~~، وذلك ضرب من الإلهام بل ضرب من الوحي ، وإياه عنى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقوله : ( إن في أمتي لمحدثين وإن عمر لمنهم ) ويسمى ذلك أيضا النفث ~~في الروع ، والضرب الثاني من الفراسة ما يكون بصناعة متعلمة وهي الاستدلال ~~بالأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة وقال أهل المعرفة في قوله تعالى : { ~~أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه } ( هود : 17 ) إن البينة هو ~~القسم الأول وهو إشارة إلى صفاء جوهر الروح والشاهد هو القسم الثاني وهو ~~الاستدلال بالأشكال على الأحوال . # المسألة التاسعة : قوله تعالى : { وعلم ءادم الاسماء كلها } وقوله : { لا ~~علم لنا إلا ما علمتنا } وقوله : { الرحمان * علم القرءان } لا يقتضي وصف ~~الله تعالى بأنه معلم لأنه حصل في هذه اللفظة تعارف على وجه لا يجوز إطلاقه ~~عليه وهو من يحترف بالتعليم والتلقين وكما لا يقال للمدرس معلم مطلقا حتى ~~لو أوصى للمتعلمين لا يدخل فيه المدرس فكذا لا يقال لله إنه معلم إلا مع ~~التقييد ولولا هذا التعارف لحسن إطلاقه عليه بل كان يجب أن لا يستعمل إلا ~~فيه تعالى لأن المعلم هو الذي يحصل العلم في غيره ولا قدرة على ذلك لأحد ~~إلا الله تعالى . # ! 7 < { قالوا سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ إنك أنت العليم الحكيم * ~~قال ياءادم أنبئهم بأسمآئهم فلمآ أنبأهم بأسمآئهم قال ألم أقل لكم إنيأعلم ~~غيب السماوات والا رض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 32 - 33 ) قالوا سبحانك لا . . . . . # > > PageV02P191 @192@ # اعلم أن الذين اعتقدوا أن الملائكة أتوا بالمعصية في قولهم : { أتجعل ~~فيها من يفسد فيها } قالوا : إنهم لما عرفوا خطأهم في هذا السؤال رجعوا ~~وتابوا واعتذروا عن خطئهم بقولهم : { سبحانك ms0655 لا علم لنا إلا ما علمتنا } ~~والذين أنكروا معصيتهم ذكروا في ذلك وجهين : الأول : أنهم إنما قالوا ذلك ~~على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم بأنهم لا يعلمون ما سئلوا عنه وذلك لأنهم ~~قالوا إنا لا نعلم إلا ما علمتنا فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه ، الثاني : ~~أن الملائكة إنما قالوا : { أتجعل فيها } لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم ~~قالوا إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقلنا لك أتجعل ~~فيها من يفسد فيها وأما هذه الأسماء فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها . ~~وههنا مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بقوله تعالى : { لا علم لنا إلا ما علمتنا ~~} على أن المعارف مخلوقة لله تعالى وقالت المعتزلة المراد أنه لا علم لنا ~~إلا من جهته إما بالتعليم وإما بنصب الدلالة والجواب أن التعليم عبارة عن ~~تحصيل العلم في الغير كالتسويد فإنه عبارة عن تحصيل السواد في الغير لا ~~يقال التعليم عبارة عن إفادة الأمر الذي يترتب عليه العلم لو حصل الشرط ~~وانتفى المانع ولذلك يقال علمته فما تعلم والأمر الذي يترتب عليه العلم هو ~~وضع الدليل والله تعالى قد فعل ذلك لأنا نقول المؤثر في وجود العلم ليس هو ~~ذات الدليل بل النظر في الدليل وذلك النظر فعل العبد فلم يكن حصول ذلك ~~العلم بتعليم الله تعالى وأنه يناقص قوله : { لا علم لنا إلا ما علمتنا } . # المسألة الثانية : احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سبيل إلى ~~معرفة المغيبات إلا بتعليم الله تعالى وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم ~~النجوم والكهانة والعرافة ونظيره قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو } ( الأنعام : 59 ) وقوله : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا * إلا من ارتضى من رسول } ( الجن : 26 ، 27 ) وللمنجم أن يقول ~~للمعتزلي إذا فسرت التعليم بوضع الدلائل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها ~~الله تعالى على أحوال هذا العالم فإذا استدللت بها على هذه كان ذلك أيضا ~~بتعليم الله تعالى ، ويمكن أن يقال أيضا إن الملائكة لما عجزوا عن معرفة ~~الغيب ms0656 فلأن يعجز عنه أحدنا كان أولى . # المسألة الثالثة : العليم من صفات المبالغة التامة في العلم ، والمبالغة ~~التامة لا تتحقق إلا عند الإحاطة بكل المعلومات ، وما ذاك إلا هو سبحانه ~~وتعالى ، فلا جرم ليس العليم المطلق إلا هو ، فلذلك قال إنك أنت العليم ~~الحكيم } على سبيل الحصر . # / المسألة الرابعة : الحكيم يستعمل على وجهين : أحدهما : بمعنى العليم ~~فيكون ذلك من صفات الذات ، وعلى هذا التفسير نقول : إنه تعالى حكيم في ~~الأزل . الآخر : أنه الذي يكون فاعلا لما لا عتراض لأحد عليه . فيكون ذلك ~~من صفات الفعل ، فلا نقول إنه حكيم في الأزل والأقرب ههنا أن يكون المراد ~~هو المعنى الثاني وإلا لزم التكرار ، فكأن الملائكة قالت : أنت العالم بكل ~~المعلومات فأمكنك تعليم آدم ، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه . وعن ~~ابن عباس : أن مراد الملائكة من الحكيم ، أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة ~~في الأرض . # المسألة الخامسة : أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن ~~أسماء الأشياء وهو عليه الصلاة والسلام أخبرهم بها فلما أخبرهم بها قال ~~سبحانه وتعالى لهم عند ذلك : { * } على سبيل الحصر . # / المسألة الرابعة : الحكيم يستعمل على وجهين : أحدهما : بمعنى العليم ~~فيكون ذلك من صفات الذات ، وعلى هذا التفسير نقول : إنه تعالى حكيم في ~~الأزل . الآخر : أنه الذي يكون فاعلا لما لا عتراض لأحد عليه . فيكون ذلك ~~من صفات الفعل ، فلا نقول إنه حكيم في الأزل والأقرب ههنا أن يكون المراد ~~هو المعنى الثاني وإلا لزم التكرار ، فكأن الملائكة قالت : أنت العالم بكل ~~المعلومات فأمكنك تعليم آدم ، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه . وعن ~~ابن عباس : أن مراد الملائكة من الحكيم ، أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة ~~في الأرض . # المسألة الخامسة : أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن ~~أسماء الأشياء وهو عليه الصلاة والسلام أخبرهم بها فلما أخبرهم بها قال ~~سبحانه وتعالى لهم عند ذلك : { ألم أقل لكم إني أعلم غيب PageV02P192 ~~السماوات والارض } والمراد من هذا الغيب أنه ms0657 تعالى كان عالما بأحوال آدم ~~عليه السلام قبل أن يخلقه وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل ~~حدوثها ، وذلك يدل على بطلان مذهب هشام بن الحكم في أنه لا يعلم الأشياء ~~إلا عند وقوعها ، فإن قيل الإيمان هو العلم ، فقوله تعالى : { يؤمنون ~~بالغيب } يدل على أن العبد يعلم الغيب فكيف قال ههنا : { إني أعلم غيب ~~السماوات والارض } والأشعار بأن علم الغيب ليس إلا لي وأن كل من سواي فهم ~~خالون عن علم الغيب وجوابه ما تقدم في قوله : { الذين يؤمنون بالغيب } أما ~~قوله : { وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } ففيه وجوه : أحدها : ما روى ~~الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أن قوله : { وأعلم ما تبدون } ~~أراد به قولهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها } وقوله : { وما كنتم تكتمون } ~~أراد به ما أسر إبليس في نفسه من الكبر وأن لا يسجد : وثانيها : { إني أعلم ~~ما لا تعلمون } من الأمور الغائبة والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه ~~لا مصلحة فيها ولكني لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أن المصلحة في خلقها . ~~وثالثها : أنه تعالى لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجيبا فقالوا ليكن ما ~~شاء فلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أكرم عليه منه فهذا الذي كتموا ويجوز أن ~~يكون هذا القول سرا أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم فكان في ~~هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان . ورابعها : وهو قول الحكماء أن الأقسام ~~خمسة لأن الشيء إما أن يكون خيرا محضا أو شرا محضا أو ممتزجا وعلى تقدير ~~الامتزاج فأما أن يعتدل الأمر أن أو يكون الخير غالبا أو يكون الشر غالبا ~~أما الخير المحض فالحكمة تقتضي إيجاده وأما الذي يكون فيه الخير غالبا ~~فالحكمة تقتضي إيجاده لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير ~~فالملائكة ذكروا الفساد والقتل وهو شر قليل بالنسبة إلى ما يحصل منهم من ~~الخيرات فقوله : { إني أعلم غيب السماوات والارض } فأعرف أن خيرهم غالب على ~~هذه الشرور فاقتضت الحكمة إيجادهم وتكوينهم . # المسألة ms0658 السادسة : اعلم أن في هذه الآية خوفا عظيما وفرحا عظيما أما ~~الخوف فلأنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال الضمائر فيجب أن يجتهد المرء ~~في تصفية باطنه وأن لا يكون / بحيث يترك المعصية لاطلاع الخلائق عليها ولا ~~يتركها عند اطلاع الخالق عليها والأخبار مؤكدة لذلك . أحدها : روى عدي بن ~~حاتم أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى ~~الجنة حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد ~~الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون عنها بحسرة ما ~~رجع أحد بمثلها ويقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا ~~من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا : فنودوا ذاك أردت لكم ~~كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم بالمحبة ~~مخبتين تراءون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم هبتم الناس ولم ~~تهابوني أجللتم الناس ولم تجلوني تركتم المعاصي للناس ولم تتركوها لأجلي ~~كنت أهون الناظرين عليكم فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع حرمتكم من النعيم ( ~~وثانيها : قال سليمان بن علي لحميد الطويل : عظني فقال إن كنت إذا عصيت ~~الله خاليا ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على أمر عظيم ، وإن كنت ظننت أنه لا ~~يراك فلقد كفرت . وثالثها : قال حاتم الأصم : طهر نفسك في ثلاثة أحوال : ~~إذا كنت عاملا بالجوارح فاذكر نظر الله إليك . وإذا كنت قائلا فاذكر سمع ~~الله إليك ، وإذا كنت ساكتا عاملا بالضمير فاذكر علم الله بك إذ هو يقول : ~~PageV02P193 { إننى معكما أسمع وأرى } ( طه : 46 ) . ورابعها : اعلم أنه لا ~~اطلاع لأحد على أسرار حكمة الله تعالى ، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد ~~والقتل فاستحقروا البشر . ووقع نظرهم على طاعة إبليس فاستعظموه ، أما علام ~~الغيوب فإنه كان عالما بأنهم وإن أتوا بالفساد والقتل لكنهم سيأتون بعده ~~بقولهم : { ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) وأن إبليس وإن أتى ~~بالطاعات لكنه سيأتي بعدها بقوله : { أنا خير منه } ، ومن شأن العقل أن لا ~~يعتمد على ما ms0659 يراه وأن يكون أبدا في الخوف والوجل ، فقوله تعالى : { إني ~~أعلم غيب السماوات } معناه أن الذي أعرف الظاهر والباطن والواقع والمتوقع ~~وأعلم أنه ما ترونه عابدا مطيعا سيكفر ويبعد عن حضرتي ، ومن ترونه فاسقا ~~بعيدا سيقرب من خدمتي ، فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الجهل ولا ~~يتيسر لهم أن يخرقوا أستار العجز فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه . ثم إنه ~~سبحانه حقق من علم الغيب وعجز الملائكة أن أظهر من البشر كمال العبودية ومن ~~أشد ساكني السموات عبادة كمال الكفر لئلا يغتر أحد بعمله ويفوضوا معرفة ~~الأشياء إلى حكمة الخالق ويزيلوا الاعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ~~ومبدعاته . # ! 7 < { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ~~وكان من الكافرين } . > 7 ! # / < < # | البقرة : ( 34 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النعمة الرابعة من النعم العامة على جميع البشر وهو ~~أنه سبحانه وتعالى جعل أبانا مسجود الملائكة وذلك لأنه تعالى ذكر تخصيص آدم ~~بالخلافة أولا ثم تخصيصه بالعلم الكثير ثانيا ثم بلوغه في العلم إلى أن ~~صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم وذكر الآن كونه مسجودا ~~للملائكة ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله تعالى خلقة آدم ~~عليه السلام بدليل قوله : { إنى خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحى فقعوا له ساجدين } ( ص: 71 ، 72 ) وظاهر هذه الآية يدل على أنه ~~عليه السلام لما صار حيا صار مسجود الملائكة لأن الفاء في قوله : { فقعوا } ~~للتعقيب وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك ~~حصل بعد أن صار مسجود الملائكة . # المسألة الثانية : أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة لأن ~~سجود العبادة لغير الله كفر والأمر لا يرد بالكفر ثم اختلفوا بعد ذلك على ~~ثلاثة أقوال : الأول : أن ذلك السجود كان لله تعالى وآدم عليه السلام كان ~~كالقبلة ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين : الأول : أنه لا يقال ~~صليت للقبلة بل يقال صليت ms0660 إلى القبلة فلو كان آدم عليه السلام قبلة لذلك ~~السجود لوجب أن يقال اسجدوا إلى آدم فلما لم يرد الأمر هكذا بل قيل اسجدوا ~~لآدم علمنا أن آدم عليه السلام لم يكن قبلة . الثاني : أن إبليس قال أرأيتك ~~هذا الذي كرمت على أي أن كونه مسجودا يدل على أنه أعظم حالا من الساجد ولو ~~كان قبلة لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان يصلي ~~إلى الكعبة ولم يلزم أن تكون الكعبة أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم . ~~والجواب عن الأول أنه كما لا يجوز أن يقال صليت إلى القبلة جاز أن يقال ~~صليت للقبلة والدليل PageV02P194 عليه القرآن والشعر ، أما القرآن فقوله ~~تعالى : { أقم الصلواة لدلوك الشمس } ( الإسراء : 78 ) والصلاة لله لا ~~للدلوك . فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال صليت للقبلة مع أن الصلاة تكون ~~لله تعالى لا للقبلة ، وأما الشعر فقول حسان : # % فما كنت أعرف أن الأمر منصرف % % عن هاشم ثم منها عن أبي حسن % # % أليس أول من صلى لقبلتكم % % وأعرف الناس بالقرآن والسنن % # فقوله صلى لقبلتكم نص على المقصود . والجواب عن الثاني أن إبليس شكا ~~تكريمه وذلك التكريم لا نسلم أنه حصل بمجرد تلك المسجودية بل لعله حصل بذلك ~~مع أمور أخر فهذا ما في القول الأول أما القول الثاني فهو أن السجدة كانت ~~لآدم عليه السلام تعظيما له وتحية له كالسلام منهم عليه ، وقد كانت الأمم ~~السالفة تفعل ذلك كما يحيي المسلمون بعضهم بعضا بالسلام وقال قتادة في قوله ~~: { وخروا له سجدا } ( يوسف : 100 ) كانت تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض ~~. وعن صهيب أن معاذا لما قدم من اليمن سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ~~يا معاذ ما هذا قال : إن اليهود تسجد لعظمائها / وعلمائها ورأيت النصارى ~~تسجد لقسسها وبطارقتها قلت : ما هذا قالوا : تحية الأنبياء فقال عليه ~~السلام كذبوا على أنبيائهم وعن الثوري عن سماك بن هاني قال : دخل الجاثليق ~~على علي بن أبي طالب فأراد أن يسجد له ms0661 فقال له علي اسجد لله ولا تسجد لي . ~~وقال عليه الصلاة والسلام لو أمرت أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن ~~تسجد لزوجها لعظم حقه عليها . القول الثالث : أن السجود في أصل اللغة هو ~~الانقياد والخضوع قال الشاعر : # ( ترى الأكم فيها سجدا للحوافر ) # أي تلك الجبال الصغار كانت مذللة لحوافر الخيل ومنه قوله تعالى : { ~~والنجم والشجر يسجدان } ( الرحمن : 6 ) واعلم أن القول الأول ضعيف لأن ~~المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم عليه السلام ، وجعله مجرد القبلة لا ~~يفيد تعظيم حاله وأما القول الثالث فضعيف أيضا لأن السجود لا شك أنه في عرف ~~الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك لأن ~~الأصل عدم التغيير فإن قيل السجود عبادة والعبادة لغير الله لا تجوز قلنا ~~لا نسلم أنه عبادة ، بيانه أن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيدا كالقول يبين ~~ذلك أن قيام أحدنا للغير يفيد من الأعظام ما يفيده القول وما ذاك إلا ~~للعبادة وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان على ~~الأرض وإلصاقه الجبين بها مفيدا ضربا من التعظيم وإن لم يكن ذلك عبادة وإذا ~~كان كذلك لم يمتنع أن يتعبد الله الملائكة بذلك إظهارا لرفعته وكرامته . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن إبليس هل كان من الملائكة ؟ قال بعض ~~المتكلمين ولا سيما المعتزلة إنه لم يكن منهم وقال كثير من الفقهاء إنه كان ~~منهم واحتج الأولون بوجوه : # أحدها : أنه كان من الجن فوجب أن لا يكون من الملائكة وإنما قلنا إنه كان ~~من الجن لقوله تعالى في سورة الكهف { إلا إبليس كان من الجن } [ الكهف : 50 ~~] واعلم أن من الناس من ظن أنه لما ثبت أنه كان من PageV02P195 الجن وجب أن ~~لا يكون من الملائكة لأن الجن جنس مخالف للملك وهذا ضعيف لأن الجن مأخوذ من ~~الاجتنان وهو الستر ولهذا سمي الجنين جنينا لاجتنابه ومنه الجنة لكونها ~~ساترة والجنة لكونها مستترة بالأغصان ومنه الجنون لاستتار العقل فيه ، ولما ms0662 ~~ثبت هذا والملائكة مستورون عن العيون وجب إطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة ~~فثبت أن هذا القدر لا يفيد المقصود فنقول لما ثبت أن إبليس كان من الجن وجب ~~أن لا يكون من الملائكة لقوله تعالى { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا ومن دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن } [ سبأ : 41 ] وهذه الآية صريحة في الفرق بين الجن والملك . ~~فإن قيل لا نسلم أنه كان من الجن أما قوله تعالى { كان من الجن } [ الكهف : ~~50 ] فلم يجوز أن يكون المراد كان من الجنة على ما روي عن ابن مسعود أنه ~~قال كان من الجن أي كان خازن الجنة ؟ سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون ~~قوله من الجن أي صار من الجن كما أن قوله وكان من الكافرين أي صار من ~~الكافرين سلمنا أن ما ذكرت يدل على أنه من الجن فلم قلت إن كونه من الجن ~~ينافي كونه من الملائكة وما ذكرتم من الآية معارض بآية أخرى وهي قوله تعالى ~~{ وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } [ الصافات : 158 ] وذلك لأن قريشا قالت : ~~الملائكة بنات الله فهذه الآية تدل على أن الملك يسمى جنا ؟ والجواب : لا ~~يجوز أن يكون المراد منه قوله { كان من الجن } [ الكهف : 50 ] أنه كان خازن ~~الجنة لأن قوله إلا إبليس كان من الجن يشعر بتعليل تركه للسجود لكونه جنيا ~~ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازنا للجنة فيبطل ذلك قوله كان من الجن ~~أي صار من الجن . قلنا هذا خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا عند الضرورة وأما ~~قوله تعالى { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } [ الصافات : 158 ] قلنا يحتمل ~~أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن كما أثبته في الملائكة وأيضا فقد ~~بينا أن الملك يسمى جنا بحسب أصل اللغة لكن لفظ الجن بحسب العرف اختص ~~بغيرهم كما أن لفظ الدابة وإن كان بحسب اللغة الأصلية يتناول كل ما يدب ~~لكنه بحسب العرف اختص ببعض ما يدب ms0663 فتحمل هذه الآية على اللغة اصلية ، ~~والآية التي ذكرناها على العرف الحادث . # وثانيها : أن ابليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم ، إنما قلنا أن ابليس ~~له ذرية لقولع تعالى في صفته { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني } [ الكهف ~~: 50 ] وهذا صريح في إثبات الذرية له ، وإنما قلنا إن الملائكة لا ذريو لهم ~~لأن الذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى والملائكة لا أنثى فيهم لقوله تعالى ~~{ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~} [ الزخرف : 19 ] أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة فإذا انتفت الأنوثة ~~انتفى الولد لا محالة فانتفت الذرية . # وثالثها : أن الملائكة معصومون على ما تقدم بيانه وإبليس لم يكن كذلك ~~فوجب أن لا يكون من الملائكة . # ورابعها : أن ابليس مخلوق من النار والملائكة ليسوا كذلك إنما قلنا إن ~~ابليس مخلوق من النار لقوله تعالى حكاية عن إبليس { خلقتني من نار } [ ~~الأعراف : 12 ] وأيضا فلأنه كان من الجن لقوله تعالى { كان من الجن } [ ~~الكهف : 50 ] والجن مخلوق من النار لقوله تعالى { والجان خلقناه من قبل من ~~نار السموم } [ الحجر : 27 ] وقال { خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق ~~الجان من مارج من نار } [ الرحمن : 15 ] وأما أن الملائكة ليسوا مخلوقين من ~~النار بل من النور ، فلما روى الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال خلقت PageV02P196 الملائكة من نور وخلق الجان من ~~مارج من نار ، ولأن من المشهور الذي يدفع أن الملائكة روحانيون ، وقيل إنما ~~سموا بذلك ، لأنهم خلقوا من الريح أو الروح . # وخامسها : أن الملائكة رسل لقوله تعالى { جاعل الملائكة رسلا } [ فاطر : ~~1 ] ورسل الله معصومون ، لقوله تعالى { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [ ~~الأنعام : 124 ] فلما لم يكن ابليس كذلك وجب أن لا يكون من الملائكة . ~~واحتج القائلون بكونه من الملائكة بأمرين . # الأول : أن الله تعالى استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد إخراج ما ~~لولاه لدخل أو لصح دخوله ، وذلك يوجب كونه من الملائكة لا يقال : الاستثناء ~~المنقطع مشهور في كلام العرب ms0664 ، قال تعالى { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ~~إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني } [ الزخرف : 27 ] وقال تعالى { لا ~~يسمعون فيها لغوا ولا تأئيما إلا قيلا سلاما سلاما } [ الواقعة : 25 ] وقال ~~تعالى { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض } [ ~~النساء : 29 ] وقال تعالى { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } [ ~~النساء : 92 ] وأيضا فلأنه كان جنيا واحدا بين الألوف من الملائكة ، فغلبوا ~~عليه في قوله { فسجدوا } ثم استثنى هو منهم استثناء واحد منهم ، لأنا نقول ~~: كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل ، فذلك إنما صار إليه عند ~~الضرورة ، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة ، ليس فيها إلا ~~الاعتماد على العمومات ، فلو حعلناه من الملائكة لزم تخصيص ما عولتم عليه ~~من العمومات ، ولو قلنا إنه ليس من الملائكة ، لزمنا حمل الاستثناء على ~~الاستثناء المنقطع ، ومعلوم أن تخصيص العمومات أكثر في كتاب الله تعالى من ~~حمل الاستثنناء على الاستثناء المنقطع فكان قولنا أولى . أيضا فالاستثناء ~~مشتق من الثني والصرف ومعنى الصرف إنما يتحقق حيث لولا الصرف لدخل والشيء ~~لا يدخل في غير جنسه فيمتنع تحقق معنى الاستثناء فيه . وأما قوله أنه جني ~~واحد بين الملائكة فنقول إنما يجوز إجراء حكم الكثير على القليل إذا كان ~~القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه إذا كان معظم الحديث لا يكون إلا عن ذلك ~~الواحد لم يجز إجراء حكم غيره عليه . # الحجة الثانية : قالوا لو لم يكن ابليس من الملائكة لما كان قوله { وإذا ~~قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } متناولا له ، ولو يكن متناولا له لاستحال أن ~~يكون تركه للسجود إباء واستكبار ومعصية ولما استحق الذم والعقاب ، وحيث ~~حصلت هذه الأمور علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله ولا يتناوله ذلك الخطاب إلا ~~إذا كان من الملائكة ، لا يقال إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه نشأ ~~معهم وطالت مخالطته بهم والتصق بهم ، فلا جرم يتناوله ذلك الخطاب وأيضا فلم ~~لا يجوز أن يقال : إنه وإن لم يدخل في هذا ms0665 الأمر ، ولكن الله تعالى أمره ~~بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله { وما منعك أن لا تسجد إذا ~~أمرتك } [ الأعراف : 12 ] لأنا نقول : أما الأول فجوابه أن المخالطة لا ~~توجب ما ذكرتموه ، ولهذا قلنا في أصول الفقه إن خطاب الذكور لا يتناول ~~الإناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين ، وأيضا فشدة المخالطة بين ~~الملائكة وبين ابليس لما لم تمنع اقتصار اللعن على ابليس فكيف تمنع اقتصار ~~ذلك التكليف على الملائكة ، وأما الثاني فجوابه أن ترتيب الحكم على الوصف ~~مشعر بالعلية ، فلما ذكر قوله أبى واستكبر عقيب قوله { وإذا قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم } أشعر هذا التعقيب بأن هذا الإباء إنما حصل بسبب مخالفة هذا ~~الأمر لا بسبب مخالفة أمر آخر فهذا ما عندي في الجانبين والله أعلم بحقائق ~~الأمور . PageV02P197 # المسألة الرابعة : اعلم أن جماعة من أصحابنا يحتجون بأمر الله تعالى ~~للملائكة بسجود آدم عليه السلام على أن آدم أفضل من الملائكة فرأينا أن ~~نذكر ههنا هذه المسألة فنقول : قال أكثر أهل السنة : الأنبياء أفضل من ~~الملائكة وقالت المعتزلة بل الملائكة أفضل من الأنبياء وهو قول جمهور ~~الشيعة ، وهذا القول اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني من المتكلمين منا ~~وأبي عبد الله الحليمي من فقهائنا ونحن نذكر محصل الكلام من الجانبين : أما ~~القائلون بأن الملائكة أفضل من البشر فقد احتجوا بأمور . أحدها : قوله ~~تعالى { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } [ الأنبياء : 19 ] إلى قوله { ~~يسبحون الليل والنهار ولا يفترون } [ الأنبياء : 20 ] والاستدلال بهذه ~~الآية من وجهين : # الأول : أنه ليس المراد من هذه العندية المكان والجهة فإن ذلك محال على ~~الله تعالى بل عندية القرب والشرف ولما كانت هذه الآية واردة في صفة ~~الملائكة علمنا أن هذا النوع من القربة والشرف حاصل لهم لا لغيرهم ولقائل ~~أن يقول إنه تعالى أثبت هذه العندية في الآخرة لآحاد المؤمنين وهو قوله { ~~في مقعد صدق عند مليك مقتدر } [ القمر : 55 ] وأما في الدنيا فقال عليه ~~الصلاة والسلام حاكيا عنه سبحانه < < أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي ms0666 > > ~~وهذا أكثر إشعارا بالتعظيم لأن هذا الحديث يدل على أنه سبحانه عند هؤلاء ~~المنكرة قلوبهم وما احتجوا به من الآية يدل على أن الملائكة عند الله تعالى ~~، ولا شك أن كون الله تعالى عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عند ~~الله تعالى . # الوجه الثاني في الاستدلال بالآية ، أن الله تعالى احتج بعدم استكبارهم ~~على أن غيرهم وجب أن لا يستكبروا ولو كان البشر أفضل منهم لما تم هذا ~~الاحتجاج ، فإن السلطان إذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له يقول : ~~الملوك لا يستكبرون عن طاعتي ، فمن هؤلاء المساكين حتى يتمردوا عن طاعتي ! ~~وبالجملة فمعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا بالأقوى على الأضعف . ولقائل ~~أن يقول : لا نزاع في أن الملائكة أشد قوة وقدرة من البشر ، ويكفي في صحة ~~الاستدلال هذا القدر من التفاوت ، فإنه تعالى يقول إن الملائكة مع شدة ~~قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض وطول ~~أعمارهم ، لا يتركون العبودية لحظة واحدة ، والبشر مع نهاية ضعفهم ووقوعهم ~~في أسرع الأحوال في المرض والهرم وأنواع الآفات أولى أن لا يتمردوا ، فهذا ~~القدر من التفاوت كاف في صحة هذا الاستدلال ، ولا نزاع في حصول التفاوت في ~~هذا المعنى ، إنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب ، فلم قلتم إن هذا ~~الاستدلال لا يصح إلا إذا كان الملك أكثر ثوابا من البشر ، ولا بد فيه من ~~دليل ، مع أن المتبادر إلى الفهم هو الذي ذكرناه ؟ وثانيها : أنهم قالوا ~~عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر ، فتكون أكثر ثوابا من عبادات البشر ، ~~وإنما قلنا إنها أشق لوجوه : # أحدها : أن ميلهم إلى التمرد أشد فتكون طاعتهم أشق ، وإنما قلنا إن ميلهم ~~إلى التمرد أشد ، لأن العبد السليم من الآفات ، المستغني عن طلب الحاجات ، ~~يكون أميل إلى النعم والالتذاذ من المغمور في الحاجات ، فإنه يكون كالمضطرب ~~في الرجوع إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه ، ولهذا قال تعالى : { فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ، فلما نجاهم إلى البر ms0667 إذا هم ~~يشركون } [ العنكبوت : 65 ] ومعلوم أن الملائكة سكان السموات وهي جنات ~~وبساتين ومواضع التنزه والراحة وهم آمنون PageV02P198 من المرض والفقر ثم ~~إنهم مع استكمال أسباب التنعم لهم أبدا مذ خلقوا مشتغلون بالعبادة خاشعون ~~وجلون مشفقون كأنهم مسجونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات بل هم ~~مقبلون على الطاعات الشاقة موصوفون بالخوف الشديد ولافزع العظيم وكأنه لا ~~يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوما وادحا فضلا عن تلك الأعصار ~~المتطاولة ويؤكده قصة آدم عليه السلام ، فإنه أطلق له جميع مواضع الجنة ~~بقوله { وكلا منها رغدا حيث شئتما } [ البقرة : 35 ] ثم منع من شجرة واحدة ~~فلم يملك نفسه حتى وقع في الشر ، وذلك يدل على أن طاعتهم أشق من طاعات ~~البشر . # وثانيها : أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من بستان ~~إلى بستان ، أما الإقامة على نوع واحد فإنها تورث المشقة والملالة ولهذا ~~السبب جعلت التصانيف مقسومة بالأبواب والفصول ، وجعل كتاب الله مقسوما ~~بالسور والأحزاب والأعشار والأخماس ، ثم إن الملائكة كل واحد منهم مواظب ~~على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره على ما قال سبحانه { يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون } [ الأنبياء : 20 ] وقال { وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن ~~المسبحون } [ الصافات : 165 ، 166 ] وإذا كان كذلك كانت عبادتهم في نهاية ~~المشقة ، إذا ثبت وجب أن تكون عباداتهم أفضل عليه الصلاة والسلام < < أفضل ~~الأعمال أحمزها > > أي أشقها ، وقوله لعائشة رضي الله عنها < < إنما أجرك ~~على قدر نصبك > > والقياس أيضا يقتضي ذلك ، فإن العبد كلما كان تحمله ~~المشاق لأجل رضا مولاه أكثر كان أحق بالتعظيم والتقديم . # والقائل أن يقول على الوجهين : هب أن مشقتهم أكثر فلم قلتم يجب أن يكون ~~ثوابهم أكبر ؟ وذلك لأنا نرى بعض الصوفية في زماننا هذا يتحملون في طريق ~~المجاهدة من المشاق والمتاعب ما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ~~يتحمل بعض ذلك ثم إنا نقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه ومن ~~أمثاله ، بل يحكى عن عباد الهند ms0668 وزهادهم ورهبانهم أنهم يتحملون من المتاعب ~~في التواضع لله تعالى ما لم يحك مثله عن أحد من الأنبياء والأولياء مع أنا ~~نقطع بكفرهم ، فعلمنا أن كثرة المشقة في العبادة لا تقتضي زيادة الثواب . ~~وتحقيقه هو أن كثرة الثواب لا تحصل إلا بناء على الدواعي والقصود ، فلعل ~~الفعل الواحد يأتي به مكلفان على السواء فيما يتعلق بالأفعال الظاهرة ~~ويستحق أحدهما به ثوابا عظيما والآخر لا يستحق به ثوالا قليلا ، لما أن ~~إخلاص أحدهما أشد وأكثر من إخلاص الثاني ، فإذن كثرة العبادات ومشقتها لا ~~تقتضي التفاوت في الفضل ثم نقول : لا نسلم أن عبادات الملائكة أشق . # أما قوله في الوجه الأول : السموات كالبساتين النزهة قلنا مسلم ولكن لم ~~قلتم بأن الاتيان بالعبادة في المواضع الطيبة أشق من الاتيان بها في ~~المواضع الرديئة ؟ أكثر ما في الباب أن يقال : إنه قد يهيأ له أسباب التنعم ~~فامتناعه عنها مع تهيتها له أشق ، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمهة ~~على البشر ثم إنهم مع اجتماعها عليهم يرضون بقضاء الله ولا تغيرهم تلك ~~المحن والآفات عن الخشوع له والمواظبة على عبوديته ، وذلك أدخل في العبودية ~~وذلك أن الخدم والعبيد تطيب قلوبهم بالخدمة حال ما يجدون من النعم ~~والرفاهية ولا يصبر أحد منهم حال المشقة على الخدمة إلا من كان في نهاية ~~الإخلاص فما ذكروه بالعكس أولى ، أما قوله : والمواظبة على نوع واحد من ~~العبادة شاق ، قلنا هذا معارض بوجه آخر وهو أنهم لما PageV02P199 اعتادوا ~~نوعا واحدا من العبادة صاروا كالمجبورين على الشيء الذي لا يقدرون على ~~خلافه على ما قيل : العادة طبيعة خامسة ، فيكون ذلك النوع في نهاية السهولة ~~عليهم ، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال في الصوم وقال < ~~< أفضل الصوم صوم داود عليه السلام > > وهو أن يصوم يوما ويفطر يوما . # وثالثها : قالوا عبادات الملائكة أدوم فكانت أفضل بيان أنها أدوم قوله ~~سبحانه وتعالى { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } [ الأنبياء : 20 ] وعلى ~~هذا لو كانت أعمارهم مساوية لأعمار البشر لكانت طاعاتهم ms0669 أدوم وأكثر فكيف ~~ولا نسبة لعمر كل البشر إلى عمر الملائكة على ما تقدم بيانه في باب صفات ~~الملائكة وعلى هذه الآية سؤال : روي في شعب الإيمان عن عبد الله بن الحارث ~~بن نوفل قال : قلت لكعب أرأيت قول الله تعالى { يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون } ثم قال { جاعل الملائكة رسلا } [ فاطر : 1 ] أفلا تكون الرسالة ~~مانعة لهم عن هذا التسبيح ؟ وأيضا قال { أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين } [ البقرة : 161 ] فكيف يكونون مشتغلين باللعن حال اشتغالهم ~~باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح ؟ أجاب كعب الأحبار فقال : التسبيح لهم ~~كالتنفس لنا فكلما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام فكذلك اشتغالنا ~~بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال . # وأقول : لقائل أن يقول الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام لأن آلة ~~التنفس غير آلة الكلام أما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام فاجتماعهما ~~في الآية الواحدة محال . والجواب الأول : أي استبعاد في أن يخلق الله تعالى ~~لهم ألسن كثيرة يسبحون الله تعالى ببعضها ويلعنون أعداء الله تعالى بالبعض ~~الآخر . والجواب الثاني : اللعن هو الطرد والتبعيد ، والتسبيح هو الخوض في ~~ثناء الله تعالى ولا شك أن ثناء الله يسلتزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ~~ينبغي فكان ذلك اللعن من لوازمه . والجواب الثالث : قوله { لا يفترون } [ ~~الأنبياء : 20 ] معناه أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته ~~اللائقة به كما يقال إن فلانا مواظب على الجماعات لا يفتر عنها لا يراد به ~~أنه ابدا مشتغل بها بل يراد به أنه مواظب على العزم أبدا على أدائها في ~~أوقاتها وإذا ثبت أن عبادتهم أدوم وجب أن تكون أفضل . أما أولا فلأن الأدوم ~~أشق فيكون أفضل على ما سبق تقريره في الحجة الثانية . وأما ثانيا : فلقوله ~~عليه السلام أفضل العباد من طال عمره وحسن عمله والملائكة صلوات الله عليهم ~~أطول العباد أعمارا وأحسنهم أعمالا فوجب أن يكونوا أفضل العباد لأنه عليه ~~السلام قال < < الشيخ في قومه كالنبي في أمته > > وهذا يقتضي أن يكونوا ms0670 في ~~البشر كالنبي في الأمة وذلك يوجب فضلهم على البشر . # ولقائل أن يقول إن نوحا عليه السلام وكذا لقمان وكذا الخضر كانوا أطول ~~عمرا من محمد صلى الله عليه وسلم فوجب أن يكونوا أفضل من محمد صلى الله ~~عليه وسلم وذلك باطل بالاتفاق فبطل ما قالوه وقد نجد في الأمة من هو أطول ~~عمرا وأشد اجتهادا من النبي صلى الله عليه وسلم وهو منه أبعد في الدرجة من ~~العرش إلى ما تحت الثرى . والتحقيق فيه ما بينا أن كثرة الثواب إنما تحصل ~~لأمر يرجع إلى الدواعي والقصود فيجوز أن تكون الطاعة القليلة تقع من ~~الإنسان على وجه يستحق بها ثوابا كثيرا والطاعات الكثيرة تقع على وجه لا ~~يستحق بها إلا ثوابا قليلا . # ورابعها : أنهم أسبق السابقين في كل العبادات ، لا خصلة من خصال الدين ~~إلا وهم أئمة مقدمون فيها بل هم المنشئون العامرون لطرق الدين والسبق في ~~العبادة جهة تفضيل وتعظيم . أما أولا PageV02P200 فبالاجماع . وأما ثانيا ~~فلقوله تعالى { والسابقون السابقون أولئك المقربون } [ الواقعة : 10 ] وأما ~~ثالثا فلقوله عليه السلام < < من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة > > فهذا يقتضي أن يكون قد حصل للملائكة من الثواب كل ما ~~حصل للأنبياء مع زيادة الثواب التي استحقوها بأفعالهم التي أتوا بها قبل ~~خلق البشر . ولقائل أن يقول : فهذا يقتضي أن يكون آدم عليه السلام أفضل من ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أول من سن عبادة الله تعالى من البشر وأول من ~~سن دعوة الكفار إلى الله تعالى ولما كان ذلك باطلا بالاجماع بطل ما ذكروه ~~والتحقيق فيه ما قدمناه أن كثرة الثواب تكون بأمر يرجع إلى النية فيجوز أن ~~تكون نية المتأخر أصفى فيستحق من الثواب أكثر ما يستحقه المتقدم . # وخامسها : أن الملائكة رسل الأنبياء والرسول أفضل من الأمة فالملائكة ~~أفضل من الأنبياء . أما أن الملائكة رسل إلى الأنبياء فلقوله تعالى { علمه ~~شديد القوى } [ النجم : 5 ] وقوله { نزل به الروح الأمين على قلبك } [ ~~الشعراء : 193 ] وأما ms0671 أن الرسول أفضل من الأمة فالبقياس على أن الأنبياء من ~~البشر أفضل من أممهم فكذا ههنا . فإن قيل : العرف أن السلطان إذا أرسل ~~واحدا إلى جمع عظيم ليكون حاكما فيهم ومتوليا لأمورهم فذلك الرسول يكون ~~أشرف من ذلك الجمع ، أما إذا أرسل واحدا إلى واحد فقد لا يكون الرسول أشرف ~~من المرسل إليه كما إذا أرسل واحدا من عبيده إلى وزيره في مهم فإنه لا يلزم ~~أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير . قلنا : لكن جبريل عليه السلام مبعوث ~~إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر فلزم على هذا القانون الذي ذكره السائل ~~أن يكون جبريل عليه السلام أفضل منهم . # واعلم أن هذه الحجة يمكن تقريرها على وجه آخر وهو أن الملائكة رسل لقوله ~~تعالى { جاعل الملائكة رسلا } [ فاطر : 1 ] ثم لا يخلو الحال من أحد أمرين ~~إما أن يكون الملك رسولا إلى ملك آخر أو إلى واحد من الأنبياء الذين هم من ~~البشر وعلى التقدير فالملك رسول وأمته رسل وأما الرسول البشري فهو رسول لكن ~~أمته ليسوا برسل والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من الرسول الذي لا يكون ~~كذلك فثبت فضل الملك على البشر من هذه الجهة ولأن إبراهيم عليه السلام كان ~~رسولا إلى لوط عليه السلام فكان أفضل منه وموسى عليه السلام كان رسولا إلى ~~الأنبياء الذين كانوا في عسكره وكان أفضل منهم فكذا ههنا . ولقائل أن يقول ~~الملك إذا أرسل رسولا إلى بعض النواحي قد يكون ذلك لأنه جعل ذلك الرسول ~~حاكما عليهم ومتوليا لأمورهم ومتصرفا في أحوالهم وقد لا يكون لأنه يبعثه ~~إليهم ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكما عليهم ومتوليا لأمورهم ~~فالرسول في القسم الأول يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه أما في القسم ~~الثاني فظاهر أنه لا يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه فالأنبياء المبعوثون ~~إلى أممهم من القسم الأول فلا جرم كانوا أفضل من الأمم فلم قلتم إن بعثة ~~الملائكة إلى الأنبياء من القسم الأول حتى يلزم أن ms0672 يكونوا أفضل من الأنبياء ~~. # وسادسها : أن الملائكة أتقى من البشر فوجب أن يكونوا أفضل من البشر أنا ~~أنهم أتقى فلأنهم مبرؤون عن الزلات وعن الميل إليها لأن خوفهم دائم ~~وإشفاقهم دائم لقوله تعالى { يخافون ربهم من فوقهم } [ النحل : 50 ] وقوله ~~{ وهم من خشيته مشفقون } [ الأنبياء : 28 ] والخوف والاشفاق ينافيان العزم ~~على المعصية وأما الأنبياء عليهم السلام فهم مع أنهم أفضل البشر ما خلا ~~منهم عن نوع زلة وقال عليه PageV02P201 الصلاة والسلام ما منا من أحد إلا ~~عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا عليهما السلام فثبت أن تقوى الملائكة ~~أشد فوجب أن يكونوا أفضل من البشر لقوله تعالى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~} [ الحجرات : 13 ] فإن قيل : إن قوله { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } خطاب ~~مع الآدميين فلا يتناول الملائكة وأيضا فالتقوى مشتق من الوقاية ولا شهوة ~~في حق الملائكة فيستحيل تحقق التقوى في حقهم . والجواب عن الأول : أن ترتيب ~~الكرامة على التقوى يدل على أن الكرامة معللة بالتقوى فحيث كانت التقوى ~~أكثر كانت الكرامة أكثر . وعن الثاني : لا نسلن عدم الشهوة في حقهم لكن لا ~~شهوة لهم إلا الأكل والمباشرة ولكن لا يلزم من عدم شهوة معينة عدم مطلق ~~الشهوة بل لهم شهوة التقدم والترفع ولهذا قالوا { أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } وقال تعالى { ومن يقل منهم إني ~~إله من دونه فذلك نجزيه جهنم } [ الأنبياء : 29 ] ولقائل أن يقول الحديث ~~الذي ذكرتم يدل على أن يحيى عليه السلام كان أتقى من سائر الأنبياء فوجب أن ~~يكون أفضل من محمد وذلك باطل بالاجماع فعلمنا أنه لا يلزم من زيادة التقوى ~~زيادة الفضل وتحقيقه ما قدمنا أن من المحتمل أن يكون إنسان لم تصدر عنه ~~المعصية قط وصدر عنه من الطاعات ما استحق به مائة جزء من الثواب وإنسان آخر ~~صدرت عنه المعصية ثم أتى بطاعة استحق بها ألف جزء من الثواب فليقابل مائة ~~جزء من الثواب بمئة جزء من العقاب فيبقى له ms0673 تسعمائة جزء من الثواب فهذا ~~الإنسان مع صدور المعصية منه يكون أفضل من الإنسان الذي لمتصدر المعصية عنه ~~قط وأيضا فلا نسلن أن تقوى الملائكة أشد وذلك لأن التقوى مشتق من الوقاية ~~والمقتضى للمعصية في حق بني آدم أكثر فكان تقوى المتقين منهم أكثر . قوله ~~إن الملائكة لهم شهوة الرياسة قلنا هذا لا يضرنا لأن هذه الشهوة حاصلة ~~للبشر أيضا وقد حصلت لهم أنواع أخر من الشهوات وهي شهوة البطن والفرج وإذا ~~كان كذلك كانت الشهوات الصارفة عن الطاعات أكثر في بني آدم فوجب أن تكون ~~تقوى المتقين منهم أشد . # وسابعها : قوله تعالى : { لن يستنكف المسيح أن يكون عبد لله ولا الملائكة ~~النقربون } [ النساء : 172 ] وجه الاستدلال أن قوله تعالى { ولا الملائكة ~~المقربون } خرج مخرج التأكيد للأول ومثل هذا التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل ~~يقال هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة ولا المائة ولا يقال لا يستنكف ~~عن خدمته الوزير ولا البواب . ولقائل هذه الآية إذا دلت فإنما تدل على فضل ~~الملائكة المقربين على المسيح لكن لا يلزم منه فضل الملائكة النقربين على ~~من هو أفضل من المسيح وهو محمد وموسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام ~~وبالجملة فلو ثبت أن المسيح أفضل من كل الأنبياء كان مقصودهم حاصلا فأما ~~إذا لم يقيموا الدلالة على ذلك فلا يحصل مقصودهم لا سيما وقد أجمع المسلمون ~~على أن محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من المسيح عليه السلام وما رأينا أحد ~~من المسلمين قطع بفضل المسيح على موسى وإبراهيم عليهما السلام ثم نقول قوله ~~{ ولا الملائكة المقربون } ليس فيه إلا واو العطف والواو للجمع المطلق فيدل ~~على أن المسيح لا يستنكف والملائكة لا يستنكفون فأما أن يدل على أن ~~الملائكة أفضل من المسيح فلا ، وأما الأمثلة التي ذكروها فنقول المثال لا ~~يكفي في إثبات الدعوى الكلية ثم إن المثال معارض بأمثلة أخرى وهو قوله ما ~~أعانني على هذا الأمر زيد ولا عمرو فهذا لا يفيد كون عمرو أفضل من زيد وكذا ~~قوله تعالى ms0674 { ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام } [ المائدة : 2 ~~] ولما اختلفت الأمثلة امتنع التعويل عليها ثم التحقيق أنه إذا قال ~~PageV02P202 هذه الخشبة لا يقدر على حملها الواحد ول العشرة فنحن بعقولنا ~~أن العشرة أقوى من الواحد فلا جرم عرفنا أن الغرض من ذكر الثاني المبالغة ~~فهذه المبالغة إنما عرفناها بهذا الطريق لا من مجرد اللفظ فههنا في الآية ~~إنما يمكننا أن نعرف أن المراد من قوله { ولا الملائكة المقربون } [ النساء ~~: 172 ] بيان المبالغة لو عرفنا قبل ذلك ان الملائكة المقربين أفضل من ~~المسيح وحينئذ تتوقف صحة الاستدلال بهذه الآية على ثبوت الملطوب قبل هذا ~~الدليل ويتوقف ثبوت المطلوب على دلالة هذه الآية عليه فيلزم الدور وأنه ~~باطل سلمنا أنه يفيد التفاوت لكنه لا يفيد التفاوت في كل الدرجات بل في بعض ~~دون آخر بيانه أنه إذا قيل هذا العالم لا يستنكف عن خدمته القاضي ولا ~~السلطان ولا يدل على كونه أفضل من القاضي في العلم والزهد والخضوع لله ~~تعالى إذا ثبت هذا فنحن نقول بموجبه وذلك لأن الملك أفضل من البشر في ~~القدرة والبطش فإن جبريل عليه السلام قلع مدائن لوط والبشر لا يقدرون على ~~شيء من ذلك فلم قلتم إن الملك أفضل من البشر في كثرة الثواب الحاصل بسبب ~~مزيد الخضزع والعبودية وتمام التحقيق فيه أن الفضل المختلف فيه في هذه ~~المسألة هو كثرة الثواب وكثرة الثواب لا تحصل إلا بالعبودية والعبودية ~~عبارة عن نهاية التواضع والخضوع وكون العبد موضوفا بنهاية التواضع لله ~~تعالى لا يناسب الاستنكاف عن عبودية الله ولا يلائمها البتة بل يناقضها ~~وينافيها وإذا كان هذا الكلام ظاهرا جليا كان حمل كلام الله تعالى عليه ~~مخرجا له عن الفائدة ، أنا اتصاف الشخص بالقدرة الشديدة والاستيلاء العظيم ~~فإنه مناسب للتمرد وترك العبودية فالنصارى لما شاهدوا من المسيح عليه ~~السلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أخرجوه عن العبودية بسبب هذا ~~القدر من القدرة فقال الله تعالى إن عيسى لا يستنكف بسبب هذا القدر من ~~القدرة عن عبوديتي ms0675 بل ولا الملائكة المقربون الذين هم فوقه في القدرة ~~والقوة والبطش والاستيلاء على عوالم السموات والأرضين وعلى هذا الوجه ينتظم ~~وجه دلالة الآية على أن الملك أفضل من البشر في لبشدة والبطش لكنها لا تدل ~~البتة على أنه أفضل من البشر في كثرة الثواب أو يقال إنهم إنما ادعوا ~~إلهيته لأنه حصل من غير أب فقيل لهم الملك ما حصل من أب ولا من أم فكانوا ~~أعجب من عيسى في ذلك مع لأنهم لا يستنكفون عن العبودية # فإن قيل في الآية ما يدل على أن المراد وقوع التفاوت بين المسيح ~~والملائكة في العبودية لا في القدرة والقوة والبطش وذلك لأنه تعالى وصفهم ~~بكونهم مقربين والقرب من الله تعالى لا يكون بالمكان والجهة بل بالدرجة ~~والمنزلة فلما وصفهم ههنا بكونهم مقربين علمنا أن المراد وقوع التفاوت ~~بينهم وبين المسيح في درجات الفضل لا في الشدة والبطش . قلنا إن كان مقصودك ~~من هذا السؤال أنه تعالى وصف الملائكة بكونهم مقربين فوجب أن لا يكون ~~المسيح كذلك فهذا باطل لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفيه عما عداه ~~وإن كان مقصودك أنه تعالى لما وصفهم بكونهم مقربين وجب أن يكون التفاوت ~~واقعا في ذلك فهذا باطل أيضا لاحتمال أن يكون المسيح والمقربون مع اشتراكهم ~~في صفة القرب في الطاعة يتباينون بأمور أخر فيكون المراد بيان التفاوت في ~~تلك الأمور . سؤال آخر : وهو أنا نقول بموجب الآية فنسلن أن عيسى عليه ~~السلام دون مجموع الملائكة في الفضل فلم قلتم إنه دون كل واحد من الملائكة ~~في الفضل . سؤال آخر : لعله تعالى إنما ذكر هذا الخطاب مع أقوام اعتقدوا أن ~~الملك أفضل من البشر فأورد الكلام على حسب معتقدهم كما في قوله { وهو أهون ~~عليه } [ الروم : 27 ] PageV02P203 # وثامنها : قوله تعالى حكاية عن إبليس { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة ~~إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } [ الأعراف : 20 ] ولو لم يكن ~~متقررا عند آدم وحواء عليهما السلام أن الملك أفضل من البشر لم ms0676 يقدر إبليس ~~على أن يغريهما بذلك ولا كان آدم وحواء عليهما السلام يغتران بذلك . ولقائل ~~أن يقول هذا قول إبليس فلا يكون حجة ، ولا يقال إن آدم اعتقد صحة ذلك وإلا ~~لما اغتر ، واعتقاد آدم حجة ، لأنا نقول : لعل آدم عليه السلام أخطأ في ذلك ~~إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء أو لأنه ما كان نبيا في ذلك الوقت ، ~~وأيضا هب أنه حجة لكن آدم عليه السلام لم يكن قبل الزلة نبيا قلم يلزم من ~~فضل الملك عليعه في ذلك الوقت فضل الملك عليه حال ما صار نبيا ، وأيضا هب ~~أن الآية تدل على أن الملك أفضل من البشر في بعض الأمور المرغوبة فلم قلت : ~~إنها تدل على فضل الملك على البشر في باب الثواب ؟ وذلك لأنه لا نزاع أن ~~الملك أفضل من البشر في باب القدرة والقوة ، وفي باب الحسن والجمال ، وفي ~~باب الصفاء والنقاء عن الكدورات الحاصلة بسبب التركيبات فإن الملائكة خلقوا ~~من الأنوار ، وآدم مخلوق من التراب فلعل آدم عليه السلام وإن كان أفضل منهم ~~في كثرة الثواب إلا أنه رغب في أن يكون مساويا لهم في تلك الأمور التي ~~عددناها فكان التغرير حاصلا من هذا الوجه ، وأيضا فقوله { إلا أن تكونا ~~ملكين } [ الأعراف : 20 ] يحتمل أن يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فحينئذ ~~يصح استدلالكم ويحتمل أن يكون المراد أن النهي مختص بالملائكة والخالدين ~~دونكما ، هذا كما يقال أحدنا لغيره ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلانا ~~ويكون المعنى أن المنهي هو فلان دونك ولم يرد إلا أن ينقلب فيصير فلانا ، ~~ولما كان غرض إبليس إيقاع الشبهة بهما فمن أوكد الشبهة إيهام أنهما لم ~~ينهيا وإنما المنهي غيرهما ، وأيضا فهب أن الآية تدل على أن الملك أفضل من ~~آدم فلم قلت أنها تدل على أن الملك أفضل من محمد ؟ وذلك لأن المسلمين ~~أجمعوا على أن محمدا أفضل من آدم عليهما السلام ولا يلزم من كون الملك أفضل ~~من المفضول كونه أفضل من الأفضل . # وتاسعها ms0677 : قوله تعالى : { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ~~ولا أقول لكم إني ملك } [ الأنعام : 50 ] ولقائل أن يقول يحتمل أن يكون ~~المراد ولا أقول لكم إني ملك في كثرة العلوم وشدة القدرة والذي يدل على ~~صحبة هذا الاحتمال وجوه . الأول : وهو أن الكفار طالبوه بالأمور العظيمة ~~نحو صعود السماء ونقل الجبال وإحضار الأموال العظيمة وهذه الأمور لا يمكن ~~تحصيلها إلا بالعلوم الكثيرة والقدرة الشديدة . الثاني : أن قوله { قل لا ~~أقول لكم عندي خزائن الله } هذا يدل على اعترافه بأنه غير قادر على كل ~~المقدورات وقوله { ولا أعلم بالغيب } يدل على اعترافه بأنه غير عالم بكل ~~المعلومات ثم قوله { ولا أقول لكم إني ملك } معناه والله أعلم وكما لا أدعي ~~القدرة على مل المقدروات والعلم بكل المعلومات فكذلك لا أدعي قدرة مثل قدرة ~~الملك ولا علما مثل علومهم . الثالث : قوله { ولا أقول لكم إني ملك } لم ~~يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض وإنما نفي أن يكون له مثل ما لهم من ~~الصفات وهذا يكفي في صدقه أن لا يكون له مثل ما لهم ولا تكون صفاته مساوية ~~لصفاتهم من كل الوجوه ولا دلالة فيه على وقوع التفاوت في كل الصفات فإن عدم ~~الاستواء في الكل غير ، وحصول الاختلاف في الكل غير . # وعاشرها : قوله تعالى : { ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم } [ يوسف : 31 ~~] فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد وقوع التشبيه في الصورة والجمال . ~~قلنا : الأولى أن يكون التشبيه واقعا في السيرة لا في PageV02P204 الصورة ~~لأنه قال { إن هذا إلا ملك كريم } فشبهه بالملك الكريم والملك إنما يكون ~~كريما بسيرته المرضية لا بمجرد صورته فثبت أن المراد تشبيه بالملك في نفي ~~دواعي البشر من الشهوة والحرص على طلب المشتهى وإثبات ضد ذلك وهي حالة ~~الملك وهي غض البصر وقمع عن الميل إلى المحرمات ، فدلت هذه الآية على إجماع ~~العقلاء من الرجال والنساء ، والمؤمن والكافر ، على اختصاص الملائكة بدرجة ~~فائقة على درجات البشر ms0678 . ولقائل أن يقول : إن قول المرأة { فذلكن الذي ~~لمتنني فيه } كالصريح في أن مراد النساء بقولهن { إن هذا إلا ملك كريم } [ ~~يوسف : 31 ] تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال لا في السيرة ، لأن ظهور ~~عذرها في شدة عشقها ، إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجمال لا بسبب فرط زهده ~~وورعه . فإن ذلك لا يناسب شدة عشقها له . سلمنا أن المراد تشبيه يوسف عليه ~~السلام بالملك في الإعراض عن المشتهيات ، فلم يجب أن يكون يوسف عليه السلام ~~أقل ثوابا من الملائكة ؟ وذلك أنه لا نزاع في أن عدم التفات البشر إلى ~~المطاعم والمناكح اقل من عدم التفات الملائكة إلى هذه الأشياء ، لكن لم ~~قلتم إن ذلك يوجب المزيد في الفضل بمعنى كثرة الذنوب ؟ فإن تمسكوا بأن كل ~~من كان أقل معصية وجب أن يكون أفضل ، فقد سبق الكلام عليه . # الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ~~} [ الإسراء : 70 ] ومخلوقات الله تعالى إما المكلفون أو من عداهم ولا شك ~~أن المكلفين أفضل من غيرهم ، أما المكلفون فهم أربعة أنواع الملائكة والإنس ~~والجن والشياطين . ولا شك أن الإنس أفضل من الجن والشياطين ، فلو كان أفضل ~~من الملك أيضا لزم حينئذ أن يكون البشر أفضل من كل المخلوقات ، وحينئذ لا ~~يبقى لقوله تعالى { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } [ الإسراء : 70 ] ~~فائدة ؛ بل كان ينبغي أن يقال وفضلناهم على جميع من خلقنا تفضيلا ، ولما لم ~~يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر ، ولقائل أن يقول حاصل هذا الكلام ~~تمسك بدليل الخطاب ، لأن التصريح بأنه أفضل من كثير من المخلوقات لا يدل ~~على أنه ليس أفضل من الباقي إلا بواسطة دليل الخطاب ، وأيضا فهب أن جنس ~~الملائكة أفضل من جنس بني آدم ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من ~~المجموع الثاني أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من المجموع ~~الثاني ، فإنا إذا قدرنا عشرة من العبيد كل واحد منهم يساوي مائة دينار ، ~~وعشرة أخرى حصل ms0679 فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية يساوي كل واحد ~~منهم دينارا . فالمجموع الأول أفضل من المجموع الثاني ، إلا أنه حصل في ~~المجموع الثاني واحد هو أفضل من كل واحد من آحاد المجموع الأول ، فكذا ههنا ~~وأيضا فقوله { وفضلناهم } [ الإسراء : 70 ] يجوز أن يكون المراد وفضلناهم ~~في الكرامة التي ذكرناها في أول الآية وهي قوله { ولقد كرمنا بني آدم } [ ~~الإسراء : 70 ] ويكون المراد من الكرامة حسن الصورة ومزيد الذكاء والقدرة ~~على الأعمال العجيبة والمبالغة في النظافة والطهارة ، وإذا كان كذلك فنحن ~~نسلن أن الملك أزيد من البشر في هذه الأمور ولكن لم قلتم إن الملك أكثر ~~ثوابا من البشر ، وأيضا فقوله { خلق السموات بغير عمد ترونها } [ لقمان : ~~10 ] لا يقتضي أن يكون هناك عمد غير مرئي وكذلك قوله تعالى { ومن يدع مع ~~الله إلها آخر لا برهان له به } [ المؤمنون : 117 ] يقتضي أن يكون هناك إله ~~آخر له برهان فكذلك ههنا . # الحجة الثانية عشرة : الأنبياء عليهم السلام ما استغفروا لأحد إلا بدأوا ~~بالاستغفار لأنفسهم ثم بعد ذلك PageV02P205 لغيرهم من المؤمنين ، قال آدم { ~~ربنا ظلمنا أنفسنا } [ الأعراف : 23 ] وقال نوح عليه السلام { رب اغفر لي ~~ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا } [ نوح : 28 ] وقال إبراهيم عليه السلام { رب ~~اغفر لي ولوالدي } [ نوح : 28 ] وقال { رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين } ~~[ الشعراء : 83 ] وقال موسى { رب اغفر لي ولأخي } [ الأعراف : 151 ] وقال ~~الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم { استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ~~[ محمد : 19 ] وقال { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [ الفتح : ~~2 ] أما الملائكة فإنهم لم يستغفروا لأنفسهم ولكنهم طلبوا المغفرة للمؤمنين ~~من البشر يدل عليه تعالى حكاية عنهم { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم } [ غلفر : 7 ] وقال { ويستغفرون للذيم آمنوا } [ غافر : ~~7 ] فلو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لبدأوا في ذلك بأنفسهم لأن دفع الضرر ~~عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير ، وقال عليه الصلاة والسلام < < ابدأ ~~بنفسك ثم بمن تعول > > وهذا يدل على أن ms0680 الملك أفضل من البشر . ولقائل أن ~~يقول : هذا الوجه لا يدل على أن الملائكة لم يصدر عنهم الزلة البتة وأن ~~البشر قد صدرت الزلات عنهم ، لكنا بينا فيما تقدم أن التفاوت في ذلك لا ~~يوجب التفاوت في الفضيلة ، ومن الناس من قال استغفارهم للبشر كالعذر عمن ~~طعنوا فيهم بقولهم { أتجعل فيها من يفسد فيها } # الحجة الثالثة عشرة : قوله تعالى { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين } [ ~~الانفطار : 11 ] وهذا عام في حق جميع المكلفين من بني آدم فدخل فيه ~~الأنبياء غيرهم وهذا يقتضي كونهم أفضل من البشر لوجهين . الأول : أنه تعالى ~~جعلهم لبني آدم والحافظ للمكلف من المعصية لا بد وأن يكون أبعد عن الخطأ ~~والزلل من المحفوظ ، وذلك يقتضي كونهم أبعد عن المعاصي وأقرب إلى الطاعات ~~من البشر وذلك يقتضي مزيد الفضل ، والثاني : أنه سبحانه وتعالى جعل كتابتهم ~~حجة للبشر في الطاعات وعليهم في المعاصي ، وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى ~~بالقبول من قول البشر ولو كان البشر أعظم حالا منهم لكان الأمر بالعكس . ~~ولقائل أن يقول أما قوله الحافظ يجب أن يكون أكرم من المحفوظ فهذا بعيد فإن ~~الملك قد يوكل بعض عبيده على ولده ولا يلزم أن يكون الحافظ أشرف من المحفوظ ~~هناك ، أما قوله : جعل شهادتهم نافذة على البشر فضعيف ، لأن الشاهد قد يكون ~~أدون حالا من المشهود عليه . # الحجة الرابعة عشرة : قوله تعالى : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا ~~يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا } [ النبأ : 38 ] والمقصود من ذكر ~~أحوالهم المبالغة في شرح عظمة الله تعالى وجاله ولو كان في الخلق طائفة ~~أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى من الإنباء عن عظمة الله وكبريائه من قيامهم لكان ~~ذكرهم أولى في هذا المقام ، ثم كما أنه سبحانه بين عظمة ذاته في الآخرة ~~بذكر الملائكة فكا بين عظمته في الدنيا بذكر الملائكة وهو قوله { وترى ~~الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم } [ الزمر : 75 ] ولقائل أن ~~يقول : كل ذلك يدل على أنهم أزيد حالا من البشر في ms0681 بعض الأمور فلم يجوز أن ~~تلك الحالة هي قوتهم وشدتهم وبطشهم ، وهذا كما يقال إن السلطان لما جلس وقف ~~حول سريره ملوك أطراف العالم خاضعين خاشعين فإن عظمة السلطان إنما تشرح ~~بذلك ثم إن هذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده فكذا ههنا . # الحجة الخامسة عشرة : قوله تعالى { والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله } [ البقرة : 285 ] PageV02P206 فبين تعالى أنه لا بد في صحة ~~الإيمان بهذه الأشياء ثم بدأ بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بالكتب وربع بالرسل ~~وكذا في قوله { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وألوا العلم } [ آل ~~عمران : 18 ] وقال { إن الله وملائكته يصلون على النبي } [ الأحزاب : 56 ] ~~والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ويدل عليه أن تقديم الأدون ~~على الأشرف في الذكر قبيح عرفا ، فوجب أن يكون قبيحا شرعا ، أما أنه قبيح ~~عرفا فلأن الشاعر قال # % عميرة ودع إن تجهزت غاديا % % كفى الشيب والإسلام للمء ناهيا % # قال عمر بن الخطاب : لو قدمت السلام لأجزتك ، ولأنهم لما كتبوا كتاب ~~الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين وقع التنازع في ~~تقديم الاسم وكذا في كتاب الصلح بين علي ومعاوية ، وهذا يدل على أن التقديم ~~في الذكر يدل على مزيد الشرف وإذا ثبت أنه في العرف كذلك وجب أن يكون في ~~الشرع كذلك ، لقوله عليه السلام : ( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ~~) فثبت أن تقديم الملائكة على الرسل في الذكر يدل على تقديمهم في الفضل ~~ولقائل أن يقول : هذه الحجة ضعيفة لأن الاعتماد إن كان على الواو ، فالواو ~~لا تفيد الترتيب ، وإن كان على التقديم في الذكر ينتقض بتقديم سورة تبت على ~~سورة قل هو الله أحد . الحجة السادسة عشرة : قوله تعالى : { إن الله ~~وملائكته يصلون على النبى } فجعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وذلك يدل على كون الملائكة أشرف من النبي صلى الله عليه وسلم . ~~ولقائل أن يقول هذا ينتقض بقوله : { النبى ياأيها الذين ءامنوا ms0682 صلوا عليه } ~~فأمر المؤمنين بالصلاة على النبي ولم يلزم كون المؤمنين أفضل من النبي عليه ~~السلام فكذا في الملائكة . الحجة السابعة عشرة : أن نتكلم في جبريل ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم فنقول : إن جبريل عليه السلام أفضل من محمد والدليل ~~عليه قوله تعالى : { إنه لقول رسول كريم * ذى قوة عند ذى العرش مكين * مطاع ~~ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون } ( التكوير : 19 22 ) وصف الله تعالى جبريل ~~عليه السلام بست من صفات الكمال ، أحدها : كونه رسولا لله . وثانيها : كونه ~~كريما على الله تعالى . وثالثها : كونه ذا قوة عند الله ، وقوته عند الله ~~لا تكون إلا قوته على الطاعات بحيث لا يقوى عليها غيره . ورابعها : كونه ~~مكينا عند الله . وخامسها : كونه مطاعا في عالم السموات . وسادسها : كونه ~~أمينا في كل الطاعات مبرءا عن أنواع الخيانات . ثم إنه سبحانه وتعالى بعد ~~أن وصف جبريل عليه السلام بهذه الصفات العالية وصف محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بقوله : { وما صاحبكم بمجنون } ولو كان محمد مساويا لجبريل عليه ~~السلام في صفات الفضل أو مقارنا له لكان وصف محمد بهذه الصفة بعد وصف جبريل ~~بتلك الصفات نقصا من منصب محمد صلى الله عليه وسلم وتحقيرا لشأنه وإبطالا ~~لحقه وذلك غير جائز على الله / فدلت هذه الآية على أنه ليس لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم عند الله من المنزلة إلا مقدار أن يقال إنه ليس بمجنون ، وذلك ~~يدل على أنه لا نسبة بين جبريل وبين محمد عليهما السلام في الفضل والدرجة . ~~فإن قيل لم لا يجوز أن يكون قوله : { إنه لقول رسول كريم } صفة لمحمد لا ~~لجبريل عليهما السلام . قلنا لأن قوله : { ولقد رءاه بالافق المبين } يبطل ~~ذلك . ولقائل أن يقول إنا توافقنا جميعا على أنه قد كان لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم فضائل أخرى سوى كونه ليس بمجنون وأن الله تعالى ما ذكر شيئا من ~~تلك الفضائل في هذا الموضع فإذن PageV02P207 عدم ذكر الله تعالى تلك ~~الفضائل ههنا لا يدل على عدمها بالإجماع ، أو إذا ثبت أن ms0683 لمحمد عليه السلام ~~فضائل / سوى الأمور المذكورة ههنا فلم لا يجوز أن يقال إن محمدا عليه ~~السلام بسبب تلك الفضائل التي هي غير مذكورة ههنا يكون أفضل من جبريل عليه ~~السلام فإنه سبحانه كما وصف جبريل عليه السلام ههنا بهذه الصفات الست وصف ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أيضا بصفات ست وهي قوله : { كريما ياأيها النبى ~~إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } ( ~~الأحزاب : 45 ، 46 ) فالوصف الأول : كونه نبيا والثاني : كونه رسولا ~~والثالث : كونه شاهدا والرابع : كونه مبشرا والخامس : كونه نذيرا والسادس : ~~كونه داعيا إلى الله تعالى بإذنه والسابع : كونه سراجا والثامن : كونه ~~منيرا وبالجملة فإفراد أحد الشخصين بالوصف لا يدل البتة على انتفاء تلك ~~الأوصاف عن الثاني . الحجة الثامنة عشرة : الملك أعلم من البشر والأعلم ~~أفضل فالملك أفضل إنما قلنا إن الملك أعلم من البشر لأن جبريل عليه السلام ~~كان معلما لمحمد عليه السلام بدليل قوله : { علمه شديد القوى } والمعلم لا ~~بد وأن يكون أعلم من المتعلم ، وأيضا فالعلوم قسمان : أحدهما : العلوم التي ~~يتوصل إليها بالعقول كالعلم بذات الله تعالى وصفاته ؛ فلا يجوز وقوع ~~التقصير فيها لجبريل عليه السلام ولا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، لأن ~~التقصير في ذلك جهل وهو قادح في معرفة الله تعالى . وأما العلم بكيفية ~~مخلوقات الله تعالى وما فيها من العجائب والعلم بأحوال العرش والكرسي ~~واللوح والقلم والجنة والنار وطباق السموات وأصناف الملائكة وأنواع ~~الحيوانات في المغاور والجبال والبحار فلا شك أن جبريل عليه السلام أعلم ~~بها ، لأنه عليه السلام أطول عمرا وأكثر مشاهدة لها فكان علمه بها أكثر ~~وأتم . وثانيها : العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالوحي لا لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم ولا لسائر الأنبياء عليهم السلام إلا من جهة جبريل عليه السلام ~~فيستحيل أن يكون لمحمد عليه الصلاة والسلام فضيلة فيها على جبريل عليه ~~السلام ، وأما جبريل عليه السلام فهو كان الواسطة بين الله تعالى وبين جميع ~~الأنبياء فكان عالما بكل الشرائع الماضية والحاضرة ، وهو أيضا ms0684 عالم بشرائع ~~الملائكة وتكاليفهم ومحمد عليه الصلاة والسلام ، ما كان عالما بذلك ، فثبت ~~أن جبريل عليه السلام كان أكثر علما من محمد عليه الصلاة والسلام ، وإذا ~~ثبت هذا وجب أن يكون أفضل منه لقوله تعالى : { قل هل يستوى الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون } ( الزمر : 9 ) . ولقائل أن يقول لا نسلم أنهم أعلم من ~~البشر ، والدليل عليه أنهم اعترفوا بأن آدم عليه السلام أكثر علما منهم ~~بدليل قوله تعالى : { قال ياءادم أنبئهم بأسمائهم } ثم إن سلمنا مزيد علمهم ~~ولكن ذلك لا يقتضي كثرة الثواب ، فإنا نرى الرجل المبتدع محيطا بكثير من ~~دقائق العلم ولا يستحق شيئا من الثواب فضلا عن أن يكون ثوابه أكثر وسببه ما ~~نبهنا مرارا عليه أن كثرة الثواب إنما تحصل بحسب الإخلاص في الأفعال ولم ~~نعلم أن إخلاص الملائكة أكثر . الحجة التاسعة عشرة : قوله تعالى : { ومن ~~يقل منهم إنى إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم } ( الأنبياء : 29 ) فهذه ~~PageV02P208 الآية دالة على أنهم / بلغوا في الترفع وعلو الدرجة إلى أنهم ~~لو خالفوا أمر الله تعالى لما خالفوه إلا بادعاء الإلهية لا بشيء آخر من ~~متابعة الشهوات وذلك يدل على نهاية جلالهم . ولقائل أن يقول لا نزاع في ~~نهاية جلالهم ، أما قوله : إنهم بلغوا في الترفع وعلو الدرجة إلى حيث لو ~~خالفوا أمر الله تعالى لما خالفوه إلا في ادعاء الإلهية فهذا مسلم وذلك لأن ~~علومهم كثيرة وقواهم شديدة وهم مبرؤون عن شهوة البطن والفرج ومن كان كذلك ~~فلو خالف أمر الله لم يخالف إلا في هذا المعنى الذي ذكرته لكن لم قلتم إن ~~ذلك يدل على أنهم أكثر ثوابا من البشر فإن محل الخلاف ليس إلا ذاك . الحجة ~~العشرون : قوله عليه الصلاة والسلام رواية عن الله تعالى : ( وإذا ذكرني ~~عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملائه ) وهذا يدل على أن الملأ الأعلى ~~أشرف . ولقائل أن يقول هذا خير واحد وأيضا فهذا يدل على أن ملأ الملائكة ~~أفضل من ملأ البشر وملأ البشر عبارة عن العوام لا ms0685 عن الأنبياء فلا يلزم من ~~كون الملك أفضل من عامة البشر كونهم أفضل من الأنبياء ، هذا آخر الكلام في ~~الدلائل النقلية ، واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية ~~المسماة بالملائكة أفضل من الأرواح الناطقة البشرية واعتمدوا في هذا الباب ~~على وجوه عقلية نحن نذكرها إن شاء الله تعالى . الحجة الأولى : قالوا ~~الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة والبشر مركب من النفس والبدن والنفس ~~مركبة من القوى الكثيرة والبدن مركب من الأجزاء الكثيرة والبسيط خير من ~~المركب لأن أسباب العدم للمركب أكثر منها للبسيط ولذلك فإن فردانية الله ~~تعالى من صفات جلاله ونعوت كبريائه . الاعتراض عليه : لا نسلم أن البسيط ~~أشرف من المركب وذلك لأن جانب الروحاني أمر واحد وجانب الجسماني أمران روحه ~~وجسمه فهو من حيث الروح من عالم الروحانيات والأنوار ومن حيث الجسد من عالم ~~الأجساد فهو لكونه مستجمعا للروحاني والجسماني يجب أن يكون أفضل من ~~الروحاني الصرف والجسماني الصرف وهذا هو السر في أن جعل البشر الأول مسجودا ~~للملائكة ومن جه آخر وهو أن الأرواح الملكية مجردات مفارقة عن العلائق ~~الجسمانية فكأن استغراقها في مقاماتها النورانية عاقها عن تدبير هذا العالم ~~الجسداني أما النفوس البشرية النبوية فإنها قويت على الجمع بين العالمين ~~فلا دوام ترقيها في معارج المعارف وعوالم القدس يعوقها عن تدبير العالم ~~السفلي ولا التفاتها إلى مناظم عالم الأجسام يمنعها عن الاستكمال في عالم ~~الأرواح فكانت قوتها وافية بتدبير العالمين محيطة بضبط الجنسين فوجب أن ~~تكون أشرف وأعظم . الحجة الثانية : الجواهر الروحانية مبرأة عن الشهوة التي ~~هي منشأ سفك الدماء والأرواح البشرية مقرونة بها والخالي عن منبع الشر أشرف ~~من المبتلى به . الاعتراض : لا شك أن المواظبة على الخدمة مع كثرة الموانع ~~والعوائق أدل على الإخلاص من المواظبة عليها من غير شيء من العوائق ~~والموانع ، وذلك يدل على أن مقام البشر في المحبة أعلى وأكمل وأيضا ~~فالروحانيات لما أطاعت خالقها لم تكن طاعتها موجبة قهر الشياطين الذين / هم ~~أعداء الله ، أما الأرواح البشرية لما أطاعت ms0686 خالقها لزم من تلك الطاعة قهر ~~القوى الشهوانية والغضبية وهي شياطين الإنس فكانت طاعاتهم أكمل وأيضا فمن ~~الظاهر أن درجات الروحانيات حين قالت : { لا علم لنا إلا ما علمتنا } أكمل ~~من درجاتهم حين قالت : { أتجعل فيها من يفسد فيها } ( البقرة : 30 ) وما ~~ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة وهذا في البشر أكمل ولهذا قال عليه ~~الصلاة والسلام حكاية عن ربه تعالى : ( لأنين المذنبين أحب إلي من زجل ~~المسبحين ) PageV02P209 الحجة الثالثة : الروحانيات مبرأة عن طبيعة القوة ~~فإن كل ما كان ممكنا لها بحسب أنواعها التي في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل ~~والأنبياء ليسوا كذلك ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( إني لأستغفر ~~الله في اليوم والليلة مائة مرة وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) { ما كنت ~~تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) ولا شك أن ما بالفعل التام ~~أشرف مما بالقوة . الاعتراض : لا نسلم أنها بالفعل التام فلعلها بالقوة في ~~بعض الأمور ، ولهذا قيل إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعقلات من ~~القوة إلى الفعل وهذه التحريكات بالنسبة إليها كالتحريكات العارضة للأرواح ~~الحاملة لقوى الفكر والتخيل عند محاولة استخراج التعقلات التي هي بالقوة ~~إلى الفعل . الحجة الرابعة : الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن طبيعة ~~التغير والقوة والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك . الاعتراض : المقدمتان ~~ممنوعتان أليس أن الروحانيات ممكنة الوجود لذواتها واجبة الوجود بمادتها ~~فهي محدثة سلمنا ذلك ، فلا نسلم أن الأرواح البشرية حادثة ، بل هي عند ~~بعضهم أزلية وهؤلاء قالوا : هذه الأرواح كانت سرمدية موجودة كالأظلال تحت ~~العرش يسبحون بحمد ربهم إلا أن المبدىء الأول أمرها حتى نزلت إلى عالم ~~الأجسام وسكنات المواد ، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها . واستحكم إلفها ~~بها فبعث من تلك الأظلال أكملها وأشرفها إلى هذا العالم ليحتال في تخليص ~~تلك الأرواح عن تلك السكنات وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة ~~المذكورة في ( كتاب كليلة ودمنة ) . الحجة الخامسة : الروحانيات نورانية ~~علوية لطيفة ، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة وبدائية العقول تشهد بأن ~~النور أشرف من الظلمة ، والعلوي خير من ms0687 السفلي ، واللطيف أكمل من الكثيف . ~~الاعتراض : هذا كله إشارة إلى المادة وعندنا سببب الشرف الانقياد لأمر رب ~~العالمين على ما قال : { قل الروح من أمر ربى } وادعاء الشرف بسبب شرف ~~المادة هو حجة اللعين الأول وقد قيل له ما قيل ، الحجة السادسة : ~~الروحانيات السماوية فضلت الجسمانيات بقوى العلم والعمل . أما العلم ~~فلاتفاق الحكماء على إحاطة الروحانيات السماوية بالمغيبات واطلاعها على ~~مستقبل الأمور ، وأيضا فعلومهم فعلية فطرية كلية دائمة . وعلوم البشر على ~~الضد في كل ذلك ، وأما العمل فلأنهم مواظبون على الخدمة دائما يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون لا يلحقهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا غفلة الأبدان ~~طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس والتحميد والتهليل وتنفسهم بذكر الله ~~وفرحتهم بخدمة الله متجردون من العلائق البدنية / غير محجوبين بشيء من ~~القوى الشهوانية والغضبية فأين أحد القسمين من الآحر : الاعتراض : لا نزاع ~~في كل ما ذكرتموه إلا أن ههنا دقيقة وهي أن المواظب على تناول الأغذية ~~اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع أياما كثيرة فالملائكة بسبب ~~مواظبتهم على تلك الدرجات العالية لا يجدون من اللذة مثل ما يجد البشر ~~الذين يكونون في أكثر الأوقات محجوبين بالعلائق الجسمانية والحجب الظلمانية ~~فهذه المزية من اللذة مما يختص بها البشر ولعل هذا هو المراد من قوله تعالى ~~: { إنا عرضنا الامانة على * السماوات والارض * والجبال فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها وحملها الإنسان } ( الأحزاب : 72 ) فإن إدراك الملايم بعد ~~الابتلاء بالمنافي ألذ من إدراك الملايم على سبيل الدوام ولذلك قالت ~~الأطباء : إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب لكن حرارة الحمى في ~~الدق إذا دامت واستقرت بطل الشعور بها فهذه الحالة لم تحصل للملائة لأن ~~PageV02P210 كمالاتها دائمة ولم تحصل لسائر الأجسام لأنها كانت خالية عن ~~القوة المستعدة لإدراك المجردات فلم يبق شيء ممن يقوى على تحمل هذه الأمانة ~~إلا البشر . الحجة السابعة : الروحانيات لهم قوة على تصريف الأجسام وتقليب ~~الأجرام والقوة التي هي لهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ~~ولغوب ms0688 ، ثم إنك ترى الخامة اللطيفة من الزرع في بدء نموها تفتق الحجر وتشق ~~الصخر وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من جواهر القوى السماوية فما ظنك ~~بتلك القوى السماوية والروحانيات هي التي تتصرف في الأجسام السفلية تقليبا ~~وتصريفا لا يستثقلون حمل الأثقال ولا يستصعبون تحريك الجبال فالرياح تهب ~~بتحريكاتها والسحاب تعرض وتزول بتصريفها وكذا الزلازل تقع في الجبال بسبب ~~من جهتها والشرائع ناطقة بذلك على ما قال تعالى : { فالمقسمات أمرا } ( ~~الذاريات : 4 ) والعقول أيضا دالة عليه والأرواح السفلية ليست كذلك فأين ~~أحد القسمين من الآخر . والذي يقال أن الشياطين التي هي الأرواح الخبيثة ~~تقدر على ذلك ممنوع وبتقدير التسليم فلا نزاع في أن قدرة الملائكة على ذلك ~~أشد وأكمل ولأن الأرواح الطيبة الملكية تصرف قواها إلى مناظم هذا العالم ~~السفلي ومصالحها والأرواح الخبيثة تصرف قواها إلى الشرور فأين أحدهما من ~~الآخر . الاعتراض : لا يبعد أن يتفق في النفوس الناطقة البشرية نفس قوية ~~كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف فما الدليل على ~~امتناع مثل هذه النفس . الحجة الثامنة : الروحانيات لها اختيارات فائضة من ~~أنوار جلال الله عز وجل متوجهة إلى الخيرات مقصورة على نظام هذا العالم لا ~~يشوبها البتة شائبة الشر والفساد بخلاف اختيارات البشر فإنها مترددة بين ~~جهتي العلو والسفالة وطرفي الخير وميلهم إلى الخيرات إنما يحصل بإعانة ~~الملائكة على ما ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكا يسدده ويهديه . ~~الاعتراض : هذا يدل على أن الملائكة كالمجبورين على طاعاتهم والأنبياء ~~مترددون بين الطرفين والمختار أفضل من المجبور وهذا ضعيف لأن التردد ما دام ~~يبقى استحال / صدور الفعل وإذا حصل الترجيح التحق بالموجب فكان للأنبياء ~~خيرات بالقوة وبواسطة الملائكة تصير خيرات بالفعل ، أما الملائكة فهم خيرات ~~بالفعل فأين هذا من ذاك الحجة التاسعة : الروحانيات مختصة بالهياكل وهي ~~السيارات السبعة وسائر الثوابت والأفلاك كالأبدان والكواكب كالقلوب ~~والملائكة كالأرواح فنسبة الأرواح إلى الأروح كنسبة الأبدان إلى الأبدان ثم ~~إنا نعلم أن اختلافات أحوال الأفلاك مبادىء لحصول الاختلافات في أحوال هذا ms0689 ~~العالم فإنه يحصل من حركات الكواكب اتصالات مختلفة من التسديس والتثليث ~~والتربيع والمقابلة والمقاربة وكذا مناطق الأفلاك تارة تصير منطبقة بعضها ~~على البعض وذلك هو الرتق فحينئذ يبطل عمارة العالم وأخرى ينفصل بعضها عن ~~البعض فتنتقل العمارة من جانب من هذا العالم العلوي مستولية على هياكل ~~العالم السفلي فكذا أرواح العالم السفلى لاسيما وقد دلت المباحث الحكمية ~~والعلوم الفلسفية على أن أرواح هذا العالم معلولات لأرواح العالم العلوي ~~وكمالات هذه الأرواح معلولات لكمالات تلك الأرواح ونسبة هذه الأرواح إلى ~~تلك الأرواح كالشعلة الصغيرة بالنسبة إلى قرص الشمس وكالقطرة الصغيرة ~~بالنسبة إلى البحر الأعظم فهذه هي الآثار وهناك المبدأ والمعاد فكيف يليق ~~القول بادعاء المساواة فضلا عن الزيادة . الاعتراض : كل ما ذكرتموه ~~PageV02P211 منازع فيه لكن بتقدير تسليمه فالبحث باق بعد لأنا بينا أن ~~الوصول إلى اللذيذ بعد الحرمان ألذ من الوصول إليه على سبيل الدوام فهذه ~~الحالة غير حاصلة إلا للبشر . الحجة العاشرة : قالوا الروحانيات الفلكية ~~مبادىء لروحانيات هذا العالم ومعادلها والمبدأ أشرف من ذي المبدأ لأن كل ~~كمال يحصل لذي المبدأ فهو مستفاد من المبدأ والمستفيد أقل حالا من الواجب ~~وكذلك المعاد يجب أن يكون أشرف / فعالم الروحانيات عالم الكمال فالمبدأ ~~منها والمعاد إليها والمصدر عنها والمرجع إليها وأيضا فإن الأرواح إنما ~~نزلت من عالمها حتى اتصلت بالأبدان فتوسخت بأوضار الأجسام ثم تطهرت عنها ~~بالأخلاق الزكية والأعمال المرضية حتى انفصلت عنها إلى عالمها الأول ~~فالنزول هو النشأة الأولى والصعود هو النشأة الأخرى فعرف أن الروحانيات ~~أشرف من الأشخاص البشرية . الاعتراض : هذه الكلمات بنيتموها على نفي المعاد ~~ونفي حشر الأجساد ودونهما خرط القتاد . الحجة الحادية عشرة : أليس أن ~~الأنبياء صلوات الله عليهم اتفقت كلمتهم على أنهم لا ينطقون بشيء من ~~المعارف والعلوم إلا بعد الوحي فهذا اعتراف بأن علومهم مستفادة منهم أليس ~~أنهم اتفقوا على أن الملائكة هم الذين يعينونهم على أعدائهم كما في قلع ~~مدائن قوم لوط وفي يوم بدر وهم الذين يهدونهم إلى مصالحهم كما في قصة نوح ~~في ms0690 نجر السفينة فإذا اتفقوا على ذلك فمن أين وقع لكم أن فضلتموهم على ~~الملائكة مع تصريحهم فافتقارهم إليهم في كل الأمور . الحجة الثانية عشرة : ~~التقسيم العقلي قد دل على أن الأحياء إما أن تكون خيرة محضة أو شريرة محضة ~~أو تكون خيرة من وجه شريرة من / وجه فالخير المحض هو النوع الملكي والشرير ~~المحض هو النوع الشيطاني والمتوسط بين الأمرين هو النوع البشري وأيضا فإن ~~الإنسان هو الناطق المائت وعلى جانبيه قسمان آخران : أحدهما : الناطق الذي ~~لا يكون مائتا وهو الملك : والآخر المائت الذي لا يكون ناطقا وهم البهائم ~~فقسمة العقل على هذا الوجه قد دلت على كون البشر في الدرجة المتوسطة من ~~الكمال والملك يكون في الطرف الأقصى من الكمال فالقول بأن البشر أفضل قلب ~~للقسمة العقلية ومنازعة في ترتيب الوجود . الاعتراض : أن المراد من الفضل ~~هو كثرة الثواب فلم قلتم إن الملك أكثر ثوابا فهذا محصل ما قيل في هذا ~~الباب من الوجوه العقلية وبالله التوفيق . واحتج من قال بفضل الأنبياء على ~~الملائكة بأمور : أحدهما : أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم وثبت ~~أن آدم لم يكن كالقبلة بل كانت السجدة في الحقيقة له ، وإذا ثبت ذلك وجب أن ~~يكون آدم أفضل منهم لأن السجود نهاية التواضع وتكليف الأشرف بنهاية التواضع ~~للأدون مستقبح في العقول فإنه يقبح أن يؤمر أبو حنيفة بأن يخدم أقل الناس ~~بضاعة في الفقه فدل هذا على أن آدم عليه السلام كان أفضل من الملائكة . ~~وثانيها : أن الله تعالى جعل آدم عليه السلام خليفة له والمراد منه خلافة ~~الولاية لقوله تعالى : { مئاب ياداوود إنا جعلناك خليفة فى الارض فاحكم بين ~~الناس بالحق } ( ص: 26 ) ومعلوم أن أعلى الناس منصبا عند الملك من كان ~~قائما مقامه في الولاية والتصرف ، وكان خليفة له فهذا يدل على أن آدم عليه ~~السلام كان أشرف الخلائق وهذا متأكد بقوله : { وسخر لكم ما فى * السماوات ~~وما في الارض } ( الجاثية : 12 ) ثم أكد هذا التعميم بقوله : { خلق لكم ما ~~فى الارض ms0691 جميعا } ( البقرة : 29 ) فبلغ آدم في منصب الخلافة إلى أعلى ~~الدرجات فالدنيا خلقت متعة لبقائه والآخرة مملكة PageV02P212 لجزائه وصارت ~~الشياطين معلونين بسبب التكبر عليه والجن رعيته والملائكة في طاعته وسجوده ~~والتواضع له ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته وبعضهم منزلين لرزقه وبعضهم ~~مستغفرين لزلاته ثم إنه سبحانه وتعالى يقول مع هذه المناصب العالية : { ~~ولدينا مزيد } فإذن لا غاية لهذا الكمال والجلال . وثالثها : أن آدم عليه ~~السلام كان أعلم والعلم أفضل ، أم إنه أعلم فلأنه تعالى لما طلب منهم علم ~~الأسماء : { قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ~~} ( البقرة : 32 ) فعند ذلك قال الله تعالى : { قال ياءادم أنبئهم بأسمائهم ~~فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم } وذلك يدل على أنه عليه السلام كان ~~عالما بما لم يكونوا عالمين به وأما أن الأعلم أفضل فلقوله تعالى : { قل هل ~~يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ورابعها : قوله تعالى : { إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا وءال إبراهيم وءال عمران على العالمين } والعالم عبارة عن ~~كل ما سوى الله تعالى وذلك لأن اشتقاق العالم على ما تقدم من العلم فكل ما ~~كان علما على الله ودالا عليه فهو عالم ولا شك أن كل محدث فهو دليل على ~~الله تعالى فكل محدث فهو عالم فقوله : { إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال ~~إبراهيم وءال عمران على العالمين } منعاه أن الله تعالى اصطفاهم على كل ~~المخلوقات ولا شك أن الملائكة من المخلوقات / فهذه الآية تقتضي أن الله ~~تعالى اصطفى هؤلاء الأنبياء على الملائكة . فإن قيل : يشكل هذا بقوله تعالى ~~: { راجعون يابنى إسراءيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على ~~العالمين } فإنه لا يلزم أن يكونوا أفضل من الملائكة ومن محمد صلى الله ~~عليه وسلم فكذا ههنا قال الله تعالى في حق مريم عليها السلام : { إن الله ~~اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين } ( آل عمران : 42 ) ولم يلزم ~~كونها أفضل من فاطمة عليها السلام فكذا ههنا قلنا ؛ الإشكال مدفوع لأن قوله ~~تعالى : { وأنى فضلتكم ms0692 على العالمين } خطاب مع الأنبياء الذين كانوا أسلاف ~~اليهود وحين ما كانوا موجودين لم يكن محمد موجودا في ذلك الزمان ولما لم ~~يكن موجودا لم يكن من العالمين لأن المعدوم لا يكون من العالمين وإذا كان ~~كذلك لم يلزم من اصطفاء الله تعالى إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن ~~يكونوا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم وأما جبريل عليه السلام فإنه كان ~~موجودا حين قال الله تعالى : { إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبراهيم وءال ~~عمران على العالمين } فلزم أن يكون قد اصطفى الله تعالى هؤلاء على جبريل ~~عليه السلام وأيضا فهب أن تلك الآية قد دخلها التخصيص لقيام الدلالة وههنا ~~فلا دليل يوجب ترك الظاهر فوجب إجراؤه على ظاهره في العموم . وخامسها : ~~قوله تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } والملائكة من جملة ~~العالمين فكان محمد عليه السلام رحمة لهم فوجب أن يكون محمد أفضل منهم . ~~وسادسها : أن عبادة البشر أشق فوجب أن يكونوا أفضل وإنما قلنا إنها أشق ~~لوجوه : الأول : أن الآدمي له شهوة داعية إلى المعصية والملك ليست له هذه ~~الشهوة والفعل مع المعارض القوى أشد منه بدون المعارض فإن قيل الملائكة لهم ~~شهوة تدعوهم إلى المعصية وهي شهوة الرياسة قلنا هب أن الأمر كذلك لكن البشر ~~لهم أنواع كثيرة من الشهوات مثل شهوة البطن والفرج والرياسة والملك ليس له ~~من تلك الشهوات إلا شهوة واحدة وهي شهوة الرياسة والمبتلى بأنواع كثيرة من ~~الشهوات تكون الطاعة عليه أشق من المبتلى بشهوة PageV02P213 واحدة . الثاني ~~: أن الملائكة لا يعملون إلا بالنص لقوله تعالى : { لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا } ( البقرة : 32 ) وقال : { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ( ~~الأنبياء : 27 ) والبشر لهم قوة الاستنباط والقياس قال تعالى : { فاعتبروا ~~ياأولى * أولى * الابصار } ( الحشر : 2 ) وقال معاذ اجتهدت برأيي فصوبه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . ومعلوم أن العمل بالاستنباط أشق من ~~العمل بالنص الثالث : أن الشبهات للبشر أكثر مما للملائكة لأن من جملة ~~الشبهات القوية كون الأفلاك ms0693 والأنجم السيارة أسبابا لحوادث هذا العالم ~~فالبشر احتاجوا إلى دفع هذه الشبهة والملائكة لا يحتاجون لأنهم ساكنون في ~~عالم السموات فيشاهدون كيفية افتقارها إلى المدبر الصانع ، الرابع : أن ~~الشيطان لا سبيل له إلى وسوسة الملائكة وهو مسلط على البشر في الوسوسة وذلك ~~تفاوت عظيم إذا ثبت أن طاعتهم أشق فوجب أن يكونوا أكثر ثوابا بالنص فقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( أفضل العبادات أحمزها ) أي أشقها وأما القياس ~~فلأنا نعلم أن الشيخ الذي لم يبق له ميل إلى / النساء إذا امتنع عن الزنا ~~فليست فضيلته كفضيلة من يمتنع عنهن مع الميل الشديد والشوق العظيم فكذا ~~ههنا وسابعها : أن الله تعالى خلق الملائكة عقولا بلا شهوة وخلق البهائم ~~شهوات بلا عقل وخلق الآدمي وجمع فيه بين الأمرين فصار الآدمي بسبب العقل ~~فوق البهيمة بدرجات لا حد لها فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون الملائكة ثم ~~وجدنا الآدمي إذا غلب هواه عقله حتى صار يعمل بهواه دون عقله فإنه يصير دون ~~البهيمة على ما قال تعالى : { أولئك كالانعام بل هم أضل } ( الأعراف : 179 ~~) ولذلك صار مصيرهم إلى النار دون البهائم فيجب أن يقال إذا غلب عقله هواه ~~حتى صار لا يعمل بهوى نفسه شيئا بل يعمل بهوى عقله أن يكون فوق الملائكة ~~اعتبارا لأحد الطرفين بالآخر . وثامنها : أن الملائكة حفظة وبنو آدم ~~محفوظون والمحفوظ أعز وأشرف من الحافظ فيجب أن يكون بنو آدم أكرم وأشرف على ~~الله تعالى من الملائكة . وتاسعها : ما روى أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم حتى أركبه على البراق ليلة المعراج وهذا يدل على ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل منه ولما وصل محمد عليه الصلاة والسلام ~~إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل عليه السلام وقال : ( لو دنوت أنملة ~~لاحترقت ) وعاشرها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( إن لي وزيرين في السماء ~~وزيرين في الأرض ، أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل ، وأما اللذان في ~~الأرض فأبو بكر وعمر ) فدل هذا الخبر على أن محمدا صلى الله ms0694 عليه وسلم كان ~~كالملك وجبريل وميكائيل كانا كالوزيرين له والملك أفضل من الوزير فلزم أن ~~يكون محمدا أفضل من الملك . هذا تمام القول في دلائل من فضل البشر على ~~الملك . أجاب القائلون بتفضيل الملك عن الحجة الأولى فقالوا . قد سبق بيان ~~أن من الناس من قال : المراد من السجود هو التواضع لا وضع الجبهة على الأرض ~~ومنهم من سلم أنه عبارة عن وضع الجبهة على الأرض لكنه قال السجود لله وآدم ~~قبلة السجود وعلى هذين القولين لا إشكال أما إذا سلمنا أن السجود كان لآدم ~~عليه السلام فلم قلتم إن ذلك لا يجوز من الأشرف في حق الشريف وذلك لأن ~~الحكمة قد تقتضي ذلك كثيرا من حب الأشرف وإظهار النهاية في الانقياد ~~والطاعة فإن للسلطان أن يجلس أقل عبيده في الصدر وأن يأمر الأكابر بخدمته ~~ويكون غرضه من ذلك إظهار كونهم مطيعين له في كل الأمور منقادين له في جميع ~~الأحوال فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك وأيضا أليس PageV02P214 من ~~مذهبنا أنه ( يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ) وأن أفعاله غير معللة ~~ولذلك قلنا إنه لا اعتراض عليه في خلق الكفر في الإنسان ثم في تعذيبه عليه ~~أبد الآباد وإذا كان كذلك فكيف يعترض عليه في أن يأمر الأعلى بالسجود ~~للأدنى وأما الحجة الثانية : فجوابها أن آدم عليه السلام إنما جعل خليفة في ~~الأرض وهذا يقتضي أن يكون آدم عليه السلام كان أشرف من كل من في الأرض ولا ~~يدل على كونه أشرف من ملائكة السماء فإن قيل فلم لم يجعل واحدا من ملائكة ~~السماء خليفة له في الأرض قلنا لوجوه / منها أن البشر لا يطيقون رؤية ~~الملائكة ومنها أن الجنس إلى الجنس أميل ومنها أن الملائكة في نهاية ~~الطهارة والعصمة وهذا هو المراد بقوله تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه ~~رجلا } ( الأنعام : 9 ) وأما الحجة الثالثة : فلا نسلم أن آدم عليه السلام ~~كان أعلم منهم أكثر ما في الباب أن آدم عليه السلام كان عالما بتلك اللغات ms0695 ~~وهم ما علموها لكن لعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء مع أن آدم عليه السلام ~~ما كان عالما بها والذي يحقق هذا أنا توافقنا على أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أفضل من آدم عليه السلام مع أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما كان عالما ~~بهذه اللغات بأسرها وأيضا فإن إبليس كان عالما بأن قرب الشجرة مما يوجب ~~خروج آدم عن الجنة وآدم عليه السلام لم يكن عالما ذلك ولم يلزم منه كون ~~إبليس أفضل من آدم عليه السلام والهدهد قال لسليمان أحطت بما لم تحط به ولم ~~يلزم أن يكون الهدهد أفضل من سليمان سلمنا أنه كان أعلم منهم ولكن لم لا ~~يجوز أن يقال إن طاعاتهم أكثر إخلاصا من طاعة آدم فلا جرم كان ثوابهم أكثر ~~. أما الحجة الرابعة : فهي أقوى الوجوه المذكورة . أما الحجة الخامسة : وهي ~~قوله تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) فلا ~~يلزم من كون محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لهم أن يكون أفضل منهم كما في ~~قوله : { فانظر إلىءاثار رحمة الله كيف يحى الارض بعد موتها } ( الروم : 50 ~~) ولا يمتنع أن يكون هو عليه الصلاة والسلام رحمة لهم من وجه وهم يكونون ~~رحمة له من وجه آخر . وأما الحجة السادسة : وهي أن عبادة البشر أشق فهذا ~~ينتقض بما أنا نرى الواحد من الصوفية يتحمل في طريق المجاهدة من المشاق ~~والمتاعب ما يقطع بأنه عليه السلام لم يتحمل مثلها مع أنا نعلم أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم أفضل من الكل وما ذاك إلا أن كثرة الثواب مبنية على ~~الإخلاص في النية ويجوز أن يكون الفعل أسهل إلا أن إخلاص الآتي به أكثر ~~فكان الثواب عليه أكثر . أما الحجة السابعة : فهي جمع بين الطرفين من غير ~~جامع . وأما الحجة الثامنة : وهي أن المحفوظ أشرف من الحافظ فهذا ممنوع على ~~الإطلاق بل قد يكون الحافظ أشرف من المحفوظ كالأمير الكبير الموكل على ~~المتهمين من الجند . وأما الوجهان الآخران : فهما من باب الآحاد وهما ms0696 ~~معارضان بما رويناه من شدة تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا آخر ~~المسألة وبالله التوفيق . # المسألة الخامسة : اعلم أن الله تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين فكان ~~يجوز أن يظن أنه كان معذورا في ترك السجود فبين تعالى أنه لم يسجد مع ~~القدرة وزوال العذر بقوله أبى لأن الأباء هو الامتناع مع PageV02P215 ~~الاختيار ، أما من لم يكن قادرا على الفعل لا يقال له إنه أبى ثم قد كان ~~يجوز أن يكون كذلك ولا ينضم إليه الكبر فبين تعالى أن ذلك الإباء كان على ~~وجه الاستكبار بقوله واستكبر ثم كان يجوز أن يوجد الإباء والاستكبار مع عدم ~~الكفر فبين تعالى أنه كفر بقوله : { وكان من الكافرين } قال القاضي هذه ~~الآية تدل على بطلان قول أهل الجبر من وجوه : أحدها : أنهم يزعمون أنه لما ~~لم يسجد لم يقدر على السجود لأن عندهم القدرة / على الفعل منتفية ومن لا ~~يقدر على الشيء يقال إنه أباه ، وثانيها : أن من لا يقدر على الفعل لا يقال ~~استكبر بأن لم يفعل لأنه إذا لم يقدر على الفعل لا يقال استكبر عن الفعل ~~وإنما يوصف بالاستكبار إذا لم يفعل مع كونه لو أراد الفعل لأمكنه . وثالثها ~~: قال تعالى : { وكان من الكافرين } ولا يجوز أن يكون كافرا بأن لا يفعل ما ~~لا يقدرعليه . ورابعها : أن استكباره وامتناعه خلق من الله فيه فهو بأن ~~يكون معذورا أولى من أن يكون مذموما قال ومن اعتقد مذهبا يقيم العذر لإبليس ~~فهو خاسر الصفقة ، والجواب عنه أن هذا القاضي لا يزال يطنب في تكثير هذه ~~الوجوه وحاصلها يرجع إلى الأمر والنهي والثواب والعقاب فنقول له نحن أيضا : ~~صدور ذلك الفعل عن إبليس عن قصد وداع أو لا عن قصد وداع ؟ فإن كان عن قصد ~~وداع فمن أين ذلك القصد ؟ أوقع لا عن فاعل أو عن فاعل هو العبد أو عن فاعل ~~هو الله ؟ فإن وقع لا عن فاعل كيف يثبت الصانع وإن وقع عن العبد فوقوع ذلك ~~القصد عنه إن كان ms0697 عن قصد آخر فيلزم التسلسل وإن كان لا عن قصد فقد وقع ~~الفعل لا عن قصد وسنبطله وإن وقع عن فاعل هو الله فحينئذ يلزمك كل ما ~~أوردته علينا ، أما إن قلت وقع ذلك الفعل عنه لا عن قصد وادع فقد ترجح ~~الممكن من غير مرجح وهو يسد باب إثبات الصانع وأيضا فإن كان كذلك كان وقوع ~~ذلك الفعل اتفاقيا والاتفاقي لا يكون في وسعه واختياره فكيف يؤمر به وينهى ~~عنه فيا أيها القاضي ما الفائدة في التمسك بالأمر والنهي ، وتكثير الوجوه ~~التي يرجع حاصلها إلى حرف واحد مع أن مثل هذا البرهان القاطع يقلع خلفك ، ~~ويستأصل عروق كلامك ولو أجمع الأولون والآخرون على هذا البرهان لما تخلصوا ~~عنه إلا بالتزام وقوع الممكن لا عن مرجح وحينئذ ينسد باب إثبات الصانع أو ~~بالتزام أنه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وهو جوابنا . # المسألة السادسة : للعقلاء في قوله تعالى : { وكان من الكافرين } قولان : ~~أحدهما : أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقا كافرا وفي تقرير ~~هذاالقول وجهان : أحدهما : حكى محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول كتابه ~~المسمى ( بالملل والنحل ) عن ماري شارح الأناجيل الأربعة وهي مذكورة في ~~التوراة متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود قال ~~إبليس للملائكة إني أسلم أن لي إلها هو خالقي ، وموجدي ، وهو خالق الخلق ، ~~لكن لي على حكمة الله تعالى أسئلة سبعة ، الأولى : ما الحكمة في الخلق لا ~~سيما إن كان عالما بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام ؟ الثاني : ثم ما ~~الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود منه ضر ولا نفع وكل ما يعود إلى ~~المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف ؟ الثالث : هب أنه ~~كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني السجود لآدم ؟ الرابع : ثم لما عصيته في ~~ترك السجود لآدم فلم لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه ، ~~ولي فيه أعظم الضرر ؟ الخامس : ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى ~~الجنة ms0698 ووسوست لآدم عليه السلام ؟ ثم لما فعلت ذلك / فلم سلطني على أولاده ~~ومكنني من إغوائهم PageV02P216 وإضلالهم ؟ السابع : ثم لما استمهلته المدة ~~الطويلة في ذلك ، فلم أمهلني . ومعلوم أن العالم لو كان خاليا عن الشر لكان ~~ذلك خيرا ؟ قال شارح الأناجيل : فأوحى الله تعالى إليه من سرادقات الجلال ~~والكبرياء : يا إبليس إنك ما عرفتني ، ولو عرفتني لعلمت أنه لا عتراض على ~~في شيء من أفعالي فإني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل . واعلم ~~أنه لو اجتمع الأولون والآخرون من الخلائق وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم ~~يجدوا عن هذه الشبهات مخلصا وكان الكل لازما ، أما إذا أجبنا بذلك الجواب ~~الذي ذكره الله تعالى زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات وكيف لا وكما أنه ~~سبحانه واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في صفاته فهو مستغن في فاعليته عن ~~المؤثرات والمرجحات إذ لو افتقر لكان فقيرا لا غنيا فهو سبحانه مقطع ~~الحاجات ومنتهى الرغبات ومن عنده نيل الطلبات وإذا كان كذلك لم تتطرق ~~اللمية إلى أفعاله ولم يتوجه الاعتراض على خالقيته وما أحسن ما قال بعضهم : ~~جل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال فهذا القائل أجرى قوله تعالى : ~~{ وكان من الكافرين } على ظاهره وقال إنه كان كافرا منافقا منذ كان . الوجه ~~الثاني : في تقرير أنه كان كافرا أبدا قول أصحاب الموافاة وذلك لأن الإيمان ~~يوجب استحقاق العقاب الدائم والجمع بين الثواب الدائم والعقاب الدائم محال ~~فإذا صدر الإيمان من المكلف في وقت ثم صدر عنه والعياذ بالله بعد ذلك كفر ~~فأما أن يبقى الاستحقاقان معا وهو محال على ما بيناه أو يكون الطارىء مزيلا ~~للسابق وهو أيضا محال لأن القول بالإحباط باطل فلم يبق إلا أن يقال إن هذا ~~الفرض محال وشرط حصول الإيمان أن لا يصدر الكفر عنه في وقت قط فإذا كانت ~~الخاتمة على الكفر علمنا أن الذي صدر عنه أولا ما كان إيمانا إذا ثبت هذا ~~فنقول : لما كان ختم إبليس على الكفر علمنا أنه ما كان مؤمنا ms0699 قط ، القول ~~الثاني : أن إبليس كان مؤمنا ثم كفر بعد ذلك وهؤلاء اختلفوا في تفسير قوله ~~تعالى : { وكان من الكافرين } فمنهم من قال معناه وكان من الكافرين في علم ~~الله تعالى أي كان عالما في الأزل بأنه سيكفر فصيغة كان متعلقة بالعلم لا ~~بالمعلوم ، والوجه الثاني : أنه لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمنا قبل ~~ذلك فبعد مضى كفره صدق عليه في ذلك الوقت أنه كان في ذلك الوقت من الكافرين ~~ومتى صدق عليه ذلك وجب أن يصدق عليه أنه كان من الكافرين جزء من مفهوم ~~قولنا كان من الكافرين في ذلك الوقت ، ومتى صدق المركب صدق المفرد لا محالة ~~. الوجه الثالث : المراد من كان صار ، أي وصار من الكافرين ، وههنا أبحاث ، ~~البحث الأول : اختلفوا في أن قوله تعالى : { وكان من الكافرين } هل يدل على ~~أنه وجد قبله جمع من الكافرين حتى يصدق القول بأنه من الكافرين ، قال قوم ~~إنه يدل عليه لأن كلمة من للتبعيض ، فالحكم عليه بأنه بعض الكافرين يقتضي ~~وجود قوم آخرين من الكافرين حتى يكون هو بعضا لهم والذي يؤكد ذلك ما روي عن ~~أبي هريرة أنه قال : ( إن الله تعالى خلق خلقا من الملائكة ثم قال لهم إني ~~خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فقالوا لا ~~نفعل ذلك فبعث / الله عليهم نارا فأحرقتهم وكان إبليس من أولئك الذين أبوا ~~) وقال آخرون هذه الآية لا تدل على ذلك ثم لهم في تفسير الآية وجهان : ~~أحدهما : معنى الآية أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك وهو قول ~~الأصم وذكر في مثاله قوله تعالى : { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } ( ~~التوبة : 67 ) فأضاف بعضهم إلى بعض بسبب الموافقة في الدين فكذا ههنا ~~PageV02P217 لما كان الكفر ظاهرا من أهل العالم عند نزول هذه الآية صح قوله ~~وكان من الكافرين . وثانيها : أن هذا إضافة لفرد من أفراد الماهية إلى تلك ~~الماهية وصحة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك الماهية كما ms0700 أن الحيوان الذي ~~خلقه الله تعالى أولا يصح أن يقال إنه فرد من أفراد الحيوان لا بمعنى أنه ~~واحد من الحيوانات الموجودة خارج الذهن بل بمعنى أنه فرد من أفراد هذه ~~الماهية وواحد من آحاد هذه الحقيقة ، واعلم أنه يتفرع على هذا البحث أن ~~إبليس هل كان أول من كفر بالله ، والذي عليه الأكثرون أنه أول من كفر بالله ~~. # البحث الثاني : أن المعصية عند المعتزلة وعندنا ، لا توجب الكفر ، أما ~~عندنا فلأن صاحب الكبيرة مؤمن ، وأما عند المعتزلة فلأنه وإن خرج عن ~~الإيمان فلم يدخل في الكفر ، وأما عند الخوارج فكل معصية كفر ، وهم تمسكوا ~~بهذه الآية ، قالوا إن الله تعالى كفر إبليس بتلك المعصية فدل على أن ~~المعصية كفر ، الجواب إن قلنا إنه كافر من أول الأمر فهذا السؤال زائل ، ~~وإن قلنا إنه كان مؤمنا ، فنقول إنه إنما كفر لاستكباره واعتقاده كونه محقا ~~في ذلك التمرد واستدلاله على ذلك بقوله : { أنا خير منه } والله أعلم . # المسألة السابعة : قال الأكثرون إن جميع الملائكة مأمورون بالسجود لآدم ~~واحتجوا عليه بوجهين : الأول : أن لفظ الملائكة صيغة الجمع وهي تفيد العموم ~~لا سيما وقد وردت هذه اللفظة مقرونة بأكمل وجوه التأكيد في قوله : { فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون } . الثاني : هو أنه تعالى استثنى إبليس منهم ~~واستثناء الشخص الواحد منهم يدل على أن من عدا ذلك الشخص كان داخلا في ذلك ~~الحكم ومن الناس من أنكر ذلك وقال المأمورون بهذا السجود هم ملائكة الأرض ~~واستعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك . وأما الحكماء فإنهم ~~يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية وقالوا يستحيل أن تكون الأرواح ~~السماوية منقادة للنفوس الناطقة إنما المراد من الملائكة المأمورين بالسجود ~~القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة والكلام في هذه المسألة ~~مذكور في العقليات . # # PageV02P218 ! 7 < { وقلنا ياءادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا ~~حيث شئتما ولا تقربا هاذه الشجرة فتكونا من الظالمين } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 35 ) وقلنا يا آدم . . . . . # > > # المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله { اسكن } أمرتكليف أو إباحة فالمروي ~~عن قتاده ms0701 أنه قال : إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى ~~الملائكة بالسجود وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ~~ونهاه عن شجرة واحدة إن يأكل منها فما زالت به البلايا حتى وقع فيم نهى عنه ~~فبدت سوأته عند ذلك وأهبط من الجنة وأسكن موضعا يحصل فيه ما يكون مشتهى له ~~مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف . وقال آخرون : إن ذلك إباحة لأن ~~الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد كما ~~أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله : { كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم } ( الأعراف : 16 ) أمرا وتكليفا بل إباحة ، والأصح أن ذلك الإسكان ~~مشتمل على ما هو إباحة ، وعلى ما هو تكليف ، أما الإباحة فهو أنه عليه ~~الصلاة والسلام كان مأذونا في الانتفاع بجميع نعم الجنة ، وأما التكليف فهو ~~أن المنهى عنه كان حاضرا وهو كان ممنوعا عن تناوله ، قال بعضهم : لو قال ~~رجل لغيره أسكنتك داري لا تصير الدار ملكا له ، فههنا لم يقل الله تعالى : ~~وهبت منك الجنة بل قال أسكنتك الجنة وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة ~~الأرض فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك . # المسألة الثانية : أن الله تعالى لما أمر الكل بالسجود لآدم وأبى إبليس ~~السجود صيره الله ملعونا ثم أمر آدم بأن يسكنها مع زوجته . واختلفوا في ~~الوقت الذي خلقت زوجته فيه ، فذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من ~~الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فبقي فيها ~~وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعا من ~~أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحما وخلق حواء منه ، فلما استيقظ وجد عند ~~رأسه امرأة قاعدة فسألها من أنت ؟ قالت : امرأة . قال : ولم خلقت ؟ قالت : ~~لتسكن إلي ، فقالت الملائكة : / ما اسمها ؟ قالوا : حواء ، ولم سميت حواء ، ~~قال : لأنها خلقت من شيء حي ، وعن PageV03P003 عمر وابن عباس رضي الله ~~عنهما ms0702 قال : بعث الله جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على ~~سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور على كل واحد منهما إكليل من ~~ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى أدخلا ~~الجنة . فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخال آدم الجنة والخبر الأول ~~يدل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بالحقيقة . # المسألة الثالثة : أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها ~~في هذه السورة وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك وأنها مخلوقة منه كما قال ~~الله تعالى في سورة النساء : { الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } ~~( النساء : 1 ) وفي الأعراف : { وجعل منها زوجها ليسكن إليها } ( الأعراف : ~~189 ) ، وروى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن المرأة ~~خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها انتفعت بها ~~واستقامت ) . # المسألة الرابعة : اختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية ، هل كانت في ~~الأرض أو في السماء ؟ وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي ~~دار الثواب أو جنة الخلد أو جنة أخرى ؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم ~~الأصفهاني : هذه الجنة كانت في الأرض ، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة ~~إلى قعة كما في قوله تعالى : { اهبطوا مصرا } ( البقرة : 61 ) واحتجا عليه ~~بوجوه أحدها : أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد ولو كان ~~آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله : { هل أدلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى } ( طه : 120 ) ، ولما صح قوله : { ما نهاكما ربكما عن ~~هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } ( الأعراف : 20 ) . ~~وثانيها : أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى : { وما هم منها ~~بمخرجين } ( الحجر : 48 ) . وثالثها : أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن ~~فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد . ورابعها : أن الجنة ~~التي هي دار ms0703 الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى : { أكلها دائم وظلها } ( ~~الرعد : 35 ) ولقوله تعالى : { وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها } ~~إلى أن قال : { عطاء غير مجذوذ } ( هود : 108 ) أي غير مقطوع ، فهذه الجنة ~~لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت ، لكنها تفنى لقوله تعالى ~~: { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) ولما خرج منها آدم عليه السلام ~~لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات . وخامسها : أنه لا يجوز في حكمته تعالى ~~أن يبتدىء الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف لأنه تعالى لا يعطي جزاء ~~العاملين من ليس بعامل ولأنه لا يهمل عباده بل لا بد من ترغيب وترهيب ووعد ~~ووعيد ، وسادسها : لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض ~~ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء ، ولو كان تعالى قد نقله إلى ~~السماء لكان ذلك أولى بالذكر لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم ، ~~فدل ذلك على أنه لم يحصل ، وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله ~~تعالى له : { اسكن أنت وزوجك الجنة } جنة أخرى غير جنة الخلد . القول ~~الثاني : وهو قول الجبائي : أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل / ~~عليه قوله تعالى : { اهبطوا منها } ( البقرة : 38 ) ، ثم إن الإهباط الأول ~~كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى ، والإهباط الثاني كان من السماء ~~إلى PageV03P004 الأرض . القول الثالث : وهو قول جمهور أصحابنا : أن هذه ~~الجنة هي دار الثواب والدليل عليه أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان ~~العموم لأن سكنى جميع الجنان محال ، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق ~~والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب ، فوجب صرف ~~اللفظ إليها ، والقول الرابع : أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ~~ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع والله أعلم . # المسألة الخامسة : قال صاحب الكشاف : السكنى من السكون لأنها نوع من ~~اللبث والاستقرار و ( أنت ) تأكيد للمستكن في ( اسكن ) ليصح العطف عليه و ( ~~رغدا ) وصف للمصدر أي ms0704 أكلا رغدا واسعا رافها و ( حيث ) للمكان المبهم أي أي ~~مكان من الجنة شئتما ، فالمراد من الآية إطلاق الأكل من الجنة على وجه ~~التوسعة البالغة حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع حتى لا يبقى ~~لهما عذر في التناول من شجرة واحدة من بين أشجارها الكثيرة . # المسألة السادسة : لقائل أن يقول : إنه تعالى قال ههنا : { وكلا منها ~~رغدا } وقال في الأعراف : { فكلا من حيث شئتما } ( الأعراف : 19 ) فعطف { ~~كلا } على قوله : { اسكن } في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء ~~فما الحكمة ؟ والجواب : كل فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط ، ~~وذلك الشيء بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله ~~تعالى : { وإذا قلنا * ادخلوا هاذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا } ( ~~البقرة : 58 ) فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقا ~~بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها ، فالدخول موصل إلى الأكل ، ~~والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة ~~الأعراف : { وإذ قيل لهم اسكنوا هاذه القرية وكلوا منها حيث شئتم } ( ~~الأعراف : 161 ) ، فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء لأن اسكنوا ~~من السكنى وهي المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن من دخل ~~بستانا قد يأكل منه وإن كان مجتازا فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق ~~الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء ، إذا ثبت هذا فنقول : إن { اسكن ~~} يقال لمن دخل مكانا فيراد منه الزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل عنه ، ~~ويقال أيضا لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله واسكن فيه ، ففي سورة ~~البقرة هذه الأمر إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث ~~والاستقرار ، وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو . وفي ~~سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل : أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول ~~الجنة وقد بينا أن الأكل يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ ms0705 الفاء والله أعلم . # المسألة السابعة : قوله : { ولا تقربا هاذه الشجرة } لا شبهة في أنه نهى ~~ولكن فيه بحثان . الأول : أن هذا نهي تحريم أو نهي تنزيه فيه خلاف ، فقال ~~قائلون : هذه الصيغة لنهي / التنزيه ، وذلك لأن هذه الصيغة وردت تارة في ~~التنزيه وأخرى في التحريم ، والأصل عدم الاشتراك فلا بد من جعل اللفظ حقيقة ~~في القدر المشترك بين القسمين ، وما ذلك إلا أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب ~~الترك على جانب الفعل من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل أو على ~~الإطلاق فيه ، لكن الإطلاق فيه كان ثابتا بحكم الأصل ، فإن الأصل في ~~المنافع الإباحة ، فإذا ضممنا مدلول اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلا ~~على التنزيه ، قالوا : وهذا هو الأولى بهذا المقام لأن على هذا التقدير ~~يرجع حاصل معصية آدم عليه السلام إلى ترك الأولى ومعلوم أن كل مذهب كان ~~أفضى إلى عصمة الأنبياء عليهم السلام كان أولى بالقبول ، وقال آخرون : بل ~~هذا النهي نهي PageV03P005 تحريم واحتجوا عليه بأمور . أحدها : أن قوله ~~تعالى : { ولا تقربا هاذه الشجرة } كقوله : { ولا تقربوهن حتى يطهرن } ( ~~البقرة : 222 ) وقوله : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن } ( ~~الأنعام : 152 ) فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول . وثانيها : أنه قال : { ~~فتكونا من الظالمين } ( البقرة : 35 ) معناه إن أكلتما منها فقد ظلمتما ~~أنفسكما ألا تراهما لما أكلا { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) ~~. وثالثها : أن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من ~~الجنة ولما وجبت التوبة عليه ، والجواب عن الأول نقول : إن النهي وإن كان ~~في الأصل للتنزيه ولكنه قد يحمل على التحريم لدلالة منفصلة ، وعن الثاني : ~~أن قوله : { فتكونا من الظالمين } أي فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما ~~تركه لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنة التي لا تظمآن فيها ولا ~~تجوعان ولا تضحيان ولا تعريان إلى موضع ليس لكما فيه شيء من هذا ، وعن ~~الثالث : أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنة كان لهذا السبب وسيأتي ms0706 بيانه إن ~~شاء الله تعالى . # البحث الثاني : قال قائلون قوله : { ولا تقربا هاذه الشجرة } يفيد بفحواه ~~النهي عن الأكل ، وهذا ضعيف لأن النهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل إذ ~~ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله ، بل هذا ~~الظاهر يتناول النهي عن القرب . وأما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى ~~وهي قوله تعالى في غير هذا الموضع : { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما } ( ~~الأعراف : 22 ) ولأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال : { الجنة ~~وكلا منها رغدا حيث شئتما } فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ~~ثمرة تلك الشجرة لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل وسائر الانتفاعات ~~ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة : # المسألة الثامنة : اختلفوا في الشجرة ما هي ، فروى مجاهد وسعيد بن جبير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها البر والسنبلة . وروي أن أبا بكر الصديق ~~رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشجرة فقال : هي الشجرة ~~المباركة السنبلة . وروى السدي عن ابن عباس وابن مسعود أنها الكرم ، وعن ~~مجاهد وقتادة أنها التين ، وقال الربيع بن أنس : كانت شجرة من أكل منها ~~أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث . واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على ~~التعيين فلا حاجة أيضا إلى بيانه لأنه ليس المقصود من هذا الكلام أن يعرفنا ~~عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصودا في / الكلام ، لا يجب على الحكيم أن ~~يبينه بل ربما كان بيانه عبثا لأن أحدنا لو أراد أن يقيم العذر لغيره في ~~التأخر فقال : شغلت بضرب علماني لإساءتهم الأدب لكان هذا القدر أحسن من أن ~~يذكر عين هذا الغلام ويذكر اسمه وصفته ، فليس لأحد أن يظن أنه وقع ههنا ~~تقصير في البيان ، ثم قال بعضهم الأقرب في لفظ الشجرة أن يتناول ماله ساق ~~وأغصان ، وقيل لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى : { وأنبتنا عليه شجرة من ms0707 يقطين ~~} ( الصافات : 146 ) مع أنها كالزرع والبطيخ فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض ~~من أن يكون شجرا ، قال المبرد : وأحسب أن كل ما تفرعت له أغصان وعيدان ~~فالعرب تسميه شجرا في وقت تشعبه وأصل هذا أنه كل ما شجر أي أخذ يمنه ويسرة ~~يقال : رأيت فلانا في شجرته الرماح . وقال تعالى : { حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم } ( النساء : 65 ) وتشاجر الرجلان في أمر كذا . # المسألة التاسعة : اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى : { فتكونا من ~~الظالمين } هو أنكما إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما لأن الأكل من الشجرة ظلم ~~الغير ، وقد يكون ظالما بأن يظلم نفسه وبأن يظلم غيره ، PageV03P006 فظلم ~~النفس أعم وأعظم . ثم اختلف الناس ههنا على ثلاثة أقوال : الأول : قول ~~الحشوية الذين قالوا : إنه أقدم على الكبيرة فلا جرم كان فعله ظلما ، ~~الثاني : قوله المعتزلة الذين قالوا : إنه أقدم على الصغيرة ثم لهؤلاء ~~قولان : أحدهما : قول أبي علي الجبائي وهو أنه ظلم نفسه بأن ألزمها ما يشق ~~عليه من التوبة والتلافي ، وثانيهما : قول أبي هاشم وهو أنه ظلم نفسه من ~~حيث أحبط بعض ثوابه الحاصل فصار ذلك نقصا فيما قد استحقه ، الثالث : قول من ~~ينكر صدور المعصية منهم مطلقا وحمل هذا الظلم على أنه فعل ما الأولى له أن ~~لا يفعله . ومثاله إنسان طلب الوزارة ثم إنه تركها واشتغل بالحياكة ، فإنه ~~يقال له : يا ظالم نفسه لم فعلت ذلك ؟ فإن قيل : هل يجوز وصف الأنبياء ~~عليهم السلام بأنهم كانوا ظالمين أو بأنهم كانوا ظالمي أنفسهم ؟ والجواب أن ~~الأولى أنه لا يطلق ذلك لما فيه من إيهام الذم . # ! 7 < { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 36 ) فأزلهما الشيطان عنها . . . . . # > > # قال صاحب الكشاف : { فأزلهما الشيطان عنها } تحقيقه ، فأصدر الشيطان ~~زلتهما عنها ولفظة { عن } في هذه الآية كهي في قوله تعالى : { وما فعلته عن ~~أمرى } ( الكهف : 82 ) قال القفال رحمه الله : هو من الزلل يكون الإنسان ~~ثابت القدم على ms0708 الشيء ، فيزل عنه ويصير متحولا عن ذلك الموضع ، ومن قرأ { * ~~فأزالهما } فهو من الزوال عن المكان ، وحكي عن أبي معاذ أنه قال : يقال ~~أزلتك عن كذا / حتى زلت عنه وأزللتك حتى زللت ومعناهما واحد ، أي : حولتك ~~عنه ، وقال بعض العلماء : أزلهما الشيطان أي استنزلهما ، فهو من قولك زل في ~~دينه إذا أخطأ وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه . ~~واعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم السلام وضبط القول ~~فيه أن يقال : الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة : أحدها : ما ~~يقع في باب الإعتقاد ، وثانيها : ما يقع في باب التبليغ ، وثالثها : ما يقع ~~في باب الأحكام والفتيا ، ورابعها : ما يقع في أفعالهم وسيرتهم . أما ~~اعتقادهم الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة . وقالت الفضيلية ~~من الخوارج : إنهم قد وقعت منهم الذنوب ، والذنب عندهم كفر وشرك ، فلا جرم ~~. قالوا بوقوع الكفر منهم ، وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل ~~التقية . # أما النوع الثاني : وهو ما يتعلق بالتبليغ ، فقد أجمعت الأمة على كونهم ~~معصومين عن الكذب والتحريف ، فيما يتعلق بالتبليغ ، وإلا لارتفع الوثوق ~~بالأداء ، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمدا كما لا يجوز أيضا ~~سهوا ، ومن الناس من جوز ذلك سهوا ، قالوا : لأن الاحتراز عنه غير ممكن . # وأما النوع الثالث : وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم ~~فيه على سبيل التعمد ، وأما على سبيل السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون . # PageV03P007 وأما النوع الرابع : وهو الذي يقع في أفعالهم ، فقد اختلفت ~~الأمة فيه على خمسة أقوال . أحدها : قول من جوز عليهم الكبائر على جهة ~~العمد وهو قول الحشوية . والثاني : قول من لا يجوز عليهم الكبائر لكنه يجوز ~~عليهم الصغائر على جهة العمد إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف وهذا قول أكثر ~~المعتزلة . القول الثالث : أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا بكبيرة على جهة ~~العمد البتة ، بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي ms0709 . القول الرابع : أنه لا ~~يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ ولكنهم مأخوذون بما يقع منهم على ~~هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعا عن أمتهم وذلك لأن معرفتهم أقوى ودلائلهم ~~أكثر ، وأنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم . القول الخامس : ~~أنه لا يقع منهم الذنب لا الكبيرة ولا الصغيرة لا على سبيل القصد ولا على ~~سبيل السهو ولا على سبيل التأويل والخطأ ، وهو مذهب الرافضة ، واختلف الناس ~~في وقت العصمة على ثلاثة أقوال : أحدها : قول من ذهب إلى أنهم معصومون من ~~وقت مولدهم وهو قول الرافضة ، وثانيها : قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت ~~بلوغهم ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر والكبيرة قبل النبوة ، وهو قول كثير ~~من المعتزلة ، وثالثها : قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة ، أما ~~قبل النبوة فجائز ، وهو قول أكثر أصحابنا وقول أبي الهذيل وأبي علي من ~~المعتزلة / والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة البتة لا ~~الكبيرة ولا الصغيرة ، ويدل عليه وجوه : أحدها : لو صدر الذنب عنهم لكانوا ~~أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز ، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء ~~كانت في غاية الجلال والشرف ، وكل من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش ألا ~~ترى إلى قوله تعالى : { عظيما يانساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف ~~لها العذاب ضعفين } ، ( الأحزاب : 30 ) والمحصن يرجم وغيره يحد ، وحد العبد ~~نصف حد الحر ، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالا من الأمة فذاك ~~بالإجماع . وثانيها : أن بتقدير إقدامه على الفسق وجب أن لا يكون مقبول ~~الشهادة لقوله تعالى : { إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } ( الحجرات : 6 ) ~~لكنه مقبول الشهادة ، وإلا كان أقل حالا من عدول الأمة ، وكيف لا نقول ذلك ~~وأنه لا معنى للنبوة والرسالة إلا أنه يشهد على الله تعالى بأنه شرع هذا ~~الحكم وذاك ، وأيضا فهو يوم القيامة شاهد على الكل لقوله : { لتكونوا شهداء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) . وثالثها ms0710 : أن ~~بتقدير إقدامه على الكبيرة يجب زجره عنها ، فلم يكن إيذاؤه محرما لكنه محرم ~~لقوله تعالى : { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والاخرة ~~} ( الأحزاب : 57 ) . ورابعها : أن محمدا صلى الله عليه وسلم لو أتى ~~بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها لقوله تعالى : { فاتبعونى } فيفضي ~~إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال ، وإذا ثبت ذلك حق محمد صلى الله ~~عليه وسلم ثبت أيضا في سائر الأنبياء ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . وخامسها ~~: أنا نعلم ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وائتمنه ~~على وحيه وجعله خليفة في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه : لا تفعل كذا فيقدم ~~عليه ترجيحا للذته غير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده . هذا معلوم ~~القبح بالضرورة . وسادسها : أنه لو صدرت المعصية من الأنبياء لكانوا ~~مستحقين للعذاب لقوله تعالى : { ومن يعص الله PageV03P008 ورسوله فإن له ~~نار جهنم خالدين فيها } ( الجن : 23 ) ولا استحقوا اللعن لقوله : { ألا ~~لعنة الله على الظالمين } ( هود : 18 ) وأجمعت الأمة على أن أحدا من ~~الأنبياء لم يكن مستحقا للعن ولا للعذاب فثبت أنه ما صدرت المعصية عنه . ~~وسابعها : أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت ~~قوله : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون } ( البقرة : 44 ) . وقال : { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم ~~عنه } ( هود : 88 ) ، فما لا يلق بواحد من وعاظ الأمة كيف يجوز أن ينسب إلى ~~الأنبياء عليهم السلام . وثامنها : قوله تعالى : { إنهم كانوا يسارعون فى ~~الخيرات } ( الأنبياء : 90 ) ، ولفظ الخيرات للعموم فيتناول الكل ويدخل فيه ~~فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي ، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل ما ~~ينبغي فعله وتاركين كل ما ينبغي تركه ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم . ~~وتاسعها : قوله تعالى : { وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار } ( ص: 47 ) ، ~~وهذا يتناول جميع الأفعال والتروك بدليل جواز الاستثناء فيقال : فلانا من ~~المصطفين الأخيار إلا في الفعلة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما ~~لولاه لدخل تحته ms0711 ، فثبت أنهم كانوا أخيارا في كل الأمور ، وذلك ينافي صدور ~~الذنب عنهم . وقال : { الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس } ( الحج : ~~75 ) ، { إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبراهيم وءال عمران على العالمين } ~~( آل عمران : 33 ) . وقال في إبراهيم : { ولقد اصطفيناه في الدنيا } ( ~~البقرة : 130 ) . وقال في موسى : { إنى اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ~~} ( الأعراف : 144 ) . وقال : { واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى ~~الايدى والابصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الاخيار } ( ص: 45 47 ) . فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين ~~بالأصطفاء والخيرية ، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم . عاشرها : أنه تعالى حكى ~~عن إبليس قوله : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين } ( ~~ص: 82 83 ) ، فاستثنى من جملة من يغويهم المخلصين وهم الأنبياء عليهم ~~السلام . قال تعالى في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب : { إنا أخلصناهم بخالصة ~~ذكرى الدار } ( ص: 46 ) وقال في يوسف : { إنه من عبادنا المخلصين } ( يوسف ~~: 24 ) ، وإذا ثبت وجوب العصمة في حق البعض ثبت وجوبها في حق الكل لأنه لا ~~قائل بالفرق . والحادي عشر : قوله تعالى : { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } ( سبأ : 20 ) ، فأولئك الذين ما اتبعوه ~~وجب أن يقال : إنه ما صدر الذنب عنهم إلا فقد كانوا متبعين له ، وإذا ثبت ~~في ذلك الفريق أنهم ما أذنبوا فذلك الفريق إما الأنيباء أو غيرهم ، فإن ~~كانوا هم الأنبياء فقد ثبت في النبي أنه لا يذنب وإن كانوا غير الأنبياء ~~فلو ثبت في الأنبياء أنهم أذنبوا لكانوا أقل درجة عند الله من ذلك الفريق ، ~~فيكون غير النبي أفضل من النبي ، وذلك باطل بالاتفاق فثبت أن الذنب ما صدر ~~عنهم . الثاني عشر : أنه تعالى قسم الخلق قسمين فقال : { أولئك حزب الشيطان ~~ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } وقال في الصنف الآخر ، { أولئك حزب الله ~~ألا إن حزب الله هم المفلحون } ( المجادلة : 22 ) ولا شك أن حزب الشيطان هو ~~الذي يفعل ما يرتضيه الشيطان ، والذي يرتضيه الشيطان هو المعصية ، فكل من ~~عصى ms0712 الله تعالى كان من حزب الشيطان ، فلو صدرت المعصية من الرسول لصدق عليه ~~أنه PageV03P009 من حزب الشيطان ولصدق عليه أنه من الخاسرين ولصدق على زهاد ~~الأمة أنهم من حزب الله وأنهم من المفلحين ، فحينئذ يكون ذلك الواحد من ~~الأمة أفضل بكثير عند الله من ذلك الرسول ، وهذا لا يقوله مسلم . الثالث ~~عشر : أن الرسول أفضل من الملك فوجب أن لايصدر الذنب من الرسول ، وإنما ~~قلنا أنه أفضل لقوله تعالى : { إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبراهيم وءال ~~عمران على العالمين } ( آل عمران : 33 ) ، ووجه الاستدلال به قد تقدم في ~~مسألة فضل الملك على البشر وإنما قلنا إنه لما كان كذلك وجب أن لا يصدر ~~الذنب عن الرسول لأنه تعالى وصف الملائكة بترك الذنب فقال : { لا يسبقونه ~~بالقول } ( الأنبياء : 27 ) . وقال : { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون } ( التحريم : 6 ) ، فلو صدرت المعصية عن الرسول لامتنع كونه أفضل ~~من الملك لقوله تعالى : { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين ~~فى الارض أم نجعل المتقين كالفجار } ( ص: 28 ) . # الرابع عشر : روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على وفق دعواه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كيف شهدت لي ) فقال : ~~يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات أفلا أصدقك ~~في هذا القدر ؟ فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم / وسماه بذي الشهادتين ~~ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة . # الخامس عشر : قال في حق إبراهيم عليه السلام : { إنى جاعلك للناس إماما } ~~والإمام من يؤتم به فأوجب على كل الناس أن يأتموا به فلو صدر الذنب عنه ~~لوجب عليهم أن يأتموا به في ذلك الذنب وذلك يفضي إلى التناقض . # السادس عشر : قوله تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) ~~والمراد بهذا العهد إما عهد النبوة أو عهد الإمامة ، فإن كان المراد عهد ~~النبوة وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين ، وإن كان المراد عهد الإمامة وجب ~~أن لا ms0713 نثبت الإمامة للظالمين وإذا لم تثبت الإمامة للظالمين وجب أن لا تثبت ~~النبوة للظالمين ، لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماما يؤتم به ويقتدى به . ~~والآية على جميع التقديرات تدل على أن النبي لا يكون مذنبا ، أما المخالف ~~فقد تمسك في كل واحد من المواضع الأربعة التي ذكرناه بآيات ونحن نشير إلى ~~معاقدها ونحيل بالاستقصاء على ما سيأتي في هذا التفسير إن شاء الله تعالى : ~~أما الآيات التي تمسكوا بها في باب الإعتقاد فثلاثة ، أولها : تمسكوا ~~بالطعن في اعتقاد آدم عليه السلام بقوله : { هو الذى خلقكم من نفس واحدة ~~وجعل منها زوجها ليسكن إليها } ( الأعراف : 189 ) إلى آخر الآية . قالوا : ~~لا شك أن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء ، فهذه ~~الكنايات بأسرها عائدة إليهما فقوله : { جعلا له شركاء فيما ءاتاهما فتعالى ~~الله عما يشركون * هدانا الله كالذى استهوته الشياطين فى الارض حيران له ~~أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب ~~العالمين * وأن أقيموا الصلواة واتقوه وهو الذى إليه تحشرون * وهو الذى خلق ~~السماوات والارض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ فى ~~الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير * وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر ~~أتتخذ أصناما ءالهة إنى أراك وقومك فى ضلال مبين * وكذلك نرى إبراهيم ملكوت ~~السماوات والارض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه اليل رأى كوكبا قال ~~هاذا ربى } ، يقتضي صدور الشرك عنهما ، والجواب : لا نسلن أن النفس الواحدة ~~هي آدم وليس في الآية ما يدل عليه بل نقول : الخطاب لقريش وهم آل قصي ~~والمعنى خلقكم من تفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها فلما آتاها ~~ما طلبا من الولد الصالح سيما أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد ~~الدار وعبد قصي ، والضمير في يشركون لهما ، ولأعقابهما فهذا الجواب هو ~~المعتمد . PageV03P010 وثانيها : قالوا إن إبراهيم عليه السلام لم يكن ~~عالما بالله ولا باليوم الآخر . أما الأول فلأنه قال في الكواكب : { هذا ms0714 ~~ربي } [ الأنعام : 77 ] وأما الثاني فقوله : { وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف ~~تحى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } ( البقرة : 260 ) ، ~~والجواب : أما قوله : { هاذا ربى } فهو استفهام على سبيل الإنكار ، وأما ~~قوله : { ولاكن ليطمئن قلبى } ، فالمراد أنه ليس الخبر كالمعاينة ، وثالثها ~~: تمسكوا بقوله تعالى : { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } ( ~~يونس : 94 ) ، فدلت الآية على أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان في شك مما ~~أوحى إليه والجواب : أن القلب في دار الدنيا لا ينفك عن الأفكار المستعقبة ~~للشبهات إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان يزيلها بالدلائل . # أما الآيات التي تمسكوا بها في باب التبليغ فثلاثة : أحدها : قوله : { ~~سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله } ( الأعلى : 6 ، 8 ) فهذا الاستثناء ~~يدل على وقوع النسيان في الوحي ، الجواب : ليس النهي عن النسيان الذي هو ضد ~~الذكر ، لأن ذاك غير داخل في الوسع بل عن النسيان بمعنى الترك فنحمله على ~~ترك الأولى . وثانيها : قوله : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته } ( الحج : 52 ) ، / والكلام عليه مذكور ~~في سورة الحج على الاستقصاء ، وثالثها : قوله تعالى : { عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا * ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم } ( الجن : 26 28 ) . قالوا : فلولا ~~الخوف من وقوع التخليط في تبليغ الوحي من جهة الأنبياء لم يكن في الاستظهار ~~بالرصد المرسل معهم فائدة ، والجواب : لم لا يجوز أن تكون الفائدة أن يدفع ~~ذلك الرصد الشياطين عن إلقاء الوسوسة . أما الآيات التي تمسكوا بها في ~~الفتيا فثلاثة ، أحدها : قوله : { وداوود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث } ( ~~الأنبياء : 78 ) ، وقد تكلمنا عليه في سورة الأنبياء . وثانيها : ( قوله في ~~أسارى بدر حين فاداهم النبي صلى الله عليه وسلم { ما كان لنبى أن يكون له ~~أسرى حتى يثخن في ms0715 الارض } ( الأنفال : 67 ) ، فلولا أنه أخطأ في هذه ~~الحكومة وإلا لما عوتب ، وثالثها : قوله تعالى : { عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم } ( التوبة : 43 ) ، والجواب عن الكل : أنا نحمله على ترك الأولى . # أما الآيات التي تمسكوا بها في الأفعال فكثيرة ، أولها : قصة آدم عليه ~~السلام ، تمسكوا بها من سبعة أوجه ، الأول : أنه كان عاصيا والعاصي لا بد ~~وأن يكون صاحب الكبيرة ، وإنما قلنا إنه كان عاصيا لقوله تعالى : { وعصى * ~~ءادم * ربه فغوى } ( طه : 121 ) وإنما قلنا أن العاصي صاحب الكبيرة لوجهين ~~: الأول : أن النص يقتضي كونه معاقبا لقوله تعالى : { ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم } ( الجن : 23 ) فلا معنى لصاحب الكبيرة إلا ذلك ، الثاني ~~: أن صاحب الكبيرة ، الوجه الثاني في التمسك بقصة آدم أنه كان غاويا لقوله ~~تعالى { فغوى } العاصي اسم ذم فوجب أن لا يتناول إلا والغي ضد الرشد ، ~~لقوله تعالى : { قد تبين الرشد من الغي } ( البقرة : 256 ) ، فجعل الغي ~~مقابلا للرشد ، الوجه الثالث : أنه تائب والتائب مذنب ، وإنما قلنا إنه ~~تائب لقوله تعالى : { فتلقىءادم من ربه كلمات فتاب عليه } ( البقرة : 37 ) ~~وقال : { ثم اجتباه ربه فتاب عليه } ( طه : 122 ) وإنما قلنا : التائب مذنب ~~لأن التائب PageV03P011 هو النادم على فعل الذنب ، والنادم على فعل الذنب ~~مخبر عن كونه فاعلا الذنب ، فإن كذب في ذلك الإخبار فهو مذنب بالكذب ، وإن ~~صدق فيه فهو المطلوب . الوجه الرابع : أنه ارتكب المنهي عنه في قوله : { ~~ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } ( الأعراف : 22 ) ، { ولا تقربا هاذه الشجرة ~~} ( الأعراف : 19 ) ، وارتكاب المنهى عنه عين الذنب . الوجه الخامس : سماه ~~ظالما في قوله : { فتكونا من الظالمين } ( البقرة : 35 ) وهو سمى نفسه ~~ظالما في قوله : { ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) والظالم معلون ~~لقوله تعالى : { ألا لعنة الله على الظالمين } ( هود : 18 ) ومن استحق ~~اللعن كان صاحب الكبيرة . الوجه السادس : أنه اعترف بأنه لولا مغفرة الله ~~إياه وإلا لكان خاسرا في قوله : { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين } ( الأعراف : 23 ) ، وذلك يقتضي كونه صاحب الكبيرة . وسابعها ms0716 : ~~أنه أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وإزلاله جزاء على ما أقدم عليه من ~~طاعة الشيطان ، وذلك يدل على كونه صاحب الكبيرة ، ثم قالوا : هب أن كل واحد ~~من هذه الوجوه لا يدل على كونه فاعلا للكبيرة ، لكن مجموعها لا شك في كونه ~~قاطعا في الدلالة عليه ، ويجوز أن يكون كل واحد من هذه الوجوه وإن لم يدل ~~على الشيء / لكن مجموع تلك الوجوه يكون دالا على الشيء . والجواب المعتمد ~~عن الوجوه السبعة عندنا أن نقول : كلامكم إنما يتم لو أتيتم بالدلالة على ~~أن ذلك كان حال النبوة ، وذلك ممنوع فلم لا يجوز أن يقال : إن آدم عليه ~~السلام حالما صدرت عنه هذه الزلة ما كان نبيا ؛ ثم بعد ذلك صار نبيا ونحن ~~قد بينا أنه لا دليل على هذا المقام . وأما الاستقصاء في الجواب عن كل واحد ~~من الوجوه المفصلة فسيأتي إن شاء الله تعالى عند الكلام في تفسير كل واحد ~~من هذه الآيات . ولنذكر ههنا كيفية تلك الزلة ليظهر مراد الله تعالى من ~~قوله : { فأزلهما الشيطان } ( البقرة : 36 ) فنقول لنفرض أنه صدر ذلك الفعل ~~عن آدم عليه السلام بعد النبوة فإقدامه على ذلك الفعل إما أن يكون حال كونه ~~ناسيا أو حال كونه ذاكرا ، أما الأول : وهو أنه فعله ناسيا فهو قول طائفة ~~من المتكلمين واحتجوا عليه بقوله تعالى : { ولم نجد له عزما } ( طه : 115 ) ~~ومثلوه بالصائم يشتغل بأمر يستغرقه ويغلب عليه فيصير ساهيا عن الصوم ويأكل ~~في أثناء ذلك السهو ( لا ) عن قصد ، لا يقال هذا باطل من وجهين . الأول : ~~أن قوله تعالى : { ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } ، ~~وقوله : { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } ( الأعراف : 20 21 ) يدل على ~~أنه ما نسي النهي حال الإقدام . وروى عن ابن عباس ما يدل على أن آدم عليه ~~السلام تعمد لأنه قال لما أكلا منها فبدت لهما سوآتهما خرج آدم فتعلقت به ~~شجرة من شجر الجنة ، فحبسته فناداه الله تعالى أفرارا مني ، فقال : بل حياء ms0717 ~~منك ، فقال له : أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك ؟ قال : ~~بلى يا رب ولكني وعزتك ما كنت أرى أن أحدا يحلف بك كاذبا ، فقال : وعزتي ~~لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا كدا . الثاني : وهو أنه لو كان ناسيا ~~لما عوتب على ذلك الفعل ، أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل ~~، فلا يكون مكلفا به لقوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : ~~276 ) وأما من حيث النقل فلقوله عليه الصلاة والسلام ( رفع القلم عن ثلاث ) ~~، فلما عوتب عليه دل على أن ذلك لم يكن على سبيل PageV03P012 النسيان . ~~لأنا نقول : أما الجواب عن الأول فهو أنا لا نسلم أن آدم وحواء قبلا من ~~إبليس ذلك الكلام ولا صدقاه فيه ، لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في هذا ~~التصديق أعظم من أكل الشجرة ، لأن إبليس لما قال لهما : { ما نهاكما ربكما ~~عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } . فقد ألقى ~~إليهما سوء الظن بالله ودعاهما إلى ترك التسليم لأمره والرضا بحكمه وإلى أن ~~يعتقدا فيه كون إبليس ناصحا لهما وأن الرب تعالى قد غشهما ولا شك أن هذه ~~الأشياء أعظم من أكل الشجرة ، فوجب أن تكون المعاتبة في ذلك أشد وأيضا كان ~~آدم عليه السلام عالما بتمرد إبليس عن السجود وكونه مبغضا له وحاسدا له على ~~ما آتاه الله من النعم ، فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوه مع هذه ~~القرائن وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام أو بعده ، ~~ويدل على أن آدم كان عالما بعداوته لقوله تعالى : { إن هاذا عدو لك ولزوجك ~~فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } ( طه : 117 ) . وأما ما روي عن ابن عباس فهو ~~أثر مروي بالآحاد ، فكيف يعارض القرآن ؟ وأما الجواب عن الثاني : فهو أن ~~العتاب إنما حصل على ترك / التحفظ من أسباب النسيان ، وهذا الضرب من السهو ~~موضوع عن المسلمين وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به ، وليس بموضوع عن الأنبياء ms0718 ~~لعظم خطرهم ومثلوه بقوله تعالى : { كريما يانساء النبى لستن كأحد من النساء ~~} ( الأحزاب : 32 ) ، ثم قال : { من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها ~~العذاب ضعفين } ( الأحزاب : 30 ) . وقال عليه الصلاة والسلام : ( أشد الناس ~~بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ) . وقال أيضا : ( إني أوعك ~~كما يوعك الرجلان منكم ) ، فإن قيل كيف يجوز أن يؤثر عظم حالهم وعلو ~~منزلتهم في حصول شرط في تكليفهم دون تكليف غيرهم ؟ قلنا أما سمعت : ( حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين ) ، ولقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم من ~~التشديدات في التكليف ما لم يكن على غيره . فهذا في تقرير أنه صدر ذلك عن ~~آدم عليه السلام على جهة السهو والنسيان . ورأيت في بعض التفاسير أن حواء ~~سقته الخمر حتى سكر ثم في أثناء السكر فعل ذلك . قالوا : وهذا ليس ببعيد ~~لأنه عليه السلام كان مأذونا له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة ، فإذا ~~حملنا الشجرة على البر ، كان مأذونا في تناول الخمر ، ولقائل أن يقول : إن ~~خمر الجنة لا يسكر ، لقوله تعالى في صفة خمر الجنة : { لا فيها غول } ( ~~الصافات : 47 ) . أما القول الثاني : وهو أنه عليه السلام فعله عامدا فههنا ~~أربعة أقوال : أحدها : أن ذلك النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم ، وقد تقدم ~~الكلام في هذا القول وعلته . الثاني : أنه كان ذلك عمدا من آدم عليه السلام ~~وكان ذلك كبيرة مع أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت نبيا ، وقد عرفت ~~فساد هذا القول . الثالث : أنه عليه السلام فعله عمدا ، لكن كان معه من ~~الوجل والفزع والأشفاق ما صير ذلك في حكم الصغيرة ، وهذا القول أيضا باطل ~~بالدلائل المتقدمة لأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمدا وإن فعله ~~مع الخوف إلا أنه يكون مع ذلك عاصيا مستحقا للعن والذم والخلود في النار ، ~~ولا يصح وصف الأنبياء عليهم السلام بذلك ، ولأنه تعالى وصفه بالنسيان في ~~قوله : { فنسى ولم نجد له عزما } ( طه : 115 ) ، وذلك ينافي العمدية . ~~القول الرابع : وهو اختيار أكثر ms0719 المعتزلة : أنه عليه السلام أقدم على الأكل ~~بسبب اجتهاد أخطأ فيه ، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة ، بيان الاجتهاد ~~الخطأ أنه لما قيل له : { ولا تقربا هاذه الشجرة } فلفظ { هاذه } ~~PageV03P013 قد يشار به إلى الشخص ، وقد يشار به إلى النوع ، وروي أنه عليه ~~السلام أخذ حريرا وذهبا بيده وقال : ( هذان حل لإناث أمتي حرام على ذكورهم ~~) ، وأراد به نوعهما ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة وقال : ( ~~هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ) ، وأراد نوعه ، فلما سمع آدم عليه ~~السلام قوله تعالى : { ولا تقربا هاذه الشجرة } ( البقرة : 35 ) ( الأعراف ~~: 19 ) ظن أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة ، فتركها وتناول من ~~شجرة أخرى من ذلك النوع ، إلا أنه كان مخطئا في ذلك الاجتهاد لأن مراد الله ~~تعالى من كلمة { هاذه } كان النوع لا الشخص والاجتهاد في الفروع ، إذا كان ~~خطأ لا يوجب استحقاق العقاب واللعن لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا ~~، فإن قيل : الكلام على هذا القول من وجوه : أحدها : أن كلمة { هاذا } في ~~أصل اللغة للإشارة إلى الشيء الحاضر . والشيء الحاضر لا يكون إلا شيئا ~~معينا ، فكلمة هذا في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء / المعين فأما أن يراد ~~بها الإشارة إلى النوع ، فذاك على خلاف الأصل / وأيضا فلأنه تعالى لا تجوز ~~الإشارة عليه فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإشارة إلى ذلك الشخص ، فكان ~~ما عداه خارجا عن النهي لا محالة ، إذا ثبت هذا فنقول : المجتهد مكلف بحمل ~~اللفظ على حقيقته ، فآدم عليه السلام لما حمل لفظ { هاذا } على المعين كان ~~قد فعل الواجب ولا يجوز له حمله على النوع ، واعلم أن هذا الكلام متأيد ~~بأمرين آخرين . أحدهما : أن قوله : { وكلا منها رغدا حيث شئتما } ( البقرة ~~: 35 ) أفاد الإذن في تناول كل ما في الجنة إلا ما خصه الدليل . والثاني : ~~أن العقل يقتضي حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه الدليل ، والدليل ~~المخصص لم يدل إلا على ذلك المعين ، فثبت أن آدم عليه السلام كان ms0720 مأذونا له ~~في الانتفاع بسائر الأشجار ، وإذا ثبت هذا امتنع أن يستحق بسبب هذا عتابا ~~وأن يحكم عليه بكونه مخطئا فثبت أن حمل القصة على هذا الوجه ، يوجب أن يحكم ~~عليه بأنه كان مصيبا لا مخطئا ، وإذا كان كذلك ثبت فساد هذا التأويل . ~~الوجه الثاني : في الاعتراض على هذا التأويل . هب أن لفظ { هاذا } متردد ~~بين الشخص والنوع ، ولكن هل قرن الله تعالى بهذا اللفظ ما يدل على أن ~~المراد منه النوع دون الشخص أو ما فعل ذلك ؟ فإن كان الأول فأما أن يقال إن ~~آدم عليه السلام قصر في معرفة ذلك البيان ، فحينئذ يكون قد أتى بالذنب ، ~~وإن لم يقصر في معرفته بل عرفه فقد عرف حينئذ أن المراد هو النوع ، فإقدامه ~~على التناول من شجرة من ذلك النوع يكون إقداما على الذنب قصدا . الوجه ~~الثالث : أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاجتهاد ~~إقدام على العمل بالظن ، وذلك إنما يجوز في حق من لا يتمكن من تحصيل العلم ~~، أما الأنبياء فإنهم قادرون على تحصيل اليقين ، فوجب أن لا يجوز لهم ~~الاجتهاد لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلا ~~وشرعا ، وإذا ثبت ذلك ثبت أن الإقدام على الاجتهاد معصية . الوجه الرابع : ~~هذه المسألة إما أن تكون من المسائل القطعية أو الظنية ، فإن كانت من ~~القطعيات كان الخطأ فيها كبيرا وحينئذ يعود الإشكال ، وإن كانت من الظنيات ~~فإن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقق الخطأ فيها أصلا ، وإن قلنا المصيب ~~فيها واحد والمخطىء فيها معذور بالاتفاق فكيف صار هذا القدر من الخطأ سببا ~~لأن نزع عن آدم عليه السلام لباسه وأخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض ؟ ~~والجواب عن الأول : PageV03P014 أن لفظ هذا وإن كان في الأصل للإشارة إلى ~~الشخص لكنه قد يستعمل في الإشارة إلى النوع كما تقدم بيانه ، وأنه سبحانه ~~وتعالى كان قد قرن به ما دل على أن المراد هو النوع . والجواب عن الثاني : ~~هو أن آدم عليه السلام لعله قصر ms0721 في معرفة ذلك الدليل لأنه ظن أنه لا يلزمه ~~ذلك في الحال ، أو يقال : إنه عرف ذلك الدليل في وقت ما نهاه الله تعالى عن ~~عين الشجرة ، فلما طالت المدة غفل عنه لأن في الخبر أن آدم عليه السلام بقي ~~في الجنة الدهر الطويل ثم أخرج . والجواب عن الثالث : أنه لا حاجة ههنا إلى ~~إثبات أن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بالاجتهاد ، فأنا بينا أنه عليه ~~السلام قصر في معرفة تلك الدلالة أو أنه كان قد عرفها / لكنه قد نسيها ، ~~وهو المراد من قوله تعالى : { فنسى ولم نجد له عزما } ، والجواب عن الرابع ~~: يمكن أن يقال : كانت الدلالة قطعية إلا أنه عليه السلام لما نسيها صار ~~النسيان عذرا في أن لا يصير الذنب كبيرا أو يقال : كانت ظنية إلا أنه ترتب ~~عليه من التشديدات ما لم يترتب على خطأ سائر المجتهدين لأن ذلك يجوز أن ~~يختلف باختلاف الأشخاص ، وكما أن الرسول عليه الصلاة والسلام مخصوص بأمور ~~كثيرة في باب التشديدات والتخفيفات بما لا يثبت في حق الأمة ، فكذا ههنا . ~~واعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر وهو أنه تعالى لما قال : { ولا ~~تقربا هاذه الشجرة } ونهاهما معا فظن آدم عليه السلام أنه يجوز لكل واحد ~~منهما وحده أن يقرب من الشجرة وأن يتناول منها ، لأن قوله : { ولا تقربا } ~~نهي لهما على الجمع ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال ~~الإنفراد ، فلعل الخطأ في هذا الاجتهاد إنما وقع من هذا الوجه ، فهذا جملة ~~ما يقال في هذا الباب والله أعلم . # المسألة الثانية : اختلفوا في أنه كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم عليه ~~السلام مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم كان في الجنة ، وذكروا فيه وجوها . ~~أحدها : قول القصاص وهو الذي رووه عن وهب بن منبه اليماني والسدي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما وغيره : أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنة منعته ~~الخزنة فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البختية ، وهي كأحسن ~~الدواب بعدما عرض ms0722 نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد منها فابتلعته ~~الحية وأدخلته الجنة خفية من الخزنة ، فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من ~~فمها واشتغل بالوسوسة . فلا جرم لعنت الحية وسقطت قوائمها وصارت تمشي على ~~بطنها ، وجعل رزقها في التراب ، وصارت عدوا لبني آدم ، واعلم أن هذا ~~وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية ~~فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة ، ولأنه لما فعل ذلك ~~بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة . وثانيها : أن ~~إبليس دخل الجنة في صورة دابة ، وهذا القول أقل فسادا من الأول . وثالثها : ~~قال بعض أهل الأصول : إن آدم وحواء عليهما السلام لعلهما كانا يخرجان إلى ~~باب الجنة وإبليس كان بقرب الباب ويوسوس إليهما ، ورابعها : هو قول الحسن : ~~أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة . قال بعضهم : هذا ~~بعيد لأن الوسوسة كلام خفي والكلام الخفي لا يمكن إيصاله من الأرض إلى ~~السماء ، واختلفوا من وجه آخر وهو أن إبليس هل باشر خطابهما أو يقال إنه ~~أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه . PageV03P015 حجة القول الأول : ~~قوله تعالى : { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } ( الأعراف : 21 ) ، وذلك ~~يقتضي المشافهة ، وكذا قوله : { فدلاهما بغرور } ( الأعراف : 22 ) . وحجة ~~القول الثاني : أن آدم وحواء عليهما السلام كانا يعرفانه ويعرفان ما عنده ~~من الحسد والعداوة ، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله وأن يلتفتا إليه ، ~~فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة من بعض أتباع إبليس . بقي ههنا سؤالان ، ~~السؤال الأول : / أن الله تعالى قد أضاف هذا الإزلال إلى إبليس فلم عاتبهما ~~على ذلك الفعل ؟ قلنا معنى قوله : { فأزلهما } أنهما عند وسوسته أتيا بذلك ~~الفعل فأضيف ذلك إلى إبليس كما في قوله تعالى : { فلم يزدهم دعائى إلا ~~فرارا } ( نوح : 6 ) . فقال تعالى حاكيا عن إبليس : { وما كان لى عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) ، هذا ما قاله ~~المعتزلة . والتحقيق في هذه الإضافة ms0723 ما قررناه مرارا أن الإنسان قادر على ~~الفعل والترك ومع التساوي يستحيل أن يصير مصدرا لأحد هذين الأمرين إلا عند ~~انضمام الداعي إليه ، والداعي عبارة في حق العبد عن علم أو ظن أو اعتقاد ~~بكون الفعل مشتملا على مصلحة ، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبه نبه ~~عليه كان الفعل مضافا إلى ذلك لما لأجله صار الفاعل بالقوة فاعلا بالفعل ، ~~فلهذا المعنى انضاف الفعل ههنا إلى الوسوسة ، وما أحسن ما قال بعض العارفين ~~إن زلة آدم عليه السلام هب أنها كانت بسبب وسوسة إبليس ، فمعصية إبليس حصلت ~~بوسوسة منا وهذا ينبهك على أنه ما لم يحصل الداعي لا يحصل الفعل وأن ~~الدواعي وإن ترتب بعضها على بعض ، فلا بد من انتهائها إلى ما يخلقه الله ~~تعالى ابتداء / وهو الذي صرح به موسى عليه السلام في قوله : { إن هى إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } ( الأعراف : 155 ) . السؤال الثاني ~~: كيف كانت تلك الوسوسة ، الجواب : أنها هي التي حكى الله تعالى عنها في ~~قوله : { ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين } ( الأعراف : 20 ) ، فلم يقبلا ذلك منه ، فلما أيس من ذلك عدل ~~إلى اليمين على ما قال : { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } ( الأعراف : ~~21 ) ، فلم يصدقاه أيضا ، والظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شيء آخر وهو أنه ~~شغلهما باستيفاء اللذات المباحة حتى صارا مستغرقين فيه فحصل بسبب ~~استغراقهما فيه نسيان النهي فعند ذلك حصل ما حصل ، والله أعلم بحقائق ~~الأمور كيف كانت . # أما قوله تعالى : { وقلنا اهبطوا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : من قال إن جنة آدم كانت في السماء فسر الهبوط بالنزول ~~من العلو إلى السفل ، ومن قال إنها كانت في الأرض فسره بالتحول من موضع إلى ~~غيره ، كقوله : { اهبطوا مصرا } ( البقرة : 61 ) . # المسألة الثانية : اختلفوا في المخاطبين بهذا الخطاب بعد الاتفاق على أن ~~آدم وحواء عليهما السلام كانا مخاطبين به وذكروا فيه وجوها : الأول : وهو ~~قول الأكثرين : أن إبليس داخل ms0724 فيه أيضا قالوا لأن إبليس قد جرى ذكره في ~~قوله : { فأزلهما الشيطان عنها } أي فأزلهما وقلنا لهم اهبطوا . # وأما قوله تعالى : { بعضكم لبعض عدو } فهذا تعريف لأدم وحواء عليهما ~~السلام أن إبليس عدو لهما ولذريتهما كما عرفهما ذلك قبل الأكل من الشجرة ~~فقال : { فقلنا يائادم * أن لا * هاذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة ~~فتشقى } ( طه : 117 ) ، فإن قيل : إن إبليس لما أبى من السجود صار كافرا / ~~وأخرج من الجنة وقيل له : PageV03P016 { فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر ~~فيها } ( الأعراف : 13 ) ، وقال أيضا : { فاخرج منها فإنك رجيم } ( ص: 77 ( ~~الحجر : 34 ) ، وإنما اهبط منها لأجل تكبره ، فزلة آدم عليه السلام إنما ~~وقعت بعد ذلك بمدة طويلة ، ثم أمر بالهبوط بسبب الزلة ، فلما حصل هبوط ~~إبليس قبل ذلك كيف يكون قوله : { اهبطوا } ، متناولا له ؟ قلنا : إن الله ~~تعالى لما أهبطه إلى الأرض فلعله عاد إلى السماء مر أخرى لأجل أن يوسوس إلى ~~آدم وحواء فحين كان آدم وحواء في الجنة قال الله تعالى لهما : { اهبطا } ، ~~فلما خرجا من الجنة واجتمع إبليس معهما خارج الجنة أمر الكل فقال : { ~~اهبطوا } ومن الناس من قال ليس معنى قوله : { اهبطوا } أنه قال ذلك لهم ~~دفعة واحدة ، بل قال ذلك لكل واحد منهم على حدة في وقت . الوجه الثاني : أن ~~المراد آدم وحواء والحية وهذا ضعيف لأنه ثبت بالإجماع أن المكلفين هم ~~الملائكة والجن والإنس ، ولقائل أن يمنع هذا الإجماع فإن من الناس من يقول ~~قد يحصل في غيرهم جمع من المكلفين على ما قال تعالى : { كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه } ( النور : 41 ) ، وقال سليمان للهدهد : { لاعذبنه عذابا شديدا } ~~( النمل : 21 ) . الثالث : المراد آدم وحواء وذريتهما لأنهما لما كانا أصل ~~الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم ، والدليل عليه قوله : { اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو * اهبطوا منها جميعا } ( البقرة : 36 ، 38 ) ، ويدل عليه أيضا قوله : { ~~فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 38 ، 39 ms0725 ) . وهذا حكم يعم ~~الناس كلهم ومعنى : { بعضكم لبعض عدو } ما عليه الناس من التعادي والتباغض ~~وتضليل بعضهم لبعض ، واعلم أن هذا القول ضعيف لأن الذرية ما كانوا موجودين ~~في ذلك الوقت فكيف يتناولهم الخطاب ؟ أما من زعم أن أقل الجمع اثنان ~~فالسؤال زائل على قوله : # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن قوله : { اهبطوا } أمر أو إباحة ، ~~والأشبه أنه أمر لأن فيه مشقة شديدة لأن مفارقة ما كانا فيه من الجنة إلى ~~موضع لا تحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة والكد من أشق التكاليف ، وإذا ثبت ~~هذا بطل ما يظن أن ذلك عقوبة ، لأن التشديد في التكليف سبب للثواب ، فكيف ~~يكون عقابا مع ما فيه من النفع العظيم ؟ فإن قيل : ألستم تقولون في الحدود ~~وكثير من الكفارات إنها عقوبات وإن كانت من باب التكاليف ، قلنا : أما ~~الحدود فهي واقعة بالمحدود من فعل الغير ، فيجوز أن تكون عقابا إذا كان ~~الرجل مصرا ، وأما الكفارات فإنما يقال في بعضها إنه يجري مجرى العقوبات ~~لأنها لا تثبت إلا مع المأثم . فأما أن تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب ~~العظيم فلا . # المسألة الرابعة : أن قوله تعالى : { اهبطوا بعضكم لبعض عدو } ، أمر ~~بالهبوط وليس أمرا بالعداوة ، لأن عداوة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام ~~بسبب الحسد والاستكبار عن السجود واختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة ~~وعداوته لذريتهما بإلقاء الوسوسة والدعوة إلى الكفر والمعصية ، وشيء من ذلك ~~لا يجوز أن يكون مأمورا به ، فأما عداوة آدم لإبليس / فإنها مأمور بها ~~لقوله تعالى : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) وقال ~~تعالى : { يذكرون يابنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } ~~( الأعراف : 27 ) إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية اهبطوا من السماء ~~وأنتم بعضكم لبعض عدو . # المسألة الخامسة : المستقر قد يكون بمعنى الاستقرار كقوله تعالى : { إلى ~~ربك يومئذ المستقر } ( القيامة : 12 ) ، وقد يكون بمعنى المكان الذي يستقر ~~فيه كقوله تعالى : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا } PageV03P017 ( الفرقان ~~: 24 ) ، وقال تعالى : { فمستقر ومستودع } ( الأنعام : 98 ) إذا عرفت هذا ms0726 ~~فنقول : الأكثرون حملوا قوله تعالى : { ولكم فى الارض مستقر } ( البقرة : ~~36 ) ( الأعراف : 24 ) ، على المكان ، والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة ~~والموت ، وروى السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : المستقر هو ~~القبر ، أي قبوركم تكونون فيها . والأول أولى لأنه تعالى قدر المتاع وذلك ~~لا يليق إلا بحال الحياة ، ولأنه تعالى خاطبهم بذلك عند الإهباط وذلك يقتضي ~~حال الحياة ، واعلم أنه تعالى قال في سورة الأعراف في هذه القصة : { قال ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الارض مستقر ومتاع إلى حين * قال فيها تحيون ~~وفيها تموتون ومنها تخرجون } ( الأعراف : 24 ، 25 ) ، فيجوز أن يكون قوله : ~~{ فيها تحيون } ، إلى آخر الكلام بيانا لقوله : { ولكم فى الارض مستقر ~~ومتاع إلى حين } ، ويجوز أن يكون زيادة على الأول . # المسألة السادسة : اختلفوا في معنى الحين بعد اتفاقهم على أنه اسم للزمان ~~والأولى أن يراد به الممتد من الزمان لأن الرجل يقول لصاحبه : ما رأيتك منذ ~~حين إذا بعدت مشاهدته له ولا يقال ذلك مع قرب المشاهدة ، فلما كانت أعمار ~~الناس طويلة وآجالهم عن أوائل حدوثهم متباعدة جاز أن يقول : { ومتاع إلى ~~حين } : # المسألة السابعة : اعلم أن في هذه الآيات تحذيرا عظيما عن كل المعاصي من ~~وجوه : أحدها : أن من تصور ما جرى على آدم عليه السلام بسبب إقدامه على هذه ~~الزلة الصغيرة ، كان على وجل شديد من المعاصي ، قال الشاعر : # % يا ناظرا يرنو بعيني راقد % % ومشاهدا للأمر غير مشاهد % # % تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى % % درك الجنان ونيل فوز العابد % # % أنسيت أن الله أخرج آدما % % منها إلى الدنيا بذنب واحد % # وعن فتح الموصلي أنه قال : كنا قوما من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى ~~الدنيا ، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها ، ~~وثانيها : التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص ، عن قتادة في قوله تعالى : ~~{ أبى واستكبر } ( البقرة : 34 ) ، قال حسد عدو الله إبليس آدم على ما ~~أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني ثم ألقى الحرص في قلب آدم ms0727 ~~حتى حمله على ارتكاب المنهى عنه ثم ألقى الحسد في قلب قابيل حتى قتل هابيل ~~. وثالثها : أنه سبحانه وتعالى بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم وإبليس ، ~~وهذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر . # ! 7 < { فتلقىءادم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } > 7 ~~@QB@ < # | البقرة : ( 37 ) فتلقى آدم من . . . . . # > > # المسألة الأولى : قال القفال : أصل التلقي هو التعرض للقاء ثم يوضع في ~~موضع الاستقبال للشيء الجائي ثم يوضع موضع القبول والأخذ . قال الله تعالى ~~: { وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم } ( النمل : 6 ) ، PageV03P018 أي ~~تلقنه . ويقال : تلقينا الحجاج أي استقبلناهم . ويقال : تلقيت هذه الكلمة ~~من فلان أي أخذتها منه . وإذا كان هذا أصل الكلمة وكان من تلقى رجلا ~~فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه فأضيف الاجتماع إليهما معا صلح أن يشتركا في ~~الوصف بذلك ، فيقال : كل ما تلقيته فقد تلقاك فجاز أن يقال : تلقى آدم ~~كلمات أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول ، وجاز أن يقال : تلقى كلمات ~~بالرفع على معنى جاءته عن الله كلمات ومثله قوله : { لا ينال عهدي الظالمين ~~} ( البقرة : 124 ) وفي قراءة ابن مسعود ( الظالمون ) . # المسألة الثانية : اعلن أنه لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى عرفه ~~حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد وأن يعرف ماهية التوبة ويتمكن بفعلها من ~~تدارك الذنوب ويميزها عن غيرها فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، بل ~~يجب حمله على أحد الأمور . أحدها : التنبيه على المعصية الواقعة منه على ~~وجه صار آدم عليه السلام عند ذلك من التائبين المنيبين . وثانيها : أنه ~~تعالى عرفه وجوب التوبة وكونها مقبولة لا محالة على معنى أن من أذنب ذنبا ~~صغيرا أو كبيرا ثم ندم على ما صنع وعزم على أن لا يعود فإني أتوب عليه . ~~قال الله تعالى : { فتلقىءادم من ربه كلمات } ، أي أخذها وقبلها وعمل بها . ~~وثالثها : أنه تعالى ذكره بنعمه العظيمة عليه فصار ذلك من الدواعي القوية ~~إلى التوبة . ورابعها : أنه تعالى علمه كلاما لو حصلت التوبة معه لكان ذلك ~~سببا لكمال حال التوبة . # المسألة الثالثة : اختلفوا ms0728 في أن تلك الكلمات ما هي ؟ فروى سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس أن آدم عليه السلام قال : يا رب ألم تخلقني بيدك بلا واسطة ؟ ~~قال : بلى . قال : يا رب ألم تنفخ في من روحك ؟ قال : بلى . قال : ألم ~~تسكني جنتك ؟ قال : بلى . قال : يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك ؟ قال : بلى . ~~قال : يا رب إن تبت وأصلحت تردني إلى الجنة ؟ قال : بلى فهو قوله : { ~~فتلقىءادم من ربه كلمات } وزاد السدي فيه : يا رب هل كنت كتبت علي ذنبا ؟ ~~قال : نعم . وثانيها : قال النخعي : أتيت ابن عباس فقلت : ما الكلمات التي ~~تلقى آدم من ربه . قال : علم الله آدم وحواء أمر الحج فحجا وهي الكلمات ~~التي تقال في الحج ، فلما فرغا من الحج أوحى الله تعالى إليهما بأني قبلت ~~توبتكما . وثالثها : قال مجاهد وقتادة في إحدى الروايتين عنهما هي قوله : { ~~ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } ( الأعراف ~~: 23 ) . ورابعها : قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم : إنها ~~قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت ~~خير الغافرين ، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني ~~إنك أنت خير الراحمين . لا إله إلا أنت سبحانك / وبحمدك عملت سوءا وظلمت ~~نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم . وخامسها : قالت عائشة لما أراد الله ~~تعالى أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا ، والبيت يومئذ ربوة حمراء ، فلما ~~صلى ركعتين استقبل البيت وقال : اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي ~~وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي . اللهم إني ~~أسألك إيمانا يباشر قلبي ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت ~~لي وأرضى بما قسمت لي . فأوحى الله تعالى إلى آدم : يا آدم قد غفرت لك ذنبك ~~ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بهذا الدعاء الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه ~~وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من بين عينيه وجاءته ms0729 الدنيا وهو لا يريدها ~~. # المسألة الرابعة : قال الغزالي رحمه الله : التوبة تتحقق من ثلاثة أمور ~~مترتبة ، علم وحال وعمل ، فالعلم أول والحال ثان والعمل ثالث ، والأول موجب ~~للثاني ، والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضته سنة الله PageV03P019 في الملك ~~والملكوت ، أما العلم فهو معرفة ما في الذنب من الضرر وكونه حجابا بين ~~العبد ورحمة الرب ، فإذا عرف ذلك معرفة محققة حصل من هذه المعرفة تألم ~~القلب بسبب فوات المحبوب ، فإن القلب مهما شعر بفوات المحبوب تألم ، فإذا ~~كان فواته يفعل من جهته تأسف بسبب فوات المحبوب على الفعل الذي كان سببا ~~لذلك الفوات فسمي ذلك التأسف ندما ، ثم إن ذلك الألم إذا تأكد حصلت منه ~~إرادة جازمة ولها تعلق بالحال وبالمستقبل وبالماضي ، أما تعلقها بالحال ~~فبترك الذنب الذي كان ملابسا له وأما بالمستقبل فالعزم على ترك ذلك الفعل ~~المفوت للمحبوب إلى آخر العمر . وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر ~~والقضاء إن كان قابلا للجبر ، فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني ~~به اليقين التام بأن هذه الذنوب سموم مهلكة ، فهذا اليقين نور وهذا النور ~~يوجب نار الندم فيتألم به القلب حيث أبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار ~~محجوبا عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيطلع النور ~~عليه بانقشاع السحاب ، فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب ~~في قلبه فتنبعث من تلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك ، فالعلم والندم ~~والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان ~~مترتبة في الحصول ( على التوبة ) . ويطلق اسم التوبة على مجموعها وكثيرا ما ~~يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم السابق كالمقدمة والترك ~~كالثمرة والتابع المتأخر . وبهذا الاعتبار قال عليه السلام : ( الندم توبة ~~) ، إذ لا ينفك الندم عن علم أوجبه وعن عزم يتبعه فيكون الندم محفوفا ~~بطرفيه ، أعني مثمره وثمرته ، فهذا هو الذي لخصه الشيخ الغزالي في حقيقة ~~التوبة وهو كلام حسن . وقال القفال : لا بد في التوبة من ترك ذلك الذنب ومن ~~الندم على ما ms0730 سبق ومن العزم على أن لا يعود إلى مثله ومن الاشفاق فيما بين ~~ذلك كله ، أما أنه لا بد من الترك فلأنه لو لم يترك لكان فاعلا له فلا يكون ~~تائبا ، وأما الندم فلأنه لو لم يندم لكان راضيا بكونه فاعلا له والراضي ~~بالشيء قد يفعله والفاعل للشيء لا يكون تائبا عنه ، وأما العزم على أن لا ~~يعود إلى مثله فلأن فعله معصية والعزم على المعصية / معصية ، وأما الأشفاق ~~فلأنه مأمور بالتوبة ولا سبيل له إلى القطع بأنه أتى بالتوبة كما لزمه ~~فيكون خائفا ، ولهذا قال تعالى : { يحذر الاخرة ويرجوا رحمة ربه } ( الزمر ~~: 9 ) وقال عليه السلام : ( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ) ، واعلم أن ~~كلام الغزالي رحمه الله أبين وأدخل في التحقيق ، إلا أنه يتوجه عليه إشكال ~~وهو أن العلم بكون الفعل الفلاني ضررا مع العلم بأن ذلك الفعل صدر منه يوجب ~~تألم القلب وذلك التألم يوجب إرادة الترك في الحال والاستقبال وإرادة تلافي ~~ما حصل منه في الماضي وإذا كان بعض هذه الأشياء مرتبا على البعض ترتبا ~~ضروريا لم يكن ذلك داخلا تحت قدرته فاستحال أن يكون مأمورا به . والحاصل أن ~~الداخل في الوسع ليس إلا تحصيل العلم ، فأما ما عداه فليس للاختيار إليه ~~سبيل ، لكن لقائل أن يقول : تحصيل العلم ليس أيضا في الوسع لأن تحصيل العلم ~~ببعض المجهولات لا يمكن إلا بواسطة معلومات متقدمة على ذلك المجهول ؛ فتلك ~~العلوم الحاضرة المتوسل بها إلى اكتساب ذلك المجهول / إما أن تكون مستلزمة ~~للعلم بذلك المجهول أو لم تكن مستلزمة . فإن كان الأول كان ترتب المتوسل ~~إليه على المتوسل به ضروريا ، فلا يكون ذلك داخلا في القدرة والاختيار ، ~~وإن كان الثاني لم يكن استنتاج المطلوب المجهول عن تلك المعلومات الحاضرة ~~لأن المقدمات القريبة لا بد وأن تكون بحال يلزم من تسليمها في الذهن تسليم ~~المطلوب ، فإذا لم تكن كذلك لم تكن تلك المقدمات منتجة لتلك النتيجة . فإن ~~PageV03P020 قيل لم لا يجوز أن يقال : تلك المقدمات وإن كانت حاضرة في ms0731 ~~الذهن إلا أن كيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة غير حاضرة في الذهن ، فلا ~~جرم لا يلزم من العلم بتلك المقدمات العلم بتلك النتيجة لا محالة . قلنا : ~~العلم بكيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة إما أن يكون من البديهيات أو من ~~الكسبيات ، فإن كان من البديهيات لم يكن في وسعه ؛ وإن كان من الكسبيات كان ~~القول في كيفية اكتسابه كما في الأول ، فإما أن يفضي إلى التسلسل وهو محال ~~أو يفضي إلى أن يصير من لوازمه فيعود المحذور المذكور والله أعلم . # المسألة الخامسة : سأل القاضي عبد الجبار نفسه فقال : إذا كانت هذه ~~المعصية صغيرة فكيف تلزم التوبة ؟ وأجاب بأن أبا علي قال : إنها تلزمه لأن ~~المكلف متى علم أنه قد عصى لم يحد فيما بعد وهو مختار ولا مانع من أن يكون ~~نادما أو مصرا لكن الإصرار قبيح فلا تتم مفارقته لهذا القبيح إلا بالتوبة ، ~~فهي إذن لازمة سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة وسواء ذكرها وقد تاب عنها ~~من قبل أو لم يتب . أما أبو هاشم فإنه يجوز أن يخلو العاصي من التوبة ~~والإصرار ويقول : لا يصح أن تكون التوبة واجبة على الأنبياء لهذا الوجه بل ~~يجب أن تكون واجبة لإحدى خلال ، فإما أن تجب لأن بالصغيرة قد نقص ثوابهم ~~فيعود ذلك النقصان بالتوبة ، وإما لأن التوبة نازلة منزلة الترك ، فإذا كان ~~الترك واجبا عند الإمكان فلا بد من وجوب التوبة مع عدم الإمكان ، وربما قال ~~: تجب التوبة عليهم من جهة السمع وهذا هو الأصح على قوله : لأن التوبة / لا ~~يجوز أن تجب لعود الثواب الذي هو المنافع فقط لأن الفعل لا يجوز أن يجب ~~لأجل جلب المنافع كما لا تجب النوافل بل الأنبياء عليهم السلام لما عصمهم ~~الله تعالى صار أحد أسباب عصمتهم التشديد عليهم في التوبة حالا بعد حال وإن ~~كانت معاصيهم صغيرة . # المسألة السادسة : قال القفال : أصل التوبة الرجوع كالأوبة . يقال : توب ~~كما يقال أوب . قال الله تعالى : { وقابل التوب } فقولهم تاب يتوب توبا ~~وتوبة ومتابا ms0732 فهو تائب وتواب كقولهم آب يؤوب أوبا وأوبة فهو آيب وأواب ، ~~والتوبة لفظة يشترك فيها الرب والعبد ، فإذا وصف بها العبد فالمعنى رجع إلى ~~ربه لأن كل عاص فهو في معنى الهارب من ربه فإذا تاب فقد رجع عن هربه إلى ~~ربه فيقال : تاب إلى ربه والرب في هذه الحالة كالمعرض عن عبده وإذا وصف بها ~~الرب تعالى فالمعنى أنه رجع على عبده برحمته وفضله ولهذا السبب وقع ~~الاختلاف في الصلة ، فقيل في العبد : تاب إلى ربه . وفي الرب على عبده وقد ~~يفارق الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفه عنده ، ثم يراجع خدمته ، فيقال ~~: فلان عاد إلى الأمير والأمير عاد عليه بإحسانه ومعروفه ، إذا عرفت هذا ~~فنقول : قبول التوبة يكون بوجهين ، أحدهما : أن يثيب عليها الثواب العظيم ~~كما أن قبول الطاعة يراد به ذلك ، والثاني : أنه تعالى يغفر ذنوبه بسبب ~~التوبة . # المسألة السابعة : المراد من وصف الله تعالى بالتواب المبالغة في قبول ~~التوبة وذلك من وجهين ، الأول : أن واحدا من ملوك الدنيا متى جنى عليه ~~إنسان ثم اعتذر إليه فإنه يقبل الاعتذار ، ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى ~~الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول العذر ، أما الله ~~سبحانه وتعالى فإنه بخلاف PageV03P021 ذلك / فإنه إنما يقبل التوبة لا لأمر ~~يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضرر بل إنما يقبلها لمحض الإحسان ~~والتفضل . فلو عصى المكلف كل ساعة ثم تاب وبقي على هذه الحالة العمر الطويل ~~لكان الله تعالى يغفر له ما قد سلف ويقبل توبته ، فصار تعالى مستحقا ~~للمبالغة في قبول التوبة فوصف بأنه تعالى تواب . الثاني : أن الذين يتوبون ~~إلى الله تعالى فإنه يكثر عددهم فإذا قبل توبة الجميع استحق المبالغة في ~~ذلك ، ولما كان قبول التوبة مع إزالة العقاب يقتضي حصول الثواب وكان الثواب ~~من جهته نعمة ورحمة وصف نفسه مع كونه توابا بأنه رحيم . # المسألة الثامنة : في هذه الآية فوائد : إحداها : أنه لا بد وأن يكون ~~العبد مشتغلا بالتوبة في ms0733 كل حين وأوان ، لما ورد في ذلك من الأحاديث ~~والآثار ، أما الأحاديث ( أ ) روي أن رجلا سأل أمير المؤمنين عليا رضي الله ~~عنه عن الرجل يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر فقال ~~أمير المؤمنين : يستغفر أبدا حتى يكون الشيطان هو الخاسر فيقول لا طاقة لي ~~معه ، وقال علي : كلما قدرت أن تطرحه في ورطة وتتخلص منها فافعل . ( ب ) ~~وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: لم يصر من استغفر / وإن عاد في اليوم سبعين مرة . ( ج ) وعن ابن عمر قال ~~عليه الصلاة والسلام : توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في كل يوم مائة مرة . ~~( د ) وأبو هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام حين أنزل عليه : { وأنذر ~~عشيرتك الاقربين } ( الشعراء : 214 ) ( يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله ~~لا أغنى عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا ~~يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد سليني ~~ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئا ) أخرجاه في الصحيح . ( ه ) وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم مائة مرة ) . # واعلم أن الغين شيء يغشى القلب فيغطيه بعض التغطية وهو كالغيم الرقيق ~~الذي يعرض في الجو فلا يحجب عن الشمس ولكن يمنع كمال ضوئها ، ثم ذكروا لهذا ~~الحديث تأويلات أحدها : أن الله تعالى أطلع نبيه على ما يكون في أمته من ~~بعده من الخلاف وما يصيبهم فكان إذا ذكر ذلك وجد غيما في قلبه فاستغفر ~~لأمته . وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام كان ينتقل من حالة إلى حالة ~~أرفع من الأولى ، فكان الاستغفار لذلك . وثالثها : أن الغيم عبارة عن السكر ~~الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانيا عن نفسه بالكلية ، فإذا عاد ~~إلى الصحو كان الاستغفار من ذلك الصحو وهو تأويل أرباب الحقيقة ، ورابعها : ~~وهو تأويل أهل الظاهر أن القلب ms0734 لا ينفك عن الخطرات والخواطر والشهوات ~~وأنواع الميل والإرادات فكان يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر ( و ) ~~أبو هريرة قال : قال عمر رضي الله عنه في قوله تعالى : { توبوا إلى الله ~~توبة نصوحا } ( التحريم : 8 ) إنه هو الرجل يعمل الذنب ثم يتوب ولا يريد أن ~~يعمل به ولا يعود ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : هو أن يهجر الذنب ويعزم ~~على أن لا يعود إليه أبدا . ( ز ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكيا ~~عن الله تعالى : يقول لملائكته : ( إذا هم عبدي بالحسنة فاكتبوها له حسنة ~~فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها وإذا هم بالسيئة فعملها فاكتبوها سيئة ~~واحدة فإن تركها فاكتبوها له حسنة ) رواه مسلم . ( ح ) روي أن جبريل عليه ~~السلام سمع إبراهيم عليه السلام وهو يقول : يا كريم العفو ، فقال جبريل : ~~أو تدري ما كريم العفو ؟ فقال : لا يا جبريل . PageV03P022 قال : أن يعفو ~~عن السيئة ويكتبها حسنة . ( ط ) أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام : ( من ~~استفتح أول نهاره بالخير وختمه بالخير قال الله تعالى للملائكة لا تكتبوا ~~على عبدي ما بين ذلك من الذنوب ) . # ( ي ) عن أبي سعيد الخدري قال : قال عليه الصلاة والسلام : ( كان فيمن ~~قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض ، فدل على راهب ~~فأتاه فقال : إنه قد قتل تسعة وتسعين نفسا فهل للقاتل من توبة ؟ فقال : لا ~~، فقتله فكمل المائة . ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه ~~فقال : إنه قتل مائة نفس فهل من توبة ؟ فقال : نعم ومن يحول بينك وبين ~~التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناسا يعبدون الله تعالى فاعبده معهم ~~ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ، فانطلق حتى أتى نصف الطريق فأتاه الموت ~~فاختصمت / فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة : جاء ~~تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى . وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل ~~خيرا قط . فأتاهم ملك في صورة آدمي وتوسط بينهم فقال : قيسوا ما بين ~~الأرضين فإلى ms0735 أيهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي ~~أراد بشبر فقبضته ملائكة الرحمة ) . رواه مسلم ( يا ) ثابت البناني : بلغنا ~~أن إبليس قال : يا رب إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه ~~وعلى ولده ، فقال الله سبحانه وتعالى : ( جعلت صدورهم مساكن لك ) ، فقال : ~~رب زدني ، فقال : لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة . قال : رب زدني . قال ~~: تجري منه مجرى الدم . قال : رب زدني . قال : { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ~~وشاركهم فى الاموال والاولاد } ( الإسراء : 6 ) ، قال : فعندها شكا آدم ~~إبليس إلى ربه تعالى فقال : يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة ~~وبغضاء وسلطه علي وعلى ذريتي وأنا لا أطيقه إلا بك ، فقال الله تعالى : لا ~~يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء . قال : رب زدني . ~~قال : الحسنة بعشر أمثالها . قال : رب زدني . قال : لا أحجب عن أحد من ولدك ~~التوبة ما لم يغرغر ) . ( يب ) أبو موسى الأشعري قال : قال عليه الصلاة ~~والسلام : إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب ~~مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) رواه مسلم . ( يج ) عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه قال : كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حديثا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني ، فإذا حدثني أحد من أصحابه ~~استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته ، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ~~ثم يقوم فيصلي ركعتين فيستغفر الله تعالى إلا غفر له ) . ثم قرأ : { والذين ~~إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } إلى قوله : { فاستغفروا لذنوبهم } ( ~~البقرة : 135 ) . ( يد ) أبو إمامة قال : بينا أنا قاعد عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي . قال ~~: فأعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك ، وأقيمت الصلاة فدخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms0736 فصلى ثم خرج قال أبو أمامة : فكنت أمشي مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والرجل يتبعه ويقول : يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي ، ~~فقال عليه السلام : ( أليس حين خرجت من بيتك توضأت فأحسنت الوضوء ؟ قال : ~~بلى يا رسول ، قال : وشهدت معنا هذه الصلاة ؟ قال : بلى يا رسول الله ، قال ~~: فإن الله قد غفر لك حدك أو قال ذبنك ) رواه مسلم . ( يه ) عبد الله قال : ~~جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله إني عالجت امرأة ~~من أقصى المدينة وإني أصبت ماء دون أن أمسها فها أنا ذا فاقض في ما شئت ، ~~فقال له عمر : لقد سترك الله لو سترت نفسك ، فلم يرد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شيئا ، فقام الرجل فانطلق فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وتلا ~~عليه هذه الآية : { وأقم الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل إن الحسنات ~~يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) . فقال واحد من القوم : يا نبي الله هذا له ~~خاصة ، قال : بل للناس عامة . رواه PageV03P023 مسلم . ( يو ) أبو هريرة ~~قال : قال عليه / السلام : ( إن عبدا أصاب ذنبا فقال يا رب إني أذنبت ذنبا ~~فاغفر لي فقال ربه : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له ، ثم ~~مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر . فقال : يا رب إني أذنبت ذنبا آخر ~~فاغفره لي ، فقال ربه : إن عبدي علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له ~~، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا آخر فقال : يا رب أذنبت ذنبا آخر فاغفره ~~لي ، فقال ربه : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به فقال له ربه : ~~غفرت لعبدي فليعمل ما شاء ) . أخرجاه في الصحيح . ( يز ) أبو بكر قال : قال ~~عليه الصلاة والسلام : ( لم يصر من استغفر الله ولو عاد في اليوم سبعين مرة ~~. ( يح ) أبو أيوب قال : قد كنت كتمتكم شيئا سمعت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : ( لولا أنكم تذنبون ms0737 فتستغفرون لخلق الله تعالى خلقا ~~يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) رواه مسلم . ( يط ) قال عبد الله : بينما نحن ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد ~~التف عليه فقال : يا رسول الله إني مررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ ~~طائر فأخذتهن فوضعتهن في كسائي فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها ~~عنهن فوقعت عليهن أمهن فلففتهن جميعا في كسائي فهن معي ، فقال عليه الصلاة ~~والسلام : ضعهن عنك فوضعتهن فأبت أمهن إلا لزومهن ، فقال عليه السلام : ~~أتعجبون لرحمة أم الأفراخ بفراخها ، قالوا : نعم يا رسول الله ، فقال : ~~والذي نفس محمد بيده أو قال فوالذي بعثني بالحق نبيا لله عز وجل أرحم ~~بعباده من أم الأفراخ بفراخها ، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن وأمهن ~~معهن فرجع بهن ) . ( ك ) عن أبي مسلم الخولاني عن أبي ذر رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى ~~قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا ~~. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي ~~فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ~~، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أتقى رجل منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئا ~~، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم ~~لم ينقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ~~اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منكم ما سأل لم ينقص ذلك من ~~ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة ، يا عبادي ~~إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك ~~فلا يلومن إلا نفسه ) . قال وكان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا ms0738 على ~~ركبتيه إعظاما له : وأما الآثار فسئل ذو النون عن التوبة فقال : إنها اسم ~~جامع لمعان ستة . أولهن : الندم على ما مضى ، الثاني : العزم على ترك ~~الذنوب في المستقبل . الثالث : أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله ~~تعالى . الرابع : أداء المظالم إلى المخلوقين في / أموالهم وأعراضهم . ~~الخامس : إذابة كل لحم ودم نبت من الحرم . السادس : إذاقة البدن ألم ~~الطاعات كما ذاق حلاوة المعصية . وكان أحمد بن حارس يقول : يا صاحب الذنوب ~~ألم يأن لك أن تتوب ، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب ، يا صاحب ~~الذنوب أنت بها في القبر مكروب ، يا صاحب الذنوب أنت غدا بالذنوب مطلوب . # الفائدة الثانية : من فوائد الآية : أن آدم عليه السلام لما لم يستغن عن ~~التوبة مع علو شأنه فالواحد منا أولى بذلك . PageV03P024 # الفائدة الثالثة : أن ما ظهر من آدم عليه السلام من البكاء على زلته ~~تنبيه لنا أيضا لأنا أحق بالبكاء من آدم عليه السلام . روي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان ~~بكاء داود أكثر ، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان ~~بكاء نوح أكثر ، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح عليهما ~~السلام إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر ) . # المسألة التاسعة : إنما اكتفى الله تعالى بذكر توبة آدم دون توبة حواء ~~لأنها كانت تبعا له كما طوى ذكر النساء في القرآن والسنة لذلك ، وقد ذكرها ~~في قوله : { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) . # ! 7 < { قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 38 ) قلنا اهبطوا منها . . . . . # > > المسألة الأولى : ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين : الأول ~~: قال الجبائي : الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى سماء الدنيا ~~والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض وهذا ضعيف من وجهين : أحدهما : أنه قال ~~في الهبوط الأول : { ولكم فى الارض مستقر ms0739 } فلو كان الاستقرار في الأرض ~~إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله : { ولكم فى الارض مستقر ومتاع } ( ~~البقرة : 36 ) عقيب الهبوط الثاني أولى . وثانيهما : أنه قال في الهبوط ~~الثاني : { اهبطوا منها } والضمير في ( منها ) عائد إلى الجنة . وذلك يقتضي ~~كون الهبوط الثاني من الجنة . الوجه الثاني : أن التكرير لأجل التأكيد ~~وعندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة ~~أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما ~~كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب أن لا يبقى الأمر بالهبوط فأعاد الله تعالى ~~الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب ~~الزلة حتى يزول بزوالها بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة لأن الأمر به كان ~~تحقيقا للوعد المتقدم في قوله : { إني جاعل فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ~~) فإن قيل / ما جواب الشرط الأول ؟ قلنا : الشرط الثاني مع جوابه ، كقولك : ~~إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك . # المسألة الثانية : روي في الأخبار أن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء ~~بجدة وإبليس بموضع من البصرة على أميال والحية بأصفهان . # المسألة الثالثة : في ( الهدي ) وجوه : أحدها : المراد منه كل دلالة ~~وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي ، وفيه تنبيه على عظم ~~نعمة الله تعالى على آدم وحواء فكأنه قال : وإن أهبطنكم من الجنة إلى الأرض ~~فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع . ~~قال الحسن : PageV03P025 لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض أوحى الله ~~تعالى إليه يا آدم أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك . واحدة لي وواحدة لك ~~وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين الناس ، أما التي لي فتعبدني لا تشرك ~~بي شيئا ، وأما التي لك فإذا عملت نلت أجرتك ، وأما التي بيني وبينك فعليك ~~الدعاء وعلي الإجابة ، وأما التي بينك وبين الناس فإن تصحبهم بما تحب أن ~~يصحبوك به . وثانيها : ما روي عن أبي العالية أن المراد من الهدى ms0740 الأنبياء ~~وهذا إنما يتم لو كان المخاطب بقوله : { فإما يأتينكم منى هدى } غير آدم ~~وهم ذريته وبالجملة فهذا التأويل يوجب تخصيص المخاطبين بذرية آدم وتخصيص ~~الهدي بنوع معين وهو الأنبياء من غير دليل دل على هذا التخصيص . # المسألة الرابعة : أنه تعالى بين أن من اتبع هداه بحقه علما وعملا ~~بالإقدام على ما يلزم والاحجام عما يحرم فإنه يصير إلى حال لا خوف فيها ولا ~~حزن ، وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئا كثيرا من المعاني لأن قوله : { ~~فإما يأتينكم منى هدى } ( البقرة : 38 ) ( طه : 123 ) دخل فيه الإنعام ~~بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادات البيان وجميع ما لا يتم ذلك إلا به ~~من العقل ووجوه التمكن ، وجميع قوله : { فمن تبع هداي } ( البقرة : 38 ) ~~تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها ويجمع ذلك ~~كل التكاليف وجمع قوله : { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ( البقرة : 38 ) ~~جميع ما أعد الله تعالى لأولياءه لأن زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع ~~الآفات وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات وقدم عدم الخوف ~~على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على طلب ما ينبغي / وهذا يدل على ~~أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف في القبر ولا عند البعث ولا ~~عند حضور الموقف ولا عند تطاير الكتب ولا عند نصب الموازين ولا عند الصراط ~~كما قال الله تعالى : { لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملئكة هاذا ~~يومكم الذى كنتم توعدون } ( الأنبياء : 103 ) وقال قوم من المتكلمين : إن ~~أهوال القيامة كما تصل إلى الكفار والفساق تصل أيضا إلى المؤمنين لقوله ~~تعالى : { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت } ( الحج : 2 ) وأيضا فإذا ~~انكشفت تلك الأهوال وصاروا إلى الجنة ورضوان الله صار ما تقدم كأن لم يمكن ~~، بل ربما كان زائدا في الالتذاذ بما يجده من / النعيم وهذا ضعيف لأن قوله ~~: { لا يحزنهم الفزع الاكبر } أخص من قوله : { يوم ترونها تذهل كل مرضعة ~~عما أرضعت } والخاص مقدم على العام . وقال ابن زيد ms0741 : لا خوف عليهم أمامهم ~~فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت ، فأمنهم الله تعالى منه . ~~ثم سلاهم عن الدنيا فقال : { ولا هم يحزنون } على ما خلفوه بعد وفاتهم في ~~الدنيا فإن قيل قوله : { فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } يقتضي ~~نفي الخوف والحزن مطلقا في الدنيا والآخرة وليس الأمر كذلك لأنهما حصلا في ~~الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين ، قال عليه الصلاة والسلام ~~: ( خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ) ، وأيضا فالمؤمن ~~لا يمكنه القطع أنه أتى بالعبادات كما ينبغي فخوف التقصير حاصل وأيضا فخوف ~~سوء العاقبة حاصل ، قلنا قرائن الكلام تدل على أن المراد نفيهما في الآخرة ~~لا في الدنيا . ولذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنة : { الحمد ~~لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور } ( فاطر : 43 ) أي أذهب عنا ~~ما كنا فيه من الخوف والإشفاق في الدنيا من أن تفوتنا كرامة الله تعالى ~~التي نلناها الآن . # المسألة الخامسة : قال القاضي : قوله تعالى : { فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } يدل PageV03P026 على أمور . أحدها : أن الهدى قد ~~يثبت ولا اهتداء فلذلك قال : { فمن تبع هداي } . وثانيها : بطلان القول بأن ~~المعارف ضرورية ، وثالثها : أن باتباع الهدى تستحق الجنة ، ورابعها : إبطال ~~التقليد لأن المقلد لا يكون متبعا للهدى . # ! 7 < { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولائك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~} > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 39 ) والذين كفروا وكذبوا . . . . . # > > # قوله تبارك وتعالى : { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } لما وعد الله متبع الهدى بالأمن من العذاب والحزن عقبه بذكر ~~من أعد له العذاب الدائم فقال : { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } سواء ~~كانوا من الإنس أو من الجن فهم أصحاب العذاب الدائم . # وأما الكلام في أن العذاب هل يحسن أم لا وبتقدير حسنه فهل يحسن دائما أم ~~لا ؟ فقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله : { وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب ~~عظيم } ( البقرة : 7 ) وههنا آخر الآيات الدالة على النعم ms0742 التي أنعم الله ~~بها على جميع بني آدم وهي دالة على التوحيد من حيث إن هذه النعم أمور حادثة ~~فلا بد لها من محدث وعلى النبوة من حيث إن محمدا صلى الله عليه وسلم أخبر ~~عنها موافقا لما كان موجودا في التوراة والإنجيل من غير تعلم ولا تلمذة ~~لأحد قدر وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلق هذه الأشياء ابتداء على ~~خلقها إعادة وبالله التوفيق . < < # | البقرة : ( 40 ) يا بني إسرائيل . . . . . # > > # / القول في النعم الخاصة ببني إسرائيل # اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولا ثم ~~عقبها بذكر الإنعامات العامة لكل البشر عقبها بذكر الإنعامات الخاصة على ~~أسلاف اليهود كسرا لعنادهم ولجاجهم بتذكير النعم السالفة واستمالة لقلوبهم ~~بسببها وتنبيها على ما يدل على نوبة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث كونها ~~إخبارا عن الغيب . واعلم أنه سبحانه ذكرهم تلك النعم أولا على سبيل الإجمال ~~فقال : { خالدون يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم وأوفوا بعهدى ~~أوف بعهدكم } وفرع على تذكيرها الأمر بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فقال : { وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم } ثم عقبها بذكر الأمور التي ~~تمنعهم عن الإيمان به ، ثم ذكرهم تلك النعم على سبيل الإجمال ثانيا بقوله ~~مرة أخرى : { خالدون يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } تنبيها ~~على شدة غفلتهم ، ثم أردف هذا التذكير بالترغيب البالغ بقوله : { وأنى ~~فضلتكم على العالمين } ( البقرة : 41 ) مقرونا بالترهيب البالغ بقوله : { ~~واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا } ( البقرة : 48 ) إلى آخر الآية . ثم ~~شرع PageV03P027 بعد ذلك في تعديد تلك النعم على سبيل التفصيل ومن تأمل ~~وأنصف علم أن هذا هو النهاية في حسن الترتيب لمن يريد الدعوة وتحصيل ~~الإعتقاد في قلب المستمع . وإذ قد حققنا هذه المقدمة فلنتكلم الآن في ~~التفير بعون الله . # ! 7 < { يابنىإسراءيل اذكروا نعمتي التىأنعمت عليكم وأوفوا بعهدىأوف ~~بعهدكم وإياى فارهبون } > 7 ! # المسألة الأولى : اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن ~~إبراهيم ويقولون إن معنى ms0743 إسرائيل عبد الله لأن ( إسرا ) في لغتهم هو العبد ~~و ( إيل ) هو الله وكذلك جبريل وهو عبد الله وميكائيل عبد الله . قال ~~القفال : قيل إن ( إسرا ) بالعبرانية في معنى إنسان فكأنه قيل رجل الله ~~فقوله : { معى بنى إسراءيل } خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ~~ولد يعقوب عليه السلام في أيام محمد صلى الله عليه وسلم . # المسألة الثانية : حد النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى ~~الغير ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ~~، قالوا : وإنما زدنا هذا لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لم ~~يستحق بها الشكر والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه / يجوز أن يستحق الشكر ~~بالإحسان وإن كان فعله محظورا لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة استحقاق الذم ~~والعقاب ، فأي امتناع في اجتماعهما ؟ ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر ~~بإنعامه والذم بمعصيته فلم لا يجوز ههنا أن يكون الأمر كذلك ؟ ولنرجع إلى ~~تفيسر الحد فنقول : أما قولنا : المنفعة فلأن المضرة المحضة لا يجوز أن ~~تكون نعمة ، وقولنا : المفعولة على جهة الإحسان فلأنه لو كان نفعا وقصد ~~الفاعل نفع نفسه لا نفع المفعول به كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها أو ~~أراد استدراجه إلى ضرر واختداعه كمن أطعم خبيصا مسموما ليهلكه لم يكن ذلك ، ~~نعمة فأما إذا كانت المنفعة مفعولة على قصد الإحسان إلى الغير كانت نعمة . ~~إذا عرفت حد النعمة فلنفرع عليه فروعا : الفرع الأول : اعلم أن كل ما يصل ~~إلينا آناء الليل والنهار في الدنيا والآخرة من النفع ودفع الضرر فهو من ~~الله تعالى على ما قال تعالى : { وما بكم من نعمة فمن الله } ( النحل : 53 ~~) ، ثم إن النعمة على ثلاثة أوجه : أحدها : نعمة تفرد الله بها نحو أن خلق ~~ورزق ، وثانيها : نعمة وصلت إلينا من جهة غيره بأن خلقها وخلق المنعم ومكنه ~~من الإنعام وخلق فيه قدرة الأنعام وداعيته ووفقه عليه وهداه إليه ، فهذه ~~النعمة في الحقيقة أيضا من الله تعالى ، إلا أنه تعالى لما أجراها ms0744 على يد ~~عبده كان ذلك العبد مشكورا ، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى ، ~~ولهذا قال : { أن اشكر لى ولوالديك } ( لقمان : 14 ) فبدأ بنفسه ، وقال ~~عليه السلام : ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ) . وثالثها : نعمة وصلت ~~إلينا من الله تعالى بواسطة طاعاتنا وهي أيضا من الله تعالى لأنه لولا أنه ~~سبحانه وتعالى وفقنا على الطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار ~~وإلا لما وصلنا إلى شيء منها ، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم من الله ~~تعالى على ما قال سبحانه وتعالى : { وما بكم من نعمة فمن الله } . ~~PageV03P028 الفرع الثاني : أن نعم الله تعالى على عبيده مما لا يمكن عدها ~~وحصرها على ما قال : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( النحل : 18 ) ~~وإنما لا يمكن ذلك لأن كل ما أودع فينا من المنافع واللذات التي ننتفع بها ~~والجوارح والأعضاء التي نستعملها في جلب المنافع ودفع المضار وما خلق الله ~~تعالى في العالم مما يلتذ به ويستدل على وجود الصانع وما وجد في العالم مما ~~يحصل الانزجار برؤيته عن المعاصي مما لا يحصى عدده وكل ذلك منافع لأن ~~المنفعة هي اللذة أو ما يكون وسيلة إلى اللذة وجميع ما خلق الله تعالى كذلك ~~لأن كل ما يلتذ به نعمة وكل ما يلتذ به وهو وسيلة إلى دفع الضرر فهو كذلك ~~والذي لا يكون جالبا للنفع الحاضر ولا دافعا للضرر الحاضر فهو صالح لأن ~~يستدل به على الصانع الحكيم فيقع ذلك وسيلة إلى معرفته وطاعته وهما وسيلتان ~~إلى اللذات الأبدية فثبت أن جميع مخلوقاته سبحانه نعم على العبيد / ولما ~~كانت العقول قاصرة عن تعديد ما في أقل الأشياء من المنافع والحكم فكيف يمكن ~~الإحاطة بكل ما في العالم من المنافع والحكم ، فصح بهذا معنى قوله تعالى : ~~{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } فإن قيل : فإذا كانت النعم غير متناهية ~~وما لا يتناهى لا يحصل العلم به في حق العبد فكيف أمر بتذكرها في قوله : { ~~اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } والجواب أنها غير ms0745 متناهية بحسب الأنواع ~~والأشخاص إلا أنها متناهية بحسب الأجناس ، وذلك يكفي في التذكير الذي يفيد ~~العلم بوجود الصانع الحكيم . واعلم أنه لما ثبت أن استحقاق الحمد والثناء ~~والطاعة لا يتحقق إلا على إيصال النعمة ثبت أنه سبحانه وتعالى هو المستحق ~~لحمد الحامدين . ولهذا قال في ذم الأصنام : { هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ~~ينفعونكم أو يضرون } ( الشعراء : 72 ، 73 ) وقال تعالى : { ويعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم } ( الفرقان : 55 ) وقال : { أفمن يهدى إلى ~~الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى } ( يونس : 35 ) . الفرع الثالث ~~: أن أول ما أنعم الله به على عبيده هو أن خلقهم أحياء والدليل عليه قوله ~~تعالى : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم ~~إليه ترجعون * هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا } ( البقرة : 28 ، 29 ) ~~إلى آخر الآية ، وهذا صريح في أن أصل النعم الحياة لأنه تعالى أول ما ذكر ~~من النعم فإنما ذكر الحياة ثم إنه تعالى ذكر عقيبها سائر النعم وأنه تعالى ~~إنما ذكر المؤمنين ليبين أن المقصود من حياة الدنيا حياة الآخرة والثواب . ~~وبين أن جميع ما خلق قسمان منتفع ومنتفع به ، هذا قول المعتزلة . وقال أهل ~~السنة : إنه سبحانه كما خلق المنافع خلق المضار ولا اعتراض لأحد عليه ، ~~ولهذا سمى نفسه ( النافع الضار ) ولا يسأل عما يفعل . الفرع الرابع : قالت ~~المعتزلة : إن الله تعالى قد أنعم على المكلفين بنعمة الدنيا ونعمة الدين ، ~~وسوى بين الجميع في النعم الدينية والدنيوية ، أما في النعم الدينية فلأن ~~كل ما كان في المقدور من الألطاف فقد فعل بهم والذي لم يفعله فغير داخل في ~~القدرة إذ لو قدر على لطف لم يفعله بالمكلف لبقي عذر المكلف ، وأما في ~~الدنيا فعلى قول البغداديين خاصة لأن عندهم يجب رعاية الأصلح في الدنيا ~~وعند البصريين لا يجب . وقال أهل السنة : إن الله تعالى خلق الكافر للنار ~~ولعذاب الآخرة ثم اختلفوا في أنه هل لله نعمة على الكافر في الدنيا ms0746 ؟ فمنهم ~~من قال : هذه النعم القليلة في الدنيا لما كانت مؤدية إلى الضرر الدائم في ~~الآخرة لم يكن ذلك نعمة على الكافر في الدنيا ، فإن من جعل السم في الحلوى ~~لم يعد النفع الحاصل من أكل الحلوى نعمة لما PageV03P029 كان ذلك سبيلا إلى ~~الضرر العظيم ، ولهذا قال تعالى : { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم ~~خير لانفسهم إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } ( آل عمران : 178 ) ومنهم من ~~قال : إنه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدين فلقد أنعم عليه بنعمة ~~الدنيا وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله ، وهذا القول أصوب ويدل ~~عليه وجوه . أحدها : قوله تعالى : { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى ~~خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء ~~} ( البقرة : 21 ، 22 ) فنبه على أنه يجب على الكل طاعته لمكان هذه النعم ~~وهي نعمة الخلق والرزق . ثانيها : قوله تعالى : { كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا } ( البقرة : 28 ) إلى آخره وذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم ~~ولو لم يصل إليهم من الله تعالى شيء من النعم لما صح ذلك . وثالثها : قوله ~~: { راجعون يابنى إسراءيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على ~~العالمين } ( البقرة : 47 ) وهذا نص صريح في أن الله تعالى أنعم على الكافر ~~إذ المخاطب بذلك هم أهل الكتاب وكانوا من الكفار وكذا قوله : { خالدون ~~يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي } إلى قوله : { وإذ أنجيناكم } وقوله : { وإذ ~~ءاتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } ( البقرة : 53 ) . وكل ذلك عد ~~للنعم على العبيد . ورابعها : قوله : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ~~مكناهم فى الارض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا } ( الأنعام : ~~6 ) . وخامسها : قوله : { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه } ( ~~الأنعام : 63 ) إلى قوله : { ثم أنتم تشركون } . وسادسها : قوله : { ولقد ~~مكناكم فى الارض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون } ( الأعراف : 10 ) ~~وقال في قصة إبليس : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } ( الأعراف : 17 ) ، ولو لم ~~يكن عليهم من الله ms0747 نعمة لما كان لهذا القول فائدة . وسابعها : قوله : { ~~واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم فى الارض } ( الأعراف : 86 ) ~~الآية ، وقال حاكيا عن شعيب : { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } وقال حاكيا ~~عن موسى : { قال أغير الله أبغيكم إلاها وهو فضلكم على العالمين } ( ~~الأعراف : 140 ) . وثامنها : قوله : { ذالك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم } ( الأنفال : 53 ) وهذا صريح . وتاسعها : قوله : { هو الذى ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذالك إلا بالحق } ( يونس : 5 ) . وعاشرها : قوله تعالى : { وإذا أذقنا ~~الناس رحمة من بعد ضراء مستهم } . الحادي عشر : قوله : ( هو الذي يسيركم في ~~البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها } إلى ~~قوله : { * } إلى قوله : { فلما أنجاهم إذا هم يبغون فى الارض بغير الحق } ~~( يونس : 21 23 ) . PageV03P030 الثاني عشر : قوله : { وهو الذى جعل لكم ~~اليل لباسا } ( الفرقان : 47 ) . وقوله : { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا } ( يونس : 67 ) . الثالث عشر : { ألم تر إلى الذين ~~بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار ~~} ( إبراهيم : 28 29 ) . الرابع عشر : { الله الذى خلق * السماوات والارض * ~~وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى فى ~~البحر بأمره } ( إبراهيم : 32 ) . الخامس عشر : قوله تعالى : { وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } ( إبراهيم : 34 ) وهذا صريح ~~في إثبات النعمة في حق الكفار . # واعلم أن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى العبارة . وذلك لأنه لا نزاع في ~~أن هذه الأشياء أعني الحياة والعقل والسمع والبصر وأنواع الرزق والمنافع من ~~الله تعالى إنما الخلاف في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المضار ~~الأبدية هل يطلق في العرف عليها اسم النعمة أم لا ؟ ومعلوم أن ذلك نزاع في ~~مجرد عبارة ، وأما الذي يدل على أن ما لا يلتذ به المكلف فهو تعالى إنما ~~خلقه لينتفع به في الاستدلال ms0748 على الصانع وعلى لطفه وإحسانه فأمور . أحدها : ~~قوله تعالى في سورة أتى أمر الله : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من ~~يشآء من عباده } فيبين تعالى أنه إنما بعث الرسل مبشرين ومنذرين ولأجل ~~الدعوة إلى وحدانيته والإيمان بتوحيده وعدله ، ثم إنه تعالى قال : { خلق * ~~السماوات والارض بالحق * تعالى عما يشركون * خلق الإنسان من نطفة فإذا هو ~~خصيم مبين } ( النحل : 2 4 ) فبين أن حدوث العبد مع ما فيه من الكفر من ~~أعظم الدلائل على وجود الصانع وهو انقلابه من حال إلى حال ، من كونه نطفة ~~ثم علقة ثم مضغة إلى أن ينتهي من أخس أحواله / وهو كونه نطفة إلى أشرف ~~أحواله وهو كونه خصيما مبينا ، ثم ذكر بعد ذلك وجوه إنعامه فقال : { ~~والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون } إلى قوله : { هو الذى ~~أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون } ( النحل : 10 ) بين ~~بذلك الرد على الدهرية وأصحاب الطبائع لأنه تعالى بين أن الماء واحد ~~والتراب واحد ومع ذلك اختلفت الألوان والطعوم والروائح ، ثم قال : { وسخر ~~لكم الشمس والقمر } ( إبراهيم : 33 ) بين به الرد على المنجمين وأصحاب ~~الأفلاك حيث استدل بحركاتها وبكونها مسخرة على طريقة واحدة على حدوثها ~~فأثبت سبحانه وتعالى بهذه الآيات أن كل ما في العالم مخلوق لأجل المكلفين ~~لأن كل ما في العالم مما يغاير ذات المكلف ليس يخلو من أن يلتذ به المكلف ~~ويستروح إليه فيحصل له به سرور أو يتحمل عنه كلفة أو يحصل له به اعتبار نحو ~~الأجسام المؤذية كالحيات والعقارب فيتذكر بالنظر إليها أنواع العقاب في ~~الآخرة فيحترز منها ويستدل بها على المنعم الأعظم ، فثبت أنه لا يخرج شيء ~~من مخلوقاته عن هذه المنافع ، ثم إنه سبحانه وتعالى نبه على عظم إنعامه ~~بهذه الأشياء في آخر هذه الآيات فقال : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ~~( إبراهيم : 34 ) . وثانيها : قوله تعالى : { وضرب الله مثلا قرية كانت ~~ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت PageV03P031 بأنعم الله } ~~( النحل : 112 ms0749 ) فنبه بذلك على أن كون النعمة واصلة إليهم يوجب أن يكون ~~كفرانها سببا للتبديل ، وثالثها : قوله في قصة قارون : { وأحسن كما أحسن ~~الله إليك } ( القصص : 77 ) وقال : { ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى * ~~السماوات وما في الارض * وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } ( لقمان : 20 ) ~~وقال : { أفرءيتم ما تمنون * تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن } ( الواقعة : ~~58 ) وقال : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ( يس : 14 ) ( الرحمن : 16 ) على ~~سبيل التكرير وكل ما في هذه السورة فهو من النعم ، إما في الدين أو في ~~الدنيا فهذا ما يتعلق بهذا الباب . # المسألة الثالثة : في النعم المخصوصة ببني إسرائيل قال بعض العارفين : ~~عبيد النعم كثيرون وعبيد المنعم قليلون ، فالله تعالى ذكر بني إسرائيل ~~بنعمه عليهم ولما آل الأمر إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذكرهم بالمنعم ~~فقال : { فاذكرونى أذكركم } فدل ذلك على فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~على سائر الأمم . # واعلم أن نعم الله تعالى على بني إسرائيل كثيرة ( أ ) استنقذهم مما كانوا ~~فيه من البلاء من فرعون وقومه وأبدلهم من ذلك بتمكينهم في الأرض وتخليصهم ~~من العبودية كما قال : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الارض ونجعلهم ~~أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم فى الارض ونرى فرعون وهامان وجنودهما ~~منهم ما كانوا يحذرون } ( القصص : 5 ، 6 ) . ( ب ) جعلهم أنبياء وملوكا بعد ~~أن كانوا عبيدا للقبط فأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم كما ~~قال : { كذلك وأورثناها بنى إسراءيل } ( الشعراء : 59 ) ( ج ) أنزل عليهم ~~الكتب العظيمة التي ما أنزلها على أمة سواهم كما قال : { وإذ قال موسى ~~لقومه ياقوم * قوم * اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ~~ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } ( المائدة : 20 ) . ( د ) روى ~~هشام عن ابن عباس أنه قال : من نعمة الله تعالى على بني إسرائيل أن نجاهم ~~من آل فرعون وظلل عليهم في التيه الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه ~~وأعطاهم الحجر الذي / كان كرأس الرجل يسقيهم ما شاؤوا من الماء متى ms0750 أرادوا ~~فإذا استغنوا عن الماء رفعوه فاحتبس الماء عنهم وأعطاهم عمودا من النور ~~ليضيء لهم بالليل وكانت رؤوسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى . واعلم أنه ~~سبحانه وتعالى إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه : أحدها : أن في جملة النعم ما ~~يشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل والزبور . وثانيها ~~: أن كثرة النعم توجب عظم المعصية فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما ~~دعوا إليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن . وثالثها : أن ~~تذكير النعم الكثيرة يوجب الحياء عن إظهار المخالفة . ورابعها : أن تذكير ~~النعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصهم من بين سائر الناس بها ومن خص أحدا بنعم ~~كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم لما قيل : إتمام المعروف خير من ابتدائه ~~فكأن تذكير النعم السالفة يطمع في النعم الآتية ، وذلك الطمع مانع من إظهار ~~المخالفة والمخاصمة . فإن قيل : هذه النعم ما كانت على المخاطبين بل كانت ~~على آبائهم فكيف تكون نعما عليهم وسببا لعظم معصيتهم ؟ والجواب من وجوه : ~~أحدها : لولا هذه النعم على آبائهم لما بقوا فما كان يحصل هذا النسل فصارت ~~النعم على الآباء كأنها نعم على الأبناء . PageV03P032 وثانيها : أن ~~الانتساب إلى الآباء وقد خصهم الله تعالى بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في ~~حق الأولاد . وثالثها : الأولاد متى سمعوا أن الله خص آباءهم بهذه النعم ~~لمكان طاعتهم وإعراضهم عن الكفر والجحود رغب الولد في هذه الطريقة لأن ~~الولد مجبول على التشبه بالأب في أفعال الخير فيصير هذا التذكير داعيا إلى ~~الاشتغال بالخيرات والإعراض عن الشرور . # أما قوله تعالى : { وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم } فاعلم أن العهد يضاف إلى ~~المعاهد والمعاهد جميعا وذكروا في هذا العهد قولين : الأول : أن المراد منه ~~جميع ما أمر الله به من غير تخصيص ببعض التكاليف دون بعض ثم فيه روايات . ~~إحداها : أنه تعالى جعل تعريفه إياهم نعمه عهدا له عليهم من حيث يلزمهم ~~القايم بشكرها كما يلزمهم الوفاء بالعهد والميثاق ، وقوله : { أوف بعهدكم } ~~أراد به الثواب والمغفرة . فجعل الوعد بالثواب شبيها بالعهد ms0751 من حيث ~~اشتراكهما في أنه لا يجوز الإخلال به . ثانيها : قال الحسن : المراد منه ~~العهد الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل في قوله تعالى : { وبعثنا منهم ~~اثنى عشر نقيبا وقال الله إنى معكم لئن أقمتم الصلواة وءاتيتم الزكواة } ~~إلى قوله : { ولادخلنكم جنات تجرى من تحتها الانهار } ( المائدة : 12 ) فمن ~~وفى لله بعهده وفى الله له بعهده ، وثالثها : وهو قول جمهور المفسرين أن ~~المراد أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات ونهيتكم عنه من المعاصي أوف بعهدكم ~~، أي أرضى عنكم وأدخلكم الجنة وهو الذي حكاه الضحاك عن ابن عباس وتحقيقه ما ~~جاء في قوله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم ~~الجنة } إلى قوله تعالى : { ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى ~~بايعتم به } ( التوبة : 111 ) . # القول الثاني : أن المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من ~~وصف محمد صلى الله عليه وسلم وأنه سيبعثه على ما صرح بذلك في سورة المائدة ~~بقوله : { ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسراءيل } إلى قوله : { لاكفرن عنكم ~~سيئاتكم ولادخلنكم جنات تجرى من تحتها الانهار } ( المائدة : 12 ) وقال في ~~سورة الأعراف : { واكتب لنا فى هاذه الدنيا حسنة وفي الاخرة إنا هدنا إليك ~~قال عذابى * الذين يتبعون الرسول النبى الامى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى ~~التوراة والإنجيل } ( الأعراف : 156 ) وأما عهد الله معهم فهو أن ينجز لهم ~~ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم ، ~~وقال : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم ~~رسول مصدق } ( آل عمران : 81 ) الآية . وقال : { وإذ قال عيسى ابن مريم ~~يابنى * بنى إسراءيل أنى * رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ~~ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد } ( الصف : 6 ) . وقال ابن عباس : إن ~~الله تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل ~~نبيا أميا فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه ~~وأدخلته ms0752 الجنة وجعلت له أجرين ، أجرا باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر ~~أنبياء بني إسرائيل ، وأجرا باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد ~~إسماعيل وتصديق هذا في قوله تعالى : { الذين ءاتيناهم الكتاب من قبله هم به ~~يؤمنون } ( القصص : 52 ) إلى قوله : { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } ~~( القصص : 54 ) وكان علي بن عيسى يقول تصديق ذلك في قوله تعالى : { فاسقون ~~ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من PageV03P033 ~~رحمته } ( الحديد : 28 ) وتصديقه أيضا فيما روى أبو موسى الأشعري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب ~~آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران ، ورجل أدب أمته ~~فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران ، ورجل ~~أطاع الله وأطاع سيده فله أجران ) بقي ههنا سؤالان : # السؤال الأول : لو كان الأمر كما قلتم فكيف يجوز من جماعتهم جحده ؟ ~~والجواب من وجهين : الأول : أن هذا العلم كان حاصلا عند العلماء بكتبهم لكن ~~لم يكن لهم العدد الكثير فجاز منهم كتمانه . الثاني : أن ذلك النص كان نصا ~~خفيا لا جليا فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه . # السؤال الثاني : الشخص المبشر به في هذه الكتب إما أن يكون قد ذكر في هذه ~~الكتب وقت خروجه ومكان خروجه وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك أو لم يذكر شيء ~~من ذلك ، فإن كان ذلك النص نصا جليا واردا في كتب منقولة إلى أهل العلم ~~بالتواتر فكان يمتنع قدرتهم على الكتمان وكان يلزم أن يكون ذلك معلوما ~~بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين . وإن كان الثاني لم يدل ذلك النص على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن يقولوا : إن ذلك المبشر به سيجيء ~~بعد ذلك على ما هو قول جمهور اليهود . والجواب أن الذين حملوا قوله تعالى : ~~{ وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم } على الأمر بالتأمل في الدلائل الدالة على ~~التوحيد والنبوة على ما شرحناه في القول الأول إنما اختاروه لقوة هذا ~~السؤال ms0753 ، فأما من أراد أن ينصر القول الثاني فإنه يجيب عنه بأن تعيين ~~الزمان والمكان لم يكن منصوصا عليه نصا جليا يعرفه كل أحد بل كان منصوصا / ~~عليه نصا خفيا فلا جرم لم يلزم أن يعلم ذلك بالضرورة من دين الأنبياء ~~المتقدمين عليهم السلام ولنذكر الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين ~~من البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم ، فالأول : جاء في الفصل التاسع ~~من السفر الأول من التوراة أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك ( من ~~قبل ) الله فقال لها يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت ؟ قالت : أهرب من ~~سيدتي سارة فقال لها : ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك ~~وذريتك وستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه إسماعيل من أجل أن الله سمع تبتلك ~~وخشوعك وهو يكون عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه ~~بالخضوع وهو يشكر على رغم جميع إخوته . # واعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة وليس ~~يجوز أن يبشر الملك من قبل الله بالظلم والجور وبأمر لا يتم إلا بالكذب على ~~الله تعالى ومعلوم أن إسماعيل وولده لم يكونوا متصرفين في الكل أعني في ~~معظم الدنيا ومعظم الأمم ولا كانوا مخالطين للكل على سبيل الاستيلاء إلا ~~بالإسلام لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على ~~الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف ، فلما جاء الإسلام ~~استولوا على الشرق والغرب بالإسلام ومازجو الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم ~~الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة ، فلو لم يكن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صادقا لكانت هذه المخالطة منهم للأمم ومن الأمم لهم ~~معصية لله تعالى وخروجا عن طاعته إلى طاعة الشيطان والله يتعالى عن أن يبشر ~~بما هذا سبيله . والثاني : جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس : ( إن ~~الرب إلهكم يقيم لكم نبيا مثلي من بينكم PageV03P034 ومن إخوانكم ) ، وفي ~~هذا الفصل أن الرب تعالى قال لموسى : ( إني مقيم لهم نبيا مثلك ms0754 من بين ~~إخوانهم وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا ~~أنتقم منه ) . وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه الله تعالى ليس من ~~بني إسرائيل كما أن من قال لبني هاشم : إنه سيكون من إخوانكم إمام ، عقل ~~أنه لا يكون من بني هاشم ، ثم إن يعقوب عليه السلام هو إسرائيل ولم يكن له ~~أخ إلا العيص ولم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب وإنه كان قبل موسى ~~عليه السلام فلا يجوز أن يكون موسى عليه السلام مبشرا به ، وأما اسماعيل ~~فإنه كان أخا لإسحق والد يعقوب ثم إن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني ~~إسرائيل ، فالنبي عليه السلام ما كان منهم لكنه كان من إخوانهم لأنه من ولد ~~إسماعيل الذي هو أخو إسحق عليهم السلام . فإن قيل قوله : ( من بينكم ) يمنع ~~من أن يكون المراد محمدا صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقم من بين بني ~~إسرائيل . قلنا : بل قد قام من بينهم لأنه عليه السلام ظهر بالحجاز فبعث ~~بمكة وهاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره . وقد كان حول المدينة بلاد اليهود ~~كخيبر وبني قينقاع والنضير وغيرهم ، وأيضا فإن الحجاز يقارب الشام وجمهور ~~اليهود كانوا إذ ذاك بالشام ، فإذا قام محمد بالحجاز فقد قام من بينهم ، ~~وأيضا فإنه إذا كان من إخوانهم فقد قام من بينهم فإنه ليس ببعيد منهم . ~~والثالث : قال في الفصل العشرين من هذا السفر : ( إن / الرب تعالى جاء في ~~طور سيناء وطلع لنا من ساعير وظهر من جبال فاران وصف عن يمينه عنوان ~~القديسين فمنحهم العز وحببهم إلى الشعوب ودعا لجميع قديسيه بالبركة ، وجه ~~الاستدلال : أن جبل فاران هو بالحجاز لأن في التوراة أن اسماعيل تعلم الرمي ~~في برية فاران ، ومعلوم أنه إنما سكن بمكة . إذا ثبت هذا فنقول : إن قوله : ~~( فمنحهم العز ) لا يجوز أن يكون المراد إسماعيل عليه السلام لأنه لم يحصل ~~عقيب سكنى إسماعيل عليه السلام هناك عز ولا اجتمع هناك ربوات القديسين فوجب ms0755 ~~حمله على محمد عليه السلام . قالت اليهود : المراد أن النار لما ظهرت من ~~طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضا ومن جبل فاران أيضا فانتشرت في هذه ~~المواضع قلنا هذا لا يصح لأن الله تعالى لو خلق نارا في موضع فإنه لا يقال ~~جاء الله من ذلك إذا تابع ذلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة وما ~~أشبه ذلك . وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من طور سيناء ~~فما كان ينبغي إلا أن يقال ظهر من ساعير ومن جبل فاران فلا يجوز وروده كما ~~لا يقال جاء الله من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران كما يتفق ذلك ~~في أيام الربيع ، وأيضا ففي كتاب حقوق بيان ما قلنا وهو جاء الله من طور ~~سيناء والقدس من جبل فاران ، وانكشفت السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من ~~حمده . يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه تسير المنايا أمامه ويصحب ~~سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وتأمل الأمم وبحث عنها فتضعضعت الجبال ~~القديمة واتضعت الروابي والدهرية ، وتزعزعت ستور أهل مدين وركبت الخيول ، ~~وعلوت مراكب الانقياد والغوث وستنزع في قسيك إغراقا ونزعا وترتوي السهام ~~بأمرك يا محمد ارتواء وتخور الأرض بالأنهار ، ولقد رأتك الجبال فارتاعت ~~وانحرف عنك شؤبوب السيل ونفرت المهاري نفيرا ورعبا ورفعت أيديها وجلا وفرقا ~~وتوقفت الشمس والقمر عن مجراهما وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك ~~تدوخ الأرض غضبا وتدوس الأمم زجرا لأنك ظهرت بخلاص PageV03P035 أمتك وإنقاذ ~~تراب آبائك ) . هكذا نقل عن ابن رزين الطبري . أما النصارى فقال أبو الحسين ~~رحمه الله في كتاب الغرر قد رأيت في نقولهم : ( وظهر من جبال فاران لقد ~~تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود وترتوى السهام بأمرك المحمود لأنك ظهرت ~~بخلاص أمتك وإنقاذ مسيحك ) ، فظهر بما ذكرنا أن قوله تعالى في التوراة : ( ~~ظهر الرب من جبال فاران ) ليس معناه ظهور النار منه بل معناه ظهور شخص ~~موصوف بهذه الصفات وما ذاك إلا رسولنا محمد صلى الله ms0756 عليه وسلم . فإن قالوا ~~المراد مجيء الله تعالى ولهذا قال في آخر الكلام : ( وإنقاذ مسيحك ) قلنا ~~لا يجوز وصف الله تعالى بأنه يركب الخيول وبأن شعاع منظره مثل النور وبأنه ~~جاز المشاعر القديمة ، أما قوله : ( وإنقاذ مسيحك ) فإن محمدا عليه السلام ~~أنقذ المسيح من كذب اليهود والنصارى . والرابع : ما جاء في كتاب أشعياء في ~~الفصل الثاني والعشرين منه : ( قومي فأزهري مصباحك ، يريد مكة ، فقد ~~دناوقتك وكرامة الله تعالى طالعة عليك فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على ~~الأمم الضباب والرب يشرق عليك إشراقا ويظهر كرامته / عليك تسير الأمم إلى ~~نورك والملوك إلى ضوء طلوعك وارفعي بصرك إلى ما حولك وتأملي فإنهم مستجمعون ~~عندك ويحجونك ويأتيك ولدك من بلد بعيد لأنك أم القرى فأولاد سائر البلاد ~~كأنهم أولاد مكة وتتزين ثيابك على الأرائك والسرر حين ترين ذلك تسرين ~~وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ويحج إليك عساكر الأمم ويساق ~~إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ ويتحدثون بنعم الله ويمجدونه وتسير إليك ~~أغنام فاران ويرفع إلى مذبحي ما يرضيني وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمدا ) . ~~فوجه الاستدلال أن هذه الصفات كلها موجودة لمكة فإنه قد حج إليها عساكر ~~الأمم ومال إليها ذخائر البحر وقوله : ( وأحدث لبيت محمدتي حمدا ) معناه أن ~~العرب كانت تلبي قبل الإسلام فتقول لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكة ~~وما ملك ، ثم صار في الإسلام : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك لبيك ، فهذا ~~هو الحمد الذي جدده الله لبيت محمدته . فإن قيل المراد : بذلك بيت المقدس ~~وسيكون ذلك فيما بعد . قلنا لا يجوز أن يقول الحكيم : ( قد دنا وقتك ) مع ~~أنه ما دنا بل الذي دنا أمر لا يوافق رضاه ومع ذلك لا يحذر منه وأيضا فإن ~~كتاب أشعياء مملوء من ذكر البادية وصفتها ، وذلك يبطل قولهم . والخامس : ~~روى السمان في تفسيره في السفر الأول من التوراة أن الله تعالى أوحى إلى ~~إبراهيم عليه السلام قال : ( قد أجبت دعاك في إسماعيل وباركت عليه فكبرته ~~وعظمته جدا ms0757 جدا وسيلد اثني عشر عظيما واجعله لأمة عظيمة ) والاستدلال به ~~أنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان كان لأمة عظيمة غير نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم فأما دعاء إبراهيم عليه السلام وإسماعيل فكان لرسولنا عليه ~~الصلاة والسلام لما فرغا من بناء الكعبة وهو قوله : { ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت ~~العزيز الحكيم } ( البقرة : 129 ) ولهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام : ( ~~أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ) وهو قوله : { ومبشرا برسول يأتى من ~~بعدى اسمه أحمد } ( الصف : 6 ) فإنه مشتق من الحمد والاسم المشتق من الحمد ~~ليس إلا لنبينا فإن اسمه محمد وأحمد ومحمود . قيل إن صفته في التوراة أن ~~مولده بمكة ومسكنه بطيبة وملكه بالشام وأمته الحمادون . والسادس : قال ~~المسيح للحواريين : ( أنا أذهب وسيأتيكم الفار قليط روح الحق الذي لا يتكلم ~~من قبل نفسه إنما يقول كما يقال له ) وتصديق ذلك : { إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلى } ( الأنعام : 50 ) وقوله : { قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن ~~أتبع إلا ما * يوحى إلى } ( يونس : 15 ) أما ( الفارقليط ) ففي تفسيره ~~وجهان : أحدهما أنه الشافع المشفع وهذا أيضا صفته عليه الصلاة والسلام ، ~~الثاني : قال بعض النصارى : الفار قليط هو PageV03P036 الذي يفرق بين الحق ~~والباطل وكان في الأصل فاروق كما يقال راووق للذي يروق به وأما ( ليط ) فهو ~~التحقيق في الأمر كما يقال شيب أشيب ذو شيب وهذا أيضا صفة شرعنا لأنه هو ~~الذي يفرق بين الحق والباطل . والسابع : قال دانيال ليختنصر حين سأله عن ~~الرؤيا التي كان رآها من غير أن قصها عليه : رأيت أيها الملك منظرا هائلا ~~رأسه من الذهب الأبريز وساعده من الفضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه من ~~حديد وبعضها / من خزف ورأيت حجرا يقطع من غير قاطع وصك رجل ذلك الصنم ودقها ~~دقا شديدا فتفتت الصنم كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه وصارت رفاتا وعصفت بها ~~الرياح فلم يوجد لها أثر وصار ذلك الحجر الذي صك ذلك ms0758 الرجل من ذلك الصنم ~~جبلا عاليا امتلأت به الأرض فهذا رؤياك أيها الملك . وأما تفسيرها فأنت ~~الرأس الذي رأيته من الذهب ويقوم بعدك مملكة أخرى دونك والمملكة الثالثة ~~التي تشبه النحاس تنبسط على الأرض كلها ، والمملكة الرابعة تكون قوتها مثل ~~الحديد ، وأما الرجل التي كان بعضها من خزف فإن بعض المملكة يكون عزيزا ~~وبعضها يكون ذليلا وتكون كلمة الملك متفرقة ويقيم إله السماء في تلك الأيام ~~مملكة أبدية لا تتغير ولا تزول وإنها تزيل جميع الممالك وسلطانها يبطل جميع ~~السلاطين وتقوم هي إلى الدهر الداهر فهذا تفسير الحجر الذي رأيت أنه يقطع ~~من جبل بلا قاطع حتى دق الحديد والنحاس والخزف والله أعلم بما يكون في آخر ~~الزمان . فهذه هي البشارات الواردة في الكتب المتقدمة بمبعث رسولنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم . # أما قوله تعالى : { أوف بعهدكم } فقالت المعتزلة : ذلك العهد هو ما دل ~~العقل عليه من أن الله تعالى يجب عليه إيصال الثواب إلى المطيع وصح وصف ذلك ~~الوجوب بالعهد لأنه بحيث يجب الوفاء به فكان ذلك أوكد من العهد بالإيجاب ~~بالنذر واليمين : وقال أصحابنا : إنه لا يجب للعبد على الله شيء ، وفي هذه ~~الآية ما يدل على ذلك لأنه تعالى لما قدم ذكر النعم ، ثم رتب عليه الأمر ~~بالوفاء بالعهد دل على أن تلك النعم السالفة توجب عهد العبودية ، وإذا كان ~~كذلك كان أداء العبادات أداء لما وجب بسبب النعم السالفة وأداء الواجب لا ~~يكون سببا لواجب آخر ، فثبت أن أداء التكاليف لا يوجب الثواب فبطل قول ~~المعتزلة بل التفسير الحق من وجهين : الأول : أنه تعالى لما وعد بالثواب ~~وكل ما وعد به استحال أن لا يوجد ، لأنه لو لم يوجد لانقلب خبره الصدق كذبا ~~والكذب عليه محال ، والمفضي إلى المحال محال فكان ذلك واجب الوقوع فكان ذلك ~~آكد مما ثبت باليمين والنذر ، الثاني : أن يقال العهد هو الأمر والعبد يجوز ~~أن يكون مأمورا إلا أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مأمورا لكنه سبحانه ~~وتعالى جرى في ms0759 ذلك على موافقة اللفظ كقوله : { يخادعون الله وهو خادعهم } ( ~~النساء : 142 ) ، { ومكروا ومكر الله } ( آل عمران : 54 ) وأما قوله : { ~~وإياى فارهبون } فاعلم أن الرهبة هي الخوف قال المتكلمون : الخوف منه تعالى ~~هو الخوف من عقابه وقد يقال في المكلف إنه خائف على وجهين : أحدهما : مع ~~العلم والآخر مع الظن ، أما العلم فإذا كان على يقين من أنه أتى بكل ما أمر ~~به واحترز عن كل ما نهى عنه فإن خوفه إنما يكون عن المستقبل وعلى هذا نصف ~~الملائكة والأنبياء عليهم السلام بالخوف والرهبة . قال تعالى : { يخافون ~~ربهم من فوقهم } ( النحل : 50 ) وأما الظن فإذا لم يقطع بأنه فعل ~~PageV03P037 المأمورات واحترز عن المنهيات فحينئذ يخاف أن لا يكون من أهل ~~الثواب ، واعلم أن كل من كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر ~~وبالعكس . روى : ( أنه ينادي مناد يوم القيامة وعزتي وجلالي إني لا أجمع ~~على عبدي خوفين ولا أمنين من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة ومن خافني ~~في الدنيا أمنته يوم / القيامة ) وقال العارفون : الخوف خوفان خوف العقاب ~~وخوف الجلال ، والأول : نصيب أهل الظاهر ، والثاني : نصيب أهل القلب ، ~~والأول : يزول ، والثاني : لا يزول . واعلم أن في الآية دلالة على أن كثرة ~~النعم تعظم المعصية ، ودلالة على ما تقدم العهد يعظم المخالفة ودلالة على ~~أن الرسول كما كان مبعوثا إلى العرب كان مبعوثا إلى بني إسرائيل . وقوله : ~~{ وإياى فارهبون } يدل على أن المرء يجب أن لا يخاف أحدا إلا الله تعالى ، ~~وكما يجب ذلك في الخوف فكذا في الرجاء والأمل وذلك يدل على أن الكل بقضاء ~~الله وقدره إذ لو كان العبد مستقلا بالفعل لوجب أن يخاف منه كما يخاف من ~~الله تعالى وحينئذ يبطل الحصر الذي دل عليه قوله تعالى : { وإياى فارهبون } ~~بل كان يجب أن لا يرهب إلا نفسه ، لأن مفاتيح الثواب والعقاب بيده لا بيد ~~الله تعالى فوجب أن لا يخاف إلا نفسه وأن لا يخاف إلا نفسه وأن لا يخاف ~~الله ألبتة ، وفيها دلالة ms0760 على أنه يجب على المكلف أن يأتي بالطاعات للخوف ~~والرجاء وأن ذلك لا بد منه في صحتها والله أعلم . # ! 7 < { وءامنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياى فاتقون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 41 ) وآمنوا بما أنزلت . . . . . # > > # اعلم أن المخاطبين بقوله : { وءامنوا } هم بنوا اسرائيل ويدل عليه وجهان ~~. الأول : أنه معطوف على قوله : { اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } كأنه ~~قيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي وآمنوا بما أنزلت . الثاني ~~: أن قوله تعالى : { مصدقا لما معكم } يدل على ذلك . # أما قوله : { بما أنزلت } ففيه قولان ، الأقوى أنه القرآن وعليه دليلان . ~~أحدهما : أنه وصفه بكونه منزلا وذلك هو القرآن لأنه تعالى قال : { نزل عليك ~~الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل } ( آل عمران : 3 ~~) . والثاني : وصفه بكونه مصدقا لما معهم من الكتب وذلك هو القرآن . وقال ~~قتادة : المراد { بما أنزل * أنزلت } من كتاب ورسول تجدونه مكتوبا في ~~التوراة والإنجيل . # أما قوله : { مصدقا لما معكم } ففيه تفسيران : أحدهما : أن في القرآن أن ~~موسى وعيسى حق وأن التوراة والإنجيل حق وأن التوراة أنزلت على موسى ~~والإنجيل على عيسى عليهما السلام فكان الإيمان بالقرآن مؤكدا للإيمان ~~بالتوراة والإنجيل فكأنه قيل لهم : إن كنتم تريدون المبالغة في الإيمان ~~بالتوراة والإنجيل فآمنوا بالقرآن فإن الإيمان به يؤكد الإيمان بالتوراة ~~والإنجيل . والثاني : أنه حصلت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ~~في التوراة والإنجيل فكأن الإيمان بمحمد وبالقرآن تصديقا للتوراة والإنجيل ~~، وتكذيب محمد والقرآن تكذيبا PageV03P038 للتوراة / والإنجيل ، وهذا ~~التفسير أولى لأن على التفسير الأول لا يلزم الإيمان بمحمد عليه السلام ~~لأنه بمجرد كونه مخبرا عن كون التوراة والإنجيل حقا لا يجب الإيمان بنبوته ~~: أما على التفسير الثاني يلزم الإيمان به لأن التوراة والإنجيل إذا اشتملا ~~على كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقا فالإيمان بالتوراة والإنجيل يوجب ~~الإيمان بكون محمد صادقا لا محالة ، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذا ~~الكلام ليكون حجة عليهم في وجوب الإيمان ms0761 بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فثبت ~~أن هذا التفسير أولى . واعلم أن هذا التفسير الثاني يدل على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم من وجهين : الأول : أن شهادة كتب الأنبياء عليهم السلام لا ~~تكون إلا حقا ، والثاني : أنه عليه السلام أخبر عن كتبهم ولم يكن له معرفة ~~بذلك إلا من قبل الوحي . أما قوله : { ولا تكونوا أول كافر به } فمعناه أول ~~من كفر به أو أول فريق أو فوج كافر به أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به ~~. ثم فيه سؤلان : الأول : كيف جعلوا أول من كفر به وقد سبقهم إلى الكفر به ~~مشركو العرب ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن ~~يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ولأنهم كانوا هم المبشرون بزمان ~~محمد صلى الله عليه وسلم والمستفتحون على الذين كفروا به فلما بعث كان ~~أمرهم على العكس لقوله تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } . ( ~~البقرة : 89 ) . وثانيها : يجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني ~~من أشرك من أهل مكة ، أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكورا في التوراة ~~والإنجيل مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له . وثالثها : ولا تكونوا أول ~~كافر به من أهل الكتاب لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل ~~وإن كانت قريش كفروا به قبل ذلك . ورابعها : ولا تكونوا أول كافر به ، يعني ~~بكتابكم يقول ذلك ولعلمائهم : أي كذب لا تكونوا أول أحد من أمتكم كذلك ~~كتابكم لأن تكذيبكم بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب تكذيبكم بكتابكم . ~~وخامسها : أن المراد منه بيان تغليظ كفرهم وذلك لأنهم لما شاهدوا المعجزات ~~الدالة على صدقه عرفوا البشارات الواردة في التوراة والإنجيل بمقدمه فكان ~~كفرهم أشد من كفر من لم يعرف إلا نوعا واحدا من الدليل والسابق إلى الكفر ~~يكون أعظم ذنبا ممن بعده لقوله عليه السلام : ( من سن سيئة سيئة فعليه ~~وزرها ووزر من عمل بها ) فلما كان كفرهم عظيما وكفر من ms0762 كان سابقا في الكفر ~~عظيما فقد اشتركا من هذا الوجه فصح إطلاق اسم أحدهما على الآخر على سبيل ~~الاستعارة . وسادسها : المعنى ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر ~~قريش كان مع الجهل لا مع المعرفة . وسابعها : أول كافر به من اليهود لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وبها قريظة والنضير فكفروا به ثم ~~تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر فكأنه قيل : أول من كفر به من أهل الكتاب ~~وهو كقوله : { وأنى فضلتكم على العالمين } ( البقرة : 47 ، 122 ) أي على ~~عالمي زمانهم . وثامنها : ولا تكونوا أول كافر به عند سماعكم بذكره بل ~~تثبتوا فيه وراجعوا عقولكم فيه ، وتاسعها : أن لفظ : ( أول ) صلة والمعنى ~~ولا تكونوا كافرين به ، وهذا ضعيف ، السؤال / الثاني : أنه كان يجوز لهم ~~الكفر إذ لم يكونوا أولا ، والجواب من وجوه : أحدها : أنه ليس في ذكر تلك ~~الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه ، وثانيها : أن في قوله : { وءامنوا بما ~~أنزلت مصدقا لما معكم } دلالة على أن كفرهم أولا وآخرا محظور ، وثالثها : ~~أن قوله : { رفع * السماوات * بغير عمد ترونها } ( الرعد : 2 ) لا يدل على ~~وجود عمد لا يرونها . وقوله : { وقتلهم الانبياء بغير حق } ( النساء : 155 ~~) لا يدل على وقوع قتل الأنبياء بحق . وقوله : عقيب هذه الآية : { ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير ، فكذا ~~ههنا ، بل المقصود من هذه السياقة استعظام وقوع الجحد والإنكار ممن قرأ في ~~الكتب نعت رسول PageV03P039 الله صلى الله عليه وسلم صفته . ورابعها : قال ~~المبرد : هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم فقيل لهم لا تكفروا ~~بمحمد فإنه سيكون بعدكم الكفار فلا تكونوا أنتم أول الكفار لأن هذه الأولية ~~موجبة لمزيد الإثم وذلك لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر فإما أن يقتدي بهم غيرهم ~~في ذلك الكفر أو لا يكون كذلك . فإن اقتدى بهم غيرهم في ذلك الكفر كان لهم ~~وزر ذلك الكفر ووزر كل من كفر إلى يوم القيامة ، وإن لم يقتد بهم غيرهم ~~اجتمع ms0763 عليهم أمران ، أحدهما : السبق إلى الكفر ، والثاني : التفرد به ، ولا ~~شك في أنه منقصة عظيمة ، فقوله : { ولا تكونوا أول كافر به } إشارة إلى هذا ~~المعنى . # أما قوله : { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } فقد بينا في قوله : { ~~أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ( البقرة : 16 ) ، أن الاشتراء يوضع ~~موضع الاستبدال فكذا الثمن يوضع موضع البدل عن الشيء ، والعوض عنه ، فإذا ~~اختير على ثواب الله شيء من الدنيا فقد جعل ذلك الشيء ثمنا عند فاعله . قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : إن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ~~وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا وعلموا أنهم لو اتبعوا ~~محمدا لانقطعت عنهم تلك الهدايا ، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك ~~القدر المحقر ، وذلك لأن الدنيا كلها بالنسبة إلى الدين قليلة جدا فنسبتها ~~إليه نسبة المتناهي إلى غير المتناهي / ثم تلك الهدايا كانت في نهاية القلة ~~بالنسبة إلى الدنيا ، فالقليل جدا من القليل جدا أي نسبة له إلى الكثير ~~الذي لا يتناهى ؟ واعلم أن هذا النهي صحيح سواء كان فيهم من فعل ذلك أو لم ~~يكن ، بل لو ثبت أن علماءهم كانوا يأخذون الرشا على كتمان أمر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وتحريف ما يدل على ذلك من التوراة كان الكلام أبين ، وأما ~~قوله : { وإياى فاتقون } فيقرب معناه مما تقدم من قوله : { وإياى فارهبون } ~~والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف ، وأما الاتقاء فإنما يحتاج إليه عند ~~الجزم بحصول ما يتقي منه فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب ~~قائم ، ثم أمرهم بالتقوى لأن تعين العقاب قائم . # ! 7 < { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } > 7 ! # / < < # | البقرة : ( 42 ) ولا تلبسوا الحق . . . . . # > > أعلم أن قوله سبحانه { وءامنوا بما أنزلت } أمر بترك الكفر والضلال ~~وقوله : { ولا تلبسوا الحق بالباطل } أمر بترك الإغراء والإضلال ، واعلم أن ~~إضلال الغير لا يحصل إلا بطريقين ، وذلك لأن ذلك الغير إن كان قد سمع دلائل ~~الحق فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش تلك الدلائل عليه وإن كان ms0764 ما سمعها ~~فإضلاله إنما يمكن بإخفاء تلك الدلائل عنه ومنعه من الوصول إليها . فقوله : ~~{ ولا تلبسوا الحق بالباطل } إشارة إلى القسم الأول وهو تشويش الدلائل عليه ~~وقوله : { وتكتموا الحق } إشارة إلى القسم الثاني وهو منعه من الوصول إلى ~~الدلائل ، واعلم أن الأظهر في الباء التي في قوله : { بالباطل } أنها باء ~~الاستعانة كالتي في قولك : كتبت بالقلم والمعنى ولا تلبسوا الحق بسبب ~~الشبهات التي توردونها على السامعين ، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة ~~والإنجيل في أمر محمد عليكم كانت نصوصا خفية يحتاج في معرفتها إلى ~~الاستدلال ، ثم إنهم PageV03P040 كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة ~~على المتأملين فيها بسبب إلقاء الشبهات ، فهذا هو المراد بقوله : { ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل } فهو المذكور في قوله : { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به ~~الحق } ( غافر : 5 ) . أما قوله : { وأنتم تعلمون } أي تعلمون ما في إضلال ~~الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة ، وذلك لأن ذلك التلبيس ~~صار صارفا للخلق عن قبول الحق إلى يوم القيامة وداعيا لهم إلى الاستمرار ~~على الباطل إلى يوم القيامة ولا شك في أن موقعه عظيم ، وهذا الخطاب وإن ورد ~~فيهم ، فهو تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار الخطاب وإن كان خاصا في ~~الصورة لكنه عام في المعنى ، ثم ههنا بحثان : # البحث الأول : قوله : { وتكتموا الحق } جزم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا ~~تكتموا أو منصوب بإضمار أن . # البحث الثاني : أن النهي عن اللبس والكتمان وإن تقيد بالعلم فلا يدل على ~~جوازهما حال عدم العلم ، وذلك لأنه إذا لم يعلم حال الشيء لم يعلم أن ذلك ~~اللبس والكتمان حق أ وباطل ، وما لا يعرف كونه حقا أو باطلا لا يجوز ~~الإقدام عليه بالنفي ولا بالإثبات ، بل يجب التوقف فيه ، وسبب ذلك التقييد ~~أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضارا أفحش من الإقدام عليه عند ~~الجهل بكونه ضارا ، فلما كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد كان ~~إقدامهم عليه أقبح ، والآية دالة على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ~~ويحرم عليه ms0765 كتمانه والله أعلم . # ! 7 < { وأقيموا الصلواة وآتوا الزكواة واركعوا مع الراكعين * أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون * واستعينوا ~~بالصبر والصلواة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~ربهم وأنهم إليه راجعون * يابنى إسراءيل اذكروا نعمتى التىأنعمت عليكم وأنى ~~فضلتكم على العالمين } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 43 ) وأقيموا الصلاة وآتوا . . . . . # > > اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما أمرهم بالإيمان أولا ثم نهاهم عن لبس ~~الحق بالباطل وكتمان دلائل النبوة ثانيا ، ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من ~~الشرائع وذكر من جملة الشرائع ما كان كالمقدم / والأصل فيها وهو الصلاة ~~التي هي أعظم العبادات البدنية والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية ~~وههنا مسائل : # المسألة الأولى : القائلون بأنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب ~~قالوا إنما جاء الخطاب في قوله : { وإذ أخذنا } بعد أن كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصف لهم أركان الصلاة وشرائطها فكأنه تعالى قال : وأقيموا الصلاة ~~التي عرفتموها والقائلون بجواز التأخير قالوا : يجوز أن يراد الأمر بالصلاة ~~وإن كانوا لا يعرفون أن الصلاة ما هي ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه ~~على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما أنه لا نزاع في أن ~~يحسن من السيد أن يقول لعبده : إني آمرك غدا بشيء فلا بد وأن تفعله ويكون ~~غرضه منه بأن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني . # المسألة الثانية ؛ قالت المعتزلة : الصلاة من الأسماء الشرعية قالوا : ~~لأنها أمر حدث في الشرع فاستحال أن يكون الاسم الموضوع قد كان حاصلا قبل ~~الشرع ، ثم اختلفوا في وجه التشبيه فقال بعضهم : أصلها في اللغة الدعاء قال ~~الأعشى : PageV03P041 # % عليك مثل الذي صليت فاعتصمي % % عينا فإن لجنب المرء مضطجعا % # وقال آخر : # % وقابلها الريح في دنها % % وصلى على دنها وارتسم % # وقال بعضهم : الأصل فيها اللزوم قال الشاعر : # % لم أكن من جناتها علم الله % % وإني بحرها اليوم صالي % # أي ملازم ، وقال آخرون : بل هي مأخوذة من المصلي وهو الفرس الذي يتبع ~~غيره . والأقرب ms0766 أنها مأخوذة من الدعاء إذ لا صلاة إلا ويقع فيها الدعاء أو ~~ما يجري مجراه ، وقد تكون صلاة ولا يحصل فيها متابعة الغير وإذا حصل في وجه ~~التشبيه ما عم كل الصور كان أولى أن يجعل وجه التشبيه شيئا يختص ببعض الصور ~~. وقال أصحابنا من المجازات المشهورة في اللغة إطلاق اسم الجزء على الكل ~~ولما كانت الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء لا جرم أطلق اسم الدعاء عليها ~~على سبيل المجاز ، فإن كان مراد المعتزلة من كونها اسما شرعيا هذا . فذلك ~~حق وإن كان المراد أن الشرع ارتجل هذه اللفظة ابتداء لهذا المسمى فهو باطل ~~وإلا لما كانت هذه اللفظة عربية ، وذلك ينافي قوله تعالى : { إنا أنزلناه ~~قرانا عربيا } ( يوسف : 20 ) أما الزكاة فهي في اللغة عبارة عن النماء ، ~~يقال : زكا الزرع إذا نما ، وعن التطهير قال الله تعالى : { أقتلت نفسا ~~زكية } ( الكهف : 74 ) أي طاهرة . وقال : { قد أفلح من تزكى } ( الأعلى : ~~14 ) أي تطهر وقال : { ولولا فضل الله * عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد ~~أبدا } ( النور : 21 ) وقال : { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } ( فاطر : 18 ~~) أي تطهر بطاعة الله ، ولعل إخراج نصف دينار من عشرين دينارا سمي بالزكاة ~~تشبيها بهذين الوجهين ، لأن في إخراج ذلك القدر تنمية للبقية من حيث البركة ~~فإن الله يرفع البلاء عن ذلك المال بسبب تزكية / تلك العطية فصار ذلك ~~الإعطاء نماء في المعنى وإن كان نقصانا في الصورة ، ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم : ( عليكم بالصدقة فإن فيها ست خصال ، ثلاثة في الدنيا وثلاثة في ~~الآخرة ، فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق وتكثر المال وتعمر الديار ، ~~وأما التي في الآخرة فتستر العورة وتصير ظلا فوق الرأس وتكون سترا في النار ~~) . ويجوز أن تسمى الزكاة بالوجه الثاني من حيث إنها تطهر مخرج الزكاة عن ~~كل الذنوب ، ولهذا قال تعالى لنبيه : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها } ( التوبة : 103 ) . # المسألة الثالثة : قوله تعالى { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } خطاب مع ~~اليهود وذلك يدل على أن ms0767 الكفار مخاطبون بفروع الشرائع . أما قوله تعالى { ~~وأركعوا مع الراكعين } ففيه وجوه أحدها : أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص ~~الله الركوع بالذكر تحريضا لهم على الإتيان بصلاة المسلمين ، وثانيها : أن ~~المراد صلوا مع المصلين ، وعلى هذا يزول التكرار لأن في الأول أمر تعالى ~~بإقانتها وأمر في الثاني بفعلها في الجماعة ، وثالثها : أن يكون المراد من ~~الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع لأن الركوع والخضوع في اللغة سواء فيكون ~~نهيا عن الاستكبار المذموم وأمرا بالتذلل كما قال للمؤمنين { فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } [ المائدة ~~: 54 ] وكقوله تأديبا لرسوله عليه السلام < < واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين > > [ الشعراء : 215 ] وكمدحه له بقوله { فبما رحمة منك لنت لهم ~~ولو كنت فظا غليظ القلب القلب لانفضوا من حولك } [ آل عمران : 159 ] وهكذا ~~في قوله تعالى { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون } [ المائدة : 55 ] PageV03P042 فكأنه تعالى لما ~~أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد والخضوع وترك التمرد . وحكى ~~الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر الله تعالى بني إسرائيل بالزكاة لأنهم كانوا ~~لا يؤتون الزكاة وهو المراد بقوله تعالى { وأكلهم السحت } [ المائدة : 62 ] ~~وبقوله ' وأكلهم الربا ' { وأكلهم أموال الناس بالباطل } [ النساء : 166 ] ~~فأظهر الله تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوما ليحذروا أن يفضحهم في سائر ~~أسرارهم ومعاصيهم فيصير هذا كالإخبار عن الغيب الذي هو أحد دلائل نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم . # قوله تعالى : ! 7 < { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون ~~الكتاب أفلا تعقلون } > 7 ! . # < < # | البقرة : ( 44 ) أتأمرون الناس بالبر . . . . . # > > اعلم أن الهمزة في أتأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقرير والتعجب ~~من حالهم ، وأما البر فهو اسم جامع لأعمال الخير ، ومنه بر الوالدين وهو ~~طاعتهما ، ومنه عمل مبرور أي قد رضيه الله تعالى ، وقد يكون بمعنى الصدق ~~كما يقال بر في يمينه أي صدق ولم يحنث ، ويقال صدقت وبررت ، وقال تعالى { ~~ولكن البر من اتقى } [ البقرة : 189 ] فأخبر أن البر ms0768 جامع للتقوى ، واعلم ~~أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم ~~ورغبهم في ذلك بناه على مأخذ آخر ، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث ~~الناس عليها مستقبح في العقول ، إذ المقصود من أمر الناس بذلك إما النصيحة ~~أو الشفقة ، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو أن ينصح غيره ويهمل ~~نفسه فحذرهم الله تعالى من ذلك بأن قرعهم بهذا الكلام . واختلفوا في المراد ~~بالبر في هذا الموضع على وجوه : # أحدها : وهو قول السدي أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وينهونه عن ~~معصية الله ، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية . # وثانيها : قول ابن جريج أنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم ~~كانوا يتركونهما . # وثالثها : إنه إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم قالوا هو صادق فيما يقول وأمره حق فاتبعوه ، وهم كانوا لا يتبعونه ~~لطعمهم في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم . # ورابعها : أن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يأمرون ~~باتباعه قبل ظهوره فلما ظهر تركوه وأعرضوا عن دينه ، وهذا اختيار أبي مسلم ~~. # وخامسها : هو قول الزجاج كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة وكانوا يشحون ~~بها ، لأن الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب وأكل الربا والسحت . PageV03P043 # وسادسها : لهل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع محمد صلى الله ~~عليه وسلم في الظاهر ، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منكرين له فوبخهم الله ~~تعالى عليه . # وسابعها : أن اليهود كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة ثم إنهم خالفوه ~~لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنهم ما ~~آمنوا به . أما قوله { وتنسون أنفسكم } فالنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد ~~حصول العلم والناسي غير مكلف ومن لا يكون مكلفا لا يجوز أن يذمه الله تعالى ~~على ما صدر منه فالمراد بقوله { وتنسون أنفسكم } أنكم تغفولن عن حق أنفسكم ms0769 ~~وتعدلون عما لها فيه من النفع ، أما قوله { وأنتم تتلون الكتاب } فمعناه ~~تقرأون التوراة وتدرسونها وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر ~~والإعراض عن أفعال الإثم . # وأما قوله { أفلا تعقلون } فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله ~~تعالى { أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } [ الأنبياء : 67 ] ~~وسبب التعجب وجوه ، الأول : أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~إرشاد الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى ~~بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال { أفلا تعقلون } . الثاني : أن من ~~وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سببا لرغبة الناس في ~~المعصية لأن الناس يقولون إنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا اصل ~~لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على ~~المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين ، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء ، فلهذا ~~قال { أفلا تعقلون } الثالث أن نت وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه ~~مؤثرا في القلوب ، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثرا في القلوب ~~فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء ، ولهذا قال علي رضي الله عنه : ~~قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك . وبقي ههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال بعضهم : ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر واحتجوا بالآية والمعقول ، أما الآية فقوله { أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم } ولا شك أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم ، وقال أيضا { لم ~~تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } [ الصف : ~~3 ] وأما المعقول فهو أنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر عليها ~~في أثناء الزنا على كشفها عن وجهها ، ومعلوم أن ذلك مستنكر . والجواب : أن ~~المكلف مأمور بشيئين : أحدهما ترك المعصية ، والثاني منع الغير عن فعل ~~المعصية والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر أما قوله { ~~أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } فهو نهي عن الجمع بينهما ms0770 والنهي عن ~~الجمع بين الشيئين يصح حمله على وجهين : أحدهما : أن يكون المراد هو النهي ~~عن نسيان النفس مطلقا . والآخر : أن يكون المراد هو النهي عن ترغيب الناس ~~في PageV03P044 البر حال كونه ناسيا للنفس وعندنا المراد من الآية هو الأول ~~لا الثاني ، وعلى هذا التقدير يسقط قول هذا الخصم ، وأما المعقول الذي ~~ذكروه فليزمهم . # المسألة الثانية : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد غير مخلوق ~~لله عز وجل فقالوا قوله تعالى { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } إنما ~~يصح ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم ، فأما إذا كان مخلوقا فيهم على سبيل ~~الاضطرار فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود : لم لا تبيض ؟ لما ~~كان السواد مخلوق فيه . والجواب : أن قدرته لما صلحت للضدين فإن حصل أحد ~~الضدين دون الآخر لا لمرجح كان ذلك محض الاتفاق ، والأمر الاتفاقي لا يمكن ~~التوبيخ عليه . وإن حصل فإن كان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه ، وإن حصل من ~~الله تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحا والآخر مرجوحا والمرجوح ممتنع ~~الوقوع لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع فحال المرجوحية أولى بأن ~~يكون ممتنع الوقوع وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر وحينئذ يعود عليكم كل ~~ما أوردتموه علينا . ثم الجواب الحقيقي عن الكل : أنه ' لا يسأل عما يفعل ' ~~. # المسألة الثالثة : ( أ ) عن أنس رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام < ~~< مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت يا أخي ~~جبريل من هؤلاء ؟ فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر ~~وينسون أنفسهم > > ( ب ) وقال عليه الصلاة والسلام < < إن في النار رجلا ~~يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله ؟ قال عالم لا ينتفع بعلمه ~~> > ( ج ) وقال عليه الصلاة والسلام < < مثل الذي يعلم الناس الخير ولا ~~يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه > > ( د ) وعن الشعبي : يطلع قوم من ~~أهل الجنة إلى قوم من النار فيقولون لم دخلتم النار ونحن إنما دخلنا ms0771 الجنة ~~بفضل تعليمكم ؟ فقالوا إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله . كما قيل : من وعظ ~~بقوله ضاع كلامه ، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه . وقال الشاعر : # % يا أيها المعلم غيره % % هلا لنفسك كان ذا التعليم % # % تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا % % كيما يصح به وأنت سقيم % # % ابدأ بنفسك فانهها عن غيها % % فإذا انتهت عنه فأنت حكيم % # % فهناك يقبل إذا وعظت ويقتدى % % بالرأي منك وينفع التعليم % # قيل : عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل ، وأما من وعظ ~~واتعظ فمحله عند الله عظيم . # روي أن يزيد بن هارون مات وكان واعظا زاهدا فرؤي في المنام فقيل له ما ~~فعل الله بك ؟ فقال غفر لي وأول ما سالني منكر ونكير فقالا من ربك ؟ فقلت ~~أما تستحيان من شيخ دعا إلى الله تعالى كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك ؟ ~~وقيل للشبلي عند النزع قل لا إله إلا الله فقال : # % إن بيتا أنت ساكنه % % غير محتاج إلى السرج % % PageV03P045 # قوله سبحانه وتعالى < # > ( { واستيعنوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ، الذين ~~يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون } ) < # > < < # | البقرة : ( 45 - 46 ) واستعينوا بالصبر والصلاة . . . . . # > > # المسألة الأولى : اختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه وتعالى { واستعينوا ~~بالصبر والصلاة } فقال قوم : هم المؤمنون بالرسول قال لأن من ينكر الصلاة ~~أصلا والصبر على دين محمد صلى الله عليه سلم لا يكاد يقال له استعن بالصبر ~~والصلاة ، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع ~~أن يكون الخطاب أولا في بني إسرائيل ثم يقع بعد ذلك خطابا للمؤمنين بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ، والأقرب أن المخاطبين هم بنو إسرائيل لأن صرف الخطاب ~~إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم . فإن قيل كيف يؤمرون بالصبر والصلاة مع كونهم ~~منكرين لهما ؟ قلنا لا نسلم كونهم منكرين لهما ؛ وذلك لأن كل أحد يعلم أن ~~الصبر على ما يجب الصبر عليه حسن وأن الصلاة التي هي تواضع للخالق ~~والاشتغال بذكر الله تعالى يسلي عن محن الدنيا وآفاتها ، وإنما ms0772 الاختلاف في ~~الكيفية فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية وصلاة المسلمين على كيفية أخرى . ~~وإذا كان متعلق الأمر هو الماهية التي هي القدر المشترك زال الإشكال ~~المذكور وعلى هذا نقول : إنه تعالى لما أمرهم بالإيمان وبترك الإضلال ~~وبالتزام الشرائع وهي الصلاة والزكاة ، وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من ترك ~~الرياسات والإعراض عن المال والجاه لا جرم عالج الله تعالى هذا المرض فقال ~~{ واستعينوا بالصبر والصلاة } . # المسألة الثانية : ذكروا في الصبر والصلاة وجوها : # أحدها : كأنه قيل واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما ~~تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر أي يحبس النفس ~~عن اللذات فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها ثم إذا ضممتم ~~الصلاة إلى ذلك تم الأمر ، لأن المشتغل بالصلاة لا بد وأن يكون مشتغلا بذكر ~~الله عز وجل وذكر جلاله وقهره وذكر رحمته وفضله ، فإذا تذكر رجمته صار ~~مائلا إلى طاعته وإذا تذكر عقابه ترك معصيته فيسهل عند ذلك اشتغاله بالطاعة ~~وتركه للمعصية . # وثانيها : المراد من الصبر ههنا هو الصوم لأن الصائم صابر عن الطعام ~~والشراب ، ومن حبس نفسه عن قضاء شهورة البطن والفرج زالت عنه كدورات حب ~~الدنيا ، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله تعالى ~~وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير ~~الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات ، ولأنه عليه الصلاة ~~والسلام قال < < الصوم جنة من النار > > وقال الله تعالى { إن الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت : 45 ] لأن الصلاة تمنع عن الاشتغال ~~بالدنيا وتخشع القلب ويحصل بسببها تلاوة الكتاب والوقوف على ما فيه من ~~الوعد والوعيد والمواعظ والآداب الجميلة وذكر مصير الخلق إلى دار الثواب أو ~~دار العقاب رغبة في الآخرة ونفرة عن الدنيا فيهون على الإنسان حينئذ ترك ~~الرياسة ، ومقطعة عن المخلوقين إلى قبلة خدمة الخالق ونظير هذه الآية قوله ~~تعالى { يا أيها الذين آمنوا استيعنوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ms0773 ~~} [ البقرة : 153 ] . PageV03P046 # أما قوله تعالى { وإنها } ففي هذا الضمير وجوه أحدها : الضمير عائد إلى ~~الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين ، وثانيها : الضمير عائد إلى ~~الاستعانة التي يدل عليها قوله { واستعينوا } وثالثها : أنه عائد إلى جميع ~~الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله { واذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم } إلى قوله { واستعينوا } والعرب قد تضمر الشيء اختصارا أو ~~تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل : ما عليها أفضل ~~من فلان يعني الأرض ، ويقلون : ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة ~~وقال تعالى { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } [ النحل ~~: 61 ] ولا ذكر للأرض . أما قوله { لكبيرة } أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة ~~على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل وذلك منكر من ~~القول ، قلنا ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع ~~وكيف يكون ذلك والخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره ولا ~~يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع ، وإذ تذكر الوعيد لم ~~يخل من حسرة وغم ، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك ، وإذا كان هذا فعل الخاشع ~~فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم ، وإنما المراد بقوله : وإنها ثقيلة على من ~~لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ثوابا ولا في تركها عقابا فيصعب عليه ~~فعلها . # فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها لأن ~~الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع أما الموحد فلما اعتقد في فعلها ~~أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من ~~الثواب والفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم ، ألا ترى ~~إلى قوله { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص ~~من العذاب الأليم ، ألا ترى إلى قوله { والذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } أي ~~يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه . مثاله إذا قيل للمريض كل هذا الشيء ~~المر فإن ms0774 اعتقد أنه له فيه شفاء سهل ذلك عليه ، وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب ~~الأمر عليه ، وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام < < وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة > > وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت تثقل عليه ، ~~وكيف وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تورمت قدماه . وأما الخشوع فهو ~~التذلل والخضوع . أما قوله { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } فللمفسرين فيه ~~قولان : # القول الأول : أن الظن بمعنى العلم قالوا لأن الظن وهو الإعتقاد الذي ~~يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة وذلك كفر ~~والله تعالى مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز فوجب أن يكون ~~المراد من الظن ههنا العلم ، وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في ~~كون كل واحد منهما اعتقادا راجحا إلا أن العلم راجح مانع من النقيض والظن ~~راجح غير مانع من النقيض فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدهما على ~~الآخر ، قال أوس بن حجر : # % فأرسلته مستيقن الظن أنه % % مخالط ما بين الشراسيف خائف % # وقال تعالى { إني ظننت أني ملاق حسابيه } [ الحاقة : 20 ] وقال { ألا يظن ~~أولئك أنهم مبعوثون } [ المطففين : 4 ] ذكر الله تعالى ذلك إنكارا عليهم ~~وبعثا على الظن ولا يجوز أن يبعثهم على الإعتقاد المجوز للنقيض فثبت أن ~~المراد بالظن ههنا العلم . PageV03P047 # القول الثاني : أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي ، ثم ههنا وجوه ~~. الأول : أن تجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت ، وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب ~~عن الموت فأطلق المسبب والمراد منه السبب ، وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن ~~مات إنه لقي ربه . إذ ثبت هذا فنقول : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين ~~يظنون الموت في كل لحظة ، وذلك لأن كل من كان متوقعا للموت في كل لحظة فإنه ~~لا يفارق قلبه الخشوع فهم يبادرون إلى التوبة ، لأن خوف الموت مما يقوي ~~دواعي التوبة مع خشوعه لا بد في كل حال من أن لا يأمن تقصيرا جرى منه ~~فيلزمه التلافي ، فإذا كان حاله ms0775 ما ذكرنا كان ذلك داعيا له إلى المبادرة ~~إلى التوبة ، الثاني : أن تفسر ملاقاة ثواب الرب وذلك مظنون لا معلوم فإن ~~الزهد العابد لا يقطع بكونه ملاقيا لثواب الله بل يظن إلا أن ذلك الظن مما ~~يحمله على كمال الخشوع . الثالث : المعنى الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ~~بذنوبهم فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه ~~يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح . ~~بقي هنا مسألتان : # المسألة الأولى : استدل بعض الأصحاب بقوله { ملاقوا ربهم } على جواز رؤية ~~الله تعالى وقالت المعتزلة : لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية ~~والخبر والعرف . أما الآية فقوله تعالى { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه } [ الفرقان : 68 ] والمنافق لا يرى ربه ، وقال { ومن يفعل ذلك يلق ~~آثاما } [ الفرقان 68 ] وقال تعالى في معرض التهديد { واتقوا الله واعلموا ~~أنكم ملاقوه } [ البقرة : 223 ] فهذا يتناول الكافر والمؤمن ، والرؤية لا ~~تثبت للكافر فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية . وأما الخبر فقوله عليه ~~السلام < < من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه ~~غضبان > > وليس المراد رأى الله تعالى لأن ذلك وصف أهل النار ، وأما العرف ~~فهو قول المسلمين فيمن مات : لقي الله ، ولا يعنون أنه رأى الله عز وجل ، ~~وأيضا فاللقاء يراد به القرب ممن يلقاه على زجه يزول الحجاب بينهما ، ولذلك ~~يقول الرجل إذا حجب عن الأمير : ما لقيته بعد وإن كان قد رآه ، وإذا أذن له ~~في الدخول عليه يقول لقيته ، وإن كان ضريرا ، ويقال لقي فلان جهدا شديدا ~~ولقيت من فلان الداهية ، ولاقى فلان حمامه ، وكل ذلك يدل على أن اللقاء ليس ~~عبارة عن الرؤية ويدل عليه أيضا قوله تعالى { فالتقى الماء على أمر قد قدر ~~} [ القمر : 12 ] وهذا إنما يصح في حق الجسم ولا يصح على الله تعالى . # قال الأصحاب اللقاء في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر ~~بحيث يماسه بمسطحة يقال : لقي هذا ms0776 ذاك إذا ماسه واتصل به ، ولما كانت ~~الملاقاة بين الجنسين المدركين سببا لحصول الإدراك فحيث يمتنع إجراء اللفظ ~~على المماسة وجب حمله على الإدراك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى ~~وجوه المجاز ، فثبت أنه يجب حمله لفظ اللقاء على الإدراك أكثر ما في الباب ~~أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصه فوجب إجراؤه على الإدراك في ~~البواقي ، وعلى هذا التقرير زالت السؤالات . أما قوله : { فاعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه } [ التوبة : 77 ] والمنافق لا يرى ربه ؛ قلنا : ~~فلأجل هذه الضرورة ففي هذا الموضع لما اضطررنا إليه اعتبرناه ، وأما في ~~قوله تعالى { أنهم ملاقوا ربهم } لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره ولا في ~~إضمار هذه الزيادة فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله PageV03P048 تعالى لا ~~بحكم الله ، فإن اشتغلوا بذكر الدلائل العقلية التي تمنع من جواز الرؤية ~~بينا ضعفها وحينئذ يستقيم التمسك بالظاهر من هذا الوجه . # المسألة الثانية : المراد من الرجوع إلى الله تعالى الرجوع إلى حيث يكون ~~لهم مالك سواه وأن لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا غيره كما كانوا كذلك في ~~أول الخلق فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه أولا رجوعا إلى الله من حيث ~~كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم ويملك أن يضرهم ~~وينفعهم وإن كان الله تعالى مالكا لهم في جميع أحوالهم ، وقد احتج بهذه ~~الآية فريقان من المبطلين . الأول : المجسمة فإنهم قالوا الرجوع إلى غير ~~الجسم محال فلما ثبت الرجوع إلى الله وجب كون الله جسما ، الثاني : ~~التناسخية فإنهم قالوا الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده ، فدلت هذه ~~الآية على كون الأرواح قديمة وأنها كانت موجودة في عالم الروحانيات . ~~والجواب عنها قد حصل بناء على ما تقدم . # قوله تبارك وتعالى < # > ( { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على ~~العالمين } ) < # > # < < # | البقرة : ( 47 ) يا بني إسرائيل . . . . . # > > اعلم أنه تعالى إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيدا للحجة عليهم ~~وتحذيرا من ترك اتباع محمد صلى ms0777 الله عليه وسلم ثم قرنه بالوعيد ، وهو قوله ~~{ وتقوا يوما } [ البقرة : 48 ] كأنه قال إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي ~~عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل . أما قوله { وأني فضلتكم على ~~العالمين } ففيه سؤال وهو أنه يلزم أنم يكونوا أفضل من محمد عليه السلام ~~وذلك باطل بالاتفاق والجواب عنه من وجوه : # أحدها : قال قوم : العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك رأيت ~~عالما من الناس ، والمراد منه الكثير لا الكل ، وهذا ضعيف لأن لفظ العالم ~~مشتق من العلم وهو الدليل فكل ما كان دليلا على الله تعالى كان عالما فكان ~~من العلم ، وهذا تحقيق قول المتكلمين : العالم كل موجود سوى الله ، وعلى ~~هذا لا يمكن تخصيص لفظ ببعض المحدثات . # ثانيها : المراد فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ~~ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه لأن ~~شرط العالم أن يكون موجودا والشيء حال عدمه لا يكون موجودا فالشيء حال عدمه ~~لا يكون من العالمين ، وأن محمد عليه السلام ما كان موجودا في ذلك الوقت ، ~~فما كان ذلك الوقت من العالمين فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين ~~في ذلك الوقت كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت ، وهذا ~~هو الجواب أيضا عن قوله تعالى { إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما ~~لم يؤت أحد من العالمين } [ المائدة : 20 ] وقال { ولقد أخترناهم على علم ~~على العالمين } [ الدخان : 32 ] وأراد به عالمي ذلك الزمان ، وإنما كانوا ~~أفضل من غيرهم بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب الإلهية . PageV03P049 # وثالثها : أن قوله { وأني فضلتكم على العالمين } عام في العالمين لكنه ~~مطلق في الفضل والمطلق يكفي في صدقه واحدة فالآية تدل على أن بني إسرائيل ~~فضلوا على العالمين في أمرها وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين ~~في كل الأمور بل لعلهم وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد فغيرهم يكون ~~أفضل منهم فيما عدا ms0778 ذلك الأمر وعند ذلك يظهر أنه لا يصلح الاستدلال بقوله ~~تعالى { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [ ~~آل عمران : 33 ] على أن الأنبياء أفضل من الملائكة . بقي ههنا أبحاث : # البحث الأول : قال ابن زيد : أراد به المؤمنون منهم لأن عصاتهم مسخوا ~~قردة وخنازير على ما قال تعالى { وجعل منهم القردة والخنازير } [ المائدة : ~~60 ] وقال { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل } [ المائدة : 78 ] . # البحث الثاني : أن جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب ~~لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم ، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد قال ~~الله تعالى { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } [ الزمر : 18 ] وقال { ~~واتبعوا ما أحسن ما أنزل إليكم كم ربكم } [ الزمر : 55 ] وقال { لقد كان في ~~قصصهم عبرة لأولي الألباب } [ يوسف : 111 ] ولذلك روى قتادة قال : ذكر لنا ~~أن عمر بن الخطاب كان يقول قد مضى والله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن ~~غيركم . # البحث الثالث : قال القفال ' النعمة ' بكسر النون المنة وما ينعم به ~~الرجل على صاحبه قال تعالى { وتلك نعمة تمنها علي } [ الشعراء : 22 ] وأما ~~النعمة بفتح النون فهو ما يتنعم به في العيش ، قال تعالى { ونعمة كانوا ~~فيها فاكهين } [ الدخان : 27 ] # البحث الرابع : قوله تعالى { وأني فضلتكم على العالمين } يدل على أن ~~رعاية الأصلح لا تجب على الله تعالى لا في الدنيا ولا في الدين لأن قوله { ~~وأني فضلتكم على العالمين } يتناول جميع نعم الدنيا والدين ، فذلك التفضيل ~~إما أن يكون واجبا أو لا يكون واجبا فإن كان واجبا لم يجز جعله منة عليهم ~~لأن من أدى واجبا فلا منة له على أحد وإن كان غير واجب مع أنه تعالى خصص ~~البعض بذلك دون البعض فهذا يدل على أن رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا ~~ولا في الدين . فإن قيل لما خصهم بالنعم العظيمة في الدنيا فهذا يناسب أن ~~يخصهم أيضا بالنعم العظيمة في الآخرة كما قيل : إتمام المعروف خير من ~~إبتدائه ، فلم اردف ذلك التخويف ms0779 الشديد في قوله { واتقوا يوما } ؟ والجواب ~~: لأن المعصية مع عظم النعمة تكون أقبح وأفحش فلهذا حذرهم عنها . # البحث الخامس : في بيان أن أي فرق العالم أفضل يعني أن ايهم أكثر ~~استجماعا لخصال الخير اعلم أن هذا مما وقع فيه النزاع الشديد بين سكان ~~النواحي فكل طائفة تدعي أنها أفضل وأكثر استجماعا لصفات الكمال ونحن نشير ~~إلى معاقد الكلام في هذا الباب بتوفيق الله تعالى وعونه . PageV03P050 ! 7 ~~< { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ ~~منها عدل ولا هم ينصرون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 48 ) واتقوا يوما لا . . . . . # > > اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد ~~لأن نفس اليوم لا يتقي ولا بد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعا . فالمراد ~~ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم / بأشد الصفات وأعظمها تهويلا ، وذلك لأن ~~العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلت ما في ~~نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته ~~، فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول ~~بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة ، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة ~~والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله . إما مال أو غيره وإن لم تغن ~~عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والأخوان فأخبر الله سبحانه ~~أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الآخرة . بقي على هذا ~~الترتيب سؤالان : # السؤال الأول : الفائدة من قوله : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } هي ~~الفائدة من قوله : { ولا هم ينصرون } فما المقصود من هذا التكرار ؟ والجواب ~~: المراد من قوله : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } أنه لا يتحمل عنه غيره ما ~~يلزمه من الجزاء ، وأما النصرة فهي أن يحاول تخليصه عن حكم المعاقب وسنذكر ~~فرقا آخر إن شاء الله تعالى . # السؤال الثاني : أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ ms0780 ~~الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية ~~على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه ؟ الجواب : أن من كان ميله إلى حب المال ~~أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ~~ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة ، ففائدة تغيير الترتيب ، الإشارة ~~إلى هذين الصنفين : ولنذكر الآن تفسير الألفاظ : أما قوله تعالى : { لا ~~تجزى نفس عن نفس شيئا } فقال القفال : الأصل في جزي هذا عند أهل اللغة قضي ~~ومنه الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بردة بن يسار : ( ~~تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك ) ، هكذا يرويه أهل العربية : ( تجزيك ) بفتح ~~التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب ، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا ~~تنوب نفس عن نفس شيئا ولا تحمل عنها شيئا مما أصابها ، بل يفر المرء فيه من ~~أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما ~~كان واجبا عليه . وقد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه ~~وصديقه دينه ويتحمل عنه ، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه ~~من الحسنات . روى أبو هريرة قال : قال عليه السلام : ( رحم الله عبدا كان ~~عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم ~~دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل ~~من سيئاته ) . قال صاحب الكشاف : PageV03P051 و ( شيئا ) مفعول به ويجوز أن ~~يكون في موضع مصدر أي قليلا من الجزاء كقوله تعالى : { ولا يظلمون شيئا } ( ~~مريم : 60 ) . ومن قرأ : ( لا يجزي ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في ~~قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوما . ~~فإن قيل : فأين العائد منها إلى الموصوف ؟ قلنا : هو محذوف تقديره لا تجزي ~~فيه ومعنى التنكير أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئا من الأشياء ~~وهو الإقناط الكلي القطاع ms0781 للمطامع . أما قوله تعالى : { ولا يقبل منها ~~شفاعة } فالشفاعة / أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع ~~الذي هو ضد الوتر / كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار الشفيع له شفعا أي صارا ~~زوجا . واعلم أن الضمير في قوله : { ولا يقبل منها } راجع إلى النفس ~~الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها عدل ، ومعنى لا يقبل منها شفاعة ~~إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها ، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى ، ~~على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئا . أما قوله ~~تعالى : { ولا يؤخذ منها عدل } أي فدية ، وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول ~~: ما أعدل بفلان أحدا ، أي لا أرى له نظيرا . قال تعالى : { ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون } ( المائدة : 36 ) ونظيره هذه الآية قوله تعالى : { إن الذين ~~كفروا لو أن لهم ما فى الارض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيامة ما } ( المائدة : 36 ) وقال تعالى : { إن الذين كفروا وماتوا وهم ~~كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا ولو افتدى به } ( آل عمران : 91 ) ~~وقال : { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } ( الأنعام : 70 ) . # أما قوله تعالى : { ولا هم ينصرون } فاعلم أن التناصر إنما يكون في ~~الدنيا بالمخالطة والقرابة وقد أخير الله تعالى أنه ليس يومئذ خلة ولا ~~شفاعة وأنه لا أنساب بينهم ، وإنما المرء يفر من أخيه وأمه وأبيه وقرابته ، ~~قال القفال : والنصر يراد به المعونة كقوله : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ~~) ، ومنه معنى الإغاثة : تقول العرب : أرض منصورة أي ممطورة ، والغيث ينصر ~~البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها وقيل في قوله تعالى : { من كان يظن أن ~~لن ينصره الله } ( الحج : 15 ) أي أن لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد ، ~~ويسمى الانتقام نصرة وانتصارا ، قال تعالى : { ونصرناه من القوم الذين ~~كذبوا بئاياتنا } ( الأنبياء : 77 ) قالوا معناه : فانتقمنا له ، فقوله ~~تعالى : { ولا هم ينصرون } يحتمل هذه الوجوه فإنهم يوم القيامة لا يغاثون ، ~~ويحتمل أنهم إذا عذبوا لم ms0782 يجدوا من ينتقم لهم من الله ، وفي الجملة كأن ~~النصر هو دفع الشدائد ، فأخبر الله تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه ، بقي ~~في الآية مسألتان : # المسألة الأولى : أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في ~~تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد ~~الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة ~~، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة ، ومن فوت التوبة من حيث ~~إنه لا يقين له في البقاء صار حذرا خائفا في كل حال ، والآية وإن كانت في ~~بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم ~~وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم . # المسألة الثانية : أجمعت الأمة على أن لمحمد صلى الله عليه وسلم شفاعة في ~~الآخرة وحمل على ذلك قوله تعالى : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ( ~~الإسراء : 79 ) وقوله تعالى : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ( الضحى : 5 ) ثم ~~اختلفوا بعد هذا في أن شفاعته عليه السلام لمن تكون أتكون للمؤمنين ~~المستحقين / PageV03P052 للثواب ، أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب ؟ ~~فذهبت المعتزلة على أنها للمستحقين للثواب وتأثير الشفاعة في أن تحصل زيادة ~~من المنافع على قدر ما استحقوه ، وقال أصحابنا : تأثيرها في إسقاط العذاب ~~عن المستحقين للعقاب ، إما بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا ~~النار وإن دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة واتفقوا ~~على أنها ليست للكفار / واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر ~~بوجوه . أحدها : هذه الآية : قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه ~~. # الأول : قوله تعالى : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } ولو أثرت الشفاعة في ~~إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئا . الثاني : قوله تعالى : { ولا ~~يقبل منها شفاعة } وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة ، ~~والثالث : قوله تعالى : { ولا هم ينصرون } ولو كان محمد شفيعا لأحد من ~~العصاة ms0783 لكان ناصرا له وذلك على خلاف الآية . لا يقال الكلام على الآية من ~~وجهين : الأول : أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ~~ذلك ، فالآية نزلت فيهم . الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقا ~~إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة ، ~~فنحن أيضا نخصه في حق المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها ، لأنا ~~نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وعن الثاني أنه لا ~~يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه تعالى حذر ~~من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة ، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي ~~الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ~~ضرر يبين ذلك أنه تعالى لو قال : اتقوا يوما لا أزيد فيه منافع المستحق ~~للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي ، ولو قال : اتقوا يوما لا ~~أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجرا عن المعاصي ، فثبت ~~أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب لا نفي تأثيرها في ~~زيادة المنافع . وثانيها : قوله تعالى : { ما للظالمين من حميم ولا شفيع ~~يطاع } ( غافر : 18 ) والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره ، ~~لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع ولم ينف شفيعا يجاب ونحن ~~نقول بموجبه فإنه لا يكون في الآخرة شفيع يطاع ، لأن المطاع يكون فوق ~~المطيع ، وليس فوقه تعالى أحد يطيعه الله تعالى ، لأنا نقول : لا يجوز حمل ~~الآية على ما قلتم من وجهين ، الأول : أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد ~~يطيعه ، متفق عليه بين العقلاء . أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا ~~يطيع أحدا ، وأما من نفاه فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعا ~~لغيره ، فإذا ثبت هذا كان حمل الآية على ما ذكرتم حملا لها على معنى لا ~~يفيد . الثاني : أنه تعالى نفى شفيعا يطاع ، والشفيع ms0784 لا يكون إلا دون ~~المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمرا له وحاكما عليه ومثله لا يسمى شفيعا ~~فأفاد قوله : ( شفيع ) كونه دون الله تعالى فلم يمكن حمل قوله : { يطاع } ~~على من فوقه فوجب حمله / على أن المراد به أن لا يكون لهم شفيع يجاب . ~~وثالثها : قوله تعالى : { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ~~} ( البقرة : 254 ) ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها . PageV03P053 ~~ورابعها : قوله تعالى : { وما للظالمين من أنصار } ( البقرة : 270 ) ولو ~~كان الرسول يشفع للفاسق من أمته لوصفوا بأنهم منصورون لأنه إذا تخلص بسبب ~~شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته . وخامسها : قوله ~~تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) أخبر تعالى عن ~~ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه الله عز وجل والفاسق ليس بمرتضى ~~عند الله تعالى ، وإذا لم تشفع الملائكة له فكذا الأنبياء عليهم السلام ، ~~لأنه لا قائل بالفرق . وسادسها : قوله تعالى : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين ~~} ( المدثر : 48 ) ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت الشفاعة قد ~~تنفعهم وذلك ضد الآية . وسابعها : أن الأمة مجمعة على أنه ينبغي أن نرغب ~~إلى الله تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه السلام ويقولون في جملة ~~أدعيتهم : واجعلنا من أهل شفاعته ، فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من ~~الدنيا مصرا على الكبائر لكانوا قد رغبوا إلى الله تعالى في أن يختم لهم ~~مصرين على الكبائر . لا يقال لم لا يجوز أن يقال : إنهم يرغبون إلى الله ~~تعالى في أن يجعلهم من أهل شفاعته إذا خرجوا مصرين لا أنهم يرغبون في أن ~~يختم لهم مصرين كما أنهم يقولون في دعائهم : اجعلنا من التوابين وليسوا ~~يرغبون في أن يذنبوا ثم يتوبوا وإنما يرغبون في أن يوفقهم للتوبة إذا كانوا ~~مذنبين وكلتا الرغبتين مشروطة بشرط وهو تقدم الإصرار وتقدم الذنب ، لأنا ~~نقول : الجواب عنه من وجهين . الأول : ليس يجب إذا شرطنا شرطا في قولنا : ~~اللهم اجعلنا من التوابين ، أن ms0785 نزيد شرطا في قولنا اجعلنا من أهل الشفاعة . ~~الثاني : أن الأمة في كلتا الرغبتين إلى الله تعالى يسألون منه تعالى أن ~~يفعل بهم ما يوصلهم إلى المرغوب فيه ففي قولهم : اجعلنا من التوابين ، أن ~~يرغبون في أن يوفقهم للتوبة من الذنوب ، وفي الثاني يرغبون في أن يفعل بهم ~~ما كانوا عنده أهلا لشفاعته عليه السلام ، فلو لم تحصل أهلية الشفاعة إلا ~~بالخروج من الدنيا مصرا على الكبائر لكان سؤال أهلية الشفاعة سؤالا للاخراج ~~من الدنيا حال الإصرار على الكبائر ، وذلك غير جائز بالإجماع . أما على ~~قولنا : إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج على الكبائر ، وذلك غير جائز ~~بالإجماع . أما على قولنا إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج من الدنيا ~~مستحقا للثواب كان سؤال أهلية الشفاعة حسنا فظهر الفرق . وثانيها : أن قوله ~~تعالى : { وإن الفجار لفى جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين ~~} ( الانفطار : 14 16 ) يدل على أن كل الفجار يدخلون النار وأنهم لا يغيبون ~~عنها وإذا ثبت أنهم لا يغيبون عنها ثبت أنهم لا يخرجون منها ، وإذا كان ~~كذلك لم يكن للشفاعة أثر لا في العفو عن العقاب ولا في الإخراج من النار ~~بعد الإدخال فيها . وتاسعها : قوله تعالى : { يدبر الامر ما من شفيع إلا من ~~بعد إذنه } ( يونس : 3 ) فنفى الشفاعة عمن لم يأذن في شفاعته وكذا قوله : { ~~من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) وكذا قوله تعالى : { لا ~~يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا } ( سبأ : 38 ) وإنه تعالى لم ~~يأذن في الشفاعة في حق أصحاب الكبائر لأن هذا الإذن لو عرف لعرف إما بالعقل ~~أو بالنقل ، أما العقل فلا مجال له فيه ، وأما النقل / فأما بالتواتر أو ~~بالآحاد ، والآحاد لا مجال له فيه لأن رواية الآحاد لا تفيد إلا الظن ~~والمسألة علمية والتمسك في المطالب العلمية بالدلائل الظنية غير جائز . ~~وأما بالتواتر فباطل لأنه لو حصل ذلك لعرفه جمهور المسلمين ولو كان كذلك ~~لما أنكروا هذه PageV03P054 الشفاعة . فحيث أطبق الأكثرون على الأنكار ms0786 ~~علمنا أنه لم يوجد هذا الإذن . وعاشرها : قوله تعالى : { الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا ~~وسعت كل شىء رحمة وعلما } ولو كانت الشفاعة حاصلة للفاسق لم يكن لتقييدها ~~بالتوبة ومتابعة السبيل معنى . الحادي عشر : الأخبار الدالة على أنه لا ~~توجد الشفاعة في حق أصحاب الكبائر وهي أربعة . الأول : ما روى العلاء بن ~~عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام دخل المقبرة فقال ~~: ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أني ~~قد رأيت اخواننا : قالوا : يا رسول الله ألسنا إخوانك . قال : بل أنتم ~~أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد . قالوا : يا رسول الله كيف تعرف من ~~يأتي بعدك من أمتك ؟ قال : أرأيت إن كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم فهل ~~لا يعرف خيله ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال فانهم يأتون يوم القيامة ~~غرا محجلين من الوضوء ، وأما فرطهم على الحوض ، ألا فليذادن رجال عن حوضي ~~كما يذاد البعير الضال أناديهم ، ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك ~~فأقول فسحقا فسحقا ) . والاستدلال بهذا الخبر على نفي الشفاعة أنه لو كان ~~شفيعا لهم لم يكن يقول فسحقا فسحقا ، لأن الشفيع لا يقول ذلك ، وكيف يجوز ~~أن يكون شفيعا لهم في الخلاص من العقاب الدائم وهو يمنعهم شربة ماء . ~~الثاني : روى عبد الرحمن ابن ساباط عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لكعب بن عجرة : ( يا كعب بن عجرة أعيذك بالله من إمارة ~~السفهاء إنه سيكون أمراء من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم ~~فليس مني ولست منه ولن يرد على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ~~ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض ، يا كعب بن ~~عجرة الصلاة قربان والصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفيء الماء النار ~~، يا كعب بن عجرة لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت ms0787 ) . والاستدلال بهذا الحديث ~~من ثلاثة أوجه . أحدها : أنه إذا لم يكن من النبي ولا النبي منه فكيف يشفع ~~له ، وثانيها : قوله : ( لم يرد على الحوض ) دليل على نفي الشفاعة لأنه إذا ~~منع من الوصول إلى الرسول حتى لا يرد عليه الحوض فبأن يمتنع الرسول من ~~خلاصه من العقاب أولى . وثالثها : أن قوله : ( لا يدخل الجنة لحم نبت من ~~السحت ) صريح في أنه لا أثر للشفاعة في حق صاحب الكبيرة . الثالث : عن أبي ~~هريرة قال عليه الصلاة والسلام : ( لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته ~~شاة لها ثغاء يقول : يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد ~~بلغتك ) . وهذا صريح في المطلوب ، لأنه إذا لم يملك له من الله شيئا فليس ~~له في الشفاعة نصيب . الرابع : عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام ~~: ( ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة ، ومن كنت خصيمه خصمته ، رجل / أعطى بي ~~ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه ~~أجرته ) . والاستدلال به أنه عليه الصلاة والسلام لما كان خصيما لهؤلاء ~~استحال أن يكون شفيعا لهم ، فهذا مجموع وجوه المعتزلة في هذا الباب . أما ~~أصحابنا فقد تمسكوا فيه بوجوه . PageV03P055 أحدها : قوله سبحانه وتعالى : ~~حكاية عن عيسى عليه السلام : { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم } ، وجه الاستدلال أن هذه الشفاعة من عيسى عليه السلام ~~إما أن يقال إنها كانت في حق الكفار أو في حق المسلم المطيع أو في حق ~~المسلم صاحب الصغيرة أو المسلم صاحب الكبيرة بعد التوبة أو المسلم صاحب ~~الكبيرة قبل التوبة . والقسم الأول باطل لأن قوله تعالى : { وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم } ( المائدة : 118 ) ، لا يليق بالكفار ، والقسم ~~الثاني والثالث والرابع باطل لأن المسلم المطيع والمسلم صاحب الصغيرة ~~والمسلم صاحب الكبيرة لا يجوز بعد التوبة تعذيبه عقلا عند الخصم ، وإذا كان ~~كذلك لم يكن قوله : { إن تعذبهم فإنهم عبادك } لائقا بهم وإذا بطل ذلك لم ~~يبق إلا ms0788 أن يقال : إن هذه الشفاعة إنما وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل ~~التوبة وإذا صح القول بهذه الشفاعة في حق عيسى عليه السلام صح القول بها في ~~حق محمد صلى الله عليه وسلم ضرورة أنه لا قائل بالفرق . وثانيها : قوله ~~تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : { فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك ~~غفور رحيم } فقوله : { ومن عصانى فإنك غفور رحيم } ( إبراهيم : 36 ) لا ~~يجوز حمله على الكافر لأنه ليس أهلا للمغفرة بالإجماع ولا حمله على صاحب ~~الصغيرة ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة لأن غفرانه لهم واجب عقلا عند ~~الخصم فلا حاجة له إلى الشفاعة فلم يبق إلا حمله على صاحب الكبيرة قبل ~~التوبة . ومما يؤكد دلالة هاتين الآيتين على ما قلناه ما رواه البيهقي في ~~كتاب شعب الإيمان أنه عليه الصلاة والسلام تلا قوله تعالى في إبراهيم : { ~~ومن عصانى فإنك غفور رحيم } وقول عيسى عليه السلام : { إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك } الآية ، ثم رفع يديه وقال : ( اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله ~~تعالى : يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل ~~فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال ، فقال الله عز وجل : ~~يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ) . رواه مسلم ~~في الصحيح . وثالثها : قوله تعالى في سورة مريم : { يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمان وفدا * ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا * لا يملكون الشفاعة إلا من ~~اتخذ عند الرحمان عهدا } ( مريم : 85 87 ) ، فنقول ليس في ظاهر الآية أن ~~المقصود من الآية أن المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم أو أنهم لا يملكون ~~شفاعة غيرهم لهم لأن المصدر كما يجوز ويحسن إضافته إلى الفاعل يجوز ويحسن ~~إضافته إلى المفعول إلا أنا نقول حمل الآية على الوجه الثاني أولى ، لأن ~~حملها على الوجه الأول يجري مجرى إيضاح الواضحات ، فإن كل أحد يعلم أن ~~المجرمين الذين يساقون إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة لغيرهم ، فتعين ~~حملها على الوجه الثاني ms0789 . إذا ثبت هذا فنقول : الآية تدل على حصول الشفاعة ~~لأهل الكبائر ، لأنه قال عقيبه : { إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا } ، ~~والتقدير أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا اتخذوا ~~عند / الرحمن عهدا ، فكل من اتخذ عند الرحمن عهدا وجب دخوله فيه ، وصاحب ~~الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدا وهو التوحيد والإسلام ، فوجب أن يكون داخلا ~~تحته أقصى ما في الباب أن يقال : واليهودي اتخذ عند الرحمن عهدا وهو ~~الإيمان بالله فوجب دخوله تحته لكنا نقول ترك العمل به في حقه لضرورة ~~الإجماع فوجب أن يكون معمولا به فيما وراءه . ورابعها : قوله تعالى في صفة ~~الملائكة : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) وجه الاستدلال ~~PageV03P056 به أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى ، وكل من كان مرتضى ~~عند الله تعالى وجب أن يكون من أهل الشفاعة ، إنما قلنا : إن صاحب الكبيرة ~~مرتضى عند الله تعالى لأنه مرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده وكل من صدق ~~عليه أنه مرتضى عند الله بحسب هذا الوصف يصدق عليه أنه مرتضى عند الله ~~تعالى لأن المرتضى عند الله جزء من مفهوم قولنا : مرتضى عند الله بحسب ~~إيمانه ، ومتى صدق المركب صدق المفرد ، فثبت أن صاحب الكبيرة مرتضى عند ~~الله ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون من أهل الشفاعة لقوله تعالى : { ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى } نفي الشفاعة إلا لمن كان مرتضى والاستثناء عن النفي ~~إثبات ، فوجب أن يكون المرتضى أهلا لشفاعتهم ، وإذا ثبت أن صاحب الكبيرة ~~داخل في شفاعة الملائكة وجب دخوله في شفاعة الأنبياء وشفاعة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . فإن قيل : الكلام على هذا ~~الاستدلال من وجهين ، الأول : أن الفاسق ليس بمرتضى فوجب أن لا يكون أهلا ~~لشفاعة الملائكة / وإذا لم يكن أهلا لشفاعة الملائكة وجب أن لا يكون أهلا ~~لشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، إنما قلنا : إنه ليس بمرتضى لأنه ليس ~~بمرتضى بحسب فسقه وفجوره ومن صدق عليه أنه ليس بمرتضى بحسب فسقه ms0790 صدق عليه ~~أنه ليس بمرتضى بعين ما ذكرتم من الدليل ، وإذا ثبت أنه ليس بمرتضى وجب أن ~~لا يكون أهلا لشفاعة الملائكة ، لأن قوله تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى } يدل على نفي الشفاعة عن الكل إلا في حق المرتضى ، فإذا كان صاحب ~~الكبيرة غير مرتضى وجب أن يكون داخلا في النفي . الوجه الثاني : أن ~~الاستدلال بالآية إنما يتم لو كان قوله : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ~~محمولا على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله ، أما لو حملناه ~~على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله منه شفاعته فحينئذ لا تدل ~~الآية إلا إذا ثبت أن الله تعالى ارتضى شفاعة صاحب الكبيرة ، وهذا أول ~~المسألة . # والجواب عن الأول : أنه ثبت في العلوم المنطقية أن المهملتين لا يتناقضان ~~، فقولنا : زيد عالم ، زيد ليس بعالم لا يتناقضان لاحتمال أن يكون المراد ~~زيد عالم بالفقه ، زيد ليس بعالم بالكلام ، وإذا ثبت هذا فكذا قولنا صاحب ~~الكبيرة مرتضى صاحب الكبيرة ليس بمرتضى ، لا يتناقضان لاحتمال أن يقال : ~~إنه مرتضى بحسب دينه ، ليس بمرتضى بحسب فسقه ، وأيضا فمتى ثبت أنه مرتضى ~~بحسب إسلامه ثبت مسمى كونه مرتضى ، وإذا كان المستثنى هو مجرد كونه مرتضى ، ~~ومجرد كونه / مرتضى حاصل عند كونه مرتضى بحسب إيمانه وجب دخوله تحت ~~الاستثناء وخروجه عن المستثنى منه ، ومتى كان كذلك ثبت أنه من أهل الشفاعة ~~. وأما السؤال الثاني : فجوابه أن حمل الآية على أن يكون معناها ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضاه الله أولى من حملها على أن المراد ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ~~الله شفاعته ، لأن على التقدير الأول تفيد الآية الترغيب والتحريض على طلب ~~مرضاة الله عز وجل والاحتراز عن معاصيه ، وعلى التقدير الثاني لا تفيد ~~الآية ذلك ، ولا شك أن تفسير كلام الله تعالى بما كان أكثر فائدة أولى . ~~وخامسها : قوله تعالى في صفة الكفار : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( ~~المدثر : 48 ) خصهم بذلك فوجب أن يكون حال المسلم بخلافه بناء على مسألة ~~دليل الخطاب ms0791 ، وسادسها : قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } PageV03P057 ( محمد : 19 ) دلت الآية على أنه ~~تعالى أمر محمدا بأن يستغفر لكل المؤمنين والمؤمنات وقد بينا في تفسير قوله ~~تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) أن صاحب الكبيرة مؤمن ، ~~وإذا كان كذلك ثبت أن محمدا صلى الله عليه وسلم استغفر لهم ، وإذا كان كذلك ~~ثبت أن الله تعالى قد غفر لهم . وإلا لكان الله تعالى قد أمره بالدعاء ليرد ~~دعاءه فيصير ذلك محض التحقير والايذاء وهو غير لائق بالله تعالى ولا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فدل على أن الله تعالى لما أمر محمدا بالاستغفار لكل ~~العصاة فقد استجاب دعاءه ، وذلك إنما يتم لو غفر لهم ولا معنى للشفاعة إلا ~~هذا ، وسابعها : قوله تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها } ( النساء : 86 ) فالله تعالى أمر الكل بأنهم إذا حياهم أحد بتحية ~~أن يقابلوا تلك التحية بأحسن منها أو يردوها ، ثم أمرنا بتحية محمد صلى ~~الله عليه وسلم حيث قال : { النبى ياأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما } ( الأحزاب : 56 ) الصلاة من الله رحمة ولا شك أن هذا تحية ، فلما ~~طلبنا من الله الرحمة لمحمد عليه الصلاة والسلام وجب بمقتضى قوله : { فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها } ، أن يفعل محمد مثله وهو أن يطلب لكل المسلمين ~~الرحمة من الله تعالى ، وهذا هو معنى الشفاعة ، ثم توافقنا على أنه عليه ~~الصلاة والسلام غير مردود الدعاء ، فوجب أن يقبل الله شفاعته في الكل وهو ~~المطلوب . وثامنها : قوله تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } ( النساء : ~~64 ) وليس في الآية ذكر التوبة ، والآية تدل على أن الرسول متى استغفر ~~للعصاة والظالمين فإن الله يغفر لهم ، وهذا يدل على أن شفاعة الرسول في حق ~~أهل الكبائر مقبولة في الدنيا ، فوجب أن تكون مقبولة في الآخرة ، لأنه لا ~~قائل بالفرق . وتاسعها : أجمعنا على وجوب الشفاعة لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فتأثيرها إما أن يكون ms0792 في زيادة المنافع أو في إسقاط المضار والأول باطل ~~وإلا لكنا شافعين للرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلبنا من الله تعالى أن ~~يزيد في فضله عند ما نقول : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، وإذا بطل هذا ~~القسم تعين الثاني وهو المطلوب ، فإن قيل : إنما لا يطلق علينا كوننا ~~شافعين لمحمد صلى الله عليه وسلم لوجهين ، الأول : أن / الشفيع لا بد أن ~~يكون أعلى رتبة من المشفوع له ، ونحن وإن كنا نطلب الخير له عليه الصلاة ~~والسلام ولكن لما كنا أدنى رتبة منه عليه الصلاة والسلام لم يصح أن نوصف ~~بكوننا شافعين له . الثاني : قال أبو الحسين : سؤال المنافع للغير إنما ~~يكون شفاعة إذا كان فعل تلك المنافع لأجل سؤاله ولولاه لم تفعل أو كان ~~لسؤاله تأثير في فعلها ، فأما إذا كانت تفعل سواء سألها أو لم يسألها ، ~~وكان غرض السائل التقرب بذلك إلى المسؤول ، وإن لم يستحق المسؤول له بذلك ~~السؤال منفعة زائدة فإن ذلك لا يكون شفاعة له ، ألا ترى أن السلطان إذا عزم ~~على أن يعقد لابنه ولاية فحثه بعض أوليائه على ذلك وكان يفعل ذلك لا محالة ~~سواء حثه عليه أو لم يحثه ، وقصد بذلك التقرب إلى السلطان ليحصل له بذلك ~~منزلة عنده فإنه لا يقال إنه يشفع لابن السلطان : وهذه حالتنا في حق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فيما نسأله له من الله تعالى ، فلم يصح أن نكون شافعين ~~، والجواب على الأول ، لا نسلم أن الرتبة معتبرة في الشفاعة . والدليل عليه ~~أن الشفيع إنما سمي شفيعا مأخوذا من الشفع ، وهذا المعنى لا تعتبر فيه ~~الرتبة ، فسقط قولهم ، وبهذا الوجه يسقط السؤال الثاني ، PageV03P058 وأيضا ~~فنقول في الجواب عن السؤال الثاني : إنا وإن كنا نقطع بأن الله تعالى يكرم ~~رسوله ويعظمه سواء سألت الأمة ذلك أم لم تسأل ، ولكنا لا نقطع بأنه لا يجوز ~~أن يزيد في إكرامه بسبب سؤال الأمة ذلك على وجه لولا سؤال الأمة لما حصلت ~~تلك الزيادة وإذا كان هذا الاحتمال يجوز ms0793 ، وجب أن يبقى تجويز كوننا شافعين ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ولما بطل ذلك باتفاق الأمة بطل قولهم . وعاشرها ~~: قوله تعالى في صفة الملائكة : { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا } وصاحب الكبيرة من جملة المؤمنين ~~فوجب دخوله في جملة من تستغفر الملائكة لهم ، أقصى ما في الباب أنه ورد بعد ~~ذلك قوله : { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } ( غافر : 7 ) ، إلا أن هذا ~~لا يقتضي تخصيص ذلك العام لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ العام إذا ذكر ~~بعده بعض أقسامه فإن ذلك لا يوجب تخصيص ذلك العام بذلك الخاص . الحادي عشر ~~: الأخبار الدالة على حصول الشفاعة لأهل الكبائر ، ولنذكر منها ثلاثة أوجه ~~، الأول : قوله عليه الصلاة والسلام : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) / ~~قالت المعتزلة : الإعتراض عليه من ثلاثة وجوه : أحدها : أنه خبر واحد ورد ~~على مضادة القرآن ، فإنا بينا أن كثيرا من الآيات يدل على نفي هذه الشفاعة ~~وخبر الواحد إذا ورد على خلاف القرآن وجب رده ، وثانيها : أنه يدل على أن ~~شفاعته ليست إلا لأهل الكبائر وهذا غير جائز ، لأن شفاعته منصب عظيم ~~فتخصيصه بأهل الكبائر فقط يقتضي حرمان أهل الثواب عنه وذلك غير جائز ، لأنه ~~لا أقل من التسوية ، وثالثها : أن هذه المسألة ليست من المسائل العملية فلا ~~يجوز الاكتفاء فيها بالظن وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلا يجوز التمسك في ~~هذه المسألة بهذا الخبر . ثم إن سلمنا صحة الخبر لكن فيه احتمالات ، أحدها ~~: أن يكون المراد منه الاستفهام بمعنى / الانكار يعني أشفاعتي لأهل الكبائر ~~من أمتي كما أن المراد من قوله : { هاذا ربى } أي أهذا ربي ، وثانيها : أن ~~لفظ الكبيرة غير مختص لا في أصل اللغة ولا في عرف الشرع بالمعصية بل كما ~~يتناول المعصية بل كما يتناول المعصية يتناول الطاعة . قال تعالى في صفة ~~الصلاة : { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } ، وإذا كان كذلك فقوله لأهل ~~الكبائر : لا يجب أن يكون المراد منه أهل المعاصي الكبيرة بل لعل المراد ms0794 ~~منه أهل الطاعات الكبيرة . فإن قيل : هب أن لفظ الكبيرة يتناول الطاعات ~~والمعاصي ولكن قوله أهل الكبائر صيغة جمع مقرونة بالألف واللام فيفيد ~~العموم فوجب أن يدل الخبر على ثبوت الشفاعة لكل من كان من أهل الكبائر سواء ~~كان من أهل الطاعات الكبيرة أو المعاصي الكبيرة قلنا : لفظ الكبائر وإن كان ~~للعموم إلا أن لفظ ( أهل ) مفرد فلا يفيد العموم فيكفي في صدق الخبر شخص ~~واحد من أهل الكبائر فنحمله على الشخص الآتي بكل الطاعات ، فإنه يكفي في ~~العمل بمقتضى الحديث حمله عليه . وثالثها : هب أنه يجب حمل أهل الكبائر على ~~أهل المعاصي الكبيرة لكن أهل المعاصي الكبيرة أعم من أهل المعاصي الكبيرة ~~بعد التوبة أو قبل التوبة فنحن نحمل الخبر على أهل المعاصي الكبيرة بعد ~~التوبة ، ويكون تأثير الشفاعة في أن يتفضل الله عليه بما انحبط من ثواب ~~طاعته المتقدمة على فسقه سلمنا دلالة الخبر على قولكم لكنه معارض بما روي ~~عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) ذكره ~~PageV03P059 مع همزة الاستفهام على سبيل الإنكار . وروى الحسن عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال : ( ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي ) ~~واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر وحده ، ~~ولكن بمجموع الأخبار الواردة في باب الشفاعة وإن سائر الأخبار دالة على ~~سقوط كل هذه التأويلات . الثاني : روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت ~~دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا ~~يشرك بالله شيئا ) رواه مسلم في الصحيح والاستدلال به أن الحديث صريح في أن ~~شفاعته صلى الله عليه وسلم تنال كل من مات أمته لا يشرك بالله شيئا وصاحب ~~الكبيرة كذلك ، فوجب أن تناله الشفاعة . والثالث : عن أبي هريرة قال : ( ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه ~~فنهش منها نهشة ms0795 ثم قال : أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون لم ذلك ؟ ~~قالوا : لا يا رسول الله ، قال : يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ~~فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس ، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما ~~لا يطيقون فيقول بعض الناس لبعض : ألا ترون ما أنتم فيه ؟ ألا ترون ما قد ~~بلغكم ألا تذهبون إلى من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيقول بعض الناس لبعض : أبوكم ~~آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من ~~روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك / اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ألا ~~ترى ما قد بلغنا ؟ فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ~~ولن يغضب بعده مثله ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته . نفسي نفسي اذهبوا إلى ~~غيري اذهبوا إلى / نوح . فيأتون نوحا فيقولون : يا نوح أنت أول الرسل إلى ~~أهل الأرض ، وسماك الله عبدا شكورا ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما ~~نحن فيه ؟ فيقول لهم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن ~~يغضب بعده مثله وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي اذهبوا إلى غيري ، ~~اذهبوا إلى إبراهيم . فيأتون إبراهيم عليه السلام فيقولون : أنت إبراهيم ~~نبي الله وخليله من أهل الأرض ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ~~؟ فيقول لهم إبراهيم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن ~~يغضب بعده مثله ، وذكر كذباته ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى ~~موسى ، فيأتون موسى ويقولون : يا موسى أنت رسول الله ، فضلك الله برسلاته ~~وبكلامه على الناس ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فيقول ~~لهم موسى : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ~~وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى ~~عيسى بن مريم ، فيأتون عيسى فيقولون : أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم ms0796 وروح منه وكلمت الناس في المهد ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما ~~نحن فيه ؟ فيقول لهم عيسى : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ~~ولم يغضب بعده مثله ، ولم يذكر له ذنبا ، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ، ~~اذهبوا إلى محمد . فيأتوني فيقولون : يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبيين ~~وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما ~~نحن فيه ؟ فأنطلق واستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا ، ~~فيدعني ما شاء أن يدعني ثم PageV03P060 يقول لي : يا محمد ارفع رأسك وقل ~~تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حدا ~~فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع فإذا رأيت ربي تبارك وتعالى وقعت له ساجدا فيدعني ~~ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : أرفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع ~~، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أرجع ~~فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ، ثم يقول : يا ~~محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع ، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ، ~~ثم اشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة . ثم ارجع فأقول : يا رب ما بقي في ~~النار إلا من حبسه القرآن ، أي وجب عليه الخلود ) ، وأكثر هذا الخبر مخرج ~~بلفظه في الصحيحين . قالت المعتزلة : الكلام على هذا الخبر وأمثاله من وجوه ~~، أحدها : أن هذه الأخبار أخبار طويلة فلا يمكن ضبطها بلفظ الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ، فالظاهر أن الراوي إنما رواها بلفظ نفسه ، وعلى هذا التقدير لا ~~يكون شيء منها حجة ، وثانيها : أنها خبر عن واقعة واحدة ، وأنها رويت على ~~وجوه مختلفة مع الزيادات والنقصانات ، وذلك أيضا مما يطرق التهمة إليها . ~~وثالثها : أنها مشتملة على التشبيه وذلك باطل أيضا يطرق التهمة إليها . ~~ورابعها : أنها وردت على خلاف ظاهر القرآن . وذلك أيضا بطرق التهمة إليها . ~~وخامسها : أنها خبر عن واقعة عظيمة تتوافر ms0797 الدواعي على نقلها ، فلو كان ~~صحيحا لوجب / بلوغه إلى حد التواتر وحيث لم يكن كذلك فقد تطرقت التهمة ~~إليها ، وسادسها : أن الاعتماد على خبر الواحد الذي لا يفيد إلا الظن في ~~المسائل القطعية غير جائز . أجاب أصحابنا عن هذه المطاعن بأن كل واحد من ~~هذه الأخبار وإن كان مرويا بالآحاد إلا أنها كثيرة جدا وبينها قدر مشترك ~~واحد وهو خروج أهل العقاب من النار بسبب الشفاعة فيصير هذا المعنى مرويا ~~على سبيل التواتر / فيكون حجة والله أعلم . والجواب على جميع أدلة المعتزلة ~~بحرف واحد وهو أن أدلتهم على نفي الشفاعة تفيد نفي جميع أقسام الشفاعات ، ~~وأدلتنا على إثبات الشفاعة تفيد إثبات شفاعة خاصة والعام والخاص إذا تعارضا ~~قدم الخاص على العام فكانت دلائلنا مقدمة على دلائلهم ، ثم إنا نخص كل واحد ~~من الوجوه التي ذكروها بجواب على حدة : # أما الوجه الأول : وهو التمسك بقوله تعالى : { ولا يقبل منها شفاعة } فهب ~~أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أن تخصيص مثل هذا العام بذلك ~~السبب المخصوص يكفي فيه أدنى دليل ، فإذا قامت الدلائل الدالة على وجود ~~الشفاعة وجب المصير إلى تخصيصها . # وأما الوجه الثاني : وهو قوله تعالى : { ما للظالمين من حميم ولا شفيع ~~يطاع } ( غافر : 18 ) فالجواب عنه أن قوله : { ما للظالمين من حميم ولا ~~شفيع } نقيض لقولنا : للظالمين حميم وشفيع ، لكن قولنا للظالمين : حميم ~~وشفيع موجبة كلية ، ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية ، والسالبة يكفي في ~~صدقها تحقق ذلك السلب في بعض الصور ، ولا يحتاج فيه إلى تحقق ذلك السلب في ~~جميع الصور ، وعلى هذا فنحن نقول بموجبه لأن عندنا أنه ليس لبعض الظالمين ~~حميم ولا شفيع يجاب وهم الكفار ، فأما أن يحكم على كل واحد منهم بسلب ~~الحميم والشفيع فلا . # وأما الوجه الثالث : وهو قوله : { من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ~~ولا شفاعة } ( البقرة : 254 ) فالجواب عنه ما تقدم في الوجه الأول . # وأما الوجه الرابع : وهو قوله : { وما للظالمين من أنصار } ( البقرة : ~~270 ) فالجواب عنه ms0798 أنه نقيض لقولنا : للظالمين أنصار وهذه موجبة كلية فقوله ~~: { وما للظالمين من أنصار } سالبة جزئية فكيون مدلوله سلب العموم وسلب ~~العموم لا يفيد عموم السلب . PageV03P061 # وأما الوجه الخامس : وهو قوله : { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( المدثر ~~: 48 ) فهذا وارد في حق الكفار وهو يدل بسبب التخصيص على ضد هذا الحكم في ~~حق المؤمنين . # وأما الوجه السادس : وهو قوله : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء ~~: 28 ) فقد تقدم القول فيه . # وأما الوجه السابع : وهو قول المسلمين : اللهم اجعلنا من أهل شفاعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، فالجواب عنه أن عندنا تأثير الشفاعة في جلب أمر مطلوب ~~وأعني به القدر المشترك بين جلب المنافع الزائدة على قدر الاستحقاق ودفع ~~المضار المستحقة على المعاصي ، وذلك القدر المشترك لا يتوقف على كون العبد ~~عاصيا فاندفع السؤال . # وأما الوجه الثامن : وهو التمسك بقوله : { وإن الفجار لفى جحيم } ( ~~الانفطار : 14 ) فالكلام عليه سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألة الوعيد . # وأما الوجه التاسع : وهو قوله لم يوجد ما يدل على إذن الله عز وجل في ~~الشفاعة لأصحاب الكبائر ، فجوابه أن هذا ممنوع والدليل عليه ما أوردنا من ~~الدلائل الدالة على حصول هذه الشفاعة . # وأما الوجه العاشر : وهو قوله في حق الملائكة : { فاغفر للذين تابوا } ( ~~غافر : 7 ) فجوابه ما بينا أن خصوص آخر هذه الآية لا يقدح في عموم أولها . # وأما الأحاديث فهي دالة على أن محمد صلى الله عليه وسلم لا يشفع لبعض ~~الناس ولا يشفع في بعض مواطن القيامة ، وذلك لا يدل على أنه لا يشفع لأحد ~~ألبتة من أصحاب الكبائر ، ولا أنه يمتنع من الشفاعة في جميع المواطن . ~~والذي نحققه أنه تعالى بين أن أحدا من الشافعين لا يشفع إلا بإذن الله ، ~~فلعل الرسول لم يكن مأذونا في بعض المواضع وبعض الأوقات ، فلا يشفع في ذلك ~~المكان ولا في ذلك الزمان ، ثم يصير مأذونا في موضع آخر وفي وقت آخر في ~~الشفاعة فيشفع هناك والله أعلم . # قالت الفلاسفة في تأويل الشفاعة : إن واجب الوجود عام ms0799 الفيض تام الجود ، ~~فحيث لا يحصل فإنما لا يحصل لعدم كون القابل مستعدا ، ومن الجائز أن لا ~~يكون الشيء مستعدا لقبول الفيض عن واجب الوجود إلا أن يكون مستعدا لقبول ~~ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود ، فيكون ذلك الشيء كالمتوسط بين واجب ~~الوجود وبين ذلك الشيء الأول ، ومثاله في المحسوس أن الشمس لا تضيء إلا ~~للقابل المقابل ، وسقف البيت لما لم يكن مقابلا لجرم الشمس لا جرم لم يكن ~~فيه استعداد لقبول النور عن الشمس ، إلا أنه إذا وضع طست مملوء من الماء ~~الصافي ووقع عليه ضوء الشمس انعكس ذلك الضوء من ذلك الماء إلى السقف فيكون ~~ذلك الماء الصافي متوسطا في وصول النور من قرص الشمس إلى السقف الذي هو غير ~~مقابل للشمس ، وأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام ~~الخلق في وصول فيض واجب الوجود إلى أرواح العامة ، فهذا ما قالوه في ~~الشفاعة تفريعا على أصولهم . # PageV03P062 ! 7 < { وإذ نجيناكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب ~~يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفى ذالكم بلاء من ربكم عظيم } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 49 ) وإذ نجيناكم من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالا بين بعد ذلك ~~أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة ، ~~فكأنه قال : اذكروا نعمتي واذكروا إذ نجيناكم / واذكروا إذ فرقنا بكم البحر ~~وهي إنعامات ، والمذكور في هذه الآية هو الإنعام الأول . أما قوله : { وإذ ~~نجيناكم } فقرىء أيضا أنجيناكم ونجيتكم ، قال القفال : أصل الأنجاء ~~والتنجية التخليص ، وأن بيان الشيء من الشيء حتى لا يتصلا وهما لغتان نجى ~~وأنجى ونجا بنفسه ، وقالوا لمكان العالي : نجوة لأن من صار إليه نجا ، أي ~~تخلص ولأن الموضع المرتفع بائن عما انحط عنه فكأنه متخلص منه . قال صاحب ~~الكشاف : أصل آل أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفا وخص استعماله بأولى ~~الخطر والشأن ، كالملوك وأشباههم ولا يقال : آل الحجام والإسكاف ، قال عيسى ~~: الأهل أعم من الآل ، يقال : أهل الكوفة وأهل البلد وأهل ms0800 العلم ولا يقال : ~~آل الكوفة وآل البلد وآل العلم ، فكأنه قال : الأهل هم خاصة الشيء من جهة ~~تغليبه عليهم ، والآل خاصة الرجل من جهة قرابة أو صحبة . وحكى عن أبي عبيدة ~~أنه سمع فصيحا يقول : أهل مكة آل الله . أما فرعون فهو علم لمن ملك مصر من ~~العمالقة كقيصر وهرقل لملك الروم وكسرى لملك الفرس وتبع لملك اليمن وخاقان ~~لملك الترك ، واختلفوا في فرعون من وجهين ، أحدهما : أنهم اختلفوا في اسمه ~~فحكى ابن جريج عن قوم أنهم قالوا : مصعب بن ريان ، وقال ابن إسحاق : هو ~~الوليد ابن مصعب ، ولم يكن من الفراعنة أحد أشد غلظة ولا أقسى قلبا منه ، ~~وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا : إن اسم فرعون كان قابوس وكان من ~~القبط ، الثاني : قال ابن وهب : إن فرعون يوسف عليه السلام هو فرعون موسى ~~وهذا غير صحيح ، إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين أن دخلها موسى أكثر من ~~أربعمائة سنة ، وقال محمد بن إسحاق : هو غير فرعون يوسف وأن فرعون يوسف كان ~~اسمه الريان بن الوليد ، أما آل فرعون فلا شك أن المراد منه ههنا من كان من ~~قوم فرعون وهم الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل ليكون تعالى منجيا لهم ~~منهم بما تفضل به من الأحوال التي توجب بقاءهم وهلاك فرعون وقومه . أما ~~قوله تعالى : { يسومونكم } فهو من سامه خسفا إذا أولاه ظلما ، قال عمرو بن ~~كلثوم : # % إذا ما الملك سام الناس خسفا % % أبينا أن نقر الخسف فينا % # وأصله من سام السلعة إذا طلبها ، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونه ~~بكم ، والسوء مصدر ساء بمعنى السيىء ، يقال : أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء ~~الفعل يراد قبحهما ، ومعنى سوء العذاب والعذاب PageV03P063 كله سيىء أشده ~~وأصعبه كأن قبحه ( زاد ) بالإضافة إلى ساء ، واختلف المفسرون في المراد من ~~( سوء العذاب ) فقال محمد بن إسحاق : إنه جعلهم خولا وخدما له وصنفهم في ~~أعماله أصنافا ، فصنف كانوا يبنون له ، وصنف كانوا يحرثون له ، وصنف كانوا ~~يزرعون له ، فهم كانوا في ms0801 أعماله ومن لم يكن في نوع من أعماله كان يأمر بأن ~~يوضع عليه جزية يؤديها ، وقال السدي : كان قد جعلهم في الأعمال القذرة ~~الصعبة مثل لنس المبرز وعمل الطين ونحت الجبال ، وحكى الله تعالى عن بني ~~إسرائيل أنهم قالوا لموسى : { أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } ~~( الأعراف : 129 ) . وقال موسى لفرعون : ( وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني ~~اسرائيل ) / واعلم أن كون الإنسان / تحت يد الغير بحيث يتصرف فيه كما يشاء ~~لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة الصعبة القذرة ، فإن ذلك يكون من ~~أشد أنواع العذاب ، حتى أن من هذه حالته ربما تمنى الموت فبين الله تعالى ~~عظيم نعمه عليهم بأن نجاهم من ذلك ، ثم إنه تعالى أتبع ذلك بنعمة أخرى أعظم ~~منها ، فقال : { يذبحون أبناءكم } ومعناه يقتلون الذكورة من الأولاد دون ~~الإناث . وههنا أبحاث . # البحث الأول : أن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه ، أحدها : أن ذبح ~~الأبناء يقتضي فناء الرجال ، وذلك يقتضي انقطاع النسل ، لأن النساء إذا ~~انفردن فلا تأثير لهن ألبتة في ذلك ، وذلك يقضي آخر الآمر إلى هلاك الرجال ~~والنساء ، وثانيها : أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر ~~المعيشة ، فإن المرأة لتتمنى وقد انقطع عنها تعهد الرجال وقيامهم بأمرها ~~الموت ، لما قد يقع إليها من نكد العيش بالإنفراد فصارت هذه الخصلة عظيمة ~~في المحن ، والنجاة منها في العظم تكون بحسبها ، وثالثها : أن قتل الولد ~~عقيب الحمل الطويل وتحمل الكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم ~~العذاب ، لأن قتله والحالة هذه أشد من قتل من بقي المدة الطويلة مستمتعا به ~~مسرورا بأحواله ، فنعمة الله من التخليص لهم من ذلك بحسب شدة المحنة فيه ، ~~ورابعها : أن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات ، ولذلك فإن أكثر الناس ~~يستثقلون البنات ويكرهونهن وإن كثر ذكرانهم ، ولذلك قال تعالى : { وإذا بشر ~~أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ~~} ( النحل : 58 ) الآية ، ولذلك نهى العرب عن الوأد بقوله ms0802 : { ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق } ( الإسراء : 31 ) وإنما كانوا يئدون الإناث دون ~~الذكور ، وخامسها : أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات ~~الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان . # البحث الثاني : ذكر في هذه السورة { يذبحون } بلا واو وفي سورة إبراهيم ~~ذكره مع الواو ، والوجه فيه أنه إذا جعل قوله : { يسومونكم سوء العذاب } ~~مفسرا بقوله : { يذبحون أبناءكم } لم يحتج إلى الواو ، وأما إذا جعل قوله : ~~{ يسومونكم سوء العذاب } مفسرا بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح وجعل الذبح ~~شيئا آخر سوى سوء العذاب ، احتيج فيه إلى الواو ، وفي الموضعين يحتمل ~~الوجهين ، إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف العطف ~~في سورة إبراهيم أن يقال : إنه تعالى قال قبل تلك الآية : { ولقد أرسلنا ~~موسى بئاياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله } ( ~~إبراهيم : ) والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا بتعديد نعم الله تعالى ، فوجب ~~أن يكون المراد من قوله : { يسومونكم سوء العذاب } نوعا من العذاب ، ~~والمراد من قوله : { ويذبحون أبناءكم } نوعا آخر ليكون التخلص منهما نوعين ~~من النعمة . فلهذا وجب ذكر العطف هناك ، وأما في هذه الآية لم يرد الأمر ~~إلا بتذكير جنس النعمة وهي قوله : { اذكروا نعمتي التى أنعمت PageV03P064 ~~عليكم } ( البقرة : 40 ، 47 ، 122 ) فسواء كان المراد من سوء العذاب هو ~~الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلا فظهر الفرق . # البحث الثالث : قال بعضهم : أراد بقوله : { يذبحون أبناءكم } الرجال دون ~~الأطفال ليكون / في مقابلة النساء إذ النساء هن البالغات ، وكذا المراد من ~~الأبناء هم الرجال البالغون ، قالوا : إنه كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف ~~منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره . وأكثر المفسرين على أن المراد ~~بالآية الأطفال دون البالغين / وهذا هو الأولى لوجوه : الأول : حملا للفظ ~~الأبناء على ظاهره . الثاني : أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم . ~~الثالث : أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة . ~~الرابع : أنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى عليه السلام في التابوت حال ~~صغره معنى ، أما ms0803 قوله وجب حمله على الرجال ليكون في مقابلة النساء ففيه ~~جوابان : الأول : أن الأبناء لما قتلوا حال الطفولية لم يصيروا رجالا ، فلم ~~يجز إطلاق اسم الرجال عليهم ، أما البنات لما لم يقتلن بل وصلن إلى حد ~~النساء جاز إطلاق اسم النساء عليهن . الثاني : قال بعضهم : المراد بقوله : ~~{ ويستحيون نساءكم } ، أي يفتشون حياء المرأة أي فرجها هل بها حمل أم لا ، ~~وأبطل ذلك بأن ما في بطونهن إذا لم يكن للعيون ظاهرا لم يعلم بالتفتيش ولم ~~يوصل إلى استخراجه باليد . # البحث الرابع : في سبب قتل الأبناء ذكروا فيه وجوها . أحدها : قول ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن ~~يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على إعداد رجال معهم ~~الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ، فلما رأوا ~~كبارهم يموتون وصغارهم يذبحون خافوا الفناء فحينئذ لا يجدون من يباشر ~~الأعمال الشاقة ، فصاروا يتقلون عاما دون عام . وثانيها : قول السدي : إن ~~فرعون رأى نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط ~~وتركت بني إسرائيل فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك ؟ فقالوا : يخرج من بيت ~~المقدس من يكون هلاك القبط على يده ، وثالثها : أن المنجمين أخبروا فرعون ~~بذلك وعينوا له السنة فلهذا كان يقتل أبناءهم في تلك السنة والأقرب هو ~~الأول ، لأن الذي يستفاد من علم التعبير وعلم النجوم لا يكون أمرا مفصلا ~~وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزا بل يكون أمرا مجملا والظاهر من ~~حال العاقل أن لا يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه ، فإن قيل : إن ~~فرعون كان كافرا بالله فكان بأن يكون كافرا بالرسل أولى ، وإذا كان كذلك ~~فكيف يمكن أن يقدم على هذا الأمر العظيم بسبب إخبار إبراهيم عليه السلام ~~عنه . قلنا : لعل فرعون كان عارفا بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافرا ~~كفر الجحود والعناد أو يقال : إنه كان شاكا متحيرا في دينه وكان يجوز ms0804 صدق ~~إبراهيم عليه السلام فأقدم على ذلك الفعل احتياطا . # البحث الخامس : اعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة من وجوه ، أحدها : أن ~~هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من ~~جهة الملوك والظلمة صار تخليص الله إياهم من هذه المحن من أعظم النعم وذلك ~~لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم ولا شك ~~في أن ذلك من أعظم النعم وتعظيم النعمة يوجب الانقياد والطاعة ، ويقتضي ~~نهاية قبح المخالفة والمعاندة ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه النعمة ~~العظيمة مبالغة في إلزام الحجة عليهم وقطعا لعذرهم . PageV03P065 وثانيها : ~~أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل وكان خصمهم في نهاية / العز إلا ~~أنهم كانوا محقين وكان خصمهم مبطلا لا جرم زال ذل المحقين وبطل عز المبطلين ~~، فكأنه تعالى قال : لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره في الحال ، فإنه محق ~~لا بد وأن ينقلب العز إلى جانبه والذل إلى جانب أعدائه ، وثالثها : أن الله ~~تعالى نبه بذلك على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء ، فليس للإنسان أن ~~يغتر بعز الدنيا بل عليه السعي في طلب عز الآخرة . أما قوله تعالى : { وفي ~~ذالكم بلاء من ربكم عظيم } قال القفال : أصل الكلمة من الابتلاء وهو ~~الاختيار والامتحان قال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ( الأنبياء ~~: 35 ) وقال : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } ( الأعراف : 168 ) والبلوى ~~واقعة على النوعين ، فيقال للنعمة بلاء وللمحنة الشديدة بلاء والأكثر أن ~~يقال في الخير إبلاء وفي الشر بلاء وقد يدخل أحدهما على الآخر . قال زهير : # % جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم % % وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو % # إذ عرفت هذا فنقول : البلاء ههنا هو المحنة إن أشير بلفظ : ( ذلكم ) إلى ~~صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمله على النعمة أولى لأنها هي ~~التي صدرت من الرب تعالى ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى ~~على أسلافهم . # ! 7 < { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا ءال فرعون وأنتم تنظرون } ~~> 7 ! # < < # | البقرة ms0805 : ( 50 ) وإذ فرقنا بكم . . . . . # > > هذا هو النعمة الثانية ، وقوله : { فرقنا } أي فصلنا بين بعضه وبعض ~~حتى صارت فيه مسالك لكم وقرىء : { فرقنا } بالتشديد بمعنى فصلنا . يقال : ~~فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد ~~الأسباط ، فإن قلت : ما معنى : ( بكم ) ؟ قلنا : فيها وجهان ، أحدهما : ~~أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين ~~الشيئين بما توسط بينهما ، الثاني : فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم ثم ههنا ~~أبحاث : # البحث الأول : روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال ~~في معلوم الله أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن ~~يستعيروا حلي القبط ، وذلك لغرضين . أحدهما : ليخرجوا خلفهم لأجل المال ، ~~والثاني : أن تبقى أموالهم في أيديهم ثم نزل جبريل عليه السلام بالعشي وقال ~~لموسى : أخرج قومك ليلا ، وهو المراد من قوله : { وأوحينا إلى موسى أن أسر ~~بعبادى } ( طه : 77 ) وكانوا ستمائة ألف نفس لأنهم كانوا اثني عشر سبطا كل ~~سبط خمسون ألفا ، فلما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون ، ~~فقال : لا تتبعوهم حتى يصيح الديك . قال الراوي : فوالله ما صاح ليلته ديك ~~فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال : لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة ~~حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط ، وقال قتادة : اجتمع إليه ألف ألف / ~~ومائتا ألف نفس كل واحد منهم على فرس حصان فتبعوهم نهارا . وهو قوله تعالى ~~: { فأتبعوهم مشرقين } ( الشعراء : 60 ) أي بعد طلوع الشمس . { فلما تراءا ~~الجمعان قال PageV03P066 أصحاب موسى إنا لمدركون } ( الشعرا : 61 ) فقال ~~موسى : { كلا إن معى ربى سيهدين } ( الشعراء : 62 ) فلما سار بهم موسى وأتى ~~البحر قال له يوشع بن نون : أين أمرك ربك ؟ فقال موسى : إلى أمامك وأشار ~~إلى البحر فأقحم يوشع بن نون فرسه في البحر فكان يمشي في الماء حتى بلغ ~~الغمر ، فسبح الفرس وهو عليه ثم رجع وقال له : يا موسى أين أمرك ربك ؟ فقال ~~البحر ، فقال : والله ما كذبت ms0806 ، ففعل ذلك ثلاث مرات ، فأوحى الله إليه : { ~~أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم } ( الشعراء : 67 ) ~~، فانشق البحر اثني عشر جبلا في كل واحد منها طريق ، فقال له : ادخل فكان ~~فيه وحل فهبت الصبا فجف البحر ، وكل طريق فيه حتى صار طريقا يابسا كما قال ~~تعالى : { فاضرب لهم طريقا فى البحر يبسا } ( طه : 77 ) ، فأخذ كل سبط منهم ~~طريقا ودخلوا فيه فقالوا لموسى : إن بعضنا لا يرى صاحبه ، فضرب موسى عصاه ~~على البحر فصار بين الطرق منافذ وكوى فرأى بعضهم بعضا ، ثم أتبعهم فرعون ، ~~فلما بلغ شاطىء البحر رأى إبليس واقفا فنهاه عن الدخول فهم بأن لا يدخل ~~البحر فجاء جبريل عليه السلام على حجرة فتقدم فرعون وهو كان على فحل فتبعه ~~فرس فرعون ودخل البحر ، فلما دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم الحقوا آخركم ~~بأولكم ، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله الماء حتى نزل عليهم في ذلك ~~قوله تعالى : { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم } وقيل كان ذلك اليوم يوم ~~عاشوراء ، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكرا لله تعالى . # البحث الثاني : اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعما كثيرة في الدين والدنيا ، ~~أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه ، أحدها : أنهم لما ~~وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر / فإن ~~توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ~~ذلك ، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك . وثانيها : أن الله ~~تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة ، وذلك سبب لظهور كرامتهم ~~على الله تعالى . وثالثها : أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم ~~أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم ، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام ~~العظيم وإهلاك العدو . ورابعها : أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم ~~. وخامسها : أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم ، وذلك ~~نعمة عظيمة لأنه كان خائفا منهم ، ولو أنه تعالى خلص ms0807 موسى وقومه من تلك ~~الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقيا من حيث إنه ربما اجتمعوا ~~واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه ، ولكن الله تعالى لما ~~أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية . وسادسها : أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر ~~من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى : { وأنتم تنظرون } وأما نعم ~~الدين في حق موسى عليه السلام فمن وجوه ، أحدها : أن قوم موسى لما شاهدوا ~~تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات ، فإن دلالة مثل هذا ~~المعجز / على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه السلام تقرب من العلم ~~الضروري ، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق . ~~وثانيها : أنهم لما عاينوا ذلك صار داعيا لهم إلى الثبات على تصديق موسى ~~والإنقياد له وصار ذلك داعيا لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام ~~والإقدام على تكذيب فرعون . وثالثها : أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه ~~لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد مما كانت ببني إسرائيل ، ~~ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا والذليل عزيزا ، وذلك ~~يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على PageV03P067 خدمة ~~الخالق والتوكل عليه في كل الأمور ، وأما النعم الحاصلة لأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم من ذكر هذه القصة فكثيرة ، أحدها : أنه كالحجة لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم على أهل الكتاب لأنه كان معلوما من حال محمد عليه الصلاة والسلام ~~أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من ~~أخبارهم المفصلة ما لا يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه ~~صادق ، فصار ذلك حجة له عليه السلام على اليهود وحجة لنا في تصديقه . ~~وثانيها : أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا ~~أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا ~~والآخرة ، فصار ذلك مرغبا لنا في الطاعة ومنفرا عن المعصية . وثالثها : أن ~~أمة ms0808 موسى عليه السلام مع أنهم خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين ~~الباهرة ، فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى قالوا : { اجعل لنا ~~إلاها كما لهم ءالهة } ، وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمع أن معجزتهم ~~هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزا إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وما خالفوه في أمر ألبتة ، وهذا يدل على أن أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم أفضل من أمة موسى عليه السلام . وبقي على الآية سؤالان : # السؤال الأول : أن فلق البحر في الدلالة على وجود الصانع القادر وفي ~~الدلالة على صدق موسى كالأمر الضروري ، فكيف يجوز فعله في زمان التكليف ؟ ~~والجواب : أما على قولنا فظاهر ، وأما المعتزلة فقد أجاب الكعبي الجواب ~~الكلي بأن في المكلفين من يبعد عن الفطنة والذكاء ويختص بالبلادة وعامة بني ~~إسرائيل كانوا كذلك ، فاحتاجوا في التنبيه إلى معاينة الآيات العظام كفلق ~~البحر ورفع الطور وإحياء الموتى / ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعكفون ~~على أصنام لهم فقالوا : ( يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ) ، وأما ~~العرب فحالهم بخلاف ذلك ، لأنهم كانوا في نهاية الكمال في العقول ، فلا جرم ~~، اقتصر الله تعالى معهم على الدلائل الدقيقة والمعجزات اللطيفة . # السؤال الثاني : أن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلا فلا بد وأن يعلم ~~أن ذلك ما كان من فعله بل لا بد من قادر عالم مخالف لسائر القادرين ، فكيف ~~بقي على الكفر مع ذلك ؟ فإن قلت : إنه كان عارفا بربه إلا أنه كان كافرا ~~على سبيل العناد والجحود . قلت : فإذا عرف ذلك بقلبه فكيف استخار توريط ~~نفسه في المهلكة ودخول البحر مع أنه كان في تلك الساعة كالمضطر / إلى العلم ~~بوجود الصانع وصدق موسى عليه السلام ، والجواب : حب الشيء يعمي ويصم فحبه ~~الجاه والتلبيس حمله على اقتحام تلك المهلكة . # وأما قوله تعالى : { وأنتم تنظرون } ففيه وجوه . أحدها : أنكم ترون ~~التطام أمواج البحر بفرعون وقومه . وثانيها : أن قوم موسى عليه السلام ~~سألوه أن يريهم الله تعالى ms0809 حالهم فسأل موسى عليه السلام ربه أن يريهم إياهم ~~فلفظهم البحر ألف ألف ومائتي ألف نفس وفرعون معهم ، فنظروا إليهم طافين وإن ~~البحر لم يقبل واحدا منهم لشؤم كفرهم فهو قوله تعالى : { فاليوم ننجيك ~~ببدنك لتكون لمن خلفك ءاية } ( يونس : 92 ) أي نخرجك من مضيق البحر إلى سعة ~~الفضاء ليراك الناس ، وتكون عبرة لهم . وثالثها : أن المراد وأنتم بالقرب ~~منهم حيث توجهونهم وتقابلونهم وإن كانوا لا يرونهم بأبصارهم ، قال الفراء ~~وهو مثل قولك : لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك تقول ذلك إذا قرب ~~أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم . # PageV03P068 ! 7 < { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من ~~بعده وأنتم ظالمون * ثم عفونا عنكم من بعد ذالك لعلكم تشكرون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 51 - 52 ) وإذ واعدنا موسى . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو الإنعام الثالث . فأما قوله تعالى : { وإذ واعدنا } فقرأ ~~أبو عمرو ويعقوب وإذ وعدنا موسى بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه ~~وقرأ الباقون واعدنا بالألف في المواضع الثلاثة ، فأما بغير ألف فوجهه ظاهر ~~لأن الوعد كان من الله تعالى ، والمواعدة مفاعلة ولا بد من اثنين ، وأما ~~بالألف فله وجوه ، أحدها : أن الوعد وإن كان من الله تعالى فقبوله كان من ~~موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد ، لأن القابل للوعد لا بد وأن ~~يقول أفعل ذلك ، وثانيها : قال القفال : لا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله ~~ويكون معناه يعاهد الله . وثالثها : أنه أمر جرى بين اثنين فجاز أن يقال ~~واعدنا . ورابعها : وهو الأقوى أن الله تعالى وعده الوحي وهو وعد الله ~~المجيء للميقات إلى الطور ، أما موسى ففيه وجوه ، أحدها : وزنه فعلي والميم ~~فيه أصلية أخذت من ماس يميس إذا تبختر في مشيته وكان موسى عليه السلام كذلك ~~. وثانيها : وزنه مفعل فالميم فيه زائدة وهو من أوسيت الشجرة إذا أخذت ما ~~عليها من الورق وكأنه سمي بذلك لصلعه ، وثالثها : أنها كلمة مركبة من ~~كلمتين بالعبرانية فمو هو الماء بلسانهم ، وسى هو الشجر ، وإنما ms0810 سمي بذلك ~~لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون فألقته في البحر فدفعته ~~أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرجت جواري آسية امرأة ~~فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه / فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو ~~الماء والشجر . واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جدا ، أما الأول : فلأن ~~بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ~~ذلك ، وأما الثاني : فلأن هذه اللفظة اسم علم واسم العلم لا يفيد معنى في ~~الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس ، فأما نسبه صلى ~~الله عليه وسلم فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام . أما قوله تعالى : { أربعين ليلة } ففيه ~~أبحاث : # البحث الأول : أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل : إن خرجنا من البحر ~~سالمين أتيتكم من عند الله بكتاب بين لكم فيه ما يجب عليكم من الفعل والترك ~~، فلما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل وأغرق الله فرعون قالوا : يا موسى ~~ائتنا بذلك الكتاب الموعود فذهب إلى ربه ووعدهم أربعين ليلة وذلك قوله ~~تعالى : { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ~~ليلة } ( الأعراف : 142 ) واستخلف عليهم هارون ومكث على الطور أربعين ليلة ~~وأنزل الله التوراة عليه في الألواح ، وكانت الألواح من زبرجد فقربه الرب ~~نجيا وكلمه من غير واسطة وأسمعه صرير القلم ، قال أبو العالية وبلغنا أنه ~~لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور : # البحث الثاني : إنما قال أربعين ليلة لأن الشهور تبدأ من الليالي . ~~PageV03P069 # البحث الثالث : قوله تعالى : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } معناه ~~واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة كقولهم : اليوم أربعون يوما منذ خرج فلان ، ~~أي تمام الأربعين ، والحاصل أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، كما ~~في قوله تعالى : { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) وأيضا فليس المراد انقضاء ~~أي أربعين كان ، بل أربعين معينا وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول ~~من ذي ms0811 الحجة لأن موسى عليه السلام كان عالما بأن المراد هو هذه الأربعون / ~~وأيضا فقوله تعالى : { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } يحتمل أن يكون المراد ~~أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين حتى تنزل عليه ~~التوراة ، ويحتمل أن يكون المراد أنه أمر بأن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين ~~ووعد بأنه ستنزل عليه بعد ذلك التوراة ، وهذا الاحتمال الثاني هو المتأيد ~~بالأخبار . # البحث الرابع : قوله ههنا : { وإذا * واعدنا موسى أربعين ليلة } يفيد أن ~~المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين ، وقوله في الأعراف { وواعدنا ~~موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر } يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على ~~الثلاثين فكيف التوفيق بينهما ؟ أجاب الحسن البصري فقال : ليس المراد أن ~~وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعا ، ~~وهو كقوله : { ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } ( ~~البقرة : 196 ) . # أما قوله تعالى : { ثم اتخذتم العجل من بعده } ففيه أبحاث : # / البحث الأول : إنما ذكر لفظه ( ثم ) لأنه تعالى وعد موسى حضور الميقات ~~لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين . وأظهر في ذلك درجة موسى عليه السلام ~~وفضيلة بني إسرائيل ليكون ذلك تنبيها للحاضرين على علو درجتهم وتعريفا ~~للغائبين وتكملة للدين ، كان ذلك من أعظم النعم فلما أتوا عقيب ذلك بأقبح ~~أنواع الجهل والكفر كان ذلك في محل التعجب فهو كمن يقول إنني أحسنت إليك ~~وفعلت كذا وكذا ، ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء . # البحث الثاني : قال أهل السير إن الله تعالى لما أغرق فرعون ووعد موسى ~~عليه السلام إنزال التوراة عليه قال موسى لأخيه هارون : { اخلفنى فى قومى ~~وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } ( الأعراف : 142 ) ، فلما ذهب موسى إلى ~~الطور ، وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي الذي استعاروه من القبط ~~قال لهم هارون إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها فجمعوا نارا ~~وأحرقوها ، وكان السامري في مسيره مع موسى عليه السلام في البحر نظر إلى ~~حافر دابة جبريل عليه السلام حين تقدم ms0812 على فرعون في دخول البحر فقبض قبضة ~~من تراب حافر تلك الدابة ، ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب والفضة ~~وصور منه عجلا وألقى ذلك التراب فيه فخرج منه صوت كأنه الخوار ، فقال للقوم ~~: { هاذا إلاهكم وإلاه موسى } ( طه : 88 ) ، فاتخذه القوم إلها لأنفسهم ~~فهذا ما في الرواية ولقائل أن يقول : الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز أن ~~يتفقوا على ما يعلم فساده ببديهة العقل وهذه الحكاية كذلك لوجوه : أحدها : ~~أن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم المتخذ من الذهب الذي لا يتحرك ولا ~~يحس ولا يعقل يستحيل أن يكون إله السموات والأرض ، وهب أنه ظهر من خوار ~~ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة في قلب أحد من العقلاء في كونه إلها ، ~~وثانيها : أن القوم كانوا قد شاهدوا قبل ذلك من المعجزات القاهرة التي تكون ~~قريبة من حد الإلجاء في PageV03P070 الدلالة على الصانع وصدق موسى عليه ~~السلام ، فمع قوة هذه الدلالة وبلوغها إلى حد الضرورة ومع أن صدور الخوار ~~من ذلك العجل المتخذ من الذهب يستحيل أن يقتضي شبهة في كون ذلك الجسم ~~المصوت إلها . والجواب : هذه الواقعة لا يمكن تصحيحها إلا على وجه واحد ، ~~وهو أن يقال : إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى عليه السلام إنما قدر على ~~ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية وكان يقدر بواسطتها على هذه ~~المعجزات ، فقال السامري للقوم : وأنا أتخذ لكم طلسما مثل طلسمه وروح عليهم ~~ذلك بأن جعله بحث خرج منه صوت عجيب فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى عليه ~~السلام في الإتيان بالخوارق / أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا ~~حلول الإله في بعض الأجسام فلذلك وقعوا في تلك الشبهة . # البحث الثالث : هذه القصة فيها فوائد : أحدها : أنها تدل على أن أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم خير الأمم ، لأن أولئك اليهود مع أنهم شاهدوا تلك ~~البراهين القاهرة اغتروا بهذه الشبهة الركيكة جدا ، وأما أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فانهم مع ms0813 أنهم محتاجون في معرفة كون القرآن / معجزا إلى الدلائل ~~الدقيقة لم يعتروا بالشبهات القوية العظيمة ، وذلك يدل على أن هذه الأمة ~~خير من أولئك وأكمل عقلا وأزكى خاطرا منهم . وثانيها : أنه عليه الصلاة ~~والسلام ذكر هذه الحكاية مع أنه لم يتعلم علما ، وذلك يدل على أنه عليه ~~الصلاة والسلام استفادها من الوحي . وثالثها : فيه تحذير عظيم من التقليد ~~والجهل بالدلائل فإن أولئك الأقوام لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة تامة ~~لما وقعوا في شبهة السامري . ورابعها : في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ~~مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى بالخلاف عليه وكأنه تعالى ~~أمره بالصبر على ذلك كما صبر موسى عليه الصلاة والسلام في هذه الواقعة ~~النكدة فإنهم بعد أن خلصهم الله من فرعون وأراهم المعجزات العجيبة من أول ~~ظهور موسى إلى ذلك الوقت اغتروا بتلك الشبهة الركيكة ، ثم إن موسى عليه ~~السلام صبر على ذلك فلأن يصبر محمد عليه الصلاة والسلام على أذية قومه كان ~~ذلك أولى . وخامسها : أن أشد الناس مجادلة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وعداوة له هم اليهود فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم ، ~~ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد فكيف هؤلاء ~~الأخلاف . # أما قوله تعالى : { وأنتم ظالمون } ففيه أبحاث : # البحث الأول : في تفسير الظلم وفيه وجهان . الأول : قال أبو مسلم الظلم ~~في أصل اللغة هو النقص ، قال الله تعالى : { كلتا الجنتين اتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا } ( الكهف : 33 ) ، والمعنى أنهم لما تركوا عبادة الخالق ~~المحيي المميت واشتغلوا بعبادة العجل فقد صاروا ناقصين في خيرات الدين ~~والدنيا . والثاني : أن الظلم في عرف الشرع عبارة عن الضرر الخالي من نفع ~~يزيد عليه ودفع مضرة أعظم منه والاستحقاق عن الغير في علمه أو ظنه ، فإذا ~~كان الفعل بهذه الصفة كان فاعله ظالما ثم إن الرجل إذا فعل ما يؤديه إلى ~~العقاب والنار قيل : إنه ظالم نفسه وإن كان في الحال نفعا ولذة كما قال ~~تعالى : { إن الشرك ms0814 لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ، وقال : { فمنهم ظالم ~~لنفسه } ( فاطر : 32 ) ولما كانت عبادتهم لغير الله شركا ( وكان الشرك ~~مؤديا إلى النار سمي ظلما . # البحث الثاني : استدلت المعتزلة بقوله : { وأنتم ظالمون } على أن المعاصي ~~ليست بخلق الله تعالى PageV03P071 من وجوه ، أحدها : أنه تعالى ذمهم عليها ~~ولو كانت مخلوقة لله تعالى لما استحق الذم إلا من فعلها . وثانيها : أنها ~~لو كانت بإرادة الله تعالى لكانوا مطيعين لله تعالى بفعلها لأن الطاعة ~~عبارة عن فعل المراد . وثالثها : لو كان العصيان مخلوقا لله تعالى لكان ~~الذم بسببه يجري مجرى الذم بسبب كونه أسود وأبيض وطويلا وقصيرا ، والجواب : ~~هذا تمسك بفعل المدح والذم وهو معارض بمسألتي الداعي والعلم ذلك مرارا . # البحث الثالث : في الآية تنبيه على أن ضرر الكفر لا يعود إلا عليهم لأنهم ~~ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم ، وذلك يدل على أن جلال الله منزه ~~عن الاستكمال بطاعة الاتقياء والانتقاص بمعصية الأشقياء . # / أما قوله تعالى : { ثم عفونا عنكم من بعد ذالك } فقالت المعتزلة : ~~المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتوبة وهي قتل بعضهم بعضا / وهذا ضعيف ~~من وجهين ، الأول : أن قبول التوبة واجب عقلا فلو كان المراد ذلك لما جاز ~~عده في معرض الأنعام لأن أداء الواجب لا يعد من باب الأنعام والمقصود من ~~هذه الآيات تعديد نعم الله تعالى عليهم . الثاني : أن العفو اسم لإسقاط ~~العقاب المستحق فأما إسقاط ما يجب إسقاطه فذاك لا يسمى عفوا ألا ترى أن ~~الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم ، فإذا ترك ذلك العذاب لايسمى ذلك ~~الترك عفوا فكذا ههنا ، وإذا ثبت هذا فنقول لا شك في حصول التوبة في هذه ~~الصورة لقوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } وإذا كان كذلك ~~دلت هذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلا ، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضا ~~أنه تعالى قد أسقط عقاب من يجوز عقابه عقلا وشرعا ، وذلك أيضا خلاف قول ~~المعتزلة ، وإذا ثبت أنه تعالى عفا عن كفار قوم موسى فلأن يعفو عن فساق ms0815 أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم : ( خير أمة أخرجت للناس ) كان أولى . # أما قوله تعالى : { لعلكم تشكرون } فاعلم أن الكلام في تفسير ( لعل ) قد ~~تقدم في قوله : { لعلكم تتقون } ( الأنعام : 153 ) ( الأعراف : 17 ) ( ~~البقرة : 21 ، 33 ) وأما الكلام في حقيقة الشكر وماهيته فطويل وسيجيء إن ~~شاء الله تعالى ، ثم قالت المعتزلة : إنه تعالى بين أنه إنما عفا عنهم ولم ~~يؤاخذهم لكي يشكروا ، وذلك يدل على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر ، ~~والجواب : لو أراد الله تعالى منهم الشكر لأراد ذلك إما بشرط أن يحصل ~~للشاكر داعية الشكر أولا بهذا الشرط فإن كان هذا الشرط من العبد لزم افتقار ~~الداعية إلى داعية أخرى ، وإن كان من الله فحيث خلق الله الداعي حصل الشكر ~~لا محالة وحيث لم يخلق الداعي استحال حصول الشكر ، وذلك ضد قول المعتزلة ~~وإن أراد حصول الشكر منه من غير هذه الداعية فقد أراد منه المحال لأن الفعل ~~بدون الداعي محال فثبت أن الإشكال وارد عليهم أيضا والله أعلم . # ! 7 < { وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 53 ) وإذ آتينا موسى . . . . . # > > اعلم أن هذا هو الإنعام الرابع والمراد من الفرقان يحتمل أن يكون هو ~~التوراة وأن يكون شيئا داخلا في PageV03P072 التوراة وأن يكون شيئا خارجا ~~عن التوراة فهذه أقسام ثلاثة لا مزيد عليها وتقرير الاحتمال الأول أن ~~التوراة لها صفتان كونها كتابا منزلا وكونها فرقانا تفرق بين الحق والباطل ~~فهو كقولك : رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة ~~ونظيره قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى * وهارون الفرقان وضياء وذكرا } ( ~~الأنبياء : 48 ) وأما تقرير الاحتمال الثاني فهو أن يكون المراد من الفرقان ~~ما في التوراة من بيان الدين لأنه إذا أبان ظهر الحق متميزا من / الباطل ، ~~فالمراد من الفرقان بعض ما في التوراة وهو بيان أصول الدين وفروعه . وأما ~~تقرير الاحتمال الثالث فمن وجوه ، أحدها : أن يكون المراد من الفرقان ما ~~أوتي موسى عليه السلام من اليد والعصا وسائر الآيات وسميت بالفرقان لأنها ms0816 ~~فرقت بين الحق والباطل . وثانيها : أن يكون المراد من الفرقان النصر والفرج ~~الذي آتاه الله بني إسرائيل على قوم فرعون ، قال تعالى : { وما أنزلنا على ~~عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان } ( الأنفال : 41 ) والمراد النصر ~~الذي آتاه الله يوم بدر ، وذلك لأن قبل ظهور النصر يتوقع كل واحد من ~~الخصمين في أن يكون هو المستولي وصاحبه هو المقهور ، فإذا ظهر النصر تميز ~~الراجح من المرجوح وانفرق الطمع الصادق من الطمع الكاذب ، وثالثها : قال ~~قطرب الفرقان هو انفراق البحر لموسى عليه السلام . فإن قلت : فهذا قد صار ~~مذكورا في قوله تعالى : { وإذا * فرقنا بكم البحر } ( البقرة : 50 ) وأيضا ~~فقوله تعالى بعد ذلك : { لعلكم تهتدون } لا يليق إلا بالكتاب لأن ذلك لا ~~يذكر إلا عقيب الهدى . قلت : الجواب عن الأول أنه تعالى لم يبين في قوله ~~تعالى : { وإذ فرقنا بكم البحر } أن ذلك كان لأجل موسى عليه السلام ، وفي ~~هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص ، وعن الثاني أن فرق البحر كان ~~من الدلائل فلعل المراد أنا لما آتينا موسى فرقان البحر استدلوا بذلك على ~~وجود الصانع ، وصدق موسى عليه السلام وذلك هو الهداية وأيضا فالهدى قد يراد ~~به الفوز والنجاة كما يراد به الدلالة ، فكأنه تعالى بين أنه آتاهم الكتاب ~~نعمة في الدين والفرقان الذي حصل به خلاصهم من الخصم نعمة عاجلة . واعلم أن ~~من الناس من غلط فظن أن الفرقان هو القرآن ، وأنه أنزل على موسى عليه ~~السلام وذلك باطل لأن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكل دليل كذلك ~~فلا وجه لتخصيص هذا اللفظ بالقرآن . وقال آخرون : المعنى : { وإذ ءاتينا ~~موسى الكتاب } يعني التوراة وآتينا محمدا صلى الله عليه وسلم الفرقان لكي ~~تهتدوا به يا أهل الكتاب . وقد مال إلى هذا القول من علماء النحو الفراء ~~وثعلب وقطرب وهذا تعسف شديد من غير حاجة ألبتة إليه . # وأما قوله تعالى : { لعلكم تهتدون } فقد تقدم تفسير لعل وتفسير الاهتداء ~~، واستدلت المعتزلة بقوله : { لعلكم تهتدون } على أن الله تعالى أراد ms0817 ~~الاهتداء من الكل وذلك يبطل قول من قال : أراد الكفر من الكافر ، وأيضا ~~فإذا كان عندهم أنه تعالى : يخلق الاهتداء ، فيمن يهتدي والضلال فيمن يضل ، ~~فما الفائدة في أن ينزل الكتاب والفرقان ويقول : { لعلكم تهتدون } ومعلوم ~~أن الاهتداء إذا كان يخلقه ، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو خلق الاهتداء ~~ولا كتاب لحصل الاهتداء / ولو أنزل بدلا من الكتاب الواحد ألف كتاب ولم ~~يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء ، فكيف يجوز أن يقول أنزلت الكتاب لكي ~~تهتدوا ؟ واعلم أن هذا الكلام قد تقدم مرارا لا تحصى مع الجواب والله أعلم ~~. # PageV03P073 ! 7 < { وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذالكم خير لكم عند بارئكم ~~فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 54 ) وإذ قال موسى . . . . . # > > اعلم أن هذا الإنعام الخامس قال بعض المفسرين : هذه الآية وما بعدها ~~منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم وذلك ، لأنها أمر بالقتل لا يكون نعمة ~~وهذا ضعيف من وجوه ، أحدها : أن الله تعالى نبههم على عظم ذنبهم ، ثم نبههم ~~على ما به يتخلصون عن ذلك الذنب العظيم وذلك من أعظم النعم في الدين ، وإذا ~~كان الله تعالى قد عدد عليهم النعم الدنيوية فبأن يعدد عليهم هذه النعمة ~~الدينية أولى ، ثم إن هذه النعمة وهي كيفية هذه التوبة لما لم يكن وصفها ~~إلا بمقدمة ذكر المعصية كان ذكرها أيضا في تمام النعمة . فصار كل ما تضمنته ~~هذه الآية معدودا في نعم الله فجاز التذكير بها . وثانيها : أن الله تعالى ~~لما أمرهم بالقتل رفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية فكان ذلك نعمة في ~~حق أولئك الباقين . وفي حق الذين كانوا موجودين في زمان محمد عليه الصلاة ~~والسلام ، لأنه تعالى لولا أنه رفع القتل عن آبائهم لما وجد أولئك الأبناء ~~فحسن إيراده في معرض الامتنان على الحاضرين في زمان محمد عليه الصلاة ~~والسلام ، وثالثها : أنه تعالى لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل مع ~~أن محمدا عليه الصلاة ms0818 والسلام كان يقول لهم : لا حاجة بكم الآن في التوبة ~~إلى القتل بل إن رجعتم عن كفركم وآمنتم قبل الله إيمانكم منكم فكان بيان ~~التشديد في تلك التوبة تنبيها على الإنعام العظيم بقبول مثل هذه التوبة ~~السهلة الهينة . ورابعها : أن فيه ترغيبا شديدا لأمة محمد صلوات الله ~~وسلامه عليه في التوبة ، فإن أمة موسى عليه السلام لما رغبوا في تلك التوبة ~~مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب الواحد منا في التوبة التي هي مجرد ~~الندم كان أولى . ومعلوم أن ترغيب الإنسان فيما هو المصلحة المهمة من أعظم ~~النعم . # وأما قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه } أي واذكروا إذ قال موسى لقومه ~~بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد اتخذوا العجل يا قوم : { إنكم ~~ظلمتم أنفسكم } وللمفسرين في الظلم قولان : أحدهما : أنكم نقصتم أنفسكم ~~الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى عليه السلام ، والثاني : أن الظلم هو ~~الإصرار الذي ليس بمستحق ولا فيه نفع ولا دفع مضرة لا علما ولا / طبا ، ~~فلما عبدوا العجل كانوا قد أضروا بأنفسهم لأن ما يؤدي إلى ضرر الأبد من ~~أعظم الظلم ، ولذلك قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) لكن ~~هذا الظلم من حقه أن يقيد لئلا يوهم إطلاقه إنه ظلم الغير لأن الأصل في ~~الظلم ما يتعدى ، فلذلك قال : { إنكم ظلمتم أنفسكم } . # أما قوله تعالى : { باتخاذكم العجل } ففيه حذف لأنهم لم يظلموا أنفسهم ~~بهذا القدر لأنهم لو اتخذوه PageV03P074 ولم يجعلوه إلها لم يكن فعلهم ظلما ~~، فالمراد باتخاذكم العجل إلها ، لكن لما دلت مقدمة الآية على هذا المحذوف ~~حسن الحذف . # أما قوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } ففيه سؤالات . # السؤال الأول : قوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } يقتضي ~~كون التوبة مفسرة بقتل النفس كما أن قوله عليه السلام : ( لا يقبل الله ~~صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه ) ، يقتضي أن وضع ~~الطهور مواضعه مفسر بغسل الوجه واليدين ولكن ذلك باطل لأن التوبة عبارة عن ~~الندم على الفعل ms0819 القبيح الذي مضى والعزم على أن لا يأتي بمثله بعد ذلك وذلك ~~مغاير لقتل النفس وغير مستلزم له فكيف يجوز تفسيره به ؟ والجواب ليس المراد ~~تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان أن توبتهم لا تتم ولا تحصل إلا بقتل النفس ~~وإنما كان كذلك لأن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن شرط توبتهم ~~قتل النفس كما أن القاتل عمدا لا تتم توبته إلا بتسليم النفس حتى يرضى ~~أولياء المقتول أو يقتلوه فلا يمتنع أن يكون من شرع موسى عليه السلام أن ~~توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل . إذا ثبت هذا فنقول شرط الشيء قد يطلق عليه ~~اسم ذلك الشيء مجازا كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة أن توبتك ردما غصبت ~~يعني أن توبتك لا تتم إلا به فكذا ههنا . # السؤال الثاني : ما معنى قوله تعالى : { فتوبوا إلى بارئكم } والتوبة لا ~~تكون إلا للبارىء ، والجواب : المراد منه النهي عن الرياء في التوبة كأنه ~~قال لهم : لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله الذي هو ~~مطلع على ضميركم ، وإنما تبتم إلى الناس وذلك مما لا فائدة فيه ، فإنكم إذا ~~أذنبتم إلى الله . # السؤال الثالث : كيف اختص هذا الموضع بذكر البارىء ؟ والجواب : البارىء ~~هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت : { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت } ~~( الملك : 3 ) ومتميزا بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة ~~فكان ذلك تنبيها على أن من كان كذلك فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب ~~به المثل في الغباوة . # السؤال الرابع : ما الفرق بين الفاء في قوله : { فتوبوا } والفاء في قوله ~~: { فاقتلوا } ؟ الجواب : أن الفاء الأولى للسبب لأن الظلم سبب التوبة ~~والثانية للتعقيب لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله : { فتوبوا } أي ~~فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم . # السؤال الخامس : ما المراد بقوله : { فاقتلوا أنفسكم } أهو ما يقتضيه ~~ظاهره من أن يقتل كل / واحد نفسه أو المراد غير ذلك ؟ الجواب : اختلف الناس ~~فيه فقال قوم من المفسرين . لا يجوز أن يكون المراد ms0820 أمر كل واحد من ~~التائبين بقتل نفسه وهو اختيار القاضي عبد الجبار ، واحتجوا عليه بوجهين . ~~الأول : وهو الذي عول عليه أهل التفيسر أن المفسرين أجمعوا على أنهم ما ~~قتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين بذلك لصاروا عصاة بترك ذلك ، ~~الثاني : وهو الذي عول عليه القاضي عبد الجبار أن القتل هو نقض البنية التي ~~عندها يجب أن يخرج من أن يكون حيا وما عدا ذلك مما يؤدي إلى أن يموت قريبا ~~أو بعيدا إنما سمي قتلا على PageV03P075 طريق المجاز . إذا عرفت حقيقة ~~القتل فنقول : إنه لا يجوز أن يأمر الله تعالى به لأن العبادات الشرعية ~~إنما تحسن لكونها مصالح لذلك المكلف ولا تكون مصلحة إلا في الأمور ~~المستقبلة وليس بعد القتل حال تكليف حتى يكون القتل مصلحة فيه وهذا بخلاف ~~ما يفعله الله تعالى من الإماتة لأن ذلك من فعل الله فيحسن أن يفعله إذا ~~كان صلاحا لمكلف آخر ويعوض ذلك المكلف بالعوض العظيم وبخلاف أن يأمر الله ~~تعالى بأن يجرح نفسه أو يقطع عضوا من أعضائه ولا يحصل الموت عقبه لأنه لما ~~بقي بعد ذلك الفعل حيا لم يمتنع أن يكون ذلك الفعل صلاحا في الأفعال ~~المستقبلة . ولقائل أن يقول : لا نسلم أن القتل اسم للفعل المزهق للروح في ~~الحال بل هو عبارة عن الفعل المؤدي إلى الزهوق إما في الحال أو بعده ~~والدليل عليه أنه لو حلف أن لا يقتل إنسانا فجرحه جراحة عظيمة وبقي بعد تلك ~~الجراحة حيا لحظة واحدة ثم مات فإنه يحنث في يمينه وتسميه كل أهل هذه اللغة ~~قاتلا والأصل في الاستعمال الحقيقة فدل على أن اسم القتل اسم الفعل المؤدي ~~إلى الزهوق سواء أدى إليه في الحال أو بعد ذلك وأنت سلمت جواز ورود الأمر ~~بالجراحة التي لا تستعقب الزهوق في الحال وإذا كان كذلك ثبت جواز أن يراد ~~الأمر بأن يقتل الإنسان نفسه / سلمنا أن القتل اسم الفعل المزهق للروح في ~~الحال فلم لا يجوز ورود الأمر به ؟ قوله : لا بد في ورود ms0821 الأمر به من مصلحة ~~استقبالية ، قلنا : أولا لا نسلم أنه لا بد فيه من مصلحة ، والدليل عليه ~~أنه أمر من يعلم كفره بالإيمان ولا مصلحة في ذلك إذ لا فائدة من ذلك ~~التكليف إلا حصول العقاب ، سلمنا أنه لا بد من مصلحة ولكن لم قلت إنه لا بد ~~من عود تلك المصلحة إليه ، ولم لا يجوز أن قتله نفسه مصلحة لغيره فالله ~~تعالى أمره بذلك لينتفع به ذلك الغير ، ثم إنه تعالى يوصل العوض العظيم ~~إليه . سلمنا أنه لا بد من عود المصلحة إليه ، لكن لم لا يجوز أن يقال إن ~~علمه بكونه مأمورا بذلك الفعل مصلحة له ، مثل أنه لما أمر بأن يقتل نفسه ~~غدا فإن علمه بذلك يصير داعيا له إلى ترك القبائح من ذلك الزمان إلى ورود ~~الغد ، وإذا كانت هذه الاحتمالات ممكنة سقط ما قال القاضي ، بل الوجه الأول ~~الذي عول عليه المفسرون أقوى ، وعلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها ، ثم فيه ~~وجهان ، الأول : أن يقال أمر كل واحد من أولئك التائبين بأن يقتل بعضهم ~~بعضا فقوله : { اقتلوا أنفسكم } معناه ليقتل بعضكم بعضا وهو كقوله في موضع ~~آخر : { ولا تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) ومعناه لا يقتل بعضكم بعضا ~~وتحقيقه أن المؤمنين كالنفس الوحدة ، وقيل / في قوله تعالى : { ولا تلمزوا ~~أنفسكم } ( الحجرات : 11 ) أي إخوانكم من المؤمنين ، وفي قوله : { لولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا } ( النور : 12 ) أي بأمثالهم ~~من المسلمين ، وكقوله : { فسلموا على أنفسكم } ( النور : 61 ) أي ليسلم ~~بعضكم على بعض . ثم قال المفسرون : أولئك التائبون برزوا صفين فضرب بعضهم ~~بعضا إلى الليل . الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر غير أولئك التائبين ~~بقتل أولئك التائبين فيكون المراد من قوله : { اقتلوا أنفسكم } أي استسلموا ~~للقتل ، وهذا الوجه الثاني أقرب لأن في الوجه الأول تزداد المشقة لأن ~~الجماعة إذا اشتركت في الذنب كان بعضهم أشد عطفا على البعض من غيرهم عليهم ~~فإذا كلفوا بأن يقتل بعضهم بعضا عظمت المشقة في ذلك ثم اختلفت الروايات ، ~~فالأول ms0822 : أنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن ~~يقتل من عبد العجل منهم ، وكان المقتولون سبعين ألفا فما تحركوا حتى قتلوا ~~على ثلاثة PageV03P076 أيام ، وهذا لقول ذكره محمد بن إسحاق . الثاني : أنه ~~لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على ~~القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة وأتاهم هارون بالإثني عشر ألفا ~~الذين لم يعبدوا العجل ألبتة وبأيديهم السيوف ، فقال التائبون : إن هؤلاء ~~إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا فلعن الله رجلا قام من ~~مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل يقولون أمين ، فجعلوا ~~يقتلونهم إلى المساء وقام موسى وهارون عليهما السلام يدعوان الله ويقولان ~~البقية البقية يا إلهنا فأوحى الله تعالى إليهما ، قد غفرت لمن قتل وتبت ~~على من بقي ، قال : وكان القتلى سبعين ألفا ، هذه رواية الكلبي . الثالث : ~~أن بني إسرائيل كانوا قسمين : منهم من عبد العجل ومنهم من لم يعبده ولكن لم ~~ينكر على من عبده ، فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة ، ثم ~~قال المفسرون : إن الرجل كان يبصر والده وولده وجاره فلم يمكنه المضي لأمر ~~الله فأرسل الله تعالى سحابة سوداء ، ثم أمر بالقتل فقتلوا إلى المساء حتى ~~دعا موسى وهارون عليهما السلام وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية ~~البقية فانكشفت السحابة ونزلت التوراة وسقطت الشفار من أيديهم . # السؤال السادس : كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة والتائب من ~~الردة لا يقتل ؟ الجواب : ذلك مما يختلف بالشرائع فلعل شرع موسى عليه ~~السلام كان يقتضي قتل التائب عن الردة إما عاما في حق الكل أو كان خاصا ~~بذلك القوم . # السؤال السابع : هل يصح ما روي أن منهم من لم يقتل ممن قبل الله توبته ؟ ~~الجواب : لا يمتنع ذلك لأن قوله تعالى : { إنكم ظلمتم أنفسكم } خطاب مشافهة ~~فلعله كان مع البعض أو إنه كان عاما فالعام قد يتطرق إليه التخصيص . # أما قوله تعالى : { ذالكم خير لكم عند بارئكم } ففيه تنبيه ms0823 على ما لأجله ~~يمكن تحمل هذه المشقة وذلك لأن حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا وضرر ~~الآخرة ، والأول أولى بالتحمل لأنه / متناه ، وضرر الآخرة غير متناه ، ولأن ~~الموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقدم والتأخير ، وأما الخلاص من ~~العقاب والفوز بالثواب فذاك هو الغرض الأعظم . # أما قوله تعالى : { فتاب عليكم } ففيه محذوف تم فيه وجهان : أحدهما : أن ~~يقدر من قول موسى عليه السلام كأنه قال : فإن فعلتم فقد تاب عليكم ، والآخر ~~: أن يكون خطابا من الله لهم على طريقة الالتفات فيكون التقدير ففعلتم ما ~~أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم . # وأما معنى قوله تعالى : { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } ، فقد تقدم ~~في قوله : { فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } . # PageV03P077 ! 7 < { وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ~~فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون } > ~~7 @QB@ < # | البقرة : ( 55 - 56 ) وإذ قلتم يا . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو الإنعام السادس ، بيانه من وجوه ، أحدها : كأنه تعالى قال ~~: اذكروا نعمتي حين قلتم لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة ثم أحييتكم لتتوبوا عن بغيكم وتتخلصوا عن العقاب وتفوزوا بالثواب ، ~~وثانيها : أن فيها تحذيرا لمن كان في زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك . وثالثها : تشبيههم في ~~جحودهم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بأسلافهم في جحود نبوة موسى عليه ~~السلام مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات الظاهرة وتنبيها على أنه تعالى إنما لا ~~يظهر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها ولو ~~جحدوها لاستحقوا العقاب مثل ما استحقه أسلافهم ، ورابعها : فيه تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم مما كان يلاقي منهم وتثبيت لقلبه على الصبر كما صبر ~~أولو العزم من الرسل . وخامسها : فيه إزالة شبهة من يقول : إن نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب لما ~~أنهم ms0824 عرفوا خبره ، وذلك لأنه تعالى بين أن أسلافهم مع مشاهدتهم تلك الآيات ~~الباهرة على نبوة موسى عليه السلام كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه ~~ويخالفونه فلا يتعجب من مخالفتهم لمحمد عليه الصلاة والسلام وإن وجدوا في ~~كتبهم الأخبار عن نبوته . وسادسها : لما أخبر محمد عليه الصلاة والسلام عن ~~هذه القصص مع أنه كان أميا لم يشتغل بالتعلم ألبتة وجب أن يكون ذلك عن ~~الوحي . # البحث الثاني : للمفسرين في هذه الواقعة قولان ، الأول : أن هذه الواقعة ~~كانت بعد أن كلف الله عبدة العجل بالقتل ، قال محمد بن اسحاق : لما رجع ~~موسى عليه السلام من الطور إلى قومه / فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال ~~لأخيه والسامري ما قال . وحرق العجل وألقاه في البحر ، اختار من قومه سبعين ~~رجلا من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى : سل ربك حتى يسمعنا ~~كلامه ، فسأل موسى عليه السلام ذلك فأجابه الله إليه ولما دنا من الجبل وقع ~~عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه ~~فقال للقوم : ادخلوا وعوا ، وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على ~~جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه ، وسمع القوم كلام ~~الله مع موسى عليه السلام يقول له : افعل ولا تفعل ، فلما تم الكلام انكشف ~~عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك : لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة ، فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعا وقام موسى رافعا يديه إلى السماء يدعو ~~ويقول : يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول ~~توبتهم ، فارجع إليهم وليس معي منهم واحد ، فما الذي يقولون في ، فلم يزل ~~موسى مشتغلا بالدعاء حتى رد الله إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من ~~عبادة العجل فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم . PageV03P078 # القول الثاني : أن هذه الواقعة كانت بعد القتل ، قال السدي : لما تاب بنو ~~إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر الله تعالى أن يأتيهم موسى ms0825 في ~~ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل ، فاختار موسى سبعين ~~رجلا ، فلما أتوا الطور قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم ~~الصاعقة وماتوا فقام موسى يبكي ويقول : يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل ، ~~فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء / فإذا رجعت إليهم ولا يكون ~~معي منهم أحد فماذا أقول لهم ؟ فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن ~~اتخذوا العجل إلها فقال موسى : { إن هى إلا فتنتك } ( الأعراف : 155 ) إلى ~~قوله : { إنا هدنا إليك } ( الأعراف : 56 ) ثم إنه تعالى أحياهم فقاموا ~~ونظر كل واحد منهم إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى ، فقالوا : يا موسى إنك ~~لا تسأل الله شيئا إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء ، فدعاه بذلك فأجاب الله ~~دعوته . واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر ~~وكذلك ليس فيها ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية هم الذين عبدوا العجل أو ~~غيرهم . # أما قوله تعالى : { لن نؤمن لك } فمعناه لا نصدقك ولا نعترف بنبوتك حتى ~~نرى الله جهرة ( أي ) عيانا . قال صاحب الكشاف : وهي مصدر من قولك : جهرت ~~بالقراءة وبالدعاء كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية والذي يرى بالقب مخافت ~~بها وانتصار بها على المصدر لأنها نوع من الرؤية ، فنصبت بفعلها كما ينصب ~~القرفصاء بفعل الجلوس أو على الحال بمعنى ذوي جهرة وقرىء جهرة بفتح الهاء ~~وهي إما مصدر كالغلبة وإما جمع جاهر ، وقال القفال أصل الجهرة من الظهور ~~يقال جهرت الشيء ( إذا ) كشفته وجهرت البئر إذا كان ماؤها مغطى بالطين ~~فنقيته حتى ظهر ماؤه ويقال صوت جهير ورجل جهوري الصوت ، إذا كان صوته عاليا ~~، ويقال : وجه جهير إذا كان ظاهر الوضاءة ، وإنما قالوا : جهرة تأكيدا لئلا ~~يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على ( نحو ) ما يراد النائم ~~. # / أما قوله تعالى : { فأخذتكم الصاعقة } ففيه أبحاث : # البحث الأول : استدلت المعتزلة بذلك على أن رؤية الله ممتنعة ، قال ~~القاضي عبد الجبار : إنها لو كانت جائزة لكانوا قد ms0826 التمسوا أمرا مجوزا فوجب ~~أن لا تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم العقوبة لما التمسوا النقل من قوت ~~إلى قوت وطعام إلى طعام في قوله تعالى : { لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ~~ربك يخرج لنا مما تنبت الارض } ( البقرة : 61 ) ، وقال أبو الحسين في كتاب ~~التصفح : إن الله تعالى ما ذكر سؤال الرؤية إلا استعظمه ، وذلك في آيات . ~~أحدها : هذه الآية فإن الرؤية لو كانت جائزة لكان قولهم : ( لن نؤمن لك حتى ~~نرى الله جهرة ) كقول الأمم لأنبيائهم : لن نؤمن إلا باحياء ميت في أنه لا ~~يستعظم ولا تأخذهم الصاعقة . وثانيها : قوله تعالى : { يسألك أهل الكتاب أن ~~تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذالك فقالوا أرنا الله ~~جهرة } ( النساء : 153 ) ، فسمي ذلك ظلما وعاقبهم في الحال ، فلو كانت ~~الرؤية جائزة لجرى سؤالهم لها مجرى من يسأل معجزة زائدة . فإن قلت أليس إنه ~~سبحانه وتعالى قد أجرى إنزال الكتاب من السماء مجرى الرؤية في كون كل واحد ~~منهما عتوا ، فكما أن إنزال الكتاب غير ممتنع في نفسه فكذا سؤال الرؤية . ~~قلت : الظاهر يقتضي كون كل واحد منهما ممتنعا ترك العمل به في إنزال الكتاب ~~فيبقى معمولا به في الرؤية . وثالثها : قوله تعالى : { وقال الذين لا يرجون ~~لقاءنا لولا أنزل علينا الملئكة أو نرى PageV03P079 ربنا لقد استكبروا فى ~~أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } ( الفرقان : 21 ) فالرؤية لو كانت جائزة وهي عند ~~مجزيها من أعظم المنافع لم يكن التماسها عتوا لأن من سأل الله تعالى نعمة ~~في الدين أو الدنيا لم يكن عاتيا وجرى ذلك مجرى ما يقال : لن نؤمن لك حتى ~~يحيي الله بدعائك هذا الميت . # واعلم أن هذه الوجوه مشتركة في حرف واحد وهو أن الرؤية لو كانت جائزة لما ~~كان سؤالها عتوا ومنكرا / وذلك ممنوع . ( و ) قوله : إن طلب سائر المنافع ~~من النقل من طعام إلى طعام لما كان ممكنا لم يكن طالبه عاتيا وكذا القول في ~~طلب سائر المعجزات . قلنا : ولم قلت إنه لما ms0827 كان طالب ذلك الممكن ليس بعات ~~وجب أن يكون طالب كل ممكن غير عات والاعتماد في مثل هذا الموضع على ضروب ~~الأمثلة لا يليق بأهل العلم وكيف وأن الله تعالى ما ذكر الرؤية إلا وذكر ~~معها شيئا ممكنا حكمنا بجوازه بالاتفاق وهو إما نزول الكتاب من السماء أو ~~نزول الملائكة . وأثبت صفة العتو على مجموع الأمرين ، وذلك كالدلالة ~~القاطعة في أن صفة العتو ما حصلت لأجل كون المطلوب ممتنعا . أما قوله أبي ~~الحسين : الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعا ترك العمل به في البعض فيبقى معمولا ~~به في الباقي . قلنا : إنك ما أقمت دليلا على أن الاستعظام لا يتحقق إلا ~~إذا كان المطلوب ممتنعا وإنما عولت فيه على ضروب الأمثلة ، والمثال لا ينفع ~~في هذا الباب ، فبطل قولك : الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعا . فظهر بما قلنا ~~سقوط كلام المعتزلة . فإن قال قائل : فما السبب في استعظام سؤال الرؤية ؟ ~~الجواب في ذلك يحتمل وجوها . أحدها : أن رؤية الله تعالى لا تحصل إلا في ~~الآخرة ، فكان طلبها في الدنيا / مستنكرا . وثانيها : أن حكم الله تعالى أن ~~يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى الله فكان طلب الرؤية طلبا لإزالة ~~التكليف وهذا على قول المعتزلة أولى ، لأن الرؤية تتضمن العلم الضروري ~~والعلم الضروري ينافي التكليف ، وثالثها : أنه لما تمت الدلائل على صدق ~~المدعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتا والمتعنت يستوجب التعنيف ، ورابعها : ~~لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن في منع الخلق عن رؤيته سبحانه في الدنيا ~~ضربا من المصلحة المهمة ، فلذلك استنكر طلب الرؤية في الدنيا كما علم أن في ~~إنزال الكتاب من السماء وإنزال الملائكة من السماء مفسدة عظيمة فلذلك ~~استنكر طلب ذلك والله أعلم . # البحث الثاني : للمفسرين في الصاعقة قولان . الأول : أنها هي الموت وهو ~~قول الحسن وقتادة واحتجوا عليه بقوله تعالى : { فصعق من فى * السماوات * ~~ومن فى الارض إلا من شاء الله } ( الزمر : 68 ) ، وهذا ضعيف لوجوه . أحدها ~~: قوله تعالى : { فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون } ولو كانت الصاعقة هي ~~الموت لامتنع ms0828 كونهم ناظرين إلى الصاعقة ، وثانيها : أنه تعالى قال في حق ~~موسى : { وخر موسى صعقا } ( الأعراف : 143 ) أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم ~~يكن ميتا لأنه قال : { فلما أفاق } والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي ~~، وثالثها : أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت . ورابعها ~~: أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم ~~لا يعلمون . ولذلك قال : { وأنتم تنظرون } منبها على عظم العقوبة ، القول ~~الثاني : وهو قول المحققين : إن الصاعقة هي سبب الموت ولذلك قال في سورة ~~الأعراف : { فلما أخذتهم الرجفة } واختلفوا في أن ذلك السبب أي شيء كان على ~~ثلاثة أوجه . أحدها : أنها نار وقعت من السماء فأحرقتهم . وثانيها : صيحة ~~جاءت من السماء ، وثالثها : أرسل الله تعالى جنودا سمعوا بخسها فخروا صعقين ~~ميتين يوما وليلة . PageV03P080 # أما قوله تعالى : { ثم بعثناكم من بعد موتكم } لأن البعث قد ( لا ) يكون ~~إلا بعد الموت ، كقوله تعالى : { فضربنا علىءاذانهم فى الكهف سنين عددا * ~~ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } ( اكلهف : 11 ، 12 ) . ~~فإن قلت : هل دخل موسى عليه السلام في هذا الكلام ؟ قلت : لا ، لوجهين . ~~الأول : أنه خطاب مشافهة فلا يحب أن يتناول موسى عليه السلام . الثاني : ~~أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى : { فلما أفاق } مع ~~أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت ، وقال ابن قتيبة : إن موسى عليه ~~السلام قد مات وهو خطأ لما بيناه . أما قوله تعالى : { لعلكم تشكرون } ~~فالمراد أنه تعالى إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا ~~من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم ، أما أنه كلفهم فلقوله تعالى ~~: { لعلكم تشكرون } ولفظ الشكر يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى : { اعملوا ~~ءال * داوود * شاكرا } ( سبأ : 13 ) ، فإن قيل : كيف يجوز أن يكلفهم وقد ~~أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثهم بعد الموت ؟ ~~قلنا : الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة ليس هو الإماتة ثم ms0829 الإحياء ، وإنما ~~يمنع من ذلك أنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته وإلى معرفة ما في الجنة ~~من اللذات / وما في النار من الآلام وبعد العلم الضروري لا تكليف فإذا كان ~~المانع هو هذا لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم الله بالصاعقة أن لا يكون قد ~~اضطرهم ، وإذا كان كذلك صح أن يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الأحياء بمنزلة ~~النوم أو بمنزلة الإغماء . ونقل عن الحسن البصري أنه تعالى قطع آجالهم بهذه ~~الإماتة ثم أعادهم كما أحيا الذي أماته حين مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها وأحيا الذين أماتهم بعدما خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت وهذا ~~ضعيف لأنه تعالى ما أماتهم بالصاعقة إلا وقد كتب وأخبر بذلك فصار ذلك الوقت ~~أجلا لموتهم الأول ثم الوقت الآخر أجلا لحياتهم . # وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى : { لعلكم تشكرون } على أنه تعالى ~~يريد الإيمان من الكل فجوابنا عنه قد تقدم مرارا فلا حاجة إلى الإعادة . # ! 7 < { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم وما ظلمونا ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 57 ) وظللنا عليكم الغمام . . . . . # > > اعلم أن هذا هو الإنعام السابع الذي ذكره الله تعالى وقد ذكر الله ~~تعالى هذه الآية بهذه الألفاظ في سورة الأعراف ، وظاهر هذه الآية يدل على ~~أن هذا الإظلال كان بعد أن بعثهم لأنه تعالى قال : { ثم بعثناكم من بعد ~~موتكم لعلكم تشكرون * وظللنا عليكم الغمام } بعضه معطوف على بعض وإن كان لا ~~يمتنع خلاف ذلك ، لأن الغرض تعريف النعم التي خصهم الله تعالى بها . ~~PageV03P081 # قال المفسرون ، { وظللنا } وجعلن الغمام تظلكم ، وذلك في التيه سخر الله ~~لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل ~~الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع ويبعث الله إليهم السلوى ~~وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه { كلوا } على إرادة القول : { وما ~~ظلمونا } يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم أو بأن أخذوا أزيد مما أطلق لهم ~~في ms0830 أخذه أو بأن سألوا غير ذلك الجنس وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة ~~{ وما ظلمونا } عليه . # ! 7 < { وإذ قلنا ادخلوا هاذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا ~~الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين * فبدل الذين ~~ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء بما ~~كانوا يفسقون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 58 - 59 ) وإذ قلنا ادخلوا . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو الإنعام الثامن ، وهذه الآية معطوفة على النعم المتقدمة ~~لأنه تعالى كما بين نعمه عليهم بأن ظلل لهم من الغمام وأنزل ( عليهم ) من ~~المن والسلوى وهو من النعم العاجلة أتبعه بنعمه عليهم في باب الدين حيث ~~أمرهم بما يمحو ذنوبهم وبين لهم طريق المخلص مما استوجبوه من العقوبة . # واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين : # النوع الأول : ما يتعلق بالتفسير فنقول : أما قوله تعالى : { وإذ قلنا ~~ادخلوا هاذه القرية } ( البقرة : 58 ) فاعلم أنه أمر تكليف ، ويدل عليه ~~وجهان : الأول : أنه تعالى أمر بدخول الباب سجدا ، وذلك فعل شاق فكان الأمر ~~به تكليفا ودخول الباب سجدا مشروط بدخول القرية ، وما لا يتم الواجب إلا به ~~فهو واجب ، فثبت أن الأمر بدخول القرية أمر تكليف لا أمر إباحة . الثاني : ~~أن قوله : { ادخلوا الارض المقدسة التى كتب الله لكم ولا ترتدوا على ~~أدباركم } ( المائدة : 21 ) دليل على ما ذكرناه . أما القرية فظاهر القرآن ~~لا يدل على عينها ، وإنما يرجع في ذلك إلى الأخبار ، وفيه أقوال : أحدها : ~~وهو اختيار قتادة والربيع وأبي مسلم الأصفهاني أنها بيت المقدس ، واستدلوا ~~عليه بقوله تعالى في سورة المائدة : { ادخلوا الارض المقدسة التى كتب الله ~~لكم } ، ولا شك أن المراد بالقرية في الآيتين واحد ، وثانيها : أنها نفس ~~مصر ، وثالثها : وهو قول ابن عباس وأبي زيد إنها أريحاء وهي قريبة من بيت ~~المقدس ، واحتج هؤلاء على أنه لا يجوز أن تكون تلك القرية بيت PageV03P082 ~~المقدس لأن الفاء في قوله تعالى : { فبدل الذين ظلموا } تقتضي التعقيب فوجب ~~أن يكون ذلك التبديل وقع منهم عقيب هذا ms0831 الأمر في حياة موسى ، لكن موسى مات ~~في أرض التيه ولم يدخل بيت المقدس ، فثبت أنه ليس المراد من هذه القرية بيت ~~المقدس . وأجاب الأولون بأنه ليس في هذه الآية : أنا قلنا ادخلوا هذه ~~القرية على لسان موسى أو على لسان يوشع ، وإذا حملناه على لسان يوشع زال ~~الإشكال . وأما قوله تعالى : { فكلوا منها حيث شئتم رغدا } فقد مر تفسيره ~~في قصة آدم عليه السلام وهو أمر إباحة . # أما قوله تعالى : { وادخلوا الباب سجدا } ففيه بحثان . # الأول : اختلفوا في الباب على وجهين : أحدهما : وهو قول ابن عباس والضحاك ~~ومجاهد وقتادة إنه باب يدعى باب الحطة من بيت المقدس ، وثانيهما : حكى ~~الأصم عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القرية ومدخلا إليها . # الثاني : اختلفوا في المراد بالسجود فقال الحسن أراد به نفس السجود الذي ~~هو الصاق / الوجه بالأرض وهذا بعيد لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال ~~السجود فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك ، ومنهم من حمله على غير ~~السجود ، وهؤلاء ذكروا وجهين : الأول : رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن ~~المراد هو الركوع ، لأن الباب كان صغيرا ضيقا يحتاج الداخل فيه إلى ~~الانحناء ، وهذا بعيد لأنه لو كان ضيقا لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعا فما ~~كان يحتاج فيه إلى الأمر . الثاني : أراد به الخضوع وهو الأقرب ، لأنه لما ~~تعذر حمله على حقيقة السجود وجب حمله على التواضع / لأنهم إذا أخذوا في ~~التوبة فالتائب عن الذنب لا بد أن يكون خاضعا مستكينا . أما قوله تعالى : { ~~وقولوا حطة } ففيه وجوه . أحدها : وهو قول القاضي : المعنى أنه تعالى بعد ~~أن أمرهم بدخول الباب على وجه الخضوع أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة ، ~~وذلك لأن التوبة صفة القلب ، فلا يطلع الغير عليها ، فإذا اشتهر واحد ~~بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب ، لأن التوبة لا ~~تتم إلا به ، إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام بل لأجل تعريف ~~الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة ms0832 ، ولإزالة التهمة عن نفسه ، وكذلك من عرف ~~بمذهب خطأ ، ثم تبين له الحق فإنه يلزمه أن يعرف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ ~~عدوله عنه ، لتزول عنه التهمة في الثبات على الباطل وليعودوا إلى موالاته ~~بعد معاداته ، فلهذا السبب ألزم الله تعالى بني إسرائيل مع الخضوع الذي هو ~~صفة القلب أن يذكروا اللفظ الدال على تلك التوبة وهو قوله : { وقولوا حطة } ~~( البقرة : 58 ) ، فالحاصل أنه أمر القوم بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع ~~وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب ~~وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان ، وهذا الوجه أحسن الوجوه وأقربها إلى ~~التحقيق . ثانيها : قول الأصم : إن هذه اللفظة من ألفاظ أهل الكتاب أي لا ~~يعرف معناها في العربية . وثالثها : قال صاحب الكشاف ( حطة ) فعلة من الحط ~~كالجلسة والركبة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة والأصل ~~النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله : # صبر جميل فكلانا مبتلي # والأصل صبرا على تقدير اصبر صبرا ، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب . ورابعها : ~~قول أبي مسلم الأصفهاني معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر ~~فيها ، وزيف القاضي ذلك بأن قال : لو كان PageV03P083 المراد ذلك لم يكن ~~غفران خطاياهم متعلقا به ولكن قوله : { وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم } ( ~~البقرة : 58 ) ، يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة ، ويمكن ~~الجواب عنه بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجدا مع التواضع كان ~~الغفران متعلقا به . وخامسها قول القفال : معناه اللهم حط عنا ذنوبنا فإنا ~~إنما انحططنا لوجهك وإرادة التذلل لك ، فحط عنا ذنوبنا . فإن قال قائل : هل ~~كان التكليف واردا بذكر هذه اللفظة بعينها أم لا ؟ قلنا روي عن ابن عباس ~~أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها وهذا محتمل ولكن الأقرب خلافه لوجهين . ~~أحدهما : أن هذه اللفظة عربية وهم / ما كانوا يتكلمون بالعربية ، وثانيهما ~~: وهو الأقرب أنهم أمروا بأن يقولوا قولا دالا على لتوبة والندم والخضوع ~~حتى أنهم لو قالوا مكان ms0833 قولهم : { حطة } اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان ~~المقصود حاصلا ، لأن المقصود من التوبة ، إما القلب وإما اللسان ، أما ~~القلب فالندم ، وأما اللسان فذكر لفظ يدل على حصول الندم في القلب وذلك لا ~~يتوقف على ذكر لفظة بعينها . # أما قوله تعالى : { نغفر لكم } فالكلام في المغفرة قد تقدم . ثم ههنا ~~بحثان : # الأول : أن قوله : { نغفر لكم } ذكره الله تعالى في معرض الامتنان ، ولو ~~كان قبول التوبة واجبا عقلا على ما تقوله المعتزلة لما كان الأمر كذلك ، بل ~~كان أداء للواجب وأداء الواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان . # الثاني : ههنا قراءات . أحدها : قرأ أبو عمرو وابن المنادي بالنون وكسر ~~الفاء . وثانيها : قرأ نافع بالياء وفتحها . وثالثها : قرأ الباقون من أهل ~~المدينة وجبلة عن المفضل بالتاء وضمها وفتح الفاء ، ورابعها : قرأ الحسن ~~وقتادة وأبو حيوة والجحدري بالياء وضمها وفتح الفاء . قال القفال : والمعنى ~~في هذه القراءات كلها واحد / لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت ~~وإذا غفرت فإنما يغفرها الله ، والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه ~~وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث كقوله : { وأخذ الذين ظلموا الصيحة ~~} ( هود : 67 ) والمراد من الخطيئة الجنس لا الخطيئة الواحدة بالعدد . أما ~~قوله تعالى : { خطاياكم } ففيه قراءات ، أحدها : قرأ الجحدري ( خطيئتكم ) ~~بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة على واحدة . وثانيها : الأعمش ( ~~خطيئاتكم ) بمدة وهمزة وألف بعد الهمزة قبل التاء وكسر التاء . وثالثها : ~~الحسن كذلك إلا أنه يرفع التاء ، ورابعها : الكسائي خطاياكم بهمزة ساكنة ~~بعد الطاء قبل الياء ، وخامسها : ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الياء وقبل ~~الكاف . وسادسها : الكسائي بكسر الطاء والتاء ، والباقون بإمالة الياء فقط ~~. # أما قوله تعالى : { وسنزيد المحسنين } فإما أن يكون المراد من المحسن من ~~كان محسنا بالطاعة في هذا التكليف أو من كان محسنا بطاعات أخرى في سائر ~~التكاليف . أما على التقدير الأول : فالزيادة الموعودة يمكن أن تكون من ~~منافع الدنيا وأن تكون من منافع الدين . أما الاحتمال الأول : وهو أن تكون ~~من منافع الدنيا ، فالمعنى أن من كان محسنا ms0834 بهذه الطاعة فإنا نزيده سعة في ~~الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية ، وأما الاحتمال الثاني : وهو أن ~~تكون من منافع الآخرة ، فالمعنى أن من كان محسنا بهذه الطاعة والتوبة فإنا ~~نغفر له خطاياه ونزيده على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل كما قال : { ~~للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) ، أي نجازيهم بالإحسان إحسانا ~~وزيادة كما جعل الثواب للحسنة الواحدة عشرا ، وأكثر من ذلك ، وأما إن كان ~~المراد من ( المحسنين ) من كان محسنا بطاعات أخرى بعد هذه التوبة ، فيكون ~~المعنى أنا نجعل دخولكم PageV03P084 الباب سجدا وقولكم حطة مؤثرا في غفران ~~الذنوب ، ثم إذا أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى أعطيناكم / الثواب على تلك ~~الطاعات الزائدة ، وفي الآية تأويل آخر ، وهو أن المعنى من كان خاطئا غفرنا ~~له ذنبه بهذا الفعل ، ومن لم يكن خاطئا بل كان محسنا زدنا في إحسانه ، أي ~~كتبنا تلك الطاعة في حسناته وزدناه زيادة منا فيها فتكون المغفرة للمؤمنين ~~والزيادة للمطيعين . # أما قوله تعالى : { فبدل الذين ظلموا } ففيه قولان . الأول : قال أبو ~~مسلم قوله تعالى : { فبدل } يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به ، لا على ~~أنهم أتوا له ببدل ، والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة ، ~~قال تعالى : { سيقول المخلفون * من الاعراب } ( الفتح : 11 ) إلى قوله : { ~~يريدون أن يبدلوا كلام الله } ( الفتح : 15 ) ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف ~~في الفعل لا في القول فكذا ههنا ، فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع ~~وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه . الثاني : وهو قول ~~جمهور المفسرين : إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق ~~من البدل ، فلا بد من حصول البدل ، وهذا كما يقال : فلان بدل دينه ، يفيد ~~أنه انتقل من دين إلى دين آخر ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : { قولا غير الذي ~~قيل لهم } ثم اختلفوا في أن ذلك القول والفعل أي شيء كان ؟ فروي عن ابن ~~عباس أنهم دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا زاحفين على أستاههم ، ~~قائلين حنطة من ms0835 شعيرة ، وعن مجاهد أنهم دخلوا على أدبارهم وقالوا : حنطة ~~استهزاء ، وقال ابن زيد : استهزاء بموسى . وقالوا : ما شاء موسى أن يلعب ~~بنا إلا لعب بنا حطة حطة أي شيء حطة . # أما قوله تعالى : { الذين ظلموا } فإنما وصفهم الله بذلك إما لأنهم سعوا ~~في نقصان خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم / وذلك ظلم على ~~ما تقدم . # أما قوله تعالى : { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء } ففيه بحثان ~~: # الأول : أن في تكرير : { الذين ظلموا } زيادة في تقبيح أمرهم وإيذانا بأن ~~إنزال الرجز عليهم لظلمهم . الثاني : أن الرجز هو العذاب والدليل عليه قوله ~~تعالى : { ولما وقع عليهم الرجز } أي العقوبة ، وكذا قوله تعالى : { لئن ~~كشفت عنا الرجز } ( الأعراف : 134 ) وذكر الزجاج أن الرجز والرجس معناهما ~~واحد وهو العذاب . # وأما قوله : { ويذهب عنكم رجز الشيطان } ( الأنفال : 11 ) فمعناه لطخه ~~وما يدعوا إليه من الكفر ، ثم إن تلك العقوبة أي شيء كانت لا دلالة في ~~الآية عليه ، فقال ابن عباس : مات منهم بالفجأة أربعة وعشرون ألفا في ساعة ~~واحدة ، وقال ابن زيد : بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى ~~العشي خمس وعشرون ألفا ، ولم يبق منهم أحد . # أما قوله تعالى : { بما كانوا يفسقون } ، فالفسق من الخروج المضر ، يقال ~~فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وفي الشرع عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى ~~معصيته ، قال أبو مسلم : هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى : { على ~~الذين ظلموا } وفائدة التكرار التأكيد والحق أنه غير مكرر لوجهين . الأول : ~~أن الظلم قد يكون من الصغائر ، وقد يكون من الكبائر ، ولذلك وصف الله ~~الأنبياء بالظلم / في قوله تعالى : { ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) ~~ولأنه تعالى قال : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ولو لم يكن الظلم ~~إلا عظيما لكان ذكر العظيم تكريرا والفسق لا بد وأن يكون من PageV03P085 ~~الكبائر فلما وصفهم الله بالظلم أولا : وصفهم بالفسق ، ثانيا : ليعرف أن ~~ظلمهم كان من الكبائر لا من الصغائر . الثاني : يحتمل أنهم استحقوا اسم ~~الظالم بسبب ms0836 ذلك التبديل فنزل الرجز عليهم من السماء بسبب ذلك التبديل بل ~~للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل وعلى هذا الوجه يزول التكرار . # النوع الثاني من الكلام في هذه الآية : اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية ~~في سورة الأعراف وهو قوله : { وإذ قيل لهم اسكنوا هاذه القرية وكلوا منها ~~حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد } ( ~~الأعراف : 161 ، 162 ) واعلم أن من الناس من يحتج بقوله تعالى : { فبدل ~~الذين ظلموا } على أن ما ورد به التوقيف من الأذكار أنه غير جائز تغييرها ~~ولا تبديلها بغيرها ، وربما احتج أصحاب الشافعي رضي الله عنه في أنه لا ~~يجوز تحريم الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح ولا تجوز القراءة بالفارسية وأجاب ~~أبو بكر الرازي بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد ~~معناه معنى الأول ، فلا جرم استوجبوا الذم ، فأما من غير اللفظ مع بقاء ~~المعنى فليس كذلك والجواب أن ظاهر قوله : { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي ~~قيل لهم } يتناول كل من بدل قولا بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أو ~~لم يتفقا ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : لم قال في سورة البقرة : { وإذ قلنا } وقال في الأعراف : ~~{ وإذ قيل لهم } الجواب أن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل هذا ~~القول هو الله تعالى إزالة للإبهام ولأنه ذكر في أول الكلام : { اذكروا ~~نعمتي التى أنعمت عليكم } ( البقرة : 40 ) ثم أخذ يعدد ( نعمه ) نعمة نعمة ~~فاللائق بهذا المقام أن يقول : { وإذ قلنا } أما في سورة الأعراف فلا يبقى ~~في قوله تعالى : { وإذ قيل لهم } إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة ~~البقرة . # السؤال الثاني : لم قال في البقرة : { وإذ قلنا ادخلوا } وفي الأعراف : { ~~اسكنوا } ؟ الجواب : الدخول مقدم على السكون ولا بد منهما فلا جرم ذكر ~~الدخول في السورة المتقدمة والسكون في السورة المتأخرة . # السؤال الثالث : لم قال في البقرة : { فكلوا } بالفاء وفي الأعراف : { ~~وكلوا } بالواو ؟ والجواب ههنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة ~~البقرة ms0837 : { وكلا منها رغدا } وفي الأعراف : { فكلا } . # السؤال الرابع : لم قال في البقرة : { نغفر لكم خطاياكم } وفي الأعراف : ~~{ نغفر لكم خطيئاتكم } ، الجواب : الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع ~~السلامة فهو للقلة ، وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال : { ~~وإذ قلنا ادخلوا هاذه القرية } لا جرم قرن به ما يليق جوده وكرمه وهو غفران ~~الذنوب الكثيرة ، فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة ، وفي الأعراف / لما لم ~~يضف ذلك إلى نفسه بل قال : { وإذ قيل لهم } لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة ، ~~فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة ( ~~ة ) وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة . # السؤال الخامس : لم ذكر قوله : { رغدا } في البقرة وحذفه في الأعراف ؟ ~~الجواب عن هذا السؤال كالجواب PageV03P086 في الخطايا والخطيئات لأنه لما ~~أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغدا ، ~~وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه . # السؤال السادس : لم ذكر في البقرة : { وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة } ~~وفي الأعراف قدم المؤخر ؟ الجواب : الواو للجمع المطلق وأيضا فالمخاطبون ~~بقوله : { ادخلوا الباب سجدا * وقولوا حطة } ، يحتمل أن يقال : إن بعضهم ~~كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين ، فالمذنب لا بد أن يكون ~~اشتغاله بحط الذنوب مقدما على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة ~~على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة ، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن ~~يقولوا أولا ( حطة ) ثم يدخلوا الباب سجدا ، وأما الذي لا يكون مذنبا ~~فالأولى به أن يشتغل أولا بالعبادة ثم يذكر التوبة ، ثانيا : على سبيل هضم ~~النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجدا ~~أولا ثم يقولوا حطة ثانيا ، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى ~~هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى . # السؤال السابع : لم قال : { وسنزيد المحسنين } في البقرة مع الواو وفي ~~الأعراف : { سنزيد ms0838 المحسنين } من غير الواو ؟ الجواب : أما في الأعراف فذكر ~~فيه أمرين : أحدهما : قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة ، وثانيها : دخول ~~الباب سجدا وهو إشارة إلى العبادة ، ثم ذكر جزأين : أحدهما : قوله تعالى : ~~{ نغفر لكم خطاياكم } وهو واقع في مقابلة قول الحطة . والآخر : قوله : { ~~سنزيد المحسنين } وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجدا فترك الواو يفيد توزع ~~كل واحد من الجزأين على كل واحد من الشرطين . وأما في سورة البقرة فيفيد ~~كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحدا لمجموع الفعلين أعني دخول الباب ~~وقول الحطة . # السؤال الثامن : قال الله تعالى في سورة البقرة : { فبدل الذين ظلموا ~~قولا } وفي الأعراف : { فبدل الذين ظلموا منهم قولا } فما الفائدة في زيادة ~~كلمة ( منهم ) في الأعراف ؟ الجواب : سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف ~~أن أول القصة ههنا مبني على التخصيص بلفظ ( من ) لأنه تعالى قال : { ومن ~~قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } ( الأعراف : 159 ) فذكر أن منهم من ~~يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم ، فلما انتهت القصة قال ~~الله تعالى : { فبدل الذين ظلموا منهم } فذكر لفظة : { منهم } في آخر القصة ~~كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقا لأوله فيكون الظالمون من ~~قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة ، وههنا ذكر أمة جابرة ~~وكلتاهما من قوم / موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف ، ~~وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله : { فبدل الذين ~~ظلموا } تمييزا وتخصيصا حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق ~~. # السؤال التاسع : لم قال في البقرة : { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا } ~~وقال في الأعراف : { فأرسلنا } الجواب : الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر ~~والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصاله لهم بالكلية ، وذلك إنما يحدث بالآخرة ~~. # السؤال العاشر : لم قال في البقرة : { بما كانوا يفسقون } وفي الأعراف : ~~{ بما كانوا يظلمون } ، الجواب : أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك ~~الظلم فسقا اكتفى بلفظ الظلم في سورة ms0839 الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في ~~سورة البقرة والله أعلم . # PageV03P087 ! 7 < { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر ~~فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق ~~الله ولا تعثوا فى الا رض مفسدين } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 60 ) وإذ استسقى موسى . . . . . # > > قراءة العامة اثنتا عشرة بسكون الشين على التخفيف وقراءة أبي جعفر ~~بكسر الشين ، وعن بعضهم بفتح الشين ، والوجه هو الأول لأنه أخف وعليه أكثر ~~القراء ، واعلم أن هذا هو الإنعام التاسع من الإنعامات المعدودة على بني ~~إسرائيل ، وهو جامع لنعم الدنيا والدين ، أما في الدنيا فلأنه تعالى أزال ~~عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا في التيه ، كما لولا إنزاله ~~المن والسلوى لهلكوا ، فقد قال تعالى : { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون ~~الطعام } ( الأنبياء : 8 ) وقال : { وجعلنا من الماء كل شىء حى } ( ~~الأنبياء : 30 ) بل الإنعام بالماء في التيه أعظم من الإنعام بالماء ~~المعتاد لأن الإنسان إذا اشتدت حاجته إلى الماء في المفازة وقد انسدت عليه ~~أبواب الرجاء لكونه في مكان لا ماء فيه ولا نبات ، فإذا رزقه الله الماء من ~~حجر ضرب بالعصا فانشق واستقى منه علم أن هذه النعمة لا يكاد يعدلها شيء من ~~النعم ، وأما كونه من نعم الدين فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع ~~وقدرته وعلمه ومن أصدق الدلائل على صدق موسى عليه السلام ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : جمهور المفسرين أجمعوا على أن هذا الاستسقاء كان في ~~التيه ، لأن الله تعالى لما ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى ~~وجعل ثيابهم بحيث لا تبلى ولا تتسخ خافوا / العطش فأعطاهم الله الماء من ~~ذلك الحجر ، وأنكر أبو مسلم حمل هذه المعجزة على أيام مسيرهم إلى التيه ~~فقال : بل هو كلام مفرد بذاته ، ومعنى الاستسقاء طلب السقيا من المطر على ~~عادة الناس إذا أقحطوا ويكون ما فعله الله من تفجير الحجر بالماء فوق ~~الإجابة بالسقيا وإنزال الغيث والحق أنه ليس في الآية ما يدل على أن الحق ~~هذا أو ذاك وإن ms0840 كان الأقرب أن ذلك وقع في التيه ، ويدل عليه وجهان . أحدهما ~~: أن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النادر ، الثاني : ~~ما روي أنهم كانوا يحملون الحجر مع أنفسهم لأنه صار معدا لذلك فكما كان ~~المن والسلوى ينزلان عليهم في كل غداة فكذلك الماء ينفجر لهم في كل وقت ~~وذلك لا يليق إلا بأيامهم في التيه . # المسألة الثانية : اختلفوا في العصا ، فقال الحسن : كانت عصا أخذها من ~~بعض الأشجار ، وقيل كانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها ~~شعبتان تتقدان في الظلمة والذي يدل عليه القرآن أن مقدارها كان مقدارا يصح ~~أن يتوكأ عليها وأن تنقلب حية عظيمة ولا تكون كذلك إلا ولها قدر من الطول ~~والغلظ وما زاد على ذلك فلا دلالة عليه . PageV03P088 # واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع ~~ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفي فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى ~~تركها . # المسألة الثالثة : اللام في ( الحجر ) إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم ~~، فروي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعا له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ~~ثلاثة أعين لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط ، وكانوا ستمائة ألف ~~وسعة المعسكر اثنا عشر ميلا ، وقيل اهبط مع آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع ~~إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا ، وقيل : هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين ~~اغتسل إذ رموه بالأدرة ففر به ، فقال له جبريل : يقول الله تعالى : ارفع ~~هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة ، فحمله في مخلاته / وإما للجنس ~~أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر ، وعن الحسن : لم يأمروه أن يضرب حجرا ~~بعينه . قال : وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة ، وروي أنهم قالوا : كيف ~~بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة فحمل حجرا في مخلاته فحينما نزلوا ~~ألقاه وقيل : كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس ، فقالوا : إن فقد ~~موسى عصاه متنا عطشا . فأوحى ms0841 الله إليه لا تقرع الحجارة ، وكلمها تطعك ، ~~واختلفوا في صفة الحجر فقيل : كان من رخام وكان ذراعا في ذراع ، وقيل : مثل ~~رأس الإنسان . والمختار عندنا تفويض علمه إلى الله تعالى . # المسألة الرابعة ؛ الفاء في قوله : { فانفجرت } متعلقة بمحذوف أي فضرب ~~فانفجرت أو فإن ضربت فقد انفجرت . بقي هنا سؤالات : # السؤال الأول : هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر فينفجر ~~من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف ؟ الجواب : لا يمتنع في القدرة ~~أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر ومن قبل أن يضرب ينفجر على قدر ~~الحاجة لأن ذلك لو قيل إنه أبلغ في / قيل : إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب ~~، لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت لأنه تعالى لو أمر رسوله بشيء ، ثم إن الرسول ~~لا يفعله لصار الرسول عاصيا ، ولأنه إذا انفجر من غير ضرب صار الأمر بالضرب ~~بالعصا عبثا ، كأنه لا معنى له ولأن المروي في الأخبار أن تقديره : فضرب ~~فانفجرت كما في قوله تعالى : { فانفلق } ( الشعراء : 63 ) من أن المراد ~~فضرب فانفلق . # السؤال الثاني : أنه تعالى ذكر ههنا : { فانفجرت } وفي الأعراف : { ~~فانبجست } ( الأعراف : 16 ) وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة ~~والانبجاس خروجه قليلا . الجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : الفجر الشق في ~~الأصل ، والانفجار الانشقاق ، ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه ~~إلى الفسق ، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل ، فهما مختلفان اختلاف العام ~~والخاص ، فلا يتناقضان ، وثانيها : لعله انبجس أولا ، ثم انفجر ثانيا ، ~~وكذا العيون : يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه . وثالثها : لا ~~يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر ، أي يخرج الماء كثيرا ثم كانت ~~تقل فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلا . # السؤال الثالث : كيف يعقل خروج المياه العظيمة من الحجر الصغير ؟ الجواب ~~: هذا السائل إما أن يسلم وجود الفاعل المختار أو ينكره ، فإن سلم فقد زال ~~السؤال ، لأنه قادر على أن يخلق الجسم كيف شاء كما خلق البحار وغيرها ، وإن ~~نازع فلا فائدة له في البحث عن ms0842 معنى القرآن والنظر في تفسيره ، وهذا هو ~~الجواب عن كل ما يستبعدونه من المعجزات التي حكاها الله تعالى في القرآن من ~~إحياء الموتى وإبراء الأكمه PageV03P089 والأبرص ، وأيضا فالفلاسفة لا ~~يمكنهم القطع بفساد ذلك لأن العناصر الأربعة لها هيولى مشتركة عندهم ، ~~وقالوا : إنه يصح الكون والفساد عليها ، وإنه يصح انقلاب الهواء ماء ~~وبالعكس وكذلك قالوا : ( الهواء ) إذا وضع في الكوز الفضة جمد فإنه يجتمع ~~على أطراف الكوز قطرات الماء ، فقالوا : تلك القطرات إنما حصلت لأن الهواء ~~انقلب ماء فثبت أن ذلك ممكن في الجملة والحوادث السفلية مطيعة للاتصالات ~~الفلكية ، فلم يكن مستبعدا أن يحدث اتصال فلكي يقتضي وقوع هذا الأمر الغريب ~~في هذا العالم . فثبت أن الفلاسفة لا يمكنهم الجزم بفساد ذلك . # أما المعتزلة فإنهم لما اعتقدوا كون العبد موجدا لأفعاله لا جرم قلنا لهم ~~: لم لا يجوز أن يقدر العبد على خلق الجسم ؟ فذكروا في ذلك طريقين ضعيفين ~~جدا سنذكرهما إن شاء الله تعالى في تفسير آية السحر ، ونذكر وجه ضعفهما ~~وسقوطهما . وإذا كان كذلك فلا يمكنهم القطع بأن ذلك من فعل الله تعالى ~~فتنسد عليهم أبواب المعجزات والنبوات ، أما أصحابنا فإنهم لما اعتقدوا أنه ~~لا موجد إلا الله تعالى لا جرم جزموا أن المحدث لهذه الأفعال الخارقة ~~للعادات هو الله تعالى / فلا جرم أمكنهم الاستدلال بظهورها على يد المدعي ~~على كونه صادقا . # السؤال الرابع : أتقولون إن ذلك الماء كان مستكنا في الحجر ثم ظهر أو قلب ~~الله الهواء ماء أو خلق الماء ابتداء ؟ والجواب : أما الأول فباطل لأن ~~الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم / إلا على سبيل التداخل وهو محال . أما ~~الوجهان الأخيران فكل واحد منهما محتمل ، فإن كان على الوجه الأول فقد أزال ~~الله تعالى اليبوسة عن أجزاء الهواء وخلق الرطوبة فيها وإن كان على الوجه ~~الثاني فقد خلق تلك الأجزاء وخلق الرطوبة فيها . واعلم أن الكلام في هذا ~~الباب كالكلام فيما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات ~~وقد ضاق بهم الماء فوضع ms0843 يده في متوضئه ففار الماء من بين أصابعه حتى ~~استكفوا . # السؤال الخامس : معجزة موسى في هذا المعنى أعظم أم معجزة محمد عليه ~~السلام ؟ الجواب : كل واحدة منهما معجزة باهرة قاهرة ، لكن التي لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة ، أما نبوعه ~~من بين الأصابع فغير معتاد ألبتة فكان ذلك أقوى . # السؤال السادس : ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عينا ؟ والجواب : أنه ~~كان في قوم موسى كثرة والكثير من الناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم ~~وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع وربما أفضى ذلك إلى الفتن العظيمة فأكمل ~~الله تعالى هذه النعمة بأن عين لكل سبط منهم ماء معينا لا يختلط بغيره ~~والعادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين ~~المختلفين . # السؤال السابع : من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز ؟ والجواب : من ~~وجوه : أحدها : أن نفس ظهور الماء معجز ، وثانيها : خروج الماء العظيم من ~~الحجر الصغير ، وثالثها : خروج الماء بقدر حاجتهم ، ورابعها : خروج الماء ~~عند ضرب الحجر بالعصا ، وخامسها : انقطاع الماء عند الاستغناء عنه ، فهذه ~~الوجوه الخمسة لا يمكن تحصيلها إلا بقدرة تامة نافذة في كل الممكنات وعلم ~~نافذ في جميع المعلومات وحكمة عالية على الدهر والزمان ، وما ذاك إلا للحق ~~سبحانه وتعالى . PageV03P090 # أما قوله تعالى : { قد علم كل أناس مشربهم } فنقول : إنما علموا ذلك لأنه ~~أمر كل إنسان أن لايشرب إلا من جدول معين كيلا يختلفوا عند الحاجة إلى ~~الماء ، وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه تعالى لما أباح لكل سبط من الأسباط ~~ذلك الماء الذي ظهر من ذلك الشق الذي يليه صار ذلك كالملك لهم وجازت إضافته ~~إليهم . # أما قوله تعالى : { كلوا واشربوا من رزق الله } ففيه حذف ، والمعنى : ~~فقلنا لهم أو قال لهم موسى : كلوا واشربوا ، وإنما قال : كلوا لوجهين ، ~~أحدهما : لما تقدم من ذكر المن والسلوى ، فكأنه قال : كلوا من المن والسلوى ~~الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب واشربوا من ms0844 هذا الماء . والثاني : أن ~~الأغذية لا تكون إلا بالماء ، فلما أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم ~~المأكول والمشروب . واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال ، ~~قالوا : لأن أقل درجات قوله : { كلوا واشربوا } الإباحة ، وهذا يقتضي كون ~~الرزق مباحا ، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحا وحراما وإنه / غير ~~جائز . # أما قوله تعالى : { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } فالعثي أشد الفساد ، ~~فقيل لهم : لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه ~~، والمقصود منه ما جرت العادة بين الناس من التشاجر والتنازع في الماء عند ~~اشتداد الحاجة إليه ، فكأنه تعالى قال : إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا ~~تبالغوا في التنازع والله أعلم . # ! 7 < { وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا ~~مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذى ~~هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة وبآءوا بغضب من الله ذالك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير الحق ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 61 ) وإذ قلتم يا . . . . . # > > اعلم أن القراءة المعروفة يخرج لنا بضم الياء وكسر الراء ، تنبت بضم ~~التاء وكسر التاء ، وقرأ زيد بن علي بفتح الياء وضم الراء ، تنبت بفتح ~~التاء وضم الباء ، ثم اعلم أن أكثر الظاهريين من المفسرين زعموا أن ذلك ~~السؤال كان معصية ، وعندنا أنه ليس الأمر كذلك ، والدليل عليه أن قوله ~~تعالى : { كلوا واشربوا } من PageV03P091 قبل هذه الآية عند إنزال المن ~~والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة ، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم : { لن نصبر ~~على طعام واحد فادع لنا ربك } معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام يحسن منه ~~أن يسأل غير ذلك إما بنفسه أو على لسان الرسول ، فلما كان عندهم أنهم إذا ~~سألوا موسى أن يسأل ذلك من ربه كان الدعاء أقرب إلى الإجابة جاز لهم ذلك ~~ولم يكن فيه معصية . # واعلم أن سؤال النوع ms0845 الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض : الأول : ~~أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره ، الثاني ~~: لعلهم في أصل الخلقة ما تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ~~ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان / خسيسا فوق رغبته فيما ~~لم يعتده وإن كان شريفا . الثالث : لعلهم ملوا من البقاء في التيه فسألوا ~~هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس ~~تلك الأطعمة . الرابع : أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة ~~وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة ~~الالتذاذ ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء ، وثبت ~~أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه ، فثبت أن هذا القدر ~~لا يجوز أن يكون معصية ، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى : { اهبطوا مصرا فإن ~~لكم ما سألتم } كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت ~~الإجابة إليه معصية وهي غير جائزة على الأنبياء ، لا يقال : إنهم لما أبوا ~~شيئا اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال : { ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها } ( الشورى : 20 ) لأنا نقول هذا خلاف الظاهر ، واحتجوا ~~على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه . الأول : أن قولهم : { لن نصبر على ~~طعام واحد } دلالة على أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية ، ~~الثاني : أن قول موسى عليه السلام : { أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير ~~} استفهام على سبيل الإنكار ، وذلك يدل على كونه معصية . الثالث : أن موسى ~~عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير وذلك يدل على ~~ما قلناه ، والجواب عن الأول : أنه ليس تحت قولهم : { لن نصبر على طعام ~~واحد } دلالة على أنهم ما كانوا راضين به فقط ، بل اشتهوا شيئا آخر ، ولأن ~~قولهم : { لن نصبر } إشارة إلى المستقبل لأن كلمة لن للنفي في المستقبل فلا ~~يدل على أنهم سخطوا الواقع / وعن الثاني : أن ms0846 الاستفهام على سبيل الإنكار ~~قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا وقد يكون لما فيه من تفويت ~~الأنفع في الآخرة ، وعن الثالث : بقريب من ذلك ، فإن الشيء قد يوصف بأنه ~~خير من حيث كان الانتفاع به حاضرا متيقنا ومن حيث إنه يحصل عفوا بلا كد كما ~~يقال ذلك في الحاضر ، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه : إنه أدنى من حيث لا ~~يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا بالكد ، فلا يمتنع أن يكون مراده : { ~~أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير } هذا المعنى أو بعضه فثبت بما ذكرنا ~~أن ذلك السؤال ما كان معصية بل كان سؤالا مباحا ، وإذا كان كذلك فقوله ~~تعالى : { وضربت عليهم الذلة PageV03P092 والمسكنة وباءوا بغضب من الله } ، ~~لا يجوز أن يكون لما تقدم بل لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله تعالى : ~~{ ذالك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق } فبين ~~أنه إنما ضرب الذلة والمسكنة عليهم وجعلهم محل الغضب والعقاب من حيث كانوا ~~يكفرون لا لأنهم سألوا ذلك . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { لن نصبر على طعام واحد } ليس المراد ~~أنه واحد في النوع بل أنه واحد في النهج وهو كما يقال : إن طعام فلان على ~~مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير عن نهجه . # المسألة الثالثة : القراءة المعروفة : { وقثائها } بكسر القاف ، وقرأ ~~الأعمش وطلحة وقثائها بضم القاف والقراءة المعروفة : { وفومها } بالفاء وعن ~~علقمة عن ابن مسعود وثومها وهي قراءة / ابن عباس قالوا : وهذا أوفق لذكر ~~البصل واختلفوا في الفوم فعن ابن عباس أنه الحنطة ، وعنه أيضا أن الفوم هو ~~الخبز وهو أيضا المروي عن مجاهد وعطاء وابن زيد وحكي عن بعض العرب : فوموا ~~لنا أي اخبزوا لنا وقيل هو الثوم وهو مروي أيضا عن ابن عباس ومجاهد واختيار ~~الكسائي واحتجوا عليه بوجوه . الأول : أنه في حرف عبد الله بن مسعود وثومها ~~. الثاني : أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال : { أتستبدلون الذى ~~هو أدنى بالذى هو خير } لأن ms0847 الحنطة أشرف الأطعمة . الثالث : أن الثوم أوفق ~~للعدس والبصل من الحنطة . # المسألة الرابعة : القراءة المعروفة : { أتستبدلون } وفي حرف أبي بن كعب ~~: ( أتبدلون ) بإسكان الباء وعن زهير الفرقبي : ( أدنأ ) بالهمزة من ~~الدناءة . واختلفوا في المراد بالأدنى وضبط القول فيه أن المراد إما أن ~~يكون أدنى في المصلحة في الدين أو في المنفعة في الدنيا ، والأول غير مراد ~~لأن الذي كانوا عليه لو كان أنفع في باب الدين من الذي طلبوه لما جاز أن ~~يجيبهم إليه ، لكنه قد أجابهم إليه بقوله : { اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ~~} ، فبقي أن يكون المراد منه المنفعة في الدنيا ثم لا يجوز أن يكون المراد ~~أن هذا النوع الذي أنتم عليه أفضل من الذي تطلبونه لما بينا أن الطعام الذي ~~يكون ألذ الأطعمة عند قوم قد يكون أخسها عند آخرين ، بل المراد ما بينا أن ~~المن والسلوى متيقن الحصول وما يطلبونه مشكوك الحصول والمتيقين خير من ~~المشكوك أو لأن هذا يحصل من غير كد ولا تعب ، وذلك لا يحصل إلا مع الكد ~~والتعب ، فيكون الأول أولى . فإن قيل : كان لهم أن يقولوا هذا الذي يحصل ~~عفوا صفوا لما كرهناه بطباعنا كان تناوله أشق من الذي لا يحصل إلا مع الكد ~~إذا اشتهته طباعنا . قلنا : هب أنه وقع التعارض من هذه الجهة لكنه وقع ~~الترجيح بما أن الحاضر المتيقن راجع على الغائب المشكوك . # المسألة الخامسة : القراءة المعروفة : { اهبطوا } بكسر الباء وقرىء بضم ~~الباء ، القراءة المشهورة : { مصرا } بالتنوين وإنما صرفه مع اجتماع ~~السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون وسطه كقوله : { ونوحا هدينا * ~~ولوطا } ( الأنعام : 84 ، 86 ) وفيهما العجمة والتعريف وإن أريد به البلد ، ~~فما فيه إلا سبب واحد ، وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش : { اهبطوا مصرا ~~} بغير تنوين كقوله : { أدخلوا * مصرا } واختلف المفسرون في قوله : { ~~اهبطوا مصرا } روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ترك التنوين ، وقال الحسن : ~~الألف في مصرا زيادة من الكاتب فحينئذ تكون معرفة فيجب أن تحمل على ما هو ~~المختص بهذا الاسم وهو ms0848 البلد الذي كان فيه فرعون وهو مروي عن أبي العالية ~~والربيع ، وأما الذين قرؤوا بالتنوين وهي القراءة المشهورة فقد اختلفوا ، ~~فمنهم من قال : المراد البلد الذي كان فيه فرعون ودخول التنوين فيه كدخوله ~~في نوح ولوط ، وقال آخرون : المراد الأمر بدخول أي بلد كان كأنه قيل لهم ~~ادخلوا بلدا أي بلد كان لتجدوا فيه هذه الأشياء ، وبالجملة فالمفسرون قد ~~اختلفوا في أن المراد من مصر هو البلد الذي كانوا فيه أولا أو بلد آخر ، ~~PageV03P093 فقال كثير من المفسرين : لا يجوز / أن يكون هو البلد الذي ~~كانوا فيه مع فرعون واحتجوا عليه بقوله تعالى : { ادخلوا الارض المقدسة ~~التى كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم } ( المائدة : 21 ) والاستدلال ~~بهذه الآية من ثلاثة أوجه . الأول : أن قوله تعالى : { ادخلوا الارض ~~المقدسة } إيجاب لدخول تلك الأرض ، وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى . ~~والثاني : أن قوله : { كتاب الله } يقتضي دوام كونهم فيه . والثالث : أن ~~قوله : { ولا ترتدوا على أدباركم } صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس ~~. الرابع : أنه تعالى بعد أن أمر بدخول الأرض المقدسة قال : { فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة يتيهون فى الارض } فإذا تقدم هذا الأمر ثم بين تعالى أنهم ~~ممنوعون من دخولها هذه المدة فعند زوال العذر وجب أن يلزمهم دخولها ، وإذا ~~كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر سواها . فإن قيل : هذه الوجوه ضعيفة ~~. أما الأول : فلأن قوله : { ادخلوا الارض المقدسة } أمر والأمر للندب ~~فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة مع أنهم ما منعوا من دخول مصر ، أما ~~الثاني : فهو كقوله : { كتب الله لكم } فذلك يدل على دوام تلك الندبية . ~~وأما الثالث : وهو قوله تعالى : { ولا ترتدوا على أدباركم } فلا نسلم أن ~~معناه ولا ترجعوا إلى مصر بل فيه وجهان آخران . الأول : المراد لا تعصوا ~~فيما أمرتم به إذ العرب تقول لمن عصى فيما يؤمر به : ارتد على عقبه . ~~والمراد من هذا العصيان أن ينكر أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى . الثاني ~~: أن يخصص ذلك النهي ms0849 بوقت معين فقط . قلنا : ثبت في أصول الفقه أن ظاهر ~~الأمر للوجوب فيتم دليلنا بناء على هذا الأصل ، وأيضا فهب أنه للندب ولكن ~~الإذن في تركه يكون إذنا في ترك المندوب ، وذلك لا يليق بالأنبياء . قوله : ~~لا نسلم أن المراد من قوله : { ولا ترتدوا } لا ترجعوا . قلنا : الدليل ~~عليه أنه لما أمر بدخول الأرض المقدسة ، ثم قال بعده : { ولا ترتدوا على ~~أدباركم } تبادر إلى الفهم أن هذا النهي يرجع إلى ما تعلق به ذلك الأمر . ~~قوله : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين ، قلنا : التخصيص خلاف الظاهر ، أما ~~أبو مسلم الأصفهاني فإنه جوز أن يكون المراد مصر فرعون واحتج عليه بوجهين . ~~الأول : أنا إن قرأنا : { اهبطوا مصرا } بغير تنوين كان لا محالة علما لبلد ~~معين وليس في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سوى هذه البلدة المعينة فوجب ~~حمل اللفظ عليه ولأن اللفظ إذا دار بين كونه علما وبين كونه صفة فحمله على ~~العلم أولى من حمله على الصفة مثل ظالم وحادث / فإنهما لما جاءا علمين كان ~~حملهما على العلمية أولى . أما إن قرأناه بالتنوين فإما أن نجعله مع ذلك ~~اسم علم ونقول : إنه إنما دخل فيه التنوين لسكون وسطه كما في نوح ولوط ~~فيكون التقرير أيضا ما تقدم بعينه ، وأما إن جعلناه اسم جنس فقوله تعالى : ~~{ اهبطوا مصرا } يقتضي التخيير كما إذ قال : أعتق رقبة فإنه يقتضي التخيير ~~بين جميع رقاب الدنيا . الوجه الثاني : أن الله تعالى ورث بني إسرائيل أرض ~~مصر وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها بيان أنها موروثة لهم ~~، قوله تعالى : { فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم } إلى قوله : ~~{ كذلك وأورثناها بنى إسراءيل } ( الشعراء : 57 59 ) ولما ثبت أنها موروثة ~~لهم وجب أن لا يكونوا ممنوعين من دخولها / لأن الإرث يفيد الملك والملك ~~مطلق للتصرف . فإن قيل : الرجل قد يكون مالكا للدار وإن كان ممنوعا عن ~~دخولها بوجه آخر ، كحال من أوجب على نفسه اعتكاف أيام في المسجد ، فإن داره ~~وإن PageV03P094 كانت مملوكة له ms0850 لكنه يحرم عليه دخولها ، فلم لا يجوز أن ~~يقال : إن الله ورثهم مصر بمعنى الولاية والتصرف فيها ، ثم إنه تعالى حرم ~~عليهم دخولها من حيث أوجب عليهم أن يسكنوا الأرض المقدسة بقوله : { ادخلوا ~~الارض المقدسة } قلنا الأصل أن الملك مطلق للتصرف والمنع من التصرف خلاف ~~الدليل ، أجاب الفريق الأول عن هاتين الحجتين اللتين ذكرهما أبو مسلم ~~فقالوا : أما الوجه الأول فالجواب عنه أنا نتمسك بالقراءة المشهورة وهي ~~التي فيها التنوين . قوله : هذه القراءة تقتضي التخيير ، قلنا : نعم لكنا ~~نخصص العموم في حق هذه البلدة المعينة بما ذكرناه من الدليل . # أما الوجه الثاني : فالجواب عنه أنا لا ننازع في أن الملك مطلق للتصرف ~~ولكن قد يترك هذا الأصل لعارض كالمرهون والمستأجر ، فنحن تركنا هذا الأصل ~~لما قدمناه من الدلالة . # أما قوله تعالى : { وضربت عليهم الذلة } فالمعنى جعلت الذلة محيطة بهم ~~حتى مشتملة عليهم فهم فيها كمن يكون في القبة المضروبة أو ألصقت بهم حتى ~~لزمتهم ضربة لازم كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه والأقرب في الذلة أن ~~يكون المراد منها ما يجري مجرى الاستحقاق كقوله تعالى فيمن يحارب ويفسد : { ~~ذالك لهم خزى فى الدنيا } فأما من يقول المراد به الجزية خاصة على ما قال ~~تعالى : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ( التوبة : 29 ) فقوله بعيد ~~لأن الجزية ما كانت مضروبة عليهم من أول الأمر . # أما قوله تعالى : { والمسكنة } فالمراد به الفقر والفاقة وتشديد المحنة ، ~~فهذا الجنس يجوز أن يكون كالعقوبة ، ومن العلماء من عد هذا من باب المعجزات ~~لأنه عليه السلام أخبر عن ضرب الذلة والمسكنة عليهم ووقع الأمر كذلك فكان ~~هذا إخبارا عن الغيب فيكون معجزا . # أما قوله تعالى : { وباءوا } ففيه وجوه . أحدها : البوء الرجوع ، فقوله : ~~{ * باءو } أي رجعوا وانصرفوا بذلك ولا يقال باء إلا بشر . وثانيها : البوء ~~التسوية . فقوله : { * باءو } أي استوى عليهم غضب الله . قال الزجاج . ~~وثالثها : باؤ أي استحقوا ، ومنه قوله تعالى : { العالمين إنى أريد أن تبوء ~~بإثمى وإثمك } ( المائدة : 29 ) أي تستحق الإثمين جميعا . وأما ms0851 غضب الله ~~فهو إرادة الانتقام . # أما قوله تعالى : { ذالك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } فهو علة لما ~~تقدم ذكره من ضرب الذلة والمسكنة عليهم وإلحاق الغضب بهم . قالت المعتزلة : ~~لو كان الكفر حصل فيهم بخلق الله تعالى كما حصلت الذلة والمسكنة فيهم بخلقه ~~لما كان جعل أحدهما جزاء الثاني أولى من العكس ، وجوابه المعارضة بالعلم ~~والداعي / وأما حقيقة الكفر فقد تقدم القول فيها . # أما قوله تعالى : { ويقتلون النبيين بغير الحق } فالمعنى أنهم يستحقون ما ~~تقدم لأجل هذه الأفعال أيضا وفيه سؤالات . # / السؤال الأول : أن قوله تعالى : { يكفرون } دخل تحته قتل الأنبياء فلم ~~أعاد ذكره مرة أخرى ؟ الجواب : المذكور ههنا الكفر بآيات الله ، وذلك هو ~~الجهل والجحد بآياته فلا يدخل تحته قتل الأنبياء . # السؤال الثاني : لم قال : { بغير الحق } وقتل الأنبياء لا يكون إلا على ~~هذا الوجه ؟ الجواب من وجهين : الأول : أن الإتيان بالباطل قد يكون حقا لأن ~~الآتي به اعتقده حقا لشبهة وقعت في قلبه وقد يأتي به PageV03P095 مع علمه ~~بكونه باطلا ، ولا شك أن الثاني أقبح فقوله : { ويقتلون النبيين بغير الحق ~~} أي أنهم قتلوهم من غير أن كان ذلك القتل حقا في اعتقادهم وخيالهم بل ~~كانوا عالمين بقبحه ومع ذلك فقد فعلوه . وثانيها : أن هذا التكرير لأجل ~~التأكيد كقوله تعالى : { ومن يدع مع الله إلها ءاخر لا برهان له به } ( ~~المؤمنون : 117 ) ويستحيل أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان . وثالثها : أن ~~الله تعالى لو ذمهم على مجرد القتل لقالوا : أليس أن الله يقتلهم ولكنه ~~تعالى قال : القتل الصادر من الله قتل بحق ومن غير الله قتل بغير حق . # وأما قوله تعالى : { ذالك بما عصوا } فهو تأكيد بتكرير الشيء بغير اللفظ ~~الأول وهو بمنزلة أن يقول الرجل لعبده وقد احتمل منه ذنوبا سلفت منه فعاقبه ~~عند آخرها : هذا بما عصيتني وخالفت أمري ، هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي ~~، هذا بكذا فيعد عليه ذنوبه بألفاظ مختلفة تبكيتا . أما قوله تعالى : { ~~وكانوا يعتدون } فالمراد منه الظلم : أي تجاوزوا الحق إلى الباطل . واعلم ms0852 ~~أنه تعالى لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين علة ذلك فبدأ أولا بما فعلوه في ~~حق الله تعالى وهو جهلهم به وجحدهم لنعمه ثم ثناه بما يتلوه في العظم وهو ~~قتل الأنبياء ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي التي تخصهم ثم ربع بما يكون ~~منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء والظلم ، وذلك في نهاية ~~حسن الترتيب . فإن قيل : قال ههنا : { ويقتلون النبيين بغير الحق } ذكر ~~الحق بالألف واللام معرفة ، وقال في آل عمران : { إن الذين يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون النبيين بغير حق } ( آل عمران : 21 ) نكرة ، وكذلك في هذه ~~السورة : { ويقتلون الانبياء بغير حق ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون * ليسوا ~~سواء } ( آل عمران : 112 ، 113 ) فما الفرق ؟ الجواب : الحق المعلوم فيما ~~بين المسلمين الذي يوجب القتل ، قال عليه السلام ، لا يحل دم امرىء مسلم ~~إلا بإحدى معان ثلاث ، ( كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق ) ~~، فالحق المذكور بحرف التعريف إشارة إلى هذا وأما الحق المنكر فالمراد به ~~تأكيد العموم أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة ~~. # ! 7 < { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ءامن بالله ~~واليوم الا خر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~} > 7 ! # < < # | البقرة : ( 62 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > اعلم أن القراءة المشهورة : { هادوا } بضم الدال وعن الضحاك ومجاهد ~~بفتح الدال وإسكان الواو والقراءة المعروفة الصابئين والصابئون بالهمزة ~~فيهما حيث كانا وعن نافع وشيبة والزهري والصابين بياء ساكنة من غير همز ، ~~والصابون بباء مضمومة وحذف الهمزة ، وعن العمري يجعل الهمزة فيهما ، وعن ~~أبي جعفر بياءين خالصتين فهما بدل الهمزة ، فأما ترك الهمزة فيحتمل وجهين . ~~أحدهما : أن يكون من صبا يصبو إذا مال إلى الشيء فأحبه ، والآخر : قلب ~~الهمزة فنقول : الصابيين والصابيون والاختيار الهمز لأنه قراءة الأكثر وإلى ~~معنى التفسير أقرب لأن أهل العلم قالوا : هو الخارج من دين إلى دين ، واعلم ~~أن عادة الله إذا ذكر PageV03P096 وعدا أو وعيدا ms0853 عقبه بما يضاده ليكون ~~الكلام تاما فههنا لما ذكر حكم الكفرة من أهل الكتاب وما حل بهم من العقوبة ~~أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم والثواب الكريم دالا على أنه سبحانه ~~وتعالى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما قال : { ليجزى الذين ~~أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } ( النجم : 31 ) فقال : { إن ~~الذين ءامنوا } واختلف المفسرون في المراد منه ، وسبب هذا الاختلاف قوله ~~تعالى في آخر الآية : { من ءامن بالله واليوم الاخر } فإن ذلك يقتضي أن ~~يكون المراد من الإيمان في قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا } غير المراد ~~منه في قوله تعالى : { من ءامن بالله } ونظيره في الإشكال قوله تعالى : { ~~خبيرا يأيها الذين ءامنوا ءامنوا } ( النساء : 136 ) فلأجل هذا الإشكال ~~ذكروا وجوها ، أحدها : وهو قول ابن عباس . المراد الذين آمنوا قبل مبعث ~~محمد بعيسى عليهما السلام مع البراءة عن أباطيل اليهود والنصارى مثل قس بن ~~ساعدة ، وبحيرى الراهب وحبيب النجار وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل ~~وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري ووفد النجاشي فكأنه تعالى قال : إن الذين ~~آمنوا قبل مبعث محمد والذين كانوا على الدين الباطل الذي لليهود والذين ~~كانوا على الدين الباطل الذي للنصارى كل من آمن منهم بعد مبعث محمد عليه ~~السلام بالله واليوم الآخر وبمحمد فلهم أجرهم عند ربهم ، وثانيها : أنه ~~تعالى ذكر في أول هذه السورة طريقة المنافقين ثم طريقة اليهود ، فالمراد من ~~قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا } هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب وهم ~~المنافقون ، فذكر المنافقين ثم اليهود والنصارى والصابئين فكأنه تعالى قال ~~: هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند ~~الله وهو قول سفيان الثوري ، وثالثها : المراد من قوله : { إن الذين ءامنوا ~~} هم المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام في الحقيقة وهو عائد إلى / الماضي ~~، ثم قوله تعالى : { من ءامن بالله } يقتضي المستقبل فالمراد الذين آمنوا ~~في الماضي وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل وهو قول المتكلمين . # أما قوله تعالى : { والذين هادوا } فقد اختلفوا في اشتقاقه ms0854 على وجوه . ~~أحدها : إنما سموا به حين تابوا من عبادة العجل وقالوا : { إنا هدنا إليك } ~~( الأعراف : 156 ) أي تبنا ورجعنا ، وهو عن ابن عباس . وثانيها : سموا به ~~لأنهم نسبوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب وإنما قالت العرب بالدال للتعريب / ~~فإن العرب إذا نقلوا أسماء من العجمية إلى لغتهم غيروا بعض حروفها . ~~وثالثها : قال أبو عمرو بن العلاء : سموا بذلك لأنهم يتهودون أي يتحركون ~~عند قراءة التوراة ، وأما النصارى ففي اشتقاق هذا الاسم وجوه . أحدها : أن ~~القرية التي كان ينزلها عيسى عليه السلام تسمى ناصرة فنسبوا إليها وهو قول ~~ابن عباس وقتادة وابن جريج ، وثانيها : لتناصر هم فيما بينهم أي لنصرة ~~بعضهم بعضا . وثالثها : لأن عيسى عليه السلام قال للحواريين من أنصاري إلى ~~الله ، قال صاحب الكشاف : النصارى جمع نصران يقال رجل نصران ، وامرأة ~~نصرانة والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري لأنهم نصروا المسيح . # أما قوله تعالى : { والصابئين } فهو من صبأ إذا خرج من دينه إلى دين آخر ~~، وكذلك كانت العرب PageV03P097 يسمون النبي عليه السلام صابئا لأنه أظهر ~~دينا بخلاف أديانهم وصبأت النجوم إذا أخرجت من مطلعها . وصبأنا به إذا ~~خرجنا به ، وللمفسرين في تفسير مذهبهم أقوال ، أحدها : قال مجاهد والحسن : ~~هم طائفة من المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ، وثانيها : ~~قال قتاد : هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات . ~~وقال أيضا : الأديان خمسة منها للشيطان أربعة وواحد للرحمن : الصابئون وهم ~~يعبدون الملائكة ، والمجوس وهم يعبدون النار ، والذين أشركوا يعبدون ~~الأوثان ، واليهود والنصارى . وثالثها : وهو الأقرب أنهم قوم يعبدون ~~الكواكب ، ثم لهم قولان . الأول : أن خالق العالم هو الله سبحانه ، إلا أنه ~~سبحانه أمربتعظيم هذه الكواكب واتخاذه قبلة للصلاة والدعاء والتعظيم . ~~والثاني : أن الله سبحانه خلق الأفلاك والكواكب ، ثم إن الكواكب هي المدبرة ~~لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض ، والخالقة لها فيجب على ~~البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم ثم إنها تعبد الله ~~سبحانه ، وهذا المذهب هو القول المنسوب ms0855 إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم ~~عليه السلام رادا عليهم ومبطلا لقولهم ، ثم إنه سبحانه بين في هذه الفرق ~~الأربعة أنهم إذا آمنوا بالله فلهم الثواب في الآخرة ليعرف أن جميع أرباب ~~الضلال إذا رجعوا عن ضلالهم وآمنوا بالدين الحق فإن الله سبحانه وتعالى ~~يقبل إيمانهم وطاعتهم ولا يردهم عن حضرته ألبتة ، واعلم أنه قد دخل في ~~الإيمان بالله الإيمان بما أوجبه ، أعني الإيمان برسله ودخل في الإيمان ~~باليوم الآخر جميع أحكام الآخرة ، فهذان القولان قد جمعا كل ما يتصل ~~بالأديان في حال التكليف وفي حال الآخرة من ثواب وعقاب . # أما قوله تعالى : { عند ربهم } فليس المراد العندية المكانية ، فإن ذلك ~~محال في حق الله تعالى ولا / الحفظ كالودائع بل المراد أن أجرهم متيقن جار ~~مجرى الحاصل عند ربهم . # وأما قوله تعالى : { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فقيل : أراد زوال ~~الخوف والحزن عنهم في الدنيا ومنهم من قال في الآخرة في حال الثواب ، وهذا ~~أصح لأن قوله : { ولا خوف عليهم } عام في النفي ، وكذلك : { ولا هم يحزنون ~~} وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصا في المكلفين لأنهم في كل وقت لا ~~ينفكون من خوف وحزن ، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة ، فكأنه ~~سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر ، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خاليا ~~عن الخوف والحزن ، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائما لأنهم لو جوزوا كونه ~~منقطعا لاعتراهم الحزن العظيم . فإن قال قائل : إن الله تعالى ذكر هذه ~~الآية في سورة المائدة هكذا : { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى من ءامن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم } ( ~~المائدة : 69 ) وفي سورة الحج : { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله ~~على } ( الحج : 17 ) فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع ~~( الصابئين ) في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك ؟ والجواب : لما كان ~~المتكلم أحكم الحاكمين فلا بد ms0856 لهذه التغييرات من حكم وفوائد ، فإن أدركنا ~~تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام ~~الحكيم والله أعلم . # PageV03P098 ! 7 < { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ ~~ءاتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون * ثم توليتم من بعد ذالك فلولا ~~فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 63 - 64 ) وإذ أخذنا ميثاقكم . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم ~~لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم : # أما قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم } ففيه بحثان : # الأول : اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد ~~والطاعة ، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوها ، أحدها : ما أودع الله ~~العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق ~~أنبيائه ورسله ، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق / والعهود لأنها لا ~~تحتمل الخلف والتبديل بوجه ألبتة وهو قول الأصم ، وثانيها : ما روي عن عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح ~~قال لهم : إن فيها كتاب الله فقالوا : لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة ~~فيقول : هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ~~ذلك : خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم : خذوا الكتاب وإلا ~~طرحناه عليكم ، فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق ، وذلك لأن رفع الطور آية ~~باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين ، فلما ~~رأوا ذلك وعرفوا أنه من قبله تعالى علما لموسى عليه السلام علما مضافا إلى ~~سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد ~~والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة ~~فكان هذا عهدا موثقا جعلوه لله على أنفسهم ، وهذا هو اختيار أبي مسلم . ~~وثالثها : أن لله ميثاقين ، فالأول : حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على ~~أنفسهم ، والثاني : أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد ههنا هو هذا ~~العهد ms0857 . هذا قول ابن عباس وهو ضعيف . الثاني : قال القفال رحمه الله : إنما ~~قال : ( ميثاقكم ) ولم يقل مواثيقكم لوجهين ، أحدهما : أراد به الدلالة على ~~أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال : { ثم يخرجكم طفلا } ( غافر : 67 ) أي ~~كل واحد منكم . والثاني : أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ ~~على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون ~~هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد والله أعلم . # وأما قوله تعالى : { ورفعنا * بجانب الطور } فنظيره قوله تعالى : { وإذ ~~نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة } ( الأعراف : 171 ) وفيه أبحاث : # البحث الأول : الواو في قوله تعالى : { ورفعنا } واو عطف على تفسير ابن ~~عباس والمعنى أن أخذ PageV03P099 الميثاق كان متقدما فلما نقضوه بالامتناع ~~عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل ، وأما على تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ~~ولكنها واو الحال كما يقال : فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه قال : وإذ أخذنا ~~ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم . الثاني : قيل : إن الطور كل جبل قال ~~العجاج : # % داني جناحيه من الطور فمر % % تقضي البازي إذا البازي كسر % # أما الخليل فقال في كتابه : إن الطور اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لأن ~~لام التعريف فيه تقتضي حمله على جبل معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم ، ~~والمعهود هو الجبل الذي وقعت المناجاة عليه وقد يجوز أن ينقله الله تعالى ~~إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيدا منهم لأن القادر أن يسكن الجبل في ~~الهواء قادر أيضا على أن يقلعه وينقله إليهم من المكان البعيد / وقال ابن ~~عباس : أمر تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة ~~وكان المعسكر فرسخا في فرسخ فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت ~~الجبل عليكم ، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها وسجدوا للفزع ~~سجودا يلاحظون الجبل ، فلذلك سجدت اليهود على أنصاف وجوههم . / الثالث : من ~~الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد وأما الأرض فقالوا ~~إنما ms0858 وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز فلا جرم وقفت في المركز ، ودليلنا على ~~فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات ووقوف الثقيل في الهواء من ~~الممكنات فوجب أن يكون الله قادرا عليه وتمام تقرير هاتين المقدمتين معلوم ~~في كتب الأصول . الرابع : قال بعضهم : إظلال الجبل غير جائز لأن ذلك لو وقع ~~لكان يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان وهو ينافي التكليف . أجاب القاضي بأنه ~~لا يلجيء لأن أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم ، فإذا استمر في مكانه مدة وقد ~~شاهدوا السموات مرفوعة فوقهم بلا عماد جاز ههنا أن يزول عنهم الخوف فيزول ~~الإلجاء ويبقى التكليف . # أما قوله تعالى : { خذوا ما ءاتيناكم بقوة } أي بجد وعزيمة كاملة وعدول ~~عن التغافل والتكاسل ، قال الجبائي : هذا يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل ~~لأنه لا يجوز أن يقال : خذ هذا بقوة ولا قوة حاصلة كما لا يقال : اكتب ~~بالقلم ولا قلم ، وأجاب أصحابنا بأن المراد : خذوا ما آتيناكم بجد وعزيمة ~~وعندنا العزيمة قد تكون متقدمة على الفعل . # وأما قوله تعالى : { واذكروا ما فيه } أي احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ~~ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه . فإن قيل : هلا حملتموه على نفس الذكر ؟ قلنا : ~~لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله تعالى فكيف يجوز الأمر به . فأما ~~إذا حملناه على المدارسة فلا إشكال . # أما قوله تعالى : { لعلكم تتقون } أي لكي تتقوا ، واحتج الجبائي بذلك على ~~أنه تعالى أراد فعل الطاعة من الكل ، وجوابه ما تقدم . # واعلم أن المفهوم من قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم ~~الطور خذوا ما ءاتيناكم بقوة } أنهم PageV03P100 فعلوا ذلك وإلا لم يكن ذلك ~~أخذا للميثاق ولا صح قوله من بعد : { ثم توليتم } فدل ذلك منهم على القبول ~~والالتزام . # أما قوله تعالى : { ثم توليتم من بعد ذالك } أي ثم أعرضتم عن الميثاق ~~والوفاء به ، قال القفال رحمه الله : قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول ~~التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة ، فحرفوا التوراة وتركوا ~~العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا ms0859 بهم وعصوا أمرهم ولعل فيها ما اختص به ~~بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في ~~التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا ونهارا يخالفون موسى ويعترضون عليه ~~ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتى لقد خسف ببعضهم ~~وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي ~~يقرون بها ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس ~~وكفروا بالمسيح وهموا بقتله . والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن ~~التوراة فالجملة معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير ~~عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه / الصلاة والسلام من الكتاب وجحودهم لحقه ~~وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر والله أعلم . # أما قوله تعالى : { فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين } ~~ففيه بحثان : # الأول : ذكر القفال في تفسيره وجهين . الأول : لولا ما تفضل الله به ~~عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين ~~الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم / فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا ~~الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا . الثاني : أن يكون ~~الخبر قد انتهى عند قوله تعالى : { ثم توليتم من بعد ذالك } ثم قيل : { ~~فلولا فضل الله عليكم ورحمته } رجوعا بالكلام إلى أوله ، أي لولا لطف الله ~~بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم فلطف ~~بكم بذلك حتى تبتم . # البحث الثاني : أن لقائل أن يقول كلمة { لولا } تفيد انتفاء الشيء لثبوت ~~غيره ، فهذا يقتضي أن انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى فحيث ~~حصل الخسران وجب أن لا يحصل هناك لطف الله تعالى . وهذا يقتضي أن الله ~~تعالى لم يفعل بالكافر شيئا من الألطاف الدينية وذلك خلاف قول المعتزلة : ~~أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل في الفضل لكن انتفع بعضهم دون بعض ، ~~فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده ms0860 في العطية فانتفع ~~بعضهم : لولا أن أباك فضلك لكنت فقيرا ، وهذا الجواب ضعيف لأن أهل اللغة ~~نصوا على أن : ( لولا ) تفيد اتنفاء الشيء لثبوت غيره وبعد ثبوت هذه ~~المقدمة فكلام الكعبي ساقط جدا . # ! 7 < { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين * فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين } > 7 ~~@QB@ < # | البقرة : ( 65 - 66 ) ولقد علمتم الذين . . . . . # > > PageV03P101 @102@ # اعلم أنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم ذلك بشرح بعض ما وجه ~~إليهم من التشديدات ، وهذا هو النوع الأول وفيه مسائل : # المسألة الأولى : روي عن ابن عباس أن هؤلاء القوم كانوا في زمان داود ~~عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام وهو مكان من البحر ~~يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها ~~وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة وهي القرية المذكورة في قوله : { وسئلهم ~~عن القرية التى كانت حاضرة البحر إذ يعدون فى السبت } ( الأعراف : 163 ) ~~فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها ~~فيصطادونها يوم الأحد فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ، ثم إنهم أخذوا ~~السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة فلما طال / العهد استسن الأبناء ~~بسنة الآباء واتخذوا الأموال فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا ~~الصيد يوم السبت ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا : نحن في هذا العمل منذ زمان فما ~~زادنا الله به إلا خيرا ، فقيل لهم : لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب ~~والهلاك فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا . # المسألة الثانية : المقصود من ذكر هذه القصة أمران . الأول : إظهار معجزة ~~محمد عليه السلام فإن قوله : { ولقد علمتم } كالخطاب لليهود الذين كانوا في ~~زمان محمد عليه السلام فلما أخبرهم محمد عليه السلام عن هذه الواقعة مع أنه ~~كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه عليه السلام ~~إنما عرفه من الوحي . الثاني : أنه تعالى لما أخبرهم بما ms0861 عامل به أصحاب ~~السبت فكأنه يقول لهم أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم ~~من العذاب فلا تغتروا بالإمهال الممدود لكم ونظيره قوله تعالى : { قليلا ~~يأيها الذين أوتوا الكتاب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس ~~وجوها فنردها على أدبارها } ( النساء : 47 ) . # المسألة الثالثة : الكلام فيه حذف كأنه قال : ولقد علمتم اعتداء من اعتدى ~~منكم في السبت لكي يكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك ، ولفظ الاعتداء يدل ~~على أن الذي فعلوه في السبت كان محرما عليهم وتفصيل ذلك غير مذكور في هذه ~~الآية لكنه مذكور في قوله : { وسئلهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر } ثم ~~يحتمل أن يقال : إنهم إنما تعدوا في ذلك الاصطياد فقط ، وأن يقال : إنما ~~تعدوا لأنهم اصطادوا مع أنهم استحلوا ذلك الاصطياد . # المسألة الرابعة : قال صاحب الكشاف : السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت ~~يوم السبت . فإن قيل : لما كان الله نهاهم عن الإصطيات يوم السبت فما ~~الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام كما قال : { تأتيهم ~~حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذالك نبلوهم } ( الأعراف ~~: 163 ) وهل هذا إلا إثارة الفتنة وإرادة الاضلال . قلنا : أما على مذهب ~~أهل السنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى وأما على مذهب المعتزلة ~~فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب . # أما قوله تعالى : { فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : ( قردة خاسئين ) خبر : أي كونوا ~~جامعين بين القردية والخسوء ، وهو الصغار والطرد . PageV03P102 # المسألة الثانية : قوله تعالى : { كونوا قردة خاسئين } ليس بأمر لأنهم ما ~~كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة بل المراد منه سرعة ~~التكوين كقوله تعالى : { إنما * أمرنا * لشىء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون } ( النحل : 4 ) وكقوله تعالى : { قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ~~) والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء بل لما قال ~~لهم ؛ { كونوا قردة خاسئين } كذلك أي لما أراد / ذلك بهم صاروا ms0862 كما أراد ~~وهو كقوله : { نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا } ( ~~النساء : 47 ) ولا يمتنع أيضا أن يتكلم الله بذلك عند هذا التكوين إلا أن ~~المؤثر في هذا التكوين هو القدرة والإرادة . فإن قيل : لما لم يكن لهذا ~~القول أثر في التكوين فأي فائدة فيه ؟ قلنا : أما عندنا فأحكام الله تعالى ~~وأفعاله لا تتوقف على رعاية المصالح ألبتة ، وأما عند المعتزلة فلعل هذا ~~القول يكون لفظا لبعض الملائكة أو لغيرهم . # المسألة الثالثة : المروي عن مجاهد أنه سبحانه وتعالى مسخ قلوبهم بمعنى ~~الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى : { كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا } ( الجمعة : 5 ) ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ~~ينجح في تعليمه : كن حمارا . واحتج على امتناعه بأمرين . الأول : أن ~~الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة فإذا أبطلها وخلق في تلك ~~الأجسام تركيب القرد وشكله كان ذلك إعداما للإنسان وإيجادا للقرد فيرجع ~~حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت ~~تلك الأجسام إنسانا وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قردا فهذا يكون ~~إعداما وإيجادا لا أنه يكون مسخا . والثاني : إن جوزنا ذلك لما آمنا في كل ~~ما نراه قردا وكلبا أنه كان إنسانا عاقلا ، وذلك يفضي إلى الشك في ~~المشاهدات . وأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل ، وذلك لأن ~~هذا الإنسان قد يصير سمينا بعد أن كان هزيلا ، وبالعكس فالأجزاء متبدلة ~~والإنسان المعين هو الذي كان موجودا والباقي غير الزائل ، فالإنسان أمر ~~وراء هذا الهيكل المحسوس ، وذلك الأمر إما أن يكون جسما ساريا في البدن أو ~~جزءا في بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجودا مجردا على ما يقوله ~~الفلاسفة وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير ~~إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ وبهذا التقدير يجوز في المالك الذي تكون جثته ~~في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول عليه السلام . وعن الثاني أن الأمان ~~يحصل بإجماع الأمة ms0863 ، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن إجراء الآية على ~~ظاهرها ، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد رحمه الله وإن كان ~~ما ذكره غير مستبعد جدا ، لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات ~~وجلاء البينات فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد ، وإذا كان هذا ~~المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور ألبتة . ~~بقي ههنا سؤالان . # السؤال الأول : أنه بعد أن يصير قردا لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم فلا ~~يعلم ما نزل به من العذاب ومجرد القردية غير مؤلم بدليل أن القرود حال ~~سلامتها غير متألمة فمن أين يحصل العذاب بسببه ؟ الجواب : لم لا يجوز أن ~~يقال أن الأمر الذي به يكون الإنسان إنسانا عاقلا فاهما كان باقيا إلا أنه ~~لما تغيرت الخلقة والصورة لا جرم أنها ما كانت تقدر على النطق والأفعال ~~الإنسانية إلا أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصية ~~وكانت في نهاية الخوف / والخجالة / فربما كانت متألمة بسبب تغير تلك ~~الأعضاء ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية بتلك الصورة عدم تألم الإنسان ~~بتلك الصورة الغريبة العرضية . PageV03P103 # السؤال الثاني : أولئك القردة بقوا أو أفناهم الله ، وإن قلنا إنهم بقوا ~~فهذه القردة التي في زماننا هل يجوز أن يقال إنها من نسل أولئك الممسوخين ~~أم لا ؟ الجواب : الكل جائز عقلا إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا ~~إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا . # المسألة الرابعة : قال أهل اللغة : الخاسىء الصاغر المبعد المطرود كالكلب ~~إذا دنا من الناس قيل له اخسأ ، أي تباعد وانطرد صاغرا فليس هذا الموضع من ~~مواضعك ، قال الله تعالى : { ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } ( الملك : ~~4 ) يحتمل صاغرا ذليلا ممنوعا عن معاودة النظر لأنه تعالى قال : { فارجع ~~البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو ~~حسير } ، فكأنه قال : ردد البصر في السماء ترديد من يطلب فطورا فإنك وإن ~~أكثرت من ms0864 ذلك لم تجد فطورا فيرتد إليك طرفك ذليلا كما يرتد الخائب بعد طول ~~سعيه في طلب شيء ولا يظفر به فإنه يرجع خائبا صاغرا مطرودا من حيث كان ~~يقصده من أن يعاوده . # أما قوله : { فجعلناها } فقد اختلفوا في أن هذا الضمير إلى أي شيء يعود ~~على وجوه . أحدها : قال الفراء : ( جعلناها ) يعني المسخة التي مسخوها ، ~~وثانيها : قال الأخفش : أي جعلنا القردة نكالا . وثالثها : جعلنا قرية ~~أصحاب السبت نكالا . رابعها : جعلنا هذه الأمة نكالا لأن قوله تعالى : { ~~ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت } يدل على الأمة والجماعة أو نحوها ~~والأقرب هو الوجهان الأولان لأنه إذا أمكن رد الكناية إلى مذكور متقدم فلا ~~وجه لردها إلى غيره ، فليس في الآية المتقدمة إلا ذكرهم وذكر عقوبتهم ، أما ~~النكال فقال القفال رحمه الله : إنه العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن ~~الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس ومنه النكول عن اليمين ~~وهو الامتناع منها ، ويقال للقيد النكل ، وللجام الثقيل أيضا نكل لما فيهما ~~من المنع والحبس ، ونظيره قوله تعالى : { إن لدينا أنكالا وجحيما } ( ~~المزمل : 12 ) وقال الله تعالى : { والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } ( النساء ~~: 84 ) والمعنى : أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رادعة لغيرهم أي ~~لم نقصد بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره ~~المعاصي وتنقص من ملكه وتؤثر فيه ، وأما نحن فإنما نعاقب لمصالح العباد ~~فعقابنا زجر وموعظة ، قال القاضي : اليسير من الذم لا يوصف بأنه نكال حتى ~~إذ عظم وكثر واشتهر ، يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في السارق ~~المصر القطع جزاء ونكالا وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف فهو ~~بمنزلة الخزي الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم ، فكأنه تعالى لما ~~بين ما أنزله بهؤلاء القوم الذين اعتدوا في السبت واستحلوا من اصطياد ~~الحيتان وغيره ما حرمه عليهم ابتغاء الدنيا ونقضوا ما كان منهم من المواثيق ~~، فبين أنه تعالى أنزل بهم عقوبة لا على وجه المصلحة لأنه ms0865 كان لا يمتنع أن ~~يقلل مقدار مسخهم ويغير صورهم بمنزلة ما ينزل بالمكلف من الأمراض المغيرة ~~للصورة ، ويكون / محنة لا عقوبة فبين تعالى بقوله : { فجعلناها نكالا } أنه ~~تعالى فعلها عقوبة على ما كان منهم . # أما قوله تعالى : { لما بين يديها وما خلفها } ففيه وجوه . أحدها : لما ~~قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسخهم ذكر في كتب الأولين ~~فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغ إليه خبر هذه الواقعة من الآخرين / وثانيها ~~: أريد بما بين يديها ما يحضرها من القرون والأمم ، وثالثها : المراد أنه ~~تعالى جعلها عقوبة لجميع ما PageV03P104 ارتكبوه من هذا الفعل وما بعده وهو ~~قول الحسن . # أما قوله تعالى : { وموعظة للمتقين } ففيه وجهان . أحدهما : أن من عرف ~~الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل ~~بهم ، وإن لم ينزل عاجلا فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم ~~وأدوم . وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله ~~: { هدى للمتقين } لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك ~~صلح أن يخصوا به ، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم . الثاني : أن يكون معنى قوله : ~~{ وموعظة للمتقين } أن يعظ المتقون بعضهم بعضا أي جعلناها نكالا وليعظ به ~~بعض المتقين بعضا فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون ~~بها ، وهذا خاص لهم دون غير المتقين والله أعلم . # ! 7 < { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا ~~هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~هى قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذالك فافعلوا ما ~~تؤمرون * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة ~~صفرآء فاقع لونها تسر الناظرين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن ~~البقر تشابه علينا وإنآ إن شآء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ~~ذلول تثير الا رض ms0866 ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا اأان جئت بالحق ~~فذبحوها وما كادوا يفعلون * وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما ~~كنتم تكتمون * فقلنا اضربوه ببعضها كذالك يحى الله الموتى ويريكم آياته ~~لعلكم تعقلون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 67 - 73 ) وإذ قال موسى . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التشديدات . روي عن ابن عباس وسائر ~~المفسرين أن رجلا من بني PageV03P105 إسرائيل قتل قريبا لكي يرثه ثم رماه ~~في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في تعرف ~~القاتل ، فلما لم يظهر قالوا له : سل لنا ربك حتى يبينه ، فسأله فأوحى الله ~~إليه : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على ~~أنفسهم بالاستفهام حالا بعد حال واستقصوا في طلب الوصف فلما تعينت لم ~~يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها ، ~~فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضوا منها فيضربوا به القتيل ، ~~ففعلوا فصار المقتول حيا وسمي لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه ~~قودا ، ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر الله به ، ثم عندنا ~~وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه ، وعند المعتزلة ~~إنما يحسن لأجل الأعواض . # المسألة الثانية : أنه تعالى أمر بذبح بقرة من بقر الدنيا وهذا هو الواجب ~~المخير فدل ذلك على صحة قولنا بالواجب المخير . # المسألة الثالثة : الاقئلون بالعموم اتفقوا على أن قوله تعالى : { إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } معناه اذبحوا أي بقرة شئتم فهذه الصيغة تفيد ~~هذا العموم ، وقال منكروا العموم : إن هذا لا يدل على العموم واحتجوا عليه ~~بوجوه : الأول : أن المفهوم من قول القائل اذبح بقرة . يمكن تقسيمه إلى ~~قسمين ، فإنه يصح أن يقال : اذبح بقرة معينة من شأنها كيت وكيت ويصح أيضا / ~~أن يقال اذبح بقرة أي بقرة شئت ، فأذن المفهوم من قولك ( اذبح ) معنى مشترك ~~بين هذين القسمين والمشترك بين القسمين لا يستلزم واحدا منهما ، فأذن قوله ~~اذبحوا ms0867 بقرة لا يستلزم معناه معنى قوله : اذبحوا بقرة ، أي بقرة شئتم ، ~~فثبت أنه لا يفيد العموم لأنه لو أفاد العموم لكان قوله : اذبحوا بقرة أي ~~بقرة شئتم تكريرا ولكان قوله : اذبحوا بقرة معينة نقضا ، ولما لم يكن كذلك ~~علمنا فساد هذا القول . الثاني : أن قوله تعالى : { إنها بقرة } كالنقيض ~~لقولنا لا تذبحوا بقرة ، وقولنا لا تذبحوا بقرة يفيد النفي العام فوجب أن ~~يكون قولنا اذبحوا بقرة يرفع عموم النفي ويكفي في ارتفاع عموم النفي خصوص ~~الثبوت على وجه واحد / فأذن قوله : اذبحوا بقرة يفيد الأمر بذبح بقرة واحدة ~~فقط ، أما الإطلاق في ذبح أي بقرة شاءوا فذلك لا حاجة إليه في ارتفاع ذلك ~~النفي فوجب أن لا يكون مستفادا من اللفظ ، الثالث : أن قوله تعالى : { بقرة ~~} لفظة مفردة منكرة والمفرد المنكر إنما يفيد فردا معينا في نفسه غير معين ~~بحسب القول الدال عليه ولا يجوز أن يفيد فردا أي فرد كان بدليل أنه إذا قال ~~: رأيت رجلا فإنه لا يفيد إلا ما ذكرناه فإذا ثبت أنه في الخبر كذلك وجب أن ~~يكون في الأمر كذلك ، واحتج القائلون بالعموم بأنه لو ذبح أي بقرة كانت ~~فإنه يخرج عن العهدة فوجب أن يفيد العموم . والجواب : أن هذا مصادرة على ~~المطلوب الأول ، فإن هذا إنما يثبت لو ثبت أن قوله : اذبح بقرة معناه اذبح ~~أي بقرة شئت ، وهذا هو عين المتنازع فيه . فهذا هو الكلام في هذه المسألة . ~~إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في أن قوله تعالى : { إنها بقرة } هل هو ~~أمر بذبح بقرة معينة مبينة أو هو أمر بذبح بقرة أي بقرة كانت ، فالذين ~~يجوزون تأخير البيان عن وقت الخطاب قالوا : إنه كان أمرا بذبح بقرة معينة ~~ولكنها ما كانت مبينة ، وقال المانعون منه : هو وإن كان أمرا بذبح أي بقرة ~~PageV03P106 كانت إلا أن القوم لما سألوا تغير التكليف عند ذلك ، وذلك لأن ~~التكليف الأول كان كافيا لو أطاعوا وكان التخيير في جنس البقر إذ ذاك هو ~~الصلاح ، فلما عصوا ولم ms0868 يمتثلوا ورجعوا بالمسألة لم يمتنع تغير المصلحة ~~وذلك معلوم في المشاهد ، لأن المدبر لولده قد يأمره بالسهل اختيارا ، فإذا ~~امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب فكذا ههنا . واحتج ~~الفريق الأول بوجوه . الأول : قوله تعالى : { ادع لنا ربك يبين لنا ما هى } ~~و { ما لونها } وقول الله تعالى : { إنه يقول إنها بقرة لا فارض * إنها ~~بقرة صفراء * إنها بقرة لا ذلول تثير الارض } منصرف إلى ما أمروا بذبحه من ~~قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة أي بقرة كانت ، ~~بل كان المأمور به ذبح بقرة معينة . الثاني : أن الصفات المذكورة في الجواب ~~عن السؤال الثاني إما أن يقال : إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أولا ~~أو صفات بقرة وجبت عليهم عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجبا عليهم قبل ذلك ~~، والأول هو المطلوب ، والثاني : يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة ~~آخرا ، وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك ، ولما أجمع المسلمون / ~~على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم . فإن قيل أما ~~الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة فلم لا يجوز أن يقال : إنها كنايات عن ~~القصة والشأن ، وهذه طريقة مشهورة عند العرب ؟ قلنا : هذا باطل لوجوه . ~~أحدها : أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن لبقي ما بعد هذه ~~الكنايات غير مفيد ، لأنه لا فائدة في قوله : { بقرة صفراء } بل لا بد من ~~إضمار شيء آخر وذلك خلاف الأصل ، أما إذا جعلنا الكنايات عائدة إلى المأمور ~~به أولا لم يلزم هذا المحذور . وثانيها : أن الحكم برجوع الكناية إلى القصة ~~والشأن خلاف الأصل ، لأن الكناية يجب عودها إلى شيء جرى ذكره والقصة والشأن ~~لم يجر ذكرهما فلا يجوز عود الكناية إليهما لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة ~~في بعض المواضع فبقي ما عداه على الأصل . وثالثها : أن الضمير في قوله : { ~~ما لونها * وما هى } لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها فوجب أن يكون ~~الضمير في قوله ms0869 : { إنها بقرة صفراء } عائدا إلى تلك البقرة وإلا لم يكن ~~الجواب مطابقا للسؤال . الثالث : أنهم لو كانوا سائلين معاندين لم يكن في ~~مقدار ما أمرهم به موسى ما يزيل الاحتمال لأن مقدار ما ذكره موسى أن تكون ~~بقرة صفراء متوسطة في السن كاملة في القوة / وهذا القدر موضع للاحتمالات ~~الكثيرة ، فلما سكتوا ههنا واكتفوا به علمنا أنهم ما كانوا معاندين . واحتج ~~الفريق الثاني بوجوه . أحدها : أن قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تذبحوا ~~بقرة } معناه يأمركم أن تذبحوا بقرة أي بقرة كانت ، وذلك يقتضي العموم ، ~~وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفا جديدا ، وثانيها : لو كان ~~المراد ذبح بقرة معينة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان بل كانوا ~~يستحقون المدح عليه ، فلما عنفهم الله تعالى في قوله : { فافعلوا ما تؤمرون ~~} ، وفي قوله : { فذبحوها وما كادوا يفعلون } علمنا تقصيرهم في الإتيان بما ~~أمروا به أولا وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولا ذبح بقرة معينة . ~~الثالث : ما روي عن ابن عباس أنه قال : لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت ~~منهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم . PageV03P107 ورابعها : أن ~~الوقت الذي فيه أمروا بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها ، فلو كان ~~المأمور به ذبح بقرة معينة مع أن الله تعالى ما بينها لكان ذلك تأخيرا ~~للبيان عن وقت الحاجة وإنه غير جائز ، والجواب : عن الأول ما بينا في أول ~~المسألة أن قوله : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } لا يدل على أن ~~المأمور به ذبح بقرة ، أي بقرة كانت ، وعن الثاني : أن قوله تعالى : { وما ~~كادوا يفعلون } ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة وأنهم كادوا ~~يفرطون بعد استكمال البيان ، بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على ~~الأخير وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان توقفوا عند ذلك وما كادوا ~~يفعلونه ، وعن الثالث : أن هذه الرواية عن ابن عباس من باب الآحاد وبتقدير ~~الصحة ، فلا تصلح أن تكون معارضة لكتاب الله تعالى ، وعن الرابع : أن ms0870 تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة إنما يلزم أن لو دل الأمر على الفور وذلك عندنا ممنوع ~~. # / واعلم أنا إذا فرعنا على القول بأن المأمور به بقرة أي بقرة كانت ، فلا ~~بد وأن نقول : التكاليف مغايرة فكلفوا في الأول : أي بقرة كانت ، وثانيا : ~~أن تكون لا فارضا ولا بكرا بل عوانا ، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون ~~صفراء ، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون مع ذلك لا ذلولا تثير الأرض ولا ~~تسقي الحرث . ثم اختلف القائلون بهذا المذهب ، منهم من قال في التكليف ~~الواقع أخيرا يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة ~~الأخيرة لا فارض ولا بكر وصفراء فاقع ، ومنهم من يقول : إنما يجب كونها ~~بالصفة الأخيرة فقط ، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفا بعد تكليف وإن ~~كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند تردد الامتثال ، وإذا ~~ثبت أن البيان لا يتأخر فلا بد من كونه تكليفا بعد تكليف ، وذلك يدل على أن ~~الأسهل قدينسخ بالأشق ويدل على جواز النسخ قبل الفعل ولكنه لا يدل على جواز ~~النسخ قبل وقت الفعل ، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام ، وله ~~أيضا تعلق بمسألة أن الزيادة على النسخ هل هو نسخ أم لا ، ويدل على حسن ~~وقوع التكليف ثانيا لمن عصى ولم يفعل ما كلف أولا . # أما قوله تعالى : { قالوا أتتخذنا هزوا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء : { هزوا } بالضم وهزؤا بسكون الزاي نحو كفؤا وكفء ~~وقرأ حفص : ( هزوا ) بالضمتين والواو وكذلك كفوا . # المسألة الثانية : قال القفال قوله تعالى : { قالوا أتتخذنا } استفهام ~~على معنى الانكار والهزء يجوز أن يكون في معنى المهزوء به كما يقال : كان ~~هذا في علم الله أي في معلومه والله رجاؤنا أي مرجونا ونظيره قوله تعالى : ~~{ الرحمين فاتخذتموهم سخريا } ( المؤمنون : 110 ) قال صاحب ( الكشاف ) : ( ~~أتتخذنا هزؤا ) أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوأ بنا والهزء نفسه فرط ~~الاستهزاء . # المسألة الثالثة : القوم إنما قالوا ذلك لأنهم لما طلبوا من ms0871 موسى عليه ~~السلام تعيين القاتل فقال موسى : اذبحوا بقرة لم يعرفوا بين هذا الجواب ~~وذلك السؤال مناسبة ، فظنوا أنه عليه السلام يلاعبهم ، لأنه من المحتمل أن ~~موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ~~ضربوا القتيل ببعضها فيصير حيا فلا جرم ، وقع هذا القول منهم موقع الهزء ، ~~ويحتمل أنه عليه السلام وإن كان قد بين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من ~~أن القتيل كيف يصير حيا بأن يضربوه ببعض أجزاء البقرة فظنوا أن ذلك يجزي ~~مجرى الاستهزاء . PageV03P108 # المسألة الرابعة : قال بعضهم : إن أولئك القوم كفروا بقولهم لموسى عليه ~~السلام : أتتخذنا هزؤا لأنهم إن قالوا ذلك وشكوا في قدرة الله تعالى على ~~إحياء الميت ، فهو كفر وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل ~~هو بأمر الله تعالى ، فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي ، ~~وذلك أيضا كفر . ومن الناس من قال : إنه لا يوجب الكفر وبيانه من وجهين . / ~~الأول : أن الملاعبة على الأنبياء جائزة فلعلهم ظنوا به عليه السلام أنه ~~يلاعبهم ملاعبة حقة ، وذلك لايوجب الكفر . الثاني : أن معنى قوله تعالى : { ~~أتتخذنا } أي ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزىء بنا لا أنهم حققوا على موسى ~~الاستهزاء . # أما قوله تعالى : { هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } ففيه وجوه ~~. أحدها : أن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل ومنصب النبوة لا ~~يحتمل الإقدام على الاستهزاء ، فلم يستعذ موسى عليه السلام من نفس الشيء ~~الذي نسبوه إليه ، لكنه استعاذ من السبب الموجب له كما قد يقول الرجل عند ~~مثل ذلك : أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى ، والحاصل أنه أطلق اسم ~~السبب على المسبب مجازا هذا هو الوجه الأقوى . وثانيها : أعوذ بالله أن ~~أكون من الجاهلين بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد والوعيد ~~العظيم ، فإني متى علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء . وثالثها : قال ~~بعضهم : إن نفس الهزء قد يسمى جهلا وجهالة ، فقد روي عن بعض أهل اللغة ms0872 : إن ~~الجهل ضد الحلم كما قال بعضهم إنه ضد العلم . # واعلم أن هذا القول من موسى عليه السلام يدل على أن الاستهزاء من الكبائر ~~العظام وقد سبق تمام القول فيه في قوله تعالى : { قالوا إنما نحن * ~~مستهزءون * الله يستهزىء بهم } ( البقرة : 14 15 ) . # واعلم أن القوم سألوا موسى عليه السلام عن أمور ثلاثة مما يتعلق بالبقرة ~~: # السؤال الأول : ما حكى الله تعالى عنهم أنهم : { قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما هى } فأجاب موسى عليه السلام بقوله : { إنه يقول إنها بقرة لا فارض ~~ولا بكر عوان بين ذالك فافعلوا ما تؤمرون } واعلم أن في الآية أبحاثا : # الأول : أنا إذا قلنا إن قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ~~يدل على الأمر بذبح بقرة معينة في نفسها غير مبين التعيين حسن موقع سؤالهم ~~، لأن المأمور به لما كان مجملا حسن الاستفسار والاستعلام . أما على قول من ~~يقول : إنه في أصل اللغة للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا ~~الاستفسار ؟ وفيه وجوه . أحدها : أن موسى عليه السلام لما أخبرهم بأنهم إذا ~~ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حيا تعجبوا من أمر تلك البقرة ، ~~وظنوا أن تلك البقرة التي يكون لها مثل هذه الخاصة لا تكون إلا بقرة معينة ~~، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من بين سائر ~~العصي بتلك الخواص / إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك ، لأن هذه الآية ~~العجيبة ما كانت خاصية البقرة ، بل كانت معجزة يظهرها الله تعالى على يد ~~موسى عليه السلام . وثانيها : لعل القوم أرادوا بقرة ، أي بقرة كانت ، إلا ~~أن القاتل خاف من الفضيحة ، فألقى الشبهة في التبيين وقال المأمور به بقرة ~~معينة لا مطلق البقرة ، لما وقعت المنازعة فيه ، رجعوا عند ذلك إلى موسى . ~~وثالثها : أن الخطاب الأول وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط ~~فيه ، فسألوا طلبا لمزيد البيان وإزالة لسائر الاحتمالات ، إلا أن المصلحة ~~تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة . PageV03P109 # / البحث الثاني : أن ms0873 سؤال ( ما هي ) طلب لتعريف الماهية والحقيقة ، لأن ( ~~ما ) سؤال ، و ( هي ) إشارة إلى الحقيقة ، فما هي لا بد وأن يكون طلبا ~~للحقيقة وتعريف الماهية والحقيقة لا يكون إلا بذكر أجزائها ومقدماتها لا ~~بذكر صفاتها الخارجة عن ماهيتها ، ومعلوم أن وصف السن من الأمور الخارجة عن ~~الماهية فوجب أن لا يكون هذا الجواب مطابقا لهذا السؤال : والجواب عنه : أن ~~الأمر وإن كان كما ذكرتم لكن قرينة الحال تدل على أنه ما كان مقصودهم من ~~قولهم : ما البقر طلب ماهيته وشرح حقيقته بل كان مقصودهم طلب الصفات التي ~~بسببها يتميز بعض البقر عن بعض ، فلهذا حسن ذكر الصفات الخارجة جوابا عن ~~هذا السؤال . # البحث الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) : الفارض المسنة وسميت فارضا لأنها ~~فرضت سنها ، أي قطعتها وبلغت آخرها ، والبكر : الفتية والعوان النصف ، قال ~~القاضي : أما البكر ، فقيل : إنها الصغيرة وقيل ما لم تلد ، وقيل : إنها ~~التي ولدت مرة واحدة ، قال المفضل بن سلمة ( الضبي ) : إنه ذكر في الفارض ~~أنها المسنة وفي البكر أنها الشابة وهي من النساء التي لم توطأ ومن الإبل ~~التي وضعت بطنا واحدا . قال القفال : البكر يدل على الأول ومنه الباكورة ~~لأول الثمر ومنه بكرة النهار ويقال : بكرت عليهما البارحة إذا جاء في أول ~~الليل ، وكأن الأظهر أنها هي التي لم تلد لأن المعروف من اسم البكر من ~~الإناث في بني آدم ما لم ينز عليها الفحل ، وقال بعضهم : العوان التي ولدت ~~بطنا بعد بطن . وحرب عوان : إذا كانت حربا قد قوتل فيها مرة بعد مرة ، ~~وحاجة عوان : إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة . # البحث الرابع : احتج العلماء بقوله تعالى : { عوان بين ذالك } على جواز ~~الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر ~~إلا من طريق الاجتهاد وههنا سؤالان : # الأول : لفظة ( بين ) تقتضي شيئين فصاعدا فمن أين جاز دخوله على ذلك ؟ ~~الجواب : لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر ~~. # السؤال الثاني : كيف جاز أن ms0874 يشار بلفظه : ( ذلك ) إلى مؤنثين مع أنه ~~للإشارة إلى واحد مذكر ؟ الجواب : جاز ذكر ذلك على تأويل ما ذكر أو ما تقدم ~~للاختصار في الكلام . # أما قوله تعالى : { فافعلوا ما تؤمرون } ففيه تأويلان : الأول : فافعلوا ~~ما تؤمرون به من قولك : أمرتك الخير . والثاني : أن يكون المراد فافعلوا ~~أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير . واعلم أن المقصود ~~الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها ، وذلك لأن الصغيرة تكون ~~ناقصة لأنها بعدما وصلت إلى حالة الكمال ، والمسنة كأنها صارت ناقصة ~~وتجاوزت عن حد الكمال ، فأما المتوسطة فهي التي تكوى في حالة الكمال . ثم ~~إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى : { قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما لونها } واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال ~~اللون فأجابهم الله تعالى بأنها : { صفراء فاقع لونها } ، والفقوع / أشدها ~~يكون من الصفرة وأنصعه ، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق ~~وأحمر قان وأخضر ناضر / وههنا سؤالان : # الأول : ( فاقع ) ههنا واقع خبرا عن اللون فكيف يقع تأكيدا لصفراء ؟ ~~الجواب : لم يقع خبرا عن اللون إنما وقع تأكيدا لصفراء إلا أنه ارتفع اللون ~~به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها ، فلم يكن فرق بين قولك : صفراء ~~فاقعة وصفراء فاقع لونها . PageV03P110 # السؤال الثاني : فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون ؟ الجواب : ~~الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة ، فكأنه قيل شديدة ~~الصفرة صفرتها فهو من قولك : جد جده وجنون مجنون . وعن وهب : إذ نظرت إليها ~~خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها . # أما قوله تعالى : { تسر الناظرين } فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر ~~من نظر إليها ، قال الحسن : الصفراء ههنا بمعنى السوداء ، لأن العرب تسمي ~~الأسود أصفر ، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان : { كأنه جمالة صفر } ( ~~المرسلات : 33 ) أي سود ، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه ~~الأسود ألبتة ، فلم يكن حقيقة فيه ، وأيضا السواد لا ينعت بالفقوع ، إنما ~~يقال ms0875 : أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم ، وأما السرور فإنه حالة نفسانية ~~تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع ، ثم إنه تعالى ~~حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى : { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن ~~البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ~~والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبدا ) ، ~~واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله ، ~~ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { ولا تقولن لشىء إنى ~~فاعل ذالك غدا * إلا أن يشاء الله } ( الكهف : 23 ) ، وفيه استعانة بالله ~~وتفويض الأمر إليه ، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله ~~تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا ~~محالة ، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة . أما على قول أصحابنا ~~فإنه تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة . # المسألة الثالثة : احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله : ~~{ إن شاء الله } من وجهين : الأول : أن دخول كلمة ( أن ) عليه يقتضي الحدوث ~~. والثاني : وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء ، ~~فلما لم يكن حصول الاهتداء أزليا وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية . ~~ولنرجع إلى التفسير ، فأما قوله تعالى : { يبين لنا ما هى } ففيه السؤال ~~المذكور وهو أن قولنا : ما هو طلب بيان الحقيقة ، والمذكور ههنا في الجواب ~~الصفات العرضية المفارقة فكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال ؟ وقد تقدم ~~جوابه . # / أما قوله تعالى : { إن البقر تشابه علينا } فالمعنى أن البقر الموصوف ~~بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح ، وقرىء تشابه بمعنى تتشابه ~~بطرح التاء وإدغامها في الشين و ( قرىء ) تشابهت ومتشابهة ومتشابه . # أما قوله تعالى : { وإنا إن ms0876 شاء الله لمهتدون } ففيه وجوه ذكرها القفال . ~~أحدها : وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها ~~التي بها تمتاز عما عدها . وثانيها : وإنا إن شاء الله تعريفها إيانا ~~بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها . وثالثها : وإنا إن شاء الله على هدى ~~في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة أي نرجوا أنا لسنا على ضلالة فيما ~~نفعله من هذا البحث . ورابعها : إنا بمشيئة الله نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا ~~هذه البقرة بما به تمتاز هي عما سواها ثم أجاب الله تعالى عن سؤالهم بقوله ~~تعالى : { إنها بقرة لا ذلول تثير الارض } وقوله : { لا ذلول } صفة لبقرة ~~بمعنى بقرة غير ذلول بمعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض PageV03P111 ولا هي ~~من البقر التي يسقى عليها فتسقى الحرث و ( لا ) الأولى للنفي والثانية ~~مزيدة لتوكيد الأولى ، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقى على أن الفعلين صفتان ~~لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية ، وجملة القول أن الذلول بالعمل لا بد ~~من أن تكون ناقصة فبين تعالى أنها لا تثير الأرض ولا تسقى الحرث لأن هذين ~~العملين يظهر بهما النقص . # أما قوله تعالى : { مسلمة } ففيه وجوه . أحدها : من العيوب مطلقا . ~~وثانيها : من آثار العمل المذكور . وثالثها : مسلمة أي وحشية مرسلة عن ~~الحبس . ورابعها : مسلمة من الشية التي هي خلاف لونها أي خلصت صفرتها عن ~~اختلاط سائر الألوان بها ، وهذا الرابع ضعيف وإلا لكان قوله : { وأنزلنا ~~فيها } تكرارا غير مفيد ، بل الأولى حمله على السلامة من العيوب واللفظ ~~يقتضي ذلك لأن ذلك يفيد السلامة الكاملة عن العلل والمعايب ، واحتج العلماء ~~به على جواز استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون الباطن بخلافه لأن قوله : { ~~مسلمة } إذا فسرناها بأنها مسلمة من العيوب فذلك لا نعلمه من طريق الحقيقة ~~إنما نعلمه من طريق الظاهر : # أما قوله تعالى : { وأنزلنا فيها } فالمراد أن صفرتها خالصة غير ممتزجة ~~بسائر الألوان لأن البقرة الصفراء قد توصف بذلك إذا حصلت الصفرة في أكثرها ~~فأراد تعالى أن يبين عموم ذلك بقوله : { وأنزلنا فيها ms0877 } روي أنها كانت ~~صفراء الأظلاف صفراء القرون ، والوشي خلط لون بلون . ثم أخبر الله تعالى ~~عنهم بأنهم وقفوا عند هذا البيان واقتصروا عليه فقالوا : { قال إنه يقول } ~~أي الآن بانت هذه البقرة عن غيرها لأنها بقرة عوان صفراء غير مذللة بالعمل ~~، قال القاضي : قوله تعالى : { قال إنه يقول } كفر من قبلهم لا محالة لأنه ~~يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقه ، وهذا ضعيف ~~لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتى تميزت من غيرها ~~فلا يكون كفرا . # / أما قوله تعالى : { فذبحوها وما كادوا يفعلون } فالمعنى فذبحوا البقرة ~~وما كادوا يذبحونها ، وههنا بحث : وهو أن النحويين ذكروا ( لكاد ) تفسيرين ~~. الأول : قالوا : إن نفيه إثبات وإثباته نفي . فقولنا : كاد يفعل كذا ~~معناه قرب من أن يفعل لكنه ما فعله وقولنا : ما كاد يفعل كذا معناه قرب من ~~أن يفعل لكنه فعله . والثاني : وهو اختيار الشيخ عبد القاهر ( الجرجاني ) ~~النحوي أن كاد معناه المقاربة فقولنا كاد يفعل معناه قرب من الفعل وقولنا ~~ما كاد يفعل معناه ما قرب منه وللأولين أن يحتجوا على فساد هذا الثاني بهذه ~~الآية لأن قوله تعالى : { وما كادوا يفعلون } معناه وما قاربوا الفعل ونفي ~~المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل ، فلو كان كاد للمقاربة لزم وقوع ~~التناقض في هذه الآية . وههنا أبحاث : # البحث الأول : روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها ~~الغيضة وقال : اللهم إني استودعتكها لابني حتى تكبر وكان برا بوالديه فشبت ~~وكانت من أحسن البقر واسمنها فتساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ~~ذهبا وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير ، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة ~~أربعين سنة . PageV03P112 # البحث الثاني : روي عن الحسن أن البقرة تذبح ولا تنحر وعن عطاء أنها تنحر ~~، قال : فتلوت الآية عليه فقال : الذبح والنحر سواء ، وحكي عن قتادة ~~والزهري إن شئت نحرت وإن شئت ذبحت وظاهر الآية يدل على أنهم أمروا بالذبح ~~وأنهم فعلوا ما يسمى ذبحا والنحر وإن ms0878 أجزأ عن الذبح فصورته مخالفة لصورة ~~الذبح / فالظاهر يقتضي ما قلناه حتى لو نحروا ولا دليل يدل على قيامه مقام ~~الذبح لكان لا يجزي . # البحث الثالث : اختلفوا في السبب الذي لأجله ما كادوا يذبحون ، فعن بعضهم ~~لأجل غلاء ثمنها وعن آخرين أنهم خافوا الشهرة والفضيخة ، وعلى كلا الوجهين ~~، فالاحجام عن المأمور به غير جائز ، أما الأول : فلأنهم لما أمروا بذبح ~~البقرة المعينة ، وذلك الفعل ما كان يتم إلا بالثمن الكثيرو جب عليهم أداؤه ~~لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إلا أن يدل الدليل على خلافه ، وإنما ~~لا يلزم المصلي أن يتطهر بالماء إذا لم يجده إلا بغلاء من حيث الشرع ، ~~ولولاه للزم ذلك إذا وجب التطهر مطلقا . وأما الثاني : وهو خوف الفضيحة ~~فذاك لا يرفع التكليف ، فإن القود إذا كان واجبا عليه لزمه تسليم النفس من ~~ولي الدم إذا طالب وربما لزمه التعريف ليزول الشر والفتنة وربما لزمه ذلك ~~لتزول التهمة في القتل عن القوم الذين طرح القتيل بالقرب منهم ، لأنه الذي ~~عرضهم للتهمة فيلزمه إزالتها فكيف يجوز جعله سببا للتثاقل في هذا الفعل . # / البحث الرابع : احتج القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية ، وذلك لأنه ~~لم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد الأمر ، ثم إنه تعالى ذم التثاقل فيه ~~والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه ، وذلك يدل على أن الأمر للوجوب . قال القاضي ~~: إذا كان الغرض من المأمور إزالة شر وفتنة دل ذلك على وجوبه وإنما أمر ~~تعالى بذبحها لكي يظهر القاتل فتزول الفتنة والشر المخوف فيهم ، والتحرز عن ~~هذا الجنس الضار واجب ، فلما كان العلاج إزالته بهذا الفعل صار واجبا وأيضا ~~فغير ممتنع أن في تلك الشريعة أن التعبد بالقربان لا يكون إلا سبيل الوجوب ~~، فلما تقدم علمهم بذلك كفاهم مجرد الأمر . وأقول : حاصل هذين السؤالين ~~يرجع إلى حرف واحد وهو أنا وإنا كنا لا نقول إن الأمر يقتضي الوجوب فلا ~~نقول : إنه ينافي الوجوب أيضا فلعله فهم الوجوب ههنا بسبب آخر سوى الأمر ، ~~وذلك السبب المنفصل إما ms0879 قرينة حالية وهي العلم بأن دفع المضار واجب ، أو ~~مقالية وهي ما تقدم بيانه من أن القربان لا يكون مشروعا إلا على وجه الوجوب ~~. والجواب : أن المذكور مجرد قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ~~} فلما ذكر الذم والتوبيخ على ترك الذبح المأمور به علمنا إن منشأ ذلك هو ~~مجرد ورود الأمر به لما ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر ~~بكون الوصف علة لذلك الحكم . # البحث الخامس : احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية ، قالوا : ~~لأنه ورد التعنيف على ترك المأمور به عند ورود الأمر المجرد فدل على أنه ~~للفور . # أما قوله تعالى : { وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها } فاعلم أن وقوع ذلك ~~القتل لا بد وأن يكون متقدما لأمره تعالى بالذبح . أما الإخبار عن وقوع ذلك ~~القتل وعن أنه لا بد وأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون ~~متقدما على الإخبار عن قصة البقرة ، فقول من يقول : هذه القصة يجب أن تكون ~~متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون ~~متقدمة على الأول في الوجود ، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة ~~يتقدم ذكر السبب على ذكر الحكم وأخرى على العكس من ذلك ، فكأنه لما وقعت ~~PageV03P113 لهم تلك الواقعة أمرهم تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال : ~~وإذ قتلتم نفسا من قبل واختلفتم وتنازعتم فإني مظهر لكم القاتل الذي ~~سترتموه بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة ، وذلك مستقيم . فإن قيل ~~: هب أنه لا خلل في هذا النظم ، ولكن النظم الآخر كان مستحسنا فما الفائدة ~~في ترجيح هذا النظم ؟ قلنا : إنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر ~~القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولو كانت قصة واحدة لذهب ~~الغرض من بينية التفريع . # أما قوله تعالى : { فادرأتم فيها } ففيه وجوه . أحدها : اختلفتم واختصمتم ~~في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أي يدافعه ويزاحمه . وثانيها : ( ~~أدارأتم ) أي يغي كل واحد منكم القتل عن ms0880 نفسه ويضيفه إلى غيره . وثالثها : ~~دفع بعضكم بعضا عن البراءة والتهمة ، وجملة القول / فيه أن الدرء هو الدفع ~~. فالمتخاصمون إذا تخاصموا فقد دفع كل واحد منهم عن نفسه تلك التهمة ، ودفع ~~كل واحد منهم حجة صاحبه عن تلك الفعلة ، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه في ~~إسناد تلك التهمة إلى غيره وحجة صاحبه في براءته عنه ، قال القفال : ~~والكناية في ( فيها ) للنفس ، أي فاختلفتم في النفس ويحتمل في القتلة لأن ~~قوله : { قتلتم } يدل على المصدر . # أما قوله تعالى : { والله مخرج ما كنتم تكتمون } أي مظهر لا محالة ما ~~كتمتم من أمر القتل . فإن قيل : كيف اعمل ( مخرج ) وهو في معنى المضي ؟ ~~قلنا : قد حكى ما كان مستقبلا في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله : { ~~باسط ذراعيه } ( الكهف : 18 ) وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف ~~عليه وهما ( ادارأتم ، فقلنا ) ثم فيه مسائل : # المسألة الأولى : قالت المعتزلة قوله : { والله مخرج ما كنتم تكتمون } أي ~~لا بد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لا بد وأن يفعل ذلك ، لأن الاختلاف ~~والتنازع في باب القتل يكون سببا للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل ~~هذا قال : لا بد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد ، فدل ذلك على أنه ~~سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه . # المسألة الثانية : الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا ~~لما قدر على إظهار ما كتموه . # المسألة الثالثة : تدل الآية على أن ما يسره العبد من خير أو شر ودام ذلك ~~منه فإن الله سيظهره . قال عليه الصلاة والسلام : ( إن عبدا لو أطاع الله ~~من وراء سبعين حجابا لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس ) وكذلك المعصية . ~~وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام : ( قل لبني إسرائيل يخفون ~~إلى أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم ) . # المسألة الرابعة : دلت الآية على أنه يجوز ورود العام لإرادة الخاص لأن ~~قوله : { ما كنتم تكتمون } يتناول كل المكتومات ثم إن الله تعالى أراد هذه ~~الواقعة . # أما قوله تعالى ms0881 : { فقلنا اضربوه ببعضها } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المروي عن ابن عباس أن صاحب بقرة بني إسرائيل طلبها ~~أربعين سنة حتى وجدها ، ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن ~~لأن الفاء في قوله تعالى : { فقلنا اضربوه ببعضها } للتعقيب ، وذلك يدل على ~~أن قوله : { اضربوه ببعضها } حصل عقيب قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة } . PageV03P114 # المسألة الثانية : الهاء في قوله تعالى : { اضربوه } ضمير وهو إما أن ~~يرجع إلى النفس وحينئذ يكون التذكير على تأويل الشخص والإنسان وإما إلى ~~القتيل وهو الذي دل عليه قوله : { ما كنتم تكتمون } . # المسألة الثالثة : يجوز أن يكون الله تعالى إنما أمر بذبح البقرة ، لأنه ~~تعلق بذبحها مصلحة / لا تحصل إلا بذبحها ويجوز أن يكون الحال فيها وفي ~~غيرها على السوية والأقرب هو الأول ، لأنه لو قام غيرها مقامها لما وجبت ~~على التعيين ، بل على التخير بينها وبين غيرها وههنا سؤالان : # السؤال الأول : ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى ~~قادر على أن يحييه ابتداء ؟ الجواب : الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن ~~الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه ~~بضرب من السحر والحيلة ، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة ~~انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به / إذا ~~كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم ، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون ~~من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضا فتقديم القربان مما يعظم أمر ~~القربان . # السؤال الثاني : هلا أمر بذبح غير البقرة ، وأجابوا بأن الكلام في غيرها ~~لو أمروا به كالكلام فيه ، ثم ذكروا فيها فوائد ، منها التقرب بالقربان ~~الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ~~ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها ~~، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ms0882 ضربوا القتيل به ما هو ؟ ~~والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض ~~البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به ، فإنهم كانوا ممتثلين ~~لمقتضى قوله : { اضربوه ببعضها } والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن ~~العهدة على ما ثبت في أصول الفقه ، وذلك يقتضي التخيير . واختلفوا في البعض ~~الذي ضرب به القتيل فقيل : لسانها وقيل : فخذها اليمنى وقيل : ذنبها وقيل : ~~العظم الذي يلى الغضروف وهو أصل الآذان ، وقيل : البضعة بين الكتفين ، ولا ~~شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه . # المسألة الخامسة : في الكلام محذوف والتقدير ، فقلنا اضربوه ببعضها ~~فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى : { كذالك يحى الله ~~الموتى } وعليه هو كقوله تعالى : { اضرب بعصاك الحجر فانفجرت } ( البقرة : ~~60 ) أي فضرب فانفجرت ، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دما ~~، وقال قتلني فلان ، وفلان لابني عمه ثم سقط ميتا : وقتلا . # أما قوله تعالى : { كذالك يحى الله الموتى } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في هذه الآية وجهان : أحدهما : أن يكون إشارة إلى نفس ~~ذلك الميت . والثاني : أنه احتجاج في صحة الإعادة ، ثم هذا الاحتجاج أهو ~~على المشركين أو على غيرهم ؟ فيه وجهان . الأول : قال الأصم : إنه على ~~المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه ~~علموا صحة الإعادة ، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى ~~التفكر . قال القاضي : وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر ~~PageV03P115 بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك / الميت ، ثم قال : { كذالك يحى ~~الله الموتى } فجمع { الموتى } ولو كان المراد ذلك القتيل لما جمع في القول ~~فكأنه قال : دل بذلك على أن الإعادة كالابتداء في قدرته . الثاني : قال ~~القفال : ظاهر الكلام يدل على أن الله تعالى قال لبني إسرائيل : إحياء الله ~~تعالى لسائر الموتى يكون مثل هذا الإحياء الذي شاهدتم ، لأنهم وإن كانوا ~~مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا ms0883 من طريق الاستدلال ولم يشاهدوا شيئا ~~منه ، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم وانتفت عنهم الشبهة التي لا يخلو منها ~~المستدل ، وقد قال إبراهيم عليه السلام : { رب أرنى كيف تحى الموتى } إلى ~~قوله : { ليطمئن قلبى } ( البقرة : 26 ) فأحيا الله تعالى لبني إسرائيل ~~القتيل عيانا ، ثم قال لهم : { كذالك يحى الله الموتى } أي كالذي أحياه في ~~الدنيا يحيي في الآخرة من غير احتياج في ذلك الإيجاد إلى مادة ومدة ومثال ~~وآلة . # المسألة الثانية : من الناس من استدل بقوله تعالى : { كذالك يحى الله ~~الموتى } على أن المقتول ميت وهو ضعيف لأنه تعالى قاس على إحياء ذلك القتيل ~~إحياء الموتى ، فلا يلزم من هذا كون القتيل ميتا . # أما قوله تعالى : { ويريكم ءاياته } فلقائل أن يقول : إن ذلك كان آية ~~واحدة فلم سميت بالآيات ؟ والجواب : أنها تدل على وجود الصانع القادر على ~~كل المقدورات . العالم بكل المعلومات ، المختار في الإيجاد والإبداع ، وعلى ~~صدق موسى عليه السلام ، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلا . وعلى تعين تلك ~~التهمة على من باشر ذلك القتل ، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لما دلت ~~على هذه المدلولات الكثيرة لا جرم جرت مجرى الآيات الكثيرة . # أما قوله تعالى : { لعلكم تعقلون } ففيه بحثان : # الأول : أن كلمة ( لعل ) قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى : { لعلكم تتقون ~~} . # الثاني : أن القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم وإذا كان العقل ~~حاصلا امتنع أن يقال : إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلا ، فإذن ~~لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها بل لا بد من التأويل وهو أن يكون المراد ~~لعلكم تعملون على قضية عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على ~~إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص ، حتى لا ينكروا البعث ، هذا آخر الكلام ~~في تفسير الآية . واعلم أن كثيرا من المتقدمين ذكر أن من جملة أحكام هذه ~~الآية أن القاتل هل يرث أم لا ؟ قالوا : لا . لأنه روي عن عبيدة السلماني ~~أن الرجل الذي كان قاتلا في هذه الواقعة حرم من الميراث ms0884 لأجل كونه قاتلا . ~~قال القاضي : لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية لأنه ليس في ~~الظاهر أن القاتل هل كان وارثا لقتيله أم لا ؟ وبتقدير أن يكون وارثا له ~~فهل حرم الميراث أم لا ؟ وليس يجب إذا روي عن أبي عبيدة أن القاتل حرم ~~لمكان قتله الميراث أن يعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدل عليه ~~لا مجملا ولا مفصلا ، وإذا كان لم يثبت أن شرعهم كشرعنا وأنه لا يلزم ~~الاقتداء بهم ، فإدخال هذا الكلام في أحكام القرآن تعسف . # / واعلم أن الذي قاله القاضي حق ، ومع ذلك فلنذكر هذه المسألة فنقول : ~~اختلف المجتهدون في أن القاتل هل يرث أم لا ، فعند الشافعي رضي الله عنه لا ~~يرث سواء كان القتل غير مستحق عمدا كان أو خطأ أو كان مستحقا كالعادل إذا ~~قتل الباغي ، وعند أبي حنيفة رحمه الله ، لا يرث في العمد والخطأ إلا أن ~~العادل إذا PageV03P116 قتل الباغي فإنه يرثه ، وكذا القاتل إذا كان صبيا ~~أو مجنونا يرثه لا من ديته ولا من سائر أمواله ، وهو قول علي وعمر وابن ~~عباس وسعيد بن المسيب ، وقال عثمان البتي : قاتل الخطأ يرث وقاتل العمد لا ~~يرث ، وقال مالك : لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله وهو قول الحسن ~~ومجاهد والزهري والأوزاعي . واحتج الشافعي رضي الله عنه بعموم الخبر ~~المشهور المستفيض أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس للقاتل من الميراث ~~شيء ) إلا أن الاستدلال بهذا الخبر إنما يصح لو جوزنا تخصيص عموم الكتاب ~~بخبر الواحد ، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه ، ثم ههنا دقيقة وهي أن ~~تطرق التخصيص إلى العام يفيد نوع ضعف فلو خصصنا هذا الخبر ببعض الصور ~~فحينئذ يتوالى عليه أسباب الضعف ، فإن كونه خبر واحد يوجب الضعف وكونه على ~~مصادمة الكتاب سبب آخر وكونه مخصوصا سبب آخر ، فلو خصصنا عموم الكتاب به ~~لكنا قد رجحنا الضعيف جدا على القوي جدا . أما إذا لم يخصص هذا الخبر ألبتة ~~اندفع عنه بعض أسباب الضعف ms0885 فحينئذ لا يبعد تخصيص عموم الكتاب به . واحتج ~~أبو بكر الرازي على أن العادل إذا قتل الباغي فإنه لا يصير محروما عن ~~الميراث بأنا لا نعلم خلافا أن من وجب له القود على إنسان فقتله قودا أنه ~~لا يحرم من الميراث ، واعلم أن الشافعية يمنعون هذه الصورة والله أعلم . # ! 7 < { ثم قست قلوبكم من بعد ذالك فهى كالحجارة أو أشد قسوة وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن منها ~~لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 74 ) ثم قست قلوبكم . . . . . # > > اعلم أن قوله تعالى : { ثم قست قلوبكم من بعد ذالك } فيه مسائل : # المسألة الأولى : الشيء الذي من شأنه بأصل ذاته أن يقبل الأثر عن شيء آخر ~~ثم إنه عرض لذلك القابل ما لأجله صار بحيث لا يقبل الأثر فيقال لذلك القابل ~~: إنه صار صلبا غليظا قاسيا ، فالجسم من حيث إنه جسم يقبل الأثر عن الغير ~~إلا أن صفة الحجرية لما عرضت للجسم صار / جسم الحجر غير قابل وكذلك القلب ~~من شأنه أن يتأثر عن مطالعة الدلائل والآيات والعبر وتأثره عبارة عن ترك ~~التمرد والعتو والاستكبار وإظهار الطاعة والخضوع لله والخوف من الله تعالى ~~، فإذا عرض للقلب عارض أخرجه عن هذه الصفة صار في عدم التأثر شبيها بالحجر ~~فيقال : قسا القلب وغلظ ، ولذلك كان الله تعالى وصف المؤمنين بالرقة فقال : ~~{ كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } ( الزمر : 23 ) . # المسألة الثانية : قال القفال : يجوز أن يكون المخاطبون بقوله : { قلوبكم ~~} أهل الكتاب الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، أي اشتدت ~~قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم PageV03P117 والأمور ~~التي جرت عليهم والعقاب الذي نزل بمن أصر على المعصية منهم والآيات التي ~~جاءهم بها أنبياؤهم والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم وعلى كل من دان ~~بالتوراة ممن سواهم ، فاخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم ~~بآيات الله التي تلين عندها القلوب ms0886 ، وهذا أولى لأن قوله تعالى : { ثم قست ~~قلوبكم } خطاب مشافهة ، فحمله على الحاضرين أولى ، ويحتمل أيضا أن يكون ~~المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصا ، ويجوز أن ~~يريد من قبلهم من سلفهم . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { من بعد ذالك } يحتمل أن يكون المراد من ~~بعد ما أظهره الله تعالى من إحياء ذلك القتيل عند ضربه ببعض البقرة ~~المذبوحة حتى عين القاتل ، فإنه روي أن ذلك القتيل لما عين القاتل نسبه ~~القاتل إلى الكذب وما ترك الإنكار ، بل طلب الفتنة وساعده عليه جمع ، فعنده ~~قال تعالى واصفا لهم : إنهم بعد ظهور مثل هذه الآية قست قلوبهم ، أي صارت ~~قلوبهم بعد ظهور مثل هذه الآية في القسوة كالحجارة ويحتمل أن يكون قوله : { ~~من بعد ذالك } إشارة إلى جميع ما عدد الله سبحانه من النعم العظيمة والآيات ~~الباهرة التي أظهرها على يد موسى عليه السلام ، فإن أولئك اليهود بعد أن ~~كثرت مشاهدتهم لها ما خلوا من العناد والاعتراض على موسى عليه السلام وذلك ~~بين في أخبارهم في التيه لمن نظر فيها . # أما قوله تعالى : { أو أشد قسوة } فيه مسائل . # المسألة الأولى : كلمة ( أو ) للترديد وهي لا تليق بعلام الغيوب ، فلا بد ~~من التأويل وهو وجوه . أحدها : أنها بمعنى الواو كقوله تعالى : { إلى مائة ~~ألف أو يزيدون } ( الصافات : 147 ) بمعنى ويزيدون ، وكقوله تعالى : { ولا ~~يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } ( النور : 31 ) والمعنى وآبائهن وكقوله : { ~~ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج } ( النور : 61 ) يعني وبيوت آبائكم . ~~ومن نظائره قوله تعالى : { لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) ، فالملقيات ~~ذكرا عذرا أو نذرا } ( المرسلات : 5 ، 6 ) . وثانيها : أنه تعالى أراد أن ~~يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء لغيره : أكلت خبزا أو تمرا وهو ~~لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه لصاحبه . وثالثها : أن يكون ~~المراد فهي كالحجارة ، ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة ، ورابعها : أن ~~الآدميين إذا / اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا : إنها كالحجارة أو هي ms0887 أشد ~~قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله : { * } ( المرسلات : 5 ، 6 ) . ~~وثانيها : أنه تعالى أراد أن يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء ~~لغيره : أكلت خبزا أو تمرا وهو لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه ~~لصاحبه . وثالثها : أن يكون المراد فهي كالحجارة ، ومنها ما هو أشد قسوة من ~~الحجارة ، ورابعها : أن الآدميين إذا / اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا : ~~إنها كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله : { فكان قاب ~~قوسين أو أدنى } ( النجم : 9 ) أي في نظركم واعتقادكم . وخامسها : أن كلمة ~~( أو ) بمعنى بل وأنشدوا : # % فوالله ما أدري أسلمى تغولت % % أم القوم أو كل إلي حبيب % # قالوا : أراد بل كل . وسادسها : أنه على حد قولك ما آكل إلا حلوا أو ~~حامضا أي طعامي لا يخرج عن هذين ، بل يتردد عليهما ، وبالجملة : فليس الغرض ~~إيقاع التردد بينهما ، بل نفي غيرهما . وسابعها : أن ( أو ) حرف إباحة كأنه ~~قيل بأي هذين شبهت قلوبهم كان صدقا كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين أي ~~أيهما جالست كنت مصيبا ولو جالستهما معا كنت مصيبا أيضا . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : ( أشد ) معطوف على الكاف ، إما ~~على معنى أو مثل : ( أشد قسوة ) فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وإما ~~على أو هي أنفسها أشد قسوة . PageV03P118 # المسألة الثالثة : إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه . أحدها : أن الحجارة ~~لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها كما قال : { لو أنزلنا هاذا ~~القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } ( الحشر : 21 ) . ~~وثانيها : أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى وإن ~~كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره ، وهؤلاء مع ~~ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم ~~يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى : { وما من ~~دابة فى الارض ولا طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) إلى قوله تعالى : ~~{ والذين كذبوا باياتنا صم وبكم فى ms0888 الظلمات } ( الأنعام : 39 ) كأن المعنى ~~أن الحيوانات من غير بني آدم أمم سخر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد ~~منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم . وثالثها : أو أشد قسوة ، ~~لأن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه ، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال ، ~~أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها ألبتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه . # المسألة الرابعة : قال القاضي : إن كان تعالى هو الخالق فيهم الدوام على ~~ما هم عليه من الكفر ، فكيف يحسن ذمهم بهذه الطريقة ولو أن موسى عليه ~~السلام خاطبهم فقالوا له : إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في ~~قلوبنا القسوة والخالق في الحجارة انفجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا ~~عما نحن عليه من الكفر بخلق الإيمان فينا ، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت ~~حجتهم عليه أوكد من حجته عليهم ، وهذا النمط من الكلام قد تقدم تقريرا ~~وتفريعا مرارا وأطوارا . # المسألة الخامسة : إنما قال : { أشد قسوة } ولم يقل أقسى / لأن ذلك أدل ~~على فرط القسوة ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ، ولكن قصد وصف القسوة ~~بالشدة كأنه قيل : اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة ، وقرىء ( قساوة ) ~~وترك ضمير المفضل عليه لعدم الالباس / كقولك : زيد كريم وعمرو أكرم . ثم ~~إنه سبحانه وتعالى فضل الحجارة على قلوبهم بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ~~ثلاثة أنواع من المنافع ، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع . فأولها ~~: قوله تعالى : { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء : ( وإن ) بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة ~~التي تلزمها اللام الفارقة ، ومنها قوله تعالى : { وإن كل لما جميع لدينا ~~محضرون } ( يس : 32 ) . # المسألة الثانية : التفجر التفتح بالسعة والكثرة ، يقال : انفجرت قرحة ~~فلان ، أي انشقت بالمدة ومنه الفجر والفجور . وقرأ مالك بن دينار ( ينفجر ) ~~بمعنى وإن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه ~~الأنهار . قالت الحكماء : إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع ms0889 في باطن ~~الأرض ، فإن كان ظاهر الأرض رخوا انشقت تلك الأبخرة وانفصلت ، وإن كان ظاهر ~~الأرض صلبا حجريا اجتمعت تلك الأبخرة ، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى ~~تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل ~~تلك المياه أودية وأنهارا . وثانيها : قوله تعالى : { وإن منها لما يشقق ~~فيخرج منه الماء } ، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عينا ~~لا نهرا جاريا ، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل ، وفي ~~ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها ، وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري ~~منه الأنهار ، وقد تقل ، وهؤلاء قلوبهم في نهاية الصلابة لا تندى بقبول شيء ~~من المواعظ ولا تنشرح لذلك ولا تتوجه إلى الاهتداء وقوله تعالى : { يشقق } ~~أي يتشقق ، فأدغم التاء كقوله : { يذكر } أي يتذكر وقوله : { عددا يأيها ~~المزمل } PageV03P119 ( المزمل : 1 ) ، يا أيها المدثر } ( المدثر : 1 ) . ~~وثالثها : قوله تعالى : { * } ( المدثر : 1 ) . وثالثها : قوله تعالى : { ~~وإن منها لما يهبط من خشية الله } . # واعلم أن فيه إشكالا وهو أن الهبوط من خشية الله صفة الأحياء العقلاء ، ~~والحجر جماد فلا يتحقق ذلك فيه ، فلهذا الإشكال ذكروا في هذه الآية وجوها . ~~أحدها : قول أبي مسلم خاصة وهو أن الضمير في قوله تعالى : { وإن منها } ~~راجع إلى القلوب ، فإنه يجوز عليها الخشية والحجارة لا يجوز عليها الخشية : ~~وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة ، أقصى ما في الباب أن الحجارة ~~أقرب المذكورين ، إلا أن هذا الوصف لما كان لائقا بالقلوب دون الحجارة وجب ~~رجوع هذا الضمير إلى القلوب دون الحجارة ، واعترضوا عليه من وجهين . الأول ~~: أن قوله تعالى : { فهى كالحجارة أو أشد قسوة } جملة تامة ، ثم ابتدأ ~~تعالى فذكر حال الحجارة بقوله : { وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار } ~~فيجب في قوله تعالى : { وإن منها لما يهبط من خشية الله } أن يكون راجعا ~~إليها ، الثاني : أن الهبوط يليق بالحجارة لا بالقلوب ، فليس تأويل الهبوط ~~أولى من تأويل الخشية ، وثانيها : قول جمع من المفسرين : إن ms0890 الضمير عائد ~~إلى الحجارة ، لكن لا نسلم أن الحجارة ليست حية عاملة ، بيانه أن المراد من ~~ذلك جبل موسى عليه السلام حين تقطع وتجلى / له ربه ، وذلك لأن الله سبحانه ~~وتعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك ، وهذا غير مستبعد في قدرة الله ، ~~ونظيره قوله تعالى : { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذى أنطق كل شىء } ( فصلت : 21 ) ، فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل ، ~~فكذلك الجبل وصفه بالخشية ، وقال أيضا : { لو أنزلنا هاذا القرءان على جبل ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } ( الحشر : 21 ) ، والتقدير أنه تعالى ~~لو جعل فيه العقل والفهم لصار كذلك ، وروي أنه حن الجزع لصعود رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المنبر ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما ~~أتاه الوحي في أول المبعث وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله سلمت ~~عليه الأحجار والأشجار ، فكلها كانت تقول : السلام عليك يا رسول الله ، ~~قالوا : فغير ممتنع أن يخلق في بعض الأحجار عقل وفهم حتى تحصل الخشية فيه ، ~~وأنكرت المعتزلة هذا التأويل لما أن عندهم البنية واعتدال المزاج شرط قبول ~~الحياة والعقل ، ولا دلالة لهم على اشتراط البنية إلا مجرد الاستبعاد ، ~~فوجب أن لا يلتفت إليهم . وثالثها : قول أكثر المفسرين وهو أن الضمير عائد ~~إلى الحجارة ، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم ، وذكروا على هذا القول أنواعا ~~من التأويل . الأول : أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون ~~فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر ، فكأن الهبوط ~~من العلو جعل مثلا للانقياد ، وقوله : { من خشية الله } ، أي ذلك الهبوط لو ~~وجد من العاقل المختار لكان به خاشيا لله وهو كقوله : { فوجدا فيها جدارا ~~يريد أن ينقض فأقامه } ( الكهف : 77 ) ، أي جدارا قد ظهر فيه الميلان ~~ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حي مختار لكان مريدا للانقضاض ، ونحو هذا ~~قول بعضهم : # % بخيل تضل البلق من حجراته % % ترى الأكم فيه سجدا للحوافر % # وقول جرير : # لما أتى خبر الزبير تضعضعت ms0891 # سور المدينة والجبال الخشع # فجعل الأول ما ظهر في الأكم من أثر الحوافر مع عدم امتناعها من دفع ذلك ~~عن نفسها كالسجود منها للحوافر ، وكذلك الثاني : جعل ما ظهر في أهل المدينة ~~من آثار الجزع كالخشوع . وعلى هذا الوجه تأول أهل PageV03P120 النظر قوله ~~تعالى : { تسبح له السماوات * السبع والارض ومن فيهن وإن من شىء إلا يسبح ~~بحمده } ( الإسرا : 44 ) ، وقوله تعالى : { ولله يسجد ما فى * السماوات وما ~~في الارض } ( النحل : 49 ) الآية ، وقوله تعالى : { والنجم والشجر يسجدان } ~~( الرحمن : 6 ) . الوجه الثاني : في التأويل : أن قوله تعالى : { من خشية ~~الله } أي ومن الحجارة ما ينزل وما ينشق ويتزايل بعضه عن بعض ، عند الزلازل ~~من أجل ما يريد الله بذلك من خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة . ~~وتحقيقه أنه لما كان المقصود الأصلي من إهباط الأحجار في الزلازل الشديدة ~~أن تحصل خشية الله تعالى في قلوب العباد صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في ~~حصول ذلك الهبوط ، فكلمة ( من ) لابتداء الغاية فقوله : { من خشية الله } ، ~~أي بسبب أن تحصل خشية الله في القلوب ، الوجه الثالث : ما ذكره الجبائي وهو ~~أنه فسر الحجارة بالبرد الذي يهبط من السحاب تخويفا من الله تعالى لعباده ~~ليزجرهم به . قال وقوله تعالى : / { من خشية الله } أي خشية الله ، أي ينزل ~~بالتخويف للعباد أو بما يوجب الخشية لله كما يقال : نزل القرآن بتحريم كذا ~~وتحليل كذا أي بإيجاب ذلك على الناس ، قال القاضي : هذا التأويل ترك للظاهر ~~من غير ضرورة لأن البرد لا يوصف بالحجارة ، لأنه وإن اشتد عند النزول فهو ~~ماء في الحقيقة ولأنه لا يليق ذلك بالتسمية . # أما قوله تعالى : { وما الله بغافل عما تعملون } فالمعنى أن الله تعالى ~~بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم محصي لها فهو يجازيهم بها ~~في الدنيا والآخرة وهو كقوله تعالى : { وما كان ربك نسيا } وفي هذا وعيد ~~لهم وتخويف كبير لينزجروا . فإن قيل : هل يصح أن يوصف الله بأنه ليس بغافل ~~؟ قلنا : قال القاضي : لا يصح لأنه يوهم جواز الغفلة ms0892 عليه وليس الأمر كذلك ~~لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها عليه ، بدليل قوله تعالى : { ~~لا تأخذه سنة ولا نوم * وهو يطعم ولا يطعم } والله أعلم . # ! 7 < { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم ~~يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 75 ) أفتطمعون أن يؤمنوا . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما ذكر قبائح أفعال أسلاف اليهود إلى ههنا ، شرح من ~~هنا قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم ، قال ~~القفال رحمه الله : إن فيما ذكره الله تعالى في هذه السورة من أقاصيص بني ~~إسرائيل وجوها من المقصد ، أحدها : الدلالة بها على صحة نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأنه أخبر عنها من غير تعلم ، وذلك لا يمكن أن يكون إلا بالوحي ~~ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب ، أما أهل الكتاب ~~فلأنهم كانوا يعلمون هذه القصص فلما سمعوها من محمد من غير تفاوت أصلا ، ~~علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوحي . وأما العرب فلما يشاهدون من أن ~~أهل الكتاب يصدقون محمدا في هذه الأخبار . وثانيها : تعديد النعم على بني ~~إسرائيل وما PageV03P121 من الله تعالى به على أسلافهم من أنواع الكرامة ~~والفضل كالإنجاء من آل فرعون بعدما كانوا مقهورين مستعبدين ونصره إياهم ~~وجعلهم أنبياء وملوكا وتمكينه لهم في الأرض وفرقه بهم البحر وإهلاكه عدوهم ~~وإنزاله النور والبيان عليهم بواسطة إنزال التوراة والصفح عن الذنوب التي ~~ارتكبوها من عبادة العجل ونقض المواثيق ومسألة النظر إلى الله جهرة ، ثم ما ~~أخرجه لهم في التيه من الماء العذب من الحجر وإنزاله عليهم المن والسلوى ~~ووقايتهم من حر الشمس بتظليل الغمام ، فذكرهم الله هذه النعم القديمة ~~والحديثة ، وثالثها : إخبار النبي عليه السلام / بتقديم كفرهم وخلافهم ~~وشقاقهم وتعنتهم مع الأنبياء ومعاندتهم لهم وبلوغهم في ذلك ما لم يبلغه أحد ~~من الأمم قبلهم ، وذلك لأنهم بعد مشاهدتهم الآيات الباهرة عبدوا العجل بعد ~~مفارقة موسى عليه السلام إياهم بالمدة اليسيرة ، فدل على بلادتهم ms0893 ، ثم لما ~~أمروا بدخول الباب سجدا وأن يقولوا حطة ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم ويزيد ~~في ثواب محسنهم بدلوا القول وفسقوا ، ثم سألوا الفوم والبصل بدل المن ~~والسلوى ، ثم امتنعوا من قبول التوراة بعد إيمانهم بموسى وضمانهم له ~~بالمواثيق أن يؤمنوا به وينقادوا لما يأتي به حتى رفع فوقهم الجبل ثم ~~استحلوا الصيد في السبت واعتدوا ، ثم لما أمروا بذبح البقرة شافهوا موسى ~~عليه السلام بقولهم : { أتتخذنا هزوا } ( البقرة : 67 ) ، ثم لما شاهدوا ~~إحياء الموتى ازدادوا قسوة ، فكأن الله تعالى يقول : إذا كانت هذه أفعالهم ~~فيما بينهم ومعاملاتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من الرق والآفة ~~بسببه ، فغير بديع ما يعامل به أخلافهم محمدا عليه السلام ، فليهن عليكم ~~أيها النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم وإعراضهم عن الحق . ورابعها : ~~تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من نزول ~~العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة . وخامسها : تحذير ~~مشركي العرب أن ينزل العذاب عليهم كما نزل على أولئك اليهود ، وسادسها : ~~أنه احتجاج على مشركي العرب المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء ، وهو ~~المراد من قوله تعالى : { كذالك يحى الله الموتى } ( البقرة : 73 ) إذا ~~عرفت هذا فنقول : إنه عليه السلام كان شديد الحرص على الدعاء إلى الحق ~~وقبولهم الإيمان منه ، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم ، فقص الله ~~تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة ~~تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة ، ~~فقال تعالى : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : في قوله تعالى : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } وجهان : ~~الأول : وهو قول ابن عباس أنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لأنه ~~هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم ، لكنا حملناه على ~~الخصوص لهذه القرينة ، روي أنه عليه السلام حين دخل المدينة ودعا اليهود ~~إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية . الثاني : وهو قول الحسن ~~أنه خطاب ms0894 مع الرسول والمؤمنين . قال القاضي : وهذا أليق بالظاهر لأنه عليه ~~السلام وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ~~ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها ، فصح أن يقول تعالى : { أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم } ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحا ~~فلا وجه لترك الظاهر . # المسألة الثانية : المراد بقوله : { أن يؤمنوا لكم } هم اليهود الذين ~~كانوا في زمن الرسول عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا ~~وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع . PageV03P122 # / المسألة الثالثة : ذكروا في سبب الاستبعاد وجوها . أحدها : أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام ، وكان هو السبب في أن الله ~~خلصهم من الذل وفضلهم على الكل ، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده ~~وظهور أنواع العذاب على المتمردين . الثاني : أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا ~~التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك ، بل غيره وبدله . الثالث : ~~أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من ~~أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه . # المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : القوم مكلفون بأن يؤمنوا بالله . فما ~~الفائدة في قوله : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } ؟ الجواب : أنه يكون إقرارا ~~لهم بما دعوا إليه ولو كان الإيمان لله كما قال تعالى : { فئامن له لوط } ~~لما أقر بنبوته وبتصديقه ، ويجوز أن يراد بذلك أن يؤمنوا لأجلكم ولأجل ~~تشددكم في دعائهم إليه فيكون هذا معنى الإضافة . # أما قوله تعالى : { وقد كان فريق منهم } فقد اختلفوا في ذلك الفريق ، ~~منهم من قال : المراد بالفريق من كان في أيام موسى عليه السلام لأنه تعالى ~~وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام الله . والذين سمعوا كلام الله هم أهل ~~الميقات ، ومنهم من قال : بل المراد بالفريق من كان في زمن محمد عليه ~~الصلاة والسلام ، وهذا أقرب لأن الضمير في قوله تعالى : { وقد كان فريق ~~منهم } راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله ms0895 : { أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم } وقد بينا أن الذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن ~~محمد عليه الصلاة والسلام . فإن قيل : الذين سمعوا كلام الله هم الذين ~~حضروا الميقات ، قلنا : لا نسلم بل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال : إنه ~~سمع كلام الله كما يقال لأحدنا سمع كلام الله إذا قرىء عليه القرآن . # أما قوله تعالى : { ثم يحرفونه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال القفال : التحريف التغيير والتبديل وأصله من ~~الانحراف عن الشيء والتحريف عنه ، قال تعالى : { إلا متحرفا لقتال أو ~~متحيزا إلى فئة } ( الأنفال : 16 ) والتحريف هو إمالة الشيء عن حقه ، يقال ~~: قلم محرف إذا كان رأسه قط مائلا غير مستقيم . # المسألة الثانية ؛ قال القاضي : إن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في ~~المعنى ، وحمل التحريف على تغيير اللفظ أولى من حمله على تغيير المعنى ، ~~لأن كلام الله تعالى إذا كان باقيا على جهته وغيروا تأويله فإنما يكونون ~~مغيرين لمعناه لا لنفس الكلام المسموع / فإن أمكن أن يحمل على ذلك كما روي ~~عن ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقصوا فهو أولى ، وإن لم يمكن ذلك فيجب أن ~~يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتا ، وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر ~~كلام الله ظهورا متواترا كظهور القرآن ، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع ~~تحريف نفس كلامه ، لكن ذلك ينظر فيه ، فإن كان تغييرهم له يؤثر في قيام ~~الحجة به فلا بد من أن يمنع الله تعالى منه وإن لم يؤثر في ذلك صح / وقوعه ~~فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه ، فأما تحريف ~~المعنى فقد يصح على وجه ما ، لم يعلم قصد الرسول باضطرار فإنه متى علم ذلك ~~امتنع منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول ~~متأول تحريم لحم الخنزير والميتة والدم على غيرها . PageV03P123 # المسألة الثالثة : اعلم أنا إن قلنا بأن المحرفين هم الذين كانوا في زمن ~~موسى عليه السلام ، فالأقرب أنهم حرفوا ما لا يتصل بأمر ms0896 محمد صلى الله عليه ~~وسلم . روي أن قوما من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى ~~بالطور وما أمر به موسى وما نهى عنه ، ثم قالوا : سمعنا الله يقول في آخره ~~: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس ~~، وأما إن قلنا : المحرفون هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام ~~فالأقرب أن المراد تحريف أمر محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك إما أنهم ~~حرفوا نعت الرسول وصفته أو لأنهم حرفوا الشرائع كما حرفوا آية الرجم وظاهر ~~القرآن لا يدل على أنهم أي شيء حرفوا . # المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف ~~حصول اليأس من إيمان الباقين ، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين ؟ ~~أجاب القفال عنه فقال : يحتمل أن يكون المعنى كيف يؤمن هؤلاء وهم إنما ~~يأخذون دينهم ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عنادا ، فأولئك إنما ~~يعلمونهم ما حرفوه وغيروه عن وجهه والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك ولا يلتفتون ~~إلى قول أهل الحق وهو كقولك للرجل : كيف تفلح وأستاذك فلانا أي وأنت عنه ~~تأخذ ولا تأخذ عن غيره . # المسألة الخامسة : اختلفوا في قوله : { أفتطمعون } فقال قائلون : آيسهم ~~الله تعالى من إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم . وقال آخرون : لم ~~يؤيسهم من ذلك إلا من جهة الاستبعاد له منهم مع ما هم عليه من التحريف ~~والتبديل والعناد ، قالوا : وهو كما لا نطمع لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا ~~بلادنا . ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك . ولقائل أن يقول : ~~إن قوله تعالى : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } استهفام على سبيل الإنكار ، ~~فكان ذلك جزما بأنهم لا يؤمنون ألبتة فإيمان من أخبر الله عنه أنه لا يؤمن ~~ممتنع ، فحينئذ تعود الوجوه المقررة للخبر على ما تقدم . # أما قوله تعالى : { من بعد ما عقلوه } ، فالمراد أنهم علموا بصحته وفساد ~~ما خلقوه فكانوا معاندين مقدمين على ذلك بالعمد ، فلأجل ذلك يجب أن يحمل ~~الكلام على أنهم العلماء منهم وأنهم فعلوا ms0897 ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه ~~الله تعالى من بعد في قوله تعالى : { واشتروا به ثمنا قليلا } ( آل عمران : ~~187 ) وقال تعالى : { يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } ( البقرة : 146 ) ( ~~الأنعام : 20 ) ويجب أن يكون في عددهم قلة لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم ~~كتمان ما يعتقدون لأنا إن جوزنا ذلك لم يعلم المحق من المبطل وإن كثر العدد ~~. # أما قوله تعالى : { وهم يعلمون } فلقائل أن يقول : قوله تعالى : { عقلوه ~~وهم يعلمون } تكرار / لا فائدة فيه : أجاب القفال عنه من وجهين ، الأول : ~~من بعد ما عقلوه مراد الله فأولوه تأويلا فاسدا يعلمون أنه غير مراد الله ~~تعالى . الثاني : أنهم عقلوا مراد الله تعالى ، وعلموا أن التأويل الفاسد ~~يكسبهم الوزر والعقوبة من الله تعالى ، ومتى تعمدوا التحريف مع العلم بما ~~فيه من الوزر كانت قسوتهم أشد وجراءتهم أعظم ، ولما كان المقصود من ذلك ~~تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتصبيره على عنادهم فكلما كان عنادهم ~~أعظم كان ذلك في التسلية أقوى ، وفي الآية مسألتان : # المسألة الأولى : قال القاضي قوله تعالى : { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } ~~على ما تقدم تفسيره ، يدل على أن إيمانهم من قبلهم لأنه لو كان بخلق الله ~~تعالى فيهم لكان لا يتغير حال الطمع فيهم بصفة الفريق PageV03P124 الذي ~~تقدم ذكرهم ، ولما صح كون ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ~~لأن على هذا القول أمرهم في الإيمان موقوف على خلقه تعالى ذلك ، وزواله ~~موقوف على أن لا يخلقه فيهم ومن وجه آخر وهو أعظامه تعالى لذنبهم في ~~التحريف من حيث فعلوه وهم يعلمون صحته ، ولو كان ذلك من خلقه لكان بأن ~~يعلموا أو لا يعلموا لا يتغير ذلك وإضافته تعالى التحريف إليهم على وجه ~~الذم تدل على ذلك ، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مرارا وأطوارا فلا فائدة ~~في الإعادة . # المسألة الثانية : قال أبو بكر الرازي : تدل الآية على أن العالم المعاند ~~فيه أبعد من الرشد وأقرب إلى اليأس من الجاهل ، لأن قوله تعالى : { ~~أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } يفيد زوال ms0898 الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق بعد ~~العلم به . # ! 7 < { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض ~~قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * ~~أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 76 - 77 ) وإذا لقوا الذين . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن ~~محمد صلى الله عليه وسلم والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقي أهل ~~الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لهم : آمنا ~~بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في ~~كتابنا ، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم : أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به ، فإن المخالف إذا اعترف ~~بصحة التوراة واعترف / بشهادة التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فلا حجة أقوى من ذلك ، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضا من الاعتراف بذلك عند ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال القفال : قوله : { فتح الله عليكم } ~~مأخوذ من قولهم قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه . # أما قوله : { عند ربكم } ففيه وجوه . أحدها : أنهم جعلوا محاجتهم به ~~وقوله هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله ، ألا تراك تقول هو في كتاب الله ~~هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد . وثانيها : قال الحسن : أي ليحاجوكم في ~~ربكم لأن المحاجة فيما ألزم الله تعالى من اتباع الرسل تصح أن توصف بأنها ~~محاجة فيه لأنها محاجة في دينه . وثالثها : قال الأصم : المراد يحاجوكم يوم ~~القيامة وعند التساؤل فيكون ذلك زائدا في توبيخكم وظهور فضيحتكم على رؤوس ~~الخلائق في الموقف لأنه ليس من اعتراف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار ~~فكان القوم يعتقدون أن ظهور ذلك مما يزيد في انكشاف فضيحتهم في الآخرة . ~~ورابعها : قال PageV03P125 القاضي أبو بكر : إن المحتج بالشيء قد يحتج ~~ويكون ms0899 غرضه من إظهار تلك الحجة حصول السرور بسبب غلبة الخصم وقد يكون غرضه ~~منه الديانة والنصيحة ، فقط ليقطع عذر خصمه ويقرر حجة الله عليه فقال القوم ~~عند الخلوة قد حدثتموهم بما فتح الله عليكم من حجتهم في التوراة فصاروا ~~يتمكنون من الاحتجاج به على وجه الديانة والنصيحة ، لأن من يذكر الحجة على ~~هذا الوجه قد يقول لصاحبه قد أوجبت عليك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني ~~وبين ربي فإن قبلت أحسنت إلى نفسك وإن جحدت كنت الخاسر الخائب . وخامسها : ~~قال القفال : يقال : فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي ، وهذا عند ~~الشافعي حلال وعند أبي حنيفة حرام ، أي في حكمهما وقوله : { ليحاجوكم به ~~عند ربكم } أي لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله . وتأول بعض ~~العلماء قوله تعالى : { فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ~~} ( النور : 13 ) أي في حكم الله وقضائه لأن القاذف إذا لم يأت بالشهود ~~لزمه حكم الكاذبين وإن كان في نفسه صادقا . # أما قوله : { أفلا تعقلون } ففيه وجوه . أحدها : أنه يرجع إلى المؤمنين ~~فكأنه تعالى قال : أفلا تعقلون لما ذكرته لكم من صفتهم أن الأمر لا مطمع ~~لكم في إيمانهم . وهو قول الحسن . وثانيها : أنه راجع إليهم فكأن عند ما ~~خلا بعضهم ببعض قالوا لهم أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم وتصيرون محجوجين ~~به ، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه . وهذا الوجه أظهر لأنه من ~~تمام الحكاية عنهم فلا وجه لصرفه عنهم إلى غيرهم . # أما قوله تعالى : { أو لا * يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } ~~ففيه قولان ، الأول : وهو قول الأكثرين إن اليهود كانوا يعرفون الله ~~ويعرفون أنه تعالى يعلم السر والعلانية فخوفهم الله به . الثاني : أنهم ما ~~علموا بذلك فرغبهم بهذا القول في أن يتفكروا فيعرفوا أن لهم ربا يعلم سرهم ~~وعلانيتهم وأنهم لا يأمنون حلول العقاب بسبب نفاقهم ، وعلى القولين جميعا ، ~~فهذا الكلام زجر / لهم عن النفاق ، وعن وصية بعضهم بعضا بكتمان دلائل نبوة ~~محمد . والأقرب أن اليهود ms0900 المخاطبين بذلك كانوا عالمين بذلك ، لأنه لا يكاد ~~يقال على طريق الزجر : أولا يعلم كيت وكيت إلا وهو عالم بذلك الشيء ، ويكون ~~ذلك الشيء زاجرا له عن ذلك الفعل ، وقال بعضهم : هؤلاء اليهود كيف يستجيزون ~~أن يسر إلى إخوانهم النهي عن إظهار دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهم ~~ليسوا كالمنافين الذين لا يعلمون الله ولا يعلمون كونه عالما بالسر ~~والعلانية ، فشأنهم من هذه الجهة أعجب . قال القاضي : الآية تدل على أمور . ~~أحدها : أنه تعالى إن كان هو الخالق لأفعال العباد فكيف يصح أن يزجرهم عن ~~تلك الأقوال والأفعال . وثانيها : أنها تدل على صحة الحجاج والنظر وأن ذلك ~~كان طريقة الصحابة والمؤمنين وأن ذلك كان ظاهرا عند اليهود حتى قال بعضهم ~~لبعض ما قالوه ، وثالثها : أنها تدل على أن الحجة قد تكون إلزامية لأنهم ~~لما اعترفوا بصحة التوراة وباشتمالها على ما يدل على نبوة محمد عليه الصلاة ~~والسلام لا جرم لزمهم الاعتراف بالنبوة ولو منعوا إحدى تينك المقدمتين لما ~~تمت الدلالة . ورابعها : أنها تدل على أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها ~~معصية يكون أعظم جرما ووزرا والله أعلم . PageV03P126 @127@ # ! 7 < { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى وإن هم إلا يظنون * فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هاذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 78 - 79 ) ومنهم أميون لا . . . . . # > > # اعلم أن المراد بقوله : { ومنهم أميون } اليهود لأنه تعالى لما وصفهم ~~بالعناد وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم ، فالفرقة الأولى هي الفرقة ~~الضالة المضلة ، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه . والفرقة الثانية : ~~المنافقون ، والفرقة الثالثة : الذين يجادلون المنافقين ، والفرقة الرابعة ~~: هم المذكورون في هذه الآية وهم العامة الأميون الذين لا معرفة عندهم ~~بقراءة ولا كتابة وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم ، فبين الله تعالى أن ~~الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع واحدا بل لكل قسم منهم ~~سبب آخر ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في ms0901 هذه الآية من شرح فرق اليهود وجد ~~ذلك بعينه في فرق هذه الأمة ، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير ~~وفيهم من يكون متوسطا ، وفيهم من يكون عاميا محضا مقلدا ، وههنا مسائل : # / المسألة الأولى : اختلفوا في الأمي فقال بعضهم هو من لا يقر بكتاب ولا ~~برسول . وقال آخرون : من لا يحسن الكتابة والقراءة وهذا الثاني أصوب لأن ~~الآية في اليهود وكانوا مقرين بالكتاب والرسول ولأنه عليه الصلاة والسلام ~~قال : ( نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) وذلك يدل على هذا القول ، ولأن ~~قوله : { لا يعلمون الكتاب } لا يليق إلا بذلك . # المسألة الثانية : ( الأماني ) جمع أمنية ولها معان مشتركة في أصل واحد ، ~~أحدها : ما تخيله الإنسان فيقدر في نفسه وقوعه ويحدثها بكونه ، ومن هذا ~~قولهم : فلان يعد فلانا ويمنيه ومنه قوله تعالى : { يعدهم ويمنيهم وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا } ( النساء : 12 ) فإن فسرنا الأماني بهذا كان ~~قوله : ( إلا أماني إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله تعالى لا يؤاخذهم ~~بخطاياهم ) وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار ~~لا تمسهم إلا أياما معدودة . وثانيها : { إلا أمانى } إلا أكاذيب مختلفة ~~سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد ، قال أعرابي لابن دأب في شيء حدث ~~به : أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته . وثالثها : { إلا أمانى } أي ~~إلا ما يقرأون من قوله : تمنى كتاب الله أول ليلة . قال صاحب ( الكشاف ) ~~والاشتقاق منى من ، إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه ، ~~وكذلك المختلق والقارىء يقدر أن كلمة كذا بعد كذا ، قال أبو مسلم : حمله ~~على تمنى القلب أولى بدليل قوله تعالى : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى تلك أمانيهم } ( البقرة : 111 ) أي تمنيهم . وقال الله تعالى ~~: { ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به } ( النساء : ~~123 ) وقال : { تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم } ( البقرة : 111 ) ~~PageV03P127 وقال تعالى : { وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنا إلا الدهر ms0902 وما لهم بذلك من علم إن هم } ( الجاثية : 24 ) بمعنى ~~يقدرون ويخرصون . وقال الأكثرون : حمله على القراءة أولى كقوله تعالى : { ~~إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته } ( الحج : 52 ) ولأن حمله على القراءة ~~أليق بطريقة الاستثناء لأنا إذا حملناه على ذلك كان له به تعلق فكأنه قال : ~~لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه وبقدر ما يذكر لهم ~~فيقبلونه ، ثم إنهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل ، وإذا حمل على أن المراد ~~الأحاديث والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادرا ~~. # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { إلا أمانى } من الاستثناء المنقطع ، ~~قال النابغة : # % حلفت يمينا غير ذي مثنوية % % ولا علم إلا حسن ظن بغائب % # وقرىء ( إلا أماني ) بالتخفيف . أما قوله تعالى : { وإن هم إلا يظنون } ~~فكالمحقق لما قلناه لأن الأماني إن أريد بها التقدير والفكر لأمور لا حقيقة ~~لها ، فهي ظن ويكون ذلك تكرارا . ولقائل أن يقول : حديث النفس غير والظن ~~غير فلا يلزم التكرار وإذا حملناه على التلاوة عليهم يحسن معناه ، فكأنه ~~تعالى قال : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا بأن يتلى عليهم فيسمعوه وإلا ~~بأن يذكرهم تأويله كما يراد فيظنون ، وبين تعالى أن هذه الطريقة لا توصل ~~إلى الحق ، وفي الآية مسائل . أحدها : أن المعارف كسبية لا ضرورية فلذلك ذم ~~من لا يعلم ويظن . وثانيها : بطلان التقليد مطلقا وهو مشكل لأن / التقليد ~~في الفروع جائز عندنا . وثالثها : أن المضل وإن كان مذموما فالمغتر بإضلال ~~المضل أيضا مذموم لأنه تعالى ذمهم وإن كانوا بهذه الصفة ، ورابعها : أن ~~الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز والله أعلم . أما قوله تعالى : { ~~فويل } فقالوا : الويل كلمة يقولها كل مكروب ، وقال ابن عباس : إنه العذاب ~~الأليم . وعن سفيان الثوري : إنه مسيل صديد أهل جهنم ، وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( إنه واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن ~~يبلغ قعره ) . قال القاضي : ( ويل ) يتضمن نهاية الوعيد والتهديد فهذا ~~القدر لا شبهة فيه سواء كان الويل عبارة عن واد ms0903 في جهنم أو عن العذاب ~~العظيم . # أما قوله تعالى : { يكتبون الكتاب بأيديهم } ففيه وجهان . الأول : أن ~~الرجل قد يقول كتبت إذا أمر بذلك ففائدة قوله : { بأيديهم } أنه لم يقع ~~منهم إلا على هذا الوجه . الثاني : أنه تأكيد وهذا الموضع مما يحسن فيه ~~التأكيد كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه : يا هذا كتبته بيمينك . أما قوله ~~تعالى : { ثم يقولون هاذا من عند الله } فالمراد أن من يكتب هذه الكتابة ~~ويكسب هذا الكسب في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين وأضلوا وباعوا آخرتهم ~~بدنياهم ، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم ، فإن المعلوم أن الكذب على الغير بما ~~يضر يعظم إثمه فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب الإضلال ويضم إليهما ~~حب الدنيا والاحتيال في تحصيلها ويضم إليها أنه مهد طريقا في الإضلال باقيا ~~على وجه الدهر ، فلذلك عظم تعالى ما فعلوه . فإن قيل : إنه تعالى حكى عنهم ~~أمرين . أحدهما : كتبة الكتاب والآخر : إسناده إلى الله تعالى على سبيل ~~الكذب ، فهذا الوعيد مرتب على الكتبة أو على إسناد المكتوب إلى الله أو ~~عليهما معا ؟ قلنا : لا شك أن كتبة الأشياء الباطلة لقصد الإضلال من ~~المنكرات والكذب على الله تعالى أيضا كذلك والجمع بينهما منكر عظيم جدا . ~~أما قوله تعالى : { ليشتروا به ثمنا قليلا } فهو تنبيه على أمرين . الأول : ~~أنه تنبيه على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في ~~الآخرة لأجل الأجر PageV03P128 العظيم في الدنيا ، فكيف يليق به أن يرضى ~~بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا ، الثاني : أنه يدل ~~على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانة بل إنما فعلوه طلبا للمال والجاه / ~~وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم ، لأن ~~الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبة ورضا ، ومع ذلك فقد نبه تعالى على ~~تحريمه . # أما قوله تعالى : { فويل لهم مما كتبت أيديهم } فالمراد أن كتبتهم لما ~~كتبوه ذنب عظيم بانفراده ، وكذلك أخذهم المال عليه ، فلذلك أعاد ذكر الويل ms0904 ~~في الكسب ، ولو لم يعد ذكره كان يجوز أن يقال : إن مجموعهما يقتضي الوعيد ~~العظيم دون كل واحد منهما ، فأزال الله تعالى هذه الشبهة واختلفوا في قوله ~~تعالى : { مما يكسبون } هل المراد ما كانوا يأخذون على هذه الكتابة ~~والتحريف فقط أو المراد بذلك سائر معاصيهم والأقرب في نظام الكلام أنه راجع ~~إلى المذكور من المال المأخوذ على هذا الوجه وإن كان الأقرب من حيث العموم ~~أنه يشمل الكل ، لكن الذي يرجح الأول أنه متى لم يقيد كسبهم بهذا القيد لم ~~يحسن الوعيد عليه لأن الكسب يدخل فيه الحلال والحرام ، فلا بد من تقييده ~~وأولى ما يقيد / به ما تقدم ذكره . قال القاضي : دلت الآية على أن كتابتهم ~~ليست خلقا لله تعالى ، لأنها لو كانت خلقا لله تعالى لكانت إضافتها إليه ~~تعالى بقولهم : { هو من عند الله } ذلك حقيقة لأنه تعالى إذا خلقها فيهم ~~فهب أن العبد مكتسب إلا أن انتساب الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى ~~المكتسب فكان اسناد تلك الكتبة إلى الله تعالى أولى من إسنادها إلى العبد ، ~~فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها . إنها من عند الله ولما لم يكن ~~كذلك علمنا أن تلك الكتبة ليست مخلوقة لله تعالى . والجواب : أن الداعية ~~الموجبة لها من خلق الله تعالى بالدلائل المذكورة فهي أيضا تكون كذلك والله ~~أعلم . # ! 7 < { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا ~~فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 80 ) وقالوا لن تمسنا . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أقوالهم وأفعالهم وهو جزمهم ~~بأن الله تعالى لا يعذبهم إلا أياما قليلة ، وهذا الجزم لا سبيل إليه ~~بالعقل ألبتة أما على قولنا ، فلأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا ~~اعتراض لأحد عليه في فعله ، فلا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي ، ~~وأما على قول المعتزلة فلأن العقل يدل عندهم على أن المعاصي يستحق بها من ~~الله العقاب الدائم ms0905 ، فلما دل العقل على ذلك احتج في تقدير العقاب مدة ثم ~~في زواله بعدها إلى سمع يبين ذلك ، فثبت أن على المذهبين لا سبيل إلى معرفة ~~ذلك إلا بالدليل السمعي ، وحيث توجد الدلالة السمعية لم يجز الجزم بذلك ، ~~وههنا مسألتان : # المسألة الأولى : ذكروا في تفسير الأيام المعدودة وجهين . الأول : أن لفظ ~~الأيام لا تضاف إلا إلى العشرة PageV03P129 فما دونها ، ولا تضاف إلى ما ~~فوقها . فيقال : أيام خمسة وأيام عشرة ولا يقال أيام أحد عشر إلا أن هذا ~~يشكل بقوله تعالى : { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون * أياما معدودات } ( البقرة : 183 ، 184 ) هي أيام الشهر كله ، وهي ~~أزيد من العشرة . ثم قال القاضي : إذا ثبت أن الأيام محمولة على العشرة فما ~~دونها فالأشبه أن يقال : إنه الأقل أو الأكثر لأن من يقول ثلاثة يقول أحمله ~~على أقل الحقيقة فله وجه ، ومن يقول عشرة يقول أحمله على الأكثر وله وجه ، ~~فأما حمله على الواسطة أعني على ما هو أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا ~~وجه له ، لأنه ليس عدد أولى من عدد اللهم إلا إذا جاءت في تقديرها رواية ~~صحيحة فحينئذ يجب القول بها ، وجماعة من المفسرين قدروها بسبعة أيام ، قال ~~مجاهد : إن اليهود كانت تقول : الدنيا سبعة آلاف سنة فالله تعالى يعذبهم ~~مكان كل ألف سنة يوما ، فكانوا يقولون : إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام . ~~وحكى الأصم عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام فكانوا يقولون إن ~~الله تعالى يعذبنا سبعة أيام وهذان الوجهان ضعيفان . أما الأول : فلأنه / ~~ليس بين كون الدنيا سبعة آلاف سنة وبين كون العذاب سبعة أيام مناسبة ~~وملازمة ألبتة . وأما الثاني : فلأنه لا يلزم من كون المعصية مقدرة بسبعة ~~أيام أن يكون عذابها كذلك . أما على قولنا فلأنه يحسن من الله كل شيء بحكم ~~المالكية ، وأما عند المعتزلة فلأن العاصي يستحق على عصيانه العقاب الدائم ~~ما لم توجد التوبة أو العفو ، فإن قيل : أليس أنه تعالى منع من استيفاء ~~الزيادة ms0906 فقال : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) فوجب أن لا يزيد ~~العقاب على المعصية ؟ قلنا : إن المعصية تزداد بقدر النعمة . فلما كانت نعم ~~الله على العباد خارجة عن الحصر والحد لا جرم كانت معصيتهم عظيمة جدا . # الوجه الثاني : روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الأيام بالأربعين ، وهو عدد ~~الأيام التي عبدوا العجل فيها ، والكلام عليه أيضا كالكلام على السبعة . # الوجه الثالث : قيل في معنى ( معدودة ) قليلة ، كقوله تعالى : { وشروه ~~بثمن بخس دراهم معدودة } ( يوسف : 20 ) والله أعلم . # المسألة الثانية ؛ ذهبت الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة ~~، واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : ( دعي الصلاة أيام إقرائك ) ، ~~فمدة الحيض ما يسمى أياما وأقل عدد يسمى أياما ثلاثة وأكثره عشرة على ما ~~بيناه / فوجب أن يكون أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة ، والإشكال عليه ما تقدم ~~. # المسألة الثالثة : ذكر ههنا : { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ~~} وفي آل عمران : { إلا أياما معدودات } ( آل عمران : 24 ) ولقائل أن يقول ~~: لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد ~~وهو ( أياما ) ؟ والجواب : أن الاسم إن كان مذكرا فالأصل في صفة جمعه التاء ~~. يقال : كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثا كان الأصل في صفة ~~جمعه الألف والتاء ، يقال : جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات . إلا ~~أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادرا نحو ~~حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى : { فى أيام ~~معدودات } و { فى أيام معلومات } فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو ~~الأصل وهو قوله : { أياما معدودة } وفي آل عمران بما هو الفرع . # أما قوله تعالى : { قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده } ففيه ~~مسائل : PageV03P130 # المسألة الأولى : العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد والخبر ، وإنما ~~سمي خبره سبحانه عهدا لأن خبره سبحانه أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم ~~والنذر ، فالعهد من الله لا يكون إلا بهذا الوجه . # المسألة الثانية : قال صاحب ms0907 ( الكشاف ) : ( فلن يخلف الله ) متعلق بمحذوف ~~وتقديره إن اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { اتخذتم } ليس باستفهام ، بل هو إنكار ~~لأنه لا يجوز أن يجعل تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم ، بل ~~المراد التنبيه على طريقة الاستدلال وهي أنه لا سبيل / إلى معرفة هذا ~~التقدير إلا بالسمع ، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز الجزم بهذا ~~التقدير . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { فلن يخلف الله عهده } يدل على أنه ~~سبحانه وتعالى منزه عن الكذب وعده ووعيده . قال أصحابنا : لأن الكذب صفة ~~نقص ، والنقص على الله محال ، وقالت المعتزلة : لأنه سبحانه عالم بقبح ~~القبيح وعالم بكونه غنيا عنه ، والكذب قبيح لأنه كذب والعالم بقبح القبيح ~~وبكونه غنيا عنه يستحيل أن يفعله ، فدل على أن الكذب منه محال ، فلهذا قال ~~: { فلن يخلف الله عهده } ، فإن قيل : العهد هو الوعد وتخصيص الشيء بالذكر ~~يدل على نفي ما عداه ، فلما خص الوعد بأنه لا يخلفه علمنا أن الخلف في ~~الوعيد جائز ، ثم العقل يطابق ذلك ، لأن الخلف في الوعد لؤم وفي الوعيد كرم ~~. قلنا : الدلالة المذكورة قائمة في جميع أنواع الكذب . # المسألة الخامسة : قال الجبائي : دلت الآية على أنه تعالى لم يكن وعد ~~موسى ولا سائر الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من ~~النار بعد التكذيب ، لأنه لو وعدهم بذلك لما جاز أن ينكر على اليهود هذا ~~القول ، وإذا ثبت أنه تعالى ما دلهم على ذلك وثبت أنه تعالى دلهم على وعيد ~~العصاة إذا كان بذلك زجرهم عن الذنوب ، فقد وجب أن يكون عذابهم دائما على ~~ما هو قول الوعيدية ، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة ، ~~لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم ، إذ كان قدر ~~المعصية من الجميع لا يختلف ، واعلم أن هذا الوجه في نهاية التعسف فنقول : ~~لا نسلم أنه تعالى ما وعد موسى أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، قوله ms0908 : لو ~~وعدهم بذلك لما أنكر على اليهود قولهم ، قلنا : لم قلت إنه تعالى لو وعدهم ~~ذلك لما أنكر على اليهود ذلك ، وما الدليل على هذه الملازمة ؟ ثم إنا نبين ~~شرعا أن ذلك غير لازم من وجوه . أحدها : لعل الله تعالى إنما أنكر عليهم ~~لأنهم قللوا أيام العذاب / فإن قولهم : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ~~} ، يدل على أيام قليلة جدا ، فالله تعالى أنكر عليهم جزمهم بهذه القلة لا ~~أنه تعالى أنكر عليهم انقطاع العذاب . وثانيها : أن المرجئة يقطعون في ~~الجملة بالعفو ، فأما في حق الشخص المعين فلا سبيل إلى القطع ، فلما حكموا ~~في حق أنفسهم بالتخفيف على سبيل الجزم لا جرم أنكر الله عليهم ذلك . ~~وثالثها : أنهم كانوا كافرين وعندنا عذاب الكافر دائم لا ينقطع ، سلمنا أنه ~~تعالى ما وعد موسى عليه السلام أنه يخرج أهل الكبائر من النار ، فلم قلت ~~أنه لا يخرجهم من النار ؟ بيانه أنه فرق بين أن يقال إنه تعالى ما وعده ~~إخراجهم من النار وبين أن يقال : إنه أخبره أنه لا يخرجهم من النار والأول ~~لا مضرة فيه ، فإنه تعالى ربما PageV03P131 لم يقل ذلك لموسى إلا أنه ~~سيفعله يوم القيامة ، وإنما رد على اليهود وذلك لأنهم جزموا به من غير دليل ~~، فكان يلزمهم أن يتوقفوا فيه وأن لا يقطعوا لا بالنفي ولا بالإثبات ، ~~سلمنا أنه تعالى لا يخرج عصاة قوم موسى من النار ، فلم قلت : إنه لا يخرج ~~عصاة هذه الأمة من النار ، وأما قول الجبائي : لأن حكمه تعالى في الوعد ~~والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم . فهو تحكم محض ، فإن العقاب حق الله ~~تعالى ، فله أن يتفضل على البعض بالإسقاط وأن لا يتفضل بذلك على الباقين ، ~~فثبت أن هذا الاستدلال / ضعيف . أما قوله تعالى : { أم تقولون على الله ما ~~لا تعلمون } فهو بيان لتمام الحجة المذكورة ، فإنه إذا كان لا طريق إلى ~~التقدير المذكور إلا السمع وثبت أنه لم يوجد السمع ، كان الجزم بذلك ~~التقدير قولا على الله تعالى بما لا يكون معلوما ms0909 لا محالة ، وهذه الآية تدل ~~على فوائد . أحدها : أنه تعالى لما عاب عليهم القول الذي قالوه لا عن دليل ~~علمنا أن القول بغير دليل باطل . وثانيها : أن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا ~~لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي . وثالثها : أن ~~منكري القياس وخبر الواحد يتمسكون بهذه الآية . قالوا : لأن القياس وخبر ~~الواحد لا يفيد العلم ، فوجب أن لا يكون التمسك به جائزا لقوله تعالى : { ~~أم تقولون على الله ما لا تعلمون } ذكر ذلك في معرض الإنكار . والجواب : ~~أنه لما دلت الدلالة على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو ~~إلى خبر الواحد كان وجوب العمل معلوما ، فكان القول به قولا بالمعلوم لا ~~بغير المعلوم . # ! 7 < { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيأته فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 81 ) بلى من كسب . . . . . # > > قال صاحب الكشاف : ( بلى ) إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله تعالى : ~~{ لن تمسنا النار } ، أي بلى تمسكم أبدا بدليل قوله : { هم فيها خالدون } . ~~أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي . قال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها } ( الشورى : 40 ) ، { من يعمل سوءا يجز به } ( النساء : 123 ) ولما ~~كان من الجائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت فحالها سواء في أن فاعلها ~~يخلد في النار لا جرم بين تعالى أن الذي يستحق به الخلود أن يكون سيئة ~~محيطة به ، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة ~~السور بالبلد والكوز بالماء وذلك ههنا ممتنع فنحمله على ما إذا كانت السيئة ~~كبيرة لوجهين . أحدهما : أن المحيط يستر المحاط به والكبيرة لكونها محيطة ~~لثواب الطاعات كالساترة لتلك الطاعات ، فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة ~~، والثاني : أن الكبيرة إذا أحبطت ثواب الطاعات فكأنها استولت على تلك ~~الطاعات وأحاطت بها كما يحيط عسكر العدو بالإنسان ، بحيث لا يتمكن الإنسان ~~من التخلص منه ، فكأنه تعالى قال : بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، فإن ms0910 قيل : هذه الآية وردت في حق ~~اليهود ، قلنا : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، هذا هو الوجه الذي ~~استدلت المعتزلة به في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر . PageV03P132 # واعلم أن هذه المسألة من معظمات المسائل ، ولنذكرها ههنا فنقول : اختلف ~~أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر ، فمن الناس من قطع بوعيدهم وهم فريقان ، ~~منهم من أثبت الوعيد المؤبد وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج . ومنهم من ~~أثبت وعيدا منقطعا وهو قول بشر المريسي / والخالد ، ومن الناس من قطع بأنه ~~لا وعيد لهم وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر ، والقول الثالث ~~: أنا نقطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض المعاصي ولكنا نتوقف في حق كل ~~أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا ، ونقطع بأنه تعالى إذا عذب أحدا ~~منهم مدة فإنه لا يعذبه أبدا ، بل يقطع عذابه ، وهذا قول أكثر الصحابة ~~والتابعين وأهل السنة والجماعة وأكثر الإمامية ، فيشتمل هذا البحث على ~~مسألتين . إحداهما : في القطع بالوعيد ، والأخرى : في أنه لو ثبت الوعيد ~~فهل يكون ذلك على نعت الدوام أم لا ؟ # المسألة الأولى : في الوعيد ولنذكر دلائل المعتزلة أولا . ثم دلائل ~~المرجئة الخالصة ثم دلائل أصحابنا رحمهم الله . أما المعتزلة فإنهم عولوا ~~على العمومات الواردة في هذا الباب وتلك العمومات على جهتين . بعضها وردت ~~بصيغة ( من ) في معرض الشرط وبعضها وردت بصيغة الجمع ، أما النوع الأول ~~فآيات ، إحداها : قوله تعالى في آية المواريث : { تلك حدود الله } ( البقرة ~~: 187 ) إلى قوله : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها } ( النساء : 14 ) ، وقد علمنا أن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج ~~والجهاد وارتكب شرب الخمر والزنا وقتل النفس المحرمة فهو متعد لحدود الله ، ~~فيجب أن يكون من أهل العقاب ، وذلك لأن كلمة ( من ) في معرض الشرط تفيد ~~العموم على ما ثبت في أصول الفقه ، فمتى حمل الخصم هذه الآية على الكافر ~~دون المؤمن كان ذلك على خلاف الدليل ثم الذي يبطل قوله وجهان . أحدهما : ~~أنه تعالى بين حدوده في المواريث ثم ms0911 وعد من يطيعه في تلك الحدود وتوعد من ~~يعصيه فيها ، ومن تمسك بالإيمان والتصديق به تعالى فهو أقرب إليها إلى ~~الطاعة فيها ممن يكون منكرا لربوبيته ومكذبا لرسله وشرائعه / فترغيبه في ~~الطاعة فيها أخص ممن هو أقرب إلى الطاعة فيها وهو المؤمن ، ومتى كان المؤمن ~~مرادا بأول الآية فكذلك بآخرها ، الثاني : أنه قال : { تلك حدود الله } ولا ~~شبهة في أن المراد به الحدود المذكورة ، ثم علق بالطاعة فيها الوعد ~~وبالمعصية فيها الوعيد ، فاقتضى سياق الآية أن الوعيد متعلق بالمعصية في ~~هذه الحدود فقط دون أن يضم إلى ذلك تعدي حدود أخر ، ولهذا كان مزجورا بهذا ~~الوعيد في تعدي هذه الحدود فقط ولو لم يكن مرادا بهذا الوعيد لما كان ~~مزجورا به ، وإذا ثبت أن المؤمن مراد بها كالكافر بطل قول من يخصها بالكافر ~~، فإن قيل : إن قوله تعالى : { ويتعد حدوده } ( النساء : 14 ) جمع مضاف ~~والجمع المضاف عندكم يفيد العموم ، كما لو قيل : ضربت عبيدي ، فإنه يكون ~~ذلك شاملا لجميع عبيده ، وإذا ثبت ذلك اختصت هذه الآية بمن تعدى جميع حدود ~~الله وذلك هو الكافر لا محالة دون المؤمن ، قلنا : الأمر وإن كان كما ذكرتم ~~نظرا إلى اللفظ لكنه وجدت قرائن تدل على أنه ليس المراد ههنا تعدي جميع ~~الحدود ، أحدها : أنه تعالى قدم على قوله : { ويتعد حدوده } قوله تعالى : { ~~تلك حدود الله } فانصرف قوله : { ويتعد حدوده } إلى تلك الحدود ، وثانيها : ~~أن الأمة متفقون على أن المؤمن مزجور بهذه الآية عن المعاصي ، ولو صح ما ~~ذكرتم / لكان المؤمن غير مزجور بها ، وثالثها : أنا لو حملنا الآية على ~~تعدي جميع الحدود لم يكن للوعيد بها فائدة لأن أحدا من المكلفين لا يتعدى ~~PageV03P133 جميع حدود الله ، لأن في الحدود ما لا يمكن الجمع بينها في ~~التعدي لتضادها ، فإنه لا يتمكن أحد من أن يعتقد في حالة واحدة مذهب ~~الثنوية والنصرانية وليس يوجد في المكلفين من يعصي الله بجميع المعاصي ، ~~ورابعها : قوله تعالى في قاتل المؤمن عمدا : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا ms0912 فيها } ( النساء : 93 ) ، دلت الآية على أن ذلك جزاؤه ، ~~فوجب أن يحصل له هذا الجزاء لقوله تعالى : { من يعمل سوءا يجز به } ( ~~النساء : 123 ) . وخامسها : قوله تعالى : { النار يأيها الذين ءامنوا إذا ~~لقيتم الذين كفروا } إلى قوله : { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس } ( الأنفال : 15 ~~، 16 ) . وسادسها : قوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 ، 8 ) . وسابعها : قوله تعالى : { ضعيفا ~~يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } إلى قوله تعالى : { ~~ومن يفعل ذالك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا } ( النساء : 29 ، 30 ) . ~~وثامنها : قوله تعالى : { إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ~~ولا يحيى * ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } ( ~~طه : 74 ، 75 ) فبين تعالى أن الكافر والفاسق من أهل العقاب الدائم كما أن ~~المؤمن من أهل الثواب . وتاسعها : قوله تعالى : { وقد خاب من حمل ظلما } ( ~~طه : 111 ) وهذا يوجب أن يكون الظالم من أهل الصلاة داخلا تحت هذا الوعيد ، ~~وعاشرها : قوله تعالى بعد تعداد المعاصي : { ومن يفعل ذالك يلق أثاما * ~~يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا } ( الفرقان : 68 ، 69 ) بين ~~أن الفاسق كالكافر في أنه من أهل الخلود ، إلا من تاب من الفساق أو آمن من ~~الكفار / والحادية عشرة : قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله خير منها وهم ~~من فزع يومئذ ءامنون * ومن جاء بالسيئة } ( النمل : 89 ، 90 ) الآية ، وهذا ~~يدل على أن المعاصي كلها متوعد عليها كما أن الطاعات كلها موعود عليها ، ~~والثانية عشرة : قوله تعالى : { فأما من طغى * وءاثر الحيواة الدنيا * فإن ~~الجحيم هى المأوى } ( النازعات : 37 ) . والثالثة عشرة : قوله تعالى : { ~~ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم } ( الجن : 23 ) الآية ولم يفصل بين ~~الكافر والفاسق ، والرابعة عشرة : قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة وأحاطت ~~به خطيئته } الآية ، فحكي في أول الآية قول المرجئة من ms0913 اليهود فقال : { ~~وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) ثم إن الله ~~كذبهم فيه ، ثم قال : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولائك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } فهذه هي الآيات التي تمسكوا بها في المسألة ~~لاشتمالها على صيغة ( من ) في معرض الشرط واستدلوا على أن هذه اللفظة تفيد ~~العموم بوجوه . أحدها : أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة ~~للخصوص أو مشتركة بينهما والقسمان باطلان ، فوجب كونها موضوعة للعموم ، أما ~~أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للخصوص فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلم ~~أن يعطي الجزاء لكل من أتى بالشرط ، لأن على هذا التقدير لايكون ذلك الجزاء ~~مرتبا على ذلك الشرط ، لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته ~~أنه يحسن أن يكرم كل من دخل داره فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص ، وأما ~~أنه لا يجوز أن / تكون موضوعة للاشتراك ، أما أولا : فلأن الاشتراك خلاف ~~الأصل ، وأما ثانيا : فلأنه لو كان كذلك لما عرف كيفية ترتيب الجزاء على ~~الشرط إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال : من دخل ~~داري أكرمته ، فيقال له : أردت الرجال أو النساء ، فإذا قال : أردت الرجال ~~يقال له : أردت العرب أو العجم ، فإذا قال : أردت العرب يقال له : أردت ~~ربيعة أو PageV03P134 مضر وهلم جرا إلى أن يأتي على جميع التقسيمات الممكنة ~~، ولما علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان قبح ذلك علمنا أن القول ~~بالاشتراك باطل . وثانيها : أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته حسن استثناء ~~كل واحد من العقلاء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه ~~لأنه لا نزاع في أن المستثنى من الجنس لا بد وأن يكون بحيث يصح دخوله تحت ~~المستثنى منه ، فإما أن يعتبر مع الصحة الوجوب أو لا يعتبر والأول باطل ، ~~أما أولا : فلأنه يلزم أن لا يبقى بين الاستثناء من الجمع المنكر كقوله : ~~جاءني الفقهاء إلا زيدا وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقوله : جاءني ms0914 ~~الفقهاء إلا زيدا فرق لصحة دخول زيد في الكلامين ، لكن الفرق بينهما معلوم ~~بالضرورة . وأما ثانيا : فلأن الاستثناء من العدد يخرج ما لولاه لوجب دخوله ~~تحته فوجب أن يكون هذا فائدة الاستثناء في جميع المواضع لأن أحدا من أهل ~~اللغة لم يفصل بين الاستثناء الداخل على العدد وبين الداخل على غيره من ~~الألفاظ ، فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله ~~فيه وذلك يدل على أن صيغة ( من ) في معرض الشرط للعموم ، وثالثها : أنه ~~تعالى لما أنزل قوله : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( ~~الأنبياء : 98 ) الآية قال ابن الزبعري : لأخصمن محمدا ثم قال : يا محمد ~~أليس قد عبدت الملائكة أليس قد عبد عيسى ابن مريم فتمسك بعموم اللفظ والنبي ~~عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليه ذلك ، فدل على أن هذه الصيغة تفيد العموم ~~. النوع الثاني : من دلائل المعتزلة : التمسك في الوعيد بصيغة الجمع ~~المعرفة بالألف واللام وهي في آيات . إحداها : قوله تعالى : { وإن الفجار ~~لفى جحيم } ( الإنفطار : 14 ) واعلم أن القاضي والجبائي وأبا الحسن يقولون ~~: إن هذه الصيغة تفيد العموم ، وأبو هاشم يقول : إنها لا تفيد العموم ، ~~فنقول : الذي يدل على أنها للعموم وجوه . أحدها : أن الأنصار لما طلبوا ~~الإمامة احتج عليهم أبو بكر رضي الله عنه بقوله عليه الصلاة والسلام : ( ~~الأئمة من قريش ) والأنصار سلموا تلك الحجة ولو لم يدل الجمع المعرف بلام ~~الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة ، لأن قولنا : بعض الأئمة من قريش ~~لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين . أما كون كل الأئمة من قريش ينافي كون ~~بعض الأئمة من غيرهم ، وروي أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر لما هم بقتال ~~مانعي الزكاة : أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله ) احتج على أبي بكر بعموم اللفظ ثم لم يقل أبو ~~بكر ولا أحد من الصحابة : إن اللفظ لا يفيده بل عدل إلى الاستثناء ، فقال ~~إنه عليه ms0915 الصلاة والسلام قال : ( إلا بحقها ) وإن كان الزكاة من حقها ، ~~وثانيها : / أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق ، فوجب أن يفيد ~~الاستغراق ، أما أنه يؤكد فلقوله تعالى : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } ( ~~ص: 73 ) وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق ، فبالاجماع ، وأما أنه متى ~~كان كذلك وجب كون المؤكد في أصله للاستغراق لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد ~~أجماعا ، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتا في الأصل ، فلو لم يكن ~~الاستغراق حاصلا في الأصل ، وإنما حصل PageV03P135 بهذه الألفاظ ابتداء لم ~~يكن تأثير هذه الألفاظ في تقوية الحكم ، بل في إعطاء حكم جديد ، وكانت ~~مبينة للمجمل لا مؤكدة ، وحيث أجمعوا على أنها مؤكدة علمنا أن اقتضاء ~~الاستغراق كان حاصلا في الأصل . وثالثها : أن الألف واللام إذا دخلا في ~~الاسم صار الاسم معرفة ، كذا نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل ~~المعرفة ، وإنما تحصل المعرفة عند إطلاقه بصرفه إلى الكل ، لأنه معلوم ~~للمخاطب ، وأما صرفه إلى ما دون الكل فإنه لا يفيد المعرفة ، لأنه ليس بعض ~~الجمع أولى من بعض ، فكان يبقى مجهولا . فإن قلت : إذا أفاد جمعا مخصوصا من ~~ذلك الجنس فقد أفاد تعريف ذلك الجنس ، قلت : هذه الفائدة كانت حاصلة بدون ~~الألف واللام ، لأنه لو قال : رأيت رجالا ، أفاد تعريف ذلك الجنس وتميزه عن ~~غيره ، فدل على أن للألف واللام فائدة زائدة وما هي إلا الاستغراق . ~~ورابعها : أنه يصح استثناء أي واحد كان منه وذلك يفيد العموم . وخامسها : ~~الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر ، لأنه يصح انتزاع المنكر من ~~المعرف ولا ينعكس فإنه يجوز أن يقال : رأيت رجالا من الرجال ، ولا يقال ~~رأيت الرجال من رجال ، ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع ، ~~إذا ثبت هذا ، فنقول : إن المفهوم من الجمع المعرف ، إما الكل أو ما دونه ، ~~والثاني : باطل لأنه ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من الجمع المعرف ~~، وقد علمت أن المنتزع منه أكثر فوجب أن يكون الجمع المعرف مفيدا للكل ~~والله أعلم ms0916 . أما على طريقة أبي هاشم ، وهي أن الجمع المعرف لا يفيد العموم ~~فيمكن التمسك بالآية من وجهين آخرين . الأول : أن ترتيب الحكم على الوصف ~~مشعر بالعلية فقوله : { وإن الفجار لفى جحيم } يقتضي أن الفجور هي العلة ، ~~وإذا ثبت ذلك لزم عموم الحكم لعموم علته وهو المطلوب ، وفي هذا الباب طريقة ~~ثالثة يذكرها النحويون وهي أن اللام في قوله : { وإن الفجار } ليست لام ~~تعريف ، بل هي بمعنى الذي ، ويدل عليه وجهان . أحدهما : أنها تجاب بالفاء ~~كقوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } ( المائدة : 38 ) ، ~~وكما تقول الذي يلقاني فله درهم . الثاني : أنه يصح عطف الفعل على الشيء ~~الذي دخلت هذه اللام عليه قال تعالى : { إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا ~~الله قرضا حسنا } ( الحديد : 18 ) فلولا أن قوله : { إن المصدقين } بمعنى : ~~إن الذين أصدقوا لما صح أن يعطف عليه قوله : { وأقرضوا الله } وإذا ثبت ذلك ~~كان قوله : { وإن الفجار لفى جحيم } معناه : إن الذين فجروا فهم في الجحيم ~~، وذلك يفيد العموم . الآية الثانية في هذا الباب : قوله تعالى : { يوم ~~نحشر المتقين إلى الرحمان وفدا * ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } ( مريم : ~~85 ، 86 ) ولفظ المجرمين صيغة جمع معرفة بالألف واللام / وثالثها : قوله ~~تعالى : { ونذر الظالمين فيها جثيا } ( مريم : 72 ) ورابعها : قوله تعالى : ~~{ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها * ظهرها من دابة ولاكن يؤخرهم ~~} ( النحل : 61 ) بين أنه يؤخر عقابهم إلى يوم آخر وذلك إنما يصدق أن لو ~~حصل عقابهم في ذلك اليوم . # النوع الثالث : من العمومات : صيغ الجموع المقرونة بحرف الذي ، فأحدها : ~~قوله تعالى : { ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون } ( ~~المطففين : 1 ، 2 ) . وثانيها : قوله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا } ( النساء : 10 ) . وثالثها : ~~قوله تعالى : { إن الذين * تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } ( النحل : 28 ) ~~فبين ما يستحق على ترك الهجرة وترك النصرة وإن كان معترفا بالله ~~PageV03P136 ورسوله . ورابعها : قوله تعالى : { والذين كسبوا السيئات جزاء ~~سيئة بمثلها وترهقهم ذلة } ( يونس : 27 ) ولم يفصل في الوعيد بين ms0917 الكافر ~~وغيره ، وخامسها : قوله تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله } ( التوبة : 34 ) . وسادسها ؛ قوله تعالى : { وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات } ( النساء : 18 ) ولو لم يكن الفاسق من أهل الوعيد ~~والعذاب لم يكن لهذا القول معنى ، بل لم يكن به إلى التوبة حاجة ، وسابعها ~~: قوله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الارض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا } ( المائدة : 33 ) فبين ما على الفاسق من ~~العذاب في الدنيا والآخرة ، وثامنها : قوله تعالى : { إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم فى الاخرة } ( آل عمران : 77 ) ~~. # النواع الرابع : من العمومات ، قوله تعالى : { سيطوقون ما بخلوا به يوم ~~القيامة } ( آل عمران : 180 ) توعد على منع الزكاة . # النوع الخامس من العمومات : لفظة ( كل ) وهو قوله تعالى : { ولو أن لكل ~~نفس ظلمت ما فى الارض لافتدت به } ( يونس : 54 ) فبين ما يستحق الظالم على ~~ظلمه . # النوع السادس : ما يدل على أنه سبحانه لا بد وأن يفعل ما توعدهم به وهو ~~قوله تعالى : { قال لا تختصموا لدى وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول ~~لدى وما أنا بظلام للعبيد } ( ق : 28 ، 29 ) بين أنه لا يبدل قوله في ~~الوعيد والاستدلال بالآية من وجهين . أحدهما : أنه تعالى جعل العلة في ~~إزاحة العذر تقديم الوعيد ، أي بعد تقديم الوعيد لم يبق لأحد علة ولا مخلص ~~من عذابه ، والثاني : قوله تعالى : { ما يبدل القول لدى } وهذا صريح في أنه ~~تعالى لا بد وأن يفعل ما دل اللفظ عليه ، فهذا مجموع ما تمسكوا به من ~~عمومات القرآن . أما عمومات الأخبار فكثيرة . # فالنوع الأول : المذكور بصيغة ( من ) أحدها : ما روى وقاص بن ربيعة عن ~~المسور بن شداد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أكل بأخيه ~~أكلة أطعمه الله من نار جهنم ، ومن أخذ بأخيه كسوة كساه الله من نار جهنم ~~ومن قام مقام رياء وسمعة أقامه الله يوم القيامة مقام رياء وسمعة ) ، وهذا ~~نص في وعيد الفاسق ، ومعنى ms0918 أقامه : أي جازاه على ذلك ، وثانيها : قال عليه ~~السلام : ( من كان ذا لسانين وذا وجهين كان في النار ذا لسانين وذا وجهين ) ~~ولم يفصل بين المنافق وبين غيره في هذا الباب ، وثالثها : عن سعيد بن زيد ~~قال عليه السلام : ( من ظلم قيد شبر من / أرض طوقه يوم القيامة من سبع ~~أرضين ، ورابعها : عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ~~المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من ~~هاجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه ) . ~~وهذا الخبر يدل على وعيد الفاسق الظالم ويدل على أنه غير مؤمن ولا مسلم على ~~ما يقوله المعتزلة من المنزلة بين المنزلتين . وخامسها : عن ثوبان عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( من جاء يوم القيامة بريئا من ثلاثة ، دخل ~~الجنة : الكبر والغلول والدين ) ، وهذا يدل على أن صاحب هذه الثلاثة لا ~~يدخل الجنة وإلا لم يكن لهذا الكلام معنى ، والمراد من الدين من مات عاصيا ~~مانعا ولم يرد التوبة ولم يتب عنه . وسادسها : عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سلك طريقا يطلب به علما سهل الله ~~له طريقا من طرق الجنة ، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ) . وهذا نص في ~~أن الثواب لا يكون إلا بالطاعة ، والخلاص من النار لا يكون إلا بالعمل ~~الصالح ، وسابعها : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( كل مسكر خمر PageV03P137 وكل خمر حرام ومن شرب الخمر في ~~الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة ) ، وهو صريح في وعيد الفاسق وأنه ~~من أهل الخلود ، لأنه إذا لم يشربها لم يدخل الجنة لأن فيها ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين . وثامنها : عن أم سلمة قالت : قال عليه السلام : ( ~~إنما أنا بشر مثلكم ولعلكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن ~~قضيت له بحق أخيه فإنما قطعت له قطعة من ms0919 النار ) . وتاسعها : عن ثابت بن ~~الضحاك قال : قال عليه السلام : ( من حلف بملة سوى الإسلام كاذبا متعمدا ~~فهو كما قال ومن قتل نفسه بشيء يعذب به في نار جهنم ) . وعاشرها : عن عبد ~~الله بن عمر قال : قال عليه الصلاة والسلام في الصلاة : ( من حافظ عليها ~~كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ~~ولا برهانا ولا نجاة ولا ثوابا وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون ~~وأبي بن خلف ) . وهذا نص في أن ترك الصلاة يحبط العمل ويوجب وعيد الأبد ، ~~الحادي عشر : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال عليه السلام : ( من لقي ~~الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن ) ، ولما ثبت أنه لا يكفر علمنا أن المراد ~~منه إحباط العمل ، الثاني عشر : عن أبي هريرة قال : قال عليه السلام : ( من ~~قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يهوي في نار جهنم خالدا مخلدا ~~فيها أبدا ، ومن تردى من جبل متعمدا فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالدا ~~مخلدا فيها أبدا ) ، الثالث عشر : عن أبي ذر قال عليه السلام : ( ثلاثة لا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم / قلت ~~يا رسول الله من هم خابوا وخسروا ؟ قال : المسبل والمنان والمنفق سلعته ~~بالحلف كاذبا ) ، يعني بالمسبل المتكبر الذي يسبل إزاره ، ومعلوم أن من لم ~~يكلمه الله ولم يرحمه وله عذاب أليم فهو من أهل النار ، ووروده في الفاسق ~~نص في الباب ، الرابع عشر : عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : ~~( من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من / ~~الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ، ومن لم يجد عرف الجنة فلا شك أنه في ~~النار لأن المكلف لا بد وأن يكون في الجنة أو في النار ) . الخامس عشر : عن ~~أبي هريرة قال : قال عليه السلام : ( من كتم علما ألجم بلجام من نار يوم ~~القيامة ) . السادس عشر : عن ابن ms0920 مسعود قال : قال عليه السلام : ( من حلف ~~على يمين كاذبا ليقطع بها مال أخيه لقي الله وهو عليه غضبان ) ، وذلك لأن ~~الله تعالى يقول : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } ( آل ~~عمران : 77 ) إلى آخر الآية ، وهذا نص في الوعيد ونص في أن الآية واردة في ~~الفساق كورودها في الكفار ، السابع عشر : عن أبي أمامة قال : قال عليه ~~السلام : ( من حلف على يمين فاجرة ليقطع بها مال امرىء مسلم بغير حقه حرم ~~الله عليه الجنة وأوجب له النار ، قيل يا رسول الله : وإن كان شيئا يسيرا ، ~~قال : وإن كان قضيبا من أراك ) . الثامن عشر : عن سعيد بن جبير قال : كنت ~~عند ابن عباس فأتاه رجل وقال : إني رجل معيشتي من هذه التصاوير ، فقال ابن ~~عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من صور فإن الله يعذبه ~~حتى ينفخ فيه الروح وليس بنافخ ، ومن استمع إلى حديث قوم يفرون منه صب في ~~أذنيه الآنك ومن يرى عينيه في المنام ما لم يره كلف أن يعقد بين شعرتين ) . ~~التاسع عشر : عن معقل بن يسار قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت ، وهو غاش لرعيته إلا ~~حرم الله عليه الجنة ) . العشرون : عن ابن عمر في مناظرته مع عثمان حين ~~أراد أن يوليه القضاء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من ~~كان قاضيا يقضي بالجهل كان من أهل النار ، ومن كان قاضيا يقضي بالجور كان ~~من أهل النار ) . الحادي والعشرون : قال عليه السلام : ( من ادعى أبا في ~~الإسلام وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ) . الثاني والعشرون : عن ~~الحسن عن أبي بكرة قال عليه السلام : ( من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة ~~الجنة ) ، وإذا PageV03P138 كان في قتل الكفار هكذا فما ظنك بقتل أولاد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الثالث والعشرون : عن أبي سعيد الخدري قال ~~: قال عليه السلام : ( من لبس الحرير في الدنيا لم ms0921 يلبسه في الآخرة ) وإذا ~~لم يلبسه في الآخرة وجب أن لا يكون من أهل الجنة لقوله تعالى : { وفيها ما ~~تشتهيه الانفس } ( الزخرف : 71 ) . # النوع الثاني : من العمومات الإخبارية الواردة لا بصيغة ( من ) وهي كثيرة ~~جدا ، الأول : عن نافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال عليه ~~السلام : ( لا يدخل الجنة مسكين متكبر ولا شيخ زان ولا منان على الله بعمله ~~، ومن لم يدخل الجنة من المكلفين فهو من أهل النار بالإجماع ) . الثاني : ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال عليه السلام : ( ثلاثة يدخلون الجنة : ~~الشهيد ، وعبد نصح سيده وأحسن عبادة ربه ، وعفيف متعفف ، وثلاثة يدخلون ~~النار : أمير مسلط ، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله ، وفقير فخور ) . ~~الثالث : عن أبي هريرة قال : قال عليه السلام : ( إن الله خلق الرحم ، فلما ~~فرغ من خلقه قامت الرحم ، فقالت هذا مقام العائذ من / القطيعة ، قال : نعم ~~ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى . قال : فهو ذاك . ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فاقرؤوا إن شئتم ) ، فهل عسيتم إن ~~توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ، { أولئك الذين لعنهم الله ~~فأصمهم وأعمى أبصارهم } ( محمد : 33 ) ، وهذا نص في وعيد قاطع الرحم وتفسير ~~الآية ، وفي حديث عبد الرحمن بن عوف قال الله تعالى : ( أنا الرحمن خلقت ~~الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ) . وفي ~~حديث أبي بكرة أنه عليه السلام قال : ( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه ~~العقوبة في الدنيا مع ما يدخره في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ) . الرابع ~~: عن معاذ بن جبل قال : قال عليه السلام لبعض الحاضرين : ( ما حق الله على ~~العباد ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا . ~~قال : فما حقهم على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قال : أن يغفر لهم ولا يعذبهم ) . ~~ومعلوم أن المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط فيلزم أن لا يغفر لهم إذا لم ~~يعبدوه . الخامس : عن ms0922 أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ~~إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار ~~، فقال : يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا ~~على قتل صاحبه ) رواه مسلم . السادس : عن أم سلمة قالت : قال عليه السلام : ~~( الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ) . السابع ~~: عن أبي سعيد الخدري قال : قال عليه السلام : ( والذي نفسي بيده لا يبغض ~~أهل البيت رجل إلا أدخله الله النار ) ، وإذا استحقوا النار ببعضهم فلأن ~~يستحقوها بقتلهم أولى . الثامن : في حديث أبي هريرة : أنا خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في عام خيبر إلى أن كنا بوادي القرى ، فبينما يحفظ ~~رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم وقتله فقال الناس هنيئا له ~~الجنة ، قال رسول الله : ( كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم ~~حنين من الغنائم لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ) . فلما سمع الناس ~~بذلك جاء رجل بشراك أو بشراكين إلى رسول الله فقال عليه السلام : شراك من ~~نار أو شراكين من النار . التاسع : عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي ~~الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يدخلون ~~الجنة : مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق السحر ) . العاشر : عن أبي هريرة قال ~~عليه السلام : ( ما من عبد له مال لا يؤدي زكاته إلا جمع الله له يوم ~~القيامة عليه صفائح من نار جهنم يكوي بها جبهته وظهره حتى يقضي الله بين ~~عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ) . هذا مجموع استدلال ~~المعتزلة بعمومات القرآن والأخبار . أجاب أصحابنا عنها من وجوه . أولها : ~~أنا لا نسلم أن صيغة ( من ) في معرض الشرط للعموم ، ولا نسلم أن صيغة الجمع ~~إذا كانت معرفة باللام للعموم والذي يدل عليه أمور . PageV03P139 الأول : ~~أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض على هاتين اللفظتين ، كل من دخل داري ~~أكرمته وبعض من دخل داري ms0923 أكرمته ، ويقال أيضا : كل الناس كذا ، وبعض الناس ~~كذا ، ولو كانت لفظة ( من ) للشرط تفيد الاستغراق لكان إدخال لفظ الكل عليه ~~/ تكريرا وإدخال لفظ البعض عليه نقضا ، وكذلك في لفظ الجمع المعرف ، فثبت ~~أن هذه الصيغ لا تفيد العموم . الثاني : وهو أن هذه الصيغ جاءت في كتاب ~~الله ، والمراد منها تارة الاستغراق وأخرى البعض ، فإن أكثر عمومات القرآن ~~مخصوصة ، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل ولا بد من جعله حقيقة في القدر ~~المشترك بين العموم والخصوص وذلك هو أن يحمل على إفادة الأكثر من غير بيان ~~أنه يفيد الاستغراق أو لا يفيد . الثالث : وهو أن هذه الصيغ لو أفادت ~~العموم إفادة قطعية لاستحال إدخال لفظ التأكيد عليها ، لأنها تحصيل الحاصل ~~محال فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم لا ~~محالة / سلما أنها تفيد معنى ولكن إفادة قطعية أو ظنية ؟ الأول : ممنوع ~~وباطل قطعا لأن من المعلوم بالضرورة أن الناس كثيرا ما يعبرون عن الأكثر ~~بلفظ الكل والجميع على سبيل المبالغة كقوله تعالى : { وأوتيت من كل شىء } ( ~~النمل : 23 ) فإذا كانت هذه الألفاظ تفيد معنى العموم إفادة ظنية ، وهذه ~~المسألة ليست من المسائل الظنية لم يجز التمسك فيها بهذه العمومات ، سلمنا ~~أنها تفيد معنى العموم إفادة قطعية ولكن لا بد من اشتراط أن لا يوجد شيء من ~~المخصصات ، فإنه لا نزاع في جواز تطرق التخصيص إلى العام ، فلم قلتم : إنه ~~لم يوجد شيء من المخصصات ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : بحثنا فلم نجد شيئا ~~من المخصصات لكنك تعلم أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود . وإذا كانت ~~إفادة هذه الألفاظ لمعنى الاستغراق متوقفة على نفي المخصصات ، وهذا الشرط ~~غير معلوم كانت الدلالة موقوفة على شرط غير معلوم ، فوجب أن لا تحصل ~~الدلالة ، ومما يؤكد هذا المقام قوله تعالى : { إن الذين كفروا سواء عليهم ~~ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) حكم على كل الذين كفروا ~~أنهم لا يؤمنون ، ثم إنا شاهدنا قوما منهم قد آمنوا ms0924 فعلمنا أنه لا بد من ~~أحد الأمرين : إما لأن هذه الصيغة ليست موضوعة للشمول أو لأنها وإن كانت ~~موضوعة لهذا المعنى إلا أنه قد وجدت قرينة في زمان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يعلمون لأجلها أن مراد الله تعالى من هذا العموم هو الخصوص . ~~وأما ما كان هناك فلم يجوز مثله ههنا ؟ سلمنا أنه لا بد من بيان المخصص ، ~~لكن آيات العفو مخصصة لها والرجحان معنا لأن آيات العفو بالنسبة إلى آيات ~~الوعيد خاصة بالنسبة إلى العام والخاص ، مقدم على العام لا محالة ، سلمنا ~~أنه لم يوجد المخصص ولكن عمومات الوعيد معارضة بعمومات الوعد ، ولا بد من ~~الترجيح وهو معنا من وجوه ، الأول : أن الوفاء بالوعد أدخل في الكرم من ~~الوفاء بالوعيد ، والثاني : أنه قد اشتهر في الأخبار أن رحمة الله سابقة ~~على غضبه وغالبة عليه فكان ترجيح عمومات الوعد أولى . الثالث : وهو أن ~~الوعيد حق الله تعالى والوعد حق العبد ، وحق العبد أولى بالتحصيل من حق ~~الله تعالى ، سلمنا أنه لم يوجد المعارض ولكن هذه العمومات نزلت في حق ~~الكفار ، فلا تكون قاطعة في العمومات ، فإن قيل العبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب ، قلنا : هب أنه كذلك ، ولكن لما رأينا كثيرا من الألفاظ ~~العامة PageV03P140 وردت في الأسباب الخاصة ، والمراد تلك الأسباب الخاصة ~~فقط علمنا أن / إفادتها للعموم لا يكون قويا والله أعلم . # أما الذين قطعوا بنفي العقاب عن أهل الكبائر فقد احتجوا بوجوه . الأول : ~~قوله تعالى : { إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين } ( النحل : 27 ) وقوله ~~تعالى : { إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) دلت ~~هذه الآية على أن ماهية الخزي والسوء والعذاب مختصة بالكافر ، فوجب أن لا ~~يحصل فرد من أفراد هذه الماهية لأحد سوى الكافرين . الثاني : قوله تعالى : ~~{ قل ياأهل * عبادى * الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا } ( الزمر : 53 ) ، حكم تعالى بأنه يغفر كل الذنوب ~~ولم يعتبر التوبة ولا غيرها ، وهذا يفيد القطع بغفران ms0925 كل الذنوب . الثالث : ~~قوله تعالى : { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } ( الرعد : 6 ) وكلمة ( ~~على ) تفيد الحال كقولك : رأيت الملك على أكله ، أي رأيته حال اشتغاله ~~بالأكل ، فكذا ههنا وجب أن يغفر لهم الله حال اشتغالهم بالظلم وحال ~~الاشتغال بالظلم يستحيل حصول التوبة منهم / فعلمنا أنه يحصل الغفران بدون ~~التوبة ومقتضى هذه الآية أن يغفر للكافر لقوله تعالى : { إن الشرك لظلم ~~عظيم } ( لقمان : 13 ) إلا أنه ترك العمل به هناك فبقي معمولا به في الباقي ~~. والفرق أن الكفر أعظم حالا من المعصية . الرابع : قوله تعالى : { ~~فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاها إلا الاشقى * الذى كذب وتولى } ( الليل : ~~14 16 ) ، وكل نار فإنها متلظية لا محالة ، فكأنه تعالى قال إن النار لا ~~يصلاها إلا الأشقى الذي هو المكذب المتولي . الخامس : قوله تعالى : { كلما ~~ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير ~~فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شىء إن أنتم إلا فى ضلال كبير } ( الملك : 8 ، ~~9 ) ، دلت الآية على أن جميع أهل النار مكذب لا يقال هذه الآية خاصة في ~~الكفار ، ألا ترى أنه يقول قبله : { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس ~~المصير * إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهى تفور * تكاد تميز من الغيظ } ~~. وهذا يدل على أنها مخصوصة في بعض الكفار وهم الذين قالوا : { بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شىء } ( الملك : 6 9 ) ، وليس هذا ~~من قول جميع الكفار لأنا نقول : دلالة ما قبل هذه الآية على الكفار لا تمنع ~~من عموم ما بعدها . # أما قوله : إن هذا ليس من قول الكفار قلنا : لا نسلم ، فإن اليهود ~~والنصارى كانوا يقولون : ما نزل الله من شيء على محمد ، وإذا كان كذلك فقد ~~صدق عليهم أنهم كانوا يقولون ما نزل الله من شيء . السادس : قوله تعالى : { ~~وهل * نجزى إلا الكفور } ( سبأ : 17 ) وهذا بناء المبالغة فوجب أن يختص ~~بالكفر الأصلي . السابع : أنه تعالى بعدما أخبر أن الناس صنفان : بيض ~~الوجوه ms0926 وسودهم قال : { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا ~~العذاب } ( آل عمران : 106 ) فذكر أنهم الكفار . و الثامن : أنه تعالى ~~بعدما جعل الناس ثلاثة أصناف ، السابقون وأصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ، ~~بين أن السابقين وأصحاب الميمنة في الجنة وأصحاب المشأمة في النار ، ثم بين ~~أنهم كفار بقوله : { وكانوا يقولون * أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا ~~لمبعوثون } ( الواقعة : 47 ) . التاسع : إن صاحب الكبيرة لا يخزى وكل من ~~أدخل النار فإنه يخزى فإذن صاحب الكبيرة لا يدخل النار وإنما قلنا إن صاحب ~~الكبيرة / لا يخزى لأن صاحب الكبيرة مؤمن والمؤمن لا يخزى ، وإنما قلنا : ~~إنه مؤمن لما سبق بيانه في تفسير قوله : { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة ~~: 3 ) من أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا : إن المؤمن لا يخزى لوجوه . ~~PageV03P141 أحدها : قوله تعالى : { يوم لا * إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم ~~} ( التحريم : 8 ) . وثانيها : قوله : { إن الخزى اليوم والسوء على ~~الكافرين } ( النحل : 27 ) . وثالثها : قوله تعالى : { الذين يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم } ( آل عمران : 191 ) إلى أن حكى عنهم أنهم قالوا ~~: { ولا تخزنا يوم القيامة } ( آل عمران : 194 ) ، ثم إنه تعالى قال : { ~~فاستجاب لهم ربهم } ( آل عمران : 195 ) ومعلوم أن الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض يدخل فيه العاصي ~~والزاني وشارب الخمر ، فلما حكى الله عنهم أنهم قالوا : { ولا تخزنا يوم ~~القيامة } ثم بين أنه تعالى استجاب لهم في ذلك ثبت أنه تعالى لا يخزيهم / ~~فثبت بما ذكرنا أنه تعالى لا يخزي عصاة أهل القبلة ، وإنما قلنا : إن كل من ~~أدخل النار فقد أخزي لقوله تعالى : { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } ~~( آل عمران : 192 ) ، فثبت بمجموع هاتين المقدمتين أن صاحب الكبيرة لا يدخل ~~النار . العاشر : العمومات الكثيرة الواردة في الوعد نحو قوله : { والذين ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالأخرة هم يوقنون * أولائك على ~~هدى من ربهم وأولائك هم المفلحون } ( البقرة : 4 5 ) ، فحكم بالفلاح على كل ~~من آمن ، وقال : { إن الذين ms0927 ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ~~ءامن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا } ( البقرة : ~~62 ) . فقوله : { وعمل صالحا } نكرة في الإثبات فيكفي فيه الإثبات بعمل ~~واحد وقال : { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون ~~الجنة } ( النساء : 124 ) وإنها كثيرة جدا ، ولنا فيه رسالة مفردة من ~~أرادها فليطالع تلك الرسالة . والجواب عن هذه الوجوه : أنها معارضة بعمومات ~~الوعيد ، والكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات يجيء في موضعه إن شاء ~~الله تعالى ، أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض وتوقفوا في البعض ~~فقد احتجوا من القرآن بآيات . الحجة الأولى : الآيات الدالة على كون الله ~~تعالى عفوا غفورا كقوله تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن ~~السيئات ويعلم ما تفعلون } ( الشورى : 25 ) وقوله تعالى : { وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير } ( الشورى : 30 ) وقوله : { ومن ~~ءاياته الجوار فى البحر كالاعلام } ( الشورى : 32 ) إلى قوله : { أو يوبقهن ~~بما كسبوا ويعف عن كثير } ( الشورى : 34 ) وأيضا أجمعت الأمة على أن الله ~~يعفو عن عباده وأجمعوا على أن من جملة أسمائه العفو فنقول : العفو إما أن ~~يكون عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه أو عمن لا يحسن عقابه ، وهذا ~~القسم الثاني باطل ، لأن عقاب من لا يحسن عقابه قبيح ، ومن ترك مثل هذا ~~الفعل لا يقال : إنه عفا ، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يظلم أحدا لا يقال : ~~أنه عفا عنع ، إنما يقال له : عفا إذا كان له أن يعذبه فتركه ولهذا قال : { ~~وأن تعفوا أقرب للتقوى } ( البقرة : 237 ) ولأنه تعالى قال : { وهو الذى ~~يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات } ( الشورى : 25 ) ، فلو كان العفو ~~عبارة عن إسقاط العقاب عن التائب لكان ذلك تكريرا / من غير فائدة ، فعلمنا ~~أن العفو عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه وذلك هو مذهبنا . الحجة ~~الثانية : الآيات الدالة على كونه تعالى غافرا وغفورا وغفارا ، قال تعالى : ~~{ غافر الذنب وقابل التوب } ( غافر ms0928 : 3 ) وقال : { وربك الغفور ذو الرحمة } ~~( الكهف : 58 ) وقال : { وإنى لغفار لمن تاب } ( طه : 82 ) وقال : { غفرانك ~~ربنا وإليك المصير } ( البقرة : 285 ) . والمغفرة ليست عبارة عن إسقاط ~~العقاب عمن لا يحسن PageV03P142 عقابه فوجب أن يكون ذلك عبارة عن إسقاط ~~العقاب عمن يحسن عقابه ، وإنما قلنا : إن الوجه الأول باطل لأنه تعالى يذكر ~~صفة المغفرة في معرض الامتنان على العباد ولو حملناه على الأول لم يبق هذا ~~المعنى لأن ترك القبيح لا يكون منة على العبد بل كأنه أحسن إلى نفسه فإنه ~~لو فعله لاستحق الذم واللوم والخروج عن حد الإلهية فهو بترك القبائح لا ~~يستحق الثناء من العبد / ولما بطل ذلك تعين حمله على الوجه الثاني وهو ~~المطلوب . فإن قيل : لم يجوز حمل العفو والمغفرة على تأخير العقاب من ~~الدنيا إلى الآخرة والدليل على أن العفو مستعمل في تأخير العذاب عن الدنيا ~~قوله تعالى في قصة اليهود : { ثم عفونا عنكم من بعد ذالك } ( البقرة : 52 ) ~~والمراد ليس إسقاط العقاب ، بل تأخيره إلى الآخرة وكذلك قوله تعالى : { وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير } أي ما يعجل الله تعالى ~~من مصائب عقابه إما على جهة المحنة أو على جهة العقوبة المعجلة فبذنوبكم ~~ولا يعجل المحنة والعقاب على كثير منها ، وكذا قوله تعالى : { ومن ءاياته ~~الجوار فى البحر كالاعلام } إلى قوله : { أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ~~} أي لو شاء إهلاكهن لأهلكهن ولا يهلك على كثير من الذنوب . والجواب : ~~العفو أصله من عفا أثره أي أزاله ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المسمى من ~~العفو الإزالة لهذا قال تعالى : { فمن عفى له من أخيه شىء } ( البقرة : 178 ~~) وليس المراد منه التأخير ، بل الإزالة وكذا قوله : { وأن تعفوا أقرب ~~للتقوى } وليس المراد منه التأخير إلى وقت معلوم ، بل الإسقاط المطلق ، ~~ومما يدل على أن العفو لا يتناول التأخير أن الغريم إذا أخر المطالبة لا ~~يقال : إنه عفا عنه ولو أسقطه يقال : إنه عفا عنه فثبت أن العفو لا يمكن ms0929 ~~تفسيره بالتأخير . الحجة الثالثة : الآيات الدالة على كونه تعالى رحمانا ~~رحيما والاستدلال بها أن رحمته سبحانه إما أن تظهر بالنسبة إلى المطيعين ~~الذين يستحقون الثواب أو إلى العصاة الذين يستحقون العقاب ، والأول : باطل ~~لأن رحمته في حقهم إما أن تحصل لأنه تعالى أعطاهم الثواب الذي هو حقهم أو ~~لأنه تفضل عليهم بما هو أزيد من حقهم . والأول : باطل لأن أداء الواجب لا ~~يسمى رحمة ، ألا ترى أن من كان له على إنسان مائة دينار فأخذها منه قهرا ~~وتكليفا لا يقال في المعطي إنه أعطى الآخذ ذلك القدر رحمة ، والثاني : باطل ~~لأن المكلف صار بما أخذ من الثواب الذي هو حقه كالمستغني عن ذلك التفضل ~~فتلك الزيادة تسمى زيادة في الإنعام ولا تسمى ألبتة رحمة ، ألا ترى أن ~~السلطان المعظم إذا كان في خدمته أمير له ثروة عظيمة ومملكة كاملة ، ثم إن ~~السلطان ضم إلى ماله من الملك مملكة أخرى ، فإنه لا يقال : إن السلطان رحمه ~~بل يقال : زاد في الإنعام عليه فكذا / ههنا . أما القسم الثاني : وهو أن ~~رحمته إنما تظهر بالنسبة إلى من يستحق العقاب ، فإما أن تكون رحمته لأنه ~~تعالى ترك العذاب الزائد على العذاب المستحق ، وهذا باطل لأن ترك ذلك واجب ~~والواجب لا يسمى رحمة ولأنه يلزم أن يكون كل كافر وظالم رحيما علينا لأجل ~~أنه ما ظلمنا ، فبقي أنه إنما يكون رحيما لأنه ترك العقاب المستحق وذلك لا ~~يتحقق في حق صاحب الصغيرة ولا في حق صاحب الكبيرة بعد التوبة ، لأن ترك ~~عقابهم واجب ، فدل على أن رحمته إنما حصلت لأنه ترك عقاب صاحب الكبيرة قبل ~~التوبة ، فإن قيل : لم لا يجوز أن تكون رحمته لأجل أن الخلق والتكليف ~~والرزق كلها تفضل ، ولأنه تعالى يخفف عن عقاب صاحب الكبيرة ؟ قلنا : أما ~~الأول فإنه يفيد كونه رحيما في الدنيا فأين رحمته في الآخرة مع أن الأمة ~~مجتمعة على أن رحمته في الآخرة أعظم من رحمته في الدنيا . وأما الثاني : ~~فلأن عندكم التخفيف عن العقاب غير جائز هكذا ms0930 PageV03P143 قول المعتزلة ~~الوعيدية ، إذا ثبت حصول التخفيف بمقتضى هذه الآية ثبت جواز العفو لأن كل ~~من قال بأحدهما قال بالآخر . # الحجة الرابعة : قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) ، فنقول : ( لمن يشاء ) لا يجوز أن يتناول ~~صاحب الصغيرة ولا صاحب الكبيرة بعد التوبة ، فوجب أن يكون المراد منه صاحب ~~الكبيرة قبل التوبة ، وإنما قلنا : لا يجوز حمله على الصغيرة ولا على ~~الكبيرة بعد التوبة لوجوه . أحدها : أن قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك } ، معناه أنه لا يغفره تفضلا لا أنه لا يغفره ~~استحقاقا دل عليه العقل والسمع وإذا كان كذلك لزم أن يكون معنى قوله : { ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } أي ويتفضل بغفران ما دون ذلك الشرك حتى يكون ~~النفي والإثبات متوجهين إلى شيء واحد ، ألا ترى أنه لو قال : فلان لا يتفضل ~~بمائة دينار ويعطي ما دونها لمن استحق لم يكن كلاما منتظما ، ولما كان ~~غفران صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة مستحقا امتنع كونهما مرادين ~~بالآية . وثانيها : أنه لو كان قوله : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } أنه ~~يغفر المستحقين كالتائبين وأصحاب الصغائر لم يبق لتمييز الشرك مما دون ~~الشرك معنى لأنه تعالى كما يغفر ما دون الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره عند ~~عدم الاستحقاق فكذلك يغفر الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره عند عدم الاستحقاق ~~، فلا يبقى للفصل والتمييز فائدة ، وثالثها : أن غفران التائبين وأصحاب ~~الصغائر واجب والواجب غير معلق على المشيئة ، لأن المعلق على المشيئة هو ~~الذي إن شاء فاعله فعله يفعله وإن شاء تركه يتركه فالواجب هو الذي لا بد من ~~فعله شاء أو أبى ، والمغفرة المذكورة في الآية معلقة على المشيئة فلا يجوز ~~أن تكون للمغفرة المذكورة في الآية مغفرة التائبين وأصحاب الصغائر ، واعلم ~~أن هذه الوجوه بأسرها مبينة على قول المعتزلة من أنه يجب غفران صاحب ~~الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة ، وأما نحن فلا نقول ذلك ms0931 . ورابعها : أن ~~قوله : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } يفيد القطع بأنه يغفر كل ما سوى / ~~الشرك وذلك يندرج فيه الصغيرة والكبيرة بعد التوبة وقبل التوبة إلا أن ~~غفران كل هذه الثلاثة يحمل قسمين ، لأنه يحتمل أن يغفر كلها لكل أحد وأن ~~يغفر كلها للبعض دون البعض فقوله : { ويغفر ما دون ذلك } يدل على أنه تعالى ~~يغفر كل هذه الثلاثة ، ثم قوله : { لمن يشاء } يدل على أنه تعالى يغفر كل ~~تلك الأشياء لا للكل بل للبعض . وهذا الوجه هو اللائق بأصولنا ، فإن قيل : ~~لا نسلم أن المغفرة تدل على أنه تعالى لا يعذب العصاة في الآخرة بيانه أن ~~المغفرة إسقاط العقاب وإسقاط العقاب أعم من إسقاط العقاب دائما أو لا دائما ~~واللفظ الموضوع بإزاء القدر المشترك لا إشعار له بكل واحد من ذينك القيدين ~~، فإذن لفظ المغفرة لا دلالة فيه على الإسقاط الدائم . إذا ثبت هذا فنقول : ~~لم لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك عن الدنيا ~~ويؤخر عقوبة ما دون الشرك عن الدنيا لمن يشاء ، لا يقال : كيف يصح هذا ونحن ~~لا نرى مزيدا للكفار في عقاب الدنيا على المؤمنين لأنا نقول : تقدير الآية ~~أن الله لا يؤخر عقاب الشرك في الدنيا لمن يشاء ويؤخر عقاب ما دون الشرك في ~~الدنيا لمن يشاء فحصل بذلك تخويف كلا الفريقين بتعجيل العقاب للكفار ~~والفساق لتجويز كل واحد من هؤلاء أن يعجل عقابه ، وإن كان لا يفعل ذلك ~~بكثير منهم . سلمنا أن الغفران عبارة عن الإسقاط على سبيل الدوام فلم قلتم ~~إنه لا يمكن حمله على مغفرة التائب ومغفرة صاحب الصغيرة ؟ أما الوجوه ~~الثلاثة الأول : فهي مبنية على أصول لا يقولون بها وهي وجوب مغفرة صاحب ~~الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة ، وأما الوجه الرابع : فلا نسلم أن قوله ~~: { ما دون ذلك } يفيد العموم ، والدليل عليه أنه يصح إدخال لفظ ~~PageV03P144 ( كل ) و ( بعض ) على البدل عليه مثل أن يقال : ويغفر كل ما ~~دون ذلك . ويغفر بعض ما دون ms0932 ذلك ولو كان قوله : { ما دون ذلك } يفيد العموم ~~لما صح ذلك ، سلمنا أنه للعموم ولكنا نخصصه بصاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة ~~بعد التوبة ، وذلك لأن الآيات الواردة في الوعيد كل واحد منها مختص بنوع ~~واحد من الكبائر مثل القتل والزنا ، وهذه الآية متناولة لجميع المعاصي ~~والخاص مقدم على العام ، فآيات الوعيد يجب أن تكون مقدمة على هذه الآية . ~~والجواب عن الأول : أنا إذا حملنا المغفرة على تأخير العقاب وجب بحكم الآية ~~أن يكون عقاب المشركين في الدنيا أكثر من عقاب المؤمنين وإلا لم يكن في هذا ~~التفصيل فائدة ، ومعلوم أنه ليس كذلك بدليل قوله تعالى : { ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة } ( النساء ~~: 48 ، 116 ) الآية . قوله : لم قلتم إن قوله : { ما دون ذلك } يفيد العموم ~~؟ قلنا : لأن قوله : ( ما ) تفيد الإشارة إلى الماهية الموصوفة بأنها دون ~~الشرك ، وهذه الماهية ماهية واحدة ، وقد حكم قطعا بأنه يغفرها ، ففي كل ~~صورة تتحقق فيها هذه الماهية وجب تحقق الغفران ، فثبت أنه للعموم ولأنه يصح ~~استثناء أي معصية كانت منها وعند الوعيدية صحة الاستثناء تدل على العموم ، ~~أما قوله : آيات الوعيد أخص من هذه الآية ، قلنا : لكن هذه الآية أخص منها ~~لأنها تفيد العفو عن البعض دون البعض / وما ذكرتموه يفيد الوعيد للكل ، ~~ولأن ترجيح آيات العفو أولى لكثرة ما جاء في القرآن والأخبار من الترغيب في ~~العفو . # الحجة الخامسة : أن نتمسك بعمومات الوعد وهي كثيرة في القرآن ، ثم نقول : ~~لما وقع التعارض فلا بد من الترجيح أو من التوفيق ، والترجيح معناه من وجوه ~~. أحدها : أن عمومات الوعد أكثر والترجيح بكثرة الأدلة أمر معتبر في الشرع ~~، وقد دللنا على صحته في أصول الفقه ، و ثانيها : أن قوله تعالى : { إن ~~الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) يدل على أن الحسنة إنما كانت مذهبة ~~للسيئة لكونها حسنة على ما ثبت في أصول الفقه ، فوجب بحكم هذا الإيماء أن ~~تكون كل حسنة مذهبة لكل سيئة ترك العمل به في حق ms0933 الحسنات الصادرة من الكفار ~~، فإنها لا تذهب سيئاتهم فيبقى معمولا به في الباقي . وثالثها : قوله تعالى ~~: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } ~~( الأنعام : 165 ) ، ثم إنه تعالى زاد على العشرة فقال : { كمثل حبة أنبتت ~~سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } ثم زاد عليه فقال : { والله يضاعف لمن ~~يشاء } ( البقرة : 261 ) وأما في جانب السيئة فقال : { ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها } ، وهذا في غاية الدلالة على أن جانب الحسنة راجع عند الله ~~تعالى على جانب السيئة . و رابعها : أنه تعالى قال في آية الوعد في سورة ~~النساء : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها ~~الانهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من } فقوله : { وعد الله ~~حقا } ( النساء : 122 ) إنما ذكره للتأكيد ولم يقل في شيء من المواضع وعيد ~~الله حقا . # أما قوله تعالى : { ما يبدل القول لدى } ( ق : 29 ) الآية ، يتناول الوعد ~~والوعيد . و خامسها : قوله تعالى : { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما * ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله ~~عليما حكيما } ( النساء : 110 111 ) والاستغفار طلب المغفرة وهو غير التوبة ~~/ فصرح ههنا بأنه سواء تاب أو لم يتب فإذا استغفر غفر الله له ، ولم يقل ~~ومن يكسب إثما فإنه يجد الله معذبا معاقبا ، بل قال : { فإنما يكسبه على ~~نفسه } فدل هذا على أن جانب الحسنة راجح ونظيره قوله تعالى : { إن أحسنتم ~~PageV03P145 أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) ولم يقل : ~~وإن أسأتم أسأتم لها فكأنها تعالى أظهر إحسانه بأن أعاده مرتين وستر عليه ~~إساءته بأن لم يذكرها إلا مرة واحدة ، وكل ذلك يدل على أن جانب الحسنة راجح ~~. و سادسها : أنا قد دللنا على أن قوله تعالى : { ويغفر ما دون * لمن يشاء ~~} ( النساء : 48 ) لا يتناول إلا العفو عن صاحب الكبيرة ثم إنه تعالى أعاد ~~هذه الآية في السورة الواحدة مرتين والإعادة لا تحسن إلا للتأكيد ، ولم ms0934 ~~يذكر شيئا من آيات الوعيد على وجه الإعادة بلفظ واحد ، لا في سورة واحدة ~~ولا في سورتين ، فدل على أن عناية الله بجانب الوعد على الحسنات والعفو عن ~~السيئات أتم . و سابعها : أن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضت فلا بد من ~~صرف التأويل إلى أحد الجانبين وصرف التأويل إلى الوعيد أحسن من صرفه إلى ~~الوعد لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف وإهمال الوعد مستقبح في العرف ، ~~فكان صرف التأويل إلى الوعيد أولى من صرفه إلى الوعد . و ثامنها : / أن ~~القرآن مملوء من كونه تعالى غافرا غفورا غفارا وأن له الغفران والمغفرة ، ~~وأنه تعالى رحيم كريم ، وأن له العفو والإحسان والفضل والإفضال ، والأخبار ~~الدالة على هذه الأشياء قد بلغت مبلغ التواتر وكل ذلك مما يؤكد جانب الوعد ~~وليس في القرآن ما يدل على أنه تعالى بعيد عن الرحمة والكرم والعفو ، وكل ~~ذلك يوجب رجحان جانب الوعد على جانب الوعيد . وتاسعها : أن هذا الإنسان أتى ~~بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر ، ~~بل أتى بالشر الذي هو في طبقة القبائح ليس في الغاية والسيد الذي له عبد ثم ~~أتى عبده بأعظم الطاعات وأتى بمعصية متوسطة فلو رجع المولى تلك المعصية ~~المتوسطة على الطاعة العظيمة لعد ذلك السيد لئيما مؤذيا فكذا ههنا ، فلما ~~لم يجز ذلك على الله ثبت أن الرجحان لجانب الوعد . وعاشرها : قال يحيى بن ~~معاذ الرازي : إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة فتوحيد خمسين ~~سنة كيف لا يهدم معصية ساعة ا إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من ~~الطاعات كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي وإلا فالكفر ~~أعظم من الإيمانا فإن يكن كذلك فلا أقل من رجاء العفو . وهو كلام حسن ، ~~الحادي عشر : أنا قد بينا بالدليل أن قوله : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ~~لا يمكن حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة ، فلو لم تحمله على ~~الكبيرة قبل التوبة ms0935 لزم تعطيل الآية ، أما لو خصصنا عمومات الوعيد بمن ~~يستحلها لم يلزم منه إلا تخصيص العموم ، ومعلوم أن التخصيص أهون من التعطيل ~~، قالت المعتزلة : ترجيح جانب الوعيد أولى من وجوه . أولها : هو أن الأمة ~~اتفقت على أن الفاسق يلعن ويحد على سبيل التنكيل والعذاب وأنه أهل الخزي ~~وذلك يدل على أنه مستحق للعقاب وإذا كان مستحقا للعقاب استحال أن يبقى في ~~تلك الحالة مستحقا للثواب ، وإذا ثبت هذا كان جانب الوعيد راجحا على جانب ~~الوعد . أما بيان أنه يلعن ، فالقرآن والإجماع ، أما القرآن فقوله تعالى في ~~قاتل المؤمن : { وغضب الله عليه ولعنه } ( النساء : 93 ) وكذا قوله : { ألا ~~لعنة الله على الظالمين } ( الأعراف : 44 ) وأما الإجماع فظاهر ، وأما أنه ~~يحد على سبيل التنكيل فلقوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~جزاء بما كسبا نكالا من الله } ( المائدة : 38 ) وأما أنه يحد على سبيل ~~العذاب فلقوله تعالى في الزاني : { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } ( ~~النور : 2 ) ، وأما أنهم أهل الخزي فلقوله تعالى في قطاع الطريق : { إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } إلى قوله تعالى : { ذالك لهم خزى فى ~~الدنيا ولهم فى الاخرة عذاب عظيم } ( المائدة : 33 ) . وإذا ثبت كون الفاسق ~~موصوفا بهذه الصفات ثبت أنه مستحق للعذاب والذم ، ومن كان مستحقا لهما ~~دائما ومتى استحقهما دائما امتنع أن يبقى مستحقا للثواب ، لأن PageV03P146 ~~الثواب والعقاب متنافيان ، فالجمع بين استحقاقهما محال ، وإذا لم يبق ~~مستحقا للثواب ثبت أن جانب الوعيد راجح على جانب الوعد ، وثانيها : أن آيات ~~الوعد عامة وآيات الوعيد خاصة والخاص مقدم على العام . وثالثها : أن الناس ~~جبلوا على الفساد والظلم فكانت الحاجة إلى الزجر أشد ، فكان جانب الوعيد ~~أولى ، قلنا : الجواب عن الأول من / وجوه : الأول : كما وجدت آيات دالة على ~~أنهم يلعنون ويعذبون في الدنيا بسبب معاصيهم كذلك أيضا وجدت آيات دالة على ~~أنهم يعظمون ويكرمون في الدنيا بسبب إيمانهم . قال الله تعالى : { وإذا ~~جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } ( ~~الأنعام : 54 ) ، فليس ترجيح آيات ms0936 الوعيد في الآخرة بالآيات الدالة على ~~أنهم يذمون ويعذبون في الدنيا بأولى من ترجيح آيات الوعد في الآخرة بالآيات ~~الدالة على أنهم يعظمون بسبب إيمانهم في الدنيا . الثاني : فكما أن آيات ~~الوعد معارضة لآيات الوعيد في الآخرة فهي معارضة لآيات الوعيد والنكال في ~~الدنيا ، فلم كان ترجيح آيات وعيد الدنيا على آيات وعيد الآخرة أولى من ~~العكس . الثالث : أنا أجمعنا على أن السارق وإن تاب إلا أنه تقطع يده لا ~~نكالا ولكن امتحانا ، فثبت أن قوله : { جزاء بما كسبا نكالا } ( المائدة : ~~38 ) مشروط بعدم التوبة ، فلم لا يجوز أيضا أن يكون مشروطا بعدم العفو . ~~والرابع : أن الجزاء ما يجزي ويكفي وإذا كان كافيا وجب أن لا يجوز العقاب ~~في الآخرة وإلا قدح ذلك في كونه مجزيا وكافيا ، فثبت أن هذا ينافي العذاب ~~في الآخرة ، وإذا ثبت فساد قولهم في ترجيح جانب الوعيد فنقول : الآيتان ~~الدالتان على الوعد والوعيد موجودتان فلا بد من التوفيق بينهما ، فأما أن ~~يقال : العبد يصل إليه الثواب ثم ينقل إلى دار العقاب وهو قول باطل بإجماع ~~الأمة ، أو يقال : العبد يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى ~~هناك أبد الآباد وهو المطلوب . أما الترجيح الثاني فهو ضعيف لأن قوله : { ~~ويغفر ما دون ذلك } لا يتناول الكفر وقوله : { ومن يعص الله ورسوله } ( ~~النساء : 14 ) ( الأحزاب : 36 ) يتناول الكل فكان قولنا هو الخاص والله ~~أعلم . # الحجة السادسة : أنا قد دللنا على أن تأثير شفاعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم في إسقاط العقاب وذلك يدل على مذهبنا في هذه المسألة . # الحجة السابعة : قوله تعالى : { إن الله يغفر الذنوب جميعا } ( الزمر : ~~53 ) وهو نص في المسألة . فإن قيل : هذه الآية إن دلت فإنما تدل على القطع ~~بالمغفرة لكل العصاة ، وأنتم لا تقولون بهذا المذهب ، فما تدل الآية عليه ~~لا تقولون به وما تقولون به لا تدل الآية عليه ؟ سلمنا ذلك ، لكن المراد ~~بها أنه تعالى يغفر جميع الذنوب مع التوبة وحمل الآية على هذا المحمل أولى ~~لوجهين : أحدهما ms0937 : أنا إذا حملناها على هذا الوجه فقد حملناها على جميع ~~الذنوب من غير تخصيص ، الثاني : أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قوله تعالى : ~~{ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب } ( الزمر : 54 ) ~~والإنابة هي التوبة . فدل على أن التوبة شرط فيه ، والجواب عن الأول . أن ~~قوله : { يغفر الذنوب جميعا } وعد منه بأنه تعالى سيسقطها في المستقبل ، ~~ونحن نقطع بأنه سيفعل في المستقبل ذلك ، فإنا نقطع بأنه تعالى سيخرج ~~المؤمنين من النار لا محالة ، فيكون هذا قطعا بالغفران لا محالة ، وبهذا ~~ثبت أنه لا حاجة في إجراء الآية على ظاهرها على قيد التوبة ، فهذا تمام ~~الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق . ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول : إن ~~المعتزلة فسروا كون الخطيئة محبطة بكونها كبيرة محبطة لثواب فاعلها ، ~~والاعتراض عليه / من وجوه ، PageV03P147 الأول : أنه كما أن من شرط كون ~~السيئة محيطة بالإنسان كونها كبيرة فكذلك شرط هذه الإحاطة عدم العفو ، لأنه ~~لو تحقق العفو لما تحققت إحاطة السيئة بالإنسان ، فإذن لا يثبت كون السيئة ~~محيطة بالإنسان إلا إذا ثبت عدم العفو ، وهذا أول المسألة ويتوقف الاستدلال ~~بهذه الآية على ثبوت المطلوب وهو باطل . الثاني : أنا لا نفسر إحاطة ~~الخطيئة بكونها كبيرة ، بل نفسرها بأن يكون ظاهره وباطنه موصوفا بالمعصية ، ~~وذلك إنما يتحقق في حق الكافر الذي يكون عاصيا لله بقلبه ولسانه وجوارحه ، ~~فأما المسلم الذي يكون مطيعا لله بقلبه ولسانه ويكون عاصيا لله تعالى ببعض ~~أعضائه دون البعض فههنا لا تتحق إحاطة الخطيئة بالعبد ، ولا شك أن تفسير ~~الإحاطة بما ذكرناه أولى ، لأن الجسم إذا مس بعض أجزاء جسم آخر دون بعض لا ~~يقال : إنه محيط به ، وعند هذا يظهر أنه لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد إلا ~~إذا كان كافرا . إذا ثبت هذا فنقول قوله : { فأولائك أصحاب النار } يقتضي ~~أن أصحاب النار ليسوا إلا هم وذلك يقتضي أن لا يكون صاحب الكبيرة من أهل ~~النار ، الثالث : أن قوله تعالى : { فأولائك أصحاب النار } يقتضي كونهم في ~~النار في الحال وذلك ms0938 باطل ، فوجب حمله على أنهم يستحقون النار . ونحن نقول ~~بموجبه : لكن لا نزاع في أنه تعالى هل يعفو عن هذا الحق وهذا أول المسألة ، ~~ولنختم الكلام في هذه الآية بقاعدة فقهية : وهي أن الشرط ههنا أمران ، ~~أحدهما : اكتساب السيئة ، والثاني : إحاطة تلك السيئة بالعبد والجزاء ~~المعلق على وجود الشرطين لا يوجد عند حصل أحدهما . وهذا يدل على أن من عقد ~~اليمين على شرطين في طلاق أو إعتاق أنه لا يحنث بوجود أحدهما والله أعلم . # ! 7 < { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولائك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 82 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر ~~بجنبها آية في الوعد ، وذلك لفوائد : أحدها : ليظهر بذلك عدله سبحانه ، ~~لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم ~~الدائم على المصرين على الإيمان ، وثانيها : أن المؤمن لا بد وأن يعتدل ~~خوفه ورجاؤه على ما قال عليه الصلاة والسلام : ( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه ~~لاعتدلا ) ، وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق ، وثالثها : أنه يظهر ~~بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سببا للعرفان ، وههنا مسائل ~~: # المسألة الأولى : العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان لأنه تعالى قال : { ~~والذين ءامنوا وعملوا الصالحات } فلو دل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر ~~العمل الصالح بعد الإيمان تكرارا / أجاب القاضي بأن الإيمان وإن كان يدخل ~~فيه جميع الأعمال الصالحة ، إلا أن قوله : آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلا ~~واحدا من أفعال الإيمان ، فلهذا حسن أن يقول : { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات } . والجواب : أن فعل الماضي يدل على حصول المصدر في زمان مضى ~~والإيمان هو المصدر ، فلو دل ذلك على جميع الأعمال الصالحة لكان قوله : آمن ~~دليلا على صدور كل تلك الأعمال منه والله أعلم . PageV03P148 # المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة لأنا ~~نتكلم فيمن أتى بالإيمان وبالأعمال الصالحة ، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة ولم ~~يتب عنها ، فهذا الشخص قبل ms0939 إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن وعمل ~~الصالحات في ذلك الوقت ، ومن صدق عليه ذلك صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات ~~وإذا صدق عليه ذلك وجب اندراجه تحت قوله : { أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون } ، فإن قيل قوله تعالى : { وعملوا الصالحات } لا يصدق عليه إلا إذا ~~أتى بجميع الصالحات ومن جملة الصالحات التوبة ، فإذا لم يأت بها لم يكن ~~آتيا بالصالحات ، فلا يندرج تحت الآية . قلنا : قد بينا أنه قبل الإتيان ~~بالكبيرة صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت وإذا صدق عليه ذلك ~~فقد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت وإذا صدق عليه ذلك فقد ~~صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات ، لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد ، بل ~~إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في كل الأوقات ، ~~لكن قولنا : آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا : إنه كذلك في كل الأوقات أو ~~في بعض الأوقات ، والمعتبر في الآية هو القدر المشترك ، فثبت أنه مندرج تحت ~~حكم الوعد . بقي قولهم : إن الفاسق أحبط عقاب معصيته ثواب طاعته فيكون ~~الترجيح لجانب الوعيد إلا أن الكلام عليه قد تقدم . # المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على أن من يدخل الجنة لا ~~يدخلها تفضلا ، لأن قوله : { أولئك أصحاب الجنة } للحصر ، فدل على أنه ليس ~~للجنة أصحاب إلا هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، قلنا : لم لا يجوز أن ~~يكون المراد أنهم هم الذين يستحقونها فمن أعطى الجنة تفضلا لم يدخل تحت هذا ~~الحكم والله أعلم . # ! 7 < { وإذ أخذنا ميثاق بنىإسرءيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ~~وذى القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلواة وءاتوا ~~الزكواة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون } > 7 ! # / < < # | البقرة : ( 83 ) وإذ أخذنا ميثاق . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها ، وذلك لأن ~~التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة ، والموصل إلى النعمة ~~نعمة ، فهذا التكليف لا محالة من النعم ms0940 ، ثم إنه تعالى بين ههنا أنه كلفهم ~~بأشياء : التكليف الأول : قوله تعالى : { لا تعبدون إلا الله } وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ( يعبدون ) بالياء ~~والباقون بالتاء ، ووجه الياء أنهم غيب أخبر عنهم ، ووجه التاء أنهم كانوا ~~مخاطبين والاختيار التاء ، قال أبو عمرو : ألا ترى أنه جل ذكره قال : { ~~وقولوا للناس حسنا } فدلت المخاطبة على التاء . # المسألة الثانية : اختلفوا في موضع ( يعبدون ) من الأعراب على خمسة أقوال ~~: PageV03P149 # القول الأول : قال الكسائي : رفعه على أن لا يعبدوا كأنه قيل : أخذنا ~~ميثاقهم بأن لا يعبدوا إلا أنه لما أسقطت ( أن ) رفع الفعل كما قال طرفة : # % ألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى % % وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي % # أراد أن أحضر ولذلك عطف عليه ( أن ) وأجاز هذا الوجه الأخفش والفراء ~~والزجاج وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم . # القول الثاني : موضعه رفع على أنه جواب القسم ، كأنه قيل : وإذا أقسمنا ~~عليهم لا يعبدون ، وأجاز هذا الوجه المبرد والكسائي والفراء والزجاج وهو ~~أحد قولي الأخفش . # القول الثالث : قول قطرب : أنه يكون في موضع الحال فيكون موضعه نصبا كأنه ~~قال : أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله . # القول الرابع : قول الفراء أن موضع ( لا تعبدون ) على النهي إلا أنه جاء ~~على لفظ الخبر كقوله تعالى : { لا تضار والدة بولدها } ( البقرة : 233 ) ~~بالرفع والمعنى على النهي ، والذي يؤكد كونه نهيا أمور . أحدها : قوله : { ~~أقيموا } ، وثانيها ؛ أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي : { لا تعبدوا } . ~~وثالثها : أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي ~~، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه . # القول الخامس : التقدير أن لا تعبدوا تكون ( أن ) مع الفعل بدلا عن ~~الميثاق ، كأنه قيل : أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم . # المسألة الثالثة : هذا الميثاق يدل على تمام ما لا بد منه في الدين لأنه ~~تعالى لما أمر بعبادة الله تعالى ونهى عن عبادة غيره ، ولا شك أن الأمر ~~بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه ، وجميع ما يجب ~~ويجوز ويستحيل ms0941 عليه وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد ~~والبراءة عن الصاحبة والأولاد ، ومسبوق أيضا بالعلم بكيفية تلك العبادة ~~التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة ، فقوله : { لا تعبدون إلا ~~الله } يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة ~~لا تتأتى إلا معها . # / التكليف الثاني : قوله تعالى : { وبالوالدين إحسانا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : يقال : بم يتصل الباء في قوله تعالى : { وبالوالدين ~~إحسانا } وعلام انتصب ؟ قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : قال الزجاج : انتصب ~~على معنى أحسنوا بالوالدين إحسانا . والثاني : قيل على معنى وصيناهم ~~بالوالدين إحسانا لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول ~~لكان . وإلى الوالدين كأنه قيل : وأحسنوا إلى الوالدين . الثالث : قيل : بل ~~هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا . # المسألة الثانية : إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه . ~~أحدها : أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم ، فلا بد من تقديم شكره على شكر ~~غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم ، وذلك لأن الوالدين هما ~~الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية ، وأما ~~غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود ، بل بالتربية فقط ، فثبت ~~أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى . PageV03P150 وثانيها ~~: أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة والوالدان هما ~~المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر ، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه ~~بالمؤثر بحسب العرف الظاهر . وثالثها : أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه على ~~العبد عوضا ألبتة بل المقصود إنما هو محض الإنعام والوالدان كذلك ، فإنهما ~~لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضا ماليا ولا ثوابا ، فإن من ينكر ~~الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه ، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام الله ~~تعالى . الرابع : أن الله تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد ~~بأعظم الجرائم ، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف كرمه ، وكذا الوالدان ~~لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما ms0942 ، وإن كان الولد مسيئا ~~إلى الوالدين . الخامس : كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده ~~بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان ، فكذا الحق سبحانه ~~وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله ~~التي لا تبقى كالشيء الباقي أبد الآباد كما قال : { مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } ( ~~البقرة : 261 ) . السادس : أن نعمة الله وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ~~ولكن نعمة الله معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة ، إلا ~~أنها قليلة بالنسبة إلى نعم الله فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم الله ~~فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم الله تعالى . # المسألة الثالثة : اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن ~~كانا كافرين ، ويدل عليه وجوه . أحدها : أن قوله في هذه الآية : { ~~وبالوالدين إحسانا } غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا ، ولأنه ثبت في أصول ~~الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف ، فدلت هذه الآية على أن ~~الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم ، وهكذا ~~الاستدلال بقوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ~~} . وثانيها : قوله تعالى : { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما } الآية ، وهذا ~~نهاية المبالغة في المنع من إياذئهما ، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية : { ~~وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا } ( الإسراء : 23 ، 24 ) فصرح ببيان السبب ~~في وجوب هذا التعظيم . وثالثها : أن الله تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام ~~أنه كيف تلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله : { لابيه ياأبت ~~لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) ثم إن أباه ~~كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو عليه السلام كان يتحمل ذلك ، وإذا ثبت ~~ذلك في حق إبراهيم عليه السلام ثبت مثله في حق هذه الأمة لقوله تعالى : { ~~ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } ( النحل : 123 ) . # المسألة الرابعة : اعلم أن الإحسان إليهما هو ms0943 ألا يؤذيهما ألبتة ويوصل ~~إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه ، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن ~~كانا كافرين وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين . # التكليف الثالث : قوله تعالى : { وذى القربى } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه ~~الوارث المحرم وغير المحرم ، ولا يدخل الأب والابن لأنهما لا يعرفان ~~بالقريب ، ويدخل الأحفاد والأجداد ، وقيل : لا يدخل الأصول والفروع وقيل ~~بدخول الكل . وههنا دقيقة ، وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية فيتسع ~~نسلهم وكلهم PageV03P151 أقارب ، فلو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده ~~كثروا ، فلهذا قال الشافعي رضي الله عنه : يرتقي إلى أقرب جد ينتسب هو إليه ~~ويعرف به وإن كان كافرا ، وذكر الأصحاب في مثاله : أنه لو أوصى لأقارب ~~الشافعي رضي الله عنه فإنا نصرفه إلى بني شافع دون بني المطلب وبني عبد ~~مناف وإن كانوا أقارب ، لأن الشافعي ينتسب في المشهور إلى شافع دون عبد ~~مناف . قال الشيخ الغزالي : وهذا في زمان الشافعي ، أما في زماننا فلا ~~ينصرف إلا إلى أولاد الشافعي رضي الله عنه ولا يرتقي إلى بني شافع لأنه ~~أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا ، أما قرابة الأم فإنها تدخل في وصية ~~العجم ولا تدخل في وصية العرب على الأظهر ، لأنهم لا يعدون ذلك قرابة ، أما ~~لو قال لأرحام فلان دخل فيه قرابة الأب والأم . # المسألة الثانية : اعلم أن حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين لأن ~~الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين والاتصال بالوالدين ~~مقدم على الاتصال بذي القربى ، فلهذا أخر الله ذكره عن الوالدين ، وعن أبي ~~هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( إن الرحم سجنة من الرحمن فإذا كان ~~يوم القيامة يقول : أي رب إني ظلمت ، إني أسيء إلي ، إني قطعت . قال ~~فيجيبها ربها : ألا ترضين أني أقطع من قطعك وأصل من وصلك ، ثم قرأ { فهل ~~عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض وتقطعوا أرحامكم } ، والسبب العقلي في ~~تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة ms0944 الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة ، ~~فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيلام والإيحاش ~~والضرورة ، وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب ، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب ~~. # / التكليف الرابع : قوله تعالى : { واليتامى } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اليتيم الذي مات أبوه حتى يبلغ الحلم وجمعه أيتام ~~ويتامى ، كقولهم : نديم وندامى ، ولا يقال لمن ماتت أمه إنه يتيم . قال ~~الزجاج : هذا في الإنسان ، أما في غير الإنسان فيتمه من قبل أمه . # المسألة الثانية : اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب وذلك لأنه لصغره ~~لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن يقوم به ، يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما ~~يرغب في صحبة مثل هذا ، وإذا كان هذا التكليف شاقا على النفس لا جرم كانت ~~درجته عظيمة في الدين . # التكليف الخامس : قوله تعالى : { والمساكين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ( والمساكين ) واحدها مسكين ، أخذ من السكون كأن الفقر ~~قد سكنه وهو أشد فقرا من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة رضي ~~الله عنه واحتجوا بقوله تعالى : { أو مسكينا ذا متربة } ( البلد : 16 ) ~~وعند الشافعي رضي الله عنه : الفقير أسوأ حالا ، لأن الفقير اشتقاقه من ~~فقار الظهر كأن فقاره انكسر لشدة حاجته وهو قول ابن الأنباري . واحتجوا ~~عليه بقوله تعالى : { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر } ( الكهف ~~: 79 ) جعلهم مساكين مع أن السفينة كانت ملكا لهم . # المسألة الثانية ؛ إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون ~~بحيث ينتفع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى ~~مخالطة اليتامى ، ولأن المسكين أيضا يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح ~~معيشته ، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين . ~~PageV03P152 # المسألة الثالثة : الإحسان إلى ذي القربى واليتامى ، لا بد وأن يكون ~~مغايرا للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير . # التكليف السادس : قوله تعالى : { وقولوا للناس حسنا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : ( حسنا ) بفتح الحاء والسين على ~~معنى الوصف للقول ، كأنه قال : قولوا للناس قولا حسنا ، والباقون بضم الحاء ~~وسكون السين ms0945 ، واستشهدوا بقوله تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } ( ~~العنكبوت : 8 ) وبقوله : { ثم بدل حسنا بعد سوء } ( النحل : 11 ) وفيه أوجه ~~، الأول : قال الأخفش : معناه قولا ذا حسن . الثاني : يجوز أن يكون حسنا في ~~موضع حسنا كما تقول : رجل عدل . الثالث : أن يكون معنى قوله : { وقولوا ~~للناس حسنا } أي ليحسن قولكم نصب على مصدر الفعل الذي دل عليه الكلام الأول ~~. الرابع : حسنا أي قول هو حسن في نفسه لإفراط حسنه . # المسألة الثانية : يقال : لم خوطبوا بقولوا بعد الإخبار ؟ والجواب من ~~ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على طريقة الالتفات كقوله تعالى : { حتى إذا كنتم ~~فى الفلك وجرين بهم } ( يونس : 22 ) . وثانيها : فيه حذف أي قلنا لهم قولوا ~~. وثالثها : الميثاق لا يكون إلا كلاما كأنه قيل : قلت لا تعبدوا وقولوا . # / المسألة الثالثة : اختلفوا في أن المخاطب بقوله : { وقولوا للناس حسنا ~~} من هو ؟ فيحتمل أن يقال : إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا ~~الله وعلى أن يقولوا للناس حسنا ويحتمل أن يقال : إنه تعالى أخذ الميثاق ~~عليهم أن لا يعبدوا إلا الله ثم قال لموسى وأمته : قولوا للناس حسنا والكل ~~ممكن بحسب اللفظ وإن كان الأول أقرب حتى تكون القصة قصة واحدة مشتملة على ~~محاسن العادات ومكارم الأخلاق من كل الوجوه . # المسألة الرابعة : منهم من قال : إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين ، أما ~~مع الكفار والفساق فلا ، والدليل عليه وجهان ، الأول : أنه يجب لعنهم وذمهم ~~والمحاربة معهم ، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسنا ، والثاني : قوله ~~تعالى : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } ( النساء : 148 ~~) فأباح الجهر بالسوء لمن ظلم ، ثم إن القائلين بهذا القول منهم من زعم أن ~~هذا الأمر صار منسوخا بآية القتال ، ومنهم من قال : إنه دخله التخصيص ، ~~وعلى هذا التقدير يحصل ههنا احتمالان ، أحدهما : أن يكون التخصيص واقعا ~~بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد وقولوا للمؤمنين حسنا . والثاني : أن يقع ~~بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد قولوا للناس حسنا في الدعاء إلى الله ~~تعالى . وفي الأمر ms0946 المعروف ، فعلى الوجه الأول : يتطرق التخصيص إلى المخاطب ~~دون الخطاب وعلى الثاني : يتطرق إلى الخطاب دون المخاطب ، وزعم أبو جعفر ~~محمد بن علي الباقر أن هذا العموم باق على ظاهره وأنه لا حاجة إلى التخصيص ~~، وهذا هو الأقوى والدليل عليه أن موسى وهرون مع جلال منصبهما أمرا بالرفق ~~واللين مع فرعون ، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم مأمور بالرفق وترك الغلظة ~~وكذلك قوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ( النحل ~~: 125 ) وقال تعالى : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله ~~عدوا بغير علم } ( الأنعام : 108 ) وقوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما ~~} ( الفرقان : 72 ) وقوله : { وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) أما ~~الذي تمسكوا به أولا من أنه يجب لعنهم وذمهم فلا يمكنهم القول الحسن معهم ، ~~قلنا : أولا لا نسلم أنه يجب لعنهم وسبهم والدليل عليه قوله تعالى : { ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله } ( الأنعام : 108 ) سلمنا أنه يجب لعنهم ~~لكن PageV03P153 لا نسلم أن اللعن ليس قولا حسنا بيانه : أن القول الحسن ~~ليس عبارة عن القول الذي يشتهونه ويحبونه ، بل القول الحسن هو الذي يحصل ~~انتفاعهم به ونحن إذا لعناهم وذممناهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح كان ذلك ~~المعنى نافعا في حقهم فكان ذلك اللعن قولا حسنا ونافعا ، كما أن تغليظ ~~الوالد في القول قد يكون حسنا ونافعا من حيث إنه يرتدع به عن الفعل القبيح ~~، سلمنا أن لعنهم ليس قولا حسنا ولكن لا نسلم أن وجوبه ينافي وجوب القول ~~الحسن ، بيانه أنه لا منافاة بين كون الشخص مستحقا للتعظيم بسبب إحسانه ~~إلينا ومستحقا للتحقير بسبب كفره ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون وجوب ~~القول الحسن معهم ، وأما الذي تمسكوا به ثانيا وهو قوله تعالى : { لا يحب ~~الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } ( النساء : 148 ) فالجواب لم لا ~~يجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظالم / ليحترز الناس عنه ؟ وهو المراد ~~بقوله صلى الله عليه وسلم : ( اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس ms0947 ) . # المسألة الخامسة : قال أهل التحقيق : كلام الناس مع الناس إما أن يكون في ~~الأمور الدينية أو في الأمور الدنيوية ، فإن كان في الأمور الدينية فإما أن ~~يكون في الدعوة إلى الإيمان وهو مع الكفار أو في الدعوة إلى الطاعة وهو مع ~~الفاسق ، أما الدعوة إلى الإيمان فلا بد وأن تكون بالقول الحسن كما قال ~~تعالى لموسى وهارون : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ~~) أمرهما الله تعالى بالرفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون وتمرده ~~وعتوه على الله تعالى ، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك } ( آل عمران : 159 ) الآية ، وأما دعوة الفساق ~~فالقول الحسن فيه معتبر ، قال تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة } ( النحل : 125 ) وقال : { ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولى حميم } ( فصلت : 34 ) وأما في الأمور الدنيوية فمن ~~المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن ~~سواه ، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى : { وقولوا ~~للناس حسنا } . # المسألة السادسة : ظاهر الآية يدل على أن الإحسان إلى ذي القربى واليتامى ~~والمساكين كان واجبا عليهم في دينهم ، وكذا القول الحسن للناس كان واجبا ~~عليهم ، لأن أخذ الميثاق يدل على الوجوب ، وذلك لأن ظاهر الأمر للوجوب ~~ولأنه تعالى ذمهم على التولي عنه وذلك يفيد الوجوب والأمر في شرعنا أيضا ، ~~كذلك من بعض الوجوه ، وروي عن ابن عباس أنه قال : إن الزكاة نسخت كل حق ، ~~وهذا ضعيف لأنه لا خلاف أن من اشتدت به الحاجة وشاهدناه بهذه الصفة فإنه ~~يلزمنا التصدق عليه ، وإن لم يجب علينا الزكاة حتى أنه إن لم تندفع حاجتهم ~~بالزكاة كان التصدق واجبا ولا شك في وجوب مكالمة الناس بطريق لا يتضررون به ~~. # التكليف السابع والثامن : قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاق بنى } وقد تقدم ~~تفسيرهما . # واعلم أنه تعالى لما شرح أنه أخذ الميثاق عليهم في هذه التكاليف الثمانية ~~/ بين أنه مع ms0948 إنعامه عليهم بأخذ الميثاق عليهم بكل ذلك ليقبلوا فتحصل لهم ~~المنزلة العظمى عند ربهم ، تولوا وأساءوا إلى أنفسهم ولم يتلقوا نعم ربهم ~~بالقبول مع توكيد الدلائل والمواثيق عليهم ، وذلك يزيد في قبح ما هم عليه ~~من الإعراض والتولي ، لأن الإقدام على مخالفة الله تعالى بعد أن بلغ الغاية ~~في البيان والتوثق يكون أعظم من المخالفة مع الجهالة ، واختلفوا فيمن ~~المراد بقوله : { ثم توليتم } على ثلاثة أوجه : أحدها : أنه من تقدم من بني ~~PageV03P154 إسرائيل ، وثانيها : أنه خطاب لمن كان في عصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم من اليهود ، يعني أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم ، ~~وثالثها : المراد بقوله : { ثم توليتم } من تقدم بقوله : { وأنتم معرضون } ~~ومن تأخر . أما وجه القول الأول أنه إذا كان الكلام الأول في المتقدمين ~~منهم فظاهر الخطاب يقتضي أن آخره فيهم أيضا إلا بدليل يوجب الانصراف عن / ~~هذا الظاهر ، يبين ذلك أنه تعالى ساق الكلام الأول سياقة إظهار النعم ~~بإقامة الحجج عليهم ، ثم بين من بعد أنهم تولوا إلا قليلا منهم فإنهم بقوا ~~على ما دخلوا فيه . أما وجه القول الثاني أن قوله : { ثم توليتم } خطاب ~~مشافهة وهو بالحاضرين أليق وما تقدم حكاية ، وهو بسلفهم الغائبين أليق ، ~~فكأنه تعالى بين أن تلك العهود والمواثيق كما لزمهم التمسك بها فذلك هو ~~لازم لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من حال محمد صلى الله عليه وسلم وصحة ~~نبوته ، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم وأعرضتم ~~عن ذلك إلا قليلا منكم وهم الذين آمنوا وأسلموا ، فهذا محتمل ، وأما وجه ~~القول الثالث فهو أنه تعالى لما بين أنه أنعم عليهم بتلك النعم ، ثم إنهم ~~تولوا عنها كان ذلك دالا على نهاية قبح أفعالهم ويكون قوله : { وأنتم ~~معرضون } مختصا بمن في زمان محمد صلى الله عليه وسلم أي أنكم بمنزلة ~~المتقدمين الذين تولوا بعد أخذ هذه المواثيق فإنكم بعد اطلاعكم على دلائل ~~صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعرضتم عنه وكفرتم به ، فكنتم في هذا الإعراض ~~بمثابة ms0949 أولئك المتقدمين في ذلك التولي والله أعلم . # ! 7 < { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمآءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ~~ثم أقررتم وأنتم تشهدون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 84 ) وإذ أخذنا ميثاقكم . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية تدل على نوع آخر من نعم الله عليهم وهو أنه تعالى ~~كلفهم هذا التكليف وأنهم أقروا بصحته ثم خالفوا العهد فيه . # وأما قوله : { وإذ أخذنا ميثاقكم } ففيه وجوه . أحدها : أنه خطاب لعلماء ~~اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وثانيها : أنه خطاب مع أسلافهم ، ~~وتقديره وإذ أخذنا ميثاق آبائكم . وثالثها : أنه خطاب للأسلاف وتقريع ~~للأخلاف ومعنى : { أخذنا ميثاقكم } أمرناكم وأكدنا الأمر وقبلتم وأقررتم ~~بلزومه ووجوبه . # أما قوله تعالى : { لا تسفكون دماءكم } ففيه إشكال ، وهو أن الإنسان ملجأ ~~إلى أن لا يقتل نفسه ، وإذا كان كذلك فلا فائدة في النهي عنه . والجواب عنه ~~من أوجه ، أحدها : أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت في أهل الهند أنهم ~~يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور والصلاح أو ~~كثير ممن صعب عليه الزمان ، وثقل عليه أمر من الأمور ، فيقتل نفسه ، فإذا ~~انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفا به ، وثانيها : ~~المراد لا يقتل بعضكم بعضا ، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به نسبا ودينا ~~وهو كقوله تعالى : { فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) / وثالثها : أنه إذا ~~قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه ، PageV03P155 ورابعها : لا ~~تتعرضوا لمقاتلة من يقتلكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم ، وخامسها : لا تسفكون ~~دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا بهم فتكونون مهلكين لأنفسكم . # أما قوله تعالى : { ولا تخرجون أنفسكم } ففيه وجهان ، الأول : لا تفعلوا ~~ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم ، الثاني : المراد النهي عن إخراج ~~بعضهم بعضا من ديارهم لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة والشدة حتى يقرب من ~~الهلاك . # أما قوله تعالى : { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } ففيه وجوه ، أحدها : وهو ~~الأقوى ، أي : ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وأنتم تشهدون ~~عليها كقولك فلان مقر على نفسه ms0950 بكذا أي شاهد عليها ، وثانيها : اعترفتم ~~بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك لأنه كان شائعا فيما بينهم مشهورا . ~~وثالثها : وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا ~~الميثاق ، ورابعها : الإقرار الذي هو الرضاء بالأمر والصبر عليه كأن يقال : ~~فلان لا يقر على الضيم فيكون المعنى أنه تعالى يأمركم بذلك ورضيتم به ~~فأقمتم عليه وشهدتم بوجوبه وصحته ، فإن قيل : لم قال : { أقررتم وأنتم ~~تشهدون } والمعنى واحد ، قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : أقررتم يعني ~~أسلافكم وأنتم تشهدون الآن يعني على إقرارهم ، الثاني : أقررتم في وقت ~~الميثاق الذي مضى وأنتم بعد ذلك تشهدون ، الثالث : أنه للتأكيد . # ! 7 < { ثم أنتم هاؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ~~تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم ~~إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزآء من يفعل ذالك منكم إلا ~~خزى في الحيواة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل ~~عما تعملون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 85 ) ثم أنتم هؤلاء . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { ثم أنتم هاؤلاء } ففيه إشكال لأن قوله : { أنتم } ~~للحاضرين و { هؤلاء } للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب ، وجوابه من ~~وجوه ، أحدها : تقديره ثم أنتم يا هؤلاء ، وثانيها : تقديره ثم أنتم أعني ~~هؤلاء الحاضرين ، وثالثها : أنه بمعنى الذي وصلته ( تقتلون ) وموضع تقتلون ~~رفع إذا كان خبرا ولا موضع له إذا كان صلة . قال الزجاج : ومثله في الصلة ~~قوله تعالى : { وما تلك بيمينك ياموسى * موسى } ( طه : 17 ) يعني وما تلك ~~التي بيمينك ، ورابعها : هؤلاء تأكيد لأنتم ، والخبر ( تقتلون ) ، وأما ~~قوله تعالى : { تقتلون PageV03P156 أنفسكم } فقد ذكرنا فيه الوجوه ، وأصحها ~~أن المراد يقتل بعضكم بعضا ، وقتل البعض للبعض قد يقال فيه إنه قتل للنفس ~~إذ كان الكل بمنزلة النفس الواحدة وبينا المراد بالإخراج من الديار ما هو . # أما قوله تعالى : { تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( تظاهرون ) بتخفيف الظاء ، ~~والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لإحدى التاءين كقوله : { ولا تعاونوا ~~} ووجه التشديد إدغام التاء في ms0951 الظاء ، كقوله تعالى : { اثاقلتم } ( التوبة ~~: 38 ) والحذف أخف والادغام أدل على الأصل . # المسألة الثانية : اعلم أن التظاهر هو التعاون ، ولما كان الإخراج من ~~الديار وقتل البعض بعضا مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة ~~بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم ~~والعدوان . # المسألة الثالثة : الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم ~~على ظلمه محرمة ، فإن قيل : أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم ~~وأزال العوائق والموانع وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه ~~على الظلم ، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من ~~الله تعالى ، والجواب : أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم ~~بالتهديد والزجر ، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه في ~~عينه ويدعوه إليه فظهر الفرق . # المسألة الرابعة : الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب ~~المباشر ، بل الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة ~~لما أثرت في حصول الظلم ولو حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم ~~، فعلمنا أن المباشرة أدخل في الحرمة من الإعانة . # أما قوله تعالى : { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم والكسائي : ( أسارى تفادوهم ) بالألف ~~فيهما ، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون : ( أسارى ) بالألف و ( ~~تفدوهم ) بغير ألف و ( الأسرى ) جمع أسير كجريح وجرحى ، وفي أسارى قولان : ~~أحدهما : أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى ، والثاني : جمع أسير ، وفرق أبو عمرو ~~بين الأسرى والأسارى ، وقال : الأسارى الذين في وثاق ، والأسرى الذين في ~~اليد ، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة / وأنكر ثعلب ذلك ، وقال / علي ~~ابن عيسى : الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى ~~الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه ، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة ~~أهل الحجاز . # المسألة الثانية : تفدوهم وتفادوهم لغتان مشهورتان تفدوهم من الفداء وهو ~~العوض من الشيء ms0952 صيانة له ، يقال : فداه فدية وتفادوهم من المفاداة . # المسألة الثالثة : جمهور المفسرين قالوا : المراد من قوله : { تفادوهم } ~~وصف لهم بما هو طاعة وهو PageV03P157 التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ~~ليعودوا إلى كفرهم ، وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك ، والمراد أنكم مع القتل ~~والإخراج إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال ، وإن كان ذلك ~~محرما عليكم ثم عنده تخرجونه من الأسر ، قال أبو مسلم والمفسرون : إنما ~~أتوا من جهة قوله تعالى : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } ، وهذا ~~ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وما ~~أنزل عليهم ، والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه ~~فقد آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض ، وكلا القولين يحتمل لفظ المفادة لأن ~~الباذل عن الأسير يوصف بأنه فاداه والأخذ منه للتخليص يوصف أيضا بذلك ، إلا ~~أن الذي أجمع المفسرون عليه أقرب ، لأن عود قوله : { أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض } إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية أولى من عوده إلى أمور تقدم ~~ذكرها بعد آيات . # المسألة الرابعة : قال بعضهم : الذين أخرجوا والذين فودوا فريق واحد ، ~~وذلك أن قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج ، فافترقوا فكانت النضير ~~مع الخزرج وقريظة مع الأوس . فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه وإذا غلبوا ~~خربوا ديارهم وأخرجوهم وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه ، ~~فعيرتهم العرب وقالوا : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فيقولون : أمرنا أن ~~نفديهم وحرم علينا قتالهم ، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا ، وقال آخرون : ليس ~~الذين أخرجوهم فودوا ولكنهم قوم آخرون فعابهم الله عليه . # أما قوله تعالى : { وهو محرم عليكم إخراجهم } ففي قوله : { وهو } وجهان ، ~~الأول : أنه ضمير القصة والشأن كأنه قيل والقصة محرم عليكم إخراجهم ، ~~الثاني : أنه كناية عن الإخراج أعيد ذكره توكيدا لأنه فصل بينهما بكلام ~~فموضعه على هذا رفع كأنه قيل وإخراجهم محرم عليكم ، ثم أعيد ذكر إخراجهم ~~مبينا للأول . # أما قوله : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } فقد اختلف ms0953 العلماء فيه ~~على وجهين . أحدهما : أخراجهم كفر ، وفداؤهم إيمان ، وهو قول ابن عباس رضي ~~الله عنهما وقتادة وابن جريج ، ولم يذمهم على الفداء ، وإنما ذمهم على ~~المناقضة إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض ، وقد تكون المناقضة أدخل في ~~الذم لا يقال هب أن ذلك الإخراج معصية ، فلم سماها كفرا مع أنه ثبت أن ~~العاصي لا يكفر ، لأنا نقول لعلهم صرحوا أن ذلك الإخراج غير واجب / مع أن ~~صريح التوراة كان دالا على وجوبه . وثالثهما : المراد منه التنبيه على أنهم ~~في تمسكهم بنبوة موسى عليه السلام مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم مع ~~أن الحجة في أمرهما على سواء يجري مجرى طريقة السلف منهم في أن يؤمنوا ببعض ~~ويكفروا ببعض والكل في الميثاق سواء . # أما قوله تعالى : { ثم أنتم هاؤلاء تقتلون أنفسكم } فأصل الخزي الذل ~~والمقت . يقال : أخزاه الله ، إذا مقته وأبعده ، وقيل : أصله الاستحياء ، ~~فإذا قيل : أخزاه الله كأنه قيل : أوقعه موقعا يستحيا منه ، وبالجملة ~~فالمراد منه الذم العظيم ، واختلفوا في هذا الخزي على وجوه . أحدها : قال ~~الحسن : المراد الجزية والصغار / وهو ضعيف لأنه لا دلالة على أن الجزية ~~كانت ثابتة في شريعتهم ، بل إن حملنا الآية على الذين كانوا في زمان محمد ~~صلى الله عليه وسلم صح هذا الوجه ، لأن من جملة الخزي الواقع بأهل الذمة ~~أخذ الجزية منهم . وثانيها : إخراج بني النضير من ديارهم ، وقتل بني قريظة ~~وسبي ذراريهم ، وهذا إنما يصح لو حملنا الآية على الحاضرين في PageV03P158 ~~زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، وثالثها : وهو الأولى أن المراد منه الذم ~~العظيم والتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض والتنكير في ~~قوله : ( خزي ) يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى . # أما قوله : { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } ففيه سؤال وهو أن عذاب ~~الدهرية الذين ينكرون الصانع يجب أن يكون أشد من عذاب اليهود ، فكيف قال في ~~حق اليهود : { يردون إلى أشد العذاب } والجواب : المراد منه أنه أشد من ~~الخزي الحاصل في الدنيا ms0954 ، فلفظ ( الأشد ) وإن كان مطلقا إلا أن المراد أشد ~~من هذه الجهة . # أما قوله تعالى : { وما الله بغافل عما تعملون } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب والباقون بياء ~~الغيبية ، وجه الأول : البناء على أول الكلام ، أفتؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض ، ووجه الثاني : البناء على أنه آخر الكلام واختيار الخطاب ~~لأن عليه الأكثر ولأنه أدل على المعنى لتغليب الخطاب على الغيبة إذا اجتمعا ~~. # المسألة الثانية : قوله تعالى : { وما الله بغافل عما تعملون } تهديد ~~شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة ، لأن الغفلة إذا كانت ~~ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر القادرين وصلت الحقوق لا محالة إلى ~~مستحقيها . # ! 7 < { أولائك الذين اشتروا الحيواة الدنيا بالا خرة فلا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينصرون } > 7 ! # / < < # | البقرة : ( 86 ) أولئك الذين اشتروا . . . . . # > > اعلم أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن ~~والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل أيهما شاء وأراد ، فإذا اشتغل بتحصيل ~~أحدهما فقد فوت الآخر على نفسه ، فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان ~~بما في كتبهم وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء ، ~~وذلك من الله تعالى في نهاية الذم لهم لأن المغبون في البيع والشراء في ~~الدنيا مذموم حتى يوصف بأنه تغير في عقله فبأن يذم مشتري متاع الدنيا ~~بالآخرة أولى . # أما قوله تعالى : { فلا * كشفنا عنهم العذاب } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في دخول الفاء في قوله : { فلا يخفف } قولان ، أحدهما : ~~العطف على { اشتروا } والقول الآخر بمعنى جواب الأمر ، كقولك أولئك الضلال ~~انتبه فلا خير فيهم والأول أوجه لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار . # المسألة الثانية : بعضهم حمل التخفيف على أنه لا ينقطع بل يدوم ، لأنه لو ~~انقطع لكان قد خف ، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه والأولى أن يقال : ~~إن العذاب قد يخف بالانقطاع وقد يخف بالقلة في PageV03P159 كل وقت أو في ~~بعض الأوقات ، فإذا وصف تعالى عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى ذلك نفي جميع ms0955 ما ~~ذكرناه . # أما قوله تعالى : { ولا هم ينصرون } ففيه وجهان : الأكثرون حملوه على نفي ~~النصرة في الآخرة يعني أن أحدا لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على ~~من يريد عذابهم ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا ، والأول أولى لأنه ~~تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم ، ولذلك قال : { فلا يخفف عنهم العذاب } ~~وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة ، لأن عذاب الدنيا وإن حصل فيصير كالحدود ~~التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض ~~الأوقات . # ! 7 < { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وءاتينا عيسى ابن ~~مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 87 ) ولقد آتينا موسى . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من النعم التي أفاضها الله عليهم ثم إنهم قابلوه ~~بالكفر والأفعال القبيحة ، وذلك لأنه تعالى لما وصف حال اليهود من قبل ~~بأنهم يخالفون أمر الله تعالى في قتل / أنفسهم وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم ~~وبين أنهم بهذا الصنيع اشتروا الدنيا بالآخرة ، زاد في تبكيتهم بما ذكره في ~~هذه الآية . أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله إياها جملة واحدة ، روي عن ~~ابن عباس أن التوراة لما نزلت أمر الله تعالى موسى بحملها فلم يطق ذلك ، ~~فبعث الله لكل حرف منها ملكا فلم يطيقوا حملها فخففها الله على موسى فحملها ~~. # وأما قوله تعالى : { وقفينا من بعده * الرسل } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قفينا ، أتبعنا مأخوذ من الشيء يأتي في قفاه الشيء ، أي ~~بعد نحو ذنبه من الذنب ، ونظيره قوله : { ثم أرسلنا رسلنا تترى } ( ~~المؤمنون : 44 ) . # المسألة الثانية : روي أن بعد موسى عليه السلام إلى أيام عيسى عليه ~~السلام كانت الرسل تتواتر ويظهر بعضهم في أثر بعض ، والشريعة واحدة إلى ~~أيام عيسى عليه السلام ، فإنه صلوات الله عليه جاء بشريعة مجددة ، واستدلوا ~~على صحة ذلك بقوله تعالى : { وقفينا من بعده بالرسل } فإنه يقتضي أنهم على ~~حد واحد في الشريعة يتبع بعضهم بعضا فيها ms0956 ، قال القاضي : إن الرسول الثاني ~~لا يجوز أن يكون على شريعة الأول حتى لا يؤدي إلى تلك الشريعة بعينها من ~~غير زيادة ولا نقصان ، مع أن تلك الشريعة محفوظة يمكن معرفتها بالتواتر عن ~~الأول ، لأن الرسول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلا ما كان قد ~~علم من قبل أو يمكن أن يعلم من قبل ، فكما لا يجوز أن يبعث الله تعالى ~~رسولا لا شريعة معه أصلا ، تبين العقليات لهذه العلة ، فكذا القول في ~~مسألتنا : فثبت أنه لا بد في الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى عليه السلام أن ~~يكونوا قد أتوا بشريعة PageV03P160 جديدة إن كانت الأولى محفوظة أو محيية ~~لبعض ما اندرس من الشريعة الأولى . والجواب : لم لا يجوز أن يكون المقصود ~~من بعثة هؤلاء الرسل تنفيذ تلك الشريعة السالفة على الأمة أو نوع آخر من ~~الألطاف لا يعلمها إلا الله ، وبالجملة ، فالقاضي ما أتى في هذه الدلالة ~~إلا بإعادة الدعوى ، فلم قال : إنه لا يجوز بعث هؤلاء الرسل إلا لشريعة ~~جديدة أو لإحياء شريعة اندرست وهل النزاع وقع إلا في هذا ؟ # المسألة الثالثة : هؤلاء الرسل هم : يوشع ، وشمويل ، وشمعون ، وداود ، ~~وسليمان وشعياء ، وأرمياء ، وعزيز ، وحزقيل ، وإلياس ، واليسع ، ويونس ، ~~وزكريا ، ويحيى ، وغيرهم . # أما قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصل ذكر ~~عيسى لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له ، وليس كذلك ~~عيسى ، لأن شرعة نسخ أكثر شرع موسى عليه السلام . # المسألة الثانية : قيل عيسى بالسريانية أيشوع ، ومريم بمعنى الخادم ، ~~وقيل : مريم بالعبرانية من النساء كزير من الرجال ، وبه فسر قول رؤبة : # % قلت لزير لم تصله مريمة % % # المسألة الثالثة : في البينات وجوه . أحدها : المعجزات من إحياء الموتى ~~ونحوها عن ابن عباس / وثانيها : أنها الإنجيل . وثالثها : وهو الأقوى أن ~~الكل يدخل فيه ، لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية ~~شريعته فلا يكون للتخصيص معنى . # أما قوله ms0957 تعالى تعالى : { وأيدناه بروح القدس } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء وأيدناه قرأ ابن كثير ( القدس ) بالتخفيف والباقون ~~بالتثقيل وهما لغتان مثل رعب ورعب . # المسألة الثانية : اختلفوا في الروح على وجوه . أحدها : أنه جبريل عليه ~~السلام وإنما سمي بذلك لوجوه . الأول : أن المراد من روح القدس الروح ~~المقدسة كما يقال : حاتم الجود ورجل صدق فوصف جبريل بذلك تشريفا له وبيانا ~~لعلو مرتبته عند الله تعالى . الثاني : سمي جبريل عليه السلام بذلك لأنه ~~يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح فإنه هو المتولى لإنزال الوحي إلى ~~الأنبياء والمكلفون في ذلك يحيون في دينهم . الثالث : أن الغالب عليه ~~الروحانية وكذلك سائر الملائكة غير أن روحانيته أتم وأكمل . الرابع : سمي ~~جبريل عليه السلام روحا ، لأنه ما ضمته أصلاب الفحول وأرحام الأمهات ، ~~وثانيها : المراد بروح القدس الإنجيل ، كما قال في القرآن : { روحا من ~~أمرنا } ( الشورى : 52 ) وسمي به لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم ~~لأجله . وثالثها : أنه الاسم الذي كان يحيي به عليه السلام الموتى ، عن ابن ~~عباس وسعيد بن جبير ، ورابعها : أنه الروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله ~~تعالى فنسب روح عيسى عليه السلام إلى نفسه PageV03P161 تعظيما له وتشريفا ، ~~كما يقال : بيت الله وناقة الله ، عن الربيع ، وعلى هذاب المراد به الروح ~~الذي يحيا به الإنسان . # واعلم أن اطلاق اسم الروح على جبريل وعلى الانجيل وعلى الاسم الأعظم مجاز ~~لأن الروح هو الريح المتردد في مخلوق الإنسان ومنافذه ومعلوم أن هذه ~~الثلاثة ما كانت كذلك إلا أنه سمي كل واحد من هذه الثلاثة بالروح على سبيل ~~التشبيه من حيث أن الروح كما أنه سبب لحياة الرجل ، فكذلك جبريل عليه ~~السلام سبب لحياة القلوب بالعلوم ، والانجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها ، ~~والاسم الأعظم سبب لأن يتوسل به إلى تحصيل الأغراض إلا أن المشابهة بين ~~مسمى الروح وبين جبريل أتم لوجوه . أحدها : لأن جبريل عليه السلام مخلوق من ~~هواء نورا ، لطيف فكانت المشابهة أتم ، فكان إطلاق اسم الروح على جبريل ~~أولى . وثانيها : أن هذه التسمية ms0958 فيه أظهر منها فيما عداه ، وثالثها : أن ~~قوله تعالى : { وأيدناه بروح القدس } يعني قويناه ، والمراد من هذه التقوية ~~الإعانة وإسناد الإعانة إلى جبريل عليه السلام حقيقة وإسنادها إلى الإنجيل ~~والاسم الأعظم مجاز ، فكان ذلك أولى ، ورابعها : وهو أن اختصاص عيسى بجبريل ~~عليهما السلام من آكد وجوه الاختصاص بحيث لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم ~~السلام مثل ذلك لأنه هو الذي بشر مريم / بولادتها وإنما ولد عيسى عليه ~~السلام من نفخة جبريل عليه السلام وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير ~~معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء . # أما قوله تعالى : { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم } فهو ~~نهاية الذم لهم ، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ~~ما يهوون كذبوه ، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه . وإنما كانوا كذلك لإرادتهم ~~الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق ، ~~وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم ~~كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل ، ومنهم من كان يستكبر على ~~الأنبياء استكبار إبليس على آدم . # أما قوله تعالى : { ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } فلقائل أن يقول : هلا ~~قيل وفريقا قتلتم ؟ وجوابه من وجهين : أحدهما : أن يراد الحال الماضية لأن ~~الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب . الثاني : أن يراد ~~فريقا تقتلونهم بعد لأنكم حاولتم قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني ~~أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة . وقال عليه السلام عند موته : ( ~~ما زالت أكلة خيبر تعاودني . فهذا أوان انقطاع أبهري ) والله أعلم . # ! 7 < { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون } > 7 ~~! # < < # | البقرة : ( 88 ) وقالوا قلوبنا غلف . . . . . # > > أما الغلف ففيه ثلاثة أوجه . أحدها : أنه جمع أغلف والأغلف هو ما في ~~غلاف أي قلوبنا مغشاة PageV03P162 بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها ، ~~وثانيها : روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا ~~حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام ، وثالثها ms0959 : غلف أي كالغلاف الخالي ~~لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك . أما المعتزلة فإنهم اختاروا الوجه الأول ~~، ثم قالوا : هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه ~~الإيمان ، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك ~~لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول ، فكان لا يكذبهم الله بقوله : { بل ~~لعنهم الله بكفرهم } لأنه تعالى إنما يذم الكاذب المبطل لا الصادق المحق ~~المعذور ، قالوا : وهذا يدل على أن معنى قوله : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ~~ربه فأعرض عنها ونسى ما } ( الكهف : 57 ) وقوله : { إنا جعلنا فى أعناقهم ~~أغلالا } وقوله : { وجعلنا من بين أيديهم سدا } ( يس : 8 ، 9 ) ليس المراد ~~كونهم ممنوعين من الإيمان ، بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه حالهم في ~~إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر . قالوا : ونظير ذم الله تعالى ~~اليهود على هذه المقالة ذمه تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله ~~تعالى : { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن بيننا ~~وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هئلاء ~~القوم صادقين في ذلك ، ولو كانوا / صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم ~~إظهارا لعذرهم ومسقطا للومهم . # واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوها ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من ~~غير دليل . سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ~~ذلك القول مذموم ؟ # أما قوله تعالى : { بل لعنهم الله بكفرهم } ففيه أجوبة . أحدها : هذا يدل ~~على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم ، أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه ~~المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولا ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب ~~كفرهم . وثانيها : المراد من قوله : { وقالوا قلوبنا غلف } أنهم ذكروا ذلك ~~على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا في أغطية ~~، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك ms0960 ~~يا محمد ، فلم يجد منها شيئا قويا . فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم ~~لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول ، وثالثها ؛ لعل قلوبهم ما ~~كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم كما قال تعالى : { يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } ( الأنعام : 20 ) ( ~~البقرة : 146 ) إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير ~~واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله على ذلك الكفر . # أما قوله تعالى : { فقليلا ما يؤمنون } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في تفسيره ثلاثة أوجه . أحدها : أن القليل صفة المؤمن ، ~~أي لا يؤمن منهم إلا القليل عن قتادة والأصم وأبي مسلم . وثانيها : أنه صفة ~~الإيمان ، أي لا يؤمنون إلا بقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله ، ~~إلا أنهم كانوا يكفرن بالرسل . وثالثها : معناه لا يؤمنون أصلا لا قليلا ~~ولا كثيرا كما يقال : قليلا ما يفعل بمعنى لا يفعل ألبتة . قال الكسائي : ~~تقول العرب : مررنا بأرض قليلا ما تنبت ، يريدون ولا تنبت شيئا . والوجه ~~الأول أولى لأنه نظير قوله : { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا } ( النساء : 155 ) ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر ~~القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم . # المسألة الثانية : في انتصاب ( قليلا ) وجوه . أحدها : فإيمانا قليلا ما ~~يؤمنون ( وما ) مزيدة وهو إيمانهم PageV03P163 ببعض الكتاب ، وثانيها : ~~انتصب بنزع الخافض أي بقليل يؤمنون . وثالثها : فصاروا قليلا ما يؤمنون . # ! 7 < { ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 89 ) ولما جاءهم كتاب . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع من قبائح اليهود . أما قوله تعالى : { كتاب } فقد ~~اتفقوا على أن هذا الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى : { مصدق لما معهم } ~~يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن . أما قوله تعالى : ~~{ مصدق لما معهم } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى ms0961 : لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق ~~بتكليفهم بصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة واللائق بذلك هو كونه ~~موافقا لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في ~~سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن ، لأن جميع ~~كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص ~~بالنبوة وما يدل عليها من العلامات والنعوت والصفات . # المسألة الثانية : قرىء : { مصدقا } على الحال ، فإن قيل : كيف جاز نصبها ~~عن النكرة ؟ قلنا : إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف { ~~كتاب } بقوله : { من عند الله } . # المسألة الثالثة : في جواب ( لما ) ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه محذوف كقوله ~~تعالى : { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } ( الرعد : 31 ) فإن جوابه محذوف ~~وهو . لكان هذا القرآن ، عن الأخفش والزجاج ، وثانيها : أنه على التكرير ~~لطول الكلام والجواب : كفروا به كقوله تعالى : { أيعدكم أنكم } إلى قوله ~~تعالى : { أنكم مخرجون } ( المؤمنون : 35 ) عن المبرد ، وثالثها : أن تكون ~~الفاء جوابا للما الأولى { وكفروا * به } جوابا للما الثانية وهو كقوله : { ~~فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم } ( البقرة : 38 ) ( طه : ~~133 ) الآية عن الفراء . # أما قوله تعالى : { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } ففي سبب ~~النزول وجوه . أحدها : أن اليهود من قبل مبعث محمد عليه السلام ونزول ~~القرآن كانوا يستفتحون ، أي يسألون الفتح والنصرة وكانوا يقولون : اللهم ~~افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي . وثانيها ؛ كانوا يقولون لمخالفيهم عند ~~القتال : هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم ، عن ابن عباس . وثالثها : ~~كانوا يسألون العرب عن مولده ويصفونه بأنه نبي من صفته كذا وكذا ، ويتفحصون ~~عنه على الذين كفروا أي على مشركي العرب ، عن أبي مسلم . ورابعها : نزلت في ~~بني قريظة والنضير ، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل ~~المبعث . عن ابن عباس وقتادة والسدي . وخامسها : نزلت في أحبار اليهود ~~كانوا إذا قرؤوا وذكروا محمدا في التوراة وأنه PageV03P164 مبعوث وأنه ms0962 من ~~العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق ~~حاله حال هذا المبعوث . # أما قوله تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : تدل الآية على أنهم كانوا عارفين بنبوته وفيه سؤال : ~~وهو أن التوراة / نقلت نقلا متواترا ، فأما أن يقال : إنه حصل فيها نعت ~~محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل ، أعني بيان أن الشخص الموصوف ~~بالصورة الفلانية والسيرة الفلانية سيظره في السنة الفلانية في المكان ~~الفلاني ، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه ، فإن كان الأول كان القوم ~~مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام / فكيف ~~يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم ~~يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا ، ~~فكيف قال الله تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ؟ والجواب : أن ~~الوصف المذكور في التوراة كان وصفا إجماليا وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف ، بل بظهور المعجزات صارت تلك الأوصاف ~~كالمؤكدة ، فلهذا ذمهم الله تعالى على الإنكار . # المسألة الثانية : يحتمل أن يقال : كفروا به لوجوه . أحدها : أنهم كانوا ~~يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني ~~إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه ، فلما بعث الله تعالى ~~محمدا من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه ، عظم ذلك عليهم فأظهروا ~~التكذيب وخالفوا طريقهم الأول . وثانيها : اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم ~~زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار . وثالثها : لعلهم ظنوا ~~أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به . # المسألة الثالثة : أنه تعالى كفرهم بعد ما بين كونهم عالمين بنبوته ، ~~وهذا يدل على أن الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط . # أما قوله تعالى : { فلعنة الله على الكافرين } فالمراد الإبعاد من خيرات ~~الآخرة ، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعونا . فإن قيل : أليس أنه ms0963 ~~تعالى ذكر في الآية المتقدمة : { وقولوا للناس حسنا } ( البقرة : 83 ) وقال ~~: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } ( ~~الأنعام : 108 ) قلنا : العام قد يتطرق إليه التخصيص على أنا بينا فيما قبل ~~أن لعن من يستحق اللعن من القول الحسن والله أعلم . # ! 7 < { بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا أن ينزل ~~الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين ~~} > 7 ! # < < # | البقرة : ( 90 ) بئسما اشتروا به . . . . . # > > اعلم أن البحث عن حقيقة بئسما لا يحصل إلا في مسائل : # / المسألة الأولى : أصل نعم وبئس نعم وبئس بفتح الأول وكسر الثاني كقولنا ~~: ( علم ) إلا أن ما كان ثانيه PageV03P165 حرف حلق وهو مكسور يجوز فيه ~~أربع لغات ، الأول : على الأصل أعني بفتح الأول وكسر الثاني . والثاني : ~~اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين ، وكذا يقال : فخذ بكسر ~~الفاء والخاء ، وهم وإن كانوا يفرون من الجمع بين الكسرتين إلا أنهم جوزوه ~~ههنا لكون الحرف الحلقي مستتبعا لما يجاوره . الثالث : إسكان الحرف الحلقي ~~المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال : نعم وبئس بفتح الأول وإسكان ~~الثاني كما يقال : فخذ بفتح الفاء وإسكان الخاء . الرابع : أن يسكن الحرف ~~الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال : نعم بكسر النون وإسكان العين كما ~~يقال : فخذ بكسر الفاء وإسكان الخاء . # واعلم أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين ~~الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازما لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية ~~من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ~~ويراد بهما المبالغة في المدح والذم ، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ ~~على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون : نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على ~~الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد : # % ففداء لبني قيس على % % ما أصاب الناس من شر وضر % # % ما أقلت قدماي إنهم % % نعم الساعون في الأمر المبر % # المسألة الثانية : أنهما فعلان ms0964 من نعم ينعم وبئس ويبأس والدليل عليه دخول ~~التاء التي هي علامة التأنيث فيهما ، فيقال : نعمت وبئست ، والفراء يجعلهما ~~بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت رضي الله عنه . # % ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته % % من الناس ذا مال كثير ومعدما % # وبما روي أن أعرابيا بشر بمولودة فقيل له : نعم المولود مولودتك ، فقال : ~~والله ما هي بنعم المولودة والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية . # المسألة الثالثة : اعلم أن ( نعم وبئس ) أصلان للصلاح والرداءة ويكون ~~فاعلهما اسما يستغرق الجنس إما مظهرا وإما مضمرا ، والمظهر على وجهين ، ~~الأول : نحو قولك ، نعم الرجل زيد لا تريد رجلا دون الرجل وإنما تقصد الرجل ~~على الإطلاق . والثاني : نحو قولك نعم غلام الرجل زيد ، أما قوله : # % فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم % % وصاحب الركب عثمان بن عفانا % # فنادر وقيل : كان ذلك لأجل أن قوله : ( وصاحب الركب ) قد يدل على المقصود ~~إذ المراد واحد فإذا أتى في الركب بالألف واللام فكأنه قد أتى به في القوم ~~، وأما المضمر فكقولك : نعم رجلا زيد ، الأصل : نعم الرجل رجلا زيد ثم ترك ~~ذكر الأول لأن النكرة المنصوبة تدل عليه / ورجلا نصب على التمييز ، مثله في ~~قولك : عشرون رجلا والمميز لا يكون إلا نكرة ، ألا ترى أن أحدا لا يقول ~~عشرون الدرهم ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا : نعم الرجل بالنصب ~~لكان نقضا للغرض / إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا وقالوا ~~نعم الرجل وكفوا أنفسهم مؤنة الإضمار وإنما أضمروا الفاعل قصدا للاختصار ، ~~إذ كان ( نعم رجلا ) يدل على الجنس الذي فضل عليه . # PageV03P166 # المسألة الرابعة : إذا قلت نعم الرجل زيد فهو على وجهين : أحدهما : أن ~~يكون مبتدأ مؤخرا كأنه قيل : زيد نعم الرجل ، أخرت زيدا والنية به التقديم ~~، كما تقول : مررت به المسكين تريد المسكين مررت به ، فأما الراجع إلى ~~المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعا ينتظم فيه الجنس كان زيد داخلا تحته فصار ~~بمنزلة الذكر الذي يعود إليه ، والوجه الآخر : أن يكون زيد في قولك : نعم ~~الرجل زيد ms0965 خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل : نعم الرجل ، قيل : من هذا الذي ~~أثنى عليه ؟ فقيل : زيد أي هو زيد . # المسألة الخامسة : المخصوص بالمدح والذم لا يكون إلا من جنس المذكور بعد ~~نعم وبئس كزيد من الرجال وإذا كان كذلك كان المضاف إلى القوم في قوله تعالى ~~: { ساء مثلا القوم الذين كذبوا بئاياتنا } ( الأعراف : 177 ) محذوفا ~~وتقديره ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ، وإذ قد لخصنا هذه ~~المسائل فلنرجع إلى التفسير . # أما قوله تعالى : { بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : ( ما ) نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس الشيء ~~شيئا اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم ( أن يكفروا ) . # المسألة الثانية : في الشراء ههنا قولان ، أحدهما : أنه بمعنى البيع ، ~~وبيانه أنه تعالى لما مكن المكلف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة والكفر ~~الذي يؤدي به إلى النار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار تملك ~~سلعة على سلعة فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونجاته . قيل : نعم ما ~~اشترى ، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال ملك يملك صلح أن يوصف كل ~~واحد منهما بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما فصح تأويل ~~قوله تعالى : { بئسما اشتروا به أنفسهم } بأن المراد باعوا أنفسهم بكفرهم ~~لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم لما كان هو الكفر صاروا بائعين أنفسهم ~~بذلك ، الوجه الثاني : وهو الأصح عندي أن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من ~~عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك ~~الأعمال ، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنها تخلصهم من العقاب ، ~~وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها ، فذمهم الله تعالى ، ~~وقال : { بئسما اشتروا به أنفسهم } وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من ~~الأول ، ثم إنه تعالى بين تفسير ما اشتروا به أنفسهم بقوله / تعالى : { أن ~~يكفروا بما أنزل الله } ولا شبهة أن المراد بذلك كفرهم بالقرآن لأن الخطاب ~~في اليهود وكانوا مؤمنين بغيره ، ثم بين ms0966 الوجه الذي لأجله اختاروا هذا ~~الكفر بما أنزل الله فقال : { بغيا } وأشار بذلك إلى غرضهم بالكفر كما يقال ~~يعادي فلان فلانا حسدا تنبيها بذلك على غرضه ولولا هذا القول لجوزنا أن ~~يكفروا جهلا لا بغيا . # واعلم أن هذه الآية تدل على أن الحسد حرام . ولما كان البغي قد يكون ~~لوجوه شتى بين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله : { أن ينزل الله من فضله ~~على من يشاء من عباده } والقصة لا تليق إلا بما حكيناه من أنهم ظنوا أن هذا ~~الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم فلما وجدوه في العرب حملهم ~~ذلك على البغي والحسد . # أما قوله تعالى : { فباءو بغضب على غضب } ففيه مسائل : PageV03P167 # المسألة الأولى : في تفسير الغضبين وجوه ، أحدها : أنه لا بد من إثبات ~~سببين للغضبين . أحدهما : ما تقدم وهو تكذيبهم عيسى عليه السلام وما أنزل ~~عليه والآخر تكذيبهم محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه فصار ذلك ~~دخولا في غضب بعد غضب وسخط بعد سخط من قبله تعالى لأجل أنهم دخلوا في سبب ~~بعد سبب ، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة ، الثاني : ~~ليس المراد إثبات غضبين فقط بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل ~~أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم : { عزيز * ابن الله } ( التوبة : 30 ) . ~~{ يد الله مغلولة } ( المائدة : 64 ) . { إن الله فقير ونحن أغنياء } ( آل ~~عمران : 181 ) وغير ذلك من أنواع كفرهم ، وهو قول عطاء وعبيد بن عمير ، ~~الثالث : أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان ~~واحدا إلا أنه عظم ، وهو قول أبي مسلم . الرابع : الأول بعبادتهم العجل ~~والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوته عن السدي . # المسألة الثانية : الغضب عبارة عن التغير الذي يعرض للإنسان في مزاجه عند ~~غليان دم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه وذلك محال في حق الله تعالى ، فهو ~~محمول على إرادته لمن عصاه الإضرار من جهة اللعن والأمر بذلك . # المسألة الثالثة : أنه يصح وصفه تعالى بالغضب وأن غضبه يتزايد ويكثر ويصح ~~فيه ذلك كصحته ms0967 من العذاب فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة كغضبه على ~~من كفر بخصال كثيرة . # أما قوله تعالى : { وللكافرين عذاب مهين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وللكافرين عذاب مهين } له مزية على قوله ولهم ~~عذاب مهين لأن العبارة الأولى يدخل فيها أولئك الكفار وغيرهم والعبارة ~~الثانية لا يدخل فيها إلا هم . # المسألة الثانية : العذاب في الحقيقة لا يكون مهينا لأن معنى ذلك أنه ~~أهان غيره وذلك مما لا يتأتى إلا فيما يعقل ، فالله تعالى هو المهين ~~للمعذبين بالعذاب الكثير إلا أن الإهانة لما / حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ~~ذلك من وصفه ، فإن قيل : العذاب لا يكون إلا مع الإهانة فما الفائدة في هذا ~~الوصف ؟ قلنا : كون العذاب مقرونا بالإهانة أمر لا بد فيه من الدليل ، ~~فالله تعالى ذكر ذلك ليكون دليلا عليه . # المسألة الثالثة : قال قوم : قوله تعالى : { وللكافرين عذاب مهين } يدل ~~على أنه لا عذاب إلا للكافرين ، ثم بعد تقرير هذه المقدمة احتج بهذه الآية ~~فريقان ، أحدهما : الخوارج قالوا : ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب ، وثبت ~~بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر فيلزم أن يقال الفاسق كافر . وثانيها : ~~المرجئة قالوا : ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر وثبت أن الفاسق ليس ~~بكافر ، فوجب القطع بأنه لا يعذب وفساد هذين القولين لا يخفى . # PageV03P168 ! 7 < { وإذا قيل لهم ءامنوا بمآ أنزل الله قالوا نؤمن بمآ ~~أنزل علينا ويكفرون بما ورآءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون ~~أنبيآء الله من قبل إن كنتم مؤمنين } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 91 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > اعلم أن هذا النوع أيضا من قبائح أفعالهم : { وإذا قيل لهم } يعني به ~~اليهود : { بما أنزل الله قالوا } أي بكل ما أنزل الله ، والقائلون بالعموم ~~احتجوا بهذه الآية على أن لفظة ( ما ) بمعنى الذي تفيد العموم ، قالوا : ~~لأن الله تعالى أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض دون ~~البعض ذمهم على ذلك ولولا أن لفظة ( ما ) تفيد العموم لما حسن هذا الذم ، ~~ثم إنه ms0968 تعالى حكى عنهم أنهم لما أمروا بذلك : { قالوا نؤمن بما أنزل علينا ~~} يعني بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليه ~~السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم يكفرون بما وراءه وهو الإنجيل والقرآن ~~. وأورده هذه الحكاية عنهم على سبيل الذم لهم وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم ~~آمنوا بما أنزل الله إلا ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلا من عند الله ~~وإلا كان ذلك تكليف ما لا يطاق وإذا دل الدليل على كونه منزلا من عند الله ~~وجب الإيمان به ، فثبت أن الإيمان ببعض ما أنزل الله دون البعض تناقض . # أما قوله تعالى : { وهو الحق مصدقا لما معهم } فهو كالإشارة إلى ما يدل ~~على وجوب الإيمان / بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبيانه من وجهين : الأول : ~~ما دل عليه قوله تعالى : { وهو الحق } أنه لما ثبتت نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بالمعجزات التي ظهرت عليه ، إنه عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا ~~القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان ~~به واجبا لا محالة ، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع ~~الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال . الثاني : ما دل عليه قوله : { مصدقا ~~لما معهم } وتقريره من وجهين ، الأول : أن محمدا صلوات الله وسلامه عليه لم ~~يتعلم علما ولا استفاد من أستاذ ، فلما أتى بالحكايات والقصص موافقة لما في ~~التوراة من غير تفاوت أصلا علمنا أنه عليه الصلاة والسلام إنما استفادها من ~~الوحي والتنزيل . الثاني : أن القرآن يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار ~~عن نبوته ، وإلا لم يكن القرآن مصدقا للتوراة بل مكذبا لها وإذا كانت ~~التوراة مشتملة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وهم قد اعترفوا بوجوب ~~الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد ~~عليه الصلاة والسلام . # أما قوله تعالى : { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } ففيه ms0969 مسائل : # المسألة الأولى : أنه سبحانه وتعالى بين من جهة أخرى أن دعواهم كونهم ~~مؤمنين بالتوراة متناقضة من وجوه أخر ، وذلك لأن التوراة دلت على أن ~~المعجزة تدل على الصدق ودلت على أن من كان صادقا في PageV03P169 ادعاء ~~النبوة فإن قتله كفر ، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قتل يحيى وزكريا ~~وعيسى عليهم السلام كفرا فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم ~~مؤمنين بالتوراة . # المسألة الثانية : هذه الآية دالة على أن المجادلة في الدين من حرف ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن إيراد المناقضة على الخصم جائز . # المسألة الثالثة : قوله : { فلم تقتلون } وإن كان خطاب مشافهة لكن المراد ~~من تقدم من سلفهم ويدل عليه وجوه / أحدها : أن الأنبياء في ذلك الزمان ما ~~كانوا موجودين . وثانيها : أنهم ما أقدموا على ذلك ، وثالثها : أنه لا ~~يتأتى فيه من قبل . فأما المراد به الماضي فظاهر لأن القرينة دالة عليه . ~~فإن قيل قوله : { ءامنوا } خطاب لهؤلاء الموجودين : { ولم * تقتلون } حكاية ~~فعل أسلافهم فكيف وجه الجمع بينهما ؟ قلنا معناه : أنكم بهذا التكذيب خرجتم ~~من الإيمان بما آمنتم كما خرج أسلافكم بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان ~~بالباقين . # المسألة الرابعة : يقال كيف جاز قوله : لم تقتلون من قبل ولا يجوز أن ~~يقال : أنا أضربك أمس ؟ والجواب فيه قولان . أحدهما : أن ذلك جائز فيما كان ~~بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله : ويحك لم تكذب ~~؟ كأنك قلت : لم يكن هذا من شأنك . قال الله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين } ( البقرة : 102 ) ولم يقل ما تلت لأنه أراد من شأنها التلاوة . ~~والثاني : كأنه قال : لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم آمنتم ~~بالتوراة والله أعلم . # ! 7 < { ولقد جآءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ~~} > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 92 - 93 ) ولقد جاءكم موسى . . . . . # > > # اعلم أن تكرير هذه الآية يغني عن تفسيرها والسبب في تكريرها أنه تعالى ~~لما حكى طريقة اليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ووصفهم بالعناد ~~والتكذيب ومثلهم بسلفهم ms0970 في قتلهم الأنبياء الذي يناسب التكذيب لهم بل يزيد ~~عليه ، أعاد ذكر موسى عليه السلام وما جاء به من البينات وأنهم مع وضوح ذلك ~~أجازوا أن يتخذوا العجل إلها وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه ~~والتمسك بدينه وشرعه فكذلك القول في حالي معكم وإن بالغتم في التكذيب ~~والإنكار . # ! 7 < { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ ءاتيناكم بقوة ~~واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما ~~يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين } > 7 ! PageV03P170 @171@ # اعلم أن في الإعادة وجوها : أحدها : أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد ~~وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب ، وثانيها : أنه إنما ذكر ذلك مع ~~زيادة وهي قولهم : { سمعنا وعصينا } وذلك يدل على نهاية لجاجهم . # أما قوله تعالى : { قالوا سمعنا وعصينا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أن إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد ~~أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم { سمعنا وعصينا } وهذا يدل على أن التخويف ~~وإن عظم لا يوجب الانقياد . # المسألة الثانية : الأكثرون من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول ، ~~قال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك ~~بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى : { أن يقول له كن فيكون } ( البقرة : ~~177 ) وكقوله : { قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) والأول أولى لأن صرف ~~الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز . # أما قوله تعالى : { وأشربوا فى قلوبهم العجل } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : واشربوا في قلوبهم حب العجل ، وفي وجه هذا الاستعارة ~~وجهان ، الأول : معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ ~~الثوب ، وقوله : { فى قلوبهم } بيان / لمكان الإشراف كقوله : { وإنما * ~~يأكلون فى بطونهم نارا } ( النساء : 10 ) . الثاني : كما أن الشرب مادة ~~لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من ~~الأفعال . # المسألة الثانية : قوله : { واشربوا } يدل على أن فاعلا غيرهم فعل بهم ~~ذلك ، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله ، أجابت المعتزلة عنه من وجهين : ~~الأول : ما أراد الله ms0971 أن غيرهم فعل بهم ذلك لكنهم لفرط ولوعهم وإلفهم ~~بعبادته أشربوا قلوبهم حبه فذكر ذلك على ما لم يسم فاعله كما يقال فلان : ~~معجب بنفسه ، الثاني : أن المراد من أشرب أي زينة عندهم ودعاهم إليه ~~كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن . أجاب الأصحاب عن الوجهين بأن كلا ~~الوجهين صرف اللفظ عن ظاهره وذلك لا يجوز المصير إليه إلا لدليل منفصل ، ~~ولما أقمنا الدلائل العقلية القطعية على أن محدث كل الأشياء هو الله لم يكن ~~بنا حاجة إلى ترك هذا الظاهر . # أما قوله تعالى : { بكفرهم } فالمراد باعتقادهم التشبيه على الله ~~وتجويزهم العبادة لغيره سبحانه وتعالى . # أما قوله : { قل بئسما يأمركم به إيمانكم } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : المراد بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة لأنه ليس في ~~التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب : ~~{ أصلواتك تأمرك } ( هود : 87 ) وكذلك إضافة الإيمان إليهم . # المسألة الثانية : الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي لكن الداعي إلى ~~الفعل قد يشبه بالآمر كقوله تعالى : { اتل ما أوحى إليك من الكتاب } ( ~~العنكبوت : 45 ) . # أما قوله تعالى : { إن كنتم مؤمنين } فالمراد التشكيك في إيمانهم والقدح ~~في صحة دعواهم . # PageV03P171 ! 7 < { قل إن كانت لكم الدار الا خرة عند الله خالصة من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ~~والله عليم بالظالمين } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 94 - 95 ) قل إن كانت . . . . . # > > # اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم ~~من دون الناس ويدل عليه وجوه . أحدها : أنه لا يجوز أن يقال على طريق ~~الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح ~~الزام الثاني عليه . وثانيها : ما حكى الله عنهم في قوله : { وقالوا لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ( البقرة : 111 ) وفي قوله : { نحن ~~أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) وفي قوله : { وقالوا لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودة } ( البقرة : 89 ) . وثالثها : اعتقادهم في أنفسهم أنهم ~~هم المحقون لأن النسخ ms0972 غير جائز في شرعهم ، وأن سائر الفرق مبطلون ، ورابعها ~~: اعتقادهم أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء عليهم السلام أعني يعقوب وإسحاق ~~وإبراهيم يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه ، ثم إنهم لهذه ~~الأشياء عظموا شأن أنفسهم فكانوا يفتخرون على العرب وربما جعلوه كالحجة في ~~أن النبي المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب وكانوا يصرفون ~~الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إن الله احتج ~~على فساد قولهم بقوله : { قل إن كانت لكم الدار الاخرة عند الله خالصة من ~~دون الناس فتمنوا الموت } وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة ~~بالقياس إلى نعم الآخرة ، ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم ~~بسبب ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم بالجدال والقتال ، ومن ~~كان في النعم القليلة المنغصة ، ثم إن تيقن أنه بعد الموت لا بد وأن ينتقل ~~إلى تلك النعم العظيمة فإنه لا بد وأن يكون راغبا في الموت لأن تلك النعم ~~العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا بالموت وما يتوقف عليه المطلوب وجب أن ~~يكون مطلوبا فوجب أن يكون هذا الإنسان راضيا بالموت متمنيا له ، فثبت أن ~~الدار الآخرة لو كانت لهم خالصة لوجب أن يتمنوا الموت . ثم إن الله تعالى ~~أخبر أنهم ما تمنوا الموت بل لن يتمنوه أبدا ، وحينئذ يلزم قطعا بطلان ~~ادعائهم في قولهم إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس . # فإن قيل لا نسلم أنه لو كانت لهم الدار الآخرة خالصة لوجب أن يتمنوا ~~الموت ، قوله لأن نعيم الآخرة مطلوب ولا سبيل إليه إلا بالموت والذي يتوقف ~~عليه المطلوب ، لا بد وأن يكون مطلوبا . قلنا : قلنا الذي يتوقف عليه ~~المطلوب يجوز أن يكون مطلوبا نظرا إلى كونه وسيلة إلى ذلك المطلوب إلا أنه ~~يكون مكروها نظرا إلى ذاته والموت مما لا يحصل إلا بالآلام العظيمة وما ~~كانوا يطيقونها فلا جرم ما تمنوا الموت . PageV03P172 # السؤال الثاني : أنه كان لهم أن يقلبوا هذا السؤال على ms0973 محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيقولوا : إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ~~ينازعك في الأمر فإن كان الأمر كذلك فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك ، فإنا نراك ~~ونرى أمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم بسبب الجدال والقتال وبعد الموت ~~فإنكم تتخلصون إلى نعيم الجنة فوجب أن ترضوا بقتلكما # السؤال الثالث : لعلهم كانوا يقولون الدار الآخرة خالصة لمن كان على ~~دينهم لكن بشرط الاحتراز عن الكبائر ، فأما صاحب الكبيرة فإنه يبقى مخلدا ~~في النار أبدا لأنهم كانوا وعيدية أو لأنهم جوزوا في صاحب الكبيرة أن يصير ~~معذبا فلأجل هذا ما تمنوا الموت وليس لأحد أن يدفع هذا السؤال بأن مذهبهم ~~أنه لا تمسهم النار إلا أياما معدودة لأن كل يوم من أيام القيامة / كألف ~~سنة مما تعدون فكانت هذه الأيام وإن كانت قليلة بحسب العدد لكنها طويلة ~~بحسب المدة فلا جرم ما تمنوا الموت بسبب هذا الخوف . # السؤال الرابع : أنه عليه الصلاة والسلام نهي عن تمني الموت فقال : ( لا ~~يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم أحيني إن كانت الحياة خيرا ~~لي وتوفني إن كانت الوفاة خيرا لي ) وأيضا قال الله تعالى في كتابه : { ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ءامنوا مشفقون منها } ( الشورى : 18 ~~) فكيف يجوز أن ينهي عن الاستعجال ، ثم إنه يتحدى القوم بذلك . # السؤال الخامس : أن لفظ التمني مشترك بين التمني الذي هو المعنى القائم ~~بالقلب وبين اللفظ الدال على ذلك المعنى وهو قول القائل : ليتني مت ، ~~لليهود أن يقولوا إنك طلبت منا التمني والتمني لفظ مشترك ، فإن ذكرناه ~~باللسان فله أن يقول : ما أردت به هذا اللفظ ، وإنما أردت به المعنى الذي ~~في القلب وإن فعلنا ذلك المعنى القائم بالقلب فله أن يقول : كذبتم ما أتيتم ~~بذلك في قلوبكم ولما علم اليهود أنه أتى بلفظة مشتركة لا يمكن الاعتراض ~~عليها لا جرم لم يلتفتوا إليه . # السؤال السادس : هب أن الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب أن يتمنوا الموت ~~فلم قلتم إنهم ms0974 ما تمنوا الموت والاستدلال بقوله تعالى : { ولن يتمنوه أبدا ~~} ضعيف لأن الاستدلال بهذا إنما يصح لو ثبت كون القرآن حقا ، والنزاع ليس ~~إلا فيه . الجواب : قوله ( أولا ) كون الموت متضمنا للألم يكون كالصارف عن ~~تمنيه ، قلنا كما أن الألم الحاصل عند الحجامة لا يصرف عن الحجامة للعلم ~~الحاصل بأن المنفعة الحاصلة بسبب الحجامة عظيمة وجب أن يكون الأمر ههنا ~~كذلك . قوله ثانيا : إنهم لو قلبوا الكلام على محمد صلى الله عليه وسلم ~~لزمه أن يرضى بالقتل ، قلنا : الفرق بين محمد عليه السلام وبينهم أن محمدا ~~كان يقول إني بعثت لتبليغ الشرائع إلى أهل التواتر ، وهذا المقصود لم يحصل ~~بعد فلأجل هذا لا أرضى بالقتل وأما أنتم فلستم كذلك فظهر الفرق ، قوله ~~ثالثا : كانوا خائفين من عقاب الكبائر ، قلنا : القوم ادعوا كون الآخرة ~~خالصة لهم وذلك يؤمنهم من امتزاج ثوابها بالعقاب قوله رابعا : نهى عن تمني ~~الموت قلنا هذا النهي طريقة الشرع فيجوز أن يختلف الحال فيه بحسب اختلاف ~~الأوقات ، روي أن عليا رضي الله عنه كان يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ~~ابنه الحسن رضي الله عنه ما هذا بزي المحاربين فقال يا بني لا يبالي أبوك ~~أعلى الموت سقط أم عليه يسقط الموت ، وقال عمار رضي الله عنه بصفين : ~~PageV03P173 # % الآن ألاقي الأحبة < / 1 > % محمدا وحزبه % # وقد ظهر عن الأنبياء في كثير من الأوقات تمنى الموت على أن هذا النهي ~~مختص بسبب مخصوص فإنه عليه الصلاة والسلام حرم أن يتمنى الإنسان الموت عند ~~الشدائد لأن ذلك كالجزع والخروج عن الرضاء بما قسم الله ، فأين هذا من ~~التمني الذي يدل على صحة النبوة . قوله خامسا : إنهم ما عرفوا أن المراد هو ~~التمني باللسان أو بالقلب ، قلنا : التمني في لغة العرب لا يعرف إلا / ما ~~يظهر ( منه ) كما أن الخبر لا يعرف إلا ما يظهر بالقول والذي في القلب من ~~ذلك لا يسمى بهذا الاسم ، وأيضا فمن المحال أن يقول النبي عليه الصلاة ~~والسلام لهم تمنوا الموت ويريد بذلك ما لا ms0975 يمكن الوقوف عليه مع أن الغرض ~~بذلك لا يتم إلا بظهوره ، قوله سادسا : ما الدليل على أنه ما وجد التمني ، ~~قلنا من وجوه ، أحدها : أنه لو حصل ذلك لنقل نقلا متواترا لأنه أمر عظيم ~~فإن بتقدير عدمه يثبت القول بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبتقدير ~~حصول هذا التمني يبطل القول بنبوته وما كان كذلك كان من الوقائع العظيمة ، ~~فوجب أن ينقل نقلا متواترا ، ولما لم ينقل علمنا أنه لم يوجد ، وثانيها : ~~أنه عليه الصلاة والسلام مع تقدمه في الرأي والحزم وحسن النظر في العاقبة ~~والوصول إلى المنصب الذي وصل إليه في الدنيا والدين والوصول إلى الرياسة ~~العظيمة التي انقاد لها المخالف قهرا والموافق طوعا لا يجوز وهو غير واثق ~~من جهة ربه بالوحي النازل عليه أن يتحداهم بأمر لا يأمن عاقبة الحال فيه ~~ولا يأمن من خصمه أن يقهره بالدليل والحجة لأن العاقل الذي لم يجرب الأمور ~~لا يكاد يرضى بذلك فكيف الحال في أعقل العقلاء فيثبت أنه عليه الصلاة ~~والسلام ما أقدم على تحرير هذه الأدلة إلا وقد أوحى الله تعالى إليه بأنهم ~~لا يتمنونه . وثالثها : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لو أن ~~اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ولو خرج الذين يباهلون ~~لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا ) ، وقال ابن عباس : لو تمنوا الموت لشرقوا ~~به ولماتوا ، وبالجملة فالأخبار الواردة في أنهم ما تمنوا بلغت مبلغ ~~التواتر فحصلت الحجة ، فهذا آخر الكلام في تقرير هذا الاستدلال ، ولنرجع ~~إلى التفسير . # أما قوله تعالى : { قل إن كانت لكم الدار الاخرة } فالمراد الجنة لأنها ~~هي المطلوبة من دار الآخرة دون النار لأنهم كانوا يزعمون أن لهم الجنة . # وأما قوله تعالى : { عند الله } فليس المراد المكان بل المنزلة ولا بعد ~~أيضا في حمله على المكان فلعل اليهود كانوا مشبهة فاعتقدوا العندية ~~المكانية فأبطل الله كل ذلك بالدلالة التي ذكرها . # وأما قوله تعالى : { خالصة } فنصب على الحال من الدار الآخرة ، أي سالمة ~~لكم خاصة بكم ليس لأحد ms0976 سواكم فيها حق ، يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى و ( الناس ) للجنس ، وقيل : للعهد وهم المسلمون ~~والجنس أولى لقوله إلا من كان هودا أو نصارى ولأنه لم يوجد ههنا معهود . # وأما قوله : { من دون الناس } فالمراد به سوى لا معنى المكان كما يقول ~~القائل لمن وهب منه ملكا : هذا لك من دون الناس . # وأما قوله تعالى : { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } ففيه مسألتان : ~~PageV03P174 # المسألة الأولى : هذا أمر معلق على شرط مفقود وهو كونهم صادقين فلا يكون ~~الأمر موجودا والغرض منه التحدي وإظهار كذبهم في دعواهم : # المسألة الثانية : في هذا التمني قولان ، أحدهما : قول ابن عباس إنهم ~~يتحدوا بأن يدعو / الفريقان بالموت على أي فريق كان أكذب . والثاني : أن ~~يقولوا ليتنا نموت وهذا الثاني أولى لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ . # أما قوله تعالى : { ولن يتمنوه } فخبر قاطع عن أن ذلك لا يقع في المستقبل ~~وهذا إخبار عن الغيب لأن مع توفر الدواعي على تكذيب محمد صلى الله عليه ~~وسلم وسهولة الإتيان بهذه الكلمة ، أخبر بأنهم لا يأتون بذلك فهذا إخبار ~~جازم عن أمر قامت الأمارات على ضده فلا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي . # وأما قوله تعالى : { أبدا } فهو غيب آخر لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد ولا في ~~شيء من الأزمنة الآتية في المستقبل ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى ~~عموم الأوقات فهما غيبان . # وأما قوله تعالى : { بما قدمت أيديهم } فبيان للعلة التي لها لا يتمنون ( ~~الموت ) لأنهم إذا علموا سوء طريقتهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى أن لا ~~يتمنوا الموت . # وأما قوله تعالى : { والله * عليه * بالظالمين } فهو كالزجر والتهديد ~~لأنه إذا كان عالما بالسر والنجوى ولم يمكن إخفاء شيء عنه صار تصور المكلف ~~لذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي ، وإنما ذكر الظالمين لأن كل كافر ظالم ~~وليس كل ظالم كافرا فلما كان ذلك أعم كان أولى بالذكر فإن قيل : إنه تعالى ~~قال ههنا : { ولن يتمنوه أبدا } وقال في سورة الجمعة : { ولا ms0977 يتمنونه أبدا ~~} فلم ذكر ههنا ( لن ) وفي سورة الجمعة ( لا ) قلنا : إنهم في هذه السورة ، ~~ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وادعوا في سورة الجمعة أنهم ~~أولياء لله من دون الناس والله تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كان كذلك ~~لوجب أن يتمنوا الموت والدعوى الأولى أعظم من الثانية إذ السعادة القصوى هي ~~الحصول في دار الثواب ، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها ~~إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة فلما كانت الدعوة الأولى أعظم لا جرم بين ~~تعالى فساد قولهم بلفظ : ( لن ) لأنه أقوى الألفاظ النافية ولما كانت ~~الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفى في إبطالها بلفظ ( لا ) ~~لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي والله أعلم . # ! 7 < { ولتجدنهم أحرص الناس على حيواة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو ~~يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون } > ~~7 ! # < < # | البقرة : ( 96 ) ولتجدنهم أحرص الناس . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا ~~يتمنون الموت أخبر في هذه الآية أنهم في غاية الحرص على الحياة لأن ههنا ~~قسما ثالثا وهو أن يكون الإنسان بحيث لا يتمنى الموت ولا يتمنى PageV03P175 ~~الحياة فقال : { ولتجدنهم أحرص الناس على حيواة } . # / أما قوله تعالى : { ولتجدنهم } فهو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى ~~المفعولين في قوله : وجدت زيدا ذا حفاظ ، ومفعولاه ( هم ) و ( أحرص ) وإنما ~~قال : { على حيواة } بالتنكير لأنه حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ولذلك ~~كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي ( على الحياة ) أما الواو في قوله : { ~~ومن الذين أشركوا } ففيه ( ثلاثة أقول ) : # أحدها : أنها واو عطف والمعنى أن اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من ~~الذين أشركوا كقولك : هو أسخى الناس ومن حاتم . هذا قول الفراء والأصم . ~~فإن قيل : ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس ؟ قلنا : بلى ولكنهم أفردوا ~~بالذكر لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا ألا يؤمنون ~~بالمعاد وما يعرفون ms0978 إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم ~~فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقيا باعظم ~~التوبيخ ، فإن قيل : ولم زاد حرصهم على حرص المشركين ؟ قلنا : لأنهم علموا ~~أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك . # القول الثاني : أن هذه الواو واو استئناف وقد تم الكلام عند قوله : ( على ~~حياة ) ( و ) تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم على حذف الموصوف ~~كقوله : { وما منا إلا * لا مقام * معلوم } ( الصافات : 164 ) . # القول الثالث : أن فيه تقديما وتأخيرا وتقديره . ولتجدنهم وطائفة من ~~الذين أشركوا أحرص الناس على حياة ، ثم فسر هذه المحبة بقوله : { يود أحدهم ~~لو يعمر ألف سنة } وهو قول أبي مسلم ، والقول الأول أولى لأنه إذا كانت ~~القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر أن يكون المراد : ولتجدن اليهود ~~أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا ليكون ذلك أبلغ في إبطال ~~دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم . إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا والله ~~أعلم . # المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله تعالى : { ومن الذين أشركوا } ~~على ثلاثة أقوال قيل المجوس : لأنهم كانوا يقولون لملكهم : عش ألف نيروز ~~وألف مهرجان ، وعن ابن عباس هو قول الأعاجم : زي هزارسال ، وقيل : المراد ~~مشركوا العرب وقيل : كل مشرك لا يؤمن بالمعاد ، لأنا بينا أن حرص هؤلاء على ~~الدنيا ينبغي أن يكون أكثر وليس المراد من ذكر ألف سنة قول الأعاجم عش ألف ~~سنة ، بل المراد به التكثير وهو معروف في كلام العرب . # أما قوله تعالى : { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } فالمراد أنه تعالى بين ~~بعدهم عن تمني الموت من حيث إنهم يتمنون هذا البقاء ويحرصون عليه هذا الحرص ~~الشديد ، ومن هذا حاله كيف يتصور منه تمني الموت ؟ # أما قوله تعالى : { وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في أن قوله : { وما هو } كناية عماذا ؟ فيه ثلاثة أقوال ~~، أحدها : أنه كناية عن ( أحدهم ) الذي جرى ذكره أي وما أحدهم ms0979 بمن يزحزحه ~~من النار تعميره / وثانيها : أنه ضمير لما دل عليه ( يعمر ) من مصدره و ( ~~أن يعمر ) بدل منه ، وثالثها : أن يكون مبهما و ( أن يعمر ) موضحه . ~~PageV03P176 # المسألة الثانية : الزحزحة التبعيد والإنحاء ، قال القاضي : والمراد أنه ~~لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير ولو قال تعالى : وما هو بمبعده وبمنجيه ~~لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول . # وأما قوله تعالى : { والله بصير بما يعملون } فاعلم أن البصر قد يراد به ~~العلم ، يقال : إن لفلان بصرا بهذا الأمر ، أي معرفة ، وقد يراد به أنه على ~~صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها وكلا الوصفين يصحان عليه سبحانه إلا أن من ~~قال : إن في الأعمال ما لا يصح أن يرى هذا البصر على العلم لا محالة والله ~~أعلم . # ! 7 < { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما ~~بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين * من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال فإن الله عدو للكافرين } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 97 - 98 ) قل من كان . . . . . # > > # اعلم أن هذا النوع أيضا من أنواع قبائح اليهود ومنكرات أقوالهم وأفعالهم ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن قوله تعالى : { قل من كان عدوا لجبريل } لا بد له من ~~سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم بذلك لأنه يجري ~~مجرى المحاجة ، فإذا لم يثبت منهم في ذلك أمر لا يجوز أن يأمره الله تعالى ~~بذلك والمفسرون ذكروا أمورا ، أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم ~~المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال : يا محمد كيف نومك ، فقد أخبرنا عن ~~نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان ؟ فقال عليه السلام : ( تنام عيناي ولا ~~ينام قلبي ) قال : صدقت يا محمد ، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من ~~المرأة ؟ فقال : أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل ، وأما اللحم والدم ~~والظفر والشعر ، فمن المرأة فقال صدقت . فما بال الرجل يشبه أعمامه دون ~~أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه ؟ فقال : أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان ~~الشبه له ms0980 ، قال : صدقت فقال : أخبرني أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي ~~التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه ؟ فقال عليه السلام : ( أنشدكم بالله الذي ~~أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا فطال سقمه فنذر ~~لله نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب ، وهو ~~لحمان الإبل وألبانها ؟ فقالوا : نعم . فقال له : بقيت خصلة واحدة إن قلتها ~~آمنت بك ، أي ملك يأتيك بما تقول عن الله ؟ قال جبريل : قال إن ذلك عدونا ~~ينزل بالقتال والشدة ، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو ~~الذي يأتيك آمنا بك ، فقال عمر : وما مبدأ هذه العداوة ؟ فقال ابن صوريا / ~~مبدأ هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في ~~زمان رجل يقال له : بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله ~~رجالا فدفع عنه جبريل وقال : إن سلطكم الله على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي ~~أخبر الله عنه أنه سيخرب بيت المقدس ، فلا فائدة في قتله ، ثم إنه كبر وقوى ~~وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا ، فلذلك نتخذه عدوا ، وأما ميكائيل ~~PageV03P177 فإنه عدو جبريل فقال عمر ؛ فإني أشهد أن من كان عدوا لجبريل ~~فهو عدو لميكائيل وهما عدوان لمن عداهما فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله ~~تعالى هاتين الآيتين . وثانيها : روي أنه كان لعمر أرض بأعلى المدينة وكان ~~ممره على مدراس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا : يا عمر قد ~~أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال : والله ما أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك ~~في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأرى آثاره في كتابكم ، ثم سألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدونا يطلع محمدا ~~على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب ، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلم فقال ~~لهم : وما منزلتهما من الله ؟ قالوا : أقرب منزلة ، جبريل عن يمينه ~~وميكائيل عن يساره وميكائيل عدوا لجبريل فقال عمر : لئن كان كما تقولون فما ~~هما بعدوين ولأنتم أكفر ms0981 من الحمير ، ومن كان عدو لأحدهما كان عدوا للآخر ~~ومن كان عدوا لهما كان عدوا الله ، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد ~~سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد وافقك ربك يا عمر ) قال ~~عمر : لقد رأيتني في دين بعد ذلك أصلب من الحجر / وثالثها : قال مقاتل زعمت ~~اليهود أن جبريل عليه السلام عدونا ، أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في ~~غيرنا فأنزل الله هذه الآيات . # واعلم أن الأقرب أن يكون سبب عداوتهم له أنه كان ينزل القرآن على محمد ~~عليه السلام لأن قوله : { من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ~~} مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سببا للعداوة لأنه إنما فعل ذلك ~~بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سببا للعداوة وتقرير هذا من وجوه ، أولها : أن ~~الذي نزله جبريل من القرآن بشارة المطيعين بالثواب وإنذار العصاة بالعقاب ~~والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لم يكن ذلك باختياره بل بأمر الله الذي ~~يعترفون أنه لا محيص عن أمره ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله ~~توجب عداوة الله وعداوة الله كفر ، فيلزم أن عداوة من هذا سبيله كفر ، ~~وثانيها : أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب فإما أن ~~يقال : إنه كان يتمرد أو يأبى عن قبول أمر الله وذلك غير لائق بالملائكة ~~المعصومين أو كان يقبله ويأتي به على وفق أمر الله فحينئذ يتوجه على ~~ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل ~~بالعداوة ؟ وثالثها : أن إنزال القرآن على محمد كما شق على اليهود فإنزال ~~التوراة على موسى شق على قوم آخرين ، فإن اقتضت نفرة بعض الناس لإنزال ~~القرآن قبحه فلتقتض نقرة أولئك المتقدمين إنزال التوراة على موسى عليه ~~السلام قبحه ومعلوم أن كل ذلك باطل فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه . # / المسألة الثانية : من الناس من استبعد أن يقول قوم من اليهود : إن ~~جبريل عدوهم قالوا : لأنا نرى اليهود في زماننا هذا مطبقين على ms0982 إنكار ذلك ~~مصرين على أن أحدا من سلفهم لم يقل بذلك ، واعلم أن هذا باطل لأن حكاية ~~الله أصدق ، ولأن جهلهم كان شديدا وهم الذين قالوا ؛ { اجعل لنا إلاها كما ~~لهم ءالهة } ( الأعراف : 138 ) . # المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير : ( جبريل ) بفتح الجيم وكسر الراء من ~~غير همز ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بفتح الجيم والراء مهموزا ~~والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز بوزن قنديل وفيه سبع لغات ثلاث منها ~~ذكرناها ، وجبرائيل على وزن جبراعل وجرائيل على وزن جبراعيل وجبرايل على ~~وزن جبراعل وجبرين بالنون ومنع الصرف للتعريف والعجمة . PageV03P178 # المسألة الرابعة : قال بعضهم : جبريل معناه عبد الله ، ف ( جبر ) عبد و ( ~~إيل ) الله : وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس وجماعة من أهل العلم ، ~~قال : أبو علي السوسي : هذا لا يصح لوجهين : أحدهما : أنه لا يعرف من أسماء ~~الله ( أيل ) والثاني : أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورا . # أما قوله تعالى : { فإنه نزله على قلبك } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : الهاء في قوله تعالى : ( فإنه ) وفي قوله : ( نزله ) إلى ~~ماذا يعود ؟ الجواب فيه قولان : أحدهما : أن الهاء الأولى تعود على جبريل ~~والثانية : على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله : { ما ترك ~~على ظهرها من دابة } ( فاطر : 45 ) يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر ~~أهل العلم . أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن ~~الله . قال صاحب ( الكشاف ) : إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه ~~حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من ~~صفاته ، وثانيهما : المعنى فإن الله نزل جبريل عليه السلام لا أنه نزل نفسه ~~. # السؤال الثاني : القرآن : إنما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فما ~~السبب في قوله نزله على قلبك ؟ الجواب : هذه المسألة ذكرناها في سورة ~~الشعراء في قوله : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ( الشعراء : 193 ) ~~وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه ms0983 خص القلب بالذكر ~~لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظا حتى أداه إلى أمته ، فلما كان سبب ~~تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظا جاز أن يقال : نزله على قلبك وإن كان ~~في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه . # السؤال الثالث : كان حق الكلام أن يقال على قلبي ، والجواب : جاءت على ~~حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل : قل ما تكلمت به من قولي ، من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك . # السؤال الرابع : كيف استقام قوله : { فإنه نزله } جزاء للشرط ؟ والجواب ~~فيه وجهان : الأول : أنه سبحانه وتعالى بين أن هذه العداوة فاسدة لأنه ما ~~أتى إلا أنه أمر بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله ، فهو من حيث إنه ~~مأمور وجب أن يكون معذورا ، ومن حيث إنه أتى / بالهداية والبشارة يجب أن ~~يكون مشكورا فكيف تليق به العداوة ، والثاني : أنه تعالى بين أن اليهود إن ~~كانوا يعادونه فيحق لهم ذاك ، لأنه نزل عليك الكتاب برهانا على نبوتك ، ~~ومصداقا لصدقك وهم يكرهون ذلك فكيف لا يبغضون من أكد عليهم الأمر الذي ~~يكرهونه : # أما قوله تعالى : { بإذن الله } فالأظهر بأمر الله وهو أولى من تفسيرة ~~بالعلم لوجوه . أولها ؛ أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب ~~الحمل على حقيقته ما أمكن . وثانيها : أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب ~~مستفاد من الأمر لا من العلم . وثالثها : أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر ~~لازم كان أوكد في الحجة . # أما قوله تعالى : { مصدقا لما بين يديه } فمحمول على ما أجمع عليه أكثر ~~المفسرين من أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ولا معنى لتخصيص كتاب ، ~~ومنهم من خصه بالتوراة وزعم أنه أشار إلى أن PageV03P179 القرآن يوافق ~~التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . فإن قيل : أليس أن ~~شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب ، فلم صار بأن يكون مصدقا لها ~~لكونها متوافقة في الدلالة على التوحيد ونبوة محمد أولى بأن يكون غير مصدق ~~لها ؟ قلنا : الشرائع التي ms0984 تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بتلك الأوقات ~~ومنتهية في هذا الوقت بناء على أن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة ، وحينئذ ~~لا يكون بين القرآن وبين سائر الكتب اختلاف في الشرائع . # أما قوله تعالى : { وهدى } فالمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين . ~~أحدهما : بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من ~~هذا الوجه هدى . وثانيهما : بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو ~~من هذا الوجه بشرى ، ولما كان الأول مقدما على الثاني في الوجود لا جرم قدم ~~الله لفظ الهدى على لفظ البشرى ، فإن قيل : ولم خص كونه هدى وبشرى ~~بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل ؟ الجواب من وجهين : الأول : أنه ~~تعالى إنما خصهم بذلك ، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى : { ~~هدى للمتقين } . والثاني : أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين ، وذلك لأن ~~البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق ~~المؤمنين ، فلهذا خصهم الله به . # أما الآية الثانية وهي قوله تعالى : { من كان عدوا لله وملئكته } فاعلم ~~أنه تعالى لما بين في الآية الأولى : { من كان عدوا لجبريل } لأجل أنه نزل ~~القرآن على قلب محمد ، وجب أن يكون عدوا لله تعالى ، بين في هذه الآية أن ~~من كان عدوا لله كان عدوا له ، فبين أن في مقابلة عداوتهم ما يعظم ضرر الله ~~عليهم وهو عداوة الله لهم ، لأن عداوتهم لا تؤثر ولا تنفع ولا تضر ، ~~وعداوته تعالى تؤدي إلى العذاب الدائم الأليم الذي لا ضرر أعظم منه ، وههنا ~~سؤالات : # السؤال الأول : كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ومن حق العداوة الإضرار ~~بالعدو ، وذلك محال على الله تعالى ؟ والجواب : أن معنى العداوة على ~~الحقيقة لا يصح إلا فينا لأن العدو / للغير هو الذي يريد إنزال المضار به ، ~~وذلك محال على الله تعالى ، بل المراد منه أحد وجهين ، إما أن يعادوا ~~أولياء الله فيكون ذلك عداوة لله كقوله : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله } ( المائدة : 33 ms0985 ) وكقوله : { إن الذين يؤذون الله ورسوله } ( ~~الأحزاب : 57 ) لأن المراد بالآيتين أولياء الله دونه لاستحالة المحاربة ~~والأذية عليه ، وإما أن يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وعبادته وبعدهم عن ~~التمسك بذلك فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في ~~هذا الوجه بالعداوة ، فأما عداوتهم لجبريل والرسل فصحيحة لأن الإضرار جائز ~~عليهم لكن عداوتهم لا تؤثر فيهم لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم ، وعداوتهم ~~مؤثرة في اليهود لأنها في العاجل تقتضي الذلة والمسكنة ، وفي الآجل تقتضي ~~العذاب الدائم . # السؤال الثاني : لما ذكر الملائكة فلم أعاد ذكر جبريل وميكائيل مع ~~اندراجهما في الملائكة ؟ الجواب لوجهين ، الأول : أفردهما بالذكر لفضلهما ~~كأنهما لكمال فضلهما صارا جنسا آخر سوى جنس الملائكة ، الثاني : أن الذي ~~جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما والآية إنما نزلت بسببهما ، فلا جرم نص ~~على اسميهما ، واعلم أن هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة وإلا لم ~~يصح هذا التأويل ، وإذا ثبت هذا فنقول : يجب أن يكون جبريل عليه السلام ~~أفضل من ميكائيل لوجوه ، أحدها : أنه تعالى قدم جبريل عليه السلام في الذكر ~~، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفا فوجب أن يكون مستقبحا ~~شرعا PageV03P180 لقوله عليه السلام : ( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله ~~حسن ) ، وثانيها : أن جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهو ~~مادة بقاء الأرواح ، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار وهي مادة بقاء الأبدان ~~، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل ، ~~وثالثها : قوله تعالى في صفة جبريل : { مطاع ثم أمين } ذكره يوصف المطاع ~~على الإطلاق ، وظاهره يقتضي كونه مطاعا بالنسبة إلى ميكائيل فوجب أن يكون ~~أفضل منه . # المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم ميكال بوزن قنطار ، ونافع ~~ميكائل مختلسة ليس بعد الهمزة ياء على وزن ميكاعل ، وقرأ الباقون ميكائيل ~~على وزن ميكاعيل ، وفيه لغة أخرى ميكئيل على وزن ميكعيل ، وميكئيل كميكعيل ~~، قال ابن جنى : العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه . # المسألة الثالثة : الواو في جبريل وميكال ، قيل ms0986 : واو العطف ، وقيل : ~~بمعنى أو يعني من كان عدوا لأحد من هؤلاء فإن الله عدو لجميع الكافرين . # المسألة الرابعة : { عدو للكافرين } أراد عدو لهم إلا أنه جاء بالظاهر ~~ليدل على أن الله تعالى إنما عاداهم لكفرهم وأن عداوة الملائكة كفر . # ! 7 < { ولقد أنزلنآ إليك ءايات بينات وما يكفر بهآ إلا الفاسقون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 99 ) ولقد أنزلنا إليك . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم قال ابن عباس : إن اليهود ~~كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ~~فلما بعث من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه : فقال لهم معاذ بن ~~جبل يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن ~~أهل الشرك وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته ، فقال بعضهم ما جاءنا بشيء ~~من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى هذه الآية وههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : الأظهر أن المراد من الآيات البينات القرآن الذي لا ~~يأتي بمثله الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، وقال بعضهم : لا يمتنع ~~أن يكون المراد من الآيات البينات القرآن مع سائر الدلائل نحو امتناعهم من ~~المباهلة ومن تمنى الموت وسائر المعجزات نحو إشباع الخلق الكثير من الطعام ~~القليل ونبوع الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر . قال القاضي : الأولى ~~تخصيص ذلك بالقرآن لأن الآيات إذا قرنت إلى التنزيل كانت أخص بالقرآن والله ~~أعلم . # المسألة الثانية : الوجه في تسمية القرآن بالآيات وجوه ، أحدها : أن ~~الآية هي الدالة وإذا كانت أبعاض القرآن دالة بفصاحتها على صدق المدعي كانت ~~آيات ، وثانيها : أن منها ما يدل على الإخبار عن الغيوب فهي دالة على تلك ~~الغيوب ، وثالثها : أنها دالة على دلائل التوحيد والنبوة والشرائع فهي آيات ~~من هذه الجهة ، فإن قيل : الدليل لا يكون إلا بينا فما معنى وصف الآيات ~~بكونها بينة ، وليس لأحد أن يقول المراد كون بعضها PageV03P181 أبين من بعض ~~لأن هذا إنما يصح لو أمكن في العلوم أن يكون بعضها أقوى من ms0987 بعض وذلك محال ، ~~وذلك لأن العالم بالشيء إما أن يحصل معه تجويز نقيض ما اعتقده أو لا يحصل ، ~~فإن حصل معه ذلك التجويز لم يكن ذلك الإعتقاد علما وإن لم يحصل استحال أن ~~يكون شيء آخر آكد منه . قلنا : التفاوت لا يقع في نفس العلم بل في طريقه ؛ ~~فإن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله والدليل الدال عليه أكثر مقدمات ~~فيكون الوصول إليه أصعب ، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب ~~، وهذا هو الآية البينة . # المسألة الثالثة : الإنزال عبارة عن تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل ~~وذاك لا يتحقق إلا في الجسمي فهو على هذا الكلام محال لكن جبريل لما نزل من ~~الأعلى إلى الأسفل وأخبر به سمي ذلك إنزالا . # أما قوله : { وما يكفر بها إلا الفاسقون } ففيه مسائل : # / المسألة الأولى : الكفر بها من وجهين . أحدهما : جحودها مع العلم ~~بصحتها . والثاني : جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها ~~وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه . # المسألة الثانية : الفسق في اللغة خروج الإنسان عما حد له قال الله تعالى ~~: { إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه } ( الكهف : 50 ) وتقول العرب ~~للنواة : إذا خرجت من الرطبة عند سقوطها فسقت النواة ، وقد يقرب من معناه ~~الفجور لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع ~~الذي يفسد ( إذا صار إليه ) فشبه تعدي الإنسان ما حد له إلى الفساد بالذي ~~فجر السد حتى صار إلى حيث يفسد . فإن قيل : أليس أن صاحب الصغيرة تجاوز أمر ~~الله ولا يوصف بالفسق والفجور ؟ قلنا : إنه إنما يسمى بهما كل أمر يعظم من ~~الباب الذي ذكرنا لأن من فتح من النهر نقبا يسيرا لا يوصف بأنه فجر ذلك ~~النهر وكذلك الفسق إنما يقال : إذا عظم التعدي . إذا ثبت هذا فنقول في قوله ~~: { إلا الفاسقون } وجهان ، أحدهما : أن كل كافر فاسق ولا ينعكس فكأن ذكر ~~الفاسق يأتي على الكافر وغيره فكان أولى . الثاني : أن يكون المراد ما يكفر ms0988 ~~بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره والمعنى أن هذه الآيات لما كانت ~~بينة ظاهرة لم يكفر بها إلا الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى ~~وتجاوز عن كل حد مستحسن في العقل والشرع . # ! 7 < { أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 100 ) أو كلما عاهدوا . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { أو * كلما * عاهدوا عهدا } واو عطف دخلت عليه ~~همزة الاستفهام وقيل الواو زائدة وليس بصحيح لأنه مع صحة معناه لا يجوز أن ~~يحكم بالزيادة . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : الواو للعطف على محذوف معناه : ~~أكفروا بالآيات والبينات PageV03P182 وكلما عاهدوا ، وقرأ أبو السماك بسكون ~~الواو على أن الفاسقون بمعنى الذين فسقوا فكأنه قيل وما يكفر بها إلا الذين ~~فسقوا أو نقضوا عهد الله مرارا كثيرة وقرىء عوهدوا وعهدوا . # المسألة الثالثة : المقصود من هذا الاستفهام ، الإنكار وإعظام ما يقدمون ~~عليه لأن مثل ذلك إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت ودل ~~بقول : { أو * كلما * عاهدوا } على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه ، بل يدل على ~~أن ذلك كالعادة فيهم فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل ~~عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم ، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم ~~على ما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالا بعد حال ~~لأن من يعتاد / منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته كصعوبة من لم ~~تجر عادته بذلك . # المسألة الرابعة : في العهد وجوه ، أحدها : أن الله تعالى لما أظهر ~~الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحة شرعه كان ذلك ~~كالعهد منه سبحانه وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله سبحانه وتعالى ~~، وثانيها : أن العهد هو الذي كانوا يقولون قبل مبعثه عليه السلام لئن خرج ~~النبي لنؤمنن به ولنخرجن المشركين من ديارهم ، وثالثها : أنهم كانوا ~~يعاهدون الله كثيرا وينقضونه ، ورابعها : أن اليهود كانوا قد عاهدوه على أن ~~لا يعينوا ms0989 عليه أحدا من الكافرين فنقضوا ذلك وأعانوا عليه قريشا يوم الخندق ~~، قال القاضي : إن صحت هذه الرواية لم يمتنع دخوله تحت الآية لكن لا يجوز ~~قصر الآية عليه بل الأقرب أن يكون المراد ما له تعلق بما تقدم ذكره من ~~كفرهم بآيات الله ، وإذا كان كذلك فحمله على نقض العهد فيما تضمنته الكتب ~~المتقدمة والدلائل العقلية من صحة القول ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~أقوى . # المسألة الخامسة : إنما قال : { نبذه فريق } لأن في جملة من عاهد من آمن ~~أو يجوز أن يؤمن فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر ، ثم لما كان ~~يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلون بين أنهم الأكثرون فقال : { بل ~~أكثرهم لا يؤمنون } وفيه قولان ، الأول : أكثر أولئك الفساق لا يصدقون بك ~~أبدا لحسدهم وبغيهم ، والثاني : لا يؤمنون : أي لا يصدقون بكتابهم لأنهم ~~كانوا في قومهم كالمنافقين مع الرسول يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم ~~ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه . # ! 7 < { ولما جآءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله ورآء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 101 ) ولما جاءهم رسول . . . . . # > > اعلم أن معنى كون الرسول مصدقا لما معهم هو أنه كان معترفا بنبوة ~~موسى عليه السلام وبصحة التوراة أو مصدقا لما معهم من حيث إن التوراة بشرت ~~بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا أتى محمد كان مجرد مجيئه مصدقا للتوراة ~~. PageV03P183 # أما قوله تعالى : { نبذ فريق } فهو مثل لتركهم وإعراضهم عنه بمثل ما يرمى ~~به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه . # أما قوله تعالى : { من الذين أوتوا الكتاب } ففيه قولان ، أحدهما : أن ~~المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه ، قال هذا القائل : الدليل ~~عليه أنه تعالى وصف هذا الفريق بالعلم / عند قوله تعالى : { كأنهم لا ~~يعلمون } ، الثاني : المراد من يدعي التمسك بالكتاب سواء علمه أو لم يعلمه ~~، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل القرآن لا يراد بذلك من يختص بمعرفة ~~علومه ، بل ms0990 المراد من يؤمن به ويتمسك بموجبه . # أما قوله تعالى : { كتاب الله وراء ظهورهم } فقيل : إنه التوراة ، وقيل : ~~إنه القرآن ، وهذا هو الأقرب لوجهين ، الأول : أن النبذ لا يعقل إلا فيما ~~تمسكوا به أولا وأما إذا لم يلتفتوا إليه لا يقال إنهم نبذوه ، الثاني : ~~أنه قال : { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب } ولو كان المراد به القرآن لم ~~يكن لتخصيص الفريق معنى لأن جميعهم لا يصدقون بالقرآن ، فإن قيل : كيف يصح ~~نبذهم التوراة وهم يتمسكون به ؟ قلنا : إذا كان يدل على نبوة محمد عليه ~~الصلاة والسلام لما فيه من النعت والصفة وفيه وجوب الإيمان ثم عدلوا عنه ~~كانوا نابذين للتوراة . # أما قوله تعالى : { كأنهم لا يعلمون } فدلالة على أنهم نبذوه عن علم ~~ومعرفة لأنه لا يقال ذلك إلا فيمن يعلم ، فدلت الآية من هذه الجهة على أن ~~هذا الفريق كانوا عالمين بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون ، وقد ثبت أن ~~الجمع العظيم لا يصح الجحد عليهم فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في ~~القلة بحيث تجوز المكابرة عليهم . # ! 7 < { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولاكن ~~الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ومآ أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الا خرة من ~~خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 102 ) واتبعوا ما تتلوا . . . . . # > > PageV03P184 @185@ # اعلم أن هذا هو نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو اشتغالهم بالسحر وإقبالهم ~~عليه ودعاؤهم الناس إليه . # أما قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { واتبعوا } حكاية عمن تقدم ذكره وهم ~~اليهود ، ثم فيه أقوال ، أحدها : أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد ~~عليه الصلاة والسلام ، وثانيها : أنهم الذين تقدموا من اليهود ms0991 ، وثالثها : ~~أنهم الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام من السحرة لأن أكثر اليهود ~~ينكرون نبوة سليمان عليه السلام ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا ، فالذين ~~كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك ~~العظيم بسبب السحر ، ورابعها : أنه يتناول الكل وهذا أولى لأنه ليس صرف ~~اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره ، إذ لا دليل على التخصيص . قال ~~السدي : لما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه بها ~~فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت ~~فلم يوافق القرآن ، فهذا قوله تعالى : { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق ~~لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم } ( البقرة ~~: 101 ) ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحر . # المسألة الثانية : ذكروا في تفسير : { تتلوا } وجوها ، أحدها : أن المراد ~~منه التلاوة والإخبار ، وثانيها : قال أبو مسلم ( تتلوا ) أي تكذب على ملك ~~سليمان . يقال : تلا عليه إذا كذب وتلا عنه ، إذا صدق وإذا أبهم جاز ~~الأمران . والأقرب هو الأول لأن التلاوة حقيقة في الخبر ، إلا أن المخبر ~~يقال في خبره إذا كان كذبا إنه تلا فلان وإنه قد تلا على فلان ليميز بينه ~~وبين الصدق الذي لا يقال فيه ، روي عن فلان ، بل يقال : روي عن فلان وأخبر ~~عن فلان وتلا عن فلان وذلك لا يليق إلا بالأخبار والتلاوة ، ولا يمتنع أن ~~يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف ~~. # المسألة الثالثة : اختلفوا في الشياطين فقيل : المراد شياطين الجن وهو ~~قول الأكثرين ، وقيل : شياطين الإنس وهو قول المتكلمين من المعتزلة ، وقيل ~~: هم شياطين الإنس والجن معا . أما الذين حملوه على شياطين الجن قالوا : إن ~~الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ~~ويلقونها إلى الكهنة ، وقد دونوها في كتب يقرءونها ويعلمونها الناس وفشا ~~ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا : إن الجن تعلم الغيب وكانوا ~~يقولون : هذا علم ms0992 سليمان وما تم له ملكه إلا بهذا العلم وبه يسخر الجن ~~والإنس والريح التي تجري بأمره . وأما الذين حملوه على شياطين الإنس قالوا ~~: روي في الخبر أن سليمان عليه السلام كان قد دفن كثيرا من العلوم التي خصه ~~الله تعالى بها تحت سرير ملكه حرصا على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك ~~المدفون / فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في ~~خلال ذلك أشياء من السحر تناسب / تلك الأشياء من بعض الوجوه ، ثم بعد موته ~~واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل ~~إلى ما وصل إليه إلا بسبب هذه الأشياء فهذا معنى : ( ما تتلوا الشياطين ) ، ~~واحتج القائلون بهذا الوجه على فساد القول الأول بأن شياطين الجن لو قدروا ~~على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف محققا فيما بين ~~الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع وذلك يفضي إلى الطعن في كل الأديان . ~~فإن قيل : إذا جوزتم ذلك على شياطين الإنس فلم لا يجوز مثله على شياطين ~~الجن ؟ قلنا : الفرق أن الذي يفعله الإنسان لا بد وأن يظهر من بعض الوجوه ، ~~أما لو جوزنا هذا الافتعال من الجن وهو أن نزيد في PageV03P185 كتب سليمان ~~بخط مثل خط سليمان فإنه لا يظهر ذلك ويبقى مخفيا فيفضي إلى الطعن في جميع ~~الأديان . # المسألة الرابعة : أما قوله : { على ملك سليمان } فقيل في ملك سليمان ، ~~عن ابن جريج ، وقيل على عهد ملك سليمان والأقرب أن يكون المراد واتبعوا ما ~~تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان لأنهم كانوا يقرءون من كتب السحر ~~ويقولون إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم ، فكانت تلاوتهم لتلك ~~الكتب كالافتراء على ملك سليمان . # المسألة الخامسة : اختلفوا في المراد بملك سليمان ، فقال القاضي : إن ملك ~~سليمان هو النبوة ، أو يدخل فيه النبوة وتحت النبوة الكتاب المنزل عليه ~~والشريعة . وإذا صح ذلك ثم أخرج القوم صحيفة فيها ضروب السحر وقد دفنوها ~~تحت سرير ملكه ثم أخرجوها بعد ms0993 موته وأوهموا أنها من جهته صار ذلك منهم ~~تقولا على ملكه في الحقيقة . والأصح عندي أن يقال : إن القوم لما ادعوا أن ~~سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ~~ملك سليمان . # المسألة السادسة : السبب في أنهم أضافوا السحر إلى سليمان عليه السلام ~~وجوه . أحدها : أنهم أضافوا السحر إلى سليمان تفخيما لشأنه وتعظيما لأمره ~~وترغيبا للقوم في قبول ذلك منهم ، وثانيها : أن اليهود ما كانوا يقرون ~~بنبوة سليمان بل كانوا يقولون إنما وجد ذلك الملك بسبب السحر . وثالثها : ~~أن الله تعالى لما سخر الجن لسليمان فكان يخالطهم ويستفيد منهم أسرارا ~~عجيبة فغلب على الظنون أنه عليه الصلاة والسلام استفاد السحر منهم . # أما قوله تعالى : { وما كفر سليمان } فهذا تنزيه له عليه السلام عن الكفر ~~، وذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر والسحر : قيل فيه أشياء ، أحدها : ~~ما روي عن بعض أخبار اليهود أنهم قالوا : ألا تعجبون من محمد يزعم أن ~~سليمان كان نبيا وما كان إلا ساحرا ، فأنزل الله هذه الآية . وثانيها : أن ~~السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان فنزهه الله تعالى منه . ~~وثالثها : أن قوما زعموا أن قوام ملكه كان بالسحر فبرأه الله منه لأن كونه ~~نبيا ينافي كونه ساحرا كافرا ، ثم بين تعالى أن الذي برأه منه لاصق بغيره ~~فقال : { ولاكن الشياطين كفروا } يشير / به إلى ما تقدم ذكره ممن اتخذ ~~السحر كالحرفة لنفسه وينسبه إلى سليمان ، ثم بين تعالى ما به كفروا فقد كان ~~يجوز أن يتوهم أنهم ما كفروا أولا بالسحر فقال تعالى : { يعلمون الناس ~~السحر } واعلم أن الكلام في السحر يقع من وجوه . # المسألة الأولى : في البحث عنه بحسب اللغة فنقول : ذكر أهل اللغة أنه في ~~الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه والسحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه ~~، قال لبيد : # ونسحر بالطعام وبالشراب # قيل فيه وجهان ، أحدهما : أنا نعلل ونخدع كالمسحور المخدوع ، والآخر : ~~نغذي وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء وقال : PageV03P186 # % فإن تسألينا فيم نحن فإننا ms0994 % % عصافير من هذا الأنام المسحر % # وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول ، ويحتمل أيضا أن يريد ~~بالمسحر أنه ذو سحر ، والسحر هو الرئة ، وما تعلق بالحلقوم وهذا أيضا يرجع ~~إلى معنى الخفاء ومنه قول عائشة رضي الله عنها : ( توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين سحري ونحري ) ، وقوله تعالى : { إنما أنت من المسحرين } ( ~~الشعراء : 153 ) ، يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب يدل عليه قولهم : { ~~ما أنت إلا * بشرا مثلنا } ( الشعراء : 154 ) ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا ، ~~وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال للسحرة : { ما جئتم به السحر ~~إن الله سيبطله } ( يونس : 81 ) وقال : { فلما ألقوا سحروا أعين الناس ~~واسترهبوهم } ( الأعراف : 116 ) فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة . # المسألة الثانية : اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى ~~سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع ، ومتى أطلق ولم ~~يقيد أفاد ذم فاعله . قال تعالى : { سحروا أعين الناس } ( الأعراف : 66 ) ~~يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى وقال تعالى : { يخيل إليه ~~من سحرهم أنها تسعى } ( طه : 66 ) وقد يستعمل مقيدا فيما يمدح ويحمد . روي ~~أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ~~، فقال لعمرو : خبرني عن الزبرقان ، فقال : مطاع في ناديه شديد العارضة ~~مانع لما وراء ظهره ، فقال الزبرقان : هو والله يعلم أني أفضل منه ، فقال ~~عمرو : إنه زمن المروءة ضيق العطن أحمق الأب لئيم الخال يا رسول الله صدقت ~~فيهما ، أرضاني فقلت : أحسن ما علمت وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت ، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من البيان لسحرا ) فسمى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعض البيان سحرا لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ويكشف عن حقيقته ~~بحسن بيانه وبليغ عبارته ، فإن قيل : كيف يجوز أن يسمى ما يوضح الحق وينبيء ~~عنه سحرا ؟ وهذا القائل إنما قصد إظهار الخفى لا إخفاء الظاهر ولفظ السحر ~~إنما يفيد إخفاء الظاهر ؟ قلنا : إنما ms0995 سماه سحرا لوجهين ، الأول : أن ذلك ~~القدر للطفه وحسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب ، فمن هذا ~~الوجه سمي سحرا ، لا من الوجه الذي ظننت / . الثاني : أن المقتدر على ~~البيان يكون قادرا على تحسين ما يكون قبيحا وتقبيح ما يكون حسنا فذلك يشبه ~~السحر من هذا الوجه . # المسألة الثالثة : في أقسام السحر : اعلم أن السحر على أقسام . الأول : ~~سحر الكلدانيين والكسدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبدون ~~الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم ، ومنها تصدر الخيرات والشرور ~~والسعادة والنحوسة وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلا ~~لمقالتهم ورادا عليهم في مذهبهم . أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن ~~غير الله تعالى لا يقدر على خلق الجسم والحياة واللون والطعم ، واحتجوا ~~بوجوه ذكرها القاضي ولخصها في تفسيره وفي سائر كتبه ونحن ننقل تلك الوجوه ~~وننظر فيها . أولها : وهو النكتة العقلية التي عليها يعولون أن كل ما سوى ~~الله إما متحيز وإما قائم بالمتحيز ، فلو كان غير الله فاعلا للجسم والحياة ~~لكان ذلك الغير متحيزا ، وذلك المتحيز لا بد وأن يكون قادرا بالقدرة ، إذ ~~لو كان قادرا لذاته لكان كل جسم كذلك بناء على أن الأجسام متماثلة لكن ~~القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم PageV03P187 والحياة ، ويدل عليه ~~وجهان . الأول : أن العلم الضروري حاصل بأن الواحد منا لا يقدر على خلق ~~الجسم والحياة ابتداء ، فقدرتنا مشتركة في امتناع ذلك عليها ، فهذا ~~الامتناع حكم مشترك فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك ههنا إلا كوننا ~~قادرين بالقدرة ، وإذا ثبت هذا وجب فيمن كان قادرا بالقدرة أن يتعذر عليه ~~فعل الجسم والحياة . الثاني : أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف ~~بعضا ، فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم والحياة لم تكن مخالفتها لهذه ~~القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض ، فلو كفى ذلك القدر من ~~المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم والحياة لوجب في هذه القدرة أن يخالف ~~بعضها بعضا ، وأن تكون صالحة لخلق الجسم ms0996 والحياة ، ولما لم يكن كذلك علمنا ~~أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الجسم والحياة . وثانيها : أنا لو جوزنا ~~ذلك لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات لأنا لو جوزنا استحداث الخوارق ~~بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية لم يمكنا القطع بأن هذه ~~الخوارق التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم السلام صدرت عن الله تعالى ، بل ~~يجوز فيها أنهم أتوا بها من طريق السحر ، وحينئذ يبطل القول بالنبوات من كل ~~الوجوه . وثالثها : أنا لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم ~~والحياة والألوان لقدر ذلك الإنسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب ، ~~لكنا نرى من يدعي السحر متوصلا إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد ، ~~فعلمنا كذبه وبهذا الطريق نعلم فساد ما يدعيه قوم من الكيمياء ، لأنا نقول ~~: لو أمكنهم ببعض الأدوية أن يقلبوا غير الذهب ذهبا لكان إما أن يمكنهم ذلك ~~بالقليل من الأموال ، فكان ينبغي أن يغنوا أنفسهم بذلك عن المشقة والذلة أو ~~لا يمكنهم إلا بالآلات العظام والأموال الخطيرة ، فكان يجب أن يظهروا ذلك ~~للملوك المتمكنين من ذلك ، بل كان يجب أن يفطن الملوك لذلك لأنه أنفع لهم ~~من فتح البلاد / الذي لا يتم إلا بإخراج الأموال والكنوز ، وفي علمنا ~~بانصراف النفوس والهمم عن ذلك دلالة على فساد هذا القول ، قال القاضي : ~~فثبت بهذه الجملة أن الساحر لا يصح أن يكون فاعلا لشيء من ذلك . واعلم أن ~~هذه الدلائل ضعيفة جدا . أما الوجه الأول : فنقول : ما الدليل على أن كل ما ~~سوى الله ، إما أن يكون متحيزا ، وإما قائما بالمتحيز ، أما علمتم أن ~~الفلاسفة مصرون على إثبات العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة ، وزعموا ~~أنها في أنفسها ليست بمتحيزة ولا قائمة بالمتحيز ، فما الدليل على فساد ~~القول بهذا ؟ فإن قالوا : لو وجد موجود هكذا لزم أن يكون مثلا لله تعالى ، ~~قلنا : لا نسلم ذلك لأن الاشتراك في الأسلوب لا يقتضي الاشتراك في الماهية ~~، سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام يقدر على ذلك ms0997 لذاته ؟ قوله ~~: الأجسام متماثلة . فلو كان جسم كذلك لكان كل جسم كذلك ، قلنا : ما الدليل ~~على تماثل الأجسام ، فإن قالوا : إنه لا معنى للجسم إلا الممتد في الجهات ، ~~الشاغل للأحياز ولا تفاوت بينها في هذا المعنى ، قلنا : الامتداد في الجهات ~~والشغل للأحياز صفة من صفاتها ولازم من لوازمها ، ولا يبعد أن تكون الأشياء ~~المختلفة في الماهية مشتركة في بعض اللوازم ، سلمنا أنه يجب أن يكون قادرا ~~بالقدرة ، فلم قلتم إن القادر بالقدرة لا يصح منه خلق الجسم والحياة ؟ قوله ~~: لأن القدرة التي لنا مشتركة في هذا الامتناع وهذا الامتناع حكم مشترك ، ~~فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك سوى كوننا قادرين بالقدرة ، قلنا : هذه ~~المقدمات بأسرها ممنوعة فلا نسلم أن الامتناع حكم معلل وذلك لأن الامتناع ~~عدمي والعدم لا يعلل ، سلمنا أنه أمر وجودي ، ولكن من مذهبهم أن كثيرا من ~~الأحكام لا يعلل ، فلم PageV03P188 لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك ، ~~سلمنا أنه معلل ، فلم قلتم : إن الحكم المشترك لا بد له من علة مشتركة ، ~~أليس أن القبح حصل في الظلم معللا بكونه ظلما وفي الكذب بكونه كذبا ، وفي ~~الجهل بكونه جهلا ؟ سلمنا أنه لا بد من علة مشتركة ، لكن لا نسلم أنه لا ~~مشترك إلا كوننا قادرين بالقدرة ، فلم لا يجوز أن تكون هذه القدرة التي لنا ~~مشتركة في وصف معين وتلك القدرة التي تصلح لخلق الجسم تكون خارجة عن ذلك ~~الوصف ، فما الدليل على أن الأمر ليس كذلك ؟ وأما الوجه الأول : وهو أنه ~~ليست مخالفة تلك القدرة لبعض القدر أشد من مخالفة بعض هذه القدر للبعض ، ~~فنقول : هذا ضعيف ، لأنا لا نعلل صلاحيتها لخلق الجسم بكونها مخالفة لهذه ~~القدر ، بل لخصوصيتها المعينة التي لأجلها خالفت سائر القدر وتلك الخصوصية ~~معلوم أنها غير حاصلة في سائر القدر . ونظير ما ذكروه أن يقال : ليست ~~مخالفة الصوت للبياض بأشد من مخالفة السواد للبياض ، فلو كانت تلك المخالفة ~~مانعة للصوت من صحة أن يرى لوجب لكون السواد مخالفا للبياض أن يمتنع ms0998 رؤيته ~~. # ولما كان هذا الكلام فاسدا فكذا ما قالوه ، والعجب من القاضي أنه لما حكى ~~هذه الوجوه عن الأشعرية في مسألة الرؤية وزيفها بهذه الأسئلة ، ثم إنه نفسه ~~تمسك بها في هذه المسألة التي هي الأصل في إثبات النبوة والرد على من أثبت ~~متوسطا بين الله وبيننا . أما الوجه الثاني وهو أن / القول بصحة النبوات لا ~~يبقى مع تجويز هذا الأصل فنقول : إما أن يكون القول بصحة النبوات متفرعا ~~على فساد هذه القاعدة أو لا يكون . فإن كان الأول امتنع فساد هذا الأصل ~~بالبناء على صحة النبوات ، وإلا وقع الدور ، وإن كان الثاني فقد سقط هذا ~~الكلام بالكلية . وأما الوجه الثالث : فلقائل أن يقول الكلام في الإمكان ~~غير ، ونحن لا نقول بأن هذه الحالة حاصلة لكل أحد بل هذه الحالة لا تحصل ~~للبشر إلا في الأعصار المتباعدة فكيف يلزمنا ما ذكرتموه ؟ فهذا هو الكلام ~~في النوع الأول من السحر . # النوع الثاني من السحر : سحر أصحاب الأوهام والنفس القوية ، قالوا : ~~اختلف الناس في أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله : ( أنا ) ما هو ؟ فمن ~~الناس من يقول : إنه هو هذه البنية ، ومنهم من يقول : إنه جسم صار في هذه ~~البنية ، ومنهم من يقول : بأنه موجود وليس بجسم ولا بجسماني . أما إذا قلنا ~~إن الإنسان هو هذه البنية ، فلا شك أن هذه البنية مركبة من الأخلاط الأربعة ~~، فلم لا يجوز أن يتفق في بعض الأعصار الباردة أن يكون مزاجه مزاجا من ~~الأمزجة في ناحية من النواحي يقتضي القدرة على خلق الجسم والعلم بالأمور ~~الغائبة عنا والمتعذرة ، وهكذا الكلام إذا قلنا الإنسان جسم سار في هذه ~~البنية ، أما إذا قلنا : إن الإنسان هو النفس فلم لا يجوز أن يقال : النفوس ~~مختلفة فيتفق في بعض النفوس إن كانت لذاتها قادرة على هذه الحوادث الغريبة ~~مطلعة على الأسرار الغائبة ، فهذا الاحتمال مما لم تقم دلالة على فساده سوى ~~الوجوه المتقدمة ، وقد بان بطلانها ، ثم الذي يؤكد هذا الاحتمال وجوه . ~~أولها : أن الجذع الذي يتمكن الإنسان ms0999 من المشي عليه لو كان موضوعا على ~~الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر على هاوية تحته ، وما ذاك إلا أن ~~تخيل السقوط متى قوي أوجبه ، وثانيها : اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن ~~النظر إلى الأشياء الحمر ، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان ~~والدوران ، وما ذاك إلا أن النفوس خلقت مطيعة للأوهام ، و ثالثها : حكى ~~صاحب الشفاء عن ( أرسطو ) أن طبائع الحيوان : أن الدجاجة إذ تشبهت كثيرا ~~بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة نبت على ساقها مثل الشيء النابت على ~~ساق الديك ، ثم قال صاحب الشفاء : وهذا يدل PageV03P189 على أن الأحوال ~~الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية ، ورابعها : أجمعت الأمم على أن الدعاء ~~اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل العمل عديم الأثر / فدل ذلك على أن ~~للهمم والنفوس آثارا وهذا الاتفاق غير مختص بمسألة معينة وحكمة مخصوصة ، ~~وخامسها : أنك لو أنصفت لعلمت أن المبادىء القريبة للأفعال الحيوانية ليست ~~إلا التصورات النفسانية لأن القوة المحركة المغروزة في العضلات صالحة للفعل ~~وتركه أو ضده ، ولن يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح وما ذاك إلا ~~تصور كون الفعل جميلا أو لذيذا أو تصور كونه قبيحا أو مؤلما فتلك التصورات ~~هي المبادىء لصيرورة القوى العضلية مبادىء للفعل لوجود الأفعال بعد أن كانت ~~كذلك بالقوة ، وإذا كانت هذه التصورات هي المبادىء لمبادىء هذه الأفعال فأي ~~استبعاد في / كونها مبادىء لأفعال أنفسها وإلغاء الواسطة عن درجة الاعتبار ~~، وسادسها : التجربة والعيان شاهدان بأن هذه التصورات مبادىء قريبة لحدوث ~~الكيفيات في الأبدان فإن الغضبان تشتد سخونة مزاجه حتى أنه يفيده سخونة ~~قوية . # يحكى أن بعض الملوك عرض له فالج فأعيا الأطباء مزاولة علاجه ، فدخل عليه ~~بعض الحذاق منهم على حين غفلة منه وشافهه بالشتم والقدح في العرض ، فاشتد ~~غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية لما ناله من شدة ذلك الكلام فزالت ~~تلك العلة المزمنة والمرضة المهلكة . وإذا جاز كون التصورات مبادىء لحدوث ~~الحوادث في البدن فأي استبعاد من كونها مبادىء لحدوث الحوادث خارج البدن . ~~وسابعها ms1000 ؛ أن الإصابة بالعين أمر قد اتفق عليه العقلاء وذلك أيضا يحقق ~~إمكان ما قلناه . إذا عرفت هذا فنقول : النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد ~~تكون قوية جدا فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات والأدوات وقد ~~تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات . وتحقيقه أن النفس إذا كانت ~~مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم ( السماء ) كانت كأنها روح من ~~الأرواح السماوية ، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم ، أما إذا ~~كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف ~~ألبتة إلا في هذه البدن ، فإذا أراد هذا الإنسان صيرورتها بحيث يتعدى تأثير ~~من بدنها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير ووضعه عند الحس واشتغل الحس به ~~فيتبعه الخيال عليه وأقبلت النفس الناطقة عليه فقويت التأثيرات النفسانية ~~والتصرفات الروحانية ، ولذلك أجمعت الأمم على أنه لا بد لمزاولة هذه ~~الأعمال من انقطاع المألوفات والمشتهيات وتقليل الغذاء والانقطاع عن مخالطة ~~الخلق . وكلما كانت هذه الأمور أتم كان ذلك التأثير أقوى ، فإذا اتفق أن ~~كانت النفس مناسبة لهذا الأمر نظرا إلى ماهيتها وخاصيتها عظم التأثير ، ~~والسبب المتعين فيه أن النفس إذا أشعلت بالجانب الأول اشتغلت جميع قوتها في ~~ذلك الفعل وإذا اشتغلت بالأفعال الكثيرة تفرقت قوتها وتوزعت على تلك ~~الأفعال تتصل إلى كل واحد من تلك الأفعال شعبة من تلك القوة وجدول من ذلك ~~النهر . ولذلك نرى أن إنسانين يستويان في قوة الخاطر إذا اشتغل أحدهما ~~بصناعة واحدة واشتغل الآخر بصناعتين . فإن ( ذا الفن ) الواحد يكون أقوى من ~~ذي الفنين ، ومن حاول الوقوف على حقيقة مسألة من المسائل فإنه حال تفكره ~~فيها لا بد وأن يفرغ خاطره عما عداها ، فإنه عند تفريغ الخاطر يتوجه الخاطر ~~بكليته إليه فيكون الفعل أسهل وأحسن ، وإذا كان كذلك فإذا كان الإنسان ~~مشغول الهم والهمة بقضاء اللذات وتحصيل الشهوات كانت القوة النفسانية ~~مشغولة بها مستغرقة فيها ، فلا يكون انجذابها إلى تحصيل الفعل الغريب الذي ~~يحاوله انجذابا قويا لا سيما وههنا آفة أخرى وهي ms1001 أن مثل هذه النفس قد ~~اعتادت الاشتغال باللذات من أول أمرها إلى آخره ، ولم تشتغل قط باستحداث ~~هذه الأفعال الغريبة ، فهي بالطبع حنون إلى الأول عزوف إلى PageV03P190 ~~الثاني ، فإذا وجدت مطلوبها من النمط الأول فإنى تلتفت / إلى الجانب الآخر ~~؟ فقد ظهر من هذا أن مزاولة هذه الأعمال لا تتأتى إلا مع التجرد عن الأحوال ~~الجسمانية وترك مخالطة الخلق والاقبال بالكلية على عالم الصفاء والأرواح . ~~وأما الرقى فإن كانت معلومة فالأمر فيها ظاهر لأن الغرض منها أن حس البصر ~~كما شغلناه بالأمور المناسبة ، لذلك الغرض فحس السمع نشغله أيضا بالأمور ~~المناسبة لذلك الغرض ، فإن الحواس متى تطابقت على التوجه إلى الغرض الواحد ~~كان توجه النفس إليه حينئذ أقوى ، وأما إن كانت بألفاظ غير معلومة حصلت ~~للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة ، فإن الإنسان إذا اعتقد أن هذه ~~الكلمات إنما تقرأ للاستعانة بشيء من الأمور الروحانية ولا يدري كيفية تلك ~~الاستعانة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة ، ويحصل للنفس في ~~أثناء ذلك انقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل وجد عظيم ، فيقوى ~~التأثير النفساني فيحصل الغرض ، وهكذا القول في الدخن ، قالوا : فقد ثبت أن ~~هذا القدر من القوة النفسانية مشتغل بالتأثير ، فإن انضم إليه النوع الأول ~~من السحر وهو الاستعانة بالكواكب وتأثيراتها عظم التأثير ، بل ههنا نوعان ~~آخران ، الأول : أن النفوس التي فارقت الأبدان قد يكون فيها ما هو شديد ~~المشابهة لهذه النفوس في قوتها وفي تأثيراتها ، فإذا صارت تلك النفوس صافية ~~لم يبعد أن ينجذب إليها ما يتشابهها من النفوس المفارقة ويحصل لتلك النفوس ~~نوع ما من التعلق بهذا البدن فتتعاضد النفوس الكثيرة على ذلك الفعل ، وإذا ~~كملت القوة وتزايدت قوى التأثير ، الثاني : أن هذه النفوس الناطقة إذا صارت ~~صافية عن الكدورات البدنية صارت قابلة للأنوار الفائضة من الأرواح السماوية ~~والنفوس الفلكية ، فتقوى هذه النفوس بأنوار تلك الأرواح ، فتقوى على أمور ~~غريبة خارقة للعادة فهذا شرح سحر أصحاب الأوهام والرقى . # النوع الثالث من السحر : الاستعانة بالأرواح الأرضية ، واعلم أن القول ms1002 ~~بالجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة ، أما أكابر الفلاسفة ~~فإنهم ما أنكروا القول به إلا أنهم سموها بالأرواح الأرضية وهي في أنفسها ~~مختلفة منها خيرة ومنها شريرة ، فالخيرة هم مؤمنوا الجن والشريرة هم كفار ~~الجن وشياطينهم ، ثم قال الخلف منهم : هذه الأرواح جواهر قائمة بأنفسها لا ~~متحيزة ولا حالة في المتحيز وهي قادرة عالمة مدركة للجزئيات ، واتصال ~~النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية ، إلا أن القوة ~~الحاصلة للنفوس الناطقة بسبب اتصالها بهذه الأرواح الأرضية أضعف من القوة ~~الحاصلة إليها بسبب اتصالها بتلك الأرواح السماوية ، أما أن الاتصال أسهل ~~فلأن المناسبة بين نفوسنا وبين هذه الأرواح الأرضية أسهل ، ولأن المشابهة ~~والمشاكلة بينهما أتم وأشد من المشاكلة بين نفوسنا وبين الأرواح السماوية ، ~~وأما أن القوة بسبب الاتصال بالأرواح السماوية أقوى فلأن الأرواح السماوية ~~هي بالنسبة إلى الأرواح الأرضية كالشمس بالنسبة إلى الشعلة ، والبحر ~~بالنسبة إلى القطرة ، والسلطان بالنسبة إلى الرعية . قالوا : وهذه الأشياء ~~وإن لم يقم على وجودها برهان قاهر فلا أقل من الاحتمال والإمكان ، ثم إن / ~~أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل ~~بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد ، فهذا النوع هو المسمى ~~بالعزائم وعمل تسخير الجن . # النوع الرابع من السحر : التخيلات والأخذ بالعيون ، وهذا الأخذ مبني على ~~مقدمات : إحداها : أن أغلاط البصر كثيرة ، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى ~~الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركا . وذلك يدل على PageV03P191 أن الساكن ~~يرى متحركا والمتحرك يرى ساكنا ، والقطرة النازلة ترى خطا مستقيما ، ~~والذبالة التي تدار بسرعة ترى دائرة ، والعنبة ترى في الماء كبيرة كالإجاصة ~~/ والشخص الصغير يرى في الضباب عظيما ، وكبخار الأرض الذي يريك قرص الشمس ~~عند طلوعها عظيما ، فإذا فارقته وارتفعت عنه صغرت ، وأما رؤية العظيم من ~~البعيد صغيرا فظاهر ، فهذه الأشياء قد هدت العقول إلى أن القوة الباصرة قد ~~تبصر الشيء على خلاف ما هو عليه في الجملة لبعض الأسباب العارضة ، وثانيها ~~: أن القوة الباصرة إنما تقف على المحسوسات وقوفا تاما ms1003 إذا أدركت المحسوس ~~في زمان له مقدار ما ، فأما إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جدا ثم أدركت ~~بعده محسوسا آخر وهكذا فإنه يختلط البعض بالبعض ولا يتميز بعض المحسوسات عن ~~البعض ، وذلك فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطا كثيرة بألوان ~~مختلفة ثم استدارات ، فإن الحس يرى لونا واحدا كأنه مركب من كل تلك الألوان ~~، وثالثها : أن النفس إذا كانت مشغولة بشيء ، فربما حضر عند الحس شيء آخر ~~ولا يشعر الحس به ألبتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه ~~إنسان آخر ويتكلم معه ، فلا يعرفه ولا يفهم كلامه ، لما أن قلبه مشغول بشيء ~~آخر ، وكذا الناظر في المرآة فإنه ربما قصد أن يرى قذاة في عينه فيراها ولا ~~يرى ما هو أكبر منها ، إن كان بوجهه أثر أو بجبهته أو بسائر أعضائه التي ~~تقابل المرآة ، وربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستو أم لا فلا يرى شيئا ~~مما في المرآة ، إذا عرفت هذه المقدمات سهل عند ذلك تصور كيفية هذا النوع ~~من السحر ، وذلك لأن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ~~ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه عمل ~~شيئا آخر عملا بسرعة شديدة ، فيبقى ذلك العمل خفيا لتفاوت الشيئين ، أحدهما ~~: اشتغالهم بالأمر الأول ، والثاني : سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني ~~وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه فيتعجبون منه جدا ، ولو أنه سكت ~~ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله ولم تتحرك النفوس ~~والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه ، لفطن الناظرون لكل ما يفعله ، فهذا هو ~~المراد من قولهم : إن المشعبذ يأخذ بالعيون لأنه بالحقيقة يأخذ العيون إلى ~~غير الجهة التي يحتال فيها وكلما كان أخذه للعيون والخواطر وجذبه لها إلى ~~سوى مقصوده أقوى كان أحذق في عمله ، وكلما كانت الأحوال التي تفيد حس البصر ~~نوعا من أنواع الخلل أشد كان هذا العمل أحسن ، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع ms1004 ~~مضيء جدا ، فإن البصر يفيد البصر كلالا واختلالا ، وكذا الظلمة الشديدة / ~~وكذلك الألوان المشرقة القوية تفيد البصر كلالا واختلالا ، والألوان ~~المظلمة قلما تقف القوة الباصرة على أحوالها ، فهذا مجامع القول في هذا ~~النوع من السحر . # النوع الخامس من السحر : الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات ~~المركبة على النسب الهندسية تارة وعلى ضروب الخيلاء أخرى ، مثل : فارسين ~~يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر ، وكفارس على فرس في يده بوق ، كلما مضت ساعة ~~من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد ، ومنها الصور التي يصورها الروم ~~والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان ، حتى يصورونها ضاحكة وباكية ~~، حتى يفرق فيها ضحك السرور وبين ضحك الخجل ، وضحك الشامت ، فهذه الوجوه من ~~لطيف أمور المخايل ، وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب ، ومن هذا الباب ~~تركيب صندوق الساعات ، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال وهو أن يجر ~~ثقيلا عظيما بآلة خفيفة سهلة ، وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب ~~السحر لأن لها أسبابا PageV03P192 معلومة نفيسة من اطلع عليها قدر عليها ، ~~إلا أن الاطلاع عليها لما كان عسيرا شديدا لا يصل إليه إلا الفرد بعد الفرد ~~، لا جرم عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر ، ومن هذا الباب عمل ( أرجعيانوس ~~) الموسيقار في هيكل أورشليم العتيق عند تجديده إياه وذلك أنه اتفق له أنه ~~كان مجتازا بفلاة من الأرض فوجد فيها فرخا من فراخ البراصل / والبراصل هو ~~طائر عطوف وكان يضمر صغيرا حزينا بخلاف سائر البراصل وكانت البراصل تجيئه ~~بلطائف الزيتون فتطرحها عنده فيأكل بعضها عند حاجته ويفضل بعضها عن حاجته ~~فوقف هذا الموسيقار هناك وتأمل حال ذلك الفرخ وعلم أن في صفيره المخالف ~~لصفير البراصل ضربا من التوجع والاستعطاف حتى رقت له الطيور وجاءته بما ~~يأكله فتلطف بعمل آلة تشبه الصفارة إذا استقبل الريح بها أدت ذلك الصفير ~~ولم يزل يجرب ذلك حتى وثق بها وجاءته البراصل بالزيتون كما كانت تجيء إلى ~~ذلك الفرخ لأنها تظن أن هناك فرخا من جنسها ms1005 ، فلما صح له ما أراد أظهر ~~النسك وعمد إلى هيكل أورشليم وسأل عن الليلة التي دفن فيها ( أسطرخس ) ~~الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل فأخبر أنه دفن في أول ليلة من آب فاتخذ ~~صورة من زجاج مجوف على هيئة البرصلة ونصبها فوق ذلك الهيكل ، وجعل فوق تلك ~~الصورة قبة وأمرهم بفتحها في أول آب وكان يظهر صوت البرصلة بسبب نفوذ الريح ~~في تلك الصورة وكانت البراصل تجيء بالزيتون حتى كانت تمتلىء تلك القبة كل ~~يوم من ذلك الزيتون والناس اعتقدوا أنه من كرامات ذلك المدفون ويدخل في ~~الباب أنواع كثيرة لا يليق شرحها في هذا الموضع . # النوع السادس من السحر : الاستعانة بخواص الأدوية مثل أن يجعل في طعامه ~~بعض الأدوية البلدة المزيلة للعقل والدخن المسكرة نحو دماغ الحمار إذا ~~تناوله الإنسان تبلد عقله وقلت فطنته . واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص ~~فإن أثر المغناطيس مشاهد إلا أن الناس قد أكثروا فيه وخلطوا الصدق بالكذب ~~والباطل بالحق . # / النوع السابع من السحر : تعليق القلب وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف ~~الاسم الأعظم وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور ، فإذا اتفق أن ~~كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه ، بذلك ~~وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة ، وإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة ~~فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل حينئذ ما يشاء وإن من جرب الأمور وعرف ~~أحوال أهل العلم علم أن لتعلق القلب أثرا عظيما في تنفيذ الأعمال وإخفاء ~~الأسرار . # النوع الثامن من السحر : السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفيفة لطيفة ~~وذلك شائع في الناس ، فهذا جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه ~~والله أعلم . # المسألة الرابعة : في أقوال المسلمين في أن هذه الأنواع هل هي ممكنة أم ~~لا ؟ أما المعتزلة فقد اتفقوا على إنكارها إلا النوع المنسوب إلى التخيل ~~والمنسوب إلى إطعام بعض الأدوية المبلدة والمنسوب إلى التضريب والنميمة ، ~~فأما الأقسام الخمسة الأول فقد أنكروها ولعلهم كفروا من قال بها وجوز ~~وجودها ms1006 ، وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء ~~ويقلب الإنسان حمارا والحمار إنسانا ، إلا أنهم قالوا : إن الله تعالى هو ~~الخالق لهذه الأشياء عندما يقرأ الساحر رقى مخصوصة وكلمات معينة . فأما أن ~~يكون المؤثر في ذلك الفلك والنجوم فلا . وأما الفلاسفة والمنجمون والصابئة ~~فقولهم على ما سلف تقريره ، PageV03P193 واحتج أصحابنا على فساد قول ~~الصابئة إنه قد ثبت أن العالم محدث فوجب أن يكون موجده قادرا والشيء الذي ~~حكم العقل بأنه مقدور إنما يصح أن يكون مقدورا لكونه ممكنا والإمكان قدر ~~مشترك بين كل الممكنات ، فأذن كل الممكنات مقدور لله تعالى ولو وجد شيء من ~~تلك المقدورات بسبب آخر يلزم أن يكون ذلك السبب مزيلا لتعلق قدرة الله ~~تعالى بذلك المقدور فيكون الحادث سببا لعجز الله وهو محال ، فثبت أنه ~~يستحيل وقوع شيء من الممكنات إلا بقدرة الله وعنده يبطل كل ما قاله الصابئة ~~، قالوا : إذا ثبت هذا فندعي أنه يمتنع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند ~~سحر السحرة فقد احتجوا على وقوع هذا النوع من السحر بالقرآن والخبر . أما ~~القرآن فقوله تعالى في هذه الآية : { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ~~الله } ، والاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه ، وأما الأخبار فهي واردة ~~عنه صلى الله عليه وسلم متواترة وآحادا ، أحدها ما روي أنه عليه السلام سحر ~~، وأن السحر عمل فيه حتى قال : ( إنه ليخيل إلى أني أقول الشيء وأفعله ولم ~~أقله ولم أفعله ) وأن امرأة يهودية سحرته وجعلت ذلك السحر تحت راعوفة البئر ~~، فلما استخرج ذلك زال عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك العارض وأنزل ~~المعوذتان بسببه ، وثانيها : أن امرأة أتت عائشة رضي الله عنها فقالت لها : ~~إني ساحرة فهل لي من توبة ؟ فقالت : وما سحرك ؟ فقالت : صرت إلى الموضع ~~الذي فيه هاروت وماروت ببابل لطلب علم السحر فقالا : لي يا أمة الله لا ~~تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت ، فقالا لي : اذهبي فبولي على ذلك ~~الرماد ، فذهبت لأبول عليه ففكرت في ms1007 نفسي فقلت لا أفعل وجئت إليهما فقلت : ~~قد فعلت ، فقالا لي : ما رأيت لما فعلت ؟ فقلت / ما رأيت شيئا ، فقالا لي : ~~أنت على رأس أمر فاتقي الله ولا تفعلي ، فأبيت فقالا لي : اذهبي فافعلي ، ~~فذهبت ففعلت ، فرأيت كأن فارسا مقنعا بالحديد قد خرج من فرجي فصعد إلى ~~السماء فجئتهما فأخبرتهما فقالا : إيمانك قد خرج عنك وقد أحسنت السحر ، ~~فقلت : وما هو ؟ قالا : ما تريدين شيئا فتصوريه في وهمك ، إلا كان فصورت في ~~نفسي حبا من حنطة ، فإذا أنا بحب ، فقلت : أنزرع فانزرع فخرج من ساعته ~~سنبلا فقلت : انطحن فانطحن من ساعته ، فقلت : أنخبز فانخبز وأنا لا أريد ~~شيئا أصوره في نفسي إلا حصل ، فقالت عائشة : ليس لك توبة ، وثالثها : ما ~~يذكرونه من الحكايات الكثيرة في هذا الباب وهي مشهورة . أما المعتزلة فقد ~~احتجوا على إنكاره بوجوه ، أحدها : قوله تعالى : { ولا يفلح الساحر حيث أتى ~~} ( الفرقان : 8 ) ، وثانيها : قوله تعالى في وصف محمد صلى الله عليه وسلم ~~: { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } ولو صار عليه السلام مسحورا ~~لما استحقوا الذم بسبب هذا القول ، وثالثها : أنه لو جاز ذلك من السحر فكيف ~~يتميز المعجز عن السحر ثم قالوا : هذه الدلائل يقينية والأخبار التي ~~ذكرتموها من باب الآحاد فلا تصلح معارضة لهذه الدلائل . # المسألة الخامسة : في أن العلم بالسحر غير قبيح ولا محظور : اتفق ~~المحققون على ذلك لأن العلم لذاته شريف وأيضا لعموم قوله تعالى : { هل ~~يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ( الزمر : 9 ) ولأن السحر لو لم يكن ~~يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز ، والعلم بكون المعجز معجزا واجب وما ~~يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا ~~وما يكون واجبا كيف يكون حراما وقبيحا . # المسألة السادسة : في أن الساحر قد يكفر أم لا ، اختلف الفقهاء في أن ~~الساحر هل يكفر أم لا ؟ روي PageV03P194 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : ( من أتى كاهنا أو عرافا فصدقهما بقول فقد كفر بما أنزل على ms1008 محمد } ~~عليه السلام واعلم أنه لا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي ~~المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور ، ~~فإنه يكون كافرا على الاطلاق وهذا هو النوع الأول من السحر . # أما النوع الثاني : وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية ~~والقوة إلى حيث يقدر بها على إيجاد الأجسام والحياة والقدرة وتغيير البنية ~~والشكل ، فالأظهر إجماع الأمة أيضا على تكفيره . # أما النوع الثالث : وهو أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية وقراءة ~~الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على سبيل ~~العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل فههنا المعتزلة اتفقوا ~~على تكفير من يجوز ذلك قالوا لأنه مع هذا الإعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق ~~الأنبياء والرسل / وهذا ركيك من القول . فإن لقائل أن يقول إن الإنسان لو ~~ادعى النبوة وكان كاذبا في دعواه فإنه لا يجوز من الله تعالى إظهار هذه ~~الأشياء على يده لئلا يحصل التلبيس ، أما إذا لم يدع النبوة وأظهر هذه ~~الأشياء على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس فإن المحق يتميز عن / المبطل بما ~~أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة والمبطل لا تحصل له هذه ~~الأشياء مع ادعاء النبوة . وأما سائر الأنواع التي عددناها من السحر فلا شك ~~أنه ليس بكفر . فإن قيل : إن اليهود لما أضافوا السحر إلى سليمان قال الله ~~تعالى تنزيها له عنه : { * } عليه السلام واعلم أنه لا نزاع بين الأمة في ~~أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من ~~الحوادث والخيرات والشرور ، فإنه يكون كافرا على الاطلاق وهذا هو النوع ~~الأول من السحر . # أما النوع الثاني : وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية ~~والقوة إلى حيث يقدر بها على إيجاد الأجسام والحياة والقدرة وتغيير البنية ~~والشكل ، فالأظهر إجماع الأمة أيضا على تكفيره . # أما النوع الثالث : وهو أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في ms1009 التصفية وقراءة ~~الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على سبيل ~~العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل فههنا المعتزلة اتفقوا ~~على تكفير من يجوز ذلك قالوا لأنه مع هذا الإعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق ~~الأنبياء والرسل ، وهذا ركيك من القول . فإن لقائل أن يقول إن الإنسان لو ~~ادعى النبوة وكان كاذبا في دعواه فإنه لا يجوز من الله تعالى إظهار هذه ~~الأشياء على يده لئلا يحصل التلبيس ، أما إذا لم يدع النبوة وأظهر هذه ~~الأشياء على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس فإن المحق يتميز عن / المبطل بما ~~أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة والمبطل لا تحصل له هذه ~~الأشياء مع ادعاء النبوة . وأما سائر الأنواع التي عددناها من السحر فلا شك ~~أنه ليس بكفر . فإن قيل : إن اليهود لما أضافوا السحر إلى سليمان قال الله ~~تعالى تنزيها له عنه : { وما كفر سليمان } وهذا يدل على أن السحر كفر على ~~الإطلاق وأيضا قال : { ولاكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } وهذا ~~أيضا يقتضي أن يكون السحر على الإطلاق كفرا . وحكي عن الملكين أنهما لا ~~يعلمان أحدا السحر حتى يقولا : إنما نحن فتنة فلا تكفر وهو يدل على أن ~~السحر كفر على الإطلاق ، قلنا : حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة ~~فتحملها على سحر من يعتقد إلهية النجوم . # المسألة السابعة : في أنه هل يجب قتلهم أم لا ؟ أما النوع الأول : وهو أن ~~يعتقد في الكواكب كونها آلهة مدبرة . والنوع الثاني : وهو أن يعتقد أن ~~الساحر قد يصير موصوفا بالقدرة على خلق الأجسام وخلق الحياة والقدرة والعقل ~~وتركيب الأشكال ، فلا شك في كفرهما ، فالمسلم إذا أتى بهذا الإعتقاد كان ~~كالمرتد يستتاب فإن أصر قتل . وروي عن مالك وأبي حنيفة أنه لا تقبل توبته ، ~~لنا أنه أسلم فيقبل إسلامه لقوله عليه السلام : ( نحن نحكم بالظاهر ) ، أما ~~النوع الثالث : وهو أن يعتقد أن الله تعالى أجرى عادته بخلق الأجسام ~~والحياة وتغيير الشكل والهيئة عند قراءة بعض ms1010 الرقي وتدخين بعض الأدوية ، ~~فالساحر يعتقد أنه يمكن الوصول إلى استحداث الأجسام والحياة وتغيير الخلقة ~~بهذا الطريق ، وقد ذكرنا عن المعتزلة أنه كفر قالوا : لأنه مع هذا الإعتقاد ~~لا يمكنه الاستدلال بالمعجز على صدق الأنبياء ، وهذا ركيك لأنه يقال : ~~الفرق هو أن مدعي النبوة إن كان صادقا في دعواه أمكنه الإتيان بهذه الأشياء ~~وإن كان كاذبا تعذر عليه ذلك فبهذا يظهر الفرق . إذا ثبت أنه ليس بكافر ~~وثبت أنه ممكن الوقوع فإذا أتى الساحر بشيء من ذلك فإن اعتقد أن إتيانه به ~~مباح كفر / لأنه حكم على المحظور بكونه مباحا ، وإن اعتقد حرمته فعند ~~الشافعي رضي الله عنه أن حكمه حكم الجناية ، إن قال : إني سحرته وسحري يقتل ~~غالبا ، يجب عليه القود ، وإن قال : سحرته وسحري قد يقتل وقد لا يقتل فهو ~~شبه عمد وإن قال سحرت غيره فوافق اسمه فهو خطأ تجب الدية مخففة في ماله ~~لأنه ثبت بإقراره إلا أن تصدقه الكاملة فحينئذ العاقلة تجب عليهم هذا تفصيل ~~مذهب الشافعي رضي الله عنه ، وروى الحسن بن زياد عن PageV03P195 أبي حنيفة ~~رحمه الله أنه قال : يقتل الساحر إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل ~~قوله : إني أترك السحر وأتوب منه ، فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه وإن شهد ~~شهدان على أنه ساحر أو وصفوه بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يستتاب وإن أقر ~~بأني كنت أسحر مرة وقد تركت ذلك منذ زمان قبل منه ولم يقتل ، وحكى محمد بن ~~شجاع عن علي الرازي قال : سألت أبا يوسف عن قول أبي حنيفة في الساحر : يقتل ~~ولا يستتاب لم يكن ذلك بمنزلة المرتد ، فقال : الساحر جمع مع كفره السعي في ~~الأرض بالفساد ومن كان كذلك إذا قتل قتل ، واحتج أصحابنا بأنه لما ثبت أن ~~هذا النوع ليس بكفر فهو فسق / فإن لم يكن جناية على حق الغير كان الحق هو ~~التفصيل الذي ذكرناه . الثاني : أن ساحر اليهود لا يقتل لأنه عليه الصلاة ~~والسلام سحره رجل من اليهود يقال له ms1011 لبيد بن أعصم وامرأة من يهود خيبر يقال ~~لها زينب ، فلم يقتلهما فوجب أن يكون المؤمن كذلك لقوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ) . واحتج أبو حنيفة ~~رحمه الله على قوله بأخبار ، أحدها : ما روى نافع عن ابن عمر أن جارية ~~لحفصة سحرتها وأخذوها فاعترفت بذلك فأمرت عبد الرحمن بن زيد فقتلها فبلغ ~~عثمان فأنكره فأتاه ابن عمر وأخبره أمرها فكأن عثمان إنما أنكر ذلك لأنها ~~قتلت بغير إذنه ، وثانيها : ما روى عمرو بن دنيار أنه ورد كتاب عمر رضي ~~الله عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر ، وثالثها : قال علي ~~بن أبي طالب : إن هؤلاء العرافين كهان العجم ، فمن أتى كاهنا يؤمن له بما ~~يقول : فقد برىء مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم . والجواب : ~~لعل السحرة الذين قتلوا كانوا من الكفرة فإن حكاية الحال يكفي في صدقها ~~صورة واحدة ، وأما سائر أنواع السحر أعني الإتيان بضروب الشعبذة والآلات ~~العجيبة المبنية على ضروب الخيلاء ، والمبنية على النسب الهندسية وكذلك ~~القول فيمن يوهم ضروبا من التخويف والتقريع حتى يصير من به السوداء محكم ~~الإعتقاد فيه ويتمشى بالتضريب والنميمة ويحتال في إيقاع الفرقة بعد الوصلة ~~، ويوهم أن ذلك بكتابة يكتبها من الاسم الأعظم فكل ذلك ليس بكفر ، وكذلك ~~القول في دفن الأشياء الوسخة في دور الناس ، وكذا القول في إيهام أن الجن ~~يفعلون ذلك ، وكذا القول فيمن يدس الأدوية المبلدة في الأطعمة فإن شيئا من ~~ذلك لا يبلغ حد الكفر ولا يوجب القتل ألبتة ، فهذا هو الكلام الكلي في ~~السحر والله الكافي والواقي ولنرجع إلى التفسير . # أما قوله تعالى : { ولاكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } فظاهر ~~الآية يقتضي أنهم إنما كفروا لأجل أنهم كانوا يعلمون الناس السحر ، لأن ~~ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية وتعليم ما لا يكون كفرا لا يوجب الكفر ~~، فصارت الآية دالة على أن تعليم السحر كفر ، وعلى أن السحر أيضا كفر ، ~~ولمن منع ذلك أن يقول : لا نسلم أن ms1012 ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، ~~بل المعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون الناس السحر ، فإن قيل : هذا مشكل ~~لأن الله تعالى أخبر في آخر الآية أن الملكين يعلمان الناس السحر ، فلو كان ~~تعليم السحر كفرا لزم تكفير الملكين ، وإنه غير جائز لما ثبت أن الملائكة ~~بأسرهم معصومون وأيضا فلأنكم قد دللتم على أنه ليس كل ما يسمى سحرا فهو كفر ~~. قلنا : اللفظ المشترك لا يكون عاما في جميع مسمياته ، فنحن نحمل هذا ~~السحر الذي هو كفر على النوع الأول من الأشياء المسماة بالسحر ، وهو اعتقاد ~~إلهية الكواكب والاستعانة بها في إظهار المعجزات وخوارق العادات ، فهذا ~~السحر كفر ، والشياطين إنما كفروا لإتيانهم بهذا السحر لا بسائر الأقسام . ~~PageV03P196 # وأما الملكان فلا نسلم أنهما علما هذا النوع من السحر ، بل لعلهم يعلمان ~~سائر الأنواع على / ما قال تعالى : { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين ~~المرء وزوجه } وأيضا فبتقدير أن يقال : إنهما علما هذا النوع لكن تعليم هذا ~~النوع إنما يكون كفرا إذا قصد المعلم أن يعتقد حقيقته وكونه صوابا ، فأما ~~أن يعلمه ليحترز عنه فهذا التعليم لا يكون كفرا ، وتعليم الملائكة كان لأجل ~~أن يصير المكلف محترزا عنه على ما قال تعالى حكاية عنهما : { وما يعلمان من ~~أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } وأما الشياطين الذين علموا الناس ~~السحر فكان مقصودهم اعتقاد حقية هذه الأشياء فظهر الفرق . # المسألة الثامنة : قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو بتشديد ( لكن ) و ~~( الشياطين ) بالنصب على أنه اسم ( لكن ) والباقون ( لكن ) بالتخفيف و ( ~~الشياطين ) بالرفع والمعنى واحد ، وكذلك في الأنفال : { ولاكن الله رمى } . ~~{ ولاكن الله قتلهم } ( الأنفال : 17 ) والاختيار أنه إذا كان بالواو كان ~~التشديد أحسن ، وإذا كان بغير الواو فالتخفيف أحسن ، والوجه فيه أن ( لكن ) ~~بالتخفيف يكون عطفا فلا يحتاج إلى الواو لاتصال الكلام ، والمشددة لا تكون ~~عطفا لأنها تعمل عمل ( إن ) . # أما قوله تعالى : { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ( ما ) في قوله : { وما أنزل } فيه ms1013 وجهان . الأول : أنه ~~بمعنى الذي ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال . الأول : أنه عطف على ( ~~السحر ) أي يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضا . ~~وثانيها : أنه عطف على قوله : { ما تتلوا الشياطين } أي واتبعوا الذي تلته ~~الشياطين ، ومنه ما تأثيره في التفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على ~~الملكين فكأنه تعالى أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا كلا الأمرين ولم يقتصروا ~~على أحدهما ، وثالثها : أن موضعه جر عطفا على ( ملك سليمان ) وتقديره ما ~~تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين وهو اختيار ~~أبي مسلم رحمه الله ، وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلا عليهما واحتج ~~عليه بوجوه . الأول : أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله ~~تعالى ، وذلك غير جائز لأن السحر كفر وعبث ولا يليق بالله إنزال ذلك ، ~~الثاني : أن قوله : { ولاكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } يدل على ~~أن تعليم السحر كفر ، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر ، ~~وذلك باطل . الثالث : كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر ~~فكذلك في الملائكة بطريق الأولى ، الرابع : أن السحر لا ينضاف إلا إلى ~~الكفرة والفسقة والشياطين المردة ، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد ~~عليه بالعقاب ؟ وهل السحر إلا الباطل المموه وقد جرت عادة الله تعالى ~~بإبطاله كما قال في قصة موسى عليه السلام : { ما جئتم به السحر إن الله ~~سيبطله } ( يونس : 81 ) ثم إنه رحمه الله سلك في تفسير الآية نهجا آخر ~~يخالف قول أكثر المفسرين ، فقال : كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك ~~سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ / عنه ، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين ~~إلى السحر مع أن المنزل عليهما كان مبرأ عن السحر / وذلك لأن المنزل عليهما ~~كان هو الشرع والدين والدعاء إلى الخير ، وإنما كانا يعلمان الناس ذلك مع ~~قولهما : { إنما نحن فتنة فلا تكفر } توكيدا لبعثهم على القبول والتمسك ، ~~وكانت طائفة تتمسك وأخرى PageV03P197 تخالف وتعدل عن ذلك ويتعلمون ms1014 منهما أي ~~من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، فهذا تقرير مذهب ~~أبي مسلم . الوجه الثاني : أن يكون ( ما ) بمعنى الجحد ويكون معطوفا على ~~قوله تعالى : { وما كفر سليمان } كأنه قال : لم يكفر سليمان ولم ينزل على ~~الملكين سحر لأن السحرة كانت تضيف السحر إلى سليمان وتزعم أنه مما أنزل على ~~الملكين ببابل هاروت وماروت ، فرد الله عليهم في القولين قوله : { وما ~~يعلمان من أحد } جحد أيضا أي لا يعلمان أحدا بل ينهيان عنه أشد النهي . # أما قوله تعالى : { حتى يقولا إنما نحن فتنة } أي ابتلاء وامتحان فلا ~~تكفر وهو كقولك ما أمرت فلانا بكذا حتى قلت له إن فعلت كذا نالك كذا ، أي ~~ما أمرت به بل حذرته عنه . # وأعلم أن هذه الأقوال وإن كانت حسنة إلا أن القول الأول أحسن منها ، وذلك ~~لأن عطف قوله : { وما أنزل } على ما يليه أولى من عطفه على ما بعد عنه إلا ~~لدليل منفصل ، أما قوله : لو نزل السحر عليهما لكان منزل ذلك السحر هو الله ~~تعالى . قلنا : تعريف صفة الشيء قد يكون لأجل الترغيب في إدخاله في الوجود ~~وقد يكون لأجل أن يقع الاحتراز عنه كما قال الشاعر : # عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه # قوله ثانيا : إن تعليم السحر كفر لقوله تعالى : { ولاكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر } ، فالجواب : أنا بينا أنه واقعة حال فيكفي في صدقها ~~صورة واحدة وهي ما إذا اشتغل بتعليم سحر من يقول بإلهية الكواكب ويكون قصده ~~من ذلك التعليم إثبات أن ذلك المذهب حق . قوله ثالثا : إنه لا يجوز بعثة ~~الأنبياء عليهم السلام لتعليم السحر فكذا الملائكة . قلنا : لا نسلم أنه لا ~~يجوز بعثة الأنبياء عليهم السلام لتعليمه بحيث يكون الغرض من ذلك التعليم ~~التنبيه على إبطاله . قوله رابعا : إنما يضاف السحر إلى الكفرة والمردة ~~فكيف يضاف إلى الله تعالى ما ينهى عنه ؟ قلنا : فرق بين العمل وبين التعليم ~~فلم لا يجوز أن يكون العمل منهيا عنه ؟ وأما تعليمه لغرض التنبيه على فساده ms1015 ~~فإنه يكون مأمورا به . # المسألة الثانية : قرأ الحسن : ( ملكين ) بكسر اللام وهو مروي عن الضحاك ~~وابن عباس ثم اختلفوا ، فقال الحسن : كانا علجين أقلفين ببابل يعلمان الناس ~~السحر ، وقيل : كانا رجلين صالحين من الملوك . والقراءة المشهورة بفتح ~~اللام وهما كانا ملكين نزلا من السماء ، وهاروت وماروت اسمان لهما ، وقيل : ~~هما جبريل وميكائيل عليهما السلام ، وقيل غيرهما : أما الذين كسروا اللام ~~فقد احتجوا بوجوه ، أحدها : أنه لا يليق بالملائكة تعليم السحر ، وثانيها : ~~كيف يجوز إنزال / الملكين مع قوله : { ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر ثم لا ~~ينظرون } ( الأنعام : 8 ) ، وثالثها : لو أنزل الملكين لكان إما أن يجعلهما ~~في صورة الرجلين أو لا يجعلهما كذلك ، فإن جعلهما في صورة الرجلين مع أنهما ~~ليسا برجلين كان ذلك تجهيلا وتلبيسا على الناس وهو غير جائز ، ولو جاز ذلك ~~فلم لا يجوز أن كل واحد من الناس الذين نشاهدهم لا يكون في الحقيقة إنسانا ~~، بل ملكا من الملائكة ؟ وإن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله ~~تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) والجواب في ~~الأصل أنا سنبين وجه الحكمة في إنزال الملائكة لتعليم السحر ، وعن ~~PageV03P198 الثاني : أن هذه الآية عامة وقراءة الملكين بفتح اللام متواترة ~~وخاصة والخاص مقدم على العام / وعن الثالث : أن الله تعالى أنزلهما في صورة ~~رجلين وكان الواجب على المكلفين في زمان الأنبياء أن لا يقطعوا على من ~~صورته صورة الإنسان بكونه إنسانا ، كما أنه في زمان الرسول عليه الصلاة ~~والسلام كان الواجب على من شاهد دحية الكلبي أن لا يقطع بكونه من البشر بل ~~الواجب التوقف فيه . # المسألة الثالثة : إذا قلنا بأنهما كانا من الملائكة فقد اختلفوا في سبب ~~نزولهما فروي عن ابن عباس أن الملائكة لما أعلمهم الله بآدم وقالوا : { ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } فأجابهم الله تعالى بقوله : { إني ~~أعلم ما لا تعلمون } ( البقرة : 30 ) ثم إن الله تعالى وكل عليهم جمعا من ~~الملائكة وهم الكرام الكاتبون فكانوا يعرجون بأعمالهم الخبيثة فعجبت ~~الملائكة منهم ms1016 ومن تبقية الله لهم مع ما ظهر منهم من القبائح ، ثم أضافوا ~~إليهما عمل السحر فازداد تعجب الملائكة فأراد الله تعالى أن يبتلي الملائكة ~~، فقال لهم : اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علما وزهدا وديانة لأنزلهما ~~إلى الأرض فأختبرهما ، فاختاروا هاروت وماروت ، وركب فيهما شهوة الإنس ~~وأنزلهما ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا والشرب ، فنزلا فذهبت إليهما ~~امرأة من أحسن النساء وهي الزهرة فراوداها عن نفسها فأبت أن تطيعهما إلا ~~بعد أن يعبدا الصنم ، وإلا بعد أن يشربا الخمر ، فامتنعا أولا ، ثم غلبت ~~الشهوة عليهما فأطاعاها في كل ذلك ، فعند إقدامهما على الشرب وعبادة الصنم ~~دخل سائل عليهم فقالت : إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا ، ~~فإن اردتما الوصول إلي فاقتلا هذا الرجل ، فامتنعا منه ثم اشتغلا بقتله ~~فلما فرغا من القتل وطلبا المرأة فلم يجداها ، ثم إن الملكين عند ذلك ندما ~~وتحسرا وتضرعا إلى الله تعالى فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، ~~فاختارا عذاب الدنيا وهما يعذبان ببابل معلقان بين السماء والأرض يعلمان ~~الناس السحر ، ثم لهم في الزهرة قولان ، أحدهما : أن الله تعالى لما ابتلى ~~الملكين بشهوة بني آدم أمر الله الكوكب الذي يقال له الزهرة وفلكها أن ~~اهبطا إلى الأرض إلى أن كان ما كان ، فحينئذ ارتفعت الزهرة وفلكها إلى ~~موضعهما من السماء موبخين لهما على ما شاهداه منهما . والقول الثاني : أن ~~المرأة فاجرة من أهل الأرض وواقعاها بعد شرب الخمر وقتل النفس وعبادة الصنم ~~، ثم علماها الاسم الذي كانا به يعرجان إلى السماء فتكلمت به وعرجت إلى ~~السماء وكان اسمها ( بيدخت ) فمسخها الله وجعلها هي الزهرة ، واعلم أن هذه ~~الرواية فاسدة مردودة / غير مبقولة لأنه ليس في كتاب الله ما يدل على ذلك ، ~~بل فيه ما يبطلها من وجوه ، الأول : ما تقدم من الدلائل الدالة على عصمة ~~الملائكة عن كل المعاصي ، وثانيها : أن قولهم إنهما خيرا بين عذاب الدنيا ~~وبين عذاب الآخرة فاسد ، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب لأن ~~الله تعالى خير ms1017 بينهما من أشرك به طول عمره ، فكيف يبخل عليهما بذلك ؟ ~~وثالثها : أن من أعجب الأمور قولهم : إنهما يعلمان السحر في حال كونهما ~~معذبين ويدعوان إليه وهما يعاقبان ولما ظهر فساد هذا القول فنقول : السبب ~~في إنزالهما وجوه . أحدها : أن السحرة كثرت في ذلك الزمان واستنبطت أبوابا ~~غريبة في السحر ، وكانوا يدعون النبوة ويتحدون الناس بها ، فبعث الله تعالى ~~هذين الملكين لأجل أن يعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك ~~الذين كانوا يدعون النبوة كذبا ، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد ، ~~وثانيها : أن العلم بكون المعجزة مخالفة للسحر PageV03P199 متوقف على العلم ~~بماهية المعجزة وبماهية السحر ، والناس كانوا جاهلين بماهية السحر ، فلا ~~جرم هذا تعذرت عليهم معرفة حقيقة المعجزة ، فبعث الله هذين الملكين لتعريف ~~ماهية السحر لأجل هذا الغرض / وثالثها : لا يمتنع أن يقال : السحر الذي ~~يوقع الفرقة بين أعداء الله والألفة بين أولياء الله كان مباحا عندهم أو ~~مندوبا ، فالله تعالى بعث الملكين لتعليم السحر لهذا الغرض ، ثم إن القوم ~~تعلموا ذلك منهما واستعملوه في الشر وإيقاع الفرقة بين أولياء الله والألفة ~~بين أعداء الله ، ورابعها : أن تحصيل العلم بكل شيء حسن ولما كان السحر ~~منهيا عنه وجب أن يكون متصورا معلوما لأن الذي لا يكون متصورا امتنع النهي ~~عنه ، وخامسها : لعل الجن كان عندهم أنواع من السحر لم يقدر البشر على ~~الإتيان بمثلها ، فبعث الله الملائكة ليعلموا البشر أمورا يقدرون بها على ~~معارضة الجن ، وسادسها : يجوز أن يكون ذلك تشديدا في التكليف من حيث أنه ~~إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم منعه من استعمالها ~~كان ذلك في نهاية المشقة فيستوجب به الثواب الزائد كما ابتلي قوم طالوت ~~بالنهر على ما قال : { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه منى } ( ~~البقرة : 249 ) فثبت بهذه الوجوه أنه لا يبعد من الله تعالى إنزال الملكين ~~لتعليم السحر والله أعلم . # المسألة الرابعة : قال بعضهم : هذه الواقعة إنما وقعت في زمان إدريس عليه ~~السلام ms1018 لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض فلا بد من رسول ~~في وقتهما ليكون ذلك معجزة له ، ولا يجوز كونهما رسولين لأنه ثبت أنه تعالى ~~لا يبعث الرسول إلى الإنس ملكا . # المسألة الخامسة : ( هاروت وماروت ) عطف بيان للملكين ، علمان لهما وهما ~~اسمان أعجميان بدليل منع الصرف ، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر كما ~~زعم بعضهم لانصرفا ، وقرأ الزهري : هاروت وماروت بالرفع على : هما هاروت ~~وماروت . # أما قوله تعالى : { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ~~} فاعلم أنه تعالى شرح حالهما فقال : وهذان الملكان لا يعلمان السحر إلا ~~بعد التحذير الشديد من العمل به وهو قولهما : / { إنما نحن فتنة فلا تكفر } ~~والمراد ههنا بالفتنة المحنة التي بها يتميز المطيع عن العاصي ، كقولهم : ~~فتنت الذهب بالنار إذا عرض على النار ليتميز الخالص عن المشوب ، وقد بينا ~~الوجوه في أنه كيف يحسن بعثة الملكين لتعليم السحر فالمراد أنهما لا يعلمان ~~أحدا السحر ولا يصفانه لأحد ولا يكشفان له وجوه الاحتيال حتى يبذلا له ~~النصيحة ، فيقولا له : ( إنما نحن فتنة ) أي هذا الذي نصفه لك وإن كان ~~الغرض منه أن يتميز به الفرق بين السحر وبين المعجز ، ولكنه يمكنك أن تتوصل ~~إلى المفاسد والمعاصي ، فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه أو ~~تتوصل به إلى شيء من الأعراض العاجلة . # أما قوله تعالى : { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في تفسير هذا التفريق وجهين . الأول : أن هذا ~~التفريق إنما يكون بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافرا ~~، وإذا صار كافرا بانت منه امرأته فيحصل تفرق بينهما ، الثاني : أنه يفرق ~~بينهما بالتمويه والحيل والتضريب وسائر الوجوه المذكورة . # المسألة الثانية : أنه تعالى لم يذكر ذلك لأن الذي يتعلمون منهما ليس إلا ~~هذا القدر ، لكن ذكر هذه الصورة تنبيها على سائر الصور ، فإن استكانة المرء ~~إلى زوجته وركونه إليها معروف زائد على كل مودة ، فنبه PageV03P200 الله ~~تعالى بذكر ms1019 ذلك على أن السحر إذا أمكن به هذا الأمر على شدته فغيره به أولى ~~. # أما قوله تعالى : { وما هم بضارين به من أحد } فإنه يدل على ما ذكرناه ~~لأنه أطلق الضرر ، ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه ، فدل ذلك على ~~أنه تعالى إنما ذكره لأنه من أعلى مراتبه . # أما قوله تعالى : { إلا بإذن الله } فاعلم أن الإذن حقيقة في الأمر والله ~~لا يأمر بالسحر ولأنه تعالى أراد عيبهم وذمهم ، ولو كان قد أمرهم به لما ~~جاز أن يذمهم عليه فلا بد من التأويل وفيه وجوه ، أحدها : قال الحسن : ~~المراد منه التخلية ، يعني السحر إذا سحر إنسانا فإن شاء الله منعه منه وإن ~~شاء خلى بينه وبين ضرر السحر ، وثانيها : قال الأصم : المراد إلا بعلم الله ~~وإنما سمي الأذان أذانا لأنه إعلام للناس بوقت الصلاة وسمي الأذان إذنا لأن ~~بالحاسة القائمة به يدرك الأذن ، وكذلك قوله تعالى : { وأذان من الله ~~ورسوله إلى الناس يوم الحج } ( التوبة : 3 ) أي إعلام ، وقوله : { فأذنوا ~~بحرب من الله } ( البقرة : 279 ) معناه : فاعلموا وقوله : { على سواء * ~~سواه } ( الأنبياء : 109 ) يعني أعلمتكم ، وثالثها : أن الضرر الحاصل عند ~~فعل السحر إنما يحصل بخلق الله وإيجاده وإبداعه وما كان كذلك فإنه يصح أن ~~يضاف إلى إذن الله تعالى كما قال : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون } ( النحل : 40 ) . ورابعها : أن يكون المراد بالإذن الأمر ~~وهذا الوجه لا يليق إلا بأن يفسر التفريق بين المرء وزوجه بأن يصير كافرا ~~والكفر يقتضي التفريق ، فإن هذا حكم شرعي ، وذلك لا يكون إلا بأمر الله ~~تعالى . # / أما قوله تعالى : { ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن ~~اشتراه ما له فى الاخرة من خلاق } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : إنما ذكر لفظ الشراء على سبيل الاستعارة لوجوه ، أحدها ~~: أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وأقبلوا على التمسك بما تتلوا ~~الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله ، وثانيها ؛ أن الملكين ~~إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك ms1020 الاحتراز إلى منافع الآخرة ~~فلما استعمل السحر فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا . وثالثها : أنه ~~لما استعمل السحر علمنا أنه إنما تحمل المشقة ليتمكن من ذلك الاستعمال ~~فكأنه اشترى بالمحن التي تحملها قدرته على ذلك الاستعمال . # المسألة الثانية : قال الأكثرون : ( الخلاق ) النصيب ، قال القفال : يشبه ~~أن يكون أصل الكلمة من الخلق ومعناه التقدير ومنه خلق الأديم ، ومنه يقال : ~~قدر للرجل كذا درهما رزقا على عمل كذا . وقال آخرون : الخلاق الخلاص ومنه ~~قول أمية بن أبي الصلت : # % يدعون بالويل فيها لاخلاق لهم % % إلا سرابيل قطران وأغلال % # بقي في الآية سؤال : وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله : { ولقد ~~علموا } ثم نفاه عنهم في قوله : { لو كانوا يعلمون } والجواب من وجوه ، ~~أحدها : أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا ، فالذين علموا هم الذين علموا ~~السحر ودعوا الناس إلى تعلمه وهم الذين قال الله في حقهم : { نبذ فريق من ~~الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } وأما الجهال ~~الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون ، وهذا جواب الأخفش وقطرب ~~. وثانيها : لو سلمنا كون القوم واحدا ولكنهم علموا شيئا وجهلوا شيئا آخر ، ~~PageV03P201 علموا أنهم ليس لهم في الآخرة خلاق ولكنهم جهلوا مقدار ما ~~فاتهم من منافع الآخرة ، وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها . وثالثها : لو ~~سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد ولكنهم لم ينتفعوا بعلمهم بل أعرضوا عنه ~~فصار ذلك العلم كالعدم كما سمى الله تعالى الكفار : { صما } إذ لم ينتفعوا ~~بهذه الحواس . ويقال للرجل في شيء يفعله لكنه لا يضعه موضعه : صنعت ولم ~~تصنع . # ! 7 < { ولو أنهم ءامنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ~~} > 7 ! # < < # | البقرة : ( 103 ) ولو أنهم آمنوا . . . . . # > > اعلم أن الضمير عائد إلى اليهود الذين تقدم ذكرهم ، فإنه تعالى لما ~~بين فيهم الوعيد بقوله : { من خلاق ولبئس ما شروا به } ( البقرة : 102 ) ~~أتبعه بالوعد جامعا بين الترهيب والترغيب لأن الجمع بينهما أدعى إلى الطاعة ~~والعدول عن المعصية . # أما قوله تعالى : { ءامنوا ms1021 } فاعلم أنه تعالى لما قال : { نبذ فريق من ~~الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم } ( البقرة : 101 ) ثم وصفهم ~~بأنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين وأنهم تمسكوا بالسحر . قال من بعد : { ولو ~~أنهم ءامنوا } يعني بما نبذوه من كتاب الله . فإن حملت ذلك على القرآن جاز ~~، وإن حملته على كتابهم المصدق للقرآن جاز ؛ وإن حملته على الأمرين جاز ، ~~والمراد من التقوى الاحتراز عن فعل المنهيات وترك المأمورات . # أما قوله تعالى : { لمثوبة من عند الله خير } ففيه وجوه ، أحدها : أن ~~الجواب محذوف وتقديره ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا إلا أنه تركت الجملة ~~الفعلية إلى هذه الإسمية لما في الجملة الإسمية من الدلالة على ثبات ~~المثوبة واستقرارها . فإن قيل : هلا قيل لمثوبة الله خير ؟ قلنا : لأن ~~المراد لشيء من ثواب الله خير لهم . وثانيها : يجوز أن يكون قوله : { ولو ~~أنهم ءامنوا } تمنيا لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم كأنه ~~قيل : وليتهم آمنوا ، ثم ابتدأ . لمثوبة من عند الله خير . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ~~وللكافرين عذاب أليم } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 104 ) يا أيها الذين . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه الصلاة ~~والسلام أراد من ههنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه وهذا هو النوع الأول من ~~هذا الباب وههنا مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى : { ذلك ~~بأن الذين كفروا } في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن . قال ابن عباس : ~~وكان يخاطب في التوراة بقوله : يا أيها المساكين فكأنه سبحانه وتعالى لما ~~خاطبهم أولا بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخرا حيث قال : { وضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة } PageV03P202 ( البقرة : 61 ) ، وهذا يدل على أنه تعالى ~~لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولا فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في ~~النيران يوم القيامة ، وأيضا فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات ، فإذا كان ~~يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله ms1022 أن يعاملنا في ~~الآخرة بأحسن المعاملات . # المسألة الثانية : أنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من ~~أحدهما ويأذن في الأخرى ، ولذلك فإن عند الشافعي رضي الله عنه لا تصلح ~~الصلاة بترجمة الفاتحة سواء كانت بالعبرية أو بالفارسية ، فلا يبعد أن يمنع ~~الله من قوله : { راعنا } ويأذن في قوله : { انظرنا } وإن كانتا مترادفتين ~~ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قوله : { راعنا } لاشتمالها ~~على نوع مفسدة ثم ذكروا فيه وجوها ، أحدها : كان المسلمون يقولون لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم / شيئا من العلم : راعنا يا رسول ~~الله ، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي ( ~~راعينا ) ومعناها : اسمع لا سمعت ، فلما سمعوا المؤمنين يقولون : راعنا ~~إفترضوه وخاطبوا به النبي وهم يعنون تلك المسبة ، فنهى المؤمنون عنها ~~وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله : { انظرنا } ، ويدل على صحة هذه التأويل قوله ~~تعالى في سورة النساء : { ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا ~~بألسنتهم وطعنا فى الدين } ( النساء : 46 ) ، وروي أن سعد بن معاذ سمعها ~~منهم فقال : يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من ~~رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه ، فقالوا : أولستم تقولونها ؟ ~~فنزلت هذه الآية ، وثانيها : قال قطرب : هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى ~~إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية ، فلا جرم نهى ~~الله عنها ، وثالثها : أن اليهود كانوا يقولون : راعينا أي أنت راعي غنمنا ~~فنهاهم الله عنها ، ورابعها : أن قوله : ( راعنا ) مفاعلة من الرعي بين ~~اثنين ، فكان هذا اللفظ موهما للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا : أرعنا ~~سمعك لنرعيك أسماعنا ، فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لا بد من تعظيم ~~الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال : { لا تجعلوا دعاء الرسول ~~بينكم كدعاء بعضكم بعضا } ( النور : 63 ) . وخامسها : أن قوله : ( راعنا ) ~~خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول : راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره ، ~~وليس في ( انظرنا ) إلا سؤال الانتظار كأنهم ms1023 قالوا له توقف في كلامك وبيانك ~~مقدار ما نصل إلى فهمه ، وسادسها : أن قوله : ( راعنا ) على وزن عاطنا من ~~المعاطاة ، ورامنا من المراماة ، ثم إنهم قلبوا هذه النون إلى النون ~~الأصلية وجعلوها كلمة مشتقة من الرعونة وهي الحق / فالراعن اسم فاعل من ~~الرعونة ، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر . كقولهم : عياذا بك ، أي أعوذ ~~عياذا بك ، فقولهم : راعنا : أي فعلت رعونة . ويحتمل أنهم أرادوا به : صرت ~~راعنا ، أي صرت ذا رعونة ، فلما قصدوا هذه الوجوه الفاسدة لا جرم نهى الله ~~تعالى عن هذه الكلمة . وسابعها : أن يكون المراد لا تقولوا قولا : راعنا أي ~~: قولا منسوبا إلى الرعونة بمعنى راعن : كتامر ولابن . # أما قوله تعالى : { وقولوا انظرنا } ففيه وجوه . أحدها : أنه من نظره أي ~~انظره ، قال تعالى : { انظرونا نقتبس من نوركم } ( الحديد : 13 ) فأمرهم ~~تعالى بأن يسألوه الإمهال لينقلوا عنه ، فلا يحتاجون إلى الاستعاذة . فإن ~~قيل : أفكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجل عليهم حق يقولون هذا ؟ فالجواب ~~من وجهين : أحدهما : أن هذه اللفظة قد تقال في خلال الكلام وإن لم تكن هناك ~~عجلة تحوج إلى ذلك كقول الرجل في خلال حديثه : اسمع أو سمعت . الثاني : ~~أنهم فسروا قوله تعالى : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } أنه عليه السلام ~~كان يعجل قول ما يلقيه إليه جبريل عليه السلام حرصا على تحصيل الوحي وأخذ ~~القرآن ، فقيل له : لا PageV03P203 تحرك به لسانك لتعجل به فلا يبعد أن ~~يعجل فيما يحدث به أصحابه من أمر الدين حرصا على تعجيل أفهامهم فكانوا ~~يسألونه في هذه الحالة أن يمهلهم فيما يخاطبهم به إلى أن يفهموا كل ذلك ~~الكلام ، وثانيها : ( انظرنا ) معناه ( انظر ) إلينا إلا أنه حذف / حرف ( ~~إلى ) كما في قوله : { واختار موسى قومه } ( الأعراف : 155 ) والمعنى من ~~قومه ، والمقصود منه أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كان إيراده للكلام على ~~نعت الإفهام والتعريف أظهر وأقوى . وثالثها : قرأ أبي بن كعب ( أنظرنا ) من ~~النظرة أي أمهلنا . # أما قوله تعالى : { واسمعوا } فحصول السماع عند سلامة الحاسة أمر ضروري ms1024 ~~خارج عن قدرة البشر ، فلا يجوز وقوع الأمر به ، فإذن المراد منه أحد أمور ~~ثلاثة ، أحدها : فرغوا أسماعكم لما يقول النبي عليه السلام حتى لا تحتاجوا ~~إلى الاستعادة ، وثانيها : اسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم سماع ~~اليهود حيث قالوا : سمعنا وعصينا ، وثالثها : اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ~~ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيدا عليهم ، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من ~~العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل ~~والإصغاء إلى ما يقول والتفكر فيما يقول ، ومعنى ( العذاب الأليم ) قد تقدم ~~. # ! 7 < { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من ~~خير من ربكم والله يختص برحمته من يشآء والله ذو الفضل العظيم } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 105 - 106 ) ما يود الذين . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى لما بين حال اليهود والكفار في العداوة والمعاندة حذر ~~المؤمنين منهم فقال : { ما يود الذين كفروا } فنفى عن قلوبهم الود والمحبة ~~لكل ما يظهر به فضل المؤمنين وههنا مسألتان : # المسألة الأولى : ( من ) الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان : ~~أهل الكتاب والمشكرون ، والدليل عليه قوله تعالى : { لم يكن الذين كفروا من ~~أهل الكتاب والمشركين } ( البينة : 1 ) والثانية : مزبده لاستغراق الخير ، ~~والثالثة : لابتداء الغاية . # المسألة الثانية : الخير الوحي وكذلك الرحمة ، يدل عليه قوله تعالى : { ~~أهم يقسمون رحمة ربك } ( الزخرف : 32 ) المعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن ~~يوحي إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي . # ثم بين سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال ذلك ، فإنه سبحانه يختص ~~برحمته وإحسانه من يشاء . # ! 7 < { ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن ~~الله على كل شيء قدير } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 106 ) ما ننسخ من . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثاني من طعن اليهود في الإسلام ، فقالوا : ~~ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه PageV03P204 بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم ~~بخلافه ، ويقول اليوم قولا وغدا يرجع عنه ، فنزلت هذه الآية ، والكلام في ~~الآية ms1025 مرتب على مسائل : # المسألة الأولى : النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء ، وقال القفال : ~~إنه للنقل والتحويل لنا أنه يقال : نسخت الريح آثار القوم إذا عدمت ، ونسخت ~~الشمس الظل إذا عدم ، لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل ~~إليه ، وقال تعالى : { إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما ~~يلقى الشيطان } ( الحج : 52 ) أي يزيله ويبطله ، والأصل في الكلام الحقيقة ~~. وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب أن لا يكون حقيقة في النقل دفعا ~~للاشتراك . فإن قيل : وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار ، والشمس بأنها ناسخة ~~للظل مجاز ، لأن المزيل للآثار والظل هو الله تعالى ، وإذا كان ذلك مجازا ~~امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ~~ونقول : بل النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر كأنه ~~ينقله إليه أو ينقل حكايته ، ومنه تناسخ الأرواح وتناسخ القرون قرنا بعد ~~قرن ، وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلا عن الأول ، ~~وقال تعالى : { هاذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون } ( الجاثية : 29 ) فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل ويلزم أن لا ~~يكون حقيقة في الإبطال دفعا للاشتراك ، والجواب عن الأول من وجهين . أحدهما ~~: أنه لا يمتنع أن يكون الله هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح ~~المؤثرتين في تلك الإزالة ويكونان أيضا ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير ~~. والثاني : أن أهل اللغة إنما أخطأوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح ، ~~فهب أنه كذلك ، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لاسنادهم هذا ~~الفعل إلى الريح والشمس ، وعن الثاني : أن النقل أخص من الإبطال لأنه حيث ~~وجد النقل فقد عدمت صفة وحصل عقيبها صفة أخرى ، فإن مطلق العدم أهم من عدم ~~يحصل عقيبه شيء آخر ، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في ~~العام أولى والله أعلم . # المسألة الثانية : قرأ ابن عامر : ( ما ننسخ ) بضم النون وكسر ms1026 السين ~~والباقون بفتحهما ، أما قراءة ابن عامر ففيها وجهان . أحدهما : أن يكون نسخ ~~وأنسخ بمعنى واحد . والثاني : أنسخته جعتله ذا نسخ كما قال قوم للحجاج وقد ~~صلب رجلا . أقبروا فلانا ، أي اجعلوه ذا قبر ، قال تعالى : { ثم أماته ~~فأقبره } ( عبس : 21 ) ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : ( ننسأها ) بفتح النون ~~والهمزة وهو جزم بالشرط ولا يدع أبو عمرو الهمزة في مثل هذا ، لأن سكونها ~~علامة للجزم وهو من النسء وهو التأخير . ومنه : { إنما النسىء زيادة فى ~~الكفر } ( التوبة : 37 ) ومنه سمي بيع الأجل نسيئة ، وقال أهل اللغة : أنسأ ~~الله أجله ونسأ في أجله ، أي أخر وزاد ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من ~~سره النسء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه ) . والباقون بضم النون ~~وكسر السين وهو من النسيان ، ثم / الأكثرون حملوه على النسيان الذي هو ضد ~~الذكر ، ومنهم من حمل النسيان على الترك على حد قوله تعالى : { فنسى ولم ~~نجد له عزما } ( طه : 155 ) أي فترك وقال : { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء ~~يومهم هاذا } ( الأعراف : 51 ) أي نتركهم كما تركوا ، والأظهر أن حمل ~~النسيان على الترك مجاز ، لأن المنسي يكون متروكا ، فلما كان الترك من ~~لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم وقرىء ننسها وننسها بالتشديد ~~، وتنسها وتنسها على خطاب الرسول ، وقرأ عبد الله : ما ننسك من آية أو ~~ننسخها ، وقرأ حذيفة : ما ننسخ من آية أو ننسكها . PageV03P205 # المسألة الثالثة : ( ما ) في هذه الآية جزائية كقولك : ما تصنع أصنع ~~وعملها الجزم في الشرط والجزاء إذا كانا مضارعين فقوله : ( ننسخ ) شرط ~~وقوله : ( نأت ) جزاء وكلاهما مجزومان . # المسألة الرابعة : اعلم أن التناسخ في اصطلاح العلماء عبارة عن طريق شرعي ~~يدل على أن الحكم الذي كان ثابتا بطريق شرعي لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه عنه ~~على وجه لولاه لكان ثابتا ، فقولنا : طريق شرعي نعني به القدر المشترك بين ~~القول الصادر عن الله تعالى وعن رسوله ، والفعل المنقول عنهما ، ويخرج عنه ~~إجماع الأمة على أحد القولين ، لأن ذلك ليس بطريق شرعي على هذا التفسير ms1027 ، ~~ولا يلزم أن يكون الشرع ناسخا لحكم العقل ، لأن العقل ليس طريقا شرعيا . ~~ولا يلزم أن يكون المعجز ناسخا للحكم الشرعي لأن المعجز ليس طريقا شرعيا ~~ولا يلزم تقيد الحكم بغاية أو شرط أو استثناء ، لأن ذلك غير متراخ ، ولا ~~يلزم ما إذا أمرنا الله بفعل واحد ثم نهانا عن مثله لأنه لو لم يكن مثل هذا ~~النهي ناسخا لم يكن مثل حكم الأمر ثابتا . # المسألة الخامسة : النسخ عندنا جائز عقلا واقع سمعا خلافا لليهود ، فإن ~~منهم من أنكره عقلا ومنهم من جوزه عقلا ، لكنه منع منه سمعا ، ويروى عن بعض ~~المسلمين إنكار النسخ ، واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه ، ~~لأن الدلائل دلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصح إلا مع ~~القول بنسخ شرع من قبله ، فوجب القطع بالنسخ ، وأيضا قلنا : على اليهود ~~إلزامان . الأول : جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند ~~خروجه من الفلك : ( إني جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم ~~كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه } ، ثم إنه تعالى حرم على موسى وعلى ~~بني إسرائيل كثيرا من الحيوان ، الثاني : كان آدم عليه السلام يزوج الأخت ~~من الأخ وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه السلام . قال منكرو النسخ : لا ~~نسلم أن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا تصح إلا مع القول بالنسخ لأن من ~~الجائز أن يقال : إن موسى وعيسى عليهما السلام أمر الناس بشرعهما إلى زمان ~~ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد ~~عليه الصلاة والسلام فعند ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف ~~بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة والسلام ، لكنه لا يكون ذلك ~~نسخا ، بل جاريا مجرى قوله : { * } ، ثم إنه تعالى حرم على موسى وعلى بني ~~إسرائيل كثيرا من الحيوان ، الثاني : كان آدم عليه السلام يزوج الأخت من ~~الأخ وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه السلام . قال منكرو النسخ : لا نسلم ~~أن ms1028 نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا تصح إلا مع القول بالنسخ لأن من ~~الجائز أن يقال : إن موسى وعيسى عليهما السلام أمر الناس بشرعهما إلى زمان ~~ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد ~~عليه الصلاة والسلام فعند ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف ~~بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة والسلام ، لكنه لا يكون ذلك ~~نسخا ، بل جاريا مجرى قوله : { ثم أتموا الصيام إلى اليل } ( البقرة : 187 ~~) والمسلمون الذين أنكروا وقوع النسخ أصلا / بنوا مذهبهم على هذا الحرف ~~وقالوا : قد ثبت في القرآن أن موسى وعيسى عليهما السلام قد بشرا في التوراة ~~والإنجيل بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام / وأن عند ظهوره يجب الرجوع إلى ~~شرعه ، وإذا كان الأمر كذلك فمع قيام هذا الاحتمال امتنع الجزم بوقوع النسخ ~~وهذا هو الاعتراض على الإلزامين المذكورين ، واحتج منكروا النسخ بأن قالوا ~~: إن الله تعالى لما بين شرع عيسى عليه السلام ، فاللفظ الدال على تلك ~~الشريعة ، إما أن يقال : إنها دالة على دوامها أو لا على دوامها أو ما كان ~~فيها دلالة على الدوام ولا على اللادوام ، فإن بين فيها ثبوتها على الدوام ~~، ثم تبين أنها ما دامت كان الخبر الأول كذبا وإنه غير جائز على الشرع ، ~~وأيضا ، فلو جوزنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخا ~~، لأن أقصى ما في الباب أن يقول الشرع : هذه الشريعة دائمة ولا تصير منسوخة ~~قط ألبتة ، ولكنا إذا رأينا مثل هذا الكلام حاصلا في شرع موسى وعيسى عليهما ~~السلام مع أنهما لم يدوما زال الوثوق عنه في كل الصور . فإن قيل : لم لا ~~يجوز أن يقال : ذكر اللفظ الدال على الدوام ، ثم قرن به ما يدل على أنه ~~سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نص على ذلك إلا أنه لم ينقل إلينا في الجملة ؟ ~~قلنا : هذا ضعيف لوجوه . PageV03P206 أحدها : أن التنصيص على اللفظ الدال ~~على الدوام مع التنصيص على أنه لا يدوم جمع ms1029 بين كلامين متناقضين ، وإنه سفه ~~وعبث ، وثانيها : على هذا التقدير قد بين الله تعالى أن شرعهما سيصير ~~منسوخا ، فإذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضا ، لأنه لو جاز أن ~~ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضا ، وحينئذ لا يكون ~~لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ لأن ذلك من الوقائع العظيمة التي ~~تتوفر فيها الدواعي على نقله ، وما كان كذلك وجب اشتهاره وبلوغه إلى حد ~~التواتر ، وإلا فلعل القرآن عورض ، ولم تنقل معارضته ولعل محمدا صلى الله ~~عليه وسلم غير هذا الشرع عن هذا الوضع ولم ينقل ، وإذا ثبت وجوب أن تنقل ~~هذه الكيفية على سبيل التواتر فنقول : لو أن الله تعالى نص في زمان موسى ~~وعيسى عليهما السلام على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهورا لأهل ~~التواتر ، ومعلوما لهم بالضرورة ، ولو كان كذلك لاستحال منازعة الجمع ~~العظيم فيه ، فحيث رأينا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك علمنا أنه ~~لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخين . # وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن الله تعالى نص على شرع موسى عليه ~~السلام وقرن به ما يدل به على أنه منقطع غير دائم . فهذا باطل لما ثبت أنه ~~لو كان كذلك لوجب أن يكون ذلك معلوما بالضرورة لأهل التواتر ، وأيضا ~~فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخا ، بل يكون ذلك انتهاء للغاية . # وأما القسم الثالث : وهو أنه تعالى نص على شرع موسى عليه السلام ولم يبين ~~فيه كونه دائما أو كونه غير دائم فنقول : قد ثبت في أصول الفقه أن مجرد ~~الأمر لا يفيد التكرار وإنما يفيد / المرة الواحدة ، فإذا أتى المكلف ~~بالمرة الواحدة فقد خرج عن عهدة الأمر ، فورود أمر آخر بعد ذلك لا يكون ~~نسخا للأمر الأول ، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ محال . # واعلم أنا بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أصول الفقه تمسكنا ~~في وقوع النسخ بقوله تعالى : { ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها ms1030 أو ~~مثلها } ، والاستدلال به أيضا ضعيف ، لأن ( ما ) ههنا تفيد الشرط والجزاء ، ~~وكما أن قولك : ومن جاءك فأكرمه لا يدل على حصول المجيء ، بل على أنه متى ~~جاء وجب الإكرام ، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ ، بل على أنه متى ~~حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه ، فالأقوى أن نعول في الإثبات على ~~قوله تعالى : { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } ( النحل : 101 ) وقوله : { ~~يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ( الرعد : 39 ) والله تعالى ~~أعلم . # المسألة السادسة : اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن ، وقال أبو مسلم بن ~~بحر : إنه لم يقع ، واحتج الجمهور على وقوعه في القرآن بوجوه . أحدها : هذه ~~الآية وهي قوله تعالى : { ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~} ، أجاب أبو مسلم عنه بوجوه . الأول : أن المراد من الآيات المنسوخة هي ~~الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل ، كالسبت والصلاة إلى ~~المشرق والمغرب مما وضعه الله تعالى عنا وتعبدنا بغيره ، فإن اليهود ~~والنصارى كانوا يقولون : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، فأبطل الله عليهم ~~ذلك بهذه الآية ، الوجه الثاني : المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ ~~وتحويله عنه إلى سائر الكتب وهو كما يقال نسخت الكتاب . الوجه الثالث : أنا ~~بينا أن هذه الآية لا تدل على وقوع النسخ ، بل على أنه لو وقع النسخ لوقع ~~إلى خير منه ، ومن الناس من أجاب عن الاعتراض الأول بأن الآيات إذا أطلقت ~~فالمراد PageV03P207 بها آيات القرآن لأنه هو المعهود عندنا ، وعن الثاني : ~~بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن وهذا النسخ مختص ~~ببعضه ، ولقائل أن يقول على الأول : لا نسلم أن لفظ الآية مختص بالقرآن ، ~~بل هو عام في جميع الدلائل ، وعلى الثاني : لا نسلم أن النسخ المذكور في ~~الآية مختص ببعض القرآن ، بل التقدير والله أعلم ما ننسخ من اللوح المحفوظ ~~فإنا نأتي بعده بما هو خير منه . # الحجة الثانية للقائلين بوقوع النسخ في القرآن : أن الله ms1031 تعالى أمر ~~المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا كاملا وذلك في قوله : { والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول } ( البقرة : 240 ) ثم ~~نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ( البقرة : 234 ) قال أبو مسلم : ~~الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملا ومدة حملها حول كامل ~~لكانت عدتها حولا كاملا ، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصا ~~لا ناسخا ، والجواب : أن مدة عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع ~~الحمل بسنة أو أقل أو أكثر فجعل السنة العدة يكون زائلا بالكلية . # الحجة الثالثة : أمر الله بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول بقوله تعالى ~~: { خبير يأيها الذين ءامنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة ~~} ( المجادلة : 12 ) ثم نسخ ذلك ، قال أبو مسلم : إنما زال ذلك لزوال سببه ~~لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون من حيث لا يتصدقون عن المؤمنين ، ~~فلما حصل هذا الغرض سقط التعبد . والجواب : لو كان كذلك لكان من لم يتصدق ~~منافقا وهو باطل لأنه روي أنه لم يتصدق غير علي رضي الله عنه ويدل عليه ~~قوله تعالى : { فإذا * لم تفعلوا وتاب الله عليكم } ( المجادلة : 13 ) . # الحجة الرابعة : أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى : { إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : { الئان ~~خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } ~~( الأنفال : 65 / 66 ) . # الحجة الخامسة : قوله تعالى : { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن ~~قبلتهم التى كانوا عليها } ( البقرة : 142 ) ثم إنه تعالى أزالهم عنها ~~بقوله : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ( البقرة : 144 ) . قال أبو مسلم : ~~حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليها عند الإشكال أو مع العلم ~~إذا كان هناك عذر . الجواب : أن على ما ذكرته لا فرق بين بيت المقدس وسائر ~~الجهات ، فالخصوصية التي بها امتاز بيت المقدس عن سائر الجهات قد ms1032 زالت ~~بالكلية فكان نسخا . # الحجة السادسة : قوله تعالى : { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية والله أعلم ~~بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر } ( النحل : 101 ) والتبديل يشتمل على رفع ~~وإثبات ، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم ، فكيف كان فهو رفع ونسخ ، وإنما ~~أطنبنا في هذه الدلائل لأن كل واحد منها يدل على وقوع النسخ في الجملة ~~واحتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه ، فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل . والجواب : أن المراد أن هذا ~~الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعده أيضا ما يبطله . # المسألة السابعة : المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط أو التلاوة فقط أو ~~هما معا ، أما الذي يكون المنسوخ هو الحكم دون التلاوة فكهذه الآيات التي ~~عددناها ، وأما الذي يكون المنسوخ هو التلاوة فقط فكما PageV03P208 يروى عن ~~عمر أنه قال : كنا نقرأ آية الرجم : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ~~ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ) وروي : ( لو كان لابن آدم واديان من ~~مال لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على ~~من تاب ) ، وأما الذي يكون منسوخ الحكم والتلاوة معا ، فهو ما روت عائشة ~~رضي الله عنها أن القرآن قد نزل في الرضاع بعشر معلومات ثم نسخن بخمس ~~معلومات ، فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعا والخمس مرفوع التلاوة باقي ~~الحكم . ويروى أيضا أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم ~~وقع النقصان فيه . # المسألة الثامنة : اختلف المفسرون في قوله تعالى : { ما ننسخ من ءاية أو ~~ننسها } فمنهم من / فسر النسخ بالإزالة ومنهم من فسره بالنسخ بمعنى نسخت ~~الكتاب وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب ، ومن قال بالقول الأول ذكروا فيه ~~وجوها ، أحدها : ما ننسخ من آية وأنتم تقرءونه أو ننسها أي من القرآن ما ~~قرىء بينكم ثم نسيتم وهو قول الحسن والأصم وأكثر المتكلمين فحملوه على نسخ ~~الحكم دون التلاوة ، وننسها على نسخ الحكم والتلاوة معا ms1033 ، فإن قيل : وقوع ~~هذا النسيان ممنوع عقلا وشرعا . أما العقل فلأن القرآن لا بد من إيصاله إلى ~~أهل التواتر ، والنسيان على أهل التواتر بأجمعهم ممتنع . وأما النقل فلقوله ~~تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) والجواب عن ~~الأول من وجهين . الأول : أن النسيان يصح بأن يأمر الله تعالى بطرحه من ~~القرآن وإخراجه من جملة ما يتلى ويؤتى به في الصلاة أو يحتج به ، فإذا زال ~~حكم التعبد به وطال العهد نسي أو إن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد ~~فيصير لهذا الوجه منسيا عن الصدور ، الجواب الثاني : أن ذلك يكون معجزة ~~للرسول عليه الصلاة والسلام ، ويروى فيه خبر : أنهم كانوا يقرأون السورة ~~فيصبحون وقد نسوها ، والجواب عن الثاني : أنه معارض بقوله تعالى : { سنقرئك ~~فلا تنسى * إلا ما شاء الله } ( الأعلى : 6 ) وبقوله : { واذكر ربك إذا ~~نسيت } ( الكهف : 24 ) . # القول الثاني : ما ننسخ من آية أي نبدلها ، إما بأن نبدل حكمها فقط أو ~~تلاوتها فقط أو نبدلهما ، أما قوله تعالى : { أو ننسها } فالمراد نتركها ~~كما كانت فلا نبدلها ، وقد بينا أن النسيان بمعنى الترك قد جاء ، فيصير ~~حاصل الآية أن الذي نبدله فإنا نأتي بخير منه أو مثله . # القول الثالث : ما ننسخ من آية ، أي ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها على ~~قراءة الهمزة أي نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ / أو يكون المراد نؤخر ~~نسخها فلا ننسخها في الحال ، فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة . # القول الرابع : ما ننسخ من آية ، وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم ~~والتلاوة معا ، أو ننسها ، أي نتركها وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم ~~ولكنها غير منسوخة في التلاوة ، بل هي باقية في التلاوة ، فأما من قال ~~بالقول الثاني : ما ننسخ من آية ، أي ننسخها من اللوح المحفوظ أو ننسأها ، ~~نؤخرها . وأما قراءة ( ننسها ) فالمعنى نتركها يعني نترك نسخها فلا ننسخها ~~. # وأما قوله : { من ءاية } فكل المفسرين حملوه على الآية من القرآن غير أبي ~~مسلم فإنه حمل ذلك ms1034 على التوراة والإنجيل وقد تقدم القول فيه . PageV03P209 # أما قوله تعالى : { نأت بخير منها أو مثلها } ففيه قولان . أحدهما : أنه ~~الأخف ، والثاني : أنه الأصلح ، وهذا أولى لأنه تعالى يصرف المكلف على ~~مصالحه لا على ما هو أخف على طباعه . فإن قيل : لو كان الثاني أصلح من ~~الأول لكان الأول ناقص الصلاح فكيف أمر الله به ؟ قلنا : الأول أصلح من ~~الثاني بالنسبة إلى الوقت الأول ، والثاني بالعكس منه فزال السؤال . واعلم ~~أن الناس استنبطوا من هذه الآية أكثر مسائل النسخ . # / المسألة الأولى : قال قوم : لا يجوز نسخ الحكم إلا إلى بدل ، واحتجوا ~~بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى إذا نسخ لا بد وأن يأتي بعده بما هو خير ~~منه أو بما يكون مثله ، وذلك صريح في وجوب البدل . والجواب : لم لا يجوز أن ~~يقال : المراد أن نفي ذلك الحكم وإسقاط التبعد به خير من ثبوته في ذلك ~~الوقت ، ثم الذي يدل على وقوع النسخ لا إلى بدل أنه نسخ تقديم الصدقة بين ~~يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى البدل . # المسألة الثانية : قال قوم : لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه ~~واحتجوا بأن قوله : { نأت بخير منها أو مثلها } ينافي كونه أثقل ، لأن ~~الأثقل لا يكون خيرا منه ولا مثله . والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد ~~بالخير ما يكون أكثر ثوابا في الآخرة ، ثم إن الذي يدل على وقوعه أن الله ~~سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم ، ونسخ صوم ~~عاشوراء بصوم رمضان ، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في الحضر . ~~إذا عرفت هذا فنقول : أما نسخ الشيء إلى الأثقل فقد وقع في الصور المذكورة ~~، وأما نسخه إلى الأخف فكنسخ العدة من حول إلى أربعة أشهر وعشر ، وكنسخ ~~صلاة الليل إلى التخيير فيها . وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت ~~المقدس إلى الكعبة . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : الكتاب لا ينسخ بالسنة ~~المتواترة واستدل عليه بهذه الآية من ms1035 وجوه . أحدها : أنه تعالى أخبر أن ما ~~ينسخه من الآيات يأت بخير منها وذلك يفيد أنه يأتي بما هو من جنسه ، كما ~~إذا قال الإنسان : ما آخذ منك من ثواب آتيك بخير منه ، يفيد أنه يأتيه بثوب ~~من جنسه خير منه ، وإذا ثبت أنه لا بد وأن يكون من جنسه فجنس القرآن قرآن ، ~~وثانيها : أن قوله تعالى : { نأتى * بخير منها } يفيد أنه هو المنفرد ~~بالإتيان بذلك الخير ، وذلك هو القرآن الذي هو كلام الله دون السنة التي ~~يأتي بها الرسول عليه السلام ، وثالثها : أن قوله : { نأت بخير منها } يفيد ~~أن المأتي به خير من الآية ، والسنة لا تكون خيرا من القرآن ، ورابعها : ~~أنه قال : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } دل على أن الآتي بذلك ~~الخير هو المختص بالقدرة على جميع الخيرات وذلك هو الله تعالى . والجواب عن ~~الوجوه الأربعة بأسرها : أن قوله تعالى : { نأت بخير منها } ليس فيه أن ذلك ~~الخير يجب أن يكون ناسخا ، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئا مغايرا ~~للناسخ يحصل بعد حصول النسخ / والذي يدل على تحقيق هذا الاحتمال أن هذه ~~الآية صريحة في أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى ، فلو كان ~~نسخ تلك الآية مرتبا على الإتيان بهذا الخير لزم الدور وهو باطل ، ثم احتج ~~الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة لأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( ألا لا وصية لوارث ) وبأن آية الجلد صارت منسوخة ~~بخبر الرجم . قال الشافعي رضي الله عنه : أما الأول : فضعيف لأن كون ~~الميراث حقا للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية ، فثبت أن آية الميراث مانعة ~~من الوصية ، وأما الثاني : / فضعيف أيضا لأن عمر رضي الله عنه روى أن قوله ~~: ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ) كان قرآنا فلعل النسخ إنما ~~وقع به ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه والله أعلم . PageV03P210 # أما قوله تعالى : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } فتنبيه للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ms1036 وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه ~~وحكمته ، وأنه لا دافع لما أراد ولا مانع لما اختار . # المسألة التاسعة : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق من ~~وجوه ، أحدها : أن كلام الله تعالى لو كان قديما لكان الناسخ والمنسوخ ~~قديمين ، لكن ذلك محال ، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخرا عن المنسوخ ، ~~والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون قديما ، وأما المنسوخ فلأنه يجب أن يزول ~~ويرتفع ، وما ثبت زواله استحال قدمه بالإتفاق ، وثانيها : أن الآية دلت على ~~أن بعض القرآن خير من بعض ، وما كان كذلك لا يكون قديما ، وثالثها : أن ~~قوله : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } يدل على أن المراد أنه تعالى ~~هو القادر على نسخ بعضها والإتيان بشيء آخر بدلا من الأول ، وما كان داخلا ~~تحت القدرة وكان فعلا كان محدثا ، أجاب الأصحاب عنه : بأن كونه ناسخا ~~ومنسوخا إنما هو من عوارض الألفاظ والعبارات واللغات ولا نزاع في حدوثها ، ~~فلم قلتم إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث ؟ ~~قالت المعتزلة : ذلك المعنى الذي هو مدلول العبارات واللغات لا شك أن تعلقه ~~الأول قد زال وحدث له تعلق آخر ، فالتعلق الأول محدث لأنه زال والقديم لا ~~يزول ، والتعلق الثاني حادث لأنه حصل بعدما لم يكن ، والكلام الحقيقي لا ~~ينفك عن هذه التعلقات ، وما لا ينفك عن هذه التعلقات ( محدث ) وما لا ينفك ~~عن المحدث محدث والكلام الذي تعلقت به يلزم أن يكون محدثا . أجاب الأصحاب : ~~أن قدرة الله كانت في الأزل متعلقة بإيجاد العالم ، فعند دخول العالم في ~~الوجود هل بقي ذلك التعلق أو لم يبق ؟ فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادرا ~~على إيجاد الموجود وهو محال ، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق فيلزمكم حدوث ~~قدرة الله على الوجه الذي ذكرتموه ، وكذلك علم الله كان متعلقا بأن العالم ~~سيوجد ، فعند دخول العالم في الوجود إن بقي التعلق الأول كان جهلا ، وإن لم ~~يبق فيلزمكم كون التعلق الأول حادثا ، لأنه ms1037 لو كان قديما لما زال ، وبكون ~~التعلق الذي حصل بعد ذلك حادثا فإذن عالمية الله تعالى لا تنفك عن التعلقات ~~الحادثة ، وما لا ينفك عن المحدث محدث فعالمية الله محدثة . فكل ما تجعلونه ~~جوابا عن العالمية والقادرية فهو جوابنا عن الكلام . # المسألة العاشرة : احتجوا بقوله تعالى : { إن الله على كل شىء قدير } على ~~أن المعدوم شيء وقد تقدم وجه تقريره فلا نعيده ، والقدير فعيل بمعنى الفاعل ~~وهو بناء المبالغة . # ! 7 < { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ~~ولي ولا نصير } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 107 ) ألم تعلم أن . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بجواز النسخ عقبه ببيان أن ملك ~~السموات والأرض له لا لغيره ، PageV03P211 وهذا هو التنبيه على أنه سبحانه ~~وتعالى إنما حسن منه الأمر والنهي لكونه مالكا للخلق وهذا هو مذهب أصحابنا ~~وإنه إنما حسن التكليف منه لمحض كونه مالكا للخلق مستوليا عليهم لا لثواب ~~يحصل ، أو لعقاب يندفع . قال القفال : ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى أمر ~~القبلة ، فإنه تعالى أخبرهم بأنه مالك السموات والأرض وأن الأمكنة والجهات ~~كلها له وأنه ليس بعض الجهات أكبر حرمة من البعض إلا من حيث يجعلها هو ~~تعالى له ، وإذا كان كذلك وكان الأمر باستقبال القبلة إنما هو محض التخصيص ~~بالتشريف ، فلا مانع يمنع من تغيره من جهة إلى جهة ، وأما الولي والنصير ~~فكلاهما فعيل بمعنى فاعل على وجه المبالغة ، ومن الناس من استدل بهذه الآية ~~على أن الملك غير القدرة ، فقال : إنه تعالى قال أولا : { ألم تعلم أن الله ~~على كل شيء قدير } ثم قال بعده : { ألم تعلم أن الله له ملك * السماوات ~~والارض } فلو كان الملك عبارة عن القدرة لكان هذا تكريرا من غير فائدة ، ~~والكلام في حقيقة الملك والقدرة قد تقدم في قوله : { مالك يوم الدين } ( ~~الفاتحة : 4 ) . # ! 7 < { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان فقد ضل سوآء السبيل } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 108 ) أم تريدون أن ms1038 . . . . . # > > المسألة الأولى : ( أم ) على ضربين متصلة ومنقطعة ، فالمتصلة عديلة ~~الألف وهي مفرقة لما جمعته أي ، كما أن ( أو ) مفرقة لما جمعته تقول : اضرب ~~أيهم شئت زيدا أم عمرا ، فإذا قلت : اضرب أحدهم قلت : اضرب زيدا أو عمرا ، ~~والمنقطعة لا تكون إلا بعد كلام تام ، لأنها بمعنى بل والألف ، كقول العرب ~~: إنها الإبل أم شاء ، كأنه قال : بل هي شاء ، ومنه قوله تعالى : { أم ~~يقولون افتراه } ( الأحقاف : 8 ) أي : بل يقولون ، قال الأخطل : # % كذبتك عينك أم رأيت بواسط % % غلس الظلام من الرباب خيالا % # / المسألة الثانية : اختلفوا في المخاطب به على وجوه . أحدها : أنهم ~~المسلمون وهو قول الأصم والجبائي وأبي مسلم ، واستدلوا عليه بوجوه . الأول ~~: أنه قال في آخر الآية : { ومن يتبدل الكفر بالإيمان } وهذا الكلام لا يصح ~~إلا في حق المؤمنين . الثاني : أن قوله : { أم تريدون } يقتضي معطوفا عليه ~~وهو قوله : { لا تقولوا راعنا } ( البقرة : 104 ) فكأنه قال : وقولوا ~~انظرنا واسمعوا فهل تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم ؟ ~~الثالث : أن المسلمين كانوا يسألون محمدا صلى الله عليه وسلم عن أمور لا ~~خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى عليه السلام ما لم يكن ~~لهم فيه خير عن البحث عنه ، الرابع : سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات ~~أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط ، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها ~~المأكول والمشروب ، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة . القول ~~الثاني : أنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد . قال : إن عبد الله ~~بن أمية المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش فقال : ~~يا محمد والله ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، أو تكون لك جنة ~~من نخيل وعنب ، أو يكون لك بيت من زخرف ، أو ترقى في السماء بأن تصعد ، ولن ~~نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتابا من الله إلى PageV03P212 عبد الله ~~بن أمية أن محمدا رسول الله فاتبعوه . وقال ms1039 له بقية الرهط : فإن لم تستطع ~~ذلك فائتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود ~~والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله فيها كل ذلك ، فنؤمن ~~بك عند ذلك . فأنزل الله تعالى : أم تريدون أن تسألوا رسولكم محمدا أن ~~يأتيكم الآيات من عند الله كما سأل السبعون فقالوا : أرنا الله جهرة . وعن ~~مجاهد أن قريشا سألت محمدا عليه السلام أن يجعل لهم الصفا ذهبا وفضة ، فقال ~~: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا . # القول الثالث : المراد اليهود ، وهذا القول أصح لأن هذه السورة من أول ~~قوله : { خالدون يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي } ( البقرة : 40 ، 47 ) حكاية ~~عنهم ومحاجة معهم ولأن الآية مدنية ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم ~~، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله فإذا سأله كا متبدلا كفرا بالإيمان . # المسألة الثالثة : ليس في ظاهر قوله : { أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما ~~سئل موسى من قبل } أنهم أتوا بالسؤال فضلا عن كيفية السؤال ، بل المرجع فيه ~~إلى الروايات التي ذكرناها في أنهم سألوا والله أعلم . # المسألة الرابعة : اعلم أن السؤال الذي ذكروه إن كان ذلك طلبا للمعجزات ~~فمن أين أنه كفر ؟ ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفرا ، وإن كان ~~ذلك طلبا لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام ، فهذا أيضا لا يكون كفرا ؛ ~~فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقة البشر ولم يكن ذلك كفرا ، ~~فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة ، ~~وإن كانوا طلبوا المعجزات فإنهم يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج فلهذا ~~كفروا بسبب هذا السؤال . # / المسألة الخامسة : ذكروا في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوها ، أحدها : ~~أنه تعالى لما حكم بجواز النسخ في الشرائع فلعلهم كانوا يطالبونه بتفاصيل ~~ذلك الحكم فمنعهم الله تعالى عنها وبين أنهم ليس لهم أن يشتغلوا بهذه ~~الأسئلة كما أنه ما كان لقوم موسى أن يذكروا أسئلتهم الفاسدة . وثانيها : ~~لما تقدم من الأوامر والنواهي قال لهم ms1040 : إن لم تقبلوا ما أمرتكم به وتمردتم ~~عن الطاعة كنتم كمن سأل موسى ما ليس له أن يسأله ، عن أبي مسلم ، وثالثها : ~~لما أمر ونهى قال : أتفعلون ما أمرتم أم تفعلون كما فعل من قبلكم من قوم ~~موسى ؟ # المسألة السادسة : { سواء السبيل } وسطه قال تعالى : { فاطلع فرءاه فى ~~سواء الجحيم } أي وسط الجحيم ، والغرض التشبيه دون نفس الحقيقة ، ووجه ~~التشبيه في ذلك أن من سلك طريقة الإيمان فهو جار على الاستقامة المؤدية إلى ~~الفوز والظفر بالطلبة من الثواب والنعيم ، فالمبدل لذلك بالكفر عادل عن ~~الاستقامة فقيل فيه إنه ضل سواء السبيل . # ! 7 < { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من ~~عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره إن ~~الله على كل شىء قدير } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 109 ) ود كثير من . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من كيد اليهود مع المسلمين ، وذلك لأنه ~~روي أن فنحاص ابن PageV03P213 عازوراء ، وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا ~~لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد : ألم تروا ما أصابكم ، ولو ~~كنتم على الحق ما هزمتم ، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى ~~منكم سبيلا ، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم ؟ قالوا : شديد ، قال : فإني ~~قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد ما عشت ، فقالت اليهود : أما هذا فقد صبأ ، ~~وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما ~~وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا ، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأخبراه فقال : أصبتما خيرا وأفلحتما ، فنزلت هذه الآية ، واعلم أنا نتكلم ~~أولا في الحسد ثم نرجع إلى التفسير . # المسألة الأولى : في ذم الحسد ويدل عليه أخبار كثيرة ، الأول : قوله عليه ~~السلام : ( الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ) . الثاني : قال أنس ~~: ( كنا يوما جالسين عند النبي / صلى الله عليه وسلم فقال : يطلع عليكم ~~الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة ، فطلع رجل من الأنصار ينظف ms1041 لحيته من ~~وضوئه وقد علق نعليه في شماله فسلم ، فلما كان الغد قال عليه السلام مثل ~~ذلك فطلع ذلك الرجل ، وقال في اليوم الثالث مثل ذلك فطلع ذلك الرجل ، فلما ~~قام النبي عليه السلام تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال : إني تأذيت من ~~أبي فأقسمت لا أدخل عليه ثلاثا ، فإن رأيت أن تذهب بي إلى دارك فعلت ، قال ~~: نعم ، فبات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا انقلب ~~على فراشه ذكر الله ولا يقوم حتى يقوم لصلاة الفجر ، غير أني لم أسمعه يقول ~~: إلا خيرا ، فلما مرت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله ، قلت : يا عبد الله لم ~~يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجر ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول كذا وكذا ، فأردت أن أعرف عملك ، فلم أرك تعمل عملا كثيرا ، فما ~~الذي بلغ بك ذاك ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت . فلما وليت دعاني فقال : ما هو ~~إلا ما رأيت غير أني لم أجد على أحد من المسلمين في نفسي عيبا ولا حسدا على ~~خير أعطاه الله إياه ، فقال عبد الله : هي التي بلغت بك وهي التي لا تطاق ) ~~. الثالث : قال عليه السلام : ( دب إليكم داء الأمم قبلكم ، الحسد والبغضاء ~~والبغضة هي الحالقة ، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين ) . الرابع : ~~قال : ( إنه سيصيب أمتي داء الأمم ، قالوا : ما داء الأمم ؟ قال : الأشر ~~والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم ~~الهرج ) . الخامس : أن موسى عليه السلام لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش ~~رجلا يغبط بمكانه وقال : إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم ~~يخبره باسمه وقال : أحدثك من عمله ثلاثا : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم ~~الله من فضله ، وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة . السادس : قال عليه ~~السلام : ( إن لنعم الله أعداء ، قيل : وما أولئك ؟ قال : الذين يحسدون ~~الناس على ما آتاهم الله من فضله ) . السابع ms1042 : قال عليه السلام : ( ستة ~~يدخلون النار قبل الحساب ، الأمراء بالجور ، والعرب بالعصبية والدهاقين ~~بالتكبر ، والتجار بالخيانة ، وأهل الرستاق بالجهالة ، والعلماء بالحسد ) . # أما الآثار ، فالأول : حكي أن عوف بن عبد الله دخل على الفضل بن المهلب ~~وكان يومئذ على واسط / فقال : إني أريد أن أعظك بشيء ، إياك والكبر فإنه ~~أول ذنب عصى الله به إبليس ، ثم قرأ : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم ~~فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر } ( البقرة : 34 ) وإياك والحرص فإنه أخرج ~~آدم من الجنة . أسكنه الله في جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها ، فأخرجه ~~الله ، ثم قرأ : { اهبطا منها } ( طه : 123 ) وإياك والحسد فإنه قتل ابن ~~آدم أخاه حين حسده ، ثم قرأ : { واتل عليهم نبأ ابنى ءادم بالحق } ( ~~المائدة : 27 ) . الثاني : PageV03P214 قال ابن الزبير : ما حسدت أحدا على ~~شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي ~~حقيرة في الجنة ، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير ~~إلى النار . الثالث : قال رجل للحسن : هل يحسد المؤمن ؟ قال : ما أنساك بني ~~يعقوب إلا أنه لا يضرك ما لم تعد به يدا ولسانا . الرابع : قال معاوية : كل ~~الناس أقدر على / رضاه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة . الخامس ~~: قيل : الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا ، ولا ينال من الملائكة ~~إلا لعنة وبغضا ، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما ، ولا ينال عند الفزع ~~إلا شدة وهولا ، وعند الموقف إلا فضيحة ونكالا . # المسألة الثانية : في حقيقة الحسد : إذا أنعم الله على أخيك فإن أردت ~~زوالها فهذا هو الحسد ، وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة ، ~~أما الأول : فحرام بكل حال ، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على ~~الشر والفساد فلا يضرك محبتك لزوالها فإنك ما تحب زوالها من حيث إنها نعمة ~~، بل من حيث إنها يتوسل بها إلى الفساد والشر والأذى . والذي يدل على أن ~~الحسد ما ذكرنا آيات . أحدها : هذه الآية وهي قوله ms1043 تعالى : { لو يردونكم من ~~بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم } فأخبر أن حبهم زوال نعمة الإيمان ~~حسد . وثانيها : قوله تعالى : { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء } ( ~~النساء : 89 ) . وثالثها : قوله تعالى : { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم ~~سيئة يفرحوا بها } ( آل عمران : 120 ) وهذا الفرح شماتة ، والحسد والشماتة ~~متلازمان . ورابعها : ذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم ~~بقوله : { قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ~~ضلال مبين * اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم } ( يوسف : 8 ، ~~9 ) فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له . وخامسها ~~: قوله تعالى : { ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا } ( الحشر : 9 ) أي ~~لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون ، فأثنى الله عليهم بعدم الحسد . وسادسها : ~~قال تعالى في معرض الإنكار : { ما ءاتاهم الله من فضله فقد ءاتينا ءال ~~إبراهيم } ( النساء : 54 ) . وسابعها : قال الله تعالى : { كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين } ( البقرة : 213 ) إلى قوله : { إلا الذين أوتوه ~~من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم } ( الشورى : 14 ) قيل في التفسير : ~~حسدا . وثامنها : قوله تعالى : { وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ~~بغيا بينهم } فأنزل الله العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا ، ~~إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول . وتاسعها : قال ابن عباس : ~~كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوما قالوا : نسألك ~~بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا / فكانوا ~~ينصرون ، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد ~~معرفتهم إياه فقال تعالى : { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } ( ~~البقرة : 19 ) إلى قوله : { أن يكفروا بما أنزل الله بغيا } ( البقرة : 90 ~~) أي حسدا . وقالت صفية بنت حيي للنبي عليه السلام : جاء أبي وعمي من عندك ~~فقال أبي لعمي ما تقول فيه ؟ قال : أقول : إنه النبي الذي بشر به موسى عليه ~~السلام ، قال : فما ترى ms1044 ؟ قال : أرى معاداته أيام الحياة ، فهذا حكم الحسد ~~. أما المنافسة فليست بحرام وهي مشتقة من النفاسة ، والذي يدل على أنها ~~ليست بحرام وجوه . أولها : قوله تعالى : { وفى ذلك فليتنافس المتنافسون } ( ~~المطففين : 26 ) . وثانيها : قوله تعالى : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } ~~وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة / مولاهما إذ ~~يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها . ~~وثالثها : قوله عليه السلام : ( لا حسد إلا في اثنتين ، رجل آتاه ~~PageV03P215 الله مالا فأنفقه في سبيل الله ، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل ~~به ويعلمه الناس ) . وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحسد قد يطلق على ~~المنافسة ، ثم نقول : المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة ، أما الواجبة ~~فكما إذا كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة ، ~~فههنا يجب عليه أن يكون له مثل ذلك ، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضيا ~~بالمعصية وذلك حرام ، وأما إن كانت تلك النعمة من الفضائل المندوبة ~~كالإنفاق في سبيل الله والتشمير لتعليم الناس كانت المنافسة فيها مندوبة ، ~~وأما إن كانت تلك النعمة من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات ، ~~وبالجملة فالمذموم أن يحب زوالها عن الغير ، فأما أن يحب حصولها له وزوال ~~النقصان عنه فهذا غير مذموم ، لكن ههنا دقيقة وهي أن زوال النقصان عنه ~~بالنسبة إلى الغير له طريقان . أحدهما : أن يحصل له مثل ما حصل للغير . ~~والثاني : أن يزول عن الغير ما لم يحصل له فإذا حصل اليأس عن أحد الطريقين ~~فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر ، فههنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر ~~على إزالة تلك الفضيلة عن تلك الشخص لأزالها ، فهو صاحب الحسد المذموم وإن ~~كان يجد قلبه بحيث تردعه التقوى عن إزالة تلك النعمة عن الغير فالمرجو من ~~الله تعالى أن يعفو عن ذلك ، ولعل هذا هو المراد من قوله عليه السلام : ( ~~ثلاث لا ينفك المؤمن منهن ، الحسد والظن والطيرة ، ثم قال : وله منهم مخرج ~~إذا حسدت فلا تبغ ms1045 ) ، أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به ، فهذا هو ~~الكلام في حقيقة الحسد وكله من كلام الشيخ الغزالي رحمة الله عليه . # المسألة الثالثة : في مراتب الحسد ، قال الغزالي رحمه الله هي أربعة . ~~الأولى : أن يحب زوال تلك النعمة وإن كان ذلك لا يحصل له وهذا غاية الحسد . ~~والثانية : أن يحب زوال تلك النعمة عنه إلا وذلك مثل رغبته في دار حسنة أو ~~امرأة جملة أو ولاية نافذة نالها غيره وهو يحب أن تكون له ، فالمطلوب ~~بالذات حصوله له ، فأما زواله عن غيره فمطلوب بالعرض . الثالثة : أن لا ~~يشتهي عنها بل يشتهي لنفسه مثلها ، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها لكي لا ~~يظهر التفاوت بينهما . الرابعة : أن يشتهي لنفسه مثلها ، فإن لم يحصل فلا ~~يحب زوالها ، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا والمندوب إليه إن ~~كان في الدين ، والثالثة : منها مذمومة وغير مذمومة ، والثانية : أخف من ~~الثالثة ، والأول : مذموم محض قال تعالى : { ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على بعض } ( النساء : 32 ) فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم وأما تمنيه عين ~~ذلك فهو مذموم . # المسألة الرابعة : ذكر الشيخ الغزالي رحمة الله عليه للحسد سبعة أسباب : # السبب الأول : العداوة والبغضاء ، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب ~~عليه ، وذلك / الغضب يولد الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام ، فإن عجز ~~المبغض عن التشفي بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان ، فمهما أصاب عدوه آفة ~~وبلاء فرح ، ومهما أصابته نعمة ساءته ، وذلك لأنه ضد مراده ، فالحسد من ~~لوازم البغض والعداوة ولا يفارقهما ، وأقصى الإمكان في هذا الباب أن لا ~~يظهر تلك العداوة من نفسه وأن يكره تلك الحالة من نفسه ، فأما أن يبغض ~~إنسانا ثم تستوي عنده مسرته ومساءته فهذا غير ممكن ، وهذا النوع من الحسد ~~هو الذي وصف الله الكفار به ، إذ قال : { هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ~~وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل ~~من الغيظ } ( آل عمران : 119 ، 120 ) وكذا قال : { ودوا ما ms1046 عنتم قد بدت ~~البغضاء من أفواههم } ( آل عمران : 118 ) . واعلم أن الحسد ربما أفضى إلى ~~التنازع والتقاتل . PageV03P216 # السبب الثاني : التعزز ، فإن واحدا من أمثاله إذا نال منصبا عاليا ترفع ~~عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك ، فيريد زوال ذلك المنصب عنه وليس من غرضه أن ~~يتكبر ، بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد يرضى بمساواته ولكنه لا يرضى بترفعه ~~عليه . # السبب الثالث : أن يكون في طبيعته أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ~~ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ، ومن هذا الباب كان حسد أكثر الكفار للرسول ~~عليه الصلاة والسلام إذ قالوا : كيف يتقدم علينا غلام يتيم وكيف نطأطيء له ~~رؤوسنا ؟ فقالوا : ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) وقال ~~تعالى يصف قول قريش : { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } ( الأنعام : 53 ) ~~كالاستحقار بهم والأنفة منهم . # السبب الرابع : التعجب كما أخبر الله عن الأمم الماضية إذ قالوا : { ما ~~أنتم إلا * بشرا مثلنا } ( إبراهيم : 10 ) ، وقالوا : { أنؤمن لبشرين مثلنا ~~وقومهما لنا عابدون } ( المؤمنون : 47 ) ، { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم ~~إذا لخاسرون } ( المؤمنون : 34 ) وقالوا متعجبين : { أبعث الله بشرا رسولا ~~} ( الإسراء : 94 ) وقالوا : { لولا نزل * علينا الملئكة } ( الفرقان : 21 ~~) وقال : { عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم } ( الأعراف : ~~63 / 69 ) . # السبب الخامس : الخوف من فوت المقاصد وذلك يختص بالمتزاحمين على مقصود ~~واحد ، فإن كل واحد منهما يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عونا له في الانفراد ~~بمقصوده ، ومن هذا الباب تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية ، ~~وتحاسد الأخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلوب الأبوين للتوصل إلى ~~مقاصد المال والكرامة ، وكذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة ~~واحدة ، إذ كان غرضهما نيل المال والقبول عندهم . # السبب السادس : حب الرياسة وطلب الجاه نفسه من غير توسل به إلى مقصوده ، ~~وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون ، فإنه لو سمع ~~بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته وزوال النعمة التي بها ms1047 يشاركه ~~في المنزلة من شجاعة أو علم أو زهد أو ثروة ويفرح بسبب تفرده . # / السبب السابع : شح النفس بالخير على عباد الله ، فإنك تجد من لا يشتغل ~~برياسة ولا بكبر ولا بطلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق ~~عليه ذلك ، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم وتنغص عيشهم فرح به فهو ~~أبدا يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده / كأنهم يأخذون ذلك من ~~ملكه وخزانته ، ويقال : البخيل من بخل بمال غيره ، فهذا يبخل بنعمة الله ~~على عباده الذين ليس بينهم وبينه لا عداوة ولا رابطة وهذا ليس له سبب ظاهر ~~إلا خبث النفس ورذالة جبلته في الطبع ، لأن سائر أنواع الحسد يرجى زواله ~~لإزالة سببه ، وهذا خبث في الجبلة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته . فهذه هي ~~أسباب الحسد ، وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد ~~فيعظم فيه الحسد ويقوى قوة لا يقوى صاحبها معها على الإخفاء والمجاملة بل ~~يهتك حجاب المجاملة ويظهر العداوة بالمكاشفة وأكثر المحاسدات تجتمع فيها ~~جملة من هذه الأسباب وقلما يتجرد واحد منها . # المسألة الخامسة : في سبب كثرة الحسد وقلته وقوته وضعفه . اعلم أن الحسد ~~إنما يكثر بين قوم تكثر فيهم الأسباب التي ذكرناها ، إذ الشخص الواحد يجوز ~~أن يحسد لأنه يمتنع من قول المتكبر ولأنه يتكبر ولأنه PageV03P217 عدو لغير ~~ذلك من الأسباب وهذه الأسباب إنما تكثر بين قوم تجمعهم روابط يجتمعون ~~بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض والمنازعة مظنة المنافرة ~~، والمنافرة مؤدية إلى الحسد فحيث لا مخالطة فليس هناك محاسدة ، ولما لم ~~توجد الرابطة بين شخصين في بلدين لا جرم لم يكن بينهما محاسدة ، فلذلك ترى ~~العالم يحسد العالم دون العابد والعابد يحسد العابد دون العالم ، والتاجر ~~يحسد التاجر ، بل الاسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز ، ويحسد الرجل أخاه ~~وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب والمرأة تحسد ضرتها وسرية زوجها أكثر مما ~~تحسد أم الزوج وابنته ، لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكاف فلا ms1048 يتزاحمون على ~~المقاصد ، ثم مزاحمة البزاز المجاور له أكثر من مزاحمة البعيد عنه إلى طرف ~~السوق وبالجملة فأصل الحسد العداوة وأصل العداوة التزاحم على غرض واحد ~~والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل لا يجمع إلا متناسبين ، فلذلك يكثر ~~الحسد بينهم ، نعم من اشتد حرصه على الجاه العريض والصيت في أطراف العالم ~~فإنه يحسد كل من في العالم ممن يشاركه في الخصلة التي يتفاخر بها ، أقول : ~~والسبب الحقيقي فيه أن الكمال محبوب بالذات وضد المحبوب مكروه ومن جملة ~~أنواع الكمال التفرد بالكمال ، فلا جرم كان الشريك في الكمال مبغضا لكونه ~~منازعا في الفردانية التي هي من أعظم أبواب الكمال ، إلا أن هذا النوع من ~~الكمال لما امتنع حصوله إلا الله سبحانه ووقع اليأس عنه فاختص الحسد ~~بالأمور الدنيوية ، وذلك لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين ، أما الآخرة فلا ~~ضيق فيها ، وإنما مثال الآخرة نعمة العلم ، فلا جرم من يحب معرفة الله ~~تعالى ومعرفة صفاته وملائكته فلا يحسد غيره إذا عرف ذلك ، لأن المعرفة لا ~~تضيق على العارفين بل المعلوم الواحد يعرفه ألف / ألف ويفرح بمعرفته ويلتذ ~~به ولا تنقص لذة أحد بسبب غيره ، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس ، ~~فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لأن مقصدهم معرفة الله ، وهي بحر ~~واسع لا ضيق فيها وغرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق فيها ، نعم إذا قصد ~~العلماء بالعلم المال والجاه ، تحاسدوا لأن المال أعيان إذا وقعت في يد ~~واحد خلت عنها يد الآخر ، ومعنى الجاه ملء القلوب ، ومهما امتلأ قلب شخص ~~بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر ، أما إذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة الله ~~لم يمنع ذلك أن يمتلىء قلب غيره وأن يفرح به فلذلك وصفهم الله تعالى بعدم ~~الحسد فقال : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } ( ~~الحجر : 47 ) . # المسألة السادسة : في الدواء المزيل للحسد وهو أمران : العلم والعمل . ~~أما العلم ففيه مقامان إجمالي وتفصيلي ، أما الإجمالي فهو أن يعلم أن كل ما ~~دخل في الوجود فقد كان ms1049 ذلك من لوازم قضاء الله وقدره / لأن الممكن ما لم ~~ينته إلى الواجب لم يقف ، ومتى كان كذلك فلا فائدة في النفرة عنه ، وإذا ~~حصل الرضا بالقضاء زال الحسد . وأما التفصيلي فهو أن تعلم أن الحسد ضرر ~~عليك في الدين والدنيا ، وأنه ليس فيه على المحسود ضرر في الدين والدنيا ، ~~بل ينتفع به في الدين والدنيا ، أما أنه ضرر عليك في الدين فمن وجوه . ~~أحدها : أنك بالحسد كرهت حكم الله ونازعته في قسمته التي قسمها لعباده ~~وعدله الذي أقامه في خلقه بخفي حكمته ، وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى ~~في عين الإيمان . وثانيها : أنك إن غششت رجلا من المؤمنين فارقت أولياء ~~الله في حبهم الخير لعباد الله وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم ~~للمؤمنين البلايا ، وثالثها : العقاب العظيم المرتب عليه في الآخرة ، وأما ~~كونه ضررا عليك في الدنيا فهو أنك بسبب الحسد لا تزال تكون في الغم والكمد ~~وأعداؤك لا يخليهم الله من أنواع النعم فلا تزال تتعذب بكل نعمة ~~PageV03P218 تراها وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم فتبقى أبدا مغموما مهموما ، ~~فقد حصل لك ما أردت حصوله لأعدائك وأراد أعداؤك حصوله لك فقد كنت تريد ~~المحنة لعدوك فسعيت في تحصيل المحنة لنفسك . ثم إن ذلك الغم إذا استولى ~~عليك أمرض بدنك وأزال الصحة عنك وأوقعك في الوساوس ونغص عليك لذة المطعم ~~والمشرب . وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا ~~تزول عنه بحسدك ، بل ما قدره الله من إقبال ونعمة فلا بد وأن يدوم إلى أجل ~~قدرة الله ، فإن كان كل شيء عنده بمقدار ولكل أجل كتاب ، ومهما لم تزل ~~النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا عليه إثم في الآخرة ، ~~ولعلك تقول : ليت النعمة كانت لي وتزول عن المحسود بحسدي وهذا غاية الجهل ~~فإنه بلاء تشتهيه أولا لنفسك فإنك أيضا لا تخلو عن عدو يحسدك ، فلو زالت ~~النعمة بالحسد لم يبق لله عليك نعمة لا في الدين ولا في الدنيا ، وإن ~~اشتهيت ms1050 أن تزول النعمة عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسد غيرك فهذا أيضا ~~جهل ، فإن كل واحد من حمقى الحساد يشتهي أن يختص بهذه الخاصية ، ولست أولى ~~بذلك من الغير ، فنعمة الله عليك في أن لم يزل النعمة بالحسد / مما يجب ~~شكرها عليك وأنت بجهلك تكرهها . وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا ~~فواضح ، أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجت ~~الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساوئه ، فهي ~~هدايا يهديها الله إليه ، أعني أنك تهدي إليه حسناتك فإنك كلما ذكرته بسوء ~~نقل إلى ديوانه حسناتك وازدادت سيئاتك ، فكأنك اشتهيت زوال نعم الله عنه ~~إليك فأزيلت نعم الله عنك إليه ، ولم تزل في كل حين وأوان تزداد شقاوة ، ~~وأما منفعته في الدنيا فمن وجوه . الأول : أن أهم أغراض الخلق مساءة ~~الأعداء وكونهم مغمومين معذبين ولا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد ، ~~بل العاقل لا يشتهي موت عدوه بل يريد طول حياته ليكون في عذاب الحسد لينظر ~~في كل حين وأوان إلى نعم الله عليه فيتقطع قلبه بذلك ، ولذلك قيل : # % لا مات أعداؤك بل خلدوا % % حتى يروا منك الذي يكمد % # % لا زلت محسودا على نعمة % % فإنما الكامل من يحسد % # الثاني : أن الناس يعلمون أن المحسود لا بد وأن يكون ذا نعمة فيستدلون ~~بحسد الحاسد على كونه مخصوصا من عند الله بأنواع الفضائل والمناقب ، وأعظم ~~الفضائل مما لا يستطاع دفعه وهو الذي يورث الحسد فصار الحسد من أقوى ~~الدلائل على اتصاف المحسود بأنواع الفضائل والمناقب . الثالث : أن الحاسد ~~يصير مذموما بين الخلق ملعونا عند الخالق وهذا من أعظم المقاصد للمحسود . ~~الرابع : وهو أنه سبب لازدياد مسرة إبليس وذلك لأن الحاسد لما خلا عن ~~الفضائل التي اختص المحسود بها فإن رضي بذلك استوجب الثواب العظيم فخاف ~~إبليس من أن يرضى بذلك فيصير مستوجبا لذلك الثواب ، فلما لم يرض به بل أظهر ~~الحسد فاته ذلك الثواب واستوجب العقاب فيصير ذلك سببا ms1051 لفرح إبليس وغضب الله ~~تعالى . الخامس : أنك عساك تحسد رجلا من أهل العلم وتحب أن يخطىء في دين ~~الله وتكشف خطأه ليفتضح وتحب أن يخرس لسانه حتى لا يتكلم أو يمرض حتى لا ~~يعلم ولا يتعلم وأي إثم يزيد على ذلك ، وأي مرتبة أخس من هذه . وقد ظهر من ~~هذه الوجوه أيها الحاسد أنك بمثابة من يرمي حجرا إلى عدوه ليصيب به مقتله ~~فلا يصيبه ، بل يرجع إلى حدقته اليمنى فيقلعها فيزداد غضبه فيعود ويرميه ~~ثانيا أشد من الأول فيرجع الحجر على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه ويعود ~~ثالثا فيعود على رأسه فيشجه وعدوه سالم في كل الأحوال ، والوبال راجع إليه ~~دائما PageV03P219 وأعداؤه حواليه يفرحون به ويضحكون عليه ، بل حال الحاسد ~~أقبح من هذا لأن الحجر العائد لم يفوت إلا العين ولو بقيت لفاتت بالموت ، ~~وأما حسده فإنه يسوق إلى غضب الله وإلى النار ، فلأن تذهب عينه في الدنيا ~~خير له من أن يبقى له عين ويدخل بها النار فانظر كيف انتقم الله من الحاسد ~~إذا أراد زوال النعمة عن المحسود فما أزالها عنه ثم أزال نعمة الحاسد ~~تصديقا لقوله تعالى : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } ( فاطر : 43 ) ~~فهذه الأدوية العلمية فمهما تفكر / الإنسان فيها بذهن صاف وقلب حاضر انطفأ ~~من قلبه نار الحسد ، وأما العمل النافع فهو أن يأتي بالأفعال المضادة ~~لمقتضيات الحسد ، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له وإن ~~حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له وإن حمله على قطع أسباب الخير ~~عنه كلف نفسه السعي في إيصال الخيرات إليه ، فمهما عرف المحسود ذلك طاب ~~قلبه وأحب الحاسد وذلك يفضي آخر الأمر إلى زوال الحسد من وجهين . الأول : ~~أن المسحود إذا أحب الحاسد فعل ما يحبه الحاسد فحينئذ يصير الحاسد محبا ~~للمحسود ويزول الحسد حينئذ . الثاني : أن الحاسد إذا أتى بضد موجبات الحسد ~~على سبيل التكلف يصير ذلك بالآخرة طبعا له فيزول الحسد عنه . # المسألة السابعة : اعلم أن النفرة القائمة بقلب الحاسد ms1052 من المحسود أمر ~~غير داخل في وسعه ، فكيف يعاقب عليه ؟ وأما الذي في وسعه أمران ، أحدهما : ~~كونه راضيا بتلك النفرة ، والثاني : إظهار آثار تلك النفرة من القدح فيه ~~والقصد إلى إزالة تلك النعمة عنه وجر أسباب المحبة إليه ، فهذا هو الداخل ~~تحت التكليف ، ولنرجع إلى التفسير : # أما قوله تعالى : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم ~~كفارا } فالمراد أنهم كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعد ما ~~تبين لهم أن الإيمان صواب وحق ، والعالم بأن غيره على حق لا يجوز أن يريد ~~رده عنه إلا بشبهة يلقيها إليه ، لأن المحق لا يعدل عن الحق إلا بشبهة ~~والشبهة ضربان ، أحدهما : ما يتصل بالدنيا وهو أن يقال لهم : قد علمتم ما ~~نزل بكم من إخراجكم من دياركم وضيق الأمر عليكم واستمرار المخافة بكم ، ~~فاتركوا الإيمان الذي ساقكم إلى هذه الأشياء ، والثاني : في باب الدين : ~~بطرح الشبه في المعجزات أو تحريف ما في التوراة . # أما قوله تعالى : { حسدا من عند أنفسهم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى بين أن حبهم لأن يرجعوا عن الإيمان إنما كان ~~لأجل الحسد . قال الجبائي : عني بقوله : { كفار * حسد * من عند أنفسهم } ~~أنهم لم يؤتوا ذلك من قبله تعالى وإن كفرهم هو فعلهم لا من خلق الله فيهم / ~~والجواب أن قوله : { من عند أنفسهم } فيه وجهان ، أحدهما : أنه متعلق ب ( ~~ود ) على معنى أنهم أحبوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق فكيف يكون ~~تمنيهم من قبل طلب الحق ؟ الثاني : أنه متعلق بحسد أي حسد عظيم منبعث من ~~عند أنفسهم . أما قوله تعالى : { فاعفوا واصفحوا } فهذا يدل على أن اليهود ~~بعدما أرادوا صرف المؤمنين عن الإيمان PageV03P220 احتالوا في ذلك بإلقاء ~~الشبه على ما بيناه ، ولا يجوز أن يأمرهم تعالى بالعفو والصفح على وجه ~~الرضا بما فعلوا ، لأن ذلك كفر ، فوجب حمله على أحد أمرين ، الأول : أن ~~المراد ترك المقابلة والإعراض عن الجواب ، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة ~~في الوقت ، فكأنه تعالى ms1053 أمر الرسول بالعفو والصفح عن اليهود فكذا أمره ~~بالعفو والصفح عن مشركي العرب بقوله / تعالى : { قل للذين ءامنوا يغفروا ~~للذين لا يرجون أيام الله } ( الجاثية : 14 ) وقوله : { واهجرهم هجرا } ( ~~المزمل : 10 ) ولذلك لم يأمر بذلك على الدوام بل علقه بغاية فقال : { ~~واصفحوا حتى يأتى الله بأمره } وذكروا فيه وجوه ، أحدها : أنه المجازاة يوم ~~القيامة عن الحسن ، وثانيها : أنه قوة الرسول وكثرة أمته . وثالثها : وهو ~~قول أكثر الصحابة والتابعين ، إنه الأمر بالقتال لأن عنده يتعين أحد أمرين ~~: إما الإسلام ، وإما الخضوع لدفع الجزية وتحمل الذل والصغار ، فلهذا قال ~~العلماء : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعلاى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الاخر } ( التوبة : 29 ) وعن الباقر رضي الله عنه أنه لم ~~يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل عليه السلام بقوله ~~: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } ( الحج : 39 ) وقلده سيف فكان أول ~~قتال قاتل أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر ، وههنا سؤالان : ~~السؤال الأول : كيف يكون منسوخا وهو معلق بغاية كقوله : { ثم أتموا الصيام ~~إلى اليل } ( البقرة : 187 ) وإن لم يكن ورود الليل ناسخا فكذا ههنا ، ~~الجواب : أن الغاية التي يعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعا لم يخرج ~~ذلك الوارد شرعا عن أن يكون ناسخا ويحل محل قوله : { فاعفوا واصفحوا } إلى ~~أن أنسحه عنكم . السؤال الثاني : كيف يعفون ويصفحون والكفار كانوا أصحاب ~~الشوكة والقوة والصفح لا يكون إلا عن قدرة ؟ والجواب : أن الرجل من ~~المسلمين كان ينال بالأذى فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع ~~عدوه عن نفسه وأن يستعين بأصحابه ، فأمر الله تعالى عند ذلك بالعفو والصفح ~~كي لا يهيجوا شرا وقتالا . # القول الثاني : في التفسير قوله : { فاعفوا واصفحوا } حسن الاستدعاء ، ~~واستعمل ما يلزم فيه من النصح والإشفاق والتشدد فيه ، وعلى هذا التفسير لا ~~يجوز نسخه وإنما يجوز نسخه على التفسير الأول . # أما قوله تعالى : { إن الله على كل شىء قدير } فهو تحذير لهم بالوعيد ~~سواء ms1054 حمل على الأمر بالقتال أو غيره . # PageV03P221 ! 7 < { وأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة وما تقدموا لأنفسكم ~~من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 110 - 112 ) وأقيموا الصلاة وآتوا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى أمر بالعفو والصفح عن اليهود ، ثم عقبه بقوله تعالى : { ~~وإذ أخذنا ميثاق بنى } تنبيها على أنه كما ألزمهم لحظ الغير وصلاحه العفو ~~والصفح ، فكذلك ألزمهم لحظ أنفسهم وصلاحها القيام بالصلاة والزكاة ~~الواجبتين ، ونبه بهما على ما عداهما من الواجبات . ثم قال بعده : { وما ~~تقدموا لانفسكم من خير } والأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات ~~والزكوات ، وبين تعالى أنهم يجدونه وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال ~~لأنها لا تبقى ولأن وجدان عين تلك الأشياء لا يرغب فيه ، فبقي أن المراد ~~وجدان ثوابه وجزائه ، ثم قال : { إن الله بما تعملون بصير } أي أنه لا يخفى ~~عليه القليل ولا الكثير من الأعمال وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى ~~يجازي على القليل كما يجازي على الكثير ، وتحذير من خلافه الذي هو الشر ، ~~وأما الخير فهو النفع الحسن وما يؤدي إليه ، فلما كان ما يأتيه المرء من ~~الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة ، وجب أن يوصف بذلك ، وعلى هذا الوجه ~~قال تعالى : { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } ( الحج : 77 ) . # ! 7 < { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره ~~عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 111 ) وقالوا لن يدخل . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الرابع من تخليط اليهود وإلقاء الشبه في قلوب ~~المسلمين ، واعلم أن اليهود / لا تقول في النصارى : إنها تدخل الجنة ، ولا ~~النصارى في اليهود ، فلا بد من تفصيل في الكلام فكأنه قال : PageV04P003 ~~وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى : لن يدخل ~~الجنة إلا من كان نصارى ، ولا يصح في الكلام سواه ، مع علمنا بأن كل واحد ~~من الفريقين يكفر الآخر ms1055 ، ونظيره : { قالوا * كونوا هودا أو نصارى } ( ~~البقرة : 135 ) والهود : جمع هائد ، كعائذ وعوذ وبازل وبزل ، فإن قيل : كيف ~~قيل : كان هودا ، على توحيد الاسم ، وجمع الخبر ؟ قلنا : حمل الاسم على لفظ ~~( من ) والخبر على معناه كقراءة الحسن : { إلا من هو صال الجحيم } ( ~~الصافات : 163 ) وقرأ أبي بن كعب : { إلا من كان * يهوديا * أو * نصرانيا } ~~أما قوله تعالى : { تلك أمانيهم } فالمراد أن ذلك متمنياتهم ، ثم إنهم لشدة ~~تمنيهم لذلك قدروه حقا في نفسه ، فإن قيل : لم قال : { تلك أمانيهم } ~~وقولهم : { لن يدخل الجنة } أمنية واحدة ؟ قلنا : أشير بها إلى الأماني ~~المذكورة ، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن ~~يردوهم كفارا ، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم ، أي : تلك الأماني ~~الباطلة أمانيهم ، وقوله تعالى : { قل هاتوا برهانكم } متصل بقوله : { لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } و { تلك أمانيهم } اعتراض ، قال ~~عليه الصلاة والسلام ( الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز ~~من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ) وقال علي رضي الله عنه : ( ~~لا تتكل على المنى فإنها بضائع التولي ) . # أما قوله تعالى : { قل هاتوا برهانكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : هات : صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر . # المسألة الثانية : دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفيا ، أو إثباتا ، ~~فلا بد له من الدليل والبرهان ، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول ~~بالتقليد قال الشاعر : # % من ادعى شيئا بلا شاهد % % لا بد أن تبطل دعواه % # أما قوله تعالى : { بلى } ففيه وجوه . الأول : أنه إثبات لما نفوه من ~~دخول غيرهم الجنة . الثاني : أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت أن ~~لمن أسلم وجهه لله برهانا . الثالث : كأنه قيل لهم : أنتم على ما أنتم عليه ~~لا تفوزون بالجنة ، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم ~~الجنة ، فيكون ذلك ترغيبا لهم في الإسلام ، وبيانا لمفارقة حالهم لحال من ~~يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه ويعدلوا إلى هذه الطريقة ، فأما معنى ms1056 : ~~{ من أسلم وجهه لله } فهو إسلام النفس لطاعة الله ، وإنما خص الوجه بالذكر ~~لوجوه . أحدها : لأنه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس والفكر والتخيل ~~، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى . وثانيها : أن الوجه قد يكنى به عن ~~النفس ، قال الله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ، ( القصص : 88 ) { إلا ~~ابتغاء وجه ربه الاعلى } ( الليل : 20 ) . وثالثها : أن اعظم العبادات ~~السجدة وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خص الوجه بالذكر ، ولهذا قال زيد بن ~~عمرو بن نفيل . # % / وأسلمت وجهي لمن أسلمت % % له الأرض تحمل صخرا ثقالا % # % وأسلمت وجهي لمن أسلمت % % له المزن تحمل عذبا زلالا % # فيكون المرء واهبا نفسه لهذا الأمر باذلالها ، وذكر الوجه وأراد به نفس ~~الشيء ، وذلك لا يكون إلا بالانقياد والخضوع وإذلال النفس في طاعته وتجنب ~~معاصيه ، ومعنى ( لله ) أي : خالصا لله لا يشوبه شرك ، PageV04P004 فلا ~~يكون عابدا مع الله غيره ، أو معلقا رجاءه بغيره ، وفي ذلك دلالة على أن ~~المرء لا ينتفع بعمله إلا إذا فعله على وجه العبادة في الإخلاص والقربة . # أما قوله تعالى : { وهو محسن } أي : لا بد وأن يكون تواضعه لله بفعل حسن ~~لا بفعل قبيح ، فإن الهند يتواضعون لله لكن بأفعال قبيحة ، وموضع قوله : { ~~وهو محسن } موضع حال كقولك : جاء فلان وهو راكب ، أي جاء فلان راكبا ، ثم ~~بين أن من جمع بين هذين فله أجره عند ربه ، يعني به الثواب العظيم ، ثم مع ~~هذا النعيم لا يلحقه خوف ولا حزن ، فأما الخوف فلا يكون إلا من المستقبل ، ~~وأما الحزن فقد يكون من الواقع والماضي كما قد يكون من المستقبل فنبه تعالى ~~بالأمرين على نهاية السعادة لأن النعيم العظيم إذا دام وكثر وخلص من الخوف ~~والحزن فلا يحزن على أمر فاته ولا على أمر يناله ولا يخاف انقطاع ما هو فيه ~~وتغيره فقد بلغ النهاية وفي ذلك ترغيب في هذه الطريقة وتحذير من خلافها ~~الذي هو طريقة الكفار المذكورين من قبل ، واعلم أنه تعالى وحد أولا ثم جمع ~~، ومثله قوله : { وكم من ms1057 ملك فى * السماوات } ( النجم : 26 ) ثم قال : { ~~شفاعتهم } وقوله : { ومنهم من يستمع إليك } ( الأنعام : 25 ) وقال في موضع ~~آخر : { يستمعون إليك } ( يونس : 42 ) ( الإسراء : 47 ) وقال : { ومنهم من ~~يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك } ( محمد : 16 ) ولم يقل : خرج ، واعلم ~~أنا لما فسرنا قوله : { من أسلم وجهه لله } بالإخلاص فلنذكر ههنا حقيقة ~~الإخلاص وذلك لا يمكن بيانه إلا في مسائل : # المسألة الأولى : في فضل النية قال عليه الصلاة والسلام : ( إنما الأعمال ~~بالنيات ) ، وقال : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ~~ينظر إلى قلوبكم ونياتكم ) وفي الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في ~~مجاعة فقال في نفسه : لو كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس فأوحى الله ~~تعالى إلى نبيهم قل له : إن الله قبل صدقتك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما ~~لو كان طعاما فتصدقت به . # المسألة الثانية : الإنسان إذا علم أو ظن أو اعتقد أن له في فعل من ~~الأفعال جلب نفع أو دفع ضر ظهر في قلبه ميل وطلب ، وهو صفة تقتضي ترجيح ~~وجود ذلك الشيء على عدمه ، وهي الإرادة فهذه الإرادة هي النية والباعث له ~~على تلك النية ذلك العلم أو الإعتقاد أو الظن ، إذا عرفت هذا فنقول : ~~الباعث على الفعل إما أن يكون أمرا واحدا ، وإما أن يكون أمرين ، وعلى ~~التقدير الثاني فإما أن يكون كل واحد منهما مستقلا بالبعث ، أو لا يكون ~~واحد منهما مستقلا بذلك ، أو يكون أحدهما مستقلا بذلك دون الآخر ، فهذه ~~أقسام أربعة . الأول : أن يكون الباعث واحدا / وهو كما إذا هجم على الإنسان ~~سبع فلما رآه قام من مكانه فهذا الفعل لا داعي إليه إلا اعتقاده ما في ~~الهرب من النفع وما في ترك الهرب من الضرر ، فهذه النية تسمى خالصة ، ويسمى ~~العمل بموجبها إخلاصا . الثاني : أن يجتمع على الفعل باعثان مستقلان ، كما ~~إذا سأله رفيقه الفقير حاجة فيقضيها لكونه رفيقا له ، وكونه فقيرا ، مع كون ~~كل واحد من الوصفين بحيث لو انفرد لاستقل بالاستقضاء ، واسم ms1058 هذا موافقة ~~الباعث . الثالث : أن لا يستقل واحد منهما لو انفرد ، لكن المجموع مستقل ، ~~واسم هذا مشاركة . الرابع : أن يستقل أحدهما ويكون الآخر معاضدا مثل أن ~~يكون للإنسان ورد من الطاعات فاتفق أن حضر في وقت أدائها جماعة من الناس ~~فصار الفعل عليه أخف بسبب مشاهدتهم ، واسم هذا معاونة . PageV04P005 # المسألة الثالثة : في تفسير قوله عليه السلام : ( نية المؤمن خير من عمله ~~) ذكروا فيه وجوها . أحدها : أن النية سر ، والعمل علن ، وطاعة السر أفضل ~~من طاعة العلانية ، وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي أن تكون نية الصلاة خيرا من ~~نفس الصلاة . وثانيها : النية تدوم إلى آخر العمل ، والأعمال لا تدوم ، ~~والدائم خير من المنقطع ، وهذا ليس بشيء لأنه يرجع معناه إلى أن العمل ~~الكثير خير من العمل القليل ، وأيضا فنية عمل الصلاة قد لا تحصل إلا في ~~لحظات قليلة ، والأعمال تدوم ، وثالثها : أن النية بمجردها خير من العمل ~~بمجرده ، وهو ضعيف ، إذ العمل بلا نية لا خير فيه ، وظاهر الترجيح ~~للمشتركين في أصل الخيرية . ورابعها : أن لا يكون المراد من الخير إثبات ~~الأفضلية بل المراد أن النية خير من الخيرات الواقعة بعمله ، وهو ضعيف ، ~~لأن حمل الحديث عليه لا يفيد إلا إيضاح الواضحات ، بل الوجه الجيد في ~~التأويل أن يقال : النية ما لم تخل عن جميع أنواع الفتور لا تكون نية جازمة ~~، ومتى خلت عن جميع جهات الفتور وجب ترتب الفعل عليها لو لم يوجد عائق ، ~~وإذا كان كذلك : ثبت أن النية لا تنفك البتة عن الفعل ، فيدعى أن هذه النية ~~أفضل من ذلك العمل ، وبيانه من وجوه . أولها : أن المقصود من جميع الأعمال ~~تنوير القلب بمعرفة الله وتطهيره عما سوى الله ، والنية صفة القلب ، والفعل ~~ليس صفة القلب ، وتأثير صفة القلب أقوى من تأثير صفة الجوارح في القلب ، ~~فلا جرم نية المؤمن خير من عمله . وثانيها : أنه لا معنى للنية إلا القصد ~~إلى إيقاع تلك الأعمال طاعة للمعبود وانقيادا له ، وإنما يراد الأعمال ~~ليستحفظ التذكر بالتكرير ، فيكون الذكر والقصد الذي في ms1059 القلب بالنسبة إلى ~~العمل كالمقصود بالنسبة إلى الوسيلة ، ولا شك أن المقصود أشرف من الوسيلة . ~~وثالثها : أن القلب أشرف من الجسد ، ففعله أشرف من فعل الجسد ، فكانت النية ~~أفضل من العمل . # المسألة الرابعة : اعلم أن الأعمال على ثلاثة أقسام : طاعات ، ومعاصي ، ~~ومباحات ، أما المعاصي فهي لا تتغير عن موضوعاتها بالنية ، فلا يظن الجاهل ~~أن قوله عليه الصلاة والسلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) يقتضي انقلاب ~~المعصية طاعة بالنية كالذي يطعم فقيرا من مال غيره ، أو يبني / مسجدا من ~~مال حرام . الثاني : الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في الأصل وفي الفضيلة ، ~~أما في الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى ، فإن نوى الرياء صارت ~~معصية ، وأما الفضيلة فبكثرة النيات تكثر الحسنة كمن قعد في المسجد وينوي ~~فيه نيات كثيرة . أولها : أن يعتقد أنه بيت الله ويقصد به زيارة مولاه كما ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( من قعد في المسجد فقد زار الله وحق على المزور ~~إكرام زائره ) . وثانيها : أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون حال الإنتظار ~~كمن هو في الصلاة . وثالثها : إغضاء السمع والبصر وسائر الأعضاء كما لا ~~ينبغي ، فإن الإعتكاف كف وهو في معنى الصوم ، وهو نوع ترهب ، ولذلك قال ~~عليه الصلاة والسلام : ( رهبانية أمتي القعود في المساجد ) . ورابعها : صرف ~~القلب ولاسر بالكلية إلى الله تعالى . وخامسها : إزالة ما سوى الله عن ~~القلب . وسادسها : أن يقصد إفادة علم أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر . ~~وسابعها : أن يستفيد أخا في الله فإن ذلك غنيمة أهل الدين . وثامنها : أن ~~يترك الذنوب حياء من الله فهذا طريق تكثير النيات ، وقس به سائر الطاعات . # القسم الثالث : سائر المباحات ولا شيء منها إلا ويحتمل نية أو نيات يصير ~~بها من محاسن القربات ، فما أعظم خسران من يغفل عنها ولا يصرفها إلى ~~القربات ، وفي الخبر : من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح ~~المسك ، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الحيفة فإن قلت ~~: فاشرح لي كيفية هذه النية ، فاعلم أن القصد من ms1060 التطيب إن كان هو التنعم ~~وريحه أنتن من الحيفة ، فإن قلت : فاشرح لي كيفية هذه النية ، فاعلم أن ~~القصد من التطيب إن كان هو التنعم بلذات الدنيا أو إظهار التفاخر بكثرة ~~المال أو PageV04P006 رياء الخلق أو ليتودد به إلى قلوب النساء ، فكل ذلك ~~يجعل التطيب معصية ، وإن كان القصد إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن ~~عباد الله وتعظيم المسجد ، فهو عين الطاعة ، وإذا عرفت ذلك فقس عليه سائر ~~المباحات ، والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق ، وكل ما ~~عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب . # المسألة الخامسة : اعلم أن الجاهل إذا سمع الوجوه العقلية والنقلية في ~~أنه لا بد من النية فيقول في نفسه عند تدريسه وتجارته : نويت أن أدرس لله ~~وأتجر لله يظن أن ذلك نية وهيهات فذاك حديث نفس أو حديث لسان والنية بمعزل ~~عن جميع ذلك إنما النية انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها ~~إما عاجلا وإما آجلا . والميل إذا لم يحصل لم يقدر الإنسان على اكتسابه وهو ~~كقول الشبعان نويت أن أشتهي الطعام ، أو كقول الفارغ نويت أن أعشق ، بل لا ~~طريق إلى اكتساب الميل إلى الشيء إلا باكتساب أسبابه وليست هي إلا تحصيل ~~العلم بما فيه من المنافع ، ثم هذا العلم لا يوجب هذا الميل إلا عند خلو ~~القلب عن سائر الشواغل ، فإذا غلبت شهوة النكاح ولم يعتقد في الولد غرضا ~~صحيحا لا عاجلا ولا آجلا ، لا يمكنه أن يواقع على نية الولد بل لا يمكن إلا ~~على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ~~ينوي الولد ؟ فثبت أن النية ليست عبارة عن القول باللسان أو بالقلب بل هي ~~عبارة عن حصول هذا الميل ، وذلك أمر معلق بالغيب فقد يتيسر في بعض الأوقات ~~، وقد يتعذر في بعضها . # / المسألة السادسة : اعلم أن نيات الناس في الطاعات أقسام : فمنهم من ~~يكون عملهم إجابة لباعث الخوف فإنه يتقي النار ، ومنهم من يعمل لباعث ~~الرجاء وهو ms1061 الرغبة في الجنة والعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه ، كالأجير ~~السوء ودرجته درجة البله ، وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله ~~والفكر فيه حبا لجلاله وسائر الأعمال مؤكدات له وهم الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه وثواب الناس بقدر نياتهم فلا جرم صار المقربون ~~متنعمين بالنظر إلى وجهه الكريم ونسبة شرف الالتذاذ بنعيم الجنة إلى شرف ~~الالتذاذ بهذا المقام كنسبة نعيم الجنة إلى وجهه الكريم . # ! 7 < { وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود ~~على شىء وهم يتلون الكتاب كذالك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم ~~بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 113 ) وقالت اليهود ليست . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما جمعهم في الخبر الأول فصلهم في هذه الآية ، وبين ~~قول كل فريق منهم في الآخر ، وكيف ينكر كل طائفة دين الأخرى ، وههنا مسائل ~~: PageV04P007 # المسألة الأولى : قوله : { ليست النصارى على شىء } أي على شيء يصح ويعتد ~~به وهذه مبالغة عظيمة وهو كقولهم : أقل من لا شيء ، ونظيره قوله تعالى : { ~~قل ياأهل * أهل الكتاب * لستم على شىء حتى تقيموا التوراة } ( المائدة : 68 ~~) ، فإن قيل : كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع وصفاته ~~سبحانه وتعالى ، وذلك قول فيه فائدة ؟ قلنا : الجواب من وجهين ، الأول : ~~أنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولا باطلا يحبط ثواب الأول ، فكأنهم ما ~~أتوا بذلك الحق . الثاني : أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيه ، ~~وهي ما يتصل بباب النبوات . # المسألة الثانية : روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم ، فقالت اليهود ~~: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل ، وقالت ~~النصارى لهم : نحوه وكفروا بموسى عليه السلام والتوراة . # المسألة الثالثة : اختلفوا فيمن هم الذين عناهم الله تعالى أهم الذين ~~كانوا من بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام ، والظاهر الحق ~~أنه لا دليل في الظاهر عليه وإن كان ms1062 الأولى أن يحمل على كل اليهود وكل ~~النصارى بعد بعثة عيسى عليه السلام ، ولا يجب لما نقل في سبب الآية / أن ~~يهوديا خاطب النصارى بذلك فأنزل الله هذه الآية أن لا يراد بالآية سواه ، ~~إذا أمكن حمله على ظاهره وقوله : { وقالت اليهود ليست النصارى على شىء } ~~يفيد العموم فما الوجه في حمله على التخصيص ومعلوم من طريقة اليهود ~~والنصارى أنهم منذ كانوا فهذا قول كل فريق منهما في الآخر . # أما قوله تعالى : { وهم يتلون الكتاب } قالوا وللحال ، والكتاب للجنس . ~~أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلوم والتلاوة للكتب ، وحق من حمل ~~التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن ~~كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته ، فإن التوراة مصدقة بعيسى ~~عليه السلام ، والإنجيل مصدق بموسى عليه السلام . # أما قوله تعالى : { كذالك قال الذين لا يعلمون } فإنه يقتضي أن من تقدم ~~ذكره يجب أن يكون عالما لكي يصح هذا الفرق ، فبين تعالى أنهم مع المعرفة ~~والتلاوة إذا كانوا يختلفون هذا الاختلاف فكيف حال من لايعلم ، واعلم أن ~~هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن كل طائفة ~~تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن ، ثم اختلفوا فيمن هم الذين لا ~~يعلمون على وجوه . أولها : أنهم كفار العرب الذين قالوا : إن المسلمين ~~ليسوا على شيء فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنصارى وهم يقرأون ~~الكتب لا ينبغي أن يقبل ويلتفت إليه فقول كفار العرب أولى أن لا يلتفت إليه ~~. وثانيها : أنه إذا حملنا قوله : { وقالت اليهود ليست النصارى على شىء } ~~على الذين كانوا حاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، حملنا قوله : { ~~كذالك قال الذين لا يعلمون } على المعاندين وعكسه أيضا محتمل . وثالثها : ~~أن يحمل قوله : { وقالت اليهود ليست النصارى على شىء } على علمائهم ويحمل ~~قوله : { كذالك قال الذين لا يعلمون } على عوامهم فصلا بين خواصهم وعوامهم ~~، والأول أقرب : لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية ms1063 فمن ميز عنهم بقوله ~~: { كذالك قال الذين لا يعلمون } يجب أن يكون غيرهم . # أما قوله تعالى : { فالله يحكم بينهم } ففيه أربعة أوجه . أحدها : قال ~~الحسن : يكذبهم جميعا ويدخلهم النار . وثانيها ؛ حكم الانتصاف من الظالم ~~المكذب للمظلوم المكذب . وثالثها : يريهم من يدخل الجنة عيانا ومن يدخل ~~النار عيانا ، وهو قول الزجاج . ورابعها : يحكم بين المحق والمبطل فيما ~~اختلفوا فيه والله أعلم . # PageV04P008 ! 7 < { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى ~~فى خرابهآ أولائك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين لهم فى الدنيا خزى ولهم ~~فى الا خرة عذاب عظيم } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 114 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > اعلم أن في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : اجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد ~~بيان الشرط والجزاء ، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن الله يفعل به كذا ~~بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها ، ثم أن ~~الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من ~~عمارة المسجد وسعوا في خرابه من هم ؟ وذكروا فيه أربعة أوجه . أولها : قال ~~ابن عباس : أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر ~~أهله وقتلهم وسبى البقية وأحرق التوراة ، ولم يزل بيت المقدس خرابا حتى ~~بناه أهل الإسلام في زمن عمر . وثانيها : قال الحسن وقتادة والسدي : نزلت ~~في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وبعض النصارى أعانه على ذلك بغضا لليهود . # قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : هذان الوجهان غلطان لأنه لا خلاف ~~بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر ~~طويل والنصارى كانوا بعد المسيح فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس ~~وأيضا فإن النصارى يعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر ، ~~فكيف أعانوا على تخريبه . وثالثها : أنها نزلت في مشركي العرب الذين منعوا ~~الرسول عليه الصلاة والسلام عن الدعاء إلى الله بمكة وألجؤه إلى الهجرة ms1064 ، ~~فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام ، وقد كان ~~الصديق رضي الله عنه بنى مسجدا عند داره فمنع وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ~~ونساؤهم ، وقيل : إن قوله تعالى : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } ( ~~الإسراء : 110 ) نزلت في ذلك فمنع من الجهر لئلا يؤذى ، وطرح أبو جهل ~~العذرة على ظهر لنبي صلى الله عليه وسلم فقيل : ومن أظلم من هؤلاء المشركين ~~الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون الله ولا يشركون به شيئا ويصلون له ~~تذللا وخشوعا ، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه ، وألسنتهم بالذكر له ، وجميع ~~جسدهم بالتذلل لعظمته وسلطانه . ورابعها : قال أبو مسلم : المراد منه الذين ~~صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية ، واستشهد ~~بقوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم * عند المسجد الحرام } ( الفتح : 25 ~~) وبقوله : { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام } ( ~~الأنفال : 34 ) وحمل قوله : { إلا خائفين } بما يعلى الله من يده ، ويظهر ~~من كلمته ، كما قال في المنافقين : { لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا ~~قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } ( الأحزاب : 60 61 ) ~~وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم : وهو أن يقال : أنه لما حولت ~~القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند ~~توجههم إلى الكعبة ، PageV04P009 ولعلهم سعوا أيضا في تخريب الكعبة بأن ~~حملوا بعض الكفار على تخريبها ، وسعوا أيضا في تخريب مسجد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة ، فعابهم الله بذلك وبين سوء ~~طريقتهم فيه ، وهذا التأويل أولى مما قبله ، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر ~~في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود / والنصارى ، وذكر ~~أيضا بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد ~~منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام / وأما حمل ~~الآية على سعي النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضا على ما شرحه أبو بكر ~~الرازي ، فلم يبق إلا ما قلناه ms1065 . # المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : فأما من ~~حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال : تتصل بما قبلها من حيث أن ~~النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط ، فقيل لهم : كيف تكونون كذلك مع أن ~~معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا ، وأما من حمله على ~~المسجد الحرام وسائر المساجد قال : جرى ذكر مشركي العرب في قوله : { كذالك ~~قال الذين * قبلهم مثل قولهم } ( البقرة : 113 ) وقيل : جرى ذكر جميع ~~الكفار وذمهم ، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين . # المسألة الثالثة : قوله : { مساجد الله } عموم فمنهم من قال : المراد به ~~كل المساجد ، ومنهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام وغيره من مساجد ~~مكة ، وقالوا : قد كان لأبي بكر رضي الله عنه مسجد بمكة يدعو الله فيه ، ~~فخربوه قبل الهجرة ، ومنهم من حمله على المسجد الحرام فقط وهو قول أبي مسلم ~~حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية ، فإن قيل : كيف ~~يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد ؟ قلنا : فيه وجوه . أحدها : هذا كمن ~~يقول لمن آذى صالحا واحدا : ومن أظلم ممن آذى الصالحين . وثانيها : أن ~~المسجد موضع السجود فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجدا واحدا بل ~~مساجد . # المسألة الرابعة : قوله : { أن يذكر فيها اسمه } في محل النصب واختلفوا ~~في العامل فيه على أقوال . الأول : أنه ثاني مفعولي منع لأنك تقول : منعته ~~كذا ، ومثله : { وما منعنا أن نرسل بالايات * وما منع الناس أن يؤمنوا } . ~~الثاني : قال الأخفش : يجوز أن يكون على حذف ( من ) كأنه قيل : منع مساجد ~~الله من أن يذكر فيها اسمه . الثالث : أن يكون على البدل من مساجد الله . ~~الرابع : قال الزجاج : يجوز أن يكون على معنى كراهة أن يذكر فيها اسمه ، ~~والعامل فيه ( منع ) . # المسألة الخامسة : السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين . أحدهما : منع ~~المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريبا . والثاني : ~~بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول : كيف يصح أن يتأول على ms1066 بيت الله الحرام ~~ولم يظهر فيه التخريب لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريبا ~~له ، وقيل : إن أبا بكر رضي الله عنه كان له موضع صلاة فخربته قريش لما ~~هاجر . # المسألة السادسة : ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم وفيه ~~إشكال لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : ~~13 ) مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل ، وكذا الزنا وقتل النفس أعظم من هذا ~~الفعل ، والجواب عنه : أقصى ما في الباب أنه عام دخله / التخصيص فلا يقدح ~~فيه . # أما قوله تعالى : { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } فاعلم أن ~~في الآية مسائل : # PageV04P010 المسألة الأولى : ظاهر الكلام أن الذين آمنوا وسعوا في تخريب ~~المسجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلا خائفين ، وأما من يجعله عاما في الكل ~~فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوها . أحدها : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا ~~مساجد الله إلا خائفين على حال الهيبة وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن ~~يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليهم ويمنعوا المؤمنين منها ، والمعنى ما كان ~~الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم . وثانيها : أن هذا بشارة من ~~الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد ، وأنه ~~يذل المشركين لهم حتى لايدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفا يخاف أن ~~يؤخذ فيعاقب ، أو يقتل أن لم يسلم / وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من ~~دخول المسجد الحرام ، ونادى فيهم عام حج أبو بكر رضي الله عنه : ألا لا ~~يحجن بعد العام مشرك ، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود من ~~جزيرة العرب ، فحج من العام الثاني ظاهرا على المساجد لا يجترىء أحد من ~~المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام ، وهذا هو تفسير أبي مسلم في حمل ~~المنع من المساجد على صدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام ~~عام الحديبية ويحمل هذا الخوف على ظهور أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وغلبته لهم بحيث يصيرون خائفين ms1067 منه ومن أمته . وثالثها : أن يحمل هذا الخوف ~~على ما يلحقهم من الصغار والذل بالجزية والإذلال . ورابعها : أنه يحرم ~~عليهم دخول المسجد الحرام إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمخاصمة ~~والمحاكمة والمحاجة ، لأن كل ذلك يتضمن الخوف والدليل عليه قوله تعالى : { ~~ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شهدين على أنفسهم بالكفر } ( التوبة ~~: 17 ) . وخامسها : قال قتادة والسدي : قوله : { إلا خائفين } بمعنى أن ~~النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين ، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ~~ضربا وهذا التأويل مردود ، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مائة سنة في أيدي ~~النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفا ، إلى أن ~~استخلصه الملك صلاح الدين رحمه الله في زماننا . وسادسها : أن قوله : { ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } وإن كان لفظه لفظ الخبر لكن المراد منه ~~النهي عن تمكينهم من الدخول ، والتخلية بينهم وبينه كقوله : { وما كان لكم ~~أن تؤذوا رسول الله } ( الأحزاب : 53 ) . # أما قوله تعالى : { لهم فى الدنيا خزى } فقد اختلفوا في الخزي ، فقال ~~بعضهم : ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد ، وقال آخرون بالجزية في حق ~~أهل الذمة وبالقتل في حق أهل الحرب ، واعلم أن كل ذلك محتمل فإن الخزي لا ~~يكون إلا ما يجري مجرى العقوبة من الهوان والإذلال فكل ما هذه صفته يدخل ~~تحته وذلك ردع من الله تعالى عن ثباتهم على الكفر لأن الخزي الحاضر يصرف عن ~~التمسك بما يوجبه ويقتضيه ، وأما العذاب العظيم فقد وصفه الله تعالى بما ~~جرى مجرى النهاية / في المبالغة ، لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم ، ~~فبين أنهم يستحقون العقاب العظيم ، وفي الآية مسألتان : # المسألة الأولى : في أحكام المساجد وفيه وجوه . الأول : في بيان فضل ~~المساجد ويدل عليه القرآن والأخبار والمعقول ، أما القرآن فآيات ، أحدها : ~~قوله تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } ( الجن : 18 ) . ~~أضاف المساجد إلى ذاته يلزم الاختصاص ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله : { فلا ~~تدعوا مع الله أحدا ms1068 } . وثانيها : قوله تعالى : { إنما يعمر PageV04P011 ~~مساجد الله من ءامن بالله واليوم الاخر } ( التوبة : 18 ) فجعل عمارة ~~المسجد دليلا على الإيمان ، بل الآية تدل بظاهرها على حصر الإيمان فيهم ، ~~لأن كلمة إنما للحصر . وثالثها : قوله تعالى : { فى بيوت أذن الله أن ترفع ~~ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال } ( النور : 36 ) . ورابعها : ~~هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله أن يذكر فيها اسمه } فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب ~~المساجد أسوأ حالا من المشرك لأن قوله : { ومن أظلم } يتناول المشرك لأنه ~~تعالى قال : { * } يتناول المشرك لأنه تعالى قال : { إن الشرك لظلم عظيم } ~~( لقمان : 13 ) فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون ~~الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان . وأما الأخبار ، فأحدها : ما روى ~~الشيخان في صحيحيهما أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره ~~الناس ذلك وأحبوا أن يدعه ، فقال عثمان رضي الله عنه : سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول : ( من بنى لله مسجدا بنى الله له كهيئته في الجنة ) . وفي ~~رواية أخرى : ( بنى الله له بيتا في الجنة ) . وثانيها : ما روى أبو هريرة ~~أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها وأبغض ~~البلاد إلى الله أسواقها ) ، واعلم أن هذا الخبر تنبيه على ما هو السر ~~العقلي في تعظيم المساجد وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله ~~تعالى ، فإذا كان المسجد مكانا لذكر الله تعالى حتى أن الغافل عن ذكر الله ~~إذا دخل المسجد اشتغل بذكر الله والسوق على الضد من ذلك ، لأنه موضع البيع ~~والشراء والإقبال على الدنيا وذلك مما يورث الغفلة عن الله ، والأعراض عن ~~التفكر في سبيل الله ، حتى أن ذاكر الله إذا دخل السوق فإنه يصير غافلا عن ~~ذكر الله لا جرم كانت المساجد أشرف المواضع والأسواق أخس المواضع . الثاني ~~: في فضل المشي إلى المساجد ( أ ) عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة ms1069 ~~والسلام : ( من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من ~~فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئته والأخرى ترفع درجته ) ، رواه ~~مسلم . ( ب ) أبو هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : ( من غدا أو راح ~~إلى المسجد أعد الله له في الجنة منزلا كلما غدا أو راح ) أخرجاه في الصحيح ~~. ( ج ) أبي بن كعب قال : كان رجل ما أعلم أحدا من أهل المدينة ممن يصلى ~~إلى القبلة أبعد منزلا منه من المسجد وكان لا تخطئه الصلوات مع الرسول عليه ~~السلام ، فقيل له : لو اشتريت حمارا لتركبه في الرمضاء والظلماء ، فقال : ~~والله ما أحب أن منزلي بلزق المسجد ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذلك فسأله فقال : يا رسول الله كيما يكتب أثري وخطاي ورجوعي إلى أهلي ~~وإقبالي وإدباري ، فقال عليه الصلاة والسلام / ( لك ما احتسبت أجمع ) أخرجه ~~مسلم . ( د ) جابر قال : خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا ~~إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : ( أنه ~~بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى قرب المسجد ، فقالوا : نعم قد أردنا ذلك ~~قال يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم ) . رواه مسلم . وعن أبي سعيد الخدري ~~أن هذه الآية نزلت في حقهم : { إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وءاثارهم ~~} ( يس : 12 ) . ( ه ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إلى المسجد مشيا ~~والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام في جماعة أعظم أجرا ممن يصليها ثم ~~ينام ) أخرجاه في الصحيح . ( و ) عقبة بن عامر الجهني أنه عليه السلام قال ~~: ( إذا تطهر الرجل ثم مر إلى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتبه أو كاتباه ~~بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات والقاعد الذي يرعى الصلاة كالقانت ~~ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع ) . ( ز ) عن سعيد بن ~~المسيب قال : حضر رجلا من الأنصار الموت ms1070 فقال لأهله : من في البيت ، فقالوا ~~: PageV04P012 أهلك ، وأما أخوتك وجلساؤك ففي المسجد ، فقال : ارفعوني ~~فأسنده رجل منهم إليه ففتح عينيه وسلم على القوم فردوا عليه وقالوا له : ~~خيرا . فقال : إني مورثكم اليوم حديثا ما حدثت به أحدا منذ سمعته من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم احتسابا وما أحدثكموه اليوم إلا احتسابا ، سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم ~~خرج إلى المسجد يصلي في جماعة المسلمين لم يرفع رجله اليمنى إلا كتب الله ~~له بها حسنة ولم يضع رجله اليسرى إلا حط الله عنه بها خطيئة حتى يأتي ~~المسجد / فإذا صلى بصلاة الإمام انصرف وقد غفر له ، فإن هو أدرك بعضها ~~وفاته بعض كان كذلك ) . ( ح ) عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : ( من ~~توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها ~~وحضرها ولم ينقص ذلك من أجرهم شيئا ) . ( ط ) أبو هريرة قال عليه السلام : ~~( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ، قالوا : بلى ~~يا رسول الله . قال : إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد ~~وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط ) رواه أبو مسلم . ( ~~ي ) قال أبو سلمة بن عبد الرحمن لداود بن صالح : هل تدري فيم نزلت : { ~~الحساب يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } ( آل عمران : 200 ) ~~قال : قلت لا يا ابن أخي ، قال : سمعت أبا هريرة يقول لم يكن في زمان النبي ~~صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكن انتظار الصلاة بعد الصلاة . ( يا ) ~~بريدة قال عليه السلام : ( بشر المشائين في الظلم إلى المسجد بالنور التام ~~يوم القيامة ) ، قال النخعي كانوا يرون المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة ~~موجبة . ( يب ) قال الأوزاعي : كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد عليه ~~السلام والتابعون بإحسان : لزوم الجماعة واتباع السنة ، وعمارة المسجد ~~وتلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله . ( يج ) أبو هريرة قال عليه السلام : ~~( من بنى لله بيتا ms1071 يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتا في الجنة من ~~دور ياقوت . ( يد ) أبو ذر قال عليه السلام : ( من بنى لله مسجدا ولو كمفحص ~~قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ) . ( يه ) أبو سعيد الخدري : قال عليه ~~السلام : ( إذا رأيتم الرجل / يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ، فإن الله ~~تعالى قال : { إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله واليوم الاخر } ) ( ~~التوبة : 18 ) . ( يو ) عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ~~قالوا : إن المساجد بيوت الله وأنه لحق على الله أن يكرم من زاره فيها . ( ~~يز ) أنس قال عليه السلام : ( إن عمار بيوت الله هم أهل بيوت الله ) . ( يح ~~) أنس قال عليه السلام : ( يقول الله تعالى : كأني لأهم بأهل الأرض عذابا ~~فإذا نظرت إلى عمار بيوتي والمتحابين في وإلى المستغفرين بالأسحار صرفت ~~عنهم ) . ( يط ) عن أنس : قال عليه السلام : ( إذا أنزلت عاهة من السماء ~~صرفت عن عمار المساجد ) . ( ك ) كتب سلمان إلى أبي الدرداء : يا أخي ليكن ~~بيتك المساجد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( المسجد بيت ~~كل تقي وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والرحمة والجواز على ~~الصراط إلى رضوان الله تعالى ) . ( كا ) قال سعيد بن المسيب : عن عبد الله ~~بن سلام : إن المساجد أوتادا من الناس ، وإن لهم جلساء من الملائكة ، فإذا ~~فقدوهم سألوا عنهم ، وإن كانوا مرضى عادوهم ، وإن كانوا في حاجة أعانوهم . ~~( كب ) الحسن قال عليه السلام : ( يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في ~~مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة ) . ( كج ) أبو ~~هريرة : قال عليه السلام : ( إن للمنافقين علامات يعرفون بها تحيتهم لعنة ~~وطعامهم نهبة ، وغنيمتهم غلول ، لا يقربون المساجد إلا هجرا ولا الصلاة إلا ~~دبرا ، لا يتألفون ولا يؤلفون ، خشب بالليل سحب بالنهار ) . ( كد ) أبو ~~سعيد الخدري وأبو هريرة : قال عليه السلام : ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم ~~لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق ms1072 ~~بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ، ورجلان تحابا PageV04P013 في الله ~~اجتمعا على ذلك وتفرقا ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته ~~امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا ~~تعلم شماله ما تنفق يمينه ) . هذا حديث أخرجه الشيخان في الصحيحين . ( كه ) ~~عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من خرج من بيته إلى المسجد ~~كتب له كاتبه بكل خطوة يخطوها عشر حسنات ، والقاعد في المسجد ينتظر الصلاة ~~كالقانت ويكتب من المصلين حتى يرجع إلى بيته ) . ( كو ) روى عبد الله بن ~~المبارك عن حكيم بن زريق بن الحكم ، قال : سمعت سعيد بن المسيب وسأله أبي : ~~أحضور الجنازة أحب إليك أم القعود في المسجد ؟ قال : من صلى على جنازة فله ~~قيراط ، ومن تبعها حتى تقبر فله قيراطان ، والجلوس في المسجد أحب إلي ، ~~تسبح الله وتهلل وتستغفر والملائكة تقول : آمين اللهم اغفر له ، اللهم ~~ارحمه ، فإذا فعلت ذلك فقل : اللهم اغفر لسعيد بن المسيب . الثالث : في ~~تزيين المساجد . ( أ ) ابن عباس : قال عليه الصلاة والسلام : ( ما أمرت ~~بتشييد المساجد ) والمراد من التشييد رفع البناء وتطويله ، ومنه قوله تعالى ~~: { فى بروج مشيدة } ( النساء : 78 ) وهي التي يطول بناؤها . ( ب ) أمر عمر ~~ببناء مسجد وقال للبناء : أكن الناس من المطر ، وإياك أن تحمر أو تصفر ~~فتفتن الناس . ( ج ) روى أن عثمان رأى أثرجة من جص معلقة في المسجد ، فأمر ~~بها فقطعت . ( د ) قال أبو الدرداء : إذا حليتم مصاحفكم وزينتم مساجدكم ~~فالدمار عليكم . ( ه ) قال أبو قلابة : غدونا مع أنس بن مالك إلى / الزواية ~~فحضرت صلاة الصبح فمررنا بمسجد فقال أنس : لو صلينا في هذا المسجد ؟ فقال ~~بعض القوم : حتى نأتي المسجد الآخر ، فقال أنس : أي مسجد ، قالوا : مسجد ~~أحدث الآن ، فقال أنس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( سيأتي على ~~أمتي زمان يتباهون في المساجد ولا يعمرونها إلا قليلا ) . الرابع : في تحية ~~المسجد ، في الصحيحين عن أبي قتادة السلمي أنه عليه الصلاة والسلام ms1073 قال : ( ~~إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ) ، واعلم أن القول بذلك ~~مذهب الحسن البصري ومكحول وقول الشافعي وأحمد وإسحق ، وذهب قوم إلى أنه ~~يجلس ولا يصلي ، وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ، ~~وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي . الخامس : فيما يقول إذا دخل المسجد ، ~~روت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيها ، قالت : ( كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال : رب اغفر ~~لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ، وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال قال : رب ~~اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك ) . السادس : في فضيلة القعود في المسجد ~~لانتظار الصلاة . ( أ ) أبو هريرة : قال عليه الصلاة والسلام : ( الملائكة ~~تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول : اللهم اغفر له ، ~~اللهم ارحمه ما لم يحدث ) . وروي أن عثمان بن مظعون أتى النبي عليه الصلاة ~~والسلام فقال : ائذن لي في الاختصاء ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( ليس ~~منا من خصي أو اختصى إن خصاء أمتي الصيام ) . فقال : يا رسول الله ائذن لي ~~في السياحة ، فقال : ( إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) ، فقال : يا ~~رسول الله ائذن لي في الترهب ، فقال : ( إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد ~~انتظارا للصلاة ) . السابع : في كراهية البيع والشراء في المسجد ، عن عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تناشد الأشعار في ~~المساجد ، وعن البيع والشراء فيه ، وعن أن يتحلق الناس في المساجد ~~PageV04P014 يوم الجمعة قبل الصلاة ، واعلم أنه كره قوم من أهل العلم البيع ~~والشراء في المسجد وبه يقول أحمد وإسحق وعطاء بن يسار ، وكان إذا مر عليه ~~بعض من يبيع في المسجد قال : عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة ، وكان ~~لسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم رحبة إلى جنب المسجد ~~سماها البطحاء ، وقال : من أراد أن يلغط أو ينشد شعرا أو ms1074 يرفع صوتا فليخرج ~~إلى هذه الرحبة / واعلم أن الحديث الذي رويناه يدل على كراهية التحلق ~~والاجتماع يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم ، بل يشتغل بالذكر والصلاة ~~والإنصات للخطبة ، ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة ، وأما طلب ~~الضالة في المسجد ، ورفع الصوت بغير الذكر ، فمكروه عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال : من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل : لا ردها الله عليك ، ~~فإن المساجد لم تبن لهذا ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال : ( إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا ~~أربح الله تجارتك ) ، قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله : ويدخل في هذا كل ~~أمر لم يبن له المسجد من أمور معاملات الناس ، واقتضاء حقوقهم ، وقد كره ~~بعض / السلف المسألة في المسجد ، وكان بعضهم يرى أن لا يتصدق على السائل ~~المتعرض في المسجد ، وورد النهي عن إقامة الحدود في المساجد ، قال عمر فيمن ~~لزمه حد : أخرجاه من المسجد ، ويذكر عن علي رضي الله عنه مثله ، وقال معاذ ~~بن جبل : إن المساجد طهرت من خمس : من أن يقام فيها الحدود أو يقبض فيها ~~الخراج ، أو ينطق فيها بالأشعار أو ينشد فيها الضالة أو تتخذ سوقا ، ولم ير ~~بعضهم بالقضاء في المسجد بأسا ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لاعن بين ~~العجلاني وامرأته في المسجد ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد وكان الحسن وزرارة بن أوفى ~~يقضيان في الرحبة خارجا من المسجد . الثامن : في النوم في المسجد في ~~الصحيحين : عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى وعن ابن شهاب قال : كان ذلك ~~من عمر وعثمان وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في ~~المسجد مثل جوازها في البيت ، إلا الانبطاح فإنه عليه الصلاة والسلام نهى ~~عنه وقال : أنها ضجعة يبغضها الله ، وعن نافع أن عبد الله ms1075 كان شابا أعزب لا ~~أهل له فكان ينام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورخص قوم من أهل ~~العلم في النوم في المسجد ، وقال ابن عباس : لا تتخذوه مبيتا أو مقيلا . ~~التاسع : في كراهية البزاق في المسجد عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام ~~قال : ( البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ) ، وفي الصحيح عن أبي ذر ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت من ~~محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ، ووجدت في مساويء أعمالها النخامة ~~تكون في المسجد لا تدفن ) وفي الحديث : ( إن المسجد لينزوي من النخامة كما ~~تنزوي الجلدة في النار ) ، أي ينضم وينقبض ، فقال بعضهم : المراد أن كونه ~~مسجدا يقتضي التعظيم والقاء النخامة يقتضي التحقير ، وبينهما منافاة ، فعبر ~~عليه الصلاة والسلام عن تلك المنافاة بقوله : لينزوي ، وقال آخرون : أراد ~~أهل المسجد وهم الملائكة ، وفي الصحيحين عن همام بن منبه قال : هذا ما ~~حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا قام ~~أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه ، ولا عن ~~يمينه PageV04P015 فإن عن يمينه ملكا ، ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجليه ~~فيدفنه ) . وعن أنس أنه عليه الصلاة والسلام رأى نخامة في القبلة فشق ذلك ~~عليه حتى رؤي في وجهه فقام فحكه بيده وقال : ( إن أحدكم إذا قام في صلاته ~~فإنه يناجي ربه فلا يبزقن أحدكم في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه قال : ~~ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض وقال : يفعل هكذا ) أخرجه ~~البخاري في صحيحه . العاشر : في الثوم والبصل : في الصحيحين عن أنس وابن ~~عمر وجابر قال عليه الصلاة والسلام : ( من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا ~~يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس ) / وعن جابر أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال : ( من أكل ثوما أو بصلا فليعتزل مسجدنا ) وأن ~~النبي عليه الصلاة والسلام أتى بقدر فيه خضر فوجد لها ريحا ms1076 ، فسأل فأخبر ~~بما فيه من البقول ، فقال : ( قربوها إلى بعض من كان حاضرا ، وقال / له كل ~~فإني أناجي من لا تناجي ) أخرجاه في الصحيحين . الحادي عشر : في المساجد في ~~الدور ، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد في الدور ، وأن ينظف ويطيب ، أنس بن ~~مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه أصحابه إذ جاء ~~أعرابي فبال في المسجد ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه ~~، فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا تزرموه ) ، ثم دعاه فقال : ( إن هذه ~~المساجد لا تصلح لشيء من العذرة والبول والخلاء ، إنما هي لقراءة القرآن ~~وذكر الله والصلاة ) ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء ~~فصبوا عليه . # المسألة الثانية : اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد ، فجوزه أبو ~~حنيفة مطلقا ، وأباه مالك مطلقا ، وقال الشافعي رضي الله عنه : يمنع من ~~دخول الحرم والمسجد الحرام ، احتج الشافعي بوجوه . أولها : قوله تعالى : { ~~إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هاذا } ( التوبة : ~~28 ) قال الشافعي : قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى : { ~~سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام } ( الإسراء : 1 ) وإنما أسرى ~~به من بيت خديجة . فالآية دالة إما على المسجد فقط ، أو على الحرم كله ، ~~وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، لأن الخلاف حاصل فيهما جميعا ، فإن قيل : ~~المراد به الحج ولهذا قال : { بعد عامهم هاذا } لأن الحج إنما يفعل في ~~السنة مرة واحدة ، قلنا : هذا ضعيف لوجوه . أحدها : إنه ترك للظاهر من غير ~~موجب . الثاني : ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك ~~الوصف علة لذلك الحكم ، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام ~~نجاستهم ، وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام ~~. الثالث : أنه تعالى لو أراد الحج لذكر من البقاع ما يقع فيه معظم أركان ~~الحج وهو عرفة ms1077 . الرابع : الدليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط ~~قوله تعالى : { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } ( التوبة : 28 ) ~~فأراد به الدخول للتجارة . وثانيها : قوله تعالى : { أولئك ما كان لهم أن ~~يدخلوها إلا خائفين } وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المسجد ، وأنهم متى ~~دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلا ما قام عليه الدليل فإن قيل : هذه الآية ~~مخصوصة بمن خرب بيت المقدس ، أو بمن منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~العبادة في الكعبة ، وأيضا فقوله : { ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } ~~ليس المراد منه خوف الإخراج ، بل خوف الجزية والإخراج ، قلنا : الجواب عن ~~الأول : أن قوله تعالى : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } ظاهر في العموم ، ~~فتخصيصه ببعض الصور خلاف PageV04P016 الظاهر . وعن الثاني : أن الظاهر قوله ~~: { ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين } يقتضي أن يكون ذلك الخوف إنما حصل ~~من الدخول ، وعلى ما يقولونه لا يكون الخوف متولدا من الدخول بل من شيء آخر ~~، فسقط كلامهم . وثالثها : قوله تعالى : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله شهدين على أنفسهم بالكفر } ( التوبة : 17 ) وعمارتها تكون بوجهين . ~~أحدهما : بناؤها وإصلاحها . والثاني : حضورها ولزومها / كما تقول : فلان ~~يعمر / مسجد فلان أي يحضره ويلزمه وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا ~~رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ) ، وذلك لقوله تعالى : { ~~إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله واليوم الاخر } ( التوبة : 18 ) ، فجعل ~~حضور المساجد عمارة لها . ورابعها : أن الحرم واجب التعظيم لقوله عليه ~~الصلاة والسلام في الدعاء : ( اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة ) ~~فصونه عما يوجب تحقيره واجب وتمكين الكفار من الدخول فيه تعريض للبيت ~~للتحقير لأنهم لفساد اعتقادهم فيه ربما استخفوا به وأقدموا على تلويثه ~~وتنجيسه . وخامسها : أن الله تعالى أمر بتطهير البيت في قوله : { وطهر بيتى ~~للطائفين } ( الحج : 26 ) والمشرك نجس لقوله تعالى ؛ { إنما المشركون نجس } ~~( التوبة : 28 ) والتطهير على النجس واجب فيكون تبعيد الكفار عنه واجبا . ~~وسادسها : أجمعنا على أن الجنب يمنع ms1078 منه ، فالكافر بأن يمنع منه أولى إلا ~~أن هذا مقتضى مذهب مالك وهو أن يمنع عن كل المساجد واحتج أبو حنيفة رحمه ~~الله بأمور ، الأول : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قدم عليه وفد ~~يثرب فأنزلهم المسجد . الثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : ( من دخل دار ~~أبي سفيان فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن ) وهذا يقتضي إباحة الدخول . ~~الثالث : الكافر جاز له دخول سائر المساجد فكذلك المسجد الحرام كالمسلم ، ~~والجواب عن الحديثين الأولين : أنهما كانا في أول الإسلام ثم نسخ ذلك ~~بالآية ، وعن القياس أن المسجد الحرام أجل قدرا من سائر المساجد فظهر الفرق ~~والله أعلم . # ! 7 < { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع ~~عليم } > 7 ! # قوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله ~~واسع عليم } . # < < # | البقرة : ( 115 ) ولله المشرق والمغرب . . . . . # > > اعلم أن في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، الضابط أن الأكثرين ~~زعموا أنها إنما نزلت في أمر يختص بالصلاة ومنهم من زعم أنها إنما نزلت في ~~أمر لا يتعلق بالصلاة ، أما القول الأول فهو أقوى لوجهين ، أحدها : أنه هو ~~المروي عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة . وثانيهما : أن ظاهر قوله : ~~{ فأينما تولوا } يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة ، ولهذا لا يعقل من ~~قوله : { فولوا وجوهكم } ( البقرة : 144 ) إلا هذا المعنى إذا ثبت هذا ~~فنقول : القائلون بهذا القول اختلفوا على وجوه : # أحدها : أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى ~~الكعبة ، فبين تعالى أن PageV04P017 المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف ~~كلها مملوكة له سبحانه ومخلوقة له ، فأينما أمركم الله باستقباله فهو ~~القبلة ، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها ، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة ، ~~فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد وهو ~~واسع عليم بمصالحهم فكأنه تعالى ذكر ذلك بيانا لجواز نسخ القبلة من جانب ~~إلى جانب آخر ، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد تعالى من نسخ ms1079 القبلة . ~~وثانيها : أنه لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت الآية ~~/ ردا عليهم وهو قول ابن عباس وهو نظير قوله : { قل لله المشرق والمغرب ~~يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم } ( البقرة : 142 ) . وثالثها : قول أبي مسلم ~~وهو أن اليهود والنصارى كل واحد منهم قال : إن الجنة له لا لغيره ، فرد ~~الله عليهم بهذه الآية لأن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا ~~أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى ~~عليه السلام إنما ولد هناك على ما حكى الله ذلك في قوله تعالى : { واذكر فى ~~الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا } ( مريم : 16 ) فكل واحد من ~~هذين الفريقين وصف معبوده بالحلول في الأماكن ومن كان هكذا فهو مخلوق لا ~~خالق ، فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق . ورابعها : ~~قال بعضهم : إن الله تعالى نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه ~~الآية ، فكان للمسلمين أن يتوجهوا إلى حيث شاءوا في الصلاة إلا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يختار التوجه إلى بيت المقدس مع أنه كان له أن ~~يتوجه حيث شاء ، ثم أنه تعالى نسخ ذلك بتعيين الكعبة ، وهو قول قتادة وابن ~~زيد . وخامسها : أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة فإن له أن يستقبلها ~~من أي جهة شاء وأراد . وسادسها : ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : ~~كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف ~~القبلة فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ، ثم صلينا فلما ~~أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا الحديث يدل على أنهم كانوا قد نقلوا حينئذ ~~إلى الكعبة لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ قبلة بيت المقدس . وسابعها : ~~أن الآية نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث تتوجه به راحلته . وعن سعيد بن ~~جبير عن ms1080 ابن عمر أنه قال : إنما نزلت هذه الآية في الرجل يصلي إلى حيث ~~توجهت به راحلته في السفر . وكان عليه السلام إذا رجع من مكة صلى على ~~راحلته تطوعا يوميء برأسه نحو المدينة ، فمعنى الآية : { فأينما تولوا } ~~وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم : { فثم وجه الله } فقد صادفتم المطلوب : { إن ~~الله واسع } الفضل غني ، فمن سعة فضله وغناه رخص لكم في ذلك لأنه لو كلفكم ~~استقبال القبلة في مثل هذه الحال لزم أحد الضررين ، إما ترك النوافل ، وإما ~~النزول عن الراحلة والتخلف عن الرفقة بخلاف الفرائض ، فإنها صلوات معدودة ~~محصورة فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها واستقبال القبلة فيها لا يفضي ~~إلى الحرج بخلاف النوافل ، فإنها غير محصورة ، فتكليف الاستقبال يفضي إلى ~~الحرج . فإن قيل : فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب . قلنا : إن قوله : { ~~فأينما تولوا فثم وجه الله } مشعر بالتخيير والتخيير لا يثبت إلا في صورتين ~~. أحدهما : في التطوع على PageV04P018 الراحلة . وثانيهما : في السفر عند ~~تعذر الاجتهاد للظلمة أو لغيرها ، لأن في هذين الوجهين المصلي مخير فأما ~~على غير هذين الوجهين فلا تخيير وقول من يقول : إن الله تعالى خير المكلفين ~~في استقبال أي جهة شاءوا بهذه الآية ، وهم كانوا يختارون بيت المقدس لا ~~لأنه لازم ، بل لأنه أفضل وأولى بعيد لأنه لا خلاف أن لبيت المقدس قبل ~~التحويل إلى الكعبة اختصاصا في الشريعة ولو كان الأمر كما قالوا : لم يثبت ~~/ ذلك الاختصاص وأيضا فكان يجب أن يقال : إن بيت المقدس صار منسوخا بالكعبة ~~فهذه الدلالة تقتضي أن يكون حمل الآية على الوجه الثالث والرابع ، وأما ~~الذين حملوا الآية على الوجه الأول فلهم أن يقولوا : إن القبلة لما حولت ~~تكلم اليهود في صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاة المؤمنين إلى بيت ~~المقدس فبين تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صوابا في ذلك ~~الوقت والتوجه إلى الكعبة صواب في هذا الوقت ، وبين أنهم أينما يولوا من ~~هاتين القبلتين في المأذون فيه فثم وجه الله ، قالوا : وحمل الكلام على ms1081 هذا ~~الوجه أولى ، لأنه يعم كل مصل ، وإذا حمل على الأول لا يعم لأنه يصير ~~محمولا على التطوع دون الفرض ، وعلى السفر في حالة مخصوصة دون الحضر ، وإذا ~~أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه فهو أولى من التخصيص ، وأقصى ما في الباب ~~أن يقال : إن على هذا التأويل لا بد أيضا من ضرب تقييد وهو أن يقال : { ~~فأينما تولوا } من الجهات المأمور بها : { فثم وجه الله } إلا أن هذا ~~الإضمار لا بد منه على كل حال ، لأنه من المحال أن يقول تعالى : { فأينما ~~تولوا } بحسب ميل أنفسكم { فثم وجه الله } بل لا بد من الإضمار الذي ذكرناه ~~، وإذا كان كذلك فقد زالت طريقة التخيير ونظيره : إذا أقبل أحدنا على ولده ~~وقد أمره بأمور كثيرة مترتبة فقال له : كيف تصرفت فقد اتبعت رضائي ، فإنه ~~يحمل ذلك على ما أمره على الوجه الذي أمره من تضييق أو تخيير ، ولا يحمل ~~ذلك على التخيير المطلق فكذا ههنا . # القول الثاني : وهو قول من زعم أن هذه الآية نزلت في أمر سوى الصلاة فلهم ~~أيضا وجوه : أولها : أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر ~~فيها اسمي وسعوا في خرابها أولئك لهم كذا وكذا ، ثم أنهم أينما ولوا هاربين ~~عني وعن سلطاني فإن سلطاني يلحقهم ، وقدرتي تسبقهم وأنا عليم بهم ، لا يخفى ~~علي مكانهم وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها ، وقوله تعالى : { ~~إن الله واسع عليم } نظير قوله : { إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار * ~~السماوات والارض * فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان } ( الرحمن : 33 ) فعلى ~~هذا يكون المراد منه سعة العلم ، وهو نظير : { وهو معكم * أينما * كنتم } ( ~~الحديد : 4 ) وقوله : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ( المجادلة ~~: 7 ) وقوله : { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } ( غافر : 7 ) وقوله : { وسع ~~كل شىء علما } ( طه : 98 ) أي عم كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوه ~~عليه . وثانيها : قال قتادة : إن النبي عليه السلام قال : ( إن أخاكم ~~النجاشي قد مات فصلوا عليه ، قالوا ms1082 : نصلي على رجل ليس بمسلم ) فنزل قوله ~~تعالى : { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم * أنزل الله * ~~وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين ~~لله لا يشترون بئايات } ( آل عمران : 199 ) فقالوا : إنه كان يصلي إلى غير ~~القبلة ، أنزل الله تعالى : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ~~الله } ومعناها أن الجهات التي يصلي إليها أهل الملل من شرق وغرب وما ~~بينهما ، كلها لي فمن وجه وجهه نحو شيء منها بأمر يريدني ويبتغي طاعتي ~~وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على ~~استقبالهم المشرق وهو نحو قوله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( ~~البقرة : 143 ) . وثالثها : PageV04P019 / لما نزل قوله تعالى : { ادعونى ~~أستجب لكم } ( غافر : 60 ) قالوا : أين ندعوه فنزلت هذه الآية ، وهو قول ~~الحسن ومجاهد والضحاك . ورابعها : أنه خطاب للمسلمين ، أي لا يمنعكم تخريب ~~من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فلله المشرق والمغرب والجهات ~~كلها ، وهو قول علي بن عيسى . وخامسها : من الناس من يزعم أنها نزلت في ~~المجتهدين الوافين بشرائط الاجتهاد سواء كان في الصلاة أو في غيرها ، ~~والمراد منه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد فهو مصيب . # المسألة الثانية : إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة ~~أريد ، فالآية منسوخة وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس ~~إلى الكعبة فالآية ناسخة ، وإن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا ~~منسوخة . # المسألة الثالثة : اللام في قوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب } لام ~~الاختصاص أي هو خالقهما ومالكهما ، وهو كقوله : { رب المشرقين ورب المغربين ~~} ( الرحمن : 17 ) وقوله : { برب المشارق والمغارب * ورب المشارق * ~~والمغارب } ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات ، ~~كما قال : { ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) . # المسألة الرابعة : الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه ms1083 ~~، وبيانه من وجهين ، الأول : أنه تعالى قال : { ولله المشرق والمغرب } فبين ~~أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم ~~طولا وعرضا وعمقا ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم ، وكل منقسم فهو مؤلف مركب ، ~~وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق وموجد ، وهذه الدلالة عامة في الجهات ~~كلها ، أعني الفوق والتحت ، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها ، ~~والخالق متقدم على المخلوق لا محالة ، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم ~~منزها عن الجهات والأحياز ، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة ~~لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات . الوجه الثاني : أنه تعالى قال : { ~~فأينما تولوا فثم وجه الله } ولو كان الله تعالى جسما وله وجه جسماني لكان ~~وجهه مختصا بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله : { فأينما تولوا فثم ~~وجه الله } فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية ~~واحتج الخصم بالآية من وجهين ، الأول : أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله ~~تعالى والوجه لا يحصل إلا من كان جسما . الثاني : أنه تعالى وصف نفسه بكونه ~~واسعا ، والسعة من صفة الأجسام . والجواب عن الأول : أن الوجه وإن كان في ~~أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه ههنا على العضو ~~لكذب قوله تعالى : { فأينما تولوا فثم وجه الله } لأن الوجه لو كان محاذيا ~~للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذيا للمغرب أيضا ، فإذن لا بد فيه ~~من التأويل وهو من وجوه . الأول : أن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة ~~الله ، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف ، فقوله : { ~~فثم وجه الله } أي : فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له ~~بوجهيهما ، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها / فأي وجه ~~من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة . الثاني ~~: أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر : PageV04P020 # % استغفر الله ذنبا لست أحصيه % % رب العباد إليه ms1084 الوجه والعمل % # ونظيره قوله تعالى : { إنى وجهت وجهى للذى فطر * السماوات والارض } ( ~~الأنعام : 79 ) . الثالث : أن يكون المراد منه فثم مرضاة الله ، ونظيره ~~قوله تعالى : { إنما نطعمكم لوجه الله } ( الإنسان : 9 ) يعني لرضوان الله ~~، وقوله : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) يعني ما كان لرضا الله ~~، ووجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه ~~وقدامه ، فكذلك من يطلب مرضاة أحد فإنه لا يزال يقرب من مرضاته ، فلهذا سمي ~~طلب الرضا بطلب وجهه . الرابع : أن الوجه صلة كقوله : { كل شىء هالك إلا ~~وجهه } ويقول الناس هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئا آخر غيره ، إنما ~~يريدون به أنه من ههنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر ، واعلم أن هذا التفسير ~~صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى ، فإنه يقال لهذا القائل : فما معنى قوله ~~تعالى : { فثم وجه الله } مع أنه لا يجوز عليه المكان فلا بد من تأويله بأن ~~المراد : فثم قبلته التي يعبد بها ، أو ثم رحمته ونعمته وطريق ثوابه ~~والتماس مرضاته . والجواب عن الثاني : وهو أنه وصف نفسه بكونه واسعا فلا شك ~~أنه لا يمكن حمله على ظاهره وإلا لكان متجزئا متبعضا فيفتقر إلى الخالق ، ~~بل لا بد وأن يحمل على السعة في القدرة والملك ، أو على أنه واسع العطاء ~~والرحمة ، أو على أنه واسع الإنعام ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى ~~رضوانه ، ولعل هذا الوجه بالكلام أليق ، ولا يجوز حمله على السعة في العلم ~~، وإلا لكان ذكر العليم بعده تكرارا ، فأما قوله : { عليم } في هذا الموضع ~~فكالتهديد ليكون المصلي على حذر من التفريط من حيث يتصور أنه تعالى يعلم ما ~~يخفي وما يعلن ، وما يخفي على الله من شيء ، فيكون متحذرا عن التساهل ، ~~ويحتمل أن يكون قوله تعالى : { واسع عليم } أنه تعالى واسع القدرة في توفية ~~ثواب من يقوم بالصلاة على شرطها ، وتوفية عقاب من يتكاسل عنها . # المسألة الخامسة : ولى إذا أقبل ، وولى إذا أدبر ، وهو من الأضداد ومعناه ~~ههنا الإقبال ، وقرأ ms1085 الحسن : { فأينما تولوا } بفتح التاء من التولي ، يريد ~~فأينما توجهوا القبلة . # ! 7 < { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والا رض كل ~~له قانتون * بديع السماوات والا رض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ~~> 7 @QB@ < # | البقرة : ( 116 - 117 ) وقالوا اتخذ الله . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركين ، ~~واعلم أن الظاهر قوله تعالى : { وقالوا اتخذ الله ولدا } أن يكون راجعا إلى ~~قوله : { ومن أظلم ممن منع مساجد الله } ( البقرة : 114 ) وقد ذكرنا أن ~~منهم من تأوله على النصارى ، ومنهم من تأوله على مشركي العرب ، ونحن قد ~~تأولناه على اليهود وكل هؤلاء أثبتوا الولد لله تعالى ، لأن اليهود قالوا : ~~عزيز ابن الله ، والنصارى قالوا : المسيح ابن الله ، ومشركو العرب قالوا : ~~الملائكة بنات الله فلا جرم صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات ، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : أنها نزلت PageV04P021 في كعب بن الأشرف ، وكعب بن ~~أسد ، ووهب بن يهودا فإنهم جعلوا عزيزا ابن الله ، أما قوله تعالى : { ~~سبحانه } فهو كلمة تنزيه ينزه بها نفسه عما قالوه ، كما قال تعالى في موضع ~~آخر : { سبحانه أن يكون له ولد } ( النساء : 171 ) فمرة أظهره ، ومرة اقتصر ~~عليه لدلالة الكلام عليه ، واحتج على هذا التنزيه بقوله : { بل له ما في * ~~السماوات والارض } ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه . الأول : ~~أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته محدث ، وكل محدث ~~فهو مخلوق لواجب الوجود ، والمخلوق لا يكون ولدا ، أما بيان أن ما سوى ~~الموجود الواجب ممكن لذاته ، فلأنه لو وجد موجودان واجبان لذاتهما لاشتركا ~~في وجوب الوجود ، ولامتاز كل واحد منهما عن الآخر بما به التعين ، وما به ~~المشاركة ، غير ما به الممايزة ، ويلزم تركب كل واحد منهما من قيدين ، وكل ~~مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه من غيره ، فكل ~~مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فكل واحد ms1086 ~~من الموجودين الواجبين لذاتهما ممكن لذاته ، هذا خلف ، ثم نقول : إن كان كل ~~واحد من ذينك الجزءين واجبا عاد التقسيم المذكور فيه ، ويقضي إلى كونه ~~مركبا من أجزاء غير متناهية ، وذلك محال ، ومع تسليم أنه غير محال فالمقصود ~~حاصل ، لأن كل كثرة فلا بد فيها من الواحد ، فتلك الآحاد إن كانت واجبة ~~لذواتها كانت مركبة على ما ثبت ، فالبسيط مركب هذا خلف ، وإن كانت ممكنة ~~كان المركب المفتقر إليها أولى بالإمكان ، فثبت بهذا البرهان أن كل ما عدا ~~الموجود الواجب ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر ، وتأثير ~~ذلك المؤثر فيه إما أن يكون حال عدمه أو حال وجوده ، فإن كان الأول فذلك ~~الممكن محدث ، وإن كان الثاني فاحتياج ذلك الموجود إلى المؤثر ، إما أن ~~يكون حال بقائه أو حال حدوثه ، والأول محال لأنه يقتضي إيجاد الوجود فتعين ~~الثاني وذلك يقتضي كون ذلك الممكن محدثا فثبت أن كل ما سوى الله محدث مسبوق ~~بالعدم وأن وجوده إنما حصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه ، فثبت أن كل ~~ما سواه فهو عبده وملكه فيستحل أن يكون شيء مما سواه ولدا له ، وهذا ~~البرهان إنما استفدناه من قوله : { بل له ما في * السماوات والارض } أي له ~~كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع . والثاني : أن هذا ~~الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديما أزليا أو محدثا ، فإن كان ~~أزليا لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولدا والآخر والدا أولى من العكس ، فيكون ~~ذلك الحكم حكما مجردا من غير دليل / وإن كان الولد حادثا كان مخلوقا لذلك ~~القديم وعبدا له فلا يكون ولدا له . والثالث : أن الولد لا بد وأن يكون من ~~جنس الوالد ، فلو فرضنا له ولدا لكان مشاركا له من بعض الوجوه ، وممتازا ~~عنه من وجه آخر ، وذلك يقتضي كون كل واحد منهما مركبا ومحدثا وذلك محال ، ~~فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة . الرابع : أن الولد إنما يتخذ ~~للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب ms1087 عن أمور نفسه ، ~~فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة ، ~~فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه سبحانه وتعالى محالا ، واعلم ~~أنه تعالى حكى في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم ، ~~واحتج عليهم بهذه الحجة وهي أن كل من في السموات والأرض عبد له ، وبأنه إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ، وقال في مريم : { ذالك عيسى ابن مريم ~~قول الحق الذى فيه يمترون * ما PageV04P022 كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه ~~إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ( مريم : 34 ، 35 ) وقال أيضا في ~~آخر هذه السورة : { وقالوا اتخذ الرحمان ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد * ~~السماوات * يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمان ولدا ~~* وما ينبغى للرحمان أن يتخذ ولدا * إن كل من فى * السماوات والارض * إلا ~~اتى الرحمان عبدا } ( مريم : 88 93 ) فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى ~~استدل في هذه الآية بكونه مالكا لما في السموات والأرض ، وفي سورة مريم ~~بكونه مالكا لمن في السموات والأرض على ما قال : { إن كل من فى * السماوات ~~والارض * إلا اتى الرحمان عبدا } قلنا : قوله تعالى في هذه السورة : { بل ~~له ما في * السماوات والارض } أتم ، لأن كلمة ( ما ) تتناول جميع الأشياء ، ~~وأما قوله تعالى : { كل له قانتون } ( الروم : 26 ) ففيه مسائل : # المسألة الأولى : القنوت : أصله الدوام ، ثم يستعمل على أربعة أوجه : ~~الطاعة ، كقوله تعالى : { العالمين يامريم اقنتى لربك } ( آل عمران : 43 ) ~~وطول القيام ، كقوله عليه السلام لما سئل : أي الصلاة أفضل ؟ قال : ( طول ~~القنوت ) وبمعنى السكوت ، كما قال زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة حتى ~~نزل قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } ( البقرة : 238 ) فأمسكنا عن ~~الكلام ، ويكون بمعنى الدوام ، إذا عرفت هذا فنقول : قال بعض المفسرين : { ~~كل له قانتون } أي كل ما في السموات والأرض قانتون مطيعون ، والتنوين في كل ~~عوض عن المضاف إليه وهو قول مجاهد وابن عباس ، فقيل لهؤلاء ms1088 الكفار : ليسوا ~~مطيعين ، فعند هذا قال آخرون : المعنى أنهم يطيعون يوم القيامة ، وهو قول ~~السدي ، فقيل لهؤلاء : هذه صفة المكلفين ، وقوله : { له ما في السماوات } ~~يتناول من لا يكون مكلفا فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر . الأول : بكونها ~~شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصنعة وأمارات الحدوث ~~والدلالة على الربوبية . الثاني : كون جميعها في ملكه وقهره يتصرف فيها كيف ~~يشاء ، وهو قول أبي مسلم ، وعلى هذين الوجهين الآية عامة . الثالث : أراد ~~به الملائكة وعزيزا والمسيح ، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد ~~أنهم قانتون له ، يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى : لولا تمرد ~~عيسى عن عبادة الله لصرت على دينه ، فقال النصراني : كيف يجوز أن ينسب ذلك ~~إلى / عيسى مع جده في طاعة الله ، فقال علي رضي الله عنه : فإن كان عيسى ~~إلها فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة / فانقطع ~~النصراني . # المسألة الثانية : لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى ~~الآية أن دوام الممكنات وبقاءها به سبحانه ولأجله وهذا يقتضي أن العالم حال ~~بقائه واستمراره محتاج إليه سبحانه وتعالى ، فثبت أن الممكن يقتضي أن لا ~~تنقطع حاجته عن المؤثر لا حال حدوثه ولا حال بقائه . # المسألة الثالثة : يقال كيف جاء بما الذي لغير أولى العلم مع قوله : { ~~قانتون } جوابه : كأنه جاء بما دون من تحقيرا لشأنهم . # أما قوله تعالى : { بديع * السماوات والارض } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : البديع والمبدع بمعنى واحد . قال القفال : وهو مثل أليم ~~بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم ، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل ~~على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ~~ذلك بمنزلة : سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع ، والإبداع الإنشاء ~~ونقيض PageV04P023 الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمون ~~من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعا . # المسألة الثانية : اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول ، لأنه ms1089 تعالى قال : ~~{ بل له ما في * السماوات والارض } فبين بذلك كونه مالكا لما في السموات ~~والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضا للسموات والأرض ، ثم أنه تعالى بين أنه ~~كيف يبدع الشيء فقال : { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال بعض الأدباء : القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا ~~جمع على أقضية كغطاء وأغطية ، وفي معناه القضية ، وجمعها القضايا ووزنه ~~فعال من تركيب ( ق ض ى ) وأصله ( قضاي ) إلا أن الياء لما وقعت طرفا بعد ~~الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفا ، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة ~~لامتناع التقاء الألفين لفظا ، ومن نظائره المضاء والأتاء ، من مضيت وأتيت ~~والسقاء والشفاء ، من سقيت وشفيت ، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ~~ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول : قضيت وقضينا ، وقضيت إلى قضيتن ، ~~وقضيا وقضين ، وهما يقضيان ، وهي وأنت تقضي ، والمرأتان وأنتما تقضيان ، ~~وهن يقضين ، وأما أنت تقضين ، فالياء فيه ضمير المخاطبة ، وأما معناه ~~فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع ، من ذلك قولهم ؛ قضى القاضي ~~لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم ، لأنه فصل للدعوى ، ولهذا قيل : حاكم ~~فيصل إذا كان قاطعا للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا : ~~القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها ، وقولهم انقضى الشيء إذا تم وانقطع ~~، وقولهم : قضى حاجته ، معناه قطعها عن المحتاج ودفعها عنه وقضى دينه إذا ~~أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه ~~، / وقولهم : قضى الأمر ، إذا أتمه وأحكمه ، ومنه قوله تعالى : { فقضاهن ~~سبع * سماوات } ( فصلت : 12 ) وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعا له ~~وفراغا منه ، ومنه : درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها ، وأما قولهم ~~؛ قضى المريض وقضى نحبه إذا مات ، وقضى عليه : قتله فمجاز مما ذكر والجامع ~~بينهما ظاهر ، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب ، ومما يعضد ذلك دلالة ~~ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق ، أما الأول ms1090 ~~فيقال : قاضه فانقاض ، أي شقه فانشق ، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره ~~الأعلى ، وانقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم ، والقطع والشق والفلق والهدم ~~متقاربة ، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة ، وذلك أن ~~الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس ، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب ~~يدل أيضا على معنى القطع ، فأولها : قضيه إذا قطعه ، ومنه القضبة المرطبة / ~~لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر ، والقضيب : الغصن ، فعيل بمعنى مفعول ، ~~والمقضب ما يقضب به كالمنجل . وثانيها ؛ القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان ، ~~لأن فيه قطعا للمأكول ، وسيف قضيم : في طرفه تكسر وتفلل . وثالثها : القضف ~~وهو الدقة ، يقال رجل قضيف ، أي : نحيف ، لأن القلة من مسببات القطع . ~~ورابعها : القضأة فعلة وهي الفساد ، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي ~~حسبه قضأة أي عيب ، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في ~~مفهومه الأصلي بحسب اللغة . # المسألة الثانية : في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا : أنه يستعمل على ~~وجوه . أحدها : بمعنى الخلق ، قوله تعالى : { فقضاهن سبع * سماوات } يعني ~~خلقهن . وثانيها : بمعنى الأمر قال تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~} ( الإسراء : 23 ) . وثالثها : بمعنى الحكم ، ولهذا يقال للحاكم : القاضي ~~. PageV04P024 ورابعا : بمعنى الإخبار ، قال تعالى : { وقضينا إلى بنى ~~إسراءيل فى الكتاب } ( الإسراء : 4 ) أي أخبرناهم ، وهذا يأتي مقرونا بإلى ~~. وخامسها : أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى : { فلما قضى ولوا ~~إلى قومهم منذرين } ( الأحقاف : 29 ) يعني لما فرغ من ذلك ، وقال تعالى : { ~~وقضى الامر واستوت على الجودى } ( هود : 44 ) يعني فرغ من إهلاك الكفار ~~وقال : { ليقضوا تفثهم } ( الحج : 29 ) بمعنى ليفرغوا منه ، إذا عرفت هذا ~~فنقول : قوله : { إذا قضى أمرا } ( آل عمران : 47 ) قيل : إذا خلق شيئا ، ~~وقيل : حكم بأنه يفعل شيئا ، وقيل : أحكم أمرا ، قال الشاعر : # % وعليهما مسرودتان قضاهما % % داود أو صنع السوابغ تبع % # المسألة الثالثة : اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ، وهل ~~هو حقيقة في الفعل والشأن الحق ms1091 ؟ نعم وهو المراد بالأمر ههنا ، وبسط القول ~~فيه مذكور في أصول الفقه . # المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : { كن فيكون } ( آل عمران : 47 ) بالنصب ~~في كل القرآن إلا في موضعين : في أول آل عمران : { كن فيكون * الحق } ( آل ~~عمران : 59 ، 60 ) وفي الأنعام : { كن فيكون قوله الحق } ( الأنعام : 73 ) ~~فإنه رفعهما ، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن ، ~~والباقون بالرفع في كل القرآن ، أما النصب فعلى جواب الأمر ، وقيل هو بعيد ~~، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون . # / المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى : { فإنما يقول ~~له كن فيكون } ( آل عمران : 47 ) هو أنه تعالى يقول له : { كن } فحينئذ ~~يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه . الأول : أن قوله : { ~~كن فيكون } إما أن يكون قديما أو محدثا والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف ~~حدوث الأشياء على { كن } إنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قديما لوجوه . ~~الأول : أن كلمة { كن } لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على ~~النون ، فالنون لكونه مسبوقا بالكاف لا بد وأن يكون محدثا ، والكاف لكونه ~~متقدما على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثا . الثاني : أن كلمة { إذا ~~} لا تدخل إلا على سبيل الإستقبال ، فذلك القضاء لا بد وأن يكون محدثا لأنه ~~دخل عليه حرف { إذا } وقوله { كن } مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه ~~تعالى قال : { فإنما يقول له كن } والمتأخر عن المحدث محدث ، فاستحال أن ~~يكون : { كن } قديما . الثالث : أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله : { ~~كن } بفاء التعقيب فيكون قوله : { كن } مقدما على تكون المخلوق بزمان واحد ~~والمتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثا فقوله : { كن } لا ~~يجوز أن يكون قديما ، ولا جائز أيضا أن يكون قوله : { كن } محدثا لأنه لو ~~افتقر كل محدث إلى قوله : { كن } وقوله : { كن } أيضا محدث فيلزم افتقار : ~~{ كن } آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان ، فثبت بهذا الدليل ~~أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله ms1092 : { كن } . # الحجة الثانية : أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود ~~أو حال دخوله في الوجود ، والأول : باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه ، ~~والثاني : أيضا باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير ~~موجودا وذلك أيضا لا فائدة فيه . # الحجة الثالثة : أن المخلوق قد يكون جمادا ، وتكليف الجماد عبث ولا يليق ~~بالحكيم . # الحجة الرابعة : أن القادر هوالذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات ، ~~فإذا فرضنا القادر المريد PageV04P025 منفكا عن قوله : { كن } فإما أن ~~يتمكن من الإيجاد والأحداث أو لا يتمكن ، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفا ~~على قوله : { كن } وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادرا على ~~الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن وذلك ~~نزاع في اللفظ . # الحجة الخامسة : أن { كن } لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا ~~بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير ، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك ~~علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة . # الحجة السادسة : أن { كن } كلمة مركبة من الكاف والنون ، بشرط كون الكاف ~~متقدما على النون ، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما ، ~~فإن كان الأول لم يكن لكلمة { كن } أثر البتة ، بل التأثير لأحد هذين ~~الحرفين ، وإن كان الثاني فهو محال ، لأنه لا وجود لهذا المجموع البتة لأنه ~~حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلا ، وحين جاء الثاني فقد فات الأول ~~، وإن لم يكن للمجموع وجود البتة استحال أن يكون للمجموع أثر البتة . # / الحجة السابعة : قوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه ~~من تراب ثم قال له كن فيكون } ( آل عمران : 59 ) بين أن قوله : { كن } ~~متأخر عن خلقه إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثرا في المتقدم عليه ، فعلمنا ~~أنه لا تأثير لقوله : { كن } في وجود الشيء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا ~~المذهب ، وإذا ثبت هذا فنقول لا بد من التأويل وهو من وجوه : # الأول : وهو ms1093 الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في ~~تكوين الأشياء ، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره ~~قوله تعالى عند وصف خلق السموات والأرض : { فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) من غير قول كان منهما لكن على سبل ~~سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره قول العرب : قال ~~الجدار للوتد لم تشقني ؟ قال : سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي ~~ونظيره قوله تعالى : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولاكن لا تفقهون تسبيحهم ~~} ( الإسراء : 44 ) . الثاني : أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة إذا ~~سمعوها علموا أنه أحدث أمرا يحكى ذلك عن أبي الهذيل . الثالث : أنه خاص ~~بالموجودين الذين قال لهم ؛ { كونوا قردة خاسئين } ( البقرة : 65 ) ومن جرى ~~مجراهم وهو قول الأصم . الرابع : أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة ~~والكل ضعيف والقوي هو الأول . # ! 7 < { وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ ءاية كذالك قال ~~الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون } > 7 ~~! # < < # | البقرة : ( 118 ) وقال الذين لا . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الحادي عشر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين ~~، ففيه مسائل : PageV04P026 # المسألة الأولى : أن الله تعالى لما حكى عن اليهود والنصارى والمشركين ما ~~يقدح في التوحيد وهو أنه تعالى اتخذ الولد ، حكى الآن عنهم ما يقدح في ~~النبوة ، وقال أكثر المفسرين ؛ هؤلاء هم مشركو العرب والدليل عليه قوله ~~تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : ~~90 ) وقالوا : { بل قالوا أضغاث أحلام بل } ( الأنبياء : 5 ) ، وقالوا { ~~لولا أنزل علينا الملئكة أو نرى ربنا } ( الفرقان : 21 ) هذا قول أكثر ~~المفسرين ، إلا أنه ثبت أن أهل الكتاب سألوا ذلك ، والدليل عليه قوله تعالى ~~: { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر ~~من ذالك } ( النساء : 153 ) فإن قيل : الدليل على أن المراد مشركو العرب ~~أنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون ، وأهل ms1094 الكتاب أهل العلم ، قلنا : المراد ~~أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي ، وأهل الكتاب كانوا كذلك . # المسألة الثانية : تقرير هذه الشبهة التي تمسكوا بها أن الحكيم إذا أراد ~~تحصيل شيء فلا بد / وأن يختار أقرب الطرق المفضية إليه وأبعدها عن الشكوك ~~والشبهات ، إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى يكلم الملائكة وكلم موسى ~~وأنت تقول : يا محمد ، إنه كلمك والدليل عليه قوله تعالى : { فأوحى إلى ~~عبده ما أوحى } ( النجم : 10 ) فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى ~~يتأكد الإعتقاد وتزول الشبهة وأيضا فإن كان تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك ~~بآية ومعجزة وهذا منهم طعن في كون القرآن آية ومعجزة ، لأنهم لو أقروا ~~بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا : هلا يأتينا بآية ثم أنه تعالى أجاب عن هذه ~~الشبهة بقوله : { كذالك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد ~~بينا الآيات لقوم يوقنون } ، وحاصل هذا الجواب أنا قد أيدنا قول محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالمعجزات ، وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر ~~المعجزات ، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب ~~إجابتها لوجوه . الأول : أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة فقد تمكن المكلف من ~~الوصول إلى المطلوب ، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة ، فحيث لم ~~يكتف بها وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك للطلب من باب العناد واللجاج ، ~~فلم تكن إجابتها واجبة ونظيره قوله تعالى : { وقالوا لو * ويقول الذين ~~كفروا لولا أنزل عليه * إنما الايات عند الله وإنما أنا نذير مبين * أو لم ~~* يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ( العنكبوت : 50 ، 51 ) ~~فبكتهم بما في القرآن من الدلالة الشافية . وثانيها : لو كان في معلوم الله ~~تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها ، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ~~ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجا فلا جرم لم يفعل ذلك ولذلك قال تعالى : { ~~ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } ( الأنفال ~~: 23 ) . وثالثها : إنما حصل في تلك ms1095 الآيات أنواع من المفساد وربما أوجب ~~حصولها هلاكهم واستئصالهم إن استمروا بعد ذلك على التكذيب وربما كان بعضها ~~منتهيا إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف ، وربما كانت كثرتها وتعاقبها يقدح ~~في كونها معجزة ، لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة ، فحينئذ ~~يخرج عن كونه معجزا وكل ذلك أمور لا يعلمها إلا الله علام الغيوب فثبت أن ~~عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة . # أما قوله تعالى : { تشابهت قلوبهم } فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه ~~أقوالهم وأفعالهم ، فكما أن قوم موسى كانوا أبدا في التعنت واقتراح ~~الأباطيل ، كقولهم : { لن نصبر على طعام واحد } ( البقرة : 61 ) وقولهم : { ~~اجعل لنا إلاها كما لهم ءالهة } ( الأعراف : 138 ) وقوله : { أتتخذنا هزوا ~~} ( البقرة : 67 ) وقولهم : { أرنا الله جهرة } PageV04P027 ( النساء : 153 ~~) فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبدا في العناد واللجاج وطلب الباطل . # أما قوله تعالى : { قد بينا الآيات لقوم يوقنون } فالمراد أن القرآن ~~وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة وكلام الذئب ، وإشباع الخلق الكثير من ~~الطعام القليل ، آيات قاهرة ، ومعجزات باهرة لمن كان طالبا لليقين . # ! 7 < { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } > 7 ~~! # < < # | البقرة : ( 119 ) إنا أرسلناك بالحق . . . . . # > > اعلم أن القوم لما أصروا على العناد واللجاج الباطل واقترحوا ~~المعجزات على سبيل التعنت بين الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا ~~مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة وكما بين ذلك بين أنه لا ~~مزيد على ما فعله الرسول في باب الإبلاغ والتنبيه لكي لايكثر غمه بسبب ~~إصرارهم على كفرهم وفي قوله : { بالحق } وجوه . أحدها : أنه متعلق بالإرسال ~~، أي أرسلناك إرسالا بالحق . وثانيها : أنه متعلق بالبشير والنذير أي أنت ~~مبشر بالحق ومنذر به . وثالثها : أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن ، ~~أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيرا لمن أطاع الله بالثواب ونذيرا لمن كفر ~~بالعقاب ، والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول صلى الله عليه وسلم ~~فكأنه تعالى قال : إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشرا لمن اتبعك واهتدى ~~بدينك ومنذرا ms1096 لمن كفر بك وضل عن دينك . # أما قوله تعالى : { ولا تسئل عن أصحاب الجحيم } ففيه قراءتان : # الجمهور برفع التاء واللام على الخبر ، وأما نافع فبالجزم وفتح التاء على ~~النهي . # أما على القراءة الأولى ففي التأويل وجوه . أحدها : أن مصيرهم إلى الجحيم ~~فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عن ذلك وهو كقوله : { فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب } ( الرعد : 40 ) ، وقوله : { عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } ~~( النور : 54 ) . والثاني : أنك هاد وليس لك من الأمر شيء ، فلا تأسف ولا ~~تغتم لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ونظيره قوله : { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ~~} ( فاطر : 8 ) . الثالث : لا تنظر إلى المطيع والعاصي في الوقت ، فإن ~~الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه ، وفي الآية دلالة على أن أحدا لا ~~يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريبا أو كان بعيدا . # أما القراءة الثانية ففيها وجهان ، الأول : روي أنه قال : ليت شعري ما ~~فعل أبواي ؟ فنهي عن السؤال عن الكفرة وهذه الرواية بعيدة لأنه عليه الصلاة ~~والسلام كان عالما بكفرهم ، وكان عالما بأن الكافر معذب ، فمع PageV04P028 ~~هذا العلم كيف يمكن أن يقول : ليت شعري ما فعل أبواي . والثاني : معنى هذا ~~النهي تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب ، كما إذا سألت عن إنسان واقع في ~~بلية فيقال لك : لا تسأل عنه ، ووجه التعظيم أن المسؤول يجزع أن يجري على ~~لسانه ما هو فيه لفظاعته فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره ، أو أنت مستخبر لا ~~تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره ، فلا تسأل ، والقراءة الأولى ~~يعضدها قراءة أبي : ( وما تسأل ) وقراءة عبد الله ( ولن تسأل ) . # ! 7 < { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله ~~هو الهدى ولئن اتبعت أهوآءهم بعد الذي جآءك من العلم ما لك من الله من ولي ~~ولا نصير } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 120 - 121 ) ولن ترضى عنك . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية وبين أن العلة قد انزاحت ~~من قبله ms1097 لا من قبلهم وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن ~~القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم وثباتهم على كفرهم أنهم يريدون مع ذلك ~~أن يتبع ملتهم ولا يرضون منه بالكتاب ، بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم ~~عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول وشرح ما يوجب اليأس من موافقتهم والملة ~~هي الدين ثم قال : { قل إن هدى الله هو الهدى } بمعنى أن هدى الله هو الذي ~~يهدي إلى الإسلام وهو الهدي الحق والذي يصلح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس ~~وراءه هدى ، وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى ، ألا ترى إلى ~~قوله : { ولئن * واتبعوا أهواءهم } أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع ، { بعد ~~الذي جاءك من العلم } أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة . { ما لك ~~من الله من ولي ولا نصير } أي معين يعصمك ويذب عنك ، بل الله يعصمك من ~~الناس إذا أقمت على الطاعة والاعتصام بحبله قالوا : الآية تدل على أمور ~~منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ~~، فإن في هذه الصورة علم الله أنه لا يتبع أهواءهم ومع ذلك فقد توعده عليه ~~ونظيره قوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) وإنما حسن هذا ~~الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هذا الوعيد أحد ~~صوارفه . وثانيها : أن قوله : { بعد الذي جاءك من العلم } يدل على أنه لا ~~يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة وإذا صح ذلك فبأن لا يجوز الوعيد إلا بعد ~~القدرة أولى فبطل به قول من يجوز تكليف ما لا يطاق . وثالثها : فيها دلالة ~~على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلا ، فمن هذا الوجه يدل على بطلان ~~التقليد . ورابعها : فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير ~~الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعا ونصيرا لكان الرسول أحق بذلك وهذا ~~ضعيف ، لأن اتباع أهوائهم PageV04P029 كفر ، وعندنا لا شفاعة ms1098 في الكفر . # ! 7 < { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولائك يؤمنون به ومن ~~يكفر به فأولائك هم الخاسرون } > 7 ! # شا المسألة الأولى : { الذين } موضعه رفع بالابتداء . و { أولائك } ~~ابتداء ثان و { يؤمنون به } خبره . # المسألة الثانية : المراد بقوله : { الذين ءاتيناهم الكتاب } من هم فيه ~~قولان : # القول الأول : أنهم المؤمنون الذين آتاهم الله القرآن واحتجوا عليه من ~~وجوه . أحدها : أن قوله : { يتلونه حق تلاوته } حث وترغيب في تلاوة هذا ~~الكتاب ، ومدح على تلك التلاوة ، والكتاب الذي هذا شأنه هو القرآن لا ~~التوراة والإنجيل ، فإن قراءتهما غير جائزة . وثانيها : أن قوله تعالى : { ~~أولئك يؤمنون به } يدل على أن الإيمان مقصود عليهم ، ولو كان المراد أهل ~~الكتاب لما كان كذلك . وثالثها : قوله : { ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ~~} والكتاب الذي يليق به هذا الوصف هو القرآن . # القول الثاني : أن المراد بالذين آتاهم الكتاب ، هم الذين آمنوا بالرسول ~~من اليهود ، والدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم ~~طريقتهم وحكى عنهم سوء أفعالهم ، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم ، بل تأمل ~~التوراة وترك تحريفها وعرف منها صحة نبوة محمد عليه السلام . # أما قوله تعالى : { يتلونه حق تلاوته } فالتلاوة لها معنيان . أحدهما : ~~القراءة . الثاني : الإتباع فعلا ، لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلا ، قال ~~الله تعالى : { والقمر إذا تلاها } ( الشمس : 2 ) فالظاهر أنه يقع عليهما ~~جميعا ، ويصح فيهما جميعا المبالغة لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الاتباع ~~فلا يخل بشيء منه ، وكذلك التالي يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه ، ~~والذين تأولوه على القراءة هم الذين اختلفوا على وجوه . فأولها : أنهم ~~تدبروه فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما . وثانيها ~~: أنهم خضعوا عند تلاوته ، وخشعوا إذا قرأوا القرآن في صلاتهم وخلواتهم . ~~وثالثها : أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه ، وتوقفوا فيما أشكل عليهم ~~منه وفوضوه إلى الله سبحانه . ورابعها : يقرؤنه كما أنزل الله ، ولا يحرفون ~~الكلم عن مواضعه ، ولا يتأولونه على غير الحق . وخامسها : أن تحمل الآية ~~على كل هذه الوجوه ms1099 لأنها مشتركة في مفهوم واحد ، وهو تعظيمها ، والانقياد ~~لها لفظا ومعنى ، فوجب حمل اللفظ على هذا القدر المشترك تكثيرا لفوائد كلام ~~الله تعالى والله أعلم . # PageV04P030 ! 7 < { يابنىإسراءيل اذكروا نعمتى التىأنعمت عليكم وأنى ~~فضلتكم على العالمين * واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها ~~عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون * 7 @QB@ < # | البقرة : ( 122 - 123 ) يا بني إسرائيل . . . . . # > > # قد تقدم تفسيرهما في الآيتين المتقدمتين { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدي الظالمين ~~} > < < # | البقرة : ( 124 ) وإذ ابتلى إبراهيم . . . . . # > > # اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم ~~في شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله : ~~{ خالدون يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي } إلى قوله : { ولا هم ينصرون } شرع ~~سبحانه ههنا في نوع آخر من البيان وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ~~وكيفية أحواله ، والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام شخص يعترف بفضله جميع ~~الطوائف والملل ، فالمشركين كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ~~ومن ساكني حرمه وخادمي بيته . وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضا ~~مقرين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ، فحكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم ~~عليه السلام أمورا توجب على المشركين وعلى اليهود والنصارى قبول قول محمد ~~صلى الله عليه وسلم والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه ، وبيانه من وجوه : # أحدها : أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف فلما وفى بها وخرج عن عهدتها ~~لا جرم نال النبوة والإمامة وهذا مما ينبه اليهود والنصارى والمشركين على ~~أن الخير لا يحصل في الدنيا والآخرة إلا بترك التمرد والعناد والانقياد ~~لحكم الله تعالى وتكاليفه . وثانيها : أنه تعالى حكى عنه أنه طلب الإمامة ~~لأولاده فقال الله تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين } فدل ذلك على أن منصب ~~الإمامة والرياسة في الدين لا يصل إلى الظالمين ، فهؤلاء متى أرادوا وجدان ~~هذا المنصب وجب عليهم ترك اللجاج والتعصب للباطل . وثالثها : أن الحج من ~~خصائص دين ms1100 محمد صلى الله عليه وسلم ، فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ~~ذلك كالحجة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك . ورابعها : أن ~~القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود والنصارى ، فبين الله تعالى ~~أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه ووجوب الاقتداء به فكان ~~ذلك مما يوجب زوال ذلك الغضب عن قلوبهم . وخامسها : أن من المفسرين من فسر ~~الكلمات التي ابتلى الله تعالى إبراهيم بها بأمور يرجع حاصلها إلى تنظيف ~~البدن وذلك مما يوجب على المشركين اختيار هذه الطريقة لأنهم كانوا معترفين ~~بفضل إبراهيم عليه السلام ويوجب عليهم ترك ما كانوا عليه من التلطخ بالدماء ~~وترك النظافة ومن المفسرين من فسر تلك الكلمات بما أن إبراهيم عليه السلام ~~صبر على ما ابتلى به في دين الله تعالى / وهو النظر في الكواكب والقمر ~~والشمس ومناظرة عبدة الأوثان ، ثم الانقياد لأحكام الله تعالى في ذبح الولد ~~والإلقاء في النار ، وهذا يوجب على هؤلاء اليهود والنصارى والمشركين الذين ~~يعترفون بفضله أن يتشبهوا به في ذلك ويسلكوا طريقته في PageV04P031 ترك ~~الحسد والحمية وكراهة الانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فهذه الوجوه ~~التي لأجلها ذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام . # واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أمورا يرجع بعضها إلى الأمور ~~الشاقة التي كلفه بها ، وبعضها يرجع إلى التشريفات العظيمة التي خصه الله ~~بها ، ونحن نأتي على تفسيرها إن شاء الله تعالى ، وهذه الآية دالة على ~~تكليف حصل بعده تشريف . # أما التكليف فقوله تعالى : { وإذا * ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : العامل في { إذا } إما مضمر نحو : ~~واذكر إذ ابتلى إبراهيم أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت وإما { قال إنى جاعلك } ~~. # المسألة الثانية : أنه تعالى وصف تكليفه إياه ببلوى توسعا لأن مثل هذا ~~يكون منا على جهة البلوى والتجربة والمحنة من حيث لا يعرف ما يكون ممن ~~يأمره ، فلما كثر ذلك في العرف بيننا جاز أن يصف الله تعالى أمره ونهيه ~~بذلك ms1101 مجازا لأنه تعالى لا يجوز عليه الاختبار والامتحان لأنه تعالى عالم ~~بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد ، ~~وقال هشام بن الحكم : إنه كان في الأزل عالما بحقائق الأشياء وماهياتها فقط ~~، فأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند ~~وقوعها واحتج عليه بالآية والمعقول ، أما الآية فهي هذه الآية ، قال : إنه ~~تعالى صرح بأنه يبتلي عباده ويختبرهم وذكر نظيره في سائر الآيات كقوله ~~تعالى : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } وقال : { ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا } وقال في هذه السورة بعد ذلك : { ولنبلونكم بشيء من الخوف ~~والجوع } ( البقرة : 155 ) وذكر أيضا ما يؤكد هذا المذهب نحو قوله : { ~~فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) وكلمة { لعل } للترجي ~~وقال : { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون } ( البقرة : 21 ) فهذه الآيات ونظائرها دالة على أنه سبحانه وتعالى ~~لا يعلم وقوع الكائنات قبل وقوعها ، أما العقل فدل على وجوه . أحدها : أنه ~~تعالى لو كان عالما بوقوع الأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق وعن ~~الخلق ، وذلك محال فما أدى إليه مثله بيان الملازمة : أن ما علم الله تعالى ~~وقوعه استحال أن لا يقع لأن العلم بوقوع الشيء وبلا وقوع ذلك الشيء متضادان ~~والجمع بين الضدين محال ، وكذلك ما علم الله أنه لا يقع كان وقوعه محالا ~~لعين هذه الدلالة ، فلو كان الباري تعالى عالما بجميع الأشياء الجزئية قبل ~~وقوعها لكان بعضها واجب الوقوع وبعضها ممتنع الوقوع ، ولا قدرة البتة لا ~~على الواجب ولا على الممتنع فيلزم نفي القدرة على هذه الأشياء عن الخالق ~~تعالى وعن الخلق وإنما قلنا : إن ذلك محال أما في حق الخالق فلأنه ثبت أن ~~العالم محدث وله مؤثر وذلك المؤثر يجب أن يكون قادرا إذ لو كان موجبا لذاته ~~لزم من قدمه قدم العالم أو من حدوث العالم حدوثه ، وأما / في حق الخلق ~~فلأنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا كوننا ms1102 متمكنين من الفعل والترك ، على ~~معنى أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه ، وإن شئنا الترك قدرنا على الترك ، فلو ~~كان أحدهما واجبا والآخر ممتنعا لما حصلت هذه المكنة التي يعرف ثبوتها ~~بالضرورة . وثانيها : أن تعلق العلم بأحد المعلومين مغاير لتعلقه بالمعلوم ~~الآخر ، ولذلك فإنه يصل منا تعقل أحد PageV04P032 التعلقين مع الذهول عن ~~التعلق الآخر ، ولو كان التعلقان تعلقا واحدا لاستحال ذلك ، لأن الشيء ~~الواحد يستحيل أن يكون معلوما مذهولا عنه ، وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان ~~تعالى عالما بجميع هذه الجزئيات ، لكان له تعالى علوم غير متناهية ، أو كان ~~لعلمه تعلقات غير متناهية ، وعلى التقديرين فيلزم حصول موجودات غير متناهية ~~دفعة واحدة وذلك محال ، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه ~~عند نقصان عشرة منه ، فالناقص متناه ، والزائد زاد على المتناهي بتلك ~~العشرة / والمتناهي إذا ضم إليه غير المتناهي كان الكل متناهيا ، فإذا وجود ~~أمور غير متناهية محال ، فإن قيل : الموجود هو العلم ، فأما تلك التعلقات ~~فهي أمور نسبية لا وجود لها في الأعيان ، قلنا : العلم إنما يكون علما لو ~~كان متعلقا بالمعلوم ، فلو لم يكن ذلك التعلق حاصلا في نفس الأمر لزم أن لا ~~يكون العلم علما في نفس الأمر وذلك محال . وثالثها : أن هذه المعلومات التي ~~لا نهاية لها ، هل يعلم الله عددها أو لا يعلم ، فإن علم عددها فهي متناهية ~~، لأن كل ما له عدد معين فهو متناه ، وإن لم يعلم الله تعالى عددها لم يكن ~~عالما بها على سبيل التفصيل ، وكلامنا ليس إلا في العلم التفصيلي . ورابعها ~~: أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه ، وكل متميز عما عداه فإن ما ~~عداه خارج عنه ، وكل ما خرج عنه فهو متناه ، فإذن كل معلوم فهو متناه ، ~~فإذن كل ما هو غير متناه استحال أن يكون معلوما . وخامسها : أن الشيء إنما ~~يكون معلوما لو كان للعلم تعلق به ونسبة إليه وانتساب الشيء إلى الشيء ~~يعتبر تحققه في نفسه ، فإنه إذا لم يكن للشيء في نفسه ms1103 تعين استحال أن يكون ~~لغيره إليه من حيث هو هو نسبة ، والشيء المشخص قبل دخوله في الوجود لم يكن ~~مشخصا البتة ، فاستحال كونه متعلق العلم ، فإن قيل : يبطل هذا بالمحالات ~~والمركبات قبل دخولها في الوجود ، فإنا نعلمها وإن لم يكن لها تعينات البتة ~~، قلنا : هذا الذي أوردتموه نقض على كلامنا ، وليس جوابا عن كلامنا ، وذلك ~~مما لا يزيل الشك والشبهة ، قال هشام : فهذه الوجوه العقلية تدل على أنه لا ~~حاجة إلى صرف هذه الآيات عن ظواهرها ، واعلم أن هشاما كان رئيس الرافضة ، ~~فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء ، أما الجمهور من المسلمين ~~فإنهم اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات قبل وقوعها ، واحتجوا ~~عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة لله تعالى إنما قلنا أنها تصح ~~أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فإنا نعلم أن الشمس غدا تطلع من ~~مشرقها ، والوقوع يدل على الإمكان ، وإنما قلنا : أنه لما صح أن تكون ~~معلومة وجب أن تكون معلومة لله تعالى ، لأن تعلق علم الله تعالى بالمعلوم ~~أمر ثبت له لذاته ، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره ، ~~فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص ، وذلك / محال ، فوجب أن لا يتعلق بشيء من ~~المعلومات أصلا وإن تعلق بالبعض فإنه يتعلق بكلها وهو المطلوب . # أما الشبهة الأولى : فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع ، والوقوع ~~تبع للقدرة ، فالتابع لا ينافي المتبوع ، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة . # وأما الشبهة الثانية : فالجواب عنها : أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي ~~لا نهاية لها . # وأما الشبهة الثالثة : فالجواب عنها : أن الله تعالى لا يعلم عددها ، ولا ~~يلزم منه إثبات الجهل ، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ، ثم أن الله ~~تعالى لا يعلم عددها ، فأما إذا لم يكن في نفسها عدد ، لم PageV04P033 يلزم ~~من قولنا : أن الله تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل . # وأما الشبهة الرابعة : فالجواب عنها : أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم ~~العلم تميزه عن غيره ، لأن العلم ms1104 بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك ~~الغير ، فلو كان توقف العلم بالشيء على العلم بتميزه عن غيره ، وثبت أن ~~العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره ، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئا ~~واحدا إلا إذا علم أمورا لا نهاية لها . # وأما الشبهة الخامسة : فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه ، وإذا انتقضت ~~الشبهة سقطت ، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية الله تعالى ~~سالما عن المعارض ، وبالله التوفيق . # المسألة الثالثة : اعلم أن الضمير لا بد وأن يكون عائدا إلى مذكور سابق ، ~~فالضمير إما أن يكون متقدما على المذكور لفظا ومعنى / وإما أن يكون متأخرا ~~عنه لفظا ومعنى ، وإما أن يكون متقدما لفظا ومتأخرا معنى ، وإما أن يكون ~~بالعكس منه . أما القسم الأول : وهو أن يكون متقدما لفظا ومعنى فالمهشور ~~عند النحويين أنه غير جائز ، وقال ابن جنى بجوازه ، واحتج عليه بالشعر ~~والمعقول ، أما الشعر فقوله : # % جزى ربه عني عدي بن حاتم % % جزاء الكلاب العاويات وقد فعل % # وأما المعقول فلأن الفاعل مؤثر والمفعول قابل وتعلق الفعل بهما شديد ، ~~فلا يبعد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ ، ثم أجمعنا على أنه ~~لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فإنه جائز ، فكذا إذا لم يقدم مع أن ~~ذلك التقديم جائز . القسم الثاني : وهو أن يكون الضمير متأخرا لفظا ومعنى ، ~~وهذا لا نزاع في صحته ، كقولك : ضرب زيد غلامه . القسم الثالث : أن يكون ~~الضمير متقدما في اللفظ متأخرا في المعنى وهو كقولك : ضرب غلامه زيد ، ~~فههنا الضمير وإن كان متقدما في اللفظ لكنه متأخر في المعنى ، لأن المنصوب ~~متأخر عن المرفوع في التقدير ، فيصير كأنك قلت : زيد ضرب غلامه فلا جرم كان ~~جائزا . القسم الرابع : أن يكون الضمير متقدما في المعنى متأخرا في اللفظ ، ~~وهو كقوله تعالى : { وإذا * ابتلى إبراهيم ربه } فإن المرفوع مقدم في ~~المعنى على المنصوب ، فيصير التقدير : وإذ ابتلى ربه إبراهيم ، إلا أن ~~الأمر وإن كان كذلك بحسب المعنى لكن لما لم يكن الضمير متقدما في اللفظ ms1105 بل ~~كان متأخرا لا جرم كان جائزا حسنا . # / المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : ( إبراهام ) بألف بين الهاء والميم ، ~~والباقون ( إبراهيم ) وهما لغتان ، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة رضي الله عنه ( ~~إبراهيم ربه ) برفع إبراهيم ونصب ربه ، والمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء ~~فعل المختبر هل يجيبه الله تعالى إليهن أم لا . # المسألة الخامسة : اختلف المفسرون في أن ظاهر اللفظ هل يدل على تلك ~~الكلمات أم لا ؟ فقال بعضهم : اللفظ يدل عليها وهي التي ذكرها الله تعالى ~~من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بإبعاث محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، فإن هذه الأشياء أمور شاقة ، أما الإمامة فلأن المراد منها ههنا هو ~~النبوة ، وهذا التكليف يتضمن مشاق عظيمة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يلزمه أن يتحمل جميع المشاق والمتاعب في تبليغ الرسالة ، وأن لا يخون في ~~أداء شيء منها ، ولو لزمه القتل بسبب ذلك ولا شك أن ذلك من أعظم المشاق ، ~~ولهذا قلنا : إن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره ، وأما بناء البيت وتطهيره ~~ورفع قواعده ، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف PageV04P034 شدة ~~البلوى فيه ، ثم أنه يتضمن إقامة المناسك ، وقد امتحن الله الخليل عليه ~~الصلاة والسلام بالشيطان في الموقف لرمي الجمار وغيره ، وأما اشتغاله ~~بالدعاء في أن يبعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان ، ~~فهذا مما يحتاج إليه إخلاص العمل لله تعالى ، وإزالة الحسد عن القلب ~~بالكلية ، فثبت أن الأمور المذكورة عقيب هذه الآية : تكاليف شاقة شديدة ، ~~فأمكن أن يكون المراد من ابتلاء الله تعالى إياه بالكلمات هو ذلك ، ثم الذي ~~يدل على أن المراد ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف من حروف العطف فلم ~~يقبل ، وقال : إني جاعلك للناس إماما ، بل قال : { ءان * جاعلك } فدل هذا ~~على أن ذلك الابتلاء ليس إلا التكليف بهذه الأمور المذكورة ، واعترض القاضي ~~على هذا القول فقال : هذا إنما يجوز لو قال الله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ~~ربه بكلمات فأتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى ms1106 قال له بعد ذلك : إني جاعلك ~~للناس إماما فأتمهن ، إلا أنه ليس كذلك / بل ذكر قوله : { إنى جاعلك للناس ~~إماما } بعد قوله : { فأتمهن } وهذا يدل على أنه تعالى امتحنه بالكلمات ~~وأتمها إبراهيم ، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك : { إنى جاعلك للناس إماما } ~~ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط ، بل الإمامة ~~وبناء البيت وتطهيره والدعاء في بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، كأن الله ~~تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء ، فأخبر الله تعالى عنه أنه ابتلاه بأمور ~~على الإجمال ، ثم أخبر عنه أنه أتمها ، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل ، وهذا ~~مما لا يعد فيه . القول الثاني : أن ظاهر الآية لا دلالة فيه على المراد ~~بهذه الكلمات وهذا القول يحتمل وجهين ، أحدهما : بكلمات كلفه الله بهن ، ~~وهي أوامره ونواهيه فكأنه تعالى قال : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات } ~~مما شاء كلفه بالأمر بها . والوجه الثاني : بكلمات تكون من إبراهيم يكلم ~~بها قومه ، أي يبلغهم إياها ، والقائلون بالوجه الأول اختلفوا في أن ذلك ~~التكليف بأي شيء كان على أقوال . أحدها : قال ابن عباس : هي عشر خصال كانت ~~فرضا في شرعه وهي سنة في شرعنا ، خمس في الرأس وخمس في الجسد ، أما التي في ~~الرأس : فالمضمضة ، والإستنشاق / وفرق الرأس ، وقص الشارب ، والسواك ، وأما ~~التي في البدن : فالختان ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، ~~والاستنجاء بالماء . وثانيها : قال بعضهم : ابتلاه بثلاثين خصلة من خصال ~~الإسلام ، عشر منها في سورة براءة : { التائبون العابدون } ( التوبة : 112 ~~) إلى آخر الآية ، وعشر منها في سورة الأحزاب : { إن المسلمين والمسلمات } ~~( الأحزاب : 35 ) إلى آخر الآية ، وعشر منها في المؤمنون : { قد أفلح ~~المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) إلى قوله : { أولئك هم الوارثون } ( المؤمنون ~~: 10 ) وروى عشر في : { سأل سائل } ( المعارج : 1 ) إلى قوله : { والذين هم ~~على صلاتهم يحافظون } ( المعارج : 34 ) فجعلها أربعين سهما عن ابن عباس . ~~وثالثها : أمره بمناسك الحج ، كالطواف والسعي والرمي والإحرام وهو قول ~~قتادة وابن عباس . ورابعها : ابتلاه بسبعة أشياء : بالشمس ، والقمر ، ~~والكواكب ، والختان على الكبر ms1107 ، والنار ، وذبح الولد ، والهجرة ، فوفي ~~بالكل فلهذا قال الله تعالى : { وإبراهيم الذى وفى } ( النجم : 37 ) عن ~~الحسن . وخامسها : أن المراد ما ذكره في قوله : { إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين } ( البقرة : 131 ) . وسادسها : المناظرات الكثيرة في ~~التوحيد مع أبيه وقومه ومع نمرود والصلاة والزكاة والصوم ، وقسم الغنائم ، ~~والضيافة ، والصبر عليها ، قال القفال رحمه الله : وجملة القول أن الابتلاء ~~يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة ومشقة ، فاللفظ يتناول مجموع هذه ~~الأشياء ويتناول كل واحد منها ، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل ~~، ولو ثبتت الرواية PageV04P035 في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين ~~هذه الروايات ، فوجب التوقف والله أعلم . # المسألة السادسة : قال القاضي : هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة ، لأن ~~الله تعالى نبه على أن قيامه عليه الصلاة والسلام بهن كالسبب لأن يجعله ~~الله إماما ، والسبب مقدم على المسبب ، فوجب كون هذا الابتلاء متقدما في ~~الوجود على صيرورته إماما وهذا أيضا ملائم لقضايا العقول ، وذلك لأن الوفاء ~~من شرائط النبوة لا يحصل إلا بالإعراض عن جميع ملاذ الدنيا وشهواتها وترك ~~المداهنة مع الخلق وتقبيح ما هم عليه من الأديان الباطلة والعقائد الفاسدة ~~، وتحمل الأذى من جميع أصناف الخلق ، ولا شك أن هذا المعنى من أعظم المشاق ~~وأجل المتاعب ، ولهذا السبب يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم أجرا من ~~أمته / وإذا كان كذلك فالله تعالى ابتلاه بالتكاليف الشاقة ، فلما وفى عليه ~~الصلاة والسلام بها لا جرم أعطاه خلعة النبوة والرسالة ، وقال آخرون : إنه ~~بعد النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم كونه مكلفا بتلك التكاليف إلا ~~من الوحي ، فلا بد من تقدم الوحي على معرفته بكونه كذلك ، أجاب القاضي عنه ~~بأنه يحتمل أنه تعالى أوحى إليه على لسان جبريل عليه السلام بهذه التكاليف ~~الشاقة ، فلما تمم ذلك جعله نبيا مبعوثا إلى الخلق ، إذا عرفت هذه المسألة ~~فنقول ما قال القاضي : يجوز أن يكون المراد بالكلمات ، ما ذكره الحسن من ~~حديث الكوكب والشمس والقمر ، فإنه عليه الصلاة ms1108 والسلام ابتلاه الله بذلك ~~قبل النبوة ، أما ذبح الولد والهجرة والنار فكل ذلك كان بعد النبوة ، وكذا ~~الختان ، فإنه عليه السلام يروي أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين سنة ، ~~ثم قال : فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات / هذه ~~الأشياء كان المراد من قوله : { * أتمهن } أنه سبحانه علم من حاله أنه ~~يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة . # المسألة السابعة : الضمير المستكن في { بكلمات فأتمهن } في إحدى ~~القراءتين لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام ، وأداهن أحسن التأدية ، من ~~غير تفريط وتوان . ونحوه : { وإبراهيم الذى وفى } وفي الأخرى لله تعالى ~~بمعنى : فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئا . # أما قوله تعالى : { إنى جاعلك للناس إماما } فالإمام اسم من يؤتم به ~~كالإزار لما يؤتزر به ، أي يأتمون بك في دينك . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أهل التحقيق : المراد من الإمام ههنا النبي ويدل ~~عليه وجوه . أحدها : أن قوله : { للناس إماما } يدل على أنه تعالى جعله ~~إماما لكل الناس والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون رسولا من عند الله مستقلا ~~بالشرع لأنه لو كان تبعا لرسول آخر لكان مأموما لذلك الرسول لا إماما له ، ~~فحينئذ يبطل العموم . وثانيها : أن اللفظ يدل على أنه إمام في كل شيء والذي ~~يكون كذلك لا بد وأن يكون نبيا . وثالثها : أن الأنبياء عليهم السلام أئمة ~~من حيث يجب على الخلق اتباعهم ، قال الله تعالى : { وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا } ( الأنبياء : 73 ) والخلفاء أيضا أئمة لأنهم رتبوا في المحل الذي ~~يجب على الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم والقضاة والفقهاء أيضا أئمة ~~لهذا المعنى ، والذي يصلي بالناس يسمى أيضا إماما لأن من دخل في صلاته لزمه ~~الائتمام به . قال عليه الصلاة والسلام : ( إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به ~~فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ولا تختلفوا على إمامكم ) فثبت بهذ أن ~~اسم الإمام لمن استحق الاقتداء به في الدين وقد يسمى بذلك أيضا من يؤتم به ~~في الباطل ، قال الله تعالى ms1109 : { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } ( القصص : ~~41 ) إلا أن PageV04P036 اسم الإمام لا يتناوله على الإطلاق بل لا يستعمل ~~فيه إلا مقيدا ، فإنه لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله تعالى : { يدعون إلى ~~النار } كما أن اسم الإله لا يتناول إلا المعبود الحق ، فأما المعبود ~~الباطل فإنما يطلق عليه اسم الإله مع القيد ، قال الله تعالى : { فما أغنت ~~عنهم ءالهتهم التى يدعون من دون الله من شىء } ( هود : 101 ) وقال : { ~~وانظر إلى إلاهك الذى ظلت عليه عاكفا } ( طه : 97 ) إذا ثبت أن اسم الإمام ~~يتناول ما ذكرناه ، وثبت أن الأنبياء في أعلى مراتب الإمامة وجب حمل اللفظ ~~ههنا عليه ، لأن الله تعالى ذكر لفظ الإمام ههنا في معرض الامتنان ، فلا بد ~~وأن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبة الامتنان فوجب حمل هذه ~~الإمامة على النبوة . # المسألة الثانية : أن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إماما للناس حقق ~~الله تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة ، فإن أهل الأديان على شدة ~~اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويتشرفون ~~بالانتساب إليه إما في النسب وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة الأوثان ~~كانوا معظمين لإبراهيم عليه السلام ، وقال الله تعالى في كتابه : { ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } ( النحل : 123 ) وقال : { من * ~~يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ( البقرة : 130 ) وقال في آخر سورة ~~الحج : { ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل } ( الحج : 78 ) ~~وجميع أمة محمد عليه الصلاة والسلام يقولون في آخر الصلاة وارحم محمدا وآل ~~محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم . # المسألة الثالثة : القائلون بأن الإمام لا يصير إماما إلا بالنص تمسكوا ~~بهذه الآية فقالوا : إنه تعالى بين أنه إنما صار إماما بسبب التنصيص على ~~إمامته ونظيره قوله تعالى : { إني جاعل فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ) ~~فبين أنه لا يحصل له منصب الخلافة بالتنصيص عليه وهذا ضعيف لأنا بينا أن ~~المراد بالإمامة ههنا النبوة ، ثم إن سلمنا أن المراد ms1110 منها مطلق الإمامة ~~لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه ، إنما النزاع في ~~أنه هل تثبت الإمامة بغير النص ، وليس في هذه الآية تعرض لهذه المسألة لا ~~بالنفي ولا بالإثبات . # المسألة الرابعة : قوله : { إنى جاعلك للناس إماما } يدل على أنه عليه ~~السلام كان معصوما عن جميع الذنوب لأن الإمام هو الذي يؤتم به ويقتدى ، فلو ~~صدرت المعصية منه لوجب علينا الاقتداء به في ذلك ، فيلزم أن يجب علينا فعل ~~المعصية وذلك محال لأن كونه معصية عبارة عن كونه ممنوعا من فعله وكونه ~~واجبا عبارة عن كونه ممنوعا من تركه والجميع محال . # أما قوله : { من ذريتى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الذرية : الأولاد وأولاد الأولاد للرجل وهو من ذرأ الله ~~الخلق وتركوا همزها للخفة كما تركوا في البرية وفيه وجه آخر وه وأن تكون ~~منسوبة إلى الذر . # المسألة الثانية : قوله ؛ { ومن ذريتى } عطف على الكاف كأنه قال : وجاعل ~~بعض ذريتي كما يقال لك : سأكرمك ، فتقول : وزيدا . # المسألة الثالثة : قال بعضهم : إنه تعالى أعلمه أن في ذريته أنبياء فأراد ~~أن يعلم هل يكون ذلك في كلهم أو في بعضهم وهل يصلح جميعهم لهذا الأمر ؟ ~~فأعلمه الله تعالى أن فيهم ظالما لا يصلح لذلك وقال PageV04P037 آخرون : ~~إنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل الاستعلام ولما لم يعلم على وجه المسألة ~~، فأجابه الله تعالى صريحا بأن النبوة لا تنال الظالمين منهم ، فإن قيل : ~~هل كان إبراهيم عليه السلام مأذونا في قوله : { ومن ذريتى } أو لم يكن ~~مأذونا فيه ؟ فإن أذن الله تعالى في هذا الدعاء فلم رد دعاءه ؟ وإن لم يأذن ~~له فيه كان ذلك ذنبا ، قلنا : قوله : { ومن ذريتى } يدل على أنه عليه ~~السلام طلب أن يكون بعض ذريته أئمة للناس ، وقد حقق الله تعالى إجابة دعائه ~~في المؤمنين من ذريته كاسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهرون وداود ~~وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وجعل آخرهم محمدا صلى الله عليه ~~وسلم من ذريته الذي هو أفضل الأنبياء والأئمة عليهم ms1111 السلام . # أما قوله تعالى : { قال لا ينال عهدي الظالمين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة وحفص عن عاصم : { عهدي } بإسكان الياء ، ~~والباقون بفتحها ، / وقرأ بعضهم : { لا ينال عهدي * الظالمون } أي من كان ~~ظالما من ذريتك فإنه لا ينال عهدي . # المسألة الثانية : ذكروا في العهد وجوها . أحدها : أن هذا العهد هو ~~الإمامة المذكورة فيما قبل ، فإن كان المراد من تلك الإمامة هو النبوة فكذا ~~وإلا فلا . وثانيها : { عهدي } أي رحمتي عن عطاء . وثالثها : طاعتي عن ~~الضحاك . ورابعها : أماني عن أبي عبيد ، والقول الأول أولى لأن قوله : { ~~ومن ذريتى } طلب لتلك الإمامة التي وعده بها بقوله : { إنى جاعلك للناس ~~إماما } فقوله : { لا ينال عهدي الظالمين } لا يكون جوابا عن ذلك السؤال ~~إلا إذا كان المراد بهذا العهد تلك الإمامة . # المسألة الثالثة : الآية دالة على أنه تعالى سيعطي بعض ولده ما سأل ، ~~ولولا ذلك لكان الجواب : لا ، أو يقول : لا ينال عهدي ذريتك ، فإن قيل : ~~أفما كان إبراهيم عليه السلام عالما بأن النبوة لا تليق بالظالمين ، قلنا : ~~بلى ، ولكن لم يعلم حال ذريته ، فبين الله تعالى أن فيهم من هذا حاله وأن ~~النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم . # المسألة الرابعة : الروافض احتجوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر ~~وعمر رضي الله عنهما من ثلاثة أوجه . الأول : أن أبا بكر وعمر كانا كافرين ~~، فقد كانا حال كفرهما ظالمين ، فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة أنهما ~~لا ينالان عهد الإمامة البتة ، وإذا صدق عليهما في ذلك الوقت أنهما لا ~~ينالان عهد الإمامة البتة ولا في شيء من الأوقات ثبت أنهما لا يصلحان ~~للإمامة . الثاني : أن من كان مذنبا في الباطن كان من الظالمين ، فإذن ما ~~لم يعرف أن أبا بكر وعمر ما كانا من الظالمين المذنبين ظاهرا وباطنا وجب أن ~~لا يحكم بإمامتهما وذلك إنما يثبت في حق من تثبت عصمته ولما لم يكونا ~~معصومين بالإتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما البتة . الثالث : قالوا : كانا ~~مشركين ، وكل مشرك ظالم والظالم لا يناله ms1112 عهد الإمامة فيلزم أن لا ينالهما ~~عهد الإمامة ، أما أنهما كانا مشركين فبالاتفاق ، وأما أن المشرك ظالم ~~فلقوله تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وأما أن الظالم لا ~~يناله عهد الإمامة فلهذه الآية ، لا يقال إنهما كانا ظالمين حال كفرهما ، ~~فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول الظالم من وجد منه الظلم ، ~~وقولنا : وجد منه الظلم أعم من قولنا وجد PageV04P038 منه الظلم في الماضي ~~أو في الحال بدليل أن هذا المفهوم يمكن تقسيمه إلى هذين القسمين ، ومورد ~~التقسيم بالتقسيم بالقسمين مشترك بين القسمين وما كان مشتركا بين القسمين ~~لايلزم انتفاؤه لانتفاء أحد القسمين ، فلا يلزم من نفى كونه ظالما في الحال ~~نفي كونه ظالما والذي يدل عليه نظرا إلى الدلائل الشرعية أن النائم يسمى ~~مؤمنا والإيمان هو التصديق والتصديق غير حاصل حال كونه نائما ، فدل على أنه ~~يسمى مؤمنا لأن الإيمان كان حاصلا قبل ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ظالما ~~لظلم وجد من قبل ، وأيضا فالكلام عبارة عن حروف متوالية ، والمشي عبارة عن ~~حصولات متوالية في أحياز متعاقبة ، فمجموع تلك الأشياء البتة لا وجود لها ، ~~فلو كان حصول المشتق منه شرطا في كون الإسم المشتق حقيقة وجب أن يكون اسم ~~المتكلم والماشي وأمثالهما حقيقة في شيء أصلا ، وأنه باطل قطعا / فدل هذا ~~على أن حصول المشتق منه ليس شرطا لكون الاسم المشتق حقيقة ؟ والجواب : كل ~~ما ذكرتموه معارض ، بما أنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن ~~في الحال إلا أنه كان كافرا قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث ، فدل على ما ~~قلناه ، ولأن التائب عن الكفر لا يسمى كافرا والتائب عن المعصية لا يسمى ~~عاصيا ، فكذا القول في نظائره ، ألا ترى إلى قوله : { ولا تركنوا إلى الذين ~~ظلموا } ( هود : 113 ) فإنه نهى عن الركون إليهم حال إقامتهم على الظلم ، ~~وقوله : { ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة : 91 ) معناه : ما أقاموا ~~على الإحسان ، على أنا بينا أن المراد من الإمامة في هذه الآية ms1113 : النبوة ، ~~فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة . # المسألة الخامسة : قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين : الفاسق حال فسقه ~~لا يجوز عقد الإمامة له ، واختلفوا في أن الفسق الطارىء هل يبطل الإمامة أم ~~لا ؟ واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية ، ~~ووجه الاستدلال بها من وجهين . الأول : ما بينا أن قوله : { لا ينال عهدي ~~الظالمين } جواب لقوله : { ومن ذريتى } وقوله : { ومن ذريتى } طلب للإمامة ~~التي ذكرها الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة ، ~~ليكون الجواب مطابقا للسؤال ، فتصير الآية كأنه تعالى قال : لا ينال ~~الإمامة الظالمين ، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه ، فكانت الآية دالة على ما ~~قلناه ، فإن قيل : ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهرا وباطنا ولا ~~يصح ذلك في الأئمة والقضاة ، قلنا : أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على ~~صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهرا وباطنا ، وأما نحن فنقول : مقتضى الآية ذلك ~~، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة ، فإن قيل : ~~أليس أن يونس عليه السلام قال : { سبحانك إنى كنت من الظالمين } ( الأنبياء ~~: 87 ) وقال آدم : { ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) قلنا : المذكور ~~في الآية هو الظلم المطلق ، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام . ~~الوجه الثاني : أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر ، قال الله ~~تعالى : { ألم أعهد إليكم يبنى * وإذ أخذ * أن لا تعبدوا الشيطان } ( يس : ~~60 ) يعني ألم آمركم بهذا ، وقال الله تعالى : { قالوا إن الله عهد إلينا } ~~( آل عمران : 183 ) يعني أمرنا ، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم ~~إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول : لا يخلو قوله ؛ { لا ينال عهدي ~~الظالمين } من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين ، وأن الظالمين لا يجوز أن ~~يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى ، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق ~~المسلمين على أن أوامر الله تعالى PageV04P039 لازمة للظالمين كلزومها ~~لغيرهم ثبت الوجه الآخر ، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير ms1114 ~~مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين ، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة ~~الفاسق ، قال عليه السلام : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ، ودل أيضا ~~على أن الفاسق لا يكون حاكما ، وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم ، وكذلك ~~لا تقبل شهادته ولا خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا فتياه إذا أفتى ~~، ولا يقدم للصلاة وإن كان هو بحيث لو اقتدي به فإنه لا تفسد صلاته ، قال ~~أبو بكر الرازي : ومن الناس من يظن / أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون ~~الفاسق إماما وخليفة ، ولا يجوز كون الفاسق قاضيا ، قال : وهذا خطأ ، ولم ~~يفرق أبو حنيفة بين الخليفة والحاكم في أن شرط كل واحد منهما العدالة ، ~~وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة ، وأحكامه غير نافذة ، وكيف يجوز أن ~~يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء ، ~~وضربه فامتنع من ذلك فحبس ، فلح ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطا ، فلما ~~خيف عليه ، قال له الفقهاء : تول له شيئا من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك ~~الضرب ، فتولي له عد أحمال التبن التي تدخل فخلاه ، ثم دعاه المنصور إلى ~~مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور مدينة المنصور إلى مثل ذلك ~~وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة ، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سرا في ~~وجوب نصرته والقتال معه ، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن ~~الحسن / ثم قال : وإنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنيفة : أن ~~القاضي إذا كان عدلا في نفسه ، وتولي القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة ~~، والصلاة خلفه جائزة ، لأن القاضي إذا كان عدلا في نفسه ويمكنه تنفيذ ~~الأحكام كانت أحكامه نافذة ، فلا اعتبار في ذلك بمن ولاه ، لأن الذي ولاه ~~بمنزلة سائر أعوانه ، وليس شرط أعوان القاضي أن يكون عدولا ألا ترى أن أهل ~~بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل ms1115 منهم القضاء حتى ~~يكونوا أعوانا له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذا وأن لم يكن ~~له ولاية من جهة إمام ولا سلطان والله أعلم . # المسألة السادسة : الآية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين . الأول : أنه ~~قد ثبت أن المراد من هذا العهد : الإمامة . ولا شك أن كل نبي إمام ، فإن ~~الإمام هو الذي يؤتم به ، والنبي أولى الناس ، وإذا دلت الآية على أن ~~الإمام لا يكون فاسقا ، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقا ~~فاعلا للذنب والمعصية أولى . الثاني : قال : { ولا ينالون * عهدي الظالمين ~~} فهذا العهد إن كان هو النبوة ؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين ~~وإن كان هو الإمامة ، فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماما يؤتم به ، وكل ~~فاسق ظالم لنفسه فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم . # المسألة السابعة ؛ اعلم أنه سبحانه بين أن له معك عهدا ، ولك معه عهدا ، ~~وبين أنك متى تفي بعهدك ، فإنه سبحانه يفي أيضا بعهده فقال : { وأوفوا ~~بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) ثم في سائر الآيات فإنه أفرد عهدك ~~بالذكر ، وأفرد عهد نفسه أيضا بالذكر ، أما عهدك فقال فيه : { والموفون ~~بعهدهم إذا عاهدوا } ( البقرة : 177 ) وقال : { والذين هم لاماناتهم وعهدهم ~~راعون } ( المؤمنون : 8 ) وقال : { عليم يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود ~~} ( المائدة : 1 ) وقال : { لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون } ( الصف : 32 ) وأما عهده سبحانه وتعالى فقال فيه : { ~~ومن أوفى بعهده من الله } ( التوبة : 111 ) م بين كيفية عهده إلى أبينا آدم ~~فقال : { ولقد عهدنا إلى * من ربه * قبل فنسى ولم نجد له عزما } ( طه : 115 ~~) ثم بين كيفية عهده إلينا فقال : { ألم PageV04P040 أعهد إليكم يبنى * وإذ ~~أخذ } ( يس : 60 ) ثم بين كيفية عهده مع بني إسرائيل فقال : { إن الله عهد ~~إلينا ألا نؤمن لرسول } ( آل عمران : 183 ) ثم بين كيفية عهده مع الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام فقال : { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ms1116 } ( البقرة : ~~125 ) ثم بين في هذه الآية أن عهده لا يصل إلى الظالمين فقال : { لا ينال ~~عهدي الظالمين } فهذه المبالغة الشديدة في هذه المعاهدة تقتضي البحث عن ~~حقيقة هذه المعاهدة فنقول : العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد الخدمة ~~والعبودية ، والعهد الذي التزمه الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة ~~والربوبية ، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا ~~نقض هذا العهد ، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد ، فلنشرع في معاقد هذا الباب ~~فنقول : أول إنعامه عليك إنعام الخلق والإيجاد والإحياء وإعطاء العقل ~~والآلة والمقصود من كل ذلك اشتغالك بالطاعة والخدمة والعبودية على ما قال : ~~{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) ونزه نفسه عن أن ~~يكون هذا الخلق والإيجاد منه على سبيل العبث فقال : { وما خلقنا السماء ~~والارض وما * بينها * لاعبين } ( الأنبياء : 16 ) { ما خلقناهما إلا بالحق ~~} ( الدخان : 39 ) وقال أيضا : { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ~~ذالك ظن الذين كفروا } ( ص : 27 ) وقال : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون } ( المؤمنون : 115 ) ثم بين على سبيل التفصيل ما هو ~~الحكمة في الخلق والإيجاد فقال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } فهو ~~سبحانه وفى بعهد الربوبية حيث خلقك وأحياك وأنعم عليك بوجوه النعم وجعلك ~~عاقلا مميزا فإذا لم تشتغل بخدمته وطاعته وعبوديته فقد نقضت عهد عبوديتك مع ~~أن الله تعالى وفى بعهد ربوبيته . وثانيها : أن عهد الربوبية يقتضي إعطاء ~~التوفيق والهداية وعهد العبودية منك يقتضي الجد والاجتهاد في العمل ، ثم ~~إنه وفى بعهد الربوبية فإنه ما ترك ذرة من الذرات إلا وجعلها هادية لك إلى ~~سبيل الحق : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) وأنت ما وفيت ~~البتة بعهد الطاعة والعبودية . وثالثها : أن نعمة الله بالإيمان أعظم النعم ~~، والدليل عليه أن هذه النعمة لو فاتتك لكنت أشقى الأشقياء أبد الآبدين ~~ودهر الداهرين ، ثم هذه النعمة من الله تعالى لقوله : { وما بكم من نعمة ~~فمن الله } ( النحل : 53 ) ثم مع أن ms1117 هذه النعمة منه فإنه يشكرك عليها وقال ~~: { فأولئك كان سعيهم مشكورا } ( الإسراء : 19 ) فإذا كان الله تعالى يشكرك ~~على هذه النعمة فبأن تشكره على ما أعطى من التوفيق والهداية كان أولى ، ثم ~~إنك ما أتيت إلا بالكفران على ما قال : { قتل الإنسان ما أكفره } ( عبس : ~~17 ) فهو تعالى وفى بعهده ، وأنت نقضت عهدك . ورابعها : أن تنفق نعمه في ~~سيبل مرضاته ، فعهده معك أن يعطيك أصناف النعم وقد فعل وعهدك معه أن تصرف ~~نعمه في سبيل مرضاته وأنت ما فعلت ذلك : { كلا إن الإنسان ليطغى * أن رءاه ~~استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) . وخامسها : أنعم عليك بأنواع النعم لتكون ~~محسنا إلى الفقراء : { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } ثم إنك توسلت به إلى ~~إيذاء الناس وإيحاشهم : { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } ( الحديد : ~~24 ) ( النساء : 37 ) . وسادسها : أعطاك النعم العظيمة لتكون مقبلا على ~~حمده وأنت تحمد غيره فانظر إلى السلطان العظيم لو أنعم عليك بخلعة نفيسة ، ~~ثم إنك في حضرته تعرض عنه وتبقى مشغولا بخدمة بعض الأسقاط كيف تستوجب الأدب ~~والمقت فكذا ههنا ، واعلم أنا لو اشتغلنا / بشرح كيفية وفائه سبحانه بعهد ~~الإحسان والربوبية PageV04P041 وكيفية نقضنا لعهد الإخلاص والعبودية لما ~~قدرنا على ذلك فإنا من أول الحياة إلى آخرها ما صرنا منفكين لحظة واحدة من ~~أنواع نعمه على ظاهرنا وباطننا وكل واحدة من تلك النعم تستدعي شكرا على حدة ~~وخدمة على حدة ، ثم أنا ما أتينا بها بل ما تنبهنا لها وما عرفنا كيفيتها ~~وكميتها ، ثم إنه سبحانه على تزايد غفلتنا وتقصيرنا يزيد في أنواع النعم ~~والرحمة والكرم ، فكنا من أول عمرنا إلى آخره لا نزال نتزايد في درجات ~~النقصان والتقصير واستحقاق الذم ، وهو سبحانه لا يزال يزيد في الإحسان ~~واللطف والكرم ، واستحقاق الحمد والثناء فإنه كلما كان تقصيرنا أشد كان ~~إنعامه علينا بعد ذلك أعظم وقعا وكلما كان إنعامه علينا أكثر وقعا ، كان ~~تقصيرنا في شكره أقبح وأسوأ ، فلا تزال أفعالنا تزداد قبائح ومحاسن أفعاله ~~على سبيل الدوام بحيث لا تفضي إلى الانقطاع ثم ms1118 إنه قال في هذه الآية : { لا ~~ينال عهدي الظالمين } وهذا تخويف شديد لكنا نقول : إلهنا صدر منك ما يليق ~~بك من الكرم والعفو والرحمة والإحسان وصدر منا ما يليق بنا من الجهل والغدر ~~والتقصير والكسل / فنسألك بك وبفضلك العميم أن تتجاوز عنا يا أرحم الراحمين ~~. # ! 7 < { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ~~وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتى للطآئفين والعاكفين والركع ~~السجود } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 125 ) وإذ جعلنا البيت . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة ~~، وهذا شرح التكليف الثاني ، وهو التكليف بتطهير البيت ، ثم نقول : أما ~~البيت فإنه يريد البيت الحرام ، واكتفى بذكر البيت مطلقا لدخول الألف ~~واللام عليه ، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس ، وقد علم ~~المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة ، ثم ~~نقول : ليس المراد نفس الكعبة ، لأنه تعالى وصفه بكونه ( أمنا ) وهذا صفة ~~جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد ~~منه كل الحرم قوله تعالى : { هديا بالغ الكعبة } ( المائدة : 95 ) والمراد ~~الحرم كله لا الكعبة نفسها ، لأنه لا يذبح في الكعبة ، ولا في المسجد ~~الحرام وكذلك قوله : { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هاذا } ( التوبة ~~: 28 ) ، المراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك ، وقال في آية ~~أخرى : { أولم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا } ( العنكبوت : 67 ) وقال الله ~~تعالى في آية أخرى مخبرا عن إبراهيم : { رب اجعل هاذا البلد امنا } ( ~~إبراهيم : 35 ) فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم ، ~~والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما ~~كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت . # أما قوله تعالى : { مثابة للناس } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أهل اللغة : أصله من ثاب يثوب مثابة وثوبا إذا رجع ~~يقال : ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه ، وثاب إلى فلان عقله أي ~~رجع وتفرق ms1119 عنه الناس ، ثم ثابوا : أي عادوا مجتمعين ، والثواب من ~~PageV04P042 هذا أخذ ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه ، والمثاب ~~من البئر : مجتمع الماء في أسفلها ، قال القفال قيل : إن مثابا ومثابة ~~لغتان مثل : مقام ومقامة وهو قول الفراء والزجاج ، وقيل : الهاء إنما دخلت ~~في مثابة مبالغة كما في قولهم : نسابة وعلامة ، وأصل مثابة مثوبة مفعلة . # المسألة الثانية : قال الحسن : معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام ، وعن ~~ابن عباس ومجاهد : أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه ، قال ~~الله تعالى : { فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم } ( إبراهيم : 37 ) وقيل : ~~مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه ، فإن قيل : كون البيت مثابة يحصل بمجرد ~~عودهم إليه ، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى ، فما معنى قوله : { وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس } قلنا : أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله ~~تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة ، وأما على قول المعتزلة ~~فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعيا لهم إلى العود ~~إليه مرة بعد أخرى ، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا ~~والآخرة ، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك ، فيحصل ~~هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع ، وأيضا فيحصل بسبب السفر ~~إلى الحج عمارة الطريق والبلاد ، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا ، ~~وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى الله ~~تعالى ، وإظهار العبودية له ، والمواظبة على العمرة والطواف ، وإقامة ~~الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه / يستوجب بذلك ثوابا عظيما عند ~~الله تعالى . # المسألة الثانية : تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى : { وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس } ووجه الاستدلال به أن قوله : { وإذ جعلنا البيت ~~مثابة للناس } إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفا بصفة كونه مثابة للناس ، لكن ~~لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق ~~باختيار الناس ، وما يتعلق باختيار الناس لا ms1120 يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء ، ~~وإذا ثبت تعذر إجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى ~~حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب ~~، فثبت أن الله تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى ، وقد توافقنا ~~على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف ، فوجب تحققه / في الطواف ، ~~هذا وجه الاستدلال بهذه الآية ، وأكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في ~~دلالة هذه الآية على هذا المطلوب ، ونحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه ~~الذي بيناه . # أما قوله تعالى : { وأمنا } أي موضع أمن ، ثم لا شك أن قوله : { جعلنا ~~البيت مثابة للناس وأمنا } خبر ، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر ، ~~وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر . # أما القول الأول : فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من ~~القحط والجدب على ما قال : { أو لم * يروا أنا جعلنا حرما ءامنا } ( ~~العنكبوت : 67 ) وقوله : { أو لم * نمكن لهم حرما ءامنا يجبى إليه ثمرات كل ~~شىء } ( القصص : 57 ) ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع ~~القتل في الحرم ، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه ، وأيضا فالقتل ~~المباح قد يوجد فيه ، قال الله تعالى : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ~~حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم } ( البقرة : 191 ) فأخبر عن وقوع ~~القتل فيه . # القول الثاني : أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل ، والمعنى أن الله ~~تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمنا من الغارة والقتل ، فكان البيت ~~محترما بحكم الله تعالى ، وكانت الجاهلية متمسكين PageV04P043 بتحريمه ، لا ~~يهيجون على أحد التجأ إليه ، وكانوا يسمون قريشا : أهل الله تعظيما له ، ثم ~~اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه ~~فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب ، ورويت الأخبار في ~~تحريم مكة قال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد ~~قبلي ولا تحل لأحد ms1121 بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها كما ~~كانت ) ، فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المعنى : أنها لم تحل لأحد بأن ~~ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما من دخل ~~البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي رضي الله عنه : إن الإمام ~~يأمر بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه من الحرم ، فإذا خرج أقيم عليه الحد ~~في الحل ، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز ، وكذلك من قاتل في الحرم جاز ~~قتله فيه ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجوز ، واحتج الشافعي رحمه الله ~~بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل ~~أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه ، قال الشافعي رحمه الله : وهذا ~~في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحدا من شيء وجب عليه ~~وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها ، واحتج أبو ~~حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، والجواب عنه أن قوله : { وأمنا } ليس فيه ~~بيان أنه جعله أمنا فيماذا فيمكن أن يكون أمنا من القحط / وأن يكون أمنا من ~~نصب الحروب ، وأن يكون أمنا من إقامة الحدود ، وليس اللفظ من باب العموم ~~حتى يحمل على الكل ، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى لأنا على هذا ~~التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر وفي سائر الوجوه نحتاج ~~إلى ذلك ، فكان قول الشافعي رحمه الله أولى . # أما قوله تعالى : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ففيه مسائل : # / المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي : { ~~واتخذوا } بكسر الخاء على صيغة الأمر ، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على ~~صيغة الخبر . # أما القراءة الأولى : فقوله : { واتخذوا } عطف على ماذا ، وفيه أقوال ، ~~الأول : أنه عطف على قوله : { اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم ~~على العالمين } ( البقرة : 122 ) ، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } . ~~الثاني : إنه عطف ms1122 على قوله : { * } . الثاني : إنه عطف على قوله : { إنى ~~جاعلك للناس إماما } ( البقرة : 124 ) والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات ~~وأتمهن ، قال له جزاء لما فعله من ذلك : { إنى جاعلك للناس إماما } وقال : ~~{ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده ، إلا أنه ~~تعالى أضمر قوله وقال ، ونظيره قوله تعالى : { وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما ~~ءاتيناكم بقوة } ( الأعراف : 171 ) . الثالث : أن هذا أمر من الله تعالى ~~لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وهو كلام ~~اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ، وكأن وجهه : { وإذ جعلنا ~~البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا } أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا ~~لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمنا فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم ، ~~والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح ، ~~أما من قرأ : { واتخذوا } بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من ~~مقامه مصلى ، فيكون هذا عطفا على : { جعلنا البيت } واتخذوه مصلى ، ويجوز ~~أن يكون عطفا على : { وإذ جعلنا البيت } وإذ اتخذوه مصلى . # المسألة الثانية : ذكروا أقوالا في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شيء ~~هو : # القول الأول : إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام ، ثم هؤلاء ~~ذكروا وجهين : أحدهما : PageV04P044 أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل ~~وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام ~~رجله عليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته وقد غاصت رجله في ~~الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضا فيه فجعله الله تعالى من ~~معجزاته وهذا قول الحسن وقتادة والربيع بن أنس . وثانيها : ما روي عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل ~~يناوله الحجارة ويقولان : { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم } ( ~~البقرة : 127 ) فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن ~~وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام . # القول ms1123 الثاني : أن مقام إبراهيم الحرم كله وهو قول مجاهد . الثالث : أنه ~~عرفة والمزدلفة والجمار وهو قول عطاء . الرابع : الحج كله مقام إبراهيم وهو ~~قول ابن عباس ، واتفق المحققون على أن القول الأولى أولى ويدل عليه وجوه . ~~الأول : ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا ~~قوله تعالى : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } فقراءة هذه اللفظة عند ذلك ~~الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر . وثانيها : أن ~~هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلا لو سأل المكي ~~بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع / . وثالثها : ~~ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر فقال : يا رسول الله أليس هذا ~~مقام أبينا إبراهيم ؟ قال : بلى . قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ قال : لم أومر ~~بذلك ، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية . ورابعها : أن الحجر صار ~~تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام ، وذلك من ~~أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان ~~اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به ، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى ~~. وخامسها : أنه تعالى قال : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } وليس للصلاة ~~تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع ، فوجب أن يكون مقام ~~إبراهيم هو هذا الموضع . وسادسها : أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه ، وثبت ~~بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل ولم يثبت قيامه على غيره فحمل ~~هذا اللفظ ، أعني : مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى قال ~~القفال : ومن فسر مقام إبراهيم بالحجر خرج قوله : { واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى } على مجاز قول الرجل : اتخذت من فلان صديقا وقد أعطاني الله ~~من فلان أخا صالحا ووهب الله لي منك وليا مشفقا وإنما تدخل ( من ) لبيان ~~المتخذ الموصوف وتميزه في ذلك المعنى من غيره والله أعلم . # المسألة الثالثة : ذكروا في المراد بقوله : { مصلى } وجوها . أحدها : ~~المصلى ms1124 المدعى فجعله من الصلاة التي هي الدعاء ، قال الله تعالى : { النبى ~~ياأيها الذين ءامنوا صلوا عليه } ( الأحزاب : 56 ) وهو قول مجاهد ، وإنما ~~ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله : إن كل الحرم مقام إبراهيم . وثانيها : ~~قال الحسن : أراد به قبلة . وثالثها : قال قتادة والسدي : أمروا أن يصلوا ~~عنده . قال أهل التحقيق : هذا القول أولى لأن لفظ الصلاة إذا أطلق يعقل منه ~~الصلاة المفعولة بركوع وسجود ألا ترى أن مصلى المصر وهو الموضع الذي يصلى ~~فيه صلاة العيد وقال عليه السلام لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع ~~الصلاة المفعولة ، وقد دل PageV04P045 عليه أيضا فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم للصلاة عنده بعد تلاوة الآية ولأن حملها على الصلاة المعهودة أولى ~~لأنها جامعة لسائر المعاني التي فسروا الآية بها وههنا بحث فقهي وهو أن ~~ركعتي الطواف فرض أم سنة ينظر إن كان الطواف فرضا فللشافعي رضي الله عنه ~~فيه قولان ، أحدهما : فرض لقوله تعالى : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ~~والأمر للوجوب . والثاني : سنة لقوله عليه السلام للأعرابي حين قال : هل ~~على غيرها ، قال : لا إلا أن تطوع وإن كان الطواف نفلا مثل طواف القدوم ~~فركعتاه سنة والرواية عن أبي حنيفة مختلفة أيضا في هذه المسألة والله أعلم ~~. # المسألة الرابعة : في فضائل البيت : روى الشيخ أحمد البيهقي كتاب شعب ~~الإيمان عن أبي ذر قال : ( قلت يا رسول الله أي مسجد وضع على الأرض أولا ؟ ~~قال : المسجد الحرام ، قال : قلت ثم أي ؟ قال : ثم المسجد الأقصى ، قلت : ~~كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة فأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد ) أخرجاه ~~في الصحيحين ، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : خلق البيت قبل ~~الأرض بألفي عام ثم دحيت الأرض منه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه ~~السلام : ( أول بقعة وضعت / في الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض ، وأن ~~أول جبل وضعه الله تعالى على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال ) . وعن ~~وهب بن منبه قال : إن آدم ms1125 عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما ~~رأى من سعتها ولأنه لم ير فيها أحدا غيره / فقال : يا رب أما لأرضك هذه ~~عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري . فقال الله تعالى : إني سأجعل فيها من ~~ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري فيسبحني فيها ~~خلقي وسأبوئك منها بيتا أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض ~~كلها باسمي واسميه بيتي أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي وأجعله أحق البيوت كلها ~~وأولاها بذكري وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي فإني اخترت مكانه يوم خلقت ~~السموات والأرض ، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرما آمنا أحرم بحرمته ما ~~فوقه وما تحته وما حوله فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي ومن أحله فقد أباح ~~حرمتي ، ومن آمن أهله استوجب بذلك أماني ومن أخافهم فقد أخافني ومن عظم ~~شأنه فقد عظم في عيني ومن تهاون به فقد صغر في عيني سكانها جيراني وعمارها ~~وفدي وزوارها أضيافي اجعله أول بيت وضع للناس وأعمره بأهل السماء والأرض ، ~~يأتونه أفواجا شعثا غبرا : { وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ~~يأتين من كل فج عميق } ( الحج : 27 ) يعجون بالتكبير عجا إلي ويثجون ~~بالتلبية ثجا ، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ونزل بي ووفد علي ~~، فحق لي أن أتحفه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن ~~يسعف كل واحد منهم بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حيا ثم يعمره من بعدك الأمم ~~والقرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن ونبيا بعد نبي حتى ~~ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له محمد عليه السلام وهو خاتم النبيين ~~فأجعله من سكانه وعماره وحماته وولاته فيكون أميني عليه ما دام حيا ، فإذا ~~انقلب إلي وجدني قد ادخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلى الوسيلة ~~عندي واجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه وتكرمته لنبي من ولدك ~~يكون قبل هذا النبي وهو أبوه ms1126 ، يقال له إبراهيم أرفع له قواعده وأقضي على ~~يديه عمارته وأعلمه مشاعره ومناسكه وأجعله أمة واحدة قانتا قائما بأمري ~~داعيا إلى سبيلي أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر ~~، وآمره فيفعل وينذر لي فيفي ويدعوني فأستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده ~~وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدامه وخزانه ~~وحجابه حتى يبدلوا أو يغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت PageV04P046 ~~وأهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الجن والإنس . وعن ~~عطاء قال : أهبط آدم بالهند فقال : يا رب مالي لا أسمع صوت الملائكة كما ~~كنت أسمعها في الجنة ؟ قال : بخطيئتك يا آدم فانطلق إلى مكة فابن بها بيتا ~~تطوف به كما رأيتهم يطوفون فانطلق إلى مكة فبنى البيت ، فكان موضع قدمي آدم ~~قرى وأنهارا وعمارة وما بين خطاه مفاوز فحج آدم البيت من الهند أربعين سنة ~~، وسأل عمر كعبا فقال : أخبرني عن هذا البيت فقال إن هذا البيت أنزله الله ~~تعالى من السماء ياقوته مجوفة مع آدم عليه السلام ، فقال : / يا آدم إن هذا ~~بيتي فطف حوله وصل حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي وتصلي ونزلت معه ~~الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة ، فوضع البيت على القواعد فلما أغرق الله ~~قوم نوح رفعه الله وبقيت قواعده . وعن علي رضي الله عنه قال : البيت ~~المعمور بيت في السماء يقال له الضراح ، وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته ~~في السماء كحرمة البيت في الأرض ، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ~~لا يعودون فيه أبدا ، وذكر علي رضي الله عنه أنه مر عليه الدهر بعد بناء ~~إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة ومر عليه الدهر فانهدم فبنته جرهم ومر عليه ~~الدهر فانهدم فبنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ شاب ، فلما ~~أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا : يحكم بيننا أول رجل ~~يخرج من هذه السكة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج عليهم ~~فقضى بينهم أن يجعلوا ms1127 الحجر في مرط ثم ترفعه جميع القبائل فرفعوه كلهم ~~فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه ، وعن الزهري قال : بلغني أنهم ~~وجدوا في مقام إبراهيم عليه السلام ثلاث صفوح في كل صفح منها كتاب ، في ~~الصفح الأول : أنا الله ذوبكة صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة ~~أملاك حفا وباركت لأهلها في اللحم واللبن . وفي الصفح الثاني : أنا الله ~~ذوبكة خلقت الرحم وشققت لها اسما من إسمي من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته . ~~وفي الثالث : أنا الله ذوبكة خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن كان الخير على ~~يديه وويل لمن كان الشر على يديه . # المسألة الخامسة : في فضائل الحجر والمقام ، عن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما قال : قال عليه السلام : ( الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ~~طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ~~ولا سقيم إلا شفي ) وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال عليه السلام : ( ~~إنه كان أشد بياضا من الثلج فسودته خطايا أهل الشرك ) ، وعن ابن عباس قال ~~عليه السلام : ( ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ~~ينطق به ، يشهد على من استلمه بحق ) . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أنه انتهى إلى الحجر الأسود فقال : إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ، لا تضر ~~ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك . ~~أخرجاه في الصحيح . # أما قوله تعالى : { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } فالأولى أن يراد به ~~ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمرا وثقنا عليهما فيه وقد تقدم من قبل معنى العهد ~~والميثاق . # أما قوله : { أن طهرا بيتى } فيجب أن يراد به التطهير من كل أمر لا يليق ~~بالبيت ، فإذا كان موضع البيت وحواليه مصلى وجب تطهيره من الأنجاس والأقذار ~~، وإذا كان موضع العبادة والإخلاص لله تعالى : وجب تطهيره من الشرك وعبادة ~~غير الله . وكل ذلك داخل تحت الكلام ثم إن المفسرين ذكروا وجوها . أحدها : ~~أن معنى : { طهرا بيتى } ابنياه ms1128 وطهراه من الشرك وأسساه على التقوى ، كقوله ~~تعالى : { أفمن أسس بنيانه على تقوى PageV04P047 من الله } ( التوبة : 109 ~~) . وثانيها : عرفا الناس أن بيتي / طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا به ، ~~ومجازه : اجعلاه طاهرا عندهم ، كما يقال : الشافعي رضي الله عنه يطهر هذا ، ~~وأبو حنيفة ينجسه . وثالثها : ابنياه ولا تدعا أحدا من أهل الريب والشرك ~~يزاحم الطائفين فيه ، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب ، كما يقال ~~: طهر الله الأرض من فلان ، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما ~~يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك ، وهو كقوله تعالى : { ولهم فيها ~~أزواج مطهرة } ( البقرة : 25 ) فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات ~~، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهرا ، والله أعلم . ورابعها : معناه ~~نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي ، ليقتدي الناس بكما في ذلك . ~~وخامسها : قال بعضهم : إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف ~~والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك ، ~~وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجودا فتطهير تلك العرصة لا يكون ~~تطهيرا للبيت ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتا لأنه علم أن مآله إلى أن ~~يصير بيتا ولكنه مجاز . # أما قوله تعالى : { للطائفين والعاكفين والركع السجود } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : العكف مصدر عكف يعكف بضم الكاف وكسرها عكفا إذا لزم ~~الشيء وأقام عليه فهو عاكف / وقيل : إذا أقبل عليه لا يصرف عنه وجهه . # المسألة الثانية : في هذه الأوصاف الثلاثة قولان ، الأول : وهو الأقرب أن ~~يحمل ذلك على فرق ثلاثة ، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ، ~~فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين والعاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة ~~العطف ، فالمراد بالطائفين : من يقصد البيت حاجا أو معتمرا فيطوف به ، ~~والمراد بالعاكفين : من يقيم هناك ويجاور ، والمراد بالركع السجود : من ~~يصلي هناك . والقول الثاني : وهو قول عطاء : أنه إذا كان طائفا فهو من ~~الطائفين ، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين ، وإذا كان مصليا فهو من الرجع ~~السجود ms1129 . # المسألة الثالثة : هذه الآية ، تدل على أمور . أحدها : أنا إذا فسرنا ~~الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة ~~، لأنه تعالى كما خصهم بالطواف دل على أن لهم به مزيد اختصاص . وروي عن ابن ~~عباس ومجاهد وعطاء : أن الطواف لأهل الأمصار أفضل ، والصلاة لأهل مكة أفضل ~~. وثانيها : تدل الآية على جواز الاعتكاف في البيت . وثالثها : تدل على ~~جواز الصلاة في البيت فرضا كانت أو نفلا إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها ، ~~وهو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت ، فإن ~~قيل : لا نسلم دلالة الآية على ذلك ، لأنه تعالى لم يقل : والركع السجود في ~~البيت ، وكما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت ، وإنما دلت ~~على فعله خارج البيت ، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت ~~متوجها إليه ، قلنا : ظاهر الآية يتناول الركوع والسجود إلى البيت ، سواء ~~كان ذلك في البيت أو خارجا عنه ، وإنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن ~~الطواف بالبيت هو أن / يطوف بالبيت ، ولا يسمى طائفا بالبيت من طاف في جوفه ~~، والله تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه ، لقوله تعالى : { ~~وليطوفوا بالبيت العتيق } ( الحج : 29 ) وأيضا المراد لو كان التوجه إليه ~~للصلاة ، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه ، إذا كان حاضر ~~والبيت والغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه ، واحتج مالك PageV04P048 ~~بقوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ومن كان داخل المسجد الحرام ~~لم يكن متوجها إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه . والجواب : أن المتوجه ~~الواحد يستحيل أن يكون متوجها إلى كل المسجد ، بل لا بد وأن يكون متوجها ~~إلى جزء من أجزائه ومن كان داخل البيت فهو كذلك فوجب أن يكون داخلا تحت ~~الآية . ورابعها : أن قوله : { للطائفين } يتناول مطلق الطواف سواء كان ~~منصوصا عليه في كتاب الله تعالى ، كقوله تعالى : { وليطوفوا بالبيت العتيق ~~} أو ثبت حكمه بالسنة ، أو كان من المندوبات . # ! 7 < { وإذ قال ms1130 إبراهيم رب اجعل هاذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات ~~من ءامن منهم بالله واليوم الا خر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار وبئس المصير } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 126 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي ~~حكاها الله تعالى ههنا ، قال القاضي : في هذه الآيات تقديم وتأخير ، لأن ~~قوله : { رب اجعل هاذا بلدا آمنا } لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود ، ~~والذي ذكره من بعد وهو قوله : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } ( ~~البقرة : 128 ) وإن كان متأخرا في التلاوة فهو متقدم في المعنى ، وههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة ~~بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه ، فلولا ~~الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها . ثم إن الله تعالى أجاب ~~دعاءه وجعله آمنا من الآفات ، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل ~~بأصحاب الفيل ، وههنا سؤالان : # السؤال الأول : أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها ~~بكل سوء وتم له ذلك ؟ # الجواب : لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها ، بل كان مقصوده شيئا آخر . # السؤال الثاني : المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمنا كثير الخصب ~~، وهذا مما يتعلق / بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها . # والجواب عنه من وجوه ، أحدها : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين ~~، كان ذلك من أعظم أركان الدين ، فإذا كان البلد آمنا وحصل فيه الخصب تفرغ ~~أهله لطاعة الله تعالى ، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك . ~~وثانيها : أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا ~~كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة . وثالثها : لا يبعد أن يكون الأمن ~~والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر ~~المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة . ~~PageV04P049 # المسألة الثانية : { بلدا آمنا } يحتمل ms1131 وجهين . أحدهما : مأمون فيه كقوله ~~تعالى : { فى عيشة راضية } ( القارعة : 7 ) أي مرضية . والثاني : أن يكون ~~المراد أهل البلد كقوله : { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) أي أهلها وهو ~~مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد . # المسألة الثالثة : اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه . ~~أحدها : سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع . ~~وثانيها : سأله الأمن من الخسف والمسخ . وثالثها : سأله الأمن من القتل وهو ~~قول أبو بكر الرازي ، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولا ، ثم ~~سأله الرزق ثانيا ، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال ~~الرزق بعده تكرارا فقال في هذه الآية : { رب اجعل هاذا بلدا آمنا وارزق ~~أهله من الثمرات } وقال في آية أخرى : { رب اجعل هاذا البلد امنا } ثم قال ~~في آخر القصة : { ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع } إلى قوله : { ~~وارزقهم من الثمرات } ( إبراهيم : 37 ) واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل ~~أن يقول : لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف والمسخ ، أو لعله الأمن من ~~القحط ، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد ~~يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب ~~التوسعة العظيمة . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة ~~إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون : إنها كانت ~~كذلك أبدا لقوله عليه السلام : ( إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ) ~~وأيضا قال إبراهيم : { ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك ~~المحرم } ( إبراهيم : 37 ) وهذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك ، ثم إن ~~إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء ، وقال آخرون : إنها إنما صارت حرما ~~آمنا بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت لسائر البلاد والدليل عليه قوله ~~عليه السلام : ( اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ) . والقول ~~الثالث : إنها كانت حراما قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي ms1132 صارت به حراما ~~بعد الدعوة . فالأول : يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من ~~التعظيم . والثاني : بالأمر على ألسنة الرسل . # / المسألة الخامسة : إنما قال في هذه السورة : { بلدا آمنا } على التنكير ~~وقال في سورة إبراهيم : { هاذا البلد امنا } على التعريف لوجهين . الأول : ~~أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا ، كأنه قال : اجعل هذا ~~الوادي بلدا آمنا لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : { ربنا إنى أسكنت من ذريتى ~~بواد غير ذى زرع } ( إبراهيم : 37 ) فقال : ههنا اجعل هذا الوادي بلدا آمنا ~~، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا ، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي ~~صيرته بلدا ذا أمن وسلامة ، كقولك : جعلت هذا الرجل آمنا . الثاني : أن ~~تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلدا ، فقوله : { اجعل هاذا بلدا ~~آمنا } تقديره : اجعل هذا البلد بلدا آمنا ، كقولك : كان اليوم يوما حارا ، ~~وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ، لأن التنكير يدل على المبالغة ~~، فقوله : { رب اجعل هاذا بلدا آمنا } معناه : اجعله من البلدان الكاملة في ~~الأمن ، وأما قوله : { رب اجعل هاذا البلد امنا } فليس فيه إلا طلب الأمن ~~لا طلب المبالغة ، وأما قوله : { وارزق أهله من الثمرات } فالمعنى أنه عليه ~~السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم ، فاستجاب الله PageV04P050 تعالى ~~له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء ، أما قوله : { من الثمرات من } فهو ~~يدل من قوله : { أهله } يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة ، وهو كقوله : { ~~ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ( آل عمران : 97 ) واعلم ~~أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوما كفارا بقوله : { لا ينال عهدي الظالمين } ~~( البقرة : 124 ) لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا ~~التخصيص النص والقياس ، أما النص فقوله تعالى : { فلا تأس على القوم ~~الكافرين } ( المائدة : 124 ) وأما القياس فمن وجهين : # الوجه الأول : أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته ، قال ~~الله تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) فصار ذلك تأديبا ~~في المسألة ms1133 ، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة ، ~~لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه ~~بقوله : { فأمتعه قليلا } الفرق بين النبوة ورزق الدنيا ، لأن منصب النبوة ~~والإمامة لا يليق بالفاسقين ، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم ~~والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين ~~لومة لائم وسطوة جبار ، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر ~~والصادق والمنافق ، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه ، ومن كفر فالنار مستقره ~~ومأواه . # الوجه الثاني : يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل ~~كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس ~~إلى الحج ، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب ، أما قوله تعالى : { ومن كفر ~~فأمتعه قليلا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { فأمتعه } بسكون الميم خفية من أمتعت ، ~~والباقون بفتح الميم مشددة من متعت ، والتشديد يدل على التكثير بخلاف ~~التخفيف . # المسألة الثانية : أمتعه قيل : بالرزق ، وقيل : بالبقاء في الدنيا ، وقيل ~~: بهما إلى خروج محمد صلى الله عليه وسلم فيقتله أو يخرجه من هذه الديار إن ~~أقام على الكفر ، والمعنى أن الله / تعالى كأنه قال : إنك وإن كنت خصصت ~~بدعائك المؤمنين فإني أمتع الكافر منهم بعاجل الدنيا ، ولا أمنعه من ذلك ما ~~أتفضل به على المؤمنين إلى أن يتم عمره فأقبضه ثم اضطره في الآخرة إلى عذاب ~~النار ، فجعل ما رزق الكافر في دار الدنيا قليلا ، إذ كان واقعا في مدة ~~عمره ، وهي مدة واقعة فيما بين الأزل والأبد ، وهو بالنسبة إليهما قليل جدا ~~، والحاصل أن الله تعالى بين أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في ~~الآخرة ، بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت وتتخلص منه إلى ~~الآخرة ، أما قوله : { ثم أضطره إلى عذاب النار } فاعلم أن في الإضطرار ~~قولين : أحدهما : أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه وههنا كذلك ، كما ~~قال الله تعالى : { يوم يدعون ms1134 إلى نار جهنم دعا } و { يوم * يسبحون * فى ~~النار على وجوههم } ( القمر : 48 ) يقال : اضطررته إلى الأمر أي الجأته ~~وحملته عليه من حيث كان كارها له ، وقالوا : إن أصله من الضر وهو إدناء ~~الشيء من الشيء ، ومنه ضرة المرأة لدنوها وقربها . والثاني : أن الإضطرار ~~هو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختيارا ، ~~كقوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد } ( البقرة : 173 ) ( الأنعام : ~~145 ) ( النحل : 115 ) فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة ، وإن كان ذلك ~~الأكل فعله فيكون المعنى : أن الله تعالى يلجئه إلى أن يختار النار ~~والإستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه ، لأن من هذا حاله ~~يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار ، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير ، لأن نعم ~~المصير ما ينال فيه النعيم والسرور ، وبئس المصير ضده . # PageV04P051 ! 7 < { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا ~~تقبل منآ إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت ~~العزيز الحكيم } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 127 - 129 ) وإذ يرفع إبراهيم . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم ~~وإسماعيل عليهما السلام ، وهو أنهما عند بناء البيت ذكرا ثلاثة من الدعاء ~~ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وإذ يرفع } حكاية حال ماضية والقواعد جمع ~~قاعدة وهي الأساس ، والأصل لما فوقه ، وهي صفة غالبة ، ومعناها الثابتة ، ~~ومنه أقعدك الله أي أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك ورفع الأساس البناء عليها ~~، لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت ~~بعد التقاصر ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي ~~يبنى عليه ويوضع فوقه ، ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافا ~~فوق ساف فقد رفع السافات والله أعلم . # المسألة الثانية : الأكثرون من أهل الأخبار ms1135 على أن هذا البيت كان موجودا ~~قبل إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله : { ~~وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت ~~موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكا ~~لإبراهيم عليه السلام في رفع قواعد البيت وبنائه ؟ قال الأكثرون : إنه كان ~~شريكا له في ذلك والتقدير وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت ~~والدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلا بد وأن يكون ذلك العطف ~~في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها ولم يتقدم إلا ذكر رفع قواعد البيت موجب ~~أن يكون إسماعيل معطوفا على إبراهيم في ذلك ، ثم ان اشتراكهما في ذلك يحتمل ~~وجهين . أحدهما : أن يشتركا في البناء ورفع الجدران . والثاني : أن يكون ~~أحدهما بانيا للبيت والآخر يرفع إليه الحجر والطين ، ويهيىء له الآلات ~~والأدوات ، وعلى الوجهين تصح إضافة الرفع إليهما ، وإن كان الوجه الأول ~~أدخل في الحقيقة ومن الناس من قال : إن إسماعيل في ذلك الوقت كان طفلا ~~صغيرا وروي معناه عن علي رضي الله عنه ، وأنه لما بنى البيت خرج وخلف ~~إسماعيل وهاجر فقالا : إلى من تكلنا ؟ فقال إبراهيم : إلى الله فعطش ~~إسماعيل فلم ير شيئا من الماء فناداهما جبريل عليه السلام وفحص الأرض ~~بأصبعه فنبعت زمزم وهؤلاء جعلوا الوقف على قوله : { من البيت } ثم ابتدؤا : ~~وإسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى هذا التقدير يكون ~~إسماعيل شريكا PageV04P052 في الدعاء لا في البناء ، وهذا التأويل ضعيف لأن ~~قوله : { تقبل منا } ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى ~~المذكور السابق وهو رفع البيت فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو الله بأن ~~يتقبله منه ، فإذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده والله أعلم . # المسألة الرابعة : إنما قال : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } ولم ~~يقل يرفع قواعد البيت لأن في إبهام القواعد ms1136 وتبيينها بعد الإبهام من تفخيم ~~الشأن ما ليس في العبارة الأخرى ، واعلم أن الله تعالى حكى عنهما بعد ذلك ~~ثلاثة أنواع من الدعاء . # / النوع الأول : في قوله تعالى : { تقبل منا إنك أنت السميع العليم } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في تفسير قوله : { تقبل منا } فقال المتكلمون : ~~كل عمل يقبله الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه ، والذي لا يثيبه عليه ~~ولا يرضاه منه فهو المردود ، فههنا عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر ، ~~فذكر لفظ القبول وأراد به الثواب والرضا لأن التقبل هو أن يقبل الرجل ما ~~يهدى إليه ، فشبه الفعل من العبد بالعطية ، والرضا من الله بالقبول توسعا . ~~وقال العارفون : فرق بين القبول والتقبل فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف ~~الإنسان في قبوله وذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصا لا يستحق أن يقبل ~~فهذا اعتراف منهما بالتقصير في العمل ، واعتراف بالعجز والانكسار ، وأيضا ~~فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه ، لأن كون الفعل واقعا موقع القبول من ~~المخدوم ألذ عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه وتمام تحقيقه سيأتي في ~~تفسير المحبة في قوله تعالى : { والذين ءامنوا أشد حبا لله } ( البقرة : ~~165 ) والله أعلم . # المسألة الثانية : إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى الله ~~تعالى في قبولها وطلبوا الثواب عليها على ما قاله المتكلمون ، ولو كان ~~ترتيب الثواب على الفعل المقرون بالإخلاص واجبا على الله تعالى ، لما كان ~~في هذا الدعاء والتضرع فائدة ، فإنه يجري مجرى أن الإنسان يتضرع إلى الله ~~فيقول : يا إلهي اجعل النار حارة والجمد باردا بل ذلك الدعاء أحسن لأنه لا ~~استبعاد عند المتكلم في صيرورة النار حال بقائها على صورتها في الإشراق ~~والاشتعال باردة ، والجمد حال بقائه على صورته في الإنجماد والبياض حارا ~~ويستحيل عند المعتزلة أن لا يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون ~~الدعاء ههنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجب للعبد على الله شيء ~~أصلا والله أعلم . # المسألة الثانية : إنما عقب هذا الدعاء بقوله : { إنك ms1137 أنت السميع العليم ~~} كأنه يقول : تسمع دعاءنا وتضرعنا ، وتعلم ما في قلبنا من الإخلاص وترك ~~الالتفات إلى أحد سواك . فإن قيل : قوله : { إنك أنت السميع العليم } يفيد ~~الحصر وليس الأمر كذلك ، فإن غيره قد يكون سميعا . قلنا : إنه سبحانه ~~لكماله في هذه الصفة يكون كأنه هو المختص بها دون غيره . # النوع الثاني : من الدعاء قوله : { ربنا واجعلنا مسلمين لك } وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله : { ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك } فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد ، ~~أو الاستسلام والانقياد ، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة : ~~وجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلا خلق ذلك فيهما ، فإن الجعل عبارة عن ~~الخلق ، قال الله PageV04P053 تعالى : { وجعل الظلمات والنور } ( الأنعام : ~~1 ) فدل هذا على أن الإسلام مخلوق لله تعالى ، فإن قيل : هذه الآية متروكة ~~الظاهر لأنها تقتضي أنهما وقت السؤال غير مسلمين ، إذ لو كانا مسلمين لكان ~~طلب أن يجعلهما مسلمين طلبا لتحصيل الحاصل وإنه باطل ، لكن المسلمين أجمعوا ~~على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين ، ولأن صدور هذا الدعاء منهما لا يصلح ~~إلا بعد أن كانا / مسلمين ، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسك ~~بها ، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر ، لكن لا نسلم أن الجعل عبارة عن ~~الخلق والإيجاد ، بل له معان أخر سوى الخلق . أحدها : جعل بمعنى صير ، قال ~~الله تعالى : { هو الذى جعل لكم اليل * لباسا والنوم سباتا وجعل النهار ~~نشورا } ( الفرقان : 47 ) . وثانيها : جعل بمعنى وهب ، نقول : جعلت لك هذه ~~الضيعة وهذا العبد وهذا الفرس . وثالثها : جعل بمعنى الوصف للشيء والحكم به ~~كقوله تعالى : { وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : ~~19 ) ، وقال : { وجعلوا لله شركاء الجن } ( الأنعام : 10 ) . ورابعها : ~~جعله كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى : { وجعلناهم أئمة } ( الأنبياء : 73 ) ~~يعني أمرناهم بالاقتداء بهم ، وقال : { إنى جاعلك للناس إماما } ( البقرة : ~~124 ) فهو بالأمر . وخامسها : أن يجعله بمعنى التعليم كقوله : جعلته كاتبا ~~وشاعرا إذا علمته ذلك . وسادسها ms1138 : البيان والدلالة تقول : جعلت كلام فلان ~~باطلا إذا أوردت من الحجة ما يبين بطلان ذلك ، إذا ثبت ذلك فنقول : لم لا ~~يجوز أن يكون المراد وصفهما بالإسلام والحكم لهما بذلك كما يقال : جعلني ~~فلان لصا وجعلني فاضلا أديبا إذا وصفه بذلك ، سلمنا أن المراد من الجعل ~~الخلق ، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى ~~الإسلام وتوفيقهما لذلك فمن وفقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها فقد جعله ~~مسلما له ، ومثاله : من يؤدب ابنه حتى يصير أديبا فيجوز أن يقال : صيرتك ~~أديبا وجعلتك أديبا ، وفي خلاف ذلك يقال : جعل ابنه لصا محتالا ، سلمنا أن ~~ظاهر الآية يقتضي كونه تعالى خالقا للإسلام ، لكنه على خلاف الدلائل ~~العقلية فوجب ترك القول به ، وإنما قلنا : أنه على خلاف الدلائل العقلية ~~لأنه لو كان فعل العبد خلقا لله تعالى لما استحق العبد به مدحا ولا ذما ، ~~ولا ثوابا ولا عقابا ، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد ~~. والجواب : قوله : الآية متروكة الظاهر ، قلنا : لا نسلم وبيانه من وجوه . ~~الأول : أن الإسلام عرض قائم بالقلب وأنه لا يبقى زمانين فقوله : { واجعلنا ~~مسلمين لك } أي اخلق هذا العرض فينافي الزمان المستقبل دائما ، وطلب تحصيله ~~في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال . الثاني : أن يكون المراد منه ~~الزيادة في الإسلام كقوله : { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } ( الفتح : 4 ) ~~، { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) وقال إبراهيم : { ولاكن ~~ليطمئن قلبى } ( البقرة : 26 ) فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق ، ~~وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال . الثالث : أن الإسلام إذا أطلق ~~يفيد الإيمان والاعتقاد ، فأما إذا أضيف بحرف اللام كقوله : { مسلمين لك } ~~فالمراد الاستسلام له والانقياد والرضا بكل ما قدر وترك المنازعة في أحكام ~~الله تعالى وأقضيته ، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع ~~من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما ~~PageV04P054 بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال ، فثبت ~~بهذه الوجوه أن الآية ms1139 ليست متروكة الظاهر ، قوله : يحمل الجعل على الحكم ~~بذلك ، قلنا : هذا مدفوع من وجوه : # أحدها : أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة ، وإذا لم يكن ~~المطلوب / بالدعاء هو مجرد الوصف وجب حمله على تحصيل الصفة ، ولا يقال : ~~وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح وهو مرغوب فيه ، قلنا : نعم لكن الرغبة في تحصيل ~~نفس الشيء أكثر من الرغبة في تحصيل الوصف به والحكم به ، فكان حمله على ~~الأول أولى . وثانيها : أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك ~~والله تعالى لا يجوز عليه الكذب ، فكان ذلك الوصف حاصلا وأي فائدة في طلبه ~~بالدعاء . وثالثها : أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كل من سمى ~~إبراهيم مسلما جاز أن يقال جعله مسلما ، أما قوله : يحمل ذلك على فعل ~~الألطاف ، قلنا : هذا أيضا مدفوع من وجوه . أحدها : أن لفظ الجعل مضاف إلى ~~الإسلام فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر . وثانيها : أن تلك الألطاف قد ~~فعلها الله تعالى وأوجدها وأخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة ، فطلبها ~~يكون طلبا لتحصيل الحاصل وأنه غير جائز . وثالثها : أن تلك الألطاف إما أن ~~يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على الترك أو لا يكون ، فإن لم يكن لها ~~أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفا وإن كان لها أثر في الترجيح فنقول : ~~متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح إما ~~أن يجب الفعل أو يمتنع أو لا يجب ولا يمتنع ، فإن وجب فهو المطلوب ، وإن ~~امتنع فهو مانع لا مرجح ، وإن لم يجب ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه ~~تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع إما أن يكون لانضمام أمر ~~إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول كان المرجح ~~مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح ~~أصلا وقد فرضناه كذلك هذا خلف ، وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن ~~المساوي ms1140 على الآخر من غير مرجح وهو محال ، فثبت أن القول بهذا اللطف غير ~~معقول ، قوله : الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله ~~تعالى وهو فصل المدح والذم ، قلنا : إنه معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي ~~على ما تقدم تقريره مرارا وأطوارا والله أعلم . # واعلم أن السؤال المشهور في هذه الآية من أنهما لما كانا مسلمين فكيف ~~طلبا الاسلام ؟ قد أدرجناه في هذه المسألة وذكرنا عنه أجوبة شافية كافية ~~والحمد لله على ذلك ، ثم إن الذي يدل من جهة العقل على أن صيرورتهما مسلمين ~~له سبحانه لا يكون إلا منه سبحانه وتعالى ما ذكرنا أن القدرة الصالحة ~~للإسلام هل هي صالحة لتركه أم لا ؟ فإن لم تكن صالحة لتركه فتلك القدرة ~~موجبة فخلق تلك القدرة الموجبة فيهما جعلهما مسلمين ، وإن كانت صالحة لتركه ~~فهو باطل ومع تسليم إمكانه فالمقصود حاصل أما بطلانه فلان الترك عبارة عن ~~بقاء الشيء على عدمه الأصل والعدم نفي محض فيستحيل أن يكون للقدرة فيه أثر ~~ولأنه عدم باق والباقي لا يكون متعلق القدرة فثبت بهذا أنه لا قدرة على ذلك ~~العدم المستمر ، فإذن لا قدرة إلا على الوجود ، فالقدرة غير صالحة إلا ~~للوجود ، وأما أن بتقدير تسليم كون القدرة صالحة للوجود والعدم فالمقصود ~~حاصل ، فلأن تلك القدرة الصالحة لا تختص بطرف الوجود إلا لمرجح ، ويجب ~~انتهاء المرجحات إلى فعل PageV04P055 الله تعالى قطعا للتسلسل ، وعند حصول ~~/ المرجح من الله تعالى يجب وقوع الفعل ، فثبت أن قوله : { ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك } هو الذي يصح على قوانين الدلائل العقلية . # المسألة الثانية : قوله : { ربنا واجعلنا مسلمين لك } يفيد الحصر أي نكون ~~مسلمين لك لا لغيرك وهذا يدل على أن كمال سعادة العبد في أن يكون مسلما ~~لاحكام الله تعالى وقضائه وقدره ، وأن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سواه ، ~~وهذا هو المراد من قول إبراهيم عليه السلام في موضع آخر : { فإنهم عدو لى ~~إلا رب العالمين } ( الشعراء : 77 ) ثم ههنا قولان : أحدهما : : { ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك } أي موحدين ms1141 مخلصين لا نعبد إلا إياك . والثاني : قائمين ~~بجميع شرائع الإسلام وهو الأوجه لعمومه . # المسألة الثالثة : أما إن العبد لا يخاطب الله تعالى وقت الدعاء إلا ~~بقوله : ربنا فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في تفسير قوله : { وقال ربكم ~~ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) في شرائط الدعاء . # أما قوله تعالى : { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } فالمعنى : واجعل من ~~أولادنا و ( من ) للتبعيض وخص بعضهم لأنه تعالى أعلمهما أن في ذريتهما ~~الظالم بقوله تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) ومن ~~الناس من قال : أراد به العرب لأنهم من ذريتهما ، و ( أمة ) قيل هم أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله : { وابعث فيهم رسولا منهم } وههنا ~~سؤالات : # السؤال الأول : قد بينا أن قوله : { لا ينال عهدي الظالمين } كما يدل على ~~أن في ذريته من يكون ظالما فكذلك يوجد فيهم من لا يكون ظالما ، فاذن كون ~~بعض ذريته أمة مسلمة صار معلوما بتلك الآية فما الفائدة في طلبه بالدعاء ~~مرة أخرى ؟ # الجواب : تلك الدلالة ما كانت قاطعة ، والشفيق بسوء الظن مولع . # السؤال الثاني : لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجري مجرى البخل في ~~الدعاء ؟ # والجواب : الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال الله تعالى : { قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا } ( التحريم : 6 ) ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم ~~غيرهم وتابعهم على الخيرات ، ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء إذا ~~كانوا على السداد كيف يتسببون إلى سداد من وراءهم . # السؤال الثالث : الظاهر أن الله تعالى لو رد هذا الدعاء لصرح بذلك الرد ~~فلما لم يصرح بالرد علمنا أنه أجابه إليه ، وحينئذ يتوجه الإشكال ، فإن في ~~زمان أجداد محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد من العرب مسلما ، ولم يكن ~~أحد سوى العرب من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام . # والجواب : قال القفال : أنه لم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده ولا ~~يشرك به شيئا ، ولم تزل الرسل من ذرية إبراهيم ، وقد كان في الجاهلية : زيد ~~بن عمرو بن نفيل ، وقس بن ساعدة ، ويقال ms1142 عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وعامر بن الظرب كانوا على دين الإسلام يقرون بالإبداء ~~والإعادة ، والثواب والعقاب ، ويوحدون الله تعالى ، ولا يأكلون الميتة ، ~~ولا يعبدون الأوثان . # / أما قوله تعالى : { وأرنا مناسكنا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في { أرنا } قولان ، الأول : معناه علمنا شرائع حجنا إذ ~~أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعوا PageV04P056 الناس إلى حجه ، فعلمنا ~~شرائعه وما ينبغي لنا أن نأتيه فيه من عمل وقول مجاز هذا من رؤية العلم ، ~~قال الله تعالى : { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } ( الفرقان : 45 ) ، { ألم ~~تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } ( الفيل : 1 ) . الثاني : أظهرها لأعيننا ~~حتى نراها . قال الحسن : إن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم المناسك كلها ، ~~حتى بلغ عرفات ، فقال : يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك ؟ قال : نعم ~~فسميت عرفات فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه ~~الطريق ، فأمره جبريل عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات ففعل ، فذهب الشيطان ~~ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع كل ذلك يأمره جبريل عليه السلام ~~برمي الحصيات . # وههنا قول ثالث وهو أن المراد العلم والرؤية معا . وهو قول القاضي لأن ~~الحج لايتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى ، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا ~~بالرؤية ، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعا وهذا ضعيف ، لأنه يقتضي حمل ~~اللفظ على الحقيقة والمجاز معا وأنه جائز ، فبقي القول المعتبر وهو القولان ~~الأولان ، فمن قال بالقول الثاني قال : إن المناسك هي المواقف والمواضع ~~التي يقام فيها شرائع الحج كمنى وعرفات والمزدلفة ونحوها ، ومن قال بالأول ~~قال : إن المناسك هي أعمال الحج كالطواف والسعي والوقوف . # المسألة الثانية : النسك هو التعبد ، يقال للعابد ناسك ثم سمي الذبح نسكا ~~والذبيحة نسيكة ، وسمي أعمال الحج مناسك . قال عليه السلام : ( خذوا عني ~~مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ) . والمواضع التي تقام فيها شرائع ~~الحج تسمى : مناسك أيضا ، ويقال : المنسك بفتح السين بمعنى الفعل ، وبكسر ~~السين بمعنى المواضع ، كالمسجد والمشرق ms1143 والمغرب ، قال الله تعالى : { لكل ~~أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه } ( الحج : 67 ) قرىء بالفتح والكسر ، وظاهر ~~الكلام يدل على الفعل ، وكذلك قوله عليه السلام : ( خذوا عني مناسككم ) ~~أمرهم بأن يتعلموا أفعاله في الحج لا أنه أراد : خذوا عني مواضع نسككم إذا ~~عرفت هذا فنقول : إن حملنا المناسك على مناسك الحج ، فإن حملناها على ~~الأفعال فالإراءة لتعريف تلك الأعمال ، وإن حملناها على المواضع فالإراءة ~~لتعريف البقاع ومن المفسرين من حمل المناسك على الذبيحة فقط ، وهو خطأ ، ~~لأن الذبيحة إنما تسمى نسكا لدخولها تحت التعبد ، ولذلك لا يسمون ما يذبح ~~للأكل بذلك فما لأجله سميت الذبيحة نسكا ، وهو كونه عملا من أعمال الحج ~~قائم في سائر الأعمال ، فوجب دخول الكل فيه وأن حملنا المناسك على ما يرجع ~~إليه أصل هذه اللفظة من العبادة والتقرب إلى الله تعالى ، واللزوم لما ~~يرضيه وجعل ذلك عاما لكل ما شرعه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام فقوله : ~~{ وأرنا مناسكنا } أي علمنا كيف نعبدك ، وأين نعبدك وبماذا نتقرب إليك حتى ~~نخدمك به كما يخدم العبد مولاه . # / المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو في بعض الروايات { أرنا } ~~بإسكان الراء في كل القرآن ، ووافقهما عاصم وابن عامر في حرف واحد ، في حم ~~السجدة { أرنا * الذين * أضلانا } ( فصلت : 29 ) وقرأ أبو عمرو في بعض ~~الروايات الظاهرة عنه باختلاس كسرة الراء من غير إشباع في كل القرآن ، ~~والباقون بالكسرة مشبعة ، وأصله أرئنا بالهمزة المكسورة ، نقلت كسرة الهمزة ~~إلى الراء وحذفت الهمزة وهو الاختيار لأن أكثر القراء عليه ، ولأنه سقطت ~~الهمزة فلا ينبغي أن تسكن الراء لئلا يجحف بالكلمة وتذهب الدلالة على ~~الهمزة ، وأما التسكين فعلى حذف الهمزة وحركتها وعلى التشبيه بما سكن ~~كقولهم : فخذ وكبد ، وأما PageV04P057 الاختلاس فلطلب الخفة وبقاء الدلالة ~~على حذف الهمزة . # أما قوله : { وتب علينا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج من جوز الذنب على الأنبياء بهذه الآية قال : لأن ~~التوبة مشروطة بتقدم الذنب ، فلولا تقدم الذنب وإلا لكان طلب التوبة طلبا ~~للمحال ، وأما المعتزلة فقالوا : إنا نجوز الصغيرة ms1144 على الأنبياء فكانت هذه ~~التوبة توبة من الصغيرة ، ولقائل أن يقول : إن الصغائر قد صارت مكفرة بثواب ~~فاعلها وإذا صارت مكفرة فالتوبة عنها محال ، لأن تأثير التوبة في إزالتها ~~وإزالة الزائل محال . # وههنا أجوبة أخر تصلح لمن جوز الصغائر ولمن لم يجوزها ، وهي من وجوه . ~~أولها : يجوز أن يأتي بصورة التوبة تشددا في الإنصراف عن المعصية ، لأن من ~~تصور نفسه بصورة النادم العازم على التحرز الشديد ، كان أقرب إلى ترك ~~المعاصي ، فيكون ذلك لطفا داعيا إلى ترك المعاصي ، وثانيها : أن العبد وإن ~~اجتهد في طاعة ربه فإنه لاينفك عن التقصير من بعض الوجوه : إما على سبيل ~~السهو ، أو على سبيل ترك الأولى ، فكان هذا الدعاء لأجل ذلك . وثالثها : ~~أنه تعالى لما أعلم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته من يكون ظالما عاصيا ، ~~لا جرم سأل ههنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة ، ثم طلب منه أن يوفق أولئك ~~العصاة المذنبين للتوبة فقال : { وتب علينا } أي على المذنبين من ذريتنا ، ~~والأب المشفق على ولده إذا أذنب ولده فاعتذر الوالد عنه فقد يقول : أجرمت ~~وعصيت وأذنبت فاقبل عذري ويكون مراده : إن ولدي أذنب فاقبل عذره ، لأن ولد ~~الإنسان يجري مجرى نفسه ، والذي يقوي هذا التأويل وجوه . الأول : ما حكى ~~الله تعالى في سورة إبراهيم أنه قال : { واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام * رب ~~إنهم * أضللن كثيرا من الناس فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم ~~} ( إبراهيم : 35 ، 36 ) فيحتمل أن يكون المعنى : ومن عصاني فإنك قادر على ~~أن تتوب عليه إن تاب ، وتغفر له ما سلف من ذنوبه . الثاني : ذكر أن في ~~قراءة عبد الله : وأرهم مناسكهم وتب عليهم . الثالث : أنه قال عطفا على هذا ~~: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } . الرابع : تأولوا قوله تعالى : { ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم } ( الأعراف : 11 ) بجعل خلقه إياه خلقا لهم إذ كانوا ~~منه ، فكذلك لا يبعد أن يكون قوله : { أرنا * مناسكنا } أي أر ذريتنا . # / المسألة الثانية : احتج الأصحاب بقوله : { وتب علينا } على أن فعل ~~العبد خلق ms1145 لله تعالى ، قالوا لأنه عليه السلام طلب من الله تعالى أن يتوب ~~عليه ، فلو كانت التوبة مخلوقة للعبد ، لكان طلبها من الله تعالى محالا ~~وجهلا ، قالت المعتزلة : هذا معارض بما أن الله تعالى طلب التوبة منا . ~~فقال : { تعملون يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا } ( التحريم ~~: 8 ) ولو كانت فعلا لله تعالى ، لكان طلبها من العبد محالا وجهلا ، وإذا ~~ثبت ذلك حمل قوله : { وتب علينا } على التوفيق وفعل الألطاف أو على قبول ~~التوبة من العبد ، قال الأصحاب : الترجيح معنا لأن دليل العقل يعضد قولنا ~~من وجوه . أولها : أنه متى لم يخلق الله تعالى داعية موجبة للتوبة استحال ~~حصول التوبة ، فكانت التوبة من الله تعالى لا من العبد ، وتقرير دليل ~~الداعي قد تقدم غير مرة . وثانيها : أن التوبة على ما لخصه الشيخ الغزالي ~~رحمه الله : عبارة عن مجموع أمور ثلاثة مرتبة : علم PageV04P058 وحال وعمل ~~، فالعلم أول والحال ثان وهو موجب العلم والعمل ثالث وهو موجب الحال ، أما ~~العلم فهو معرفة عظم ضرر الذنوب ، يتولد من هذه المعرفة تألم القلب بسبب ~~فوت المنفعة وحصول المضرة ، وهذا التألم هو المسمى بالندم ثم يتولد من هذا ~~الندم صفة تسمى : إرادة ولها تعلق بالحال والماضي والمستقبل ، أما تعلقه ~~بالحال فهو الترك للذنب الذي كان ملابسا له ، وأما بالاستقبال فبالعزم على ~~ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر ، وأما في الماضي فبتلافي ما ~~فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه ~~الخيرات وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين ، فإن الإيمان عبارة عن التصديق ~~بأن الذنوب سموم مهلكة واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق وانتفاء الشك عنه ~~واستيلائه على القلب ، ثم إن هذا اليقين مهما استولى على القلب اشتعل نار ~~الندم فيتألم به القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان ، أنه صار محجوبا عن ~~محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فرأى محبوبه قد أشرف على ~~الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فيتولد من تلك الحالة إرادته للانتهاض ~~للتدارك ms1146 إذا عرفت هذا فنقول : إن ترتب الفعل على الإرادة ضروري لأن الإرادة ~~الجازمة الخالية عن المعارض لا بد وأن يترتب عليها الفعل وترتب الإرادة على ~~تألم القلب أيضا ضروري ، فإن من تألم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه لا بد وأن ~~يحصل في قلبه إرادة الدفع وترتب ذلك الألم على العلم بكون ذلك الشيء جالبا ~~للمضار ، ودفعا للمنافع أيضا أمر ضروري ، فكل هذه المراتب ضرورية فكيف تحصل ~~تحت الاختبار والتكلف . # بقي أن يقال : الداخل تحت التكليف هو العلم ، إلا أن فيه أيضا إشكالا ، ~~لأن ذلك العلم إما أن يكون ضروريا أو نظريا ، فإن كان ضروريا لم يكن داخلا ~~تحت الاختبار والتكليف أيضا ، وإن كان نظريا فهو مستنتج عن العلوم الضرورية ~~. فمجموع تلك العلوم الضرورية المنتجة للعلم النظري الأول ، إما أن يكون ~~كافيا في ذلك الانتاج أو غير كاف ، فإن كان كافيا كان ترتب ذلك العلم ~~النظري المستنتج أولا على تلك العلوم الضرورية واجبا / والذي يجب ترتبه على ~~ما يكون / خارجا عن الاختيار ، كان أيضا خارجا عن الاختيار ، وإن لم يكن ~~كافيا فلا بد من شيء آخر ، فذلك الآخر إن كان من العلوم الضرورية فهو إن ~~كان حاصلا فالذي فرضناه غير كاف ، وقد كان كافيا ، هذا خلف ، وإن كان من ~~العلوم النظرية افتقر أول العلوم النظرية إلى علم نظري آخر قبله فلم يكن ~~أول العلوم النظرية أولا للعلوم النظرية ، وهذا خلف . ثم الكلام في ذلك ~~الأول كما فيما قبله فيلزم التسلسل وهو محال ، فثبت بما ذكرنا آخرا أن قوله ~~تعالى : { وتب علينا } محمول على ظاهره ، وهو الحق المطابق للدلائل العقلية ~~وأن سائر الآيات المعارضة لهذه الآية أولى بالتأويل . # أما قوله : { إنك أنت التواب الرحيم } فقد تقدم ذكره . # النوع الثالث : قوله : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } واعلم أنه لا شبهة ~~في أن قوله : { ربنا وابعث فيهم رسولا } يريد من أراد بقوله : { ومن ذريتنا ~~أمة مسلمة لك } لأنه المذكور من قبل ووصفه لذريته بذلك لا يليق إلا بأمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، فعطف ms1147 عليه بقوله تعالى : { ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم } وهذا الدعاء يفيد كمال حال ذريته من وجهين . أحدهما : أن يكون ~~فيهم رسول يكمل لهم الدين والشرع ويدعوهم إلى ما يثبتون به على الإسلام . ~~والثاني : أن يكون ذلك المبعوث منهم لا من غيرهم لوجوه . أحدها : ليكون ~~محلهم ورتبتهم في PageV04P059 العز والدين أعظم ، لأن الرسول والمرسل إليه ~~إذا كانا معا من ذريته ، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها . وثانيها : أنه ~~إذا كان منهم فإنهم يعرفون مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه ~~وأمانته . وثالثها : أنه إذا كان منهم كان أحرص الناس على خيرهم وأشفق ~~عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم ، إذا ثبت هذا فنقول : إذا كان مراد ~~إبراهيم عليه السلام عمارة الدين في الحال وفي المستقبل ، وكان قد غلب على ~~ظنه أن ذلك إنما يتم ويكمل بأن يكون القوم من ذريته حسن منه أن يريد ذلك ~~ليجتمع له بذلك نهاية المراد في الدين ، وينضاف إليه السرور العظيم بأن ~~يكون هذا الأمر في ذريته لأن لا عز ولا شرف أعلى من هذه الرتبة . وأما إن ~~الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فيدل عليه وجوه . أحدها : إجماع ~~المفسرين وهو حجة . وثانيها : ما روي عنه عليه السلام أنه قال : ( أنا دعوة ~~إبراهيم وبشارة عيسى ) وأراد بالدعوة هذه الآية ، وبشارة عيسى عليه السلام ~~ما ذكر في سورة الصف من قوله : { مبشرا * برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد } ( ~~الصف : 6 ) . وثالثها : أن إبراهيم عليه السلام إنما دعا بهذا الدعاء بمكة ~~لذريته الذين يكونون بها وبما حولها ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة وما ~~حولها إلا محمدا صلى الله عليه وسلم . # وههنا سؤال وهو أنه يقال : ما الحكمة في ذكر إبراهيم عليه السلام مع محمد ~~صلى الله عليه وسلم في باب الصلاة حيث يقال : اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ؟ # وأجابوا عنه من وجوه ، أولها : أن إبراهيم عليه السلام دعا لمحمد عليه ~~السلام حيث قال : { ربنا وابعث فيهم ms1148 رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك } فلما ~~وجب للخليل على الحبيب حق دعائه له / قضى الله تعالى عنه حقه بأن أجرى ذكره ~~على ألسنة أمته إلى يوم القيامة . وثانيها : أن إبراهيم عليه السلام سأل ~~ذلك ربه بقوله : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } ( الشعراء : 84 ) يعني ~~ابق لي ثناء حسنا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فأجابه الله تعالى إليه ~~وقرن ذكره بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن عليه في أمته . وثالثها : أن ~~إبراهيم كان أب الملة لقوله : { ملة أبيكم إبراهيم } ( الحج : 78 ) ومحمد ~~كان أب الرحمة ، وفي قراءة ابن مسعود : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~وهو أب لهم ) وقال في قصته : { بالمؤمنين * لرءوف رحيم } ( التوبة : 128 ) ~~وقال عليه السلام : ( إنما أنا لكم مثل الوالد ) ، يعني في الرأفة والرحمة ~~، فلما وجب لكل واحد منهم حق الأبوة من وجه قرب بين ذكرهما في باب الثناء ~~والصلاة . ورابعها : أن إبراهيم عليه السلام كان منادي الشريعة في الحج : { ~~وأذن فى الناس بالحج } ( الحج : 27 ) وكان محمد عليه السلام منادي الدين : ~~{ سمعنا مناديا ينادى للإيمان } ( آل عمران : 193 ) فجمع الله تعالى بينهما ~~في الذكر الجميل . # واعلم أنه تعالى لما طلب بعثة رسول منهم إليهم ، ذكر لذلك الرسول صفات . ~~أولها : قوله : { يتلو عليهم * ءاياتك } وفيه وجهان . الأول : أنها الفرقان ~~الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ~~ذلك ، فوجب حمله عليه . الثاني : يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدالة ~~على وجود الصانع وصفاته سبحانه وتعالى ، ومعنى تلاوته إياها عليهم : أنه ~~كان يذكرهم بها ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها . وثانيها : قوله : ~~{ ويعلمهم الكتاب } والمراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب ~~وحقائقه ، وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه : منها بقاء لفظها على ألسنة أهل ~~التواتر فيبقى مصونا عن التحريف PageV04P060 والتصحيف ، ومنها أن يكون لفظه ~~ونظمه معجزا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة ~~وطاعة ، ومنها أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة ، فهذا ms1149 ~~حكم التلاوة إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل ~~والأحكام ، فإن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى ونورا لما فيه من المعاني ~~والحكم والأسرار ، فلما ذكر الله تعالى أولا أمر التلاوة ذكر بعده تعليم ~~حقائقه وأسراره فقال : { ويعلمهم الكتاب } . الصفة الثالثة : من صفات ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قوله : ( والحكمة ) أي ويعلمهم الحكمة . واعلم ~~أن الحكمة هي : الإصابة في القول والعمل ، ولا يسمى حكيما إلا من اجتمع له ~~الأمران وقيل : أصلها من أحكمت الشيء أي رددته ، فكأن الحكمة هي التي ترد ~~عن الجهل والخطأ ، وذلك إنما يكون بما ذكرنا من الإصابة في القول والفعل ، ~~ووضع كل شيء موضعه . قال القفال : وعبر بعض الفلاسفة عن الحكمة بأنها ~~التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية . واختلف المفسرون في المراد بالحكمة ~~ههنا على وجوه . أحدها : قال ابن وهب قلت لمالك : ما الحكمة ؟ قال : معرفة ~~الدين ، والفقه فيه ، والاتباع له . وثانيها : قال الشافعي رضي الله عنه : ~~الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهو قول قتادة ، قال أصحاب ~~الشافعي رضي الله عنه : والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولا ~~وتعليمه ثانيا ثم عطف عليه الحكمة / فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئا ~~خارجا عن الكتاب ، وليس ذلك إلا سنة الرسول عليه السلام . فإن قيل : لم لا ~~يجوز حمله على تعليم الدلائل العقلية على التوحيد والعدل والنبوة ؟ قلنا : ~~لأن العقول مستقبلة بذلك فحمل هذا اللفظ على ما لا يستفاد من الشرع أولى . ~~وثالثها : الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل ، وهو مصدر بمعنى الحكم ، ~~كالقعدة والجلسة . والمعنى : يعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم ، وفصل أقضيتك ~~وأحكامك التي تعلمه إياها ، ومثال هذا : الخبر والخبرة ، والعذر والعذرة ، ~~والغل والغلة ، والذل والذلة . ورابعها : ويعلمهم الكتاب أراد به الآيات ~~المحكمة . ( والحكمة ) أراد بها الآيات المتشابهات . وخامسها : { يعلمهم * ~~الكتاب } أي يعلمهم ما فيه من الأحكام . ( والحكمة ) أراد بها أنه يعلمهم ~~حكمة تلك الشرائع وما فيها من وجوه المصالح والمنافع ، ومن الناس من قال : ~~الكل صفات الكتاب كأنه تعالى ms1150 وصفه بأنه آيات ، وبأنه كتاب ، وبأنه حكمة . ~~الصفة الرابعة : من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم : قوله : ( ويزكيهم ) ~~واعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين . أحدهما : أن يعرف الحق لذاته . ~~والثاني : أن يعرف الخير لأجل العمل به ، فإن أخل بشيء من هذين الأمرين لم ~~يكن طاهرا عن الرذائل والنقائص ، ولم يكن زكيا عنها ، فلما ذكر صفات الفضل ~~والكمال أردفها بذكر التزكية عن الرذائل والنقائص ، فقال : ( ويزكيهم ) ~~واعلم أن الرسول لا قدرة له على التصرف في بواطن المكلفين ، وبتقدير أن ~~تحصل له هذه القدرة لكنه لا يتصرف فيها وإلا لكان ذلك الزكاء حاصلا فيهم ~~على سبيل الجبر لا على سبيل الاختيار ، فإذن هذه التزكية لها تفسيران . ~~الأول : ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة ، حتى يكون ذلك كالسبب ~~لطهارتهم ، وتلك الأمور ما كان يفعله عليه السلام من الوعد والإيعاد ، ~~والوعظ والتذكير ، وتكرير ذلك عليهم ، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن ~~يؤمنوا ويصلحوا ، فقد كان عليه السلام يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوي ~~بها PageV04P061 دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح ، ولذلك مدحه تعالى ~~بأنه على خلق عظيم ، وأنه أوتي مكارم الأخلاق . الثاني : يزكيهم ، يشهد لهم ~~بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت ، كتزكية المزكي ~~الشهود ، والأول أجود لأنه أدخل في مشاكلة مراده بالدعاء ، لأن مراده أن ~~يتكامل لهذه الذرية الفوز بالجنة ، وذلك لا يتم إلا بتعليم الكتاب والحكمة ~~، ثم بالترغيب الشديد في العمل والترهيب عن الاخلال بالعمل وهو التزكية ، ~~هذا هو الكلام الملخص في هذه الآية ، وللمفسرين فيه عبارات . أحدها : قال ~~الحسن : يزكيهم : يطهرهم من شركهم ، فدلت الآية على أنه سيكون في ذرية ~~إسماعيل جهال لا حكمة فيهم ولا كتاب ، وأن الشرك ينجسهم ، وأنه تعالى يبعث ~~فيهم رسولا منهم يطهرهم ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم . وثانيها : التزكية ~~هي الطاعة لله والإخلاص عن ابن عباس . وثالثها : ويزكيهم عن الشرك وسائر ~~الأرجاس ، كقوله : { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبئث } ( الأعراف : 57 ~~) واعلم أنه عليه السلام لما ذكر هذه الدعوات ختمها ms1151 بالثناء على الله تعالى ~~فقال : { إنك أنت العزيز الحكيم } والعزيز : / هو القادر الذي لا يغلب ، ~~والحكيم هو العالم الذي لا يجهل شيئا ، وإذا كان عالما قادرا كان ما يفعله ~~صوابا ومبرأ عن العبث والسفه ، ولولا كونه كذلك لما صح منه إجابة الدعاء ~~ولا بعثة الرسل ، ولا إنزال الكتاب ، واعلم أن العزيز من صفات الذات إذا ~~أريد اقتداره على الأشياء وامتناعه من الهضم والذلة ، لأنه إذا كان منزها ~~عن الحاجات لم تلحقه ذلة المحتاج ، ولا يجوز أن يمنع من مراده حتى يلحقه ~~اهتضام ، فهو عزيز لا محالة ، وأما الحكيم فإذا أريد به معنى العليم فهو من ~~صفات الذات ، فإذا أريد بالعزة كمال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير ~~عليه ، وأريد بالحكمة أفعال الحكمة لم يكن العزيز والحكيم من صفات الذات بل ~~من صفات الفعل والفرق بين هذين النوعين من الصفات وجوه . أحدها : أن صفات ~~الذات أزلية ، وصفات الفعل ليست كذلك . وثانيها : أن صفات الذات لا يمكن أن ~~تصدق نقائضها في شيء من الأوقات ، وصفات الفعل ليست كذلك . وثالثها : أن ~~صفات الفعل أمور نسبية يعتبر في تحققها صدور الآثار عن الفاعل ، وصفات ~~الذات ليست كذلك ، واحتج النظام على أنه تعالى غير قادر على القبيح بأن قال ~~: الإله يجب أن يكون حكيما لذاته ، وإذا كان حكيما لذاته لم يكن القبيح ~~مقدورا / والحكمة لذاتها تنافي فعل القبيح ، فالإله يستحيل منه فعل القبيح ~~، وما كان محال لم يكن مقدورا ، إنما قلنا : الإله يجب أن يكون حكيما لأنه ~~لو لم يجب ذلك لجاز تبدله بنقيضه ، فحينئذ يلزم أن يكون الإله إلها مع عدم ~~الحكمة وذلك بالاتفاق محال ، وأما أن الحكمة تنافي فعل السفه فذلك أيضا ~~معلوم بالبديهة ، وأما أن مستلزم المنافي مناف فمعلوم بالبديهة ، فإذن ~~الإلهية لا يمكن تقريرها مع فعل السفه ، وأما أن المحال غير مقدور فبين ، ~~فثبت أن الإله لا يقدر على فعل القبيح . # والجواب عنه : أما على مذهبنا فليس شيء من الأفعال سفها منه فزال السؤال ~~والله أعلم . # ! 7 < { ومن يرغب عن ملة ms1152 إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه فى الا خرة لمن الصالحين } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 130 ) ومن يرغب عن . . . . . # > > PageV04P062 @63@ # اعلم أن الله تعالى بعد أن ذكر أمر إبراهيم عليه السلام وما أجراه على ~~يده من شرائف شرائعة التي ابتلاه بها ، ومن بناء بيته وأمره بحج عباد الله ~~إليه وما جبله الله تعالى عليه من الحرص على مصالح عباده ودعائه بالخير لهم ~~، وغير ذلك من الأمور التي سلف في هذه الآية السالفة عجب الناس فقال : { ~~ومن يرغب عن ملة إبراهيم } والإيمان بما أتى من شرائعه فكان في ذلك توبيخ ~~اليهود والنصارى ومشركي العرب لأن اليهود إنما يفتخرون به ويوصلون بالوصلة ~~التي بينهم وبينه / من نسب إسرائيل ، والنصارى فافتخارهم ليس بعيسى وهو ~~منتسب من جانب الأم إلى إسرائيل ، وأما قريش فإنهم إنما نالوا كل خير في ~~الجاهلية بالبيت الذي بناه فصاروا لذلك يدعون إلى كتاب الله ، وسائر العرب ~~وهم العدنانيون فمرجعهم إلى إسماعيل وهم يفتخرون على القحطانيين بإسماعيل ~~بما أعطاه الله تعالى من النبوة ، فرجع عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم ~~عليه السلام ، ولما ثبت أن إبراهيم عليه السلام هو الذي طلب من الله تعالى ~~بعثة هذا الرسول في آخر الزمان وهو الذي تضرع إلى الله تعالى في تحصيل هذا ~~المقصود ، فالعجب ممن أعظم مفاخره وفضائله الانتساب إلى إبراهيم عليه ~~السلام ، ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوة إبراهيم عليه السلام ومطلوبه ~~بالتضرع لا شك أن هذا مما يستحق أن يتعجب منه . # أما قوله : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : يقال : رغبت من الأمر إذا كرهته ، ورغبت فيه إذا أردته ~~. ( ومن ) الأول استفهام بمعنى الإنكار ، والثانية بمعنى الذي ، قال صاحب ~~الكشاف : ( من سفه ) في محل الرفع على البدل من الضمير في يرغب وإنما صح ~~البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك : هل جاءك أحد إلا زيد . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول ههنا سؤال وهو أن المراد بملة إبراهيم ~~هو الملة التي جاء بها ms1153 محمد عليه السلام لأن المقصود من الكلام ترغيب الناس ~~في قبول هذا الدين فلا يخلو إما أن يقال : إن هذه الملة عين ملة إبراهيم في ~~الأصول والفروع ، أو يقال : هذه الملة هي تلك الملة في الأصول أعني التوحيد ~~والنبوة ورعاية مكارم الأخلاق ، ولكنهما يختلفان في فروع الشرائع وكيفية ~~الأعمال . # أما الأول : فباطل لأنه عليه السلام كان يدعي أن شرعه نسخ كل الشرائع ، ~~فكيف يقال هذا الشرع هو عين ذلك الشرع . # وأما الثاني : فهو لا يفيد المطلوب لأن الاعتراف بالأصول أعني التوحيد ~~والعدل ومكارم الأخلاق والمعاد لا يقتضي الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، فكيف يتمسك بهذا الكلام في هذا المطلوب . # وسؤال آخر وهو أن محمدا صلى الله عليه وسلم لما اعترف بأن شرع إبراهيم ~~منسوخ ، ولفظ الملة يتناول الأصول والفروع ، فيلزم أن يكون محمد عليه ~~الصلاة والسلام راغبا أيضا عن ملة إبراهيم فيلزم ما ألزم عليهم . # وجوابه : أنه تعالى لما حكي عن إبراهيم عليه السلام أنه تضرع إلى الله ~~تعالى وطلب منه بعثه هذا الرسول ونصرته وتأييده ونشر شريعته ، عبر عن هذا ~~المعنى بأنه ملة إبراهيم فلما سلم اليهود والنصارى والعرب كون إبراهيم عليه ~~السلام محقا في مقاله ، وجب عليهم الاعتراف بنبوة / هذا الشخص الذي هو ~~مطلوب إبراهيم عليه السلام . PageV04P063 # قال السائل : إن القول ما سلموا أن إبراهيم طلب مثل هذا الرسول من الله ~~تعالى ، وإنما محمد عليه الصلاة والسلام روى هذا الخبر عن إبراهيم عليه ~~السلام ليبني على هذه الرواية إلزام أنه يجب عليهم الاعتراف بنبوة محمد ~~عليه السلام / فإذن لا تثبت نبوته ما لم تثبت هذه الرواية ، ولا تثبت هذه ~~الرواية ما لم تثبت نبوته ، فيفضي إلى الدور وهو ساقط ، سلمنا أن القوم ~~سلموا صحة هذه الرواية لكن ليس في هذه الرواية إلا أن إبراهيم طلب من الله ~~تعالى أن يبعث رسولا من ذريته وذرية إسماعيل ، فكيف القطع بأن ذلك الرسول ~~هو هذا الشخص ؟ فلعله شخص آخر سيجيء بعد ذلك ، وإذا جاز أن تتأخر إجابة هذا ~~الدعاء ms1154 بمقدار ألفي سنة ، وهو الزمان الذي بين إبراهيم وبين محمد عليهما ~~السلام ، فلم لا يجوز أن تتأخر بمقدار ثلاثة آلاف سنة حتى يكون المطلوب ~~بهذا الدعاء شخصا آخر سوى هذا الشخص المعين ؟ # والجواب عن السؤال الأول : لعل التوراة والإنجيل شاهدان بصحة هذه الرواية ~~، ولولا ذلك لكان اليهود والنصارى من أشد الناس مسارعة إلى تكذيبه في هذه ~~الدعوى . وعن الثاني : أن المعتمد في إثبات نبوته عليه السلام : ظهور ~~المعجز على يده ، وهو القرآن وإخباره عن الغيوب التي لا يعلمها إلا نبي مثل ~~هذه الحكايات ، ثم إن هذه الحجة تجري مجرى المؤكد للمقصود والمطلوب والله ~~تعالى أعلم . # المسألة الثالثة : في انتصاب ( نفسه ) قولان . الأول : لأنه مفعول ، قال ~~المبرد : سفه لازم ، وسفه متعد ، وعلى هذا القول وجوه . الأول : امتهنها ~~واستخف بها ، وأصل السفه الخفة ، ومنه زمام سفيه ، والدليل عليه ما جاء في ~~الحديث : ( الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس ) وذلك أنه إذا رغب عما لا يرغب ~~عنه عاقل قط فقد بالغ في إزالة نفسه وتعجيزها ، حيث خالف بها كل نفس عاقلة ~~. والثاني : قال الحسن : إلا من جهل نفسه وخسر نفسه ، وحقيقته أنه لا يرغب ~~عن ملة إبراهيم إلا من جهل فلم يفكر فيها ، فيستدل بما يجده فيها من آثار ~~الصنعة على وحدانية الله تعالى وعلى حكمته ، فيستدل بذلك على صحة نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم . والثالث : أهلك نفسه وأوبقها عن أبي عبيدة . والرابع ~~: أضل نفسه . القول الثاني : أن نفسه ليست مفعولا وذكروا على هذا القول ~~وجوها . الأول : أن نفسه نصب بنزع الخافض تقديره سفه في نفسه . والثاني : ~~أنه نصب على التفسير عن الفراء ومعناه سفه نفسا ثم أضاف وتقديره إلا السفيه ~~، وذكر النفس تأكيد كما يقال : هذا الأمر نفسه والمقصود منه المبالغة في ~~سفهه . الثالث : قرىء : { إلا من سفه نفسه } بتشديد الفاء ثم إنه تعالى لما ~~حكم بسفاهة من رغب عن ملة إبراهيم عليه السلام بين السبب فقال : { ولقد * ~~متاع فى الدنيا } والمراد به أنا إذا اخترناه للرسالة من دون سائر الخليقة ms1155 ~~، وعرفناه الملة التي هي جامعة للتوحيد والعدل والشرائع والأمامة الباقية ~~إلى قيام الساعة ثم أضيف إليه حكم الله تعالى فشرفه الله / بهذا اللقب الذي ~~فيه نهاية الجلالة لمن نالها من ملك من ملوك البشر فكيف من نالها من ملك ~~الملوك والشرائع فليحقق كل ذي لب وعقل أن الراغب عن ملته فهو سفيه ، ثم بين ~~أنه في الآخرة عظيم المنزلة ليرغب في مثل طريقته لينال مثل تلك المنزلة ، ~~وقيل في الآية تقديم وتأخير وتقديره : ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة ~~وإنه لمن الصالحين ، وإذا صح الكلام من غير تقديم وتأخير كان أولى ، قال ~~الحسن : من الذين يستوجبون الكرامة وحسن الثواب على كرم الله تعالى . # PageV04P064 ! 7 < { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 131 ) إذ قال له . . . . . # > > اعلم أن هذا النوع الخامس من الأمور التي حكاها الله عن إبراهيم عليه ~~السلام وفيه مسائل : # المسألة الأولى : موضع ( إذ ) نصب وفي عامله وجهان . الوجه الأول : أنه ~~نصب باصطفيناه ، أي اصطفيناه في الوقت الذي قال له ربه أسلم ، فكأنه تعالى ~~ذكر الاصطفاء ثم عقبه بذكر سبب الاصطفاء ، فكأنه لما أسلم نفسه لعبادة الله ~~تعالى وخضع لها وانقاد علم تعالى من حاله أنه لا يتغير على الأوقات وأنه ~~مستمر على هذه الطريقة ، وهو مع ذلك مطهر من كل الذنوب ، فعند ذلك اختاره ~~للرسالة واختصه بها لأنه تعالى لا يختار للرسالة إلا من هذا حاله في البدء ~~والعاقبة ، فإسلامه لله تعالى وحسن إجابته منطوق به ، فإن قيل قوله : { ~~ولقد اصطفيناه } إخبار عن النفس وقوله : { إذ قال له ربه أسلم } إخبار عن ~~المغايبة فكيف يعقل أن يكون هذا النظم واحدا ؟ قلنا : هذا من باب الالتفات ~~الذي ذكرناه مرارا . الثاني : أنه نصب باضمار أذكر كأنه قيل : اذكر ذلك ~~الوقت ليعلم أنه المصطفي الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن الله تعالى متى قال له أسلم ؟ ومنشأ ~~الإشكال أنه إنما يقال له : أسلم في زمان لا يكون مسلما فيه ، فهل كان ~~إبراهيم ms1156 عليه السلام غير مسلم في بعض الأزمنة ليقال له في ذلك الزمان أسلم ~~؟ فالأكثرون على أن الله تعالى إنما قال ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ ، وذلك ~~عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس ، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها ، ~~وإحاطته بافتقارها إلى مدبر يخالفها في الجسمية وأمارات الحدوث ، فلما عرف ~~ربه قال له تعالى : { أسلم قال أسلمت لرب العالمين } لأنه لا يجوز أن يقول ~~له ذلك قبل أن عرف ربه ويحتمل أيضا أن يكون قوله : { أسلم } كان قبل ~~الاستدلال ، فيكون المراد من هذا القول لا نفس القول بل دلالة الدليل عليه ~~على حسب مذاهب العرب في هذا كقول الشاعر : # % امتلأ الحوض وقال قطني % % مهلا رويدا قد ملأت بطني % # وأصدق دلالة منه قوله تعالى : { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون } ( الروم : 35 ) فجعل دلالة البرهان كلاما ، ومن الناس من ~~قال : هذا الأمر كان بعد النبوة ، وقوله : { أسلم } ليس المراد / منه ~~الإسلام والإيمان بل أمور أخر . أحدها : الانقياد لأوامر الله تعالى ، ~~والمسارعة إلى تلقيها بالقبول ، وترك الإعراض بالقلب واللسان ، وهو المراد ~~من قوله : { ربنا واجعلنا مسلمين لك } ( البقرة : 128 ) . وثانيها : قال ~~الأصم : ( أسلم ) أي أخلص عبادتك واجعلها سليمة من الشرك وملاحظة الأغيار . ~~وثالثها : استقم على الإسلام واثبت على التوحيد كقوله تعالى : { فاعلم أنه ~~لا إلاه إلائ * الله } ( محمد : 19 ) . ورابعها : أن الإيمان صفة القلب ~~والإسلام صفة الجوارح ، وأن إبراهيم عليه السلام كان عارفا بالله تعالى ~~بقلبه وكلفه الله تعالى بعد ذلك بعمل الجوارح والأعضاء بقوله : ( أسلم ) . # PageV04P065 ! 7 < { ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب يابنى إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 132 ) ووصى بها إبراهيم . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع السادس من الأمور المستحسنة التي حكاها الله عن ~~إبراهيم وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر ( وأوصى ) بالألف وكذلك هو في مصاحف ~~المدينة والشام والباقون بغير ألف بالتشديد وكذلك هو في مصاحفهم والمعنى ~~واحد إلا أن في ( وصى ) دليل مبالغة وتكثير . # المسألة الثانية : الضمير في ( بها ms1157 ) إلى أي شيء يعود ؟ فيه قولان : ~~الأول : أنه عائد إلى قوله : { أسلمت لرب العالمين } ( البقرة : 131 ) على ~~تأويل الكلمة والجملة ، ونحوه رجوع الضمير في قوله : { وجعلها كلمة باقية } ~~( الزخرف : 28 ) إلى قوله : { إننى براء مما تعبدون * إلا الذى فطرنى } ( ~~الزخرف : 26 ) وقوله : { كلمة باقية } دليل على أن التأنيث على تأويل ~~الكلمة . القول الثاني : أنه عائد إلى الملة في قوله : { ومن يرغب عن ملة ~~إبراهيم } ( البقرة : 130 ) قال القاضي وهذا القول أولى من الأول من وجهين ~~. الأول : أن ذلك غير مصرح به ورد الإضمار إلى المصرح بذكره إذا أمكن أولى ~~من رده إلى المدلول والمفهوم . الثاني : أن الملة أجمع من تلك الكلمة ~~ومعلوم أنه ما وصى ولده إلا بما يجمع فيهم الفلاح والفوز بالآخرة ، ~~والشهادة وحدها لا تقتضي ذلك . # المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول ~~الدين . أحدها : أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال : وصاهم ولفظ ~~الوصية أوكد من الأمر ، لأن الوصية عند الخوف من الموت ، وفي ذلك الوقت ~~يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم ، فإذا عرف أنه عليه السلام في ذلك ~~الوقت كان مهتما بهذا الأمر متشددا فيه ، كان القول إلى قبوله أقرب . ~~وثانيها : أنه عليه السلام خصص بنيه بذلك ، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه ~~أكثر من شفقته على غيرهم ، فلما خصهم بذلك في آخر عمره ، علمنا أن اهتمامه ~~بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره . وثالثها : أنه / عمم بهذه الوصية جميع ~~بنيه ولم يخص أحدا منهم بهذه الوصية ، وذلك أيضا يدل على شدة الاهتمام . ~~ورابعها : أنه عليه السلام أطلق هذه الوصية غير مقيدة بزمان معين ومكان ~~معين ، ثم زجرهم أبلغ الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين ، وذلك يدل أيضا على ~~شدة الاهتمام بهذا الأمر . وخامسها : أنه عليه السلام ما مزج بهذه الوصية ~~وصية أخرى ، وهذا يدل أيضا على شدة الاهتمال بهذا الأمر ، ولما كان إبراهيم ~~عليه السلام هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة ، ثم ~~عرف أنه كان في ms1158 نهاية الاهتمام بهذا الأمر ، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى ~~الأمور بالاهتمام ، وأجراها بالرعاية ، فهذا هو السبب في أنه خص أهله ~~وأبناءه بهذه الوصية ، وإلا فمعلوم من حال إبراهيم عليه السلام أنه كان ~~يدعو الكل أبدا إلى الإسلام والدين . # أما قوله : { ويعقوب } ففيه قولان : الأول : وهو الأشهر أنه معطوف على ~~إبراهيم ، والمعنى أنه وصى PageV04P066 كوصية إبراهيم . والثاني : قرىء { ~~ويعقوب } بالنصب عطفا على بنيه ، ومعناه : وصى إبراهيم بنيه ، ونافلته ~~يعقوب ، أما قوله : { أو بنى } فهو على إضمار القول عند البصريين ، وعند ~~الكوفيين يتعلق بوصي لأنه في معنى القول ، وفي قراءة أبي وابن مسعود ، أن ~~يا بني . # أما قوله : { اصطفى لكم الدين } فالمراد أنه تعالى استخلصه بأن أقام عليه ~~الدلائل الظاهرة الجلية ودعاكم إليه ومنعكم عن غيره . # أما قوله : { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } فالمراد بعثهم على الإسلام / ~~وذلك لأن الرجل إذا لم يأمن الموت في كل طرفة عين ، ثم إنه أمر بأن يأتي ~~بالشيء قبل الموت صار مأمورا به في كل حال ، لأنه يخشى إن لم يبادر إليه أن ~~تعاجله المنية فيفوته الظفر بالنجاة ويخاف الهلاك فيصير مدخلا نفسه في ~~الخطر والغرور . # ! 7 < { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من ~~بعدى قالوا نعبد إلاهك وإلاه آبآئك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلاها واحدا ~~ونحن له مسلمون * تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما ~~كانوا يعملون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 133 - 134 ) أم كنتم شهداء . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه في ~~الدين والإسلام ، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيدا للحجة على ~~اليهود والنصارى ، ومبالغة في البيان وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن ( أم ) معناها حرف الاستفهام ، أو حرف العطف ، ~~وهي تشبه من حروف العطف ( أو ) وهي تأتي على وجهين : متصلة بما قبلها ~~ومنقطعة منه ، أما المتصلة فاعلم أنك إذا قلت : أزيد عندك أم عمرو ؟ فأنت ~~لا تعلم كون أحدهماعنده فتسأل هل أحد ms1159 هذين عندك فلا جرم كان جوابه لا أو ~~نعم ، أما إذا علمت كون أحد هذين الرجلين عنده لكنك لا تعلم أن الكائن عنده ~~زيد أو عمرو فسألته عن التعيين قلت : أزيد عندك أم عمرو ؟ أي اعلم أن ~~أحدهما عندك لكن من هذا أو ذاك ؟ وأما المنقطعة فقالوا : إنها بمعنى ( بل ) ~~مع همزة الاستفهام ، مثاله : إذا قال إنها لا بل أم شاء ، فكأن قائل هذا ~~الكلام سبق بصره إلى الأشخاص فقدر أنها إبل فأخبر على مقتضى ظنه أنها الإبل ~~، ثم جاءه الشك وأراد أن يضرب عن ذلك الخبر وأن يستفهم أنها هل هي شاء أم ~~لا ، فالإضراب عن الأول هو معنى ( بل ) والاستفهام عن أنها شاء هو المراد ~~بهمزة الاستفهام ، فقولك : إنها لا بل أم شاء جار مجرى قولك : إنها لا بل ~~أهي شاء فقولك : أي شاء كلام مستأنف غير متصل بقوله : إنها لا بل ، وكيف ~~وذلك قد وقع الإضراب عنه بخلاف المتصلة فإن قولك : أزيد عندك أم عمرو ؟ ~~بمعنى أيهما عندك ولم يكن ( ما ) بعد ( أم ) منقطعا عما قبله بدليل أن عمرا ~~قرين زيد وكفى دليلا على ذلك أنك تعبر عن ذلك باسم مفرد فتقول : أيهما عندك ~~؟ وقد جاء في كتاب الله تعالى PageV04P067 من النوعين كثير ، أما المتصلة ~~فقوله تعالى : { أشد خلقا أم السماء بناها رفع * رفع سمكها } ( النازعات : ~~27 ) أي أيكما أشد ، وأما المنقطعة فقوله تعالى : { الم * تنزيل الكتاب لا ~~ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه } ( السجدة : 1 3 ) والله أعلم ~~بل يقولون افتراه ، فدل على الإضراب عن الأول والاستفهام عما بعده ، إذ ليس ~~في الكلام معنى ، أي كما كان في قولك : أزيد عندك أم عمرو ؟ ومن لا يحقق من ~~المفسرين يقولون إن ( أم ) ههنا بمنزلة الهمزة وذلك غير صحيح لما ذكرنا أن ~~( أم ) هذه المنقطعة : تتضمن معنى بل ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول ( أم ) ~~في هذه الآية منفصلة أم متصلة ؟ ( والشهداء ) جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما ~~كنتم حاضرين عندما حضر يعقوب الموت ، والخطاب مع أهل ms1160 الكتاب ، كأنه تعالى ~~قال لهم فيما كانوا يزعمون من أن الدين الذي هم عليه دين الرسل : كيف ~~تقولون ذلك وأنتم تشهدون وصايا الأنبياء بالدين ولو شهدتم ذلك لتركتم ما ~~أنتم عليه من الدين ولرغبتم في دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو نفس ما ~~كان عليه إبراهيم عليه السلام ويعقوب وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده . # فإن قيل : الاستفهام على سبيل الإنكار إنما يتوجه على كلام باطل ، ~~والمحكى عن يعقوب / في هذه الآية ليس كلا ما باطلا بل حقا ، فكيف يمكن صرف ~~الاستفهام على سبيل الإنكار إليه ؟ قلنا : الاستفهام على سبيل الإنكار ~~متعلق بمجرد ادعائهم الحضور عند وفاته هذا هو الذي أنكره الله تعالى . فأما ~~ذكره بعد ذلك من قول يعقوب عليه السلام : { ما تعبدون من بعدى } فهو كلام ~~مفصل بل كأنه تعالى لما أنكر حضورهم في ذلك الوقت شرح بعد ذلك كيفية تلك ~~الوصية . # القول الثاني : في أن ( أم ) في هذه الآية متصلة ، وطريق ذلك أن يقدر ~~قبلها محذوف كأنه قيل : أتدعون على الأنبياء اليهودية ، أم كنتم شهداء إذ ~~حضر يعقوب الموت ؛ يعني إن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ دعا ~~بنيه إلى ملة الإسلام والتوحيد ، وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ~~ما هم منه برآء . # أما قوله : { إذ قال لبنيه } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال القفال قوله : { إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه } ~~أن ( إذ ) الأولى وقت الشهداء ، والثانية وقت الحضور . # المسألة الثانية : الآية دالة على أن شفقة الأنبياء عليهم السلام على ~~أولادهم كانت في باب الدين وهمتهم مصروفة إليه دون غيره . # أما قوله : { ما تعبدون من بعدى } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : لفظة ( ما ) لغير العقلاء فكيف أطلقه في المعبود الحق ؟ # وجوابه من وجهين : الأول : أن ( ما ) عام في كل شيء والمعنى أي شيء ~~تعبدون . والثاني : قوله : { ما تعبدون } كقولك عند طلب الحد والرسم : ما ~~الإنسان ؟ PageV04P068 # المسألة الثانية ؛ قوله : { من بعدى } أما قوله : { قالوا نعبد إلاهك ~~وإلاه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ففيه مسائل ms1161 : # المسألة الأولى : هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل . الأول : ~~المقلدة قالوا : إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد ، وهو عليه السلام ما ~~أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف . الثاني : التعليمية . قالوا : لا ~~طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية ، ~~فإنهم لم يقولوا : نعبد الإله الذي دل عليه العقل ، بل قالوا : نعبد الإله ~~الذي أنت تعبده وآباءك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم . # والجواب : كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل ~~العقلي ، فليس فيها أيضا دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة ~~التقليد والتعليم ، ثم إن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا ~~أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلا على سبيل الاستدلال ، ~~أقصى ما في الباب أن يقال : فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال . # والجواب عنه من وجوه ، أولها : أن ذلك أخصر في القول من شرح صفات الله ~~تعالى / بتوحيده وعلمه وقدرته وعدله . وثانيها : أنه أقرب إلى سكون نفس ~~يعقوب عليه السلام فكأنهم قالوا : لسنا نجري إلا على مثل طريقتك فلا خلاف ~~منا عليك فيما نعبده ونخلص العبادة له . وثالثها : لعل هذا إشارة إلى ذكر ~~الدليل على وجود الصانع على ما ذكره الله تعالى في أول هذه السورة في قوله ~~: { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم } ( البقرة ~~: 21 ) وههنا مرادهم بقولهم : { نعبد إلاهك وإلاه آبائك } أي : نعبد الإله ~~الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك وعلى هذا الطريق يكون ذلك إشارة إلى ~~الاستدلال لا إلى التقليد . # المسألة الثانية : قال القفال : وفي بعض التفاسير أن يعقوب عليه السلام ~~لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان فخاف على بنيه بعد وفاته ، ~~فقال لهم هذا القول تحريضا لهم على التمسك بعبادة الله تعالى . وحكى القاضي ~~عن ابن عباس : أن يعقوب عليه السلام جمعهم إليه عند الوفاة ، وهم كانوا ~~يعبدون الأوثان والنيران ، فقال : يا بني ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا : نعبد ~~إهلك ms1162 وإله آبائك ثم قال القاضي : هذا بعيد لوجهين . الأول : أنهم بادروا ~~إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين . الثاني : أنه ~~تعالى ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب وأنهم كانوا قوما صالحين ~~وذلك لا يليق بحالهم . # المسألة الثالثة : قوله : { إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } عطف بيان لآبائك . ~~قال القفال : وقيل أنه قدم ذكر إسماعيل على إسحاق لأن إسماعيل كان أسن من ~~إسحاق . # المسألة الرابعة : قال الشافعي رضي الله عنه : الأخوة والأخوات للأب ~~والأم أو للأب لا يسقطون بالجد وهو قول عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود ~~وزيد رضي الله عنهم وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد . وقال أبو حنيفة : إنهم ~~يسقطون بالجد وهو قول أبو بكر الصديق وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم ، ومن ~~التابعين قول الحسن وطاوس وعطاء ، أما الأولون وهم الذين يقولون : إنهم لا ~~يسقطون بالجد فلهم قولان . أحدهما : أن الجد خير الأمرين : إما المقاسمة ~~معهم أو ثلث جميع المال ، ثم الباقي بين الأخوة والأخوات PageV04P069 للذكر ~~مثل حظ الأنثيين وهذا مذهب زيد ابن ثابت وقول الشافعي رضي الله عنه . ~~والثاني : أنه بمنزلة أحد الأخوة ما لم تنقصه المقاسمة من السدس فإن نقصته ~~المقاسمة من السدس أعطى السدس ولم ينقص منه شيء واحتج أبو حنيفة على قوله ~~بأن الجد أب والأب يحجب الأخوات والأخوة فيلزم أن يحجبهم الجد ، وإنما قلنا ~~: إن الجد أب للآية والأثر . أما الآية فاثنان هذه الآية وهي قوله تعالى : ~~{ نعبد إلاهك وإلاه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } فأطلق لفظ الأب على ~~الجد . # فإن قيل : فقد أطلقه في العم وهو إسماعيل مع أنه بالاتفاق ليس بأب . # قلنا : الاستعمال دليل الحقيقة ظاهرا ترك العمل به في حق العم لدليل قام ~~فيه فيبقى في الباقي حجة الآية الثانية قوله تعالى مخبرا عن يوسف عليه ~~السلام : { واتبعت ملة ءاباءي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } ( يوسف : 38 ) . # / وأما الأثر فما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال : من شاء لاعنته عند ~~الحجر الأسود ، إن الجد أب ، وقال أيضا : ألا لا يتقي ms1163 الله زيد بن ثابت ~~يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا ، وإذا ثبت أن الجد أب وجب أن ~~يدخل تحت قوله تعالى : { وورثه أبواه فلامه الثلث } ( النساء : 11 ) في ~~استحقاق الجد الثلثين دون الأخوة كما استحقه الأب دونهم إذا كان باقيا ، ~~قال الشافعي رضي الله عنه : لا نسلم أن الجد أب ، والدليل عليه وجوه . ~~أحدها : أنكم كما استدللتم بهذه الآيات على أن الجد أب ، فنحن نستدل على ~~أنه ليس بأب بقوله تعالى : { ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب } ( البقرة : ~~132 ) فإن الله تعالى ما أدخل يعقوب في بنيه لأنه ميزه عنهم ، فلو كان ~~الصاعد في الأبوة أبا لكان النازل في البنوة ابنا في الحقيقة ، فلما لم يكن ~~كذلك ثبت أن الجد ليس بأب . وثانيها : لو كان الجد أبا على الحقيقة لما صح ~~لمن مات أبوه وجده حي أن ينفي أن له أبا ، كما لا يصح في الأب القريب ولما ~~صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة . # فإن قيل : اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أن رتبة الأدنى أقرب من رتبة ~~الأبعد فلذلك صح فيه النفي . # قلنا : لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعا لم يكن الترتيب في الوجود سببا ~~لنفي اسم الأب عنه ، وثالثها : لو كان الجد أبا على الحقيقة لصح القول بأنه ~~مات وخلف أما وآباء كثيرين وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء وأرباب اللغة ~~والتفسير . ورابعها : لو كان الجد أبا ولا شك أن الصحابة عارفون باللغة لما ~~كانوا يختلفون في ميراث الجد ، ولو كان الجد أبا لكانت الجدة أما ، ولو كان ~~كذلك لما وقعت الشبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر رضي الله عنه إلى ~~السؤال عنه / فهذه الدلائل دلت على أن الجد ليس بأب . وخامسها : قوله تعالى ~~: { يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين } ( النساء : 11 ) فلو ~~كان الجد أبا لكان ابن الابن ابنا لا محالة فكان يلزم بمقتضى هذه الآية ~~حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن ، ولما لم يكن كذلك ms1164 علمنا أن الجد ~~ليس بأب ، فأما الآيات التي تمسكتم بها في بيان أن الجد أب فالجواب عن وجه ~~التمسك بها من وجوه . أولها : أنه قرأ أبي : { وإلاه * إبراهيم } بطرح ~~آبائك إلا أن هذا لا يقدح في الغرض لأن القراءة الشاذة لا ترفع القراءة ~~المتواترة ، بل الجواب أن يقال : إنه أطلق لفظ الأب على الجد وعلى العم ~~وقال عليه الصلاة والسلام في العباس : ( هذا بقية آبائي ) وقال : ( ردوا ~~على أبي ) فدلنا ذلك على أنه ذكره على سبيل PageV04P070 المجاز ، والدليل ~~عليه ما قدمناه أنه يصح نفي اسم الأب عن الجد ، ولو كان حقيقة لما كان كذلك ~~، وأما قول ابن عباس فإنما أطلق الاسم عليه نظرا إلى الحكم الشرعي لا إلى ~~الاسم اللغوي لأن اللغات لا يقع الخلاف فيها بين أرباب اللسان والله أعلم . # أما قوله تعالى : { إلاها واحدا } فهو بدل { إله * آبائك } كقوله : { ~~بالناصية * ناصية كاذبة } ( العلق : 15 ، 16 ) أو على الاختصاص ، أي تريد ~~بإله آبائك إلها واحدا ، أما قوله : { ونحن له مسلمون } ففيه وجوه . أحدها ~~: / أنه حال من فاعل نعبد أو من مفعوله لرجوع الهاء إليه في ( له ) . ~~وثانيها : يجوز أن تكون جملة معطوفة على نعبد . وثالثها : أن تكون جملة ~~اعتراضية مؤكدة ، أي ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون للتوحيد أو مذعنون . # أما قوله تعالى : { تلك أمة قد خلت } فهو إشارة إلى من ذكرهم الله تعالى ~~في الآية المتقدمة ، وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوه الموحدون . ~~و ( الأمة ) الصنف . ( خلت ) سلفت ومضت وانقرضت ، والمعنى أني اقتصصت عليكم ~~أخبارهم وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في ~~سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه ، فإن أنتم فعلتم ذلك انتفعتم وإن أبيتم لم ~~تنتفعوا بأفعالهم ، والآية دالة على مسائل : # المسألة الأولى : الآية دالة على بطلان التقليد ، لأن قوله : { لها ما ~~كسبت } يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره ، ولو كان التقليد ~~جائزا لكان كسب المتبوع نافعا للتابع ، فكأنه قال : إني ما ذكرت حكاية ~~أحوالهم طلبا ms1165 منكم أن تقلدوهم ، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا ~~وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق . # المسألة الثانية : الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان ، واتباع محمد عليه ~~الصلاة والسلام ، وتحذيرهم من مخالفته . # المسألة الثالثة : الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء ~~بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم ، وتحقيقه ما روي عنه عليه ~~السلام أنه قال : ( يا صفية عمة محمد ، يا فاطمة بنت محمد ، ائتوني يوم ~~القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا ) . وقال : ( ~~ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ) . وقال الله تعالى : { فلا أنساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون } ( المؤمنون : 101 ) وقال تعالى : { ليس بأمانيكم ولا ~~أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به } ( النساء : 123 ) وكذلك قوله تعالى ~~: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الأنعام : 164 ) ~~وقال : { فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } ( النور : 54 ) . # المسألة الرابعة : الآية تدل على بطلان قول من يقول : الأبناء يعذبون ~~بكفر آبائهم ، وكان اليهود يقولون : إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم ~~باتخاذ العجل . وهو قوله تعالى : { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ~~} ( البقرة : 80 ) وهي أيام عبادة العجل فبين الله تعالى بطلان ذلك . # المسألة الخامسة : الآية دالة على أن العبد مكتسب وقد اختلف أهل السنة ~~والمعتزلة في تفسير الكسب . أما أهل السنة فقد اتفقوا على أنه ليس معنى كون ~~العبد مكتسبا دخول شيء من الأعراض بقدرته PageV04P071 من العدم إلى الوجود ~~، ثم بعد اتفاقهم على هذا الأصل ذكروا لهذا الكسب ثلاث تفسيرات . أحدها : ~~وهو قول الأشعري رضي الله عنه أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور من غير تأثير ~~القدرة في المقدور ، بل القدرة والمقدور حصلا بخلق الله تعالى ، كما أن ~~العلم والمعلوم حصلا بخلق الله تعالى ، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله تعالى ~~وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب . وثانيها : / أن ذات الفعل توجد بقدرة ~~الله تعالى ، ثم يحصل لذلك الفعل وصف كونه طاعة ms1166 أو معصية وهذه الصفة حاصلة ~~بالقدرة الحادثة . وهو قول أبي بكر الباقلاني . وثالثها : أن القدرة ~~الحادثة والقدرة القديمة ، إذا تعلقتا بمقدور واحد وقع المقدور بهما ، ~~وكأنه فعل العبد وقع بإعانة الله ، فهذا هو الكسب وهذا يعزى إلى أبي إسحاق ~~الأسفرايني لأنه يروى عنه أنه قال الكسب والفعل الواقع بالمعين . # أما القائلون بأن القدرة الحادثة مؤثرة ، فهم فريقان . الأول : الذين ~~يقولون بأن القدرة مع الداعي توجب الفعل ، فالله تعالى هو الخالق للكل ~~بمعنى أنه سبحانه وتعالى هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال ~~في الوجود والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة ، ~~والداعية القائمتان به ، وهذا مذهب إمام الحرمين رحمه الله تعالى اختاره في ~~الكتاب الذي سماه بالنظامية ويقرب قول أبي الحسين البصري منه وإن كان لا ~~يصرح به . # الفريق الثاني من المعتزلة : وهم الذين يقولون : القدرة مع الداعي لا ~~توجب الفعل ، بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما ، إن شاء فعل وإن ~~شاء ترك ، وهذا الفعل والكسب ، قالت المعتزلة للأشعري : إذا كان مقدور ~~العبد واقعا بخلق الله تعالى ، فإذا خلقه فيه : استحال من العبد أن لا يتصف ~~في ذلك الوقت بذلك الفعل ، وإذا لم يخلقه فيه : استحال منه في ذلك الوقت أن ~~يتصف به . وإذا كان كذلك لم يكن ألبتة متمكنا من الفعل والترك ، ولا معنى ~~للقادر إلا ذلك ، فالعبد ألبتة غير قادر ، وأيضا فهذا الذي هو مكتسب العبد ~~. إما أن يكون واقعا بقدرة الله ، أو لم يقع ألبتة بقدرة الله ، أو وقع ~~بالقدرتين معا ، فإن وقع بقدرة الله تعالى لم يكن العبد فيه مؤثرا فكيف ~~يكون مكتسبا له ؟ وإن وقع بقدرة العبد فهذا هو المطلوب . وإن وقع بالقدرتين ~~معا فهذا محال ، لأن قدرة الله تعالى مستقلة بالإيقاع ، فعند تعلق قدرة ~~الله تعالى به ، فكيف يبقى لقدرة العبد فيه أثر ، وأما قول الباقلاني فضعيف ~~، لأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز ، فهذا ~~الشغل إن حصل بفعل الله تعالى ms1167 فنفس المنهي عنه قد خلقه الله تعالى فيه ، ~~وهذا هو عين تكليف ما لا يطاق ، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب ، وأما ~~قول الأسفرايني فضعيف لما بينا أن قدرة الله تعالى مستقلة بالتأثير ، فلا ~~يبقى لقدرة العبد معها أثر ألبتة ، قال أهل السنة : كون العبد مستقلا ~~بالإيجاد والخلق محال لوجوه . أولها : أن العبد لو كان موجدا لأفعاله ، ~~لكان عالما بتفاصيل فعله ، وهو غير عالم بتلك التفاصيل ، فهو غير موجد لها ~~. وثانيها : لو كان العبد موجدا لفعل نفسه ؛ لما وقع إلا ما أراده العبد ، ~~وليس كذلك ، لأن الكافر يقصد تحصيل العلم فلا يحصل إلا الجهل . وثانيها : ~~لو كان العبد موجدا لفعل نفسه لكان كونه موجدا لذلك الفعل زائدا على ذات ~~ذلك الفعل ، PageV04P072 وذات القدرة لأنه يمكننا أن نعقل ذات الفعل وذات ~~القدرة مع الذهول عن كون العبد موجدا له ، والمعقول غير المغفول عنه ، ثم ~~تلك الموجدية حادثة ، فإن كان حدوثها بالعبد لزم افتقارها إلى موجدية أخرى ~~، ولزم التسلسل وهو محال ، وإن كان الله / تعالى والأثر واجب الحصول عند ~~حصول الموجدية فيلزم استناد الفعل إلى الله تعالى ، ولا يلزمنا ذلك في ~~موجدية الله تعالى لأنه قديم ، فكانت موجديته قديمة ، فلا يلزم افتقار تلك ~~الموجودية إلى موجودية أخرى . # هذا ملخص الكلام من الجانبين والمنازعات بين الفريقن في الألفاظ والمعاني ~~كثيرة والله الهادي . # ! 7 < { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 135 ) وقالوا كونوا هودا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل التي تقدمت صحة دين الإسلام حكى ~~بعدها أنواعا من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام . # الشبهة الأولى : حكى عنهم أنهم قالوا : { كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ~~ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة ، بل أصروا على التقليد ، فأجابهم الله تعالى ~~عن هذه الشبهة من وجوه . الأول : ذكر جوابا إلزاميا وهو قوله : { قل بل ملة ~~إبراهيم حنيفا } وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى ~~في ذلك اتباع ملة إبراهيم ، لأن هؤلاء المختلفين قد ms1168 اتفقوا على صحة دين ~~إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على ~~التقليد ، فكأنه سبحانه قال : إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر ~~، فقد قدمنا الدلائل ، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم ~~عليه السلام وترك اليهودية والنصرانية أولى . # فإن قيل : أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم ~~عليه السلام . # قلنا : لما ثبت أن إبراهيم كان قائلا بالتوحيد ، وثبت أن النصارى يقولون ~~بالتثليث ، واليهود يقولون بالتشبيه ، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم ~~عليه السلام ، وأن محمدا عليه السلام لما دعا إلى التوحيد ، كان هو على دين ~~إبراهيم . # ولنرجع إلى تفسير الألفاظ : أما قوله : { وقالوا كونوا هودا أو نصارى } ~~فلا يجوز أن يكون المراد به التخيير ، إذ المعلوم من حال اليهود أنها لا ~~تجوز اختيار النصرانية على اليهودية ، بل تزعم أنه كفر . والمعلوم من حال ~~النصارى أيضا ذلك بل المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية والنصارى إلى ~~النصرانية ، فكل فريق يدعو إلى دينه ، ويزعم أنه الهدي فهذا معنى قوله : { ~~تهتدوا } أي أنكم إذا فعلتم ذلك اهتديتم وصرتم على سنن الاستقامة . أما ~~قوله : { بل ملة إبراهيم } ففي اتنصاب ملة أربعة أقوال . الأول : لأنه عطف ~~في المعنى على قوله : { كونوا هودا أو نصارى } وتقديره قالوا : اتبعوا / ~~اليهودية قل بل اتبعوا ملة إبراهيم . الثاني : على الحذف تقديره : بل نتبع ~~ملة إبراهيم . الثالث : تقديره : بل نكون أهل ملة إبراهيم ، فحذف المضاف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله : { واسئل القرية } ( يوسف : 92 ) أي أهلها ~~. الرابع : التقدير : بل اتبعوا ملة إبراهيم ، وقرأ PageV04P073 الأعرج : ( ~~ملة إبراهيم ) بالرفع أي ملته ملتنا ، أو ديننا ملة إبراهيم ، وبالجملة ~~فأنت بالخيار في أن تجعله مبتدأ أو خبرا . # أما قوله : { حنيفا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : لأهل اللغة في الحنيف قولان . الأول : أن الحنيف هو ~~المستقيم ، ومنه قيل للأعرج : أحنف ، تفاؤلا بالسلامة ، كما قالوا للديغ : ~~سليم ، والمهلكة : مفازة ، قالوا : فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء ~~فهو حنيف ، وهو مروي ms1169 عن محمد بن كعب القرطي . الثاني : أن الحنيف المائل ، ~~لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها ، وتحنف إذا ~~مال ، فالمعنى أن إبراهيم عليه السلام حنف إلى دين الله ، أي مال إليه ، ~~فقوله : { بل ملة إبراهيم حنيفا } أي مخالفا لليهود والنصارى منحرفا عنهما ~~، وأما المفسرون فذكروا عبارات ، أحدها : قول ابن عباس والحسن ومجاهد : أن ~~الحنيفية حج البيت . وثانيها : أنها اتباع الحق ، عن مجاهد . وثالثها : ~~اتباع إبراهيم في شرائعه التي هي شرائع الإسلام . ورابعها : إخلاص العمل ~~وتقديره : بل نتبع ملة إبراهيم التي هي التوحيد عن الأصم قال القفال : ~~وبالجملة فالحنيف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات ، وأصله من ~~إبراهيم عليه السلام . # المسألة الثانية : في نصب حنيفا قولان ، أحدهما : قول الزجاج أنه نصب على ~~الحال من إبراهيم كقولك : رأيت وجه هند قائمة . الثاني : أنه نصب على القطع ~~أراد بل ملة إبراهيم الحنيف فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة ~~فانقطع منه فانتصب ، قاله نحاة الكوفة . # أما قوله : { وما كان من المشركين } ففيه وجوه ، أحدها : أنه تنبيه على ~~أن في مذهب اليهود PageV04P074 والنصارى شركاء على ما بيناه ، لأنه تعالى ~~حكى عن بعض اليهود قولهم : عزير ابن الله ، والنصارى قالوا : المسيح ابن ~~الله وذلك شرك . وثانيها : أن الحنيف اسم لمن دان بدين إبراهيم عليه السلام ~~ومعلوم أنه عليه السلام أتى بشرائع مخصوصة ، من حج البيت والختان وغيرهما ، ~~فمن دان بذلك فهو حنيف ، وكان العرب تدين بهذه الأشياء . ثم كانت تشرك ، ~~فقيل من أجل هذا : { حنيفا وما كان من المشركين } ونظيره قوله : { حنفاء ~~لله غير مشركين به } ( الحج : 31 ) ، وقوله : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا ~~وهم مشركون } ( يوسف : 106 ) قال القاضي : الآية تدل على أن للواحد منا أن ~~يحتج على غيره بما يجري مجرى المناقضة لقوله : إفحا ماله وإن لم يكن ذلك ~~حجة في نفسه لأن من المعلوم أنه عليه السلام لم يكن يحتج على نبوته بأمثال ~~هذه الكلمات بل كان يحتج بالمعجزات الباهرة التي ظهرت عليه لكنه عليه ms1170 ~~السلام لما كان قد أقام الحجة بها وأزاح العلة ثم وجدهم معاندين مستمرين ~~على باطلهم ، فعند ذلك أورد عليهم من الحجة ما يجانس / ما كانوا عليه فقال ~~: إن كان الدين بالاتباع فالمتفق عليه وهو ملة إبراهيم عليه السلام أولى ~~بالاتباع ، ولقائل أن يقول : اليهود والنصارى إن كانوا معترفين بفضل ~~إبراهيم ، ومقرين أن إبراهيم ما كان من القائلين بالتشبيه والتثليث ، امتنع ~~أن يقولوا بذلك ، بل لا بد وأن يكونوا قائلين بالتنزيه والتوحيد ، ومتى ~~كانوا قائلين بذلك لم يكن في دعوتهم إليه فائدة ، وإن كانوا منكرين فضل ~~إبراهيم أو كانوا مقرين به ، لكنهم أنكروا كونه منكرا للتجسيم والتثليث لم ~~يكن ذلك متفقا عليه فحينئذ لا يصح إلزام القول بأن هذا متفق عليه فكان ~~الأخذ به أولى . # والجواب : أنه كان معلوما بالتواتر أن إبراهيم عليه السلام ما أثبت الولد ~~لله تعالى فلما صح عن اليهود والنصارى أنهم قالوا بذلك ثبت أن طريقتهم ~~مخالفة لطريقة إبراهيم عليه السلام . # ! 7 < { قولوا ءامنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط ومآ أوتى موسى وعيسى ومآ أوتي النبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 136 ) قولوا آمنا بالله . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أجاب بالجواب الجدلي أولا ، ذكر بعده جوابا ~~برهانيا في هذه الآية وهو : أن الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء عليهم ~~السلام ظهور المعجز عليهم ، ولما ظهر المعجز على يد محمد صلى الله عليه ~~وسلم وجب الاعتراف بنبوته والإيمان برسالته ، فإن تخصيص البعض بالقبول ~~وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وأنه ممتنع عقلا ، فهذا هو ~~المراد من قوله : { قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا } إلى آخر الآية ، ~~وهذا هو الغرض الأصلي من ذكر هذه الآية . فإن قيل : كيف يجوز الإيمان ~~بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة ، قلنا : نحن نؤمن بأن ~~كل واحد من تلك الشرائع كان حقا في زمانه فلا يلزم منا المناقضة ، أما ~~اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز ms1171 عليه ، وأنكروا نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم مع قيام المعجز على يده ، فحينئذ يلزمهم المناقضة ~~فظهر الفرق ، ثم نقول في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أن الله تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : { كونوا هودا ~~أو نصارى } ( البقرة : 135 ) ذكروا في مقابلته للرسول عليه السلام : { قل ~~بل ملة إبراهيم } ( البقرة : 135 ) ثم قال لأمته : { قولوا ءامنا بالله } ~~وهذا قول الحسن وقال القاضي قوله : { قولوا ءامنا بالله } يتناول جميع ~~المكلفين ، أعني النبي عليه السلام وأمته ، والدليل عليه وجهان : / أحدهما ~~: أن قوله : { قولوا } خطاب عام فيتناول الكل . الثاني : أن قوله : { وما ~~أنزل إلينا } لا يليق إلا به صلى الله عليه وسلم ، فلا أقل من أن يكون هو ~~داخلا فيه ، واحتج الحسن على قوله بوجهين . الأول : أنه عليه السلام أمر من ~~قبل بقوله : { قل بل ملة إبراهيم } . الثاني : أنه في نهاية الشرف ، ~~والظاهر إفراده بالخطاب . # والجواب : أن هذه القرائن وإن كانت محتملة إلا أنها لا تبلغ في القوة إلى ~~حيث تقتضي تخصيص عموم قوله : { قولوا ءامنا بالله } أما قوله : { قولوا ~~ءامنا بالله } فإنما قدمه لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالشرائع ، فمن لا ~~يعرف الله استحال أن يعرف نبيا أو كتابا ، وهذا يدل على فساد مذهب ~~التعليمية والمقلدة القائلين بأن طريق معرفة الله تعالى : الكتاب والسنة . # أما قوله : { والاسباط } قال الخليل : السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في ~~العرب ، وقال صاحب ( الكشاف ) السبط ، الحافد ، وكان الحسن والحسين سبطي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأسباط : الحفدة وهم حفدة يعقوب عليه ~~السلام وذراري أبنائه الإثني عشر . PageV04P075 # أما قوله : { لا نفرق بين أحد منهم } ففيه وجهان . الأول : أنا لا نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض ، فإنا لو فعلنا ذلك كانت المناقضة لازمة على الدليل وذلك ~~غير جائز . الثاني : لا نفرق بين أحد منهم ، أي لا نقول : إنهم متفرقون في ~~أصول الديانات ، بل هم مجتمعون على الأصول التي هي الإسلام ، كما قال الله ~~تعالى : { شرع لكم * فى الدين * ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى ms1172 وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } . الوجه ~~الأول : أليق بسياق الآية . # أما قوله : { ونحن له مسلمون } فالمعنى أن إسلامنا لأجل طاعة الله تعالى ~~لا لأجل الهوى ، وإذا كان كذلك فهو يقتضي أنه متى ظهر المعجز وجب الإيمان ~~به . فأما تخصيص بعض أصحاب المعجزات بالقبول ، والبعض بالرد ، فذلك يدل على ~~أن المقصود من ذلك الإيمان ليس طاعة الله والانقياد له ، بل اتباع الهوى ~~والميل . # ! 7 < { فإن ءامنوا بمثل مآ ءامنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم فى ~~شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 137 ) فإن آمنوا بمثل . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين الطريق الواضح في الدين ، وهو أن يعترف ~~الإنسان بنبوة من قامت الدلالة على نبوته ، وأن يحترز في ذلك عن المناقضة : ~~رغبهم في مثل هذا الإيمان فقال : { فإن ءامنوا بمثل ما ءامنتم به فقد ~~اهتدوا } . # / من وجوه : أحدها : أن المقصود منه التثبيت والمعنى : إن حصلوا دينا آخر ~~مثل دينكم ومساويا له في الصحة والسداد فقد اهتدوا ، لما استحال أن يوجد ~~دين آخر يساوي هذا الدين في السداد استحال الاهتداء بغيره ونظيره قولك ~~للرجل الذي تشير عليه : هذا هو الرأي والصواب فإن كان عندك رأى أصوب منه ~~فاعمل به وقد علمت أن لا أصوب من رأيك ولكنك تريد تثبيت صاحبك وتوقيفه على ~~أن ما رأيت لا رأي وراءه ، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يوجد دين آخر يساوي ~~هذا الدين في السداد لأن هذا الدين مبناه على أن كل من ظهر عليه المعجز وجب ~~الاعتراف بنبوته ، وكل ما غاير هذا الدين لا بد وأن يشتمل على المناقضة ، ~~والمتناقض يستحيل أن يكون مساويا لغير المتناقض في السداد والصحة . وثانيها ~~: أن المثل صلة في الكلام قال الله تعالى : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : ~~11 ) أي ليس كهو شيء ، وقال الشاعر : وصاليات ككما يؤثفين ، وكانت أم ~~الأحنف ترقصه وتقول : # % والله لولا حنف برجله # % ودقة في ساقه من هزله # % ما كان منكم أحد كمثله PageV04P076 # وثالثها : أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف ، فإن ms1173 آمنوا بمثل ذلك ~~وهو التوراة من غير تصحيف وتحريف فقد اهتدوا لأنهم يتصلون به إلى معرفة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . ورابعها : أن يكون قوله : { فإن ءامنوا ~~بمثل ما ءامنتم به } أي فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين فقد ~~اهتدوا ، فالتمثيل في الآية بين الإيمانين والتصديقين ، وروى محمد بن جرير ~~الطبري أن ابن عباس قال : لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فليس لله ~~مثل ولكن قولوا فإن آمنوا بالذي آمنتم به ، قال القاضي : لا وجه لترك ~~القراءة المتواترة من حيث يشكل المعنى ويلبس لأن ذلك إن جعله المرء مذهبا ~~لزمه أن يغير تلاوة كل الآيات المتشابهات وذلك محظور والوجه الأول في ~~الجواب هو المعتمد . # أما قوله : { فقد اهتدوا } فالمراد فقد عملوا بما هدوا إليه وقبلوه ، ومن ~~هذا حاله يكون وليا لله داخلا في أهل رضوانه ، فالآية تدل على أن الهداية ~~كانت موجودة قبل هذا الاهتداء ، وتلك الهداية لا يمكن حملها إلا على ~~الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عنها وبين وجوه دلالتها ، ثم بين على ~~وجه الزجر ما يلحقهم إن تولوا فقال : { وإن تولوا فإنما هم فى شقاق } وفي ~~الشقاق بحثان : # البحث الأول : قال بعض أهل اللغة : الشقاق مأخذو من الشق ، كأنه صار في ~~شق غير شق صاحبه بسبب العداوة وقد شق عصا المسلمين إذا فرق جماعتهم وفارقها ~~، ونظيره : المحادة وهي أن يكون هذا في حد وذاك في حد آخر ، والتعادي مثله ~~لأن هذا يكون في عدوة وذاك في عدوة ، والمجانبة أن يكون هذا في جانب وذاك ~~في جانب آخر وقال آخرون : إنه من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق ~~على صاحبه ويؤذيه قال الله تعالى : { وإن خفتم شقاق بينهما } أي فراق ~~بينهما في الاختلاف حتى يشق أحدهما على الآخر . # البحث الثاني : قوله : { وإن تولوا فإنما هم فى شقاق } أي إن تركوا مثل ~~هذا الإيمان فقد التزموا المناقضة والعاقل لا يلتزم المناقضة ألبتة فحيث ~~التزموها علمنا أنه ليس غرضهم طلب الدين / والانقياد ms1174 للحق وإنما غرضهم ~~المنازعة وإظهار العداوة ثم للمفسرين عبارات . أولها : قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : { فإنما هم فى شقاق } في خلاف مذ فارقوا الحق وتمسكوا بالباطل ~~فصاروا مخالفين لله . وثانيها : قال أبو عبيدة ومقاتل في شقاتل . أي في ~~ضلال . وثالثها : قال ابن زيد في منازعة ومحاربة . ورابعها : قال الحسن في ~~عداوة قال القاضي : ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق أو المخالفة ~~التي لا تكون معصية أنه شقاق وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها ~~في عداوة الله وغضبه ولعنه وفي استحقاق النار فصار هذا القول وعيدا منه ~~تعالى لهم وصار وصفهم بذلك دليلا على أن القوم معادون للرسول مضمرون له ~~السؤال مترصدون لإيقاعه في المحن ، فعند هذا آمنه الله تعالى من كيدهم وآمن ~~المؤمنين من شرهم ومكرهم فقال : { فسيكفيكهم الله } تقوية لقلبه وقلب ~~المؤمنين لأنه تعالى إذا تكفل بالكفاية في أمر حصلت الثقة به قال المتكلمون ~~: هذا أخبار عن الغيب فيكون معجزا دالا على صدقة وإنما قلنا إنه إخبار عن ~~الغيب وذلك لأنا وجدنا مخبر هذا القول على ما أخبر به لأنه تعالى كفاه شر ~~اليهود والنصارى ونصره عليهم حتى غلبهم المسلمون وأخذوا ديارهم وأموالهم ~~فصاروا أذلاء في أيديهم يؤدون إليهم الخراج والجزية أو لا يقدرون ألبتة ~~PageV04P077 على التخلص من أيديهم وإنما قلنا : إنه معجز لأنه المتخرص لا ~~يصيب في مثل ذلك على التفصيل ، قال الملحدون : لا نسلم أن هذا معجز وذلك ~~لأن المعجز هو الذي يكون ناقضا للعادة ، وقد جرت العادة بأن كل من كان ~~مبتلى بإيذاء غيره فإنه يقال له : اصبر فإن الله يكفيك شره ، ثم قد يقع ذلك ~~تارة ولا يقع أخرى ، وإذا كان هذا معتادا فكيف يقال : إنه معجز وأيضا لعله ~~توصل إلى ذلك برؤيا رآها ، وذلك مما لاسبيل إلى دفعه ، فإن المنجمين يقولون ~~: من كان سهم الغيب في طالعه فإنه يأتي بمثل هذه الأخبار وإن لم يكن نبيا . ~~والجواب : أنه ليس غرضنا من قولنا أنه معجز أن هذا الإخبار وحده معجز ms1175 ، بل ~~غرضنا أن القرآن يشتمل على كثير من هذا النوع ، والإخبار عن الأشياء ~~الكثيرة على سبيل التفصيل مما لا يتأتى من المتخرص الكاذب . # ثم إنه تعالى لما وعده بالنصرة والمعونة أتبعه بما يدل على أن ما يسرون ~~وما يعلنون من هذا الأمر لا يخفى عليه تعالى فقال : { وهو السميع العليم } ~~وفيه وجهان . الأول : أنه وعيد لهم والمعنى أنه يدرك ما يضمرون ويقولون وهو ~~عليم بكل شيء فلا يجوز لهم أن يقع منهم أمر إلا وهو قادر على كفايته إياهم ~~فيه . الثاني : أنه وعد للرسول عليه السلام يعني : يسمع دعاءك ويعلم نيتك ~~وهو يستجيب لك ويوصلك إلى مرداك ، واحتج الأصحاب بقوله : { وهو السميع ~~العليم } على أن سمعه تعالى زائد على علمه بالمسموعات لأن قوله : { عليم } ~~بناء مبالغة فيتناول كونه عالما بجميع المعلومات ، فلو كان كونه سميعا ~~عبارة عن علمه بالمسموعات لزم التكرار وأنه غير جائز ، فوجب أن يكون صفة ~~كونه تعالى سميعا أمرا زائدا على وصفه بكونه عليما والله أعلم بالصواب . # أما قوله : { بمثل ما ءامنتم به } ففيه إشكال وهو أن الذي آمن به ~~المؤمنون ليس له مثل ، وجوابه . # ! 7 < { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 138 ) صبغة الله ومن . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر الجواب الثاني وهو أن ذكر ما يدل على صحة هذا ~~الدين ذكر بعده ما يدل على أن دلائل هذا الدين واضحة جلية فقال : { صبغة ~~الله } ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : الصبغ ما يلون به الثياب ويقال : صبغ الثوب يصبغه بفتح ~~الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات صبغا بفتح الصاد وكسرها لغتان . ( والصبغة ) ~~فعلة من صبغ كالجلسة من جلس ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ ، ثم ~~اختلفوا في المراد بصبغة الله على أقوال . الأول : أنه دين الله وذكروا في ~~أنه لم سمي دين الله بصبغة الله وجوه . أحدها : أن بعض النصارى كانوا ~~يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون : هو تطهير لهم . ~~وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال : الآن صار ms1176 نصرانيا . فقال الله تعالى : ~~اطلبوا صبغة الله وهي الدين ، والإسلام لا صبغتهم ، والسبب في إطلاق لفظ ~~الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن ~~تأمره بالكرم : اغرس كما يغرس فلان تريد رجلا مواظبا على الكرم ، ونظيره ~~قوله تعالى : { إنما نحن * مستهزءون * الله يستهزىء بهم } ( البقرة : 14 ، ~~15 ) ، { يخادعون الله وهو خادعهم } PageV04P078 ( النساء : 142 ) ، { ~~ومكروا ومكر الله } ( آل عمران : 54 ) ، { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( ~~الشورى : 40 ) ، { إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم } ( هود : 38 ) . وثانيها ~~: اليهود تصبغ أولادها يهودا والنصارى تصبغ أولادها نصارى بمعنى يلقونهم ~~فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم ، عن قتادة قال ابن الأنباري : يقال : ~~فلان يصبغ فلانا في الشيء ، أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازما ~~للثواب وأنشد ثعلب : # % دع الشر وأنزل بالنجاة تحرزا % % إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ % # وثالثها : سمي الدين صبغة لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة ~~والصلاة ، قال الله تعالى : { سيماهم فى وجوههم من أثر السجود } ( الفتح : ~~29 ) . ورابعها : قال القاضي قوله : { صبغة الله } متعلق بقوله : { قولوا ~~ءامنا بالله } ( البقرة : 136 ) إلى قوله : { ونحن له مسلمون } ( العنكبوت ~~: 46 ) فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تعالى ليبين أن المباينة بين ~~هذا الدين الذي اختاره الله ، وبين الدين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية ، ~~كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم . القول الثاني : ~~أن صبغة الله فطرته وهو كقوله : { فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله } ( الروم : 30 ) ومعنى هذا الوجه أن الإنسان موسوم في تركيبه ~~وبنيته بالعجز والفاقة ، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى ~~الخالق فهذه الآثار كالصبغة له وكالسمة اللازمة . قال القاضي : من حمل قوله ~~: { صبغة الله } على الفطرة فهو مقارب في المعنى ، لقول من يقول : هو دين ~~الله لأن الفطرة التي أمروا بها هو الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع ، وهو ~~الدين أيضا ، لكن الدين أظهر لأن المراد على ما بينا هو الذي وصفوا أنفسهم ~~به في قوله / { قولوا ms1177 ءامنا بالله } فكأنه تعالى قال في ذلك : إن دين الله ~~الذي ألزمكم التمسك به فالنفع به سيظهر دينا ودنيا كظهور حسن الصبغة ، وإذا ~~حمل الكلام على ما ذكرناه لم يكن لقول من يقول : إنما قال ذلك لعادة جارية ~~لليهود والنصارى في صبغ يستعملونه في أولادهم معنى / لأن الكلام إذا استقام ~~على أحسن الوجوه بدونه فلا فائدة فيه ولنذكر الآن بقية أقوال المفسرين : # القول الثالث : أن صبغة الله هي الختان ، الذي هو تطهير ، أي كما أن ~~المخصوص الذي للنصارى تطهير لهم فكذلك الختان تطهير للمسلمين عن أبي ~~العالية . # القول الرابع : إنه حجة الله ، عن الأصم ، وقيل : إنه سنة الله ، عن أبي ~~عبيدة ، والقول الجيد هو الأول ، والله أعلم . # المسألة الثانية : في نصب صبغة أقوال . أحدها : أنه بدل من ملة وتفسير ~~لها . الثاني : اتبعوا صبغة الله . الثالث : قال سيبويه : إنه مصدر مؤكد ~~فينتصب عن قوله : { بالله فإذا } كما انتصب وعد الله عما تقدمه . # أما قوله : { ومن أحسن من الله صبغة } فالمراد أنه يصبغ عباده بالإيمان ~~ويطهرهم به من أوساخ الكفر ، فلا صبغة أحسن من صبغته . # أما قوله تعالى : { ونحن له عابدون } فقال صاحب ( الكشاف ) : إنه عطف على ~~: { بالله فإذا } وهذا يرد قول من يزعم أن صبغة الله بدل من ملة إبراهيم أو ~~نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وانتصابها على ~~أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه ، والقول ما قالت حذام . # PageV04P079 ! 7 < { قل أتحآجوننا فى الله وهو ربنا وربكم ولنآ أعمالنا ~~ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 139 ) قل أتحاجوننا في . . . . . # > > اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في تلك المحاجة وذكروا وجوها . أحدها : أن ذلك ~~كان قولهم أنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم والمعنى : أتجادلوننا ~~في أن الله اصطفى رسول من العرب لا منكم وتقولون : لو أنزل الله على أحد ~~لأنزل عليكم ، وترونكم أحق بالنبوة منا . وثانيها : قولهم : نحن أحق ~~بالإيمان من العرب الذين عبدوا الأوثان . وثالثها : قولهم ؛ { نحن أبناء ~~الله وأحباؤه ms1178 } وقولهم : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ( ~~البقرة : 111 ) وقولهم : { كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ( البقرة : 135 ) ~~عن الحسن . ورابعها : { أتحاجوننا فى الله } أي : أتحاجوننا في دين الله . # المسألة الثانية : هذه المحاجة كانت مع من ؟ ذكروا فيه وجوها . أحدها : ~~أنه خطاب لليهود / والنصارى . وثانيها : أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا ~~: { لولا أنزل * هاذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) ~~والعرب كانوا مقرين بالخالق . وثالثها : أنه خطاب مع الكل ، والقول الأول ~~أليق بنظم الآية . # أما قوله : { وهو ربنا وربكم } ففيه وجهان . الأول : أنه أعلم بتدبير ~~خلقه وبمن يصلح للرسالة وبمن لا يصلح لها ، فلا تعترضوا على ربكم ، فإن ~~العبد ليس له أن يعترض على ربه ، بل يجب عليه تفويض الأمر بالكلية له . ~~الثاني : أنه لا نسبة لكم إلى الله تعالى إلا بالعبودية ، وهذه النسبة ~~مشتركة بيننا وبينكم ، فلم ترجحون أنفسكم علينا ، بل الترجيح من جانبنا ~~لأنا مخلصون له في العبودية ، ولستم كذلك ، وهو المراد بقوله : { ونحن له } ~~وهذا التأويل أقرب . # أما قوله تعالى : { وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } فالمراد منه ~~النصيحة في الدين كأنه تعالى قال لنبيه : قل لهم هذا القول على وجه الشفقة ~~والنصيحة ، أي لا يرجع إلى من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون المقصود من هذا ~~القول دفع ذلك الضرر وإنما المراد نصحكم وإرشادكم إلى الأصلح ، وبالجملة ~~فالإنسان إنما يكون مقبول القول إذا كان خاليا عن الأغراض الدنيوية ، فإذا ~~كان لشيء من الأغراض لم ينجع قوله في القلب ألبتة فهذا هو المراد فيكون فيه ~~من الردع والزجر ما يبعث على النظر وتحرك الطباع على الاستدلال وقبول الحق ~~، وأما معنى الإخلاص فقد تقدم . # ! 7 < { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا ~~هودا أو نصارى قل ءأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ~~وما الله بغافل عما تعملون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 140 ) أم تقولون إن . . . . . # > > PageV04P080 @81@ # اعلم أن في الآية مسألتين : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن ms1179 عاصم : { أم ~~تقولون } بالتاء على المخاطبة كأنه قال : أتحاجوننا أم تقولون ، والباقون ~~بالياء على أنه إخبار عن اليهود والنصارى فعلى الأول يحتمل أن تكون ( أم ) ~~متصلة وتقديره : بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا ، أبالتوحيد فنحن موحدون ، ~~أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون ؟ وأن تكون منقطعة بمعنى : بل أتقولون ~~والهمزة للإنكار أيضا ، وعلى الثاني تكون منقطعة لانقطاع معناه بمعنى ~~الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول ، كأنه قيل : أتقولون إن الأنبياء كانوا ~~قبل نزول التوراة والإنجيل هودا أو نصارى . # / المسألة الثانية : إنما أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم لوجوه . أحدها ~~: لأن محمدا صلى الله عليه وسلم ثبتت نبوته بسائر المعجزات ، وقد أخبر عن ~~كذبهم في ذلك فثبت لا محالة كذبهم فيه . وثانيها : شهادة التوراة والإنجيل ~~على أن الأنبياء كانوا على التوحيد والحنيفية . وثالثها : أن التوراة ~~والإنجيل أنزلا بعدهم . ورابعها : أنهم ادعوا ذلك من غير برهان فوبخهم الله ~~تعالى على الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار والغرض منه الزجر ~~والتوبيخ وأن يقرر الله في نفوسهم أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما ~~يقولون . # أما قوله تعالى : { قل ءأنتم أعلم أم الله } فمعناه أن الله أعلم وخبره ~~أصدق وقد أخبر في التوراة والإنجيل وفي القرآن على لسان محمد صلى الله عليه ~~وسلم أنهم كانوا مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية . فإن قيل : إنما ~~يقال هذا فيمن لا يعلم وهم علموه وكتموه فكيف يصح الكلام ؟ قلنا : من قال : ~~إنهم كانوا على ظن وتوهم فالكلام ظاهر ومن قال : علموا وجحدوا فمعناه أن ~~منزلتكم منزلة المعترضين على ما يعلم أن الله أخبر به فلا ينفعه ذلك مع ~~إقراره بأن الله أعلم . # أما قوله : { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } ففيه ثلاثة أوجه . ~~أحدها : أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير : ومن أظلم عند الله ممن كتم ~~شهادة حصلت عنده كقولك : ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة والمعنى ~~. لو كان إبراهيم وبنوه هود أو نصارى ، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن ~~أحد ممن يكتم شهادة ms1180 أظلم منه لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزهه عن الكذب ، ~~علمنا أنه ليس الأمر كذلك . وثانيها : ومن أظلم منكم معاشر اليهود والنصارى ~~إن كتمتم هذه الشهادة من الله فمن في قوله : { من الله } تتعلق بالكاتم على ~~القول الأول وبالمكتوم منه على القول الثاني كأنه قال : ومن أظلم ممن عنده ~~شهادة فلم يقمها عند الله بل كتمها وأخفاها . وثالثها : أن يكون : { من } ~~في قوله : { من الله } صلة الشهادة والمعنى : ومن أظلم ممن كتم شهادة جاءته ~~من عند الله فجحدها كقول الرجل لغيره عندي شهادة منك ، أي شهادة سمعتها منك ~~وشهادة جاءتني من جهتك ومن عندك . # أما قوله : { وما الله بغافل عما تعملون } فهو الكلام الجامع لكل وعيد ، ~~ومن تصور أنه تعالى عالم بسره وإعلانه ولا يخفى عليه خافية أنه من وراء ~~مجازاته إن خيرا فخير وإن شرا فشر لا يمضي عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف ~~ألا ترى أن أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة سلطان يعد عليه الأنفاس لكان ~~دائم الحذر والوجل مع أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر / فكيف بالرب ~~الرقيب الذي يعلم السر وأخفى إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول . # PageV04P081 ! 7 < { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسألون عما كانوا يعملون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 141 - 142 ) تلك أمة قد . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حاج اليهود في هؤلاء الأنبياء بهذه الآية لوجوه . ~~أحدها : ليكون وعظا لهم وزجرا حتى لا يتكلوا على فضل الآباء فكل واحد يؤخذ ~~بعمله . وثانيها : أنه تعالى بين أنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين ~~فرضهم لاختلاف المصالح لم يستنكر أن تختلف المصالح فينقلكم محمد صلى الله ~~عليه وسلم من ملة إلى ملة أخرى . وثالثها : أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة ~~الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك بل كل إنسان ~~مسؤول عن عمله ، ولا عذر له في ترك الحق بأن توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم ~~، لأنهم أصابوا أم أخطأوا ms1181 لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا يتوهم أن طريقة ~~الدين التقليد ، فإن قيل لم كررت الآية ؟ قلنا فيه قولان ، أحدهما : أنه ~~عني بالآية الأولى إبراهيم ومن ذكر معه ، والثانية أسلاف اليهود . قال ~~الجبائي قال القاضي : هذا بعيد لأن أسلاف اليهود والنصارى لم يجر لهم ذكر ~~مصرح وموضع الشبهة في هذا القول أن القوم لما قالوا في إبراهيم وبنيه إنهم ~~كانوا هودا فكأنهم قالوا : إنهم كانوا على مثل طريقة أسلافنا من اليهود ~~فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يقول : { تلك أمة قد خلت } ويعينهم ~~ولكن ذلك كالتعسف بل المذكور السابق هو إبراهيم وبنوه فقوله : { تلك أمة } ~~يجب أن يكون عائدا إليهم ، والقول الثاني : أنه متى اختلفت الأوقات ~~والأحوال والمواطن لم يكن التكرار عبثا فكأنه تعالى قال : ما هذا إلا بشر ~~فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ التقليد في هذا الجنس ~~فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة فلها ما كسبت وانظروا فيما دعاكم إليه ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم ولا تسألون إلا عن ~~عملكم . # ! 7 < { سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل ~~لله المشرق والمغرب يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 142 ) سيقول السفهاء من . . . . . # > > اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية من الشبه التي ذكرها اليهود والنصارى ~~طعنا في الإسلام فقالوا : النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل ، وكلاهما لا ~~يليق بالحكيم ، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خاليا عن القيد ، وإما أن يكون ~~مقيدا بلا دوام ، وإما أن يكون مقيدا بقيد الدوام ، فإن كان خاليا عن القيد ~~لم يقتض الفعل إلا مرة واحدة ، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ~~ناسخا وإن كان مقيدا بقيد اللا دوام فههنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه ~~لا يكون ناسخا له ، وإن كان مقيدا بقيد الدوام فإن كان الأمر يعتقد فيه أنه ~~يبقى دائما مع أنه ذكر لفظا يدل على أنه يبقى دائما ثم إنه رفعه ms1182 بعد ذلك ، ~~فههنا كان جاهلا ثم بدا له ذلك ، وإن كان عالما بأنه لا يبقى دائما مع أنه ~~/ ذكر لفظا يدل على أنه يبقى دائما كان ذلك تجهيلا فثبت أن النسخ يقتضي إما ~~الجهل أو التجهيل وهما محالان على الله تعالى ، فكان النسخ منه محالا ، ~~فالآتي بالنسخ في أحكام الله تعالى يجب أن PageV04P082 يكون مبطلا فبهذا ~~الطريق توصلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام ، ثم إنهم خصصوا ~~هذه الصورة بمزيد شبهة فقالوا : إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف ~~المصالح وههنا الجهات متساوية في أنها لله تعالى ومخلوقة له فتغيير القبلة ~~من جانب فعل خال عن المصلحة فيكون عبثا والعبث لا يليق بالحكيم ، فدل هذا ~~على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى ، فتوصلوا بهذا الوجه إلى الطعن في ~~الإسلام ، ولنتكلم الآن في تفسير الألفاظ ثم لنذكر الجواب عن هذه الشبهة ~~على الوجه الذي قرره الله تعالى في كتابه الكريم . # أما قوله : { سيقول السفهاء } ففيه قولان . الأول : وهو اختيار القفال أن ~~هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهرا لكنه قد يستعمل في الماضي أيضا ، كالرجل ~~يعمل عملا فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول : أنا أعلم أنهم سيطعنون علي فيما ~~فعلت ، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد ، فإذا ذكروه مرة ~~فسيذكرونه بعد ذلك مرة أخرى ، فصح على هذا التأويل أن يقال : سيقول السفهاء ~~من الناس ذلك ، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية . القول ~~الثاني : إن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه ~~وفيه فوائد . أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه ، ~~كان هذا اخبارا عن الغيب فيكون معجزا . وثانيها : أنه تعالى إذا أخبر عن ~~ذلك أولا ثم سمعه منهم ، فإنه يكون تأذية من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه ~~منهم أولا . وثالثها : أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولا ثم ذكر جوابه معه ~~فحين يسمعه النبي عليه الصلاة والسلام منهم يكون الجواب حاضرا ، فكان ذلك ~~أولى مما ms1183 إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضرا ، وأما السفه في أصل اللغة فقد ~~شرحناه في تفسير قوله تعالى : { قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء } ( البقرة : ~~13 ) وبالجملة فإن من لا يميز بين ما له وعليه ، ويعدل عن طريق منافعه إلى ~~ما يضره ، يوصف بالخفة والسفه ، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم مضرة ~~منه في باب الدنيا فإذا كان العادل عن الرأي الواضح في أمر دنياه يعد سفيها ~~، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه ~~فهذا اللفظ يمكن حمله على اليهود ، وعلى المشركين وعلى المنافقين ، وعلى ~~جملتهم ، ولقد ذهب إلى كل واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين . فأولها : ~~قال ابن عباس ومجاهد : هم اليهود ، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة الرسول ~~لهم في القبلة ، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن ~~يصير موافقا لهم بالكلية ، فلما تحول عن تلك القبلة استوحشوا من ذلك ~~واغتموا وقالوا : قد عاد إلى طريقة آبائه ، واشتاق إلى دينهم ، ولو ثبت على ~~قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة ، فقالوا : ما حكى ~~الله عنهم في هذه الآية . وثالثها : قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن ~~والأصم ، إنهم مشركو العرب ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان متوجها إلى ~~/ بيت المقدس حين كان بمكة ، والمشركون كانوا يتأذون منه بسبب ذلك فلما جاء ~~إلى المدينة وتحول إلى الكعبة قالوا : أبى إلا الرجوع إلى موافقتنا ، ولو ~~ثبت عليه لكان أولى به . وثالثها : أنهم المنافقون وهو قول السدي ، وهؤلاء ~~إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض PageV04P083 الجهات عن بعض ~~بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها ، فكان هذا التحويل مجرد البعث ~~والعمل بالرأي والشهوة ، وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين لأن هذا ~~الاسم مختص بهم ، قال الله تعالى : { ألا إنهم هم السفهاء ولاكن لا يعلمون ~~} ( البقرة : 13 ) . ورابعها : أنه يدخل فيه الكل لأن لفظ السفهاء لفظ عموم ~~دخل فيه الألف واللام ، وقد بينا صلاحيته لكل الكفار بحسب ms1184 الدليل العقلي ~~والنص أيضا يدل عليه وهو قوله : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ~~} ( البقرة : 130 ) فوجب أن يتناول الكل . قال القاضي : المقصود من الآية ~~بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة وإذا كان كذلك لم يكن ادعاء العموم ~~فيه بعيدا قلنا : هذا القدر لا ينافي العموم ولا يقتضي تخصيصه بل الأقرب أن ~~يكون الكل قد قال ذلك لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن فإذا وجدوا ~~مجالا لم يتركوا مقالا ألبتة . # أما قوله تعالى : { ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله : ~~{ ومن يولهم يومئذ دبره } ( الأنفال : 16 ) وقوله : { ما ولاهم } استفهام ~~على جهة الاستهزاء والتعجب . # المسألة الثانية : في هذا التولي وجهان . الأول : وهو المشهور المجمع ~~عليه عند المفسرين : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب ~~الكفار المسلمين فقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في ~~قوله : { ما ولاهم } للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت ~~المقدس ، واختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام متى حول القبلة بعد ~~ذهابه إلى المدينة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه بعد تسعة أشهر أو عشرة ~~أشهر ، وعن معاذ بعد ثلاثة عشر شهرا وعن قتادة بعد ستة عشر شهرا وعن ابن ~~عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهرا ، وهذا القول أثبت عندنا من سائر ~~الأقوال وعن بعضهم ثمانية عشر شهرا من مقدمه . قال الواقدي : صرفت القبلة ~~يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا ، وقال آخرون : بل سنتان . ~~الوجه الثاني : قول أب مسلم وهو أنه لما صح الخبر بأن الله تعالى حوله عن ~~بيت المقدس إلى الكعبة وجب القول به ، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد ~~بقوله كانوا عليها ، أي السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا ~~قبلة اليهود وقبلة النصارى ، فالأولى إلى المغرب والثانية إلى المشرق ، وما ~~جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء ms1185 من الجهات فلما رأوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم متوجها نحو الكعبة كان ذلك عندهم مستنكرا ، فقالوا : كيف ~~يتوجه أحد إلى هاتين الجهتين المعروفتين ، فقال الله تعالى رادا عليهم ؛ { ~~قل لله المشرق والمغرب } واعلم أن أبا مسلم صدق فإنه لولا الروايات الظاهرة ~~لكان هذا القول محتملا والله أعلم . # / المسألة الثالثة : قال القفال : القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان ~~، وهي من المقابلة ، وإنما سميت القبلة قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله ، ~~وقال قطرب : يقولون في كلامهم ليس لفلان قبلة ، أي ليس له جهة يأوي إليها ، ~~وهو أيضا مأخوذ من الإستقبال ، وقال غيره : إذ تقابل الرجلان فكل واحد ~~منهما قبلة للآخر ، وقال بعض المحدثين : PageV04P084 # % جعلت مأواك لي قرارا % % وقبلة حيثما لجأت % # أما قوله تعالى : { قل لله المشرق والمغرب } فاعلم أن هذا هو الجواب ~~الأول عن تلك الشبهة ، وتقريره أن الجهات كلها لله ملكا وملكا ، فلا يستحق ~~شيء منها لذاته أن يكون قبلة ، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها ~~قبلة ، وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى جهة أخرى ~~، فإن قيل : ما الحكمة أولا في تعيين القبلة ؟ ثم ما الحكمة في تحويل ~~القبلة من جهة إلى جهة ؟ قلنا : أما المسألة الأولى ففيها الخلاف الشديد ~~بين أهل السنة والمعتزلة ، أما أهل السنة فإنهم يقولون : لا يجب تعليل ~~أحكام الله تعالى ألبتة ، واحتجوا عليه بوجوه . أحدها : أن كل من فعل فعلا ~~لغرض ، فإما أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده ، وإما أن لا يكون ~~كذلك ، بل الوجود والعدم بالنسبة إليه سيان ، فإن كان الأول ، كان ناقصا ~~لذاته مستكملا بغيره ، وذلك على الله محال ، وإن كان الثاني استحال أن يكون ~~غرضا ومقصودا ومرجحا فإن قيل : إنه وإن كان وجوده وعدمه بالنسبة إليه على ~~السوية إلا أن وجوده لما كان أنفع للغير من عدمه ، فالحكيم يفعله ليعود ~~النفع إلى الغير قلنا : عود النفع إلى الغير ولا عوده إليه ، هل هما ~~بالنسبة إلى الله تعالى على السواء ، أو ليس ms1186 الأمر كذلك ، وحينئذ يعود ~~التقسيم . وثانيها : أن كل من فعل فعلا لغرض فإما أن يكون قادرا على تحصيل ~~ذلك الغرض من دون تلك الواسطة ، أو لا يكون قادرا عليه . فإن كان الأول كان ~~توسط تلك الواسطة عبثا ، وإن كان الثاني كان عجزا وهو على الله محال . ~~وثالثها : أنه تعالى إن فعل فعلا لغرض فذلك الغرض وإن كان قديما لزم من ~~قدمه قدم الفعل وهو محال ، وإن كان محدثا توقف إحداثه على غرض آخر ، ولزم ~~الدور أو التسلسل وهو محال . ورابعها : أن تخصيص إحداث العالم بوقت معين ~~دون ما قبله وما بعده إن كان لحكمة اختص بها ذلك الوقت دون ما قبله وما ~~بعده كان طلب العلة في أنه لم حصلت تلك الحكمة في ذلك الوقت دون سائر ~~الأوقات كطلب العلة في أنه لم حصل العالم في ذلك الوقت دون سائر الأوقات ، ~~فإن استغنى أحدهما عن المرجح فكذا الآخر ، وإن افتقر فكذا الآخر وإن لم ~~يتوقف ذلك على الحكمة فقد بطل توفيق فاعلية الله على الحكمة والغرض . ~~وخامسها : ما سبق من الدلائل على أن جميع الكائنات من الخير والشر ، والكفر ~~والإيمان ، والطعة والعصيان واقع بقدرة الله تعالى وإرادته ، وذلك يبطل ~~القول بالغرض ، لأنه يستحيل أن يكون لله غرض يرجع إلى العبد في خلق الكفر ~~فيه وتعذيبه عليه أبد الآباد . وسادسها : أن تعلق قدرة الله تعالى وإرادته ~~بإيجاد الفعل المعين في / الأزل ، إما أن يكون جائزا أو وجبا ، فإن كان ~~جائزا افتقر إلى مؤثر آخر ويلزم التسلسل ، ولأنه يلزم صحة العدم على القديم ~~، وإن كان واجبا فالواجب لا يعلل فثبت عندنا بهذه الوجوه أن تعليل أفعالي ~~الله وأحكامه بالدواعي والأغراض محال ، وإذا كان كذلك كانت فاعليته بمحض ~~الإلهية والقدرة والنفاذ والاستيلاء ، وهذا هو الذي دل عليه صريح قوله ~~PageV04P085 تعالى : { قل لله المشرق والمغرب } فإنه علل جواز النسخ بكونه ~~مالكا للمشرق والمغرب ، والملك يرجع حاصله إلى القدرة / ولم يعلل ذلك ~~بالحكمة على ما تقوله المعتزلة ، فثبت أن هذه الآية دالة بصريحها على قولنا ms1187 ~~ومذهبنا ، أما المعتزلة فقد قالوا : لما دلت الدلائل على أنه تعالى حكيم ، ~~والحكيم لا يجوز أن تكون أفعاله خالية عن الأغراض ، علمنا أن له سبحانه في ~~كل أفعاله وأحكامه حكما وأغراضا ، ثم إنها تارة تكون ظاهرة جلية لنا ، ~~وتارة مستورة خفية عنا ، وتحويل القبلة من جهة إلى جهة أخرى يمكن أن يكون ~~لمصالح خفية وأسرار مطوية عنا ، وإذا كان الأمر كذلك : استحال الطعن بهذا ~~التحويل في دين الإسلام . # المسألة الرابعة : في الكلام في تلك الحكم على سبيل التفصيل ، واعلم أن ~~أمثال هذه المباحث لا تكون قطعية ، بل غايتها أن تكون أمورا احتمالية أما ~~تعيين القبلة في الصلاة فقد ذكروا فيه حكما . أحدها : أن الله تعالى خلق في ~~الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات ، وقوة خيالية متصرفة في عالم ~~الأجساد ، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية ومصاحبتها ، ~~فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية يحسبها ~~حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية ، ولذلك ~~فإن المهندس إذا أراد إدراك حكم من أحكام المقادير ، وضع له صورة معينة ~~وشكلا معينا ليصير الحس والخيال معينين للعقل على إدراك ذلك الحكم الكلي ، ~~ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم ، فإنه لا بد وأن ~~يستقبله بوجهه ، وأن لا يكون معرضا عنه ، وأن يبالغ في الثناء عليه بلسانه ~~، ويبالغ في الخدمة والتضرع له ، فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه ~~مستقبلا للملك لا معرضا عنه ، والقراءة والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه ~~والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة . وثانيها : أن المقصود من الصلاة حضور ~~القلب وهذا الحضور لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات والحركة ، وهذا لا ~~يتأتى إلا إذا بقي في جميع صلاته مستقبلا لجهة واحدة على التعيين ، فإذا ~~اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام ، كان استقبال تلك الجهة أولى . ~~وثالثها : أن الله تعالى يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين ، وقد ذكر ~~المنة بها عليهم ، حيث قال : { واذكروا نعمة الله عليكم } ( المائدة : 7 ms1188 ) ~~إلى قوله : { إخوانا } ولو توجه كل واحد في صلاته إلى ناحية أخرى ، لكان ~~ذلك يوهم اختلافا ظاهرا ، فعين الله تعالى لهم جهة معلومة ، وأمرهم جميعا ~~بالتوجه نحوها ، ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك ، وفيه إشارة إلى أن الله ~~تعالى يحب الموافقة بين عباده في أعمال الخير . ورابعها : أن الله تعالى خص ~~الكعبة بإضافتها إليه في قوله : { بيتى } وخص المؤمنين باضافتهم بصفة ~~العبودية إليه ، وكلتا / الإضافتين للتخصيص والتكريم فكأنه تعالى قال : يا ~~مؤمن أنت عبدي ، والكعبة بيتي ، والصلاة خدمتي ، فأقبل بوجهك في خدمتي إلى ~~بيتي ، وبقلبك إلي . وخامسها : قال بعض المشايخ : إن اليهود استقبلوا ~~القبلة لأن النداء لموسى عليه السلام جاء منه ، وذلك قوله : { وما كنت ~~بجانب الغربى } ( القصص : 44 ) الآية ، والنصارى استقبلوا المغرب ، لأن ~~جبريل عليه السلام إنما ذهب إلى مريم عليها السلام من جانب المشرق ، لقوله ~~تعالى : { واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا } ( مريم : ~~16 ) والمؤمنون استقبلوا الكعبة لأنها قبلة خليل الله ، ومولد حبيب ~~PageV04P086 الله ، وهي موضع حرم الله ، وكان بعضهم يقول : استقبلت النصارى ~~مطلع الأنوار ، وقد استقبلنا مطلع سيد الأنوار ، وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، فمن نوره خلقت الأنوار جميعا . وسادسها : قالوا : الكعبة سرة الأرض ~~ووسطها ، فأمر الله تعالى جميع خلقه بالتوجه إلى وسط الأرض في صلاتهم / وهو ~~إشارة إلى أنه يجب العدل في كل شيء ، ولأجله جعل وسط الأرض قبلة للخلق . ~~وسابعها : أنه تعالى أظهر حبه لمحمد عليه الصلاة والسلام بواسطة أمره ~~باستقبال الكعبة ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يتمنى ذلك مدة لأجل ~~مخالفة اليهود ، فأنزل الله تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } ( ~~البقرة : 144 ) الآية ، وفي الشاهد إذا وصف واحد من الناس بمحبة آخر قالوا ~~: فلان يحول القبلة لأجل فلان على جهة التمثيل ، فالله تعالى قد حول القبلة ~~لأجل حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام على جهة التحقيق ، وقال : { فلنولينك ~~قبلة ترضاها } ( البقرة : 144 ) ولم يقل قبلة أرضاها ، والإشارة فيه كأنه ~~تعالى قال : يا محمد كل أحد يطلب رضاي وأنا أطلب ms1189 رضاك في الدارين ، أما في ~~الدنيا فهذا الذي ذكرناه وأما في الآخرة فقوله تعالى : { ولسوف يعطيك ربك ~~فترضى } ( الضحى : 5 ) وفيه إشارة أيضا إلى شرف الفقراء : { فتطردهم فتكون ~~من الظالمين } ( الأنعام : 52 ) وقال في الإعراض عن القبلة : { ولئن اتبعت ~~أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين } فكأنه تعالى قال : ~~الكعبة قبلة وجهك ، والفقراء قبلة رحمتي ، فإعراضك عن قبلة وجهك ، يوجب ~~كونك ظالما ، فالأعراض عن قبلة رحمتي كيف يكون . وثامنها : العرش قبلة ~~الحملة ، والكرسي قبلة البررة ، والبيت المعمور قبلة السفرة ، والكعبة قبلة ~~المؤمنين ، والحق قبلة المتحيرين من المؤمنين ، قال الله تعالى : { فأينما ~~تولوا فثم وجه الله } ( البقرة : 115 ) وثبت أن العرش مخلوق من النور ، ~~والكرسي من الدر ، والبيت المعمور من الياقوت ، والكعبة من جبال خمسة : من ~~طور سينا ، وطور زيتا ، والجودي ، ولبنان ، وحراء ، والإشارة فيه كأن الله ~~تعالى يقول : إن كانت عليك ذنوب بمثقال هذه الجبال فأتيت الكعبة حاجا أو ~~توجهت نحوها مصليا كفرتها عنك وغفرتها لك فهذا جملة الوجوه المذكورة في هذا ~~الباب ، والتحقيق هو الأول . # المسألة الخامسة : في حكمة تحويل القبلة من جهة إلى جهة ، قد ذكرنا شبهة ~~القوم في إنكار هذا التحويل ، وهي أن الجهات لما كانت متساوية في جميع ~~الصفات كان تحويل القبلة من جهة إلى جهة مجرد العبث ، فلا يكون ذلك من فعل ~~الحكيم . # / والجواب عنه : أما على قول أهل السنة : إنه لا يجب تعليل أحكام الله ~~تعالى بالحكم فالأمر ظاهر ، وأما على قول المعتزلة فلهم طريقان . الأول : ~~أنه لا يمتنع اختلاف المصالح بحسب اختلاف الجهات ، وبيانه من وجوه . أحدها ~~: أنه إذا ترسخ في أوهام بعض الناس أن هذه الجهات أشرف من غيرها بسبب أن ~~هذا البيت بناه الخليل وعظمه ، كان هذا الإنسان عند استقباله أشد تعظيما ~~وخشوعا ، وذلك مصلحة مطلوبة . وثانيها : أنه لما كان بناء هذا البيت سببا ~~لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في تعظيمه أشد . وثالثها : أن اليهود لما ~~كانوا يعيرون المسلمين عند استقبال بيت المقدس بأنه لولا أنا أرشدناكم ms1190 إلى ~~القبلة لما كنتم تعرفون القبلة ، فصار ذلك سببا لتشويش الخواطر ، وذلك مخل ~~بالخضوع والخشوع ، فهذا يناسب PageV04P087 الصرف عن تلك القبلة . ورابعها : ~~أن الكعبة منشأ محمد صلى الله عليه وسلم ، فتعظيم الكعبة يقتضي تعظيم محمد ~~عليه الصلاة والسلام ، وذلك أمر مطلوب لأنه متى رسخ في قلبهم تعظيمه ، كان ~~قبولهم لأوامره ونواهيه في الدين والشريعة أسرع وأسهل ، والمفضي إلى ~~المطلوب مطلوب ، فكان تحويل القبلة مناسبا . وخامسها : أن الله تعالى بين ~~ذلك في قوله : { وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه } ( البقرة : 143 ) فأمرهم الله تعالى حين كانوا بمكة ~~أن يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا عن المشركين ، فلما هاجروا إلى المدينة ~~وبها اليهود ، أمروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا عن اليهود . # أما قوله : { يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم } فالهداية قد تقدم القول ~~فيها ، قالت المعتزلة : إنما هي الدلالة الموصلة ، والمعنى أنه تعالى يدل ~~على ما هو للعبادة أصلح ، والصراط المستقيم هو الذي يؤديهم إذا تمسكوا به ~~إلى الجنة ، قال أصحابنا : هذه الهداية إما أن يكون المراد منها الدعوة أو ~~الدلالة أو تحصيل العلم فيه ، والأولان باطلان ، لأنهما عامان لجميع ~~المكلفين فوجب حمله على الوجه الثالث وذلك يقتضي بأن الهداية والإضلال من ~~الله تعالى . # ! 7 < { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التى كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ~~ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 143 ) وكذلك جعلناكم أمة . . . . . # > > # قوله تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا } . # اعلم أن في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : الكاف في { كذالك } كاف التشبيه ، والمشبه به أي شيء هو ~~؟ وفيه وجوه . أحدها : أنه راجع إلى معنى يهدي ، أي كما أنعمنا عليكم ~~بالهداية ، كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم أمة وسطا . وثانيها : قول أبي ~~مسلم تقريره كما هديناكم ms1191 إلى قبلة هي أوسط القبل وكذلك جعلناكم / أمة وسطا ~~. وثالثها : أنه عائد إلى ما تقدم من قوله في حق إبراهيم عليه السلام : { ~~ولقد اصطفيناه في الدنيا } ( البقرة : 130 ) أي فكما اصطفيناه في الدنيا ~~فكذلك جعلناكم أمة وسطا . ورابعها : يحتمل عندي أن يكون التقدير : { ولله ~~المشرق والمغرب } ( البقرة : 115 ) فهذه الجهات بعد استوائها في كونها ملكا ~~لله وملكا له ، خص بعضها بمزيد التشريف والتكريم بأن جعله قبلة فضلا منه ~~وإحسانا فكذلك العباد كلهم مشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد ~~الفضل والعبادة فضلا منه وإحسانا لا وجوبا . وخامسها : أنه قد يذكر ضمير ~~الشيء وإن لم يكن المضمر مذكورا إذا كان المضمر مشهورا معروفا كقوله تعالى ~~: { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) ثم من المشهور المعروف عند ~~كل أحد أنه سبحانه هو القادر على إعزاز من شاء وإذلال من شاء فقوله : { ~~وكذالك جعلناكم } أي ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه ~~جعلناكم أمة وسطا . # المسألة الثانية : اعلم أنه إذا كان الوسط اسما حركت الوسط كقوله : { أمة ~~وسطا } والظرف مخفف تقول : جلست وسط القوم ، واختلفوا في تفسير الوسط ~~وذكروا أمور . أحدها : أن الوسط هو العدل PageV04P088 والدليل عليه الآية ~~والخبر والشعر والنقل والمعنى ، أما الآية فقوله تعالى : { قال أوسطهم } ( ~~القلم : 28 ) أي أعدلهم ، وأما الخبر فما روى القفال عن الثوري عن أبي سعيد ~~الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أمة وسطا قال عدلا ) وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( خير الأمور أوسطها ) أي أعدلها ، وقيل : كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم أوسط قريش نسبا ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( عليكم ~~بالنمط الأوسط ) وأما الشعر فقول زهير : # % هم وسط يرضى الأنام بحكمهم % % إذا نزلت إحدى الليالي العظائم % # وأما النقل فقال الجوهري في ( الصحاح ) : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } أي ~~عدلا وهو الذي قاله الأخفش والخليل وقطرب ، وأما المعنى فمن وجوه . أحدها : ~~أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط ~~رديئان فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيدا عن الطرفين ms1192 فكان معتدلا فاضلا . ~~وثانيها : إنما سمي العدل وسطا لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين ، والعدل هو ~~المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين . وثالثها : لا شك أن المراد بقوله : ~~{ وكذالك جعلناكم أمة وسطا } طريقة المدح لهم لأنه لا يجوز أن يذكر الله ~~تعالى وصفا ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهودا له ثم يعطف على ذلك شهادة ~~الرسول إلا وذلك مدح فثبت أن المراد بقوله : ( وسطا ) ما يتعلق بالمدح في ~~باب الدين ، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهودا إلا ~~بكونهم عدولا ، فوجب أن يكون المراد في الوسط العدالة . ورابعها : أن أعدل ~~بقاع الشيء وسطه ، لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال ، ~~والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوسط محمية محوطة فلما صح ذلك في ~~الوسط صار كأنه عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة . # / القول الثاني : أن الوسط من كل شيء خياره قالوا : وهذا التفسير أولى من ~~الأول لوجوه : الأول : أن لفظ الوسط يستعمل في الجمادات قال صاحب ( الكشاف ~~) : اكتريت جملا من أعرابي بمكة للحج فقال : أعطى من سطا تهنة أراد من خيار ~~الدنانير ووصف العدالة لا يوجد في الجمادات فكان هذا التفسير أولى . الثاني ~~: أنه مطابق لقوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ( آل عمران : 110 ~~) . # القول الثالث : أن الرجل إذا قال : فلان أوسطنا نسبا فالمعنى أنه أكثر ~~فضلا وهذا وسط فيهم كواسطة القلادة ، وأصل هذا أن الاتباع يحوشون الرئيس ~~فهو في وسطهم وهم حوله فقيل وسط لهذا المعنى . # القول الرابع : يجوز أن يكونوا وسطا على معنى أنهم متوسطون في الدين بين ~~المفرط والمفرط والغالي والمقصر في الأشياء لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى ~~فجعلوا ابنا وإلها ولا قصروا كتقصير اليهود في قتل الأنبياء وتبديل الكتب ~~وغير ذلك مما قصروا فيه . # واعلم أن هذه الأقوال متقاربة غير متنافية والله أعلم . # المسألة الثالثة : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله ~~تعالى لأن هذه الآية دالة على أن عدالة هذه ms1193 الأمة وخيريتهم بجعل الله وخلقه ~~وهذا صريح في المذهب ، قالت المعتزلة : المراد من هذا الجعل فعل الألطاف ~~التي علم الله تعالى أنه متى فعلها لهذه الأمة اختاروا عندها الصواب في ~~القول والعمل ، أجاب الأصحاب عنه من وجوه . الأول : أن هذا ترك للظاهر وذلك ~~مما لا يصار إليه إلا عند قيام الدلائل PageV04P089 على أنه لا يمكن حمل ~~الآية على ظاهرها ، لكنا قد بينا أن الدلائل العقلية الباهرة ليست إلا معنا ~~، أقصى ما للمعتزلة في هذا الباب التمسك بفصل المدح والذم والثواب والعقاب ~~، وقد بينا مرارا كثيرة أن هذه الطريقة منتقضة على أصولهم بمسألة العلم ~~ومسألة الداعي ، والكلام المنقوض لا التفات إليه ألبتة . الوجه الثاني : ~~أنه تعالى قال قبل هذه الآية : { يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم } ( البقرة ~~: 142 ) وقد بينا دلالة هذه الآية على قولنا في أنه تعالى يخص البعض ~~بالهداية دون البعض ، فهذه الآية يجب أن تكون محمولة على ذلك لتكون كل ~~واحدة منهما مؤكدة لمضمون الأخرى . الوجه الثالث : أن كل ما في مقدور الله ~~تعالى من الألطاف في حق الكل فقد فعله ، وإذا كان كذلك لم يكن لتخصيص ~~المؤمنين بهذا المعنى فائدة . الوجه الرابع : وهو أن الله تعالى ذكر ذلك في ~~معرض الامتنان على هذه الأمة وفعل اللطف واجب والواجب لا يجوز ذكره في معرض ~~الامتنان . # المسألة الرابعة : احتج جمهور الأصحاب وجمهور المعتزلة بهذه الآية على أن ~~إجماع الأمة حجة فقالوا : أخبر الله تعالى عن عدالة هذه الأمة وعن خيريتهم ~~فلو أقاموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا ~~يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة ، فإن قيل : الآية ~~متروكة الظاهر ، لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد / منهم بها ~~وخلاف ذلك معلوم بالضرورة ، فلا بد من حملها على البعض فنحن نحملها على ~~الأئمة المعصومين ، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهرة لكن لا نسلم أن الوسط ~~من كل شيء خياره والوجوه التي ذكرتموها معارضة بوجهين . الأول : أن عدالة ~~الرجل عبارة عن أداء ms1194 الواجبات واجتناب المحرمات وهذا من فعل العبد وقد أخبر ~~الله تعالى أن جعلهم وسطا فاقتضى ذلك أن كونهم وسطا من فعل الله تعالى / ~~وذلك يقتضي أن يكون كونهم وسطا غير كونهم عدولا وإلا لزم وقوع مقدور واحد ~~بقادرين وهو محال . الثاني : أن الوسط اسم لما يكون متوسطا بين شيئين ، ~~فجعله حقيقة في العدالة والخيرية يقتضي الاشتراك وهو خلال الأصل ، سلمنا ~~اتصافهم بالخيرية ولكن لم لا يكفي في حصول هذا الوصف الاجتناب عن الكبائر ~~فقط ، وإذا كان كذلك احتمل أن الذي اجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من ~~الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم ، ومما يؤكد هذا الاحتمال أنه تعالى حكم ~~بكونهم عدولا ليكونوا شهداء على الناس وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة ، ~~سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر ولكن الله تعالى بين أن اتصافهم بذلك ~~إنما كان لكونهم شهداء على الناس معلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في ~~الآخرة فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة ~~الأداء لا حالة التحمل ، وذلك لا نزاع فيه ، لأن الأمة تصير معصومة في ~~الآخرة فلم قلت إنهم في الدنيا كذلك ؟ سلمنا وجوب كونهم عدولا في الدنيا ~~لكن المخاطبين بهذا الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية لأن ~~الخطاب مع من لم يوجد محال وإذا كان كذلك فهذه الآية تقتضي عدالة أولئك ~~الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت ولا تقتضي عدالة غيرهم ، فهذه الآية تدل ~~على أن إجماع أولئك حق فيجب أن لا نتمسك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول ~~كل أولئك فيه لكن ذلك لا يمكن إلا إذا علمنا كل واحد من أولئك الأقوام ~~بأعيانهم وعلمنا بقاء كل واحد منهم إلى ما بعد وفاة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعلمنا حصول أقوالهم بأسرهم في ذلك الإجماع ولما كان ذلك كالمتعذر ~~امتنع التمسك بالإجماع . # PageV04P090 # والجواب عن قوله الآية متروكة الظاهر قلنا : لا نسلم فإن قوله : { وكذالك ~~جعلناكم أمة وسطا } يقتضي أنه تعالى جعل كل واحد منهم عند اجتماعه مع غيره ~~بهذه ms1195 الصفة ، وعندنا أنهم في كل أمر اجتمعوا عليه فإن كل واحد منهم يكون ~~عدلا في ذلك الأمر ، بل إذا اختلفوا فعند ذلك قد يفعلون القبيح ، وإنما ~~قلنا إن هذا خطاب معهم حال الاجتماع ، لأن قوله : { جعلناكم } خطاب ~~لمجموعهم لا لكل واحد منهم وحده ، على أن وإن سلمنا أن هذا يقتضي كون كل ~~واحد منهم عدلا لكنا نقول ترك العمل به في حق البعض لدليل قام عليه فوجب أن ~~يبقى معمولا به في حق الباقي وهذا معنى ما قال العلماء : ليس المراد من ~~الآية أن كلهم كذلك ، بل المراد أنه لا بد وأن يوجد فيما بينهم من يكون ~~بهذه الصفة ، فإذا كنا لا نعلم بأعيانهم افتقرنا إلى اجتماع جماعتهم على ~~القول والفعل ، لكي يدخل المعتبرون في جملتهم ، مثاله : أن الرسول عليه ~~الصلاة والسلام إذا قال إن واحدا / من أولاد فلان لا بد وإن يكون مصيبا في ~~الرأي والتدبير فإذا لم نعلمه بعينه ووجدنا أولاده مجتمعين على رأي علمناه ~~حقا لأنه لا بد وأن يوجد فيهم ذلك المحق ، فأما إذا اجتمعوا سوى الواحد على ~~رأي لم نحكم بكونه حقا لتجويز أن يكون الصواب مع ذلك الواحد الذي خالف ، ~~ولهذا قال كثير من العلماء : إنا لو ميزنا في الأمة من كان مصيبا عمن كان ~~مخطئا كانت الحجة قائمة في قول المصيب ولم نعتبر ألبتة بقول المخطىء قوله : ~~لو كان المراد من كونهم وسطا هو المراد من عدالتهم ، لزم أن يكون فعل العبد ~~خلقا لله تعالى قلنا : هذا مذهبنا على ما تقدم بيانه ، قوله : لم قلتم أن ~~إخبار الله تعالى عن عدالتهم وخيريتهم يقتضي اجتنابهم عن الصغائر ؟ قلنا : ~~خبر الله تعالى صدق ، والخبر الصدق يقتضي حصول المخبر عنه ، وفعل الصغيرة ~~ليس بخير ، فالجمع بينهما متناقض ، ولقائل أن يقول : الإخبار عن الشخص بأنه ~~خير أعم من الإخبار عنه بأنه خير في جميع الأمور ، أو في بعض الأمور ، ~~ولذلك فإنه يصح تقسيمه إلى هذين القسمين فيقال : الخير إما أن يكون خيرا في ~~بعض الأمور دون البعض ms1196 أو في كل الأمور ، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين ، ~~فمن كان خيرا من بعض الوجوه دون البعض ، يصدق عليه أنه خير ، فإذن إخبار ~~الله تعالى عن خيرية الأمة لا يقتضي إخباره تعالى عن خيريتهم في كل الأمور ~~، فثبت أن هذا لا ينافي إقدامهم على الكبائر فضلا عن الصغائر ، وكنا قد ~~نصرنا هذه الدلالة في أصول الفقه إلا أن هذا السؤال وارد عليها ، أما ~~السؤال الآخر فقد أجيب عنه بأن قوله : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } خطاب ~~لجميع الأمة أولها وآخرها ، من كان منهم موجودا وقت نزول هذه الآية ومن جاء ~~بعدهم إلى قيام الساعة ، كما أن قوله : { كتب عليكم القصاص } ( البقرة : ~~178 ) ، { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) يتناول الكل ، ولا يختص ~~بالموجودين في ذلك الوقت ، وكذلك سائر تكاليف الله تعالى وأوامره وزواجره ~~خطاب لجميع الأمة فإن قيل : لو كان الأمر كذلك لكان هذا خطابا لجميع من ~~يوجد إلى قيام الساعة ، فإنما حكم لجماعتهم بالعدالة فمن أين حكمت لأهل كل ~~عصر بالعدالة حتى جعلتهم حجة على من بعدهم ؟ قلنا : لأنه تعالى لما جعلهم ~~شهداء على الناس ، فلو اعتبرنا أول الأمة وآخرها بمجموعها في كونها حجة على ~~غيرها لزالت الفائدة إذ لم يبق بعد انقضائها من تكون الأمة حجة عليه ، ~~فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر ، ويجوز تسمية أهل العصر الواحد بالأمة ، ~~فإن الأمة اسم للجماعة التي تؤم جهة واحدة ، ولا شك أن أهل كل عصر كذلك ~~ولأنه تعالى قال : { أمة وسطا } فعبر عنهم بلفظ النكرة ولا شك أن هذا ~~يتناول أهل كل عصر . # المسألة الخامسة : اختلف الناس في أن الشهادة المذكورة في قوله تعالى : { ~~لتكونوا شهداء على الناس } PageV04P091 تحصل في الآخرة أو في الدنيا . ~~فالقول الأول : إنها تقع في الآخرة ، والذاهبون إلى هذا القول لهم وجهان . ~~الأول : وهو الذي عليه الأكثرون : أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على أنهم ~~الذين يكذبونهم ، روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء ، فيطالب الله تعالى ~~الأنبياء بالبينة على / أنهم قد بلغوا وهو أعلم ، فيؤتى بأمة محمد صلى ms1197 الله ~~عليه وسلم الله عليه وسلم فيشهدون فتقول الأمم من أين عرفتم فيقولون : ~~علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق ، فيؤتى ~~بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم ~~وذلك قوله : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( ~~النساء : 41 ) وقد طعن القاضي في هذه الرواية من وجوه : # أولها : أن مدار هذه الرواية عن أن الأمم يكذبون أنبياءهم وهذا بناء على ~~أن أهل القيامة قد يكذبون ، وهذا باطل عند القاضي ، إلا أنا سنتكلم على هذه ~~المسألة في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن ~~قالوا والله ربنا ما كنا مشركين * انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ( الأنعام : ~~23 / 24 ) . # وثانيها : أن شهادة الأمة وشهادة الرسول مستندة في الآخرة إلى شهادة الله ~~تعالى على صدق الأنبياء ، وإذا كان كذلك فلم لم يشهد الله تعالى لهم بذلك ~~ابتداء ؟ وجوابه : الحكمة في ذلك تمييز أمة محمد صلى الله عليه وسلم في ~~الفضل عن سائر الأمم بالمبادرة إلى تصديق الله تعالى وتصديق جميع الأنبياء ~~، والإيمان بهم جميعا ، فهم بالنسبة إلى سائر الأمم كالعدل بالنسبة إلى ~~الفاسق ، فلذلك يقبل الله شهادتهم على سائر الأمم ولا يقبل شهادة الأمم ~~عليهم إظهارا لعدالتهم وكشفا عن فضيلتهم ومنقبتهم . # وثالثها : أن مثل هذه الأخبار لا تسمى شهادة وهذا ضعيف لقوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( إذا علمت مثل الشمس فاشهد ) والشيء الذي أخبر الله تعالى عنه ~~فهو معلوم مثل الشمس فوجب جواز الشهادة عليه . # الوجه الثاني : قالوا معنى الآية : لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي ~~خالفوا الحق فيها قال ابن زيد : الأشهاد أربعة . أولها : الملائكة الموكلون ~~بإثبات أعمال العباد . قال تعالى : { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } ( ق : ~~21 ) وقال : { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق : 18 ) وقال : { ~~وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون } ( الإنفطار : 10 12 ~~) . وثانيها : شهادة الأنبياء وهو المراد بقوله حاكيا عن عيسى عليه السلام ~~: { وكنت عليهم ms1198 شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم وأنت ~~على كل شىء شهيد } ( المائدة : 117 ) وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأمته في هذه الآية : { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ~~} وقال : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( ~~النساء : 41 ) . وثالثها : شهادة أمة محمد خاصة . قال تعالى : { وجىء ~~بالنبيين والشهداء } ( الز ( مر : 69 ) وقال تعالى : { ويوم يقوم الاشهاد } ~~( غافر : 51 ) . ورابعها : شهادة الجوارح وهي بمنزلة الإقرار بل أعجب منه ~~قال تعالى : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم } ( النور : 24 ) الآية ، وقال : { ~~اليوم نختم على أفواههم } ( يس : 65 ) الآية . القول الثاني : أن أداء هذه ~~الشهادة إنما يكون في الدنيا وتقريره أن الشهادة والمشاهدة والشهود هو ~~PageV04P092 الرؤية يقال : شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته ، ولما كان بين ~~الإبصار بالعين وبين المعرفة بالقلب مناسبة شديدة لا جرم قد تسمى المعرفة ~~التي في القلب : مشاهدة وشهودا ، والعارف بالشيء : شاهدا ومشاهدا ، ثم سميت ~~الدلالة على الشيء : شاهدا على الشيء لأنها هي التي بها صار الشاهد شاهدا ، ~~ولما كان المخبر عن الشيء والمبين لحاله جاريا مجرى الدليل على ذلك سمي ذلك ~~/ المخبر أيضا شاهدا ، ثم اختص هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق ~~الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة ، إذا عرفت هذا فنقول : إن كل من عرف ~~حال شيء وكشف عنه كان شاهدا عليه والله تعالى وصف هذه الأمة بالشهادة ، ~~فهذه الشهادة إما أن تكون في الآخرة أو في الدنيا لا جائز أن تكون في ~~الآخرة ، لأن الله تعالى جعلهم عدولا في الدنيا لأجل أن يكونوا شهداء وذلك ~~يقتضي أن يكونوا شهداء في الدنيا ، إنما قلنا : إنه تعالى جعلهم عدولا في ~~الدنيا لأنه تعالى قال : { وكذالك جعلناكم أمة } وهذا إخبار عن الماضي فلا ~~أقل من حصوله في الحال ، وإنما قلنا : إن ذلك يقتضي صيرورتهم شهودا في ~~الدنيا لأنه تعالى قال : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس } رتب كونهم شهداء على صيرورتهم وسطا ترتيب ms1199 الجزاء على الشرط ، فإذا ~~حصل وصف كونهم وسطا في الدنيا وجب أن يحصل وصف كونهم شهداء في الدنيا ، فإن ~~قيل : تحمل الشهادة لا يحصل إلا في الدنيا ، ومتحمل الشهادة قد يسمى شاهدا ~~وإن كان الأداء لا يحصل إلا في القيامة قلنا : الشهادة المعتبرة في الآية ~~لا التحمل ، بدليل أنه تعالى اعتبر العدالة في هذه الشهادة والشهادة التي ~~يعتبر فيها العدالة ، هي الأداء لا التحمل ، فثبت أن الآية تقتضي كون الأمة ~~مؤدين للشهادة في دار الدنيا ، وذلك يقتضي أن يكون مجموع الأمة إذا أخبروا ~~عن شيء أن يكون قولهم حجة ولا معنى لقولنا الإجماع حجة إلا هذا / فثبت أن ~~الآية تدل على أن الإجماع حجة من هذا الوجه أيضا ، واعلم أن الدليل الذي ~~ذكرناه على صحة هذا القول لا يبطل القولين الأولين لأنا بينا بهذه الدلالة ~~أن الأمة لا بد وأن يكونوا شهودا في الدنيا وهذا لا ينافي كونهم شهودا في ~~القيامة أيضا على الوجه الذي وردت الأخبار به ، فالحاصل أن قوله تعالى : { ~~لتكونوا شهداء على الناس } إشارة إلى أن قولهم عند الإجماع حجة من حيث أن ~~قولهم : عند الإجماع يبين للناس الحق ، ويؤكد ذلك قوله تعالى : { ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا } يعني مؤديا ومبينا ، ثم لا يمتنع أن تحصل مع ذلك لهم ~~الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا ~~أثبتوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد ، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة ~~كما أن الشاهد على العقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك ~~عند الحاكم . # المسألة السادسة : دلت الآية على أن من ظهر كفره وفسقه نحو المشبهة ~~والخوارج والروافض فإنه لا يعتد به في الإجماع لأن الله تعالى إنما جعل ~~الشهداء من وصفهم بالعدالة والخيرية ، ولا يختلف في ذلك الحكم من فسق أو ~~كفر بقوله أو فعل ، ومن كفر برد النص أو كفر بالتأويل . # المسألة السابعة : إنما قال : { شهداء على الناس } ولم يقل : شهداء للناس ~~لأن قولهم يقتضي التكليف إما بقول ms1200 وإما بفعل وذلك عليه لا له في الحال ، ~~فإن قيل : لم أخرت صلة الشهادة أولا وقدمت آخرا ؟ قلنا ؛ لأن الغرض في ~~الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي الآخر الاختصاص بكون الرسول شهيدا عليهم ~~. PageV04P093 # قوله تعالى : { وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا } . # اعلم أن قوله : { وما جعلنا } معناه ما شرعنا وما حكمنا كقوله : { ما جعل ~~الله من بحيرة } ( المائدة : 103 ) أي ما شرعها ولا جعلها دينا ، وقوله : { ~~كنت عليها } أي كنت معتقدا لاستقبالها ، كقول القائل : كان لفلان على فلان ~~دين ، وقوله : { كنت عليها } ليس بصفة للقبلة ، إنما هو ثاني مفعولي جعل ~~يريد : { وما جعلنا القبلة } الجهة التي كنت عليها . ثم ههنا وجهان . الأول ~~: أن يكون هذا الكلام بيانا للحكمة في جعل القبلة ، وذلك لأنه عليه الصلاة ~~والسلام كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد ~~الهجرة تأليفا لليهود ، ثم حول إلى الكعبة فنقول : { وما جعلنا القبلة } ~~الجهة : { التى كنت عليها } أولا : يعني وما رددناك إليها إلا امتحانا ~~للناس وابتلاء . الثاني : يجوز أن يكون قوله : { التى كنت عليها } لسانا ~~للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة يعني إن أصل أمرك أن تسقبل الكعبة وأن ~~استقبالك بيت المقدس كان أمرا عارضا لغرض وإنما جعلنا القبلة الجهة التي ~~كنت عليها قبل وقتك هذا ، وهي بيت المقدس ، لنمتحن الناس وننظر من يتبع ~~الرسول ومن لا يتبعه وينفر عنه . وههنا وجه ثالث ذكره أبو مسلم فقال : لولا ~~الروايات لم تدل الآية على قبلة من قبل الرسول عليه الصلاة والسلام عليها ، ~~لأنه قد يقال : كنت بمعنى صرت كقوله تعالى : { كنتم خير أمة } ( آل عمران : ~~110 ) وقد يقال : كان في معنى لم يزل كقوله تعالى : { وكان الله عزيزا ~~حكيما } ( النساء : 158 ) فلا يمتنع أن يراد بقوله : { وما جعلنا القبلة ~~التى كنت عليها } أي التي لم تزل عليها وهي الكعبة إلا كذا وكذا . # أما قوله : { إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على ms1201 عقبيه } ففيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : اللام في قوله : { إلا لنعلم } لام الغرض والكلام في ~~أنه هل يصح الغرض على الله أو لا يصح وبتقدير أن لا يصح فكيف تأويل هذا ~~الكلام فقد تقدم . # المسألة الثانية : وما جعلنا كذا وكذا إلا لنعلم كذا يوهم أن العلم بذلك ~~الشيء لم يكن حاصلا فهو فعل ذلك الفعل ليحصل له ذلك العلم وهذا يقتضي أن ~~الله تعالى لم يعلم تلك الأشياء قبل وقوعها ، ونظيره في الإشكال قوله : { ~~ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } ( محمد : 31 ) وقوله : { ~~الئان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } ( الأنفال : 66 ) وقوله : { لعله ~~يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) وقوله : { فليعلمن الله الذين صدقوا } ( ~~العنكبوت : 3 ) وقوله : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } ( آل عمران : 142 ) وقوله : { وما كان له ~~عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالاخرة } ( سبأ : 21 ) والكلام في هذه ~~المسألة أمر مستقصى في قوله : { وإذ ابتلى } والمفسرون أجابوا عنه من وجوه ~~. PageV04P094 أحدها : أن قوله : { إلا لنعلم } معناه إلا ليعلم حزبنا من ~~النبيين والمؤمنين كما يقول الملك : فتحنا البلدة الفلانية بمعنى : فتحها ~~أولياؤنا ، ومنه يقال : فتح عمر السواد ، ومنه قول عليه الصلاة والسلام ~~فيما يحكيه عن ربه : ( استقرضت عبدي فلم يقرضني ، وشتمني ولم يكن ينبغي له ~~أن يشتمني يقول وادهراه وأنا الدهر ) وفي الحديث : ( من أهان لي وليا فقد ~~أهانني ) . وثانيها : معناه ليحصل المعدوم فيصير موجودا ، فقوله : { إلا ~~لنعلم } معناه : إلا لنعلمه موجودا ، فإن قيل : فهذا يقتضي حدوث العلم ، ~~قلنا : اختلفوا في أن العلم بأن الشيء سيوجد هل هو علم بوجوده إذا وجد ~~الخلاف فيه مشهور . وثالثها : إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في ~~قلوبهم من الإخلاص والنفاق ، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون ، ~~فسمي التمييز علما ، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته . ورابعها : { إلا لنعلم ~~} معناه : إلا لنرى ، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكان الرؤية ، والرؤية ~~مكان العلم كقوله : { ألم تر كيف } ( الفجر : 6 ) ( الفيل : 1 ) ( إبراهيم ms1202 ~~: 19 ) ورأيت ، وعلمت ، وشهدت ، ألفاظ متعاقبة . وخامسها : ما ذهب إليه ~~الفراء : وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين ، ومثاله أن ~~جاهلا وعاقلا اجتمعا ، فيقول الجاهل : الحطب يحرق النار ، ويقول العاقل : ~~بل النار تحرق الحطب ، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه : لنعلم ~~أينا الجاهل ، فكذلك قوله : { إلا لنعلم } إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس ~~من الكلام : الاستمالة والرفق في الخطاب ، كقوله : { وإنا أو إياكم لعلى ~~هدى } ( سبأ : 24 ) فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقا للخطاب ورفقا ~~بالمخاطب ، فكذا قوله : { إلا لنعلم } . وسادسها : نعاملكم معاملة المختبر ~~الذي كأنه لا يعلم ، إذ العدل يوجب ذلك . وسابعها : أن العلم صلة زائدة ، ~~فقوله ؛ { إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } معناه : إلا ~~ليحصل اتباع المتبعين ، وانقلاب المنقلبين ، ونظيره قولك في الشيء الذي ~~تنفيه عن نفسك : ما علم الله هذا مني أي ما كان هذا مني والمعنى : أنه لو ~~كان لعلمه الله . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة أو ~~بسبب تحويلها ، فمن الناس من قال : إنما حصلت بسبب تعيين القبلة لأنه عليه ~~الصلاة والسلام كان يصلي إلى الكعبة / فلما جاء المدينة صلى إلى بيت المقدس ~~، فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم ، ثم إنه لما حوله مرة أخرى إلى ~~الكعبة شق ذلك على اليهود من حيث إنه ترك قبلتهم ، وأما الأكثرون من أهل ~~التحقيق قالوا : هذه المحنة إنما حصلت بسبب التحويل فإنهم قالوا : إن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم لو كان على يقين من أمره لما تغير رأيه ، روى القفال عن ~~ابن جريح أنه قال : بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم ، وقالوا مرة ههنا ومرة ~~ههنا ، وقال السدي : لما توجه النبي عليه الصلاة والسلام / نحو المسجد ~~الحرام اختلف الناس فقال المنافقون : ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها ، ~~وقال المسلمون : لسنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت ~~المقدس ، وقال آخرون : اشتاق إلى بلد أبيه ومولده ، وقال المشركون : تحير ~~في ms1203 دينه ، PageV04P095 واعلم أن هذا القول الأخير أولى لأن الشبهة في أمر ~~النسخ أعظم من الشبهة الحاصلة بسبب تعيين القبلة ، وقد وصفها الله تعالى ~~بالكبيرة فقال : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } فكان حمله ~~عليه أولى . # المسألة الرابعة : قوله : { ممن ينقلب على عقبيه } استعارة ومعناه : من ~~يكفر بالله ورسوله ، ووجه الاستعارة أن المنقلب على عقبيه قد ترك ما بين ~~يديه وأدبر عنه ، فلما تركوا الإيمان والدلائل صاروا بمنزلة المدبر عما بين ~~يديه فوصفوا بذلك كما قال تعالى : { ثم أدبر واستكبر } ( المدثر : 23 ) ~~وكما قال : { كذب وتولى } ( طه : 48 ) وكل ذلك تشبيه . # أما قوله تعالى : { وإن كانت } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ( إن ) المكسورة الخفيفة ، معناها على أربعة أوجه : ~~جزاء ، ومخففة من الثقيلة ، وجحد ، وزائدة ، أما الجزاء فهي تفيد ربط إحدى ~~الجملتين بالأخرى فالمستلزم هو الشرط واللازم هو الجزاء كقولك : إن جئتني ~~أكرمتك ، وأما الثانية : وهي المخففة من الثقيلة فهي تفيد توكيد المعنى في ~~الجملة بمنزلة { ءان } المشددة كقولك : إن زيدا لقائم ، قال الله تعالى : { ~~إن كل نفس لما عليها حافظ } ( الطارق : 4 ) وقال : { إن كان وعد ربنا ~~لمفعولا } ( الإسراء : 108 ) ومثله في القرآن كثير ، والغرض في تخفيفها ~~إيلاؤها ما لم يجز أن يليها من الفعل ، وإنما لزمت اللام هذه المخففة للعوض ~~عما حذف منها ، والفرق بينها وبين التي للجحد في قوله تعالى : { إن ~~الكافرون إلا فى غرور } ( الملك : 20 ) وقوله : { إن أتبع إلا ما يوحى إلى ~~} ( الأحقاف : 9 ) إذ كانت كل واحدة منهما يليها الإسم والفعل جميعا كما ~~وصفنا ، وأما الثالثة : وهي التي للجحد ، كقوله : { إن الحكم إلا لله } ( ~~الأنعام : 57 ) وقال : { إن تتبعون إلا الظن } ( الأنعام : 148 ) وقال : { ~~ولئن زالتا إن أمسكهما } ( فاطر : 41 ) أي ما يمسكهما ، وأما الرابعة وهي ~~الزائدة فكقولك : ما إن رأيت زيدا . # إذا عرفت هذا فنقول : { ءان } في قوله : { وإن كانت لكبيرة } ( البقرة : ~~143 ) هي المخففة التي تلزمها اللام ، والغرض منها توكيد المعنى في الجملة ~~. # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { كانت } إلى أي شيء يعود ms1204 ؟ فيه ~~وجهان : # الأول : أنه يعود إلى القبلة لأنه لا بد له من مذكور سابق وما ذاك إلا ~~القبلة في قوله : { وما جعلنا القبلة التى كنت عليها } ( البقرة : 143 ) . ~~الثاني : أنه عائد إلى ما دل عليه الكلام السابق وهي مفارقة القبلة ، ~~والتأنيث للتولية لأنه قال : { ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها } ثم ~~قال عطفا على هذا : { وإن كانت لكبيرة } أي وإن كانت التولية لأن قوله : { ~~وما * ولاهم } يدل على التولية كما قيل في قوله تعالى : { ولا تأكلوا مما ~~لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ( الأنعام : 121 ) ويحتمل أن يكون ~~المعنى : وإن كانت هذه الفعلة ، نظيره قوله فيها ونعمت ، واعلم أن هذا ~~البحث متفرع على المسألة التي قدمناها وهي أن الامتحان / والابتلاء حصل ~~بنفس القبلة ، أو بتحويل القبلة ، وقد بينا أن الثاني أولى لأن الإشكال ~~الحاصل بسبب النسخ أقوى من الإشكال الحاصل بسبب تلك الجهات ، ولهذا وصفه ~~الله تعالى بالكبيرة في قوله : { وإن كانت لكبيرة } . # أما قوله تعالى : { لكبيرة } فالمعنى : لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله : { ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم } PageV04P096 ( الكهف : 5 ) أي : عظمت الفرية ~~بذلك ، وقال الله تعالى : { سبحانك هاذا * عذاب عظيم } ( النور : 16 ) وقال ~~: { إن ذالكم كان عند الله عظيما } ( الأحزاب : 53 ) ثم إنا إن قلنا ~~الامتحان وقع بنفس القبلة ، قلنا : إن تركها ثقيل عليهم ، لأن ذلك يقتضي ~~ترك الألف والعادة ، والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف وإن قلنا : ~~الامتحان وقع بتحريف القبلة قلنا : إنها لثقيلة من حيث أن الإنسان لا يمكنه ~~أن يعرف أن ذلك حق إلا بعد أن عرف مسألة النسخ وتخلص عما فيها من السؤالات ~~، وذلك أمر ثقيل صعب إلا على من هداه الله تعالى حتى عرف أنه لا يستنكر نقل ~~القبلة من جهة إلى جهة كما لا يستنكر نقلة إياهم من حال إلى حال في الصحة ~~والسقم والغنى والفقر ، فمن اهتدى لهذا النظر ازداد بصره ، ومن سفه واتبع ~~الهوى وظواهر الأمور ثقلت عليه هذه المسألة . # أما قوله : { إلا على الذين هدى الله } فاحتج الأصحاب بهذه الآية ms1205 في ~~مسألة خلق الأعمال فقالوا : المراد من الهداية إما الدعوة أو وضع الدلالة ~~أو خلق المعرفة ، والوجهان الأولان ههنا باطلان ، وذلك لأنه تعالى حكم ~~بكونها ثقيلة على الكل إلا على الذين هدى الله فوجب أن يقال : إن الذي هداه ~~الله لا يثقل ذلك عليه ، والهداية بمعنى الدعوة ، ووضع الدلائل عامة في حق ~~الكل ، فوجب أن لا يثقل ذلك على أحد من الكفار ، فلما ثقل عليهم علمنا أن ~~المراد من الهداية ههنا خلق المعرفة والعلم وهو المطلوب ، قالت المعتزلة : ~~الجواب عنه من ثلاثة أوجه ، أحدها : أن الله تعالى ذكرهم على طريق المدح ~~فخصهم بذلك . وثانيها : أراد به الاهتداء . وثالثها : أنهم الذين انتفعوا ~~بهدى الله فغيرهم كأنه لم يعتد بهم . # والجواب عن الكل : أنه ترك للظاهر فيكون على خلاف الأصل والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أن رجالا من المسلمين كأبي أمامة ، وسعد بن زرارة ، ~~والبراء بن عازب ، والبراء بن معرور ، وغيرهم ماتوا على القبلة الأولى فقال ~~عشائرهم : يا رسول الله توفى إخواننا على القبلة الأولى فكيف حالهم ؟ فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية . # واعلم أنه لا بد من هذا السبب ، وإلا لم يتصل بعض الكلام ببعض ، ووجه ~~تقرير الإشكال أن الذين لم يجوزوا النسخ إلا مع البداء يقولون : إنه لما ~~تغير الحكم وجب أن يكون الحكم مفسدة وباطلا فوقع في قلبهم بناء على هذا ~~السؤال أن تلك الصلوات التي أتوا بها متوجهين إلى بيت المقدس كانت ضائعة ، ~~ثم إن الله تعالى أجاب عن هذا الإشكال وبين أن النسخ نقل من مصلحة إلى ~~مصلحة / ومن تكليف إلى تكليف ، والأول كالثاني في أن القائم به متمسك ~~بالدين ، وأن من هذا حاله فإنه لا يضيع أجره ونظيره : ما سألوا بعد تحريم ~~الخمر عمن مات وكان يشربها ، فأنزل الله تعالى : { ليس على الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات جناح } ( المائدة : 93 ) فعرفهم الله تعالى أنه لا جناح ~~عليهم فيما مضى لما كان ذلك بإباحة الله تعالى ، فإن قيل : إذا كان ms1206 الشك ~~إنما تولد من تجويز البداء على الله تعالى فكيف يليق ذلك بالصحابة ؟ قلنا : ~~الجواب من وجوه . أحدها : أن ذلك الشك وقع لمنافق فذكر الله تعالى ذلك ~~ليذكره المسلمون جوابا لسؤال ذلك المنافق . وثانيها : لعلهم اعتقدوا أن ~~الصلاة إلى الكعبة أفضل فقالوا : ليت إخواننا ممن مات أدرك ذلك ، فذكر الله ~~PageV04P097 تعالى هذا الكلام جوابا عن ذلك . وثالثها : لعله تعالى ذكر هذا ~~الكلام ليكون دفعا لذلك السؤال لو خطر ببالهم . # القول الثاني : وهو قول ابن زيد أن الله تعالى إذا علم أن الصلاح في ~~نقلكم من بيت المقدس إلى الكعبة فلو أقركم على الصلاة إلى بيت المقدس كان ~~ذلك إضاعة عنه لصلاتكم لأنها تكون على هذا التقدير خالية عن المصالح فتكون ~~ضائعة والله تعالى لا يفعل ذلك . # القول الثالث : أنه تعالى لما ذكر ما عليهم من المشقة في هذا التحويل ~~عقبه بذكر ما لهم عنده من الثواب وأنه لا يضيع ما عملوه وهذا قول الحسن . # القول الرابع : كأنه تعالى قال : وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع ~~إيمانكم فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا ولو كفروا لضاع إيمانهم فقال : { ~~وما كان الله ليضيع إيمانكم } فلا جرم وفقكم لقبول هذا التكليف وأعانكم ~~عليه . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ~~خطاب مع من ؟ على قولين : الأول : أنه مع المؤمنين ، وذكر القفال على هذا ~~القول وجوها أربعة . الأول : أن الله خاطب به المؤمنين الذين كانوا موجودين ~~حينئذ ، وذلك جواب عما سألوه من قبل . الثاني : أنهم سألوا عمن مات قبل نسخ ~~القبلة فأجابهم الله تعالى بقوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي وإذا ~~كان إيمانكم الماضي قبل النسخ لا يضيعه الله فكذلك إيمان من مات قبل النسخ ~~. الثالث : يجوز أن يكون الأحياء قد توهموا أن ذلك لما نسخ بطل ، وكان ما ~~يؤتى به بعد النسخ من الصلاة إلى الكعبة كفارة لما سلف واستغنوا عن السؤال ~~عن أمر أنفسهم لهذا الضرب من التأويل فسألوا عن إخوانهم الذين ماتوا ولم ~~يأتوا بما يكفر ms1207 ما سلف فقيل : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } والمراد أهل ~~ملتكم كقوله لليهود الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم : { وإذ ~~قتلتم نفسا } ( البقرة : 72 ) ، { وإذ فرقنا بكم البحر } ( البقرة : 50 ) . ~~الرابع : يجوز أن يكون السؤال واقعا عن الأحياء والأموات معا ، فإنهم ~~اشفقوا على ما كان من صلاتهم أن يبطل ثوابهم ، وكان الإشفاق واقعا في ~~الفريقين فقيل : إيمانكم للأحياء والأموات ، إذ من شأن العرب إذا أخبروا عن ~~حاضر وغائب أن يغلبوا الخطاب فيقولوا : كنت أنت وفلان الغائب فعلتما والله ~~أعلم . # / القول الثاني : قول أبي مسلم ، وهو أنه يحتمل أن يكون ذلك خطابا لأهل ~~الكتاب ، والمراد بالإيمان صلاتهم وطاعتهم قبل البعثة ثم نسخ ، وإنما اختار ~~أبو مسلم هذا القول لئلا يلزمه وقوع النسخ في شرعنا . # المسألة الثالثة : استدلت المعتزلة بقوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم ~~} على أن الإيمان اسم لفعل الطاعات فإنه تعالى أراد بالإيمان ههنا الصلاة . ~~والجواب : لا نسلم أن المراد من الإيمان ههنا الصلاة ، بل المراد منه ~~التصديق والإقرار فكأنه تعالى قال : أنه لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة ~~سلمنا أن المراد من الإيمان ههنا الصلاة ولكن الصلاة أعظم الإيمان وأشرف ~~نتائجه وفوائده فجاز إطلاق اسم الإيمان على الصلاة على سبيل الإستعارة من ~~هذه الجهة . # المسألة الرابعة : قوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي لا يضيع ~~ثواب إيمانكم لأن الإيمان قد PageV04P098 انقضى وفنى وما كان كذلك استحال ~~حفظه وإضاعته إلا أن استحقاق الثواب قائم بعد انقضائه فصح حفظه وإضاعته وهو ~~كقوله تعالى : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } ( آل عمران : 195 ) . # أما قوله : { إن الله بالناس * لرؤوف رحيم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال القفال رحمه الله : الفرق بين الرأفة والرحمة أن ~~الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزالة الضرر كقوله : { ولا ~~تأخذكم بهما رأفة فى دين الله } ( النور : 2 ) أي لا ترأفوا بهما فترفعوا ~~الجلد عنهما ، وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه ~~الإفضال والإنعام ، وقد سمى الله تعالى المطر رحمة فقال ms1208 : { وهو الذى يرسل ~~الرياح * بشرا بين * يدى رحمته } ( الأعراف : 57 ) لأنه إفضال من الله ~~وإنعام ، فذكر الله تعالى الرأفة أولا بمعنى أنه لا يضيع أعمالهم ويخفف ~~المحن عنهم ، ثم ذكر الرحمة لتكون أعم وأشمل ، ولا تختص رحمته بذلك النوع ~~بل هو رحيم من حيث أنه دافع للمضار التي هي الرأفة وجالب للمنافع معا . # المسألة الثانية : ذكروا في وجه تعلق هذين الاسمين بما قبلهما وجوها . ~~أحدها : أنه تعالى لما أخبر أنه لا يضيع إيمانهم قال : { إن الله بالناس ~~لرءوف رحيم } ( الحج : 65 ) والرؤف الرحيم كيف يتصور منه هذه الإضاعة . ~~وثانيها : أنه لرؤف رحيم فلذلك ينقلكم من شرع إلى شرع آخر وهو أصلح لكم ~~وأنفع في الدين والدنيا . وثالثها : قال : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين ~~هدى الله } فكأنه تعالى قال : وإنما هداهم الله ولأنه رؤف رحيم . # المسألة الثالثة : قرأ عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم : { لرءوف ~~رحيم } مهموزا غير مشبع على وزن رعف والباقون { * رؤف } مثقلا مهموزا مشبعا ~~على وزن رعوف وفيه أربع لغات رئف أيضا كحزر ، ورأف على وزن فعل . # المسألة الرابعة : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق ~~الكفر ولا الفساد قالوا لأنه تعالى بين أنه بالناس لرؤف رحيم ، والكفار من ~~الناس فوجب أن يكون رؤفا رحيما بهم ، / وإنما يكون كذلك لو لم يخلق فيهم ~~الكفر الذي يجرهم إلى العقاب الدائم والعذاب السرمدي ، ولو لم يكلفهم ما لا ~~يطيقون فإنه تعالى لو كان مع مثل هذا الإضرار رؤفا رحيما فلعى أي طريق ~~يتصور أن لا يكون رؤفا رحيما واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مرارا والله ~~أعلم . # ! 7 < { قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 144 ) قد نرى تقلب . . . . . # > > PageV04P099 # اعلم أن قوله : { رحيم قد نرى تقلب وجهك في السماء } فيه قولان : # القول الأول : وهو المشهور الذي عليه ms1209 أكثر المفسرين أن ذلك كان لانتظار ~~تحويله من بيت المقدس إلى الكعبة ، والقائلون بهذا القول ذكروا وجوها . ~~أحدها : أنه كان يكره التوجه إلى بيت المقدس ، ويحب التوجه إلى الكعبة ، ~~إلا أنه ما كان يتكلم بذلك فكان يقلب وجهه في السماء لهذا المعنى ، روى عن ~~ابن عباس أنه قال : ( يا جبريل وددت أن الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود ~~إلى غيرها فقد كرهتها ) فقال له جبريل : ( أنا عبد مثلك فاسأل ربك ذلك ) ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل ~~بما سأل فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وهؤلاء ذكروا في سبب هذه المحنة ~~أمورا . الأول : أن اليهود كانوا يقولون : إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ~~ولولا نحن لم يدر أين يستقبل ، فعند ذلك كره أن يتوجه إلى قبلتهم . الثاني ~~: أن الكعبة كانت قبلة إبراهيم . الثالث : أنه عليه السلام كان يقدر أن ~~يصير ذلك سببا لاستمالة العرب ولدخولهم في الإسلام . الرابع : أنه عليه ~~السلام أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه لا في مسجد آخر ~~، واعترض القاضي على هذا الوجه وقال : أنه لا يليق به عليه السلام أن يكره ~~قبلة أمر أن يصلي إليها ، وأن يحب أن يحوله ربه عنها إلى قبلة يهواها بطبعه ~~، ويميل إليها بحسب شهوته لأنه عليه السلام علم وعلم أن الصلاح في خلاف ~~الطبع والميل : واعلم أن هذا التأويل قليل التحصيل ، لأن المستنكر من ~~الرسول أن يعرض عما أمره الله تعالى به ، ويشتغل بما يدعوه طبعه إليه ، ~~فأما أن يميل قلبه إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه ، فذلك مما ~~لا إنكار عليه ، لا سيما إذا لم ينطق به ، أي بعد في أن يميل طبع الرسول ~~إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه ، وهذا مما / لا استبعاد فيه ~~بوجه من الوجوه . # الوجه الثاني : أنه عليه السلام قد استأذن جبريل عليه السلام في أن يدعو ~~الله تعالى بذلك فأخبره جبريل بأن الله قد أذن ms1210 له في هذا الدعاء ، وذلك لأن ~~الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئا إلا بإذن منه لئلا يسألوا ما لا صلاح ~~فيه فلا يجابوا إليه فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم ، فلما أذن الله تعالى له ~~في الإجابة علم أنه يستجاب إليه فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل ~~عليه السلام بالوحي في الإجابة . # الوجه الثالث : قال الحسن : إن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يخبره أن الله تعالى سيحول القبلة عن بيت المقدس إلى قبلة أخرى ، ~~ولم يبين له إلى أي موضع يحولها ، ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الكعبة فكان رسول الله يقلب وجهه في السماء ينتظر الوحي ، ~~لأنه عليه السلام علم أن الله تعالى لا يتركه بغير صلاة ، فأتاه جبريل عليه ~~السلام فأمره أن يصل نحو الكعبة والقائلون بهذا الوجه اختلفوا فمنهم من قال ~~: إنه عليه السلام منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة ، فكان ~~يخاف أن يرد وقت الصلاة ولم تظهر القبلة فتتأخر صلاته فلذلك كان يقلب وجهه ~~عن الأصم ، وقال آخرون : بل وعد بذلك وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز ~~الصلاة إليها / لكن لأجل الوعد كان يتوقع ذلك ، ولأنه كان يرجو عند التحويل ~~عن بيت المقدس إلى الكعبة وجوها كثيرة من المصالح الدينية ، نحو : رغبة ~~العرب في الإسلام ، والمباينة عن اليهود ، وتمييز الموافق من المنافق ، ~~فلهذا كان يقلب وجهه ، وهذا الوجه أولى ، وإلا لما كانت القبلة الثانية ~~ناسخة للأولى ، بل كانت مبتدأة ، والمفسرة أجمعوا على أنها ناسخة للأولى ، ~~ولأنه لا يجوز أن PageV04P100 يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه . ~~الرابع : أن تقلب وجهه في السماء هو الدعاء . # القول الثاني : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني ، قالوا : لولا الأخبار التي ~~دلت على هذا القول وإلا فلفظ الآية يحتمل وجها آخر ، وهو أنه يحتمل أنه ~~عليه السلام إنما كان يقلب وجهه في أول مقدمة المدينة ، فقد روي أنه عليه ~~السلام كان إذا صلى بمكة جعل الكعبة بينه ms1211 وبين بيت المقدس ، وهذه صلاة إلى ~~الكعبة فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه فانتظر أمر الله تعالى حتى نزل قوله : ~~{ فول وجهك شطر المسجد الحرام } . # المسألة الثانية : اختلفوا في صلاته إلى بيت المقدس ، فقال قوم : كان ~~بمكة يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس ~~سبعة عشر شهرا ، وقال قوم : بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس ، إلا أنه ~~يجعل الكعبة بينه وبينها : وقال قوم : بل كان يصلي إلى بيت المقدس فقط ~~وبالمدينة أولا سبعة عشر شهرا ، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة لما ~~فيه من الصلاح . # المسألة الثالثة : اختلفوا في توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت ~~المقدس هل كان فرضا / لا يجوز غيره ، أو كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~مخيرا في توجهه إليه وإلى غيره ، فقال الربيع بن أنس : قد كان مخيرا في ذلك ~~وقال ابن عباس : كان التوجه إليه فرضا محققا بلا تخيير . # واعلم أنه على أي الوجهين كان قد صار منسوخا ، واحتج الذاهبون إلى القول ~~الأول بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : { ولله المشرق ~~PageV04P101 والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } ( البقرة : 115 ) وذلك ~~يقتضي كونه مخيرا في التوجه إلى أي جهة شاء ، وأما الخبر فما روى أبو بكر ~~الرازي في كتاب ( أحكام القرآن ) : أن نفرا قصدوا الرسول عليه الصلاة ~~والسلام من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة ، وكان فيهم البراء بن معرور ~~، فتوجه بصلاته إلى الكعبة في طريقه ، وأبى الآخرون وقالوا : إنه عليه ~~السلام يتوجه إلى بيت المقدس ، فلما قدموا مكة سألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، فقال له : قد كنت على قبلة يعني بيت المقدس لو ثبت عليها أجزأك ولم ~~يأمره باستئناف الصلاة فدل على أنهم قد كانوا مخيرين ، واحتج الذاهبون إلى ~~القول الثاني بأنه تعالى قال : { فلنولينك قبلة ترضاها } فدل على أنه عليه ~~السلام ما كان يرتضي القبلة الأولى ، فلو كان مخيرا بينها وبين الكعبة ما ~~كان يتوجه إليها فحيث توجه إليها مع أنه كان ما يرتضيها ms1212 علمنا أنه ما كان ~~مخيرا بينها وبين الكعبة . # المسألة الرابعة : المشهور أن التوجه إلى بيت المقدس إنما صار منسوخا ~~بالأمر بالتوجه إلى الكعبة ، ومن الناس من قال : التوجه إلى بيت المقدس صار ~~منسوخا بقوله تعالى : { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } ~~ثم إن ذلك صار منسوخا بقوله : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } واحتجوا عليه ~~بالقرآن والأثر ، أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولا قوله : { ولله المشرق ~~والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } ثم ذكر بعد : { سيقول السفهاء من ~~الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها } ( البقرة : 142 ) ثم ذكر بعده ~~: { فول وجهك شطر المسجد الحرام } وهذا الترتيب يقتضي صحة المذهب الذي ~~قلناه بأن التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخا بقوله : { فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام } فلزم أن يكون قوله تعالى : { سيقول السفهاء من الناس } متأخرا في ~~النزول والدرجة عن قوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } فحينئذ ~~يكون تقديمه عليه في الترتيب على خلاف الأصل ، فثبت ما قلناه ، وأما الأثر ~~فما روي عن ابن عباس أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن ، والأمر بالتوجه إلى ~~بيت المقدس غير مذكور في القرآن ، إنما المذكور في القرآن : { ولله المشرق ~~والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله } فوجب أن يكون قوله : { فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام } ناسخا لذلك ، لا للأمر بالتوجه إلى بيت المقدس . # أما قوله : { فلنولينك قبلة ترضاها } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : { فلنولينك } فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك ~~وليته كذا ، إذا جعلته واليا له ، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سميت بيت ~~المقدس . # المسألة الثانية : قوله : { ترضاها } فيه وجوه . أحدها : ترضاها تحبها ~~وتميل إليها ، لأن الكعبة / كانت أحب إليه من غيرها بحسب ميل الطبع ، قال ~~القاضي : هذا لا يجوز فإنه من المحال أن يقول الله تعالى : فلنولينك قبلة ~~يميل طبعك إليها ، لأن ذلك يقدح في حكمته تعالى فيما يكلف ، ويقدح في حال ~~النبي عليه الصلاة والسلام فيما يريده في حال التكليف ، وهذا الاعتراض ضعيف ~~لأن الطعن إنما يتوجه لو قال ms1213 الله تعالى : أنا حولناك إلى القبلة التي مال ~~طبعك إليها بمجرد ميل طبعك فأما لو قال : أنا حولناك إلى القبلة التي مال ~~طبعك إليها لأجل أن الحكمة والمصلحة وافقت ميل طبعك فأي ضرر يلزم منه وقال ~~عليه الصلاة والسلام : ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) فكان طبعه يميل إلى ~~الصلاة مع أن المصلحة كانت موافقة لذلك . وثانيها : { قبلة ترضاها } أي ~~تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية . وثالثها : قال الأصم : أي كل ~~جهة وجهك الله إليها فهي لك رضا لا يجوز أن تسخط ، كما فعل من انقلب على ~~عقيبه من العرب الذين كانوا قد أسلموا ، فلما تحولت القبلة ارتدوا . ~~ورابعها : { ترضاها } أي ترضى عاقبتها لأنك تعرف بها من يتبعك للإسلام ، ~~فمن يتبعك لغير ذلك من دنيا يصيبها أو مال يكتسبه . # أما قوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المراد من الوجه ههنا جملة بدن الإنسان لأن الواجب على ~~الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط والوجه يذكر ويراد به نفس ~~الشيء لأن الوجه أشرف الأعضاء ولأن بالوجه تميز بعض الناس عن بعض ، فلهذا ~~السبب قد يعبر عن كل الذات بالوجه . # المسألة الثانية : قال أهل اللغة : الشطر اسم مشترك يقع على معنيين . ~~أحدهما : النصف يقال : شطرت الشيء أي جعلته نصفين ، ويقال في المثل أجلب ~~جلبا لك شطره أي نصفه . والثاني : نحوه وتلقاءه وجهته ، واستشهد الشافعي ~~رضي الله عنه في كتاب ( الرسالة ) على هذا بأبيات أربعة : قال خقاف بن ندبة ~~: # % ألا من مبلغ عمرا رسولا % % وما تغني الرسالة شطر عمرو % # وقال ساعدة بن جؤبة : # % أقول لأم زنباع : أقيمي % % صدور العيس شطر بني تميم % # وقال لقيط الأيادي : # % وقد أظلكم من شطر شعركم % % هول له ظلم يغشاكم قطعا % % PageV04P102 # وقال آخر : # % إن العسير بها داء مخامرها % % فشطرها بصر العينين مسحور % # قال الشافعي رضي الله عنه : يريد تلقاءها بصر العينين مسحور ، إذا عرفت ~~هذا فنقول : في الآية قولان : # الأول : وهو قول جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين والمتأخرين ، ~~واختيار الشافعي رضي الله عنه في ms1214 كتاب الرسالة : أن المراد جهة المسجد ~~الحرام وتلقاءه وجانبه ، قرأ أبي بن كعب / تلقاء المسجد الحرام . # القول الثاني : وهو قول الجبائي واختيار القاضي أن المراد من الشطر ههنا ~~: وسط المسجد ومنتصفه لأن الشطر هو النصف ، والكعبة واقعة من المسجد في ~~النصف من جميع الجوانب ، فلما كان الواجب هو التوجه إلى الكعبة ، وكانت ~~الكعبة واقعة في نصف المسجد حسن منه تعالى أن يقول : { فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام } يعني النصف من كل جهة ، وكأنه عبارة عن بقعة الكعبة ، قال القاضي ~~: ويدل على أن المراد ما ذكرنا وجهان . الأول : أن المصلي خارج المسجد لو ~~وقف بحيث يكون متوجها إلى المسجد ، ولكن لا يكون متوجها إلى منتصف المسجد ~~الذي هو موضع الكعبة لا تصح صلاته . الثاني : أنا لو فسرنا الشطر بالجانب ~~لم يبق لذكر الشطر مزيد فائدة لأنك إذا قلت فول وجهك شطر المسجد الحرام فقد ~~حصلت الفائدة المطلوبة ، أما لو فسرنا الشطر بما ذكرناه كان لذكره فائدة ~~زائدة ، فإنه لو قيل : فول وجهك المسجد الحرام لا يفهم منه وجوب التوجه إلى ~~منتصفه الذي هو موضع الكعبة ، فلما قيل : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ~~حصلت هذه الفائدة الزائدة ، فكان حمل هذا اللفظ على هذا المحمل أولى فإن ~~قيل : لو حملنا الشطر على الجانب يبقى لذكر الشطر فائدة زائدة ، وهي أنه لو ~~قال : فول وجهك المسجد الحرام ، لزم تكليف ما لا يطاق ، لأن من في أقصى ~~المشرق أو المغرب لا يمكنه أن يولي وجهه المسجد ، أما إذا قال : فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام ، أي جانب المسجد ، دخل فيه الحاضرون والغائبون قلنا : ~~هذه الفائدة مستفادة من قوله : { ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } فلا يبقى ~~لقوله : شطر المسجد الحرام زيادة فائدة هذا تقرير هذا الوجه وفيه إشكال ~~لأنه يصير التقدير فول وجهك نصف المسجد وهذا بعيد لأن هذا التكليف لا تعلق ~~له بالنصف ، وفرق بين النصف وبين الموضع الذي عليه يقبل التنصيف والكلام ~~إنما يستقيم لو حمل على الثاني ، إلا أن اللفظ لا يدل عليه ، وقد ms1215 اختلفوا ~~في أن المراد من المسجد الحرام أي شيء هو ؟ فحكي في كتاب ( شرح السنة ) عن ~~ابن عباس أنه قال : البيت قبلة لأهل المسجد ، والمسجد قبلة لأهل الحرم ~~والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب وهذا قول مالك . وقال آخرون : القبلة هي ~~الكعبة والدليل عليه ما أخرج في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ~~، قال : أخبرني أسامة بن زيد ، قال لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت ~~دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه ، فلما خرج صلى ركعتين في قبل ~~الكعبة وقال : هذه القبلة ، قال القفال : وقد وردت الأخبار الكثيرة في صرف ~~القبلة إلى الكعبة ، وفي خبر البراء بن عازب : ثم صرف إلى الكعبة وكان يحب ~~أن يتوجه إلى الكعبة وفي خبر ابن عمر في صلاة أهل قباء : فأتاهم آت فقال : ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حول إلى الكعبة وفي رواية ثمامة بن عبد ~~الله بن أنس : جاء منادي رسول الله فنادى : أن القبلة حولت إلى الكعبة ~~وهكذا عامة الروايات وقال آخرون : بل المراد المسجد الحرام كله ، قالوا : ~~لأن الكلام PageV04P103 يجب إجراؤه على ظاهر لفظه إلا إذا منع منه مانع ، ~~وقال / آخرون : المراد من المسجد الحرام الحرم كله والدليل عليه قوله تعالى ~~: { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام } ( الإسراء : 1 ) وهو ~~عليه الصلاة والسلام إنما أسرى به خارج المسجد ، فدل هذا على أن الحرم كله ~~مسمى بالمسجد الحرام . # المسألة الثالثة : قال صاحب التهذيب : الجماعة إذا صلوا في المسجد الحرام ~~يستحب أن يقف الإمام خلف المقام والقوم يقفون مستديرين بالبيت ، فإن كان ~~بعضهم أقرب إلى البيت من الإمام جاز ، فلو امتد الصف في المسجد فإنه لا تصح ~~صلاة من خرج عن محاذاة الكعبة ، وعند أبي حنيفة تصح ، لأن عنده الجهة كافية ~~وهذا اختيار الشيخ الغزالي رحمه الله في كتاب الإحياء ، حجة الشافعي رضي ~~الله عنه : القرآن والخبر والقياس ، أما القرآن فهو ظاهر هذه الآية وذلك ~~لأنا دللنا على أن المراد من شطر المسجد ms1216 الحرام جانبه وجانب الشيء هو الذي ~~يكون محاذيا له وواقعا في سمته والدليل عليه أنه إنما يقال : إن زيدا ولى ~~وجهه إلى جانب عمرو ولو قابل بوجهه وجهه وجعله محاذيا له ، حتى أنه لو كان ~~وجه كل واحد منهما إلى جانب المشرق ، إلا أنه لا يكون وجه أحدهما محاذيا ~~لوجه الآخر ، لا يقال : إنه ولى وجهه إلى جانب عمرو فثبت دلالة الآية على ~~أن استقبال عين الكعبة واجب . # وأما الخبر فما روينا أنه عليه الصلاة والسلام لما خرج من الكعبة ركع ~~ركعتين في قبلة الكعبة وقال : هذه القبلة وهذه الكلمة تفيد الحصر فثبت أنه ~~لا قبلة إلا عين الكعبة وكذلك سائر الأخبار التي رويناها في أن القبلة هي ~~الكعبة ، وأما القياس فهو أن مبالغة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعظيم ~~الكعبة أمر بلغ مبلغ التواتر والصلاة من أعظم شعائر الدين وتوقيف صحتها على ~~استقبال عين الكعبة بما يوجب حصول مزيد شرف الكعبة فوجب أن يكون مشورعا ~~ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم ، وكون غيرها قبلة أمر مكشوك ، والأولى ~~رعاية الاحتياط في الصلاة فوجب توقيف صحة الصلاة على استقبال الكعبة ، ~~واحتج أبو حنيفة بأمور . الأول : ظاهر هذه الآية وذلك لأنه تعالى أوجب على ~~المكلف أن يولي وجهه إلى جانبه فمن ولى وجهه إلى الجانب الذي حصلت الكعبة ~~فيه فقد أتى بما أمر به سواء كان مستقبلا للكعبة أم لا فوجب أن يخرج عن ~~العهدة ، وأما الخبر فما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال : ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) ، قال أصحاب الشافعي رحمه ~~الله تعالى : ليس المراد من هذا الحديث أن كل ما يصدق عليه أنه بين مشرق ~~ومغرب فهو قبلة : لأن جانب القطب الشمالي يصدق عليه ذلك وهو بالاتفاق ليس ~~بقبلة بل المراد أن الشيء الذي هو بين مشرق معين ومغرب معين قبلة ونحن نحمل ~~ذلك على الذي يكون بين المشرق الشتوي وبين المغرب الصيفي فإن ذلك قبلة وذلك ~~لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد عن ms1217 خط الاستواء بمقدار الميل والمغرب ~~الصيفي شمالي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل والذي بينهما هو سمت مكة ~~قالوا : فهذا الحديث بأن يدل على مذهبنا أولى منه بالدلالة على مذهبكم أما ~~فعل / الصحابة فمن وجهين . الأول : أن أهل مسجد قباء كانوا في صلاة الصبح ~~بالمدينة مستقبلين لبيت المقدس ، مستدبرين للكعبة ، لأن المدينة بينهما ~~فقيل لهم : ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة ، فاستداروا في أثناء الصلاة ~~من غير طلب دلالة ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ، وسمي مسجدهم ~~بذي القبلتين ، ومقابلة العين من المدينة إلى مكة لا تعرف إلا بأدلة هندسية ~~يطول النظر فيها فكيف أدركوها على البديهة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ~~. الثاني : أن الناس من عهد PageV04P104 رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوا ~~المساجد في جميع بلاد الإسلام ، ولم يحضروا قط مهندسا عند تسوية المحراب ، ~~ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة . # وأما القياس فمن وجوه . الأول : لو كان استقبال عين الكعبة واجبا إما ~~علما أو ظنا / وجب أن لا تصح صلاة أحد قط ، لأنه إذا كان محاذاة الكعبة ~~مقدار نيف وعشرين ذراعا فمن المعلوم أن أهل المشرق والمغرب يستحيل أن يقفوا ~~في محاذاة هذا المقدار ، بل المعلوم أن الذي يقع منهم في محاذاة هذا القدر ~~القليل قليل بالنسبة إلى كثير ، ومعلوم أن العبرة في أحكام الشرع بالغالب ، ~~والنادر ملحق به ، فوجب أن لا تصح صلاة أحد منهم لا سيما وذلك الذي وقع في ~~محاذاة الكعبة لا يمكنه أن يعرف أنه وقع في محاذاتها ، وحيث اجتمعت الأمة ~~على صحة صلاة الكل علمنا أن المحاذاة غير معتبرة فإن قيل : الدائرة وإن ~~كانت عظيمة إلا أن جميع النقط المفروضة عليها تكون محاذية لمركز الدائرة ~~فالصفوف الواقعة في العالم بأسرها كأنها دائرة بالكعبة ، والكعبة كأنها ~~نقطة لتلك الدائرة إلا أن الدائرة إذا صغرت صغر التقوس والانحناء في جميعها ~~، وإن اتسعت وعظمت لم يظهر التقوس والانحناء في كل واحد من قسميها ، بل نرى ~~كل قطعة منها شبيها بالخط ms1218 المستقيم ، فلا جرم صحت الجماعة بصف طويل في ~~المشرق والمغرب يزيد طولها على أضعاف البيت ، والكل يسمون متوجهين إلى عين ~~الكعبة ، قلنا : هب أن الأمر على ما ذكرتموه ولكن القطعة من الدائرة ~~العظيمة وإن كانت شبيهة بالخط المستقيم في الحس ، إلا أنها لا بد وأن تكون ~~منحنية في نفسها ، لأنها لو كانت في نفسها مستقيمة ، وكذا القول في جميع ~~قطع تلك الدائرة ، فحينئذ تكون الدائرة مركبة من خطوط مستقيمة يتصل بعضها ~~ببعض ، فيلزم أن تكون الدائرة إما مضلعة أو خطأ مستقيما وكل ذلك محال ، ~~فعلمنا أن كل قطعة من الدائرة الكبيرة فهي في نفسها منحنية ، فالصفوف ~~المتصلة في أطراف العالم إنما يكون كل واحد منهم مستقبلا لعين الكعبة لو لم ~~تكن تلك الصفوف واقعة على الخط المستقيم ، بل إذا حصل فيها ذلك الانحناء ~~القليل إلا أن ذلك الانحناء القليل الذي لا يفي بإدراكه الحس البتة ، لا ~~يمكن أن يكون في محل التكليف ، وإذا كان كذلك كان كل واحد من هؤلاء الصفوف ~~جاهلا بأنه هل هو مستقبل لعين الكعبة أم لا فلو كان استقبال عين الكعبة ~~شرطا لكان حصول هذا الشرط مجهولا للكل ، والشك في حصول الشرط يقتضي الشك في ~~حصول المشروط ، فوجب أن يبقى كل واحد من أهل هذه الصفوف شاكا في صحة صلاته ~~، وذلك يقتضي / أن لا يخرج عن العهدة البتة ، وحيث اجتمعت الأمة على أنه ~~ليس كذلك علمنا أن استقبال العين ليس بشرط لا علما ولا ظنا ، وهذا كلام بين ~~. الثاني : أنه لو كان استقبال عين الكعبة واجبا ولا سبيل إليه إلا ~~بالدلالة الهندسية ، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب ، فكان يلزم أن ~~يكون تعلم الدلالة الهندسية واجبا على كل أحد ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن ~~استقبال عين الكعبة غير واجب فإن قيل : عندنا استقبال عين الجهة واجب ظنا ~~لا يقينا ، والمفتقر إلى الدلائل الهندسية هو الاستقبال يقينا لا ظنا ، ~~قلنا : لو كان استقبال عين الكعبة واجبا لكان القادر على تحصيل اليقين لا ~~يجوز له ms1219 الاكتفاء بالظن ، والرجل قادر على تحصيل ذلك بواسطة تعلم الدلائل ~~الهندسية فكان يجب عليه تعلم تلك الدلائل ، ولما لم يجب ذلك علمنا أن ~~استقبال عين الكعبة واجب . PageV04P105 الثالث : لو كان استقبال العين ~~واجبا إما علما أو ظنا ، ومعلوم أنه لا سبيل إلى ذلك الظن إلا بنوع من ~~أنواع الإمارات ، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب ، فكان يلزم أن يكون ~~تعلم تلك الامارات فرض عين على كل واحد من المكلفين ، ولما لم يكن كذلك ~~علمنا أن استقبال العين غير واجب . # المسألة الرابعة : في دلائل القبلة : اعلم أن الدلائل إما أرضية وهي ~~الاستدلال بالجبال ، والقرى ، والأنهار ، أو هوائية وهي الاستدلال بالرياح ~~، أو سماوية وهي النجوم . # أما الأرضية والهوائية غير مضبوطة ضبطا كليا / فرب طريق فيه جبل مرتفع لا ~~يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو قدامه أو خلفه ، فكذلك الرياح قد ~~تدل في بعض البلاد ولسنا نقدر على استقصاء ذلك ، إذ كل بلد بحكم آخر في ذلك ~~. # أما السماوية فأدلتها منها تقريبية ومنها تحقيقية ، أما التقريبية فقد ~~قالوا : هذه الأدلة إما أن تكون نهارية أو ليلية ، أما النهارية فالشمس فلا ~~بد وأن يراعى قبل الخروج من البلد أن الشمس عند الزوال أهي بين الحاجبين ، ~~أم هي على العين اليمنى أم اليسرى ، أو تميل إلى الجبين ميلا أكثر من ذلك ، ~~فإن الشمس لا تعدو في البلاد الشمالية هذه المواقع ، وكذلك يراعى موقع ~~الشمس وقت العصر ، وأما وقت المغرب فإنما يعرف ذلك بموضع الغروب ، وهو أن ~~يعرف بأن الشمس تغرب عن يمين المستقبل ، أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه ، ~~وكذلك يعرف وقت العشاء الآخرة بموضع الشفق ، ويعرف وقت الصبح بمشرق الشمس ، ~~فكان الشمس تدل على القبلة في الصلوات الخمس ، ولكن يختلف حكم ذلك بالشتاء ~~والصيف ، فإن المشارق والمغارب كثيرة ، وكذلك يختلف الحكم في هذا الباب ~~بحسب اختلاف البلاد ، وأما الليليلة فهو أن يستدل على القبلة بالكوكب الذي ~~يقال له الجدي ، فإنه كوكب كالثابت لا تظهر حركته من موضعه ، وذلك إما ms1220 أن ~~يكون على قفا المستقبل أو منكبه الأيمن من ظهره ، أو منكبه الأيسر في ~~البلاد الشمالية من مكة ، وفي البلاد الجنوبية منها ، كاليمن وما وراءها ~~يقع في مقابلة المستقبل فليعلم ذلك وما عرفه ببلده فليعول عليه في الطريق ~~كله ، إلا إذا طال السفر فإن المسافة إذا بعدت اختلف موقع الشمس ، وموقع ~~القطر ، / وموقع المشارق والمغارب إلى أن ينتهي في أثناء سفره إلى بلد ، ~~فينبغي أن يسأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو مستقبل محراب جامع ~~البلد حتى يتضح له ذلك فمهما تعلم هذه الأدلة فله أن يعول عليها . # وأما الطريقة اليقينية وهي الوجوه المذكورة في كتب الهيئة قالوا : سمت ~~القبلة نقطة التقاطع بين دائرة الأفق ، وبين دائرة عظيمة تمر بسمت رؤسنا ~~ورؤوس أهل مكة ، وانحراف القبلة قوس من دائرة الأفق ما بين سمت القبلة ~~دائرة نصف النهار في بلدنا ، وما بين سمت القبلة ومغرب الاعتدال تمام ~~الانحراف قالوا : ويحتاج في معرفة سمت القبلة إلى معرفة طول مكة وعرضها ، ~~فإن كان طول البلد مساويا لطول مكة وعرضها مخالف لعرض مكة ، كان سمت قبلتها ~~على خط نصف النهار فإن كان البلد شماليا فإلى الجنوب وإن كان جنوبيا فإلى ~~الشمالي ، وأما إذا كان عرض البلد مساويا لعرض مكة وطوله مخالفا لطولها فقد ~~يظن أن سمت قبلة ذلك البلد على خط الاعتدال وهو ظن خطأ وقد يمكن أيضا في ~~البلاد التي أطوالها وعروضها مخالفة لطول مكة وعرضها ، أن يكون سمت قبلتها ~~مطلع الاعتدال ومعربه وإذا كان كذلك فلا بد من استخراج قدر الانحراف ولذلك ~~طرق أسهلها أن يعرف الجزء الذي يسامت رؤس أهل مكة من فلك البروج وهو ( زيح ~~) من الجوزاء ( وكج ح ) من PageV04P106 السرطان فيضع ذلك الجزء على خط وسط ~~السماء في الاسطرلاب المعمول لعرض البلد ، ويعلم على المرئي علامة ، ثم ~~يدير العنكبوت إلى ناحية المغرب إن كان البلد شرقيا عن مكة كما في بلاد ~~خراسان والعراق بقدر ما بين الطولين من أجزاء الخجرة ثم ينظر أين وقع ذلك ~~الجزء من مقنطرات ms1221 الارتفاع فما كان فهو الارتفاع الذي عنده يسامت ذلك الجزء ~~رؤوس أهل مكة ، ثم يرصد مسامتة الشمس ذلك الجزء فإذا انتهى ارتفاع الشمس ~~إلى ذلك الارتفاع فقد سامتت الشمس رؤس أهل مكة فينصب مقياسا ويخط على ظل ~~المقياس خطا من مركز العمود إلى طرف الظل فذلك الخط خط الظل فيبني عليه ~~المحراب فهذا هو الكلام في دلائل القبلة . # المسألة الخامسة : معرفة دلائل القبلة فرض على العين أم فرض على الكفاية ~~ففيه وجهان أصحهما فرض على العين / لأن كل مكلف فهو مأمور بالاستقبال ولا ~~يمكنه الاستقبال إلا بواسطة معرفة دلائل القبلة ، وما لا يتأدى الواجب إلا ~~به فهو واجب . # المسألة السادسة : اعلم أن قوله تعالى : { ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ~~عام في الأشخاص والأحوال ، إلا أنا أجمعنا على أن الاستقبال خارج الصلاة ~~غير واجب ، بل أنه طاعة لقوله عليه السلام : ( خير المجالس ما استقبل به ~~القبلة ) فيبقى أن وجوب الاستقبال من خواص الصلاة ، ثم نقول : الرجل إما أن ~~يكون معاينا للقبلة أو غائبا عنها ، أما المعاين فقد أجمعوا على أنه يجب ~~عليه الاستقبال ، وأما الغائب فإما أن يكون قادر على تحصيل اليقين أو لا ~~يقدر عليه ، لكنه يقدر على تحصيل الظن أو لا يقدر على تحصيل اليقين ولا على ~~تحصيل الظن فهذه أقسام ثلاثة : # / القسم الأول : القادر على تحصيل العلم وفيه بحثان : # البحث الأول : قد عرفت أن الغائب عن القبلة لا سبيل له إلى تحصيل اليقين ~~بجهة القبلة إلا بالدلائل الهندسية ، وما لا سبيل إلى أداء الواجب إلا به ~~فهو واجب ، فيلزم من هذا أن يكون تعلم الدلائل الهندسية فرض عين على كل أحد ~~إلا أن الفقهاء قالوا : إن تعلمها غير واجب بل ربما قالوا : إن تعلمها ~~مكروه أو محرم ولا أدري ما عذرهم فيه هذا ؟ # البحث الثاني : المصلي إذا كان بأرض مكة وبينه وبين الكعبة حائل واشتبه ~~عليه فهل له أن يجتهد ؟ قال صاحب ( التهذيب ) نظر إن كان الحائل أصليا ~~كالجبال فله الاجتهاد ، وإن لم يكن أصليا كالأبنية فعلى وجهين ms1222 . أحدهما : ~~له الاجتهاد لأن بينه وبينها حائلا يمنع المشاهدة كما في الحائل الأصلي . ~~والثاني : ليس له الاجتهاد لأن فرضه الرجوع إلى اليقين ، وهو قادر على ~~تحصيل اليقين فوجب أن لا يكتفي فيه بالظن ، وهذا الوجه هو اللائق بمساق ~~الآية ، لأنها لما دلت على وجوب التوجه إلى الكعبة والمكلف إذا كان قادرا ~~على تحصيل العلم لا يجوز له الاكتفاء بالظن ، فوجب عليه طلب اليقين . # القسم الثاني : القادر على تحصيل الظن دون اليقين . واعلم أن لتحصيل هذا ~~الظن طرقا : # الطريق الأول : الاجتهاد وظاهر قول الشافعي رضي الله عنه يقتضي أن ~~الاجتهاد يقدم على الرجوع إلى قول الغير وهو الحق ، والذي يدل عليه وجوه . ~~أحدها : قوله تعالى : { فاعتبروا ياأولى * أولى * الابصار } ( الحشر : 2 ) ~~PageV04P107 أمر بالاعتبار ، والرجل قادر على الاعتبار في هذه الصورة ، ~~فوجب أن يتناوله الأمر . وثانيها : أن ذلك الغير إنما وصل إلى جهة القبلة ~~بالاجتهاد ، لأنه لو عرف القبلة بالتقليد أيضا لزم إما التسلسل أو الدور ~~وهما باطلان ، فلا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى الاجتهاد فيرجع حاصل ~~الكلام إلى أن الاجتهاد أولى أم تقليد صاحب الاجتهاد ؟ ولا شك أن الأول ~~أولى لأنه إذا أتى بالاجتهاد فلا يتطرق إليه احتمال الخطأ من جهة واحدة ، ~~فإذا قلد صاحب الاجتهاد فقد تطرق إلى عمله احتمال الخطأ من وجهين ، ولا شك ~~أنه متى وقع التعارض بين طريقين فأقلهما خطأ أولى بالرعاية . وثالثها : ~~قوله عليه السلام : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) فههنا أمر ~~بالاستقبال وهو قادر على الاجتهاد في الطلب فوجب أن يجب عليه ذلك . # فإن قيل : أليس أن صاحب ( التهذيب ) ذكر أنه إذا كان في قرية كبيرة فيها ~~محاريب منصوبة إلى جهة واحدة أو وجد محرابا أو علامة للقبلة في طريق هي ~~جادة للمسلمين يجب عليه أن يتوجه إليها ولا يجوز له الاجتهاد في الجهة ، ~~قال : لأن هذه العلامات كاليقين ، أما في الانحراف يمنة أو يسرة فيجوز أن ~~يجتهد مع هذه العلامات وكان عبد الله بن المبارك يقول بعد رجوعه من الحج : ~~تياسروا ms1223 يا أهل مرو وكذلك لو أخبره مسلم بأن قال ، رأيت غالب المسلمين أو ~~جماعة المسلمين اتفقوا على هذه الجهة فعليه قبوله وليس هذا بتقليد / بل هو ~~قبول الخبر من أهله كما في الوقت ، وهو ما إذا / أخبره عدل : إني رأيت ~~الفجر قد طلع أو الشمس قد زالت يجب قبول قوله ، هذا كله لفظ صاحب ( التهذيب ~~) ، واعلم أن هذا الكلام مشكل من وجوه . أحدها : أنه لا معنى للتقليد إلا ~~قبول قول الغير من غير حجة ولا شبهة ، فإذا قبلنا قول الغير أو فعله في ~~تعيين القبلة من غير حجة ولا شبهة كان هذا تقليدا ، ونحن قد ذكرنا الدليل ~~على أن القادر على الاجتهاد لا بد وأن يكون مأمورا بالاجتهاد . وثانيها : ~~أنه جوز المخالفة في اليمين واليسار بناء على الاجتهاد فنقول : هو قادر على ~~تحصيل الظن بناء على الاجتهاد الذي يتولاه بنفسه ، فوجب أن تجوز له ~~المخالفة كما في اليمين واليسار . وثالثها : إما أن يكون ممنوعا من ~~الاجتهاد ، أو من العمل بمقتضى الاجتهاد ، والأول باطل ، لأن معاذا لما قال ~~: اجتهد برأي مدحه الرسول عليه السلام على ذلك ، فدل على أن الاجتهاد غير ~~ممنوع عنه ، والثاني أيضا باطل لأنه لما علم أو ظن أن القبلة ليست في الجهة ~~التي فيها المحاريب فلو وجب عليه التوجه إلى ذلك المحراب لكان ذلك ترجيحا ~~للتقليد على الاستدلال وأنه خطأ . ورابعها : أن مذهب الشافعي رضي الله عنه ~~أنه لا يجوز للمجتهد تقليد المجتهد ، فالقادر على تحصيل جهة القبلة ~~بالامارات كيف يجوز له تقليد محاريب البلاد ؟ واحتج القائلون بترجيح محاريب ~~الأمصار على البلاد من وجوه . الأول : أنها كالتواتر مع الاجتهاد ، فوجب ~~رجحانه عليه . والثاني : أن الرجل إذا رأى المؤذن فرغ من الأذان والإقامة ~~وقد تقدم الإمام ، فههنا لا يحتاج إلى تعرف الوقت فكذا ههنا . الثالث : أن ~~أهل البلد رضوا به ، والظاهر أنه لو كان خطأ لتنبهوا له ، ولو تنبهوا له ~~لما رضوا به ، فهذا ما يمكن أن يقال في الجانبين . # الطريق الثاني : الرجوع إلى قول الغير ، مثل ما ms1224 إذا أخبره عدل عن كون ~~القبلة في هذه الجهة فهذا يفيد ظن أن القبلة هناك ، واتفقوا على أنه لا بد ~~من شرطين : الإسلام والعقل ، فلا عبرة في هذا الباب بقول الكافر والمجنون ~~ولا بعلمهما ، واختلفوا في شرائط ثلاثة . أولها : البلوغ . حكى الخيضري نصا ~~عن الشافعي أنه لا يقبل قول الصبي ، وحكى أبو زيد أيضا عن الشافعي أنه يقبل ~~. وثانيها : العدالة قالوا : لا يقبل خبر الفاسق PageV04P108 لأنه كالشهادة ~~، وقيل : يقبل . وثالثها : العدد ، فمنهم من اعتبره كما في الشهادة لاسيما ~~الذين اعتبروا العدد في الرواية أيضا ، ومنهم من لم يعتبر العدد ويتفرع على ~~ما قلناه أحكام . أولها : أن كل من كان الأخذ بقوله يفيد ظنا أقوى كان ~~الأخذ بقوله مقدما على الأخذ بقول من يفيد ظنا أضعف مثاله أن تقليد المتيقن ~~راجح على تقليد الظان بالاجتهاد ، وتقليد المجتهد الظان أولى من تقليد من ~~قلد غيره وهلم جرا . وثانيها : أنه إذا علم أن الاجتهاد لا يتم إلا بعد ~~انقضاء الوقت ، فالأولى له تحصيل الاجتهاد حتى تصير الصلاة قضاء أو تقليد ~~الغير حتى تبقى الصلاة أداء فيه تردد . وثالثها : أن من لا يعرف دلائل ~~القبلة فله الرجوع إلى قول الغير حين الصلاة بل يجب . # الطريق الثالث : إن شاهد في دار الإسلام محرابا منصوبا جاز له التوجه ~~إليه على التفصيل / الذي تقدم ، أما إذا رأى القبلة منصوبة في طريق يقل فيه ~~مرور الناس أو في طريق يمر فيه المسلمون والمشركون ولا يدري من نصبها أو ~~رأى محرابا في قرية ولا يدري بناه المسلمون أو المشركون أو كانت قرية صغيرة ~~للمسلمين لا يغلب على الظن كون أهلها مطلعين على دلائل القبلة وجب عليه ~~الاجتهاد . # الطريق الرابع : ما يتركب من الاجتهاد وقول الغير ، وهو أن يخبره إنسان ~~بمواقع الكواكب وكان هو عالما بالاستدلال بها على القبلة ، فههنا يجب عليه ~~الاستدلال بما يسمع إذا كان عاجزا عن رؤيتها بنفسه . # القسم الثالث : الذي عجز عن تحصيل العلم والظن ، وهو الكائن في الظلمة ~~التي خفيت الأمارات بأسرها عليه أو الأعمى ms1225 الذي لا يجد من يخبره ، أو ~~تعارضت الأمارات لديه وعجز عن الترجيح ، وفيه أبحاث : # البحث الأول : أن هذا الشخص يستحيل أن يكون مأمورا بالاجتهاد ، لأن ~~الاجتهاد من غير دلالة ولا أمارة تكليف ما لا يطاق وهو منفي ، فلم يبق إلا ~~أحد أمور ثلاثة : إما أن يقال التكاليف بالصلاة مشروط بالاستقبال ، وتعذر ~~الشرط يوجب سقوط التكليف بالمشروط ، فههنا لا تجب عليه الصلاة ، أو يقال : ~~شرط الاستقبال قد سقط عن المكلف بعذر أقل من هذا ، وهو حال المسابقة فيسقط ~~ههنا أيضا ، فيجب عليه أن يأتي بالصلاة إلى أي جهة شاء ، ويسقط عنه شرط ~~الاستقبال ، أو يقال : إنه يأتي بتلك الصلاة إلى جميع الجهات ليخرج عن ~~العهدة بيقين ، فهذه هي الوجوه الممكنة ، أما سقوط الصلاة عنه فذلك باطل ~~بالإجماع ، وأيضا فلأنا رأينا في الشرع في الجملة أن الصلاة صحت بدون ~~الاستقبال كما في حال المسايفة وفي النافلة ، وأما إيجاب الصلاة إلى جميع ~~الجهات فهو أيضا باطل لقيام الدلالة على أن الواجب عليه صلاة واحدة ، ~~ولقائل أن يقول : أليس أن من نسي صلاة من صلوات يوم وليلة ولا يدري عينها ~~فإنها يجب عليها قضاء تلك الصلوات بأسرها ليخرج عن العهدة باليقين ، فلم لا ~~يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك ؟ قالوا : ولما بطل القسمان تعين الثالث وهو ~~التخيير في جميع الجهات . # البحث الثاني : أنه إذا مال قلبه إلى أن هذه الجهة أولى بأن تكون قبلة من ~~سائر الجهات ، من غير أن يكون ذلك الترجيح مبنيا على استدلال ، بل يحصل ذلك ~~بمجرد التشهي وميل القلب إليه فهل يعد هذا اجتهادا ، وهل المكلف مكلف بأن ~~يعول عليه أم لا ؟ الأولى أن يكون ذلك معتبرا لقوله عليه السلام : ( المؤمن ~~ينظر بنور الله ) ولأن سائر وجوه الترجيح لما انسدت وجب الاكتفاء بهذا ~~القدر . PageV04P109 # البحث الثالث : إذا أدى هذه الصلاة فالظاهر يقتضي أن لا يجب القضاء ، ~~لأنه أدى وظيفة الوقت وقد صحت منه ، فوجب أن لا تجب عليه الإعادة ، وظاهر ~~قول الشافعي رضي الله عنه أنه تجب الإعادة سواء بأن ms1226 صوابه أو خطؤه . # / المسألة السابعة ؛ تجوز الصلاة في جوف الكعبة عند عامة أهل العلم ، ~~ويتوجه إلى أي جانب شاء وقال مالك : يكره أن يصلى في الكعبة المكتوبة لأن ~~من كان داخل الكعبة لا يكون متوجها إلى كل الكعبة ، بل يكون متوجها إلى بعض ~~أجزائها ، ومستدبرا عن بعض أجزائها ، وإذا كان كذلك لم يكن مستقبلا لكل ~~الكعبة فوجب أن لا تصح صلاته لأن الله تعالى أمر باستقبال البيت قال : وأما ~~النافلة فجائزة ، لأن استقبال القبلة فيها غير واجب ، حجة الجمهور ما أخرجه ~~الشيخان في الصحيحين ، ورواه الشافعي رضي الله عنه أيضا عن مالك عن نافع عن ~~ابن عمر ، أنه عليه الصلاة والسلام دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد ، وعثمان ~~بن أبي طلحة وبلال فأغلقها عليه ومكث فيها ، قال عبد الله بن عمر : فسألت ~~بلالا حين خرج : ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : جعل عمودا ~~عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ~~ستة أعمدة ، ثم صلى ، واعلم أن الاستدلال بهذا الخبر ضعيف من وجوه . أحدها ~~: أن خبر الواحد لا يعارض ظاهر القرآن . وثانيها : لعل تلك الصلاة كانت ~~نافلة ، وذلك عند مالك جائز . وثالثها : أن مالكا خالف هذا الخبر ومخالفة ~~الراوي وإن كانت لا توجب الطعن في الخبر إلا أنها تفيد نوع مرجوحية بالنسبة ~~إلى خبر واحد حلى عن هذا الطعن ، فكيف بالنسبة إلى القرآن . ورابعها : أن ~~الشيخين أوردا في الصحيحين عن ابن جريح عن عطاء : سمعت ابن عباس قال : لما ~~دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج ~~منه / فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال : ( هذه القبلة ) والتعارض ~~حاصل من وجهين . الأول : أن النفي والإثبات يتعارضان . والثاني : قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ( هذه القبلة ) يدل على أنه لا بد من توجه ذلك الموضع ومن ~~جوز الصلاة داخل البيت لا يوجب عليه استقبال ذلك الموضع بل جوز استدباره . ~~والجواب : عن استدلال مالك رحمه الله أن نقول ms1227 قوله : ( وحيثما كنتم ) إما ~~أن يكون صيغة عموم أو لا يكون فإن كان صيغة عموم فقد تناول الإنسان الذي ~~يكون في البيت فكأنه تعالى أمر من كان في البيت أن يتوجه إليه ، فالآتي به ~~يكون خارجا عن العهدة ، وإن لم يكن صيغة عموم لم تكن الآية متناولة لهذه ~~المسألة ألبتة ، فلا تدل على حكمها لا بالنفي ولا بالأثبات ، ثم المعتمد في ~~المسألة أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يتوجه إلى كل البيت ، بل إنما يمكنه ~~أن يتوجه إلى جزء من أجزاء البيت والذي في البيت يتوجه إلى جزء من أجزاء ~~البيت فقد كان آتيا بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة . # المسألة الثامنة : اعلم أن الكعبة عبارة عن أجسام مخصوصة هي السقف ~~والحيطان والبناء ، ولا شك أن تلك الأجسام حاصلة في أحياز مخصوصة ، فالقبلة ~~إما أن تكون تلك الأحياز فقط ، أو تلك الأجسام فقط ، أو تلك الأجسام بشرط ~~حصولها في تلك الأحياز لا جائز أن يقال أنها تلك الأجسام فقط ، لأنا أجمعنا ~~على أنه لو نقل تراب الكعبة وما في بنائها من الأحجار والخشب إلى موضع آخر ~~وبني به بناء وتوجه إليه أحد في الصلاة لم يجز ذلك ، ولا جائز أن يقال : / ~~إنها تلك الأجسام بشرط كونها في تلك الأحياز لأن الكعبة لو انهدمت والعياذ ~~بالله ، وأزيل عن تلك الأحياز تلك الأحجار والخشب ، وبقيت العرصة خالية ، ~~فإن أهل المشرق والمغرب إذا PageV04P110 توجهوا إلى ذلك الجانب صحت صلاتهم ~~وكانوا مستقبلين للقبلة ، فلم يبق إلا أن يقال : القبلة هو ذلك الخلاء الذي ~~حصل فيه تلك الأجسام ، وهذا المعنى كما ثبت بالدليل العقلي الذي ذكرناه ، ~~فهو أيضا مطابق للآية لأن المسجد الحرام اسم لذلك البناء المركب من السقف ~~والحيطان والمقدار وجهة المسجد الحرام هو الأحياز التي حصلت فيها تلك ~~الأجسام ، فإذا أمر الله تعالى بالتوجه إلى جهة المسجد الحرام ، كانت ~~القبلة هو ذلك القدر من الخلاء والفضاء ، إذا ثبت هذا فنقول : قال أصحابنا ~~: لو انهدمت الكعبة والعياذ بالله ، فالواقف في عرصتها لا ms1228 تصح صلاته لأنه ~~لا يعد مستقبلا للقبلة ، وذكر ابن سريج أنه يصح ، وهو قول أبي حنيفة ، ~~والاختيار عندي والدليل عليه ما بينا أن القبلة هي ذلك القدر المعين من ~~الخلاء ، والواقف في العرصة مستقبل لجزء من أجزاء ذلك الخلاء فيكون مستقبلا ~~للقبلة ، فوجب أن تصح صلاته ، وقالوا أيضا : الواقف على سطح الكعبة من غير ~~أن يكون في قبالته جدار لا تصح صلاته إلا على قول ابن سريج وهو الاختيار ~~عندي ، لأنه مستقبل لذلك الخلاء والفضاء الذي هو القبلة فوجب أن تصح صلاته ~~. # المسألة التاسعة : لما دلت الآية على وجوب الاستقبال ، وثبت بالعقل أنه ~~لا سبيل إلى الاستقبال إلى الجهات إلا بالاجتهاد ، وثبت بالعقل أن ما لا ~~يتم الواجب إلا به فهو واجب ، لزم القطع بوجوب الاجتهاد والاجهاد لا بد وأن ~~يكون مبنيا على الظن ، فكانت الآية دالة على التكليف بالظن ، فثبت بهذا أن ~~التكليف بالظن واقع في الجملة وقد استدل الشافعي رضي الله عنه بذلك على أن ~~القياس حجة في الشرع وهو ضعيف لأنه إثبات للقياس بالقياس وذلك لا سبيل إليه ~~والله أعلم . # المسألة العاشرة : الظاهر أنه لا يجب نية استقبال القبلة لأن الآية دلت ~~على وجوب الاستقبال والآتي به آت بما دلت الآية عليه ، فوجب أن لا يجب عليه ~~نية أخرى ، كما في ستر العورة وطهارة المكان والثوب . # المسألة الحادية عشرة : استقبال القبلة ساقط عند قيام العذر كما في حال ~~المسايفة ، ويلحق به الخوف على النفس من العدو ، أو من السبع ، أو من الجمل ~~الصائل ، أو عند الخطأ في القبلة بسبب التيامن والتياسر ، أو في أداء ~~النوافل ، وهذا يقتضي أن العاجز عن تحصيل العلم والظن إذا أدى الصلاة أن ~~يسقط عنه القضاء ، وكذا المجتهد إذا بان له تعين الخطأ . # المسألة الثانية عشرة : إذا توجه إلى جهة ثم تغير اجتهاده وهو في الصلاة ~~فعليه أن ينحرف ويتحول ويبني لأن عارض الاجتهاد لا يبطل السابق ، فكذلك ~~فيمن صدق مخبرا ، ثم جاء آخر نفسه إليه أسكن فأخبره بخلافه ، فهذا ما يتعلق ~~بالمسائل ms1229 المستنبطة من هذه الآية في حكم الاستقبال والله أعلم . # / قوله تعالى : { ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : هذا ليس بتكرار ، وبيانه من وجهين . أحدهما : أن قوله ~~تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } خطاب مع الرسول عليه السلام لا مع ~~الأمة ، وقوله : { ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } خطاب مع الكل . وثانيهما : ~~أن المراد بالأولى مخاطبتهم وهم بالمدينة خاصة ، وقد كان من الجائز لو وقع ~~الاختصار عليه أن يظن أن هذه القبلة قبلة لأهل المدينة خاصة ، فبين الله ~~تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن يستقبلوا نحو هذه القبلة . ~~PageV04P111 # المسألة الثانية : قوله : { ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } يعني : وأينما ~~كنتم وموضع ( كنتم ) من الإعراب جزم بالشرط كأنه قيل : حيثما تكونوا ، ~~والفاء جواب . # أما قوله تعالى : { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما ~~الله بغافل عما يعملون } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : المراد بقوله : { وإن الذين أوتوا الكتاب } اليهود خاصة ~~، والكتاب هو التوراة عن السدي ، وقيل : بل المراد أحبار اليهود وعلماء ~~النصارى وهو الصحيح لعموم اللفظ والكتاب المتقدم هو التوراة والإنجيل ، ولا ~~بد أن يكونوا عددا قليلا لأن الكثير لا يجوز عليهم التواطؤ على الكتمان . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { أنه الحق } راجع إلى مذكور سابق ، ~~وقد تقدم ذكر الرسول كما تقدم ذكر القبلة ، فجاز أن يكون المراد أن القوم ~~يعلمون أن الرسول مع شرعه ونبوته حق فيشتمل ذلك على أمر القبلة وغيرها ، ~~ويحتمل أن يرجع إلى هذا التكليف الخاص بالقبلة ، وأنهم يعلمون أنه الحق ، ~~وهذا الاحتمال الأخير أقرب لأنه أليق بالكلام إذ المقصود بالآية ذلك دون ~~غيره ، ثم اختلفوا في أنهم كيف عرفوا ذلك ؟ وذكروا فيه وجوها . أحدها : أن ~~قوما من علماء اليهود كانوا عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وخبر القبلة ~~وأنه يصلي إلى القبلتين . وثانيها : أنهم كانوا يعلمون أن الكعبة هي البيت ~~العتيق الذي جعله الله تعالى قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام . ~~وثالثها : أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لما ms1230 ظهر عليه من ~~المعجزات ، ومتى علموا نبوته فقد علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو حق ~~فكان هذا التحويل حقا . # وأما قوله : { وما الله بغافل عما يعملون } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ ابن عمار وحمزة والكسائي : { تعملون } بالتاء على ~~الخطاب للمسلمين ، والباقون بالياء على أنه راجع إلى اليهود . # المسألة الثانية : إنا إن جعلناه خطابا للمسلمين فهو وعد لهم وبشارة أي ~~لا يخفى على جدكم واجتهادهم في قبول الدين ، فلا أخل بثوابكم ، وإن جعلناه ~~كلاما مع اليهود فهو وعيد وتهديد لهم ، ويحتمل أيضا أنه ليس بغافل عن ~~مكافأتهم ومجازاتهم وإن لم يعجلها لهم كقوله تعالى : { ولا تحسبن الله ~~غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار } ( إبراهيم : ~~42 ) . # ! 7 < { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل ءاية ما تبعوا قبلتك ومآ أنت ~~بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهوآءهم من بعد ما جآءك ~~من العلم إنك إذا لمن الظالمين } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 145 ) ولئن أتيت الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذين أوتوا الكتاب ~~يعلمون أن هذه القبلة حق ، بين بعد ذلك صفتهم لا تتغير في الاستمرار على ~~المعاندة ، وفي الآية مسائل : PageV04P112 # المسألة الأولى : اختلفوا في قوله : { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب } ~~فقال الأصم : المراد علماؤهم الذين أخبر الله تعالى عنهم في الآية المتقدمة ~~بقوله : { وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم } ( البقرة : ~~144 ) واحتج عليه بوجوه . أحدها : قوله : { ولئن اتبعت أهواءهم } فوصفهم ~~بأنهم يتبعون الهوى ، ومن اعتقد في الباطل أنه حق فإنه لا يكون متبعا لهوى ~~النفس ، بل يكون في ظنه أنه متبع للهدى فأما الذين يعلمون بقلوبهم ، ثم ~~ينكرون بألسنتهم ، فهم المتبعون للهوى . وثانيها : أن ما قبل هذه الآية وهو ~~قوله : { وإن الذين أوتوا الكتاب * ليعلموا * أنه الحق } لا يتناول عوامهم ~~بل هو مختص بالعلماء ، وما بعدها وهو قوله : { الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } ( الأنعام : 20 ) مختص بالعلماء أيضا إذ لو ~~كان عاما في الكل امتنع ms1231 الكتمان لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكتمان ، ~~وإذا كان ما قبلها وما بعدها خاصا فكذا هذه الآية المتوسطة . وثالثها : أن ~~الله تعالى أخبر عنهم بأنهم مصرون على قولهم ، ومستمرون على باطلهم ، وأنهم ~~لا يرجعون عن ذلك المذهب بسبب شيء من الدلائل والآيات ، وهذا شأن المعاند ~~اللجوج ، لا شأن المعاند المتحير . ورابعها : أنا لو حملناه على العموم ~~لصارت الآية كذبا لأن كثيرا من أهل الكتاب آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وتبع قبلته . # وقال آخرون : بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، واحتجوا ~~عليه بأن قوله : { الذين أوتوا الكتاب } صيغة عموم فيتناول الكل ، ثم ~~أجابوا عن الحجة الأولى أن صاحب الشبهة صاحب هوى في الحقيقة ، لأنه ما تمم ~~النظر والاستدلال فإنه لو أتى بتمام النظر والاستدلال لوصل إلى الحق ، فحيث ~~لم يصل إليه علمنا أنه ترك النظر التام بمجرد الهوى ، وأجابوا عن الحجة ~~الثانية بأنه ليس يمتنع أن يراد في الآية الأولى بعضهم ، وفي الآية الثانية ~~كلهم ، وأجابوا عن الحجة الثالثة أن العلماء لما كانوا مصرين على الشبهات ، ~~والعوام كانوا مصرين على اتباع أولئك العلماء كان / الإصرار حاصلا في الكل ~~، وأجابوا عن الحجة الرابعة بأنه تعالى أخبر عنهم أنهم بكليتهم لا يؤمنون ، ~~وقولنا : كل اليهود لا يؤمنون مغاير لقولنا إن أحدا منهم لا يؤمن . # المسألة الثانية : احتج الكعبي بهذه الآية على جواز أن لا يكون في ~~المقدور لطف لبعضهم ، قال : لأنه لو حصل في المقدور لهؤلاء لطف ، لكان في ~~جملة الآيات ما لو أتاهم به لكانوا يؤمنون ، فكان لا يصح هذا الخبر على وجه ~~القطع . # المسألة الثالثة : احتج أبو مسلم بهذه الآية على أن علم الله تعالى في ~~عباده وما يفعلونه ليس بحجة لهم فيما يرتكبون ، فإنهم مستطيعون لأن يفعلوا ~~الخير الذي أمروا به ويتركوا ضده الذي نهوا عنه ، واحتج أصحابنا به على ~~القول بتكليف ما لا يطاق وهو أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يتبعون قبلته ، ~~فلو اتبعوا قبلته لزم انقلاب خبر الله الصدق كذبا وعلمه جهلا وهو ms1232 محال / ~~ومستلزم المحال محال ، فكان ذلك محالا وقد أمروا به فقد أمروا بالمحال ~~وتمام القول فيه مذكور في قوله تعالى : { إن الذين كفروا سواء عليهم ~~ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) . # المسألة الرابعة : إنما حكم الله تعالى عليهم بأنهم لا يرجعون عن ~~أباطيلهم بسبب البرهان ، وذلك لأن إعراضهم عن قبول هذا الدين ليس عن شبهة ~~يزيلها بإيراد الحجة ، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد ، وذلك لا يزول ~~بإيراد الدلائل . # المسألة الخامسة : اختلفوا في قوله : { ما تبعوا قبلتك } قال الحسن ~~والجبائي : أراد جميعهم ، كأنه قال : لا يجتمعون على اتباع قبلتك ، على نحو ~~قوله : { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } ( الأنعام : 35 ) وقال ~~PageV04P113 الأصم وغيره : بل المراد أن أحدا منهم لا يؤمن ، قال القاضي : ~~إن أريد بأهل الكتاب كلهم العلماء منهم والعوام فلا بد من تأويل الحسن ، ~~وإن أريد به العلماء نظرنا فإن كان في علمائهم المخاطبين بهذه الآية من قد ~~آمن وجب أيضا ذلك التأويل ، وإن لم يكن فيهم من قد آمن صح إجراؤه على ظاهره ~~في رجوع النفي إلى كل واحد منهم ، لأن ذلك أليق بالظاهر إذ لا فرق بين قوله ~~: { ما تبعوا قبلتك } وبين قوله : ما تبع أحد منهم قبلتك . # المسألة السادسة : { لئن } بمعنى { لو } وأجيب بجواب لو وللعلماء فيه ~~خلاف فقيل : إنهما لما تقاربا استعمل كل واحد منهما مكان الآخر ، وأجيب ~~بجوابه نظيره قوله تعالى : { ولئن أرسلنا ريحا } ( الروم : 51 ) ثم قال : { ~~لظلوا } على جواب : { لو } وقال : { ولو أنهم ءامنوا واتقوا } ( البقرة : ~~103 ) ثم قال : { لمثوبة } على جواب : { لئن } وذلك أن أصل { لو } للماضي { ~~ولئن } للمستقبل هذا قول الأخفش وقال سيبويه : إن كل واحدة منهما على ~~موضعها ، وإنما الحق في الجواب هذا التداخل لدلالة اللام على معنى القسم ، ~~فجاء الجواب كجواب القسم . # المسألة السابعة : الآية : وزنها فعلة أصلها : أية ، فاستثقلوا التشديد ~~في الآية فأبدلوا من الياء الأولى ألفا لانفتاح ما قبلها ، والآية الحجة ~~والعلامة ، وآية الرجل : شخصه ، وخرج القوم / بآيتهم جماعتهم ، وسميت آية ~~القرآن بذلك لأنها ms1233 جماعة حروف . وقيل : لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي ~~بعدها . وقيل : لأنها دالة على انقطاعها عن المخلوقين ، وأنها ليست إلا من ~~كلام الله تعالى . # المسألة الثامنة : روي أن يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للرسول صلى ~~الله عليه وسلم : أئتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية والأقرب أن هذه الآية ما نزلت في واقعة مبتدأة بل هي من بقية أحكام ~~تحويل القبلة . # أما قوله تعالى : { وما أنت بتابع قبلتهم } ففيه أقوال . الأول : أنه دفع ~~لتجويز النسخ ، وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة . والثاني : حسما ~~لأطماع أهل الكتاب فإنهم قالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجوا أن يكون ~~صاحبنا الذي ننتظره ، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم . الثالث : المقابلة يعني ~~ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك . الرابع : أراد أنه لا يجب عليك ~~استصلاحهم باتباع قبلتهم ، لأن ذلك معصية . الخامس : وما أنت بتابع قبلة ~~جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأن قبلة اليهود مخالفة لقبلة النصارى ~~، فلليهود بيت المقدس وللنصارى المشرق ، فالزم قبلتك ودع أقوالهم . # أما قوله : { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } قال القفال : هذا يمكن حمله على ~~الحال وعلى الاستقبال ، أما على الحال فمن وجوه . الأول : أنهم ليسوا ~~مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن إرضاؤهم باتباعها . الثاني : أن اليهود ~~والنصارى مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى ترك ~~قبلتك مع أنهم فيما بينهم مختلفون . الثالث : أن هذا إبطال لقولهم إنه لا ~~يجوز مخالفة أهل الكتاب لأنه إذا جاز أن تختلف قبلتاهما للمصلحة جاز أن ~~تكون المصلحة في ثالث ، وأما حمل الآية على الاستقبال ففيه إشكال وهو أن ~~قوله : { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } ينفي أن يكون أحد منهم قد اتبع قبلة ~~الآخر لكن ذلك قد وقع فيفضي إلى الخلف ، وجوابه أنا إن حملنا أهل الكتاب ~~على علمائهم الذين كانوا في ذلك الزمان فلم يثبت عندنا أن PageV04P114 أحدا ~~منهم يتبع قبلة الآخر فالخلف غير لازم ، وإن حملناه على الكل قلنا إنه عام ~~دخله التخصيص . # أما ms1234 قوله : { ولئن اتبعت أهواءهم } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : الهوى المقصور هو ما يميل إليه الطبع والهواء الممدود ~~معروف . # المسألة الثانية : اختلفوا في المخاطب بهذا الخطاب ، قال بعضهم : الرسول ~~وقال بعضهم : الرسول وغيره . وقال آخرون : بل غيره ، لأنه تعالى عرف أن ~~الرسول لا يفعل ذلك فلا يجوز أن يخصه بهذا الخطاب ، وهذا القول الثالث خطأ ~~لأن كل ما لو وقع من الرسول لقبح ، والالجاء عنه مرتفع ، فهو منهى عنه ، ~~وإن كان المعلوم منه أنه لا يفعله ، ويدل عليه وجوه . أحدها : أنه لو كان ~~كل ما علم الله أنه لا يفعله وجب أن لا ينهاه عنه ، لكان ما علم أنه يفعله ~~وجب أن لا يأمره / به ، وذلك يقتضي أن لا يكون النبي مأمورا بشيء ولا منهيا ~~عن شيء وأنه بالاتفاق باطل . وثانيها : لولا تقدم النهي والتحذير لما احترز ~~النبي صلى الله عليه وسلم عنه فلما كان ذلك الاحتراز مشروطا بذلك النهي ~~والتحذير فكيف يجعل ذلك الاحتراز منافيا للنهي والتحذير . وثالثها : أن ~~يكون الغرض من النهي والوعيد أن يتأكد قبح ذلك في العقل ، فيكون الغرض منه ~~التأكيد ولما حسن من الله التنبيه على أنواع الدلائل الدالة على التوحيد ~~بعد ما قررها في العقول والغرض منه تأكيد العقل بالنقل فأي بعد في مثل هذا ~~الغرض ههنا . ورابعا : قوله تعالى في حق الملائكة : { ومن يقل منهم إنى ~~إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم } ( الأنبياء : 29 ) مع أنه تعالى أخبر عن ~~عصمتهم في قوله : { يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } ( النمل : 50 ~~) وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر ~~: 65 ) وقد أجمعوا على أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك وما مال إليه ، ~~وقال : { منتظرون ياأيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( ~~المائدة : 67 ) وقال تعالى : { ودوا لو تدهن فيدهنون } ( القلم : 9 ) وقال ~~: { بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } ( المائدة : 67 ~~) وقوله : { ولا تكونن من المشركين } ( الأنعام : 14 ) فثبت بما ذكرنا أنه ~~عليه ms1235 الصلاة والسلام منهي عن ذلك ، وأن غيره أيضا منهي عنه لأن النهي عن ~~هذه الأشياء ليس من خواص الرسول عليه الصلاة والسلام بقي أن يقال : فلم خصه ~~بالنهي دون غيره ؟ فنقول فيه وجوه ، أحدها : أن كل من كان نعم الله عليه ~~أكثر ، كان صدور الذنب منه أقبح ، ولا شك أن نعم الله تعالى على الرسول ~~عليه الصلاة والسلام أكثر فكان حصول الذنب منه أقبح فكان أولى بالتخصيص . ~~وثانيها : أن مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير . وثالثها : أن الرجل ~~الحازم إذا أقبل على أكبر أولاده وأصلحهم فزجره عن أمر بحضرة جماعة أولاده ~~فإنه يكون منبها بذلك على عظم ذلك الفعل إن اختاروه وارتكبوه وفي عادة ~~الناس أن يوجهوا أمرهم ونهيهم إلى من هو أعظم درجة تنبيها للغير أو توكيدا ~~، فهذه قاعدة مقررة في أمثال هذه الآية . # القول الثاني : أن قوله : { ولئن اتبعت أهواءهم } ليس المراد منه أن اتبع ~~أهواءهم في كل الأمور فلعله عليه الصلاة والسلام كان في بعض الأمور يتبع ~~أهواءهم ، مثل ترك المخاشنة في القول والغلظة في الكلام ، PageV04P115 طمعا ~~منه عليه الصلاة والسلام في استمالتهم ، فنهاه الله تعالى عن ذلك القدر ~~أيضا وآيسه منهم بالكلية على ما قال : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا } ( الإسراء : 74 ) . # القول الثالث : إن ظاهر الخطاب وإن كان مع الرسول إلا أن المراد منه غيره ~~، وهذا كما أنك إذا عاتبت إنسانا أساء عبده إلى عبدك فتقول له : لو فعلت ~~مرة أخرى مثل هذا الفعل لعاقبتك عليه عقابا شديدا ، فكان الغرض منه لا يميل ~~إلى مخاطبتهم ومتابعتهم أحد من الأمة . # أما قوله تعالى : { من بعد ما جاءك من العلم } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : أنه تعالى لم يرد بذلك أنه نفس العلم جاءك ، بل المراد ~~الدلائل والآيات والمعجزات ، لأن ذلك من طرق العلم ، فيكون ذلك من باب ~~إطلاق اسم الأثر على المؤثر ، واعلم / أن الغرض من الاستعارة هو المبالغة ~~والتعظيم فكأنه سبحانه وتعالى عظم أمر النبوات والمعجزات بأن سماها باسم ~~العلم ، وذلك ينبهك ms1236 على أن العلم أعظم المخلوقات شرفا ومرتبة . # المسألة الثانية : دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من ~~توجهه على غيرهم لأن قوله : { من بعد ما جاءك من العلم } يدل على ذلك . # أما قوله تعلاى : { إنك إذا لمن الظالمين } فالمراد إنك لو فعلت ذلك لكنت ~~بمنزلة القوم في كفرهم وظلمهم لأنفسهم ، والغرض منه التهديد والزجر والله ~~أعلم . # ! 7 < { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون * الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 146 - 147 ) الذين آتيناهم الكتاب . . . . . # > > # اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { الذين ءاتيناهم الكتاب } وإن كان عاما بحسب ~~اللفظ لكنه مختص بالعلماء منهم ، والدليل عليه أنه تعالى وصفهم بأنهم ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، والجمع العظيم الذي علموا شيئا استحال عليهم ~~الاتفاق على كتمانه في العادة ، ألا ترى أن واحدا لو دخل البلد وسأل عن ~~الجامع لم يجز أن لا يلقاه أحد إلا بالكذب والكتمان ، بل إنما يجوز ذلك على ~~الجمع القليل ، والله أعلم . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { يعرفونه } إلى ماذا يرجع ؟ ذكروا ~~فيه وجوها . أحدها : أنه عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يعرفونه ~~معرفة جلية ، يميزون بينه وبين غيره كما يعرفون أبناءهم ، لا تشتبه عليهم ~~وأبناء غيرهم . عن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : أنا أعلم به مني بإبني ، قال : ولم ؟ قال : لأني ~~لست أشك في محمد أنه نبي وأما ولدي فلعل والدته خانت . فقبل عمر رأسه ، ~~وجاز PageV04P116 الإضمار وإن لم يسبق له ذكر لأن الكلام يدل عليه ولا ~~يلتبس على السامع ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته معلوم ~~بغير إعلام وعلى هذا القول أسئلة . # السؤال الأول : أنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله من أمر القبلة . # الجواب : أنه تعالى في الآية المتقدمة لما حذر أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم عن اتباع اليهود / والنصارى بقوله : { ولئن اتبعت ms1237 أهواءهم من بعد ما ~~جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين } ( البقرة : 145 ) أخبر المؤمنين ~~بحاله عليه الصلاة والسلام في هذه الآية فقال : اعلموا يا معشر المؤمنين أن ~~علماء أهل الكتاب يعرفون محمدا وما جاء به وصدقه ودعوته وقبلته لا يشكون ~~فيه كما لا يشكون في أبنائهم . # السؤال الثاني : هذه الآية نظيرها قوله تعالى : { يجدونه مكتوبا عندهم فى ~~التوراة والإنجيل } ( الأعراف : 157 ) وقال : { ومبشرا برسول يأتى من بعدى ~~اسمه أحمد } ( الصف : 6 ) إلا أنا نقول من المستحيل أن يعرفوه كما يعرفون ~~أبناءهم ، وذلك لأنه وصفه في التوراة والإنجيل إما أن يكون قد أتى مشتملا ~~على التفصيل التام ، وذلك إنما يكون بتعيين الزمان والمكان والصفة والخلقة ~~والنسب والقبيلة أو هذا الوصف ما أتى مع هذا النوع من التفصيل فإن كان ~~الأول وجب أن يكون بمقدمه في الوقت المعين من البلد المعين من القبلة ~~المعينة على الصفة المعينة معلوما لأهل المشرق والمغرب لأن التوراة ~~والإنجيل كانا مشهورين فيما بين أهل المشرق والمغرب ، ولو كان الأمر كذلك ~~لما تمكن أحد من النصارى واليهود من إنكار ذلك . # وأما القسم الثاني : فإنه لا يفيد القطع بصدق نبوة محمد عليه الصلاة ~~والسلام لأنا نقول : هب أن التوراة اشتملت على أن رجلا من العرب سيكون نبيا ~~إلا أن ذلك الوصف لما لم يكن منتهيا في التفصيل إلى حد اليقين ، لم يلزم من ~~الاعتراف به الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . # والجواب : عن هذا الإشكال إنما يتوجه لو قلنا بأن العلم بنبوته إنما حصل ~~من اشتمال التوراة والإنجيل على وصفه ونحن لا نقول به بل نقول أنه ادعى ~~النبوة وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبيا صادقا فهذا برهان ~~والبرهان يفيد اليقين / فلا جرم كان العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~أقوى وأظهر من العلم بنبوة الأبناء وأبوة الآباء . # السؤال الثالث : فعلى هذا الوجه الذي قررتموه كان العلم بنبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم علما برهانيا غير محتمل للغلط ، أما العلم بأن هذا ms1238 ابني ~~فذلك ليس علما يقينيا بل ظن ومحتمل للغلط ، فلم شبه اليقين بالظن ؟ # والجواب : ليس المراد أن العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يشبه العلم ~~بنبوة الأبناء ، بل المراد به تشبيه العلم بأشخاص الأبناء وذواتهم فكما أن ~~الأب يعرف شخص ابنه معرفة لا يشتبه هو عنده بغيره ، فكذا ههنا وعند هذا ~~يستقيم التشبيه لأن هذا العلم ضروري وذلك نظري وتشبيه النظري بالضروري يفيد ~~المبالغة وحسن الاستعارة . # السؤال الرابع : لم خص الأبناء الذكور ؟ # الجواب : لأن الذكور أعرف وأشهر وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق . # القول الثاني : الضمير في قوله : { يعرفونه } راجع إلى أمر القبلة : أي ~~علماء أهل الكتاب يعرفون أمر PageV04P117 القبلة التي نقلت إليها كما ~~يعرفون أبناءهم وهو قول ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد . # / واعلم أن القول الأول أولى من وجوه . أحدها : أن الضمير إنما يرجع إلى ~~مذكور سابق ، وأقرب المذكورات العلم في قوله : { من بعد ما جاءك من العلم } ~~( البقرة : 145 ) والمراد من ذلك العلم : النبوة ، فكأنه تعالى قال : إنهم ~~يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم ، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره ~~البتة . وثانيها : أن الله تعالى ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة ~~مذكور في التوراة والإنجيل ، وأخبر فيه أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~مذكورة في التوراة والإنجيل ، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى . ~~وثالثها : أن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد عليه السلام ، ~~فأما أمر القبلة فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى . # أما قوله تعالى : { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } فاعلم أن ~~الذين أوتوا الكتاب وعرفوا الرسول فمنهم من آمن به مثل عبد الله بن سلام ~~وأتباعه ، ومنهم من بقي على كفره ، ومن آمن لا يوصف بكتمان الحق ، وإنما ~~يوصف بذلك من بقي على كفره ، لا جرم قال الله تعالى : { وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون } فوصف البعض بذلك ، ودل ms1239 بقوله : { ليكتمون الحق } ~~على سبيل الذم ، على أن كتمان الحق في الدين محظور إذا أمكن إظهاره ، ~~واختلفوا في المكتوم فقيل : أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : أمر ~~القبلة وقد استقصينا في هذه المسألة . # أما قوله : { الحق من ربك } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : يحتمل أن يكون ( الحق ) خبر مبتدأ محذوف ، أي هو الحق ، ~~وقوله : { من ربك } يجوز أن يكون خبرا بغير خبر ، وأن يكون حالا ، ويجوز ~~أيضا أن يكون مبتدأ خبره : { من ربك } وقرأ علي رضي الله عنه : ( الحق من ~~ربك ) على الإبدال من الأول ، أي يكتمون الحق من ربك . # المسألة الثانية : الألف واللام في قوله : { الحق } فيه وجهان : الأول : ~~أن يكون للعهد ، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو إلى الحق الذي في قوله : { ليكتمون الحق } أي هذا الذي يكتمونه هو الحق ~~من ربك ، وأن يكون للجنس على معنى : الحق من الله تعالى لا من غيره يعني إن ~~الحق ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه وما لم يثبت أنه من الله ~~كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل . # أما قوله : { فلا تكونن من الممترين } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : { فلا تكونن من الممترين } في ماذا اختلفوا فيه على ~~أقوال . أحدها : فلا تكونن من الممترين في أن الذين تقدم ذكرهم علموا صحة ~~نبوتك ، وأن بعضهم عاند وكتم ، قاله الحسن . وثانيها : بل يرجع إلى أمر ~~القبلة . وثالثها : إلى صحة نبوته وشرعه ، وهذا هو الأقرب لأن أقرب ~~المذكورات إليه قوله : { الحق من ربك } فإذا كان ظاهره يقتضي النبوة وما ~~تشتمل عليه من / قرآن ووحي وشريعة ، فقوله : { فلا تكونن من الممترين } وجب ~~أن يكون راجعا إليه . # المسألة الثانية : أنه تعالى وإن نهاه عن الامتراء فلا يدل ذلك على أنه ~~كان شاكا فيه ، وقد تقدم القول في بيان هذه المسألة والله أعلم . # PageV04P118 ! 7 < { ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا ~~يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شىء قدير } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 148 ) ولكل وجهة هو ms1240 . . . . . # > > اعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله : { ولكل } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : إنما قال : { ولكل } ولم يقل لكل قوم أو أمة لأنه معروف ~~المعنى عندهم فلم يضر حذف المضاف إليه وهو كثير في كلامهم كقوله : { لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ( المائدة : 48 ) . # المسألة الثانية : ذكروا فيه أربعة أوجه . أحدها : أنه يتناول جميع الفرق ~~، أعني المسلمين واليهود والنصارى والمشركين ، وهو قول الاصم ، قال : لأن ~~في المشركين من كان يعبد الأصنام ويتقرب بذلك إلى الله تعالى كما حكى الله ~~تعالى عنهم في قوله : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) . وثانيها ~~: وهو قول أكثر علماء التابعين ، أن المراد أهل الكتاب وهم : المسلمون ~~واليهود والنصارى ، والمشركون غير داخلين فيه . وثالثها : قال بعضهم : ~~المراد لكل قوم من المسلمين وجهة أي جهة من الكعبة يصلي إليها : جنوبية أو ~~شمالية ، أو شرقية أو غربية ، واحتجوا على هذا القول بوجهين . الأول : قوله ~~تعالى : { هو موليها } يعني الله موليها وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة ~~، لأن ما عداها تولية الشيطان . الثاني : أن الله تعالى عقبه بقوله : { ~~فاستبقوا الخيرات } والظاهر أن المراد من هذه الخيرات ما لكل أحد من جهة ، ~~والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة . ورابعها : قال آخرون : ~~ولكل وجهة أي لكل واحد من الرسل وأصحاب الشرائع جهة قبلة ، فقبلة المقربين ~~: العرش ، وقبلة الروحانيين : الكرسي ، وقبلة الكروبيين : البيت المعمور ، ~~وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس ، وقبلتك الكعبة . # أما قوله تعالى : { وجهة } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرىء : { ولكل وجهة } على الإضافة والمعنى : وكل وجهة ~~هو موليها فزيدت لالام لتقدم المفعول كقولك : لزيد ضربت ، ولزيد أبوه ضارب ~~. # المسألة الثانية : قال الفاء : وجهة ، وجهة ، ووجه بمعنى واحد ، واختلفوا ~~في المراد فقال الحسن : المراد المنهاج والشرع ، وهو كقوله تعالى : { لكل ~~أمة جعلنا منسكا } ( الحج : 67 ) ، { لكل جعلنا منكم } ( المائدة : 48 ) / ~~{ شرعة ومنهاجا } ( المائدة : 48 ) والمراد منه أن للشرائع مصالح ، فلا جرم ~~اختلفت الشرائع بحسب اختلاف الأشخاص ، وكما اختلف بحسب اختلاف الأشخاص لم ~~يبعد أيضا اختلافها بحسب اختلاف الزمان بالنسبة إلى شخص واحد ms1241 ، فلهذا صح ~~القول بالنسخ والتغيير ، وقال الباقون : المراد منه أمر القبلة ، لأنه تقدم ~~قوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ( البقرة : 144 ) فهذه الوجهة ~~يجب أن تكون محمولة على ذلك . # أما قوله : { هو موليها } ففيه وجهان . الأول : أنه عائد إلى الكل ، أي ~~ولكل أحد وجهة هو مولى وجهه PageV04P119 إليها . الثاني : أنه عائد إلى اسم ~~الله تعالى ، أي الله تعالى يوليها إياه ، وتقدير الكلام على الوجه الأول ~~أن نقول : أن لكل منكم وجهة أي جهة من القبلة هو موليها ، أي هو مستقبلها . ~~ومتوجه إليها لصلاته التي هو متقرب بها إلى ربه ، وكل يفرح بما هو عليه ولا ~~يفارقه ، فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة ، مع لزوم الأديان المختلفة ~~: { فاستبقوا الخيرات } أي فالزموا معاشر المسلمين قبلتكم فإنكم على خيرات ~~من ذلك في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فلشرفكم بقبلة إبراهيم وأما في ~~الآخرة فللثواب العظيم الذي تأخذونه على انقيادكم لأوامره فإن إلى الله ~~مرجعكم / وأينما تكونوا من جهات الأرض يأت بكم الله جميعا في صعيد القيامة ~~، فيفصل بين المحق منكم والمبطل ، حتى يتبين من المطيع منكم ومن العاصي ، ~~ومن المصيب منكم ومن المخطىء ، إنه على ذلك قادر ، ومن قال بهذا التأويل ~~قال : المراد أن لكل من أهل الملل وجهة قد اختارها ، إما بشريعة وإما بهوى ~~، فلستم تؤخذون بفعل غيركم ، فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ، وإما تقرير ~~الكلام على الوجه الثاني أعني أن يكون الضمير في قوله : { هو موليها } ~~عائدا إلى الله تعالى فههنا وجهان . الأول : أن الله عرفنا أن كل واحدة من ~~هاتين القبلتين اللتين هما بيت المقدس والكعبة جهة يوليها الله تعالى عباده ~~، إذا شاء يفعله على حسب ما يعلمه صلاحا فالجهتان من الله تعالى وهو الذي ~~ولى وجوه عباده إليهما ، فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمر الله في الحالتين ~~، فإن انقيادكم خيرات لكم ، ولا تلتفتوا إلى مطاعن هؤلاء الذين يقولون : { ~~ما ولاهم عن قبلتهم } ( البقرة : 142 ) فإن الله يجمعكم وهؤلاء السفهاء ~~جميعا في عرصة القيامة ، فيفصل بينكم . الثاني : أنا إذا فسرنا ms1242 قوله : { ~~ولكل وجهة } بجهات الكعبة ونواحيها ، كان المعنى : ولكل قوم منكم معاشر ~~المسلمين وجهة ، أي ناحية من الكعبة : { فاستبقوا الخيرات } بالتوجه إليها ~~من جميع النواحي ، فإنها وإن اختلفت بعد أن تؤدي إلى الكعبة فهي كجهة واحدة ~~ولا يخفى على الله نياتهم فهو يحشرهم جميعا ويثيبهم على أعمالهم . # أما قوله تعالى : { هو موليها } أي هو موليها وجهه فاستغنى عن ذكر الوجه ~~، قال الفراء : أي مستقبلها وقال أبو معاذ : موليها على معنى متوليها يقال ~~: قد تولاها ورضيها وأتبعها ، وفي قراءة عبد الله بن عامر النخعي : { هو } ~~وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر ومحمد بن علي الباقر وفي قراءة الباقين : { ~~هو موليها } ولقراءة ابن عامر معنيان . أحدهما : أن ما وليته فقد ولاك ، ~~لأن معنى وليته أي جعلته / بحيث تليه وإذا صار هذا بحيث يلي ذلك فذاك أيضا ~~، يلي هذا ، فإذن قد ولى كل واحد منهما الآخر وهو كقوله تعالى : { ~~فتلقىءادم من ربه كلمات } ( البقرة : 37 ) و { لا ينال عهدي الظالمين } ( ~~البقرة : 124 ) والظالمون ، وهذا قول الفراء . والثاني : { هو موليها } أي ~~وقد زينت له تلك الجهة وحببت إليه ، أي صارت بحيث يحبها ويرضاها . # أما قوله : { فاستبقوا الخيرات } فمعناه الأمر بالبدار إلى الطاعة في ~~وقتها ، واعلم أن أداء الصلاة في أول الوقت عند الشافعي رضي الله عنه أفضل ~~، خلافا لأبي حنيفة ، واحتج الشافعي بوجوه : أولها : أن الصلاة خير لقوله ~~صلى الله عليه وسلم : ( الصلاة خير موضوع ) وإذا كان كذلك وجب أن يكون ~~تقديمه أفضل لقوله تعالى : { فاستبقوا الخيرات } وظاهر الأمر للوجوب ، فإذا ~~لم يتحقق فلا أقل من الندب . وثانيها : قوله : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم ~~} ( الحديد : 21 ) ومعناه إلى ما يوجب المغفرة والصلاة مما يوجب المغفرة ~~فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة . PageV04P120 وثالثها : قوله تعالى : ~~{ والسابقون السابقون * أولئك المقربون } ( الواقعة : 10 ، 11 ) ولا شك أن ~~المراد منه السابقون في الطاعات ، ولا شك أن الصلاة من الطاعات ، وقوله ~~تعالى : { أولئك المقربون } يفيد الحصر ، فمعناه أنه لا يقرب عند الله إلا ~~السابقون وذلك يدل على أن كمال ms1243 الفضل منوط بالمسابقة . ورابعها : قوله ~~تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } ( آل عمران : 133 ) والمعنى : ~~وسارعوا إلى ما يوجب المغفرة ، ولا شك أن الصلاة كذلك ، فكانت المسارعة بها ~~مأمورة . وخامسها : أنه مدح الأنبياء المتقدمين بقوله تعالى : { إنهم كانوا ~~يسارعون فى الخيرات } ( الأنبياء : 90 ) ولا شك أن الصلاة من الخيرات ، ~~لقوله عليه السلام : ( خير أعمالكم الصلاة ) . وسادسها : أنه تعالى ذم ~~إبليس في ترك المسارعة فقال : { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } ( الأعراف : ~~12 ) وهذا يدل على أن ترك المسارعة موجب للذم . وسابعها : قوله تعالى : { ~~حافظوا على الصلوات } ( البقرة : 238 ) والمحافظة لا تحصل إلا بالتعجيل ، ~~ليأمن الفوت بالنسيان وسائر الأشغال . وثامنها : قوله تعالى : حكاية عن ~~موسى عليه السلام : { وعجلت إليك رب لترضى } ( طه : 84 ) فثبت أن الاستعجال ~~أولى . وتاسعها : قوله تعالى : { لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } ( الحديد : 10 ) فبين أن ~~المسابقة سبب لمزيد الفضيلة فكذا في هذه الصورة . وعاشرها : ما روى عمر ~~وجرير بن عبد الله وأنس وأبو محذورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~( الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله ) قال الصديق رضي الله ~~عنه : رضوان الله أحب إلينا من عفوه . قال الشافعي رضي الله عنه : رضوان ~~الله إنما يكون للمحسنين والعفو يوشك أن يكون عن المقصرين فإن قيل هذا ~~احتجاج في غير موضعه لأنه يقتضي أن يأثم بالتأخير ، وأجمعنا على أنه لا ~~يأثم فلم يبق إلا أن يكون معناه أن الفعل في آخر الوقت يوجب العفو عن ~~السيئات السابقة ، وما كان كذلك فلا شك أنه يوجب رضوان الله ، فكان التأخير ~~موجبا للعفو والرضوان ، والتقديم موجبا للرضوان دون العفو فكان التأخير ~~أولى قلنا : هذا ضعيف من وجوه . الأول : أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون / ~~تأخير المغرب أفضل وذلك لم يقله أحد . الثاني : أنه عدم المسارعة الامتثال ~~يشبه عدم الالتفات ، وذلك يقتضي العقاب ، إلا أنه لما أتى بالفعل بعد ذلك ~~سقط ذلك ms1244 الاقتضاء . الثالث : أن تفسير أبي بكر الصديق رضي الله عنه يبطل ~~هذا التأويل الذي ذكروه . # الحادي عشر : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( يا علي ثلاث لا تؤخرها : الصلاة إذا أتت ، والجنازة ~~إذا حضرت ، والأيم إذا وجدت لها كفؤا ) . # الثاني عشر : عن ابن مسعود أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : أي ~~الأعمال أفضل ؟ فقال : الصلاة لميقاتها الأول . # الثالث عشر : روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن ~~الرجل ليصلي الصلاة وقد فاته من أول الوقت PageV04P121 ما هو خير له من ~~أهله وماله ) . # الرابع عشر : قال عليه السلام : ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة ) فمن كان أسبق في الطاعة كان هو الذي سن عمل الطاعة ~~في ذلك الوقت ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر من ثواب المتأخر . # الخامس عشر : إنا توافقنا على أن أحد أسباب الفضيلة فيما بين الصحابة ~~المسابقة إلى الإسلام حتى وقع الخلاف الشديد بين أهل السنة وغيرهم أن أبا ~~بكر أسبق إسلاما أم عليا ، وما ذاك إلا اتفاقهم على أن المسابقة في الطاعة ~~توجب مزيد الفضل وذلك يدل على قولنا . # السادس عشر : قوله عليه السلام في خطبة له : ( وبادروا بالأعمال الصالحة ~~قبل أن تشتغلو ) ولا شك أن الصلاة من الأعمال الصالحة . # السابع عشر : أن تعجيل حقوق الآدميين أفضل من تأخيرها ، فوجب أن يكون ~~الحال في أداء الله تعالى كذلك ، والجامع بينهما رعاية معنى التعظيم . # الثامن عشر : أن المبادرة والمسارعة إلى الصلاة إظهار للحرص على الطاعة ، ~~والولوع بها ، والرغبة فيها وفي التأخير كسل عنها ، فيكون الأول أولى . # التاسع عشر : أن الاحتياط في تعجيل الصلاة لأنه إذا أداها في أول الوقت ~~تفرغت ذمته / فإذا أخر فربما عرض له شغل فمنعه عن أدائها فيبقى الواجب في ~~ذمته ، فالوجه الذي يحصل فيه الاحتياط لا شك أنه أولى . # العشرون : أجمعنا في صوم رمضان أن تعجيله أفضل من تأخيره وذلك لأن ms1245 المريض ~~يجوز له أن يفطر ويؤخر الصوم ، ويجوز له أن يعجل ويصوم في الحال ، ثم ~~أجمعنا على أن التعجيل في الصوم أفضل على ما قال : { وأن تصوموا خير لكم } ~~( البقرة : 184 ) فوجب أيضا أن يكون التعجيل في الصلاة أولى فإن قيل : ~~تنتقض هذه الدلائل القياسية بالظهر في شدة الحر ، أو بما إذا حصل له رجاء ~~إدراك / الجماعة أو وجود الماء قلنا : التأخير ثبت في هذه المواضع لأمور ~~عارضة ، وكلامنا في مقتضى الأصل . # الحادي والعشرون : المسارعة إلى الامتثال أحسن في العرف من ترك المسارعة ~~، فوجب أن يكون في الشرع كذلك لقوله عليه السلام : ( ما رآه المسلمون حسنا ~~فهو عند الله حسن ) . # الثاني والعشرون : صلاة كملت شرائطها فوجب أداؤها في أول الوقت ، كالمغرب ~~ففيه احتراز عن الظهر في شدة الحر ، لأنه إنما يستحب التأخير إذا أراد أن ~~يصليها في المسجد لأجل أن المشي إلى المسجد في شدة الحر كالمانع ، أما إذا ~~صلاها في داره فالتعجيل أفضل ، وفيه احتراز عمن يدافع الأخبثين أو حضره ~~الطعام وبه جوع لهذا المعنى أيضا ، وكذلك المتيمم إذا كان على ثقة من وجود ~~الماء ، وكذلك إذا توقع حضور الجماعة فإن الكمال لم يحصل في هذه الصورة ، ~~فهذه هي الأدلة الدالة على أن المسارعة أفضل ، ولنذكر كل واحد من الصلوات : # أما صلاة الفجر فقال محمد : المستحب أن يدخل فيها بالتغليس ، ويخرج منها ~~بالإسفار ، فإن أراد الاقتصار على أحد الوقتين فالإسفار أفضل ، وقال ~~الشافعي رضي الله عنه : التغليس أفضل ، وهو مذهب أبي PageV04P122 بكر وعمر ~~وبه قال مالك وأحمد ، واحتج الشافعي رضي الله عنه بعد الدلائل السالفة ~~بوجوه . أحدها : ما أخرج في الصحيحين برواية عائشة رضي الله عنها أنها قالت ~~: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف والنساء متلفعات ~~بمروطهن ما يعرفن من الغلس ) قال محيي السنة في كتاب ( شرح السنة ) : ~~متلفعات بمروطهن أي متجللات بأكسيتهن ، والتلفع بالثوب الاشتمال ، والمروط ~~: الأردية الواسعة ، واحدها مرط ، والغلس : ظلمة آخر الليل ، فإن قيل : كان ~~هذا في ابتداء الإسلام حين كان النساء ms1246 يحضرن الجماعات ، فكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يصلي بالغلس كيلا يعرفن ، وهكذا كان عمر رضي الله عنه يصلي ~~بالغلس ، ثم لما نهين عن الحضور في الجماعات ترك ذلك قلنا : الأصل المرجوع ~~إليه في إثبات جميع الأحكام عدم النسخ ، ولولا هذا الأصل لما جاز الاستدلال ~~بشيء من الدلائل الشرعية . وثالثها : ما أخرج في الصحيحين عن قتادة عن أنس ~~عن زيد بن ثابت قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى ~~الصلاة ، قال قلت : كم كان قدر ذلك ، قال : قدر خمسين آية ، وهذا يدل أيضا ~~على التغليس . وثالثها : ما روي عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غلس بالصبح ، ثم أسفر مرة ، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضة ~~الله تعالى . ورابعها : أنه تعالى مدح المستغفرين بالأسحار فقال : { ~~والمستغفرين بالاسحار } ( آل عمران : 17 ) ومدح التاركين للنوم فقال : { ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا } ( السجدة : 16 ) وإذا ~~ثبت هذا وجب أن يكون ترك النوم بأداء الفرائض أفضل لقوله عليه السلام حكاية ~~عن الله : ( لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم ) وإذا كان ~~الأمر كذلك وجب أن يكون التغليس أفضل . وخامسها : أن النوم في ذلك الوقت ~~أطيب ، فيكون تركه أشق ، / فوجب أن يكون ثوابه أكثر ، لقوله عليه السلام : ~~( أفضل العبادات أحمزها ) أي أشقها ، واحتج أبو حنيفة بوجوه . أحدها : قوله ~~عليه السلام : ( أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر ) . وثانيها : روى عبد الله ~~بن مسعود أنه صلى الفجر بالمزدلفة فغلس ، ثم قال ابن مسعود : ما رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صلوات إلا لميقاتها إلا صلاة الفجر ، فإنه صلاها ~~يومئذ لغير ميقاتها . وثالثها : عن ابن مسعود قال : ما رأيت أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر . ~~ورابعها : عن أبي بكر رضي الله عنه أنه صلى الفجر فقرأ آل عمران ، فقالوا : ~~كادت الشمس أن تطلع ، فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين ، وعن عمر أنه قرأ ~~البقرة ms1247 فاستشرقوا الشمس ، فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين . وخامسها : أن ~~تأخير الصلاة يشتمل على فضيلة الإنتظار ، وقال عليه السلام : ( المنتظر ~~للصلاة كمن هو في الصلاة ) فمن أخر الصلاة عن أول وقتها فقد انتظر الصلاة ~~أولا ثم بها ثانيا ومن صلاها في أول الوقت فقد فاته فضل الانتظار . وسادسها ~~: أن التأخير يفضي إلى كثرة الجماعة فوجب أن يكون أولى تحصيلا لفضل الجماعة ~~. وسابعها : أن التغليس يضيق على الناس ، لأنه إذا كان الصلاة في وقت ~~الغليس احتاج الإنسان إلى أن يتوضأ بالليل حتى يتفرغ للصلاة بعد طلوع الفجر ~~، والحرج منفى شرعا . وثامنها : أنه تكره الصلاة بعد صلاة الفجر فإذا صلى ~~وقت الإسفار فإنه يقل وقت الكراهة ، وإذا صلى بالتغليس فإنه يكثر وقت ~~الكراهة . # والجواب عن الأول : أن الفجر اسم للنور الذي ينفي به ظلام المشرق ، ~~فالفجر إنما يكون فجرا لو كانت الظلمة باقية في الهواء ، فأما إذا زالت ~~الظلمة بالكلية واستنار الهواء لم يكن ذلك فجرا ، وأما الإسفار فهو ~~PageV04P123 عبارة عن الظهور ، يقال : أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت عنه ~~، إذا ثبت هذا فنقول : ظهور الفجر إنما يكون عند بقاء الظلام في الهواء ، ~~فإن الظلام كلما كان أشد كان النور الذي يظهر فيما بين ذلك الظلام أشد ، ~~فقوله : ( أسفروا بالفجر ) يجب أن يكون محمولا على التغليس ، أي كلما وقعت ~~صلاتكم حين كان الفجر أظهر وأبهر كان أكثر ثوابا ، وقد بينا أن ذلك لا يكون ~~إلا في أول الفجر ، وهذا معنى قول الشافعي رضي الله عنه أن الإسفار المذكور ~~في الحديث محمول على تيقن طلوع الفجر وزوال الشك عنه ، والذي يدل على ما ~~قلنا أن أداء الصلاة في ذلك الوقت أشق ، فوجب أن يكون أكثر ثوابا ، وأما ~~تأخير الصلاة إلى وقت التنوير فهو عادة أهل الكسل ، فكيف يمكن أن يقول ~~الشارع : إن الكسل أفضل من الجد في الطاعة . # والجواب عن الثاني : وهو قول ابن مسعود : حافظوا على التنوير بالفجر ، ~~فجوابه هذا الذي قررناه لأن التنوير بالفجر إنما يحصل في أول الوقت ، فأما ~~عند ms1248 امتلاء العالم من النور فإنه لا يسمى ذلك فجرا ، وأما سائر الوجوه فهي ~~معارضة ببعض ما قدمناه والله أعلم . # أما قوله تعالى : { أينما تكونوا * يأت بكم الله جميعا } فهو وعد لأهل ~~الطاعة ، ووعيد لأهل المعصية ، كأنه تعالى قال : استبقوا أيها المحققون ~~والعارفون بالنبوة والشريعة الخيرات وتحملوا فيها / المشاق لتصلوا يوم ~~القيامة إلى مالكم عند الله من أنواع الكرامة والزلفى ، ثم إنه سبحانه حقق ~~بقوله : { إن الله على كل شىء قدير } وذلك لأن الإعادة في نفسها ممكنة وهو ~~قادر على جميع الممكنات ، فوجب أن يكون قادرا على الإعادة ، وأما المسائل ~~المستبنطة من هذه الآية ، فقد ذكرناها في قوله تعالى : { ولو شاء الله لذهب ~~بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شىء قدير } ( البقرة : 20 ) . # ! 7 < { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما ~~الله بغافل عما تعملون * ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ~~فلا تخشوهم واخشونى ولا تم نعمتى عليكم ولعلكم تهتدون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 149 - 150 ) ومن حيث خرجت . . . . . # > > # اعلم أن أول ما في هذه الآية من البحث أن الله تعالى قال قبل هذه الآيات ~~: { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم } ( البقرة : 144 ) وذكر ههنا ثانيا قوله ~~تعالى : { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما ~~الله بغافل عما تعملون } وذكر ثالثا قوله : { ومن PageV04P124 حيث خرجت فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة } فهل في هذا التكرار فائدة أم لا ؟ وللعلماء فيه أقوال . أحدها ~~: أن الأحوال ثلاثة ، أولها : أن يكون الإنسان في المسجد الحرام . وثانيها ~~: أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد . وثالثها : أن يخرج عن البلد ~~إلى أقطار الأرض ، فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى ، والثانية على ~~الثانية ، والثالثة على الثالثة ms1249 ، لأنه قد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا تثبت ~~فيها للعبد ، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله تعالى هذه الآيات . # والجواب الثاني : أنه سبحانه إنما أعاد ذلك ثلاث مرات لأنه علق بها كل ~~مرة فائدة زائدة أما / في المرة الأولى فبين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر هذه القبلة حق ، لأنهم شاهدوا ذلك في ~~التوراة والإنجيل ، وأما في المرة الثانية فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق ، ~~وشهادة الله بكونه حقا مغايرة لعلم أهل الكتاب بكونه حقا ، وأما في المرة ~~الثالثة فبين أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة ، فلما اختلفت ~~هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة من المرات واحدة من ~~هذه الفوائد ، ونظيره قوله تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هاذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت } . # والجواب الثالث : أنه تعالى قال في الآية الأولى : { فلنولينك قبلة ~~ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } فكان ~~ربما يخطر ببال جاهل أنه تعالى إنما فعل ذلك طلبا لرضا محمد صلى الله عليه ~~وسلم لأنه قال : { فلنولينك قبلة ترضاها } فأزال الله تعالى هذا الوهم ~~الفاسد بقوله : { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ~~ربك } أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك ، بل لأجل أن هذا ~~التحويل هو الحق الذي لا محيد عنه فاستقبالها ليس لأجل الهوى والميل كقبلة ~~اليهود المنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والميل ، ثم أنه تعالى ~~قال ثالثا : { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره } والمراد دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات / ~~ولا تولوا فيصير ذلك التولي سببا للطعن في دينكم ، والحاصل أن الآية ~~السالفة أمر بالدوام في جميع الأمكنة والثانية أمر بالدوام في جميع الأزمنة ~~والأمكنة ، والثالثة أمر بالدوام في جميع الأزمنة وإشعار بأن هذا لا يصير ms1250 ~~منسوخا ألبتة . # والجواب الرابع : أن الأمر الأول مقرون بإكرامه إياهم بالقبلة التي كانوا ~~يحبونها وهي قبلة أبيهم إبراهيم عليه السلام والثاني مقرون بقوله تعالى : { ~~ولكل وجهة هو موليها } ( البقرة : 148 ) أي لكل صاحب دعوة وملة قبلة يتوجه ~~إليها فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله تعالى أنها حق وذلك هو ~~قوله : { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه * الحق من ربك } . ~~والثالث مقرون بقطع الله تعالى حجة من خاصمه من اليهود في أمرالقبلة فكانت ~~هذه عللا ثلاثا قرن بكل واحدة منها أمر بالتزام القبلة نظيره أن يقال : ~~ألزم هذه القبلة فإنها القبلة التي كنت تهواها ، ثم يقال : ألزم هذه القبلة ~~فإنها الحق لا قبلة الهوى ، وهو قوله : { وإنه للحق من ربك } ثم يقال : ~~ألزم هذه القبلة فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك ، وهذا التكرار ~~في هذا PageV04P125 الموضع كالتكرار في قوله تعالى : { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } ( الرحمن : 12 ) وكذلك ما كرر في قوله تعالى : { إن في ذلك لاية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين } ( الشعراء : 174 ) . # والجواب الخامس : أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في ~~شرعنا فدعت / الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة ~~وإيضاح البينات . # أما قوله تعالى : { وما الله بغافل عما تعملون } ( البقرة : 74 ) يعني ما ~~يعمله هؤلاء المعاندون الذين يكتمون الحق وهم يعرفونه ويدخلون الشبهة على ~~العامة بقولهم : { ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها } ( البقرة : 142 ) ~~وبأنه قد اشتاق إلى مولده ودين آبائه فإن الله عالم بهذا فأنزل ما أبطله ~~وكشف عن وهنه وضعفه . # أما قوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا الكلام يوهم حجاجا وكلاما تقدم من قبل في ~~باب القبلة عن القوم فأراد الله تعالى أن يبين أن تلك الحجة تزول الآن ~~باستقبال الكعبة ، وفي كيفية تلك الحجة روايات . أحدها : أن اليهود قالوا : ~~تخالفنا في ديننا وتتبع قبلتنا . وثانيها : قالوا : ألم يدر محمد أين يتوجه ~~في صلاته حتى هديناه . وثالثها : أن العرب ms1251 قالوا : إنه كان يقول : أنا على ~~دين إبراهيم والآن ترك التوجه إلى الكعبة ، ومن ترك التوجه إلى الكعبة فقد ~~ترك دين إبراهيم عليه السلام فصارت هذه الوجوه وسائل لهم إلى الطعن في شرعه ~~عليه الصلاة والسلام ، إلا أن الله تعالى لما علم أن الصلاح في ذلك أوجب ~~عليهم التوجه إلى بيت المقدس لما فيه من المصلحة في الدين ، لأن قولهم لا ~~يؤثر في المصالح ، وقد بينا من قبل تلك المصلحة ، وهي تميز من اتبعه بمكة ~~ممن أقام على تكذيبه ، فإن ذلك الامتياز ما كان يظهر إلا بهذا الجنس ولما ~~انتقل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة تغيرت المصلحة فاقتضت الحكمة تحويل ~~القبلة إلى الكعبة ، فلهذا قال الله تعالى : { لئلا يكون للناس عليكم حجة } ~~يعني تلك الشبهة التي ذكروها تزول بسبب هذا التحويل ، ولما كان فيهم من ~~المعلوم من حاله أنه يتعلق عند هذا التحويل بشبهة أخرى ، وهو قول بعض العرب ~~: إن محمدا عليه الصلاة والسلام عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا ~~بالكلية وكان التمسك بهذه الشبهة والاستمرار عليها سببا للبقاء على الجهل ~~والكفر / وذلك ظلم على النفس على ما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( ~~لقمان : 13 ) فلا جرم قال الله تعالى : { إلا الذين ظلموا منهم } . # المسألة الثانية : قرأ نافع : { ليلا } يترك الهمزة وكل همزة مفتوحة ~~قبلها كسرة فإنه يقلبها ياء والباقون بالهمزة وهو الأصل . # المسألة الثالثة : ( لئلا ) موضعه نصب ، والعامل فيه ( ولوا ) أي ولوا ~~لئلا ، وقال الزجاج التقدير : عرفتكم ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة . # المسألة الرابعة : قيل : الناس هم أهل الكتاب عن قتادة والربيع وقيل : هو ~~على العموم . # المسألة الخامسة : ههنا سؤال ، وهو أن شبهة هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ~~ليست بحجة ، فكيف يجوز استثناؤها عن الحجة وقد اختلف الناس فيه على أقوال . ~~الأول : أنه استثناء متصل ثم على هذا القول يمكن دفع السؤال من وجوه : ~~PageV04P126 # الوجه الأول : أن الحجة كما أنها قد تكون صحيحة ، قد تكون أيضا باطلة ، ~~قال الله تعالى / { حجتهم داحضة عند ربهم } ( الشورى : 16 ms1252 ) وقال تعالى : { ~~فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم } ( آل عمران : 61 ) والمحاجة هي أن ~~يورد كل واحد منهم على صاحبه حجة وهذا يقتضي أن يكون الذي يورد المبطل يسمى ~~بالحجة ولأن الحجة اشتقاقها من حجة إذا علا عليه فكل كلام يقصد به غلبة ~~الغير فهو حجة ، وقال بعضهم : إنها مأخوذة من محجة الطريق ، فكل كلام يتخذه ~~الإنسان مسلكا لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجة ، وإذا ثبت أن الشبهة قد ~~تسمى حجة كان الاستثناء متصلا . # الوجه الثاني : في تقرير أنه استثناء متصل : أن المراد بالناس أهل الكتاب ~~فإنهم وجدوه في كتابهم أنه عليه الصلاة والسلام يحول القبلة فلما حولت ، ~~بطلت حجتهم إلا الذين ظلموا بسبب أنهم كتموا ما عرفوا عن أبي روق . # الوجه الثالث : أنهم لما أوردوا تلك الشبهة على اعتقاد أنها حجة سماها ~~الله . ( حجة ) بناء على معتقدهم أو لعله تعالى سماها ( حجة ) تهكما بهم . # الوجه الرابع : أراد بالحجة المحاجة والمجادلة فقال : { لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم } فإنهم يحاجونكم بالباطل . # القول الثاني : أنه استثناء منقطع ، ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون ~~بالشبهة ويضعونها موضع الحجة ، وهو كقوله تعالى : { ما لهم به من علم إلا ~~اتباع الظن } ( النساء : 157 ) وقال النابغة : # % ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم % % بهن فلول من قراع الكتائب % # ومعناه : لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب ويقال ما له على حق إلا التعدي يعني ~~لكنه يتعدى ويظلم ، ونظيره أيضا قوله تعالى : { إنى لا يخاف لدى المرسلون * ~~إلا من ظلم } ( النمل : 10 ، 11 ) وقال : { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا ~~من رحم } ( هود : 43 ) وهذا النوع من الكلام عادة مشهورة للعرب . # القول الثالث : زعم أبو عبيدة أن ( إلا ) بمعنى الواو كأنه تعالى قال : ~~لئلا يكون للناس عليكم حجة وللذين ظلموا وأنشد : # % وكل أخ مفارقه أخوه % % لعمر أبيك إلا الفرقدان % # يعني : والفرقدان . # القول الرابع : قال قطرب : موضع { الذين } خفض لأنه بدل من الكاف والميم ~~في عليكم كأنه قيل : لئلا يكون عليكم حجة ms1253 إلا الذين ظلموا فإنه يكون حجة ~~عليهم وهم الكفار ، قال علي ابن عيسى : هذان الوجهان بعيدان . # أما قوله تعالى : { فلا تخشوهم واخشونى } فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ~~ممن يتعنت ويجادل ويحاج / ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضررنكم ~~واخشوني ، يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم ، وهذه ~~الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه ~~: خشية عقاب الله ، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء ألبتة ، وأن / لا ~~يكون مشتغل القلب بهم ، PageV04P127 ولا ملتفت الخاطر إليهم . # أما قوله تعالى : { ولاتم نعمتى عليكم } فقد اختلفوا في متعلق اللام على ~~وجوه . أحدها : أنه راجع إلى قوله تعالى : { لئلا يكون للناس عليكم حجة ~~ولاتم نعمتى عليكم } فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين ~~الحكمتين . إحداهما : لانقطاع حجتهم عنه . والثانية : لتمام النعمة ، وقد ~~بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة ، وهو أن القوم كانوا ~~يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول صلى الله عليه ~~وسلم إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة . وثانيها : ~~أن متعلق اللام محذوف ، معناه : ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم ~~أمرتكم بذلك . وثالثها : أن يعطف على علة مقدرة ، كأنه قيل : واحشوني ~~لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم ، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل : إنه ~~تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتى } ( المائدة : 3 ) فبين أن تمام النعمة إنما حصل ~~ذلك اليوم ، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية : { ولاتم ~~نعمتى عليكم } قلنا : تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به ، وفي ~~الحديث : ( تمام النعمة دخول الجنة ) وعن علي رضي الله عنه : تمام النعمة ~~الموت على الإسلام . # واعلم أن الذي حكيناه عن أبي مسلم رحمه الله من ms1254 التشكك في صلاة الرسول ~~وصلاة أمته إلى بيت المقدس ، فإن كان مراده أن ألفاظ القرآن لا تدل على ذلك ~~فقد أصاب ، لأن شيئا من ألفاظ القرآن لا دلالة فيه على ذلك البتة على ما ~~بيناه ، وإن أراد به إنكاره أصلا ، فبعيد ، لأن الأخبار في ذلك قريبة من ~~المتواتر ، ولأبي مسلم رحمه الله أن يمنع التواتر ، وعند ذلك يقول : لا يصح ~~التعويل في القطع بوقوع النسخ في شرعنا على خبر الواحد والله أعلم . # ! 7 < { كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 151 ) كما أرسلنا فيكم . . . . . # > > اعلم أنا قد بينا أن الله تعالى استدل على صحة دين محمد عليه الصلاة ~~والسلام بوجوه ، بعضها إلزامية ، وهو أن هذا الدين دين إبراهيم فوجب قبوله ~~، وهو المراد بقوله : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ( ~~البقرة : 130 ) وبعضها برهانية وقوله : { قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا ~~وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط } ( البقرة : 136 ) ~~ثم إنه سبحانه وتعالى عقب هذا الإستدلال بحكاية / شبهتين لهم . إحداهما : ~~قوله : { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ( البقرة : 135 ) . والثانية ~~: استدلالهم بإنكار النسخ على القدح في هذه الشريعة ، وهو قول : { سيقول ~~السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها } ( البقرة : 142 ) ~~وأطنب الله PageV04P128 تعالى في الجواب عن الشبهة وبالحق فعل ذلك ، لأن ~~أعظم الشبهة لليهود في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام النسخ ، فلا ~~جرم أطنب الله تعالى في الجواب عن هذه الشبهة ، وختم ذلك الجواب بقوله : { ~~ولاتم نعمتى عليكم } فصار هذا الكلام مع ما فيه من الجواب عن الشبهة تنبيها ~~على عظيم نعم الله تعالى ، ولا شك أن ذلك أشد استمالة لحصول العز والشرف في ~~الدنيا ، والتخلص في الذل والمهانة يكون مرغوبا فيه ، وعند اجتماع الأمرين ~~فقد بلغ النهاية في هذا الباب . # أما قوله : { كما أرسلنا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا الكاف إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده ، فإن ms1255 ~~قلنا : إنه متعلق بما قبله ففيه وجوه . الأول : أنه راجع إلى قوله : { ~~ولاتم نعمتى عليكم } ( البقرة : 150 ) أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا ~~بحصول الشرف ، وفي الآخرة بالفوز بالثواب ، كما أتممتها عليكم في الدنيا ~~بإرسال الرسول . الثاني : أن إبراهيم عليه السلام قال : { ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويزكيهم } ( البقرة : 129 ) وقال أيضا : { ~~ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا } ( البقرة : 128 ) فكأنه تعالى قال ~~: ولأتم نعمتي عليكم ببيان الشرائع ، وأهديكم إلى الدين إجابة لدعوة ~~إبراهيم ، كما أرسلنا فيكم رسولا إجابة لدعوته عن ابن جرير . الثالث : قول ~~أبي مسلم الأصفهاني ، وهو أن التقدير : وكذلك جعلناكم أمة وسطا كما أرسلنا ~~فيكم رسولا ، أي كما أرسلنا فيكم رسولا من شأنه وصفته كذا وكذا ، فكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا ، وأما إن قلنا : أنه متعلق بما بعده ، فالتقدير : كما ~~أرسلنا فيكم رسولا منكم يعلمكم الدين والشرع ، فاذكروني أذكركم وهو اختيار ~~الأصم وتقريره إنكم كنتم على صورة لا تتلون كتابا ، ولا تعلمون رسولا ، ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم رجل منكم ليس بصاحب كتاب ، ثم أتاكم بأعجب الآيات ~~يتلوه عليكم بلسانكم وفيه ما في كتب الأنبياء ، وفيه الخبر عن أحوالهم ، ~~وفيه التنبيه على دلائل التوحيد والمعاد وفيه التنبيه على الأخلاق الشريفة ~~، والنهي عن أخلاق السفهاء ، وفي ذلك أعظم البرهان على صدقه فقال : كما ~~أوليتكم هذه النعمة وجعلتها لكم دليلا ، فاذكروني بالشكر عليها ، أذكركم ~~برحمتي وثوابي ، والذي يؤكده قوله تعالى : { لقد من الله على المؤمنين إذ ~~بعث فيهم رسولا من أنفسهم } ( آل عمران : 164 ) فلما ذكرهم هذه النعمة ~~والمنة ، أمرهم في مقابلتها بالذكر والشكر فإن قيل : ( كما ) هل يجوز أن ~~يكون جوابا ؟ قلنا : جوزه الفراء وجعل لأذكروني جوابين . أحدهما : { كما } ~~. والثاني : { أذكركم } ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله ~~برحمته ، ولما سلف من نعمته ، قال القاضي : والوجه الأول أولى لأنه قبل ~~الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى . # المسألة الثانية : في وجه التشبيه قولان : إن قلنا لكاف متعلق بقوله ms1256 ~~ولأتم نعمتي كان المعنى / أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه ~~تعالى يفعل الأصلح ، وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى : { * اذكروني } دل ~~ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة . # المسألة الثالثة : { فى ما } في قوله : { كما أرسلنا } مصدرية كأنه قيل : ~~كإرسالنا فيكم ، ويحتمل أن تكون كافة . # أما قوله تعالى : { فيكم } فالمراد به العرب وكذلك قوله : { منكم } وفي ~~إرساله فيهم ومنهم ، نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه الشرف ، ولأن المشهور من ~~حال العرب الأنفة الشديدة من الإنقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ~~ليكونوا إلى القبول أقرب . PageV04P129 # أما قوله تعالى : { يتلو عليكم * ءاياتنا } فاعلم أنه من أعظم النعم لأنه ~~معجزة باقية ، ولأنه يتلى فيتأدى به العبادات ، ولأنه يتلى فيستفاد منه ~~جميع العلوم ، ولأنه يتلى فيستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة ، فكأنه يحصل ~~من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة . # أما قوله : { ويزكيكم } ففيه أقوال . أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام ~~يعلمهم ما إذا تمسكوا به صاروا أزكياء عن الحسن . وثانيها : يزكيهم بالثناء ~~والمدح ، أي يعلم ما أنتم عليه من محاسن الأخلاق فيصفكم به ، كما يقال : إن ~~المزكي زكي الشاهد ، أي وصفه بالزكاء . وثالثها : أن التزكية عبارة عن ~~التنمية ، كأنه قال يكثركم ، كما قال : { إذ كنتم قليلا فكثركم } ( الأعراف ~~: 86 ) وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا ، عن أبي مسلم ، قال ~~القاضي : وهذه الوجوه غير متنافية فلعله تعالى يفعل بالمطيع كل ذلك . # أما قوله تعالى : { ويعلمكم الكتاب } فليس بتكرار لأن تلاوة القرآن عليهم ~~غير تعليمه إياهم ، وأما ( الحكمة ) فهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل ~~القرآن على تفصيلها ، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه ( الحكمة ) هي سنة ~~الرسول عليه السلام . # أما قوله : { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } فهذا تنبيه على أنه تعالى ~~أرسله على حين فترة من الرسل وجهالة من الأمم ، فالخلق كانوا متحيرين ضالين ~~في أمر أديانهم فبعث الله تعالى محمدا بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في ~~دينهم وذلك من أعظم أنواع النعم . # ! 7 < { فاذكرونىأذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } > 7 ! # < < # | البقرة ms1257 : ( 152 ) فاذكروني أذكركم واشكروا . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى كلفنا في هذه الآية بأمرين : الذكر ، والشكر ، ~~أما الذكر فقد يكون باللسان ، وقد يكون بالقلب ، وقد يكون بالجوارح ، ~~فذكرهم إياه باللسان أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرؤا كتابه ، وذكرهم إياه ~~بقلوبهم على ثلاثة أنواع . أحدها : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته ~~وصفاته ، ويتفكروا في الجواب عن الشبهة القادحة في تلك الدلائل . وثانيها : ~~أن يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ~~ووعده ووعيده ، فإذا عرفوا / كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد ، ~~وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم . وثالثها : أن يتفكروا في أسرار ~~مخلوقات الله تعالى حتى تصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة ~~المحاذية لعالم القدس ، فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى ~~عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له ، أما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم ~~، فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها ، وخالية عن ~~الأعمال التي نهوا عنها ، وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكرا بقوله ~~: { فاسعوا إلى ذكر الله } فصار الأمر بقوله : { * اذكروني } متضمنا جميع ~~الطاعات ، فلهذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال : اذكروني بطاعتي فأجمله حتى ~~يدخل الكل فيه ، أما قوله : { فاذكرونى أذكركم } فلا بد من حمله على ما ~~يليق بالموضع ، والذي له تعلق بذلك الثواب والمدح ، وإظهار الرضا والإكرام ~~، وإيجاب PageV04P130 المنزلة ، وكل ذلك داخل تحت قوله : { أذكركم } ثم ~~للناس في هذه الآية عبارات . الأولى : اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي . ~~الثانية : اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله : { ادعونى أستجب لكم ~~} ( غافر : 60 ) وهو قول أبي مسلم قال : أمر الخلق بأن يذكروه راغبين ~~راهبين ، وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء ، فإذا هم ذكروه ~~بالإخلاص في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة في العاجلة ~~والآجلة . الثالثة : اذكروني بالثناء والطاعة أذكركم بالثناء والنعمة . ~~الرابعة : اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة . الخامسة : اذكروني في ~~الخلوات أذكركم في الفلوات . السادسة : اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء ~~. السابعة : اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي ms1258 . الثامنة : اذكروني بمجاهدتي ~~أذكركم بهدايتي . التاسعة : اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد ~~الاختصاص . العاشرة : اذكروني بالربوبية في الفاتحة أذكركم بالرحمة ~~والعبودية في الخاتمة . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر والصلواة إن الله مع ~~الصابرين } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 153 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما أوجب بقوله : { فاذكرونى } جميع العبادات ، وبقوله : ~~{ واشكروا لي } ما يتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما فقال : { ~~استعينوا بالصبر والصلواة } وإنما خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على ~~العبادات ، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى ~~وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع ، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا ~~التذليل سهل عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات ، وتجنب المحظورات ومن ~~الناس من حمل الصبر على الصوم ، ومنهم من حمله على الجهاد لأنه تعالى ذكر ~~بعده : { ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله } ( البقرة : 154 ) وأيضا فلأنه ~~تعالى أمر بالتثبت في الجهاد فقال : { إذا لقيتم فئة فاثبتوا } ( الأنفال : ~~45 ) وبالتثبت في الصلاة أي في الدعاء فقال : { وما كان قولهم إلا أن قالوا ~~ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين } ( آل عمران : 147 ) . / إلا أن القول الذي اخترناه أولى لعموم ~~اللفظ وعدم تقييده ، والاستعانة بالصلاة لأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع ~~والتذلل للمعبود والإخلاص له ، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي ~~فيها من قراءة فيتدبر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ومن سلك هذه الطريقة ~~في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات ولذلك قال : ~~{ اتل ما أوحى إليك من الكتاب } ( العنكبوت : 45 ) ولذلك نرى أهل الخير عند ~~النوائب متفقين على الفزع إلى الصلاة ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة . # ثم قال : { إن الله مع الصابرين } يعني في النصر لهم كما قال : { ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } ( البقرة : 137 ) فكأنه تعالى ضمن لهم ~~إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقا وتسديدا ~~وألطافا كما قال ms1259 : { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } ( مريم : 76 ) . # PageV04P131 ! 7 < { ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ~~ولكن لا تشعرون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 154 ) ولا تقولوا لمن . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية نظيرة قوله في آل عمران : { بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون } ووجه تعلق الآية بما قبلها كأنه قيل : استعينوا بالصبر والصلاة في ~~إقامة ديني ، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأبدانكم ~~ففعلتم ذلك فتلفت نفوسكم فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم بل اعلموا أن قتلاكم ~~أحياء عندي وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت الآية في قتلى بدر ~~وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا ، ستة من المهاجرين وثمانية من ~~الأنصار ، فمن المهاجرين : عبيدة بن الحرث ابن عبد المطلب ، وعمر بن أبي ~~وقاص ، وذو الشمالين ، وعمرو بن نفيلة ، وعامر بن بكر ، ومهجع بن عبد الله ~~. ومن الأنصار : سعيد بن خيثمة ، وقيس بن عبد المنذر ، وزيد بن الحرث ، ~~وتميم بن الهمام ، ورافع بن المعلى ، وحارثة بن سراقة ، ومعوذ بن عفراء ، ~~وعوف بن عفراء ، وكانوا يقولون : مات فلان ومات فلان فنهى الله تعالى أن ~~يقال فيهم أنهم ماتوا . وعن آخرين أن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس ~~يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذه الآية . # المسألة الثانية : { أموات } رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : لا ~~تقولوا هم أموات . # المسألة الثالثة : في الآية أقوال : # القول الأول : أنهم في الوقت أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال الثواب ~~إليهم وهذا قول أكثر المفسرين وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم ~~وهم في القبور ، فإن قيل : نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور ، فكيف يصح ما ~~ذهبتم إليه ؟ قلنا : أما عندنا فالبنية ليست شرطا في الحياة ولا امتناع في ~~أن يعيد الله الحياة إلى كل واحد من تلك الذرات والأجزاء الصغيرة من غير ~~حاجة / إلى التركيب والتأليف ، وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله ~~الحياة إلى الأجزاء التي لا بد منها في ماهية الحي ولا يعتبر بالأطراف ms1260 ، ~~ويحتمل أيضا أن يحييهم إذا لم يشاهدوا . # القول الثاني : قال الأصم : يعني لا تسموهم بالموتى وقولوا لهم الشهداء ~~الأحياء ويحتمل أن المشركين قالوا : هم أموات في الدين كما قال الله تعالى ~~: { أو من كان ميتا فأحييناه } ( الأنعام : 122 ) فقال : ولا تقولوا ~~للشهداء ما قاله المشركون ، ولكن قولوا : هم أحياء في الدين ولكن لا يشعرون ~~، يعني المشركون لا يعلمون أن من قتل على دين محمد عليه الصلاة والسلام حي ~~في الدين ، وعلى هدى من ربه ونور كما روي في بعض الحكايات أن رجلا قال لرجل ~~: ما مات رجل خلف مثلك ، وحكى عن بقراط أنه كان يقول لتلامذته : موتوا ~~بالإرادة تحيوا بالطبيعة أي بالروح . # القول الثالث : أن المشركين كانوا يقولون : إن أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم يقتلون أنفسهم ويخسرون حياتهم فيخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون ~~أعمارهم إلى غير شيء ، وهؤلاء الذين قالوا ذلك ، يحتمل أنهم كانوا ~~PageV04P132 دهرية ينكرون المعاد ، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا ~~أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فلذلك قالوا هذا ~~الكلام ، فقال الله تعالى : ولا تقولوا كما قال المشركون إنهم أموات لا ~~ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدنيا ، ولكن اعلموا أنهم ~~أحياء ، أي سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة وتفسير قوله : { أحياء } بأنهم ~~سيحيون غير بعيد ، قال الله تعالى : { إن الابرار لفى نعيم * وإن الفجار ~~لفى جحيم } ( الإنفطار : 13 ، 14 ) وقال : { أحاط بهم سرادقها } ( الكهف : ~~29 ) وقال : { إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) ~~وقال : { فالذين ءامنوا وعملوا الصالحات فى جنات النعيم } ( الحج : 56 ) ~~على معنى أنهم سيصيرون كذلك وهذا القول اختيار الكعبي وأبي مسلم الأصفهاني ~~واعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول ، والذي يدل عليه وجوه . ~~أحدها : الآيات الدالة على عذاب القبر ، كقوله تعالى : { قالوا ربنا أمتنا ~~اثنتين وأحييتنا اثنتين } ( غافر : 11 ) والموتتان لا تحصل إلا عند حصول ~~الحياة في القبر ، وقال الله تعالى : { أغرقوا فأدخلوا نارا } ( نوح : 25 ) ~~والفاء للتعقيب ، وقال : { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم ms1261 تقوم الساعة ~~أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب } ( غافر : 46 ) وإذا ثبت عذاب القبر وجب ~~القول بثواب القبر أيضا لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق ~~للعبد على الله تعالى ، فاسقاط العقاب أحسن من إسقاط الثواب فحيثما أسقط ~~العقاب إلى يوم القيامة بل حققه في القبر ، كان ذلك في الثواب أولى . ~~وثانيها : أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن ~~لقوله : { ولكن لا تشعرون } معنى لأن الخطاب للمؤمنين وقد كانوا لا يعلمون ~~أنهم سيحيون يوم القيامة ، وأنهم ماتوا على هدى ونور ، فعلم أن الأمر على ~~ما قلنا من أن الله تعالى أحياهم في قبورهم . وثالثها : أن قوله : { ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم } ( آل عمران : 170 ) دليل على حصول الحياة ~~في البرزخ قبل البعث . ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( القبر روضة ~~من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ) والأخبار في ثواب القبر وعذابه ~~كالمتواترة ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في آخر / صلاته : ( وأعوذ بك ~~من عذاب القبر ) . وخامسها : أنه لو كان المراد من قوله : أنهم أحياء أنهم ~~سيحيون ، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة ، أجاب عنه أبو مسلم بأنه ~~تعالى إنما خصهم بالذكر لأن درجتهم في الجنة أرفع ومنزلتهم أعلى وأشرف ~~لقوله تعالى : { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } ( النساء : 69 ) فأرادهم بالذكر ~~تعظيما . # واعلم أن هذا الجواب ضعيف وذلك لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن ~~الله تعالى ما خصهم بالذكر . وسادسها : أن الناس يزورون قبور الشهداء ~~ويعظمونها وذلك يدل من بعض الوجوه على ما ذكرناه ، واحتج أبو مسلم على ~~ترجيح قوله بأنه تعالى ذكر هذه الآية في آل عمران فقال : { بل أحياء عند ~~ربهم } ( آل عمران : 169 ) وهذه العندية ليست بالمكان ، بل بالكون في الجنة ~~، ومعلوم أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد القيامة . PageV04P133 ~~والجواب : لا نسلم أن هذه العندية ليست إلا بالكون في الجنة بل بإعلاء ~~الدرجات وإيصال البشارات إليه وهو ms1262 في القبر أو في موضع آخر ، واعلم أن في ~~الآية قولا آخر وهو : أن ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب ، وهذا القول ~~بناء على معرفة الروح ، ولنشر إلى خلاصة حاصل قول هؤلاء فنقول : إنهم قالوا ~~إن الإنسان لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل المحسوس ، أما إنه لا يجوز ~~أن يكون عبارة عن هذا الهيكل فلوجهين : # الوجه الأول : أن أجزاء هذا الهيكل أبدا في النمو والذبول والزيادة ~~والنقصان والاستكمال والذوبان ولا شك أن الإنسان من حيث هو أمر باق من أول ~~عمره ، والباقي غير ما هو غير باق ، والمشار إليه عند كل أحد بقوله : { أنا ~~} وجب أن يكون مغايرا لهذا الهيكل . # الوجه الثاني : أني أكون عالما بأني أنا حال ما أكون غافلا عن جميع ~~أجزائي وأبعاضي ، والمعلوم غير ما هو غير معلوم ، فالذي أشير إليه بقولي ( ~~أنا ) مغاير لهذه الأعضاء والأبعاض ، وأما أن الإنسان غير محسوس فلأن ~~المحسوس إنما هو السطح واللون ، ولا شك أن الإنسان ليس هو مجرد اللون ~~والسطح ، ثم اختلفوا عند ذلك في أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله ( أنا ) أي ~~شيء هو ؟ والأقوال فيه كثيرة إلا أن أشدها تلخيصا وتحصيلا وجهان . أحدهما : ~~أن أجزاء جسمانية سارية في هذا الهيكل سريان النار في الفحم والدهن في ~~السمسم وماء الورد في الورود والقائلون بهذا القول فريقان . أحدهما : الذين ~~اعتقدوا تماثل الأجسام فقالوا : إن تلك الأجسام مماثلة لسائر الأجزاء التي ~~منها يتألف هذا الهيكل إلا أن القادر المختار سبحانه يبقي بعض الأجزاء من ~~أول العمر إلى آخره فتلك الأجزاء هي التي يشير إليها كل أحد بقوله ( أنا ) ~~ثم أن تلك الأجزاء حية بحياة يخلقها الله تعالى فيها فإذا زالت الحياة ماتت ~~وهذا قول أكثر المتكلفين . وثانيهما : الذين اعتقدوا اختلاف الأجسام وزعموا ~~أن الأجسام التي هي باقية من أول العمر إلى آخر العمر أجسام مخالفة ~~بالماهية والحقيقة للأجسام التي يتألف منها هذا الهيكل وتلك الأجسام حية ~~لذاتها مدركة لذاتها ، فإذا خالطت هذا البدن وصارت سارية في هذا الهيكل ms1263 ، ~~سريان النار في الفحم صار هذا الهيكل مستطيرا بنور ذلك الروح / متحركا ~~بتحركه ، ثم إن هذا الهيكل أبدا في الذوبان والتحلل والتبدل ، إلا أن تلك ~~الأجزاء باقية بحالها ، وإنما لا يعرض لها التحلل لأنها مخالفة بالماهية ~~لهذه الأجسام البالية ، فإذا فسد هذا القالب انفصلت تلك الأجسام اللطيفة ~~النورانية إلى عالم السموات والقدس والطهار إن كانت من جملة السعداء ، وإلى ~~الجحيم وعالم الآفات إن كانت من جملة الأشقياء . # والقول الثاني : أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله : ( أنا موجود ) ليس ~~بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ، وأنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا يلزم ~~من كونه كذلك أن يكون مثل الله تعالى لأن الاشتراك في السلوك لا يقتضي ~~الاشتراك في الماهية ، واحتجوا على ذلك بأن في المعلومات ما هو فرد حقا ~~فوجب أن يكون العلم به فردا حقا ، فوجب أن يكون الموصوف بذلك العلم فردا ~~حقا ، وكل جسم وكل حال في الجسم فليس بفرد حقا ، فذلك الذي يصدق عليه منا ~~أنه يعلم هذه المفردات ، وجب أن لا يكون جسما ولا جسمانيا أما أن في ~~المعلومات ما هو فرد حقا فلأنه لا شك في وجود شيء ، فهذا الموجود إن كان ~~فردا حقا فهو المطلوب ، وإن كان مركبا فالمركب مركب على الفرد ، فلا بد من ~~الفرد على كل الأحوال ، وأما أنه إذا كان في المعلومات ما هو فرد كان في ~~المعلوم ما هو فرد لأن العلم المتعلق بذلك الفرد إن كان منقسما فكل واحد من ~~أجزائه أو بعض PageV04P134 أجزائه إما أن يكون علما بذلك المعلوم وهو محال ~~، لأنه يلزم أن يكون الجزء مساويا للكل وهو محال ، وإما أن لا يكون شيء من ~~أجزائه علما بذلك المعلوم ، فعند اجتماع تلك الأجزاء إما أن يحدث زائد هو ~~العلم بذلك المعلوم الفرد ، فحينئذ يكون العلم بذلك المعلوم هو هذه الكيفية ~~الحادثة لا تلك الأشياء التي فرضناها قبل ذلك ثم هذه الكيفية إن كانت ~~منقسمة عاد الحديث فيه وإن لم تكن منقسمة فهو المطلوب ، وأما إنه إذا كان ms1264 ~~في المعلوم علم لا يقبل القسمة كان الموصوف به أيضا كذلك ، فلأن الموصوف به ~~لو كان قبل القسمة ، لكان كل واحد من تلك الأجزاء أو شيء منها إن كان ~~موصوفا به بتمامه فحينئذ يكون العرض الواحد حالا في أشياء كثيرة وهو محال ، ~~أو يتوزع أجزاء الحال على أجزاء المحل ، فيقسم الحال وقد فرضنا أنه غير ~~منقسم أو لا يتصف شيء من أجزاء المحل إلا بتمام الحال ولا شيء من أجزاء ذلك ~~الحال / فحينئذ يكون ذلك المحل خاليا عن ذلك الحال وقد فرضناه موصوفا به ~~هذا خلف ، وأما أن كل متحيز ينقسم فبالدلائل المذكورة في نفي الجوهر الفرد ~~، قالوا : فثبت أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله : ( أنا موجود ) ليس بمتحيز ~~ولا قائم بالمتحيز ثم نقول : هذا الموجود لا بد أن يكون مدركا للجزئيات ~~لأنه لا يمكنني أن أحكم على هذا الشخص المشار إليه بأنه إنسان وليس بفرس ، ~~والحاكم بشيء على شيء لا بد وأن يحضر المقضي عليهما فهذا الشيء مدرك لهذا ~~الجزئي وللإنسان الكلي حتى يمكنه أن يحكم بهذا الكلي على هذا الجزئي ~~والمدرك للكليات هو النفس والمدرك للجزئيات أيضا هو النفس ، فكل من كان ~~مدركا للجزئيات فإنه لا يمتنع أن يلتذ ويتألم ، قالوا : إذا ثبت هذا فنقول ~~: هذه الأرواح بعد المفارقة تتألم وتلتذ إلى أن يردها الله تعالى إلى ~~الأبدان / يوم القيامة ، فهناك يحصل الإلتذاذ والتألم للأبدان ، فهذا قول ~~قال به عالم من الناس قالوا : وهب أنه لم يقم برهان قاهر على القول به ولكن ~~لم يقم دليل على فساده ، فإنه مما يؤيد الشرع وينصر ظاهر القرآن ويزيل ~~الشكوك والشبهات عما ورد في كتاب الله من ثواب القبر وعذابه فوجب المصير ~~إليه فهذا هو الإشارة المختصرة في توجيه هذا القول ، والله هو العالم ~~بحقائق الأمور . # قالوا : ومما يؤكد هذا القول هو أن ثواب القبر وعذابه إما أن يصل إلى هذه ~~البنية أو إلى جزء من أجزائها ، والأول مكابرة لأنا نجد هذه البنية متفرقة ~~متمزقة فكيف يمكن القول بوصول الثواب ms1265 والعقاب إليها ؟ فلم يبق إلا أن يقال ~~: إن الله تعالى يحيي بعض تلك الأجزاء الصغيرة ويوصل الثواب والعقاب إليها ~~، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال : الإنسان هو الروح فإنه لا يعرض له ~~التفرق والتمزق فلا جرم يصل إليه الألم واللذة ثم إنه سبحانه وتعالى يرد ~~الروح إلى البدن يوم القيامة الكبرى ، حتى تنضم الأحوال الجسمانية إلى ~~الأحوال الروحانية . # ! 7 < { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الا موال والا نفس ~~والثمرات وبشر الصابرين } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 155 ) ولنبلونكم بشيء من . . . . . # > > PageV04P135 @136@ # اعلم أن القفال رحمه الله قال : هذا متعلق بقوله : { واستعينوا بالصبر ~~والصلواة } ( البقرة : 45 ) أي استعينوا بالصبر والصلاة فإنا نبلوكم بالخوف ~~وبكذا وفيه مسائل : # المسألة الأولى : فإن قيل إنه تعالى قال : { واشكروا لي ولا تكفرون } ( ~~البقرة : 152 ) والشكر يوجب المزيد على ما قال : { لئن شكرتم لازيدنكم } ~~فكيف أردفه بقوله : { ولنبلونكم بشيء من الخوف } . والجواب من وجهين : ~~الأول : أنه تعالى أخبر أن إكمال الشرائع إتمام النعمة ، فكان ذلك موجبا ~~للشكر ، ثم أخبر أن القيام بتلك الشرائع لا يمكن إلا بتحمل المحن ، فلا جرم ~~أمر فيها بالصبر . الثاني : أنه تعالى أنعم أولا فأمر بالشكر ، ثم ابتلى ~~وأمر بالصبر ، لينال الرجل درجة الشاكرين والصابرين معا ، فيكمل إيمانه على ~~ما قال عليه الصلاة والسلام : ( الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر ) . # المسألة الثانية ؛ روي عن عطاء والربيع بن أنس أن المراد بهذه المخاطبة ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة . # المسألة الثالثة : أما أن الإبتلاء كيف يصح على الله تبارك وتعالى فقد ~~تقدم في تفسير قوله تعالى : { وإذا * ابتلى إبراهيم ربه } ( البقرة : 124 ) ~~وأما الحكمة في تقديم تعريف هذا الإبتلاء ففيها وجوه . أحدها : ليوطنوا ~~أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت ، فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع ، وأسهل ~~عليهم / بعد الورود . وثانيها : أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن ، ~~اشتد خوفهم ، فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء ، فيستحقون به مزيد الثواب . ~~وثالثها : أن الكفار إذا شاهدوا محمدا وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين ~~عليه مع ms1266 ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع ، يعلمون أن القوم ~~إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته ، فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل في ~~دلائله ، ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن ~~بسبب المذهب الذي ينصره ، ثم رأوه مع ذلك مصرا على ذلك المذهب كان ذلك أدعى ~~لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب . ~~ورابعها : أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه ، فوجد مخبر ذلك ~~الخبر على ما أخبر عنه فكان ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا . وخامسها : أن ~~من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعا منه في المال وسعة الرزق فإذا ~~اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق لأن ~~المنافق إذا سمع ذلك نفر منه وترك دينه فكان في هذا الإختبار هذه الفائدة . ~~وسادسها : أن إخلاص الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر من ~~إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه ، فكانت الحكمة في هذا الإبتلاء ذلك . # المسألة الرابعة : إنما قال بشيء على الوحدان ، ولم يقل بأشياء على الجمع ~~لوجهين . الأول : لئلا يوهم بأشياء من كل واحد ، فيدل على ضروب الخوف ~~والتقدير بشيء من كذا وشيء من كذا . الثاني : معناه بشيء قليل من هذه ~~الأشياء . # المسألة الخامسة : اعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب ، فينقسم إلى ~~موجود في الحال وإلى ما كان موجودا في الماضي وإلى ما سيوجد في المستقبل ، ~~فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمى ذكرا وتذكرا وإن كان موجودا في الحال : ~~يسمى ذوقا ووجدا وإنما سمي وجدا لأنها حالة تجدها من نفسك وإن كان قد خطر ~~ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك ، سمى انتظارا وتوقعا / فإن ~~كان المنتظر مكروها PageV04P136 حصل منه ألم في القلب يسمى خوفا وإشفاقا ، ~~وإن كان محبوبا سمى ذلك ارتياحا ، والإرتياح رجاء ، فالخوف هو تألم القلب ~~لإنتظار ما هو مكروه عنده ، والرجاء هو ارتياح القلب لإنتظار ما هو محبوب ~~عنده ، وأما الجوع فالمراد ms1267 منه القحط وتعذر تحصيل القوت : قال القفال رحمه ~~الله : أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدين ، ~~فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم ، وقد كان من الخوف في وقعة ~~الأحزاب ما كان ، قال الله تعالى : { هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا ~~شديدا } ( الأحزاب : 11 ) وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة لقلة أموالهم ، حتى أنه عليه السلام كان يشد ~~الحجر على بطنه ، وروى أبو الهيثم بن التيهان أنه عليه السلام لما خرج ~~التقى مع أبي بكر قال : ما أخرجك ؟ قال : الجوع . قال : أخرجني ما أخرجك : ~~وأما النقص في الأموال والأنفس فقد يحصل ذلك عند محاربة العدو بأن ينفق ~~الإنسان ماله في الاستعداد للجهاد وقد يقتل ، فهناك يحصل / النقص في المال ~~والنفس وقال الله تعالى : { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم } ( التوبة : 41 ) ~~وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد قال الله تعالى : { ذالك ~~بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة فى سبيل الله } ( التوبة : 120 ) ~~وقد يكون النقص في النفس بموت بعض الإخوان والأقارب على ما هو التأويل في ~~قوله : دولا تقتلوا أنفسكم } وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجدب وقد يكون ~~بترك عمارة الضياع للإشتغال بجهاد الأعداء ، وقد يكون ذلك بالإنفاق على من ~~كان يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفود ، هذا آخر كلام القفال ~~رحمه الله ، قال الشافعي رضي الله عنه : الخوف : خوف الله ، والجوع : صيام ~~شهر رمضان ، والنقص من الأموال : الزكوات والصدقات ، ومن الأنفس : الأمراض ~~، ومن الثمرات : موت الأولاد ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء بين جملة ~~الصابرين على هذه الأمور بقوله تعالى : { * } وأما نقص الثمرات فقد يكون ~~بالجدب وقد يكون بترك عمارة الضياع للإشتغال بجهاد الأعداء ، وقد يكون ذلك ~~بالإنفاق على من كان يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفود ، هذا ~~آخر كلام القفال رحمه الله ، قال الشافعي رضي الله عنه : الخوف : خوف الله ~~، والجوع : صيام شهر رمضان ، والنقص من ms1268 الأموال : الزكوات والصدقات ، ومن ~~الأنفس : الأمراض ، ومن الثمرات : موت الأولاد ثم إنه تعالى لما ذكر هذه ~~الأشياء بين جملة الصابرين على هذه الأمور بقوله تعالى : { وبشر الصابرين } ~~( البقرة : 155 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الصبر واجب على هذه الأمور إذا كان من قبله ~~تعالى لأنه يعلم أن كل ذلك عدل وحكمة ، فأما من لم يكن محققا في الإيمان ~~كان كمن قال فيه : { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن ~~به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر } . فأما ما يكون من جانب الظلمة ~~فلا يجب الصبر عليه مثاله : أن المراهق يلزمه أن يصبر على ما يفعله به أبوه ~~من التأديب ، ولو فعله به غيره ، لكان له أن يمانع بل يحارب ، وكذا في ~~العبد مع مولاه فما يدبر تعالى عباده عليه ليس ذلك إلا حكمة وصوابا بخلاف ~~ما يفعل العباد من الظلم . # المسألة الثانية : الخطاب في { وبشر } لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~لكل من يتأتى منه البشارة . # المسألة الثالثة : قال الشيخ الغزالي رحمه الله : اعلم أن الصبر من خواص ~~الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة / أما في البهائم فلنقصانها ، ~~وأما في الملائكة فلكمالها ، بيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات ، وليس ~~لشهواتها عقل يعارضها ، حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة ~~صبرا ، وأما الملائكة فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية والإبتهاج بدرجة ~~القرب منها ولم يسلط عليهم شهوة صارفة عنها ، حتى تحتاج إلى مصادمة ما ~~يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر ، وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ~~ناقصا مثل البهيمة ، ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ، ثم ~~يظهر فيه شهوة اللعب ، ثم شهوة النكاح ، وليس له قوة الصبر ألبتة ، إذ ~~الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر ، قام PageV04P137 القتال ~~بينهما لتضاد مطالبهما أما البالغ فإن فيه شهوة تدعوه إلى طلب اللذات ~~العاجلة ، والإعراض عن الدار الآخرة ، وعقلا يدعوه إلى الإعراض عنها ، وطلب ~~اللذات الروحانية الباقية ms1269 ، فإذا عرف العقل أن الاشتغال بطلب هذه اللذات ~~العاجلة ، عن الوصول إلى تلك اللذات الباقية ، صارت داعية العقل صادة ~~ومانعة لداعية الشهوة من العمل ، فيسمى ذلك الصد والمنع صبرا ، ثم اعلم أن ~~الصبر ضربان . أحدهما : بدني ، كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليه ، وهو إما ~~بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة أو بالاحتمال / كالصبر على الضرب الشديد ~~والألم العظيم . والثاني : هو الصبر النفساني وهو منع النفس عن مقتضيات ~~الشهوة ومشتهيات الطبع ، ثم هذا الضرب إن كان صبرا عن شهوة البطن والفرج ~~سمي عفة ، وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف ~~المكروه الذي عليه الصبر ، فإن كان في مصيبة اقتصر عليه باسم الصبر ويضاده ~~حالة تسمى الجزع والهلع ، وهو إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق ~~الجيب وغيرها وإن كان في حال الغنى يسمى ضبط النفس ويضاده حالة تسمى : ~~البطر . وإن كان في حرب ومقاتلة يسمى : شجاعة ، ويضاده الجبن ، وإن كان في ~~كظم الغيظ والغضب يسمى : حلما ، ويضاده النزق ، وإن كان في نائبة من نوائب ~~الزمان مضجرة سمي : سعة الصدر ، ويضاده الضجر والندم وضيق الصدر وإن كان في ~~إخفاء كلام يسمى : كتمان النفس ويسمى صاحبه : كتوما ، وإن كان عن فضول ~~العيش سمي زهدا ، ويضاده الحرص وإن كان على قدر يسير من المال سمي بالقناعة ~~ويضاده الشره وقد جمع الله تعالى أقسام ذلك وسمي الكل صبرا فقال : { ~~الصابرين * فى البأساء } أي المصيبة . { والضراء } أي الفقر : { وحين البأس ~~} أي المحاربة : { أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } ( البقرة : 177 ) ~~قال القفال رحمه الله ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا ~~يكره ذلك لأن ذلك غير ممكن ، إنما الصبر هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع ~~، فإذا كظم الحزن وكف النفس عن إبراز آثاره كان صاحبه صابرا ، وإن ظهر دمع ~~عين أو تغير لون ، قال عليه السلام : ( الصبر عند الصدمة الأولى ) وهو كذلك ~~، لأن من ظهر منه في الإبتداء ما لا يعد معه من الصابرين ثم صبر ، فذلك ~~يسمى سلوا ms1270 وهو مما لا بد منه قال الحسن : لو كلف الناس إدامة الجزع لم ~~يقدروا عليه والله أعلم . # المسألة الرابعة : في فضيلة الصبر قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف ~~وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال : ~~{ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } ( السجدة : 24 ) وقال : { ~~وتمت كلمت ربك الحسنى على بنى إسرءيل بما صبروا } ( الأعراف : 137 ) وقال : ~~{ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ( النحل : 96 ) وقال ~~: { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } ( القصص : 54 ) وقال : { إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ( الزمر : 10 ) فما من طاعة إلا وأجرها ~~مقدرا إلا الصبر ، ولأجل كون الصوم من الصبر قال تعالى : { يأذن لى } ~~فإضافة إلى نفسه ، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال : { واصبروا إن الله مع ~~الصابرين } ( الأنفال : 46 ) وعلق النصرة على الصبر فقال : { بلى إن تصبروا ~~وتتقوا ويأتوكم من فورهم هاذا يمددكم ربكم بخمسة ءالاف من الملئكة } ( آل ~~عمران : 125 ) وجمع للصابرين أمورا لم يجمعها لغيرهم فقال : { أولئك عليهم ~~صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } ( البقرة : 157 ) . وأما الأخبار ~~فقال عليه الصلاة والسلام : ( الصبر نصف الإيمان ) وتقريره أن الإيمان لا ~~يتم إلا بعد ترك ما لا ينبغي من الأقوال والأعمال والعقائد ، وبحصول ما ~~ينبغي ، فالاستمرار على ترك ما لا ينبغي هو الصبر وهو النصف PageV04P138 ~~الآخر ، فعلى مقتضى هذا الكلام يجب أن يكون الإيمان كله صبرا إلا أن ترك ما ~~لا ينبغي وفعل / ما ينبغي قد يكون مطابقا للشهوة ، فلا يحتاج فيه إلى الصبر ~~، وقد يكون مخالفا للشهوة فيحتاج فيه إلى الصبر ، فلا جرم جعل الصبر نصف ~~الإيمان ، وقال عليه السلام : ( من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن ~~أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار ) وقال عليه ~~السلام : ( الإيمان هو الصبر ) وهذا شبه قوله عليه السلام : ( الحج عرفة ) ~~. # المسألة الخامسة : في بيان أن الصبر أفضل أم الشكر ؟ قال الشيخ الغزالي ~~رحمه الله : دلالة الأخبار على فضيلة الصبر أشد قال ms1271 عليه السلام : ( من ~~أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ) وقال : ( يؤتى بأشكر أهل الأرض ~~فيجزيه الله جزاء الشاكرين ، ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له : أترضى أن ~~نجزيك كما جزينا هذا الشاكر ؟ فيقول : نعم يا رب فيقول الله تعالى : لقد ~~أنعمت عليك فشكرت ، وابتليتك فصبرت ، لأضعفن لك الأجر فيعطى أضعاف جزاء ~~الشاكرين ) وأما قوله عليه السلام : ( الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ~~) فهو دليل على فضل الصبر ، لأن هذا إنما يذكر في معرض المبالغة ، وهي لا ~~تحصل إلا إذا كان المشبه به أعظم درجة من المشبه كقوله عليه السلام : ( ~~شارب الخمر كعابد الوثن ) وأيضا روي أن سليمان عليه السلام يدخل الجنة بعد ~~الأنبياء بأربعين خريفا لمكان ملكه ، وآخر الصحابة دخولا الجنة عبد الرحمن ~~بن عوف لمكان غناه ، وفي الخير أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر ~~فإنه مصراع واحد وأول من يدخله أهل البلاء وأمامهم أيوب عليه السلام . # المسألة السادسة : دلت هذه الآية على أمور . أحدها : أن هذه المحن لا يجب ~~أن تكون عقوبات لأنه تعالى وعد بها المؤمنين من الرسول وأصحابه . وثانيها : ~~أن هذه المحن إذا قارنها الصبر أفادت درجة عالية في الدين . وثالثها : أن ~~كل هذه المحن من الله تعالى خلاف قول الثنوية الذين ينسبون الأمراض وغيرها ~~إلى شيء آخر ، وخلاف قول المنجمين الذين ينسبونها إلى سعادة الكواكب ~~ونحوستها . ورابعها : أنها تدل على أن الغذاء لا يفيد الشبع ، وشرب الماء ~~لا يفيد الري ، بل كل ذلك يحصل بما أجرى الله العادة به عند هذه الأسباب ، ~~لأن قوله : { ولنبلونكم } صريح في إضافة هذه الأمور إلى الله تعالى وقول من ~~قال : إنه تعالى لما خلق أسبابها صح منه هذاالقول ضعيف لأنه مجاز والعدول ~~إلى المجاز لا يمكن إلا بعد تعذر الحقيقة . # ! 7 < { الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنآ إليه راجعون * ~~أولائك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولائك هم المهتدون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 156 - 157 ) الذين إذا أصابتهم . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما قال : { وبشر الصابرين } ( البقرة : 155 ) بين في هذه ~~الآية أن ms1272 الإنسان كيف يكون صابرا ، وأن تلك البشارة كيف هي ؟ ثم في الآية ~~مسائل : PageV04P139 # المسألة الأولى : اعلم أن هذه المصائب قد تكون من فعل الله تعالى وقد ~~تكون من فعل العبد ، أما الخوف الذي يكون من الله فمثل الخوف من الغرق ~~والحرق والصاعقة وغيرها ، والذي من فعل العبد ، فهو أن العرب كانوا مجتمعين ~~على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما الجوع فلأجل الفقر ، وقد يكون ~~الفقر من الله بأن يتلف أموالهم ، وقد يكون من العبد بأن يغلبوا عليه ~~فيتلفوه ، ونقص الأموال من الله تعالى إنما يكون بالجوائح التي تصيب ~~الأموال والثمرات ، ومن العدو إنما يكون لأن القوم لاشتغالهم لايتفرغون ~~لعمارة الأراضي ، ونقص الأنفس من الله بالإماتة ومن العباد بالقتل . # المسألة الثانية : قال القاضي : إنه تعالى لم يضف هذه المصيبة إلى نفسه ~~بل عمم وقال : { الذين إذا أصابتهم مصيبة } فالظاهر أنه يدخل تحتها كل مضرة ~~ينالها من قبل الله تعالى ، وينالها من قبل العباد ، لأن في الوجهين جميعا ~~عليه تكليفا ، وإن عدل عنه إلى خلافه كان تاركا للتمسك بأدائه فالذي يناله ~~من قبله تعالى يجب أن يعتقد فيه أنه حكمة وصواب وعدل وخير وصلاح وأن الواجب ~~عليه الرضا به وترك الجزع وكل ذلك داخل تحت قوله : { إنا لله } لأن في ~~إقرارهم بالعبودية تفويض الأمور إليه والرضا بقضائه فيما يبتليهم به ، لأنه ~~لا يقضي إلا بالحق كما قال تعالى : { والله يقضى بالحق والذين يدعون من ~~دونه لا يقضون بشىء } ( غافر : 20 ) أما إذا نزلت به المصيبة من غيره ~~فتكليفه أن يرجع إلى الله تعالى في الانتصاف منه وأن يكظم غيظه وغضبه فلا ~~يتعدى إلى ما لا يحل له من شفعاء غيظه ، ويدخل أيضا تحت قوله : { إنا لله } ~~لأنه الذي ألزمه سلوك هذه الطريقة حتى لا يجاوز أمره كأنه يقول في الأول ، ~~إنا الله يدبر فينا كيف يشاء ، وفي الثاني يقول : إنا لله ينتصف لنا كيف ~~يشاء . # المسألة الثالثة : أمال الكسائي في بعض الروايات من { أنا } ولام { لله } ~~والباقون بالتفخيم وإنما جازت الإمالة ms1273 في هذه الألف للكسرة مع كثرة ~~الاستعمال ، حتى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة ، قال الفراء والكسائي : لا ~~يجوز إمالة { أنا } مع غير اسم الله تعالى ، وإنما وجب ذلك لأن الأصل في ~~الحروف وما جرى مجراها امتناع الإمالة وكذلك لا يجوز إمالة { حتى } و { لكن ~~} . # أما قوله : { إنا لله وإنا إليه راجعون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو بكر الوراق { إنا لله } إقرار منا له بالملك : ~~{ وإنا إليه راجعون } إقرار على أنفسنا بالهلاك ، واعلم أن الرجوع إليه ليس ~~عبارة عن الإنتقال إلى مكان أو جهة ، فإن ذلك على الله محال ، بل المراد ~~أنه يصير إلى حيث لا يملك الحكم فيه سواه ، وذلك هو الدار الآخرة ، لأن عند ~~ذلك لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا ، وما داموا في الدنيا قد يملك غير الله ~~نفعهم وضرهم بحسب الظاهر ، فجعل الله تعالى هذا رجوعا إليه تعالى ، كما ~~يقال : إن الملك والدولة يرجع إليه / لا بمعنى الانتقال بل بمعنى القدرة ~~وترك المنازعة . # المسألة الثانية : هذا يدل على أن ذلك إقرار بالبعث والنشور ، والاعتراف ~~بأنه سبحانه سيجازي الصابرين على قدر استحقاقهم / ولا يضيع عنده أجر ~~المحسنين . # المسألة الثالثة : قوله : { إنا لله } يدل على كونه راضيا بكل ما نزل به ~~في الحال من أنواع البلاء وقوله : { وإنا إليه راجعون } يدل على كونه في ~~الحال راضيا بكل ما سينزل به بعد ذلك ، من إثابته على ما كان PageV04P140 ~~منه ، ومن تفويض الأمر إليه على ما نزل به ، ومن الإنتصاف ممن ظلمه ، فيكون ~~مذللا نفسه ، راضيا بما وعده الله به من الأجر في الآخرة . # المسألة الرابعة : الأخبار في هذا الباب كثيرة . أحدها : عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ( من استرجع عند المصيبة : جبر الله مصيبته ، وأحسن عقباه ~~، وجعل له خلفا صالحا يرضاه ) . وثانيها : روي أنه طفيء سراج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) فقيل أمصيبة هي ؟ قال ~~: نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة . وثالثها : قالت أم سلمة : حدثني ~~أبو سلمة أنه عليه ms1274 الصلاة والسلام قال : ( ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع ~~إلى ما أمر الله به من قوله : { إنا لله وإنا إليه راجعون } اللهم عندك ~~احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وعوضني خيرا منها إلا آجره الله عليها وعوضه ~~خيرا منها ) قالت : فلما توفى أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت هذا القول : ~~فعوضني الله تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام . ورابعها : قال ابن عباس : ~~أخبر الله أن المؤمن إذا سلم لأمر الله تعالى ورجع واسترجع عند مصيبته كتب ~~الله تعالى له ثلاث خصال : الصلاة من الله ، والرحمة وتحقيق سبيل الهدى . ~~وخامسها : عن عمر رضي الله عنه قال : نعم العدلان وهما : { أولئك عليهم ~~صلوات من ربهم ورحمة } ونعمت العلاوة وهي قوله : { وأولئك هم المهتدون } ~~وقال ابن مسعود : لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أقول لشيء قضاه الله ~~تعالى : ليته لم يكن . # أما قوله : { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة } فاعلم أن الصلاة من الله ~~هي : الثناء والمدح والتعظيم ، وأما رحمته فهي : النعم التي أنزلها به ~~عاجلا ثم آجلا . # وأما قوله : { وأولئك هم المهتدون } ففيه وجوه . أحدها : أنهم المهتدون ~~لهذه الطريقة الموصلة بصاحبها إلى كل خير . وثانيها : المهتدون إلى الجنة ، ~~الفائزون بالثواب . وثالثها : المهتدون لسائر ما لزمهم ، والأقرب فيه ما ~~يصير داخلا في الوعد حتى يكون عطفه على ما ذكره من الصلوات والرحمة صحيحا ، ~~ولا يكون كذلك إلا والمراد به أنهم الفائزون بالثواب والجنة ، والطريق ~~إليها لأن كل ذلك داخل في الاهتداء ، وإن كان لا يمتنع أن يراد بذلك أنهم ~~المتأدبون بآدابه المتمسكون بما ألزم وأمر ، قال أبو بكر الرازي : اشتملت ~~الآية على حكمين : فرض ونفل ، أما الفرض فهو التسليم لأمر الله تعالى ، ~~والرضا بقضائه ، والصبر على أداء فرائضه ، لا يصرف عنها مصائب الدنيا وأما ~~النفل فإظهارا لقوله : { إنا لله وإنا إليه راجعون } فإن في إظهاره فوائد ~~جزيلة منها أن غيره يقتدى / به إذا سمعه ، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده ~~واجتهاده في دين الله والثبات عليه وعلى طاعته ، وحكي عن داود الطائي قال : ~~الزهد في ms1275 الدنيا أن لا يحب البقاء فيها ، وأفضل الأعمال الرضا عن الله ولا ~~ينبغي للمسلم أن يحزن لأنه يعلم أن لكل مصيبه ثوابا . # ولنختم تفسير هذه الآية ببيان الرضا بالقضاء فنقول : العبد إنما يصبر ~~راضيا بقضاء الله تعالى بطريقن : إما بطريق التصرف ، أو بطريق الجذب ، أما ~~طريق التصرف فمن وجوه . أحدها : أنه متى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إلى ~~شيء جعل ذلك الشيء منشأ للآفات فحينئذ ينصرف وجه القلب عن عالم الحدوث إلى ~~جانب القدس فإن آدم عليه السلام لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى ~~زالت الجنة / فبقي آدم مع ذكر الله ، ولما استأنس يعقوب بيوسف عليهما ~~السلام أوقع الفراق بينهما حتى بقي يعقوب مع ذكر الحق ، ولما طمع محمد عليه ~~السلام من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس عليه حتى ~~PageV04P141 قال : ( ما أوذي نبي مثل ما أوذيت ) . وثانيها : أن لا يجعل ~~ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة ~~فحينئذ يرجع العبد إلى الله تعالى . وثالثها : أن العبد متى توقع من جانب ~~شيئا أعطاه الله تعالى بلا واسطة خيرا من متوقعه فيستحي العبد فيرجع إلى ~~باب رحمة الله . # وأما طريق الجذب فهو كما قال عليه السلام : ( جذبة من جذبات الحق توازي ~~عمل الثقلين ) . ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوبا لأن الحق غالب لا مغلوب ~~، وصفة الرب الربوبية ، وصفة العبد العبودية ، والربوبية غالبة على ~~العبودية لا بالضد ، وصفة الحق حقيقة ، وصفة العبد مجاز ، والحقيقة غالبة ~~على المجاز لا بالضد ، والغالب يقلب المغلوب من صفة إلى صفة تليق به ، ~~والعبد إذا دخل على السلطان المهيب نسي نفسه وصار بكل قلبه وفكره وحسه ~~مقبلا عليه ومشتغلا به وغافلا عن غيره ، فكيف بمن لحظ نصره حضرة السلطان ~~الذي كان من عداه حقير بالنسبة إليه ، فيصير العبد هنالك كالفاني عن نفسه ~~وعن حظوظ نفسه فيصير هنالك راضيا بأقضية الحق سبحانه وتعالى وأحكامه من غير ~~أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة . # ! 7 < { إن ms1276 الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 158 ) إن الصفا والمروة . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجوه . أحدها : أن ~~الله تعالى بين أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة ليتم إنعامه على محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأمته بإحياء شرائع إبراهيم / ودينه على ما قال : { ولاتم ~~نعمتى عليكم } وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذكر ~~في قصة بناء الكعبة وسعى هاجر بين الجبلين فلما كان الأمر كذلك ذكر الله ~~تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية . وثانيها : أنه تعالى لما قال : { ~~ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع } ( البقرة : 155 ) إلى قوله : { وبشر ~~الصابرين } قال : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } وإنما جعلهما كذلك ~~لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل مما جرى عليهما من البلوى واستدلوا بذلك على ~~أن من صبر على البلوى لا بد وأن يصل إلى أعظم الدرجات وأعلى المقامات . ~~وثالثها : أن أقسام تكليف الله تعالى ثلاثة . أحدها : ما يحكم العقل بحسنه ~~في أول الأمر فذكر هذا القسم أولا وهو قوله : { فاذكرونى أذكركم واشكروا لي ~~ولا تكفرون } ( البقرة : 152 ) فإن كان عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح ~~والثناء والمواظبة على شكره أمر مستحسن في العقول . وثانيها : ما يحكم ~~العقل بقبحه في أول الأمر إلا أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه ، وذلك مثل ~~إنزال الآلام والفقر والمحن فإن ذلك كالمستقبح في العقول لأن الله تعالى لا ~~ينتفع به ويتألم العبد منه فكان ذلك كالمستقبح إلا أن الشرع لما ورد به بين ~~الحكمة فيه ، وهي الإبتلاء والامتحان على ما قال : { ولنبلونكم بشيء من ~~الخوف والجوع } ( البقرة : 155 ) فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة ~~وصوابا . وثالثها : الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه ، بل ~~يراه كالعبث الخالي عن PageV04P142 المنفعة والمضرة وهو مثل أفعال الحج من ~~السعي بين الصفا والمروة ، فذكر الله تعالى ms1277 هذا القسم عقيب القسمين الأولين ~~ليكون قد نبه على جميع أقسام تكاليفه وذاكرا لكلها على سبيل الاستيفاء ~~والاستقصاء والله أعلم . # المسألة الثانية : اعلم أن الصفا والمروة علمان للجبلين المخصوصين إلا أن ~~الناس تكلموا في أصل اشتقاقهما قال القفال رحمه الله : قيل إن الصفا واحد ~~ويجمع على صفي وأصفاء كما يقال عصا وعصي ، ورحا وأرحاء قال الزاجر : # % كأن متنيه من النفي % % مواقع الطير من الصفي % # وقد يكون بمعنى جمع واحدته صفاة قال جرير : # % إنا إذا قرع العدو صفاتنا % % لاقوا لنا حجرا أصم صلودا % # وفي كتاب الخليل : الصفا الحجر الضخم الصلب الأملس ، وإذا نعتوا الصخرة ~~قالوا : صفاة صفواء ، وإذا ذكروا قالوا : صفا صفوان . فجعل الصفا والصفاة ~~كأنهما في معنى واحد وقال المبرد الصفا كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو ~~تراب متصل به ، واشتقاقه من صفا يصفوا إذا خلص وأما المروة فقال الخليل : ~~من الحجارة ما كان أبيض أملس صلبا شديد الصلابة ، وقاله غير : هو الحجارة ~~الصغيرة يجمع في القليل مروات وفي الكثير مرو قال أبو ذؤيب : # % حتى كأني للحوادث مروة % % بصفا المشاعر كل يوم يقرع % # وأما { شعائر الله } فهي أعلام طاعته / وكل شيء جعل علما من أعلام طاعة ~~الله فهو من شعائر / الله ، قال الله تعالى : { والبدن جعلناها لكم من ~~شعائر الله } ( الحج : 36 ) أي علامة للقربة ، وقال : { ذالك ومن يعظم ~~شعائر الله } ( الحج : 32 ) وشعائر الحج : معالم نسكه ومنه المشعر الحرام ، ~~ومنه إشعار السنام : وهو أن يعلم بالمدية فيكون ذلك علما على إحرام صاحبها ~~، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت الله ، ومنه الشعائر في الحرب ، وهو العلامة ~~التي يتبين بها إحدى الفئتين من الأخرى والشعائر جمع شعيرة ، وهو مأخوذ من ~~الإشعار الذي هو الإعلام ومنه قولك : شعرت بكذا ، أي علمت . # المسألة الثالثة : الشعائر إما أن نحملها على العبادات أو على النسك ، أو ~~نحملها على مواضع العبادات والنسك ، فإن قلنا بالأول حصل في الكلام حذف ، ~~لأن نفس الجبلين لا يصح وصفهما بأنهما دين ونسك ، فالمراد به أن الطواف ~~بينهما والسعي ms1278 من دين الله تعالى ، وإن قلنا بالثاني استقام ظاهر الكلام ، ~~لأن هذين الجبلين يمكن أن يكونا موضعين للعبادات والمناسك وكيف كان فالسعي ~~بين هذين الجبلين من شعائر الله ومن أعلام دينه ، وقد شرعه الله تعالى لأمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولإبراهيم عليه السلام قبل ذلك ، وهو من المناسك ~~الذي حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : { وأرنا مناسكنا } ( ~~البقرة : 128 ) واعلم أن السعي ليس عبادة تامة في نفسه بل إنما يصير عبادة ~~إذا صار بعضا من أبعاض الحج ، فلهذا السر بين الله تعالى الموضع الذي فيه ~~يصير السعي عبادة فقال : { فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما } . # المسألة الرابعة : الحكمة في شرع هذا السعي الحكاية المشهورة وهي أن هاجر ~~أم إسماعيل حين PageV04P143 ضاق بها الأمر في عطشها وعطش ابنها إسماعيل ~~عليه السلام أغاثها الله تعالى بالماء الذي أنبعه لها ولابنها من زمزم حتى ~~يعلم الخلق أنه سبحانه وإن كان لا يخلي أولياءه في دار الدنيا من أنواع ~~المحن إلا أن فرجه قريب فمن دعاه فإنه غياث المستغثيثن ، فانظر إلى حال ~~هاجر وإسماعيل كيف أغاثهما وأجاب دعاءهما ، ثم جعل أفعالهما طاعة لجميع ~~المكلفين إلى يوم القيامة ، وآثارهما قدوة للخلائق أجمعين ليعلم أن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين ، وكل ذلك تحقيق لما أخبر به قبل ذلك من أنه يبتلي عباده ~~بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات إلا أن من صبر على ~~ذلك نال السعادة في الدارين وفاز بالمقصد الأقصى في المنزلين . # المسألة الخامسة : ذكر القفال في لفظ الحج أقوالا . الأول : الحج في ~~اللغة كثرة الاختلاف إلى شيء والتردد إليه ، فمن زار البيت للحج فإنه يأتيه ~~أولا ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف ~~الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر . الثاني : قال قطرب : الحج الحلق يقال : ~~احجج شجتك ، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة ليدخل المحجاج في الشجة ، ~~فيكون المعنى : حج فلان أي حلق ، قال القفال ms1279 وهذا محتمل لقوله تعالى : { ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين محلقين * رءوسكم * ومقصرين } ( ~~الفتح : 27 ) أي حجاجا وعمارا ، فعبر عن ذلك بالحلق فلا يبعد أن يكون الحج ~~مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق . الثالث : قال قوم الحج القصد ، يقال : رجل ~~محجوج ، ومكان / محجوج إذا كان مقصودا ، ومن ذلك محجة الطريق ، فكان البيت ~~لما كان مقصودا بهذا النوع من العبادة سمي ذلك الفعل حجا ، قال القفال : ~~والقول الأول أشبه بالصواب لأن قولهم رجل محجوج إنما هو فيمن يختلف إليه ~~مرة بعد أخرى ، وكذلك محجة الطريق هو الذي كثر السير إليه . # وأما العمرة فقال أهل اللغة : الاعتمار هو القصد والزيارة ، قال الأعشى : # % وجاشت النفس لما جاء جمعهم % % وراكب جاء من تثليث معتمر % # وقال قطرب : العمرة في كلام عبد القيس : المسجد ، والبيعة ، والكنيسة ، ~~قال القفال : ولا شبهة في العمرة إذا أضيفت إلى البيت أن تكون بمعنى ~~الزيارة ، لأن المعتمر يطوف بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم ينصرف كالزائر ، ~~وأما الجناح فهو من قولهم : جنح إلى كذا أي مال إليه ، قال الله تعالى : { ~~وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } ( الأنفال : 61 ) وجنحت السفينة إذا لزمت ~~الماء فلم تمض ، وجنح الرجل في الشيء يعلمه بيده إذا مال إليه بصدره وقيل ~~للأضلاع : جوانح لاعوجاجها ، وجناح الطائر من هذا ، لأنه يميل في أحد شقيه ~~ولا يطير على مستوى خلقته فثبت أن أصله من الميل ، ثم من الناس من قال إنه ~~بقي في عرف القرآن كذلك أيضا فمعنى : لا جناح عليه أينما ذكر في القرآن : ~~لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء ، ومنهم من قال : بل هو مختص ~~بالميل إلى الباطل وإلى ما يأثم به . # وقوله : { أن يطوف بهما } أي يتطوف فأدغمت التاء في الطاء كما قال : { ~~رحيم يأيها المدثر } ( المدثر : 1 ) ، { عددا يأيها المزمل } ( المزمل : 1 ~~) أي المتدثر والمتزمل ، ويقال : طاف وأطاف بمعنى واحد . # المسألة السادسة : ظاهر قوله تعالى : { لا جناح عليهن } أنه لا إثم عليه ~~، والذي يصدق عليه أنه لا إثم PageV04P144 في فعله يدخل تحته الواجب ~~والمندوب والمباح ms1280 ، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد ، ~~فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب ، أو ليس ~~بواجب ، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة ~~على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر ، إذا عرفت هذا فنقول : مذهب الشافعي ~~رحمه الله أن هذا السعي ركن ، ولا يقوم الدم مقامه ، وعند أبي حنيفة رحمه ~~الله أنه ليس بركن ، ويقوم الدم مقامه ، وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء ، ~~أن من تركه فلا شيء عليه ، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه . أحدها : ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله كتب عليكم السعي ~~فاسعوا ) ، فإن قيل : هذا الحديث متروك الظاهر ، لأنه يقتضي وجوب السعي وهو ~~العدو ، ذلك غير واجب قلنا : لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو بدليل قوله : ~~{ فاسعوا إلى ذكر الله } ( الجمعة : 9 ) والعدو فيه غير واجب ، وقال الله ~~تعالى : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 39 ) وليس المراد منه ~~العدو ، بل الجد والاجتهاد في القصد والنية ، سلمنا أنه يدل على العدو ، ~~ولكن العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في حق هذه الصفة ، فيبقى أصل المشي ~~واجبا . وثانيها : ما ثبت أنه عليه السلام سعى لما دنا من الصفا في حجته ، ~~وقال : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدؤا بما بدأ الله به ) فبدأ ~~بالصفا فرقى عليه حتى رأى / البيت ، وإذا ثبت أنه عليه السلام سعى وجب أن ~~يجب علينا السعي للقرآن والخبر ، أما القرآن : فقوله تعالى : { واتبعوه } ~~وقوله : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى } ( آل عمران : 31 ) وقوله : { ~~لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } ( الأحزاب : 21 ) وأما الخبر فقوله ~~عليه السلام : ( خذوا عني مناسككم ) والأمر للوجوب . وثالثها : أنه أشواط ~~شرعت في بقعة من بقاع الحرم ، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركنا ~~كطواف الزيارة ، ولا يلزم طواف الصدر لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة ، واحتج ~~أبو حنيفة رضي ms1281 الله عنه بوجهين . أحدهما : هذه الآية وهي قوله : { لا جناح ~~عليهن * أن يطوف بهما } وهذا لا يقال في الواجبات . ثم إنه تعالى أكد ذلك ~~بقوله : { ومن تطوع خيرا } فبين أنه تطوع وليس بواجب . وثانيهما : قوله : ( ~~الحج عرفة ) ومن أدرك عرفة فقد تم حجه ، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه ~~، ترك العمل به في بعض الأشياء ، فيبقى معمولا به في السعي والجواب عن ~~الأول من وجوه . الأول : ما بينا أن قوله : { فلا جناح عليه } ليس فيه إلا ~~أنه لا إثم على فاعله ، وهذا القدر المشترك بين الواجب وغيره ، فلا يكون ~~فيه دلالة على نفي الوجوب والذي يحقق ذلك قوله تعالى : { فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلواة إن خفتم } ( النساء : 101 ) والقصر عند أبي حنيفة ~~واجب ، مع أنه قال فيه : { فلا جناح عليه } فكذا ههنا . الثاني : أنه رفع ~~الجناح عن الطواف بهما لا عن الطواف بينهما ، وعندنا الأول غير واجب ، ~~وإنما الثاني هو الواجب . الثالث : قال ابن عباس : كان على الصفا صنم وعلى ~~المروة صنم وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام ~~كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية ، إذا ~~عرفت هذا فنقول انصرفت الإباحة إلى وجود الصنمين حال الطواف لا إلى نفس ~~الطواف كما لو كان في الثوب نجاسة يسيرة عندكم ، أو دم البراغيث عندنا ، ~~فقيل : لا جناح عليك أن تصلي فيه ، فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة ~~لا إلى نفس الصلاة . الرابع : روي عن عروة أنه قال لعائشة : إني أرى أن لا ~~حرج علي في أن لا أطوف بهما ، فقالت : بئس ما قلت لو كان كذلك لقال : أن لا ~~يطوف بهما ، ثم حكى ما تقدم من الصنمين ، وتفسير عائشة راجح على تفسير ~~التابعين ، فإن قالوا : قرأ ابن مسعود : ( فلا جناح PageV04P145 عليه أن لا ~~يطوف بهما ) واللفظ أيضا محتمل له كقوله : { يبين الله لكم أن تضلوا } ( ~~النساء : 176 ) أي أن لا تضلوا ، وكقوله تعالى : { أن تقولوا يوم القيامة } ~~( الأعراف : 172 ) معناه : أن ms1282 لا تقولوا ، قلنا : القراءة الشاذة لا يمكن ~~اعتبارها في القرآن لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن متواترا . الخامس : كما ~~أن قوله : { فلا جناح عليه } لا يطلق على الواجب ، فكذلك لا يطلق على ~~المندوب ، ولا شك في أن السعي مندوب ، فقد صارت الآية متروكة العمل بظاهرها ~~. # وأما التمسك بقوله : { فمن تطوع خيرا } فضعيف ، لأن هذا لا يقتضي أن يكون ~~المراد من هذا التطوع هو الطواف المذكور أولا ، بل يجوز أن يكون المقصود ~~منه شيئا آخر قال الله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } ( ~~البقرة : 184 ) ثم قال : { فمن تطوع خيرا فهو خير له } ( البقرة : 184 ) ~~فأوجب عليهم / الطعام ، ثم ندبهم إلى التطوع بالخير فكان المعنى : فمن تطوع ~~وزاد على طعام مسكين كان خيرا ، فكذا ههنا يحتمل أن يكون هذا التطوع مصروفا ~~إلى شيء آخر وهو من وجهين . أحدهما : أنه يزيد في الطواف فيطوف أكثر من ~~الطواف الواجب مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر . الثاني : أن يتطوع بعد حج ~~الفرض وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى حتى طاف بالصفا والمروة تطوعا وأما ~~الحديث الذي تمسكوا به فنقول : ذلك الحديث عام وحديثنا خاص والخاص مقدم على ~~العام والله أعلم . # أما قوله تعالى : { ومن تطوع خيرا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قراءة حمزة وعاصم والكسائي ( يطوع ) بالياء وجزم العين ~~، وتقديره : يتطوع ، إلا أن التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما ، وهذا أحسن ~~لأن المعنى على الاستقبال والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال ، وإن كان ~~يجوز أن يقال من أتاني أكرمته فيوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء ، إلا ~~أن اللفظ إذا كان يوافق المعنى كان أحسن / وأما الباقون من القراء فقرؤا ( ~~تطوع ) على وزن تفعل ماضيا وهذه القراءة تحتمل أمرين . أحدهما : أن يكون ~~موضع ( تطوع ) جزما . الثاني : أن لا يجعل ( من ) للجزاء ، ولكن يكون ~~بمنزلة ( الذي ) ويكون مبتدأ والفاء مع ما بعدها في موضع رفع لكونها خبر ~~المبتدأ الموصول والمعنى فيه معنى مبتدأ الخبر ، إلا أن هذه الفاء إذا دخلت ~~في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة ، أفادت أن الثاني ms1283 إنما وجب لوجوب الأول ~~كقوله : { وما بكم من نعمة فمن الله } ( النحل : 53 ) فما مبتدأ موصول ، ~~والفاء مع ما بعدها خبر له ، ونظيره قوله : { والذين ينفقون أموالهم } ( ~~النساء : 38 ) إلى قوله : { فلهم أجرهم } ( البقرة : 274 ) وقوله : { إن ~~الذين فتنوا المؤمنين } ( البروج : 10 ) إلى قوله : { فلهم عذاب جهنم } ~~وقوله : { ومن عاد فينتقم الله منه } وقوله : { ومن كفر فأمتعه قليلا } ~~وقوله : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } وقوله : { ومن شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر } ونذكر هذه المسألة إن شاء الله عند قوله : { الذين ينفقون ~~أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية } ( البقرة : 274 ) . # المسألة الثانية ؛ قال أبو مسلم : ( تطوع ) تفعل من الطاعة وسواء قول ~~القائل : طاع وتطوع ، كما يقال : حال وتحول وقال وتقول وطاف وتطوف وتفعل ~~بمعنى فعل كثيرا ، والطوع هو الانقياد ، والطوع ما ترغب به من ذات نفسك مما ~~لا يجب عليك . # المسألة الثالثة : الذين قالوا : السعي واجب ، فسروا هذا التطوع بالسعي ~~الزائد على قدر الواجب PageV04P146 ومنهم من فسره بالسعي في الحجة الثانية ~~التي هي غير واجبة وقال الحسن : المراد منه جميع الطاعات وهذا أولى لأنه ~~أوفق لعموم اللفظ . # أما قوله تعالى : { فإن الله شاكر عليم } فاعلم أن الشاكر في اللغة هو ~~المظهر للأنعام عليه ، وذلك في حق الله تعالى محال ، فالشاكر في حقه تعالى ~~مجاز ، ومعناه المجازي على الطاعة : وإنما سمي المجازاة على الطاعة شكرا ~~لوجوه . الأول : أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد مبالغة في الإحسان / ~~إليهم ، كما قال تعالى : { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة : ~~245 ) وهو تعالى لا يستقرض من عوض ، ولكنه تلطف في الاستدعاء كأنه قيل : من ~~ذا الذي يعمل عمل المقرض بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم . الثاني : أن الشكر ~~لما كان مقابلا للأنعام أو الجزاء عليه سمي كل ما كان جزاء شكرا على سبيل ~~التشبيه . الثالث : كأنه يقول : أنا وإن كنت غنيا عن طاعتك إلا أني أجعل ~~لها من الموقع بحيث لو صح على أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل ~~وبالجملة فالمقصود ms1284 بيان أن طاعة العبد مقبولة عند الله تعالى وواقعة موقع ~~القبول في أقصى الدرجات . # وأما قوله : { عليم } فالمعنى أنه يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه ~~لأنه تعالى عالم بقدره وعالم بما يزيد عليه من التفضل ، وهو أليق بالكلام ~~ليكون لقوله تعالى : { عليم } تعلق بشاكر ويحتمل أنه يريد أنه عليم بما ~~يأتي العبد فيقوم بحقه من العبادة والإخلاص وما يفعله لا على هذا الحد ، ~~وذلك ترغيب في أداء ما يجب على شروطه ، وتحذير من خلاف ذلك . # ! 7 < { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ~~للناس في الكتاب أولائك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 159 ) إن الذين يكتمون . . . . . # > > # المسألة الأولى : في قوله : { إن الذين يكتمون } قولان . أحدهما : أنه ~~كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئا من الدين . والثاني : أنه ليس يجري على ~~ظاهره في العموم ثم من هؤلاء من زعم أنه في اليهود خاصة قال ابن عباس : إن ~~جماعة من الأنصار سألوا نفرا من اليهود عما في التوراة من صفات النبي عليه ~~الصلاة والسلام ، ومن الأحكام ، فكتموا ، فنزلت الآية وقيل : نزلت في أهل ~~الكتاب من اليهود والنصارى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ~~والسدي والأصم . والأول أقرب إلى الصواب لوجوه . أحدها : أن اللفظ عام ~~والعارض الموجود ، وهو نزوله عند سبب معين لايقتضي الخصوص على ما ثبت في ~~أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وثانيها : أنه ثبت أيضا ~~في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم لا ~~سيما إذا كان الوصف مناسبا للحكم ، ولا شك أن PageV04P147 كتمان الدين ~~يناسبه استحقاق اللعن من الله تعالى ، وإذا كان هذا الوصف علة لهذا الحكم ~~وجب عموم هذا الحكم عند عموم الوصف . وثالثها : أن جماعة من الصحابة حملوا ~~هذا اللفظ على العموم ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : من زعم أن ~~محمدا عليه الصلاة والسلام كتم شيئا من الوحي فقد أعظم الفرية على الله ، ~~والله تعالى يقول : { إن الذين ms1285 يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى } فحملت ~~الآية على العموم ، وعن / أبي هريرة رضي الله عنه قال : لولا آيتان من كتاب ~~الله ما حدثت حديثا بعد أن قال الناس : أكثر أبو هريرة . وتلا : { إن الذين ~~يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى } واحتج من خص الآية بأهل الكتاب ، أن ~~الكتمان لا يصح إلا منهم في شرع نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فأما ~~القرآن فإنه متواتر ، فلا يصح كتمانه ، قلنا : القرآن قبل صيرورته متواترا ~~يصح كتمانه ، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه عند الواحد صح كتمانه وكذا ~~القول فيما يحتاج المكلف إليه من الدلائل العقلية . # المسألة الثانية : قال القاضي : الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه ~~، وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتمانا ، فلما كان ~~ما أنزله الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين ، وصف من ~~علمه ولم يظهره بالكتمان ، كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان ، إذا ~~كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها ، وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على ~~كتمان السر ، لأن الكتمان مما يشق على النفس . # المسألة الثالثة : هذه الآية تدل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه ~~المكلف لا يجوز أن يكتم ، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته ، ونظيره هذه الآية ~~قوله تعالى : { وإذا * أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ~~ولا تكتمونه } ( آل عمران : 187 ) وقريب منهما قوله تعالى : { إن الذين ~~يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا } ( البقرة : 174 ) ~~فهذه الآية كلها موجبة لإظهار علوم الدين تنبيها للناس وزاجرة عن كتمانها ، ~~ونظيرها في بيان العلم وإن لم يكن فيها ذكر الوعيد لكاتمه قوله تعالى : { ~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ( التوبة : 122 ) وروى حجاج عن عطاء عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من كتم علما يعلمه جاء يوم ~~القيامة ملجما بلجام من نار ) . # أما قوله تعالى : { مآ أنزلنا من ms1286 البينات } فالمراد كل ما أنزله على ~~الأنبياء كتابا وحيا دون أدلة العقول ، وقوله تعالى : { والهدى } يدخل فيه ~~الدلائل العقلية والنقلية ، لأنا بينا في تفسير قوله تعالى : { هدى للمتقين ~~} ( البقرة : 2 ) أن الهدى عبارة عن الدلائل فيعم الكل فإن قيل : فقد قال : ~~{ والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب } فعاد إلى الوجه الأول قلنا : ~~الأول هو التنزيل والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد . # واعلم أن الكتاب لما دل على أن خبر الواحد والإجماع والقياس حجة فكل ما ~~يدل عليه أحد هذه الأمور فقد دل عليه الكتاب فكان كتمانه داخلا تحت الآية ~~فثبت أنه تعالى توعد على كتمان الدلائل السمعية والعقلية وجمع بين الأمرين ~~في الوعيد ، فهذه الآية تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل ~~العقلية لمن كان محتاجا إليها ثم تركها أو كتم شيئا من أحكام الشرع مع شدة ~~الحاجة إليه فقد لحقه الوعيد العظيم . # المسألة الرابعة : هذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين وهذا لأنه ~~إذا أظهر البعض / صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه فلم يبق مكتوما ، ~~وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقيين إظهاره مرة أخرى . PageV04P148 # المسألة الخامسة : من الناس من يحتج بهذه الآيات في قبول خبر الواحد فقال ~~: دلت هذه الآيات على أن إظهار هذه الأحكام واجب ، ولو لم يجب العمل بها لم ~~يكن إظهارها واجبا وتمام التقرير فيه قوله تعالى في آخر الآية : { إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } ( البقرة : 160 ) فحكم بوقوع البيان بخبرهم ~~فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهيا عن الكتمان ومأمور بالبيان ~~ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر ؟ # قلنا : هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم الكتمان ~~ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان جاز منهم التواطؤ على الوضع والاقتراء ~~فلا يكون خبرهم موجبا للعلم . # المسألة السادسة : احتجوا بهذه الآية على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على ~~التعليم لأن الآية لما دلت على وجوب ذلك التعليم كان أخذ الأجرة عليه أخذا ms1287 ~~للأجرة على أداء الواجب وأنه غير جائز ويدل عليه أيضا قوله تعالى : { إن ~~الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا } ( البقرة : ~~174 ) وظاهر ذلك بمنع أخذ الأجرة على الإظهار وعلى الكتمان جميعا لأن قوله ~~: { ويشترون به ثمنا قليلا } ( البقرة : 174 ) مانع أخذ البدل عليه من جميع ~~الوجوه . # أما قوله تعالى : { من بعد ما بيناه للناس في الكتاب } قبل في التوراة ~~والإنجيل من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن الأحكام ، وقيل : أراد ~~بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين ، والثاني : ما في القرآن . # أما قوله تعالى : { أولئك يلعنهم الله } فاللعنة في أصل اللغة هي الإبعاد ~~وفي عرف الشرع الإبعاد من الثواب . # أما قوله تعالى : { ويلعنهم اللاعنون } فيجب أن يحمل على من للعنة تأثير ~~، وقد اتفقوا على أن الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك فهم داخلون تحت هذا ~~العموم لا محالة ، ويؤكده قوله تعالى : { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~أولئك عليهم لعنة الله والملئكة والناس أجمعين } ( البقرة : 161 ) والناس ~~ذكروا وجوها أخر . أحدها : أن اللاعنين هم دواب الأرض وهوامها / فإنها تقول ~~: منعنا القطر بمعاصي بني آدم عن مجاهد وعكرمة وإنما قال : { اللاعنون } ~~ولم يقل اللاعنات لأنه تعالى وصفها بصفة من يعقل فجمعها جمع من يعقل كقوله ~~: { والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين } . ( يوسف : 4 ) و { نملة يأيها النمل ~~ادخلوا مساكنكم } ( النمل : 18 ) و { قالوا * لجلودهم لم شهدتم علينا } ( ~~فصلت : 21 ) ، { وكل فى فلك يسبحون } ( الأنبياء : 33 ) . وثانيها : كل شيء ~~سوى الثقلين الجن والإنس ، فإن قيل : كيف يصح اللعن من البهائم والجمادات ؟ ~~قلنا : على وجهين : الأول : على سبيل المبالغة ، وهو أنها لو كانت عاقلة ~~لكانت تلعنهم . الثاني : أنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها ~~تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه . وثالثها : أن أهل النار / يلعنونهم ~~أيضا حيث كتموهم الدين ، فهو على العموم . ورابعها : قال ابن مسعود : إذا ~~تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق ، فإن لم يكن مستحق رجعت على ~~اليهود الذين كتموا ما أنزل الله سبحانه وتعالى ms1288 . وخامسها : عن ابن عباس : ~~إن لهم لعنتين : لعنة الله . ولعنة الخلائق . قال : وذلك إذا وضع الرجل في ~~قبره فيسأل : ما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ومن ربك ؟ فيقول : ما أدري فيضرب ضربة ~~يسمعها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن ، فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ، ~~ويقول له الملك : لا دريت ولا تليت ، كذلك كنت في الدنيا . وسادسها : قال ~~أبو مسلم : ( اللاعنون ) هم الذين آمنوا به ، ومعنى اللعن منهم : مباعدة ~~PageV04P149 الملعون ومشاقته ومخالفته مع السخط عليه والبراءة منه . قال ~~القاضي : دلت الآية على أن هذا الكتمان من الكبائر لأنه تعالى أوجب فيه ~~اللعن ، ويدل على أن أحدا من الأنبياء لم يكتم ما حمل من الرسالة وإلا كان ~~داخلا في الآية . # ! 7 < { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولائك أتوب عليهم وأنا التواب ~~الرحيم } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 160 ) إلا الذين تابوا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين عظيم الوعيد في الذين يكتمون ما أنزل الله ~~كان يجوز أن يتوهم أن الوعيد يلحقهم على كل حال ، فبين تعالى أنهم إذا ~~تابوا تغير حكمهم ، ودخلوا في أهل الوعيد ، وقد ذكرنا أن التوبة عبارة عن ~~الندم على فعل القبيح لا لغرض سواه ، لأن من ترك رد الوديعة ثم ندم عليه ~~لأن الناس ذموه ، أو لأن الحاكم رد شهادته لم يكن تائبا ، وكذلك لو عزم على ~~رد كل وديعة ، والقيام بكل واجب ، لكي تقبل شهادته ، أو يمدح بالثناء عليه ~~لم يكن تائبا ، وهذا معنى الإخلاص في التوبة ثم بين تعالى أنه لا بد له بعد ~~التوبة من إصلاح ما أفسده مثلا لو أفسد على غيره دينه بإيراد شبهة عليه ~~يلزمه إزالة تلك الشبهة ، ثم بين ثالثا أنه بعد ذلك يجب عليه فعل ضد ~~الكتمان ، وهو البيان وهو المراد بقوله : { وبينوا } فدلت هذه الآية على أن ~~التوبة لا تحصل إلا بترك كل ما لا ينبغي وبفعل كل ما ينبغي ، قالت المعتزلة ~~: الآية تدل على أن التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض لا تصح ، ~~لأن قوله : { وأصلحوا } عام في الكل . والجواب ms1289 عنه : أن اللفظ المطلق يكفي ~~في صدقه حصول فرد واحد من أفراده . قال أصحابنا : تدل الآية على أن قبول ~~التوبة غير واجب عقلا ، لأنه تعالى ذكر ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه ~~ولو كان كذلك واجبا لما حسن هذا المدح ومعنى : { أتوب عليهم } أقبل توبتهم ~~وقبول التوبة يتضمن إزالة عقاب ما تاب منها فإن قيل : هلا قلتم أن معنى { ~~فأولئك أتوب عليهم } هو قبول التوبة بمعنى المجازاة والثواب كما تقولون في ~~قبول الطاعة قلنا : الطاعة إنما أفاد قبولها استحقاق الثواب ، لأنه لا ~~يستحق بها سواه وهو الغرض بفعلها / وليس كذلك التوبة لأنها موضوعة لاسقاط ~~العقاب ، وهو الغرض بفعلها ، وإن كان لا بد من أن يستحق بها الثواب إذا لم ~~يكن مخطئا ، ومعنى قوله : { وأنا التواب } القابل لتوبة كل ذي توبة فهو ~~مبالغة في هذا الباب ، ومعنى الرحيم عقيب ذلك : التنبيه على أنه لرحمته ~~بالمكلفين من عباده ، يقبل توبتهم بعد التفريط العظيم منهم . # ! 7 < { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولائك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ~~} > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 161 - 162 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > # اعلم أن في الآية مسائل : PageV04P150 # المسألة الأولى : أن ظاهر قوله تعالى : { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~} عام في حق كل من كان كذلك فلا وجه لتخصيصه ببعض من كان كذلك ، وقال أبو ~~مسلم : يجب حمله على الذين تقدم ذكرهم ، وهم الذين يكتمون الآيات ، واحتج ~~عليه بأنه تعالى لما ذكر حال الذين يكتمون ، ثم ذكر حال التائبين منهم ، ~~ذكر أيضا حال من يموت منهم من غير توبة ، وأيضا أنه تعالى لما ذكر أن أولئك ~~الكاتمين ملعونون حال الحياة ، بين في هذه الآية أنهم ملعونون أيضا بعد ~~الممات . والجواب عنه : أن هذا إنما يصح متى كان الذين يموتون من غير توبة ~~لا يكونون داخلين تحت الآية الأولى ، فأما إذا دخلوا تحت الأولى : استغنى ~~عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف . # المسألة الثانية ؛ لما ذكر في الكلام أنه ms1290 إذا مات على كفره صار الوعيد ~~لازما من غير شرط ولما كان المعلق على الشرط عدما عند عدم الشرط ؛ علمنا أن ~~الكافر إذا تاب قبل الموت لم يكن حاله كذلك . # المسألة الثالثة : إن قيل : كيف يلعنه الناس أجمعون ، وأهل دينه لا ~~يلعنونه ؟ قلنا الجواب عنه من وجوه . أحدها : أن أهل دينه يلعنونه في ~~الآخرة ، لقوله تعالى : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ~~} ( العنكبوت : 25 ) . وثانيها : قال قتادة والربيع : أراد بالناس أجمعين ~~المؤمنين ، كأنه لم يعتد بغيرهم وحكم بأن المؤمنين هم الناس لا غير . ~~وثالثها : أن كل أحد يلعن الجاهل والظالم لأن قبح ذلك مقرر في العقول ، ~~فإذا كان هو في نفسه جاهلا أو ظالما وإن كان لا يعلم هو من نفسه كونه كذلك ~~، كانت لعنته على الجاهل والظالم تتناول نفسه عن السدي . ورابعها : أن يحمل ~~وقوع اللعن على استحقاق اللعن ، وحينئذ يعم ذلك . # المسألة الرابعة : قال أبو بكر الرازي في الآية دلالة على أن على ~~المسلمين لعن من مات كافرا ، / وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنا ~~لعنه والبراءة منه ، لأن قوله : { والناس أجمعين } قد اقتضى أمرنا بلعنه ~~بعد موته وهذا يدل على أن الكافر لوجن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون ~~مسقطا للعنه والبراءة منه ، وكذلك السبيل فيما يوجب المدح والموالاة من ~~الإيمان والصلاح ، فإن موت من كان كذلك أو جنونه ، لا يغير حكمه عما كان ~~عليه قبل حدوث الحال به . # المسألة الخامسة : القائلون بالموافاة احتجوا بهذه الآية فقالوا : علق ~~تعالى وجوب لعنته بأن يموت على كفره فلو استحق ذلك قبل الموت لم يصح ذلك ، ~~فعلمنا أن الكفر إنما يفيد استحقاق اللعن لو مات صاحبه عليه وكذا الإيمان ~~إنما يفيد استحقاق المدح إذا مات صاحبه عليه . الجواب : الحكم المرتب على ~~الذين ماتوا على الكفر مجموع أمور منها اللعن لو مات ، ومنها الخلود في ~~النار ، وعندنا أن هذا المجموع وهو اللعن وحده ، لم قلتم : أنه لا يحصل إلا ~~فيه . # المسألة السادسة : القائلون بأن الكفر من الأسماء ms1291 الشرعية ، وما بقي على ~~الوضع الأصلي وهم المعتزلة احتجوا بقوله تعالى : { وماتوا وهم كفار } والله ~~تعالى وصفهم حال موتهم بأنهم كفار ومعلوم أن الكفر بمعنى الستر والتغطية ، ~~لا يبقى فيهم حال الموت ، لأن التغطية لا تحصل إلا في حق الحي الفاهم . # المسألة السابعة ؛ الآية تدل على جواز التخصيص مع التوكيد ، لأنه تعالى ~~قال : { والناس أجمعين } مع أنه مخصوص على مذهب من قال : المراد بالناس ~~بعضهم . PageV04P151 # وأما قوله تعالى : { خالدين فيها } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الخلود اللزوم الطويل ، ومنه يقال : أخلد إلى كذا أي ~~لزمه وركن إليه . # المسألة الثانية : العامل في ( خالدين ) الظرف من قوله ( عليهم ) لأن فيه ~~معنى الإستقرار للعنة فهو حال من الهاء والميم في عليهم كقولك : عليهم ~~المال صاغرين . # المسألة الثالثة : { خالدين فيها } أي في اللعنة ، وقيل في النار إلا ~~أنها أضمرت تفخيما لشأنها وتهويلا كما في قوله تعالى : { إنا أنزلناه فى ~~ليلة القدر } ( القدر : 1 ) والأول أولى لوجوه . الأول : أن الضمير إذا وجد ~~له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر . الثاني : أن حمل ~~هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار ، لأن اللعنة هو ~~الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن ~~يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى . الثالث : أن قوله : { ~~خالدين فيها } إخبار عن الحال ، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلا ~~في الحال ، وفي حمله على النار لا يكون حاصلا في الحال ، بل لا بد من ~~التأويل ؛ فكان ذلك أولى ، واعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بأمور ثلاثة . ~~أحدها : الخلود وهو المكث الطويل عندنا ، والمكث الدائم عند المعتزلة ، على ~~ما تقدم القول فيه في تفسير قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 81 ) . وثانيها : ~~عدم التخفيف ، ومعناه أن الذي ينالهم من / عذاب الله فهو متشابه في الأوقات ~~كلها ، لا يصير بعض الأوقات أقل من بعض ، فإن قيل : هذا التشابه ممتنع ~~لوجوه ms1292 . الأول : أنه إذا تصور حال غيره في شدة كالعقاب ، كان ذلك كالتخفيف ~~منه . الثاني : أنه تعالى يوفر عليهم ما فات وقته من العذاب ثم تنقطع تلك ~~الزيادة فيكون ذلك تخفيفا الثالث : أنهم حيثما يخاطبون بقوله : { اخسئوا ~~فيها ولا تكلمون } لا شك أنه يزداد غمهم في ذلك الوقت . ( أجابوا عنه ) بأن ~~التفاوت في هذه الأمور القليلة ، فالمستغرق بالعذاب الشديد لا ينتبه لهذا ~~القدر القليل من التفاوت ، قالوا : ولما دلت الآية على أن هذا العقاب ~~متشابه ، وجب أن يكون دائما لأنهم لو جوزوا انقطاع ذلك مما يخفف عنهم إذا ~~تصوروه ، وبيان ذلك أن الواقع في محنة عظيمة في الدنيا إذا بشر بالخلاص بعد ~~أيام فإنه يفرح ويسر ويسهل عليه موقع محنته وكلما كانت محنته أعظم ، كان ما ~~يلحقه من الروح والتخفيف بتصور الإنقطاع أكثر . # الصفة الثالثة : من صفات ذلك العقاب : قوله : { ولا هم ينظرون } والإنظار ~~هو التأجيل والتأخير قال تعالى : { فنظرة إلى ميسرة } ( البقرة : 280 ) ~~والمعنى : إن عذابهم لا يؤجل ، بل يكون حاضرا متصلا بعذاب مثله فكأنه تعالى ~~أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى ~~آجال قدرها الله تعالى ، وفي الآخرة لا مهلة البتة فإذا استمهلوا لا يمهلون ~~، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون ، وقيل لهم ؛ { اخسئوا ~~فيها ولا تكلمون } ( المؤمنون : 108 ) نعوذ بالله من ذلك والحاصل أن هذه ~~الصفات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى للعقاب في هذه الآية دلت على يأس ~~الكافر من الإنقطاع والتخفيف والتأخير . # PageV04P152 ! 7 < { وإلاهكم إلاه واحد لا إلاه إلا هو الرحمان الرحيم } ~~> 7 ! # < < # | البقرة : ( 163 ) وإلهكم إله واحد . . . . . # > > اعلم أن الكلام في تفسير لفظ الإله قد تقدم في تفسير : { بسم الله ~~الرحمان الرحيم } أما الواحد ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو علي : قولهم واحد اسم جرى على وجهين في كلامهم ~~. أحدهما : أن يكون اسما والآخر أن يكون وصفا ، فالإسم الذي ليس بصفة قولهم ~~: واحد المستعمل في العدد نحو : واحد اثنان ثلاثة ، فهذا اسم ليس بوصف كما ~~أن سائر أسماء ms1293 العدد كذلك ، وأما كونه صفة فنحو قولك مررت برجل واحد وهذا ~~شيء واحد فإذا أجرى هذا الإسم على الحق سبحانه وتعالى جاز أن يكون الذي هو ~~الوصف كالعالم والقادر ، وجاز أن يكون الذي هو الاسم كقولنا شيء ويقوي ~~الأول قوله : { وإلاهكم إلاه واحد } وأقول : تحقيق هذا الكلام في العقل أن ~~الأشياء التي يصدق عليها إنها واحد مشتركة في مفهوم الوحدانية ، ومختلفة في ~~خصوصيات ماهياتها ، أعني كونها جوهرا ، أو عرضا ، أو جسما ، أو مجردا ، ~~ويصح أيضا فعل كل واحد منهما ، أعني ماهيته ، / وكونه واحدا مع الذهول عن ~~الآخر ، فإذن كون الجوهر جوهرا مثلا غير ، وكونه واحدا غير ، والمركب منهما ~~غير ، فلفظ الواحد تارة يفيد مجرد معنى أنه واحد ، وهذا هو الاسم ، وتارة ~~يفيد معنى أنه واحد حين ما يحصل نعتا لشيء آخر ، وهذا معنى كونه نعتا . # المسألة الثانية : الواحدية هل هي صفة زائدة على الذات أم لا ؟ اختلفوا ~~فيها فقال قوم : إنها صفة زائدة على الذات ، واحتجوا عليه بأنا إذا قلنا ؛ ~~هذا الجوهر واحد ، فالمفهوم من كونه جوهرا ، غير المفهوم من كونه واحدا ، ~~بدليل أن الجوهر يشاركه العرض في كونه واحدا ، ولا يشاركه في كونه جوهرا ، ~~ولأنه يصح أن يعقل كونه جوهرا حال الذهول عن كونه واحدا والمعلوم مغايرا ~~لغير المعلوم ، ولأنه لو كان كونه واحدا نفس كونه جوهرا ، لكان قولنا ~~الجوهر واحد جاريا مجرى قولنا : الجوهر جوهر ، ولأن مقابل الجوهر هو العرض ~~، ومقابل الواحد هو الكثير ، فثبت أن المفهوم من كونه واحدا ، إما أن يكون ~~سلبيا أو ثبوتيا لا جائز أن يكون سلبيا لأنه لو كان سلبيا لكان سلبا للكثرة ~~والكثرة إما أن تكون سلبية أو ثبوتية ، فإن كانت الكثرة سلبية ، والوحدة ~~سلب الكثرة ، كانت الوحدة سلبا للسلب وسلب السلب ثبوت ، فالوحدة ثبوتية وهو ~~المطلوب وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع الوحدات فلو ~~كانت الوحدة سلبية مع الكثرة كان مجموع المعدومات أمرا موجودا وهو محال ، ~~فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية ، ثم هذه الصفة الزائدة إما أن ms1294 يقال إنه ~~لا تحقق لها إلا في الذهن أولها تحقق خارج الذهن والأول باطل وإلا لم يكن ~~الذهني مطابقا لما في الخارج ، فيلزم أن لا يكون الشيء الواحد في نفسه ~~واحدا وهو محال لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان ~~واحدا في نفسه قبل أن وجد ذهنيا وفرضيا واعتباريا ، فثبت أن كون الشيء ~~واحدا صفة ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات ، واحتج من أبى كون ~~الوحدة صفة ثبوتية بأن قال : لو كانت الوحدة صفة زائدة على الذات ، كانت ~~الوحدات متساوية في ماهية كونها واحدة ومتباينة بتعيناتها ، فيلزم أن يكون ~~للوحدة وحدة أخرى ، وينجر ذلك إلى ما لا نهاية له وهو محال . PageV04P153 # المسألة الثالثة : الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم من جهة ما قيل له إنه ~~واحد ، فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان إلى إنسانين بل قد ~~ينقسم إلى الأبعاض والأجزاء من الموجودات لا ينفك عن الوحدة حتى العدد فإن ~~العشرة الواحدة من حيث إنها عشرة واحدة قد عرضت الوحدة لها فإن قلت : ~~عشرتان فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت الوحدة لها من هذه الجهة ، فلا شيء من ~~الموجودات ينفك عن الوحدة ولأجل هذا اشتبه على بعضهم الوحدة بالموجود فظن ~~أن كل موجود لما صدق عليه أنه واحد كان وجوده نفس وحدته والحق أنه ليس كذلك ~~، لأن الوجود ينقسم إلى الواحد والكثير والمنقسم إلى شيء مغاير لما به ~~الانقسام . # / المسألة الرابعة : الحق سبحانه وتعالى { واحد } باعتبارين . أحدهما : ~~أنه ليست ذاته مركبة من اجتماع أمور كثيرة . والثاني : أنه ليس في الوجود ~~ما يشاركه في كونه واجب الوجود وفي كونه مبدأ لوجود جميع الممكنات ، ~~فالجوهر الفرد عند من يثبته واحد بالتفسير الأول ، وليس واحد بالتفسير ~~الثاني . والبرهان على ثبوت الوحدة بالتفسير الأول أنه لو كان مركبا لافتقر ~~تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب ~~فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته واجب لغيره فهو مركب ~~مفتقر ms1295 إلى غيره ممكن لذاته ، فما لا يكون كذلك استحال أن يكون مركبا ، فإذن ~~حقيقته سبحانه حقيقة أحدية فردية لا كثرة فيها بوجه من الوجوه ، لا كثرة ~~مقدارية ، كما تكون للأجسام ، ولا كثرة معنوية كما تكون للنوع المتركب من ~~الفصل والجنس أو الشخص المتركب من الماهية والتشخص إلا أنه قد صعب ذلك على ~~أقوام وذلك لأنه سبحانه عالم قادر حي مريد ، فالمفهوم من هذه الصفات إما هو ~~نفس المفهوم من ذاته أو ليس كذلك والأول باطل لوجوه . أحدها : أنه يمكننا ~~أن نتعقل ذاته مع الذهول عن كل واحد من هذه الصفات ، وإن لم يمكن ذلك فلا ~~شك أنه يمكننا تعقل كل واحد من هذه الصفات مع الذهول عن أن نتعقل ذاته ~~المخصوصة بل هذا هو الواجب عند من يقول : إن ذاته المخصوصة غير معلومة ، ~~وصفاته معلومة والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم ، فإذن هذه الصفات أمور زائدة ~~على الذات . وثانيها : أن هذه الصفات لو كانت هي نفس الذات لكان قولنا في ~~الذات : إنها عالمة أو ليست عالمة جاريا مجرى قولنا الذات ذات أو لا ذات ، ~~ولا استحال أن يكون ذلك في البحث يحتمل أن يقام البرهان على نفيه وإثباته ~~فإن من قال : الذات ذات علم كل أحد بالضرورة صدقه ومن قال : الذات ليست ~~بذات علم كل أحد بالضرورة كذبه ، ولما كان قولنا : الذات عالمة أو ليست ~~عالمة ليس بمثابة قولنا لذات ذات الذات ليست بذات علمنا أن هذه الصفات أمور ~~زائدة على الذات . وثالثها : أنه لو كان المرجع بهذه الصفات إلى ذاته فقط ~~وذاته ليست إلا شيئا واحدا لكان المرجع بهذه الصفات إلى شيء واحد ، فكان ~~ينبغي أن تكون إقامة الدلالة على كونه قادرا تغني عن إقامة الدلالة على ~~كونه عالما ، وعلى كونه حيا ، فلما لم يكن كذلك بل افتقرنا في كل صفة إلى ~~دليل خاص ، علمنا أنه ليس المرجع بها إلى الذات ، إذا ثبت أن هذه الصفات ~~أمور زائدة على الذات ، فنقول : هذه الصفات إما أن تكون سلبية أو ثبوتية ، ~~لا ms1296 جائز أن تكون سلبية ، لأن السلب نفي محض ، والنفي المحض لا تخصص فيه ، ~~ولأنا جعلنا كونه عالما قادرا عبارة عن نفي الجهل والعجز ، فالجهل والعجز ~~إما أن يكون المرجع بهما إلى العدم وأنه ليس بعالم ولا قادر ، أو يكون ~~المرجع إلى أمر ثبوتي : وهو أن الجهل عبارة عن اعتقاد غير مطابق ، والعجز ~~عبارة عن إخلال حال القدرة ، فإن كان الأول كان العلم والقدرة عبارة عن سلب ~~السلب ، فيكون PageV04P154 ثبوتيا ، وإن كان الثاني لم يلزم من انتفاء ~~الجهل والعجز بهذا المعنى تحقق العلم والقدرة ، فإن الجماد قد انتفى عنه ~~الجهل والعجز بهذا المعنى مع / أنه غير موصوف بالعلم والقدرة ، فثبت أن ~~صفات الله تعالى أمور زائدة على ذاته قائمة بذاته ، والإله عبارة عن مجموع ~~الذات والصفات ، فقد عاد القول إلى أن حقيقة الإله تعالى مركبة من أمور ~~كثيرة / فكيف القول فيه ؟ # وإشكال آخر : وهو أنا قد دللنا على أن الوحدة صفة زائدة على الذات قائمة ~~بالذات ، فإذا كانت حقيقة الحق واحدة ، فهناك أمور ثلاثة : تلك الحقيقة ، ~~وتلك الواحدية وموصوفية تلك الحقيقة بتلك الواحدية ، فذلك ثالث ثلاثة ، ~~فأين التوحيد ؟ # وإشكال ثالث : وهو أن تلك الحقيقة هل هي موجودة وواجبة الوجود أم لا ؟ ~~فإن كانت موجودة فهي بوجودها تشارك سائر الموجودات وبماهياتها تمتاز عن ~~سائر الموجودات ، فهناك كثرة حاصلة بسبب الوجود والماهية ، وإن لم تكن ~~موجودة فهذا إشارة إلى العدم وكذا القول في الوجوب ، فإنها إن كانت واجبة ~~الوجود لذاتها ، فوجوب وجودها يستحيل أن يكون عين الذات لأن الوجوب صفة ~~لانتساب الموضوع إلى المحمول بالموصوفية والانتساب مغاير بين الشيئين مغاير ~~لكل واحد منهما من حيث هو فلأن تكون صفة ذلك الإنتساب مغايرة لهما أولى ، ~~وأيضا فالذات قائمة بنفسها ويستحيل أن يكون مسمى الواجب أمرا قائما بالنفس ~~ولأنا نصف الذات بالوجوب ووصف الشيء بنفسه محال ، فثبت أنه لو وجب موجود ~~واجب الوجود لكان وجوب وجوده زائدا على ذاته ، فهناك أمران تلك الذات مع ~~ذلك الوجوب ومع الموصوفية بذلك الوجوب فقد عاد التثليث . # وإشكال رابع ms1297 : وهو أن هذه الحقيقة البسيطة هل يمكن الإخبار عنها وهل يمكن ~~التعبير عنها أم لا . والأول محال لأن الإخبار إنما يكون بشيء عن شيء ، ~~فالمخبر عنه غير المخبر به فهما أمران لا واحد ، وإن لم يكن التعبير عنه ~~فهو معلوم ألبتة لا بالنفي ولا بالإثبات فهو مغفول عنه ، فهذا جملة ما في ~~هذا المقام من السؤال : # والجواب عن الأول : أنه سبحانه ذات موصوفة بهذه الصفات ولا شك أن المجموع ~~مفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه إلا أن الذات قائمة بنفسها واجبة لذاتها ، ~~ثم إنها بعد وجوبها بعدية بالرتبة مستلزمة لتلك النعوت والصفات فهذا مما لا ~~امتناع فيه عند العقل . # وأما الإشكال الثاني : وهو أن الوحدة صفة زائدة على الذات فإذا نظرت ~~إليها من حيث أنها واحدة فهناك أمور ثلاثة لا أمر واحد ، فالجواب أن الذي ~~ذكرته حق ولكن فرق بين النظر إليه من حيث أنه هو وبين النظر إليه من حيث ~~أنه محكوم عليه بأنه واحد ، فإذا نظرت إليه من حيث أنه هو مع ترك الإلتفات ~~إلى أنه واحد فهناك تتحقق الوحدة وههنا حالة عجيبة فإن العقل ما دام يلتفت ~~إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة ، فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى ~~الوحدة فاعتبر هذه الحالة بذهنك اللطيف لعلك تصل إلى سره وهذا أيضا هو ~~الجواب عن إشكال الوجود وإشكال الوجوب . # أما الإشكال الرابع : وهو أنه هل يمكن التعبير عنه ؟ فالحق أنه لا يمكن ~~التعبير عنه لأنك متى عبرت عنه فقد أخبرت عنه بأمر آخر ، والمخبر عنه مغاير ~~للمخبر به لا محالة ، فليس هناك توحيد ، ولو أخبرت عنه بأنه لا PageV04P155 ~~يمكن الإخبار عنه ، فهناك ذات مع سلب خاص ، فلا يكون هناك توحيد فأما إذا ~~نظرت إليه من حيث أنه هو من غير أن تخبر عنه لا بالنفي ولا بالإثبات ، ~~فهناك تحقق الوصول إلى مبادىء عالم التوحيد ، ثم الإلتفات المذكور لا يمكن ~~التعبير عنه إلا بقوله ( هو ) فلذلك عظم وقع هذه الكلمة عند الخائضين في ~~بحار التوحيد ، وسنذكر ms1298 شمة من حقائقها في تفسير هذه الآية بعون الله تعالى ~~، أما الوحدة بالمعنى الثاني ، وهي أنه ليس في الوجود شيء يشاركه في وجوب ~~الوجود ، فكأن هذه الوحدة هي الوحدة الخاصة بذات الحق سبحانه وتعالى ، ~~وبراهين ذلك مذكورة في تفسير قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله ~~لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) أم الوحدة بالتفسير الأول ، فليست من خواص ذات ~~الحق سبحانه وتعالى لأنه لا شك في وجود موجودات توهذه الموجودات إما مفردات ~~أو مركبات ، فالمركب لا بد فيه من المفردات فثبت أنه لا بد من إثبات ~~المفردات في عالم الممكنات / فالواحدية بالمعنى الأول ليست من الأمور التي ~~توحد الحق سبحانه بها ، أما الواحدية بالمعنى الثاني فالحق سبحانه وتعالى ~~متوحد بها ومتفرد بها ، ولا يشاركه في ذلك النعت شيء سواه ، فهذه تلخيص ~~الكلام في هذا المقام بحسب ما يليق بعقل البشر وفكره القاصر ، مع الاعتراف ~~بأنه سبحانه منزه عن تصرفات الأفكار والأوهام ، وعلائق العقول والأفهام . # المسألة الخامسة ؛ قال الجبائي : يوصف الله تعالى بأنه واحد من وجوه ~~أربعة : لأنه ليس بذي أبعاض ، ولا بذي أجزاء ، ولأنه منفرد بالقدم ، ولأنه ~~منفرد بالإلهية ، ولأنه منفرد بصفات ذاته نحو كونه عالما بنفسه ، وقادرا ~~بنفسه ، وأبو هاشم يقتصر على ثلاثة أوجه : فجعل تفرده بالقدم ، وبصفات ~~الذات وجها واحدا ، قال القاضي : وفي هذه الآية المراد تفرده بالإلهية فقط ~~، لأنه أضاف التوحيد إلى ذلك ، ولذلك عقبه بقوله { لا إلاه إلا هو } وقال ~~أصحابنا : إنه سبحانه وتعالى واحد في ذاته لا قسيم له ، وواحد في صفاته لا ~~شبيه له ، وواحد في أفعاله لا شريك له ، أما أنه واحد في ذاته فلأن تلك ~~الذات المخصوصة التي هي المشارإليها بقولنا هو الحق سبحانه وتعالى إما أن ~~تكون حاصلة في شخص آخر سواه ، أو لا تكون ، فإن كان الأول كان امتياز ذاته ~~المعينة عن المعنى الآخر ، لا بد وأن يكون بقيد زائد ، فيكون هو في نفسه ~~مركبا بما به الإشتراك وما به الإمتياز ، فيكون ممكنا معلولا مفتقرا وذلك ~~محال ، وإن لم يكن فقد ms1299 ثبت أنه سبحانه واحد في ذاته لا قسيم له ، وأما أنه ~~واحد في صفاته فلأن موصوفيته سبحانه بصفات متميزة عن موصوفية غيره بصفات من ~~وجوه . أحدها : أن كل ما عداه فان ، لأن حصول صفاته له لا تكون من نفسه بل ~~من غيره وهو سبحانه يستحق حصول صفاته لنفسه لا لغيره . وثانيها : أن صفات ~~غيره مختصة بزمان دون زمان لأنها حادثة ، وصفات الحق ليست كذلك . وثالثها : ~~أن صفات الحق غير متناهية بحسب / المتعلقات ، فإن علمه متعلق بجميع ~~المعلومات وقدرته متعلقة بجميع المقدورات ، بل له في كل واحد من المعلومات ~~الغير المتناهية معلومات غير متناهية لأنه يعلم في ذلك الجوهر الفرد أنه ~~كيف كان ويكون حاله بحسب كل واحد من الأحياز المتناهية وبحسب كل واحد من ~~الصفات المتناهية فهو سبحانه واحد في صفاته من هذه الجهة . ورابعها : أنه ~~سبحانه ليست موصوفية ذاته بتلك الصفات بمعنى كونها حالة في ذاته وكون ذاته ~~محلا لها ، ولا أيضا بحسب كون ذاته مستكملة بها لأنا بينا أن الذات كالمبدأ ~~لتلك الصفات فلو كانت الذات مستكملة بالصفات لكان المبدأ ناقصا لذاته ~~مستكملا بالممكن لذاته وهو محال ، بل ذاته مستكملة لذاته ومن لوازم ذلك ~~الإستكمال الذاتي تحقق صفات الكمال معه إلا أن التقسيم يعود في نفس ~~الإستكمال فينتهي إلى حيث تقصر العبارة عن الوفاء به . PageV04P156 خامسها ~~: أنه لا خبر عند العقول من كنه صفاته كما لا خبر عندها من كنه ذاته ، وذلك ~~لأنا لا نعرف من علمه إلا أنه الأمر الذي لأجله ظهر الإحكام والإتقان في ~~عالم المخلوقات ، فالمعلوم من علمه أنه أمر ما لا ندري أنه ما هو ولكن نعلم ~~منه أنه يلزمه هذا الأثر المحسوس ، وكذا القول في كونه قادرا وحيا ، فسبحان ~~من ردع بنور عزته أنوار العقول والأفهام ، وأما إنه سبحانه وتعالى واحد في ~~أفعاله فالأمر ظاهر لأن الموجود إما واجب وإما ممكن ، فالواجب هو هو ، ~~والممكن ما عداه وكل ما كان ممكنا فإنه يجوز أن لا يوجد ما لم يتصل بالواجب ~~ولا يختلف هذا ms1300 الحكم باختلاف أقسام الممكنات سواء كان ملكا أو ملكا أو كان ~~فعلا للعباد أو كان غير ذلك فثبت أن كل ما عداه فهو ملكه وملكه وتحت تصرفه ~~وقهره وقدرته واستيلائه ، وعند هذا تدرك شمة من روائح أسرار قضائه وقدره ، ~~ويلوح لك شيء من حقائق قوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) ~~وتعرف أن الموجود ليس البتة إلا ما هو هو ، وما هو له وإذا وقعت سفينة ~~الفكرة في هذه اللجة ، فلو سارت إلى الأبد لم تقف ، لأن السير إنما يكون من ~~شيء إلى شيء ، فالشيء الأول متروك ، والشيء الثاني مطلوب وهما متغايران ، ~~فأنت بعد خارج عن عالم الفردانية والوحدانية ، فأما إذا وصلت إلى برزخ عالم ~~الحدوث والقدم ، فهناك تنقطع الحركات ، وتضمحل العلامات والأمارات ، ولم ~~يبق في العقول والألباب إلا مجرد أنه هو ، فيا هو ويا من لا هو إلا هو أحسن ~~إلى عبدك الضعيف ، فإن عبدك بفنائك ومسكينك ببابك . # المسألة السادسة : إن قيل : ما معنى إضافته بقوله : { وإلاهكم } وهل تصح ~~هذه الإضافة في كل الخلق أو لا تصح إلا في المكلف ؟ قلنا : لما كان الإله ~~هو يستحق أن يكون معبودا والذي يليق به أن يكون معبودا بهذا الوصف ، إنما ~~يتحقق بالنسبة إلى من يتصور منه عبادة الله تعالى ، فإن هذه الإضافة صحيحة ~~بالنسبة إلى كل المكلفين ، وإلى جميع من تصح صيرورته مكلفا تقديرا . # المسألة السابعة : قوله : { وإلاهكم } يدل على أن معنى الإله ما يصح أن ~~تدخله الإضافة فلو كان معنى الإله القادر لصار المعنى وقادركم قادر واحد ~~ومعلوم أنه ركيك فدل على أن الإله هو المعبود . # / المسألة الثامنة : قوله : { وإلاهكم إلاه واحد } معناه أنه واحد في ~~الإلهية ، لأن ورود لفظ الواحد بعد لفظ الإله يدل على أن تلك الوحدة معتبرة ~~في الإلهية لا في غيرها ، فهو بمنزلة وصف الرجل بأنه سيد واحد ، وبأنه عالم ~~واحد ، ولما قال : { وإلاهكم إلاه واحد } أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول : ~~هب أن إلهنا واحد ، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا ، فلا جرم أزال ms1301 هذا الوهم ~~ببيان التوحيد المطلق ، فقال : { لا إلاه إلا هو } وذلك لأن قولنا : لا رجل ~~يقتضي نفي هذه الماهية ، ومتى انتفت هذه الماهية انتفى جميع أفرادها ، إذ ~~لو حصل فرد من أفراد تلك الماهية فمتى حصل ذلك الفرد ، فقد حصلت الماهية ، ~~وذلك يناقض ما دل اللفظ عليه من انتفاء الماهية : فثبت أن قولنا : لا رجل ~~يقتضي النفي العام الشامل ، فإذا قيل بعد : إلا زيدا ، أفاد التوحيد التام ~~المحقق وفي هذه الكلمة أبحاث . أحدها : أن جماعة من النحويين قالوا : ~~الكلام فيه حذف وإضمار والتقدير : لا إله لنا ، أو لا إله في الوجود إلا ~~الله ، واعلم أن هذا الكلام غير مطابق للتوحيد الحق وذلك PageV04P157 لأنك ~~لو قلت : التقدير أنه لا إله لنا إلاالله ، لكان هذا توحيدا لألهنا لا ~~توحيد للإله المطلق ، فحينئذ لا يبقى بين قوله : { وإلاهكم إلاه واحد } ~~وبين قوله : { لا إلاه إلا هو } فرق ، فيكون ذلك تكرارا محضا ، وأنه غير ~~جائز ، وأما لو قلنا : التقدير لا إله في الوجود ، فذلك الإشكال زائل ، إلا ~~أنه يعود الإشكال من وجه آخر ، وذلك لأنك إذا قلت : لا إله في الوجود لا ~~إله إلا هو ؛ كان هذا نفيا لوجود الإله الثاني ، أما لو لم يضمر هذا ~~الإضمار كان قولك : لا إله إلا الله نفيا لماهية الإله الثاني ، ومعلوم أن ~~نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود ، فكان إجراء الكلام على ~~ظاهره ، والإعراض عن هذا الإضمار أولى ، فإن قيل : نفي الماهية كيف يعقل ؟ ~~فإنك إذا قلت السواد ليس بسواد ، كان ذلك حكما بأن السواد ليس بسواد ، وهو ~~غير معقول ، أما إذا قلت : السواد ليس بموجود ، فهذا معقول منتظم مستقيم ، ~~قلنا : بنفي الماهية أمر لا بد منه ، فإنك إذا قلت : السواد ليس بموجود ، ~~فقد نفيت الوجود ، والوجود من حيث هو وجود ماهية ، فإذا نفيته فقد نفيت هذه ~~الماهية المسماة بالوجود ، فإذا عقل نفي هذه الماهية من حيث هي هي ، فلم لا ~~يعقل نفي تلك الماهية أيضا / فإذا عقل ذلك صح اجراء قولنا : لا إله ms1302 إلا ~~الله على ظاهره ، من غير حاجة إلى الإضمار ، فإن قلت : إنا إذا قلنا السواد ~~ليس بموجود ، فما نفيت الماهية وما نفيت الوجود ، ولكن نفيت موصوفية ~~الماهية بالوجود ، قلت : فموصوفية الماهية بالوجود ، هل هي أمر منفصل عن ~~الماهية وعن الوجود أم لا ، فإن كانت منفصلة عنهما كان نفيها نفيا لتلك ~~الماهية ، فالماهية من حيث هي هي أمكن نفيها ، وحينئذ يعود التقريب المذكور ~~، وإن لم تكن تلك الموصوفية أمرا منفصلا عنها استحال توجيه النفي إليها إلا ~~بتوجيه النفي ، إما إلى الماهية وإما إلى الوجود ، وحينئذ يعود التقريب ~~المذكور فثبت أن قولنا ، لا إله إلا هو حق وصدق من غير حاجة إلى الإضمار ~~البتة . # / البحث الثاني : فيما يتعلق بهذه الكلمة أن تصور النفي متأخر عن تصور ~~الإثبات ، فإنك ما لم تتصور الوجود أولا ، استحال أن تتصور العدم ، فأنت لا ~~تتصور من العدم إلا ارتفاع الوجود . فتصور الوجود غني عن تصور العدم ، ~~وتصور العدم مسبوق بتصور الوجود ، فإن كان الأمر كذلك فما السبب في قلب هذه ~~القضية في هذه الكلمة حتى قدمنا النفي وأخرنا الإثبات . # والجواب : أن الأمر في العقل على ما ذكرت ، إلا أن تقديم النفي على ~~الإثبات كان لغرض إثبات التوحيد ونفي الشركاء والأنداد . # البحث الثالث : في كلمة { هو } أعلم أن المباحث اللفظية المتعلقة بهو قد ~~تقدمت في { بسم الله الرحمان الرحيم } أما الأسرار المعنوية فنقول ، اعلم ~~أن الألفاظ على نوعين : مظهرة ومضمرة : أما المظهرة فهي الألفاظ الدالة على ~~الماهيات المخصوصة من حيث هي هي ، كالسواد ، والبياض ، والحجر ، والإنسان ، ~~وأما المضمرات فهي الألفاظ الدالة على شيء ما ، هو المتكلم ، والمخاطب ، ~~والغائب ، من غير دلالة على ماهية ذلك المعين ، وهي ثلاثة : أنا ، وأنت ، ~~وهو ، وأعرفها أنا ، ثم أنت ، ثم هو ، والدليل على صحة هذا الترتيب أن ~~تصوري لنفسي من حيث أني أنا مما لا يتطرق إليه الاشتباه ، فإنه من المستحيل ~~أن أصير مشتبها بغيري ، أو يشتبه بي غيري ، بخلاف أنت ، فإنك قد تشتبه ~~بغيرك ، وغيرك يشتبه بك في عقلي وظني ، وأيضا فأنت ms1303 أعرف من هو ، فالحاصل أن ~~أشد المضمرات عرفانا { أنا } وأشدها بعدا عن العرفان . ( هو ) وأما ( أنت ) ~~فكالمتوسط بينهما ، والتأمل التام يكشف عن صدق هذه القضية ، ومما يدل على ~~أن أعرف الضمائر قولا قولي ( أنا ) أن المتكلم حصل له عند الإنفراد لفظ ~~يستوي فيه المذكر والمؤنث من غير فصل ، لأن الفصل إنما يحتاج إليه عند ~~الخوف من الإلتباس ، وههنا لا يمكن الإلتباس ، فلا حاجة إلى الفصل ، وأما ~~عند التثنية والجمع فاللفظ PageV04P158 واحد ، أما في المتصل فكقولك : ~~شربنا ، وأما المنفصل فقولك : نحن ، وإنما كان كذلك للأمن من اللبس ، وأما ~~المخاطب فإنه فصل بين لفظ مؤنثه ومذكره ، ويثني ويجمع ، لأنه قد يكون بحضرة ~~المتكلم مؤنث ومذكر وهو مقبل عليهما ، فيخاطب أحدهما فلا يعرف حتى يبينه ~~بعلامة : وتثنية المخاطب وجمعه إنما حسن لهذه العلة ، وأما إن الحاضر أعرف ~~من الغائب فهذا أمر كالضروري ، إذا عرفت هذا فنقول : ظهر أن عرفان كل شيء ~~بذاته أتم من عرفانه بغيره سواء كان حاضرا أو غائبا ؛ فالعرفان التام بالله ~~ليس إلا الله : لأنه هو الذي يقول لنفسه ( أنا ) ولفظ ( أنا ) أعرف الأقسام ~~الثلاثة ، فلما لم يكن لأحد أن يسير إلى تلك الحقيقة بالضمير الذي هو أعرف ~~الضمائر وهو قول ( أنا ) إلا له سبحانه علمنا أن العرفان التام به سبحانه ~~وتعالى ليس الإله . # بقي أن هناك قوما يجوزون الاتحاد : الأرواح البشرية إذا استنارت بأنوار ~~معرفة تلك الحقيقة اتحد العاقل بالمعقول وعند الاتحاد يصح لذلك العارف أن ~~يقول : أنا الله إلا أن القول بالاتحاد غير معقول / لأن حال الاتحاد إن ~~فنيا أو أحدهما ، فذاك ليس باتحاد ، وإن بقيا فهما اثنان لا واحد ، / ولما ~~انسد هذا الطريق الذي هو أكمل الطرق في الإشارة بقي الطريقان الآخران ، وهو ~~( أنت ) و ( هو ) أما ( أنت ) فهو للحاضرين في مقامات المكاشفات والمشاهدات ~~لمن فني عن جميع الحظوظ البشرية على ما أخبر الله تعالى عن يونس عليه ~~السلام أنه بعد أن فنى عن ظلمات عالم الحدوث وعن آثار الحدوث وصل إلى مقام ~~الشهود فقال : { فنادى فى ms1304 الظلمات أن لا إلاه إلا أنت } ( الأنبياء : 87 ) ~~وهذا ينبهك على أنه لا سبيل إلى الوصول إلى مقام المشاهدة والمخاطبة إلا ~~بالغيبة عن كل ما سواه وقال محمد صلى الله عليه وسلم : ( لا أحصى ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت على نفسك ) وأما ( هو ) فللغائبين ، ثم ههنا بحث وهو : أن ( ~~هو ) في حقه أشرف الأسماء ، ويدل عليه وجوه : # أحدها : أن الإسم إما كلي أو جزئي ، وأعني بكلي أن يكون مفهومه بحيث لا ~~يمنع تصوره من وقوع الشركة ، وأعني بالجزئي أن يكون نفس تصوره مانعا من ~~الشركة ، وهو اللفظ الدال عليه من حيث إنه ذلك المعين ، فإن كان الأول ~~فالمشار إليه بذلك الاسم ليس هو الحق سبحانه ، لأنه لما كان المفهوم من ذلك ~~الاسم أمرا لا يمنع الشركة وذاته المعينة سبحانه وتعالى مانعة من الشركة ~~وجب القطع بأن المشار إليه بذلك الاسم ليس هو الحق سبحانه ، فإذن جميع ~~الأسماء المشتقة : كالرحمن ، والرحيم ، والحكيم ، والعليم ، والقادر ، لا ~~يتناول ذاته المخصوصة ولا يدل عليها بوجه البتة ، وإن كان الثاني فهو ~~المسمى باسم العلم والعلم قائم مقام الإشارة فلا فرق بين قولك : يا زيد ~~وبين قولك : يا أنت ويا هو . وإذا كان العلم قائما مقام الإشارة فالعلم فرع ~~واسم الإشارة أصل والأصل أشرف من الفرع ، فقولنا : يا أنت ، يا هو أشرف من ~~سائر الأسماء بالكلية إلا أن الفرق أن ( أنت ) لفظ يتناول الحاضر و ( هو ) ~~يتناول الغائب وفيه سر آخر وهو أن ( هو ) إنما يصح التعبير عنه إذا حصل في ~~العقل صورة ذلك الشيء وقولك ( هو ) يتناول تلك الصورة وهي حاضرة ، فقد عاد ~~القول إلى أن ( هو ) أيضا لا يتناول إلا الحاضر . وثانيها : أنا قد دللنا ~~على أن حقيقة الحق منزهة عن جميع أنحاء التراكيب ، والفرد المطلق لا يمكن ~~نعته ، لأن النعت يقتضي المغايرة بين الموصوف والصفة وعند حصول الغيرية لا ~~تبقى الفردانية ، وأيضا لا يمكن الإخبار عنه لأن الإخبار يقتضي مخبرا عنه ~~ومخبرا به وذلك ينافي الفردانية ، فثبت أن جميع الأسماء المشتقة قاصرة عن ms1305 ~~الوصول إلى كنه حقيقة الحق وأما لفظ ( هو ) فإنه يصل إلى كنه تلك الحقيقة ~~المفردة المبرأة عن جميع جهات الكثرة فهذه اللفظة لوصولها إلى كنة الحقيقة ~~وجب أن تكون أشرف من سائر الألفاظ PageV04P159 التي يمتنع وصولها إلى كنه ~~تلك الحقيقة . وثالثها : أن الألفاظ المشتقة دالة على حصول صفة للذات ثم ~~ماهيات صفة الحق أيضا غير معلومة إلا بآثارها الظاهرة في عالم الحدوث ، فلا ~~يعرف من علمه إلا أنه الأمر الذي باعتباره صح منه الإحكام والإتقان ، ومن ~~قدرته إلا أنها الأمر الذي باعتباره صح منه صدور الفعل والترك ، فإذن هذه ~~الصفات لا يمكننا تعقلها إلا عند الالتفات إلى الأحوال المختلفة في عالم ~~الحدوث ، فالألفاظ المشتقة لا تشير إلى الحق سبحانه وحده ، بل تشير إليه ~~وإلى عالم الحدوث معا / والناظر إلى شيئين لا يكون مستكملا في كل واحد ~~منهما بل يكون ناقصا قاصرا ، فإذن جميع الأسماء المشتقة لا تفيد كمال ~~الاستغراق في مقام معرفة الحق بل كلها تصير حجابا بين العبد وبين الاستغراق ~~في معرفة الرب ، وأما ( هو ) فإنه لفظ يدل عليه من حيث هو هو لا من حيث ~~عرضت له إضافة أو نسبة بالقياس إلى عالم الحدوث ، فكان لفظ ( هو ) يوصلك ~~إلى الحق ويقطعك عما سواه / وما عداه من الأسماء فإنه لا يقطعك عما سواه ، ~~فكان لفظ ( هو ) أشرف . ورابعها : أن البراهين السالفة قد دلت على أن منبع ~~الجلال والعزة هو الذات ، وأن ذاته ما كملت بالصفات بل ذاته لكمالها ~~استلزمت صفات الكمال ، ولفظ ( هو ) يوصلك إلى ينبوع الرحمة والعزة والعلو ~~وهو الذات وسائر الألفاظ لا توقفك إلا في مقامات النعوت والصفات ، فكان لفظ ~~( هو ) أشرف ، فهذا ما خطر بالبال في الكشف عن أسرار لفظ ( هو ) وإليه ~~الرغبة سبحانه في أن ينور بدرة من لمعات أنوارها صدورنا وأسرارنا ، ويروح ~~بها عقولنا وأرواحنا حتى نتخلص من ضيق عالم الحدوث إلى فسحة معارج القدم ، ~~ونرقى من حضيض ظلمة البشرية إلى سموات الأنوار وما ذلك عليه بعزيز . # المسألة التاسعة : قال النحويون في قوله تعالى ms1306 : { لا إلاه إلا هو } ~~ارتفع ( هو ) لأنه بدل من موضع ( لا ) مع الاسم ولنتكلم في قوله : ما جاءني ~~رجل إلا زيد فقوله : إلا زيد مرفوع على البدلية لأن البدلية هي الإعراض عن ~~الأول والأخذ بالثاني فكأنك قلت : ما جاءني إلا زيد وهذا معقول لأنه يفيد ~~نفي المجيء عن الكل إلا عن زيد ، أما قوله : جاءني إلا زيدا فههنا البدلية ~~غير ممكنة لأنه يصير في التقدير : جاءني خلق إلا زيدا ، وذلك يقتضي أنه جاء ~~كل أحد إلا زيدا وذلك محال فظهر الفرق والله أعلم . # أما ( الرحمن الرحيم ) فقد تقدم القول في تفسيرهما وبينا أن الرحمة في ~~حقه سبحانه هي النعمة وفاعلها هو الراحم فإذا أردنا إفادة الكثرة قلنا ( ~~رحيم ) وإذا أردنا المبالغة التامة التي ليست إلا له سبحانه قلنا { الرحمان ~~} . # واعلم أنه سبحانه إنما خص هذا الموضع بذكر هاتين الصفتين لأن ذكر الإلهية ~~الفردانية يفيد القهر والعلو فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة ترويحا ~~للقلوب عن هيبة الإلهية ، وعزة الفردانية وإشعارا بأن رحمته سبقت غضبه وأنه ~~ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان . # PageV04P160 ! 7 < { إن في خلق السماوات والا رض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء ~~فأحيا به الا رض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السمآء والأرض لآيات لقوم يعقلون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 164 ) إن في خلق . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بالفردانية والوحدانية ذكر ثمانية ~~أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده سبحانه أولا وعلى ~~توحيده وبراءته على الأضداد والأنداد ثانيا ، وقبل الخوض في شرح تلكم ~~الدلائل لا بد من بيان مسائل : # المسألة الأولى : وهي أن الناس اختلفوا في أن الخلق هل هو المخلوق أو ~~غيره ؟ فقال عالم من الناس : الخلق هو المخلوق . واحتجوا عليه بالآية ~~والمعقول ، أما الآية فهي هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى قال : { إن في خلق * ~~السماوات والارض * واختلاف اليل والنهار } إلى قول : { لآيات لقوم يعقلون ms1307 } ~~ومعلوم أن الآيات ليست إلا في المخلوق ، وأما المعقول فقد احتجوا عليه ~~بأمور . أحدها : أن الخلق عبارة عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود ، فهذا ~~الإخراج لو كان أمرا مغايرا للقدرة والأثر فهو إما أن يكون قديما أو حديثا ~~، فإن كان قديما فقد حصل في الأزل مسمى الإخراج من العدم إلى الوجود ~~والإخراج من العدم إلى الوجود مسبوق بالعدم والأزل هو نفي المسبوقية فلو ~~حصل الإخراج في الأزل لزم اجتماع النقيضين وهو محال ، وإن كان محدثا فلا بد ~~له أيضا من مخرج يخرجه من العدم إلى الوجود فلا بد له من إخراج آخر والكلام ~~فيه كما في الأول ويلزم التسلسل . وثانيها : أنه تعالى في الأزل لم يكن ~~مخرجا للأشياء من عدمها إلى وجودها ، ثم في الأزل هل أحدث أمرا أو لم يحدث ~~؟ فإن أحدث أمرا فذلك الأمر الحادث هو المخلوق ، وإن لم يحدث أمرا فالله ~~تعالى قط لم يخلق شيئا . وثالثها : أن المؤثرية نسبة بين ذات المؤثر وذات ~~الأثر والنسبة بين الأمرين يستحيل تقريرها بدون المنتسب فهذه المؤثرية إن ~~كانت حادثة لزم التسلسل وإن كانت قديمة كانت من لوازم ذات الله تعالى ، ~~وحصول الأثر إما في الحال أو في الإستقبال من لوازم هذا الصفة القديمة ~~العظيمة ولازم اللازم لازم فيلزم أن يكون الأثر من لوازم ذات الله تعالى ~~فلا يكون الله تعالى قادرا مختارا بل ملجأ مضطرا إلى ذلك التأثير فيكون علة ~~موجبة وذلك كفر . # واحتج القائلون بأن الخلق غير المخلوق بوجوه . أولها : أن قالوا : لا ~~نزاع في أن الله تعالى موصوف بأنه خالق قبل أن يخلق الأشياء ، والخالق هو ~~الموصوف بالخلق ، فلو كان الخلق هو المخلوق لزم كونه تعالى PageV04P161 ~~موصوفا بالمخلوقات التي منها الشياطين والأبالسة والقاذورات ، وذلك / لا ~~يقوله عاقل . وثانيها : أنا إذا رأينا حادثا حدث بعد أن لم يكن قلنا : لم ~~وجد هذا الشيء بعد أن لم يكن فإذا قيل لنا إن الله تعالى خلقه وأوجده قبلنا ~~ذلك وقلنا : إن حق وصواب ، ولو قيل إنه إنما وجد بنفسه ms1308 لقلنا إنه خطأ وكفر ~~ومتناقض ، فلما صح تعليل حدوثه بعد ما لم يكن بأن الله تعالى خلقه ولم يصح ~~تعليل حدوثه بحدوثه بنفسه ، علمنا أن خلق الله تعالى إياه مغاير لوجوده في ~~نفسه ، فالخلق غير المخلوق . وثالثها : أنا نعرف أفعال العباد ونعرف الله ~~تعالى وقدرته مع أنا لا نعرف أن المؤثر في أفعال العباد أهو قدرة الله أم ~~هو قدرة العبد والمعلوم غير ما هو معلوم فمؤثرية قدرة القادر في وقوع ~~المقدور مغايرة لنفس تلك القدرة ولنفس ذلك المقدور / ثم إن هذه المغايرة ~~يستحيل أن تكون سلبية لأنه نقيض المؤثرية التي هي عدمية ، فهذه المؤثرية ~~صفة ثبوتية زائدة على ذات المؤثر وذات الأثر وهو المطلوب . ورابعها : أن ~~النحاة قالوا : إذ قلنا خلق الله العالم فالعالم ليس هو المصدر بل هو ~~المفعول به ، وذلك يدل على أن خلق العالم غير العالم . وخامسها : أنه يصح ~~أن يقال : خلق السواد وخلق البياض وخلق الجوهر وخلق العرض فمفهوم الخلق أمر ~~واحد في الكل مغاير لهذه الماهيات المختلفة بدليل أنه يصح تقسيم الخالقية ~~إلى خالقية الجوهر وخالقية العرض ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام ، فثبت ~~أن الخلق غير المخلوق فهذا جملة ما في هذه المسألة . # المسألة الثانية : قال أبو مسلم رحمه الله : أصل الخلق في كلام العرب ~~التقدير وصار ذلك اسما لأفعال الله تعالى لما كان جميعها صوابا قال تعالى : ~~{ وخلق كل شىء فقدره تقديرا } ( الفرقان : 2 ) ويقول الناس في كل أمر محكم ~~هو معمول على تقدير . # المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أنه لا بد من الاستدلال على وجود ~~الصانع بالدلائل العقلية وأن التقليد ليس طريقا ألبتة إلى تحصيل هذا الغرض ~~. # المسألة الرابعة : ذكر ابن جرير في سبب نزول هذه الآية : عن عطاء أنه ~~عليه السلام عند قدومه المدينة نزل عليه : { وإلاهكم إلاه واحد } ( البقرة ~~: 163 ) فقال كفار قريش بمكة كيف يسع الناس إله واحد ؟ فأنزل الله تعالى : ~~{ إن في خلق * السماوات والارض } وعن سعيد بن مسروق اقل : سألت قريش اليهود ~~فقالوا حدثونا عما جاءكم ms1309 به موسى من الأيات فحدثوهم بالعصا وباليد البيضاء ~~وسألوا النصارى عن ذلك فحدثوهم بإبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى فقالت ~~قريش عند ذلك للنبي عليه السلام ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا فنزداد ~~يقينا وقوة على عدونا ، فسأل ربه ذلك فأوحى الله تعالى إليه أن يعطيهم ولكن ~~إن كذبوا بعد ذلك عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فقال عليه السلام ~~: ( ذرني وقومي أدعوهم يوما فيوما ) فأنزل الله تعالى هذه الآية مبينا لهم ~~أنهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبا ليزدادوا يقينا فخلق السموات ~~والأرض وسائر ما ذكر أعظم . # واعلم أن الكلام في هذه الأنواع الثمانية من الدلائل على أقسام : # القسم الأول : في تفصيل القول في كل واحد منها ، فالنوع الأول من الدلائل ~~: الاستدلال / بأحوال السموات وقد ذكرنا طرفا من ذلك في تفسير قوله تعالى : ~~{ الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء } ( البقرة : 22 ) ولنذكر ههنا ~~نمطا آخر من الكلام : PageV04P162 # روي أن عمر بن الحسام كان يقرأ كتاب المجسطي على عمر الأبهري ، فقال بعض ~~الفقهاء يوما : ما الذي تقرؤنه فقال : أفسر آية من القرآن ، وهي قوله تعالى ~~: { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف } ( ق : 6 ) فأنا أفسر كيفية بنيانها ~~، ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلا في بحار مخلوقات ~~الله تعالى كان أكثر علما بجلال الله تعالى وعظمته فنقول : الكلام في أحوال ~~السموات على الوجه المختصر الذي يليق بهذا الموضع مرتب في فصول : # الفصل الأول # في ترتيب الأفلاك # قالوا : أقر بها إلينا كرة القمر ، وفوقها كرة عطارد ، ثم كرة الزهرة ، ~~ثم كرة الشمس ، ثم كرة المريخ ، ثم كرة المشتري ، ثم كرة زحل ، ثم كرة ~~الثوابت ، ثم الفلك الأعظم . # واعلم أن في هذا الموضوع أبحاثا : # البحث الأول : ذكروا في طريق معرفة هذا الترتيب ثلاثة أوجه . الأول : ~~السير ، وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى ~~فإنهما يبصران ككوكب واحد ، . ويتميز السائر عن المستور بلونه الغالب / ~~كصفرة عطارد ، وبياض الزهرة وحمرة المريخ ، ودرية ms1310 المشتري ، وكمودة زحل ، ~~ثم إن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة ، وكثيرا من الثوابت في ~~طريقه في ممر البروج ، وكوكب عطارد يكسف الزهرة ، والزهرة تكسف المريخ وعلى ~~هذا الترتيب فهذا الطريق يدل على كون القمر تحت الشمس لانكسافها به ، لكن ~~لا يدل على كون الشمس فوق سائر الكواكب أو تحتها ، لأن الشمس لا تنكسف بشيء ~~منها لاضمحلال أضوائها في ضوء الشمس ، فسقط هذا الطريق بالنسبة إلى الشمس . ~~الثاني : اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة ، وغير محسوس ~~للمريخ والمشتري وزحل ، وأما في حق الشمس فقليل جدا ، فوجب أن تكون الشمس ~~متوسطة بين القسمين ، وهذا الطريق بين جدا لمن اعتبر اختلاف منظر الكواكب ، ~~وشاهده على الوجه الذي حكيناه ، فأما من لم يمارسه ، فإنه يكون مقلدا فيه ، ~~لا سيما وأن أبا الريحان وهو أستاذ هذه الصناعة ذكر في تلخيصه لفصول ~~الفرغاني أن اختلاف المنظر لا يحس به إلا في القمر . الثالث : قال بطليموس ~~: إن زحل والمشتري والمريخ تبعد عن الشمس في جميع الأبعاد ، وأما عطارد ~~والزهرة فإنهما لا يبعدان عن الشمس بعد التسديس فضلا عن سائر الأبعاد ، ~~فوجب كون الشمس متوسطة بين القسمين ، وهذا الدليل ضعيف ، فإنه منقوض بالقمر ~~، فإنه يبعد عن الشمس كل الأبعاد ، مع أنه تحت الكل . # / البحث الثاني : في أعداد الأفلاك ، قالوا إنها تسعة فقط ، والحق أن ~~الرصد لما دل على هذه التسعة أثبتناها ، فأما ما عداها ، فلما لم يدل الرصد ~~عليه ، لا جرم ما جزمنا بثبوتها ولا بانتفائها ، وذكر ابن سينا في الشفاء : ~~أنه لم يتبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة ، أو كرات منطبق بعضها ~~على بعض ، وأقول : هذا الإحتمال واقع ، لأن الذي يمكن أن يستدل به على وحدة ~~كرة الثوابت ليس إلا أن يقال : إن حركاتها متساوية ، وإذا كان كذلك وجب ~~كونها مركوزة في كرة واحدة ، والمقدمتان ضعيفتان . PageV04P163 # أما المقدمة الأولى : فلأن حركاتها وإن كانت في حواسنا متشابهة ، لكنها ~~في الحقيقة لعلها ليست كذلك ، لأنا لو قدرنا أن الواحد منها يتم الدور في ~~ستة ms1311 وثلاثين ألف سنة ، والآخر يتم هذا الدور في مثل هذا الزمان لكن ينقصان ~~عاشرة ، إذا وزعنا تلك العاشرة على أيام ستة وثلاثين ألف سنة ، لا شك أن ~~حصة كل يوم ، بل كل سنة ، بل كل ألف سنة مما لا يصير محسوسا ، وإذا كان ~~كذلك سقط القطع بتشابه حركات الثوابت . # وأما المقدمة الثانية : وهي أنها لما تشابهت في حركاتها وجب كونها مركوزة ~~في كرة واحدة وهي أيضا ليست يقينية ، فإن الأشياء المختلفة لا يستبعد ~~اشتراكها في لازم واحد ، بل أقول هذا الاحتمال الذي ذكره ابن سينا في كرة ~~الثوابت قائم في جميع الكرات ، لأن الطريق إلى وحدة كل كرة ليس إلا ما ~~ذكرناه وزيفناه ، فإذن لا يمكن الجزم بوحدة الكرة المتحركة اليومية فلعلها ~~كرات كثيرة مختلفة في مقادير حركاتها بمقدار قليل جدا لا تفي بضبط ذلك ~~التفاوت أعمارنا ، وكذلك القول في جميع الممثلات والحوامل . # ومن الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت ، وتحت الفلك الأعظم ، واحتجوا من ~~وجوه . الأول : أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار ، وكل من كان ~~رصده أقدم كان وجدان الميل الأعظم أعظم ، فإن بطليموس وجده . ( كج نا ) ثم ~~وجد في زمان المأمون ( كج له ) ثم وجد بعد المأمون وقد تناقص بدقيقة ، وذلك ~~يقتضي أن من شأن القطبين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى ، وهذا إنما يمكن ~~إذا كان بين كرة الكل ، وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة ~~الكل ، ويكون كرة الثوابت يدور أيضا قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض ~~لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضا ، وتارة إلى جانب الجنوب ~~مرتفعا فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج / وأن ينفصل ~~عنه تارة أخرى إلى الجنوب . وثانيها : أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطرابا ~~شديدا في مقدار مسير الشمس على ما هو مشروح في المطولات ، حتى أن بطليموس ~~حكى عن أبرخس أنه كان شاكا في أن هذا السير يكون في أزمنة متساوية أو ~~مختلفة . # ثم إن الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين . أحدهما ms1312 : قول من يجعل أوج ~~الشمس / متحركا فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس من هذه الجهة ~~يختلف عند نقطتي الإعتدالين لاختلاف بعدهما من الأوج ، فيختلف زمان سير ~~الشمس من أجله . وثانيهما : قول أهل الهند والصين وبابل ، وأكثر قدماء ~~علماء الروم ومصر والشام : أن السبب فيه انتقال فلك البروج ، وارتفاع قطبيه ~~وانحطاطه ، وحكى أبرخس أنه كان يعتقد هذا الرأي ، وذكر باربا الإسكنداني أن ~~أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك أيضا ، وأن قطب فلك البروج يتقدم عن ~~موضعه ويتأخر ثمان درجات ، وقالوا : إن ابتداء الحركة من ( كب ) درجة من ~~الحوت إلى أول الحمل . وثالثها : أن بطليموس رصد الثوابت فوجدها تقطع في كل ~~مائة سنة درجة واحدة والمتأخرون رصدوها فوجدوها تقطع في كل مائة سنة درجة ~~ونصفا ، وهذا تفاوت عظيم يبعد حمله على التفاوت في الآلات التي تتخذها ~~المهرة في الصناعة على سبيل الإستقصاء ، فلا بد من حمله على ازدياد الميل ~~ونقصانه ، وذلك يوجب القول بثبوت الفلك الذي ذكرناه . # البحث الثالث : احتجوا على أن الكواكب الثابتة مركوزة في فلك فوق أفلاك ~~هذه الكواكب السبعة ، PageV04P164 فقالوا : شاهدنا لهذه الأفلاك السبعة ~~حركات أسرع من حركات هذه الثوابت ، وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة ~~الفلك ، وهذا يقتضي كون هذه الثوابت مركوزة في كرة سوى هذه السبعة ، ولا ~~يجوز أن تكون مركوزة في الفلك الأعظم لأنه سريع الحركة ، يدور في كل يوم ~~وليلة دورة واحدة بالتقريب ، ثم قالوا : إنها مركوزة في كرة فوق كرات هذه ~~السبعة ، لأن هذه الكواكب السبعة قد تكسف تلك الثوابت ، والكاسف تحت ~~المكسوف ، فكرات هذه السبعة وجب أن تكون دون كرات الثوابت . # وهذا الطريق أيضا ضعيف من وجوه . أحدها : أنا لا نسلم أن الكوكب لا يتحرك ~~إلا بحركة فلكية ، وهم إنما بنوا على امتناع الخرق على الأفلاك ، ونحن قد ~~بينا ضعف دلائلهم على ذلك . وثانيها : سلمنا أنه لا بد لهذه الثوابت من ~~كرات أخرى إلا أن مذهبكم أن كل كرة من هذه الكرات السبعة تنقسم إلى أقسام ~~كثيرة ، ومجموعها هو الفلك الممثل ms1313 وأن هذه الممثلة بطيئة الحركة على وفق ~~حركة كرة الثوابت ، فلم لا يجوز أن يقال : هذه الثوابت مركوزة في هذه ~~الممثلات البطيئة الحركة ، فأما السيارات فإنها مركوزة في الحوامل التي هي ~~أفلاك خارجة المركز ، وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى إثبات كرة الثوابت . ~~وثالثها : هب أنه لا بد من كرة أخرى فلم لا يجوز أن يكون هناك كرتان ~~إحداهما فوق كرة زحل ، والأخرى دون كرة القمر ، وذلك لأن هذه السيارات لا ~~تمر إلا بالثوابت الواقعة في ممر تلك السيارات ، فأما الثوابت المقاربة ~~للقطبين فإن السيارات لا تمر بشيء منها ولا تكسفها ، فالثوابت التي تنكسف ~~بهذه السيارات هب أنا حكمنا بكونها مركوزة في كرة فوق كرة زحل ، أما التي ~~لا تنكسف بهذه السيارات فكيف نعلم أنها ليست دون السيارات فثبت أن الذي ~~قالوه غير برهاني بل احتمالي . # / البحث الرابع : زعموا أن الفلك الأعظم حركته أسرع الحركات فإنه يتحرك ~~في اليوم والليلة قريبا من دورة تامة ، وأنه يتحرك من المشرق إلى المغرب . # وأما الفلك الثامن الذي تحته فإنه في نهاية البطء حتى إنه يتحرك في كل ~~مائة سنة درجة عند بطليموس ، وعند المتأخرين في كل ستة وستين سنة درجة ، ~~وأنه يتحرك من المغرب إلى المشرق على عكس الحركة الأولى ، واحتجوا عليه ~~بأنا لما رصدنا هذه الثوابت وجدنا لها حركة على خلاف الحركة اليومية . # واعلم أن هذا أيضا ضعيف ، فلم لا يجوز أن يقال : إن الفلك الأعظم يتحرك ~~من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة تامة ، والفلك الثامن أيضا يتحرك ~~من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة إلا بمقدار نحو عشر ثانية فلا جرم ~~نرى حركة الكواكب في الحس مختلفة عن الحركة الأولى بذلك القدر القليل في ~~خلاف جهة الحركة الأولى ، فإذا اجتمعت تلك المقادير أحس كأن الكوكب الثابت ~~يرجع بحركة بطيئة إلى خلاف جهة الحركة اليومية ، فهذا الاحتمال واقع ، وهم ~~ما أقاموا الدلالة على إبطاله ، ثم الذي يدل على أنه هو الحق وجهان . الأول ~~: وهو برهاني ، أن حركة الفلك الثامن ms1314 لو كانت إلا خلاف حركة الفلك الأعظم ~~لكان حينما يتحرك بحركة الفلك الأعظم إلى جهة إما أن يتحرك بحركة نفسه إلى ~~خلاف تلك الجهة أو لا يتحرك في ذلك الوقت بمقتضى حركة نفسه ، فإن كان الأول ~~لزم كون الشيء الواحد دفعة واحدة متحركا إلى جهتين ، والحركة PageV04P165 ~~إلى جهتين تقتضي الحصول في الجهتين دفعة وذلك محال ، وإن كان القسم الثاني ~~لزم انقطاع الحركات الفلكية ، وهم لا يرضون بذلك . الثاني : أن نهاية ~~الحركة حاصلة للفلك الأعظم ، ونهاية السكون حاصلة للأرض ، والأقرب إلى ~~العقول أن يقال : كل ما كان أقرب من الفلك الأعظم كان أسرع حركة ، وكل ما ~~كان أبعد كان أبطأ حركة ، ففلك الثوابت أقرب الأفلاك إليه ، فلا جرم لا ~~تفاوت بين الحركتين إلا بقدر قليل ، وهو الذي يحصل من اجتماع مقادير ~~التفاوت في كل مائة سنة درجة واحدة ، ويليه فلك زحل فإنه أبطأ من فلك ~~الثوابت فلا جرم كان تخلفه عن الفلك الأعظم أكثر حتى إن مقادير التفاوت إذا ~~اجتمعت بلغت في كل ثلاثين سنة إلى تمام الدور ، وعلى هذا القول كل ما كان ~~أبعد عن الفلك الأعظم كان أبطأ حركة ، فكان تفاوته أكثر حتى يبلغ إلى فلك ~~القمر الذي هو أبطأ الأفلاك حركة ، فهو في كل يوم يتخلف عن الفلك الأعظم ~~ثلاث عشرة درجة ، فلا جرم يتمم دوره في كل شهر ، ولا يزال كذلك حتى ينتهي ~~إلى الأرض التي هي أبعد الأشياء عن الفلك ، فلا جرم كانت في نهاية السكون ، ~~فثبت أن كلامهم في هذه الأصول مختل ضعيف والعقل لا سبيل له إلى الوصول ~~إليها . # / الفصل الثاني # في معرفة الأفلاك # القوم وضعوا لأنفسهم مقدمتين ظنيتين . أحداهما : أن حركات الأجرام ~~السماوية متساوية متصلة ، وأنها لا تبطىء مرة وتسرع أخرى ، وليس لها رجوع ~~عن متوجهاتها . والثانية : أن الكواكب لا تتحرك بذاتها بل بتحرك الفلك ، ثم ~~إنهم بنوا على هاتين المقدمتين مقدمة أخرى فقالوا : الفلك الذي يحمل ~~الكواكب إما أن يكون مركزه مركز الأرض أو لا يكون ، فإن كان مركزه مركز ~~الأرض ، فإما ms1315 أن يكون الكوكب مركوزا في ثخنه أو مركوزا في جرم مركوز في ثخن ~~ذلك الفلك ، فإن كان الأول استحال أن يختلف قرب الكوكب وبعده من الأرض ، ~~وأن يختلف قطعه للقسى من ذلك الفلك والأعراض الإختلاف في حركة الفلك ، أو ~~حركة الكوكب ، وقد فرضنا أنهما لا يوجدان ألبتة ، فبقي القسمان الآخران . ~~أحدهما : أن يكون الكوكب مركوزا في جرم كري مستدير الحركة ، مغروز في ثخن ~~الفلك المحيط بالأرض ، وذلك الجرم نسميه بالفلك المستدير ، فحينئذ يعرض ~~بسبب حركته اختلاف حال الكوكب بالنسبة إلى الأرض تارة بالقرب والبعد وتارة ~~بالرجوع والإستقامة ، وتارة بالصغر والكبر في المنظر وإما أن يكون الفلك ~~الميحط بالأرض ليس مركزه موافقا لمركز الأرض ، فهو الفلك الخارج المركز ، ~~ويلزم أن يكون الحامل في أحد نصفي فلك البروج من ذلك الفلك أعظم من النصف ، ~~وفي نصفه الآخر أقل من النصف ، فلا جرم يحصل بسببه : القرب والبعد من الأرض ~~، وأن يقطع أحد نصفي فلك البروج في زمان أكثر من قطعه النصف الآخر ، فظهر ~~أن اختلاف أحوال الكواكب في صغرها وكبرها / وسرعتها وبطئها ، وقربها وبعدها ~~، من الأرض لا يمكن حصوله إلا بأحد هذين الشيئين ، أعني التدوير ، والفلك ~~الخارج المركز . # إذا عرفت هذا فلنرجع إلى التفصيل قولهم في الأفلاك ، فقالوا : هذه ~~الأفلاك التسعة ، منها ما هو كرة PageV04P166 واحدة ، وهو الفلك الأعظم ، ~~وفلك الثوابت ، ومنها ما ينقسم إلى كرتين ، وهو فلك الشمس ، وذلك أنه ينفصل ~~منه فلك آخر مركزه غير مركز العالم ، بحيث يتماس سطحاهما المحدبان على نقطة ~~تسمى الأوج ، وهو البعد الأبعد من الفلك المنفصل ، ويتماس سطحاهما المقعران ~~على نقطة تسمى الحضيض ، وهو البعد الأقرب منه ، وهما في الحقيقة فلك واحد ، ~~منفصل عنه فلك آخر ، إلا أنه يقال : فلكان ، توسعا ، ويسمى المنفصل عنه : ~~الفلك الممثل ، والمنفصل الخارج المركز فلك الأوج ، وجرم الشمس مغرق فيه ~~بحيث يماس سطحه سطحيه ، ومنها ما ينقسم إلى ثلاث أكر ، وهي أفلاك الكواكب ~~العلوية والزهرة ، فإن لكل واحد منهما فلكين مثل فلك الشمس ، وفلكا آخر ~~موقعه من خارج المركز مثل موقع ms1316 جرم الشمس من فلكه ويسمى : فلك / التدوير ~~والكوكب مغرق فيه بحيث يماس سطحه ويسمى الخارج المركز : الفلك الحامل ، ~~ومنها ما ينقسم إلى أربع أكر وهو فلك عطارد والقمر ، أما عطارد فإن له ~~فلكين مثل فلكي الشمس وينفصل من الثاني فلك آخر انفصال الخارج المركز عن ~~الممثل بحيث يقع مركزه خارجا عن المركزين وبعده عن مركز الخارج المركز مثل ~~نصف بعد ما بين مركزي الخارج المركز والممثل ويسمى المنفصل عنه الفلك ~~المدير والمنفصل الفلك الحامل ، ومنه فلك التدوير وعطارد فيه كما سبق في ~~الكرات الأربعة ، وأما القمر فإن فلكه ينقسم إلى كرتين متوازيتين والعظمى ~~تسمى الفلك المثل والصغرى الفلك المائل وينقسم المائل إلى ثلاث أكر كما في ~~الكواكب الأربعة ، وكل فلك ينفصل عنه فلك آخر على الصورة التي عرفتها في ~~فلك الشمس ، فإنه يبقى من المنفصل عنه كرتان مختلفتا الثخن يسميان متممين ~~لذلك الفلك المنفصل وكل واحد من هذه الأفلاك يتحرك على مركزه حركة دائمة ~~متصلة إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا والناس إنما وصلوا إلى معرفة هذه ~~الكرات بناء على المقدمة التي قررناها ولا شك أنها لو صحت لصح القول بهذه ~~الأشياء إنما الشأن فيها . # الفصل الثالث # في مقادير الحركات # قال الجمهور : إن جميع الأفلاك تتحرك من المغرب إلى المشرق سوى الفلك ~~الأعظم ، والمدير لعطارد والفلك الممثل والمائل والمدير للقمر فالحركة ~~الشرقية تسمى : الحركة إلى التوالي والغربية إلى خلاف التوالي ، والفلك ~~الأعظم يتحرك حركة سريعة في كل يوم بليلته دورة واحدة على قطبين يسميان ~~قطبي العالم ويحرك جميع الأفلاك والكواكب ، وبهذه الحركة يقع للكواكب ~~الطلوع والغروب وتسمى الحركة الأولى ، وفلك الثوابت يتحرك حركة بطيئة في كل ~~ست وستين سنة عند المتأخرين درجة واحدة على قطبين يسميان قطبي فلك البروج ، ~~وهما يدوران حول قطبي العالم بالحركة الأولى وتتحرك على وفق هذه الحركة ~~جميع الأفلاك المتحركة ، وبهذه الحركة تنتقل الأوجات عن موضعها من فلك ~~البروج وتسمى الحركة الثانية وحركة الأوج وهي حركة الثوابت والثوابت إنما ~~سميت ثوابت لأسباب . أحدها : كونها بطيئة ms1317 لأنها بإزاء السيارة تشبه الساكنة ~~. PageV04P167 وثانيها : السيارة تتحرك إليها وهي لا تتحرك إلى السيارة ~~فكأن الثوابت ثابتة لانتظارها . وثالثها : عروضها ثابتة على مقدار واحد لا ~~يتغير . ورابعها : أبعاد ما بينها ثابتة على حال واحد لا تتغير الصورة ~~المتوهمة عليها من الصور الثماني والأربعين . وخامسها : الأزمنة عند أكثر ~~عوام الأمم منوطة بطلوعها وأفولها بحيث لا يتفاوت إلا في القرون والأحقاب . # / وأما الأفلاك الخارجة المركز فإنها تتحرك في كل يوم هكذا : زحل ( ب أ ) ~~المشتري ( دنط ) المريخ بدلالة الشمس ( لاكر ) الزهرة ( نط ج ) عطارد ( نط ~~ح ) والقمر ( يج يج مو ) وتسمى حركة المركز ، وحركة الوسط ، وهي حركات ~~مراكز أفلاك التداوير ومركز الشمس والأفلاك التداوير تتحرك بهذا المقدار ~~زحل ( نرح ) المشتري ( ند ط ) المريخ ( كرمب ) الزهرة ( لونط ) عطارد ( ج ~~وكد ) القمر ( يج ج ند ) وتسمى : الحركة الخاصة ، وحركة الاختلاف وهي حركات ~~مراكز الكواكب . واعلم أن بسبب هذه الحركات المختلفة يعرض لهذه الكواكب ~~أحوال مختلفة . أحدها : أنه يحصل للقمر مثلا أبعاد مختلفة غير مضبوطة ~~بالنسبة إلى هذا العالم والأنواع المضبوطة منها أربعة . الأول : أن يكون ~~القمر على البعد الأقرب من فلك التدوير ومركز التدوير على البعد الأقرب من ~~الفلك الخارج المركز ويقال له البعد الأقرب ، وهو الثلاث وثلاثون مرة مثل ~~نصف قطر الأرض بالتقريب . الثاني : أن يكون القمر على البعد الأبعد من فلك ~~التدوير ومركز فلك التدوير على البعد الأقرب من الفلك الخارج المركز وهو ~~البعد الأقرب للأبعد وهو ثلاث وأربعون مرة مثل نصف قطر الأرض . الثالث : أن ~~يكون القمر على البعد الأقرب من فلك التدوير ومركز فلك التدوير على البعد ~~الأبعد من الفلك الخارج المركز وهو البعد الأبعد للأقرب وهو أربعة وخمسون ~~مرة مثل نصف قطر الأرض . الرابع : أن يكون القمر على البعد الأبعد من فلك ~~التدوير ومركز التدوير على البعد الأبعد من الفلك الخارج المركز وهو البعد ~~الأبعد وهو أربعة وستون مرة مثل نصف قطر الأرض ، ثم إن ما بين هذه النقط ~~الأربعة الأحوال مختلفة على ما أتى على شرحها أبو الريحان ms1318 . وثانيها : أن ~~جميع الكواكب مرتبطة بالشمس ارتباطا ما ، فأما العلوية فإن بعد مراكزها عن ~~ذرى أفلاك تداويرها أبدا تكون بمقدار بعد مركز الشمس عن مراكز تداويرها ~~وحينئذ تكون محترقة ومتى كانت في الحضيض كانت في مقابلتها وحينئذ تكون ~~مقابلة للشمس وذلك يقارن الشمس في منتصف الاستقامة ويقابلها في منتصف ~~الرجوع وقيل : إن نصف قطر فلك تدوير المريخ أعظم من نصف قطر فلك ممثل الشمس ~~فيلزم أنه إذا كان مقارنا للشمس يكون بعد مركزه عن مركز الشمس أعظم منه إذا ~~كان مقابلا لها ، وأما السلفيات فإن مراكز أفلاك تدويرها أبدا يكون مقارنا ~~للشمس فيلزم أن تقارن الشمس الذروة والحضيض في منتصفي الاستقامة ، والرجوع ~~غاية بعد كل واحد منهما عن الشمس بمقدار نصف قطر فلك تدويرهما ، وهو للزهرة ~~( مه ) ولعطارد ( كه ) بالتقريب وأما القمر فإن مركز الشمس أبدا يكون ~~متوسطا بين بعده الأبعد وبين مركز تدويره ولذلك يقال لبعدمركز تدويره عن ~~البعد الأبعد البعد المضاعف لأنه ضعف بعد مركز تدويره من الشمس فلزم أنه ~~متى كان مركز تدويره في البعد الأبعد ، فإما أن يكون مقابلا للشمس أو ~~مقارنا لها ، ومتى كان في البعد الأقرب تكون الشمس في تربيعه فلذلك يكون ~~اجتماعه واستقباله في البعد الأبعد وتربيعه مع الشمس في الأقرب . # أما المقدمة الأولى : فلأن حركاتها وإن كانت في حواسنا متشابهة ، لكنها ~~في الحقيقة لعلها ليست كذلك ، لأنا لو قدرنا أن الواحد منها يتم الدور في ~~ستة وثلاثين ألف سنة ، والآخر يتم هذا الدور في مثل هذا الزمان لكن ينقصان ~~عاشرة ، إذا وزعنا تلك العاشرة على أيام ستة وثلاثين ألف سنة ، لا شك أن ~~حصة كل يوم ، بل كل سنة ، بل كل ألف سنة مما لا يصير محسوسا ، وإذا كان ~~كذلك سقط القطع بتشابه حركات الثوابت . # وأما المقدمة الثانية : وهي أنها لما تشابهت في حركاتها وجب كونها مركوزة ~~في كرة واحدة وهي أيضا ليست يقينية ، فإن الأشياء المختلفة لا يستبعد ~~اشتراكها في لازم واحد ، بل أقول هذا الاحتمال الذي ذكره ابن سينا في ms1319 كرة ~~الثوابت قائم في جميع الكرات ، لأن الطريق إلى وحدة كل كرة ليس إلا ما ~~ذكرناه وزيفناه / فإذن لا يمكن الجزم بوحدة الكرة المتحركة اليومية فلعلها ~~كرات كثيرة مختلفة في مقادير حركاتها بمقدار قليل جدا لا تفي بضبط ذلك ~~التفاوت أعمارنا ، وكذلك القول في جميع الممثلات والحوامل . # ومن الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت ، وتحت الفلك الأعظم ، واحتجوا من ~~وجوه . الأول : أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار ، وكل من كان ~~رصده أقدم كان وجدان الميل الأعظم أعظم ، فإن بطليموس وجده . ( كج نا ) ثم ~~وجد في زمان المأمون ( كج له ) ثم وجد بعد المأمون وقد تناقص بدقيقة ، وذلك ~~يقتضي أن من شأن القطبين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى ، وهذا إنما يمكن ~~إذا كان بين كرة الكل ، وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة ~~الكل ، ويكون كرة الثوابت يدور أيضا قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض ~~لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضا ، وتارة إلى جانب الجنوب ~~مرتفعا فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج ، وأن ينفصل ~~عنه تارة أخرى إلى الجنوب . وثانيها : أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطرابا ~~شديدا في مقدار مسير الشمس على ما هو مشروح في المطولات ، حتى أن بطليموس ~~حكى عن أبرخس أنه كان شاكا في أن هذا السير يكون في أزمنة متساوية أو ~~مختلفة . # ثم إن الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين . أحدهما : قول من يجعل أوج ~~الشمس / متحركا فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس من هذه الجهة ~~يختلف عند نقطتي الإعتدالين لاختلاف بعدهما من الأوج ، فيختلف زمان سير ~~الشمس من أجله . وثانيهما : قول أهل الهند والصين وبابل ، وأكثر قدماء ~~علماء الروم ومصر والشام : أن السبب فيه انتقال فلك البروج ، وارتفاع قطبيه ~~وانحطاطه ، وحكى أبرخس أنه كان يعتقد هذا الرأي ، وذكر باربا الإسكنداني أن ~~أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك أيضا ، وأن قطب فلك البروج يتقدم عن ~~موضعه ويتأخر ثمان درجات ، وقالوا : إن ابتداء الحركة من ( كب ) درجة ms1320 من ~~الحوت إلى أول الحمل . وثالثها : أن بطليموس رصد الثوابت فوجدها تقطع في كل ~~مائة سنة درجة واحدة والمتأخرون رصدوها فوجدوها تقطع في كل مائة سنة درجة ~~ونصفا ، وهذا تفاوت عظيم يبعد حمله على التفاوت في الآلات التي تتخذها ~~المهرة في الصناعة على سبيل الإستقصاء ، فلا بد من حمله على ازدياد الميل ~~ونقصانه ، وذلك يوجب القول بثبوت الفلك الذي ذكرناه . # البحث الثالث : احتجوا على أن الكواكب الثابتة مركوزة في فلك فوق أفلاك ~~هذه الكواكب السبعة ، فقالوا : شاهدنا لهذه الأفلاك السبعة حركات أسرع من ~~حركات هذه الثوابت ، وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة الفلك ، وهذا ~~يقتضي كون هذه الثوابت مركوزة في كرة سوى هذه السبعة ، ولا يجوز أن تكون ~~مركوزة في الفلك الأعظم لأنه سريع الحركة ، يدور في كل يوم وليلة دورة ~~واحدة بالتقريب ، ثم قالوا : إنها مركوزة في كرة فوق كرات هذه السبعة ، لأن ~~هذه الكواكب السبعة قد تكسف تلك الثوابت ، والكاسف تحت المكسوف ، فكرات هذه ~~السبعة وجب أن تكون دون كرات الثوابت . # وهذا الطريق أيضا ضعيف من وجوه . أحدها : أنا لا نسلم أن الكوكب لا يتحرك ~~إلا بحركة فلكية ، وهم إنما بنوا على امتناع الخرق على الأفلاك ، ونحن قد ~~بينا ضعف دلائلهم على ذلك . وثانيها : سلمنا أنه لا بد لهذه الثوابت من ~~كرات أخرى إلا أن مذهبكم أن كل كرة من هذه الكرات السبعة تنقسم إلى أقسام ~~كثيرة ، ومجموعها هو الفلك الممثل وأن هذه الممثلة بطيئة الحركة على وفق ~~حركة كرة الثوابت ، فلم لا يجوز أن يقال : هذه الثوابت مركوزة في هذه ~~الممثلات البطيئة الحركة ، فأما السيارات فإنها مركوزة في الحوامل التي هي ~~أفلاك خارجة المركز ، وعلى هذا التقدير لا حاجة إلى إثبات كرة الثوابت . ~~وثالثها : هب أنه لا بد من كرة أخرى فلم لا يجوز أن يكون هناك كرتان ~~إحداهما فوق كرة زحل / والأخرى دون كرة القمر ، وذلك لأن هذه السيارات لا ~~تمر إلا بالثوابت الواقعة في ممر تلك السيارات ، فأما الثوابت المقاربة ~~للقطبين فإن السيارات لا ms1321 تمر بشيء منها ولا تكسفها ، فالثوابت التي تنكسف ~~بهذه السيارات هب أنا حكمنا بكونها مركوزة في كرة فوق كرة زحل ، أما التي ~~لا تنكسف بهذه السيارات فكيف نعلم أنها ليست دون السيارات فثبت أن الذي ~~قالوه غير برهاني بل احتمالي . # / البحث الرابع : زعموا أن الفلك الأعظم حركته أسرع الحركات فإنه يتحرك ~~في اليوم والليلة قريبا من دورة تامة ، وأنه يتحرك من المشرق إلى المغرب . # وأما الفلك الثامن الذي تحته فإنه في نهاية البطء حتى إنه يتحرك في كل ~~مائة سنة درجة عند بطليموس ، وعند المتأخرين في كل ستة وستين سنة درجة ، ~~وأنه يتحرك من المغرب إلى المشرق على عكس الحركة الأولى ، واحتجوا عليه ~~بأنا لما رصدنا هذه الثوابت وجدنا لها حركة على خلاف الحركة اليومية . # واعلم أن هذا أيضا ضعيف ، فلم لا يجوز أن يقال : إن الفلك الأعظم يتحرك ~~من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة تامة ، والفلك الثامن أيضا يتحرك ~~من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة إلا بمقدار نحو عشر ثانية فلا جرم ~~نرى حركة الكواكب في الحس مختلفة عن الحركة الأولى بذلك القدر القليل في ~~خلاف جهة الحركة الأولى ، فإذا اجتمعت تلك المقادير أحس كأن الكوكب الثابت ~~يرجع بحركة بطيئة إلى خلاف جهة الحركة اليومية ، فهذا الاحتمال واقع ، وهم ~~ما أقاموا الدلالة على إبطاله ، ثم الذي يدل على أنه هو الحق وجهان . الأول ~~: وهو برهاني ، أن حركة الفلك الثامن لو كانت إلا خلاف حركة الفلك الأعظم ~~لكان حينما يتحرك بحركة الفلك الأعظم إلى جهة إما أن يتحرك بحركة نفسه إلى ~~خلاف تلك الجهة أو لا يتحرك في ذلك الوقت بمقتضى حركة نفسه ، فإن كان الأول ~~لزم كون الشيء الواحد دفعة واحدة متحركا إلى جهتين ، والحركة إلى جهتين ~~تقتضي الحصول في الجهتين دفعة وذلك محال ، وإن كان القسم الثاني لزم انقطاع ~~الحركات الفلكية ، وهم لا يرضون بذلك . الثاني : أن نهاية الحركة حاصلة ~~للفلك الأعظم ، ونهاية السكون حاصلة للأرض ، والأقرب إلى العقول أن يقال : ~~كل ما كان ms1322 أقرب من الفلك الأعظم كان أسرع حركة ، وكل ما كان أبعد كان أبطأ ~~حركة ، ففلك الثوابت أقرب الأفلاك إليه ، فلا جرم لا تفاوت بين الحركتين ~~إلا بقدر قليل ، وهو الذي يحصل من اجتماع مقادير التفاوت في كل مائة سنة ~~درجة واحدة ، ويليه فلك زحل فإنه أبطأ من فلك الثوابت فلا جرم كان تخلفه عن ~~الفلك الأعظم أكثر حتى إن مقادير التفاوت إذا اجتمعت بلغت في كل ثلاثين سنة ~~إلى تمام الدور ، وعلى هذا القول كل ما كان أبعد عن الفلك الأعظم كان أبطأ ~~حركة ، فكان تفاوته أكثر حتى يبلغ إلى فلك القمر الذي هو أبطأ الأفلاك حركة ~~، فهو في كل يوم يتخلف عن الفلك الأعظم ثلاث عشرة درجة ، فلا جرم يتمم دوره ~~في كل شهر ، ولا يزال كذلك حتى ينتهي إلى الأرض التي هي أبعد الأشياء عن ~~الفلك ، فلا جرم كانت في نهاية السكون ، فثبت أن كلامهم في هذه الأصول مختل ~~ضعيف والعقل لا سبيل له إلى الوصول إليها . # / الفصل الثاني # في معرفة الأفلاك # القوم وضعوا لأنفسهم مقدمتين ظنيتين . أحداهما : أن حركات الأجرام ~~السماوية متساوية متصلة ، وأنها لا تبطىء مرة وتسرع أخرى ، وليس لها رجوع ~~عن متوجهاتها . والثانية : أن الكواكب لا تتحرك بذاتها بل بتحرك الفلك ، ثم ~~إنهم بنوا على هاتين المقدمتين مقدمة أخرى فقالوا : الفلك الذي يحمل ~~الكواكب إما أن يكون مركزه مركز الأرض أو لا يكون ، فإن كان مركزه مركز ~~الأرض ، فإما أن يكون الكوكب مركوزا في ثخنه أو مركوزا في جرم مركوز في ثخن ~~ذلك الفلك / فإن كان الأول استحال أن يختلف قرب الكوكب وبعده من الأرض ، ~~وأن يختلف قطعه للقسى من ذلك الفلك والأعراض الإختلاف في حركة الفلك ، أو ~~حركة الكوكب ، وقد فرضنا أنهما لا يوجدان ألبتة ، فبقي القسمان الآخران . ~~أحدهما : أن يكون الكوكب مركوزا في جرم كري مستدير الحركة ، مغروز في ثخن ~~الفلك المحيط بالأرض ، وذلك الجرم نسميه بالفلك المستدير ، فحينئذ يعرض ~~بسبب حركته اختلاف حال الكوكب بالنسبة إلى الأرض تارة بالقرب والبعد وتارة ~~بالرجوع ms1323 والإستقامة ، وتارة بالصغر والكبر في المنظر وإما أن يكون الفلك ~~الميحط بالأرض ليس مركزه موافقا لمركز الأرض ، فهو الفلك الخارج المركز ، ~~ويلزم أن يكون الحامل في أحد نصفي فلك البروج من ذلك الفلك أعظم من النصف ، ~~وفي نصفه الآخر أقل من النصف ، فلا جرم يحصل بسببه : القرب والبعد من الأرض ~~، وأن يقطع أحد نصفي فلك البروج في زمان أكثر من قطعه النصف الآخر ، فظهر ~~أن اختلاف أحوال الكواكب في صغرها وكبرها ، وسرعتها وبطئها ، وقربها وبعدها ~~، من الأرض لا يمكن حصوله إلا بأحد هذين الشيئين ، أعني التدوير ، والفلك ~~الخارج المركز . # إذا عرفت هذا فلنرجع إلى التفصيل قولهم في الأفلاك ، فقالوا : هذه ~~الأفلاك التسعة ، منها ما هو كرة واحدة ، وهو الفلك الأعظم ، وفلك الثوابت ~~، ومنها ما ينقسم إلى كرتين ، وهو فلك الشمس ، وذلك أنه ينفصل منه فلك آخر ~~مركزه غير مركز العالم ، بحيث يتماس سطحاهما المحدبان على نقطة تسمى الأوج ~~، وهو البعد الأبعد من الفلك المنفصل ، ويتماس سطحاهما المقعران على نقطة ~~تسمى الحضيض ، وهو البعد الأقرب منه ، وهما في الحقيقة فلك واحد ، منفصل ~~عنه فلك آخر ، إلا أنه يقال : فلكان ، توسعا ، ويسمى المنفصل عنه : الفلك ~~الممثل ، والمنفصل الخارج المركز فلك الأوج ، وجرم الشمس مغرق فيه بحيث ~~يماس سطحه سطحيه ، ومنها ما ينقسم إلى ثلاث أكر ، وهي أفلاك الكواكب ~~العلوية والزهرة ، فإن لكل واحد منهما فلكين مثل فلك الشمس ، وفلكا آخر ~~موقعه من خارج المركز مثل موقع جرم الشمس من فلكه ويسمى : فلك / التدوير ~~والكوكب مغرق فيه بحيث يماس سطحه ويسمى الخارج المركز : الفلك الحامل ، ~~ومنها ما ينقسم إلى أربع أكر وهو فلك عطارد والقمر ، أما عطارد فإن له ~~فلكين مثل فلكي الشمس وينفصل من الثاني فلك آخر انفصال الخارج المركز عن ~~الممثل بحيث يقع مركزه خارجا عن المركزين وبعده عن مركز الخارج المركز مثل ~~نصف بعد ما بين مركزي الخارج المركز والممثل ويسمى المنفصل عنه الفلك ~~المدير والمنفصل الفلك الحامل ، ومنه فلك التدوير وعطارد فيه كما سبق في ~~الكرات الأربعة ، وأما القمر ms1324 فإن فلكه ينقسم إلى كرتين متوازيتين والعظمى ~~تسمى الفلك المثل والصغرى الفلك المائل وينقسم المائل إلى ثلاث أكر كما في ~~الكواكب الأربعة ، وكل فلك ينفصل عنه فلك آخر على الصورة التي عرفتها في ~~فلك الشمس ، فإنه يبقى من المنفصل عنه كرتان مختلفتا الثخن يسميان متممين ~~لذلك الفلك المنفصل وكل واحد من هذه الأفلاك يتحرك على مركزه حركة دائمة ~~متصلة إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا والناس إنما وصلوا إلى معرفة هذه ~~الكرات بناء على المقدمة التي قررناها ولا شك أنها لو صحت لصح القول بهذه ~~الأشياء إنما الشأن فيها . # الفصل الثالث # في مقادير الحركات # قال الجمهور : إن جميع الأفلاك تتحرك من المغرب إلى المشرق سوى الفلك ~~الأعظم ، والمدير لعطارد والفلك الممثل والمائل والمدير للقمر فالحركة ~~الشرقية تسمى : الحركة إلى التوالي والغربية إلى خلاف التوالي ، والفلك ~~الأعظم يتحرك حركة سريعة في كل يوم بليلته دورة واحدة على قطبين يسميان ~~قطبي العالم ويحرك جميع الأفلاك والكواكب ، وبهذه الحركة يقع للكواكب ~~الطلوع والغروب وتسمى الحركة الأولى / وفلك الثوابت يتحرك حركة بطيئة في كل ~~ست وستين سنة عند المتأخرين درجة واحدة على قطبين يسميان قطبي فلك البروج ، ~~وهما يدوران حول قطبي العالم بالحركة الأولى وتتحرك على وفق هذه الحركة ~~جميع الأفلاك المتحركة ، وبهذه الحركة تنتقل الأوجات عن موضعها من فلك ~~البروج وتسمى الحركة الثانية وحركة الأوج وهي حركة الثوابت والثوابت إنما ~~سميت ثوابت لأسباب . أحدها : كونها بطيئة لأنها بإزاء السيارة تشبه الساكنة ~~. وثانيها : السيارة تتحرك إليها وهي لا تتحرك إلى السيارة فكأن الثوابت ~~ثابتة لانتظارها . وثالثها : عروضها ثابتة على مقدار واحد لا يتغير . ~~ورابعها : أبعاد ما بينها ثابتة على حال واحد لا تتغير الصورة المتوهمة ~~عليها من الصور الثماني والأربعين . وخامسها : الأزمنة عند أكثر عوام الأمم ~~منوطة بطلوعها وأفولها بحيث لا يتفاوت إلا في القرون والأحقاب . # / وأما الأفلاك الخارجة المركز فإنها تتحرك في كل يوم هكذا : زحل ( ب أ ) ~~المشتري ( دنط ) المريخ بدلالة الشمس ( لاكر ) الزهرة ( نط ج ) عطارد ( نط ~~ح ) والقمر ( يج ms1325 يج مو ) وتسمى حركة المركز ، وحركة الوسط ، وهي حركات ~~مراكز أفلاك التداوير ومركز الشمس والأفلاك التداوير تتحرك بهذا المقدار ~~زحل ( نرح ) المشتري ( ند ط ) المريخ ( كرمب ) الزهرة ( لونط ) عطارد ( ج ~~وكد ) القمر ( يج ج ند ) وتسمى : الحركة الخاصة ، وحركة الاختلاف وهي حركات ~~مراكز الكواكب . واعلم أن بسبب هذه الحركات المختلفة يعرض لهذه الكواكب ~~أحوال مختلفة . أحدها : أنه يحصل للقمر مثلا أبعاد مختلفة غير مضبوطة ~~بالنسبة إلى هذا العالم والأنواع المضبوطة منها أربعة . الأول : أن يكون ~~القمر على البعد الأقرب من فلك التدوير ومركز التدوير على البعد الأقرب من ~~الفلك الخارج المركز ويقال له البعد الأقرب ، وهو الثلاث وثلاثون مرة مثل ~~نصف قطر الأرض بالتقريب . الثاني : أن يكون القمر على البعد الأبعد من فلك ~~التدوير ومركز فلك التدوير على البعد الأقرب من الفلك الخارج المركز وهو ~~البعد الأقرب للأبعد وهو ثلاث وأربعون مرة مثل نصف قطر الأرض . الثالث : أن ~~يكون القمر على البعد الأقرب من فلك التدوير ومركز فلك التدوير على البعد ~~الأبعد من الفلك الخارج المركز وهو البعد الأبعد للأقرب وهو أربعة وخمسون ~~مرة مثل نصف قطر الأرض . الرابع : أن يكون القمر على البعد الأبعد من فلك ~~التدوير ومركز التدوير على البعد الأبعد من الفلك الخارج المركز وهو البعد ~~الأبعد وهو أربعة وستون مرة مثل نصف قطر الأرض ، ثم إن ما بين هذه النقط ~~الأربعة الأحوال مختلفة على ما أتى على شرحها أبو الريحان . وثانيها : أن ~~جميع الكواكب مرتبطة بالشمس ارتباطا ما ، فأما العلوية فإن بعد مراكزها عن ~~ذرى أفلاك تداويرها أبدا تكون بمقدار بعد مركز الشمس عن مراكز تداويرها ~~وحينئذ تكون محترقة ومتى كانت في الحضيض كانت في مقابلتها وحينئذ تكون ~~مقابلة للشمس وذلك يقارن الشمس في منتصف الاستقامة ويقابلها في منتصف ~~الرجوع وقيل : إن نصف قطر فلك تدوير المريخ أعظم من نصف قطر فلك ممثل الشمس ~~فيلزم أنه إذا كان مقارنا للشمس يكون بعد مركزه عن مركز الشمس أعظم منه إذا ~~كان مقابلا لها ، وأما السلفيات فإن مراكز ms1326 أفلاك تدويرها أبدا يكون مقارنا ~~للشمس فيلزم أن تقارن الشمس الذروة والحضيض في منتصفي الاستقامة ، والرجوع ~~غاية بعد كل واحد منهما عن الشمس بمقدار نصف قطر فلك تدويرهما ، وهو للزهرة ~~( مه ) ولعطارد ( كه ) بالتقريب وأما القمر فإن مركز الشمس أبدا يكون ~~متوسطا بين بعده الأبعد وبين مركز تدويره ولذلك يقال لبعدمركز تدويره عن ~~البعد الأبعد البعد المضاعف لأنه ضعف بعد مركز تدويره من الشمس فلزم أنه ~~متى كان مركز تدويره في البعد الأبعد ، فإما أن يكون مقابلا للشمس أو ~~مقارنا لها / ومتى كان في البعد الأقرب تكون الشمس في تربيعه فلذلك يكون ~~اجتماعه واستقباله في البعد الأبعد وتربيعه مع الشمس في الأقرب . ~~PageV04P168 # / الفصل الرابع # في كيفية الاستدلال بهذه الأحوال على وجود الصانع # وهي من وجوه . أحدها : النظر إلى مقادير هذه الأفلاك ، فإنها مع اشتراكها ~~في الطبيعة الفلكية ، اختص كل واحد منها بمقدار خاص ، مع أنه لا يمتنع في ~~العقل وقوعها على أزيد من ذلك المقدار أو أنقص منه بذرة ، فلما قضى صريح ~~العقل بأن المقادير بأسرها على السوية ، قضى بافتقارها في مقاديرها إلى ~~مخصص مدبر . وثانيها : النظر إلى أحيازها ، فإن كل فلك مماس بمحدبه فلكا ~~آخر فوقه وبمقعره فلكا آخر تحته ، ثم ذلك الفلك إما أن يكون متشابه الأجزاء ~~أو ينتهي بالآخرة إلى جسم متشابه الأجزاء ، وذلك الجسم المتشابه الأجزاء لا ~~بد وأن تكون طبيعة كل واحد من طرفيه مساوية لطبيعة طرفه الآخر ، فكما صح ~~على محدبه أن يلقى جسما وجب أن يصح على مقعره أن يلقى ذلك الجسم ، ومتى كان ~~كذلك صح أن العالي يمكن وقوعه سافلا ، والسافل يمكن وقوعه عاليا ، ومتى كان ~~كذلك كان اختصاص كل واحد منها بحيزه المعين أمرا جائزا يقضي العقل بافتقاره ~~إلى المقتضى . وثالثها : أن كل كوكب حصل في مقعره اختص به أحد جوانب ذلك ~~الفلك دون سائر الجوانب ، ثم إن ذلك الموضع المنتفي من ذلك الفلك مساو ~~لسائر جوانبه ، لأن الفلك عنده جسم متشابه الأجزاء ، فاختصاص ذلك المقعر ~~بذلك الكوكب دون سائر الجوانب ms1327 يكون أمرا ممكنا جائزا فيقضي العقل بافتقاره ~~إلى المخصص . ورابعها : أن كل كرة فإنها تدور على قطبين معينين ، وإذا كان ~~الفلك متشابه الأجزاء كان جميع النقط المفترضة عليه متساوية ، وجميع ~~الدوائر المفترضة عليه أيضا متساوية ، فاختصاص نقطتين معينتين بالقطبية دون ~~سائر النقط مع استوائها في الطبيعة يكون أمرا جائرا ، فيقضي العقل بافتقاره ~~إلى المقتضى ، وهكذا القول في تعين كل دائرة معينة من دوائرها بأن تكون ~~منطقة . وخامسها : أن الأجرام الفلكية مع تشابهها في الطبيعة الفلكية كل ~~واحد منها مختص بنوع معين من الحركة في البطء والسرعة ، فانظر إلى الفلك ~~الأعظم مع نهاية اتساعه وعظمه ثم إنه يدور دورة تامة في اليوم والليلة ، ~~والفلك الثامن الذي هو أصغر منه لا يدور الدورة التامة إلا في ستة وثلاثين ~~سنة على ما هو قول الجمهور ، ثم إن الفلك السابع الذي تحته يدور في ثلاثين ~~سنة ، فاختصاص الأعظم بمزيد السرعة ، والأصغر بمزيد البطء مع أنه على خلاف ~~حكم العقل فإنه كان ينبغي أن يكون الأوسع أبطأ حركة لعظم مداره ، والأصغر ~~أسرع استدارة لصغر مداره ليس إلا لمخصص ، والعقل يقضي بأن كل واحد منها ~~إنما اختص بما هو عليه بتقدير العزيز العليم . وسادسها : أن الفلك الممثل ~~إذا انفصل عنه الفلك الخارج المركز بقي متممان : أحدهما : من الخارج ، ~~والآخر : من الداخل ، وأنه جرم متشابه الطبيعة ، ثم اختص أحد جوانبهما ~~بغاية / الثخن ، والآخر بغاية الرقة بالنسبة ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون ~~نسبة ذلك الثخن والرقة إلى طبيعته على السوية ، فاختصاص أحد جانبيه بالرقة ~~والآخر بالثخن ، لا بد وأن يكون بتخصيص المخصص المختار . PageV04P169 ~~وسابعها : أنها مختلف في جهات الحركات ، فبعضها من المشرق إلى المغرب ، ~~وبعضها من المغرب إلى المشرق ، وبعضها شمالية ، وبعضها جنوبية ، مع أن جميع ~~الجهات بالنسبة إليها على السوية ، فلا بد من الإفتقار إلى المدبر . ~~وثامنها : أنا نراها الآن متحركة ومحال أن يقال إنها كانت أزلا متحركة ، أو ~~ما كانت متحركة ، ثم ابتدأت بالحركة ، ومحال أن يقال : إنها كانت أزلا ~~متحركة لأن ماهية الحركة تقتضي ms1328 المسبوقية بالغير ، لأن الحركة انتقال من ~~حالة إلى حالة والأزل ينافي المسبوقية بالغير / فالجمع بين الحركة والأزلية ~~محال ، وإن قلنا إنها ما كانت متحركة أزلا سواء قلنا إنها كانت قبل تلك ~~الحركة موجودة أو كانت ساكنة ، أو قلنا : إنها كانت قبل تلك الحركة معدومة ~~أصلا ، فالإبتداء بالحركة بعد عدم الحركة يقتضي الإفتقار إلى مدبر قديم ~~سبحانه وتعالى ليحركها بعد أن كانت معدومة ، أو بعد أن كانت ساكنة ، وهذا ~~المأخذ أحسن المآخذ وأقواها . وتاسعها : أن يقال : إن حركاتها إما أن تكون ~~من لوازم جسمانيتها المعينة ، لكنا نرى جسمانياتها المعينة منفكة عن كل ~~واحد من أجزاء تلك الحركة ، فإذن كل واحد من أجزاء حركته ليس من لوازمه ، ~~فافتقرت الأفلاك في حركاتها إلى محرك من خارج ، وذلك هو محرك المتحركات ، ~~ومدبر الثوابت والسيارات ، وهو الحق سبحانه وتعالى . وعاشرها : أن هذا ~~الترتيب العجيب في تركيب هذه الأفلاك وائتلاف حركاتها أترى أنها مبنية على ~~حكمة ، أم هي واقعة بالجزاف والعبث ؟ أما القسم الثاني : فباطل وبعيد عن ~~العقل ، فإن جوز في بناء رفيع ، وقصر مشيد أن التراب والماء انضم أحدهما ~~إلى الآخر ، ثم تولد منهما لبنات ، ثم تركبها قصر مشيد وبناء عال ، فإنه ~~يقضي عليه بالجنون ، ونحن نعلم أن تركيب هذه الأفلاك وما فيها من الكوكب ، ~~وما لها من الحركات ليس أقل من ذلك البناء ، فثبت أنه لا بد فيها من رعاية ~~حكمة ، ثم لا يخلو إما أن يقال : إنها أحياء ناطقة فهي تتحرك بأنفسها أو ~~يقال : إنه يحركها مدبر قاهر ، والأول باطل لأن حركتها إما أن تكون لطلب ~~استكمالها أو لا لهذا الغرض ، فإن كانت طالبة بحركتها لتحصيل كمال فهي ~~ناقصة في ذواتها ، طالبة للاستكمال أو لا لهذا الغرض ، والناقص بذاته لا بد ~~له من مكمل ، فهي مفتقرة محتاجة ، وإن لم تكن طالبة بحركتها للاستكمال ، ~~فهي عابثة في أفعالها ، فيعود الأمر إلى أنه يبعد في العقول أن يكون مدار ~~هذه الأجرام المستعظمة ، والحركات الدائمة ، على العبث والسفه ، فلم يبق في ~~العقول قسم هو الأليق بالذهاب ms1329 إليه إلا أن مدبرا قاهرا غالبا على الدهر ~~والزمان يحركها لأسرار مخفية ، ولحكم لطيفة هو المستأثر بها ، والمطلع ~~عليها ، وليس عندنا إلا الإيمان بها على الإجمال على ما قال : { جنوبهم ~~ويتفكرون فى خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا } ( آل عمران : ~~191 ) . # والحادي عشر : أنا نراها مختلفة في الألوان ، مثل صفرة عطارد ، وبياض ~~الزهرة وضوء / الشمس وحمرة المريخ ودرية المشتري ، وكمودة زحل واختلاف كل ~~واحد من الكواكب الثابتة بعظم خاص ولون خاص وتركيب خاص ، ونراها أيضا ~~مختلفة بالسعادة والنحوسة ، ونرى أعلى الكواكب السيارة أنحسها ونرى ما ~~دونها أسعدها ، ونرى سلطان الكواكب سعيدا في بعض الاتصالات تحسسا في بعض ~~ونراها مختلفة في الوجوه والخدود واللثات والذكورة والأنوثة وكون بعضها ~~نهاريا وليليا وسائرا وراجعا ومستقيما وصاعدا وهابطا مع PageV04P170 ~~اشتراكها بأسرها في الشفافية والصفاء والنقاء في الجوهر فيقضي العقل بأن ~~اختصاص كل واحد منها بما اختص به لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص . # والثاني عشر : وهو أن هذه الكواكب وكان لها تأثير في هذا العالم فهي إما ~~أن تكون متدافعة أو متعاونة ، أو لا متدافعة ولا متعاونة ، فإن كانت ~~متدافعة فإما أن يكون بعضها أقوى من بعض أو تكون متساوية في القوة وإن كان ~~بعضها أقوى من بعض كان القوي غالبا أبدا والضعيف مغلوبا أبدا ، فوجب أن ~~تستمر أحوال العالم على طبيعة ذلك الكوكب لكنه ليس الأمر كذلك وإن كانت ~~متساوية في القوة وهي متدافعة وجب تعذر الفعل عليها بأسرها فتكون الأفعال ~~الظاهرة في العالم صادرة عن غيرها فلا يكون مدبر العالم هو هذه الكواكب ، ~~بل غيرها وإن كانت متعاونة لزم بقاء العالم على حالة واحدة من غير تغير ~~أصلا وإن كانت تارة متعاونة وتارة متدافعة كان انتقالها من المحبة إلى ~~البغضة وبالعكس تغيرا لها في صفاتها فتكون هي مفتقرة في تلك التغيرات إلى ~~الصانع المستولي عليها بالقهر والتسخير . # والثالث عشر : أنها أجسام وكل جسم مركب وكل مركب مفتقر إلى كل واحد من ~~أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فكل جسم هو ms1330 مفتقر إلى غيره ممكن وكل ممكن ~~مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فله مؤثر وكل ماله مؤثر ~~فافتقاره إلى مؤثره إما أن يكون حال بقائه ، أو حال حدوثه أو حال عدمه ، ~~والأول باطل لأنه يقتضي إيجاد الموجود وهو محال ، فبقي القسمان الآخران ~~وهما يقتضيان الحدوث الدال على وجود الصانع . # والرابع عشر : أن الأجسام متساوية في الجسمية لأنه يصح تقسيم الجسم إلى ~~الفلكي والعنصري والكثيف واللطيف ، والحار والبارد ، والرطب واليابس ، ~~ومورد التقسيم مشترك بين كل الأجسام . فالجسمية قدر مشترك بين هذه الصفات ، ~~والأمور المتساوية في الماهية يجب أن تكون متساوية في قالمية الصفات ، فإذن ~~كل ما صح على جسم صح على غيره ، فإذن اختصاص كل جسم بما اختص به من المقدار ~~، والوضع ، والشكل ، والطبع ، والصفة ، لا بد وأن يكون من الجائزات ، وذلك ~~يقضي بالافتقار إلى الصانع القديم جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ولا إله غيره ، ~~فهذا هو الإشارة إلى معاقد الدلائل المستنبطة من أجسام السموات والأرض ، ~~على إثبات الصانع : { ولو أن * ما فى الارض * من شجرة أقلام والبحر يمده من ~~بعده سبعة أبحر ما * نفدت كلمات الله } ( لقمان : 27 ) . # / النوع الثاني : من الدلائل أحوال الأرض وفيه فصلان : # الفصل الأول # في بيان أحوال الأرض # اعلم أن لاختلاف أحوال الأرض أسبابا : # السبب الأول : اختلاف أحوالها بسبب حركة الفلك ، وهي أقسام : # القسم الأول : المواضع العديمة العرض ، وهي التي على خط الاستواء ~~بموافقتها قطبي العالم ، تقاطع معدل النهار على زوايا قائمة ، وتقطع جميع ~~المدارات اليومية بنصفين ، وتكون حركة الفلك دولابية ، PageV04P171 ولم ~~يختلف هناك ليل كوكب مع نهاره ، ولم يتصور كوكب أبدي الظهور ، ولا أبدي ~~الخفاء ، بل يكون لكل نقطة سوى القطبين : طلوع وغروب ، ويمر فلك البروج ~~بسمت الرأس في الدورة مرتين ، وذلك عند بلوغ قطبية دائرة الأفق ، وتمر ~~الشمس بسمت الرأس مرتين في السنة ، وذلك عند بلوغها نقطتي الإعتدالين . # القسم الثاني : المواضع التي لها عرض ، فإن قطب الشمال يرتفع فيها من ~~الأفق ، وقطب الجنوب ينحط عنه ويقطع الأفق معدل النهار فقط على نصفين ، ~~فأما ms1331 سائر المدارات فيقطعها بقسمين مختلفين ، الظاهر منهما في الشمالية ~~أعظم من الخافي وفي الجنوبية بخلاف ذلك ، ولهذا يكون النهار في الشمالية ~~أطول من الليل ، وفي الجنوبية بالخلاف ، وتصير الحركة ههنا حمائلية ، ولم ~~يتفق ليل كوكب مع نهاره ، إلا ما كان في معدل النهار ، وتصير الكواكب التي ~~بالقرب من قطب الشمال أبدية الظهور ، والتي بالقرب من قطب الجنوب أبدية ~~الخفاء ، وتمر الشمس بسمت الرأس في نقطتين بعدهما عن معدل النهار إلى ~~الشمال مثل عرض الموضع . # القسم الثالث : وهو الموضع الذي يصير ارتفاع القطب فيه مثل الميل الأعظم ~~، وههنا يبطل طلوع قطبي فلك البروج وغروبهما إلا أنهما يماسان الأفق ، ~~وحينئذ يمر فلك البروج بسمت الرأس ، ولم تمر الشمس بسمت الرأس إلا في ~~الإنقلاب الصيفي . # القسم الرابع : وهو أن يزداد العرض على ذلك ، وههنا يبطل مرور فلك البروج ~~والشمس بسمت الرأس ، ويصير القطب الشمالي من فلك البروج أبدي الظهور ، ~~والآخر أبدي الخفاء . # القسم الخامس : أن يصير العرض مثل تمام الميل ، وههنا ينعدم غروب المنقلب ~~الصيفي وطلوع الشتوي لكنهما يماسان الأفق ، وعند بلوغ الاعتدال الربيعي أفق ~~المشرق ، والخريفي أفق المغرب يكون المنقلب الصيفي في جهة الشمال والشتوي ~~في جهة الجنوب وحينئذ ينطبق فلك البروج على الأفق / ثم يطلع من أول الجدي ، ~~إلى أول السرطان دفعة ، ويغرب مقابله كذلك ثم تأخذ / البروج الطالعة في ~~الغروب ، والغاربة في الطلوع ، إلى أن تعود الحالة المتقدمة ، وينعدم الليل ~~هناك في الإنقلاب الصيفي ، والنهار في الشتوي . # القسم السادس : أن يزداد العرض على ذلك ، فحينئذ يصير قوس من فلك البروج ~~أبدي الظهور مما يلي المنقلب الصيفي ، بحيث يكون المنقلب في وسطها ، ومدة ~~قطع الشمس إياها يكون نهارا ، ويصير مثلها مما يلي المنقلب الشتوي أبدي ~~الخفاء ، ومدة قطع الشمس إياها يكون ليلا ، ويعرض هناك لبعض البروج نكوس ، ~~فإذا وافى الجدي نصف النهار من ناحية الجنوب ، كان أول السرطان عليه من ~~ناحية الشمال ، ونقطة الإعتدال الربيعي على أفق المشرق ، فإذن قد طلع ~~السرطان قبل الجوزاء ، والجوزاء قبل الثور ، والثور قبل الحمل ، ثم ms1332 إذا ~~تحرك الفلك يطلع بالضرورة آخر الحوت وأوله تحت الأرض ، وكل جزء يطلع فإنه ~~يغيب نظيره ، فالبروج التي تطلع منكوسة يغيب نظيرها كذلك . # القسم السابع : أن يصير ارتفاع القطب تسعين درجة ، فيكون هناك معدل ~~النهار منطبقا على الأفق ، وتصير الحركة رحوية ، ويبطل الطلوع والغروب أصلا ~~، ويكون النصف الشمالي في فلك البروج أبدي الظهور ، والنصف الجنوبي أبدي ~~الخفاء ، ويصير نصف السنة ليلا ونصفها نهارا . # السبب الثاني : لاختلاف أحوال الأرض اختلاف أحوالها بسبب العمارة : اعلم ~~أن خط الاستواء يقطع PageV04P172 الأرض نصفين : شمالي وجنوبي ، فإذا فرضت ~~دائرة أخرى عظيمة مقاطعة لها على زوايا قائمة ، انقسمت كرة الأرض بهما ~~أرباعا ، والذي وجد معمورا من الأرض أحد الربعين الشماليين مع ما فيه من ~~الجبال والبحار والمفاوز ، ويقال والله أعلم أن ثلاثة الأرباع ماء ، ~~فالموضع الذي طوله تسعون درجة على خط الإستواء ، يسمى : قبة الأرض ، ويحكى ~~عن الهند أن هناك قلعة شامخة في جزيرة هي مستقر الشياطين ، فتسمى لأجلها : ~~قبة ، ثم وجد طول العمارة قريبا من نصف الدور ، وهو كالمجمع عليه ، واتفقوا ~~على أن جعلوا ابتداءها من المغرب ، إلا أنهم اختلفوا في التعيين ، فبعضهم ~~يأخذه من ساحل البحر المحيط وهو بحر أوقيانوس ، وبعضهم يأخذه من جزائر وغلة ~~فيه تسمى : جزائر الخالدات ، زعم الأوائل أنها كانت عامرة في قديم الدهر ، ~~وبعدها عن الساحل عشرة أجزاء ، فيلزم من هذا وقوع الاختلاف في الإنتهاء ~~أيضا ، ولم يوجد عرض العمارة إلا إلى بعد ست وستين درجة من خط الإستواء ، ~~إلا أن بطليموس زعم أن وراء خط الإستواء عمارة إلى بعد ست عشرة درجة ، ~~فيكون عرض العمارة قريبا من اثنتين وثمانين درجة ، ثم قسموا هذا القدر ~~المعمور سبع قطع مستطيلة على موازاة خط الإستواء ، وهي التي تسمى : ~~الأقاليم وابتداؤه من خط الإستواء ، وبعضهم يأخذ أول الأقاليم من عند قريب ~~من ثلاث عشرة درجة من خط الإستواء ، وآخر الأقليم السابع إلى بعد خمسين ~~درجة ولا يعد ما وراءها من الأقاليم ، لقلة ما وجدوا فيه من العمارة . # / السبب الثالث : لاختلاف أحوال الأرض ، كون ms1333 بعضها بريا وبحريا ، وسهليا ~~وجبليا ، وصخريا ورمليا وفي غور وعلى نجد ويتركب بعض هذه الأقسام ببعض ~~فتختلف أحوالها اختلافا شديدا ، وما يتعلق بهذا النوع فقد استقصيناه في ~~تفسير قوله تعالى : { الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء } ( البقرة : ~~22 ) ومما يتعلق بأحوال الأرض أنها كرة وقد عرفت أن امتداد الأرض فيما بين ~~المشرق والمغرب يسمى طولا وامتدادها بين الشمال والجنوب يسمى عرضا فنقول : ~~طول الأرض إما أن يكون مستقيما أو مقعرا أو محدبا والأول باطل وإلا لصار ~~جميع وجه الأرض مضيئا دفعة واحدة عند طلوع الشمس ولصار جميعه مظلما دفعة ~~واحدة عند غيبتها ، لكن ليس الأمر كذلك لأنا لما اعتبرنا من القمر خسوفا ~~واحدا بعينه / واعتبرنا معه حالا مضبوطا من أحواله الأربعة التي هي أول ~~الكسوف وتمامه ، وأول انجلائه وتمامه لم يوجد ذلك في البلاد المختلفة الطول ~~في وقت واحد ووجد الماضي من الليل في البلد الشرقي منها أكثر مما في البلد ~~الغربي والثاني أيضا باطل وإلا لوجد الماضي من الليل في البلد الغربي أكثر ~~منه في البلد الشرقي لأن الأول يحصل في غرب المقعر أولا ثم في شرقه ثانيا ~~ولما بطل القسمان ثبت أن طول الأرض محدب ، ثم هذا المحدب إما أن يكون كريا ~~أو عدسيا ، والثاني باطل لأنا نجد التفاوت بين أزمنة الخسوف الواحد بحسب ~~التفاوت في أجزاء الدائرة حتى أن الخسوف الذي يتفق في أقصى عمارة المشرق في ~~أول الليل ، يوجد في أقصى عمارة المغرب في أول النهار فثبت أنها كرة في ~~الطول ، فأما عرض الأرض فإما أن يكون مسطحا أو مقعرا أو محدبا ، والأول : ~~باطل وإلا لكان السالك من الجنوب على سمت القطب لا يزداد ارتفاع القطب عليه ~~، ولا يظهر له من الكواكب الأبدية الظهور ما لم يكن كذلك ، لكنا بينا أن ~~أحوالها مختلفة بحسب اختلاف عروضها ، والثاني : أيضا باطل وإلا لصارت ~~الأبدية الظهور خفية عنه على دوام توغله في ذلك المقعر ، ولا ننقص ارتفاع ~~القطب والتوالي كاذبة على ما قطعنا في بيان المراتب السبعة الحاصلة ms1334 بحسب ~~اختلاف عروض البلدان وهذه الحجة على حسن تقريرها إقناعية . PageV04P173 # الحجة الثانية : ظل الأرض مستدير فوجب كون الأرض مستديرة . # بيان الأول : أن انخساف القمر نفس ظل الأرض ، لأنه لا معنى لانخسافه إلا ~~زوال النور عن جوهره عند توسط الأرض بينه وبين الشمس ثم نقول : وانخساف ~~القمر مستدير لأنا نحس بالمقدار المنخسف منه مستديرا ، وإذا ثبت ذلك وجب أن ~~تكون الأرض مستديرة لأن امتداد الظل يكون على شكل الفصل المشترك بين القطعة ~~المستضيئة بإشراق الشمس عليها ، وبين القطعة المظلمة منها فإذا كان الظل ~~مستديرا وجب أن يكون ذلك الفصل المشترك الذي شكل كل الظل مثل شكله مستديرا ~~فثبت أن الأرض مستديرة ثم إن هذا الكلام غير مختص بجانب واحد من جوانب ~~الأرض لأن المناظر الموجبة للكسوف تتفق في جميع أجزاء فلك البروج مع أن شكل ~~الخسوف أبدا على الاستدارة فإذن الأرض مستديرة الشكل من كل الجوانب . # / الحجة الثالثة : أن الأرض طالبة للبعد من الفلك ومتى كان حال جميع ~~أجزائها كذلك وجب أن تكون الأرض مستديرة ، لأن امتداد الظل كرة ، واحتج من ~~قدح في كرية الأرض بأمرين ، أحدهما : أن الأرض لو كانت كرة لكان مركزها ~~متطبقا على مركز العالم ، ولو كان كذلك لكان الماء محيطا بها من كل الجوانب ~~، لأن طبيعة الماء تقتضي طلب المركز فيلزم كون الماء محيطا بكل الأرض . ~~الثاني : ما نشاهد في الأرض من التلال والجبال العظيمة والأغوار المقعرة ~~جدا . # أجابوا عن الأول بأن العناية الإلهية اقتضت إخراج جانب من الأرض عن الماء ~~بمنزلة جزيرة في البحر لتكون مستقرا للحيوانات ، وأيضا لا يبعد سيلان الماء ~~من بعض جوانب الأرض إلى المواضع الغائرة منها وحينئذ يخرج بعض جوانب الأرض ~~من الماء . # وعن الثاني أن هذه التضاريس لا تخرج الأرض عن كونها كرة ، قالوا : لو ~~اتخذنا كرة من خشب قطرها ذراع مثلا ، ثم أثبتنا فيها أشياء بمنزلة جاروسات ~~أو شعيرات ، وقورنا فيها كأمثالها فإنها لا تخرجها عن الكرية ونسبة الجبال ~~والغيران إلى الأرض دون نسبة تلك الثابتات إلى الكرة الصغيرة . # الفصل ms1335 الثاني # في بيان الاستدلال بأحوال الأرض على وجود الصانع # اعلم أن الاستدلال بأحوال الأرض على وجود الصانع أسهل من الاستدلال ~~بأحوال السموات على ذلك وذلك لأن الخصم يدعى أن اتصاف السموات بمقاديرها ~~وأحيازها وأوضاعها أمر واجب لذاته / ممتنع التغير فيستغني عن المؤثر ، ~~فيحتاج في إبطال ذلك إلى إقامة الدلالة على تماثل الأجسام الأرضية فإنا ~~نشاهد تغيرها في جميع صفاتها أعني حصولها في أحيازها وألوانها وطعومها ~~وطباعها ونشاهد أن كل واحد من أجزاء الجبال والصخور الصم يمكن كسرها ~~وإزالتها عن مواضعها وجعل العالي سافلا والسافل عاليا وإذا كان الأمر كذلك ~~ثبت أن اختصاص كل واحد من أجزاء الأرض بما هو عليه من المكان والحيز ~~والمماسة والقرب من بعض الأجسام والبعد من بعضها يمكن التغير والتبدل وإذا ~~ثبت أن اتصاف تلك الأجرام بصفاتها PageV04P174 أمر جائز وجب افتقارها في ~~ذلك الاختصاص إلى مدبر قديم عليم سبحانه وتعالى عن قول الظالمين ، وإذا ~~عرفت مأخذ الكلام سهل عليك التفريع . # النوع الثالث : من الدلائل اختلاف الليل والنهار وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : ذكروا للاختلاف تفسيرين . أحدها : أنه افتعال من قولهم ~~: خلفه يخلفه إذا ذهب الأول وجاء الثاني ، فاختلاف الليل والنهار تعاقبهما ~~في الذهاب والمجيء ، ومنه يقال : / فلان يختلف إلى فلان إذا كان يذهب إليه ~~ويجيء من عنده فذهابه يخلف مجيئه ومجيئه يخلف ذهابه وكل شيء يجيء بعد شيء ~~آخر فهو خلفه ، وبهذا فسر قوله تعالى : { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة } ~~( الفرقان : 62 ) . والثاني : أراد اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر ~~والنور والظلمة والزيادة والنقصان قال الكسائي : يقال لكل شيئين اختلفا هما ~~خلفان . # وعندي فيه وجه ثالث ، وهو أن الليل والنهار كما يختلفان بالطول والقصر في ~~الأزمنة ، فهما يختلفان بالأمكنة ، فإن عند من يقول : الأرض كرة فكل ساعة ~~عينتها فتلك لساعة في موضع من الأرض صبح ، وفي موضع آخر ظهر ، وفي موضع ~~ثالث عصر ، وفي رابع مغرب ، وفي خامس عشاء وهلم جرا هذا إذا اعتبرنا البلاد ~~المخالفة في الأطوال ، أما البلاد المختلفة بالعرض ، فكل بلد تكون عرضه ms1336 ~~الشمالي أكثر كانت أيامه الصيفية أطول ولياليه الصيفية أقصر وأيامه الشتوية ~~بالضد من ذلك فهذه الأحوال المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال ~~البلدان وعرضها أمر مختلف عجيب ، ولقد ذكر الله تعالى أمر الليل والنهار في ~~كتابه في عدة مواضع فقال في بيان كونه مالك الملك : { يولج اليل فى النهار ~~ويولج النهار فى اليل } ( الحديد : 6 ) وقال في القصص : { قل أرأيتم إن جعل ~~الله * ترجعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا إلى يوم القيامة ~~من إلاه * قل أرءيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إلاه غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه * ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } ( القصص : 71 73 ) وفي الروم ~~: { ومن ءاياته منامكم باليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن فى ذلك لايات ~~لقوم يسمعون } ( الروم : 23 ) وفي لقمان : { ألم تر أن الله يولج اليل فى ~~النهار ويولج النهار فى اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى إلى أجل } ( لقمان ~~: 29 ) وفي الملائكة : { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وسخر ~~الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى ذلكم الله ربكم } ( فاطر : 13 ) وفي يس : { ~~وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون } ( يس : 37 ) وفي الزمر : ~~{ يكور اليل على النهار ويكور النهار على اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى ~~لاجل مسمى } ( غافر : 5 ) وفي حم غافر : { الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا ~~فيه والنهار مبصرا } ( غافر : 62 ) وفي عم : { وجعلنا اليل لباسا * وجعلنا ~~النهار معاشا } ( النبأ : 10 11 ) والآيات من هذا الجنس كثيرة وتحقيق ~~الكلام أن يقال : إن اختلاف أحوال الليل والنهار يدل على الصانع من وجوه . ~~الأول : أن اختلاف أحوال الليل والنهار مرتبط بحركات الشمس ، وهي من الأيات ~~العظام . الثاني : ما يحصل بسبب طول الأيام تارة ، وطول الليالي أخرى من ~~اختلاف الفصول ، وهو الربيع والصيف والخريف والشتاء ، وهو من الآيات العظام ~~. الثالث : أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة في الأيام وطلب ~~النوم ms1337 والراحة في الليالي من الآيات العظام . الرابع : أن كون الليل ~~والنهار متعاونين على تحصيل PageV04P175 مصالح الخلق مع ما بينهما من ~~التضاد والتنافي من الآيات العظام ، فإن مقتضى التضاد بين الشيئين أن ~~يتفاسدا لا أن يتعاونا على تحصيل المصالح . الخامس : أن إقبال الخلق في أول ~~الليل على النوم يشبه موت الخلائق أولا عند النفخة الأولى في الصور / ~~وتقظتهم عند طلوع الشمس شبيهة بعود الحياة إليهم عند النفخة الثانية ، وهذا ~~أيضا من الآيات العظام المنبهة على الآيات العظام . السادس : أن انشقاق ~~ظلمة الليل بظهور الصبح المستطيل فيه من الآيات العظام كأنه جدول ماء صاف ~~يسيل في بحر كدر بحيث لا يتكدر الصافي بالكدر ولا الكدر بالصافي ، وهو ~~المراد بقوله تعالى : { فالق الإصباح * وجاعل * فالق الإصباح } ( الأنعام : ~~96 ) . السابع : أن تقدير الليل والنهار بالمقدار المعتدل الموافق للمصالح ~~من الآيات العظام كما بينا أن في الموضع الذي يكون القطب على سمت الرأس ~~تكون السنة ستة أشهر فيها نهارا وستة أشهر ليلا وهناك لا يتم النضج ولايصلح ~~المسكن لحيوان ولا يتهيأ فيه شيء من أسباب المعيشة . الثامن : أن ظهور ~~الضوء في الهواء لو قلنا إنه حصل بقدرة الله تعالى ابتداء عند طلوع الشمس ، ~~من حيث إنه تعالى أجرى عادته بخلق ضوء في الهواء عند طلوع الشمس فلا كلام ~~وإن قلنا الشمس توجب حصول الضوء في الجرم المقابل له كان اختصاص الشمس بهذه ~~الخاصية دون سائر الأجسام مع كون الأجسام بأسرها متماثلة ، يدل على وجود ~~الصانع سبحانه وتعالى . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المحرك لأجرام السموات ملك عظيم الجثة ~~والقوة ، وحينئذ لا يكون اختلاف الليل والنهار دليلا على أنه الصانع قلنا : ~~أما على قولنا فلما دل الدليل على أن قدرة العبد غير صالحة للإيجاد ، فقد ~~زال السؤال ، وأما على قول المعتزلة فقد نفى أبو هاشم هذا الاحتمال بالسمع ~~. # النوع الرابع من الدلائل : قوله تعالى : { والفلك التى تجرى فى البحر بما ~~ينفع الناس } ( البقرة : 164 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : الفلك أصله من الدوران ms1338 وكل مستدير فلك ، ~~وفلك السماء اسم لا طواق سبعة تجري فيها النجوم ، وفلكت الجارية إذا استدار ~~ثديها وفلكة المغزل من هذا والسفينة سميت فلكا لأنها تدور بالماء أسهل ~~دوران قال : والفلك واحد وجمع فإذا أراد بها الواحد ذكر ، وإذا أريد به ~~الجمع أنث ومثاله قولهم : ناقة هجان ونوق هجان ودرع دلاص ودروع دلاص قال ~~سيبويه : الفلك إذا أريد به الواحد فضمة الفاء فيه بمنزلة ضمة باء برد وخاء ~~خرج ، وإذا أريد به الجمع فضمة الفاء فيه بمنزلة الحاء من حمر والصاد من ~~صفر فالضمتان وإن اتفقتا في اللفظ فهما مختلفتان في المعنى . # المسألة الثانية : قال الليث سمي البحر بحرا لاستبحاره ، وهو سعته ~~وانبساطه ويقال استبحر فلان في العلم إذا اتسع فيه والراعي وتبحر فلان في ~~المال وقال غيره سمي البحر بحرا لأنه شق في الأرض والبحر الشق ومنه البحيرة ~~. # المسألة الثالثة : ذكر الجبائي وغيره من العلماء بمواضع البحور أن البحور ~~المعروفة خمسة / أحدها : بحر الهند ، وهو الذي يقال له أيضا بحر الصين . ~~والثاني : بحر المغرب . والثالث : بحر الشام والروم ومصر . والرابع : بحر ~~نيطش . والخامس : بحر جرجان . # فأما بحر الهند فإنه يمتد طوله من المغرب إلى المشرق ، من أقصى أرض ~~الحبشة إلى أقصى PageV04P176 أرض الهند والصين ، يكون مقدار ذلك ثمانمائة ~~ألف ميل ، وعرضه ألفي وسبعمائة ميل ويجاوز خط الإستواء ألفا وسبعمائة ميل ، ~~وخلجان هذا البحر . الأول ؛ خليج عند أرض الحبشة ، ويمتد إلى ناحية البربر ~~، ويسمى الخليج البربري ، طول مقدار خمسمائة ميل وعرضه مائة ميل . والثاني ~~: خليج بحر أيلة وهو بحر القلزم ، طوله ألف وأربعمائة ميل ، وعرضه سبعمائة ~~ميل ، ومنتهاه إلى البحر الذي يسمى البحر الأخضر ، وعلى طرفه القلزم ، ~~فلذلك سمي به ، وعلى شرقيه أرض اليمن وعدن ، وعلى غربيه أرض الحبشة . ~~الثالث : خليج بحر أرض فارس ، ويسمى : الخليج الفارسي ، وهو بحر البصرة ~~وفارس ، الذي على شرقيه تيز ومكران ، وعلى غربيه عمان طوله ألف وأربعمائة ~~ميل ، وعرضه خمسماية ميل ، وبين هذين الخليجين أعني خليج أيلة وخليج فارس ~~أرض الحجاز واليمن وسائر بلاد العرب ms1339 ، فيما بين مسافة ألف وخمسائة ميل . ~~الرابع : يخرج منه خليج آخر إلى أقصى بلاد الهند ويسمى الخليج الأخضر طوله ~~ألف وخمسمائة ميل قالوا : وفي جزيرة بحر الهند من الجزائر العامرة وغير ~~العامرة : ألف وثلثمائة وسبعون جزيرة منها جزيرة ضخمة في أقصى البحر مقابل ~~أرض الهند في ناحية المشرق عند بلاد الصين وهي : سرنديب ، يحيط بها ثلاثة ~~آلاف ميل فيها جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الأحمر ، وحول ~~هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة ، فيها مدائن عامرة وقرى كثيرة ومن جزائر ~~هذا البحر جزيرة كله ، التي يجلب منها الرصاص القلعي ، وجزيرة سريرة التي ~~يجلب منها الكافور . # وأما بحر المغرب : فهو الذي يسمى بالمحيط وتسميه اليونانيون : أوقيانوس ، ~~ويتصل به بحر الهند ولا يعرف طرفه إلا في ناحية المغرب والشمال ، عند ~~محاذاة أرض الروس والصقالبة فيأخذ من أقصى المنتهى في الجنوب ، محاذيا لأرض ~~السودان ، مارا على حدود السوس الأقصى وطنجة ، وتاهرت ، ثم الأندلس ، ~~والجلالقة والصقالبة ثم يمتد من هناك وراء الجبال غير المسلوكة والأراضي ~~غير المسكونة نحو بحر المشرق وهذا البحر لا تجري فيه السفن وإنما تسلك ~~بالقرب من سواحله وفيه ست جزائر مقابل أرض الحبشة تسمى : جزائر الخالدات ، ~~ويخرج من هذا البحر خليج عظيم في شمال الصقالبة ، ويمتد هذا الخليج إلى أرض ~~بلغار المسلمين ، طوله من المشرق إلى المغرب ثلثمائة ميل وعرضه مائة ميل . # وأما بحر الروم وأفريقية ومصر والشام : فطوله مقدار خمسة آلاف ميل ، ~~وعرضه ستمائة ميل ، ويخرج منه خليج إلى ناحية الشمال قريب من الرومية ، ~~طوله خمسمائة ميل ، وعرضه ستمائة ، ويخرج منه خليج آخر إلى أرض سرين ، طوله ~~مائتا ميل ، وفي هذا البحر مائة واثنتان / وستون جزيرة عامرة ، منها خمسون ~~جزيرة عظام . # وأما بحر نيطش فإنه يمتد من اللاذقية إلى خلف قسطنطينية ، في أرض الروس ~~والصقالبة طوله ألف وثلثمائة ميل ، وعرضه ثلثمائة ميل . # وأما بحر جرجان فطوله من المغرب إلى المشرق ثلثمائة ميل ، وعرضه ستمائة ~~ميل ، وفيه جزيرتان كانتا عامرتين فيمن مضى من الزمان ويعرف هذا البحر ببحر ~~آبسكون ms1340 ، لأنها على فرضته ثم يمتد إلى طبرستان ، والديلم ، والنهروان ، ~~وباب الأبواب / وناحية أران ، وليس يتصل ببحر آخر ، فهذه هي البحور العظام ~~، وأما غيرها فبحيرات وبطائح ، كبحيرة خوارزم ، وبحيرة طبرية . PageV04P177 # وحكي عن أرسطاطاليس : أن بحر أوقيانوس ميحط بالأرض بمنزلة المنطقة لها ، ~~فهذا هو الكلام المختصر في أمر البحور . # المسألة الرابعة : في كيفية الإستدلال بجريان الفلك في البحر على وجود ~~الصانع تعالى وتقدس ، وهي من وجوه . أحدها : أن السفن وإن كانت من تركيب ~~الناس إلا أنه تعالى هو الذي خلق الآلات التي بها يمكن تركيب هذه السفن ، ~~فلولا خلقه لها لما أمكن ذلك . وثانيها : لولا الرياح المعينة على تحريكها ~~لما تكامل النفع بها . وثالثها : لولا هذه الرياح وعدم عصفها لما بقيت ولما ~~سلمت . ورابعها : لولا تقوية قلوب من يركب هذه السفن لما تم الغرض فصيرها ~~الله تعالى من هذه الوجوه مصلحة للعباد ، وطريقا لمنافعهم وتجاراتهم . ~~وخامسها : أنه خص كل طرف من أطراف العالم بشيء معين ، وأحوج الكل إلى الكل ~~فصار ذلك داعيا يدعوهم إلى اقتحامهم هذه الأخطار في هذه الأسفار ولولا أنه ~~تعالى خص كل طرف بشيء وأحوج الكل إليه لما ارتكبوا هذه السفن ، فالحامل ~~ينتفع به لأنه يربح والمحمول إليه ينتفع بما حمل إليه . وسادسها : تسخير ~~الله البحر لحمل الفلك مع قوة سلطان البحر إذا هاج ، وعظم الهول فيه إذا ~~أرسل الله الرياح فاضطربت أمواجه وتقلبت مياهه . وسابعها : أن الأودية ~~العظام ، مثل : جيحون ، وسيحون ، تنصب أبدا إلى بحيرة خوارزم على صغرها ، ~~ثم إن بحيرة خوارزم لا تزداد ألبتة ولا تمتد ، فالحق سبحانه وتعالى هو ~~العالم بكيفية حال هذه المياه العظيمة التي تنصب فيها . وثامنها : ما في ~~البحار من الحيوانات العظيمة ثم إن الله تعالى يخلص السفن عنها ، ويوصلها ~~إلى سواحل السلامة . وتاسعها : ما في البحار من هذا الأمر العجيب ، وهو ~~قوله تعالى : { مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان } ( الرحمن : ~~19 20 ) وقال : { هاذا عذب فرات سائغ شرابه وهاذا ملح أجاج } ( فاطر : 12 ) ~~ثم إنه تعالى بقدرته يحفظ البعض عن الإختلاط ms1341 بالبعض ، وكل ذلك مما يرشد ~~العقول والألباب إلى افتقارها إلى مدبر يدبرها ومقدر يحفظها . # المسألة الخامسة : دل قوله على صفة الفلك : { بما ينفع الناس } على إباحة ~~ركوبها ، وعلى إباحة الاكتساب والتجارة وعلى الانتفاع باللذات . # النوع الخامس : قوله تعالى : { وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به ~~الارض بعد موتها } ( البقرة : 164 ) . # / واعلم أن دلالته على الصانع من وجوه . أحدها : أن تلك الأجسام ، وما ~~قام بها من صفات الرقة ، والرطوبة ، والعذوبة ، ولا يقدر أحد على خلقها إلا ~~الله تعالى ، قال سبحانه : { قل * أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بماء معين } ( الملك : 30 ) . وثانيها : أنه تعالى جعله سببا لحياة الإنسان ~~، ولأكثر منافعه قال تعالى : { أفرءيتم الماء الذى تشربون * أنزلتموه من ~~المزن أم نحن المنزلون * لو } ( الواقعة : 68 ، 69 ) وقال : { وجعلنا من ~~الماء كل شىء حى أفلا يؤمنون } ( الأنبياء : 30 ) . وثالثها : أنه تعالى ~~كما جعله سببا لحياة الإنسان ، جعله سببا لرزقه قال تعالى : { وفى السماء ~~رزقكم وما توعدون } ( الذاريات : 22 ) . ورابعها : أن السحاب مع ما فيه من ~~المياه العظيمة ، التي تسيل منها الأودية العظام تبقى معلقة في جو السماء ~~وذلك من الآيات العظام . وخامسها : أن نزولها عند التضرع واحتياج الخلق ~~إليه مقدرا بمقدار النفع من الآيات العظام ، قال تعالى حكاية عن نوح : { ~~فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا } ( نوح : 10 ~~، 11 ) . PageV04P178 وسادسها : ما قال : { فسقناه إلى بلد ميت } ( فاطر : ~~9 ) وقال : { وترى الارض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت ~~من كل زوج بهيج } ( الحج : 5 ) فإن قيل : أفتقولون : إن الماء ينزل من ~~السماء على الحقيقة أو من السحاب أو تجوزون ما قاله بعضهم من أن الشمس تؤثر ~~في الأرض فيخرج منها أبخرة متصاعدة فإذا وصلت إلى الجو البارد بردت فثقلت ~~فنزلت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ، فاتصلت فتولدت من اتصال بعض تلك ~~الذرات بالبعض قطرات هي قطرات المطر . # قلنا : بل نقول إنه ينزل من السماء كما ذكره الله تعالى وهو الصادق في ~~خبره ، وإذا ms1342 كان قادرا على إمساك الماء في السحاب ، فأي بعد في أن يمسكه في ~~السماء ، فأما قول من يقول : إنه من بحار الأرض فهذا ممكن في نفسه ، لكن ~~القطع به لا يمكن إلا بعد القول بنفي الفاعل المختار ، وقدم العالم ، وذلك ~~كفر ، لأنا متى جوزنا الفاعل المختار القادر على خلق الجسم ، فكيف يمكننا ~~مع إمكان هذا القسم أن نقطع بما قالوه . # أما قوله : { فأحيا به الارض بعد موتها } ( الجاثية : 5 ) فاعلم أن هذه ~~الحياة من جهات . أحدها : ظهور النبات الذي هو الكلأ والعشب وما شاكلهما ، ~~مما لولاه لما عاشت دواب الأرض . وثانيها : أنه لولاه لما حصلت الأقوات ~~للعباد . وثالثها : أنه تعالى ينبت كل شيء بقدر الحاجة ، لأنه تعالى ضمن ~~أرزاق الحيوانات ، بقوله : { وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها } ( ~~هود : 6 ) . ورابعها : أنه يوجد فيه من الألوان والطعوم والروائح وما يصلح ~~للملابس ، لأن ذلك كله مما لا يقدر عليه إلا الله . وخامسها : يحصل للأرض ~~بسبب النبات حسن ونضرة ورواء ورونق فذلك هو الحياة . # واعلم أن وصفه تعالى ذلك بالإحياء بعد الموت مجاز ، لأن الحياة لا تصح ~~إلى على من يدرك ويصح أن يعلم ، وكذلك الموت ، إلا أن الجسم إذا صار حيا ~~حصل فيه أنواع من الحسن والنضرة والبهاء ، والنشور والنماء ، فأطلق لفظ ~~الحياة على حصول هذه الأشياء ، وهذا من فصيح الكلام الذي على اختصاره يجمع ~~المعاني الكثيرة . # / واعلم أن إحياء الأرض بعد موتها يدل على الصانع من وجوه . أحدها : نفس ~~الزرع ، لأن ذلك ليس في مقدور أحد على الحد الذي يخرج عليه . وثانيها : ~~اختلاف ألوانها على وجه لا يكاد يحد ويحصى . وثالثها : اختلاف طعوم ما يظهر ~~على الزرع والشجر . ورابعها : استمرار العادات بظهور ذلك في أوقاتها ~~المخصوصة . # النوع السادس من الآيات : قوله تعالى : { وبث فيها من كل دابة } ( البقرة ~~: 164 ) ونظيره جميع الآيات الدالة على خلقة الإنسان ، وسائر الحيوانات ، ~~كقوله : { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } ( النساء : 1 ) . # واعلم أن حدوث الحيوانات قد يكون بالتوليد ، وقد يكون بالتوالد ، وعلى ~~التقديرين ms1343 فلا بد فيهما من الصانع الحكيم فلنبين ذلك في الناس ثم في سائر ~~الحيوانات . # أما الإنسان فالذي يدل على فتقاره في حدوثه إلى الصانع وجوه . أحدها : ~~يروي أن واحدا قال عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني أتعجب من أمر ~~الشطرنج ، فإن رقعته ذراع في ذراع ، ولو PageV04P179 لعب الإنسان ألف ألف ~~مرة ، فإنه لا يتفق مرتان على وجه واحد فقال عمر بن الخطاب ههنا ما هو أعجب ~~منه ، وهو أن مقدار الوجه شبر في شبر ، ثم إن موضع الأعضاء التي فيها ~~كالحاجبين والعينين والأنف والفم ، لا يتغير البتة ثم إنك لا ترى شخصين في ~~الشرق والغرب يشتبهان ، فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه ~~الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها . وثانيها : أن الإنسان ~~متولد من النطفة ، فالمؤثر في تصوير النطفة وتشكيلها قوة موجودة في النطفة ~~أو غير موجودة فيها فإن كانت القوة المصورة فيها / فتلك القوة إما أن يكون ~~لها شعور وإدراك وعلم وحكمة حتى تمكنت من هذا التصوير العجيب ، وأما أن لا ~~تكون تلك القوة كذلك ، بل يكون تأثيرها بمجرد الطبع والعلية ، والأول ظاهر ~~الفساد لأن الإنسان حال استكماله أكثر علما وقدرة ، ثم إنه حال كماله لو ~~أراد أن يغير شعرة عن كيفتها لا يقدر على ذلك ، فحال ما كان في نهاية الضعف ~~كيف يقدر على ذلك ، وأما إن كانت تلك القوة مؤثرة بالطبع ، فهذا المعنى إما ~~أن يكون جسما متشابه الأجزاء في نفسه ، أو يكون مختلف الأجزاء ، فإن كان ~~متشابه الأجزاء فالقوة الطبيعية إذا عملت في المادة البسيطة ، لا بد وأن ~~يصدر منه فعل متشابه ، وهذا هو الكرة فكان ينبغي أن يكون الإنسان على صورة ~~كرة ، وتكون جميع الأجزاء المفترضة في تلك الكرة متشابهة في الطبع ، وهذا ~~هو الذي يستدلون به على أن البسائط لا بد وأن تكون كرات ، فثبت أنه لا بد ~~للنطفة في انقلابها لحما ودما وإنسانا من مدبر ومقدر لأعضائها وقواها ~~وتراكيبها ، وما ذاك إلا الصانع سبحانه وتعالى . وثالثها : الإستدلال ms1344 ~~بأحوال تشريح أبدان الحيوانات والعجائب الواقعة في تركيبها وتأليفها ، ~~وإيراد ذلك في هذا الموضع كالمتعذر لكثرتها ، واستقصاء الناس في شرحها في ~~الكتب المعمولة في هذا الفن . ورابعها : ما روى عن أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : سبحان من بصر بشحم ، وأسمع بعظم ، وأنطق ~~بلحم ، ومن عجائب الأمر / في هذا التركيب أن أهل الطبائع قالوا : أعلى ~~العناصر يجب أن يكون هو النار ، لأنها حارة يابسة ، وأدون منها في اللطافة ~~الهواء ، ثم الماء والأرض لا بد وأن تكون تحت الكل لثقلها وكثافتها ويبسها ~~، ثم إنهم قلبوا هذه القضية في تركيب بدن الإنسان ، لأن أعلى الأعضاء منه ~~عظم القحف والعظم بارد يابس على طبيعة الأرض ، وتحته الدماغ وهو بارد رطب ~~على طبع الماء ، وتحته النفس وهو حار رطب على طبع الهواء ، وتحت الكل : ~~القلب ، وهو حار يابس على طبع النار ، فسبحان من بيده قلب الطبائع يرتبها ~~كيف يشاء ، ويركبها كيف أراد . # ومما ذكرنا في هذا الباب أن كل صانع يأتي بنقش لطيف فإنه يصونه عن التراب ~~كي لا يكدره وعن الماء كي لا يمحوه ، وعن الهواء كي لا يزيل طرواته ولطافته ~~، وعن النار كيلا تحرقه ، ثم إنه سبحانه وتعالى وضع نقش خلقته على هذه ~~الأشياء ، فقال : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب } ( آل ~~عمران : 59 ) وقال : { وجعلنا من الماء كل شىء حى } ( الأنبياء : 30 ) وقال ~~في الهواء : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وقال أيضا : { وإذ ~~تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها } ( المائدة : 110 ) وقال : { ~~ونفخت فيه من روحى } ( الحجر : 29 ) وقال في النار : { وخلق الجان من مارج ~~من نار } ( الرحمن : 15 ) وهذا يدل على أن صنعه بخلاف صنع كل أحد . وخامسها ~~: انظر إلى الطفل بعد انفصاله من الأم ، فإنك لو وضعت على فمه وأنفه ثوبا ~~يقطع نفسه لمات في الحال ، ثم إنه بقي في الرحم الضيق مدة مديدة ، مع تعذر ~~النفس هناك ولم يمت ، ثم إنه بعد الإنفصال يكون من أضعف ms1345 الأشياء وأبعدها عن ~~الفهم ، بحيث لا يميز بين الماء والنار ، PageV04P180 وبين المؤذي والملذ ، ~~وبين الأم وبين غيرها ، ثم إن الإنسان وإن كان في أول أمره من أبعد الأشياء ~~عن الفهم ، فإنه بعد استكماله أكمل الحيوانات في الفهم والعقل والإدراك ، ~~ليعلم أن ذلك من عطية القادر الحكيم ، فإنه لو كان الأمر بالطبع لكان كل من ~~كان أذكى في أول الخلقة ، كان أكثر فهما وقت الإستكمال ، فلما لم يكن الأمر ~~كذلك ، بل كان على الضد منه ، علمنا أن كل ذلك من عطية الله الخالق الحكيم ~~. وسادسها : اختلاف الألسنة واختلاف طبائعهم ، واختلاف أمزجتهم من أقوى ~~الدلائل ونرى الحيوانات البرية والجبلية ، شديدة المشابهة بعضها بالبعض ، ~~ونرى الناس مختلفين جدا في الصورة ، ولولا ذلك لاختلت المعيشة ، ولاشتبه كل ~~أحد بأحد ، فما كان يتميز البعض عن البعض ، وفيه فساد المعيشة ، واستقصاء ~~الكلام في هذا النوع لا مطمع فيه لأنه بحر لا ساحل له . # النوع السابع من الدلائل : تصريف الرياح ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : وجه الإستدلال بها أنها مخلوقة على وجه يقبل التصريف ، ~~وهو الرقة واللطافة ، ثم إنه سبحانه يصرفها على وجه يقع به النفع العظيم في ~~الإنسان والحيوان والنبات ، وذلك من وجوه . أحدها : أنها مادة النفس الذي ~~لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات ، وقيل فيه إن كل ما كانت الحاجة إليه أشد ، ~~كان وجدانه أسهل ، ولما كان احتياج الإنسان إلى الهواء أعظم الحاجات / حتى ~~لو انقطع عنه لحظة لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كل شيء ، وبعد ~~الهواء الماء فإن الحاجة إلى الماء أيضا شديدة دون الحاجة إلى الهواء فلا ~~جرم سهل أيضا وجدان الماء ولكن وجدان الهواء أسهل . لأن الماء لا بد فيه من ~~تكلف الاغتراف بخلاف الهواء ، فإن الآلات المهيأة لجذبه حاضرة أبدا ، ثم ~~بعد الماء الحاجة إلى الطعام شديدة ولكن دون الحاجة إلى الماء ، فلا جرم ~~كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء ، وبعد الطعام الحاجة إلى تحصيل ~~المعاجين ، والأدوية النادرة قليلة ، فلا جرم عزت هذه الأشياء ، وبعد ~~المعاجين الحاجة إلى ms1346 أنواع الجواهر من اليواقيت والزبرجد نادرة جدا ، فلا ~~جرم كانت في نهاية العزة ، فثبت أن كل ما كان الاحتياج إليه أشد ، كان ~~وجدانه أسهل وكل ما كان الاحتياج إليه أقل كان وجدانه أصعب وما ذاك إلا ~~رحمة منه على العباد ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله تعالى أعظم الحاجات ~~فنرجوا أن يكون وجدانها أسهل من وجدان كل شيء وعبر الشاعر عن هذا المعنى ~~فقال : # % سبحان من خص القليل بعزه % % والناس مستغنون عن أجناسه % # % وأذل أنفاس الهواء وكل ذي % % نفس لمحتاج إلى أنفاسه % # وثانيها : لولا تحرك الرياح لما جرت الفلك وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا ~~الله فلو أراد كل من في العالم يقلب الريح من الشمال إلى الجنوب ، أو إذا ~~كان الهواء ساكنا أن يحركه لتعذر . # المسألة الثانية ؛ قال الواحدي : ( وتصريف الرياح ) أراد وتصريفه الرياح ~~فأضاف المصدر إلى المفعول وهو كثير . # المسألة الثالثة : الرياح جمع الريح قال أبو علي الريح اسم على فعل ~~والعين منه واو انقلبت في الواحد للكسرة ياء فإنه في الجمع القليل أرواح ~~وذلك لأنه لا شيء فيه يوجب الإعلال ألا ترى أن سكون الراء لا يوجب الاعلال ~~، كالواو في قوم وقول ، وفي الجمع الكثير رياح انقلبت الواو ياء للكسرة ~~التي قبلها نحو PageV04P181 ديمة وديم وحيلة وحيل قال ابن الأنباري : إنما ~~سميت الريح ريحا لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالروح والراحة وانقطاع ~~هبوبها يكسب الكرب والغم فهي مأخوذة من الروح والدليل على أن أصلها الواو ~~قولهم في الجمع أرواح . # المسألة الرابعة : قالوا : الرياح أربع ، الشمال والجنوب والصبا والدبور ~~، فالشمال من نقطة الشمال ، والجنوب من نقطة الجنوب ، والصبا مشرقية ، ~~والدبور مغربية وتسمى الصبا قبولا لأنها استقبلت الدبور وما بين كل واحد من ~~هذه المهاب فهي نكباء . # المسألة الخامسة ؛ اختلف القراء في الرياح فقرأ أبو عمرو ، وعاصم وابن ~~عامر ( الرياح ) على الجمع في عشرة مواضع البقرة ، والأعراف ، والحجر / ~~والكهف ، والفرقان والنمل والروم في موضعين ، والجاثية وفاطر ، وقرأ نافع ~~في اثني عشر موضعا هذه العشرة وفي إبراهيم : { كرماد ms1347 اشتدت به * الرياح } ( ~~إبراهيم : 18 ) وفي حم عسق : { إن يشأ يسكن * الرياح } ( الشورى : 33 ) ~~وقرأ ابن كثير : ( الرياح ) في خمسة مواضع / البقرة والحجر والكهف والروم ~~في موضعين وقرأ الكسائي في ثلاثة مواضع : في الحجر والفرقان والروم الأول ~~منها . # واعلم أن كل واحدة من هذه الرياح مثل الأخرى في دلالتها على الوحدانية ، ~~وأما من وحد فإنه يريد به الجنس ، كقولهم : أهلك الناس الدينار والدرهم ، ~~وإذا أريد بالريح الجنس كانت قراءة من وحد كقراءة من جمع ، فأما ما روي في ~~الحديث من أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا هبت الريح قال : ( اللهم اجعلها ~~رياحا ولا تجعلها ريحا ) فإنه يدل على أن مواضع الرحمة بالجمع أولى ، قال ~~تعالى : { ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات } ( الروم : 46 ) وإنما يبشر ~~بالرحمة ، وقال في موضع الإفراد : { فى * عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ~~} ( الذاريات : 41 ) وقد يختص اللفظ في القرآن بشيء فيكون أمارة له ، فمن ~~ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله تعالى : { وما يدريك لعل الساعة ~~قريب } ( الشورى : 17 ) وما كان من لفظ أدراك فإنه مفسر لمبهم غير معين ~~كقوله : { وما أدراك ما القارعة وما أدراك } ( القارعة : 3 / 10 ) . # النوع الثامن من الدلائل : قوله تعالى : { الرياح والسحاب المسخر بين ~~السماء والارض } ( البقرة : 164 ) سمي السحاب سحابا لانسحابه في الهواء ، ~~ومعنى التسخير التذليل ، وإنما سماه مسخرا لوجوه . أحدها : أن طبع الماء ~~ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف الطبع ، فلا بد من ~~قاسر قاهر يقهره على ذلك فلذلك سماه بالمسخر . الثاني : أن هذا السحاب لو ~~دام لعظم ضرره من حيث أنه يستر ضوء الشمس ، ويكثر الأمطار والابتلال ، ولو ~~انقطع لعظم ضرره لأنه يقتضي القحط وعدم العشب والزراعة ، فكان تقديره ~~بالمقدار المعلوم هو المصلحة فهو كالمسخر لله سبحانه يأتي به في وقت الحاجة ~~ويرده عند زوال الحاجة . الثالث : أن السحاب لا يقف في موضع معين بل يسوقه ~~الله تعالى بواسطة تحريك الرياح إلى حيث أراد وشاء فذلك هو التسخير فهذا هو ~~الإشارة ms1348 إلى وجوه الاستدلال بهذه الدلائل . # وأما قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون } ( الروم : 24 ) ففيه مسائل : ~~PageV04P182 # المسألة الأولى : قوله : { لايات } لفظ جمع فيحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى ~~الكل ، أي مجموع هذه الأشياء آيات ويحتمل أن يكون راجعا إلى كل واحد مما ~~تقدم ذكره ، فكأنه تعالى بين أن في كل واحد مما ذكرنا آيات وأدلة وتقرير ~~ذلك من وجوه . أحدها : أنا بينا أن كل واحد من هذه الأمور الثمانية يدل على ~~وجود الصانع سبحانه وتعالى من وجوه كثيرة . وثانيها : أن كل واحد من هذه ~~الآيات يدل على مدلولات كثيرة فهي من حيث إنها لم تكن موجودة ثم وجدت دلت ~~على وجود المؤثر وعلى كونه قادرا ، لأنه لو كان المؤثر موجبا لدام الأثر ~~بدوامه ، فما كان يحصل التغير ومن حيث أنها وقعت على وجه الإحكام والاتقان ~~دلت على علم الصانع ، ومن حيث أن حدوثها اختص بوقت دون وقت دلت على إرادة ~~الصانع ، ومن حيث أنها وقعت على وجه الأتساق والانتظام من غير ظهور الفساد ~~فيها دلت على وحدانية الصانع ، على ما قال تعالى / { لو كان فيهما الهة إلا ~~الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) . وثالثها : أنها كما تدل على وجود الصانع ~~وصفاته فكذلك تدل على وجوب طاعته وشكره علينا عند من يقول بوجوب شكر المنعم ~~عقلا لأن كثرة النعم توجب الخلوص في الشكر . ورابعها : أن كل واحد من هذه ~~الدلائل الثمانية أجسام عظيمة فهي مركبة من الأجزاء التي لا تتجزأ فذلك ~~الجزء الذي يتقاصر الحس والوهم والخيال عن إدراكه قد حصل فيه جميع هذه ~~الدلائل ، فإن ذلك الجزء من حيث إنه حادث ، فكان حدوثه لا محالة مختصا بوقت ~~معين ولا بد وأن يكون مختصا بصفة معينة مع أنه يجوز في العقل وقوعه على ~~خلاف هذه الأمور ، وذلك يدل على الافتقار إلى الصانع الموصوف بالصفات ~~المذكورة ، وإذا كان كل واحد من أجزاء هذه الأجسام ومن صفاتها شاهدا على ~~وجود الصانع ، لا جرم قال : إنها آيات وحاصل القول أن الموجود إما قديم ~~وإما محدث ، أما القديم ms1349 فهو الله سبحانه وتعالى ، وأما المحدث فكل ما عداه ~~، وإذا كان في كل محدث دلالة على وجود الصانع كان كل ما عداه شاهدا على ~~وجوده مقرا بوحدانيته معترفا بلسان الحال بإلهيته ، وهذا هو المراد من قوله ~~: { وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } ( الإسراء : 44 ) ~~. # أما قوله تعالى : { لقوم يعقلون } فإنما خص الآيات بهم لأنهم الذين ~~يتمكنون من النظر فيه ، والاستدلال به على ما يلزمهم من توحيد ربهم وعدله ~~وحكمه ليقوموا بشكره ، وما يلزم عبادته وطاعته . # واعلم أن النعم على قسمين نعم دنيوية ونعم دينية ، وهذه الأمور الثمانية ~~التي عدها الله تعالى نعم دنيوية في الظاهر ، فإذا تفكر العاقل فيها واستدل ~~بها على معرفة الصانع صارت نعما دينية لكن الانتفاع بها من حيث إنها نعم ~~دنيوية لا يكمل إلا عند سلامة الحواس وصحة المزاج فكذا الانتفاع بها من حيث ~~إنها نعم دينية لا يكمل إلا عند سلامة العقول وانفتاح بصر الباطن فلذلك قال ~~: { لآيات لقوم يعقلون } قال القاضي عبد الجبار : الآية تدل على أمور . ~~أحدها : أنه لو كان الحق يدرك بالتقليد واتباع الآباء والجري على الألف ~~والعادة لما صح ذلك . وثانيها : لو كانت المعارف ضرورية وحاصلة بالإلهام ~~لما صح وصف هذه الأمور بأنها آيات لأن المعلوم بالضرورة لا يحتاج في معرفته ~~إلى الآيات . وثالثها : أن سائر الأجسام والأعراض وإن كانت تدل على الصانع ~~فهو تعالى خص هذه الثمانية بالذكر لأنها جامعة بين كونها دلائل وبين كونها ~~نعما على المكلفين على أوفر حظ ونصيب ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في ~~القلوب وأشد تأثير في الخواطر . # PageV04P183 ! 7 < { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله والذين ءامنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن ~~القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 165 ) ومن الناس من . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر التوحيد بالدلائل القاهرة القاطعة ~~أردف ذلك بتقبيح ما يضاد التوحيد لأن تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن الشيء ms1350 ~~ولذلك قال الشاعر : وبضدها تتبين الأشياء ، وقالوا أيضا النعمة مجهولة ، ~~فإذا فقدت عرفت ، والناس لا يعرفون قدر الصحة ، فإذا مرضوا ثم عادت الصحة ~~إليهم عرفوا قدرها ، وكذا القول في جميع النعم ، فلهذا السبب أردف الله ~~تعالى الآية الدالة على التوحيد بهذه الآية ، وهنا مسائل : # المسألة الأولى : أما الند فهو المثل المنازع ، وقد بينا تحقيقه في قوله ~~تعالى في أول هذه السورة : { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ( ~~البقرة : 22 ) واختلفوا في المراد بالأنداد على أقوال . أحدها : أنها هي ~~الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى ، ورجوا من عندها النفع ~~والضر ، وقصدوها بالمسائل ، ونذروا لها النذور ، وقربوا لها القرابين ، وهو ~~قول أكثر المفسرين ، وعلى هذا الأصنام أنداد بعضها لبعض ، أي أمثال ليس ~~إنها أندادا لله ، أو المعنى : إنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة . ~~وثانيها : إنهم السادة الذين كانوا يطيعونهم فيحلون لمكان طاعتهم ما حرم ~~الله ، ويحرمون ما أحل الله ، عن السدي ، والقائلون بهذا القول رجحوا هذا ~~القول على الأول من وجوه . الأول : أن قوله : { يحبونهم كحب الله } الهاء ~~والميم فيه ضمير العقلاء . الثاني : أنه يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام ~~كمحبتهم الله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع . الثالث : أن الله ~~تعالى ذكره بعد هذه الآية : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ( ~~البقرة : 166 ) وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وأمثالا لله تعالى ~~، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ، ما يلتزمه المؤمنون من الإنقياد لله ~~تعالى . # القول الثالث : في تفسير الأنداد قول الصوفية والعارفين ، وهو أن كل شيء ~~شغلت قلبك به سوى الله تعالى ، فقد جعلته في قلبك ندا لله تعالى وهو المراد ~~من قوله : { أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه } ( الفرقان : 43 ) . # أما قوله تعالى : { يحبونهم كحب الله } فاعلم أنه ليس المراد محبة ذاتهم ~~فلا بد من محذوف ، والمراد يحبون عادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم ، ~~أو جميع ذلك ، وقوله : { كحب الله } فيه ثلاثة أقوال : قيل فيه كحبهم لله ، ~~وقيل فيه : كالحب اللازم عليهم لله ، وقيل ms1351 فيه : كحب المؤمنين لله ، وإنما ~~اختلفوا هذا الإختلاف من حيث إنهم اختلفوا في أنهم هل كانوا يعرفون الله أم ~~لا ؟ فمن قال : كانوا يعرفون مع اتخاذهم الأنداد تأول على أن المراد كحبهم ~~لله ومن قال إنهم ما كانوا عارفين بربهم حمل الآية على أحد الوجهين ~~PageV04P184 الباقيين إما كالحب اللازم لهم أو كحب المؤمنين لله والقول ~~الأول أقرب لأن قوله : { يحبونهم كحب الله } راجع إلى الناس الذين تقدم ~~ذكرهم ، وظاهر قوله : { كحب الله } يقتضي حبا لله ثابتا فيهم ، فكأنه تعالى ~~بين في الآية السالفة أن الإله واحد ، ونبه على دلائله ، ثم حكى قول من ~~يشرك معه ، وذلك يقتضي كونهم مقرين بالله تعالى . # فإن قيل : العاقل يستحيل أن يكون حبه للأوثان كحبه لله ، وذلك لأنه ~~بضرورة والعقل يعلم أن هذه الأوثان أحجار لا تنفع / ولا تضر ، ولا تسمع ، ~~ولا تبصر ولا تعقل ، وكانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعا مدبرا حكيما ولهذا ~~قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ليقولن الله } ( الزمر ~~: 38 ) ومع هذا الإعتقاد كيف يعقل أن يكون حبهم لتلك الأوثان كحبهم لله ~~تعالى ، وأيضا فإن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : { ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) وإذا كان كذلك ، كان المقصود ~~الأصلي طلب مرضات الله تعالى ، فكيف يعقل الإستواء في الحب مع هذا القول ، ~~قلنا قوله : { يحبونهم كحب الله } أي في الطاعة لها ، والتعظيم لها ، ~~فالإستواء على هذا القول في المحبة لا ينافي ما ذكرتموه . # أما قوله تعالى : { والذين ءامنوا أشد حبا لله } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في البحث عن ماهية محبة العبد لله تعالى ، اعلم أنه لا ~~نزاع بين الأمة في إطلاق هذه اللفظة ، وهي أن العبد قد يحب الله تعالى ، ~~والقرآن ناطق به ، كما في هذه الآية ، وكما في قوله : { يحبهم ويحبونه } ( ~~المائدة : 54 ) وكذا الأخبار ، روي أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت ~~عليه السلام وقد جاءه لقبض روحه : هل رأيت خليلا يميت خليله ؟ فأوحى الله ~~تعالى إليه : هل رأيت خليلا يكره ms1352 لقاء خليله ؟ فقال : يا ملك الموت الآن ~~فاقبض ، وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا رسول الله ~~متى الساعة ؟ فقال ما أعددت لها ؟ فقال ما أعددت كثير صلاة ولا صيام ، إلا ~~أني أحب الله ورسوله ، فقال عليه الصلاة والسلام : المرء مع من أحب ) . ~~فقال أنس : فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك ، وروي أن ~~عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر ، وقد نحلت أبدانهم ، وتغيرت ألوانهم ، ~~فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى ما أرى ؟ فقالوا : الخوف من النار ، فقال ~~حق على الله أن يؤمن الخائف ، ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين ، فإذا هم أشد ~~نحولا وتغيرا ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى هذا المقام ؟ قالوا ؛ الشوق ~~إلى الجنة ، فقال : حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ثم تركهم إلى ثلاثة ~~آخرين فإذا هم أشد نحولا وتغيرا ، كأن وجوههم المرايا من النور ، فقال : ~~كيف بلغتم إلى هذه الدرجة ، قالوا : بحب الله فقال عليه الصلاة والسلام : ( ~~أنتم المقربون إلى الله يوم القيامة ) ، وعند السدي قال : تدعى الأمم يوم ~~القيامة بأنبيائها ، فيقال : يا أمة موسى ، ويا أمة عيسى ، ويا أمة محمد ، ~~غير المحبين منهم ، فإنهم ينادون : يا أولياء الله ، وفي بعض الكتب : ( ~~عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محبا ) . # واعلم أن الأمة وإن اتفقوا في إطلاق هذه اللفظة ، لكنهم اختلفوا في ~~معناها ، فقال جمهور المتكلمين : إن المحبة نوع من أنواع الإرادة ، ~~والإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات ، فيستحيل / تعلق المحبة بذات الله ~~تعالى وصفاته ، فإذا قلنا : نحب الله ، فمعناه نحب طاعة الله وخدمته ، أو ~~نحب ثوابه وإحسانه ، وأما العارفون فقد قالوا : العبد قد يحب الله تعالى ~~لذاته ، وأما حب خدمته أو حب ثوابه فدرجة نازلة ، واحتجوا PageV04P185 بأن ~~قالوا إنا وجدنا أن اللذة محبوبة لذاتها ، والكمال أيضا محبوب لذاته ، أما ~~اللذة فإنه إذا قيل لنا : لم تكتسبون ؟ قلنا : لنجد المال ، فإن قيل : ولم ~~تطلبون المال ؟ قلنا : لنجد به المأكول والمشروب ، فإن قالوا : لم تطلبون ~~المأكول والمشروب ms1353 ؟ قلنا : لتحصل اللذة ويندفع الألم ، فإن قيل لنا : ولما ~~تطلبون اللذة وتكرهون الألم ؟ قلنا : هذا غير معلل ، فإنه لو كان كل شيء ~~إنما كان مطلوبا لأجل شيء آخر ، لزم إما التسلسل ، وإما الدور ، وهما ~~محالان ، فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون مطلوبا لذاته ، وإذا ثبت ذلك فنحن ~~نعلم أن اللذة مطلوبة الحصول لذاتها / والألم مطلوب الدفع لذاته ، لا لسبب ~~آخر ، وأما الكمال فلأنا نحب الأنبياء والأولياء لمجرد كونهم موصوفين بصفات ~~الكمال ، وإذا سمعنا حكاية بعض الشجعان مثل رستم ، واستفنديار ، واطلعنا ~~على كيفية شجاعتهم مالت قلوبنا إليهم ، حتى أنه قد يبلغ ذلك الميل إلى ~~إنفاق المال العظيم في تقرير تعظيمه ، وقد ينتهي ذلك إلى المخاطرة بالروح ، ~~وكون اللذة محبوبة لذاتها لا ينافي كون الكمال محبوبا لذاته ، إذا ثبت هذا ~~فنقول : الذين حملوا محبة الله تعالى على محبة طاعته ، أو على محبة ثوابه ، ~~فهؤلاء هم الذين عرفوا أن اللذة محبوبة لذاتها ، ولم يعرفوا أن الكمال ~~محبوب لذاته ، أما العارفون الذين قالوا : إنه تعالى محبوب في ذاته ولذاته ~~، فهم الذين انكشف لهم أن الكمال محبوب لذاته ، وذلك لأن أكمل الكاملين هو ~~الحق سبحانه وتعالى ، فإنه لوجوب وجوده : غنى عن كل ما عداه ، وكمال كل شيء ~~فهو مستفاد منه وأنه سبحانه وتعالى أكمل الكاملين في العلم والقدرة فإذا ~~كنا نحب الرجل العالم لكماله في علمه والرجل الشجاع لكماله في شجاعته ~~والرجل الزاهد لبراءته عما لا ينبغي من الأفعال ، فكيف لا نحب الله وجميع ~~العلوم بالنسبة إلى علمه كالعدم ، وجميع القدر بالنسبة إلى قدرته كالعدم ~~وجميع ما للخلق من البراءة عن النقائص بالنسبة إلى ما للحق من ذلك كالعدم ، ~~فلزم القطع بأن المحبوب الحق هو الله تعالى ، وأنه محبوب في ذاته ولذاته ، ~~سواء أحبه غيره أو ما أحبه غيره ، واعلم أنك لما وقفت على النكتة في هذا ~~الباب ، فنقول : العبد لا سبيل له إلى الإطلاع على الله سبحانه ابتداء ، بل ~~ما لم ينظر في مملوكاته لا يمكنه الوصول إلى ذلك المقام ، فلا جرم كل ms1354 من ~~كان اطلاعه على دقائق حكمة الله وقدرته في المخلوقات أتم ، كان علمه بكماله ~~أتم ، فكان له حبه أتم ، ولما كان لا نهاية لمراتب وقوف العبد على دقائق ~~حكمة الله تعالى ، فلا جرم لا نهاية لمراتب محبة العباد لجلال حضرة الله ~~تعالى ، ثم تحدث هناك حالة أخرى ، وهي أن العبد إذا كثرت مطالعته لدقائق ~~حكمة الله تعالى ، كثر ترقيه في مقام محبة الله ، فإذا كثر ذلك صار ذلك ~~سببا لاستيلاء حب الله تعالى على قلب العبد ، وغوصه فيه على مثال القطرات ~~النازلة من الماء على الصخرة الصماء فإنها مع لطافتها تثقب الحجارة الصلدة ~~فإذا غاصت محبة الله في القلب تكيف / القلب بكيفيتها ، واشتد ألفه بها ~~وكلما كان ذلك الألف أشد كان النفرة عما سواه أشد لأن الإلتفات إلى ما عداه ~~يشغله عن الإلتفات إليه والمانع عن حضور المحبوب مكروه فلا تزال تتعاقب ~~محبة الله ، ونفرته عما سواه على القلب ، ويشتد كل واحد منهما بالآخر ، إلى ~~أن يصير القلب نفورا عما سوى الله تعالى ، والنفرة توجب الإعراض عما سوى ~~الله ، والإعراض يوجب الفناء عما سوى الله تعالى فيصير ذلك القلب مستنيرا ~~بأنوار القدس ، مستضيئا بأضواء عالم العصمة فانيا عن الحظوظ المتعلقة بعالم ~~الحدوث وهذا المقام أعلى الدرجات ، وليس له في هذا العالم مثال إلا العشق ~~الشديد على أي شيء كان فإنك ترى من التجار المشغوفين بتحصيل المال من نسي ~~جوعه وطعامه وشرابه عند استغراقه في حفظ المال فإذا عقل ذلك في ذلك المقام ~~الخسيس PageV04P186 فكيف يستبعد ذلك عند مطالعة جلال الحضرة الصمدية . # المسألة الثانية : في معنى الشوق إلى الله تعالى ، اعلم أن الشوق لا ~~يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه ، ولم يدرك من وجه فأما الذي لم يدرك أصلا ، ~~فلا يشتاق إليه ، فإن لم ير شخصا ولم يسمع وصفه ، لم يتصور أن يشتاق إليه ~~ولو أدرك كماله لا يشتاق إليه ، ثم إن الشوق إلى المعشوق من وجهين . أحدهما ~~: أنه إذا رآه ثم غاب عنه اشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية . والثاني ms1355 : أن ~~يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره ، ولا سائر محاسنه / فيشتاق إلى أن ينكشف له ~~ما لم يره قط ، والوجهان جميعا متصوران في حق الله تعالى ، بل هما لازمان ~~بالضرورة لكل العارفين ، فإن الذي اتضح للعارفين من الأمور الإلهية وإن كان ~~في غاية الوضوح ، مشوب بشوائب الخيالات ، فإن الخيالات لا تفتر في هذا ~~العالم عن المحاكاة والتمثيلات ، وهي مدركات للمعارف الروحانية ، ولا يحصل ~~تمام التجلي إلا في الآخرة ، وهذا يقتضي حصول الشوق لا محالة في الدنيا ~~فهذا أحد نوعي الشوق فبما اتضح اتضاحا . والثاني : أن الأمور الإلهية لا ~~نهاية لها ، وإنما ينكشف لكل عبد من العباد بعضها ، وتبقى أمور لا نهاية ~~لها غامضة ، فإذا علم العارف أن ما غاب عن عقله أكثر مما حضر فإنه لا يزال ~~يكون مشتاقا إلى معرفتها ، والشوق بالتفسير الأول ينتهي في دار الآخرة ~~بالمعنى الذي يسمى رؤية ولقاء ومشاهدة ، ولا يتصور أن يكون في الدنيا ، ~~وأما الشوق بالتفسير الثاني فيشبه أن لا يكون له نهاية ، إذ نهايته أن ~~ينكشف للعبد في الآخرة جلال الله وصفاته ، وحكمته في أفعاله ، وهي غير ~~متناهية ، والإطلاع على غير المتناهي على سبيل التفصيل محال ، وقد عرفت ~~حقيقة الشوق إلى الله تعالى ، واعلم أن ذلك الشوق لذيذ لأن العبد إذا كان ~~في الترقي حصل بسبب تعاقب الوجدان ، والحرمان ، والوصول ، والصد آلاما ~~مخلوطة بلذات ، واللذات محفوفة بالحرمان والفقدان ، كانت أقوى ، فيشبه أن ~~يكون هذا النوع من اللذات مما لا يحصل إلا للبشر ، فإن الملائكة كمالاتهم ~~حاضرة بالفعل ، والبهائم لا تستعد لها أما البشر فهم المترددون بين جهتي ~~السفالة والعلو . # المسألة الثالثة : في بيان أن الذين آمنوا هم أشد حبا لله ، أما ~~المتكلمون فقالوا : إن حبهم لله / يكون من وجهين . أحدهما : أنه ما يصدر ~~منهم من التعظيم ، والمدح ، والثناء والعبادة خالصة عن الشرك وعما لا ينبغي ~~من الإعتقاد ومحبة غيرهم ليست كذلك . والثاني : أن حبهم لله اقترن به ~~الرجاء والثواب والرغبة في عظيم منزلته والخوف من العقاب والأخذ في طريق ~~التخلص منه ، ومن ms1356 يعبد الله ويعظمه على هذا الحد تكون محبته لله أشد ، وأما ~~العارفون فقالوا : المؤمنون هم الذين عرفوا الله بقدر الطاقة البشرية ، وقد ~~دللنا على أن الحب من لوازم العرفان فكلما كان عرفانهم أتم وجب أن تكون ~~محبتهم أشد ، فإن قيل : كيف يمكن أن يقال محبة المؤمنين لله تعالى أشد مع ~~أنا نرى الهنود يأتون بطاعات شاقة لا يأتي بشيء منها أحد من المسلمين ولا ~~يأتون بها إلا لله تعالى ثم يقتلون أنفسهم حبا لله . # والجواب من وجوه . أحدها : أن الذين آمنوا لا يتضرعون إلا إلى الله بخلاف ~~المشركين فإنهم يعدلون إلى الله عند الحاجة ، وعند زوال الحاجة ، يرجعون ~~إلى الأنداد ، قال تعالى : { فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين } ( العنكبوت : 6 ) إلى آخره والمؤمن لا يعرض عن الله في الضراء ~~والسراء والشدة والرخاء ، والكافر قد يعرض عن ربه ، فكان حب المؤمن أقوى . ~~وثانيها : أن من أحب غيره رضي PageV04P187 بقضائه ، فلا يتصرف في ملكه ، ~~فأولئك الجهال قتلوا أنفسهم بغير إذنه ، أما المؤمنون فقد يقتلون أنفسهم ~~بإذنه ، وذلك في الجهاد . وثالثها : أن الإنسان إذا ابتلي بالعذاب الشديد ~~لا يمكنه الاشتغال بمعرفة الرب ، فالذي فعلوه باطل . ورابعها : قال ابن ~~عباس : إن المشركين كانوا يعبدون صنما ، فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك ~~وأقبلوا على عبادة الأحسن . وخامسها : أن المؤمنين يوحدون ربهم ، والكفار ~~يعبدون مع الصنم أصناما فتنقص محبة الواحد ، أما الإله الواحد فتنضم محبة ~~الجميع إليه . # أما قوله تعالى : { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله ~~جميعا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن قراءة هذه الآية أبحاثا : # البحث الأول : قرأ نافع وابن عمر : ( ولو ترى ) بالتاء المنقوطة من فوق ~~خطابا للنبي عليه السلام ، كأنه قال : لو ترى يا محمد الذين ظلموا ، ~~والباقون بالياء المنقوطة من تحت على الإخبار عمن جرى ذكرهم كأنه قال : ولو ~~يرى الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد ، ثم قال بعضهم : هذه القراءة أولى ~~، لأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قد علموا قدر ما يشاهده ms1357 الكفار ، ~~ويعاينون من العذاب يوم القيامة ، أما المتوعدون في هذه الآية فهم الذين لم ~~يعلموا ذلك ، فوجب إسناد الفعل إليهم . # البحث الثاني : اختلفوا في ( يرون ) فقرأ ابن عامر : ( يرون ) بضم الياء ~~على التعدية وحجته قوله تعالى : { كذالك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } ~~والباقون ( يرون ) بالفتح على إضافة الرؤية إليهم . # البحث الثاني : اختلفوا في ( أن ) فقرأ بعض القراء ( إن ) بكسر الألف على ~~الاستئناف وأما القراء السبع فعلى فتح الألف فيها . # / البحث الرابع : لما عرفت أن { يرى الذين ظلموا } قرىء تارة بالتاء ~~المنقوطة من فوق وأخرى بالياء المنقوطة من تحت ، وقوله : { أن القوة } قرىء ~~تارة بفتح الهمزة من ( أن ) وأخرى بكسرها حصل ههنا أربع احتمالات . # الاحتمال الأول : أن يقرأ { ولو يرى } بالياء المنقوطة من تحت مع فتح ~~الهمزة من ( أن ) والوجه فيه أنهم أعملوا يرون في القوة والتقدير : ولو ~~يرون أن القوة لله : ومعناه ، ولو يرى الذين ظلموا شدة عذاب الله وقوته لما ~~اتخذوا من دونه أندادا فعلى هذا جواب ( لو ) محذوف وهو كثير في التنزيل ~~كقوله : { ولو ترى * إذا * وقفوا على النار } ( الأنعام : 27 ) ، { ولو ترى ~~إذ الظالمون فى غمرات الموت } ( الأنعام : 93 ) ، { ولو أن قرانا سيرت به ~~الجبال } ( الرعد : 31 ) ويقولون : لو رأيت فلانا والسياط تأخذ منه ، قالوا ~~: وهذا الحذف أفخم وأعظم لأن على هذا التقدير يذهب خاطر المخاطب إلى كل ضرب ~~من الوعيد فيكون الخوف على هذا التقدير مما إذا كان عين له ذلك الوعيد . # الاحتمال الثاني : أن يقرأ بالياء المنقوطة من تحت مع كسر الهمزة من ( إن ~~) والتقدير ولو يرى الذين ظلموا عجزهم حال مشاهدتهم عذاب الله لقالوا : إن ~~القوة لله . # الاحتمال الثالث : أن تقرأ بالتاء المنقوطة من فوق ، مع فتح الهمزة من ( ~~أن ) وهي قراءة نافع وابن PageV04P188 عامر قال الفراء : الوجه فيه تكرير ~~الرؤية والتقدير فيه ولو ترى الذين ظلموا إذا يرون العذاب ترى أن القوة لله ~~جميعا . # الاحتمال الرابع : أن يقرأ بالتاء المنقوطة من فوق ، مع كسر الهمزة ، ~~وتقديره : ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب ms1358 لقلت أن القوة لله جميعا ، ~~وهذا أيضا تأويل ظاهر جيد . # المسألة الثانية : إن قيل : كيف جاء قوله : { ولو يرى الذين ظلموا } وهو ~~مستقبل مع قوله : { إذ يرون العذاب } و ( إذ ) للماضي ؟ قلنا : إنما جاء ~~على لفظ المضي لأن وقوع الساعة قريب . قال تعالى : { وما أمر الساعة إلا ~~كلمح البصر أو هو أقرب } ( النحل : 77 ) وقال : { لعل الساعة قريب } ( ~~الشورى : 17 ) وكل ما كان قريب الوقوع فإنه يجري مجرى ما وقع وحصل وعلى هذا ~~التأويل قال تعالى : { ونادى أصحاب الجنة } ( الأعراف : 44 ) وقول المقيم : ~~قد قامت الصلاة يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم للصلاة لقرب ذلك وقد جاء كثير ~~في التنزيل من هذا الباب قال تعالى : { ولو ترى إذ وقفوا } ( الأنعام : 27 ~~) ، { ولو ترى إذ الظالمون } ( سبأ : 31 ) ، { ولو ترى إذ فزعوا } ( سبأ : ~~51 ) ، { ولو ترى إذ يتوفى } ( الأنفال : 50 ) . # ! 7 < { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم ~~الا سباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا ~~كذالك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار } > 7 @QB@ ~~< # | البقرة : ( 166 - 167 ) إذ تبرأ الذين . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتخذ من دون الله أندادا بقوله : { ولو ~~يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب } ( البقرة : 165 ) على طريق التهديد زاد ~~في هذا الوعيد بقوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ~~فبين أن الذين أفنوا عمرهم على عبادتهم واعتقدوا أنهم أوكد أسباب نجاتهم ~~فإنهم يتبرأون منهم عند احتياجهم إليهم ونظيره قوله تعالى : { يكفر بعضكم ~~ببعض ويلعن بعضكم بعضا } ( العنكبوت : 25 ) وقال أيضا : { الاخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) وقال : { كلما دخلت أمة لعنت ~~أختها } ( الأعراف : 38 ) وحكى عن إبليس أنه قال : { إنى كفرت بما أشركتمون ~~من قبل } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { إذ تبرأ } قولان ، الأول : أنه بدل من : { ~~إذ يرون العذاب } ( البقرة : 165 ) . الثاني : أن عامل الإعراب في ( إذ ) ~~معنى شديد كأنه قال : هو شديد العذاب ms1359 إذ تبرأ يعني في وقت التبرؤ . # المسألة الثانية : معنى الآية أن المتبوعين يتبرؤن من الأتباع ذلك اليوم ~~فبين تعالى ما لأجله يتبرؤن منهم وهو عجزهم عن تخليصهم من العذاب الذي رأوه ~~لأن قوله : { وتقطعت بهم الاسباب } يدخل في معناه PageV04P189 أنهم لم ~~يجدوا إلى تخليص أنفسهم وأتباعهم سببا ، والآيس من كل وجه يرجو به الخلاص ~~مما نزل به وبأوليائه من البلاء يوصف بأنه تقطعت به الأسباب واختلفوا في ~~المراد بهؤلاء المتبوعين على وجوه . أحدها : أنهم السادة والرؤساء من مشركي ~~الإنس ، عن قتادة والربيع وعطاء . وثانيها : أنهم شياطين الجن الذين صاروا ~~متبوعين للكفار بالوسوسة عن السدي . وثالثها : أنهم شياطين الجن والإنس . ~~ورابعها : الأوثان الذين كانوا يسمونها بالآلهة والأقرب هو الأول لأن ~~الأقرب في الذين اتبعوا أنهم الذين يصح منهم الأمر والنهي حتى يمكن أن ~~يتبعوا وذلك لا يليق بالأصنام ، ويجب أيضا حملهم على السادة من الناس لأنهم ~~الذين يصح وصفهم من عظمهم بأنهم يحبونهم كحب الله دون الشياطين ويؤكده قوله ~~تعالى : { إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } ( الأحزاب : 67 ) ، ~~وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل ، والثاني على البناء للمفعول أي تبرأ ~~الاتباع من الرؤساء . # المسألة الثانية : ذكروا في تفسير التبرؤ وجوها . أحدها : أن يقع منهم ~~ذلك بالقول . وثانيها : أن يكون نزول العذاب بهم ، وعجزهم عن دفعهم عن ~~أنفسهم فكيف عن غيرهم فتبرؤا . وثالثها : أنه ظهر فيهم الندم على ما كان ~~منهم من الكفر بالله والإعراض عن أنبيائه ورسله فسمي ذلك الندم تبرؤا ~~والأقرب هو الأول ، لأنه هو الحقيقة في اللفظ . # / أما قوله تعالى : { ورأوا العذاب } الواو للحال ، أي يتبرؤون في حال ~~رؤيتهم العذاب وهذا أولى من سائر الأقوال ، لأن في تلك الحالة يزداد الهول ~~والخوف . # أما قوله تعالى : { وتقطعت بهم الاسباب } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه عطف على ( تبرأ ) وذكروا في تفسير الأسباب سبعة ~~أقوال . الأول : أنها المواصلات التي كانوا يتواصلان عليها / عن مجاهد ~~وقتادة والربيع . الثاني : الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها عن ابن عباس ~~وابن جريج . الثالث : الأعمال التي كانوا يلزمونها ms1360 عن ابن زيد والسدي . ~~والرابع : العهود والحلف التي كانت بينهم يتوادون عليها ، عن ابن عباس . ~~الخامس : ما كانوا يتواصلون به من الكفر وكان بها انقطاعهم عن الأصم . ~~السادس : المنازل التي كانت لهم في الدنيا عن الضحاك والربيع بن أنس . ~~السابع : أسباب النجاة تقطعت عنهم والأظهر دخول الكل فيه ، لأن ذلك كالنفي ~~فيعم الكل فكأنه قال : وزال عنهم كل سبب يمكن أن يتعلق به وأنهم لا ينتفعون ~~بالأسباب على اختلافها من منزلة وسبب ونسب وخلف وعقد وعهد ، وذلك نهاية ما ~~يكون من اليأس فحصل فيه التوكيد العظيم في الزجر . # المسألة الثانية : الباء في قوله تعالى : { بهم الاسباب } بمعنى ( عن ) ~~كقوله تعالى : { فاسأل به خبيرا } أي عنه قال علقمة بن عبدة : # % فإن تسألوني بالنساء فإنني % % بصير بأدواء النساء طبيب % # أي عن النساء . # المسألة الثالثة : أصل السبب في اللغة الحبل قالوا : ولا يدعى الحبل سببا ~~حتى ينزل ويصعد به ، ومنه قوله تعالى : { فليمدد بسبب إلى السماء } ( الحج ~~: 15 ) ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة PageV04P190 تريدها سبب . ~~يقال : ما بيني وبينك سبب أي رحم ومودة ، وقيل للطريق : سبب لأنك بسلوكه ~~تصل الموضع الذي تريده ، قال تعالى : { فأتبع سببا } ( الكهف : 85 ) أي ~~طريقا ، وأسباب السموات : أبوابها لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها ، ~~قال تعالى مخبرا عن فرعون : { لعلى أبلغ الاسباب * أسباب * السماوات } ( ~~غافر : 36 ، 37 ) قال زهير : # % ومن هاب أسباب المنايا تناله % % ولو رام أسباب السماء بسلم % # والمودة بين القوم تسمى سببا لأنهم بها يتواصلون . # أما قوله تعالى : { وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما * ~~تنقم منا } فذلك تمن منهم لأن يتمكنوا من الرجعة إلى الدنيا وإلى حال ~~التكليف فيكون الاختيار إليهم حتى يتبرؤن منهم في الدنيا كما تبرؤا منهم ~~يوم القيامة ، ومفهوم الكلام أنهم تمنوا لهم في الدنيا ما يقارب العذاب ~~فيتبرؤن منهم ولا يخلصونهم ولا ينصرونهم كما فعلوا بهم يوم القيامة وتقديره ~~: فلو أن لنا كرة فنتبرأ منهم وقد دهمهم مثل هذا الخطب كما تبرؤا منا ms1361 ~~والحالة هذه لأنهم إن تمنوا التبرأ منهم مع سلامة فليس فيه فائدة . # / أما قوله : { كذالك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { كذالك يريهم } وجهان . الأول : كتبرؤ بعضهم ~~من بعض يريهم الله أعمالهم حسرات وذلك لانقطاع الرجاء من كل أحد . الثاني : ~~كما أراهم العذاب يريهم الله أعمالهم حسرات ، لأنهم أيقنوا بالهلاك . # المسألة الثانية : في المراد بالأعمال أقوال . الأول : الطاعات يتحسرون ~~لم ضيعوها عن السدي . الثاني : المعاصي وأعمالهم الخبيثة عن الربيع وابن ~~زيد يتحسرون لم عملوها . الثالث : ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه ~~بالكفر عن الأصم . الرابع : أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من ~~تعظيمهم والانقياد لأمرهم ، والظاهر أن المراد الأعمال التي اتبعوا فيها ~~السادة ، وهو كفرهم ومعاصيهم ، وإنما تكون حسرة بأن رأوها في صحيفتهم ، ~~وأيقنوا بالجزاء عليها ، وكان يمكنهم تركها والعدول إلى الطاعات ، وفي هذا ~~الوجه الإضافة حقيقية لأنهم عملوها ، وفي الثاني مجاز بمعنى لزمهم فلم ~~يقوموا به . # المسألة الثالثة : حسرات ثالث مفاعيل : رأى . # المسألة الرابعة : قال الزجاج : الحسرة شدة الندامة حتى يبقى النادم ~~كالحسير من الدواب ، وهو الذي لا منفعة فيه ، يقال : حسر فلان يحسر حسرة ~~وحسرا إذا اشتد ندمه على أمر فاته ، وأصل الحسر الكشف ، يقال : حسر عن ~~ذراعيه أي كشف والحسرة انكشاف عن حال الندامة ، والحسور : الإعياء لأنه ~~انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر ، قال تعالى : { ومن عنده لا يستكبرون عن ~~عبادته ولا يستحسرون } ( الأنبياء : 19 ) والمحسرة المكنسة لأنها تكشف عن ~~الأرض ، والطير تنحسر لأنها تنكشف بذهاب الريش . # أما قوله تعالى : { وما هم بخارجين من النار } فقد احتج به الأصحاب على ~~أن أصحاب الكبيرة من أهل PageV04P191 القبلة يخرجون من النار فقالوا : إن ~~قوله { وما هم } تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر فوجب أن يكون عدم ~~الخروج مخصوصا بهم ، وهذه الآية تكشف عن المراد بقوله : { وإن الفجار لفى ~~جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغائبين } ( الانفطار : 14 16 ) ~~وثبت أن المراد بالفجار ههنا الكفار لدلالة هذه الآية عليه . # # PageV04P192 ! 7 < { ياأيها الناس كلوا ms1362 مما فى الا رض حلالا طيبا ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين * إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 168 - 169 ) يا أيها الناس . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد ودلائله ، وما للموحدين من الثواب وأتبعه ~~بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أندادا ، ويتبع رؤساء الكفر أتبع ذلك بذكر ~~إنعامه على الفريقين وإحسانه إليهم وأن معصية من عصاه وكفر من كفر به لم ~~تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم ، فقال : { النار يأيها الناس كلوا مما فى ~~الارض } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم ~~السوائب ، الوصائل والبحائر وهم قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة ~~وبني مدلج . # المسأل الثانية : الحلال المباح الذي انحلت عقدة الخطر عنه وأصله من الحل ~~الذي هو نقيض العقد ومنه : حل بالمكان إذا نزل به ، لأنه حل شد الارتحال ~~للنزول وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بإنقضاء المدة ، وحل من إحرامه ، ~~لأنه حل عقدة الإحرام ، وحلت عليه العقوبة ، أي وجبت لانحلال العقدة ~~بالمانعة من العذاب والحلة الإزار والرداء ، لأنه يحل عن الطي للبس ، ومن ~~هذا تحلة اليمين ، لأنه عقدة اليمين تنحل به ، واعلم أن الحرام قد يكون ~~حراما لخبثه كالميتة والدم والخمر ، وقد يكون حراما لا لخبثه ، كملك الغير ~~إذا لم يأذن في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين . # المسألة الثالثة : قوله ( حلالا طيبا ) إن شئت نصبته على الحال مما في ~~الأرض وإن شئت فصبته على أنه مفعول . # / المسألة الرابعة : الطيب في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر والحلال يوصف ~~بأنه طيب ، لأن الحرام يوصف بأنه خبيث قال تعالى : { قل لا يستوى الخبيث ~~والطيب } ( المائدة : 100 ) والطيب في الأصل هو ما يستلذ به ويستطاب ووصف ~~به الطاهر والحلال على جهة التشبيه ، لأن النجس تكرهه النفس فلا تستلذه ~~PageV05P003 والحرام غير مستلذ ، لأن الشرع يزجر عنه وفي المراد بالطيب في ~~الآية وجهان الأول : أنه المستلذ لأنا لو حملناه على الحلال لزم التكرار ms1363 ~~فعلى هذا إنما يكون طيبا إذا كان من جنس ما يشتهي لأنه إن تناول ما لا شهوة ~~له فيه عاد حراما وإن كان يبعد أن يقع ذلك من العاقل إلا عند شبهة والثاني ~~: المرادمنه المباح وقوله يلزم التكرار قلنا : لا نسلم فإن قوله : { حلالا ~~} المراد منه ما يكون جنسه حلالا وقوله { طيبا } المراد منه لا يكون متعلقا ~~به حق الغير فإن أكل الحرام وإن اسطابه الآكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير ~~مضرة ولا يكون مستطابا ، كما قال تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا } ( النساء : 10 ) . # أما قوله تعالى : { لا تتبعوا خطوات الشيطان } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر والكسائي ، وهي إحدى الروايتين عن ابن ~~كثير وحفص عن عاصم { خطوات } بضم الخاء والطاء والباقون بسكون الطاء ، أما ~~من ضم العين فلأن الواحدة خطوة فإذا جمعت حركت العين للجمع ، كما فعل ~~بالإسماء التي على هذا الوزن نحو غرفة وغرفات ، وتحريك العين للجمع كما فعل ~~في نحو هذا الجمع للفصل بين الإسم والصفة ، وذلك أن ما كان اسما جمعته ~~بتحريك العين نحو تمرة وتمرات وغرفة وغرفات وشهوة وشهوات ، وما كان نعتا ~~جمع بسكون العين نحو ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات ، والخطوة من الأسماء لا من ~~الصفات فيجمع بتحريك العين ، وأما من خفف العين فبقاه على الأصل وطلب الخفة ~~. # المسألة الثانية : قال ابن السكيت فيما رواه عنه الجبائي الخطوة والخطوة ~~بمعنى واحد وحكى عن الفراء : خطوت خطوة والخطوة ما بين القدمين كما يقال : ~~حثوت حثوة ، والحثوة اسم لما تحثيت ، وكذلك غرفت غرفة والغرفة اسم لما ~~اغترفت ، وإذا كان كذلك فالخطوة المكان المتخطى كما أن الغرفة هي الشيء ~~المغترف بالكف فيكون المعنى : لا تتبعوا سبيله ولا تسلكوا طريقه لأن الخطوة ~~اسم مكان ، وهذا قول الزجاج وابن قتيبة فانهما قالا : خطوات الشيطان طرفه ~~وإن جعلت الخطوة بمعنى الخطوة كما ذكره الجبائي فالتقدير : لا تأتموا به ~~ولا تقفوا أثره والمعنيان مقاربان وإن اختلف التقديران هذا ما يتعلق باللغة ~~، وأما المعنى ms1364 فليس مراد الله ههنا ما يتعلق باللغة بل كأنه قيل لمن أبيح ~~له الأكل على الوصف المذكور احذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان وزجر ~~المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه كما زجره عن تخطيه إلى الحرام ~~لأن الشيطان إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة فيزين بذلك ما لا يحل ~~له فزجر الله تعالى عن ذلك ، ثم بين العلة في هذا / التحذير ، وهو كونه ~~عدوا مبينا أي متظاهر بالعداوة ، وذلك لأن الشيطان التزم أمورا سبعة في ~~العداوة أربعة منها في قوله تعالى : { ولاضلنهم ولامنينهم ولامرنهم فليبتكن ~~ءاذان الانعام ولامرنهم فليغيرن خلق الله } ( النساء : 119 ) وثلاثة منها ~~في قوله تعالى : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ~~ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } ( الأعراف : 16 ~~17 ) فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدوا متظاهرا بالعداوة فلهذا وصفه ~~الله تعالى بذلك . # وأما قوله تعالى : { إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون } فهذا كالتفصيل لجملة عداوته ، وهو مشتمل على أمور ثلاثة أولها ~~: السوء ، وهو متناول جميع المعاصي سواء كانت تلك PageV05P004 المعاصي من ~~أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب وثانيها : الفحشاء وهي نوع من السوء ، ~~لأنها أقبح أنواعه ، وهو الذي يستعظم ويستفحش من المعاصي وثالثها : { أن ~~تقولوا * على الله ما لا تعلمون } وكأنه أقبح أنواع الفحشاء ، لأنه وصف ~~الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر ، فصارت هذه الجملة ~~كالتفسير لقوله تعالى : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } فيدخل في الآية أن ~~الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر والكفر والجهل بالله ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي ~~نجدها من أنفسنا ، وقد اختلفت الناس في هذه الخواطر من وجوه أحدها : ~~اختلفوا في ماهياتها فقال بعضهم إنها حروف وأصوات خفية ، وقال الفلاسفة : ~~إنها تصورات الحروف والأصوات وتخيلاتها على مثال الصور المنطبعة في المرايا ~~، فإن تلك الصور تشبه تلك الأشياء من بعض الوجوه ، وإن لم تكن ms1365 مشابهة لها ~~في كل الوجوه . # ولقائل أن يقول : صور هذه الحروف وتخيلاتها هل تشبه هذه الحروف في كونها ~~حروفا أولا تشبهها ؟ فإن كان الأول فصور الحروف حروف ، فعاد القول إلى أن ~~هذه الخواطر أصوات وحروف خفية ، وإن كان الثاني لم تكن تصورات هذه الحروف ~~حروفا ، لكني أجد من نفسي هذه الحروف والأصوات مترتبة منتظمة على حسب ~~انتظامها في الخارج ، والعربي لا يتكلم في قلبه إلا بالعربية ، وكذا العجمي ~~، وتصورات هذه الحروف وتعاقبها وتواليها لا يكون إلا على مطابقة تعاقبها ~~وتواليها في الخارج ، فثبت أنها في أنفسها حروف وأصوات خفية وثانيها : أن ~~فاعل هذه الخواطر من هو ؟ أما على أصلنا وهو أن خالف الحوادث بأسرها هو ~~الله تعالى ، فالأمر ظاهر وأما على أصل المعتزلة فهم لا يقولون بذلك ، ~~وأيضا فلأن المتكلم عندهم من فعل الكلام فلو كان فاعل هذه الخواطر هو الله ~~تعالى ، وفيها ما يكون كذبا وسخفا ، لزم كون الله موصوفا بذلك تعالى الله ~~عنه ، ولا يمكن أن يقال : إن فاعلها هو العبد ، لأن العبد قد يكره حصول تلك ~~الخواطر ، ويحتال في دفعها عن نفسه مع أنها ألبتة لا تندفع ، بل ينجر البعض ~~إلى البعض على سبيل الاتصال ، / فإذن لا بد ههنا من شيء آخر ، وهو إما المك ~~وإما الشيطان ، فلعلهما يتكلمان بهذا الكلام في أقصى الدماغ ، وفي أقصى ~~القلب ، حتى إن الإنسان وإن كان في غاية الصمم ، فإنه يسمع هذه الحروف ~~والأصوات ثم إن قلنا بأن الشيطان والملك ذوات قائمة بأنفسها ، غير متحيزة ~~ألبتة ، لم يبعد كونها قادرة على مثل هذه الأفعال ، وإن قلنا بأنها أجسام ~~لطيفة لم يبعد أيضا أن يقال : إنها وإن كانت لا تتولج بواطن البشر إلا أنهم ~~يقدرون على إيصال هذا الكلام إلى بواطن البشر ، ولا بعد أيضا أن يقال إنها ~~لغاية لطافتها تقدر على النفوذ في مضايق باطن البشر ومخارق جسمه وتوصل ~~الكلام إلى أقصى قلبه ودماغه ، ثم إنها مع لطافتها تكون مستحكمة التركيب ، ~~بحيث يكون اتصال بعض أجزائه بالبعض اتصالا لا ينفصل ، فلا ms1366 جرم لا يقتضي ~~نفوذها في هذه المضايق والمخارق انفصالها وتفرق أجزائها وكل هذه الاحتمالات ~~مما لا دليل على فسادها والأمر في معرفة حقائقها عند الله تعالى ، ومما يدل ~~على إثبات إلهام الملائكة بالخير قوله تعالى : { إذ يوحى ربك إلى الملئكة ~~أني معكم فثبتوا الذين ءامنوا } ( الأنفال : 12 ) أي ألهموهم الثبات ~~وشجعوهم على أعدائهم ، ويدل عليه من الأخبار قوله عليه الصلاة والسلام ( إن ~~للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة ) وفي الحديث أيضا ( إذا ولد المولود لبني ~~آدم قرن إبليس به شيطانا وقرن الله به ملكا ، فالشيطان جاثم على أذن قلبه ~~الأيسر ، والملك جاثم على أذن قلبه الأيمن فهما يدعوانه ) ومن صوفية ~~والفلاسفة من فسر الملك الداعي إلى الخير بالقوة العقلية ، وفسر ~~PageV05P005 الشيطان الداعي إلى الشر بالقوة والشهوانية والغضبية . # المسألة الثاني : دلت الآية على أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح لأنه ~~تعالى ذكره بكلمة { إنما } وهي للحصر ، وقال بعض العارفين : إن الشيطان قد ~~يدعو إلى الخير لكن لغرض أن يجره منه إلى الشر وذلك يدل على أنواع : إما أن ~~يجره من الأفضل إلى الفاضل ليتمكن من أن يخرجه من الفاضل إلى الشر ، وإما ~~أن يجره من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الاشق ليصير ازدياد المشقة سببا لحصول ~~النفرة عن الطاعة بالكلية . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ~~يتناول جميع المذاهب الفاسدة بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلدا للحق ~~لكنه قال ما لا يعلمه فصار مستحقا للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية . # المسألة الرابعة : تمسك نفاة القياس بقوله : { وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون } والجواب عنه : أنه متى قامت الدلالة على أن العمل بالقياس واجب ~~كان العمل بالقياس قولا على الله بما يعلم لا بما لا يعلم . # ! 7 < { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه ~~ءابآءنآ أولو كان ءاباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 170 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > اعلم أنهم اختلفوا في الضمير في قوله : { لهم } على ms1367 ثلاثة أقوال ~~أحدها : أنه عائد على { من } في قوله : { من يتخذ من دون الله أندادا } ( ~~البقرة : 165 ) وهم مشركو العرب ، وقد سبق ذكرهم وثانيها : يعود على { ~~الناس } في قوله : { يذهبكم أيها الناس } ( البقرة : 21 ) فعدل عن المخاطبة ~~إلى المغايبة على طريق الإلتفات مبالغة في بيان ضلالهم ، كأنه يقول للعقلاء ~~: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون وثالثها : قال ابن عباس : نزلت في ~~اليهود ، وذلك حين دعاهم رسول الله إلى الإسلام ، فقالوا : نتبع ما وجدنا ~~عليه آباءنا ، فهم كانوا خير منا ، وأعلم منا ، فعلى هذا الآية مستأنفة ، ~~والكناية في { لهم } تعود إلى غير مذكور ، إلا أن الضمير قد يعود على ~~المعلوم ، كما يعود على المذكور ، ثم حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا : { ~~بل نتبع ما ألفينا عليه ءاباءنا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الكسائي يدغم لام { هل } و { بل } في ثمانية أحرف : ~~التاء كقوله { بل تؤثرون } ( الأعلى : 16 ) والنون { بل نتبع } والثاء { هل ~~ثوب } ( المصطفين : 36 ) والسين { بل سولت } ( يوسف : 18 ) والزاي { بل زين ~~} ( الرعدة : 33 ) والضاد { بل ضلوا } ( الأحقاف : 28 ) والظاء { بل ظننتم ~~} والطاء { بل طبع } ( النساء : 155 ) وأكثر القراء على الإظهار ، ومنهم من ~~يوافقه في البعض ، والإظهار هو الأصل . # المسألة الثانية : { ألفينا } بمعنى وجدنا ، بدليل قوله تعالى في آية ~~أخرى { بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا } ( لقمان : 21 ) ويدل عليه أيضا ~~قوله تعالى : { وألفيا سيدها لدى الباب } ( يوسف : 25 ) وقوله : { إنهم ~~ألفوا PageV05P006 ءاباءهم ضالين } ( الصافات : 69 ) . # المسألة الثالثة : معنى الآية : أن الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل ~~الله من الدلائل الباهرة فهم قالوا لا نتبع ذلك ، وإنما نتبع آباءنا ~~وأسلافنا ، فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد ، وأجاب الله تعالى عنهم بقوله ~~: { أو * لو كان * لا يعقلون شيئا ولا يهتدون * ومثل } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الواو في { أو * لو } واو العطف ، دخلت عليها همزة ~~الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ والتقريع ، وإنما جعلت همزة الاستفهام ~~للتوبيخ ، لأنها تقتضي الإقرار بشيء يكون الإقرار به فضيحة ، كما يقتضي ~~الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه . # الثانية : تقرير هذا ms1368 الجواب من وجوه أحدها : أن يقال للمقلد : هل تعترف ~~بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقا أم لا ؟ فإن اعترفت بذلك لم ~~نعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقا ، فكيف عرفت أنه محق ؟ وإن ~~عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل ، وإن عرفته بالعقل فذاك كاف ، فلا حاجة إلى ~~التقليد ، وإن قلت : ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم / كونه محقا ، فاذن قد ~~جوزت تقليده ، وإن كان مبطلا فإذن أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل ~~وثانيها : هب أن ذلك المتقدم كان عالما بهذا الشيء إلا أنا لو قدرنا أن ذلك ~~المتقدم ما كان عالما بذلك الشيء قط وما اختار فيه ألبتة مذهبا ، فأنت ماذا ~~كنت تعمل ؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه كان لا بد من ~~العدول إلى النظر فكذا ههنا وثالثها : أنك إذا قلدت من قبلك ، فذلك المتقدم ~~كيف عرفته ؟ أعرفته بتقليد أم لا بتقليد ؟ فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور ~~وإما التسلسل ، وإن عرفته لا بتقليد بل بدليل ، فإذا أوجبت تقليد ذلك ~~المتقدم وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد ، لأنك لو طلبت بالتقليد لا ~~بالدليل ، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفا له ، ~~فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلا . # المسألة الثالثة : إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات ~~الشيطان ، تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان ، وبين متابع ~~التقليد ، وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والإستدلال ، وترك التعويل على ما ~~يقع في الخاطر من غير دليل ، أو على ما يقوله الغير من غير دليل . # المسألة الرابعة : قوله : { لا يعقلون شيئا } لفظ عام ، ومعناه الخصوص ، ~~لأنهم كانوا يعقلون كثيرا من أمور الدنيا ، فهذا يدل على جواز ذكر العام مع ~~أن المراد به الخاص . # المسألة الخامسة : قوله : { لا يعقلون شيئا } المراد أنهم لا يعلمون شيئا ~~من الدين وقوله تعالى : { ولا يهتدون } المراد أنهم لا يهتدون إلى كيفية ~~اكتسابه . # ! 7 ms1369 < { ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعآء وندآء صم ~~بكم عمى فهم لا يعقلون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 171 ) ومثل الذين كفروا . . . . . # > > PageV05P007 @8@ # اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتباع ما أنزل ~~الله تركوا النظر والتدبر ، وأخلدوا إلى التقليد ، وقالو : { بل نتبع ما ~~ألفينا عليه ءاباءنا } ( البقرة : 170 ) ضرب لهم هذا المثل تنبيها للسامعين ~~لهم إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء ، وقلة الإهتمام ~~بالدين ، فصيرهم من هذا الوجه بمنزل الأنعام ، ومثل هذا المثل يزيد السامع ~~معرفة بأحوال الكفار ، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك ، فيكون كسرا ~~لقلبه ، وتضييقا لصدره ، حيث صيره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر ~~والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد ، وههنا مسائل : # / المسألة الأولى : نعق الراعي بالغنم إذا صاح بها وأما نعق الغراب ~~فبالغين المعجمة . # المسألة الثانية : للعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان أحدهما : ~~تصحيح المعنى بالإضمار في الآية والثاني : إجراء الآية على ظاهرها من غير ~~إضمار ، أما الذين أضمروا فذكروا وجوها الأول : وهو قول الأخفش والزجاج ~~وابن قتيبة ، كأنه قال : ومثل من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذي ينعق ~~، فصار الناعق الذي هو الراعي بمنزل الداعي إلى الحق ، وهو الرسول عليه ~~الصلاة والسلام وسائر الدعاة إلى الحق وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق ~~بها ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تفهم المراد ، وهؤلاء الكفار ~~كانوا يسمعون صوت الرسول وألفاظه ، وما كانوا ينتفعون بها وبمعانيها لا جرم ~~حصل وجه التشبيه الثاني : مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان ~~كمثل الناعق في دعائه ما لا يسمع كالغنم ، وما يجرى مجراه من الكلام ~~والبهائم لا تفهم : فشبه الأصنام في أنها لا تفهم بهذه البهائم ، فإذا كان ~~لا شك أن ههنا المحذوف هو المدعو ، وفي القول الذي قبله المحذوف هو الداعي ~~، وفيه سؤال ، وهو أن قوله : { إلا دعاء ونداء } لا يساعد عليه لأن الأصنام ~~لا تسمع شيئا الثالث : قال ابن زيد : مثل ms1370 الذين كفروا في دعائهم آلهتهم ~~كمثل الناعق في دعائه عند الجبل ، فإنه لا يسمع إلا صدى صوته فإذا قال : يا ~~زيد يسمع من الصدى : يا زيد . فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعو هذه الأوثان لا ~~يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء . # الطريق الثاني : في الآية وهو إجراؤها على ظاهرها من غير إضمار وفيه ~~وجهان أحدهما : أن يقول : مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه ~~الأوثان ، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضي على ذلك الراعي ~~بقلة العقل ، فكذا ههنا الثاني : مثل الذين كفروا في اتباعهم آباءهم ~~وتقليدهم لهم ، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أن الكلام مع البهائم ~~عبث عديم الفائد ، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة . # أما قوله تعالى : { صم بكم عمى } فاعلم أنه تعالى لما شبههم بالبهائم زاد ~~في تبكيتهم ، فقال : { صم بكم عمى } لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الذي ~~سمعوه كأنهم لم يسمعوه وبمنزلة البكم في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه ~~وبمنزلة العمى من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها ، ~~قال النحريون { صم } أي هم صم وهو رفع على الذم ، أما قوله : { فهم لا ~~يعقلون } فالمراد العقل الاكتسابي لأن العقل المطبوع كان حاصلا لهم قال : ~~العقل عقلان مطبوع ومسموع . # ولما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الإستعانة بهذه القوى الثلاثة ~~فلما أعرضوا عنها فقدوا العقل المكتسب ولهذا قيل : من فقد حسا فقد علما . # PageV05P008 ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 172 ) يا أيها الذين . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية شبيهة بما تقدم من قوله : { كلوا مما فى الارض ~~حلالا طيبا } ( البقرة : 168 ) ثم نقول : إن الله سبحانه وتعالى تكلم من ~~أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى في الرد على اليهود ~~والنصارى ، ومن هنا شرع في بيان الأحكام ، اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الأكل قد يكون واجبا ، وذلك عند دفع الضرر عن ms1371 ~~النفس ، وقد يكون مندوبا ، وذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد ~~وينبسط في ذلك إذا سوعد ، فهذا الأكل مندوب ، وقد يكون مباحا إذا خلا عن ~~هذه العوارض ، والأصل في الشيء أن يكون خاليا عن العوارض ، فلا جرم كان ~~مسمى الأكل مباحا وإذا كان الأمر كذلك كان قوله { كلوا } في هذا الموضع لا ~~يفيد الإيجاب والندب بل الإباحة . # المسألة الثانية : احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراما بقوله تعالى ~~: { من طيبات ما رزقناكم } فإن الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالا لكان ~~قوله : { من طيبات ما رزقناكم } معناه من محللات ما أحللنا لكم ، فيكون ~~تكرارا وهو خلاف الأصل ، أجابوا عنه بأن الطيب في أصل اللغة عبارة عن ~~المستلذ المستطاب ، ولعل أقواما ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من ~~طيباتها ممنوع منه . فأباح الله تعالى ذلك بقوله : كلوا من لذائذ ما ~~أحللناه لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى . # المسألة الثالثة : قوله : { واشكروا * الله } أمر : وليس بإباحة فإن قيل ~~: الشكر إما أن يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح ، أما بالقلب فهو إما ~~العلم بصدور النعمة عن ذلك المنعم ، أو العزم على تعظيمه باللسان وبالجوارح ~~، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل ، فإن العاقل لا ينسى ذلك فإذا ~~كان ذلك العلم ضروريا فكيف يمكن إيجابه ، وأما العزم على تعظيمه باللسان ~~والجوارح فذلك العزم القلبي مع الإقرار بالسان والعمل بالجوارح ، فإذا بينا ~~أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى ، وأما الشكر باللسان فهو إما ~~أن يقر بالاعتراف له بكونه منعما أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق ~~بل هو من باب المندوبات ، وأما الشكر بالجوارح والأعضاء فهو أن يأتي بأفعال ~~دالة على تعظيمه ، وذلك أيضا غير واجب ، وإذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لا ~~يمكن القول بوجوب الشكر / قلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب عليه اعتقاد ~~كونه مستحقا للتعظيم وإظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك ~~تهمة . # أما قوله تعالى : { إن كنتم إياه تعبدون ms1372 } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية وجوها أحدها : { واشكروا لله } إن كنتم ~~عارفين بالله وبنعمه ، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته ، إطلاقا لإسم ~~الأثر على المؤثر وثانيها : معناه : إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه ~~، فإن الشكر رأس العبادات وثالثها : { واشكروا لله } الذي رزقكم هذه النعم ~~{ إن كنتم إياه تعبدون } أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه سبحانه ~~المنعم لا غيره ، عن أنس رضي الله عنه عن PageV05P009 النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ( يقول الله تعالى : إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري ~~، وأزرق ويشكر غيري ) . # المسألة الثانية : احتج من قال : إن المعلق بلفظ : أن ، لا يكون عدما عند ~~عدم ذلك الشيء بهذه الآية ، فإنه تعالى علق الأمر بالشكر بكلمة { ءان } على ~~فعل العباد ، مع أن من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضا . # ! 7 < { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل به لغير الله ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلاإثم عليه إن الله غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 173 ) إنما حرم عليكم . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمرنا في الآية السالفة بتناول الحلال ~~فصل في هذه الآية أنواع الحرام ، والكلام فيها على نوعين النوع الأول : ما ~~يتعلق بالتفسير والنوع الثاني : ما يتعلق بالأحكام التي استنبطها العلماء ~~من هذه الآية ( فالنوع الأول ) فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن كلمة { إنما } على وجهين أحدهما : أن تكون حرفا ~~واحدا ، كقولك : إنما داري دارك ، وإنما مالي مالك الثاني : أن تكون { ما } ~~منفصلة من : إن ، وتكون { ما } بمعنى الذي ، كقولك : إن ما أخذت مالك ، وإن ~~ما ركبت دابتك ، وجاء في التنزيل على الوجهين ، أما على الأول فقوله : { ~~إنما الله إلاه واحد * وإنما * أنت نذير } وأما على الثاني فقوله : { إنما ~~صنعوا كيد ساحر } ( طه : 69 ) ولو نصبت كيد ساحر على أن تجعل { إنما } حرفا ~~واحدا كان صوابا ، وقوله : { إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم } ~~( العنكبوت : 25 ) تنصب المودة وترفع على هذين الوجهين ، واختلفوا في حكمها ~~على الوجه ms1373 الأول ، فمنهم من قال { إنما } تفيد الحصر واحتجو عليه بالقرآن ~~والشعر / والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى : { إنما الله إلاه واحد } ( ~~النساء : 171 ) أي ما هو إلا إله واحد ، وقال : { إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين } ( التوبة : 60 ) أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد : { قل ~~إنما أنا بشر مثلكم } ( الكهف : 110 ) أي ما أنا إلا بشر مثلكم ، وكذا هذه ~~الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى { قل لا أجد * فيما * أوحى إلى محرما على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير } ( الأنعام : 145 ~~) فصارت الآيتان واحدة فقوله : { إنما حرم عليكم } في هذه الآية مفسر لقوله ~~: { قل لا أجد * فيما * أوحى إلى محرما } إلا كذا في تلك الآية ، وأما ~~الشعر فقوله الأعشى : # % ولست بالأكثر منهم حصى % % وإنما العزة للكاثر % # وقول الفرزق : # % أنا الذائد الحامي الذمار وإنما % % يدافع عن أحسابه أنا أو مثلى % # وأما القياس ، فهو أن كلمة { ءان } للإثبات وكلمة { ما } للنفي فإذا ~~اجتمعا فلا بد وأن يبقيا على أصليهما ؛ فإما أن يفيدا ثبوت غير المذكور ، ~~ونفي المذكور وهو باطل بالاتفاق ، أو ثبوت المذكور ، ونفي غير PageV05P010 ~~المذكور وهو المطلوب ، واحتج من قال : إنه لا يفيد الحصر بقوله تعالى : { ~~إنما أنت نذير } ولقد كان غيره نذيرا ، وجوابه معناه : ما أنت إلا نذير فهو ~~يفيد الحصر ، ولا ينفي وجود نذير آخر . # المسألة الثانية : قرىء { حرم } على البناء للفاعل و { حرم } للبناء ~~للمفعول و { حرم } بوزن كرم . # المسألة الثالثة : قال الواحدي : الميتة ما فارقته الروح من غير زكاة مما ~~يذبح ، وأما الدم فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها ، ~~فحرم الله الدم وقوله : { لحم * الخنزير } أراد الخنزير بجميع أجزائه ، ~~لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل وقوله : { وما أهل به لغير الله } قال ~~الأصمعي : الإهلال أصله رفع الصوت فكل رافع صوته فهو مهل ، وقال ابن أحمر : # % يهل بالفدفد ركبانها % % كما يهل الراكب المعتمر % # هذا معنى الإهلال في اللغة ، ثم قيل للمحرم مهل لرفعه الصوت بالتلبية عند ~~الإحرام ، هذا معنى الإهلال ms1374 ، يقال : أهل فلان بحجة أو عمرة أي أحرم بها ، ~~وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام ، والذابح مهل ، لأن العرب ~~كانوا يسمون الأوثان عند الذبح ، ويرفعون أصواتهم بذكرها ومنه : استهل ~~الصبي ، فمعنى قوله : { وما أهل به لغير الله } يعني ما ذبح للاصنام ، وهو ~~قول مجاهد ، والضحاك وقتادة ، وقال الربيع بن أنس وابن زيد : يعني ما ذكر ~~عليه غير اسم الله ، وهذا القول أولى ، لأنه أشد مطابقة للفظ ، قال العلماء ~~: لو أن مسلما ذبح ذبيحة ، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله . صار مرتدا ~~وذبيحته ذبيح مرتد ، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب ، أما ذبائح / أهل ~~الكتاب ، فتحل لنا لقوله تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } ( ~~المائدة : 5 ) . # أما قوله تعالى : { فمن اضطر } ففيه مسائل : PageV05P011 # المسألة الأولى : قرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر والكسائي : { فمن ~~اضطر } بضم النون والباقون بالكسر ، فالضم للاتباع ، والكسر على أصل الحركة ~~لإلتقاء الساكنين . # المسألة الثانية : اضطر : أحوج وألجىء ، وهو افتعل من الضرورة ، وأصله من ~~الضرر ، وهو الضيق . # المسألة الثالثة : لما حرم الله تعالى تلك الأشياء ، استثنى عنها حال ~~الضرورة ، وهذه الضرورة لها سببان أحدهما : الجوع الشديد ، وأن لا يجد ~~مأكولا حلالا يسد به الرمق ، فعند ذلك يكون مضطرا الثاني : إذا أكرهه على ~~تناوله مكره ، فيحل له تناوله . # المسألة الرابعة : أن الاضطرار ليس من أفعال المكلف ، حتى يقال إنه { لا ~~* إثم عليه إن الله غفور رحيم } فإذن لا بد ههنا من إضمار وهو الأكل ~~والتقدير : فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه والحذف ههنا كالحذف في قوله : { فمن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ( البقرة : 184 ) أي فأفطر ~~فحذف فأفطر وقوله : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام ~~أو صدقة } ( البقرة : 196 ) ومعناه فحلق ففدية ، وإنما جاز الحذف لعلم ~~المخاطبين بالحذف ، ولدلالة الخطاب عليه . # أما قوله تعالى : { غير باغ } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الفراء { غير } ههنا لا تصلح أن تكون بمعنى ~~الاستثناء ، لأن غير ههنا بمعنى النفي ms1375 ، ولذلك عطف عليها لا لأنها في معنى ~~: لا ، وهي ههنا حال للمضطر ، كأنك قلت : فمن اضطر باغيا ، ولا عاديا فهو ~~له حلال . # المسألة الثاني : أصل البغي في اللغة الفساد ، وتجاوز الحد قال الليث : ~~البغي في عدو الفرس اختيال ومروح ، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال : فرس باغ ، ~~والبغي الظلم والخروج عن الإنصاف ومنه قوله تعالى : { والذين إذا أصابهم ~~البغى هم ينتصرون } ( الشورى : 39 ) وقال الأصمعي : بغي الجرح يبغي بغيا ، ~~إذا بدأ بالفساد ، وبغت السماء ، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد ، وبغي ~~الجرح والبحر والسحاب إذا طغى . # أما قوله تعالى : { ولا عاد } فالعدو هو التعدي في الأمور ، وتجاوز ما ~~ينبغي أن يقتصر عليه ، يقال عدا عليه عدوا ، وعدوانا ، واعتداء وتعديا ، ~~إذا ظلمه ظلما مجاوزا للحد ، وعدا طوره : جاوز قدره . # المسألة الثالثة : لأهل التأويل في قوله : { غير باغ ولا عاد } قولان ~~أحدهما : أن يكون قوله { غير باغ ولا عاد } مختصا بالأكل والثاني : أن يكون ~~عاما في الأكل وغيره ، أما على القول الأول / ففيه وجوه الأول : { غير باغ ~~} وذلك بأن يجد حلالا تكرهه النفس ، فعدل إلى أكل الحرام اللذيذ { ولا عاد ~~} أي متجاوز قدر الرخصة الثاني : غير باغ للذة أي طالب لها ، ولا عاد ~~متجاوز سد الجوعة ، عن الحسن ، وقتاد ، والربيع ، ومجاهد ، وابن زيد الثالث ~~: غير باغ على مضطر آخر بالاستيلاء عليه ، ولا عاد في سد الجوعة . # القول الثاني : أن يكون المعنى غير باغ على إمام المسلمين في السفر من ~~البغي ، ولا عاد بالمعصية أي مجاوز طريقة المحقين ، والكلام في ترجيح أحد ~~هذين التأويلين على الآخر سيجيء إن شاء الله تعالى . # أما قوله : { فلا إثم عليه } ففيه سؤالان أحدهما : أن الأكل في تلك ~~الحالة واجب وقوله : { لا * إثم عليه } يفيد الإباحة الثاني : أن المضطر ~~كالملجأ إلى الفعل والملجأ لا يوصف بأنه لا إثم عليه ، قلنا : قد بينا في ~~تفسير قوله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } ( البقرة : 158 ) أن نفي ~~الإثم قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح ، وأيضا فقوله تعالى : { فلا ~~إثم عليه ms1376 } معناه رفع الحرج والضيق ، واعلم أن هذا الجائع إن حصلت فيه شهوة ~~الميتة ، ولم يحصل فيه النفرة الشديدة فإنه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به ~~الرمق كما يصير ملجأ إلى الهرب من السبع إذا أمكنه ذلك ، أما إذا حصلت ~~النفرة الشديدة فإنه بسبب تلك النفرة يخرج عن أن يكون ملجأ ولزمه تناول ~~الميتة على ما هو عليه من النفار ، وههنا يتحقق معنى الوجوب . # أما قوله تعالى : في آخر الآية : { إن الله غفور رحيم } ففيه إشكال وهو ~~أنه لما قال : { فلا إثم عليه } فكيف يليق أن يقول بعده : { إن الله غفور ~~رحيم } فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم . # والجواب : من وجوه أحدهما : أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم ، ~~إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض ، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه ~~المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة ، ثم ذكر بعده أنه رحيم ، يعني لأجل ~~الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك وثانيها : لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة ، ~~فهو PageV05P012 سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة ، رحيم حيث ~~أباح في تناول قدر الحاجة وثالثها : أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها ~~بكونه غفورا رحيما لأنه غفور للعصاة إذا تابوا ، رحيم بالمطيعين المستمرين ~~على نهج حكمه سبحانه وتعالى . # النوع الثاني : من الكلام في هذه الآية المسائل الفقهية التي استنبطها ~~العلماء منها وهي مرتبة على فصول : # الفصل الأول # فيما يتعلق بالميتة # والكلام فيه مرتب على مقدمة ومقاصد : # / أما المقدمة : ففيها ثلاث مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن التحريم المضاف إلى الأعيان ، هل يقتضي ~~الإجمال ؟ فقال الكرخي : إنه يقتضي الإجمال ، لأن الأعيان لا يمكن وصفها ~~بالحل والحرمة ، فلا بد من صرفهما إلى فعل من أفعالنا فيها ، وليست جميع ~~أفعالنا فيها محرمة لأن تبعيدها عن النفس وعما يجاوز المكان فعل من الأفعال ~~فيها ، وهو غير محرم ، فإذن لا بد من صرف هذا التحريم إلى فعل خاص ، وليس ~~بعض الأفعال أولى من بعض فوجب صيرورة الآية مجملة ، وأما أكثر العلماء ~~فإنهم أصروا على أنه ليس ms1377 من المجملات بل هذه اللفظة تفيد في العرف حرمة ~~التصرف في هذه الأجسام كما أن الذوات لا تملك وإنما يملك التصرفات فيها ، ~~فإذا قيل فلان يملك جارية فهم كل أحد أنه يملك التصرف فيها فكذا هنا ، وقد ~~استقصينا الكلام فيه من كتاب المحصول في علم الأصول . # المسألة الثانية : لما ثبت الأصل الذي قدمناه وجب أن تدل الآية على حرمة ~~جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص / فإن قيل : لم لا يجوز تخصيص ~~هذا التحريم بالأكل ، والذي يدل عليه وجوه أحدها : أن المتعارف من تحريم ~~الميتة تحريم أكلها وثانيها : أنه ورد عقيب قوله : { كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم } ( البقرة : 57 ) وثالثها : ما روي عن الرسول عليه السلام في خبر ~~شاة ميمونة ، إنما حرم من الميتة أكلها . # والجواب عن الأول : لا نسلم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها وعن ~~الثاني : أن هذه الآية مستقلة بنفسها فلا يجب قصرها على ما تقدم ، بل يجب ~~إجراؤها على ظاهرها وعن الثالث : أن ظاهر القرآن مقدم على خبر الواحد ، لكن ~~هذا إنما يستقيم إذا لم يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد ، ويمكن أن يجاب عنه ~~بأن المسلمين إنما رجعوا في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية ، فدل إنعقاد ~~اجماعهم على أنها غير مخصوصة ببيان حرمة الأكل ، وللسائل أن يمنع هذا ~~الإجماع . # المسألة الثالثة : الميتة من حيث اللغة هو الذي خرج من أن يكون حيا من ~~دون نقض بنية ولذلك فرقوا بين المقتول والميت ، وأما من جهة الشرع فهو غير ~~المذكي إما لأنه لم يذبح أو أنه ذبح ولكن لم يكن ذبحه ذكاة وسنذكر حد ~~الزكاة في موضعه ، فإن قيل : كيف يصح ذلك وقد قال تعالى في سورة المائدة : ~~{ حرمت عليكم الميتة والدم } ( المائدة : 3 ) ثم ذكر من بعده المنخنقة ~~والموقوذة والمتردي فدل هذا على أن غير PageV05P013 المذكى منه ما هو ميتة ~~ومنه ما ليس كذلك ، قلنا لعل الأمر كان في ابتداء الشرع على أصل اللغة ، ~~وأما بعد استقرار الشرع فالميتة ما ذكرناه والله أعلم . # أما المقاصد ms1378 فاعلم أن الخطأ في المسائل المستنبطة من هذه الآية من وجهين ~~أحدهما : ما أخرجوه عن الآية وهو داخل فيها والثاني : ما أدخلوه فيها وهو ~~خارج عنها . # أما القسم الأول ففيه مسائل : # / المسألة الأولى : ذهب الشافعي رضي الله عنه في أظهر أقواله إلى أنه ~~يحرم الانتفاع بصوف الميتة وشعرها وعظمها وقال مالك : يحرم الانتفاع بعظمها ~~خاصة وجل الفقهاء اتفقوا على تحريم الانتفاع بشعر الخنزير ، واحتج هؤلاء ~~بأن هذه الأشياء ميتة فوجب أن يحرم الانتفاع بها ، إنما قلنا إنها ميتة ~~لقوله عليه السلام : ( ما أبين من حي فهو ميت ) وهذا الخبر يعم الشعر ~~والعظم والكل وأما الذي يدل على أن العظم ميتة خاصة فقوله تعالى : { من يحى ~~العظام وهى رميم } ( يس : 78 ) فثبت أنها كانت حية فعند الموت تصير ميتة ~~وإذا ثبت أنها ميتة وجب أن يحرم الانتفاع بها لقوله تعالى : { حرمت عليكم ~~الميتة } اعترض المخالف عليه بأن الشعر والصوف لا حياة فيه ، لأن حكم ~~الحياة الإدراك والشعور وذلك مفقود في الشعر ولأجل هذا الكلام ذهب مالك إلى ~~تنجيس العظام دون الشعور . # والجواب : أن الحياة ليست عبارة عن المعنى المقتضى للإدراك والشعور بدليل ~~الآية والخبر أما الآية فقوله تعالى : { كيف يحى الارض بعد موتها } ( الروم ~~: 50 ) وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( من أحيا أرضا ميتة فهي له ) ~~والأصل في الإطلاق الحقيقة ، فعلمنا أن الحياة في أصل اللغة ليست عبارة عما ~~ذكرتموه ، بل عن كون الحيوان أو النبات صحيحا في مزاجه معتدلا في حاله غير ~~معترض للفساد والتعفن والتفرق ، وإذا ثبت ذلك ظهر اندراجه تحت الآية ، ~~واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر والإجماع والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى ~~: { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين } ( النحل : 80 ) ~~حيث ذكرها في معرض المنة ، والامتنان لا يقع بالنجس الذي لا يحل الانتفاع ~~به ، وأما الخبر فقوله عليه السلام في شاة ميمونة ( إنما حرم من الميتة ~~أكلها ) وأما الإجماع ، فهو أنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب ، ويجعلون منها ~~القلانس / وعن النخعي : كانوا لا يرون بجلود السباع وجلود ms1379 الميتة إذا دبغت ~~بأسا ، وما خصوا حال الشعر وعدمه وقول الشافعي : كانوا إشارة إلى الصحابة ~~وليس لأحد أن يقول الثعلب عند الشافعي رضي الله عنه حلال ، فلهذا يقول ~~بإباحته لأن الزكاة شرط بالاتفاق وهو غير حاصل في هذه الثعالب ، وأما ~~القياس فلأن هذه الشعور والعظام أجسام منتفع بها غير متعرضة للتعفن والفساد ~~، فوجب أن يقضي بطهارتها كالجلود المدبوغة ، وأما النفع بشعر الخنزير : ففي ~~الفقهاء من منع نجاسته وهو الأسلم ، ثم قالوا : هب أن عموم قوله : { حرمت ~~عليكم الميتة } يقتضي حرمة الانتفاع بالصوف والعظم وغيرهما إلا أن هذه ~~الدلائل تنتج الانتفاع بها ، والخاص مقدم على العام فكان هذا الجانب أولى ~~بالرعاية . # المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : إذا مات في الماء دابة ~~ليس لها نفس سائلة لم يفسد الماء قل أو كثر ، وللشافعي رضي الله عنه قولان ~~في الماء القليل ، واحتجوا للشافعي ، بأنها يحوانات فإذا ماتت صارت ميتة ~~فيحرم استعمالها بمقتضى الآية ، وإذا حرم استعمالها بمقتضى الآية وجب الحكم ~~بنجاستها ، وإذا ثبت الحكم بنجاستها ، وجب الحكم بنجاسة الماء القليل الذي ~~/ وقعت هي فيه ، وأجابوا PageV05P014 عنه بأنه ميتة ، ويحرم الانتفاع بها ~~ولكن لم قلتم إنها متى كانت كذلك كانت نجسة ، ثم لم يلزم من نجاستها تنجس ~~الماء بها ، واحتجوا على القول الثاني للشافعي رضي الله عنه بقوله عليه ~~السلام : ( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه فإن في أحد ~~جناحيه داء وفي الآخر دواء ) وأمر بالمقل فربما كان الطعام حارآ فيموت ~~الذباب فيه فلو كان ذلك سببا للتنجيس لما أمر النبي عليه السلام به . # المسألة الثالثة : للفقهاء مذاهب سبعة في أمر الدباغ ، فأوسع الناس فيه ~~قولا الزهري ، فإنه يجوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ ، ويليه داود ~~فإنه قال تطهر كلها بالدباغ ، ويليه مالك فإنه قال يطهر ظاهرها دون باطنها ~~، ويليه أبو حنيفة فإنه قال يطهر كلها إلا جلد الخنزير ، ويليه الشافعي ~~فإنه قال يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير ، ويليه الأوزاعي وأبو ثور ~~فإنهما يقولان : يطهر جلد ما ms1380 يؤكل لحمه فقط ، ويليه أحمد بن حنبل رضي الله ~~عنهم فإنه قال : لا يطهر منها شيء بالدباغ ، واحتج أحمد بالآية والخبر أما ~~الآية فقوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) أطلق التحريم ~~وما قيده بحال دون حال ، وأما الخبر فقول عبد الله بن حكيم : أتانا كتاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا ~~عصب ، أجابوا عن التمسك بالآية ، بأن تخصيص العموم بخبر الواحد وبالقياس ~~جائز ، وقد وجدا ههنا خبر الواحد فقوله عليه الصلاة والسلام : أيما إهاب ~~دبغ فقد طهر ) وأما القياس : فهو أن الدباغ يعود الجلد إلى ما كان عليه حال ~~الحياة وكما كان حال الحياة طاهرا كذلك بعد الدباغ وهذا القياس والخبر هما ~~معتمد الشافعي رحمه الله . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة ، بإطعام ~~البازي والبهيمة ، فمنهم من منع منه لأنه إذا أطعم البازي ذلك فقد انتفع ~~بتلك الميتة والآية دالة على تحريم الانتفاع بالميتة فاما إذا أقدم البازي ~~من عند نفسه على أكل الميتة فهل يجب علينا منعه أم لا فيه احتمالان . # المسألة الخامسة : اختلفوا في دهن الميتة وودكها هل يجوز الاستصباح به أم ~~لا ، وهذا ينظر فيه فإن كان ذلك مما حلته الحياة ، أو في جملته ما هو هذا ~~حاله ، فالظاهر يقتضي المنع منه وإن لم يكن كذلك فهو خارج من جملة الميتة ، ~~وإنما يحرم ذلك الدليل سوى الظاهر ، وعن عطاء بن جابر قال لما قدم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم مكة أتاه الذين يجمعون الأوداك / فقالوا يا رسول الله ~~إنا نجمع الأوداك وهي من الميتة وغيرها وإنما هي للأديم والسفن ، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها ~~وأكلوا أثمانها ) فنهاهم عن ذلك وأخبرهم بأن تحريمه إياها على الإطلاق أوجب ~~تحريم بيعها كما أوجب تحريم أكلها . # المسألة السادسة : الظاهر يقتضي حرمة السمك والجراد إلا أنهما خصا بالخبر ~~عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه ، قال عليه الصلاة والسلام : ( أحلت ms1381 لنا ~~ميتتان ودمان أما الميتتان فالجراد والنون / وأما الدمان فالطحال والكبد ) ~~وعن جابر في قصة طويلة : أن البحر ألقى إليهم حوتا فأكلوا منه نصف شهر ، ~~فلما رجعوا أخبروا النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فقال : هل عندكم منه شيء ~~تطعموني ، وقال عليه الصلاة والسلام في صفة البحر ( هو الطهور ماؤه الحل ~~ميتته ) وأيضا فإنه ثبت بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام : حل السمك ~~، واختلفوا في السمك الظافي وهو الذي يموت في الماء حتف أنفه ، فقال مالك ~~والشافعي رضي الله عنهما لا بأس به ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن ~~صالح إنه مكروه واختلف الصحابة في هذه المسألة فعن علي رضي الله عنه أنه ~~قال : ما طفا من صيد البحر فلا نأكله ، وهذا أيضا مروي عن ابن عباس وجابر ~~بن عبد الله ، PageV05P015 وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأبي أيوب ~~إباحته ، وروى أبو بكر الرازي روايات مختلفة عن جابر بن عبد الله أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال : ( ما ألقى البحر أو جرد عنه فكلوه ، وما مات فيه وطفا ~~فلا تأكلوه ) وأما الشافعي رضي الله عنه فقد احتج بالآية والخبر والمعقول ، ~~أما الآية فقوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه } ( المائدة : 96 ) ~~وهذا السمك الطافي من طعام البحر فوجب حله ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( أحلت لنا ميتتنان السم والجراد ) وهذا مطلق ، وقوله في البحر : ~~( هو الطهور ماؤه الحل ميتتة ) وهذا عام وروي عن أنس رضي الله عنه أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال : ( كل ما طفا على البحر ) . # المسألة السابعة : قال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما : لا بأس بأكل ~~الجراد كله ما أخذته وما وجدته ، وروي عن مالك رضي الله عنه أن ما وجد ميتا ~~لا يحل ، وأما ما أخذ حيا ثم قطع رأسه وشوي أكل ، وما أخذ حيا فغفل عنه حتى ~~يموت لم يؤكل حجة مالك ظاهر الآية ، وحجة الشافعي وأبي حنيفة قوله عليه ~~السلام : ( أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ) فوجب حملهما على الإطلاق فتبين ~~بذلك أن قطع ms1382 رأسه إن جعل له ذكاة فهو كالشاة المذكاة في أنه لا يكون ميتة ، ~~فلا يكون لقوله عليه السلام ( أحلت لنا ميتتان ) فائدة وقال عبد الله بن ~~أبي أوفي : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد ~~ولا نأكل غيره ، فلم يفرق بين ميتة وبين مقتولة . # المسألة الثامنة : اختلفوا في الجنين إذا خرج ميتا بعد ذبح الأم ، فقال ~~أبو حنيفة ، لا يؤكل إلا أن يخرج حيا فيذبح ، وهو قول حماد ، وقال الشافعي ~~وأبو يوسف ومحمد : أنه يؤكل وهذا هو المروى عن علي ، وابن مسعود ، وابن عمر ~~، وقال مالك : إن تم خلقه ونبت شعره أكل ، وإلا لم يؤكل ، وهو قول سعيد بن ~~المسيب ، واحتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية وهو أنه ميتة ، فوجب أن يحرم ، ~~قال الشافعي ، أخصص هذا العموم بالخبر والقياس ، أما الخبر فهو أنا أجمعنا ~~على أن المذكى مباح وهذا مذكى ، لما روى أبو سعيد الخدري ، وأبو الدرداء ، ~~وأبو أمامة ، وكعب بن مالك ، وابن عمر وأبو أيوب ، وأبو هريرة رضي الله ~~عنهم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : / ( ذكاه الجنين ذكاة أمه ) ~~وتقريره أن كون الذكاة سببا للإباحة حكم شرعي ، فجاز أن تكون ذكاة الجنين ~~حاصلة شرعا بتحصيل ذكاة أمه / أجاب الحنفيون بأن قوله ذكاة الجنين ذكاة أمه ~~، يحتمل أن يريد به أن ذكاة أمه ذكاة له ، ويحتمل أن يريد به إيجاب تذكيته ~~كما تذكي أمه ، وأنه لا يؤكل بغير ذكاة ، كقوله تعالى : { وجنة عرضها * ~~السماوات والارض } ( آل عمران : 133 ) ومعناه كعرض السموات والأرض ، وكقول ~~القائل : قولي قولك ، ومذهبي مذهبك ، وإنما المعنى : قولي كقولك ، ومذهبي ~~كمذهبك ، وقال الشاعر : # % فعيناك عيناها % % وجيدك جيدها % # وإذا ثبت ما ذكرنا كان أحد ، الإحتمالين إيجاب تذكيته ، وأنه لا يؤكل غير ~~مذكى في نفسه ، والآخر أن ذكاة أمه تبيح أكله ، وإذا كان كذلك لم يجز تخصيص ~~الأمر بل يجب حمله على المعنى الموافق للآية ، أجاب الشافعي رضي الله عنه ~~من وجوه أحدها : أن على الإحتمال الذي ذكرتموه لا بد فيه ms1383 من إضمار وهو أن ~~ذكاة الجنين كذكاة أمه ، والإضمار خلاف الأصل وثانيها : أنه لا يسمى جنينا ~~إلا حال كونه في بطن أمه ، ومتى ولد لا يسمى جنينا ، والنبي عليه الصلاة ~~والسلام إنما أثبت له الذكاة حال كونه جنينا ، فوجب أن PageV05P016 يكون في ~~تلك الحالة مذكي بذكاتها وثالثها : أن حمل الخبر على ما ذكرت من إيجاب ~~ذكاته إذا خرج حيا تسقط فائدته ، لأن ذلك معلوم قبل وروده ورابعها : ما روي ~~عن أبي سعيد أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الجنين يخرج ميتا ، قال : إن ~~شئتم فكلوه ، فإن ذكاته ذكاة أمه ، وأما القياس فمن وجوه أحدهما : أنا ~~أجمعنا على أن من ضرب بطن امرأته فماتت وألقيت جنينا ميتا ، لم ينفرد ~~الجنين بحكم نفسه ، ولو خرج الولد حيا ثم مات انفرد بحكم نفسه دون أمه في ~~إيجاب الغرة ، فكذلك جنين الحيوان إذا مات عن ذبح أمه وخرج ميتا ، كان تبعا ~~للأم في الذكاة ، وإذا خرج حيا لم يؤكل حتى يذكى وثانيها : أن الجنين حال ~~اتصاله بالأم في حكم عضو من أعضائها فوجب أن يحل بذكاتها كسائل الأعضاء ~~وثالثها : الواحب في الولد أن يتبع الأم في الذكاة ، كما يتبع الولد الأم ~~في العتاق والإستيلاد والكتابة ونحوها . # المسألة التاسعة : ما قطع من الحي من الأبعاض فهو محرم لأنه ميتة ، فوجب ~~أن يكون حراما إنما قلنا : إنه ميتة ، للنص والمعقول ، أما النص فقوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( ما أبين من حي فهو ميت ) وأما المعقول فهو أن ذلك البعض ~~كان حيا لأنه يدرك الألم واللذة ، وبالقطع زال ذلك الوصف فصار ميتا ، فوجب ~~أن يحرم لقوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } ( المائدة : 3 ) . # المسألة العاشرة : اختلفوا في أن ذبح ما لا يؤكل لحمه هل يستعقب طهارة ~~الجلد ، فعند الشافعي رضي الله عنه ، لا يستعقبه ، لأن هذا الذبح لا يستعقب ~~حل الأكل فوجب أن لا يستعقب الطهارة كذبح المجوسي ، وعند أبي حنيفة يستعقبه ~~. # / القسم الثاني : مما دخل في الآية وليس منها ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله تعالى : { إنما ms1384 حرم عليكم الميتة والدم } ~~و { حرمت عليكم الميتة } لا يقتضي تحريم ما مات فيه من المائعات ، وإنما ~~يقتضي تحريم عين الميتة ، وما جاور الميتة فلا يسمى ميتة ، فلا يتناوله لفظ ~~التحريم ، كالسمن إذا وقعت فيه فأرة وماتت فإنه لا يتناولها ، هذا الظاهر ~~وجملة الكلام في هذا الباب تدور على فصلين أحدهما : أما الذي ينجس بمجاورته ~~الميتة فيحرم ، وأما الذي لا ينجس فلا يحرم والثاني : أن الذي ينجس كيف ~~الطريق إلى تطهيره ؟ # المسألة الثانية : سأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر ~~مطبوخ فمات ، فقال أبو حنيفة لأصحابه : ما ترون فيها ؟ فذكروا له عن ابن ~~عباس : أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل ويراق المرق ، فقال أبو حنيفة بهذا نقول ~~على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها كما في هذه الرواية وإن كان وقع ~~في حال غليانها : لم يؤكل اللحم ولا المرق ، قال ابن المبارك : ولم ذاك ؟ ~~قال : لأنه إذا سقط فيها في غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم ، وإذا ~~وقع فيها حال سكونها فمات فإنما رشحت الميتة اللحم ، قال ابن المبارك وعقد ~~بيده ثلاثين : هذا زرين ، بالفارسية يعني المذهب ، وروى ابن المبارك مثل ~~هذا عن الحسن . # المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة لبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهرتان ، ~~وقال الشافعي ومالك : لا يحل هذا اللبن والأنفحة ، وقال الليث : لا تؤكل ~~البيضة التي تخرج من دجاجة ميتة ، واعلم أن الشافعي رضي الله عنه لا يتمسك ~~في هذه المسألة بظاهر قوله : { حرمت عليكم الميتة } لأن اللبن لا يوصف بأنه ~~ميتة ، فوجب الرجوع فيه نفيا وإثباتا إلى دليل آخر ، ومعتمد الشافعي أن ~~اللبن لو كان مجموعا في إناء فسقط فيه PageV05P017 شيء من الميتة ينجس ~~فكذلك إذا ماتت وهو في ضرعها ، وهكذا الخلاف في الأنفحة ، أما البيض إذا ~~أخرج من جوف الدجاج فهو طاهر إذا غسل ، ويحل أكله لأن القشرة إذا صلبت حجزت ~~بين المأكول وبين الميتة فتحل ، ولذلك لو كانت البيضة غير منعقدة لحرمت . # ولنختم هذا الفصل بمسائل مشتركة بين ms1385 القسمين . # المسألة الأولى : اختلف المتكلمون في أن الميتة هل تكون ميتة بمعنى الموت ~~، فمنهم من أثبت الموت بمعنى مضاد للحياة ، على ما قال تعالى : { الذى خلق ~~الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) ومنهم من قال : إنه عدم الحياة عما من شأنه ~~أن يقبل الحياة وهذا أقرب . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن حرمة الميتة هل تقتضي نجاستها ، والحق ~~أن حرمة الانتفاع لا تقتضي النجاسة ، لأن لا يمتنع في العقل أن يحرم ~~الانتفاع بها ، ويحل الانتفاع بما جاورها ، إلا أنه قد ثبت بالإجماع أن ~~الميتة نجسة . # الفصل الثاني # في تحريم الدم ، وفيه مسألتان # المسألة الأولى : الشافعي رضي الله عنه حرم جميع الدماء سواء كان مسفوحا ~~أو غير مسفوح وقال أبو حنيفة : دم السمك ليس بمحرم ، أما الشافعي فإنه تمسك ~~بظاهر هذه الآية ، وهو قوله : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~} وهذا دم فوجب أن يحرم ، وأبو حنيفة تمسك بقوله تعالى : { قل لا أجد فى ما ~~أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا } ( الأنعام ~~: 145 ) فصرح بأنه لم يجد شيئا من المحرمات إلا هذه الأمور ، فالدم الذي لا ~~يكون مسفوحا وجب أن لا يكون محرما بمقتضى هذه الآية فإذن هذه الآية خاصة ~~وقوله : { حرمت عليكم الميتة والدم } عام والخاص مقدم على العام ، أجاب ~~الشافعي رضي الله عنه بأن قوله : { قل لا أجد * فيما * أوحى إلى محرما } ~~ليس فيه دلالة على تحليل غير هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية ، بل على ~~أنه تعالى ما بين له إلا تحريم هذه الأشياء ، وهذا لا ينافي أن يبين له بعد ~~ذلك تحريم ما عداها ، فلعل قوله تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة } نزلت ~~بعد ذلك ، فكان ذلك بيانا لتحريم الدم سواء كان مسفوحا أو غير مسفوح ، إذا ~~ثبت هذا وجب الحكم بحرمة جيمع الدماء ونجاستها فتجب إزالة الدم عن اللحم ما ~~أمكن ، وكذا في السمك ، وأي دم وقع في الماء والثوب فإنه ينجس ذلك المورود ~~. # المسألة الثانية : اختلفوا في قوله عليه الصلاة والسلام ms1386 : ( أحلت لنا ~~ميتتان ودمان الطحال والكبد ) هل يطلق اسم الدم عليهما فيكون استثناء صحيحا ~~أم لا ؟ فمنهم من منع ذلك لأن الكبد يجري مجرى اللحم وكذا الطحال وإنما ~~يوصفان بذلك تشبيها ، ومنهم من يقول هو كالدم الجامد ويستدل عليه بالحديث . # الفصل الثالث # في الخنزير / وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم ، وإنما ~~ذكر الله تعالى لحمه لأن PageV05P018 معظم الإنتفاع متعلق به ، وهو كقوله : ~~{ ياأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلواة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر } ( ~~الجمعه : 9 ) فخص البيع بالنهي لما كان هو أعظم المهمات عندهم ، أما شعر ~~الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمة وتنجيسه ، واختلفوا في ~~أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز ، فقال أبو حنيفة ومحمد : يجوز ، وقال ~~الشافعي رحمه الله : لا يجوز ، وقال أبو يوسف : أكره الخرز به ، وروى عنه ~~الإباحة ، حجة أبي حنيفة ومحمد أنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على ~~استعماله من / غير نكير ظهر منهم ، ولأن الحاجة ماسة إليه ، وإذا قال ~~الشافعي في دم البراغيث ، أنه لا ينجس الثوب لمشقة الإحتراز فهلا جاز مثله ~~في شعر الخنزير إذا خرز به ؟ . # المسألة الثانية : اختلفوا في خنزير الماء ، قال ابن أبي ليلى ومالك ~~والشافعي والأوزاعي : لا بأس يأكل شيء يكون في البحر ، وقال أبو حنيفة ~~وأصحابه : لا يؤكل ، حجة الشافعي قوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه ~~} ( المائدة : 96 ) وحجة أبي حنيفة أن هذا خنزيرفيحرم لقوله تعالى : { حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } ( المائدة : 13 ) وقال الشافعي : ~~الخنزير إذا أطلق فإنه يتبادر إلى الفهم خنزير البر لا خنزير البحر ، كما ~~أن اللحم إذا أطلق يتبادر إلى الفهم لحم غير السمك لا لحم السمك بالاتفاق ~~ولأن خنزير الماء لا يسمى خنزيرا على الإطلاق بل يسمى خنزير الماء . # المسألة الثالثة : للشافعي رضي الله عنه قولان : في أنه هل يغسل الإناء ~~من ولغ الخنزير سبعا ؟ أحدها : نعم تشبيها له بالكلب والثاني : لا لأن ذلك ~~التشديد إنما كان فطما لهم عن مخالطة الكلاب وهم ms1387 ما كانوا يخالطون الخنزير ~~فظهر الفرق . # الفصل الرابع # في تحريم ما أهل به لغير الله # من الناس من زعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان الذين كانوا يذبحون ~~لأوثانهم ، كقوله تعالى : { وما ذبح على } ( المائدة : 3 ) وأجازوا ذبيحة ~~النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح ، وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي ~~وسعيد بن المسيب ، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه لا يحل ذلك ~~والحجة فيه أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله ، فوجب ~~أن يحرم وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إذا سمعتم اليهود ~~والنصارى يهلون لغير الله فقلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله ~~تعالى قد أحل ذبائحهم ، وهو يعلم ما يقولون ، واحتج المخالف بوجوه الأول : ~~إنه تعالى قال : { الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } ( المائدة : ~~5 ) وهذا عام ، الثاني : أنه تعالى قال : { وما ذبح على النصب } فدل على أن ~~المراد بقوله : { وما أهل به لغير الله } هو المراد بقوله : { وما ذبح على ~~النصب } الثالث : أن النصراني إذا سمى الله تعالى وإنما يريد به المسيح ~~فإذا كانت إرادته لذلك لم تمنع حل ذبيحته مع أنه يهل به لغير الله فكذلك ~~ينبغي أن يكون حكمه إذا أظهر ما يضمره عند ذكر الله وإرادته المسيح . # والجواب عن الأول : أن قوله : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } عام ~~وقوله : { وما أهل به لغير الله } خاص والخاص مقدم على العام وعن الثاني : ~~أن قوله : { وما ذبح على النصب } لا يقتضي تخصيص قوله : { وما أهل به لغير ~~الله } لأنهما آيتان متباينتان ولا مساواة بينهما وعن / الثالث : أنا إنما ~~كلفنا بالظاهر لا بالباطن ، فإذا ذبحه على اسم الله وجب أن يحل ، ولا سبيل ~~لنا إلى الباطن . PageV05P019 # الفصل الخامس # القائلون بأن كلمة { إنما } للحصر اتفقوا على أن ظاهر الآية يقتضي أن لا ~~يحرم سوى هذه الأشياء لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات ~~فتصير كلمة { إنما } متروكة الظاهر في العمل ومن قال إنها ms1388 لا تفيد الحصر ~~فالإشكال زائل . # الفصل السادس # في ( المضطر ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : قوله تعالى : { فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد } معناه أن من كان مضطر ولا يكون موصوفا بصفة البغي ، ولا ~~بصفة العدوان ألبتة فأكل ، فلا إثم عليه وقال أبو حنيفة معناه فمن اضطر ~~فأكل غير باغ ولا عاد في الأكل فلا إثم عليه فخصص صفة البغي والعدوان ~~بالأكل ويتفرع على هذا الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا ؟ فقال ~~الشافعي رضي الله عنه لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان فلا يندرج تحت الآية ~~وقال أبو حنيفة بل يترخص لأنه مضطر غير باغ ولا عاد في الأكل فيندرج تحت ~~الآية ، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وبالمعقول ، أما الآية فهي أنه ~~سبحانه وتعالى حرم هذه الأشياء على الكل بقوله : { حرمت عليكم الميتة والدم ~~} ( المائدة : 3 ) ثم أباحها للمضطر الذي يكون موصوفا بإنه غير باغ ولا عاد ~~، والعاصي بسفره غير موصوف بهذه الصفة لأن قولنا : فلان ليس بمتعد نقيض ~~لقولنا : فلان متعد ويكفي في صدقة كونه متعديا في أمر ما من الأمور سواء ~~كان في السفر ، أو في الأكل ، أو في غيرهما ، وإذا كان اسم المتعدي يصدق ~~بكونه متعديا في أمر ما أي أمر كان وجب أن يكون قولنا : فلان غير معتدلا ~~يصدق إلا إذا لم يكن متعديا في شيء من الأشياء ألبتة ، فاذن قولنا : غير ~~باغ ولا عاد لا يصدق إلا إذا انتفى عنه صفة التعدي من جميع الوجوه ، ~~والعاصي بسفره متعد بسفره ، فلا يصدق عليه كونه غير عاد ، وإذا لم يصدق ~~عليه ذلك وجب بقاؤه تحت الآية وهو قوله : { حرمت عليكم الميتة والدم } أقصى ~~ما في الباب أن يقال : هذا يشكل بالعاصي في سفره ، فإنه يترخص مع أنه موصوف ~~بالعدوان لكنا نقول : إنه عام دخله التخصيص في هذه الصورة ، والفرق بين ~~الصورتين أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة ~~إعانة على المعصية ، أما إذا لم يكن السفر في نفسه ms1389 معصية لم تكن الإعانة ~~عليه إعانة على المعصية فظهر الفرق ، واعلم أن القاضي وأبا بكر / الرازي ~~نقلا عن الشافعي أنه قال في تفسير قوله : { غير باغ ولا عاد } أي باغ على ~~إمام المسلمين ، ولا عاد بأن لا يكون سفره في معصية ، ثم قالا . تفسير ~~الآية غير باغ ولا عاد في الأكل أولى مما ذكره الشافعي رضي الله عنه ، وذلك ~~لأن قوله : { غير باغ ولا عاد } شرط والشرط بمنزلة الاستثناء في أنه لا ~~يستقل بنفسه فلا بد من تعلقه بمذكور وقد علمنا أنه لا مذكور إلا الأكل لأنا ~~بينا أن معنى الآية فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه وإذا كان ~~كذلك وجب أن يكون متعلقا بالأكل الذي هو في حكم المذكور دون السفر الذي هو ~~ألبتة غير مذكور . # واعلم أن هذا الكلام ضعيف ، وذلك لأنا بينا أن قوله : { غير باغ ولا عاد ~~} لا يصدق إلا إذا انتفى عنه البغي والعدوان في كل الأمور ، فيدخل فيه نفي ~~العدوان بالسفر ضمنا ، ولا نقول : اللفظ يدل على التعيين وأما تخصيصه ~~بالأكل فهو تخصيص من غير ضرورة ، فكان على خلاف الأصل ، ثم الذي يدل على ~~أنه لا PageV05P020 يجوز صرفه إلى الأكل وجوه أحدها : أن قوله : { غير باغ ~~ولا عاد } حال من الاضطرار ، فلا بد وأن يكون وصف الاضطرار باقيا مع بقاء ~~كونه غير باغ ولا عاد فلو كان المراد بكونه غير باغ ولا عاد كونه كذلك في ~~الأكل لاستحال أن يبقى وصف الاضطرار معه لأن حال الأكل لا يبق وصف الاضطرار ~~وثانيها : أن الإنسان ينفر بطبعه عن تناول الميتة والدم ، وما كان كذلك لم ~~يكن هناك حاجة إلى النهي عنه فصرف هذا الشرط إلى التعدي في الأكل يخرج ~~الكلام عن الفائدة وثالثها : أن كونه غير باغ ولا عاد يفيد نفي ماهية البغي ~~ونفي ماهية العدوان ، وهذه الماهية إنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها ~~والعدوان في الأكل أحد أفراد هذه الماهية وكذا العدوان في السفر فرد آخر من ~~أفرادها فاذن نفي العدوان ms1390 يقتضي نفي العدوان من جميع هذه الجهات فكان ~~تخصيصه بالأكل غير جائز ، وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه لا يخصصه بنفي ~~العدوان في السفر بل يحمله على ظاهره ، وهو نفي العدوان من جميع الوجوه ، ~~ويستلزم نفي العدوان في السفر وحينئذ يتحقق مقصوده ورابعها : أن الاحتمال ~~الذي ذكرناه متأيد بآية أخرى وهي قوله تعالى : { فمن اضطر فى مخمصة غير ~~متجانف لإثم } ( المائدة : 3 ) وهو الذي قلناه من أن الآية تقتضي أن لا ~~يكون موصوفا بالبغي والعدوان في أمر من الأمور ، واحتج أبو حنيفة رضي الله ~~عنه بوجوه أحدها : قوله تعالى في آية أخرى { وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ~~ما اضطررتم إليه } ( الأنعام : 119 ) وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص ~~وثانيها : قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } ( ~~النساء : 29 ) وقال : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( البقرة : 195 ) ~~والامتناع من الأكل سعى في قتل النفس وإلقاء النفس في التهلكة ، فوجب أن ~~يحرم وثالثها : روي أنه عليه السلام رخص للمقيم يوما وليلة ، وللمسافر ~~ثلاثة أيام ولياليها ولم يفرق فيه بين العاصي والمطيع ورابعها : أن العاصي ~~بسفره إذا كان نائما فأشرف على غرق أو حرق يجب على الحاضر الذي يكون في ~~الصلاة أن يقطع صلاته لإنجائه من الغرق أو الحرق فلأن / يجب عليه في هذه ~~الصورة أن يسعى في إنقاذ المهجة أولى وخامسها : أن يدفع أسباب الهلاك ، ~~كالفيل ، والجمل الصؤل ، والحية ، والعقرب ، بل يجب عليه ، فكذا ههنا ~~وسادسها : أن العاصي بسفره إذا اضطر فلو أباح له رجل شيئا من ماله فإنه يحل ~~له ذلك بل يجب عليه فكذا ههنا والجامع دفع الضرر عن النفس وسابعها : أن ~~المؤنة في دفع ضرر الناس أعظم في الوجوب من كل ما يدفع المرء من المضار عن ~~نفسه ، فكذلك يدفع ضررالهلاك عن نفسه بهذا الأكل وإن كان عاصيا ، وثامنها : ~~أن الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر ، وهذا ~~التناول محرم لولا الاضطرار فكذا ههنا أجاب الشافعي عن التمسك بالعمومات ms1391 ~~بأن دليلنا النافي للترخص أخص من دلائلهم المرخصة والخاص مقدم على العام ، ~~وعن الوجوه القياسية بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة وإذا ~~لم يتب فهو الجاني على نفسه ، ثم عارض هذه الوجوه بوجه قوي وهو أن الرخصة ~~إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية وذلك ~~محال لأن المعصية ممنوع منها والإعانة سعي في تحصيلها والجمع بينهما متناقص ~~والله أعلم . # المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه : لا يأكل المضطر من ~~الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه ، PageV05P021 وقال عبد الله بن الحسن العنبري ~~: يأكل منها ما يسد جوعه ، وعن مالك : يأكل منها حتى يشبع ويتزود ، فإن وجد ~~غني عنها طرحها ، والأقرب في دلالة الآية ما ذكرناه أولا لأن سبب الرخصة ~~إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة ، كما لو وجد الحلال لم ~~يجز له تناول الميتة لارتفاع الإلجاء إلى أكلها لوجود الحلال ، فكذلك إذا ~~زال الاضطرار بأكل قدر منه فالزائد محرم ، ولا اعتبار في ذلك بسد الجوعة ~~على ما قاله العنبري ، لأن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم ~~يخف ضررا بتركه / فكذا ههنا ، ويدل عليه أيضا أنه لو كان معه من الطعام ~~مقدار ما إذا أكله أمسك رمقه لم يجز له أن يتناول الميتة ، فإذا أكل ذلك ~~الطعام وزال خوف التلف لم يجز له أن يأكل الميتة ، فكذا إذا أكل من الميتة ~~ما زال معه خوف الضرر وجب أن يحرم عليه الأكل بعد ذلك . # المسألة الثالثة : اختلفوا في المضطر إذا وجد كل ما يعد من المحرمات ، ~~فالأكثرون من العلماء خيروه بين الكل لأن الميتة والدم ولحم الخنزير سواء ~~في التحريم والاضطرار ، فوجب أن يكون مخيرا في الكل وهذا هو الأليق بظاهر ~~هذه الآية وهو أولى من قول من أوجب أن يتناول الميتة دون لحم الخنزير أعظم ~~شأنا في التحريم . # المسألة الرابعة : اختلفوا في المضطر إلى الشرب إذا وجد خمرا ، أو من غص ~~بلقمة فلم يجد ماء يسيغه ووجد الخمر ، فمنهم ms1392 من أباحه بالقياس على هذه ~~الصورة ، فإن الله تعالى إنما أباح هذه المحرمات إبقاء للنفس ودفعا للهلاك ~~عنها ، فكذلك في هذه الصورة وهذا هو الأقرب إلى الظاهر ، / والقياس وهو قول ~~سعيد بن جبير وأبي حنيفة ، وقال الشافعي رضي الله عنه : لا يشرب لأنه يزيده ~~عطشا وجوعا ويذهب عقله ، وأجيب عنه بأن قوله : لا يزيده إلا عطشا وجوعا ~~مكابرة ، وقوله : يزيل العقل فكلامنا في القليل الذي لا يكون كذلك . # المسألة الخامسة : اختلفوا إذا كانت الميتة يحتاج إلى تناولها للعلاج إما ~~بانفرادها أو بوقوعها في بعض الأدوية المركبة ، فأباحه بعضهم للنص والمعنى ~~، أما النص فهو أنه أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها للتداوي ، وأما ~~المعنى فمن وجوه الأول : أن الترياق الذي جعل فيه لحوم الأفاعي مستطاب فوجب ~~أن يحل لقوله تعالى : { أحل لكم الطيبات } ( المائدة : 4 ) غاية ما في ~~الباب أن هذا العموم مخصوص ولكن لا يقدح في كونه حجة الثاني : أن أبا حنيفة ~~لما عفا عن قدر الدرهم من النجاسة لأجل الحاجة ، والشافعي عفا عن دم ~~البراغيث للحاجة فلم لا يحكمان بالعفو في هذه الصورة للحاجة الثالث : أنه ~~تعالى أباح أكل الميتة لمصلحة النفس فكذا ههنا ، ومن الناس من حرمه واحتج ~~بقوله عليه السلام : ( إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم ) ~~وأجاب الأولون بأن التمسك بهذا الخبر إنما يتم لو ثبت أنه يحرم عليه تناوله ~~، والنزاع ليس إلا فيه . # المسألة السادسة : اختلفوا في التداوي بالخمر ، واعلم أن الحاجة إلى ذلك ~~التداوي إن انتهت إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الرابعة ، فإن ~~لم تنته إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الخامسة : PageV05P022 # الحكم الثاني # ! 7 < { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا ~~أولائك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 174 ) إن الذين يكتمون . . . . . # > > # اعلم أن في قوله : { إن الذين يكتمون } مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية ms1393 في رؤساء اليهود ؛ كعب ~~بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ومالك بن الصيف ، وحيي بن أخطب ، وأبي ياسر بن ~~أخطب ، كانوا يأخذون / من أتباعهم الهدايا ، فلما بعث محمد عليه السلام ~~خافوا انقطاع تلك المنافع ، فكتموا أمر محمد عليه السلام وأمر شرائعه فنزلت ~~هذه الآية . # المسألة الثانية : اختلفوا في أنهم أي شيء كانوا يكتمون ؟ فقيل : كانوا ~~يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته والبشارة به ، وهو قول ابن عباس ~~وقتادة والسدي والأصم وأبي مسلم ، وقال الحسن : كتموا الأحكام وهو قوله ~~تعالى : { إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ~~ويصدون عن سبيل الله } ( التوبة : 34 ) . # المسألة الثالثة : اختلفوا في كيفية الكتمان ، فالمروى عن ابن عباس : ~~أنهم كانوا محرفين يحرفون التوراة والإنجيل ، وعند المتكلمين هذا ممتنع ، ~~لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما ، بل ~~كانوا يكتمون التأويل ، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة ~~محمد عليه السلام ، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة ، ويصرفونها عن ~~محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، فهذا هو المراد من ~~الكتمان ، فيصير المعنى : إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب . # أما قوله تعالى : { ويشترون به ثمنا قليلا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الكناية في : به ، يجوز أن تعود إلى الكتمان والفعل يدل ~~على المصدر ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى ما أنزل الله ، ويحتمل أن تكون ~~عائدة إلى المكتوم . # المسألة الثانية : معنى قوله : { ويشترون به ثمنا قليلا } كقوله : { ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } ( البقرة : 41 ) وقد مر ذلك وبالجملة فكان ~~غرضهم من ذلك الكتمان : أخذ الأموال بسبب ذلك ، فهذا هو المراد من اشترائهم ~~بذلك ثمنا قليلا . # المسألة الثالثة : إنما سماه قليلا إما لأنه في نفسه قليل ، وإما لأنه ~~بالإضافة إلى ما فيه من الضرر العظيم قليل . PageV05P023 # المسألة الرابعة : من الناس من قال : كان غرضهم من ذلك الكتمان أخذ ~~الأموال من عوامهم وأتباعهم ، وقال آخرون : بل كان غرضهم من ذلك أخذهم ~~الأموال من كبرائهم وأغنيائهم الذين كانوا ناصرين ms1394 لذلك المذهب ، وليس في ~~الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل ، وليس فيه بيان من ~~طمعوا فيه وأخذوا منه ، فالكلام مجمل وإنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من ~~يجتمع إليه الجهل ، وقلة المعرفة المتمكن من المال والشح على المألوف في ~~الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة ، واعلم أنه سبحانه ~~وتعالى لما ذكر هذه الحكاية عنهم ذكر الوعيد على ذلك من وجوه أولها : قوله ~~تعالى : { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } وفيه مسألتان : # / المسألة الأولى : قال بعضهم : ذكر البطن ههنا زيادة بيان لأنه يقال أكل ~~فلان المال إذا بدره وأفسده وقال آخرون : بل فيه فائدة فقوله : { في بطونهم ~~} أي ملء بطونهم يقال : أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه . # المسألة الثانية : قيل : إن أكلهم في الدنيا وإن كان طيبا في الحال ~~فعاقبته النار فوصف بذلك كقوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون فى بطونهم نارا } ( النساء : 10 ) عن الحسن والربيع وجماعة من ~~أهل العلم ، وذلك لأنه لما أكل ما يوجب النار فكأنه أكل النار ، كما روي في ~~حديث آخر ( الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ) ~~وقوله : { إنى أرانى أعصر خمرا } ( يوسف : 36 ) أي عنبا فسماه بإسم ما يؤول ~~إليه وقيل : إنهم في الآخرة يأكلون النار لأكلهم في الدنيا الحرام عن الأصم ~~وثالثها : قوله تعالى : { ولا يكلمهم الله } فظاهره : أنه لا يكلمهم أصلا ~~لكنه لما أورده مورد الوعيد فهم منه ما يجري مجرى العقوبة لهم ، وذكروا فيه ~~ثلاثة أوجه الأول : أنه قد دلت الدلائل على أنه سبحانه وتعالى يكلمهم ، ~~وذلك قوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين * عما كانوا يعملون } ( الحجر : 92 93 ~~) وقوله : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } ( الأعراف : 6 ) ~~فعرفنا أنه يسأل كل واحد من المكلفين ، والسؤال لا يكون إلا بكلام فقالوا : ~~وجب أن يكون المراد من الآية أنه تعالى لا يكلمهم بتحية وسلام وإنما يكلمهم ~~بما يعظم عنده من الغم والحسرة من المناقشة والمساءلة وبقوله : { اخسئوا ~~فيها ms1395 ولا تكلمون } ( المؤمنون : 108 ) الثاني : أنه تعالى لا يكلمهم وأما ~~قوله تعالى : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } ( الحجر : 92 ) فالسؤال إنما يكون ~~من الملائكة بأمره تعالى وإنما كان عدم تكليمهم يوم القيامة مذكورا في معرض ~~التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم الله تعالى فيه كل الخلائق بلا ~~واسطة فيظهر عند كلامه السرور في أوليائه ، وضده في أعدائه ، ويتميز أهل ~~الجنة بذلك من أهل النار فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد الثالث : أن قوله ~~: { ولا يكلمهم } استعارة عن الغضب لأن عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون ~~عن المغضوب عليه ولا يكلمونه كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه ~~والحديث وثالثها : قوله : { ولا يزكيهم } وفيه وجوه الأول : لا ينسبهم إلى ~~التزكية ولا يثني عليهم الثاني : لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء ~~الثالث : لا ينزلهم منازل الأزكياء ورابعها : قوله : { ولهم عذاب أليم } ~~واعلم أن الفعيل قد يكون بمعنى الفاعل كالسميع بمعنى السامع والعليم بمعنى ~~العالم ، وقد يكون بمعنى المفعول كالجريح والقتيل بمعنى المجروح والمقتول ، ~~وقد يكون بمعنى المفعل كالبصير بمعنى المبصر والأليم بمعنى المؤلم واعلم أن ~~هذه الآية مشتملة على مسائل : PageV05P024 # المسألة الأولى : أن علماء الأصول قالوا : العقاب هو المضرة الخالصة ~~المقرونة بالإهانة فقوله : { ولا يكلمهم الله ولا * يزكيهم } إشارة إلى ~~الإهانة والاستخفاف ، وقوله : { ولهم عذاب أليم } إشارة إلى المضرة وقدم ~~الإهانة على المضرة تنبيها على أن الإهانة أشق وأصعب . # / المسألة الثانية : دلت الآية على تحريم الكتمان لكل علم في باب الدين ~~يجب إظهاره . # المسألة الثالثة : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية وإن نزلت في ~~اليهود لكنها عامة في حق كل من كتم شيئا من باب الدين يجب إظهاره فتصلح لأن ~~يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر والله اعلم . # ! 7 < { أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فمآ أصبرهم ~~على النار } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 175 ) أولئك الذين اشتروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما وصف علماء اليهود بكتمان الحق وعظم في الوعيد ~~عليه ، وصف ذلك الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا ms1396 الجرم العظيم ، ~~واعلم أن الفعل إما أن يعتبر حاله في الدنيا أو في الآخرة ، أما في الدنيا ~~فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم وأقبح الأشياء الضلال والجهل فلما تركوا ~~الهدى والعلم في الدنيا ، ورضوا بالضلال والجهل ، فلا شك أنهم في نهاية ~~الخيانة في الدنيا ، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة ، وأخسرها ~~العذاب ، فلما تركوا المغفرة ورضوا بالعذاب ، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة ~~في الآخرة وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه ، كانوا لا محالة أعظم الناس ~~خسارا في الدنيا وفي الآخرة ، وإنما حكم تعالى عليهم بأنهم استروا العذاب ~~بالمغفرة ، لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق ، وكانوا عالمين بأن في ~~إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب ، وفي إخفائه وإلقاء الشبهة فيه أعظم ~~العقاب ، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا ~~محالة . # أما قوله : { فما أصبرهم على النار } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن في هذه اللفظة قولان أحدهما : أن { ما } في هذه ~~الآية استفهام التوبيخ معناه : ما الذي أصبرهم وأي شيء صبرهم على النار حتى ~~تركوا الحق واتبعوا الباطل وهذا قول عطاء وابن زيد وقال ابن الأنباري : وقد ~~يكون أصبر بمعنى صبر وكثيرا ما يكون أفعل بمعنى فعل نحو أكرم وكرم ، وأخبر ~~وخبر الثاني : أنه بمعنى التعجب وتقريره أن الراضي بموجب الشيء لا بد وأن ~~يكون راضيا بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم فلما أقدموا على ما يوجب ~~النار ويقتضي عذاب الله مع علمهم بذلك صاروا كالراضين بعذاب الله تعالى ، ~~والصابرين عليه ، فلهذا قال تعالى : { فما أصبرهم على النار } وهو كما تقول ~~لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان ما أصبرك على التقيد والسجن إذا عرفت هذا ~~ظهر أنه يجب حمل قوله : { فما أصبرهم على النار } على حالهم في الدنيا لأن ~~/ ذلك وصف لهم في حال التكليف ، وفي حال اشترائهم الضلالة بالهدى ، وقال ~~الأصم : المراد أنه إذا قيل لهم { اخسئوا فيها ولا تكلمون } ( المؤمنون : ~~108 ) فهم يسكتون PageV05P025 ويصبرون على النار لليأس من الخلاص ، وهذا ~~ضعيف لوجوه أحدها : أن الله ms1397 تعالى وصفهم بذلك في الحال فصرفه إلى أنهم ~~سيصيرون كذلك خلاف الظاهر وثانيها : أن أهل النار قد يقع منهم الجزع ~~والاستغاثة . # المسألة الثانية : في حقيقة التعجب وفي الألفاظ الدالة عليه في اللغة ~~وههنا بحثان : # البحث الأول : في التعجب : وهو استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك ~~الشيء فما لم يوجد المعنيان لا يحصل التعجب هذا هو الأصل ، ثم قد تستعمل ~~لفظة التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خقاء السبب أو من غير أن يكون ~~للعظمة سبب حصول ، ولهذا أنكر شريح قراءة من قرأ { بل عجبت ويسخرون } ( ~~الصافات : 12 ) بضم التاء من عجبت ، فإنه رأى أن خفاء شيء ما على الله محال ~~قال النخعي : معنى التعجب في حق الله تعالى مجرد الاستعظام ، وإن كان في حق ~~العباد لا بد مع الاستعظام من خفاء السبب كما أنه يجوز إضافة السخرية ~~والاستهزاء والمكر إلى الله تعالى ، لا بالمعني الذي يضاف إلى العباد . # البحث الثاني : اعلم أن للتعجب صيغتين أحدهما : ما أفعله كقوله تعالى : { ~~فما أصبرهم على النار } والثاني : أفعل به كقوله : { أسمع بهم وأبصر } ( ~~مريم : 38 ) . # أما العبارة الأولى : وهي قولهم ؛ ما أصبره ففيها مذاهب . # القول الأول : وهو اختيار البصريين أن { ما } اسم مبهم يرتفع بالابتداء ، ~~وأحسن فعل وهو خبر المبتدأ وزيدا مفعول وتقديره : شيء حسن زيدا أي صيره ~~حسنا . # واعلم أن هذا القول عند الكوفيين فاسدا واحتجوا عليه بوجوه الأول : أنه ~~يصح أن يقال ما أكرم الله ، وما أعظمه وما أعلمه ، وكذا القول في سائر ~~صفاته ويستحيل أن يقال : شيء جعل الله كريما وعظيما وعالما ، لأن صفات الله ~~سبحانه وتعالى واجبة لذاته فإن قيل . هذه اللفظة إذا أطلقت فيما يجوز عليه ~~الحدوث كان المراد منه الاستعظام مع خفاء سببه وإذا أطلقت على الله تعالى ~~كان المراد منه أحد شطريه وهو الاستعظام فحسب ، قلنا : إذا قلنا ما أعظم ~~الله فكلمة { ما } ههنا ليست بمعنى شيء فلا تكون مبتدأ ، ولا يكون أعظم ~~خبرا عنه ، فلا بد من صرفه إلى وجه آخر ، وإذا كان ms1398 كذلك ثبت أن تفسير هذه ~~الآية بهذه الأشياء في مقام التعجب غير صحيح . # الحجة الثانية : أنه لو كان معنى قولنا . ما أحسن زيدا شيء حسن زيدا ، ~~لوجب أن يبقى معنى التعجب إذا صرحنا بهذا الكلام ، ومعلوم أنا إذا قلنا : ~~شيء حسن زيدا فإنه لا يبقى فيه معنى التعجب ألبتة ، بل كان ذلك كالهذيان ، ~~فعلمنا أنه لا يجوز تفسير قولنا : ما أحسن زيدا بقولنا شيء حسن زيدا . # / الحجة الثالثة : أن الذي حسن زيدا والشمس والقمر والعالم هو الله ~~سبحانه وتعالى ولا يجوز التعبير عنه بما وإن جاز ذلك لكن التعبير عنه ~~سبحانه بمن أولى ، فكان ينبغي أنا لو قلنا من أحسن زيدا أن يبقى معنى ~~التعجب ، ولما لم يبق علمنا فساد ما قالوه . # الحجة الرابعة : أن على التفسير الذي قالوا لا فرق بين قوله : ما أحسن ~~زيدا وبين قوله زيدا ضرب عمرا فكما أن هذا ليس بتعجب وجب أن يكون الأول ~~كذلك . PageV05P026 # الحجة الخامسة : أن كل صفة ثبتت للشيء فثبوتها له إما أن يكون له من نفسه ~~أو من غيره فإذا كان المؤثر في تلك الصفة نفسه أو غيره وعلى التقديرين فشيء ~~صيره حسنا ، إما أن يكون ذلك الشيء هو نفسه أو غيره ، فإذن العلم بأن شيئا ~~صيره حسنا علم ضروري والعلم بكونه متعجبا منه غير ضروري ، فاذن لا يجوز ~~تفسير قولنا : ما أحسن زيدا بقولنا شيء حسن زيدا . # الحجة السادسة : أنهم قالوا : المبتدأ لا يجوز أن يكون نكرة فكيف جعلوا ~~ههنا أشد الأشياء تنكيرا مبتدأ ؟ وقالوا : لا يجوز أن يقال : رجل كاتب لأن ~~كل أحد يعلم أن في الدنيا رجلا كاتبا فلا يكون هذا الكلام مفيدا : وكذا كل ~~أحد يعلم أن شيئا ما هو الذي حسن زيدا فأي فائدة في هذا الإخبار ؟ # الحجة السابعة : دخول التصغير الذي هو من خاصية الأسماء في قولك : ما ~~أحسن زيدا ، فإن قيل : جواز دخول التصغير إنما كان لأن هذا الفعل قد لزم ~~طريقة واحدة ، فصار مشابها للاسم فأخذ خاصيته وهو التصغير قلنا : لا شك ms1399 أن ~~للفعل ماهية وللتصغير ماهية فهاتان الماهيتان : إما أن يكونا متنافيتين ، ~~أو لا يكون متنافيتين فإن كانتا متنافيتين استحال اجتماعهما في كل المواضع ~~فحيث اجتماعهما ههنا علمنا أن هذا ليس بفعل ، وإن لم يكونا متنافيتين وجب ~~صحة تطرق التصغير إلى كل الأفعال ، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم ~~. # الحجة الثامنة : تصحيح هذه اللفظة وإبطال إعلاله فإنك تقول في التعجب : ~~ما أقوم زيدا بتصحيح الواو كما تقول : زيد أقوم من عمرو ، ولو كانت فعلا ~~لكانت واوه ألفا لفتحة ما قبلها ، ألا تراهم يقولون : أقام يقيم فإن قيل : ~~هذه اللفظة لما لزمت طريقة واحدة صارت بمنزلة الاسم ، وتمام التقرير أن ~~الإعلال في الأفعال ما كان لعلة كونها فعلا ولا التصحيح في الأسماء لعلة ~~الإسمية ، بل كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة عند وجوب كثرة التصرف / ~~وعدم الإعلال في الأسماء لعدم التصرف وهذا الفعل بمنزلة الاسم في علة ~~التصحيح والإمتناع من الإعلال قلنا : لما كان الإعلال في الأفعال لطلب ~~الخفة ، فكان ينبغي أن يجعل خفيفا ثم يترك على خفته فإن هذا أقرب إلى العقل ~~. # الحجة التاسعة : أن قولك : أحسن لو كان فعلا ، وقولك : زيدا مفعولا لجاز ~~الفصل بينهما / يا لظرف ، فيقال : ما أحسن عندك زيدا ، وما أجمل اليوم عبد ~~الله ، والرواية الظاهرة أن ذلك غير جائز ، فبطل ما ذهبتم إليه . # الحجة العاشرة : أن الأمر لو كان على ما ذكرتم لكان ينبغي أن يجوز التعجب ~~بكل فعل متعد مجردا كان أو مزيدا ، ثلاثيا كان أو رباعيا ، وحيث لم يجز إلا ~~من الثلاثي المجرد دل على فساد هذا القول ، واحتج البصريون على أن أحسن في ~~قولنا ، ما أحسن زيدا فعل بوجوه أولها : بأن أحسن فعل بالاتفاق فنحن على ~~فعليته إلى قيام الدليل الصارف عنه وثانيها : أن أحسن مفتوح الآخر ، ولو ~~كان اسما لوجب أن يرتفع إذا كان خبرا لمبتدأ وثالثها : الدليل على كونه ~~فعلا اتصال الضمير المنصوب به ، وهو قولك : ما أحسنه . # والجواب عن الأول : أن أحسن كما أنه قد يكون فعلا ، فهو ms1400 أيضا قد يكون ~~اسما ، حين ما يكون كلمة تفضيل ، وأيضا فقد دللنا بالوجوه الكثيرة على أنه ~~لا يجوز أن يكون فعلا وأنتم ماطلبتمونا إلا بالدلالة . # والجواب عن الثاني : أنا سنذكر العلة في لزوم الفتحة لآخر هذه الكلمة . ~~PageV05P027 # والجواب عن الثالث : أنه منتقض بقولك : لعلي وليتني ، والعجب أن ~~الاستدلال بالتصغير على الإسمية أقوى من الإستدلال بهذا الضمير على الفعلية ~~، فإذا تركتم ذلك الدليل القوي ، فبأن تتركوا هذا الضعيف أولى ، فهذا جملة ~~الكلام في هذا القول . # القول الثاني : وهو اختيار الأخفش قال : القياس أن يجعل المذكور بعد كلمة ~~{ ما } وهو قولك : أحسن صلة لما ، ويكون خبر { ما } مضمرا ، وهذا أيضا ضعيف ~~لأكثر الوجوه المذكورة منها أنك لو قلت : الذي أحسن زيدا ليس هو بكلام ~~منتظم ، وقولك : ما أحسن زيدا كلام منتظم وكذا القول في بقية الوجوه . # القول الثالث : وهو اختيار الفراء : أن كلمة { ما } للاستفهام وأفعل اسم ~~، وهو للتفضيل ، كقولك : زيد أحسن من عمرو ، ومعناه أي شيء أحسن من زيد فهو ~~استفهام تحته إنكار أنه وجد شيء أحسن منه ، كما يقول من أخبر عن علم إنسان ~~فأنكره غيره فيقول هذا المخبر : ومن أعلم من فلان ؟ إظهارا منه ما يدعيه ~~منازعه على خلاف الحق ، وأن لا يمكنه إقامة الدليل عليه ويظهر عجزه في ذلك ~~عند مطالبتي إياه بالدليل ، ثم قولك أحسن وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعا كما ~~في قولك : ما أحسن زيد إذا استفهمت عن أحسن عضو من أعضائه ، إلا أنه نصب ~~ليقع الفرق بين ذلك الاستفهام وبين هذا ، فإن هناك معنى قولك : ما أحسن زيد ~~أي عضو من زيد أحسن ، وفي هذا معناه أي شيء من الموجودات في العالم أحسن من ~~زيد ، وبينهما فرق كما ترى ، واختلاف الحركات موضوع للدلالة على اختلاف ~~المعاني والنصب قولنا زيدا أيضا للفرق لأنه هناك خفض / لأنه أضيف أحسن إليه ~~، ونصب هنا للفرق ، وأيضا ففي كل تفضيل معنى الفعل ، وفي كل ما فضل عليه ~~غيره معنى المفعول ، فإن معنى قولك : زيد أعلم من عمرو ، أن زيدا ms1401 جاوز عمرا ~~في العلم ، فجعل هذا المعنى معتبرا عند الحاجة إلى الفرق . # القول الرابع : وهو أيضا قول بعض الكوفيين قال إن { ما } للاستفهام وأحسن ~~فعل كما يقوله البصريون ، معناه : أي شيء حسن زيدا ، كأنك تستدل بكمال هذا ~~الحسن على كمال فاعل هذا الحسن ، ثم تقول : إن عقلي لا يحيط بكنه كماله ، ~~فتسأل غيرك أن يشرح لك كماله ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . # وأما تحقيق الكلام في أفعل به فسنذكره إن شاء الله في قوله : { أسمع بهم ~~وأبصر } ( مريم : 38 ) . # ! 7 < { ذالك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا فى الكتاب لفى ~~شقاق بعيد } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 176 ) ذلك بأن الله . . . . . # > > اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله : { ذالك } إشارة إلى ماذا ؟ فذكروا ~~وجهين : # الأول : أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد ، لأنه تعلى لما حكم على الذين ~~يكتمون البينات بالوعيد الشديد ، بين أن ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنما ~~كان لأن الله نزل الكتاب بالحق في صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن هؤلاء ~~اليهود والنصارى لأجل مشاقة الرسول يخفونه ويوقعون الشبهة فيه ، فلا جرم ~~استحقوا ذلك الوعيد الشديد ، ثم قد تقدم في وعيدهم أمور : أحدها : أنهم ~~اشتروا العذاب بالمغفرة وثانيها : اشتروا الضلالة بالهدى PageV05P028 ~~وثالثها : أن لهم عذابا أليما ورابعها : أن الله لا يزكيهم وخامسها : أن ~~الله لا يكلمهم فقوله : { ذالك } يصلح أن يكون إشارة إلى كل واحد من هذه ~~الأشياء ، وأن يكون إشارة إلى مجموعها . # الثاني : أن { ذالك } إشارة إلى ما يفعلونه من جراءتهم على الله في ~~مخالفتهم أمر الله ، وكتمانهم ما أنزل الله تعالى ، فبين تعالى أن ذلك إنما ~~هو من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق ، وقد نزل فيه أن هؤلاء الرؤساء من أهل ~~الكتاب لا يؤمنون ولا ينقادون ، ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر ، كما ~~قال : { إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ( ~~البقرة : 6 ) . # المسألة الثانية : قوله : { ذالك } يحتمل أن يكون في محل الرفع ms1402 أو في محل ~~النصب ، أما في محل الرفع بأن يكون مبتدأ ، ولا محالة له خبر ، وذلك الخبر ~~وجهان الأول : التقدير ذلك الوعيد / معلوم لهم بسبب أن الله نزل الكتاب ~~بالحق ، فبين فيه وعيد من فعل هذه الأشياء فكان هذا الوعيد معلوما لهم لا ~~محالة الثاني : التقدير : ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب وكفروا به ~~فيكون الباء في محل الرفع بالخبرية ، وأما في محل النصب فلأن التقدير : ~~فعلنا ذلك بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق وهم قد حرفوه . # المسألة الثالثة : المراد من الكتاب يحتمل أن يكون هو التوراة والإنجيل ~~المشتملين على بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون هو القرآن ، ~~فإن كان الأول كان المعنى : وإن الذين اختلفوا في تأويله وتحريفه لفي شقاق ~~بعيد ، وإن كان الثاني كان المعنى وإن الذين اختلفوا في كونه حقا منزلا من ~~عند الله لفي شقاق بعيد . # المسألة الرابعة : قوله : { بالحق } أي بالصدق ، وقيل ببيان الحق . # وقوله تعالى : { وإن الذين اختلفوا } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : إن الذين اختلفوا قيل : هم الكفار أجمع اختلفوا في ~~القرآن ، والأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم فيهما ، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله ، ~~فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون ~~المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه ~~التبع لصحة كتابهم ، أما قوله : { بالحق } فقيل : بالصدق ، وقيل : ببيان ~~الحق ، وأما قوله : { وإن الذين اختلفوا فى الكتاب } فاعلم أنا وإن قلنا : ~~المراد من الكتاب هو القرآن ، كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال : إنه كهانة ، ~~وآخرون قالوا : إنه سحر ، وثالث قال : رجز ، ورابع قال : إنه أساطير ~~الأولين وخامس قال : إنه كلام منقول مختلق ، وإن قلنا : المراد من الكتاب ~~التوراة والإنجيل فالمراد باختلافهم يحتمل وجوها أحدها : أنهم مختلفون في ~~دلالة التوراة على نبوة المسيح / فاليهود قالوا : إنها دالة على القدح في ~~عيسى والنصارى قالوا إنها دالة على نبوته وثانيها : أن ms1403 القوم اختلفوا في ~~تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فذكر كل واحد منهم ~~له تأويلا آخر فاسدا لأن الشيء إذا لم يكن حقا واجب القبول بل كان متكلفا ~~كان كل أحد يذكر شيئا آخر على خلاف قول صاحبه ، فكان هذا هو الإختلاف ~~PageV05P029 وثالثها : ما ذكره أبو مسلم فقال : قوله : { اختلفوا } من باب ~~افتعل الذي يكون مكان فعل ، كما يقال : كسب واكتسب ، وعمل واعتمل ، وكتب ~~واكتتب ، وفعل وافتعل ، ويكون معنى قوله : { الذين اختلفوا فى الكتاب } ~~الذين خلفوا فيه أي توارثوه وصاروا خلفاء فيه كقوله : { فخلف من بعدهم خلف ~~} ( الأعراف : 169 ) وقوله : { إن فى اختلاف اليل والنهار } ( يونس : 6 ) ~~أي كل واحد يأتي خلف الآخر ، وقوله : { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن ~~أراد أن يذكر } ( الفرقان : 62 ) أي كل واحد منهما يخلف الآخر ، وفي الآية ~~تأويل ثالث ، وهو أن يكون المراد بالكتاب جنس / ما أنزل الله والمراد ~~بالذين اختلفوا في الكتاب الذين اختلف قولهم في الكتاب ، فقبلوا بعض كتب ~~الله وردوا البعض وهم اليهود والنصارى حيث قبلوا بعض كتب الله وهو التوراة ~~والإنجيل وردوا الباقي وهو القرآن . # أما قوله : { لفى شقاق بعيد } ففيه وجوه أحدها : أن هؤلاء الذين يختلفون ~~في كيفية تحريف التوراة والإنجيل لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاق بعيد ~~ومنازعة شديدة فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة فإنه ليس فيما ~~بينهم مؤالفة وموافقة وثانيها : كأنه تعالى يقول لمحمد هؤلاء وإن اختلفوا ~~فيما بينهم فإنهم كالمتفقين على عداوتك وغاية المشاقة لك فلهذا خصهم الله ~~بذلك الوعيد وثالثها : أن هؤلاء الذين اتفقوا على أصل التحريف واختلفوا في ~~كيفية التحريف فإن كل واحد منهم يكذب صاحبه ويشاقه وينازعه ، وإذا كان كذلك ~~فقد اعترفوا بكذبهم بقولهم فلا يكون قدحهم فيك قادحا فيك ألبتة ، والله ~~أعلم . # ! 7 < { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولاكن البر من ءامن ~~بالله واليوم الا خر والملائكة والكتاب والنبيين وءاتى المال على حبه ذوى ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين ms1404 وفي الرقاب وأقام الصلواة ~~وءاتى الزكواة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين فى البأسآء والضراء ~~وحين البأس أولائك الذين صدقوا وأولائك هم المتقون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 177 ) ليس البر أن . . . . . # > > اعلم أن في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص فقال بعضهم ~~: أراد بقوله : { ليس البر } أهل الكتاب لما شددوا في الثبات على التوجه ~~نحو بيت المقدس فقال تعالى : ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله ~~وقال بعضهم : بل المراد مخاطبة المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية ~~بالتوجه إلى PageV05P030 الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا ~~الكلام ، وقال بعضهم بل هو خطاب للكل لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من ~~المؤمنين الإغتباط بهذه القبلة وحصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا ~~أنه الغرض الأكبر في الدين فبعثهم الله تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع ~~العبادات والطاعات ، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقا وغربا ، وإنما ~~البر كيت وكيت ، وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص فيه فكأنه تعالى قال : ليس ~~البر المطلوب هو أمر القبلة ، بل البر المطلوب هذه الخصال التي عدها . # المسألة الثانية : الأكثرون على أن { ليس } فعل ومنهم من أنكره وزعم أنه ~~حرف ، حجة من قال : إنها فعل اتصال الضمائر بها التي لا تتصل إلا بالأفعال ~~كقولك : لست ولسنا ولستم والقوم ليسوا قائمين ، وهذه الحجة منقوضة بقوله : ~~إنني وليتني ولعل وحجة المنكرين أولها : أنها لو كانت فعلا لكانت ماضيا ولا ~~يجوز أن تكون فعلا ماضيا ، فلا يجوز أن تكون فعلا ، بيان الملازمة أن كل من ~~قال إنه فعل قال : إنه فعل ماض وبيان أنه لا يجوز أن يكون فعلا ماضيا اتفاق ~~الجمهور على أنه لنفي الحال ، ولو كان ماضيا لكان لنفي الماضي لا لنفي ~~الحال وثانيها : أنه يدخل على الفعل ، فنقول : ليس يخرج زيد ، والفعل لا ~~يدخل على الفعل عقلا ونقلا ، وقول من قال إن { ليس } داخل على ضمير القصة ~~والشأن وهذه الجملة تفسير لذلك الضمير ضعيف ، فإنه ms1405 لو جاز ذلك جاز مثله في ~~{ ما } وثالثها : أن الحرف { ما } يظهر معناه في غيره ، وهذه الكملة كذلك ~~فإنك لو قلت : ليس زيد لم يتم الكلام ، بل لا بد وأن تقول ليس زيد قائما ~~ورابعها : أن { ليس } لو كان فعلا لكان { ما } فعلا وهذا باطل ، فذاك باطل ~~بيان الملازمة أن { ليس } لو كان فعلا لكان ذلك لدلالته على حصول معنى ~~السلب مقرونا بزمان مخصوص وهو الحال ، وهذا المعنى قائم في { ما } فوجب أن ~~يكون { ما } فعلا فلما لم يكن هذا فعلا فكذا القول ذلك ، أو نذكر هذا ~~المعنى بعبارة أخرى فنقول : { ليس } كلمة جامدة وضعت لنفي الحال فأشبهت { ~~ما } في نفي الفعلية وخامسها : إنك تصل { ما } بالأفعال الماضية فتقول : ما ~~أحسن زيد ولا يجوز أن تصل { ما } بليس فلا تقول ما ليس زيد يذكرك سادسها : ~~أنه على غير أوزان الفعل لأن فعل غير موجود في أبنية الفعل ، فكان في القول ~~بأنه فعل إثبات ما ليس من أوزان الفعل . # فإن قيل : أصله ليس مثل صيد البعير إلا أنهم خفوه وألزموه التخفيف لأنه ~~لا يتصرف / للزومه حالة واحدة ، وإنما تختلف أبنية الأفعال لاختلاف الأوقات ~~التي تدل عليها / وجعلوا للبناء الذي خصوه به ماضيا ، لأنه أخف الأبنية . # قلنا : هذا كله خلاف الأصل ، فالأصل عدمه ولأن الأصل في الفعل التصرف ، ~~فلما منعوه التصرف كان من الواجب أن يبقوه على بنائه الأصلي لئلا يتوالى ~~عليه النقصانات ، فأما أن يجعل منع التصرف الذي هو خلاف الأصل علة لتغير ~~البناء الذي هو أيضا خلاف الأصل فذاك فاسد جدا وسابعها : ذكر القتيبي أنها ~~كلمة مركبة من الحروف النافي الذي هو لا ، و : أيس ، أي موجود قال ولذلك ~~يقولون : أخرجه من الليسية إلى الأيسية أي من العدم إلى الوجود ، وأيسته أي ~~وجدته وهذا نص في الباب ، قال وذكر الخليل أن { ليس } كلمة جحود معناها : ~~لا أيس ، فطرحت الهمزة استخفافا لكثرة ما يجري في الكلام ، والدليل عليه ~~قول العرب : ائتني به من حيث أيس وليس ، ومعناه : من حيث هو ولا ms1406 هو وثامنها ~~: الإستقراء دل على أن الفعل إنما يوضع لإثبات المصدر ، وهذا إنما يفيد ~~السلب أو لا يكون فعلا ، فإن قيل : ينتقض قولكم بقوله : نفى زيدا ~~PageV05P031 وأعدمه ، قلنا : قولك نفى زيدا مشتق من النفي فقولك نفي دل على ~~حصول معنى النفي فكانت الصيغة الفعلية دالة تحقق مصدرها ، فلم يكن السؤال ~~واردا ، وأما القائلون بأن { ليس } فعل فقد تكلفوا في الجواب عن الكلام ~~الأول بأن { ليس } قد يجيء لنفي الماضي كقولهم : جاءني القوم ليس زيدا ، { ~~وعن } أنه منقوض بقولهم : أخذ يفعل كذا وعن الثالث : أنه منقوض بسائر ~~الأفعال الناقصة وعن الرابع : أن المشابهة من بعض الوجوه لا تقتضي المماثلة ~~وعن الخامس : أن لك إنما امتنع من قبل أن : ما ، للحال { والحج وليس } ~~للماضي ، فلا يكون الجمع بينهما وعن السادس : أن تغير البناء وإن كان على ~~خلاف الأصل لكنه يجب المصير إليه ضرورة العمل بما ذكرنا من الدليل وعن ~~السابع : } أن الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم ، وأما قوله : من حيث أيس ~~وليس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه اسما ، وأما الكتاب فممنوع منه ~~بالدليل وعن الثامن : أن { * } أن الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم ، وأما ~~قوله : من حيث أيس وليس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه اسما ، وأما ~~الكتاب فممنوع منه بالدليل وعن الثامن : أن { ليس } مشتق من الليسية فهي ~~دالة على تقرير معنى الليسية ، فهذا ما يمكن أن يقال في هذه المسألة وإن ~~كانت هذه الجوابات مختلفة . # المسألة الثالثة : قرأ حمزة وحفص عن عاصم { ليس البر } بنصب الراء ، ~~والباقون بالرفع ، قال الواحدي : وكلا القراءتين حسن لأن اسم { ليس } ~~وخبرها اجتمعا في التعريف فاستويا في كون كل واحد منهما اسما ، والآخر خبرا ~~، وحجة من رفع { البر } أن اسم { ليس } مشبه بالفاعل ، وخبرها بالمفعول ، ~~والفاعل بأن يلي الفعل أولى من المفعول ، ومن نصب { البر } ذهب إلى أن بعض ~~النحويين قال : { ءان } مع صلتها أولى أن تكون اسم { ليس } لشبهها بالمضمر ~~في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر ms1407 ، فكان ههنا اجتمع مضمر ومظهر ، ~~والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر / الإسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من ~~المظهر ، وعلى هذا قرىء في التنزيل قوله : { كان * عاقبتهما أنهما فى النار ~~} ( الحشر : 12 ) وقوله : { ما كان * جواب قومه إلا أن قالوا } ( الأعراف : ~~82 ) { وما كان * حجتهم إلا أن قالوا } ( الجاثية : 25 ) والاختيار رفع ~~البر لأنه روي عن ابن مسعور أنه قرأ : { ليس البر * بأن } والباء تدخل في ~~خبر ليس . # المسألة الرابعة : البر اسم جامع للطاعات ، وأعمال الخير المقربة إلى ~~الله تعالى ، ومن هذا بر الوالدين ، قال تعالى : { إن الابرار لفى نعيم * ~~وإن الفجار لفى جحيم } ( الإنفطار : 13 14 ) فجعل البر ضد الفجور وقال : { ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ( المائدة : 2 ~~) فجعل البر ضد الإثم فدل على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان ~~وأصله من الاتساع ومنه البر الذي هو خلاف البحر لاتساعه . # المسألة الخامسة : قال القفال : قد قيل في نزول هذه الآية أقوال ، والذي ~~عندنا أنه أشار إلى السفهاء الذين طعنوا في المسلمين وقالوا : ما ولاهم عن ~~قبلتهم التي كانوا عليها مع أن اليهود كانوا يستقبلون المغرب ، والنصارى ~~كانوا يستقبلون المشرق ، فقال الله تعالى : إن صفة البر لا تحصل بمجرد ~~استقبال المشرق والمغرب ، بل البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور أحدها : ~~الإيمان بالله وأهل الكتاب أخلوا بذلك ، أما اليهود فقولهم : بالتجسيم ~~ولقولهم : بأن عزيرا ابن الله ، وأما النصارى ، فقولهم : المسيح ابن الله ، ~~ولأن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل ، على ما حكى الله تعالى ذلك عنهم ~~بقوله : { قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } ( آل عمران : 181 ) ~~PageV05P032 وثانيها : الإيمان باليوم الآخر واليهود أخلوا بهذا الإيمان ~~حيث قالوا : { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ( البقرة : ~~111 ) وقالوا : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) ~~والنصارى أنكروا المعاد الجسماني ، وكل ذلك تكذيب باليوم الآخر وثالثها : ~~الإيمان بالملائكة ، واليهود أخلوا ذلك حيث أظهروا عداوة جبرل عليه السلام ~~ورابعها : الإيمان بكتب الله ، واليهود والنصارى ms1408 قد أخلوا بذلك ، لأن مع ~~قيام الدلالة على أن القرآن كتاب الله ردوه ولم يقبلوه قال تعالى : { وإن ~~يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ~~ببعض } ( البقرة : 85 ) وخامسها : الإيمان بالنبيين واليهود أخلوا بذلك حيث ~~قتلوا الأنبياء ، على ما قال تعالى : { ويقتلون النبيين بغير الحق } ( ~~البقرة : 61 ) وحيث طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وسادسها : بذل ~~الأموال على وفق أمر الله سبحانه واليهود وأخلوا بذلك لأنهم يلقون الشبهات ~~لطلب المال القليل كما قال { واشتروا به ثمنا قليلا } ( البقرة : 187 ) ~~وسابعها : إقامة الصلوات والزكوات واليهود كانوا يمنعون الناس منها وثامنها ~~: الوفاء بالعهد ، واليهود نقضوا العهد حيث قال : { أوفوا * بعهدى أوف ~~بعهدكم } ( البقرة : 40 ) وههنا سؤال : وهو أنه تعالى نفى أن يكون التوجه ~~إلى القبلة برا ثم حكم بأن البر مجموع أمور أحدها الصلاة ولا بد فيها من ~~استقبال فيلزم التناقض ولأجل هذا السؤال اختلف المفسرون على أقوال الأول : ~~أن قوله : { ليس البر } نفي لكمال البر وليس نفيا لأصله كأنه قال ليس البر ~~كله هو هذا ، البر اسم لمجموع الخصال الحميدة واستقبال القبلة واحد منها ، ~~فلا يكون ذلك / تمام البر الثاني : أن يكون هذا نفيا لأصل كونه برا ، لأن ~~استقبالهم للمشرق والمغرب كان خطأ في وقت النفي حين ما نسخ الله تعالى ذلك ~~، بل كان ذلك إثما وفجورا لأنه عمل بمنسوخ قد نهى الله عنه ، وما يكون كذلك ~~فإنه لا يعد في البر الثالث : أن استقبال القبلة لا يكون برا إذا لم يقارنه ~~معرفة الله ، وإنما يكون برا إذا أتي به مع الإيمان ، وسائر الشرائط كما أن ~~السجدة لا تكون من أفعال البر ، إلا إذا أتي بها مع الإيمان بالله ورسوله ، ~~فأما إذا أتي بها بدون هذا الشرط ، فإنها لا تكون من أفعال البر ، روي أنه ~~لما حولت القبلة كثر الخوض في نسخها وصار كأنه لا يراعي بطاعة الله إلا ~~الإستقبال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض ~~الشديد في أمر القبلة ms1409 مع الإعراض عن كل أركان الدين . # المسألة السادسة : قوله : { ولاكن البر من * أمم * بالله } فيه حذف وفي ~~كفيته وجوه أحدها : ولكن البر بر من آمن بالله ، فحذف المضاف وهو كثير في ~~الكلام كقوله : { وأشربوا فى قلوبهم العجل } ( البقرة : 93 ) أي حب العجل ، ~~ويقولون : الجود حاتم والشعر زهير ، والشجاعة عنترة ، وهذا اختيار الفراء ، ~~والزجاج ، وقطرب ، قال أبو علي : ومثل هذه الآية قوله : { أجعلتم سقاية ~~الحاج } ( التوبة : 19 ) ثم قال { كمن ءامن } ( التوبة : 19 ) وتقديره ، ~~أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن ، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن ~~ليقع التمثيل بين مصدرين أو بين فاعلين ، إذا لا يقع التمثيل بين مصدر ~~وفاعل وثانيها : قال أبو عبيدة البر ههنا بمعنى الباء كقوله : { والعاقبة ~~للتقوى } ( طه : 132 ) أي للمتقين ومنه قوله : { إن أصبح * ماؤها غورا } ~~PageV05P033 ( الملك : 30 ) أي غائرا ، وقالت الخنساء : # % فإنما هي إقبال وإدبار % % # أي مقبلة ومدبرة معا وثالثها : أن معناه ولكن ذا البر فحذف كقولهم : هم ~~درجات عند الله أي ذووا درجات عن الزجاج ورابعها : التقدير ولكن البر يحصل ~~بالإيمان وكذا وكذا عن المفصل . # واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى مقصود الكلام فيكون معناه : ولكن البر ~~الذي هو كل البر الذي يؤدي إلى الثواب العظيم بر من آمن بالله ، وعن المبرد ~~: لو كنت ممن يقرأ القرآن بقراءته لقرأت { ولاكن البر } بفتح الباء ، وقرأ ~~نافع وابن عامر { ولاكن } مخففة { البر } بالرفع ، والباقون { لكن } مشددة ~~{ البر } بالنصب . # المسألة السابعة : اعلم أن الله تعالى اعتبر في تحقق ماهية البر أمورا ~~الأول : الإيمان بأمور خمسة أولها : الإيمان بالله ، ولن يحصل العلم بالله ~~إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه ، ولن ~~يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلالة الدالة عليها فيدخل فيه ~~العلم بحدوث العالم ، والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم ، ويدخل ~~في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوده وقدمه وبقائه ، وكونه عالما ~~بكل المعلومات ، قادرا على كل الممكنات / حيا مريدا سمعيا بصيرا متكلما ، ~~ويدخل في العلم بما يستحيل ms1410 عليه العلم بكونه منزها عن الحالية والمحلية ~~والتحيز والعرضية ، ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق ~~والإيجاد وبعثة الرسل وثانيها : الإيمان باليوم الآخر ، وهذا الإيمان مفرع ~~على الأول ، لأنا ما لم نعلم كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ولم نعلم ~~قدرته على جميع الممكنات لا يمكننا أن نعلم صحة الحشر والنشر وثالثها : ~~الإيمان بالملائكة ورابعها : الإيمان بالكتب وخامسها : الإيمان بالرسل ، ~~وههنا سؤالات : # السؤال الأول : إنه لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة ولا إلى العلم ~~بصدق الكتب إلا بواسطة صدق الرسل ، فإذا كانت قول الرسل كالأصل في معرفة ~~الملائكة والكتب فلم قدم الملائكة والكتب في الذكر على الرسل ؟ . # الجواب : أن الأمل وإن كان كما ذكرتموه في عقولنا وأفكارنا ، إلا أن ~~ترتيب الوجود على العكس من ذلك ، لأن الملك يوجد أولا ، ثم يحصل بواسطة ~~تبليغة نزول الكتب ، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول ، فالمراعي في هذه الآية ~~ترتيب الوجود الخارجي ، لا ترتيب الاعتبار الذهني . # السؤال الثاني : لم خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة ؟ # الجواب : لأنه دخل تحتها كل ما يلزم أن صدق به ، فقد دخل تحت الإيمان ~~بالله : معرفته بتوحيده وعدله وحكمته ، ودخل تحت اليوم الآخر : المعرفة بما ~~يلزم من أحكام الثواب والعقاب والمعاد ، إلى سائر ما يتصل بذلك / ودخل تحت ~~الملائكة ما يتصل بأدائهم الرسالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليؤديها ~~إلينا إلى غير ذلك مما يجب أن يعلم من أحوال الملائكة ، ودخل تحت الكتاب ~~القرآن ، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه ، ودخل تحت النبيين الإيمان ~~بنبوتهم ، وصحة شرائعهم ، فثبت أنه لم يبق شيء مما يجب الإيمان به إلا دخل ~~تحت هذه الآية ، وتقرير آخر : وهو أن للمكلف مبدأ ووسطا ونهاية ، ومعرفة ~~المبدأ والمنتهي هو المقصود بالذات ، PageV05P034 وهو المراد بالإيمان ~~بالله واليوم الآخر ، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة وهي لا ~~تتم إلا بأمور ثلاثة : الملائكة الآتين بالوحي ، ونفس ذلك الوحي وهو الكتاب ~~، والموحي إليه وهي الرسول ؟ # السؤال الثالث : لم قدم هذا الإيمان على أفعال الجوارح ، وهو ms1411 إيتاء المال ~~، والصلاة ، والزكاة . # الجواب : للتنبيه على أن أعمال القلوب أشرف عند الله من أعمال الجوارح ، ~~الأمر الثاني من الأمور المعتبرة في تحقق مسمى البر قوله : { ليس البر أن ~~تولوا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن الضمير في قوله : { على حبه } إلى ماذا ~~يرجع ؟ وذكروا فيه وجوها الأول : وهو قول الأكثرين أنه راجع إلى المال ، ~~والتقدير : وآتى المال على حب المال ، قال ابن عباس وابن مسعود : وهو أن ~~تؤتيه وأنت صحيح شحيح ، تأمل الغني ، وتخشى / الفقر ، ولا تمهل حتى إذا ~~بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا ، وهذا التأويل يدل على أن الصدقة ~~حال الصحة أفضل منها عند القرب من الموت ، والعقل يدل على ذلك أيضا من وجوه ~~أحدها : أن عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال وعند ظن قرب الموت يحصل ظن ~~الاستغناء عن المال ، وبذل الشيء عند الاحتياج إليه أدل على الطاعة من بذله ~~عند الاستغناء عنه على ما قال : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( ~~آل عمران : 92 ) وثانيها : أن إعطاءه حال الصحة أدل على كونه متيقنا بالوعد ~~والوعيد من إعطاءه حال المرض والموت وثالثها : أن إعطاءه حال الصحة أشق ، ~~فيكون أكثر ثوابا قياسا على ما يبذله الفقير من جهد المقل فإنه يزيد ثوابه ~~على ما يبذله الغني ورابعها : أن من كان ماله على شرف الزوال فوهبه من أحد ~~مع العلم بأنه لو لم يهبه لضاع فإن هذه الهبة لا تكون مساوية لما إذا لم ~~يكن خائفا من ضياع المال ثم إنه وهبه منه طائعا وراغبا فكذا ههنا وخامسها : ~~أنه متأيد بقوله تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( آل ~~عمران : 92 ) وقوله : { ويطعمون الطعام على حبه } ( الإنسان : 80 ) أي على ~~حب الطعام ، وعن أبي الدرداء أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل الذي تصدق ~~عند الموت مثل الذي يهدي بعدما شبع ) . # القول الثاني : أن الضمير يرجع إلى الإيتاء كأنه قيل : يعطي ويحب الإعطاء ~~رغبة في ثواب الله . # القول الثالث : أن الضمير عائد على ms1412 اسم الله تعالى ، يعني يعطون المال ~~على حب الله أي على طلب مرضاته . # المسألة الثانية : اختلفوا في المراد من هذا الإيتاء فقال قوم : إنها ~~الزكاة وهذا ضعيف وذلك لأنه تعالى عطف الزكاة عليه بقوله : { ليس البر أن ~~تولوا } ومن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يتغايرا ، فثبت أن المراد به غير ~~الزكاة ، ثم إنه لا يخلوا إما أن يكون من التطوعات أو من الواجبات ، لا ~~جائز أن يكون من التطوعات لأنه تعالى قال في آخر الآية : { أولئك الذين ~~صدقوا وأولئك هم المتقون } وقف التقوى عليه ، ولو كان ذلك ندبا لما وقف ~~التقوى عليه ، فثبت أن هذا الإيتاء ، وإن كان غير الزكاة إلا أنه من ~~الواجبات ثم فيه قولان : # القول الأول : أنه عبارة عن دفع الحاجات الضرورية مثل إطعام المضطر / ~~ومما يدل على تحقق هذا الوجوب النص والمعقول ، أما النص فقوله عليه الصلاة ~~والسلام ( لايؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانا وجاره طاو إلى جنبه ) ~~وروي عن فاطمة بنت قيس : أن في المال حقا سوى الزكاة ، ثم تلت { وآتى المال ~~على حبه } PageV05P035 وحكي عن الشعبي أنه سئل عمن له مال فأدى زكاته فهل ~~عليه شيء سواه ؟ فقال : نعم يصل القرابة ، ويعطي السائل ، ثم تلا هذه الآية ~~، وأما العقل فإنه لا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة ، وجب على ~~الناس أن يعطوه مقدار دفع الضرورة / وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم ، ولو ~~امتنعوا من الإعطاء جاز الأخذ منهم قهرا ، فهذا يدل على أن هذا الإيتاء ~~واجب ، واحتج من طعن في هذا القول بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : ~~إن الزكاة نسخت كل حق . # والجواب : من وجوه الأول : أنه معارض بما روي أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال : ( في المال حقوق سوى الزكاة ) وقول الرسول أولى من قول علي الثاني : ~~أجمعت الأمة على أنه إذا حضر المضطر فإنه يجب أن يدفع إليه ما يدفع الضرر ، ~~وإن كان قد أدى الزكاة بالكمال الثالث : المراد أن الزكاة نسخت الحقوق ~~المقدرة ، أما الذي لا ms1413 يكون مقدرا فإنه غير منسوخ بدليل أنه يلزم التصدق ~~عند الضرورة ، ويلزم النفقة على الأقارب ، وعلى المملوك ، وذلك غير مقدر ، ~~فإن قيل : هب أنه صح هذا التأويل لكن ما الحكمة في هذا الترتيب ؟ قلنا فيه ~~وجوه أحدها : أنه تعالى قدم الأولى فالأولى لأن الفقير إذا كان قريبا فهو ~~أولى بالصدقة من غيره من حيث أنه يكون ذلك جامعا بين الصلة والصدقة ، ولأن ~~القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال إليه وذلك يستحق به الإرث ويحجر بسببه ~~على المالك في الوصية ، حتى لا يتمكن من الوصية إلا في الثلث ، ولذلك كانت ~~الوصية للأقارب من الواجبات على ما قال { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } ~~( آل عمران : 180 ) الآية ، وإن كانت تلك الوصية قد صارت منسوخة إلا عند ~~بعضهم ، فلهذه الوجوه قدم ذا القربى ، ثم أتبعه تعالى باليتامى ، لأن ~~الصغير الفقير الذي لا والد له ولا كاسب فهو منقطع الحيلة من كل الوجوه ، ~~ثم أتبعهم تعالى بذكر المساكين لأن الحاجة قد تشتد بهم ، ثم ذكر ابن السبيل ~~إذ قد تشتد حاجته عند اشتداد رغبته إلى أهله ، ثم ذكر السائلين وفي الرقاب ~~لأن حاجتهما دون حاجة من تقدم ذكره وثانيها : أن معرفة المرء بشدة حاجة هذه ~~الفرق تقوى وتضعف ، فرتب تعالى ذكر هذه الفرق على هذا الوجه لأن علمه بشدة ~~حاجة من يقرب إليه أقرب ، ثم بحاجة الأيتام ، ثم بحاجة المساكين ، ثم على ~~هذا النسق وثالثها : أن ذا القربى مسكين ، وله صفة زائدة تخصه لأن شدة ~~الحاجة فيه تغمه وتؤذي قلبه ، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن ~~الغير ، فلذلك بدأ الله تعالى بذي القربى ، ثم باليتامى ، وأخر المساكين ~~لأن الغم الحاصل بسبب عجز الصغار عن الطعام والشراب أشد من الغم الحاصل ~~بسبب عجز الكبار عن تحصيلهما فأما ابن السبيل فقد يكون غنيا ، وقد تشتد ~~حاجته في الوقت ، والسائل قد يكون غنيا ويظهر شدة الحاجة وأخر المكاتب لأن ~~إزالة الرق ليست في محل الحاجة الشديدة . # القول الثاني : أن المراد بإيتاء الماء ms1414 ما روي أنه عليه الصلاة والسلام ~~عند ذكره للإبل قال : ( إن فيها حقا ) هو إطراق فحلها وإعارة ذلولها ، وهذا ~~بعيد لأن الحاجة إلى إطراق الفحل أمر لا يختص به ابن السبيل والسائل ~~والمكاتب . # القول الثالث : أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجبا ، ثم إنه صار منسوخا ~~بالزكاة ، وهذا / أيضا ضعيف لأنه تعالى جمع في هذه الآية بين هذا الإيتاء ~~وبين الزكاة . # المسألة الثالثة : أما ذوو القربى فمن الناس من حمل ذلك على المذكور في ~~آية النفل والغنيمة PageV05P036 والأكثرون من المفسرين على ذوي القربى ~~للمعطين / وهو الصحيح لأنهم به أخص ، ونظيره قوله تعالى : { ولا يأتل أولوا ~~الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى } ( النور : 22 ) . # واعلم أن ذوي القربى هم الذين يقربون منه بولادة الأبوين أو بولادة ~~الجدين ، فلا وجه لقصر ذلك على ذوي الرحم المحرم على ما حكى عن قوم لأن ~~المحرمية حكم شرعي أما القرابة فهي لفظة لغوية موضوعة للقرابة في النسب وإن ~~كان من يختص بذلك يتفاضل ويتفاوت في القرب والبعد ، أما اليتامى ففي الناس ~~من حمله على ذوي اليتامى ، قال : لأنه لا يحسن من المتصدق أن يدفع المال ~~إلى اليتيم الذي لا يميز ولا يعرف وجوه منافعه ، فإنه متى فعل ذلك يكون ~~مخطئا بل إذا كان اليتيم مراهقا عارفا بمواقع حظه ، وتكون الصدقة من باب ما ~~يؤكل ويلبس ولا يخفى على اليتيم وجه الانتفاع به جاز دفعها إليه ، هذا كله ~~على قول من قال : اليتيم هو الذي لا أب له مع الصغر ، وعند أصحابنا هذا ~~الإسم قد يقع على الصغير وعلى البالغ والحجة فيه قوله تعالى : { وءاتوا ~~اليتامى أموالهم } ( النساء : 20 ) ومعلوم أنهم لا يؤتون المال إلا إذا ~~بلغوا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى : يتيم أبي طالب بعد بلوغه ~~، فعلى هذا إن كان اليتيم بالغا دفع المال إليه ، وإلا فيدفع إلى وليه ، ~~وأما المساكين ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى في سورة التوبة والذي ~~نقوله هنا : إن المساكين أهل الحاجة ، ثم هم ضربان ms1415 منهم من يكف عن السؤال ~~وهو المراد ههنا ، ومنهم من يسأل وينبسط وهو المراد بقوله : { والسائلين } ~~وإنما فرق تعالى بينهما من حيث يظهر على المسكين المسكنة مما يظهر من حاله ~~، وليس كذلك السائل لأنه بمسألته يعرف فقره وحاجته ، وأما ابن السبيل فروي ~~عن مجاهد أنه المسافر ، وعن قتادة أنه الضيف لأنه إنما وصل إليك من السبيل ~~، والأول أشبه لأن السبيل اسم للطريق وجعل المسافر ابنا له للزومه إياه كما ~~يقال لطير الماء : ابن الماء ويقال للرجل الذي أتت عليه السنون : ابن ~~الأيام . وللشجعان : بنو الحرب . وللناس : بنو الزمان . قال ذو الرمة : # % وردت عشاء والثريا كأنها % % على قمة الرأس ابن ماء محلق % # وأما قوله : { والسائلين } فعني به الطالبين ، ومن جعل الآية في غير ~~الزكاة أدخل في هذه الآية المسلم والكافر ، روى الحسن بن علي رضي الله ~~عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( للسائل حتى ولو جاء على فرس ) وقال ~~تعالى : { فى أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم } ( المعارج : 24 ) . # أما قوله : { وفي الرقاب } ففيه مسألتان . # المسألة الأولى : { الرقاب } جمع الرقبة وهي مؤخر أصل العنق ، واشتقاقها ~~من المراقبة ، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم ، ~~ولهذا المعنى يقال : أعتق الله رقبته / ولا يقال أعتق الله عنقه ، لأنه لما ~~سميت رقبة كأنها تراقب العذاب ، ومن هذا يقال للتي لا يعيش ولدها : رقوب ، ~~لأجل مراعاتها موت ولدها . # المسألة الثانية : معنى الآية : ويؤتي المال في عتق الرقاب ، قال القفال ~~: واختلف الناس في الرقاب المذكورين في آية الصدقات ، فقال قائلون : إنه ~~يدخل فيه من يشتريه فيعتقه ، ومن يكون مكاتبها فيعينه على أداء كتابته ، ~~فهؤلاء أجازوا شراء الرقاب من الزكاة المفروضة ، وقال قائلون : لا يجوز صرف ~~الزكاة إلا في اعانة المكاتبين ، فمن تأول هذه الآية على الزكاة المفروضة ~~فحينئذ يبقى فيه ذلك الاختلاف ، ومن حمل هذه PageV05P037 الآية على غير ~~الزكاة أجاز الأمرين فيها قطعا ، ومن الناس من حمل الآية على وجه ثالث وهو ~~فداء الأسارى . # واعلم أن تمام الكلام في تفسير هذه الأصناف سيأتي إن ms1416 شاء الله تعالى في ~~سورة التوبة في تفسير الصدقات . # الأمر الثالث : من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله : { ليس البر ~~أن تولوا } وذلك قد تقدم ذكره . # الأمر الرابع : قوله تعالى : { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : في رفع والموفون قولان أحدها : أنه عطف على محل { من ~~آمن { تقديره لكن البر المؤمنون والموفون ، عن الفراء والأخفش الثاني : رفع ~~على المدح على أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهم الموفون . # المسألة الثانية : في المراد بهذا العهد قولان الأول : أن يكون المراد ما ~~أخذه الله من العهود على عباده بقولهم ، وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام ~~بحدوده ، والعمل بطاعته ، فقبل العباد ذلك من حيث آمنوا بالأنبياء والكتب ، ~~وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم نقضوا العهود والمواثيق وأمرهم ~~بالوفاء بها فقال : { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) فكان المعنى في هذه الآية أن البر هو ~~ما ذكر من الأعمال مع الوفاء بعهد الله ، لا كما نقض أهل الكتاب ميثاق الله ~~وما وفوا بعهوده فجحدوا أنبياءه وقتلوهم وكذبوا بكتابه ، واعترض القاضي على ~~هذا القول وقال : إن قوله تعالى : { والموفون بعهدهم } صريح في إضافة هذا ~~العهد إليهم ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : { إذا عاهدوا } فلا وجه لحمله ~~على ما سيكون لزومه ابتداء من قبله تعالى . # الجواب عنه : أنه تعالى وإن ألزمهم هذه الأشياء لكنهم من عند أنفسهم ~~قبلوا ذلك الإلزام والتزموه ، فصح من هذا الوجه إضافة العهد إليهم . # القول الثاني : أن يحمل ذلك على الأمور التي يلتزمها المكلف ابتداء من ~~عند نفسه . واعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد وبين الله ، أو بينه ~~وبين رسول الله ، أو بينه وبين سار الناس / أما الذي بينه وبين الله فهو ما ~~يلزمه بالنذور والإيمان ، وأما الذي بينه وبين رسول الله فهو الذي عاهد ~~الرسول عليه عند البيعة من القيام بالنصرة والمظاهرة والمجاهدة وموالاة من ~~والاه ومعاداة من عاداه ، وأما الذي بينه وبين سائر الناس ms1417 فقد يكون ذلك من ~~الواجبات مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم والتسلم ، وكذا ~~الشرائط التي يلتزمها في السلم والرهن ، وقد يكون ذلك من المندوبات مثل ~~الوفاء بالمواعيد في بذل المال والإخلاص في المناصرة ، فقوله تعالى : { ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } يتناول كل هذه الأقسام فلا معنى لقصر الآية ~~على بعض هذه الأقسام دون البعض ، وهذا الذي قلناه هو الذي عبر المفسرون ~~فقالوا : هم الذين إذا واعدوا أنجزوا وإذا حلفوا ونذروا وفوا ، وإذا قالوا ~~صدقوا ، وإذا ائتمنوا أدوا ، ومنهم من حمله على قوله تعالى : { ومنهم من ~~عاهد الله لئن ءاتانا من فضله } ( التوبة : 75 ) الآية . # الأمر الخامس : من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله تعالى : { ~~والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس } PageV05P038 ( البقرة : 177 ) ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في نصب الصابرين أقوال الأول : قال الكسائي هو معطوف ~~على { ذوى القربى } كأنه قال : وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين : ~~قال النحويون : إن تقدير الآية يصير هكذا : ولكن البر من آمن بالله وآتى ~~المال على حبه ذوي القربى والصابرين ، فعلى هذا قوله : { والصابرين } من ~~صلة من قوله : { والموفون } متقدم على قوله : { والصابرين } فهو عطف على { ~~من } فحينئذ قد عطفت على الموصول قبل صلته شيئا ، وهذا غير جائز لأن ~~الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد ، ومحال أن يوصف الاسم أو يؤكد أو يعطف ~~عليه إلا بعد تمامه وانقضائه بجميع أجزائه / أما إن جعلت قوله : { والموفون ~~} رفعا على المدح ، وقد عرفت أن هذا الفصل غير جائز ، بل هذا أشنع لأن ~~المدح جملة فإذا لم يجز الفصل بالمفرد فلأن لا يجوز بالجملة كان ذلك أولى . # فإن قيل : أليس جاز الفصل بين المبتدأ والخبر بالجملة كقول القائل : إن ~~زيدا فافهم ما أقول رجل عالم ، وكقوله تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ( الكهف : 30 ) ثم قال : { أولائك ~~} ففصل بين المتبدأ والخبر بقوله : { إنا لا نضيع } قلنا : الموصول مع ~~الصلة كالشيء الواحد فالتعلق الذي بينهما أشد من التعلق بين المبتدأ ms1418 والخبر ~~، فلا يلزم من جوازه الفصل بين المبتدأ والخبر جواز بين الموصول والصلة . # القول الثاني : قول الفراء : إنه نصب على المدح ، وإن كان من صفة من ، ~~وإنما رفع الموفون ونصب الصابرين لطول الكلام بالمدح ، والعرب تنصب على ~~المدح وعلى الذم إذا طال الكلام بالنسق في صفة الشيء الواحد ، وأنشد الفراء ~~: # % / إلى الملك القرم وابن الهمام % % وليث الكتيبة في المزدحم % # { حمالة الحطب } وقالوا فيمن قرأ : بنصب { حمالة } أنه نصب على الذم ، ~~قال أبو علي الفارسي : وإذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم ~~فالأحسن أن تخالف بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها ، لأن هذا ~~الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول ، فإذا خولف بإعراب ~~الأوصاف كان المقصود أكمل ، لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع ~~من الكلام وضروب من البيان ، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجها واحدا . ، ~~وجملة واحدة . ثم اختلف الكوفيون والبصريون في أن المدح والذم لم صارا ~~علتين لاختلاف الحركة ؟ فقال الفراء : أصل المدح والذم من كلام السامع ، ~~وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له : قام زيد فربما أثنى السامع على زيد ~~، وقال ذكرت والله الظريف ، ذكرت العاقل ، أي هو والله الظريف هو العاقل ، ~~فأراد المتكلم أن يمدح بمثل ما مدحه به السامع ، فجرى الإعراب على ذلك ، ~~وقال الخليل : المدح والذم ينصبان على معنى أعني الظريف ، وأنكر الفراء ذلك ~~لوجهين الأول : أن أعني إنما يقع تفسيرا للاسم المجهول ، والمدح يأتي بعد ~~المعروف الثاني : أنه لو صح ما قاله الخليل لصح أن يقول : قام زيد أخاك ، ~~على معنى : أعني أخاك ، وهذا مما لم تقله العرب أصلا . # واعلم أن من الناس من قرأ { قلوبهم } { والصابرين } ومنهم من قرأ { ~~والموفون } و { الصابرون } . PageV05P039 # أما قوله : { والصابرين فى البأساء } قال ابن عباس : يريد الفقر ، وهو ~~اسم من البؤس { والضراء } قال : يريد به المرض ، وهما اسمان على فعلاء ولا ~~أفعل لهما ، لأنهما ليسا بنعتين { وحين البأس } قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما يريد القتال في سبيل الله والجهاد ، ومعنى ms1419 البأس في اللغة الشدة يقال ~~: لا بأس عليك في هذا ، أي لا شدة { بعذاب بئيس } ( الأعراف : 165 ) شديد ~~ثم تسمى الحرب بأسا لما فيها من الشدة والعذاب يسمى بأسا لشدته قال تعالى : ~~{ فلما رأوا بأسنا } ( غافر : 84 ) { فلما أحسوا بأسنا } ( الأنبياء : 12 ) ~~{ فمن ينصرنا من بأس الله } ( غافر : 29 ) . # ثم قال تعالى : { أولئك الذين صدقوا } أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا ~~في إيمانهم ، وذكر الواحدي رحمه الله في آخر هذه الآية مسألة وهي أنه قال ~~هذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع ، فمن شرائط البر وتمام شرط ~~البار أن تجتمع فيه هذه الأوصاف ، ومن قام به واحد منها لم يستحق الوصف ~~بالبر / فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر ~~وكذا الصابر في البأساء بل لا يكون قائما بالبر ، إلا عند استجماع هذه ~~الخصال ، ولذلك قال بعضهم : هذه الصفة خاصة للأنبياء عليهم السلام ، لأن ~~غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلها ، وقال آخرون : هذه عامة في جميع ~~المؤمنين ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت . الحكم الرابع # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والا نثى بالا نثى فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان ذالك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذالك فله عذاب ~~أليم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 178 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # قبل الشروع في التفسير لا بد من ذكر سبب النزول وفيه ثلاثة أوجه : أحدها ~~: أن سبب نزوله إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل مبعث محمد عليه السلام ، ~~وذلك لأن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط ، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط ~~، وأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل ، وأخرى يوجبون الدية لكنهم كانوا ~~يظهرون التعدي في كل واحد من هذين الحكمين ، أما في القتل فلأنه إذا وقع ~~القتل بين قبيلتين إحداهما أشرف من الأخرى ، فالأشراف كانوا يقولون : ~~لنقتلن بالعبد منا الحر منهم ، وبالمرأة منا الرجل منهم ، وبالرجل منا ~~الرجلين منهم ، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف ms1420 جراحات خصومهم ، وربما زادوا ~~على ذلك على ما يروى أن واحدا قتل إنسانا من الأشراف ، فاجتمع أقارب القاتل ~~عند والد المقتول ، وقالوا : ماذا تريد ؟ فقال إحدى ثلاث قالوا : وما هي ؟ ~~قال : إما تحيون ولدي ، أو تملأون داري من نجوم السماء ، أو تدفعوا إلى ~~جملة قومكم حتى أقتلهم ، ثم لا أرى أني أخذت عوضا . PageV05P040 # وأما الظلم في أمر الدية فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرجل ~~الخسيس ، فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل ~~وسوى بين عباده في حكم القصاص وأنزل هذه الآية . # والرواية الثانية : في هذا المعنى وهو قول السدي : إن قريظة والنضير ~~كانوا مع تدينهم بالكتاب سلكوا طريقة العرب في التعدي . # / والرواية الثالثة : أنها نزلت في واقعة قتل حمزة رضي الله عنه . # والرواية الرابعة : ما نقلها محمد بن جرير الطبري عن بعض الناس ورواها عن ~~علي بن أبي طالب وعن الحسن البصري أن المقصود من هذه الآية بيان أن بين ~~الحرين والعبدين والذكرين والأنثيين يقع القصاص ويكفي ذلك فقط ، فأما إذا ~~كان القاتل للعبد حرا ، أو للحر عبدا فإنه يجب مع القصاص التراجع ، وأما حر ~~قتل عبدا فهو قوده ، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن ~~يسقطوا ثمن العبد من دية الحر ، ويردوا إلى أولياء الحر بقية ديته ، وإن ~~قتل عبدا حرا فهو به قود ، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وأسقطوا قيمة ~~العبد من دية الحر ، وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته ، وإن شاؤا ~~أخذوا كل الدية وتركوا قتل العبد ، وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود ، فإن ~~شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا نصف الدية ، وإن قتلت المرأة رجلا فهي به ~~قود ، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية ، وإن شاؤا أعطوا كل ~~الدية وتركوها ، قالوا فالله تعالى أنزل هذه الآية لبيان أن الاكتفاء ~~بالقصاص مشروع بين الحرين والعبدين والانثيين والذكرين فأما عند إخلاف ~~الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع فيه إذا عرفنا سبب النزول فلنرجع ms1421 إلى ~~التفسير . # أما قوله تعالى : { كتب عليكم } فمعناه : فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي ~~الوجوب من وجهين : أحدهما : أن قوله تعالى : { كتاب } يفيد الوجوب في عرف ~~الشرع قال تعالى : { كتب عليكم الصيام } وقال : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية } ( البقرة : 180 ) وقد كانت الوصية واجبة ومنه ~~الصلوات المكتوبات أي المفردات / وقال عليه السلام : ( ثلاث كتبن علي ولم ~~تكتب عليكم ) والثاني : لفظة { عليكم } مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى : ~~{ ولله على الناس حج البيت } ( آل عمران : 97 ) وأما القصاص فهو أن يفعل ~~بالإنسان مثل ما فعل ، من قولك : اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله ، ~~قال تعالى { فارتدا علىءاثارهما قصصا } ( الكهف : 64 ) وقال تعالى : { ~~وقالت لاخته قصيه } ( القصص : 11 ) أي اتبعي أثره ، وسميت القصة قصة لأن ~~بالحكاية تساوي المحكي ، وسمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار الناس ، ويسمى ~~المقص مقصا لتعادل جانبيه . # أما قوله تعالى : { في القتلى } أي بسبب قتل القتلى ، لأن كلمة { فى } قد ~~تستعمل للسببية كقوله عليه السلام : ( في النفس المؤمنة مائة من الإبل ) ~~إذا عرفت هذا فصار تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا وجب عليكم القصاص ~~بسبب قتل القتلى ، فدل ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب ~~قتل جميع القتلى ، إلا أنهم جمعوا على أن غير القاتل خارج من هذا العموم ~~وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضا في صور كثيرة ، وهي إذا قتل الوالد ولده ~~، والسيد عبده وفيما إذا قتل المسلم حربيا أو معاهدا ، وفيما إذا قتل مسلم ~~خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص / يبقى حجة فيما عداه . PageV05P041 # فإن قيل : قولكم هذه الآية تقتضي وجوب القصاص فيه إشكالان الأول : أن ~~القصاص لو وجب لوجب إما على القاتل ، أو على ولي الدم ، أو على ثالث ، ~~والأقسام الثلاثة باطلة ، وإنما قلنا : إنه لا يجب على القاتل لأن القاتل ~~لا يجب عليه أن يقتل نفسه ، بل يحرم عليه ذلك ، وإنما قلنا : إنه غير واجب ~~على ولي الدم لأن ولي الدم مخير في الفعل والترك ، بل ms1422 هو مندوب إلى الترك ~~بقوله : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ( البقرة : 237 ) والثالث أيضا باطل ~~لأنه يكون أجنبيا عن ذلك القتل والأجنبي عن الشي لا تعلق له به . # السؤال الثاني : إذا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية فكان مفهوم الآية ~~إيجاب التسوية وعلى هذا التقدير لا تكون الآية دالة على إيجاب القتل ألبتة ~~، بل أقصى ما في الباب أن الآية تدل على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي ~~يكون مشروعا وعلى هذا التقدير تسقط دلالة الآية على كون القتل مشرعا بسبب ~~القتل . # والجواب عن السؤال الأول : من وجهين الأول : أن المراد إيجاب إقامة ~~القصاص على الإمام أو من يجرى مجراه ، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه ~~لا يحل للإمام أن يترك القود لأنه من جملة المؤمنين ، والتقدير : يا أيها ~~الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي الدم استيفاءه والثاني : أنه ~~خطاب مع القاتل والتقدير : يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند ~~مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع ههنا وليس له أن ~~ينكر ، بل للزاني والسارق الهرب من الحد ولهما أيضا أن يستترا بستر الله ~~ولا يقرأ ، والفرق أن ذلك حق الآدمي . # وأما الجواب عن السؤال الثاني : فهو أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية ~~في القتل والتسوية في القتل صفة القتل وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات ، ~~فكانت الآية مفيدة لإيجاب القتل من هذا الوجه ويتفرع على ما ذكرنا مسائل : # المسألة الأولى : ذهب أبو حنيفة إلى موجب العمد هو القصاص ، وذهب الشافعي ~~في أحد قوليه إن أن موجب العمد إما القصاص وإما الدية ، واحتج أبو حنيفة ~~بهذه الآية ، ووجه الاستدلال بها في غاية الضعف ، لأنه سواء كان المخاطب ~~بهذا الخطاب هو الإمام أو ولي الدم فهو بالاتفاق مشروط بما إذا كان ولي ~~الدم يريد القتل على التعيين ، وعندنا أنه متى كان الأمر كذلك كان القصاص ~~متعينا ، إنما النزاع في أن ولي الدم هل يتمكن من العدول إلى الدية وليس في ~~الآية دلالة على أنه إذا أراد ms1423 الدية ليس له ذلك . # المسألة الثانية : اختلفوا في كيفية المماثلة التي دلت هذه الآية على ~~إيجابها فقال الشافعي : يراعي جهة القتل الأول فإن كان الأول قتله بقطع ~~اليد قطعت يد القاتل فإن مات منه في تلك المرأة وإلا / حزت رقبته ، وكذلك ~~لو أحرق الأول بالنار أحرق الثاني ، فإن مات في تلك المرة وإلا حزت رقبته ، ~~وقال أبو حنيفة رحمه الله : المراد بالمثل تناول النفس بأرجى ما يمكن فعلى ~~هذا لا اقتصاص إلا بالسيف بحز الرقبة ، حجة الشافعي رحمه الله أن الله ~~تعالى أوجب التسوية بين الفعلين وذلك يقتضي حصول التسوية من جميع الوجوه ~~الممكنة ، ويدل عليه وجوه أحدها : أنه يجوز أن يقال كتبت التسوية في القتلى ~~إلا في كيفية القتل ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فدخل هذا ~~على أن كيفية القتل داخلة تحت النص وثانيها : أنا لو لم نحكم بدلالة هذه ~~الآية على التسوية في كل الأمور لصارت الآية مجملة ولو حكمنا فيها بالعموم ~~كانت PageV05P042 الآية مفيدة ، لكنها بما صارت مخصوصة في بعض الصور ~~والتخصيص أهون من الإجمال وثالثها : أن الآية لو لم تفد إلا الإيجاب ~~للتسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور ، ~~فحينئذ لا يستفاد من هذه الآية شيء ألبتة ، وهذا الوجه قريب من الثاني فثبت ~~أن هذه الآية تفيد وجود التسوية من كل الوجوه ثم تأكد هذا النص بسائر ~~النصوص المقتضية لوجوب المماثلة ، كقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ~~( الشورى : 40 ) { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ( ~~البقرة : 194 ) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها } ( غافر : 40 ) ثم تأكدت ~~هذه النصوص المتواترة بالخبر المشهور عن الرسول عليه السلام وهو قوله : ( ~~من حرق حرقناه ، ومن غرق غرقناه ) ومما يروى أن يهوديا رضخ رأس صبيه ~~بالحجارة فقتلها ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ترضخ رأس اليهودي ~~بالحجارة ، وإذا ثبت هذا بلغت دلالة الآية مع سائر الآيات ، ومع هذه ~~الأحاديث على قول الشافعي مبلغا قويا ، واحتج أبو حنيفة ms1424 بقوله عليه السلام ~~: ( لا قود إلا بالسيف ) وبقوله عليه السلام : ( لا يعذب بالنار إلا ربها ) ~~والجواب أن الأحاديث لما تعارضت بقيت دلالة الآيات خالية عن المعارضات ~~والله أعلم . # المسألة الثالثة : اتفقوا على أن هذا القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك ~~التوبة ؛ فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة من الله تعالى وأما إذا كان تائبا ~~فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة وذلك لأن الدلائل دلت على أن ~~التوبة مقبولة قال تعالى : { * } ( غافر : 40 ) ثم تأكدت هذه النصوص ~~المتواترة بالخبر المشهور عن الرسول عليه السلام وهو قوله : ( من حرق ~~حرقناه ، ومن غرق غرقناه ) ومما يروى أن يهوديا رضخ رأس صبيه بالحجارة ~~فقتلها ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ترضخ رأس اليهودي بالحجارة ، ~~وإذا ثبت هذا بلغت دلالة الآية مع سائر الآيات ، ومع هذه الأحاديث على قول ~~الشافعي مبلغا قويا ، واحتج أبو حنيفة بقوله عليه السلام : ( لا قود إلا ~~بالسيف ) وبقوله عليه السلام : ( لا يعذب بالنار إلا ربها ) والجواب أن ~~الأحاديث لما تعارضت بقيت دلالة الآيات خالية عن المعارضات والله أعلم . # المسألة الثالثة : اتفقوا على أن هذا القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك ~~التوبة ؛ فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة من الله تعالى وأما إذا كان تائبا ~~فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة وذلك لأن الدلائل دلت على أن ~~التوبة مقبولة قال تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن } ( الشورى : 25 ) ~~وإذا صارت التوبة مقبولة امتنع أن يبقى التائب مستحقا لعقاب ، ولأنه عليه ~~السلام قال : ( التوبة تمحو الحوبة ) فثبت أن شرع القصاص في حق التائب لا ~~يمكن أن يكون عقوبة ثم عند هذا اختلفوا فقال أصحابنا : يفعل الله ما يشاء ~~ولا اعتراض عليه في شيء وقالت المعتزلة إنما شرع ليكون لطفا به ثم سألوا ~~أنفسهم فقالوا : إنه لا تكلف بعد القتل فكيف يكون هذا القتل لطفا به ؟ ~~وأجابوا عنه بأن هذا القتل فيه منفعة لولي المقتول من حيث التشفي ومنفعة ~~لسائر المكلفين من حيث يزجر ms1425 سائر الناس عن القتل ، ومنفعة للقاتل من حيث ~~إنه متى علم أن لا بد وأن يقتل صار ذلك داعيا له إلى الخير وترك الإصرار ~~والتمرد . # / أما قوله تعالى : { عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والانثى بالانثى } ففيه قولان : # القول الأول : إن هذه الآية تقتضي أن لا يكون القصاص مشروعا إلا بين ~~الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين . # واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن الألف واللام في قوله : { الحر } تفيد ~~العموم فقوله : { الحر بالحر } يفيد أن يقتل كل حر بالحر ، فلو كان قتل حر ~~بعبد مشروعا لكان ذلك الحر مقتولا لا بالحر وذلك ينافي إيجاب أن يكون كل حر ~~مقتولا بالحر الثاني : أن الباء من حروف الجر فيكون متعلقا لا محالة بفعل ، ~~فيكون التقدير : الحر يقتل بالحر والمبتدأ لا يكون أعم من الخبر ، بل إما ~~أن يكون مساويا له أو أخص منه ، وعلى التقديرين فهذا يقتضي أن يكون كل حر ~~مقتولا بالحر وذلك ينافي كون حر مقتولا بالعبد الثالث : وهو أنه تعالى أوجب ~~في أول الآية رعاية المماثلة وهو قوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } ~~فلما ذكر عقيبة قوله : { الحر بالحر والعبد بالعبد } دل ذلك على أن رعاية ~~التسوية في الحرية والعبدية معتبرة ، لأن قوله : { الحر بالحر والعبد ~~بالعبد } خرج مخرج التفسير لقوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } وإيجاب ~~القصاص على الحر PageV05P043 بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في هذا ~~المعنى ، فوجب أن لا يكون مشروعا فإن احتج الخصم بقوله تعالى : { وكتبنا ~~عليهم فيها أن النفس بالنفس } ( المائدة : 45 ) فجوابنا أن الترجيح معنا ~~لوجهين أحدهما : أن قوله : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } شرع لمن ~~قبلنا ، والآية التي تمسكنا بها شرع لنا ولا شك أن شرعنا أقوى في الدلالة ~~من شرع من قبلنا وثانيهما : أن الآية التي تمسكنا بها مشتملة على أحكام ~~النفوس على التفصيل والتخصيص ، ولا شك أن الخاص مقدم على العام ، ثم قال ~~أصحاب هذا القول مقتضى ظاهر هذه الآية أن لا يقتل العبد إلا بالعبد ، وأن ~~لا تقتل الأثنى ms1426 إلا بالأنثى ، إلا أنا خالفنا هذا الظاهر لدلالة الاجتماع ، ~~وللمعنى المستنبط من نسق هذه الآية ، وذلك المعنى غير موجود في قتل الحر ~~بالعبد ، فوجب أن يبقى ههنا على ظاهر اللفظ ، أما الإجماع فظاهر ، وأما ~~المعنى المستنبط فهو أنه لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه ~~كان أولى ، بخلاف الحر فإنه لما قتل بالحر لا يلزم أن يقتل بالعبد الذي هو ~~دونه ، وكذا القول في قتل الأثنى بالذكر ، فأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه ~~إلا الإجماع والله أعلم . # القول الثاني : أن قوله تعالى : { الحر بالحر } لا يفيد الحصر ألبتة ، بل ~~يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام ~~، واحتجوا عليه بوجهين الأول : أن قوله : { والانثى بالانثى } يقتضي قصاص ~~المرأة الحرة بالمرأة الرقيقة ، فلو كان قوله : { الحر بالحر والعبد بالعبد ~~} مانعا من ذلك لوقع التناقض الثاني : أن قوله تعالى : { كتب عليكم القصاص ~~في القتلى } جملة تامة مستقلة بنفسها وقوله : { الحر بالحر } تخصيص لبعض ~~جزئيات تلك الجملة بالذكر وإذا تقدم / ذكر الجملة المستقلة كان تخصيص بعض ~~الجزئيات بالذكر لا يمتنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات بل ذلك التخصيص ~~يمكن أن يكون لفوائد سوى نفي الحكم عن سائر الصور / ثم اختلفوا في تلك ~~الفائدة فذكروا فيها وجهين الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أن تلك الفائدة ~~بيان إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية على ما روينا في سبب نزول هذه الآية ~~أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل ، ففائدة التخصيص ~~زجرهم عن ذلك / # واعلم أن للقائلين بالقول الأول أن يقولوا قوله تعالى : { كتب عليكم ~~القصاص في القتلى } هذا يمنع من جواز قتل الحر بالعبد لأن القصاص عبارة عن ~~المساواة ، وقتل الحر بالعبد لم يحصل فيه رعاية المساواة لأنه زائد عليه في ~~الشرف وفي أهلية القضاء والإمامة والشهادة فوجب أن لا يكون مشروعا ، أقصى ~~ما في الباب أنه ترك العمل بهذا النص في قتل العالم بالجاهل والشريف ~~بالخسيس ، إلا أنه يبقى في غير محل الإجماع ms1427 على الأصل ، ثم إن سلمنا أن ~~قوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } يوجب قتل الحر بالعبد ، إلا أنا ~~بينا أن قوله : { الحرب * بالحر والعبد بالعبد } يمنع من جواز قتل الحرب ~~بالعبد ؛ هذا خاص وما قبله عام والخاص مقدم على العام لا سيما إذا كان ~~الخاص متصلا بالعام في اللفظ فإنه يكون جاريا مجرى الاستثناء ولا شك في ~~وجوب تقديمه على العام . # الوجه الثاني : في بيان فائدة التخصيص ما نقله محمد بن جرير الطبري عن ~~علي بن أبي طالب والحسن البصري ، أن هذه الصور هي التي يكتفي فيها بالقصاص ~~، أما في سائر الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعا بين الحر والعبد ، وبين ~~الذكر والأنثى ، فهناك لا يكتفي بالقصاص بل لا بد فيه من التراجع ، وقد ~~شرحنا هذا القول في سبب نزول هذه الآية ، إلا أن كثيرا من المحققين زعموا ~~أن هذا النقل لم يصح عن PageV05P044 علي بن أبي طالب وهو أيضا ضعيف عند ~~النظر لأنه قد ثبت أن الجماعة تقتل بالواحد ولا تراجع ، فكذلك يقتل الذكر ~~بالأنثى ولا تراجع ، ولأن القود نهاية ما يجب في القتل فلا يجوز وجوب غيره ~~معه . # أما قوله تعالى : { فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان } فاعلم أن الذين قالوا : موجب العمد أحد أمرين إما القصاص وإما ~~الدية تمسكوا بهذه الآية وقالوا الآية تدل على أن في هذه القصة عافيا ~~ومعفوا عنه ، وليس ههنا إلى ولي الدم والقاتل ، فيكون العافي أحدهما ولا ~~يجوز أن يكون هو القاتل لأن ظاهر العفو هو إسقاط الحق وذلك إنما يتأتى من ~~الولي الذي له الحق على القتل ، فصار تقدير الآية : فإذا عفي ولي الدم عن ~~شيء يتعلق بالقاتل فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف ، وقوله : { شىء } مبهم ~~فلا بد من حمله على المذكور السابق وهو وجوب القصاص إزالة للإبهام ، فصار ~~تقدير الآية إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب القصاص ، فليتبع القاتل العافي ~~بالمعروف ، وليؤد إليه مالا بإحسان ، وبالإجماع لا يجب أداء غير الدية ، ~~فوجب أن يكون ms1428 / ذلك الواجب هو الدية ، وهذا يدل على أن موجب العمد هو القود ~~أو المال ، ولو لم يكن كذلك لما كان المال واجبا عند العفو عن القود ، ومما ~~يؤكد هذا الوجه قوله تعالى : { ذالك تخفيف من ربكم ورحمة } أي أثبت الخيار ~~لكم في أخذ الدية ، وفي القصاص رحمة من الله عليكم ، لأن الحكم في اليهود ~~حتم القصاص والحكم في النصارى حتم العفو فخف عن هذه الأمة وشرع لهم التخيير ~~بين القصاص والدية ، وذلك تخفيف من الله ورحمة في حق هذه الأمة لأن ولي ~~الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إدا كان محتاجا إلى المال ، وقد يكون ~~القود آثر إذا كان راغبا في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه ، فجعل الخيرة ~~له فيما أحبه رحمة من الله في حقه . # فإن قيل : لا نسلم أن العافي هو ولي الدم وقوله العفو إسقاط الحق وذلك لا ~~يليق إلا بولي الدم . # قلنا : لا نسلم أن العفو هو إسقاط الحق ، بل المراد من قوله : { فمن عفى ~~له من أخيه شىء } أي فمن سهل له من أخيه شيء ، يقال : أتاني هذا المال عفوا ~~صفوا ، أي سهلا ، ويقال : خذ ما عفا ، أي ما سهل ، قال الله تعالى : { خذ ~~العفو } فيكون تقدير الآية : فمن كان من أولياء الدم وسهل له من أخيه الذي ~~هو القاتل شيء من المال فليتبع ولي الدم ذلك القاتل في مطالبة ذلك المال ~~وليؤد القاتل إلى ولي الدم ذلك المال بالإحسان من غير مطل ولا مدافعة ، ~~فيكون معنى الآية على هذا التقدير : إن الله تعالى حث الأولياء إذا دعوا ~~إلى الصلح من الدم على الدية كلها أو بعضها أن يرضوا به ويعفوا عن القود . # سلمنا أن العافي هو ولي الدم ، لكن لم لا يجوز أن يقال : المراد هو أن ~~يكون القصاص مشتركا بين شريكين فيعفو أحدهما فحينئذ ينقلب نصيب الآخر مالا ~~فالله تعالى أمر الشريك الساكت باتباع القاتل بالمعروف ، وأمر القاتل ~~بالأداء إليه بإحسان . # سلمنا أن العافي هو ولي الدم سواء كان له ms1429 شريك أو لم يكن ، لكن لم لا ~~يجوز أن يقال : إن هذا مشروط برضا القاتل ، إلا أنه تعالى لم يذكر رضا ~~القاتل لأنه يكون ثابتا لا محالة لأن الظاهر من كل عامل أنه يبذل كل الدنيا ~~لغرض دفع القتل عن نفسه لأنه إذا قتل لا يبقى له لا النفس ولا المال أما ~~بذل المال ففيه إحياء النفس ، فلما كان هذا الرضا حاصلا في الأعم الأغلب لا ~~جرم ترك ذكره وإن كان معتبرا في النفس الأمر . # والجواب : حمل لفظ العفو في هذه الآية على إسقاط حق القصاص أولى من حمله ~~على أن يبعث PageV05P045 القاتل المال إلى ولي الدم ، وبيانه من وجهين ~~الأول : أن حقيقة العفو إسقاط الحق ، فيجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعا ~~للاشتراك ، وحمل اللفظ في هذه الآية على إسقاط الحق أولى من حمله على ما ~~ذكرتم ، لأنه لما تقدم قوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } كان حمل قوله ~~: { فمن عفى له من أخيه شىء } على إسقاط حق القصاص أولى ، لأن قوله : { شىء ~~} لفظ مبهم / وحمل هذا المبهم على ذلك المعنى الذي هو المذكور السابق أولى ~~الثاني : أنه لو كان المراد بالعفو ما ذكرتم ، لكان قوله : { فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه بإحسان } عبثا لأن بعد وصول المال إليه بالسهولة ~~واليسر لا حاجة به إلى اتباعه ، ولا حاجة بذلك المعطي إلى أن يؤمر بأداء ~~ذلك المال بالإحسان . # وأما السؤال الثاني فمدفوع من وجهين الأول : أن ذلك الكلام إنما يتمشى ~~بفرض صورة مخصوصة ، وهي ما إذا كان حق القصاص مشتركا بين شخصين ثم عفا ~~أحدهما وسكت الآخر ، والآية دالة على شرعية هذا الحكم على الإطلاق ، فحمل ~~اللفظ المطلق على الصورة الخاصة المفيدة خلاف الظاهر والثاني : أن الهاء في ~~قوله : { وأداء إليه بإحسان } ضمير عائد إلى مذكور سابق ، والمذكور السابق ~~هو العافي ، فوجب أداء هذا المال إلى العافي ، وعلى قولكم : يجب أداؤه إلى ~~غير العافي فكان قولكم باطلا . # وأما السؤال الثالث أن شرط الرضا إما أن يكون ممتنع الزوال ، أو كان ممكن ms1430 ~~الزوال ، فإن كان ممتنع الزوال ، فوجب أن يكون مكنة أخذ الدية ثابتة لولي ~~الدم على الإطلاق ، وإن كان ممكن الزوال كان تقييد اللفظ بهذا الشرط الذي ~~ما دلت الآية على اعتباره مخالفة للظاهر وأنه غير جائز ولما تلخص هذا البحث ~~فنقول : الآية بقيت فيها أبحاث لفظية نذكرها في معرض السؤال والجواب . # البحث الأول : كيف تركيب قوله : { فمن عفى له من أخيه شىء } . # الجواب : تقديره : فمن له من أخيه شيء من العفو ، وهو كقوله : سير بزيد ~~بعض السير وطائفة من السير . # البحث الثاني : أن { عفى } يتعدى بعن لا باللام / فما وجه قوله : { فمن ~~عفى له } . # الجواب : أنه يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب ، فيقال عفوت عن فلان وعن ~~ذنبه قال الله تعالى : { عفا الله عنك } ( التوبة : 43 ) فإذا تعدى إلى ~~الذنب قيل : عفوت عن فلان عما جنتى ، كما تقول : عفوت له عن ذنبه ، وتجاوزت ~~له عنه ، وعليه هذه الآية ، كأنه قيل : فمن عفى له من جنايته ، فاستغنى عن ~~ذكر الجناية . # البحث الثالث : لم قيل شيء من العفو ؟ . # والجواب : من وجهين أحدهما : أن هذا إنمايشكل إذا كان الحق ليس إلا القود ~~فقط ، فحينئذ يقال : القود لا يتبعض فلا يبقى لقوله : { شىء } فائدة ، أما ~~إذا كان مجموع حقه إما القود وإما المال كان مجموع حقه متبعضا لأن له أن ~~يعفو عن القود دون المال ، وله أن يعفو عن الكل ، فلما كان الأمر كذلك جاز ~~أن يقول { فمن عفى له من أخيه شىء } . # والجواب الثاني : أن تنكير الشيء يفيد فائدة عظيمة ، لأنه يجوز أن يتوهم ~~أن العفو لا يؤثر / في سقوط القود ، إلا أن يكون عفوا عن جميعه ، فبين ~~تعالى أن العفو عن جزئه كالعفو عن كله في سقوط القود ، وعفو PageV05P046 ~~بعض الأولياء عن حقه ، كعفو جميعهم عن خلقهم ، فلو عرف الشيء كان لا يفهم ~~منه ذلك ، فلما نكره صار هذا المعنى مفهوما منه ، فلذلك قال تعالى : { فمن ~~عفى له من أخيه شىء } . # البحث الرابع : بأي معنى أثبت الله وصف الأخوة . # والجواب : قيل : إن ms1431 ابن عباس تمسك بهذه الآية في بيان كون الفاسق مؤمنا ~~من ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى سماه مؤمنا حال ما وجب القصاص عليه ، ~~وإنما وجب القصاص عليه إذا صدر عنه القتل العمد العدوان وهو بالإجماع من ~~الكبائر ، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن والثاني : أنه تعالى أثبت ~~الأخوة بين القاتل وبين ولي الذم ، ولا شك أن هذه الأخوة تكون بسبب الدين ، ~~لقوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } فلولا أن الإيمان باق مع الفسق وإلا ~~لما بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان الثالث : أنه تعالى ندب إلى العفو عن ~~القاتل ، والندب إلى العفو إنما يليق بالمؤمن ، أجابت المعتزلة عن الوجه ~~الأول فقالوا : إن قلنا المخاطب بقوله : { كتب عليكم القصاص في القتلى } هم ~~الأئمة فالسؤال زائل ، وإن قلنا : إنهم هم القاتلون فجوابه من وجهين أحدهما ~~: أن القتال قبل إقدامه على القاتل كان مؤمنا ، فسماه الله تعالى مؤمنا ~~بهذا التأويل والثاني : أن القتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمنا ، ثم إنه ~~تعالى أدخل فيه غير التائب على سبيل التغليب . # وأما الوجه الثاني : وهو ذكر الأخوة ، فأجابوا عنه من وجوه الأول : أن ~~الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحدا ، ولا شك أن المؤمنين إخوة قبل الإقدام ~~على القتل والثاني : الظاهر أن الفاسق يتوب ، وعلى هذا التقدير يكون ولي ~~المقتول أخا له والثالث : يجوز أن يكون جعله أخا له في النسب كقوله تعالى : ~~{ وإلى عاد أخاهم هودا } والرابع : أنه حصل بين ولي الدم وبين القاتل تعلق ~~واختصاص ، وهذا القدر يكفي في إطلاق اسم الأخوة ، كم تقول للرجل ، قل ~~لصاحبك كذا إذا كان بينهما أدنى تعلق والخامس : ذكره بلفظ الأخوة ليعطف ~~أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية في الإقرار والاعتقاد ~~. # والجواب : أن هذه الوجوه بأسرها تقتضي تقييد الأخوة بزمان دون زمان ، ~~وبصفة دون صفة ، والله تعالى أثبت الأخوة على الإطلاق . # وأما قوله تعالى : { فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } ففيه أبحاث : # البحث الأول : قوله : { فاتباع بالمعروف } رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف ~~وتقديره : فحكمه اتباع ms1432 ، أو هو مبتدأ خبره محذوف تقديره : فعليه اتباع ~~بالمعروف . # البحث الثاني : قيل : على العافي الاتباع بالمعروف ، وعلى المعفو عنه ~~أداء بإحسان ، عن ابن / عباس والحسن وقتادة ومجاهد ، وقيل : هما على المعفو ~~عنه فإنه يتبع عفو العافي بمعروف ، ويؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان . # البحث الثالث : الاتباع بالمعروف أن لا يشدد بالمطالبة ، بل يجرى فيها ~~على العادة المألوفة فإن كان معسرا فالنظرة ، وإن كان واجدا لعين المال ~~فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق ، وإن كان واجدا لغير المال الواجب ، ~~فالإمهال إلى أن يبتاع ويستبدل ، وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم ~~من الواجبات ، فأما PageV05P047 الأداء بإحسان فالمراد به أن لا يدعي ~~الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود ، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه ~~، وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل . # أما قوله تعالى : { ذالك تخفيف من ربكم ورحمة } ففيه وجوه أحدها : أن ~~المراد بقوله : { ذالك } أي الحكم بشرع القصاص والدية تخفيف في حقكم ، لأن ~~العفو وأخذ الدية محرمان على أهل التوراة والقصاص مكتوب عليهم ألبتة ~~والقصاص والدية محرمان على أهل الإنجيل والعفو مكتوب عليهم وهذه الأمة ~~مخيرة بين القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيرا ، وهذا قول ابن عباس ، ~~وثانيها : أن قوله : { ذالك } راجع إلى قوله : { فاتباع بالمعروف وأداء ~~إليه بإحسان } . # أما قوله : { فمن اعتدى بعد ذالك } التخفيف يعني جاوز الحد إلى ما هو ~~أكثر منه قال ابن عباس والحسن : المراد أن لا يقتل بعد العفو والدية ، وذلك ~~لأن أهل الجاهلية إذا عفوا وأخذوا الدية ، ثم ظفوا بعد ذلك بالقاتل قتلوه ، ~~فنهى الله عن ذلك وقيل المراد : أن يقتل غير قاتله ، أو أكثر من قاتله أو ~~طلب أكثر مما وجب له من الدية أو جاوز الحد بعد ما بين له كيفية القصاص ~~ويجب أن يحمل على الجميع لعموم اللفظ ( فله عذاب أليم ) وفيه قولان أحدهما ~~: وهو المشهور أنه نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة والثاني : روي عن ~~قتادة أن العذاب الأليم هو أن يقتل لا محالة ms1433 ولا يعفى عنه ولا يقبل الدية ~~منه لقوله عليه السلام : ( لا أعافي أحدا قتل بعد أن أخذ الدية ) وهو ~~المروي عن الحسن وسعيد بن جبير وهذا القول ضعيف لوجوه أحدها : أن المفهوم ~~من العذاب الأليم عند الإطلاق هو عذاب الآخرة وثانيها : أنا بينا أن القود ~~تارة يكون عذابا وتارة يكون امتحانا ، كما في حق التائب فلا يصح إطلاق اسم ~~العذاب عليه إلا في وجه دون وجه وثالثها : أن القاتل لمن عفي عنه لا يجوز ~~أن يختص بأن لا يمكن ولي الدم من العفو عنه لأن ذلك حق ولي الدم فله إسقاطه ~~قياسا على تمكنه من إسقاط سائر الحقوق والله أعلم . # ! 7 < { ولكم في القصاص حيواة ياأولي الألباب لعلكم تتقون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 179 ) ولكم في القصاص . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أوجب في الآية المتقدمة القصاص وكان ~~القصاص من باب الإيلام توجه فيه سؤال وهو أن يقال كيف يليق بكمال رحمته ~~إيلام العبد الضعيف ؟ فلأجل دفع هذا السؤال ذكر عقيبه حكمة شرع القصاص فقال ~~: { ولكم في القصاص حيواة } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في الآية وجوه الأول : أنه ليس المراد من هذه الآية أن ~~نفس القصاص حياة لأن القصاص إزالة للحياة وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ~~ذلك الشيء ، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن ~~يكون قاتلا ، وفي حق من يراد جعله مقتولا وفي حق غيرهما أيضا ، أما في حق ~~من يريد أن يكون قاتلا فلأنه إذا علم أنه لو قتل قتل ترك القتل فلا يقتل ~~فيبقى حيا ، وأما في حق من يراد جعله مقتولا فلأن من أراد قتله إذا خاف من ~~القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول ، وأما في حق غيرهما فلأن في شرع القصاص ~~بقاء من هم بالقتل ، أو من يهم به وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما ، لأن ~~الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من ~~الناس وفي تصور كون القصاص مشروعا PageV05P048 زوال كل ذلك وفي ms1434 زواله حياة ~~الكل . # الوجه الثاني : في تفسير الآية أن المراد منها أن نفس القصاص سبب الحياة ~~وذلك لأن سافك الدم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل ، فكان ~~القصاص نفسه سببا للحياة من هذا الوجه ، واعلم أن الوجه الذي ذكرناه غير ~~مخص بالقصاص الذي هو القتل ، يدخل فيه القصاص في الجوارح والشجاج وذلك لأنه ~~إذا علم أنه إن جرح عدوه اقتص منه زجره ذلك عن الإقدام فيصير سببا لبقائهما ~~لأن المجروح لا يؤمن فيه الموت وكذلك الجارح إذا اقتص منه وأيضا فالشجة ~~والجراحة التي لا قود فيها داخلة تحت الآية لأن الجارح لا يأمن أن تؤدى ~~جراحته إلى زهوق النفس فيلزم القود ، فخوف القصاص حاصل في النفس . # الوجه الثالث : أن المراد من القصاص إيجاب التسوية فيكون المراد أن في ~~إيجاب التسوية حياة لغير القاتل ، لأنه لا يقتل غير القاتل بخلاف ما يفعله ~~أهل الجاهلية وهو قول السدي . # والوجه الرابع : قرأ أبو الجوزاء { ولكم في القصاص حيواة } أي فيما قص ~~عليكم من حكم القتل والقصاص وقيل : { القصاص } القرآن ، أي لكم في القرآن ~~حياة للقلوب كقوله : { روحا من أمرنا * ويحيى من حى عن بينة } والله أعلم . # المسألة الثانية : اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع ~~المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات ، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا ~~المعنى بألفاظ كثير ، كقولهم : قتل البعض إحياء للجميع ، وقول آخرين : ~~أكثروا القتل ليقل القتل ، وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم ~~: القتل أنفى للقتل ، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا ، وبيان التفاوت من ~~وجوه : أحدها : أن قوله : { ولكم في القصاص حيواة } أخصر من الكل ، لأن ~~قوله : { ولكم } لا يدخل في / هذا الباب ، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك ~~، لأن قول القائل : قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله ، ~~وكذلك في قولهم : القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله : { في القصاص ~~حيواة } أشد اختصارا من قولهم : القتل أنفى للقتل وثانيها : أن ms1435 قولهم : ~~القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سببا لانتفاء نفسه وهو محال ، ~~وقوله : { في القصاص حيواة } ليس كذلك ، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو ~~القصاص ، ثم ما جعله سببا لمطلق الحاية لأنه ذكر الحياة منكرة / بل جعله ~~سببا لنوع من أنواع اللحياة وثالثها : أن قولهم القتل أنفى للقتل ، فيه ~~تكرار للفظ القتل وليس قوله : { في القصاص حيواة } كذلك ورابعها : أن قول ~~القائل : القتل أنفى للقتل . لا يفيد إلا الردع عن القتل ، وقوله : { في ~~القصاص حيواة } يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد ~~وخامسها : أن نفي القتل مطلوب تبعا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة ، وأما ~~الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي ، فكان هذا أولى وسادسها ~~: أن القتل ظلما قتل ، مع أنه لا يكون نافيا للقتل بل هو سبب لزيادة القتل ~~، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص ، فظاهر قولهم باطل ~~، أما الآية فهي صحيحة ظاهرا وتقديرا ، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام ~~العرب . # المسألة الثانية : احتجت المعتزلة بهذه الآية على فساد قول أهل السنة في ~~قولهم : إن المقتول لو لم يقتل لوجب أن يموت . فقالوا إذا كان الذي يقتل ~~يجب أن يموت لو لم يقتل ، فهب أن شرع القصاص يزجر من يريد أن يكون قاتلا عن ~~الإقدام على القتل ، لكن ذلك الإنسان يموت سواء قتله هذا القاتل أو لم ~~يقتله ، PageV05P049 فحينئذ لا يكون شرع القصاص مفضيا إلى حصول الحياة . # فإن قيل : أنا إنما نقول فيمن قتل لو لم يقتل كان يموت لا فيمن أريد قتله ~~ولم يقتل فلا يلزم ما قلتم ، قلنا أليس إنما يقال فيمن قتل لو لم يقتل كيف ~~يكون حاله ؟ فإذا قلتم : كان يموت فقد حكمتم في أن من حق كل وقت صح وقوع ~~قتله أن يكون موته كقتله ، وذلك يصحح ما ألزمناكم لأنه لا بد من أن يكون ~~على قولكم المعلوم أنه لو لم يقتله إما لأن منعه مانع عن القتل ، أو بأن ~~خاف قتله أنه ms1436 كان يموت وفي ذلك صحة ما ألزمناكم ، هذا كله ألفاظ القاضي . # أما قوله تعالى : { واتقون يأولي الالباب } فالمراد به العقلاء الذين ~~يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف ، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم ~~، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعا لهم لأن العاقل لا يريد إتلاف ~~غيره بإتلاف نفسه فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكف والامتناع ، إلا أن هذا ~~الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن له عقل يهديه إلى هذا الفكر فمن ~~لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف ، فلهذا السبب خص الله ~~سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب . # / وأما قوله تعالى : { لعلكم تتقون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : لفظة { لعل } للترجي ، وذلك إنما يصح في حق من لم يكن ~~عالما بجميع المعلومات ، وجوابه ما سبق في قوله تعالى : { قدير ياأيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } ( البقرة : 21 ~~) . # المسألة الثانية : قال الجبائي : هذا يدل على أنه تعالى أراد من الكل ~~التقوى ، سواء كان في المعلوم أنهم يتقون أو لا يتقون بخلاف قول المجبرة ، ~~وقد سبق جوابه أيضا في تلك الآية . # المسألة الثالثة : في تفسير الآية قولان أحدهما : قول الحسن والأصم أن ~~المراد لعلكم تتقون نفس القتل بخوف القصاص والثاني : أن المراد هو التقوى ~~من كل الوجوه وليس في الآية تخصيص للتقوى ، فحمله على الكل أولى : ومعلوم ~~أن الله تعالى إنما كتب على العباد الأمور الشاقة من القصاص وغيره لأجل أن ~~يتقوا النار باجتناب المعاصي ويكفوا عنها ، فإذا كان هذا هو المقصود الأصلي ~~وجب حمل الكلام عليه . # الحكم الخامس # ! 7 < { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والا ~~قربين بالمعروف حقا على المتقين } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 180 ) كتب عليكم إذا . . . . . # > > # اعلم أن قوله تعالى : { كتب عليكم } يقتضي الوجوب على ما بيناه ، أما ~~قوله : { إذا حضر أحدكم الموت } فليس المراد منه معاينة الموت ، لأن في ذلك ~~الوقت يكون عاجزا عن الإيصاء ثم ذكروا في تفسيره PageV05P050 وجهين الأول : ~~وهو اختيار ms1437 الأكثرين أن المراد حضور أمارة الموت ، وهو المرض المخوف وذلك ~~ظاهر في اللغة ، يقال فيمن يخاف عليه الموت : إنه قد حضره الموت كما يقال ~~لمن قارب البلد إنه قد وصل والثاني : قول الأصم أن المراد فرض عليكم الوصية ~~في حالة الصحة بأن تقولوا : إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي : ~~والقول الأول أولى لوجهين أحدهما : أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت ~~جاز والثاني : أن ما ذكرناه هو الظاهر ، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام ~~على غيره . # أما قوله { إن ترك خيرا } ( العايات : 8 ) فلا خلاف أنه المال ههنا ~~والخير يراد به المال في كثير من القرآن / كقوله : { وما تنفقوا من خير } ( ~~البقرة : 272 ) { وإنه لحب الخير } ( العاديات : 8 ) { من خير فقير } وإذا ~~عرفت هذا فنقول : ههنا قولان : أحدهما : أنه لا فرق بين القليل والكثير ، ~~وهو قول الزهري ، فالوصية واجبة في الكل ، واحتج عليه بوجهين : { الاول } ~~أن الله تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيرا ، والمال القليل خير ، يدل ~~عليه القرآن والمعقول ، أما القرآن فقوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 8 ) وأيضا قوله ~~تعالى : { لما أنزلت إلى من خير فقير } وأما المعقول فهو أن الخير ما ينتفع ~~به ، والمال القليل كذلك فيكون خيرا . # الحجة الثانية : أن الله تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال ~~قل أم كثر ، بدليل قوله تعالى : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون ~~وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا } ~~( النساء : 7 ) فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية . # والقول الثاني : وهو أن لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير ، ~~واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن من ترك درهما لا يقال : إنه ترك خيرا ، كما ~~يقال : فلان ذو مال ، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة ، وإن ~~كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير ~~، وكذلك إذا قيل : فلان ms1438 في نعمة ، وفي رفاهية من العيش . فإنما يراد به ~~تكثير النعمة ، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله ، وهذا باب من المجاز ~~مشهور وهو نفي الاسم عن الشيء لنقصه ، كما قد روي من قوله : ( لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد ) وقوله : ( ليس بمؤمن من باب شبعانا وجاره جائع ) ~~ونحو هذا . # الحجة الثالثة : لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك ، سواء كان قليلا ، ~~أو كثيرا ، لما كان التقييد بقوله : { إن ترك خيرا } كلاما مفيدا ، لأن كل ~~أحد لا بد وأن يترك شيئا ما ، قليلا كان أو كثيرا ، أما الذي يموت عريانا ~~ولا يبقى معه كسرة خبر ، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته ، فذاك في ~~غاية الندرة ، فإذا ثبت أن المراد ههنا من الخير المال الكثير ، فذاك المال ~~هل هو مقدر بمقدار معين محدود أم لا فيه قولان : # القول الأول : أنه مقدر بمقدار معين ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا / ~~فروي عن علي رضي الله عنه أنه دخل على مولى لهم في الموت ، وله سبعمائة ~~درهم ، فقال أولا أوصي ، قال لها : لا إنما قال الله تعالى : { إن ترك خيرا ~~} وليس لك كثير مال ، وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال : إني أريد أن ~~أوصي ، قالت : كم مالك ؟ قال ثلاثة آلاف ، قالت : كم عيالك ؟ قال أربعة ~~قالت : قال الله { إن ترك خيرا } وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل ~~، وعن ابن عباس إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصي ~~وعن قتادة ألف درهم ، وعن النخعي من ألف وخمسمائة درهم . PageV05P051 # والقول الثاني : أنه غير مقدر بمقدار معين . بل يختلف دلك باختلاف حال ~~الرجال ، لأن / بمقدار من المال يوصف المرء بأنه غني ، وبذلك القدر لا يوصف ~~غيره بالغني لأجل كثرة العيال وكثرة النفقة ، ولا يمتنع في الإيجاب أن يكون ~~متعلقا بمقدار مقدر بحسب الاجتهاد ، فليس لأحد أن يجعل فقد البيان في مقدار ~~المال دلالة على أن هذه الوصية لم تجب فيها قط بأن يقول لو ms1439 وجبت لوجب أن ~~يقدر المال الواجب فيها . # أما قوله : { الوصية } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : إنما قال : { كتاب } لأنه أراد بالوصية الإيصاء ، ولذلك ~~ذكر الضمير في قوله : { فمن بدله بعدما سمعه } ( البقرة : 181 ) وأيضا إنما ~~ذكر للفصل بين الفعل والوصية ، لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث ~~والفعل ، كالعوض من تاء التأنيث ، والعرب تقول حضر القاضي امرأة ، فيذكرون ~~لأن القاضي بين الفعل وبين المرأة . # المسألة الثانية : رفع الوصية من وجهين أحدهما : على ما لم يسم فاعله ~~والثاني : على أن يكون مبتدأ وللوالدين الخبر ، وتكون الجملة في موضع رفع ~~بكتب ، كما تقول قيل عبد الله قائم ، فقولك عبد الله قائم جملة مركبة من ~~تبدأ وخبر ، والجملة في موضع رفع بقيل . # أما قوله : { للوالدين والاقربين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى لما بين أن الوصية واجبة ، بين بعد ~~ذلك أنها واجبة لمن فقال : للوالدين والأقربين ، وفيه وجهان : الأول : قال ~~الأصم : إنهم كانوا يوصون للأبعدين طلبا للفخر والشرف ، ويتركون الأقارب في ~~الفقر والمسكنة ، فأوجب الله تعالى في أول الإسلام الوصية لهؤلاء منعا ~~للقوم عما كانوا اعتادوه وهذا بين الثاني : قال آخرون إن إيجاب هذه الوصية ~~لما كان قبل آية المواريث ، جعل الله الخيار إلى الموصي في ماله وألزمه أن ~~لا يتعدى في إخراجه ماله بعد موته عن الوالدان والأقربين فيكون واصلا إليهم ~~بتمليكه واختياره ، ولذلك لما نزلت آية المواريث قال عليه الصلاة والسلام : ~~( إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ) فبين أن ما تقدم كان ~~واصلا إليهم بعطية الموصي ، فأما الآن فالله تعالى قدر لكل ذي حق حقه ، وأن ~~عطية الله أولى من عطية الموصي ، وإذا كان كذلك فلا وصية لوارث ألبتة ، ~~فعلى هذا الوجه كانت الوصية من قبل واجبة للوالدين والأقربين . # المسألة الثانية : اختلفوا في قوله : { والاقربين } من هم ؟ فقال قائلون ~~: هم الأولاد فعلى هذا أمر الله تعالى بالوصية للوالدين والأولاد وهو قول ~~عبد الرحمن بن زيد عن أبيه . # والقول الثاني : وهو قول ابن عباس ومجاهد ms1440 أن المراد من الأقربين من عدا ~~الوالدين . # والقول الثالث : أنهم جميع القرابات من يرث منهم ومن لا يرث وهذا معنى ~~قول من أوجب الوصية للقرابة ، ثم رآها منسوخة . # / والقول الرابع : هم من لا يرثون من الرجل من أقاربه ، فأما الوارثون ~~فهم خارجون عن اللفظ ، أما قوله : { بالمعروف } فيحتمل أن يكون المراد منه ~~قدر ما يوصى به ، ويحتمل أن يكون المراد منه تمييز من يوصى له من الأقربين ~~ممن لا يوصى / لأن كلا الوجهين يدخل في المعروف ، فكأنه تعالى أمره في ~~الوصية أن يسلك PageV05P052 الطريق الجميلة ، فإذا فاضل بينهم ، فبالمعروف ~~وإذا سوى فكمثل ، وإذا حرم البعض فكمثل لأنه لو حرم الفقير وأوصى للغني لم ~~يكن ذلك معروفا ، ولو سوى بين الوالدين مع عظم حقهما وبين بني العم لم يكن ~~معروفا ، ولو أوصى لأولاد الجد البعيد مع حضور الأخوة لم يكن ما يأتيه ~~معروفا فالله تعالى كلفه الوصية على طريقة جميلة خالية عن شوائب الإيحاش ~~وذلك من باب ما يعلم بالعادة فليس لأحد أن يقول : لو كانت الوصية واجبة لم ~~يشترط تعالى فيه هذا الشرط ، الذي لا يمكن الوقوف عليه لما بينا . # أما قوله تعالى : { حقا على المتقين } فزيادة في توكيد وجوبه ، فقوله : { ~~حقا } مصدر مؤكد ، أي حق ذلك حقا ، فإن قيل : ظاهر هذا الكلام يقتضي تخصيص ~~هذا التكليف بالمتقين دون غيرهم . # فالجواب : من وجهين الأول : أن المراد بقوله : { حقا على المتقين } أنه ~~لازم لمن آثر التقوى ، وتحراه وجعله طريقة له ومذهبا فيدخل الكل فيه الثاني ~~: أن هذه الآية تقتضي وجوب هذا المعنى على المتقين والإجماع دل على أن ~~الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين ، وغيرهم ، فبهذا الطريق يدخل الكل ~~تحت هذا التكليف ؛ فهذا جملة ما يتعلق بتفسير هذه الآية . # واعلم أن الناس اختلفوا في هذه الوصية ، منهم من قال : كانت واجبة ومنهم ~~من قال : كانت ندبا واحتج الأولون بقوله : { كتاب } وبقوله : { عليكم } ~~وكلا اللفظين ينبىء عن الوجوب ، ثم إنه تعالى أكد ذلك الإيجاب بقوله : { ~~حقا على المتقين } وهؤلاء اختلفوا منهم من ms1441 قال هذه الآية صارت منسوخة ، ~~ومنهم من قال إنها ما صارت منسوخة ، وهذا اختيار أبي مسلم الأصفهاني ، ~~وتقرير قوله من وجوه أحدها : أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث ~~ومعناها كتب عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين من ~~قوله تعالى : { يوصيكم الله فى أولادكم } ( النساء : 11 ) أو كتب على ~~المختصر أن يوصيكم للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم ~~وأن لا ينقص من أنصباتهم وثانيها : أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث ~~للاقرباء مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى والوصية عطية ممن ~~حضره الموت ، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين وثالثها : ~~لو قدرنا حصول المنافاة لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية وذلك ~~لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين ، ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ~~ويبقى القريب الذي لا يكون وارثا داخلا تحت هذه الآية ، وذلك لأن من ~~الوالدين من يرث ، ومنهم من لا يرث ، وذلك بسبب اختلاف الدين والرق والقتل ~~ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة من لا يرث بهذه الأسباب الحاجبة ~~ومنهم من يسقط / في حال ويثبت في حال ، إذا كان في الواقعة من هو أولى ~~بالميراث منهم ، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم فكل من كان من ~~هؤلاء وارثا لم يجز الوصية له ، ومن لم يكن وارثا جازت الوصية له لأجل صلة ~~الرحم ، فقد أكد الله تعالى ذلك بقوله : { واتقوا الله الذى تساءلون به ~~والارحام } ( النساء : 1 ) وبقوله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ~~ذى القربى } ( النحل : 90 ) فهذا تقرير مذهب أبي مسلم في هذا الباب . أما ~~القائلون بأن الآية منسوخة فيتوجه تفريعا على هذا المذهب أبحاث : # البحث الأول : اختلفوا في أنها بأي دليل صارت منسوخة ؟ وذكروا وجوها ~~أحدهما : أنها صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه ~~فقط وهذا بعيد لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوب قدر آخر بالوصية ~~وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص ms1442 لا النسخ بأن يقول قائل : إنه لا بد وأن تكون ~~منسوخة PageV05P053 فيمن لم يختلف إلا الوالدين من حيث يصير كل المال حقا ~~لهما بسبب الإرث فلا يبقى للوصية شيء إلا أن هذا تخصيص لا نسخ وثانيها : ~~أنها صارت منسوخة بقوله عليه السلام : ( ألا لا وصية لوارث ) وهذا أقرب إلا ~~أن الإشكال فيه أن هذا خبر واحد فلا يجوز نسخ القرآن به ، وأجيب عن هذا ~~السؤال بأن هذا الخبر وإن كان خبر واحد إلا أن الأئمة تلقته بالقبول فالتحق ~~بالمتواتر . # ولقائل أن يقول : يدعى أن الأئمة تلقته بالقبول على وجه الظن أو على وجه ~~القطع ، والأول مسلم إلا أن ذلك يكون إجماعا منهم على أنه خبر واحد ، فلا ~~يجوز نسخ القرآن به والثاني ممنوع لأنهم لو قطعوا بصحته مع أنه من باب ~~الآحاد لكانوا قد أجمعوا على الخطأ وأنه غير جائز وثالثها أنها صارت منسوخة ~~بالإجماع والإجماع لا يجوز أن ينسخ به القرآن . لأن الإجماع يدل على أنه ~~كان الدليل الناسخ موجودا إلا أنهم اكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل ، ~~ولقائل أن يقول : لما ثبت أن في الأمة من أنكر وقوع هذا النسخ فكيف يدعى ~~انعقاد الإجماع على حصول النسخ ؟ ورابعها : أنها صارت منسوخة بدليل قياسي ~~وهو أن نقول : هذه الوصية لو كانت واجبة لكان عندما لم توجد هذه الوصية وجب ~~أن لا يسقط حق هؤلاء الأقربين قياسا على الديون التي لا توجد الوصية بها ~~لكن عندما لم توجد الوصية لهؤلاء الأقربين لا يستحقون شيئا ، بدليل قوله ~~تعالى في آية المواريث : { من بعد وصية يوصى بها أو دين } ( النساء : 11 ) ~~وظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم تكن وصية ولا دين ، فالمال أجمع مصروف إلى ~~أهل الميراث ، ولقائل أن يقول : نسخ القرآن بالقياس غير جائز والله أعلم . # البحث الثاني : القائلون بأن هذه الآية صارت منسوخة اختلفوا على قولين ~~منهم من قال : إنها صارت منسوخة في حق من يرث وفي حق من لا يرث وهو قول ~~أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء ، ومنهم من ms1443 قال : إنها منسوخة فيمن ~~يرث ثابتة فيمن لا يرث ، وهو مذهب ابن عباس / والحسن البصري ومسروق وطاوس ~~والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد حتى قال الضحاك : من مات من غير أن ~~يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية ، وقال طاوس : إن أوصى للأجانب وترك ~~الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب ، فعند هؤلاء أن هذه الآية بقيت دالة على ~~وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثا ، وحجة هؤلاء من وجهين : # الحجة الأولى : أن هذه الآية دالة على وجوب الوصية للقريب ترك العمل به ~~في حق الوارث القريب ، إما بآية المواريث وإما بقوله عليه الصلاة والسلام : ~~( ألا لا وصية لوارث ) أو بالإجماع على أنه لا وصية للوارث ، وههنا الإجماع ~~غير موجود مع ظهور الخلاف فيه قديما وحديثا ، فوجب أن تبقى الآية دالة على ~~وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثا . # الحجة الثانية : قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما حق أمرىء مسلم له مال ~~أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ) وأجمعنا على أن الوصية لغير ~~الأقارب غير واجبة ، فوجب أن تكون هذه الوصية الواجبة مختصة بالأقارب ، ~~وصارت السنة مؤكدة للقرآن في وجوب هذه الوصية . # وأما الجمهور القائلون بأن هذه الآية صارت منسوخة في حق القريب الذي لا ~~يكون وارثا فأجود ما لهم التمسك بقوله تعالى : { من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين } وقد ذكرنا تقريره فيما قبل . # البحث الثالث : القائلون بأن هذه الآية ما صارت منسوخة في حق القريب الذي ~~لا يكون وارثا ، PageV05P054 اختلفوا في موضعين الأول : نقل عن ابن مسعود ~~أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء ، وقال الحسن البصري : هم ~~الأغنياء سواء الثاني : روي عن الحسن وخالد بن زيد وعبد الملك بن يعلى أنهم ~~قالوا فيمن يوصي لغير قرابته وله قرابة لا ترثه : يجعل ثلثي الثلث لذوي ~~القرابة وثلث الثلث لمن أوصي له وعن طاوس أن الأقارب إن كانوا محتاجين ~~انتزعت الوصية من الأجانب وردت إلى الأقارب والله أعلم . # ! 7 < { فمن بدله بعدما سمعه فإنمآ إثمه على الذين يبدلونه إن ms1444 الله سميع ~~عليم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 181 ) فمن بدله بعد . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر أمر الوصية ووجوبها ، وعظم أمرها ، أتبعه بما ~~يجري مجرى الوعيد في تغييرها . # أما قوله تعالى : { فمن بدله } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا المبدل من هو ؟ فيه قولان أحدهما : وهو المشهور أنه ~~هو الوصي / أو الشاهد أو سائر الناس ، أما الوصي فبأن يغير الوصي الوصية ~~إما في الكتابة وإما في قسمة الحقوق وأما الشاهد فبأن يغير شهادة أو يكتمها ~~، وأما غير الوصي والشاهد فبأن يمنعوا من وصل ذلك المال إلى مستحقه ، ~~فهؤلاء كلهم داخلوا تحت قوله تعالى : { فمن بدله } . # والقول الثاني : أن المنهى عن التغيير هو الموصي نهى عن تغيير الوصية عن ~~المواضع التي بين الله تعالى بالوصية إليها وذلك لأنا بينا أنهم كانوا في ~~الجاهلية يوصون للأجانب ويتركون الأقارب في الجوع والضر ، فالله تعالى ~~أمرهم بالوصية للأقربين ، ثم زجر بقوله : { فمن بدله بعدما * ما * سمعه } ~~من أعرض عن هذا التكليف . # المسألة الثانية : الكناية في قوله : { فمن بدله } عائد إلى الوصية ، مع ~~أن الكناية المذكورة مذكرة والوصية مؤنثة ، وذكروا فيه وجوها أحدها : أن ~~الوصية بمعنى الإيصاء ودالة عليه ، كقوله تعالى : { فمن جاءه موعظة } ( ~~البقرة : 275 ) أي وعظ ، والتقدير : فمن بدل ما قاله الميت ، أو ما أوصى به ~~أو سمعه عنه وثانيها : قيل الهاء راجعة إلى الحكم والفرض والتقدير فمن بدل ~~الأمر المقدم ذكره وثالثها : أن الضمير عائد إلى ما أوصى به الميت فلذلك ~~ذكره ، وإن كانت الوصية مؤنثة ورابعها : أن الكناية تعود إلى معنى الوصية ~~وهو قول أو فعل وخامسها : أن تأنيث الوصية ليس بالحقيقي فيجوز أن يكنى عنها ~~بكناية المذكر . # أما قوله : { بعدما سمعه } فهو يدل على أن الإثم إنما يثبت أو يعظم بشرط ~~أن يكون المبدل قد علم ذلك ، لأنه لا معنى للسماع لو لم يقع العلم به ، ~~فصار إثبات سماعه كإثبات علمه . # أما قوله : { فإنما إثمه على الذين يبدلونه } فاعلم أن كلمة { إنما } ~~للحصر والضمير في قوله : { إثمه } عائد إلى التبديل ، والمعنى : أن إثم ms1445 ذلك ~~التبديل لا يعود إلا إلى المبدل ، وقد تقدم بيان أن المبدل من هو . # واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أحكام أحدها : أن الطفل لا يعذب ~~على كفر أبيه وثانيها : أن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه ، ثم إن ~~الوارث قصر فيه بأن لا يقضي دينه فإن الإنسان الميت لا يعذب PageV05P055 ~~بسبب تقصير ذلك الوارث خلافا لبعض الجهال وثالثها : أن الميت لا يعذب ببكاء ~~غيره عليه ، وذلك لأن هذه الآية دالة على أن إثم التبديل لا يعود إلا إلى ~~المبدل ، فإن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره وتتأكد دلالة هذه الآية ~~بقوله تعالى : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( ~~البقرة : 164 ) { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } ( الجاثية : 15 ، ~~فصلت : 46 ) { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) . # المسألة الثالثة : إذا أوصى للأجانب ، وفي الأقارب من تشتد حاجته هل يجوز ~~للوصي تغيير الوصية أما من يقول بوجوب الوصية لمن لا يرث من الوالدين ~~والأقربين اختلفوا فيه ، / فمنهم من قال : كانت الوصية للأقارب واجبة عليه ~~، فإذا لم يفعل وصرف الوصية إلى الأجانب كان ذلك الأجنبي أحق به ، ومنهم من ~~قال : ينقض ذلك ويرد إلى الأقربين وقد ذكرنا تفصيل قول هؤلاء / أما من لا ~~يوجب الوصية للقريب الذي لا يرث ، فإما أن يكون ذلك بالثلث أو بأكثر من ~~الثلث ، فإن كان بالثلث فهو جائز ولا يجوز تغييره ، ثم اختلفوا في المستحب ~~، فكان الحسن يقول : المستحب هو النقصان من الثلث ، لأنه عليه الصلاة ~~والسلام قال : ( الثلث والثلث كثير ) فندب إلى النقصان ، ومنهم من قال : بل ~~الثلث مستحب ، لأنه حقه والثواب فيه أكثر ، ومنهم من يعتبر حال الميت وحال ~~الورثة وقدر التركة ، وهذا هو الأولى ، فأما إن كانت الوصية بأكثر من الثلث ~~فقد اختلفوا فيه ، فمنهم من قال : لا يجوز ذلك إلا بأمر الورثة ، والتماس ~~الرضا منهم ، وقال آخرون : لا تأثير لقول الورثة إلا بعد الموت ، ثم إذا ~~أوصى بأكثر من الثلث اختلفوا فمنهم من ms1446 قال : يجوز إن أجازه الوارث ويكون ~~عطية من الميت ، ومنهم من يقول : بل يكون كابتداء عطية من الوارث . # أما قوله : { إن الله سميع عليم } فمعناه أنه تعالى سميع للوصية على حدها ~~، ويعلمها على صفتها ، فلا يخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها ، والله ~~أعلم . # ! 7 < { فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله ~~غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 182 ) فمن خاف من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما توعد من يبدل الوصية ، بين أن المراد بذلك ~~التبديل أن يبدله عن الحق إلى الباطل ، أما إذا غيره عن باطل إلى حق على ~~طريق الإصلاح فقد أحسن ، وهو المراد من قوله : { فمن خاف من موص جنفا أو ~~إثما فأصلح بينهم } لأن الإصلاح يقتضي ضربا من التبديل والتغيير فذكر تعالى ~~الفرق بين هذا التبديل وبين ذلك التبديل الأول بأن أوجب الإثم في الأول ~~وأزاله عن الثاني بعد اشتراكهما في كونهما تبديلين وتغييرين ، لئلا يقدر أن ~~حكمهما واحد في هذا الباب ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { موص } بالتشديد ، ~~والباقون بالتخفيف وهما لغتان : وصى وأوصى بمعنى واحد . # المسألة الثانية : الجنف : الميل في الأمور ، وأصله العدول عن الاستواء ، ~~يقال : جنف يجنف بكسر النون في الماضي ، وفتحها في المستقبل ، جنفا ، وكذلك ~~: تجانف ، ومنه قوله تعالى : / { غير متجانف لإثم } PageV05P056 ( المائدة ~~: 3 ) والفرق بين الجنف والإثم أن الجنف هو الخطأ من حيث لا يعلم به والإثم ~~هو العمد . # المسألة الثالثة : في قوله تعالى : { فمن خاف } قولان : أحدهما : أن ~~المراد منه هو الخوف والخشية . # فإن قيل : الخوف إنما يصح في أمر منتظر ، والوصية وقعت فكيف يمكن تعلقها ~~بالخوف . # والجواب من وجوه أحدها : أن المراد أن هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي ~~فظهرت منه أمارات الجنف الذي هو الميل عن طريقة الحق مع ضرب من الجهالة ، ~~أو مع التأويل أو شاهد منه تعمدا بأن يزيد غير المستحق ، أو ينقص المستحق ~~حقه ، أو يعدل عن المستحق ، فعند ظهور أمارات ذلك وقبل تحقيق الوصية ms1447 يأخذ ~~في الإصلاح ، لأن إصلاح الأمر عند ظهور أمارت فساده وقبل تقرير فساده يكون ~~أسهل ، فلذلك علق تعالى بالخوف من دون العلم ، فكأن الموصي يقول وقد حضر ~~الوصي والشاهد على وجه المشورة ، أريد أن أوصي للأباعد دون الأقارب وأن ~~أزيد فلانا مع أنه لا يكون مستحقا للزيادة ، أو أنقص فلانا مع أنه مستحق ~~للزيادة ، فعند ذلك يصير السامع خائفا من حنث وإثم لا قاطعا عليه ، ولذلك ~~قال تعالى : { فمن خاف من موص جنفا } فعلقه بالخوف الذي هو الظن ولم يعلقه ~~بالعلم . # الوجه الثاني : في الجواب أنه إذا أوصى على الوجه الذي ذكرناه لكنه يجوز ~~أن لا يستمر الموصي على تلك الوصية بل يفسخها ويجوز أن يستمر لأن الموصي ما ~~لم يمت فله الرجوع عن الوصية وتغييرها بالزيادة والنقصان فلما كان كذلك لم ~~يصر الجنف والإثم معلومين ، لأن تجويز فسخة يمنع من أن يكون مقطوعا عليه ، ~~فلذلك علقه بالخوف . # الوجه الثالث : في الجواب أن بتقدير أن تستقر الوصية ومات الموصي ، فمن ~~ذلك يجوز أن يقع بين الورثة والموصي لهم مصالحة على وجه ترك الميل والخطأ ، ~~فلما كان ذلك منتظرا لم يكن حكم الجنف والإثم ماضيا مستقرا ، فصح أن يعلقه ~~تعالى بالخوف وزوال اليقين ، فهذه الوجوه يمكن أن تذكر في معنى الخوف وإن ~~كان الوجه الأول هو الأقوى . # القول الثاني : في تفسير قوله تعالى : { فمن خاف } أي فمن علم والخوف ~~والخشية يستعملان بمعنى العلم وذلك لأن الخوف عبارة عن حالة مخصوصة متولدة ~~من ظن مخصوص وبين العلم وبين الظن مشابهة في أمور كثيرة فلهذا صح إطلاق اسم ~~كل واحد منهما على الآخر ، وعلى هذا التأويل يكون معنى الآية أن الميت إذا ~~أخطأ في وصيته أو جار فيها متعمدا فلا حرج على من علم ذلك أن يغيره ويرده ~~إلى الصلاح بعد موته / وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع . # المسألة الرابعة : قد ذكرنا أن الجنف هو الخطأ والإثم هو العمد ومعلوم أن ~~الخطأ في حق / الغير في أنه يجب إبطاله بمنزلة العمد فلا فصل ms1448 بين الخطأ ~~والعمد في ذلك ، فمن هذا الوجه سوى عز وجل بين الأمرين . # أما قوله تعالى : { فأصلح بينهم } فيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا المصلح من هو ؟ الظاهر أنه هو الوصي الذي لا بد منه ~~في الوصية وقد يدخل تحته الشاهد ، وقد يكون المراد منه من يتولى ذلك بعد ~~موته من وال أو ولي أو وصي ، أو من يأمر بالمعروف . فكل هؤلاء يدخلون تحت ~~قوله تعالى : { فمن خاف من موص } إذا ظهرت لهم أمارات الجنف والاسم في ~~الوصية ، أو علموا ذلك فلا وجه للتخصيص في هذا الباب ، بل الوصي والشاهد ~~أولى بالدخول تحت هذا PageV05P057 التكليف وذلك لأن بهم تثبت الوصية فكان ~~تعلقهم بها أشد . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : الضمير في قوله : { فأصلح بينهم } لا ~~بد وأن يكون عائدا إلى مذكور سابق فما ذلك المذكور السابق ؟ # وجوابه : أن لا شبهة أن المراد بين أهل الوصايا ، لأن قوله : { من موص } ~~دل على من له الوصية فصار كأنهم ذكروا فصلح أن يقول تعالى فأصلح بينهم كأنه ~~قال : فأصلح بين أهل الوصية وقال القائلون : المراد فأصلح بين أهل الوصية ~~والميراث ، وذلك هو أن يزيد الموصي في الوصية على قدر الثلث ، فالمصلح يصلح ~~بين أهل الوصايا والورثة في ذلك ، وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها : أن لفظ ~~الموصي إنما يدل على أهل الوصية لا على الورثة وثانيها : أن الجنف والإثم ~~لا يدخل في أن يوصي بأكثر من الثلث لأن ذلك لما لم يجز إلا بالرضا صار ذكره ~~كلا ذكر ، ولا يحتاج في إبطاله إلى إصلاح لأنه ظاهر البطلان . # المسألة الثالثة : في بيان كيفية هذا الإصلاح وههنا بحثان : # البحث الأول : في بيان كيفية هذا الإصلاح قبل أن صارت هذه الآية منسوخة ، ~~فنقول بينا أن ذلك الجنف والإثم كان إما بزيادة أو نقصان أو بعدول فاصلاحها ~~إنما يكون بإزالة هذه الأمور الثلاثة ورد كل حق إلى مستحقه . # البحث الثاني : في كيفية هذا الإصلاح بعد أن صارت هذه الآية المنسوخة ~~فنقول الجنف والإثم ههنا يقع على وجوه منها ms1449 أن يظهر من المريض ما يدل على ~~أنه يحاول منع وصول المال إلى الوارث ، إما بذكر إقرار ، أو بالتزام عقد ، ~~فههنا يمنع منه ومنها أن يوصي بأكثر من الثلث ومنها أن يوصي للأباعد وفي ~~الأقارب شدة حاجة ، ومنها أن يوصي مع قلة المال وكثرة العيال إلى غير ذلك ~~من الوجوه . # أما قوله تعالى : { فلا إثم عليه } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : هذا المصلح قد أتي بطاعة عظيمة في هذا ~~الإصلاح وهو / يستحق الثواب عليه ، فكيف يليق به أن يقال : فلا إثم عليه . ~~وجوابه من وجوه الأول : أنه تعالى لما ذكر إثم المبدل في أول الآية ، وهذا ~~أيضا من التبديل بين مخالفته للأول ، وأنه لا إثم عليه لأنه رد الوصية إلى ~~العدل والثاني : لما كان المصلح ينقص الوصايا وذلك يصعب على الموصي له ~~ويوهم فيه إثما أزال الشبهة وقال : { فلا إثم عليه } والثالث : بين أن ~~بالوصية والإشهاد لا يتحتم ذلك ، وأنه متى غير إلى الحق وإن كان خالف ~~الوصية فلا إثم عليه ، وإن حصل فيه مخالفة لوصية الموصي وصرف لماله عمن أحب ~~إلى من كره ، لأن ذلك يوهم القبح ، فبين الله عز وجل أن ذلك حسن لقوله : { ~~فلا إثم عليه } والرابع : أن الإصلاح بين الجماعة يحتاج فيه إلى الإكثار من ~~القول ويخاف فيه أن يتخلله بعض ما لا ينبغي من القول والفعل ، فبين تعالى ~~أنه لا إثم على المصلح في هذا الجنس إذا كان قصده في الإصلاح جميلا . # المسألة الثانية : دلت هذه الآية على جواز الصلح بين المتنازعين إذا خاف ~~من يريد الصلح إفضاء تلك المنازعة إلى أمر محذور في الشرع . # أما قوله : { إن الله غفور رحيم } ففيه أيضا سؤال : وهو أن هذا الكلام ~~إنما يليق بمن فعل فعلا لا يجوز ، أما هذا الإصلاح فهو من جملة الطاعات ~~فكيف به هذا الكلام وجوابه من وجوه أحدها : أن هذا من باب PageV05P058 ~~تنبيه الأدنى على الأعلى كأنه قال أنا الذي أغفر الذنوب ثم أرحم المذنب ~~فبأن أوصل رحمتي وثوابي إليك مع ms1450 أنك تحملت المحن الكثيرة في إصلاح هذا ~~المهم كان أولى ، وثانيها : يحتمل أن يكون المراد أن ذلك الموصي الذي أقدم ~~على الجنف والإثم متى أصلحت وصيته فإن الله غفور رحيم يغفر له ويرجحه بفضله ~~وثالثها : أن المصلح ربما احتاج في إيتاء الإصلاح إلى أقوال وأفعال كان ~~الأولى تركها فإذا علم تعالى منه أن غرضه ليس إلا الإصلاح فإنه لا يؤاخذه ~~بها لأنه غفور رحيم . # الحكم السادس # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 183 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # اعلم أن الصيام مصدر صام كالقيام ، وأصله في اللغة الإمساك عن الشيء ~~والترك له ، ومنه قيل / للصمت : صوم لأنه إمساك عن الكلام ، قال الله تعالى ~~: { إنى نذرت للرحمان صوما } ( مريم : 26 ) وصوم النهار إذا اعتدل وقام ~~قائما الظهيرة قال امرؤ القيس : # % فدعها وسل الهم عنها بحسرة % % ذمول إذا صام النهار وهجرا % # وقال آخر : # % حتى إذا صام النهار واعتدل % % وصامت الريح إذا ركدت ، وصام الفرس إذا ~~قام على غير اعتلاف وقال النابغة : # % خيل صيام وخيل غير صائمة % % تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما % # ويقال : بكرة صائمة إذا قامت فلم تدر قال الراجز : # % والبكرات شرهن الصائمة % % ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار ، ~~وكذلك مصام النجم قال امرؤ القيس : # % كأن الثريا علقت في فصامها % % بأمراس كتان إلى صم جندل % # هذا هو معنى الصوم في اللغة ، وفي الشريعة هو الإمساك من طلوع الفجر إلى ~~غروب الشمس عن المفطرات حال العلم بكونه صائما مع اقتران النية . # أما قوله تعالى : { كما كتب على الذين من قبلكم } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في هذا التشبيه قولان أحدهما : أنه عائد إلى أصل إيجاب ~~الصوم ، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن ~~آدم إلى عهدكم ، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم لا يفرضها عليكم وحدكم ~~وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة ، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله . ~~PageV05P059 # والقول الثاني : أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره ms1451 ، وهذا ضعيف ~~لأن تشبيه الشيء بالشيء يقتضي استواءهما في أمر من الأمور فاما أن يقال : ~~إنه يقتضي الإستواء في كل الأمور فلا ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها ~~أحدها : أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى ، أما اليهود ~~فإنها تركت هذا الشهر وصامت يوماف من السنة ، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون ~~، وكذبوا في ذلك أيضا ، لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد ~~فحولوه إلى وقت لا يتغير ، ثم قالوا عند التحويل نزيد فيه فزادوا عشرا ، ثم ~~بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعا فزادوه ، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال : ما ~~بال هذه الثلاثة فأتمه خمسين يوما ، وهذا معنى قوله تعالى : { اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا } ( التوبة : 31 ) وهذا مروي عن الحسن وثانيها : ~~أنهم أخذوا بالوثيقة زمانا فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ، ثم لم ~~يزل الأخير يستسن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما ، ولهذا ~~كره صوم يوم الشك ، وهو مروي عن الشعبي وثالثها : أن وجه التشبيه أنه / ~~يحرم الطعام والشراب والجماع بعد النوم كما كان ذلك حراما على سائر الأمم ~~واحتج القائلون بهذا القول بأن الأمة مجمعة على أن قوله تعالى : { أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ( البقرة : 187 ) يفيد نسخ هذا الحكم / ~~فهذا الحكم لا بد فيه من دليل يدل عليه ولا دليل عليه إلا هذا التشبيه وهو ~~قوله : { كما كتب على الذين من قبلكم } فوجب أن يكون هذا التشبيه دليلا على ~~ثبوت هذا المعنى ، قال أصحاب القول الأول : قد بينا أن تشبيه شيء بشيء لا ~~يدل على مشابهتهما من كل الوجوه فلم يلزم من تشبيه صومنا بصومهم أن يكون ~~صومهم مختصا برمضان ، وأن يكون صومهم مقدرا بثلاثين يوما ، ثم إن هذه ~~الرواية مما ينفر من قبول الإسلام إذا علم اليهود والنصارى كونه كذلك . # المسألة الثانية : في موضع { كما } ثلاثة أقول الأول : قال الزجاج موضع { ~~كما } نصب ms1452 على المصدر لأن المعنى : فرض عليكم فرضا كالذي فرض على الذين من ~~قبلكم الثاني : قال ابن الأنباري يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من ~~الصيام يراد بها : كتب عليكم الصيام مشبها وممثلا بما كتب على الذين من ~~قبلكم الثالث : قال أبو علي : هو صفة لمصدر محذوف تقديره : كتابة كما كتب ~~عليهم ، فحذف المصدر وأقيم نعته مقامه قال : ومثله في الإتساع والحذف قولهم ~~في صريح الطلاق : أنت واحدة ، ويريدون أنت ذات تطليقة واحدة ، فحذف المضاف ~~والمضاف إليه وأقيم صفة المضاف مقام الاسم المضاف إليه . # أما قوله تعالى : { لعلكم تتقون } فاعلم أن تفسير { لعل } في حق الله ~~تعالى قد تقدم ، وأما أن هذا الكلام كيف يليق بهذا الموضع ففيه وجوه أحدها ~~: أنه سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار ~~الشهوة وانقماع الهوى فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش ويهون لذات ~~الدنيا ورياستها ، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج ، وإنما يسعى ~~الناس لهذين ، كما قيل في المثل السائر : المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه ؛ ~~فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤنتهما ، فكان ذلك رادعا له ~~عن ارتكاب المحارم والفواحش ، ومهونا عليه أمر الرياسة في الدنيا وذلك جامع ~~لأسباب التقوى فيكون معنى الآية فرضت عليكم الصيام لتكونوا به من المتقين ~~الذين أثنيت عليهم في كتابي ، وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم ولما اختص ~~الصوم بهذه الخاصية حسن منه تعالى أن يقول عند إيجابها { لعلكم تتقون } ~~منها بذلك على وجه PageV05P060 وجوبه لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لا بد ~~وأن يكون واجبا وثانيها : المعنى ينبغي لكم بالصوم أن يقوى وجاؤكم في ~~التقوى وهذا معنى { لعل } وثانيها : المعنى : لعلكم تتقون الله بصومكم ~~وترككم للشهوات فإن الشيء كلما كانت الرغبة فيه أكثر كان الاتقاء عنه أشق ~~والرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في سائر الأشياء فإذا سهل عليكم ~~اتقاء الله بترك المطعوم والمنكوح ، كان اتقاء الله بترك سائر الأشياء أسهل ~~وأخف ورابعها : المراد { كتب عليكم الصيام ms1453 كما كتب على الذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون } إهمالها وترك المحافظة عليها بسبب عظم درجاتها واصالتها ~~وخامسها : لعلكم تنتظمون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين لأن الصوم ~~شعارهم والله أعلم . # ! 7 < { أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا ~~خير لكم إن كنتم تعلمون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 184 ) أياما معدودات فمن . . . . . # > > # اعلم أن في قوله تعالى : { أياما معدودات } مسائل : # المسألة الأولى : في انتصاب { أياما } أقوال الأول : نصب على الظرف ، ~~كأنه قيل : كتب عليكم الصيام في أيام ، ونظيره قولك : نويت الخروج يوم ~~الجمعة والثاني : وهو قول الفراء أنه خبر ما لم يسم فاعله ، كقولهم : أعطى ~~زيد مالا والثالث : على التفسير والرابع : بإضمار أي فصوموا أياما . # المسألة الثانية : اختلفوا في هذه الأيام على قولين : الأول : أنها غير ~~رمضان ، وهو قول معاذ وقتادة وعطاء ، ورواه عن ابن عباس ، ثم اختلف هؤلاء ~~فقيل : ثلاثة أيام من كل شهر ، عن عطاء ، وقيل : ثلاثة أيام من كل شهر ، ~~وصوم يوم عاشوراء ، عن قتادة ، ثم اختلفوا أيضا فقال بعضهم : إنه كان تطوعا ~~ثم فرض ، وقيل : بل كان واجبا واتفق هؤلاء على أنه منسوخ بصوم رمضان ، ~~واحتج القائلون بأن المراد بهذه الأيام غير صوم رمضان بوجوه الأول : ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صوم رمضان نسخ كل صوم ، فدل هذا على أن قبل ~~وجوب رمضان كان صوما آخر واجبا الثاني : أنه تعالى ذكر حكم المريض والمسافر ~~في هذه الآية ، ثم ذكر حكمهما أيضا في الآية التي بعد هذه الآية الدالة على ~~صوم رمضان ، فلو كان هذا الصوم هو صوم رمضان ، لكان ذلك تكريرا محضا من غير ~~فائدة أنه لا يجوز الثالث : أن قوله تعالى في هذا الموضع : { وعلى الذين ~~يطيقونه فدية } يدل على أن الصوم واجب على التخيير ، يعني : إن شاء صام ، ~~وإن شاء أعطى الفدية ، وأما صوم رمضان فإنه واجب على التعيين ، فوجب أن ~~يكون صوم ms1454 هذه الأيام غير صوم رمضان . # القول الثاني : وهو اختيار أكثر المحققين ، كابن عباس والحسن وأبي مسلم ~~أن المراد بهذه / الأيام المعدودات : شهر رمضان قالوا ، وتقريره أنه تعالى ~~قال أولا : { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) وهذا محتمل ليوم ويومين ~~وأيام ثم بينه بقوله تعالى : { أياما معدودات } فزال بعض الإحتمال ثم بينه ~~بقوله : { شهر رمضان الذى أنزل فيه PageV05P061 القرآن } ( البقرة : 185 ) ~~فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان ، وإذا أمكن ~~ذلك فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النسخ فيه ، لأن كل ذلك زيادة لا يدل ~~اللفظ عليها فلا يجوز القول به . # أما تمسكهم أولا بقوله عليه السلام : ( إن صوم رمضان نسخ كل صوم ) . # فالجواب : أنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا يجوز أن ~~يكون المراد أنه نسخ كل صوم واجب في الشرائع المتقدمة ، لأنه كما يصح أن ~~يكون بعض شرعه ناسخا للبعض ، فيصح أن يكون شرعه ناسخا لشرع غيره . # سلمنا أن هذا الخبر يقتضي أن يكون صوم رمضان نسخ صوما ثبت في شرعه ، ولكن ~~لم لا يجوز أن يكون ناسخا لصيام وجب بغير هذه الآية فمن أين لنا أن المراد ~~بهذه الآية غير شهر رمضان . # وأما حجتهم الثانية : وهي أن هذه الأيام لو كانت هي شهر رمضان ، لكان حكم ~~المريض والمسافر مكررا . # فالجواب : أن في الابتداء كان صوم شهر رمضان ليس بواجب معين ، بل كان ~~التخيير ثابتا بينه وبين الفدية ، فلما كان كذلك ورخص للمسافر الفطر كان من ~~الجائز أن يظن أن الواجب عليه الفدية دون القضاء ، ويجوز أيضا أنه لا فدية ~~عليه ولا قضاء لمكان المشقة التي يفارق بها المقيم / فلما لم يكن ذلك بعيدا ~~بين تعالى أن إفطار المسافر والمريض في الحكم خلاف التخيير في حكم المقيم ، ~~فإنه يجب عليهما القضاء في عدة من أيام أخر ، فلما نسخ الله تعالى ذلك عن ~~المقيم الصحيح وألزمه بالصوم حتما ، كان من الجائز أن يظن أن حكم الصوم لما ~~انتقل عن التخيير إلى التضييق ms1455 حكم يعم الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه ~~بمنزلة المقيم الصحيح من حيث تغير حكم الله في الصوم ، فبين تعالى أن حال ~~المريض والمسافر ثابت في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالها أولا ، فهذا هو ~~الفائدة في إعادة ذكر حكم المسافر والمريض ، لا لأن الأيام المعدودات سوى ~~شهر رمضان . # وأما حجتهم الثالثة : وهي قولهم صوم هذه الأيام واجب مخير ، وصوم شهر ~~رمضان واجب معين . # فجوابه ما ذكرنا من أن صوم شهر رمضان كان واجبا مخيرا ، ثم صار معينا ، ~~فهذا تقرير هذا القول ، واعلم أن على كلا القولين لا بد من تطرق النسخ إلى ~~هذه الآية ، أما على القول الأول فظاهر ، وأما على القول الثاني فلأن هذه ~~الآية تقتضي أن يكون صوم رمضان / واجبا مخيرا والآية التي بعدها تدل على ~~التعيين ، فكانت الآية الثانية ناسخة لحكم هذه الآية ، وفيه إشكال وهو أنه ~~كيف يصح أن يكون قوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ( البقرة : 185 ) ~~ناسخا للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ وذلك لا يصح . # وجوابه : أن الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول وهذا كما قاله ~~الفقهاء في عدة المتوفى عنها زوجها أن المقدم في التلاوة وهو الناسخ ~~والمنسوخ متأخر وهذا ضد ما يجب أن يكون عليه حال الناسخ والمنسوخ فقالوا : ~~إن ذلك في التلاوة أن في الإنزال فكان الاعتداد بالحول هو المتقدم والآية ~~الدالة على أربعة أشهر وعشر هي المتأخرة فصح كونها ناسخة وكذلك نجد في ~~القرآن آية مكية متأخرة في التلاوة عن الآية المدنية وذلك كثير . ~~PageV05P062 # المسألة الثالثة : في قوله : { معدودات } وجهان أحدهما : مقدرات بعدد ~~معلوم وثانيهما : قلائل كقوله تعالى : { دراهم معدودة } ( يوسف : 20 ) ~~وأصله أن المال القليل يقدر بالعدد ويحتاط في معرفة تقديره ، وأما الكثير ~~فإنه يصب صبا ويحثى حثيا والمقصود من هذا الكلام كأنه سبحانه يقول : إني ~~رحمتكم وخففت عنكم حين لم أفرض عليكم صيام الدهر كله ، ولا صيام أكثره ، ~~ولو شئت لفعلت ذلك ولكني رحمتكم وما أوجبت الصوم عليكم إلا في أيام قليلة ، ~~وقال بعض المحققين : يجوز أن ms1456 يكون قوله : { أياما معدودات } من صلة قوله : ~~{ كما كتب على الذين من قبلكم } ( البقرة : 183 ) وتكون المماثلة واقعة بين ~~الفرضين من هذا الوجه ، وهو تعليق الصوم بمدة غير متطاولة وإن اختلفت ~~المدتان في الطول والقصر ، ويكون المراد ما ذكرناه من تعريفه سبحانه أيانا ~~أن فرض الصوم علينا وعلى من قبلنا ما كان إلا مدة قليلة لا تشتد مشقتها ، ~~فكان هذا بيانا لكونه تعالى رحيما بجميع الأمم ، ومسهلا أمر التكاليف على ~~كل الأمم . # أما قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ~~فالمراد منه أن فرض الصوم في الأيام المعدودات إنما يلزم الأصحاء المقيمين ~~فأما من كان مريضا أو مسافرا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر ~~قال القفال رحمه الله : انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ~~ورحمته في هذا التكليف ، وأنه تعالى بين في أول الآية أن لهذه الأمة في هذا ~~التكليف أسوة بالأمة المتقدمة والغرض منه ما ذكرنا أن الأمور الشاقة إذا ~~عمت خفت ، ثم ثانيا بين وجه الحكمة في إيجاب الصوم ، وهو أنه سبب لحصول ~~التقوى ، فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف ، ثم ثالثا : بين أنه ~~مختص بأيام معدودة / فإن لو جعله أبدا أو في أكثر الأوقات لحصلت المشقة ~~العظيمة ثم بين رابعا : أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن ~~لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة ، ثم بين خامسا : إزالة المشقة في ~~إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى ~~الرفاهية والسكون ، فهو سبحانه راعى في إيجاب الصوم هذه / الوجوه من الرحمة ~~فله الحمد على نعمه كثيرا ، إذا عرفت هذا فنقول في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا } إلى قوله : { ءاخر ~~} فيه معنى الشرط والجزاء أي من يكن منكم مريضا أو مسافرا فأفطر فليقض ، ~~وإذا قدرت فيه معنى الشرط كان المراد بقوله كان الإستقبال لا الماضي ، كما ~~تقول : من أتاني أتيته . # المسألة الثانية : المرض ms1457 عبارة عن عدم اختصاص جميع أعضاء الحي بالحالة ~~المقتضية لصدور أفعاله سليمة سلامة تليق به ، واختلفوا في المرض المبيح ~~للفطر على ثلاثة أقوال أحدها : أن أي مريض كان ، وأي مسافر كان ، فله أن ~~يترخص تنزيلا للفظه المطلق على أقل أحواله ، وهذا قول الحسن وابن سيرين ، ~~يروى أنهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل ، فاعتل بوجع أصبعه ~~وثانيها : أن هذه الرخصة مختصة بالمريض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد ، ~~وبالمسافر الذي يكون كذلك ، وهذا قول الأصم ، وحاصله تنزيل اللفظ المطلق ~~على أكمل الأحوال وثالثها : وهو قول أكثر الفقهاء : أن المرض المبيح للفطر ~~هو الذي يؤدي إلى ضرر النفس أو زيادة في العلة ، إذ لا فرق في الفعل بين ما ~~يخاف منه وبني ما يؤدي إلى ما يخاف منه كالمحوم إذا خاف أنه لو صام تشتد ~~حماه ، وصاحب وجع العين يخاف إن صام أن يشتد وجع عينه ، قالوا : وكيف يمكن ~~أن يقال كل مرض مرخص مع علمنا أن في الأمراض ما ينقصه الصوم ، PageV05P063 ~~فالمراد إذن منه ما يؤثر الصوم في تقويته ، ثم تأثيره في الأمر اليسير لا ~~عبرة به ، لأن ذل قد يحصل فيمن ليس بمريض أيضا ، فإذن يجب في تأثيره ما ~~ذكرناه . # المسألة الثالثة : أصل السفر من الكشف وذلك أنه يكشف عن أحوال الرجال ~~وأخلاقهم والمسفرة المكنسة ، لأنها تسفر التراب عن الأرض ، والسفير الداخل ~~بين اثنين للصلح ، لأنه يكشف المكروه الذي اتصل بهما ، والمسفر المضيء ، ~~لأنه قد انكشف وظهر ومنه أسفر الصبح والسفر الكتاب ، لأنه يكشف عن المعان ~~ببيانه ، وأسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت النقاب ، قال الأزهري : وسمي ~~المسافر مسافرا لكشف قناع الكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء ، وسمي السفر ~~سفرا لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم ، ويظهر ما كان خافيا منهم ، ~~واختلف الفقهاء في قدر السفر المبيح للرخص ، فقال داود : الرخص حاصلة في كل ~~سفر ولو كان السفر فرسخا ، وتمسك فيه بأن الحكم لما كان معلقا على كونه ~~مسافرا ، فحيث تحقق هذا المعنى حصل هذا الحكم ms1458 أقصى ما في الباب أنه يروي ~~خبر واحد في تخصيص هذا العموم ، لكن تخيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز ~~، وقال الأوزاعي : السفر المبيح مسافة يوم : وذلك لأن أقل من هذا القدر قد ~~يتفق للمقيم ، وأما الأكثر فليس عدد أولى من عدد ، فوجب الاقتصار على ~~الواحد ، ومذهب الشافعي أنه مقدر بستة عشر فرسخا ، ولا يحسب منه مسافرة ~~الإياب ، كل فرسخ ثلاثة / أميال بأميال هاشم جد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~، وهو الذي قدر أميال البادية ، كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي أربعة آلاف ~~خطوة ، فإن كل ثلاث أقدام خطوة ، وهذا مذهب مالك وأحمد وإسحق وقال أبو ~~حنيفة والثوري : رخص السفر لا تحصل إلا في ثلاث مراحل أربعة وعشرين فرسخا ، ~~حجة الشافعي وجهان الأول : قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر } مقتضاه أن يترخص المسافر مطلقا ترك العمل به فيما إذا ~~كان السفر مرحلة واحدة لأن تعب اليوم الواحد يسهل تحمله / أما إذا تكرر ~~التعب في اليومين فإنه يشق تحمله فيناسب الرخصة تحصيلا لهذا التخفيف . # الحجة الثانية : من الخبر : وهو ما رواه الشافعي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من ~~أربعة برد من مكة إلى عسفان ، قال أهل اللغة : وكل بريد أربعة فراسخ فيكون ~~مجموعة ستة عشر فرسخا ، وروي عن الشافعي أيضا أن عطاء قال لابن عباس : أقصر ~~إلى عرفة ؟ فقال : لا . فقال إلى مر الظهران ؟ فقال : لا . ولكن اقصر إلى ~~جدة وعسفان والطائف ، قال مالك : بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد ، وحجة أبي ~~حنيفة أيضا من وجهين الأول : أن قوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ( ~~البقرة : 185 ) يقتضي وجوب الصوم عدلنا عنه في ثلاثة أيام بسبب الإجماع على ~~أن هذا القدر مرخص ، والأقل منه مختلف فيه ، فوجب أن يبقى وجوب الصوم . # الحجة الثانية : من الخبر وهو قوله عليه السلام : ( يمسح المقيم يوما ~~وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ) دل الخبر ms1459 على أن لكل مسافر أن يمسح ~~ثلاثة أيام ، ولا يكون كذلك حتى تتقدر مدة السفر ثلاثة أيام ، لأنه عليه ~~الصلاة والسلام جعل السفر علة المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن وجعل ~~هذا المسح معلولا والمعلول لا يزيد على العلة . # والجواب عن الأول : أنه معارض بما ذكرناه من الآية فإن رجحوا جانبهم بأن ~~الاحتياط في العبادات PageV05P064 أولى ، رجحنا جانبنا بأن التخفيف في رخص ~~السفر مطلوب الشرع ، بدليل قوله عليه السلام : ( هذه صدقة تصدق الله بها ~~عليكم فاقتبلوا منه صدقته ) والترجيح لهذا الجانب ، لأن الدليل الدال على ~~أن رخص السفر مطلوبة للشرع أخص من الدليل الدال على وجوب رعاية الاحتياط ~~والجواب عن الثاني : أنه عليه السلام قال : ( يمسح المقيم يوما وليلة ) ~~وهذا لا يدل على أنه لا تحصل الإقامة في أقل من يوم وليلة ، لأنه لو نوى ~~الإقامة في موضع الإقامة ساعة صار مقيما فكذا قوله : ( والمسافر ثلاثة أيام ~~) لا يوجب أن لا يحصل السفر في أقل من ثلاثة أيام . # المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : رعاية اللفظ تقتضي أن يقال فمن كان ~~منكم مريضا أو مسافرا ولم يقل هكذا بل قال : { فمن كان منكم مريضا أو على ~~سفر } . # / وجوابه : أن الفرق هو أن المرض صفة قائمة بالذات : فإن حصلت حصلت وإلا ~~فلا وأما السفر فليس كذلك لأن الإنسان إذا نزل في منزل فإن عدم الإقامة كان ~~سكونه هناك إقامة لا سفرا وإن عدم السفر كان هو في ذلك الكون مسافرا فإذن ~~كونه مسافرا أمر يتعلق بقصده واختياره ، فقوله : { على سفر } معناه كونه ~~على قصد السفر والله أعلم بمراده . # المسألة الخامسة : { العدة } فعلة من العد ، وهو بمعنى المعدود كالطحن ~~بمعنى المطحون ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس عدة وعدة المرأة من هذا ~~. # فإن قيل : كيف قال : { فعدة } على التنكير ولم يقل فعدتها أي فعدة الأيام ~~المعدودات . # قلنا : لأنا بينا أن العدة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياما معدودة ~~مكانها والظاهر أنه لا يأتي إلا بمثل ذلك العدد فأغنى ذلك عن التعريف ~~بالإضافة . # المسألة ms1460 السادسة : { عدة } قرئت مرفوعة ومنصوبة ، أما الرفع فعلى معنى ~~فعليه صوم عدة فيكون هذا من باب حذف المضاف ، وأما إضمار { عليه } فيدل ~~عليه حرف الفاء . وأما النصب فعلى معنى : فليصم عدة . # المسألة السابعة : ذهب قوم من علماء الصحابة إلى أنه يجب على المريض ~~والمسافر أن يفطرا ويصوما عدة من أيام أخر ، وهو قول ابن عباس وابن عمر ، ~~ونقل الخطابي في أعلام التنزيل عن ابن عمر أنه قال لو صام في السفر قضي في ~~الحضر ، وهذا اختيار داود بن علي الأصفاني ، وذهب أكثر الفقهاء إلى أن ~~الإفطار رخصة فإن شاء أفطر وإن شاء صام حجة الأولين من القرآن والخبر أما ~~القرآن فمن وجهين الأول : أنا إن قرأنا { عدة } بالنصب كان التقدير : فليصم ~~عدة من أيام أخر وهذا للإيجاب ، ولو أنا قرأنا بالرفع كان التقدير : فعليه ~~عدة من أيام ، وكلمة { على } للوجوب فثبت أن ظاهر القرآن يقتضي إيجاب صوم ~~أيام أخر ، فوجب أن يكون فطر هذه الأيام واجبا ضرورة أنه لا قائل بالجمع . # الحجة الثانية : أنه تعالى أعاد فيما بعد ذلك هذه الآية ، ثم قال عقيبها ~~{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) ولا بد وأن ~~يكون هذا اليسر والعسر شيئا تقدم ذكرهما ، وليس هناك يسر إلا أنه أذن ~~للمريض والمسافر في الفطر ، وليس هناك عسر إلا كونهما صائمين فكان قوله : { ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } معناه يريد منكم الإفطار ولا ~~يريد منكم الصوم فذلك تقرير قولنا ، وأما الخبر فإثنان PageV05P065 الأول : ~~قوله عليه السلام : ( ليس من البر الصيام في السفر ) لا يقال هذا الخبر ~~وارد عن سبب خاص ، وهو ما روي أنه عليه الصلاة والسلام مر على رجل جالس تحت ~~مظلة فسأل عنه فقيل هذا صائم أجهده العطش ، فقال : ( ليس من البر الصيام في ~~السفر ) لأنا نقول العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والثاني : قوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( الصائم في / السفر كالمفطر في الحضر ) . # أما حجة الجمهور : فهي أن في الآية إضمارا لأن التقدير : فأفطر فعدة ms1461 من ~~أيام أخر وتمام تقرير هذا الكلام أن الإضمار في كلام الله جائز في الجملة ~~وقد دل الدليل على وقوعه ههنا أما بيان الجواز فكما في قوله تعالى : { ~~فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت } ( البقرة : 60 ) والتقدير فضرب فانفجرت ~~وكذلك قوله تعالى : { ولا تحلقوا } إلى قوله : { مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية } ( البقرة : 96 ) أي فحلق فعليه فدية فثبت أن الإضمار جائز ، أما أن ~~الدليل دل على وقوعه ففي تقريره وجوه الأول : قال القفال : قوله تعالى : { ~~فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ( البقرة : 185 ) يدل على وجوب الصوم ولقائل ~~أن يقول هذا ضعيف وبيانه من وجهين الأول : أنا إذا أجرينا ظاهر قوله تعالى ~~: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ( البقرة : 185 ) على العموم لزمنا ~~الإضمار في قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وقد بينا في أصول ~~الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص وبين الإضمار كان تحمل التخصيص أولى ~~والثاني وهو أن ظاهر قوله تعالى : { فليصمه } يقتضي الوجوب عينا ، ثم إن ~~هذا الوجوب منتف في حق المريض والمسافر ، فهذه الآية مخصوصة في حقهما على ~~جميع التقديرات سواء أجرينا قوله تعالى فعليه : { عدة * من أيام أخر } على ~~ظاهره أو لم نفعل ذلك وإذا كان كذلك وجب إجراء هذه الآية على ظاهرها من غير ~~إضمار . # الوجه الثاني : ما ذكره الواحدي في كتاب البسيط ، فقال : القضاء إنما يجب ~~بالإفطار لا بالمرض والسفر ، فلما أوجب الله القضاء والقضاء مسبوق بالفطر ، ~~دل على أنه لا بد من إضمار الإفطار وهذا في غاية السقوط لأن الله تعالى لم ~~يقل : فعليه قضاء ما مضى بل قال : فعليه صوم عدة من أيام أخر وإيجاب الصوم ~~عليه في أيام أخر لا يستدعي أن يكون مسبوقا بالإفطار . # الوجه الثالث : ما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن ~~عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ~~هل أصوم على السفر ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( صم إن شئت وأفطر إن شئت ~~) ولقائل ms1462 أن يقول : هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد لأن ظاهر القرآن ~~يقتضي وجوب صوم سائر الأيام ، فرفع هذا الخبر غير جائز إذا ثبت ضعف هذه ~~الوجوه ، فالاعتماد في إثبات المذهب على قوله تعالى بعد هذه الآية : { وأن ~~تصوموا خير لكم } وسيأتي بيان وجه الاستدلال إن شاء الله تعالى . # المسألة الثامنة : لمذهب القائلين بأن الصوم جائز فرعان : # الفرع الأول : اختلفوا في أن الصوم أفضل أم الفطر ؟ فقال أنس بن مالك ~~وعثمان بن أبي أوفى الصوم أفضل وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك والثوري ~~وأبي يوسف ومحمد ، وقالت طائفة أفضل الأمرين الفطر وإليه ذهب ابن المسيب ~~والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وقالت فرقة ثالثة : أفضل الأمرين أيسرهما ~~على المرء . PageV05P066 # / حجة الأولين : قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وقوله تعالى ~~: { وأن تصوموا خير لكم } . # حجة الفرقة الثانية : أن القصر في الصلاة أفضل ، فوجب أن يكون الإفطار ~~أفضل . # والجواب : أن من أصحابنا من قال : الإتمام أفضل إلا أنه ضعيف ، والفرق من ~~وجهين : أحدهما : أن الذمة تبقى مشغولة بقضاء الصوم دون الصلاة إذا قصرها ~~والثاني : أن فضيلة الوقت تفوت بالفطر ولا تفوت بالقصر . # حجة الفرقة الثالثة : قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر } ( البقرة : 185 ) فهذا يقتضي أنه إن كان الصوم أيسر عليه صام وإن ~~كان الفطر أيسر أفطر . # الفرع الثاني : أنه إذا أفطر كيف يقضي ؟ فمذهب علي وابن عمر والشعبي أنه ~~يقضيه متتابعا وقال الباقون : التتابع مستحب وإن فرق جاز حجة الأولين وجهان ~~الأول : أن قراءة أبي { فعدة من أيام } والثاني : أن القضاء نظير الأداء ~~فلما كان الأداء متتابعا ، فكذا القضاء . # حجة الفرقة الثانية : أن قوله : { سفر فعدة من أيام أخر } نكرة في سياق ~~الإثبات ، فيكون ذلك أمرا بصوم أيام على عدد تلك الأيام مطلقا ، فيكون ~~التقييد بالتتابع مخالفا لهذا التعميم ، وعن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : ~~إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه ، إن شئت ~~فواتر وإن شئت ففرق والله أعلم . # وروي ms1463 أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم على أيام من رمضان أفيجزيني ~~أن أقضيها متفرقا فقال له : ( أرأيت لو كان عليك دين فقضيته الدرهم ~~والدرهمين أما كان يجزيك ؟ فقال : نعم . قال : فالله أحق أن يعفو ويصفح ) . # المسألة التاسعة : { ءاخر } لا ينصرف لأنه حصل فيه سببان الجمع والعدل ~~أما الجمع فلأنها جمع أخرى ، وأما العدل فلأنها جمع أخرى ، وأخرى تأنيث آخر ~~، وآخر على وزن أفعل ، وما كان على وزن أفعل فإنه إما أن يستعمل مع { من } ~~أو مع الألف واللام ، يقال : زيد أفضل من عمرو وزيد الأفضل ، وكان القياس ~~أن يقال رجل آخر من زيد كما تقول قدم أمن عمرو ، إلا أنهم حذفوا لفظ { من } ~~لأن لفظه اقتضى معنى { من } فأسقطوا { من } إكتفاء بدلالة اللفظ عليه ، ~~والألف واللام منافيان { من } فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أخر ~~وآخر وأخرى معدولة عن حكم نظائرها ، لأن الألف واللام استعملتا فيها ثم حذف ~~. # أما قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : القراءة المشهورة المتواترة { يطيقونه } وقرأ عكرمة ~~وأيوب السختياني وعطاء { يطيقونه } ومن الناس من قال : هذه القراءة مروية ~~عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد قال : / ابن جني : أما عين الطاقة فواو ~~كقولهم : لا طاقة لي به ولا طوق لي به وعليه قراءة ( يطوقونه ) فهو يفعلونه ~~فهو كقولك : يجشمونه . أي يكلفونه . # المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله : { وعلى الذين يطيقونه } على ~~ثلاثة أقوال الأول : أن هذا راجع إلى المسافر والمريض وذلك لأن المسافر ~~والمريض قد يكون منهما من لا يطيق الصوم ومنهما من يطيق الصوم . ~~PageV05P067 # وأما القسم الأول : فقد ذكر الله حكمه في قوله : { ومن كان * منكم مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام أخر } . # وأما القسم الثاني : وهو المسافر والمريض اللذان يطيقان الصوم ، فإليهما ~~الإشارة بقوله : { وعلى الذين يطيقونه فدية } فكأنه تعالى أثبت للمريض ~~وللمسافر حالتين في إحداهما يلزمه أن يفطر وعليه القضاء وهي حال الجهد ~~الشديد لو صام والثانية : أن يكون مطيقا للصوم لا يثقل عليه فحينئذ يكون ms1464 ~~مخيرا بين أن يصوم وبين أن يفطر مع الفدية . # القول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين أن المراد من قوله : { وعلى الذين ~~يطيقونه } المقيم الصحيح فخيره الله تعالى أولا بين هذين ، ثم نصخ ذلك ~~وأوجب الصوم عليه مضيقا معينا . # القول الثالث : أنه نزلت هذه الآية في حق الشيخ الهرم قالوا : وتقريره من ~~وجهين أحدهما : أن الوسع فوق الطاقة فالوسع اسم لمن كان قادرا على الشيء ~~على وجه السهولة أما الطاقة فهو اسم لمن كان قادرا على الشيء مع الشدة ~~والمشقة فقوله : { وعلى الذين يطيقونه } أي وعلى الذين يقدرون على الصوم مع ~~الشدة والمشقة . # الوجه الثاني : في تقرير هذا القول القراءة الشاذة { وعلى الذين يطيقونه ~~} فإن معناه وعلى الذين يجشمونه ويكلفونه ، ومعلوم أن هذا لا يصح إلا في حق ~~من قدر على الشي مع ضرب من المشقة . # إذا عرفت هذا فنقول : القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين أحدهما : ~~وهو قول السدي : أنه هو الشيخ الهرم ، فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ، ~~يروى أن أنسا كان قبل موته يفطر ولا يستطيع الصوم ويطعم ويطعم لكل يوم ~~مسكينا وقال آخرون : إنها تتناول الشيخ الهرم والحامل والمرضع سئل الحسن ~~البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسهما وعلى ولديهما فقال : فأي ~~مرض أشد من الحمل تفطر وتقضي . # واعلم أنهم أجمعوا على أن الشيخ الهرم إذا أفطر فعليه الفدية ، أما ~~الحامل والمرضع إذا أفطرتا فهل عليهما الفدية ؟ فقال الشافعي رضي الله عنه ~~: عليهما الفدية ، فقال أبو حنيفة : لا تجب حجة الشافعي أن قوله : { وعلى ~~الذين يطيقونه فدية } يتناول الحامل والمرض ، وأيضا المدية واجبة / على ~~الشيخ الهرم فتكون واجبة أيضا عليهما ، وأبو حنيفة فرق فقال : الشيخ الهرم ~~لا يمكن إيجاب القضاء عليه فلا جرم وجبت الفدية ، أما الحامل والمرضع ~~فالقضاء واجب عليهما ، فو أوجبنا الفدية عليهما أيضا كان ذلك جمعا بين ~~البدلين وهو غير جائز لأن القضاء بدل والفدية بدل ، فهذا تفصيل هذه الأقوال ~~الثلاثة في تفسير قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه } . # أما القول الأول : وهو اختيار ms1465 الأصم فقد احتجوا على صحته من وجوه أحدها : ~~أن المرض المذكور في الآية إما أن يكون هو المرض الذي يكون في الغاية ، وهو ~~الذي لا يمكن تحمله ، أو المراد كل ما يسمى مرضا ، أو المراد منه ما يكون ~~متوسطا بين هاتين الدرجتين ، والقسم الثاني باطل بالإتفاق ، والقسم الثالث ~~أيضا باطل ، لأن المتوسطات لها مراتب كثيرة غير مضبوطة ، وكل مرتبة منها ~~فإنها بالنسبة إلى ما فوقها ضعيفة وبالنسبة إلى ما فوقها إلى ما تحتها قوية ~~، فإذا لم يكن في اللفظ دلالة على تعيين تلك المرتبة مع أن مراد الله هو ~~تلك المرتبة صارت الآية مجملة وهو خلاف الأصل ، ولما بطل هذان القسمان تعين ~~أن المراد هو القسم الأول ، وذلك لأنه مضبوط ، فحمل الآية عليه أولى لأنه ~~لا يفضي إلى صيرورة الآية مجملة . PageV05P068 # إذا ثبت هذا فنقول : أول الآية دل على إيجاب الصوم ، وهو قوله : كتب ~~عليكم الصيام أياما معدودات ثم بين أحوال المعذورين ، ولما كان المعذورون ~~على قسمين : منهم من لا يطيق الصوم أصلا / ومنهم من يطيقه مع المشقة والشدة ~~، فالله تعالى ذكر حكم القسم الأول ثم أردفه بحكم القسم الثاني . # الحجة الثانية : في تقرير هذا القول أنه لا يقال في العرف للقادر القوي : ~~إنه يطيق هذا الفعل لأن هذا اللفظ لا يستعمل إلا في حق من يقدر عليه مع ضرب ~~من المشقة . # الحجة الثالثة : أن على أقوالكم لا بد من إيقاع النسخ في هذه الآية وعلى ~~قولنا لا يجب ، ومعلوم أن النسخ كلما كان أقل كان أولى فكان المصير إلى ~~إثبات النسخ من غير أن يكون في اللفظ ما يدل عليه غير جائز . # الحجة الرابعة : أن القائلين بأن هذه الآية منسوخة اتفقوا على أن ناسخها ~~آية شهود الشهر ، وذلك غير جائز لأنه تعالى قال في آخر تلك الآية : { يريد ~~الله * بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) ولو كانت الآية ~~ناسخة لهذا لما كان قوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ~~لائقا بهذا الموضع ، لأن هذا التقدير ms1466 أوجب الصوم على سبيل التضييق ، ورفع ~~وجوبه على سبيل التخيير ، فكان ذلك رفعا لليسر وإثباتا للعسر فكيف يليق به ~~أن يقول : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } . # واحتج القاضي رحمه الله في فساد قول الأصم فقال : إن قوله : { وعلى الذين ~~يطيقونه } معطوف على المسافر والمريض ، ومن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف ~~عليه فبطل قول الأصم . # / والجواب : أنا بينا أن المراد من المسافر والمريض المذكورين في الآية ~~هما اللذان لا يمكنهما الصوم ألبتة ، والمراد من قوله : { وعلى الذين ~~يطيقونه } المسافر والمريض اللذان يمكنهما الصوم ، فكانت المغايرة حاصلة ~~فثبت بما بينا أن القول الذي اختاره الأصم ليس بضعيف ، أما إذا وافقنا ~~الجمهور وسلمنا فساده بقي القولان الآخران ، وأكثر المفسرين والفقهاء على ~~القول الثاني ، واختاره الشافعي واحتج على فساد القول الثالث ، وهو قول من ~~حمله على الشيخ الهرم والحامل والمرضع بأن قال : لو كان المراد هو الشيخ ~~الهرم لما قال في آخر الآية : { وأن تصوموا خير لكم } لأنه لا يطيقه ، ~~ولقائل أن يقول : هذا محمول على الشيخ الهرم الذي يطيق الصوم ولكنه يشق ~~عليه ، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع أن يقال له : لو تحملت هذه المشقة لكان ~~ذلك خيرا لك فإن العبادة كلما كانت أشق كانت أكثر ثوابا . # أما قوله تعالى : { فدية طعام مسكين } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر { فدية } بغير تنوين { طعام } ~~بالكسر مضافا إليه { مساكين } جمعا ، والباقون { فدية } منونة { طعام } ~~بالرفع { مسكين } مخفوض ، أما القراءة الأولى ففيها بحثان الأول : أنه ما ~~معنى إضافة فدية إلى طعام ؟ فنقول فيه وجهان : أحدهما : أن الفدية لها ذات ~~وصفتها أنها طعام ، فهذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة ، كقولهم : مسجد ~~الجامع وبقله الحمقاء والثاني : قال الواحدي : الفدية اسم للقدر الواجب ، ~~والطعام اسم يعم الفدية وغيرها ، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى ~~{ من } كقولك : ثوب خز وخاتم حديد ، والمعنى : ثوب من خز وخاتم من حديد ، ~~فكذا ههنا التقدير : فدية من طعام فأضيفت الفدية إلى الطعام مع أنك تطلق ~~على ms1467 الفدية اسم الطعام . PageV05P069 # البحث الثاني : أن في هذه القراءة جمعوا المساكين لأن الذين يطيقونه ~~جماعة ، وكل واحد منهم يلزمه مسكين ، وأما القراءة الثانية وهي { فدية } ~~بالتنوين فجعلوا ما بعده مفسرا له ووحدوا المسكين لأن المعنى على كل واحد ~~لكل يوم طعام مسكين . # المسألة الثانية : الفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم على ~~الشيء وعند أبي حنيفة أنه نصف صاع من بر أو صاع من غيره / وهو مدان وعند ~~الشافعي مد . # المسألة الثالثة : احتج الجبائي بقوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية ~~} على أن الاستطاعة قبل الفعل فقال : الضمير في قوله : { وعلى الذين ~~يطيقونه } عائد إلى الصوم فأثبت القدرة على الصوم حال عدم الصوم ، لأنه ~~أوجب عليه الفدية ، وإنما يجب عليه الفدية إذا لم يصم ، فدل هذا على أن ~~القدرة على الصوم حاصلة قبل حصول الصوم . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون الضمير عائد إلى الفدية ؟ # / قلنا لوجهين أحدهما : أن الفدية غير مذكورة من قبل فكيف يرجع الضمير ~~إليها والثاني : أن الضمير مذكر والفدية مؤنثة ، فإن قيل : هذه الآية ~~منسوخة فكيف يجوز الاستدلال بها قلنا : كانت قبل أن صارت منسوخة دالة على ~~أن القدرة حاصلة قبل الفعل ، والحقائق لا تتغير . # أما قوله تعالى : { فمن تطوع خيرا فهو خير له } ففيه ثلاثة أوجه أحدها : ~~أن يطعم مسكينا أو أكثر والثاني : أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر ~~الواجب والثالث : قال الزهري : من صام مع الفدية فهو خير له . # أما قوله : { وأن تصوموا خير لكم } ففيه وجوه أحدها : أن يكون هذا خطابا ~~مع الذين يطيقونه فقط ، فيكون التقدير : وأن تصوموا أيها المطيقون أو ~~المطوقون وتحملتم المشقة فهو خير لكم من الفدية والثاني : أن هذا خطاب مع ~~كل من تقدم ذكرهم ، أعني المريض والمسافر والذين يطيقونه ، وهذا أولى لأن ~~اللفظ عام ، ولا يلزم من اتصاله بقوله : { وعلى الذين يطيقونه } أن يكون ~~حكمه مختصا بهم ، لأن اللفظ عام ولا منافاة في رجوعه إلى الكل ، فوجب الحكم ~~بذلك وعند هذا يتبين أنه لا بد ms1468 من الإضمار في قوله : { فمن كان منكم مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام أخر } وأن التقدير : فأفطر فعدة من أيام أخر ~~الثالث : أن يكون قوله : { وأن تصوموا خير لكم } عطفا عليه على أول الآية ~~فالتقدير : كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم . # أما قوله : { إن كنتم تعلمون } أي أن الصوم عليكم فاعلموا صدق قولنا وأن ~~تصوموا خير لكم الثاني : أن آخر الآية متعلق بأولها والتقدير كتب عليكم ~~الصيام وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون أي أنكم إذا تدبرتم علمتم ما في ~~الصوم من المعاني المورثة للتقوى وغيرها مما ذكرناه في صدر هذه الآية ~~الثالثة : أن العالم بالله لا بد وأن يكون في قلبه خشية الله على ما قال : ~~{ إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) فذكر العلم والمراد ~~الخشية ، وصاحب الخشية يراعي الإحتياط والاحتياط في فعل الصوم ، فكأنه قيل ~~: إن كنتم تعلمون الله حتى تخشونه كان الصوم خيرا لكم . # PageV05P070 ! 7 < { شهر رمضان الذىأنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من ~~الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ~~ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 185 ) شهر رمضان الذي . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : الشهر مأخوذ من الشهرة يقال ، شهر الشيء يشهر شهرة ~~وشهرا إذا ظهر ، وسمي الشهر شهرا لشهرة أمره وذلك لأن حاجات الناس ماسة إلى ~~معرفته بسبب أوقات ديونهم ، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم ، والشهرة ظهور ~~الشيء وسمي الهلال شهرا لشهرته وبيانه قال بعضهم سمي الشهر شهرا باسم ~~الهلال . # المسألة الثانية : اختلفوا في رمضان على وجوه أحدها : قال مجاهد : إنه ~~اسم الله تعالى ، ومعنى قول القائل : شهر رمضان أي شهر الله وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا ~~: جاء شهر رمضان وذهب شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ) . # القول الثاني : أنه اسم للشهر ms1469 كشهر رجب وشعبان ، ثم اختلفوا في اشتقاقه ~~على وجوه الأول : ما نقل عن الخليل أنه من الرمضاء بسكون الميم ، وهو مطر ~~يأتي قبل الخريف يطهر وجه الأرض عن الغبار والمعنى فيه أنه كما يغسل ذلك ~~المطر وجه الأرض ويطهرها فكذلك شهر رمضان يغسل أبدان هذه الأمة من الذنوب ~~ويطهر قلوبهم الثاني : أنه مأخوذ من الرمض وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس ~~، والإسم الرمضاء ، فسمي هذا الشهر بهذا الإسم إما لارتماضهم في هذا الشهر ~~من حر الجوع أو مقاساة شدته ، كما سموه تابعا لأنه كان يتبعهم أي يزعجهم ~~لشدته عليهم ، وقيل : لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها ~~بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر ، وقيل : سمي بهذا ~~الإسم لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها ، وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباد الله ) الثالث : أن ~~هذا الإسم مأخوذ من قولهم : رمضت النصل أرمضه رمضا إذا دفعته بين حجرين ~~ليرق ، ونصل رميض ومرموض ، فسمي هذا الشهر : رمضان ، لأنهم كانوا يرمضون ~~فيه أسلحتهم ليقضوا منها أوطارهم ، وهذا القول يحكى عن الأزهري الرابع : لو ~~صح قولهم : إن رمضان اسم الله تعالى ، وهذا الشهر أيضا سمي بهذا الإسم ، ~~فالمعنى أن الذنوب تتلاشى في جنب رحمة الله حتى كأنها احترقت ، وهذا الشهر ~~أيضا رمضان بمعنى أن الذنوب تحترق في جنب بركته . # المسألة الثالثة : قرىء { شهر } بالرفع وبالنصب ، أما الرفع ففيه وجوه ~~أحدها : وهو قول الكسائي أنه ارتفع على البدل من الصيام ، والمعنى : كتب ~~عليكم شهر رمضان والثاني : وهو قول الفراء والأخفش أنه PageV05P071 خبر ~~مبتدأ محذوف بدل من قوله : { أياما } كأنه قيل : هي شهر رمضان ، لأن / قوله ~~: { شهر رمضان } تفسير للأيام المعدودات وتبيين لها الثالث : قال أبو علي : ~~إن شئت جعلته مبتدأ محذوف الخبر ، كأنه لما تقدم { كتب عليكم الصيام } قيل ~~فيما كتب عليكم من الصيام شهر رمضان أي صيامه الرابع : قال بعضهم : يجوز أن ~~يكون بمبتدأ وخبره { الذى } مع صلته كقوله ms1470 زيد الذي في الدار ، قال أبو علي ~~: والأشبه أن يكون { الذى } وصفا ليكون لفظ القرآن نصا في الأمر بصوم الشهر ~~، لأنك إن جعلته خبرا لم يكن شهر رمضان منصوصا على صومه بهذا اللفظ ، إنما ~~يكون مخبرا عنه بإنزال القرآن فيه ، وإيضا إذا جعلت { الذى } وصفا كان حق ~~النظم أن يكنى عن الشهر لا أن يظهر كقولك . شهر رمضان المبارك من شهده ~~فليصمه وأما قراءة النصب ففيها وجوه أحدها : التقدير : صوموا شهر رمضان ~~وثانيها : على الإبدال من أيام معدودات وثالثها : أنه مفعول { وأن تصوموا } ~~وهذا الوجه ذكره صاحب ( الكشاف ) واعترض عليه بأن قيل : فعلى هذا التقدير ~~يصير النظم : وأن تصوموا رمضان الذين أنزل فيه القرأن خير لكم ، وهذا يقتضي ~~وقوع الفصل بين المبتدأ والخبر بهذا الكلام الكثير وهو غير جائز لأن ~~المبتدأ والخبر جاريان مجرى الشيء الواحد وإيقاع الفصل بين الشيء وبين نفسه ~~غير جائز . # أما قوله : { أنزل فيه القرآن } اعلم أنه تعالى لما خص هذا الشهر بهذه ~~العبادة بين العلة لهذا التخصيص ، وذلك هو أن الله سبحانه خصه بأعظم آيات ~~الربوبية ، وهو أنه أنزل فيه القرآن ، فلا يبعد أيضا تخصيصه بنوع عظيم من ~~آيات العبودية وهو الصوم ، مما يحقق ذلك أن الأنوار الصمدية متجلية أبدا ~~يمتنع عليها الإخفاء والاحتجاب إلا أن العلائق البشرية مانعة من ظهورها في ~~الأرواح البشرية والصوم أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية ولذلك فإن ~~أرباب المكاشفات لا سبيل لهم إلى التوصل إليها إلا بالصوم ، ولهذا قال عليه ~~الصلاة والسلام : ( لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ~~ملكوت السموات ) فثبت أن بين الصوم وبين نزول القرآن مناسبة عظيمة فلما كان ~~هذا الشهر مختصا بنزول القرآن ، وجب أن يكون مختصا بالصوم ، وفي هذا الموضع ~~أسرار كثيرة والقدر الذي أشرنا إليه كاف ههنا ، ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { نزل * فيه القرآن } في تفسيره قولان ~~الأول : وهو اختيار الجمهور : أن الله تعالى أنزل القرآن في رمضان عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ( نزل صحف إبراهيم ms1471 في أول ليلة من رمضان وأنزلت ~~التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشر والقرآن لأربع وعشرين ) وههنا سؤلات : # السؤال الأول : أن القرآن ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دفعة ، ~~وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجما مبعضا ، وكما نزل بعضه في ~~رمضان نزل بعضه في سائر الشهور ، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان . # / والجواب عنه من وجهين الأول : أن القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى ~~سماء الدنيا ، ثم نزل إلى الأرض نجوما ، وإنما جرت الحال على هذا الوجه لما ~~علمه تعالى من المصلحة على هذا الوجه فإنه لا يبعد أن يكون للملائكة الذين ~~هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم أو كان في المعلوم أن في ذلك ~~مصلحة للرسول عليه السلام في توقع الوحي من أقرب الجهات ، أو كان فبه مصلحة ~~لجبريل عليه السلام ، لأنه كان هو المأمور بإنزاله وتأديته ، أما الحكمة في ~~إنزال القرآن على الرسول منجما مفرقا فقد شرحناها في سورة PageV05P072 ~~الفرقان في تفسير قوله تعالى : { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك } ( الفرقان : 32 ) . # الجواب الثاني عن هذا السؤال : أن المراد منه أنه ابتدىء إنزاله ليلة ~~القدر من شهر رمضان وهو قول محمد بن إسحاق وذلك لأن مبادىء الملل والدول هي ~~التي يؤرخ بها لكونها أشرف الأوقات ولأنها أيضا أوقات مضبوطة معلومة . # واعلم أن الجواب الأول لا يحتاج فيه إلى تحمل شيء من المجاز وههنا يحتاج ~~فإنه لا بد على هذا الجواب من حمل القرآن على بعض أجزائه وأقسامه . # السؤال الثاني : كيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول ، وبين قوله ~~تعالى : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) وبين قوله : { إنا ~~أنزلناه فى ليلة مباركة } ( الدخان : 3 ) . # والجواب : روي أن ابن عمر استدل بهذه الآية وبقوله : { إنا أنزلناه فى ~~ليلة القدر } أن ليلة القدر لا بد وأن تكون في رمضان ، وذلك لأن ليلة القدر ~~إذا كانت في رمضان كان إنزاله في ليلة القدر إنزالا له في ms1472 رمضان ، وهذا كمن ~~يقول : لقيت فلانا في هذا الشهر فيقال له . في أي يوم منه فيقول يوم كذا ~~فيكون ذلك تفسيرا للكلام الأول فكذا ههنا . # السؤال الثالث : أن القرآن على هذا القول يحتمل أن يقال : إن الله تعالى ~~أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزله ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم منجما إلى آخر عمره ، ويحتمل أيضا أن يقال : ~~إنه سبحانه كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا من القرآن ما يعلم ~~أن محمدا عليه السلام وأمته يحتاجون إليه في تلك السنة ثم ينزله على الرسول ~~على قدر الحاجة ثم كذلك أبدا ما دام فأيهما أقرب إلى الصواب . # الجواب : كلاهما محتمل ، وذلك لأن قوله : { شهر رمضان الذى أنزل فيه ~~القرآن } يحتمل أن يكون المراد منه الشخص ، وهو رمضان معين ، وأن يكون ~~المراد منه النوع ، وإذا كان كل واحد منهما محتملا صالحا وجب التوقف . # القول الثاني : في تفسير قوله : { أنزل فيه القرآن } قال سفيان بن عيينة ~~: أنزل فيه القرآن معناه أنزل في فضله القرآن ، وهذا اختيار الحسين بن ~~الفضل قال : ومثله أن يقال : أنزل في الصديق كذا / آية : يريدون في فضله ~~قال ابن الأنباري : أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن ، كام يقول : أنزل ~~الله في الزكاة كذا وكذا يريد في إيجابها وأنزل في الخمر كذا يريد في ~~تحريمها . # المسألة الثانية : القرآن اسم لما بين الدفتين من كلام الله ، واختلفوا ~~في اشتقاقه ، فروى الواحدي في ( البسيط ) عن محمد بن عبد الله بن الحكم أن ~~الشافعي رضي الله عنه كان يقول : إن القرآن اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من ~~قرأت ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل ، قال ويهمز قراءة ولا ~~يهمز القرآن كما يقول : { وإذا قرأت القرءان } ( الآراء : 45 ) قال الواحدي ~~: وقول الشافعي أنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه غير مشتق ، وذهب ~~آخرون إلى أنه مشتق ، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم ~~من يهمزه ، PageV05P073 أما الأولون ms1473 فلهم فيه اشتقاقان أحدهما : أنه مأخوذ ~~من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الآخر ، فهو مشتق من قرن والإسم ~~قران غير مهموز ، فسمي القرآن قرآنا إما لأن ما فيه من السور والآيات ~~والحروف يقترن بعضها ببعض ، أو لأن ما فيه من الحكم والشرائع مقترن بعضها ~~ببعض ، أو لأن ما فيه من الدلائل الدالة على كونه من عبد الله مقترن بعضها ~~ببعض ، أعني اشتماله على جهات الفصاحة وعلى الأسلوب الغريب ، وعلى الأخبار ~~عن المغيبات ، وعلى العلوم الكثيرة ، فعلى هذا التقدير هو مشتق من قرن ~~والإسم قران غير مهموز وثانيهما : قال الفراء : أظن أن القرآن سمي من ~~القرائن ، وذلك لأن الآيات يصدق بعضها بعضا على ما قال تعالى : { ولو كان ~~من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) فهي قرائن ، ~~وأما الذين همزوا فلهم وجوه أحدها : أنه مصدر القراءة يقال : قرأت القرآن ~~فأنا أقرؤه قرأ وقراءة وقرآنا ، فهو مصدر ، ومثل القرآن من المصادر : ~~الرجحان والنقصان والخسران والغفران ، قال الشاعر : # % ضحوا بأشمط عنوان السجود به % % يقطع الليل تسبيحا وقرآنا % # أي قراءة ، وقال الله سبحانه وتعالى : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى } ( ~~الإسراء : 78 ) هذا هو الأصل ، ثم إن المقروء يسمى قرآنا ، لأن المفعول ~~يسمى بالمصدر كما قالوا للمشرب : شراب وللمكتوب كتاب ، واشتهر هذا الإسم في ~~العرف حتى جعلوه اسما لكلام الله تعالى وثانيها : قال الزجاج وأبو عبيدة : ~~إنه مأخوذ من القرء وهو الجمع ، قال عمرو : # % هجان اللون لم تقرأ جنينا % % # أي لم تجمع في رحمها ولدا ، ومن هذا الأصل : قرء المرأة وهو أيام اجتماع ~~الدم في رحمها ، فسمي القرآن قرآنا ، لأنه يجمع السور ويضمها وثالثها : قول ~~قطرب وهو أنه سمي قرآنا ، لأن القارىء يكتبه ، وعند القراءة كأنه يلقيه من ~~فيه أخذا من قول العرب : ما قرأت الناقة سلى قط ، أي ما رمت بولد وما أسقطت ~~ولدا قط وما طرحت ، وسمي الحيض ، قرأ لهذا التأويل ، فالقرآن / يلفظه ~~القارىء من فيه ويلقيه فسمي قرآنا . # المسألة الثالثة : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { وإن ms1474 كنتم فى ريب مما ~~نزلنا على عبدنا } ( البقرة : 23 ) أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل ~~التدريج ، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة ، ولهذا قال الله ~~تعالى : { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة ~~والإنجيل } إذا ثبت هذا فنقول : لما كان المراد ههنا من قوله تعالى : { شهر ~~رمضان الذى أنزل فيه القرآن } أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، ~~لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل ، وهذا يدل على أن هذا القول راجح ~~على سائر الأقوال . أما قوله : { هدى للناس } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : بينا تفسير الهدى في قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( ~~البقرة : 2 ) . # والسؤال أنه تعالى جعل القرآن في تلك الآية هدى للمتقين ، وههنا جعله هدى ~~للناس ، فكيف وجه الجمع ؟ وجوابه ما ذكرناه هناك . # المسألة الثانية : { هدى للناس وبينات } نصب على الحال ، أي أنزل وهو ~~هداية للناس إلى الحق وهو PageV05P074 آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى ~~الحق ويفرق بين الحق والباطل . # أما قوله تعالى : { وبينات من الهدى والفرقان } ففيه إشكال وهو أن يقال : ~~ما معنى قوله : { وبينات من الهدى } بعد قوله : { هدى } . # وجوابه من وجوه الأول : أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى ، ثم الهدى على قسمين ~~: تارة يكون كونه هدى للناس بينا جليا ، وتارة لا يكون كذلك ، والقسم الأول ~~لا شك أنه أفضل فكأنه قيل : هو هدى لأنه هو البين من الهدى ، والفارق بين ~~الحق والباطل ، فهذا من باب ما يذكر الجنس ويعطف نوعه عليه ، لكونه أشرف ~~أنواعه ، والتقدير كأنه قيل : هذا هدى ، وهذا بين من الهدى ، وهذا بينات من ~~الهدى ، ولا شك أن هذا غاية المبالغات الثاني : أن يقال : القرآن هدى في ~~نفسه ، ومع كونه كذلك فهو أيضا بينات من الهدى والفرقان ، والمراد بالهدى ~~والفرقان : التوراة والإنجيل قال الله تعالى : { نزل عليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان } ( آل عمران : 3 4 ) وقال : { وإذا * موسى الكتاب والفرقان لعلكم ~~تهتدون * وإذ } ( البقرة : 53 ) وقال { ولقد ءاتينا ms1475 موسى * وهارون الفرقان ~~وضياء وذكرا للمتقين } ( الأنبياء : 480 ) فبين تعالى وتقدس أن القرآن مع ~~كونه هدى في نفسه ففيه أيضا هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان ~~الثالث : أن يحمل الأول على أصول الدين ، والهدي الثاني على فروع الدين ، ~~فحينئذ يزول التكرار والله أعلم . # وأما قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : نقل الواحدي رحمه الله في ( البسيط ) عن الأخفش ~~والمازني أنهما قالا : الفاء في قوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ~~زائدة ، قالا : وذلك لأن الفاء قد تدخل للعطف أو للجزاء / أو تكون زائدة ، ~~وليس للعطف والجزاء ههنا وجه ، ومن زيادة الفاء قوله تعالى : { قل إن الموت ~~الذى تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب } ( الجمعه : 8 ) . # وأقول : يمكن أن يقال الفاء ههنا للجزاء فإنه تعالى لما بين كون رمضان ~~مختصا بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها ، فبين أن اختصاصه ~~بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة ، ولولا ذلك لما كان لتقديم بيان ~~تلك الفضيلة ههنا وجه كأنه قيل : لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة ~~فأنتم أيضا خصوه بهذه العبادة ، أما قوله تعالى : { فإنه ملاقيكم } الفاء ~~فيه غير زائدة وأيضا بل هذا من باب مقابلة الضد بالضد كأنه قيل : لما فروا ~~من الموت فجزائهم أن يقرب الموت منهم ليعلموا أنه لا يغني الحذر عن القدر . # المسألة الثانية : { شهد } أي حضر والشهود الحضور ، ثم ههنا قولان : ~~أحدهما : أن مفعول شهد محذوف لأن المعنى : فمن شهد منكم البلد أو بيته ~~بمعنى لم يكن مسافرا وقوله : { الشهر } انتصابه على الظرف وكذلك الهاء في ~~قوله : { فليصمه } . # والقول الثاني : مفعول { شهد } هو { الشهر } والتقدير : من شاهد الشهر ~~بعقله ومعرفته فليصمه وهو كما يقال : شهدت عصر فلان ، وأدركت زمان فلان ، ~~واعلم أن كلا القولين لا يتم إلا بمخالفة الظاهر ، أما القول PageV05P075 ~~الأول فإنما يتم بإضمار أمر زائد ، وأما القول الثاني فيوجب دخول التخصيص ~~في الآية ، وذلك لأن شهود الشهر حاصل في حق الصبي والمجنون والمريض ~~والمسافر مع ms1476 أنه لم يجب على واحد منهم الصوم إلا أنا بينا في أصول الفقه ~~أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإضمار فالتخصيص أولى ، وأيضا فلانا على ~~القول الأول لما التزمنا الإضمار لا بد أيضا من التزام التخصيص لأن الصبي ~~والمجنون والمريض كل واحد منهم شهد الشهر مع أنه لا يجب عليهم الصوم بل ~~المسافر لا يدخل فلا يحتاج إلى تخصيص هذه الصورة فيه فالقول الأول لا يتمشى ~~إلا مع التزام الإضمار والتخصيص والقول الثاني يتمشى بمجرد التزام التخصيص ~~فكان القول الثاني أولى هذا ما عندي فيه مع أن أكثر المحققين كالواحدي ~~وصاحب ( الكشاف ) ذهبوا إلى الأول . # المسألة الثالثة : الألف واللام في قوله : { فمن شهد منكم الشهر } ~~للمعهود السابق وهو شهر رمضان ، ونظيره قوله تعالى : { لولا جاءو عليه ~~بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء } ( النور : 13 ) أي فإذ لم يأتوا ~~بالشهداء الأربعة . # المسألة الرابعة : اعلم أن في الآية إشكالا وهو أن قوله تعالى : { فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه } جملة مركبة من شرط وجزاء فالشرط هو شهود الشهر ~~والجزاء هو الأمر بالصوم وما لم يوجد الشرط بتمامه لا يترتب عليه الجزاء ~~والشهر اسم للزمان المخصوص من أوله إلى آخره ، فشهود الشهر إنما يحصل عند ~~الجزاء الأخير من الشهر وظاهر هذه الآية يقتضي أن عند شهود الجزء الأخير من ~~الشهر / يجب عليه صوم كل الشهر وهذا محال ، لأنه يفضي إلى إيقاع الفعل في ~~الزمان المنقضي وهو ممتنع فلهذا الدليل علمنا أنه لا يمكن إجراء هذه الآية ~~على ظاهرها ، وأنه لا بد من صرفها إلى التأويل ، وطريقه أن يحمل لفظ الشهر ~~على جزء من أجزاء الشهر في جانب الشرط فيصير تقريره : من شهد جزأ من أجزاء ~~الشهر فليصم كل الشهر ، فعلى هذا : من شهد هلال رمضان فقد شهد جزأ من أجزاء ~~الشهر / وقد تحقق الشرط فيترتب عليه الجزاء ، وهو الأمر بصوم كل الشهر ، ~~وعلى هذا التأويل يستقيم معنى الآية وليس فيه إلا حمل لفظ الكل على الجزء ~~وهو مجاز مشهور . # واعلم أن المنقول عن علي ms1477 أن المراد من هذه الآية ، فمن شهد منكم أول ~~الشهر فليصم جميعه وقد عرفت بما ذكرنا من الدليل أنه لا يصح ألبتة إلا هذا ~~القول ، ثم يتفرع على هذا الأصل فرعان أحدهما : أنه إذا شهد أول الشهر هل ~~يلزمه صوم كل الشهر والثاني : أنه إذا شهد آخر الشهر هل يلزمه صوم كل الشهر ~~. # أما الأول : فهو أنه نقل عن علي رضي الله عنه أن من دخل عليه الشهر وهو ~~مقيم ثم سافر ، أن الواجب أن يصوم الكل ، لأنا بينا أن الآية تدل على أن من ~~شهد أول الشهر وجب عليه صوم كل الشهر ، وأما سائر المجتهدين فيقولون : إن ~~قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وإن كان معناه : أن من شهد أول ~~الشهر فليصمه كله إلا أنه عام يدخل فيه الحاضر والمسافر ، وقوله بعد ذلك : ~~{ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } خاص والخاص مقدم على ~~العام . فثبت أنه وإن سافر بعد شهوة الشهر فإنه يحل له الإفطار . # وأما الثاني : وهو أن أبا حنيفة زعم أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر ~~يلزمه قضاء ما مضى ، قال : لأنا PageV05P076 قد دللنا على أن المفهوم من ~~هذه الآية أن من أدرك جزأ من رمضان لزمه صوم كل رمضان والمجنون إذا أفاق في ~~أثناء الشهر فقد شهد جزأ من رمضان فوجب أن يلزمه صوم كل رمضان ، فإذا لم ~~يمكن صيام ما تقدم فالقضاء واجب . # المسألة الخامسة : اعلم أن قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ~~يستدعي بحثين : # البحث الأول : أن شهود الشهر بماذا يحصل ؟ فنقول : إما بالرؤية وإما ~~بالسماع ، أما الرؤية فنقول : إذا رأى إنسان هلال رمضان فأما أن يكون ~~منفردا بتلك الرؤية أو لا يكون ، فإن كان منفردا بها فأما أن يرد الإمام ~~شهادته أو لا يردها ، فإن تفرد بالرؤية ورد الإمام شهادته ، لزمه أن يصوم ، ~~لأن الله تعالى جعل شهود الشهر سببا لوجوب الصوم عليه ، وقد حصل شهود الشهر ~~في حقه ، فوجب أن يجب عليه الصوم ، وأما ms1478 إن انفرد بالرؤية وقبل الإمام ~~شهادته أو لم ينفرد بالرؤية فلا كلام في وجوب الصوم ، وأما السماع فنقول ~~إذا شهد عدلان على رؤية الهلال حكم به في الصوم والفطر جميعا ، وإذا شهد ~~عدل واحد على رؤية هلال شوال لا يحكم به وإذا شهد على هلال رمضان / يحكم به ~~احتياطا لأمر الصوم والفرق بينه وبين هلال شوال أن هلال رمضان للدخول في ~~العبادة وهلال شوال للخروج من العبادة ، وقول الواحد في إثبات العبادة يقبل ~~، أما في الخروج من العبادة لا يقبل إلا على قول الإثنين ، وعلى أنه لا فرق ~~بينهما في الحقيقة ، لأنا إنما قبلنا قول الواحد في هلال رمضان لكي يصوموا ~~ولا يفطروا احتياطا فكذلك لا يقبل قول الواحد في هلال شوال لكي يصوموا ولا ~~يفطروا احتياطا . # البحث الثاني في الصوم : نفقول : إن الصوم هو الإمساك عن المفطرات مع ~~العلم بكونه صائما من أول طلوع الفجر الصادق إلى حين غروب الشمس مع النية ~~وفي الحد قيود : # القيد الأول : الإمساك وهو احتراز عن شيئين أحدهما : لو طارت ذبابة إلى ~~حلقه ، أو وصل غبار الطريق إلى بطنه لا يبطل صومه ، لأن الاحتراز عنه شاق ، ~~والله تعالى يقول في آية الصوم { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ~~والثاني : لوصب الطعام أو الشراب في حلقه كرها أو حال نوم لا يبطل صومه ، ~~لأن المعتبر هو الإمساك والامتناع والإكراه لا ينافي ذلك . # القيد الثاني : قولنا عن المفطرات وهي ثلاثة : دخول داخل ، وخروج خارج ، ~~والجماع ، وحد الدخول كل عين وصل من الظاهر إلى الباطن من منفذ مفتوح إلى ~~الباطن إما الدماغ أو البطن وما فيه من الأمعاء والمثانة / أما الدماغ ~~فيحصل الفطر بالسعوط وأما البطن فيحصل الفطر بالحقنة وأما الخروج فالقىء ~~بالاختيار والاستمناء يبطلان الصوم ، وأما الجماع فالإيلاج يبطل الصوم . # القيد الثالث : قولنا مع العلم بكونه صائما فلو أكل أو شرب ناسيا للصوم ~~لا يبطل صومه عند أبي حنيفة والشافعي وعند مالك يبطل . # القيد الرابع : قولنا من أول طلوع الفجر الصادق والدليل عليه قوله ms1479 تعالى ~~: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر } ~~( البقرة : 187 ) وكلمة { حتى } لانتهاء الغاية ، وكان الأعمش يقول : أول ~~وقته إذا طلعت الشمس ، وكان يبيح الأكل والشرب بعد طلوع الفجر وقبل طلوع ~~الشمس ، ويحتج بأن PageV05P077 انتهاء اليوم من وقت غروب الشمس ، فكذا ~~ابتداؤه يجب أن يكون من عند طلوعها ، وهذا باطل بالنص الذي ذكرناه ، وحكي ~~عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده ، فقال له الأعمش : إنك لثقيل على ~~قلبي وأنت في بيتك ، فكيف إذا زرتنيا فسكت عنه أبو حنيفة فلما خرج من عنده ~~قيل له : لم سكت عنه ؟ فقال : وماذا أقول في رجل ما صام وما صلى في دهره ~~عني به أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل الشمس فلا صوم له وكان لا يغتسل ~~من الإنزال فلا صلاة له . # القيد الخامس : قولنا إلى غروب الشمس ، ودليله قوله عليه السلام : ( إذا ~~أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم ) ومن الناس من ~~يقول وقت الإفطار عند غروب ضوء / الشمس ، قاس هذا الطرف على الطرف الأول من ~~النهار . # القيد السادس : قولنا مع النية ، ومن الناس من يقول : لا حاجة لصوم رمضان ~~إلى النية لأن الله تعالى أمر بالصوم في قوله : { فليصمه } والصوم هو ~~الإمساك وقد وجد فيخرج عن العهدة لكنا نقول : لا بد من النية لأن الصوم عمل ~~بدليل قوله عليه السلام : ( أفضل الأعمال الصوم ) والعمل لا بد فيه من ~~النية لقوله عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) . # المسألة السادسة : القائلون بأن الآية المتقدمة تدل على أن المقيم الصحيح ~~مخير بين أن يصوم وبين أن يفطر مع الفدية قالوا : هذه الآية ناسخة لها وأبو ~~مسلم الأصفاني والأصم ينكرون ذلك ، وقد تقدم شرح هذه المسألة ثم بتقدير صحة ~~القول بهذا النسخ فهذا يدل على أن نسخ الأخف بالأثقل جائز ، لأن إيجاب ~~الصوم على التعيين أثقل من إيجابه على التخيير بينه وبين الفدية . # أما قوله تعالى : { فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ms1480 } فقد ~~تقدم تفسير هذه الآية ، وقد تقدم بيان السبب في التكرير . # أما قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } فاعلم أن ~~هذا الكلام إنما يحسن ذكره ههنا بشرط دخول ما قبله فيه والأمر ههنا كذلك ~~لأن الله تعالى أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسر فإنه ما أوجبه إلا في ~~مدة قليلة من السنة ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض ولا على المسافر وكل ~~ذلك رعاية لمعنى اليسر والسهولة وههنا مسائل : # المسألة الأولى : اليسر في اللغة معناه السهولة ومنه يقال للغني والسعة ~~اليسار لأنه يسهل به الأمور واليد اليسرى قيل تلي الفعال باليسر ، وقيل إنه ~~يتسهل الأمر بمعونتها اليمنى . # المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بهذه الآية في أن تكليف ما لا يطاق ~~غير واقع ، قالوا لأنه تعالى لما بين أنه يريد بهم ما تيسر دون ما تعسر ~~فكيف يكلفهم ما لا يقدرون عليه من الإيمان وجوابه أن اليسر والعسر لا ~~يفيدان العموم لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ المفرد الذي دخل عليه الألف ~~واللام لا يفيد العموم ، وأيضا فلو سلمنا ذلك لكنه قد ينصرف إلى المعهود ~~السابق فنصرفه إلى المعهود السابق في هذا الموضع . # المسألة الثالثة : المعتزلة تمكسوا بهذه الآية في إثبات أنه قد يقع من ~~العبد ما لا يريده الله وذلك لأن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده ، ~~لكان يجب أن يكون قد فعل ما لا يريده الله منه إذا كان لا PageV05P078 يريد ~~العسر الجواب : يحتمل اللفظ على أنه تعالى لا يريد أن يأمره بما فيه عسر ، ~~وإن كان قد يريد منه العسر وذلك لأن عندنا الأمر قد يثبت بدون الإرادة . # المسألة الرابعة : قالوا : هذه الآية دالة على رحمته سبحانه لعباده فلو ~~أراد بهم أن يكفروا فيصيروا إلى النار ، وخلق فيهم ذلك الكفر لم يكن لائقا ~~به أن يقول : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } والجواب أنه ~~معارض بالعلم . # أما قوله تعالى : { ولتكملوا العدة } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو بكر عن ms1481 عاصم { ولتكملوا العدة } بتشديد الميم ~~والباقون بالتخفيف وهما لغتان : أكملت وكملت . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : { ولتكملوا العدة } على ماذا علق ؟ . # جوابنا : أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف ، ثم فيه وجهان أحدهما : ما ~~قاله الفراء وهو أن التقدير : ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ماهداكم ~~ولعلكم تشكرون ، فعل جملة لما ذكر وهو الأمر بصوم العدة ، وتعليم كيفية ~~القضاء ، والرخصة في إباحة الفطر ، وذلك لأنه تعالى ما ذكر هذه الأمور ~~الثلاثة ذكر عقيبها ألفاظا ثلاثة ، فقوله : { ولتكملوا العدة } علة للأمر ~~بمراعاة العدة { ولتكبروا } علة ما علمتم من كيفية القضاء { ولعلكم تشكرون ~~} علة الترخص والتسهيل ، ونظير ما ذكرنا من حذف الفعل المنبه ما قبله عليه ~~قوله تعالى : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت * السماوات والارض * وليكون من ~~الموقنين } ( الأنعام : 75 ) أي أريناه . # الوجه الثاني : ما قاله الزجاج ، وهو أن المراد به أن الذي تقدم من ~~التكليف على المقيم صحيح والرخصة للمريض والمسافر إنما هو إكمال العدة لأنه ~~مع الطاقة يسهل عليه إكمال العدة ، ومع الرخصة في المرض والسفر يسهل إكمال ~~العدة بالقضاء ، فلا يكون عسرا ، فبين تعالى أنه كلف الكل على وجه لا يكون ~~إكمال العدة عسيرا ، بل يكون سهلا يسيرا ، والفرق بين الوجهين أن في الأول ~~إضمارا وقع بعد قوله : { ولتكملوا العدة } وفي الثاني قبله : # المسألة الثالثة : إنما قال : { ولتكملوا العدة } ولم يقل : ولتكملوا ~~الشهر ، لأنه لما قال : ولتكملوا العدة دخل تحته عدة أيام الشهر وأيام ~~القضاء لتقدم ذكرهما جميعا ولذلك يجب أن يكون عدد القضاء مثلا لعدد المقضي ~~، ولو قال تعالى : ولتكملوا الشهر لدل ذلك على حكم الأداء فقط ولم يدخل حكم ~~القضاء . # أما قوله : { ولتكبروا الله على ما } ففيه وجهان الأول : أن المراد منه ~~التكبير ليلة الفطر قال ابن عباس : حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن ~~يكبروا ، وقال الشافعي : وأحب إظهار التكبير في العيدين ، وبه قال مالك ~~وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد ، وقال أبو حنيفة : يكره ذلك غداة الفطر ، ~~واحتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى : { العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا ~~الله ms1482 على ما هداكم } وقال : معناه ولتكملوا عدة شهر رمضان لتكبروا الله عند ~~انقضائه على ما هداكم إلى هذه الطاعة ، ثم يتفرع على هذا ثلاث مسائل : ~~إحداها : اختلف قوله في أن أي العيدين أوكد في التكبير ؟ فقال في القديم : ~~ليلة النحر أوكد لإجماع السلف عليها ، وقال في الجديد : ليلة الفطر أوكد ~~لورود النص / فيها وثانيها : أن وقت التكبير بعد غروب PageV05P079 الشمس من ~~ليلة الفطر ، وقال مالك : لا يكبر في ليلة الفطر ولكنه يكبر في يومه ، وروي ~~هذا عن أحمد ، وقال إسحق : إذا غدا إلى المصلى حجة الشافعي أن قوله تعالى : ~~{ ولتكبروا الله على ما هداكم } يدل على أن الأمر بهذا يوجب أن يكون ~~التكبير وقع معللا بحصول هذه الهداية ، لكن بعد غروب الشمس تحصل هذه ~~الهداية ، فوجب أن يكون التكبير من ذلك الوقت وثالثها : مذهب الشافعي أن ~~وقت هذا التكبير ممتد إلى أن يحرم الإمام بالصلاة ، وقيل فيه قولان آخران ~~أحدهما : إلى خروج الإمام والثاني : إلى انصراف الإمام والصحيح هو الأول ، ~~وقال أبو حنيفة : إذا بلغ إلى أدنى المصلى ترك التكبير . # القول الثاني : في تفسير قوله : { ولتكبروا الله } أن المراد منه التعظيم ~~لله شكرا على ما وفق على هذه الطاعة ، واعلم أن تمام هذا التكبير إنما يكون ~~بالقول والاعتقاد والعمل أما القول : فالإقرار بصفاته العلي ، وأسمائه ~~الحسنى ، وتنزيهه عما لا يليق به من ند وصاحبة وولد وشبه بالخلق ، وكل ذلك ~~لا يصح إلا بعد صحة الإعتقاد بالقلب وأما العمل : فالتعبد بالطاعات من ~~الصلاة والصيام ، والحج واعلم أن القول الأول أقرب ، وذلك لأن تكبير الله ~~تعالى بهذا التفسير واجب في جميع الأوقات ، ومع كل الطاعات فتخصيص هذه ~~الطاعة بهذا التكبير يوجب أن يكون هذا التكبير له خصوصية زائدة على التكبير ~~الواجب في كل الأوقات . # أما قوله تعالى : { على ما هداكم } فإنه يتضمن الإنعام العظيم في الدنيا ~~بالأدلة والتعريف والتوفيق والعصمة ، وعند أصحابنا بخلق الطاعة . # وأما قوله تعالى : { ولعلكم تشكرون } ففيه بحثان أحدهما : أن كلمة { لعل ~~} للترجي ، والترجي لا يجوز في حق الله ms1483 والثاني : البحث عن حقيقة الشكر ، ~~وهذان بحثان قد مر تقريرهما . # بقي ههنا بحث ثالث ، وهو أنه ما الفائدة في ذكر هذا اللفظ في هذا الموضع ~~فنقول : إن الله تعالى لما أمر بالتكبير وهو لا يتم إلا بأن يعلم العبد ~~جلال الله وكبريائه وعزته وعظمته ، وكونه أكبر من أن تصل إليه عقول العقلاء ~~، وأوصاف الواصفين ، وذكر الذاكرين ، ثم يعلم أنه سبحانه مع جلاله وعزته ~~واستغنائه عن جميع المخلوقات ، فضلا عن هذا المسكين خصه الله بهذه الهداية ~~العظيمة لا بد وأن يصير ذلك داعيا للعبد إلى الاشتغال بشكره ، والمواظبة ~~على الثناء عليه بمقدار قدرته وطاقته فلهذا قال : { ولعلكم تشكرون } . # ! 7 < { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 186 ) وإذا سألك عبادي . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه الأول : أنه ~~تعالى لما قال بعض إيجاب فرض الصوم وبيان أحكامه : { ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون } ( البقرة : 185 ) فأمر بعد التكبير الذي هو الذكر ~~وبالشكر ، بين أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره ~~فيسمع نداءه ، ويجيب دعاءه ، ولا يخيب رجاءه والثاني : أن أمر بالتكبير ~~أولا ثم رغبه في الدعاء ثانيا ، تنبيها على أن الدعاء لا بد PageV05P080 ~~وأن يكون مسبوقا بالثناء الجميل ، ألا ترى أن الخليل عليه السلام لما أراد ~~الدعاء قدم عليه الثناء ، فقال أولا : { الذى خلقنى فهو يهدين } ( الشعرا : ~~78 ) إلى قوله : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : ~~82 ) وكل هذا ثناء منه على الله تعالى ثم شرع بعده في الدعاء فقال : { رب ~~هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } ( الشعراء : 83 ) فكذا ههنا أمر بالتكبير ~~أولا ثم شرع بعده في الدعاء ثانيا الثالث : إن الله تعالى لما فرض عليهم ~~الصيام كما فرض على الذين من قبلهم ، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم ~~عليهم ما يحرم على الصائم ، فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا الله في ذلك ms1484 ~~التكليف ، ثم ندموا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن توبتهم ، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية مخبرا لهم بقبول توبتهم ، ونسخ ذلك التشديد بسبب ~~دعائهم وتضرعهم . # المسألة الثانية : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها أحدها : ما روي عن ~~كعب أنه قال ، قال موسى عليه السلام : يا رب أقريب أنت فأناجيك ، أم بعيد ~~فأناديك ؟ فقال : يا موسى أنا جليس من ذكرني ، قال : يا رب فإنا نكون على ~~حالة نجلك أن نذكرك عليها من جنابة وغائط ، قال : يا موسى اذكرني على كل ~~حال ، فلما كان الأمر على هذه الصفة رغب الله تعالى عباده في ذكره وفي ~~الرجوع إليه في جميع الأحوال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وثانيها : أن ~~أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقريب ربنا فنناجيه ، أم ~~بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وثالثها : أنه عليه السلام كان ~~في غزوة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء ، فقال عليه ~~السلام : ( إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا ) ورابعها ~~: ما روي عن قتادة وغيره أن سببه أن الصحابة قالوا : كيف ندعو ربنا يا نبي ~~الله ؟ فأنزل هذه الآية وخامسها : قال عطاء وغيره : إنهم سألوه في أي ساعة ~~ندعو الله ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وسادسها : ما ذكره ابن عباس ، وهو ~~أن يهود أهل المدينة قالوا : يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا ؟ فنزلت هذه ~~الآية وسابعها : قال الحسن : سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ~~أين ربنا ؟ فأنزل الله هذه الآية وثامنها : ما ذكرنا أن قوله : { كما كتب ~~على الذين من قبلكم } ( البقرة : 183 ) لما اقتضى تحريم الأكل بعد / النوم ~~، ثم إنهم أكلوا ثم ندموا وتابوا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~تعالى هل يقبل توبتنا ؟ فأنزل الله هذه الآية . # واعلم أن قوله : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } يدل على أنهم سألوا ~~النبي عليه السلام عن الله تعالى ، فذلك السؤال إما أنه كان سؤالا عن ذات ~~الله تعالى ، أو عن صفاته ، أو ms1485 عن أفعاله ، أما السؤال عن الذات فهو أن ~~يكون السائل ممن يجوز التشبيه / فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات ، وأما ~~السؤال عن الصفات فهو أن يكون السائل سأل عن أنه تعالى هل يسمع دعاءنا ~~فيكون السؤال واقعا على كونه تعالى سميعا ، أو يكون المقصود من السؤال أنه ~~تعالى كيف أذن في الدعاء ، وهل أذن في الدعاء ، وهل أذن في أن ندعوه بجميع ~~الأسماء ، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة ، وهل أذن لنا أن ندعوه ~~كيف شئنا ، أو ما أذن بأن ندعوه على وجه معين ، كما قال تعالى : { ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها } ( الإسراء : 110 ) وأما السؤال عن الأفعال فهو أن ~~يكون السائل سأل الله تعالى أنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا ، ~~وهل يفعله ما نسأله عنه فقوله سبحانه : { وإذا سألك عبادي عني } يحتمل كل ~~هذه الوجوه ، إلا أن حمله على السؤال عن الذات أولى لوجهين الأول : أن ظاهر ~~قوله : { عني } يدل على أن السؤال وقع عن ذاته لا عن فعله { * والثاني } أن ~~السؤال متى كان مبهما والجواب مفصلا ، دل الجواب على أن المراد من ذلك ~~المبهم هو ذلك المعين ، فلما قال في الجواب : { عني فإني قريب } علمنا أن ~~السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات ، ولقائل أيضا أن PageV05P081 يقول ~~بل السؤال كان على الفعل ، وهو أنه تعالى هل يجيب دعاءهم ، وهل يحصل مقصود ~~، بدليل أنه لما قال : { فإني قريب } قال : { أجيب دعوة الداع إذا دعان } ~~فهذا هو شرح هذا المقام . # أما قوله تعالى : { فإني قريب } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه ليس المراد من هذا القريب بالجهة والمكان ، بل ~~المراد منه القرب بالعلم والحفظ ، فيحتاج ههنا إلى بيان مطلوبين : # المطلوب الأول : في بيان أن هذا القريب ليس قربا بحسب المكان ، ويدل عليه ~~وجوه الأول : أنه لو كان في المكان مشارا إليه بالحس لكان منقسما ، إذ ~~يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد . ولو كان منقسما لكانت ~~ماهيته مفتقرة في تحققها إلى تحقق كل ms1486 واحد من أجزائها المفروضة وجزء الشيء ~~غيره ، فلو كان في مكان لكان مفتقرا إلى غيره ، والمفتقر إلى غيره ممكن ~~لذاته ومحدث ومفتقر إلى الخالق ، وذلك في حق الخالق القديم محال ، فثبت أنه ~~تعالى يمتنع أن يكون في المكان فلا يكون قربه بالمكان والثاني : أنه لو كان ~~في المكان لكان إما أن يكون غير متناه عن جميع الجهات ، أو غير متناه عن ~~جهة دون جهة ، أو كان متناهيا من كل الجوانب والأول : محال لأن البراهين ~~القاطعة دلت على أن فرض بعد غير متناه محال والثاني : محال أيضا / لهذا ~~الوجه ، ولأنه لو كان أحد الجانبين متناهيا والآخر غير متناه لكانت حقيقة ~~هذا الجانب المتناهي مخالفة في الماهية لحقيقة ذلك الجانب الذي هو غير ~~متناه ، فيلزم منه كونه تعالى مركبا من أجزاء مختلفة الطبائع والخصم لا ~~يقول بذلك . # وأما القسم الثالث : وهو أن يكون متناهيا من كل الجوانب ، فذلك باطل ~~بالاتفاق بيننا وبين خصومنا ، فبطل القول بأنه تعالى في الجهة الثالث : وهو ~~أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قربا ~~بالجهة ، وذلك لأنه تعالى لو كان في المكان لما كان قريبا من الكل ، بل كان ~~يكون قريبا من حملة العرش وبعيدا من غيرهم ، ولكان إذا كان قريبا من زيد ~~الذي هو بالمشرق كان بعيدا من عمرو الذي هو بالمغرب ، فلما دلت الآية على ~~كونه تعالى قريبا من الكل علمنا أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قربا ~~بحسب الجهة ، ولما بطل أن يكون المراد منه القرب بالجهة ثبت أن المراد منه ~~القرب بمعنى أنه تعالى يسمع دعاءهم ويرى تضرعهم ، أو المراد من هذا القرب : ~~العلم والحفظ وعلى هذا الوجه قال تعالى : { وهو معكم * أينما * كنتم } ( ~~الحديد : 4 ) وقال : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق : 16 ) وقال : { ~~ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ( المجادله : 7 ) والمسلمون يقولون ~~إنه تعالى بكل مكان ويريدون به التدبير والحفظ والحراسة إذا عرفت هذه ~~المقدمة فنقول : لا يبعد أن ms1487 يقال إنه كان في بعض أولئك الحاضرين من كان ~~قائلا بالتشبيه ، فقد كان في مشركي العرب وفي اليهود وغيرهم من هذه طريقته ~~، فإذا سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا : أين ربنا ؟ صح أن يكون الجواب : ~~فإني قريب ، وكذلك إن سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا : هل يسمع ربنا ~~دعاءنا ؟ صح أن يقول في جوابه : فإني قريب فإن القريب من المتكلم يسمع ~~كلامه ، وإن سألوه كيف ندعوه برفع الصوت أو بأخفائه ؟ صح أن يجيب بقوله : ~~فإني قريب ، وإن سألوه هل يعطينا مطلوبنا بالدعاء ؟ صلح هذا الجواب أيضا ، ~~وإن سألوه إنا إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا ؟ صلح أن يجيب ~~بقوله : فإني قريب أي فأنا القريب بالنظر لهم والتجاوز عنهم وقبول التوبة ~~منهم ، فثبت أن هذا الجواب مطابق PageV05P082 للسؤال على جميع التقديرات . # المسألة الثانية : الآية تدل على أنه إنما يعرف بحدوث تلك الأشياء على ~~وفق غرض الداعي فدل على أنه لولا مدبر لهذا العالم يسمع دعاءه ولم يخيب ~~رجاءه وإلا لما حصل ذلك المقصود في ذلك الوقت . # واعلم أن قوله تعالى : { فإني قريب } فيه سر عقلي وذلك لأن اتصاف ماهيات ~~الممكنات بوجوداتها إنما كان بإيجاد الصانع ، فكان إيجاد الصانع كالمتوسط ~~بين ماهيات الممكنات وبين وجوداتها فكان الصانع أقرب إلى ماهية كل ممكن من ~~وجود تلك الماهية إليها ، بل ههنا كلام أعلى من ذلك وهو أن الصانع هو الذي ~~لأجله صارت ماهيات الممكنات موجودة فهو أيضا لأجله كان الجوهر جوهرا / ~~والسواد سوادا والعقل عقلا والنفس نفسا ، فكما أن بتأثيره وتكوينه صارت ~~الماهيات موجودة فكذلك بتأثيره وتكوينه صارت كل ماهية تلك الماهية ، فعلى ~~قياس ما سبق كان الصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهية إلى نفسها ، فإن ~~قيل : تكوين الماهية ممتنع لأنه لا يعقل جعل السواد سوادا فنقول ؛ فكذلك ~~أيضا لا يمكن جعل الوجود وجودا لأنه ماهية ، ولا يمكن جعل الموصوفية دالة ~~للماهية فإذن الماهية ليست بالفاعل ، والوجود ماهية أيضا فلا يكون بالفاعل ~~، وموصوفية الماهية بالوجود هو أيضا ماهية فلا تكون بالفاعل ، فإذن ms1488 لم يقع ~~شيء ألبتة بالفاعل ، وذلك باطل ظاهر البطلان ، فإذن وجب الحكم بأن الكل ~~بالفاعل ، وعند ذلك يظهر الكلام الذي قررناه . # أما قوله تعالى : { أجيب دعوة الداع إذا دعان } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وقالون عن نافع { الداعى * إذا } بإثبات ~~الياء فيهما في الوصل والباقون بحذفها فالأولى على الوصل والثانية على ~~التخفيف . # المسألة الثانية : قال أبو سليمان الخطابي : الدعاء مصدر من قولك : دعوت ~~الشيء أدعوه دعاء ثم أقاموا المصدر مقام الاسم تقول : سمعت دعاء كما تقول ~~سمعت صوتا وقد يوضع المصدر موضع الاسم كقولهم : رجل عدل . وحقيقة الدعاء ~~استدعاء العبد ربه جل جلاله العناية واستمداده إياه المعونة . وأقول : ~~اختلف الناس في الدعاء ، فقال بعض الجهال الدعاء شيء عديم الفائدة ، ~~واحتجوا عليه من وجوه أحدها : أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع عند ~~الله تعالى كان واجب الوقوع ، فلا حاجة إلى الدعاء ، وإن كان غير معلوم ~~الوقوع كان ممتنع الوقوع ، فلا حاجة أيضا إلى الدعاء وثانيها : أن حدوث ~~الحوادث في هذا العالم لا بد من انتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم الواجب ~~لذاته ، وإلا لزم إما التسلسل ، وإما الدور وإما وقوع الحادث من غير مؤثر ~~وكل ذلك محال وإذا ثبت وجوب إنتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم / فكل ما ~~اقتضى ذلك المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديما أزليا كان واجب الوقوع ، وكل ~~ما لم يقتض المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديما أزليا كان ممتنع الوقوع ، ~~ولما ثبتت هذه الأمور في الأزل لم يكن للدعاء ألبتة أثر ، وربما عبروا عن ~~هذا الكلام بأن قالوا : الأقدار سابقة والأقضية متقدمة والدعاء لا يزيد ~~فيها وتركه لا ينقص شيئا منها ، فأي فائدة في الدعاء ، وقال عليه الصلاة ~~والسلام قدر الله المقادير قبل أن يخلق الخلق بكذا وكذا عاما وروي عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال : ( جف القلم بما هو كائن ) وعنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال : ( أربع قد فرغ منها : العمر والرزق والخلق والخلق ) ~~وثالثها : أنه سبحانه علام الغيوب : { يطاع يعلم خائنة الاعين وما تخفى ~~الصدور } ( غافر ms1489 : 19 ) فأي حاجة بالداعي إلى الدعاء ؟ ولهذا السبب قالوا ~~إن جبريل عليه / السلام بلغ بسبب هذا الكلام إلى أعلى PageV05P083 درجات ~~الإخلاص والعبودية ولولا أن ترك الدعاء أفضل لما كان كذلك ورابعها : أن ~~المطلوب بالدعاء إن كان من مصالح العبد فالجواد المطلق لا يهمله وإن لم يكن ~~من مصالحه لم يجز طلبه وخامسها : ثبت بشواهد العقل والأحاديث الصحيحة أن ~~أجل مقامات الصديقين وأعلاها الرضا بقضاء الله تعالى والدعاء ينافي ذلك ~~لأنه اشتغال بالإلتماس وترجيح لمراد النفس على مراد الله تعالى وطلبه لحصة ~~البشر وسادسها : أن الدعاء يشبه الأمر والنهي وذلك من العبد في حق المولى ~~الكريم الرحيم سوء أدب وسابعها : روي أنه عليه الصلاة والسلام قال رواية عن ~~الله سبحانه وتعالى : ( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين ) قالوا فثبت بهذه الوجوه أن الأولى ترك الدعاء . # وقال الجمهور الأعظم من العقلاء : إن الدعاء أهم مقامات العبودية ، ويدل ~~عليه وجوه من النقل والعقل ، أما الدلائل النقلية فكثيرة الأول : أن الله ~~تعالى ذكر السؤال والجواب في كتابه في عدة مواضع منها أصولية ومنها فروعية ~~، أما الأصولية فقوله : { ويسئلونك عن الروح } ( الإسراء : 85 ) { ويسئلونك ~~عن الجبال } ( طه : 105 ) { ويسئلونك عن * الساعة } ( النازعات : 42 ) وأما ~~الفروعية فمنها في البقرة على التوالي { يسئلونك ماذا ينفقون } ( البقرة : ~~219 ) { يسئلونك عن الشهر الحرام } ( البقرة : 217 ) { يسئلونك عن الخمر ~~والميسر } ( البقرة : 219 ) { يسألونك عن * اليتامى } ( البقرة : 220 ) { ~~ويسئلونك عن المحيض } ( البقرة : 222 ) وقال أيضا : { يسألونك عن الانفال } ~~( الأنفال : 1 ) { ويسألونك عن ذى القرنين } ( الكهف : 83 ) { ويستنبئونك ~~أحق هو } ( يونس : 53 ) { يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة } ( النساء : ~~176 ) . # إذا عرفت هذا : فنقول هذه الأسئلة جاءت أجوبتها على ثلاثة أنواع فالأغلب ~~فيها أنه تعالى لما حكى السؤال قال لمحمد : قل وفي صورة واحدة جاء الجواب ~~بقوله : فقل مع فاء التعقيب ، والسبب فيه أن قوله تعالى : { يسألونك عن * ~~الجبال } سؤال عن قدمها وحدوثها وهذه مسألة أصولية فلا جرم قال الله تعالى ~~: { فقل ينسفها ربى نسفا } ( طه : 105 ) كأنه ms1490 قال يا محمد أجب عن هذا ~~السؤال في الحال ولا تؤخر الجواب فإن الشك فيه كفر ثم تقدير الجواب أن ~~النسف ممكن في كل جزء من أجزاء الجبل فيكون ممكنا في الكل وجواز عدمه يدل ~~على امتناع قدمه ، أما سائر المسائل فهي فروعية فلا جرم لم يذكر فيها فاء ~~التعقيب ، أما الصورة الثالثة وهي في هذه الآية قال : { وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب } ولم ولم يقل فقل إني قريب فتدل على تعظيم حال الدعاء من ~~وجوه الأول : كأنه سبحانه وتعالى يقول عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في ~~غير وقت الدعاء أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك الثاني : أن قوله ~~: { وإذا سألك عبادي عني } يدل على أن العبد له وقوله : { فإني قريب } يدل ~~على أن الرب للعبد وثالثها : لم يقل : فالعبد مني قريب ، بل قال : أنا منه ~~قريب ، وفيه سر نفيس فإن العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو هو في مركز العدم ~~وحضيض الفناء ، فلا يمكنه القرب من الرب أما الحق سبحانه فهو القادر من أن ~~يقرب بفضله وبرحمته من العبد ، والقرب من الحق إلى العبد / لا من العبد إلا ~~الحق فلهذا قال : { فإني قريب } والرابع : أن الداعي ما دام يبقى خاطره ~~مشغولا بغير الله فإنه لا يكون داعيا له فإذا فني عن الكل صار مستغرقا في ~~معرفة الأحد الحق ، فامتنع من أن يبقى في هذا المقام ملاحظا لحقه وطالبا ~~لنصيبه ، فلما ارتفعت الوسائط بالكلية ، فلا جرم حصل القرب فإنه ما دام ~~يبقى العبد ملتفتا إلى غرض نفسه لم يكن قريبا من الله تعالى ، لأن ذلك ~~الغرض يحجبه عن الله ، فثبت أن الدعاء يفيد القرب من الله ، فكان الدعاء ~~أفضل العبادات . PageV05P084 # الحجة الثانية في فضل الدعاء : قوله تعالى : { وقال ربكم ادعونى أستجب ~~لكم } ( غافر : 60 ) . # الحجة الثالثة : أنه تعالى لم يقتصر في بيان فضل الدعاء على الأمر به بل ~~بين في آية أخرى أنه إذا لم يسأل يغضب فقال : { فلولا إذا * جاءهم بأسنا ~~تضرعوا ولاكن قست ms1491 قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } ( الأنعام : ~~43 ) وقال عليه السلام : ( لا ينبغي أن يقول أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت ~~ولكن يجزم فيقول : اللهم اغفر لي ) وقال عليه السلام : ( الدعاء مخ العبادة ~~) وعن النعمان بن بشير أنه عليه السلام قال : ( الدعاء هو العبادة ) وقرأ { ~~وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } فقوله : ( الدعاء هو العبادة ) معناه أنه ~~معظم العبادة وأفضل العبادة ، كقوله عليه السلام ( الحج عرفة ) أي الوقوف ~~بعرفة هو الركن الأعظم . # الحجة الرابعة : قوله تعالى : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ( الأعراف : 55 ~~) وقال : { قل ما * يعبؤا بكم ربى لولا دعاؤكم } ( الفرقان : 77 ) والآيات ~~كثيرة في هذا الباب فمن أبطل الدعاء فقد أنكر القرآن . # والجواب عن الشبهة الأولى : أنها متناقضة ، لأن إقدام الإنسان على الدعاء ~~إن كان معلوم الوقوع فلا فائدة في اشتغالكم بإبطال الدعاء ، وإن كان معلوم ~~العدم لم يكن إلى إنكاركم حاجة ، ثم نقول : كيفية علم الله تعالى وكيفية ~~قضائه وقدره غائبة عن العقول ، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقا ~~بين الرجاء وبين الخوف اللذين بهما تنم العبودية ، وبهذا الطريق صححنا ~~القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله بالكل وجريان قضائه وقدره في ~~الكل ، ولهذا الإشكال سألت الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ~~أرأيت أعمالنا هذه أشيء قد فرغ منه أم أمر يستأنفه ؟ فقال : بل شيء قد فرغ ~~منه . فقالوا : ففيم العمل إذن ؟ قال : ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) ~~فانظر إلى لطائف هذا الحديث فإنه عليه السلام علقهم بين الأمرين فرهبهم ~~سابق القدر المفروغ منه ثم ألزمهم العمل الذي هو مدرجة التعبد ، فلم يعطل ~~ظاهر العمل بما يفيد من القضاء والقدر ، ولم يترك أحد الأمرين للآخر ، ~~وأخبر أن فائدة العمل هو المقدر المفروغ منه فقال : ( كل ميسر لما خلق له ) ~~يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر قبل وجوه ، إلا أنك ~~تحب أن تعلم ههنا فرق ما بين الميسر والمسخر فتأهب لمعرفته فإنه بمنزلة ~~مسألة القضاء والقدر ، وكذا القول في باب ms1492 الكسب والرزق فإنه مفروغ منه في ~~الأصل لا يزيده الطلب ولا ينقصه الترك . # / والجواب عن الشبهة الثانية : أنه ليس المقصود من الدعاء الإعلام ، بل ~~إظهار العبودية والذلة والانكسار والرجوع إلى الله بالكلية . # وعن الثالثة : أنه يجوز أن يصير ما ليس بمصلحة مصلحة بحسب سبق الدعاء . # وعن الرابعة : أنه إذا كان مقصوده من الدعاء إظهار الذلة والمسكنة ثم بعد ~~رضى بما قدره الله وقضاه ، فذلك أعظم المقامات وهذا هو الجواب عن بقية ~~الشبه في هذا الباب . # المسألة الثالثة : في الآية سؤال مشكل مشهور ، وهو أنه تعالى قال : { ~~ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) وقال في هذه الآية : { أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان } وكذلك { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } ( النمل : 62 ) ثم إنا نرى ~~الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب . # والجواب : أن هذه الآية وإن كانت مطلقة إلا أنه قد وردت آية أخرى مقيدة ، ~~وهو قوله تعالى : { بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء } ( الأنعام ~~: 41 ) ولا شك أن المطلق محمول على المقيد ، ثم تقرير PageV05P085 المعنى ~~فيه وجوه أحدها : أن الداعي لا بد وأن يجد من دعائه عوضا ، إما إسعافا ~~بطلبته التي لأجلها دعا وذلك إذا وافق القضاء ، فإذا لم يساعده القضاء فإنه ~~يعطي سكينة في نفسه ، وإنشراحا في صدره ، وصبرا يسهل معه احتمال البلاء ~~الحاضر ، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة ، وهو نوع من الاستجابة وثانيها : ما ~~روى القفال في تفسيره عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ( دعوة المسلم لا ترد إلا لإحدى ثلاثة : ما لم يدع بإثم أو ~~قطيعة رحم ، إما أن يعجل له في الدنيا ، وإما أن يدخر له في الآخرة ، وإما ~~أن يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا ) . # وهذا الخبر تمام البيان في الكشف عن هذا السؤال ، لأنه تعالى قال : { ~~ادعونى أستجب لكم } ولم يقل : أستجب لكم في الحال فإذا استجاب له ولو في ~~الآخرة كان الوعد صدقا وثالثها : أن قوله : { ادعونى أستجب لكم } يقتضي أن ~~يكون الداعي عارفا ms1493 بربه وإلا لم يكن داعيا له ، بل لشيء متخيل لا وجود له ~~ألبتة ، فثبت أن الشرط الداعي أن يكون عارفا بربه ومن صفات الرب سبحانه أن ~~لا يفعل إلا ما وافق قضاءه وقدره وعلمه وحكمته فإذا علم أن صفة الرب هكذا ~~استحال مه أن يقول بقلبه وبعقله : يا رب افعل الفعل الفلاني لا محالة ، بل ~~لا بد وأن يقول : افعل هذا الفعل إن كان موافقا لقضائك وقدرك وحكمتك ، وعند ~~هذا يصير الدعاء الذي دلت الآية على ترتيب الإجابة عليه مشروطا بهذه ~~الشرائط وعلى هذا التقدير زال السؤال الرابع أن لفظ الدعاء والإجابة يحتمل ~~وجوها كثيرة أحدها : أن يكون الدعاء عبارة عن التوحيد والثناء على الله ~~كقول العبد : يا ألله الذي لا إله إلا أنت ، وهذا إنما سمي دعاء لإنك عرفت ~~الله تعالى ثم وحدته وأثنيت عليه ، فهذا يسمى دعاء بهذا التأويل ولما سمي ~~هذا المعنى دعاء سمي قبوله إجابة لتجانس اللفظ ومثله كثير وقال ابن ~~الأنباري : { أجيب } ههنا بمعنى أسمع لأن بين السماع وبين الإجابة نوع ~~ملازمة ، فلهذا السبب يقام كل واحد / منهما مقام الآخر ، فقولنا سمع الله ~~لمن حمده أي أجاب الله فكذا ههنا قوله : { أجيب دعوة الداع } أي أسمع تلك ~~الدعوة ، فإذا حملنا قوله تعالى : { ادعونى أستجب لكم } على هذا الوجه زال ~~الإشكال وثانيها : أن يكون المراد من الدعاء التوبة عن الذنوب ، وذلك لأن ~~التائب يدعو الله تعالى عند التوبة ، وإجابة الدعاء بهذا التفسير عبارة عن ~~قبول التوبة ، وعلى هذا الوجه أيضا لا إشكال ، وثالثها : أن يكون المراد من ~~الدعاء العبادة ، قال عليه الصلاة والسلام : ( الدعاء هو العبادة ) ومما ~~يدل عليه قوله تعالى : { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتى سيدخلون جهنم داخرين } ( غافر : 60 ) فظهر أن الدعاء ههنا هو ~~العبادة ، وإذا ثبت هذا فإجابة الله تعالى للدعاء بهذا التفسير عبارة عن ~~الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كما قال : { ويستجيب الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله } ( الشورى : 26 ) وعلى هذا الوجه الإشكال ~~زائل ms1494 ورابعها : أن يفسر الدعاء بطلب العبد من ربه حوائجه فالسؤال المذكور ~~إن كان متوجها على هذا التفسير لم يكن متوجها على التفسيرات الثلاثة ~~المتقدمة ، فثبت أن الإشكال زائل . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : { أجيب دعوة الداع إذا دعان } مختص ~~بالمؤمنين { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ( الأنعام : 82 ) وذلك ~~لأن وصفنا الإنسان بأن الله تعالى قد أجاب دعوته ، صفة مدح وتعظيم ، ألا ~~ترى أنا إذا أردنا المبالغة في تعظيم حال إنسان في الدين قلنا إنه مستجاب ~~الدعوة وإذا كان هذا من أعظم المناصب في الدين ، والفاسق واجب الإهانة في ~~الدين ، ثبت أن هذا الوصف لا يثبت إلا لمن لا يتلوث إيمانه بالفسق ، بل ~~الفاسق قد يفعل الله ما يطلبه إلا أن ذلك لا يسمى إجابة الدعوة . ~~PageV05P086 # أما قوله تعالى : { فليستجيبوا لى وليؤمنوا * بى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : وجه الناظم أن يقال : إنه تعالى قال : أنا أجيب دعاءك ~~مع أني غني عنك مطلقا ، فكن أنت أيضا مجيبا لدعائي مع أنك محتاج إلى من كل ~~الوجوه ، فما أعظم هذا الكرم ، وفيه دقيقة أخرى وهي أنه تعالى لم يقل للعبد ~~: أجب دعائي حتى أجيب دعاءك ، لأنه لو قال ذلك لصار لدعائي ، وهذا تنبيه ~~على أن إجابة الله عبده فضل منه ابتداء ، وأنه غير معلل بطاعة العبد ، وأن ~~إجابة الرب في هذا الباب إلى العبد متقدمة على اشتغال العبد بطاعة الرب ، ~~وهذا يدل على فساد ما نقلناه عن المعتزلة في المسألة الرابعة . # المسألة الثانية : قال الواحدي : أجاب واستجاب بمعنى واحد : قال كعب ~~الغنوي : # % وداع دعا يا من يجيب إلى الندا % % فلم يستجبه عند ذاك مجيب % # وقال أهل المعنى : الإجابة من العبد لله الطاعة ، وإجابة الله لعبده ~~إعطاؤه إياه مطلوبه ، لأن إجابة كل شيء على وفق ما يليق به . # / المسألة الثالثة : إجابة العبد لله إن كانت إجابة بالقلب واللسان ، ~~فذاك هو الإيمان ، وعلى هذا التقدير يكون قوله : { فليستجيبوا لى وليؤمنوا ~~بى } تكرارا محضا ، وإن كانت إجابة العبد لله عبارة عن الطاعات كان الإيمان ~~مقدما على الطاعات ms1495 ، وكان حق النظم أن يقول : فليؤمنوا بي وليستجيبوا لي ، ~~فلم جاء على العكس منه ؟ . # وجوابه : أن الإستجابة عبارة عن الإنقياد والإستسلام ، والإيمان عبارة عن ~~صفة القلب ، وهذا يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم ~~الطاعات والعبادات . # أما قوله تعالى : { لعلهم يرشدون } فقال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { يرشدون ~~} بفتح الشين وكسرها ، ومعنى الآية أنهم إذا استجابوا لي وآمنوا بي : ~~اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم ، لأن الرشيد هو من كان كذلك ، يقال : فلان ~~رشيد ، قال تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا } ( النساء : 6 ) وقال : { ~~أولئك هم الرشدون } ( الحجرات : 7 ) . # ! 7 < { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالن باشروهن ~~وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى اليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون ~~في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذالك يبين الله آياته للناس لعلهم ~~يتقون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 187 ) أحل لكم ليلة . . . . . # > > PageV05P087 @88@ # فيه مسائل : # / المسألة الأولى : أنه ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن ~~لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء ~~، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية ، وقال أبو مسلم الأصفهاني هذه ~~الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا ألبتة ، بل كانت ثابتة في شرع النصارى ، ~~والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتا في شرعهم ، وجرى فيه على مذهبه من ~~أنه لم يقع في شرعنا نسخ ألبتة ، واحتج الجمهور على قولهم بوجوه . # الحجة الأولى : أن قوله تعالى : { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم } ( البقرة : 183 ) يقتضي تشبيه صومنا بصومهم ، وقد كانت هذه الحرمة ~~ثابتة في صومهم ، فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون ثابتة أيضا في صومنا ، ~~وإذا ثبت أن الحرمة كانت ثابتة ms1496 في شرعنا ، وهذه الآية ناسخة لهذه الحرمة ~~لزم أن تكون هذه الآية ناسخة لحكم كان ثابتا في شرعنا . # الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم } ولو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أول الأمر لم يكن لقوله { ~~أحل لكم } فائدة . # الحجة الثالثة : التمسك بقوله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون ~~أنفسكم } ولو كان ذلك حلالا لهم لما كان بهم حاجة إلى أن يختانون أنفسهم . # الحجة الرابعة : قوله تعالى : { فتاب عليكم وعفا عنكم } ولولا أن ذلك كان ~~محرما عليهم وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل ، لما صح ~~قوله : { فتاب عليكم وعفا عنكم } . # الحجة الخامسة : قوله تعالى : { فالن باشروهن } ولو كان الحل ثابتا قبل ~~ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله : { فالن باشروهن } فائدة . # الحجة السادسة : هي أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالة على ~~أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا ، هذا مجموع دلائل القائلين بالنسخ ، ~~أجاب أبو مسلم عن هذه الدلائل فقال : # أما الحجة الأولى : فضعيفة لأنا بينا أن تشبيه الصوم بالصوم يكفي في صدقه ~~مشابهتهما في أصل الوجوب . # وأما الحجة الثانية : فضعيفة أيضا لأنا نسلم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في ~~شرع من قبلنا ، فقوله : { أحل لكم } معناه أن الذي كان محرما على غيركم فقد ~~أحل لكم . # وأما الحجة الثالثة : فضعيف أيضا ، وذلك لأن تلك الحرمة كانت ثابتة في ~~شرع عيسى عليه السلام ، وأن الله تعالى أوجب علينا الصوم ، ولم يبين في ذلك ~~الإيجاب زوال تلك الحرمة فكان يخطر ببالهم أن تلك الحرمة كانت ثابتة في ~~الشرع المتقدم ، ولم يوجد في شرعنا ما دل على زوالها فوجب القول ببقائها ، ~~ثم تأكد هذا الوهم بقوله تعالى : { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم } فإن مقتضى التشبيه حصول PageV05P088 المشابهة في كل الأمور ، فلما ~~كانت هذه الحرمة ثابتة في الشرع المتقدم وجب أن تكون ثابتة في هذا الشرع ، ~~وإن لم تكن حجة قوية إلا أنها لا أقل من أن ms1497 تكون شبهة موهمة فلأجل هذه ~~الأسباب كانوا يعتقدون بقاء تلك الحرمة في شرعنا ، فلا جرم شددوا وأمسكوا ~~عن هذه الأمور فقال الله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ~~وأراد به تعالى النظر للمؤمنين بالتخفيف لهم بما لو لم تتبين الرخصة فيه ~~لشددوا وأمسكوا عن هذه الأمور ونقصوا أنفسهم من الشهوة ، ومنعوها من المراد ~~، وأصل الخيانة النقص ، وخان واختان وتخون بمعنى واحد كقولهم : كسب واكتسب ~~وتكسب ، فالمراد من الآية : علم الله أنه لو لم يتبين لكم إحلال الأكل ~~والشرب والمباشرة طول الليل أنكم كنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها ~~لذاتها ومصلحتها بالإمساك عن ذلك بعد النوم كسنة النصارى . # وأما الحجة الرابعة : فضعيفة لأن التوبة من العباد الرجوع إلى الله تعالى ~~بالعبادة ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان ، وأما العفو فهو ~~التجاوز فبين الله تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما جعله ثقيلا على من قبلنا ~~كقوله : { ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم } ( الأعراف : 157 ) . # وأما الحجة الخامسة : فضعيفة لأنهم كانوا بسبب تلك الشبهة ممتنعين عن ~~المباشرة ، فلما بين الله تعالى ذلك وأزال الشبهة فيه لا جرم قال : { فالن ~~باشروهن } . # وأما الحجة السادسة : فضعيفة لأن قولنا : هذه الآية ناسخة لحكم كان ~~مشروعا لا تعلق له بباب العمل ولا يكون خبر الواحد حجة فيه ، وأيضا ففي ~~الآية ما يدل على ضعف هذه الروايات لأن المذكور في تلك الروايات أن القوم ~~اعترفوا بما فعلوا عند الرسول ، وذلك على خلاف قول الله تعالى : { علم الله ~~أنكم كنتم تختانون أنفسكم } لأن ظاهره هو المباشرة ، لأنه افتعال من ~~الخيانة ، فهذا حاصل الكلام في هذه المسألة . # المسألة الثانية : القائلون بأن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا ، ثم ~~إنها نسخت ذكروا في سبب نزول هذه الآية أنه كان في أول الشريعة يحل الأكل ~~والشرب والجماع ، ما لم يرقد الرجل أو يصل العشاء الآخرة ، فإذا فعل أحدهما ~~حرم عليه هذه الأشياء إلى الليلة الآتية ، فجاء رجل من الأنصار عشية وقد ~~أجهده الصوم ، واختلفوا في اسمه ، فقال معاذ : اسمه أبو صرمة ms1498 ، وقال البراء ~~: قيس بن صرمة ، وقال الكلبي : أبو قيس بن صرمة ، وقيل : صرمة بن أنس ، ~~فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبب ضعفه فقال : يا رسول الله عملت ~~في النخل نهاري أجمع حتى أمسيت فأتيت أهلي لتطعمني شيئا فأبطأت فنمت ~~فأيقظوني ، وقد حرم الأكل فقام عمر فقال : يا رسول الله أعتذر إليك من مثله ~~. رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء الآخرة ، فأتيت امرأتي ، فقال عليه ~~الصلاة والسلام : لم تكن جديرا بذلك يا عمر ثم قام رجال فاعترفوا بالذي ~~صنعوا فنزل قوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث } أي أحل الله وقرأ عبد الله { * الرفوث } . # المسألة الرابعة : قال الواحدي : ليلة الصيام أراد ليالي الصيام فوقع ~~الواحد موقع الجماعة ، ومنه قول العباس بن مرادس : # % فقلنا أسلموا إنا أخوكم % % فقد برئت من الأحن الصدور % % PageV05P089 # وأقول فيه وجه آخر وهو أنه ليس المراد من { لكم ليلة الصيام } ليلة واحدة ~~بل المراد الإشارة إلى الليلة المضافة إلى هذه الحقيقة . # المسألة الخامسة : قال الليث : الرفث أصله قول الفحش ، وأنشد الزجاج : # % ورب أسراب حجيج كقلم % % عن اللغا ورفث التكلم % # يقال رفث في كلامه يرفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح قال تعالى : { فلا رفث ~~ولا فسوق } ( البقرة : 197 ) وعن ابن عباس أنه أنشد وهو محرم : # % وهن يمشين بنا هميسا % % أن يصدق الطير ننك لميسا % # فقيل له : أترفث ؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء فثبت أن الأصل في ~~الرفث هو قول الفحش ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معاني ~~الإفضاء ، ثم جعل كناية عن الجماع وعن كل ما يتبعه . # فإن قيل : لم كنى ههنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف ~~قوله : { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } ( النساء : 21 ) { فلما تغشاها } ( ~~الأعراف : 189 ) { أو لامستم النساء } ( النساء : 43 ) { دخلتم بهن } ( ~~النساء : 23 ) { فأتوا حرثكم } ( البقرة : 223 ) { من قبل أن تمسوهن } ( ~~البقرة : 236 ) { فما * استمتعتم به منهن } ( النساء : 24 ms1499 ) { ولا تقربوهن ~~} ( البقرة : 222 ) . # جوابه : السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا ~~لأنفسهم ، والله اعلم . # المسألة السادسة : قال الأخفش : إنما عدى الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء ~~في قوله : { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } ( النساء : 21 ) . # المسألة السابعة : قوله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث } يقتضي حصول الحل ~~في جميع الليل لأن { ليلة } نصب على الظرف ، وإنما يكون الليل ظرفا للرفث ~~لو كان الليل كله مشغولا بالرفث ، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لاكله ~~، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ ، وأما الذي بعده في قوله : { وكلوا ~~واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود } فذاك يكون كالتأكيد ~~لهذا النسخ ، وأما الذي يقول : إن قوله : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث } ~~يفيد حل الرفث في الليل ، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به فيكون الناسخ ~~هو قوله : { كلوا واشربوا } . # / أما قوله تعالى : { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قد ذكرنا في تشبيه الزوجين باللباس وجوها أحدها : أنه ~~لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه ~~حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه ، سمي كل واحد منهما ~~لباسا ، قال الربيع : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن ، وقال ابن زيد : عن لباس ~~لكن وأنتم لباس لهن ، يريد أن كل واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن ~~أبصار الناس وثانيها : إنما سمي الزوجان لباسا ليستر كل واحد منهما صاحبه ~~عما لا يحل ، كما جاء في الخبر ( من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه ) وثالثها : ~~أنه تعالى جعلها لباسا للرجل ، من حيث إنه يخصها بنفسه ، كما يخص لباسه ~~بنفسه ، ويراها أهلا لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس ~~ورابعها : يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن PageV05P090 جميع المفاسد التي ~~تقع في البيت ، لو لم تكن المرأة حاضرة ، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر ~~والبرد وكثير من المضار وخامسها : ذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما ~~كان كاللباس الساتر ms1500 للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه ، وهذا ضعيف لأنه ~~تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا ، فكيف يحمل على التستر بهن ~~في المحظور . # المسألة الثانية : قال الواحدي : إنما وحد اللباس بعد قوله { هن } لأنه ~~يجري مجرى المصدر ، وفعال من مصادر فاعل ، وتأويله : هن ملابسات لكم . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : فإن قلت : ما موقع قوله : { هن ~~لباس لكم } فنقول : هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال ، وهو أنه إذا حصلت ~~بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن ، وضعف عليكم ~~اجتنابهن ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن . # أما قوله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : يقال : خانه يخونه خونا وخيانة إذا لم يف له ، والسيف ~~إذا نبا عن الضربة فقد خانك ، وخانه الدهر إذا تغير حاله إلى الشر ، وخان ~~الرجل الرجل إذا لم يؤد الأمانة ، وناقض العهد خائن ، لأنه كان ينتظر منه ~~الوفاء فغدر ، ومنه قوله تعالى : { وإما تخافن من قوم خيانة } ( الأنفال : ~~58 ) أي نقضا للعهد ، ويقال للرجل المدين : إنه خائن ، لأنه لم يف بما يليق ~~بدينه ، ومنه قوله تعالى : { لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم } ( ~~الأنفال : 27 ) وقال : { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل } ( ~~الأنفال : 71 ) ففي هذه الآية سمى الله المعصية بالخيانة ، وإذا علمت معنى ~~الخيانة ، فقال صاحب ( الكشاف ) : الاختيان من الخيانة ، كالاكتساب من ~~الكسب فيه زيادة وشدة . # المسألة الثانية : أن الله تعالى ذكر ههنا أنهم كانوا يختانون أنفسهم ، ~~إلا أنه لم يذكر أن تلك الخيانة كانت فيماذا ؟ فلا بد من حمل هذه الخيانة ~~على شيء يكون له تعلق بما تقدم وما تأخر ، والذي تقدم هو ذكر الجماع ، ~~والذي تأخر قوله : { فالن باشروهن } فيجب أن يكون المراد بهذه / الخيانة ~~الجماع ، ثم ههنا وجهان : أحدهما : علم الله أنكم كنتم تسرون بالمعصية في ~~الجماع بعد العتمة والأكل بعد النوم وتركبون المحرم من ذلك وكل من عصى الله ~~ورسوله فقد خان نفسه وقد خان الله ، لأنه جلب إليها العقاب ، وعلى هذا ~~القول يجب أن ms1501 يقطع على أنه وقع ذلك من بعضهم لأنه لا يمكن حمله على وقوعه ~~من جميعهم ، لأن قوله : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } إن حمل على ~~ظاهره وجب في جميعهم أن يكونوا مختانين لأنفسهم ، لكنا قد علمنا أن المراد ~~به التبعيض للعادة والإخبار ، وإذا صح ذلك فيجب أن يقطع على وقوع هذا ~~الجماع المحظور من بعضهم ، فمن هذا الوجه يدل على تحريم سابق وعلى وقوع ذلك ~~من بعضهم ، ولأبي مسلم أن يقول قد بينا أن الخيانة عبارة عن عدم الوفاء بما ~~يجب عليه فأنتم حملتموه على عدم الوفاء بطاعة الله ، ونحن حملناه على عدم ~~الوفاء بما هو خير للنفس وهذا أولى ، لأن الله تعالى لم يقل : علم الله ~~أنكم كنتم تختانون الله ، كما قال : { لا تخونوا الله } ( الأنفال : 27 ) ~~ما قال : { كنتم تختانون أنفسكم } فكان حمل اللفظ على ما ذكرناه إن لم يكن ~~أولى فلا أقل من التساوي وبهذا التقدير لا يثبت النسخ . # القول الثاني : أن المراد : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم لو دامت ~~تلك الحرمة ومعناه : أن الله PageV05P091 يعلم أنه لو دام ذلك التكليف ~~الشاق لوقعوا في الخيانة ، وعلى هذا التفسير ما وقعت الخيانة ويمكن أن يقال ~~التفسير الأول أولى لأنه لا حاجة فيه إلى إضمار الشرط وأن يقال بل الثاني ~~أولى ، لأن على التفسير الأول يصير إقدامهم على المعصية سببا لنسخ التكليف ~~، وعلى التقدير الثاني : علم الله أنه لو دام ذلك التكليف لحصلت الخيانة ~~فصار ذلك سببا لنسخ التكليف رحمة من الله تعالى على عباده حتى لا يقعوا في ~~الخيانة . # أما قوله تعالى : { فتاب عليكم } فمعناه على قول أبي مسلم فرجع عليكم ~~بالاذن في هذا الفعل والتوسعة عليكم وعلى قول مثبتي النسخ لا بد فيه من ~~إضمار تقديره : تبتم فتاب عليكم فيه . # أما قوله تعالى : { وعفا عنكم } فعلى قول أبي مسلم معناه وسع عليكم أن ~~أباح لكم الأكل والشرب والمعاشرة في كل الليل ولفظ العفو قد يستعمل في ~~التوسعة والتخفيف قال عليه السلام : ( عفوت لكم عن صدقة ms1502 الخيل والرقيق ) ~~وقال ( أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ) والمراد منه التخفيف بتأخير ~~الصلاة إلى آخر الوقت ويقال : أتاني هذا المال عفوا ، أي سهلا فثبت أن لفظ ~~العفو غير مشعر بسبق التحريم ، وأما على قول مثبتي النسخ فقوله : { عفا ~~عنكم } لا بد وأن يكون تقديره : عفا عن ذنوبكم ، وهذا مما يقوي أيضا قول ~~أبي مسلم لأن تفسيره لا يحتاج إلى الإضمار وتفسير مثبتي النسخ يحتاج إلى ~~الإضمار . # أما قوله تعالى : { فالن باشروهن } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : هذا أمر وارد عقب الخطر فالذين قالوا : الأمر الوارد ~~عقيب الخطر / ليس إلا للإباحة ، كلامهم ظاهر وأما الذين قالوا : مطلق الأمر ~~للوجوب قالوا إنما تركنا الظاهر وعرفنا كون هذا الأمر للاباحة بالإجماع . # المسألة الثانية : المباشرة فيها قولن : أحدهما : وهو قول الجمهور أنها ~~الجماع ، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين وإنضمامهما ، ومنها ما روي أنه ~~عليه السلام نهى أن يباشر الرجل الرجل ، والمرأة المرأة الثانية : وهو قول ~~الأصم : أنه الجماع فما دونه وعلى هذا الوجه اختلف المفسرين في معنى قوله : ~~{ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } فمنهم من حمله على كل المباشرات ~~ولم يقصره على الجماع والأقرب أن لفظ المباشرة لما كان مشتقا من تلاصق ~~البشرتين لم يكن مختصا بالجماع بل يدخل فيه الجماع فيما دون الفرج ، وكذا ~~المعانقة والملامسة إلا أنهم إنما اتفقوا في هذه الآية على أن المراد به هو ~~الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم ، ولأن الرفث ~~المتقدم ذكره لا يراد به إلا الجماع إلا أنه لما كان إباحة الجماع تتضمن ~~إباحة ما دونه صارت إباحته دالة على إباحة ما عداه ، فصح ههنا حمل الكلام ~~على الجماع فقط ، ولما كان في الاعتكاف المنع من الجماع لا يدل على المنع ~~مما دونه صلح اختلاف المفسرين فيه ، فهذا هو الذي يجب أن يعتمد عليه ، على ~~ما لخصه القاضي . # أما قوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في الآية وجوها أحدها : وابتغوا ما كتب الله لكم ms1503 ~~من الولد بالمباشرة أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ، ولكن لابتغاء ما ~~وضع الله له النكاح من التناسل قال عليه السلام : ( تناكحوا تناسلوا تكثروا ~~) وثانيها : أنه نهى عن العزل ، وقد رويت الأخبار في كراهية ذلك وقال ~~الشافعي : لا يعزل PageV05P092 الرجل عن الحرة إلا بإذنها ولا بأس أن يعزل ~~عن الأمة وروى عاصم عن زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه أنه كان يكره العزل ~~، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعزل عن الحرة إلا ~~باذنها وثالثها : أن يكون المعنى : ابتغوا المحل الذي كتب الله لكم وحلله ~~دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم ونظيره قوله تعالى : { فأتوهن من حيث ~~أمركم الله } ورابعها : أن هذا التأكيد تقديره : فالآن باشروهن وابتغوا هذه ~~المباشرة التي كتبها لكم بعد أن كانت محرمة عليكم وخامسها : وهو على قول ~~أبي مسلم : فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ، يعني هذه المباشرة ~~التي كان الله تعالى كتبها لكم وإن كنتم تظنوها محرمة عليكم وسادسها : أن ~~مباشرة الزوجة قد تحرم في بعض الأوقات بسبب الحيض والنفاس والعدة والردة ~~فقوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } يعني لا تباشروهن إلا في الأحوال ~~والأوقات التي أذن لكم في مباشرتهن وسابعها : أن قوله : { فالن باشروهن } ~~إذن في المباشرة وقوله : { وابتغوا ما كتب الله لكم } يعني لا تبتغوا هذه ~~المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة لأن ذلك هو الذي / كتب الله لكم بقوله : ~~{ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( المؤمنون : 6 ) وثامنها : قال ~~معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء : يعني اطلبوا ليلة القدر وما ~~كتب الله لكم من الثواب فيها إن وجدتموها ، وجمهور المحققين استبعدوا هذا ~~الوجه ، وعندي أنه لا بأس به ، وذلك هو أن الإنسان ما دام قلبه مشتغلا بطلب ~~الشهوة واللذة ، لا يمكنه حينئذ أن يتفرغ للطاعة والعبودية والحضور ، أما ~~إذا قضى وطره وصار فارغا من طلب الشهوة يمكنه حينئذ أن يتفرغ للعبودية ، ~~فتقدير الآية : فالآن باشروهن حتى تتخلصوا من تلك ms1504 الخواطر المانعة عن ~~الإخلاص في العبودية ، وإذا تخلصتم منها فابتغوا ما كتب الله من الاخلاص في ~~العبودية في الصلاة والذكر والتسبيح والتهليل وطلب ليلة القدر ، ولا شك أن ~~هذه الرواية على هذا التقدير غير مستبعدة . # المسألة الثانية : { كتاب } فيه وجوه أحدها : أن { كتاب } في هذا الموضوع ~~بمعنى جعل ، كقوله : { كتب فى قلوبهم الإيمان } ( المجادله : 22 ) أي جعل ، ~~وقوله : { فاكتبنا مع الشاهدين } ( آل عمران : 53 ) { خير للذين يتقون } ( ~~الأعراف : 156 ) أي اجعلها وثانيها : معناه قضى الله لكم كقوله : { قل لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } ( التوبة : 51 ) أي قضاه ، وقوله : { كتب ~~الله لاغلبن أنا ورسلى } وقوله : { لبرز الذين كتب عليهم القتل } أي قضى ، ~~وثالثها : أصله هو ما كتب الله في اللوح المحفوظ مما هو كائن ، وكل حكم حكم ~~به على عباده فقد أثبته في اللوح المحفوظ ورابعها : هو ما كتب الله في ~~القرآن من إباحة هذه الأفعال . # المسألة الثالثة : قرأ ابن عباس { وابتغوا } وقرأ الأعمش { * وابغوا } . # أما قوله : { لكم وكلوا واشربوا } فالفائدة في ذكرهما أن تحريمهما وتحريم ~~الجماع بالليل بعد النوم ، لما تقدم احتيج في إباحة كل واحد منها إلى دليل ~~خاص يزول به التحريم ، فلو اقتصر تعالى على قوله : { فالن باشروهن } لم ~~يعلم بذلك زوال تحريم الأكل والشرب ، فقرن إلى ذلك قوله : { وكلوا واشربوا ~~} لتتم الدلالة على الإباحة . # أما قوله تعالى : { حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ~~} ففيه مسائل : # المسألة الأولى : روي أنه لما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم أخذت ~~عقالين أبيض وأسود PageV05P093 فجعلتهما تحت وسادتي ، وكنت أقوم من الليل ~~فأنظر إليهما ، فلم يتبين لي الأبيض من الأسود ، فلما أصبحت غدوت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك ، وقال إنك لعريض القفا ، إنما ذلك ~~بياض النهار وسواد الليل ، وإنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ~~إنك لعريض القفا لأن ذلك مما يستدل به على بلاهة الرجل ، ونقول : يدل قطعا ~~على أنه تعالى كني بذلك عن بياض أول النهار وسواد ms1505 آخر الليل ، وفيه إشكال ~~وهو أن بياض الصبح المشبه بالخيط الأسود هو بياض الصبح الكاذب ، لأنه بياض ~~مستطيل يشبه الخيط ، فأما بياض الصبح الصادق فهو بياض مستدير في الأفق فكان ~~يلزم بمقتضى هذه الآية أن يكون أول النهار من طلوع الصبح الكاذب / ~~وبالإجماع أنه ليس كذلك . # وجوابه : أنه لولا قوله تعالى في آخر هذه الآية : { من الفجر } لكان ~~السؤال لازما ، وذلك لأن الفجر إنما يسمى فجرا لأنه ينفجر منه النور ، وذلك ~~إنما يحصل في الصبح الثاني لا في الصبح الأول / فلما دلت الآية على أن ~~الخيط الأبيض يجب أن يكون من الفجر ، علمنا أنه ليس المراد منه الصبح ~~الكاذب بل الصبح الصادق ، فإن قيل : فكيف يشبه الصبح الصادق بالخيط ، مع أن ~~الصبح الصادق ليس بمستطيل والخيط مستطيل . # وجوابه : أن القدر من البياض الذي يحرم هو أول الصبح الصادق ، وأول الصبح ~~الصادق لا يكون منتشرا بل يكون صغيرا دقيقا ، بل الفرق بينه وبين الصبح ~~الكاذب أن الصبح الكاذب يطلع دقيقا ، والصادق يبدو دقيقا ، ويرتفع مستطيلا ~~فزال السؤال ، فأما ما حكي عن عدي بن حاتم فبعيد ، لأنه يبعد أن يخفى على ~~مثله هذه الإستعارة مع قوله تعالى : { من الفجر } . # المسألة الثانية : لا شك أن كلمة { حتى } لانتهاء الغاية ، فدلت هذه ~~الآية على أن حل المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح ، ووزعم أبو ~~مسلم الأصفهاني لا شيء من المفطرات إلا أحد هذه الثلاثة ، فأما الأمور التي ~~تذكرها الفقهاء من تكلف القيء والحقنة والسعوط فليس شيء منها بمفطر ، قال ~~لأن كل هذه الأشياء كانت مباحة ثم دلت هذه الآية على حرمة هذه الثلاثة على ~~الصائم بعد الصبح ، فبقي ما عداها على الحل الأصلي ، فلا يكون شيء منها ~~مفطرا والفقهاء قالوا إن الله تعالى خص هذه الأشياء الثلاثة بالذكر لأن ~~النفس تميل إليها ، وأما القيء والحقنة فالنفس تكرههما ، والسعوط نادر ~~فلهذا لم يذكرها . # المسألة الثالثة : مذهب أبي هريرة والحسن بن صالح بن جني أن الجنب إذا ~~أصبح قبل الاغتسال لم يكن له صوم ، وهذه ms1506 الآية تدل على بطلان قولهم لأن ~~المباشرة إذا كانت مباحة إلى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال إلا بعد ~~انفجار الصبح . # المسألة الرابعة : زعم الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والجماع بعد طلوع ~~الفجر وقبل طلوع الشمس قياسا لأول النهار على آخره ، فكما أن آخره بغروب ~~القرص ، وجب أن يكون أوله بطلوع القرص ، وقال في الآية أن المراد بالخيط ~~الأبيض والخيط الأسود النهار والليل ، ووجه الشبهة ليس إلا في البياض ~~والسواد ، فإما أن يكون التشبيه في الشكل مرادا فهذا غير جائز لأن ظلمة ~~الأفق حال طلوع الصبح لا يمكن تشبيهها بالخيط الأسود في الشكل ألبتة ، فثبت ~~أن المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود هو النهار والليل ثم لما بحثنا عن ~~حقيقة الليل في قوله : { ثم أتموا الصيام إلى اليل } وجدناها عبارة عن زمان ~~غيبة الشمس بدليل أن PageV05P094 الله تعالى سمى ما بعد المغرب ليلا مع ~~بقاء الضوء فيه فثبت أن يكون الأمر في الطرف الأول من النهار كذلك ، فيكون ~~قبل طلوع الشمس ليلا ، وأن لا يوجد / النهار إلا عند طلوع القرص ، فهذا ~~تقرير قول الأعمش ، ومن الناس من سلم أن أول النهار إنما يكون من طلوع ~~الصبح فقاس عليه آخر النهار ، ومنهم من قال : لا يجوز الإفطار إلا بعد غروب ~~الحمرة ، ومنهم من زاد عليه وقال : بل لا يجوز الإفطار إلا عند طلوع ~~الكواكب ، وهذه المذاهب قد انقرضت ، والفقهاء أجمعوا على بطلانها فلا فائدة ~~في استقصاء الكلام فيها . # المسألة الخامسة : { الفجر } مصدر قولك : فجرت الماء أفجره فجرا ، وفجرته ~~تفجيرا . قال الأزهري : الفجر أصله الشق ، فعل هذا الفجر في آخر الليل هو ~~إنشقاق ظلمة الليل بنور الصبح ، وأما قوله تعالى : { من الفجر } فقيل ~~للتبعيض لأن المعتبر بعض الفجر لا كله ، وقيل للتبيين كأنه قيل : الخيط ~~الأبيض الذي هو الفجر . # المسألة السادسة : أن الله تعالى لما أحل الجماع والأكل والشرب إلى غاية ~~تبين الصبح ، وجب أن يعرف أن تبين الصبح ما هو ؟ فنقول : الطريق إلى معرفة ~~تبين الصبح إما أن يكون قطيعا أو ظنيا ، أما ms1507 القطعي فبأن يرى طلوع الصبح أو ~~يتيقن أنه مضى من الزمان ما يجب طلوع الصبح عنده وأما الظني فنقول : إما أن ~~يحصل ظن أن الصبح طلع فيحرم الأكل والشرب والوقاع فإن حصل ظن أنه ما طلع ~~كان الأكل والشرب والوقاع مباحا ، فإن أكل ثم تبين بعد ذلك أن ذلك الظن خطأ ~~وأن الصبح كان قد طلع عند ذلك الأكل فقد اختلفوا ، وكذلك إن ظن أن الشمس قد ~~غربت فأفطر ثم تبين أنها ما كانت غاربة فقال الحسن : لا قضاء في الصورتين ~~قياسا على ما لو أكل ناسيا ، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي في رواية ~~المزني عنه : يجب القضاء لأنه أمر بالصوم من الصبح إلى الغروب ولم يأت به ~~وأما الناسي فعند مالك يجب عليه القضاء ، وأما الباقون الذين سلموا أنه لا ~~قضاء قالوا : مقتضى الدليل وجوب القضاء عليه أيضا ، إلا أنا أسقطناه عنه ~~للنص ، وهو ما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~رجلا قال : أكلت وشربت وأنا صائم فقال عليه الصلاة والسلام : أطعمك الله ~~وسقاك فأنت ضيف الله فتم صومك . # والقول الثالث : أنه إذا أخطأ في طلوع الصبح لا يجب القضاء ، وإذا أخطأ ~~في غروب الشمس يجب القضاء ، والفرق أن الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان ، ~~والثابت في الليل حل الأكل ، وفي النهار حرمته ، أما إذا لم يغلب على ظنه ~~لا بقاء الليل ولا طلوع الصبح ، بل بقي متوقفا في الأمرين ، فههنا يكره له ~~الأكل والشرب والجماع ، فإن فعل جاز ، لأن الأصل بقاء الليل والله أعلم . # أما قوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى اليل } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أن كلمة { إلى } لانتهاء الغاية ، فظاهر الآية أن الصوم ~~ينتهي عند دخول الليل ، وذلك لأن غاية الشيء مقطعه ومنتهاه ، وإنما يكون ~~مقطعا ومنتهى إذا لم يبق بعد ذلك ، وقد تجيء / هذه الكلمة لا للانتهاء كما ~~قوله تعالى : { إلى المرافق } ( المائدة : 6 ) إلا أن ذلك على خلاف الدليل ~~، والفرق بين الصورتين أن الليل ليس ms1508 من جنس النهار ، فيكون الليل خارجا عن ~~حكم النهار ، والمرافق من جنس اليد فيكون داخلا فيه ، وقال أحمد بن يحيى : ~~سبيل إلى الدخول والخروج ، وكلا الأمرين جائز ، تقول : أكلت السمكة إلى ~~رأسها ، وجائز أن يكون الرأس داخلا في الأكل وخارجا منه ، إلا أنه لا يشك ~~ذو عقل أن الليل PageV05P095 خارج عن الصوم ، إذ لو كان داخلا فيه لعظمت ~~المشقة ودخلت المرافق في الغسل أخذا بالأوثق ، ثم سواء قلنا إنه مجمل أو ~~غير مجمل ، فقد ورد الحديث الصحيح فيه ، وهو ما روى عمر رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقبل الليل من ههنا ، وأدبر ~~النهار من ههنا ، وقد غربت الشمس فقد أفطر الصائم ) فهذا الحديث يدل على أن ~~الصوم ينتهي في هذا الوقت . فأما أنه يجب على المكلف أن يتناول عند هذا ~~الوقت شيئا ، فالدليل عليه ما روى الشافعي رضي الله تعالى عنه بإسناده عن ~~ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ، قيل : يا رسول الله ~~تواصل ، أي كيف تنهانا عن أمر أنت تفعله ؟ فقال : إني لست مثلكم إني أبيت ~~عند ربي يطعمني ويسقيني ، وقيل فيه معان أحدها : أنه كان يطعم ويسقى من ~~طعام الجنة والثاني : أن عليه الصلاة والسلام قال : إني على ثقة من أني لو ~~احتجت إلى الطعام أطعمني مواصلا ، وحكى محمد بن جرير الطبري عن ابن الزبير ~~، أنه كان يواصل سبعة أيام ، فلما كبر جعلها خمسا ، فلما كبر جدا جعلها ~~ثلاثا ، فظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه يدل على أن هذا النهي نهي تحريم ، ~~وقيل : هو نهي تنزيه ، لأنه ترك للمباح ، وعلى هذا التأويل صح فعل ابن ~~الزبير ، إذا عرفت هذا فنقول : إذا تناول شيئا قليلا ولو قطرة من الماء ، ~~فعلى ذلك هو بالخيار في الإستيفاء إلا أن يخاف المرء من التقصير في صوم ~~المستأنف ، أو في سائر العبادات ، فيلزم حينئذ أن يتناول من الطعام قدرا ~~يزول به هذا الخوف . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن الليل ما هو ms1509 ؟ فمن الناس من قال : آخر ~~النهار على أوله ، فاعتبروا في حصول الليل زوال آثار الشمس ، كما حصل ~~اعتبار زوال الليل عند ظهور آثار الشمس ثم هؤلاء منهم من اكتفي بزوال ~~الحمرة ، ومنهم من اعتبر ظهور الظلام التام وظهور الكواكب ، إلا أن الحديث ~~الذي رواه عمر يبطل ذلك وعليه عمل الفقهاء . # المسألة الثالثة : الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن التبييت والتعيين غير ~~معتبر في صحة الصوم ، قالوا : الصوم في اللغة هو الإمساك ، وقد وجد ههنا ~~فيكون صائما ، فيجب عليه إتمامه ، لقوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى ~~اليل } فوجب القول بصحته ، لأن الإمساك حرج ومشقة وعسر وهو منفي بقوله ~~تعالى : { ما جعل * عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) وقوله : { ولا ~~يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) ترك العمل به في الصوم الصحيح فيبقى غير ~~الصحيح على الأصل ، ثم نقول : مقتضى هذا الدليل ، أن يصح صوم / الفرض بنية ~~بعد الزوال إلا أنا قلنا : الأقل يلحق بالأغلب فلا جرم أبطلنا الصوم بنية ~~بعد الزوال وصححنا نيته قبل الزوال . # المسألة الرابعة : الحنفية تمسكوا بهذه الآية في أن صوم النفل يجب إتمامه ~~قالوا : لأن قوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى اليل } أمر وهو للوجوب ، ~~وهو يتناول كل الصيامات ، والشافعية قالوا : هذا إنما ورد لبيان أحكام صوم ~~الفرض ، فكان المراد منه صوم الفرض . # الحكم السابع # من الأحكام المذكورة في هذه السورة الاعتكاف # قوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } . # اعلم أنه تعالى لما بين الصوم ، وبين أن من حكمه تحريم المباشرة ، كان ~~يجوز أن يظن في PageV05P096 الإعتكاف أن حاله كحال الصوم في أن الجماع يحرم ~~فيه نهارا لا ليلا ، فبين تعالى تحريم المباشرة فيه نهارا وليلا ، فقال : { ~~ولا * تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : الإعتكاف اللغوي ملازمة ~~المرء للشيء وحبس نفسه عليه ، برا كان أو إثما ، قال تعالى : { يعكفون على ~~أصنام لهم } ( الأعراف : 138 ) والإعتكاف الشرعي : المكث في بيت الله تقربا ~~إليه ، وحاصله راجع إلى تقييد ms1510 اسم الجنس بالنوع بسبب العرف ، وهو من ~~الشرائع القديمة ، قال الله تعالى : { طهرا بيتى للطائفين والعاكفين } ( ~~البقرة : 125 ) وقال تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } . # المسألة الثانية : لو لمس الرجل المرأة بغير شهوة جاز ، لأن عائشة رضي ~~الله عنها كانت ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف ، أما إذا ~~لمسها بشهوة ، أو قبلها ، أو باشرها فيما دون الفرج ، فهو حرام على المعتكف ~~، وهو يبطل بها اعتكافه ؟ للشافعي رحمه الله فيه قولان : الأصح أنه يبطل ، ~~وقال أبو حنيفة ، لا يفسد الإعتكاف إذا لم ينزل ، احتج من قال بالإفساد أن ~~الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين ، فقوله : { ولا تباشروهن } منع من ~~هذه الحقيقة ، فيدخل فيه الجماع وسائر هذه الأمور ، لأن مسمى المباشرة حاصل ~~في كلها . # فإن قيل : لم حملتم المباشرة في الآية المتقدمة على الجماع ؟ # قلنا : لأن ما قبل الآية يدل على أنه هو الجماع ، وهو قوله : { أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث } وسبب نزول تلك الآية يدل على أنه هو الجماع ، ثم لما ~~أذن في الجماع كان ذلك إذنا فيما دون الجماع بطريق الأولى ، أما ههنا فلم ~~يوجد شيء من هذه القرائن ، فوجب إبقاء لفظ المباشرة على موضعه الأصلي وحجة ~~من قال : إنها لا تبطل الإعتكاف ، أجمعنا على أن هذه المباشرة لا تفسد ~~الصوم والحج ، / فوجب أن لا تفسد الإعتكاف لأن الاعتكاف ليس أعلى درجة ~~منهما والجواب : أن النص مقدم على القياس . # المسألة الثالثة : اتفقوا على أن شرط الإعتكاف ليس الجلوس في المسجد وذلك ~~لأن المسجد مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بني لإقامة الطاعات فيه ، ثم ~~اختلفوا فيه فنقل عن علي رضي الله عنه أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام ~~والحجة فيه قوله تعالى : { أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين } ( البقرة : ~~125 ) فبين ذلك البيت لجميع العاكفين ، ولو جاز الإعتكاف في غيره لما صح ~~ذلك العموم وقال عطاء : لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة ، لما ~~روى عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه ms1511 وسلم قال : ( صلاة في مسجدي ~~هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في ~~المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي ) وقال حذيفة : يجوز في هذين ~~المسجدين وفي مسجد بيت المقدس لقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا تشد الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا ) وقال ~~الزهري : لا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة : لا يصح إلا في مسجد له ~~إمام راتب ومؤذن راتب ، وقال الشافعي رضي الله عنه : يجوز في جميع المساجد ~~، إلا أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة ، واحتج ~~الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية لأن قوله : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون ~~في المساجد } عام يتناول كل المساجد . PageV05P097 # المسألة الرابعة : يجوز الإعتكاف بغير صوم والأفضل أن يصوم معه ، وقال ~~أبو حنيفة لا يجوز إلا بالصوم ، حجة الشافعي رضي الله عنه هذه الآية ، لأنه ~~بغير الصوم عاكف والله تعالى منع العاكف من مباشرة المرأة ولو كان إعتكافه ~~باطلا لما كان ممنوعا ترك العمل بظاهر اللفظ إذا ترك النية فيبقى فيما عداه ~~على الأصل واحتج المزني بصحة قول الشافعي رضي الله عنهما بأمور ثلاثة الأول ~~: لو كان الإعتكاف يوجب الصوم لما صح في رمضان ، لأن الصوم الذي هو موجبه ~~إما صوم رمضان وهو باطل لأنه واجب بسبب الشهر لا بسبب الاعتكاف ، أو صوم ~~آخر سوى صوم رمضان ، وذلك ممتنع وحيث أجمعوا على أنه يصح في رمضان ، علمنا ~~أن الصوم لا يوجبه الإعتكاف والثاني : أنه لو كان الإعتكاف لا يجوز إلا ~~مقارنا بالصوم لخرج الصائم بالليل عن الإعتكاف لخروجه فيه عن الصوم ، ولما ~~كان الأمر بخلاف ذلك ، علمنا أن الإعتكاف يجوز مفردا أبدا بدون الصوم ~~والثالث : ما روى ابن عمر رضي الله عنه قال : يا رسول الله إني نذرت في ~~الجاهلية أن أعتكف الله ليلة فقال عليه الصلاة والسلام : أوف بنذرك ومعلوم ~~أنه لا يجوز الصوم في الليل . # المسألة الخامسة : قال الشافعي رضي الله عنه : لا تقدير ms1512 لزمان الإعتكاف ~~فلو نذر اعتكاف / ساعة ينعقد ولو نذر أن يعتكف مطلقا يخرج عن نذره باعتكافه ~~ساعة ، كما لو نذر أن يتصدق مطلقا تصدق بما شاء من قليل أو كثير ، ثم قال ~~الشافعي رضي الله عنه : وأحب أن يعتكف يوما وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف ~~، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه لا يجوز اعتكاف أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل ~~طلوع الفجر ، ويخرج بعد غروب الشمس ، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه ليس ~~تقدير الإعتكاف بمقدار معين من الزمان أولى من بعض ، فوجب ترك التقدير ~~والرجوع إلى أقل ما لا بد منه ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن الإعتكاف هو ~~حبس النفس عليه ، وذلك لا يحصل في اللحظة الواحدة ، ولأن على هذا التقدير ~~لا يتميز المعتكف عمن ينتظر الصلاة . # أما قوله تعالى : { تلك حدود الله } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { تلك } لا يجوز أن يكون إشارة إلى حكم الإعتكاف ~~لأن الحدود جمع ولم يذكر الله تعالى في الإعتكاف إلا حدا واحدا ، وهو تحريم ~~المباشرة بل هو إشارة إلى كل ما تقدم في أول آية الصوم إلى ههنا على ما سبق ~~شرح مسائلها على التفصيل . # المسألة الثانية : قال الليث : حد الشيء مقطعه ومنتهاه قال الأزهري : ~~ومنه يقال للمحروم محدود لأنه ممنوع عن الرزق ويقال للبواب : حداد لأنه ~~يمنع الناس من الدخول وحد الدار ما يمنع غيرها من الدخول فيها ، وحدود الله ~~ما يمنع من مخالفتها والمتكلمون يسمون الكلام الجامع المانع : حدا ، وسمي ~~الحديد : حديدا لما فيه من المنع ، وكذلك إحداد المرأة لأنها تمنع من ~~الزينة إذا عرفت الإشتقاق فنقول : المراد من حدود الله محدوداته أي ~~مقدوراته التي قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة . # أما قوله تعالى : { فلا تقربوها } ففيه إشكالان الأول : أن قوله تعالى : ~~{ تلك حدود الله } إشارة إلى كل ما تقدم ، والأمور المتقدمة بعضها إباحة ~~وبعضها حظر فكيف قال في الكل { فلا تقربوها } والثاني : أنه تعالى قال في ~~آية أخرى : { تلك حدود الله فلا تعتدوها } ( البقرة : 229 ) وقال في ms1513 آية ~~المواريث { ومن يعص الله PageV05P098 ورسوله ويتعد حدوده } ( تلك وقال ههنا ~~: { فلا تقربوها } فكيف الجمع بينهما ؟ # والجواب عن السؤالين من وجوه : الأول : وهو الأحسن والأقوى أن من كان في ~~طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق ، فنهى أن يتعداه لأن من ~~تعداه وقع في حيز الضلال ، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو ~~الحاجز بين حيز الحق والباطل ، لئلا يداني الباطل وأن يكون بعيدا عن الطرف ~~فضلا أن يتخطاه كما قال عليه الصلاة والسلام : ( إن لكل ملك حمى وحمى الله ~~محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) الثاني : ما ذكره أبو مسلم ~~الأصفهاني : لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله : { لا تقربوا * ~~مال اليتيم } ( الإسراء : 34 ) الثالث : أن الأحكام المذكورة فيما قبل وإن ~~كانت كثيرة إلا أن أقربها إلى هذه الآية إنما هو قوله : / { ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد } وقبل هذه الآية قوله : { ثم أتموا الصيام إلى ~~اليل } وذلك يوجب حرمة الأكل والشرب في النهار ، وقبل هذه الآية قوله : { ~~وابتغوا ما كتب الله لكم } وهو يقتضي تحريم مواقعة غير الزوجة والمملوكة ~~وتحريم مواقعتهما في غير المأتي وتحريم مواقعتهما في الحيض والنفاس والعدة ~~والردة ، وليس فيه إلا إباحة الشرب والأكل والوقاع في الليل ، فلما كانت ~~الأحكام المتقدمة أكثرها تحريمات ، لا جرم غلب جانب التحريم فقال : { تلك ~~حدود الله فلا تقربوها } أي تلك الأشياء التي منعتم عنها إنما منعتم عنها ~~بمنع الله ونهيه عنها فلا تقربوها . # أما قوله تعالى : { كذالك يبين الله آياته للناس } ففيه وجوه أحدها : ~~المراد أنه كما بين ما أمركم به ونهاكم عنه في هذا الموضع ، كذلك يبين سائر ~~أدلته على دينه وشرعه وثانيها : قال أبو مسلم : المراد بالآيات الفرائض ~~التي بينها كما قال : { سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها ءايات بينات } ~~( النور : 1 ) ثم فسر الآيات بقوله : { الزانية والزانى } ( النور : 2 ) ~~إلى سائر ما بينه من أحكام الزنا ، فكأنه تعالى قال : كذلك يبين الله للناس ~~ما شرعه لهم ليتقوه بأن ms1514 يعملوا بما لزم وثالثها : يحتمل أن يكون المراد أنه ~~سبحانه لما بين أحكام الصوم على الاستقصاء في هذه الآية بالألفاظ القليلة ~~بيانا سافيا وافيا ، قال بعده : { كذالك يبين الله آياته للناس } أي مثل ~~هذا البيان الوافي الواضح الكامل هو الذي يذكر للناس / والغرض منه تعظيم ~~حال البيان وتعظيم رحمته على الخلق في ذكره مثل هذا البيان . # أما قوله تعالى : { لعلهم يتقون } فقد مر شرحه غير مرة . # الحكم الثامن # من الأحكام المذكورة في هذه السورة : حكم الأموال # ! 7 < { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بهآ إلى الحكام لتأكلوا ~~فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 188 ) ولا تأكلوا أموالكم . . . . . # > > PageV05P099 # اعلم أنهم مثلوا قوله تعالى : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم } بقوله : { ~~مقتكم أنفسكم } ( الحجرات : 11 ) وهذا مخالف لها ، لأن أكله لمال نفسه ~~بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره ، قال الشيخ أبو حامد الغزالي في كتاب ~~الإحياء : المال إنما يحرم لمعنى في عينه أو لحال في جهة اكتسابه . # والقسم الأول : الحرام لصفة في عينه . # / واعلم أن الأموال إما أن تكون من المعادن أو من النبات ، أو من ~~الحيوانات ، أما المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شيء منه إلا من حيث يضر ~~بالأكل ، وهو ما يجري مجرى السم ، وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل ~~الحياة والصحة أو العقل ، فمزيل الحياة السموم ، ومزيل الصحة الأدوية في ~~غير وقتها ، ومزيل العقل الخمر والبنج وسائر المسكرات . # وأما الحيوانات فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل ، وما يحل إنما يحل ~~إذا ذبح ذبحا شرعيا ثم إذا ذبحت فلا تحل بجميع أجزائها بل يحرم منها الفرث ~~والدم ، وكل ذلك مذكور في كتب الفقه . # القسم الثاني : ما يحرم لخلل من جهة إثبات اليد عليه ، فنقول : أخذ المال ~~إما أن يكون باختيار المتملك ، أو بغير اختياره كالإرث ، والذي باختياره ~~إما أن يكون مأخوذا من المالك كأخذ المعادن ، وإما أن يكون مأخوذا من مالك ~~، وذلك إما أن يؤخذ قهرا أو بالتراضي ، والمأخوذ قهرا إما أن لسقوط عصمة ms1515 ~~الملك كالغنائم أو لاستحقاق الأخذ كزكوات الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم ~~، والمأخوذ تراضيا إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة ، وإما أن يؤخذ ~~بغير عوض كالهبة والوصية فيحصل من هذا التقسيم أقسام ستة الأول : ما يؤخذ ~~من غير مالك كنيل المعادن ، وإحياء الموت ، والاصطياد ، والاحتطاب ، ~~والاستقاء من الأنهار ، والاحتشاش ، فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ ~~مختصا بذي حرمة من الآدميين الثاني : المأخوذ قهرا ممن لا حرمة له ، وهو ~~الفيء ، والغنيمة ، وسائر أموال الكفار المحاربين ، وذلك حلال للمسلمين إذا ~~أخرجوا منه الخمس ، وقسموه بين المستحقين بالعدل ، ولم يأخذوه من كافر له ~~حرمة وأمان وعهد والثالث : ما يؤخذ قهرا باسحقاق عند امتناع من عليه فيؤخذ ~~دون رضاه ، وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق ، وتم وصف المستحق واقتصر على ~~القدر المستحق الرابع : ما يؤخذ تراضيا بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط ~~العوضين وشرط العاقدين وشرط اللفظين ؛ أعني الإيجاب والقبول مما يعتد الشرع ~~به من اجتناب الشرط المفسد الخامس : ما يؤخذ بالرضا من غير عوض كما في ~~الهبة والوصية والصدقة إذا روعي شرط المعقود عليه ، وشرط العاقدين ، وشرط ~~العقد ، ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره السادس : ما يحصل بغير اختياره ~~كالميراث ، وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس ~~على وجه حلال ، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين ، وتنفيذ الوصايا ، وتعديل ~~القسمة بين الورثة ، وإخراج الزكاة والحج والكفارة إن كانت واجبة ، فهذا ~~مجامع مداخل الحلال ، وكتب الفقه مشتملة على تفاصيلها فكل ما كان كذلك كان ~~مالا حلالا ، وكل ما كان بخلافه كان حراما ، إذا عرفت هذا فنقول : المال ~~إما أن يكون لغيره أو له ، فإن كان لغيره كانت حرمته لأجل الوجوه الستة ~~المذكورة ، وإن كان له فأكله بالحرام أن يصرف إلى شرب الخمر والزنا واللواط ~~والقمار أو إلى السرف المحرم ، وكل هذه الأقسام داخلة تحت قوله : / { ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } واعلم أن سبحانه كرر هذا النهي في مواضع من ~~كتابه PageV05P100 فقال : { ضعيفا يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم ms1516 ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة } ( النساء : 29 ) وقال : { الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما } ( النساء : 10 ) وقال : { يحزنون يأيها الذين ءامنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقى من الربواا إن كنتم مؤمنين } ( البقرة : 278 ) ثم ~~قال : { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ثم قال : { وإن تبتم ~~فلكم * يسئلكم أموالكم } ( البقرة : 279 ) ثم قال : { ومن عاد فأولئك أصحاب ~~النار * فيها خالدون } ( البقرة : 275 ) جعل آكل الربا في أول الأمر مؤذنا ~~بمحاربة الله ، وفي آخره متعرضا للنار . # المسألة الثانية : قوله : { ولا تأكلوا } ليس المراد منه الأكل خاصة ، ~~لأن غير الأكل من التصرفات كالأكل في هذا الباب لكنه لما كان المقصود ~~الأعظم من المال إنما هو الأكل وقع التعارف فيمن ينفق ماله أن يقال أنه ~~أكله فلهذا السبب عبر الله تعالى عنه بالأكل . # المسألة الثالثة : { الباطل } في اللغة الزائل الذاهب ، يقال : بطل الشيء ~~بطولا فهو باطل ، وجمع الباطل بواطل ، وأباطيل جمع أبطولة ، ويقال : بطل ~~الأجير يبطل بطالة إذا تعطل واتبع اللهو . # أما قوله تعالى : { وتدلوا بها إلى الحكام } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الإدلاء مأخوذ من إدلاء الدلو ، وهو إرسالك إياها في ~~البئر للإستقاء يقال . أدليت دلوي أدليها إدلاء فإذا استخرجتها قلت دلوتها ~~قال تعالى : { فأدلى دلوه } ( يوسف : 19 ) ، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل ~~أدلاء ، ومنه يقال للمحتج : أدلى بحجته ، كأنه يرسلها ليصير إلى مراده ~~كإدلاء المستقي الولد ليصل إلى مطلوبه من الماء ، وفلان يدلى إلى الميت ~~بقرابة أو رحم ، إذا كان منتسبا إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة ، طلب ~~المستحق بالدلو الماء ، إذا عرفت هذا فنقول : أنه داخل في حكم النهي ، ~~والتقدير : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، ولا تدلوا إلى الحكام ، أي ~~لا ترشوها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالباطل ، وفي تشبيه الرشوة ~~بالإدلاء وجهان أحدهما : أن الرشوة رشاء الحاجة ، فكما أن الدلو المملوء من ~~الماء يصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرشاء فالمقصود البعيد يصير قريبا ~~بسبب الرشوة والثاني : أن الحاكم بسبب أخذ الرشوة يمضي في ذلك الحكم من ms1517 غير ~~تثبت كمضي الدلو في الإرسال ، ثم المفسرون ذكروا وجوها أحدها : قال ابن ~~عباس والحسن وقتادة : المراد منه الودائع وما لا يقوم عليه بينة وثانيها : ~~أن المراد هو مال اليتيم في ي الأوصياء يدفعون بعضه إلى الحاكم ليبقى عليهم ~~بعضه وثالثها : أن المراد من الحاكم شهادة الزور ، وهو قول الكلبي ورابعها ~~: قال الحسن : المراد هو أن يحلف ليذهب حقه وخامسها : هو أن يدفع إلى ~~الحاكم رشوة ، وهو أقرب إلى الظاهر ، ولا يبعد أيضا حمل اللفظ على الكل ، ~~لأنها بأسره أكل بالباطل . # / أما قوله تعالى : { وأنتم تعلمون } فالمعنى وأنتم تعلمون أنكم مبطلون ، ~~ولا شك أن الإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح ، وصاحبه بالتوبيخ أحق ، ~~روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال ، اختصم رجلان إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم : عالم بالخصومة وجاهل بها ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للعالم ، فقال من قضى عليه : يا رسول الله والذي لا إله إلا هو إني محق ~~فقال : إن شئت أعاوده ، فعاوده فقضى للعالم ، فقال المقضى عليه مثل ما قال ~~أولا ثم عاوده ثالثا ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : ( من اقتطع حق امرىء ~~مسلم بخصومته فإنما اقتطع قطعة من النار ) فقال العالم المقضي له : يا رسول ~~الله إن الحق حقه ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( من اقتطع PageV05P101 ~~بخصومته وجد له حق غيره فليتبوأ مقعده من النار ) . # الحكم التاسع # ! 7 < { يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها ولاكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 189 ) يسألونك عن الأهلة . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : نقل عن ابن عباس أنه قال : ما كان قوم أقل سؤالا من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم سألوا عن أربعة عشر حرفا فأجيبوا . # وأقول : ثمانية منها في سورة البقرة أولها : { وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب } ( البقرة : 186 ) وثانيها : هذه الآية ثم الستة الباقية بعد في سورة ~~البقرة ، فالمجموع ثمانية في هذه السورة ms1518 والتاسع : قوله تعالى في سورة ~~المائدة : { يسألونك ماذا أحل لهم } ( المائدة : 4 ) والعاشر : في سورة ~~الأنفال { يسألونك عن الانفال } ( الأنفال : 1 ) والحادي عشر : في بني ~~إسرائيل { يسألونك عن * الروح } ( الإسراء : 85 ) والثاني عشر : في الكهف { ~~ويسألونك عن ذى القرنين } ( الكهف : 83 ) والثالث عشر : في طه { ويسئلونك ~~عن الجبال } ( طه : 105 ) والرابع عشر : في النازعات { يسئلونك عن الساعة } ~~( النازعات : 42 ) ولهذه الأسئلة ترتيب عجيب : اثنان منها في الأول في شرح ~~المبدأ فالأول : قوله : { وإذا سألك عبادي عني } ( البقرة : 186 ) وهذا ~~سؤال عن الذات والثاني : قوله : { يسئلونك عن الاهلة } وهذا سؤال عن صفة ~~الخلاقية والحكمة في جعل الهلال على هذا الوجه ، واثنان منها في الآخرة في ~~شرح المعاد أحدهما : قوله : { ويسئلونك عن الجبال } والثاني : قوله : { ~~يسئلونك عن الساعة أيان مرساها } ( الأعراف : 187 ) ونظير هذا أنه ورد في ~~القرآن سورتان أولهما : { يذهبكم أيها الناس } ( البقرة : 21 ) أحدهما : في ~~النصف الأول : وهي السورة الرابعة من سورة النصف الأول ، فإن أولاها ~~الفاتحة وثانيتها البقرة وثالثها آل عمران ورابعتها النساء وثانيتهما : في ~~النصف الثاني من القرآن وهي أيضا السورة الرابعة من سور النصف الثاني ~~أولاها مريم ، وثانيتها طه ، وثالثتها الأنبياء ، ورابعتها الحج ، ثم { ~~يذهبكم أيها الناس } التي في النصف الأول تشتمل على شرح المبدأ فقال { ~~تفلحون يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة } ( النساء : 1 ) و ~~{ يذهبكم أيها الناس } التي في النصف الثاني تشتمل على شرح المعاد فقال : { ~~تصفون ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم } ( الحج : 1 ) ~~فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفية ، وحكم مطوية لا يعرفها إلا الخواص ~~من عبيده . # المسألة الثانية : روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم وكل واحد منهما كان ~~من الأنصار قالا يا رسول PageV05P102 الله : ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل ~~الخيط ثم يزيد حتى يمتلىء ويستوي ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا ، لا ~~يكون على حالة واحدة كالشمس ، فنزلت هذه الآية ويروى أيضا عن معاذ أن ~~اليهود سألت عن الأهلة ms1519 . # واعلم أن قوله تعالى : { يسئلونك عن الاهلة } ليس فيه بيان إنهم عن أي ~~شيء سألوا لكن الجواب كالدال على موضع السؤال ، لأن قوله : { قل هى مواقيت ~~للناس والحج } يدل على أن سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في تغير حال ~~الأهلة في النقصان والزيادة ، فصار القرآن والخبر متطابقين في أن السؤال ~~كان عن هذا المعنى . # المسألة الثالثة : الأهلة جمع هلال وهو أول حال القمر حين يراه الناس ، ~~يقال له : هلال ليلتين من أول الشهر ثم يكون قمرا بعد ذلك ، وقال أبو ~~الهيثم : يسمى القمر ليلتين من أول الشهر هلالا ، وكذلك ليلتين من آخر ~~الشهر ، ثم يسمي ما بين ذلك قمرا ، قال الزجاج : فعال يجمع في أقل العدد ~~على أفعلة ، نحو مثال وأمثلة ، وحمار وأحمرة ، وفي أكثر العدد يجمع على فعل ~~مثل حمر لأنهم كرهوا في التضعيف فعل ، نحو هلل وخلل ، فاقتصروا على جمع ~~أدنى العدد . # أما قوله تعالى : { قل هى مواقيت للناس والحج } مسألتان : # المسألة الأولى : المواقيت جمع الميقات بمعنى الوقت كالميعاد بمعنى الوعد ~~، وقال بعضهم الميقات منتهى الوقت ، قال الله تعالى : { فتم ميقات ربه } ( ~~الأعراف : 142 ) والهلال ميقات الشهر ، ومواضع الإحرام مواقيت الحج لأنها ~~مواضع ينتهي إليها ، ولا تصرف مواقيت لأنها غاية الجموع ، فصار كأن الجمع ~~يكرر فيها فإن قيل : لم صرفت قوارير ؟ قيل : لأنها فاصلة وقعت في رأس آية ، ~~فنون ليجري على طريقة / الآيات ، كما تنون القوافي ، مثل قوله : # % أقل اللوم عاذل والعتابن % % # المسألة الثانية : اعلم أنه سبحانه وتعالى جعل الزمان مقدرا من أربعة ~~أوجه : السنة والشهر واليوم والساعة ، أما السنة فهي عبارة عن الزمان ~~الحاصل من حركة الشمس من نقطة معينة من الفلك بحركتها الحاصلة عن خلاف حركة ~~الفلك إلى أن تعود إلى تلك النقطة بعينها ، إلا أن القوم اصطلحوا على أن ~~تلك النقطة نقطة الإعتدال الربيعي وهو أول الحمل ، وأما الشهر فهو عبارة عن ~~حركة القمر من نقطة معينة من فلكه الخاص به إلى أن يعود إلى تلك النقطة ، ~~ولما كان أشهر أحوال القمر وضعه مع ms1520 الشمس ، وأشهر أوضاعه من الشمس هو ~~الهلال العربي ، مع أن القمر في هذا الوقت يشبه الموجود بعد العدم والمولود ~~الخارج من الظلم لا جرم جعلوا هذا الوقت منتهى للشهر ، وأما اليوم بليلته ~~فهو عبارة عن مفارقة نقطة من دائرة معدل النهار نقطة من دائرة الأفق ، أو ~~نقطة من دائرة نصف النهار وعودها إليها ، فالزمان المقدر عبارة عن اليوم ~~بليلتها ، ثم أن المنجمين اصطلحوا على تعيين دائرة نصف النهار مبتدأ لليوم ~~بليلته ، أما أكثر الأمم فإنهم جعلوا مبادىء الأيام بلياليها من مفارقة ~~الشمس أفق المشرق وعودها إليه من الغداة ، واحتج من نصر مذهبهم بأن الشمس ~~عند طلوعها كالموجود بعد العدم فجعله أولا أولى ، فزمان النهار عبارة عن ~~مدة كون الشمس فوق الأرض ، وزمان الليل عبارة عن كونها تحت الأرض ، وفي ~~شريعة الإسلام يفتتحون النهار من أول وقت PageV05P103 طلوع الفجر في وجوب ~~الصلاة والصوم وغيرهما من الأحكام ، وعند المنجمين مدة الصوم في الشرع هي ~~زمان النهار كله مع زيادة من زمان الليل معلومة المقدار محدودة المبدأ ، ~~وأما الساعة فهي على قسمين : مستوية جزء من أربعة وعشرين من يوم وليلة ، ~~فهذا كلام مختصر في تعريف السنة والشهر واليوم والساعة . # فنقول : أما السنة فهي عبارة عن دورة الشمس فتحدث بسببها الفصول الأربعة ~~، وذلك لأن الشمس إذا حصلت في الحمل فإذا تركت من هذا الموضع إلى جانب ~~الشمال ، أخذ الهواء في جانب الشمال شيئا من السخونة لقربها من مسامتة ~~الرؤوس ، ويتواتر الإسخان إلى أن تصل أول السرطان ، وتشتد الحرارة ويزداد ~~الحر ما دامت في السرطان والأسد لقربها من سمت الرؤوس ، ويتواتر الإسخان ، ~~ثم ينعكس إلى أن يصل الميزان : وحينئذ يطيب الهواء ويعتدل ، ثم يأخذ الحر ~~في النقصان والبرد في الزيادة ، ولا يزال يزداد البرد إلى أن تصل الشمس إلى ~~أول الجدي ، ويشتد البرد حينئذ لبعدها عن سمت الرؤوس ، ويتواتر البرد ثم إن ~~الشمس تأخذ في الصعود إلى ناحية الشمال / وما دامت في الجدي والدلو ، ~~فالبرد أشد ما يكون إلى أن تنتهي إلى الحمل ، فحينئذ يطيب ms1521 الهواء ويعتدل ، ~~وعادت الشمس إلى مبدأ حركتها وانتهى زمان السنة نهايته ، وحصلت الفصول / ~~الأربعة التي هي الربيع والصيف والخريف والشتاء ، ومنافع الفصول الأربعة ~~وتعاقبا ظاهرة مشهورة في الكتب . # وأما الشهر فهو عبارة عن دورة القمر في فلكه الخاص وزعموا أن نوره مستفاد ~~من الشمس وأبدا يكون أحد نصفيه مضيئا بالتمام إلا أنه عند الاجتماع يكون ~~النصف المضيء هو النصف الفوقاني فلا جرم نحن لا نرى من نوره شيئا وعند ~~الاستقبال يكون نصفه المضيء مواجها لنا فلا جرم نراه مستنيرا بالتمام ، ~~وكلما كان القمر أقرب إلى الشمس ، كان المرئي من نصفه المضيء أقل وكلما كان ~~أبعد كان المرئي من نصفه المضيء أكثر ، ثم أنه من وقت الإجتماع إلى وقت ~~الإنفصال يكون كل ليلة أبعد من الشمس ، ويرى كل ليلة ضوءه أكثر من وقت ~~الإستقبال إلى وقت الاجتماع ، ويكون كل ليلة أقرب إلى الشمس ، فلا جرم يرى ~~كل ليلة ضوءه أقل ، ولا يزال يقل ويقل : { حتى عاد كالعرجون القديم } ( يس ~~: 39 ) فهذا ما قاله أصحاب الطبائع والنجوم . # وأما الذي يقوله الأصوليون فهو أن القمر جسم ، والأجسام كلها متساوية في ~~الجسمية ، والأشياء المتساوية في تمام الماهية يمتنع اختلافها في اللوازم ، ~~وهذه مقدمة يقينية فإذن حصول الضوء في جرم الشمس والقمر أمر جائز أن يحصل ، ~~وما كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه إلا بسبب الفاعل المختار ، وكل ما ~~كان فعلا لفاعل مختار ، فإن ذلك يكون قادرا على إيجاده وعلى إعدامه ، وعلى ~~هذا التقدير فلا حاجة إلى إسناد هذه الإختلافات الحاصلة في نور القمر إلى ~~قربها وبعدها من الشمس ، بل عندنا أن حصول النور في جرم الشمس إنما كان ~~بسبب إيجاد القادر المختار ، وكذا الذي في جرم القمر . # بقي ههنا أن يقال الفاعل المختار لم خصص القمر دون الشمس بهذه الإختلافات ~~، فنقول لعلماء الإسلام في هذا المقام جوابان أحدهما : أن يقال : إن فاعلية ~~الله تعالى لا يمكن تعليلها بغرض ومصلحة ، ويدل عليه وجوه أحدها : أن من ~~فعل PageV05P104 فعلا لغرض فإن قدر على تحصيل ذلك ms1522 الغرض بدون تلك الواسطة ، ~~فحينئذ يكون فعل تلك الواسطة عبثا ، وإن لم يقدر فهو عاجز وثانيها : أن كل ~~من فعل فعلا لغرض ، فإن كان وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده فهو ناقص ~~بذاته ، مستكمل بغيره ، وإن لم يكن أولى له لم يكن غرضا وثالثها : أنه لو ~~كان فعله معللا بغرض فذلك الغرض إن كان محدثا افتقر إحداثه إلى غرض آخر ، ~~وإن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال ، فلا جرم قالوا : كل شيء ~~صنعه ولا علة لصنعه ، ولا يجوز تعليل أفعاله وأحكامه البتة { لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسئلون } ( الأنبياء : 23 ) . # والجواب الثاني : قول من قال : لا بد في أفعال الله وأحكامه من رعاية ~~المصالح والحكم ، والقائلون بهذا المذهب سلموا أن العقول البشرية قاصرة في ~~أكثر المواضع عن الوصول إلى أسرار / حكم الله تعالى في ملكه وملكوته ، وقد ~~دللنا على أن القوم إنما سألوا عن الحكمة في اختلاف أحوال القمر فالله ~~سبحانه وتعالى ذكر وجوه الحكمة فيه وهو قوله : { قل هى مواقيت للناس والحج ~~} وذكر هذا المعنى في آية أخرى وهو قوله : { وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب } ( يونس : 5 ) وقال في آية ثالثة { فمحونا ءاية اليل ~~وجعلنا ءاية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين ~~والحساب } ( الإسراء : 12 ) وتفصيل القول فيه أن تقدير الزمان بالشهور فيه ~~منافع بعضها متصل بالدين وبعضها بالدنيا / أما ما يتصل منها بالدين فكثيرة ~~منها الصوم ، قال الله تعالى : { شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن } ( ~~البقرة : 185 ) وثانيها : الحج ، قال الله تعالى : { الحج أشهر معلومات } ( ~~البقرة : 197 ) وثالثها : عدة المتوفى عنها زوجها قال الله تعالى : { ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ( البقرة : 234 ) ورابعها : النذور التي ~~تتعلق بالأوفات ، ولفضائل الصوم في أيام لا تعلم إلا بالأهلة . # وأما ما يتصل منها بالدنيا فهو كالمداينات والإجارات والمواعيد ولمدة ~~الحمل والرضاع كما قال { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } ( الأحقاف : 15 ) ~~وغيرها فكل ذلك مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا عند وقوع الإختلاف في شكل ms1523 ~~القمر . # فإن قيل : لا نسلم أنا نحتاج في تقدير الأزمنة إلى حصول الشهر ، وذلك ~~لأنه يمكن تقديرها بالسنة التي هي عبارة عن دورة الشمس وبإجرائها مثل أن ~~يقال : كلفتكم بالطاعة الفلانية في أول السنة ، أو في سدسها ، أو نصفها ، ~~وهكذا سائر الأجزاء ، ويمكن تقديرها بالأيام مثل أن يقال : كلفتم بالطاعة ~~الفلانية في اليوم الأول من السنة وبعد خمسين يوما من أول السنة ، وأيضا ~~بتقدير أن يساعد على أنه لا بد مع تقدير الزمان بالسنة وباليوم تقديره ~~بالقمر لكن الشهر عبارة عن دورة من اجتماعه مع الشمس إلى أن يجتمع معها مرة ~~أخرى هذا التقدير حاصل سواء حصل الإختلاف في أشكال نوره أو لم يحصل ، ألا ~~ترى أن تقدير السنة بحركة الشمس وإن لم يحصل في نور الشمس اختلافا ، فكذا ~~يمكن تقدير الشمس بحركة القمر ، وإن لم يحصل في نور القمر إختلاف ، وإذا لم ~~يكن لنور القمر مخالفة بحال ولا أثر في هذا الباب لم يجز تقديره به . # والجواب عن السؤال الأول : أن ما ذكرتم وإن كان ممكنا إلا أن إحصاء ~~الأهلة أيسر من إحصاء الأيام لأن الأهلة اثنا عشر شهرا ، والأيام كثيرة ، ~~ومن المعلوم أن تقسيم جملة الزمان إلى السنين ، ثم تقسيم كل سنة إلى الشهور ~~، ثم تقسيم الشهور إلى الأيام ، ثم تقسيم كل يوم إلى الساعات ، ثم تقسيم كل ~~ساعة إلى الأنفاس أقرب إلى الضبط وأبعد عن الخبط ، ولهذا قال سبحانه : { إن ~~عدة الشهور عند الله اثنا عشر PageV05P105 شهرا } ( التوبة : 36 ) وهذا كما ~~أن المصنف الذي يراعي حسن الترتيب يقسم تصنيفه إلى الكتب ، ثم كل كتاب إلى ~~الأبواب ، ثم كل باب إلى الفصول ثم كل فصل إلى المسائل فكذا ههنا الجواب ~~عنه . # / وأما السؤال الثاني : فجوابه ما ذكرتم ، إلا أنه متى كان القمر مختلف ~~الشكل ، كان معرفة أوائل الشهور وأنصافها وأواخرها أسهل مما إذا لم يكن ~~كذلك ، وأخبر جل جلاله أنه دبر الأهلة هذا التدبير العجيب لمنافع عباده في ~~قوام دنياهم مع ما يستدلون بهذه الأحوال المختلفة على وحدانية ms1524 الله سبحانه ~~وتعالى وكمال قدرته ، كما قال تعالى : { إن في خلق * السماوات والارض * ~~واختلاف اليل والنهار لايات لاولى الالباب } ( آل عمران : 190 ) وقال تعالى ~~: { تبارك الذى جعل فى السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا } ( ~~الفرقان : 61 ) وأيضا لو لم يقع في جرم القمر هذا الاختلاف لتأكدت شبه ~~الفلاسفة في قولهم : أن الأجرام الفلكية لا يمكن تطرق التغيير إلى أحوالها ~~، فهو سبحانه وتعالى بحكمته القاهرة أبقى الشمس على حالة واحدة ، وأظهر ~~الإختلاف في أحوال القمر ليظهر للعاقل أن بقاء الشمس على أحوالها ليس إلا ~~بإبقاء الله وتغير القمر في أشكاله ليس إلا بتغيير الله فيصير الكل بهذا ~~الطريق شاهدا على افتقارها إلى مدبر حكيم قادر قاهر ، كما قال : { وإن من ~~شىء إلا يسبح بحمده ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } . إذا عرفت هذه الجملة فنقول ~~: أنه لما ظهر أن الإختلاف في أحوال القمر معونة عظيمة في تعيين الأوقات من ~~الجهان التي ذكرناها نبه تعالى بقوله : { قل هى مواقيت للناس والحج } على ~~جميع هذه المنافع ، لأن تعديد جميع هذه الأمور يقضي إلى الإطناب والاقتصار ~~على البعض دون البعض ترجيح من غير مرجح فلم يبق إلا الاقتصار على كونه ~~ميقاتا فكان هذا الاقتصار دليلا على الفصاحة العظيمة . # أما قوله تعالى : { والحج } ففيه إضمار تقديره وللحج كقوله تعالى : { وإن ~~أردتم أن تسترضعوا أولادكم } أي لأوردكم ، واعلم أنا بينا أن الأهلة مواقيت ~~لكثير من العبادات فإفراد الحج بالذكر لا بد فيه من فائدة ولا يمكن أن يقال ~~تلك الفائدة هي أن مواقيت الحج لا نعرف إلا بالأهلة ، قال تعالى : { الحج ~~أشهر معلومات } ( البقرة : 197 ) وذلك لأن وقت الصوم لا يعرف إلا بالأهلة ، ~~قال تعالى : { شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن } ( البقرة : 185 ) وقال ~~عليه السلام : ( صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته ) وأحسن الوجوه فيه ما ذكره ~~القفال رحمه الله : وهو أن إفراد الحج بالذكر إنما كان لبيان أن الحج مقصور ~~على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرضه وأنه لا يجوز نقل الحج من تلك ~~الأشهر إلى أشهر كما ms1525 كانت العرب تفعل ذلك في النسيء والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها أحدها : قال الحسن ~~والأصم كان الرجل في الجاهلية إذا هم بشيء فتعسر عليه مطلوبه لم يدخل بيته ~~من بابه بل يأتيه من خلفه ويبقى على هذه الحالة حولا كاملا ، فنهاهم الله ~~تعالى عن ذلك لأنهم كانوا يفعلونه تطيرا ، وعلى هذا تأويل الآية ليس البر ~~أن تأتوا البيوت من ظهورها على وجه التطير ، لكن البر من يتقي الله ولم / ~~يتق غيره ولم يخف شيئا كان يتطير به ، بل توكل على الله تعالى واتقاه وحده ~~، ثم قال : { واتقوا الله لعلكم تفلحون } أي لتفوزوا بالخير في الدين ~~والدنيا كقوله : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب } ~~( الطلاق : 2 3 ) { ومن يتق الله يجعل له من PageV05P106 أمره يسرا } ( ~~الطلاق : 4 ) وتمام التحقيق في الآية أن من رجع خائبا يقال : ما أفلح وما ~~أنجح ، فيجوز أن يكون الفلاح المذكور في الآية هو أن الواجب عليكم أن تتقوا ~~الله حتى تصيروا مفلحين منجحين وقد وردت الأخبار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالنهي عن التطير ، وقال : ( لا عدوى ولا طيرة ) وقال من ( رده عن ~~سفره تطير فقد أشرك ) أو كما قال وأنه كان يكره الطيرة ويحب الفأل الحسن ~~وقد عاب الله تعالى قوما تطيروا بموسى ومن معه { قالوا اطيرنا بك وبمن معك ~~قال طائركم عند الله } ( النمل : 47 ) . # الوجه الثاني : في سبب نزول هذه الآية ، روي أنه في أول الإسلام كان إذا ~~أحرم الرجل منهم فإن كان من أهل المدن نقب في ظهر بيته منه يدخل ويخرج ، أو ~~يتخذ سلما يصعد منه سطح داره ثم ينحدر ، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف ~~الخباء ، فقيل لهم : ليس البر بتحرجكم عن دخول الباب ، ولكن البر من اتقى . # الوجه الثالث : أن أهل الجاهلية إذا أحرم أحدهم نقب خلف بيته أو خيمته ~~نقبا منه يدخل ms1526 ويخرج إلا الحمس ، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخيثم وبنو ~~عامر بن صعصعة وبنو نصر بن معاوية ، وهؤلاء سموا حمسا لتشددهم في دينهم ، ~~الحماسة الشدة ، وهؤلاء متى أحرموا لم يدخلوا بيوتهم ألبتة ولا يستظلون ~~الوبر ولا يأكلون السمن والأقط / ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كام ~~محرما ورجل آخر كان محرما ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حال كونه ~~محرما من باب بستان قد خرب فأبصره ذلك الرجل الذي كان محرما فاتبعه ، فقال ~~عليه السلام : تنح عني ، قال : ولم يا رسول الله ؟ قال : دخلت الباب وأنت ~~محرم فوقف ذلك الرجل فقال : إني رضيت بسنتك وهديك وقد رأيتك دخلت فدخلت ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية وأعلمهم أن تشديدهم في أمر الإحرام ليس ببر ~~ولكن البر من اتقى مخالفة الله وأمرهم بترك سنة الجاهلية فقال : { وأتوا ~~البيوت من أبوابها } فهذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية . # المسألة الثانية : ذكروا في تفسير الآية ثلاثة أوجه الأول : وهو قول أكثر ~~المفسرين حمل الآية على هذه الأحوال التي رويناها في سبب النزول ، إلا أن ~~على هذا التقدير صعب الكلام في نظم الآية ، فإن القوم سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الحكمة في تغيير نور القمر ، فذكر الله تعالى الحكمة في ~~ذلك ، وهي قوله : { قل هى مواقيت للناس والحج } فأي تعلق بين بيان الحكمة ~~في اختلاف نور القمر ، وبين هذه القصة ، ثم القائلون بهذا القول أجابوا عن ~~هذا السؤال من وجوه أحدها : أن الله تعالى لما ذكر أن الحكمة في اختلاف ~~أحوال الأهلة جعلها مواقيت للناس / والحج ، وكان هذا الأمر من الأشياء التي ~~اعتبروها في الحج لا جرم تكلم الله تعالى فيه وثانيها : أنه تعالى إنما وصل ~~قوله : { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } بقوله : { يسئلونك عن ~~الاهلة } لأنه إنما اتفق وقوع القصتين في وقت واحد فنزلت الآية فيهما معا ~~في وقت واحد ووصل أحد الأمرين بالآخر وثالثها : كأنهم سألوا عن الحكمة في ~~اختلاف حال الأهلة فقيل لهم : اتركوا ms1527 السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم ~~وارجعوا إلى ما البحث عنه أهم لكم فإنكم تظنون أن إتيان البيوت من ظهورها ~~بر وليس الأمر كذلك . # القول الثاني : في تفسير الآية أن قوله تعالى : { وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها } مثل ضربه الله تعالى لهم ، وليس المراد ظاهره ، وتفسيره ~~أن الطريق المستقيم المعلوم هو أن يستدل بالمعلوم على PageV05P107 المظنون ~~، فأما أن يستدل بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب وضد الحق وإذا عرفت ~~هذا فنقول : إنه قد ثبت بالدلائل أن للعالم صانعا مختارا حكيما ، وثبت أن ~~الحكيم لا يفعل إلا الصواب البريء عن العبث والسفه ، ومتى عرفنا ذلك ، ~~وعرفنا أن اختلاف أحوال القمر في النور من فعله علمنا أن فيه حكمة ومصلحة ، ~~وذلك لأن علمنا بهذا الحكيم الذي لا يفعل إلا الحكمة يفيدنا القطع بأن فيه ~~حكمة ، لأنه استدلال بالمعلوم على المجهول ، فأما أن يستدل بعدم علمنا بما ~~فيه من الحكمة على أن فاعله ليس بالحكيم ، فهذا الاستدلال باطل ، لأنه ~~استدلال بالمجهول على القدح في المعلوم إذا عرفت هذا فالمراد من قوله تعالى ~~: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } يعني أنكم لما لم تعلموا حكمته ~~في اختلاف نور القمر صرتم شاكين في حكمة الخالق ، فقد أتيتم الشيء لا من ~~البر ولا من كمال العقل إنما البر بأن تأتوا البيوت من أبوابها فتستدلوا ~~بالمعلوم المتيقن وهو حكمة خالقها على هذا المجهول فتقطعوا بأن فيه حكمة ~~بالغة ، وإن كنتم لا تعلمونها ، فجعل إتيان البيوت من ظهورها كناية عن ~~العدول عن الطريق الصحيح ، وإتيانها من أبوابها كناية عن التمسك بالطريق ~~المستقيم ، وهذا طريق مشهور في الكناية فإن من أرشد غيره إلى الوجه الصواب ~~يقول له : ينبغي أن تأتي الأمر من بابه وفي ضده يقال : إنه ذهب إلى الشيء ~~من غير بابه قال تعالى : { فنبذوه وراء ظهورهم } ( آل عمران : 187 ) وقال : ~~{ واتخذتموه وراءكم } ( هود : 92 ) فلما كان هذا طريقا مشهورا معتادا في ~~الكنايات ، ذكره الله تعالى ههنا ، وهذا تأويل المتكلمين ولا يصح تفسير هذه ms1528 ~~الآية فإن تفسيرها بالوجه الأول يطرق إلى الآية سوء الترتيب وكلام الله ~~منزه عنه . # القول الثالث : في تفسير الآية ما ذكره أبو مسلم ، أن المراد من هذه ~~الآية ما كانوا يعلمونه من النسيء ، فإنهم كانوا يخرجون الحج عن وقته الذي ~~عينه الله له فيحرمون الحلال ويحلون الحرام فذكر إتيان البيوت من ظهورها ~~مثل لمخالفة الواجب في الحج وشهوره . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ولاكن البر من اتقى } تقديره : ولكن ~~البر بر من اتقى فهو / كقوله : { ولاكن البر من ءامن بالله } ( البقرة : ~~177 ) وقد تقدم تقريره . # المسألة الرابعة : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ، وقالون عن نافع ~~البيوت : بكسر الباء لأنهم استثقلوا الخروج من ضمة باء إلى ياء ، والباقون ~~بالضم على الأصل وللقراء فيها وفي نظائرها نحو بيوت ، وعيون ، وجيوب : ~~مذاهب واختلافات يطول تفصيلها . # أما قوله : { واتقوا الله } فقد بينا دخول كل واجب واجتناب كل محرم تحته ~~{ لعلكم تفلحون } لكي تفلحوا ، والفلاح هو الظفر بالبغية ، قالت المعتزلة : ~~وهذا يدل على إرادته تعالى الفلاح من جميعهم ، لأنه لا تخصيص في الآية ~~والله أعلم . # الحكم العاشر # ما يتعلق بالقتال # ! 7 < { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 190 ) وقاتلوا في سبيل . . . . . # > > PageV05P108 # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى أمر بالإستقامة في الآية المتقدمة بالتقوى في ~~طريق معرفة الله تعالى فقال : { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ~~ولاكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها } ( البقرة : 189 ) وأمر ~~بالتقوى في طريق طاعة الله ، وهو عبارة عن ترك المحظورات وفعل الواجبان ~~فالإستقامة علم ، والتقوى عمل ، وليس التكليف إلا في هذين ، ثم لما أمر في ~~هذه الآية بأشد أقسام التقوى وأشقها على النفس ، وهو قتل أعداء الله فقال : ~~{ وقاتلوا في سبيل الله } . # المسألة الثانية : في سبب النزول قولان الأول : قال الربيع وابن زيد : ~~هذه الآية أول آية نزلت في القتال ، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقاتل من قاتل ، ويكف عن قتال من تركه ms1529 ، وبقي على هذه الحالة إلى أن ~~نزل قوله تعالى : { اقتلوا * المشركين } ( التوبة : 5 ) . # والقول الثاني : أنه عليه الصلاة والسلام خرج بأصحابه لإرادة الحج ونزل ~~الحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء فصدهم المشركون عن دخول البيت فأقام ~~شهرا لا يقدر على ذلك ثم صالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في ~~العام القابل ، ويتركون له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدي ويفعل ما ~~شاء ، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وصالحهم عليه ، / ثم عاد إلى ~~المدينة وتجهز في السنة القابلة ، ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ~~ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم ، وكانوا كارهين لمقاتلتهم في الشهر ~~الحرام وفي الحرم ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات ، وبين لهم كيفية المقاتلة ~~إن احتاجوا إليها ، فقال : { وقاتلوا في سبيل الله } . # المسألة الثالثة : { وقاتلوا في سبيل الله } أي في طاعته وطلب رضوانه ، ~~روى أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن يقاتل في سبيل الله ، ~~فقال : هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، ولا يقاتل رياء ولا سمعة . # المسألة الرابعة : اختلفوا في المراد بقوله : { الذين يقاتلونكم } على ~~وجوه أحدها : وهو قول ابن عباس ، المراد منه : قاتلوا الذين يقاتلونكم إما ~~على وجه الدفع عن الحج ، أو على وجه المقاتلة ابتداء ، وهذا الوجه موافق ~~لما رويناه عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية وثانيها : قاتلوا كل من له ~~قدرة وأهلية على القتال وثالثها : قاتلوا كل من له قدرة على القتال وأهلية ~~كذلك سوى من جنح للسلم ، قال تعالى : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } ( ~~الأنفال : 61 ) واعلم أن القول الأول أقرب إلى الظاهر لأن ظاهر قوله تعالى ~~: { الذين يقاتلونكم } يقتضي كونهم فاعلين للقتال ، فأما المستعد للقتال ~~والمتأهل له قبل إقدامه عليه ، فإنه لا يوصف بكونه مقاتلا إلا على سبيل ~~المجاز . # المسألة الخامسة : من الناس من قال : هذه الآية منسوخة ، وذلك لأن هذه ~~الآية دلت على أن الله تعالى أوجب قتال المقاتلين ، ونهى عن قتال غير ~~المقاتلين ، بدليل ms1530 أنه قال : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ثم ~~بعده : ولا تعتدوا هذا القدر ، ولا تقاتلوا من لا يقاتلكم فثبت أن هذه ~~الآية مانعة من قتال غير المقاتلين ، ثم قال تعالى بعد ذلك : { واقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم } ( البقرة : 191 ) فاقتضي هذا حصول الأول PageV05P109 في ~~قتال من لم يقاتل ، فدل على أن هذه الآية منسوخة / ولقائل أن يقول : نسلم ~~أن هذه الآية دالة على الأمر بقتال من لم يقاتلنا ، لكن هذا الحكم ما صار ~~منسوخا . # أما قوله : إنها دالة على المنع من قتال من لم يقاتلنا ، فهذا غير مسلم ، ~~وأما قوله تعالى : { ولا تعتدوا } فهذا يحتمل وجوها أخر سوى ما ذكرتم ، ~~منها أن يكون المعنى : ولا تبدؤا في الحرم بقتال ، ومنها أن يكون المراد : ~~ولا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من الذين بينكم وبينهم عهد ، أو ~~بالحيلة أو بالمفاجأة من غير تقديم دعوة ، أو بقتل النساء والصبيان والشيخ ~~الفاني ، وعلى جميع هذه التقديرات لا تكون الآية منسوخة . # فإن قيل : هب أنه لا نسخ في الآية ، ولكن ما السبب في أن الله تعالى أمر ~~أولا بقتال من يقاتل ، ثم في آخر الأمر أذن في قتالهم سواء قاتلوا أو لم ~~يقاتلوا . # قلنا : لأن في أول الأمر كان المسلمون قليلين ، فكان الصلاح استعمال ~~الرفق واللين والمجاملة ، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع ، وأقام من أقام ~~منهم على الشرك ، بعد ظهور المعجزات وتكررها / علهم حالا بعد حال ، حصل ~~اليأس من إسلامهم ، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق . # المسألة السادسة : المعتزلة احتجوا بقوله تعالى : { إن الله لا يحب ~~المعتدين } قالوا : لو كان الإعتداء بإرادة الله تعالى وبتخليقه لما صح هذا ~~الكلام ، وجوابه قد تقدم والله أعلم . # ! 7 < { واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من ~~القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم كذالك جزآء الكافرين * فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } . > 7 ~~@QB@ < # | البقرة : ( 191 - 192 ) واقتلوهم حيث ثقفتموهم . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة ms1531 ومنه رجل ثقيف سريع ~~الأخذ لأقرانه ، قال : # % فأما تثقفوني فاقتلوني % % فمن أثقف فليس إلى خلود % # ثم نقول قوله تعالى : { * اقتلوهم } الخطاب فيه واقع على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومن هاجر معه وإن كان الغرض به لازما لكل مؤمن ، والضمير في قوله ~~: { * اقتلوهم } عائد إلى الذين أمر بقتلهم في الآية الأولى وهم الكفار من ~~أهل مكة ، فأمر الله تعالى بقتلهم حيث كانوا في الحل والحرم ، وفي الشهر ~~الحرام ، وتحقيق القول أنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام ~~الكفار على المقاتلة ، وفي هذه زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء ~~قاتلوا أو لم يقاتلوا ، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام . # المسألة الثانية : نقل عن مقاتل أنه قال : إن الآية المتقدمة على هذه ~~الآية ، وهي قوله : { تفلحون وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ( ~~البقرة : 190 ) PageV05P110 منسوخة بقوله تعالى : { ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام } ثم تلك الآية منسوخة بقوله تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة } ( البقرة : 193 ) وهذا الكلام ضعيف . # أما قوله : إن قوله تعالى : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ~~منسوخ بهذه الآية ، فقد / تقدم إبطاله ، وأما قوله : إن هذه الآية منسوخة ~~بقوله تعالى : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } فهذا من باب التخصيص لا ~~من باب النسخ ، وأما قوله : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } منسوخ ~~بقوله : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } فهو خطأ أيضا لأنه لا يجوز الابتداء ~~بالقتال في الحرم ، وهذا الحكم ما نسخ بل هو باق فثبت أن قوله ضعيف ولأنه ~~يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متوالية تكون كل واحدة منها ناسخة للأخرى ~~. # أما قوله تعالى : { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } ففيه بحثان : # البحث الأول : أن الإخراج يحتمل وجهين أحدهما : أنهم كلفوهم الخروج قهرا ~~والثاني : أنهم بالغوا في تخويفهم وتشديد الأمر عليهم ، حتى صاروا مضطرين ~~إلى الخروج . # البحث الثاني : أن صيغة { حيث } تحتمل وجهين أحدهما : أخرجوهم من الموضع ~~الذي أخرجوكم وهو مكة والثاني : أخرجوهم من منازلكم ، إذا عرفت هذا فنقول : ~~أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يخرجوا ms1532 أولئك الكفار من مكة إن أقاموا على ~~شركهم إن تمكنوا منه ، لكنه كان في المعلوم أنهم يتمكنون منه فيما بعد ، ~~ولهذا السبب أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مشرك من الحرم . ثم ~~أجلاهم أيضا من المدينة ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا يجتمع دينان في ~~جزيرة العرب ) . # أما قوله تعالى : { والفتنة أشد من القتل } ففيه وجوه أحدها : وهو منقول ~~عن ابن عباس : أن المراد من الفتنة الكفر بالله تعالى ، وإنما سمي الكفر ~~بالفتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج ، وفيه الفتنة ، وإنما ~~جعل الكفر أعظم من القتل / لأن الكفر ذنب يستحق صاحبه به العقاب الدائم ، ~~والقتل ليس كذلك ، والكفر يخرج صاحبه به عن الأمة ، والقتل ليس كذلك فكان ~~الكفر أعظم من القتل ، وروي في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة كان قتل ~~رجلا من الكفار في الشهر الحرام ، فالمؤمنون عابوه على ذلك ، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية ، فكان المعنى ليس لكم أن تستعظموا الإقدام على القتل في ~~الشهر الحرام ، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك ~~وثانيها : أن الفتنة أصلها عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ، ثم صار ~~إسما لكل ما كان سببا للامتحان تشبيها بهذا الأصل ، والمعنى : أن إقدام ~~الكفار على الكفر وعلى تخويف المؤمنين ، وعلى تشديد الأمر عليهم بحيث صاروا ~~ملجئين إلى ترك الأهل والوطن هربا من إضلالهم في الدين ، وتخليصا للنفس مما ~~يخافون ويحذرون ، فتنة شديدة بل هي أشد من القتل الذي يقتضي التخليص من ~~غموم الدنيا وآفاتها ، وقال بعض الحكماء : ما أشد من هذا القتل الذي أوجبه ~~عليكم جزاء غير تلك الفتنة . # الوجه الثالث : أن يكون المراد من الفتة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب ~~كفرهم ، / فكأنه قيل : اقتلوهم من حيث ثقفتموهم ، واعلم أن وراء ذلك من ~~عذاب الله ما هو أشد منه كقوله : { ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده } ( التوبة : 52 ) وإطلاق اسم الفتنة على العذاب جائز ، وذلك من باب ~~إطلاق PageV05P111 اسم السبب على ms1533 المسبب ، قال تعالى : { يوم هم على النار ~~يفتنون } ( الذاريات : 13 ) ثم قال عقيبة : { ذوقوا فتنتكم } ( الذاريات : ~~14 ) أي عذابكم ، وقال : { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } ( البروج : ~~10 ) أي عذبوهم ، وقال : { فإذا أوذى فى الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } ~~( العنكبوت : 10 ) أي عذابهم كعذابه . # الوجه الرابع : أن يكون المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام ، ~~أشد من قتلكم إياهم في الحرم ، لأنهم يسعون في المنع من العبودية والطاعة ~~التي ما خلقت الجن والإنس إلا لها . # الوجه الخامس : أن ارتداد المؤمن أشد عليه من أن يقتل محقا والمعنى : ~~وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على ~~الحق كان ذلك أولى بكم وأسهل عليكم من أن ترتدوا عن دينكم أو تتكاسلوا في ~~طاعة ربكم . # أما قوله : { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه } ففيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : هذا بيان لبقاء هذا الشرط في قتالهم في هذه البقعة خاصة ~~، وقد كان من قبل شرطا في كل القتال وفي الأشهر الحرم . # المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي : { ولا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فإن ~~قاتلوكم } كله بغير ألف ، والباقون جميع ذلك بالألف ، وهو في المصحف بغير ~~ألف ، وإنما كتبت كذلك للإيجاز ، كما كتب : الرحمن بغير ألف ، وكذلك : صالح ~~، وما أشبه ذلك من حروف المد واللين ، قال القاضي رحمه الله : القراءتان ~~المشهورتان إذا لم يتناف العمل وجب العمل بهما ، كما يعمل بالآيتين إذا لم ~~يتناف العمل بهما ، وما يقتضيه هاتان القراءتان المشهورتان لا تنافي فيه ، ~~فيجب العمل بهما ما لم يقع النسخ فيه ، يروى أن الأعمش قال لحمزة : أرأيت ~~قراءتك إذا صار الرجل مقتولا فبعد ذلك كيف يصير قاتلا لغيره ؟ فقال حمزة : ~~إن العرب إذا قتل رجل منهم قالوا قتلنا ، وإذا ضرب رجل منهم قالوا ضربنا . # المسألة الثالثة : الحنفية تمسكوا بهذه الآية في مسألة الملتجيء إلى ~~الحرم ، وقالوا : لما لم يجز القتل عند المسجد الحرام بسبب جناية الكفر ~~فلأن لا يجوز القتل في المسجد الحرام بسبب الذنب الذي هو دون الكفر ms1534 كان ~~أولى / وتمام الكلام فيه في كتب الخلاف . # أما قوله تعالى : { فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } فاعلم أنه تعالى ~~أوجب عليهم القتال على ما تقدم ذكره ، وكان يجوز أن يقدر أن ذلك القتال لا ~~يزال وإن انتهوا وتابوا كما ثبت في كثير من الحدود أن التوبة لا تزيله ، ~~فقال تعالى بعدما أوجب القتل عليهم : { فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } ~~بين بهذا أنهم متى انتهوا عن ذلك سقط وجوب القتل عنهم ، ونظيره قوله تعالى ~~: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ( الأنفال : 38 ) وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : فإن انتهوا عن القتال وقال الحسن : فإن ~~انتهوا عن الشرك . # حجة القول الأول : أن المقصود من الإذن في القتال منع الكفار عن المقاتلة ~~فكان قوله : { فإن انتهوا } محمولا على ترك المقاتلة . # حجة القول الثاني : أن الكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال ، ~~بل بترك الكفر . PageV05P112 # المسألة الثانية : الانتهاء عن الكفر لا يحصل في الحقيقة إلا بأمرين ~~أحدهما : التوبة والآخر التمسك بالإسلام ، وإن كان قد يقال في الظاهر لمن ~~أظهر الشهادتين : إنه انتهى عن الكفر إلا أن ذلك إنما يؤثر في حقن الدم فقط ~~. أما الذي يؤثر في استحقاق الثواب والغفران والحرمة فليس إلا ما ذكرنا . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن التوبة من كل ذنب مقبولة ، وقول من ~~قال : التوبة عن القتل العمد غير مقبولة خطأ ، لأن الشرك أشد من القتل ، ~~فإذا قبل الله توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى ، وأيضا فالكافر قد يكون ~~بحيث جمع مع كونه كافرا كونه قاتلا . فلما دلت الآية على قبول توبة كل كافر ~~دل على أن توبته إذا كان قاتلا مقبولا والله أعلم . # ! 7 < { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان ~~إلا على الظالمين } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 193 ) وقاتلوهم حتى لا . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال القوم : هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : { ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد * الحرم * حتى يقاتلوكم فيه } ( البقرة : 191 ) ~~والصحيح أنه ms1535 ليس كذلك لأن البداية بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته ~~أقصى ما في الباب أن هذه الصفة عامة ولكن مذهب الشافعي رضي الله عنه وهو ~~الصحيح أن العام سواء كان مقدما على المخصص أو متأخرا عنه فإنه يصير مخصوصا ~~به والله أعلم . # المسألة الثانية : في المراد بالفتنة ههنا وجوه أحدهما : أنها الشرك ~~والفكر ، قالوا : كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويؤذون أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم بمكة حتى ذهبوا إلى الحبشة ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ~~ذهبوا إلى المدينة وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا دينهم ويرجعوا ~~كفارا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى : قاتلوهم حتى تظهروا عليهم ~~فلا يفتنوكم عن دينكم فلا تقعوا في الشرك وثانيها : قال أبو مسلم : معنى ~~الفتنة ههنا الجرم قال : لأن الله تعالى أمر / بقتالهم حتى لا يكون منهم ~~القتال الذي إذا بدؤا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع ~~المضار . فإن قيل : كيف يقال : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } مع علمنا بأن ~~قتالهم لا يزيل الكفر وليس يلزم من هذا أن خبر الله لا يكون حقا . # قلنا الجواب من وجهين الأول : أن هذا محمول على الأغلب لأن الأغلب عند ~~قتالهم زوال الكفر والشرك ، لأن من قتل فقد زال كفره ، ومن لا يقتل يخاف ~~منه الثبات على الكفر فإذا كان هذا هو الأغلب جاز أن يقال ذلك . # الجواب الثاني : أن المراد قاتلوهم قصدا منكم إلى زوال الكفر ، لأن ~~الواجب على المقاتل للكفار أن يكون مراده هذا ، ولذلك متى ظن أن من يقاتله ~~يقلع عن الكفر بغير القتال وجب عليه العدول عنه . # أما قوله تعالى : { ويكون الدين لله } فهذا يدل على حمل الفتنة على الشرك ~~، لأنه ليس بين الشرك وبين أن يكون الدين كله لله واسطة والمراد منه أن ~~يكون تعالى هو المعبود المطاع دون سائر ما يعبد ويطاع غيره ، فصار التقدير ~~كأنه تعالى قال : وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويثبت الإسلام ، وحتى يزول ما ~~يؤدي إلى العقاب PageV05P113 ويحصل ما يؤدي ms1536 إلى الثواب ، ونظيره قوله تعالى ~~: { تقاتلونهم أو يسلمون } ( الفتح : 16 ) وفي ذلك بيان أنه تعالى إنما أمر ~~بالقتال لهذا المقصود . # أما قوله تعالى : { فإن انتهوا } فالمراد : فإن انتهوا عن الأمر الذي ~~لأجله وجب قتالهم ، وهو إما كفرهم أو قتالهم ، فعند ذلك لا يجوز قتالهم ، ~~وهو كقوله تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم * قد سلف } ( ~~الأنفال : 38 ) . # أما قوله تعالى : { فلا عدوان إلا على الظالمين } ففيه وجهان الأول : فإن ~~انتهوا فلا عدوان ، أي فلا قتل إلاعلى الذين لا ينتهون على الكفر فإنهم ~~بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم على ما قال تعالى : { إن الشرك لظلم ~~عظيم } . # فإن قيل : لم سمي ذلك القتل عدوانا مع أنه في نفسه حق وصواب ؟ . # قلنا : لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه كقوله ~~تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) وقوله تعالى : { فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى * لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم ~~سخر الله منهم } ( لقمان : 13 ) والثاني : إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن ~~الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين فنسلط عليكم من يعتدي عليكم . # ! 7 < { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ~~} . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 194 ) الشهر الحرام بالشهر . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى لما أباح القتال وكان ذلك منكرا فيما بينهم ، ذكر ~~في هذه الآية ما يزيل ذلك فقال : { الشهر الحرام بالشهر الحرام } وفيه وجوه ~~أحدها : روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خرج عام الحديبية للعمرة وكان ذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة فصده أهل ~~مكة عن ذلك ثم صالحوه عن أن ينصرف ويعود في العالم القابل حتى يتركوا له ~~مكة ثلاثة أيام ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل وهو ~~في ذي القعدة سنة سبع ودخل مكة واعتمر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني ~~إنك دخلت الحرم في الشهر الحرام ، والقوم ms1537 كانوا صدوك في السنة الماضية في ~~هذا الشهر فهذا الشهر بذاك الشهر وثانيها : ما روي عن الحسن أن الكفار ~~سمعوا أن الله تعالى نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أن يقاتلهم في ~~الأشهر الحرم ، فأرادوا مقاتلته وظنوا أنه لا يقاتلهم ، وذلك قوله تعالى : ~~{ يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام } ( البقرة : 217 ) فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~لبيان الحكم في هذه الواقعة ، فقال : { الشهر الحرام بالشهر الحرام } أي من ~~استحل دمكم من المشركين في الشهر الحرام فاستحلوه فيه وثالثها : ما ذكره ~~قوم من المتكلمين وهو أن الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن الكفر بالله ، فكيف ~~يمنعنا عن مقاتلتكم ، فالشهر الحرام من جانبنا ، مقابل بالشهر الحرام من ~~جانبكم ، والحاصل في PageV05P114 الوجوه الثلاثة أن حرمة الشهر الحرام لما ~~لم تمنعهم عن الكفر والأفعال القبيحة ، فكيف جعلوه سببا في أن يمنع للقتال ~~من شرهم وفسادهم . # أما قوله تعالى : { والحرمات قصاص } فالحرمات جمع حرمة والحرمة ما منع من ~~انتهاكه والقصاص المساواة وإذا عرفت هذا ففي هذه الآية تعود تلك الوجوه . # أما على الوجه الأول : فهو أن المراد بالحرمات : الشهر الحرام ، والبلد ~~الحرام ، وحرمة الإحرام فقوله : { والحرمات قصاص } معناه أنهم لما أضاعوا ~~هذه الحرمات في سنة ست فقد وقفتم حتى قضيتموه على زعمكم في سنة سبع . # وأما على الوجه الثاني : فهو أن المراد : إن أقدموا على مقاتلتكم ~~فقاتلوهم أنتم أيضا ، قال الزجاج : وعلم الله تعالى بهذه الآية أنه ليس ~~للمسلمين أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الإبتداء بل على سبيل القصاص ، ~~وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية ، وهو قوله : { ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام حتى يقاتلوكم فيه } ( البقرة : 191 ) وبما بعدها وهو قوله : { فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } . # أما على القول الثالث : فقوله : { والحرمات قصاص } يعني حرمة كل واحد من ~~الشهرين كحرمة الآخر فهما مثلان ، والقصاص هو المثل فلما لم يمنعكم حرمة ~~الشهر من الكفر والفتنة والقتال فكيف ms1538 يمنعنا عن القتال . # أما قوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ~~فالمراد منه : الأمر بما يقابل الإعتداء من الجزاء والتقدير : فمن اعتدى ~~عليكم فقابلوه ، والسبب في تسميته اعتداء قد تقدم ثم قال : { واتقوا الله } ~~وقد تقدم معنى التقوى ، ثم قال : { واعلموا أن الله مع المتقين } أي ~~بالمعونة والنصرة والحفظ والعلم ، وهذا من أقوى الدلائل على أنه ليس بجسم ~~ولا في مكان إذا لو كان جسما لكان في مكان معين ، فكان إما أن يكون مع أحد ~~منهم ولم يكن مع الآخر أو يكون مع كل واحد من المؤمنين جزء من أجزائه وبعض ~~من أبعاضه تعالى الله عنه علوا كبيرا . # ! 7 < { وأنفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن ~~الله يحب المحسنين } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 195 ) وأنفقوا في سبيل . . . . . # > > اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين الأول : أنه تعالى لما ~~أمر بالقتال والاشتغال بالقتال لا يتيسر إلا بالآلات وأدوات يحتاج فيها إلى ~~المال ، وربما كان ذو المال عاجزا عن القتال وكان الشجاع القادر على القتال ~~فقيرا عديم المال ، فلهذا أمر الله تعالى الأغنياء بأن ينفقوا على الفقراء ~~الذين يقدرون على القتال والثاني : يروي أنه لما نزل قوله تعالى : { الشهر ~~الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } ( البقرة : 94 ) قال رجل من الحاضرين ~~: والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن ~~الصدقة ولو بشق تمرة تحمل في سبيل الله فيهلكوا ، فنزلت هذه الآية على وفق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . PageV05P115 # واعلم أن الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح ، فلذلك لا يقال في ~~المضيع : إنه منفق فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل الله ، فالمراد به في طريق ~~الدين ، لا السبيل هو الطريق ، وسبيل الله هو دينه . فكل ما أمر الله به في ~~دينه من الإنفاق فهو داخل في الآية سواء كان إنفاقا في حج / أو عمرة ms1539 أو كان ~~جهادا بالنفس ، أو تجهيزا للغير ، أو كان إنفاقا في صلة الرحم ، أو في ~~الصدقات أو علي العيال ، أو في الزكوات والكفارات ، أو عمارة السبيل وغير ~~ذلك ، إلا أن الأقرب في هذه الآية وقد تقدم ذكر الجهاد أنه يراد به الإنفاق ~~في الجهاد ، بل قال : { وأنفقوا فى سبيل الله } لوجهين الأول : أن هذا ~~كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإنفاق ، وذلك لأن المال مال الله فيجب ~~إنفاقه في سبيل الله ، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه ~~إنفاق المال الثاني : أن هذه الآية إنما نزلت وقت ذهاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى مكة لقضاء العمرة ، وكانت تلك العمرة لا بد من أن تفضى إلى ~~القتال إن منعهم المشركون ، فكانت عمرة وجهادا ، واجتمع فيه المعنيان ، ~~فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم قال تعالى : { وأنفقوا فى سبيل الله } ولم ~~يقل : وأنفقوا في الجهاد والعمرة . # أما قوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو عبيدة والزجاج { التهلكة } الهلاك يقال : هلك ~~يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة : قال الخارزنجي : لا أعلم في كلام العرب مصدرا ~~على تفعلة بضم العين إلا هذا ، قال أبو علي : قد حكى سيبويه : التنصرة ~~والتسترة ، وقد جاء هذا المثال اسما غير مصدر ، قال : ولا نعلمه جاء صفة ~~قال صاحب ( الكشاف ) : ويجوز أن يقال أصله التهلكة ، كالتجربة والتبصرة على ~~أنها مصدر هكذا فأبدلت الضمة بالكسرة ، كما جاء الجوار في الجوار . # وأقول : إني لأتعجب كثيرا من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع ~~، وذلك أنهم لو وجدوا شعرا مجهولا يشهد لما أرادوه فرحوا به ، واتخذوه حجة ~~قوية ، فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى المشهود له من الموافق والمخالف ~~بالفصاحة ، أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها . # المسألة الثانية : اتفقوا على أن الباء في قوله : { بأيديكم } تقتضي إما ~~زيادة أو نقصانا فقال قوم : الباء زائدة والتقدير : ولا تلقوا أيديكم إلى ~~التهلكة . وهو كقوله : جذبت الثوب بالثوب ، وأخذت القلم بالقلم فهما لغتان ~~مستعملتان ms1540 مشهورتان ، أو المراد بالأيدي الأنفس كقوله : { بما قدمت يداك } ~~( الحج : 10 ) أو { بما كسبت * أيديكم } ( الشورى : 30 ) فالتقدير : ولا ~~تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ، وقال آخرون : بل ههنا حذف . والتقدير : ولا ~~تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة . # المسألة الثالثة : قوله : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } اختلف ~~المفسرون فيه ، فمنهم من قال : إنه راجع إلى نفس النفقة ، ومنهم من قال : ~~إنه راجع إلى غيرها ، أما الأولون فذكروا فيه وجوه الأول : أن لا ينفقوا في ~~مهمات الجهاد أموالهم ، فيستولي العدو عليهم ويهلكهم ، وكأنه قيل : إن كنت ~~من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل الله وفي طلب مرضاته ، وإن كنت من رجال ~~الدنيا / فأنفق مالك في دفع الهلاك والضرر عن نفسك الوجه الثاني : أنه ~~تعالى لما أمره بالإنفاق نهاه عن أن ينفق كل ماله ، فإن إنفاق كل المال ~~يفضي إلى التهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول والمشروب والملبوس فكان ~~المراد منه ما ذكره في قوله : PageV05P116 { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ~~ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } ( الشورى : 67 ) وفي قوله : { ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } ( الإسراء : 29 ) وأما الذين ~~قالوا : المراد منه غير النفقة فذكروا فيه وجوها أحدها : أن يخلوا بالجهاد ~~فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب النار فحثهم بذلك على التمسك بالجهاد وهو ~~كقوله : { ليهلك من هلك عن بينة } ( الأنفال : 42 ) وثانيها : المراد من ~~قوله : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ~~ترجون النفع ، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل ، وإنما يجب ~~أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل ، فأما إذا كان آيسا من النكاية ~~وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يقدم عليه ، وهذا الوجه منقول عن البراء ~~بن عازب ، ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية : هو الرجل ~~يستقل بين الصفين ، ومن الناس من طعن في هذا التأويل وقال : هذا القتل غير ~~محرم واحتج عليه بوجوه الأول : روي أن رجلا من ms1541 المهاجرين حمل على صف العدو ~~فصاح به الناس فألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم ~~بهذه الآية وإنما نزلت فينا : صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرناه ~~وشهدنا معه المشاهد فلما قوي الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا ~~وتصالحنا ، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد والثاني : ~~روى الشافعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة ، ~~فقال له رجل من الأنصار : أرأيت يا رسول الله إن قتلت صابرا محتسبا ؟ قال ~~عليه الصلاة والسلام : لك الجنة فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يدي رسول ~~الله ، وأن رجلا من الأنصار ألقى درعا كانت عليه حين ذكر النبي عليه الصلاة ~~والسلام الجنة ثم انغمس في العدو فقتلوه والثالث : روي أن رجلا من الأنصار ~~تخلف عن بني معاوية فرأى الطير عكوفا على من قتل من أصحابه ، فقال لبعض من ~~معه سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ، ففعل ~~ذلك فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال فيه قولا حسنا الرابع : ~~روي أن قوما حاصروا حصنا ، فقاتل رجل حتى قتل فقيل ألقى بيده إلى التهلكة ~~فبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك فقال : كذبوا أليس يقول الله تعالى { ~~ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله } ( البقرة : 207 ) ولمن نصر ذلك ~~التأويل أن يجيب عن هذه الوجوه فيقول : إنا إنما حرمنا إلقاء النفس في صف ~~العدو إذا لم يتوقع إيقاع نكاية منهم ، فإما إذا توقع فنحن نجوز ذلك / فلم ~~قلتم أنه يوجد هذا المعنى في هذه الوقائع الوجه الثالث : في تأويل الآية أن ~~يكون هذا متصلا بقوله : { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } ( ~~البقرة : 194 ) أي فإن / قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه فإن الحرمات ~~قصاص ، فجازوا اعتداءهم عليكم ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن ~~قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال فإنكم بذلك تكونون ملقين بأيديكم إلى التهلكة ~~الوجه الرابع : في التأويل أن يكون المعنى : أنفقوا في سبيل ms1542 الله ولا ~~تقولوا إنا نخاف الفقر إن أنفقنا فنهلك ولا يبقى معنا شيء ، فنهوا أن ~~يجعلوا أنفسهم هالكين بالإنفاق ، والمراد من هذا الجعل والإلقاء الحكم بذلك ~~كما يقال جعل فلان فلانا هالكا وألقاه في الهلاك إذا حكم عليه بذلك الوجه ~~الخامس : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة هو الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه ~~لا ينفعه معه عمل فذاك هو إلقاء النفس إلى التهلكة فالحاصل أن معناه النهي ~~عن القنوط عن رحمة الله لأن ذلك يحمل الإنسان على ترك العبودية والإصرار ~~على الذنب الوجه السادس : يحتمل أن يكون المراد وأنفقوا في سبيل الله ولا ~~تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط ، وذلك بأن تفعلوا بعد ذلك الإنفاق ~~فعلا يحبط ثوابه إما بتذكير المنة أو بذكر وجوه الرياء والسمعة ، ونظيره ~~قوله تعالى : PageV05P117 { ولا تبطلوا أعمالكم } ( محمد : 33 ) . # أما قوله تعالى : { وأحسنوا إن الله يحب المحسنين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اختفلوا في أن المحسن مشتق من ماذا وفيه وجوه الأول : ~~أنه مشتق من فعل الحسن وأنه كثر استعماله فيمن ينفع غيره بنفع حسن من حيث ~~أن الإحسان حسن في نفسه ، وعلى هذا التقدير فالضرب والقتل إذا حسنا كان ~~فاعلهما محسنا الثاني : أنه مشتق من الإحسان ، ففاعل الحسن لا يوصف بكونه ~~محسنا إلا إذا كان فعله حسنا وإحسانا معا ، فالإشتقاق إنما يحصل من مجموع ~~الأمرين . # المسألة الثانية : قوله : { وأحسنوا } فيه وجوه أحدها : قال الأصم : ~~أحسنوا في فرائض الله وثانيها : وأحسنوا في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته ~~ونفقته ، والمقصود منه أن يكون ذلك الإنفاق وسطا فلا تسرفوا ولا تقتروا ، ~~وهذا هو الأقرب لاتصاله بما قبله ويمكن حمل الآية على جميع الوجوه . # وأما قوله : { إن الله يحب المحسنين } فهو ظاهر وقد تقدم تفسيره مرارا . ~~< < # | البقرة : ( 196 ) وأتموا الحج والعمرة . . . . . # > > # في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : { الحج } في اللغة عبارة عن القصد وإنما يقال : حج ~~فلان الشيء إذا قصده مرة بعد أخرى ، وأدام الاختلاف إليه { * والحجة } بكسر ~~الحاء السنة ، وإنما قيل لها حجة لأن الناس يحجون في كل سنة ms1543 ، وأما في ~~الشرع فهو اسم لأفعال مخصوصة منها أركان ومنها أبعاض ومنها هيئات ، ~~فالأركان ما لا يحصل التحلل حتى يأتي به والأبعاض هي الواجبات التي إذا ترك ~~شيء يجبر بالدم ، والهيئات ما لا يجب الدم على تركها ، والأركان عندنا خمسة ~~: الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ، وفي ~~حلق الرأس أو تقصيره قولان : أصحهما أنه نسك لا يحصل التحلل إلا به ، وأما ~~الأبعاض فهي الإحرام من الميقات والمقام بعرفة إلى المغرب في قول والبيتوتة ~~بمزدلفة ليلة النحر في قول ورمي جمرة العقبة والبيتوتة بمنى ليالي التشريق ~~في قول ورمي أيامها . # وأما سائر أعمال الحج فهي سنة . # وأما أركان العمرة فهي أربعة : الإحرام ، والطواف ، والسعي ، وفي الحلق ~~قولان ، ثم المعتمر بعدما فرغ من السعي فإن كان معه هدي ذبحه ثم حلق أو قصر ~~، ولا يتوقف التحلل على ذبح الهدي . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { المحسنين وأتموا } أمر بالإتمام / وهل ~~هذا الأمر مطلق أو مشروط بالدخول فيه ، ذهب أصحابنا إلى أنه مطلق ، والمعنى ~~: افعلوا الحج والعمرة على نعت الكمال والتمام والقول الثاني : وهو قول أبي ~~حنيفة رضي الله عنه : إن هذا الأمر مشروط ، والمعنى أن من شرع فيه فليتمه ~~قالوا : ومن PageV05P118 الجائز أن لا يكون الدخول في الشيء واجبا إلا أن ~~بعد الدخول فيه يكون إتمامه واجبا ، وفائدة هذا الخلاف أن العمرة واجبة عند ~~أصحابنا ، وغير واجبة عن أبي حنيفة رحمه الله حجة أصحابنا من وجوه . # الحجة الأولى : قوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } وجه الاستدلال ~~به أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء كاملا تاما ، ويحتمل أن يراد به إذا ~~شرعتم في الفعل فأتموه ، وإذا ثبت الإحتمال وجب أن يكون المراد من هذا ~~اللفظ هو ذاك ، أما بيان الإحتمال فيدل عليه قوله تعالى : { وإذا * ابتلى * ~~إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } ( البقرة : 124 ) أي فعلهن على سبيل التمام ~~والكمال ، وقوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى اليل } ( البقرة : 187 ) أي ~~فافعلوا الصيام تاما إلى الليل ، وحمل اللفظ على هذا أولى من قول من ms1544 قال : ~~المراد فأشرعوا في الصيام ثم أتموه ، لأن على هذا التقدير يحتاج إلى ~~الإضمار ، وعلى التقدير الذي ذكرناه لا يحتاج إليه فثبت أن قوله : { وأتموا ~~الحج } يحتمل أن يكون المراد منه الإتيان به على نعت الكمال والتمام فوجب ~~حمله عليه ، أقصى ما في الباب أنه يحتمل أيضا أن يكون المراد منه أنكم إذا ~~شرعتم فيه فأتموه ، إلا أن حمل اللفظ على الوجه الأول أولى ، ويدل عليه ~~وجوه الأول : أن / حمل الآية على الوجه الثاني يقتضي أن يكون هذا الأمر ~~مشروطا ، ويكون التقدير : أتموا الحج والعمرة لله إن شرعتم فيهما ، وعلى ~~التأويل الأول الذي نصرناه لا يحتاج إلى إضمار هذا الشرط ، فكان ذلك أولى ~~والثاني : أن أهل التفسير ذكروا أن هذه الآية هي أول آية نزلت في الحج ~~فحملها على إيجاب الحج أولى من حملها على الإتمام بشرط الشروع فيه الثالث : ~~قرأ بعضهم { وأقيموا * الحج والعمرة لله } وهذا وإن كان قراءة شاذة جارية ~~مجرى خبر الواحد لكنه بالإتفاق صالح لترجيح تأويل على تأويل الرابع : أن ~~الوجه الذي نصرناه يفيد وجوب الحج والعمرة ، ويفيد وجوب إتمامهما بعد ~~الشروع فيهما ، والتأويل الذي ذكرتم لا يفيد إلا أصل الوجوب ، فكان الذي ~~نصرناه أكبر فائدة ، فكان حمل كلام الله عليه أولى الخامس : أن الباب باب ~~العبادة فكان الإحتياط فيه أولى ، والقول بإيجاب الحج والعمرة معا أقرب إلى ~~الاحتياط ، فوجب حمل اللفظ عليه السادس : هب أنا نحمل اللفظ على وجوب ~~الإتمام ، لكنا نقول : اللفظ دل على وجوب الاتمام جزما ، وظاهر الأمر ~~للوجوب فكان الإتمام واجبا جزما والاتمام مسبوق بالشروع ، وما لا يتم ~~الواجب إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب ، فيلزم أن يكون الشروع واجبا ~~في الحج وفي العمرة السابع : روي عن ابن عباس أنه قال : والذي نفسي بيده ~~إنها لقرينتها في كتاب الله ، أي إن العمرة لقرينة الحج في الأمر في كتاب ~~الله يعني في هذه الآية فكان كقوله : { وأن أقيموا * وإذ أخذنا } ( البقرة ~~: 43 ) فهذا تمام تقرير هذه الحجة . # فإن قيل : قرأ علي وابن ms1545 مسعود والشعبي { والعمرة لله } بالرفع وهذا يدل ~~على أنهم قصدوا إخراج العمرة عن حكم الحج في الوجوب . # قلنا : هذا مدفوع من وجوه الأول : أن هذه قراءة شاذة فلا تعارض القراءة ~~المتواترة ، الثاني : أن فيها ضعفا في العربية ، لأنها تقتضي عطف الجملة ~~الإسمية على الجملة الفعلية الثالث : أن قوله : { والعمرة لله } معناه أن ~~العمرة عبادة الله ، ومجرد كونها عبادة الله لا ينافي وجوبها / وإلا وقع ~~التعارض بين مدلول القراءتين ، وهو غير جائز الرابع : أنه لما كان قوله : { ~~والعمرة لله } معناه : والعمرة عبادة الله ، وجب PageV05P119 أن يكون ~~العمرة مأمورا بها لقوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } ( البينه ~~: 5 ) والأمر للوجوب ، وحينئذ يحصل المقصود . # الحجة الثانية : في وجوب العمرة أن قوله تعالى : { يوم الحج الاكبر } ( ~~التوبة : 3 ) يدل على وجوب حج أصغر على ما عليه حقيقة أفعل ، وما ذاك إلا ~~العمرة بالإتفاق ، وإذا ثبت أن العمرة حج ، وجب أن تكون واجبة لقوله تعالى ~~: { وأتموا الحج } ولقوله : { ولله على الناس حج البيت } ( آل عمران : 97 ) ~~} . # الحجة الثالثة : في المسألة أحاديث منها ما أورده ابن الجوزي في المتفق ~~بين الصحيحين أن جبريل عليه السلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الإسلام ، فقال : أن تشهد أن لا إله إلا الله / وأن محمدا رسول الله ، وأن ~~تقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج وتعتمر ، وروى النعمان بن ~~سالم عن عمر بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال : ~~إن أبي شيخ كفي أدرك الإسلام ، ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن ، فقال ~~عليه الصلاة والسلام : حج عن أبيك واعتمر ، فأمر بهما ، والأمر للوجوب ، ~~ومنها ما روى ابن سيرين عن زيد بن ثابت أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ~~الحج والعمرة فرضان لا يضرك بأيهما بدأت ) ومنها ما روت عائشة رضي الله ~~عنها بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين ، قالت : قلت يا رسول الله هل على ~~النساء جهاد ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : عليهن جهاد لا قتال فيه : الحج ~~والعمرة . # الحجة الرابعة : في وجوب ms1546 العمر ، قال الشافعي رضي الله عنه : اعتمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل الحج ، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن ~~يبادر إلى الحج الذي هو واجب ، وحجة من قال : العمرة ليست واجبة وجوه : # الحجة الأولى : قصد الأعرابي الذي سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن ~~أركان الإسلام فعلمه الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، فقال الأعرابي : ~~هل على غير هذا ؟ قال : لا إلا أن تطوع ، فقال الأعرابي : لا أزيد على هذا ~~ولا أنقص ، فقال عليه الصلاة والسلام : أفلح الأعرابي إن صدق ، وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ) ~~وقال عليه الصلاة والسلام : ( صلوا خمسكم وزكوا أموالكم وحجوا بيتكم تدخلوا ~~جنة ربكم ) فهذه أخبار مشهورة كالمتواترة فلا يجوز الزيادة عليها ولا ردها ~~، وعن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا ؟ فقال : لا وإن تعتمر خير لك ، وعن ~~معاوية الضرير عن أبي صالح الحنفي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( الحج جهاد والعمرة تطوع ) . # والجواب : من وجوه أحدها : أن ما ذكرتم أخبار آحاد فلا تعارض القرآن ~~وثانيها : لعل العمرة ما كانت واجبة عندما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام ~~تلك الأحاديث ، ثم نزل بعدها قوله : { } . # الحجة الثالثة : في المسألة أحاديث منها ما أورده ابن الجوزي في المتفق ~~بين الصحيحين أن جبريل عليه السلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الإسلام ، فقال : أن تشهد أن لا إله إلا الله / وأن محمدا رسول الله ، وأن ~~تقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج وتعتمر ، وروى النعمان بن ~~سالم عن عمر بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال : ~~إن أبي شيخ كفي أدرك الإسلام ، ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن / فقال ~~عليه الصلاة والسلام : حج عن أبيك واعتمر ، فأمر بهما ms1547 ، والأمر للوجوب ، ~~ومنها ما روى ابن سيرين عن زيد بن ثابت أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ~~الحج والعمرة فرضان لا يضرك بأيهما بدأت ) ومنها ما روت عائشة رضي الله ~~عنها بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين ، قالت : قلت يا رسول الله هل على ~~النساء جهاد ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : عليهن جهاد لا قتال فيه : الحج ~~والعمرة . # الحجة الرابعة : في وجوب العمر ، قال الشافعي رضي الله عنه : اعتمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل الحج ، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن ~~يبادر إلى الحج الذي هو واجب ، وحجة من قال : العمرة ليست واجبة وجوه : # الحجة الأولى : قصد الأعرابي الذي سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن ~~أركان الإسلام فعلمه الصلاة ، والزكاة ، والحج ، والصوم ، فقال الأعرابي : ~~هل على غير هذا ؟ قال : لا إلا أن تطوع ، فقال الأعرابي : لا أزيد على هذا ~~ولا أنقص ، فقال عليه الصلاة والسلام : أفلح الأعرابي إن صدق ، وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ) ~~وقال عليه الصلاة والسلام : ( صلوا خمسكم وزكوا أموالكم وحجوا بيتكم تدخلوا ~~جنة ربكم ) فهذه أخبار مشهورة كالمتواترة فلا يجوز الزيادة عليها ولا ردها ~~، وعن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا ؟ فقال : لا وإن تعتمر خير لك ، وعن ~~معاوية الضرير عن أبي صالح الحنفي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( الحج جهاد والعمرة تطوع ) . # والجواب : من وجوه أحدها : أن ما ذكرتم أخبار آحاد فلا تعارض القرآن ~~وثانيها : لعل العمرة ما كانت واجبة عندما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام ~~تلك الأحاديث ، ثم نزل بعدها قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } وهذا هو ~~الأقرب ، لأن هذه الآية إنما نزلت في السنة السابعة من الهجرة وثالثها : أن ~~قصة الأعرابي مشتملة على ذكر الحج وليس فيها بيان ms1548 تفصيل الحج ، وقد بينا أن ~~العمرة حج لأنها هي الحج الأصغر ، فلا تكون هي منافية لوجوب العمرة ، وأما ~~حديث محمد بن المنكدر فقالوا : رواية حجاج بن أرطاة وهو ضعيف . PageV05P120 # المسألة الثالثة : اعلم أن الحج على ثلاثة أقسام : الإفراد ، والقران ، ~~والتمتع ، فالإفراد أن يحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل ، أو ~~يعتمر قبل أشهر الحج ، ثم يحج في تلك السنة ، / والقران أن يحرم بالحج ~~والعمرة معا في أشهر الحج بأن ينويهما بقلبه ، وكذلك لو أحرم بالعمرة في ~~أشهر الحج ، ثم قبل الطواف أدخل عليها الحج يصير قرانا ، والتمتع هو أن ~~يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بأعمالها ثم يحج في هذه السنة ، وإنما سمي ~~تمتعا لأنه يستمتع بمحظورات الإحرام بعد التحلل عن العمرة قبل أن يحرم ~~بالحج . # إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في الأفضل من هذه الثلاثة فقال الشافعي ~~رضي الله عنه أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران وقال في اختلاف الحديث ~~التمتع أفضل من الإفراد وبه قال مالك رضي الله عنه ، وقال أبو حنيفة رضي ~~الله عنه : القران أفضل ، ثم الإفراد ، ثم التمتع ، وهو قول المزني وأبي ~~إسحق والمروزي من أصحابنا ، وقال أبو يوسف ومحمد : القران أفضل ، ثم التمتع ~~، ثم الإفراد ، حجة الشافعي رضي الله عنه في أن الإفراد أفضل من وجوه الأول ~~: التمسك بقوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة * لله } والإستدلال به من ~~ثلاثة أوجه الأول : أن الآية اقتضت عطف العمرة على الحج ، والعطف يستدعي ~~المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه / والمغايرة لا تحصل إلا عند الإفراد ، ~~فأما عند القران فالموجود شيء واحد ، وهو حج وعمرة وذلك مانع من صحة العطف ~~الثاني : قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } يقتضي الافراد ، بدليل أنه ~~تعالى قال : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى } والقارن يلزمه هديان عند ~~الحصر ، وأيضا أنه تعالى أوجب على الخلق عند الأداء فدية واحدة ، والقارن ~~يلزمه فديتان عند الحصر الثالث : هذه الآية تدل على وجوب الإتمام ، ~~والإتمام لا يحصل إلا عند الإفراد ويدل عليه وجهان الأول : أن السفر ms1549 مقصود ~~في الحج ، بدليل أن من أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج من وطنه ، ولولا أن السفر ~~مقصود في الحج لكان يحج عنه من أدنى المواقيت ، ويدل عليه أيضا أنهم قالوا ~~لو نذر أن يحج ماشيا وحج راكبا يلزمه دم ، فثبت أن السفر مقصود والقران ~~يقتضي تقليل السفر ، لأن بسببه يصير السفران سفرا واحدا ، فثبت أن الاتمام ~~لا يحصل إلا بالافراد الثاني : أن الحج لا معنى له إلا زيارة بقاع مكرمة ، ~~ومشاهد مشرفة ، والحاج زائر الله ، والله تعالى مزوره ، ولا شك أنه كلما ~~كانت الزيارة والخدمة أكثر كان موقعها عند المخدوم أعظم ، وعند القران ~~تنقلب الزيارتان زيارة واحدة ، بل الحق أن جملة أنواع الطاعات في الحج وفي ~~العمرة تكرر عند الافراد ، وتصير واحدة عند القران ، فثبت أن الافراد أقرب ~~إلى التمام ، فكان الافراد إن لم يكن واجبا عليكم بحكم هذه الآية فلا أقل ~~من كونه أفضل . # الحجة الثانية : في بيان أن الافراد أفضل : أن الافراد يقتضي كونه آتيا ~~بالحج مرة ، ثم بالعمرة بعد ذلك ، فتكون الأعمال الشاقة في الأفراد أكثر ~~فوجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام : ( أفضل الأعمال أحمزها ) أي أشقها . # / الحجة الثالثة : أنه عليه السلام كان مفردا فوجب أن يكون الإفراد أفضل ~~، أما قولنا : إنه كان مفردا فاعلم أن الصحابة اختلفت رواياتهم في هذا ~~المعنى ، فروى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أفرد بالحج ، وروى جابر وابن عمر أنه أفرد ، وأما أنس فقد روى ~~عنه أنه قال : كنت واقفا عند PageV05P121 جران ناقة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فكان لعابها يسيل على كتفي ، فسمعته يقول ( لبيك بحج وعمرة معا ~~) ثم الشافعي رضي الله عنه رجح رواية عائشة رضي الله عنها وجابر وابن عمر ~~على رواية أنس من وجوه أحدها : بحال الرواة ، أما عائشة فلأنها كانت عالمة ~~، ومع علمها كانت أشد الناس التصاقا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشد ~~الناس وقوفا على أحواله ، وأما جابر فانه كان أقدم صحبة للرسول ms1550 صلى الله ~~عليه وسلم من أنس ، وإن أنسا كان صغيرا في ذلك الوقت قبل العلم ، وأما ابن ~~عمر فإنه كان مع فقهه أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره ، لأن ~~أخته حفصة كانت زوجة النبي صلى الله عليه وسلم والثاني : أن عدم القران ~~متأكد بالاستصحاب والثالث : أن الافراد يقتضي تكثير العبادة ، والقران ~~يقتضي تقليلها ، فكان إلحاق الإفراد بالنبي عليه الصلاة والسلام أولى ، ~~وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفردا وجب أن يكون الافراد أفضل ~~لأنه عليه الصلاة والسلام كان يختار الأفضل لنفسه ، ولأنه قال : ( خذوا عني ~~مناسككم ) أي تعلموا مني . # الحجة الرابعة : أن الافراد يقتضي تكثير العبادة ، والقران يقتضي تقليلها ~~، فكان الأول أولى ، لأن المقصود من خلق الجن والإنس هو العبادة ، وكل ما ~~كان أفضى إلى تكثير العبادة كان أفضل ، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه ~~: # الحجة الأولى : التمسك بقوله تعالى : { وأتموا * الحجة * يومئذ لله } ~~وهذا اللفظ يحتمل أن يكون المراد أيجاب كل واحد منهما / أو يكون المراد منه ~~إيجاب الجمع بينهما على سبيل التمام ، فلو جملناه على الأول لا يفيد الثاني ~~، ولو حملناه على الثاني أفاد الأول ، فكان الثاني أكثر فائدة ، فوجب حمل ~~اللفظ عليه ، لأن الأولى حمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة . # الحجة الثانية : أن القران جمع بين النسكين فوجب أن يكون أفضل من الإتيان ~~بنسك واحد . # الحجة الثالثة : أن في القران مسارعة إلى التسكين وفي الإفراد ترك مسارعة ~~إلى أحد التسكين فوجب أن يكون القران أفضل لقوله : { وسارعوا } ( آل عمران ~~: 133 ) . # والجواب عن الأول : أنا بينا أن هذه الآية تدل من ثلاثة أوجه دلالة ما هو ~~أكثر فائدة على الإفراد ، وأما ما ذكرتموه فمجرد حسن ظن حيث قلتم : حمل ~~اللفظ على ما هو أكثر فائدة أولى وإذا كان كذلك كان الترجيح لقولنا . # والجواب عن الثاني والثالث : أن كل ما يفعله القارن يفعله المفرد أيضا ، ~~إلا أن القران كان / حيلة في إسقاط الطاعة فينتهي الأمر فيه أن يكون ms1551 مرخصا ~~فيه فأما أن يكون أفضل فلا ، وبالجملة فالشافعي رضي الله عنه لا يقول إن ~~الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة المقرونة لكنه يقول : من أتى بالحج ~~في وقته ثم بالعمرة في وقتها فمجموع هذين الأمرين أفضل من الاتيان بالحجة ~~المقرونة . # المسألة الرابعة : في تفسير الإتمام في قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله ~~} وفيه وجوه أحدها : روي عن علي وابن مسعود أن إتمامهما أن يحرم من دويرة ~~أهله وثانيها : قال أبو مسلم : المعنى أن من نوى الحج والعمرة لله وجب عليه ~~الإتمام ، قال : ويدل على صحة هذا التأويل أن هذه الآية إنما نزلت بعد أن ~~منع الكفار النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الماضية عن الحج والعمرة ~~فالله تعالى أمر رسوله في هذه الآية أن لا يرجع PageV05P122 حتى يتم هذا ~~الفرض ، ويحصل من هذا التأويل فائدة فقهية وهي أن تطوع الحج والعمرة ~~كفرضيهما في وجوب الاتمام وثالثها : قال الأصم : إن الله تعالى فرض الحج ~~والعمرة ثم أمر عباده أن يتموا الآداب المعتبرة ، وذكر الشيخ الإمام أبو ~~حامد الغزالي رحمه الله في كتاب الاحياء ما يتعلق بهذا الباب فقال : الأمور ~~المعتبرة قبل الخروج إلى الاحرام ثمانية الأول : في المال فينبغي أن يبدأ ~~بالتوبة ، ورد المظالم ، وقضاء الديون ، وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته ~~إلى وقت الرجوع ، ويرد ما عنده من الودائع ، ويستصحب من المال الطيب الحلال ~~ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير بل على وجه يمكنه من التوسع في الزاد ~~والرفق بالفقراء ، ويتصدق بشيء قبل خروجه ، ويشتري لنفسه دابة قوية على ~~الحمل أو يكتريها ، فإن اكتراها فليظهر للمكاري كل ما يحصل رضاه فيه الثاني ~~: في الرفيق فينبغي أن يلتمس رفيقا صالحا محبا للخير ، معينا عليه ، إن نسي ~~ذكره ، وإن ذكر ساعده ، وإن جبن شجعه ، وإن عجز قواه وإن ضاق صدره صبره ، ~~وأما الاخوان والرفقاء المقيمون فيودعهم ، ويلتمس أدعيتهم ، فإن الله تعالى ~~جعل في دعائهم خيرا ، والسنة في الوداع أن يقول : أستودع الله دينك وأمانتك ~~وخواتيم عملك الثالث : في الخروج ms1552 من الدار ، فإذا هم بالخروج صلى ركعتين ~~يقرأ في الأولى بعد الفاتحة { قل ياأهل * أيها * الكافرون } ( الكافرون : 1 ~~) وفي الثانية { * الاخلاص } وبعد الفراغ يتضرع إلى الله بالاخلاص ، الرابع ~~: إذا حصل على باب الدار قال : بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا ~~بالله ، وكلما كانت الدعوات أزيد كانت أولى الخامس : في الركوب ، فإذا ركب ~~الراحلة قال : بسم الله وبالله والله أكبر ، توكلت على الله ، لا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، سبحان ~~الله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين / وإنا إلى ربنا لمنقلبون السادس ~~: في النزول ، والسنة أن يكون أكثر سيره بالليل ، ولا ينزل حتى يحمى النهار ~~، وإذا نزل صلى ركعتين ودعا الله كثيرا السابع : إن قصده عدو أو سبع في ليل ~~أو نهار ، فليقرأ آية الكرسي ، وشهد الله ، والاخلاص ، والمعوذتين ، ويقول ~~: تحصنت بالله العظيم ، واستعنت بالحي الذي لا يموت ، / الثامنة : مهما علا ~~شرفا من الأرض في الطريق ، فيستحب أن يكبر ثلاثا التاسع : أن لا يكون هذا ~~السفر مشوبا بشيء من أثر الأغراض العاجلة كالتجارة وغيرها العاشرة : أن ~~يصون الإنسان لسانه عن الرفث والفسوق والجدال ، ثم بعد الاتيان بهذه ~~المقدمات ، يأتي بجميع أركان الحج على الوجه الأصح الأقرب إلى موافقة ~~الكتاب والسنة ، ويكون غرضه في كل هذه الأمور ابتغاء مرضاة الله تعالى ، ~~فقوله : { المحسنين وأتموا الحج والعمرة } كلمة شاملة جامعة لهذه المعاني ، ~~فإذا أتى العبد بالحج على هذا الوجه كان متبعا ملة إبراهيم حيث قال تعالى{ ~~وإذا * ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } ( البقرة : 124 ) . # الوجه الرابع : في تفسير قوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } أن ~~المراد : أفردوا كل واحد منهما بسفر وهذا تأويل من قال بالإفراد ، وقد ~~بيناه بالدليل ، وهذا التأويل يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقد ~~يروى مرفوعا عن أبي هريرة ، وكان عمر يترك القران والتمتع ، ويذكر أن ذلك ~~أتم للحج والعمرة وأن يعتمر في غير شهور الحج ، فإن الله تعالى ms1553 يقول : { ~~الحج أشهر معلومات } ( البقرة : 197 ) وروى نافع عن ابن عمر أنه قال : ~~فرقوا بين حجكم وعمرتكم . # المسألة الخامسة : قرأ نافع وابن عامر وابن كثير وأبو عمر وأبو بكر عن ~~عاصم { الحج } بفتح الحاء في كل القرآن وهي لغة الحجاز ، وقرأ حمزة ~~والكسائي وحفص ، عن عاصم بالكسر في آل عمران ، قال PageV05P123 الكسائي : ~~وهما لغتان بمعنى واحد ، كرطل ورطل ، وقيل : بالفتح المصدر ، وبالكسر الاسم ~~. # وقوله تعالى : { فإن أحصرتم } قال أحمد بن يحيى : أصل الحصر والإحصار : ~~الحبس ومنه يقال للذي لا يبوح بسره : حصر . لأنه حبس نفسه عن البوح والحصر ~~احتباس الغائط والحصير الملك لأنه كالمحبوس بين الحجاب وفي شعر لبيد : # % جن لدي باب الحصير قيام % % # والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض تشبيها باحتباس الشيء ~~مع غيره . # إذا عرفت هذا فنقول : اتفقوا على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو إذا منعه ~~عن مراده وضيق عليه ، أما لفظ الإحصار فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال ~~الأول : وهو اختيار أبي عبيدة وابن الكسيت والزجاج وابن قتيبة وأكثر أهل ~~اللغة أنه مختص بالمرض ، قال ابن السكيت : يقال أحصره المرض إذا منعه من ~~السفر وقال ثعلب في فصيح الكلام : أحصر بالمرض وحصر بالعدو . # والقول الثاني : أن لفظ الاحصار يفيد الحبس والمنع ، سواء كان بسبب العدو ~~أو بسبب المرض وهو قول الفراء . # والقول الثالث : أنه مختص بالمنع الحاصل من جهة العدو ، وهو قول الشافعي ~~رضي الله عنه وهو المروي عن ابن عباس وابن عمر ، فانهما قالا : لا حصر إلا ~~حصر العدو ، وأكثر أهل اللغة / يردون هذا القول على الشافعي رضي الله عنه ، ~~وفائدة هذا البحث تظهر في مسألة فقهية ، وهي أنهم اتفقوا على أن حكم ~~الإحصار عند حبس العدو ثابت ، وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع ؟ قال أبو ~~حنيفة رضي الله عنه : يثبت . وقال الشافعي : لا يثبت . وحجة أبي حنيفة ~~ظاهرة على مذهب أهل اللغة وذلك لأن أهل اللغة رجلان أحدهما : الذين قالوا : ~~الإحصار مختص بالحبس الحاصل بسبب المرض فقط ، وعلى هذا المذهب تكون ms1554 هذه ~~الآية نصا صريحا في أن إحصار المرض يفيد هذا الحكم والثاني : الذين قالوا ~~الإحصار اسم لمطلق الحبس سواء كان حاصلا بسبب المرض أو بسبب العدو ، وعلى ~~هذا القول حجة أبي حنيفة تكون ظاهرة أيضا ، لأن الله تعالى علق الحكم على ~~مسمى الإحصار ، فوجب أن يكون الحكم ثابتا عند حصول الإحصار سواء حصل بالعدو ~~أو بالمرض وأما على القول الثالث : وهو أن الإحصار اسم للمنع الحاصل بالعدو ~~، فهذا القول باطل باتفاق أهل اللغة وبتقدير ثبوته فنحن نقيس المرض على ~~العدو بجامع دفع الحرج وهذا قياس جلي ظاهر فهذا تقرير قول أبي حنيفة رضي ~~الله عنه وهو ظاهر قوي ، وأما تقرير مذهب الشافعي رضي الله عنه ، فهو أنا ~~ندعي أن المراد بالإحصار في هذه الآية منع العدو فقط ، والروايات المنقولة ~~عن أهل اللغة معارضة بالروايات المنقولة عن ابن عباس وابن عمر ، ولا شك أن ~~قولهما أولى لتقدمهما على هؤلاء الأدنى في معرفة اللغة وفي معرفة تفسير ~~القرآن ، ثم إنا بعد ذلك نؤكد هذا القول بوجوه من الدلائل . # الحجة الأولى : أن الإحصار إفعال من الحصر والافعال تارة يجيء بمعنى ~~التعدية نحو : ذهب زيد وأذهبته أنا ، ويجيء بمعنى صار ذا كذا نحو : أغد ~~البعير إذا صار ذا غدة ، وأجرب الرجل إذا صار ذا أبل جربى ويجيء بمعنى ~~وجدته بصفة كذا نحو : أحمدت الرجل أي وجدته محمودا والإحصار لا يمكن أن ~~PageV05P124 يكون للتعدية ، فوجب إما حمله على الصيرورة أو على الوجدان ~~والمعنى : أنهم صاروا محصورين أو وجدوا محصورين ، ثم إن أهل اللغة أتفقوا ~~على أن المحصور هو الممنوع بالعدو لا بالمرض ، فوجب أن يكون معنى الاحصار ~~هو أنهم صاروا ممنوعين بالعدو ، أو وجدوا ممنوعين بالعدو ، وذلك يؤكد ~~مذهبنا . # الحجة الثانية : أن الحصر عبارة عن المنع وإنما يقال للإنسان إنه ممنوع ~~من فعله ومحبوس عن مراده ، إذا كان قادرا عن ذلك الفعل متمكنا منه ، ثم إنه ~~منعه مانع عنه ، والقدرة عبارة عن الكيفية الحاصلة بسبب اعتدال المزاج ~~وسلامة الأعضاء ، وذلك مفقود في حق المريض فهو ms1555 غير قادر أالبتة على الفعل ، ~~فيستحيل الحكم عليه بأنه ممنوع ، لأن إحالة الحكم على المانع تستدعي حصول ~~المقتضى ، أما إذا كان ممنوعا بالعدو فههنا القدرة على الفعل حاصلة ، إلا ~~أنه تعذر الفعل لأجل مدافعة العدو ، فصح ههنا أن يقال إنه ممنوع من الفعل ، ~~فثبت أن لفظة الاحصار حقيقة في العدو ، / ولا يمكن أن تكون حقيقة في المرض ~~. # الحجة الثالثة : أن معنى قوله : { أحصرتم } أي حبستم ومنعتم والحبس لا بد ~~له من حابس ، والمنع لا بد له من مانع ، ويمتنع وصف المرض بكونه حابسا ~~ومانعا ، لأن الحبس والمنع فعل ، وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلا ، لأن ~~المرض عرض لا يبقى زمانين ، فكيف يكون فاعلا وحابسا ومانعا ، أما وصف العدو ~~بأنه حابس ومانع ، فوصف حقيقي ، وحمل الكلام على حقيقته أولى من حمله على ~~مجازه . # الحجة الرابعة : أن الإحصار مشتق من الحصر ولفظ الحصر لا إشعار فيه ~~بالمرض ، فلفظ الإحصار وجب أن يكون خاليا عن الاشعار بالمرض قياسا على جميع ~~الألفاظ المشتقة . # الحجة الخامسة : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { فمن كان منكم مريضا أو ~~به أذى من رأسه } فعطف عليه المريض ، فلو كان المحصر هو المريض أو من يكون ~~المرض داخلا فيه ، لكان هذا عطفا للشيء على نفسه . # فإن قيل : إنه خص هذا المرض بالذكر لأن له حكما خاصا ، وهو حلق الرأس ، ~~فصار تقدير الآية إن منعتم بمرض تحللتم بدم ، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم ~~وكفرتم . # قلنا : هذا وإن كان حسنا لهذا الغرض ، إلا أنه مع ذلك يلزم عطف الشيء على ~~نفسه ، أما إذا لم يكن المحصر مفسرا بالمريض ، لم يلزم عطف الشيء على نفسه ~~، فكان حمل المحصر على غير المريض يوجب خلو الكلام عن هذا الاستدلال ، فكان ~~ذلك أولى . # الحجة السادسة : قال تعالى في آخر الآية : { فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج } ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من العدو لا في المرض ، فإنه ~~يقال في المرض : شفي وعفي ولا يقال أمن . # فإن قيل : لا نسلم أن لفظ الأمن لا ms1556 يستعمل إلا في الخوف ، فإنه يقال : ~~أمن المريض من الهلاك وأيضا خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها . # قلنا : لفظ الأمن إذا كان مطلقا غير مقيد فإنه لا يفيد إلا الأمن من ~~العدو ، وقوله خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها . # قلنا : بل يوجب لأن قوله : { فإذا أمنتم } ليس فيه بيان أنه حصل الأمن ~~مماذا ، فلا بد PageV05P125 وأن يكون المراد حصول الأمن من شيء تقدم ذكره ، ~~والذي تقدم ذكره هو الاحصار ، فصار التقدير : فإذا أمنتم من ذلك الاحصار ، ~~ولما ثبت أن لفظ الأمن لا يطلق إلا في حق العدو ، وجب أن يكون المراد من ~~هذا الاحصار منع العدو ، فثبت بهذه الدلائل أن الإحصار المذكور في الآية هو ~~منع العدو فقط ، أما قول من قال : إنه منع المرض صاحبه خاصة فهو باطل بهذه ~~الدلائل ، وفيه دليل آخر ، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه ~~الآية أن الكفار أحصروا النبي / صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، والناس وإن ~~اختلفوا في أن الآية النازلة في سبب هل تتناول غير ذلك السبب ؟ إلا أنهم ~~اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجا عنه ، فلو كان الإحصار ~~اسما لمنع المرض ، لكان سبب نزول الآية خارجا عنها ، وذلك باطل بالإجماع ، ~~فثبت بما ذكرنا أن الإحصار في هذه الآية عبارة عن منع العدو ، وإذا ثبت هذا ~~فنقول : لا يمكن قياس منع المرض عليه ، وبيانه من وجهين : الأول : أن كلمة ~~: إن ، شرط عند أهل اللغة ، وحكم الشرط انتفاء المشروط عن انتفائه ظاهرا ، ~~فهذا يقتضي أن لا يثبت الحكم إلا في الإحصار الذي دلت الآية عليه ، فلو ~~أثبتا هذا الحكم في غيره قياسا كان ذلك نسخا للنص بالقياس ، وهو غير جائز . # الوجه الثاني : أن الإحرام شرع لازم لا يحتمل النسخ قصدا ، ألا ترى أنه ~~إذا جامع امرأته حتى فسد حجه لم يخرج من إحرامه ، وكذلك لو فاته الحج حتى ~~لزمه القضاء والمرض ليس كالعدو ، ولأن المريض لا يستفيد بتحلله ورجوعه أمنا ~~من مرضه ، أما ms1557 المحصر بالعدو فإنه خائف من القتل إن أقام ، فإذا رجع فقد ~~تخلص من خوف القتل ، فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتفسير . # أما قوله : { فما استيسر من الهدى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال القفال رحمه الله : في الآية إضمار ، والتقدير : ~~فحللتم فما استيسر ، وهو كقوله : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر } ( البقرة : 184 ) أي فأفطر فعدة ، وفيها إضمار آخر ، وذلك لأن ~~قوله : { فما استيسر من الهدى } كلام غير تنام لا بد فيه من إضمار ، ثم فيه ~~احتمالان : أحدهما : أن يقال : محل ، ما : رفع ، والتقدير : فواجب عليكم ما ~~استيسر والثاني : قال الفراء : لو نصبت على معنى : اهدوا ما تيسر كان صوابا ~~، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع . # المسألة الثانية : { استيسر } بمعنى تيسر ، ومثله : استعظم ، أي تعظم ~~واستكبر : أي تكبر ، واستصعب : أي تصعب . # المسألة الثالثة : { الهدى } جمع هدية ، كما تقول : تمر وتمرة ، قال أحمد ~~بن يحيى : أهل الحجاز يخففون { الهدى } وتميم تثقله ، فيقولون : هدية ، ~~وهدي ومطية ، ومطي ، قال الشاعر : # % حلفت برب مكة والمصلى % % وأعناق الهدى مقلدات % # ومعنى الهدي : ما يهدى إلى بيت الله عز وجل تقربا إليه ، بمنزلة الهدية ~~يهديها الإنسان إلى غيره تقربا إليه / ثم قال علي وابن عباس والحسن وقتادة ~~: الهدي أعلاه بدنة ، وأوسطه بقرة ، وأخسه شاة ، فعليه ما تيسر من هذه ~~الأجناس . PageV05P126 # المسألة الرابعة : المحصر إذا كان عالما بالهدي ، هل له بدل ينتقل إليه ؟ ~~للشافعي رضي الله عنه فيه قولان : أحدهما : لا بدل له ويكون الهدي في ذمته ~~أبدا ، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه ، / والحجة في أنه تعالى أوجب على ~~المحصر الهدي على التعيين ، وما أثبت له بدلا والثاني : أن له بدلا ينتقل ~~إليه ، وهو قول أحمد فإذا قلنا بالقول الأول : هل له أن يتحلل في الحال أو ~~يقيم على إحرامه فيه قولان أحدهما : أنه يقيم على إحرامة حتى يجده ، وهو ~~قول أبي حنيفة ويدل عليه ظاهر الآية والثاني : أن يتحلل في الحال للمشقة ، ~~وهو الأصح ، فإذا ms1558 قلنا بالقول الثاني ففيه اختلافات كثيرة وأقربها أن يقال ~~: يقوم الهدي بالدراهم ويشتري بها طعام ويؤدي ، وإنما قلنا ذلك لأنه أقرب ~~إلى الهدي . # المسألة الخامسة : المحصر إذا أراد التحلل وذبح ، وجب أن ينوي التحلل عند ~~الذبح ، ولا يتحلل البتة قبل الذبح . # المسألة السادسة : اختلفوا في العمرة فأكثر الفقهاء قالوا حكمها في ~~الإحصار كحكم الحج وعن ابن سيرين أنه لا إحصار فيه لأنه غير مؤقت ، وهذا ~~باطل لأن قوله تعالى : { فإن أحصرتم } مذكور عقيب الحج والعمرة ، فكان ~~عائدا إليهما . # أما قوله تعالى : { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله } ففيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : في الآية حذف لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي محله بل ~~لا يحصل التحلل إلا بالنحر فتقدير الآية : حتى يبلغ الهدي محله وينحر فإذا ~~نحر فاحلقوا . # المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : يجوز إراقة دم ~~الإحصار لا في الحرم ، بل حيث حبس ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : ~~لا يجوز ذلك إلا في الحرم ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية ، فقال ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه : المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه ~~التحلل ، وقال أبو حنيفة : إنه اسم للمكان . # حجة الشافعي رضي الله تعالى عنه من وجوه الأول : إنه عليه الصلاة والسلام ~~أحصر بالحديبية ونحر بها ، والحديبية ليست من الحرم ، قال أصحاب أبي حنيفة ~~إنه إنما أصحر في طرف الحديبية الذي هو أسفل مكة ، وهو من الحرم ، قال ~~الواقدي : الحديبية على طرف الحرم على تسعة أميال من مكة ، أجاب القفال ~~رحمه الله في ( تفسيره ) عن هذا السؤال فقال الدليل على أن نحر ذلك الهدي ~~ما وقع في الحرم قوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدى معكوفا أن يبلغ محله } ( الفتح : 25 ) فبين تعالى أن الكفار منعوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن إبلاغ الهدي محله الذي كان يريده فدل هذا على ~~أنهم نحروا ذلك الهدي في غير الحرم . # الحجة الثانية : أن المحصر سواء كان في الحل أو في ms1559 الحرم فهو مأمور بنحر ~~الهدي فوجب أن يتمكن في الحل والحرم من نحر الهدى . # بيان المقام الأول : أن قوله : { فإن أحصرتم } يتناول كل من كان محصرا ~~سواء كان في الحل / أو في الحرم ، وقوله بعد ذلك : { فما استيسر من الهدى } ~~معناه فما استيسر من الهدي نحوه واجب ، أو معناه PageV05P127 فانحروا ~~فانحروا ما استيسر من الهدي ، وعلى التقديرين ثبت أن هذه الآية دالة على أن ~~نحر الهدي واجب على المحصر سواء كان محصرا في الحل أو في الحرم ، وإذا ثبت ~~هذا وجب أن يكون له الذبح في الحل والحرم ، لأن المكلف بالشيء أول درجاته ~~أن يجوز له فعل المأمور به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المحصر قادرا على ~~إراقة الدم حيث أحصر . # الحجة الثالثة : أن الله سبحانه إنما مكن المحصر من التحلل بالذبح ليتمكن ~~من تخليص النفس عن خوف العدو في الحال / فلو لم يجز النحر إلا في الحرم وما ~~لم يحصل النحر لا يحصل التحلل بدلالة الآية ، فعلى هذا التقدير وجب أن لا ~~يحصل التحلل في الحال ، وذلك يناقض ما هو المقصود من شرع هذا الحكم ، ولأن ~~الموصل للنحر إلى الحرم إن كان هو فقد نفى الخوف ، وكيف يؤمن بهذا الفعل من ~~قيام الخوف وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل ؟ حجة أبي حنيفة ~~رضي الله عنه من وجوه الأول : أن المحل بكسر عين الفعل عبارة عن المكان ، ~~كالمسجد والمجلس فقوله : { حتى يبلغ الهدى محله } يدل على أنه غير بالغ في ~~الحال إلى مكان الحل ، وهو عندكم بالغ محله في الحال / # جوابه : المحل عبارة عن الزمان وأن من المشهور إن محل الدين هو وقت وجوبه ~~الثاني : هب أن لفظ المحل يحتمل المكان والزمان إلا أن الله تعالى أزال هذا ~~الإحتمال بقوله { ثم محلها إلى البيت العتيق } ( الحج : 33 ) وفي قوله : { ~~هديا بالغ الكعبة } ( المائدة : 95 ) ولا شك أن المراد منه الحرم فإن البيت ~~عينه لا يراق فيه الدماء . # جوابه : قال الشافعي رضي الله عنه : كل ما ms1560 وجب على المحرم في ماله من ~~بدنة وجزاء هدي فلا يجزي إلا في الحرم لمساكين أهله إلا في موضعين أحدهما : ~~من ساق هديا فعطف في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين والثاني : دم ~~المحصر بالعدو فإنه ينحر حيث حبس ، فالآيات التي ذكرتموها في سائر الدماء ~~فلم قلتم إنها تتناول هذه الصورة الثالث : قالوا : الهدي سمي هديا لأنه جار ~~مجرى الهدية التي يبعثها العبد إلى ربه ، والهدية لا تكون هدية إلا إذا ~~بعثها المهدي إلى دار المهدى إليه وهذا المعنى لا يتصور إلا بجعل موضع ~~الهدي هو الحرم . # جوابه : هذا التمسك بالاسم ثم هو محمول على الأفضل عند القدرة الرابع : ~~أن سائر دماء الحج كلها قربة كانت أو كفارة لا تصح إلا في الحرم ، فكذا هذا ~~. # جوابه : أن هذا الدم إنما وجب لإزالة الخوف وزوال الخوف إنما يحصل إذا ~~قدر عليه حيث أحصر ، أما لو وجب إرساله إلى الحرم لا يحصل هذا المقصود ، ~~وهذا المعنى غير موجود في سائر الدماء فظهر الفرق . # المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على أنه لا ينبغي لهم أن يحلوا فيحلقوا ~~رؤوسهم إلا بعد تقديم ما استيسر من الهدي كما أنه أمرهم أن لا يناجوا ~~الرسول إلا بعد تقديم الصدقة . # PageV05P128 ! 7 < { وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من ~~الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى ~~من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم تلك عشرة كاملة ذالك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام واتقوا ~~الله واعلموا أن الله شديد العقاب } . > 7 ! # فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة ، قال ~~كعب : مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ، وكان في شعر رأسي ~~كثير من القمل والصئبان وهو يتناثر على وجهي ، فقال عليه الصلاة والسلام ms1561 ~~تؤذيك هوام رأسك ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، قال أحلق رأسك ، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية ، والمقصود منها أن المحرم إذا تأذى بالمرض أو بهوام رأسه ~~أبيح له المداواة والحلق بشرط الفدية والله أعلم . # المسألة الثانية : ففدية رفع لأنه مبتدأ خبره محذوف ، والتقدير : فعليه ~~فدية ، وأيضا ففيه إضمار آخر والتقدير : فحلق فعليه فدية . # المسألة الثالثة : قال بعضهم : هذه الآية مختصة بالمحصر ، وذلك لأن قبل ~~بلوغ الهدي محله ربما لحقه مرض أو أذى في رأسه إن صبر فالله أذن له في ذلك ~~بشرط بذل الفدية ، وقال آخرون بل الكلام مستأنف لكل محرم لحقه المرض في ~~بدنه فاحتاج إلى علاج أو لحقه أذى في رأسه فاحتاج إلى الحلق ، فبين الله ~~تعالى أن له ذلك ، وبين ما يجب عليه من الفدية . # إذا عرفت هذا فنقول : المرض قد يحوج إلى اللباس ، فتكون الرخصة في اللباس ~~كالرخصة في الحلق ، وقد يكون ذلك بغير المرض من شدة البرد وما شاكله فأبيح ~~له بشرط الفدية ، وقد يحتاج أيضا إلى استعمال الطيب في كثير من الأمراض ~~فيكون الحكم فيه ذاك ، وأما من يكون به أذى / من رأسه فقد يكون ذلك بسبب ~~القمل والصئبان وقد يكون بسبب الصداع وقد يكون عند الخوف من حدوث مرض أو ~~ألم ، وبالجملة فهذا الحكم عام في جميع محظورات الحج . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أنه هل يقدم الفدية ثم يترخص أو يؤخر ~~الفدية عن الترخص والذي يقتضيه الظاهر أنه يؤخر الفدية عن الترخص لأن ~~الإقدام على الترخص كالعلة في وجوب الفدية فكان مقدما عليه ، وأيضا فقد ~~بينا أن تقدير الآية : فحلق فعليه فدية ، ولا ينتظم الكلام إلا على هذا ~~الحد ، فإذن يجب تأخير الفدية . PageV05P129 # أما قوله تعالى : { من صيام أو صدقة أو نسك } فالمراد أن تلك الفدية أحد ~~هذه الأمور الثلاثة وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أصل النسك العبادة ، قال ابن الأعرابي النسك سبائك ~~الفضة كل سبيكة منها نسيكة ، ثم قيل للمتعبد : ناسك لأنه خلق نفسه من دنس ~~الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث ms1562 ، هذا أصل معنى النسك ، ثم قيل ~~للذبيحة : نسك من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله . # المسألة الثانية : اتفقوا في النسك على أن أقله شاة ، لأن النسك لا يتأدى ~~إلا بأحد الأمور الثلاثة : الجمل ، والبقرة ، والشاة ، ولما كان أقلها ~~الشاة ، لا جرم كان أقل الواجب في النسك هو الشاة ، أما الصيام والإطعام ~~فليس في الآية ما يدل على كميتهما وكيفيتهما ، وبماذا يحصل بيانه فيه قولان ~~أحدهما : أنه حصل عن كعب بن عجرة ، وهو ما روى أبو داود في سننه أنه عليه ~~الصلاة والسلام لما مر بكعب بن عجرة ورأى كثرة الهوام في رأسه / قال له : ~~احلق ثم اذبح شاة نسكا أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ~~ستة مساكين . # والقول الثاني : ما يروى عن ابن عباس والحسن أنهما قالا : الصيام للمتمتع ~~عشرة أيام ، والإطعام مثل ذلك في العدة ، وحجتهما أن الصيام والإطعام لما ~~كانا مجملين في هذا الموضع وجب حملهما على المفسر فيما جاء بعد ذلك ، وهو ~~الذي يلزم المتمتع إذا لم يجد الهدي ، والقول الأول عليه أكثر الفقهاء . # المسألة الثالثة : الآية دلت على حكم من أقدم على شيء من محظورات الحج ~~بعذر ، أم من حلق رأسه عامدا بغير عذر فعند الشافعي رضي الله عنه وأبي ~~حنيفة الواجب عليه الدم ، وقال مالك رضي الله عنه : حكمه حكم من فعل ذلك ~~بعذر ، والآية حجة عليه ، لأن قوله : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية من صيام } يدل على اشتراط هذا الحكم بهذه الأعذار ، والمشروط ~~بالشيء عدم عند عدم الشرط ، وقوله تعالى : { فإذا أمنتم } فاعلم أن تقديره ~~: فإذا أمنتم من الإحصار ، وقوله : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } فيه ~~مسائل : # / المسألة الأولى : معنى التمتع التلذذ ، يقال : تمتع بالشيء أي تلذذ به ~~، والمتاع : كل شيء يتمتع به ، وأصله من قولهم : حبل ماتع أي طويل ، وكل من ~~طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به ، والمتمتع بالعمرة إلى الحج هو أن يقدم ~~مكة فيعتمر في أشهر الحج ، ثم يقيم ms1563 بمكة حلالا ينشىء منها الحج ، فيحج من ~~عامه ذلك ، وإنما سمي متمتعا لأنه يكون مستمتعا بمحظورات الإحرام فيما بين ~~تحلله من العمرة إلى إحرامه بالحج ، والتمتع على هذا الوجه صحيح لا كراهة ~~فيه ، وههنا نوع آخر من التمتع مكروه ، وهو الذي حذر عنه عمر رضي الله عنه ~~وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنهما ~~وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج ، والمراد من هذه المتعة أن يجمع ~~بين الإحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج ، وروي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه في ذلك ثم نسخ ، روي عن أبي ذر أنه ~~قال : ما كانت متعة الحج إلا لي خاصة ، فكان السبب فيه أنهم كانوا لا يرون ~~العمرة في أشهر الحج ويعدونها من أفجر الفجور فلما أراد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إبطال ذلك الإعتقاد عليهم بالغ فيه بأن نقلهم في أشهر الحج من ~~الحج إلى العمرة وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم ، فلهذا المعنى كان فسخ ~~الحج خاصا بهم . PageV05P130 # المسألة الثانية : قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة } أي فمن يتمتع بسبب ~~العمرة فكأنه لا يتمتع بالعمرة ولكنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب إتيانه ~~بالعمرة ، وهذا هو معنى التمتع بالعمرة إلى الحج . # أما قوله تعالى : { فما استيسر من الهدى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أصحابنا : لوجوب دم التمتع خمس شرائط أحدها : أن ~~يقدم العمرة على الحج والثاني : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، فإن أحرم ~~بها قبل أشهر الحج وأتى بشيء من الطواف وإن كان شرطا واحدا ثم أكمل باقيه ~~في أشهر الحج وحج في هذه السنة لم يلزمه دم لأنه لم يجمع بين النسكين في ~~أشهر الحج ، وإن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ، وأتى بأعمالها في أشهر الحج ~~، فيه قولان : قال في ( الأم ) وهو الأصح : لا يلزمه دم التمتع لأنه أتى ~~بركن من أركان العمرة قبل أشهر الحج ، كما لو طاق قبله ، وقال في ( القديم ~~والإملاء ) : يلزمه ذلك ويجعل ms1564 استدامة الإحرام في أشهر الحج كابتدائه ، ~~وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إذا أتى ببعض الطواف قبل أشهر الحج فهو ~~متمتع إذا لم يأت بأكثره الشرط الثالث : أن يحج في هذه السنة ، فإن حج في ~~سنة أخرى لا يلزمه الدم ، لأنه لم يوجد مزاحمة الحج والعمرة في عام واحد ~~الشرط الرابع : أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى : { ذالك ~~لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } وحاضر المسجد الحرام من كان أهله ~~على مسافة أقل من مسافة القصر ، فإن كان على مسافة القصر فليس من الحاضرين ~~، وهذه المسافة تعتبر من مكة أو من الحرم ، وفيه وجهان الشرط الخامس : أن ~~يحرم بالحج من / جوف مكة بعد الفراغ من العمرة فإن عاد إلى الميقات فأحرم ~~بالحج لا يلزمه دم التمتع لأن لزوم الدم لترك الإحرام من الميقات ولم يوجد ~~، فهذه هي الشروط المعتبرة في لزوم دم التمتع . # المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله عنه : دم التمتع دم جبران ~~الإساءة ، فلا يجوز له أن يأكل منه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إنه دم ~~نسك ويأكل منه ، حجة الشافعي من وجوه : # الحجة الأولى : أن التمتع حصل فيه خلل فوجب أن يكون الدم دم جبران ، بيان ~~حصول الخلل فيه من وجوه ثلاثة الأول : روي أن عثمان كان ينهي عن المتعة ~~فقال له علي رضي الله عنهما : عمدت إلى رخصة بسبب الحاجة والغربة ، وذلك ~~يدل على حصول نقص فيها الثاني : أنه تعالى سماه تمتعا ، والتمتع عبارة عن ~~التلذذ والإرتفاع ، ومبنى العبادة على المشقة ، فيدل على أنه حصل في كونه ~~عبادة نوع خلل الثالث : وهو بيان الخلل على سبيل التفصيل : أن في التمتع ~~صار السفر للعمرة ، وكان من حقه أن يكون للحج ، فإن الحج الأكبر هو الحج ، ~~وأيضا حصل الترفه وقت الإحلال بينهما وذلك خلل ، وأيضا كان من حقه جعل ~~الميقات للحج ، فإنه أعظم ، فلما جعل الميقات للعمرة كان ذلك نوع خلل ، ~~وإذا ثبت كون الخلل في هذا الحج وجب جعل الدم دم جبران ms1565 لا دم نسك . # الحجة الثانية : أن الدم ليس بنسك أصلي من مناسك الحج أو العمرة كما لو ~~أفرد بهما ، وكما في حق المكي ، والجمع بين العبادتين لا يوجب الدم أيضا ~~بدليل أن من جمع بين الصلاة والصوم والإعتكاف لا يلزمه الدم ، فثبت بهذا أن ~~هذا الدم ليس دم نسك فلا بد وأن يكون دم جبران . # الحجة الثالثة : أن الله تعالى أوجب الهدي على التمتع بلا توقيت ، وكونه ~~غير مؤقت دليل على أنه دم PageV05P131 جبران لأن المناسك كلها مؤقتة . # الحجة الرابعة : أن للصوم فيه مدخلا ، ودم النسك لا يبدل بالصوم ، وإذا ~~عرفت صحة ما ذكرنا فنقول : أن الله تعالى ألزم المكلف إتمام الحج في قوله : ~~{ وأتموا الحج والعمرة لله } وقد دللنا على أن حج التمتع غير تام ، فلهذا ~~قال تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى } وذلك لأن ~~تمتعكم يوقع نقصا في حجتكم فأجبروه بالهدي لتكمل به حجتكم فهذا معنى حسن ~~مفهوم من سياق الآية وهو لا يتقرر إلا على مذهب الشافعي رضي الله عنه . # المسألة الثالثة : الدم الواجب بالتمتع : دم شاة جذعة من الضأن أو ثنية ~~من المعز ، ولو تشارك ستة في بقرة أو بدنة جاز ، ووقت وجوبه بعدما أحرم ~~بالحج ، لأن الفاء في قوله : { فما استيسر من الهدى } يدل على أنه وجب عقيب ~~التمتع ، ويستحب أن يذبح يوم النحر ، فلو ذبح بعد ما أحرم بالحج جاز لأن ~~التمتع قد تحقق ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز ، وأصل هذا أن دم ~~التمتع عندنا دم جبران كسائر دماء الجبرانات ، وعنده دم نسك كدم الأضحية ~~فيختص / بيوم النحر . # أما قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } فالمعنى أن المتمتع إن ~~وجد الهدي فلا كلام وإن لم يجد فقد بين الله تعالى بدله من الصيام ، فلهذا ~~الهدي أفضل أم الصيام ؟ الظاهر أن يكون المبدل الذي هو الأصل أفضل ، لكنه ~~تعالى بين في هذا البدل أنه في الكمال والثواب كالهدي وهو كقوله : { تلك ~~عشرة كاملة } وفي الآية مسائل ms1566 : # المسألة الأولى : الآية نص فيما إذا لم يجد الهدي ، والفقهاء قاسوا عليه ~~ما إذا وجد الهدي ولم يجد ثمنه ، أو كان ماله غائبا ، أو يباع بثمن غال ~~فهنا أيضا يعدل إلى الصوم . # المسألة الثانية : قوله : { فصيام ثلاثة أيام في الحج } أي فعليه ثلاثة ~~أيام وقت اشتغاله بالحج ويتفرع عليه مسألة فقهية ، وهي أن المتمتع إذا لم ~~يجد الهدي لا يصح صومه بعد إحرام العمرة قبل إحرام الحج ، وقال أبو حنيفة ~~رحمه الله : يصح حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه الأول : أنه صام قبل ~~وقته فلا يجوز كمن صام رمضان قبله ، وكما إذا صام السبعة أيام قبل الرجوع ~~وإنما قلنا : إنه صام قبل وقته ، لأن الله تعالى قال : { فصيام ثلاثة أيام ~~في الحج } وأراد به إحرام الحج ، لأن سائر أفعال الحج لا تصلح طرفا للصوم ، ~~والإحرام يصلح فوجب حمله عليه الثاني : أن ما قبل الإحرام بالحج ليس بوقت ~~للهدي الذي هو أفضل ، فكذا لا يكون وقتا للصوم الذي هو بدله اعتبار بسائر ~~الأصول والإبدال ، وتحقيقه أن البدل حال عدم الأصل يقوم مقامه فيصير في ~~الحكم كأنه الأصل ، فلا يجوز أن يحصل في وقت لو وجد الأصل لم يجز إذا عرفت ~~هذا فنقول : اتفقوا على أنه يجوز بعد الشروع في الحج إلى يوم النحر والأصح ~~أنه لا يجوز يوم النحر ولا أيام التشريق لقوله عليه الصلاة والسلام : ( ولا ~~تصوموا في هذه الأيام ) والمستحب أن يصوم في أيام الحج حيث يكون يوم عرفة ~~مفطرا . # المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد من الرجوع في قوله : { إذا رجعتم } ~~فقال الشافعي رضي الله عنه في ( الجديد ) : هو الرجوع إلى الأهل والوطن ، ~~وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : المراد من الرجوع الفراغ من PageV05P132 ~~أعمال الحج والأخذ في الرجوع ، ويتفرع عليه أنه إذا صام الأيام السبعة بعد ~~الرجوع عن الحج ، وقبل الوصية إلى بيته ، لا يجزيه عند الشافعي رضي الله ~~عنه ، ويجزيه عند أبي حنيفة رحمه الله ، حجة الشافعي وجوه الأول : قوله : { ~~إذا رجعتم } معناه إلى الوطن ، فإن ms1567 الله تعالى جعل الرجوع إلى الوطن شرطا ~~وما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط والرجوع إلى الوطن لا يحصل إلا عند ~~الانتهاء إلى الوطن فقبله لم يوجد الشرط فوجب أن لا يوجد المشروط ويتأكد ما ~~قلنا بأنه لو مات قبل الوصول إلى الوطن لم يكن عليه شيء الثاني : ما روي عن ~~ابن عباس قال : لما قدمنا مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوا ~~إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي ) فطفنا / بالبيت وبالصفا والمروة ، ~~وأتينا النساء ، ولبسنا الثياب ، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ، ~~فلما فرغنا قال : ( عليكم الهدي فإن لم تجدوا فصيام ثلاثة في الحج وسبعة ~~إذا رجعتم إلى إمصاركم ) الثالث : أن الله تعالى أسقط الصوم عن المسافر في ~~رمضان . فصوم التمتع أخف شأنا منه . # المسألة الرابعة : قرأ ابن أبي عبلة { سبعة } بالنصب عطفا على محل ثلاثة ~~أيام كأنه قيل : فصيام ثلاثة أيام ، كقوله : { أو إطعام فى يوم ذى مسغبة * ~~يتيما } ( البلد : 14 ) . # أما قوله تعالى : { تلك عشرة كاملة } فقد طعن الملحدون لعنهم الله فيه من ~~وجهين أحدهما : أن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة فذكره يكون ~~إيضاحا للواضح والثاني : أن قوله : { كاملة } يوهم وجود عشرة غير كاملة في ~~كونها عشرة وذلك محال ، والعلماء ذكروا أنواعا من الفوائد في هذا الكلام ~~الأول : أن الواو في قوله : { وسبعة إذا رجعتم } ليس نصا قاطعا في الجمع بل ~~قد تكون بمعنى أو كما في قوله : { مثنى وثلاث ورباع } ( النساء : 3 ) وكما ~~في قولهم : جالس الحسن وابن سيرين أي جالس هذا أو هذا ، فالله تعالى ذكر ~~قوله : { عشرة كاملة } إزالة لهذا الوهم النوع الثاني : أن المعتاد أن يكون ~~البدل أضعف حالا من المبدل كما في التيمم مع الماء فالله تعالى بين أن هذا ~~البدل ليس كذلك ، بل هو كامل في كونه قائما مقام المبدل ليكون الفاقد للهدي ~~المتحمل لكلفة الصوم ساكن النفس إلى ما حصل له من الأجر الكامل من عند الله ~~، وذكر العشرة إنما هو لصحة التوصل به إلى قوله ms1568 : { كاملة } كأنه لو قال : ~~تلك كاملة ، جوز أن يراد به الثلاثة المفردة عن السبعة ، أو السبعة المفردة ~~عن الثلاثة ، فلا بد في هذا من ذكر العشرة ، ثم اعلم أن قوله : { كاملة } ~~يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجه أحدها : أنها كاملة في البدل عن الهدي ~~قائمة مقامه وثانيها : أنها كاملة في أن ثواب صاحبه كامل مثل ثواب من يأتي ~~بالهدي من القادرين عليه وثالثها : أنها كاملة في أن حج المتمتع إذا أتى ~~بهذا الصيام يكون كاملا ، مثل حج من لم يأت بهذا التمتع . # النوع الثالث : أن الله تعالى إذا قال : أوجبت عليكم الصيام عشرة أيام ، ~~لم يبعد أن يكون هناك دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيام عن هذا اللفظ ، فإن ~~تخصيص العام كثير في الشرع والعرف ، فلو قال : ثلاثة أيام في الحج وسبعة ~~إذا رجعتم ، بقي احتمال أن يكون مخصوصا بحسب بعض الدلائل المخصصة ، فإذا ~~قال بعده : تلك عشرة كاملة فهذا يكون تنصيصا على أن هذا المخصص لم يوجد ~~ألبتة ، فتكون دلالته أقوى واحتماله للتخصيص والنسخ أبعد . # النوع الرابع : أن مراتب الأعداد أربعة : آحاد ، وعشرات ، ومئين ، وألوف ~~، وما وراء ذلك فأما أن يكون مركبا أو مكسورا ، وكون العشرة عددا موصوفا ~~بالكمال بهذا التفسير أمر يحتاج إلى التعريف ، فصار PageV05P133 تقدير ~~الكلام : إنما أوجبت هذا العدد لكونه عددا موصوفا بصفة الكمال خاليا عن ~~الكسر والتركيب . # / النوع الخامس : أن التوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب ، كقوله : { ~~ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) وقال : { ولا طائر يطير ~~بجناحيه } والفائدة فيه أن الكلام الذي يعبر عنه بالعبارات الكثيرة ويعرف ~~بالصفات الكثيرة ، أبعد عن السهو والنسيان من الكلام الذي يعبر عنه ~~بالعبارة الواحدة ، فالتعبير بالعبادات الكثيرة يدل على كونه في نفسه ~~مشتملا على مصالح كثيرة ولا يجوز الإخلال بها ، أما ما عبر عنه بعبارة ~~واحدة فإنه لا يعلم منه كونه مصلحة مهمة لا يجوز الإخلال بها ، وإذا كان ~~التوكيد مشتملا على هذه الحكمة كان ذكره في هذا الموضع دلالة على أن رعاية ~~العدد في هذا ms1569 الصوم من المهمات التي لا يجوز إهمالها ألبتة . # النوع السادس : في بيان فائدة هذا الكلام أن هذا الخطاب مع العرب ، ولم ~~يكونوا أهل حساب ، فبين الله تعالى ذلك بيانا قاطعا للشك والريب ، وهذا كما ~~روي أنه قال في الشهر : هكذا وهكذا وأشار بيديه ثلاثا ، وأشار مرة أخرى ~~وأمسك إبهامه في الثالثة منبها بالإشارة الأولى على ثلاثين ، وبالثانية على ~~تسعة وعشرين . # النوع السابع : أن هذا الكلام يزيل الإبهام المتولد من تصحيف الخط ، وذلك ~~لأن سبعة وتسعة متشابهتان في الخط ، فإذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا ~~الاشتباه . # النوع الثامن : أن قوله : { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } ~~يحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع أن يكمل سبعة أيام ، ~~على أنه يحسب من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة ، حتى يكون الباقي عليه ~~بعد من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد منه ~~أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، فهذا الكلام ~~محتمل لهذين الوجهين ، فإذا قال بعده تلك عشة كاملة زال هذا الإشكال ، وبين ~~أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى الثلاثة المتقدمة . # النوع التاسع : أن اللفظ وإن كان خبرا لكن المعنى أمر والتقدير : فلتكن ~~تلك الصيامات صيامات كاملة لأن الحج المأمور به حج تام على ما قال : { ~~وأتموا الحج والعمرة لله } وهذه الصيامات جبرانات للخلل الواقع في ذلك الحج ~~، فلتكن هذه الصيامات صيامات كاملة حتى يكون جابرا للخلل الواقع في ذلك ~~الحج ، الذي يجب أن يكون تاما كاملا ، والمراد بكون هذه الصيامات كاملة ما ~~ذكرنا في بيان كون الحج تاما ، وإنما عدل عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لأن ~~التكليف بالشيء إذا كان متأكدا جدا فالظاهر دخول المكلف به في الوجود ، ~~فلهذا السبب جاز أن يجعل الإخبار عن الشيء بالوقوع كناية عن تأكد الأمر به ~~، ومبالغة الشرع في إيجابه . # النوع العاشر : أنه سبحانه وتعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة بعد الرجوع من الحج ، فليس في هذا القدر ms1570 بيان أنه طاعة عظيمة كاملة ~~عند الله سبحانه وتعالى ، فلما قال / بعده : { تلك عشرة كاملة } دل ذلك على ~~أن هذه الطاعة في غاية الكمال ، وذلك لأن الصوم مضاف إلى الله تعالى بلام ~~الإختصاص على ما قال تعالى : { يأذن لى } والحج أيضا مضاف إلى الله تعالى ~~بلام الإختصاص ، على ما قال : { وأتموا الحج والعمرة لله } وكما دل النص ~~على مزيد اختصاص لهاتين العبادتين بالله سبحانه وتعالى ، فالعقل دل أيضا ~~على ذلك ، أما في حق الصوم فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على ~~PageV05P134 وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق على النفس جدا ، فلا جرم لا ~~يؤتى به إلا لمحض مرضاة الله تعالى ، والحج أيضا عبادة لا يطلع العقل ألبتة ~~على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق جدا لأنه يوجب مفارقة الأهل والوطن ، ~~ويوجب التباعد عن أكثر اللذات ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاته ، ثم ~~إن هذه الأيام العشرة بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعا بين شيئين شاقين ~~جدا ، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من شاق إلى شاق ، ومعلوم ~~أن ذلك سبب لكثرة الثواب وعلو الدرجة فلا جرم أوجب الله تعلى صيام هذه ~~الأيام العشرة ، وشهد سبحانه على أنه عبادة في غاية الكمال والعلو ، فقال : ~~{ تلك عشرة كاملة } فإن التنكير في هذا الموضع يدل على تعظيم الحال ، فكأنه ~~قال : عشرة وأية عشرة ، عشرة كاملة ، فقد ظهر بهذه الوجوه العشرة اشتمال ~~هذه الكلمة على هذه الفوائد النفيسة ، وسقط بهذا البيان طعن الملحدين في ~~هذه الآية والحمد لله رب العالمين . # أما قوله تعالى : { ذالك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { ذالك } إشارة إلى ما تقدم ، وأقرب الأمور ~~المذكورة ذكر ما يلزم المتمتع من الهدي وبدله ، وأبعد منهم ذكر تمتعهم . ~~فلهذا السبب اختلفوا ، فقال الشافعي رضي الله عنه ، إنه راجع إلى الأقرب ، ~~وهو لزوم الهدي وبدله على المتمتع ، أي إنما يكون إذا لم يكن المتمتع من ~~حاضري المسجد الحرام ، فأما إذا كان ms1571 من أهل الحرم فإنه لا يلزمه الهدي ولا ~~بدله ، وذلك لأن عند الشافعي رضي الله عنه هذا الهدي إنما لزم الآفاقي لأنه ~~كان من الواجب عليه أن يحرم عن الحج من الميقات : فلما أحرم من الميقات عن ~~العمرة ، ثم أحرم عن الحج لا من الميقات ، فقد حصل هناك الخلل فجعل مجبورا ~~بهذا الدم ، والمكي لا يجب عليه أن يحرم من الميقات ، فإقدامه على التمتع ~~لا يوقع خللا في حجه ، فلا جرم لا يجب عليه الهدي ولا بدل ، وقال أبو حنيفة ~~رضي الله عنه : إن قوله : { ذالك } إشارة إلى الأبعد ، وهو ذكر التمتع ، ~~وعنده لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام ، ومن تمتع أو قرن كان عليه ~~دم هو دم جناية لا يأكل منه ، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه . # الحجة الأولى : قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } عام يدخل فيه ~~الحرمي . # الحجة الثانية : قوله : { ذالك } كناية فوجب عودها إلى المذكور الأقرب ، ~~وهو وجوب / الهدي ، وإذا خص إيجاد الهدي بالمتمتع الذي يكون آفاقيا لزم ~~القطع بأن غير الأفاقي قد يكون أيضا متمتعا . # الحجة الثالثة : أن الله تعالى شرع القران والمتعة إبانة لنسخ ما كان ~~عليه أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج والنسخ يثبت في حق الناس ~~كافة . # الحجة الرابعة : أن من كان من أهل الإفراد كان من أهل المتعة قياسا على ~~المدني ، إلا أن المتمتع المكي لا دم عليه لما ذكرناه ، حجة أبي حنيفة رحمه ~~الله تعالى أن قوله : { ذالك } كناية فوجب عودها إلى كل ما تقدم ، لأنه ليس ~~البعض أولى من البعض . # وجوابه : لم لا يجوز أن يقال عوده إلى الأقرب أولى لأن القرب سبب للرجحان ~~أليس أن مذهبه أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل مختص بالجملة الأخيرة ، ~~وإنما تميزت تلك الجملة عن سائر الجمل بسبب القرب فكذا ههنا . # المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بحاضري المسجد الحرام ، فقال مالك : ~~هم أهل مكة وأهل ذي PageV05P135 طوى قال : فلو أن أهل منى أحرموا بالعمرة ~~من حيث يجوز لهم ، ثم ms1572 أقاموا بمكة حتى حجوا كانوا متمتعين ، وسئل مالك رحمه ~~الله عن أهل الحرم أيجب عليهم ما يجب على المتمتع ، قال : نعم وليس هم مثل ~~أهل مكة فقيل له : فأهل منى فقال : لا أرى ذلك إلا لأهل مكة خاصة وقال طاوس ~~حاضروا المسجد الحرام هم أهل الحرم ، وقال الشافعي رضي الله عنه : هم الذي ~~يكونون على أقل من مسافة القصر من مكة ، فإن كانوا على مسافة القصر فليسوا ~~من الحاضرين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : حاضروا المسجد الحرام أهل ~~المواقيت ، وهي ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم وذات العرق ، فكل من كان من ~~أهل موضع من هذه المواضع ، أو من أهل ما وراءها إلى مكة فهو من حاضري ~~المسجد الحرام ، هذا هو تفصيل مذاهب الناس ، ولفظ الآية موافق لمذهب مالك ~~رحمه الله ، لأن أهل مكة هم الذي يشاهدون المسجد الحرام ويحضرونه ، فلفظ ~~الآية لا يدل إلا عليهم ، إلا أن الشافعي قال : كثيرا ما ذكر الله المسجد ~~الحرام ، والمراد منه الحرم ، قال تعالى : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام } ( الإسراء : 1 ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أسري ~~به من الحرم لا من المسجد الحرام ، وقال : { ثم محلها إلى البيت العتيق } ( ~~الحج : 33 ) والمراد الحرم ، لأن الدماء لا تراق في البيت والمسجد ، إذا ~~ثبت هذا فنقول : المراد من المسجد الحرام ههنا ما ذكرناه ويدل عليه وجهان ~~الأول : الحاضر ضد المسافر ، وكل من لم يكن مسافرا كان حاضرا ، ولما كان ~~حكم السفر إنما ثبت في مسافة القصر ، فكل من كان دون مسافة القصر لم يكن ~~مسافرا وكان حاضرا الثاني : أن العرب تسمي أهل القرى : حاضرة وحاضرين ، ~~وأهل البر : بادية وبادين ومشهور كلام الناس : أهل البدو والحضر يراد بهما ~~أهل الوبر والمدر . # المسألة الثالثة : قال الفراء : اللام في قوله : { لمن } بمعنى على ، أي ~~ذلك الفرض الذي هو الدم أو الصوم لازم على من لم يكن من أهل مكة ، كقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( واشترطي لهم الولاء ) أي عليهم . # المسألة الرابعة : الله تعالى ms1573 ذكر حضور الأهل والمراد حضور المحرم لا ~~حضور الأهل ، لأن الغالب على الرجل أنه يسكن حيث أهله ساكنون . # المسألة الخامسة : المسجد الحرام إنما وصف بهذا الوصف لأن أصل الحرام ~~والمحروم الممنوع عن المكاسب والشيء المنهي عنه حرام لأنه منع من إتيانه ، ~~والمسجد الحرام الممنوع من أن يفعل فيه ما منع عن فعله قال الفراء : ويقال ~~حرام وحرم مثل زمان وزمن . # أما قوله تعالى : { واتقوا الله } قال ابن عباس : يريد فيما فرض عليكم : ~~{ واعلموا أن الله شديد العقاب } لمن تهاون بحدوده قال أبو مسلم : العقاب ~~والمعاقبة سيان ، وهو مجازاة المسيء على إساءته وهو مشتق من العاقبة : كأنه ~~يراد عاقبة فعل المسيء ، كقول القائل : لتذوقن عاقبة فعلك . # PageV05P136 ! 7 < { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا ~~فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى واتقون ياأولي الألباب } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 197 ) الحج أشهر معلومات . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : من المعلوم بالضرورة أن الحج ليس نفس الأشهر فلا بد ~~ههنا من تأويل وفيه وجوه أحدها : التقدير : أشهر الحج أشهر معلومات ، فحذف ~~المضاف وهو كقولهم : البرد شهران ، أي وقت البرد شهران والثاني : التقدير ~~الحج حج أشهر معلومات ، أي لا حج إلا في هذه الأشهر ، ولا يجوز في غيرها ~~كما كان أهل الجاهلية يستجيزونها في غيرها من الأشهر ، فحذف المصدر المضاف ~~إلى الأشهر الثالث : يمكن تصحيح الآية من غير إضمار وهو أنه جعل الأشهر نفس ~~الحج لما كان الحج فيها كقولهم : ليل قائم ، ونهار صائم . # المسألة الثانية : أجمع المفسرون على أن شوالا وذا القعدة من أشهر الحج ~~واختلفوا في ذي الحجة ، فقال عروة بن الزبير : إنها بكليتها من أشهر الحج ~~وهو قول مالك رحمه الله تعالى ، / وقال أبو حنيفة رحمه الله : الشعر الأول ~~من ذي الحجة من أشهر الحج ، وهو قول ابن عباس وابن عمر والنخعي والشعبي ~~ومجاهد والحسن ، وقال الشافعي رضي الله عنه : التسعة الأولى من ذي الحجة من ~~ليلة النحر من أشهر الحج ، حجة ms1574 مالك رضي الله عنه من وجوه الأول : أن الله ~~تعالى ذكر الأشهر بلفظ الجمع وأقله ثلاثة . # الحجة الثانية : أن أيام النحر يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج ، وهو رمي ~~الجمار والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى انقضاء أيام ~~بعد العشر ، ومذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر والجواب عن ~~الأول : من وجهين أحدهما : أن لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد ، بدليل ~~قوله : { فقد صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) والثاني : أنه نزل بعض الشهر ~~منزلة كله ، كما يقال : رأيتك سنة كذا إنما رآه في ساعة منها والجواب عن ~~الثاني : أن رمي الجمار يفعله الإنسان وقد حج بالحلق والطواف والنحر من ~~إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج ، والحائض إذا طافت بعده فكأنه في حكم ~~القضاء لا في حكم الأداء ، وأما الذين قالوا إن عشرة أيام من أول ذي الحجة ~~هي من أشهر الحج ، فقد تمسكوا فيه بوجهين الأول : أن من المفسرين من زعم أن ~~يوم الحج الأكبر يوم النحر والثاني : أن يوم النحر وقت لركن من أركان الحج ~~، وهو طواف الزيارة ، وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه احتج على قوله بأن ~~الحج يفوت بطلوع الفجر يوم النحر ، والعبادة لا تكون فائته مع بقاء وقتها ، ~~فهذا تقرير هذه المذاهب . # بقي ههنا إشكالان الأول : أنه تعالى قال من قبل : { يسئلونك عن الاهلة قل ~~هى مواقيت للناس والحج } ( البقرة : 189 ) فجعل كل الأهلة مواقيت للحج ~~الثاني : أنه اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا : من إتمام الحج أن يحرم ~~المرء من دويرة أهله ، ومن بعد داره البعد الشديد لا يجوز أن يحرم من دويرة ~~أهله بالحج إلا قبل أشهر الحج ، وهذا يدل على أن أشهر الحج غير مقيدة بزمان ~~مخصوص والجواب من الأول : أن تلك الآية عامة ، وهذه الآية وهي قوله : { ~~الحج أشهر معلومات } خاصة والخاص مقدم على العام وعن الثاني : أن النص لا ~~يعارضه الأثر المروي عن الصحابة . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { معلومات } فيه وجوه أحدها : أن الحج ms1575 ~~إنما يكون في السنة مرة واحدة PageV05P137 في أشهر معلومات من شهورها ، ليس ~~كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مرارا ، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ~~ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع وعلى هذا القول فالشرع لم يأت على خلاف ~~ما عرفوا وإنما جاء مقررا له الثاني : أن المراد بها معلومات ببيان الرسول ~~عليه الصلاة والسلام الثالث : المراد بها أنها مؤقتة في أوقات معينة لا ~~يجوز تقديمها ولا تأخيرها ، لا كما يفعله الذين نزل فيهم { إنما النسىء ~~زيادة فى الكفر } ( التوبة : 37 ) . # المسألة الرابعة : قال الشافعي رضي الله عنه : لا يجوز لأحد أن يهل بالحج ~~قبل أشهر الحج ، / وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة رضي ~~الله عنهم : لا يجوز في جميع السنة حجة الشافعي رضي الله عنه قوله : { الحج ~~أشهر معلومات } وأشهر جمع تقليل على سبيل التنكير ، فلا يتناول الكل ، ~~وإنما أكثره إلى عشرة وأدناه ثلاثة وعند التنكير ينصرف إلى الأدنى ، فثبت ~~أن المراد أن أشهر الحج ثلاثة ، والمفسرون اتفقوا على أن تلك الثلاثة : ~~شوال ، وذو القعدة ، وبعض من ذي الحجة ، وإذا ثبت هذا فنقول : وجب أن لا ~~يجوز الإحرام بالحج قبل الوقت ، ويدل عليه ثلاثة أوجه الأول : أن الإحرام ~~بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياسا على الصلاة الثاني : أن الخطبة في ~~صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت ، لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر ، حكما ~~فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى الثالث : أن الإحرام لا يبقى ~~صحيحا لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء فلأن لا ينعقد صحيحا لأداء ~~الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء ، حجة أبي حنيفة رضي الله ~~عنه وجهان الأول : قوله تعالى : { ويسئلونك عن * الاهلة قل هى مواقيت للناس ~~والحج } ( الحج : 189 ) فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج ، وهي ليست بمواقيت ~~للحج فثبت إذن أنها مواقيت لصحة الإحرام ، ويجوز أن يسمى الإحرام حجا مجازا ~~كما سمي الوقت حجا في قوله : { الحج أشهر معلومات } بل هذا أولى لأن ms1576 ~~الإحرام إلى الحج أقرب من الوقت . # والحجة الثانية : أن الإحرام التزام للحج ، فجاز تقديمه على الوقت كالنذر ~~. # والجواب عن الأول : أن الآية التي ذكرناها أخص من الآية التي تمسكتم بها ~~. # والجواب عن الثاني : أن الفرق بين النذر وبين الإحرام أن الوقت معتبر ~~للأداء والاتصال للنذر بالاداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ ~~وأما الإحرام فإنه مع كونه التزاما فهو أيضا شروع في الأداء وعقد عليه ، ~~فلا جرم افتقر إلى الوقت . # وقوله تعالى : { فمن فرض فيهن الحج } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : معنى { فرض } في اللغة ألزم وأوجب ، يقال : فرضت عليك ~~كذا أي أوجبته وأصل معنى الفرض في اللغة الحز والقطع ، قال ابن الأعرابي : ~~الفرض الحز في القدح وفي الوتد وفي غيره ، وفرضة القوس ، الحز الذي يقع فيه ~~الوتر ، وفرضة الوتد الحز الذي فيه ، ومنه فرض الصلاة وغيرها ، لأنها لازمة ~~للعبد ، كلزوم الحز للقدح ، ففرض ههنا بمعنى أوجب ، وقد جاء في القرآن : ~~فرض بمعنى أبان ، وهو قوله : { سورة أنزلناها وفرضناها } ( النور : 1 ) ~~بالتخفيف ، وقوله : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } ( التحريم : 2 ) وهذا ~~أيضا راجع إلى معنى القطع ، لأن من قطع شيئا فقد أبانه من غيره والله تعالى ~~إذا فرض شيئا أبانه عن غيره ، ففرض بمعنى أوجب ، وفرض بمعنى أبان ، كلاهما ~~يرجع إلى أصل واحد . PageV05P138 # المسألة الثانية : اعلم أن في هذه الآية حذفا ، والتقدير : فمن ألزم نفسه ~~فيهن الحج ، والمراد / بهذا الفرض ما به يصير المحرم محرما إذ لا خلاف أنه ~~لا يصير حاجا إلا بفعل يفعله ، فيخرج عن أن يكون حلالا ويحرم عليه الصيد ~~واللبس والطيب والنساء والتغطية للرأس إلى غير ذلك ولأجل تحريم هذه الأمور ~~عليه سمي محرما ، لأنه فعل ما حرم به هذه الأشياء على نفسه ولهذا السبب ~~أيضا سميت البقعة حرما لأنه يحرم ما يكون فيها مما لولاه كان لا يحرم فقوله ~~تعالى : { فمن فرض فيهن الحج } يدل على أنه لا بد للمحرم من فعل يفعله ~~لأجله يصير حاجا ومحرما ، ثم اختلف الفقهاء في أن ذلك ms1577 الفعل ما هو ؟ قال ~~الشافي رضي الله عنه : أنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى ~~التلبية وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد ~~النية حتى ينضم إليها التلبية أو سوق الهدى ، قال القفال رحمه الله في ( ~~تفسيره ) : يروى عن جماعة أن من أشعر هديه أو قلده فقد أحرم ، وروى نافع عن ~~ابن عمر أنه قال : إذا قلد أو أشعر فقد أحرم ، وعن ابن عباس : إذا قلد ~~الهدي وصاحبه يريد العمرة والحج فقد أحرم ، حجة الشافعي رضي الله عنه وجوه ~~: # الحجة الأولى : قوله تعالى : { فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج } وفرض الحج لا يمكن أن يكون عبارة عن التلبية أو سوق الهدي ~~فإنه لا إشعار ألبتة في التلبية بكونه محرما لا بحقيقة ولا بمجاز فلم يبق ~~إلا أن يكون فرض الحج عبارة عن النية ، وفرض الحج موجب لانعقاد الحج ، ~~بدليل قوله تعالى : { فلا رفث } فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج . # الحجة الثانية : ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام : ( وإنما لكل امرىء ما ~~نوى ) . # الحجة الثالثة : القياس وهو أن ابتداء الحج كف عن المحظورات ، فيصح ~~الشروع فيه بالنية كالصوم ، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه وجهان الأول : ما ~~روى أبو منصور الماتريدي في ( تفسيره ) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ~~لا يحرم إلا من أهل أو لبى الثاني : أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا ~~يشرع فيه إلا بنفس النية كالصلاة . # وأما قوله تعالى : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { فلا رفث ولا فسوق } بالرفع ~~والتنوين { ولا جدال } بالنصب ، والباقون قرؤا الكل بالنصب . # واعلم أن الكلام في الفرق بين القراءتين في المعنى يجب أن يكون مسبوقا ~~بمقدمتين الأولى : أن كل شيء له اسم ، فجوهر الاسم دليل على جوهر المسمى ، ~~وحركات الاسم وسائر أحواله دليل على أحوال المسمى ، فقولك : رجل يفيد ~~الماهية المخصوصة ، وحركات هذه اللفظة ، أعني ms1578 كونها منصوبة ومرفوعة ومجرورة ~~، دال على أحوال تلك الماهية وهي المفعولية والفاعلية والمضافية ، وهذا هو ~~الترتيب العقلي حتى يكون الأصل بإزاء الأصل ، والصفة بإزاء الصفة ، فعلى ~~هذا الأسماء الدالة على الماهيات ينبغي أن يتلفظ بها ساكنة الأواخر فيقال : ~~رحل جدار حجر ، وذلك لأن / تلك الحركات لما وضعت لتعريف أحوال مختلفة في ~~ذات المسمى فحيث أريد تعريف المسمى من غير التفات إلى تعريف شيء من أحواله ~~وجب جعل اللفظ خاليا عن الحركات ، فإن أريد في بعض الأوقات تحريكه وجب أن ~~يقال بالنصب ، لأنه أخف الحركات وأقربها إلى السكون . PageV05P139 # المقدمة الثانية : إذا قلت : لا رجل بالنصب ، فقد نفيت الماهية ، وانتفاء ~~الماهية يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعا ، أما إذا قلت : لا رجل بالرفع ~~والتنوين ، فقد نفيت رجلا منكرا مبهما ، وهذا بوصفه لا يوجب انتفاء جميع ~~أفراد هذه الماهية إلا بدليل منفصل ، فثبت أن قولك : لا رجل بالنصب أدل على ~~عموم النفي من قولك : لا رجل بالرفع والتنوين . # إذا عرفت هاتين المقدمتين فلنرجع إلى الفرق بين القراءتين فنقول : أما ~~الذين قرؤا ثلاثة : بالنصب فلا إشكال وأما الذين قرؤا الأولين بالرفع مع ~~التنوين ، والثالث بالنصب فذلك يدل على أن الاهتمام بنفي الجدال أشد من ~~الإهتمام بنفي الرفث والفسوق وذلك لأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة والجدال ~~مشتمل على ذلك ، لأن المجادل يشتهي تمشية قوله ، والفسوق عبارة عن مخالفة ~~أمر الله / والمجادل لا ينقاد للحق ، وكثيرا ما يقدم على الإيذاء والإيحاش ~~المؤدي إلى العداوة والبغضاء فلما كان الجدال مشتملا على جميع أنواع القبح ~~لا جرم خصه الله تعالى في هذه القراءة بمزيد الزجر والمبالغة في النفي ، ~~أما المفسرون فإنهم قالوا : من قرأ الأولين بالرفث والثالث بالنصب فقد حمل ~~الأولين على معنى النهي ، كأنه قيل : فلا يكون رفث ولا فسوق وحمل الثالث ~~على الإخبار بانتفاء الجدال ، هذا ما قالوه إلا أنه ليس بيان أنه لم خص ~~الأولان بالنهي وخص الثالث بالنفي . # المسألة الثانية : أما الرفث فقد فسرناه في قوله : { أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث إلى نسائكم } ( البقرة ms1579 : 187 ) والمراد : الجماع ، وقال الحسن : ~~المراد منه كل ما يتعلق بالجماع فالرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها ~~، والرفث باليد اللمس والغمز ، والرفث بالفرج الجماع ، وهؤلاء قالوا : ~~التلفظ به في غيبة النساء لا يكون رفثا ، واحتجوا بأن ابن عباس كان يحدو ~~بعيره وهو محرم ويقول : # % وهن يمشين بنا هميسا % % إن تصدق الطير ننك لميسا % # فقال له أبو العالية أترفث وأنت محرم ؟ قال : إنما الرفث ما قيل عند ~~النساء ، وقال آخرون : الرفث هو قول الخنا والفحش ، واحتج هؤلاء بالخبر ~~واللغة أما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا كان يوم صوم أحدكم فلا ~~يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم ) ومعلوم أن الرفث ههنا لا ~~يحتمل إلا قول الخنا والفحش ، وأما اللغة فهو أنه روى عن أبي عبيد أنه قال ~~: الرفث الإفحاش في المنطق ، يقال أرفث الرجل إرفاثا ، وقال أبو عبيدة : ~~الرفث اللغو من الكلام . # أما الفسوق فاعلم أن الفسق والفسوق واحد وهما مصدران لفسق يفسق ، وقد ~~ذكرنا فيما قبل أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة ، واختلف المفسرون فكثير من ~~المحققين حملوه على كل المعاصي / قالوا : لأن اللفظ صالح للكل ومتناول له ، ~~والنهي عن الشيء يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه فحمل اللفظ على بعض أنواع ~~الفسوق تحكم من غير دليل ، وهذا متأكد بقوله تعالى : { ففسق عن أمر ربه } ( ~~الكهف : 50 ) وبقوله : { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } ( الحجرات : ~~7 ) . # وذهب بعضهم إلى أن المراد منه بعض الأنواع ثم ذكروا وجوها : # الأول : المراد منه السباب واحتجوا عليه بالقرآن والخبر ، أما القرآن ~~فقوله تعالى : { ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان } ( ~~الحجرات : 11 ) وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : ( سباب المسلم ~~PageV05P140 فسوق وقتاله كفر ) والثاني : المراد منه الإيذاء والإفحاش ، ~~قال تعالى : { لا * يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } ( ~~البقرة : 282 ) والثالث : قال ابن زيد : هو الذبح للأصنام فإنهم كانوا في ~~حجهم يذبحون لأجل الحج ، ولأجل الأصنام ، وقال تعالى : { ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ( الأنعام ms1580 : 121 ) وقوله : { أو فسقا أهل ~~لغير الله به } ( الأنعام : 145 ) والرابع : قال ابن عمر : إنه العاصي في ~~قتل الصيد وغيره مما يمنع الإحرام منه والخامس : أن الرفث هو الجماع ~~ومقدماته مع الحليلة ، والفسوق هو الجماع ومقدماته على سبيل الزنا والسادس ~~: قال محمد بن الطبري : الفسوق ، هو العزم على الحج إذا لم يعزم على ترك ~~محظوراته . # وأما الجدال فهو فعال من المجادلة ، وأصله من الجدل الذي من القتل ، يقال ~~: زمام مجدول وجديل ، أي مفتول ، والجديل اسم الزمام لأنه لا يكون إلا ~~مفتولا ، وسميت المخاصمة مجادلة لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه ~~عن رأيه / وذكر المفسرون وجوها في هذا الجدال . # فالأول : قال الحسن : هو الجدال الذي يخاف منه الخروج إلى السباب ~~والتكذيب والتجهيل . # والثاني : قال محمد بن كعب القرظي : إن قريشا كانوا إذا اجتمعوا بمنى ، ~~قال بعضهم : حجنا أتم ، وقال آخرون : بل حجنا أتم ، فنهاهم الله تعالى عن ~~ذلك . # والثالث : قال مالك في ( الموطأ ) الجدال في الحج أن قريشا كانوا يقفون ~~عند المشعر الحرام في المزدلفة بقزح وكان غيرهم يقفون بعرفات وكانوا ~~يتجادلون يقول هؤلاء : نحن أصوب ، ويقول هؤلاء : نحن أصوب ، قال الله تعالى ~~: { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك فى الامر وادع إلى ربك إنك ~~لعلى هدى مستقيم * وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون } الحج : 67 68 ) ~~قال مالك هذا هو الجدال فيما يروى والله أعلم . # والرابع : قال القاسم بن محمد : الجدال في الحج أن يقول بعضهم : الحج ~~اليوم ، وآخرون يقولون : بل غدا ، وذلك أنهم أمروا أن يجعلوا حساب الشهور ~~على رؤية الأهلة ، وأخرون كانوا يجعلونه على العدد فبهذا السبب كانوا ~~يختلفون فبعضهم يقول : هذا اليوم يوم العيد وبعضهم يقول : بل غدا ، فالله ~~تعالى نهاهم عن ذلك ، فكأنه قيل لهم : قد بينا لكم أن الأهلة مواقيت للناس ~~والحج ، / فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه من غير هذه الجهة . # الخامس : قال القفال رحمه الله تعالى : يدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه ~~رسول الله صلى الله ms1581 عليه وسلم حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق عليهم ~~ذلك وقالوا : نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام ~~: ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ) وتركوا ~~الجدال حينئذ . # السادس : قال عبد الرحمن بن زيد : جدالهم في الحج بسبب اختلافهم في أيهم ~~المصيب في الحج لوقت إبراهيم عليه الصلاة والسلام . # السابع : أنهم كانوا مختلفين في السنين فقيل لهم : لا جدال في الحج فإن ~~الزمان استدار وعاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم عليه السلام ، وهو ~~المراد بقوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع : ( ألا إن الزمان قد ~~استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ) فهذا مجموع ما قاله المفسرون ~~في هذا الباب . PageV05P141 # وذكر القاضي كلاما حسنا في هذا المواضع فقال : قوله تعالى : { فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج } يحتمل أن يكون خبرا وأن يكون نهيا كقوله : { ~~لا ريب فيه } آل عمران : 9 ) أي لا ترتابوا فيه ، وظاهر اللفظ للخبر فإذا ~~حملناه على الخبر كان معناه أن الحج لا يثبت مع واحدة من هذه الخلال بل ~~يفسد لأنه كالضد لها وهي مانعة من صحته ، وعلى هذا الوجه لا يستقيم المعنى ~~، إلا أن يراد بالرفث الجماع المفسد للحج ، ويحمل الفسوق على الزنا لأنه ~~يفسد الحج ، ويحمل الجدال على الشك في الحج ووجوبه لأن ذلك يكون كفرا فلا ~~يصح معه الحج وإنما حملنا هذه الألفاظ الثلاثة على هذه المعاني حتى يصح خبر ~~الله بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج ، فإن قيل : أليس أن مع هذه الأشياء ~~يصير الحج فاسدا ويجب على صاحبه المضي فيه ، وإذا كان الحج باقيا معها لم ~~يصدق الخبر بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج ، قلنا : المراد من الآية حصول ~~المضادة بين هذه الأشياء وبين الحجة التي أمر الله تعالى بها ابتداء وتلك ~~الحجة الصحيحة لا تبقى مع هذه الأشياء بدليل أنه يجب قضاؤها ، والحجة ~~الفاسدة التي يجب عليه المضي فيها شيء آخر سوى تلك الحجة التي ms1582 أمر الله ~~تعالى بها ابتداء ، وأما الجدال الحاصل بسبب الشك في وجوب الحج فظاهر أنه ~~لا يبقى معه عمل الحج لأن ذلك كفر وعمل الحج مشروط بالإسلام فثبت أنا إذا ~~حملنا اللفظ على الخبر وجب حمل الرفث والفسوق والجدال على ما ذكرناه / أما ~~إذا حملناه على النهي وهو في الحقيقة عدول عن ظاهر اللفظ فقد يصح أن يراد ~~بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش ، وأن يراد بالفسوق جميع أنواعه ، ~~وبالجدال جميع أنواعه ، لأن اللفظ مطلق ومتناول لكل هذه الأقسام فيكون ~~النهي عنها نهيا عن جميع أقسامها ، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية كالحث ~~على الأخلاق الجميلة ، والتمسك بالآداب الحسنة ، والاحتراز عما / يحبط ثواب ~~الطاعات . # المسألة الثالثة : الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا ~~أزيد ولا أنقص ، وهو قوله : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } هي أنه ~~قد ثبت في العلوم العقلية أن الإنسان فيه قوى أربعة : قوة شهوانية بهيمية ، ~~وقوة غضبية سبعية ، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ملكية ، والمقصود من ~~جميع العبادات قهر القوى الثلاثة ، أعني الشهوانية ، والغضبية ، والوهمية ، ~~فقوله { فلا رفث } إشارة إلى قهر الشهوانية ، وقوله : { ولا فسوق } إشارة ~~إلى قهر القوة الغضبية التي توجب التمرد والغضب ، وقوله : { ولا جدال } ~~إشارة إلى القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله ، ~~وصفاته ، وأفعاله ، وأحكامه ، وأسمائه ، وهي الباعثة للإنسان على منازعة ~~الناس ومماراتهم ، والمخاصمة معهم في كل شيء ، فلما كان منشأ الشر محصورا ~~في هذه الأمور الثلاثة لا جرم قال : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } ~~أي فمن قصد معرفة الله ومحبته والاطلاع على نور جلاله ، والانخراط في سلك ~~الخواص من عباده ، فلا يكون فيه هذه الأمور ، وهذه أسرار نفسية هي المقصد ~~الأقصى من هذه الآيات ، فلا ينبغي أن يكون العاقل غافلا عنها ، ومن الله ~~التوفيق في كل الأمور . # المسألة الرابعة : من الناس من عاب الإستدلال والبحث والنظر والجدال ~~واحتج بوجوه أحدها : أنه تعالى قال : { ولا جدال في الحج } وهذا يقتضي نفي ~~جميع ms1583 أنواع الجدال ، ولو كان الجدال في الدين طاعة وسبيلا إلى معرفة الله ~~تعالى لما نهى عنه في الحج ، بل على ذلك التقدير كان الإشتغال بالجدال في ~~الحج PageV05P142 ضم طاعة إلى طاعة فكان أولى بالترغيب فيه وثانيها : قوله ~~تعالى : { ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } ( الزخرف : 58 ) عابهم ~~بكونهم من أهل الجدل ، وذلك يدل على أن الجدل مذموم ، وثالثها : قوله : { ~~ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } ( الأنفال : 46 ) نهى عن المنازعة . # وأما جمهور المتكلمين فإنهم قالوا : الجدال في الدين طاعة عظيمة ، ~~واحتجوا عليه بقوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتى هى أحسن } ( النحل : 125 ) وبقوله تعالى حكاية عن الكفار ~~إنهم قالوا لنوح عليه السلام : { قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } ( ~~هود : 32 ) ومعلوم أنه ما كان ذلك الجدال إلا لتقرير أصول الدين . # إذا ثبت هذا فنقول : لا بد من التوفيق بين هذه النصوص ، فنحمل الجدل ~~المذموم على الجدل في تقرير الباطل ، وطلب المال والجاه ، والجدل الممدوح ~~على الجدل في تقرير الحق ودعوة الخلق إلى سبيل الله ، والذب عن دين الله ~~تعالى . # أما قوله تعالى : { وما تفعلوا من خير يعلمه * لله * وتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى } ( البقرة : 197 ) فاعلم أن الله تعالى قبل هذه الآية أمر ~~بفعل ما هو خير وطاعة ، فقال : { وأتموا الحج والعمرة * لله } ( البقرة : ~~196 ) وقال : { فمن فرض فيهن الحج } ونهى عما هو شر ومعصية فقال : { فلا ~~رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } ثم عقب الكل بقوله : { وما تفعلوا من خير ~~يعلمه الله } وقد كان الأولى في الظاهر أن يقال : وما تفعلوا من شيء يعلمه ~~الله ، حتى يتناول كل ما تقدم من الخير والشر ، إلا أنه تعالى خص الخير ~~بأنه يعلمه الله لفوائد ولطائف أحدها : إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته ، ~~وإذا علمت منك الشر سترته وأخفيته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك في الدنيا ~~هكذا ، فكيف في العقبى وثانيها : أن من المفسرين من قال في تفسير قوله : { ~~إن الساعة ءاتية أكاد ms1584 أخفيها } ( طه : 15 ) معناه : لو أمكنني أن أخفيها عن ~~نفسي لفعلت فكذا هذه الآية ، كأنه قيل للعبد : ما تفعله من خير علمته ، ~~وأما الذي تفعله من الشر فلو أمكن أن أخفيه عن نفسي لفعلت ذلك وثالثها أن ~~السلطان العظيم إذا قال لعبده المطيع : كل ما تتحمله من أنواع المشقة ~~والخدمة في حقي فأنا عالم به ومطلع عليه ، كان هذا وعدا له بالثواب العظيم ~~، ولو قال ذلك لعبده المذنب المتمرد كان توعدا بالعقاب الشديد ، ولما كان ~~الحق سبحانه أكرم الأكرمين لا جرم ذكر ما يدل على الوعد بالثواب ، ولم يذكر ~~ما يدل على الوعيد بالعقاب ورابعها : أن جبريل عليه السلام لما قال : ما ~~الإحسان ؟ فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : ( الإحسان أن تعبد الله كأنك ~~تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) فههنا بين للعبد أنه يراه ويعلم جميع ما ~~يفعله من الخيرات لتكون طاعة العبد للرب من الإحسان الذي هو أعلى درجات ~~العبادة ، فإن الخادم متى علم أن مخدومه مطلع عليه ليس بغافل عن أحواله كان ~~أحرص على العمل وأكثر التذاذا به وأقل نفرة عنه وخامسها : أن الخادم إذا ~~علم اطلاع المخدوم على جميع أحواله وما يفعله كان جده واجتهاده في أداء ~~الطاعات وفي الاحتراز عن المحظورات أشد مما إذا لم يكن كذلك ، فلهذه الوجوه ~~أتبع تعالى الأمر بالحج والنهي عن الرفث والفسوق والجدال بقوله : { وما ~~تفعلوا من خير يعلمه الله } . # أما قوله تعالى : { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ففيه قولان أحدهما : ~~أن المراد : وتزودوا من التقوى ، والدليل عليه قوله بعد ذلك : { فإن خير ~~الزاد التقوى } وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران : PageV05P143 سفر ~~في الدنيا وسفر من الدنيا ، فالسفر في الدنيا لا بد له من زاد ، وهو الطعام ~~والشراب والمركب والمال ، والسفر من الدنيا لا بد فيه أيضا من زاد ، وهو ~~معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه ، وهذا الزاد خير من الزاد الأول ~~لوجوه الأول : أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب موهوم وزاد الآخرة يخلصك من ~~عذاب متيقن وثانيها : أن ms1585 زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع ، وزاد الآخرة ~~يخلصك من عذاب دائم وثالثها : أن زاد الدنيا يوصلك إلى لذة ممزوجة بالآلام ~~والأسقام والبليات ، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة عن شوائب ~~المضرة ، آمنة من الانقطاع والزوال ورابعها : أن زاد الدنيا وهي كل ساعة في ~~الإدبار والانقضاء ، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة ، وهي كل ساعة في ~~الإقبال والقرب والوصول وخامسها : أن زاد الدنيا يوصلك إلى / منصة الشهوة ~~والنفس ، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس ، فثبت بمجموع ما ذكرنا ~~أن خير الزاد التقوى . # إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير الآية ، فكأنه تعالى قال : لما ثبت أن خير ~~الزاد التقوى فاشتغلوا بتقواي يا أولي الألباب ، يعني إن كنتم من أرباب ~~الألباب الذين يعلمون حقائق الأمور وجب عليكم بحكم عقلكم ولبكم أن تشتغلوا ~~بتحصيل هذا الزاد لما فيه كثرة المنافع ، وقال الأعشى في تقرير هذا المعنى ~~: # % إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى % % ولا قيث بعد الموت من قد تزودا % # % ندمت على أن لا تكون كمثله % % وأنك لم ترصد كما كان أرصدا % # والقول الثاني : أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجون ~~بغير زاد ويقولون : إنا متوكلون ، ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموا الناس ~~وغصبوهم ، فأمرهم الله تعالى أن يتزودوا فقال : وتزودوا ما تبلغون به فإن ~~خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم وعن ابن زيد : أن ~~قبائل من العرب كانوا يحرمون الزاد في الحج والعمرة فنزلت . وروى محمد بن ~~جرير الطبري عن ابن عمر قال : كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها فنهوا ~~عن ذلك بهذه الآية قال القاضي : وهذا بعيد لأن قوله : { فإن خير الزاد ~~التقوى } راجع إلى قوله : { وتزودوا } فكان تقديره : وتزودوا من التقوى ~~والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات قال : ~~فإن أردنا تصحيح هذا القول ففيه وجهان أحدهما : أن القادر على أن يستصحب ~~الزاد في السفر إذا لم يستصحبه عصى الله في ذلك ، فعلى هذا الطريق ms1586 صح دخوله ~~تحت الآية والثاني : أن يكون في الكلام حذف ويكون المراد : وتزودوا لعاجل ~~سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى . # أما قوله تعالى : { واتقون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : إن قوله : { واتقون } فيه تنبيه على كمال عظمة الله ~~وجلاله وهو كقول الشاعر : # % أنا أبو النجم وشعري شعري % % المسألة الثانية : أثبت أبو عمرو الياء ~~في قوله : { واتقون } على الأصل ، وحذفها الآخرون للتخفيف ودلالة الكسر ~~عليه . أما قوله تعالى : { واتقون يأولي الالباب } فاعلم أن لباب الشيء ~~ولبه هو الخالص منه ، ثم اختلفوا بعد ذلك ، PageV05P144 فقال بعضهم : إنه ~~اسم للعقل لأنه أشرف ما في الإنسان ، والذي تميز به الإنسان عن البهائم ~~وقرب من درجة الملائكة ، واستعد به للتمييز بين خير الخيرين ، وشر الشرين ، ~~وقال آخرون : أنه في الأصل اسم للقلب الذي هو محل العقل ، والقلب قد يجعل ~~كناية عن العقل قال تعالى : { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد } ( ق : 37 ) فكذا ههنا جعل اللب كناية عن العقل ، فقوله : ~~{ واتقون يأولي الالباب } معناه : يا أولي العقول ، وإطلاق اسم المحل على ~~الحال مجاز مشهور ، فإنه يقال لمن له غيرة وحمية : فلان له نفس ، ولمن ليس ~~له حمية : فلان لا نفس له فكذا ههنا . فإن قيل : إذا كان لا يصح إلا خطاب ~~العقلاء فما الفائدة في قوله : { واتقون يأولي الالباب } . قلنا : معناه : ~~إنكم لما كنتم من أولي الألباب كنتم متمكنين من معرفة هذه الأشياء والعمل ~~بها فكان وجوبها عليكم أثبت وإعراضكم عنها أقبح ، ولهذا قال الشاعر : # % ولم أر في عيوب الناس شيئا % % كنقص القادرين على التمام % # ولهذا قال تعالى : { أولئك كالانعام بل هم أضل } ( الأعراف : 179 ) يعني ~~الأنعام معذورة بسبب العجز ، أما هؤلاء القادرون فكان إعراضهم أفحش ، فلا ~~جرم كانوا أضل . # ! 7 < { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذآ أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن ~~الضآلين } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 198 ) ليس عليكم جناح . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : في الآية ms1587 حذف والتقدير : ليس عليكم جناح في أن تبتغوا ~~فضلا والله أعلم . # المسألة الثانية : اعلم أن الشبهة كان حاصلة في حرمة التجارة في الحج من ~~وجوه : # أحدها : أنه تعالى منع عن الجدال فيما قبل هذه الآية ، والتجارة كثيرة ~~الإفضاء إلى المنازعة بسبب المنازعة في قلة القيمة وكثرتها ، فوجب أن تكون ~~التجارة محرمة وقت الحج وثانيها : أن التجارة كانت محرمة وقت الحج في دين ~~أهل الجاهلية ، فظاهر ذلك شيء مستحسن لأن المشتغل بالحج مشتغل بخدمة الله ~~تعالى ، فوجب أن لا يتلطخ هذا العمل منه بالأطماع الدنيوية وثالثها : أن ~~المسلمين لما علموا أنه صار كثير من المباحات محرمة عليهم في وقت الحج ، ~~كاللبس والطيب والاصطياد والمباشرة مع الأهل غلب على ظنهم أن الحج لما صار ~~سببا لحرمة اللبس مع مساس الحاجة إليه فبأن يصير سببا لحرمة التجارة مه قلة ~~الحاجة إليها كان أولى ورابعها : عند الاشتغال بالصلاة يحرم الاشتغال بسائر ~~الطاعات فضلا عن المباحات فوجب أن يكون الأمر كذلك في الحج فهذه الوجوه ~~تصلح أن تصير شبهة في تحريم الاشتغال بالتجارة عند الاشتغال بالحج ، فلهذا ~~السبب بين الله تعالى / ههنا أن التجارة جائزة غير محرمة ، فإذا عرفت ~~PageV05P145 هذا فنقول : المفسرون ذكروا في تفسير قوله : { أن تبتغوا فضلا ~~من ربكم } وجهين الأول : أن المراد هو التجارة ، ونظيره قوله تعالى : { إن ~~ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى } ( المزمل : 20 ) وقوله : { جعل لكم اليل ~~والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } ثم الذي يدل على صحة هذا التفسير ~~وجهان الأول : ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما قرآ : { أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم * فى * العقاب * الحج } والثاني : الروايات المذكورة ~~في سبب النزول . # فالرواية الأولى : قال ابن عباس : كان ناس من العرب يحترزون من التجارة ~~في أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في ترك البيع والشراء بالكلية ، وكانوا ~~يسمون التاجر في الحج : الداج ويقولون : هؤلاء الداج ، وليسوا بالحاج ، ~~ومعنى الداج : المكتسب الملتقط ، وهو مشتق من الدجاجة ، وبالغوا في ~~الإحتراز عن الأعمال ، إلى أن امتنعوا عن ms1588 إغاثة الملهوف ، وإغاثة الضعيف ~~وإطعام الجائع ، فأزال الله تعالى هذا الوهم ، وبين أنه لا جناح في التجارة ~~، ثم أنه لما كان ما قبل هذه الآية في أحكام الحج ، وما بعدها أيضا في الحج ~~، وهو قوله : { فإذا أفضتم من عرفات } دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في ~~زمان الحج ، فلهذا السبب استغنى عن ذكره . # والرواية الثانية : ما روي عن ابن عمر أن رجلا قال له إنا قوم نكري وإن ~~قوما يزعمون أنه لا حج لنا ، فقال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عما سألت ولم يرد عليه حتى نزل قوله : { ليس عليكم جناح } فدعاه وقال : ~~أنتم حجاج وبالجملة فهذه الآية نزلت ردا على من يقول : لا حج للتجار ~~والأجراء والجمالين . # والرواية الثالثة : أن عكاظ ومجنة وذا المجاز كانوا بتجرون في أيام ~~الموسم فيها ، وكانت معايشهم منها ، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يتجرون في ~~الحج بغير إذن ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية . # والرواية الرابعة : قال مجاهد : إنهم كانوا لا يتبايعون في الجاهلية ~~بعرفة ولامنى ، فنزلت هذه الآية . # إذا ثبت صحة هذا القول فنقول : أكثر الذاهبين إلى هذا القول حملوا الآية ~~على التجارة في أيام الحج ، وأما أبو مسلم فإنه حمل الآية على ما بعد الحج ~~، قال والتقدير : فاتقون في كل أفعال الحج ، ثم بعد ذلك { ليس عليكم جناح ~~أن تبتغوا فضلا من ربكم } ونظيره قوله تعالى : { فإذا قضيت الصلواة ~~فانتشروا فى الارض وابتغوا من فضل الله } ( الجمعة : 10 ) . # واعلم أن هذا القول ضعيف من وجوه أحدها : الفاء في قوله : { فإذا أفضتم ~~من عرفات } يدل على أن هذه الإفاضة حصلت بعد انتفاء الفضل ، وذلك يدل على ~~وقوع التجارة في زمان الحج / وثانيها : أن حمل الآية على موضع الشبهة أولى ~~من حملها لاعلى موضع الشبهة ومعلوم أن محل الشهبة هو التجارة في زمن الحج ، ~~فأما بعد الفراغ من الحج فكل أحد يعلم حل التجارة . # أما ما ذكره أبو مسلم من قياس الحج على الصلاة فجوابه : أن ms1589 الصلاة ~~أعمالها متصلة فلا يصح في أثنائها التشاغل بغيرها ، وأما أعمال الحج فهي ~~متفرقة بعضها عن بعض ، ففي خلالها يبقى المرء على الحكم الأول حيث لم يكن ~~حاجا لا يقال : بل حكم الحج باق في كل تلك الأوقات ، بدليل أن حرمة التطيب ~~واللبس وأمثالهما باقية ، لأنا نقول : هذا قياس في مقابلة النص فيكون ساقطا ~~. PageV05P146 # القول الثالث : أن المراد بقوله تعالى : { أن تبتغوا فضلا من ربكم } هو ~~أن يبتغي الإنسان حال كونه حاجا أعمالا أخرى تكون موجبة لاستحقاق فضل الله ~~ورحمته مثل إعانة الضعيف ، وإغاثة الملهوف ، وإطعام الجائع ، وهذا القول ~~منسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهم السلام ، واعترض القاضي عليه ~~بأن هذا واجب أو مندوب ، ولا يقال في مثله : لا جناح عليكم فيه ، وإنما ~~يذكر هذا اللفظ في المباحات . # والجواب : لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في المباحات والدليل عليه ~~قوله تعالى : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة } ( النساء : 101 ) ~~والقصر بالإتفاق من المندوبات ، وأيضا فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن ضم ~~سائر الطاعات إلى الحج يوقع خللا في الحج ونقصا فيه ، فبين الله تعالى أن ~~الأمر ليس كذلك بقوله : { لا * يتلو عليكم } ( الممتحنة ) . # المسألة الثالثة : اتفقوا على أن التجارة إذا أوقعت نقصانا في الطاعة لم ~~تكن مباحة ، أما إن لم توقع نقصانا ألبتة فيها فهي من المباحات التي الأولى ~~تركها ، لقوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ( ~~البنيه : 5 ) والإخلاص أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة ، وقال ~~عليه السلام حكاية عن الله تعالى : ( أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، من عمل ~~عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه ) والحاصل أن الإذن في هذه التجارة جار ~~مجرى الرخص . # قوله تعالى : { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } ~~فيه مسائل : # المسألة الأولى : الإفاضة الإندفاع في السير بكثرة ، ومنه يقال : أفاض ~~البعير بجرته ، إذا وقع بها فألقاها منبثة ، وكذلك أفاض الأقداح في الميسر ~~، معناه جمعها ثم ألقاها متفرقة ، وإفاضة الماء من ms1590 هذا لأنه إذا صب تفرق ~~والإفاضة في الحديث إنما هي الإندفاع فيه بإكثار وتصرف في وجوهه ، وعليه ~~قوله تعالى : { إذ تفيضون فيه } ( يونس : 61 ) ومنه يقال للناس : فوض ، ~~وأيضا جمعهم فوضى ويقال : أفاضت العين دمعها فأصل هذه الكلمة الدفع للشيء ~~حتى يتفرق . فقوله تعالى : { أفضتم } أي دفعتم بكثرة / وأصله أفضتم أنفسكم ~~، فترك ذكر المفعول ، كما ترك في قولهم : دفعوا من موضع كذا وصبوا ، وفي ~~حديث أبي بكر رضي الله عنه : ونزل في وادي قيروان وهو يخدش بعيره بمحجنه . # / المسألة الثانية : { عرفات } جمع عرفة ، سميت بها بقعة واحدة ، كقولهم ~~: ثوب أخلاق ، وبرمة أعشار ، وأرض سباسب ، والتقدير : كأن كل قطعة من تلك ~~الأرض عرفة فسمى مجموع تلك القطع بعرفات ، فإن قيل : هلا منعت من الصرف ~~وفيها السببان : التعريف والتأنيث قلنا : هذه اللفظة في الأصل اسم لقطع ~~كثيرة من الأرض كل واحدة منه مسماة بعرفة ، وعلى هذا التقدير لم يكن علما ~~ثم جعلت علما لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في عدم الصرف . # المسألة الثالثة : اعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية ، ~~واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة ، وذلك الموضع المخصوص سمي بعرفات ، ~~وذكروا في تعليل هذه الأسماء وجوها أما يوم التروية ففيه قولان أحدهما : من ~~روي يروي تروية ، إذا تفكر وأعمل فكره ورويته والثاني : من رواه من الماء ~~يرويه إذا سقاه من عطش أما الأول : ففيه ثلاثة أقوال PageV05P147 أحدها : ~~أن آدم عليه السلام أمر ببناء البيت ، فلما بناه تفكر فقال : رب إن لكل ~~عامل أجرا فما أجري على هذا العمل ؟ قال : إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول ~~شوط من طوافك ، قال : يا رب زدني قال : أغفر لأولادك إذا طافوا به ، قال : ~~زدني قال : أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك ، قال : حسبي ~~يا رب حسبي وثانيها : أن إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة التروية ~~كأنه يذبح ابنه فأصبح مفكرا هل هذا من الله تعالى أو من الشيطان ؟ فلما رآه ~~ليلة عرفة يؤمر به ms1591 أصبح فقال : عرفت يا رب أنه من عندك وثالثها : أن أهل ~~مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروون في الأدعية التي يريدون أن يذكروها ~~في غدهم بعرفات . # أما القول الثاني : وهو اشتقاقه من تروية الماء ، ففيه ثلاثة أقوال : ~~أحدها : أن أهل مكة كانوا يخفون الماء للحجيج الذين يقصدونهم من الآفاق ، ~~وكان الحاج يستريحون في هذا اليوم من مشاق السفر ، ويتسعون في الماء ، ~~ويروون بهائمهم بعد مقاساتهم قلة الماء في طريقهم والثاني : أنهم يتزودون ~~الماء إلى عرفة والثالث : أن المذنبين كالعطاش الذي وردوا بحار رحمة الله ~~فشربوا منها حتى رووا ، وأما فضل هذا اليوم فدل عليه قوله تعالى : { والشفع ~~والوتر } ( الشفع : 3 ) عن ابن عباس بأن الشفع التروية وعرفة ، والوتر يوم ~~النحر ، وعن عبادة أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( صيام عشر الأضحى كل يوم ~~منها كالشهر ، ولمن يصوم يوم التروية سنة ، ولمن يصوم يوم عرفة سنتان ) ~~وروى أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( من صام يوم التروية أعطاه الله ~~مثل ثواب أيوب على بلائه ، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله تعالى مثل ثواب ~~عيسى بن مريم عليه السلام ) . # وأما يوم عرفة فله عشرة أسماء ، خمسة منها مختصة به ، وخمسة مشتركة بينه ~~وبين غيره ، أما الخمسة الأولى فأحدها : عرفة ، وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال : ~~أحدها : أنه مشتق من المعرفة ، وفيه ثمانية أقوالالأول : قول ابن عباس : إن ~~آدم وحواء التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه فسمى / اليوم عرفة ، والموضع ~~عرفات ، وذلك أنهما لما أهبطا من الجنة وقع آدم بسرنديب ، وحواء بجدة ، ~~وإبليس بنيسان ، والحية بأصفهان ، فلما أمر الله تعالى آدم بالحج لقي حواء ~~بعرفات فتعارفا وثانيها : أن آدم علمه جبريل مناسك الحج ، فلما وقف بعرفات ~~قال له : أعرفت ؟ قال نعم ، فسمى عرفات وثالثها : قول علي وابن عباس وعطاء ~~والسدي : سمي الموضع عرفات لأن إبراهيم عليه السلام عرفها حين رآها بما ~~تقدم من النعت والصفة ورابعها : أن جبريل كان علم إبراهيم عليه السلام ~~المناسك ، وأوصله إلى عرفات ، وقال له : أعرفت كيف تطوف وفي أي موضع تقف ms1592 ؟ ~~قال نعم وخامسها : أن إبراهيم عليه السلام وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ~~ورجع إلى الشام ولم يلتقيا سنين ، ثم التقيا يوم عرفة بعرفات وسادسها : ما ~~ذكرناه من أمر منام إبراهيم عليه السلام وسابعها : أن الحاج يتعارفون فيه ~~بعرفات إذا وقفوا وثامنها : أنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة ~~والرحمة . # القول الثاني : في اشتقاق عرفة أنه من الإعتراف لأن الحجاج إذا وقفوا في ~~عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية والإستغناء ولأنفسهم بالفقر ~~والذلة والمسكنة والحاجة ويقال : إن آدم وحواء عليهما السلام لما وقفا ~~بعرفات قالا : ربنا ظلمنا أنفسنا ، فقال الله سبحانه وتعالى الآن عرفتما ~~أنفسكما . PageV05P148 # والقول الثالث : أنه من العرف وهو الرائحة الطيبة قال تعالى : { ويدخلهم ~~الجنة عرفها لهم } ( محمد : 6 ) أي طيبها لهم ، ومعنى ذلك أن المذنبين لما ~~تابوا في عرفات فقد تخلصوا عن نجاسات الذنوب ، ويكتسبون به عند الله تعالى ~~رائحة طيبة ، قال عليه الصلاة والسلام : ( خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ~~ريح المسك ) الثاني : يوم إياس الكفار من دين الإسلام الثالث : يوم إكمال ~~الدين الرابع : يوم إتمام النعمة الخامس : يوم الرضوان ، وقد جمع الله ~~تعالى هذه الأشياء في أربع آيات ، في قوله : { اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم } ( المائدة : 3 ) الآية ، قال عمر وابن عباس : نزلت هذه الآية عشية ~~عرفة ، وكان يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة في موقف ~~إبراهيم عليه السلام ، وذلك في حجة الوداع ، وقد اضمحل الكفر ، وهدم بنيان ~~الجاهلية ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( لو يعلم الناس ما لهم في هذه ~~الآية لقرت أعينهم ) فقال يهودي لعمر : لو أن هذه الآية نزلت علينا لاتخذنا ~~ذلك اليوم عيدا فقال عمر : أما نحن فجعلناه عيدين ، كان يوم عرفة ويوم ~~الجمعة فأما معنى : إياس المشركين : فهو أنهم يئسوا من قوم محمد عليه ~~الصلاة والسلام أن يرتدوا راجعين إلى دينهم ، فأما معنى إكمال الدين فهو ~~أنه تعالى ما أمرهم بعد ذلك بشيء من الشرائع ، وأما إتمام النعمة فأعظم ~~النعم نعمة الدين ، لأن بها يستحق الفوز ms1593 بالجنة والخلاص من النار ، وقد تمت ~~في ذلك اليوم وكذلك قال في آية الوضوء { وليتم نعمته عليكم لعلكم * تشركون ~~} ( المائدة : 6 ) ولما جاء البشير وقدم / على يعقوب ، قال : على أي دين ~~تركت يوسف ؟ قال : على دين الإسلام قال : الآن تمت النعمة ، وأما معنى ~~الرضوان فهو أنه تعالى رضي بدينهم الذي تمسكوا به وهو الإسلام فهي بشارة ~~بشرهم بها في ذلك اليوم فلا يوم أكمل من اليوم الذي بشرهم فيه بإكمال الدين ~~، وقيل : هذا اليوم يوم صلة الواصلين { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتى } ( المائدة : 3 ) ويوم قطيعة القاطعين { أن الله برىء من المشركين ~~ورسوله } ( التوبة : 3 ) ويوم إقالة عثر النادمين وقبول توبة التائبين { ~~ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) فكما تاب برحمته على آدم فيه فكذلك ~~يتوب على أولاده { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده } ( الشورى : 25 ) وهو ~~أيضا يوم وفد الوافدين { وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا } ( الحج : 27 ) ~~وفي الخبر ( الحاج وفد الله ، والحاج زوار الله وحق على المزور الكريم أن ~~يكرم زائره ) . # وأما الأسماء الخمسة الأخرى ليوم عرفة فأحدها : يوم الحج الأكبر قال الله ~~تعالى : { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر } ( التوبة : 3 ~~) وهذا الاسم مشترك بين عرفة والنحر ، واختلف الصدر الأول من الصحابة ~~والتابعين فيه / فمنهم من قال : إنه عرفة ، وسمي بذلك لأنه يحصل فيه الوقوف ~~بعرفات والحج عرفة إذا لو أدركه وفاته سائر مناسك الحج أجزأ عنها الدم ، ~~فلهذا السبب سمي بالحج الأكبر قال الحسن : سمي به لأنه اجتمع فيه الكفار ~~والمسلمون ، ونودي فيه أن لا يحج بعده مشرك ، وقال ابن سيرين : إنما سمي به ~~لأنه اجتمع فيه أعياد أهل الملل كلها من اليهود والنصارى وحج المسلمون ولم ~~يجتمع قبله ولا بعده ، ومنهم من قال : إنه يوم النحر لأنه يقع فيه أكثر ~~مناسك الحج ، فأما الوقوف فلا يجب في اليوم بل يجزىء في الليل وروى القولان ~~جميعا عن علي وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وثانيها : الشفع ~~وثالثها : الوتر ورابعها ms1594 : الشاهد وخامسها : المشهود في قوله : { وشاهد ~~ومشهود } ( البروج : 3 ) وهذه الأسماء فسرناها في هذه الآية . # واعلم أنه تعالى خص يوم عرفة من بين سائر أيام الحج بفضائل ، منها أنه ~~تعالى خص صومه بكثرة PageV05P149 الثواب قال عليه الصلاة والسلام : ( صوم ~~يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين ) وعن أنس كان يقال في ~~أيام العشر : كل يوم بألف ويوم عرفة بعشرة آلاف بل يستحب للحاج الواقف ~~بعرفات أن يفطر حتى يكون وقت الدعاء قوي القلب حاضر النفس . # المسألة الرابعة : اعلم أنه لا بد وأن نشير إشارة حقيقية إلى ترتيب أعمال ~~الحج حتى يسهل الوقوف على معنى الآية ، فمن دخل مكة محرما في ذي الحجة أو ~~قبله ، فإن كان مفردا أو قارنا طاف طواف القدوم ، وأقام على إحرامه حتى ~~يخرج إلى عرفات ، وإن كان متمتعا طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى ~~وقت خروجه إلى عرفات ، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج وكذلك من أراد ~~الحج من أهل مكة ، والسنة للإمام أن يخطب بمكة يوم السابع من ذي الحجة ، ~~بعدما يصلي الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فبها بالذهاب غدا بعدما يصلون ~~الصبح إلى منى ويعلمهم / تلك الأعمال ، ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى ~~منى بحيث يوافون الظهر بها ، ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء والصبح من يوم عرفة ، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير يتوجهون إلى ~~عرفات ، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها ، بل يضرب فيه الإمام بنمرة ~~وهي قريبة من عرفة ، فينزلون هناك حتى تزول الشمس ، فيخطب الإمام خطبتين ~~يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف ، إذا فرغ ~~من الخطبة الأولى جلس ، ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في ~~الأذان معه ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان ، ثم ~~ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر ، ثم يقيمون في الحال ويصلي بهم العصر ~~، وهذا الجمع متفق عليه ، ثم بعد الفرغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون ~~عند الصخرات ms1595 ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف هناك ، وإذا وقفوا ~~استقبلوا القبلة يذكرون الله تعالى ويدعونه إلى غروب الشمس . # واعلم أن الوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به فمن فاته الوقوف في وقته ~~وموضوعه فقد فاته الحج ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس من يوم عرفة ، ويمتد ~~إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة ، وإذا حضر الحاج ~~هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار فقد كفى ، وقال أحمد : وقت ~~الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة ، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر فإذا ~~غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين ~~العشاء بالمزدلفة . # وفي تسمية المزدلفة أقوال : أحدها : أنهم يقربون فيها من منى والإزدلاف ~~القرب والثاني : أن الناس يجتمعون فيها والإجتماع الإزدلاف والثالث : أنهم ~~يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف ويقال للمزدلفة : جمع لأنه يجمع ~~فيها بين صلاة العشاء والمغرب / وهذا قول قتادة ، وقيل إن آدم عليه السلام ~~اجتمع فيها مع حواء ، وازدلف إليها أي دنا منها ، ثم إذا أتى الإمام ~~المزدلفة : جمع المغرب والعشاء بإقامتين ، ثم يبيتون بها ، فإن يبت بها ~~فعليه دم شاة ، فإذا طلع الفجر صلوا صلاة الصبح بغلس والتغليس بالفجر ههنا ~~أشد استحبابا منه في غيرها ، وهو متفق عليه ، فإذا صلوا الصبح أخذوا منها ~~الحصى للرمي ، يأخذ كل إنسان منها سبعين حصاة ، ثم يذهبون إلى المشعر ~~الحرام ، وهو جبل يقال له قزح ، وهو المراد من قوله تعالى : { فإذا أفضتم ~~من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } وهذا الجبل أقصى المزدلفة مما ~~يلي منى ، فيرقى فوقه إن أمكنه ، أو وقف بالقرب منه إن لم يمكنه ، وبحمد ~~الله تعالى يهلله ويكبره ، ولا PageV05P150 يزال كذلك حتى يسفر جدا ، ثم ~~يدفع قبل طلوع الشمس ويكفي المرور كما في عرفة ، ثم يذهبون منه إلى وادي ~~محسر فإذا بلغوا بطن محسر فيستحب لمن كان راكبا أن يحرك دابته ، ومن كان ~~ماشيا أن يسعى سعيا شديدا قدر رمية حجر ، / فإذا أتوا ms1596 منى رموا جمرة العقبة ~~من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا ابتدأ الرمي ، فإذا رمى جمرة ~~العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه ، لأنه ربما ~~لا يكون معه هدي ، ثم بعدما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر والتقصير أن يقطع ~~أطراف شعوره ، ثم بعد الحلق يأتي مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة ، ويصلي ~~ركعتي الطواف ، ويسعى بين الصفا والمروة ، ثم بعد ذلك يعودون إلى منى في ~~بقية يوم النحر وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي ، واتفقوا ~~على أنه متى حصل الرمي والحلق والطواف فقد حصل التحلل ، والمراد من التحلل ~~حل اللبس والتقليم والجماع ، فهذا هو الكلام في أعمال الحج والله أعلم . # المسألة الخامسة : اعلم أن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج عن ~~سنة إبراهيم عليه السلام ، وذلك أن قريشا وقوما آخرين سموا أنفسهم بالحمس ، ~~وهم أهل الشدة في دينهم ، والحماسة الشدة يقال : رجل أحمس وقوم حمس ، ثم إن ~~هؤلاء كانوا لا يقفون في عرفات ، ويقولون لا نخرج من الحرم ولا نتركه في ~~وقت الطاعة وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن ~~تغرب الشمس ، والذي يقفون بمزدلفة يفيضون إذا طلعت الشمس ، ويقولون : أشرق ~~ثبير كيما نغير ، ومعناه : أشرق يا ثبير بالشمس كيما نندفع من مزدلفة ~~فيدخلون في غور من الأرض ، وهو المنخفض منها ، وذلك أنهم جاوزوا المزدلفة ~~وصاروا في غور من الأرض ، فأمر الله تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام ~~بمخالفة القوم في الدفعتين ، وأمره بأن يفيض من عرفة بعد غروب الشمس ، وبأن ~~يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس ، والآية لا دلالة فيها على ذلك ، بل ~~السنة دلت على هذه الأحكام . # المسألة السادسة : الصحيح أن الآية تدل على أن الحصول بعرفة واجب في الحج ~~، وذلك أن الآية دالة على وجوب ذكر الله عند المشعر الحرام عند الإفاضة من ~~عرفات ، والإفاضة من عرفات مشروطة بالحصول في عرفات وما لا يتم الواجب إلا ~~به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب فثبت أن ms1597 الآية دالة على أن الحصول في عرفات ~~واجب في الحج ، فإذا لم يأت به فلم يكن آتيا بالحج المأمور به ، فوجب أن لا ~~يخرج عن العهدة وهذا يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة شرطا أقصى ما في الباب أن ~~الحج يحصل عند ترك بعض المأمورات إلا أن الأصل ما ذكرناه ، وإنما يعدل عنه ~~بدليل منفصل وذهب كثير من العلماء إلى أن الآية لا دلالة فيها على أن ~~الوقوف شرط ونقل عن الحسن أن الوقوف بعرفة واجب ، إلا أنه إن فاته ذلك قام ~~الوقوف بجميع الحرم مقامه ، وسائر الفقهاء أنكروا ذلك واتفقوا على أن الحج ~~لا يحصل إلا بالوقوف بعرفة . # المسألة السابعة : قوله : { فاذكروا الله عند المشعر الحرام } يدل أن ~~الحصول عند المشعر الحرام واجب ويكفي فيه المرور به كما في عرفة ، فأما ~~الوقوف هناك فمسنون ، وروي عن علقمة / والنخعي أنهما قالا : الوقوف ~~بالمزدلفة ركن بمنزلة الوقوف بعرفة وحجتهما قوله تعالى : { فإذا أفضتم من ~~عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام } وذلك لأن الوقوف بعرفة لا ذكر له ~~صريحا في الكتاب وإنما وجب بإشارة الآية أو بالسنة ، والمشعر الحرام فيه ~~أمر جزم ، وقال جمهور الفقهاء : إنه ليس بركن ، واحتجوا بقوله عليه السلام ~~: PageV05P151 ( الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه ) وبقوله : ( من أدرك ~~عرفة فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة فقد فاته الحج ) قالوا : وفي الآية إشارة ~~إلى ما قلنا لأن الله تعالى قال : { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام } أمر بالذكر لا بالوقوف ، فعلم أن الوقوف عند المشعر الحرام ~~تبع للذكر ، وليس بأصل ، وأما الوقوف بعرفة فهو أصل لأنه قال : { فإذا ~~أفضتم من عرفات } ولم يقل من الذكر بعرفات . # المسألة الثامنة : { المشعر } المعلم وأصله من قولك : شعرت بالشيء إذا ~~علمته ، وليت شعري ما فعل فلان ، أي ليس علمي بلغه وأحاط به ، وشعار الشيء ~~أعلامه ، فسمى الله تعالى ذلك الموضع بالمشعر الحرام ، لأنه معلم من معالم ~~الحج ، ثم اختلفوا فقال قائلون : المشعر الحرام هو المزدلفة ، وسماها الله ~~تعالى بذلك لأن ms1598 الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده ، هكذا قاله ~~الواحدي في ( البسيط ) قال صاحب ( الكشاف ) : الأصح أنه قزح ، وهو آخر حد ~~المزدلفة والأول أقرب لأن الفاء في قوله : { فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام } تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات ، ~~وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة . # المسألة التاسعة : اختلفوا في الذكر المأمور به عند المشعر الحرام فقال ~~بعضهم : المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك والصلاة تسمى ذكرا ~~قال الله تعالى : { إننى أنا الله } ( طه : 14 ) والدليل عليه أن قوله : { ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام } أمر وهو للوجوب ، ولا ذكر هناك يجب إلا ~~هذا ، وأما الجمهور فقالوا : المراد منه ذكر الله بالتسبيح والتحميد ~~والتهليل ، وعن ابن عباس أنه نظر إلى الناس في هذه الليلة وقال : كان الناس ~~إذا أدركوا هذه الليلة لا ينامون . # أما قوله تعالى : { واذكروه كما هداكم } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : لما قال : { اذكروا الله * عند المشعر الحرام } فلم قال ~~مرة أخرى { واذكروه } وما الفائدة في هذا التكرير ؟ . # والجواب من وجوه أحدها : أن مذهبنا أن أسماء الله تعالى توقيفية لا ~~قياسية فقوله أولا : { اذكروا الله } أمر بالذكر ، وقوله ثانيا : { واذكروه ~~كما هداكم } أمر لنا بأن نذكره سبحانه بالأسماء والصفات التي بينها لنا ~~وأمرنا أن نذكره بها ، لا بالأسماء التي نذكرها بحسب الرأي والقياس وثانيها ~~: أنه تعالى أمر بالذكر أولا ، ثم قال ثانيا : { واذكروه كما هداكم } أي ~~وافعلوا ما أمرناكم به من الذكر كما هداكم الله لدين الإسلام ، فكأنه تعالى ~~قال : إنما أمرتكم بهذا الذكر / لتكونوا شاكرين لتلك النعمة ، ونظيره ما ~~أمرهم به من التكبير إذا أكملوا شهر رمضان ، فقال : { ولتكملوا العدة ~~ولتكبروا الله على ما هداكم } ( البقرة : 185 ) وقال في ( الأضاحي ) : { ~~كذالك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم } وثالثها : أن قوله أولا : { ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام } أمر بالذكر باللسان وقوله ثانيا : { ~~واذكروه كما هداكم } أمر بالذكر بالقلب ، وتقريره أن الذكر في كلام العرب ~~ضربان أحدهما : ذكر هو ضد النسيان والثاني : الذكر بالقول ms1599 ، فما هو خلاف ~~النسيان قوله : { وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } ( الكهف : 63 ) وأما ~~الذكر الذي هو القول فهو كقوله : { فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ~~ذكرا * واذكروا الله فى أيام معدودات } ( البقرة : 203 ) فثبت أن الذكر ~~وارد بالمعنيين فالأول : محمول على الذكر باللسان والثاني : على الذكر ~~بالقلب ، فإن بهما يحصل تمام PageV05P152 العبودية ورابعها : قال ابن ~~الأنباري : معنى قوله : { واذكروه كما هداكم } يعني اذكروه بتوحيده كما ~~ذكركم بهدايته وخامسها : يحتمل أن يكون المراد من الذكر مواصلة الذكر ، ~~كأنه قيل لهم : اذكروا الله واذكروه أي اذكروه ذكرا بعد ذكر ، كما هداكم ~~هداية بعد هداية ، ويرجع حاصله إلى قوله : { عليما ياأيها الذين ءامنوا ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا } ( الأحزاب : 41 ) وسادسها : أنه تعالى أمر بالذكر ~~عند المشعر الحرام ، وذلك إشارة إلى القيام بوظائف الشريعة ، ثم قال بعده : ~~{ واذكروه كما هداكم } والمعنى أن توقيف الذكر على المشعر الحرام فيه إقامة ~~لوظائف الشريعة ، فإذا عرفت هذا قربت إلى مراتب الحقيقة ، وهو أن ينقطع ~~قلبك عن المشعر الحرام ، بل عن من سواه فيصير مستغرقا في نور جلاله وصمديته ~~، ويذكره لأنه هو الذي يستحق لهذا الذكر ولأن هذا الذكر يعطيك نسبة شريفة ~~إليه بكونك في هذه الحالة تكون في مقام العروج ذاكرا له ومشتغلا بالثناء ~~عليه ، وإنما بدأ بالأول وثنى بالثاني لأن العبد في هذه الحالة يكون في ~~مقام العروج فيصعد من الأدنى إلى الأعلى وهذا مقام شريف لا يشرحه المقال ~~ولا يعبر عنه الخيال ، ومن أراد أن يصل إليه ، فليكن من الواصلين إلى العين ~~، دون السامعين للأثر ورابعها : أن يكون المراد بالأول هو ذكر أسماء الله ~~تعالى وصفاته الحسنى ، والمراد بالذكر الثاني : الاشتغال بشكر نعمائه ، ~~والشكر مشتمل أيضا على الذكر ، فصح أن يسمي الشكر ذكرا ، والدليل على أن ~~الذكر الثاني هو الشكر أنه علقه بالهداية ، فقال : { كما هداكم } والذكر ~~المرتب على النعمة ليس إلا الشكر وثامنها : أنه تعالى لما قال { فاذكروا ~~الله عند المشعر الحرام } جاز أن يظن أن الذكر مختص بهذه البقعة وبهذه ~~العبادة ، يعني ms1600 الحج فأزال الله تعالى هذه الشبهة فقال { واذكروه كما هداكم ~~} يعني اذكروه على كل حال ، وفي كل مكان ، لأن هذا الذكر إنما وجب شكرا على ~~هدايته ، فلما كانت نعمة الهداية متواصلة غير منقطعة ، فكذلك الشكر يجب أن ~~يكون مستمرا غير منقطع وتاسعها : أن قوله : { فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام } المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك ، ثم قوله : { ~~واذكروه كما هداكم } والمراد منه التهليل والتسبيح . # / السؤال الثاني : ما المراد من الهداية في قوله : { كما هداكم } ؟ . # الجواب : منهم من قال : إنها خاصة ، والمراد منه كما هداكم بأن ردكم في ~~مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم عليه السلام ، ومنهم من قال لا بل هي عامة ~~متناولة لكل أنواع الهداية في معرفة الله تعالى ، ومعرفة ملائكته وكتبه ~~ورسله وشرائعه . # السؤال الثالث : الضمير في قوله : { من قبله } إلى ماذا يعود ؟ . # الجواب : يحتمل أن يكون راجعا إلى { الهدى } والتقدير : وإن كنتم من قبل ~~أن هداكم من الضالين ، وقال بعضهم : إنه راجع إلى القرآن ، والتقدير : ~~واذكروه كما هداكم بكتابه الذي بين لكم معالم دينه ، وإن كنتم من قبل ~~إنزاله ذلك عليكم من الضالين . # أما قوله تعالى : { وإن كنتم من قبله لمن الضالين } فقال القفال رحمة ~~الله عليه : فيه وجهان أحدهما : وما كنتم من قبله إلا الضالين والثاني : قد ~~كنتم من قبله من الضالين ، وهو كقوله : { إن كل نفس لما عليها حافظ } ( ~~الطارق : 4 ) وقوله : { وإن نظنك لمن الكاذبين } ( الشعراء 186 ) . # PageV05P153 ! 7 < { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله ~~غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 199 ) ثم أفيضوا من . . . . . # > > فيه قولان الأول : المراد به الإفاضة من عرفات ، ثم القائلون بهذا ~~القول اختلفوا فالأكثرون منهم ذهبوا إلى أن هذه الآية أمر لقريش وحلفائها ~~وهم الحمس ، وذلك أنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويحتجون بوجوه أحدها : ~~أن الحرم أشرف من غيره فوجب أن يكون الوقوف به أولى وثانيها : أنهم كانوا ~~يترفعون على الناس ويقولون : نحن أهل الله فلا نحل حرم الله وثالثها : أنهم ~~كانوا لو سلموا أن الموقف هو ms1601 عرفات لا الحرم ، لكان ذلك يوهم نقصا في الحرم ~~ثم ذلك النقص كان يعود إليهم ، ولهذا كان الحمس لا يقفون إلا في المزدلفة ، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية أمرا لهم بأن يقفوا في عرفات ، وأن يفيضوا منها ~~كما تفعله سائر الناس ، وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جعل أبا بكر ~~أميرا في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات ، فلما ذهب مر على الحمس وتركهم ~~فقالوا له : إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب ، فلم يلتفت إليهم ~~ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها ، وأمر سائر الناس بالوقوف بها ، وعلى ~~هذا التأويل فقوله : { من حيث أفاض الناس } يعني لتكن إفاضتكم من حيث أفاض ~~سائر الناس الذين هم واقفون بعرفات ، ومن القائلين بأن المراد بهذه الآية ~~الإضافة من عرفات من يقول قوله : { ثم أفيضوا } أمر عام لكل الناس ، وقوله ~~: / { من حيث أفاض الناس } المراد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فإن ~~سنتهما كانت الإفاضة من عرفات ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف ~~في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ، ويخالف الحمس ، وإيقاع اسم الجمع على ~~الواحد جائز إذا كان رئيسا يقتدي به ، وهو كقوله تعالى : { الذين قال لهم ~~الناس } ( آل عمران : 173 ) يعني نعيم بن مسعود { إن الناس قد جمعوا لكم } ~~( آل عمران : 173 ) يعني أبا سفيان ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد المعظم ~~مجاز مشهور ، ومنه قوله : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) وفي ~~الآية وجه ثالث ذكره القفال رحمه الله ، وهو أن يكون قوله : { من حيث أفاض ~~الناس } عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفة وأنه هو الأمر القديم وما سواه فهو ~~مبتدع محدث كما يقال : هذا مما فعله الناس قديما ، فهذا جملة الوجوه في ~~تقرير مذهب من قال : المراد من هذه الإفاضة من عرفات . # القول الثاني : وهو اختيار الضحاك : أن المراد من هذه الإفاضة من ~~المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر وقوله : { من حيث ~~أفاض } المراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما ، وذلك أنه كانت طريقتهم ~~الإفاضة ms1602 من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول عليه الصلاة ~~والسلام ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع ~~الشمس ، فالله تعالى أمرهم بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان ~~يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واعلم أن على كل واحد من ~~القولين إشكالا : # أما الإشكال على القول الأول : فهو أن قوله تعالى : { ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس } يقتضي ظاهره أن هذه الإفاضة غير ما دل عليه قوله : { فإذا ~~أفضتم من عرفات } ( البقرة : 198 ) لمكان { ثم } فإنها توجب الترتيب ، ولو ~~كان المراد من هذه الآية : الإفاضة من عرفات ، مع أنه معطوف على قوله { ~~فإذا أفضتم من عرفات } PageV05P154 كان هذا عطفا للشيء على نفسه وأنه غير ~~جائز ولأنه يصير تقدير الآية : فإذا أفضتم من عرفات / ثم أفيضوا من عرفات ~~وإنه غير جائز . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذه الآية متقدمة على ما قبلها ، ~~والتقدير : فاتقون يا أولي الألباب ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ~~، فإذا أفضتم من عرفات فذكروا الله ، وعلى هذا التريتب يصح في هذه الإفاضة ~~أن تكون تلك بعينها . # قلنا : هذا وإن كان محتملا إلا أن الأصل عدمه ، وإذا أمكن حمل الكلام على ~~القول الثاني من غير التزام إلى ما ذكرتم فأي حاجة بنا إلى التزامه . # وأما الإشكال على القول الثاني : فهو أن القول لا يتمشى إلا إذا حملنا ~~لفظ { من حيث } في قوله : { من حيث أفاض الناس } على الزمان ، وذلك غير ~~جائز ، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان . # أجاب القائلون بالقول الأول : عن ذلك السؤال بأن { ثم } ههنا على مثال ما ~~في قوله تعالى : / { وما أدراك ما العقبة * فك رقبة } ( البلد : 13 ) إلى ~~قوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } ( البلد : 17 ) أي كان مع هذا من ~~المؤمنين ، ويقول الرجل لغيره : قد أعطيتك اليوم كذا وكذا ، ثم أعطيتك أمس ~~كذا فإن فائدة كلمة { ثم } ههنا تأخر أحد ms1603 الخبرين عن الآخر ، لا تأخر هذا ~~المخبر عنه عن ذلك المخبر عنه . # وأجاب القائلون بالقول الثاني : بأن التوقيت بالزمان والمكان يتشابهان ~~جدا فلا يبعد جعل اللفظ المستعمل في أحدهما مستعملا في الآخر على سبيل ~~المجاز . # أما قوله : { من حيث أفاض الناس } فقد ذكرنا أن المراد من { الناس } إما ~~الواقفون بعرفات وإما إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام وأتباعهما ، وفيه قول ~~ثالث وهو قول الزهري . أن المراد بالناس في هذه الآية : آدم عليه السلام ، ~~واحتج بقراءة سعيد بن جبير { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } وقال : هو آدم ~~نسي ما عهد إليه ، ويروى أنه قرأ { الناس } بكسر السين اكتفاء بالكسرة عن ~~الياء ، والمعنى : أن الإفاضة مع عرفات شرع قديم فلا تتركوه . # أما قوله تعالى : { واستغفروا الله } فالمراد منه الاستغفار باللسان مع ~~التوبة بالقلب ، وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم على أن ~~لا يقصر فيما بعد ، ويكون غرضه في ذلك تحصيل مرضات الله تعالى لا لمنافعه ~~العاجلة كما أن ذكر الشهادتين لا ينفع إلا والقلب حاضر مستقر على معناهما ، ~~وأما الإستغفار باللسان من غير حصول التوبة بالقلب فهو إلى الضرر أقرب . # فإن قيل : كيف أمر بالإستغفار مطلقا ، وربما كان فيهم من لم يذنب فحينئذ ~~لا يحتاج إلى الاستغفار . # والجواب : أنه إن كان مذنبا فالإستغفار واجب ، وإن لم يذنب إلا أنه يجوز ~~من نفسه أنه قد صدر عنه تقصير في أداء الواجبات ، والاحتراز عن المحظورات ، ~~وجب عليه الإستغفار أيضا تداركا لذلك الخلل المجوز ، وإن قطع بأنه لم يصدر ~~عنه ألبتة خلل في شيء من الطاعات ، فهذا كالممتنع في حق البشر ، فمن أين ~~يمكنه هذا القطع في عمل واحد ، فكيف في أعمال كل العمر ، إلا أن بتقدير ~~إمكانه فالإستغفار أيضا PageV05P155 واجب ، وذلك لأن طاعة المخلوق لا تليق ~~بحضرة الخالق ، ولهذا قالت الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، فكان ~~الإستغفار لازما من هذه الجهة ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( إنه ~~ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) . # وأما ms1604 قوله تعالى : { إن الله غفور رحيم } قد علمت أن غفورا يفيد المبالغة ~~، وكذا الرحيم ، ثم في الآية مسألتان : # المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أنه تعالى يقبل التوبة من التائب ، ~~لأنه تعالى لما أمر المذنب بالإستغفار ، ثم وصف نفسه بأنه كثير الغفران ~~كثير الرحمة / فهذا يدل قطعا على أنه تعالى يغفر لذلك المستغفر ، ويرحم ذلك ~~الذي تمسك بحبل رحمته وكرمه . # / المسألة الثانية : اختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية ~~فقال قائلون : إنها عند الدفع من عرفات إلى الجمع ، وقال آخرون : إنها عند ~~الدفع من الجمع إلى منى ، وهذا الاختلاف مفرع على ما ذكرنا أن قوله : { ثم ~~أفيضوا } على أي الأمرين يحمل ؟ قال القفال رحمه الله : ويتأكد القول ~~الثاني بما روى نافع عن ابن عمر ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عشية يوم عرفة فقال : ( يا أيها الناس إن الله عز وجل يطلع عليكم في ~~مقامكم هذا ، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم ، والتبعات عوضها من عنده ~~أفيضوا على اسم الله ) فقال أصحابه : يا رسول الله أفضت بنا بالأمس كئيبا ~~حزينا وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إني ~~سألت ربي عز وجل بالأمس شيئا لم يجد لي به : سألته التبعات فأبى علي به ~~فلما كان اليوم أتاني جبريل عليه السلام فقال : إن ربك يقرئك السلام ويقول ~~لك : التبعات ضمنت عوضها من عندي ) اللهم اجعلنا من أهله بفضلك يا أكرم ~~الأكرمين . # ! 7 < { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ءابآءكم أو أشد ذكرا } . ~~> 7 ! # < < # | البقرة : ( 200 ) فإذا قضيتم مناسككم . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : روى ابن عباس أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم بعد ~~أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ، ويذكر كل واحد منهم فضائل ~~آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ، ويتناشدون فيها الأشعار ، ويتكلمون ~~بالمنثور من الكلام ، ويريد كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة والترفع ~~بمآثر سلفه ، فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم ~~كذكرهم لآبائهم ، وروى القفال ms1605 في ( تفسيره ) عن ابن عمر قال : طاف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصوى يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه ~~ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أما بعد أيها الناس إن الله قد أذهب ~~عنكم حمية الجاهلية وتفككها ، يا أيها الناس إنما الناس رجلان بر تقي كريم ~~على الله أو فاجر شقي هين على الله ثم تلا { رحيم يأيها الناس إنا خلقناكم ~~من ذكر وأنثى } ( الحجرات : 13 ) أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ) وعن ~~السدي أن العرب بمنى بعد فراغهم من الحج كان أحدهم يقول : اللهم إن أبي كان ~~عظيم الجفنة ، عظيم القدر ، كثير المال ، فأعطني مثل ما أعطيته ، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية . PageV05P156 # المسألة الثانية : اعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس ، فالمراد به ~~الإتمام والفراغ ، وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الالزام ، نظير الأول ~~قوله تعالى : { فقضاهن سبع * سماوات * فى يومين * فإذا قضيت الصلواة } وقال ~~عليه الصلاة والسلام : ( وما فاتكم فاقضوا ) ويقال في الحاكم عند فصل ~~الخصومة قضي بينهما ، ونظير الثاني قوله تعالى : { وقضى ربك } ( الإسراء : ~~23 ) وإذا استعمل في الإعلام ، فالمراد أيضا ذلك كقوله : { وقضينا إلى بنى ~~إسراءيل فى الكتاب } ( الإسراء : 4 ) يعني أعلمناهم . # / إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : { فإذا قضيتم مناسككم } لا يحتمل إلا ~~الفراغ من جميعه خصوصا وذكر كثير منه قد تقدم من قبل ، وقال بعضهم : يحتمل ~~أن يكون المراد : اذكروا الله عند المناسك ويكون المراد من هذا الذكر ما ~~أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله : { ~~فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله } كقول القائل إذا حججت فطف وقف بعرفة ولا ~~يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه ، وهذا القول ضعيف لأنا بينا أن قوله ~~: { فإذا قضيتم مناسككم } مشعر بالفراغ والاتمام من الكل ، وهذا مفارق لقول ~~القائل : إذا حججت فقف بعرفات ، لأن مراده هناك الدخول في الحج لا الفراغ ، ~~وأما هذه الآية فلا يجوز أن يكون المراد منها إلا الفراغ من الحج . # المسألة الثالثة : ( المناسك ) جمع ms1606 منسك الذي هو المصدر بمنزلة النسك ، ~~أي إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج ، وإن جعلنها جمع منسك الذي ~~هو موضع العبادة ، كان التقدير : فإذا قضيتم أعمال مناسككم ، فيكون من باب ~~حذف المضاف . # إذا عرفت هذا فنقول : قال بعض المفسرين : المراد من المناسك ههنا ما أمر ~~الله تعالى به الناس في الحج من العبادات ، وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو ~~إراقة الدماء . # المسألة الرابعة : الفاء في قوله : { فاذكروا الله } يدلى على أن الفراغ ~~من المناسك يوجب هذا الذكر ، فلهذا اختلفوا في أن هذا الذكر أي ذكر هو ؟ ~~فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة ، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو ~~التكبيرات بعد الصلاة في يوم النحر وأيام التشويق / على حسب اختلافهم في ~~وقته أولا وآخرا ، لأن بعد الفراغ من الحج لا ذكر مخصوص إلا هذه التكبيرات ~~، ومنهم من قال : بل المراد تحويل القوم عما اعتادوه بعد الحج من ذكر ~~التفاخر بأحوال الآباء لأنه تعالى لو لم ينه عن ذلك بإنزال هذه الآية لم ~~يكونوا ليعدلوا عن هذه الطريقة الذميمة ، فكأنه تعالى قال : فإذا قضيتم ~~وفرغتم من واجبات الحج وحللتم فتوفروا على ذكر الله دون ذكر الآباء ، ومنهم ~~من قال : بل المراد منه أن الفراغ من الحج يوجب الإقبال على الدعاء ~~والاستغفار ، وذلك لأن من تحمل مفارقة الأهل والوطن وإنفاق الأموال ، ~~والتزام المشاق في سفر الحج فحقيق به بعد الفراغ منه أن يقبل على الدعاء ~~والتضرع وكثرة الاستغفار والإنقطاع إلى الله تعالى ، وعلى هذا جرت السنة ~~بعد الفراغ من الصلاة بالدعوات الكثيرة وفيه وجه خامس وهو أن المقصود من ~~الاشتغال بهده العبادة : قهر النفس ومحو آثار النفس والطبيعة ثم هذا العزم ~~ليس مقصودا بالذات بل المقصود منه أن تزول النقوش الباطلة عن لوح الروح حتى ~~يتجلى فيه نور جلال الله ، والتقدير : فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار ~~البشرية ، وأمطتم الأذى عن طريق السلوك فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر ~~الله ، فالأول نفي والثاني إثبات والأول إزالة ما دون الحق من ms1607 سنن الآثار ~~والثاني استنارة / القلب بذكر الملك الجبار . PageV05P157 # أما قوله تعالى : { كذكركم ءاباءكم } ففيه وجوه أحدها : وهو قول جمهور ~~المفسرين : أنا ذكرنا أن القوم كانوا بعد الفراغ من الحج يبالغون في الثناء ~~على آبائهم في ذكر مناقبهم وفضائلهم فقال الله سبحانه وتعالى : { فاذكروا ~~الله كذكركم * أباكم } يعني توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر ~~الآباء وابذلوا جهدكم في الثناء على الله وشرح آلائه ونعمائه كما بذلتم ~~جهدكم في الثناء على آبائكم لأن هذا أولى وأقرب إلى العقل من الثناء على ~~الآباء ، فإن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذبا فذلك يوجب الدناءة في الدنيا ~~والعقوبة في الآخرة وإن كان صدقا فذلك يوجب العجب والكبر وكثرة الغرور ، ~~وكل ذلك من أمهات المهلكات ، فثبت أن اشتغالكم بذكر الله أولى من اشتغالكم ~~بمفاخر آبائكم ، فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من التساوي وثانيها : قال ~~الضحاك والربيع : اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم ، واكتفى بذكر الآباء ~~عن الأمهات كقوله : { سرابيل تقيكم الحر } ( النحل : 81 ) قالوا وهو قول ~~الصبي أول ما يفصح الكلام أبه أبه ، أمه أمه ، أي كونوا مواظبين على ذكر ~~الله كما يكون الصبي في صغره مواظبا على ذكر أبيه وأمه وثالثها : قال أبو ~~مسلم : جرى ذكر الآباء مثلا لدوام الذكر ، والمعنى أن الرجل كما لا ينسى ~~ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله ورابعها : قال ابن الأنباري في ~~هذه الآية : إن العرب كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء كقوله وأبي ~~وأبيكم وجدي وجدكم ، فقال تعالى : عظموا الله كتعظيمكم آبائكم وخامسها : ~~قال بعض المذكورين : المعنى اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم ~~بالوحدانية فإن الواحد منهم لو نسب إلى والدين لتأذى واستنكف منه ثم كان ~~يثبت لنفسه آلهة فقيل لهم : اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم ~~بالوحدانية ، بل المبالغة في التوحيد ههنا أولى من هناك ، وهذا هو المراد ~~بقوله : { أو أشد ذكرا } وسادسها : أن الطفل كما يرجع إلى أبيه في طلب جميع ~~المهمات ويكون ذاكرا له بالتعظيم ، فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك ms1608 وسابعها : ~~يحتمل أنهم كانوا يذكرون آباءهم ليتوسلوا بذكره إلى إجابة الدعاء عند الله ~~فعرفهم الله تعالى أن آباءهم ليسوا في هذه الدرجة إذ أفعالهم الحسنة صارت ~~غير معتبرة بسبب شركهم وأمروا أن يجعلوا بدل ذلك تعديد آلاء الله ونعمائه ~~وتكثير الثناء عليه ليكون ذلك وسيلة إلى تواتر النعم في الزمان المستقبل / ~~وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يحلفوا بآبائهم فقال : ( من ~~كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) إذا كان ما سوى الله فإنما هو لله ~~وبالله فالأولى تعظيم الله تعالى ولا إله غيره وثامنها : روي عن ابن عباس ~~أنه قال في تفسير هذه الآية : هو أن تغضب لله إذا عصى أشد من غضبك لوالدك ~~إذا ذكر بسوء . # واعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة إلا أن الوجه الأول هو المتعين ~~وجميع الوجوه مشتركة في شيء واحد ، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم ~~الذكر لربه دائم التعظيم له دائم الرجوع إليه / في طلب مهماته دائم ~~الانقطاع عمن سواه ، اللهم اجعلنا بهذه الصفة يا أكرم الأكرمين . # أما قوله تعالى : { أو أشد ذكرا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : عامل الإعراب في { أشد } قيل : الكاف ، فيكون موضعه جرا ~~وقيل : { اذكروا } فيكون موضعه نصبا ، والتقدير : اذكروا الله مثل ذكركم ~~آباءكم ، واذكروه { أشد ذكرا } من آبائكم . # المسألة الثانية : قوله : { أو أشد ذكرا } معناه : بل أشد ذكرا ، وذلك ~~لأن مفاخر آبائهم كانت قليلة ، أما صفات الكمال لله عز وجل فهي غير متناهية ~~، فيجب أن يكون اشتغالهم بذكر صفات الكمال في حق الله PageV05P158 تعالى ~~أشد من اشتغالهم بذكر مفاخر آبائهم ، قال القفال رحمه الله : ومجاز اللغة ~~في مثل هذا معروف ، يقول الرجل لغيره : افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه ، لا ~~يريد به التشكيك ، إنما يريد به النقل عن الأول إلى ما هو أقرب منه . # ! 7 < { فمن الناس من يقول ربنآ ءاتنا فى الدنيا وما له فى الا خرة من ~~خلاق ومنهم من يقول ربنآ ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الا خرة حسنة ms1609 وقنا عذاب ~~النار * أولائك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 201 - 202 ) ومنهم من يقول . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى بين أولا تفصيل مناسك الحج ، ثم أمر ~~بعدها بالذكر ، فقال : { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام واذكروه كما هداكم } ( البقرة : 198 ) ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر ~~غيره ، وأن يقتصر على ذكره فقال : { فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ~~ذكرا } ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال : { فمن الناس من يقول ربنا ~~ءاتنا فى الدنيا } وما أحسن هذا الترتيب ، فإنه لا بد من تقديم العبادة ~~لكسر النفس وإزالة ظلماتها ، ثم بعد العبادة لا بد من الإشتغال بذكر الله ~~تعالى لتنوير القلب وتجلى نور جلاله ، ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل ~~بالدعاء فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر كما حكي عن إبراهيم ~~عليه السلام أنه قدم الذكر / فقال : { الذى خلقنى فهو يهدين } ( الشعراء : ~~78 ) ثم قال : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } فقدم الذكر على الدعاء ~~. # إذا عرفت هذا فنقول : بين الله تعالى أن الذين يدعون الله فريقان أحدهما ~~: أن يكون دعاؤهم مقصورا على طلب الدنيا والثاني : الذين يجمعون في الدعاء ~~بين طلب الدنيا وطلب الآخرة ، وقد كان في التقسيم قسم ثالث ، وهو من يكون ~~دعاؤه مقصورا على طلب الآخرة ، واختلفوا في أن هذا القسم هل هو مشروع أو لا ~~؟ والأكثرون على أنه غير مشروع ، وذلك أن الإنسان خلق محتاجا ضعيفا لا طاقة ~~له بآلام الدنيا ولا بمشاق الآخرة ، فالأولى له أن يستعيذ بربه من كل شرور ~~الدنيا والآخرة ، روى القفال في ( تفسيره ) عن أنس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض ، فقال : ما كنت تدعو الله به قبل ~~هذا قال : كنت أقول . اللهم ما كنت تعاقبني به في الآخرة فعجل به في الدنيا ~~، فقال النبي عليه السلام : ( سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت { ربنا ~~ءاتنا فى الدنيا حسنة ms1610 وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار } ) قال فدعا له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فشفي . # واعلم أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن ، أو على منبت شعرة ~~واحدة ، لشوش الأمر PageV05P159 على الإنسان وصار بسببه محروما عن طاعة ~~الله تعالى وعن الاشتغال بذكره ، فمن ذا الذي يستغني عن إمداد رحمة الله ~~تعالى في أولاه وعقباه ، فثبت أن الاقتصار في الدعاء على طلب الآخرة غير ~~جائز ، وفي الآية إشارة إليه حيث ذكر القسمين ، وأهمل هذا القسم الثالث . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن الذين حكى الله عنهم أنهم يقتصرون في ~~الدعاء على طلب الدنيا من هم ؟ فقال قوم : هم الكفار ، روي عن ابن عباس أن ~~المشركين كانوا يقولون إذا وقفوا : اللهم أرزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا ~~وإماء ، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة ، وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث ~~والمعاد ، وعن أنس كانوا يقولون : اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر ، ~~فأخبر الله تعالى أن من كان من هذا الفريق فلا خلاق له في الآخرة ، أي لا ~~نصيب له فيها من كرامة ونعيم وثواب ، نقل عن الشيخ أبي علي الدقاق رحمه ~~الله أنه قال : أهل النار يستغيثون ثم يقولون : أفيضوا علينا من الماء ، أو ~~مما رزقكم الله في الدنيا ، طلبا للمأكول والمشروب ، فلما غلبتهم شهواتهم ~~افتضحوا في الدنيا والآخرة ، وقال آخرون : هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم ~~يسألون الله لدنياهم ، لا لأخراهم ويكون سؤالهم هذا من جملة الذنوب حيث ~~سألوا الله تعالى في أعظم المواقف ، وأشرف المشاهد حطام الدنيا وعرضها ~~الفاني ، معرضين عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة ، وقد يقال لمن فعل ذلك ~~إنه لا خلاق له في الآخرة ، وإن كان الفاعل مسلما ، كما روى في قوله : { إن ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم فى الاخرة } ~~( آل عمران : 77 ) أنها نزلت فيمن أخذ مالا بيمين فاجرة ، روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، ( إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم / ثم معنى ~~ذلك على وجوه أحدها ms1611 : أنه لا خلاق له في الآخرة إلا أن يتوب والثاني : لا ~~خلاق له في الآخرة إلا أن يعفو الله عنه والثالث : لا خلاق له في الآخرة ~~كخلاق من سأل الله لآخرته ، وكذلك لا خلاق لمن أخذ مالا بيمين فاجرة كخلاق ~~من تورع عن ذلك والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ربنا ءاتنا فى الدنيا } حذف مفعول { ~~أتانا } من الكلام لأنه كالمعلوم ، واعلم أن مراتب السعادات ثلاث : روحانية ~~، وبدنية ، وخارجية أما الروحانية فإثنان : تكميل القوة النظرية بالعلم ، ~~وتكميل القوة العملية بالأخلاق الفاضلة ، وأما البدنية فإثنان : الصحة ~~والجمال ، وأما الخارجية فإثنان : المال ، والجاه ، فقوله : { فى الدنيا ~~حسنة } يتناول كل هذه الأقسام فإن العلم إذا كان يراد للتزين به في الدنيا ~~والترفع به على الأقران كان من الدنيا ، والأخلاق الفاضلة إذا كانت تراد ~~للرياسة في الدنيا وضبط مصالحها كانت من الدنيا ، وكل من لا يؤمن بالبعث ~~والمعاد فإنه لا يطلب فضيلة لا روحانية ولا جمسانية إلا لأجل الدنيا ، ثم ~~قال تعالى في حق هذا الفريق { له فى الاخرة من خلاق } أي ليس له نصيب في ~~نعيم الآخرة ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { من كان يريد حرث الاخرة نزد ~~له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له فى } ( الشورى : 20 ) ~~ثم إنه تعالى لم يذكر في هذه الآية أن الذي طلبه في الدنيا هل أجيب له أم ~~لا ؟ قال بعضهم : إن مثل هذا الإنسان ليس بأهل للإجابة لأن كون الإنسان ~~مجاب الدعوة صفة مدح فلا تثبت إلا لمن كان وليا لله تعالى مستحقا للكرامة ~~لكنه وإن لم يجب فإنه ما دام مكلفا حيا فالله تعالى يعطيه رزقه على ما قال ~~: { وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) وقال آخرون إن ~~مثل هذا الإنسان قد يكون مجابا ، لكن تلك الإجابة قد تكون مكرا واستدراجا . ~~PageV05P160 # أما قوله تعالى : { ومنهم من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار } فالمفسرون ذكروا فيه وجوها أحدها : أن ms1612 الحسنة في ~~الدنيا عبارة عن الصحة ، والأمن ، والكفاية والولد الصالح ، والزوجة ~~الصالحة ، والنصرة على الأعداء ، وقد سمى الله تعالى الخصب والسعة في الرزق ~~، وما أشبهه ( حسنة ) فقال : { إن تصبك حسنة تسؤهم } ( التوبة : 50 ) وقيل ~~في قوله : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } ( التوبة : 52 ) أنهما ~~الظفر والنصرة والشهادة ، وأما الحسنة في الآخرة فهي الفوز بالثوب ، ~~والخلاص من العقاب ، وبالجملة فقوله : { ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي ~~الاخرة حسنة } كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة / روى حماد بن سلمة ~~عن ثابت أنهم قالوا لأنس : ادع لنا ، فقال : ( اللهم آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) قالوا : زدنا فأعادها قالوا زدنا قال ما ~~تريدون ؟ قد سألت لكم خير الدنيا والآخرة ولقد صدق أنس فإنه ليس للعبد دار ~~سوى الدنيا والآخرة فإذا سأل حسنة الدنيا وحسنة الآخرة لم يبق شيء سواه ~~وثانيها : أن المراد بالحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة ~~والحسنة في الآخرة اللذة الدائمة والتعظيم والتنعم بذكر الله / وبالأنس به ~~وبمحبته وبرؤيته وروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلا دعا ربه فقال في دعائه : ~~{ ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار } فقال النبي ~~عليه الصلاة والسلام : ( ما أعلم أن هذا الرجل سأل الله شيئا من أمر الدنيا ~~، فقال بعض الصحابة : بلى يا رسول الله إنه قال : ( ربنا آتنا في الدنيا ~~حسنة ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنه يقول : آتنا في الدنيا ~~عملا صالحا وهذا متأكد بقوله تعالى : { والذين يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } ( الفرقان : 74 ) وتلك القرة هي أن يشاهدوا ~~أولادهم وأزواجهم مطيعين مؤمنين مواظبين على العبودية وثالثها : قال قتادة ~~: الحسنة في الدنيا وفي الآخرة طلب العافية في الدارين ، وعن الحسن : ~~الحسنة في الدنيا فهم كتاب الله تعالى ، وفي الآخرة الجنة ، واعلم أن منشأ ~~البحث في الآية أنه لو قيل ، آتنا في الدنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة لكان ~~ذلك متناولا لكل الحسنات ، ولكنه قال : { فى الدنيا ms1613 حسنة وفي الاخرة حسنة ~~وقنا } وهذا نكرة في محل الإثبات فلا يتناول إلا حسنة واحدة ، فلذلك اختلف ~~المتقدمون من المفسرين فكل واحد منهم حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع ~~الحسنة . # فإن قيل : أليس أنه لو قيل : آتنا الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة ~~لكان ذلك متناولا لكل الأقسام فلم ترك ذلك وذكر على سبيل التنكير ؟ # قلت : الذي أظنه في هذا الموضع والعلم عند الله أنا بينا فيما تقدم أنه ~~ليس للداعي أن يقول : اللهم أعطني كذا وكذا بل يجب أن يقول : اللهم إن كان ~~كذا وكذا مصلحة لي وموافقا لقضائك وقدرك فأعطني ذلك ، فلو قال : اللهم ~~أعطني الحسنة في الدنيا والآخرة لكان ذلك جزما ، وقد بينا أنه غير جائز ، ~~أما لما ذكر على سبيل التنكير فقال أعطني في الدنيا حسنة كان المراد منه ~~حسنة واحدة وهي الحسنة التي تكون موافقة لقضائه وقدره ورضاه وحكمه وحكمته ~~فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب والمحافظة على أصول اليقين . # أما قوله تعالى : { أولئك لهم نصيب مما كسبوا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { أولائك } فيه قولان أحدهما : إنه إشارة ~~إلى الفريق الثاني فقط الذين PageV05P161 سألوا الدنيا والآخرة ، والدليل ~~عليه أنه تعالى ذكر حكم الفريق الأول حيث قال : { وما له فى الاخرة من خلاق ~~} . # والقول الثاني : أنه راجع إلى الفريقين أي لكل من هؤلاء نصيب من عمله على ~~قدر ما نواه ، فمن أنكر البحث وحج التماسا لثواب الدنيا فذلك منه كفر وشرك ~~والله مجازيه ، أو يكون المراد أن من عمل للدنيا أعطى نصيب مثله في دنياه ~~كما قال : { من كان يريد حرث الاخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها وما له فى } ( الشورى : 20 ) . # أما قوله تعالى : { لهم نصيب مما كسبوا } ففيه سؤالات : # / السؤال الأول : قوله : { لهم نصيب مما كسبوا } يجري مجرى التحقير ~~والتقليل فما المراد منه ؟ # الجواب : المراد : لهم نصيب من الدنيا ومن الآخرة بسبب كسبهم وعملهم ~~فقوله : { من } في قوله : { مما كسبوا } لابتداء الغاية لا للتبعيض . # السؤال ms1614 الثاني : هل تدل هذه الآية على أن الجزاء على العمل ؟ # الجواب : نعم . ولكن بحسب الوعد لا بحسب الاستحقاق الذاتي . # السؤال الثالث : ما الكسب ؟ # الجواب : الكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله فيكون كسبه ومكتسبه ، بشرط ~~أن يكون ذلك جر منفعة أو دفع مضرة ، وعلى هذا الوجه يقال في الأرباح : إنها ~~كسب فلان ، وأنه كثير الكسب أو قليل الكسب ، لأن لا يراد إلا الربح ، فأما ~~الذي يقوله أصحابنا من أن الكسب واسطة بين الجبر والخلق فهو مذكور في الكتب ~~القديمة في الكلام . # أما قوله تعالى : { والله * سريع الحساب } ففيه مسائل . # المسألة الأولى : { سريع } فاعل من السرعة ، قال ابن السكيت : سرع يسرع ~~سرعا وسرعة فهو سريع { والحساب } مصدر كالمحاسبة ، ومعنى الحساب في اللغة ~~العد يقال : حسب يحسب حسابا وحسبة وحسبا إذا عد ذكره الليث وابن السكيت ، ~~والحسب ما عد ومنه حسب الرجل وهو ما يعد من مآثره ومفاخره ، والاحتساب ~~الاعتداد بالشيء ، وقال الزجاج : الحساب في اللغة مأخوذ من قولهم : حسبك ~~كذا أي كفاك فسمى الحساب في المعاملات حسابا لأنه يعلم به ما فيه كفاية ~~وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان . # المسألة الثانية : اختلف الناس في معنى كون الله تعالى محاسبا لخلقه على ~~وجوه أحدها : أن معنى الحساب أنه تعالى يعلمهم ما لهم وعليهم ، بمعنى أنه ~~تعالى يخلق العلوم الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها ~~، وبمقادير ما لهم من الثواب والعقاب ، قالوا : ووجه هذا المجاز أن الحساب ~~سبب لحصول علم الإنسان بما له وعليه ، فاطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام ~~يكون إطلاقا لاسم السبب على المسبب وهذا مجاز مشهور ، ونقل عن ابن عباس أنه ~~قال : إنه لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله تعالى ويعطون كتبهم ~~بأيمانهم فيها سيئاتهم ، فيقال لهم : هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها ثم يعطون ~~حسناتهم ويقال : هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم . PageV05P162 # والقول الثاني : أن المحاسبة عبارة عن المجازاة قال تعالى : { وكأين من ~~قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا } ( الطلاق : 8 ) ووجه ~~المجاز ms1615 فيه أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز ~~، فحسن إطلاق لفظ الحساب عن المجازاة . # والقول الثالث : أنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية مالها من ~~الثواب والعقاب / فمن قال إن كلامه ليس بحرف ولا بصوت قال إنه تعالى يخلق ~~في أذن المكلف سمعا يسمع به كلامه القديم كما أنه يخلق في عينه رؤية يرى ~~بها ذاته القديمة ، ومن قال إنه صوت قال إنه تعالى يخلق كلاما يسمعه كل ~~مكلف إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم أو في جسم يقرب من أذنه ~~بحيث لا تبلغ قوة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلف به ، فهذ هو ~~المراد من كونه تعالى محاسبا لخلقه . # المسألة الثالثة : ذكروا في معنى كونه تعالى سريع الحساب وجوها أحدها : ~~أن محاسبته ترجع إما إلى أنه يخلق علوما ضرورية في قلب كل مكلف بمقادير ~~أعماله ومقادير ثوابه وعقابه ، أو إلى أنه يوصل إلى كل مكلف ما هو حقه من ~~الثواب أو إلى أنه يخلق سمعا في أذن كل مكلف يسمع به الكلام القديم ، أو ~~إلى أنه يخلق في أذن كل مكلف صوتا دالا على مقادير الثواب والعقاب وعلى ~~الوجوه الأربعة فيرجع حاصل كونه تعالى محاسبا إلى أنه تعالى يخلق شيئا ، ~~ولما كانت قدرة الله تعالى متعلقة بجميع الممكنات ، ولا يتوقف تخليقه ~~وإحداثه على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ولا يشتغله شأن عن شأن لا جرم كان ~~قادرا على أن يخلق جميع الخلق في أقل من لمحة البصر وهذا كلام ظاهر / ولذلك ~~ورد في الخبر أن الله تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب ناقة وثانيها : أن معنى ~~كونه تعالى : { سريع الحساب } أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم ، ~~وذلك لأنه تعالى في الوقت الواحد يسأله السائلون كل واحد منهم أشياء مختلفة ~~من أمور الدنيا والآخرة فيعطي كل واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ~~ذلك ولو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العد واتصل ms1616 الحساب ، فأعلم ~~الله تعالى أنه { سريع الحساب } أي هو عالم بجملة سؤالات السائلين ، لأنه ~~تعالى لا يحتاج إلى عقد يد ، ولا إلى فكرة وروية ، وهذا معنى الدعاء ~~المأثور ( يا من لا يشغله شأن عن شأن ) وحاصل الكلام في هذا القول أن معنى ~~كونه تعالى { سريع الحساب } كونه تعالى عالما بجميع أحوال الخلق وأعمالهم ~~ووجه المجاز فيه أن المحاسب إنما يحاسب ليحصل له العلم بذلك الشيء فالحساب ~~سبب لحصول العلم فأطلق اسم السبب على المسبب وثالثها : أن محاسبة الله ~~سريعة بمعنى آتية لا محالة . # ! 7 < { واذكروا الله فىأيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن ~~تأخر فلاإثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 203 ) واذكروا الله في . . . . . # > > اعلم أنه لما ذكر ما يتعلق بالمشعر الحرام لم يذكر الرمي لوجهين ~~أحدهما : أن ذلك كان أمرا مشهورا فيما بينهم وما كانوا منكرين لذلك ، إلا ~~أنه تعالى ذكر ما فيه من ذكر الله لأنهم كانوا لا يفعلونه والثاني : لعله ~~إنما لم يذكر الرمي لأن في الأمر بذكر الله في هذه الآيام دليلا عليه ، إذ ~~كان من سننه التكبير على كل حصاة PageV05P163 منها ثم قال : { واذكروا الله ~~فى أيام معدودات } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إن الله تعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعدودات ، ~~والأيام المعلومات فقال هنا : { واذكروا الله فى أيام معدودات } وقال في ~~سورة الحج : { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات } ( ~~الحج : 28 ) فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن المعلومات هي العشر الأول من ذي ~~الحجة آخرها يوم النحر ، وأما المعدودات فثلاثة أيام بعد يوم النحر ، وهي ~~أيام التشريق ، واحتج على أن المعدودات هي أيام التشريع بأنه تعالى ذكر ~~الأيام المعدودات ، والأيام لفظ جمع فيكون أقلها ثلاثة ، ثم قال بعده : { ~~فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه } وهذا يقتضي أن ~~يكون المراد { فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه } من هذه الأيام المعدودات ، ~~وأجمعت الأمة على أن هذا الحكم ms1617 إنما ثبت في أيام منى وهي أيام التشريق ، ~~فعلمنا أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، والقفال أكد هذا بما روى في ~~( تفسيره ) عن عبد الرحمن بن نعمان الذيلمي ، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمر مناديا فنادى : ( الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد ~~أدرك الحج ، وأيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن ~~تأخر فلا إثم عليه ) وهذا يدل على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، ~~قال الواحدي رحمة الله عليه : أيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر ~~أولها : يوم النفر ، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة ينفر الناس فيه بمنى ~~والثاني : يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى ~~والثالث : يوم النفر الثاني ، وهذه الآيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام ~~النحر ، وأيام رمي الجمار في هذه الأيام الأربعة مع يوم عرفة أيام التبكير ~~إدبار الصلوات على ما سنشرح مذاهب الناس فيه . # المسألة الثانية : المراد بالذكر في هذه الأيام : الذكر عند الجمرات ، ~~فإنه يكبر مع كل حصاة والذكر إدبار الصلوات والناس أجمعوا على ذلك ، إلا ~~أنهم اختلفوا في مواضع : # الموضع الأول : أجمعت الأمة على أن التكبيرات المقيدة بإدبار الصلوات ~~مختصة بعيد الأضحى ، ثم في ابتدائها وانتهائها خلاف . # القول الأول : أنها تبتدأ من الظهر يوم النحر إلى ما بعد الصبح من آخر ~~أيام التشريق فتكون التكبيرات على هذا القول في خمس عشرة صلاة ، وهو قول ~~ابن عباس وابن عمر ، وبه قال مالك والشافعي رضي الله عنهما في أحد أقواله ، ~~والحجة فيه أن الأمر بهذه التكبيرات إنما / ورد في حق الحاج ، قال تعالى : ~~{ فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم } ثم قال : { واذكروا الله فى أيام معدودات ~~فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه } وهذا إنما يحصل في حق الحاج ، فدل على أن ~~الأمر بهذه التكبيرات إنما ورد في حق الحاج / وسائر الناس تبع لهم في ذلك ، ~~ثم إن صلاة الظهر هي أول صلاة يكبر الحاج فيها بمنى ، فإنهم ms1618 يلبون قبل ذلك ~~، وآخر صلاة يصلونها بمنى هي صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، فوجب أن ~~تكون هذه التكبيرات في حق غير الحاج مقيد بهذا الزمان . # القول الثاني : للشافعي رضي الله عنه أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة ~~النحر ، إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، وعلى هذا القول تكون ~~التكبيرات بعد ثماني عشرة صلاة . # والقول الثالث : للشافعي رضي الله عنه أن يبتدأ بها من صلاة الفجر يوم ~~عرفة ، وينقطع بعد صلاة PageV05P164 العصر من يوم النحر فتكون التكبيرات ~~بعد ثمان صلوات وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة . # والقول الرابع : أنه يبتدأ بها من صلاة الفجر يوم عرفة ، وينقطع بعد صلاة ~~العصر من يوم النحر من آخر أيام التشريق ، فتكون التكبيرات بعد ثلاث وعشرين ~~صلاة ، وهو قول أكابر الصحابة ، كعلي وعمر وابن مسعود وابن عباس ، ومن ~~الفقهاء قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني وابن شريح ، ~~وعليه عمل الناس بالبلدان ، ويدل عليه وجوه الأول : ما روى جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم عرفة ، ثم أقبل علينا فقال : الله أكبر ، ~~ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق والثاني : أن الذي قاله أبو ~~حنيفة أخذ بالأقل ، وهذا القول أخذ بالأكثر ، والتكثير في التكبير أولى ~~لقوله تعالى : { اذكروا الله ذكرا كثيرا } ( الأحزاب : 41 ) الثالث : أن ~~هذا هو الأحوط ، لأنه لو زاد في التكبيرات فهو خير من أن ينقص منها والرابع ~~: أن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق ، فوجب أن يؤتى بها إلى آخر أيام ~~التشريق . # فإن قيل : هذه التكبيرات مضافة إلى الأيام المعدودات وهي أيام التشريق ، ~~فوجب أن لا تكون مشروعة يوم عرفة . # قلنا : فهذا يقتضي أن لا يكبر يوم النحر وهو باطل بالإجماع ، وأيضا لما ~~كان الأغلب في هذه المدة أيام التشريق ؛ صح أن يضاف التكبير إليها . # الموضع الثاني : قال الشافعي رضي الله عنه : المستحب في التكبيرات أن ~~تكون ثلاثا نسقا أي متتابعا ، وهو قول مالك ، وقال أبو حنيفة وأحمد : يكبر ~~مرتين ، حجة الشافعي ما ms1619 روى عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم ، ~~قال : رأيت الأئمة يكبرون في أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثا ، ولأنه زيادة ~~في التكبير ، فكان أولى لقوله تعالى : { اذكروا الله ذكرا كثيرا } ثم قال ~~الشافعي رضي الله عنه : ويقول بعد الثلاث : ( لا إله إلا الله والله أكبر ~~ولله الحمد ) ثم قال : وما زاد من ذكر / الله فهو حسن ، وقال في التلبية : ~~وأحب أن لا يزيد على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والفرق أن من ~~سنة التلبية التكرار فتكرارها أولى من ضم الزيادة إليها ، وههنا يكبر مرة ~~واحدة فتكون الزيادة أولى من السكوت ، وأما التكبير على الجمار فقد روي أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر مع كل حصاة ، فينبغي أن يفعل ذلك . # أما قوله تعالى : { فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم ~~عليه لمن اتقى } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : لم قال فمن تعجل ولم يقل فمن عجل ؟ . # الجواب : قال صاحب ( الكشاف ) : تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل ، ~~يقال : تعجل في الأمر واستعجل ، ومتعديين يقال : تعجل الذهاب واستعجله . # السؤال الثاني : قوله : { ومن تأخر فلا إثم عليه } فيه إشكال ، وذلك لأنه ~~إذا كان قد استوفى كل ما يلزمه في تمام الحج ، فما معنى قوله : { فلا إثم ~~عليه } فإن هذا اللفظ إنما يقال في حق المقصر ولا يقال في حق من أتى بتمام ~~العمل . # والجواب : من وجوه : أحدها : أنه تعالى لما أذن في التعجل على سبيل ~~الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم ~~، ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول : القصر PageV05P165 عزيمة ، ~~والإتمام غير جائز ، فلما كان هذا الإحتمال قائما ، لا جرم أزال الله تعالى ~~هذه الشبهة وبين أنه لا إثم في الأمرين ، فإن شاء استعجل وجرى على موجب ~~الرخصة ، وإن شاء لم يستعجل ولم يجر على موجب الرخصة ، ولا إثم عليه في ~~الأمرين جميعا وثانيها : قال بعض المفسرين : إن منهم من كان يتعجل ms1620 ، ومنهم ~~من كان يتأخر ، ثم كل واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله ، كان المتأخر ~~يرى أن التعجل مخالفة لسنة الحج ، وكان المتعجل يرى أن التأخر مخالفة لسنة ~~الحج ، فبين الله تعالى أنه لا عيب في واحد من القسمين ولا إثم ، فإن شاء ~~تعجل وإن شاء لم يتعجل وثالثها : أن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما ~~هو لمن زاد على مقام الثلاث ، فكأنه قيل : إن أيام منى التي ينبغي المقام ~~بها هي ثلاث ، فمن نقص عنها فتعجل في اليوم الثاني منها فلا إثم عليه ، ومن ~~زاد عليها فتأخر عن الثالث إلى الرابع فلم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه ~~ورابعها : أن هذا الكلام إنما ذكر مبالغة في بيان أن الحج سبب لزوال الذنوب ~~وتكفير الآثام وهذا مثل أن الإنسان إذا تناول الترياق ، فالطبيب يقول له : ~~الآن إن تناولت السم فلا ضرر ، وإن لم تتناول فلا ضرر ، مقصوده من هذا بيان ~~أن الترياق دواء كامل في دفع المضار ، لا بيان أن تناول السم وعدم تناوله ~~يجريان مجرى وحد ، فكذا ههنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة في كون ~~الحج مكفرا لكل الذنوب ، لا بيان أن التعجل وتركه سيان ، ومما يدل على كونه ~~الحج سببا / قويا في تكفير الذنوب قوله عليه الصلاة والسلام : ( من حج فلم ~~يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) وخامسها : أن كثيرا من ~~العلماء قالوا : الجوار مكروه ، لأنه إذا جاور الحرم والبيت سقط وقعه عن ~~عينه ، وإذا كان غائبا إزداد شوقه إليه ، وإذا كان كذلك احتمل أن يخطر ببال ~~أحدنا على هذا المعنى أن من تعجل في يومين فحاله أفضل ممن لم يتعجل ، وأيضا ~~من تعجل في يومين فقد انصرف إلى مكة لطواف الزيارة وترك المقام بمنى ، ومن ~~لم يتعجل فقد اختار المقام بمنى وترك الإستعجال في الطواف فهذا السبب يبقى ~~في الخاطر تردد في أن المتعجل أفضل أم المتأخر ؟ فبين الله تعالى أنه لا ~~إثم ولا حرج في واحد منهما وسادسها : قال الواحدي ms1621 رحمه الله تعالى : إنما ~~قال : { ومن تأخر فلا إثم عليه } لتكون اللفظة الأولى موافقة للثانية ، ~~كقوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) وقوله : { فمن اعتدى * ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ( البقرة : 194 ) ونحن نعلم أن ~~جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا بعدوان ، فإذا حمل على موافقة اللفظ م ~~لا يصح في المعنى ، فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى ، ~~لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفي الإثم عنه . # السؤال الثالث : هل في الآية دلالة على وجوب الإقامة بمنى بعد الإفاضة من ~~المزدلفة ؟ . # الجواب : نعم ، كما كان في قوله : { فإذا أفضتم من عرفات } ( البقرة : ~~198 ) دليل على وقوفهم بها . # واعلم أن الفقهاء قالوا : إنما يجوز التعجل في اليومين لمن تعجل قبل غروب ~~الشمس من اليومين فأما إذا غابت الشمس من اليوم الثاني قبل النفر فليس له ~~أن ينفر إلا في اليوم الثالث لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب اليوم ، وإنما جعل ~~له التعجل في اليومين لا في الثالث هذا مذهب الشافعي ، وقول كثير من فقهاء ~~التابعين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يجوز له أن ينفر ما لم يطلع ~~الفجر / لأنه لم يدخل وقت الرمي بعد . # أما قوله تعالى : { لمن اتقى } ففيه وجوه أحدها : أن الحاج يرجع مغفورا ~~له بشرط أن يتقي الله فيما بقي من عمره ولم يرتكب ما يستوجب به العذاب ، ~~ومعناه التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج فبين تعالى أن عليهم ~~مع ذلك ملازمة التقوى ومجانبة الاغترار بالحج السابق . وثانيها : أن هذه ~~المغفرة إنما PageV05P166 تحصل لمن كان متقيا قبل حجه ، كما قال تعالى : { ~~إنما يتقبل الله من المتقين } ( المائدة : 27 ) وحقيقته أن المصر على الذنب ~~لا ينفعه حجة وإن كان قد أدى الفرض في الظاهر وثالثها : أن هذه المغفرة ~~إنما تحصل لمن كان متقيا عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج ، كما روي في ~~الخبر من قوله عليه الصلاة والسلام : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق ) واعلم أن ~~الوجه الأول من ms1622 هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى اعتباره في الحال ~~والتحقيق أنه لا بد من الكل وقال بعض المفسرين المراد بقوله : { لمن اتقى } ~~ما يلزمه التوقي في الحج عنه من قتل الصيد وغيره ، لأنه إذا لم يجتنب ذلك ~~صار مأثوما ، وربما صار عمله محبطا ، وهذا ضعيف من وجهين الأول : أنه تقييد ~~للفظ المطلق / بغير دليل الثاني : أن هذا لا يصح إلا إذا حمل على ما قبل ~~هذه الأيام ، لأنه في يوم النحر إذا رمى وطاف وحلق ، فقد تحلل قبل رمي ~~الجمار فلا يلزمه اتقاء الصيد إلا في الحرم ، لكن ذاك ليس للإحرام ، لكن ~~اللفظ مشعر بأن هذا الاتقاء معتبر في هذه الأيام ، فسقط هذا الوجه . # أما قوله تعالى : { واتقوا الله } فهو أمر في المستقبل ، وهو مخالف لقوله ~~: { لمن اتقى } الذي أريد به الماضي فليس ذلك بتكرار ، وقد علمت أن التقوى ~~عبارة عن فعل الواجبات وترك المحرمات . # فأما قوله : { واعلموا أنكم إليه تحشرون } فهو تأكيد للأمر بالتقوى ، ~~وبعث على التشديد فيه ، لأن من تصور أنه لا بد من حشر ومحاسبة ومساءلة ، ~~وأن بعد الموت لا دار إلا الجنة أو النار ، صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى ~~التقوى ، وأما الحشر فهو اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء ~~الموقف ، لأنه لا يتم كونهم هناك إلا بجميع هذه الأمور ، والمراد بقوله : { ~~إليه } أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إياه ، ولا يستطيع أحد دفعا عن ~~نفسه ، كما قال تعالى : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله } ( ~~الإنفطار : 19 ) . # ! 7 < { ومن الناس من يعجبك قوله فى الحيواة الدنيا ويشهد الله على ما فى ~~قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى فى الا رض ليفسد فيها ويهلك الحرث ~~والنسل والله لا يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ~~فحسبه جهنم ولبئس المهاد } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 204 - 206 ) ومن الناس من . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين أن الذين يشهدون مشاعر الحج فريقان : كافر وهو ~~الذي يقول : { ربنا ءاتنا فى ms1623 الدنيا } ومسلم وهو الذي يقول : { ربنا ءاتنا ~~فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة } ( البقرة : 201 ) بقي المنافق فذكره في ~~هذه الآية ، وشرح صفاته وأفعاله ، فهذا ما يتعلق بنظم الآية ، والغرض بكل ~~ذلك أن يبعث العباد على الطريقة الحسنة فيما يتصل بأفعال القلوب والجوارح ، ~~وأن يعلموا أن المعبود لا يمكن إخفاء الأمور عنه ثم اختلف PageV05P167 ~~المفسرون على قولين منهم من قال : هذه الآية مختصة بأقوام معينين ومنهم من ~~قال : إنها عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفة المذكورة في هذه الآية ~~، أما / الأولون فقد اختلفوا على وجوه : # فالرواية الأولى : أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ، وهو حليف لبني ~~زهرة أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام ، وزعم أنه يحبه ~~ويحلف بالله على ذلك ، وهذا هو المراد بقوله : { يعجبك قوله فى الحيواة ~~الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه } غير أنه كان منافقا حسن العلانية خبيث ~~الباطن ، ثم خرج من عند النبي عليه السلام فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق ~~الزرع وقتل الحمر ، وهو المراد بقوله : { وإذا تولى سعى فى الارض ليفسد ~~فيها ويهلك الحرث والنسل } وقال آخرون المراد بقوله تعالى : { يعجبك قوله } ~~هو أن الأخنس أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم : إن محمدا ابن ~~أختكم ، فإن يك كاذبا كفاكموه سائر الناس ، وإن يك صادقا كنتم أسعد الناس ~~به قالوا : نعم الرأي ما رأيت ، قال : فإذا نودي في الناس بالرحيل فإني ~~أتخنس بكم فاتبعوني ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فسمي لهذا السبب أخنس ، وكان اسمه : أبي بن شريق ، فبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه ، وعندي أن هذا القول ضعيف وذلك ~~لأنه بهذا الفعل لا يستوجب الذم وقوله تعالى : { ومن الناس من يعجبك قوله ~~فى الحيواة الدنيا ويشهد الله على ما فى قلبه } مذكور في معرض الذم فلا ~~يمكن حمله عليه بل القول الأول هو الأصح . # والرواية الثانية : في سبب نزول هذه ms1624 الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن ~~كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا قد أسلمنا فابعث إلينا ~~نفرا من علماء أصحابك ، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع ، ووصل الخبر ~~إلى الكفار ، فركب منهم سبعون راكبا وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم ، ففيهم ~~نزلت هذه الآية ، ولذلك عقبه من بعد بذكر من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ~~منبها بذلك على حال هؤلاء الشهداء . # القول الثاني : في الآية وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين ، أن هذه ~~الآية عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات المذكورة ، ونقل عن محمد بن ~~كعب القرظي ، أنه جرى بينه وبين غيره كلام في هذه الآية ، فقال إنها وإن ~~نزلت فيمن ذكر فلا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل من كان ~~موصوفا بتلك الصفات / والتحقيق في المسألة أن قوله : { ومن الناس } إشارة ~~إلى بعضهم ، فيحتمل الواحد ويحتمل الجمع ، وقوله : { ويشهد الله } لا يدل ~~على أن المراد به واحد من الناس لجواز أن يرجع ذلك إلى اللفظ دون المعنى ~~وهو جمع وأما نزوله على المسبب الذي حكيناه فلا يمتنع من العموم ، بل نقول ~~: فيها ما يدل على العموم ، وهو من وجوه أحدها : أن ترتب الحكم على الوصف ~~المناسب مشعر بالعلية ، فلما ذم الله تعالى قوما ووصفهم بصفات توجب استحقاق ~~الذم ، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات ، فيلزم أن كل من كان / ~~موصوفا بتلك الصفات أن يكون مستوجبا للذم وثانيها : أن الحمل على العموم ~~أكثر فائدة ، وذلك لأنه يكون زجرا لكل المكلفين عن تلك الطريق المذمومة ~~وثالثها : أن هذا أقرب إلى الإحتياط لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل ~~فيه ذلك الشخص ، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره فثبت ~~بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى ، إذا عرفت هذا فنقول : اختلفوا في ~~أن الآية هل تدل على أن الموصوف بهذه الصفات منافق أم لا ، والصحيح أنها لا ~~تدل على ذلك ، لأن الله تعالى ms1625 وصف هذا المذكور بصفات خمسة ، وشيء منها لا ~~يدل على النفاق فأولها قوله : { يعجبك قوله فى الحيواة الدنيا } وهذا لا ~~PageV05P168 دلالة فيه على صفة مذمومة إلا من جهة الإيماء الحاصل بقوله : { ~~وقال إنما اتخذتم } لأن الإنسان إذا قيل : إنه حلو الكلام فيما يتعلق ~~بالدنيا أوهم نوعا من المذمة وثانيها : قوله : { ويشهد الله على ما فى قلبه ~~} وهذ لا دلالة فيه على حالة منكرة ، فإن أضمرنا فيه أن يشهد الله على ما ~~في قلبه مع أن قلبه بخلاف ذلك فالكلام مع هذا الإضمار لا يدل على النفاق ، ~~لأنه ليس في الآية أن الذي يظهره للرسول من أمر الإسلام والتوحيد ، فإنه ~~يضمر خلافه حتى يلزم أن يكون منافقا ، بل لعل المراد أنه يضمر الفساد ويظهر ~~ضده حتى يكون مرائيا وثالثها : قوله : { وهو ألد الخصام } وهذا أيضا لا ~~يوجب النفاق ورابعها : قوله : { وإذ * تولى سعى فى الارض ليفسد فيها } ~~والمسلم الذي يكون مفسدا قد يكون كذلك وخامسها : قوله : { وإذا قيل له اتق ~~الله أخذته العزة بالإثم } فهذا أيضا لا يقتضي النفاق ، فعلمنا أن كل هذه ~~الصفات المذكورة في الآية كما يمكن ثبوتها في المنافق يمكن ثبوتها في ~~المرائي ، فإذن ليس في الآية دلالة على أن هذا المذكور يجب أن يكون منافقا ~~إلا أن المنافق داخل في الآية ، وذلك لأن كل منافق فإنه يكون موصوفا بهذه ~~الصفات الخمسة بل قد يكون الموصوف بهذه الصفات الخمسة غير منافق فثبت أنا ~~متى حملنا الآية على الموصوف بهذه الصفات الخمسة دخل فيها المنافق والمرائي ~~، وإذا عرفت هذه الجملة فنقول : الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة . # الصفة الأولى : قوله : { يعجبك قوله فى الحيواة الدنيا } والمعنى : يروقك ~~ويعظم في قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس . # أما في قوله : { وقال إنما اتخذتم } ففيه وجوه أحدهما : أنه نظير قول ~~القائل : يعجبني كلام فلان في هذه المسألة والمعنى : يعجبك قوله وكلامه ~~عندما يتكلم لطلب مصالح الدنيا والثاني : أن يكون التقدير : يعجبك قوله ~~وكلامه في الحياة الدنيا وإن كان لا ms1626 يعجبك قوله وكلامه في الآخرة لأنه ما ~~دام في الدنيا يكون جريء اللسان حلو الكلام ، وأما في الآخرة فإنه تعتريه ~~اللكنة والإحتباس خوفا من هيبة الله وقهر كبريائه . # الصفة الثانية : قوله : { ويشهد الله على ما فى قلبه } فالمعنى أنه يقرر ~~صدقة في كلامه ودعواه / بالاستشهاد بالله / ثم يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد ~~بالحلف واليمين ، ويحتمل أن يكون ذلك بأن يقول : الله يشهد بأن الأمر كما ~~قلت ، فهذا يكون استشهادا بالله ولا يكون يمينا ، وعامة القراء يقرؤن { ~~ويشهد الله } بضم الياء ، أي هذا القائل يشهد الله على ما في ضميره ، وقرأ ~~ابن محيصن { يشهد * الله على ما فى قلبه } بفتح الياء ، والمعنى : أن الله ~~يعلم من قلبه خلاف ما أظهره . # فالقراءة الأولى : تدل على كونه مرائيا وعلى أنه يشهد الله باطلا على ~~نفاقه وريائه . # وأما القراءة الثانية : فلا تدل إلا على كونه كاذبا ، فأما على كونه ~~مستشهدا بالله على سبيل الكذب فلا ، فعلى هذا القراءة الأولى أدلى على الذم ~~. # الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وهو ألد الخصام } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الألد : الشديد الخصومة ، يقال : رجل ألد ، وقوم لد ، ~~وقال الله تعالى : { وتنذر به قوما لدا } ( مريم : 97 ) وهو كقوله : { بل ~~هم قوم خصمون } ( الزخرف : 58 ) يقال : منه لد يلد ، بفتح اللام في يفعل ~~منه ، فهو ألد ، إذا كان خصما ، ولددت الرجل ألده بضم اللام ، إذا غلبته ~~بالخصومة ، قال الزجاج اشتقاقه من لديدتي العنق وهما صفحتاه ، ولديدي ~~الوادي ، وهما جانباه ، وتأويله أنه في أي وجه أخذه خصمه من يمين ~~PageV05P169 وشمال في أبواب الخصومة غلب من خاصمه . # وأما { الخصام } ففيه قولان أحدهما : وهو قول خليل : إنه مصدر بمعنى ~~المخاصمة ، كالقتال والطعام بمعنى المقاتلة والمطاعنة ، فيكون المعنى : وهو ~~شديد المخاصمة ، ثم في هذه الإضافة وجهان أحدهما : أنه بمعنى { فى } ~~والتقدير : ألد في الخصام والثاني : أنه جعل الخصام ألد على سبيل المبالغة ~~. # والقول الثاني : أن الخصام جمع خصم ، كصعاب وصعب ، وضخام وضخم ، والمعنى ~~: وهو أشد الخصوم خصومة ، وهذا قول الزجاج ، قال المفسرون : هذه الآية نزلت ms1627 ~~في الأخنس بن شريق على ما شرحناه : وفيه نزل أيضا قوله : { ويل لكل همزة } ~~( الهمزة : 1 ) وقوله : { ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم } ( ~~القلم : 10 11 ) ثم للمفسرين عبارات في تفسير هذه اللفظة ، قال مجاهد { ألد ~~الخصام } معناه : طالب لا يستقيم ، وقال السدي : أعوج الخصام وقال قتادة ~~ألد الخصام معناه أنه جدل بالباطل ، شديد القصوة في معصية الله ، عالم ~~اللسان جاهل العمل . # المسألة الثانية : تمسك المنكرون للنظر والجدل بهذه الآية ، قالوا إنه ~~تعالى ذم ذلك الإنسان بكونه شديدا في الجدل ، ولولا أن هذه الصفة من صفات ~~الذم ، وإلا لما جاز ذلك وجوابه ما تقدم في قوله : { ولا جدال في الحج } ( ~~البقرة : 197 ) . # الصفة الرابعة : قوله تعالى : { وإذا تولى سعى فى الارض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل والله لا يحب الفساد } اعلم أنه تعالى لما بين من حال ذلك ~~الإنسان أنه حلو الكلام ، وأنه يقرر / صدق قوله بالاستشهاد بالله وأنه ألد ~~الخصام ، بين بعد ذلك أن كل ما ذكره باللسان فقلبه منطو على ضد ذلك فقال : ~~{ وإذا تولى سعى فى الارض ليفسد فيها } ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { وإذا تولى } فيه قولان : أحدهما : معناه ~~وإذا انصرف من عندك سعى في الأرض بالفساد ، ثم هذا الفساد يحتمل وجهين ~~أحدهما : ما كان من اتلاف الأموال بالتخريب والتحريق والنهب ، وعلى هذا ~~الوجه ذكروا روايات منها ما قدمنا أن الأخنس لما أظهر للرسول عليه السلام ~~أنه يحبه وأنه على عزم أن يؤمن فلما خرج من عنده مر بزرع للمسلمين فأحرق ~~الزرع وقتل الحمر ، ومنها أنه لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه ~~وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلا وأهلك مواشيهم وأحرق زرعهم . # والوجه الثاني في تفسير الفساد : أنه كان بعد الإنصراف من حضرة النبي ~~عليه السلام يشتغل بإدخال الشبه في قلوب المسلمين ، وباستخراج الحيل في ~~تقوية الكفر ، وهذا المعنى يسمى فسادا ، قال تعالى : حكاية عن قوم فرعون ~~حيث قالوا له : { أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الارض } ( الأعراف : 127 ) أي ms1628 ~~يردوا قومك عن دينهم ، ويفسدوا عليهم شريعتهم ، وقال أيضا : { إنى أخاف أن ~~يبدل دينكم أو أن يظهر فى الارض الفساد } ( غافر : 26 ) وقد ذكرنا في تفسير ~~قوله تعالى : { وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الارض } ( البقرة : 11 ) ما يقرب ~~من هذا الوجه ، وإنا سمي هذا المعنى فسادا في الأرض لأنه يوقع الإختلاف بين ~~الناس ويفرق كلمتهم ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض ، فتنقطع الأرحام ~~وينسفك الدماء ، قال تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الارض ~~وتقطعوا أرحامكم } ( محمد : 22 ) فأخبر أنهم أن تولوا عن دينه لم يحصلوا ~~إلا على الفساد في PageV05P170 الأرض ، وقطع الارحام ، وذلك من حيث قلنا ~~وهو كثير في القرآن ، واعلم أن حمل الفساد على هذا أولى من حمله على ~~التخريب والنهب ، لأنه تعالى قال : { ويهلك الحرث والنسل } والمعطوف مغاير ~~للمعطوف عليه لا محالة . # القول الثاني : في تفسير قوله : { وإذا تولى } وإذا صار واليا فعل ما ~~يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل ، وقيل : يظهر ~~الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل ، والقول الأول ~~أقرب إلى نظم الآية ، لأن المقصود بيان نفاقه ، وهو أنه عند الحضور يقول ~~الكلام الحسن ويظهر المحبة ، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة والفساد . # المسألة الثانية : قوله : { سعى فى الارض } أي اجتهد في إيقاع القتال ، ~~وأصل السعي هو المشي بسرعة ولكنه مستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس ~~، ومنه يقال : فلان يسعى بالنميمة قال الله تعالى : { لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة } ( التوبة : 47 ) . # المسألة الثالثة : من فسر الفساد بالتخريب قال : إنه تعالى ذكره أولا على ~~سبيل الإجمال ، وهو قوله : { ليفسد فيها } ثم ذكره ثانيا على سبيل التفصيل ~~فقال : { ويهلك الحرث والنسل } ومن فسر / الإفساد بإلقاء الشبهة قال : كما ~~أن الدين الحق أمر أن أولهما العلم ، وثانيهما العمل ، فكذا الدين الباطل ~~أمران أولهما الشهبات ، وثانيهما فعل المنكرات ، فههنا ذكر تعالى أولا من ~~ذلك الإنسان اشتغاله بالشبهات ، وهو المراد بقوله : { ليفسد فيها } ثم ms1629 ذكر ~~ثانيا إقدامه على المنكرات ، وهو المراد بقوله : { ويهلك الحرث والنسل } ~~ولا شك في أن هذا التفسير أولى ثم من قال سبب نزول الآية أن الأخنس مر بزرع ~~للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر قال : المراد بالحرث الزرع ، وبالنسل تلك ~~الحمر ، والحرث هو ما يكون منه الزرع ، قال تعالى : { أفرءيتم ما تحرثون * ~~تزرعونه أم } ( الواقعة : 63 ) وهو يقع على كل ما يحرث ويرزع من أصناف ~~النبات ، وقيل : إن الحرث هو شق الأرض ، ويقال لما يشق به : محرث ، وأما ~~النسل فهو على هذا التفسير نسل الدواب ، والنسل في اللغة : الولد ، ~~واشتقاقه يحتمل أن يكون من قولهم : نسل ينسله إذا خرج فسقط ، ومنه نسل ريش ~~الطائر ، ووبر البعير ، وشعر الحمار ، إذا خرج فسقط ، والقطعة منها إذا ~~سقطت نسالة ، ومنه قوله تعالى : { إلى ربهم ينسلون } ( يس : 51 ) أي يسرعون ~~، لأنه أسرع الخروج بحدة ، والنسل الولد لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم ~~وسقوطه / والناس نسل آدم ، وأصل الحرف من النسول وهو الخروج ، وأما من قال ~~: إن سبب نزول الآية : أن الأخنس بيت على قوم ثقيف وقتل منهم جمعا ، ~~فالمراد بالحرث : إما النسوان لقوله تعالى : { نساؤكم حرث لكم } ( البقرة : ~~223 ) أو الرجال وهو قول قوم من المفسرين الذين فسروا الحرث بشق الأرض ، إذ ~~الرجال هم الذين يشقون أرض التوليد ، وأما النسل فالمراد منه الصبيان . # واعلم أنه على جميع الوجوه فالمراد بيان أن ذلك الفساد فساد عظيم لا أعظم ~~منه لأن المراد منها على التفسير الأول . إهلاك النبات والحيوان ، وعلى ~~التفسير الثاني : إهلاك الحيوان بأصله وفرعه ، وعلى الوجهين فلا فساد أعظم ~~منه ، فإذن قوله : { ويهلك الحرث والنسل } من الألفاظ الفصيحة جدا الدالة ~~مع اختصارها على المبالغة الكثيرة ونظيره في الاختصار ما قاله في صفة الجنة ~~{ وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) وقال : { أخرج ~~منها ماءها ومرعاها } ( النازعات : 31 ) . PageV05P171 # فإن قيل : أفتدل الآية على أنه يهلك الحرث والنسل ، أو تدل على أنه أراد ~~ذلك ؟ . # قلنا : إن قوله : { سعى فى الارض ليفسد فيها } دل على أن غرضه ms1630 أن يسعى في ~~ذلك ، ثم قوله : { ويهلك الحرث والنسل } إن عطفناه على الأول لم تدل الآية ~~على وقوع ذلك ، فإن تقدير الآية هكذا : سعى في الأرض ليفسد فيها ، وسعى ~~ليهلك الحرث والنسل ، وإن جعلناه كلاما مبتدأ منقطعا عن الأول ، دل على ~~وقوع ذلك ، والأول أولى ، وإن كانت الأخبار المذكورة في سبب نزول الآية دلت ~~على أن هذه الأشياء قد وقعت ودخلت في الوجود . # المسألة الرابعة : قرأ بعضهم { ويهلك الحرث والنسل } على أن الفعل للحرث ~~والنسل ، وقرأ / الحسن بفتح اللام من يهلك وهي لغة نحو : أبى يأبى ، وروي ~~عنه { ويهلك } على البناء للمفعول . # المسألة الخامسة : استدلت المعتزلة على أن الله تعالى لا يريد القبائح ~~بقوله تعالى : { والله لا يحب الفساد } قالوا : والمحبة عبارة عن الإرادة ، ~~والدليل عليه قوله تعالى : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } ( النور : ~~19 ) والمراد بذلك أنهم يريدون ، وأيضا نقل عن الرسول عليه السلام أنه قال ~~: ( إن الله أحب لكم ثلاثا وكره لكم ثلاثا ، أحب لكم أن تعبدوه ولا تشركوا ~~به شيئا ، وأن تناصحوا من ولاة أمركم وكره لكم القيل والقال وإضاعة المال ~~وكثرة السؤال ) فجعل الكراهة ضد المحبة ، ولولا أن المحبة عبارة عن الإرادة ~~وإلا لكانت الكراهة ضدا للإرادة ، وأيضا لو كانت المحبة غير الإرادة لصح أن ~~يحب الفعل وإن كرهه ، لأن الكراهة على هذا القول إنما تضاد الإرادة دون ~~المحبة ، قالوا : وإذا ثبت أن المحبة نفس الإرادة فقوله : { والله لا يحب ~~الفساد } جار مجرى قوله والله لا يريد الفساد كقوله : { وما الله يريد ظلما ~~للعباد } ( غافر : 31 ) بل دلالة هذه الآية أقوى لأنه تعالى ذكر ما وقع من ~~الفساد من هذا المنافق ثم قال : { والله لا يحب الفساد } إشارة إليه فدل ~~على أن ذلك الواقع وقع لا بإرادة الله تعالى وإذا ثبت أنه تعالى لا يريد ~~الفساد وجب أن لا يكون خالقا له لأن الخلق لا يمكن إلا مع الإرادة فصارت ~~هذه الآية دالة على مسألة الإرادة ومسألة خلق الأفعال والأصحاب أجابوا عنه ~~بوجهين الأول : أن ms1631 المحبة غير الإرادة بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكر ~~تعظيمه والثاني : إن سلمنا أن المحبة نفس الإرادة ، ولكن قوله : { والله لا ~~يحب الفساد } لا يفيد العموم لأن الألف واللام الداخلين في اللفظ لا يفيدان ~~العموم ثم الذي يهدم قوة هذا الكلام وجهان الأول : أن قدرة العبد وداعيته ~~صالحة للصلاح والفساد فترجح الفساد على الصلاح ، إن وقع لا لعلة لزم نفي ~~الصانع ، وإن وقع لمرجح فذلك المرجح لا بد وأن يكون من الله وإلا لزم ~~التسلسل ، فثبت أن الله سبحانه هو المرجح لجانب الفساد على جانب الصلاح ~~فكيف يعقل أن يقال : إنه لا يريده والثاني : أنه عالم بوقوع الفساد فإن ~~أراد أن لا يقع الفساد لزم أن يقال : إنه أراد أن يقلب علم نفسه جهلا وذلك ~~محال . # الصفة الخامسة : قوله تعالى : { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ~~} وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : قوله تعالى : { وإذا قيل له اتق الله ~~أخذته العزة } معناه أن رسول الله دعاه إلى ترك هذه الأفعال فدعاه الكبر ~~والأنفة إلى الظلم . # واعلم أن هذا التفسير ضعيف ، لأن قوله : { وإذا قيل له اتق الله أخذته ~~العزة } ليس فيه دلالة إلا على أنه متى قيل له هذا القول أخذته العزة ، ~~فإما أن هذا القول قيل أو ما قيل فليس في الآية دلالة عليه فإن ثبت ذلك ~~PageV05P172 برواية وجب المصير إليه وإن كنا نعلم أنه عليه السلام كان ~~يدعوا الكل إلى التقوى من غير تخصيص . # / المسألة الثانية : أنه تعالى حكى عن هذا المنافق جملة من الأفعال ~~المذمومة أولها : اشتغاله بالكلام الحسن في طلب الدنيا وثانيها : استشهاده ~~بالله كذبا وبهتانا وثالثها : لجاجه في إبطال الحق وإثبات الباطل ورابعها : ~~سعيه في الفساد وخامسها : سعيه في إهلاك الحرث والنسل وكل ذلك فعل منكر ~~قبيح وظاهر قوله : { إذا قيل لهم * اتق الله } فليس بأن ينصرف إلى بعض هذه ~~الأمور أولى من بعض ، فوجب أن يحمل على الكل فكأنه قيل : اتق الله في إهلاك ~~الحرث والنسل وفي السعي بالفساد ، وفي اللجاج ms1632 الباطل ، وفي الإستشهاد بالله ~~كذلك ، وفي الحرص على طلب الدنيا فإنه ليس رجوع النهي إلى البعض أولى من ~~بعض . # المسألة الثالثة : قوله : { أخذته العزة بالإثم } فيه وجوه أحدها : أن ~~هذا مأخوذ من قولهم أخذت فلانا بأن يعمل كذا ، أي ألزمته ذلك وحكمت به عليه ~~، فتقدير الآية : أخذته العزة بأن يعمل الإثم ، وذلك الإثم هو ترك الإلتفات ~~إلى هذا الواعظ وعدم الإصغاء إليه وثانيها : { أخذته العزة } أي لزمته يقال ~~: أخذته الحمى أي لزمته ، وأخذه الكبر ، أي اعتراه ذلك ، فمعنى الآية إذا ~~قيل له اتق الله لزمته العزة الحاصلة بالإثم الذين في قلبه ، فإن تلك العزة ~~إنما حصلت بسبب ما في قلبه من الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل ، ونظيره ~~قوله تعالى : { بل الذين كفروا فى عزة وشقاق } ( ص : 2 ) والباء ههنا في ~~معنى اللام ، يقول الرجل : فعلت هذا بسببك ولسببك ، وعاقبته بجنايته ~~ولجنايته . # أما قوله تعالى : { فحسبه جهنم } قال المفسرون : كافيه جهنم جزاء له ~~وعذابا يقال : حسبك درهم أي كفاك وحسبنا الله ، أي كافينا الله ، وأما جهنم ~~فقال يونس وأكثر النحويين : هي اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي ~~أعجمية وقال آخرون . جهنم اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها ، حكى ~~عن رؤبة أنه قال : ركية جهنام بريد بعيدة القعر . # أما قوله تعالى : { ولبئس المهاد } ففيه وجهان الأول : أن المهاد ~~والتمهيد : التوطئة ، وأصله من المهد ، قال تعالى : { والارض فرشناها فنعم ~~الماهدون } ( الذاريات : 48 ) أي الموطئون الممكنون ، أي جعلناها ساكنة ~~مستقرة لا تميد بأهلها ولا تنبو عنهم وقال تعالى : { فلانفسهم يمهدون } ( ~~الروم : 44 ) أي يفرشون ويمكنون والثاني : أن يكون قوله : { ولبئس المهاد } ~~أي لبئس المستقر كقوله : { جهنم يصلونها وبئس القرار } ( إبراهيم : 29 ) ~~وقال بعض العلماء : المهاد الفراش للنوم ، فلما كان المعذب في النار يلقى ~~على نار جهنم جعل ذلك معادا له وفراشا . # ! 7 < { ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله والله رءوف بالعباد } ~~. > 7 ! # < < # | البقرة : ( 207 ) ومن الناس من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما وصف في الآية المتقدمة حال ms1633 من يبذل دينه لطلب ~~الدنيا ذكر في هذه الآية حال من يبذل دنياه ونفسه وماله لطلب الدين فقال : ~~{ ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله } ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في سبب النزول روايات أحدها : روى ابن عباس أن هذه ~~الآية نزلت في صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان ، وفي عمار بن ياسر ، ~~وفي سمية أمه ، وفي ياسر أبيه ، وفي بلال مولى أبي PageV05P173 بكر ، وفي ~~خباب بن الأرت ، وفي عابس مولى حويطب أخذهم المشركون فعذبوهم ، فأما صهيب ~~فقال لأهل مكة : إني شيخ كبير ، ولي مال ومتاع ، ولا يضركم كنت منكم أو من ~~عدوكم تكلمت بكلام وأنا أكره أن أنزل عنه وأنا أعطيكم مالي ومتاعي وأشتري ~~منكم ديني ، فرضوا منه بذلك وخلوا سبيله ، فانصرف راجعا إلى المدينة ، ~~فنزلت الآية ، وعند دخول صهيب المدينة لقيه أبو بكر رضي الله عنه فقال له : ~~ربح بيعك ، فقال له صهيب : وبيعك فلا نخسر ما ذاك ؟ فقال : أنزل الله فيك ~~كذا ، وقرأ عليه الآية ، وأما خباب بن الأرت وأبو ذر فقد فرا وأتيا المدينة ~~، وأما سمية فربطت بين بعيرين ثم قتلت وقتل ياسر ، وأما الباقون فأعطوا ~~بسبب العذاب بعض ما أراد المشركون فتركوا ، وفيهم نزل قول الله تعالى : { ~~والذين هاجروا فى الله من بعد ما ظلموا } النحل : 41 ) بتعذيب أهل مكة { ~~وءاتيناه فى الدنيا حسنة } ( النحل : 41 ) بالنصر والغنيمة ، ولأجر الآخرة ~~أكبر ، وفيهم نزل : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } . # والرواية الثانية : أنها نزلت في رجل أمر معروف ونهى عن منكر ، عن عمر ~~وعلي وابن عباس رضي الله عنهم . # والرواية الثالثة : نزلت في علي بن أبي طالب بات على فراش رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة خروجه إلى الغار ، ويروى أنه لما نام على فراشه قام ~~جبريل عليه السلام عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبريل ينادي : بخ بخ ~~من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت الآية . # المسألة الثانية : أكثر المفسرين على أن المراد بهذا الشراء : البيع ، ~~قال ms1634 تعالى : { وشروه بثمن بخس } ( يوسف : 20 ) أي باعوه ، وتحقيقه أن ~~المكلف باع نفسه بثواب الآخرة وهذا البيع هو أنه بذلها في طاعة الله ، من ~~الصلاة والصيام والحج والجهاد ، ثم توصل بذلك إلى وجدان ثواب الله ، كان ما ~~يبذله من نفسه كالسلعة ، وصار الباذل كالبائع ، والله كالمشتري ، كما قال : ~~{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ( التوبة : ~~111 ) وقد سمى الله تعالى ذلك تجارة ، فاقل : { المشركون يأيها الذين ~~ءامنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } ( الصف : 10 11 ) وعندي أنه يمكن ~~إجراء لفظة الشراء على ظاهرها وذلك أن من أقدم على الكفر والشرك والتوسع / ~~في ملاذ الدنيا والإعراض عن الآخرة وقع في العذاب الدائم فصار في التقدير ~~كأان نفسه كانت له ، فبسبب الكفر والفسق خرجت عن ملكه وصارت حقا للنار ~~والعذاب ، فإذا ترك الكفر والفسق وأقدم على الإيمان والطاعة صار كأنه اشترى ~~نفسه من العذاب والنار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دارهم معدودة ويشتري ~~بها نفسه فكذلك المؤمن يبذل أنفاسا معدودة ويشتري بها نفسه أبدا لكن ~~المكاتب عبد ما بقي عليه دارهم / فكذا المكلف لا ينجو عن رق العبودية ما ~~دام له نفس واحد في الدنيا ولهذا قال عيسى عليه السلام : { نبيا وجعلنى ~~مباركا أين ما كنت } ( مريم : 31 ) وقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : ~~{ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } . # فإن قيل : إن الله تعالى جعل نفسه مشتريا حيث قال : { إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم } ( التوبة : 111 ) وهذا يمنع كون المؤمن مشتريا ~~. # قلنا : لا منافاة بين الأمرين ، فهو كمن اشترى ثوبا بعبد ، فكل واحد ~~منهما بائع ، وكل واحد منهما مشتر ، PageV05P174 فكذا ههنا وعلى هذا ~~التأويل فلا يحتاج إلى ترك الظاهر وإلى حمل لفظ الشراء على البيع . # إذا عرفت هذا فنقول : يدخل تحت هذا كل مشقة يتحملها الإنسان في طلب الدين ~~، فيدخل فيه المجاهد ، ويدخل فيه الباذل مهجته الصابر على القتل ، كما فعله ~~أبو عمار وأمه ms1635 ، ويدخل فيه الآبق من الكفار إلى المسلمين ، ويدخل فيه ~~المشتري نفسه من الكفار بماله كما فعل صهيب ، ويدخل فيه من يظهر الدين ~~والحق عند السلطان الجائر . # وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث جيشا فحاصروا قصرا فتقدم منهم واحد ، ~~فقاتل حتى قتل فقال بعض القوم : ألقى بيده إلى التهلكة ، فقال عمر : كذبتم ~~رحم الله أبا فلان ، وقرأ { ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله } ثم ~~اعلم أن المشقة التي يتحملها الإنسان لا بد وأن تكون على وفق الشرع حتى ~~يدخل بسببه تحت الآية ، فأما لو كان على خلاف الشرع فهو غير داخل فيه بل ~~يعد ذلك من باب إلقاء النفس في التهلكة نحو ما إذا خاف التلف عند الإغتسال ~~من الجنابة ففعل ، قال قتادة : أما والله ما هم بأهل حروراء المراق من ~~الدين ولكنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ~~لما رأوا المشركين يدعون مع الله إلها آخر قاتلوا على دين الله وشروا ~~أنفسهم غضبا لله وجهادا في سبيله . # المسألة الثانية : { يشرى نفسه ابتغاء * مرضات * الله } أي لابتغاء مرضاة ~~الله ، و { يشرى } بمعنى يشتري . # أما قوله تعالى : { والله * رءوف بالعباد } فمن رأفته أنه جعل النعيم ~~الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع ، ومن رأفته جوز لهم كلمة الكفر ~~إبقاء على النفس ، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ومن رأفته ورحمته ~~أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط كل ذلك العقاب . / ~~وأعطاه الثواب الدائم ، ومن رأفته أن النفس له والمال ، ثم أنه يشتري ملكه ~~بملكه فضلا منه ورحمة وإحسانا . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 208 ) يا أيها الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافق أنه يسعى في الأرض ليفسد فيها ~~ويهلك الحرث والنسل ، أمر المسلمين بما يضاد ذلك ، وهو الموافقة في الإسلام ~~وفي شرائعه ، فقال : { بالعباد يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة } ~~وفيه مسائل ms1636 . # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع والكسائي { السلام } بفتح السين ، ~~وكذا في قوله : { وإن جنحوا للسلم } ( الأنفال : 61 ) وقوله : { وتدعوا إلى ~~السلم } ( محمد : 35 ) وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بن عياش { السلام } بكسر ~~السين في السكل ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين في هذه ، والتي في البقرة ~~، والتي في سورة محمد في قوله : { وتدعوا إلى السلم } وقرأ ابن عامر بكسر ~~السين في هذه التي في البقرة وحدها وبفتح السين في الأنفال ، وفي سورة محمد ~~، فذهب ذاهبون إلى أنهما لغتان بالفتح والكسر ، مثل : رطل ورطل وجسر وجسر ، ~~PageV05P175 وقرأ الأعمش بفتح السين واللام . # المسألة الثانية : أصل هذه الكلمة من الإنقياد ، قال الله تعالى : { إذا ~~* قال له ربه أسلم قال أسلمت } ( البقرة : 131 ) والإسلام إنما سمي إسلاما ~~لهذا المعنى ، وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب ، وهذا أيضا راجع إلى ~~هذا المعنى لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه ، قال أبو ~~عبيدة : وفيه لغات ثلاث : السلم ، والسلم ، والسلم . # المسألة الثالثة : في الآية إشكال ، وهو أن كثيرا من المفسرين حملوا ~~السلم على الإسلام ، فيصير تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في ~~الإسلام ، والإيمان هو الإسلام ، ومعلوم أن ذلك غير جائز ، ولأجل هذا ~~السؤال ذكر المفسرون وجوها في تأويل هذه الآية : # أحدها : أن المراد بالآية المنافقون ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا ~~بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان ، أي آثار ~~تزيينه وغروره في الإقامة على النفاق ، ومن قال بهذا التأويل احتج على صحته ~~بأن هذه الآية إنما وردت عقيب ما مضى من ذكر المنافقين وهو قوله : { ومن ~~الناس من يعجبك قوله } الآية فلما وصف المنافق بما ذكر دعا في هذه الآية ~~إلى الإيمان / بالقلب وترك النفاق . # وثانيها : أن هذه الآية نزلت في طائفة من مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن ~~سلام وأصحابه وذلك لأنهم حين آمنوا بالنبي عليه السلام أقاموا بعده على ~~تعظيم شرائع موسى ، فعظموا السبت ، وكرهوا لحوم الإبل وألبانها ، وكانوا ~~يقولون : ترك هذه الأشياء مباح في الإسلام ms1637 ، وواجب في التوراة ، فنحن ~~نتركها احتياطا فكره الله تعالى ذلك منهم وأمرهم أن يدخلوا في السلم كافة ، ~~أي في شرائع الإسلام كافة ، ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة اعتقادا له ~~وعملا به ، لأنها صارت منسوخة { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } في التمسك ~~بأحكام التوراة بعد أن عرفتم أنها صارت منسوخة ، والقائلون بهذا القول ~~جعلوا قوله : { كافة } من وصف السلم ، كأنه قيل : ادخلوا في جميع شرائع ~~الإسلام اعتقادا وعملا . # وثالثها : أن يكون هذا الخطاب واقعا على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا ~~بالنبي عليه السلام فقوله : { ذلك بأن الذين كفروا } أي بالكتاب المتقدم { ~~ادخلوا في السلم كافة } أي أكملوا طاعتكم في الإيمان وذلك أن تؤمنوا بجميع ~~أنبيائه وكتبه فادخلوا بإيمانكم بمحمد عليه السلام وبكتابه في السلم على ~~التمام / ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحسينه عند الاقتصار على دين التوراة ~~بسبب أنه دين اتفقوا كلهم على أنه حق بسبب أنه جاء في التوراة : تمسكوا ~~بالسبت ما دامت السموات والأرض ، وبالجملة فالمراد من خطوات الشيطان ~~الشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة . # ورابعها : هذا الخطاب واقع على المسلمين { ذلك بأن الذين كفروا } ~~بالألسنة { ادخلوا في السلم كافة } أي دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من ~~العمر ولا تخرجوا عنه ولا عن شيء من شرائعه { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } ~~أي ولا تلتفتوا إلى الشبهات التي تلقيها إليكم أصحاب الضلالة والغواية ومن ~~قال بهذا التأويل قال : هذا الوجه متأكد بما قبل هذه الآية وبما بعدها ، ~~أما ما قبل هذه الآية فهو ما ذكر الله تعالى في PageV05P176 صفة ذلك ~~المنافق في قوله : { سعى فى الارض ليفسد فيها } وما ذكرنا هناك أن المراد ~~منه إلقاء الشبهات إلى المسلمين ، فكأنه تعالى قال : دوموا على إسلامكم ولا ~~تتبعوا تلك الشبهات التي يذكرها المنافقون ، وأما ما بعد هذه الآية فهو ~~قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } ( البقرة ~~: 210 ) يعني هؤلاء الكفار معاندون مصرون على الكفر قد أزيحت عللهم وهم لا ~~يوقفون قولهم بهذا الدين الحق إلا ms1638 على أمور باطلة مثل أن يأتيهم الله في ظل ~~من الغمام والملائكة . # فإن قيل : الموقوف بالشيء يقال له : دم عليه ، ولكن لا يقال له : ادخل ~~فيه والمذكور في الآية هو قوله : { أدخلوا } . # قلنا إن الكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجا عنها فغير ~~ممتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالا بعد حال ، وإن كان كائنا فيها في ~~الحال ، لأن حال كونه فيها غير الحالة التي أمر أن / يدخلها ، فإذا كان في ~~الوقت الثاني قد يخرج عنها صح أن يؤمر بدخولها ، ومعلوم أن المؤمنين قد ~~يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال فلا يمتنع أن ~~يأمرهم الله تعالى بالدخول في المستقبل في الإسلام وخامسها : أن يكون السلم ~~المذكور في الآية معناه الصلح وترك المحاربة والمتنازعة ، والتقدير : يا ~~أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة أي كونوا موافقين ومجتمعين في نصرة ~~الدين واحتمال البلوى فيه ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب ~~الدنيا والمنازعة مع الناس ، وهو كقوله : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم } ( آل عمران : 103 ) وقال تعالى : { الحساب يأيها الذين ءامنوا ~~اصبروا } ( آل عمران : 200 ) وقال : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ~~} ( آل عمران : 103 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( المؤمن يرضى لأخيه ما ~~يرضى لنفسه ) وهذه الوجوه في التأويل ذكرها جمهور المفسرين وعندي فيه وجوه ~~أخر أحدها : أن قوله : { ذلك بأن الذين كفروا } إشارة إلى المعرفة والتصديق ~~بالقلب وقوله : { ادخلوا في السلم كافة } إشارة إلى ترك الذنوب والمعاصي ، ~~وذلك لأن المعصية مخالفة لله ولرسوله ، فيصح أن يسمي تركها بالسلم ، أو ~~يكون المراد منه : كونوا منقادين لله في الإتيان بالطاعات ، وترك المحظورات ~~، وذلك لأن مذهبنا أن الإيمان باق مع الاشتغال بالمعاصي وهذا تأويل ظاهر ~~وثانيها : أن يكون المراد من السلم كون العبد راضيا ولم يضطرب قلبه على ما ~~روي في الحديث ( الرضا بالقضاء باب الله الأعظم ) وثالثها : أن يكون المراد ~~ترك الإنتقام كما في قوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : ~~72 ) وفي قوله : { خذ العفو ms1639 وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : ~~199 ) فهذا هو كلام في وجوه تأويلات هذه الآية . # المسألة الرابعة : قال القفال { كافة } يصح أن يرجع إلى المأمورين ~~بالدخول أي ادخلوا بأجمعكم في السلم . ولا تفرقوا ولا تختلفوا ، قال قطرب : ~~تقول العرب : رأيت القوم كافة وكافين ورأيت النسوة كافات ويصلح أن يرجع إلى ~~الإسلام أي ادخلوا في الإسلام كله أي في كل شرائعه قال الواحدي رحمه الله : ~~هذا أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا بالقيام بها كلها ، ومعنى الكافة في ~~اللغة الحاجزة المانعة يقال : كففت فلانا عن السوء أي منعته ، ويقال : كف ~~القميص لأنه منع الثواب عن الانتشار ، وقيل لطرف اليد : كف لأنه يكف بها عن ~~سائر البدن ، ورجل مكفوف أي كف بصره من أن يبصر ، فالكافة معناها المانعة ، ~~ثم صارت اسما للجملة الجامعة وذلك لأن الإجتماع يمنع من التفرق والشذوذ ، ~~فقوله : { ادخلوا في السلم كافة } أي ادخلوا في شرائع PageV05P177 الإسلام ~~إلى حيث ينتهي شرائع الإسلام فتكفوا من أن تتركوا شيئا من شرائعه ، أو يكون ~~المعنى ادخلوا كلكم حتى تمنعوا واحدا من أن لا يدخل فيه . # أما قوله تعالى : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } فالمعنى : ولا تطيعوه ~~ومعروف في الكلام أن يقال فيمن اتبع سنة إنسان اقتفى أثره ، ولا فرق بين ~~ذلك وبين قوله : اتبعت خطواته . وخطوات / جمع خطوة ، وقد تقدم ذلك . # أما قوله تعالى : { إنه لكم عدو مبين } فقال أبو مسلم الأصفهاني : إن ~~مبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره ، وأقول : الذي يدل على صحة هذا ~~المعنى قوله : { حم * والكتاب المبين } ( الزخرف : 1 ، الدخان : 1 ) ولا ~~يعني بقوله مبينا إلا ذلك . # فإن قيل : كيف يمكن وصف الشيطان بأنه مبين مع أنا لا نرى ذاته ولا نسمع ~~كلامه . # قلنا : إن الله تعالى لما بين عداوته لآدم ونسله فلذلك الأمر صح أن يوصف ~~بأنه عدو مبين وإن لم يشاهد ومثاله : من يظهر عداوته لرجل في بلد بعيد فقد ~~يصح أن يقال : إن فلانا عدو مبين لك وإن لم يشاهده في الحال وعندي فيه وجه ~~آخر ms1640 ، وهو أن الأصل في الإبانة القطع والبيان إنما سمي بيانا لهذا المعنى ، ~~فإنه يقطع بعض الإحتمالات عن بعض ، فوصف الشيطان بأنه مبين معناه أنه يقطع ~~المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه . # فإن قيل : كون الشيطان عدوا لنا إما أن يكون بسبب أن يقصد إيصال الآلام ~~والمكاره إلينا في الحال ، أو بسبب أنه بوسوسته يمنعنا عن الدين والثواب ، ~~والأول باطل ، إذ لو كان كذلك لأوقعنا في الأمراض والآلام والشدائد ، ~~ومعلوم أنه ليس كذلك ، وإن كان الثاني فهو أيضا باطل لأن من قبل منه تلك ~~الوسوسة من قبل نفسه كما قال : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) إذا ثبت هذا فكيف يقال : إنه عدو مبين ~~العداوة ، والحال ما ذكرناه ؟ . # الجواب : أنه عدو من الوجهين معا أما من حيث إنه يحاول إيصال الضرر إلينا ~~فهو كذلك إلا أن الله تعالى منعه عن ذلك ، وليس يلزم من كونه مريدا لإيصال ~~الضرر إلينا أن يكون قادرا عليها وأما من حيث إنه يقدم على الوسوسة فمعلوم ~~أن تزيين المعاصي وإلقاء الشبهات كل ذلك سبب لوقوع الإنسان في الباطل وبه ~~يصير محروما عن الثواب ، فكان ذلك من أعظم جهات العداوة . # ! 7 < { فإن زللتم من بعد ما جآءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم } ~~. > 7 ! # < < # | البقرة : ( 209 ) فإن زللتم من . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو السمال { زللتم } بكسر اللام الأولى وهما لغتان ~~كضللت وضللت . # المسألة الثانية : يقال : زل يزل زلولا وزلزالا إذا دحضت قدمه وزل في ~~الطين ، ويقال لمن زل في حال كان عليها : زلت به الحال ، ويسمى الذنب زلة ، ~~يريدون به الزلة للزوال عن الواجب فقوله : { فإن زللتم } أي أخطأتم ~~PageV05P178 الحق وتعديتموه ، وأما سبب نزول هذه الآية فقد اختلفوا في ~~السلم كافة ، فمن قال في الأول : إنه في المنافقين ، فكذا الثاني ، ومن قال ~~: إنه في أهل الكتاب فكذا / الثاني ، وقس الباقي عليه . # يروى عن ابن عباس : { فإن زللتم } في تحريم السبت ولحم الإبل { من * ~~بعدما * جاءتكم البينات ms1641 } محمد صلى الله عليه وسلم وشرائعه { فاعلموا أن ~~الله عزيز } بالنقمة { حكيم } في كل أفعاله ، فعند هذا قالوا لئن شئت يا ~~رسول الله لتتركن كل كتاب غير كتابك ، فأنزل الله تعالى { خبيرا يأيها ~~الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) . # المسألة الثالثة : قوله : { فإن زللتم } فيه سؤال وهو أن الحكم المشروط ~~إنما يحسن في حق من لا يكون عارفا بعواقب الأمور ، وأجاب قتادة عن ذلك فقال ~~: قد علم أنهم سيزلون ولكنه تعالى قدم ذلك وأوعد فيه لكي يكون له حجة على ~~خلقه . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { فإن زللتم } يعني إن انحرفتم عن الطريق ~~الذي أمرتم به ، وعلى هذا التقدير يدخل في هذا الكبائر والصغائر فإن ~~الإنحراف كما يحصل بالكثير يحصل بالقليل . فتوعد تعالى على كل ذلك زجرا لهم ~~عن الزوال عن المنهاج لكي يتحرز المؤمن عن قليل ذلك وكثيره لأن ما كان من ~~جملة الكبائر فلا شك في وجوب الاحتراز عنه ، وما لم يعلم كونه من الكبائر ~~فإنه لا يؤمن كون العقاب مستحقا به وحينئذ يجب الاحتراز عنه . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { من * بعدما * جاءتكم البينات } يتناول ~~جميع الدلائل العقلية والسمعية أما الدلائل العقلية فهي الدلائل على الأمور ~~التي تثبت صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد ثبوتها نحو العلم ~~بحدوث العالم وافتقاره إلى صانع يكون عالما بالمعلومات كلها ، قادرا على ~~الممكنات كلها ، غنيا عن الحاجات كلها ، ومثل العلم بالفرق بين المعجزة ~~والسحر ، والعلم بدلالة المعجزة على الصدق فكل ذلك من البينات العقلية ، ~~وأما البينات السمعية فهي البيان الحاصل بالقرآن والبيان الحاصل بالسنة فكل ~~هذه البينات داخلة في الآية من حيث أن عذر المكلف لا يزوال عند حصول كل هذه ~~البينات . # المسألة السادسة : قال القاضي : دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا ~~تحصل إلا بعد البيان وإزاحة العلة ، فإذا علق الوعيد بشرط مجيء البينات ~~وحصولها فبأن لا يجوز أن يحصل الوعيد لمن لا قدرة له على الفعل أصلا أولى ، ~~ولأن الدلالة لا ينتفع بها إلا أولوا القدرة ، وقد ms1642 ينتفع بالقدرة مع فقد ~~الدلالة ، وقال أيضا : دلت الآية على أن المعتبر حصول البينات لا حصول ~~اليقين من المكلف فمن هذا الوجه دلت الآية على أن المتمكن من النظر ~~والإستدلال يلحقه الوعيد كالعارف ، فبطل قول من زعم أن لا حجة لله على من ~~يعلم ويعرف . # أما قوله تعالى : { فاعلموا أن الله عزيز حكيم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : إن قوله تعالى : { فإن زللتم من بعد ما ~~جاءتكم البينات } / إشارة إلى أن ذنبهم وجرمهم / فكيف يدل قوله : { أن الله ~~عزيز حكيم } على الزجر والتهديد . # الجواب : أن العزيز من لا يمنع عن مراده ، وذلك إنما يحصل بكمال القدرة ، ~~وقد ثبت أنه سبحانه PageV05P179 وتعالى قادر على جميع الممكنات ، فكان ~~عزيزا على الإطلاق ، فصار تقدير الآية : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم ~~البينات ، فاعلموا أن الله مقتدر عليكم لا يمنعه مانع عنكم ، فلا يفوته ما ~~يريده منكم وهذا نهاية في الوعيد ، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه ~~الوعيد بذكر العقاب ، وربما قال الوالد لولده : إن عصيتني فأنت عارف بي ، ~~وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي ، فيكون هذا الكلام في الزجر أبلغ من ذكر ~~الضرب وغيره ، فإن قيل : أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على ~~الوعيد ؟ قلنا : نعم من حيث أتبعه بقوله : { حكيم } فإن اللائق بالحكمة أن ~~يميز بين المحسن والمسيء فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء ~~فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن ، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب ~~للرحمة . # المسألة الثانية : احتج من قال بأنه لا وجوب لشيء قبل الشرع بهذه الآية ~~قال : لأنه تعالى أثبت التهديد والوعيد بشرط مجيء البينات ، ولفظ { البينات ~~} لفظ جمع يتناول الكل ، فهذا يدل على أن الوعيد مشروط بمجيء كل البينات ~~وقبل الشرع لم تحصل كل البينات ، فوجب أن لا يحصل الوعيد ، فوجب أن لا ~~يتقرر الوجوب قبل الشرع . # المسألة الثالثة : قال أبو علي الجبائي : لو كان الأمر كما يقوله المجبرة ~~من أنه تعالى يريد من السفهاء والكفار : السفاهة والكفر لما ms1643 جاز أن يوصف ~~بأنه حكيم ، لأن من فعل السفه وأراده كان سفيها ، والسفيه لا يكون حكيما ~~أجاب الأصحاب بأن الحكيم هو العالم بعواقب الأمور فيرجع معنى كونه تعالى ~~حكيما إلى أنه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ينافي كونه خالقا لكل الأشياء ~~ومريدا لها ، بل يوجب ذلك لما بينا أنه لو أراد ما علم عدمه لكان قد أراد ~~تجهيل نفسه فقالوا : لو لزم ذلك لكان إذا أمر بما علم عدمه فقد أمر بتجهيل ~~نفسه . # قلنا : هذا إنما يلزم لو كان الأمر بالشيء أمرا بما لا يتم إلا به ، وهذا ~~عندنا ممنوع فإن قالوا : لو لم يكن كذلك لزم تكليف ما لا يطاق ، قلنا هذا ~~عندنا جائز والله أعلم . # المسألة الرابعة : يحكى أن قارئا قرأ { غفور رحيم } فسمعه أعرابي فأنكره ~~، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم لا يذكر الغفران عند ~~الزلل لأنه إغراء عليه . # ! 7 < { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضى ~~الأمر وإلى الله ترجع الأمور } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 210 ) هل ينظرون إلا . . . . . # > > اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : الكلام المستقصي في لفظ النظر مذكور في تفسير قوله ~~تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } ( القيامة : 32 33 ) ~~وأجمعوا على أنه يجيء بمعنى الانتظار ، قال الله تعالى : { فناظرة بم يرجع ~~المرسلون } ( النمل : 35 ) فالمراد من قوله تعالى : { هل ينظرون } هو ~~الانتظار . # المسألة الثانية : أجمع المعتبرون من العقلاء على أنه سبحانه وتعالى منزه ~~عن المجيء والذهاب ويدل عليه وجوه أحدها : ما ثبت في علم الأصول أن كل ما ~~يصح عليه المجيء والذهاب لا ينفك عن الحركة PageV05P180 والسكون ، وهما ~~محدثان ، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث ، فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء ~~والذهاب يجب أن يكون محدثا مخلوقا والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك ~~وثانيها : أن كل ما يصح عليه الإنتقال من مكان إلى مكان ، فأما أن يكون في ~~الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزأ وذلك باطل باتفاق العقلاء ، وإما أن ~~لا ms1644 يكون كذلك بل يكون شيئا كبيرا فيكون أحد جانبيه مغايرا للآخر فيكون ~~مركبا من الأجزاء والأبعاض وكل ما كان مركبا ، فإن ذلك المركب يكون مفتقرا ~~في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب ~~هو مفتقر إلى غيره وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو ~~محتاج في وجوده إلى المرجح والموجد ، فكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق مسبوق ~~بالعدم ، والإله القديم يمتنع أن يكون كذلك وثالثها : أن كل ما يصح عليه ~~الانتقال من مكان إلى مكان فهو محدود ومتنه فيكون مختصا بمقدار معين ، مع ~~أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص فاختصاصه بذلك ~~القدر المعين لا بد وأن يكون لترجيح مرجح ، وتخصيص مخصص ، وكل ما كان كذلك ~~كان فعلا لفاعل مختار ، وكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق ، فالإله القديم ~~الأزلي يمتنع أن يكون كذلك ورابعها : أنا متى جوزنا في الشيء الذي يصح عليه ~~المجيء والذهاب أن يكون إلها قديما أزليا فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي ~~الإلهية عن الشمس والقمر ، وكان بعض الأذكياء من أصحابنا يقول : الشمس ~~والقمر لا عيب فيهما يمنع من القول بإلهيتهما سوى أنهم جسم يجوز عليه ~~الغيبة والحضور ، فمن جوز المجيء والذهاب على الله تعالى فلم لا يحكم ~~بإلهية الشمس ، وما الذي أوجب عليه الحكم بإثبات موجود آخر يزعم أنه إله ~~وخامسها : أن الله تعالى حكى عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه طعن في ~~إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) ~~ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى ~~فقد طعن في دليل الخليل عليه السلام وكذب الله في تصديق الخليل عليه السلام ~~في ذلك . # سادسها : أن فرعون لعنة الله تعالى عليه لما سأل موسى عليه السلام فقال : ~~{ وما رب العالمين } ( الشعراء : 23 ) وطلب منه الماهية والجنس والجوهر ، ~~فلو كان تعالى جسما موصوفا بالأشكال والمقادير لكان الجواب عن هذا السؤال ~~ليس ms1645 إلا بذكر الصورة والشكل والقدر : فكان جواب موسى عليه السلام بقوله : { ~~رب * السماوات والارض } ( مريم : 65 ) { ربكم ورب ءابائكم الاولين } ( ~~الدخان : 8 ) { رب المشرق والمغرب } ( المزمل : 9 ، الشعراء : 28 ) خطأ ~~وباطلا ، وهذا يقتضي بخطئة موسى عليه السلام فيما ذكر من الجواب ، وتصويب ~~فرعون في قوله : { إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) ~~ولما كان كل ذلك باطلا ، علمنا أنه تعالى منزه عن أن يكون جسما ، وأن يكون ~~في مكان ، ومنزه عن أن يصح عليه المجيء والذهاب وسابعها : أنه تعالى قال : ~~{ قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) والأحد هو الكامل في الوحدانية وكل جسم ~~فهو منقسم بحسب الغرض والإشارة إلى جزأين ، فلما كان تعالى أحدا امتنع أن ~~يكون جسما أو متحيزا ، فلما لم يكن جسما ولا متحيزا امتنع عليه المجيء ~~والذهاب ، وأيضا قال تعالى : { هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) أي شبيها ~~ولو كان جسما متحيزا لكان مشابها للأجسام في الجسمية ، إنما الاختلاف يحصل ~~فيما وراء الجسمية ، وذلك إما بالعظم أو بالصفات والكيفيات ، وذلك لا يقدح ~~في حصول المشابهة في الذات ، وأيضا قال تعالى { ليس كمثله شىء } ( الشورى : ~~11 ) ولو كان جسما لكان مثلا للأجسام PageV05P181 وثامنها : لو كان جسما ~~متحيزا لكان مشاركا لسائر الأجسام في عموم الجسمية ، فعند ذلك لا يخلو إما ~~أن يكون مخالفا في خصوص ذاته المخصوصة ، وإما أن لا يكون فإن كان الأول فما ~~به المشاركة غير ما به الممايزة ، فعموم كونه جسما مغاير لخصوص ذاته ~~المخصوصة ، وهذا محال لأنا إذا وصفنا تلك الذات المخصوصة بالمفهوم من كونه ~~جسما كنا قد جعلنا الجسم صفة وهذا محال لأن الجسم ذات الصفة ، وإن قلنا بأن ~~تلك الذات المخصوصة التي هي مغايرة للمفهوم من كونه جسما وغير موصوف بكونه ~~جسما ، فحينئذ تكون ذات الله تعالى شيئا مغايرا للمفهوم من الجسم ، وغير ~~موصوف به وذلك ينفي كونه تعالى جسما ، وإما إن قيل : إن ذاته تعالى بعد أن ~~كانت جسما لا يخالف سائر الأجسام في خصوصية ، فحينئذ يكون مثلا لها مطلقا ، ~~وكل ms1646 ما صح عليها فقد صح عليه ، فإذا كانت هذه الأجسام محدثة وجب في ذاته أن ~~تكون كذلك ، وكل ذلك محال ، فثبت أنه تعالى ليس بجسم ، ولا بمتحيز ، وأنه ~~لا يصح المجيء والذهاب عليه . # إذا عرفت هذا فنقول : اختلف أهل الكلام في قوله : { هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله } وذكروا فيه وجوها . # الوجه الأول : وهو مذهب السلف الصالح أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة أن ~~المجيء والذهاب على الله تعالى محال ، علمنا قطعا أنه ليس مراد الله تعالى ~~من هذه الآية هو المجيء والذهاب ، وأن مراده بعد ذلك شيء آخر فإن عينا ذلك ~~المراد لم نأمن الخطأ ، فالأولى السكوت عن التأويل ، / وتفويض معنى الآية ~~على سبيل التفصيل إلى الله تعالى ، وهذا هو المراد بما روي عن ابن عباس أنه ~~قال : نزل القرآن على أربعة أوجه : وجه لا يعرفه أحد لجهالته ، ووجه يعرفه ~~العلماء ويفسرونه ووجه نعرفه من قبل العربية فقط ، ووجه لا يعلمه إلا الله ~~وهذا القول قد استقصينا القول فيه في تفسير قوله تعالى : { الم } . # الوجه الثالث : وهو قول جمهور المتكلمين : أنه لا بد من التأويل على سبيل ~~الفصيل ثم ذكروا فيه وجوها الأول : المراد { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ~~} أي آيات الله فجعل مجيء الآيات مجيئا له على التفخيم لشأن الآيات ، كما ~~يقال : جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته ، والذي يدل على صحة هذا ~~التأويل أنه تعالى قال في الآية المتقدمة { فإن زللتم من بعد ما جاءتكم ~~البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم } ( البقرة : 209 ) فذكر ذلك في معرض ~~الزجر والتهديد ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله } ومعلوم أن التقدير أن يصح المجيء على الله لم يكن مجرد حضوره سببا ~~للتهديد والزجر ، لأنه عند الحضور كما يزجر الكفار ويعاقبهم ، فهو يثيب ~~المؤمنين ويخصهم بالتقريب / فثبت أن مجرد الحضور لا يكون سببا للتهديد ~~والوعيد ، فلما كان المقصود من الآية إنما هو الوعيد والتهديد ، وجب أن ~~يضمر في الآية مجيء الهيبة والقهر والتهديد ms1647 ، ومتى أضمرنا ذلك زالت الشبهة ~~بالكلية ، وهذا تأويل حسن موافق لنظم الآية . # والوجه الثاني : في التأويل أن يكون المراد { هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله } أي أمر الله ، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا ذكر فعلا ~~وأضافه إلى شيء ، فإن كان ذلك محالا فالواجب صرفه إلى التأويل ، كما قاله ~~العلماء في قوله : { الذين * عبد الله } والمراد يحاربون أولياءه ، وقال : ~~{ واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) والمراد : واسأل أهل القرية ، فكذا قوله : ~~{ يأتيهم الله } المراد به يأتيهم أمر الله ، وقوله : { وجاء ربك } ( الفجر ~~: 22 ) المراد : جاء أمر ربك ، وليس فيه إلا حذف المضاف ، وإقامة المضاف ~~إليه مقامه ، وهو PageV05P182 مجاز مشهور ، يقال : ضرب الأمير فلانا ، ~~وصلبه ، وأعطاه ، والمراد أنه أمر بذلك ، لا أنه تولى ذلك العمل بنفسه ، ثم ~~الذي يؤكد القول بصحة هذا التأويل وجهان الأول : أن قوله ههنا : { يأتيهم ~~الله } وقوله : { وجاء ربك } إخبار عن حال القيامة ، ثم ذكر هذه الواقعة ~~بعينها في سورة النحل فقال : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ~~أمر ربك } ( النحل : 33 ) فصار هذا الحكم مفسرا لذلك المتشابه ، لأن كل هذه ~~الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على البعض والثاني : أنه ~~تعالى قال بعده : { وقضى الامر } ( هود : 24 ، البقرة : 21 ) ولا شك أن ~~الألف واللام للمعهود السابق ، فلا بد وأن يكون قد جرى ذكر أمر قبل ذلك حتى ~~تكون الألف واللام إشارة إليه ، وما ذاك إلا الذي أضمرناه من أن قوله : { ~~يأتيهم الله } أي يأتيهم أمر الله . # فإن قيل : أمر الله عندكم صفة قديمة ، فالإتيان عليها محال ، وعند ~~المعتزلة أنه أصوات فتكون / أعراضا ، فالإتيان عليها أيضا محال . # قلنا : الأمر في اللغة له معنيان ، أحدهما الفعل والشأن والطريق ، قال ~~الله تعالى : { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } ( هود : 97 ) { وما أمر ~~فرعون برشيد } ( القمر : 50 ) وفي المثل : لأمر ما جدع قصير أنفه ، لأمر ما ~~يسود من يسود فيحمل الأمر ههنا على الفعل ، وهو ما يليق بتلك المواقف من ~~الأهوال وإظهار الآيات المبينة ms1648 ، وهذا هو التأويل الأول الذي ذكرناه ، وأما ~~إن حملنا الأمر على الأمر الذي هو ضد النهي ففيه وجهان أحدهما : أن يكون ~~التقدير أن مناديا ينادي يوم القيامة : ألا إن الله يأمركم بكذا وكذا ، ~~فذاك هو إتيان الأمر ، وقوله : { في ظلل من الغمام } أي مع ظلل ، والتقدير ~~: إن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في زمان واحد والثاني : أن يكون ~~المراد من إتيان أمر الله في ظلل من الغمام حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك ~~الغمامات تدل على حكم الله تعالى على كل أحد بما يليق به من السعادة ~~والشقاوة ، أو يكون المراد أنه تعالى خلق نقوشا منظومة في ظلل من الغمام ~~لشدة بياضها وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد ~~وغيرهما وتكون فائدة الظلل من الغمام أنه تعالى جعله أمارة لما يريد إنزاله ~~بالقوم فعنده يعلمون أن الأمر قد حضر وقرب . # الوجه الثالث : في التأويل أن المعنى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما ~~وعد من العذاب والحساب ، فحذف ما يأتي به تهويلا عليهم ، إذ لو ذكر ما يأتي ~~به كان أسهل عليهم في باب الوعيد وإذا لم يذكر كان أبلغ لانقسام خواطرهم ، ~~وذهاب فكرهم في ك لوجه ، ومثله قوله تعالى : { فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف فى قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين } ( ~~الحشر : 2 ) والمعنى أتاهم الله بخذلانه إياهم من حيث لم يحتسبوا وكذلك ~~قوله تعالى : { فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ~~وأتاهم العذاب } ( النحل : 26 ) فقوله : { وأتاهم العذاب } كالتفسير لقوله ~~تعالى : { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ويقال في العرف الظاهر إذا سمع ~~بولاية جائر : قد جاءنا فلان بجوره وظلمه ، ولا شك أن هذا مجاز مشهور . # الوجه الرابع : في التأويل أن يكون { فى } بمعنى الباء ، وحروف الجر يقام ~~بعضها مقام البعض ، وتقديره هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام ~~والملائكة ، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة . ~~PageV05P183 # الوجه الخامس : أن المقصود من الآية تصوير ms1649 عظمة يوم القيامة وهولها ~~وشدتها ، وذلك لأن جميع المذنبين إذا حضروا للقضاء والخصومة ، وكان القاضي ~~في تلك الخصومة أعظم السلاطين قهرا وأكبرهم هيبة ، فهؤلاء المذنبون لا وقت ~~عليهم أشد من وقت حضوره لفصل تلك الخصومة ، فيكون الغرض من ذكر إتيان الله ~~تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع ، ونظيره / قوله تعالى : { وما قدروا الله ~~حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة } ( الزمر : 67 ) من غير تصوير ~~قبضة وطي ويمين ، وإنما هو تصوير لعظمة شأنه لتمثيل الخفي بالجلي ، فكذا ~~ههنا والله أعلم . # الوجه السادس : وهو أوضح عندي من كل ما سلف : أنا ذكرنا أن قوله تعالى : ~~{ بالعباد يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة } ( البقرة : 208 ) ~~إنما نزلت في حق اليهود ، وعلى هذا التقدير فقوله : { فإن زللتم من بعد ما ~~جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم } ( البقرة : 209 ) يكون خطابا ~~مع اليهود ، وحينئذ يكون قوله تعالى : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ~~ظلل من الغمام والملائكة } ( البقرة : 210 ) حكاية عن اليهود ، والمعنى : ~~أنهم لا يقبلون دينك إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ، ألا ~~ترى أنهم فعلوا مع موسى مثل ذلك فقالوا : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ~~( البقرة : 55 ) وإذا كان هذا حكاية عن حال اليهود ولم يمنع إجراء الآية ~~على ظاهرها ، وذلك لأن اليهود كانوا على مذهب التشبيه ، وكانوا يجوزون على ~~الله المجيء والذهاب ، وكانوا يقولون : إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام ~~على الطور في ظلل من الغمام وطلبوا مثل ذلك في زمان محمد عليه الصلاة ~~والسلام ، وعلى هذا التقدير يكون هذا الكلام حكاية عن معتقد اليهود ~~القائلين بالتشبيه ، فلا يحتاج حينئذ إلى التأويل ، ولا إلى حمل اللفظ على ~~المجاز ، وبالجملة فالآية تدل على أن قوما ينتظرون أن يأتيهم الله ، وليس ~~في الآية دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أو مبطلون ، وعلى هذا ~~التقدير يسقط الإشكال . # فإن قيل : فعلى هذا التأويل كيف يتعلق به قوله تعالى : { وإلى الله ترجع ~~الامور } . # قلنا : الوجه فيه أنه تعالى ms1650 لما حكى عنادهم وتوقفهم في قبول الدين على ~~هذا الشرط الفاسد ، فذكر بعده ما يجري مجرى التهديد فقال : { وإلى الله ~~ترجع الامور } وهذا الوجه أظهر عندي من كل ما سبق ، والله أعلم بحقيقة ~~كلامه . # الوجه السابع : في التأويل ما حكاه الفقال في ( تفسيره ) عن أبي العالية ~~، وهو أن الإتيان في الظلل مضاف إلى الملائكة ؛ فأما المضاف إلى الله جل ~~جلاله فهو الإتيان فقط ، فكان حمل الكلام على التقديم والتأخير ، ويستشهد ~~في صحته بقراءة من قرأ { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله * والملئكة * في ظلل ~~من الغمام } قال القفال رحمه الله : هذا التأويل مستنكر . # أما قوله : { في ظلل من الغمام } فاعلم أن { * الظلل } جمع ظلة ، وهي ما ~~أظلك الله به ، { * والغمام } لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعا متراكما ، ~~فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة ~~والعظم ، فكل قطعة ظلة ، والجمع ظلل ، قال تعالى : { شكور وإذا غشيهم موج ~~كالظلل } ( لقمان : 32 ) وقرأ بعضهم : { إلا أن يأتيهم الله في * ظلال * من ~~الغمام } فيحتمل أن يكون الظلال جمع ظلة ، كقلال وقلة ، وأن يكون جمع ظل . ~~PageV05P184 # / إذا عرفت هذا فنقول : المعنى ما ينظرون إلا أن يأتيهم قهر الله وعذابه ~~في ظلل من الغمام . # فإن قيل : ولم يأتيهم العذاب في الغمام ؟ . # قلنا : لوجوه أحدها : أن الغمام مظنة الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان ~~الأمر أفظع ، لأن السر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أهول وأفظع ، كما أن ~~الخير إذا جاء منحيث لا يحتسب كان أكثر تأثيرا في السرور ، فكيف إذاجاء ~~الشر من حيث يحتسب الخير ، ومن هذا اشتد على المتفكرين في كتاب الله تعالى ~~قوله : { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ( الزمر : 47 ) وثانيها ~~: أن نزول الغمام علامة لظهور ما يكون أشد الأهوال في القيامة قال تعالى : ~~{ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا * الملك يومئذ الحق ~~للرحمان وكان يوما على الكافرين عسيرا } ( الفرقان : 25 26 ) وثالثها : أن ~~الغمام تنزل عنه قطرات كثيرة غير محصورة ms1651 ولا محدودة ، فكذا هذا الغمام ينزل ~~عنه قطرات العذاب نزولا غير محصور . # أما قوله تعالى : { والملئكة } فهو عطف على ما سبق ، والتقدير : وتأتيهم ~~الملائكة وإتيان الملائكة يمكن أن يحمل على الحقيقة فوجب حمله عليها فصار ~~المعنى أن يأتي أمر الله وآياته والملائكة مع ذلك يأتون ليقوموا بما أمروا ~~به من إهانة أو تعذيب أو غيرهما من أحكام يوم القيامة . # أما قوله تعالى : { وقضى الامر } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المعنى أنه فرغ ما كانوا يوعدون به فعند ذلك لا تقال ~~لهم عثرة لهم ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة . # المسألة الثانية : قوله : { وقضى الامر } معناه : ويقضي الأمر والتقدير : ~~إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر فوضع الماضي موضع المستقبل وهذا كثير في ~~القرآن ، وخصوصا في أمور الآخرة فإن الإخبار عنها يقع كثيرا بالماضي ، قال ~~الله سبحانه وتعالى : { إذ قال الله ياعيسى * عيسى ابن مريم * قلت للناس ~~اتخذونى وأمى } ( المائدة : 116 ) والسبب في اختيار هذا المجاز أمران ~~أحدهما : التنبيه على قرب أمر الآخرة فكأن الساعة قد أتت ووقع ما يريد الله ~~إيقاعه والثاني : المبالغة في تأكيد أنه لا بد من وقوعه لتجزى كل نفس بما ~~تسعى ، فصار بحصول القطع والجزم بوقوعه كأنه قد وقع وحصل . # المسألة الثالثة : الأمر المذكور ههنا هو فصل القضاء بين الخلائق . وأخذ ~~الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزلته من الجنة والنار ، قال ~~تعالى : { وقال الشيطان لما قضى الامر إن الله وعدكم وعد الحق } ( إبراهيم ~~: 22 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وقضى الامر } يدل على أن أحوال القيامة ~~توجد دفعة من غير توقف ، فإنه تعالى ليس لقضائه دافع ، ولا لحكمه مانع . # المسألة الرابعة : قرأ معاذ بن جبل { قضى الامر } على المصدر المرفوع ~~عطفا على الملائكة . # / أما قوله تعالى : { وإلى الله ترجع الامور } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : من المجسمة من قال : كلمة إلى لانتهاء الغاية ، وذلك ~~يقتضي أن يكون الله تعالى في مكان ينتهي إليه يوم القيامة ، أجاب أهل ~~التوحيد عنه من وجهين ms1652 الأول : أنه تعالى ملك عباده في الدنيا كثيرا ~~PageV05P185 من أمور خلقه فإذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم في العباد ~~سواء كما قال : { والامر يومئذ لله } ( الأنفطار : 19 ) وهذا كقولهم : رجع ~~أمرنا إلى الأمير إذا كان هو يختص بالنظر فيه ونظيره قوله تعالى : { وإلى ~~الله المصير } ( آل عمران : 28 ) مع أن الخلق الساعة في ملكه وسلطانه ~~الثاني : قال أبو مسلم : إنه تعالى قد ملك كل أحد في دار الاختبار والبلوى ~~أمورا امتحانا فإذا انقضى أمر هذه الدار ووصلنا إلى دار الثواب والعقاب كان ~~الأمر كله لله وحده وإذا كان كذلك فهو أهل أن يتقى ويطاع ويدخل في السلم ~~كما أمر ، ويحترز عن خطوات الشيطان كما نهى . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم { ترجع } بضم التاء على ~~معنى ترد ، يقال : رجعته أي رددته ، قال تعالى : { ولئن رجعت إلى ربى } ( ~~فصلت : 50 ) وفي موضع آخر : { ولئن رددت إلى ربى } ( الكهف : 36 ) وفي موضع ~~آخر : { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } ( الأنعام : 62 ) وقال تعالى : { ~~رب ارجعون * لعلى أعمل صالحا } ( المؤمنون : 99 100 ) أي ردني ، وقرأ ابن ~~عامر وحمزة والكسائي { ترجع } بفتح التاء أي تصير ، كقوله تعالى : { ألا ~~إلى الله تصير الامور } ( الشورى : 53 ) وقوله : { إن إلينا إيابهم * وإلى ~~الله * مرجعكم } ( هود : 4 ، المائدة : 48 ، الغاشية : 25 ) قال القفال ~~رحمه الله : والمعنى في القراءتين متقارب ، لأنها ترجع إليه جل جلاله ، وهو ~~جل جلاله يرجعها إلى نفسه بافناء الدنيا وإقامة القيامة ، ثم قال : وفي ~~قوله : { ترجع الامور } بضم التاء ثلاث معان أحدها : هذا الذي ذكرناه ، وهو ~~أنه جل جلاله يرجعها كما قال في هذه الآية : { وقضى الامر } وهو قاضيها ~~والثاني : أنه على مذهب العرب في قولهم : فلان يعجب بنفسه ، ويقول الرجل ~~لغيره : إلى أين يذهب بك ، وإن لم يكن أحد يذهب به والثالث : أن ذوات الخلق ~~وصفاتهم لما كانت شاهدة عليهم بأنهم مخلوقون محدثون محاسبون ، وكانوا رادين ~~أمرهم إلى خالقهم ، فقوله : { ترجع الامور } أي يردها العباد إليه وإلى ~~حكمه بشهادة أنفسهم ، وهو ms1653 كما قال : { يسبح لله ما فى * السماوات وما في ~~الارض } ( الجمعة : 1 ، التغابن : 1 ) فإن هذا التسبيح بحسب شهادة الحال ، ~~لا بحسب النطق باللسان ، وعليه يحمل أيضا قوله : { ولله يسجد من فى ~~السماوات والارض طوعا وكرها } ( الرعد : 15 ) قيل : إن المعنى يسجد له ~~المؤمنون طوعا ، ويسجد له الكفار كرها بشهادة أنفسهم بأنهم عبيد الله ، ~~فكذا يجوز أن يقال : إن العباد يردون أمورهم إلى الله ، ويعترفون برجوعها ~~إليه ، أما المؤمنون فبالمقال ، وأما الكفار فبشهادة الحال . # # PageV05P186 ! 7 < { سل بنىإسراءيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة ~~الله من بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 211 ) سل بني إسرائيل . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : { سل } كان في الأصل اسأل فتركت الهمزة التي هي عين ~~الفعل لكثرة الدور في الكلام تخفيفا ، ونقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها ~~، وعند هذا التصريف استغنى عن ألف الوصل ، وقال قطرب : يقال سأل يسأل مثل ~~زأر الأسد يزأر ، وسأل يسأل ، مثل خاف يخاف ، والأمر فيه : سل مثل خف ، ~~وبهذا التقدير قرأ نافع وابن عامر { سأل سائل } على وزن قال ، وكال ، وقوله ~~: { كم } هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد ، يقال إنه من تأليف كاف ~~التشبيه مع { ما } ثم قصرت ( ما ) وسكنت الميم ، وبنيت على السكون لتضمنها ~~حرف الاستفهام ، وهي تارة تستعمل في الخبر وتارة في الاستفهام وأكثر لغة ~~العرب الجر به عند الخبر ، والنصب عند الاستفهام ، ومن العرب ينصب به في ~~الخبر ، ويجر به في الاستفهام ، وهي ههنا يحتمل أن تكون استفهامية ، وأن ~~تكون خبرية . # المسألة الثانية : اعلم أنه ليس المقصود : سل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك ~~الآيات فتعلمها وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان عالما بتلك ~~الأحوال بإعلام الله تعالى إياه ، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن ~~الإعراض عن دلائل الله تعالى ، وبيان هذاالكلام أنه تعالى قال : { بالعباد ~~يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان } ( ~~البقرة : 208 ) فأمر بالإسلام ونهى عن الكفر ، ثم قال : { فإن زللتم من بعد ms1654 ~~ما جاءتكم البينات } أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف / صرتم مستحقين للتهديد ~~بقوله : { فاعلموا أن الله عزيز حكيم } ( البقرة : 209 ) ثم بين ذلك ~~التهديد بقوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة } ( البقرة : 210 ) ثم ثلث ذلك التهديد بقوله : { سل بنى إسراءيل ~~} يعني سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها ، لا ~~جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى ، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم ~~لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه ، ~~PageV06P003 والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم ، كما قال ~~تعالى : { فاعتبروا ياأولى * أولى * الابصار } ( الحشر : 2 ) وقال : { لقد ~~كان فى قصصهم عبرة لاولى الالباب } ( يوسف : 111 ) فهذا بيان وجه النظم . # المسألة الثالثة : فرق أبو عمرو في { سل } بين الاتصال بواو وفاء وبين ~~الاستئناف ، فقرأ { سلهم } و { سل بنى إسراءيل } بغير همزة { واسئل القرية ~~} ( يوسف : 82 ) فاسأل الذين يقرؤن الكتاب ، { واسألوا الله من فضله } ( ~~النساء : 32 ) بالهمز ، وسوى الكسائي بين الكل ، وقرأ الكل بغير همز وجه ~~الفرق أن التخفيف في الاستئناف وصلة إلى أسقاط الهمزة المبتدأة وهي مستقلة ~~وليس كذلك في الاتصال والكسائي اتبع المصحف ، لأن الألف ساقطة فيها أجمع . # المسألة الرابعة : قوله : { من آية بينة } فيه قولان أحدها : المراد به ~~معجزات موسى عليه السلام ، نحو فلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن ~~والسلوى ، ونتق الجبل ، وتكليم الله تعالى لموسى عليه السلام من السحاب ، ~~وإنزال التوراة عليهم ، وتبيين الهدى من الكفر لهم ، فكل ذلك آيات بينات . # والقول الثاني : أن المعنى ؛ كم آتيناهم من حجة بينة لمحمد عليه الصلاة ~~والسلام / يعلم بها صدقه وصحة شريعته . # أما قوله تعالى : { ومن يبدل نعمة الله } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء { ومن يبدل } بالتخفيف . # المسألة الثانية : قال أبو مسلم : في الآية حذف ، والتقدير : كم آتيناهم ~~من آية بينة وكفروا بها لكن لا يدل على هذا الإضمار قوله : { ومن يبدل نعمة ~~الله } . # المسألة الثالثة : في نعمة الله ههنا قولان أحدهما : أن المراد آياته ~~ودلائله ms1655 وهي من أجل أقسام نعم الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة ، ~~ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان فمن قال المراد بالآية البينة ~~معجزات موسى عليه السلام ، قال : المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها ~~لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله : { فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم } ( التوبة : 125 ) ومن قال : المراد بالآية البينة ما في التوراة ~~والإنجيل من دلائل نبوة محمد عليه السلام ، قال : المراد من تبديلها ~~تحريفها وإدخال الشبهة فيها . # والقول الثاني : المراد بنعمة الله ما آتاهم الله من أسباب الصحة والأمن ~~والكفاية والله تعالى / هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا ، ولكن أضاف ~~التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل ~~بتلك الآيات البينات . # أما قوله تعالى : { من بعد ما جاءته } فإن فسرنا النعمة بإيتاء الآيات ~~والدلائل كان المراد من قوله : { من بعد ما جاءته } أي من بعد ما تمكن من ~~معرفتها ، أو من بعد ما عرفها كقوله تعالى : { ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ~~وهم يعلمون } ( البقرة : 75 ) لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها ، ~~فكأنها غائبة عنه ، وإن فسرنا النعمة بما يتعلق بالدنيا من الصحة والأمن ~~والكفاية ، فلا شك أن عند حصول هذه الأسباب يكون الشكر أوجب فكان الكفر ~~أقبح ، فلهذا قال : { فإن الله شديد العقاب } قال الواحدي رحمه الله تعالى ~~: وفيه PageV06P004 إضمار ، والمعنى شديد العقاب له ، وأقول : بين عبد ~~القاهر النحوي في كتاب ( دلائل الإعجاز ) أن ترك هذا الإضمار أولى ، وذلك ~~لأن المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفا بأنه شديد العقاب ، من ~~غير التفات إلى كونه شديد العقاب لهذا أو لذلك ، ثم قال الواحدي رحمه الله ~~: والعقاب عذاب يعقب الجرم . # ! 7 < { زين للذين كفروا الحيواة الدنيا ويسخرون من الذين ءامنوا والذين ~~اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشآء بغير حساب } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 212 ) زين للذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يبدل نعمة الله من بعدما جاءته ~~وهم الكفار ms1656 الذين كذبوا بالدلالة والأنبياء وعدلوا عنها أتبعه الله تعالى ~~بذكر السبب الذي لأجله كانت هذه طريقتهم فقال : { زين للذين كفروا الحيواة ~~الدنيا } ومحصول هذا الكلام تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار والمشركين في ~~ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من درجات الآخرة . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : إنما لم يقال : زينت لوجوه أحدها : وهو قول الفراء : أن ~~الحياة والإحياء واحد ، فإن أنث فعلى اللفظ ، وإن ذكر فعلى المعنى كقوله : ~~{ فمن جاءه موعظة من ربه } ( البقرة : 275 ) ، { وأخذ الذين ظلموا الصيحة } ~~( هود : 67 ) وثانيها : وهو قول الزجاج أن تأنيث الحياة ليس بحقيقي ، لأنه ~~ليس حيوانا بإزائه ذكر ، مثل امرأة ورجل ، وناقة وجمل ، بل معنى الحياة ~~والعيش والبقاء واحد فكأنه قال : زين للذين كفروا الحياة الدنيا والبقاء ~~وثالثها : وهو قول ابن الأنباري : إنما لم يقل : زينت ، لأنه فصل بين زين ~~وبين الحياة الدنيا ، بقوله : { للذين كفروا } وإذا فصل بين فعل المؤنث ~~وبين الإسم / بفاصل ، حسن تذكير الفعل ، لأن الفاصل يغني عن تاء التأنيث . # المسألة الثانية : ذكروا في سبب النزول وجوها : # فالرواية الأولى : قال ابن عباس : نزلت في أبي جهل ورؤساء قريش ، كانوا ~~يسخرون من فقراء المسلمين ، كعبد الله بن مسعود ، وعمار ، وخباب ، وسالم ~~مولى أبي حذيفة ، وعامر بن فهيرة وأبي عبيدة بن الجراح بسبب ما كانوا فيه ~~من الفقر والضرر والصبر على أنواع البلاء مع أن الكفار كانوا في التنعم ~~والراحة . # والرواية الثانية : نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير ~~وبني قينقاع ، سخروا من فقراء المسلمين المهاجرين ، حيث أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم . # والرواية الثالثة : قال مقاتل : نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي ~~وأصحابه ، كانوا يسخرون من ضعفاء المسلمين وفقراء المهاجرين ، واعلم أنه لا ~~مانع من نزولها في جميعهم . PageV06P005 # والمسألة الثالثة : اختلفوا في كيفية هذا التزيين ، أما المعتزلة فذكروا ~~وجوها أحدها : قال الجبائي : المزين هو غواة الجن والإنس ، زينوا للكفار ~~الحرص على الدنيا ، وقبحوا أمر الآخرة في أعينهم ، وأوهموا أن لا صحة لما ~~يقال من أمر الآخرة ، فلا تنغصوا عيشتكم ms1657 في الدنيا قال : وأما الذي يقوله ~~المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فهو باطل ، لأن المزين للشيء هو المخبر عن ~~حسنه فإن كان المزين هو الله تعالى ، فأما أن يكون صادقا في ذلك التزين ، ~~وإما أن يكون كاذبا ، فإن كان صادقا وجب أن يكون مازينه حسنا ، فيكون فاعله ~~المستحسن له مصيبا وذلك يوجب أن الكافر مصيب في كفره ومعصيته ، وهذا القول ~~كفر ، وإن كان كاذبا في ذلك التزيين أدى ذلك إلى أن لا يوثق منه تعالى بقول ~~ولا خبر ، وهذا أيضا كفر ، قال : فصح أن المراد من الآية أن المزين هو ~~الشيطان ، هذا تمام كلام أبي علي الجبائي في ( تفسيره ) . # وأقول هذا ضعيف لأن قوله تعالى : { زين للذين كفروا } يتناول جميع الكفار ~~، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين ، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن ~~يكون مغايرا لهم ، إلا أن يقال : إن كل واحد منهم كان يزين للآخر ، وحينئذ ~~يصير دورا فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا ~~لهم / فبطل قوله : إن المزين هم غواة الجن والإنس ، وذلك لأن هؤلاء الغواة ~~داخلون في الكفار أيضا ، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم ، فثبت ~~أن هذا التأويل ضعيف ، وأما قوله : المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فهذا ~~ممنوع ، بل المزين من يجعل الشيء موصوفا بالزينة ، وهي صفات قائمة بالشيء ~~باعتبارها يكون الشيء مزينا ، وعلى هذا التقدير سقط كلامه ، ثم إن سلمنا أن ~~المزين للشيء هو المخبر عن حسنه ، فلم لا يجوز أن يقال : الله تعالى أخبر ~~عن حسنه ، والمراد أنه تعالى أخبر عما فيها من اللذات والطيبات / والرحات ، ~~والإخبار عن ذلك لس بكذب ، والتصديق بها ليس بكفر ، فسقط كلام أبي علي في ~~هذا الباب بالكلية . # التأويل الثاني : قال أبو مسلم : يحتمل في { زين للذين كفروا } أنهم ~~زينوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم : أين يذهب بك لا يريدون أن ~~ذاهبا ذهب به وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة : { أنى يؤفكون } ( ~~المائدة : 75 ، التوبة ms1658 : 30 ، المنافقون : 4 ) ، { أنى يصرفون } ( غافر : ~~69 ) إلى غير ذلك ، وأكده بقوله تعالى : { يعلمون ياأيها الذين ءامنوا لا ~~تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } ( المنافقون : 9 ) فأضاف ذلك ~~إليهما لما كانا كالسبب ، ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على ~~الفعل قهرا فالإنسان في الحقيقة هو الذي زين لنفسه ، واعلم أن هذا ضعيف ، ~~وذلك لأن قوله : { زين } يقضي أن مزينا زينه ، والعدول عن الحقيقة إلى ~~المجاز غير ممكن . # التأويل الثالث : أن هذا المزين هو الله تعالى ويدل على صحة هذا التأويل ~~وجهان أحدهما : قراءة من قرأ { زين للذين كفروا الحيواة الدنيا } على ~~البناء للفاعل الثاني : قوله تعالى : { إنا جعلنا ما على الارض زينة لها ~~لنبلوهم أيهم أحسن عملا } ( الكهف : 7 ) ثم القائلون بهذا التأويل ذكروا ~~وجوها الأول : يمتنع أن يكون تعالى هو المزين بما أظهره في الدنيا من ~~الزهرة والنضارة والطيب واللذة ، وإنما فعل ذلك ابتلاء لعباده ، ونظيره ~~قوله تعالى : { زين للناس حب الشهوات } ( آل عمران : 14 ) إلى قوله : { قل ~~* أؤنبئكم بخير من ذالكم للذين اتقوا عند ربهم جنات } ( آل عمران : 15 ) ~~وقال أيضا : { المال والبنون زينة الحيواة الدنيا والباقيات الصالحات خير ~~عند ربك ثوابا وخير أملا } ( الكهف : 46 ) وقالوا : فهذه الآيات متوافقة ، ~~والمعنى في الكل أن PageV06P006 الله جل جلاله جعل الدنيا دار ابتلاء ~~وامتحان ، فركب في الطباع الميل إلى اللذات وحب الشهوات لا على سبيل ~~الإلجاء الذي لا يمكن تركه ، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع ~~إمكان ردها عنه ليتم بذلك الإمتحان ، وليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على ~~المباح ويكفها عن الحرام الثاني : أن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم ~~في الدنيا ، ولم يمنعهم عن الإقبال عليها ، والحرص الشديد في طلبها ، فهذا ~~الإمهال هو المسمى بالتزيين . # واعلم أن جملة هذه الوجوه التي نقلناها عن المعتزلة يتوجه عليها سؤال ~~واحد وهو أن حصول هذه الزينة في قلوب الكفار لا بد له من محدث وإلا فقد وقع ~~المحدث لا عن مؤثر وهذا محال ثم هذا التزيين ms1659 الحاصل في قلوب الكفار هل رجح ~~جانب الكفر والمعصية على جانب الإيمان والطاعة أو ما رجح فإن لم يرجح ألبتة ~~بل الإنسان مع حصول هذه الزينة في قلبه كهو لا مع حصولها في قلبه فهذا يمنع ~~كونه تزيينا في قلبه ، والنص دل على أنه حصل هذا التزيين ، وإن قلنا بأن ~~حصول هذا التزيين في قلبه يرجح جانب الكفر والمعصية / على جانب الإيمان ~~والطاعة ، فقد زال الاختيار لأن حال الإستواء لما امتنع حصول الرجحان ، ~~فحال صيرورة أحد الطرفين مرجوحا كان أولى بامتناع الوقوع ، وإذا صار المرجح ~~ممتنع الوقوع صار الراجح واجب الوقوع ، ضرورة / أنه لا خروج عن النقيضين ~~فهذا هو توجيه السؤال ومعلوم أنه لا يندفع بالوجوه التي ذكرها هؤلاء ~~المعتزلة . # الوجه الثالث : في تقرير هذا التأويل أن المراد : أن الله تعالى زين من ~~الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات ، وعلى هذا الوجه سقط ~~الإشكال ، وهذا أيضا ضعيف ، وذلك لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار ، ~~وتزيين المباحات لا يختص به الكافر ، فيمتنع أن يكون المراد بهذا التزيين ~~تزيين المباحات ، وأيضا فإن المؤمن إذا تمتع بالمباحات من طيبات الدنيا ~~يكون تمتعه بها مع الخوف والوجل من الحساب في الآخرة فهو وإن كثر ماله ~~وجاهه فعيشه مكدر منغص ، وأكثر غرضه أجر الآخرة وإنما يعد الدنيا كالوسيلة ~~إليها ، وليس كذلك الكافر ، فإنه وإن قلت ذات يده فسروره بها يكون غالبا ~~على ظنه ، لاعتقاده أنها كمال المقصود دون غيرها ، وإذا كان هذا حاله صح ~~أنه ليس المراد من الآية تزيين المباحات ، وأيضا أنه تعالى أتبع تلك الآية ~~بقوله : { ويسخرون من الذين ءامنوا } وذلك مشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في ~~تركهم اللذات المحظورة ، وتحملهم المشاق الواجبة ، فدل على أن ذلك التزيين ~~ما وقع في المباحات بل وقع في المحظورات . # وأما أصحابنا فإنهم حملوا التزيين على أنه تعالى خلق في قلبه إرادة ~~الأشياء والقدرة على تلك الأشياء ، بل خلق تلك الأفعال والأحوال ، وهذا ~~بناء على أن الخالق لأفعال العباد ليس إلا الله سبحانه ، وعلى ms1660 هذا الوجه ~~ظهر المراد من الآية . # أما قوله تعالى : { ويسخرون من الذين ءامنوا } فقد روينا في كيفية تلك ~~السخرية وجوها من الروايات ، قال الواحدي : قوله : { ويسخرون } مستأنف غير ~~معطوف على زين ، ولا يبعد استئناف المستقبل بعد الماضي ، وذلك لأن الله ~~أخبر عنهم بزين وهو ماض ، ثم أخبر عنهم بفعل يديمونه فقال : { ويسخرون من ~~الذين ءامنوا } ومعنى هذه السخرية أنهم كانوا يقولون هؤلاء المساكين تركوا ~~لذات الدنيا وطيباتها وشهواتها PageV06P007 ويتحملون المشاق والمتاعب لطلب ~~الآخرة مع أن القول بالآخرة قول باطل ، ولا شك أنه لو بطل القول بالمعاد ~~لكانت هذه السخرية لازمة أما لو ثبت القول بصحة المعاد كانت السخرية منقلبة ~~عليهم لأن من أعرض عن الملك الأبدي بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة لم ~~يوجد في الخلق أحد أولى بالسخرية منه ، بل قال بعض المحققين الإعراض عن ~~الدنيا ، والإقبال على الآخرة هو الحزم على جميع التقديرات فإنه إن بطل ~~القول بالآخرة لم يكن الفائت إلا لذات حقيرة وأنفاسا معدودة وإن صح القول ~~بالآخرة كان الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة أمرا متعينا فثبت أن ~~تلك السخرية كانت باطلة وأن عود السخرية عليهم أولى . # / أما قوله تعالى : { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : لم قال : { من الكتاب يؤمنون } ثم قال : { والذين اتقوا } ~~؟ . # الجواب : ليظهر به أن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن التقي ، وليكون ~~بعثا للمؤمنين على التقوى . # السؤال الثاني : ما المراد بهذه الفوقية ؟ . # الجواب : فيه وجوه أحدها : أن يكون المراد بالفوقية الفوقية بالمكان ، ~~لأن المؤمنين يكونون في عليين من السماء والكافرين يكونون في سجين من الأرض ~~وثانيها : يحتمل أن يكون المراد بالفوقية الفوقية في الكرامة والدرجة . # فإن قيل : إنما يقال : فلان فوق فلان في الكرامة / إذا كان كل واحد منهما ~~في الكرامة ثم يكون أحدهما أزيد حالا من الآخر في تلك الكرامة ، والكافر ~~ليس له شيء من الكرامة فكيف يقال : المؤمن فوقه في الكرامة . # قلنا : المراد أنهم كانوا فوقهم في سعادات الدنيا ثم في الآخرة ينقلب ~~الأمر ، فالله ms1661 تعالى يعطي المؤمن من سعادات الآخرة ما يكون فوق السعادات ~~الدنيوية التي كانت حاصلة للكافرين ، وثالثها : أن يكون المراد : أنهم ~~فوقهم في الحجة يوم القيامة ، وذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب ~~المؤمنين ، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق الله تعالى ، وأما ~~يوم القيامة فلا يبقى شيء من ذلك ، بل تزول الشبهات ، ولا تؤثر وساوس ~~الشيطان ، كما قال تعالى : { إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون ~~* إلى * قوله * فاليوم الذين ءامنوا } ( المطففين : 29 34 ) الآية ورابعها ~~: أن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في ~~الدنيا لأن سخرية الكافر بالمؤمن باطلة ، وهي مع بطلانها منقضية ، وسخرية ~~المؤمن بالكافر في الآخرة حقة ومع حقيتها هي دائمة باقية . # السؤال الثالث : هل تدل الآية على القطع بوعيد الفساد فإن لقائل أن يقول ~~: إنه تعالى خص الذين اتقوا بهذه الفوقية فالذين لا يكونون موصوفين بالتقوى ~~وجب أن لا تحصل لهم هذه الفوقية وإن لم تحصل هذه الفوقية كانوا من أهل ~~النار . # الجواب : هذا تمسك بالمفهوم ، فلا يكون أقوى في الدلالة من العمومات التي ~~بينا أنها مخصوصة بدلائل العفو . PageV06P008 # أما قوله تعالى : { والله يرزق من يشاء بغير حساب } فيحتمل أن يكون ~~المراد منه ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب ، ويحتمل أن يكون ~~المراد ما يعطي في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين والكافرين فإذا حملناه ~~على رزق الآخرة احتمل وجوها أحدها : أنه يرزق من يشاء في / الآخرة ، وهم ~~المؤمنون بغير حساب ، أي رزقا واسعا رغدا لا فناء له ، ولا انقطاع ، وهو ~~كقوله : { فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } ( غافر : 40 ) فإن ~~كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه ، فما لا يكون متناهيا كان ~~لا محالة خارجا عن الحساب وثانيها : أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة ~~بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال : { فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ( ~~النساء : 173 ) فالفضل منه بلا حساب وثالثها : أنه لا يخاف نفادها عنده ، ~~فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه ms1662 ، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم لمقدار ما يعطي ~~وما يبقي ، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به ، والله لا يحتاج إلى ~~الحساب ، لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته ورابعها : أنه أراد بهذا رزق ~~أهل الجنة ، وذلك لأن الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئا ~~انتقص قدر الواجب عما كان ، والثواب ليس كذلك فإنه بعد انقضاء الأدوار ~~والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقيا ، فعلى هذا لا يتطرق ~~الحساب ألبتة إلى الثواب وخامسها : أراد أن الذي يعطي لا نسبة له إلى ما في ~~الخزانة لأن الذي يعطي في كل وقت يكون متناهيا لا محالة ، والذي في خزانة ~~قدرة الله غير متناه والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي فهذا هو المراد ~~من قوله : { بغير حساب } وهو إشارة إلى أنه لا نهاية لمقدورات الله تعالى ~~وسادسها : { بغير حساب } أي بغير استحقاق يقال لفلان على فلان حساب إذا كان ~~له عليه حق ، وهذا يدل على أنه لا يستحق عليه أحد شيئا ، وليس لأحد معه ~~حساب بل كل ما أعطاه فقد أعطاه بمجرد الفضل والإحسان ، لا بسبب الاستحقاق ~~وسابعها : { بغير حساب } أي يزيد على قدر الكفاية / يقال : فلان ينفق ~~بالحساب إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية ، فأما إذا زاد عليه فإنه يقال : ~~ينفق بغير حساب وثامنها : { بغير حساب } أي يعطي كثيرا لأن ما دخله الحساب ~~فهو قليل . # واعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وعطايا الله لها منتظمة فيجوز أن يكون ~~المراد كلها والله أعلم . # أما إذا حملنا الآية على ما يعطي في الدنيا أصناف عباده من المؤمنين ~~والكافرين ففيه وجوه : # أحدها : وهو أليق بنظم الآية أن الكفار إنما كانوا يسخرون من فقراء ~~المسلمين لأنهم كانوا يستدلون بحصول السعادات الدينوية على أنهم على الحق ~~ويحرمون فقراء المسلمين من تلك السعادات على أنهم على الباطل ، فالله تعالى ~~أبطل هذه المقدمة بقوله : { والله يرزق من يشاء بغير حساب } يعني أنه يعطي ~~في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئا ms1663 عن كون المعطي محقا أو مبطلا ~~أو محسنا أو مسيئا وذلك متعلق بمحض المشيئة ، فقد وسع الدنيا على قارون ، ~~وضيقها على أيوب عليه السلام ، فلا يجوز لكم أيها الكفار أن تستدلوا بحصول ~~متاع الدنيا لكم وعدم حصولها لفقراء المسلمين على كونكم محقين وكونهم ~~مبطلين ، بل الكافر قد يوسع عليه زيادة في الاستدراج ، والمؤمن قد يضيق ~~عليه زيادة في الابتلاء والامتحان ، ولهذا قال تعالى : { ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة } ( الزخرف ~~: 33 ) وثانيها : أن المعنى : أن الله يرزق من يشاء في الدنيا من كافر ~~ومؤمن بغير حساب يكون لأحد عليه ، PageV06P009 ولا مطالبة ، ولا تبعة ، ولا ~~سؤال سائل ، والمقصود منه أن لا يقول الكافر : لو كان المؤمن على الحق فلم ~~لم يوسع عليه في الدنيا ؟ وأن لا يقول المؤمن إن كان الكافر مبطلا فلم وسع ~~عليه في الدنيا ؟ بل الإعتراض ساقط ، والأمر أمره ، والحكم حكمه { لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسئلون } ( الأنبياء : 23 ) وثالثها : قوله : { بغير حساب } ~~أي من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره : لم يكن ~~هذا في حسابي ، فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية : أن هؤلاء الكفار وإن ~~كانوا يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم ، فالله تعالى قد يرزق من يشاء من حيث ~~لا يحتسب ، ولعله يفعل ذلك بالمؤمنين ، قال القفال رحمه الله : وقد فعل ذلك ~~بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود ، وبما فتح ~~على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على أيدي أصحابه حتى ملكوا كنوز ~~كسرى وقيصر . # فإن قيل : قد قال تعالى في صفة المتقين وما يصل إليهم { عطاء حسابا } ( ~~النبأ : 36 ) أليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية . # قلنا : أما من حمل قوله : { بغير حساب } على التفضل ، وحمل قوله : { عطاء ~~حسابا } على المستحق بحسب الوعد على ما هو قولنا ، أو بحسب الإستحقاق على ~~ما هو قول المعتزلة ، فالسؤال ساقط ، وأما من حمل قوله : { بغير حساب } على ~~سائر ms1664 الوجوه ، فله أن يقول : إن ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقات ~~ويتماثل ، صح من هذا الوجه أن يوصف بكونه عطاء حسابا ، ولا ينقضه ما ذكرناه ~~في معنى قوله : { بغير حساب } . # ! 7 < { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ءامنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم } . > 7 ~~! # < < # | البقرة : ( 213 ) كان الناس أمة . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين في هذه الآية المتقدمة أن سبب إصرار هؤلاء ~~الكفار على كفرهم هو حب الدنيا ، بين في هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص ~~بهذا الزمان ، بل كان حاصلا في الأزمنة المتقادمة ، لأن الناس كانوا أمة ~~واحدة قائمة على الحق ، ثم اختلفوا وما كان اختلافهم إلا بسبب البغي ~~والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا فهذا هو الكلام في ترتيب النظم . # وفي الآية مسائل : PageV06P010 # المسألة الأولى : قال القفال : الأمة القوم المجتمعون على الشيء الواحد ~~يقتدي بعضهم ببعض ، وهو مأخوذ من الأئتمام . # المسألة الثانية : دلت الآية على أن الناس كانوا أمة واحدة ، ولكنها ما ~~دلت على أنهم كانوا أمة واحدة في الحق أم في الباطل ، واختلف المفسرون فيه ~~على ثلاثة أقوال : # القول الأول : أنهم كانوا على دين واحد وهو الإيمان والحق ، وهذا قول ~~أكثر المحققين ، ويدل عليه وجوه الأول : ما ذكره القفال فقال : الدليل عليه ~~قوله تعالى بعد هذه الآية : { فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } فهذا يدل على أن الأنبياء ~~عليهم السلام إنما بعثوا حين الإختلاف ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : { وما ~~كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا } ( يونس : 19 ) ويتأكد أيضا بما نقل عن ~~ابن مسعود أنه قرأ : { كان الناس أمة واحدة * فاختلفوا * فبعث الله النبيين ~~* إلى * قوله * ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } . # إذا عرفت هذا فنقول : الفاء في قوله : { فبعث ms1665 الله النبيين } تقتضي أن ~~يكون بعثهم بعد الإختلاف ولو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر ، لكانت ~~بعثة الرسل قبل هذا الإختلاف أولى ، لأنهم لما بعثوا عندما كان بعضهم محقا ~~وبعضهم مبطلا ، فلأن يبعثوا حين ماكانوا كلهم مبطلين مصرين على الكفر كان ~~أولى ، وهذا الوجه الذي ذكره القفال رحمه الله حسن في هذا الموضوع وثانيها ~~: أنه تعالى حكم بأنه كان الناس أمة واحدة ، ثم أدرجنا فيه فاختلفوا بحسب ~~دلالة الدليل عليه ، وبحسب قراءة ابن مسعود ، ثم قال : { وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم } والظاهر أن المراد من ~~هذا الإختلاف هو الإختلاف الحاصل بعد ذلك الإتفاق المشار إليه ، بقوله : { ~~كان الناس أمة واحدة } ثم حكم على هذا الإختلاف بأنه إنما حصل بسبب البغي ، ~~وهذا الوصف لا يليق إلا بالمذاهب الباطلة ، فدلت الآية على أن المذاهب ~~الباطلة إنما حصلت / بسبب البغي ، وهذا يدل على أن الاتفاق الذي كان حاصلا ~~قبل حصول هذا الإختلاف إنما كان في الحق لا في الباطل ، فثبت أن الناس ~~كانوا أمة واحدة في الدين الحق لا في الدين الباطل وثالثها : أن آدم عليه ~~السلام لما بعثه الله رسولا إلى أولاده ، فالكل كانوا مسلمين مطيعين لله ~~تعالى ، ولم يحدث فيما بينهم اختلاف في الدين / إلى أن قتل قابيل هابيل ~~بسبب الحسد والبغي ، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر ، والآية منطبقة ~~عليه ، لأن الناس هم آدم وأولاده من الذكور والإناث ، كانوا أمة واحدة على ~~الحق ، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد ، كما حكى الله عن ابني آدم { إذ قربا ~~قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الاخر } ( المائدة : 27 ) فلم يكن ذلك ~~القتل والكفر بالله إلا بسبب البغي والحسد ، وهذا المعنى ثابت بالنقل ~~المتواتر والآية منطبقة عليه ورابعها : أنه لما غرقت الأرض بالطوفان لم يبق ~~إلا أهل السفينة ، وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح ، ثم اختلفوا بعد ~~ذلك ، وهذه القصة مما عرف ثبوتها بالدلائل القاطعة والنقل المتواتر ، إلا ~~أنهم اختلفوا بعد ذلك ، فثبت أن الناس ms1666 كانوا أمة واحدة على الحق ثم اختلفوا ~~بعد ذلك ولم يثبت ألبتة بشيء من الدلائل أنهم كانوا مطبقين على الباطل ~~والكفر ، وإذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على ما ثبت بالدليل وأن لا يحمل على ~~ما لم يثبت بشيء من الدلائل . # وخامسها : وهو أن الدين الحق لا سبيل إليه إلا بالنظر والنظر لا معنى له ~~إلا ترتيب المقدمات لتوصل PageV06P011 بها إلى النتائج ، وتلك المقدمات إن ~~كانت نظرية افتقرت إلى مقدمات أخر ولزم الدور أو التسلسل وهما باطلان فوجب ~~انتهاء النظريات بالآخرة إلى الضروريات ، وكما أن المقدمات يجب إنتهاؤها ~~إلى الضروريات فترتيب المقدمات يجب انتهاؤه أيضا إلى ترتيب تعلم صحته ~~بضرورة العقل وإذا كانت النظريات مستندة إلى مقامات تعلم صحتها بضرورة ~~العقل ، وإلى ترتيبات تعلم صحتها بضرورة العقل ، وجب القطع بأن العقل ~~السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج ، فأما إذا عرض له سبب خارجي ، ~~فهناك يحصل الغلط فثبت أن ما بالذات هو الصواب وما بالعرض هو الخطأ ، وما ~~بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الإستحقاق وبحسب الزمان أيضا ، هذا هو الأظهر ~~فثبت أن الأولى أن يقال : كان الناس أمة واحدة في الدين الحق ، ثم اختلفوا ~~بعد ذلك لأسباب خارجية وهي البغي والحسد ، فهذا دليل معقول ولفظ القرآن ~~مطابق له فوجب المصير إليه . # فإن قيل : فما المراد من قوله : { ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ~~ولذالك خلقهم } ( هود : 188 / 119 ) . # قلنا : المعنى ولأجل أن يرحمهم خلقهم . # وسادسها : قوله عليه السلام : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه ويمجسانه ) دل الحديث على أن المولود لو ترك مع فطرته الأصلية لما ~~كان على شيء من الأديان الباطلة ، وأنه إنما يقدم على الدين الباطل لأسباب ~~خارجية ، وهي سعي الأبوين في ذلك وحصول الأغراض / الفاسدة من البغي والحسد ~~وسابعها : أن الله تعالى لما قال : { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : ~~172 ) فذلك اليوم كانوا أمة واحدة على الدين الحق ، وهذا القول مروي عن أبي ~~بن كعب وجماعة من المفسرين ، إلا أن للمتكلمين ms1667 في هذه القصة أبحاثا كثيرة ، ~~ولا حاجة بنا في نصرة هذا القول بعد تلك الوجوه الستة التي ذكرناها إلى هذا ~~الوجه ، فهذا جملة الكلام في تقرير هذا القول . # أما الوجه الثاني : هو أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الباطل ، فهذا ~~قول طائفة من المفسرين كالحسن وعطاء وابن عباس ، واحتجوا بالآية والخبر أما ~~الآية فقوله : { فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين } وهو لا يليق إلا بذلك ~~، وأما الخبر فما روي عن النبي عليه السلام : ( أن الله تعالى نظر إلى أهل ~~الأرض عربهم وعجمهم فبعثهم إلا بقايا من أهل الكتاب ) . # وجوابه : ما بينا أن هذا لا يليق إلا بضده ، وذلك لأن عند الإختلاف لما ~~وجبت البعثة . فلو كان الإتفاق السابق اتفاقا على الكفر لكانت البعثة في ~~ذلك الوقت أولى / وحيث لم تحصل البعثة هناك علمنا أن ذلك الإتفاق كان ~~اتفاقا على الحق لا على الباطل ، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنه متى كان ~~الناس متفقين على الكفر فقيل من وفاة آدم إلى زمان نوح عليه السلام كانوا ~~كفارا ، ثم سألوا أنفسهم سؤالا وقالوا : أليس فيهم من كان مسلما نحو هابيل ~~وشيث وإدريس ، وأجابوا بأن الغالب كان هو الكفر والحكم للغالب ، ولا يعتد ~~بالقليل في الكثير كما لا يعتد بالشعير القليل في البر الكثير ، وقد يقال : ~~دار الإسلام وإن كان فيها غير المسلمين ودار الحرب وإن كان فيها مسلمون . # القول الثالث : وهو اختيار أبي مسلم والقاضي : أن الناس كانوا أمة واحدة ~~في التمسك بالشرائع العقلية ، وهي الإعتراف بوجود الصانع وصفاته ، ~~والإشتغال بخدمته وشكر نعمته ، والإجتناب عن القبائح العقلية ، PageV06P012 ~~كالظلم ، والكذب ، والجهل ، والعبث وأمثالها . # واحتج القاضي على صحة قوله بأن لفظ النبيين يفيد العموم والإستغراق ، ~~وحرف الفاء يفيد التراخي ، فقوله : { فبعث الله النبيين } يفيد أن بعثه ~~جميع الأنبياء كانت متأخرة عن كون الناس أمة واحدة ، فتلك الوحدة المتقدمة ~~على بعثة جميع الشرائع لا بد وأن تكون وحدة في شرعه غير مستفادة من ~~الأنبياء ، فوجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل وذلك ما بيناه ms1668 ، وأيضا ~~فالعلم بحسن شكر المنعم ، وطاعة الخالق والإحسان إلى الخلق ، والعدل ، ~~مشترك فيه بين الكل ، والعلم بقبح الكذب والظلم والجهل والعبث مشترك فيه ~~بين الكل ، فالأظهر أن الناس كانوا في أول الأمر على ذلك ، ثم اختلفوا بعد ~~ذلك لأسباب منفصلة ، ثم سأل نفسه ، فقال : أليس أول الناس آدم عليه السلام ~~وأنه كان نبيا ، فكيف يصح إثبات الناس مكلفين قبل بعثة الرسل ، وأجاب بأنه ~~يحتمل أنه عليه السلام مع أولاده كانوا مجتمعين على التمسك بالشرائع ~~العقلية أولا ، ثم إن الله / تعالى بعد ذلك بعثه إلى أولاده ، ويحتمل أن ~~بعد ذلك صار شرعه مندرسا ، فالناس رجعوا إلى التمسك بالشرائع العقلية ، ~~واعلم أن هذا القول لا يصح إلا مع إثبات تحسين العقل وتقبيحه ، والكلام فيه ~~مشهور في الأصول . # القول الرابع : أن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة ، وليس فيها ~~أنهم كانوا على الإيمان أو على الكفر ، فهو موقوف على الدليل . # القول الخامس : أن المراد من الناس ههنا أهل الكتاب ممن آمن بموسى عليه ~~السلام ، وذلك لأنا بينا أن هذه الآية متعلقة بما تقدم من قوله : { بالعباد ~~يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة } ( البقرة : 208 ) وذكرنا أن ~~كثيرا من المفسرين زعموا أن تلك الآية نزلت في اليهود ، فقوله تعالى : { ~~كان الناس أمة واحدة } أي كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة ، على دين واحد ~~، ومذهب واحد ، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد ، فبعث الله النبيين ، وهم ~~الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام وأنزل معهم الكتاب ، كما بعث الزبور إلى ~~داود ، والتوراة إلى موسى ، والإنجيل إلى عيسى ، والفرقان إلى محمد عليه ~~السلام لتكون تلك الكتب حاكمة عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها ، ~~وهذا القول مطابق لنظم الآية وموافق لما قبلها ولما بعدها ، وليس فيها ~~إشكال إلا أن تخصيص لفظ الناس في قوله : { كان الناس } بقوم معينين خلاف ~~الظاهر إلا أنك تعلم أن الألف واللام كما تكون للاستغراق فقد تكون أيضا ~~للعهد فهذا ما يتعلق بهذه الآية . # أما قوله تعالى : { فبعث الله النبيين مبشرين ms1669 ومنذرين } فاعلم أنا ذكرنا ~~أنه لا بد ههنا من الإضمار ، والتقدير { كان الناس أمة واحدة * فاختلفوا * ~~فبعث الله النبيين } واعلم أنه الله تعالى وصف النبيين بصفات ثلاث : # الصفة الأولى : كونهم مبشرين . # الصفة الثانية : كونهم منذرين ونظيره قوله تعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين ~~} ( النساء : 165 ) وإنما قدم البشارة على الإنذار ، لأن البشارة تجري مجرى ~~حفظ الصحة ، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض ، ولا شك أن المقصود بالذات هو ~~الأول دون الثاني فلا جرم وجب تقديمه في الذكر . # الصفة الثالثة : قوله : { وأنزل معهم الكتاب بالحق } فإن قيل : إنزال ~~الكتاب يكون قبل وصول الأمر PageV06P013 والنهي إلى المكلفين ، ووصول الأمر ~~والنهي إليهم يكون قبل التبشير والإنذار فلم قدم ذكر التبشير والإنذار على ~~إنزال الكتب ؟ أجاب القاضي عنه فقال : لأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان ~~الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما وعندي ~~فيه وجه آخر وهو أن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق وفي ~~الفرق بين المعجز إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقا ~~للعقاب ، والخوف إنما يقوى ويكمل عند التبشير / والإنذار فلا جرم وجب تقديم ~~البشارة والنذارة على إنزال الكتاب في الذكر ثم قال القاضي : ظاهر هذه ~~الآية يدل على أنه لا نبي إلا معه كتاب منزل فيه بيان الحق طال ذلك الكتاب ~~أم قصر ودون ذلك الكتاب أو لم يدون وكان ذلك الكتاب معجزا أو لم يكن كذلك ، ~~لأن كون الكتاب منزلا معهم لا يقتضي شيئا من ذلك . # أما قوله تعالى : { ليحكم بين الناس } فاعلم أنه قوله : { ليحكم } فعل ~~فلا بد من استناده إلى شيء تقدم ذكره ، وقد تقدم ذكر أمور ثلاثة ، فأقربها ~~إلى هذا اللفظ : الكتاب ، ثم النبيون ، ثم الله فلا جرم كان إضمار كل واحد ~~منها صحيحا ، فيكون المعنى : ليحكم الله ، أو النبي المنزل عليه ، أو ~~الكتاب ، ثم إن كل واحد من هذه الإحتمالات يختص بوجه ترجيح ، أما الكتاب ~~فلأنه أقرب المذكورات ، وأما الله فلأنه سبحانه هو الحاكم في الحقيقة لا ms1670 ~~الكتاب ، وأما النبي فلأنه هو المظهر فلا يبعد أن يقال : حمله على الكتاب ~~أولى ، أقصى ما في الباب أن يقال : الحاكم هو الله ، فإسناد الحكم إلى ~~الكتاب مجاز إلا أن نقول : هذا المجاز يحسن تحمله لوجهين الأول : أنه مجاز ~~مشهور يقال : حكم الكتاب بكذا ، وقضى كتاب الله بكذا ، ورضينا بكتاب الله ، ~~وإذا جاز أن يكون هدي وشفاء ، جاز أن يكون حاكما قال تعالى : { إن هاذا ~~القرءان يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين } ( الإسراء : 9 ) والثاني : أنه ~~يفيد تفخيم شأن القرآن وتعظيم حاله . # أما قوله تعالى : { فيما اختلفوا فيه } فاعلم أن الهاء في قوله : { فيما ~~اختلفوا فيه } يجب أن يكون راجعا ، إما إلى الكتاب ، وإما إلى الحق ، لأن ~~ذكرهما جميعا قد تقدم ، لكن رجوعه إلى الحق أولى ، لأن الآية دلت على أنه ~~تعالى إنما أنزل الكتاب ليكون حاكما فيما اختلفوا فيه فالكتاب حاكم ، ~~والمختلف فيه محكوم عليه ، والحاكم يجب أن يكون مغايرا للمحكوم عليه . # أما قوله تعالى : { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه } فالهاء الأولى راجعة ~~إلى الحق والثانية : إلى الكتاب والتقدير : وما اختلف في الحق إلا الذين ~~أوتوا الكتاب ، ثم قال أكثر المفسرين : المراد بهؤلاء : اليهود والنصارى ~~والله تعالى كثيرا ما يذكرهم في القرآن بهذا اللفظ كقوله : { وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم } ( المائدة : 5 ) { قل ياأهل * أهل الكتاب * تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } ( آل عمران : 64 ) ثم المراد باختلافهم يحتمل ~~أن يكون هو تكفير بعضهم بعضا كقوله تعالى : { وقالت اليهود ليست النصارى ~~على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء وهم يتلون الكتاب } ( البقرة : ~~113 ) ويحتمل أن يكون اختلافهم تحريفهم وتبديلهم ، فقوله : { وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه } أي وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب مع أنه كان ~~المقصود من إنزال الكتاب أن لا يختلفوا وأن يرفعوا المنازعة في الدين واعلم ~~أن هذا يدل على أن الإختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء وإنزال ~~الكتب وذلك يوجب أن قبل بعثهم ما كان الإختلاف في ms1671 الحق حاصلا ، بل كان ~~الإتفاق في الحق حاصلا وهو / يدل على أن قوله تعالى : { كان الناس أمة ~~واحدة } معناه أمة واحدة في دين الحق . PageV06P014 # أما قوله تعالى : { من بعد ما جاءتهم البينات } فهو يقتضي أن يكون إيتاء ~~الله تعالى إياهم الكتاب كان بعد مجيء البينات فتكون هذه البينات مغايرة لا ~~محالة لإيتاء الكتاب وهذه البينات لا يمكن حملها على شيء سوى الدلائل ~~العقلية التي نصبها الله تعالى على إثبات الأصول التي لا يمكن القول ~~بالنبوة إلا بعد ثبوتها ، وذلك لأن المتكلمين يقولون كل ما لا يصح إثبات ~~النبوة إلا بعد ثبوته ، فذلك لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية وإلا وقع ~~الدور ، بل لا بد من إثباتها بالدلائل العقلية فهذه الدلائل هي البينات ~~المتقدمة على إيتاء الله الكتب إياهم . # أما قوله تعالى : { بغيا بينهم } فالمعنى أن الدلائل إما سمعية وإما ~~عقلية . أما السمعية فقد حصلت بإيتاء الكتاب ، وأما العقلية فقد حصلت ~~بالبينات المتقدمة على إيتاء الكتاب فعند ذلك قد تمت البينات ولم يبق في ~~العدول عذر ولا علة ، فلو حصل الإعراض والعدول لم يكن ذلك إلا بحسب الحسد ~~والبغي والحرص على طلب الدنيا ، ونظيره هذه الآية قوله تعالى : { وما تفرق ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } ( البينة : 4 ) . # أما قوله تعالى : { فهدى الله الذين ءامنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه } فاعلم أنه تعالى لما وصف حال أهل الكتاب وأنهم بعد كمال البينات ~~أصروا على الكفر والجهل بسبب البغي والحسد بين أن حال هذه الأمة بخلاف حال ~~أولئك فإن الله عصمهم عن الزلل وهداهم إلى الحق في الأشياء التي اختلف فيا ~~أهل الكتاب ، يروى أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( نحن الآخرون السابقون ~~يوم القيامة ، ونحن أولى الناس دخولا الجنة يوم القيامة بيد أنهم أوتوا ~~الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهدانا لله لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه ، فهذا اليوم الذي هدانا له ، والناس له فيه تبع وغدا لليهود ، وبعد ~~غد للنصارى ) قال ابن زيد : اختلفوا في القبلة فصلت ms1672 اليهود إلي بيت المقدس ~~والنصارى إلى المشرق ، فهدانا الله للكعبة واختلفوا في الصيام ، فهدانا ~~الله لشهر رمضان ، واختلفوا في إبراهيم ، فقالت اليهود : كان يهوديا وقالت ~~النصارى : كان نصرانيا ، فقلنا : أنه كان حنيفا مسلما واختلفوا في عيسى ، ~~فاليهود فرطوا ، والنصارى أفرطوا ، وقلنا القول العدل ، وبقي في الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : من الأصحاب من تمسك بهذه الآية على أن الإيمان مخلوق ~~لله تعالى قال : لأن الهداية هي العلم والمعرفة ، وقوله : { فهدى الله } نص ~~في أن الهداية حصلت بفعل الله تعالى ، فدل ذلك على أن الإيمان مخلوق لله ~~تعالى . # واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأنا بينا أن الهداية غير ، والاهتداء غير ، ~~والذي يدل ههنا على أن الهداية لا يمكن أن تكون عبارة عن الإيمان وجهان ~~الأول : أن الهداية إلى الإيمان غير / الإيمان كما أن التوفيق للإيمان غير ~~الإيمان والثاني : أنه تعالى قال في آخر الآية : { بإذنه } ولا يمكن صرف ~~هذا الإذن إلى قوله : { فهدى الله } إذ لا جائز أن يأذن لنفسه فلا بد ههنا ~~من إضمار ليصرف هذا الإذن إليه / والتقدير : فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق فاهتدوا بإذنه ، وإذا كان كذلك كانت الهداية مغايرة ~~للاهتداء . # المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الله تعالى قد يخص ~~المؤمن بهدايات لا يفعلها في حق الكافر ، والمعتزلة أجابوا عنه من وجوه ~~أحدها : أنهم اختصوا بالاهتداء فجعل هداية لهم خاصة PageV06P015 كقوله : { ~~هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) ثم قال : { هدى للناس } وثانيها : أن المراد ~~به : الهداية إلى الثواب وطريقة الجنة وثالثها : هداهم إلى الحق بالألطاف . # المسألة الثالثة : قوله : { لما اختلفوا فيه } ( المجادلة : 3 ) أي إلى ~~ما اختلفوا فيه كقوله تعالى : { يعودون لما قالوا } أي إلى ما قالوا ويقال ~~: هديته الطريق وللطريق وإلى الطريق . # فإن قيل : لم قال فهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، ولم يقل : ~~هداهم للحق فيما اختلفوا وقدم الإختلاف ؟ # والجواب من وجهين الأول : أنه لما كانت العناية بذكر الإختلاف لهم بدأ به ~~، ثم فسره بمن هداه الثاني : قال الفراء : هذا من ms1673 المقلوب ، أي فهداهم لما ~~اختلفوا فيه . # المسألة الرابعة : قوله : { بإذنه } فيه وجهان أحدها : قال الزجاج بعلمه ~~الثاني : هداهم بأمره أي حصلت الهداية بسبب الأمر كما يقال : قطعت بالسكين ~~، وذلك لأن الحق لم يكن متميزا عن الباطل وبالأمر حصل التمييز فجعلت ~~الهداية بسبب إذنه الثالث : قال بعضهم : لا بد فيه من إضمار والتقدير : ~~هداهم فاهتدوا بإذنه . # أما قوله : { والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } فاستدلال الأصحاب به ~~معلوم ، والمعتزلة أجابوا من ثلاثة أوجه أحدها : المراد بالهداية البيان ، ~~فالله تعالى خص المكلفين بذلك والثاني : المراد بالهداية الطريق إلى الجنة ~~الثالث : المراد به اللطف فيكون خاصا لمن يعلم أنه يصلح له وهو قول أبي بكر ~~الرازي . # ! 7 < { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر ~~الله ألاإن نصر الله قريب } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 214 ) أم حسبتم أن . . . . . # > > في النظم وجهان الأول : أنه تعالى قال في الآية السالفة : { والله ~~يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } : والمراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق وطلب ~~الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد ~~في التكليف فقال : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ~~من قبلكم } الآية الثاني : أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك الهداية احتملوا ~~الشدائد في إقامة الحق وصبروا على البلوى ، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا ~~تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : استقصينا الكلام في لفظ { أم } في تفسير قوله تعالى : { ~~أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب PageV06P016 الموت } ( البقرة : 133 ) والذي ~~نريده ههنا أن نقول { أم } استفهام متوسط كما أن { هل } استفهام سابق ، ~~فيجوز أن يقول : هل عندك رجل ، أعندك رجل ؟ ابتداء ، ولا يجوز أن يقال : أم ~~عندك رجل ، فأما إذا كان متوسطا جاز سواء كان ms1674 مسبوقا باستفهام آخر أو لا ~~يكون ، أما إذاكان مسبوقا باستفهام آخر فهو كقولك : أنت رجل لا تنصف ، أفعن ~~جهل تفعل هذا أم لك سلطان ؟ وأما الذي لا يكون مسبوقا بالاستفهام فهو كقوله ~~: { الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه } ( ~~السجدة : 1 3 ) وهذا القسم يكون في تقدير القسم الأول ، والتقدير : ~~أفيؤمنون بهذا أم يقولون أفتراه ؟ فكذا تقدير هذه الآية : فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فصبروا على استهزاء قومهم بهم ، ~~أفتسلكون سبيلهم ، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم ؟ هذا ما ~~لخصه القفال رحمه الله ، والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم } ~~أي ولم يأتكم مثل الذين خلوا وذكر الكوفيون من أهل النحو أن { لما } إنما ~~هي { لم } و { ما } زائدة وقال سيبويه : { ما } ليست زائدة لأن { لما } تقع ~~في مواضع لا تقع فيها { لم } يقول الرجل لصاحبه : أقدم فلان ؟ فيقول : { ~~لما } ولا يقول : { لم } مفردة ، قال المبرد : إذا قال القائل : لم يأتني ~~زيد ، فهو نفي لقولك أتاك زيد وإذا قال : لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني ~~بعد وأنا أتوقعه قال النابغة : # % أزف الترحل غير أن ركابنا % % لما تزل برحالنا وكأن قد % # فعلى هذا قوله : { ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم } يدل على أن ~~إتيان ذلك متوقع منتظر . # / المسألة الثالثة : قال ابن عباس : لما دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة ، اشتد الضرر عليهم ، لأنهم خرجوا بلا مال ، وتركوا ديارهم ~~وأموالهم في أيدي المشركين ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم { أم حسبتم } وقال قتادة ~~والسدي : نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن ~~، وكان كما قال سبحانه وتعالى : { وبلغت القلوب الحناجر } ( الأحزاب : 10 ) ~~وقيل نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله بن أبي لأصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم : إلى متى تقتلون أنفسكم وترجون الباطل ولو كان محمد ms1675 نبيا لما سلط ~~الله عليكم الأسر والقتل ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . # واعلم أن تقدير الآية : أم حسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد ~~الإيمان بي وتصديق رسولي ، دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به ، وابتلاكم ~~بالصبر عليه ، وأن ينالكم من أذى الكفار ، ومن احتمال الفقر والفاقة ، ~~ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدو ، كما ~~كان كذلك من قبلكم من المؤمنين ، وهو المراد من قوله : { ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم } والمثل هو المثل وهو الشبة ، وهما لغتان : مثل ومثل ~~كشبه وشبه ، إلا أن المثل مستعار لحالة غريبة أو قصة عجيبة لها شأن ومنه ~~قوله تعالى : { ولله المثل الاعلى } ( النحل : 60 ) أي الصفة التي لها شأن ~~عظيم . # واعلم أن في الكلام حذفا تقديره : مثل محنة الذين من قبلكم ، وقوله : { ~~مستهم } بيان للمثل ، وهو استئناف كأن قائلا قال : فكيف كان ذلك المثل ؟ ~~فقال : { مستهم البأساء والضراء وزلزلوا } ( البقرة : 214 ) . # أما { البأساء } فهو اسم من البؤس بمعنى الشدة وهو الفقر والمسكنة ومنه ~~يقال فلان في بؤس وشدة . PageV06P017 # وأما { الضراء } فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع ~~وضروب الخوف ، وعندي أن البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه ، ~~والضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر والآفة والألم عليه . # وأما قوله : { وزلزلوا } أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا قال الزجاج : ~~أصل الزلزلة في اللغة من أزال الشيء عن مكانه فإذا قلت : زلزلته فتأويله ~~أنك كررت تلك الإزالة فضوعف لفظه بمضاعفة معناه ، وكل ما كان فيه تكرير ~~كررت فيه فاء الفعل ، نحو صر ، وصرصر ، وصل وصلصل ، وكف ، وكفكف ، وأقل ~~الشيء ، أي رفعه من موضعه ، فإذا كرر قيل : قلقل ، وفسر بعضهم { * زلزلوا } ~~ههنا بخوفوا ، وحقيقته غير ما ذكرنا ، وذلك لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب ~~قلبه ، ولذلك لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد ، لأنه يذهب السكون ، ~~فيجب أن يكون زلزلوا ههنا مجازا ، والمراد : خوفوا ، ويجوز أن يكونوا ~~مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف ، ثم أنه ms1676 تعالى بعد ذكر ~~هذه الأشياء ذكر شيئا آخر وهو النهاية في الدلالة على كمال الضر / والبؤس ~~والمحنة ، فقال : { وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر ~~الله } وذلك لأن الرسل عليهم السلام يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط ~~النفس عند نزول البلاء ، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا ، كان ذلك هو الغاية ~~القصوى في الشدة ، فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم : { ~~ألا إن نصر الله قريب } إجابة لهم إلى طلبهم ، فتقدير الآية هكذا : كانت ~~حالهم إلى أن أتاهم نصر الله ولم يغيرهم طول البلاء عن دينهم ، وأنتم يا ~~معشر المسلمين كونوا على ذلك وتحملوا الأذى والمشقة في طلب الحق ، فإن نصر ~~الله قريب ، لأنه آت ، وكل ما هو آت قريب ، وهذه الآية مثل قوله : { الم * ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم فليعلمن الله } ( العنكبوت : 1 3 ) وقال : { أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } ( آل عمران : 142 ~~) والمقصود من هذه الآية ما ذكرنا أن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام كان ~~ينالهم الأمر العظيم من البأساء والضراء من المشركين والمنافقين واليهود / ~~ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والنفوس ما لا يخفى ~~، فعزاهم الله في ذلك وبين أن حال من قبلهم في طلب الدين كان كذلك ، ~~والمصيبة إذا عمت طابت ، وذكر الله من قصة إبراهيم عليه السلام وإلقائه في ~~النار ، ومن أمر أيوب عليه السلام وما ابتلاه الله به ، ومن أمر سائر ~~الأنبياء عليهم السلام في مصابرتهم على أنواع البلاء ما صار ذلك في سلوة ~~المؤمنين . # روى قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرت ، قال : شكونا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما نلقى من المشركين ، فقال : ( إن من كان قبلكم من الأمم ~~كانوا يعذبون بأنواع البلاء فلم يصرفهم ذلك عن دينهم ، حتى إن الرجل يوضع ~~على رأسه المنشار فيشق فلقتين ، ويمشط الرجل بأمشاط الحديد ms1677 فيما دون العظم ~~من لحم وعصب وما يصرفه ذلك عن دينه ، وايم الله ليتمن الله هذا الأمر حتى ~~يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ~~ولكنكم تستعجلون ) . # المسألة الرابعة : قرأ نافع { حتى يقول } برفع اللام والباقون بالنصب ، ~~ووجهه أن { حتى } إذا نصبت المضارع تكون على ضربين أحدهما : أن تكون بمعنى ~~: إلى ، وفي هذا الضرب يكون الفعل الذي حصل قبل { حتى } والذي حصل بعدها قد ~~وجدا ومضيا ، تقول : سرت حتى أدخلها ، أي إلى أن أدخلها ، PageV06P018 ~~فالسير والدخول قد وجدا مضيا ، وعليه النصب في هذه الآية ، لأن التقدير : ~~وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ، والزلزلة والقول قد وجدا والثاني : أن تكون ~~بمعنى : كي ، كقوله : أطعت الله حتى أدخل الجنة ، أي كي أدخل الجنة ، ~~والطاعة قد وجدت والدخول لم يوجد ، ونصب الآية لا يمكن أن يكون على هذا ~~الوجه ، وأما الرفع فاعلم أن الفعل الواقع بعد { حتى } لا بد وأن يكون على ~~سبيل الحال المحكية التي وجدت ، كما حكيت الحال في قوله : { هاذا من شيعته ~~وهاذا من عدوه } ( القصص : 15 ) وفي قوله : { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } ~~( الكهف : 18 ) لأن هذا لا يصح إلا على / سبيل أن في ذلك الوقت كان يقال ~~هذا الكلام ، ويقال : شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنة ، والمعنى شربت ~~حتى إن من حضر هناك يقال : يجيء البعير يجر بطنه ، ثم هذا قد يصدق عند ~~انقضاء السبب وحده دون المسبب ، كقولك : سرت حتى أدخل البلد . فيحتمل أن ~~السير والدخول قد وجدا وحصلا ، ويحتمل أن يكون قد وجد السير والدخول بعد لم ~~يوجد ، فهذا هو الكلام في تقرير وجه النصب ووجه الرفع ، واعلم أن الأكثرين ~~اختاروا النصب لأن قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكاية عمن يخبر ~~عنها حال وقوعها ، وقراءة النصب لا تحتاج إلى هذا الفرض فلا جرم كانت قراءة ~~النصب أولى . # المسألة الخامسة : في الآية إشكال ، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع ~~بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد ms1678 { متى PageV06P019 نصر ~~الله } . # والجواب عنه من وجوه أحدها : أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد ~~الأعداء ، قال تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } ( الحجر : ~~97 ) وقال تعالى : { لعلك باخع نفسك * أن لا * يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : ~~3 ) وقال تعالى : { حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ~~فنجى } ( يوسف : 110 ) وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته ، وكان قد سمع من ~~الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك ، قال عند ضيق قلبه : ~~{ متى نصر الله } حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطالب قلبه ، ~~والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب : { ألا إن نصر الله قريب } فلما ~~كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعا عن القرب / ولو كان ~~السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا ؟ لما كان هذا الجواب مطابقا لذلك ~~السؤال ، وهذا هو الجواب المعتمد . # والجواب الثاني : أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ~~ثم ذكر كلامين أحدهما : { متى نصر الله } والثاني : { ألا إن نصر الله قريب ~~} فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين : ~~فالذين آمنوا قالوا : { متى نصر الله } والرسول صلى الله عليه وسلم قال : { ~~ألا إن نصر الله قريب } قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر ، أما القرآن ~~فقوله : { ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } ~~والمعنى : لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ، وأما من الشعر ~~فقول امرىء القيس : # % كأن قلوب الطير رطبا ويابسا % % لدي وكرها العناب والحشف البالي % # فالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس ، فهذا جواب ذكره قوم وهو ~~متكلف جدا . # المسألة السادسة : { ألا إن نصر الله قريب } يحتمل أن يكون جوابا من الله ~~تعالى لهم ، إذ قالوا : { متى نصر الله } فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله : ~~{ متى نصر الله } ثم قال الله عند ذلك { ألا إن نصر الله قريب } ويحتمل أن ~~يكون ms1679 ذلك قولا لقوم منهم ، كأنهم لما قالوا : { متى نصر الله } رجعوا / إلى ~~أنفسكم فعلموا أن الله لا يعلي عدوهم عليهم ، فقالوا : { ألا إن نصر الله ~~قريب } فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك . # فإن قيل : قوله : { ألا إن نصر الله قريب } يوجب في حق كل من لحقه شدة أن ~~يعلم أن سيظفر بزوالها ، وذلك غير ثابت . # قلنا : لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام ، ويمكن أن ~~يكون ذلك عاما في حق الكل ، إذ كل من كان في بلاء فإنه لا بد له من أحد ~~أمرين ، إما أن يتخلص عنه ، وإما أن يموت وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل ~~أمره ولا يضيع حقه ، وذلك من أعظم النصر ، وإنما جعله قريبا لأن الموت قريب ~~. # ! 7 < { يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والا قربين ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } . > ~~7 ! # < < # | البقرة : ( 215 ) يسألونك ماذا ينفقون . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن ~~يكون معرضا عن طرب العاجل ، وأن يكون مشتغلا بطلب الآجل ، وأن يكون بحيث ~~يبذل النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية ~~إلى قوله : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } ( البقرة : 243 ) لأن من ~~عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام ~~مختلطا بعضها بالبعض ، ليكون كل واحد منها مفويا للآخر ومؤكدا له . # الحكم الأول # فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية وفيه مسائل # المسألة الأولى : قال عطاء : عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى ~~للنبي عليه الصلاة والسلام فقال إن لي دينارا فقال : أنفقه على نفسك قال : ~~إن لي دينارين قال : أنفقهما على أهلك قال : إن لي ثلاثة قال : أنفقها على ~~خادمك قال : إن لي أربعة قال : أنفقها على والديك قال : إن لي خمسه قال : ~~أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال : أنفقها في سبيل الله ms1680 وهو أحسنها : ~~وروى الكلبي / عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح وكان شيخا ~~كبيرا هرما ، وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم ، فقال : ماذا ننفق من ~~أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية . # المسألة الثانية : للنحويين في { ماذا } قولان أحدهما : أن يجعل { ما } ~~مع { ذا } بمنزلة اسم واحد ويكون الموضع نصبا بينفقون ، والدليل عليه أن ~~العرب يقولون : عماذا تسأل ؟ بإثبات الألف في { ما } فلولا PageV06P020 أن ~~{ ما } مع { ذا } بمنزلة اسم واحد لقالوا : عماذا تسأل ؟ بحذف الألف كما ~~حذفوها من قوله تعالى : { عم يتساءلون } ( النبأ : 1 ) وقوله : { فيم أنت ~~من ذكراها } ( النازعات : 43 ) فلما لم يحذفوا الألف من آخر { ما } علمت ~~أنه مع { ذا } بمنزلة اسم واحد ولم يحذفوا الألف منه لما لم يكن آخر الاسم ~~والحذف يلحقها إذا كان آخرا إلا أن يكون في شعر كقوله : # % غلاما قام يشتمني لئيم % % كخنزير تمرغ في رماد % # والقول الثاني : أن يجعل { ذا } بمعنى الذي ويكون { ما } رفعا بالابتداء ~~خبرها { ذا } والعرب قد يستعملون { ذا } بمعنى الذي ، فيقولون : من ذا يقول ~~ذاك ؟ أي من ذا الذي يقول ذاك ، فعلى هذ يكون تقدير الآية : يسألونك ما ~~الذي ينفقون . # المسألة الثالثة : في الآية سؤال ، وهو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن ~~تصرف النفقة إليهم ، فكيف أجابهم بهذا ؟ . # والجواب عنه من وجوه أحدها : أنه حصل في الآية ما يكون جوابا عن السؤال ~~وضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود ، وذلك لأن قوله : { ما أنفقتم من خير ~~} جواب عن السؤال ، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفا إلى جهة ~~الإستحقاق ، فلهذا لما ذكر الله تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلا ~~للبيان وثانيها : قال القفال : إنه وإن كان السؤال واردا بلفظ { ما } إلا ~~أن المقصود : السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذين أمروا به ~~إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى ، وإذا كان هذا معلوما لم ينصرف الوهم ~~إلى أن ذلك المال أي شيء هو ؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون ms1681 مرادا تعين أن ~~المطلوب بالسؤال أن مصرفه أي شيء هو ؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال ، ~~ونظيره قوله تعالى : { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشابه ~~علينا * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول } ( البقرة : 70 ، 71 ) وإنما كان ~~هذا الجواب موافقا لذلك السؤال ، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة ~~التي شأنها وصفتها كذا ، فقوله : { ما هى } لا يمكن حمله على طلب الماهية ، ~~فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها ، ~~فبهذا الطريق قلنا : إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال ، فكذا ههنا لما ~~علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو ، وجب أن يقطع بأن ~~مرادهم من قولهم : { ماذا ينفقون } ليس هو طلب الماهية ، بل طلب المصرف ~~فلهذا حسن الجواب وثالثها : يحتمل أن يكون المراد أنهم سألوا هذا / السؤال ~~فكأنهم قيل لهم : هذا السؤال فاسد أنفق أي شيء كان ولكن بشرط أن يكون مالا ~~حلالا وبشرط أن يكون مصروفا إلى المصرف وهذا مثل ما إذا كان الإنسان صحيح ~~المزاج لا يضره أكل أي طعام كان ، فقال للطبيب : ماذا آكل ؟ فيقول الطبيب : ~~كل في اليوم مرتين ، كان المعنى : كل ما شئت لكن بهذا الشرط كذا ههنا ~~المعنى : أنفق أي شيء أردت بشرط أن يكون المصرف ذلك . # المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق ، فقدم ~~الوالدين ، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب ، ~~ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف ، فكان إنعامهما على الابن أعظم ~~من إنعام غيرهما عليه ، ولذلك قال تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين } ( الإسراء : 23 ) وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله ~~تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين ، لأن PageV06P021 الله تعالى هو الذي ~~أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة ، والوالدان هما اللذان ~~أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة ، فثبت أن حقهما أعظم من ~~حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما ms1682 على غيرهما في رعاية الحقوق ، ثم ذكر تعالى ~~بعد الوالدين الأقربين ، والسبب فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح ~~جميع الفقراء ، بل لا بد وأن يرجح البعض على البعض ، والترجيح لا بد له من ~~مرجح ، والقرابة تصلح أن تكون سببا للترجيح من وجوه أحدها : أن القرابة ~~مظنة المخالطة ، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر ، فإذا ~~كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا كان اطلاع الفقير على الغني أتم ، واطلاع ~~الغني على الفقير أتم ، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها : أنه لو ~~لم يراع جانب الفقير ، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه ~~فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعا للضرر عن النفس وثالثها : أن قريب الإنسان ~~جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير ، فلهذا ~~السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد ، ثم إن الله ~~تعالى ذكر بعد الأقربين اليتامى ، وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على ~~الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم ، فالطفل الذي مات أبوه قد ~~عدم الكسب والكاسب . وأشرب على الضياع ، ثم ذكر تعالى بعدهم المساكين وحاجة ~~هؤلاء أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ثم ~~ذكر تعالى بعدهم ابن السبيل فإنه بسبب انقطاعه عن بلده ، قد يقع في ~~الاحتياج والفقر ، فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله تعالى في كيفية ~~الإنفاق ، ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال ~~فقال : { وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } أي وكل ما فعلتموه من خير ~~إما من هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من ~~أليم عقابه فإن الله به عليم ، والعليم مبالغة في كونه عالما يعني لا يعزب ~~عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في / السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما ~~قال : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } ( آل عمران : 19 ) ~~وقال : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ms1683 يره } ( الزلزلة : 7 ) . # المسألة الخامسة : المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل : { وإنه لحب ~~الخير لشديد } ( العاديات : 8 ) وقال : { إن ترك خيرا الوصية } ( البقرة : ~~180 ) فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر ، وفيه قول آخر ~~وهو أن يكون قوله : { وما تفعلوا من خير } يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه ~~البر والطاعة ، وهذا أولى . # المسألة السادسة : قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وهذا ~~ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها أحدها : قال ~~أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك ، والمراد ~~بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك ، وإذا حملنا ~~الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث ، لا وجه له ~~لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت ، وأيضا فما يصل ~~بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة وثانيها : أن يكون المراد من أحب التقرب إلى ~~الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى ~~فالأولى PageV06P022 فيكون المراد به التطوع وثالثها : أن يكون المراد ~~الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى ~~والمساكين مما يكون زكاة ورابعها : يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين ~~والأقربين ما يكون بعثا على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما ~~يخلص للصدقة فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ . # الحكم الثاني # فيما يتعلق بالقتال # ! 7 < { كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 216 ) كتب عليكم القتال . . . . . # > > # وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في ~~القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ~~ثم أذن له في قتال المشركين عامة ، ثم فرض الله الجهاد واختلف العلماء في ~~هذه الآية فقال قوم : إنها تقتضي وجوب ms1684 القتال على الكل وعن مكحول أنه كان ~~يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء : أن هذه الآية ~~تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط ~~حجة الأولين أن قوله : { كتاب } يقتضي الوجوب وقوله : { عليكم } يقتضيه ~~أيضا ، والخطاب بالكاف في قوله : { عليكم } لا يمنع من الوجوب على ~~الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك كما في قوله : { كتب عليكم القصاص } ( ~~البقرة : 178 ) ، { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) . # فإن قيل : ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان أو على الكفاية ~~. # قلنا : بل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان لأن قوله : { عليكم } أي على ~~كل واحد من آحادكم كما في قوله : { كتب عليكم القصاص * كتب عليكم الصيام } ~~حجة عطاء أن قوله : { كتاب } يقتضي الإيجاب ، ويكفي في العمل به مرة واحدة ~~وقوله : { عليكم } يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا ~~قلنا : إن قوله : { كتب عليكم القصاص * كتب عليكم الصيام } حال الموجودين ~~فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ، بدلالة منفصلة وهي الإجماع ، وتلك الدلالة ~~مفقودة ههنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلى ، قالوا : ومما يدل على صحة هذا ~~القول قوله تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى } ( النساء : 95 ) ولو كان ~~القاعد مضيعا فرضا لما كان موعودا بالحسنى ، اللهم إلا أن يقال : الفرض كان ~~ثابتا ثم نسخ ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير ~~جائز ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ( ~~التوبة : 122 ) والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه ، والإجماع اليوم ~~منعقد على أنه من فروض الكفايات ، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه ~~يتعين الجهاد حينئذ على الكل والله أعلم . PageV06P023 # المسألة الثانية : قوله : { وهو كره لكم } فيه إشكال وهو أن الظاهر من ~~قوله : { كتب عليكم } أن هذا الخطاب مع المؤمنين ، والعقل يدل عليه أيضا ~~لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر ، وإذا كان كذلك فكيف قال : { وهو كره لكم ~~} فإن هذا يشعر بكون ms1685 المؤمن كارها لحكم الله وتكليفه وذلك غير جائز ، لأن ~~المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر الله تعالى وتكاليفه ، بل يرضى بذلك ويحبه ~~ويتمسك به ويعلم أنه صلاحه وفي تركه فساده . # والجواب من وجهين : الأول : أن المراد من الكره ، كونه شاقا على النفس ، ~~والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه ، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ~~ثقيلا شاقا على النفس ، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة ~~، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة ، / فلذلك أشق الأسياء ~~على النفس القتال الثاني : أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما ~~فيه من الخوف ، ولكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال ~~خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم . # المسألة الثالثة : الكره بضم الكاف هو الكراهة بدليل قوله : { وعسى أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم } ثم فيه وجهان أحدهما : أن يكون المعنى وضع ~~المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء : # % فإنما هي إقبال وإدبار % % # كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له والثاني : أن يكون فعلا بمعنى مفعول ~~، كالخبر بمعنى المخبور أي وهو مكروه لكم وقرأ السلمي بالفتح وهما لغتان ~~كالضعف والضعف ، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز ، كأنهم ~~أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ، ومشقته عليهم ، ومنه قوله تعالى : { حملته ~~أمه كرها ووضعته كرها } ( الأحقاف : 15 ) والله أعلم وقال بعضهم : الكره ، ~~بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه ، وإذا كان بالإكراه فبالفتح . # أما قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر ~~لكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : { عسى } فعل درج مضارعه وبقي ماضيه فيقال منه ، عسيتما ~~وعسيتم قال تعالى : { فهل عسيتم } ( محمحد : 22 ) ويرتفع الاسم بعده كما ~~يرتفع بعد الفعل فتقول : عسى زيد . كما تقول : قام زيد ومعناه : قرب قال ~~تعالى : { قل عسى أن يكون ردف لكم } ( النمل : 72 ) أي قرب ، فقولك عسى زيد ~~أن يقوم تقديره عسى قيام زيد أي قرب قيام زيد . # المسألة ms1686 الثانية : معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال ، ~~وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد ، ولأجله حسن شرب الدوا المرء ~~في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل ، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار ~~لتوقع حصول الربح في المستقبل ، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز ~~بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى ، وههنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد ~~وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل ، وصون المال عن الإنفاق ، ~~ولكن فيه أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون ~~قصة بلادكم وحاول قتلكم فأما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم ، وإما أن ~~تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح ، وهذا يكون كترك مداواة المرض ~~في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء ، ثم في آخر الأمر يصير ~~المرء مضطرا إلى تحمل أضعاف تلك النفرة PageV06P024 والمشقة ، والحاصل أن ~~القتال سبب لحصول الأمن ، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت ، ومنها وجدان ~~الغنيمة ، ومنها / السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء . # أما ما يتعلق بالدين فكثيرة ، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا ~~فعل الجهاد تقربا وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله ، ومنها ~~أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين ، ~~ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال ~~بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم ~~عند الله ، ومنها أن من أقدم على القتال طلبا لمرضاة الله تعالى كان قد ~~تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله ، وما لم يصر الرجل متيقنا بفضل الله ~~وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين ، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى ~~بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا ، وذلك ~~من أعظم سعادات الإنسان . # فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله فهو خير كثير ~~وبالضد ، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا ms1687 فالأكثر منفعة هو الراجح وهذا هو ~~المراد من قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا ~~وهو شر لكم } . # المسألة الثالثة : { الشر } السوء وأصله من شررت الشيء إذا بسطته ، يقال ~~شررت اللحم والثوب إذا بسطته ليجف ، ومنه قوله : # % وحتى أشرت بالأكف المصاحف % % # { * والشرر } اللهب لانبساطه فعلى هذا { للناس الشر } انبساط الأشياء ~~الضارة . # المسألة الرابعة : { عسى } توهم الشك مثل { لعل } وهي من الله تعالى يقين ~~، ومنهم من قال إنها كلمة مطمعة ، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا ~~أنها تدل على حصول الشك للمستمع وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل ، ~~أما إن قلنا بأنها بمعنى { لعل } فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله ~~تعالى : { لعلكم تتقون } ( البقرة : 183 ) قال الخليل : { عسى } من الله ~~واجب في القرآن قال : { فعسى الله أن يأتى بالفتح } ( المائدة : 52 ) وقد ~~وجد { وعسى * الله أن يأتينى بهم جميعا } ( يوسف : 83 ) وقد حصل والله أعلم ~~. # أما قوله تعالى : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } فالمقصود منه الترغيب ~~العظيم في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه ، وكمال علم ~~الله تعالى ، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته ، ~~علم قطعا أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله ، سواء كان مكروها ~~للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال : يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من ~~علمك فكن مشتغلا بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام ~~تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة { إني أعلم ما لا تعلمون } . # PageV06P025 ! 7 < { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ~~وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن ~~استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولائك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والا خرة وأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 217 ) يسألونك عن ms1688 الشهر . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن هذا السائل أكان من المسلمين أو من ~~الكافرين والقائلون بأنه من المسلمين فريقان الأول : الذين قالوا إنه تعالى ~~لما كتب عليهم القتال وقد كان عند القوم الشهر الحرام والمسجد الحرام أعظم ~~الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيدا بأن ~~يكون في غير هذا الزمان وفي غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أيحل لنا قتالهم في هذا الشهر وفي هذا ~~الموضع ؟ فنزلت الآية ، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من ~~المسلمين . # الفريق الثاني : وهم أكثر المفسرين : رووا عن ابن عباس أنه قال : إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال ~~بدر بشهرين ، وبعد سبعة عشر شهرا من مقدمة المدينة في ثمانية رهط ، وكتب له ~~كتابا وعهدا ودفعه إليه ، وأمره أن يفتحه بعد منزلتين ، ويقرأه على أصحابه ~~، ويعمل بما فيه ، فإذا فيه : أما بعد فسر على بركة الله تعالى بمن اتبعك ~~حتى تنزل بطن نخل ، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير ، فقال عبد ~~الله : سمعا / وطاعة لأمره فقال لأصحابه : من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي ~~فإني ماض لأمره ، ومن أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة ~~والطائف ، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه ، فلما رأوا أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار ، ~~ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى ~~عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا اثنين وساقوا العير بما فيه حتى قدموا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضجت قريش وقالوا : قد استحل محمد الشهر ~~الحرام ، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء ، والمسلمون أيضا قد ~~استبعدوا ذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر ~~الحرام ، وقال عبد ms1689 الله بن جحش يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ، ثم ~~أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى فوقف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى ، فنزلت هذه الآية ، فأخذ رسول ~~الله عليه الصلاة والسلام الغنيمة ، وعلى هذا التقدير فالأظهر أن هذا ~~السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه أحدها : أن أكثر الحاضرين عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين وثانيها : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ~~خطاب PageV06P026 مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله : { أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة } وهو خطاب مع المسلمين وقوله : { يسئلونك عن الخمر والميسر * ~~فى الدنيا والاخرة } ( البقرة : 219 ، 220 ) وثالثها : روى سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس أنه قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها { ~~يسئلونك عن الشهر الحرام } . # والقول الثاني : أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا : سألوا الرسول عليه ~~الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا ~~به واستحلوا قتاله فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية : { يسئلونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه } أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام { قل قتال فيه كبير ~~} ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال ~~{ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم } فبين تعالى أن غرضهم من هذا ~~السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله : { الشهر الحرام ~~بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم } ( البقرة : 194 ) فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع ~~جائز . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { قتال فيه } خفص على البدل من الشهر ~~الحرام ، وهذا يسمى بدل الإشتمال ، كقولك : أعجبني زيد علمه ونفعني زيد ~~كلامه وسرق زيد ماله ، وسلب زيد ثوابه ، قال تعالى : { قتل أصحاب الاخدود * ~~النار ذات الوقود } ( البروج : 4 ، 5 ms1690 ) وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير ~~العامل والتقدير : يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه ، وهكذا هو في ~~قراءة ابن مسعود والربيع ، ونظيره قوله تعالى : { للذين * الاعراف * ~~استضعفوا لمن ءامن منهم } وقرأ عكرمة { قتل * فيه } . # / أما قوله تعالى : { قل قتال فيه كبير } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : { قتال فيه } مبتدأ و { كبير } خبره ، وقوله : { قتال } ~~وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله : { فيه } فحسن جعله مبتدأ والمراد من ~~قوله : { كبير } أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى : { ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم } ( الكهف : 5 ) . # فإن قيل : لم نكر القتال في قوله تعالى : { قتال فيه } ومن حق النكرة إذا ~~تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول ، لأنه لو لم يكن ~~كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى : { إن مع العسر يسرا ~~} ( الشرح : 6 ) . # قلنا : نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني ~~إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم : { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ~~} ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش ، فقال تعالى : { قل ~~قتال فيه كبير } وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيرا ليس هو هذا ~~القتال الذي سألتم عنه ، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة ~~الإسلام وإذلال الفكر فكيف يكون هذا من الكبائر ، إنما القتال الكبير هو ~~الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير في ~~اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضيق ~~قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه ، وباطنه يكون ~~موافقا للحق ، وهذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير ، ولو ~~أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة ~~الجليلة ، فسبحان من له تحت كل كلمة من PageV06P027 كلمات هذا الكتاب سر ~~لطيف لا يهتدي إليه إلا أولوا الألباب . # المسألة الثانية : اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية ms1691 حرمة القتال في ~~الشهر الحرام ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ فنقل عن ابن جريج أنه ~~قال : حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ، ولا في الأشهر ~~الحرم ، إلا على سبيل الدفع / روى جابر قال : لم يكن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح ~~للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام ؟ قال نعم ، قال أبو عبيد : ~~والناس بالثغور اليوم جميعا على هذا القول يرون الغزو مباحا في الشهور كلها ~~، ولم أر أحدا من علماء الشام والعراق ينكره عليهم كذلك حسب قول أهل الحجاز ~~. # والحجة في إباحته قوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ( ~~التوبة : 5 ) وهذه الآية ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام ، والذي عندي ~~أن قوله تعالى : { قل قتال فيه كبير } هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول ~~فردا واحدا ، ولا يتناول كل الأفراد ، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم ~~القتال مطلقا في الشهر الحرام ، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه . # / أما قوله تعالى : { وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج ~~أهله منه أكبر عند الله } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : للنحويين في هذه الآية وجوه الأول : قول البصريين وهو ~~الذي اختاره الزجاج ، أن قوله : { وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ~~وإخراج أهله منه } كلها مرفوعة بالابتداء ، وخبرها قوله : { أكبر عند الله ~~} والمعنى : أن القتال الذي سألتم عنه ، وإن كان كبيرا ، إلا أن هذه ~~الأشياء أكبر منه ، فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام ، فكيف تعيبون ~~عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أن له فيه عذرا ظاهرا ، فإنه كان يجوز ~~أن يكون ذلك القتل واقعا في جمادى الآخرة ، ونظيره قوله تعالى لبني إسرائيل ~~: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون } ( البقرة : 44 ) ، { ءامنوا لم تقولون ما ~~لا تفعلون } ( الصف : 2 ) وهذا وجه ظاهر ، إلا أنهم اختلفوا في الجر في ~~قوله : { والمسجد الحرام } وذكروا فيه وجهين أحدهما : أنه عطف على ms1692 الهاء في ~~به والثاني : وهو قول الأكثرين : أنه عطف على { سبيل الله } قالوا : وهو ~~متأكد بقوله تعالى : { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ~~} ( الحج : 25 ) . # واعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير ، فإنه لا يقال ~~: مررت به وعمرو ، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية : صد عن ~~سبيل الله وعن المسجد الحرام ، فقوله : { عن المسجد الحرام } ( المائدة : 2 ~~) صلة للصد ، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد ، فإيقاع الأجنبي بينهما ~~لا يكون جائزا . # أجيب عن الأول : لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير : وكفر ~~به وبالمسجد الحرام ، والإضمار في كلام الله ليس بغريب ، ثم يتأكد هذا ~~بقراءة حمزة { تساءلون به والارحام } ( النساء : 1 ) على سبيل الخفض ولو أن ~~حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولا بالاتفاق ، فإذا قرأ به في كتاب الله تعالى ~~كان أولى أن يكون مقبولا ، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا ~~: لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبي بين الصلة والموصول ، والأصل أنه لا يجوز ~~إلا أنا تحملناه ههنا لوجهين الأول : أن الصد عن سبيل الله والكفر به ~~كالشيء الواحد في المعنى ، فكأنه لا فصل الثاني : أن موضع قوله : { وكفر به ~~} عقيب قوله : { والمسجد الحرام } إلا أنه قدم PageV06P028 عليه لفرط ~~العناية ، كقوله تعالى : { ولم يكن له كفوا * أحدا } كان من حق الكلام أن ~~يقال : ولم يكن له أحد كفوا إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا ههنا . # الوجه الثاني : في هذه الآية ، وهو اختيار الفراء وأبي مسلم الأصفهاني أن ~~قوله تعالى : { والمسجد الحرام } عطف بالواو على الشهر الحرام ، والتقدير : ~~يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام ، ثم بعد هذا طريقان ~~أحدهما : أن قوله : { قتال فيه } مبتدأ ، وقوله : { كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به } خبر بعد خبر ، والتقدير : إن قتلا فيه محكوم عليه بأنه كبير ~~وبأنه صد عن سبيل الله ، وبأنه كفر بالله . # والطريق الثاني : أن يكون قوله : { قتال فيه كبير } جملة مبتدأ وخبر ، ~~وأما قوله : { وصد ms1693 عن سبيل الله } فهو مرفوع بالابتداء ، وكذا قوله : { ~~وكفر به } والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه ، والتقدير : قل قتال فيه كبير ~~وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير ، ونظيره قولك : زيد منطلق وعمرو ، ~~تقديره : وعمرو منطلق ، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا : أما قولكم ~~تقدير الآية : يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان ~~واقعا عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام ، وطعنوا ~~في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرا بالله ، ~~وهو خطأ بالإجماع ، وطعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك : { ~~وإخراج أهله منه أكبر } أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل ~~المسجد من المسجد أكبر عند الله من الكفر ، وهو خطأ بالإجماع . # وأقول : للفراء أن يجيب عن الأول بأنه من الذي أخبركم بأنه ما وقع السؤال ~~عن القتال في المسجد الحرام ، بل الظاهر أنه وقع لأن القوم كانوا مستعظمين ~~للقتال في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وكان أحدهما كالآخر في القبح عند ~~القوم ، فالظاهر أنهم جمعوهما في السؤال ، وقولهم على الوجه الأول يلزم أن ~~يكون القتال في الشهر الحرام كفرا . # قلنا : يلزم أن يكون قتال في الشهر الحرام كفرا ونحن نقول به ، لأن ~~النكرة في الإثبات لا تفيد العموم ، وعندنا أن قتالا واحدا في المسجد ~~الحرام كفر ، ولا يلزم أن كل قتال كذلك ، وقولهم على الوجه الثاني يلزم أن ~~يكون إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر ، قلنا : المراد من أهل المسجد هم ~~الرسول عليه السلام والصحابة ، وإخراج الرسول من المسجد على سبيل الإذلال ~~لا شك أنه كفر وهو مع كونه كفرا فهو ظلم لأنه إيذاء للإنسان من غير جرم ~~سابق وعرض لاحق ولا شك أن الشيء الذي يكون ظلما وكفرا ، أكبر وأقبح عند ~~الله مما يكون كفرا وحده ، فهذا جملة القول في تقرير قول الفراء . # القول الثالث : في الآية قوله : { قل قتال فيه كبير وصد عن * سبل * الله ~~وكفر ms1694 به } وجهه ظاهر ، وهو أن قتالا فيه موصوف بهذه الصفات ، وأما الخفض في ~~قوله : { والمسجد الحرام } فهو واو القسم إلا أن الجمهور ما أقاموا لهذا ~~القول وزنا . # المسألة الثانية : أما الصد عن سبيل الله ففيه وجوه أحدها : أنه صد عن ~~الإيمان بالله وبمحمد عليه السلام وثانيها : صد للمسلمين من أن يهاجروا إلى ~~الرسول عليه السلام وثالثها : / صد المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت ، ~~ولقائل أن يقول : الرواية دلت على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر في قصة ~~عبد الله بن جحش ، وقصة الحديبية كانت بعد غزوة بدر بمدة طويلة ، ويمكن أن ~~يجاب عنه بأن ما كان في PageV06P029 معلوم الله تعالى كان كالواقع ، وأما ~~الكفر بالله فهو الكفر بكونه مرسلا للرسل ، مستحقا للعبادة ، قادرا على ~~البعث ، وأما قوله : { والمسجد الحرام } فإن عطفناه على الضمير في { به } ~~كان المعنى : وكفر بالمسجد الحرام ، ومعنى الكفر بالمسجد الحرام هو منع ~~الناس عن الصلاة فيه والطواف به ، فقد كفروا بما هو السبب في فضيلته التي ~~بها يتميز عن سائر البقاع ، ومن قال : إنه معطوف على سبيل الله كان المعنى ~~: وصد عن المسجد الحرام ، وذلك لأنهم صدوا عن المسجد الحرام الطائفين ~~والعاكين والركع السجود . # وأما قوله تعالى : { وإخراج أهله منه } فالمراد أنهم أخرجوا المسلمين من ~~المسجد ، بل من مكة ، وإنما جعلهم أهلا له إذ كانوا هم القائمين بحقوق ~~البيت كما قال تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها * وأهلها } ( ~~الفتح : 26 ) وقال تعالى : { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد ~~الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون } ( الأنفال : 34 ) فأخبر ~~تعالى أن المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد ، ثم إنه تعالى ~~بعد أن ذكر هذه الأشياء حكم عليها بأنها أكبر ، أي كل واحد منها أكبر من ~~قتال في الشهر الحرام ، وهذا تفريع على قول الزجاج ، وإنما قلنا : إن كل ~~واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام لوجهين : أحدهما : أن كل ~~واحد من هذه الأشياء كفر ، والكفر أعظم ms1695 من القتال والثاني : أنا ندعي أن كل ~~واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو القتال الذي صدر عن ~~عبد الله بن جحش ، وهو ما كان قاطعا بوقوع ذلك القتال في الشهر الحرام ، ~~وهؤلاء الكفار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشهر الحرام ، فيلزم أن ~~يكون وقوع هذه الأشياء أكبر . # أما قوله تعالى : { والفتنة أكبر من القتل } فقد ذكروا في الفتنة قولين ~~أحدهما : هي الكفر وهذا القول عليه أكثر المفسرين ، وهو عندي ضعيف ، لأن ~~على قول الزجاج قد تقدم ذكر ذلك ، فإنه تعالى قال : { وكفر به * أكبر } ~~فحمل الفتنة على الفكر يكون تكرارا ، بل هذا التأويل يستقيم على قول الفراء ~~. # والقول الثاني : أن الفتنة هي ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم ، تارة ~~بإلقاء الشبهات في قلوبهم ، وتارة بالتعذيب ، كفعلهم ببلال وصهيب وعمار بن ~~ياسر ، وهذا قول محمد بن إسحاق وقد ذكرنا أن الفتنة عبارة عن الامتحان ، ~~يقال فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها لتزيل الغش عنه ، ومنه قوله تعالى ~~: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } ( التغابن : 15 ) أي امتحان لكم لأنه إذا ~~لزمه إنفاق المال في سبيل الله تفكر في ولده ، فصار ذلك مانعا له عن ~~الإنفاق ، وقال تعالى : { الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم ~~لا يفتنون } ( العنكبوت : 1 ، 2 ) أي لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء ، ~~وقال : { وفتناك فتونا } ( طه : 40 ) وإنما هو الامتحان بالبلوى ، وقال : { ~~ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا أوذى فى الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله } ( العنكبوت : 10 ) والمراد به المحنة التي تصيبه من جهة الدين من ~~الكفار وقال : { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا } ( ~~البروج : 10 ) والمراد أنهم آذوهم وعرضوهم على العذاب ليمتحنوا ثباتهم على ~~دينهم ، وقال : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا } ( النساء : 101 ) وقال : { ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو ~~صال الجحيم } ( الصافات : 162 ، 163 ) وقال : { فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة } ( آل عمران : 7 ) أي المحنة ms1696 في الدين وقال : { واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } ( المائدة : 49 ) وقال : { ربنا لا ~~تجعلنا فتنة للذين كفروا } ( الممتحنة : 5 ) وقال : { ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للقوم الظالمين } ( يونس : 85 ) والمعنى أن يفتنوا PageV06P030 بها عن ~~دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر والظلم وقال : { فستبصر ويبصرون ~~* بأيكم المفتون } ( القلم : 65 ) قيل : المفتون المجنون ، والجنون فتنة ، ~~إذ هو محنة وعدول عن سبيل أهل السلامة في العقول . # فثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان ، وإنما قلنا : إن الفتنة أكبر ~~من القتل لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا ، وإلى ~~استحقاق العذاب الدائم في الآخرة ، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلا عن ~~ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي . # روى أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش صاحب هذه السرية إلى ~~مؤمني مكة : إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم ~~بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، ومنع المؤمنين عن ~~البيت الحرام قال : ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ~~} والمعنى ظاهر ، ونظيره قوله تعالى : { * } والمعنى ظاهر ، ونظيره قوله ~~تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } ( البقرة : ~~120 ) . # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما زال يفعل كذا ، ولا يزال يفعل كذا ، قال الواحدي : ~~هذا فعل لا مصدر له ، ولا يقال منه : فاعل ولا مفعول ، ومثاله في الأفعال ~~كثير نحو { عسى } ليس له مصدر ولا مضارع وكذلك : ذو ، وما فتىء ، وهلم ، ~~وهاك ، وهات ، وتعال ، ومعنى : { لا * يزالون } أي يدومون على ذلك الفعل ~~لأن الزوال يفيد النفي فإذا أدخلت عليه : ما ، كان ذلك نفيا للنفي فيكون ~~دليلا على الثبوت الدائم . # المسألة الثانية : قوله : { حتى يردوكم عن دينكم } أي إلى أن يردوكم وقيل ~~المعنى : ليردوكم . # المسألة الثالثة : قوله : { إن استطاعوا } استبعاد لاستطاعتهم ، كقول ~~الرجل لعدوه : إن ظفرت بي فلا تبق على وهو واثق بأنه لا يظفر به . # ثم قال تعالى : { ومن يرتدد منكم ms1697 عن دينه فيمت وهو كافر } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : قال الواحدي قوله : { ومن يرتدد } أظهر التضعيف مع ~~الجزم لسكون الحرف الثاني : وهو أكثر في اللغة من الإدغام ، وقوله : { فيمت ~~} هو جزم بالعطف على { يرتدد } وجوابه { لمعكم حبطت أعمالهم } . # المسألة الثانية : لما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد ~~المسلمون عن دينهم ، ذكر بعده وعيدا شديدا على الردة ، فقال : { ومن يرتدد ~~منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة } ~~واستوجب العذاب الدائم في النار . # المسألة الثالثة : ظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما يتفرع عليه الأحكام ~~المذكورة إذا مات المرتد على الكفر ، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت شيء ~~من هذه الأحكام ، وقد تفرع على هذه النكتة بحث أصولي وبحث فروعي ، أما ~~البحث الأصولي فهو أن جماعة من المتكلمين زعموا أن شرط صحة الإيمان والكفر ~~حصول الموافاة ، فالإيمان لا يكون إيمانا إلا إذا مات المؤمن عليه والكفر ~~لا يكون كفرا إلا إذا مات الكافر عليه ، قالوا : لأن من كان مؤمنا ثم ارتد ~~والعياذ بالله فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيمانا في الحقيقة لكان قد استحق ~~عليه الثواب الأبدي ، ثم بعد كفره يستحق العقاب الأبدي فإما أن يبقى ~~الاستحقاقان وهو محال ، وإما PageV06P031 أن يقال : إن الطارىء يزيل السابق ~~وهذا محال لوجوه أحدها : أن المنافاة حاصلة بين السابق والطارىء ، فليس كون ~~الطارىء مزيلا للسابق أولى من كون السابق دافعا للطارىء ، بل الثاني أولى ~~لأن الدفع أسهل من الرفع وثانيها : أن المنافاة إذا كانت حاصلة من الجانبين ~~، كان شرط طريان الطارىء زوال السابق فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارىء ~~لزم الدور وهو محال وثالثها : أن ثواب الإيمان السابق وعقاب الكفر الطارىء ~~، إما أن يكونا متساويين أو يكون أحدهما أزيد من الآخر ، فإن تساويا وجب أن ~~يتحابط كل واحد منهما بالآخر ، فحينئذ يبقى المكلف لا من أهل الثواب ولا من ~~أهل العقاب وهو باطل بالإجماع ، وإن ازداد أحدهما على الآخر ، فلنفرض أن ~~السابق أزيد ، فعند طريان الطارىء لا ms1698 يزول إلا ما يساويه ، فحينئذ يزول بعض ~~الاستحقاقات دون البعض مع كونها متساوية في الماهية ، فيكون ذلك ترجيحا من ~~غير مرجح وهو محال ، لنفرض أن السابق أقل فحينئذ إما أن يكون الطارىء ~~الزائد ، يكون جملة أجزائه مؤثرة في إزالة السابق فحينئذ يجتمع على الأثر ~~الواحد مؤثرات مستقلة وهو محال ، وإما أن يكون المؤثر في إزالة السابق بعض ~~أجزاء الطارىء دون البعض ، وحينئذ يكون اختصاص ذلك البعض بالمؤثرية ترجيحا ~~للمثل من غير مرجح وهو محال ، فثبت بما ذكرنا أنه إذا كان مؤمنا ثم كفر ، ~~فذلك الإيمان السابق ، وإن كنا نظنه إيمانا إلا أنه ما كان عند الله إيمانا ~~، فظهر أن الموافاة شرط لكون الإيمان إيمانا ، والكفر كفرا ، وهذا هو الذي ~~دلت الآية عليه ، فإنها دلت على أن شرط كون الردة موجبة لتلك الأحكام أن ~~يموت / المرتد على تلك الردة . # أما البحث الفروعي : فهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت قال ~~الشافعي رحمه الله : لا إعادة عليه ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لزمه قضاء ~~ما أدى وكذلك الحج ، حجة الشافعي رضي الله تعالى عنه قوله تعالى : { ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم } شرط في حبوط العمل ~~أن يموت وهو كافر ، وهذا الشخص لم يوجد في حقه هذا الشرط ، فوجب أن لا يصير ~~عمله محبطا ، فإن قيل : هذا معارض بقوله : { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون } ( الأنعام : 88 ) وقوله : { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } ( ~~المائدة : 5 ) لا يقال : حمل المطلق على المقيد واجب . # لأنا نقول : ليس هذا من باب المطلق والمقيد ، فإنهم أجمعوا على أن من علق ~~حكما بشرطين ، وعلقه بشرط أن الحكم ينزل عند أيهما وجه ، كمن قال لعبده : ~~أنت حر إذا جاء يوم الخميس ، أنت حر إذا جاء يوم الخميس والجمعة : لا يبطل ~~واحد منهما ، بل إذا جاء يوم الخميس عتق ، ولو كان باعه فجاء يوم الخميس ~~ولم يكن في ملكه ، ثم اشتراه ثم جاء يوم الجمعة وهو في ملكه ms1699 عتق بالتعليق ~~الأول . # والسؤال الثاني : عن التمسك بهذه الآية أن هذه الآية دلت على أن الموت ~~على الردة شرط لمجموع الأحكام المذكورة في هذه الآية ، ونحن نقول به فإن من ~~جملة هذه الأحكام : الخلود في النار وذلك لا يثبت إلا مع هذا الشرط ، وإنما ~~الخلاف في حبط الأعمال ، وليس في الآية دلالة على أن الموت على الردة شرط ~~فيه . # والجواب : أن هذا من باب المطلق والمقيد لا من باب التعليق بشرط واحد ~~وبشرطين ، لأن التعليق بشرط وبشرطين إنما يصح لو لم يكن تعليقه بكل واحد ~~منهما مانعا من تعليقه بالآخر ، وفي مسألتنا لو جعلنا مجرد الردة مؤثرا في ~~الحبوط لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلا في شيء من الأوقات ، ~~فعلمنا أن PageV06P032 هذا ليس من باب التعليق بشرط وبشرطين بل من باب ~~المطلق والمقيد . # وأما السؤال الثاني : فجوابه أن الآية دلت على أن الردة إنما توجب الحبوط ~~بشرط الموت على الردة ، وإنما توجب الخلود في النار بشرط الموت على الردة ، ~~وعلى هذا التقدير فذلك السؤال ساقط . # أما قوله تعالى : { فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة } ففيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : قال أهل اللغة أصل الحبط أن تأكل الإبل شيئا يضرها ~~فتعظم بطونها فتهلك وفي الحديث ( وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم ~~) فسمى بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه . # / المسألة الثانية : المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل ، لأن ~~العمل شيء كما وجد فني وزال ، وإعدام المعدوم محال ، ثم اختلف المتكلمون ~~فيه ، فقال المثبتون للإحباط والتكفير : المراد منه أن عقاب الردة الحادثة ~~يزيل ثواب الإيمان السابق ، إما بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي هاشم ~~وجمهور المتأخرين من المعتزلة أولا بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي علي ، ~~وقال المنكرون للإحباط بهذا المعنى المراد من الإحباط الوارد في كتاب الله ~~هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لأن الآتي بالردة كان ~~يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق به ms1700 ثوابا فإذا لم يأت بذلك العمل الجيد ~~وأتى بدله بهذا العمل الرديء الذي لا يستفيد منه نفعا بل يستفيد منه أعظم ~~المضار يقال : إنه أحبط عمله أي أتى بعمل باطل ليس فيه فائدة بل فيه مضرة ، ~~ثم قال المنكرون للإحباط هذا الذي ذكرناه في تفسير الإحباط ، إما أن يكون ~~حقيقة في لفظ الإحباط ، وإما أن لا يكون ، فإن كان حقيقة فيه وجب المصير ~~إليه ، وإن كان مجازا وجب المصير إليه ، لأنا ذكرنا الدلائل القاطعة في ~~مسألة أن الموافاة شرط في صحة الإيمان ، على أن القول بأن أثر الفعل الحادث ~~يزيل أثر الفعل السابق محال . # المسألة الثالثة : أما حبوط الأعمال في الدنيا ، فهو أنه يقتل عند الطفر ~~به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصرا ولا ثناء ~~حسنا ، وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من المسلمين ، ويجوز أن يكون ~~المعنى في قوله : { حبطت أعمالهم في الدنيا } أن ما يريدونه بعد الردة من ~~الإضرار بالمسلمين ومكايدتهم بالإنتقال عن دينهم يبطل كله ، فلا يحصلون منه ~~على شيء لإعزاز الله الإسلام بأنصاره فتكون الأعمال على هذا التأويل ما ~~يعملونه بعد الردة ، وأما حبوط أعمالهم في الآخرة فعند القائلين بالإحباط ~~معناه أن هذه الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استقوه بأعمالهم السالفة ، ~~وعند المنكرين لذلك معناه : أنهم لا يستفيدون من تلك الردة ثوابا ونفعا في ~~الآخرة بل يستفيدون منها أعظم المضار ، ثم بين كيفية تلك المضرة فقال تعالى ~~: { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } . # ! 7 < { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولائك ~~يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } . > 7 ! # قوله عز وجل : { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم } . < < # | البقرة : ( 218 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > PageV06P033 @34@ # في الآية مسألتان : # / المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان الأول : أن عبد ~~الله بن جحش قال : يا رسول الله هب أنه لا عقاب فيما فعلنا ، فهل نطمع منه ~~أجرا وثوابا فنزلت هذه ms1701 الآية ، لأن عبد الله كان مؤمنا ، وكان مهاجرا ، ~~وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهدا والثاني : أنه تعالى لما أوجب الجهاد من قبل ~~بقوله : { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } ( البقرة : 216 ) وبين أن تركه ~~سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال : { إن الذين ءامنوا والذين ~~هاجروا وجاهدوا في سبيل الله } ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد . # المسألة الثانية : { هاجروا } أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم ، وأصله من ~~الهجر الذي هو ضد الوصل ، ومنه قيل للكلام القبيح : هجر ، لأنه مما ينبغي ~~أن يهجر ، والهاجرة وقت يهجر فيه العمل ، والمهاجرة مفاعلة من الهجرة ، ~~وجاز أن يكون المراد منه أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين ، وهو ~~أيضا هجرهم بهذا السبب ، فكان ذلك مهاجرة ، وأما المجاهدة فأصلها من الجهد ~~الذي هو المشقة ، ويجوز أن يكون معنى المجاهدة أن يضم جهده إلى جهد آخر في ~~نصرة دين الله ، كما أن المساعدة عبارة عن ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر ~~ليحصل التأييد والقوة ، ويجوز أن يكون المراد من المجاهدة بذل الجهد في ~~قتال العدو ، وعند فعل العدو ، ومثل ذلك فتصير مفاعلة . # ثم قال تعالى : { أولئك يرجون رحمة الله } وفيه قولان : { الاول } أن ~~المراد منه الرجاء ، وهو عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها ، وأراد تعالى ~~في هذا الموضع أنهم يطمعون في ثواب الله وذلك لأن عبد الله بن جحش ما كان ~~قاطعا بالفوز والثواب في عمله ، بل كان يتوقعه ويرجوه . # فإن قيل : لم جعل الوعد مطلقا بالرجاء ، ولم يقع به كما في سائر الآيات ؟ ~~. # قلنا : الجواب من وجوه أحدها : أن مذهبنا أن الثواب على الإيمان والعمل ~~غير واجب عقلا ، بل بحكم الوعد ، فلذلك علقه بالرجاء وثانيها : هب أنه واجب ~~عقلا بحكم الوعد ، ولكنه تعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك فيه لا ~~متيقن ، فلا جرم كان الحاصل هو الرجاء لا القطع وثالثها : أن المذكور ههنا ~~هو الإيمان ، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله ، ولا بد للإنسان مع ذلك من ~~سائر الأعمال ، وهو أن يرجو أن ms1702 يوفقه الله لها ، كما وفقه لهذه الثلاثة ، ~~فلا جرم علقه على الرجاء ورابعها : ليس المراد من الآية أن الله شكك العبد ~~في هذه المغفرة ، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد ~~، مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى ، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته ، ولم ~~يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه ، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء ، كما ~~قال : { والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون } ( ~~المؤمنون : 60 ) . # القول الثاني : أن المراد من الرجاء : القطع واليقين في أصل الثواب ، ~~والظن إنما دخل في كميته وفي وقته ، وفيه وجوه قررناها في تفسير قوله تعالى ~~: { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) . # / ثم قال تعالى : { والله غفور رحيم } أي إن الله تعالى يحقق لهم رجاءهم ~~إذا ماتوا على الإيمان والعمل الصالح / وأنه غفور رحيم ، غفر لعبد الله بن ~~جحش وأصحابه ما لم يعلموا ورحمهم . PageV06P034 # الحكم الثالث # في الخمر # ! 7 < { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهمآ أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذالك يبين الله لكم ~~الآيات لعلكم تتفكرون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 219 ) يسألونك عن الخمر . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { يسئلونك عن الخمر والميسر } ليس فيه بيان أنهم عن أي ~~شيء سألوا ، فإنه يحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته ، ويحتمل أنهم سألوا ~~عن حل الانتفاع به ، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى ~~لما أجاب بذكر الحرمة دل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان وقعا عن الحل ~~والحرمة . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قالوا : نزلت في الخمر أربع آيات ، نزل بمكة قوله تعالى ~~: { ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا } ( النحل : 67 ~~) وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم ، ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من ~~الصحابة قالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر ، فإنها مذهبة للعقل ، مسلبة ~~للمال ، فنزل فيها قوله تعالى : { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } فشربها ~~قوم وتركها آخرون ، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا ms1703 منهم ، فشربوا وسكروا ، ~~فقام بعضهم يصلي فقرأ : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ، فنزلت : { ~~لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى } ( النساء : 43 ) فقل من شربها ، ثم اجتمع ~~قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص ، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا ~~الأشعار حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار ، فضربه أنصاري بلحي بعير فشجه ~~شجة موضحة ، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : اللهم بين ~~لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل : { إنما الخمر والميسر } إلى قوله : { فهل ~~أنتم منتهون } ( المائدة : 91 ) فقال عمر : انتهينا يا رب ، قال القفال ~~رحمه الله : والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن ~~القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر ، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا ، فعلم أنه لو ~~منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم ، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج ، ~~وهذا الرفق ، ومن / الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية ، ~~ثم نزل قوله تعالى : { لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى } فاقتضى ذلك تحريم ~~شرب الخمر وقت الصلاة ، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر ، ~~فكان المنع من ذلك منعا من الشرب ضمنا ، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية ~~القوة في التحريم ، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر . # المسألة الثانية : اعلم أن عندنا أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر ~~فنفتقر إلى بيان أن الخمر ما هو ؟ ثم إلى بيان أن هذه الآية دالة على تحريم ~~شرب الخمر . PageV06P035 # أما المقام الأول : في بيان أن الخمر ما هو ؟ قال الشافعي رحمه الله : كل ~~شرب مسكر فهو خمر ، وقال أبو حنيفة : الخمر عبارة عن عصير العنب الشديد ~~الذي قذف بالزبد ، حجة الشافعي على قوله وجوه أحدها : ما روى أبو داود في ( ~~سننه ) : عن الشعبي عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : نزل تحريم الخمر يوم ~~نزل وهي من خمسة : من العنب ، والتمر ، والحنطة ، والشعير ، والذرة ، ~~والخمر ما خامر العقل ، وجه الاستدلال به ms1704 من ثلاثة أوجه أحدها : أن عمر رضي ~~الله عنه أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت وهي تتخذ من الحنطة والشعير ، كما ~~أنها كانت تتخذ من العنب والتمر ، وهذا يدل على أنهم كانوا يسمونها كلها ~~خمرا وثانيها : أنه قال : حرمت الخمر يوم حرمت / وهي تتخذ من هذه الأشياء ~~الخمر ، وهذا كالتصريح بأن تحريم الخمر يتناول تحريم هذه الأنواع الخمسة ~~وثالثها : أن عمر رضي الله عنه ألحق بها كل ما خامر العقل من شراب ، ولا شك ~~أن عمر كان عالما باللغة ، وروايته أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل فغيره . # الحجة الثانية : روى أبو داود عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من العنب خمرا ، وإن من التمر خمرا ، ~~وإن من العسل خمرا ، وإن من البر خمرا ، وإن من الشعير خمرا ) والاستدلال ~~به من وجهين أحدهما : أن هذا صريح في أن هذه الأشياء داخلة تحت اسم الخمر ~~فتكون داخلة تحت الآية الدالة على تحريم الخمر والثاني : أنه ليس مقصود ~~الشارع تعليم اللغات ، فوجب أن يكون مراده من ذلك بيان أن الحكم الثابت في ~~الخمر ثابت فيها ، أو الحكم المشهور الذي اختص به الخمر هو حرمة الشرب ، ~~فوجب أن يكون ثابتا في هذه الأشربة ، قال الخطابي رحمه الله : وتخصيص الخمر ~~بهذه الأشياء الخمسة ليس لأجل أن الخمر لا يكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها ~~، وإنما جرى ذكرها خصوصا لكونها معهودة في ذلك الزمان ، فكل ما كان في ~~معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجرة ، فحكمها حكم هذه الخمسة ، كما أن ~~تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في ~~غيرها . # الحجة الثالثة : روى أبو داود أيضا عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ) قال الخطابي : ~~قوله عليه السلام ( كل مسكر خمر ) دل على / وجهين أحدهما : أن الخمر اسم ~~لكل ما وجد منه السكر من الأشربة كلها ms1705 ، والمقصود منه أن الآية لما دلت على ~~تحريم الخمر ، وكان مسمي الخمر مجهولا للقوم حسن من الشارع أن يقال : مراد ~~الله تعالى من هذه اللفظة هذا إما على سبيل أن هذا هو مسماه في اللغة ~~العربية ، أو على سبيل أن يضع اسما شرعيا على سبيل الاحداث كما في الصلاة ~~والصوم وغيرهما . # والوجه الآخر : أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة ، وذلك لأن قوله هذا ~~خمر فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمرا فإن قام دليل على أن ذلك ~~ممتنع وجب حمله مجازا على المشابهة في الحكم ، الذي هو خاصية ذلك الشيء . # الحجة الرابعة : روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع ، فقال : ( كل شراب أسكر فهو حرام ) ~~قال الخطابي : البتع شراب يتخذ من العسل ، وفيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب ~~تحليل الأنبذة ، وإفساد لقول من قال : إن القليل من المسكر مباح ، لأنه ~~عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس ، فيدخل ~~فيه القليل والكثير منها ، ولو كان هناك تفصيل في شيء PageV06P036 من ~~أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله . # الحجة الخامسة : روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) . # الحجة السادسة : روى أيضا عن القاسم عن عائشة ، قالت : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف ~~منه حرام ) قال الخطابي : ( الفرق ) مكيال يسع ستة عشر رطلا ، وفيه أبين ~~البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب . # الحجة السابعة : روى أبو داود عن شهر بن حوشب ، عن أم سلمة ، قالت : نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر ، قال الخطابي : المفتر كل ~~شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء ، وهذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع ~~الأشربة ، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر فهو خمر ، وهو حرام . # النوع الثاني : من الدلائل على ms1706 أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات ، قال ~~أهل اللغة : أصل هذا الحرف التغطية ، سمي الخمار خمارا لأنه يغطي رأس ~~المرأة ، والخمر ما واراك من شجر وغيره ، من وهدة وأكمة ، وخمرت رأس الإناء ~~أي غطيته ، والخامر هو الذي يكتم شهادته ، قال ابن الأنباري : سميت خمرا ~~لأنها تخامر العقل ، أي تخالطه ، يقال : خامره الداء إذا خالطه ، وأنشد ~~لكثير : # % هنيئا مريئا غير داء مخامر % % # / ويقال خامر السقام كبده ، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول ، لأن الشيء ~~إذا خالط الشيء صار بمنزلة الساتر له ، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ~~ما يكون ساترا للعقل ، كما سميت مسكرا لأنها تسكر العقل أي تحجزه ، وكأنها ~~سميت بالمصدر من خمره خمرا إذا ستره للمبالغة ، ويرجع حاصله إلى أن الخمر ~~هو السكر ، لأن السكر يغطي العقل ، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء ، فهذه ~~الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو المسكر ، فكيف إذا انضافت ~~الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس ، وهو غير جائز ، ~~لأنا نقول : ليس هذا إثباتا للغة بالقياس ، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه ~~الاشتقاقات ، كما أن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله يقولون إن مسمى النكاح هو ~~الوطء ويثبتونه بالاشتقاقات ، ومسمى الصوم هو الإمساك ، ويثبتونه ~~بالاشتقاقات . # النوع الثالث : من الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر ، أن الأمة ~~مجمعة على أن الآيات الواردة في الخمر ثلاثة واثنان منها وردا بلفظ الخمر ~~أحدهما : هذه الآية والثانية : آية المائدة والثالثة : وردت في السكر وهو ~~قوله : { لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى } ( النساء : 43 ) وهذا يدل على أن ~~المراد من الخمر هو المسكر . # النوع الرابع : من الحجة أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر ومعاذا قالا : يا ~~رسول الله إن الخمر مسلبة للعقل ، مذهبة للمال ، فبين لنا فيه ، فهما إنما ~~طلبا الفتوى من الله ورسوله بسبب كون الخمر مذهبة للعقل ، فوجب أن يكون كل ~~ما كان مساويا للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمرا وإما أن يكون مساويا ~~للخمر في هذا الحكم . PageV06P037 # النوع الخامس ms1707 : من الحجة أن الله علل تحريم الخمر بقوله تعالى : { إنما ~~يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ~~ذكر الله وعن الصلواة } ( المائدة : 91 ) ولا شك أن هذه الأفعال معللة ~~بالسكر ، وهذا التعليل يقيني ، فعلى هذا تكون هذه الآية نصا في أن حرمة ~~الخمر معللة بكونها مسكرة ، فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر ، وإن لم ~~يكن كذلك فلا بد من ثبوت هذا الحكم في كل مسكر ، وكل من أنصف وترك العناد ، ~~علم أن هذه الوجوه ظاهرة جلية في إثبات هذا المطلوب حجة أبي حنيفة رحمه ~~الله من وجوه أحدها : قوله تعالى : { ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه ~~سكرا ورزقا حسنا } ( النحل : 67 ) من الله تعالى علينا باتخاذ السكر والرزق ~~الحسن ، وما نحن فيه سكر ورزق حسن ، فوجب أن يكون مباحا لأن المنة لا تكون ~~إلا بالمباح . # والحجة الثانية : ما روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام أتى السقاية ~~عام حجة الوداع فاستند إليها ، وقال : اسقوني ، فقال العباس : ألا أسقيك ~~مما ننبذه في بيوتنا ؟ فقال : ما تسقي الناس ، فجاءه بقدح من نبيذ فشمه ، ~~فقطب وجهه ورده ، فقال العباس : يا رسول الله أفسدت على / أهل مكة شرابهم ، ~~فقال : ردوا على القدح ، فردوه عليه ، فدعا بماء من زمزم وصب عليه وشرب ، ~~وقال : إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقطعوا منتها بالماء . # وجه الاستدلال به أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد ، ولأن المزج بالماء ~~كان لقطع الشدة بالنص / ولأن اغتلام الشراب شدته ، كاغتلام البعير سكره . # الحجة الثالثة : التمسك بآثار الصحابة . # والجواب عن الأول : أن قوله تعالى : { تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا } نكرة ~~في الإثبات ، فلم قلتم : إن ذلك السكر والرزق الحسن هو هذا النبيذ ؟ ثم ~~أجمع المفسرون على أن تلك الآية كانت نازلة قبل هذه الآيات الثلاث الدالة ~~على تحريم الخمر ، فكانت هذه الثلاثة إما ناسخة ، أو مخصصة لها . # وأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماء نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير ~~طعم الماء قليلا إلى الحموضة ، وطبعه ms1708 عليه السلام كان في غاية اللطافة ، ~~فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم ، فلذلك قطب وجهه ، وأيضا كان المراد بصب ~~الماء فيه إزالة ذلك القذر من الحموضة أو الرائحة ، وبالجملة فكل عاقل يعلم ~~أن الإعراض عن تلك الدلائل التي ذكرناها بهذا القدر من الاستدلال الضعيف ~~غير جائز . # وأما آثار الصحابة فهي متدافعة متعارضة ، فوجب تركها والرجوع إلى ظاهر ~~كتاب الله وسنة الرسول عليه السلام ، فهذا هو الكلام في حقيقة الخمر . # المقام الثاني : في بيان أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر وبيانه من ~~وجوه الأول : أن الآية دالة على أن الخمر مشتملة على الإثم ، والإثم حرام ~~لقوله تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغى } ( الأعراف : 33 ) فكان مجموع هاتين الآيتين دليلا على تحريم الخمر ~~الثاني : أن الإثم قد يراد به العقاب ، وقد يراد به ما يستحق به العقاب من ~~الذنوب ، وأيهما كان فلا يصح أن يوصف به إلا المحرم الثالث : أنه تعالى قال ~~: { وإثمهما أكبر من نفعهما } صرح برجحان الإثم والعقاب ، وذلك يوجب ~~التحريم . PageV06P038 # فإن قيل : الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم ، بل تدل على أن فيه إثما ، ~~فهب أن ذلك الإثم حرام فلم قلتم : إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب ~~أن يكون حراما ؟ . # قلنا : لأن السؤال كان واقعا عن مطلق الخمر ، فلما بين تعالى أن فيه إثما ~~، كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات ، فكان شرب الخمر ~~مستلزما لهذه الملازمة المحرمة ، ومستلزم المحرم محرم ، فوجب أن يكون الشرب ~~محرما ، ومنهم من قال : هذه الآية لا تدل على حرمة الخمر ، واحتج عليه ~~بوجوه أحدها : أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس ، والمحرم لا يكون فيه ~~منفعة والثاني : / لو دلت هذه الآية على حرمتها فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت ~~آية المائدة وآية تحريم الصلاة ؟ الثالث : أنه تعالى أخبر أن فيهما إثما ~~كبيرا فمقتضاه أن ذلك الإثم الكبير يكون حاصلا ما داما موجودين ، فلو كان ~~ذلك الإثم الكبير سببا ms1709 لحرمتها لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع . # والجواب عن الأول : أن حصول النفع العاجل فيه في الدنيا لا يمنع كونه ~~محرما ، ومتى كان كذلك لم يكن حصول النفع فيهما مانعا من حرمتهما لأن صدق ~~الخاص يوجب صدق العام . # والجواب عن الثاني : أنا روينا عن ابن عباس أنها نزلت في تحريم الخمر ، ~~والتوقف الذي ذكرته غير مروى عنهم ، وقد يجوز أن يطلب الكبار من الصحابة ~~نزول ما هو آكد من هذه الآية في التحريم ، كما التمس إبراهيم صلوات الله ~~عليه مشاهدة إحياء الموتى ليزداد سكونا وطمأنينة . # والجواب عن الثالث : أن قوله : { فيهما إثم كبير } إخبار عن الحال لا عن ~~الماضي ، وعندنا أن الله تعالى علم أن شرب الخمر مفسدة لهم في ذلك الزمان ، ~~وعلم أنه ما كان مفسدة للذين كانوا قبل هذه الأمة فهذا تمام الكلام في هذا ~~الباب . # المسألة الثالثة : في حقيقة الميسر فنقول : الميسر القمار ، مصدر من يسر ~~كالموعد والمرجع من فعلهما ، يقال يسرته إذا قمرته / واختلفوا في اشتقاقه ~~على وجوه أحدها : قال مقاتل : اشتقاقه من اليسر لأنه أخذ لمال الرجل بيسر ~~وسهولة من غير كد ولا تعب ، كانوا يقولون : يسروا لنا ثمن الجزور ، أو من ~~اليسار لأنه سبب يساره ، وعن ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يخاطر على ~~أهله وماله وثانيها : قال ابن قتيبة : الميسر من التجزئة والاقتسام ، يقال ~~: يسروا الشيء ، أي اقتسموه ، فالجزور نفسه يسمى ميسرا لأنه يجزأ أجزاء ، ~~فكأنه موضع التجزئة ، والياسر الجازر ، لأنه يجزىء لحم الجزور ، ثم يقال ~~للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور : إنهم ياسرون لأنهم بسبب ذلك ~~الفعل يجزؤن لحم الجزور وثالثها : قال الواحدي : إنه من قولهم : يسر لي هذا ~~الشيء ييسر يسرا وميسرا إذا وجب ، والياسر الواجب بسبب القداح ، هذا هو ~~الكلام في اشتقاق هذه اللفظة . # وأما صفة الميسر فقال صاحب ( الكشاف ) : كانت لهم عشرة قداح ، وهي ~~الأزلام والأقلام الفذ ، والتوأم ، والرقيب ، والحلس ، بفتح الحاء وكسر ~~اللام ، وقيل بكسر الحاء وسكون اللام ، والمسبل ، والمعلي ، والنافس ، ~~والمنيح ، والسفيح ، والوغد ، لكل واحد منها نصيب ms1710 معلوم من جزور ينحرونها ~~ويجزؤونها عشرة أجزاء ، وقيل : ثمانية وعشرين جزءا إلا ثلاثة ، وهي : ~~المنيح والسفيح ، والوعد ، ولبعضهم في هذا المعنى شعر : PageV06P039 # % لي في الدنيا سهام % % ليس فيهن ربيح % # % وأساميهن وغد % % وسفيح ومنيح % # فللفذ سهم ، وللتوأم سهمان ، وللرقيب ثلاثة ، وللحلس أربعة ، وللنافس ~~خمسة ، وللمسبل / ستة ، وللمعلي سبعة ، يجعلونها في الربابة ، وهي الخريطة ~~ويضعونها على يد عدل ، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا منها ~~فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصب الموسوم به ذلك القدح ، ومن خرج ~~له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئا ، وغرم ثمن الجزور كله ، وكانوا يدفعون تلك ~~الأنصباء إلى الفقراء ، ولا يأكلون منها ، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل ~~فيه ويسمونه البرم . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أن الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين ، ~~أو هو اسم لجميع أنواع القمار ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إياكم ~~وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم ) وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء : كل ~~شيء فيه خطر فهو من الميسر ، حتى لعب الصبيان بالجوز ، وأما الشطرنج فروي ~~عن علي عليه السلام أنه قال : النرد والشطرنج من الميسر ، وقال الشافعي رضي ~~الله عنه : إذا خلا الشطرنج عن الرهان ، واللسان عن الطغيان والصلاة عن ~~النسيان ، لم يكن حراما ، وهو خارج عن الميسر ، لأن الميسر ما يوجب دفع ~~المال ، أو أخذ مال ، وهذا ليس كذلك ، فلا يكون قمارا ولا ميسرا ، والله ~~أعلم ، أما السبق في الخف والحافر فبالاتفاق ليس من الميسر ، وشرحه مذكور ~~في كتاب السبق والرمي من كتب الفقه . # المسألة الخامسة : الإثم الكبير ، فيه أمور أحدها : أن عقل الإنسان أشرف ~~صفاته ، والخمر عدو العقل ، وكل ما كان عدو الأشرف فهو أخس ، فيلزم أن يكون ~~شرب الخمر أخس الأمور ، وتقريره أن العقل إنما سمي عقلا لأنه يجري مجرى ~~عقال الناقة ، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح ، كان عقله مانعا له ~~من الإقدام عليه ، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خاليا ~~عن العقل المانع ms1711 منها ، والتقريب بعد ذلك معلوم ، ذكر ابن أبي الدنيا أنه ~~مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضىء ، ويقول : ~~الحمد لله الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا ، وعن العباس بن مرداس أنه ~~قيل له في الجاهلية : لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جراءتك ؟ فقال ما أنا ~~بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي ، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسى سفيههم ~~وثانيها : ما ذكره الله تعالى من إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله ~~وعن الصلاة وثالثها : أن هذه المعصية من خواصها أن الإنسان كلما كان ~~اشتغاله بها أكثر ، ومواظبته عليها أتم كان الميل إليها أكثر وقوة النفس ~~عليها أقوى . بخلاف سائر المعاصي ، مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت ~~رغبته في ذلك العمل ، وكلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر ~~ونفرته أتم ، بخلاف الشرب ، فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر ، كان نشاطه ~~أكثر ، ورغبته فيه أتم . فإذا واظب الإنسان عليه صار الإنسان غرقا في ~~اللذات البدنية ، معرضا عن تذكر الآخرة والمعاد ، حتى يصير من الذين نسوا ~~الله فأنساهم أنفسهم ، وبالجملة فالخمر يزيل العقل ، وإذا زال العقل / حصلت ~~القبائح بأسرها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( الخمر أم الخبائث ) وأما ~~الميسر فالإثم فيه أنه يفضي إلى العداوة ، وأيضا لما يجري بينهم من الشتم ~~والمنازعة وأنه أكل مال بالباطل وذلك أيضا يورث العداوة ، لأن صاحبه إذا ~~أخذ ماله مجانا أبغضه جدا ، وهو أيضا يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة ، وأما ~~المنافع المذكورة في قوله تعالى : { ومنافع للناس } فمنافع الخمر أنهم ~~PageV06P040 كانوا يتغالون بها إذا جلبوها من النواحي ، وكان المشتري إذا ~~ترك المماكسة في الثمن كانوا يعدون ذلك فضيلة ومكرمة ، فكان تكثر أرباحهم ~~بذلك السبب ، ومنها أنه يقوي الضعيف ويهضم الطعام ويعين على الباه ، ويسلي ~~المحزون ، ويشجع الجبان ، ويسخي البخيل ويصفي اللون ، وينعش الحرارة ~~الغريزية ويزيد في الهمة والاستعلاء ومن منافع الميسر : التوسعة على ذوي ~~الحاجة لأن من قمر لم يأكل من الجزور ، وإنما كان يفرقه في المحتاجين ms1712 وذكر ~~الواقدي أن الواحد منهم كان ربما قمر في المجلس الواحد مائة بعير ، فيحصل ~~له مال من غير كد وتعب ، ثم يصرفه إلى المحتاجين ، فيكتسب منه المدح ~~والثناء . # المسألة السادسة : قرأ حمزة والكسائي { كثير } بالثاء المنقوطة من فوق ~~والباقون بالباء المنقوطة من تحت حجة حمزة والكسائي ، أن الله وصف أنواعا ~~كثيرة من الإثم في الخمر والميسر وهو قوله : { إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر } ( المائدة : 91 ) فذكر أعدادا ~~من الذنوب فيهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عشرة بسبب الخمر ، وذلك ~~يدل على كثرة الإثم فيهما ، ولأن الإثم في هذه الآية كالمضاد للمنافع لأنه ~~قال : فيهما إثم ومنافع ، وكما أن المنافع أعداد كثيرة فكذا الإثم فصار ~~التقدير كأنه قال : فيهما مضار كثيرة ومنافع كثيرة حجة الباقين أن المبالغة ~~في تعظيم الذنب إنما تكون بالكبر لا بكونه كثيرا يدل عليه قوله تعالى : { ~~كبائر الإثم } ( النجم : 32 ) ، { كبائر ما تنهون عنه } ( النساء : 31 ) ، ~~{ إنه كان حوبا كبيرا } ( النساء : 2 ) وأيضا القراء اتفقوا على قوله : { ~~وإثمهما أكبر } بالباء المنقوطة من تحت ، وذلك يرجح ما قلناه . # / الحكم الرابع # في الإنفاق # قوله تعالى : { يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر * فى الدنيا والاخرة } . PageV06P041 # اعلم أن هذا السؤال قد تقدم ذكره فأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد ههنا فأجيب ~~عنه بذكر الكمية ، قال القفال : قد يقول الرجل لآخر يسأله عن مذهب رجل ~~وخلقه ما فلان هذا ؟ فيقول : هو رجل من مذهبه كذا ، ومن خلقه كذا إذا عرفت ~~هذا فنقول : كان الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق ويدلان على ~~عظيم ثوابه / سألوا عن مقدار ما كلفوا به ، هل هو كل المال أو بعضه ، ~~فأعلمهم الله أن العفو مقبول ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : أصل العفو في اللغة الزيادة ، ~~قال تعالى : { خذ العفو } ( الأعراف : 199 ) أي الزيادة ، وقال أيضا : { ~~حتى عفوا } ( الأعراف : 95 ) أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال ms1713 ~~القفال : العفو ما سهل وتيسر مما يكون فاضلا عن الكفاية يقال : خذ ما عفا ~~لك ، أي ما تيسر ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعا إلى التيسر والتسهيل ، ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا ربع ~~عشر أموالكم ) معناه التخفيف بإسقاط زكاة الخيل والرقيق ، ويقال : أعفى ~~فلان فلانا بحقه إذا أوصله إليه من غير إلحاح في المطالبة ، وهو راجع إلى ~~التخفيف ويقال : أعطاه كذا عفوا صفوا ، إذا لم يكدر عليه بالأذى ، ويقال : ~~خذ من الناس ما عفا لك أي ما تيسر ، ومنه قوله تعالى : { خذ العفو } ( ~~الأعراف : 199 ) أي ما سهل لك من الناس ، ويقال للأرض السهلة : العفو وإذا ~~كان العفو هو التيسير فالغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان ~~في نفسه وعياله ومن تلزمه مؤنتهم فقول من قال : العفو هو الزيادة راجع إلى ~~التفسير الذي ذكرناه وجملة التأويل أن الله تعالى أدب الناس في الإنفاق ~~فقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : { وءات ذا القربى حقه والمسكين ~~وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } ( ~~الإسراء : 26 ، 27 ) وقال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط } وقال : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } ( الفرقان : ~~67 ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان عند أحدكم شيء فليبدأ بنفسه ، ثم ~~بمن يعول وهكذا وهكذا ) وقال / عليه الصلاة والسلام : ( خير الصدقة ما أبقت ~~غني ولا يلام على كفاف ) وعن جابر بن عبد الله قال بينما نحن عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال : يا رسول الله ~~خذها صدقة فوالله لا أملك غيرها ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، ثم أتاه من بين يديه ، فقال : هاتها مغضبا فأخذها منه ، ثم حذفه بها حيث ~~لو أصابته لأوجعته ، ثم قال : يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره ، ثم يجلس ~~يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها ، وعن النبي ms1714 ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يحبس لأهله قوت سنة ، وقال الحكماء : الفضيلة ~~بين طرفي الإفراط والتفريط ، فالإنفاق الكثير هو التبذير ، والتقليل جدا هو ~~التقتير ، والعدل هو الفضيلة وهو المراد من قوله : { قل العفو } ومدار شرع ~~محمد صلى الله عليه وسلم على رعاية هذه الدقيقة فشرع اليهود مبناه على ~~الخشونة التامة ، وشرع النصارى على المسامحة التامة ، وشرع محمد صلى الله ~~عليه وسلم متوسط في كل هذه الأمور ، فلذلك كان أكمل من الكل . # المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو ( العفو ) بضم الواو والباقون بالنصب ، ~~فمن رفع جعل { ذا } بمعنى { الذى } وينفقون صلته كأنه قال : ما الذي ينفقون ~~؟ فقال : هو العفو ومن نصب كان التقدير : ما ينفقون وجوابه : ينفقون العفو ~~. # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن المراد بهذا الإنفاق هو الإنفاق الواجب ~~أو التطوع ، أما القائلون بأنه هو PageV06P042 الإنفاق الواجب ، فلهم قولان ~~الأول : قول أبي مسلم يجوز أن يكون العفو هو الزكاة فجاء ذكرها ههنا على ~~سبيل الإجمال ، وأما تفاصيلها فمذكورة في السنة الثاني : أن هذا كان قبل ~~نزول آية الصدقات فالناس كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في ~~عامهم / ثم ينفقوا الباقي ، ثم صار هذا منسوخا بآية الزكاة فعلى هذا ~~التقدير تكون الآية منسوخة . # القول الثاني : أن المراد من هذا الإنفاق هو الإنفاق على سبيل التطوع وهو ~~الصدقة واحتج هذا القائل بأنه لو كان مفروضا لبين الله تعالى مقداره فلما ~~لم يبين بل فوضه إلى رأي المخاطب علمنا أنه ليس بفرض . # وأجيب عنه : بأنه لا يبعد أن يوجب الله شيئا على سبيل الإجمال ، ثم يذكر ~~تفصيله وبيانه بطريق آخر . # أما قوله : { كذالك يبين الله لكم الآيات } فمعناه أني بينت لكم الأمر ~~فيما سألتم عنه من وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا أبين لكم في مستأنف أيامكم ~~جميع ما تحتاجون . # وقوله : { لعلكم تتفكرون * فى الدنيا والاخرة } فيه وجوه الأول : قال ~~الحسن : فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : كذلك يبين الله لكم الآيات في ~~الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون والثاني : { كذالك يبين الله لكم الآيات } ~~فيعرفكم أن الخمر ms1715 والميسر فيهما منافع في الدنيا ومضار في الآخرة / فإذا ~~تفكرتم في أحوال الدنيا والآخرة علمتم أنه لا بد من ترجيح الآخرة على ~~الدنيا الثالث : يعرفكم أن إنفاق المال في وجوه الخير لأجل الآخرة وإمساكه ~~لأجل الدنيا فتتفكرون في أمر الدنيا والآخرة وتعلمون أنه لا بد من ترجيح ~~الآخرة على الدنيا . # واعلم أنه لما أمكن إجراء الكلام على ظاهره كما قررناه في هذين الوجهين ~~ففرض التقديم والتأخير على ما قاله الحسن يكون عدولا عن الظاهر لا لدليل ~~وأنه لا يجوز . # الحكم الخامس # في اليتامى # ! 7 < { فى الدنيا والا خرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن ~~الله عزيز حكيم } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 220 ) في الدنيا والآخرة . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أن أهل الجاهلية كانوا قد اعتادوا الانتفاع بأموال ~~اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعا في مالها أو يزوجها من ابن له لئلا ~~يخرج مالها من يده ، ثم إن الله تعالى أنزل قوله : { إن الذين * يأكلوا * ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا } ( النساء : 10 ) وأنزل في ~~الآيات : { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ~~( النساء : 3 ) وقوله : { ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن وما ~~يتلى عليكم فى الكتاب فى يتامى النساء اللاتى لا تؤتونهن ما } PageV06P043 ~~( النساء : 127 ) وقوله : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن } ( ~~الأنعام : 152 ) فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى ، والمقاربة من أموالهم ~~، والقيام بأمورهم ، فعند ذلك اختلت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم ، فثقل ~~ذلك على الناس ، وبقوا متحيرين إن خالطوهم وتولوا أمر أموالهم ، استعدوا ~~للوعيد الشديد ، وإن تركوا وأعرضوا عنهم ، اختلت معيشة اليتامى ، فتحير ~~القوم عند ذلك . # ثم ههنا يحتمل أنهم سألوا الرسول عن هذه الواقعة ، يحتمل أن السؤال كان ~~في قلبهم ، وأنهم / تمنوا أن يبين الله لهم كيفية الحال في هذا الباب ، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ويروى أنه لما نزلت تلك الآيات اعتزلوا أموال ~~اليتامى ، واجتنبوا ms1716 مخالطتهم في كل شيء ، حتى كان يوضع لليتيم طعام فيفضل ~~منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد ، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلا ~~وطعاما وشرابا فعظم ذلك على ضعفة المسلمين ، فقال عبد الله بن رواحة : يا ~~رسول الله مالكنا منازل تسكنها الأيتام ولا كلنا يجد طعاما وشرابا يفردهما ~~لليتيم ، فنزلت هذه الآية . # المسألة الثانية : قوله : { قل إصلاح لهم خير } فيه وجوه أحدها : قال ~~القاضي : هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب ~~وغيرهما ، لكي ينشأ على علم وأدب وفضل لأن هذا الصنع أعظم تأثيرا فيه من ~~إصلاح حاله بالتجارة ، ويدخل فيه أيضا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من ~~جهة التجارة ، ويدخل فيه أيضا معنى قوله تعالى : { وءاتوا اليتامى أموالهم ~~ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ( النساء : 2 ) ومعنى قوله : { خير } يتناول ~~حال المتكفل ، أي هذا العمل خير له من أن يكون مقصرا في حق اليتيم ، ~~ويتناول حال اليتيم أيضا ، أي هذا العمل خير لليتيم من حيث أنه يتضمن صلاح ~~نفسه ، وصلاح ماله ، فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والولي . # فإن قيل : ظاهر قوله : { قل إصلاح لهم خير } لا يتناول إلا تدبير أنفسهم ~~دون مالهم . # قلنا : ليس كذلك لأن ما يؤدي إلى إصلاح ماله بالتنمية والزيادة يكون ~~إصلاحا له ، فلا يمتنع دخوله تحت الظاهر ، وهذا القول أحسن الأقوال ~~المذكورة في هذا الموضع وثانيها : قول من قال : الخبر عائد إلى الولي ، ~~يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجرا له ، والثالث ~~: أن يكون الخبر عائدا إلى اليتيم ، والمعنى أن مخالطتهم بالإصلاح خير لهم ~~من التفرد عنهم والإعراض عن مخالطتهم / والقول الأول أولى ، لأن اللفظ مطلق ~~فتخصيصه ببعض الجهات دون البعض ، ترجيح من غير مرجح وهو غير جائز ، فوجب ~~حمله على الخيرات العائدة إلى الولي ، وإلى اليتيم في إصلاح النفس ، وإصلاح ~~المال ، وبالجملة فالمراد من الآية أن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة ، ~~فينبغي أن يكون عين المتكفل لمصالح اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا ~~والآخرة لنفسه ، واليتيم في ms1717 ماله وفي نفسه ، فهذه كلمة جامعة لهذه الجهات ~~بالكلية . # أما قوله تعالى : { وإن تخالطوهم فإخوانكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المخالطة جمع يتعذر فيه التمييز ، ومنه يقال للجماع : ~~الخلاط ويقال : خولط الرجل PageV06P044 إذا جن ، والخلاط الجنون لاختلاط ~~الأمور على صاحبه بزوال عقله . # المسألة الثانية : في تفسير الآية وجوه أحدها : المراد : وإن تخالطوهم في ~~الطعام والشراب والمسكن والخدم فإخوانكم ، والمعنى : أن القوم ميزوا طعامه ~~عن طعام أنفسهم ، وشرابه عن شراب أنفسهم ومسكنه عن مسكن أنفسهم ، فالله ~~تعالى أباح لهم خلط الطعامين والشرابين ، والاجتماع / في المسكن الواحد ، ~~كما يفعله المرء بمال ولده ، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة ، ~~والمعنى وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز وثانيها : أن ~~يكون المراد بهذه المخالطة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجره مثل ذلك ~~العمل والقائلون بهذا القول منهم من جوز ذلك سواء كان القيم غنيا أو فقيرا ~~، ومنهم من قال : إذا كان القيم غنيا لم يأكل من ماله لأن ذلك فرض عليه ~~وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : { ومن ~~كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } وأما إن كان القيم ~~فقيرا فقالوا إنه يأكل بقدر الحاجة ويرده إذا أيسر ، فإن لم يوسر تحلله من ~~اليتيم ، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : أنزلت نفسي من مال الله تعالى ~~بمنزلة ولي اليتيم : إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت قرضا بالمعروف ~~ثم قضيت ، وعن مجاهد أنه إذا كان فقيرا وأكل بالمعروف فلا قضاء عليه . # القول الثالث : أن يكون معنى الآية إن يخلطوا أموال اليتامى بأموال ~~أنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي . # والقول الرابع : وهو اختيار أبي مسلم : أن المراد بالخلط المصاهرة في ~~النكاح ، على نحو قوله : { وإن خفتم * أن لا * تقسطوا فى اليتامى فانكحوا } ~~( النساء : 3 ) وقوله عز من قائل : { ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم ~~فيهن وما يتلى عليكم فى الكتاب فى يتامى النساء } ( النساء : 127 ) قال ~~وهذا القول راجح على غيره ms1718 من وجوه أحدها : أن هذا القول خلط لليتيم نفسه ~~والشركة خلط لماله وثانيها : أن الشركة داخلة في قوله : { قل إصلاح لهم خير ~~} والخلط من جهة النكاح ، وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك ، فحمل الكلام ~~في هذا الخلط أقرب وثالثها : أن قوله تعالى : { فإخوانكم } يدل على أن ~~المراد بالخلط هو هذا النوع من الخلط ، لأن اليتيم لو لم يكن من أولاد ~~المسلمين لوجب أن يتحرى صلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلما ، فوجب أن ~~تكون الإشارة بقوله : { فإخوانكم } إلى نوع آخر من المخالطة ورابعها : أنه ~~تعالى قال بعد هذه الآية : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ( البقرة : ~~221 ) فكان المعنى أن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم ~~لكم إخوان بالإسلام فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم لتأكيد الألفة ، فإن كان ~~اليتيم من المشركات فلا تفعلوا ذلك . # المسألة الثالثة : قوله : { فإخوانكم } أي فهم إخوانكم / قال الفراء : ~~ولو نصبته كان صوابا ، والمعنى فإخوانكم تخالطون . # أما قوله : { والله يعلم المفسد من المصلح } فقيل : المفسد لأموالهم من ~~المصلح لها ، وقيل : يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح ~~من المصلح ، يعني : إنكم إذا أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح فإذا لم ~~تريدوا ذلك في قلوبكم بل كان مرادكم منه غرضا آخر فالله مطلع على ضمائركم ~~عالم بما في قلوبكم ، وهذا تهديد عظيم ، والسبب أن اليتيم لا يمكنه رعاية ~~الغبطة لنفسه ، وليس له / أحد يراعيها PageV06P045 فكأنه تعالى قال : لما ~~لم يكن له أحد يتكفل بمصالحه فأنا ذلك المتكفل وأنا المطالب لوليه ، وقيل : ~~والله يعلم المصلح الذي يلي من أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ~~ويعلم المفسد الذي لا يلي من إصلاح أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع ~~بماله ، فاتقوا أن تتناولوا من مال اليتيم شيئا من غير إصلاح منكم لمالهم . # أما قوله تعالى : { ولو شاء الله لاعنتكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ( الإعنات ) الحمل على مشقة لا تطاق يقال : أعنت فلان ~~فلانا إذا أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه وتعنته تعنتا إذا ms1719 لبس عليه في ~~سؤاله ، وعنت العظم المجبور إذا انكسر بعد الجبر وأصل { العنت } من المشقة ~~، وأكمة عنوت إذا كانت شاقة كدودا ، ومنه قوله تعالى : { عزيز عليه ما عنتم ~~} ( التوبة : 128 ) أي شديد عليه ما شق عليكم ، ويقال أعنتني في السؤال أي ~~شدد علي وطلب عنتي وهو الإضرار وأما المفسرون فقال ابن عباس : لو شاء الله ~~لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا وقال عطاء : ولو شاء الله لأدخل ~~عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم ولضيق الأمر عليكم في مخالطتهم ، وقال ~~الزجاج : ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم . # المسألة الثانية : احتج الجبائي بهذه الآية ، فقال : إنها تدل على أنه ~~تعالى لم يكلف العبد بما لا يقدر عليه ، لأن قوله : { ولو شاء الله لاعنتكم ~~} يدل على أنه تعالى لم يفعل الإعنات والضيق في التكليف ، ولو كان مكلفا ~~بما لا يقدر العبد عليه لكان قد تجاوز حد الإعنات وحد الضيق . # واعلم أن وجه هذا الاستدلال أن كلمة { لو } تفيد انتفاء الشيء لانتفاء ~~غيره ، ثم سألوا أنفسهم بأن هذه الآية وردت في حق اليتيم ، وأجابوا عنه بأن ~~الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وأيضا فولى هذا اليتيم قد لا يفعل ~~تعالى فيه قدرة الإصلاح ، لأن هذا هو قولهم فيمن يختار خلاف الإصلاح وإذا ~~كان كذلك فكيف يجوز أن يقول تعالى فيه خاصة { ولو شاء الله لاعنتكم } مع ~~أنه كلفه بما لا يقدر عليه ، ولا سبيل له إلى فعله ، وأيضا فالإعنات لا يصح ~~إلا فيمن يتمكن من الشيء فيشق عليه ويضيق ، فأما من لا يتمكن البتة فذلك لا ~~يصح فيه ، وعند الخصم الولي إذا اختار الصلاح فإنه لا يمكنه فعل الفساد ، ~~وإذا لم يقدر على الفساد لا يصح أن يقال فيه { ولو شاء الله لاعنتكم } . # والجواب عنه : المعارضة بمسألة العلم والداعي والله أعلم . # المسألة الثالثة : احتج الكعبي بهذه الآية على أنه تعالى قادر على خلاف ~~العدل ، لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعنات ما جاز أن يقول : { ولو ~~شاء الله لاعنتكم } وللنظام أن يجيب ms1720 بأن هذا معلق على مشيئة الإعنات ، فلم ~~قلتم بأن هذه المشيئة ممكنة الثبوت في حقه تعالى ، والله أعلم . # / الحكم السادس # فيما يتعلق بالنكاح # ! 7 < { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم ~~أولائك يدعون إلى النار والله يدعون إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته ~~للناس لعلهم يتذكرون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 221 ) ولا تنكحوا المشركات . . . . . # > > PageV06P046 # اعلم أن هذه الآية نظير قوله : { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } وقرىء بضم ~~التاء ، أي لا تزوجوهن وعلى هذه القراءة لا يزوجونهن . # واعلم أن المفسرين اختلفوا في أن هذه الآية ابتداء حكم وشرع ، أو هو ~~متعلق بما تقدم ، فالأكثرون على أنه ابتداء شرع في بيان ما يحل ويحرم ، ~~وقال أبو مسلم : بل هو متعلق بقصة اليتامى ، فإنه تعالى لما قال : { وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم } ( البقرة : 220 ) وأراد مخالطة النكاح عطف عليه ما ~~يبعث على الرغبة في اليتامى ، وأن ذلك أولى مما كانوا يتعاطون من الرغبة في ~~المشركات ، وبين أن أمة مؤمنة خير من مشركة وإن بلغت النهاية فيما يقتضي ~~الرغبة فيها ، ليدل بذلك على ما يبعث على التزوج باليتامى ، وعلى تزويج ~~الأيتام عند البلوغ ليكون ذلك داعية لما أمر به من النظر في صلاحهم وصلاح ~~أموالهم ، وعلى الوجهين فحكم الآية لا يختلف ، ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : روي عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام بعث مرثد بن ~~أبي مرثد حليفا لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناسا من المسلمين بها سرا ، فعند ~~قدومه جاءته امرأته يقال لها عناق خليلة له في الجاهلية ، أعرضت عنه عند ~~الإسلام ، فالتمست الخلوة ، فعرفها أن الإسلام يمنع من ذلك ، ثم وعدها أن ~~يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يتزوج بها ، فلما انصرف إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عرفه ما جرى في أمر عناق ، وسأله هل يحل له التزوج بها ~~فأنزل الله تعالى / هذه الآية . # المسألة الثانية : اختلف الناس في لفظ النكاح ، فقال أكثر أصحاب ms1721 الشافعي ~~رحمه الله : إنه حقيقة في العقد ، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : قوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( لا نكاح إلا بولي وشهود ) وقف النكاح على الولي والشهود ~~، والمتوقف على الولي والشهود هو العقد لا الوطء ، والثاني : قوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح ) دل الحديث على أن ~~النكاح كالمقابل للسفاح ، ومعلوم أن السفاح مشتمل على الوطء ، فلو كان ~~النكاح اسما للوطء لامتنع كون النكاح مقابلا للسفاح وثالثها : قوله تعالى : ~~{ وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم } ( النور : 32 ) ولا ~~شك أن لفظ { * أنكحوا } لا يمكن حمله إلا على العقد ورابعها : قول الأعشى ، ~~أنشده الواحدي في ( البسيط ) : # % فلا تقربن من جارة إن سرها % % عليك حرام فانكحن أو تأيما % # وقوله : { * فانكحن } لا يحتمل إلا الأمر بالعقد ، لأنه قال : ( لا تقربن ~~جارة ) يعني مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج وإلا فتأيم وتجنب ~~النساء ، وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة : أنه حقيقة في الوطء ، واحتجوا ~~عليه بوجوه أحدها : قوله تعالى : { الظالمون فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره } نفي الحل ممتد إلى غاية النكاح ، والنكاح الذي تنتهي ~~به هذه الحرمة ليس هو العقد بدليل قوله عليه PageV06P047 الصلاة والسلام : ~~( لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ) فوجب أن يكون المراد منه هو الوطء ~~وثانيها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ~~ملعون ) أثبت النكاح مع عدم العقد وثالثها : أن النكاح في اللغة عبارة عن ~~الضم والوطء ، يقال : نكح المطر الأرض إذا وصل إليها ، ونكح النعاس عينه ، ~~وفي المثل أنكحنا الفرا فسترى ، وقال الشاعر : # % التاركين على طهر نساءهم % % والناكحين بشطي دجلة البقرا % # وقال المتنبي : # % أنكحت صم حصاها خف يعملة % % تعثرت بي إليك السهل والجبلا % # ومعلوم أن معنى الضم والوطء في المباشرة أتم منه في العقد ، فوجب حمله ~~عليه ، ومن الناس من قال : النكاح عبارة عن الضم ، ومعنى الضم حاصل في ~~العقد وفي الوطء ، فيحسن استعمال هذا اللفظ فيهما جميعا ، قال ابن جني : ~~سألت أبا علي عن قولهم : نكح ms1722 المرأة ، فقال : فرقت العرب في الاستعمال فرقا ~~لطيفا حتى لا يحصل الالتباس ، فإذا قالوا : نكح فلان فلانة : أرادوا أنه ~~تزوجها وعقد عليها ، وإذا قالوا : نكح امرأته أو زوجته ، لم يريدوا غير ~~المجامعة ، لأنه إذا ذكر أنه نكح امرأته أو زوجته فقد استغنى عن ذكر العقد ~~، فلم تحتمل الكلمة غير المجامعة ، فهذا تمام ما في / هذا اللفظ من البحث ، ~~وأجمع المفسرون على أن المراد من قوله : { ولا تنكحوا } في هذه الآية أي لا ~~تعقدوا عليهن عقد النكاح . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن لفظ { * المشرك } هل يتناول الكفار من ~~أهل الكتاب ، فأنكر بعضهم ذلك ، والأكثرون من العلماء على أن لفظ { * ~~المشرك } يندرج فيه الكفار من أهل الكتاب وهو المختار ، ويدل عليه وجوه ~~أحدها : قوله تعالى : { صاغرون وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله } ( التوبة : 30 ) ثم قال في آخر الآية : { سبحانه عما ~~يشركون } ( التوبة : 31 ) وهذه الآية صريحة في أن اليهودي والنصراني مشرك ~~وثانيها : قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء } ( النساء : 48 ) دلت هذه الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله ~~تعالى في الجملة فلو كان كفر اليهودي والنصراني ليس بشرك لوجب بمقتضى هذه ~~الآية أن يغفر الله تعالى في الجملة ، ولما كان كان ذلك باطلا علمنا أن ~~كفرهما شرك وثالثها : قوله تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة } ( المائدة : 73 ) فهذا التثليث إما أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ~~ثلاثة ، أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة ، والأول باطل ، لأن المفهوم من كونه ~~تعالى عالما غير المفهوم من كونه قادرا ومن كونه حيا ، وإذا كانت هذه ~~المفهومات الثلاثة لا بد من الاعتراف بها ، كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ~~ضرورات دين الإسلام ، فكيف يمكن تكفير النصارى بسبب ذلك ، ولما بطل ذلك ~~علمنا أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة مستقلة ، ولذلك ~~فإنهم جوزوا في أقنوم الكلمة أن يحل في عيسى ، وجوزوا في أقنوم الحياة أن ~~يحل ms1723 في مريم ولولا أن هذه الأشياء المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قائمة ~~بأنفسها ، لما جوزوا عليها الانتقال من ذات إلى ذات ، فثبت أنهم قائلون ~~بإثبات ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية وهذا شرك ، وقول بإثبات الآلهة ، ~~فكانوا مشركين ، وإذا ثبت دخولهم تحت اسم المشرك ؛ وجب أن يكون اليهودي ~~كذلك ضرورة أنه لا قائل بالفرق ورابعها : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام ~~أمر أميرا وقال : إذا لقيت عددا من المشركين فادعهم إلى الإسلام ، فإن ~~أجابوك فاقبل منهم ، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة / فإن أجابوك ~~فاقبل منهم وكف عنهم ، سمي PageV06P048 من يقبل منه الجزية وعقد الذمة ~~بالمشرك ، فدل على أن الذمي يسمى بالمشرك وخامسها : ما احتج به أبو بكر ~~الأصم فقال : كل من جحد رسالته فهو مشرك ، من حيث إن تلك المعجزات التي ~~ظهرت على يده كانت خارجة عن قدرة البشر ، وكانوا منكرين صدورها عن الله ~~تعالى ، بل كانوا يضيفونها إلى الجن والشياطين ، لأنهم كانوا يقولون فيها : ~~إنها سحر وحصلت من الجن والشياطين ، فالقوم قد أثبتوا شريكا لله سبحانه في ~~خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر ، فوجب القطع بكونهم مشركين لأنه لا ~~معنى للإله إلا من كان قادرا على خلق هذه الأشياء ، واعترض القاضي فقال : ~~إنما يلزم هذا إذا سلم اليهودي أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم / ~~من الأمور الخارجة عن قدرة البشر ، فعند ذلك إذا أضافه إلى غير الله تعالى ~~كان مشركا ، أما إذا أنكر ذلك وزعم أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه ~~وسلم من جنس ما يقدر العباد عليه لم يلزم أن يكون مشركا بسبب ذلك إلى غير ~~الله تعالى . # والجواب : أنه لا اعتبار بإقراره أن تلك المعجزات خارجة عن مقدور البشر ~~أم لا ، إنما الاعتبار يدل على أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر ، فمن نسب ~~ذلك إلى غير الله تعالى كان مشركا ، كما أن إنسانا لو قال : إن خلق الجسم ~~والحياة من جنس مقدور البشر ثم أسند حلق الحيوان والنبات ms1724 إلى الأفلاك ~~والكواكب كان مشركا فكذا ههنا ، فهذا مجموع ما يدل على أن اليهودي ~~والنصراني يدخلان تحت اسم المشرك ، واحتج من أباه بأن الله تعالى فصل بين ~~أهل الكتاب وبين المشركين في الذكر ، وذلك يدل على أن أهل الكتاب لا يدخلون ~~تحت اسم المشرك ، وإنما قلنا أنه تعالى فصل لقوله تعالى : { إن الذين ~~ءامنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا } ( الحج : ~~17 ) وقال أيضا : { ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين } ( ~~البقرة : 105 ) وقال : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } ( ~~البينة : 1 ) ففي هذه الآيات فصل بين القسمين وعطف أحدهما على الآخر ، وذلك ~~يوجب التغاير . # والجواب : أن هذا مشكل بقوله تعالى : { أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ~~ومن نوح } ( الأحزاب : 7 ) وبقوله تعالى : { من كان عدوا لله وملئكته ورسله ~~وجبريل وميكال } فإن قالوا إنما خص بالذكر تنبيها على كمال الدرجة في ذلك ~~الوصف المذكور ، قلنا : فههنا أيضا إنما خص عبدة الأوثان في هذه الآيات ~~بهذا الإسم تنبيها على كمال درجتهم في هذا الكفر ، فهذا جملة ما في هذه ~~المسألة ثم اعلم أن القائلين بأن اليهود والنصارى يندرجون تحت اسم المشرك ~~اختلفوا على قولين فقال قوم : وقوع هذا الإسم عليهم من حيث اللغة لما بينا ~~أن اليهود والنصارى قائلون بالشرك ، وقال الجبائي والقاضي هذا الإسم من ~~جملة الأسماء الشرعية ، واحتجا على ذلك بأنه قد تواتر النقل عن الرسول عليه ~~الصلاة والسلام أنه كان يسمى كل من كان كافرا بالمشرك ، ومن كان في الكفار ~~من لا يثبت إلها أصلا أو كان شاكا في وجوده ، أو كان شاكا في وجود الشريك ، ~~وقد كان فيهم من كان عند البعثة منكرا للبعث والقيامة ، فلا جرم كان منكرا ~~للبعثة والتكليف ، وما كان يعبد شيئا من الأوثان ، والذين كانوا يعبدون ~~الأوثان فيهم من كانوا يقولون : إنها شركاء الله في الخلق وتدبير العالم ، ~~بل كانوا يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله فثبت أن الأكثرين منهم كانوا ~~مقرين بأن إله العالم واحد وأنه ليس له في ms1725 الإلهية معين في خلق العالم ~~وتدبيره وشريك ونظير إذا ثبت هذا ظهر أن وقوع اسم المشرك على الكافر ليس من ~~الأسماء اللغوية / بل من الأسماء الشرعية ، كالصلاة والزكاة وغيرهما ، وإذا ~~كان كذلك وجب اندراج كل كافر تحت هذا الإسم ، فهذا جملة الكلام في هذه ~~المسألة / وبالله التوفيق . PageV06P049 # المسألة الرابعة : الذين قالوا : إن اسم المشرك لا يتناول إلا عبدة ~~الأوثان قالوا : إن قوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات } نهى عن نكاح ~~الوثنية ، أما الذين قالوا : إن اسم المشرك يتناول جميع الكفار قالوا : ~~ظاهر قوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات } يدل على أنه لا يجوز نكاح ~~الكافرة أصلا ، سواء كانت من أهل الكتاب أو لا ، ثم القائلون بهذا القول ~~اختلفوا فالأكثرون من الأئمة قالوا إنه يجوز للرجل أن يتزوج بالكتابية ، ~~وعن ابن عمر ومحمد بن الحنفية والهادي وهو أحد الأئمة الزيدية أن ذلك حرام ~~، حجة الجمهور قوله تعالى في سورة المائدة : { والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب } ( المائدة : 5 ) وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه : من آمن بعد أن كان من أهل ~~الكتاب ؟ . # قلنا : هذا لا يصح من قبل أنه تعالى أو لا أحل المحصنات من المؤمنات ، ~~وهذا يدخل فيه من آمن منهن بعد الكفر ، ومن كن على الإيمان من أول الأمر ، ~~ولأن قوله : { من الذين أوتوا الكتاب } ( البقرة : 101 ) يفيد حصول هذا ~~الوصف في حالة الإباحة ، ومما يدل على جواز ذلك ما روي أن الصحابة كانوا ~~يتزوجون بالكتابيات ، وما ظهر من أحد منهم إنكار على ذلك ، فكان هذا إجماعا ~~على الجواز . # نقل أن حذيفة تزوج بيهودية أو نصرانية ، فكتب إليه عمر أن خل سبيلها ، ~~فكتب إليه : أتزعم أنها حرام ؟ فقال : لا ولكنني أخاف . # وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ~~نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا ) ويدل عليه أيضا الخبر المشهور ~~، وهو ما روى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه عليه ms1726 الصلاة والسلام قال ~~في المجوس : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ~~ذبائحهم ) ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزا لكان هذا الإستثناء عبثا ، واحتج ~~القائلون بأنه لا يجوز بأمور أولها : أن لفظ المشرك يتناول الكتابية على ما ~~بيناه فقوله : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } صريح في تحريم نكاح ~~الكتابية ، والتخصيص والنسخ خلاف الظاهر ، فوجب المصير إليه ، ثم قالوا : ~~وفي الآية ما يدل على تأكيد ما ذكرناه وذلك لأنه تعالى قال في آخر الآية : ~~{ أولئك يدعون إلى النار } والوصف إذا ذكر عقيب الحكم ، وكان الوصف مناسبا ~~للحكم فالظاهر أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم فكأنه تعالى قال : حرمت عليكم ~~نكاح المشركات لأنهن يدعون إلى النار وهذه العلة قائمة في الكتابية ، فوجب ~~القطع بكونها محرمة . # والحجة الثانية : لهم : أن ابن عمر سئل عن هذه المسألة فتلا آية التحريم ~~وآية التحليل ، ووجه الاستدلال أن الأصل في الإبضاع الحرمة ، فلما تعارض ~~دليل الحرمة تساقطا ، فوجب بقاء / حكم الأصل ، وبهذا الطريق لما سئل عثمان ~~عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين ، فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، ~~فحكمتم عند ذلك بالتحريم للسبب الذي ذكرناه فكذا ههنا . # الحجة الثالثة : لهم : حكى محمد بن جرير الطبري في ( تفسيره ) عن ابن ~~عباس تحريم أصناف النساء إلا المؤمنات ، واحتج بقوله تعالى : { ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله } ( المائدة : 5 ) وإذا كان كذلك كانت كالمرتدة في ~~أنه لا يجوز إيراد العقد عليها . # الحجة الرابعة : التمسك بأثر عمر : حكى أن طلحة نكح يهودية ، وحذيفة ~~نصرانية ، فغضب عمر PageV06P050 رضي الله عنه عليهما غضبا شديدا ، فقالا : ~~نحن نطلق يا أمير المؤمنين فلا تغضب / فقال : إن حل طلاقهن فقد حل نكاحهن ، ~~ولكن أنتزعهن منكم . # أجاب الأولون عن الحجة الأولى بأن من قال : اليهودي والنصراني لا يدخل ~~تحت اسم المشرك فالإشكال عنه ساقط ، ومن سلم ذلك قال : إن قوله تعالى : { ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } ( المائدة : 5 ) أخص من هذه الآية ، فإن ~~صحت الرواية أن هذه الحرمة ثبتت ثم زالت جعلنا قوله : { والمحصنات ms1727 } ناسخا ~~، وإن لم تثبت جعلناه مخصصا ، أقصى ما في الباب أن النسخ والتخصيص خلاف ~~الأصل ، إلا أنه لما كان لا سبيل إلا التوفيق بين الآيتين إلا بهذا الطريق ~~وجب المصير إليه ، أما قوله ثانيا أن تحريم نكاح الوثنية إنما كان لأنها ~~تدعو إلى النار ، وهذا المعنى قائم في الكتابية ، قلنا : الفرق بينهما أن ~~المشركة متظاهرة بالمخالفة والمناصبة ، فلعل الزوج يحبها ، ثم أنها تحمله ~~على المقاتلة مع المسلمين ، وهذا المعنى غير موجود في الذمية ، لأنها ~~مقهورة راضية بالذلة والمسكنة ، فلا يفضي حصول ذلك النكاح إلى المقاتلة ، ~~أما قوله ثالثا إن آية التحريم والتحليل قد تعارضتا ، فنقول : لكن آية ~~التحليل خاصة ومتأخرة بالإجماع ، فوجب أن تكون متقدمة على آية التحريم وهذا ~~بخلاف الآيتين في الجمع بين الأختين في ملك اليمين ، لأن كل واحدة من تينك ~~الآيتين أخص من الأخرى من وجه وأعم من وجه آخر ، فلم يحصل سبب الترجيح فيه ~~. # أما قوله ههنا : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } ( المائدة : 5 ) ~~أخص من قوله : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } مطلقا ، فوجب حصول الترجيح ~~. # وأما التمسك بقوله تعالى : { فقد حبط عمله } ( المائدة : 5 ) . # فجوابه : أنا لما فرقنا بين الكتابية وبين المرتدة في أحكام كثيرة ، فلم ~~لا يجوز الفرق بينهما أيضا في هذا الحكم ؟ . # وأما التمسك بأثر عمر فقد نقلنا عنه أنه قال : ليس بحرام ، وإذا حصل ~~التعارض سقط الاستدلال والله أعلم . # المسألة الخامسة : اتفق الكل على أن المراد من قوله : { حتى يؤمن } ~~الإقرار بالشهادة والتزام / أحكام الإسلام ، وعند هذا احتجت الكرامية بهذه ~~الآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار وقالوا إن الله تعالى جعل ~~الإيمان ههنا غاية التحريم والذي هو غاية التحريم ههنا الإقرار ، فثبت أن ~~الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار ، واحتج أصحابنا على فساد هذا ~~المذهب بوجوه : أحدها : أنا بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير قوله : { الذين ~~يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ~~وثانيها : قوله تعالى : { ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الأخر وما ~~هم } ( البقرة ms1728 : 11 ) ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإفراد لكان قوله ~~تعالى : { ما هم * بمؤمنين } كذبا وثالثها : قوله : { قالت الاعراب ءامنا ~~قل لم تؤمنوا } ( الحجرات : 14 ) ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار ~~لكان قوله : { قل لم تؤمنوا } كذبا ، ثم أجابوا عن تمسكهم بهذه الآية بأن ~~التصديق الذي في القلب لا يمكن الإطلاع عليه فأقيم الإقرار باللسان مقام ~~التصديق بالقلب . PageV06P051 # المسألة السادسة : نقل عن الحسن أنه قال : هذه الآية ناسخة لما كانوا ~~عليه من تزويج المشركات قال القاضي : كونهم قبل نزول هذه الآية مقدمين على ~~نكاح المشركات إن كان على سبيل العادة لا من قبل الشرع امتنع وصف هذه الآية ~~بأنها ناسخة ، لأنه ثبت في أصول الفقه أن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكون ~~حكمين شرعيين ، أما إن كان جواز نكاح المشركة قبل نزول هذه الآية ثابتا من ~~قبل الشرع كانت هذه الآية ناسخة . # أما قوله تعالى : { ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو مسلم : اللام في قوله : { ولامة } في إفادة ~~التوكيد تشبه لام القسم . # المسألة الثانية : الخير هو النفع الحسن : والمعنى : أن الشركة لو كانت ~~ثابة في المال والجمال والنسب ، فالأمة المؤمنة خير منها لأن الإيمان متعلق ~~بالدين والمال والجمال والنسب متعلق بالدنيا والدين خير من الدنيا ولأن ~~الدين أشرف الأشياء عند كل أحد فعند التوافق في الدين تكمل المحبة فتكمل ~~منافع الدنيا من الصحة والطاعة وحفظ الأموال والأولاد وعند الاختلاف في ~~الدين لا تحصل المحبة ، فلا يحصل شيء من منافع الدنيا من تلك المرأة ، وقال ~~بعضهم المراد ولأمة مؤمنة خير من حركة مشركة ، واعلم أنه لا حاجة إلى هذا ~~التقدير لوجهين أحدهما : أن اللفظ مطلق والثاني : أن قوله : { ولو أعجبتكم ~~} يدل على صفة الحرية ، لأن التقدير : ولو أعجبتكم بحسنها أو مالها أو ~~حريتها أو نسبها ، فكل ذلك داخل تحت قوله : { ولو أعجبتكم } . # المسألة الثالثة : قال الجبائي : إن الآية دالة على أن القادر على طول ~~الحرة يجوز له التزوج بالأمة على ما هو مذهب أبي ms1729 حنيفة ، وذلك لأن الآية ~~دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة يجوز له التزوج بالأمة لكن الواجد ~~لطول الحرة المشركة يكون لا محالة واجدا لطول الحرة المسلمة لأن سبب ~~التفاوت في الكفر والإيمان لا يتفاوت بقدر المال المحتاج إليه في أهبة ~~النكاح ، / فيلزم قطعا أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح ~~الأمة ، وهذا استدلال لطيف في هذه المسألة . # المسألة الرابعة : في الآية إشكال وهو أن قوله : { ولا تنكحوا المشركات } ~~يقتضي حرمة نكاح المشركة ، ثم قوله : { ولامة مؤمنة خير من مشركة } يقتضي ~~جواز التزوج بالمشركة لأن لفظة أفعل تقتضي المشاركة في الفة ولأحدهما مزية ~~. # قلنا : نكاح المشركة مشتمل على منافع الدنيا ، ونكاح المؤمنة مشتمل على ~~منافع الآخرة ، والنفعان يشتركان في أصل كونهما نفعا ، إلا أن نفع الآخرة ~~له المزية العظمى ، فاندفع السؤال والله أعلم . # أما قوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } فلا خلاف ههنا أن ~~المراد به الكل وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتة على اختلاف ~~أنواع الكفرة . # وقوله : { ولعبد مؤمن خير من مشرك } فالكلام فيه على نحو ما تقدم . # أما قوله : { أولئك يدعون إلى النار } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : هذه الآية نظير قوله : { ما لى أدعوكم إلى النجواة ~~وتدعوننى إلى النار } ( غافر : 41 ) . PageV06P052 # فإن قيل : فكيف يدعون إلى النار وربما لم يؤمنوا بالنار أصلا ، فكيف ~~يدعون إليها . # وجوابه : أنهم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها أحدها : أنهم يدعون إلى ما ~~يؤدي إلى النار ، فإن الظاهر أن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة ، وكل ~~ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض ، وربما يؤدي ذلك إلى انتقال المسلم ~~عن الإسلام بسبب موافقة حبيبه . # فإن قيل : احتمال المحبة حاصل من الجانبين ، فكما يحتمل أن يصير المسلم ~~كافرا بسبب الألفة والمحبة ، يحتمل أيضا أن يصير الكافر مسلما بسبب الألفة ~~والمحبة ، وإذا تعارض الإحتمالان وجب أن يتساقطا ، فيبقى أصل الجواز . # قلنا : إن الرجحان لهذا الجانب لأن بتقدير أن ينتقل الكافر عن كفره ~~يستوجب المسلم به مزيد ثواب ودرجة ، وبتقدير أن ينتقل المسلم ms1730 عن إسلامه ~~يستوجب العقوبة العظيمة ، والإقدام على هذا العمل دائر بين أن يلحقه مزيد ~~نفع / وبين أن يلحقه ضرر عظيم ، وفي مثل هذه الصورة يجب الإحتراز عن الضرر ~~، فلهذا السبب رجح الله تعالى جانب المنع على جانب الإطلاق . # التأويل الثاني : أن في الناس من حمل قوله : { أولئك يدعون إلى النار } ~~أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والقتال ، وفي تركهما وجوب استحقاق النار ~~والعذاب وغرض هذا القائل من هذا التأويل أن يجعل هذا فرقا بين الذمية وبين ~~غيرها ، فإن الذمية لا تحمل زوجها على المقاتلة فظهر الفرق . # التأويل الثالث : أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير ~~الولد من أهل / النار ، فهذا هو الدعوة إلى النار { والله يدعو إلى * الجنة ~~} حيث أمرنا بتزويج المسلمة حتى يكون الولد مسلما من أهل الجنة . # أما قوله تعالى : { والله يدعو إلى * الجنة والمغفرة بإذنه } ففيه قولان ~~: # القول الأول : أن المعنى وأولياء الله يدعون إلى الجنة ، فكأنه قيل : ~~أعداء الله يدعون إلى النار وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة فلا جرم ~~يجب على العاقل أن لا يدور حول المشركات اللواتي هن أعداء الله تعالى ، وأن ~~ينكح المؤمنات فإنهن يدعون إلى الجنة والمغفرة والثاني : أنه سبحانه لما ~~بين هذه الأحكام وأباح بعضها وحرم بعضها ، قال : { والله يدعوا إلى الجنة ~~والمغفرة } لأن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة . # أما قوله : { بإذنه } فالمعنى بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي يستحق به ~~الجنة والمغفرة ، ونظيره قوله : { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } ( ~~يونس : 100 ) وقوله : { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ( آل عمران : ~~145 ) وقوله : { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } ( البقرة : 102 ) ~~وقرأ الحسن { والمغفرة بإذنه } بالرفع أي والمغفرة حاصلة بتيسيره . # أما قوله تعالى : { ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون } فمعناه ظاهر . ~~PageV06P053 # الحكم السابع # في المحيض # ! 7 < { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب ~~التوابين ويحب ms1731 المتطهرين } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 222 ) ويسألونك عن المحيض . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى جمع في هذا الموضع ستة من الأسئلة ، ~~فذكر الثلاثة الأول بغير الواو ، وذكر الثلاثة الأخيرة بالواو ، والسبب أن ~~سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت فيها بحرف العطف ~~لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ ، / وسألو عن المسائل الثلاثة ~~الأخيرة في وقت واحد ، فجيء بحرف الجمع لذلك ، كأنه قيل : يجمعون لك بين ~~السؤال عن الخمر والميسر ، والسؤال عن كذا ، والسؤال عن كذا . # المسألة الثانية : روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن ~~المرأة حال حيضها ، والنصارى كانوا يجامعونهن ، ولا يبالون بالحيض ، وأن ~~أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ، ولم يشاربوها ، ولم ~~يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس فلما نزلت هذه ~~الآية أخذ المسلمون بظاهر الآية فأخرجوهن من بيوتهن فقال ناس من الأعراب : ~~يا رسول الله البرد شديد ، والثياب قليلة ، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر ~~أهل البيت ، وإن استأثرناها هلكت الحيض ، فقال عليه الصلاة والسلام : إنما ~~أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ، ولم آمركم بإخراجهن من البيوت كفعل ~~الأعاجم ، فلما سمع اليهود ذلك قالوا : هذا الرجل يريد أن لا يدع شيئا من ~~أمرنا إلا خالفنا فيه ، ثم جاء عباد بن بشير ، وأسيد بن حضير إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فأخبراه بذلك وقالا : يا رسول الله أفلا ننكحهن في ~~المحيض ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه غضب عليها ~~فقاما ، فجاءته هدية من لبن ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهما ~~فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما . # المسألة الثالثة : أصل الحيض في اللغة السيل يقال : حاض السيل وفاض ، قال ~~الأزهري : ومنه قيل للحوض حوض ، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل إليه ، والعرب ~~تدخل الواو على الياء والياء على الواو لأنهما من جنس واحد . # إذا عرفت هذا فنقول : إن هذا البناء قد يجيء للموضع ، كالمبيت ، والمقيل ~~، والمغيب ، وقد يجيء أيضا ms1732 بمعنى المصدر ، يقال : حاضت محيضا ، وجاء مجيئا ~~، وبات مبيتا ، وحكى الواحدي في ( البسيط ) عن ابن السكيت : إذا كان الفعل ~~من ذوات الثلاثة ، نحو : كال يكيل ، وحاض يحيض ، وأشباهه فإن الإسم منه ~~مكسور ، والمصدر مفتوح من ذلك مال ممالا ، وهذا مميله يذهب بالكسر إلى ~~الاسم ، وبالفتح إلى المصدر ، PageV06P054 ولو فتحهما جميعا أو كسرهما في ~~المصدر والاسم لجاز ، تقول العرب : المعاش والمعيش ، والمغاب والمغيب ، ~~والمسار والمسير ، فثبت أن لفظ المحيض حقيقة في موضوع الحيض ، وهو أيضا اسم ~~لنفس الحيض وإذا ثبت هذا فاعلم أن أكثر المفسرين من الأدباء زعموا أن ~~المراد بالمحيض ههنا الحيض ، وعندي أنه ليس كذلك ، إذ لو كان المراد ~~بالمحيض ههنا الحيض لكان قوله : { فاعتزلوا النساء في المحيض } معناه : ~~فاعتزلوا النساء في الحيض ، ويكون المراد فاعتزلوا النساء في زمان الحيض ، ~~فيكون ظاهره مانعا من الإستمتاع بها فيما فوق السرة ودون الركبة ولما كان ~~هذا المنع غير ثابت لزم القول بتطرق النسخ أو التخصيص إلى الآية ، ومعلوم ~~أن ذلك خلاف الأصل أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض كان معنى الآية : ~~فاعتزلوا النساء في / موضع الحيض ، ويكون المعنى : فاعتزلوا موضع الحيض من ~~النساء / وعلى هذا التقدير لا يتطرق إلى الآية نسخ ولا تخصيص ، ومن المعلوم ~~أن اللفظ إذا كان مشتركا بين معنيين ، وكان حمله على أحدهما يوجب محذورا ~~وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور ، فإن حمل اللفظ على المعنى الذي لا يوجب ~~المحذور أولى ، هذا إذا سلمنا أن لفظ المحيض مشترك بين الموضع وبين المصدر ~~، مع أنا نعلم أن استعمال هذا اللفظ في موضع أكثر وأشهر منه في المصدر . # فإن قيل : الدليل على أن المراد من المحيض الحيض أنه قال : { هو أذى } أي ~~المحيض أذى ، ولو كان المراد من المحيض الموضع لما صح هذا الوصف . # قلنا : بتقدير أن يكون المحيض عبارة عن الحيض ، فالحيض في نفسه ليس بأذى ~~لأن الحيض عبارة عن الدم المخصوص ، والأذى كيفية مخصوصة ، وهو عرض ، والجسم ~~لا يكون نفس العرض ، فلا بد وأن يقولوا : المراد منه ms1733 أن الحيض موصوف بكونه ~~أذى ، وإذا جاز ذلك فيجوز لنا أيضا أن نقول : المراد أن ذلك الموضع ذو أذى ~~، وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد من المحيض الأول هو الحيض ، ومن المحيض ~~الثاني موضع الحيض ، وعلى هذا التقدير يزول ما ذكرتم من الإشكال ، فهذا ما ~~عندي في هذا الموضع وبالله التوفيق . # أما قوله تعالى : { قل هو أذى } فقال عطاء وقتادة والسدي : أي قذر ، ~~واعلم أن الأذى في اللغة ما يكره من كل شيء وقوله : { فاعتزلوا النساء في ~~المحيض } الاعتزال التنحي عن الشيء ، قدم ذكر العلة وهو الأذى ، ثم رتب ~~الحكم عليه ، وهو وجوب الإعتزال . # فإن قيل : ليس الأذى إلا الدم وهو حاصل وقت الاستحاضة مع أن اعتزال ~~المرأة في الاستحاضة غير واجب فقد انتقضت هذه العلة . # قلنا : العلة غير منقوضة لأن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها ~~طبيعة المرأة من طريق الرحم ، ولو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة ، فذلك ~~الدم جار مجرى البول والغائط ، فكان أذى وقذر ، أما دم الاستحاضة فليس كذلك ~~، بل هو دم صالح يسيل من عروق تنفجر في عمق الرحم فلا يكون أذى ، هذا ما ~~عندي في هذا الباب ، وهو قاعدة طيبة ، وبتقريرها يتلخص ظاهر القرآن من ~~الطعن والله أعلم بمراده . # المسألة الرابعة : اعلم أن دم الحيض موصوف بصفات حقيقية ويتفرع عليه ~~أحكام شرعية ، أما الصفات الحقيقية فأمران أحدهما : المنبع ودم الحيض دم ~~يخرج من الرحم ، قال تعالى : { ولا PageV06P055 يحل لهن أن يكتمن ما خلق ~~الله فى أرحامهن } ( البقرة : 228 ) قيل في تفسيره : المراد منه الحيض ~~والحمل ، وأما دم الاستحاضة ، فإنه لا يخرج من الرحم ، لكن من عروق تنقطع ~~في فم الرحم ، قال عليه والسلام في صفة دم الاستحاضة : ( إنه دم عرق انفجر ~~) وهذا الكلام يؤيد ما ذكرنا في دفع للنقض / عن تعليل القرآن . # والنوع الثاني : من صفات دم الحيض : الصفات التي وصف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دم الحيض بها أحدها : أنه أسود والثاني : أنه ثخين والثالث : أنه ~~محتدم وهو المحترق من ms1734 شدة حرارته الرابعة : أنه يخرج برفق ولا يسيل سيلانا ~~والخامسة : أن له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء وذلك لأنه من الفضلات التي ~~تدفعها الطبيعة السادسة : أنه بحراني ، وهو شديد الحمرة وقيل : ما تحصل فيه ~~كدورة تشبيها له بماء البحر ، فهذه الصفات هي الصفات الحقيقية . # ثم من الناس من قال : دم الحيض يتميز عن دم الاستحاضة فكل دم كان موصوفا ~~بهذه الصفات فهو دم الحيض ، وما لا يكون كذلك لا يكون دم حيض ، وما اشتبه ~~الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف وزوالها إنما يكون لعارض الحيض ، فإذا كان ~~غير معلوم الوجود بقيت التكاليف التي كانت واجبة على ما كان ، ومن الناس من ~~قال : هذه الصفات قد تشتبه على المكلف ، فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي ~~تلك الصفات يقتضي عسرا ومشقة ، فالشارع قدر وقتا مضبوطا متى حصلت الدماء ~~فيه كان حكمها حكم الحيض كيف كانت تلك الدماء / ومتى حصلت خارج ذلك الوقت ~~لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء ، والمقصود من هذا إسقاط ~~العسر والمشقة عن المكلف ، ثم إن الأحكام الشرعية للحيض هي المنع من الصلاة ~~والصوم واجتناب دخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن ، وتصير المرأة به ~~بالغة ، والحكم الثابت للحيض بنص القرآن إنما هو حظر الجماع على ما بينا ~~كيفية دلالة الآية عليه . # المسألة الخامسة : اختلف الناس في مدة الحيض فقال الشافعي رحمه الله ~~تعالى : أقلها يوم وليلة ، وأكثرها خمسة عشر يوما ، وهذا قول علي بن أبي ~~طالب وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي وأحمد وإسحق رضي الله عنهم ، وقال أبو ~~حنيفة والثوري : أقله ثلاثة أيام ولياليهن فإن نقص عنه فهو دم فاسد ، ~~وأكثره عشرة أيام ، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : وقد كان أبو ~~حنيفة يقول بقول عطاء : إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما ، ثم ~~تركه وقال مالك لا تقدير لذلك في القلة والكثرة ، فإن وجد ساعة فهو حيض ، ~~وإن وجد أياما فكذلك ، واحتج أبو بكر الرازي في أحكام القرآن على فساد قول ~~مالك فقال ms1735 : لو كان المقدار ساقطا في القليل والكثير لوجب أن يكون الحيض هو ~~الدم الموجود من المرأة فكان يلزم أن لا يوجد في الدنيا مستحاضة ، لأن كل ~~ذلك الدم يكون حيضا على هذا المذهب وذلك باطل بإجماع الأمة ، ولأنه روي أن ~~فاطمة بنت أبي حبيش قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إني أستحاض فلا أطهر ، ~~وأيضا روي أن حمنة استحيضت سبع سنين ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لهما ~~إن جميع ذلك حيض ، بل أخبرهما أن منه ما هو حيض ومنه ما هو استحاضة ، فبطل ~~هذا القول والله أعلم . # / واعلم أن هذه الحجة ضعيفة لأن لقائل أن يقول : إنما يميز دم الحيض عن ~~دم الاستحاضة بالصفات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لدم الحيض ، ~~فإذا علمنا ثبوتها حكمنا بالحيض ، وإذا علمنا عدمها حكمنا بعدم الحيض ، ~~وإذا ترددنا في الأمرين كان طريقان الحيض مجهولا وبقاء التكليف الذي هو ~~الأصل معلوم PageV06P056 والمشكوك لا يعارض المعلوم ، فلا جرم حكم ببقاء ~~التكاليف الأصلية ، فبهذا الطريق يميز الحيض عن الاستحاضة وإن لم يجعل ~~للحيض زمان معين ، وحجة مالك من وجهين الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بين علامة دم الحيض وصفته بقوله : ( دم الحيض هو الأسود المحتدم ) فمتى كان ~~الدم موصوفا بهذه الصفة كان الحيض حاصلا ، فيدخل تحت قوله تعالى : { ~~فاعتزلوا النساء في المحيض } وتحت قوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش : ~~( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ) . # الحجة الثانية : أنه تعالى قال في دم الحيض : { هو أذى فاعتزلوا النساء ~~في المحيض } ذكر وصف كونه أذى في معرض بيان العلة لوجوب الإعتزال ، وإنما ~~كان أذى للرائحة المنكرة التي فيه ، واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه ~~، وإذا كان وجوب الاعتزال معللا بهذه المعاني فعند حصول هذه المعاني وجب ~~الاحتراز عملا بالعلة المذكورة في كتاب الله تعالى على سبيل التصريح ، ~~وعندي أن قول مالك قوي جدا ، أما الشافعي فاحتج على أبي حنيفة وجهين : # الحجة الأولى : أنه وجد دم الحيض في اليوم بليلته وفي الزائد على ms1736 العشرة ~~بدليل أنه عليه السلام وصف دم الحيض بأنه أسود محتدم ، فإذا وجد ذلك فقد ~~حصل الحيض ، فيدخل تحت عموم قوله تعالى : { فاعتزلوا النساء في المحيض } ~~تركنا العمل بهذا الدليل في الأقل من يوم وليلة ، وفي الأكثر من خمسة عشر ~~يوما بالاتفاق بيني وبين أبي حنيفة ، فوجب أن يبقى معمولا به في هذه المدة ~~. # الحجة الثانية : للشافعي في جانب الزيادة ما روي أنه صلى الله عليه وسلم ~~لما وصف النسوان بنقصان الدين / فسر ذلك بأن قال : تمكث إحداهن شطر عمرها ~~لا تصلي ، وهذا يدل على أن الحيض قد يكون خمسة عشر يوما ، لأن على هذا ~~التقدير يكون الطهر أيضا خمسة عشر يوما فيكون الحيض نصف عمرها ، ولو كان ~~الحيض أقل من ذلك لما وجدت امرأة لا تصلي نصف عمرها ، أجاب أبو بكر الرازي ~~عنه من وجهين الأول : أن الشطر ليس هو النصف بل هو البعض والثاني : أنه لا ~~يوجد في الدنيا امرأة تكون حائضا نصف عمرها ، لأن ما مضى من عمرها قبل ~~البلوغ هو من عمرها . # والجواب عن الأول : أن الشطر هو النصف ، يقال : شطرت الشيء أي جعلته ~~نصفين ، ويقال في المثل : أجلب جلبا لك شطره ، أي نصفه ، وعن الثاني أن ~~قوله عليه السلام : ( تمكث إحداهن شطر عمرها لا نصلي ) إنما يتناول زمان هي ~~تصلي فيه ، وذلك لا يتناول إلا زمان البلوغ ، واحتج / أبو بكر الرازي على ~~قول أبي حنيفة من وجوه : # الحجة الأولى : ما روى عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: ( أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشر أيام ) قال أبو بكر : فإن صح هذا ~~الحديث فلا معدل عنه لأحد . # الحجة الثانية : ما روى عن أنس بن مالك ، وعثمان بن أبي العاص الثقفي ~~أنهما قالا الحيض ثلاثة أيام وأربعة أيام إلى عشرة أيام وما زاد فهو ~~استحاضة والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن القول إذا ظهر عن الصحابي ولم ~~يخالفه أحد كان إجماعا والثاني : أن التقدير مما لا سبيل إلى العقل إليه ~~متى روى عن ms1737 الصحابي فالظاهر أنه سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم . # الحجة الثالثة : قوله عليه السلام لحمنة بنت جحش : ( تحيضي في علم الله ~~ستا أو سبعا كما تحيض PageV06P057 النساء في كل شهر ) مقتضاه أن يكون حيض ~~جميع النساء في كل شهر هذا القدر خالفنا هذا الظاهر في الثلاثة إلى العشرة ~~فيبقى ماعداه على الأصل . # الحجة الرابعة : قوله عليه السلام في حق النساء : ( ما رأيت من ناقصات ~~عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن ، فقيل ما نقصان دينهن ؟ قال : تمكث ~~إحداهن الأيام والليالي لا تصلي ) وهذا الخبر يدل على أن مدة الحيض ما يقع ~~عليه اسم الأيام والليال ، وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة لأنه لا يقال في ~~الواحد والإثنين لفظ الأيام ، ولا يقال في الزائد على العشرة أيام ، بل ~~يقال : أحد عشر يوما أما الثلاثة إلى العشرة فيقال فيها أيام ، وأيضا قال ~~صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش دعى الصلاة أيام أقرائك ولفظ ~~الأيام مختص بالثلاثة إلى العشرة ، وفي حديث أم سلمة في المرأة التي سألته ~~أنها تهرق الدم ، فقال : لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من ~~الشهر فلتترك الصلاة ذلك القدر من الشهر ، ثم لتغتسل ولتصل . # فإن قيل : لعل حيض تلك المرأة كان مقدرا بذلك المقدار . # قلنا : إنه عليه السلام ما سألها عن قدر حيضها بل حكم عليها بهذا الحكم ~~مطلقا فدل على أن الحيض مطلقا مقدر بما ينطلق عليه لفظ الأيام وأيضا قال في ~~حديث عدي بن ثابت المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها ، وذلك عام في جميع ~~النساء . # الحجة الخامسة : وهي حجة ذكرها الجبائي من شيوخ المعتزلة في ( تفسيره ) ~~فقال : إن فرض الصوم والصلاة لازم يتعين للعمومات الدالة على وجوبهما ترك ~~العمل بها في الثلاثة إلى العشرة فوجب بقاؤها على الأصل فيما دون الثلاثة ~~وفوق العشرة وذلك لأن فيما دون الثلاثة حصل اختلاف للعلماء فأورث شبهة فلم ~~نجعله حيضا وما زاد على العشرة ففيه أيضا اختلاف العلماء فأورث شبهة فلم ~~نجعله حيضا ، فأما من الثلاثة إلى العشرة فهو ms1738 متفق عليه فجعلناه حيضا فهذا ~~خلاصة كلام الفقهاء في هذ المسألة وبالله التوفيق . # / المسألة السادسة : اتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمن الحيض ، ~~واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة ودون الركبة / واختلفوا في ~~أنه هل يجوز الاستمتاع بما دون السرة وفوق الركبة ، فنقول : إن فسرنا ~~المحيض بموضع الحيض على ما اخترناه كانت الآية دالة على تحريم الجماع فقط ، ~~فلا يكون فيها دلالة على تحريم ما وراءه ، بل من يقول : إن تخصيص الشيء ~~بالذكر يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه ، يقول إن هذه الآية تدل على حل ~~ما سوى الجماع ، أما من يفسر المحيض بالحيض ، كان تقدير الآية عنده ~~فاعتزلوا النساء في زمان الحيض ، ثم يقول ترك العمل بهذه الآية فيما فوق ~~السرة ودون الركبة ، فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة وبالله التوفيق . # أما قوله تعالى : { ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث * ~~أمرهم * الله } فاعلم أن قوله : { ولا تقربوهن } أي ولا تجامعوهن ، يقال ~~قرب الرجل امرأته إذا جامعها ، وهذا كالتأكيد لقوله تعالى : { فاعتزلوا ~~النساء في المحيض } ويمكن أيضا حملها على فائدة جليلة جديدة وهي أن يكون ~~قوله : { فاعتزلوا النساء في المحيض } نهيا عن المباشرة في موضع الدم وقوله ~~: { ولا تقربوهن } يكون نهيا عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع . ~~PageV06P058 # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، ويعقوب ~~الحضرمي ، وأبو بكر عن عاصم ( حتى يطهرن ) خفيفة من الطهارة ، وقرأ حمزة ~~والكسائي { يطهرن } بالتشديد ، وكذلك حفص عن عاصم ، فمن خفف فهو زوال الدم ~~لأن يطهرن من طهرت امرأة من حيضها ، وذلك إذا انقطع الحيض ، فالمعنى : لا ~~تقربون حتى يزول عنهم الدم ، ومن قرأ : { يطهرن } بالتشديد فهو على معنى ~~يتطهرن فأدغم كقوله : { عددا يأيها المزمل } ( المزمل : 1 ) ، ويا أيها ~~المدثر } ( المدثر : 1 ) أي المتزمل والمتدثر وبالله التوفيق . # المسألة الثانية : أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا ~~يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض ، وهذا قول مالك والأوزاعي ms1739 ~~والشافعي والثوري ، والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام ~~لم يقربها زوجها ، وإن رأته لعشرة أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال ، حجة ~~الشافعي من وجهين . # الحجة الأولى : أن القراءة المتواترة ، حجة بالإجماع ، فإذا حصلت قراءتان ~~متواترتان وأمكن الجمع بينهما ، وجب الجمع بينهما . # إذا ثبت هذا فنقول : قرىء { حتى يطهرن } بالتخفيف وبالتثقيل { * ويطهرن } ~~بالتخفيف عبارة عن انقطاع الدم ، وبالتثقيل عبارة عن التطهر بالماء والجمع ~~بين الأمرين ممكن ، وجب دلالة هذه الآية على وجوب الأمرين ، وإذا كان وجب ~~أن لا تنتهي هذه الحرمة إلا عند حصول الأمرين . # / الحجة الثانية : أن قوله تعالى : { يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن } علق ~~الإتيان على التطهر بكلمة { إذا } وكلمة { إذا } للشرط في اللغة ، والمعلق ~~على الشرط عدم عند عدم الشرط ، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر ، ~~حجة أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى : { ولا تقربوهن حتى يطهرن } نهى عن ~~قربانهن وجعل غاية ذلك النهي أن يطهرن بمعنى ينقطع حيضهن ، وإذا كان انقطاع ~~الحيض غاية لهذا النهي وجب أن لا يبقى هذا النهي عند انقطاع الحيض ، أجاب ~~القاضي عنه بأنه لو اقتصر على قوله : { حتى يطهرن } لكان ما ذكرتم لازما ، ~~أما لما ضم إليه قوله : { فإذا تطهرن } صار المجموع هو الغاية وذلك بمنزلة ~~أن يقول الرجل : لا تكلم فلانا حتى يدخل الدار فإذا طابت نفسه بعد الدخول ~~فكلمه ، فإنه يجب أن يتعلق إباحة كلامه بالأمرين جميعا ، وإذا ثبت أنه لا ~~بد بعد انقطاع الحيض من التطهر فقد اختلفوا في ذلك التطهر فقال الشافعي ~~وأكثر الفقهاء : هو الاغتسال وقال بعضهم : وهو غسل الموضع ، وقال عطاء ~~وطاوس : هو أن تغسل الموضع وتتوضأ ، والصحيح هو الأول لوجهين الأول : أن ~~ظاهر قوله : { فإذا تطهرن } حكم عائد إلى ذات المرأة ، فوجب أن يحصل هذا ~~التطهر في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها والثاني : أن حمله على التطهر ~~الذي يختص الحيض بوجوبه أولى من التطهر الذي يثبت في الاستحاضة كثبوته في ~~الحيض ، فهذا يوجب أن المراد به ms1740 الاغتسال وإذا أمكن بوجود الماء وإن تعذر ~~ذلك فقد أجمع القائلون بوجوب الاغتسال على أن التيمم يقوم مقامه ، وإنما ~~أثبتنا التيمم مقام الاغتسال بدلالة الإجماع ، وإلا فالظاهر يقتضي أن لا ~~يجوز قربانها إلا عند الاغتسال بالماء . PageV06P059 # المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد بقوله تعالى : { فأتوهن من حيث ~~أمركم الله } وفيه وجوه الأول : وهو قول ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة ~~وعكرمة : فأتوهن في المأتي فإنه هو الذي أمر الله به ، ولا تؤتوهن في غير ~~المأتي ، وقوله : { من حيث أمركم الله } أي في حيث أمركم الله ، كقوله : { ~~ياأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلواة } أي في يوم الجمعة . الثاني : قال ~~الأصم والزجاج : أي فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن ، وذلك بأن لا يكن ~~صائمات ، ولا معتكفات ، ولا محرمات الثالث : وهو قول محمد بن الحنفية ~~فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور ، والأقرب هو القول الأول لأن لفظة { حيث ~~} حقيقة في المكان مجاز في غيره . # أما قوله : { إن الله يحب التوبين ويحب المتطهرين } فالكلام في تفسير ~~محبة الله تعالى ، وفي تفسير التوبة قد تقدم فلا نعيده إلا أنا نقول : ~~التواب هو المكثر من فعل ما يسمى توبة ، وقد يقال هذا من حق الله تعالى من ~~حيث يكثر في قبول التوبة . # فإن قيل : ظاهر الآية يدل على أنه يحب تكثير التوبة مطلقا والعقل يدل على ~~أن التوبة لا تليق إلا بالمذنب ، فمن لم يكن مذنبا وجب أن لا تحسن منه ~~التوبة . # / والجواب من وجهين : الأول : أن المكلف لا يأمن البتة من التقصير ، ~~فتلزمه التوبة دفعا لذلك التقصير المجوز الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني { ~~التوبة } في اللغة عبارة عن الرجوع ورجوع العبد إلى الله تعالى في كل ~~الأحوال محمود اعترض القاضي عليه بأن التوبة وإن كانت في أصل اللغة عبارة ~~عن الرجوع ، إلا أنها في عرف الشرع عبارة عن الندم على ما فعل في الماضي ، ~~والترك في الحاضر ، والعزم على أن لا يفعل مثله في المستقبل فوجب حمله على ~~هذا المعنى الشرعي دون المفهوم اللغوي ، ولأبي مسلم أن ms1741 يجيب عنه فيقول : ~~مرادي من هذا الجواب أنه إن أمكن حمل اللفظ على التوبة الشرعية ، فقد صح ~~اللفظ وسلم عن السؤال ، وإن تعذر ذلك حملته على التوبة بحسب اللغة الأصلية ~~، لئلا يتوجه الطعن والسؤال . # أما قوله تعالى : { ويحب المتطهرين } ففيه وجوه أحدها : المراد منه ~~التنزيه عن الذنوب والمعاصي وذلك لأن التائب هو الذي فعله ثم تركه ، ~~والمتطهر هو الذي ما فعله تنزها عنه ، ولا ثالث لهذين القسمين ، واللفظ ~~محتمل لذلك ، لأن الذنب نجاسة روحانية ، ولذلك قال : { إنما المشركون نجس } ~~( التوبة : 28 ) فتركه يكون طهارة روحانية ، وبهذا المعنى يوصف الله تعالى ~~بأنه طاهر مطهر من حيث كونه منزها عن العيوب والقبائح ، ويقال : فلان طاهر ~~الذيل . # والقول الثاني : أن المراد : لا يأتيها في زمان الحيض ، وأن لا يأتيها في ~~غير المأتى على ما قال : { فأتوهن من حيث أمركم الله } ومن قال بهذا القول ~~قال : هذا أولى لأنه أليق بما قبل الآية ولأنه تعالى قال حكاية عن قوم لوط ~~{ أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } ( الأعراف : 82 ) فكان قوله : { ~~ويحب المتطهرين } ترك الإتيان في الأدبار . # والقول الثالث : أنه تعالى لما أمرنا بالتطهر في قوله : { فإذا تطهرن } ~~فلا جرم مدح المتطهر فقال : { ويحب المتطهرين } والمراد منه التطهر بالماء ~~، وقد قال تعالى : { رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب * المتطهرين } ( ~~التوبة : 108 ) فقيل في التفسير : أنهم كانوا يستنجون بالماء فأثنى الله ~~عليهم . PageV06P060 # الحكم الثامن # ! 7 < { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لانفسكم واتقوا الله ~~واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 223 ) نساؤكم حرث لكم . . . . . # > > # في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها أحدها : روي أن اليهود ~~قالوا : من جامع امرأته في قبلها من دبرها كان ولدها أحول مخبلا ، وزعموا ~~أن ذلك في التوراة ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كذبت ~~اليهود ونزلت هذه الآية وثانيها : روي عن ابن عباس أن عمر جاء إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت ، وحكى وقوع ذلك منه ، فأنزل ms1742 ~~الله تعالى هذه الآية وثالثها : كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة من ~~دبرها في قبلها ، وكانوا أخذوا ذلك من اليهود ، وكانت قريش تفعل ذلك فأنكرت ~~الأنصار ذلك عليهم ، فنزلت الآية . # المسألة الثانية : { حرث لكم } أي مزرع ومنبت للولد ، وهذا على سبيل ~~التشبيه ، ففرج المرأة كالأرض ، والنطفة كالبذر ، والولد كالنبات الخارج ، ~~والحرث مصدر ، ولهذا وحد الحرث فكان المعنى نساؤكم ذوات حرث لكم فيهن ~~تحرثون للولد ، فحذف المضاف ، وأيضا قد يسمى موضع الشيء باسم الشيء على ~~سبيل المبالغة كقوله : # % فإنما هي إقبالي وإدبار % % # ويقال : هذا أمر الله ، أي مأموره ، وهذا شهوة فلان ، أي مشتهاه ، فكذلك ~~حرث الرجل محرثة . # المسألة الثالثة : ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من الآية أن الرجل ~~مخير بين أن يأتيها من قبلها في قبلها ، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها ~~، فقوله : { أنى شئتم } محمول على ذلك ، ونقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول ~~: المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهن ، وسائر الناس كذبوا ~~نافعا في هذه الرواية ، وهذا قول مالك ، واختيار السيد المرتضى من الشيعة ، ~~والمرتضى رواه عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه ، وحجة من قال : إنه لا ~~يجوز إتيان النساء في أدبارهن من وجوه : # الحجة الأولى : أن الله تعالى قال في آية المحيض : { قل هو أذى فاعتزلوا ~~النساء في المحيض } ( البقرة : 222 ) جعل قيام الأذى علة لحرمة إتيان موضع ~~الأذى ، ولا معنى للأذى إلا ما يتأذى الإنسان منه وههنا يتأذى الإنسان بنتن ~~روائح ذلك الدم وحصول هذه العلة في محل النزاع أظهر فإذا كانت تلك العلة ~~قائمة ههنا وجب حصول الحرمة . # الحجة الثانية : قوله تعالى : { فأتوهن من حيث أمركم الله } ( البقرة : ~~222 ) وظاهر الأمر للوجوب ، ولا يمكن أن يقال : إنه يفيد وجوب إتيانهن لأن ~~ذلك غير واجب ، فوجب حمله على أن المراد منه أن من أتى المرأة وجب أن ~~PageV06P061 يأتيها في ذلك الموضع الذي أمر الله تعالى به ثم هذا غير محمول ~~على الدبر ، لأن ذلك بالإجماع غير واجب فتعين أن ms1743 يكون محمولا على القبل ، ~~وذلك هو المطلوب . # / الحجة الثالثة : روى خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حلال ، ~~فلما ولى الرجل دعاه فقال : كيف قلت في أي الخربتين ، أو في أي الخرزتين ، ~~أو في أي الخصفتين ، أو من قبلها في قبلها فنعم ، أمن دبرها في قبلها فنعم ~~، أمن دبرها في دبرها فلا ، إن الله لا يستحي من الحق : ( لا تؤتوا النساء ~~في أدبارهن ) وأراد بخربتها مسلكها ، وأصل الخربة عروة المزادة شبه الثقب ~~بها ، والخرزة هي التي يثقبها الخراز ، كنى به عن المأتي ، وكذلك الخصفة من ~~قولهم : خصفت الجلد إذا خرزته ، حجة من قال بالجواز وجوه : # الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية من وجهين الأول : أنه تعالى جعل الحرث ~~اسما للمرأة فقال : { نساؤكم حرث لكم } فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة ~~لا للموضع المعين ، فلما قال بعده : { فأتوا حرثكم أنى شئتم } كان المراد ~~فأتوا نساءكم أنى شئتم فيكون هذا إطلاقا في إتيانهن على جميع الوجوه ، ~~فيدخل فيه محل النزاع . # الوجه الثاني : أن كلمة { إنى } معناها أين ، قال الله تعالى : { أنى لك ~~هاذا قالت هو من عند الله } ( الأعراف : 37 خ والتقدير : من أين لك هذا ~~فصار تقدير الآية : فأتوا حرثكم أين شئتم وكلمة : أين شئتم ، تدل على تعدد ~~الأمكنة : اجلس أين شئت ويكون هذا تخييرا بين الأمكنة . # إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها في ~~قبلها ، أو من دبرها في قبلها لأن على هذا التقدير المكان واحد ، والتعداد ~~إنما وقع في طريق الإتيان ، واللفظ اللائق به أن يقال : اذهبوا إليه كيف ~~شئتم فلما لم يكن المذكور ههنا لفظة : كيف ، بل لفظة { إنى } ويثبت أن لفظة ~~{ إنى } مشعرة بالتخيير بين الأمكنة ، ثبت أنه ليس المراد ما ذكرتم بل ما ~~ذكرناه . # الحجة الثانية : لهم : التمسك بعموم قوله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم } ( المؤمنون : 6 ) ترك العمل به في ms1744 حق الذكور لدلالة ~~الإجماع ، فوجب أن يبقى معمولا به في حق النسوان . # الحجة الثالثة : توافقنا على أنه لو قال للمرأة : دبرك على حرام ونوى ~~الطلاق أنه يكون طلاقا ، وهذا يقتضي كون دبرها حلالا له ، هذا مجموع كلام ~~القوم في هذا الباب . # أجاب الأولون فقالوا : الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه ~~الآية إتيان النساء في غير المأتي وجوه الأول : أن الحرث اسم لموضع الحراثة ~~، ومعلوم أن المراد بجميع أجزائها ليست موضعا للحراثة ، فامتنع إطلاق اسم ~~الحرث على ذات المرأة ، ويقتضي هذا الدليل أن لايطلق لفظ الحرث على ذات ~~المرأة إلا أنا تركنا العمل بهذا الدليل في قوله : { نساؤكم حرث لكم } لأن ~~الله تعالى صرح ههنا بإطلاق لفظ الحرث على ذات المرأة ، فحملنا ذلك على ~~المجاز المشهور من تسمية كل الشيء باسم جزئه ، وهذه الصورة مفقودة في قوله ~~: { فأتوا حرثكم } فوجب حمل الحرث ههنا على / موضع الحراثة على التعيين ، ~~فثبت أن الآية لا دلالة فيها إلا على إتيان النساء في المأتى . PageV06P062 # الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية لا يمكن أن تكون دالة على ما ذكروه ~~لما بينا أن ما قبل هذه الآية يدل على المنع مما ذكروه من وجهين أحدهما : ~~قوله : { قل هو أذى } ( البقرة : 222 ) والثاني : قوله : { فأتوهن من حيث ~~أمركم الله } فلو دلت هذه الآية على التجويز لكان ذلك جمعا بين ما يدل على ~~التحريم وبين ما يدل على التحليل في موضع واحد ، والأصل أنه لا يجوز . # الوجه الثالث : الروايات المشهورة في أن سبب نزول هذه الآية اختلافهم في ~~أنه هل يجوز إتيانها من دبرها في قبلها ، وسبب نزول الآية لا يكون خارجا عن ~~الآية فوجب كون الآية متناولة لهذه الصورة ، ومتى حملناها على هذه الصورة ~~لم يكن بنا حاجة إلى حملها على الصورة الأخرى فثبت بهذه الوجوه أن المراد ~~من الآية ليس ما ذكروه ، وعند هذا نبحث عن الوجوه التي تمسكوا بها على ~~التفصيل . # أما الوجه الأول : فقد بينا أن قوله : { فأتوا حرثكم ms1745 } معناه : فأتوه ~~موضع الحرث . # وأما الثاني : فإنه لما كان المراد بالحرث في قوله : { فأتوا حرثكم } ذلك ~~الموضع المعين لم يكن حمل { أنى شئتم } على التخيير في مكان ، وعند هذا ~~يضمر فيه زيادة ، وهي أن يكون المراد من { أنى شئتم } فيضمر لفظة : من ، لا ~~يقال ليس حمل لفظ الحرث على حقيقته ، والتزام هذا الإضمار أولى من حمل لفظ ~~الحرث على المرأة على سبيل المجاز ، حتى لا يلزمنا هذا الإضمار لأن نقول : ~~بل هذا أولى ، لأن الأصل في الإبضاع الحرمة . # وأما الثالث : فجوابه : أن قوله : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~} ( المؤمنون : 6 ) عام ، ودلائلنا خاصة ، والخاص مقدم على العام . # وأما الرابع : فجوابه : أن قوله : دبرك على حرام ، إنما صلح أن يكون ~~كناية عن الطلاق ، لأنه محل لحل الملابسة والمضاجعة ، فصار ذلك كقوله : يدك ~~طالق ، والله أعلم . # المسألة الرابعة : اختلف المفسرون في تفسير قوله : { أنى شئتم } والمشهور ~~ما ذكرناه أنه يجوز للزوج أن يأتيها من قبلها في قبلها ، ومن دبرها في ~~قبلها والثاني : أن المعنى : أي وقت شئتم من أوقات الحل : يعنى إذا لم تكن ~~أجنبية ، أو محرمة ، أو صائمة ، أو حائضا والثالث : أنه يجوز للرجل أن ~~ينكحها قائمة أو باركة ، أو مضطجعة ، بعد أن يكون في الفرج الرابع : قال ~~ابن عباس : المعنى إن شاء ، وإن شاء لم يعزل ، وهو منقول عن سعيد بن المسيب ~~الخامس : متى شئتم من ليل أو نهار . # فإن قيل : فما المختار من هذه الأقاويل ؟ . # قلنا : قد ظهر عن المفسرين أن سبب نزول هذه الآية هو أن اليهود كانوا ~~يقولون : من أتى / المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول ، فأنزل الله ~~تعالى هذا لتكذيب قولهم ، فكان الأولى حمل اللفظ عليه ، وأما الأوقات فلا ~~مدخل لها في هذا الباب ، لأن { إنى } يكون بمعنى { متى } ويكون بمعنى { كيف ~~} وأما العزل وخلافه فلا يدخل تحت { إنى } لأن حال الجماع لا يختلف بذلك ، ~~فلا وجه لحمل الكلام إلا على ما قلنا . # أما قوله : { وقدموا لانفسكم } فمعناه : افعلوا ما تستوجبون به ms1746 الجنة ~~والكرامة ونظيره أن يقول الرجل لغيره : قدم لنفسك عملا صالحا ، وهو كقوله : ~~{ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } ( البقرة : 197 ) ونظير لفظ PageV06P063 ~~التقديم ما حكى الله تعالى عن فريق من أهل النار وهو قوله : { قالوا بل ~~أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار } ( ص: 60 ) . # فإن قيل : كيف تعلق هذا الكلام بما قبله ؟ . # قلنا : نقل عن ابن عباس أنه قال : معناه التسمية عند الجماع وهو في غاية ~~البعد ، والذي عندي فيه أن قوله : { نساؤكم حرث لكم } جار مجرى التنبيه على ~~سبب إباحة الوطء ، كأنه قيل : هؤلاء النسوان إنما حكم الشرع بإباحة وطئهن ~~لكم لأجل أنهن حرث لكم أي بسبب أنه يتولد الولد منها ثم قال بعده : { فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم } أي لما كان السبب في إباحة وطئها لكم حصول الحرث ، فأتوا ~~حرثكم ، ولاتأتوا غير موضع الحرث ، فكان قوله : { فأتوا حرثكم } دليلا على ~~الإذن في ذلك الموضع ، والمنع من غير ذلك الموضع ، فلما اشتملت الآية عل ~~الإذن في أحد الموضعين ، والمنع عن الموضع الآخر ، لا جرم قال : { وقدموا ~~لانفسكم } أي لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة بل كونوا في قيد تقديم الطاعة ، ~~ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : { واتقوا الله } ثم أكده ثالثا بقوله : { ~~واعلموا أنكم ملاقوه } وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا يليق ذكرها إلا ~~إذا كانت مسبوقة بالنهي عن شيء لذيذ مشتهى ، فثبت أن ما قبل هذه الآية دال ~~على تحريم هذا العمل ، وما بعدها أيضا دال على تحريمه ، فظهر أن المذهب ~~الصحيح في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه جمهور المجتهدين . # أما قوله تعالى : { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } فاعلم أن الكلام ~~في التقوى قد تقدم ، والكلام في تفسير لقاء الله تعالى قد تقدم في قوله : { ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) واعلم أنه تعالى ذكر هذه ~~الأمور الثلاثة أولها : { وقدموا لانفسكم } والمراد منه فعل الطاعات ~~وثانيها : قوله : { واتقوا الله } والمراد منه ترك المحظورات وثالثها : ~~قوله : { واعلموا أنكم ملاقوه } وفيه إشارة إلى أنى إنما كلفتكم بتحمل ms1747 ~~المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات لأجل يوم البعث والنشور والحساب ، ~~فلولا ذلك اليوم لكان تحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات عبثا وما ~~أحسن هذا الترتيب ، ثم قال : { وبشر المؤمنين } والمراد منه رعاية الترتيب ~~المعتبر في القرآن / وهو أن يجعل مع كل وعيد وعدا والمعنى وبشر المؤمنين ~~خاصة بالثواب والكرامة فحذف ذكرهما لما أنهم كالمعلوم ، فصار كقوله : { ~~وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } ( الأحزاب : 47 ) . # الحكم التاسع # في الأيمان # ! 7 < { ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس والله سميع عليم } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 224 ) ولا تجعلوا الله . . . . . # > > # والمفسرون أكثروا من الكلام في هذه الآية ، وأجود ما ذكروه وجهان الأول : ~~وهو الذي ذكره أبو مسلم PageV06P064 الأصفهاني ، وهو الأحسن أن قوله : { ~~ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم } نهى عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به ، ~~لأن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له يقول الرجل : قد ~~جعلتني عرضة للومك ، وقال الشاعر : # % ولا تجعلني عرضة للوائم % % وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله : { ~~ولا تطع كل حلاف مهين } ( القلم : 10 ) وقال تعالى : { واحفظوا أيمانكم } ( ~~المائدة : 89 ) والعرب كانوا يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف ، كما قال ~~كثير : # % قليل الألا يا حافظ ليمينه % % وإن سبقت منه الألية برت % # والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق ~~لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع ، فلا يؤمن إقدامه على اليمين ~~الكاذبة ، فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين ، وأيضا كلما كان الإنسان ~~أكثر تعظيما لله تعالى كان أكمل في العبودية ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر ~~الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية . # وأما قوله تعالى بعد ذلك : { أن تبروا } فهو علة لهذا النهي ، فقوله : { ~~أن تبروا } أي إرادة أن تبروا ، والمعنى : إنما نهيتكم عن هذا لما أن توقى ~~ذلك من البر والتقوى والإصلاح ، فتكونون يا معشر المؤمنين بررة أتقياء ~~مصلحين في ms1748 الأرض غير مفسدين . # فإن قيل : وكيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس ~~؟ . # قلنا : لأن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تعالى أجل وأعظم أن يستشهد ~~باسمه العظيم في / مطالب الدنيا وخسائس مطالب الحفل ، فلا شك أن هذا من ~~أعظم أبواب البر وأما معنى التقوى فظاهر أنه اتقى أن يصدر منه ما يخل ~~بتعظيم الله ، وأما الإصلاح بين الناس فمتى اعتقدوا في صدق لهجته ، وبعده ~~عن الأغراض الفاسدة فيقبلون قوله فيحصل الصلح بتوسطه . # التأويل الثاني : قالوا : العرضة عبارة عن المانع ، والدليل على صحة هذه ~~اللغة أنه يقال : أردت أفعل كذا فعرض لي أمر كذا ، واعترض أي تحامى ذلك ~~فمنعني منه ، واشتقاقها من الشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانعا ~~للناس من السلوك والمرور ويقال : اعترض فلان على كلام فلان ، وجعل كلامه ~~معارضا لكلام آخر ، أي ذكر ما يمنعه من تثبيت كلامه ، إذا عرفت أصل ~~الاستقاق فالعرضة فعلة بمعنى المفعول ، كالقبضة ، والغرفة ، فيكون اسما لما ~~يجعل معرضا دون الشيء ، ومانعا منه ، فثبت أن العرضة عبارة عن المانع ، ~~وأما اللام في قوله : { لايمانكم } فهو للتعليل . # إذا عرفت هذا فنقول : تقدير الآية : ولا تجعلوا ذكر الله مانعا بسبب ~~أيمانكم من أن تبروا أو في أن تبروا ، فأسقط حرف الجر لعدم الحاجة إليه ~~بسبب ظهوره ، قالوا : وسبب نزول الآية أن الرجل كان يحلف على ترك الخيرات ~~من صلة الرحم ، أو إصلاح ذات البين ، أو إحسان إلى أحد أدعيائه ثم يقول : ~~أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل : لا ~~تجعلوا ذكر الله مانعا بسبب هذه الأيمان عن فعل البر والتقوى هذا أجود ما ~~ذكره المفسرون وقد طولوا في كلمات أخر ، ولكن لا فائدة فيها فتركناها / ثم ~~قال في PageV06P065 آخر الآية : { والله سميع عليم } أي : إن حلفتم يسمع ، ~~وإن تركتم الحلف تعظيما لله وإجلالا له من أن يستشهد باسمه الكريم في ~~الأعراض العاجلة فهو عليم عالم بما في قلوبكم ونيتكم . # ! 7 < { لا يؤاخذكم الله باللغو فىأيمانكم ms1749 ولاكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ~~والله غفور حليم } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 225 ) لا يؤاخذكم الله . . . . . # > > # في الآية مسألتان : # المسألة الأولى : { اللغو } الساقط الذي لا يعتد به ، سواء كان كلاما أو ~~غيره ، أما ورود هذه اللفظة في الكلام ، فيدل عليه الآية والخبر والرواية ، ~~أما الآية فقوله تعالى : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } ( القصص : 55 ) ~~وقوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } ( الواقعة : 25 ) وقوله : { لا ~~تسمعوا لهاذا القرءان } ( فصلت : 26 ) وقوله : { عالية لا تسمع فيها لاغية ~~} ( الغاشية : 11 ) أما قوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان ~~: 72 ) فيحتمل أن يكون المراد ، وإذا مروا بالكلام الذي يكون لغوا ، وأن ~~يكون المراد ، وإذا مروا بالفعل الذي يكون لغوا . # وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم : ( من قال يوم الجمعة لصاحبه صه ~~والإمام يخطب فقد لغا ) . # وأما الرواية فيقال : لغا الطائر يلغو لغوا إذا صوت ، ولغو الطائر تصويته ~~، وأما ورود هذا اللفظ في غير الكلام ، فهو أنه يقال لما لا يعتد به من ~~أولاد الإبل : لغو ، قال جرير : # % يعد الناسبون بني تميم % % بيوت المجد أربعة كبارا % # % وتخرج منهم المرئى لغوا % % كما ألغيت في الدية الحوارا % # وقال العجاج : # % ورب أسراب حجيج كظم % % عن اللغا ورفث التكلم % # قال الفراء : اللغا ، مصدر للغيت ، و { اللغو } مصدر للغوت ، فهذا ما ~~يتعلق باللغة . # أما المفسرون فقد ذكروا وجوها الأول : قال الشافعي رضي الله عنه : إنه ~~قول العرب : لا والله ، وبلى والله ، مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم ~~الحلف ، ولو قيل لواحد منهم : سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة ~~لأنكر ذلك ، ولعله قال : لا والله ألف مرة والثاني : وهو قول أبي حنيفة رضي ~~الله عنه : أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن ~~فهذا هو اللغو ، وفائدة هذا الإختلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول ~~الرجل لا والله وبلى والله ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم ~~بان أنه لم يكن ، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك ms1750 ومذهب الشافعي هو قول عائشة ~~، والشعبي ، وعكرمة ، وقول أبي حنيفة هو قول ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، ~~والنخعي والزهري ، وسليمان بن يسار ، وقتادة ، والسدي ، ومكحول ، حجة ~~الشافعي رضي الله عنه على قوله وجوه الأول : ما روت عائشة رضي الله عنها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لغو اليمين قول الرجل في كلامه كلا ~~والله ، وبلى والله ، ولا والله ) وروى أنه صلى الله عليه وسلم مر ~~PageV06P066 بقوم ينتضلون ، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم ، فقال : ~~أصبت والله ، ثم أخطأ ، ثم قال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم : حنث ~~الرجل يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( كل أيمان الرماة لغو لا ~~كفارة فيها ولا عقوبة ) وعن عائشة أنها قالت : أيمان اللغو ماكان في الهزل ~~والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب ، وأثر الصحابي في تفسير كلام ~~الله حجة . # الحجة الثانية : أن قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولاكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } يدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل ~~بسبب كسب القلب / ولكن المراد من / قوله : { بما كسبت قلوبكم } هو الذي ~~يقصده الإنسان على الجد ويربط قلبه به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون اللغو ~~الذي هو كالمقابل له أن يكون معناه ما لا يقصده الإنسان بالجد ، ولا يربط ~~قلبه به ، وذلك هو قول الناس على سبيل التعود في الكلام : لا والله بلى ~~والله ، فأما إذا حلف على شيء بالجد أنه كان حاصلا ثم ظهر أنه لم يكن فقد ~~قصد الإنسان بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك ، فلم يكن ذلك لغوا ~~ألبتة بل كان ذلك حاصلا بكسب القلب . # الحجة الثالثة : أنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية : { ولا تجعلوا الله عرضة ~~لايمانكم } ( البقرة : 224 ) وقد ذكرنا أن معناه النهي عن كثرة الحلف ~~واليمين ، وهؤلاء الذين يقولون على سبيل الاعتياد : لا والله وبلى والله لا ~~شك أنهم يكثرون الحلف ، فذكر تعالى عقيب قوله : { ولا تجعلوا الله عرضة ~~لايمانكم } حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف ms1751 على سبيل الاعتياد في الكلام لا ~~على سبيل القصد إلى الحلف ، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم ، ولا كفارة ، لأن ~~إيجاب المؤاخذة والكفارة عليهم يفضي إما إلى أن يمتنعوا عن الكلام ، أو ~~يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين فظهر أن تفسير اللغو بما ~~ذكرناه هو المناسب لما قبل الآية ، فأما الذي قال أبو حنيفة رضي الله عنه ~~فإنه لا يناسب ما قبل الآية فكان تأويل الشافعي أولى ، حجة أبي حنيفة رضي ~~الله عنه من وجوه . # الحجة الأولى : قوله صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه ) الحديث دل على وجوب ~~الكفارة على الحانث مطلقا من غير فصل بين المجد والهازل . # الحجة الثانية : أن اليمين معنى لا يلحقه الفسخ ، فلا يعتبر فيه القصد ~~كالطلاق والعتاق ، فهاتان الحجتان يوجبان الكفارة في قول الناس : لا والله ~~بلى والله ، إذا حصل الحنث ، ثم الذي يدل على أن اللغو لا يمكن تفسيره بما ~~قال الشافعي ، ويجب تفسيره بما قاله أبو حنيفة أن اليمين في اللغة عبارة عن ~~القوة قال الشاعر : # % إذا ما راية رفعت لمجد % % تلقاها عرابة باليمين % # أي بالقوة ، والمقصود من اليمين تقوية جانب البر على جانب الحنث بسبب ~~اليمين ، وهذا إنما يفعل في الموضع الذي يكون قابلا للتقوية ، وهذا إنما ~~يكون إذا وقع اليمين على فعل في المستقبل ، فأما إذا وقع اليمين على الماضي ~~فذلك لا يقبل التقوية ألبتة ، فعلى هذا اليمين على الماضي تكون خالية عن ~~الفائدة المطلوبة منها ، والخالي عن المطلوب يكون لغوا ، فثبت أن اللغو هو ~~اليمين على الماضي ، وأما اليمين على المستقبل فهو قابل للتقوية ، فلم تكن ~~هذه اليمين خالية عن الغرض المطلوب منها فلا تكون لغوا . PageV06P067 # القول الثالث : في تفسير يمين اللغو : هو أنه إذا حلف على ترك طاعة ، أو ~~فعل معصية ، / فهذا هو يمين اللغوا وهو المعصية . قال تعالى : { وإذا سمعوا ~~اللغو أعرضوا عنه } ( القصص : 55 ) فبين أنه تعالى لا يؤاخذ بترك هذه ms1752 ~~الأيمان ، ثم قال : { ولاكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أي بإقامتكم على ذلك ~~الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية ، قالوا : وهذا التأويل مناف ~~لقوله عليه السلام : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو ~~خير ثم ليكفر ) وهذا التأويل ضعيف من وجهين الأول : هو أن المؤاخذة ~~المذكورة في هذه الآية صارت مفسرة في آية المائدة بقوله تعالى : { ولاكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته } ( المائدة : 89 ) ولما كان المراد ~~بالمؤاخذة إيجاب الكفارة وههنا الكفارة واجبة / علمنا أن المراد من الآية ~~ليس هو هذه الصورة الثاني : أنه تعالى جعل المقابل للغو هو كسب القلب ، ولا ~~يمكن تفسيره بما ذكره من الإصرار على الشيء الذي حلفوا عليه لأن كسب القلب ~~مشعر بالشروع في فعل جديد ، فأما الاستمرار على ما كان فذلك لا يسمى كسب ~~القلب . # القول الرابع : في تفسير يمين اللغو : أنها اليمين المكفرة سميت لغوا لأن ~~الكفارة أسقطت الإثم ، فكأنه قيل : لا يؤاخذكم الله باللغو إذا كفرتم ، ~~وهذا قول الضحاك . # القول الخامس : وهو قول القاضي : أن المراد به ما يقع سهوا غير مقصود ~~إليه ، والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك : { ولاكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ~~} أي يؤاخذكم إذا تعمدتم ، ومعلوم أن المقابل للعمد هو السهو . # المسألة الثانية : احتج الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على وجوب ~~الكفارة في اليمين الغموس ، قال : إنه تعالى ذكر ههنا { ولاكن يؤاخذكم بما ~~كسبت قلوبكم } وقال في آية المائدة : { ولاكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان } ~~وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد منه عقد القلب به ، ولأن يكون المراد به ~~العقد الذي يضاد الحل ، فلما ذكر ههنا قوله : { بما كسبت قلوبكم } علمنا أن ~~المراد من ذلك العقد هو عقد القلب ، وأيضا ذكر المؤاخذة ههنا ، ولم يبين أن ~~تلك المؤاخذة ما هي ، وبينها في آية المائدة بقوله : { ولاكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الايمان فكفارته } فبين أن المؤاخذة هي الكفارة ، فكل واحدة من هاتين ~~الآيتين مجملة من وجه ، مبينة من وجه آخر فصارت كل واحدة منهما مفسرة ~~للأخرى ms1753 من وجه ، وحصل من كل واحدة منهما أن كل يمين ذكر على سبيل الجد وربط ~~القلب ، فالكفارة واجبة فيها ، واليمين الغموس كذلك فكانت الكفارة واجبة ~~فيها . # أما قوله تعالى : { والله غفور رحيم } فقد علمت أن : الغفور ، مبالغة في ~~ستر الذنوب ، وفي إسقاط عقوبتها ، وأما : الحليم ، فاعلم أن الحلم في كلام ~~العرب الأناة والسكون ، يقال : ضع الهودج على أحلم الجمال ، أي على أشدها ~~تؤدة في السير ، ومنه الحلم لأنه يرى في حال السكون ، وحلمة الثدي ، ومعنى ~~: الحليم ، في صفة الله : الذي لا يعجل بالعقوبة ، بل يؤخر عقوبة الكفار ~~والفجار . # PageV06P068 < # > 1 ( الحكم العاشر فيما يتعلق بالإيلاء والطلاق ) 1 < # @QE@ 7 < { للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر فإن فآءوا فإن الله ~~غفور رحيم * وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 226 - 227 ) للذين يؤلون من . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : آلى يؤالي إيلاء ، وتألى يتألى تأليا ، وائتلى يأتلي ~~ائتلاء ، والإسم منه ألية وألوة ، كلاهما بالتشديد ، وحكى أبو عبيدة الوة ~~والوة والوة ثلاثة لغات ، وبالجملة فالألية والقسم واليمين ، والحلف ، كلها ~~عبارات عن معنى واحد ، وفي الحديث حكاية عن الله تعالى : ( آليت أفعل خلاف ~~المقدرين ) وقال كثير : # % قليل الألايا حافظ ليمينه % % فإن سبقت منه الألية برت % # هذا هو معنى اللفظ بحسب أصل اللغة ، أما في عرف الشعر فهو اليمين على ترك ~~الوطء ، كما إذا قال : والله لا أجامعك ، ولا أباضعك ، ولا أقربك ، ومن ~~المفسرين من قال : في الآية حذف تقديره : للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم ~~، إلا أنه حذف لدلالة الباقي عليه ، وأنا أقول : هذا الإضمار إنما يحتاج ~~إليه إذا حملنا لفظ الإيلاء على المعهود اللغوي ، أما إذا حملناه على ~~المتعارف في الشرع استغنينا عن هذا الإضمار . # المسألة الثانية : روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقا قال سعيد بن ~~المسيب : كان الرجل لا يريد المرأة ولا يجب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا ~~يقربها ، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل ، والغرض منه مضارة المرأة ~~، ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك ms1754 أيضا ، فأزال الله تعالى ذلك وأمهل ~~للزوج مدة حتى يتروى ويتأمل ، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها ، ~~وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها . # المسألة الثالثة : قرأ عبد الله { يؤلون من نسائهم } وقرأ ابن عباس رضي ~~الله عنهما { يقسمون * من نسائهم } . # أما قوله : { من نسائهم } ففيه سؤال ، وهو أنه يقال : المتعارف أن يقال : ~~حلف فلان على / كذا أو آلى على كذا ، فلم أبدلت لفظة { على } ههنا بلفظة { ~~من } ؟ . # والجواب من وجهين : الأول : أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر ، كما ~~يقال : لي منك كذا والثاني : أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد ، فكأنه قيل ~~: يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين . # أما قوله تعالى : { تربص أربعة أشهر } فاعلم أن التربص التلبث والانتظار ~~يقال : تربصت الشيء PageV06P069 تربصا ، ويقال : ما لي على هذا الأمر ربصة ~~، أي تلبث ، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله : ~~بينهما مسيرة يوم ، أي مسيرة في يوم ومثله كثير . # أما قوله : { فإن فآءوا } فمعناه فإن رجعوا ، والفيء في اللغة هو رجوع ~~الشيء إلى ما كان عليه من قبل ، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود ~~: فيء ، وفرق أهل العربية بين الفيء والظل ، فقالوا : الفيء ما كان بالعشي ~~، لأنه الذي نسخته الشمس والظل ما كان بالغداة لأنه لم تنسخه الشمس وفي ~~الجنة ظل وليس فيها فيء ، لأنه لا شمس فيها ، قال الله تعالى : { وظل ممدود ~~} ( الواقعة : 30 ) وأنشدوا : # % فلا الظل من برد الضحى يستطيعه % % ولا الفيء من برد العشي يذوق % # وقيل : فلان سريع الفيء والفيئة حكاهما الفراء عن العرب ، أي سريع الرجوع ~~عن الغصب إلى الحالة المتقدمة وقيل : لما رده الله على المسلمين من مال ~~المشركين فيء كأنه كان لهم فرجع إليهم فقوله : { فإن فآءوا } معناه فإن ~~فرجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها { فإن الله غفور رحيم } للزوج إذا تاب ~~من إضراره بامرأته كما أنه غفور رحيم لكل التائبين . # أما قوله تعالى : { وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } فاعلم ms1755 أن ~~العزم عقد القلب على الشيء يقال عزم على الشيء يعوم عزما وعزيمة ، وعزمت ~~عليك لتفعلن ، أي أقسمت ، والطلاق مصدر طلقت المرأة أطلق طلاقا ، وقال ~~الليث : طلقت بضم اللام ، وقال ابن الأعرابي : طلقت بضم اللام من الطلاق ~~أجود ، ومعنى الطلاق هو حل عقد النكاح بما يكون حلالا في الشرع ، وأصله من ~~الإنطلاق ، وهو الذهاب ، فالطلاق عبارة عن انطلاق المرأة ، فهذا ما يتعلق ~~بتفسير لفظ الآية . # أما الأحكام فكثيرة ونذكر هاهنا بعض ما دلت الآية عليه في مسائل : # المسألة الأولى : كل زوج يتصور منه الوقاع ، وكان تصرفه معتبرا في الشرع ~~، فإنه يصح منه الإيلاء ، وهذا القيد معتبر طردا وعكسا . أما الطرد فهو أن ~~كل من كان كذلك صح إيلاؤه ، ويتفرع عليه أحكام الأول : يصح إيلاء الذمي ، ~~وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه ، وقال أبو يوسف ومحمد : لا يصح إيلاؤه ~~بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق لنا قوله تعالى : { للذين يؤلون من ~~نسائهم تربص أربعة أشهر } وهذا العموم يتناول الكافر والمسلم . # / الحكم الثاني : قال الشافعي رضي الله عنه : مدة الإيلاء لا تختلف بالرق ~~والحرية فهي أربعة أشهر سواء كان الزوجان حرين أو رقيقين ، أو أحدهما كان ~~حرا والآخر رقيقا ، وعند أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما تتنصف بالرق ، إلا ~~أن عند أبي حنيفة تتنصف برق المرأة ، وعند مالك برق الرجل ، كما قالا في ~~الطلاق لنا إن ظاهر قوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم } يتناول الكل ، ~~والتخصيص خلاف الظاهر ، لأن تقدير هذه المدة إنما كان لأجل معنى يرجع إلى ~~الجبلة والطبع ، وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج ، فيستوي فيه الحر والرقيق ~~، كالحيض ، ومدة الرضاع ومدة العنة . # الحكم الثالث : يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب ، وقال مالك : لا يصح ~~إلا في حال الغضب لنا ظاهر هذه الآية . PageV06P070 # الحكم الرابع : يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح ، أو كانت ~~مطلقة طلقة رجعية ، بدليل أن الرجعية يصدق عليها أنها من نسائه ، بدليل أنه ~~لو قال : نسائي طوالق ، وقع الطلاق عليها ، وإذا ثبت أنها من ms1756 نسائه دخلت ~~تحت الآية لظاهر قوله : { للذين يؤلون من نسائهم } . # أما عكس هذه القضية . وهو أن من لا يتصور منه الوقاع لا يصح إيلاؤه ، ~~ففيه حكمان : # الحكم الأول : إيلاء الخصي صحيح ، لأنه يجامع كما يجامع الفحل ، إنما ~~المفقود في حقه الإنزال وذلك لا أثر له : ولأنه داخل تحت عموم الآية . # الحكم الثاني : المجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يجامع به صح إيلاؤه وإن ~~لم يبق ففيه قولان أحدهما : أنه لا يصح إيلاؤه وهو قول أبي حنيفة رضي الله ~~عنه والثاني : أنه يصح لعموم هذه الآية ، لأن قصد المضارة باليمين قد حصل ~~منه . # القيد الثاني : أن يكون زوجا ، فلو قال لأجنبية : والله لا أجامعك ثم ~~نكحها لم يكن مؤليا لأن قوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة ~~أشهر } يفيد أن هذا الحكم لهم لا لغيرهم ، كقوله : { لكم دينكم ولى دين } ( ~~الكافرون : 6 ) أي لكم لا لغيركم . # المسألة الثانية : المحلوف به والحلف إما أن يكون بالله أو بغيره ، فإن ~~كان بالله كان موليا ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء ، وهل تجب ~~كفارة اليمين فيه قولان : الجديد وهو الأصح ، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه ~~أنه تجب كفارة اليمين ، والقديم أنه إذا فاء بعد مضي المدة أو في خلال ~~المدة فلا كفارة عليه ، حجة القول : والله لا أقربك ثم يقربها ، وبين أن ~~يقول : والله لا أكلمك ثم يكلمها وحجة القول القديم قوله تعالى : { فإن ~~فآءوا فإن الله غفور رحيم } والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن الكفارة لو ~~كانت واجبة لذكرها الله ههنا ، لأن الحاجة ههنا داعية إلى / معرفتها ، ~~وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والثاني : أنه تعالى كما لم يذكر وجوب ~~الكفارة نبه على سقوطها بقوله : { فإن فآءوا فإن الله غفور رحيم } والغفران ~~يوجب ترك المؤاخذة وللأولين أن يجيبوا فيقولوا : إنما ترك الكفارة ههنا ~~لأنه تعالى بينها في القرآن وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سائر المواضع . # أما قوله : { غفور رحيم } فهو يدل على ms1757 عدم العقاب ، لكن عدم العقاب لا ~~ينافي وجوب الفعل ، كما أن التائب عن الزنا والقتل لا عقاب عليه ، ومع ذلك ~~يجب عليه الحد والقصاص ، وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا ~~قال : إن وطئتك فعبدي حر ، أو أنت طالق ، أو ضرتك طالق ، أو ألزم أمرا في ~~الذمة ، فقال : إن وطئتك فلله علي عتق رقبة ، أو صدقة ، أو صوم ، أو حج ، ~~أو صلاة ، فهل يكون موليا للشافعي رضي الله عنه فيه قولان : قال في القديم ~~: لا يكون موليا ، وبه قال أحمد في ظاهر الرواية دليله أن الإيلاء معهود في ~~الجاهلية ، ثم قد ثبت أن معهود الجاهلية في هذا الباب هو الحلف بالله ، ~~وأيضا روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : من حلف فليحلف بالله ، فمطلق الحلف ~~يفهم منه الحلف بالله ، وقال في الجديد ، وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة ~~العلماء رحمهم الله أنه يكون موليا لأن لفظ الإيلاء يتناول الكل ، وعلق ~~القولين فيمينه منعقدة فإن كان قد علق به عتقا أو طلاقا ، فإذا وطئها يقع ~~ذلك المتعلق ، وإن كان المعلق به التزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر ~~اللجاج ، وفيه أقوال أصحها : أن عليه كفارة اليمين والثاني : عليه الوفاء ~~بما سمى ، والثالث : أنه يتخير بين PageV06P071 كفارة اليمين وبين الوفاء ~~بما سمى ، وفائدة هذين القولين أنا إن قلنا إنه يكون موليا فبعد مضي أربعة ~~أشهر يضيق الأمر عليه حتى يفيء أو يطلق وإن قلنا : لا يكون موليا لا يضيق ~~عليه الأمر . # المسألة الثالثة : اختلفوا في مقدار مدة الإيلاء على أقوال فالأول : قول ~~ابن عباس أنه لا يكون موليا حتى يحلف على أن لا يطأها أبدا والثاني : قول ~~الحسن البصري وإسحق : إن أي مدة حلف عليها كان موليا وإن كانت يوما ، وهذان ~~المذهبان في غاية التباعد والثالث : قول أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون ~~موليا حتى يحلف على أنه لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد والرابع : قول ~~الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم : إنه لا يكون موااليا حتى ms1758 تزيد المدة ~~على أربعة أشهر وفائدة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أنه ~~إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة ، وهذه المدة تكون حقا للزوج ، ~~فإذا مضت تطالب المرأة الزوج بالفيئة أو بالطلاق ، فإن امتنع الزوج منهما ~~طلقها الحاكم عليه ، وعن أبي حنيفة : إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه ~~، حجة الشافعي من وجوه : # الحجة الأولى : أن الفاء في قوله : { فان * فآءوا فإن الله غفور رحيم * ~~وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } تقتضي كون هذين الحكمين مشروعين ~~متراخيا عن انقضاء الأربعة أشهر . # فإن قيل : ما ذكرتموه ممنوع لأن قوله : { فان * رحيم * وإن عزموا الطلاق ~~} تفصيل لقوله : { الذين * يؤلون من نسائهم } والتفصيل يعقب المفصل ، كما ~~تقول : أنا أنزل عندكم هذا الشهر فإن أكرمتموني بقيت معكم وإلا ترحلت عنكم ~~. # قلنا : هذا ضعيف لأن قوله : { للذين يؤلون من نسائهم تربص } هذه المدة ~~يدل على الأمرين والفاء في قوله : { فان } ورد عقيب ذكرهما / فيكون هذا ~~الحكم مشروعا عقيب الإيلاء ، وعقيب حصول التربص في هذه المدة بخلاف المثال ~~الذي ذكره وهو قوله : أنا أنزل عندكم فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحلت ، لأن ~~هناك الفاء متأخرة عن ذلك النزول ، أما ههنا فالفاء مذكورة عقيب ذكر ~~الإيلاء وذكر التربص ، فلا بد وأن يكون ما دخل الفاء عليه واقعا عقيب هذين ~~الأمرين ، وهذا كلام ظاهر . # الحجة الثانية : للشافعي رضي الله عنه أن قوله : { رحيم وإن عزموا الطلاق ~~} صريح في أن وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج ، وعلى قول أبي حنيفة رضي ~~الله تعالى عنه يقع الطلاق بمضي المدة لا بإيقاع الزوج . # فإن قيل : الإيلاء الطلاق في نفسه . فالمراد من قوله : { وإن عزموا ~~الطلاق } الإيلاء المتقدم . # قلنا : هذا بعيد لأن قوله : { وإن عزموا الطلاق } لا بد وأن يكون معناه : ~~وإن عزم الذين يؤلون الطلاق ، فجعل المؤلى عازما ، وهذا يقتضي أن يكون ~~الإيلاء والعزم قد اجتمعا ، وأما الطلاق فهو متعلق العزم ، ومتعلق العزم ~~متأخر عن العزم ، فإذا الطلاق متأخر عن العزم لا محالة ، والإيلاء إما أن ms1759 ~~يكون مقارنا للعزم أو متقدما ، وهذا يفيد القطع بأن الطلاق في هذه الآية ~~مغاير لذلك الإيلاء وهذا كلام ظاهر . # الحجة الثالثة : أن قوله تعالى : { وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ~~} يقتضي أن يصدر من الزوج شيء يكون مسموعا ، وما ذاك إلا أن نقول تقدير ~~الآية فإن عزموا الطلاق وطلقوا فإن الله سميع لكلامهم ، عليم بما في قلوبهم ~~. PageV06P072 # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد إن الله سميع لذلك الإيلاء . # قلنا : هذا يبعد لأن هذا التهديد لم يحصل على نفس الإيلاء ، بل إنما حصل ~~على شيء حصل بعد الإيلاء ، وهو كلام غيره حتى يكون { فإن الله سميع عليم } ~~تهديدا عليه . # الحجة الرابعة : أن قوله تعالى : { فان * رحيم * وإن عزموا } ظاهره ~~التخيير بين الأمرين ، وذلك يقتضي أن يكون وقت ثبوتهما واحدا ، وعلى قول ~~أبي حنيفة ليس الأمر كذلك . # الحجة الخامسة : أن الإيلاء في نفسه ليس بطلاق ، بل هو حلف على الامتناع ~~من الجماع / مدة مخصوصة إلا أن الشرع ضرب مقدارا معلوما من الزمان ، وذلك ~~لأن الرجل قد يترك جماع المرأة مدة من الزمان لا بسبب المضارة ، وهذا إنما ~~يكون إذا كان الزمان قصيرا ، فأما ترك الجماع زمانا طويلا فلا يكون إلا عند ~~قصد المضارة ، ولما كان الطول والقصر في هذا الباب أمرا غير مضبوط ، بين ~~تعالى حدا فاصلا بين القصير والطويل ، فعند حصول هذه تبين قصد المضارة ، ~~وذلك لا يوجب ألبتة وقوع الطلاق ، بل اللائق بحكمة الشرع عند ظهور قصد ~~المضارة أنه يؤمر إما بترك المضارة أو بتخليصها من قيد الإيلاء ، وهذا ~~المعنى معتبر في الشرع كما قلنا في ضرب الأجل في مدة العنين وغيره حجة أبي ~~حنيفة رضي الله عنه أن عبد الله بن مسعود قرأ ، فإن فاؤا فيهن . # والجواب الصحيح : أن القراءة الشاذة مردودة لأن كل ما كان قرآنا وجب أن ~~يثبت بالتواتر فحيث لم يثبت بالتواتر قطعنا أنه ليس بقرآن وأولى الناس بهذا ~~أبو حنيفة ، فإنه بهذا الحرف تمسك في أن التسمية ليست من القرآن ، وأيضا ~~فقد ms1760 بينا أن الآية مشتملة على أمور ثلاثة دلت على أن هذه الفيئة لا تكون في ~~المدة ، فالقراءة الشاذة لما كانت مخالفة لها وجب القطع بفسادها . # ! 7 < { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله فىأرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الا خر وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذالك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ~~والله عزيز حكيم } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 228 ) والمطلقات يتربصن بأنفسهن . . . . . # > > # قوله تعالى : { والمطلقات يتربصن * بأنفسهم * ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر } . # اعلم أنه تعالى ذكر في هذا الموضع أحكاما كثيرة للطلاق : # فالحكم الأول للطلاق وجوب العدة : اعلم أن المطلقة هي المرأة التي أوقع ~~الطلاق عليها ، وهي إما أن تكون أجنبية أو منكوحة ، فإن كانت أجنبية فإذا ~~أوقع الطلاق عليها فهي مطلقة بحسب اللغة ، لكنها غير مطلقة بحسب عرف الشرع ~~، والعدة غير واجبة عليها بالإجماع ، وأما المنكوحة فهي إما أن تكون مدخولا ~~بها أو لا تكون ، فإن لم تكن مدخولا بها لم تجب العدة عليها ، قال الله ~~تعالى : { إذا نكحتم المؤمنات ثم PageV06P073 طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } ( الأحزاب : 49 ) وأما إن كانت مدخولا بها ~~فهي إما أن تكون حائلا أو حاملا ، فإن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل لا ~~بالإقراء قال الله تعالى : { وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ( ~~الطلاق : 4 ) وأما إن كانت حائلا فأما أن يكون / الحيض ممكنا في حقها أو لا ~~يكون فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط ، أو للكبر المفرط كانت ~~عدتها بالأشهر لا بالإقراء ، قال الله تعالى : { واللائى يئسن من المحيض } ~~وأما إذا كان الحيض في حقها ممكنا فإما أن تكون رقيقة ، وإما أن تكون حرة ، ~~فإن كانت رقيقة كانت عدتها بقرأين لا بثلاثة ، أما إذا كانت المرأة منكوحة ~~، وكانت مطلقة بعد الدخول ، وكانت حائلا ، وكانت من ذوات الحيض وكانت حرة ، ~~فعند اجتماع هذه الصفات ms1761 كانت عدتها بالإقراء الثلاثة على ما بين الله حكمها ~~في هذه الآية ، وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي بعد التخصيص أكثر ~~من حيث أنه جرت العادة بإطلاق لفظ الكل على الغالب ، يقال في الثوب : إنه ~~أسود إذا كان الغالب عليه السواد ، أو حصل فيه بياض قليل ، فأما إذا كان ~~الغالب عليه البياض ، وكان السواد قليلا ، كان انطلاق لفظ الأسود عليه كذبا ~~، فثبت أن الشرط في كون العام مخصوصا أن يكون الباقي بعد التخصيص أكثر ، ~~وهذه الآية ليست كذلك فإنكم أخرجتم من عمومها خمسة أقسام وتركتم قسما واحدا ~~، فإطلاق لفظ العام في مثل هذا الموضع لا يليق بحكمة الله تعالى . # والجواب : أما الأجنبية فخارجة عن اللفظ فإن الأجنبية لا يقال فيها : ~~إنها مطلقة ، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة ~~براءة الرحم ، والحاجة إلى البراءة لا تحصل إلا عند سبق الشغل ، وأما ~~الحامل والآيسة فهما خارجتان عن اللفظ لأن إيجاب الاعتداد بالإقراء إنما ~~يكون حيث تحصل الإقراء ، وهذان القسمان لم تحصل الإقراء في حقهما ، وأما ~~الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن الأعم الأغلب باق تحت هذا العموم . # السؤال الثاني : قوله : { يتربصن } لا شك أنه خبر ، والمراد منه الأمر ~~فما الفائدة في التعبير عن الأمر بلفظ الخبر . # والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى لو ذكره بلفظ الأمر لكان ذلك يوهم ~~أنه لا يحصل المقصود إلا إذا شرعت فيها بالقصد والاختيار ، وعلى هذا ~~التقدير فلو مات الزوج ولم تعلم المرأة ذلك حتى انقضت العدة وجب أن لا يكون ~~ذلك كافيا في المقصود ، لأنها لما كانت مأمورة بذلك لم تخرج عن العهدة إلا ~~إذا قصدت أداء التكليف ، أما لما ذكر الله تعالى هذا التكليف بلفظ الخبر ~~زال ذلك الوهم ، وعرف أنه مهما انقضت هذه العدة حصل المقصود ، سواء علمت ~~ذلك أو لم تعلم وسواء شرعت في العدة بالرضا أو بالغضب الثاني : قال صاحب ( ~~الكشاف ) : التعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر إشعارا بأنه مما ~~يجب ms1762 أن يتعلق بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو ~~يخبر عنه موجودا ، ونظيره قولهم في الدعاء : رحمك الله أخرج في صورة الخبر ~~ثقة بالإجابة كأنها وجدت الرحمة فهو يخبر عنها . # / السؤال الثالث : لو قال يتربص المطلقات : لكان ذلك جملة من فعل وفاعل ، ~~فما الحكمة في ترك PageV06P074 ذلك ، وجعل المطلقات مبتدأ ، ثم قوله : { * ~~يتربص } إسناد الفعل إلى الفاعل ، ثم جعل هذه الجملة خبرا عن ذلك المبتدأ . # الجواب : قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتاب ( دلائل الإعجاز ) : إنك ~~إذا قدمت الاسم فقلت : زيد فعل فهذا يفيد من التأكيد والقوة ما لا يفيده ~~قولك : فعل زيد ، وذلك لأن قولك : زيد فعل يستعمل في أمرين أحدهما : أن ~~يكون لتخصيص ذلك الفاعل بذلك الفعل ، كقولك : أنا أكتب في المهم الفلاني ~~إلى السلطان ، والمراد دعوى الإنسان الانفراد الثاني : أن لا يكون المقصود ~~ذلك ، بل المقصود أن تقديم ذكر المحدث عنه بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل ، ~~كقولهم : هو يعطي الجزيل لا يريد الحصر ، بل أن يحقق عند السامع أن إعطاء ~~الجزيل دأبه ومثله قوله تعالى : { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم } ( النحل : 20 ) ليس المراد تخصيص المخلوقية وقوله تعالى : { وإذا * ~~جاءوكم قالوا ءامنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } ( المائدة : 61 ) ~~وقول الشاعر : # % هما يلبسان المجد أحسن لبسة % % شجيعان ما اسطاعا عليه كلاهما % # والسبب في حصول هذا المعنى عند تقديم ذكر المبتدأ أنك إذا قلت : عبد الله ~~، فقد أشعرت بأنك تريد الاخبار عنه ، فيحصل في العقل شوق إلى معرفة ذلك ~~فإذا ذكرت ذلك الخبر قبله العقل قبول العاشق لمعشوقه ، فيكون ذلك أبلغ في ~~التحقيق ونفي الشبهة . # السؤال الرابع : هلا قيل : يتربصن ثلاثة قروء كما قيل : { تربص أربعة ~~أشهر } ( البقرة : 226 ) وما الفائدة في ذكر الأنفس . # الجواب : في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ، لأن فيه ما ~~يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن ، وذلك لأن أنفس النساء طوامح إلى ~~الرجال فأراد أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويخبرنها على التربص . # السؤال ms1763 الخامس : لفظ { * أنفس } جمع قلة ، مع أنهن نفوس كثيرة ، والقروء ~~جمع كثرة ، فلم ذكر جمع الكثرة مع أن المراد هذه القروء الثلاثة وهي قليلة ~~. # والجواب : أنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر ~~لاشتراكهما في معنى الجمعية ، أو لعل القروء كانت أكثر استعمالا في جمع قرء ~~من الإقراء . # السؤال السادس : لم لم يقل : ثلاث قروء ، كما يقال : ثلاثة حيض . # الجواب : لأنه أتبع تذكير اللفظ ولفظ القروء مذكر فهذا ما يتعلق ~~بالسؤالات في هذه الآية وبقى من الكلام في هذه الآية مسألة واحدة في حقيقة ~~القروء ، فنقول : القروء جمع قرء وقرء ، ولا خلاف أن اسم القرء يقع على ~~الحيض والطهر / قال أبو عبيدة : الإقراء من الأضداد في كلام / العرب ، ~~والمشهور أنه حقيقة فيهما كالشفق اسم للحمرة والبياض جميعا ، وقال آخرون ~~إنه حقيقة في الحيض ، مجاز في الطهر ، ومنهم من عكس الأمر ، وقال قائلون : ~~إنه موضوع بحيثية معنى واحد مشترك بين الحيض والطهر ، والقائلون بهذا القول ~~اختلفوا على ثلاثة أقوال فالأول : أن القرء هو الاجتماع ، ثم في وقت الحيض ~~يجتمع الدم في الرحم ، وفي PageV06P075 وقت الطهر يجتمع الدم في البدن ، ~~وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي . # والقول الثاني : وهو قول أبي عبيد : أنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى ~~حالة . # والقول الثالث : وهو قول أبي عمرو بن العلاء : أن القرء هو الوقت ، يقال ~~: أقرأت النجوم إذا طلعت ، وأقرأت إذا أفلت ، ويقال : هذا قارىء الرياح ~~لوقت هبوبها ، وأنشدوا للهذلي : # % إذا هبت لقارئها الرياح % % # وإذا ثبت أن القرء هو الوقت دخل فيه الحيض والطهر ، لأن لكل واحد منهما ~~وقتا معينا ، واعلم أنه تعالى أمر المطلقة أن تعتد بثلاثة قروء ، والظاهر ~~يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى ثلاثة أقراء إن تخرج عن عهدة ~~التكليف ، إلا أن العلماء أجمعوا على أنه لا يكفي ذلك ، بل عليها أن تعتد ~~بثلاثة أقراء من أحد الجنسين ، واختلفوا فيه فمذهب الشافعي رضي الله عنه ~~أنها الأطهار ، روى ذلك عن ابن عمر ، وزيد ، وعائشة ، والفقهاء السبعة ، ~~ومالك ms1764 ، وربيعة ، وأحمد رضي الله عنهم في رواية ، وقال علي وعمر وابن مسعود ~~هي الحيض ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى ، وابن ~~شبرمة ، وإسحاق رضي الله عنهم ، وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي ~~أقصر ، وعندهم أطول ، حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءا وإن ~~حاضت عقيبه في الحال ، فإذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها ، وعند أبي ~~حنيفة رضي الله عنه ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال ~~الطهر ، ومن الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها ، ~~ثم قال إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل وإن طهرت لأقل الحيض لم ~~تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء ، أو يمضي عليها وقت صلاة ، ~~حجة الشافعي من وجوه : # الحجة الأولى : قوله تعالى : { النساء فطلقوهن لعدتهن } ( الطلاق : 1 ) ~~ومعناه في وقت عدتهن ، لكن الطلاق في زمان الحيض منهي عنه فوجب أن يكون ~~زمان العدة غير زمان الحيض ، أجاب صاحب ( الكشاف ) عنه فقال بمعنى مستقبلات ~~لعدتهن ، كما يقول لثلاث بقين من الشهر ، يريد مستقبلا لثلاث ، وأقول هذا ~~الكلام يقوى استدلال الشافعي رضي الله عنه لأن قول القائل لثلاث بقين من ~~الشهر معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه ، فكذا ههنا قوله : { ~~فطلقوهن لعدتهن } معناه طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه ، ولما كان ~~الأمر حاصلا بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن / يكون الطهر الحاصل عقيب ~~زمان التطليق من العدة ، وذلك هو المطلوب . # الحجة الثانية : ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : هل تدرون ~~الأقراء ؟ الأقراء الأطهار ، ثم قال الشافعي رضي الله عنه : والنساء بهذا ~~أعلم ، لأن هذا إنما يبتلي به النساء . # الحجة الثالثة : { * القرء } عبارة عن الجمع ، يقال : ما قرأت الناقة ~~نسلا قط ، أي ما جمعت في رحمها ولدا قط ومنه قول عمرو بن كلثوم : # % هجان اللون لم تقرأ جنينا % % # وقال الأخفش يقال : ما قرأت حيضة ، أي ما ضمت رحمها على حيضة ، وسمي ms1765 ~~الحوض مقرأة لأنه يجتمع فيه الماء ، واقرأت النجوم إذا اجتمعت للغروب ، ~~وسمي القرآن قرآنا لاجتماع حروفه وكلماته ولاجتماع العلوم الكثيرة فيه / ~~وقرأ القارىء أي جمع الحروف بعضها إلى بعض . PageV06P076 # إذا ثبت هذا فنقول : وقت اجتماع الدم إنما هو زمان الطهر لأن الدم يجتمع ~~في ذلك الزمان في البدن . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : بل زمان الحيض أولى بهذا الاسم ، لأن ~~الدم يجتمع في هذا الزمان في الرحم . # قلنا : الدماء لا تجتمع في الرحم ألبتة بل تنفصل قطرة قطرة أما وقت الطهر ~~فالكل مجتمع في البدن فكان معنى الاجتماع في وقت الطهر أتم ، وتمام التقرير ~~فيه أن اسم القرء لما دل على الاجتماع فأكثر أحوال الرحم اجتماعا واشتمالا ~~في الدم آخر الطهر ، إذ لو تمتلىء بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج ، فمن ~~أولى الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره ، والآخر هو حال كمال ~~الاجتماع فكان آخر الطهر هو القرء في الحقيقة وهذا كلام بين . # الحجة الثالثة : أن الأصل أن لا يكون لأحد على أحد من العقلاء المكلفين ~~حق الحبس والمنع من التصرفات تركنا العمل به عند قيام الدليل عليه ، وهو ~~أقل ما يسمى بالإقراء الثلاثة وهي الأطهار ، لأن الاعتداد بالأطهار أقل ~~زمانا من الاعتداد بالحيض ، فلما كان كذلك أثبتنا الأقل ضرورة العمل بهذه ~~الآية وطرحنا الأكثر وفاء بالدلائل الدالة على أن الأصل أن لا يكون لأحد ~~على غيره قدرة الحبس والمنع . # الحجة الرابعة : أن ظاهر قوله تعالى : { عليم والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء } يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء أن تخرج عن ~~العهدة ، وكل واحد من الطهر ومن الحيض يسمى بهذا الاسم ، فوجب أن تخرج ~~المرأة عن العهدة بأيهما كان على سبيل التخيير ، إلا أنا بينا أن مدة العدة ~~بالأطهار أقل من مدة العدة بالحيض ، فعلى هذا تكون المرأة مخيرة بين أن ~~تعتد بالمدة الناقصة أو بالمدة الزائدة ، وإذا كان كذلك كانت متمكنة من أن ~~تترك القدر الزائد لا إلى بدل ، / وكل ما كان كذلك لم ms1766 يكن واجبا فأذن ~~الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب وذلك يقتضي أن لا يكون ~~الاعتداد بمدة الحيض واجبا وهو المطلوب ، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من ~~وجوه الأول : أن الأقراء في اللغة وإن كانت مشتركة بين الأطهار والحيض إلا ~~أن في الشرع غلب استعمالها في الحيض ، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : ( دعي الصلاة أيام أقرائك ) وإذا ثبت هذا كان صرف الأقراء ~~المذكورة في القرآن إلى الحيض أولى . # الحجة الثانية : أن القول بأن الأقراء حيض يمكن معه استيفاء ثلاثة أقراء ~~بكمالها لأن هذا القائل يقول : إن المطلقة يلزمها تربص ثلاث حيض ، وإنما ~~تخرج عن العهدة بزوال الحيضة الثالثة ومن قال : إنه طهر يجعلها خارجة من ~~العدة بقرأين وبعض الثالث ، لأن عنده إذا طلقها في آخر الطهر تعتد بذلك ~~قرءا فإذا كان في أحد القولين تكمل الأقراء الثلاثة دون القول الآخر كان ~~القول الأول أليق بالظاهر ، أجاب الشافعي رضي الله عنه عن ذلك أن الله قال ~~: { الحج أشهر معلومات } ( الحج : 197 ) والأشهر جمع وأقله ثلاثة ، ثم إنا ~~حملنا الآية على شهرين وبعض الثالث ، وذلك هو شوال ، وذو القعدة ، وبعض ذو ~~الحجة ، فكذا ههنا جاز أن تحمل هذه الثلاثة على طهرين وبعض طهر ، أجاب ~~الجبائي من شيوخ المعتزلة عن هذا الجواب من وجهين الأول : أنا تركنا الظاهر ~~في تلك الآية لدليل ، فلم يلزمنا أن نترك الظاهر ههنا من غير دليل والثاني ~~: أن في PageV06P077 العدة تربصا متصلا ، فلا بد من استيفاء الثلاثة وليس ~~كذلك أشهر الحج ، لأنه ليس فيها فعل متصل ، فكأنه قيل : هذه الأشهر وقت ~~الحج لا على سبيل الإستغراق ، وإجاب المتأخرون من أصحابنا عن هذه الحجة من ~~وجهين الأول : كما أن حمل الأقراء على الأطهار يوجب النقصان عن الثلاثة ، ~~فحمله على الحيض يوجب الزيادة / لأنه إذا طلقها في أثناء الطهر كان ما بقي ~~من الطهر غير محسوب من العدة فتحصل الزيادة وعذرهم عنه أن هذه لا بد من ~~تحملها لأجل الضرورة ، لأنه لو جاز ms1767 الطلاق في الحيض لأمرناه بالطلاق في آخر ~~الحيض حتى تعتد بأطهار كاملة ، وإذا اختص الطلاق بالطاهر صارت تلك الزيادة ~~متحملة للضرورة ، فنحن أيضا نقول : لما صارت الأقراء مفسرة بالأطهار ، ~~والله تعالى أمرنا بالطلاق في الطهر ، صار تقدير الآية يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة أطهار طهر الطلاق فيه . # والوجه الثاني : في الجواب أنا بينا أن القرء اسم للاجتماع وكمال ~~الاجتماع إنما يحصل في آخر الطهر قرءا تاما ، وعلى هذا التقدير لم يلزم ~~دخول النقصان في شيء من القرء . # الحجة الثالثة : لهم : أنه تعالى نقل إلى الشهور عند عدم الحيض فقال : { ~~واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } ( الطلاق ~~: 4 ) فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار وأيضا لما كان الأشهر شرعت بدلا ~~عن الأقراء والبدل يعتبر بتمامها ، فإن الأشهر لا بد من إتمامها وجب أيضا ~~أن يكون الكمال معتبرا في المبدل ، فلا بد وأن تكون الأقراء الكاملة هي ~~الحيض ، / أما الأطهار فالواجب فيها قرءان وبعض . # الحجة الرابعة : لهم : قوله صلى الله عليه وسلم : ( طلاق الأمة تطليقتان ~~، وعدتها حيضتان ) وأجمعوا على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة ، فوجب أن تكون ~~عدة الحرة هي الحيض . # الحجة الخامسة : أجمعنا على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة ، ~~فكذا العدة تكون بالحيضة ، لأن المقصود من الاستبراء والعدة شيء واحد . # الحجة السادسة : لهم : أن الغرض الأصلي في العدة استبراء الرحم ، والحيض ~~هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر ، فوجب أن يكون المعتبر هو الحيض دون ~~الطهر . # الحجة السابعة : لهم : أن القول بأل القروء هي الحيض احتياط وتغليب لجانب ~~الحرمة ، لأن المطلقة إذا مر عليها بقية الطهر وطعنت في الحيضة الثالثة فإن ~~جعلنا القرء هو الحيض ، فحينئذ يحرم للغير التزوج بها ، وإن جعلنا القرء ~~طهرا ، فحينئذ يحل للغير التزوج بها ، وجانب التحريم أولى بالرعاية ، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم : ( ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال ) ~~ولأن الأصل في الإبضاع الحرمة ، ولأن هذا أقرب إلى الاحتياط ، فكان أولى ~~لقوله صلى الله عليه وسلم : ( دع ما ms1768 يريبك إلى ما لا يريبك ) فهذا جملة ~~الوجوه في هذا الباب . # واعلم أن عند تعارض هذه الوجوه تضعف الترجيحات ، ويكون حكم الله في حق ~~الكل ما أدى اجتهاده إليه . # أما قوله تعالى : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن } فاعلم ~~أن انقضاء العدة لما كان مبنيا على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء ، وضع ~~الحمل في حق الحامل ، وكان الوصول إلى علم ذلك PageV06P078 للرجال متعذرا ~~جعلت المرأة أمينة في العدة ، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في ~~مدة يمكن ذلك فيها ، وهو على مذهب الشافعي رضي الله عنه اثنان وثلاثون يوما ~~وساعة ، لأن أمرها يحمل على أنها طقلت طاهرة فحاضت بعد سعة ، ثم حاضت يوما ~~وليلة وهو أقل الحيض ، ثم طهرت خمسة عشر يوما وهو أقل الطهر ، مرة أخرى ~~يوما وليلة ، ثم طهرت خمسة عشر يوما ، ثم رأيت الدم فقد انقضت عدتها بحصول ~~ثلاثة أطهار ، فمتى ادعت هذا أو أكثر من هذا قبل قولها ، وكذلك إذا كانت ~~حاملا فادعت أنها أسقطت كان القول قولها ، لأنها على أصل أمانتها . # واعلم أن للمفسرين في قوله : { ما خلق الله فى أرحامهن } ثلاثة أقوال ~~الأول : أنه الحبل والحيض معا ، وذلك لأن المرأة لها أغراض كثيرة في ~~كتمانهما / أما كتمان الحبل فإن غرضها فيه أن انقضاء عدتها بالقروء أقل ~~زمانا من انقضاء عدتها بوضع الحمل ، فإذا كتمت الحبل قصرت مدة عدتها فتزوج ~~بسرعة ، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول ، وربما أحبت التزوج بزوج آخر . / ~~أو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني ، فلهذه الأغراض تكتم الحبل ، وأما ~~كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء فقد ~~تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول ، وقد تحب تقصير عتها لتبطيل ~~رجعته ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات لأنها إذا حاضت ~~أولا فكتمته ، ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت ~~العدة ، وإذا كتمت أن الحيضة الثالثة وجدت فكمثل ، وإذا كتمت أن حيضها ms1769 باق ~~فقد قطعت الرجعة على زوجها ، فثبت أنه كما أن لها غرضا في كتمان الحبل ، ~~فكذلك في كتمان الحيض ، فوجب حمل النهي على مجموع الأمرين . # القول الثاني : أن المراد هو النهي عن كتمان الحمل فقط ، واحتجوا عليه ~~بوجوه أحدها : قوله تعالى : { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء } ~~وثانيها : أن الحيض خارج عن الرحم لا أنه مخلوق في الرحم وثالثها : أن حمل ~~قوله تعالى : { ما خلق الله فى أرحامهن } على الولد الذي هو جوهر شريف ، ~~أولى من حمله على الحيض الذي هو شيء في غاية الخساسة والقذر ، واعلم أن هذه ~~الوجوه ضعيفة ، لأنه لما كان المقصود منعها عن إخفاء هذه الأحوال التي لا ~~اطلاع لغيرها عليها ، وبسببها تختلف أحوال الحرمة والحل في النكاح ، فوجب ~~حمل اللفظ على الكل . # القول الثالث : المراد هو النهي عن كتمان الحيض ، لأن هذه الآية وردت ~~عقيب ذكر الإقراء ، ولم يتقدم ذكر الحمل ، وهذا أيضا ضعيف ، لأن قوله : { ~~ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن } كلام مستأنف مستقل بنفسه من ~~غير أن يضاف إلى ما تقدم ، فيجب حمله على كل ما يخلق في الرحم . # أما قوله تعالى : { إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر } فليس المراد أن ذلك ~~النهي مشروط بكونها مؤمنة ، بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم : إن كنت ~~مؤمنا فلا تظلم ، تريد إن كنت مؤمنا فينبغي أن يمنعك إيمانك عن ظلمي ، ولا ~~شك أن هذا تهديد شديد على النساء ، وهو كما قال في الشهادة { ومن يكتمها ~~فإنه ءاثم قلبه } ( البقرة : 283 ) وقال : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى ~~اؤتمن أمانته وليتق الله ربه } ( البقرة : 283 ) والآية دالة على أن كل من ~~جعل أمينا في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد . PageV06P079 # قوله تعالى ! 7 < { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل ~~الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم } > 7 ! # / اعلم أن هذا هو الحكم الثاني للطلاق وهو الرجعية ، وفي البعولة قولان ~~أحدهما : أنه جمع بعل ، كالفحولة ms1770 والذكورة والجدودة والعمومة ، وهذه الهاء ~~زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة ولا يجوز إدخالها في كل جمع بل فيما رواه أهل ~~اللغة عن العرب ، فلا يقال في كعب : كعوبه ، ولا في كلب : كلابة ، واعلم أن ~~اسم البعل مما يشترك فيه الزوجان فيقال للمرأة بعلة ، كما يقال لها زوجة في ~~كثير من اللغات ، وزوج في أفصح اللغات فهما بعلان ، كما أنهما زوجان ، وأصل ~~البعل السيد المالك فيما قيل ، يقال : من بعل هذه الناقة ؟ كما يقال : من ~~ربها ، وبعل اسم صنم كانوا يتخدونه ربا ، وقد كان النساء يدعون أزواجهن ~~بالسودد . # القول الثاني : أن العبولة مصدر ، يقال : بعل الرجل يبعل بعولة ، إذا صار ~~بعلا ، وباعل الرجل امرأته إذا جامعها ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال في أيام التشريق : ( أنها أيام أكل وشرب وبعال ) وامرأته حسنة ~~البعل إذا كانت تحسن عشرة زوجها ، ومنه الحديث ( إذا أحسنتن ببعل أزواجكن ) ~~وعلى هذا الوجه كان معنى الآية : وأهل بعولتهن . # وأما قوله : { أحق بردهن في ذالك } فالمعنى : أحق برجعتهن في مدة ذلك ~~التربص وههنا سؤالات : # السؤال الأول : ما فائدة قوله : { أحق } مع أنه لا حق لغير الزوج في ذلك ~~. # الجواب من وجهين الأول : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : { ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن } كان تقدير الكلام : فإنهن إن كتمن لأجل أن ~~يتزوج بهن زوج آخر ، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن ، وذلك لأنه ~~ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ، فبين أن الزوج الأول أحق منه ، وكذا إذا ~~ادعت انقضاء أقرائها ثم علم خلافه فالزوج الأول أحق من الزوج الآخر في ~~العدة الثاني : إذا كانت معتدة فلها في مضي العدة حق انقطاع النكاح فلما ~~كان لهن هذا الحق الذي يتضمن إبطال حق الزوج جاز أن يقول : { وبعولتهن أحق ~~} من حيث إن لهم أن يبطلوا بسبب الرجعة ما هن عليه من العدة . # السؤال الثاني : ما معنى الرد ؟ . # الجواب : يقال : رددته أي رجعته قال تعالى في موضع { ولئن رددت إلى ربى } ~~( الكهف ms1771 : 36 ) وفي موضع آخر : { ولئن رجعت } . # السؤال الثالث : ما معنى الرد في المطلقة الرجعية ؟ وهي ما دامت في العدة ~~فهي زوجته كما كانت . # الجواب : أن الرد والرجعة يتضمن إبطال التربص والتحري في العدة فهي ما ~~دامت في العدة كأنه كانت جارية في إبطال حق الزوج وبالرجعة يبطل ذلك ، فلا ~~جرم سميت الرجعة ردا ، لا سيما ومذهب PageV06P080 الشافعي رضي الله عنه أنه ~~يحرم الاستمتاع بها إلا بعد الرجعة ، ففي الرد على مذهبه شيئان / أحدهما : ~~ردها من التربص إلى خلافه الثاني : ردها من الحرمة إلى الحل . # السؤال الرابع : ما الفائدة في قوله تعالى : { في ذالك } . # الجواب : أن حق الرد إنما يثبت في الوقت الذي هو وقت التربص ، فإذا انقضى ~~ذلك الوقت فقد بطل حق الردة والرجعة . # أما قوله تعالى : { إن أرادوا إصلاحا } فالمعنى أن الزوج أحق بهذه ~~المراجعة إن أرادوا الإصلاح وما أرادوا المضارة ، ونظيره قوله : { وإذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذالك فقد ظلم } ( البقرة : 231 ) والسبب في هذه ~~الآية أن في الجاهلية كانوا يرجعون المطلقات ، ويريدون بذلك الإضرار بهن ~~ليطلقوهن بعد الرجعة ، حتى تحتاج المرأة إلى أن تعتد عدة حادثة ، فنهوا عن ~~ذلك ، وجعل الشرط في حل المراجعة إرادة الإصلاح ، وهو قوله : { إن أرادوا ~~إصلاحا } . # فإن قيل : إن كلمة { ءان } للشرط ، والشرط يقتضي انتفاء الحكم عند ~~انتفائه ، فيلزم إذا لم توجد أرادة الإصلاح أن لا يثبت حق الرجعة . # والجواب : أن الإرادة صفة باطنة لا اطلاع لنا عليها ، فالشرع لم يوقف صحة ~~المراجعة عليها ، بل جوازها فيما بينه وبين الله موقوف على هذه الإرادة ، ~~حتى إنه لو راجعها لقصد المضارة استحق الإثم . # أما قوله تعالى : { ولهن مثل الذى عليهن } فاعلم أنه تعالى لما بين أنه ~~يجب أن يكون المقصود من المراجعة إصلاح حالها ، لا إيصال الضرر إليها بين ~~أن لكل واحد من الزوجين حقا على الآخر . # واعلم أن المقصود من الزوجين لا يتم إلا إذا كان كل واحد منهما مراعيا حق ms1772 ~~الآخر ، وتلك الحقوق المشتركة كثيرة ، ونحن نشير إلى بعضها فأحدها : أن ~~الزوج كالأمير والراعي ، والزوجة كالمأمور والرعية ، فيجب على الزوج بسبب ~~كونه أميرا وراعيا أن يقوم بحقها ومصالحها ، ويجب عليها في مقابلة ذلك ~~إظهار الانقياد والطاعة للزوج وثانيها : روي عن ابن عباس أنه قال : ( إني ~~لأتزين لأمرأتي كما تتزين لي ) لقوله تعالى : { ولهن مثل الذى عليهن } ~~وثالثها : ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة ، مثل ما عليهن من ~~ترك الكتمان فيما خلق الله في أرحامهن ، وهذا أوفق لمقدمة الآية . # أما قوله تعالى : { وللرجال عليهن درجة } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : يقال : رجل بين الرجلة ، أي القوة ، وهو أرجل الرجلين ~~أي أقواهما ، وفرس رجيل قوي على المشي ، والرجل معروف لقوته على المشي ، ~~وارتجل الكلام أي قوي عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية ، وترجل النهار ~~قوي ضياؤه ، وأما الدرجة فهي المنزلة وأصلها / من درجت الشيء أدرجه درجا ، ~~وأدرجته إدراجا إذا طويته ، ودرج القوم قرنا بعد قرن أي فنوا ومعناه أنهم ~~طووا عمرهم شيئا فشيئا ، والمدرجة قارعة الطريق ، لأنها تطوي منزلا بعد ~~منزل ، والدرجة المنزلة من منازل الطريق ، ومنه الدرجة التي يرتقي فيها . ~~PageV06P081 # المسألة الثانية : اعلم أن فضل الرجل على المرأة أمر معلوم ، إلا أن ذكره ~~ههنا يحتمل وجهين الأول : أن الرجل أزيد في الفضيلة من النساء في أمور ~~أحدها : العقل والثاني : في الدية والثالث : في المواريث والرابع : في ~~صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة والخامس : له أن يتزوج عليها ، وأن يتسرى ~~عليها ، وليس لها أن تفعل ذلك مع الزوج والسادس : أن نصيب الزوج في الميراث ~~منها أكثر من نصيبها في الميراث منه والسابع : أن الزوج قادر على تطليقها ، ~~وإذا طلقها فهو قادر على مراجعتها ، شاءت المرأة أم أبت ، أما المرأة فلا ~~تقدر على تطليق الزوج ، وبعد الطلاق لا تقدر على مراجعة الزوج ولا تقدر ~~أيضا على أن تمنع الزوج من المراجعة والثامن : أن نصيب الرجل في سهم ~~الغنيمة أكثر من نصيب المرأة ، وإذا ثبت فضل الرجل على المرأة في هذه ~~الأمور ، ظهر ms1773 أن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل ، ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم : ( استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان ) وفي خبر آخر : ~~اتقوا الله في الضعيفين : اليتيم والمرأة ، وكان معنى الآية أنه لأجل ما ~~جعل الله للرجال من الدرجة عليهن في الاقتدار كانوا مندوبين إلى أن يوفوا ~~من حقوقهن أكثر ، فكان ذكر ذلك كالتهديد للرجال في الإقدام على مضارتهن ~~وإيذائهن ، وذلك لأن كل من كانت نعم الله عليه أكثر ، كان صدور الذنب عنه ~~أقبح ، واستحقاقه للزجر أشد . # والوجه الثاني : أن يكون المراد حصول المنافع واللذة مشترك بين الجانبين ~~، لأن المقصود من الزوجية السكن والألفة والمودة ، واشتباك الأنساب ~~واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة ، وكل ذلك مشترك بين الجانبين بل ~~يمكن أن يقال : إن نصيب المرأة فيها أوفر ، ثم إن الزوج اختص بأنواع من ~~حقوق الزوجة ، وهي التزام المهر والنفقة ، والذب عنها ، والقيام بمصالحها ، ~~ومنعها عن مواقع الآفات ، فكان قيام المرأة بخدمة الرجل آكد وجوبا ، رعاية ~~لهذه الحقوق الزائدة وهذا كما قال تعالى : { الرجال قوامون على النساء بما ~~فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } ( النساء : 34 ) وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو أمرت أحدا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة ~~بالسجود لزوجها ) ثم قال تعالى : { والله عزيز حكيم } أي غالب لا يمنع ، ~~مصيب أحكامه وأفعاله ، لا يتطرق إليهما احتمال العبث والسفه والغلط والباطل ~~. # ! 7 < { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا ممآ ءاتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~ومن يتعد حدود الله فأولائك هم الظالمون } . > 7 ! # قوله تعالى : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } . # / اعلم أن هذا هو الحكم الثالث من أحكام الطلاق ، وهو الطلاق الذي تثبت ~~فيه الرجعة . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن ~~تنقضي عدتها ، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على ms1774 المراجعة ثابتة له ، ~~فجاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها ، فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها ~~يضارها بذلك ، فذكرت عائشة رضي الله عنها ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فنزل قوله تعالى : { الطلاق مرتان } . # المسألة الثانية : اختلف المفسرون في أن هذا الكلام حكم مبتدأ وهو متعلق ~~بما قبله ، قال قوم : إنه حكم مبتدأ ، ومعناه أن التطليق الشرعي يجب أن ~~يكون تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال PageV06P082 دفعة ~~واحدة ، وهذا التفسير هو قول من قال : الجمع بين الثلاث حرام ، وزعم أبو ~~زيد الدبوسي في الأسرار : أن هذا هو قول عمر ، وعثمان ، وعلي ، وعبد الله ~~بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعمران بن الحصين ، ~~وأبي موسى الأشعري ، وأبي الدرداء وحذيفة . # والقول الأول : في تفسير الآية أن هذا ليس ابتداء كلام بل هو متعلق بما ~~قبله ، والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ، ولا رجعة بعد الثلاث ، وهذا ~~التفسير هو قول من جوز الجمع بين الثلاث ، وهو مذهب الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه . # حجة القائلين بالقول الأول : أن لفظ الطلاق يفيد الاستغراق ، لأن الألف ~~واللام إذا لم يكونا للمعهود أفادا الاستغراق ، فصار تقدير الآية : كل ~~الطلاق مرتان ، ومرة ثالثة ، ولو قال هكذا لأفاد أن الطلاق المشروع متفرق ، ~~لأن المرات لا تكون إلا بعد تفرق بالإجماع . # فإن قيل : هذه الآية وردت لبيان الطلاق المسنون ، وعندي الجمع مباح لا ~~مسنون . # قلنا : ليس في الآية بيان صفة السنة ، بل كان تفسير الأصل الطلاق ، ثم ~~قال هذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الخبر ، إلا أن معناه هو الأمر ، أي طلقوا ~~مرتين يعني دفعتين ، وإنما وقع العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لما ~~ذكرنا فيما تقدم أن التعبير عن الأمر بلفظ الخبر يفيد تأكيد معنى الأمر ، ~~فثبت أن هذه الآية دالة على الأمر بتفريق الطلقات ، وعلى التشديد في ذلك ~~الأمر والمبالغة فيه ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين الأول : ~~وهو اختيار كثير من علماء الدين ، أنه لو طلقها اثنين أو ثلاثا لا ms1775 يقع إلا ~~الواحدة ، وهذا القول هو الأقيس ، لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على ~~مفسدة راجحة ، والقول بالوقوع سعى في إدخال تلك المفسدة في الوجود وأنه غير ~~جائز ، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع . # والقول الثاني : وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه : أنه وإن كان محرما إلا ~~أنه يقع ، وهذا / منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد . # القول الثالث : في تفسير هذه الآية أن نقول : أنها ليست كلاما مبتدأ ، بل ~~هي متعلقة بما قبلها ، وذلك لأنه تعالى بين في الآية الأولى أن حق المراجعة ~~ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائما أو إلى غاية معينة / فكان ذلك ~~كالمجمل المفتقر إلى المبين ، أو كالعام المفتقر إلى المخصص فبين في هذه ~~الآية أن ذلك الطلاق الذي ثبت فيه للزوج حق الرجعة ، هو أن يوجد طلقتان فقط ~~وأما بعد الطلقتين فلا يثبت ألبتة حق الرجعة بالألف واللام في قوله : ~~الطلاق للمعهود السابق ، يعني ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة هو ~~أن يوجد مرتين ، فهذا تفسير حسن مطابق لنظم الآية والذي يدل على أن هذا ~~التفسير أولى لوجوه الأول : أن قوله : { وبعولتهن أحق بردهن } ( البقرة : ~~228 ) إن كان لكل الأحوال فهو مفتقر إلى المخصص ، وإن لم يكن عاما فهو مجمل ~~، لأنه ليس فيه بيان الشرط الذي عنده يثبت حق الرجعة ، فيكون مفتقرا إلى ~~البيان ، فإذا جعلنا الآية الثانية متعلقة بما قبلها كان المخصص حاصلا مع ~~العام المخصوص ، أو كان البيان حاصلا مع المجمل ، وذلك أولى من أن لا يكون ~~كذلك ، لأن تأخير البيان عن وقت الخطاب وإن كان جائزا إلا أن الأرجح أن لا ~~يتأخر . PageV06P083 # الحجة الثانية : إذا جعلنا هذا الكلام مبتدأ ، كان قوله : { الطلاق مرتان ~~} يقتضي حصر كل الطلاق في المرتين وهو باطل بالإجماع ، لا يقال : إنه تعالى ~~ذكر الطلقة الثالثة ، وهو قوله : { أو تسريح بإحسان } فصار تقدير الآية : ~~الطلاق مرتان ومرة ، لأنا نقول : إن قوله : { أو تسريح بإحسان } متعلق ~~بقوله : { فإمساك بمعروف } لا بقوله : { الطلاق مرتان ms1776 } ولأن لفظ التسريح ~~بالإحسان لا إشعار فيه بالطلاق ، ولأنا لو جعلنا التسريح هو الطلقة الثالثة ~~، لكان قوله فإن طلقها طلقة رابعة وإنه غير جائز . # الحجة الثالثة : ما روينا في سبب نزول هذه الآية ، إنها إنما نزلت بسبب ~~امرأة شكت إلى عائشة رضي الله عنها أن زوجها يطلقها ويراجعها كثيرا بسبب ~~المضارة ، وقد أجمعوا على أن سبب نزول الآية لا يجوز أن يكون خارجا عن عموم ~~الآية ، فكان تنزيل هذه الآية على هذا المعنى أولى من تنزيلها على حكم آخر ~~أجنبي عنه . # أما قوله تعالى : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الإمساك خلاف الإطلاق والمساك والمسكة اسمان منه ، يقال ~~: إنه لذو مسكة ومساكة إذا كان بخيلا قال الفراء : يقال إنه ليس بمساك ~~غلمانه ، وفيه مساكة من جبر ، أي قوة ، وأما التسريح فهو الإرسال ، وتسريح ~~الشعر تخليصك بعضه من بعض ، وسرح الماشية إذا أرسلها ترعى . # / المسألة الثانية : تقدير الآية ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة ~~للزوج ، هو أن يوجد مرتان ، ثم الواجب بعد هاتين المرتين إما إمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان ، ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد ~~المضارة ، بل على قصد الإصلاح والإنفاع ، وفي معنى الآية وجهان أحدهما : أن ~~توقع عليها الطلقة الثالثة ، روى أنه لما نزل قوله تعالى : { الطلاق مرتان ~~} قيل له صلى الله عليه وسلم : فأين الثالثة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ~~هو قوله : { أو تسريح بإحسان } والثاني : أن معناه أن يترك المراجعة حتى ~~تبين بانقضاء العدة ، وهو مروي عن الضحاك والسدي . # واعلم أن هذا الوجه هو الأقرب لوجوه أحدها : أن الفاء في قوله : { فإن ~~طلقها } ( البقرة : 230 ) تقتضي وقوع الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح ، فلو ~~كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة ، لكان قوله : فإن طلقها طلقة رابعة ~~وأنه لا يجوز وثانيها : أنا لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية ~~متناولة لجميع الأحوال ، لأنه بعد الطلقة الثانية ، إما أن يراجعها وهو ~~المراد بقوله : { فإمساك بمعروف } أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي ms1777 العدة ~~وتحصل البينونة وهو المراد بقوله : { أو تسريح بإحسان } أو يطلقها وهو ~~المراد بقوله : { فإن طلقها } فكانت الآية مشتملة على بيان كل الأقسام ، ~~أما لو جعلنا التسريح بالإحسان طلاقا آخر لزم ترك أحد الأقسام الثلاث ، ~~ولزم التكرير في ذكر الطلاق وأنه غير جائز وثالثها : أن ظاهر التسريح هو ~~الإرسال والإهمال فحمل اللفظ على ترك المراجعة أولى من حمله على التطليق ~~ورابعها : أنه قال بعد ذكر التسريح { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن ~~شيئا } والمراد به الخلع ، ومعلوم أنه لا يصح الخلع بعد أن طلقها الثالثة ، ~~فهذه الوجوه ظاهرة لو لم يثبت الخبر الذي رويناه في صحة ذلك القول ، فإن صح ~~ذلك الخبر فلا مزيد عليه . PageV06P084 # واعلم أن المراد من الإحسان ، هو أنه إذا تركها أدى إليها حقوقها المالية ~~، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها . # المسألة الثالثة : الحكمة في إثبات حق الرجعة أن الإنسان ما دام يكون مع ~~صاحبه لا يدري أنه هل تشق عليه مفارقته أو لا فإذا فارقه فعند ذلك يظهر ، ~~فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان ~~بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة ، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل ~~بالمرة الواحدة ، فلا جرم أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين ، ~~وعند ذلك قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة وعرف حال قلبه في ذلك الباب ~~، فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف ، وإن كان الأصلح له ~~تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ~~ورأفته بعبده . # / قوله تعالى : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما } . < < # | البقرة : ( 229 ) الطلاق مرتان فإمساك . . . . . # > > # واعلم أن هذا هو الحكم الرابع من أحكام الطلاق وهو بيان الخلع ، واعلم ~~أنه تعالى لما أمر أن يكون التسريح مقرونا بالإحسان ، بين في هذه الآية أن ~~من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئا من الذي أعطاها من المهر ms1778 ~~والثياب وسائر ما تفضل به عليها ، وذلك لأنه ملك بضعها ، واستمتع بها في ~~مقابلة ما أعطاها ، فلا يجوز أن يأخذ منها شيئا ، ويدل في هذا النهي أن ~~يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء ، كما قال في سورة النساء : { ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن } ( النساء : 19 خ وقوله ههنا : { إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله } هو كقوله هناك : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } فثبت ~~أن الإتيان بالفاحشة المبينة قد يكون بالبذاء وسوء الخلق ، ونظيره قوله ~~تعالى : { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ( ~~الطلاق : 1 ) فقيل المراد من الفاحشة المبينة البذاء على أحمائها وقال أيضا ~~: { فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } ( النساء : 20 ) ~~فعظم في أخذ شيء من ذلك بعد الإفضاء . # فإن قيل : لمن الخطاب في قوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا } فإن كان ~~للأزواج لم يطابقه قوله : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } وإن قلت للأئمة ~~والحكام فهؤلاء لا يأخذون منهن شيئا . # قلنا : الأمران جائزان فيجوز أن يكون أول الآية خطابا للأزواج وآخرها ~~خطابا للأئمة والحكام ، وذلك غير غريب في القرآن ، ويجوز أن يكون الخطاب ~~كله للأئمة والحكام ، لأنهم هم الذين يأمرون بالأخذ PageV06P085 والإيتاء ~~عند الترافع إليهم فكأنهم هم الآخذون والمؤتون . # أما قوله تعالى : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } فاعلم أنه تعالى ~~لما منع الرجل أن يأخذ من امرأته عند الطلاق شيئا استثنى هذه الصورة وهي ~~مسألة الخلع وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : روي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي ~~، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس ، وكانت تبغضه أشد البغض ، وكان يحبها أشد ~~الحب ، فأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت : فرق بيني وبينه فإني ~~أبغضه ، ولقد رفعت طرف الخباء فرأيته يجيء في أقوام فكان أقصرهم قامة ، ~~وأقبحهم وجها ، وأشدهم سوادا ، وإني أكره الكفر بعد الإسلام ، فقال ثابت : ~~يا رسول الله مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها ، فقال لها : ما تقولين ~~؟ قالت : نعم وأزيده ms1779 فقال صلى الله عليه وسلم : { لا حديقته فقط ، ثم قال ~~لثابت : خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها ففعل فكان ذلك أول خلع في الإسلام ، ~~وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حفصة بنت سهل الأنصارية . # المسألة الثانية : اختفلوا في أن قوله تعالى : { إلا أن يخافا } هو ~~استثناء متصل أو منقطع ، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة فقهية ، وهي أن ~~أكثر المجتهدين قالوا : يجوز الخلع في غير حالة الخوف والغضب ، وقال ~~الأزهري والنخعي وداود : لا يباح الخلع إلا عند الغضب ، والخوف من أن لا ~~يقيما حدود الله ، فإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد وحجتهم أن ~~هذه الآية صريحة في أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من المرأة عند طلاقها شيئا ، ~~ثم استثنى الله حالة مخصوصة فقال : { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } ~~فكانت الآية صريحة في أنه لا يجوز الأخذ في غير حالة الخوف ، وأما جمهور ~~المجتهدين فقالوا : الخلع جائز في حالة الخوف وفي غير حالة الخوف والدليل ~~عليه قوله تعالى : { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } ( ~~النساء : 4 ) فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن تحصل لنفسها شيئا بإزاء ~~ما بذل كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى ، وأما كلمة { ~~إلا } فهي محمولة على الاستثناء المنقطع كما في قوله تعالى : { وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا } ( النساء : 92 ) أي لكن إن كان خطأ { ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله } ( النساء : 92 ) . # المسألة الثالثة : الخوف المذكور في هذه الآية يمكن حمله على الخوف ~~المعروف ، وهو الإشفاق مما يكره وقوعه ، ويمكن حمله على الظن ، وذلك لأن ~~الخوف حالة نفسانية مخصوصة ، وسبب حصولها ظن أنه سيحدث مكروه في المستقبل ~~وإطلاق اسم المعلول على العلة مجاز مشهور فلا جرم أطلق على هذا الظن اسم ~~الخوف ، وهذا مجاز مشهور فقد يقول الرجل لغيره : قد خرج غلامك بغير إذنك ، ~~فتقول : قد خفت ذلك على معنى ظننته وتوهمته ، وأنشد الفراء : # % إذا مت فادفني إلى ms1780 جنب كرمة % % تروي عظامي بعد موتي عروقها % # % ولا تدفنني في الفلاة فإنني % % أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها % # ثم الذي يؤكذ هذا التأويل قوله تعالى فيما بعد هذه الآية : { فإن طلقها ~~فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } ( البقرة : 230 ) ~~. # PageV06P086 # / المسألة الرابعة : اعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشرط هو حصول ~~الخوف للرجل وللمرأة ، ولا بد ههنا من مزيد بحث ، فنقول : الأقسام الممكنة ~~في هذا الباب أربعة لأنه إما أن يكون هذا الخوف حاصلا من قبل المرأة فقط ، ~~أو من قبل الزوج فقط ، أو لا يحصل الخوف من قبل واحد منهما ، أو يكون الخوف ~~حاصلا من قبلهما معا . # أما القسم الأول : وهو أن يكون هذا الخوف حاصلا من قبل المرأة ، وذلك بأن ~~تكون المرأة ناشزة مبغضة للزوج / فههنا يحل للزوج أخذ المال منها والدليل ~~عليه ما رويناه من حديث جميلة مع ثابت ، لأنها أظهرت البغض فجوز رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لها الخلع ولثابت الأخذ . # فإن قيل : فقد شرط تعالى في هذه الآية خوفهما معا ، فكيف قلتم : إنه يكفي ~~حصول الخوف منها فقط . # قلنا : سبب هذا الخوف وإن كان أوله من جهة المرأة إلا أنه قد يترتب عليه ~~الخوف الحاصل من قبل الزوج ، لأن المرأة تخاف على نفسها من عصيان الله في ~~أمر الزوج ، وهو يخاف أنها إذا لم تطعه فإنه يضربها ويشتمها ، وربما زاد ~~على قدر الواجب فكان الخوف حاصلا لهما جميعا ، فقد يكون ذلك السبب منها ~~لأمر يتعلق بالزوج ، ويجوز أن تكره المرأة مصاحبة ذلك الزوج لفقره أو لقبح ~~وجهه ، أو لمرض منفر منه ، وعلى هذا التقدير تكون المرأة خائفة من معصية ~~الله في أن لا تطيع الزوج ، ويكون الزوج خائفا من معصية الله تعالى من أن ~~يقع منه تقصير في بعض حقوقها . # القسم الثاني : أن يكون الخوف من قبل الزوج فقط ، بأن يضربها ويؤذيها ، ~~حتى تلتزم الفدية فهذا المال حرام بدليل أول هذه الآية ، وبدليل سائر ~~الآيات ، كقوله : { ولا ms1781 تعضلوهن لتذهبوا } إلى قوله : { أتأخذونه بهتانا ~~وإثما مبينا } ( النساء : 19 ، 20 ) وهذا مبالغة عظيمة في تحريم أخذ ذلك ~~المال . # القسم الثالث : أن لا يكون هذا الخوف حاصلا من قبل الزوج ، ولا من قبل ~~الزوجة ، وقد ذكرنا أن قول أكثر المجتهدين : أن هذا الخلع جائز ، والمال ~~المأخوذ حلال ، وقال قوم إنه حرام . # القسم الرابع : أن يكون الخوف حاصلا من قبلهما معا ، فهذا المال حرام ~~أيضا ، لأن الآيات التي تلوناها تدل على حرمة أخذ ذلك المال إذا كان السبب ~~حاصلا من قبل الزوج ، وليس فيه تقييد بقيد أن يكون من جانب المرأة سبب لذلك ~~أم لا ولأن الله تعالى أفرد لهذا القسم آية أخرى وهو قوله تعالى : { وإن ~~خفتم شقاق بينهما } الآية ، ولم يذكر فيه تعالى حل أخذ المال ، فهذا شرح ~~هذه الأقسام الأربعة ، واعلم أن هذا الذي قلناه من هذه الأقسام إنما هو ~~فيما بين المكلفين وبين الله تعالى ، فأما في الظاهر فهو جائز هذا هو قول ~~الفقهاء . # المسألة الخامسة : قرأ حمزة : { إلا أن يخافا } بضم الياء والباقون ~~بفتحها ، قال صاحب ( الكشاف ) / وجه قراءة حمزة إبدال أن لا يقيما من ألف ~~الضمير ، وهو من بدل الاشتمال ، كقولك : خيف زيد تركه إقامة حدود الله ، ~~وهذا المعنى متأكد بقراءة عبد الله { إلا أن * يخافوا } وبقوله تعالى : { ~~فإن خفتم } ولم يقل : خافا ، فجعل الخوف لغيرهما ، وجه قراءة العامة إضافة ~~الخوف إليهما على ما بينا أن المرأة تخاف الفتنة على نفسها ، والزوج يخاف ~~أنها إن لم تطعه يعتدي عليها . PageV06P087 # المسألة السادسة : اختلفوا في قدر ما يجوز وقوع الخلع به ، فقال الشعبي ~~والزهري والحسن البصري وعطاء وطاوس : لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها ، ~~وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال سعيد بن المسيب : بل ما دون ما ~~أعطاها حتى يكون الفضل له ، وأما سائر الفقهاء فإنهم جوزوا المخالعة ~~بالأزيد والأقل والمساوي ، واحتج الأولون بالقرآن والخبر والقياس ، أما ~~القرآن فقوله تعالى : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا } ثم قال ~~بعد ذلك ms1782 : { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } فوجب أن يكون هذا راجعا إلى ~~ما آتاها : وإذا كان كذلك لم يدخل في إباحة الله تعالى إلا قدر ما آتاها من ~~المهر ، وأما الخبر روينا أن ثابتا لما طلب من جميلة أن ترد عليه حديقته ، ~~فقالت جميلة وأزيده ، فقال صلى الله عليه وسلم : لا حديقته فقط ، ولو كان ~~الخلع بالزائد جائزا لما جاز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يمنعها منه / ~~وأما القياس فهو أنه استباح بعضها ، فلو أخذ منها أزيد مما دفع إليها لكان ~~ذلك إجحافا بجانب المرأة وإلحاقا للضرر بها ، وأنه غير جائز ، وأما سائر ~~الفقهاء فإنهم قالوا الخلع عقد معاوضة ، فوجب أن لا يتقيد بمقدار معين ، ~~فكما أن للمرأة أن لا ترضى عند النكاح إلا بالصداق الكثير ، فكذا للزوج أن ~~لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير ، لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف ~~بالزوج ، حيث أظهرت بغضه وكراهته ، ويتأكد هذا بما روي أن عمر رضي الله عنه ~~رفعت إليه امرأة ناشزة أمرها فأخذها عمر وحبسها في بيت الزبل ليلتين ، ثم ~~قال لها : كيف حالك ؟ فقالت : ما بت أطيب من هاتين الليلتين ، فقال عمر : ~~اخلعها ولو بقرطها ، والمراد اخلعها حتى بقرطها وعن ابن عمر أنه جاءته ~~امرأة قد اختلعت من زوجها بكل شيء وبكل ثوب عليها إلا درعها ، فلم ينكر ~~عليها . # المسألة الرابعة : الخلع تطليقة بائنة وهو قول علي وعثمان وابن مسعود ~~والحسن والشعبي والنخعي وعطاء وابن المسيب وشريح ومجاهد ومكحول والزهري ، ~~وهو قول أبي حنيفة وسفيان ، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنهم ، وقال ابن ~~عباس وطاوس وعكرمة رضي الله عنهم : إنه فسخ للعقد ، وهو القول الثاني ~~للشافعي ، وبه قال أحمد وإسحق وأبو ثور . # ( حجة من قال إنه طلاق ) أن الأمة مجمعة على أنه فسخ أو طلاق ، فإذا بطل ~~كونه فسخا ثبت أنه طلاق وإنما قلنا : إنه ليس بفسخ لأنه لو كان فسخا لما صح ~~بالزيادة على المهر المسمى : كالإقالة في البيع ، وأيضا لو كان الخلع فسخا ~~فإذا خالعها ولم يذكر ms1783 المهر وجب أن يجب عليها المهر ، كالإقالة ، / فإن ~~الثمن يجب رده ، وإن لم يذكر ولما لم يكن كذلك ثبت أن الخلع ليس بفسخ ، ~~وإذا بطل ذلك ثبت أنه طلاق . # حجة من قال إنه ليس بطلاق وجوه : # الحجة الأولى : أنه تعالى قال : { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به } ثم ذكر الطلاق فقال : { فإن طلقها فلا تحل له من ~~بعد حتى تنكح زوجا غيره } ( البقرة : 230 ) فلو كان الخلع طلاقا لكان ~~الطلاق أربعا ، وهذا الاستدلال نقله الخطابي في كتاب معالم السنن عن ابن ~~عباس . # الحجة الثانية : وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس بن ~~شماس في مخالعة امرأته ، مع أن الطلاق في زمان الحيض أو في طهر حصل الجماع ~~فيه حرام ، فلو كان الخلع طلاقا لكان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يستكشف الحال في ذلك ، فلما لم يستكشف بل أمره بالخلع مطلقا دل على أن ~~الخلع ليس بطلاق . # الحجة الثالثة : روى أبو داود في ( سننه ) عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ~~ثابت بن قيس لما اختلعت PageV06P088 منه جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عدتها حيضة ، قال الخطابي : وهذا أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق ، ~~لأن الله تعالى قال : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ( البقرة : ~~228 ) فلو كانت هذه مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد . # أما قوله تعالى : { تلك حدود الله } فالمعنى أن ما تقدم ذكره من أحكام ~~الطلاق والرجعة والخلع { فلا تعتدوها } أي فلا تتجاوزوا عنها ، ثم بعد هذا ~~النهي المؤكد أتبعه بالوعيد ، فقال : { ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون } وفيه وجوه أحدها : أنه تعالى ذكره في سائر الآيات { ألا لعنة ~~الله على الظالمين } ( هود : 18 ) فذكر الظلم ههنا تنبيها على حصول اللعن ~~وثانيها : أن الظالم اسم ذم وتحقير ، فوقوع هذا الاسم يكون جاريا مجرى ~~الوعيد وثالثها : أنه أطلق لفظ الظلم تنبيها على أنه ظلم من الإنسان على ~~نفسه / حيث أقدم على المعصية ، وظلم ms1784 أيضا للغير بتقدير أن لا تتم المرأة ~~عدتها ، أو كتمت شيئا مما خلق في رحمها ، أو الرجل ترك الإمساك بالمعروف ~~والتسريح بالإحسان ، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئا لا بسبب نشوز من جهة ~~المرأة ، ففي كل هذه المواضع يكون ظالما للغير فلو أطلق لفظ الظالم دل على ~~كونه ظالما لنفسه ، وظالما لغيره ، وفيه أعظم التهديدات . # ! 7 < { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا ~~جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها ~~لقوم يعلمون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 230 ) فإن طلقها فلا . . . . . # > > اعلم أن هذا هو الحكم الخامس من أحكام الطلاق ، وهو بيان أن الطلقة ~~الثالثة قاطعة لحق الرجعة ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الذين قالوا : إن قوله { أو تسريح بإحسان } ( البقرة : ~~229 ) إشارة إلى الطلقة الثالثة قالوا إن قوله : { فإن طلقها } تفسير لقوله ~~: { تسريح بإحسان } وهذا قول مجاهد ، إلا أنا بينا أن الأولى أن لا يكون ~~المراد من قوله : { تسريح بإحسان } الطلقة الثالثة ، وذلك لأن للزوج مع ~~المرأة بعد الطلقة الثانية أحوالا ثلاثة أحدها : أن يراجعها ، وهو المراد ~~بقوله : { فإمساك بمعروف } ( البقرة : 229 ) والثاني : أن لا يراجعها بل ~~يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة ، وهو المراد بقوله : { أو تسريح ~~بإحسان } والثالث : أن يطلقها طلقة ثالثة ، وهو المراد بقوله : { فإن طلقها ~~} فإذا كانت الأقسام ثلاثة ، والله تعالى ذكر ألفاظا ثلاثة وجب تنزيل كل ~~واحد من الألفاظ الثلاثة على معنى من المعاني الثلاثة ، فأما إن جعلنا قوله ~~: { أو تسريح بإحسان } عبارة عن الطلقة الثالثة كنا قد صرفنا لفظين إلى ~~معنى واحد على سبيل التكرار ، وأهملنا القسم الثالث ، ومعلوم أن الأول أولى ~~. # واعلم أن وقوع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين كالشيء الأجنبي ، ونظم ~~الآية { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان * فإن طلقها فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } . # فإن قيل : فإذا كان النظم الصحيح هو هذا فما السبب في إيقاع آية الخلع ~~فيما بين هاتين الآيتين ؟ . PageV06P089 # قلنا ms1785 : السبب أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة ، أما ~~بعدها فلا يبقى شيء من ذلك : فلهذا السبب ذكر الله حكم الرجعة ، ثم أتبعه ~~بحكم الخلع ، ثم ذكر بعد الكل حكم الطلقة الثالثة لأنها كالخاتمة لجميع ~~الأحكام المعتبرة في هذا الباب والله أعلم . # المسألة الثانية : مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك ~~الزوج إلا بخمس شرائط : تعتد منه ، وتعقد للثاني ، ويطؤها ، ثم يطلقها ، ثم ~~تعتد منه ، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب : تحل بمجرد العقد ، واختلف ~~العلماء في أن شرط الوطء بالسنة ، أو بالكتاب ، قال أبو مسلم الأصفهاني : ~~الأمران معلومان بالكتاب وهذا هو المختار . # وقبل الخوض في الدليل لا بد من التنبيه على مقدمة ، قال عثمان بن جني : ~~سألت أبا علي عن قولهم : نكح المرأة ، فقال : فرقت العرب بالاستعمال ، فإذا ~~قالوا : نكح فلان فلانة ، أرادوا أنه عقد عليها ، وإذا قالوا : نكح امرأته ~~أو زوجته أرادوا به المجامعة ، وأقول : هذا الذي قاله أبو علي كلام محقق ~~بحسب القوانين العقلية ، لأن الإضافة الحاصلة بين الشيئين مغايرة لذات كل ~~واحد من / المضافين ، فإذا قيل : نكح فلان زوجته ، فهذا النكاح أمر حاصل ~~بينه وبين زوجته فهذا النكاح مغاير له ولزوجته ، ثم الزوجة ليست اسما لتلك ~~المرأة بحسب ذاتها بل اسما لتلك الذات بشرط كونها موصوفة بالزوجية ، ~~فالزوجة ماهية مركبة من الذات ومن الزوجية والمفرد مقدم لا محالة على ~~المركب . # إذا ثبت هذا فنقول : إذا قلنا نكح فلان زوجته ، فالناكح متأخر عن المفهوم ~~من الزوجية ، والزوجية متقدمة على الزوجة من حيث إنها زوجة / تقدم المفرد ~~على المركب ، وإذا كان كذلك لزم القطع بأن ذلك النكاح غير الزوجية ، إذا ~~ثبت هذا كان قوله : { حتى تنكح زوجا غيره } يقتضي أن يكون ذلك النكاح غير ~~الزوجية ، فكل من قال بذلك قال : إنه الوطء ، فثبت أن الآية دالة على أنه ~~لا بد من الوطء ، فقوله : { تنكح } يدل على الوطء ، وقوله : { زوجا } يدل ~~على العقد ، وأما قول من يقول : إن الآية غير دالة على الوطء ، وإنما ms1786 ثبت ~~الوطء بالسنة فضعيف ، لأن الآية تقتضي نفي الحل ممدودا إلى غاية ، وهي قوله ~~: { حتى تنكح } وما كان غاية للشيء يجب انتهاء الحكم عند ثبوته ، فيلزم ~~انتهاء الحرمة عند حصول النكاح ، فلو كان النكاح عبارة عن العقد لكانت ~~الآية دالة على وجوب انتهاء الحرمة عند حصول العقد ، فكان رفعها بالخبر ~~نسخا للقرآن بخبر الواحد ، وأنه غير جائز ، أما إذا حملنا النكاح على الوطء ~~، وحملنا قوله : { زوجا } على العقد ، لم يلزم هذا الإشكال ، وأما الخبر ~~المشهور في السنة فما روي أن تميمة بنت عبد الرحمن القرظي ، كانت تحت رفاعة ~~بن وهب بن عتيك القرظي ابن عمها ، فطلقها ثلاثا ، فتزوجت بعبد الرحمن بن ~~الزبير القرظي ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : كنت تحت رفاعة ~~فطلقني فبت طلاقي ، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ، وإن ما معه مثل ~~هدبة الثواب ، وأنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى ابن عمي ؟ فتبسم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي ~~عسيلته ويذوق عسيلتك ) والمراد بالعسيلة الجماع شبه اللذة فيه بالعسل ، ~~فلبثت ما شاء الله ثم عادت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : إن ~~زوجي مسني فكذبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : كذبت في الأول فلن ~~أصدقك في الآخر ، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتت أبا ~~بكر فاستأذنت ، فقال : لا ترجعي إليه فلبثت حتى مضى لسبيله ، فأتت عمر ~~فاستأذنت فقال لئن رجعت إليه لأرجمنك ، وفي قصة PageV06P090 رفاعة نزل قوله ~~: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } . # أما القياس فلأن المقصود من توقيف حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن ~~الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يفترش زوجته رجل آخر ، ولهذا المعنى ~~قال بعض أهل العلم إنما حرم الله تعالى على نساء النبي أن ينكحن غيره لما ~~فيه من الغضاضة ، ومعلوم أن الزجر إنما يحصل / بتوقيف الحل على الدخول فأما ~~مجرد العقد فليس فيه زيادة ms1787 نفرة فلا يصح جعله مانعا وزاجرا . # المسألة الثانية : قال الشافعي : إذا طلق زوجته واحدة أو اثنتين ، ثم ~~نكحت زوجا آخر وأصابها ، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا ~~طلقة واحدة ، وهي التي بقيت له من الطلقات الأولى ، وقال أبو حنيفة : بل ~~يملك عليها ثلاثا كما لو نكحت زوجا بعد الثلاث ، حجة الشافعي أن هذه طلقة ~~ثالثة ، فوجب أن تحصل الحرمة الغليظة ، إنما قلنا إنها طلقة ثالثة لأنها ~~طلقة وجدت بعد الطلقتين ، والطلقة الثالثة موجبة للحرمة الغليظة ، لقوله ~~تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد } الآية وقوله : { فإن طلقها } أعم ~~من أن يطلقها الطلقة الثالثة مسبوقا بنكاح غيره ، أو غير مسبوق بنكاح غيره ~~فكان الكل داخلا فيه . # المسألة الرابعة : مذهب الشافعي رضي الله عنه : إذا تزوج بالمطلقة ثلاثا ~~للغير على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما ، فهذا نكاح ~~متعة بأجل مجهول ، وهو باطل ولو تزوجها بشرط أن لا يطلقها إذا أحلها للأول ~~ففيه قولان أحدهما : لا يصح والثاني : يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة ، ~~ولو تزوجها مطلقا معتقدا بأنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ~~ويأثم به / وقال مالك والثوري وأحمد : هذا النكاح باطل دليلنا أن الآية تدل ~~على أن الحرمة تنتهي بوطء مسبوق بعقد ، وقد وجدت فوجب القول بانتهاء الحرمة ~~وحيث حكمنا بفساد النكاح ، فوطئها هل يقع به التحليل قولان والأصح أنه لا ~~يقع به التحليل . # أما قوله تعالى : { فإن طلقها } فالمعنى : إن طلقها الزوج الثاني الذي ~~تزوجها بعد الطلقة الثالثة لأنه تعالى قد ذكره بقوله : { حتى تنكح زوجا ~~غيره فلا جناح عليهما } أي على المرأة المطلقة والزوج الأول أن يتراجعا ~~بنكاح جديد ، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع ، لأن الزوجية كانت حاصلة ~~بينهما قبل ذلك ، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح ، ~~فهذا تراجع لغوي ، بقي في الآية مسألتان : # المسألة الأولى : ظاهر الآية يقتضي أن عندما يطلقها الزوج الثاني تحل ~~المراجعة للزوج الأول ، إلا أنه مخصوص بقوله ms1788 تعالى : { والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء } ( البقرة : 228 ) لأن المقصود من العدة استبراء الرحم ~~، وهذا المعنى حاصل ههنا ، وهذا هو الذي عول عليه سعيد بن المسيب في أن ~~التحليل يحصل بمجرد العقد ، لأن الوطء لو كان معتبرا لكانت العدة واجبة ، ~~وهذه الآية تدل على سقوط العدة ، لأن الفاء في قوله : { فلا جناح عليهما أن ~~يتراجعا } تدل على أن حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني إلا أن ~~الجواب ما قدمنا . # المسألة الثانية : قال الخليل والكسائي : موضع { أن يتراجعا } خفض بإضمار ~~الخافض ، تقديره : في أن يتراجعا ، وقال الفراء : موضعه نصب بنزع الخافض . ~~PageV06P091 # / أما قوله تعالى : { إن ظنا أن يقيما حدود الله } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال كثير من المفسرين { إن ظنا } أي إن علما وأيقنا ~~أنهما يقيمان حدود الله ، وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها : أنك لا تقول : ~~علمت أن يقوم زيد ولكن علمت أنه يقوم زيد والثاني : أن الإنسان لا يعلم ما ~~في القدر وإنما يظنه والثالث : أنه بمنزلة قوله تعالى : { وبعولتهن أحق ~~بردهن في ذالك إن أرادوا إصلاحا } ( البقرة : 228 ) فإن المعتبر هناك الظن ~~فكذا ههنا ، وإذا بطل هذا القول فالمراد منه نفس الظن ، أي متى حصل هذا ~~الظن ، وحصل لهما العزم على إقامة حدود الله ، حسنت هذه المراجعة ومتى لم ~~يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالمراجعة ~~تحرم . # المسألة الثانية : كلمة { ءان } في اللغة للشرط والمعلق بالشرط عدم عند ~~عدم الشرط فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز ~~المراجعة ، لكنه ليس الأمر كذلك ، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا ~~الظن أو لم يحصل إلا أنا نقول : ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة : بل ~~المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى ~~، وقصد الإقامة لحدود الله وأوامره ، ثم قال بعد ذلك : { وتلك حدود الله ~~يبينها لقوم يعلمون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { وتلك حدود الله } إشارة إلى ما بينها من ~~التكاليف ms1789 ، وقوله : { يبينها } إشارة إلى الاستقبال والجمع بينهما متناقض ~~وعندي أن هذه النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يتطرق إليها تخصيصات كثيرة ، ~~وأكثر تلك المخصصات إنما عرفت بالسنة ، فكان المراد والله أعلم أن هذه ~~الأحكام التي تقدمت هي حدود الله وسيبينها الله تعالى كمال البيان على لسان ~~نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهو كقوله تعالى : { ليبين * للناس ما نزل إليهم ~~} ( النحل : 44 ) . # المسألة الثانية : قرأ عاصم في رواية أبان { * نبينها } بالنون وهي نون ~~التعظيم والباقون بالياء على أنه يرجع على اسم الله تعالى . # والمسألة الثالثة : إنما خص العلماء بهذا البيان لوجوه أحدها : أنهم هم ~~الذين ينتفعون بالآيات فغيرهم بمنزلة من لا يعتد به ، وهو كقوله : { فيه ~~هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) والثاني : أنه خصهم بالذكر كقوله : { وملئكته ~~ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) والثالث : يعني به العرب لعلمهم ~~باللسان والرابع : يريد من له عقل وعلم ، كقوله : { وما يعقلها إلا ~~العالمون } ( العنكبوت : 43 ) والمقصود أنه لا يكلف إلا عاقلا عالما بما ~~يكلفه ، لأنه متى كان كذلك فقد أزيح عذر المكلف والخامس : أن قوله : { تلك ~~حدود الله } يعني ما تقدم ذكره من الأحكام يبينها الله لمن يعلم أن الله ~~أنزل الكتاب وبعث الرسول ليعلموا بأمره وينتهوا عما نهوا عنه . # ! 7 < { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ~~ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذالك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات ~~الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم ~~به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شىء عليم } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 231 ) وإذا طلقتم النساء . . . . . # > > PageV06P092 @93@ # اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أول ما يجب تقديمه في هذه الآية أن لقائل أن يقول : لا ~~فرق بين هذه الآية وبين قوله : { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان } ( البقرة : 229 ) فتكون إعادة هذه الآية بعد ذكر تلك الآية تكريرا ~~لكلام واحد في موضع واحد من غير فائدة وأنه لا يجوز . # والجواب : أما أصحاب أبي حنيفة فهم الذين حملوا قوله : { الطلاق مرتان ms1790 ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } على أن الجمع بين الطلقات غير مشروع ، ~~وإنما المشروع هو التفريق ، فهذا السؤال ساقط عنهم ، لأن تلك الآية في بيان ~~كيفية الجمع والتفريق ، وهذه الآية في بيان كيفية الرجعة ، وأما أصحاب ~~الشافعي رحمهم الله وهم الذين حملوا تلك الآية على كيفية الرجعة فهذا ~~السؤال وارد عليهم ، ولهم أن يقولوا : إن من ذكر حكما يتناول صورا كثيرة ، ~~وكان إثبات ذلك الحكم في بعض تلك الصور أهم لم يبعد أن يعيد بعد ذلك الحكم ~~العام تلك الصورة الخاصة مرة أخرى ، ليدل ذلك التكرير على أن في تلك الصورة ~~من الاهتمام ما ليس في غيرها وههنا كذلك وذلك لأن قوله : { الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } ( البقرة : 229 ) فيه بيان أنه لا بد في ~~مدة العدة من أحد هذين الأمرين ، وأما في هذه الآية ففيه بيان أن عند ~~مشارفة العدة على الزوال لا بد من رعاية أحد هذين الأمرين ومن المعلوم أن ~~رعاية أحد هذين الأمرين عند مشارفة زوال العدة أولى بالوجوب / من سائر ~~الأوقات التي قبل هذا الوقت ، وذلك لأن أعظم أنواع الإيذاء أن يطلقها ، ثم ~~يراجعها مرتين عند آخر الأجل حتى تبقى في العدة تسعة أشهر ، فلما كان هذا ~~أعظم أنواع المضارة لم يقبح أن يعيد الله حكم هذه الصورة تنبيها على أن هذه ~~الصورة أعظم الصور اشتمالا على المضارة وأولاها بأن يحترز المكلف عنها . # المسألة الثانية : قوله : { فأمسكوهن بمعروف } إشارة إلى المراجعة واختلف ~~العلماء في كيفية المراجعة ، فقال الشافعي رضي الله عنه : لما لم يكن نكاح ~~ولا طلاق إلا بكلام ، لم تكن الرجعة إلا بكلام ، وقال أبو حنيفة والثوري ~~رضي الله عنهما : تصح الرجعة بالوطء ، وقال مالك رضي الله عنه : إن نوى ~~الرجعة بالوطء كانت رجعة وإلا فلا . # حجة الشافعي رضي الله عنه ما روى أن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق زوجته ~~وهي حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال عليه الصلاة ~~والسلام ( مره فليراجعها ثم ليمسكها ms1791 ) حتى تطهر أمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالمراجعة مطلقا ، وقيل : درجات الأمر الجواز فنقول : إنه كان مأذونا ~~بالمراجعة في زمان الحيض ، وما كان مأذونا بالوطء في زمان الحيض فيلزم أن ~~لا يكون الوطء رجعة وحجة أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه تعالى قال : { ~~فأمسكوهن بمعروف } أمر بمجرد الإمساك ، وإذا وطئها فقد أمسكها ، فوجب أن ~~يكون كافيا ، أما الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه لما قال : إنه لا بد من ~~الكلام / فظاهر مذهبه أن الإشهاد على الرجعة مستحب ولا يجب وبه قال مالك ~~وأبو حنيفة رضي الله عنهما ، وقال في ( الإملاء ) : هو واجب ، وهو اختيار ~~PageV06P093 محمد بن جرير الطبري ، والحجة فيه قوله تعالى : { فأمسكوهن ~~بمعروف } ولا يكون معروفا إلا إذا عرفه الغير ، وأجمعنا على أنه لا يجب ~~عرفان غير الشاهد ، فوجب أن يكون عرفان الشاهد واجبا وأجاب الأولون بأن ~~المراد بالمعروف هو المراعاة وإيصال الخير لا ما ذكرتم . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إنه تعالى أثبت عند بلوغ الأجل حق ~~المراجعة ، وبلوغ الأجل عبارة عن انقضاء العدة ، وعند انقضاء العدة لا يثبت ~~حق المراجعة . # والجواب من وجهين : أحدهما : المراد ببلوغ الأجل مشارفة البلوغ لا نفس ~~البلوغ ، وبالجملة فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر ، ~~وهو كقول الرجل إذا قارب البلد : قد بلغنا الثاني : أن الأجل اسم للزمان ~~فنحمله على الزمان الذي هو آخر زمان يمكن إيقاع الرجعة إليه ، بحيث إذا فات ~~لا يبقى بعده مكنة الرجعة ، وعلى هذا التأويل فلا حاجة بنا إلى المجاز . # أما قوله تعالى : { ولا تمسكوهن ضرارا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : فلا فرق بين أن يقول : { فأمسكوهن ~~بمعروف } وبين قوله : { ولا تمسكوهن ضرارا } لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ~~فما الفائدة في التكرار ؟ . # / والجواب : الأمر لا يفيد إلا مرة واحدة ، فلا يتناول كل الأوقات ، أما ~~النهي فإنه يتناول كل الأوقات ، فلعله يمسكها بمعروف في الحال ، ولكن في ~~قلبه أن يضارها في الزمان المستقبل ، فلما قال تعالى : { ولا تمسكوهن ضرارا ms1792 ~~} اندفعت الشبهات وزالت الاحتمالات . # المسألة الثانية : قال القفال : الضرار هو المضارة قال تعالى : { والذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا } ( التوبة : 107 ) أي اتخذوا المسجد ضرارا ليضاروا ~~المؤمنين ، ومعناه رجع إلى إثارة العداوة وإزالة الألفة وإيقاع الوحشة ، ~~وموجبات النفرة ، وذكر المفسرون في تفسير هذا الضرار وجوها أحدها : ما روي ~~أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها ، فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها ~~، وهكذا يفعل بها حتى تبقى في العدة تسعة أشهر أو أكثر والثاني : في تفسير ~~الضرار سوء العشرة والثالث : تضييق النفقة ، واعلم أنهم كانوا يفعلون في ~~الجاهلية أكثر هذه الأعمال رجاء أن تختلع المرأة منه بمالها . # أما قوله تعالى : { لتعتدوا } ففيه وجهان الأول : المراد لا تضاروهن ~~فتكونوا معتدين ، يعني فتكون عاقبة أمركم ذلك وهو كقوله : { فالتقطه ءال ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) أي فكان لهم وهي لام العاقبة ~~والثاني : أن يكون المعنى : لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن ، فحينئذ ~~تصيرون عصاة الله ، وتكونون متعمدين قاصدين لتلك المعصية ، ولا شك أن هذا ~~أعظم أنواع المعاصي . # أما قوله تعالى : { ومن يفعل ذالك فقد ظلم نفسه } ففيه وجوه أحدها : ظلم ~~نفسه بتعريضها لعذاب الله وثانيها : ظلم نفسه بأن فوت عليها منافع الدنيا ~~والدين ، أما منافع الدنيا فإنه إذا اشتهر فيما بين الناس بهذه المعاملة ~~القبيحة لا يرغب في التزوج به ولا معاملته أحد ، وأما منافع الدين فالثواب ~~الحاصل على حسن العشرة مع الأهل والثواب الحاصل على الانقياد لأحكام الله ~~تعالى وتكاليفه . # أما قوله تعالى : { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } ففيه وجوه الأول : أن من ~~نسي فلم يفعله بعد أن نصب PageV06P094 نفسه منصب من يطيع ذلك الأمر ، يقال ~~فيه أنه استهزأ بهذا الأمر ويلعب به ، فعلى هذا كل من أمر بأنه تجب عليه ~~طاعة الله وطاعة رسوله ، ثم وصلت إليه هذه التكاليف التي تقدم ذكرها في ~~العدة والرجعة والخلع وترك المضارة فلا يتشمر لأدائها / كان كالمستهزىء بها ~~، وهذا تهديد عظيم للعصاة من أهل الصلاة وثانيها : المراد : ولا تتسامحوا ~~في تكاليف الله كما يتسامح فيما ms1793 يكون من باب الهزل والعبث والثالث : قال ~~أبو الدرداء : كان الرجل يطلق في الجاهلية ، ويقول : طلقت وأنا لاعب ، ~~ويعتق وينكح ، ويقول مثل ذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقرأها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : ( من طلق ، أو حرر ، أو نكح ، فزعم أنه ~~لاعب فهو جد ) والرابع : قال عطاء : المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان ~~مصرا عليه أو على مثله ، كان كالمستهزىء بآيات الله تعالى ، والأقرب هو ~~الوجه الأول ، لأن قوله : { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } تهديد ، والتهديد ~~إذا ذكر بعد ذكر التكاليف كان ذلك التهديد تهديدا على تركها ، لا على شيء ~~آخر غيرها ، واعلم أنه / تعالى لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من ~~التهديد ، رغبهم أيضا في أدائها بأن ذكرهم أنواع نعمه عليهم ، فبدأ أولا ~~بذكرها على سبيل الإجمال فقال : { واذكروا نعمة الله عليكم } وهذا يتناول ~~كل نعم الله على العبد في الدنيا وفي الدين ، ثم إنه تعالى ذكر بعد هذا نعم ~~الدين ، وإنما خصها بالذكر لأنها أجل من نعم الدنيا ، فقال : { وما أنزل ~~عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } والمعنى أنه إنما أنزل الكتاب والحكمة ~~ليعظكم به ، ثم قال : { واتقوا الله } أي في أوامره كلها ، ولا تخالفوه في ~~نواهيه { واعلموا أن الله بكل شىء عليم } . # ! 7 < { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا ~~تراضوا بينهم بالمعروف ذالك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الا خر ~~ذالكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 232 ) وإذا طلقتم النساء . . . . . # > > اعلم أن هذا هو الحكم السادس من أحكام الطلاق ، وهو حكم المرأة ~~المطلقة بعد انقضاء العدة وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في سبب نزول الآية وجهان الأول : روى أن معقل بن يسار ~~زوج أخته جميل بن عبد الله بن عاصم ، فطلقها ثم تركها حتى انقضت عدتها ، ثم ~~ندم فجاء يخطبها لنفسه ورضيت المرأة بذلك ، فقال لها معقل : إنه طلقك ثم ~~تريدين مراجعته وجهي من وجهك حرام إن راجعتيه فأنزل ms1794 الله تعالى هذه الآية ، ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقل بن يسار وتلا عليه هذه الآية فقال ~~معقل : رغم أني لأمر ربي ، اللهم رضيت وسلمت لأمرك ، وأنكح أخته زوجها ~~والثاني : روي عن مجاهد والسدي أن جابر بن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها ~~زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ~~وكان جابر يقول في نزلت هذه الآية . PageV06P095 # المسألة الثانية : العضل المنع ، يقال : عضل فلان ابنته ، إذا منعها من ~~التزوج ، فهو يعضلها ويعضلها ، بضم الضاد وبكسرها وأنشد الأخفش : # % وإن قصائدي لك فاصطنعني % % كرائم قد عضلن عن النكاح % # وأصل العضل في اللغة الضيق ، يقال : عضلت المرأة إذا نشب الولد في بطنها ~~، وكذلك عضلت / الشاة ، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت لهم لكثرتهم ، قال أوس ~~بن حجر : # % ترى الأرض منا بالفضاء مريضة % % معضلة منا بجيش عرمرم % # وأعضل المريض الأطباء أي أعياهم ، وسميت العضلة عضلة لأن القوى المحركة ~~منشؤها منها ، ويقال : داء عضال ، للأمر إذا اشتد ، ومنه قول أوس : # % وليس أخوك الدائم العهد بالذي % % يذمك إن ولى ويرضيك مقبلا % # % ولكنه النائي إذا كنت آمنا % % وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا % # المسألة الثالثة : اختلف المفسرون في أن قوله : { فلا تعضلوهن } خطاب لمن ~~؟ فقال الأكثرون إنه خطاب للأولياء ، وقال بعضهم إنه خطاب للأزواج ، وهذا ~~هو المختار ، الذي يدل عليه أن قوله تعالى : { وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن فلا تعضلوهن } جملة واحدة مركبة من شرط وجزاء ، فالشرط قوله : { وإذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن } والجزاء قوله : { فلا تعضلوهن } ولا شك أن ~~الشرط وهو قوله : { وإذا طلقتم النساء } خطاب مع الأزواج ، فوجب أن يكون ~~الجزاء وهو قوله : { فلا تعضلوهن } خطابا معهم أيضا ، إذ لو لم يكن كذلك ~~لصار تقدير الآية : إذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها ~~الأولياء وحيئنذ لا يكون بين الشرط وبين الجزاء مناسبة أصلا وذلك يوجب تفكك ~~نظم الكلام وتنزيه كلام الله عن مثله واجب ، فهذا كلام قوي متين في تقرير ~~هذا القول ، ثم إنه يتأكد بوجهين آخرين الأول ms1795 : أن من أول آية في الطلاق ~~إلى هذا الموضع كان الخطاب كله مع الأزواج ، والبتة ما جرى للأولياء ذكر ~~فكان صرف هذا الخطاب إلى الأولياء على خلاف النظم والثاني : ما قبل هذه ~~الآية خطاب مع الأزواج في كيفية معاملتهم مع النساء قبل انقضاء العدة ، ~~فإذا جعلنا هذه الآية خطابا لهم في كيفية معاملتهم مع النساء بعد انقضاء ~~العدة كان الكلام منتظما ، والترتيب مستقيما ، أما إذا جعلناه خطابا ~~للأولياء لم يحصل فيه مثل هذا الترتيب الحسن اللطيف ، فكان صرف الخطاب إلى ~~الأزواج أولى . # حجة من قال الآية خطاب للأولياء وجوه الأول : وهو عمدتهم الكبرى : أن ~~الروايات المشهورة في سبب نزول الآية دالة على أن هذه الآية خطاب مع ~~الأولياء لا مع الأزواج ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لما وقع التعارض بين هذه ~~الحجة وبين الحجة التي ذكرناها كانت الحجة التي ذكرناها أولى بالرعاية لأن ~~المحافظة على نظم الكلام أولى من المحافظة على خبر الواحد وأيضا فلأن ~~الروايات متعارضة ، فروي عن معقل أنه كان يقول ، إن هذه الآية لو كانت ~~خطابا مع الأزواج لكانت إما أن تكون خطابا قبل انقضاء العدة أو مع انقضائها ~~، والأول باطل لأن ذلك مستفاد من الآية ، فلو حملنا هذه الآية على مثل ذلك ~~المعنى كان تكرارا من غير فائدة ، وأيضا فقد قال تعالى : { لا * تعضلوهن أن ~~ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف } فنهى PageV06P096 عن العضل حال ~~/ حصول التراضي ، ولا يحصل التراضي بالنكاح إلا بعد التصريح بالخطبة ، ولا ~~يجوز التصريح بالخطبة إلا بعد انقضاء العدة ، قال تعالى : { ولا تعزموا ~~عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } ( البقرة : 235 ) والثاني : أيضا باطل ~~لأن بعد انقضاء العدة ليس للزوج قدرة على عضل المرأة ، فكيف يصرف هذا النهي ~~إليه ، ويمكن أن يجاب عنه بأن الرجل قد يكون بحيث يشتد ندمه على مفارقة ~~المرأة بعد انقضاء عدنها وتلحقه الغيرة إذا رأى من يخطبها ، وحينئذ يعضلها ~~عن أن ينكحها غيره إما بأن يجحد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة ، ~~أو يدس إلى ms1796 من يخطبها بالتهديد والوعيد ، أو يسيء القول فيها وذلك بأن ~~ينسبها إلى أمور تنفر الرجل عن الرغبة فيها ، فالله تعالى نهى الأزواج عن ~~هذه الأفعال وعرفهم أن ترك هذه الأفعال أزكى لهم وأطهر من دنس الآثام . # الحجة الثالثة لهم قالوا قوله تعالى : { أن ينكحن أزواجهن } معناه : ولا ~~تمنعوهن من أن ينكحن الذين كانوا أزواجا لهن قبل ذلك ، وهذا الكلام لا ~~ينتظم إلا إذا جعلنا الآية خطابا للأولياء ، لأنهم كانوا يمنعونهن من العود ~~إلى الذين كانوا أزواجا لهن قبل ذلك ، فأما إذا جعلنا الآية خطابا للأزواج ~~، فهذا الكلام لا يصح ، ويمكن أن يجاب عنه بأن معنى قوله : { ينكحن أزواجهن ~~} من يريدون أن يتزوجوهن فيكونون أزواجا والعرب قد تسمي الشيء باسم ما يؤول ~~إليه ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب . # المسألة الرابعة : تمسك الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية في بيان أن ~~النكاح بغير ولي لا يجوز وبنى ذلك الاستدلال على أن الخطاب في هذه الآية مع ~~الأولياء ، قال : وإذا ثبت هذا وجب أن يكون التزويج إلى الأولياء لا إلى ~~النساء ، لأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بنفسها أو توكل من يزوجها لما كان ~~الولي قادرا على عضلها من النكاح ، ولو لم يقدر الولي على هذا العضل لما ~~نهاه الله عز وجل عن العضل ، وحيث نهاه عن العضل كان قادرا على العضل ، ~~وإذا كان الولي قادرا على العضل وجب أن لا تكون المرأة متمكنة من النكاح ، ~~واعلم أن هذا الاستدلال بناء على أن هذا الخطاب مع الأولياء ، وقد تقدم ما ~~فيه من المباحث ، ثم إن سلمنا هذه المقدمة لكن لم لا يجوز أن يكون المراد ~~بقوله : { ولا تعضلوهن } أن يخليها ورأيها في ذلك ، وذلك لأن الغالب في ~~النساء الأيامى أن يركن إلى رأي الأولياء في باب النكاح / وإن كان ~~الاستئذان الشرعي لهن ، وإن يكن تحت تدبيرهم ورأيهم ، وحينئذ يكونون ~~متمكنين من منعهن لتمكنهم من تزويجهن ، فيكون النهي محمولا على هذا الوجه ، ~~وهو منقول عن ابن عباس في تفسير الآية ، وأيضا فثبوت العضل ms1797 في حق الولي ~~ممتنع ، لأنه مهما عضل لا يبقى لعضله أثر ، وعلى هذا الوجه فصدور العضل عنه ~~غير معتبر ، وتمسك أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله تعالى : { أن ينكحن ~~أزواجهن } على أن النكاح بغير ولي جائز ، وقال إنه / تعالى أضاف النكاح ~~إليها إضافة الفعل إلى فاعله ، والتصرف إلى مباشره ، ونهى الولي عن منعها ~~من ذلك ، ولو كان ذلك التصرف فاسدا لما نهى الولي عن منعها منه ، قالوا : ~~وهذا النص متأكد بقوله تعالى : { حتى تنكح زوجا غيره } ( البقرة : 230 ) ~~وبقوله : { فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن بالمعروف } ~~( البقرة : 234 ) وترويجها نفسها من الكفء فعل بالمعروف فوجب أن يصح ، ~~وحقيقة هذه الإضافة على المباشر دون الخطاب ، وأيضا قوله تعالى : { وامرأة ~~مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن أراد النبى أن يستنكحها } ( الأحزاب : 250 ) ~~دليل واضح مع أنه لم يحضر هناك ولي البتة ، وأجاب أصحابنا بأن الفعل كما ~~يضاف إلى المباشر قد يضاف أيضا إلى المتسبب ، PageV06P097 يقال : بنى ~~الأمير دارا ، وضرب دينارا ، وهذا وإن كان مجازا إلا أنه يجب المصير إليه ~~لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النكاح . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { فبلغن أجلهن } محمول في هذه الآية على ~~انقضاء العدة ، قال الشافعي رضي الله عنه : دل سياق الكلامين على افتراق ~~البلوغين ، ومعنى هذا الكلام أنه تعالى قال في الآية السابقة : { فبلغن ~~أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف } ولو كانت عدتها قد انقضت لما قال ~~: { فأمسكوهن بمعروف } لأن إمساكها بعد انقضاء العدة لا يجوز ، ولما قال : ~~{ أو سرحوهن بمعروف } لأنها بعد انقضاء العدة تكون مسرحة فلا حاجة إلى ~~تسريحها ، وأما هذه الآية التي نحن فيها فالله تعالى نهى عن عضلهن عن ~~التزوج بالأزواج ، وهذا النهي إنما يحسن في الوقت الذي يمكنها أن تتزوج فيه ~~بالأزواج ، وذلك إنما يكون بعد انقضاء العدة ، فهذا هو المراد من قول ~~الشافعي رضي الله عنه ، دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين . # أما قوله تعالى : { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في التراضي وجهان أحدهما ms1798 : ما وافق الشرع من عقد حلال ~~ومهر جائز وشهود عدول وثانيها : أن المراد منه ما يضاد ما ذكرناه في قوله ~~تعالى : { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } ( البقرة : 231 ) فيكون معنى الآية ~~أن يرضى كل واحد منهما ما لزمه في هذا العقد لصاحبه ، حتى تحصل الصحبة ~~الجميلة ، وتدوم الألفة . # المسألة الثانية : قال بعضهم : التراضي بالمعروف ، هو مهر المثل ، وفرعوا ~~عليه مسألة فقهية وهي أنها إذا زوجت نفسها ونقصت عن مهر مثلها نقصانا فاحشا ~~، فالنكاح صحيح عند أبي حنيفة ، وللولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن ~~المهر ، وقال أبو يوسف ومحمد : ليس للولي ذلك . # حجة أبي حنيفة رحمه الله في هذه الآية هو قوله تعالى : { إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف } وأيضا أنها بهذا النقصان أرادت إلحاق الشين بالأولياء ، ~~لأن الأولياء يتضررون بذلك لأنهم يعيرون بقلة المهور ، ويتفاخرون بكثرتها ، ~~ولهذا يكتمون المهر القليل حياء ويظهرون المهر الكثير رياء ، وأيضا فإن ~~نساء العشيرة يتضررن بذلك لأنه ربما وقعت الحاجة إلى إيجاب مهر المثل ~~لبعضهن / / فيعتبرون ذلك بهذا المهر القليل ، فلا جرم للأولياء أن يمنعوها ~~عن ذلك وينوبوا عن نساء العشيرة ثم أنه تعالى لما بين حكمة التكليف قرنه ~~بالتهديد فقال : { ذالك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الاخر } ~~وذلك لأن من حق الوعظ أن يتضمن التحذير من المخالفة كما يتضمن الترغيب في ~~الموافقة ، فكانت الآية تهديدا من هذا الوجه . # وفي الآية سؤالان : # السؤال الأول : لم وحد الكاف في قوله تعالى : { ذالك } مع أنه يخاطب ~~جماعة ؟ . # والجواب : هذا جائز في اللغة ، والتثنية أيضا جائزة ، والقرآن نزل ~~باللغتين جميعا ، قال تعالى : { ذالكما مما علمنى ربى } ( يوسف : 37 ) وقال ~~: { فذالكن الذى لمتننى فيه } ( يوسف : 32 ) وقال : { يوعظ به } وقال : { ~~ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } ( الأعراف : 22 ) . PageV06P098 # السؤال الثاني : لم خصص هذا الوعظ بالمؤمنين دون غيرهم ؟ . # الجواب : لوجوه أحدها : لما كان المؤمن هو المنتفع به حسن تخصيصه به ~~كقوله : { هدى للمتقين } وهو هدى للكل ، كما قال : { هدى للناس } وقال : { ~~إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) ، { إنما تنذر ms1799 من اتبع الذكر ~~} ( يس: 11 ) مع أنه كان منذرا للكل كما قال : { ليكون للعالمين نذيرا } ( ~~الفرقان : 1 ) وثانيها : احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار ليسوا ~~مخاطبين بفروع الدين ، قالوا : والدليل عليه أن قوله : { ذالك } إشارة إلى ~~ما تقدم ذكره من بيان الأحكام ، فلما خصص ذلك بالمؤمنين دل على أن التكليف ~~بفروع الشرائع غير حاصل إلا في حق المؤمنين وهذا ضعيف ، لأنه ثبت أن ذلك ~~التكليف عام ، قال تعالى : { ولله على الناس حج البيت } ( آل عمران : 97 ) ~~وثالثها : أن بيان الأحكام وإن كان عاما في حق المكلفين ، إلا أن كون ذلك ~~البيان وعظا مختص بالمؤمنين ، لأن هذه التكاليف إنما توجب على الكفار على ~~سبيل إثباتها بالدليل القاهر الملزم المعجز ، أما المؤمن الذي يقر بحقيقتها ~~، فإنها إنما تذكر له وتشرح له على سبيل التنبيه والتحذير ، ثم قال : { ~~ذالكم أزكى لكم وأطهر } يقال : زكا الزرع إذا نما فقوله : { أزكى لكم } ~~إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم ، وقوله : { وأطهر } إشارة إلى إزالة ~~الذنوب والمعاصي التي يكون حصولها سببا لحصول العقاب ، ثم قال : { والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون } والمعنى أن المكلف وإن كان يعلم وجه الصلاح في هذه ~~التكاليف على الجملة ، إلا أن التفصيل في هذه الأمور غير معلوم والله تعالى ~~عالم في كل ما أمر ونهى بالكمية والكيفية بحسب الواقع وبحسب التقدير ، لأنه ~~تعالى عالم بما لا نهاية له من المعلومات ، فلما كان كذلك صح أن يقول : { ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون } ويجوز أن يراد به والله يعلم من يعمل على وفق ~~هذه التكاليف ومن لا يعمل بها وعلى جميع الوجوه فالمقصود من الآيات تقرير ~~طريقة الوعد والوعيد . # / الحكم الثاني عشر # في الرضاع # ! 7 < { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ~~وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضآر ~~والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذالك فإن أرادا فصالا عن ~~تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ms1800 ~~عليكم إذا سلمتم مآ ءاتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما ~~تعملون بصير } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 233 ) والوالدات يرضعن أولادهن . . . . . # > > # قوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس } . # اعلم أن في قوله تعالى : { والوالدات } ثلاثة أقوال الأول : أن المراد ~~منه ما أشعر ظاهر اللفظ وهو جميع الوالدات ، سواء كن مزوجات أو مطلقات ، ~~والدليل عليه أن اللفظ عام وما قام دليل التخصيص فوجب تركه على عمومه . ~~PageV06P099 # والقول الثاني : المراد منه : الوالدات المطلقات ، قالوا : والذي يدل على ~~أن المراد ذلك وجهان أحدها : أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آية الطلاق ~~، فكانت هذه الآية تتمة تلك الآيات ظاهرا ، وسبب التعليق بين هذه الآية ~~وبين ما قبلها أنه إذا حصلت الفرقة حصل التباغض والتعادي ، وذلك يحمل ~~المرأة على إيذاء الولد من وجهين أحدهما : أن إيذاء الولد يتضمن إيذاء ~~الزوج المطلق والثاني : أنها ربما رغبت في التزوج بزوج آخر ، وذلك يقتضي ~~إقدامها على إهمال أمر الطفل فلما كان هذا الاحتمال قائما لا جرم ندب الله ~~الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم ، فقال : { ~~والوالدات يرضعن أولادهن } والمراد المطلقات . # الحجة الثانية لهم : ما ذكره السدي ، قال : المراد بالوالدات المطلقات ، ~~لأن الله تعالى قال بعد هذه الآية : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن } ولو ~~كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا لأجل الرضاع ، ~~واعلم أنه يمكن الجواب عن الحجة الأولى أن هذه الآية مشتملة على حكم مستقل ~~بنفسه ، فلم يجب تعلقها بما قبلها ، وعن الحجة الثانية لا يبعد أن تستحق / ~~المرأة قدرا من المال لمكان الزوجية وقدرا آخر لمكان الرضاع فإنه لا منافاة ~~بين الأمرين . # القول الثالث : قال الواحدي في ( البسيط ) : الأولى أن يحمل على الزوجات ~~في حال بقاء النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة . # فإن قيل : إذا كانت الزوجية باقية فهي مستحقة النفقة والكسوة بسبب النكاح ~~سواء أرضعت الولد أو لم ترضع فما وجه تعليق هذا ms1801 الاستحقاق بالإرضاع . # قلنا : النفقة والكسوة يجبان في مقابلة التمكين ، فإذا أشغلت بالحضانة ~~والإرضاع لم تتفرغ لخدمة الزوج فربما توهم متوهم أن نفقتها وكسوتها تسقط ~~بالخلل الواقع في خدمة الزوج فقطع الله ذلك الوهم بإجاب الرزق والكسوة ، ~~وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع ، هذا كله كلام الواحدي رحمه الله . # أما قوله تعالى : { يرضعن أولادهن } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : هذا الكلام وإن كان في اللفظ خبرا إلا أنه في المعنى ~~أمر وإنما جاز ذلك لوجهين الأول : تقدير الآية : والوالدات يرضعن أولادهن ~~في حكم الله الذي أوجبه ، إلا أنه حذف لدلالة الكلام عليه والثاني : أن ~~يكون معنى يرضعن : ليرضعن ، إلا أنه حذف ذلك للتصرف في الكلام مع زوال ~~الإيهام . # المسألة الثانية : هذا الأمر ليس أمر إيجاب ، ويدل عليه وجهان الأول : ~~قوله تعالى : { أسكنوهن من حيث سكنتم من } ( الطلاق : 6 ) ولو وجب عليها ~~الرضاع لما استحقت الأجرة والثاني : أنه تعالى قال بعد ذلك : { وإن تعاسرتم ~~فسترضع له أخرى } ( الطلاق : 6 ) وهذا نص صريح ، ومنهم من تمسك في نفي ~~الوجوب عليها بقوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن } ( البقرة : ~~233 ) والوالدة قد تكون مطلقة فلم يكن وجوب رزقها على الوالد إلا بسبب ~~الإرضاع ، فلو كان الإرضاع واجبا عليها لما وجب ذلك ، وفيه البحث الذي ~~قدمناه ، إذا ثبت أن الإرضاع غير واجب على الأم فهذا الأمر محمول على الندب ~~من حيث أن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان ، ومن حيث إن ~~شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها هذا إذا لم يبلغ الحال PageV06P100 في ~~الولد إلى حد الاضطرار بأن لا يوجد غير الأم ، أو لا يرضع الطفل إلا منها ، ~~فواجب عليها عند ذلك أن ترضعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام ~~. # أما قوله تعالى : { حولين كاملين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أصل الحول من حال الشيء يحول إذا انقلب فالحول منقلب من ~~الوقت الأول إلى الثاني ، وإنما ذكر الكمال لرفع التوهم من أنه على مثل ~~قولهم أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين ms1802 ، وإنما أقام حولا وبعض الآخر ، ~~ويقولون : اليوم يومان مذ لم أره ، وإنما يعنون / يوما وبعض اليوم الآخر . # المسألة الثانية : اعلم أنه ليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب ويدل عليه ~~وجهان الأول : أنه تعالى قال بعد ذلك : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } فلما ~~علق هذا الإتمام بإرادتنا ثبت أن هذا الإتمام غير واجب الثاني : أنه تعالى ~~قال : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } فثبت أنه ~~ليس المقصود من ذكر هذا التحديد إيجاب هذا المقدار ، بل فيه وجوه الأول : ~~وهو الأصح أن المقصود منه قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة ~~الرضاع ، فقدر الله ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند وقوع التنازع بينهما ، ~~فإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم لم يكن له ذلك ، وكذلك لو ~~كان على عكس هذا فأما إذا اجتمعا على أن يفطما الولد قبل تمام الحولين ~~فلهما ذلك . # الوجه الثاني : في المقصود من هذا التحديد هو أن للرضاع حكما خاصا في ~~الشريعة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~النسب ) والمقصود من ذكر هذا التحديد بيان أن الارتضاع ما لم يقع في هذا ~~الزمان ، لا يفيد هذا الحكم ، هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه ، وهو قول ~~علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري رضي الله عنهم ، ~~وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : مدة الرضاع ثلاثون شهرا . # حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه : # الحجة الأولى : أنه ليس المقصود من قوله : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ~~هو التمام بحسب حاجة الصبي إلى ذلك ، إذ من المعلوم أن الصبي كما يستغني عن ~~اللبن عند تمام الحولين ، فقد يحتاج إليه بعد الحولين لضعف في تركيبه لأن ~~الأطفال يتفاوتون في ذلك ، وإذا لم يجز أن يكون المراد بالتمام هذا المعنى ~~، وجب أن يكون المراد هو الحكم المخصوص المتعلق بالرضاع ، وعلى هذا التقدير ~~تصير الآية دالة على أن حكم الرضاع لا يثبت إلا عند حصول الإرضاع في ms1803 هذه ~~المدة . # الحجة الثانية : روي عن علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~لا رضاع بعد فصال ) وقال تعالى : { وفصاله فى عامين } ( لقمان : 14 ) . # الحجة الثالثة : ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين ) . # والوجه الثالث : في المقصود من هذا التحديد ما روى ابن عباس أنه قال للتي ~~تضع لستة أشهر أنها ترضع حولين كاملين ، فإن وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة ~~وعشرين شهرا ، وقال آخرون : الحولان هذا PageV06P101 الحد في رضاع كل مولود ~~، وحجة ابن عباس رضي الله عنهما أنه تعالى قال : { وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا } ( الأحقاف : 15 ) دلت هذه الآية على أن زمان هاتين الحالتين هو هذا ~~القدر من / الزمان ، فكما ازداد في مدة إحدى الحالتين انتقص من مدة الحالة ~~الأخرى . # المسألة الثالثة : روي أن رجلا جاء إلى علي رضي الله عنه فقال : تزوجت ~~جارية بكرا وما رأيت بها ريبة ، ثم ولدت لستة أشهر ، فقال علي رضي الله عنه ~~قال الله : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } وقال تعالى : { والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين } فالحمل ستة أشهر الولد ولدك ، وعن عمر أنه جىء ~~بامرأة وضعت لستة أشهر ، فشاور في رجمها ، فقال ابن عباس : إن خاصمتكم ~~بكتاب الله خصمتكم ، ثم ذكر هاتين الآيتين واستخرج منهما أن أقل الحمل ستة ~~أشهر . # أما قوله تعالى : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ ابن عباس رضي الله عنهما : { ءان * من الرضاعة } ~~وقرىء { الرضاعة } بكسر الراء . # المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان الأول : أن ~~تقدير الآية : هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة ، وعن قتادة أنزل الله ~~حولين كاملين ، ثم أنزل اليسر والتخفيف فقال : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } ~~والمعنى أنه تعالى جوز النقصان بذكر هذه الآية والثاني : أن اللام متعلقة ~~بقوله : { يرضعن } كما تقول : أرضعت فلانة لفلان ولده ، أي يرضعن حولين لمن ~~أراد أن يتم الإرضاع من الآباء ، لأن الأب يجب عليه إرضاع ms1804 الولد دون الأم ~~لما بيناه . # أما قوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } ففيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : { المولود له } هو الوالد ، وإنما عبر عنه بهذا الاسم ~~لوجوه الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : إن السبب فيه أن يعلم أن الوالدات ~~إنما ولدن الأولاد للآباء ، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات وأنشد ~~للمأمون بن الرشيد : # % وإنما أمهات الناس أوعية % % مستودعات وللآباء أبناء % # الثاني : أن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولودا على ~~فراشه على ما قال صلى الله عليه وسلم : ( الولد للفراش ) فكأنه قال : إذا ~~ولدت المرأة الولد للرجل وعلى فراشه ، وجب عليه رعاية مصالحه ، فهذا تنبيه ~~على أن سبب النسب واللحاق مجرد هذا القدر الثالث : أنه قيل في تفسير قوله : ~~{ قال ابن أم } ( طه: 94 ) أن المراد منه أن الأم مشفقة على الولد ، فكان ~~الغرض من ذكر الأم تذكير الشفقة ، فكذا ههنا ذكر الوالد بلفظ المولود له ~~تنبيها على أن هذا الولد إنما ولد لأجل الأب ، فكان نقصه عائدا إليه ، ~~ورعاية مصالحه لازمة له ، كما قيل : كلمة لك ، وكلمة عليك . # المسألة الثانية : أنه تعالى كما وصى الأم برعاية جانب الطفل في قوله ~~تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } وصى الأب برعاية جانب ~~الأم حتى تكون قادرة على رعاية / مصلحة الطفل فأمره برزقها وكسوتها ~~بالمعروف ، والمعرف في هذا الباب قد يكون محدودا بشرط وعقد ، وقد يكون غير ~~محدود إلا من جهة العرف / لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها ، فقد ~~استغنى عن تقدير الأجرة ، فإنه إن PageV06P102 كان ذلك أقل من قدر الكفاية ~~لحقها من الجوع والعري ، فضررها يتعدى إلى الولد . # المسألة الثالثة : أنه تعالى وصى الأم برعاية الطفل أولا ، ثم وصى الأب ~~برعايته ثانيا ، وهذا يدل على أن احتياج الطفل إلى رعاية الأم أشد من ~~احتياجه إلى رعاية الأب ، لأنه ليس بين الطفل وبين رعاية الأم واسطة البتة ~~، أما رعاية الأب فإنما تصل إلى الطفل بواسطة ، فإنه يستأجر المرأة على ~~إرضاعه وحضانته بالنفقة والكسوة ، وذلك يدل على أن ms1805 حق الأم أكثر من حق الأب ~~، والأخبار المطابقة لهذا المعنى كثيرة مشهورة ، ثم قال تعالى : { لا تكلف ~~نفس إلا وسعها } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : التكليف : الإلزام ، يقال : كلفه الأمر فتكلف وكلف ، ~~وقيل : إن أصله من الكلف ، وهو الأثر على الوجه من السواد ، فمعنى تكلف ~~الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره ، والوسع ما ~~يسع الإنسان فيطيقه أخذه ، من سعة الملك أي العرض ، ولو ضاق لعجز عنه ، ~~والسعة بمنزلة القدرة ، فلهذا قيل : الوسع فوق الطاقة . # المسألة الثانية : المراد من الآية أن أب هذا الصبي لا يكلف الإنفاق عليه ~~وعلى أمه ، إلا ما تتسع له قدرته ، لأن الوسع في اللغة ما تتسع له القدرة ، ~~ولا يبلغ استغراقها ، وبين أنه لا يلزم الأب إلا ذلك ، وهو نظير قوله في ~~سورة الطلاق : { أسكنوهن من حيث سكنتم من } ثم قال : { وإن تعاسرتم فسترضع ~~له أخرى } ثم بين في النفقة أنها على قدر إمكان الرجل بقوله : { لينفق ذو ~~سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ءاتاه الله لا يكلف الله نفسا ~~إلا ما } ( الطلاق : 6 / 7 ) . # المسألة الثالثة : المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن الله تعالى لا يكلف ~~العباد إلا ما يقدرون عليه ، لأنه أخبر أنه لا يكلف أحدا إلا ما تتسع له ~~قدرته ، والوسع فوق الطاقة ، فإذا لم يكلفه الله تعالى ما لا تتسع له قدرته ~~، فبأن لا يكلفه ما لا قدرة له عليه أولى . # ثم قال : { لا تضار والدة بولدها } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة عن الكسائي { لا تضار } ~~بالرفع والباقون بالفتح ، أما الرفع فقال الكسائي والفراء إنه نسق على قوله ~~: { لا تكلف } قال علي بن عيسى : هذا غلط لأن النسق بلا إنما هو إخراج ~~الثاني مما دخل فيه الأول نحو : ضربت زيدا لا عمرا فأما أن يقال : يقوم زيد ~~لا يقعد عمرو ، فهو غير جائز على النسق ، بل الصواب أنه مرفوع على ~~الاستئناف في النهي كما يقال : لا يضرب زيد لا ms1806 تقتل عمرا وأما النصب فعلى ~~النهي ، والأصل لا تضار فأدغمت / الراء الأولى في الثانية وفتحت الثانية ~~لالتقاء الساكنين ، يقال : يضارر رجل زيدا ، وذلك لأن أصل الكلمة التضعيف ، ~~فأدغمت إحدى الراءين في الأخرى ، فصار لا تضار ، كما تقول : لا تردد ثم ~~تدغم فتقول : لا ترد بالفتح قال تعالى : { خاسرين يأيها الذين ءامنوا من ~~يرتد منكم عن دينه } ( المائدة : 54 ) وقرأ الحسن : { لا تضار } بالكسر وهو ~~جائز في اللغة ، وقرأ أبان عن عاصم { لا تضار } مطهرة الراء مكسورة على أن ~~الفعل لها . # المسألة الثانية : قوله : { لا تضار } يحتمل وجهين كلاهما جائز في اللغة ~~، وإنما احتمل الوجهين نظرا لحال الإدغام الواقع في تضار أحدهما : أن يكون ~~أصله لا تضار بكسر الراء الأولى ، وعلى هذا الوجه تكون المرأة هي الفاعلة ~~للضرار والثاني : أن يكون أصله لا تضارر بفتح الراء الأولى فتكون المرأة هي ~~المفعوله PageV06P103 بها الضرار / وعلى الوجه الأول يكون المعنى : لا تفعل ~~الأم الضرار بالأب بسبب إيصال الضرار إلى الولد ، وذلك بأن تمتنع المرأة من ~~إرضاعه مع أن الأب ما امتنع عليها في النفقة من الرزق والكسوة ، فتلقى ~~الولد عليه ، وعلى الوجه الثاني معناه : لا تضارر ، أي لا يفعل الأب الضرار ~~بالأم فينزع الولد منها مع رغبتها في إمساكها وشدة محبتها له ، وقوله : { ~~ولا مولود له بولده } أي : ولا تفعل الأم الضرار بالأب بأن تلقى الولد عليه ~~، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد ، وهو أن يغيظ أحدهما صاحبه بسبب الولد . # فإن قيل : لم قال { تضار } والفعل لواحد ؟ . # قلنا لوجوه أحدها : أن معناه المبالغة ، فإن إيذاء من يؤذيك أقوى من ~~إيذاء من لا يؤذيك والثاني : لا يضار الأم والأب بأن لا ترضع الأم أو ~~يمنعها الأب وينزعه منها والثالث : أن المقصود لكل واحد منهما بإضرار الولد ~~إضرار الآخر ، فكان ذلك في الحقيقة مضارة . # المسألة الثالثة : قوله : { لا تضار والدة بولدها } وإن كان خبرا في ~~الظاهر ، لكن المراد منه النهي ، وهو يتناول إساءتها إلى الولد بترك الرضاع ~~، وترك التعهد والحفظ . # وقوله : { ولا مولود له بولده } يتناول ms1807 كل المضار ، وذلك بأن يمنع ~~الوالدة أن ترضعه وهي به أرأف وقد يكون بأن يضيق عليها النفقة والكسوة أو ~~بأن يسيء العشرة فيحملها ذلك على إضرارها بالولد ، فكل ذلك داخل في هذا ~~النهي والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وعلى الوارث مثل ذالك } فاعلم أنه لما تقدم ذكر الولد ~~وذكر الوالد وذكر الوالدات احتمل في الوارث أن يكون مضافا إلى واحد من ~~هؤلاء ، والعلماء لم يدعوا وجها يمكن القول به إلا وقال به بعضهم . # فالقول الأول : وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن المراد وارث ~~الأب ، وذلك لأن قوله : { وعلى الوارث مثل ذالك } معطوف على قوله : { وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } وما بينهما اعتراض لبيان المعروف ، ~~والمعنى أن المولود له إن مات فعلى وارثه مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة ~~، يعني إن مات المولود له لزم وارثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها ~~بالشرط المذكور ، وهو رعاية المعروف وتجنب الضرار ، قال أبو مسلم الأصفهاني ~~هذا القول ضعيف ، لأنا إذا حملنا اللفظ على وارث الولد والولد أيضا وارثه ، ~~أدى إلى وجوب نفقته على غيره ، حال ماله مال ينفق منه وإن هذا غير جائز ، ~~ويمكن أن يجاب عنه بأن الصبي إذا ورث من أبيه مالا فإنه يحتاج إلى من يقوم ~~بتعهده وينفق ذلك المال عليه بالمعروف ، ويدفع الضرار عنه ، وهذه الأشياء ~~يمكن إيجابها على وارث الأب . # القول الثاني : أن المراد وارث الأب يجب عليه عند موت الأب كل ما كان ~~واجبا على الأب وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي ، ثم القائلون ~~بهذا القول اختلفوا في أنه أي وارث هو ؟ فقيل : هو العصبات دون الأم ، ~~والأخوة من الأم ، وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم وقيل : ~~هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث ، وهو قول ~~قتادة وابن أبي ليلى ، قالوا : النفقة على قدر الميراث ، وقيل : الوارث ممن ~~كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى وهو قول PageV06P104 أبي ~~حنيفة وأصحابه ، واعلم ms1808 أن ظاهر الكلام يقتضي أن لا فضل بين وارث ووارث ، ~~لأنه تعالى أطلق اللفظ فغير ذي الرحم بمنزلة ذي الرحم ، كما أن البعيد ~~كالقريب ، والنساء كالرجال ، ولولا أن الأم خرجت من ذلك من حيث مر ذكرها ~~بإيجاب الحق لها ، لصح أيضا دخولها تحت الكلام ، لأنها قد تكون وارث كغيرها ~~. # القول الثالث : المراد من الوارث الباقي من الأبوين ، وجاء في الدعاء ~~المشهور : واجعله الوارث منا ، أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة . # القول الرابع : أراد بالوارث الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى فإنه ~~إن كان له مال وجب أجر الرضاعة في ماله ، وإن لم يكن له مال أجبرت أمه على ~~إرضاعه ، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان ، وهو قول مالك والشافعي . # أما قوله تعالى : { مثل ذالك } فقيل من النفقة والكسوة عن إبراهيم ، وقيل ~~: من ترك الإضرار عن الشعبي والزهري والضحاك ، وقيل : منهما عن أكثر أهل ~~العلم . # أما قوله تعالى : { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح ~~عليهما } فاعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في الفصال قولان الأول : أنه الفطام لقوله تعالى : { ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } ( الأحقاف : 15 ) وإنما سمي الفطام بالفصال لأن ~~الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات قال المبرد : يقال ~~فصل الولد عن الأم فصلا وفصالا ، وقرىء بهما في قوله : { وحمله وفصاله } ~~والفصال / أحسن ، لأنه إذا انفصل من أمه فقد انفصلت منه ، فبينهما فصال نحو ~~القتال والضراب ، وسمي الفصيل فصيلا لأنه مفصول عن أمه ، ويقال : فصل من ~~البلد إذا خرج عنه وفارقه قال تعالى : { فلما فصل طالوت بالجنود } ( البقرة ~~: 249 ) واعلم أن حمل الفصال ههنا على الفطام هو قول أكثر المفسرين . # واعلم أنه تعالى لما بين أن الحولين الكاملين هو تمام مدة الرضاع وجب حمل ~~هذه الآية على غير ذلك حتى لا يلزم التكرار ، ثم اختلفوا فمنهم من قال : ~~المراد من هذه الآية أن الفطام قبل الحولين جائز ومنهم من قال : إنها تدل ~~على أن الفطام قبل الحولين جائز ، وبعده أيضا جائز ms1809 وهذا القول مروي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما . # حجة القول الأول أن ما قبل الآية لما دل على جواز الفطام عند تمام ~~الحولين كان أيضا دليلا على جواز الزيادة على الحولين وإذا كان كذلك بقيت ~~هذه الآية دالة على جواز الفطام قبل تمام الحولين فقط . # وحجة القول الثاني أن الولد قد يكون ضعيفا فيحتاج إلى الرضاع ويضر به ~~فطمه كما يضر ذلك قبل الحولين ، وأجاب الأولون أن حصول المضرة في الفطام ~~بعد الحولين نادر وحمل الكلام على المعهود واجب والله أعلم . # القول الثاني : في تفسير الفصال ، وهو أن أبا مسلم لما ذكر القول الأول ~~قال : ويحتمل معنى آخر ، وهو أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين ~~الأم والولد إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك ولم يرجع بسبب ذلك ضرر إلى ~~الولد . PageV06P105 # المسألة الثانية : التشاور في اللغة : استجماع الرأي ، وكذلك المشورة ~~والمشورة مفعلة منه كالمعونة ، وشرت العسل استخرجته ، وقال أبو زيد : شرت ~~الدابة وأشرتها أي أجريتها لاستخراج جريها ، والشوار متاع البيت ، لأنه ~~يظهر للناظر ، وقالوا : شورته فتشور ، أي خجلته ، والشارة هيئة الرجل ، ~~لأنه ما يظهر من زيه ويبدو من زينته ، والإشارة إخراج ما في نفسك ، وإظهاره ~~للمخاطب بالنطق وبغيره . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الفطام في أقل من حولين لا يجوز إلا ~~عند رضا الوالدين وعند المشاورة مع أرباب التجارب وذلك لأن الأم قد تمل من ~~الرضاع فتحاول الفطام والأب أيضا قد يمل من إعطاء الأجرة على الإرضاع ، فقد ~~يحاول الفطام دفعا لذلك ، لكنهما قلما يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض ~~النفس ، ثم بتقدير توافقهما اعتبر المشاورة مع غيرهما ، وعند ذلك يبعد أن ~~تحصل موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد ، فعند اتفاق الكل يدل على ~~أن الفطام قبل الحولين لا يضره البتة فانظر إلى إحسان الله تعالى بهذا ~~الطفل الصغير كم شرط في جواز إفطامه من الشرائط دفعا للمضار عنه / ثم عند ~~اجتماع كل هذه الشرائط لم يصرح بالإذن / بل قال : { لا جناح عليكم } وهذا ~~يدل على ms1810 أن الإنسان كلما كان أكثر ضعفا كانت رحمة الله معه أكثر وعنايته به ~~أشد . # اعلم أنه تعالى لما بين حكم الأم وأنها أحق بالرضاع ، بين أنه يجوز ~~العدول في هذا الباب عن الأم إلى غيرها ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : استرضع منقول من أرضع ، يقال : ~~أرضعت المرأة الصبي واسترضعها الصبي ، فتعديه إلى مفعولين ، كما تقول : ~~أنجح الحاجة واستنجحته الحاجة والمعنى : أن تسترضعوا المراضع أولادكم ، ~~فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه ، كما تقول : استنجحت الحاجة ولا تذكر من ~~استنجحته ، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن آخرهما عبارة عن الأول ، وقال ~~الواحدي : { أن تسترضعوا أولادكم } أي لأولادكم وحذف اللام اجتزاء بدلالة ~~الاسترضاع ، لأنه لا يكون إلا للأولاد ، ولا يجوز دعوت زيدا وأنت تريد لزيد ~~، لأنه تلبيس ههنا بخلاف ما قلنا في الاسترضاع ، ونظير حذف اللام قوله ~~تعالى : { وإذا كالوهم أو وزنوهم } ( المطففين : 3 ) أي كالوا لهم أو وزنوا ~~لهم . # المسألة الثانية : اعلم أنا قد بينا أن الأم أحق بالإرضاع ، فأما إذا حصل ~~مانع عن ذلك فقد يجوز العدول عنها إلى غيرها ، منها ما إذا تزوجت آخر ، ~~فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الرضاع ، ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول ~~فقد تكره الرضاع حتى يتزوج بها زوج آخر ، ومنها أن تأتي المرأة قبول الولد ~~إيذاء للزوج المطلق وإيحاشا له ، ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها ، فعند أحد ~~هذه الوجوه إذا وجدنا مرضعة أخرى PageV06P106 وقبل الطفل لبنها جاز العدول ~~عن الأم إلى غيرها ، فأما إذا لم نجد مرضعة أخرى ، أو وجدناها ولكن الطفل ~~لا يقبل لبنها فههنا الإرضاع واجب على الأم . # أما قوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } ففيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحده { ما ءاتيتم } مقصورة الألف ، ~~والباقون { ما ءاتيتم } ممدودة الألف ، أما المد فتقديره : ما آتيتموه ~~المرأة أي أردتم إيتاءه وأما القصر فتقديره : ما آتيتم / به ، فحذف ~~المفعولان في الأول وحذف لفظة { به } في الثاني لحصول العلم بذلك ، وروى ~~شيبان عن عاصم { ما أوتيتم } أي ما ms1811 آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة ، ~~ونظيره قوله تعالى : { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } ( الحديد : 7 ) . # المسألة الثانية : ليس التسليم شرطا للجواز والصحة ، وإنما هو ندب إلى ~~الأولى والمقصود منه أن تسليم الأجرة إلى المرضعة يدا بيد حتى تكون طيبة ~~النفس راضية فيصير ذلك سببا لصلاح حال الصبي ، والاحتياط في مصالحه ، ثم ~~إنه تعالى ختم الآية بالتحذير ، فقال : { واتقوا الله واعلموا أن الله بما ~~* تعلمون * بصير } . # الحكم الثالث عشر # عدة الوفاة # ! 7 < { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن فىأنفسهن بالمعروف والله ~~بما تعملون خبير } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 234 ) والذين يتوفون منكم . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : يتوفون معناه يموتون ويقبضون قال الله تعالى : { الله ~~يتوفى الانفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) وأصل التوفي أخذ الشيء وافيا ~~كاملا ، فمن مات فقد وجد عمره وافيا كاملا ، ويقال : توفي فلان ، وتوفي إذا ~~مات ، فمن قال : توفي . كان معناه قبض وأخذ ومن قال : توفى . كان معناه ~~توفى أجله واستوفى أكله وعمره وعليه قراءة علي عليه السلام يتوفون بفتح ~~الياء . # وأما قوله : { ويذرون } معناه : يتركون ، ولا يستعمل منه الماضي ولا ~~المصدر استغناء عنه يترك تركا ، ومثله يدع في رفض مصدره وماضيه ، فهذان ~~الفعلان العابر والأمر منهما موجودان ، يقال : فلان يدع كذا ويذر ويقال : ~~دعه وذره أما الماضي والمصدر فغير موجودين منهما والأزواج ههنا النساء ~~والعرب تسمي الرجل زوجا وامرأته زوجا له ، وربما ألحقوا بها الهاء . # المسألة الثانية : قوله : { والذين } مبتدأ ولا بد له من خبر ، واختلفوا ~~في خبره على أقوال الأول : أن المضاف محذوف والتقدير ، وأزواج الذين يتوفون ~~منكم يتربصن والثاني : وهو / قول الأخفش التقدير : يتربصن بعدهم إلا أنه ~~أسقط لظهوره كقوله : السمن منوان بدرهم وقوله تعالى : { ولمن صبر وغفر إن ~~ذلك لمن PageV06P107 عزم الامور } ( الشورى : 43 ) والثالث : وهو قول ~~المبرد : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ، أزواجهم يتربصن ، قال : ~~وإضمار المبتدأ ليس بغريب قال تعالى : { قل أفأنبئكم بشر من ذالكم النار } ~~( الحج : 72 ) يعني هو النار ms1812 ، وقوله : { فصبر جميل } ( يوسف : 18 ) . # فإن قيل : أنتم أضمرتم ههنا مبتدأ مضافا ، وليس ذلك شيئا واحدا بل شيئان ~~، والأمثلة التي ذكرتم المضمر فيها شيء واحد . # قلنا : كما ورد إضمار المبتدأ المفرد ، فقد ورد أيضا إضمار المبتدأ ~~المضاف ، قال تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد * متاع قليل } ~~( آل عمران : 196 ، 197 ) والمعنى : تقلبهم متاع قليل الرابع : وهو قول ~~الكسائي والفراء ، أن قوله تعالى : { والذين يتوفون منكم } مبتدأ ، إلا أن ~~الغرض غير متعلق ههنا ببيان حكم عائد إليهم ، بل ببيان حكم عائد إلى أزوجهم ~~، فلا جرم لم يذكر لذلك المبتدأ خبرا ، وأنكر المبرد والزجاج ذلك ، لأن ~~مجىء المبتدأ بدون الخبر محال . # المسألة الثالثة : قد بينا فيما تقدم معنى التربص ، وبينا الفائدة في ~~قوله : { بأنفسهن } وبينا أن هذا وإن كان خبرا إلا أن المقصود منه هو الأمر ~~، وبينا الفائدة في العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر . # المسألة الرابعة : قوله : { وعشرا } مذكور بلفظ التأنيث مع أن المراد ~~عشرة أيام ، وذكروا في العذر عنه وجوها الأول : تغليب الليالي على الأيام ~~وذلك أن ابتداء الشهر يكون من الليل ، فلما كانت الليالي هي الأوائل غلبت ، ~~لأن الأوائل أقوى من الثواني ، قال ابن السكيت : يقولون صمنا خمسا من الشهر ~~، فيغلبون الليالي على الأيام ، إذ لم يذكروا الأيام ، فإذا أظهروا الأيام ~~قالوا صمنا خمسة أيام الثاني : أن هذه الأيام أيام الحزن والمكروه ، ومثل ~~هذه الأيام تسمى بالليالي على سبيل الاستعارة ، كقولهم : خرجنا ليالي ~~الفتنة ، وجئنا ليالي إمارة الحجاج والثالث : ذكره المبرد / وهو أنه إنما ~~أنث العشر لأن المراد به المدة ، معناه وعشر مدد ، وتلك المدة كل مدة منها ~~يوم وليلة الرابع : ذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية ، فقال : إذا انقضى لها ~~أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج ، فيتأول العشرة بالليالي ، وإليه ذهب ~~الأوزاعي وأبو بكر الأصم . # المسألة الخامسة : روي عن أبي العالية أن الله سبحانه إنما حد العدة بهذا ~~القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة ، وهو أيضا منقول عن ~~الحسن البصري . # المسألة ms1813 السادسة : اعلم أن هذه العدة واجبة في كل امرأة مات عنها زوجها ~~إلا في صورتين أحداهما : أن تكون أمة فإنها تعتد عند أكثر الفقهاء نصف عدة ~~الحرة ، وقال أبو بكر الأصم : عدتها عدة الحرائر ، وتمسك بظاهر الآية ، ~~وأيضا الله تعالى جعل وضع الحمل في حق الحامل بدلا / عن هذه المدة ، ثم وضع ~~الحمل مشترك فيه الحرة والرقيقة ، فكذا الاعتداد بهذه المدة يجب أن يشتركا ~~فيه ، وسائر الفقهاء قالوا : التنصيف في هذه المدة ممكن ، وفي وضع الحمل ~~غير ممكن ، فظهر الفرق . # الصورة الثانية : أن يكون المراد إن كانت حاملا فإن عدتها تنقضي بوضع ~~الحمل ، فإذا وضعت الحمل حلت ، وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة ، وعن علي ~~عليه السلام : تتربص أبعد الأجلين ، والدليل عليه القرآن والسنة . ~~PageV06P108 # أما القرآن فقوله تعالى : { وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ( ~~الطلاق : 4 ) ومن الناس من جعل هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى : { ~~والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا } والشافعي لم يقل بذلك لوجهين الأول : ~~أن كل واحدة من هاتين الآيتين أعم من الأخرى من وجه وأخص منها من وجه ، لأن ~~الحامل قد يتوفى عنها زوجها وقد لا يتوفى ، كما أن التي توفى عنها زوجها قد ~~تكون حاملا وقد لا تكون ، ولما كان الأمر كذلك امتنع جعل إحدى الآيتين ~~مخصصة للأخرى والثاني : أن قوله : { وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ~~إنما ورد عقيب ذكر المطلقات ، فربما يقول قائل : هي في المطلقة لا في ~~المتوفى عنها زوجها . فلهذين السببين لم يعول الشافعي في الباب على القرآن ~~، وإنما عول على السنة ، وهي ما روى أبو داود بإسناده أن سبيعة بنت الحرث ~~الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة ، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل ، ~~فولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر ، فلما طهرت من دمها تجملت للخطاب ، فقال ~~لها بعض الناس : ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر ، قالت سبيعة : ~~فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي ~~، فأمرني بالتزوج إن بدا ms1814 لي ، إذا عرفت هذا الأصل فههنا تفاريع الأول : لا ~~فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وقال ابن عباس : لا عدة عليها قبل ~~الدخول وهذا قول متروك لأن الآية عامة في حق الكل . # الحكم الثاني : إذا تمت أربعة أشهر وعشر انقضت عدتها ، وإن لم تر عادتها ~~من الحيض فيها وقال مالك : لا تنقضي عدتها حتى ترى عادتها من الحيض في تلك ~~الأيام ، مثلا إن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة ~~أربع حيض ، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان ، وإن ~~كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة فعليها حيضة واحدة ، وإن كانت ~~عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا تكفيها الشهور حجة الشافعي رحمه ~~الله أن هذه الآية دلت على أنه تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بهذه المدة ~~ولم يزد على هذا القدر فوجب أن يكون هذا القدر كافيا ، ثم قال الشافعي : ~~إنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة ، كما أن ذات الإقراء لو ارتابت ~~وجب عليها أن تحتاط . # / الحكم الثالث : إذا مات الزوج فإن كان بقي من شهر الوفاة أكثر من عشرة ~~أيام فالشهر الثاني والثالث والرابع يؤخذ بالأهلة سواء خرجت كاملة أو ناقصة ~~/ ثم تكمل الشهر الأول بالخامس ثلاثين يوما ، ثم تضم إليها عشرة أيام ، وإن ~~مات وقد بقي من الشهر أقل من عشرة أيام اعتبر أربعة أشهر بعد ذلك بالأهلة ~~وكمل العشر من الشهر السادس . # المسألة السابعة : أجمع الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من ~~الاعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة غير أبي مسلم الأصفهاني فإنه ~~أبى نسخها ، وسنذكر كلامه من بعد إن شاء الله تعالى ، والتقدم في التلاوة ~~لا يمنع التأخر في النزول ، إذ ليس ترتيب المصحف على ترتيب النزول ، وإنما ~~ترتيب التلاوة في المصاحف هو ترتيب جبريل بأمر الله تعالى . # المسألة الثامنة : اختلفوا في أن هذه العدة سببها الوفاة أو العلم ~~بالوفاة ، فقال بعضهم : ما لم تعلم بوفاة ms1815 زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في ~~العدة ، واحتجوا بأنه تعالى قال : { يتربصن بأنفسهن } ولا يحصل إلا إذا ~~قصدت هذا التربص ، والقصد إلى التربص لا يحصل إلا مع العلم بذلك ، ~~والأكثرون قالوا السبب هو PageV06P109 الموت ، فلو انقضت المدة أو أكثرها ~~ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى ، قالوا والدليل عليه أن ~~الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة . # المسألة التاسعة : المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح ، ~~والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه : والامتناع عن التزين ~~وهذا اللفظ كالمجمل لأنه ليس فيه بيان أنها تتربص في أي شيء إلا أنا نقول : ~~الامتناع عن النكاح مجمع عليه ، وأما الامتناع عن الخروج من المنزل فواجب ~~إلا عند الضرورة والحاجة ، وأما ترك التزين فهو واجب ، لما روي عن عائشة ~~وحفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) ~~وقال الحسن والشعبي : هو غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه ~~والله أعلم . # واحتجوا بما روي عن أسماء بنت عميس قالت : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ( وتلبثي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت ) . # المسألة العاشرة : احتج من قال : إن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع ~~بقوله تعالى : { والذين يتوفون منكم } فقوله : { منكم } خطاب مع المؤمنين ، ~~فدل على أن الخطاب بهذه الفروع مختص بالمؤمنين فقط . # وجوابه : أن المؤمنين لما كانوا هم العاملين بذلك خصهم بالذكر كقوله : { ~~إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) مع أنه كان منذرا للكل ، ~~لقوله تعالى : { ليكون للعالمين نذيرا } ( الفرقان : 1 ) . # وأما قوله تعالى : { فإذا بلغن أجلهن } فالمعنى إذا انقضت هذه المدة التي ~~هي أجل العدة فلا جناح / عليكم قيل الخطاب مع الأولياء لأنهم الذين يتولون ~~العقد ، وقيل : الخطاب مع الحكام وصلحاء المسلمين ، وذلك لأنهن إن تزوجن في ~~مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على ms1816 المنع ، فإن عجز وجب ~~عليه أن يستعين بالسلطان ، وذلك لأن المقصود من هذه العدة أنه لا يؤمن ~~اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول ، وفي الآية وجه ثالث وهو أنه { لا جناح ~~عليكم } تقديره : لا جناح على النساء وعليكم ، ثم قال : { فيما فعلن فى ~~أنفسهن بالمعروف } أي ما يحسن عقلا وشرعا لأنه ضد المنكر الذي لا يحسن ، ~~وذلك هو الحلال من التزوج إذا كان مستجمعا لشرائط الصحة ، ثم ختم الآية ~~بالتهديد ، فقال : { والله بما تعملون خبير } . بقي في الآية مسائل : # المسألة الأولى : تمسك بعضهم في وجوب الإحداد على المرأة بقوله تعالى : { ~~فيما فعلن فى أنفسهن } فإن ظاهره يقتضي أن يكون المراد منه ما تنفرد المرأة ~~بفعله / والنكاح ليس كذلك ، فإنه لا يتم إلا مع الغير فوجب أن يحمل ذلك على ~~ما يتم بالمرأة وحدها من التزين والتطيب وغيرهما . # المسألة الثانية : تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في جواز النكاح بغير ~~ولي ، قالوا : إنها إذا زوجت نفسها وجب أن يكون ذلك جائزا لقوله تعالى : { ~~ولا جناح عليكم فيما * فعلن فى أنفسهن } وإضافة الفعل إلى الفاعل محمول على ~~المباشرة ، لأن هذا هو الحقيقة في اللفظة ، وتمسك أصحاب الشافعي رضي الله ~~تعالى PageV06P110 عنه في أن هذا النكاح لا يصح إلا من الولي لأن قوله : { ~~لا جناح عليكم } خطاب مع الأولياء ولولا أن هذا العقد لا يصح إلا من الولي ~~وإلا لما صار مخاطبا بقوله : { لا جناح عليكم } وبالله التوفيق . # الحكم الرابع عشر # في خطبة النساء # ! 7 < { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو أكننتم فىأنفسكم ~~علم الله أنكم ستذكرونهن ولاكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ~~ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما ~~فىأنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 235 ) ولا جناح عليكم . . . . . # > > # قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم ~~فى أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولاكن لا } وفي مسائل : # المسألة الأولى : التعريض في ms1817 اللغة ضد التصريح ، ومعناه أن يضمن كلامه ما ~~يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة / على غير مقصوده إلا أن إشعاره ~~بجانب المقصود أتم وأرجح وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا ~~يظهره ، ونظيره أن يقول المحتاج للمحتاج إليه : جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى ~~وجهك الكريم ولذلك قالوا : # % وحسبك بالتسليم مني تقاضيا % % # والتعريض قد يسمى تلويحا لأنه يلوح منه ما يريد والفرق بين الكناية ~~والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بذكر لوازمه ، كقولك : فلان طويل النجاد ~~، كثير الرماد ، والتعريض أن تذكر كلاما يحتمل مقصودك ويحتمل غير مقصودك ~~إلا أن قرائن أحوالك تؤكد حمله على مقصودك ، وأما الخطبة فقال الفراء : ~~الخطبة مصدر بمنزلة الخطب وهو مثل قولك : أنه الحسن العقدة والجلسة تريد ~~العقود والجلوس وفي اشتقاقه وجهان الأول : أن الخطب هو الأمر ، والشأن يقال ~~: ما خطبك ، أي ما شأنك ، فقولهم : خطب فلان فلانة ، أي سألها أمرا وشأنا ~~في نفسها الثاني : أصل الخطبة من الخطاب الذي هو الكلام ، يقال : خطب ~~المرأة خطبة لأنه خاطب في عقد النكاح ، وخطب خطبة أي خاطب بالزجر والوعظ ~~والخطب : الأمر العظيم ، لأنه يحتاج فيه إلى خطاب كثير . # المسألة الثانية : النساء في حكم الخطبة على ثلاثة أقسام أحدها : التي ~~تجوز خطبتها تعريضا وتصريحا وهي التي تكون خالية عن الأزواج والعدد لأنه ~~لما جاز نكاحها في هذه الحالة فكيف لا تجوز خطبتها ، بل يستثنى عنه صورة ~~واحدة ، وهي ما روى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه ) ثم هذا الحديث وإن ~~ورد مطلقا لكن فيه ثلاثة أحوال . # الحالة الأولى : إذا خطب امرأته فأجيب إليه صريحا ههنا لا يحل لغيره أن ~~يخطبها لهذا الحديث . # الحالة الثانية : إذا وجد صريح الإباء عن الإجابة فههنا يحل لغيره أن ~~يخطبها . # الحالة الثالثة : إذا لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد للشافعي ههنا ~~قولان أحدهما : أنه يجوز PageV06P111 للغير خطبتها ، لأن السكوت لا يدل على ~~الرضا والثاني : وهو ms1818 القديم وقول مالك : أن السكوت وإن لم يدل على الرضا ~~لكنه لا يدل أيضا على الكراهة ، فربما كانت الرغبة حاصله من بعض الوجوه ~~فتصير هذه الخطبة الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة . # القسم الثاني : التي لا تجوز خطبتها لا تصريحا ولا تعريضا ، وهي ما إذا ~~كانت منكوحة للغير لأن خطبته إياها ربما صارت سببا لتشويش الأمر على زوجها ~~من حيث أنها إذا علمت رغبة الخاطب فربما حملها ذلك على الامتناع من تأدية ~~حقوق الزوج ، والتسبب إلى هذا حرام ، وكذا / الرجعة فإنها في حكم المنكوحة ~~، بدليل أنه يصح طلاقها وظاهرها ولعانها ، وتعتد منه عدة الوفاة / ~~ويتوارثان . # القسم الثالث : أن يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير ~~الرجعية وهي أيضا على ثلاثة أقسام : # القسم الأول : التي تكون في عدة الوفاة فتجوز خطبتها تعريضا لا تصريحا ، ~~أما جواز التعريض فلقوله تعالى : { لا جناح عليكم * فيما عرضتم به من خطبة ~~النساء } وظاهره أنه للمتوفى عنها زوجها ، لأن هذه الآية مذكورة عقيب تلك ~~الآية ، أما أنه لا يجوز التصريح ، فقال الشافعي : لما خصص التعريض بعدم ~~الجناح وجب أن يكون التصريح بخلافه ، ثم المعنى يؤكد ذلك ، وهو أن التصريح ~~لا يحتمل غير النكاح ، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن ~~انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها ذلك ~~إلى الكذب . # القسم الثاني : المعتدة عن الطلاق الثلاث ، قال الشافعي رحمه الله في ( ~~الأم ) : ولا أحب التعريض لخطبتها ، وقال في ( القديم ) و ( الإملاء ) : ~~يجوز لأنها ليست في النكاح ، فأشبهت المعتدة عن الوفاة وجه المنع هو أن ~~المعتدة عن الوفاة يؤمن عليها بسبب الخطبة الخيانة في أمر العدة فإن عدتها ~~تنقضي بالأشهر أما ههنا تنقضي عدتها بالإقراء فلا يؤمن عليها الخيانة بسبب ~~رغبتها في هذا الخاطب وكيفية الخيانة هي أن تخبر بانقضاء عدتها قبل أن ~~تنقضي . # القسم الثالث : البائن التي يحل لزوجها نكاحها في عدتها ، وهي المختلعة ~~والتي انفسخ نكاحها بعيب أو عنة أو إعسار نفقته فههنا لزوجها التعريض ms1819 ~~والتصريح ؛ لأنه لما كان له نكاحها في العدة فالتصريح أولى وأما غير الزوج ~~فلا شك في أنه لا يحل له التصريح وفي التعريض قولان أحدهما : يحل كالمتوفى ~~عنها زوجها والمطلقة ثلاثا والثاني : وهو الأصح أنه لا يحل لأنها معتدة تحل ~~للزوج أن ينكحها في عدتها فلم يحل التعريض لها كالرجعية . # المسألة الثالثة : قال الشافعي : والتعريض كثير ، وهو كقوله : رب راغب ~~فيك ، أو من يجد مثلك ؟ أو لست بأيم وإذا حللت فأدريني ، وذكر سائر ~~المفسرين من ألفاظ التعريض : إنك لجميلة وإنك لصالحه ، وإنك لنافعه ، وإن ~~من عزمي أن أتزوج ، وإني فيك لراغب . # أما قوله تعالى : { أو أكننتم فى أنفسكم } فاعلم أن الإكنان الإخفاء ~~والستر قال الفراء : للعرب في أكننت الشيء أي سترته لغتان : كننته وأكننته ~~في الكن وفي النفس بمعنى ، ومنه : و { ما تكن صدورهم } ( النحل : 74 ) ، ~~PageV06P112 { بيض مكنون } ( الصافات : 49 ) وفرق قوم بينهما ، فقالوا : ~~كننت الشيء إذا صنته حتى لا تصيبه آفة ، وإن لم يكن مستورا يقال : در مكنون ~~، وجارية مكنونة ، وبيض مكنون ، مصون عن التدحرج وأما أكننت فمعناه أضمرت ، ~~ويستعمل ذلك في الشيء الذي يخفيه الإنسان ويستره عن غيره ، / وهو ضد أعلنت ~~وأظهرت ، والمقصود من الآية أنه لا حرج في التعريض للمرأة في عدة الوفاة ~~ولا فيما يضمره الرجل من الرغبة فيها . # فإن قيل : إن التعريض بالخطبة أعظم حالا من أن يميل قلبه إليها ولا يذكر ~~شيئا فلما قدم جواز التعريض بالخطبة كان قوله بعد ذلك : { أو أكننتم فى ~~أنفسكم } جاريا مجرى إيضاح الواضحات . # قلنا : ليس المراد ما ذكرتم بل المراد منه أنه أباح التعريض وحرم التصريح ~~في الحال ، ثم قال : { أو أكننتم فى أنفسكم } والمراد أنه يعقد قلبه على ~~أنه سيصرح بذلك في المستقبل ، فالآية الأولى إباحة للتعريض في الحال ، ~~وتحريم للتصريح في الحال ، والآية الثانية إباحة لأن يعقد قلبه على أنه ~~سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة ، ثم أنه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله ~~أباح ذلك ، فقال : { علم الله أنكم ستذكرونهن } لأن شهوة النفس إذا حصلت في ms1820 ~~باب النكاح لا يكاد يخلو ذلك المشتهي من العزم والتمني / فلما كان دفع هذا ~~الخاطر كالشيء الشاق أسقط تعالى عنه هذا الحرج وأباح له ذلك . # ثم قال تعالى : { ولاكن لا تواعدوهن سرا } وفيه سؤالان : # السؤال الأول : أين المستدرك بقوله تعالى : { ولاكن لا تواعدوهن سرا } ~~الجواب : هو محذوف لدلالة ستذكرونهن عليه ، تقديره : { علم الله أنكم ~~ستذكرونهن } فاذكروهن { ولاكن لا تواعدوهن } . # السؤال الثاني : ما معنى السر ؟ . # والجواب : أن السر ضد الجهر والإعلان ، فيحتمل أن يكون السر ههنا صفة ~~المواعدة على شيء : ولا تواعدوهن مواعدة سرية ويحتمل أن يكون صفة للموعود ~~به على معنى ولا توعدوهن بالشيء الذي يكون موصوفا بوصف كونه سرا ، أما على ~~التقدير الأول وهو أظهر التقديرين ، فالمواقعة بين الرجل وبين المرأة على ~~وجه السر لا تنفك ظاهرا عن أن تكون مواعدة بشيء من المنكرات ، وههنا ~~احتمالات الأول : أن يواعدها في السر بالنكاح فيكون المعنى أن أول الآية ~~إذن في التعريض بالخطبة وآخر الآية منع عن التصريح بالخطبة الثاني : أن ~~يواعدها بذكر الجماع والرفث ، لأن ذكر ذلك بين الأجنبي والأجنبية غير جائز ~~، قال تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم : { فلا تخضعن بالقول } ( ~~الأحزاب : 32 ) أي لا تقلن من أمر الرفث شيئا { فيطمع الذى فى قلبه مرض } ( ~~الأحزاب : 32 ) الثالث : قال الحسن : { ولاكن لا تواعدوهن سرا } بالزنا طعن ~~القاضي في هذا الوجه ، وقال : إن المواعدة محرمة بالإطلاق فحمل الكلام ما ~~يخص به الخاطب حال العدة أولى . # والجواب : روى الحسن أن الرجل يدخل على المرأة ، وهو يعرض بالنكاح فيقول ~~لها : دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك ، فالله تعالى نهى عن ذلك ~~الرابع : أن يكون / ذلك نهيا عن أن يسار الرجل المرأة الأجنبية ، لأن ذلك ~~يورث نوع ريبة فيها الخامس : أن يعاهدها بأن لا يتزوج أحدا سواها . # أما إذا حملنا السر على الموعود به ففيه وجوه الأول : السر الجماع قال ~~امرؤ القيس : PageV06P113 # % وأن لا يشهد السر أمثالي % % وقال الفرزدق : # % موانع للأسرار إلا من أهلها % % ويخلفن ما ظن الغيور المشغف % # أي الذي ms1821 شغفه بهن ، يعني أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن ، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : المراد لا يصف نفسه لها فيقول : آتيك الأربعة ~~والخمسة الثاني : أن يكون المراد من السر النكاح ، وذلك لأن الوطء يسمى سرا ~~والنكاح سببه وتسمية الشيء باسم سببه جائز . # أما قوله تعالى : { إلا أن تقولوا قولا معروفا } ففيه سؤال ، وهو أنه ~~تعالى بأي شيء علق هذا الاستثناء . # وجوابه : أنه تعالى لما أذن في أول الآية بالتعريض ، ثم نهى عن المسارة ~~معها دفعا للريبة والغيبة استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف ، وذلك أن ~~يعدها في السر بالإحسان إليها ، والاهتمام بشأنها ، والتكفل بمصالحها ، حتى ~~يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض والله أعلم . # قوله تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن ~~الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله } . # اعلم أن في لفظ العزم وجوها الأول : أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من ~~الأفعال ، قال تعالى : { فإذا عزمت فتوكل على الله } ( آل عمران : 159 ) ~~واعلم أن العزم إنما يكون عزما على الفعل ، فلا بد في الآية من إضمار فعل / ~~وهذا اللفظ إنما يعدى إلى الفعل بحرف { على } فيقال : فلان عزم على كذا إذا ~~ثبت هذا كان تقدير الآية : ولا تعزموا على عقدة النكاح ، قال سيبويه : ~~والحذف في هذه الأشياء لا يقاس ، فعلى هذا تقدير الآية : ولا تعزموا عقدة ~~النكاح أن تقدروها حتى يبلغ الكتاب أجله والمقصود منه المبالغة في النهي عن ~~النكاح في زمان العدة فإن العزم متقدم على المعزوم عليه ، فإذا ورد النهي ~~عن العزم فلأن يكون النهي متأكدا عن الإقدام على المعزوم عليه أولى . # / القول الثاني : أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب ، يقال : عزمت عليكم ، ~~أي أوجبت عليكم ويقال : هذا من باب العزائم لا من باب الرخص ، وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( عزمة من عزمات ربنا ) وقال : ( إن الله يحب أن تؤتى ~~رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله ~~تعالى ، وبالوجه الأول ms1822 لا يجوز . # إذا عرفت هذا فنقول : الإيجاب سبب الوجود ظاهرا ، فلا يبعد أن يستفاد لفظ ~~العزم في الوجود وعلى هذا فقوله : { ولا تعزموا عقدة النكاح } أي لا تحققوا ~~ذلك ولا تنشئوه ، ولا تفرغوا منه فعلا ، حتى يبلغ الكتاب أجله ، وهذا القول ~~هو اختيار أكثر المحققين . PageV06P114 # القول الثالث : قال القفال رحمه الله : إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة ~~النكاح ، لأن المعنى : لا تعزموا عليهن عقدة النكاح ، أي لا تعزموا عليهن ~~أن يعقدن النكاح ، كما تقول : عزمت عليك أن تفعل كذا . # فأما قوله تعالى : { عقدة النكاح } فاعلم أن أصل العقد الشد ، والعهود ~~والأنكحة تسمى عقودا لأنها تعقد كما يعقد الحبل . # أما قوله تعالى : { حتى يبلغ الكتاب أجله } ففي الكتاب وجهان الأول : ~~المراد منه : المكتوب والمعنى : تبلغ العدة المفروضة آخرها ، وصارت منقضية ~~والثاني : أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض كقوله : { كتب عليكم الصيام } ~~( البقرة : 183 ) فيكون المعنى حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته ، وإنما ~~حسن أن يعبر عن معنى : فرض ، بلفظ { كتاب } لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه ~~أثبت وآكد وقوله : { حتى } هو غاية فلا بد من أن يفيد ارتفاع الخطر المتقدم ~~، لأن من حق الغاية ضربت للحظر أن تقتضي زواله . # ثم إنه تعالى ختم الآية بالتهديد فقال : { واعلموا أن الله يعلم ما فى ~~أنفسكم فاحذروه } وهو تنبيه على أنه تعالى لما كان عالما بالسر والعلانية ، ~~وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في السر والعلانية ثم ذكر بعد الوعيد ~~الوعد ، فقال : { واعلموا أن الله غفور حليم } . # الحكم الخامس عشر # حكم المطلقة قبل الدخول # ! 7 < { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ~~ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ~~} . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 236 ) لا جناح عليكم . . . . . # > > # اعلم أن أقسام المطلقات أربعة أحدها : المطلقة التي تكون مفروضا لها ~~ومدخولا بها وقد ذكر الله تعالى فيما تقدم أحكام هذا القسم وهو أنه لا يؤخذ ~~منهن على الفراق شيء على سبيل الظلم ثم ms1823 أخبر أن لهن كمال المهر ، وأن عدتهن ~~ثلاثة قروء . # والقسم الثاني : من المطلقات ما لا يكون مفروضا ولا مدخولا بها وهو الذي ~~ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وذكر أنه ليس لها مهر ، وأن لها المتعة ~~بالمعروف . # والقسم الثالث : من المطلقات : التي يكون مفروضا لها ، ولكن لا يكون ~~مدخولا بها وهي المذكورة في الآية التي بعد هذه الآية ، وهي قوله سبحانه ~~وتعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم } ( البقرة : 237 ) واعلم أنه تعالى بين حكم عدة غير المدخول بها ~~وذكر في سورة الأحزاب أنه لا عدة عليها ألبتة ، فقال : { إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ~~فمتعوهن } ( الأحزاب : 49 ) . PageV06P115 # القسم الرابع : من المطلقات : التي تكون مدخولا بها ، ولكن لا يكون ~~مفروضا لها ، وحكم هذا القسم مذكور في قوله : { فما استمتعتم به منهن ~~فئاتوهن أجورهن } ( النساء : 24 ) أيضا القياس الجلي دال عليه وذلك لأن ~~الأمة مجمعة على أن الموطئة بالشبهة لها مهر المثل ، فالموطوءة بنكاح صحيح ~~أولى بهذا الحكم ، فهذا التقسيم تنبيه على المقصود من هذه الآية ، ويمكن أن ~~يعبر عن هذا التقسيم بعبارة أخرى ، فيقال : إن عقد النكاح يوجب بدلا على كل ~~حال ، ثم ذلك البدل إما أن يكون مذكورا أو غير مذكور ، فإن كان البدل ~~مذكورا ، فإن حصل الدخول استقر كله ، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله ~~تعالى قبل هذه الآية ، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق ، وهذا ~~هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله تعالى في الآية التي تجىء عقيب هذه الآية ~~. فإن لم يكن البدل مذكورا فإن لم يحصل الدخول فهو هذه المطلقة التي ذكر ~~الله تعالى حكمها في هذه الآية ، وحكمها أنه لا مهر لها ، ولا عدة عليها ، ~~ويجب عليه لها المتعة ، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات ، ~~إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل ، ولما نبهنا على هذا ~~التقسيم فلنرجع إلى التفسير . # أما ms1824 قوله تعالى : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء } فهذا نص في أن ~~الطلاق جائز ، واعلم أن كثيرا من أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في بيان أن ~~الجمع بين الثلاث ليس بحرام ، قالوا : لأن قوله : { لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء } يتناول جميع أنواع التطليقات ، بدليل أنه يصح استثناء الثلاث منها ~~فيقال لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إلا إذا طلقتموهن ثلاث طلقات فإن هناك ~~يثبت الجناح ، قالوا : وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل ، فثبت أن قوله ~~: { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء } يتناول جميع أنواع التطليقات ، أعني ~~حال الإفراد وحال الجمع ، وهذا الاستدلال عندي ضعيف ، وذلك لأن الآية دالة ~~على الإذن في تحصيل هذه الماهية في الوجود ، ويكفي في العمل به إدخاله في ~~الوجود مرة واحدة ، ولهذا قلنا : إن الأمر المطلق لا يفيد التكرار / ولهذا ~~قلنا : إنه إذا قال لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق انعقدت اليمين على ~~المرة الواحدة فقط ؛ فثبت أن هذا اللفظ لا يتناول حالة الجمع ، وأما ~~الاستثناء الذي ذكروه فنقول : يشكل هذا بالأمر فإنه لا يفيد التكرار ~~بالاتفاق من المحققين ، مع أنه يصح أن يقال : صل إلا في الوقت الفلاني وصم ~~إلا في اليوم الفلاني والله أعلم . # أما قوله تعالى : { ما لم تمسوهن } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { * تماسوهن } بالألف على المفاعلة ، ~~وكذلك في الأحزاب والباقون { لم تمسوهن } بغير ألف ، حجة حمزة والكسائي أن ~~بدن كل واحد يمس بدن صاحبه ويتماسان جميعا وأيضا يدل على ذلك قوله تعالى : ~~{ من قبل أن يتماسا } ( المجادلة : 3 ) وهو إجماع وحجة الباقين إجماعهم على ~~قوله : { ولم يمسسنى بشر } ( آل عمران : 47 ) ولأن أكثر الألفاظ في هذا ~~المعنى جاء على المعنى بفعل دون فاعل كقوله : { لم يطمثهن } ( الرحمن : 56 ~~) وكقوله : { فانكحوهن بإذن أهلهن } ( النساء : 25 ) وأيضا المراد من هذا ~~المس : الغشيان ، وذلك فعل الرجل ، ويدل في الآية الثانية على أن المراد من ~~هذا المس الغشيان ، وأما ما جاء في الظهار من قوله تعالى : { من قبل أن ~~يتماسا } فالمراد به المماسة ms1825 التي هي غير الجماع وهي حرام في الظهار ، وبعض ~~من قرأ : { * تماسوهن } قال : إنه بمعنى { لم تمسوهن } لأن فاعل قد يراد به ~~فعل ، كقوله : طارقت النعل ، وعاقبت اللص ، وهو كثير . PageV06P116 # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح عن ~~المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك فإنه لا جناح عليه أيضا بعد المسيس . # وجوابه من وجوه الأول : أن الآية دالة على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقا ~~، وهذا الإطلاق غير ثابت بعد المسيس ، فإنه لا يحل الطلاق بعد المسيس في ~~زمان الحيض ، ولا في الطهر الذي جامعها فيه ، فلما كان المذكور في الآية حل ~~الطلاق على الإطلاق ، وحل الطلاق على الإطلاق لا يثبت إلا بشرط عدم المسيس ~~، صح ظاهر اللفظ . # الوجه الثاني : في الجواب قال بعضهم : إن { ما } في قوله : { ما لم ~~تمسوهن } بمعنى { الذى } والتقدير : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي ~~لم تمسوهن ، إلا أن { ما } اسم جامد لا ينصرف ، / ولا يبين فيه الإعراب ولا ~~العدد ، وعلى هذا التقدير لا يكون لفظ { ما } شرطا ، فزال السؤال . # الوجه الثالث : في الجواب ما يدور حوله القفال رحمه الله ، وحاصله يرجع ~~إلى ما أقوله ، وهو أن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر ، فتقدير ~~الآية : لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ، ~~بمعنى : لا يجب المهر إلا بأحد هذين الأمرين ، فإذا فقدا جميعا لم يجب ~~المهر ، وهذا كلام ظاهر إلا أنا نحتاج إلى بيان أن قوله : { لا جناح } ~~معناه لا مهر ، فنقول : إطلاق لفظ الجناح على المهر محتمل ، والدليل دل ~~عليه فوجب المصير إليه ، وأما بيان الاحتمال فهو أن أصل الجناح في اللغة هو ~~الثقل ، يقال : أجنحت السفينة إذا مالت لثقلها والذنب يسمى جناحا لما فيه ~~من الثقل ، قال تعالى : { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } ( العنكبوت ~~: 13 ) إذا ثبت أن الجناح هو الثقل ، ولزوم أداء المال ثقل فكان جناحا ، ~~فثبت أن اللفظ محتمل له ، وإنما قلنا : إن الدليل دل على أنه هو المراد ms1826 ~~لوجهين الأول : أنه تعالى قال : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم ~~تمسوهن * ءان * تفرضوا لهن فريضة } نفى الجناح محدودا إلى غاية وهي إما ~~المسيس أو الفرض ، والتقدير : فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين ~~الأمرين ثم إن الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر / فوجب ~~القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر الثاني : أن تطليق ~~النساء قبل المسيس على قسمين أحدهما : الذي يكون قبل المسيس وقبل تقدير ~~المهر ، وهو المذكور في هذه الآية والثاني : الذي يكون قبل المسيس وبعد ~~تقدير المهر وهو المذكور في الآية التي بعد هذه الآية وهي قوله : { وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة } ( البقرة : 237 ) ثم إنه ~~في هذا القسم أوجب نصف المفروض وهذا القسم كالمقابل لذلك القسم فيلزم أن ~~يكون الجناح المنفي هناك هو المثبت ههنا ، فلما كان المثبت ههنا هو لزوم ~~المهر وجب أن يقال : الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم . # واعلم أنا قد ذكرنا في أول تفسير هذه الآية أن أقسام المطلقات أربعة ، ~~وهذه الآية تكون مشتملة على بيان حكم ثلاثة أقسام منها ، لأنه لما صار ~~تقدير الآية : لا مهر إلا عند المسيس أو عند التقدير ، عرف منه أن التي لا ~~تكون ممسوسة ولا مفروضا لها لا يجب لها المهر ، وعرف أن التي تكون ممسوسة ~~ولا تكون مفروضا لها والتي تكون مفروضا لها ولا تكون ممسوسة يجب لكل واحدة ~~منهما المهر ، فتكون هذه الآية مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الثلاثة . ~~PageV06P117 # وأما القسم الرابع : وهي التي تكون ممسوسة ومفروضا لها ، فبيان حكمه ~~مذكور في الآية المتقدمة ، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآيات مشتملة على ~~بيان حكم هذه الأقسام الأربعة بالتمام وهذا من لطائف الكلمات والحمد لله ~~على ذلك . # / المسألة الثالثة : قال أبو بكر الأصم والزجاج : هذه الآية تدل على أن ~~عقد النكاح بغير المهر جائز ، وقال القاضي : إنها لا تدل على الجواز لكنها ~~تدل على الصحة ، أما ms1827 بيان دلالتها على الصحة ، فلأنه لو لم يكن صحيحا لم ~~يكن الطلاق مشروعا ، ولم تكن المتعة لازمة ، وأما أنها لا تدل على الجواز ، ~~فلأنه لا يلزم من الصحة الجواز ، بدليل أن الطلاق في زمان الحيض حرام ومع ~~ذلك واقع وصحيح . # المسألة الرابعة : اتفقوا على أن المراد من المسيس في هذه الآية الدخول ، ~~قال أبو مسلم : وإنما كنى تعالى بقوله : { تمسوهن } عن المجامعة تأديبا ~~للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به والله أعلم . # أما قوله تعالى : { أو تفرضوا لهن فريضة } فالمعنى يقدر لها مقدارا من ~~المهر يوجبه على نفسه ، لأن الفرض في اللغة هو التقدير ، وذكر كثير من ~~المفسرين أن { أو } ههنا بمعنى الواو ، ويريد : ما لم تمسوهن ولم تفرضوا ~~لهن فريضة ، كقوله : { أو يزيدون } ( الصافات : 147 ) وأنت إذا تأملت فيما ~~لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف ، بل خطأ قطعا والله أعلم . # أما قوله تعالى : { ومتعوهن } فاعلم أنه تعالى لما بين أنه لا مهر عند ~~عدم المسيس ، والتقدير بين أن المتعة لها واجبة ، وتفسير لفظ المتعة قد ~~تقدم في قوله : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } ( البقرة : 196 ) . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : المطلقات قسمان ، مطلقة قبل الدخول ، ومطلقة بعد الدخول ~~، أما المطلقة قبل الدخول ينظر إن لم يكن فرض لها مهر فلها المتعة بهذه ~~الآية التي نحن فيها ، وإن كان قد فرض لها فلا متعة ، لأن الله تعالى أوجب ~~في حقها نصف المهر ولم يذكر المتعة ، ولو كانت واجبة لذكرها وقال ابن عمر : ~~لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يدخل بها فحسبها نصف المهر ، وأما ~~المطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أو لم يفرض ، فهل تستحق المتعة ، فيه ~~قولان : قال في ( القديم ) وبه قال أبو حنيفة : لا متعة لها ، لأنها تستحق ~~المهر كالمطلقة بعد الفرض قبل الدخول ، وقال في ( الجديد ) : بل لها المتعة ~~، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام ، والحسن بن علي / وابن عمر ، ~~والدليل عليه قوله تعالى : { وللمطلقات متاع بالمعروف } ( البقرة : 241 ) ~~وقال تعالى : { فتعالين ms1828 أمتعكن } ( الأحزاب : 28 ) وكان ذلك في نساء دخل ~~بهن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس كالمطلقة بعد الفرض قبل المسيس ، ~~لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة استباحة عوض فلم تستحق المتعة والمطلقة بعد ~~الدخول استحقت الصداق بمقابلة استباحة البضع فتجب لها المتعة للإيحاش ~~بالفراق . # المسألة الثانية : مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن المتعة واجبة ، وهو قول ~~شريح والشعبي والزهري ، وروي عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا ~~لا يرونها واجبة ، وهو قول مالك / لنا قوله تعالى : { ومتعوهن } وظاهر ~~الأمر للإيجاب ، وقال : { وللمطلقات متاع } فجعل ملكا لهن أو في معنى الملك ~~، وحجة مالك أنه تعالى قال في آخر الآية : { حقا على المحسنين } فجعل هذا ~~من باب الإحسان وإنما يقال : هذا الفعل إحسان إذا لم يكن واجبا فإن وجب ~~عليه أداء دين فأداه لا يقال إنه أحسن ، وأيضا قال تعالى : PageV06P118 { ~~ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة : 91 ) وهذا يدل على عدم الوجوب ، ~~والجواب عنه أن الآية التي ذكرتموها تدل على قولنا لأنه تعالى قال : { حقا ~~على المحسنين } فذكره بكلمة { على } وهي للوجوب ، ولأنه إذا قيل : هذا حق ~~على فلان ، لم يفهم منه الندب بل الوجوب . # المسألة الثالثة : أصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعا غير باق بل ~~منقضيا عن قريب ، ولهذا يقال : الدنيا متاع ، ويسمى التلذذ تمتعا لانقطاعه ~~بسرعة وقلة لبث . # أما قوله تعالى : { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : { الموسع } الغني الذي يكون في سعة من غناه ، يقال : ~~أوسع الرجل إذا كثر ماله ، واتسعت حاله ، ويقال : أوسعه كذا أي وسعه عليه ، ~~ومنه قوله تعالى : { وإنا لموسعون } ( الذاريات : 47 ) وقوله : { قدره } أي ~~قدر إمكانه وطاقته ، فحذف المضاف ، والمقتر الذي في ضيق من فقره وهو المقل ~~الفقير ، وأقتر إذا افتقر . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم { قدره } بسكون ~~الدال ، والباقون قدره بفتح الدال ، وهما لغتان في جميع معاني القدر ، يقال ~~: قدر القوم أمرهم يقدرونه قدرا ، وهذا قدر هذا ، واحمل على رأسك قدر ما ~~تطيق ، وقدر الله ms1829 الرزق يقدره ويقدره قدرا ، وقدرت الشيء بالشيء أقدره قدرا ~~، وقدرت على الأمر أقدر عليه قدرة ، كل هذا يجوز فيه التحريك والتسكين ، ~~يقال : هم يختصمون في القدر والقدر ، وخدمته بقدر كذا وبقدر كذا ، قال الله ~~تعالى : { فسالت أودية بقدرها } ( الرعد : 17 ) وقال : { وما قدروا الله حق ~~قدره } ( الأنعام : 91 ) ولو حرك لكان جائزا ، وكذلك : { إنا كل شىء خلقناه ~~بقدر } ( القمر : 49 ) ولو خفف جاز . # المسألة الثالثة : أن قوله تعالى : { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } ~~يدل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد ، ولأنها كالنفقة التي أوجبها ~~الله تعالى للزوجات ، وبين أن الموسع يخالف المقتر وقال الشافعي : المستحب ~~على الموسع خادم ، وعلى المتوسط ثلاثون درهما ، وعلى المقتر مقنعة ، روي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أكثر المتعة خادم وأقلها مقنعة ، وأي ~~قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة ، وقال أبو حنيفة المتعة لا تزاد على ~~نصف مهر المثل ، قال : لأن حال المرأة التي يسمى لها المهر أحسن من حال ~~التي لم يسم لها ، ثم لما لم يجب لها زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل ~~الدخول ، فلأن لا يجب زيادة على نصف مهر المثل أولى والله أعلم . # أما قوله تعالى : { متاعا بالمعروف } ففيه مسألتان : # / المسألة الأولى : معنى الآية أنه يجب أن يكون على قدر حال الزوج في ~~الغنى والفقر ، ثم اختلفوا فمنهم من يعتبر حالهما ، وهو قول القاضي ، ومنهم ~~من يعتبر حال الزوج فقط قال أبو بكر الرازي رحمه الله في المتعة : يعتبر ~~حال الرجل ، وفي مهر المثل حالها ، وكذلك في النفقة واحتج أبو بكر بقوله : ~~{ وعلى * الموسع قدره } واحتج القاضي بقوله : { بالمعروف } فإن ذلك يدل على ~~حالهما لأنه ليس من المعروف أن يسوى بين الشريفة والوضيعة . # المسألة الثانية : { متاعا } تأكيد لمتعوهن ، يعني : متعوهن تمتيعا ~~بالمعروف و { حقا } صفة لمتاعا أي : PageV06P119 متاعا واجبا عليهم ، أو حق ~~ذلك حقا على المحسنين ، وقيل : نصب على الحال من قدره لأنه معرفة ، والعامل ~~فيه الظرف ، وقيل : نصب على القطع . # وأما قوله : { على المحسنين ms1830 } ففي سبب تخصيصه بالذكر وجوه أحدها : أن ~~المحسن هو الذي ينتفع بهذا البيان : كقوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( ~~النازعات : 45 ) والثاني : قال أبو مسلم : المعنى أن من أراد أن يكون من ~~المحسنين فهذا شأنه وطريقه ، والمحسن هو المؤمن ، فيكون المعنى أن العمل ~~بما ذكرت هو طريق المؤمنين الثالث : { حقا على المحسنين } إلى أنفسهم في ~~المسارعة إلى طاعة الله تعالى . # ! 7 < { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم إلاأن يعفون أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ~~ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 237 ) وإن طلقتموهن من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المطلقة غير الممسوسة إذا لم يفرض لها ~~مهر ، تكلم في المطلقة غير الممسوسة إذا كان قد فرض لها مهر . وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر ، وقال أبو حنيفة ~~: الخلوة الصحيحة / تقرر المهر ، ويعني بالخلوة الصحيحة : أن يخلوا بها ~~وليس هناك مانع حسي ولا شرعي ، فالحسي نحو : الرتق والقرن والمرض ، أو يكون ~~معهما ثالث وإن كان نائما ، والشرعي نحو ، الحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة ~~الفرض والإحرام المطلق سواء كان فرضا أو نقلا ، حجة الشافعي أن الطلاق قبل ~~المسيس يوجب سقوط نصف المهر وههنا وجد الطلاق قبل المسيس فوجب القول بسقوط ~~نصف المهر . # بيان المقدمة الأولى : قوله تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } فقوله : { فنصف ما فرضتم } ليس كلاما تاما ~~بل لا بد من إضمار آخر ليتم الكلام ، فأما أن يضمر { فنصف ما فرضتم } ساقط ~~، أو يضمر { فنصف ما فرضتم } ثابت والأول هو المقصود ، والثاني مرجوح لوجوه ~~أحدها : أن المعلق على الشيء بكلمة إن عدم ذلك الشيء ظاهرا ، فلو حملناه ~~على الوجوب تركنا العمل بقضية التعليق ، لأنه غير منفي قبله ، أما لو ~~حملناه على السقوط ، عملنا بقضية التعليق ، لأنه منفي قبله وثانيها : أن ~~قوله تعالى : { وقد فرضتم لهن فريضة } يقتضي وجوب ms1831 كل المهر عليه ، لأنه لما ~~التزم لزمه الكل لقوله تعالى : { أوفوا بالعقود } فلم تكن الحاجة إلى بيان ~~ثبوت النصف قائمة لأن المقتضى لوجوب الكل مقتض أيضا لوجوب النصف إنما ~~المحتاج إليه بيان سقوط النصف ، لأن عند قيام المقتضى لوجوب الكل كان ~~الظاهر هو وجوب الكل ، فكان سقوط البعض في هذا المقام هو المحتاج إلى ~~البيان ، فكان PageV06P120 حمل الآية على بيان السقوط أولى من حملها على ~~بيان الوجوب وثالثها : أن الآية الدالة على وجوب إيتاء كل المهر قد تقدمت ~~كقوله : { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا } ( البقرة : 129 ) ~~فحمل الآية على سقوط النصف أولى من حملها على وجوب النصف ورابعها : وهو أن ~~المذكور في الآية هو الطلاق قبل المسيس ، وكون الطلاق واقعا قبل المسيس ~~يناسب سقوط نصف المهر ، ولا يناسب وجوب شيء ، فلما كان المذكور في الآية ما ~~يناسب السقوط ، لا ما يناسب الوجوب كان إضمار السقوط أولى ، وإنما استقصينا ~~في هذه الوجوه لأن منهم من قال : إن معنى الآية : فنصف ما فرضتم واجب ، ~~وتخصيص النصف بالوجوب لا يدل على سقوط النصف الآخر ، إلا من حيث دليل ~~الخطاب ، وهو عند أبي حنيفة ليس بحجة ، فكان غرضنا من هذا الاستقصاء دفع ~~هذا السؤال . # بيان المقدمة الثانية : وهي أن ههنا وجد الطلاق قبل المسيس ، هو أن ~~المراد بالمسيس إما حقيقة المس باليد أو جعل كناية عن الوقاع ، وأيهما كان ~~فقد وجد الطلاق قبله ، حجة أبي حنيفة قوله تعالى : { وإن أردتم استبدال زوج ~~مكان زوج وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } ( النساء : 20 ) إلى ~~قوله : { وقد أفضى بعضكم إلى بعض } ( النساء : 21 ) وجه التمسك به من وجهين ~~الأول : هو أنه تعالى نهى عن أخذ المهر ، ولم يفصل بين الطلاق وعدم الطلاق ~~إلا أن توافقنا على أنه خص الطلاق قبل الخلوة ، ومن ادعى التخصيص ههنا ~~فعليه البيان والثاني : أن الله تعالى نهى عن أخذ المهر وعلل بعلة الإفضاء ~~، وهي الخلوة ، والإفضاء مشتق من الفضاء ، وهو المكان الخالي ، فعلمنا أن ~~الخلوة تقرر المهر ms1832 . # وجوابنا عن ذلك أن الآية التي تمسكوا بها عامة ، والآية التي تمسكنا بها ~~خاصة والخاص مقدم على العام والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { وقد فرضتم لهن فريضة } حال من مفعول { ~~طلقتموهن } والتقدير : طلقتموهن حال ما فرضتم لهن فريضة . # أما قوله تعالى : { إلا أن يعفون } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : إنما لم تسقط النون من { يعفون } وإن دخلت عليه { ءان } ~~الناصبة للأفعال لأن { يعفون } فعل النساء ، فاستوى فيه الرفع والنصب ~~والجزم ، والنون في { يعفون } إذا كان الفعل مسندا إلى النساء ضمير جمع ~~المؤنث ، وإذا كان الفعل مسندا إلى الرجال فالنون علامة الرفع فلذلك لم ~~تسقط النون التي هي ضمير جمع المؤنث ، كما لم تسقط الواو التي هي ضمير جمع ~~المذكر ، والساقط في { يعفون } إذا كان للرجال الواو التي هي لام الفعل في ~~{ يعفون } لا الواو التي هي ضمير الجمع ، والله أعلم . # المسألة الثانية : المعنى : إلا أن يعفون المطلقات عن أزواجهن فلا ~~يطالبنهم بنصف المهر ، وتقول المرأة : ما رآني ولا خدمته ، ولا استمتع بي . ~~فكيف آخذ منه شيئا . # أما قوله تعالى : { أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية قولان الأول : أنه الزوج ، وهو قول علي بن أبي ~~طالب عليه السلام ، وسعيد بن المسيب ، وكثير من الصحابة والتابعين وهو قول ~~أبي حنيفة . PageV06P121 # والقول الثاني : أنه الولي ، وهو قول الحسن ، ومجاهد وعلقمة ، وهو قول ~~أصحاب الشافعي . # حجة القول الأول وجوه الأول : أنه ليس للولي أن يهب مهر موليته صغيرة ~~كانت أو كبيرة فلا يمكن حمل هذه الآية على الولي والثاني : أن الذي بيد ~~الولي هو عقد النكاح ، فإذا عقد حصلت العقدة ، لأن بناء الفعلة يدل على ~~المفعول ، كالأكلة واللقمة ، وأما المصدر فالعقد كالأكل واللقم ، ثم من ~~المعلوم أن العقدة الحاصلة بعد العقد في يد الزوج لا في يد الولي والثالث : ~~أن قوله تعالى : { الذى بيده عقدة النكاح } معناه الذي بيده عقدة نكاح ثابت ~~له لا لغيره ، كما أن قوله : { ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هى المأوى ~~} ( النازعات : 40 ) أي ms1833 نهى النفس عن الهوى الثابت له لا لغيره ، كانت ~~الجنة ثابتة له ، فتكون مأواه الرابع : ما روي عن جبير بن مطعم ، أنه تزوج ~~امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل الصداق ، وقال : أنا أحق بالعفو ، وهذا ~~يدل على أن الصحابة فهموا من الآية العفو الصادر من الزوج . # / حجة من قال : المراد هو الولي وجوه الأول : أن الصادر من الزوج هو أن ~~يعطيها كل المهر ، وذلك يكون هبة ، والهبة لا تسمى عفوا ، أجاب الأولون عن ~~هذا من وجوه أحدها : أنه كان الغالب عندهم أن يسوق المهر إليها عند التزوج ~~، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها ، فإذا ترك المطالبة فقد ~~عفا عنها وثانيها : سماه عفوا على طريق المشاكلة وثالثها : أن العفو قد ~~يراد به التسهيل يقال : فلان وجد المال عفوا صفوا ، وقد بينا وجه هذا القول ~~في تفسير قوله تعالى : { فمن عفى له من أخيه * شىء } وعلى هذا عفو الرجل أن ~~يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة . # أجاب القائلون بأن المراد هو الولي عن السؤال الأول بأن صدور العفو عن ~~الزوج على ذلك الوجه لا يحصل إلا على بعض التقديرات والله تعالى ندب إلى ~~العفو مطلقا وحمل المطلق على المقيد خلاف الأصل / وأجابوا عن السؤال الثاني ~~أن العفو الصادر عن المرأة هو الإبراء وهذا عفو في الحقيقة أما الصادر عن ~~الرجل محض الهبة فكيف يسمى عفوا ؟ . # وأجابوا عن السؤال الثالث بأنه لو كان العفو هو التسهيل لكان كل من سهل ~~على إنسان شيئا يقال إنه عفا عنه ومعلوم أنه ليس كذلك . # الحجة الثانية : للقائلين بأن المراد هو الولي هو أن ذكر الزوج قد تقدم ~~بقوله عز وجل : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } فلو كان المراد بقوله : ~~{ أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح } هو الزوج ، لقال : أو تعفو على سبيل ~~المخاطبة ، فلما لم يفعل ذلك بل عبر عنه بلفظ المغايبة ، علمنا أن المراد ~~منه غير الزواج . # وأجاب الأولون بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة التنبيه على المعنى ms1834 ~~الذي من أجله يرغب الزوج في العفو ، والمعنى : إلا أن يعفو أو يعفو الزوج ~~الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق ~~وإنما فارقها الزوج ، فلا جرم كان حقيقا بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها ~~صداقها . # الحجة الثالثة : للقائلين بأنه هو الولي هو أن الزوج ليس بيده البتة عقدة ~~النكاح ، وذلك لأن قبل النكاح كان الزوج أجنبيا عن المرأة ، ولا قدرة له ~~على التصرف فيها بوجه من الوجوه ، فلا يكون له قدرة على إنكاحها البتة وأما ~~بعد النكاح فقد حصل النكاح ولا قدرة على إيجاد الموجود بل له لا قدرة على ~~إزالة النكاح ، والله PageV06P122 تعالى أثبت العفو لمن في يده وفي قدرته ~~عقدة النكاح ، فلما ثبت أن الزوج ليس له يد ولا قدرة على عقد النكاح ثبت ~~أنه ليس المراد هو الزوج ، أما الولي فله قدرة على إنكاحها ، فكان المراد ~~من الآية هو الولي لا الزوج ، ثم إن القائلين بهذا القول أجابوا عن دلائل ~~من قال : المراد هو الزوج . # أما الحجة الأولى : فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة عند المباشرة ~~وأخرى عند / السبب يقال بنى الأمير دارا ، وضرب دينارا ، والظاهر أن النساء ~~إنما يرجعن في مهماتهن وفي معرفة مصالحهن إلى أقوال الأولياء والظاهر أن كل ~~ما يتعلق بأمر التزوج فإن المرأة لا تخوض فيه ، بل تفوضه بالكلية إلى رأي ~~الولي ، وعلى هذا التقدير يكون حصول العفو باختيار الولي وبسعيه فلهذا ~~السبب أضيف العفو إلى الأولياء . # وأما الحجة الثانية : وهي قولهم : الذي بيد الولي عقد النكاح لا عقدة ~~النكاح ، قلنا : العقدة قد يراد بها العقد قال تعالى : { ولا تعزموا عقدة ~~النكاح } سلمنا أن العقدة هي المعقودة لكن تلك المعقودة إنما حصلت وتكونت ~~بواسطة العقد ، وكان عقد النكاح في يد الولي ابتداء ، فكانت عقدة النكاح في ~~يد الولي أيضا بواسطة كونها من نتائج العقد ومن آثاره . # وأما الحجة الثالثة : وهي قوله : إن المراد من الآية الذي بيده عقدة ~~النكاح لنفسه فجوابه : أن هذا ms1835 التقييد لا يقتضيه اللفظ لأنه إذا قيل : فلان ~~في يده الأمر والنهي والرفع والخفض فلا يراد به أن الذي في يده الأمر نفسه ~~ونهى نفسه بل المراد أن في يده أمر غيره ونهى غيره فكذا ههنا . # المسألة الثانية : للشافعي أن يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا يجوز ~~النكاح إلا بالولي ، وذلك لأن جمهور المفسرين أجمعوا على أن المراد من قوله ~~: { أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح } إما الزوج وإما الولي ، وبطل حمله ~~على الزوج لما بينا أن الزوج لا قدرة له البتة على عقدة النكاح ، فوجب حمله ~~على الولي . # إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { بيده عقدة النكاح } هذا يفيد الحصر لأنه ~~إذا قيل : بيده الأمر والنهي معناه أنه بيده لا بيد غيره ، قال تعالى : { ~~لكم دينكم } ( الكافرون : 6 ) أي لا لغيركم ، فكذا ههنا بيد الولي عقدة ~~النكاح لا بيد غيره / وإذا كان كذلك فوجب أن يكون بيد المرأة عقدة النكاح ~~وذلك هو المطلوب والله أعلم . # قوله تعالى : { وأن تعفوا * أقرب للتقوى } فيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا خطاب للرجال والنساء جميعا إلا أن الغلبة للذكور ~~إذا اجتمعوا مع الإناث ، وسبب التغليب أن الذكورة أصل والتأنيث فرع في ~~اللفظ وفي المعنى أما في اللفظ فلأنك تقول : قائم . ثم تريد التأنيث فتقول ~~: قائمة . فاللفظ الدال على المذكر هو الأصل ، والدال على المؤنث فرع عليه ~~، وأما في المعنى فلأن الكمال للذكور والنقصان للإناث ، فلهذا السبب متى ~~اجتمع التذكير والتأنيث كان جانب التذكير مغلبا . # المسألة الثانية : موضع { ءان } رفع بالابتداء ، والتقدير : والعفو أقرب ~~للتقوى ، واللام بمعنى { إلى } . # المسألة الثالثة : معنى الآية : عفو بعضكم عن بعض أقرب إلى حصول معنى ~~التقوى وإنما / كان الأمر كذلك لوجهين الأول : أن من سمح بترك حقه فهو محسن ~~، ومن كان محسنا فقد استحق الثواب ، ومن استحق الثواب نفى بذلك الثواب ما ~~هو دونه من العقاب وأزاله والثاني : أن هذا الصنع يدعوه إلى ترك ~~PageV06P123 الظلم الذي هو التقوى في الحقيقة ، لأن من سمح بحقه وهو له ~~معرض تقربا إلى ربه ms1836 كان أبعد من أن يظلم غيره يأخذ ما ليس له بحق ، ثم قال ~~تعالى : { ولا تنسوا الفضل بينكم } وليس المراد منه النهى عن النسيان لأن ~~ذلك ليس في الوسع بل المراد منه الترك ، فقال تعالى : ولا تتركوا الفضل ~~والإفضال فيما بينكم ، وذلك لأن الرجل إذا تزوج بالمرأة فقد تعلق قلبها به ~~، فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سببا لتأذيها منه ، وأيضا إذا كلف الرجل ~~أن يبذل لها مهرا من غير أن انتفع بها البتة صار ذلك سببا لتأذيه منها ، ~~فندب تعالى كل واحد منهما إلى فعل يزيل ذلك التأذى عن قلب الآخر ، فندب ~~الزوج إلى أن يطيب قلبها بأن يسلم المهر إليها بالكلية ، وندب المرأة إلى ~~ترك المهر بالكلية ، ثم إنه تعالى ختم الآية بما يجرى مجرى التهديد على ~~العادة المعلومة ، فقال : { إن الله بما تعملون بصير } . # الحكم السادس عشر # حكم المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى # ! 7 < { حافظوا على الصلوات والصلواة الوسطى وقوموا لله قانتين } . > 7 ~~@QB@ < # | البقرة : ( 238 ) حافظوا على الصلوات . . . . . # > > # اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين للمكلفين ما بين من معالم دينه ، وأوضح ~~لهم من شرائع شرعه أمرهم بعد ذلك بالمحافظة على الصلوات وذلك لوجوه أحدها : ~~أن الصلاة لما فيها من القراءة والقيام والركوع والسجود والخضوع والخشوع ~~تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى ، وزوال التمرد عن الطبع ، وحصول ~~الانقياد لأوامر الله تعالى والانتهاء عن مناهيه ، كما قال : { اتل ما أوحى ~~إليك من الكتاب } ( العنكبوت : 45 ) والثاني : أن الصلاة تذكر العبد جلالة ~~الربوبية وذلة العبودية وأمر الثواب والعقاب فعند ذلك يسهل عليه الانقياد ~~للطاعة ولذلك قال : { استعينوا بالصبر والصلواة } ( البقرة : 45 ) والثالث ~~: أن كل ما تقدم من بيان النكاح والطلاق والعدة اشتغال بمصالح الدنيا ، ~~فأتبع ذلك بذكر الصلاة التي هي مصالح الآخرة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أجمع المسلمون على أن الصلاة المفروضة خمسة ، وهذه ~~الآية التي نحن في تفسيرها دالة على ذلك ، لأن قوله : { حافظوا على الصلوات ~~} يدل على الثلاثة من حيث أن أقل الجمع ثلاثة ، ثم إن ms1837 قوله تعالى : { ~~حافظوا على } يدل على شيء أزيد من الثلاثة ، وإلا لزم التكرار ، / والأصل ~~عدمه ، ثم ذلك الزائد يمتنع أن يكون أربعة ، وإلا فليس لها وسطى ، فلا بد ~~وأن ينضم إلى تلك الثلاثة عدد آخر يحصل به للمجموع وسط ، وأقل ذلك أن يكون ~~خمسة ، فهذه الآية دالة على وجوب الصلوات الخمسة بهذا الطريق ، واعلم أن ~~هذا الاستدلال إنما يتم إذا بينا أن المراد من الوسطى ما تكون وسطى في ~~العدد لا ما تكون وسطى بسبب الفضيلة ونبين ذلك بالدليل إن شاء الله تعالى ~~إلا أن هذه الآية وإن دلت على وجوب الصلوات الخمس لكنها لا تدل على أوقاتها ~~، والآيات الدالة على تفصيل الأوقات أربع : # الآية الأولى : قوله : { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : ~~17 ) وهذه الآية أبين آيات المواقيت فقوله : { فسبحان الله } أي سبحوا الله ~~معناه صلوا لله حين تمسون ، أراد به صلاة المغرب والعشاء PageV06P124 { ~~وحين تصبحون } أراد صلاة الصبح { وعشيا } ( مريم : 11 ) أراد به صلاة العصر ~~{ وحين تظهرون } ( الروم : 18 ) صلاة الظهر . # الآية الثانية : قوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل } ( ~~الإسراء : 78 ) أراد بالدلوك زوالها فدخل فيه صلاة الظهر ، والعصر ، ~~والمغرب ، والعشاء ، ثم قال : { أقم الصلواة } أراد صلاة الصبح . # الآية الثالثة : قوله : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ~~ءاناء اليل فسبح وأطراف النهار } ( طه: 130 ) فمن الناس من قال : هذه الآية ~~تدل على الصلوات الخمس ، لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل ~~غروبها ، فالليل والنهار داخلان في هاتين اللفظتين . # الآية الرابعة : قوله تعالى : { وأقم الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل ~~} ( هود : 114 ) فالمراد بطرفي النهار : الصبح ، والعصر ، وقوله : { وزلفا ~~من اليل } المغرب والعشاء ، وكان بعضهم يتمسك به في وجوب الوتر ، لأن لفظ ~~زلفا جمع فأقله الثلاثة . # المسألة الثانية : اعلم أن الأمر بالمحافظة على الصلاة أمر بالمحافظة على ~~جميع شرائطها ، أعني طهارة البدن ، والثوب ، والمكان ، والمحافظة على ستر ~~العورة ، واستقبال القبلة ، والمحافظة على جميع أركان الصلاة ، والمحافظة ~~على الاحتراز عن جميع ms1838 مبطلات الصلاة سواء كان ذلك من أعمال القلوب أو من ~~أعمال اللسان / أو من أعمال الجوارح ، وأهم الأمور في الصلاة ، رعاية النية ~~فإنها هي المقصود الأصلي من الصلاة ، قال تعالى : { إننى أنا الله } ( طه: ~~14 ) فمن أدى الصلاة على هذا الوجه كان محافظا على الصلاة وإلا فلا . # فإن قيل : المحافظة لا تكون إلا بين اثنين ، كالمخاصمة ، والمقاتلة ، ~~فكيف المعنى ههنا ؟ . # والجواب : من وجهين أحدهما : أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب ، ~~كأنه قيل له : احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة وهذا كقوله : { ~~فاذكرونى أذكركم } ( البقرة : 152 ) وفي الحديث : ( احفظ الله يحفظك ) ~~الثاني : أن تكون المحافظة بين المصلي والصلاة فكأنه قيل : احفظ الصلاة / ~~حتى تحفظك الصلاة ، واعلم أن حفظ الصلاة للمصلي على ثلاثة أوجه الأول : أن ~~الصلاة تحفظه عن المعاصي ، قال تعالى : { اتل ما أوحى إليك من الكتاب } ( ~~العنكبوت : 45 ) فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن الفحشاء والثاني : أن ~~الصلاة تحفظه من البلايا والمحن ، قال تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلواة ~~} ( البقرة : 153 ) وقال تعالى : { وقال الله إنى معكم لئن أقمتم الصلواة ~~وءاتيتم الزكواة } ( المائدة : 12 ) ومعناه : إني معكم بالنصرة والحفظ إن ~~كنتم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة والثالث : أن الصلاة تحفظ صاحبها وتشفع ~~لمصليها ، قال تعالى : { وأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة وما تقدموا ~~لانفسكم من خير تجدوه عند الله } ( البقرة : 110 ) ولأن الصلاة فيها ~~القراءة ، والقرآن يشفع لقارئه ، وهو شافع مشفع وفي الخبر : ( إنه تجىء ~~البقرة وآل عمران كأنهما عمامتان فيشهدان ويشفعان ) وأيضا في الخبر ( سورة ~~الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط ~~عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه ) والله أعلم . # المسألة الثالثة : اختلفوا في الصلاة الوسطى على سبعة مذاهب . # فالقول الأول : أن الله تعالى أمر بالمحافظة عليها ، ولم يبين لنا أنها ~~أي صلاة هي ، وإنما قلنا : إنه لم يبين PageV06P125 لأنه لو بين ذلك لكان ~~إما أن يقال : إنه تعالى بينها بطريق قطعي ، أو بطريق ظني والأول باطل لأنه ~~بيان إما أن يكون بهذه ms1839 الآية ، أو بطريق آخر قاطع ، أو خبر متواتر ولا يمكن ~~أن يكون البيان حاصلا في هذه الآية ، لأن عدد الصلوات خمس ، وليس في الآية ~~ذكر لأولها وآخرها ، وإذا كان كذلك أمكن في كل واحدة من تلك الصلوات أن ~~يقال : إنما هي الوسطى ، وإما أن يقال : بيان حصل في آية أخرى أو في خبر ~~متواتر ، وذلك مفقود ، وأما بيانه بالطريق الظني وهو خبر الواحد والقياس ~~فغير جائز ، لأن الطريق المفيد للظن معتبر في العمليات ، وهذه المسألة ليست ~~كذلك ، فثبت أن الله تعالى لم يبين أن الصلاة الوسطى ما هي ؟ ثم قالوا : ~~والحكمة فيه أنه تعالى لما خصها بمزيد التوكيد ، مع أنه تعالى لم يبينها ~~جوز المرء في كل صلاة يؤديها أنها هي الوسطى فيصير ذلك داعيا إلى أداء الكل ~~على نعت الكمال والتمام ، ولهذا السبب أخفى الله تعالى ليلة القدر في رمضان ~~، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء ، ~~وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفا من الموت في كل الأوقات ، ~~فيكون آتيا بالتوبة في كل الأوقات ، وهذا القول اختاره جمع من العلماء ، ~~قال محمد بن سيرين : إن رجلا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال : حافظ ~~على الصلوات كلها تصبها ، وعن الربيع بن خيثم أنه سأله واحد عنها ، فقال : ~~يا ابن عم الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظا على الوسطى ثم قال ~~الربيع : لو علمتها بعينها لكنت محافظا لها ومضيعا لسائرهن ، قال السائل : ~~لا . قال الربيع : فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى . # / القول الثاني : هي مجموع الصلوات الخمس وذلك لأن هذه الخمسة هي الوسطى ~~من الطاعات وتقريره أن الإيمان بضع وسبعون درجة ، أعلاها شهادة أن لا إله ~~إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والصلوات المكتوبات دون ~~الإيمان وفوق إماطة الأذى فهي واسطة بين الطرفين . # القول الثالث : أنها صلاة الصبح ، وهذا القول من الصحابة قول علي عليه ~~السلام ، وعمر وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وأبي أمامة الباهلي ، ومن ~~التابعين ms1840 قول طاوس ، وعطاء ، وعكرمة ومجاهد ، وهو مذهب الشافعي رحمه الله ~~والذي يدل على صحة هذا القول وجوه الأول : أن هذه الصلاة تصلى في الغلس ~~فأولها يقع في الظلام فأشبهت صلاة الليل ، وآخرها يقع في الضوء فأشبهت صلاة ~~النهار الثاني : أن هذه الصلاة تؤدى بعد طلوع الصبح ، وقبل طلوع الشمس ، ~~وهذا القدر من الزمان لا تكون الظلمة فيه تامة ، ولا يكون الضوء أيضا تاما ~~، فكأنه ليس بليل ولا نهار فهو متوسط بينهما الثالث : أنه حصل في النهار ~~التام صلاتان : الظهر والعصر ، وفي الليل صلاتان : المغرب والعشاء ، وصلاة ~~الصبح كالمتوسط بين صلاتي الليل والنهار . # فإن قيل : فهذه المعاني حاصلة في صلاة المغرب قلنا : إنا نرجح صلاة الصبح ~~على المغرب بكثرة فضائل صلاة الصبح على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ~~الرابع : أن الظهر والعصر يجمعان بعرفة بالاتفاق ، وفي السفر عند الشافعي ، ~~وكذا المغرب والعشاء ، وأما صلاة الفجر فهي منفردة في وقت واحد فكان وقت ~~الظهر والعصر وقتا واحدا ووقت المغرب والعشاء وقتا واحدا ، ووقت الفجر ~~متوسطا بينهما ، قال القفال رحمه الله : وتحقيق هذا الاحتجاج يرجع إلى أن ~~الناس يقولون : فلان وسط ، إذا لم يمل إلى أحد الخصمين ، فكان منفردا بنفسه ~~عنهما ، والله أعلم الخامس : قوله تعالى : { إن قرآن الفجر كان مشهودا } ( ~~الإسراء : 78 ) PageV06P126 وقد ثبت بالتواتر أن المراد منه صلاة الفجر ، ~~وإنما جعلها مشهودا لأنها تؤدى بحضرة ملائكة الليل وملائكة النهار . # إذا عرفت هذا فوجه الاستدلال بهذه الآية من وجهين أحدهما : أن الله تعالى ~~أفرد صلاة الفجر بالذكر ، فدل هذا على مزيد فضلها ، ثم إنه تعالى خص الصلاة ~~الوسطى بمزيد التأكيد ، فيغلب على الظن أن صلاة الفجر لما ثبت أنها أفضل ~~بتلك الآية ، وجب أن تكون هي المراد بالتأكيد المذكور في هذه الآية والثاني ~~: أن الملائكة تتعاقب بالليل والنهار ، فلا تجتمع ملائكة الليل وملائكة ~~النهار في وقت واحد إلا صلاة الفجر ، فثبت أن صلاة الفجر قد أخذت بطرفي ~~الليل والنهار من هذا الوجه ، فكانت كالشيء المتوسط السادس : أنه تعالى قال ~~بعد ms1841 ذكر الصلاة الوسطى : { وقوموا لله قانتين } قرن هذه الصلاة بذكر القنوت ~~، وليس في الشرع صلاة ثبت بالأخبار الصحاح القنوت فيها إلا الصبح ، فدل على ~~أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الصبح السابع : لا شك أنه تعالى إنما ~~أفردها بالذكر لأجل التأكيد ، ولا شك أن صلاة الصبح أحوج / الصلوات إلى ~~التأكيد ، إذ ليس في الصلاة أشق منها ، لأنها تجب على الناس في ألذ أوقات ~~النوم ، حتى إن العرب كانوا يسمون نوم الفجر العسيلة للذتها ، ولا شك أن ~~ترك النوم اللذيذ الطيب في ذلك الوقت ، والعدول إلى استعمال الماء البارد ، ~~والخروج إلى المسجد والتأهب للصلاة شاق صعب على النفس ، فيجب أن تكون هي ~~المراد بالصلاة الوسطى إذ هي أشد الصلوات حاجة إلى التأكيد الثامن : أن ~~صلاة الصبح أفضل الصلوات ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد من الصلاة ~~الوسطى صلاة الصبح ، إنما قلنا : إنها أفضل الصلوات لوجوه أحدها : قوله ~~تعالى : { الصابرين والصادقين } إلى قوله تعالى : { والمستغفرين بالاسحار } ~~( آل عمران : 17 ) فجعل ختم طاعاتهم الشريفة وعباداتهم الكاملة بذكر كونهم ~~مستغفرين بالأسحار ، ثم يجب أن يكون أعظم أنواع الاستغفار هو أداء الفرض ، ~~لقوله عليه الصلاة والسلام حاكيا عن ربه تعالى ( لن يتقرب إلي المتقربون ~~بمثل أداء ما افترضت عليهم ) وذلك يقتضي أن أفضل الطاعات بعد الإيمان هو ~~صلاة الصبح وثانيها : ما روي فيها أن التكبيرة الأولى منها مع الجماعة خير ~~من الدنيا وما فيها وثالثها : أنه ثبت بالأخبار الصحيحة أن صلاة الصبح ~~مخصوصة بالأذان مرتين : مرة قبل طلوع الفجر ، ومرة أخرى بعده وذلك لأن ~~المقصود من المرة الأولى إيقاظ الناس حتى يقوموا ويتشمروا للوضوء ورابعها : ~~أن الله تعالى سماها بأسماء ، فقال في بني إسرائيل : { أقم الصلواة } ( ~~الإسراء : 78 ) وقال في النور : { من قبل صلواة الفجر } ( النور : 58 ) ~~وقال في الروم : { وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) وقال عمر بن الخطاب : ~~المراد من قوله : { وإدبار النجوم } ( الطور : 49 ) صلاة الفجر وخامسها : ~~أنه تعالى أقسم به فقال : { والفجر * وليال عشر } ( الفجر : 1 ، 2 ) ولا ~~يعارض هذا بقوله تعالى ms1842 : { والعصر * إن الإنسان * لفى * خسر } ( العصر : 1 ~~، 2 ) فإنا إذا سلمنا أن المراد منه القسم بصلاة العصر لكن في صلاة الفجر ~~تأكيد ، وهو قوله : { أقم الصلواة * طرفى النهار } ( هود : 114 ) وقد بينا ~~أن هذا التأكيد لم يوجد في العصر وسادسها : أن التثويب في أذان الصبح معتبر ~~، وهو أن يقول بعد الفراغ من الحيعلتين : الصلاة خير من النوم مرتين ، ومثل ~~هذا التأكيد غير حاصل في سائر الصلوات وسابعها : أن الإنسان إذا قام من ~~منامه فكأنه كان معدوما ، ثم صار موجودا ، أو كان ميتا ، ثم صار حيا ، بل ~~كأن الخلق كانوا في الليل كلهم أمواتا ، فصاروا أحياء ، فإذا قاموا من ~~منامهم وشاهدوا هذا الأمر العظيم من كمال قدرة الله ورحمته حيث أزال عنهم ~~ظلمة الليل ، وظلمة النوم والغفلة ، وظلمة العجز والخيرة ، وأبدل الكل ~~بالإحسان ، فملأ العالم من PageV06P127 النور ، والأبدان من قوة الحياة ~~والعقل والفهم والمعرفة ، فلا شك أن هذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل ~~العبد بأداء العبودية ، وإظهار الخضوع والذلة والمسكنة ، فثبت بمجموع هذه ~~البيانات أن صلاة الصبح أفضل الصلوات ، فكان حمل الوسطى عليها أولى التاسع ~~: ما روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه سئل عن الصلاة الوسطى ، فقال ~~: كنا نرى أنها الفجر ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى صلاة الصبح ثم ~~قال : هذه / هي الصلاة الوسطى العاشر : أن سنن الصبح آكد من سائر السنن ~~ففرضها يجب أن يكون أقوى من سائر الفروض فصرف التأكيد إليها أولى ، فهذا ~~جملة ما يستدل به على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح . # القول الرابع : قول من قال : إنها صلاة الظهر ، ويروى هذا القول عن عمر ~~وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد رضي الله عنهم ، وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه ، واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن الظهر كان شاقا عليهم لوقوعه في ~~وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى ، وعن زيد بن ثابت أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهاجرة ، وكانت أثقل الصلوات على ~~أصحابه ، وربما لم يكن وراءه ms1843 إلا الصف والصفان ، فقال عليه الصلاة والسلام ~~: ( لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم ) فنزلت هذه الآية ~~والثاني : صلاة الظهر تقع وسط النهار وليس في المكتوبات صلاة تقع في وسط ~~الليل أو النهار غيرها والثالث : أنها بين صلاتين نهاريتين : الفجر والعصر ~~الرابع : أنها صلاة بين البردين : برد الغداة وبرد العشي الخامس : قال أبو ~~العالية : صليت مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، فلما فرغوا ~~سألتهم عن الصلاة الوسطى / فقالوا التي صليتها السادس : روي عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها كانت تقرأ ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ~~) وجه الاستدلال أنها عطفت صلاة العصر على الصلاة الوسطى ، والمعطوف عليه ~~قبل المعطوف ، والتي قبل العصر هي الظهر السابع : روي أن قوما كانوا عند ~~زيد بن ثابت ، فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى ، فقال : ~~هي صلاة الظهر كانت تقام في الهاجرة الثامن : روي في الأحاديث الصحيحة أن ~~أول إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم كانت في صلاة الظهر ، فدل هذا ~~على أنها أشرف الصلوات ، فكان صرف التأكيد إليها أولى التاسع : أن صلاة ~~الجمعة هي أشرف الصلوات ، وهي صلاة الظهر ، فصرف المبالغة إليها أولى . # القول الخامس : قول من قال : إنها صلاة العصر ، وهو من الصحابة مروى عن ~~علي عليه السلام وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، ومن الفقهاء : ~~النخعي ، وقتادة ، والضحاك ، وهو مروى عن أبي حنيفة ، واحتجوا عليه بوجوه ~~الأول : ما روي عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم ~~الخندق : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ) وهذا ~~الحديث رواه البخاري ومسلم وسائر الأئمة ، وهو عظيم الوقع في المسألة ، وفي ~~صحيح مسلم : ( شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ) ومن الفقهاء من أجاب ~~عنه فقال : العصر وسط ، ولكن ليس هي المذكورة في القرآن ، فههنا صلاتان ~~وسطيان الصبح والعصر ، وأحدهما ثبت بالقرآن والآخر بالسنة ، كما أن الحرم ~~حرمان : حرم مكة بالقرآن ، وحرم المدينة بالسنة ، وهذا الجواب متكلف / جدا ~~الثاني : قالوا ms1844 روي في صلاة العصر من التأكيد ما لم يرو في غيرها قال عليه ~~الصلاة والسلام : ( من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) وأيضا أقسم ~~الله تعالى بها فقال : { والعصر * إن الإنسان * لفى * خسر } ( العصر : 1 ، ~~2 ) فدل على أنها أحب الساعات إلى الله تعالى الثالث : أن العصر بالتأكيد ~~أولى من حيث إن المحافظة PageV06P128 على سائر أوقات الصلاة أخف وأسهل من ~~المحافظة على صلاة العصر ، والسبب فيه أمران أحدهما : أن وقت صلاة العصر ~~أخفى الأوقات ، لأن دخول صلاة الفجر بطلوع الفجر المستطير ضوؤه ، ودخول ~~الظهر بظهور الزوال ، ودخول المغرب بغروب القرص ودخول العشاء بغروب الشفق ، ~~أما صلاة العصر فلا يظهر دخول وقتها إلا بنظر دقيق وتأمل عظيم في حال الظل ~~، فلما كانت معرفته أشق لا جرم كانت الفضيلة فيها أكثر الثاني : أن أكثر ~~الناس عند العصر يكونون مشتغلين بالمهمات ، فكان الإقبال على الصلاة أشق ، ~~فكان صرف التأكيد إلى هذه الصلاة أولى . # الحجة الرابعة : في أن الوسطى هي العصر أشبه بالصلاة الوسطى لوجوه أحدها ~~: أنها متوسطة بين صلاة هي شفع ، وبين صلاة هي وتر ، أما الشفع فالظهر ، ~~وأما الوتر فالمغرب ، إلا أن العشاء أيضا كذلك ، لأن قبلها المغرب وهي وتر ~~، وبعدها الصبح وهو شفع وثانيها : العصر متوسطة بين صلاة نهارية وهي الظهر ~~، وليلية وهي المغرب وثالثها : أن العصر بين صلاتين بالليل وصلاتين بالنهار ~~. # والقول السادس : أنها صلاة المغرب ، وهو قول عبيدة السلماني ، وقبيصة بن ~~ذؤيب ، والحجة فيه من وجهين الأول : أنها بين بياض النهار وسواد الليل ، ~~وهذا المعنى وإن كان حاصلا في الصبح إلا أن المغرب يرجح بوجه آخر ، وهو أنه ~~أزيد من الركعتين كما في الصبح ، وأقل من الأربع كما في الظهر والعصر ~~والعشاء ، فهي وسط في الطول والقصر . # الحجة الثانية : أن صلاة الظهر تسمى بالصلاة الأولى ، ولذلك ابتدأ جبريل ~~عليه السلام بإمامة فيها ، وإذا كان الظهر أول الصلوات كان الوسطى هي ~~المغرب لا محالة . # القول السابع : أنها صلاة العشاء ، قالوا لأنها متوسطة بين صلاتين لا ~~يقصران / المغرب والصبح ، وعن ms1845 عثمان بن عفان رضي الله عنه ، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : ( من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ~~ليلة ) فهذا مجموع دلائل الناس وأقوالهم في هذه المسألة ، وقد تركت ترجيح ~~بعضها فإنه يستدعي تطويلا عظيما ، والله أعلم . # المسألة الرابعة : احتج الشافعي بهذه الآية على أن الوتر ليس بواجب ، قال ~~: الوتر لو كان واجبا لكانت الصلوات الواجبة ستة ، ولو كان كذلك لما حصل ~~لها وسطى ، والآية دلت على حصول الوسطى لها . # / فإن قيل : الاستدلال إنما يتم إذا كان المراد هو الوسطى في العدد وهذا ~~ممنوع بل المراد من الوسطى الفضيلة قال تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا ~~} ( البقرة : 143 ) أي عدولا وقال تعالى : { قال أوسطهم } ( القلم : 28 ) ~~أي أعدلهم ، وقد أحكمنا هذا الاشتقاق في تفسير قوله تعالى : { وكذالك ~~جعلناكم أمة وسطا } وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد الوسطى في المقدار ~~كالمغرب فإنه ثلاث ركعات وهو متوسط بين الإثنين وبين الأربع ، وأيضا لم لا ~~يجوز أن يكون المراد الوسطى في الصفة وهي صلاة الصبح فإنها تقع في وقت ليس ~~بغاية في الظلمة ولا غاية في الضوء . # الجواب : أن الخلق الفاضل إنما يسمى وسطا لا من حيث إنه خلق فاضل ، بل من ~~حيث إنه يكون متوسطا بين رذيلتين هما طرفا الإفراط والتفريط ، مثل الشجاعة ~~فإنها خلق فاضل وهي متوسطة بين الجبن والتهور فيرجع حاصل الأمر إلى أن لفظ ~~الوسط حقيقة فيما يكون وسطا بحسب العدد ومجاز في الخلق PageV06P129 الحسن ~~والفعل الحسن من حيث إن من شأنه أن يكون متوسطا بين الطرفين اللذين ~~ذكرناهما وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز . # أما قوله : نحمله على ما يكون وسطا في الزمان وهو الظهر . # فجوابه : أن الظهر ليست بوسط في الحقيقة ، لأنها تؤدى بعد الزوال ، وهنا ~~قد زال الوسط . # وأما قوله : نحمله على الصبح لكون وقت وجوبه وسطا بين وقت الظلمة وبين ~~وقت النور ، أو على المغرب لكون عددها متوسطا بين الإثنين والأربعة . # فجوابه : أن هذا محتمل وما ذكرناه ms1846 أيضا محتمل ، فوجب حمل اللفظ على الكل ~~فهذا هو وجه الاستدلال في هذه المسألة بهذه الآية بحسب الإمكان والله أعلم ~~. # أما قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } ففيه وجوه أحدها : وهو قول ابن ~~عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر ، واحتج عليه بوجهين الأول : أن قوله : { ~~حافظوا على الصلوات } أمر بما في الصلاة من الفعل ، فوجب أن يحمل القنوت ~~على كل ما في الصلاة من الذكر ، فمعنى الآية : وقوموا لله ذاكرين داعين ~~منقطعين إليه والثاني : أن المفهوم من القنوت هو الذكر والدعاء ، بدليل ~~قوله تعالى : { أمن هو قانت ءاناء اليل ساجدا وقائما } ( الزمر : 9 ) وهو ~~المعنى بالقنوت في صلاة الصبح والوتر ، وهو المفهوم من قولهم : قنت على ~~فلان لأن المراد به الدعاء عليه . # والقول الثاني : { قانتين } أي مطيعين ، وهو قول ابن عباس والحسن والشعبي ~~وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل ، الدليل عليه وجهان الأول : ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كل قنوت في القرآن فهو الطاعة ~~) الثاني : قوله تعالى في أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم : { ومن يقنت ~~منكن لله ورسوله } ( النساء : 34 ) وقال في كل النساء : { فالصالحات قانتات ~~} ( النساء : 34 ) / فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة وإتمامها ، والاحتراز ~~عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها ، وهو زجر لمن لم يبال كيف صلى ~~فخفف واقتصر على ما يجزىء وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد / ولو ~~كان كما قال لوجب أن لا يصلي رأسا ، لأنه يقال : كما لا يحتاج إلى الكثير ~~من عبادتنا ، فكذلك لا يحتاج إلى القليل وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والرسل والسلف الصالح فأطالوا وأظهروا الخشوع والاستكانة وكانوا أعلم بالله ~~من هؤلاء الجهال . # القول الثالث : { قانتين } ساكتين ، وهو قول ابن مسعود وزيد بن أرقم : ~~كنا نتكلم في الصلاة فيسلم الرجل فيردون عليه ، ويسألهم : كم صليتم ؟ كفعل ~~أهل الكتاب ، فنزل الله تعالى : { وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ~~ونهينا عن الكلام . # القول الرابع : وهو قول مجاهد : القنوت عبارة عن الخشوع ، وخفض الجناح ~~وسكون ms1847 الأطراف وترك الالتفات من هيبة الله تعالى وكان أحدهم إذا قام إلى ~~الصلاة يهاب ربه فلا يلتفت ولا يقلب الحصى ، ولا يعبث بشيء من جسده ، ولا ~~يحدث نفسه بشيء من الدنيا حتى ينصرف . # القول الخامس : { * القنوت } هو القيام ، واحتجوا عليه بحديث جابر قال : ~~سئل النبي صلى الله عليه وسلم : ( أي الصلاة أفضل ؟ قال طول القنوت ) يريد ~~طول القيام ، وهذا القول عندي ضعيف ، وإلا صار تقدير الآية : وقوموا لله ~~قائمين PageV06P130 اللهم إلا أن يقال : وقوموا لله مديمين لذلك القيام ~~فحينئذ يصير القنوت مفسرا بالإدامة لا بالقيام . # القول السادس : وهو اختيار علي بن عيسى : أن القنوت عبارة عن الدوام على ~~الشيء والصبر عليه والملازمة له وهو في الشريعة صار مختصا بالمداومة على ~~طاعة الله تعالى ، والمواظبة على خدمة الله تعالى ، وعلى هذا التقدير يدخل ~~فيه جميع ما قاله المفسرون ، ويحتمل أن يكون المراد : وقوموا لله مديمين ~~على ذلك القيام في أوقات وجوبه واستحبابه والله تعالى أعلم . # ! 7 < { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذآ أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما ~~لم تكونوا تعلمون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 239 ) فإن خفتم فرجالا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أوجب المحافظة على الصلوات والقيام على أدائها ~~بأركانها وشروطها ، بين من بعد أن هذه المحافظة على هذا الحد لا تجب إلا مع ~~الأمن دون الخوف ، فقال : { قانتين فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : يروى { فرجالا } بضم الراء و { رجالا } بالتشديد و { ~~رجلا } . # المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله معنى الآية : فإن خفتم عدوا ~~فحذف المفعول لإحاطة العلم به ، قال صاحب الكشاف : فإن كان بكم خوف من عدو ~~أو غيره ، وهذا القول أصح لأن هذا الحكم ثابت عند حصول الخوف ، سواء كان ~~الخوف من العدو أو من غيره ، وفيه قول ثالث وهو أن المعنى : فإن خفتم فوات ~~الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالا أو ركبانا ، ~~وعلى هذا التقدير الآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة ~~عليه بترك القيام والركوع ms1848 والسجود . # المسألة الثالثة : في الرجال قولان أحدهما : رجالا جمع راجل مثل تجار ~~وتاجر وصحاب وصاحب والراجل هو الكائن على رجله ماشيا كان أو وافقا ويقال في ~~جمع راجل : رجل ورجالة ورجالة ورجال ورجال . # والقول الثاني : ما ذكره القفال ، وهو أنه يجوز أن يكون جمع الجمع ، لأن ~~راجلا يجمع على راجل ، ثم يجمع رجل على رجال ، والركبان جمع راكب ، مثل ~~فرسان وفارس ، قال القفال : ويقال إنه إنما يقال راكب لمن كان على جمل ، ~~فأما من كان على فرس فإنما يقال له فارس ، والله أعلم . # المسألة الرابعة : رجالا نصب على الحال ، والعامل فيه محذوف ، والتقدير : ~~فصلوا رجالا أو ركبانا . # المسألة الخامسة : صلاة الخوف قسمان أحدهما : أن تكون في حال القتال وهو ~~المراد بهذه الآية والثاني : في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء ~~في قوله تعالى : { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلواة فلتقم طائفة منهم معك } ~~( النساء : 102 ) وفي سياق الآيتين بيان اختلاف القولين . # إذا عرفت هذا فنقول : إذا التحم القتال ولم يمكن ترك القتال لأحد ، فمذهب ~~الشافعي رحمه الله أنهم PageV06P131 يصلون ركبانا على دوابهم ومشاة على ~~أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة يومئون بالركوع والسجود ، ويجعلون ~~السجود أخفض من الركوع ويحترزون عن الصيحات لأنه لا ضرورة إليها وقال أبو ~~حنيفة : لا يصلي الماشي بل يؤخر ، واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من ~~وجهين الأول : قال ابن عمر : { فرجالا أو ركبانا } يعني مستقبلي القبلة أو ~~غير مستقبليها قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . # الوجه الثاني : وهو أن الخوف الذي تجوز معه الصلاة مع الترجل والمشي ومع ~~الركوب والركض لا يمكن معه المحافظة على الاستقبال ، فصار قوله : { فرجالا ~~أو ركبانا } يدل على الترخص / في ترك التوجه ، وأيضا يدل على الترخص في ترك ~~الركوع والسجود إلى الإيماء لأن مع الخوف الشديد من العدو لا يأمن الرجل ~~على نفسه إن وقف في مكانه لا يتمكن من الركوع والسجود ، فصح بما ذكرنا ~~دلالة رجالا أو ms1849 ركبانا على جواز ترك الاستقبال ، وعلى جواز الاكتفاء ~~بالإيماء في الركوع والسجود . # إذا ثبت هذا فلنتكلم فيما يسقط عنه وفيما لا يسقط ، فنقول : لا شك أن ~~الصلاة إنما تتم بمجموع أمور ثلاثة أحدها : فعل القلب وهو النية ، وذلك لا ~~يسقط لأنه لا يتبدل حال الخوف بسبب ذلك والثاني : فعل اللسان وهي القراءة ، ~~وهي لا تسقط عند الخوف ، ولا يجوز له أيضا أن يتكلم حال الصلاة بكلام أجنبي ~~، أو يأتي بصيحات لا ضرورة إليها والثالث : أعمال الجوارح فنقول : أما ~~القيام والقعود فساقطان عنه لا محالة وأما الاستقبال فساقط على ما بيناه ، ~~وأما الركوع والسجود فالإيماء قائم مقامهما ، فيجب أن يجعل الإيماء النائب ~~عن السجود أخفض من الإيماء النائب عن الركوع ، لأن هذا القدر ممكن ، وأما ~~ترك الطهارة فغير جائز لأجل الخوف ، فإنه يمكنه التطهير بالماء أو التراب ، ~~إنما الخلاف في أنه إذا وجد الماء وامتنع عليه التوضي به هل يجوز له أن ~~يتيمم بالغبار الذي يتمكن منه حال ركوبه ، والأصح أنه يجوز ، لأنه إذا كان ~~خوف العطش يرخص التيمم ، فالخوف على النفس أولى أن يرخص في ذلك ، فهذا ~~تفصيل قول الشافعي رحمه الله وبالجملة فاعتماده في هذا الباب على قوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ) واحتج أبو ~~حنيفة بأنه عليه السلام أخر الصلاة يوم الخندق فوجب علينا ذلك أيضا . # والجواب : أن يوم الخندق لم يبلغ الخوف هذا الحد ومع ذلك فإنه صلى الله ~~عليه وسلم أخرى الصلاة فعلمنا كون هذه الآية ناسخة لذلك الفعل . # المسألة السادسة : اختلفوا في الخوف الذي يفيد هذه الرخصة وطريق الضبط أن ~~نقول : الخوف إما أن يكون في القتال ، أو في غير القتال ، أما الخوف في ~~القتال فإما أن يكون في قتال واجب ، أو مباح ، أو محظور ، أما القتال ~~الواجب فهو كالقتال مع الكفار وهو الأصل في صلاة الخوف ، وفيه نزلت الآية ، ~~ويلتحق به قتال أهل البغي ، قال تعالى : { فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى ~~أمر الله } ( الحجرات : 9 ) وأما القتال المباح ms1850 فقد قال القاضي أبو المحاسن ~~الطبري في كتاب شرح المختصر : أن دفع الإنسان عن نفسه مباح غير واجب بخلاف ~~ما إذا قصد الكافر نفسه ، فإنه يجب الدفع لئلا يكون إخلالا بحق الإسلام . # إذا عرفت هذا فنقول : أما القتال في الدفع عن النفس وفي الدفع عن كل ~~حيوان محترم ، فإنه يجوز فيه صلاة الخوف ، أما قصد أخذ ماله ، أو إتلاف ~~حاله ، فهل له أن يصلي صلاة شدة / الخوف ، فيه قولان : الأصح أن يجوز ، ~~واحتج الشافعي بقوله عليه السلام : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ) فدل هذا ~~على أن الدفع عن PageV06P132 المال كالدفع عن النفس والثاني : لا يجوز لأن ~~حرمة الزوج أعظم ، أما القتال المحظور فإنه لا تجوز فيه صلاة الخوف ، لأن ~~هذا رخصة والرخصة إعانة والعاصي لا يستحق الإعانة ، أما الخوف الحاصل لا في ~~القتال ، كالهارب من الحرق والغرق والسبع وكذا المطالب بالدين إذا كان ~~معسرا خائفا من الحبس ، عاجزا عن بينة الإعسار ، فلهم أن يصلوا هذه الصلاة ~~، لأن قوله تعالى : { فإن خفتم } مطلق يتناول الكل . # فإن قيل : قوله : { فرجالا أو ركبانا } يدل على أن المراد منه الخوف من ~~العدو حال المقاتلة . # قلنا . هب أنه كذلك إلا أنه لما ثبت هناك دفعا للضرر ، وهذا المعنى قائم ~~ههنا ، فوجب أن يكون ذلك الحكم مشروعا والله أعلم . # المسألة الرابعة : روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : فرض الله على ~~لسان نبيكم الصلاة في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة ، ~~والجمهور على أن الواجب في الحضر أربع ، وفي السفر ركعتان سواء كان في ~~الخوف أو لم يكن ، وأن قول ابن عباس متروك . # أما قوله تعالى : { فإذا أمنتم } فالمعنى بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة ~~{ فاذكروا الله كما علمكم } وفيه قولان الأول : فاذكروا بمعنى فافعلوا ~~الصلاة كما علمكم بقوله : { حافظوا على الصلوات والصلواة الوسطى وقوموا لله ~~قانتين } ( البقرة : 238 ) وكما بينه بشروطه وأركانه ، لأن سبب الرخصة إذا ~~زال عاد الوجوب فيه كما كان من قبل ، والصلاة قد تسمى ذكرا لقوله تعالى ms1851 : { ~~فاسعوا إلى ذكر الله } ( الجمعة : 9 ) . # والقول الثاني : { فاذكروا الله } أي فاشكروه لأجل إنعامه عليكم بالأمن ، ~~طعن القاضي في هذا القول وقال : إن هذا الذكر لما كان معلقا بشرط مخصوص ، ~~وهو حصول الأمن بعد الخوف لم يكن حمله على ذكر يلزم مع الخوف والأمن جميعا ~~على حد واحد ، ومعلوم أن مع الخوف يلزم الشكر ، كما يلزم مع الأمن ، لأن في ~~كلا الحالين نعمة الله تعالى متصلة ، والخوف ههنا من جهة الكفار لا من جهته ~~تعالى ، فالواجب حمل قوله تعالى : { فاذكروا الله } على ذكر يختص بهذه ~~الحالة . # والقول الثالث : أنه دخل تحت قوله : { فاذكروا الله } الصلاة والشكر ~~جميعا ، لأن الأمن بسبب الشكر محدد يلزم فعله مع فعل الصلاة في أوقاتها . # أما قوله تعالى : { كما علمكم } فبيان إنعامه علينا بالتعليم والتعريف ، ~~وأن ذلك من نعمه تعالى ، ولولا هدايته لم نصل إلى ذلك ، ثم إن إصحابنا ~~فسروا هذا التعليم بخلق العلم والمعتزلة فسروه بوضع الدلائل ، وفعل الألطاف ~~، وقوله تعالى : { ما لم تكونوا تعلمون } إشارة إلى ما قبل بعثة محمد صلى ~~الله عليه وسلم من زمان الجهالة والضلالة . # الحكم السابع عشر # الوفاة # PageV06P133 ! 7 < { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لازواجهم ~~متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فى ما فعلن فيأنفسهن من ~~معروف والله عزيز حكيم } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 240 ) والذين يتوفون منكم . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم { وصية } ~~بالرفع ، والباقون بالنصب ، أما الرفع ففيه أقوال الأول : أن قوله : { وصية ~~} مبتدأ وقوله : { لازواجهم } خبر ، وحسن الابتداء بالنكرة ، لأنها متخصصة ~~بسبب تخصيص الموضع ، كما حسن قوله : سلام عليكم ، وخبر بين يدي والثاني : ~~أن يكون قوله : { وصية لازواجهم } مبتدأ ، ويضمر له خبر ، والتقدير فعليهم ~~وصية لأزواجهم ، ونظيره قوله : { فنصف ما فرضتم } ( البقرة : 237 ) ، { ~~فدية مسلمة } ( النساء : 92 ) ، { فصيام ثلاثة أيام } ( المائدة : 89 ) ~~والثالث : تقدير الآية : الأمر وصية ، أو المفروض ، أو الحكم وصية ، وعلى ~~هذا الوجه أضمرنا المبتدأ والرابع : تقدير الآية : كتب عليكم وصية والخامس ~~: تقديره : ليكون ms1852 منكم وصية والسادس : تقدير الآية : ووصية الذين يتوفون ~~منكم وصية إلى الحول ، وكل هذه الوجوه جائزة حسنة ، وأما قراءة النصب ففيها ~~وجوه الأول : تقدير الآية فليوصوا وصية والثاني : تقديرها : توصون وصية ، ~~كقولك : إنما أنت سير البريد أي تسير سير البريد الثالث : تقديرها : ألزم ~~الذين يتوفون وصية . # أما قوله تعالى : { متاعا } ففيه وجوه الأول : أن يكون على معنى : متعوهن ~~متاعا ، فيكون التقدير : فليوصوا لهن وصية ، وليمتعوهن متاعا الثاني : أن ~~يكون التقدير : جعل الله لهن ذلك متاعا لأن ما قبل الكلام يدل على هذا ~~الثالث : أنه نصب على الحال . # أما قوله : { غير إخراج } ففيه قولان الأول : أنه نصب بوقوعه موقع الحال ~~كأنه قال : متعوهن مقيمات غير مخرجات والثاني : انتصب بنزع الخافض ، أراد ~~من غير إخراج . # / المسألة الثانية : في هذه الآية ثلاثة أقوال الأول : وهو اختيار جمهور ~~المفسرين ، أنها منسوخة ، قالوا : كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات ~~الرجل لم يكن لامرأته من ميراثه شيء إلا النفقة والسكنى سنة ، وكان الحول ~~عزيمة عليها في الصبر عن التزوج ، ولكنها كانت مخيرة في أن تعتد إن شاءت في ~~بيت الزوج ، وإن شاءت خرجت قبل الحول ، لكنها متى خرجت سقطت نفقتها ، هذا ~~جملة ما في هذه الآية ، لأنا إن قرأنا { وصية } بالرفع ، كان المعنى : ~~فعليهم وصية ، وإن قرأناها بالنصب ، كان المعنى : فليوصوا وصية ، وعلى ~~القراءتين هذه الوصية واجبة ، ثم إن هذه الوصية صارت مفسرة بأمرين أحدهما : ~~المتاع والنفقة إلى الحول والثاني : السكنى إلى الحول ، ثم أنزل تعالى أنهن ~~إن خرجن فلا جناح عليكم في ذلك ، فثبت أن هذه الآية توجب أمرين أحدهما : ~~وجوب النفقة والسكنى من مال الزوج سنة والثاني : وجوب الاعتداد سنة ، لأن ~~وجوب السكنى والنفقة من مال الميت سنة توجب المنع من التزوج بزوج آخر في ~~هذه السنة ، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين ، أما الوصية بالنفقة ~~والسكنى فلأن القرآن دل على ثبوت الميراث لها ، والسنة دلت على أنه لا وصية ~~لوارث ، فصار مجموع القرآن والسنة ناسخا للوصية للزوجة بالنفقة والسكنى في ms1853 ~~الحول ، وأما وجوب العدة في الحول فهو منسوخ بقوله : { يتربصن بأنفسهن ~~أربعة أشهر وعشرا } ( البقرة : 234 ) فهذا القول هو الذي اتفق عليه أكثر ~~المتقدمين والمتأخرين من المفسرين . PageV06P134 # القول الثاني : وهو قول مجاهد : أن الله تعالى أنزل في عدة المتوفى عنها ~~زوجها آيتين أحدهما : ما تقدم وهو قوله : { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا } والأخرى : هذه الآية ، فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين . ~~فنقول : إنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها ~~، كانت عدتها أربعة أشهر وعشرا على ما في تلك الآية المتقدمة ، وأما إن ~~اختارت السكنى في دار زوجها ، والأخذ من ماله وتركته ، فعدتها هي الحول ، ~~وتنزيل الآيتين على هذين التقديرين أولى ، حتى يكون كل واحد منهما معمولا ~~به . # القول الثالث : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني : أن معنى الآية : من يتوفى ~~منكم ويذرون أزواجا ، وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول فإن ~~خرجن قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى ~~لهن فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح ، لأن إقامتهن بهذه ~~الوصية غير لازمة ، قال : والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون ~~بالنفقة والسكنى حولا كاملا ، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول ، فبين ~~الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب ، وعلى هذا التقدير فالنسخ زائل ، ~~واحتج على قوله بوجوه أحدها : أن النسخ خلاف الأصل فوجب المصير إلى عدمه ~~بقدر الإمكان الثاني : أن يكون الناسخ متأخرا / عن المنسوخ في النزول ، ~~وإذا كان متأخرا عنه في النزول كان الأحسن أن يكون متأخرا عنه في التلاوة ~~أيضا ، لأن هذا الترتيب أحسن ، فأما تقدم الناسخ على المنسوخ في التلاوة ، ~~فهو وإن كان جائزا في الجملة ، إلا أنه يعد من سوء الترتيب وتنزيه كلام ~~الله تعالى عنه واجب بقدر الإمكان ولما كانت هذه الآية متأخرة عن تلك ~~التلاوة ، كان الأولى أن لا يحكم بكونها منسوخة بتلك . # الوجه الثالث : وهو أنه ثبت في علم أصول الفقه أنه متى ms1854 وقع التعارض بين ~~النسخ وبين التخصيص ، كان التخصيص أولى ، وههنا إن خصصنا هاتين الآيتين ~~بالحالتين على ما هو قول مجاهد اندفع النسخ فكان المصير إلى قول مجاهد أولى ~~من التزام النسخ من غير دليل ، وأما على قول أبي مسلم فالكلام أظهر ، لأنكم ~~تقولون تقدير الآية : فعليهم وصية لأزواجهم ، أو تقديرها : فليوصوا وصية ، ~~فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى ، وأبو مسلم يقول : بل تقدير الآية ~~: والذين يتوفون منكم ولهم وصية لأزواجهم ، أو تقديرها : وقد أوصوا وصية ~~لأزواجهم ، فهو يضيف هذا الكلام إلى الزوج ، وإذا كان لا بد من الإضمار ~~فليس إضماركم أولى من إضماره ، ثم على تقدير أن يكون الإضمار ما ذكرتم يلزم ~~تطرق النسخ إلى الآية ، وعند هذا يشهد كل عقل سليم بأن إضمار أبي مسلم أولى ~~من إضماركم ، وأن التزام هذا النسخ التزام له من غير دليل ، مع ما في القول ~~بهذا النسخ من سوء الترتيب الذي يجب تنزيه كلام الله تعالى عنه ، وهذا كلام ~~واضح . # وإذا عرفت هذا فنقول : هذه الآية من أولها إلى آخرها تكون جملة واحدة ~~شرطية ، فالشرط هو قوله : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لازواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } فهذا كله شرط ، والجزاء هو قوله : { ~~فإن خرجن فلا جناح عليكم * فيما فعلن فى أنفسهن من معروف } فهذا تقرير قول ~~أبي مسلم ، وهو في غاية الصحة . # المسألة الثالثة : المعتدة عن فرقة الوفاة لا نفقة لها ولا كسوة ، حاملا ~~كانت أو حائلا ، وروي عن علي عليه السلام وابن عمر رضي الله عنهما ، أن لها ~~النفقة إذا كانت حاملا ، وعن جابر وابن عباس رضي الله عنهم PageV06P135 ~~أنهما قالا لا نفقة لها حسبها الميراث ، وهل تستحق السكنى فيه قولان أحدهما ~~: لا تستحق السكنى وهو قول علي عليه السلام وابن عباس وعائشة ، ومذهب أبي ~~حنيفة واختيار المزني والثاني : تستحق وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وأم ~~سلمة رضي الله عنهم وبه قال مالك والثوري وأحمد ، وبناء القولين على خبر ~~فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قتل ms1855 زوجها قالت : فسألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إني أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما تركني في منزل يملكه فقال ~~عليه السلام : نعم فانصرفت حين إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال ~~: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ، واختلفوا في تنزيل هذا الحديث ، ~~قيل لم يوجب في الابتداء ، ثم أوجب فصار الأول منسوخا ، وقيل : أمرها ~~بالمكث في بيتها أمرا على سبيل / الاستحباب لا على سبيل الوجوب ، واحتج ~~المزني رحمه الله على أنه لا سكنى لها ، فقال : أجمعنا على أنه لا نفقة لها ~~، لأن الملك انقطع بالموت ، فكذلك السكنى ، بدليل أنهم أجمعوا على أن من ~~وجب له نفقة وسكنى من والد وولد على رجل فمات انقطعت نفقتهم وسكناهم ، لأن ~~ماله صار ميراثا للورثة ، فكذا ههنا . # أجاب الأصحاب فقالوا : لا يمكن قياس السكنى على النفقة لأن المطلقة ~~الثلاث تستحق السكنى بكل حال ولا تستحق النفقة لنفسها عند المزني ولأن ~~النفقة وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع ولا يمكن ههنا ، وأما السكنى ~~فوجبت لتحصين النساء وهو موجود ههنا فافترقا . # إذا عرفت هذا فنقول : القائلون بأن هذه الآية منسوخة لا بد وأن يختلف ~~قولهم بسبب هذه المسألة ، وذلك لأن هذه الآية توجب النفقة والسكنى ، أما ~~وجوب النفقة فقد صار منسوخا ، وأما وجوب السكنى فهل صار منسوخا أم لا ؟ ~~والكلام فيه ما ذكرناه . # المسألة الرابعة : القائلون بأن هذه الوصية كانت واجبة أوردوا على أنفسهم ~~سؤالا فقالوا : الله تعالى ذكر الوفاة ، ثم أمر بالوصية ، فكيف يوصي ~~المتوفي ؟ وأجابوا عنه بأن المعنى : والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا ~~هذا فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها وجواب آخر وهو أن هذه الوصية يجوز أن ~~تكون مضافة إلى الله تعالى بمعنى أمره وتكليفه ، كأنه قيل : وصية من الله ~~لأزواجهم ، كقوله : { يوصيكم الله فى أولادكم } ( النساء : 11 ) وإنما يحسن ~~هذا المعنى على قراءة من قرأ بالرفع . # أما قوله تعالى : { فلا جناح عليكم } فالمعنى : لا جناح عليكم يا أولياء ~~الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين ، ومن الإقدام ms1856 على النكاح ، وفي رفع ~~الجناح وجهان أحدهما : لا جناح في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء ~~الحول والثاني : لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج ، لأن مقامها حولا ~~في بيت زوجها ليس بواجب عليها . # الحكم الثامن عشر # في المطلقات # PageV06P136 ! 7 < { وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين * كذلك ~~يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 241 - 242 ) وللمطلقات متاع بالمعروف . . . . . # > > # يروى أن هذه الآية إنما نزلت ، لأن الله تعالى لما أنزل قوله تعالى : { ~~ومتعوهن } إلى قوله : { حقا على المحسنين } ( البقرة : 236 ) قال رجل من ~~المسلمين : إن أردت فعلت ، وإن لم أرد لم أفعل ، فقال تعالى : { وللمطلقات ~~متاع بالمعروف حقا على المتقين } يعني على كل من كان متقيا عن الكفر ، ~~واعلم أن المراد من المتاع ههنا فيه قولان أحدهما : أنه هو المتعة ، فظاهر ~~هذه الآية يقتضي وجوب هذه المتعة لكل المطلقات ، فمن الناس من تمسك بظاهر ~~هذه الآية وأوجب المتعة لجميع المطلقات ، وهو قول سعيد بن جبير وأبي ~~العالية والزهري قال الشافعي رحمه الله تعالى : لكل مطلقة إلا المطلقة التي ~~فرض لها مهر ولم يوجد في حقها المسيس ، وهذه المسألة قد ذكرناها في تفسير ~~قوله تعالى : { ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } ( البقرة : 236 ~~) . # فإن قيل : لم أعيد ههنا ذكر المتعة مع أن ذكرها قد تقدم في قوله : { ~~ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } . # قلنا : هناك ذكر حكما خاصا ، وههنا ذكر حكما عاما . # والقول الثاني : أن المراد بهذه المتعة النفقة ، والنفقة قد تسمى متاعا ~~وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى ، وههنا آخر ~~الآيات الدالة على الأحكام والله أعلم . # ! 7 < { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم ~~الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولاكن أكثر الناس لا ~~يشكرون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 243 ) ألم تر إلى . . . . . # > > اعلم أن عادته تعالى في القرآن أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص ليفيد ~~الاعتبار السامع ، ويحمله ذلك الاعتبار على ms1857 ترك التمرد والعناد ، ومزيد ~~الخضوع والانقياد فقال : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } أما قوله : ~~{ ألم تر } ففيه مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أن الرؤية قد تجىء بمعنى رؤية البصيرة والقلب ، ~~وذلك راجع إلى العلم ، كقوله : { وأرنا مناسكنا } ( البقرة : 128 ) معناه : ~~علمنا ، وقال : { لتحكم بين الناس بما أراك الله } ( النساء : 105 ) أي ~~علمك ، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به ، وفيما لا ~~يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء : ألم تر إلى ما جرى ~~على فلان ، فيكون هذا ابتداء تعريف ، فعلى هذا يجوز أن يكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية ، ويجوز أن نقول : كان العلم ~~بها سابقا على نزول هذه PageV06P137 الآية ، ثم إن الله تعالى أنزل هذه ~~الآية على وفق ذلك العلم . # المسألة الثانية : هذا الكلام ظاهره خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد هو وأمته ، إلا أنه وقع الابتداء بالخطاب ~~معه ، كقوله تعالى : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ~~} ( الطلاق : 1 ) . # المسألة الثالثة : دخول لفظة { إلى } في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين ~~} يحتمل أن يكون لأجل أن { إلى } عندهم حرف للانتهاء كقولك : من فلان إلى ~~فلان ، فمن علم بتعليم معلم ، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك ~~المعلوم وأنهاه إليه ، فحسن من هذا الوجه دخول حرف { إلى } فيه ، ونظيره ~~قوله تعالى : { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } ( الفرقان : 45 ) . # أما قوله : { إلى الذين خرجوا من ديارهم } ففيه روايات أحدها : قال السدي ~~: كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها ، والذين بقوا مات أكثرهم ، ~~وبقي قوم منهم في المرض والبلاء ، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين ~~هربوا سالمين ، فقال من بقي من المرضى : هؤلاء أحرص منا ، لو صنعنا ما ~~صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات ، ولئن وقع الطاعون ثانيا خرجنا فوقع ~~وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا ، فلما خرجوا من ذلك الوادي ، ناداهم ملك من ~~أسفل ms1858 الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا ، فهلكوا وبليت أجسامهم ، فمر بهم ~~نبي يقال له حزقيل ، فلما رآهما وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى ~~إليه أتريد أن أريك كيف أحييهم ؟ فقال نعم فقيل له : ناد أيتها العظام إن ~~الله يأمرك أن تجتمعي ، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام ثم ~~أوحى الله إليه : ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما ودما ، ~~فصارت لحما ودما ، ثم قيل : ناد إن الله يأمرك أن تقومي فقامت ، فلما صاروا ~~أحياء قاموا ، وكانوا يقولون : ( سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت ) ثم ~~رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم ، وكانت أمارات أنهم ماتوا ظاهرة في وجوههم ثم ~~بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم . # الرواية الثانية : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن ملكا من ملوك بني ~~إسرائيل أمر عسكره بالقتال ، فخافوا القتال وقالوا لملكهم : إن الأرض التي ~~نذهب إليها فيها الوباء / فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء ، ~~فأماتهم الله تعالى بأسرهم ، وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا ، وبلغ بني / ~~إسرائيل موتهم ، فخرجوا لدفنهم ، فعجزوا من كثرتهم ، فحظروا عليهم حظائر ، ~~فأحياهم الله بعد الثمانية ، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في ~~أولادهم إلى هذا اليوم ، واحتج القائلون بهذا القول بقوله تعالى عقيب هذه ~~الآية { وقاتلوا في سبيل الله } ( البقرة : 190 ) . # والرواية الثالثة : أن حزقيل النبي عليه السلام ندب قومه إلى الجهاد ~~فكرهوا وجبنوا ، فأرسل الله عليهم الموت ، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم ~~فرارا من الموت ، فلما رأى حزقيل ذلك قال : اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى ~~معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يحرجون عن ~~قبضتك ، فأرسل الله عليهم الموت ، ثم إنه عليه السلام ضاق صدره بسبب موتهم ~~، فدعا مرة أخرى فأحياهم الله تعالى . # أما قوله تعالى : { وهم ألوف } ففيه قولان الأول : أن المراد منه بيان ~~العدد ، واختلفوا في مبلغ PageV06P138 عددهم ، قال الواحدي رحمه الله : ولم ~~يكونوا دون ثلاثة آلاف ، ولا فوق ms1859 سبعين ألفا ، والوجه من حيث اللفظ أن يكون ~~عددهم أزيد من عشرة آلاف لأن الألوف جمع الكثرة ، ولا يقال في عشرة فما ~~دونها ألوف . # والقول الثاني : أن الألوف جمع آلاف كقعود وقاعد ، وجلوس وجالس ، والمعنى ~~أنهم كانوا مؤتلفي القلوب ، قال القاضي : الوجه الأول أولى ، لأن ورود ~~الموت عليهم وهم كثرة عظيمة يفيد مزيد اعتبار بحالهم ، لأن موت جمع عظيم ~~دفعة واحدة لا يتفق وقوعه يفيد اعتبارا عظيما ، فأما ورود الموت على قوم ~~بينهم ائتلاف ومحبة ، كوروده وبينهم اختلاف في أن وجه الاعتبار لا يتغير ~~ولا يختلف . # ويمكن أن يجاب عن هذا السؤال بأن المراد كون كل واحد منهم آلفا لحياته ، ~~محبا لهذه الدنيا فيرجع حاصله إلى ما قال تعالى في صفتهم : { ولتجدنهم أحرص ~~الناس على حيواة } ( البقرة : 96 ) ثم إنهم مع غاية حبهم للحياة والفهم بها ~~، أماتهم الله تعالى وأهلكهم ، ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه ~~من الموت فهذا القول على هذا الوجه ليس في غاية البعد . # أما قوله : { حذر الموت } فهو منصوب لأنه مفعول له ، أي لحذر الموت ، ~~ومعلوم أن كل أحد يحذر الموت ، فلما خص هذا الموضع بالذكر ، علم أن سبب ~~الموت كان في تلك الواقعة أكثر ، إما لأجل غلبة الطاعون أو لأجل الأمر ~~بالمقاتلة . # أما قوله تعالى : { فقال لهم الله موتوا } ففي تفسير { قال الله } وجهان ~~الأول : أنه جار مجرى قوله : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون } ( النحل : 40 ) وقد تقدم أنه ليس المراد منه إثبات قول ، بل المراد ~~أنه تعالى متى أراد ذلك وقع من غير منع وتأخير ، ومثل هذا عرف مشهور في ~~اللغة ، ويدل عليه قوله : { ثم أحياهم } فإذا صح الإحياء بالقول ، فكذا ~~القول في الإماتة . # / والقول الثاني : أنه تعالى أمر الرسول أن يقول لهم : موتوا ، وأن يقول ~~عند الإحياء ما رويناه عن السدي ، ويحتمل أيضا ما رويناه من أن الملك قال ~~ذلك ، والقول الأول أقرب إلى التحقيق . # أما قوله تعالى : { ثم أحياهم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الآية دالة ms1860 على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا فوجب ~~القطع به ، وذلك لأنه في نفسه جائر والصادق أخبر عن وقوعه فوجب القطع ~~بوقوعه ، أما الإمكان فلأن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن ، وإلا لما ~~وجد أولا ، واحتمال تلك الأجزاء للحياة ممكن وإلا لما وجد أولا ، ومتى ثبت ~~هذا فقد ثبت الإمكان ، وأما إن الصادق قد أخبر عنه ففي هذه الآية ، ومتى ~~أخبر الصادق عن وقوع ما ثبت في العقل إمكان وقوعه وجب القطع به . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : إحياء الميت فعل خارق للعادة ، ومثل ~~هذا لا يجوز من الله تعالى إظهاره إلا عندما يكون معجزة لنبي ، إذ لو جاز ~~ظهوره لا لأجل أن يكون معجزة لنبي لبطلت دلالته على النبوة ، وأما عند ~~أصحابنا فإنه يجوز إظهار خوارق العادات لكرامة الولي ، ولسائر الأغراض ، ~~فكأن هذا الحصر باطلا ، ثم قالت المعتزلة : وقد روي أن هذا الإحياء إنما ~~وقع في زمان حزقيل النبي عليه السلام ببركة دعائه ، وهذا يحقق ما ذكرناه من ~~أن مثل هذا لا يوجد إلا ليكون معجزة للأنبياء عليهم السلام ، وقيل : حزقيل ~~PageV06P139 هو ذو الكفل ، وإنما سمي بذلك لأنه تكفل بشأن سبعين نبيا ~~وأنجاهم من القتل ، وقيل : إنه عليه السلام مر بهم وهم موتى فجعل يفكر فيهم ~~متعجبا ، فأوحى الله تعالى إليه : إن أردت أحييتهم وجعلت ذلك الإحياء آية ~~لك ، فقال : نعم فأحياهم الله تعالى بدعائه . # المسألة الثالثة : أنه قد ثبت بالدلائل أن معارف المكلفين تصير ضرورية ~~عند القرب من الموت : وعند معاينة الأهوال والشدائد ، فهؤلاء الذين أماتهم ~~الله ثم أحياهم لا يخلو إما أن يقال إنهم عاينوا الأهوال والأحوال التي ~~معها صارت معارفهم ضرورية ، وإما ما شاهدوا شيئا من تلك الأهوال بل الله ~~تعالى أماتهم بغتة ، كالنوم الحادث من غير مشاهدة الأهوال البتة ، فإن كان ~~الحق هو الأول ، فعندما أحياهم يمتنع أن يقال : إنهم نسوا تلك الأهوال ~~ونسوا ما عرفوا به ربهم بضرورة العقل ، لأن الأحوال العظيمة لا يجوز ~~نسيانها مع كمال العقل ، فكان يجب أن تبقى تلك المعارف الضرورية ms1861 معهم بعد ~~الإحياء ، وبقاء تلك المعارف الضرورية يمنع من صحة التكليف ، كما أنه لا ~~يبقى التكليف في الآخرة ، وإما أن يقال : إنهم بقوا بعد الإحياء غير مكلفين ~~، وليس في الآية ما يمنع منه ، أو يقال : إن الله تعالى حين أماتهم ما ~~أراهم شيئا من الآيات العظيمة التي تصير معارفهم عندها ضرورية ، وما كان ~~ذلك الموت كموت سائر المكلفين الذين يعاينون الأهوال عند / القرب من الموت ~~، والله أعلم بحقائق الأمور . # المسألة الرابعة : قال قتادة : إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم ، وهذا ~~القول فيه كلام كثير وبحث طويل . # أما قوله تعالى : { إن الله لذو فضل على الناس } ففيه وجوه أحدها : أنه ~~تفضل على أولئك الأقوام الذين أماتهم بسبب أنه أحياهم ، وذلك لأنهم خرجوا ~~من الدنيا على المعصية ، فهو تعالى أعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة ~~والتلافي وثانيها : أن العرب الذين كانوا ينكرون المعاد كانوا متمسكين بقول ~~اليهود في كثير من الأمور ، فلما نبه الله تعالى اليهود على هذه الواقعة ~~التي كانت معلومة لهم ، وهم يذكرونها للعرب المنكرين للمعاد ، فالظاهر أن ~~أولئك المنكرين يرجعون من الدين الباطل الذي هو الإنكار إلى الدين الحق ~~الذي هو الإقرار بالبعث والنشور فيخلصون من العقاب ، ويستحقون الثواب ، ~~فكان ذكر هذه القصة فضلا من الله تعالى وإحسانا في حق هؤلاء المنكرين ~~وثالثها : أن هذه القصة تدل على أن الحذر من الموت لا يفيد ، فهذه القصة ~~تشجع الإنسان على الإقدام على طاعة الله تعالى كيف كان ، وتزيل عن قلبه ~~الخوف من الموت ، فكان ذكر هذه القصة سببا لبعد العبد عن المعصية وقربه من ~~الطاعة التي بها يفوز بالثواب العظيم ، فكان ذكر هذه القصة فضلا وإحسانا من ~~الله تعالى على عبده ، ثم قال : { ولاكن أكثر الناس لا يشكرون } وهو كقوله ~~: { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ( الفرقان : 50 ) . # ! 7 < { وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 244 ) وقاتلوا في سبيل . . . . . # > > فيه قولان الأول : أن هذا خطاب للذين أحيوا ، قال الضحاك : أحياهم ثم ~~أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد لأنه ms1862 تعالى إنما أماتهم بسبب أن كرهوا الجهاد ~~. PageV06P140 # واعلم أن القول لا يتم إلا بإضمار محذوف تقديره : وقيل لهم قاتلوا . # والقول الثاني : وهو اختيار جمهور المحققين : أن هذا استئناف خطاب ~~للحاضرين ، يتضمن الأمر بالجهاد إلا أنه سبحانه بلطفه ورحمته قدم على الأمر ~~بالقتال ذكر الذين خرجوا من ديارهم لئلا ينكص عن أمر الله بحب الحياة بسبب ~~خوف الموت ، وليعلم كل أحد أنه يترك القتال لا يثق بالسلامة من الموت ، كما ~~قال في قوله : { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا ~~تمتعون إلا قليلا } ( الأحزاب : 16 ) فشجعهم على القتال الذي به وعد إحدى ~~الحسنيين ، إما في العاجل الظهور على العدو ، أو في الآجل الفوز بالخلود في ~~النعيم ، والوصول إلى ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين . # أما قوله تعالى : { فى سبيل الله } فالسبيل هو الطريق ، وسميت العبادات ~~سبيلا إلى الله تعالى / من حيث أن الإنسان يسلكها ، ويتوصل إلى الله تعالى ~~بها ، ومعلوم أن الجهاد تقوية للدين ، فكان طاعة ، فلا جرم كان المجاهد ~~مقاتلا في سبيل الله ثم قال : { واعلموا أن الله سميع عليم } أي هو يسمع ~~كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد ، وفي تنفير الغير عنه ، وعليم بما في ~~صدوركم من البواعث والأغراض وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لعاجل الدنيا . # ! 7 < { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله ~~يقبض ويبسط وإليه ترجعون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 245 ) من ذا الذي . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله ثم أردفه بقوله ~~: { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } اختلف المفسرون فيه على قولين { ~~الاول } أن هذه الآية متعلقة بما قبلها والمراد منها القرض في الجهاد خاصة ~~، فندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد ، وأمر ~~القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد ، ثم أكد تعالى ذلك ~~بقوله : { والله يقبض ويبسط } وذلك لأن من علم ذلك كان اعتماده على فضل ~~الله تعالى أكثر من اعتماده ms1863 على ماله وذلك يدعوه إلى إنفاق المال في سبيل ~~الله ، والاحتراز عن البخل بذلك الإنفاق . # والقول الثاني : أن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله ، ثم القائلون ~~بهذا القول اختلفوا فمنهم من قال : المراد من هذا القرض إنفاق المال ، ~~ومنهم من قال : إنه غيره ، والقائلون بأنه إنفاق المال لهم ثلاثة أقوال ~~الأول : أن المراد من الآية ما ليس بواجب من الصدقة ، وهو قول الأصم واحتج ~~عليه بوجهين الأول : أنه تعالى سماه بالقرض والقرض لا يكون إلا تبرعا . # الحجة الثانية : سبب نزول الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت ~~الآية في أبي الدحداح قال : يا رسول الله إن لي حديقتين فإن تصدقت بإحداهما ~~فهل لي مثلاها في الجنة ؟ قال : نعم ، قال : وأم الدحداح معي ؟ قال : نعم ، ~~قال : والصبية معي ؟ قال : نعم ، فتصدق بأفضل حديقته ، وكانت تسمى الحنينة ~~، قال : PageV06P141 فرجع أبو الدحداح إلى أهله وكانوا في الحديقة التي ~~تصدق بها ، فقام على باب الحديقة ، وذكر ذلك لامرأته فقالت أم الدحداح : ~~بارك الله لك فيما اشتريت ، فخرجوا منها وسلموها ، فكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول : كم من نخلة رداح ، تدلي عروقها في الجنة لأبي الدحداح . # / إذا عرفت سبب نزول هذه الآية ظهر أن المراد بهذا القرض ما كان تبرعا لا ~~واجبا . # والقول الثاني : أن المراد من هذا القرض الإنفاق الواجب في سبيل الله ، ~~واحتج هذا القائل على قوله بأنه تعالى ذكر في آخر الآية : { وإليه ترجعون } ~~وذلك كالزجر ، وهو إنما يليق بالواجب . # والقول الثالث : وهو الأقرب أنه يدخل فيه كلا القسمين ، كما أنه داخل تحت ~~قوله : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت } ( البقرة ~~: 261 ) من قال : المراد من هذا القرض شيء سوى إنفاق المال ، قالوا : روي ~~عن بعض أصحاب ابن مسعود أنه قول الرجل ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر ) قال القاضي : وهذا بعيد ، لأن لفظ الإقراض لا يقع عليه ~~في عرف اللغة ثم قال : ولا يمكن حمل هذا القول على الصحة ms1864 ، إلا أن نقول : ~~الفقير الذي لا يملك شيئا إذا كان في قلبه أنه لو كان قادرا لأنفق وأعطى ~~فحينئذ تكون تلك النية قائمة مقام الإنفاق ، وقد روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة ) ~~. # المسألة الثانية : اختلفوا في أن إطلاق لفظ القرض على هذا الإنفاق حقيقة ~~أو مجاز ، قال الزجاج : إنه حقيقة ، وذلك لأن القرض هو كل ما يفعل ليجازى ~~عليه ، تقول العرب : لك عندي قرض حسن وسيء ، والمراد منه الفعل الذي يجازى ~~عليه ، قال أمية بن أبي الصلت : # % كل امرىء سوف يجزى قرضه حسنا % % أو سيئا أو مدينا كالذي دانا % # ومما يدل على أن القرض ما ذكرناه أن القرض أصله في اللغة القطع / ومنه ~~القراض ، وانقرض القوم إذا هلكوا ، وذلك لانقطاع أثرهم فإذا أقرض فالمراد ~~قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها . # والقول الثاني : أن لفظ القرض ههنا مجاز ، وذلك لأن القرض هو أن يعطي ~~الإنسان شيئا ليرجع إليه مثله وههنا المنفق في سبيل الله إنما ينفق ليرجع ~~إليه بدله إلا أنه جعل الاختلاف بين هذا الإنفاق وبين القرض من وجوه أحدها ~~: أن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله تعالى محال ~~وثانيها : أن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا المثل ، وفي هذا الإنفاق ~~هو الضعف وثالثها : أن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكا له وههنا ~~هذا المال المأخوذ ملك لله ، ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله قرضا ، ~~والحكمة فيه التنبيه على أن ذلك لا يضيع عند الله ، فكما أن القرض يجب ~~أداؤه لا يجوز الإخلال به فكذا الثواب الواجب على هذا الإنفاق واصل إلى ~~المكلف لا محالة ، ويروى أنه لما نزلت هذه الآية قالت اليهود : إن الله ~~فقير ونحن أغنياء ، فهو يطلب منا القرض ، وهذا الكلام لائق بجهلهم وحمقهم ، ~~لأن الغالب عليهم التشبيه ، ويقولون : إن معبودهم شيخ ، قال القاضي : من ~~يقول في معبوده مثل هذا القول / لا ms1865 يستبعد منه أن يصفه بالفقر . # فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } ~~ولأي فائدة جرى الكلام على طريق الاستفهام . PageV06P142 # قلنا : إن ذلك في الترغيب في الدعاء إلى الفعل أقرب من ظاهر الأمر . # أما قوله تعالى : { قرضا حسنا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال الواحدي : القرض في هذه الآية اسم لا مصدر ، ولو ~~كان مصدرا لكان ذلك إقراضا . # المسألة الثانية : كون القرض حسنا يحتمل وجوها أحدها : أراد به حلالا ~~خالصا لا يختلط به الحرام ، لأن مع الشبهة يقع الاختلاط ، ومع الاختلاط ~~ربما قبح الفعل وثانيها : أن لا يتبع ذلك الإنفاق منا ولا أذى وثالثها : أن ~~يفعله على نية التقرب إلى الله تعالى ، لأن ما يفعل رياء وسمعة لا يستحق به ~~الثواب . # أما قوله تعالى : { فيضاعفه له } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في قوله : { فيضاعفه } أربع قراءات أحدها : قرأ أبو ~~عمرو ونافع وحمزة والكسائي { فيضاعفه } بالألف والرفع والثاني : قرأ عاصم { ~~فيضاعفه } بألف والنصب والثالث : قرأ ابن كثير { * فيضعفه } بالتشديد ~~والرفع بلا ألف والرابع : قرأ ابن عامر { * فيضعفه } بالتشديد والنصب . # فنقول : أما التشديد والتخفيف فهما لغتان ، ووجه الرفع العطف على يقرض ، ~~ووجه النصب أن يحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ لأن المعنى يكون قرضا ~~فيضاعفه ، والاختيار الرفع لأن فيه معنى الجزاء ، وجواب الجزاء بالفاء لا ~~يكون إلا رفعا . # المسألة الثانية : التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد وهو الزيادة على أصل ~~الشيء حتى يبلغ مثلين أو أكثر ، وفي الآية حذف ، والتقدير : فيضاعف ثوابه . # أما قوله تعالى : { له أضعافا كثيرة } فمنهم من ذكر فيه قدرا معينا ، ~~وأجود ما يقال فيه : إنه القدر المذكور في قوله تعالى : { مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } ( البقرة : 261 ) فيقال ~~يحمل المجمل على المفسر لأن كلتا الآيتين وردتا في الإنفاق ، ويمكن أن يجاب ~~عنه بأنه تعالى لم يقتصر في هذه الآية على التحديد ، بل قال بعده : { والله ~~يضاعف لمن يشاء } ( البقرة : 261 ) . # والقول الثاني : وهو الأصح واختيار السدي : أن هذا التضعيف ms1866 لا يعلم أحد ~~ما هو وكم هو ؟ وإنما أبهم تعالى ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى ~~من ذكر المحدود . # أما قوله تعالى : { والله يقبض ويبسط } ففي بيان أن هذا كيف يناسب ما ~~تقدم وجوه أحدها : / أن المعنى أنه تعالى لما كان هو القابض الباسط ، فإن ~~كان تقدير هذا الذي أمر بإنفاق المال الفقر فلينفق المال في سبيل الله ، ~~فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الفقر ، وإن كان تقديره الغنى ~~فلينفق فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الغنى والسعة وبسط اليد ، ~~فعلى كلا التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى وثانيها : أن ~~الإنسان إذا علم أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا ، وبقي ~~اعتماده على الله ، فحينئذ يسهل عليه إنفاق المال في سبيل مرضاة الله تعالى ~~وثالثها : أنه تعالى يوسع عن عباده ويقتر ، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم ~~، لئلا يبدل السعة الحاصلة لكم بالضيق ورابعها : أنه تعالى لما أمرهم ~~بالصدقة وحثهم عليها أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه وإعانته ، فقال : ~~{ والله يقبض ويبسط } يعني يقبض القلوب حتى لا PageV06P143 تقدم على هذه ~~الطاعة ، ويبسط بعضها حتى يقدم على هذه الطاعة ، ثم قال : { وإليه ترجعون } ~~والمراد به إلى حيث لا حاكم ولا مدبر سواه ، والله أعلم . # القصة الثانية # قصة طالوت # ! 7 < { ألم تر إلى الملإ من بنىإسرءيل من بعد موسى إذ قالوا لنبى لهم ~~ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا ~~تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل فى سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنآئنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ~~} . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 246 ) ألم تر إلى . . . . . # > > # الملأ الأشراف من الناس ، وهو اسم الجماعة ، كالقوم والرهط والجيش ، ~~وجمعه أملاء ، قال الشاعر : # % وقال لها الأملاء من كل معشر % % وخير أقاويل الرجال سديدها % # وأصلها من الملء ، وهم الذين يملأون العيون هيبة ورواء ، وقيل : هم الذين ~~يملأون المكان إذا حضروا ms1867 ، وقال الزجاج : الملأ الرؤساء ، سموا بذلك لأنهم ~~يملأون القلوب بما يحتاج إليه ، من قولهم : ملأ الرجل يملأ ملأة فهو ملىء . # قوله تعالى : { إذا * قالوا لنبى لهم ابعث لنا } في الآية مسائل : # المسألة الأولى : تعلق هذه الآية بما قبلها من حيث إنه تعالى لما فرض ~~القتال بقوله : { وقاتلوا في سبيل الله } ( البقرة : 190 ) ثم أمرنا ~~بالإنفاق فيه لما له من التأثير في كمال المراد بالقتال ذكر قصة بني ~~إسرائيل ، وهي أنهم لما أمروا بالقتال نكثوا وخالفوا فذمهم الله تعالى عليه ~~، ونسبهم إلى الظلم والمقصود منه أن لا يقدم المأمورون بالقتال من هذه ~~الأمة على المخالفة ، وأن يكونوا مستمرين في القتال مع أعداء الله تعالى . # المسألة الثانية : لا شك أن المقصود الذي ذكرناه حاصل ، سواء علمنا أن ~~النبي من كان من أولئك ، وأن أولئك الملأ من كانوا أو لم نعلم شيئا من ذلك ~~، لأن المقصود هو الترغيب في باب الجهاد وذلك لا يختلف ، وإنما يعلم من ذلك ~~النبي ومن ذلك الملأ بالخبر المتواتر وهو مفقود ، وأما خبر الواحد فإنه لا ~~يفيد إلا الظن ، ومنهم من قال : إنه يوشع بن نون بن افرايم بن يوسف ، ~~والدليل عليه قوله تعالى : { من بعد موسى } وهذا ضعيف لأن قوله : { من بعد ~~موسى } كما يحتمل الاتصال يحتمل الحصول من بعد زمان ، ومنهم من قال : كان ~~اسم ذلك النبي أشمويل من بني هرون واسمه بالعربية : إسماعيل ، وهو قول ~~الأكثرين ، وقال PageV06P144 السدي : هو شمعون ، سمته أمه بذلك ، لأنها دعت ~~الله تعالى أن يرزقها ولدا فاستجاب الله تعالى دعاءها ، فسمته شمعون ، يعني ~~سمع دعاءها فيه ، والسين تصير شينا بالعبرانية ، وهو من ولد لاوى بن يعقوب ~~عليه السلام . # المسألة الثالثة : قال وهب والكلبي : إن المعاصي كثرت في بني إسرائيل ، ~~والخطايا عظمت فيهم ، ثم غلب عليهم عدو لهم فسبى كثيرا من ذراريهم ، فسألوا ~~نبيهم ملكا تنتظم به كلمتهم ويجتمع به أمرهم ، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم ~~، وقيل تغلب جالوت على بني إسرائيل ، وكان قوام بني إسرائيل بملك يجتمعون ~~عليه يجاهد الأعداء ، ويجري ms1868 الأحكام ، ونبي يطيعه الملك ، ويقيم أمر دينهم ~~، ويأتيهم بالخبر من عند ربهم . # أما قوله : { نقاتل فى سبيل الله } فاعلم أنه قرىء { نقاتل } بالنون ~~والجزم على الجواب ، وبالنون والرفع على أنه حال ، أي ابعثه لنا مقدرين ~~القتال ، أو استئناف كأنه قيل : ما تصنعون بالملك ، / قالوا نقاتل ، وقرىء ~~بالياء والجزم على الجواب ، وبالرفع على أنه صفة لقوله : { ملكا } أما قوله ~~: { قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال * أن لا * تقاتلوا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وحده { عسيتم } بكسر السين ههنا ، وفي سورة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، واللغة المشهورة فتحها ووجه قراءة نافع ما حكاه ~~ابن الأعرابي أنهم يقولون : هو عسى بكذا وهذا يقوي { عسيتم } بكسر السين ، ~~ألا ترى أن عسى بكذا ، مثل حري وشحيح وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة فقال ~~لو جاز ذلك لجاز { عسى ربكم } أجاب أصحاب نافع عنه من وجهين الأول : أن ~~الياء إذا سكنت وانفتح ما قبلها حصل في التلفظ بها نوع كلفة ومشقة ، وليست ~~الياء من { عسى } كذلك ، لأنها وإن كانت في الكتابة ياء إلا أنها في اللفظ ~~مدة ، وهي خفيفة فلا تحتاج إلى خفة أخرى . # والجواب الثاني : هب أن القياس يقتضي جواز { عسى ربكم } إلا أنا ذكرنا ~~أنهما لغتان ، فله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع والأخرى في ~~موضع آخر . # المسألة الثانية : خبر { هل عسيتم } وهو قوله : { أن لا * تقاتلوا } ~~والشرط فاصل بينهما ، والمعنى هل قاربتم أن تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن ~~القتال فأدخل { هل } مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون ، وأراد بالاستفهام ~~التقرير ، وثبت أن المتوقع كائن له ، وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى : { ~~هل أتى على الإنسان حين من الدهر } معناه التقرير ، ثم إنه تعالى ذكر أن ~~القوم قالوا : { وما لنا * أن لا * نقاتل فى سبيل الله } وهذا يدل على ضمان ~~قوي خصوصا واتبعوا ذلك بعلة قوية توجب التشدد في ذلك ، وهو قولهم : { وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } لأن من بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر من ~~أمره الاجتهاد في قمع ms1869 عدوه ومقاتلته . # فإن قيل : المشهور إنه يقال : مالك تفعل كذا ؟ ولا يقال : مالك أن تفعل ~~كذا ؟ قال تعالى : { مالكم * لا ترجون لله وقارا } ( نوح : 13 ) وقال : { ~~وما لكم لا تؤمنون بالله } ( الحديد : 8 ) . # والجواب من وجهين : الأول : وهو قول المبرد : أن { ما } في هذه الآية جحد ~~لا استفهام كأنه قال : ما لنا نترك القتال ، وعلى هذا الطريق يزول السؤال . ~~PageV06P145 # الوجه الثاني : أن نسلم أن { ما } ههنا بمعنى الاستفهام ، ثم على هذا ~~القول وجوه الأول : قال الأخفش : أن ههنا زائدة ، والمعنى : ما لنا لا ~~نقاتل وهذا ضعيف ، لأن القول بثبوت الزيادة في كلام الله خلاف الأصل الثاني ~~: قال الفراء : الكلام ههنا محمول على المعنى ، لأن قولك : مالك لا تقاتل ~~معناه ما يمنعك أن تقاتل ؟ فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال أن فيه قال ~~تعالى : { ما منعك أن تسجد } ( ص: 75 ) وقال : { مالك * أن لا * تكون مع ~~الساجدين } ( الحجر : 32 ) الثالث : قال الكسائي : معنى { وما لنا * أن لا ~~* نقاتل } أي شيء لنا في ترك القتال ؟ ثم سقطت كلمة { فى } ورجح أبو علي ~~الفارسي ، قول / الكسائي على قول الفراء ، قال : وذلك لأن على قول الفراء ~~لا بد من إضمار حرف الجر ، والتقدير : ما يمنعنا من أن نقاتل ، إذا كان لا ~~بد من إضمار حرف الجر على القولين ، ثم على قول الكسائي يبقى اللفظ مع هذا ~~الإضمار على ظاهره ، وعلى قول الفراء لا يبقى ، فكان قول الكسائي لا محالة ~~أولى وأقوى . # أما قوله : { فلما كتب عليهم القتال تولوا } فاعلم أن في الكلام محذوفا ~~تقديره : فسأل الله تعالى ذلك فبعث لهم ملكا وكتب عليهم القتال فتولوا . # أما قوله : { إلا قليلا منهم } فهم الذين عبروا منهم النهر وسيأتي ذكرهم ~~، وقيل : كان عدد هذا القليل ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر { والله ~~عليم بالظالمين } أي هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يف بما قيل من ~~ربه / وهذا هو الذي يدل على تعلق هذه الآية بقوله قبل ذلك : { وقاتلوا في ~~سبيل الله } فكأنه ms1870 تعالى أكد وجوب ذلك بأن ذكر قصة بني إسرائيل في الجهاد ~~وعقب ذلك بأن من تقدم على مثله فهو ظالم والله أعلم بما يستحقه الظالم وهذا ~~بين في كونه زجرا عن مثل ذلك في المستقبل وفي كونه بعثا على الجهاد ، وأن ~~يستمر كل مسلم على القيام بذلك والله أعلم . # ! 7 < { وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه ~~عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشآء والله واسع عليم ~~} . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 247 ) وقال لهم نبيهم . . . . . # > > اعلم أنه لما بين في الآية الأولى أنه أجابهم إلى ما سألوا ، ثم إنهم ~~تولوا فبين أن أول ما تولوا إنكارهم إمرة طالوت ، وذلك لأنهم طلبوا من ~~نبيهم أن يطلب من الله أن يعين لهم ملكا فأجابهم بأن الله قد بعث لهم طالوت ~~ملكا ، قال صاحب ( الكشاف ) : طالوت اسم أعجمي ، كجالوت ، وداود وإنما ~~امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته ، وزعموا أنه من الطول لما وصف به من البسطة ~~في الجسم ، ووزنه إن كان من الطول فعلوت ، وأصله طولوت ، إلا أن امتناع ~~صرفه يدفع أن يكون / منه ، إلا أن يقال : هو اسم عبراني وافق عربيا كما ~~وافق PageV06P146 حطة حنطة ، وعلى هذا التقدير يكون أحد سببية العجمة لكونه ~~عبرانيا ، ثم إن الله تعالى لما عينه لأن يكون ملكا لهم أظهروا التولي عن ~~طاعته ، والإعراض عن حكمه ، وقالوا : { أنى يكون له الملك علينا } ~~واستبعدوا جدا أن يكون هو ملكا عليهم ، قال المفسرون : وسبب هذا الاستبعاد ~~أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بني إسرائيل ، وهو سبط لاوى بن ~~يعقوب ، ومنه موسى وهرون ، وسبط المملكة ، سبط يهوذا ، ومنه داود وسليمان ، ~~وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين ، بل كان من ولد بنيامين فلهذا السبب ~~أنكروا كونه ملكا لهم ، وزعموا أنهم أحق بالملك منه ، ثم أنهم أكدوا هذه ~~الشبهة بشبهة أخرى ، وهي قولهم : ولم يؤت ms1871 سعة من المال ، وذلك إشارة إلى ~~أنه فقير ، واختلفوا فقال وهب ، كان دباغا ، وقال السدي : كان مكاريا ، ~~وقال آخرون ، كان سقاء . # فإن قيل : ما الفرق بين الواوين في قوله : { ونحن أحق } وفي قوله : { ولم ~~يؤت } . # قلنا : الأولى للحال ، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالا ، ~~والمعنى : كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق ~~بالملك ، وأنه فقير ولا بد للملك من مال يعتضد به ، ثم إنه تعالى أجاب عن ~~شبههم بوجوه الأول : قوله : { إن الله اصطفاه عليكم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : معنى الآية أنه تعالى خصه بالملك والإمرة . # واعلم أن القوم لما كانوا مقرين بنبوة ذلك النبي ، كان إخباره عن الله ~~تعالى أنه جعل طالوت ملكا عليهم حجة قاطعة في ثبوت الملك له لأن تجويز ~~الكذب على الأنبياء عليهم السلام يقتضي رفع الوثوق بقولهم وذلك يقدح في ~~ثبوت نبوتهم ورسالتهم ، وإذا ثبت صدق المخبر ثبت أن الله تعالى خصه بالملك ~~، وإذا ثبت ذلك كان ملكا واجب الطاعة وكانت الاعتراضات ساقطة . # المسألة الثانية : قوله : { اصطفاه } أي أخذ الملك من غيره صافيا له ، ~~واصطفاه ، واستصفاه بمعنى الاستخلاص ، وهو أن يأخذ الشيء خالصا لنفسه ، ~~وقال الزجاج : إنه مأخوذ من الصفوة ، والأصل فيه اصتفى بالتاء فأبدلت التاء ~~طاء ليسهل النطق بها بعد الصاد ، وكيفما كان الاشتقاق فالمراد ما ذكرناه ~~أنه تعالى خصه بالملك والإمرة ، وعلى هذا الوجه وصف تعالى نفسه بأنه اصطفى ~~الرسل ووصفهم بأنهم : المصطفون الأخيار ووصف الرسول بأنه المصطفى . # المسألة الثالثة : هذه الآية تدل على بطلان قول من يقول : إن الإمامة ~~موروثة ، وذلك لأن بني إسرائيل أنكروا أن يكون ملكهم من لا يكون من بيت ~~المملكة ، فأعلمهم الله تعالى أن هذا ساقط / والمستحق لذلك من خصه الله ~~تعالى بذلك وهو نظير قوله : { تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } ( ~~آل عمران : 26 ) . # الوجه الثاني : في الجواب عن هذه الشبهة قوله تعالى : { وزاده بسطة في ~~العلم والجسم } وتقرير / هذا الجواب أنهم طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين ~~أحدهما : أنه ms1872 ليس من أهل بيت الملك الثاني : أنه فقير ، والله تعالى بين ~~أنه أهل للملك وقرر ذلك بأنه حصل له وصفان أحدهما : العلم والثاني : القدرة ~~، وهذان الوصفان أشد مناسبة لاستحقاقه الملك من الوصفين الأولين وبيانه من ~~وجوه أحدها : أن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية ، والمال والجاه ~~ليسا كذلك والثاني : أن العلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لجوهر نفس ~~الإنسان والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان الثالث : أن العلم ~~والقدرة لا يمكن سلبهما عن الإنسان ، والمال والجاه يمكن سلبهما عن الإنسان ~~والرابع : أن العلم بأمر الحروب ، والقوي PageV06P147 الشديد على المحاربة ~~يكون الانتفاع به في حفظ مصلحة البلد ، وفي دفع شر الأعداء أتم من الانتفاع ~~بالرجل النسيب الغني إذا لم يكن له علم بضبط المصالح ، وقدرة على دفع ~~الأعداء ، فثبت بما ذكرنا أن إسناد الملك إلى العالم القادر ، أولى من ~~إسناده إلى النسيب الغني ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله : { وزاده ~~بسطة في العلم والجسم } وهذا يدل على أن العلوم الحاصلة للخلق ، إنما حصلت ~~بتخليق الله تعالى وإيجاده ، وقالت المعتزلة هذه الإضافة إنما كانت لأنه ~~تعالى هو الذي يعطي العقل ونصب الدلائل ، وأجاب الأصحاب بأن الأصل في ~~الإضافة المباشرة دون التسبب . # المسألة الثانية : قال بعضهم : المراد بالبسطة في الجسم طول القامة ، ~~وكان يفوق الناس برأسه ومنكبه ، وإنما سمي طالوت لطوله ، وقيل المراد من ~~البسطة في الجسم الجمال ، وكان أجمل بني إسرائيل وقيل : المراد القوة ، ~~وهذا القول عندي أصح لأن المنتفع به في دفع الأعداء هو القوة والشدة ، لا ~~الطول والجمال . # المسألة الثالثة : أنه تعالى قدم البسطة في العلم ، على البسطة في الجسم ~~، وهذا منه تعالى تنبيه على أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف وأكمل من ~~الفضائل الجسمانية . # الوجه الثالث : في الجواب عن الشبهة قوله تعالى : { والله يؤتى ملكه من ~~يشاء } وتقريره أن الملك لله والعبيد لله فهو سبحانه يؤتي ملكه من يشاء ولا ~~اعتراض لأحد عليه في فعله ، لأن المالك إذا تصرف في ملكه فلا اعتراض لأحد ms1873 ~~عليه في فعله . # الوجه الرابع : في الجواب قوله تعالى : { والله واسع عليم } وفيه ثلاثة ~~أقوال أحدها : أنه تعالى واسع الفضل والرزق والرحمة ، وسعت رحمته كل شيء ، ~~والتقدير : أنتم طعنتم في طالوت بكونه فقيرا ، والله تعالى واسع الفضل ~~والرحمة ، فإذا فوض الملك إليه ، فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال ، ~~فالله تعالى يفتح عليه باب الرزق والسعة في المال . # والقول الثاني : أنه واسع ، بمعنى موسع ، أي يوسع على من يشاء من نعمه ، ~~وتعلقه بما / قبله على ما ذكرناه والثالث : أنه واسع بمعنى ذو سعة ، ويجيء ~~فاعل ومعناه ذو كذا ، كقوله : { عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) أي ذات رضا ، ~~وهم ناصب ذو نصب ، ثم بين بقوله : { عليم } أنه تعالى مع قدرته على إغناء ~~الفقير عالم بمقادير ما يحتاج إليه في تدبير الملك ، وعالم بحال ذلك الملك ~~في الحاضر والمستقبل ، فيختار لعلمه بجميع العواقب ما هو مصلحته في قيامه ~~بأمر الملك . # PageV06P148 ! 7 < { وقال لهم نبيهم إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه ~~سكينة من ربكم وبقية مما ترك ءال موسى وءال هارون تحمله الملئكة إن في ذالك ~~لأية لكم إن كنتم مؤمنين * فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم ~~بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه منىإلا من اغترف غرفة بيده ~~فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين ءامنوا معه قالوا لا طاقة ~~لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 248 - 249 ) وقال لهم نبيهم . . . . . # > > اعلم أن ظاهر الآية المتقدمة يدل على أن أولئك الأقوام كانوا مقرين ~~بنبوة النبي الذي كان فيهم / لأن قوله تعالى حكاية عنهم { إذ قالوا لنبى ~~لهم ابعث لنا ملكا } كالظاهر في أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي ، ~~ومقرين بأنه مبعوث من عند الله تعالى ، ثم إن ذلك النبي لما قال : { إن ~~الله قد بعث لكم طالوت ملكا } كان هذا دليلا قاطعا في كون طالوت ملكا ms1874 ، ثم ~~إنه تعالى لكمال رحمته بالخلق ، ضم إلى ذلك الدليل دليلا آخر يدل على كون ~~ذلك النبي صادقا في ذلك الكلام ، ويدل أيضا على أن طالوت نصبه الله تعالى ~~للملك وإكثار الدلائل من الله تعالى جائز ، ولذلك أنه كثرت معجزات موسى ~~عليه السلام ، ومحمد عليه الصلاة والسلام ، فلهذا قال تعالى : { وقال لهم ~~نبيهم إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن مجيء ذلك التابوت لا بد وأن يقع على وجه يكون خارقا ~~للعادة حتى يصح أن يكون آية من عند الله ، دالة على صدق تلك الدعوى ، ثم ~~قال أصحاب الأخبار : إن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتا فيه ~~صور الأنبياء من أولاده ، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب ، ثم بقي ~~في أيدي بني إسرائيل ، فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا ~~حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم ، وكانت الملائكة ~~تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا ~~بالنصرة ، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت ~~وسلبوه ، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت ، قال ذلك النبي : إن آية ~~ملكه أنكم تجدون التابوت في داره ، ثم إن الكفار الذين سلبوا ذلك التابوت ~~كانوا قد جعلوه في موضع البول والغائط ، فدعا النبي عليهم في ذلك الوقت ، ~~فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه ~~الله تعالى بالبواسير ، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت ، ~~فأخرجوه ووضعوه على ثورين فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما أربعة ~~من الملائكة يسوقونهما ، حتى أتوا منزل طالوت ، ثم إن قوم ذلك النبي رأوا ~~التابوت عند طالوت ، PageV06P149 فعلموا أن ذلك دليل على كونه ملكا لهم ، ~~فذلك هو قوله تعالى : { وقال لهم نبيهم إن ءاية ملكه } والإتيان على هذا ~~مجاز ، لأنه أتى به ولم يأت هو فنسب إليه توسعا ، كما يقال : ربحت الدراهم ~~، وخسرت التجارة . # والرواية الثانية : أن التابوت صندوق كان موسى ms1875 عليه السلام يضع التوراة ~~فيه ، وكان من خشب ، وكانوا يعرفونه ، ثم إن الله تعالى رفعه بعد ما قبض ~~موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل / ثم قال نبي ذلك القوم : إن آية ~~ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء ، ثم إن التابوت لم تحمله الملائكة ~~ولا الثوران ، بل نزل من السماء إلى الأرض ، والملائكة كانوا يحفظونه ، ~~والقوم كانوا ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت ، وهذا قول ابن عباس رضي الله ~~عنهما ، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت ، وأضيف الحمل إلى الملائكة في ~~القولين جميعا ، لأن من حفظ شيئا في / الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك ~~الشيء وإن لم يحمله كما يقول القائل : حملت الأمتعة إلى زيد إذا حفظها في ~~الطريق ، وإن كان الحامل غيره . # واعلم أنه تعالى جعل إتيان التابوت معجزة ، ثم فيه احتمالان أحدهما : أن ~~يكون مجىء التابوت معجزا ، وذلك هو الذي قررناه والثاني : أن لا يكون ~~التابوت معجزا ، بل يكون ما فيه هو المعجز ، وذلك بأن يشاهدوا التابوت ~~خاليا ، ثم إن ذلك النبي يضعه بمحضر من القوم في بيت ويغلقوا البيت ، ثم إن ~~النبي يدعي أن الله تعالى خلق فيه ما يدل على واقعتنا ، فإذا فتحوا باب ~~البيت ونظروا في التابوت رأوا فيه كتابا يدل على أن ملكهم هو طالوت ، وعلى ~~أن الله سينصرهم على أعدائهم فهذا يكون معجزا قاطعا دالا على أنه من عند ~~الله تعالى ، ولفظ القرآن يحتمل هذا ، لأن قوله : { يأتيكم التابوت فيه ~~سكينة من ربكم } يحتمل أن يكون المراد منه أنهم يجدون في التابوت هذا ~~المعجز الذي هو سبب لاستقرار قلبهم واطمئنان أنفسهم فهذا محتمل . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : وزن التابوت إما أن يكون فعلوتا ~~أو فاعولا ، والثاني مرجوح ، لأنه يقل في كلام العرب لفظ يكون فاؤه ولامه ~~من جنس واحد ، نحو : سلس وقلق ، فلا يقال : تابوت من تبت قياسا على ما نقل ~~، وإذا فسد هذا القسم تعين الأول ، وهو أنه فعلوت من التوب ، وهو الرجوع ~~لأنه ظرف يوضع فيه الأشياء ، ويودع ms1876 فيه فلا يزول يرجع إليه ما يخرج منه ~~وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته . # المسألة الثالثة : قرأ الكل : التابوت بالتاء ، وقرأ أبي وزيد بن ثابت { ~~* التابوه } بالهاء وهي لغة الأنصار . # المسألة الرابعة : من الناس من قال : إن طالوت كان نبيا ، لأنه تعالى ~~أظهر المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبيا ، ولا يقال : إن هذا كان من ~~كرامات الأولياء ، لأن الفرق بين الكرامة والمعجزة أن الكرامة لا تكون على ~~سبيل التحدي ، وهذا كان على سبيل التحدي ، فوجب أن لا يكون من جنس الكرامات ~~. # والجواب : لا يبعد أن يكون ذلك معجزة لنبي ذلك الزمان ، ومع كونه معجزة ~~له فإنه كان آية قاطعة في ثبوت ملكه . # أما قوله تعالى : { التابوت فيه سكينة من ربكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : { السكينة } فعيلة من السكون ، وهو ضد الحركة وهي مصدر ~~وقع موقع الاسم ، نحو : القضية والبقية والعزيمة . PageV06P150 # المسألة الثانية : اختلفوا في السكينة ، وضبط الأقوال فيها أن نقول : ~~المراد بالسكينة إما أن يقال إنه كان شيئا حاصلا في التابوت أو ما كان كذلك ~~. # / والقسم الثاني : هو قول أبي بكر الأصم ، فإنه قال : { ملكه أن يأتيكم ~~التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية } أي تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك ، ~~وتزول نفرتكم عنه ، لأنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة ~~فلا بد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم بالكلية . # وأما القسم الأول : وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعا في التابوت ~~، وعلى هذا ففيه أقوال الأول : وهو قول أبي مسلم أنه كان في التابوت بشارات ~~من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم ~~السلام ، بأن الله ينصر طالوت وجنوده ، ويزيل خوف العدو عنهم الثاني : وهو ~~قول علي عليه السلام : كان لها وجه كوجه الإنسان ، وكان لها ريح هفافة ~~والثالث : قول ابن عباس رضي الله عنهما : هي صورة من زبرجد أو ياقوت لها ~~رأس كرأس الهر ، وذنب كذنبه ، فإذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت نحو العدو ~~وهم يمضون ms1877 معه فإذا وقف وقفوا ونزل النصر . # القول الرابع : وهو قول عمرو بن عبيد : إن السكينة التي كانت في التابوت ~~شيء لا يعلم . # واعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن ، وهو كقوله في قصة الغار : { ~~فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } ( الفتح : 26 ) فكذا قوله ~~تعالى : { فيه سكينة من ربكم } معناه الأمن والسكون . # واحتج القائلون بأنه حصل في التابوت شيء بوجهين الأول : أن قوله : { فيه ~~سكينة } يدل على كون التابوت ظرفا للسكينة والثاني : وهو أنه عطف عليه قوله ~~: { وبقية مما ترك ءال موسى } فكما أن التابوت كان ظرفا للبقية وجب أن يكون ~~ظرفا للسكينة . # والجواب عن الأول : أن كلمة { فى } كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( في النفس المؤمنة مائة من الإبل ) وقال : ( في ~~خمس من الإبل شاة ) أي بسببه فقوله في هذه الآية : { فيه سكينة } أي بسببه ~~تحصل السكينة . # والجواب عن الثاني : لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل ~~هارون من الدين والشريعة ، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي ~~من دينهما وشريعتهما . # وأما القائلون بأن المراد بالبقية شيء كان موضوعا في التابوت فقالوا : ~~البقية هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفير من المن ~~الذي كان ينزل عليهم . # أما قوله : { وقال لهم نبيهم إن } ففيه قولان الأول : قال بعض المفسرين ~~يحتمل أن يكون المراد من آل موسى وآل هارون هو موسى وهارون أنفسهما ، ~~والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لأبي موسى الأشعري : ( لقد أوتي هذا ~~مزمارا من مزامير آل داود ) وأراد به داود نفسه ، لأنه لم يكن لأحد من آل ~~داود من الصوت الحسن مثل ما كان لداود عليه السلام . # / والقول الثاني : قال القفال رحمه الله : إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل ~~هارون ، لأن ذلك التابوت PageV06P151 قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت ~~طالوت ، وما في التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون ، ~~فيكون الآل هم الأتباع ، قال تعالى : { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } ( ~~غافر ms1878 : 46 ) . # وأما قوله : { تحمله الملائكة } فقد تقدم القول فيه . # وأما قوله : { إن في ذالك لأية لكم إن كنتم مؤمنين } فالمعنى أن هذه ~~الآية معجزة باهرة إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق المدعي . # قوله تعالى : { فلما فصل طالوت بالجنود } فيه مسائل . # المسألة الأولى : اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها يظهر بتقدير ~~محذوف يدل عليه باقي الكلام ، والتقدير أنه لما أتاهم بآية التابوت أذعنوا ~~له ، وأجابوا إلى المسير تحت رايته . فلما فصل بهم أي فارق بهم حد بلده ~~وانقطع عنه ، ومعنى الفصل القطع ، يقال : قول فصل ، إذا كان يقطع بين الحق ~~والباطل وفصلت اللحم عن العظم فصلا وفاصل الرجل شريكه وامرأته فصالا ، ~~ويقال للفطام فصال ، لأنه يقطع عن الرضاع ، وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة ~~عنه ، ومنه قوله : { ولما فصلت العير } ( يوسف : 94 ) قال صاحب ( الكشاف ) ~~قوله : فصل عن موضع كذا أصله فصل نفسه ، ثم لأجل الكثرة في الاستعمال حذفوا ~~المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كما يقال انفصل والجنود جمع جند وكل ~~صنف من الخلق جند على حدة ، يقال للجراد الكثيرة إنها جنود الله / ومنه ~~قوله عليه الصلاة والسلام : ( الأرواح جنود مجندة ) . # المسألة الثانية : روي أن طالوت قال لقومه : لا ينبغي أن يخرج معي رجل ~~يبني بناء لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة ، ولا متزوج بامرأة لم يبن ~~عليها ولا أبغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختار ثمانون ألفا ~~. # أما قوله تعالى : { قال إن الله مبتليكم بنهر } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن هذا القائل من كان فقال الأكثرون : أنه ~~هو طالوت وهذا هو الأظهر لأن قوله لا بد وأن يكون مسندا إلى مذكور سابق ، ~~والمذكور السابق هو طالوت ، ثم على هذا يحتمل أن يكون القول من طالوت لكنه ~~تحمله من نبي الوقت ، وعلى هذا التقدير لا يلزم أن يكون طالوت نبيا ويحتمل ~~أن يكون من قبل نفسه فلا بد من وحي أتاه عن ربه ، وذلك يقتضي أنه مع الملك ~~كان نبيا . # والقول ms1879 الثاني : أن قائل هذا القول هو النبي المذكور في أول الآية ، ~~والتقدير : فلما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم : { إن الله مبتليكم بنهر ~~} ونبي ذلك الوقت هو اشمويل عليه السلام . # / المسألة الثانية : في حكمة هذا الابتلاء وجهان الأول : قال القاضي : ~~كان مشهورا من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات ~~الباهرة فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدو يتميز بها من يصبر ~~على الحرب ممن لا يصبر لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء ~~العدو ، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال : { فإن الله ~~* مبتليكم بنهر } الثاني : أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد . # المسألة الثالثة : في النهر أقوال أحدها : وهو قول قتادة والربيع ، أنه ~~نهر بين الأردن وفلسطين PageV06P152 والثاني : وهو قول ابن عباس والسدي : ~~أنه نهر فلسطين ، قال القاضي : والتوفيق بين القولين أن النهر الممتد من ~~بلد قد يضاف إلى أحد البلدين . # القول الثالث : وهو الذي رواه صاحب ( الكشاف ) : أن الوقت كان قيظا ~~فسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهرا فقال : إن الله مبتليكم بما ~~اقترحتموه من النهر . # المسألة الرابعة : قوله : { مبتليكم بنهر } أي ممتحنكم امتحان العبد كما ~~قال : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه } ( الإنسان : 2 ) ولما ~~كان الابتلاء بين الناس إنما يكون لظهور الشيء ، وثبت أن الله تعالى لا ~~يثبت ، ولا يعاقب على علمه ، إنما يفعل ذلك بظهور الأفعال بين الناس ، وذلك ~~لا يحصل إلا بالتكليف لا جرم سمي التكليف ابتلاء ، وفيه لغتان بلا يبلو ، ~~وابتلى يبتلي ، قال الشاعر : # % ولقد بلوتك وابتليت خليفتي % % ولقد كفاك مودتي بتأدب % # فجاء باللغتين . # المسألة الخامسة : نهر ونهر بتسكين الهاء وتحريكها لغتان ، وكل ثلاثي ~~حشوه حرف من حروف الحلق فإنه يجىء على هذين ، كقولك : صخر وصخر ، وشعر وشعر ~~، وقالوا : بحر وبحر ، وقال الشاعر : # % كأنما خلقت كفاء من حجر % % فليس بين يديه والندى عمل % # % يرى التيمم في بر وفي بحر % % مخافة أن يرى في كفه بلل % # أما قوله تعالى : { فمن شرب ms1880 منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه منى } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { فليس مني } كالزجر ، يعني ليس من أهل ديني ~~وطاعتي ، ونظيره قوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } ثم قال قبل هذا : { المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف } وأيضا نظيره ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا ) ~~أي ليس على ديننا ومذهبنا والله أعلم . # المسألة الثانية : قال أهل اللغة { لم يطعمه } أي لم يذقه ، وهو من الطعم ~~، وهو يقع على الطعام / والشراب هذا ما قاله أهل اللغة ، وعندي إنما اختير ~~هذا اللفظ لوجهين من الفائدة أحدهما : أن الإنسان إذا عطش جدا ، ثم شرب ~~الماء وأراد وصف ذلك الماء بالطيب واللذة قال : إن هذا الماء كأنه الجلاب ، ~~وكأنه عسل فيصفه بالطعوم اللذيذة ، فقوله : { ومن لم يطعمه } معناه أنه وإن ~~بلغ به العطش إلى حيث يكون ذلك الماء في فمه كالموصوف بهذه الطعوم الطيبة ~~فإنه يجب عليه الاحتراز عنه ، وأن لا يشربه والثاني : أن من جعل الماء في ~~فمه وتمضمض به ثم أخرجه من الفم ، فإنه يصدق عليه أنه ذاقه وطعمه ، ولا ~~يصدق عليه أنه شربه ، فلو قال : ومن لم يشربه فإنه مني كان المنع مقصورا ~~على الشرب ، أما لما قال : { ومن لم يطعمه } كان المنع حاصلا في الشرب وفي ~~المضمضة ، ومعلوم أن هذا التكليف أشق ، وأن الممنوع من شرب الماء إذا تمضمض ~~به وجد نوع خفة وراحة . # المسألة الثالثة : أنه تعالى قال في أول الآية : { فمن شرب منه فليس مني ~~} ثم قال بعده : { ومن لم يطعمه } وكان ينبغي أن يقال : ومن لم يطعم منه ~~ليكون آخر الآية مطابقا أولها ، إلا أنه ترك ذلك اللفظ ، PageV06P153 ~~واختير هذا لفائدة ، وهي أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف لا يشرب من هذا ~~النهر كيف يحنث ؟ قال أبو حنيفة لا يحنث إلا إذا كرع من النهر ، حتى لو ~~اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث ms1881 ، لأن الشرب من الشيء هو أن ~~يكون ابتداء شربه متصلا بذلك الشيء ، وهذا لا يحصل إلا بأن يشرب من النهر ، ~~وقال الباقون إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث ، لأن ذلك ~~وإن كان مجازا إلا أنه مجاز معروف مشهور . # إذا عرفت هذا فنقول : إن قوله : { فمن شرب منه فليس مني } ظاهره أن يكون ~~النهي مقصورا على الشرب من النهر ، حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلا ~~تحت النهي ، فلما كان هذا الاحتمال قائما في اللفظ الأول ذكر في اللفظ ~~الثاني ما يزيل هذا الإبهام ، فقال : { ومن لم يطعمه فإنه منى } أضاف الطعم ~~والشرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الإبهام . # أما قوله : { إلا من اغترف غرفة بيده } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { غرفة } بفتح الغين ، ~~وكذلك يعقوب وخلف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم ، قال أهل ~~اللغة الغرفة بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف ، والغرفة بالفتح الفعل ~~، وهو الاغتراف مرة واحدة ، ومثله الأكلة والأكلة ، يقال : فلان يأكل في ~~النهار أكله واحدة ، وما أكلت عندهم إلا أكلة بالضم أي شيئا قليلا كاللقمة ~~، ويقال : الحزة من اللحم بالضم للقطعة اليسيرة منه ، وحززت اللحم حزة أي ~~قطعته مرة واحدة ، ونحوه : الخطوة والخطوة بالضم مقدار ما بين القدمين ، ~~والخطوة أن يخطو مرة واحدة ، وقال المبرد : غرفة بالفتح مصدر يقع على قليل ~~ما في يده وكثيره والغرفة بالضم اسم ملء / الكف أو ما اغترف به . # المسألة الثانية : قوله : { إلا من اغترف } استثناء من قوله : { فمن شرب ~~منه فليس مني } وهذه الجملة في حكم المتصلة بالاستثناء ، إلا أنها قدمت في ~~الذكر للعناية . # المسألة الثالثة : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانت الغرفة يشرب منها ~~هو ودوابه وخدمه / ويحمل منها . # وأقول : هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما : أنه كان مأذونا أن يأخذ من ~~الماء ما شاءه مرة واحدة ، بغرفة واحدة ، بحيث كان المأخوذ في المرة ~~الواحدة يكفيه ولدوابه وخدمه ، ولأن يحمله مع نفسه والثاني : أنه كان يأخذ ms1882 ~~القليل إلا أن الله تعالى يجعل البركة فيه حتى يكفي لكل هؤلاء ، وهذا كان ~~معجزة لنبي ذلك الزمان ، كما أنه تعالى كان يروي الخلق العظيم من الماء ~~القليل في زمان محمد عليه الصلاة والسلام . # أما قوله تعالى : { فشربوا منه إلا قليلا منهم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبي والأعمش { إلا قليل } قال صاحب ( الكشاف ) : ~~وهذا بسبب ميلهم إلى المعنى ، وإعراضهم عن اللفظ ، لأن قوله : { فشربوا منه ~~} في معنى : فلم يطيعوه ، لا جرم حمل عليه كأنه قيل : فلم يطيعوه إلا قليل ~~منهم . # المسألة الثانية : قد ذكرنا أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز الصديق ~~عن الزنديق ، والموافق عن المخالف ، فلما ذكر الله تعالى أن الذين يكونون ~~أهلا لهذا القتال هم الذين لا يشربون من هذا النهر ، وأن كل PageV06P154 من ~~شرب منه فإنه لا يكون مأذونا في هذا القتال ، وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ~~ذلك القتال ، لا جرم أقدموا على الشرب ، فتميز الموافق عن المخالف ، ~~والصديق عن العدو ، ويروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد ~~، وقع أكثرهم في النهر ، وأكثروا الشرب ، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله ~~تعالى ، فلم يزيدوا على الاغتراف ، وأما الذين شربوا وخالفوا أمر الله ~~فاسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا ، وبقوا على شط النهر ، وجبنوا على ~~لقاء العدو ، وأما الذين أطاعوا أمر الله تعالى ، فقوي قلبهم وصح إيمانهم ، ~~وعبروا النهر سالمين . # المسألة الثالثة : القليل الذي لم يشرب قيل : إنه أربعة آلاف ، والمشهور ~~وهو قول الحسن أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلثمائة وبضعة عشر وهم المؤمنون ~~، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر : أنتم ~~اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن ، قال ~~البراء بن عازب : وكنا يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا . # أما قوله : { فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب ~~منه فليس } ففيه مسألتان : # / المسألة الأولى : لا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من ~~النهر رجعوا ms1883 إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاع الله ~~تعالى في باب الشرب من النهر ، وإنما اختلفوا في أن رجوعهم إلى بلدهم كان ~~قبل عبور النهر أو بعده ، وفيه قولان الأول : أنه ما عبر معه إلا المطيع ، ~~واحتج هذا القائل بأمور الأول : أن الله تعالى قال : { فلما فصل طالوت ~~بالجنود قال إن } فالمراد بقوله : { الذين ءامنوا معه } الذين وافقوه في ~~تلك الطاعة ، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر ، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا ~~النهر ، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين . # الحجة الثانية : الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت { فمن شرب ~~منه فليس مني } أي ليس من أصحابي في سفري ، كالرجل الذي يقول لغيره : لست ~~أنت منا في هذا الأمر ، قال : ومعنى { فشربوا منه } أي ليتسببوا به إلى ~~الرجوع ، وذلك لفساد دينهم وقلبهم . # الحجة الثالثة : أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي ~~والمتمرد ، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو ، وإذا ~~كان المقصود من هذا الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن ~~نفسه في ذلك الوقت وما أذن لهم في عبور النهر . # القول الثاني : أنه استصحب كل جنوده وكلهم عبروا النهر واعتمدوا في إثبات ~~هذا القول على قوله تعالى حكاية عن قوم طالوت { قالوا لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده } ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه ، ~~بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق ، وهذه الحجة ضعيفة ، وبيان ضعفها من ~~وجوه أحدها : يحتمل أن يقال : إن طالوت لما عزم على مجاوزة النهر وتخلف ~~الأكثرون ذكر المتخلفون أن عذرنا في هذا التخلف أنه لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت وجنوده فنحن معذورون في هذا التخلف ، أقصى ما في الباب أن يقال : إن ~~الفاء في قوله : { فلما جاوزه } تقتضي أن يكون قولهم : { لا طاقة لنا اليوم ~~بجالوت } إنما وقع بعد المجاوزة ، إلا أنا نقول يحتمل أن يقال : إن طالوت ~~والمؤمنين لما جاوزوا النهر ms1884 ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه ، سألهم عن سبب ~~التخلف فذكروا ذلك ، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع من المكالمة ، ~~PageV06P155 ويحتمل أن يكون المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة ، وعلى هذا ~~التقدير فالإشكال أيضا زائل . # والجواب الثاني : أنه يحتمل أن يقال : المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا ~~فريقين : بعضهم ممن يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالبا على ~~طبعه ، ومنهم من كان شجاعا قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة الله تعالى . # فالقسم الأول : هم الذين قالوا : { لا طاقة لنا اليوم } . # والقسم الثاني : هم الذين أجابوا بقولهم : { كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة } . # والجواب الثالث : يحتمل أن يقال : القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا ~~قلة عسكرهم قالوا : / { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } فلا بد أن نوطن ~~أنفسنا على القتل ، لأنه لا سبيل إلى الفرار من أمر الله ، والقسم الثاني ~~قالوا : لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر ، فكان غرض الأولين ~~الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة ، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب ~~الفتح والنصرة ، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض ~~الآخر . # المسألة الثانية : الطاقة مصدر بمنزلة الإطاقة ، يقال : أطقت الشيء إطاقة ~~وطاقة ، ومثلها أطاع إطاعة ، والاسم الطاعة ، وأغار يغير إغارة والاسم ~~الغارة ، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة وفي المثل : أساء سمعا فأساء جابة ~~، أي جوابا . # أما قوله تعالى : { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } ففيه سؤال ، وهو ~~أنه تعالى لم جعلهم ظانين ولم يجعلهم حازمين ؟ . # وجوابه : أن السبب فيه أمور الأول : وهو قول قتادة : أن المراد من لقاء ~~الله الموت ، قال عليه الصلاة والسلام : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ~~ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ) وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على ~~القتل ، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت ، لا جرم قيل في صفتهم : ~~إنهم يظنون أنهم ملاقوا الله الثاني : { الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } أي ~~ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة ، وذلك لأن أحدا لا يعلم عاقبة أمره ms1885 ، ~~فلا بد أن يكون ظانا راجيا وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر ، إلا من أخبر ~~الله بعاقبة أمره ، وهذا قول أبي مسلم وهو حسن . # الوجه الثالث : أن يكون المعنى : قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة الله ~~، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعا بأن هذا العمل الذي عمله طاعة ، ~~لأنه ربما أتى فيه بشيء من الرياء والسمعة ، ولا يكون بنية خالصة فحيئذ لا ~~يكون الفعل طاعة ، إنما الممكن فيه أن يظن أنه أتى به على نعت الطاعة ~~والإخلاص . # الوجه الرابع : أنا ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { أن يأتيكم التابوت فيه ~~سكينة من ربكم } أن المراد بالسكينة على قول بعض المفسرين أنه كان في ~~التابوت كتب إلهية نازلة على الأنبياء المتقدمين / دالة على حصول النصر ~~والظفر لطالوت وجنوده ، ولكنه ما كان في تلك الكتب أن النصر والظفر يحصل في ~~المرة الأولى أو بعدها ، فقوله : { الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } يعني ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر ، وإنما جعله ظنا لا يقينا لأن ~~حصوله في الجملة وإن كان قطعا إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على ~~PageV06P156 سبيل حسن الظن . # الوجه الخامس : قال كثير من المفسرين : المراد بقوله : { يظنون أنهم ~~ملاقوا الله } أنهم يعلمون ويوقنون ، إلا أنه أطلق لفظ الظن على اليقين على ~~سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكد الإعتقاد . # / أما قوله : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المراد منه تقوية قلوب الذين قالوا : { لا طاقة لنا ~~اليوم بجالوت وجنوده } والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة ~~بالتأييد الإلهي ، والنصر السماوي ، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة ~~والذلة ، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة . # المسألة الثانية : الفئة : الجماعة ، لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا ~~جماعة ، وقال الزجاج : أصل الفئة من قولهم : فأوت رأسه بالسيف ، وفأيت إذا ~~قطعت ، فالفئة الفرقة من الناس ، كأنها قطعة منهم . # المسألة الثالثة : قال الفراء : لو ألغيت من ms1886 ههنا جاز في فئة الرفع ~~والنصب والخفض ، أما النصب فلأن { كم } بمنزلة عدد فنصب ما بعده نحو عشرين ~~رجلا ، وأما الخفض فبتقدير دخول حرف { من } عليه ، وأما الرفع فعلى نية ~~تقديم الفعل كأنه قيل : كم غلبت فئة . # وأما قوله : { والله مع الصابرين } فلا شبهة أن المراد المعونة والنصرة ، ~~ثم يحتمل أن يكون هذا قولا للذين قالوا : { كم من فئة قليلة } ويحتمل أن ~~يكون قولا من الله تعالى ، وإن كان الأول أظهر . # ! 7 < { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 250 ) ولما برزوا لجالوت . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : المبارزة في الحروب ، هي أن يبرز كل واحد منهم لصاحبه ~~وقت القتال ، والأصل فيها أن الأرض الفضاء التي لا حجاب فيها يقال لها ~~البراز ، فكان البروز عبارة عن حصول كل واحد منهما في الأرض المسماة ~~بالبراز ، وهو أن يكون كل واحد منهما بحيث يرى صاحبه . # المسألة الثانية : أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ~~العوام والضعفاء أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، وأوضحوا ~~أن الفتح والنصرة لا يحصلان إلا بإعانة الله ، لا جرم لما برز عسكر طالوت ~~إلى عسكر جالوت ورأوا القلة في جانبهم ، والكثرة في جانب عدوهم ، لا جرم ~~اشتغلوا بالدعاء والتضرع ، فقالوا : { ربنا أفرغ علينا صبرا } ونظيره ما ~~حكى الله عن قوم آخرين أنهم قالوا حين الالتقاء مع المشركين : { وكأين من ~~نبى قاتل معه ربيون كثير } ( آل عمران : 146 ) / إلى قوله : { وما كان ~~قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين } ( آل عمران : 147 ) وهكذا كان PageV06P157 ~~يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل المواطن ، وروي عنه في قصة بدر ~~أنه عليه السلام لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده ، وكان متى لقي عدوا قال ~~: ( اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم ) وكان يقول : ( اللهم ~~بك أصول وبك أجول ) . # المسألة الثالثة : الإفراغ الصب ms1887 ، يقال : أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه ، ~~وأصله من الفراغ ، يقال : فلان فارغ معناه أنه خال مما يشغله ، والإفراغ ~~إخلاء الإناء مما فيه ، وإنما يخلو بصب كل ما فيه . # إذا عرفت هذا فنقول قوله : { أفرغ علينا صبرا } يدل على المبالغة في طلب ~~الصبر من وجهين أحدهما : أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا ~~يزول عنه ، وهذا يدل على التأكيد والثاني : أن إفراغ الإناء هو إخلاؤه ، ~~وذلك يكون بصب كل ما فيه ، فمعنى : أفرغ علينا صبرا : أي أصبب علينا أتم صب ~~وأبلغه . # المسألة الرابعة : اعلم أن الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ~~ثلاثة فأولها : أن يكون الإنسان صبورا على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة ~~، وهذا هو الركن الأعلى للمحارب فإنه إذا كان جبانا لا يحصل منه مقصود أصلا ~~وثانيها : أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات والاتفاقات الحسنة مما يمكنه ~~أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار وثالثها : أن تزداد قوته على قوة ~~عدوه حتى يمكنه أن يقهر العدو . # إذا عرفت هذا فنقول المرتبة الأولى : هي المراد من قوله : { أفرغ علينا ~~صبرا } والثانية : هي المراد بقوله : { وثبت أقدامنا } والثالثة : هي ~~المراد بقوله : { وانصرنا على القوم الكافرين } . # المسألة الخامسة : احتج الأصحاب على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ~~بقوله : { ربنا أفرغ علينا صبرا } وذلك لأنه لا معنى للصبر إلا القصد على ~~الثبات ، ولا معنى للثبات إلا السكون والاستقرار وهذه الآية دالة على أن ~~ذلك القصد المسمى بالصبر من الله تعالى ، وهو قوله : { أفرغ علينا صبرا } ~~وعلى أن الثبات والسكون الحاصل عند ذلك القصد أيضا بفعل الله تعالى ، وهو ~~قوله : { وثبت أقدامنا } وهذا صريح في أن الإرادة من فعل العبد وبخلق الله ~~تعالى ، أجاب القاضي عنه بأن المراد من الصبر وتثبيت القدم تحصيل أسباب ~~الصبر / وأسباب ثبات القدم ، وتلك الأسباب أمور أحدها : أن يجعل في قلوب ~~أعدائهم الرعب والجبن منهم فيقع بسبب ذلك منهم الاضطراب فيصير ذلك سببا ~~لجراءة المسلمين عليهم ، ويصير داعيا لهم إلى الصبر على القتال وترك ms1888 ~~الانهزام ، وثانيها : أن يلطف ببعض أعدائهم في معرفة بطلان ما هم عليه فيقع ~~بينهم الاختلاف والتفرق ويصير ذلك سببا لجراءة المؤمنين عليهم وثالثها : أن ~~يحدث تعالى فيهم وفي ديارهم وأهاليهم من / البلاء مثل الموت والوباء ، وما ~~يكون سببا لاشتغالهم بأنفسهم ، ولا يتفرغون حينئذ للمحاربة فيصير ذلك سببا ~~لجراءة المسلمين عليهم ورابعها : أن يبتليهم بمرض وضعف يعمهم أو يعم أكثرهم ~~، أو يموت رئيسهم ومن يدبر أمرهم فيعرف المؤمنون ذلك فيصير ذلك سببا لقوة ~~قلوبهم ، وموجبا لأن يحصل لهم الصبر والثبات ، هذا كلام القاضي . # والجواب عنه من وجهين : الأول : أنا بينا أن الصبر عبارة عن القصد إلى ~~السكوت والثبات عبارة عن السكون ، فدلت هذه الآية على أن إرادة العبد ~~ومراده من الله تعالى وذلك يبطل قولكم وأنتم تصرفون الكلام عن ظاهره ~~وتحملونه على أسباب الصبر وثبات الأقدام ، ومعلوم أن ترك الظاهر بغير دليل ~~لا يجوز . PageV06P158 # الوجه الثاني : في الجواب أن هذه الأسباب التي سلمتم أنها بفعل الله ~~تعالى إذا حصلت ووجدت فهل لها أثر في الترجيح الداعي أوليس لها أثر فيه وإن ~~لم يكن لها أثر فيه لم يكن لطلبها من الله قائدة وإن كان لها أثر في ~~الترجيح فعند صدور هذه الأسباب المرجحة من الله يحصل الرجحان ، وعند حصول ~~الرجحان يمتنع الطرف المرجوح ، فيجب حصول الطرف الراجح ، لأنه لا خروج عن ~~طرفي النقيض وهو المطلوب والله أعلم . # ! 7 < { فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة ~~وعلمه مما يشآء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولاكن الله ذو ~~فضل على العالمين } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 251 ) فهزموهم بإذن الله . . . . . # > > المعنى : أن الله تعالى استجاب دعاءهم ، وأفرغ الصبر عليهم ، وثبت ~~أقدامهم ، ونصرهم على القوم الكافرين : جالوت وجنوده وحقق بفضله ورحمته ظن ~~من قال : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله * بالخيرات بإذن الله ~~} وأصل الهزم في اللغة الكسر ، يقال سقاء منهزم إذا تشقق مع جفاف ، وهزمت ~~العظم أو القصبة هزما ، والهزمة نقرة في الجبل ، أو في الصخرة ، قال ms1889 سفيان ~~بن عيينة في زمزم : هي هزمة جبريل يريد هزمها برجله فخرج الماء ، ويقال : ~~سمعت هزمة / الرعد كأنه صوت فيه تشقق ، ويقال للسحاب : هزيم ، لأنه يتشقق ~~بالمطر ، وهزم الضرع وهزمه ما يكسر منه ، ثم أخبر تعالى أن تلك الهزيمة ~~كانت بإذن الله وبإعانته وتوفيقه وتيسيره ، وأنه لولا إعانته وتيسيره لما ~~حصل ألبتة ثم قال : { وقتل داوود جالوت } قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن ~~داود عليه السلام كان راعيا وله سبعة أخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته ~~على أبيهم إيشا أرسل ابنه داود إليهم ليأتيه بخبرهم ، فأتاهم وهم في المصاف ~~وبدر جالوت الجبار وكان من قوم عاد إلى البراز فلم يخرج إليه أحد فقال : يا ~~بني إسرائيل لو كنتم على حق لبارزني بعضكم فقال داود لإخوته أما فيكم من ~~يخرج إلى هذا الأقلف ؟ فسكتوا ، فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر ~~به طالوت وهو يحرض الناس ، فقال له داود : ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف ؟ ~~فقال طالوت : أنكحه ابنتي وأعطيه نصف ملكي فقال داود : فأنا خارج إليه وكان ~~عادته أن يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في الرعي ، وكان طالوت عارفا بجلادته ~~، فلما هم داود بأن يخرج رماه فأصابه في صدره ، ونفذ الحجر فيه ، وقتل بعده ~~ناسا كثيرا ، فهزم الله جنود جالوت { وقتل داوود جالوت } فحسده طالوت ~~وأخرجه من مملكته ، ولم يف له بوعده ، ثم ندم فذهب يطلبه إلى أن قتل ، وملك ~~داود وحصلت له النبوة ، ولم يجتمع في بني إسرائيل الملك والنبوة إلا له . # اعلم أن قوله : { فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت } يدل على أن هزيمة ~~عسكر جالوت كانت من طالوت وإن كان قتل جالوت ما كان إلا من داود ولا دلالة ~~في الظاهر على أن انهزام العسكر كان قبل قتل جالوت أو بعده ، لأن الواو لا ~~تفيد الترتيب . # PageV06P159 أما قوله تعالى : { وآتاه الله الملك والحكمة } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال بعضهم آتاه الله الملك والنبوة جزاء على ما فعل من ~~الطاعة العظيمة ، وبذل النفس في سبيل ms1890 الله ، مع أنه تعالى كان عالما بأنه ~~صالح لتحمل أمر النبوة ، والنبوة لا يمتنع جعلها جزاء على الطاعات كما قال ~~تعالى : { ولقد اخترناهم على علم على العالمين * وءاتيناهم من الايات ما ~~فيه بلؤ ا مبين } ( الدخان : 32 ، 33 ) وقال : { الله أعلم حيث يجعل رسالته ~~} ( الأنعام : 124 ) وظاهر هذه الآية يدل أيضا على ذلك لأنه تعالى لما حكى ~~عن داود أنه قتل جالوت ، قال بعده : { وآتاه الله الملك والحكمة } والسلطان ~~إذا أنعم على بعض عبيده الذين قاموا بخدمة شاقة ، يغلب على الظن أن ذلك ~~الإنعام لأجل تلك الخدمة ، وقال الأكثرون : إن النبوة لا يجوز جعلها جزاء ~~على الأعمال ، بل ذلك محض التفضل والإنعام / قال تعالى : { الله يصطفى من ~~الملائكة رسلا ومن الناس } ( الحج : 75 ) . # المسألة الثانية : قال بعضهم : ظاهر الآية يدل على أن داود حين قتل جالوت ~~آتاه الله الملك والنبوة ، وذلك لأنه تعالى ذكر إيتاء الملك والنبوة عقيب ~~ذكره لقتل داود جالوت ، وترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك ~~الوصف علة لذلك الحكم ، وبيان المناسبة أنه عليه السلام / لما قتل مثل ذلك ~~الخصم العظيم بالمقلاع والحجر ، كان ذلك معجزا ، لا سيما وقد تعلقت الأحجار ~~معه وقالت : خذنا فإنك تقتل جالوت بنا ، فظهور المعجز يدل على النبوة ، ~~وأما الملك فلأن القوم لما شاهدوا منه قهر ذلك العدو العظيم المهيب بذلك ~~العمل القليل ، فلا شك أن النفوس تميل إليه وذلك يقتضي حصول الملك له ظاهرا ~~، وقال الأكثرون : إن حصول الملك والنبوة له تأخر عن ذلك الوقت بسبع سنين ~~على ما قاله الضحاك ، قالوا والروايات وردت بذلك ، قالوا : لأن الله تعالى ~~كان قد عين طالوت للملك فيبعد أن يعزله عن الملك حال حياته ، والمشهور في ~~أحوال بني إسرائيل كان نبي ذلك الزمان أشمويل ، وملك ذلك الزمان طالوت ، ~~فلما توفي أشمويل أعطى الله تعالى النبوة لداود ، ولما مات طالوت أعطى الله ~~تعالى الملك لداود ، فاجتمع الملك والنبوة فيه . # المسألة الثالثة : { الحكمة } هي وضع الأمور مواضعها على الصواب والصلاح ~~، وكمال هذا المعنى إنما يحصل ms1891 بالنبوة ، فلا يبعد أن يكون المراد بالحكمة ~~ههنا النبوة ، قال تعالى : { ما ءاتاهم الله من فضله فقد ءاتينا ءال ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما فمنهم من ءامن به } ( النساء ~~: 54 ) وقال فيما بعث به نبيه عليه السلام { ويعلمهم الكتاب والحكمة } ( آل ~~عمران : 146 ) . # فإن قيل : فإذا كان المراد من الحكمة النبوة ، فلم قدم الملك على الحكمة ~~؟ مع أن الملك أدون حالا من النبوة . # قلنا : لأن الله تعالى بين في هذه الآية كيفية ترقي داود عليه السلام إلى ~~المراتب العالية ، وإذا تكلم المتكلم في كيفية الترقي ، فكل ما كان أكثر ~~تأخرا في الذكر كان أعلى حالا وأعظم رتبة . # أما قوله تعالى : { وعلمه مما يشاء } ففيه وجوه أحدها : أن المراد به ما ~~ذكره في قوله : { وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم } ( الأنبياء : ~~80 ) وقال : { وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر فى السرد } ( سبأ : ~~10 ، 11 ) وثانيها : أن المراد كلام الطير والنمل ، قال تعالى حكاية عنه : ~~{ علمنا منطق الطير } ( النمل : 16 ) PageV06P160 وثالثها : أن المراد به ~~ما يتعلق بمصالح الدنيا وضبط الملك ، فإنه ما ورث الملك من آبائه ، لأنهم ~~ما كانوا ملوكا بل كانوا رعاة ورابعها : علم الدين ، قال تعالى : { وءاتينا ~~* داوود * زبورا } ( النساء : 163 ) وذلك لأنه كان حاكما بين الناس ، فلا ~~بد وأن يعلمه الله تعالى كيفية الحكم والقضاء وخامسها : الألحان الطيبة ، ~~ولا يبعد حمل اللفظ على الكل . # فإن قيل : إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة ، وكان المراد بالحكمة ~~النبوة ، فقد دخل العلم في ذلك ، فلم ذكر بعده { علمه * مما يشاء } . # قلنا : المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن ~~التعلم ، سواء كان نبيا أو لم يكن ، ولهذا السبب قال لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم : { وقل رب زدنى علما } ( طه: 114 ) ثم قال تعالى : { ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض } . # / اعلم أنه تعالى لما بين أن الفساد الواقع بجالوت وجنوده زال بما كان من ~~طالوت وجنوده / وبما كان من داود من قتل ms1892 جالوت بين عقيب ذلك جملة تشتمل كل ~~تفصيل في هذا الباب ، وهو أنه تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض لكي لا تفسد ~~الأرض ، فقال : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض } وههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { ولولا دفع الله } ( البقرة : ~~25 ) بغير ألف ، وكذلك في سورة الحج { ولولا دفع الله } وقرآ جميعا { إن ~~الله * يدافع عن الذين ءامنوا } ( الحج : 38 ) بغير ألف ووافقهما عاصم ~~وحمزة والكسائي وابن عامر اليحصبي على دفع الله بغير ألف إلا أنهم قرؤا { ~~إن الله يدافع عن الذين ءامنوا } بالألف ، وقرأ نافع { ولولا * عبد الله } ~~و { إن الله يدافع } بالألف . # إذا عرفت هذه الروايات فنقول : أما من قرأ : { ولولا دفع الله } ، { إن ~~الله } فوجهه ظاهر ، وأما من قرأ : { ولولا * عبد الله } ، { إن الله يدافع ~~عن الذين ءامنوا } فوجه الإشكال فيه أن المدافعة مفاعلة ، وهي عبارة عن كون ~~كل واحد من المدافعين دافعا لصاحبه ومانعا له من فعله ، وذلك من العبد في ~~حق الله تعالى محال ، وجوابه أن لأهل اللغة في لفظ دفاع قولين أحدهما : أنه ~~مصدر لدفع ، تقول : دفعته دفعا ودفاعا ، كما تقول : كتبته كتبا وكتابا ، ~~قالوا : وفعال كثيرا يجيء مصدرا للثلاثي من فعل وفعل ، تقول : جمح جماحا ، ~~وطمح طماحا ، وتقول : لقيته لقاء ، وقمت قياما ، وعلى هذا التأويل كان قوله ~~: { ولولا * عبد الله } معناه ولولا دفع الله . # والقول الثاني : قول من جعل دفاع من دافع ، فالمعنى أنه سبحانه إنما يكف ~~الظلمة والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه ورسله وأئمة دينه وكان ~~يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات ، فحسن الإخبار ~~عنه بلفظ المدافعة ، كما قال : { يحاربون الله ورسوله } ( المائدة : 33 ) ، ~~{ وشاقوا * الله } ( الأنفال : 13 ) وكما قال : { قاتلهم الله } ( التوبة : ~~30 ) ونظائره والله أعلم . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية المدفوع والمدفوع به ~~، فقوله : { ولولا دفع الله الناس بعضهم } إشارة إلى المدفوع ، وقوله : { ~~ببعض } إشارة إلى المدفوع به ، فأما المدفوع عنه فغير مذكور في الآية ، ~~فيحتمل أن يكون ms1893 المدفوع عنه الشرور في الدين ويحتمل أن يكون المدفوع عنه ~~الشرور في الدنيا ، ويحتمل أن يكون مجموعهما . PageV06P161 # أما القسم الأول : وهو أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين ، فتلك ~~الشرور إما أن يكون المرجع بها إلى الكفر ، أو إلى الفسق ، أو إليهما ، ~~فلنذكر هذه الاحتمالات . # الاحتمال الأول : أن يكون المعنى : ولولا دفع الله بعض الناس عن الكفر ~~بسبب البعض ، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى فإنهم ~~الذين يمنعون الناس عن الوقوع في الكفر بإظهار الدلائل والبراهين والبينات ~~قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( ~~إبراهيم : 1 ) . # / والاحتمال الثاني : أن يكون المراد : ولولا دفع الله بعض الناس عن ~~المعاصي والمنكرات بسبب البعض ، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم القائمون ~~بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر على ما قال تعالى : { كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } ( آل عمران : 110 ) ويدخل ~~في هذا الباب : الأئمة المنصوبون من قبل الله تعالى لأجل إقامة الحدود ~~وإظهار شعائر الإسلام ونظيره قوله تعالى : { ادفع بالتى هى أحسن السيئة } ( ~~المؤمنون : 96 ) وفي موضع آخر : { ويدرؤن بالحسنة السيئة } ( الرعد : 22 ) ~~. # الاحتمال الثالث : ولولا دفع الله بعض الناس عن الهرج والمرج وإثارة ~~الفتن في الدنيا بسبب البعض ، واعلم أن الدافعين على هذا التقدير هم ~~الأنبياء عليهم السلام ، ثم الأئمة والملوك الذابون عن شرائعهم ، وتقريره : ~~أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعيش وحده ، لأنه ما لم يخبز هذا لذاك ولا ~~يطحن ذاك لهذا ، ولا يبني هذا لذاك ، ولا ينسج ذاك لهذا ، لا تتم مصلحة ~~الإنسان الواحد ، ولا تتم إلا عند اجتماع جمع في موضع واحد ، فلهذا قيل : ~~الإنسان مدني بالطبع ، ثم إن الاجتماع بسبب المنازعة المفضية إلى المخاصمة ~~أولا ، والمقاتلة ثانيا ، فلا بد في الحكمة الإلهية من وضع شريعة بين الخلق ~~، لتكون الشريعة قاطعة للخصومات والمنازعات ، فالأنبياء عليهم السلام الذين ~~أوتوا من عند الله بهذه الشرائع هم الذين دفع الله بسببهم وبسبب شريعتهم ~~الآفات عن الخلق فإن الخلق ما داموا يبقون متمسكين بالشرائع ms1894 لا يقع بينهم ~~خصام ولا نزاع ، فالملوك والأئمة متى كانوا يتمسكون بهذه الشرائع كانت ~~الفتن زائلة ، والمصالح حاصلة فظهر أن الله تعالى يدفع عن المؤمنين أنواع ~~شرور الدنيا بسبب بعثة الأنبياء عليهم السلام واعلم أنه كما لا بد في قطع ~~الخصومات والمنازعات من الشريعة فكذا لا بد في تنفيذ الشريعة من الملك ، ~~ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ( الإسلام والسلطان أخوان توأمان ) وقال ~~أيضا : ( الإسلام أمير ، والسلطان حارس ، فما لا أمير له فهو منهزم ، وما ~~لا حارس له فهو ضائع ) ولهذا يدفع الله تعالى عن المسلمين أنواع شرور ~~الدنيا بسبب وضع الشرائع وبسبب نصب الملوك وتقويتهم ، ومن قال بهذا القول ~~قال في تفسير قوله : { لفسدت الارض } أي لغلب على أهل الأرض القتل والمعاصي ~~، وذلك يسمى فسادا قال الله تعالى : { ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد } ( البقرة : 205 ) وقال : { أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالامس ~~إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الارض وما تريد أن تكون } ( القصص : 19 ) ~~وقال : { إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الارض الفساد } ( غافر : 26 ~~) وقال : { أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الارض } ( الأعراف : 127 ) وقال : { ~~ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس } ( الروم : 41 ) وهذا ~~التأويل يشهد له قوله في سورة الحج : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد } ( الحج : 40 ) . # الاحتمال الرابع : ولولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار ~~، لفسدت الأرض ولهلكت بمن PageV06P162 فيها ، وتصديق هذا ما روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( يدفع بمن يصلي من / أمتي عمن لا يصلي ، وبمن ~~يزكي عمن لا يزكي ، وبمن يصوم عمن لا يصوم ، وبمن يحج عمن لا يحج ، وبمن ~~يجاهد عمن لا يجاهد ، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله ~~طرفة عين ) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على صحة هذا ~~القول من القرآن قوله تعالى : { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى ~~المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ms1895 أبوهما صالحا } ( الكهف : 82 ) وقال تعالى ~~: { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } ( الفتح : 25 ) إلى قوله : { ولو * ~~تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } ( الفتح : 25 ) وقال : { وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ( الأنفال : 33 ) ومن قال بهذا القول قال في ~~تفسير قوله : { لفسدت الارض } أي لأهلك الله أهلها لكثرة الكفار والعصاة . # والاحتمال الخامس : أن يكون اللفظ محمولا على الكل ، لأن بين هذه الأقسام ~~قدرا مشتركا وهو دفع المفسدة ، فإذا حملنا اللفظ عليه دخلت الأقسام بأسرها ~~فيه . # المسألة الثالثة : قال القاضي : هذه الآية من أقوى ما يدل على بطلان ~~الجبر ، لأنه إذا كان الفساد من خلقه فكيف يصلح أن يقول تعالى : { ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض } ويجب أن لا يكون على قولهم لدفاع ~~الناس بعضهم ببعض تأثير في زوال الفساد وذلك لأن على قولهم الفساد إنما لا ~~يقع بسبب أن لا يفعله الله تعالى ولا يخلقه لا لأمر يرجع إلى الناس . # والجواب : أن الله تعالى لما كان عالما بوقوع الفساد ، فإذا صح مع ذلك ~~العلم أن لا يفعل الفساد كان المعنى أنه يصح من العبد أن يجمع بين عدم ~~الفساد وبين العلم بوجود الفساد ، فيلزم أن يكون قادرا على الجمع بين النفي ~~والإثبات وهو محال . # أما قوله : { ولاكن الله ذو فضل على العالمين } فالمقصود منه أن دفع ~~الفساد بهذا الطريق إنعام يعم الناس كلهم ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على ~~أن الكل بقضاء الله تعالى ، فقالوا : لو لم يكن فعل العبد خلقا لله تعالى ، ~~لم يكن دفع المحققين شر المبطلين فضلا من الله تعالى على أهل الدنيا لأن ~~المتولي لذلك الدفع إذا كان هو العبد من قبل نفسه وباختياره ولم يكن لله ~~تعالى { ولاكن الله ذو فضل على العالمين } عقيب قوله : { ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض } يدل على أنه تعالى ذو فضل على العالمين بسبب ذلك الدفع ~~، فدل هذا على أن ذلك الدفع الذي هو فعلهم هو من خلق الله تعالى ومن تقديره ~~. # فإن قالوا : يحمل هذا على ms1896 البيان والإرشاد والأمر . # قلنا : كل ذلك قائم في حق الكفار والفجار ولم يحصل منه الدفع ، فعلمنا أن ~~فضل الله ونعمته علينا إنما كان بسبب نفس ذلك الدفع وذلك يوجب قولنا والله ~~أعلم . # ! 7 < { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 252 ) تلك آيات الله . . . . . # > > اعلم أن قوله : { تلك } إشارة إلى القصص التي ذكرها من حديث الألوف ~~وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت ، وإظهار الآية التي هي نزول التابوت من ~~السماء ، وغلب الجبابرة على يد داود وهو صبي فقير ، ولا شك PageV06P163 أن ~~هذه الأحوال آيات باهرة دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته . # فإن قيل : لم قال : { تلك } ولم يقل : ( هذه ) مع أن تلك يشار بها إلى ~~غائب لا إلى حاضر ؟ . # قلنا : قد بينا في تفسير قوله : { ذالك الكتاب لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ~~) أن تلك وذلك يرجع إلى معنى هذه وهذا ، وأيضا فهذه القصص لما ذكرت صارت ~~بعد ذكرها كالشيء الذي انقضى ومضى ، فكانت في حكم الغائب فلهذا التأويل قال ~~: { تلك } . # أما قوله تعالى : { نتلوها } يعني يتلوها جبريل عليه السلام عليك لكنه ~~تعالى جعل تلاوة جبريل عليه السلام تلاوة لنفسه ، وهذا تشريف عظيم لجبريل ~~عليه السلام ، وهو كقوله : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( ~~الفتح : 10 ) . # أما قوله : { بالحق } ففيه وجوه أحدها : أن المراد من ذكر هذه القصص أن ~~يعتبر بها محمد صلى الله عليه وسلم ، وتعتبر بها أمته في احتمال الشدائد في ~~الجهاد ، كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة وثانيها : { بالحق } أي ~~باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب ، لأنه في كتبهم ، كذلك من غير تفاوت ~~أصلا وثالثها : إنا أنزلنا هذه الآيات على وجه تكون دالة في نبوتك بسبب ما ~~فيها من الفصاحة والبلاغة ورابعها : { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } ~~أي يجب أن يعلم أن نزول هذه الآيات عليك من قبل الله تعالى ، وليس بسبب ~~إلقاء الشياطين ، ولا بسبب تحريف الكهنة والسحرة . # ثم قال : { وإنك لمن المرسلين } وإنما ذكر هذا عقيب ما تقدم لوجوه أحدها ms1897 ~~: أنك أخبرت عن هذه الأقاصيص من غير تعلم ولا دراسة ، وذلك يدل على أنه ~~عليه الصلاة والسلام إنما ذكرها وعرفها بسبب الوحي من الله تعالى وثانيها : ~~أنك قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل ~~من الخوف عليهم والرد لقولهم ، فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك ، وخلاف من ~~خالف عليك ، لأنك مثلهم ، وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر ~~على سبيل الاختيار والتطوع ، لا على سبيل الإكراه ، فلا عتب عليك في خلافهم ~~وكفرهم والوبال في ذلك يرجع عليهم فيكون تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيما يظهر من الكفار والمنافقين ، ويكون قوله : { وإنك لمن المرسلين } ~~كالتنبيه على ذلك . # ! 7 < { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات وءاتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شآء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ولاكن اختلفوا فمنهم من ~~ءامن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولاكن الله يفعل ما يريد } . > ~~7 @QB@ < # | البقرة : ( 253 ) تلك الرسل فضلنا . . . . . # > > # في الآية مسائل : PageV06P164 # المسألة الأولى : { تلك } ابتداء ، وإنما قال : { تلك } ولم يقل أولئك ~~الرسل ، لأنه ذهب إلى الجماعة ، كأنه قيل : تلك الجماعة الرسل بالرفع ، ~~لأنه صفة لتلك وخبر الابتداء { فضلنا بعضهم على بعض } . # المسألة الثانية : في قوله : { تلك الرسل } أقوال أحدها : أن المراد منه ~~: من تقدم ذكرهم من الأنبياء عليهم السلام في القرآن ، كإبراهيم وإسماعيل ~~وإسحق ويعقوب وموسى وغيرهم صلوات الله عليهم والثاني : أن المراد منه من ~~تقدم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل وداود وطالوت على قول من يجعله نبيا ~~والثالث : وهو قول الأصم : تلك الرسل الذين أرسلهم الله لدفع الفساد ، ~~الذين إليهم الإشارة بقوله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لفسدت الارض } ( البقرة : 251 ) . # المسألة الثالثة : وجه تعليق هذه الآية بما قبلها ما ذكره أبو مسلم وهو ~~أنه تعالى أنبأ محمدا صلى الله عليه وسلم من أخبار المتقدمين مع قومهم ، ~~كسؤال قوم موسى { أرنا الله ms1898 جهرة } ( النساء : 153 ) وقولهم : { اجعل لنا ~~إلاها كما لهم ءالهة } ( الأعراف : 138 ) وكقوم عيسى بعد أن شاهدوا منه ~~إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله فكذبوه وراموا قتله ، ثم ~~أقام فريق على الكفر به وهم اليهود ، وفريق زعموا أنهم أولياؤه وادعت على ~~اليهود من قتله وصلبه ما كذبهم الله تعالى فيه كالملأ من بني إسرائيل حسدوا ~~طالوت ودفعوا ملكه بعد المسألة ، وكذلك ما جرى من أمر النهر ، فعزى الله ~~رسوله عما / رأى من قومه من التكذيب والحسد ، فقال : هؤلاء الرسل الذين كلم ~~الله تعالى بعضهم ، ورفع الباقين درجات وأيد عيسى بروح القدس ، قد نالهم من ~~قومهم ما ذكرناه بعد مشاهدة المعجزات ، وأنت رسول مثلهم فلا تحزن على ما ~~ترى من قومك ، فلو شاء الله لم تختلفوا أنتم وأولئك ، ولكن ما قضى الله فهو ~~كائن ، وما قدره فهو واقع وبالجملة فالمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول ~~صلى الله عليه وسلم على إيذاء قومه له . # المسألة الرابعة : أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض ، وعلى ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من الكل ، ويدل عليه وجوه أحدها : قوله ~~تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) فلما كان ~~رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين . # الحجة الثانية : قوله تعالى : { ورفعنا لك ذكرك } فقيل فيه لأنه قرن ذكر ~~محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد ولم يكن ذكر سائر ~~الأنبياء كذلك . # الحجة الثالثة : أنه تعالى قرن طاعته بطاعته ، فقال : { من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله } ( النساء : 80 ) وبيعته ببيعته فقال : { إن الذين يبايعونك ~~* إنما * يبايعونك الله يد الله فوق أيديهم } ( الفتح : 10 ) وعزته بعزته ~~فقال : { ولله العزة ولرسوله } ( المنافقون : 8 ) ورضاه برضاه فقال : { ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه } ( التوبة : 62 ) وإجابته بإجابته فقال : { ~~معرضون يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول } ( الأنفال : 24 ) . # الحجة الرابعة : أن الله تعالى أمر محمدا بأن يتحدى بكل سورة من القرآن ~~فقال : { فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) وأقصر السور سورة ms1899 الكوثر ~~وهي ثلاث آيات ، وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرآن ، ولما كان كل ~~القرآن ستة آلاف آية ، وكذا آية ، لزم أن لا يكون معجز القرآن معجزا واحدا ~~بل يكون ألفي معجزة وأزيد . PageV06P165 # وإذا ثبت هذا فنقول : إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات ، ~~فلأن يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى . # الحجة الخامسة : أن معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من معجزات سائر ~~الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء . # بيان الأول قوله عليه السلام : ( القرآن في الكلام كآدم في الموجودات ) . # بيان الثاني أن الخلعة كلما كانت أشرف كان صاحبها أكرم عند الملك . # الحجة السادسة : أن معجزته عليه السلام هي القرآن وهي من جنس الحروف ~~والأصوات وهي أعراض غير باقية وسائر معجزات سائر الأنبياء من جنس الأمور ~~الباقية ثم إنه سبحانه جعل معجزة محمد صلى الله عليه وسلم باقية إلى آخر ~~الدهر ، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية . # الحجة السابعة : أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال : ~~{ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) فأمر محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بالاقتداء بمن قبله ، فإما أن يقال : إنه كان مأمورا ~~بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد ، أو في فروع الدين ~~وهو غير جائز ، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع ، فلم يبق إلا أن يكون المراد ~~محاسن الأخلاق ، فكأنه سبحانه قال : إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم ، ~~فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتديا بهم في كلها ، وهذا يقتضي أنه ~~اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقا فيهم ، فوجب أن يكون أفضل منهم ~~. # الحجة الثامنة : أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضي أن تكون ~~مشقته أكثر ، فوجب أن يكون أفضل ، أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى : ~~{ وما أرسلناك إلا كافة للناس } ( سبأ : 28 ) وأما أن ذلك يقتضي أن تكون ~~مشتقه أكثر فلأنه كان إنسانا فردا من غير مال ولا أعوان وأنصار ، فإذا قال ~~لجميع ms1900 العالمين : يا أيها الكافرون صار الكل أعداء له ، وحينئذ يصير خائفا ~~من الكل ، فكانت المشقة عظيمة ، وكذلك فإن موسى عليه السلام لما بعث إلى ~~بني إسرائيل فهو ما كان يخاف أحدا إلا من فرعون وقومه ، وأما محمد عليه ~~السلام فالكل كانوا أعداء له ، يبين ذلك أن إنسانا لو قيل له : هذا البلد ~~الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم ~~وحيدا وبلغ إليه خبرا يوحشه ويؤذيه ، فإنه قلما سمحت نفسه بذلك ، مع أنه ~~إنسان واحد ، ولو قيل له : اذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنس ولا صديق ، ~~وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان ، ~~أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان مأمورا بأن يذهب طول ليله ونهاره في ~~كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا عهد له بهم ، بل المعتاد منهم أنهم ~~يعادونه ويؤذونه ويستخفونه ، ثم إنه عليه السلام لم يمل من هذه الحالة ولم ~~يتلكأ ، بل سارع إليها سامعا مطيعا ، فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين ~~الله أعظم المشاق ، ولهذا قال تعالى : { لا يستوى منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل } ( الحديد : 10 ) ومعلوم أن ذلك البلاء كان على الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، فإذا عظم فضل الصحابة بسبب تلك الشدة فما ظنك بالرسول ، ~~وإذا ثبت أن مشقته أعظم من مشقة غيره وجب أن يكون فضله أكثر من فضل غيره ~~لقوله عليه السلام : ( أفضل العبادات أحمزها ) . PageV06P166 # الحجة التاسعة : أن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان ، فيلزم أن يكون ~~محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء ، بيان الأول أنه تعالى جعل الإسلام ~~ناسخا لسائر الأديان ، والناسخ يجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام : ( من ~~سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) فلما كان هذا ~~الدين أفضل وأكثر ثوابا ، كان واضعه أكثر ثوابا من واضعي سائر الأديان ، ~~فيلزم أن يكون محمد عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء . # الحجة العاشرة : أمة محمد صلى الله ms1901 عليه وسلم أفضل الأمم ، فوجب أن يكون ~~محمد أفضل الأنبياء ، بيان الأول قوله تعالى : { كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~} ( آل عمران : 110 ) بيان الثاني أن هذه الأمة إنما / نالت هذه الفضيلة ~~لمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعونى يحببكم الله } ( آل عمران : 31 ) وفضيلة التابع توجب فضيلة ~~المتبوع ، وأيضا أن محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر ثوابا لأنه مبعوث إلى ~~الجن والإنس ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر ، لأن لكثرة المستجيبين أثرا في علو ~~شأن المتبوع . # الحجة الحادية عشر : أنه عليه السلام خاتم الرسل ، فوجب أن يكون أفضل ، ~~لأن نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول . # الحجة الثانية عشرة : أن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور منها : ~~كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم ، وقد حصل في حق ~~نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف ، وهي بالجملة على أقسام ، منها ~~ما يتعلق بالقدرة ، كإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، وإروائهم من ~~الماء القليل ، ومنها ما يتعلق لعلوم كالإخبار عن الغيوب ، وفصاحة القرآن ، ~~ومنها اختصاصه في ذاته بالفضائل ، نحو كونه أشرف نسبا من أشراف العرب ، ~~وأيضا كان في غاية الشجاعة ، كما روي أنه قال بعد محاربة علي رضي الله عنه ~~لعمرو بن ود : كيف وجدت نفسك يا علي ، قال : وجدتها لو كان كل أهل المدينة ~~في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم فقال : تأهب فإنه يخرج من هذا الوادي فتى ~~يقاتلك ، الحديث إلى آخره وهو مشهور ، ومنها في خلقه وحلمه ووفائه وفصاحته ~~وسخائه ، وكتب الحديث ناطقة بتفصيل هذه الأبواب . # الحجة الثالثة عشرة : قوله عليه السلام : ( آدم ومن دونه تحت لوائي يوم ~~القيام ) وذلك يدل على أنه أفضل من آدم ومن كل أولاده ، وقال عليه السلام : ~~( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وقال عليه السلام : ( لا يدخل الجنة أحد من ~~النبيين حتى أدخلها أنا ، ولا يدخلها أحد من الأمم حتى تدخلها أمتي ) وروى ~~أنس قال صلى الله عليه وسلم : ( أنا أول الناس خروجا ms1902 إذا بعثوا ، وأنا ~~خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا أيسوا ، لواء الحمد بيدي ، وأنا أكرم ~~ولد آدم على ربي ولا فخر ) وعن ابن عباس قال : جلس ناس من الصحابة يتذاكرون ~~فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثهم فقال بعضهم : عجبا إن الله اتخذ ~~إبراهيم خليلا ، وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليما ، وقال ~~آخر : فعيسى كلمة الله وروحه ، وقال آخر : آدم اصطفاه الله فخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال : قد سمعت كلامكم وحجتكم أن إبراهيم خليل الله وهو ~~كذلك ، وموسى نجى الله وهو كذلك ، وعيسى روح الله وهو كذلك ، وآدم اصطفاه ~~الله تعالى وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد ~~يوم القيامة ولا فخر / وأنا أول شافع وأنا أول مشفع يوم القيامة ولا فخر ، ~~وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ~~، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر . PageV06P167 # / الحجة الرابعة عشرة : روى البيهقي في ( فضائل الصحابة ) أنه ظهر علي بن ~~أبي طالب من بعيد فقال عليه السلام : هذا سيد العرب فقالت عائشة : ألست أنت ~~سيد العرب ؟ فقال أنا أسيد العالمين وهو سيد العرب ، وهذا يدل على أنه أفضل ~~الأنبياء عليهم السلام . # الحجة الخامسة عشرة : روى مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر ، بعثت إلى ~~الأحمر والأسود وكان النبي قبلي يبعث إلى قومه ، وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا ، ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر ، وأحلت لي الغنائم ولم تكن لأحد ~~قبلي ، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي ، فهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن ~~لا يشرك بالله شيئا ) وجه الاستدلال أنه صريح في أن الله فضله بهذه الفضائل ~~على غيره . # الحجة السادسة عشرة : قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي في تقرير هذا ~~المعنى : إن كل أمير فإنه تكون مؤنته على قدر رعيته ، فالأمير الذي تكون ~~أمارته على قرية تكون مؤنته بقدر تلك القرية ، ومن ملك ms1903 الشرق والغرب احتاج ~~إلى أموال وذخائر أكثر من أموال أمير تلك القرية فكذلك كل رسول بعث إلى ~~قومه فأعطي من كنوز التوحيد وجواهر المعرفة على قدر ما حمل من الرسالة ، ~~فالمرسل إلى قومه في طرف مخصوص من الأرض إنما يعطي من هذه الكنوز الروحانية ~~بقدر ذلك الموضع ، والمرسل إلى كل أهل الشرق والغرب إنسهم وجنهم لا بد وأن ~~يعطي من المعرفة بقدر ما يمكنه أن يقوم بسعيه بأمور أهل الشرق والغرب ، ~~وإذا كان كذلك كانت نسبة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى نبوة سائر ~~الأنبياء كنسبة كل المشارق والمغارب إلى ملك بعض البلاد المخصوصة ، ولما ~~كان كذلك لا جرم أعطي من كنوز الحكمة والعلم ما لم يعط أحد قبله ، فلا جرم ~~بلغ في العلم إلى الحد الذي لم يبلغه أحد من البشر قال تعالى في حقه : { ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى } ( النجم : 10 ) وفي الفصاحة إلى أن قال : ( أوتيت ~~جوامع الكلم ) وصار كتابه مهيمنا على الكتب وصارت أمته خير الأمم . # الحجة السابعة عشرة : روى محمد بن الحكيم الترمذي رحمه الله في كتاب ( ~~النوادر ) : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله ~~اتخذ إبراهيم خليلا ، وموسى نجيا ، واتخذني حبيبا ، ثم قال وعزتي وجلالي ~~لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي ) . # الحجة الثامنة عشرة : في ( الصحيحين ) عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل ~~رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من ~~زواياها ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البنيان فيقولون : ألا وضعت ههنا ~~لبنة فيتم بناؤك ؟ فقال محمد : كنت أنا تلك اللبنة ) . # الحجة التاسعة عشرة : أن الله تعالى كلما نادى نبيا في القرآن ناداه ~~باسمه { أجمعين ويئادم اسكن } ( البقرة : 35 ) ، / { وناديناه أن ياإبراهيم ~~* إبراهيم } ( الصافات : 104 ) ، { حديث موسى * إنى أنا ربك } ( طه: 10 ، ~~11 ) وأما النبي عليه السلام فإنه ناداه بقوله : { منتظرون ياأيها النبى } ~~، { الله وأطيعوا الرسول } وذلك يفيد الفضل . # واحتج ms1904 المخالف بوجوه الأول : أن معجزات الأنبياء كانت أعظم من معجزاته ، ~~فإن آدم عليه السلام كان مسجودا للملائكة ، وما كان محمد عليه السلام كذلك ~~، وإن إبراهيم عليه السلام ألقى في النيران العظيمة فانقلبت روحا وريحانا ~~عليه / وأن موسى عليه السلام أوتي تلك المعجزات العظيمة ، ومحمد ما كان ~~PageV06P168 له مثلها ، وداود لأن له الحديد في يده ، وسليمان كان الجن ~~والإنس والطير والوحش والرياح مسخرين له ، وما كان ذلك حاصلا لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم ، وعيسى أنطقه الله في الطفولية وأقدره على إحياء الموتى ~~وإبراء الأكمه والأبرص وما كان ذلك حاصلا لمحمد صلى الله عليه وسلم . # الحجة الثانية : أنه تعالى سمى إبراهيم في كتابه خليلا ، فقال : { واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا } ( النساء : 125 ) وقال في موسى عليه السلام { وكلم ~~الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) وقال في عيسى عليه السلام : { فنفخنا ~~فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وشيء من ذلك لم يقله في حق محمد عليه ~~السلام . # الحجة الثالثة : قوله عليه السلام : ( لا تفضلوني على يونس بن متى ) وقال ~~صلى الله عليه وسلم : ( لا تخيروا بين الأنبياء ) . # الحجة الرابعة : روي عن ابن عباس قال : كنا في المسجد نتذاكر فضل ~~الأنبياء فذكرنا نوحا بطول عبادته ، وإبراهيم بخلته ، وموسى بتكليم الله ~~تعالى إياه ، وعيسى برفعه إلى السماء ، وقلنا رسول الله أفضل منهم ، بعث ~~إلى الناس كافة ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وهو خاتم الأنبياء ، ~~فدخل رسول الله فقال : فيم أنتم ؟ فذكرنا له فقال : ( لا ينبغي لأحد أن ~~يكون خيرا من يحيى بن زكريا ) وذلك أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها . # والجواب : أن كون آدم عليه السلام مسجودا للملائكة لا يوجب أن يكون أفضل ~~من محمد عليه السلام ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( آدم ومن دونه تحت ~~لوائي يوم القيامة ) وقال : ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ) ونقل أن ~~جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، وهذا ~~أعظم من السجود ، وأيضا أنه تعالى صلى بنفسه على محمد ، وأمر ms1905 الملائكة ~~والمؤمنين بالصلاة عليه ، وذلك أفضل من سجود الملائكة ، ويدل عليه وجوه ~~الأول : أنه تعالى أمر الملائكة بسجود آدم تأديبا ، وأمرهم بالصلاة على ~~محمد صلى الله عليه وسلم تقريبا والثاني : أن الصلاة على محمد عليه السلام ~~دائمة إلى يوم القيامة ، وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا ~~مرة واحدة الثالث : أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة ، وأما الصلاة على ~~محمد صلى الله عليه وسلم فإنما تولاها رب العالمين ثم أمر بها الملائكة ~~والمؤمنين والرابع : أن الملائكة أمروا بالسجود / لآدم لأجل أن نور محمد ~~عليه السلام في جبهة آدم . # فإن قيل : إنه تعالى خص آدم بالعلم ، فقال : { وعلم ءادم الاسماء كلها } ~~( البقرة : 31 ) وأما محمد عليه السلام فقال في حقه : { ما كنت تدرى ما ~~الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) وقال : { ووجدك ضالا فهدى } ( الضحى ~~: 7 ) وأيضا فمعلم آدم هو الله تعالى ، قال : { وعلم ءادم الاسماء } ومعلم ~~محمد عليه السلام جبريل عليه السلام لقوله : { علمه شديد القوى } ( النجم : ~~5 ) . # والجواب : أنه تعالى قال في علم محمد صلى الله عليه وسلم : { وعلمك ما لم ~~تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ( النساء : 113 ) وقال عليه السلام : ~~( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) وقال تعالى : { الرحمان * علم القرءان } ( ~~الرحمن : 2 ) وكان عليه السلام يقول : ( أرنا الأشياء كما هي ) وقال تعالى ~~لمحمد عليه السلام : { وقل رب زدنى علما } ( طه: 114 ) وأما الجمع بينه ~~وبين قوله تعالى : { علمه شديد القوى } فذاك بحسب التلقين ، وأما التعليم ~~فمن الله تعالى ، كما أنه تعالى قال : { قل يتوفاكم ملك الموت } ( السجدة : ~~11 ) ثم قال تعالى : { الله يتوفى الانفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) . ~~PageV06P169 # فإن قيل : قال نوح عليه السلام { وما أنا بطارد المؤمنين } ( الشعراء : ~~114 ) وقال الله تعالى لمحمد عليه السلام : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ~~( الأنعام : 52 ) وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن . # قلنا : إنه تعالى قال : { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل ~~أن يأتيهم عذاب أليم } ( نوح : 1 ) فكان أول أمره العذاب ، وأما محمد ms1906 عليه ~~السلام فقيل فيه : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) ، ~~لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) إلى قوله : { * } ( التوبة : ~~128 ) إلى قوله : { رءوف * رحيم } فكان عاقبة نوح أن قال : { رب لا تذر على ~~الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة { ~~عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ( الإسراء : 79 ) وأما سائر المعجزات فقد ~~ذكر في ( كتب دلائل النبوة ) في مقابلة كل واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه ، والله أعلم . # وأما قوله تعالى : { منهم من كلم * الله } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المراد منه من كلمه الله تعالى ، والهاء تحذف كثيرا ~~كقوله تعالى : { وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) . # المسألة الثانية : قرىء { كلام الله } بالنصب ، والقراءة الأولى أدل على ~~الفضل ، لأن كل مؤمن فإنه يكلم الله على ما قال عليه السلام : ( المصلي ~~مناج ربه ) إنما الشرف في أن يكلمه الله تعالى ، وقرأ اليماني : { عبد الله ~~} من المكالمة ، ويدل عليه قولهم : كليم الله بمعنى مكالمه . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن من كلمه الله فالمسموع هو الكلام القديم ~~الأزلي ، الذي ليس بحرف ولا صوت أم غيره ؟ فقال الأشعري وأتباعه : المسموع ~~هو ذلك فإنه لما لم يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ، فكذا لا يستبعد سماع ما ليس ~~بمكيف ، وقال الماتريدي : سماع ذلك الكلام محال ، وإنما المسموع هو الحرف ~~والصوت . # / المسألة الرابعة : اتفقوا على أن موسى عليه السلام مراد بقوله تعالى : ~~{ منهم من كلم الله } قالوا وقد سمع من قوم موسى السبعون المختارون وهم ~~الذين أرادهم الله بقوله : { واختار موسى قومه سبعين رجلا } ( الأعراف : ~~155 ) وهل سمعه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ؟ اختلفوا فيه منهم ~~من قال : نعم بدليل قوله : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } ( النجم : 10 ) . # فإن قيل : إن قوله تعالى : { منهم من كلم الله } المقصود منه بيان غاية ~~منقبة أولئك الأنبياء الذين كلم الله تعالى ، ولهذا السبب لما بالغ في ~~تعظيم موسى عليه السلام ms1907 ، قال : { وكلم الله موسى تكليما } ثم جاء في ~~القرآن مكالمة بين الله وبين إبليس ، حيث قال : { أنظرنى إلى يوم يبعثون * ~~لله * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم } ( ص: 79 81 ) إلى ~~آخر هذه الآيات وظاهر هذه الآيات يدل على مكالمة كثيرة بين الله وبين إبليس ~~فإن كان ذلك يوجب غاية الشرف فكيف حصل لإبليس الذم وإن لم يوجب شرفا فكيف ~~ذكره في معرض التشريف لموسى عليه السلام حيث قال : { وكلم الله موسى تكليما ~~} ؟ . # والجواب : أن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى قال تلك الجوابات ~~معه من غير واسطة فلعل PageV06P170 الواسطة كانت موجودة . # أما قوله تعالى : { ورفع بعضهم درجات } ففيه قولان الأول : أن المراد منه ~~بيان أن مراتب الرسل متفاوتة ، وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلا ، ولم ~~يؤت أحدا مثله هذه الفضيلة ، وجمع لداود الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره ~~، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير والريح ، ولم يكن هذا حاصلا لأبيه داود ~~عليه السلام ، ومحمد عليه السلام مخصوص بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن ~~شرعه ناسخ لكل الشرائع ، وهذا إن حملنا الدرجات على المناصب والمراتب ، أما ~~إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضا وجه ، لأن كل واحد من الأنبياء أوتي ~~نوعا آخر من المعجزة لائقا بزمانه فمعجزات موسى عليه السلام ، وهي قلب ~~العصا حية ، واليد البيضاء ، وفلق البحر ، كان كالشبيه بما كان أهل ذلك ~~العصر متقدمين فيه وهو السحر ، ومعجزات عيسى عليه السلام وهي إبراء الأكمه ~~والأبرص ، وإحياء الموتى ، كانت كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه ~~، وهو الطب ، ومعجزة محمد عليه السلام ، وهي القرآن كانت من جنس البلاغة ~~والفصاحة والخطب والأشعار ، وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة ، ~~وبالبقاء وعدم البقاء ، وبالقوة وعدم القوة ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون ~~المراد بتفاوت الدرجات ما يتعلق بالدنيا ، وهو كثرة الأمة والصحابة وقوة ~~الدولة ، فإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان ~~مستجمعا للكل فمنصبه أعلى ومعجزاته أبقى وأقوى وقومه أكثر ودولته أعظم ~~وأوفر . # القول ms1908 الثاني : أن المراد بهذه الآية محمد عليه السلام ، لأنه هو المفضل ~~على الكل ، وإنما قال : { ورفع بعضهم درجات } على سبيل التنبيه والرمز كمن ~~فعل فعلا عظيما فيقال له : من فعل هذا / فيقول أحدكم أو بعضكم ويريد به ~~نفسه ، ويكون ذلك أفخم من التصريح به ، وسئل الحطيئة عن أشعر الناس ، فذكر ~~زهيرا والنابغة ، ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه ، ولو قال : ولو ~~شئت لذكرت نفسي لم يبق فيه فخامة . # فإن قيل : المفهوم من قوله : { ورفع بعضهم درجات } هو المفهوم من قوله : ~~{ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } فما الفائدة في التكرير ؟ وأيضا قوله : ~~{ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } كلام كلي ، وقوله بعد ذلك : { منهم من ~~كلم الله } شروع في تفصيل تلك الجملة ، وقوله بعد ذلك : { ورفع بعضهم درجات ~~} إعادة لذلك الكلي ، ومعلوم أن إعادة الكلام بعد الشروع في تفصيل جزئياته ~~يكون مستدركا . # والجواب : أن قوله : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } يدل على إثبات ~~تفضيل البعض على البعض ، فأما أن يدل على أن ذلك التفضيل حصل بدرجات كثيرة ~~أو بدرجات قليلة فليس فيه دلالة عليه فكان قوله : { ورفع بعضهم درجات } فيه ~~فائدة زائدة فلم يكن تكريرا . # أما قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : أنه تعالى قال في أول الآية : { فضلنا بعضهم على بعض } ثم ~~عدل عن هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال : { منهم من كلم الله ورفع ~~بعضهم درجات } ثم عدل من المغايبة إلى النوع الأول فقال : { ولقد ءاتينا ~~ابن مريم البينات } فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى المغايبة ثم ~~عنها إلى المخاطبة مرة أخرى ؟ . PageV06P171 # والجواب : أن قوله : { منهم من كلم الله } أهيب وأكثر وقعا من أن يقال ~~منهم من كلمنا ، ولذلك قال : { وكلم الله موسى تكليما } فلهذا المقصود ~~اختار لفظة الغيبة . # وأما قوله : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا } فإنما اختار لفظ ~~المخاطبة ، لأن الضمير في قوله : { وءاتينا } ضمير التعظيم وتعظيم المؤتى ~~يدل على عظمة الإيتاء . # السؤال الثاني : لم خص موسى ms1909 وعيسى من بين الأنبياء بالذكر ؟ وهل يدل ذلك ~~على أنهما أفضل من غيرهما ؟ . # والجواب : سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما وأيضا ~~فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين ~~فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما ، كأنه قيل : هذان الرسولان مع ~~علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما ، بل نازعوا ~~وخالفوا ، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا . # السؤال الثالث : تخصيص عيسى بن مريم بإيتاء البينات ، يدل أو يوهم أن ~~إيتاء البينات ما حصل في غيره ، ومعلوم أن ذلك غير جائز فإن قلت : إنما ~~خصهما بالذكر لأن تلك البينات / أقوى ؟ فنقول : إن بينات موسى عليه السلام ~~كانت أقوى من بينات عيسى عليه السلام ، فإن لم تكن أقوى فلا أقل من ~~المساواة . # الجواب : المقصود منه التنبيه على قبح أفعال اليهود ، حيث أنكروا نبوة ~~عيسى عليه السلام مع ما ظهر على يديه من البينات اللائحة . # السؤال الرابع : البينات جمع قلة ، وذلك لا يليق بهذا المقام . # قلنا : لا نسلم أنه جمع قلة ، والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وأيدناه بروح القدس } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : القدس تثقله أهل الحجاز وتخففه تميم . # المسألة الثانية : في تفسيره أقوال الأول : قال الحسن : القدس هو الله ~~تعالى ، وروحه جبريل عليه السلام ، والإضافة للتشريف ، والمعنى أعناه ~~بجبريل عليه السلام في أول أمره وفي وسطه وفي آخره ، أما في أول الأمر ~~فلقوله : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وأما في وسطه فلأن ~~جبريل عليه السلام علمه العلوم ، وحفظه من الأعداء ، وأما في آخر الأمر ~~فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل عليه السلام ورفعه إلى السماء والذي ~~يدل على أن روح القدس جبريل عليه السلام قوله تعالى : { قل نزله روح القدس ~~} ( النحل : 102 ) . # والقول الثاني : وهو المنقول عن ابن عباس أن روح القدس هو الاسم الذي كان ~~يحيي به عيسى عليه السلام الموتى . # والقول الثالث : وهو قول أبي مسلم : أن روح القدس الذي أيد به يجوز أن ~~يكون الروح الطاهرة التي نفخها الله تعالى ms1910 فيه ، وأبانه بها عن غيره ممن ~~خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى . # ثم قال تعالى : { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم ~~البينات } وفيه مسائل : PageV06P172 # المسألة الأولى : تعلق هذه بما قبلها هو أن الرسل بعدما جاءتهم البينات ، ~~ووضحت لهم الدلائل والبراهين ، اختلفت أقوامهم ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~، وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا . # المسألة الثانية : احتج القائلون بأن كل الحوادث بقضاء الله وقدره بهذه ~~الآية ، وقالوا تقدير الآية : ولو شاء الله أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا ، ~~والمعنى أن عدم الاقتتال لازم لمشيئة عدم الاقتتال ، وعدم اللازم يدل على ~~عدم اللزوم ، فحيث وجد الاقتتال علمنا أن مشيئه عدم الاقتتال مفقودة ، بل ~~كان الحاصل هو مشيئة الاقتتال ، ولا شك أن ذلك الاقتتال معصية ، فدل ذلك ~~على أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان بقضاء الله وقدره ومشيئته ، وعلى ~~أن قتل الكفار وقتالهم للمؤمنين بإرادة الله تعالى . # / وأما المعتزلة فقد أجابوا عن الاستدلال ، وقالوا : المقصود من الآية ~~بيان أن الكفار إذا قتلوا فليس ذلك بغلبة منهم لله تعالى وهذا المقصود يحصل ~~بأن يقال : إنه تعالى لو شاء لأهلكهم وأبادهم أو يقال : لو شاء لسلب القوى ~~والقدر منهم أو يقال : لو شاء لمنعهم من القتال جبرا وقسرا وإذا كان كذلك ~~فقوله : { ولو شاء الله } المراد منه هذه الأنواع من المشيئة ، وهذا كما ~~يقال : لو شاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته ، ولم تشرب النصارى ~~الخمر ، والمراد منه المشيئة التي ذكرناها ، وكذا ههنا ، ثم أكد القاضي هذه ~~الأجوبة وقال : إذا كانت المشيئة تقع على وجوه وتنتفي على وجوه لم يكن في ~~الظاهر دلالة على الوجه المخصوص ، لا سيما وهذه الأنواع من المشيئة متباينة ~~متنافية . # والجواب : أن أنواع المشيئة وإن اختلفت وتباينت إلا أنها مشتركة في عموم ~~كونها مشيئة ، والمذكور في الآية في معرض الشرط هو المشيئة من حيث إنها ~~مشيئة ، لا من حيث إنها مشيئة خاصة ، فوجب أن يكون هذا المسمى حاصلا ، ~~وتخصيص المشيئة بمشيئة خاصة ، وهي إما مشيئة الهلاك ms1911 ، أو مشيئة سلب القوى ~~والقدر ، أو مشيئة القهر والإجبار ، تقييد للمطلق وهو غير جائز ، وكما أن ~~هذا التخصيص على خلاف ظاهر اللفظ فهو على خلاف الدليل القاطع ، وذلك لأن ~~الله تعالى إذا كان عالما بوقوع الاقتتال ، والعلم بوقوع الاقتتال حال عدم ~~وقوع الاقتتال جمع بين النفي والإثبات ، وبين السلب والإيجاب ، فحال حصول ~~العلم بوجود الاقتتال لو أراد عدم الاقتتال لكان قد أراد الجمع بين النفي ~~والإثبات وذلك محال ، فثبت أن ظاهر الآية على ضد قولهم ، والبرهان القاطع ~~على ضد قولهم وبالله التوفيق . # ثم قال : { ولاكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر } فقد ذكرنا في أول ~~الآية أن المعنى : ولو شاء لم يختلفوا ، وإذا لم يختلفوا لم يقتتلوا ، وإذا ~~اختلفوا فلا جرم اقتتلوا ، وهذه الآية دالة على أن الفعل لا يقع إلا بعد ~~حصول الداعي ، لأنه بين أن الاختلاف يستلزم التقاتل ، والمعنى أن اختلافهم ~~في الدين يدعوهم إلى المقاتلة ، وذلك يدل على أن المقاتلة لا تقع إلا لهذا ~~الداعي ، وعلى أنه متى حصل هذا الداعي وقعت المقاتلة ، فمن هذا الوجه يدل ~~على أن الفعل ممتنع الوقوع عند عدم الداعي ، وواجب عند حصول الداعي ، ومتى ~~ثبت ذلك ظهر أن الكل بقضاء الله وقدره ، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى ~~داعية يخلقها الله في العبد دفعا للتسلسل ، فكانت الآية دالة أيضا من هذا ~~الوجه على صحة مذهبنا . # ثم قال : { ولو شاء الله ما اقتتلوا } فإن قيل : فما الفائدة في التكرير ~~؟ . # قلنا : قال الواحدي رحمه الله تعالى : إنما كرره تأكيدا للكلام وتكذيبا ~~لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند PageV06P173 أنفسهم ولم يجر به قضاء ولا قدر ~~من الله تعالى . # ثم قال : { ولاكن الله يفعل ما يريد } فيوفق من يشاء ويخذل من يشاء لا ~~اعتراض عليه في فعله / واحتج الأصحاب بهذه الآية على أنه تعالى هو الخالق ~~لإيمان المؤمنين ، وقالوا : لأن الخصم يساعد على أنه تعالى يريد الإيمان من ~~المؤمن ، ودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد ، فوجب أن يكون الفاعل لإيمان ~~المؤمن ms1912 هو الله تعالى ، وأيضا لما دل على أنه يفعل كل ما يريد فلو كان يريد ~~الإيمان من الكفار لفعل فيهم الإيمان ، ولكانوا مؤمنين ، ولما لم يكن كذلك ~~دل على أنه تعالى لا يريد الإيمان منهم ، فكانت هذه الآية دالة على مسألة ~~خلق الأعمال ، وعلى مسألة إرادة الكائنات والمعتزلة يقيدون المطلق ويقولون ~~: المراد يفعل كل ما يريد من أفعال نفسه ، وهذا ضعيف لوجوه أحدها : أنه ~~تقييد للمطلق والثاني : أنه على هذا التقييد تصير الآية بيانا للواضحات ~~فإنه يصير معنى الآية أنه يفعل ما يفعله الثالث : أن كل أحد كذلك فلا يكون ~~في وصف الله تعالى بذلك دليلا على كمال قدرته وعلو مرتبته والله أعلم . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا ~~بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 254 ) يا أيها الذين . . . . . # > > اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال ، وبذل المال ~~في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق ، وأيضا فيه وجه ~~آخر ، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله : { وقاتلوا في سبيل الله ~~} ثم أعقبه بقوله : { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } ( البقرة : 245 ) ~~والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد ، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال ~~وذكر فيه قصة طالوت ، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد ، وهو قوله : { ~~يريد يأيها الذين ءامنوا أنفقوا } . # إذا عرفت وجه النظم فنقول في الآية مسائل : # المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالا بقوله ~~: { أنفقوا مما رزقناكم } فنقول : الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان ~~رزقا بالإجماع أما ما كان حراما فإنه لا يجوز إنفاقه ، وهذا يفيد القطع بأن ~~الرزق لا يكون حراما ، والأصحاب قالوا : ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر ~~بإنفاق كل ما كان رزقا إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا حلالا ~~. # المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله : { أنفقوا } مختص بالإنفاق الواجب ~~كالزكاة أم هو عام / في ms1913 كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، فقال ~~الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة ، قال لأن قوله : { من قبل أن يأتى يوم لا ~~بيع فيه ولا خلة } كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب وقال الأكثرون : ~~هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب ، وليس في الآية وعيد ، فكأنه قيل : ~~حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا ، فإنكم PageV06P174 إذا خرجتم من ~~الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة والقول الثالث : أن المراد ~~منه الإنفاق في الجهاد : والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد ، فكان ~~المراد منه الإنفاق في الجهاد ، وهذا قول الأصم . # المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { لا بيع * ولا خلة ولا شفاعة ~~} بالنصب ، وفي سورة إبراهيم عليه السلام { لا بيع فيه ولا خلال } ( ~~إبراهيم : 31 ) وفي الطور { لا لغو فيها ولا تأثيم } ( الطور : 23 ) ~~والباقون جميعا بالرفع ، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله : { ~~فلا رفث ولا فسوق ولا جدال } ( البقرة : 197 ) . # المسألة الرابعة : المقصود من الآية أن الإنسان يجىء وحده ، ولا يكون معه ~~شيء مما حصله في الدنيا ، قال تعالى : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ~~أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } ( الأنعام : 94 ) وقال : { ونرثه ~~ما يقول ويأتينا فردا } ( مريم : 80 ) . # أما قوله : { لا بيع فيه } ففيه وجهان الأول : أن البيع ههنا بمعنى ~~الفدية ، كما قال : { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } ( الحديد : 15 ) وقال : { ~~ولا يقبل منها عدل } ( البقرة : 123 ) وقال : { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ ~~منها } ( الأنعام : 7 ) فكأنه قال : من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه ~~فتكتسب ما تفتدي به من العذاب والثاني : أن يكون المعنى : قدموا لأنفسكم من ~~المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا ~~مبايعة حتى يكتسب شيء من المال . # أما قوله : { ولا خلة } فالمراد المودة / ونظيره من الآيات قوله تعالى : ~~{ الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) وقال : { ~~وتقطعت بهم الاسباب } ( البقرة : 166 ) وقال : { ويوم القيامة يكفرون * ~~بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ms1914 بعضا } ( العنكبوت : 25 ) وقال حكاية عن الكفار : { ~~فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم } ( الشعراء : 100 ) وقال : { وما ~~للظالمين من أنصار } ( البقرة : 270 ) وأما قوله : { ولا شفاعة } يقتضي نفي ~~كل الشفاعات . # واعلم أن قوله : { ولا خلة ولا شفاعة } عام في الكل ، إلا أن سائر ~~الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين ، وعلى ثبوت الشفاعة ~~للمؤمنين ، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله } ( البقرة : 281 ) { لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة } ~~( البقرة : 48 ) . # واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها : أن كل ~~أحد يكون مشغولا بنفسه ، على ما قال تعالى : { لكل امرىء منهم يومئذ شأن } ~~( عبس : 37 ) والثاني : أن الخوف الشديد غالب على كل أحد ، على ما قال : { ~~عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى } ( الحج : 2 ) والثالث : أنه إذا نزل العذاب بسبب ~~الكفر والفسق صار / مبغضا لهذين الأمرين ، وإذا صار مبغضا لهما صار مبغضا ~~لمن كان موصوفا بهما . # أما قوله تعالى : { والكافرون هم الظالمون } فنقل عن عطاء بن يسار أنه ~~كان يقول : الحمد لله الذي قال : { والكافرون هم الظالمون } ولم يقل ~~الظالمون هم الكافرون ، ثم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها أحدها : أنه ~~تعالى لما قال : { ولا خلة ولا شفاعة } أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقا ~~، فذكر تعالى عقيبه : { والكافرون هم الظالمون } ليدل على أن ذلك النفي ~~مختص بالكافرين ، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة PageV06P175 على إثبات ~~الشفاعة في حق الفساق ، قال القاضي : هذا التأويل غير صحيح لأن قوله : { ~~والكافرون هم الظالمون } كلام مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم . # والجواب : أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ تطرق الخلف إلى كلام الله تعالى ~~، لأن غير الكافرين قد يكون ظالما ، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال ~~فوجب المصير إلى تعليقه بما قبله . # التأويل الثاني : أن الكافرين إذا دخلوا النار عجزوا عن التخلص عن ذلك ~~العذاب ms1915 ، فالله تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب ، بل هم الذين ظلموا أنفسهم ~~حيث اختاروا الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب ، ونظيره قوله ~~تعالى : { ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } ( الكهف : 49 ) . # والتأويل الثالث : أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم ~~فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الاختيار الردىء ~~، ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله . # والتأويل الرابع : الكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأمور في غير ~~مواضعها ، لتوقعهم الشفاعة ممن لا يشفع لهم عند الله ، فإنهم كانوا يقولون ~~في الأوثان : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) ، وقالوا أيضا : { ~~ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) فمن عبد جمادا وتوقع ~~أن يكون شفيعا له عند الله فقد ظلم نفسه حيث توقع الخير ممن لا يجوز التوقع ~~منه . # والتأويل الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق ، قال تعالى : { اتت ~~أكلها ولم تظلم منه شيئا } ( الكهف : 3 ) أي أعطت ولم تمنع فيكون معنى ~~الآية والكافرون التاركون للإنفاق في سبيل الله ، وأما المسلم فلا بد وأن ~~ينفق منه شيئا قل أو كثر . # والتأويل السادس : { والكافرون هم الظالمون } أي هم الكاملون في الظلم ~~البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال : العلماء هم المتكلمون أي هم ~~الكاملون في العلم فكذا ههنا ، وأكثر هذه الوجوه قد ذكرها القفال رحمه الله ~~والله أعلم . # PageV06P176 ! 7 < { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا ~~نوم له ما في السماوات وما في الا رض من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء وسع كرسيه ~~السماوات والا رض ولا يؤوده حفظهما وهو العلى العظيم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 255 ) الله لا إله . . . . . # > > اعلم أن من عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط هذه ~~الأنواع الثلاثة بعضها بالبعض ، أعني علم التوحيد ، وعلم الأحكام ، وعلم ~~القصص ، والمقصود من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد ، وإما المبالغة ms1916 في ~~إلزام الأحكام والتكاليف ، وهذا الطريق هو الطريق الأحسن لا إبقاء الإنسان ~~في النوع الواحد لأنه يوجب الملال ، فأما إذا انتقل من نوع من العلوم إلى ~~نوع آخر فكأنه يشرح به الصدر ويفرح به القلب ، فكأنه سافر من بلد إلى بلد ~~آخر وانتقل من بستان إلى بستان آخر ، وانتقل من تناول طعام لذيذ إلى تناول ~~نوع آخر ، ولا شك أنه يكون ألذ وأشهى ، ولما ذكر فيما تقدم من علم الأحكام ~~ومن علم القصص ما رآه مصلحة ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد ، فقال : { ~~الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في فضائل هذه الآية روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : / ( ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين ~~يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة ) وعن علي أنه قال : سمعت ~~نبيكم على أعواد المنبر وهو يقول : ( من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة ~~مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ، ولا يواظب عليها إلا صديق أو ~~عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره ~~والأبيات التي حوله ) وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي : أين ~~أنتم من آية الكرسي ، ثم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا ~~علي سيد البشر آدم ، وسيد العرب محمد ولا فخر ، وسيد الكلام القرآن ، وسيد ~~PageV07P003 القرآن البقرة ، وسيد البقرة آية الكرسي ) وعن علي أنه قال : ~~لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ماذا ~~يصنع ، قال فجئت وهو ساجد يقول : يا حي يا قيوم ، لا يزيد على ذلك ، ثم ~~رجعت إلى القتال ثم جئت وهو يقول ذلك ، فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه ، ~~وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له . # واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم فكلما كان المذكور ~~والمعلوم أشرف كان الذكر والعلم أشرف ، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله ms1917 ~~سبحانه بل هو متعال عن أن يقال : إنه أشرف من غيره ، لأن ذلك يقتضي نوع ~~مجانسة ومشاكلة ، وهو مقدس عن مجانسة ما سواه ، فلهذا السبب كل كلام اشتمل ~~على نعوت جلاله وصفات كبريائه ، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال والشرف ، ~~ولما كانت هذه الآية كذلك لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى ~~الغايات وأبلغ النهايات . # المسألة الثانية : اعلم أن تفسير لفظة { الله } قد تقدم في أول الكتاب ~~وتفسير قوله { لا إلاه إلا هو } قد تقدم في قوله { وإلاهكم إلاه واحد لا ~~إلاه إلا هو } ( البقرة : 163 ) بقي هاهنا أن نتكلم في تفسير قوله : { الحى ~~القيوم } وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول : أعظم أسماء الله { الحى ~~القيوم } وما روينا أنه صلوات الله وسلامه عليه ما كان يزيد على ذكره في ~~السجود يوم بدر يدل على عظمة هذا الاسم والبراهين العقلية دالة على صحته ~~وتقريره / ومن الله التوفيق : أنه لا شك في وجود الموجودات فهي إما أن تكون ~~بأسراها ممكنة ، وإما أن تكون بأسراها واجبة وإما أن تكون بعضها ممكنة ~~وبعضها واجبة لا جائز أن تكون بأسراها ممكنة ، لأن كل مجموع فهو مفتقر إلى ~~كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزاء هذا المجموع ممكن والمفتقر إلى الممكن ~~أولى بالإمكان ، فهذا المجموع ممكن بذاته وكل واحد من أجزائه ممكن فإنه لا ~~يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح مغاير له ، فهذا المجموع مفتقر بحسب كونه ~~مجموعا وبحسب كل واحد من أجزائه إلى مرجح مغاير له وكل ما كان مغايرا لكل ~~الممكنات لم يكن ممكنا فقد وجد موجود ليس بممكن ، فبطل القول بأن كل موجود ~~ممكن وأما القسم الثاني وهو أن يقال الموجودات بأسرها واجبة فهذا أيضا باطل ~~. لأنه لو حصل / وجودان كل واحد منهما واجب لذاته لكانا مشتركين في الوجوب ~~بالذات ومتغايرين بالنفي ، وما به المشاركة مغاير لما به الممايزة ، فيكون ~~كل واحد منهما مركبا في الوجوب الذي به المشاركة ، ومن الغير الذي به ~~الممايزة ، وكل مركب ms1918 فهو مفتقر إلى كل واحد من جزئه وجزء غيره ، وكل مركب ~~فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فلو كان واجب ~~الوجود أكثر من واحد لما كان شيء منها واجب الوجود وذلك محال ، ولما بطلل ~~هذان القسمان ثبت أنه حصل في مجموع الموجودات موجود واحد واجب الوجود لذاته ~~وإن كل ما عداه فهو ممكن لذاته موجود بإيجاد ذلك الموجود الذي هو واجب ~~الوجود لذاته ، ولما بطل هذان فالواجب لذاته موجود لذاته وبذاته ، ومستغن ~~في وجوده عن كل ما سواه ، وأما كل ما سواه فمفتقر في وجوده وماهيته إلى ~~إيجاد الواجب لذاته ، فالواجب لذاته قائم بذاته وسبب لتقوم كل ما سواه في ~~ماهيته وفي وجوده ، فهو القيوم الحي بالنسبة إلى كل الموجودات ، فالقيوم هو ~~المتقوم بذاته ، المقوم لكل ما عداه في ماهيته ووجوده ، ولما كان واجب ~~الوجود لذاته كان هو القيوم الحق بالنسبة إلى الكل ، ثم إنه لما كان المؤثر ~~في الغير إما أن يكون مؤثرا على سبيل العلية والإيجاب وإما أن يكون مؤثرا ~~على سبيل الفعل والاختيار : لا جرم أزال وهم كونه مؤثرا بالعلية والإيجاب ~~بقوله { الحى القيوم } فإن { الحى } هو الدرك PageV07P004 الفعال ، فبقوله ~~{ الحى } دل على كونه عالما قادرا ، وبقوله { القيوم } دل على كونه قائما ~~بذاته ومقوما لكل ما عداه ، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة ~~في علم التوحيد . # فأولها : أن واجب الوجود واحد بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء ، ~~وبرهانه أن كل مركب فإنه مفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه وجزؤه ~~غيره ، وكل مركب فهو متقوم بغيره ، والمتقوم بغيره لا يكون متقوما بذاته ، ~~فلا يكون قيوما ، وقد بينا بالبرهان أنه قيوم وإذا ثبت أنه تعالى في ذاته ~~واحد ، فهذا الأصل له لازمان أحدها : أن واجب الوجود واحد بمعنى أنه ليس في ~~الوجود شيئان كل واحد منهما واجب لذاته إذ لو فرض ذلك لاشتركا في الوجوب ~~وتباينا في التعين ، وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فيلزم كون كل ~~واحد ms1919 منهما في ذاته مركبا من جزأين ، وقد بينا بيان أنه محال . # اللازم الثاني : أنه لما امتنع في حقيقته أن تكون مركبة من جزأين امتنع ~~كونه متحيزا ، لأن كل متحيز فهو منقسم ، وقد ثبت أن التركيب عليه ممتنع ، ~~وإذا ثبت أنه ليس بمتحيزا امتنع كونه في الجهة ، لأنه لا معنى للمتحيز إلا ~~ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسية ، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيز وليس في الجهة ~~، امتنع أن يكون له أعضاء وحركة وسكون . # وثانيها : أنه لما كان قيوما كان قائما بذاته ، وكونه قائما بذاته يستلزم ~~أمور : # / اللازم الأول : أن لا يكون عرضا في موضوع ، ولا صورة في مادة / ولا ~~حالا في محل أصلا لأن الحال مفتقر إلى المحل والمفتقر إلى الغير لا يكون ~~قيوما بذاته . # واللازم الثاني : قال بعض العلماء : لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة ~~المعلوم للعالم ، فإذا كان قيوما بمعنى كونه قائما بنفسه لا بغيره كانت ~~حقيقته حاضررة عند ذاته ، وإذا كان لا معنى للعلم إلا هذا الحضور ، وجب أن ~~تكون حقيقته معلومة لذاته فإذن ذاته معلومة لذاته ، وكل ما عداه فإنه إنما ~~يحصل بتأثيره ، ولأنا بينا أنه قيوم بمعنى كونه مقوما لغيره ، وذلك التأثير ~~إن كان بالاختيار فالفاعل المختار لا بد وأن يكون له شعور بفعله وإن كان ~~بالإيجاب لزم أيضا كونه عالما بكل ما سواه لأن ذاته موجبة لكل ما سواه ، ~~وقد دللنا على أنه يلزم من كونه قائما بالنفس لذاته كونه عالما بذاته ، ~~والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول ، فعلى التقديرات كلها يلزم من كونه ~~قيوما كونه عالما بجميع المعلومات . # وثالثها : لما كان قيوما لكل ما سواه كان كل ما سواه محدثا ، لأن تأثيره ~~في تقويم ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقاء ذلك الغير لأن تحصيل الحاصل ~~محال فهو إما حال عدمه وإما حال حدوثه وعلى التقديرين وجب أن يكون الكل ~~محدثا . # ورابعها : أنه لما كان قيوما لكل الممكنات استندت كل الممكنات إليه إما ~~بواسطة أو بغير واسطة ، وعلى التقديرين كان القول بالقضاء والقدر حقا ms1920 ، ~~وهذا مما قد فصلناه وأوضحناه في هذا الكتاب في آيات كثيرة فأنت إن ساعدك ~~التوفيق وتأملت في هذه المعاقد التي ذكرناها علمت أنه لا سبيل إلى الإحاطة ~~بشيء من المسائل المتعلقة بالعلم الإلاهي إلا بواسطة كونه تعالى حيا قيوما ~~فلا جرم لا يبعد أن يكون الاسم الأعظم هو هذا ، وأما سائر الآيات الإلاهية ~~، كقوله { وإلاهكم إلاه واحد لا إلاه إلا هو } ( البقرة : 163 ) وقوله { ~~شهد الله أنه PageV07P005 لا إلاه إلا هو } ( آل عمران : 18 ) ففيه بيان ~~التوحيد بمعنى نفي الضد والند ، وأما قوله { قل هو الله أحد } ( الصمد : 1 ~~) ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند ، وبمعنى أن حقيقته غير مركبة من ~~الأجزاء ، وأما قوله { إن ربكم الله الذى خلق * السماوات والارض } ( ~~الأعراف : 54 ) ففيه بيان صفة الربوبية وليس فيه بيان وحدة الحقيقة ، أما ~~قوله { الحى القيوم } فإنه يدل على الكل لأن كونه قيوما يقتضي أن يكون ~~قائما بذاته ، وأن يكون مقوما لغيره وكونه قائما بذاته يقتضي الوحدة بمعنى ~~نفي الكثرة في حقيقته ، وذلك يقتضي الوحدة بمعنى نفي الضد والند ويقتضي نفي ~~التحيز وبواسطته يقتضي نفي الجهة ، وأيضا كونه قيوما بمعنى كونه مقوما ~~لغيره يقتضي حدوث كل ما سواه جسما كان أو روحا عقلا كان أو نفسا ، ويقتضي ~~استناد الكل إليه وانتهاء جملة الأسباب والمسببات إليه ، وذلك يوجب القول ~~بالقضاء والقدر فظهر أن هذين اللفظين كالمحيطين بجميع مباحث العلم الإلاهي ~~، فلا جرم بلغت هذه الآية في الشرف إلى المقصد الأقصى واستوجب أن يكون هو ~~الاسم الأعظم من أسماء الله تعالى . # / ثم إنه تعالى لما بين أنه حي قيوم أكد ذلك بقوله { لا تأخذه سنة ولا ~~نوم } والمعنى : أنه لا يغفل عن تدبير الخلق ، لأن القيم بأمر الطفل لو غفل ~~عنه ساعة لاختل أمر الطفل ، فهو سبحانه قيم جميع المحدثات ، وقيوم الممكنات ~~، فلا يمكن أن يغفل عن تدبيرهم ، فقوله { لا تأخذه سنة ولا نوم } كالتأكيد ~~لبيان كونه تعالى قائما ، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل : إنك لو سنان نائم ، ~~ثم إنه ms1921 تعالى لما بين كونه قيوما بمعنى كونه قائما بذاته ، مقوما لغيره ، ~~رتب عليه حكما وهو قوله { له ما في السماوات وما في الارض } لأنه لما كان ~~كل ما سواه إنما تقومت ماهيته / وإنما يحصل وجوده بتقويمه وتكوينه وتخليقه ~~لزم أن يكون كل ما سواه ملكا له وملكا له ، وهو المراد من قوله { له ما في ~~السماوات وما في الارض } ثم لما ثبت أنه هو الملك والمالك لكل ما سواه ، ~~ثبت أن حكمه في الكل جار ليس لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره ~~، وهو المراد بقوله { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ثم لما بين أنه ~~يلزم من كونه مالكا للكل ، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه ، ~~بين أيضا أنه يلزم من كونه عالما بالكل وكون غيره غير عالم بالكل ، أن لا ~~يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه إلا بإذنه ، وهو قوله { يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم } وهو إشارة إلى كونه سبحانه عالما بالكل ، ثم قال : ~~{ ولا يحيطون بشيء من علمه } وهو إشارة إلى كون غيره غير عالم بجميع ~~المعلومات ، ثم إنه لما بين كمال ملكه وحكمه في السماوات وفي الأرض ، بين ~~أن ملكه فيما وراء السماوات والأرض أعظم وأجل ، وأن ذلك مما لا تصل إليه ~~أوهام المتوهمين وينقطع دون الارتقاء إلى أدنى درجة من درجاتها المتخيلين ، ~~فقال : { وسع كرسيه السماوات والارض } ثم بين أن نفاذ حكمه وملكه في الكل ~~على نعت واحد ، وصورة واحدة ، فقال : { ولا * يؤده * حفظهما } ثم لما بين ~~كونه قيوما بمعنى كونه مقوما للمحدثات والممكنات والمخلوقات ، بين كونه ~~قيوما بمعنى قائما بنفسه وذاته ، منزها عن الاحتياج إلى غيره في أمر من ~~الأمور ، فتعالى عن أن يكون متحيزا حتى يحتاج إلى مكان ، أو متغيرا حتى ~~يحتاج إلى زمان ، فقال : { وهو العلى العظيم } فالمراد منه العلو والعظمة ، ~~بمعنى أنه لا يحتاج إلى غيره في أمر من الأمور ، ولا ينسب غيره في صفة من ~~الصفات ولا في نعت من ms1922 النعوت ، فقال : { وهو العلى العظيم } إشارة إلى ما ~~بدأ به في الآية من كونه قيوما بمعنى كونه قائما بذاته مقوما لغيره ، ومن ~~أحاط عقله بما ذكرنا علم أنه ليس عند العقول البشرية من الأمور الإلاهية ~~كلام أكمل ، ولا برهان أوضح مما اشتملت عليه هذه الآيات . PageV07P006 # وإذا عرفت هذه الأسرار ، فلنرجع إلى ظاهر التفسير . # أما قوله { الله لا إلاه إلا هو } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : { الله } رفع بالابتداء ، وما بعده خبره . # / المسألة الثانية : قال بعضهم : الإلاه هو المعبود ، وهو خطأ لوجهين ~~الأول : أنه تعالى كان إلاها في الأزل ، وما كان معبودا والثاني : أنه ~~تعالى أثبت معبودا سواه في القرآن بقوله { إنكم وما تعبدون من دون الله } ( ~~الأنبياء : 98 ) بل الإلاه هو القادر على ما إذا فعله كان مسحتقا للعبادة . # أما قوله { الحى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الحي أصله حيي كقوله : حذر وطمع فأدغمت الياء في الياء ~~عند اجتماعهما ، وقال ابن الأنباري : أصله الحيو ، فلما اجتمعت الياء ~~والواو ثم كان السابق ساكنا فجعلنا ياء مشددة . # المسألة الثانية : قال المتكلمون الحي كل ذات يصح أن يعلم ويقدر ، ~~واختلفوا في أن هذا المفهوم صفة موجودة أم لا ، فقال بعضهم : إنه عبارة عن ~~كون الشيء بحيث لا يمتنع أنه يعلم ويقدر ، وعدم الامتناع لا يكون صفة ~~موجودة ، وقال المحققون : ولما كانت الحياة عبارة عن عدم الامتناع ، وقد ~~ثبت أن الامتناع أمر عدمي ، إذ لو كان وصفا موجودا لكان الموصوف به موجودا ~~، فيكون ممتنع الوجود موجودا وهو محال ، وثبت أن الامتناع عدم ، وثبت أن ~~الحياة عدم هذا الامتناع . وثبت أن عدم العدم وجود ، لزم أي يكون المفهوم ~~من الحياة صفة موجودة وهو المطلوب . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لما كان معنى الحي هو أنه الذي يصح أن ~~يعلم ويقدر ، وهذا القدر حاصل لجميع الحيوانات ، فكيف يحسن أن يمدح الله ~~نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات . # والذي عندي في هذا الباب أن الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن هذه الصحة ، ~~بل كل شيء كان كاملا في ms1923 جنسه ، فإنه يسمى حيا ، ألا ترى أن عمارة الأرض ~~الخربة تسمى : إحياء الموات ، وقال تعالى : { فانظر إلىءاثار رحمة الله كيف ~~يحى الارض بعد موتها } ( الروم : 50 ) وقال : { إلى بلد ميت فأحيينا به ~~الارض } ( فاطر : 9 ) والصفة المسماة في عرف المتكلمين ، إنما سميت بالحياة ~~لأن كمال حال الجسم أن يكون موصوفا بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة ~~وكمال حال الأشجار أن لا تكون مورقة خضرة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة ~~وكمال الأرض أن تكون معمورة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة فثبت أن المفهوم ~~الأصلي من لفظ الحي كونه واقعا على أكمل أحواله وصفاته ، وإذا كان كذلك فقد ~~زال الإشكال لأن المفهوم من الحي هو الكامل ، ولما لم يكن ذلك مقيدا بأنه ~~كامل في هذا دون ذاك دل على أنه كامل على الإطلاق ، فقوله الحي يفيد كونه ~~كاملا على الإطلاق ، والكامل هو أن لا يكون قابلا للعدم ، لا في ذاته ولا ~~في صفاته الحقيقة ولا في صفاته النسبية والإضافية ، ثم عند هذا إن خصصنا ~~القيوم بكونه سببا لتقويم غيره فقد زال الإشكال ، لأن كونه سببا لتقويم ~~غيره يدل على كونه متقوما بذاته ، وكونه قيوما يدل على كونه مقوما لغيره ، ~~وإن جعلنا القيوم اسما يدل على كونه / يتناول المتقوم بذاته والمقوم لغيره ~~كان لفظ القيوم مفيدا فائدة لفظ الحي مع زيادة ، فهذا ما عندي في هذا الباب ~~والله أعلم . PageV07P007 # أما قوله تعالى : { القيوم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : القيوم في اللغة مبالغة في القائم ، فلما اجتمعت الياء ~~والواو ثم كان السابق ساكنا جعلتا ياء مشددة ، ولا يجوز أن يكون على فعول ، ~~لأنه لو كان كذا لكان قووما ، وفيه ثلاث لغات : قيوم ، وقيام وقيم ، ويروى ~~عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ : الحي القيام ومن الناس من قال هذه اللفظة ~~عبرية لا عربية ، لأنهم يقولون : حيا قيوما ، وليس الأمر كذلك ، لأنا بينا ~~أن له وجها صحيحا في اللغة ، ومثله ما في الدار ديار وديور ، ودير ، وهو من ~~الدوران ، أي ما بها ms1924 خلق يدور ، يعني : يجيء ويذهب ، وقال أمية بن أبي ~~الصلت : # % قدرها المهيمن القيوم % % # المسألة الثانية : اختلفت عبارات المفسرين في هذا الباب ، فقال مجاهد : ~~القيوم القائم على كل شيء ، وتأويله أنه قائم بتدبير أمر الخلق في إيجادهم ~~، وفي أرزاقهم ، ونظيره من الآيات قوله تعالى : { أفمن هو قائم على كل نفس ~~بما كسبت } ( الرعد : 33 ) وقال : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو } ( آل ~~عمران : 18 ) إلى قوله { قائما بالقسط } وقال : { إن الله يمسك * السماوات ~~والارض * أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده } ( فاطر : 41 ) ~~وهذا القول يرجع حاصله إلى كونه مقوما لغيره ، وقال الضحاك : القيوم الدائم ~~الوجود الذي يمتنع عليه التغير ، وأقول : هذا القول يرجع معناه إلى كونه ~~قائما بنفسه في ذاته وفي وجوده ، وقال بعضهم : القيوم الذي لا ينام ~~بالسريانية ، وهذا القول بعيد ، لأنه يصير قوله { لا تأخذه سنة ولا نوم } . # أما قوله تعالى : { لا تأخذه سنة ولا نوم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : { * السنة } ما يتقدم من الفتور الذي يسمى النعاس . # فإن قيل : إذ كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم ، فإذا قال : { القيوم لا ~~تأخذه سنة } فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى ، وكان ذكر ~~النوم تكريرا . # قلنا : تقدير الآية : لا تأخذه سنة فضلا عن أن يأخذه النوم . # المسألة الثانية : الدليل العقلي دل على أن النوم والسهو والغفلة محالات ~~على الله تعالى ، لأن هذه الأشياء ، إما أن تكون عبارات عن عدم العلم ، أو ~~عن أضداد العلم ، وعلى التقديرين فجواز طريانها يقتضي جواز زوال علم الله ~~تعالى ، فلو كان كذلك لكانت ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون عالما ، ويصح أن ~~لا يكون عالما ، فحينئذ يفتقر حصول صفة العلم له إلى الفاعل ، والكلام فيه ~~كما في الأول والتسلسل محال فلا بد وأن ينتهي إلى من يكون علمه صفة واجبة ~~الثبوت ممتنعة الزوال ، / وإذا كان كذلك كان النوم والغفلة والسهو عليه ~~محالا . # المسألة الثالثة : يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حكي عن موسى ~~عليه السلام ms1925 أنه وقع في نفسه : هل ينام الله تعالى أم لا ، فأرسل الله إليه ~~ملكا فأرقه ثلاثا ، ثم أعطاه قارورتين في كل يد واحدة ، وأمره بالاحتفاظ ~~بهما ، وكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فانكسرت ~~القارورتان ، فضرب الله تعالى ذلك مثلا له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر ~~على حفظ السماوات والأرض . PageV07P008 # واعلم أن مثل هذا لا يمكن نسبته إلى موسى عليه السلام ، فإن من جوز النوم ~~على الله أو كان شاكا في جوازه كان كافرا ، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى ، ~~بل إن صحت الرواية ، . فالواجب نسبة هذا السؤال إلى جهال قومه . # أما قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الارض } فالمراد من هذه ~~الإضافة إضافة الخلق والملك ، وتقديره ما ذكرنا من أنه لما كان واجب الوجود ~~واحدا كان ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ممكن فله مؤثر ، وكل ما له مؤثر ~~فهو محدث فإذن كل ما سواه فهو محدث بإحداثه مبدع بإبداعه فكانت هذه الإضافة ~~إضافة الملك والإيجاد . # فإن قيل : لم قال : { له ما في السماوات } ولم يقل : له من في السماوات ؟ ~~. # قلنا : لما كان المراد إضافة ما سواه إليه بالمخلوقية ، وكان الغالب عليه ~~ما لا يعقل أجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ { ما } وأيضا فهذه الأشياء ~~إنما أسندت إليه من حيث إنها مخلوقة ، وهي من حيث إنها مخلوقة غير عاقلة ، ~~فعبر عنها بلفظ { ما } للتنبيه على أن المراد من هذه الإضافة إليه الإضافة ~~من هذه الجهة . # واعلم أن الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله ~~تعالى ، قالوا : لأن قوله { له ما في السماوات وما في الارض } يتناول كل ما ~~في السماوات والأرض ، وأفعال العباد من جملة ما في السماوات والأرض ، فوجب ~~أن تكون منتسبة إلى الله تعالى انتساب الملك والخلق ، وكما أن اللفظ يدل ~~على هذا المعنى فالعقل يؤكده ، وذلك لأن كل ما سواه فهو ممكن لذاته ، ~~والممكن لذاته لا يترجح إلا بتأثير واجب الوجود لذاته ms1926 ، وإلا لزم ترجح ~~الممكن من غير مرجح وهو محال . # أما قوله تعالى : { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله { من ذا الذى } استفهام معناه الإنكار والنفي ، أي ~~لا يشفع عنده أحد إلا بأمره وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع ~~لهم وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يقولون { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى } ( الزمر : 3 ) وقولهم { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ~~) ثم بين تعالى / أنهم لا يجدون هذا المطلوب . فقال : { ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم } ( يونس : 18 ) فأخبر الله تعالى أنه لا ~~شفاعة عنده لأحد إلا من استثناه الله تعالى بقوله { إلا بإذنه } ونظيره ~~قوله تعالى : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمان وقال صوابا } ( النبأ : 38 ) . # المسألة الثانية : قال القفال : إنه تعالى لا يأذن في الشفاعة لغير ~~المطيعين ، إذ كان لا يجوز في حكمته التسوية بين أهل الطاعة وأهل المعصية ، ~~وطول في تقريره . # وأقول : إن هذا القفال عظيم الرغبة في الاعتزال حسن الإعتقاد في كلماتهم ~~، ومع ذلك فقد كان قليل الإحاطة بأصولهم ، وذلك لأن من مذهب البصريين منهم ~~أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في العقول ، إلا أن السمع دل على أن ذلك لا ~~يقع ، وإذا كان كذلك كان الاستدلال العقلي على المنع من الشفاعة في حق ~~العصاة خطأ على قولهم ، بل على مذهب الكعبي أن العفو عن المعاصي قبيح عقلا ~~، فإن كان القفال على PageV07P009 مذهب الكعبي ، فحينئذ يستقيم هذا ~~الاستدلال ، إلا أن الجواب عنه يرد ذلك من وجوه الأول : أن العقاب حق الله ~~تعالى وللمستحق أن يسقط حق نفسه ، بخلاف الثواب فإنه حق العبد فلا يكون لله ~~تعالى أن يسقطه ، وهذا الفرق ذكره البصريون في الجواب عن شبهة الكعبي ~~والثاني : أن قوله : لا يجوز التسوية بين المطيع والعاصي إن أراد به أنه لا ~~يجوز التسوية بينهما في أمر من الأمور فهو جهل ، لأنه تعالى قد سوى بينهما ~~في الخلق والحياة ms1927 والرزق وإطعام الطيبات ، والتمكين من المرادات وإن كان ~~المراد أنه لا يجوز التسوية بينهما في كل الأمور فنحن نقول بموجبه ، فكيف ~~لا يقول ذلك والمطيع لا يكون له جزع ، ولا يكون خائفا من العقاب ، والمذنب ~~يكون في غاية الخوف وربما يدخل النار ويتألم مدة ، ثم يخلصه الله تعالى عن ~~ذلك العذاب بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم . # واعلم أن القفال رحمه الله كان حسن الكلام في التفسير دقيق النظر في ~~تأويلات الألفاظ إلا أنه كان عظيم المبالغة في تقرير مذهب المعتزلة مع أنه ~~كان قليل الحظ من علم الكلام قليل النصيب من معرفة كلام المعتزلة . # أما قوله تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الضمير لما في السماوات والأرض ، ~~لأن فيهم العقلاء ، أو لما دل عليه { من ذا } من الملائكة والأنبياء . # المسألة الثانية : في الآية وجوه أحدها : قال مجاهد ، وعطاء ، والسدي { ~~ما بين أيديهم } ما كان قبلهم من أمور الدنيا { وما خلفهم } ما يكون بعدهم ~~من أمر الآخرة والثاني : قال الضحاك والكلبي { يعلم ما بين أيديهم } يعني ~~الآخرة لأنهم يقدمون عليها { وما خلفهم } الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ~~ظهورهم والثالث : قال عطاء عن ابن عباس { يعلم ما بين أيديهم } من السماء ~~إلى الأرض { وما خلفهم * يريد * ما في السماوات * بإذنه يعلم ما بين أيديهم ~~} بعد انقضاء آجالهم { وما خلفهم } أي ما كان من قبل أن يخلقهم والخامس : ~~ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك . # واعلم أن المقصود من هذا الكلام : أنه سبحانه عالم بأحوال الشافع ~~والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق العقاب والثواب ، لأنه عالم بجميع ~~المعلومات لا يخفى عليه خافية ، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من ~~الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله تعالى ، ولا يعلمون أن ~~الله تعالى هل أذن لهم في تلك الشفاعة وأنهم يستحقون المقت والزجر على ذلك ~~، وهذا يدل على أنه ليس لأحد من الخلائق أن يقدم على الشفاعة إلا بإذن الله ~~تعالى . # المسألة ms1928 الثالثة : هؤلاء المذكورون في هذه الآية يحتمل أن يكون هم ~~الملائكة ، وسائر من يشفع يوم القيامة من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين . # أما قوله { ولا يحيطون بشيء من علمه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المراد بالعلم هاهنا كما يقال : اللهم اغفر لنا علمك ~~فينا ، أي معلومك وإذا ظهرت آية عظيمة ، قيل : هذه قدرة الله ، أي مقدوره ~~والمعنى : أن أحدا لا يحيط بمعلومات الله تعالى . PageV07P010 # المسألة الثانية : احتج بعض الأصحاب بهذه الآية في إثبات صفة العلم لله ~~تعالى وهو ضعيف لوجوه أحدها : أن كلمة { من } للتبعيض ، وهي داخلة هاهنا ~~على العلم . فلو كان المراد من العلم نفس الصفة لزم دخول التبعيض في صفة ~~الله تعالى وهو محال والثاني : أن قوله { بما شاء } لا يأتي في العلم إنما ~~يأتي في المعلوم والثالث : أن الكلام إنما وقع هاهنا في المعلومات ، ~~والمراد أنه تعالى عالم بكل المعلومات ، والخلق لا يعلمون كل المعلومات ، ~~بل لا يعلمون منها إلا القليل . # المسألة الثالثة : قال الليث : يقال لكل من أحرز شيئا ، أو بلغ علمه ~~أقصاه قد أحاط به ، وذلك لأنه علم بأول الشيء وآخره بتمامه صار العلم ~~كالمحيط به . # أما قوله { إلا بما شاء } ففيه قولان أحدها : أنهم لا يعلمون شيئا من ~~معلوماته إلا ما شاء هو أن يعلمهم كما حكي عنهم أنهم قالوا { لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا } والثاني : أنهم لا يعلمون الغيب إلا عند إطلاع الله بعض ~~أنبيائه على بعض الغيب ، كما قال : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * ~~إلا من ارتضى من رسول } . # أما قوله تعالى : { وسع كرسيه السماوات والارض } فاعلم أنه يقال : وسع ~~فلانا الشيء يسعه سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به ، ولا يسعك هذا ، ~~أي لا تطبقه ولا تحتمله ومنه قوله عليه السلام : ( لو كان موسى حيا ما وسعه ~~إلا أتباعي ) أي لا يحتمل غير ذلك وأما الكرسي فأصله في اللغة من تركب ~~الشيء بعضه على بعض ، والكرسي أبوال الدواب وأبعارها يتلبد بعضها فوق / بعض ~~، وأكرست الدار إذا كثرت فيها الأبعار والأبوال ms1929 وتلبد بعضها على بعض ، ~~وتكارس الشيء إذا تركب ، ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض { * ~~والكرسي } هو هذا الشيء المعروف لتركب خشباته بعضها فوق بعض . # واختلف المفسرون على أربعة أقوال الأول : أنه جسم عظيم يسع السماوات ~~والأرض ، ثم اختلفوا فيه فقال الحسن { * الكرسي } هو نفس العرش ، لأن ~~السرير قد يوصف بأنه عرش ، وبأنه كرسي ، لكون كل واحد منهما بحيث يصح ~~التمكن عليه ، وقال بعضهم : بل الكرسي غير العرش ، ثم اختلفوا فمنهم من قال ~~: إنه دون العرش وفوق السماء السابعة ، وقال آخرون إنه تحت الأرض وهو منقول ~~عن السدي . # واعلم أن لفظ الكرسي ورد في الآية وجاء في الأخبار الصحيحة أنه جسم عظيم ~~تحت العرش وفوق السماء السابعة ولا امتناع في القول به فوجب القول باتباعه ~~، وأما ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ~~موضع القدمين ، ومن البعيد أن يقول ابن عباس : هو موضع قدمي الله تعالى ~~وتقدس عن الجوارح والأعضاء ، وقد ذكرنا الدلائل الكثيرة على نفي الجسمية في ~~مواضع كثيرة من هذا الكتاب ، فوجب رد هذه الرواية أو حملها على أن المراد ~~أن الكرسي موضع قدمي الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند الله تعالى . # القول الثاني : أن المراد من { * الكرسي } السلطان والقدرة والملك ، ثم ~~تارة يقال : الإلاهية لا تحصل إلا بالقدرة والخلق والإيجاد ، والعرب يسمون ~~أصل كل شيء { * الكرسي } وتارة يسمى الملك بالكرسي ، لأن الملك يجلس على ~~الكرسي ، فيسمى الملك باسم مكان الملك . PageV07P011 # القول الثالث : أن { * الكرسي } هو العلم ، لأن العلم موضع العالم ، وهو ~~الكرسي فسميت صفة الشيء باسم مكان ذلك الشيء على سبيل المجاز لأن العلم هو ~~الأمر المعتمد عليه ، والكرسي هو الشيء الذي يعتمد عليه ، ومنه يقال ~~للعلماء : كراسي ، لأنهم الذين يعتمد عليهم كما يقال لهم : أوتاد الأرض . # والقول الرابع : ما اختاره القفال ، وهو أن المقصود من هذا الكلام تصوير ~~عظمة الله وكبريائه ، وتقريره أنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته ~~بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم من ms1930 ذلك أنه جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس ~~به كما يطوفون ببيوت ملوكهم وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم ~~وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه ثم جعله موضعا للتقبيل كما ~~يقبل الناس أيدي ملوكهم ، وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من ~~حضور الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الموازين ، فعلى هذا القياس أثبت ~~لنفسه عرشا ، فقال { العلى الرحمان على العرش استوى } ( طه : 5 ) ثم وصف ~~عرشه فقال { وكان عرشه على الماء } ( هود : 7 ) ثم قال : { وترى الملائكة ~~حافين من حول العرش يسبحون * بحمده * ربهم } ( الزمر : 75 ) وقال : { ويحمل ~~عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } وقال : { الذين يحملون العرش ومن حوله } ( ~~غافر : 7 ) ثم أثبت لنفسه كرسيا فقال : { وسع كرسيه السماوات والارض } . # إذا عرفت هذا فنقول : كل ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه في العرش ~~والكرسي ، فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر ، ~~ولما توافقنا هاهنا على أن المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه مع القطع بأنه ~~منزه عن الكعبة ، فكذا الكلام في العرش والكرسي ، وهذا جواب مبين إلا أن ~~المعتمد هو الأول ، لأن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز والله أعلم . # أما قوله تعالى : { ولا * يؤده * حفظهما } فاعلم أنه يقال : آده يؤده : ~~إذا أثقله وأجهده ، وأدت العود أودا ، وذلك إذا اعتمدت عليه بالثقل حتى ~~أملته ، والمعنى : لا يثقله ولا يشق عليه حفظهما أي حفظ السماوات والأرض . # ثم قال : { وهو العلى العظيم } واعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد منه ~~العلو بالجهة ، وقد دللنا على ذلك بوجوه كثيرة ، ونزيد هاهنا وجهين آخرين ~~الأول : أنه لو كان علوه بسبب المكان ، لكان لا يخلو إما أن يكون متناهيا ~~في جهة فوق ، أو غير متناه في تلك الجهة ، والأول باطل لأنه إذا كان ~~متناهيا في جهة فوق ، كان الجزء المفروض فوقه أعلى منه ، فلا يكون هو أعلى ~~من كل ما عداه ، بل يكون غيره أعلى منه ، وإن كان غير متناه فهذا محال ، ~~لأن القول بإثبات بعد لا ms1931 نهاية له باطل بالبراهين اليقينية ، وأيضا فإنا ~~إذا قدرنا بعدا لا نهاية له ، لافترض في ذلك البعد نقط غير متناهية ، فلا ~~يخلو إما أن يحصل في تلك النقط نقطة واحدة لا يفترض فوقها نقطة أخرى ، وإما ~~أن لا يحصل ، فإن كان الأول كانت النقطة طرفا لذلك البعد ، فيكون ذلك البعد ~~متناهيا ، وقد فرضناه غير متناه . هذا خلف ، وإن لم يوجد فيها نقطة إلا ~~وفوقها نقطة أخرى كان كل واحدة من تلك النقط المفترضة في ذلك البعد سفلا ، ~~ولا يكون فيها ما يكون فوقا على الاطلاق ، فحينئذ لا يكون لشيء من النفقات ~~المفترضة في ذلك البعد علو مطلق ألبتة وذلك ينفي صفة العلوية . PageV07P012 # الحجة الثانية : أن العالم كرة ، ومتى كان الأمر كذلك فكل جانب يفرض علوا ~~بالنسبة إلى أحد وجهي الأرض يكون سفلا بالنسبة إلى الوجه الثاني ، فينقلب ~~غاية العلو غاية السفل . # الحجة الثالثة : أن كل وصف يكون ثبوته لأحد الأمرين بذاته / وللآخر ~~بتبعية الأول كان ذلك الحكم في الذاتي أتم وأكمل ، وفي العرضي أقل وأضعف ، ~~فلو كان علو الله تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا ~~العلو لله تعالى صفة ذاتية ، ولكان حصول هذا العلو لله تعالى حصولا بتبعية ~~حصوله في المكان ، فكان علو المكان أتم وأكمل من علو ذات الله تعالى ، ~~فيكون علو الله ناقصا وعلو غيره كاملا وذلك محال ، فهذه الوجوه قاطعة في أن ~~علو الله تعالى يمتنع أن يكون بالجهة ، وما أحسن ما قال أبو مسلم بن بحر ~~الأصفهاني في تفسير قوله / { قل لمن ما فى * السماوات والارض * قل لله } ( ~~الأنعام : 12 ) قال : وهذا يدل على أن المكان والمكانيات بأسرها ملك الله ~~تعالى وملكوته ، ثم قال : { وله ما سكن فى اليل والنهار } ( الأنعام : 13 ) ~~وهذا يدل على أن الزمان والزمانيات بأسرها ملك الله تعالى وملكوته ، فتعالى ~~وتقدس عن أن يكون علوه بسبب المكان وأما عظمته فهي أيضا بالمهابة والقهر ~~والكبرياء ، ويمتنع أن تكون بسبب المقدار والحجم ، لأنه إن كان غير متناه ~~في كل الجهات ms1932 أو في بعض الجهات فهو محال لما ثبت بالبراهين القاطعة عدم ~~إثبات أبعاد غير متناهية ، وإن كان متناهيا من كل الجهات كانت الأحياز ~~المحيطة بذلك المتناهي أعظم منه ، فلا يكون مثل هذا الشيء عظيما على ~~الاطلاق ، فالحق أنه سبحانه وتعالى أعلى وأعظم من أن يكون من جنس الجواهر ~~والأجسام تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . # ! 7 < { لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم } . ~~> 7 @QB@ < # | البقرة : ( 256 ) لا إكراه في . . . . . # > > # فيه مسألتان : # المسألة الأولى : اللام في { الدين } فيه قولان أحدهما : أنه لام العهد ~~والثاني : أنه بدل من الإضافة ، كقوله { فإن الجنة هى المأوى } ( النازعات ~~: 41 ) أي مأواه ، والمراد في دين الله . # المسألة الثانية : في تأويل الآية وجوه أحدها : وهو قول أبي مسلم والقفال ~~وهو الأليق بأصول المعتزلة : معناه أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على ~~الإجبار والقسر ، وإنما بناه على التمكن والاختيار ، ثم احتج القفال على أن ~~هذا هو المراد بأنه تعالى لما بين دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للعذر ، ~~قال بعد ذلك : إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على ~~الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه ، وذلك مما لا يجوز في دار ~~الدنيا التي هي دار الابتلاء ، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى ~~الابتلاء والامتحان ، ونظير هذا قوله تعالى : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر } ( الكهف : 29 ) وقال في سورة أخرى { ولو شاء ربك لآمن من فى الارض ~~كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ، 4 ) وقال ~~في سورة الشعراء { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم ~~من السماء ءاية فظلت أعناقهم PageV07P013 لها * خاضعين } ومما يؤكد هذا / ~~القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية { قد تبين الرشد من الغي } يعني ظهرت ~~الدلائل ، ووضحت البينات ، ولم يبق بعدها إلا طريق القسر والإلجاء والإكراه ~~، وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف فهذا ms1933 تقرير هذا التأويل . # القول الثاني : في التأويل هو أن الإكراه أن يقول المسلم للكافر : إن ~~آمنت وإلا قتلتك فقال تعالى : { لا إكراه فى الدين } أما في حق أهل الكتاب ~~وفي حق المجوس ، فلأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم ، وأما سائر ~~الكفار فإذا تهودوا أو تنصروا فقد اختلف الفقهاء فيهم ، فقال بعضهم : إنه ~~يقر عليه ؛ وعلى هذا التقدير يسقط عنه القتل إذا قبل الجزية ، وعلى مذهب ~~هؤلاء كان قوله { لا إكراه فى الدين } عاما في كل الكفار ، أما من يقول من ~~الفقهاء بأن سائر الكفار إذا تهودوا أو تنصروا فإنهم لا يقرون عليه ، فعلى ~~قوله يصح الإكراه في حقهم ، وكان قوله { لا إكراه } مخصوصا بأهل الكتاب . # والقول الثالث : لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرها ، ~~لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح إسلامه فليس بمكره ، ومعناه لا تنسبوهم إلى ~~الإكراه ، ونظيره قوله تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا } ( النساء : 94 ) . # أما قوله تعالى : { قد تبين الرشد من الغي } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : يقال : بان الشيء واستبان وتبين إذا ظهر ووضح ، ومنه ~~المثل : قد تبين الصبح لذي عينين ، وعندي أن الإيضاح والتعريف إنما سمي ~~بيانا لأنه يوقع الفصل والبينونة بين المقصود وغيره ، والرشد في اللغة ~~معناه إصابة الخير ، وفيه لغتان : رشد ورشد والرشاد مصدر أيضا كالرشد ، ~~والغي نقيض الرشد ، يقال غوي يغوي غيا وغواية ، إذا سلك غير طريق الرشد . # المسألة الثانية : { تبين الرشد من الغي } أي تميز الحق من الباطل / ~~والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة ، قال ~~القاضي : ومعنى { قد تبين الرشد } أي أنه قد اتضح وانجلى بالأدلة لا أن كل ~~مكلف تنبه لأن المعلوم ذلك وأقول : قد ذكرنا أن معنى { تبين } انفصل وامتاز ~~، فكان المراد أنه حصلت البينونة بين الرشد والغي بسبب قوة الدلائل وتأكيد ~~البراهين ، وعلى هذا كان اللفظ مجري على ظاهره . # أما قوله تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت } فقد قال النحويون : الطاغوت وزنه ~~فعلوت ، نحو جبروت ، والتاء زائدة وهي ms1934 مشتقة من طغا ، وتقديره طغووت ، إلا ~~أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين كعادتهم في القلب ، نحو : الصاقعة ~~والصاعقة ، ثم قلبت الواو ألفا لوقوعها في موضع حركة وانفتاح ما قبلها ، ~~قال المبرد في الطاغوت : الأصوب عندي أنه جمع قال أبو علي الفارسي : وليس ~~الأمر عندنا كذلك ، وذلك لأن الطاغوت مصدر كالرغبوت والرهبوت والملكوت ، ~~فكما / أن هذه الأسماء آحاد كذلك هذا الاسم مفرد وليس بجمع ، ومما يدل على ~~أنه مصدر مفرد قوله { أولياؤهم الطاغوت } فأفرد في موضع الجمع ، كما يقال : ~~هم رضاهم عدل ، قالوا : وهذا اللفظ يقع على الواحد وعلى الجمع ، أما في ~~الواحد فكما في قوله تعالى : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به } ( النساء : 60 ) وأما في الجمع فكما في PageV07P014 قوله ~~تعالى : { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } ( البقرة : 257 ) وقالوا : ~~الأصل فيه التذكير ، فأما قوله : { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } ( ~~الزمر : 17 ) فإنما أنثت إرادة الآلهة . # إذا عرفت هذا فنقول : ذكر المفسرون فيه خمسة أقوال الأول : قال عمر ~~ومجاهد وقتادة هو الشيطان الثاني : قال سعيد بن جبير : الكاهن الثالث : قال ~~أبو العالية : هو الساحر الرابع : قال بعضهم الأصنام الخامس : أنه مردة ~~الجن والإنس وكل ما يطغى ، والتحقيق أنه لما حصل الطغيان عند الاتصال بهذه ~~الأشياء جعلت هذه الأشياء أسبابا للطغيان كما في قوله { رب إنهن أضللن ~~كثيرا من الناس } ( إبراهيم : 36 ) . # أما قوله { ويؤمن بالله } ففيه إشارة إلى أنه لا بد للكافر من أن يتوب ~~أولا عن الكفر ، ثم يؤمن بعد ذلك . # أما قوله { فقد استمسك بالعروة الوثقى } فاعلم أنه يقال : استمسك بالشيء ~~إذا تمسك به والعروة جمعها عرا نحو عروة الدلو والكوز وإنما سميت بذلك ، ~~لأن العروة عبارة عن الشيء الذي يتعلق به والوثقى تأنيث الأوثق ، وهذا من ~~باب استعارة المحسوس للمعقول ، لأن من أراد إمساك شيء يتعلق بعروته ، فكذا ~~هاهنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه ، ولما كانت ~~دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها ، لا جرم وصفها بأنها العروة الوثقى . # أما قوله { لا ms1935 انفصام لها } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الفصم كسر الشيء من غير إبانة ، والانفصام مطاوع الفصم ~~فصمته فانفصم والمقصود من هذا اللفظ المبالغة ، لأنه إذا لم يكن لها انفصام ~~، فإن لا يكون لها انقطاع أولى . # المسألة الثانية : قال النحويون : نظم الآية بالعروة الوثقى التي لا ~~انفصام لها ، والعرب تضمر { التى } و { الذى } و { من } وتكتفي بصلاتها ~~منها ، قال سلامة بن جندل : # % والعاديات أسامي للدماء بها % % كأن أعناقها أنصاب ترحيب % # يريد العاديات التي قال الله : { وما منا إلا له مقام معلوم } ( الصافات ~~: 164 ) أي من له . # ثم قال : { والله سميع عليم } وفيه قولان : # القول الأول : أنه تعالى يسمع قول من يتكلم بالشهادتين ، وقول من يتكلم ~~بالكفر ، ويعلم ما في قلب المؤمن من الإعتقاد الطاهر ، وما في قلب الكافر ~~من الإعتقاد الخبيث . # / والقول الثاني : روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول ~~المدينة ، وكان يسأل الله تعالى ذلك سرا وعلانية ، فمعنى قوله { والله سميع ~~عليم } يريد لدعائك يا محمد بحرصك عليه واجتهادك . # PageV07P015 ! 7 < { الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ~~والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولائك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 257 ) الله ولي الذين . . . . . # > > # فيه مسألتان : # المسألة الأولى : { الولى } فعيل بمعنى فاعل من قولهم : ولى فلان الشيء ~~يليه ولاية فهو وال وولى ، وأصله من الولي الذي هو القرب ، قال الهذلي : # وعدت عواد دون وليك تشغب # ومنه يقال : داري تلى دارها ، أي تقرب منها ، ومنه يقال : للمحب المعاون ~~: ولي . لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة ولا يفارقك ، ومنه الوالي ، لأنه ~~يلي القوم بالتدبير والأمر والنهي ومنه المولى ومن ثم قالوا في خلاف ~~الولاية : العداوة من عدا الشيء إذا جاوزه ، فلأجل هذا كانت الولاية خلاف ~~العداوة . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ألطاف الله تعالى في ~~حق المؤمن فيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر ، بأن ms1936 قالوا : ~~الآية دلت على أنه تعالى ولي الذين آمنوا على التعيين ومعلوم أن الولي ~~للشيء هو المتولي لما يكون سببا لصلاح الإنسان واستقامة أمره في الغرض ~~المطلوب ولأجله قال تعالى : { يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن ~~أولياءه إلا المتقون } ( الأنفال : 34 ) فجعل القيم بعمارة المسجد وليا له ~~ونفى في الكفار أن يكونوا أولياءه ، فلما كان معنى الولي المتكفل بالمصالح ~~، ثم إنه تعالى جعل نفسه وليا للمؤمنين على التخصيص ، علمنا أنه تعالى تكفل ~~بمصالحهم فوق ما تكفل بمصالح الكفار ، وعند المعتزلة أنه تعالى سوى بين ~~الكفار والمؤمنين في الهداية والتوفيق والألطاف ، فكانت هذه الآية مبطلة ~~لقولهم ، قالت المعتزلة : هذا التخصيص محمول على / أحد وجوه الأول : أن هذا ~~محمول على زيادة الألطاف ، كما ذكره في قوله { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( ~~محمد : 17 ) وتقريره من حيث العقل أن الخير والطاعة يدعو بعضه إلى بعض ، ~~وذلك لأن المؤمن إذا حضر مجلسا يجري فيه الوعظ ، فإنه يلحق قلبه خشوع وخضوع ~~وانكسار ، ويكون حاله مفارقا لحال من قسا قلبه بالكفر والمعاصي ، وذلك يدل ~~على أنه يصح في المؤمن من الألطاف ما لا يصح في غيره ، فكان تخصيص المؤمنين ~~بأنه تعالى وليهم محمولا على ذلك . # والوجه الثاني : أنه تعالى يثيبهم في الآخرة ، ويخصهم بالنعيم المقيم ~~والإكرام العظيم فكان التخصيص محمولا عليه . # والوجه الثالث : وهو أنه تعالى وإن كان وليا للكل بمعنى كونه متكفلا ~~بمصالح الكل على السوية ، إلا أن المنتفع بتلك الولاية هو المؤمن ، فصح ~~تخصيصه بهذه الآية ، كما في قوله { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) . ~~PageV07P016 # الوجه الرابع : أنه تعالى ولي المؤمنين ، بمعنى : أنه يحبهم ، والمراد ~~أنه يحب تعظيمهم . # أجاب الأصحاب عن الأول بأن زيادة الألطاف متى أمكنت وجبت عندكم ، ولا ~~يكون لله تعالى في حق المؤمن إلا أداء الواجب ، وهذا المعنى بتمامه حاصل في ~~حق الكافر ، بل المؤمن فعل مالأجله استوجب من الله ذلك المزيد من اللطف . # أما السؤال الثاني : وهو أنه تعالى يثيبه في الآخرة فهو أيضا بعيد ، لأن ~~ذلك الثواب واجب على الله ms1937 تعالى ، فولي المؤمن هو الذي جعله مستحقا على ~~الله ذلك الثواب ، فيكون وليه هو نفسه ولا يكون الله هو وليا له . # وأما السؤال الثالث : وهو أن المنتفع بولاية الله هو المؤمن ، فنقول : ~~هذا الأمر الذي امتاز به المؤمن عن الكافر في باب الولاية صدر من العبد لا ~~من الله تعالى / فكان ولي العبد على هذا القول هو العبد نفسه لا غير . # وأما السؤال الرابع : وهو أن الولاية هاهنا معناها المحبة والجواب : أن ~~المحبة معناها إعطاء الثواب ، وذلك هو السؤال الثاني ، وقد أجبنا عنه . # أما قوله تعالى : { يخرجهم من الظلمات إلى النور } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أن المراد هاهنا من الظلمات والنور : ~~الكفر والإيمان فتكون الآية صريحة في أن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان ~~من الكفر وأدخله في الإيمان ، فيلزم أن يكون الإيمان بخلق الله ، لأنه لو ~~حصل بخلق العبد لكان هو الذي أخرج نفسه من الكفر إلى الإيمان ، وذلك يناقض ~~صريح الآية . # أجابت المعتزلة عنه من وجهين الأول : أن الإخراج من الظلمات إلى النور ~~محمول على نصب / الدلائل ، وإرسال الأنبياء ، وإنزال الكتب ، والترغيب في ~~الإيمان بأبلغ الوجوه ، والتحذير عن الكفر بأقصى الوجوه ، وقال القاضي : قد ~~نسب الله تعالى الإضلال إلى الصنم في قوله { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ~~} ( إبراهيم : 36 ) لأجل أن الأصنام سبب بوجه ما لضالهم ، فإن يضاف الإخراج ~~من الظلمات إلى النور إلى الله تعالى مع قوة الأسباب التي فعلها بمن يؤمن ~~كان أولى . # والوجه الثاني : أن يحمل الإخراج من الظلمات إلى النور على أنه تعالى ~~يعدل بهم من النار إلى الجنة قال القاضي : هذا أدخل في الحقيقة ، لأن ما ~~يقع من ذلك في الآخرة يكون من فعله تعالى فكأنه فعله . # والجواب عن الأول من وجهين : أحدهما : أن هذه الإضافة حقيقة في الفعل ، ~~مجاز في الحث والترغيب ، والأصل حمل اللفظ على الحقيقة والثاني : أن هذه ~~الترغيبات إن كانت مؤثرة في ترجيح الداعية صار الراجح واجبا ، والمرجوح ~~ممتنعا ، وحينئذ يبطل قول المعتزلة وإن لم ms1938 يكن لها أثر في الترجيح لم يصح ~~تسميتها بالإخراج . # وأما السؤال الثاني : وهو حمل اللفظ على العدول بهم من النار إلى الجنة ~~فهو أيضا مدفوع من وجهين الأول : قال الواقدي : كل ما كان في القرآن { من ~~الظلمات إلى النور } فإنه أراد به الكفر والإيمان ، PageV07P017 غير قوله ~~تعالى في سورة الأنعام { وجعل الظلمات والنور } ( الأنعام : 1 ) فإنه يعني ~~به الليل والنهار ، وقال : وجعل الكفر ظلمة ، لأنه كالظلمة في المنع من ~~الإدراك ، وجعل الإيمان نورا لأنه كالسبب في حصول الإدراك . # والجواب الثاني : أن العدول بالمؤمن من النار إلى الجنة أمر واجب على ~~الله تعالى عند المعتزلة فلا يجوز حمل اللفظ عليه . # المسألة الثانية : قوله { يخرجهم من الظلمات إلى النور } ظاهره يقتضي ~~أنهم كانوا في الكفر ثم أخرجهم الله تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان ، ثم ~~هاهنا قولان : # القول الأول : أن يجري اللفظ على ظاهره ، وهو أن هذه الآية مختصة بمن كان ~~كافرا ثم أسلم ، والقائلون بهذا القول ذكروا في سبب النزول روايات أحدهما : ~~قال مجاهد : هذه الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام وقوم كفروا به ~~، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمن به من كفر بعيسى ، وكفر به ~~من آمن بعيسى عليه السلام وثانيتها : أن الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى ~~عليه السلام على طريقة النصارى ، ثم آمنوا بعده بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ~~فقد كان إيمانهم بعيسى حين آمنوا به ظلمة وكفرا ، لأن القول بالاتحاد كفر ، ~~والله تعالى أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور الإسلام وثالثتها : أن الآية ~~نزلت في كل كافر أسلم بمحمد صلى الله عليه وسلم . # والقول الثاني : أن يحمل اللفظ على كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~سواء كان ذلك / الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك ، وتقريره أنه لا يبعد أن ~~يقال يخرجهم من النور إلى الظلمات وإن لم يكونوا في الظلمات ألبتة / ويدل ~~على جوازه : القرآن والخبر والعرف ، أما القرآن فقوله تعالى : { وكنتم على ~~شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ms1939 } ( آل عمران : 103 ) ومعلوم أنهم ما كانوا ~~قط في النار وقال { لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى } ( يونس : 98 ) ولم ~~يكن نزل بهم عذاب ألبتة ، وقال في قصة يوسف عليه السلام : { تركت ملة قوم ~~لا يؤمنون بالله } ( يوسف : 37 ) ولم يكن فيها قط ، وقال : { ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر } ( النحل : 70 ) وما كانوا فيه قط ، وأما الخبر فروي أنه ~~صلى الله عليه وسلم سمع إنسانا قال : أشهد أن لا إلاه إلا الله ، فقال على ~~الفطرة ، فلما قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، فقال خرج من النار ، ومعلوم ~~أنه ما كان فيها ، وروي أيضا أنه صلى الله عليه وسلم أقبل على أصحابه فقال ~~: تتهافتون في النار تهافت الجراد ، وها أنا آخذ بحجزكم ، ومعلوم أنهم ما ~~كانوا متهافتين في النار ، وأما العرف فهو أن الأب إذا أنفق كل ماله فالابن ~~قد يقول له : أخرجتني من مالك أي لم تجعل لي فيه شيئا ، لا أنه كان فيه ثم ~~أخرج منه ، وتحقيقه أن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لوقع في الظلمات . ~~فصار توفيقه تعالى سببا لدفع تلك الظلمات عنه ، وبين الدفع والرفع مشابهة ، ~~فهذا الطريق يجوز استعمال الإخراج والإبعاد في معنى الدفع والرفع والله ~~أعلم . # أما قوله تعالى : { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } فاعلم أنه قرأ الحسن ~~{ أولياؤهم } واحتج بقوله تعالى بعده { الطاغوت يخرجونهم } إلا أنه شاذ ~~مخالف للمصحف وأيضا قد بينا في اشتقاق هذا اللفظ أنه مفرد لا جمع . # أما قوله تعالى { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } فقد استدلت المعتزلة ~~بهذه الآية على أن الكفر ليس من الله تعالى ، قالوا : لأنه تعالى أضافه إلى ~~الطاغوت مجازا باتفاق ، لأن المراد من الطاغوت على أظهر PageV07P018 ~~الأقوال هو الصنم ويتأكد هذا بقوله تعالى : { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ~~} ( إبراهيم : 36 ) فأضاف الإضلال إلى الصنم ، وإذا كانت هذه الإضافة ~~بالاتفاق بيننا وبينكم مجازا ، خرجت عن أن تكون حجة لكم . # ثم قال تعالى : { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } يحتمل أن يرجع ذلك ~~إلى الكفار ms1940 فقط ، ويحتمل أن يرجع إلى الكفار والطواغيت معا ، فيكون زجرا ~~للكل ووعيدا ، لأن لفظ { أولائك } إذا كان جمعا وصح رجوعه إلى كلا ~~المذكورين ، وجب رجوعه إليهما معا ، والله تعالى أعلم بالصواب . # ! 7 < { ألم تر إلى الذى حآج إبراهيم فى ربه أن آتاه الله الملك إذ قال ~~إبراهيم ربي الذى يحى ويميت قال أنا أحى وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتى ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر والله لا يهدى القوم ~~الظالمين * أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحى هاذه ~~الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو ~~بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى ~~حمارك ولنجعلك ءاية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 258 - 259 ) ألم تر إلى . . . . . # > > # إعلم أنه تعالى ذكر هاهنا قصصا ثلاثة : الأولى : منها في بيان إثبات ~~العلم بالصانع ، والثانية : في إثبات الحشر والنشر والبعث ، والقصة الأولى ~~مناظرة إبراهيم صلى الله عليه وسلم مع ملك زمانه وهي هذه الآية التي نحن في ~~تفسيرها فنقول : # أما قوله تعالى : { ألم تر } فهي كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها ، ~~ولفظها لفظ الاستفهام PageV07P019 وهي كما يقال : ألم تر إلى فلان كيف يصنع ~~، معناه : هل رأيت كفلان في صنعه كذا . # أما قوله : { إلى الذى حاج إبراهيم فى ربه } فقال مجاهد : هو نمروذ بن ~~كنعان ، وهو أول من / تجبر وادعى الربوبية ، واختلفوا في وقت هذه المحاجة ~~قيل : إنه عند كسر الأصنام قبل الإلقاء في النار عن مقاتل ، وقيل : بعد ~~إلقائه في النار ، والمحاجة المغالبة ، يقال : حاججته فحججته ، أي غالبته ~~فغلبته ، والضمير في قوله { فى ربه } يحتمل أن يعود إلى إبراهيم ، ويحتمل ~~أن يرجع إلى الطاعن ، والأول أظهر ، كما قال : { وحاجه قومه قال أتحاجونى ~~فى الله } ( الأنعام : 80 ) والمعنى وحاجه قومه في ms1941 ربه . # أما قوله : { أن آتاه الله الملك } فاعلم أن في الآية قولين الأول : أن ~~الهاء في آتاه عائد إلى إبراهيم ، يعني أن الله تعالى آتى إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم الملك ، واحتجوا على هذا القول بوجوه الأول : قوله تعالى : { فقد ~~ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما } ( النساء : 54 ) ~~أي سلطانا بالنبوة ، والقيام بدين الله تعالى والثاني : أنه تعالى لا يجوز ~~أن يؤتي الملك الكفار ، ويدعي الربوبية لنفسه والثالث : أن عود الضمير إلى ~~أقرب المذكورين واجب ، وإبراهيم أقرب المذكورين إلى هذا الضمير ، فوجب أن ~~يكون هذا الضمير عائدا إليه والقول الثاني : وهو قول جمهور المفسرين : أن ~~الضمير عائد إلى ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم . # وأجابو عن الحجة الأولى بأن هذه الآية دالة على حصول الملك لآل إبراهيم ، ~~وليس فيها دلالة على حصول الملك لإبراهيم عليه السلام . # وعن الحجة الثانية بأن المراد من الملك هاهنا التمكن والقدرة والبسطة في ~~الدنيا ، والحس يدل على أنه تعالى قد يعطي الكافر هذا المعنى ، وأيضا فلم ~~لا يجوز أن يقال : إنه تعالى أعطاه الملك حال ما كان مؤمنا ، ثم أنه بعد ~~ذلك كفر بالله تعالى . # وعن الحجة الثالثة بأن إبراهيم عليه السلام وإن كان أقرب المذكورين إلا ~~أن الروايات الكثيرة واردة بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك / فعود ~~الضمير إليه أولى من هذه الجهة ، ثم احتج القائلون بهذا القول على مذهبهم ~~من وجوه الأول : أن قوله تعالى : { أن آتاه الله الملك } يحتمل تأويلات ~~ثلاثة ، وكل واحد منها إنما يصح إذا قلنا : الضمير عائد إلى الملك لا إلى ~~إبراهيم ، وأحد تلك التأويلات أن يكون المعنى حاج إبراهيم في ربه لأجل أن ~~آتاه الله الملك ، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج ~~لذلك ، ومعلوم أن هذا إنما يليق بالملك العاتي ، والتأويل الثاني أن يكون ~~المعنى أنه جعل محاجته في ربه شكرا على أن آتاه ربه الملك ، كما يقال : ~~عاداني فلان لأني أحسنت إليه ، يريد أنه عكس ما يجب عليه من الموالاة لأجل ms1942 ~~الإحسان ، ونظيره قوله تعالى : { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ( الواقعة : ~~82 ) وهذا التأويل أيضا لا يليق بالنبي فإنه يجب عليه إظهار المحاجة قبل ~~حصول الملك وبعده أما الملك العاتي فإنه لا يليق به إظهار هذا العتو الشديد ~~إلا بعد أن يحصل الملك العظيم له ، فثبت أنه لا يستقيم لقوله { أن آتاه ~~الله الملك } معنى وتأويل إلا إذا حملناه على الملك العاتي . # الحجة الثانية : أن المقصود من هذه الآية بيان كمال حال إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم في إظهار الدعوة إلى الدين الحق ، ومتى كان الكافر سلطانا مهيبا ~~، وإبراهيم ما كان ملكا ، كان هذا المعنى أتم مما إذا كان إبراهيم ملكا ، ~~ولما كان الكافر ملكا ، فوجب المصير إلى ما ذكرنا . PageV07P020 # الحجة الثانية : ما ذكره أبو بكر الأصم ، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم لو كان هو الملك لما قدر الكافر أن يقتل أحد الرجلين ويستبقي الآخر ، ~~بل كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يمنعه منه أشد منع ، بل كان يجب أن يكون ~~كالملجأ إلى أن لا يفعل ذلك ، قال القاضي هذا الاستدلال ضعيف ، لأنه من ~~المحتمل أن يقال : إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان ملكا وسلطانا في ~~الدين والتمكن من إظهار المعجزات ، وذلك الكافر كان ملكا مسلطا قادرا على ~~الظلم ، فلهذا السبب أمكنه قتل أحد الرجلين ، وأيضا فيجوز أن يقال إنما قتل ~~أحد الرجلين قوما ، وكان الاختيار إليه ، واستبقى الآخر ، إما لأنه لا قتل ~~عليه أو بذل الدية واستبقاه . # وأيضا قوله { ألم تر إلى } خبر ووعد ، ولا دليل في القرآن على أنه فعله ، ~~فهذا ما يتعلق بهذه المسألة . # أما قوله تعالى : { ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم فى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الظاهر أن هذا جواب سؤال سابق غير مذكور ، وذلك لأن من ~~المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا للدعوة ، والظاهر أنه متى ادعى ~~الرسالة ، فإن المنكر يطالبه بإثبات أن للعالم إلاها ، ألا ترى أن موسى ~~عليه السلام لما قال : { إنى رسول رب العالمين } ( الزخرف : 46 ) { قال ~~فرعون وما رب ms1943 العالمين } ( الشعراء : 23 ) فاحتج موسى عليه السلام على ~~إثبات الإلاهية بقوله { رب * السماوات والارض } فكذا هاهنا الظاهر أن ~~إبراهيم ادعى الرسالة ، فقال نمروذ : من ربك ؟ فقال إبراهيم : ربي الذي ~~يحيي ويميت ، إلا أن تلك المقدمة حذفت ، لأن الواقعة تدل عليها . # المسألة الثانية : دليل إبراهيم عليه السلام كان في غاية الصحة ، وذلك لا ~~سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد من ~~القادرين ، والأحياء والاماتة كذلك ، لأن الخلق عاجزون عنهما ، والعلم بعد ~~الاختيار ضروري ، فلا بد من مؤثر آخر غير هؤلاء القادرين الذين تراهم ، ~~وذلك المؤثر إما أن يكون موجبا أو مختارا ، والأول : باطل ، لأنه يلزم من ~~دوامه دوام الأثر ، فكان يجب أن لا يتبدل الأحياء بالاماتة / وأن لا تتبدل ~~الاماتة بالأحياء ، والثاني : وهو أنا نرى في الحيوان أعضاء مختلفة في ~~الشكل والصفة والطبيعة والخاصية ، وتأثير المؤثر الموجب بالذات لا يكون ~~كذلك فعلمنا أنه لا بد في الأحياء والاماتة من وجود آخر يؤثر على سبيل ~~القدرة ، والاختيار في إحياء هذه الحيوانات وفي إماتتها ، وذلك هو الله ~~سبحانه وتعالى ، وهو دليل متين قوي ذكره الله سبحانه وتعالى في مواضع في ~~كتابه كقوله { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون : 12 ) إلى ~~آخره ، وقوله { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين } ~~( التين : 4 ، 5 ) وقال تعالى : { الذى خلق الموت والحيواة } . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إنه تعالى قدم الموت على الحياة في ~~آيات منها قوله تعالى : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ( ~~البقرة : 28 ) وقال : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) وحكي عن ~~إبراهيم أنه قال في ثنائه على الله تعالى : { والذى يميتنى ثم يحيين } ( ~~الشعراء : 81 ) فلأي سبب قدم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت ، حيث قال ~~: { ربي الذى يحى ويميت } . # والجواب : لأن المقصود من ذكر الدليل إذا كان هو الدعوة إلى الله تعالى ~~وجب أن يكون الدليل في PageV07P021 غاية الوضوح ، ولا شك أن عجائب الخلقة ~~حال الحياة أكثر ، واطلاع الإنسان عليها ms1944 أتم ، فلا جرم وجب تقديم الحياة ~~هاهنا في الذكر . # أما قوله تعالى : { قال إبراهيم ربي الذى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : يروى أن إبراهيم عليه السلام لما احتج بتلك الحجة ، دعا ~~ذلك الملك الكافر شخصين ، وقتل أحدهما ، واستبقى الآخر ، وقال : أنا أيضا ~~أحيي وأميت ، هذا هو المنقول في التفسير ، وعندي أنه بعيد ، وذلك لأن ~~الظاهر من حال إبراهيم أنه شرح حقيقة الأحياء وحقيقة الإماتة على الوجه ~~الذي لخصناه في الاستدلال ، ومتى شرحه على ذلك الوجه امتنع أن يشتبه على ~~العاقل الإماتة والإحياء على ذلك الوجه بالإماتة والإحياء بمعنى القتل ~~وتركه ، ويبعد في الجمع العظيم أن يكونوا في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا ~~القدر من الفرق ، والمراد من الآية والله أعلم شيء آخر ، وهو أن إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم لما احتج بالإحياء والإماتة من الله قال المنكر ، تدعى ~~الإحياء والإماتة من الله ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضية والأسباب ~~السماوية ، أو تدعى صدور الأحياء والاماتة من الله تعالى بواسطة الأسباب ~~الأرضية والأسباب السماوية ، أما الأول : فلا سبيل إليه ، وأما الثاني : ~~فلا يدل على المقصود لأن الواحد منا يقدر على الاحياء والاماتة بواسطة سائر ~~الأسباب ، فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي بواسطة الأسباب الأرضية ~~والسماوية ، وتناول السم قد يفضي إلى الموت ، فلما ذكر نمروذ هذا السؤال ~~على هذا الوجه أجاب إبراهيم عليه السلام بأن قال : هب أن الإحياء والإماتة ~~حصلا من الله تعالى بواسطة الاتصالات الفلكية إلا أنه لا بد لتلك الاتصالات ~~والحركات الفلكية من فاعل مدبر ، فإذا كان المدبر لتلك الحركات الفلكية هو ~~الله تعالى ، كان الإحياء والإماتة الحاصلان بواسطة تلك الحركات الفلكية ~~أيضا من الله تعالى ، وأما الإحياء والإماتة الصادران على البشر بواسطة ~~الأسباب الفلكية والعنصرية فليست كذلك ، لأنه لا قدرة للبشر على الاتصالات ~~الفلكية ، فظهر الفرق . # وإذا عرفت هذا فقوله { إن الله * يأت * بالشمس من المشرق } ليس دليلا آخر ~~، بل تمام الدليل / الأول : ومعناه : أنه وإن كان الإحياء والإماتة من الله ~~بواسطة حركات الأفلاك / إلا أن حركات الأفلاك ms1945 من الله فكان الإحياء ~~والإماتة أيضا من الله تعالى ، وأما البشر فإنه وإن صدر منه الإحياء ~~والإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السماوية والأرضية إلا أن الأسباب ليست ~~واقعة بقدرته ، فثبت أن الإحياء والإماتة الصادرين عن البشر ليست على ذلك ~~الوجه ، وأنه لا يصلح نقضا عليه ، فهذا هو الذي أعتقده في كيفية جريان هذه ~~المناظرة ، لا ما هو المشهور عند الكل ، والله أعلم بحقيقة الحال . # المسألة الثانية : أجمع القراء على إسقاط ألف { أنا } في الوصل في جميع ~~القرآن ، إلا ما روي عن نافع من إثباته عند استقبال الهمزة ، والصحيح ما ~~عليه الجمهور ، لأن ضمير المتكلم هو { ءان } وهو الهمزة والنون ، فأما ~~الألف فإنما تلحقها في الوقف كما تلحق الهاء في سكوته للوقف ، وكما إن هذه ~~الهاء تسقط عند الوصل ، فكذا هذه الألف تسقط عند الوصل ، لأن ما يتصل به ~~يقوم مقامه ، ألا ترى أن همزة الوصل إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء ~~سقطت ولم تثبت ، لأن ما يتصل به يتوصل به إلى النطق بما بعد الهمزة فلا ~~تثبت الهمزة فكذا الألف في { أنا } والهاء التي في الوقف يجب سقوطها عند ~~الوصل كما يجب سقوط الهمزة عند الوصل . PageV07P022 # أما قوله تعالى : { قال إبراهيم فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب } فاعلم أن للناس في هذا المقام طريقين الأول : وهو طريقة أكثر ~~المفسرين أن إبراهيم عليه السلام لما رأى من نمروذ أنه ألقى تلك الشبهة عدل ~~عن ذلك إلى دليل آخر أوضح منه ، فقال : { إن الله * يأتى بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب } فزعم أن الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح منه جائز ~~للمستدل . # فإن قيل : هلا قال نمروذ : فليأت ربك بها من المغرب ؟ . # قلنا : الجواب من وجهين : أحدهما : أن هذه المحاجة كانت مع إبراهيم بعد ~~إلقائه في النار وخروجه منها سالما ، فعلم أن من قدر على حفظ إبراهيم في ~~تلك النار العظيمة من الاحتراق يقدر على أن يأتي بالشمس من المغرب والثاني ~~: أن الله خذله وأنساه إيراد ms1946 هذه الشبهة نصرة لنبيه عليه السلام . # والطريق الثاني : وهو الذي قال به المحققون : إن هذا ما كان انتقالا من ~~دليل إلى دليل آخر بل الدليل واحد في الموضعين وهو أنا نرى حدوث أشياء لا ~~يقدر الخلق على إحداثها فلا بد من قادر آخر يتولى إحداثها وهو الله سبحانه ~~وتعالى ، ثم إن قولنا : نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها له أمثلة ~~منها : الإحياء ، والإماتة ، ومنها السحاب ، والرعد ، والبرق ، ومنها حركات ~~/ الأفلاك ، والكواكب ، والمستدل لا يجوز له أن ينتقل من دليل إلى دليل آخر ~~، لكن إذا ذكر لإيضاح كلام مثالا فله أن ينتقل من ذلك المثال إلى مثال آخر ~~، فكان ما فعله إبراهيم من باب ما يكون الدليل واحد إلا أنه يقع الانتقال ~~عند إيضاحه من مثال إلى مثال آخر ، وليس من باب ما يقع الانتقال من دليل ~~إلى دليل آخر ، وهذا الوجه أحسن من الأول وأليق بكلام أهل التحقيق منه ، ~~والإشكال عليهما من وجوه : # الإشكال الأول : أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة ، ووقعت تلك الشبهة في ~~الأسماع ، وجب على المحق القادر على الجواب أن يذكر الجواب في الحال إزالة ~~لذلك التلبيس والجهل عن العقول ، فلما طعن الملك الكافر في الدليل الأول ، ~~أو في المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالة تلك الشبهة واجبا ~~مضيقا ، فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب . # والإشكال الثاني : أنه لما أورد المبطل ذلك السؤال ، فإذا ترك المحق ~~الكلام الأول وانتقل إلى كلام آخر ، أوهم أن كلامه الأول كان ضعيفا ساقطا ، ~~وأنه ما كان عالما بضعفه ، وأن ذلك المبطل علم وجه ضعفه وكونه ساقطا / وأنه ~~كأنه عالما بضعفه فنبه عليه ، وهذا ربما يوجب سقوط وقع الرسول وحقارة شأنه ~~وأنه غير جائز . # والإشكال الثالث : وهو أنه وإن كان يحسن الانتقال من دليل إلى دليل ، أو ~~من مثال إلى مثال ، لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب ، وهاهنا ليس ~~الأمر كذلك ، لأن جنس الإحياء لا قدرة للخلق عليه ، وأما جنس تحريك الأجسام ~~، فللخلق قدرة عليه ، ولا ms1947 يبعد في العقل وجود ملك عظيم في الجثة أعظم من ~~السماوات ، وأنه هو الذي يكون محركا للسماوات ، وعلى هذا التقدير الاستدلال ~~بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس ~~على وجود الصانع فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح ~~الأظهر إلى الدليل الخفي الذي لا يكون في نفس الأمر قويا . PageV07P023 # والإشكال الرابع : أن دلالة الإحياء والإماتة على وجود الصانع أقوى من ~~دلالة طلوع الشمس عليه وذلك لأنا نرى في ذات الإنسان وصفاته تبديلات ~~واختلافات والتبدل قوى الدلالة على الحاجة إلى المؤثر القادر ، أما الشمس ~~فلا نرى في ذاتها تبدلا ، ولا في صفاتها تبدلا ، ولا في منهج حركاتها تبدلا ~~ألبتة ، فكانت دلالة الإحياء والإماتة على الصانع أقوى ، فكان العدول منه ~~إلى طلوع الشمس انتقالا من الأقوى الأجلى إلى الأخفى الأضعف ، وأنه لا يجوز ~~. # الإشكال الخامس : أن نمروذ لما لم يستح من معارضة الإحياء والإماتة ~~الصادرين عن الله تعالى بالقتل والتخلية ، فكيف يؤمن منه عند استدلال ~~إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول : طلوع الشمس من المشرق مني فإن كان لك إلاه ~~فقل له حتى يطلعها من المغرب ، وعند ذلك التزم المحققون / من المفسرين ذلك ~~فقالوا : إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن تطلع الشمس من المغرب ~~ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير ~~من التزام إطلاع الشمس من المغرب ، فبتقدير أن يحصل طلوع الشمس من المغرب ، ~~إلا أنه يكون الدليل على وجود الصانع هو طلوع الشمس من المغرب ، ولا يكون ~~طلوع الشمس من المشرق دليلا على وجود الصانع ، وحينئذ يصير دليله الثاني ~~ضائعا كما صار دليله الأول ضائعا ، وأيضا فما الدليل الذي جمل إبراهيم عليه ~~السلام على أن ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك والتزم الانقطاع ، واعترف ~~بالحاجة إلى الانتقال إلى تمسك بدليل لا يمكنه تمشيته إلا بالتزام طلوع ~~الشمس من المغرب ، وبتقدير أن يأتي باطلاع الشمس من المغرب فإنه يضيع دليله ~~الثاني كما ضاع الأول ومن المعلوم أن التزام هذه ms1948 المحذورات لا يليق بأقل ~~الناس علما فضلا عن أفضل العقلاء وأعلم العلماء ، فظهر بهذا أن هذا التفسير ~~الذي أجمع المفسرون عليه ضعيف ، وأما الوجه الذي ذكرناه فلا يتوجه عليه شيء ~~من هذه الإشكالات ، لأنا نقول : لما احتج إبراهيم عليه السلام بالإحياء ~~والإماتة أورد الخصم عليه سؤالا لا يليق بالعقلاء ، وهو أنك إذا ادعيت ~~الإحياء والإماتة لا بواسطة ، فذلك لا تجد إلى إثباته سبيلا ، وإن ادعيت ~~حصولهما بواسطة حركات الأفلاك فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر ، فأجاب ~~إبراهيم عليه السلام بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك ، ~~لكن تلك الحركات حصلت من الله تعالى وذلك لا يقدح في كون الإحياء والإماتة ~~من الله تعالى بخلاف الخلق فإنه لا قدرة لهم على تحريكات الأفلاك فلا جرم ~~لا يكون الإحياء والإماتة صادرين منهم ، ومتى حملنا الكلام على هذا الوجه ~~لم يكن شيء من المحذورات المذكورة لازما عليه ، والله أعلم بحقيقة كلامه . # أما قوله تعالى : { فبهت الذى كفر } فالمعنى : فبقي مغلوبا لا يجد مقالا ~~، ولا للمسألة جوابه ، وهو كقوله { بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ~~ردها } ( الأنبياء : 40 ) قال الواحدي ، وفيه ثلاث لغات : بهت الرجل فهو ~~مبهوت ، وبهت وبهت ، قال عروة العذري : # % فما هو إلا أن أراها فجاءة % % فأبهت حتى ما أكاد أجيب % # أي أتجير وأسكت . # ثم قال : { والله لا يهدى القوم الظالمين } وتأويله على قولنا ظاهر ، أما ~~المعتزلة فقال القاضي : يحتمل PageV07P024 وجوها : منها أنه لا يهديهم ~~لظلمهم وكفرهم للحجاج وللحق كما يهدي المؤمن فإنه لا بد في الكافر من أن ~~يعجز وينقطع . # وأقول : هذا ضعيف ، لأن قوله لا يهديهم للحجاج ، إنما يصح حيث يكون ~~الحجاج موجودا ولا حجاج على الكفر ، فكيف يصح أن يقال : إن الله تعالى لا ~~يهديه إليه ، قال القاضي : ومنها / أن يريد أنه لا يهديهم لزيادات الألطاف ~~من حيث أنهم بالكفر والظلم سدوا على أنفسهم طريق الانتفاع به . # وأقول : هذا أيضا ضعيف ، لأن تلك الزيادات إذا كانت في حقهم ممتنعة عقلا ~~لم يصح أن يقال : إنه تعالى لا ms1949 يهديهم ، كما لا يقال : إنه تعالى يجمع بين ~~الضدين فلا يجمع بين الوجود والعدم قال القاضي : ومنها أنه تعالى لا يهديهم ~~إلى الثواب في الآخرة ولا يهديهم إلى الجنة . # وأقول : هذا أيضا ضعيف ، لأن المذكور هاهنا أمر الاستدلال وتحصيل المعرفة ~~ولم يجر للجنة ذكر ، فيبعد صرف اللفظ إلى الجنة ، بل أقول : اللائق بسياق ~~الآية أن يقال إنه تعالى لما بين أن الدليل كان قد بلغ في الظهور والحجة ~~إلى حيث صار المبطل كالمبهوت عند سماعه إلا أن الله تعالى لما لم يقدر له ~~الاهتداء لم ينفعه ذلك الدليل الظاهر ، ونظير هذا التفسير قوله { ولو أننا ~~نزلنا إليهم الملئكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } الأنعام : 111 ) . # القصة الثانية # والمقصود منها إثبات المعاد ، قوله تعالى : { أو كالذى مر على قرية وهى ~~خاوية على عروشها } . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلف النحويون في إدخال الكاف في قوله { أو كالذى } ~~وذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول : أن يكون قوله { ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم ~~} ( البقرة : 258 ) في معنى { ألم تر * كالذى * حاج إبراهيم } وتكون هذه ~~الآية معطوفة عليه ، والتقدير : أرأيت كالذي حاج إبراهيم ، أو كالذي مر على ~~قرية ، فيكون هذا عطفا على المعنى ، وهو قول الكسائي والفراء وأبي علي ~~الفارسي ، وأكثر النحويين قالوا : ونظيره من القرآن قوله تعالى : { قل لمن ~~الارض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله } ( المؤمنون : 84 ، 85 ) ثم ~~قال : { من رب * السماوات * السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله } ( ~~المؤمنون : 85 ، 86 ) فهذا عطف على المعنى لأن معناه : لمن السماوات ؟ فقيل ~~لله . قال الشاعر : # % معاوي إننا بشر فأسجح % % فلسنا بالجبال ولا الحديدا % # فحمل على المعنى وترك اللفظ . # والقول الثاني : وهو اختيار الأخفش : أن الكاف زائدة ، والتقدير : ألم تر ~~إلى الذي حاج والذي مر على قرية . # والقول الثالث : وهو اختيار المبرد : أنا نضمر في الآية زيادة ، والتقدير ~~: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ، وألم تر إلى من كان كالذي مر على قرية . ~~PageV07P025 # المسألة ms1950 الثانية : اختلفوا في الذي مر بالقرية ، فقال قوم : كان رجلا ~~كافرا شاكا في البعث / وهو قول مجاهد وأكثر المفسرين من المعتزلة / وقال ~~الباقون : إنه كان مسلما ، ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي : هو عزير ، ~~وقال عطاء عن ابن عباس : هو أرمياء ، ثم من هؤلاء من قال : إن أرمياء هو ~~الخضر عليه السلام ، وهو رجل من سبط هارون بن عمران عليهما السلام ، وهو ~~قول محمد بن إسحاق ، وقال وهب بن منبه : إن أرمياء هو النبي الذي بعثه الله ~~عندما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة ، حجة من قال : إن هذا المار ~~كان كافرا وجوه الأول : أن الله حكى عنه أنه قال : { أو كالذى مر على قرية ~~وهى } وهذا كلام من يستبعد من الله الإحياء بعد الإماتة وذلك كفر . # فإن قيل : يجوز أن ذلك وقع منه قبل البلوغ . # قلنا : لو كان كذلك لم يجز من الله تعالى أن يعجب رسوله منه إذ الصبي لا ~~يتعجب من شكه في مثل ذلك ، وهذه الحجة ضعيفة لاحتمال أن ذلك الاستبعاد ما ~~كان بسبب الشك في قدرة الله تعالى على ذلك ، بل كان بسبب إطراد العادات في ~~أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معمورا وهذا كما أن الواحد منا ~~يشير إلى جبل ، فيقول : متى يقلبه الله ذهبا ، أو ياقوتا ، لا أن مراده منه ~~الشك في قدرة الله تعالى ، بل على أن مراده منه أن ذلك لا يقع ولا يحصل في ~~مطرد العادات ، فكذا هاهنا . # الوجه الثاني : قالوا : إنه تعالى قال في حقه { فلما تبين له } وهذا يدل ~~على أنه قبل ذلك لم يكن ذلك التبين حاصلا له وهذا أيضا ضعيف لأن تبين ~~الإحياء على سبيل المشاهدة ما كان حاصلا له قبل ذلك ، فأما أن تبين ذلك على ~~سبيل الاستدلال ما كان حاصلا فهو ممنوع . # الوجه الثالث : أنه قال : { أعلم أن الله على كل شيء قدير } وهذا يدل على ~~أن هذا العالم إنما حصل له في ذلك الوقت ، وأنه كان خاليا عن مثل ذلك العلم ms1951 ~~قبل ذلك الوقت ، وهذا أيضا ضعيف لأن تلك المشاهدة لا شك أنها أفادت نوع ~~توكيد وطمأنينة ووثوق ، وذلك القدر من التأكيد إنما حصل في ذلك الوقت ، ~~وهذا لا يدل على أن أصل العلم ما كان حاصلا قبل ذلك . # الوجه الرابع : لهم أن هذا المار كان كافرا لانتظامه مع نمروذ في سلك ~~واحد وهو ضعيف أيضا ، لأن قبله وإن كان قصة نمروذ ، ولكن بعده قصة سؤال ~~إبراهيم ، فوجب أن يكون نبيا من جنس إبراهيم . # وحجة من قال : إنه كان مؤمنا وكان نبيا وجوه الأول : أن قوله { أو كالذى ~~مر على قرية وهى } يدل على أنه كان عالما بالله ، وعلى أنه كان عالما بأنه ~~تعالى يصح منه الإحياء في الجملة ، لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء ~~إنما يصح أن لو حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة فأما من يعتقد ~~أن القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة . # / الحجة الثانية : أن قوله { كم لبثت } لا بد له من قائل والمذكور السابق ~~هو الله تعالى فصار التقدير : قال الله تعالى : { كم لبثت } فقال ذلك ~~الإنسان { لبثت يوما أو بعض يوم } فقال الله تعالى : { بل لبثت مائة عام } ~~ومما يؤكد أن قائل هذا القول هو الله تعالى قوله { ولنجعلك ءاية للناس } ~~ومن المعلوم أن القادر على جعله آية للناس هو الله تعالى ، ثم قال : { ~~وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } ولا شك أن قائل هذا ~~PageV07P026 القول هو الله تعالى ؛ فثبت أن هذه الآية دالة من هذه الوجوه ~~الكثيرة على أنه تكلم معه ، ومعلوم أن هذا لا يليق بحال هذا الكافر . # فإن قيل : لعله تعالى بعث إليه رسولا أو ملكا حتى قال له هذا القول عن ~~الله تعالى . # قلنا : ظاهر هذا الكلام يدل على أن قائل هذه الأقوال معه هو الله تعالى ، ~~فصرف اللفظ عن هذا الظاهر إلى المجاز من غير دليل يوجبه غير جائز . # والحجة الثالثة : أن إعادته حيا وإبقاء الطعام والشراب على حالهما ، ~~وإعادة الحمار حيا بعد ما صار ms1952 رميما مع كونه مشاهدا لإعادة أجزاء الحمار ~~إلى التركيب وإلى الحياة إكرام عظيم وتشريف كريم ، وذلك لا يليق بحال ~~الكافر له . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن كل هذه الأشياء إنما أدخلها الله ~~تعالى في الوجود إكراما لإنسان آخر كان نبيا في ذلك الزمان . # قلنا : لم يجر في هذه الآية ذكر هذا النبي ، وليس في هذه القصة حالة ~~مشعرة بوجود النبي أصلا فلو كان المقصود من إظهار هذه الأشياء إكرام ذلك ~~النبي وتأييد رسالته بالمعجزة لكان ترك ذكر ذلك الرسول إهمالا لما هو الغرض ~~الأصلي من الكلام وأنه لا يجوز . # فإن قيل : لو كان ذلك الشخص لكان إما أن يقال : إنه ادعى النبوة من قبل ~~الإماتة والإحياء أو بعدهما ، والأول : باطل ، لأن أرسال النبي من قبل الله ~~يكون لمصلحة تعود على الأمة ، وذلك لا يتم بعد الإماتة ، وإن ادعى النبوة ~~بعد الإحياء فالمعجز قد تقدم على الدعوى ، وذلك غير جائز . # قلنا : إظهار خوارق العادات على يد من يعلم الله أنه سيصير رسولا جائز ~~عندنا ، وعلى هذا الطريق زال السؤال . # الحجة الرابعة : أنه تعالى قال في حق هذا الشخص { ولنجعلك ءاية للناس } ~~وهذا اللفظ إنما يستعمل في حق الأنبياء والرسل قال تعالى : { وجعلناها ~~وابنها ءاية للعالمين } ( الأنبياء : 91 ) فكان هذا وعدا من الله تعالى ~~بأنه يجعله نبيا ، وأيضا فهذا الكلام لم يدل على النبوة بصريحه فلا شك أنه ~~يفيد التشريف العظيم ، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر وعلى الشك في ~~قدرة الله تعالى . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من جعله آية أن من عرفه من الناس ~~شابا كاملا إذا شاهدوه بعد مائة سنة على شبابه وقد شاخوا أو هرموا ، أو ~~سمعوا بالخبر أنه كان مات منذ زمان / وقد عاد شابا صح أن يقال لأجل ذلك إنه ~~آية للناس لأنهم يعتبرون بذلك ويعرفون به قدرة الله تعالى ، ونبوة نبي ذلك ~~الزمان . # والجواب من وجهين الأول : أن قوله { ولنجعلك ءاية } إخبار عن أنه تعالى ~~يجعله آية ms1953 ، وهذا الاخبار إنما وقع بعد أن أحياه الله ، وتكلم معه ، ~~والمجعول لا يجعل ثانيا ، فوجب حمل قوله { ولنجعلك ءاية للناس } على أمر ~~زائد عن هذا الإحياء ، وأنتم تحملونه على نفس هذا الإحياء فكان باطلا ~~والثاني : أنه وجه التمسك أن قوله { ولنجعلك ءاية للناس } يدل على التشريف ~~العظيم ، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر والشك في قدرة الله تعالى . ~~PageV07P027 # الحجة الخامسة : ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول الآية ~~قال : إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثيرون ، ومنهم عزير وكان من ~~علمائهم ، فجاء بهم إلى بابل ، فدخل عزير يوما تلك القرية ونزل تحت شجرة ~~وهو على حمار ، فربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحدا فعجب من ذلك ~~وقال : { أو كالذى مر على قرية وهى } لا على سبيل الشك في القدرة ، بل على ~~سبيل الاستبعاد بحسب العادة ، وكانت الأشجار مثمرة ، فتناول من الفاكهة ~~التين والعنب ، وشرب من عصير العنب ونام ، فأماته الله تعالى في منامه مائة ~~عام وهو شاب ، ثم أعمى عن موته أيضا الإنس والسباع والطير ، ثم أحياه الله ~~تعالى بعد المائة ونودي من السماء : يا عزير { كم لبثت } بعد الموت فقال { ~~يوما } فأبصر من الشمس بقية فقال { أو بعض يوم } فقال الله تعالى : { بل ~~لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك } من التين والعنب وشرابك من العصير لم ~~يتغير طعمهما ، فنظر فإذا التين والعنب كما شاهدهما ثم قال : { وانظر إلى ~~حمارك } فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله وسمع صوتا أيتها ~~العظام البالية إني جاعل فيك روحا فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض / ثم ~~التصق كل عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه ثم جاء الرأس ~~إلى مكانه ثم العصب والعروق ثم أنبت طراء اللحم عليه ، ثم انبسط الجلد عليه ~~، ثم خرجت الشعور عن الجلد ، ثم نفخ فيه الروح ، فإذا هو قائم ينهق فخر ~~عزير ساجدا ، وقال : { أعلم أن الله على كل شيء قدير } ثم إنه دخل ms1954 بيت ~~المقدس فقال القوم : حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرخياء مات ببابل ، وقد كان ~~بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفا ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير ، ~~والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة ، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم ~~التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفا ، وكانت التوراة قد ~~دفنت في موضع فأخرجت وعورض بما أملاه فما اختلفا في حرف ، فعند ذلك قالوا : ~~عزير بن الله ، وهذه الرواية مشهورة فيما بين الناس ، وذلك يدل على أن ذلك ~~المار كان نبيا . # المسألة الثالثة : اختلفوا في تلك القرية فقال وهب وقتادة وعكرمة والربيع ~~: إيلياء وهي بيت المقدس ، وقال ابن زيد : هي القرية التي خرج منها الألوف ~~حذر الموت . # / أما قوله تعالى : { وهى خاوية على عروشها } قال الأصمعي : خوى البيت ~~فهو يخوى خواء ممدود إذا ما خلا من أهله ، والخوا : خلو البطن من الطعام ، ~~وفي الحديث : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوى ) أي خلى ما بين ~~عضديه وجنبيه ، وبطنه وفخذيه ، وخوى الفرس ما بين قوائمه ، ثم يقال للبيت ~~إذا انهدم : خوى لأنه بتهدمه يخلو من أهله ، وكذلك : خوت النجوم وأخوت إذا ~~سقطت ولم تمطر لأنها خلت عن المطر ، والعرش سقف البيت ، والعروش الأبنية ، ~~والسقوف من الخشب يقال : عرش الرجل يعرش ويعرش إذا بني وسقف بخشب ، فقوله : ~~{ وهى خاوية على عروشها } أي منهدمة ساقطة خراب ، قاله ابن عباس رضي الله ~~عنهما ، وفيه وجوه أحدها : أن حيطانها كانت قائمة وقد تهدمت سقوفها ، ثم ~~انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المنهدمة ، ومعنى الخاوية ~~المنقلعة وهي المنقلعة من أصولها يدل عليه قوله تعالى : { أعجاز نخل خاوية ~~} ( الحاقة : 7 ) وموضع آخر { أعجاز نخل } ( القمر : 20 ) وهذه الصفة في ~~خراب المنازل من أحسن ما يوصف به والثاني : قوله تعالى : { وهى خاوية على ~~عروشها } أي خاوية عن عروشها ، جعل { على } بمعنى { عن } كقوله { إذا ~~اكتالوا على الناس } ( المطففين : 2 ) أي عنهم والثالث : أن المراد أن ~~القرية خاوية PageV07P028 مع كون أشجارها معروشة فكان التعجب ms1955 من ذلك أكثر ، ~~لأن الغالب من القرية الخالية الخاوية أن يبطل ما فيها من عروش الفاكهة ، ~~فلما خربت القرية مع بقاء عروشها كان التعجب أكثر . # أما قوله تعالى : { قال أنى يحى هاذه الله بعد موتها } فقد ذكرنا أن من ~~قال : المار كان كافرا حمله على الشك في قدرة الله تعالى ، ومن قال كان ~~نبيا حمله على الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة أو كان المقصود منه طلب ~~زيادة الدلائل لأجل التأكيد ، كما قال إبراهيم عليه السلام : ( أرني كيف ~~تحيي الموتى ) وقوله { إنى } أي من أين كقوله { أنى لك هاذا } والمراد ~~بإحياء هذه القرية عمارتها ، أي متى يفعل الله تعالى ذلك ، على معنى أنه لا ~~يفعله فأحب الله أن يريه في نفسه ، وفي إحياء القرية آية { فأماته الله ~~مائة عام } وقد ذكرنا القصة . # فإن قيل : ما الفائدة في إماتة الله له مائة عام ، مع أن الاستدلال ~~بالإحياء يوم أو بعد بعض يوم حاصل . # قلنا : لأن الإحياء بعد تراخي المدة أبعد في العقول من الإحياء بعد قرب ~~المدة ، وأيضا فلأن بعد تراخي المدة ما يشاهد منه ، ويشاهد هو من غيره أعجب ~~. # أما قوله تعالى : { ثم بعثه } فالمعنى : ثم أحياه ، ويوم القيامة يسمى ~~يوم البعث لأنهم يبعثون من قبورهم ، وأصله من بعثت الناقة إذا أقمتها من ~~مكانها ، وإنما قال { ثم بعثه } ولم يقل : ثم أحياه لأن قوله { ثم بعثه } ~~يدل على أنه عاد كما كان أولا حيا عاقلا فهما مستعدا للنظر والاستدلال في ~~المعارف الإلاهية ، ولو قال : ثم أحياه لم تحصل هذه الفوائد . # / أما قوله تعالى : { قال كم لبثت } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : فيه وجهان من القراءة ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ~~بالإدغام والباقون بالإظهار ، فمن أدغم فلقرب المخرجين ومن أظهر فلتباين ~~المخرجين وإن كانا قريبين . # المسألة الثانية : أجمعوا على أن قائل هذا القول هو الله تعالى وإنما عرف ~~أن هذا الخطاب من الله تعالى ، لأن ذلك الخطاب كان مقرونا بالمعجز ، ولأنه ~~بعد الإحياء شاهد من أحوال حماره وظهور البلى في عظامه ما عرف ms1956 به أن تلك ~~الخوارق لم تصدر إلا من الله تعالى . # المسألة الثالثة : في الآية إشكال ، وهو أن الله تعالى كان عالما بأنه ~~كان ميتا وكان عالما بأن الميت لا يمكنه بعد أن صار حيا أن يعلم أن مدة ~~موته كانت طويلة أم قصيرة ، فمع ذلك لأي حكمة سأله عن مقدار تلك المدة . # والجواب عنه : أن المقصود من هذا السؤال التنبيه على حدوث ما حدث من ~~الخوارق . # أما قوله تعالى : { لبثت يوما أو بعض يوم } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : لم ذكر هذا الترديد ؟ . # الجواب : أن الميت طالت مدة موته أو قصرت فالحال واحدة بالنسبة إليه ~~فأجاب بأقل ما يمكن أن يكون ميتا لأنه اليقين ، وفي التفسير أن إماتته كانت ~~في أول النهار ، فقال { يوما } ثم لما نظر إلى ضوء PageV07P029 الشمس باقيا ~~على رؤوس الجدران فقال : { أو بعض يوم } . # السؤال الثاني : أنه لما كان اللبث مائة عام ، ثم قال : { لبثت يوما أو ~~بعض يوم } أليس هذا يكون كذبا ؟ . # والجواب : أنه قال ذلك على حسب الظن ، ولا يكون مؤاخذا بهذا الكذب ، ~~ونظيره أنه تعالى حكى عن أصحاب الكهف أنهم قالوا { لبثنا يوما أو بعض يوم } ~~على ما توهموه ووقع عندهم ، وأيضا قال أخوة يوسف عليه السلام : { فقولوا ~~يأبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا } ( يوسف : 81 ) وإنما قالوا : ~~ذلك بناء على الأمارة من إخراج الصواع من رحله . # السؤال الثالث : هل علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، أو لم يعلم ذلك بل ~~كان يعتقد أن ذلك اللبث بسبب الموت . # الجواب : الأظهر أنه علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وذلك لأن الغرض ~~الأصلي في إماتته ثم إحيائه بعد مائة عام أن يشاهد الإحياء بعد الإماتة ~~وذلك لا يحصل إلا إذا عرف أن ذلك اللبث كان بسبب الموت ، وهو أيضا قد شاهد ~~إما في نفسه ، أو في حماره أحوالا دالة على أن ذلك اللبث كان بسبب الموت . # / أما قوله تعالى : { قال بل لبثت مائة عام } فالمعنى ظاهر ، وقيل : ~~العام أصله من العوم ms1957 الذي هو السباحة ، لأن فيه سبحا طويلا لا يمكن من ~~التصرف فيه . # أما قوله تعالى : { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلف القراء في إثبات الهاء في الوصل من قوله { لم ~~يتسنه } و { اقتده } و { ماليه } و { سلطانيه } و { * ماهيه } بعد أن ~~اتفقوا على إثباتها في الوقف ، فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ~~وعاصم هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل ، وكان حمزة يحذفهن في الوصل ~~وكان الكسائي يحذف الهاء في الوصل من قوله { وشرابك لم يتسنه } و { اقتده } ~~ويثبتها في الوصل في الباقي ولم يختلفوا في قوله { لم أوت كتابيه كتابيه * ~~ولم أدر ما حسابيه } ( الحاقة : 25 ، 26 ) أنها بالهاء في الوصل والوقف . # إذا عرفت هذا فنقول : أما الحذف ففيه وجوه أحدهما : أن اشتقاق قوله { ~~يتسنه } من السنة وزعم كثير من الناس أن أصل السنة سنوة ، قالوا : والدليل ~~عليه أنهم يقولون في الاشتقاق منها أسنت القوم إذا أصابتهم السنة ، وقال ~~الشاعر : # % ورجال مكة مسنتون عجاف % % # ويقولون في جمعها : سنوات وفي الفعل منها : سانيت الرجل مساناة إذا عامله ~~سنة سنة ، وفي التصغير : سنية إذا ثبت هذا كان الهاء في قوله { لم يتسنه } ~~للسكت لا للأصل وثانيها : نقل الواحدي عن الفراء أنه قال : يجوز أن تكون ~~أصل سنة سننة ، لأنهم قالوا في تصغيرها : سنينة وإن كان ذلك قليلا ، فعلى ~~هذا يجوز أن يكون { لم يتسنه } أصله لم يتسنن ، ثم أسقطت النون الأخيرة ثم ~~أدخل عليها هاء السكت عن الوقف عليه كما أن أصل لم يتقض البازي لم يتقضض ~~البازي ثم أسقطت الضاد الأخيرة ، ثم أدخل عليه هاء PageV07P030 السكت عند ~~الوقف ، فيقال : لم يتقضه وثالثها : أن يكون { لم يتسنه } مأخوذا من قوله ~~تعالى : { من حمإ مسنون } ( الحجر : 26 ) والسن في اللغة هو الصب ، هكذا ~~قال أبو علي الفارسي ، فقوله : لم يتسنن . أي الشراب بقي بحاله لم ينضب ، ~~وقد أتى عليه مائة عام ، ثم أنه حذفت النون الأخيرة وأبدلت بها السكت عند ~~الوقف على ما قررناه في ms1958 الوجه الثاني ، فهذه الوجوه الثلاثة لبيان الحذف ، ~~وأما بيان الإثبات فهو أن { لم يتسنه } مأخوذ من السنة ، والسنة أصلها سنهه ~~، بدليل أنه يقال في تصغيرها : سنيهة ، ويقال : سانهت النخلة بمعنى عاومت ، ~~وآجرت الدار مسانهة ، وإذا كان كذلك فالهاء في { لم يتسنه } لام الفعل ، ~~فلا جرم لم يحذف ألبتة لا عند الوصل ولا عند الوقف . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { لم يتسنه } أي لم يتغير وأصل معنى { لم ~~يتسنه } أي لم يأت عليه السنون لأن مر السنين إذا لم يتغير فكأنها لم تأت ~~عليه ، ونقلنا عن أبي علي الفارسي : لم يتسنن أي لم ينضب الشراب ، بقي في ~~الآية سؤالان : # / السؤال الأول : أنه تعالى لما قال : { بل لبثت مائة عام } كان من حقه ~~أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك وقوله { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } ~~لا يدل على أنه لبث مائة عام بل يدل ظاهرا على ما قاله من أنه لبث يوما أو ~~بعض يوم . # والجواب : أنه كلما كانت الشبهة أقوى مع علم الإنسان في الجملة أنها شبهة ~~كان سماع الدليل المزيل لتلك الشبهة آكد ووقوعه في العمل أكمل فكأنه تعالى ~~لما قال : { بل لبثت مائة عام } قال : { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } ~~فإن هذا مما يؤكد قولك { لبثت يوما أو بعض يوم } فحينئذ يعظم اشتياقك إلى ~~الدليل الذي يكشف عن هذه الشبهة ، ثم قال بعده { وانظر إلى حمارك } فرأى ~~الحمار صار رميما وعظاما نخرة فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى ، فإن الطعام ~~والشراب يسرع التغير فيهما ، والحمار ربما بقي دهرا طويلا وزمانا عظيما ، ~~فرأى ما لا يبقى باقيا ، وهو الطعام والشراب ، وما يبقى غير باق وهو العظام ~~، فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى ، وتمكن وقوع هذه الحجة في عقله وفي قلبه ~~. # السؤال الثاني : أنه تعالى ذكر الطعام والشراب ، وقوله { لم يتسنه } راجع ~~إلى الشراب لا إلى الطعام . # والجواب : كما يوصف الشراب بأنه لم يتغير ، كذلك يوصف الطعام بأنه لم ~~يتغير ، لا سيما إذا كان الطعام لطيفا يتسارع الفساد إليه ms1959 ، والمروى أن ~~طعامه كان التين والعنب ، وشرابه كان عصير العنب واللبن ، وفي قراءة ابن ~~مسعود رضي الله عنه { وانظر إلى * طعامك * وهاذا } . # أما قوله تعالى : { وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك } فالمعنى أنه عرفه ~~طول مدة موته بأن شاهد عظام حماره نخرة رميمة ، وهذا في الحقيقة لا يدل ~~بذاته ، لأنه لما شاهد انقلاب العظام النخرة حيا في الحال علم أن القادر ~~على ذلك قادر على أن يميت الحمار في الحال ويجعل عظامه رميمة نخرة في الحال ~~، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بعظام الحمار على طول مدة الموت ، بل انقلاب ~~عظام الحمار إلى الحياة معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله { بل لبثت مائة ~~عام } قال الضحاك : معنى قوله أنه لما أحيى بعد الموت كان دليلا على صحة ~~البعث ، وقال غيره : كان آية لأن الله تعالى أحياه شابا أسود الرأس ، وبنو ~~بنيه شيوخ بيض اللحى والرؤوس . PageV07P031 # أما قوله تعالى : { ولنجعلك ءاية للناس } فقد بينا أن المراد منه التشريف ~~والتعظيم والوعد بالدرجة العالية في الدين والدنيا ، وذلك لا يليق بمن مات ~~على الكفر والشك في قدرة الله تعالى . # فإن قيل : ما فائدة الواو في قوله { ولنجعلك } قلنا : قال الفراء : دخلت ~~الواو لأنه فعل بعدها مضمر ، لأنه لو قال : وانظر إلى حمارك لنجعلك آية ، ~~كان النظر إلى الحمار شرطا ، وجعله آية جزاء ، / وهذا المعنى غير مطلوب من ~~هذا الكلام ، أما لما قال : { ولنجعلك ءاية } كان المعنى : ولنجعلك آية ~~فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء ، ومثله قوله تعالى : { وكذالك نصرف ~~الايات وليقولوا درست } ( الأنعام : 105 ) والمعنى : وليقولوا درست صرفنا ~~الآيات { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت * السماوات والارض * وليكون من الموقنين ~~} ( الأنعام : 75 ) أي ونريه الملكوت . # أما قوله تعالى : { وانظر إلى العظام } فأكثر المفسرين على أن المراد ~~بالعظام عظام حماره ، فإن اللام فيه بدل الكناية ، وقال آخرون أرادوا به ~~عظام هذا الرجل نفسه ، قالوا : إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه ، وكانت بقية ~~بدنه عظاما نخرة ، فكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض ~~إلى البعض ms1960 ، وكان يرى حماره واقفا كما ربطه حين كان حيا لم يأكل ولم يشرب ~~مائة عام ، وتقدير الكلام على هذا الوجه : وانظر إلى عظامك ، وهذا قول ~~قتادة والربيع وابن زيد ، وهو عندي ضعيف لوجوه أحدها : أن قوله { لبثت يوما ~~أو بعض يوم } إنما يليق بمن لا يرى أثر التغير في نفسه فيظن أنه كان نائما ~~في بعض يوم ، أما من شاهد أجزاء بدنة متفرقة ، وعظام بدنة رميمة نخرة ، فلا ~~يليق به ذلك القول وثانيها : أنه تعالى حكي عنه أن خاطبه وأجاب ، فيجب أن ~~يكون المجيب هو الذي أماته الله ، فإذا كانت الإماتة راجعة إلي كله ، ~~فالمجيب أيضا الذي بعثه الله يجب أن يكون جملة الشخص وثالثها : أن قوله { ~~فأماته الله مائة عام ثم بعثه } يدل على أن تلك الجملة أحياها وبعثها . # أما قوله { كيف } فالمراد يحييها ، يقال : أنشر الله الميت ونشره ، قال ~~تعالى : { فأقبره ثم إذا شاء أنشره } وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله ~~تعالى : { قال من يحى العظام وهى رميم * قل يحييها } ( يس : 78 ، 79 ) ~~وقرىء { * ننشرها } بفتح النون وضم الشين ، قال الفراء : كأنه ذهب إلى ~~النشر بعد الطي ، وذلك أن بالحياة يكون الانبساط في التصرف ، فهو كأنه مطوي ~~ما دام ميتا ، فإذا عاد صار كأنه نشر بعد الطي ، وقرأ حمزة والكسائي { كيف ~~ننشزها } بالزاي المنقوطة من فوق ، والمعنى نرفع بعضها إلى بعض ، وانشاز ~~الشيء رفعه ، يقال أنشزته فنشز ، أي رفعته فارتفع ، ويقال لما ارتفع من ~~الأرض نشز ، ومنه نشوز المرأة ، وهو أن ترتفع عن حد رضا الزوج / ومعنى ~~الآية على هذه القراءة : كيف نرفعها من الأرض فتردها إلى أماكنها من الجسد ~~ونركب بعضها على البعض ، وروي عن النخعي أنه كان يقرأ { ننشزها } بفتح ~~النون وضم الشين والزاي ووجهه ما قال الأخفش أنه يقال : نشزته وأنشزته أي ~~رفعته ، والمعنى من جميع القراءات أنه تعالى ركب العظام بعضها على بعض حتى ~~اتصلت على نظام ، ثم بسط اللحم عليها ، ونشر العروق والأعصاب واللحوم ~~والجلود عليها ، ورفع بعضه إلى جنب البعض ، فيكون ms1961 كل القراءات داخلا في ذلك ~~. # ثم قال تعالى : { فلما تبين له } وهذا راجع إلى ما تقدم ذكره من قوله { ~~أو كالذى مر على قرية وهى } PageV07P032 / والمعنى فلما تبين له وقوع ما ~~كان يستبعد وقوعه وقال صاحب ( الكشاف ) : فاعل { تبين له } مضمر تقديره ~~فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال : { أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، وهذا عندي فيه تعسف ، بل الصحيح ~~أنه لما تبين له أمر الإماتة والإحياء على سبيل المشاهدة قال : { أعلم أن ~~الله على كل شيء قدير } وتأويله : أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك ~~الاستدلال وقرأ حمزة والكسائي { قال أعلم } على لفظ الأمر وفيه وجهان ~~أحدهما : أنه عند التبين أمر نفسه بذلك ، قال الأعشى : # % ودع أمامة إن الركب قد رحلوا % % # والثاني : أن الله تعالى قال : { أعلم أن الله على كل شيء قدير } ويدل ~~على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله والأعمش : قيل أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير ويؤكده قوله في قصة إبراهيم { ربى * وإذ قال إبراهيم رب } ( البقرة : ~~260 ) ثم قال في آخرها { واعلم أن الله عزيز حكيم } ( البقرة : 260 ) قال ~~القاضي : والقراءة الأولى وذلك لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور ~~به ، وهاهنا العلم حاصل بدليل قوله { فلما تبين له } فكان الأمر بتحصيل ~~العلم بعد ذلك غير جائز ، أما الاخبار عن أنه حصل كان جائزا . # القصة الثالثة # وهي أيضا دالة على صحة البعث : # ! 7 < { وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ~~ولاكن ليطمئن قلبى قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل ~~منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 260 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في عامل { إذ } قولان قال الزجاج التقدير : اذكر إذ قال ~~إبراهيم ، وقال غيره إنه معطوف على قوله { ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم } ~~ألم تر إذ حاج إبراهيم ms1962 في ربه ، وألم تر إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي ~~الموتى . # / المسألة الثانية : أنه تعالى لم يسم عزيرا حين قال : { أو كالذى مر على ~~قرية } ( البقرة : 259 ) وسمى هاهنا إبراهيم مع أن المقصود من البحث في ~~كلتا القصتين شيء واحد ، والسبب أن عزيرا لم يحفظ الأدب ، بل قال : { أو ~~كالذى مر على قرية وهى } وإبراهيم حفظ الأدب فإنه أثنى على الله أولا بقوله ~~{ رب } ثم دعا حيث قال : { أرنى } وأيضا أن إبراهيم لما راعى الأدب جعل ~~الإحياء والإماتة في الطيور ، وعزيرا لما لم يراع الأدب جعل الإحياء ~~والإماتة في نفسه . PageV07P033 # المسألة الثالثة : ذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوها الأول : قال الحسن ~~والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج : أنه رأى جيفة مطروحة في شط البحر فإذا مد ~~البحر أكل منها دواب البحر ، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت ، وإذا ذهبت ~~السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت ، فقال إبراهيم : رب أرني كيف تجمع أجزاء ~~الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر ، فقيل : أو لم تؤمن قال بلى ~~ولكن المطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضروريا . # الوجه الثاني : قال محمد بن إسحاق والقاضي : سبب السؤال أنه مع مناظرته ~~مع نمروذ لما قال : { ربي الذى يحى ويميت قال أنا أحى وأميت } فأطلق محبوسا ~~وقتل رجلا قال إبراهيم : ليس هذا بإحياء وإماتة ، وعند ذلك قال : { رب أرنى ~~كيف تحى الموتى } لتنكشف هذه المسألة عند نمروذ وأتباعه ، وروي عن نمرود ~~أنه قال : قل لربك حتى يحيي وإلا قتلتك ، فسأل الله تعالى ذلك ، وقوله { ~~ليطمئن قلبى } بنجاتي من القتل أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني ، وإن ~~عدولي منها إلى غيرها ما كان بسبب ضعف تلك الحجة ، بل كان بسبب جهل المستمع ~~. # والوجه الثالث : قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي رضي الله عنهم : أن ~~الله تعالى أوحى إليه إني متخذ بشرا خليلا : فاستعظم ذلك إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم ، وقال إلاهي ما علامات ذلك ؟ فقال : علامته أنه يحيي الميت ~~بدعائه ، فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في ms1963 درجات العبودية وأداء ~~الرسالة ، خطر بباله : إني لعلي أن أكون ذلك الخليل ، فسأل إحياء الميت ~~فقال الله { أولم * نؤمن * قال بلى ولاكن ليطمئن قلبى } على أنني خليل لك . # الوجه الرابع : أنه صلى الله عليه وسلم إنما سأل ذلك لقومه وذلك أتباع ~~الأنبياء كانوا يطالبونهم بأشياء تارة باطلة وتارة حقة ، كقولهم لموسى عليه ~~السلام : ( اجعل لنا إلاها كما لهم آلهة ) فسأل إبراهيم ذلك . والمقصود أن ~~يشاهده فيزول الإنكار عن قلوبهم . # الوجه الخامس : ما خطر ببالي فقلت : لا شك أن الأمة كما يحتاجون في العلم ~~بأن الرسول صادق في ادعاء الرسالة إلى معجز يظهر على يده فكذلك الرسول عند ~~وصول الملك إليه وإخباره إياه بأن الله بعثه رسولا يحتاج إلى معجز يظهر على ~~يد ذلك الملك ليعلم الرسول أن ذلك الواصل ملك كريم لا شيطان رجيم وكذا إذا ~~سمع الملك كلام الله احتاج إلى معجز يدل على أن ذلك / الكلام كلام الله ~~تعالى لا كلام غيره وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال : إنه لما جاء الملك ~~إلى إبراهيم وأخبره بأن الله تعالى بعثك رسولا إلى الخلق طلب المعجز فقال : ~~{ رب أرنى كيف تحى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولاكن ليطمئن قلبى } على ~~أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم . # الوجه السادس : وهو على لسان أهل التصوف : أن المراد من الموتى القلوب ~~المحجوبة عن أنوار المكاشفات والتجلي ، والإحياء عبارة عن حصول ذلك التجلي ~~والأنوار الإلاهية فقوله { وإذ قال إبراهيم رب } طلب لذلك التجلي ~~والمكاشفات فقال أولم تؤمن قال بلى أو من به إيمان الغيب ، ولكن أطلب ~~حصولها ليطمئن قلبي بسبب حصول ذلك التجلي ، وعلى قول المتكلمين : العلم ~~الاستدلالي مما يتطرق إليه PageV07P034 الشبهات والشكوك فطلب علما ضروريا ~~يستقر القلب معه استقرار لا يتخالجه شيء من الشكوك والشبهات . # الوجه السابع : لعله طالع في الصحف التي أنزلها الله تعالى عليه أنه يشرف ~~ولده عيسى بأنه يحيي الموتى بدعائه فطلب ذلك فقيل له { أولم تؤمن قال بلى ~~ولاكن ليطمئن قلبى } على أني لست أقل منزلة ms1964 في حضرتك من ولدي عيسى . # الوجه الثامن : أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمر بذبح الولد فسارع إليه ~~، ثم قال : أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح ففعلت ، وأنا أسألك أن تجعل غير ~~ذي روح روحانيا ، فقال : أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أنك ~~اتخذتني خليلا . # الوجه التاسع : نظر إبراهيم صلى الله عليه وسلم في قلبه فرآه ميتا بحب ~~ولده فاستحيي من الله وقال : أرني كيف تحيي الموتى أي القلب إذا مات بسبب ~~الغفلة كيف يكون إحياؤه بذكر الله تعالى . # الوجه العاشر : تقدير الآية أن جميع الخلق يشاهدون الحشر يوم القيامة ~~فأرني ذلك في الدنيا ، فقال : أولم نؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أن ~~خصصتني في الدنيا بمزيد هذا التشريف . # الوجه الحادي عشر : لم يكن قصد إبراهيم إحياء الموتى ، بل كان قصده سماع ~~الكلام بلا واسطة . # الثاني عشر : ما قاله قوم من الجهال ، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ~~كان شاكا في معرفة المبدأ وفي معرفة المعاد ، أما شكه في معرفة المبدأ ~~فقوله { هاذا ربى } وقوله { لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين } ( ~~الأنعام : 77 ) وأما شكه في المعاد فهو في هذه الآية ، وهذا القول سخيف ، ~~بل كفر وذلك لأن الجاهل بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى كافر ، فمن نسب ~~النبي المعصوم إلى ذلك فقد كفر النبي المعصوم ، فكان هذا بالكفر أولى ، ~~ومما يدل على فساد ذلك وجوه أحدها : قوله تعالى : { أولم تؤمن قال بلى ~~ولاكن ليطمئن قلبى } ولو كان شاكا لم يصح ذلك وثانيها : قوله { ولاكن ~~ليطمئن قلبى } وذلك كلام عارف طالب لمزيد اليقين ، ومنها أن الشك في قدرة ~~الله تعالى يوجب الشك في النبوة فكيف يعرف نبوة نفسه . # / أما قوله تعالى : { أولم تؤمن } ففيه وجهان أحدهما : أنه استفهام بمعنى ~~التقرير ، قال الشاعر : # % ألستم خير من ركب المطايا % % وأندى العالمين بطون راح % # والثاني : المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه ~~عليه السلام كان مؤمنا بذلك عارفا به وأن المقصود ms1965 من هذا السؤال شيء آخر . # أما قوله تعالى : { قال بلى ولاكن ليطمئن قلبى } فاعلم أن اللام في { ~~ليطمئن } متعلق بمحذوف ، والتقدير : سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب ، قالوا ~~. والمراد منه أن يزول عنه الخواطر التي تعرض للمستدل وإلا فاليقين حاصل ~~على كلتا الحالتين . # وهاهنا بحث عقلي وهو أن التفسير مفرع على أن العلوم يجوز أن يكون بعضها ~~أقوى من بعض ، وفيه سؤال صعب ، وهو أن الإنسان حال حصول العلم له إما أن ~~يكون مجوزا لنقيضه ، وإما أن لا يكون ، فإن PageV07P035 جوز نقيضه بوجه من ~~الوجوه ، فذاك ظن قوي لا اعتقاد جازم ، وإن لم يجوز نقيضه بوجه من الوجوه ~~امتنع وقوع التفاوت في العلوم . # واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا قلنا المطلوب هو حصول الطمأنينة في ~~اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء ، أما لو قلنا : المقصود شيء آخر ~~فالسؤال زائل . # أما قوله تعالى : { فخذ أربعة من الطير } فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~أخذ طاوسا ونسرا وغرابا وديكا ، وفي قول مجاهد وابن زيد رضي الله عنهما : ~~حمامة بدل النسر ، وهاهنا أبحاث : # البحث الأول : أنه لما خص الطير من جملة الحيوانات بهذه الحالة ذكروا فيه ~~وجهين الأول : أن الطيران في السماء ، والارتفاع في الهواء ، والخليل كانت ~~همته العلو والوصول إلى الملكوت فجعلت معجزته مشاكلة لهمته . # والوجه الثاني : أن الخليل عليه السلام لما ذبح الطيور وجعلها قطعة قطعة ~~، ووضع على رأس كل جبل قطعا مختلطة ، ثم دعاها طار كل جزء إلى مشاكله ، ~~فقيل له كما طار كل جزء إلى مشاكله كذا يوم القيامة يطير كل جزء إلى مشاكله ~~حتى تتألف الأبدان وتتصل به الأرواح ، ويقرره قوله تعالى : { يخرجون من ~~الاجداث كأنهم جراد منتشر } ( القمر : 7 ) . # البحث الثاني : أن المقصود من الإحياء والإماتة كان حاصلا بحيوان واحد ، ~~فلم أمر بأخذ أربع حيوانات ، وفيه وجهان الأول : أن المعنى فيه أنك سألت ~~واحدا على قدر العبودية وأنا أعطي أربعا على قدر الربوبية والثاني : أن ~~الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تركيب أبدان الحيوانات ~~والنباتات ms1966 والإشارة فيه أنك ما لم تفرق بين هذه الطيور الأربعة لا يقدر طير ~~الروح على الارتفاع إلى هواء الربوبية وصفاء عالم القدس . # البحث الثالث : إنما خص هذه الحيوانات لأن الطاوس إشارة إلى ما في ~~الإنسان من حب / الزينة والجاه والترفع ، قال تعالى : { زين للناس حب ~~الشهوات } ( آل عمران : 14 ) والنسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل والديك ~~إشارة إلى شدة الشغف بقضاء الشهوة من الفرج والغراب إشارة إلى شدة الحرص ~~على الجمع والطلب ، فإن من حرص الغراب أنه يطير بالليل ويخرج بالنهار في ~~غاية البرد للطلب ، والإشارة فيه إلى أن الإنسان ما لم يسع في قتل شهوة ~~النفس والفرج وفي إبطال الحرص وإبطال التزين للخلق لم يجد في قلبه روحا ~~وراحة من نور جلال الله . # أما قوله تعالى : { فصرهن إليك } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة { فصرهن إليك } بكسر الصاد ، والباقون بضم ~~الصاد ، أما الضم ففيه قولان الأول : أن من صرت الشيء أصوره إذا أملته إليه ~~ورجل أصور أي مائل العنق ، ويقال : صار فلان إلى كذا إذا قال به ومال إليه ~~، وعلى هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف ، كأنه قيل : أملهن إليك وقطعهن ، ~~ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام ~~عليه كقوله { أن اضرب بعصاك PageV07P036 البحر فانفلق } على معنى : فضرب ~~فانفلق لأن قوله { ثم اجعل على كل جبل منهن } يدل على التقطيع . # فإن قيل : ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها ؟ . # قلنا : الفائدة أن يتأمل فيها ويعرف أشكالها وهيآتها لئلا تلتبس عليه بعد ~~الإحياء ، ولا يتوهم أنها غير تلك . # والقول الثاني : وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد { أنزلنا ~~إليك } معناه قطعهن ، يقال : صار الشيء يصوره صورا ، إذ قطعه / قال رؤبة ~~يصف خصما ألد : صرناه بالحكم ، أي قطعناه ، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى ~~الإضمار ، وأما قراءة حمزة بكسر الصاد ، فقد فسر هذه الكلمة أيضا تارة ~~بالإمالة ، وأخرى بالتقطيع ، أما الإمالة فقال الفراء : هذه لغة هذيل وسليم ~~: صاره يصيره ms1967 إذا أماته ، وقال الأخفش وغيره { * صرهن } بكسر الصاد : قطعهن ~~. يقال : صاره يصيره إذا قطعه ، قال الفراء : أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصري ~~إذا قطع ، فقدمت ياؤها ، كما قالوا : عثا وعاث ، قال المبرد : وهذا لا يصح ~~، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته ، فلا يجوز جعل ~~أحدهما فرعا عن الآخر . # المسألة الثانية : أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية : قطعهن ، وأن ~~إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها ، وخلط بعضها على بعض ، غير ~~أبي مسلم فإنه أنكر ذلك ، وقال : إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء ~~الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه ، والمراد ~~بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة ، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير ~~بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك ، فإذا صارت كذلك ، فاجعل على كل جبل واحدا ~~حال حياته ، ثم ادعهن / يأتينك سعيا ، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود ~~الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه : فقطعهن ~~. واحتج عليه بوجوه الأول : أن المشهور في اللغة في قوله { الطير فصرهن } ~~أملهن وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه ، فكان إدراجه في ~~الآية إلحاقا لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها وأنه لا يجوز والثاني : ~~أنه لو كان المراد بصرهن قطعهن لم يقل إليك ، فإن ذلك لا يتعدى بإلي وإنما ~~يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : فخذ ~~إليك أربعة من الطير فصرهن . # قلنا : التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجىء إلى التزامه خلاف ~~الظاهر والثالث : أن الضمير في قوله { ثم ادعهن } عائد إليها لا إلى ~~أجزائها ، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض ~~تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائدا إلى تلك الأجزاء لا إليها ، وهو ~~خلاف الظاهر ، وأيضا الضمير في قوله { يأتينك سعيا } عائدا إليها لا إلى ~~إجزائها وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير ms1968 في { يأتينك } ~~عائدا إلى أجزائها لا إليها ، واحتج القائلون بالقول المشهور بوجوه الأول : ~~أن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبو مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك ~~الطيور وتقطيع أجزائها ، فيكون إنكار ذلك إنكارا للإجماع والثاني : أن ما ~~ذكره غير مختص بإبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فلا يكون له فيه مزية على ~~العير والثالث : أن إبراهيم أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتى ، وظاهر ~~الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك ، وعلى قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في ~~الحقيقة والرابع : أن قوله { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } يدل ~~PageV07P037 على أن تلك الطيور جعلت جزأ جزأ ، قال أبو مسلم في الجواب عن ~~هذا الوجه : أنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو ~~الواحد من تلك الأربعة والجواب : أن ما ذكرته وإن كان محتملا إلا أن حمل ~~الجزء على ما ذكرناه أظهر والتقدير : فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزأ ~~أو بعضا . # أما قوله تعالى : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ظاهر قوله { على كل جبل } جميع جبال الدنيا ، فذهب ~~مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان ، كأنه قيل : فرقها على كل جبل ~~يمكنك التفرقة عليه ، وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع أربعة جبال على ~~حسب الطيور الأربعة وعلى حسب الجهات الأربعة أيضا أعني المشرق والمغرب ~~والشمال والجنوب / وقال السدي وابن جريج : سبعة من الجبال لأن المراد كل ~~جبل يشاهده إبراهيم عليه السلام حتى يصح منه دعاء الطير ، لأن ذلك لا يتم ~~إلا بالمشاهدة ، والجبال التي كان يشاهدها إبراهيم عليه السلام سبعة . # / المسألة الثانية : روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذبحها ونتف ريشها ~~وتقطيعها جزءا جزءا وخلط دمائها ولحومها ، وأن يمسك رؤوسها ، ثم أمر بأن ~~يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعا من كل طائر ، ثم يصيح بها : ~~تعالين بإذن الله تعالى ، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث ، ~~ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها ms1969 وانضم كل رأس إلى جثته ، وصار الكل أحياء بإذن ~~الله تعالى . # المسألة الثالثة : قرأ عاصم في رواية أبي بكر والفضل { جزءا } مثقلا ~~مهموزا حيث وقع ، والباقون مهمزا مخففا وهما لغتان بمعنى واحد . # أما قوله تعالى : { ثم ادعهن يأتينك سعيا } فقيل عدوا ومشيا على أرجلهن ، ~~لأن ذلك أبلغ في الحجة ، وقيل طيرانا وليس يصح ، لأنه لا يقال للطير إذا ~~طار : سعى ، ومنهم من أجاب عنه بأن السعي هو الاشتداد في الحركة ، فإن كانت ~~الحركة طيرانا فالسعي فيها هو الاشتداد في تلك الحركة . # وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن البنية ليست شرطا في صحة الحياة ، ~~وذلك لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حيا فاهما للنداء ، ~~قادرا على السعي والعدو ، فدل ذلك على أن البنية ليست شرطا في صحة الحياة ~~قال القاضي : الآية دالة على أنه لا بد من البنية من حيث أوجب التقطيع ~~بطلان حياتها . # والجواب : أنه ضعيف لأن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة ، أما ~~الانفكاك عنه في بعض الأحوال فإنه يدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت ~~واجبة ، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء ، والقدرة على السعي لتلك ~~الأجزاء حال تفرقها ، كان دليلا قاطعا على أن البنية ليست شرطا للحياة . # أما قوله تعالى : { واعلم أن الله عزيز حكيم } فالمعنى أنه غالب على جميع ~~الممكنات { حكيم } أي عليم بعواقب الأمور وغايات الأشياء . PageV07P038 # ! 7 < { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ~~في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 261 ) مثل الذين ينفقون . . . . . # > > إعلم أنه سبحانه لما ذكر من بيان أصول العلم بالمبدأ وبالمعاد ومن ~~دلائل صحتهما ما أراد أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف . # / فالحكم الأول : في بيان التكاليف المعتبرة في إنفاق الأموال وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال القاضي رحمه الله : ~~إنه تعالى لما أجمل في قوله { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا ms1970 كثيرة } فصل بعد ذلك في هذه الآية تلك الأضعاف ، وإنما ذكر بين ~~الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء ولإماتة من حيث لولا ذلك لم يحسن ~~التكليف بالإنفاق ، لأنه لولا وجود الإلاه المثيب المعاقب ، لكان الإنفاق ~~في سائر الطاعات عبثا ، فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق قد عرفت أني ~~خلقتك وأكملت نعمتي عليك بالإحياء والأقدار وقد علمت قدرتي على المجازاة ~~والإثابة ، فليكن علمك بهذه الأحوال داعيا إلى إنفاق المال ، فإنه يجازي ~~القليل بالكثير ، ثم ضرب لذلك الكثير مثلا ، وهو أن من بذر حبة أخرجت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، فصارت الواحدة سبعمائة . # الوجه الثاني : في بيان النظم ما ذكره الأصم ، وهو أنه تعالى ضرب هذا ~~المثل بعد أن احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته . # والوجه الثالث : لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين ، وأن الكفار أولياؤهم ~~الطاغوت بين مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل ~~الطاغوت . # المسألة الثانية : في الآية إضمار ، والتقدير : مثل صدقات الذين ينفقون ~~أموالهم كمثل حبة وقيل : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع حبة . # المسألة الثالثة : معنى { ينفقون أموالهم في سبيل الله } يعني في دينه ، ~~قيل : أراد النفقة في الجهاد خاصة ، وقيل : جميع أبواب البر ، ويدخل فيه ~~الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن ~~الإنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير ، ومن صرف المال إلى الصدقات ، ومن ~~إنفاقها في المصالح ، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين الله وطريقته ~~لأن كل ذلك إنفاق في سبيل الله . # فإن قيل : فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها ؟ . # قلنا : الجواب عنه من وجوه الأول : أن المقصود من الآية أنه لو علم إنسان ~~يطلب الزيادة والربح أنه PageV07P039 إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبعمائة ~~حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك ولا التقصير فيه فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر في ms1971 ~~الآخرة عند الله أن لا يتركه إذا علم أنه يحصل له على الواحدة عشرة ومائة ، ~~وسبعمائة ، وإذا كان هذا المعنى معقولا سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه ~~الصفة أو لم يوجد كان المعنى حاصلا مستقيما ، وهذا قول القفال رحمه الله ~~وهو حسن جدا . # والجواب الثاني : أنه شوهد ذلك في سنبلة الجاورس ، وهذا الجواب في غاية ~~الركاكة . # / المسألة الرابعة : كان أبو عمرو وحمزة والكسائي يدغمون التاء في السين ~~في قوله { أنبتت سبع سنابل } لأنهما حرفان مهموسان ، والباقون بالإظهار على ~~الأصل . # ثم قال : { والله يضاعف لمن يشاء } وليس فيه بيان كمية تلك المضاعفة ، ~~ولا بيان من يشرفه الله بهذه المضاعفة ، بل يجب أن يجوز أنه تعالى يضاعف ~~لكل المتقين / ويجوز أن يضاعف لبعضهم من حيث يكون إنفاقه أدخل في الإخلاص ، ~~أو لأنه تعالى بفضله وإحسانه يجعل طاعته مقرونة بمزيد القبول والثواب . # ثم قال : { والله سميع } أي واسع القدرة على المجازاة على الجود والافضال ~~عليهم ، بمقادير الانفاقات ، وكيفية ما يستحق عليها ، ومتى كان الأمر كذلك ~~لم يصر عمل العامل ضائعا عند الله تعالى . # ! 7 < { الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ~~ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 262 ) الذين ينفقون أموالهم . . . . . # > > إعلم أنه تعالى لما اعظم أمر الانفاق في سبيل الله ، أتبعه ببيان ~~الأمور التي يجب تحصيلها حتى يبقى ذلك الثواب ، منها ترك المن والأذى ثم في ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : نزلت الآية في عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، أما عثمان ~~فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف دينار ، فرفع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يديه يقول : يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه ، وأما ~~عبد الرحمن بن عوف فإنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار فنزلت الآية . # المسألة الثانية : قال بعض المفسرين : إن الآية المتقدمة مختصة بمن أنفق ~~على نفسه ، وهذه الآية بمن أنفق على غيره فبين تعالى أن الانفاق على الغير ~~إنما يوجب الثواب ms1972 العظيم المذكور في الآية إذا لم يتبعه بمن ولا أذى قال ~~القفال رحمه الله : وقد يحتمل أن يكون هذا الشرط معتبرا أيضا فيمن أنفق على ~~نفسه ، وذلك هو أن ينفق على نفسه ويحضر الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمين ابتغاء لمرضاة الله تعالى ، ولا يمن به على PageV07P040 ~~النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ولا يؤذي أحدا من المؤمنين ، مثل أن ~~يقول : لو لم أحضر لما تم هذا الأمر ، ويقول لغيره : أنت ضعيف بطال لا ~~منفعة منك في الجهاد . # / المسألة الثالثة : { المن } في اللغة على وجوه أحدها : بمعنى الانعام ، ~~يقال : قد من الله على فلان ، إذا أنعم ، أو لفلان على منة ، وأنشد ابن ~~الأنباري : # % فمني علينا بالسلام فإنما % % كلامك ياقوت ودر منظم % # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته ~~ولا ذات يده من ابن أبي قحافة ) يريد أكثر إنعاما بماله ، وأيضا الله تعالى ~~يوصف بأنه منان أي منعم . # والوجه الثاني : في التفسير { المن } النقص من الحق والبخس له ، قال ~~تعالى : { وإن لك لاجرا غير ممنون } أي غير مقطوع وغير ممنوع ، ومنه سمي ~~الموت : منونا لأنه ينقص الأعمار ، ويقطع الأعذار : ومن هذا الباب المنة ~~المذمومة ، لأن ينقص النعمة ، ويكدرها ، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة ~~، قال قائلهم : # % زاد معروفك عندي عظما % % أنه عندي مستور حقير % # % تتناساه كأن لم تأته % % وهو في العالم مشهور كثير % # إذا عرفت هذا فنقول : المن هو إظهار الاصطناع إليهم ، والأذى شكايته منهم ~~بسبب ما أعطاهم وإنما كان المن مذموما لوجوه الأول : أن الفقير الآخذ ~~للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غير معترف باليد العليا للمعطي ، ~~فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام ، زاد ذلك في انكسار قلبه ، ~~فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة ، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه ~~والثاني : إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من ~~طريقه ذلك الثالث : أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله ms1973 تعالى ~~عليه ، وأن يعتقد أن لله عليه نعما عظيمة حيث وفقه لهذا العمل ، وأن يخاف ~~أنه هل قرن بهذا الانعام ما يخرجه عن قبول الله إياه ، ومتى كان الأمر كذلك ~~امتنع أن يجعله منة على الغير الرابع : وهو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك ~~الإعطاء إنما تيسر لأن الله تعالى هيأ له أسباب الاعطاء وأزال أسباب المنع ~~، ومتى كان الأمر كذلك كان المعطي هو الله في الحقيقة لا العبد ، فالعبد ~~إذا كان في هذه الدرجة كان قلبه مستنيرا بنور الله تعالى وإذا لم يكن كذلك ~~بل كان مشغولا بالأسباب الجسمانية الظاهرة وكان محروما عن مطالعة الأسباب ~~الربانية الحقيقة فكان في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس ~~إلى المعقول وعن الآثار إلى المؤثر ، وأما الأذى فقد اختلفوا فيه ، منهم من ~~حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين وليس ذلك بالمن بل يجب أن يكون مختصا بما ~~تقدم ذكره وهو مثل أن يقول للفقير : أنت أبدا تجيئني بالإيلام وفرج الله ~~عني منك وباعد ما بيني وبينك ، فبين سبحانه وتعالى أن من أنفق ماله ثم أنه ~~لا يتبعه المن والأذى فله الأجر العظيم والثواب الجزيل . # فإن قيل : ظاهر اللفظ أنهما بمجموعهما يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد ~~أحدهما دون الثاني / لا يبطل الأجر . PageV07P041 # قلنا : بل الشرط أن لا يوجد واحد منهما لأن قوله { لا يتبعون ما أنفقوا ~~منا ولا أذى } يقتضي أن لا يقع منه لا هذا ولا ذاك . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : الآية دالة على أن الكبائر تحبط ثواب ~~فاعلها ، وذلك لأنه تعالى بين أن هذا الثواب إنما يبقى إذا لم يوجد المن ~~والأذى ، لأنه لو ثبت مع فقدهما ومع وجودهما لم يكن لهذا الاشتراط فائدة . # أجاب أصحابنا بأن المراد من الآية أن حصول المن والأذى يخرجان الانفاق من ~~أن يكون فيه أجر وثواب أصلا ، من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي يمن ، ~~ولم ينفق لطلب رضوان الله ، ولا على وجه القربة والعبادة ، فلا جرم بطل ~~الأجر ، طعن القاضي ms1974 في هذا الجواب فقال : إنه تعالى بين أن هذا الانفاق قد ~~صح ، ولذلك قال : { ثم لا يتبعون ما أنفقوا } وكلمة { ثم } للتراخي ، وما ~~يكون متأخرا عن الانفاق موجب للثواب ، لأن شرط المتأثر يجب أن يكون حاصلا ~~حال حصول المؤثر لا بعده . # أجاب أصحابنا عنه من وجوه الأول : أن ذكر المن والأذى وإن كان متأخرا عن ~~الانفاق ، إلا أن هذا الذكر المتأخر يدل ظاهرا على أنه حين أنفق ما كان ~~إنفاقه لوجه الله ، بل لأجل الترفع على الناس وطلب الرياء والسمعة ، ومتى ~~كان الأمر كذلك كان إنفاقه غير موجب للثواب والثاني : هب أن هذا الشرط ~~متأخر ، ولكن لم يجوز أن يقال : إن تأثير المؤثر يتوقف على أن لا يوجد بعده ~~ما يضاده على ما هو مذهب أصحاب الموافاة ، وتقريره معلوم في علم الكلام . # المسألة الخامسة : الآية دلت أن المن والأذى من الكبائر ، حيث تخرج هذه ~~الطاعة العظيمة بسبب كل واحد منهما عن أن تفيد ذلك الثواب الجزيل . # أما قوله { لهم أجرهم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن العمل يوجب الأجر على ~~الله تعالى ، وأصحابنا يقولون : حصول الأجر بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل ~~لأن العمل واجب على العبد وأداء الواجب لا يوجب الأجر . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على نفي الإحباط ، وذلك لأنها ~~تدل على أن الأجر حاصل لهم على الاطلاق ، فوجب أن يكون الأجر حاصلا لهم بعد ~~فعل الكبائر ، وذلك يبطل القول بالإحباط . # المسألة الثالثة : أجمعت الأمة على أن قوله { لهم أجرهم عند ربهم } مشروط ~~بأن لا يوجد منه الكفر ، وذلك يدل على أنه يجوز التكلم بالعام لإرادة الخاص ~~، ومتى جاز ذلك في الجملة / لم تكن دلالة اللفظ العام على الاستغراق دلالة ~~قطعية ، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك بالعمومات على القطع ~~بالوعيد . # أما قوله { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ففيه قولان الأول : أن إنفاقهم ~~في سبيل الله لا يضيع ، بل ثوابه موفر عليهم يوم القيامة ، لا يخافون من أن ~~لا يوجد ، ولا ms1975 يحزنون بسبب أن لا يوجد ، وهو كقوله تعالى : { ومن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما } ( طه : 112 ) والثاني : أن ~~يكون PageV07P042 المراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ألبتة ، كما ~~قال : { وهم من فزع يومئذ ءامنون } ( النمل : 89 ) وقال : { لا يحزنهم ~~الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ) . # ! 7 < { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى والله غنى حليم * ~~ياأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والا ذى كالذى ينفق ماله رئآء ~~الناس ولا يؤمن بالله واليوم الا خر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه ~~وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شىء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ~~* ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة ~~بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما ~~تعملون بصير } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 263 - 265 ) قول معروف ومغفرة . . . . . # > > # أما القول المعروف ، فهو القول الذي تقبله القلوب ولا تنكره ، والمراد ~~منه هاهنا أن يرد / السائل بطريق جميل حسن ، وقال عطاء : عدة حسنة ، أما ~~المغفرة ففيه وجوه أحدها : أن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك ، ~~فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان ، فأمر بالعفو عن بذاءة الفقير والصفح عن ~~إساءته وثانيها : أن يكون المراد ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل ~~وثالثها : أن يكون المراد من المغفرة أن يستر حاجة الفقير ولا يهتك ستره ، ~~والمراد من القول المعرروف رده بأحسن الطرق وبالمغفرة أن لا يهتك ستره بأن ~~يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله ورابعها : أن قوله { قول ~~معروف } خطاب مع المسؤول بأن يرد السائل بأحسن الطرق ، وقوله { ومغفرة } ~~خطاب مع السائل بأن يعذر المسؤول في ذلك الرد ، فربما لم يقدر على ذلك ~~الشيء في تلك الحالة ، ثم بين تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من ~~صدقة يتبعها أذى ، وسبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى ، ثم أتبع الإعطاء ~~بالإيذاء ، فهناك جمع بين الانفاع والإضرار ، وربما لم يف ثواب الانفاع ~~بعقاب الإضرار ms1976 ، وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال ~~السرور إلى قلب المسلم ولم يقترن به الإضرار ، فكان هذا خيرا من الأول . ~~PageV07P043 # واعلم أن من الناس من قال : إن الآية واردة في التطوع ، لأن الواجب لا ~~يحل منعه ، ولا رد السائل منه ، وقد يحتمل أن يراد به الواجب ، وقد يعدل به ~~عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير . # ثم قال : { والله غنى } عن صدقة العباد فإنما أمركم بها ليثيبكم عليها { ~~حليم } إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته ، وهذا سخط منه ووعيد ~~له ثم إنه تعالى وصف هذين النوعين على الإنفاق أحدهما : الذي يتبعه المن ~~والأذى والثاني : الذي لا يتبعه المن والأذى ، فشرح حال كل واحد منهما ، ~~وضرب مثلا لكل واحد منهما . # فقال في القسم الأول : الذي يتبعه المن والأذى { حليم يأيها الذين ءامنوا ~~لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله ~~واليوم الاخر } وفي الآية مسائل ؛ # المسألة الأولى : قال القاضي : إنه تعالى آكد النهي عن إبطال الصدقة ~~بالمن والأذى وأزال كل شبهة للمرجئة بأن بين أن المراد أن المن والأذى ~~يبطلان الصدقة ، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدمت ، فلا يصح أن تبطل ~~فالمراد إبطال أجرها وثوابها ، لأن الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل فيصح ~~إبطاله بما يأتيه من المن والأذى . # واعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجر الصدقة بالمن والأذى مثلين ، فمثله ~~أولا : بمن ينفق ماله رئاء الناس ، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم ~~الآخر / لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من ~~يتبعها المن والأذى ، ثم مثله ثانيا : بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار ، ~~ثم أصابه المطر القوي ، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه ~~غبار ولا تراب أصلا ، فالكافر كالصفوان ، والتراب مثل ذلك الإنفاق والوابل ~~كالكفر الذي يحبط عمل / الكافر ، وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا ~~المنفق ، قال : فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان ، فكذا ms1977 ~~المن والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الانفاق بعد حصوله ، وذلك صريح في ~~القول بالاحباط والتفكير ، قال الجبائي : وكما دل هذا النص على صحة قولنا ~~فالعقل دل عليه أيضا ، وذلك لأن من أطاع وعصى ، فلو استحق ثواب طاعته وعقاب ~~معصيته لوجب أن يستحق النقيضين ، لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة ~~مقرونة بالإجلال ، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال ~~فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النقيضين وذلك محال ، ولأنه حين يعاقبه ~~فقد منعه الإثابة ومنع الإثابة ظلم ، وهذا العقاب عدل ، فيلزم أن يكون هذا ~~العقاب عدلا من حيث إنه حقه ، وأن يكون ظلما من حيث إنه منع الإثابة ، ~~فيكون ظالما بنفس الفعل الذي هو عادل فيه وذلك محال ، فصح بهذا قولنا في ~~الإحباط والتفكير بهذا النص وبدلالة العقل ، هذا كلام المعتزلة . # وأما أصحابنا فإنهم قالوا : ليس المراد بقوله { لا تبطلوا } النهي عن ~~إزالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلا ، وذلك ~~لأنه إذا قصد به غير وجه الله تعالى فقد أتى به من الابتداء على نعت ~~البطلان ، واحتج أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدلائل : # أولها : أن النافي والطارىء إن لم يكن بينهما منافاة لم يلزم من طريان ~~الطارىء زوال النافي ، وإن PageV07P044 حصلت بينهما منافاة لم يكن اندفاع ~~الطارىء أولى من زوال النافي ، بل ربما كان هذا أولى لأن الدفع أسهل من ~~الرفع . # ثانيها : أن الطارىء لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في ~~الماضي وهو محال لأن الماضي انقضى ولم يبق في الحال وإعدام المعدوم محال ~~وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضا محال لأن الموجود في الحال لو ~~أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محال ، وإما أن يبطل ما ~~سيوجد في المستقبل وهو محال ، لأن الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال ~~وإعدام ما لم يوجد بعد محال . # وثالثها : أن شرط طريان الطارىء زوال النافي فلو جعلنا زوال ms1978 النافي معللا ~~بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال . # ورابعها : أن الطارىء إذا طرأ وأعدم الثواب السابق فالثواب السابق إما أن ~~يعدم من هذا الطارىء شيئا أو لا يعدم منه شيئا ، والأول هو الموازنة وهو ~~قول أبي هاشم وهو باطل ، وذلك لأن الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر ~~فلو حصل العدمان معا اللذان هما معلولان لزم حصول الوجودين اللذين هما ~~علتان فيلزم أن يكون كل واحد منهما موجودا حال كون كل واحد منهما معدوما ~~وهو محال . # / وأما الثاني : وهو قول أبي علي الجبائي فهو أيضا باطل لأن العقاب ~~الطارىء لما أزال الثواب السابق ، وذلك الثواب السابق ليس له أثر ألبتة في ~~إزالة الشيء من هذا العقاب الطارىء ، فحينئذ لا يحصل له من العمل الذي أوجب ~~الثواب السابق فائدة أصلا لا في جلب ثواب ولا في دفع عقاب وذلك على مضادة ~~النص الصريح في قوله { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ( الزلزلة : 7 ) ~~ولأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقة الطاعة ، ولم يظهر له منها أثر لا في ~~جلب المنفعة ولا في دفع المضرة . # وخامسها : وهو أنكم تقولون : الصغيرة تحبط بعض أجزاء الثواب دون البعض ، ~~وذلك محال من القول / لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهية ، فالصغيرة ~~الطارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع استواء ~~الكل في الماهية كان ذلك ترجيحا للممكن من غير مرجح وهو محال ، فلم يبق إلا ~~أن يقال بأن الصغيرة الطارئة تزيل كل تلك الاستحقاقات وهو باطل بالاتفاق ، ~~أو لا نزيل شيئا منها وهو المطلوب . # وسادسها : وهو أن عقاب الكبيرة إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدم ، ~~فإما أن يقال بأن المؤثر في إبطال الثواب بعض أجزاء العقاب الطارىء أو كلها ~~والأول : باطل لأن اختصاص بعض تلك الأجزاء بالمؤثرية دون البعض مع استواء ~~كلها في الماهية ترجيح للمكن من غير مرجح وهو محال ، والقسم الثاني باطل ، ~~لأنه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثواب جزآن من العقاب مع أن ~~كل واحد من ذينك ms1979 الجزأين مستقل بإيطال ذلك الثواب ، فقد اجتمع على الأثر ~~الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال ، لأنه يستغني بكل واحد منهما فيكون غنيا ~~عنهما معا حال كونه محتاجا إليهما معا وهو محال . # وسابعها : وهو أنه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين لأن السيد إذا قال ~~لعبده : احفظ المتاع لئلا يسرقه PageV07P045 السارق ، ثم في ذلك الوقت جاء ~~العدو وقصد قتل السيد ، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدو وقتله فذلك الفعل ~~من العبد يستوجب استحقاقه للمدح والتعظيم حيث دفع القتل عن سيده ، ويوجب ~~استحقاقه للذم حيث عرض ماله للسرقة ، وكل واحد من الاستحقاقين ثابت ، ~~والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى الترجيح أو إلى المهايأة ، فأما أن ~~يحكموا بانتفاء أحد الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوع في بداهة العقول . # وثامنها : أن الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المتقدم فهذا الطارىء ~~إما أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق أو لا يكون ، ~~والأول : محال لأن ذلك الفعل إنما يكون موجودا في الزمان الماضي ، فلو كان ~~لهذا الطارىء أثر في ذلك الفعل الماضي لكان هذا إيقاعا للتأثير في الزمان ~~الماضي وهو محال ، وإن لم يكن للطارىء أثر في اقتضاء ذلك الفعل السابق لذلك ~~الاستحقاق وجب أن يبقى ذلك الاقتضاء كما كان وأن لا يزول ولا يقال لم لا ~~يجوز أن يكون هذا / الطارىء مانعا من ظهور الأثر على ذلك السابق ، لأنا ~~نقول : إذا كان هذا الطارىء لا يمكنه أن يعمل بجهة اقتضاء ذلك الفعل السابق ~~أصلا وألبتة من حيث إيقاع الأثر في الماضي محال ، واندفاع أثر هذا الطارىء ~~ممكن في الجملة كان الماضي على هذا التقدير أقوى من هذا الحادث فكان الماضي ~~بدفع هذا الحادث أولى من العكس . # وتاسعها : أن هؤلاء المعتزلة يقولون : إن شرب جرعة من الخمر يحبط ثواب ~~الإيمان وطاعة سبعين سنة على سبيل الإخلاص ، وذلك محال . لأنا نعلم ~~بالضرورة أن ثواب هذه الطاعات أكثر من عقاب هذه المعصية الواحدة ، والأعظم ~~لا يحيط بالأقل ، قال الجبائي : إنه لا يمتنع أن تكون الكبيرة الواحدة أعظم ms1980 ~~من كل طاعة ، لأن معصية الله تعظم على قدر كثرة نعمه وإحسانه ، كما أن ~~استحقاق قيام الربانية وقد رباه وملكه وبلغه إلى النهاية العظيمة أعظم من ~~قيامه بحقه لكثرة نعمه ، فإذا كانت نعم الله على عباده بحيث لا تضبط عظما ~~وكثرة لم يمتنع أن يستحق على المعصية الواحدة العقاب العظيم الذي يوافي على ~~ثواب جملة الطاعات ، واعلم أن هذا العذر ضعيف لأن الملك إذا عظمت نعمه على ~~عبده ثم إن ذلك العبد قام بحق عبوديته خمسين سنة ثم إنه كسر رأس قلم ذلك ~~الملك قصدا ، فلو أحبط الملك جميع طاعاته بسبب ذلك القدر من الجرم فكل أحد ~~يذمه وينسبه إلى ترك الانصاف والقسوة ، ومعلوم أن جميع المعاصي بالنسبة إلى ~~جلال الله تعالى أقل من كسر رأس القلم ، فظهر أن ما قالوه على خلاف قياس ~~العقول . # وعاشرها : أن إيمان ساعة يهدم كفر سبعين سنة / فالإيمان سبعين سنة كيف ~~يهدم بفسق ساعة ، وهذا مما لا يقبله العقل والله أعلم ، فهذه جملة الدلائل ~~العقلية على فساد القول بالمحابطة ، في تمسك المعتزلة بهذه الآية فنقول : ~~قوله تعالى : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى } يحتمل أمرين أحدهما : لا ~~تأتوا به باطلا ، وذلك أن ينوي بالصدقة الرياء والسمعة ، فتكون هذه الصدقة ~~حين وجدت حصلت باطلة ، وهذا التأويل لا يضرنا ألبتة . # الوجه الثاني : أن يكون المراد بالإبطال أن يؤتي بها على وجه يوجب الثواب ~~، ثم بعد ذلك إذا اتبعت بالمن والأذى صار عقاب المن والأذى مزيلا لثواب تلك ~~الصدقة ، وعلى هذا الوجه ينفعهم التمسك بالآية ، فلم كان حمل اللفظ على هذا ~~الوجه الثاني أولى من حمله على الوجه الأول واعلم أن الله تعالى ذكر لذلك ~~مثلين أحدهما : يطابق الاحتمال الأول ، وهو قوله { كالذى ينفق ماله رئاء ~~الناس ولا يؤمن بالله } إذ من PageV07P046 المعلوم أن المراد من كونه عمل ~~هذا باطلا أنه دخل في الوجود باطلا ، لا أنه دخل صحيحا ، ثم يزول ، لأن ~~المانع من صحة هذا العمل هو الكفر ، والكفر مقارن له ، فيمتنع دخوله صحيحا ~~في الوجود ، فهذا ms1981 المثل يشهد لما ذهبنا إليه من التأويل ، وأما المثل ~~الثاني وهو الصفوان الذي وقع عليه غبار وتراب ثم أصابه وابل ، فهذا يشهد ~~لتأويلهم ، لأنه تعالى جعل / الوابل مزيلا لذلك الغبار بعد وقوع الغبار على ~~الصفوان فكذا هاهنا يجب أن يكون المن والأذى مزبلين للأجر والثواب بعد حصول ~~استحقاق الأجر ، إلا أن لنا أن نقول : لا نسلم أن المشبه بوقوع الغبار على ~~الصفوان حصول الأجر للكافر ، بل المشبه بذلك صدور هذا العمل الذي لولا كونه ~~مقرونا بالنية الفاسدة لكان موجبا لحصول الأجر والثواب ، فالمشبه بالتراب ~~الواقع على الصفوان هو ذلك العمل الصادر منه ، وحمل الكلام على ما ذكرناه ~~أولى ، لأن الغبار إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقا به ولا غائصا فيه ~~ألبتة ، بل كان ذلك الاتصال كالانفصال ، فهو في مرأى العين متصل ، وفي ~~الحقيقة غير متصل ، فكذا الانفاق المقرون بالمن والأذى ، يرى في الظاهر أنه ~~عمل من أعمال البر ، وفي الحقيقة ليس كذلك ، فظهر أن استدلالهم بهذه الآية ~~ضعيف ، وأما الحجة العقلية التي تمسكوا بها فقد بينا أنه لا منافاة في ~~الجمع بين الاستحقاقين ، وأن مقتضى ذلك الجمع إما الترجيح وإما المهايأة . # المسألة الثانية : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن على الله بسبب صدقتكم ، وبالأذى لذلك السائل ، وقال الباقون : بالمن ~~على الفقير ، وبالأذى للفقير . وقول ابن عباس رضي الله عنهما محتمل ، لأن ~~الإنسان إذا أنفق متبجحا بفعله ، ولم يسلك طريقة التواضع والانقطاع إلى ~~الله ، والاعتراف بأن ذلك من فضله وتوفيقه وإحسانه فكان كالمان على الله ~~تعالى وإن كان القول الثاني أظهر له . # أما قوله { كالذى ينفق ماله رئاء الناس } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : الكاف في قوله { كالذى } فيه قولان الأول : أنه متعلق ~~بمحذوف والتقدير لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال الذي ينفق ماله ~~رئاء الناس ، فبين تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة ، كما أن النفاق ~~والرياء يبطلانها ، وتحقيق القول فيه أن المنافق والمرائي يأتيان بالصدقة ~~لا لوجه الله تعالى ، ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى ، فقد أتى ms1982 بتلك الصدقة ~~لا لوجه الله أيضا إذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة الله تعالى لما من ~~على الفقير ولا آذاه ، فثبت اشتراك الصورتين في كون تلك الصدقة ما أتى بها ~~لوجه الله تعالى ، وهذا يحقق ما قلنا أن المقصود من الابطال الإتيان به ~~باطلا ، لا أن المقصود الإتيان به صحيحا / ثم إزالته وإحباطه بسبب المن ~~والأذى . # والقول الثاني : أن يكون الكاف في محل النصب على الحال ، أي لا تبطلوا ~~صدقاتكم مماثلين الذي ينفق ماله رئاء الناس . # المسألة الثانية : الرياء مصدر ، كالمراءاة يقال : راأيته رياء ومراءاة ، ~~مثل : راعيته مراعاة ورعاء ، وهو أن ترائي بعملك غيرك ، وتحقيق الكلام في ~~الرياء قد تقدم ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا المثل أتبعه بالمثل الثاني ، ~~فقال { فمثله } وفي هذا الضمير وجهان أحدهما : أنه عائد إلى المنافق ، ~~فيكون / المعنى أن الله تعالى شبه المان والمؤذي بالمنافق ، ثم شبه المنافق ~~بالحجر ، ثم قال : { كمثل صفوان } وهو الحجر الأملس ، وحكى أبو عبيد عن ~~الأصمعي أن الصفوان والصفا والصفوا واحد ، وكل ذلك مقصور ، وقال بعضهم : ~~الصفوان جمع PageV07P047 صفوانه ، كمرجان ومرجانة ، وسعدان وسعدانة ، ثم ~~قال : { أصابه * وابل } الوابل المطر الشديد ، يقال : وبلت السماء تبل وبلا ~~، وأرض موبولة ، أي أصابها وابل ، ثم قال : { فتركه صلدا } الصلد الأمس ~~اليابس ، يقال : حجر صلد ، وجبل صلد إذا كان براقا أملس وأرض صلدة ، أي لا ~~تنبت شيئا كالحجر الصلد وصلد الزند إذا لم يور نارا . # واعلم أن هذا مثل ضربة الله تعالى لعمل المان المؤذي ، ولعمل المنافق ، ~~فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالا ، كما يرى التراب على هذا ~~الصفوان ، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ~~ما كانت لله تعالى ، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب ، وأما ~~المعتزلة فقالوا : إن المعنى أن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب ، ثم إن ~~المن والأذى أزالا ذلك الأجر ، كما يزيل الوابل التراب عن وجه الصفوان ، ~~واعلم أن في كيفية هذا التشبيه وجهين الأول : ما ذكرنا أن العمل ms1983 الظاهر ~~كالتراب ، والمان والأذى والمنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل هذا على ~~قولنا ، وأما على قول المعتزلة فالمن والأذى كالوابل . # الوجه الثاني : في التشبيه ، قال القفال رحمه الله تعالى ، وفيه احتمال ~~آخر ، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة ، فمن عمل بإخلاص فكأنه ~~طرح بذرا في أرض فهو يضاعف له وينمو حتى يحصده في وقته ، ويجده وقت حاجته ، ~~والصفوان محل بذر المنافق ، ومعلوم أنه لا ينمو فيه شيء ولا يكون فيه قبول ~~للبذر ، والمعنى أن عمل المان والمؤذي والمنافق يشبه إذا طرح بذرا في صفوان ~~صلد عليه غبار قليل ، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودعا بذره خاليا لا شيء ~~فيه ، ألا ترى أنه تعالى ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة ، والجنة ما يكون ~~فيه أشجار ونخيل ، فمن أخلص لله تعالى كان كمن غرس بستانا في ربوة من الأرض ~~، فهو يجني ثمر غراسه في أوجات الحاجة وهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ~~متضاعفة زائدة ، وأما عمل المان والمؤذي والمنافق ، فهو كمن بذر في الصفوان ~~الذي عليه تراب ، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئا ، ومن الملحدة من ~~طعن في التشبيه ، فقال : إن الوابل إذا أصاب الصفوان جعله طاهرا نقيا نظيفا ~~عن الغبار والتراب فكيف يجوز أن يشبه الله به عمل المنافق ، والجواب أن وجه ~~التشبيه ما ذكرناه ، فلا يعتبر باختلافها فيما وراءه ، قال القاضي : وأيضا ~~فوقع التراب على الصفوان يفيد منافع من وجوه أحدها : أنه أصلح في الاستقرار ~~عليه وثانيها : الانتفاع بها في التيمم وثالثها : الانتفاع به فيما يتصل ~~بالنبات ، وهذا الوجه الذي ذكره القاضي حسن إلا أن الاعتماد على الأول . # أما قوله تعالى : { لا يقدرون على شىء مما كسبوا } فاعلم أن الضمير في ~~قوله { لا يقدرون } إلى / ماذا يرجع ؟ فيه قولان أحدهما : أنه عائد إلى ~~معلوم غير مذكور ، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك ~~التراب الذي كان على ذلك الصفوان / لأنه زال ذلك التراب وذلك ما كان فيه ، ~~فلم يبق لأحد قدرة ms1984 على الانتفاع بذلك البذر ، وهذا يقوي الوجه الثاني في ~~التشبيه الذي ذكره القفال رحمه الله تعالى ، وكذا المان والمؤذي والمنافق ~~لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة والثاني : أنه عائد إلى قوله { كالذى ~~ينفق ماله } وخرج على هذا المعنى ، لأن قوله { كالذى ينفق ماله } إنما أشير ~~به إلى الجنس ، والجنس في حكم العام ، قال القفال رحمه الله : وفيه وجه ~~ثالث ، وهو أن يكون ذلك مردودا على قوله { لا PageV07P048 تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والاذى } فإنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم ، فرجع عن ~~الخطاب إلى الغائب ، كقوله تعالى : { حتى إذا كنتم فى الفلك * نخسف بهم } ( ~~يونس : 22 ) . # ثم قال : { والله لا يهدي القوم الكافرين } ومعناه على قولهم : سلب ~~الإيمان ، وعلى قول المعتزلة : إنه تعالى يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسوء ~~اختيارهم . # ثم قال تعالى : { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء * مرضات * الله ~~وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم ~~يصبها وابل فطل والله بما } . # إعلم أن الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون مانا ومؤذيا ذكر مثل ~~المنفق الذي لا يكون كذلك ، وهو هذه الآية ، وبين تعالى أن غرض هؤلاء ~~المنفقين من هذا الانفاق أمران أحدهما : طلب مرضاة الله تعالى ، والابتغاء ~~افتعال من بغيت أي طلبت ، وسواء قولك : بغيت وابتغيت . # والغرض الثاني : هو تثبيت النفس ، وفيه وجوه أحدها : أنهم يوطنون أنفسهم ~~على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها ، ومن جملة ذلك ترك اتباعها بالمن ~~والأذى ، وهذا قول القاضي وثانيها : وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها ~~صادقة في الإيمان مخلصة فيه ، ويعضده قراءة مجاهد { وتثبيتا من * بعض * ~~أنفسهم } وثالثها : أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية ، إلا إذا صارت ~~مقهورة بالمجاهدة ، ومعشوقها أمران : الحياة العاجلة والمال ، فإذا كلفت ~~بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه ، وإذا كلفت يبذل الروح فقد ~~صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت ، فلهذا دخل فيه { من } ~~التي هي التبعيض ، والمعنى أن من بذل ماله ms1985 لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ، ~~ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي ثبتها كلها ، وهو المراد من قوله { ~~وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } ( الصف : 11 ) وهذا الوجه ذكره ~~صاحب ( الكشاف ) ، وهو كلام حسن وتفسير لطيف ورابعها : وهو الذي خطر ببالي ~~وقت كتابة هذا الموضع : أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله على ما قال : ~~{ ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) فمن أنفق ماله في سبيل الله ~~لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي ، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض / ~~العبودية ، ولهذا السبب حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه { إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } ( الإنسان : 9 ) ووصف ~~إنفاق أبي بكر فقال : { وما لاحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه ~~الاعلى * ولسوف يرضى } ( الليل : 19 ، 20 ، 21 ) فإذا كان إنفاق العبد لأجل ~~عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض . فهناك اطمأن قلبه ، واستقرت ~~نفسه ، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه ، ولهذا قال أولا في هذا الانفاق إنه ~~لطلب مراضاة الله ، ثم أتبع ذلك بقوله { وتثبيتا من أنفسهم } وخامسها : أنه ~~ثبت في العلوم العقلية ، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات . # إذا عرفت هذا فنقول : إن من يواظب على الانفاق مرة بعد أخرى لابتغاء ~~مرضاة الله حصل له من تلك المواظبة أمران أحدهما : حصول هذا المعنى والثاني ~~: صيرورة هذا الابتغاء والطلب ملكة مستقرة في النفس ، حتى يصير القلب بحيث ~~لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة والاتفاق رجع القلب في الحال إلى جناب ~~القدس ، وذلك بسبب أن تلك العبادة صارت كالعادة والخلق للروح ، فإتيان ~~العبد بالطاعة لله ، ولابتغاء مرضاة الله ، يفيد هذه الملكة المستقرة ، ~~التي وقع التعبير عنها في القرآن بتثبيت النفس ، وهو المراد أيضا بقوله ~~PageV07P049 { يثبت الله الذين ءامنوا } وعند حصول هذا التثبيت تصير الروح ~~في هذا العالم من جوهر الملائكة الروحانية والجواهر القدسية ، فصار العبد ~~كما قاله بعض المحققين : غائبا حاضرا ، ظاعنا مقيما وسادسها : قال ms1986 الزجاج : ~~المراد من التثبيت أنهم ينفقونها جازمين بأن الله تعالى لا يضيع عملهم ، ~~ولا يخيب رجاءهم ، لأنها مقرونة بالثواب والعقاب والنشور بخلاف المنافق ، ~~فإنه إذا أنفق عد ذلك الإنفاق ضائعا ، لأنه لا يؤمن بالثواب ، فهذا الجزم ~~هو المراد بالتثبيت وسابعها : قال الحسن ومجاهد وعطاء : المراد أن المنفق ~~يتثبت في إعطاء الصدقة فيضعها في أهل الصلاح والعفاف ، قال الحسن : كان ~~الرجل إذا هم بصدقة تثبت ، فإذا كان لله أعطى ، وإن خالطه أمسك ، قال ~~الواحدي : وإنما جاز أن يكون التثبيت ، بمعنى التثبيت ، لأنهم ثبتوا أنفسهم ~~في طلب المستحق ، وصرف المال في وجهه ، ثم إنه تعالى بعد أن شرح أن غرضهم ~~من الانفاق هذان الأمران ضرب لإنفاقهم مثلا ، فقال : { كمثل جنة بربوة ~~أصابها وابل } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وابن عامر { بربوة } بفتح الراء وفي المؤمنين ~~{ إلى ربوة } وهو لغة تميم ، والباقون بضم الراء فيهما ، وهو أن أشهر ~~اللغات ولغة قريش ، وفيه سبع لغات { ربوة } بتعاقب الحركات الثلاث على ~~الراء ، و { * رباوة } بالألف بتعاقب الحركات الثلاث على الراء ، و { * ربو ~~} والربوة المكان المرتفع ، قال الأخفش : والذي اختاره { إلى ربوة } بالضم ~~، لأن جمعها الربى ، وأصلها من قولهم : ربا الشيء يربو إذا ازداد وارتفع ، ~~ومنه الرابية ، لأن أجزاءها ارتفعت ، ومنه الربو إذا أصابه نفس في جوفه ~~زائد ، ومنه الربا ، لأنه يأخذ الزيادة . # واعلم أن المفسرين قالوا : البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن ~~وأكثر ريعا . # / ولي فيه إشكال : وهو أن البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق ~~الماء ولا ترتفع إليه أنهار وتضربه الرياح كثيرا فلا يحسن ريعه ، وإذا كان ~~في وهدة من الأرض انصبت مياه الأنهار ، ولا يصل إليه إثارة الرياح فلا يحسن ~~أيضا ريعه ، فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي ~~لا تكون ربوة ولا وهدة ، فإذن ليس المراد من هذه الربوة ما ذكروه ، بل ~~المراد منه كون الأرض طينا حرا ، بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ وربا ونما ~~، فإن الأرض متى كانت على ms1987 هذه الصفة يكثر ربعها ، وتكمل الأشجار فيها ، ~~وهذا التأويل الذي ذكرته متأكد بدليلين أحدهما : قوله تعالى : { وترى الارض ~~هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } ( الحج : 5 ) والمراد من ربوها ~~ما ذكرنا فكذا هاهنا والثاني : أنه تعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل ~~الأول ، ثم كان المثل الأول هو الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر ، ولا يربو ~~، ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه ، فكان المراد بالربوة في هذا المثل كون ~~الأرض بحيث تربو وتنمو ، فهذا ما خطر ببالي والله أعلم بمراده . # ثم قال تعالى : { أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { أكلها } بالتخفيف ، ~~والباقون بالتثقيل ، وهو الأصل ، والأكل بالضم الطعام لأن من شأنه أن يؤكل ~~قال الله تعالى : { تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها } ( إبراهيم : 25 ) أي ~~ثمرتها وما يؤكل منها ، فالأكل في المعنى مثل الطعمة ، وأنشد الأخفش : # % فما أكلة إن نلتها بغنيمة % % ولا جوعة إن جعتها بقرام % % PageV07P050 # وقال أبو زيد : يقال إنه لذو أكل إذا كان له حظ من الدنيا . # المسألة الثانية : قال الزجاج : { اتت أكلها * ضعفين } يعني مثلين لأن ~~ضعف الشيء مثله زائدا عليه ، وقيل ضعف الشيء مثلاه قال عطاء : حملت في سنة ~~من الريع ما يحمل غيرها في سنتين ، وقال الأصم : ضعف ما يكون في غيرها ، ~~وقال أبو مسلم : مثلي ما كان يعهد منها . # ثم قال تعالى : { فإن لم يصبها وابل فطل } الطل : مطر صغير الفطر ، ثم في ~~المعنى وجوه : # الأول : المعنى أن هذه الجنة إن لم يصبها وابل فيصيبها مطر دون الوابل ، ~~إلا أن ثمرتها باقية بحالها على التقديرين لا ينقص بسبب انتقاص المطر وذلك ~~بسبب كرم المنبت الثاني : معنى الآية إن لم يصبها وابل حتى تضاعف ثمرتها ~~فلا بد وأن يصيبها طل يعطي ثمرا دون ثمر الوابل ، فهي على جميع الأحوال لا ~~تخلوا من أن تثمر ، فكذلك من أخرج صدقة لوجه الله تعالى لا يضيع كسبه قليلا ~~كان أو كثيرا . # ثم قال : { والله بما تعملون بصير } والمراد ms1988 من البصير العليم ، أي هو ~~تعالى عالم بكمية النفقات وكيفيتها ، والأمور الباعثة عليها ، وأنه تعالى ~~مجاز بها إن خيرا فخير وإن شرا فشر . # ! 7 < { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهار ~~له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفآء فأصابهآ إعصار فيه نار ~~فاحترقت كذالك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } > 7 ! # < < # | البقرة : ( 266 ) أيود أحدكم أن . . . . . # > > اعلم أن هذا مثل آخر ذكره الله تعالى في حق من يتبع إنفاقه بالمن ~~والأذى ، والمعنى أن يكون للإنسان جنة في غاية الحسن والنهاية ، كثيرة ~~النفع ، وكان الإنسان في غاية العجز عن الكسب وفي غاية شدة الحاجة ، وكما ~~أن الإنسان كذلك فله ذرية أيضا في غاية الحاجة ، وفي غاية العجز ، ولا شك ~~أن كونه محتاجا أو عاجزا مظنة الشدة والمحنة ، وتعلق جمع من المحتاجين ~~العاجزين به زيادة محنة على محنة ، فإذا أصبح الإنسان وشاهد تلك الجنة ~~محرقة بالكلية ، فانظر كم يكون في قلبه من الغم والحسرة ، والمحنة والبلية ~~تارة بسبب أنه ضاع مثل ذلك المملوك الشريف النفيس ، وثانيا : بسبب أنه بقي ~~في الحاجة والشدة مع العجز عن الاكتساب واليأس عن أن يدفع إليه أحد شيئا ، ~~وثالثا : بسبب تعلق غيره به ، ومطالبتهم إياه بوجوه النفقة ، فكذلك من أنفق ~~لأجل الله ، كان ذلك نظيرا للجنة المذكورة وهو يوم القيامة ، كذلك الشخص ~~العاجز الذي يكون كل اعتماده PageV07P051 في وجوه الانتفاع على تلك الجنة ، ~~وأما إذا أعقب إنفاقه بالمن أو بالأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك ~~الجنة ، ويعقب الحسرة والحيرة والندامة فكذا هذا المال المؤذي إذا قدم يوم ~~القيامة ، وكان في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بثواب عمله ، لم يجد هناك ~~شيئا فيبقى لا محالة في أعظم غم ، وفي أكمل حسرة وحيرة ، وهذا المثل في ~~غاية الحسن ، ونهاية الكمال ، ولنذكر ما يتعلق بألفاظ الآية . # أما قوله { أيود أحدكم } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : الود ، هو المحبة الكاملة . # المسألة الثانية : الهمزة في { أيود } استفهام لأجل الإنكار ، وإنما قال ~~: { أيود } ولم يقل ms1989 / أيريد لأنا ذكرنا أن المودة هي المحبة التامة ومعلوم ~~أن محبة كل أحد لعدم هذه الحالة محبة كاملة تامة فلما كان الحاصل هو مودة ~~عدم هذه الحالة ذكر هذا اللفظ في جانب الثبوت فقال : { أيود أحدكم } حصول ~~مثل هذه الحالة تنبيها على الإنكار التام ، والنفرة البالغة إلى الحد الذي ~~لا مرتبة فوقه . # أما قوله { جنة من نخيل وأعناب } فاعلم أن الله تعالى وصف هذه الجنة ~~بصفات ثلاث : # الصفة الأول : كونها من نخيل وأعناب ، واعلم أن الجنة تكون محتوية على ~~النخيل والأعناب ، ولا تكون الجنة من النخيل والأعناب إلا أن بسبب كثرة ~~النخيل والأعناب ، صار كأن الجنة إنما تكون من النخيل والأعناب ، وإنما خص ~~النخيل والأعناب بالذكر لأنهما أشرف الفواكه ولأنهما أحسن الفواكه مناظر ~~حين تكون باقية على أشجارها . # والصفة الثانية : قوله { تجرى من تحتها الانهار } ولا شك أن هذا سبب ~~لزيادة الحسن في هذه الجنة . # الصفة الثالثة : قوله { له فيها من كل الثمرات } ولا شك أن هذا يكون سببا ~~لكمال حال هذا البستان فهذه هي الصفات الثلاثة التي وصف الله تعالى هذه ~~الجنة بها ، ولا شك أن هذه الجنة تكون في غاية الحسن ، لأنها مع هذه الصفات ~~حسنة الرؤية والمنظر كثيرة النفع والريع ، ولا تمكن الزيادة في حسن الجنة ~~على ذلك ، ثم إنه تعالى بعد ذلك شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة ~~، فقال : { وأصابه الكبر } وذلك لأنه إذا صار كبيرا ، وعجز عن الاكتساب ~~كثرت جهات حاجاته في مطعمه / وملبسه ، ومسكنه ، ومن يقوم بخدمته ، وتحصيل ~~مصالحه ، فإذا تزايدت جهات الحاجات وتناقصت جهات الدخل والكسب ، إلا من تلك ~~الجنة ، فحينئذ يكون في نهاية الاحتياج إلى تلك الجنة . # فإن قيل : كيف عطف { وأصابه } على { أيود } وكيف يجوز عطف الماضي على ~~المستقبل . # قلنا الجواب عنه من وجوه الأول : قال صاحب ( الكشاف ) { * الواو } للحال ~~لا للعطف ، ومعناه { بصير أيود أحدكم أن تكون له جنة } حال ما أصابه الكبر ~~ثم إنها تحرق . # والجواب الثاني : قال الفراء : وددت أن يكون كذا ووددت لو كان ms1990 كذا فحمل ~~العطف على المعنى ، كأنه قيل : أيود أحدكم إن كان له جنة وأصابه الكبر . # ثم إنه تعالى زاد في بيان احتياج ذلك الإنسان إلى تلك الجنة فقال : { وله ~~ذرية ضعفاء } والمراد من PageV07P052 ضعف الذرية : الضعف بسبب الصغر ~~والطفولية ، فيصير المعنى أن ذلك الإنسان كان في غاية الضعف والحاجة إلى ~~تلك الجنة بسبب الشيخوخة والكبر ، وله ذرية في غاية الضعف والحاجة بسبب ~~الطفولية والصغر . # ثم قال تعالى : { فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت } والاعصار ريح ترتفع ~~وتستدير نحو السماء / كأنها عمود ، وهي التي يسميها الناس الزوبعة ، وهي ~~ريح في غاية الشدة ومنه قول شاعر : # % إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا % % # والمقصود من هذا المثل بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم والمحنة ~~والحسرة والحيرة ما لا يعلمه إلا الله ، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة ، ~~إلا أنه لا يقصد بها وجه الله ، بل يقرن بها أمورا تخرجها عن كونها موجبة ~~للثواب ، فحين يقدم يوم القيامة وهو حينئذ في غاية الحاجة ونهاية العجز عن ~~الاكتساب عظمت حسرته وتناهت حيرته ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وبدا ~~لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ( الزمر : 47 ) وقوله { وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( الفرقان : 23 ) . # ثم قال : { كذالك يبين الله لكم الآيات } أي كما بين الله لكم آياته ~~ودلائله في هذا الباب ترغيبا وترهيبا كذلك يبين الله لكم آياته ودلائله في ~~سائر أمور الدين { لعلكم تتفكرون } . # وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : أن : لعل ، للترجي وهو لا يليق بالله تعالى . # المسألة الثانية : أن المعتزلة تمسكوا به في أنه يدل على أنه تعالى أراد ~~من الكل الإيمان وقد تقدم شرح هاتين الآيتين مرارا . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم ~~من الا رض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه ~~واعلموا أن الله غني حميد } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 267 ) يا أيها الذين . . . . . # > > إعلم أنه تعالى رغب في الإنفاق ، ثم بين أن الإنفاق على قسمين : منه ms1991 ~~ما يتبعه المن والأذى ، ومنه ما لا يتبعه ذلك . # ثم إنه تعالى شرح ما يتعلق بكل واحد من هذين القسمين ، وضرب لكل واحد ~~منهما مثلا يكشف عن المعنى ويوضح المقصود منه على أبلغ الوجوه . ~~PageV07P053 # ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله ~~كيف ينبغي أن يكون فقال : { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } واختلفوا في أن ~~قوله { أنفقوا } المراد منه ماذا فقال الحسن : / المراد منه الزكاة ~~المفروضة وقال قوم : المراد منه التطوع وقال ثالث : إنه يتناول الفرض ~~والنفل ، حجة من قال المراد منه الزكاة المفروضة أن قوله { أنفقوا } أمر ~~وظاهر الأمر للوجوب والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة ~~، حجة من قال المراد صدقة التطوع ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ~~والحسن ومجاهد : أنهم كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورديء أموالهم فأنزل الله ~~هذه الآية ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه ~~في الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بئس ما صنع صاحب هذا ) ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية ، حجة من قال الفرض والنفل داخلان في هذه الآية ~~أن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على جانب الترك من غير أن يكون فيه ~~بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز ، وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل ~~، فوجب أن يكونا داخلين تحت الأمر . # إذا عرفت هذا فنقول : أما على القول الأول وهو أنه للوجوب فيتفرع عليه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه ~~الإنسان ، فيدخل فيه زكاة التجارة ، وزكاة الذهب والفضة ، وزكاة النعم ، ~~لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسب ، ويدل على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض ~~، على ما هو قول أبي حنيفة رحمه الله ، واستدلاله بهذه الآية ظاهر جدا ، ~~إلا أن مخالفيه خصصوا هذا الغموم بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس في ~~الخضراوات صدقة ) وأيضا مذهب أبي حنيفة أن إخراج الزكاة من كل ما ms1992 أنبتته ~~الأرض واجب قليلا كان أو كثيرا وظاهر الآية يدل على قوله إلا أن مخالفيه ~~خصصوا هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس فيما دون خمسة أوسق ~~صدقة ) . # المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بالطيب في هذه الآية على قولين : # القول الأول : أنه الجيد من المال دون الرديء ، فأطلق لفظ الطيب على ~~الجيد على سبيل الاستعارة ، وعلى هذا التفسير فالمراد من الخبيث المذكور في ~~هذه الآية الرديء . # والقول الثاني : وهو قول ابن مسعود ومجاهد : أن الطيب هو الحلال ، ~~والخبيث هو الحرام حجة الأول وجوه : # الحجة الأولى : إنا ذكرنا في سبب النزول أنهم يتصدقون برديء أموالهم ~~فنزلت الآية وذلك يدل على أن المراد من الطيب الجيد . # الحجة الثانية : أن المحرم لا يجوز أخذه لا بإغماض ولا بغير إغماض ، ~~والآية تدل على أن الخبيث يجوز أخذه بالإغماض قال القفال رحمه الله : ويمكن ~~أن يجاب عنه بأن المراد من الإغماض المسامحة وترك الاستقصاء ، فيكون المعنى ~~: ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ، ~~ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال ، أمن حلاله أو من حرامه . # / الحجة الثالثة : أن هذا القول متأيد بقوله تعالى : { لن تنالوا البر ~~حتى * تنفقون * مما تحبون } ( آل عمران : 92 ) وذلك يدل على أن المراد ~~بالطيبات الأشياء النفيسة التي يستطاب ملكها ، لا الأشياء الخسيسة التي يجب ~~PageV07P054 على كل أحد دفعها عن نفسه وإخراجها عن بيته ، واحتج القاضي ~~للقول الثاني فقال : أجمعنا على أن المراد من الطيب في هذه الآية إما الجيد ~~وإما الحلال ، فإذا بطل الأول تعين الثاني ، وإنما قلنا إنه بطل الأول لأن ~~المراد لو كان هو الجيد لكان ذلك أمرا بإنفاق مطلق الجيد سواء كان حراما أو ~~حلالا وذلك غير جائز والتزام التخصيص خلاف الأصل ، فثبت أن المراد ليس هو ~~الجيد بل الحلال ، ويمكن أن يذكر فيه قول ثالث وهو أن المراد من الطيب ~~هاهنا ما يكون طيبا من كل الوجوه فيكون طيبا بمعنى الحلال ، ويكون طيبا ~~بمعنى الجودة ، وليس لقائل أن يقول حمل ms1993 اللفظ المشترك على مفهوميه لا يجوز ~~لأنا نقول الحلال إنما سمي طيبا لأنه يستطيبه العقل والدين ، والجيد إنما ~~يسمى طيبا لأنه يستطيبه الميل والشهوة ، فمعنى الاستطابة مفهوم واحد مشترك ~~بين القسمين ، فكان اللفظ محمولا عليه إذا أثبت أن المراد منه الجيد الحلال ~~فنقول : الأموال الزكية إما أن تكون كلها شريفة أو كلها خسيسة أو تكون ~~متوسطة أو تكون مختلطة ، فإن كان الكل شريفا كان المأخوذ بحساب الزكاة كذلك ~~، وإن كان الكل خسيسا كان الزكاة أيضا من ذلك الخسيس ولا يكون خلافا للآية ~~لأن المأخوذ في هذه الحالة لا يكون خسيسا من ذلك المال بل إن كان في المال ~~جيد ورديء ، فحينئذ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك وأما إن كان ~~المال مختلطا فالواجب هو الوسط قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين ~~بعثه إلى اليمن ( أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم ~~وإياك وكرائم أموالهم ) هذا كله إذا قلنا المراد من قوله { أنفقوا من طيبات ~~ما كسبتم } الزكاة الواجبة ، أما على القول الثاني وهو أن يكون المراد منه ~~صدقة التطوع ، أو قلنا المراد منه الإنفاق الواجب والتطوع ، فنقول : إن ~~الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه ، كمن تقرب إلى ~~السلطان الكبير بتحفة وهدية ، فإنه لا بد وأن تكون تلك التحفة أفضل ما في ~~ملكه وأشرفها ، فكذا هاهنا ، بقي في الآية سؤال واحد ، وهو أن يقال ما ~~الفائدة في كلمة { من } في قوله { ومما أخرجنا لكم من الارض } . # وجوابه : تقدير الآية : أنفقوا من طيبات ما كسبتم ، وأنفقوا من طيبات ما ~~أخرجنا لكم من الأرض ، إلا أن ذكر الطيبات لما حصل مرة واحدة حذف في المرة ~~الثانية لدلالة المرة الأولى عليه . # أما قوله تعالى : { ولا تيمموا الخبيث } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : يقال : أممته ، ويممته ، وتأممته ، كله بمعنى قصدته قال ~~الأعشى : # تيممت قيسا وكم دونه # من الأرض من مهمه ذي شرف # / المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وحده { ولا تيمموا } بتشديد التاء لأنه ~~كان ms1994 في الأصل تاءان تاء المخاطبة ، وتاء الفعل فأدغم إحداهما في الأخرى ، ~~والباقون بفتح التاء مخففة وعلى هذا الخلاف في أخواتها ، وهي ثلاثة وعشرون ~~موضعا : لا تفرقوا ، توفاهم ، تعاونوا ، فتفرق بكم ، تلقف ، تولوا ، ~~تنازعوا ، تربصون ، فإن تولوا ، لا تكلم ، تلقونه ، تبرجن ، تبدل ، تناصرون ~~، تجسسوا ، تنابزوا ، لتعارفوا ، تميز ، تخيرون ، تلهى ، تلظى ، تنزل ~~الملائكة ، وهاهنا بحثان : # البحث الأول : قال أبو علي : هذا الإدغام غير جائز ، لأن المدغم يسكن ~~وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به ، كما جلبت في أمثلة ~~الماضي نحو : أدارأتم / وارتبتم وأطيرنا ، لكن أجمعوا على أن همزة الوصل لا ~~تدخل على المضارع . PageV07P055 # البحث الثاني : اختلفوا في التاء المحذوفة على قراءة العامة ، فقال بعضهم ~~: هي التاء الأولى وسيبويه لا يسقط إلا الثانية ، والفراء يقول : أيهما ~~أسقطت جاز لنيابة الباقية عنها . # أما قوله تعالى : { منه تنفقون } . # فاعلم أن في كيفية نظم الآية وجهين الأول : أنه تم الكلام عند قوله { ولا ~~تيمموا * الخبيث } ثم ابتدأ ، فقال : { منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن ~~تغمضوا فيه } فقوله { منه تنفقون } استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى : ~~أمنه تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الاغماض والثاني : أن الكلام إنما ~~يتم عند قوله { إلا أن تغمضوا فيه } ويكون الذي مضمرا ، والتقدير : ولا ~~تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه ولستم بآخذيه إلا بالإغماض فيه ، ونظيره ~~إضمار التي في قوله تعالى : { فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها } ( ~~البقرة : 256 ) والمعنى الوثقى التي لا انفصام لها . # أما قوله تعالى : { ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الاغماض في اللغة غض البصر ، وإطباق جفن على جفن وأصله ~~من الغموض ، وهو الخفاء يقال : هذا الكلام غامض أي خفي الإدراك والغمض ~~المتطامن الخفي من الأرض . # المسألة الثانية : في معنى الإغماض في هذه الآية وجوه الأول : أن المراد ~~بالإغماض هاهنا المساهلة ، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه ~~لئلا يرى ذلك ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضا ، ~~فقوله { ولستم بأخذيه إلا أن ms1995 تغمضوا فيه } يقول لو أهدى إليكم مثل هذه ~~الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض ، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه ~~لأنفسكم والثاني : أن يحمل الإغماض على المتعدى كما تقول : أغمضت بصر الميت ~~وغمضته والمعنى ولستم بآخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع يعني أمرتموه ~~بالإغماض والحط من الثمن . # ثم ختم الآية بقوله { واعلموا أن الله غني حميد } والمعنى أنه غني عن ~~صدقاتكم ، ومعنى حميد ، أي / محمود على ما أنعم بالبيان وفيه وجه آخر ، وهو ~~أن قوله { غنى } كالتهديد على إعطاء الأشياء الرديئة في الصدقات و { حميد } ~~بمعنى حامد أي أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات وهو كقوله { فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا } . # ! 7 < { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه ~~وفضلا والله واسع عليم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 268 ) الشيطان يعدكم الفقر . . . . . # > > إعلم أنه تعالى لما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك ~~من وسوسة الشيطان فقال : PageV07P056 { الشيطان يعدكم الفقر } أي يقال إن ~~أنفقت الأجود صرت فقيرا فلا تبال بقوله فإن الرحمن { يعدكم مغفرة منه وفضلا ~~} وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في الشيطان فقيل إبليس وقيل سائر الشياطين وقيل ~~شياطين الجن والإنس وقيل النفس الأمارة بالسوء . # المسألة الثانية : الوعد يستعمل في الخير والشر ، قال الله تعالى : { ~~النار وعدها الله الذين كفروا } ( الحج : 72 ) ويمكن أن يكون هذا محمولا ~~على التهكم ، كما في قوله { فبشرهم بعذاب أليم } . # المسألة الثالثة : الفقر والفقر لغتان ، وهو الضعيف بسبب قلة المال وأصل ~~الفقر في اللغة كسر الفقار ، يقال : رجل فقر وفقير إذا كان مكسور الفقار ، ~~قال طرفة . # إنني لست بمرهون فقر # قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء الفقر بالضم والفقر بفتحتين . # المسألة الرابعة : أما الكلام في حقيقة الوسوسة ، فقد ذكرناه في أول ~~الكتاب في تفسير { أعوذ بالله * من الشيطان الرجيم } روي عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه : إن للشيطان لمة وهي الإيعاد بالشر ، وللملك لمة وهي الوعد ~~بالخير ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومن وجد الأول فليتعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم ms1996 ، وقرأ هذه الآية وروى الحسن ، قال بعض المهاجرين : من سره ~~أن يعلم مكان الشيطان منه فليتأمل موضعه من المكان الذي منه يجد الرغبة في ~~فعل المنكر . # أما قوله تعالى : { ويأمركم بالفحشاء } ففيه وجوه الأول : أن الفحشاء هي ~~البخل { ويأمركم بالفحشاء } أي ويغريكم على البخل إغراء الآمر للمأمور ~~والفاحش عند العرب البخيل ، قال طرفة : # % أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي % % عقيلة مال الفاحش المتشدد % # ويعتام منقول من عام فلان إلى اللبن إذا اشتهاه وأراد بالفاحش البخيل ، ~~قال تعالى : { وإنه لحب الخير لشديد } ( العاديات : 8 ) وقد نبه الله تعالى ~~في هذه الآية على لطيفة وهي أن الشيطان يخوفه أولا بالفقر ثم يتوصل بهذا ~~التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء ويغريه بالبخل ، وذلك لأن البخل صفة مذمومة ~~عند كل أحد فالشيطان لا يمكنه تحسين البخل في عينه إلا بتقديم تلك المقدمة ~~، وهي التخويف من الفقر . # الوجه الثاني : في تفسير الفحشاء ، وهو أنه يقول : لا تنفق الجيد من مالك ~~في طاعة الله لئلا تصير فقيرا ، فإذا أطاع الرجل الشيطان في ذلك زاد ~~الشيطان ، فيمنعه من الإنفاق في الكلية حتى لا يعطي لا الجيد ولا الرديء ~~وحتى يمنع الحقوق الواجبة ، فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة ~~، فإذا صار هكذا سقط وقع الذنوب عن قلبه ويصير غير مبال بارتكابها ، وهناك ~~يتسع الخرق ويصير مقداما على كل الذنوب ، وذلك هو الفحشاء وتحقيقه أن لكل ~~خلق طرفين ووسطا فالطرف الكامل هو أن يكون بحيث يبذل كل ما يملكه في سبيل ~~الله الجيد والرديء والطرف الفاحش الناقص لا ينفق شيئا في سبيل الله لا ~~الجيد ولا الرديء والأمر المتوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء ، فالشيطان ~~إذا أراد نقله من الطرف الفاضل إلى الطرف الفاحش ، لا يمكنه إلا بأن يجره ~~إلى الوسط ، فإن عصى الإنسان الشيطان في هذا المقام انقطع طمعه عنه ~~PageV07P057 / وإن أطاعه فيه طمع في أن يجره من الوسط إلى الطرف الفاحش ، ~~فالوسط هو قوله تعالى : { يعدكم الفقر } والطرف الفاحش قوله { ويأمركم ~~بالفحشاء } ثم لما ذكر سبحانه ms1997 وتعالى درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر ~~إلهامات الرحمن فقال : { والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } فالمغفرة إشارة إلى ~~منافع الآخرة ، والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلق ، وروي عنه ~~صلى الله عليه وسلم أن الملك ينادي كل ليلة ( اللهم أعط كل منفق خلفا وكل ~~ممسك تلفا ) . # وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يعدك الفقر في غد دنياك ، والرحمان ~~يعدك المغفرة في غد عقباك ، ووعد الرحمن في غد العقبى أولى بالقبول من وجوه ~~أحدها : أن وجدان غد الدنيا مشكوك فيه ، ووجدان غد العقبى متيقن مقطوع به ~~وثانيها : أن بتقدير وجدان غد الدنيا ، فقد يبقى المال المبخول به ، وقد لا ~~يبقى وعند وجدان غد العقبى لا بد من وجدان المغفرة الموعود بها من عند الله ~~تعالى ، لأنه الصادق الذي يمتنع وجود الكذب في كلامه وثالثها : أن بتقدير ~~بقاء المال المبخول به في غد الدنيا ، فقد يتمكن الإنسان من الانتفاع به ~~وقد لا يتمكن إما بسبب خوف أو مرض أو اشتغال بمهم آخر وعند وجدان غد العقبى ~~الانتفاع حاصل بمغفرة الله وفضله وإحسانه ورابعها : أن بتقدير حصول ~~الانتفاع بالمال المبخول به غد الدنيا لا شك أن ذلك الانتفاع / ينقطع ولا ~~يبقى ، وأما الانتفاع بمغفرة الله وفضله وإحسانه فهو الباقي الذي لا ينقطع ~~ولا يزول ، وخامسها : أن الانتفاع بلذات الدنيا مشوب بالمضار ، فلا ترى ~~شيئا من اللذات إلا ويكون سببا للمحنة من ألف وجه بخلاف منافع الآخرة فإنها ~~خالصة عن الشوائب ، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن الانقياد لوعد الرحمن ~~بالفضل والمغفرة أولى من الانقياد لوعد الشيطان . # إذا عرفت هذا فنقول : المراد بالمغفرة تكفير الذنوب كما قال : { خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) وفي الآية لفظان يدلان ~~على كمال هذه المغفرة أحدها : التنكير في لفظة المغفرة ، والمعنى مغفرة أي ~~مغفرة والثاني : قوله { مغفرة منه } فقوله { منه } يدل على كمال حال هذه ~~المغفرة لأن كمال كرمه ونهاية جوده معلوم لجميع العقلاء وكون المغفرة منه ~~معلوم أيضا لكل أحد فلما خص ms1998 هذه المغفرة بأنها منه علم أن المقصود تعظيم ~~حال هذه المغفرة ، لأن عظم المعطي يدل على عظم العطية ، وكمال هذه المغفرة ~~يحتمل أن يكون المراد منه ما قاله في آية أخرى { فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات } ( الفرقان : 70 ) ويحتمل أن يكون المراد منه أن يجعله شفيعا في ~~غفران ذنوب سائر المذنبين ، ويحتمل أن يكون كمال تلك المغفرة أمرا لا يصل ~~إليه عقلنا ما دمنا في دار الدنيا فإن تفاصيل أحوال الآخرة أكثرها محجوبة ~~عنا ما دمنا في الدنيا ، وأما معنى الفضل فهو الخلف المعجل في الدنيا ، ~~وهذا الفضل يحتمل عندي وجوها أحدها : أن المراد من هذا الفضل الفضيلة ~~الحاصلة للنفس وهي فضيلة الجود والسخاء ، وذلك لأن مراتب السعادة ثلاث : ~~نفسانية ، وبدنية ، وخارجية ، وملك المال من الفضائل الخارجية وحصول خلق ~~الجود والسخاوة من الفضائل النفسانية وأجمعوا على أن أشرف هذه المراتب ~~الثلاث : السعادات النفسانية ، وأخسها السعادات الخارجية فمتى لم يحصل ~~إنفاق المال كانت السعادة الخارجية حاصلة والنقيضة النفسانية معها حاصلها ~~ومتى حصل الإنفاق حصل الكمال النفساني والنقصان الخارجي ولا شك أن هذه ~~الحالة أكمل ، فثبت أن مجرد الإنفاق يقتضي حصول ما وعد الله به من حصول ~~الفضل والثاني : وهو أنه متى حصل ملكة الإنفاق زالت عن الروح هيئة الاشتغال ~~بلذات الدنيا والتهالك في مطالبها / ولا مانع للروح من تجلي نور جلال الله ~~لها إلا PageV07P058 حب الدنيا ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( لولا ~~أن الشياطين يوحون إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات ) وإذا زال ~~عن وجه القلب غبار حب الدنيا استنار بأنوار عالم القدس وصار كالكوكب الدري ~~والتحق بأرواح الملائكة ، وهذا هو الفضل لا غير والثالث : وهو أحسن الوجوه ~~: أنه مهما عرف من الإنسان كونه منفقا لأمواله في وجوه الخيرات مالت القلوب ~~إليه فلا يضايقونه في مطالبه ، فحينئذ تنفتح عليه أبواب الدنيا ، ولأن ~~أولئك الذين أنفق ماله عليهم يعينونه بالدعاء والهمة فيفتح الله عليه أبواب ~~الخير . # ثم ختم الآية بقوله { والله واسع عليم } أي أنه واسع المغفرة ، قادر على ~~إغنائكم ms1999 ، وإخلاف / ما تنفقونه وهو عليم لا يخفى عليه ما تنفقون ، فهو ~~يخلفه عليكم . # ! 7 < { يؤتى الحكمة من يشآء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 269 ) يؤتي الحكمة من . . . . . # > > إعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أن الشيطان يعد بالفقر ~~ويأمر بالفحشاء ، وأن الرحمن يعد بالمغفرة والفضل نبه على أن الأمر الذي ~~لأجله وجب ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان هو أن وعد الرحمن ترجحه الحكمة ~~والعقل ، ووعد الشيطان ترجحه الشهوة والنفس من حيث إنهما يأمران بتحصيل ~~اللذة الحاضرة واتباع أحكام الخيال والوهم ، ولا شك أن حكم الحكمة والعقل ~~هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ والخلل ، وحكم الحس والشهوة والنفس توقع ~~الإنسان في البلاء والمحنة ، فكان حكم الحكمة والعقل أولى بالقبول ، فهذا ~~هو الإشارة إلى وجه النظم . بقي في الآية مسائل : # المسألة الأولى : المراد من الحكمة إما العلم وإما فعل الصواب يروى عن ~~مقاتل أنه قال : تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه أحدها : مواعظ ~~القرآن ، قال في البقرة { وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به } ~~يعني مواعظ القرآن وفي النساء { وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة } يعني ~~المواعظ ، ومثلها في آل عمران وثانيها : الحكمة بمعنى الفهم والعلم ، ومنه ~~قوله تعالى : { واتيناه الحكم صبيا } ( مريم : 12 ) وفي لقمان { ولقد ~~ءاتينا لقمان الحكمة } ( لقمان : 12 ) يعني الفهم والعلم وفي الأنعام { ~~أولائك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم } ( الأنعام : 89 ) وثالثها : الحكمة ~~بمعنى النبوة في النساء { فقد ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة } ( ~~النساء : 54 ) يعني النبوة ، وفي ص { وشددنا ملكه وءاتيناه الحكمة } ( ص: ~~20 ) يعني النبوة ، وفي البقرة { وآتاه الله الملك والحكمة } ( البقرة : ~~251 ) ورابعها : القرآن بما فيه من عجائب الأسرار في النحل { ادع إلى سبيل ~~ربك بالحكمة } ( النحل : 125 ) وفي هذه الآية { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى ~~خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى ~~العلم ، ثم تأمل أيها المسكين فإنه تعالى ما أعطى إلا القليل من العلم ، ~~قال تعالى : { وما ms2000 أوتيتم من العلم PageV07P059 إلا قليلا } ( الإسراء : 85 ~~) وسمى الدنيا بأسرها قليلا ، فقال : { قل متاع الدنيا قليل } ( النساء : ~~77 ) وانظر كم مقدار هذا القليل حتى تعرف عظمة ذلك الكثير ، والبرهان ~~العقلي أيضا يطابقه لأن الدنيا متناهية المقدار ، متناهية المدة ، والعلوم ~~لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها ، والسعادة / الحاصلة منها ، وذلك ~~ينبئك على فضيلة العلم والاستقصاء في هذا الباب قد مر في تفسير قوله تعالى ~~: { وعلم ءادم الاسماء كلها } ( البقرة : 31 ) وأما الحكمة بمعنى فعل ~~الصواب فقيل في حدها : إنها التخلق بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية ، ~~ومداد هذا المعنى على قوله صلى الله عليه وسلم : ( تخلقوا بأخلاق الله ~~تعالى ) واعلم أن الحكمة لا يمكن خروجها عن هذين المعنيين ، وذلك لأن كمال ~~الإنسان في شيئين : أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، فالمرجع ~~بالأول : إلى العلم والإدراك المطابق ، وبالثاني : إلى فعل العدل والصواب ، ~~فحكي عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قوله { رب هب لى حكما } ( الشعراء : 83 ~~) وهو الحكمة النظرية { وألحقنى بالصالحين } ( الشعراء : 83 ) الحكمة ~~العملية ، ونادى موسى عليه السلام فقال : { إننى أنا الله لا إلاه إلا أنا ~~} وهو الحكمة النظرية ، ثم قال : { فاعبدنى } وهو الحكمة العملية ، وقال عن ~~عيسى عليه السلام إنه قال : { إنى عبد الله } ( مريم : 30 ) الآية ، وكل ~~ذلك للحكمة النظرية ، ثم قال : { وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصانى } ( ~~مريم : 31 ) وهو الحكمة العملية ، وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم : { ~~فاعلم أنه لا إلاه إلائ * الله } ( محمد : 19 ) وهو الحكمة النظرية ، ثم ~~قال : { واستغفر لذنبك } ( غافر : 55 ) ( محمد : 19 ) وهو الحكمة العملية ، ~~وقال في جميع الأنبياء { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من ~~عباده أن أنذروا أنه لا إلاه إلا أنا } ( النحل : 2 ) وهو الحكمة النظرية : ~~ثم قال : { فاتقون } وهو الحكمة العملية ، والقرآن هو من الآية الدالة على ~~أن كمال حال الإنسان ليس إلا في هاتين القوتين ، قال أبو مسلم : الحكمة ~~فعلة من الحكم ، وهي كالنحلة من النحل ، ورجل حكيم إذا كان ذا حجى ولب ms2001 ~~وإصابة رأي ، وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل ويقال : أمر حكيم ، أي محكم ~~، وهو فعيل بمعنى مفعول ، قال الله تعالى : { فيها يفرق كل أمر حكيم } ( ~~الدخان : 4 ) وهذا الذي قاله أبو مسلم من اشتقاق اللغة يطابق ما ذكرناه من ~~المعنى . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { ومن * يؤتى الحكمة } ~~بمعنى : ومن يؤته الله الحكمة ، وهكذا قرأ الأعمش . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله ~~تعالى وذلك لأن الحكمة إن فسرناها بالعلم لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية ، ~~لأنها حاصلة للبهائم والمجانين والأطفال ، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكم ~~، فهي مفسرة بالعلوم النظرية ، وإن فسرناها بالأفعال الحسية فالأمر ظاهر ، ~~وعلى التقديرين فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية والأفعال الحسية ثابتا ~~من غيرهم ، وبتقدير مقدر غيرهم ، وذلك الغير ليس إلا الله تعالى بالاتفاق ، ~~فدل على أن فعل العبد خلق لله تعالى . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوة والقرآن ، أو قوة ~~الفهم والحسية على ما هو قول الربيع بن أنس . # قلنا : الدليل الذي ذكرناه يدفع هذه الاحتمالات ، وذلك لأنه بالنقل ~~المتواتر ثبت أنه يستعمل / لفظ الحكيم في غير الأنبياء ، فتكون الحكمة ~~مغايرة للنبوة والقرآن ، بل هي مفسرة إما بمعرفة حقائق الأشياء ، أو ~~PageV07P060 بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة ، وعلى التقديرين ~~فالمقصود حاصل ، فإن حاولت المعتزلة حمل الإيتاء على التوفيق والإعانة ~~والألطاف ، قلنا : كل ما فعله من هذا الجنس في حق المؤمنين فقد فعل مثله في ~~حق الكفار ، مع أن هذا المدح العظيم المذكور في هذه الآية لا يتناولهم ، ~~فعلمنا أن الحكمة المذكورة في هذه الآية شيء آخر سوى فعل الالطاف والله ~~أعلم . # ثم قال : { وما يذكر إلا أولوا * الالباب } والمراد به عندي والله أعلم ~~أن الإنسان إذا رأى الحكم والمعارف حاصلة في قلبه ، ثم تأمل وتدبر وعرف ~~أنها لم تحصل إلا بإيتاء الله تعالى وتيسيره ، كان من أولي الألباب ، لأنه ~~لم يقف عند المسببات ، بل ترقى منها إلى أسبابها ، فهذا الانتقال من المسبب ~~إلى ms2002 السبب هو التذكر الذي لا يحصل إلا لأولي الألباب ، وأما من أضاف هذه ~~الأحوال إلى نفسه ، واعتقد أنه هو السبب في حصولها وتحصيلها ، كان من ~~الظاهر بين الذين عجزوا عن الانتقال من المسببات إلى الأسباب ، وأما ~~المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل ، قالوا : هذه ~~الحكمة لا تقوم بنفسها ، وإنما ينتفع بها المرء بأن يتدبر ويتفكر / فيعرف ~~ماله وما عليه ، وعند ذلك يقدم أو يحجم . # ! 7 < { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين ~~من أنصار } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 270 ) وما أنفقتم من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن الإنفاق يجب أن يكون من أجود المال ، ثم ~~حث أولا : بقوله { ولا تيمموا الخبيث } ( البقرة : 267 ) وثانيا : بقوله { ~~الشيطان يعدكم الفقر } ( البقرة : 268 ) حيث عليه ثالثا : بقوله { وما ~~أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في قوله { فإن الله يعلمه } على اختصاره ، يفيد الوعد ~~العظيم للمطيعين ، والوعيد الشديد للمتمردين ، وبيانه من وجوه أحدها : أنه ~~تعالى عالم بما في قلب المتصدق من نية الإخلاص والعبودية أو من نية الرياء ~~والسمعة وثانيها : أن علمه بكيفية نية المتصدق يوجب قبول تلك الطاعات ، كما ~~قال : { إنما يتقبل الله من المتقين } ( المائدة : 27 ) وقوله { فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 ، 8 ) ~~وثالثها : أنه تعالى يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي ~~والنيات فلا يهمل شيئا منها ، ولا يشتبه عليه شيء منها . # / المسألة الثانية : إنما قال : { فإن الله يعلمه } ولم يقل : يعلمها ، ~~لوجهين الأول : أن الضمير عائد إلى الأخير ، كقوله { ومن يكسب خطيئة أو ~~إثما ثم يرم به بريئا } وهذا قول الأخفش ، والثاني : أن الكتابة عادت إلى ~~ما في قوله { وما أنفقتم من نفقة } لأنها اسم كقوله { وما أنزل عليكم من ~~الكتاب والحكمة يعظكم به } ( البقرة : 231 ) . PageV07P061 # المسألة الثالثة : النذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه يقال : نذر ~~ينذر ، وأصله من الخوف لأن ms2003 الإنسان إنما يعقد على نفسه خوف التقصير في ~~الأمر المهم عنده ، وأنذرت القوم إنذارا بالتخويف ، وفي الشريعة على ضربين ~~: مفسر وغير مفسر ، فالمفسر أن يقول : لله علي عتق رقبة ، ولله علي حج ، ~~فههنا يلزم الوفاء به ، ولا يجزيه غيره وغير المفسر أن يقول : نذرت لله أن ~~لا أفعل كذا ثم يفعله ، أو يقول : لله علي نذر من غير تسمية فيلزم فيه ~~كفارة يمين ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من نذر نذرا وسمى فعليه ما سمى ~~، ومن نذر نذرا ولم يسم فعليه كفارة يمين ) . # أما قوله تعالى : { وما للظالمين من أنصار } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : أنه وعيد شديد للظالمين ، وهو قسمان ، أما ظلمه نفسه ~~فذاك حاصل في كل المعاصي ، وأما ظلمه غيره فبأن لا ينفق أو يصرف الانفاق عن ~~المستحق إلى غيره ، أو يكون نيته في الانفاق على المستحق الرياء والسمعة ، ~~أو يفسدها بالمعاصي ، وهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظلم على الغير ~~، بل من باب الظلم على النفس . # المسألة الثانية : المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في نفي الشفاعة عن أهل ~~الكبائر ، قالوا : لأن ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه فلو اندفعت العقوبة ~~عنهم بشفاعة الشفعاء لكان أولئك أنصارا لهم وذلك يبطل قوله تعالى : { وما ~~للظالمين من أنصار } . # واعلم أن العرف لا يسمي الشفيع ناصرا ، بدليل قوله تعالى : { واتقوا يوما ~~لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ~~ينصرون } ( البقرة : 48 ) ففرق تعالى بين الشفيع والناصر فلا يلزم من نفي ~~الأنصار نفي الشفعاء . # والجواب الثاني : ليس لمجموع الظالمين أنصار ، فلم قلتم ليس لبعض ~~الظالمين أنصار . # فإن قيل : لفظ الظالمين ولفظ الأنصار جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع توزع ~~الفرد على الفرد ، فكان المعنى : ليس لأحد من الظالمين أحد من الأنصار . # قلنا : لا نسلم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد ~~لاحتمال أن يكون المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد . # والجواب الثالث : أن هذا الدليل النافي للشفاعة عام في حق الكل ms2004 ، وفي كل ~~الأوقات ، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات ، ~~والخاص مقدم على العام والله أعلم . # / والجواب الرابع : ما بينا أن اللفظ العام لا يكون قاطعا في الاستغراق ، ~~بل ظاهرا على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنيا ، والمسألة ليست ظنية ، ~~فكان التمسك بها ساقطا . # المسألة الثالثة : الأنصار جمع نصير ، كإشراف وشريف ، وأحباب وحبيب . # PageV07P062 ! 7 < { إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقرآء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير } . > 7 ~~! # < < # | البقرة : ( 271 ) إن تبدوا الصدقات . . . . . # > > إعلم أنه تعالى بين أولا : أن الانفاق منه ما يتبعه المن والأذى ، ~~ومنه ما لا يكون كذلك ، وذكر حكم كل واحد من القسمين ، ثم ذكر ثانيا : أن ~~الانفاق قد يكون من جيد ومن رديء ، وذكر حكم كل واحد من القسمين ، وذكر في ~~هذه الآية أن الانفاق قد يكون ظاهرا وقد يكون خفيا ، وذكر كل واحد من ~~القسمين ، فقال : { إن تبدوا الصدقات فنعما هى } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقة السر أفضل ~~أم صدقة العلانية فنزلت هذه الآية . # المسألة الثانية : الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى : { خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم } ( التوبة : 103 ) وقال : { إنما الصدقات للفقراء } ~~وقال صلى الله عليه وسلم : ( نفقة المرء على عياله صدقة ) والزكاة لا تطلق ~~إلا على الفرض ، قال أهل اللغة أصل الصدقة ( ص د ق ) على هذا الترتيب موضوع ~~للصحة والكمال ، ومنه قولهم : رجل صدق النظر ، وصدق اللقاء ، وصدقوهم ~~القتال ، وفلان صادق المودة ، وهذا خل صادق الحموضة ، وشيء صادق الحلاوة ، ~~وصدق فلان في خبره إذا أخبر به على الوجه الذي هو عليه صحيحا كاملا ، ~~والصديق يسمى صديقا لصدقه في المودة ، والصداق سمي صداقا لأن عقد النكاح به ~~يتم ويكمل ، وسمى الله تعالى الزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويكمل ، فهي ~~سبب إما لكمال المال وبقائه ، وإما لأنه يستدل بها على صدق العبد في إيمانه ~~وكماله فيه . # المسألة الثالثة : الأصل في قوله { فنعما } نعم ما ms2005 ، إلا أنه أدغم أحد ~~الميمين في الآخر ، ثم فيه ثلاثة أوجه من القراءة : قرأ أبو عمرو وقالون ~~وأبو بكر عن عاصم { فنعما } بكسر النون وإسكان العين وهو اختيار أبي عبيد ، ~~قال : لأنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لعمرو بن العاص : ( نعما ~~بالمال الصالح للرجل الصالح ) هكذا روي في الحديث بسكون العين ، والنحويون ~~قالوا : هذا يقتضي / الجمع بين الساكنين ، وهو غير جائز إلا فيما يكون ~~الحرف الأول منهما حرف المد واللين ، نحو : دابة وشابة ، لأن ما في الحرف ~~من المد يصير عوضا عن الحركة ، وأما الحديث فلأنه لما دل الحس على أنه لا ~~يمكن الجمع بين هذين الساكنين علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلم ~~به أوقع في العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس والقراءة الثانية قرأ ابن ~~كثير ونافع برواية ورش وعاصم في رواية حفص { فنعما هى } بكسر النون والعين ~~وفي تقريره وجهان أحدهما : أنهم لما احتاجوا إلى تحريك العين حركوها مثل ~~حركة ما قبلها والثاني : أن هذا على لغة من يقول { نعم } بكسر النون والعين ~~، قال سيبويه : وهي لغة هذيل ، القراء الثالثة وهي قراءة سائر القراء { ~~فنعما هى } بفتح النون وكسر العين ، ومن قرأ بهذه القراءة ، فقد أتى بهذه ~~الكلمة على أصلها وهي { نعم } قال طرفة : PageV07P063 # نعم الساعون في الأمر المير # المسألة الرابعة : قال الزجاج : ما في تأويل الشيء ، أي نعم الشيء هو ، ~~قال أبو علي الجيد : في تمثيل هذا أن يقال : ما في تأويل شيء ، لأن ما ~~هاهنا نكرة ، فتمثيله بالنكرة أبين ، والدليل على أن ما نكرة هاهنا أنها لو ~~كانت معرفة فلا بد لها من الصلة ، وليس هاهنا ما يوصل به ، لأن الموجود بعد ~~ما هو هي ، وكلمة هي مفردة والمفرد لا يكون صلة لما وإذا بطل هذا القول ~~فنقول : ما نصب على التمييز / والتقدير : نعم شيئا هي إبداء الصدقات ، فحذف ~~المضاف لدلالة الكلام عليه . # المسألة الخامسة : اختلفوا في أن المراد بالصدقة المذكورة في هذه الآية : ~~التطوع ، أو الواجب ، أو مجموعهما . # فالقول ms2006 الأول : وهو قول الأكثرين : أن المراد منه صدقة التطوع ، قالوا : ~~لأن الإخفاء في صدقة التطوع أفضل ، والإظهار في الزكاة أفضل ، وفيه بحثان : # البحث الأول : في أن الأفضل في إعطاء صدقة التطوع إخفاؤه ، أو إظهاره ، ~~فلنذكر أولا الوجوه الدالة على إخفاءه أفضل فالأول : أنها تكون أبعد عن ~~الرياء والسمعة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يقبل الله مسمع ولا مراء ~~ولا منان ) والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة والمعطى في ملأ من الناس ~~يطلب الرياء ، والإخفاء والسكوت هو المخلص منهما ، وقد بالغ قوم في قصد ~~الإخفاء ، واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ ، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى ، ~~وبعضهم يلقيه في طريق الفقير ، وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي ، ~~وبعضهم كان يشده في أثواب الفقير وهو نائم ، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير ~~على يد غيره ، والمقصود عن الكل الاحتراز عن الرياء والسمعة والمنة ، لأن ~~الفقير إذا عرف المعطي فقد حصل الرياء والمنة معا وليس في معرفة المتوسط ~~الرياء وثانيها : أنه إذا أخفى صدقته لم يحصل له بين الناس شهرة ومدح ~~وتعظيم ، فكان / ذلك يشق على النفس ، فوجب أن يكون ذلك أكثر ثوابا وثالثها ~~: قوله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصدقة جهد المقل إلى الفقير في سر ) ~~وقال أيضا ( إن العبد ليعمل عملا في السر يكتبه الله له سرا فإن أظهره نقل ~~من السر وكتب في العلانية ، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في ~~الرياء ) وفي الحديث المشهور ( سبعة يظلهم الله تعالى يوم القيامة في ظله ~~يوم لا ظل إلا ظله : أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطاه يمينه ~~) وقال صلى الله عليه وسلم : ( صدقة السر تطفيء غضب الرب ) ورابعها : أن ~~الإظهار يوجب إلحاق الضرر بالآخذ من وجوه ، والإخفاء لا يتضمن ذلك ، فوجب ~~أن يكون الإخفاء أولى ، وبيان تلك المضار من وجوه الأول : أن في الإظهار ~~هتك عرض الفقير وإظهار فقره ، وربما لا يرضى الفقير بذلك والثاني : أن في ~~الإظهار إخراج الفقير من هيئة التعفف ms2007 وعدم السؤال ، والله تعالى مدح ذلك في ~~الآية التي تأتي بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى : { يحسبهم الجاهل أغنياء ~~من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا } ( البقرة : 273 ) ~~والثالث : أن الناس ربما أنكروا على الفقير أخذ تلك الصدقة ، ويظنون أنه ~~أخذها مع الاستغناء عنها ، فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة والرابع ~~: أن في إظهر الإعطاء إذلالا للآخذ وإهانة له وإزلال المؤمن غير جائز ~~والخامس : أن الصدقة جارية مجرى الهدية ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من ~~أهدى إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها ) وربما لا يدفع الفقير من تلك ~~الصدقة شيئا إلى PageV07P064 شركائه الحاضرين فيقع الفقير بسبب إظهار تلك ~~الصدقة في فعل ما لا ينبغي فهذه جملة الوجوه الدالة على أن إخفاء صدقة ~~التطوع أولى . # وأما الوجه في جواز إظهار الصدقة ، فهو أن الإنسان إذا علم أنه إذا ~~أظهرها ، صار ذلك سببا لاقتداء الخلق به في إعطاء الصدقات ، فينتفع الفقراء ~~بها فلا يمتنع ، والحال هذه أن يكون الإظهار أفضل ، وروي ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( السر أفضل من العلانية ، والعلانية أفضل لمن ~~أراد الاقتداء به ) قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي : الإنسان إذا أتى ~~بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك ~~الشهوة فههنا الشيطان يورد عليه ذكر رؤية الخلق ، والقلب ينكر ذلك ويدفعه / ~~فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فضوعف العمل سبعين ضعفا على العلانية ، ثم ~~إن الله عبادا راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنواع هدايته فتراكمت على ~~قلوبهم أنوار المعرفة ، وذهبت عنهم وساوس النفس ، لأن الشهوات قد ماتت منهم ~~ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله تعالى ؛ فإذا عمل عملا علانية لم يحتج أن ~~يجاهد ، لأن شهوة النفس قد بطلت ، ومنازعة النفس قد اضمحلت ، فإذا أعلن به ~~فإنما يريد به أن يقتدي به غيره فهذا عبد كملت ذاته فسعى في تكميل غيره ~~ليكون تاما وفوق التمام ، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على قوم في تنزيله ms2008 ~~وسماهم عباد الرحمن ، وأوجب لهم أعلى الدرجات في الجنة ، فقال : { أولئك ~~يجزون الغرفة } ( الفرقان : 75 ) ثم ذكر من الخصال التي طلبوها بالدعاء أن ~~قالوا { واجعلنا للمتقين إماما } ( الفرقان : 74 ) ومدح أمة موسى عليه ~~السلام فقال : { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } ( الأعراف : ~~159 ) ومدح أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال : { كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } ( آل عمران : 110 ) ثم أبهم المنكر ~~فقال : { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } ( الأعراف : 181 ) ~~فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يهتدون في الذهاب إلى الله ~~. # فإن قيل : إن كان الأمر على ما ذكرتم فلم رجح الإخفاء على الإظهار في ~~قوله { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } . # والجواب : من وجهين الأول : لا نسلم قوله { فهو خير لكم } يفيد الترجيح ~~فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن إعطاء الصدقة حال الاخفاء خير من الخيرات ، ~~وطاعة من جملة الطاعات ، فيكون المراد منه بيان كونه في نفسه خيرا وطاعة ، ~~لا أن المقصود منه بيان الترجيح . # والوجه الثاني : سلمنا أن المراد منه الترجيح ، لكن المراد من الآية أنه ~~إذا كانت الحال واحدة في الإبداء والإخفاء ، فالأفضل هو الإخفاء ، فأما إذا ~~حصل في الإبداء أمر آخر لم يبعد ترجيح الإبداء على الإخفاء . # البحث الثاني : أن الإظهار في إعطاء الزكاة الواجبة أفضل ، ويدل عليه ~~وجوه الأول : أن الله تعالى أمر الأئمة بتوجيه السعاة لطلب الزكاة ، وفي ~~دفعها إلى السعاة إظهارها وثانيها : أن في إظهارها نفي التهمة ، روي أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة فإذا اختلف حكم ~~فرض الصلاة ونفلها في الإظهار والإخفاء لنفي التهمة ، فكذا في الزكاة ~~وثالثها : أن إظهارها يتضمن المسارعة إلى أمر الله تعالى وتكليفه ، ~~وإخفاءها يوهم ترك الالتفات إلى أداء الواجب فكان الإظهار أولى ، هذا كله ~~في بيان قول من قال المراد PageV07P065 بالصدقات المذكورة في هذه الآية ~~صدقة التطوع فقط . # القول الثاني : وهو قول الحسن البصري أن اللفظ متناول للواجب والمندوب ms2009 ، ~~وأجاب عن قول من قال : الإظهار في الواجب أولى من وجوه الأول : أن إظهار ~~زكاة الأموال توجب إظهار قدر المال ، وربما كان ذلك سببا للضرر ، بأن يطمع ~~الظلمة في ماله ، أو بكثرة حساده ، وإذا كان الأفضل له إخفاء ماله لزم منه ~~لا محالة أن يكون إخفاء الزكاة أولى والثاني : أن هذه الآية إنما نزلت في ~~أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ما كانوا متهمين في ترك الزكاة ~~فلا جرم كان إخفاء الزكاة أولى لهم لأنه أبعد عن الرياء والسمعة أما الآن ~~فلما حصلت التهمة كان الإظهار أولى بسبب حصول التهمة الثالث : أن لا نسلم ~~دلالة قوله { فهو خير } على الترجيح وقد سبق بيانه . # أما قوله تعالى : { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } فالإخفاء ~~نقيض الإظهار وقوله / { فهو } كناية عن الإخفاء / لأن الفعل يدل على المصدر ~~، أي الإخفاء خير لكم ، وقد ذكرنا أن قوله { خير لكم } يحتمل أن يكون ~~المراد منه أنه في نفسه خير من الخيرات ، كما يقال : الثريد خير وأن يكون ~~المراد منه الترجيح ، وإنما شرط تعالى في كون الإخفاء أفضل أن تؤتوها ~~الفقراء لأن عند الإخفاء الأقرب أن يعدل بالزكاة عن الفقراء ، إلى الأحباب ~~والأصدقاء الذين لا يكونون مستحقين للزكاة ، ولذلك شرط في الإخفاء أن يحصل ~~معه إيتاء الفقراء ، والمقصود بعث المتصدق على أن يتحرى موضع الصدقة ، ~~فيصير عالما بالفقراء ، فيميزهم عن غيرهم ، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم ~~أخفاها حصلت الفضيلة . # أما قوله تعالى : { ويكفر عنكم من سيئاتكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : التكفير في اللغة التغطية والستر ، ورجل مكفر في السلاح ~~مغطى فيه ، ومنه يقال : كفر عن يمينه ، أي ستر ذنب الحنث بما بذل من الصدقة ~~، والكفارة ستارة لما حصل من الذنب . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر { نكفر ~~} بالنون ورفع الراء وفيه وجوه أحدها : أن يكون عطفا على محل ما بعد الفاء ~~والثاني : أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر والثالث : أنه جملة من فعل ~~وفاعل مبتدأ ms2010 بمستأنفة منقطعة عما قبلها ، والقراءة الثانية قراءة حمزة ~~ونافع والكسائي بالنون والجزم ، ووجهه أن يحمل الكلام على موضع قوله { فهو ~~خير لكم } فإن موضعه جزم ، ألا ترى أنه لو قال : وإن تخفوها تكن أعظم ~~لثوابكم ، لجزم فيظهر أن قوله { خير لكم } في موضع جزم ، ومثله في الحمل ~~على موضع الجزم قراءة من قرأ { من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم } ( ~~الأعراف : 186 ) بالجزم ، والقراءة الثالثة قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم { ~~يكفر } بالياء وكسر الفاء ورفع الراء ، والمعنى : يكفر الله أو يكفر ~~الاخفاء ، وحجتهم أن ما بعده على لفظ الافراد ، وهو قوله { والله بما ~~تعملون خبير } فقوله { يكفر } يكون أشبه بما بعده ، والأولون أجابوا وقالوا ~~لا بأس بأن يذكر لفظ الجمع أولا ثم لفظ الأفراد ثانيا كما أتى بلفظ الأفراد ~~أولا والجمع ثانيا في قوله { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } ( الإسراء : 1 ) ~~ثم قال : { وءاتينآ موسى الكتاب } ( الإسراء : 2 ) ونقل صاحب ( الكشاف ) ~~قراءة رابعة { * وتكفر } بالتاء مرفوعا ومجزوما والفاعل الصدقات ، وقراءة ~~خامسة وهي قراءة الحسن بالتاء والنصب بإضمار { حميم ءان } ومعناها إن ~~تخفوها يكن خير لكم ، وإن نكفر عنكم سيئاتكم فهو خير لكم . PageV07P066 # المسألة الثالثة : في دخول { من } في قوله { من سيئاتكم } وجوه أحدها : ~~المراد : ونكفر عنكم بعض سيئاتكم لأن السيئات كلها لا تكفر بذلك ، وإنما ~~يكفر بعضها ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغواء بارتكابها إذا ~~علم أنها مكفرة ، بل الواجب أن يكون العبد في كل أحواله / بين الخوف ~~والرجاء وذلك إنما يكون مع الإبهام والثاني : أن يكون { من } بمعنى من أجل ~~، والمعنى : ونكفر عنكم من أجل ذنوبكم ، كما تقول : ضربتك من سوء خلقك أي ~~من أجل ذلك والثالث : أنها صلة زائدة كقوله { فيها من كل الثمرات } ( محمد ~~: 15 ) والتقدير : ونكفر عنكم جميع سيئاتكم والأول أولى وهو الأصح . # ثم قال : { والله بما تعملون خبير } وهو إشارة إلى تفضيل صدقة السر على ~~العلانية ، والمعنى أن الله عالم بالسر والعلانية وأنتم إنما تريدون ~~بالصدقة طلب مرضاته ، فقد حصل مقصودكم ms2011 في السر ، فما معنى الإبداء ، فكأنهم ~~ندبوا بهذا الكلام إلى الإخفاء ليكون أبعد من الرياء . # ! 7 < { ليس عليك هداهم ولاكن الله يهدى من يشآء وما تنفقوا من خير ~~فلانفسكم وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 272 ) ليس عليك هداهم . . . . . # > > هذا هو الحكم الرابع من أحكام الإنفاق ، وهو بيان أن الذي يجوز ~~الإنفاق عليه من هو ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في بيان سبب النزول وجوه أحدها : أن هذه الآية نزلت حين ~~جاءت نتيلة أم أسماء بنت أبي بكر إليها تسألها ، وكذلك جدتها وهما مشركتان ~~، أتيا أسماء يسألانها شيئا فقالت لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإنكما لستما على ديني ، فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتصدق عليهما . # والرواية الثانية : كان أناس من الأنصار لهم قرابة من قريظة والنضير ~~وكانوا لا يتصدقون عليهم ، ويقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئا فنزلت هذه ~~الآية . # والرواية الثالثة : أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتصدق على المشركين ، ~~حتى نزلت هذه الآية فتصدق علهيم والمعنى على جميع الروايات : ليس عليك هدى ~~من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام ، فتصدق عليهم لوجه ~~الله ، ولا توقف ذلك على إسلامهم ، ونظيره قوله تعالى : { لا ينهاكم الله ~~عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم } ( الممتحنة : 8 ) فرخص في صلة ~~هذا الضرب من المشركين . PageV07P067 # / المسألة الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم ~~كما قال تعالى : { فلعلك باخع نفسك علىءاثارهم إن لم يؤمنوا بهاذا الحديث ~~أسفا } ( الكهف : 6 ) { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ~~) وقال : { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } ( يونس : 99 ) وقال : { ~~لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم } ( التوبة : 128 ) ~~فأعلمه الله تعالى أنه بعثه بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا ومبينا للدلائل ، فأما كونهم ms2012 مهتدين فليس ذلك منك ولا بك ، فالهدى ~~هاهنا بمعنى الإهتداء ، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك ~~وصدقتك عنهم ، وفيه وجه آخر : ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة أن ~~توقف صدقتك عنهم على إيمانهم ، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به ، بل ~~الإيمان المطلوب منهم الإيمان على سبيل التطوع والاختيار . # المسألة الثالثة : ظاهر قوله { ليس عليك هداهم } خطاب مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولكن المراد به هو وأمته ، ألا تراه قال : { إن تبدوا الصدقات } ~~( البقرة : 271 ) وهذا خطاب عام ، ثم قال : { ليس عليك هداهم } وهو في ~~الظاهر خاص ، ثم قال بعده { وما تنفقوا من خير فلانفسكم } وهذا عام فيفهم ~~من عموم ما قبل الآية وعموم ما بعدها عمومها أيضا . # أما قوله تعالى : { ولاكن الله يهدى من يشاء } فقد احتج به الأصحاب على ~~أن هداية الله تعالى غير عامة ، بل هي مخصوصة بالمؤمنين قالوا : لأن قوله { ~~ولاكن الله يهدى من يشاء } إثبات للهداية التي نفاها بقوله { ليس عليك ~~هداهم } لكن المنفي بقوله { ليس عليك هداهم } هو حصول الاهتداء على سبيل ~~الاختيار ، فكان قوله { ولاكن الله يهدى من يشاء } عبارة عن حصول الاهتداء ~~على سبيل الاختيار وهذا يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعا ~~بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وذلك هو المطلوب . # قالت المعتزلة { ولاكن الله يهدى من يشاء } يحتمل وجوها أحدها : أنه يهدي ~~بالإثابة والمجازاة من يشاء ممن استحق ذلك وثانيها : يهدي بالألطاف وزيادات ~~الهدى من يشاء وثالثها : ولكن الله يهدي بالإكراه من يشاء على معنى أنه ~~قادر على ذلك وإن لم يفعله ورابعها : أنه يهدي بالاسم والحكم من يشاء ، فمن ~~اهتدى استحق أن يمدح بذلك . # أجاب الأصحاب عن هذه الوجوه بأسرها أن المثبت في قوله { ولاكن الله يهدى ~~من يشاء } هو المنفي أولا بقوله { ليس عليك هداهم } لكن المراد بذلك المنفي ~~بقوله أولا : { ليس عليك هداهم } هو الاهتداء على سبيل الاختيار ، فالمثبت ~~بقوله { ولاكن الله يهدى من يشاء } يجب أن يكون هو الاهتداء على سبيل ~~الاختيار ms2013 ، وعلى هذا التقدير يسقط كل الوجوه . # ثم قال : { وما تنفقوا من خير فلانفسكم } فالمعنى : وكل نفقة تنفقونها من ~~نفقات الخير فإنما هو لأنفسكم أي ليحصل لأنفسكم ثوابه فليس يضركم كفرهم . # / ثم قال تعالى : { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول أن يكون المعنى : ولستم في ~~صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله ، فقد علم الله هذا من ~~قلوبكم ، فانفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك PageV07P068 وجه الله في ~~صلة رحم وسد خلة مضطر ؛ وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق ~~عليهم الثاني : أن هذا وإن كان ظاهره خبرا إلا أن معناه نهي ، أي ولا ~~تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله ، وورد الخبر بمعنى الأمر والنهي كثيرا قال ~~تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن } ( البقرة : 233 ) { والمطلقات يتربصن ~~} ( البقرة : 228 ) الثالث : أن قوله { وما تنفقون } أي ولا تكونوا منفقين ~~مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله . # المسألة الثانية : ذكر في الوجه في قوله { إلا ابتغاء وجه الله } قولان ~~أحدهما : أنك إذا قلت : فعلته لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك : فعلته ~~له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه ، ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ ~~والثاني : أنك إذا قلت : فعلت هذا الفعل له فههنا يحتمل أن يقال : فعلته له ~~ولغيره أيضا ، أما إذا قلت فعلت هذا الفعل لوجهه ، فهذا يدل على أنك فعلت ~~الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة . # المسألة الثالثة : أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم ، ~~فتكون هذه الآية مختصة بصدقة التطوع ، وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه صرف ~~صدقة الفطر إلى أهل الذمة ، وأباه غيره ، وعن بعض العلماء : لو كان شر خلق ~~الله لكان لك ثواب نفقتك . # ثم قال تعالى : { وما تنفقوا من خير يوف إليكم } أي يوف إليكم جزاؤه في ~~الآخرة ، وإنما حسن قوله { إليكم } مع الترفيه لأنها تضمنت معنى التأدية . # ثم قال : { وأنتم لا تظلمون } أي لا ms2014 تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا لقوله ~~تعالى : { اتت أكلها ولم تظلم * ومنه * شيئا } ( الكهف : 33 ) يريد لم تنقص ~~. # ! 7 < { للفقرآء الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطيعون ضربا فى الا رض ~~يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما ~~تنفقوا من خير فإن الله به عليم } . > 7 ! # / < < # | البقرة : ( 273 ) للفقراء الذين أحصروا . . . . . # > > إعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي ~~فقير كان ، بين في هذه الآية أن الذي يكون أشد الناس استحقاقا بصرف الصدقة ~~إليه من هو ؟ فقال : { للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : اللام في قوله { للفقراء } متعلق بماذا فيه وجوه الأول ~~: لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الانفاق ، قال بعدها { للفقراء } ~~أي ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء ، وهذا كما إذا تقدم PageV07P069 ذكر ~~رجل فتقول : عاقل لبيب ، والمعنى أن ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب ، وكذلك ~~الناس يكتبون على الكيس الذي يجعلون فيه الذهب والدراهم : ألفان ومائتان أي ~~ذلك الذي في الكيس ألفان ومائتان هذا أحسن الوجوه الثاني : أن تقدير الآية ~~اعمدوا للفقراء واجعلوا ما تنفقون للقراء الثالث : يجوز أن يكون خبر ~~المبتدأ محذوف والتقدير وصدقاتكم للفقراء . # المسألة الثانية : نزلت في فقراء المهاجرين ، وكانوا نحو أربعمائة ، وهم ~~أصحاب الصفة لم يكن لهم مسكن ولا عشائر بالمدينة ، وكانوا ملازمين المسجد ، ~~ويتعلمون القرآن ، ويصومون ويخرجون في كل غزوة ، عن ابن عباس : وقف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوما على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجدهم فطيب ~~قلوبهم ، فقال : ( أبشروا يا أصحاب الصفة فمن لقيني من أمتي على النعت الذي ~~أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفاقي ) . # واعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء الفقراء بصفات خمس : # الصفة الأولى : قوله { الذين أحصروا فى سبيل الله } ( البقرة : 273 ) ~~فنقول : الإحصار في اللغة أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره ، من مرض ~~أو كبر أو عدو أو ذهاب نفقة ، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء ، يقال : أحصر ms2015 ~~الرجل فهو محصر ، ومضى الكلام في معنى الإحصار عند قوله { فإن أحصرتم } بما ~~يعني عن الإعادة ، أما التفسير فقد فسرت هذه الآية بجميع الأعداد الممكنة ~~في معنى الإحصار فالأول : أن المعنى : إنهم حصروا أنفسهم ووقفوها على ~~الجهاد ، وأن قوله { فى سبيل الله } مختص بالجهاد في عرف القرآن ، ولأن ~~الجهاد كان واجبا في ذلك الزمان ، وكان تشتد الحاجة إلى من يحبس نفسه ~~للمجاهدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيكون مستعدا لذلك ، متى مست ~~الحاجة ، فبين تعالى في هؤلاء الفقراء أنهم بهذه الصفة ، ومن هذا حاله يكون ~~وضع الصدقة فيهم يفيد وجوها من الخير أحدها : إزالة عيلتهم والثاني : تقوية ~~قلبهم لما انتصبوا إليه وثالثها : تقوية الإسلام بتقوية المجاهدين ورابعها ~~: أنهم كانوا محتاجين جدا مع أنهم كانوا لا يظهرون حاجتهم ، على ما قال ~~تعالى : { لا يستطيعون ضربا فى الارض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } . # والقول الثاني : وهو قول قتادة وابن زيد : منعوا أنفسهم من التصرفات في ~~التجارة للمعاش خوف العدو من الكفار لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة ~~، وكانوا متى وجدوهم قتلوهم . # / والقول الثالث : وهو قول سعيد بن المسيب واختيار الكسائي : أن هؤلاء ~~القوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصاروا زمنى ، ~~فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض . # والقول الرابع : قال ابن عباس هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن ~~الجهاد في سبيل الله فعذرهم الله . # والقول الخامس : هؤلاء قوم كانوا مشتغلين بذكر الله وطاعته وعبوديته ، ~~وكانت شدة استغراقهم في تلك الطاعة أحصرتهم عن الاشتغال بسائر المهمات . # الصفة الثانية لهؤلاء الفقراء : قوله تعالى : { لا يستطيعون ضربا فى ~~الارض } يقال ضربت في الأرض ضربا إذا سرت فيها ، ثم عدم الاستطاعة إما أن ~~يكون لأن اشتغالهم بصلاح الدين وبأمر الجهاد ، يمنعهم من PageV07P070 ~~الاشتغال بالكسب والتجارة ، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر ، ~~وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه ، وعلى جميع الوجوه فلا شك في شدة ~~احتياجهم إلى من يكون معينا لهم على مهماتهم . # الصفة الثالثة لهم : قوله تعالى : { يحسبهم ms2016 الجاهل أغنياء من التعفف } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وابن عامر وحمزة { يحسبهم } بفتح السين ~~والباقون بكسرها وهما اللتان بمعنى واحد ، وقرىء في القرآن ما كان من ~~الحسبان باللغتين جميعا الفتح والكسر والفتح عند أهل اللغة أقيس ، لأن ~~الماضي إذا كان على فعل ، نحو حسب كان المضارع على يفعل ، مثل فرق يفرق ~~وشرب يشرب ، وشذ حسب يحسب فجاء على يفعل مع كلمات أخر ، والكسر حسن لمجيء ~~السمع به وإن كان شاذا عن القياس . # المسألة الثانية : الحسبان هو الظن ، وقوله { الجاهل } لم يرد به الجهل ~~الذي هو ضد العقل ، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الاختبار ، يقول : يحسبهم ~~من لم يختبر أمرهم أغنياء من التعفف ، وهو تفعل من العفة ومعنى العفة في ~~اللغة ترك الشيء والكف عنه وأراد من التعفف عن السؤال فتركه للعلم ، وإنما ~~يحسبهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة . # الصفة الرابعة لهؤلاء الفقراء : قوله تعالى : { تعرفهم بسيماهم } السيما ~~والسيميا العلامة التي يعرف بها الشيء ، وأصلها من السمة التي هي العلامة ، ~~قلبت الواو إلى موضع العين قال الواحدي : وزنه يكون فعلا ، كما قالوا : له ~~جاه عند الناس أي وجه ، وقال قوم : السيما الارتفاع لأنها علامة وضعت ~~للظهور ، قال مجاهد { سيماهم } التخشع والتواضع ، قال الربيع والسدي : أثر ~~الجهد من الفقر والحاجة وقال الضحاك صفرة ألوانهم من الجوع وقال ابن زيد ~~رثاثة ثيابهم والجوع خفي وعندي أن كل ذلك فيه نظر لأن كل ما ذكروه علامات ~~دالة على حصول الفقر وذلك يناقضه قوله { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } ~~بل المراد شيء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعا في قلوب الخلق ، ~~كل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم وذلك إدراكات روحانية ، لا علات جسمانية ، ~~ألا ترى أن الأسد إذا مر هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة ، لأن ~~الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت ، والبازي إذا طار تهرب منه الطيور الضعيفة ~~، وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية ، فكذا هاهنا ، ومن هذا الباب آثار ~~الخشوع في الصلاة ، كما قال تعالى : { سيماهم فى ms2017 وجوههم من أثر السجود } ( ~~الفتح : 29 ) وأيضا ظهور آثار الفكر ، روي أنهم كانوا يقومون الليل للتهجد ~~ويحتطبون بالنهار للتعفف . # الصفة الخامسة لهؤلاء الفقراء : قوله تعالى : { لا يستطيعون ضربا فى } عن ~~ابن مسعود رضي الله عنه : إن الله يحب العفيف المتعفف ، ويبغض الفاحش ~~البذيء السائل الملحف الذي إن أعطى كثيرا أفرط في المدح ، وإن أعطى قليلا ~~أفرط في الذم ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يفتح أحد باب ~~مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يستعفف يعفه ~~الله تعالى ، لأن يأخذ أحدكم حبلا يحتطب فيبيعه بمد من تمر خير له من أن ~~يسأل الناس ) . # واعلم أن هذه الآية مشكلة ، وذكروا في تأويلها وجوها الأول : أن الإلحاف ~~هو الإلحاح والمعنى أنهم سألوا بتلطف ولم يلحوا / وهو اختيار صاحب ( الكشاف ~~) وهو ضعيف ، لأن الله تعالى وصفهم بالتعفف عن PageV07P071 السؤال قبل ذلك ~~فقال : { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } وذلك ينافي صدور السؤال عنهم ~~والثاني : وهو الذي خطر ببالي عند كتابة هذا الموضوع : أنه ليس المقصود من ~~قوله { لا يستطيعون ضربا فى } وصفهم بأنهم لا يسألون الناس إلحافا ، وذلك ~~لأنه تعالى وصفهم قبل ذلك بأنهم يتعففون عن السؤال ، وإذا علم أنهم لا ~~يسألون ألبتة فقد علم أيضا أنهم لا يسألون إلحافا ، بل المراد التنبيه على ~~سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا ، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل ~~وقور ثابت ، والآخر طياش مهذار سفيه ، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم ~~الآخر قلت فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ، لا يخوض في الترهات ، ولا يشرع ~~في السفاهات ، ولم يكن غرضك من قولك ، لا يخوض في الترهات والسفاهات وصفه ~~بذلك ، لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك ، بل غرضك التنبيه على ~~مذمة الثاني وكذا هاهنا قوله { لا يستطيعون ضربا فى } بعد قوله { يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف } الغرض منه التنبيه على من يسأل الناس إلحافا ~~وبيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر في استيجاب المدح والتعظيم . # الوجه الثالث ms2018 : أن السائل الملحف الملح هو الذي يستخرج المال بكثرة تلطفه ~~، فقوله { لا يستطيعون ضربا } بالرفق والتلطف ، وإذا لم يوجد السؤال على ~~هذا الوجه فبأن لا يوجد على وجه العنف أولى فإذا امتنع القسمان فقد امتنع ~~حصول السؤال ، فعلى هذا يكون قوله { لا يستطيعون ضربا فى } كالموجب لعدم ~~صدور السؤال منهم أصلا . # / والوجه الرابع : هو الذي خطر ببالي أيضا في هذا الوقت ، وهو أنه تعالى ~~بين فيما تقدم شدة حاجة هؤلاء الفقراء ، ومن اشتدت حاجته فإنه لا يمكنه ترك ~~السؤال إلا بإلحاح شديد منه على نفسه ، فكانوا لا يسألون الناس وإنما ~~أمكنهم ترك السؤال عندما ألحوا على النفس ومنعوها بالتكليف الشديد عن ذلك ~~السؤال ، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : # % ولي نفس أقول لها إذا ما % % تنازعني لعلي أو عساني % # الوجه الخامس : أن كل من سأل فلا بد وأن يلح في بعض الأوقات ، لأنه إذا ~~سأل فقد أراق ماء وجهه ، ويحمل الذلة في إظهار ذلك السؤال ، فيقول : لما ~~تحملت هذه المشاق فلا أرجع بغير مقصود ، فهذا الخاطر يحمله على الإلحاف ~~والإلحاح ، فثبت أن كل من سأل فلا بد وأن يقدم على الإلحاح في بعض الأوقات ~~، فكان نفي الإلحاح عنهم مطلقا موجبا لنفي السؤال عنهم مطلقا . # الوجه السادس : وهو أيضا خطر ببالي في هذا الوقت ، وهو أن من أظهر من ~~نفسه آثار الفقر والذلة والمسكنة ، ثم سكت عن السؤال ، فكأنه أتى بالسؤال ~~الملح الملحف ، لأن ظهور إمارات الحاجة تدل على الحاجة وسكوته يدل على أنه ~~ليس عنده ما يدفع به تلك الحاجة ومتى تصور الإنسان من غير ذلك رق قلبه جدا ~~، وصار حاملا له على أن يدفع إليه شيئا ، فكان إظهار هذه الحالة هو السؤال ~~على سبيل الإلحاف ، فقوله { لا يستطيعون ضربا فى } معناه أنهم سكتوا عن ~~السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال وإظهار الانكسار ما ~~يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف بل يزينون أنفسهم عند الناس ويتجملون ~~بهذا الخلق ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا ms2019 يطلع عليه إلا الخالق ، فهذا ~~الوجه أيضا مناسب معقول PageV07P072 وهذه الآية من المشكلات وللناس فيها ~~كلمات كثيرة ، وقد لاحت هذه الوجوه الثلاثة بتوفيق الله تعالى وقت كتب ~~تفسير هذه الآية والله أعلم بمراده . # واعلم أنه تعالى ذكر صفات هؤلاء الفقراء / ثم قال بعده { وما تنفقوا من ~~خير فإن الله به عليم } ( البقرة : 273 ) وهو نظير ما ذكر قبل هذه الآية من ~~قوله { وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } ( البقرة : 272 ) ~~وليس هذا من باب التكرار وفيه وجهان أحدهما : أنه تعالى لما قال : { وما ~~تنفقوا من خير يوف إليكم } وكان من المعلوم أن توفية الأجر من غير بخس ~~ونقصان لا يمكن إلا عند العلم بمقدار العمل وكيفية جهاته المؤثرة في ~~استحقاق الثواب لا جرم قرر في هذه الآية كونه تعالى عالما بمقادير الأعمال ~~وكيفياتها . # والوجه الثاني : وهو أنه تعالى لما رغب في التصدق على المسلم والذمي ، ~~قال : { وما تنفقوا من خير يوف إليكم } بين أن أجره واصل لا محالة ، ثم لما ~~رغب في هذه الآية في التصدق على الفقراء الموصوفين بهذه الأوصاف الكاملة ، ~~وكان هذا الإنفاق أعظم وجوه الإنفاقات ، لا جرم / أردفه بما يدل على عظمة ~~ثوابه فقال : { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } وهو يجري مجرى ما إذا ~~قال السلطان العظيم لعبده الذي استحسن خدمته : ما يكفيك بأن يكون علي شاهدا ~~بكيفية طاعتك وحسن خدمتك ، فإن هذا أعظم وقعا مما إذا قال له : إن أجرك ~~واصل إليك . # ! 7 < { الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 274 ) الذين ينفقون أموالهم . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية النظم أقوال الأول : لما بين في هذه الآية ~~المتقدمة أن أكمل من تصرف إليه النفقة من هو بين في هذه الآية أن أكمل وجوه ~~الإنفاق كيف هو ، فقال : { الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية ~~فلهم } والثاني : أنه تعالى ذكر هذه الآية لتأكيد ما تقدم من قوله ms2020 { إن ~~تبدوا الصدقات فنعما هى } ( البقرة : 274 ) والثالث : أن هذه الآية آخر ~~الآيات المذكورة في أحكام الإنفاق ، فلا جرم أرشد الخلق إلى أكمل وجوه ~~الإنفاقات . # المسألة الثانية : في سبب النزول وجوه الأول : لما نزل قوله تعالى : { ~~للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله } بعت عبد الرحمن بن عوف إلى أصحاب ~~الصفة بدنانير ، وبعث علي رضي الله عنه بوسق من تمر ليلا ، فكان أحب ~~الصدقتين إلى الله تعالى صدقته ، فنزلت هذه الآية فصدقة الليل كانت أكمل ~~والثاني : قال ابن عباس : إن عليا عليه السلام ما كان يملك غير أربعة دراهم ~~، فتصدق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهارا ، وبدرهم سرا ، وبدرهم علانية ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم : ( ما حملك على هذا ؟ فقال : أن استوجب ما وعدني ربي ، ~~فقال : لك ذلك PageV07P073 فأنزل الله تعالى هذه الآية والثالث : قال صاحب ~~( الكشاف ) : نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف ~~دينار : عشرة بالليل ، وعشرة بالنهار ، وعشرة في السر ، وعشرة في العلانية ~~والرابع : نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله ، فكان أبو هريرة إذا ~~مر بفرس سمين قرأ هذه الآية الخامس : أن الآية عامة في الذين يعمون الأوقات ~~والأحوال بالصدقة تحرضهم على الخير ، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا ~~قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقت ولا حال ، وهذا هو أحسن الوجوه ، لأن ~~هذا آخر الآيات المذكورة في بيان حكم الإنفاقات فلا جرم ذكر فيها أكمل وجوه ~~الإنفاقات والله أعلم . # / المسألة الثالثة : قال الزجاج { الذين } رفع بالابتداء وجاز أن تكون ~~الفاء من قوله { فلهم } جواب الذين لأنها تأتي بمعنى الشرط والجزاء ، فكان ~~التقدير : من أنفق فلا يضيع أجره ، وتقديره أنه لو قال : الذي أكرمني له ~~درهم لم يفد أن الدرهم بسبب الإكرام ، أما لو قال : الذي أكرمني فله درهم ~~يفيد أن الدرهم بسبب الإكرام ، فههنا الفاء دلت على أن حصول الأجر إنما كان ~~بسبب الإنفاق والله أعلم . # المسألة الرابعة : في الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة ~~العلانية ، وذلك لأنه قدم الليل على ms2021 النهار ، والسر على العلانية في الذكر ~~. # ثم قال في خاتمة الآية { فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } ( البقرة : 274 ) والمعنى معلوم وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : أنها تدل على أن أهل الثواب لا خوف عليهم يوم القيامة ، ~~ويتأكد ذلك بقوله تعالى : { لا يحزنهم الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ) . # المسألة الثانية : أن هذا مشروط عند الكل بأن لا يحصل عقيبه الكفر ، وعند ~~المعتزلة أن لا يحصل عقيبه كبيرة محبطة ، وقد أحكمنا هذه المسألة ، وههنا ~~آخر الآيات المذكورة في بيان أحكام الإنفاق . # الحكم الثاني : من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة ~~حكم الربا : # ! 7 < { الذين يأكلون الربواا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربواا وأحل الله البيع ~~وحرم الربواا فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن ~~عاد فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 275 ) الذين يأكلون الربا . . . . . # > > إعلم أن بين الربا وبين الصدقة مناسبة من جهة التضاد ، وذلك لأن ~~الصدقة عبارة عن تنقيص / المال PageV07P074 بسبب أمر الله بذلك ، والربا ~~عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه ، فكانا متضادين ، ولهذا ~~قال الله تعالى : { يمحق الله الربواا ويربى الصدقات } فلما حصل بين هذين ~~الحكمين هذا النوع من المناسبة ، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربا . # أما قوله { الذين يأكلون الربواا } فالمراد الذين يعاملون به ، وخص الأكل ~~لأنه معظم الأمر ، كما قال : { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( النساء ~~: 10 ) وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه ، ولكنه نبه بالأكل على ~~ما سواه وكذلك قوله { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ( البقرة : 188 ) ~~وأيضا فلأن نفس الربا الذي هو الزيادة في المال على ما كانوا يفعلون في ~~الجاهلية لا يؤكل ، إنما يصرف في المأكول فيؤكل ، والمراد التصرف فيه ، ~~فمنع الله من التصرف في الربا بما ذكرنا من الوعيد ، وأيضا فقد ثبت أنه صلى ~~الله عليه وسلم : ( لعن آكل ms2022 الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له ) ~~فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالآكل ، وأيضا فقد ثبت بشهادة الطرد والعكس ، ~~أن ما يحرم لا يوقف تحريمه على الأكل دون غيره من التصرفات فثبت بهذه ~~الوجوه الأربعة أن المراد من أكل الربا في هذه الآية التصرف في الربا ، ~~وأما الربا ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الربا في اللغة عبارة عن الزيادة يقال : ربا الشيء يربو ~~ومنه قوله { اهتزت وربت } ( الحج : 5 ) أي زادت ، وأربى الرجل إذا عامل في ~~الربا ، ومنه الحديث ( من أجبى فقد أربى ) أي عامل بالربا ، والاجباء بيع ~~الزرع قبل أن يبدو صلاحه ، هذا معنى الربا في اللغة . # المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي { الربا } بالإمالة لمكان كسرة ~~الراء والباقون بالتفخيم بفتح الباء ، وهي في المصاحف مكتوبة بالواو ، وأنت ~~مخير في كتابتها بالألف والواو والياء ، قال صاحب ( الكشاف ) : الربا كتبت ~~بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها ~~بواو الجمع . # المسألة الثالثة : إعلم أن الربا قسمان : ربا النسيئة ، وربا الفضل . # أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية ، وذلك ~~أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ، ويكون رأس ~~المال باقيا ، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال ، فإن تعذر عليه ~~الأداء زادوا في الحق والأجل ، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية ~~يتعاملون به . # وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك . # إذا عرفت هذا فنقول : المروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم ~~الأول فكان يقول : لا ربا إلا في النسيئة ، وكان يجوز بالنقد ، فقال له أبو ~~سعيد الخدري : شهدت ما لم تشهد ، أو سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما لم تسمع ثم روي أنه رجع عنه قال محمد بن سيرين : كنا في / بيت ومعنا ~~عكرمة ، فقال رجل : يا عكرمة ما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس / ~~فقال : إنما كنت استحللت التصرف برأيي ، ثم بلغني أنه صلى ms2023 الله عليه وسلم ~~حرمه ، فاشهدوا أني حرمته وبرئت منه إلى الله ، وحجة ابن عباس أن قوله { ~~وأحل الله البيع } يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقدا ، وقوله { وحرم ~~الربواا } لا يتناوله لأن الربا عبارة عن الزيادة ، وليست كل زيادة محرمة ، ~~بل قوله { وحرم الربواا } إنما يتناول العقد المخصوص الذي كان مسمى فيما ~~بينهم بأنه ربا . وذلك هو ربا النسيئة ، فكان قوله { وحرم الربواا } مخصوصا ~~بالنسيئة ، فثبت أن قوله { وأحل الله البيع } يتناول ربا النقد ، وقوله { ~~وحرم الربواا } لا يتناوله ، فوجب أن يبقى على الحل ، ولا يمكن أن يقال : ~~إنما يحرمه PageV07P075 بالحديث ، لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن مخبر ~~الواحد وأنه غير جائز ، وهذا هو عرف ابن عباس وحقيقته راجعة إلى أن تخصيص ~~القرآن بخبر الواحد هل يجوز أم لا ؟ # وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين ، أما القسم ~~الأول فبالقرآن ، وأما ربا النقد فبالخبر ، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا ~~النقد في الأشياء الستة ، ثم اختلفوا فقال عامة الفقهاء : حرمة التفاضل غير ~~مقصورة على هذه الستة ، بل ثابتة في غيرها ، وقال نفاة القياس : بل الحرمة ~~مقصورة عليها وحجة هؤلاء من وجوه : # الحجة الأولى : أن الشارع خص من المكيلات والمطعومات والأقوات أشياء ~~أربعة ، فلو كان الحكم ثابتا في كل المكيلات أو في كل المطعومات لقال : لا ~~تبيعوا المكيل بالمكيل متفاضلا ، أو قال : لا تبيعوا المطعوم بالمطعوم ~~متفاضلا ، فإن هذا الكلام يكون أشد اختصارا ، وأكثرر فائدة ، فلما لم يقل ~~ذلك بل عد الأربعة ، علمنا أن حكم الحرمة مقصور عيها فقط . # الحجة الثانية : أنا بينا في قوله تعالى : { وأحل الله البيع } يقتضي حل ~~ربا النقد فأنتم أخرجتم ربا النقد من تحت هذا العموم بخبر الواحد في ~~الأشياء الستة ، ثم أثبتم الحرمة في غيرها بالقياس عليها ، فكان هذا تخصيصا ~~لعموم نص القرآن في الأشياء الستة بخبر الواحد ، وفي غيرها بالقياس على ~~الأشياء الستة ، ثبت الحكم فيها بخبر الواحد ، ومثل هذا القياس يكون أضعف ~~بكثير من خبر الواحد ، وخبر الواحد أضعف من ظاهر القرآن ms2024 ، فكان هذا ترجيحا ~~للأضعف على الأقوى ، وأنه غير جائز . # الحجة الثالثة : أن التعدية من محل النص إلى غير محل النص ، لا تمكن إلا ~~بواسطة تعليل الحكم في مورد النص ، وذلك غير جائز ، أما أولا : فلأنه يقتضي ~~تعليل حكم الله ، وذلك محال على ما ثبت في الأصول ، وأما ثانيا : فلأن ~~الحكم في مورد النص معلوم ، واللغة مظنونة وربط المعلوم بالمظنون غير جائز ~~، وأما جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على أن حرمة ربا النقد غير مقصورة على هذه ~~الأشياء الستة ، بل هي ثابتة في غيرها ، ثم من المعلوم أنه لا يمكن تعدية ~~الحكم عن محل النص إلى / غير محل النص إلا بتعليل الحكم الثابت في محل النص ~~بعلة حاصلة في غير محل النص فلهذا المعنى اختلفوا في العلة على مذاهب . # فالقول الأول : وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه : أن العلة في حرمة الربا ~~الطعم في الأشياء الأربعة واشتراط اتحاد الجنس ، وفي الذهب والفضة النقدية ~~. # والقول الثاني : قول أبي حنيفة رضي الله عنه : أن كل ما كان مقدرا ففيه ~~الربا ، والعلة في الدراهم والدنانير الوزن ، وفي الأشياء الأربعة الكيل ~~واتحاد الجنس . # والقول الثالث : قول مالك رضي الله عنه أن العلة هو القوت أو ما يصلح به ~~القوت ، وهو الملح . # والقول الرابع : وهو قول عبد الملك بن الماجشون : أن كل ما ينتفع به ففيه ~~الربا ، فهذا ضبط مذاهب الناس في حكم الربا ، والكلام في تفاريع هذه ~~المسائل لا يليق بالتفسير . # المسألة الرابعة : ذكروا في سبب تحريم الربا وجوها أحدها : الربا يقتضي ~~أخذ مال الإنسان من غير عوض ، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقدا أو نسيئة ~~فيحصل له زيادة درهم من غير عوض ، ومال الإنسان PageV07P076 متعلق حاجته ~~وله حرمة عظيمة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( حرمة مال الإنسان كحرمة دمه ) ~~فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرما . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون لبقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضا عن ~~الدرهم الزائد ، وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه ms2025 المدة لكان يمكن ~~المالك أن يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحا فلما تركه في يد المديون ~~وانتفع به المديون لم يبعد أن يدفع إلى رب المال ذلك الدرهم الزائد عوضا عن ~~انتفاعه بماله . # قلنا : إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل ، وأخذ ~~الدرهم الزائد أمر متيقن ، فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن ~~نوع ضرر وثانيها : قال بعضهم : الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع ~~الناس عن الاشتغال بالمكاسب ، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد ~~الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدا كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه ~~المعيشة ، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة ، وذلك ~~يفضي إلى انقطاع منافع الخلق ، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا ~~بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات وثالثها : قيل : السبب في تحريم عقد ~~الربا ، أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض ، لأن الربا إذا ~~طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله ، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج ~~تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين ، فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف ~~والإحسان ورابعها : هو أن الغالب أن المقرض يكون غنيا ، والمستقرض يكون ~~فقيرا ، فالقول / بتجويز عقد الربا تمكين للغنى من أن يأخذ من الفقير ~~الضعيف ما لا زائدا ، وذلك غير جائز برحمة الرحيم وخامسها : أن حرمة الربا ~~قد ثبتت بالنص ، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق ، فوجب ~~القطع بحرمة عقد الربا ، وإن كنا لا نعلم الوجه فيه . # أما قوله تعالى : { لا يقومون } فأكثر المفسرين قالوا : المراد منه ~~القيام يوم القيامة ، وقال بعضهم : المراد منه القيام من القبر ، واعلم أنه ~~لا منافاة بين الوجهين ، فوجب حمل اللفظ عليهما . # أما قوله تعالى : { إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : التخبط معناه الضرب على غير استواء ، ويقال للرجل الذي ~~يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه : إنه يخبط خبط عشواء ، وخبط البعير للأرض ~~بأخفافه ، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل ms2026 أو جنون لأنه كالضرب على غير ~~الاستواء في الادهاش ، وتسمى إصابة الشيطان بالجنون والخبل خبطة ، ويقال : ~~به خبطة من جنون ، والمس الجنون ، يقال : مس الرجل فهو ممسوس وبه مس ، ~~وأصله من المس باليد ، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه ، ثم سمي الجنون مسا ~~، كما أن الشيطان يتخبطه ويطؤه برجله فيخبله ، فسمي الجنون خبطة ، فالتخبط ~~بالرجل والمس باليد ، ثم فيه سؤالان : # السؤال الأول : التخبط تفعل ، فكيف يكون متعديا ؟ . # الجواب : تفعل بمعنى فعل كثير ، نحو تقسمه بمعنى قسمه ، وتقطعه بمعنى ~~قطعه . # السؤال الثاني : بم تعلق قوله { من المس } . PageV07P077 # قلنا : فيه وجهان أحدهما : بقوله { لا يقومون } والتقدير : لا يقومون من ~~المس الذي لهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان والثاني : أنه متعلق بقوله ~~{ ياقوم } والتقدير لا يقومون إلا كما يقوم المتخبط بسبب المس . # المسألة الثانية : قال الجبائي : الناس يقولون المصروع إنما حدثت به تلك ~~الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه وهذا باطل / لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على ~~صرع الناس وقتلهم ويدل عليه وجوه : # أحدها : قوله تعالى حكاية عن الشيطان { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة ~~على الصرع والقتل والإيذاء والثاني : الشيطان إما أن يقال : إنه كثيف الجسم ~~، أو يقال : إنه من الأجسام اللطيفة ، فإن كان الأول وجب أن يرى ويشاهد ، ~~إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفا ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ~~ورعود وبروق وجبال ونحن لا نراها ، وذلك جهالة عظيمة ، ولأنه لو كان جسما ~~كثيفا فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان ، وأما إن كان جسما لطيفا ~~كالهواء ، فمثل هذا يمتنع / أن يكون فيه صلابة وقوة ، فيمتنع أن يكون قادرا ~~على أن يصرع الإنسان ويقتله الثالث : لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع ~~ويقتل لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك يجر إلى ~~الطعن في النبوة الرابع : أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع ~~المؤمنين ولم لا يخبطهم ms2027 مع شدة عداوته لأهل الإيمان ، ولم لا يغصب أموالهم ~~، ويفسد أحوالهم ، ويفشي أسرارهم ، ويزيل عقولهم ؟ وكل ذلك ظاهر الفساد ، ~~واحتج القائلون بأن الشيطان يقدر على هذه الأشياء بوجهين الأول : ما روي أن ~~الشياطين في زمان سليمان بن داود عليهما السلام كانوا يعملون الأعمال ~~الشاقة على ما حكى الله عنهم أنهم كانوا يعملون له ما يشاء من محاريب ~~وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات . # والجواب عنه : أنه تعالى كلفهم في زمن سليمان فعند ذلك قدروا على هذه ~~الأفعال وكان ذلك من المعجزات لسليمان عليه السلام والثاني : أن هذه الآية ~~وهي قوله { يتخبطه الشيطان } صريح في أن يتخبطه الشيطان بسبب مسه . # والجواب عنه : أن الشيطان يمسه بوسوسته المؤذية التي يحدث عندها الصرع ، ~~وهو كقول أيوب عليه السلام { أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب } ( ص: 41 ) ~~وإنما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة لأن الله تعالى خلقه من ضعف الطباع ، ~~وغلبة السوداء عليه بحيث يخاف عند الوسوسة فلا يجترىء فيصرع عند تلك ~~الوسوسة ، كما يصرع الجبان من الموضع الخالي ، ولهذا المعنى لا يوجد هذا ~~الخبط في الفضلاء الكاملين ، وأهل الحزم والعقل وإنما يوجد فيمن به نقص في ~~المزاج وخلل في الدماغ فهذا جملة كلام الجبائي في هذا الباب ، وذكر القفال ~~فيه وجه آخر ، وهو أن الناس يضيفون الصرع إلى الشيطان وإلى الجن ، فخوطبوا ~~على ما تعارفوه من هذا ، وأيضا من عادة الناس أنهم إذا أرادوا تقبيح شيء أن ~~يضيفوه إلى الشيطان ، كما في قوله تعالى : { طلعها كأنه * رءوس * الشياطين ~~} ( الصافات : 65 ) . # المسألة الثالثة : للمفسرين في الآية أقوال الأول : أن آكل الربا يبعث ~~يوم القيامة مجنونا وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا ، فعرفه أهل الموقف ~~لتلك العلامة أنه آكل الربا في الدنيا ، فعلى هذا معنى PageV07P078 الآية : ~~أنهم يقومون مجانين ، كمن أصابه الشيطان بجنون . # والقول الثاني : قال ابن منبه : يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا ~~مسرعين لقوله { يخرجون من الاجداث سراعا } ( المعارج : 43 ) إلا آكلة الربا ~~فإنهم يقومون ويسقطون ، كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وذلك لأنهم ms2028 ~~أكلوا الربا في الدنيا ، فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ~~ينهضون ، ويسقطون ، ويريدون الإسراع ، ولا يقدرون ، وهذا القول غير الأول ~~لأنه يريد أن آكلة الربا لا يمكنهم الإسراع في المشي بسبب ثقل البطن ، وهذا ~~ليس من الجنون في شيء ، ويتأكد هذا القول بما روي في قصة الإسراء أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم انطلق به جبريل إلى / رجال كل واحد منهم كالبيت الضخم / ~~يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع ، فقلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : { ~~الذين يأكلون الربواا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس ~~} . # والقول الثالث : أنه مأخوذ من قوله تعالى : { إن الذين اتقوا إذا مسهم ~~طئف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } ( الأعراف : 201 ) وذلك لأن ~~الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله ، فهذا هو ~~المراد من مس الشيطان ، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطا ، فتارة ~~الشيطان يجره إلى النفس والهوى ، وتارة الملك يجره إلى الدين والتقوى ، ~~فحدثت هناك حركات مضطربة ، وأفعال مختلفة ، فهذا هو الخبط الحاصل بفعل ~~الشيطان وآكل الربا لا شك أنه يكون مفرطا في حب الدنيا متهالكا فيها ، فإذا ~~مات على ذلك الحب صار ذلك الحب حجابا بينه وبين الله تعالى ، فالخبط الذي ~~كان حاصلا في الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة ، وأوقعه في ذل ~~الحجاب ، وهذا التأويل أقرب عندي من الوجهين اللذين نقلناهما عمن نقلنا . # أما قوله تعالى : { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربواا } ففيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : القوم كانوا في تحليل الربا على هذه الشبهة ، وهي أن من ~~اشترى ثوبا بعشرة ثم باعه بأحد عشر فهذا حلال ، فكذا إذا باع العشرة بأحد ~~عشرة يجب أن يكون حلال ، لأنه لا فرق في العقل بين الأمرين ، فهذا في ربا ~~النقد ، وأما في ربا النسيئة فكذلك أيضا ، لأنه لو باع الثوب الذي يساوي ~~عشرة في الحال بأحد عشر إلى شهر جاز فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر إلى شهر ~~، وجب أن يجوز لأنه ms2029 لا فرق في العقل بين الصورتين ، وذلك لأنه إنما جاز ~~هناك ، لأنه حصل التراضي من الجانبين ، فكذا ههنا لما حصل التراضي من ~~الجانبين وجب أن يجوز أيضا ، فالبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات ، ولعلل ~~الإنسان أن يكون صفر اليد في الحال شديد الحاجة ، ويكون له في المستقبل من ~~الزمان أموال كثيرة ، فإذا لم يجز الربا لم يعطه رب المال شيئا فيبقى ~~الإنسان في الشدة والحاجة ، إما بتقدير جواز الربا فيعطيه رب المال طمعا في ~~الزيادة ، والمديون يرده عند وجدان المال ، وإعطاء تلك الزيادة عند وجدان ~~المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال ، فهذا يقتضي حل ~~الربا كما حكمنا بحل سائر البياعات لأجل دفع الحاجة ، فهذا هو شبهة القوم ، ~~والله تعالى أجاب عنه بحرف واحد ، وهو قوله { وأحل الله البيع وحرم الربواا ~~} ووجه الجواب أن ما ذكرتم معارضة للنص بالقياس ، وهو من عمل إبليس ، فإنه ~~تعالى لما أمره بالسجود لآدم صلى الله عليه وسلم عارض النص بالقياس ، فقال ~~: { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ( الأعراف : 12 ) ( ص: 76 ) ~~واعلم أن نفاة القياس PageV07P079 يتمسكون بهذا الحرف ، فقالوا : لو كان ~~الدين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة ، فلما كانت مدفوعة علمنا أن الدين ~~بالنص لا بالقياس ، وذكر القفال رحمة الله عليه الفرق بين البابين ، فقال : ~~من باع ثوبا يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات / الثوب مقابلا بالعشرين ، فلما ~~حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد منهما مقابلا للآخر في المالية ~~عندهما ، فلم يكن أخذ من صاحبه شيئا بغير عوض ، أما إذا باع العشرة بالعشرة ~~فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض ، ولا يمكن أن يقال : إن غرضه هو ~~الامهال في مدة الأجل ، لأن الامهال ليس مالا أو شيئا يشار إليه حتى يجعله ~~عوضا عن العشرة الزائدة ، فظهر الفرق بين الصورتين . # المسألة الثانية : ظاهر قوله تعالى : { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربواا } يدل على أن الوعيد إنما يحصل باستحلالهم الربا دون الإقدام عليه ~~/ وأكله مع التحريم ، وعلى هذا ms2030 التقدير لا يثبت بهذه الآية كون الربا من ~~الكبائر . # فإن قيل : مقدمة الآية تدل على أن قيامهم يوم القيامة متخبطين كان بسبب ~~أنهم أكلوا الربا . # قلنا : إن قوله { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربواا } صريح في أن ~~العلة لذلك التخبط هو هذا القول والاعتقاد فقط ، وعند هذا يجب تأويل مقدمة ~~الآية ، وقد بينا أنه ليس المراد من الأكل نفس الأكل ، وذكرنا عليه وجوها ~~من الدلائل ، فأنتم حملتموه على التصرف في الربا ، ونحن نحمله على استحلال ~~الربا واستطابته ، وذلك لأن الأكل قد يعبر به عن الاستحلال ، يقال : فلان ~~يأكل مال الله قضما خصما ، أي يستحل التصرف فيه ، وإذا حملنا الأكل على ~~الاستحلال ، صارت مقدمة الآية مطابقة لمؤخرتها ، فهذا ما يدل عليه لفظ ~~الآية ، إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا ~~، لا على وعيد من يستحل هذا العقد . # المسألة الثالثة : في الآية سؤال ، وهو أنه لم لم يقل : إنما الربا مثل ~~البيع ، وذلك لأن حل البيع متفق عليه ، فهم أرادوا أن يقيسوا عليه الربا ، ~~ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق ، فكان نظم الآية أن يقال : ~~إنما الربا مثل البيع ، فما الحكمة في أن قلب هذه القضية ، فقال : { إنما ~~البيع مثل الربواا } . # والجواب : أنه لم يكن مقصود القوم أن يتمسكوا بنظم القياس ، بل كان غرضهم ~~أن الربا والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد ~~المثلين بالحل والثاني بالحرمة وعلى هذا التقدير فأيهما قدم أو أخر جاز . # أما قوله تعالى : { وأحل الله البيع وحرم الربواا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : يحتمل أن يكون هذا الكلام من تمام كلام الكفار ، ~~والمعنى أنهم قالوا : البيع مثل الربا ، ثم إنكم تقولون { وأحل الله البيع ~~وحرم الربواا } فكيف يعقل هذا ؟ يعني أنهما لما كانا متماثلين فلو حل ~~أحدهما وحرم الآخر لكان ذلك إيقاعا للتفرقة بين المثلين ، وذلك غير لائق ~~بحكمة الحكيم فقوله { أحل الله * البيع وحرم الربواا } ذكره الكفار على ~~سبيل الاستبعاد ، وأما / أكثر المفسرين فقد ms2031 اتفقوا على أن كلام الكفار ~~انقطع عند قوله { إنما البيع مثل الربواا } وأما قوله { أحل الله * البيع ~~وحرم الربواا } فهو كلام الله تعالى ونصه على هذا الفرق ذكره إبطالا لقول ~~الكفار إنما البيع مثل الربا ، والحجة على صحة هذا القول وجوه . ~~PageV07P080 # الحجة الأولى : أن قول من قال : هذا كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار ~~زيادات بأن يحمل ذلك على الاستفهام على سبيل الإنكار ، أو يحمل ذلك على ~~الرواية من قول المسلمين ، ومعلوم أن الإضمار خلاف الأصل ، وأما إذا جعلناه ~~كلام الله ابتداء لم يحتج فيه إلى هذا الإضمار ، فكان ذلك أولى . # الحجة الثانية : أن المسلمين أبدا كانوا متمسكين في جميع مسائل البيع ~~بهذه الآية ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار ، وإلا لما ~~جاز لهم أن يستدلوا به ، وفي هذه الحجة كلام سيأتي في المسألة الثانية . # الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر عقيب هذه الكلمة قوله { فمن جاءه موعظة من ~~ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~} فظاهر هذا الكلام يقتضي أنهم لما تمسكوا بتلك الشبهة وهي قوله { إنما ~~البيع مثل الربواا } فالله تعالى قد كشف عن فساد تلك الشبهة وعن ضعفها ، ~~ولو لم يكن قوله { وأحل الله البيع وحرم الربواا } كلام الله لم يكن جواب ~~تلك الشبهة مذكورا فلم يكن قوله { فمن جاءه موعظة من ربه } لائقا بهذا ~~الموضع . # المسألة الثانية : مذهب الشافعي رضي الله عنه أن قوله { وأحل الله البيع ~~وحرم الربواا } من المجملات التي لا يجوز التمسك بها ، وهذا هو المختار ~~عندي ، ويدل عليه وجوه الأول : أنا بينا في أصول الفقه أن الاسم المفرد ~~المحلي بلام التعريف لا يفيد العموم ألبتة ، بل ليس فيه إلا تعريف الماهية ~~، ومتى كان كذلك كفى العمل به في ثبوت حكمه في صورة واحدة . # والوجه الثاني : وهو أنا إذا سلمنا أنه يفيد العموم ، ولكنا لا نشك أن ~~إفادته العموم أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم ، مثلا قوله { وأحل الله ~~البيع } وإن أفاد ms2032 الاستغراق إلا أن قوله وأحل الله البيعات أقوى في إفادة ~~الاستغراق ، فثبت أن قوله { وأحل الله البيع } لا يفيد الاستغراق إلا إفادة ~~ضعيفة ، ثم تقدير العموم لا بد وأن يطرق إليها تخصيصات كثيرة خارجة عن ~~الحصر والضبط ، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ، لأنه كذب والكذب على الله تعالى محال ، فأما العام الذي ~~يكون موضع التخصيص منه قليلا جدا فذلك جائز لأن إطلاق لفظ الاستغراق على ~~الأغلب عرف مشهور في كلام العرب ، فثبت أن حمل هذا على العموم غير جائز . # الوجه الثالث : ما روي عن عمر رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم / من الدنيا وما سألناه عن الربا ، ولو كان هذا اللفظ مفيدا ~~للعموم لما قال ذلك فعلمنا أن هذه الآية من المجملات . # الوجه الرابع : أن قوله { وأحل الله البيع } يقتضي أن يكون كل بيع حلالا ~~، وقوله { وحرم الربواا } يقتضي أن يكون كل ربا حراما ، لأن الربا هو ~~الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة ، فأول الآية أباح جميع البيوع ، ~~وآخرها حرم الجميع ، فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية ، فكانت مجملة ، ~~فوجب الرجوع في الحلال والحرام إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم . # أما قوله { فمن جاءه موعظة من ربه } فاعلم أنه ذكر فعل الموعظة لأن ~~تأنيثها غير حقيقي ولأنها في معنى الوعظ ، وقرأ أبي والحسن { فمن * جاءته * ~~موعظة } ثم قال : { فانتهى } أي فامتنع ، ثم قال : { فله ما سلف } وفيه ~~مسألتان : PageV07P081 # المسألة الأولى : في التأويل وجهان الأول : قال الزجاج : أي صفح له عما ~~مضى من ذنبه من قبل نزول هذه الآية ، وهو كقوله { قل للذين كفروا إن ينتهوا ~~يغفر لهم ما قد سلف } ( الأنفال : 38 ) وهذا التأويل ضعيف لأنه قبل نزول ~~الآية في التحريم لم يكن ذلك حراما ولا ذنبا ، فكيف يقال المراد من الآية ~~الصفح عن ذلك الذنب مع أنه ما كان هناك ذنب ، والنهي المتأخر لا يؤثر في ~~الفعل المتقدم ولأنه تعالى أضاف ذلك ms2033 إليه بلام التمليك ، وهو قوله { فله ما ~~سلف } فكيف يكون ذلك ذنبا الثاني : قال السدي : له ما سلف أي له ما أكل من ~~الربا ، وليس عليه رد ما سلف ، فأما من لم يقض بعد فلا يجوز له أخذه ، ~~وإنما له رأس ماله فقط كما بينه بعد ذلك بقوله { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب ~~} ( البقرة : 279 ) . # المسألة الثانية : قال الواحدي : السلف المتقدم ، وكل شيء قدمته أمامك ~~فهو سلف ، ومنه الأمة السالفة ، والسالفة العنق لتقدمه في جهة العلو ، ~~والسلفة ما يقدم قبل الطعام ، وسلافة الخمر صفوتها ، لأنه أول ما يخرج من ~~عصيرها . # أما قوله تعالى : { وأمره إلى الله } ففيه وجوه للمفسرين ، إلا أن الذي ~~أقوله : إن هذه الآية مختصة بمن ترك استحلال الربا من غير بيان أنه ترك أكل ~~الربا ، أو لم يترك ، والدليل عليه مقدمة الآية ومؤخرتها . # أما مقدمة الآية فلأن قوله { فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى } ليسس فيه ~~بيان أنه انتهى عماذا فلا بد وأن يصرف ذلك المذكور إلى السابق / وأقرب ~~المذكورات في هذه الكلمة ما حكى الله أنهم قالوا : إنما البيع مثل الربا ، ~~فكان قوله { فانتهى } عائدا إليه ، فكان المعنى : فانتهى عن هذا القول . # وأما مؤخرة الآية فقوله { ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ~~ومعناه : عاد إلى الكلام المتقدم ، وهو استحلال الربا { أمرى إلى الله } ثم ~~هذا الإنسان إما أن يقال : إنه كما انتهى / عن استحلال الربا انتهى أيضا عن ~~أكل الربا ، أو ليس كذلك ، فإن كان الأول كان هذا الشخص مقرا بدين الله ~~عالما بتكليف الله ، فحينئذ يستحق المدح والتعظيم والإكرام ، لكن قوله { ~~أمرى إلى الله } ليس كذلك لأنه يفيد أنه تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ~~، فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر ولا بالمؤمن المطيع ، فلم يبق إلا أن ~~يكون مختصا بمن أقر بحرمة الربا ثم أكل الربا فههنا أمره لله إن شاء عذبه ~~وإن شاء غفر له وهو كقوله { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ms2034 ~~لمن يشاء } فيكون ذلك دليلا ظاهرا على صحة قولنا أن العفو من الله مرجو . # أما قوله { ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } فالمعنى : ومن ~~عاد إلى استحلال الربا حتى يصير كافرا . # واعلم أن قوله { فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } دليل قاطع في أن ~~الخلود لا يكون إلا للكافر لأن قوله { أولئك أصحاب النار } يفيد الحصر فيمن ~~عاد إلى قول الكافر وكذلك قوله { هم فيها خالدون } يفيد الحصر ، وهذا يدل ~~على أن كونه صاحب النار ، وكونه خالدا في النار لا يحصل إلا في الكفار أقصى ~~ما في الباب أنا خالفنا هذا الظاهر وأدخلنا سائر الكفار فيه ، لكنه يبقى ~~على ظاهره في صاحب الكبيرة فتأمل في هذه المواضع ، وذلك أن مذهبنا أن صاحب ~~الكبيرة إذا كان مؤمنا بالله ورسوله يجوز في حقه أن يعفو الله عنه ، ويجوز ~~أن يعاقبه الله وأمره في البابين موكل إلى الله ، ثم بتقدير أن يعاقبه الله ~~فإنه لا يخلد في النار بل PageV07P082 يخرجه منها ، والله تعالى بين صحة ~~هذا المذهب في هذه الآيات بقوله { أمرى إلى الله } على جواز العفو في حق ~~صاحب الكبيرة على ما بيناه . # ثم قوله { فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } يدل على أن بتقدير أن ~~يدخله الله النار لكنه لا يخلده فيها الأن الخلود مختص بالكفار لا بأهل ~~الإيمان ، وهذا بيان شريف وتفسير حسن . # ! 7 < { يمحق الله الربواا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم } . ~~> 7 ! # < < # | البقرة : ( 276 ) يمحق الله الربا . . . . . # > > إعلم أنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا ، وكان قد بالغ في الآيات ~~المتقدمة في الأمر بالصدقات ، ذكر هاهنا ما يجري مجرى الدعاء إلى ترك ~~الصدقات وفعل الربا ، وكشف عن فساده ، وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل ~~المزيد في الخيرات ، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير فبين ~~تعالى أن الربا وإن كان زيادة في الحال ، إلا أنه نقصان في الحقيقة ، وأن ~~الصدقة وإن كانت نقصانا في الصورة ، إلا أنها زيادة في المعنى ، ولما كان ms2035 ~~الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من ~~الدواعي والصوارف ، بل يعول على ما ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف ~~فهذا وجه النظم وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : المحق نقصان الشيء حالا بعد حال ، ومنه المحاق في ~~الهلال يقال : محقه الله فانمحق وامتحق ، ويقال : هجير ما حق إذا نقص في كل ~~شيء بحرارته . # المسألة الثانية : إعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في ~~الدنيا ، وأن يكون في الآخرة ، أما في الدنيا فنقول : محق الربا في الدنيا ~~من وجوه أحدها : أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤل عاقبته إلى ~~الفقر ، وتزول البركة عن ماله ، قال صلى الله عليه وسلم : ( الربا وإن كثر ~~فإلى قل ) وثانيها : إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم ، والنقص ، وسقوط ~~العدالة ، وزوال الأمانة ، وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة وثالثها : أن ~~الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا يلعنونه ويبغضونه ويدعون ~~عليه ، وذلك يكون سببا لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله ورابعها : ~~أنه متى اشتهر بين الخلق أنه إنما جمع ماله من الربا توجهت إلى الأطماع ، ~~وقصده كل ظالم ومارق وطماع ، ويقولون : إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا ~~يترك في يده ، وأما إن الربا سبب للمحق في الآخرة فلوجوه الأول : قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : معنى هذا المحق أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا ~~جهادا ، ولا حجا ، ولا صلة رحم وثانيها : إن مال الدنيا لا يبقى عند الموت ~~، ويبقى التبعة والعقوبة ، وذلك هو الخسار الأكبر وثالثها : أنه ثبت في ~~الحديث أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام ، فإذا كان ~~الغني من الوجه الحلال كذلك ، فما ظنك بالغني من الوجه الحرام المقطوع ~~بحرمته كيف يكون ، فذلك هو المحق والنقصان . # وأما أرباء الصدقات فيحتمل أن يكون المراد في الدنيا ، وأن يكون المراد ~~في الآخرة . PageV07P083 # أما في الدنيا فمن وجوه أحدها : أن من كان لله كان الله له ، فإذا كان ~~الإنسان مع ms2036 فقره وحاجته يحسن إلى عبيد الله ، فالله تعالى لا يتركه ضائعا ~~في الدنيا ، وفي الحديث الذي رويناه فيما تقدم أن الملك ينادي كل يوم جائعا ~~( اللهم يسر لكل منفق خلفا ولممسك تلفا ) وثانيها : أنه يزداد كل يوم في ~~جاهه وذكره الجميل ، وميل القلوب إليه وسكون الناس إليه وذلك أفضل من المال ~~مع أضداد هذه الأحوال وثالثها : أن الفقراء يعينونه بالدعوات الصالحة ~~ورابعها : الأطماع تنقطع عنه فإنه متى اشتهر أنه متشمر لإصلاح مهمات ~~الفقراء والضعفاء ، فكل أحد يحترز عن منازعته ، وكل ظالم ، وكل طماع لا ~~يجوز أخذ شيء من ماله ، اللهم إلا نادرا ، فهذا هو المراد بأرباء الصدقات ~~في الدنيا . # وأما إرباؤها في الآخرة فقد روى أبو هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ، ~~ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة تصير ~~مثل أحد ) وتصديق ذلك بين في كتاب الله { ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } ( التوبة : 104 ) { يمحق الله الربواا ~~ويربى الصدقات } ( البقرة : 276 ) قال القفال رحمه الله تعالى : / ونظير ~~قوله { يمحق الله الربواا } المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب ~~فأصابه وابل فتركه صلدا ، ونظير قوله { ويربى الصدقات } المثل الذي ضربه ~~الله بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة . # أما قوله { والله لا يحب كل كفار أثيم } فاعلم أن الكفار فعال من الكفر ، ~~ومعناه من كان ذلك منه عادة ، والعرب تسمي المقيم على الشيء بهذا ، فتقول : ~~فلان فعال للخير أمار به ، والأثيم فعيل بمعنى فاعل ، وهو الآثم ، وهو أيضا ~~مبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام والتمادي فيه ، وذلك لا يليق إلا ~~بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحدا ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون الكفار راجعا ~~إلى المستحيل والأثيم يكون راجعا إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم ، فتكون ~~الآية جامعة للفريقين . # ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلواة وآتوا الزكواة ~~لهم أجرهم عند ms2037 ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 277 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > إعلم أن عادة الله في القرآن مطردة بأنه تعالى مهما ذكر وعيدا ذكر ~~بعده وعدا فلما بالغ ههنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد ، وقد مضى ~~تفسير هذه الآية في غير موضع ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج من قال بأن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان ~~بهذه الآية فإنه قال : { إن PageV07P084 الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ~~فعطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ومن الناس من ~~أجاب عنه أليس أنه قال في هذه الآية { وعملوا الصالحات وأقاموا الصلواة ~~وآتوا الزكواة } مع أنه لا نزاع في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان تحت ~~{ وعملوا الصالحات } فكذا فيما ذكرتم ، وأيضا قال تعالى : { الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله } ( محمد : 34 ) وقال : { الذين كفروا وكذبوا بئاياتنا ~~} ( البقرة : 239 ) ( المائدة : 5 / 10 ) . # وللمستدل الأول أن يجيب عنه بأن الأصل حمل كل لفظة على فائدة جديدة ترك ~~العمل به عند التعذر ، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل . # المسألة الثانية : { لهم أجرهم عند ربهم } أقوى من قوله : على ربهم أجرهم ~~لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد ، فذاك النقد هناك حاضر متى شاء ~~البائع أخذه ، وقوله : أجرهم على ربهم . يجري مجرى ما إذا باع بالنسيئة في ~~الذمة ، ولا شك أن الأول أفضل . # / المسألة الثالثة : اختلفوا في قوله { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ~~فقال ابن عباس : لا خوف عليهم فيما يستقبلهم من أحوال القيامة ، ولا هم ~~يحزنون بسبب ما تركوه في الدنيا ، فإن المنتقل من حالة إلى حالة أخرى فوقها ~~ربما يحزن على بعض ما فاته من الأحوال السالفة ، وإن كان مغتبطا بالثانية ~~لأجل إلفه وعادته ، فبين تعالى أن هذا القدر من الغصة لا يلحق أهل الثواب ~~والكرامة ، وقال الأصم : لا خوف عليهم من عذاب يومئذ ، ولا هم يحزنون بسبب ~~أنه فاتهم النعيم الزائد الذي قد حصل لغيرهم من السعداء ، لأنه لا منافسة ~~في الآخرة ، ولا هم يحزنون أيضا بسبب أنه ms2038 لم يصدر منا في الدنيا طاعة أزيد ~~مما صدر حتى صرنا مستحقين لثواب أزيد مما وجدناه وذلك لأن هذه الخواطر لا ~~توجد في الآخرة . # المسألة الرابعة : في قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~وأقاموا الصلواة وآتوا الزكواة لهم أجرهم عند ربهم } إشكال هو أن المرأة ~~إذا بلغت عارفة بالله وكما بلغت حاضت ، ثم عند انقطاع حيضها ماتت ، أو ~~الرجل بلغ عارفا بالله ، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات ، فهما ~~بالاتفاق من أهل الثواب ، فدل ذلك على أن استحقاق الأجر والثواب لا يتوقف ~~على حصول الأعمال ، وأيضا من مذهبنا أن الله تعالى قد يثيب المؤمن الفاسق ~~الخالي عن جميع الأعمال ، وإذا كان كذلك ، فكيف وقف الله هاهنا حصول الأجر ~~على حصول الأعمال ؟ . # الجواب : أنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق الثواب مشروط ~~بهذا ، بل لأجل أن لكل واحد منهما أثرا في جلب الثواب ، كما قال في ضد هذا ~~{ والذين لا يدعون مع الله إلاها ءاخر } ( الفرقان : 68 ) ثم قال : { ومن ~~يفعل ذالك يلق أثاما } ( الفرقان : 68 ) ومعلوم أن من ادعى مع الله إلاها ~~آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر / ولكن الله جمع الزنا وقتل ~~النفس على سبيل الاستحلال مع دعاء غير الله إلاها لبيان أن كل واحد من هذه ~~الخصال يوجب العقوبة . # ( 278 ) # PageV07P085 ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من ~~الربواا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن ~~تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون * وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون * واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 278 - 281 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : إعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن من ~~انتهى عن الربا فله ما سلف فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه ~~وبين ms2039 الباقي في ذمة القوم ، فقال تعالى في هذه الآية { وذروا ما بقى من ~~الربواا } وبين به أن ذلك إذا كان عليهم ولم يقبض ، فالزيادة تحرم ، وليس ~~لهم أن يأخذوا إلا رؤوس أموالهم ، وإنما شدد تعالى في ذلك ، لأن من انتظر ~~مدة طويلة في حلول الأجل ، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد ~~حصلت له ، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم ، فقال : { اتقوا الله } ~~واتقاؤه ما نهى عنه { وذروا ما بقى من الربواا } يعني إن كنتم قد قبضتم ~~شيئا فيعفو عنه ، وإن لم تقبضوه ، أو لم تقبضوا بعضه ، فذلك الذي لم تقبضوه ~~كلا كان ، أو بعضا فإنه محرم قبضه . # وإعلم أن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا ، وذلك لأن ما ~~مضى في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقص ، ولا يفسخ ، وما لا يوجد منه شيء في ~~حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام ، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا ~~يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب ، وإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته ~~المرأة فقد مضى ، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى هذا ~~مذهب الشافعي رضي الله عنه . # فإن قيل : كيف قال : { مستقيم ياأيها الذين ءامنوا اتقوا } ثم قال في ~~آخره { إن كنتم مؤمنين } . # الجواب : من وجوه الأول : أن هذا مثل ما يقال : إن كنت أخا فأكرمني ، ~~معناه : إن من كان أخا أكرم أخاه والثاني : قيل : معناه إن كنتم مؤمنين ~~قبله الثالث : إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان الرابع : يا أيها ~~الذين آمنوا بلسانهم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم . # المسألة الثانية : في سبب نزول الآية روايات : PageV07P086 # الرواية الأولى : أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما أسلموا عند فتح ~~مكة أمرهم الله / تعالى أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة . # والرواية الثانية : قال مقاتل : إن الآية نزلت في أربعة أخوة من ثقيف : ~~مسعود ، وعبد يا ليل ، وحبيب ، وربيعة ، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا ~~يداينون بني المغيرة ms2040 ، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم ~~الأخوة ، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . # والرواية الثالثة : نزلت في العباس ، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما ~~وكانا أسلفا في التمر ، فلما حضر الجداد قبضا بعضا ، وزاد في الباقي فنزلت ~~الآية ، وهذا قول عطاء وعكرمة . # الرواية الرابعة : نزلت في العباس وخالد بن الوليد ، وكانا يسلفان في ~~الربا ، وهو قول السدي . # المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله { إن كنتم مؤمنين } كالدلالة على أن ~~الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمنا بالإطلاق ~~إذا اجتنب كل الكبائر . # والجواب : لما دلت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله { الذين ~~يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت ~~هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه ، فكان التقدير : إن كنتم ~~عاملين بمقتضى شرائع الإيمان ، وهذا وإن كان تركا للظاهر لكنا ذهبنا إليه ~~لتلك الدلائل . # ثم قال تعالى : { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة { فأذنوا } مفتوحة الألف ممدودة مكسورة ~~الذال على مثال { فئامنوا } والباقون { فأذنوا } بسكون الهمزة مفتوحة الذال ~~مقصورة ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن علي رضي الله عنه أنهما ~~قرآ كذلك { فأذنوا } ممدودة ، أي فاعلموا من قوله تعالى : { فقل ءاذنتكم ~~على سواء } ( الأنبياء : 109 ) ومفعول الإيذان محذوف في هذه الآية ، ~~والتقدير : فاعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله ، وإذا أمروا ~~بإعلام غيرهم فهم أيضا قد علموا ذلك لكن ليس في علمهم دلالة على إعلام ~~غيرهم ، فهذه القراءة في البلاغة آكد ، وقال أحمد بن يحيى : قراءة العامة ~~من الاذن ، أي كونوا على علم وإذن ، وقرأ الحسن { * فأيقنوا } وهو دليل ~~لقراءة العامة . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن الخطاب بقوله { مؤمنين فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله } خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا ، أو هو ~~خطاب مع الكفار المستحلين للربا ، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا ، قال ~~القاضي : والاحتمال الأول أولى ms2041 ، لأن قوله { فأذنوا } خطاب مع قوم تقدم ~~ذكرهم ، وهم المخاطبون بقوله { يحزنون يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ~~ما بقى من الربواا } وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين . # فإن قيل : كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين ؟ # / قلنا : هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل ، كما جاء في ~~الخبر ( من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ) وعن جابر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ( من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله ) وقد ~~جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله } ( المائدة : 33 ) أصلا في قطع PageV07P087 الطريق من ~~المسلمين ، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب ~~الله وفي سنة رسوله . # إذا عرفت هذا فنقول : في الجواب عن السؤال المذكور وجهان الأول : المراد ~~المبالغة في التهديد دون نفس الحرب والثاني : المراد نفس الحرب وفيه تفصيل ~~، فنقول : الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر الإمام عليه قبض عليه ~~وأجرى فيه حكم الله من التعزيز والحبس إلى أن تظهر منه التوبة ، وإن وقع ~~ممن يكون له عسكر وشوكة ، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية وكما حارب ~~أبو بكر رضي الله عنه ما نعي الزكاة ، وكذا القوم لو اجتمعوا على ترك ~~الأذان ، وتترك دفن الموتى ، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه ، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : من عامل بالربا يستتاب فإن تاب وإلا ضرب عنقه . # والقول الثاني : في هذه الآية أن قوله { فإن لم تفعلوا فأذنوا } ( البقرة ~~: 279 ) خطاب للكفار ، وأن معنى الآية { وذروا ما بقى من الربواا إن كنتم ~~مؤمنين } ( البقرة : 278 ) معترفين بتحريم الربا { فإن لم تفعلوا } أي فإن ~~لم تكونوا معترفين بتحريمه { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ومن ذهب إلى هذا ~~القول قال : إن فيه دليلا على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام كان ~~كافرا ، كما لو كفر بجميع شرائعه . # ثم قال تعالى : { وإن تبتم } والمعنى على القول الأول تبتم من معاملة ~~الربا / وعلى ms2042 القول الثاني من استحلال الربا { فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ~~ولا تظلمون } أي لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال ، ولا تظلمون ~~أي بنقصان رأس المال . # ثم قال تعالى : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال النحويون { كان } كلمة تستعمل على وجوه أحدها : أن ~~تكون بمنزلة حدث ووقع ، وذلك في قوله : قد كان الأمر ، أي وجد ، وحينئذ لا ~~يحتاج إلى خبر والثاني : أن يخلع منه معنى الحدث ، فتبقى الكلمة مجردة ~~للزمان ، وحينئذ يحتاج إلى الخبر ، وذلك كقوله : كان زيد ذاهبا . # واعلم أني حين كنت مقيما بخوارزم ، وكان هناك جمع من أكابر الأدباء ، ~~أوردت عليهم إشكالا في هذا الباب فقلت : إنكم تقولون إن { كان } إذا كانت ~~ناقصة إنها تكون فعلا وهذا محال ، لأن الفعل ما دل على اقتران حدث بزمان ، ~~فقولك { كان } يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي ، وإذا أفاد هذا ~~المعنى كانت تامة لا ناقصة ، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلا كانت / ~~تامة لا ناقصة ، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلا ألبتة بل كانت حرفا ، وأنتم ~~تنكرون ذلك ، فبقوا في هذا الإشكال زمانا طويلا ، وصنفوا في الجواب عنه ~~كتبا ، وما أفلحوا فيه ثم انكشف لي فيه سر أذكره هاهنا وهو أن كان لا معنى ~~له إلا حدث ووقع ووجد ، إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين أحدها : أن يكون ~~المعنى : وجد وحدث الشيء كقولك : وجد الجوهر وحدث العرض والثاني : أن يكون ~~المعنى : وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء ، فإذا قلت : كان زيد عالما فمعناه ~~حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم ، والقسم الأول هو المسمى بكان ~~التامة والقسم الثاني هو المسمى بالناقصة ، وفي الحقيقة فالمفهوم من { كان ~~} في الموضعين هو الحدوث والوقوع ، إلا أن في القسم الأول المراد حدوث ~~الشيء في نفسه ، فلا جرم كان الاسم الواحد كافيا ، والمراد في القسم الثاني ~~حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر ، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافيا ، بل ~~لا بد فيه من ذكر الاسمين ms2043 PageV07P088 حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية ~~أحدهما بالآخر ، وهذا من لطائف الأبحاث ، فأما إن قلنا إنه فعل كان دالا ~~على وقوع المصدر في الزمان الماضي ، فحينئذ تكون تامة لا ناقصة ، وإن قلنا ~~: إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر ، وجميع خواص ~~الأفعال ، وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية ~~. # المفهوم الثالث : لكان يكون بمعنى صار ، وأنشدوا : # بتيهاء قفر والمطي كأنها # قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها # وعندي أن هذا اللفظ هاهنا محمول على ما ذكرناه ، فإن معنى صار أنه حدث ~~موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك ، فيكون هنا بمعنى ~~حدث ووقع ، إلا أنه حدوث مخصوص ، وهو أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد ~~أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى . # المفهوم الرابع : أن تكون زائدة وأنشدوا : # سراة بني أبي بكر تسامى # على كان المسومة الجياد # إذا عرفت هذه القاعدة فلنرجع إلى التفسير فنقول : في { كان } في هذه ~~الآية وجهان الأول : أنها بمعنى وقع وحدث ، والمعنى : وإن وجد ذو عسرة ، ~~ونظيره قوله { إلا أن تكون تجارة حاضرة } بالرفع على معنى : وإن وقعت تجارة ~~حاضرة ، ومقصود الآية إنما يصح على هذا اللفظ وذلك لأنه لو قيل : وإن كان ~~ذا عسرة لكان المعنى : وإن كان المشتري ذا عسرة فنظرة ، فتكون النظرة ~~مقصورة عليه ، وليس الأمر كذلك ، لأن المشتري وغيره إذا كان ذا عسرة فله ~~النظرة إلى الميسرة الثاني : أنها ناقصة على حذف الخبر ، تقديره وإن كان ذو ~~عسرة غريما لكم ، وقرأ عثمان { ذا * عسرة } والتقدير : إن كان الغريم ذا ~~عسرة ، وقريء { ومن كان * ذا * عسرة } . # / المسألة الثانية : العسرة اسم من الأعسار ، وهو تعذر الموجود من المال ~~؛ يقال : أعسر الرجل ، إذا صار إلى حالة العسرة ، وهي الحالة التي يتعسر ~~فيها وجود المال . # ثم قالل تعالى : { فنظرة إلى ميسرة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الآية حذف ، والتقدير : فالحكم أو فالأمر نظرة ، أو ~~فالذي تعاملونه نظرة . # المسألة الثانية : نظرة أي تأخير ، والنظرة الاسم ms2044 من الأنظار ، وهو ~~الإمهال ، تقول : بعته الشيء بنظرة وبانظار ، قال تعالى : { قال رب * ~~أنظرنى إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم } ( ~~الحجر : 36 / 37 / 38 ) . # المسألة الثالثة : قرىء { فنظرة } بسكون الظاء ، وقرأ عطاء { * فناظره } ~~أي فصاحب الحق أي منتظره ، أو صاحب نظرته ، على طريق النسب ، كقولهم : مكان ~~عاشب وباقل ، أي ذو عشب وذو بقل ، وعنه فناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة ~~إلى الميسرة . # المسألة الرابعة : الميسرة مفعلة من اليسر واليسار ، الذي هو ضد الأعسار ~~، وهو تيسر الموجود من المال ، ومنه يقال : أيسر الرجل فهو موسر ، أي صار ~~إلى اليسر ، فالميسرة واليسر والميسور الغنى . PageV07P089 # المسألة الخامسة : قرأ نافع { إلى ميسرة } بضم السين والباقون بفتحها ، ~~وهما لغتان مشهورتان كالمقبرة ، والمشرفة ، والمشربة ، والمسربة ، والفتح ~~أشهر اللغتين ، لأنه جاء في كلامهم كثيرا . # المسألة السادسة : اختلفوا في أن حكم الأنظار مختص بالربا أو عام في الكل ~~، فقال ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم : الآية في الربا ، وذكر عن ~~شريح أنه أمر بحبس أحد الخصمين فقيل : إنه معسر ، فقال شريح : إنما ذلك في ~~الربا ، والله تعالى قال في كتابه { إن الله يأمركم أن تؤدوا الاحمانات إلى ~~أهلها } ( النساء : 58 ) وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل ~~قوله تعالى : { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } قالت الاخوة الأربعة الذين ~~كانوا يعاملون بالربا : بل نتوب إلى الله فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ~~ورسوله ، فرضوا برأس المال وطلبوا بني المغيرة بذلك ، فشكا بنو المغيرة ~~العسرة ، وقالوا : أخرونا إلى أن تدرك الغلات ، فأبوا أن يؤخروهم ، فأنزل ~~الله تعالى : { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } . # القول الثاني : وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين : إنها عامة في كل دين ~~، واحتجوا بما ذكرنا من أنه تعالى قال : { وإن كان ذو عسرة } ولم يقل : وإن ~~كان ذا عسرة ، ليكون الحكم عاما في كل المفسرين ، قال القاضي : والقول ~~الأول أرجح ، لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة { فإن لم تفعلوا فأذنوا ~~بحرب } من غير بخس ولا نقص ، ثم ms2045 قال في هذه الآية : وإن كان من عليه المال ~~معسرا / وجب إنظاره إلى وقت القدرة ، لأن النظرة يراد بها التأخر ، فلا بد ~~من حق تقدم ذكره حتى يلزم التأخر ، بل لما ثبت وجوب الإنظار في هذه بحكم ~~النص ، ثبت وجوبه في سائر الصور ضرورة الاشتراك في المعنى ، وهو أن العاجز ~~عن أداء المال لا يجوز تكليفه به ، وهذا قول أكثر الفقهاء كأبي حنيفة ومالك ~~والشافعي رضي الله عنهم . # المسألة السابعة : إعلم أنه لا بد من تفسير الإعسار ، فنقول : الإعسار هو ~~أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه ، ولا يكون له ما لو باعه لأمكنه أداء ~~الدين من ثمنه ، فلهذا قلنا : من وحد دارا وثيابا لا يعد في ذوي العسرة ، ~~إذا ما أمكنه بيعها وأداء ثمنها / ولا يجوز أن يحبس إلا قوت يوم لنفسه ~~وعياله ، وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع البرد والحر عنهم ، واختلفوا ~~إذا كان قويا هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من صاحب الدين أو غيره ، فقال بعضهم : ~~يلزمه ذلك ، كما يلزمه إذا احتاج لنفسه ولعياله ، وقال بعضهم : لا يلزمه ~~ذلك ، واختلفوا أيضا إذا كان معسرا ، وقد بذل غيره ما يؤديه ، هل يلزمه ~~القبول والأداء أو لا يلزمه ذلك ، فأما من له بضاعة كسدت عليه ، فواجب عليه ~~أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلا ذلك ، ويؤديه في الدين . # المسألة الثامنة : إذا علم الإنسان أن غريمه معسر جرم عليه حبسه ، وأن ~~يطالبه بما له عليه ، فوجب الإنظار إلى وقت اليسار ، فأما إن كانت له ريبة ~~في إعساره فيجوز له أن يحبسه إلى وقت ظهور الإعسار ، واعلم أنه إذا ادعى ~~الإعسار وكذبه للغريم ، فهذا الدين الذي لزمه إما أن يكون عن عوض حصل له ~~كالبيع والقرض ، أو لا يكون كذلك ، وفي القسم الأول لا بد من إقامة شاهدين ~~عدلين على أن ذلك العوض قد هلك ، وفي القسم الثاني وهو أن يثبت الدين عليه ~~لا بعوض ، مثل إتلاف أو صداق أو ضمان ، كان القول قوله وعلى الغرماء البينة ~~لأن ms2046 الأصل هو الفقر . # ثم قال تعالى : { وأن تصدقوا خير لكم } وفيه مسائل : PageV07P090 # المسألة الأولى : قرأ عاصم { تصدقوا } بتخفيف الصاد والباقون بتشديدها ، ~~والأصل فيه : أن تتصدقوا بتاءين ، فمن خفف حذف إحدى التاءين تخفيفا ، ومن ~~شدد أدغم إحدى التاءين في الأخرى . # المسألة الثانية : في التصدق قولان الأول : معناه : وأن تصدقوا على ~~المعسر بما عليه من الدين إذ لا يصح التصدق به على غيره ، وإنما جاز هذا ~~الحذف للعلم به ، لأنه قد جرى ذكر المعسر وذكر رأس المال فعلم أن التصدق ~~راجع إليهما ، وهو كقوله { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ( البقرة : 237 ) ~~والثاني : أن المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام ( لا يحل دين رجل ~~مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة ) وهذا القول ضعيف ، لأن الإنظار ثبت ~~وجوبه بالآية الأولى ، فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة جديدة ، ولأن ~~قوله { خير لكم } لا يليق بالواجب بل بالمندوب . # / المسألة الثالثة : المراد بالخير حصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب ~~الجزيل في الآخرة . # ثم قال : { إن كنتم تعلمون } وفيه وجوه الأول : معناه إن كنتم تعلمون أن ~~هذا التصدق خير لكم إن عملتموه ، فجعل العمل من لوازم العلم ، وفيه تهديد ~~شديد على العصاة والثاني : إن كنتم تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض ~~والثالث : إن كنتم تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم . # ثم قال تعالى : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون } إعلم أن هذه الآية في العظماء الذين كانوا يعاملون ~~بالربا وكانوا أصحاب ثروة وجلال وأنصار وأعوان وكان قد يجري منهم التغلب ~~على الناس بسبب ثروتهم ، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد وتهديد ، حتى يمتنعوا ~~عن الربا ، وعن أخذ أموال الناس بالباطل ، فلا جرم توعدهم الله بهذه الآية ~~، وخوفهم على أعظم الوجوه ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : هذه الآية آخر أية نزلت على الرسول عليه ~~الصلاة والسلام ، وذلك لأنه عليه السلام لما حج نزلت { يستفتونك } ( النساء ~~: 127 ) وهي آية الكلالة ، ثم نزل وهو واقف بعرفة ms2047 { اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتى } ( المائدة : 3 ) ثم نزل { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله } ( البقرة : 281 ) فقال جبريل عليه السلام : يا محمد ضعها على رأس ~~ثمانين آية ومائتي آية من البقرة ، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعدها أحدا وثمانين يوما / وقيل : أحدا وعشرين وقيل : سبعة أيام ، وقيل : ~~ثلاث ساعات . # المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو { ترجعون } بفتح التاء والباقون بضم ~~التاء ، واعلم أن الرجوع لازم ، والرجع متعد ، وعليه تخرج القراءتان . # المسألة الثالثة : انتصب { يوما } على المفعول به ، لا على الظرف ، لأنه ~~ليس المعنى : واتقوا في هذا اليوم ، لكن المعنى تأهبوا للقائه بما تقدمون ~~من العمل الصالح ، ومثله قوله { فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان ~~شيبا } ( المزمل : 17 ) أي كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه مع الكفر ~~بالله . # المسألة الرابعة : قال القاضي : اليوم عبارة عن زمان مخصوص ، وذلك لا ~~يتقي ، وإنما يتقي ما يحدث فيه من الشدة والأهوال واتقاء تلك الأهوال لا ~~يمكن إلا في دار الدنيا بمجانبة المعاصي الواجبات ، فصار قوله { واتقوا ~~يوما } يتضمن الأمر بجميع أقسام التكاليف . PageV07P091 # المسألة الخامسة : الرجوع إلى الله تعالى ليس ، المراد منه ما يتعلق ~~بالمكان والجهة فإن ذلك محال على الله تعالى ، وليس المراد منه الرجوع إلى ~~علمه وحفظه ، فإنه معهم أينما كانوا لكن كل ما في القرآن من قوله { ترجعون ~~* إلى الله } له معنيان الأول : أن الإنسان له أحوال ثلاثة على الترتيب . # فالحالة الأولى : كونهم في بطون أمهاتهم ، ثم لا يملكون نفعهم ولا ضرهم ، ~~بل المتصرف فيهم / ليس إلا الله سبحانه وتعالى . # والحالة الثانية : كونهم بعد البروز عن بطون أمهاتهم ، وهناك يكون ~~المتكفل بإصلاح أحوالهم في أول الأمر الأبوين ، ثم بعد ذلك يتصرف بعضهم في ~~البعض في حكم الظاهر . # والحالة الثالثة : بعد الموت وهناك لا يكون المتصرف فيهم ظاهرا في ~~الحقيقة إلا الله سبحانه ، فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي ~~كان عليها قبل الدخول في الدنيا ، فهذا هو معنى الرجوع إلى الله والثاني : ~~أن يكون ms2048 المراد يرجعون إلى ما أعد الله لهم من ثواب أو عقاب ، وكلا ~~التأويلين حسن مطابق للفظ . # ثم قال : { ثم توفى كل نفس ما كسبت } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المراد أن كل مكلف فهو عند الرجوع إلى الله لا بد وأن ~~يصل إليه جزاء عمله بالتمام ، كما قال : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 ، 8 ) وقال : { إنها إن تك ~~مثقال حبة من خردل فتكن فى صخرة أو فى * السماوات * أو فى الارض يأت بها ~~الله } وقال : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن ~~كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا } ( الأنبياء : 47 ) وفي تأويل ~~قوله { ما كسبت } وجهان الأول : أن فيه حذفا والتقدير جزاء ما كسبت والثاني ~~: أن المكتسب هو ذلك الجزاء ، لأن ما يحصله الرجل بتجارته من المال فإنه ~~يوصف في اللغة بأنه مكتسبه ، فقوله { توفى كل نفس ما كسبت } أي توفى كل نفس ~~مكتسبها ، وهذا التأويل أولى ، لأنه مهما أمكن تفسير الكلام بحيث لا يحتاج ~~فيه إلى الإضمار كان أولى . # المسألة الثانية : الوعيدية يتمسكون بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق ، ~~وأصحابنا يتمسكون بها في القطع بعدم الخلود ، لأنه لما آمن فلا بد وأن يصل ~~ثواب الإيمان إليه ، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخرج من النار ويدخل الجنة . # ثم قال : { وهم لا يظلمون } وفيه سؤال وهو أن قوله { توفى كل نفس ما كسبت ~~} لا معنى له إلا أنهم لا يظلمون ، فكان ذلك تكريرا . # وجوابه : أنه تعالى لما قال : { توفى كل نفس ما كسبت } كان ذلك دليلا على ~~إيصال العذاب إلى الفساق والكفار ، فكان لقائل أن يقول : كيف يليق بكرم ~~أكرم الأكرمين أن يعذب عبيده فأجاب عنه بقوله { وهم لا يظلمون } والمعنى أن ~~العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله تعالى مكنه وأزاح عذره ، ~~وسهل عليه طريق الاستدلال ، وأمهله فمن قصر فهو الذي أساء إلى نفسه ، وهذا ~~الجواب إنما يستقيم على أصول المعتزلة ، وأما على ms2049 أصول أصحابنا فهو أنه ~~سبحانه مالك الخلق ، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلما ، ~~فكان قوله { وهم لا يظلمون } بعد ذكر الوعيد إشارة إلى ما ذكرناه . ~~PageV07P092 # / الحكم الثالث : من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه ~~السورة آية المداينة . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ~~وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ~~وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذى عليه ~~الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء ~~أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الا خرى ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ولا ~~تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذالكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن ~~تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم } . > 7 ~~! # / < < # | البقرة : ( 282 ) يا أيها الذين . . . . . # > > إعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أن في كيفية النظم وجهين الأول : أن الله سبحانه لما ~~ذكر قبل هذا الحكم نوعين من الحكم أحدهما : الإنفاق في سبيل الله وهو يوجب ~~تنقيص المال والثاني : ترك الربا ، وهو أيضا سبب لتنقيص المال ، ثم إنه ~~تعالى ختم ذينك الحكمين بالتهديد العظيم ، فقال : { واتقوا يوما ترجعون فيه ~~إلى الله } والتقوى تسد على الإنسان أكثر أبواب المكاسب والمنافع أتبع ذلك ~~بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والبوار فإن القدرة ~~على الإنفاق في سبيل الله ، وعلى ترك الربا ، وعلى ملازمة التقوى لا يتم ~~PageV07P093 ولا يكمل إلا عند حصول المال ، ثم إنه تعال لأجل هذه الدقيقة ~~بالغ في الوصية بحفظ المال الحلال عن وجوه التوي والتلف ، وقد ورد نظيره في ~~سورة النساء ms2050 { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما } ( ~~النساء : 5 ) فحث على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببا لمصالح المعاش ~~والمعاد ، قال القفال رحمه الله تعالى : والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن ~~جارية في الأكثر على الاختصار ، وفي هذه الآية بسط شديد ، ألا ترى أنه قال ~~: { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } ثم قال ثانيا : { وليكتب ~~بينكم كاتب بالعدل } ثم قال ثالثا : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~} فكان هذا كالتكرار لقوله { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } لأن العدل هو ما ~~علمه الله ، ثم قال رابعا : { فليكتب } وهذا إعادة الأمر الأول ، ثم قال ~~خامسا : { وليملل الذى عليه الحق } وفي قوله { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } ~~كفاية عن قوله { فليملل الذى عليه الحق } لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما ~~يملى عليه ، ثم قال سادسا : { وليتق الله ربه } وهذا تأكيد ، ثم قال سابعا ~~: { ولا يبخس منه شيئا } فهذا كالمستفاد من قوله { وليتق الله ربه } ثم قال ~~ثامنا : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب } وهو أيضا تأكيد لما ~~مضى / ثم قال تاسعا : { ذالكم أقسط عند الله وأقوم * الشهادة * وأدنى * أن ~~لا * ترتابوا } فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة ، وكل ذلك ~~يدل على أنه لما حث على ما يجري مجرى سبب تنقيص المال في الحكمين الأولين ~~بالغ في هذا الحكم في الوصية بحفظ المال الحلال ، وصونه / عن الهلاك ~~والبوار ليتمكن الإنسان بواسطته من الانفاق في سبيل الله ، والإعراض عن ~~مساخط الله من الربا وغيره ، والمواظبة على تقوى الله فهذا هو الوجه الأول ~~من وجوه النظم ، وهو حسن لطيف . # والوجه الثاني : أن قوما من المفسرين قالوا : المراد بالمداينة السلم ، ~~فالله سبحانه وتعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع ~~هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم ، ولهذا ~~قال بعض العلماء : لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضعه ~~الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثل ذلك اللذة طريقا حلالا ms2051 وسبيلا مشروعا فهذا ~~ما يتعلق بوجه النظم . # المسألة الثانية : التداين تفاعل من الدين ، ومعناه داين بعضكم بعضا ، ~~وتداينتم تبايعتم بدين ، قال أهل اللغة : القرض غير الدين ، لأن القرض أن ~~يقرض الإنسان دراهم ، أو دنانير ، أو حبا ، أو تمرا ، أو ما أشبه ذلك ، ولا ~~يجوز فيه الأجل والدين يجوز فيه الأجل ، ويقال من الدين أدان إذا باع سلعته ~~بثمن إلى أجل ، ودان يدين إذا أقرض ، ودان إذا استقرض وأنشد الأحمر : # % ندين ويقضي الله عنا وقد نرى % % مصارع قوم لا يدينون ضيقا % # إذا عرفت هذا فنقول : في المراد بهذه المداينة أقوال : قال ابن عباس : ~~أنها نزلت في السلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون ~~في التمر السنتين والثلاث ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( من أسلف فليسلف في ~~كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ) ثم أن الله تعالى عرف المكلفين وجه ~~الاحتياط في الكيل والوزن والأجل ، فقال : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه } . # والقول الثاني : أنه القرض وهو ضعيف لما بينا أن القرض لا يمكن أن يشترط ~~فيه الأجل والدين المذكور في الآية قد اشترط فيه الأجل . # والقول الثالث : وهو قول أكثر المفسرين : أن البياعات على أربعة أوجه ~~أحدها : بيع العين بالعين ، PageV07P094 وذلك ليس بمداينة ألبتة والثاني : ~~بيع الدين بالدين وهو باطل ، فلا يكون داخلا تحت هذه الآية ، بقي هنا قسمان ~~: بيع العين بالدين ، وهو ما إذا باع شيئا بثمن مؤجل وبيع الدين بالعين وهو ~~المسمى بالسلم ، وكلاهما داخلان تحت هذه الآية ، وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : المداينة مفاعلة ، وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين ~~، وذلك هو بيع الدين بالدين وهو باطل بالاتفاق . # والجواب : أن المراد من تداينتم تعاملتم ، والتقدير : إذا تعاملتم بما ~~فيه دين . # السؤال الثاني : قوله { تداينتم } يدل على الدين فما الفائدة بقوله { ~~بدين } . # الجواب من وجوه الأول : قال ابن الأنباري : التداين يكون لمعنيين أحدهما ~~: التداين / بالمال ، والآخر التداين بمعنى المجازاة ، من قولهم : كما تدين ~~تدان ، والدين الجزاء ، فذكر الله تعالى الدين لتخصيص ms2052 أحد المعنيين الثاني ~~: قال صاحب ( الكشاف ) : إنما ذكر الدين ليرجع الضمير إليه في قوله { ~~فاكتبوه } إذ لو لم يذكر ذلك لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين ، فلم يكن النظم ~~بذلك الحسن الثالث : أنه تعالى ذكره للتأكيد ، كقوله تعالى : { فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون } ( الحجر : 30 ) ( ص: 73 ) { ولا طائر يطير بجناحيه ~~} ( الأنعام : 38 ) الرابع : فإذا تداينتم أي دين كان صغيرا أو كبيرا ، على ~~أي وجه كان ، من قرض أو سلم أو بيع عين إلى أجل الخامس : ما خطر ببالي أنا ~~ذكرنا أن المداينة مفاعلة ، وذكل إنما يتناول بيع الدين بالدين وهو باطل ، ~~فلو قال : إذا تداينتم لبقي النص مقصورا على بيع الدين بالدين وهو باطل ، ~~أما لما قال : { إذا تداينتم بدين } كان المعنى : إذا تداينتم تداينا يحصل ~~فيه دين واحد ، وحينئذ يخرج عن النص بيع الدين بالدين ، ويبقى بيع العين ~~بالدين ، أو بيع الدين بالعين فإن الحاصل في كل واحد منهما دين واحد لا غير ~~. # السؤال الثالث : المراد من الآية : كلما تداينتم بدين فاكتبوه ، وكلمة { ~~إذا } لا تفيد العموم فلم قال : { تداينتم } ولم يقل كلما تداينتم . # الجواب : أن كلمة { إذا } وإن كانت لا تقتضي العموم ، إلا أنها لا تمنع ~~من العموم وهاهنا قام الدليل على أن المراد هو العموم ، لأنه تعالى بين ~~العلة في الأمر بالكتبة في آخر الآية ، وهو قوله { ذالكم أقسط عند الله ~~وأقوم للشهادة وأدنى * أن لا * ترتابوا } والمعنى إذا وقعت المعاملة بالدين ~~ولم يكتب ، فالظاهر أنه تنسى الكيفية ، فربما توهم الزيادة ، فطلب الزيادة ~~وهو ظلم ، وربما توهم النقصان فترك حقه من غير حمد ولا أجر ، فأما إذا كتب ~~كيفية الواقعة أمن من هذه المحذورات فلما دل النص على أن هذا هو العلة ، ثم ~~إن هذه العلة قائمة في الكل ، كان الحكم أيضا حاصلا في الكل . # أما قوله تعالى : { إلى أجل مسمى } ففيه سؤالان : # السؤال الأول : ما الأجل ؟ . # الجواب : الأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الإنسان ~~هو الوقت لانقضاء عمره ، وأجل الدين لوقت معين في المستقبل ms2053 ، وأصله من ~~التأخير ، يقال : أجل الشيء يأجل أجولا إذا تأخر ، والآجل نقيض العاجل . ~~PageV07P095 # السؤال الثاني : المداينة لا تكون إلا مؤجلة فما الفائدة في ذكر الأجل ~~بعد ذكر المداينة ؟ . # الجواب : إنما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله { مسمى } والفائدة في قوله ~~{ مسمى } ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما ، كالتوقيت بالسنة والشهر ~~والأيام ، ولو قال : إلى الحصاد ، أو إلى الدياس ، أو إلى قدوم الحاج ، لم ~~يجز لعدم التسمية . # / أما قوله تعالى : { فاكتبوه } فاعلم أنه تعالى أمر في المداينة بأمرين ~~أحدهما : الكتبة وهي قوله هاهنا { فاكتبوه } الثاني : الإشهاد وهو قوله { ~~فاستشهدوا * شهيدين من رجالكم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : فائدة الكتبة والإشهاد أن ما يدخل فيه الأجل ، تتأخر ~~فيه المطالبة ويتخلله النسيان ، ويدخل فيه الجحد ، فصارت الكتابة كالسبب ~~لحفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه قد قيد بالكتابة ~~والإشهاد يحذر من طلب الزيادة ، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل ، ومن ~~عليه الدين إذا عرف ذلك يحذر عن الجحود ، ويأخذ قبل حلول الأجل في تحصيل ~~المال ، ليتمكن من أدائه وقت حلول الدين ، فلما حصل في الكتابة والإشهاد ~~هذه الفوائد لا جرم أمر الله به والله أعلم . # المسألة الثانية : القائلون بأن ظاهر الأمر للندب لا إشكال عليهم في هذه ~~، وأما القائلون بأن ظاهره للوجوب فقد اختلفوا فيه ، فقال قوم بالوجوب وهو ~~مذهب عطاء ، وابن جريج والنخعي واختيار محمد بن جرير الطبري ، وقال النخعي ~~يشهد ولو على دستجة بقل ، وقال آخرون : هذا الأمر محمول على الندب ، وعلى ~~هذا جمهور الفقهاء المجتهدين ، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في ~~جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد ، وذلك ~~إجماع على عدم وجوبهما ، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين / ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ) وقال ~~قوم : بل كانت واجبة ، إلا أن ذلك صار منسوخا بقوله { فإن أمن بعضكم بعضا ~~فليؤد الذى اؤتمن أمانته } ( البقرة : 283 ) وهذا مذهب الحسن والشعبي ~~والحكم وابن عيينة ، وقال التيمي ms2054 : سألت الحسن عنها فقال : إن شاء أشهد وإن ~~شاء لم يشهد ، ألا تسمع قوله تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضا } واعلم أنه ~~تعالى لما أمر بكتب هذه المداينة اعتبر في تلك الكتبة شرطين : # الشرط الأول : أن يكون الكاتب عدلا وهو قوله { وليكتب بينكم كاتب بالعدل ~~} واعلم أن قوله تعالى : { فاكتبوه } ظاهره يقتضي أنه يجب على كل أحد أن ~~يكتب ، لكن ذلك غير ممكن ، فقد لا يكون ذلك الإنسان كاتبا ، فصار معنى قوله ~~{ فاكتبوه } أي لا بد من حصول هذه الكتبة ، وهو كقوله تعالى : { والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء } ( المائدة : 38 ) فإن ظاهره وإن كان يقتضي ~~خطاب الكل بهذا الفعل ، إلا أنا علمنا أن المقصود منه أنه لا بد من حصول ~~قطع اليد من إنسان واحد ، إما الإمام أو نائبه أو المولى ، فكذا هاهنا ثم ~~تأكد هذا الذي قلناه بقوله تعالى : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } فإن هذا ~~يدل على أن المقصود حصول هذه الكتبة من أي شخص كان . # أما قوله { بالعدل } ففيه وجوه الأول : أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ~~ولا ينقص منه ، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه الثاني : ~~إذا كان فقيها وجب أن يكتب بحيث لا يخص PageV07P096 أحدهما بالاحتياط دون ~~الآخر ، بل لا بد وأن يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين / آمنا من تمكن ~~الآخر من إبطال حقه الثالث : قال بعض الفقهاء : العدل أن يكون ما يكتبه ~~متفقا عليه بين أهل العلم ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلا ~~إلى إبطاله على مذهب بعض المجتهدين الرابع : أن يحترز عن الألفاظ المجملة ~~التي يقع النزاع في المراد بها ، وهذه الأمور التي ذكرناها لا يمكن رعايتها ~~إلا إذا كان الكاتب فقيها عارفا بمذاهب المجتهدين ، وأن يكون أديبا مميزا ~~بين الألفاظ المتشابهة ، ثم قال : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ظاهر هذا الكلام نهى لكل من كان كاتبا عن الامتناع عن ~~الكتبة ، وإيجاب الكتبة على كل من كان كاتبا ms2055 ، وفيه وجوه الأول : أن هذا ~~على سبيل الارشاد إلى الأولى لا على سبيل الإيجاب ، والمعنى أن الله تعالى ~~لما علمه الكتبة ، وشرفه بمعرفة الأحكام الشرعية ، فالأولى أن يكتب تحصيلا ~~لمهم أخيه المسلم شكرا لتلك النعمة ، وهو كقوله تعالى : { وأحسن كما أحسن ~~الله إليك } ( القصص : 77 ) فإنه ينتفع الناس بكتابته كما نفعه الله ~~بتعليمها . # والقول الثاني : وهو قول الشعبي : أنه فرض كفاية ، فإن لم يجد أحدا يكتب ~~إلا ذلك الواحد وجب الكتبة عليه ، فإن وجد أقواما كان الواجب على واحد منهم ~~أن يكتب . # والقول الثالث : أن هذا كان واجبا على الكاتب ، ثم نسخ بقوله تعالى : { ~~ولا يضار كاتب ولا شهيد } . # والقول الرابع : أن متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله ، يعني أن ~~بتقدير أن يكتب فالواجب أن يكتب على ما علمه الله ، وأن لا يخل بشرط من ~~الشرائط ، ولا يدرج فيه قيدا يخل بمقصود الإنسان ، وذلك لأنه لو كتبه من ~~غير مراعاة هذه الشروط اختل مقصود الإنسان ، وضاع ماله ، فكأنه قيل له : إن ~~كنت تكتب فاكتبه عن العدل ، واعتبار كل الشرائط التي اعتبرها الله تعالى . # المسألة الثانية : قوله { كما علمه الله } فيه احتمالان الأول : أن يكون ~~متعلقا بما قبله / ولا يأب كاتب عن الكتابة التي علمه الله إياها ، ولا ~~ينبغي أن يكتب غير الكتابة التي علمه الله إياها ثم قال بعد ذلك : فليكتب ~~تلك الكتابة التي علمه الله إياها . # والاحتمال الثاني : أن يكون متعلقا بما بعده ، والتقدير : ولا يأب كاتب ~~أن يكتب ، وهاهنا تم الكلام ، ثم قال بعده { كما علمه الله فليكتب } فيكون ~~الأول أمرا بالكتابة مطلقا ثم أردفه بالأمر بالكتابة التي علمه الله إياها ~~، والوجهان ذكرهما الزجاج . # الشرط الثاني في الكتابة : قوله تعالى : { وليملل الذى عليه الحق } وفيه ~~مسألتان ؛ # المسألة الأولى : أن الكتابة وإن وجب أن يختار لها العالم بكيفية كتب ~~الشروط والسجلات لكن ذلك لا يتم إلا بإملاء من عليه الحق فليدخل في جملة ~~إملائه اعترافه بما عليه من الحق في قدره / وجنسه وصفته وأجله إلى غير ذلك ms2056 ~~، فلأجل ذلك قال تعالى : { وليملل الذى عليه الحق } . # المسألة الثانية : الأملال والإملاء لغتان ، قال الفراء : أمللت عليه ~~الكتاب لغة أهل الحجاز وبني أسد ، PageV07P097 وأمليت لغة تميم وقيس ، ونزل ~~القرآن باللغتين قال تعالى في اللغة الثانية { فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } ~~( الفرقان : 5 ) . # ثم قال : { وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا } وهذا أمر لهذا المملى ~~الذي عليه الحق بأن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص منه شيئا . # ثم قال تعالى : { وإن كان * الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع ~~أن يمل هو فليملل وليه بالعدل } والمعنى أن من عليه الدين إذا لم يكن ~~إقراره معتبرا فالمعتبر هو إقرار وليه . # ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : إدخال حرف { أو } بين هذه الألفاظ الثلاثة ، أعني ~~السفيه ، والضعيف ، ومن لا يستطيع أن يمل يقتضي كونها أمورا متغايرة ، لأن ~~معناه أن الذي عليه الحق إذا كان موصوفا بإحدى هذه الصفات الثلاث فليملل ~~وليه بالعدل ، فيجب في الثلاثة أن تكون متغايرة ، وإذا ثبت هذا وجب حمل ~~السفيه على الضعيف الرأي ناقص العقل من البالغين ، والضعيف على الصغير ~~والمجنون والشيخ الخرف ، وهم الذين فقدوا العقل بالكلية ، والذي لا يستطيع ~~لأن يمل من يضعف لسانه عن الإملاء لخرس ، أو جهله بماله وما عليه ، فكل ~~هؤلاء لا يصح منهم الإملاء والإقرار ، فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم ، ~~فقال تعالى : { فليملل وليه بالعدل } والمراد ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة ~~، لأن ولي المحجور السفيه ، وولي الصبي : هو الذي يقر عليه بالدين ، كما ~~يقرب بسائر أموره ، وهذا هو القول الصحيح ، وقال ابن عباس ومقاتل والربيع : ~~المراد بوليه ولي الدين يعني أن الذي له الدين يملي وهذا بعيد ، لأنه كيف ~~يقبل قول المدعي ، وإن كان قوله معتبرا ، فأي حاجة بنا إلى الكتابة ~~والإشهاد . # النوع الثاني : من الأمور التي اعتبرها الله تعالى في المداينة الإشهاد ، ~~وهو قوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } واعلم أن المقصود من ~~الكتابة هو الاستشهاد لكي يتمكن بالشهود عند الجحود من التوصل إلى تحصيل ms2057 ~~الحق ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : { * استشهدوا } أي أشهدوا يقال : أشهدت الرجل واستشهدته ~~، بمعنى : والشهيدان هما الشاهدان ، فعيل بمعنى فاعل . # المسألة الثانية : الإضافة في قوله { شهيدين من رجالكم } فيه وجوه الأول ~~: يعني من أهل ملتكم وهم المسلمون والثاني : قال بعضهم : يعني الأحرار ~~والثالث : { من رجالكم } الذين تعتدونهم للشهادة بسبب العدالة . # / المسألة الثالثة : شرائط الشهادة كثيرة مذكورة في كتب الفقه / ونذكر ~~هاهنا مسألة واحدة وهي أن عند شريح وابن سيرين وأحمد تجوز شهادة العبد ، ~~وعند الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما لا تجوز ، حجة شريح أن قوله تعالى ~~: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } عام يتناول العبيد وغيرهم ، والمعنى ~~المستفاد من النص أيضا دال عليه ، وذلك لأن عقل الإنسان ودينه وعدالته ~~تمنعه من الكذب ، فإذا شهد عند اجتماع هذه الشرائط تأكد به قول المدعي ، ~~فصار ذلك سببا في إحياء حقه ، والعقل والدين والعدالة لا تختلف بسبب ~~PageV07P098 الحرية والرق ، فوجب أن تكون شهادة العبيد مقبولة ، حجة ~~الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما قوله تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما ~~دعوا } فهذا يقتضي أنه يجب على كل من كان شاهدا الذهاب إلى موضع أداء ~~الشهادة ، ويحرم عليه عدم الذهاب إلى أداء الشهادة ، فلما دلت الآية على أن ~~كل من كان شاهدا وجب عليه الذهاب والإجماع دل على أن العبد لا يجب عليه ~~الذهاب ، فوجب أن لا يكون العبد شاهدا ، وهذا الاستدلال حسن . # وأما قوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } فقد بينا أن منهم من ~~قال : واستشهدوا شهيدين من رجالكم الذين تعتدونهم لأداء الشهادة ، وعلى هذا ~~التقدير فلم قلتم أن العبيد كذلك . # ثم قال تعالى : { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } وفي ارتفاع رجل ~~وامرأتان أربعة أوجه الأول : فليكن رجل وامرأتان والثاني : فليشهد رجل ~~وامرأتان والثالث : فالشاهد رجل وامرأتان والرابع : فرجل وامرأتان يشهدون ~~كل هذه التقديرات جائز حسن ، ذكرها علي بن عيسى رحمه الله . # ثم قال : { ممن ترضون من الشهداء } وهو كقوله تعالى في الطلاق { وأشهدوا ~~ذوى عدل منكم } ( الطلاق : 2 ) واعلم أن هذه الآية تدل ms2058 على أنه ليس كل أحد ~~صالحا للشهادة والفقهاء قالوا : شرائط قبول الشهادة عشرة أن يكون حرا بالغا ~~مسلما عدلا عالما بما شهد به ولم يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع ~~بها مضرة عن نفسه ، ولا يكون معروفا بكثرة الغلط ، ولا بترك المروأة ، ولا ~~يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة . # ثم قال : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى } والمعنى أن النسيان ~~غالب طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على ~~النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان ~~مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود ~~من الآية ثم فيها مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة { أن تضل } بكسر إن { فتذكر } بالرفع والتشديد ~~، ومعناه : الجزاء موضع { تضل } جزم إلا أنه لا يتبين في التضعيف { فتذكر } ~~رفع لأن ما بعد الجزاء مبتدأ / وأما سائر القراء فقرؤا بنصب { ءان } وفيه ~~وجهان أحدهما : التقدير : لأن تضل ، فحذف منه الخافض والثاني : على أنه ~~مفعول له ، أي إرادة أن تضل . # فإن قيل : كيف يصح هذا الكلام والإشهاد للاذكار لا الإضلال . # قلنا : هاهنا غرضان أحدهما : حصول الإشهاد ، وذلك لا يأتي إلا بتذكير ~~إحدى المرأتين الثانية والثاني : بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن ~~إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية ، وذلك لا يأتي إلا ~~في ضلال إحدى المرأتين ، فإذا كان كل واحد من هذين الأمرين أعني الإشهاد ، ~~وبيان فضل الرجل على المرأة مقصودا ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بضلال إحداهما ~~وتذكر الأخرى ، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين ، هذا ما خطر ببالي من ~~الجواب عن هذا السؤال وقت كتبه هذا الموضع وللنحويين أجوبة أخرى ما ~~استحسنتها والكتب مشتملة عليها ، والله أعلم . PageV07P099 # المسألة الثانية : الضلال في قوله { أن تضل إحداهما } فيه وجهان أحدهما : ~~أنه بمعنى النسيان ، قال تعالى : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ذهب عنهم ~~الثاني : أن يكون ذلك من ضل في الطريق إذا لم يهتد له ، والوجهان متقاربان ~~، وقال أبو ms2059 عمرو : أصل الضلال في اللغة الغيبوبة . # المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي { فتذكر } بالتشديد ~~والنصب ، وقرأ حمزة بالتشديد والرفع ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف ~~والنصب ، وهما لغتان ذكر وأذكر نحو نزل وأنزل ، والتشديد أكثر استعمالا ، ~~قال تعالى : { فذكر إنما أنت مذكر } ( الغاشية : 21 ) ومن قرأ بالتخفيف فقد ~~جعل الفعل متعديا بهمزة الأفعال ، وعامة المفسرين على أن هذا التذكير ~~والإذكار من النسيان إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله { ~~فتذكر إحداهما الاخرى } أن تجعلها ذكرا يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل ~~شهادة الرجل الواحد ، وهذا الوجه منقول عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : إذا ~~شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها ، لأنهما يقومان مقام رجل ~~واحد وهذا الوجه باطل باتفاق عامة المفسرين ، ويدل على ضعفه وجهان الأول : ~~أن النساء لو بلغن ما بلغن ، ولم يكن معهن رجل لم تجز شهادتهن ، فإذا كان ~~كذلك فالمرأة الثانية ما ذكرت الأولى . # الوجه الثاني : أن قوله { فتذكر } مقابل لما قبله من قوله { أن تضل ~~إحداهما } فلما كان الضلال مفسر بالنسيان كان الإذكار مفسرا بما يقابل ~~النسيان . # ثم قال تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول : وهو الأصح : أنه نهى الشاهد ~~عن الامتناع عن أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها والثاني : أن ~~المراد تحمل الشهادة على الإطلاق ، / وهو قول قتادة واختيار القفال ، قال : ~~كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة ، كذلك أمر الشاهد أن لا يأبى عن تحمل ~~الشهادة ، لأن كل واحد منهما يتعلق بالآخر ، وفي عدمهما ضياع الحقوق الثالث ~~: أن المراد تحمل الشهادة إذا لم يوجد غيره الرابع : وهو قول الزجاج : أن ~~المراد بمجموع الأمرين التحمل أولا ، والأداء ثانيا ، واحتج القائلون ~~بالقول الأول من وجوه الأول : أن قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } ~~يقتضي تقديم كونهم شهداء ، وذلك لا يصح إلا عند أداء الشهادة ، فأما وقت ~~التحمل فإنه لم يتقدم ذلك الوقت كونهم شهداء . # فإن قيل ms2060 : يشكل هذا بقوله { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } وكذلك سماه ~~كاتبا قبل أن يكتب . # قلنا : الدليل الذي ذكرناه صار متروكا بالضرورة في هذه الآية فلا يجوز أن ~~نتركه لعلة ضرورة في تلك الآية والثاني : أن ظاهر قوله { ولا يأب الشهداء ~~إذا ما دعوا } النهي عن الامتناع ، والأمر بالفعل ، وذلك للوجوب في حق الكل ~~، ومعلوم أن التحمل غير واجب على الكل ، فلم يجز حمله عليه ، وأما الأداء ~~بعد التحمل فإنه واجب على الكل ، ومتأكد بقوله تعالى : { ولا تكتموا ~~الشهادة } فكان هذا أولى الثالث : أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد ~~بالتحمل من بعض الوجوه ، فصار الأمرر بتحمل الشهادة داخلا في قوله { ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم } فكان صرف قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ~~} إلى الأمر بالأداء حملا له على فائدة جديدة ، فكان ذلك أولى ، فقد ظهر ~~بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة ~~الشهادة إذا دعي إليها . PageV07P100 # واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعينا ، وإما أن يكون فيهم كثرة ، فإن كان ~~متعينا وجب عليه أداء الشهادة / وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضا على ~~الكفاية . # المسألة الثانية : قد شرحنا دلالة هذه الآية على أن العبد لا يجوز أن ~~يكون شاهدا فلا نعيده الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : يجوز القضاء ~~بالشاهد واليمين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يجوز ، واحتج أبو ~~حنيفة بهذه الآية فقال : إن الله تعالى أوجب عند عدم شهادة رجلين شهادة ~~الرجل والمرأتين على التعيين ، فلو جوزنا الاكتفاء بالشاهد واليمين لبطل ~~ذلك التعيين ، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قضى ~~بالشاهد واليمين ، وتمام الكلام فيه مذكور في خلافيات الفقه . # واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولا ، ثم بالإشهاد ثانيا ~~، أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد ، فأمر بالكتبة ، فقال : { ولا يأب ~~كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : السآمة الملال والضجر ، يقال : سئمت الشيء سأما وسآمة ، ~~والمقصود من / الآية البعث على ms2061 الكتابة قل المال أو كثر ، فإن القليل من ~~المال في هذا الاحتياط كالكثير ، فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من المال ~~ربما أدى إلى فساد عظيم ولجاج شديد ، فأمر تعالى في الكثير والقليل ~~بالكتابة ، فقال : { ولا يأب } أي ولا تملوا فتتركوا ثم تندموا . # فإن قيل : فهل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر ؟ . # قلنا : لا لأن هذا محمول على العادة ، ليس في العادة أن يكتبوا التافه . # المسألة الثانية : { ءان } في محل النصب لوجهين : إن شئت جعلته مع الفعل ~~مصدرا فتقديره : ولا تسأموا كتابته ، وإن شئت بنزع الخافض تقديره : ولا ~~تسأموا من أن تكتبوه إلى أجله . # المسألة الثالثة : الضمير في قوله { أن تكتبوه } لا بد وأن يعود إلى ~~المذكورر سابقا ، وهو هاهنا إما الدين وإما الحق . # المسألة الرابعة : قرىء { ولا } بالياء فيهما . # ثم قال تعالى : { ذالكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى * أن لا * ~~ترتابوا } اعلم أن الله تعالى بين أن الكتبة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث ~~: # الفائدة الأولى : قوله { ذالكم أقسط عند * الله } وفي قوله { ذالكم } ~~وجهان الأول : أنه إشارة إلى قوله { أن تكتبوه } لأنه في معنى المصدر ، أي ~~ذلك الكتب أقسط والثاني : قال القفال رحمه الله : ذلاكم الذي أمرتكم به من ~~الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى { أقسط عند الله } أعدل عند الله ، والقسط ~~اسم ، والإقساط مصدر ، يقال : أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطا إذا عدل فهو ~~مقسط ، قال تعالى : { إن الله يحب المقسطين } ( الممتحنة : 8 ) ( الحجرات : ~~9 ) ويقال : هو قاسط إذا جار ، قال تعالى : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم ~~حطبا } ( الجن : 15 ) وإنما كان هذا أعدل عند الله ، لأنه إذا كان مكتوبا ~~كان إلى اليقين والصدق أقرب ، وعن الجهل والكذب أبعد ، فكان أعدل عند الله ~~وهو كقوله تعالى : { ادعوهم لابائهم هو أقسط عند الله } ( الأحزاب : 5 ) أي ~~أعدل عند الله ، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم . ~~PageV07P101 # والفائدة الثانية : قوله { أقوم * للشهادة } معنى { أقوم } أبلغ في ~~الاستقامة ، التي هي ضد الاعوجاج ، وذلك لأن المنتصب القائم ، ضد المنحني ~~المعوج . # فإن قيل ms2062 : مم بنى أفعل التفضيل ؟ أعني : أقسط وأقوم . # قلنا : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، ويجوز أن ~~يكون أقسط من قاسط ، وأقوم من قويم . # واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة ، لأنها سبب للحفظ والذكر ، ~~فكانت أقرب إلى الاستقامة ، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى ~~: تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى ، والثانية : / بتحصيل مصلحة الدنيا ، ~~وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعارا بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا . # والفائدة الثالثة : هي قوله { وأدنى * أن لا * ترتابوا } يعني أقرب إلى ~~زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين ، والفرق بين الوجهين الأولين ، ~~وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة ، فالأول : إشارة ~~إلى تحصيل مصلحة الدين ، والثاني : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا ~~الثالث : إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير ، أما عن النفس فإنه لا ~~يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان ، وهذا الذي قلت هل كان صدقا أو كذبا ، ~~وأما دفع الضر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع ~~في عقاب الغيبة والبهتان ، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط ، وما ~~أحسن ما فيها من الترتيب . # ثم قال تعالى : { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { إلا } فيه وجهان أحدهما : أنه استثناء متصل والثاني : ~~أنه منقطع ، أما الأول ففيه وجهان الأول : أنه راجع إلى قوله تعالى : { إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى ~~أجل قريب ، وقد يكون إلى أجل بعيد ، فلما أمر بالكتبة عند المداينة ، ~~استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريبا ، والتقدير : إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريبا ، وهو المراد من التجارة الحاضرة ~~والثاني : أن هذا استثناء من قوله { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه } وأما ~~الاحتمال الثاني ، وهو أن يكون هذا استثناء منقطعا فالتقدير : لكنه إذا ~~كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ، فهذا ~~يكون كلاما مستأنفا ، وإنما ms2063 رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع ~~من التجارة ، لكثرة ما يجري بين الناس ، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق ~~الأمر على الخلق ، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ~~ذلك المجلس ، لم يكن هناك خوف التجاحد ، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة ~~والإشهاد . # المسألة الثانية : قوله { أن تكون } فيه قولان أحدهما : أنه من الكون ~~بمعنى الحدوث والوقوع كما ذكرناه في قوله { وإن كان ذو عسرة } والثاني : ~~قال الفراء : إن شئت جعلت { كان } ههنا ناقصة على أن الاسم تجارة حاضرة ، ~~والخبر تديرونها ، والتقدير : إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم . # المسألة الثالثة : قرأ عاصم { تجارة } بالنصب ، والباقون بالرفع ، أما ~~القراءة بالنصب فعلى أنه خبر كان ، ولا بد فيه من إضمار الاسم ، وفيه وجوه ~~أحدها : التقدير : إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كتبة الكتاب ، ومنه قول ~~الشاعر : PageV07P102 # بني أسد هل تعلمون بلاءنا # إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا # / أي إذا كان اليوم وثانيها : أن يكون التقدير : إلا أن يكون الأمر ~~والشأن تجارة وثالثها : قال الزجاج : التقدير إلا أن تكون المداينة تجارة ~~حاضر ، قال أبو علي الفارسي : هذا غير جائز لأن المداينة لا تكون تجارة ~~حاضرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المداين إذا كانت إلى أجل ساعة ، صح تسميتها ~~بالتجارة الحاضرة ، فإن من باع ثوبا بدرهم في الذمة بشرط أن تؤدي الدرهم في ~~هذه الساعة كان ذلك مداينة وتجارة حاضرة ، وأما القراءة بالرفع ، فالوجه ~~فيها ما ذكرناه في المسألة الثانية والله أعلم . # المسألة الرابعة : التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضرا أو ~~في الذمة لطلب الربح ، يقال : تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر ، واعلم أنه ~~سواء كانت المبايعة بدين أو بعين / فالتجارة تجارة حاضرة ، فقوله { إلا أن ~~تكون تجارة حاضرة } لا يمكن حمله على ظاهره ، بل المراد من التجارة ما يتجر ~~فيه من الإبدال ، ألا ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يدا بيد ، ثم قال ~~: { فليس عليكم جناح أن * لا * تكتبوها } ( البقرة : 282 ) معناه : لا ms2064 مضرة ~~عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت ~~الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحق بتركها ، وقد ثبت خلاف ذلك ~~وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه . # ثم قال تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } وأكثر المفسرين قالوا : المراد ~~أن الكتابة وإن رفعت عنهم في التجارة إلا أن الاشهاد ما رفع عنهم ، لأن ~~الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة ، ولأن الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها ~~النسيان . # واعلم أنه لا شك أن المقصود من هذا الأمر الإرشاد إلى طريق الاحتياط . # ثم قال تعالى : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } واعلم أنه يحتمل أن يكون هذا ~~نهيا للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق ، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص ~~أو يترك الاحتياط ، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع ~~، ويحتمل أن يكون نهيا لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد ، بأن يضرهما أو ~~يمنعهما عن مهماتهما والأول : قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ، ~~والثاني : قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد . # واعلم أن كلا الوجهين جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين بسبب الإدغام ~~الواقع في { لا * يضار } أحدهما : أن يكون أصله لا يضارر ، بكسر الراء ~~الأولى ، فيكون الكاتب والشهيد هما الفاعلان للضرار والثاني : أن يكون أصله ~~لا يضارر بفتح الراء الأولى ، فيكون هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه ~~الآية التي تقدمت في هذه السورة ، وهو قوله { لا تضار والدة بولدها } وقد ~~أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك ، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين ~~قراءة عمر رضي الله عنه { ولا } بالإظهار والكسر ، وقراءة ابن عباس { ولا } ~~بالإظهار والفتح ، واختار الزجاج القول / الأول ، واحتج عليه بقوله تعالى ~~بعد ذلك { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم * قال * وذلك * لان * اسم * بكل شيء ~~عليم * وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا ~~فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها ~~فإنه ءاثم قلبه } ( البقرة : 283 ) والإثم والفاسق متقاربان ، واحتج ms2065 من نصر ~~القول الثاني بأن هذا لو كان PageV07P103 خطابا للكاتب والشهيد لقيل : وإن ~~تفعلا فإنه فسوق بكم ، وإذا كان هذا خطابا للذين يقدمون على المداينة ~~فالمنهيون عن الضرار هم والله أعلم . # ثم قال : { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } وفيه وجهان أحدهما : يحتمل أنه ~~يحمل على هذا الموضع خاصة والمعنى : فإن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار ~~والثاني : أنه عام في جميع التكليف ، والمعنى : وإن تفعلوا شيئا مما نهيتكم ~~عنه أو تتركوا شيئا مما أمرتكم به فإنه فسوق بكم ، أي خروج عن أمر الله ~~تعالى وطاعته . # ثم قال تعالى : { واتقوا الله } يعني فيما حذر منه هاهنا ، وهو المضارة ، ~~أو يكون عاما ، والمعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه . # ثم قال : { ويعلمكم الله } والمعنى : أنه يعلمكم ما يكون إرشادا واحتياطا ~~في أمر الدنيا ، كما يعلمكم ما يكون إرشادا في أمر الدين { والله بكل شيء ~~عليم } إشارة إلى كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع مصالح الدنيا والآخرة . # ! 7 < { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما تعملون عليم } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 283 ) وإن كنتم على . . . . . # > > إعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام : بيع ~~بكتاب وشهود ، وبيع برهان مقبوضة ، وبيع الأمانة ، ولما أمر في آخر الآية ~~المتقدمة بالكتبة والإشهاد ، واعلم أنه ربما تعذر ذلك في السفر إما بأن لا ~~يوجد الكاتب ، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات الكتابة ذكر نوعا / آخر من ~~الاستيثاق وهو أخذ الرهن فهذا وجه النظم وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتبة ~~والإشهاد ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكرنا اشتقاق في السفر في قوله تعالى : { فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ( البقرة : 184 ) ونعيده هاهنا قال ~~أهل اللغة : تركيب هذه الحروف للظهور والكشف فالسفر هو الكتاب ، لأنه يبين ~~الشيء ويوضحه ، وسمي السفر سفرا ، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ، أي يكشف ms2066 ، ~~أو لأنه لما خرج من الكن إلى الصحراء فقد انكشف للناس ، أو لأنه لما خرج ~~إلى الصحراء ، فقد صارت أرض البيت منكشفة خالية ، وأسفر الصبح إذا ظهر ، ~~وأسفرت المرأة عن وجهها ، أي كشفت وسفرت عن القوم أسفر سفارة إذا كشفت ما ~~في قلوبهم ، وسفرت أسفر إذا كنست ، والسفر الكنس ، وذلك لأنك إذا كنست ، ~~PageV07P104 فقد أظهرت ما كان تحت الغبار والسفر من الورق ما سفر به الريح ~~، ويقال لبقية بياض النهار بعد مغيب الشمس سفر لوضوحه والله أعلم . # المسألة الثانية : أصل الرهن من الدوام ، يقال : رهن الشيء إذا دام وثبت ~~، ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة . # إذا عرفت أصل المعنى فنقول : أصل الرهن مصدر . يقال : رهنت عند الرجل ~~أرهنه رهنا إذا وضعت عنده ، قال الشاعر : # % يراهنني فيرهنني بنيه % % وأرهنه بني بما أقول % # إذا عرفت هذا فنقول : إن المصادر قد تنقل فتجعل أسماء ويزول عنها عمل ~~الفعل ، فإذا قال : رهنت عند زيد رهنا لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ، لكن ~~انتصاب المفعول به كما تقول : رهنت عند زيد ثوبا ، ولما جعل اسما بهذا ~~الطريق جمع كما تجعل الأسماء وله جمعان : رهن ورهان ، ومما جاء على رهن قول ~~الأعشى : # % آليت لا أعطيه من أبنائنا % % رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا % # وقال بعيث : # % بانت سعاد وأمسى دونها عدن % % وغلقت عندها من قبلك الرهن % # ونظيره قولنا : رهن ورهن ، سقف وسقف ، ونشر ونشر ، وخلق وخلق ، قال ~~الزجاج : فعل وفعلى قليل ، وزعم الفراء أن الرهن جمعه رهان ، ثم الرهان ~~جمعه رهن فيكون رهن جمع الجمع وهو كقولهم ثمار وثمر ، ومن الناس من عكس هذا ~~فقال : الرهن جمعه رهن ، والرهن جمعه رهان ، واعلم أنهما لما تعارضا تساقطا ~~لا سيما وسيبويه لا يرى جمع الجمع مطردا ، فوجب أن لا يقال به إلا عند ~~الاتفاق ، وأما أن الرهان جمع رهن فهو قياس ظاهر ، مثل نعل ونعال ، وكبش ~~وكباش / وكعب وكعاب ، وكلب وكلاب . # المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير أبو عمرو { فرهان } بضم الراء والهاء ، ~~وروي عنهما أيضا { فرهان } برفع الراء وإسكان الهاء والباقون { فرهان ms2067 } قال ~~أبو عمرو : لا أعرف الرهان إلا في الخيل ، فقرأت { فرهان } للفصل بين ~~الرهان في الخيل وبين جمع الرهن ، وأما قراءة أبي عمرو بضم الراء وسكون ~~الهاء ، فقال الأخفش : إنها قبيحة لأن فعلا لا يجمع على فعل إلا قليلا شاذا ~~كما يقال : سقف وسقف تارة بضم القاف وأخرى بتسكينها ، وقلب للنخل ولحد ولحد ~~وبسط وبسط وفرس ورد ، وخيل ورد . # المسأل الرابعة : في الآية حذف فإن شئنا جعلناه مبتدأ وأضمرنا الخبر ، ~~والتقدير : فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين ، أو ما يقوم مقامهما ، أو فعليه ~~رهن مقبوضة ، وإن شئنا جعلناه خبرا وأضمرنا المبتدأ ، والتقدير : فالوثيقة ~~رهن مقبوضة . # المسألة الخامسة : اتفقت الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر ~~سواء في حال وجود الكاتب وعدمه ، وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا ~~في السفر أخذا بظاهر الآية ، ولا يعمل بقوله اليوم وإنما تقيدت الآية بذكر ~~السفر على سبيل الغالب ، كقوله { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن ~~PageV07P105 خفتم } ( النساء : 101 ) وليس الخوف من شرط جواز القصر . # المسألة السادسة : مسائل الرهن كثيرة ، واحتج من قال بأن رهن المشاع لا ~~يجوز بأن الآية دلت على أن الرهن يجب أن يكون مقبوضا والعقل أيضا يدل عليه ~~لأن المقصود من الرهن استيثاق جانب صاحب الحق بمنع الجحود ، وذلك لا يحصل ~~إلا بالقبض والمشاع لا يمكن أن يكون مقبوضا فوجب ألا يصح رهن المشاع . # ثم قال تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته } واعلم أن ~~هذا هو القسم الثالث من البياعات المذكورة في الآية ، وهو بيع الأمانة ، ~~أعني ما لا يكون فيه كتابة ولا شهود ولا يكون فيه رهن ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أمن فلان غيره إذا لم يكن خائفا منه ، قال تعالى : { هل ~~امنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه } ( يوسف : 64 ) فقوله { فإن أمن بعضكم ~~بعضا } أي لم يخف خيانته وجحوده { فليؤد الذى اؤتمن أمانته } أي فليؤد ~~المديون الذي كان أمينا ومؤتمنا في ظن الدائن ، فلا يخلف ظنه في أداء ~~أمانته وحقه ms2068 إليه ، يقال : أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن . # ثم قال : { وليتق الله ربه } أي هذا المديون يجب أن يتقي الله ولا يجحد ، ~~لأن الدائن لما عامله المعاملة الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه ~~بالوثائق من الكتابة والإشهاد والرهن فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله ~~ويعامله بالمعاملة الحسنة في أن لا ينكر ذلك الحق ، وفي أن يؤديه إليه عند ~~/ حلول الأجل ، وفي الآية قول آخر ، وهو أنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن ~~عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده ، والوجه هو الأول . # المسألة الثانية : من الناس من قال : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة ~~الدالة على وجوب الكتابة والإشهاد وأخذ الرهن ، واعلم أن التزام وقوع النسخ ~~من غير دليل يلجىء إليه خطأ ، بل تلك الأوامر محمولة على الإرشاد ورعاية ~~الاحتياط ، وهذه الآية محمولة على الرخصة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه قال : ليس في آية المداينة نسخ ، ثم قال : { ولا تكتموا الشهادة } وفي ~~التأويل وجوه : # الوجه الأول : قال القفال رحمه الله : إنه تعالى لما أباح ترك الكتابة ~~والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أمينا ، ثم كان من الجائز في هذا ~~المديون أن يخلف هذا الظن ، وأن يخرج خائنا جاحدا للحق ، إلا أنه من الجائز ~~أن يكون بعض الناس مطلعا على أحوالهم ، فههنا ندب الله تعالى ذلك الإنسان ~~إلى أن يسعى في إحياء ذلك الحق ، وأن يشهد لصاحب الحق بحقه ، ومنعه من ~~كتمان تلك الشهادة سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة / أو لم يعرف وشدد فيه ~~بأن جعله آثم القلب لو تركها ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر ~~يدل على صحة هذا التأويل ، وهو قوله ( خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد ) . # الوجه الثاني : في تأويل أن يكون المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم ~~بتلك الواقعة ، ونظيره قوله تعالى : { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل ءأنتم أعلم أم الله ومن ~~أظلم } ( البقرة : 140 ) والمراد الجحود وإنكار العلم . # الوجه الثالث : في كتمان ms2069 الشهادة والامتناع من أدائها عند الحاجة إلى ~~إقامتها ، وقد تقدم ذلك في قوله PageV07P106 { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ~~} ( البقرة : 282 ) وذلك لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة فقد بطل حقه ، ~~وكان هو بالامتناع من الشهادة كالمبطل لحقه ، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه ، ~~فهذا بالغ في الوعيد . # ثم قال : { ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الآثم الفاجر ، روي أن عمر كان يعلم أعرابيا { إن شجرة ~~الزقوم * طعام الاثيم } ( الدخان : 43 ، 44 ) فكان يقول : طعام اليتيم ، ~~فقال له عمر : طعام الفاجر . فهذا يدل على أن الآثم بمعنى الفجور . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على ~~الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم قلبه وقرىء { قلبه } بالفتح كقوله { سفه نفسه ~~} ( البقرة : 130 ) وقرأ ابن أبي عبلة { قلبه والله } أي جعله آثما . # / المسألة الثالثة : إعلم أن كثيرا من المتكلمين قالوا . إن الفاعل ~~والعارف والمأمور والمنهي هو القلب ، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة ~~الشعراء في تفسير قوله تعالى : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ( ~~الشعراء : 193 ) وذكرنا طرفا منه في تفسير قوله { قل من كان عدوا لجبريل ~~فإنه نزله على قلبك } ( البقرة : 97 ) وهؤلاء يتمسكون بهذه الآية ويقولون : ~~إنه تعالى أضاف الآثم إلى القلب فلولا أن القلب هو الفاعل وإلا لما كان ~~آثما . # وأجاب من خالف في هذا القول بأن إضافة الفعل إلى جزء من أجزاء البدن إنما ~~يكون لأجل أن أعظم أسباب الإعانة على ذلك الفعل إنما يحصل من ذلك العضو ، ~~فيقال : هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي ، ويقال : فلان خبيث ~~الفرج ومن المعلوم أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث ~~في القلوب من الدواعي والصوارف ، فلما كان الأمر كذلك فلهذا السبب أضيف ~~الآثم ههنا إلى القلب . # ثم قال عز وجل : { والله بما تعملون عليم } وهو تحذير من الإقدام على هذا ~~الكتمان ، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفا ~~حذرا من مخالفة أمر الله تعالى ms2070 ، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك ~~الأفعال ، ويجازيه عليها إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا . # ! 7 < { لله ما في السماوات وما فى الا رض وإن تبدوا ما فيأنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء والله على كل شيء قدير ~~} . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 284 ) لله ما في . . . . . # > > # في الآية مسائل : PageV07P107 # المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال الأصم : إنه تعالى لما ~~جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول ، وهو دليل التوحيد والنبوة ، ~~وأشياء كثيرة من علم الأصول ببيان الشرائع والتكاليف ، وهي في الصلاة ، ~~والزكاة ، والقصاص ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والحيض ، والطلاق ، والعدة ~~، والصداق ، والخلع ، والإيلاء ، والرضاع ، والبيع ، والربا ، وكيفية ~~المداينة ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآية على سبيل التهديد . # / وأقول إنه قد ثبت أن الصفات التي هي كمالات حقيقية ليست إلا القدرة ~~والعلم ، فعبر سبحانه عن كمال القدرة بقوله { لله ما فى * السماوات وما في ~~الارض } ملكا وملكا ، وعبر عن كمال العلم المحيط بالكليات والجزئيات بقوله ~~{ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } وإذا حصل كمال القدرة ~~والعلم ، فكان كل من في السماوات والأرض عبيدا مربوبين وجدوا بتخليقه ~~وتكوينه كان ذلك غاية الوعد للمطيعين ، ونهاية الوعيد للمذنبين ، فلهذا ~~السبب ختم الله هذه السورة بهذه الآية . # والوجه الثاني : في كيفية النظم ، قال أبو مسلم : إنه تعالى لما قال في ~~آخر الآية المتقدمة { والله بما تعملون عليم } ( البقرة : 283 ) ذكر عقيبه ~~ما يجري مجرى الدليل العقلي فقال : { لله ما فى * السماوات وما في الارض } ~~ومعنى هذا الملك أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه ~~وإبداعه ومن كان فاعلا لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة ~~المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد وأن يكون عالما بها ~~إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به ، فكان الله تعالى ~~احتج بخلقه السماوات والأرض مع ما فيهما من وجوه الإحكام والإتقان على كونه ~~تعالى عالما بها محيطا بأجزائها وجزئياتها ms2071 . # الوجه الثالث : في كيفية النظم ، قال القاضي : إنه تعالى لما أمر بهذه ~~الوثائق أعني الكتبة والإشهاد والرهن ، فكان المقصود من الأمر بها صيانة ~~الأموال ، والاحتياط في حفظها بين الله تعالى أنه إنما المقصود لمنفعة ترجع ~~إلى الخلق لا لمنفعة تعود إليه سبحانه منها فإنه له ملك السماوات والأرض . # الوجه الرابع : قال الشعبي وعكرمة ومجاهد : إنه تعالى لما نهى عن كتمان ~~الشهادة وأوعد عليه بين أنه له ملك السماوات والأرض فيجازي على الكتمان ~~والإظهار . # المسألة الثانية : احتج الأصحاب بقوله { لله ما فى * السماوات وما في ~~الارض } على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، لأنه من جملة ما في السماوات ~~والأرض بدليل صحة الاستثناء ، واللام في قوله { لله } ليس لام الغرض ، فإنه ~~ليس غرض الفاسق من فسقه طاعة الله ، فلا بد وأن يكون المراد منه لام الملك ~~والتخليق . # المسألة الثالثة : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء لأن ~~من جملة ما في السماوات والأرض حقائق الأشياء وماهياتها فهي لا بد وأن تكون ~~تحت قدرة الله سبحانه وتعالى وإنما تكون الحقائق والماهيات تحت قدرته لو ~~كان قادرا على تحقيق تلك الحقائق ، وتكوين تلك الماهيات ، فإذا كان كذلك ~~كانت قدرة الله تعالى مكونة للذوات ، ومحققة للحقاق ، فكان القول بأن ~~المعدوم شيء باطلا . # / ثم قال تعالى : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } ~~يروى عن ابن عباس أنه قال : لما PageV07P108 نزلت هذه الآية جاء أبو بكر ~~وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا ~~: يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب ~~أن يثبت في قلبه ، وإن له الدنيا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ~~فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا قولوا : سمعنا وأطعنا ، ~~فقالوا سمعنا وأطعنا ، واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولا فأنزل الله ~~تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) فنسخت هذه الآية ~~، فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن ms2072 الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم ~~مالم يعملوا أو يتكلموا به ) . # واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله } يتناول حديث النفس ، والخواطر الفاسدة التي ترد ~~على القلب ، ولا يتمكن من دفعها ، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا ~~يطاق ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه : # الوجه الأول : أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين ، فمنها ما يوطن ~~الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك بل ~~تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن ~~النفس ، فالقسم الأول : يكون مؤاخذا به ، والثاني : لا يكون مؤاخذا به ، ~~ألا ترى إلى قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولاكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ( البقرة : 225 ) وقال في آخر هذه السورة { لها ~~ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) وقال : { إن الذين يحبون أن ~~تشيع الفاحشة فى الذين ءامنوا } ( النور : 19 ) هذا هو الجواب المعتمد . # والوجه الثاني : أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل ، فهو في ~~محل العفو وقوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } ~~فالمراد منه أنه يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهرا وإما على سبيل الخفية ~~وأما ما وجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك في محل ~~العفو وهذا الجواب ضعيف ، لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال القلوب ألا ~~ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب : وأعظم أنواع العقاب ~~مرتب عليه ، وأيضا فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتب عليها ~~عقاب كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب . # والوجه الثالث في الجواب : أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي ~~العموم والغموم في الدنيا ، روى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ~~ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به في الدنيا ~~أو ms2073 حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه ، وروت أنها ~~سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه . # فإن قيل : المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى : { اليوم تجزى كل ~~نفس بما كسبت } ( غافر : 17 ) . # / قلنا : هذا خاص فيكون مقدما على ذلك العام . # الوجه الرابع في الجواب : أنه تعالى قال : { يحاسبكم به الله } ولم يقل : ~~يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها كثيرة ، ~~وذكرنا أن من جملة تفاسيره كونه تعالى عالما بها ، فرجع معنى هذه الآية إلى ~~كونه تعالى عالما بكل ما في الضمائر والسرائر ، روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قال : PageV07P109 إن الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان ~~في نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه ، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من ~~التكذيب والذنب . # الوجه السابع في الجواب : أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله { فيغفر لمن ~~يشاء ويعذب من يشاء } فيكون الغفران نصيبا لمن كان كارها لورود تلك الخواطر ~~، والعذاب يكون نصيبا لمن يكون مصرا على تلك الخواطر مستحسنا لها . # الوجه السادس : قال بعضهم : المراد بهذه الآية كتمان الشهادة ، وهو ضعيف ~~، لأن اللفظ عام ، وإن كان واراه عقيب تلك القضية لا يلزم قصره عليه . # الوجه السابع في الجواب : ما روينا عن بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة ~~بقوله { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( القرة : 286 ) وهذا أيضا ضعيف ~~لوجوه أحدها : أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا : أنهم كانوا قبل هذا النسخ ~~مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها ، وذلك باطل ~~، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة ، ولذلك قال عليه السلام : ( ~~بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ) والثاني : أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت ~~الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر ، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك ~~والثالث : أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي . # واعلم أن الناس اختلافا ms2074 في أن الخبر هل ينسخ أم لا ؟ وقد ذكرنا في أصول ~~الفقه والله أعلم . # ثم قال : { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على جواز غفران ذنوب ~~أصحاب الكبائر وذلك لأن المؤمن المطيع مقطوع بأنه يثاب ولا يعاقب ، والكافر ~~مقطوع بأنه يعاقب ولا يثاب ، وقوله { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } رفع ~~للقطع واحد من الأمرين ، فلم يبق إلا أن يكون ذلك نصيبا للمؤمن يرثه المذنب ~~بأعماله . # المسألة الثانية : قرأ عاصم وابن عامر { فيغفر * يعذب } برفع الراء ~~والباء ، وأما الباقون فبالجزم أما الرفع فعلى الاستئناف ، والتقدير : فهو ~~يغفر ، وأما الجزم فبالعطف على يحاسبكم ونقل عن أبي عمرو أنه أدغم الراء في ~~اللام في قوله { يغفر لمن يشاء } قال صاحب ( الكشاف ) : إنه لحن ونسبته إلى ~~أبي عمرو كذب ، وكيف يليق مثل هذا اللحن بأعلم الناس بالعربية . # / ثم قال : { والله على كل شيء قدير } وقد بين بقوله { لله ما فى * ~~السماوات وما في الارض } أنه كامل الملك والملكوت ، وبين بقوله { وإن تبدوا ~~ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } أنه كامل العلم والإحاطة ، ثم بين ~~بقوله { والله على كل شيء قدير } أنه كامل القدرة مستولي على كل الممكنات ~~بالقهر والقدرة والتكوين والإعدام ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال في ~~هذه الصفات والموصوف بهذه الكمالات يجب على كل عاقل أن يكون عبدا منقادا له ~~، خاضعا لأوامره ونواهيه محترزا عن سخطه ونواهيه ، وبالله التوفيق . # PageV07P110 ! 7 < { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا ~~غفرانك ربنا وإليك المصير } . > 7 ! # < < # | البقرة : ( 285 ) آمن الرسول بما . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : وهو أنه تعالى لما بين في ~~الآية المتقدمة كمال الملك ، وكمال العلم ، وكمال القدرة لله تعالى ، وذلك ~~يوجب كمال صفات الربوبية أتبع ذلك بأن بين كون المؤمنين في نهاية الانقياد ~~والطاعة والخضوع لله تعالى ، وذلك هو ms2075 كمال العبودية وإذا ظهر لنا كمال ~~الربوبية ، وقد ظهر منا كمال العبودية ، فالمرجو من عميم فضله وإحسانه أن ~~يظهر يوم القيامة في حقنا كمال العناية والرحمة والإحسان اللهم حقق هذا ~~الأمل . # الوجه الثاني في النظم : أنه تعالى لما قال : { وإن تبدوا ما في أنفسكم ~~أو تخفوه يحاسبكم به الله } ( القبرة : 284 ) بين أنه لا يخفى عليه من سرنا ~~وجهرنا وباطننا وظاهرنا شيء ألبتة ، ثم إنه تعالى ذكر عقيب ذلك ما يجري ~~مجرى المدح لنا والثناء علينا ، فقال : { الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل } كأنه بفضله يقول عبدي أنا وإن كنت أعلم جميع أحوالك ، فلا ~~أظهر من أحوالك ، ولا أذكر منها إلا ما يكون مدحا لك وثناء عليك ، حتى تعلم ~~أني كما أنا الكامل في الملك والعلم والقدرة ، فأنا الكامل في الجود ~~والرحمة ، وفي إظهار الحسنات ، وفي الستر على السيئات . # الوجه الثالث : أنه بدأ في السورة بمدح المتقين الذين يؤمنون بالغيب ، ~~ويقيمون الصلاة / ومما رزقناهم ينفقون ، وبين في آخر السورة أن الذين مدحهم ~~في أول السورة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : { والمؤمنون كل ~~ءامن بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } وهذا هو المراد ~~بقوله في أول السورة { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) . # ثم قال ههنا { وقالوا سمعنا وأطعنا } وهو المراد بقوله في أول السورة { ~~ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } . # ثم قال ههنا { غفرانك ربنا وإليك المصير } وهو المراد بقوله في أول ~~السورة { وبالأخرة هم يوقنون } ( البقرة : 4 ) ثم حكى عنهم ههنا كيفية ~~تضرعهم إلى ربهم في قولهم { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( البقرة ~~: 286 ) إلى آخر السورة وهو المراد بقوله في أول السورة { أولائك على هدى ~~من ربهم وأولائك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) فانظر كيف حصلت الموافقة بين ~~أول السورة وآخرها . # والوجه الرابع : وهو أن الرسول إذا جاءه الملك من عند الله ، وقال له : ~~إن الله بعثك رسولا إلى الخلق ، فههنا الرسول لا يمكنه أن يعرف صدق ذلك ~~الملك إلا ms2076 بمعجزة يظهرها الله تعالى على صدق ذلك الملك في PageV07P111 ~~دعواه ولولا ذلك المعجز لجوز الرسول أن يكون ذلك المخبر شيطانا ضالا مضلا ، ~~وذلك الملك أيضا إذا سمع كلام الله تعالى افتقر إلى معجز يدل على أن ~~المسموع هو كلام الله تعالى لا غير ، وهذه المراتب معتبرة أولها : قيام ~~المعجز على أن المسموع كلام الله لا غيره ، فيعرف الملك بواسطة ذلك المعجز ~~أنه سمع كلام الله تعالى وثانيها : قيام المعجزة عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم على أن ذلك الملك صادق في دعواه ، وأنه ملك بعثه الله تعالى وليس ~~بشيطان وثالثها : أن تقوم المعجزة على يد الرسولعند الأمة حتى تستدل الأمة ~~بها على أن الرسول صادق في دعواه فإذن لما لم يعرف الرسول كونه رسولا من ~~عند الله لا تتمكن الأمة من أن يعرفوا ذلك ، فلما ذكر الله تعالى في هذه ~~السورة أنواع الشرائع وأقسام الأحكام ، قال : { الرسول بما } فبين أن ~~الرسول عرف أن ذلك وحي من الله تعالى وصف إليه ، وأن الذي أخبره بذلك ملك ~~مبعوث من قبل الله تعالى معصوم من التحريف ، وليس بشيطان مضل ، ثم ذكر ~~إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ، وهو المرتبة المتقدمة ، وذكر عقيبه ~~إيمان المؤمنين بذلك وهو المرتبة المتأخرة ، فقال : { والمؤمنون كل ءامن ~~بالله } ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن ~~كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه ، فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه ~~ونظم آياته ولعل الذين قالوا : إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني ~~رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأمور ، وليس ~~الأمر في هذا الباب كما قيل : # % والنجم تستصغر الأبصار رؤيته % % والذنب للطرف لا للنجم في الصغر % # ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا ، ويعلمنا ما ينفعنا به بفضله ~~ورحمته . # / المسألة الثانية : قوله تعالى : { الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون } فالمعنى أنه عرف بالدلائل القاهرة والمعجزات الباهرة أن هذا ~~القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام نزل من ms2077 عند الله تعالى ، وليس ذلك ~~من باب إلقاء الشياطين ، ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة ، وإنما عرف ~~الرسول لأنه صلى الله عليه وسلم ذلك بما ظهر من المعجزات القاهرة على يد ~~جبريل عليه السلام . # فأما قوله { والمؤمنون } ففيه احتمالان أحدهما : أن يتم الكلام عند قوله ~~{ والمؤمنون } فيكون المعنى : آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ، ~~ثم ابتدأ بعد ذلك بقوله { كل ءامن بالله } والمعنى : كل واحد من المذكورين ~~فيما تقدم ، وهم الرسول والمؤمنون آمن بالله . # الاحتمال الثاني : أن يتم الكلام عند قوله { بما أنزل إليه من ربه } ثم ~~يبتدىء من قوله { والمؤمنون كل ءامن بالله } ويكون المعنى أن الرسول آمن ~~بكل ما أنزل إليه من ربه ، وأما المؤمنون فإنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله ، فالوجه الأول يشعر بأنه عليه الصلاة والسلام ما كان مؤمنا بربه ، ~~ثم صار مؤمنا به ، ويحتمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال ، وعلى الوجه ~~الثاني يشعر اللفظ بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي أنزلت عليه ، كما ~~قال : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) وأما الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال ، فقد كان حاصلا منذ خلقه الله من ~~أول الأمر ، وكيف يستبعد ذلك مع أن عيسى عليه السلام حين انفصل عن أمه قال ~~: إني عبد الله آتاني الكتاب ، فإذا لم يبعد أن عيسى عليه السلام رسولا من ~~عند الله حين كان طفلا ، فكيف يستبعد أن يقال : إن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم كان عارفا بربه من أول ما خلق كامل العقل . PageV07P112 # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الرسول آمن بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وإنما خص الرسول بذلك ، لأن ~~الذي أنزل إليه من ربه قد يكون كلاما متلوا يسمه الغير ويعرفه ويمكنه أن ~~يؤمن به ، وقد يكون وحيا لا يعلمه سواه ، فيكون هو صلى الله عليه وسلم ~~مختصا بالإيمان به ، ولا يتمكن غيره من الإيمان به ، فلهذا السبب كان ~~الرسول مختصا في باب الإيمان بما لا ms2078 يمكن حصوله في غيره . # ثم قال الله تعالى : { والمؤمنون كل ءامن بالله وملئكته وكتبه ورسله } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إعلم أن هذه الآية دلت على أن معرفة هذه المراتب ~~الأربعة من ضرورات الإيمان . # فالمرتبة الأولى : هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى ، وذلك لأنه ما لم ~~يثبت أن للعالم صانعا قادرا على جميع المقدورات ، عالما بجميع المعلومات ، ~~غنيا عن كل الحاجات ، لا يمكن معرفة صدق / الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ~~فكانت معرفة الله تعالى هي الأصل ، فلذلك قدم الله تعالى هذه المرتبة في ~~الذكر . # والمرتبة الثانية : أنه سبحانه وتعالى إنما يوحي إلى الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام بواسطة الملائكة ، فقال : { ينزل الملائكة بالروح من أمره ~~على من يشآء من عباده } ( النحل : 2 ) وقال : { وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء } ( الشورى : ~~51 ) وقال : { فإنه نزله على قلبك } ( البقرة : 97 ) وقال : { نزل به الروح ~~الامين * على قلبك } ( الشعراء : 193 ، 194 ) وقال : { علمه شديد القوى } ( ~~النجم : 5 ) فإذا ثبت أن وحي الله تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائك ~~فالملائكة يكونون كالواسطة بين الله تعالى وبين البشر ، فلهذا السبب جعل ~~ذكر الملائكة في المرتبة الثانية ، ولهذا السر قال أيضا : { شهد الله أنه ~~لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط } ( آل عمران : 18 ) . # والمرتبة الثالثة : الكتب ، وهو الوحي الذي يتلقفه الملك من الله تعالى ~~ويوصله إلى البشر وذلك في ضرب المثال يجري مجرى استنارة سطح القمر من نور ~~الشمس فذات الملك كالقمر وذات الوحي كاستنارة القمر فكما أن ذات القمر ~~مقدمة في الرتبة على استنارته فكذلك ذات الملك متقدم على حصول ذلك الوحي ~~المعبر عنه بهذه الكتب ، فلهذا السبب كانت الكتب متأخرة في الرتبة عن ~~الملائكة ، فلا جرم أخر الله تعالى ذكر الكتب عن ذكر الملائكة . # والمرتبة الرابعة : الرسل ، وهم الذين يقتبسون أنوار الوحي من الملائكة ، ~~فيكونون متأخرين في الدرجة عن الكتب فلهذا السبب جعل الله تعالى ذكر الرسل ~~في المرتبة الرابعة ، واعلم ms2079 أن ترتيب هذه المراتب الأربعة على هذا الوجه ~~أسرار غامضة ، وحكما عظيمة لا يحسن إيداعها في الكتب والقدر الذي ذكرناه ~~كاف في التشريف . # المسألة الثانية : المراد بالإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده ، ~~وبصفاته ، وبأفعاله ، وبأحكامه ، وبأسمائه . # أما الإيمان بوجوده ، فهو أن يعلم أن وراء المتحيزات موجودا خالقا لها ، ~~وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقرا بوجود الإلاه تعالى لأنه لا يثبت ما ~~وراء المتحيزات شيئا آخر فيكون اختلافه معنا في إثبات ذات PageV07P113 الله ~~تعالى أما الفلاسفة والمعتزلة فإنهم مقرون بإثبات موجود سوى المتحيزات موجد ~~لها ، فيكون الخلاف معهم لا في الذات بل في الصفات . # وأما الإيمان بصفاته ، فالصفات إما سلبية ، وإما ثبوتية . # فأما السلبية : فهي أن يعلم أنه فرد منزه عن جميع جهات التركيب ، فإن كل ~~مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره ، فهو مركب ، ~~فهو مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فإذن كل مركب فهو ممكن لذاته ، وكل ما ليس ~~ممكنا لذاته ، بل كان واجبا لذاته امتنع أن / يكون مركبا بوجه من الوجوه ، ~~بل كان فردا مطلقا ، وإذا كان فردا في ذاته لزم أن لا يكون متحيزا ، ولا ~~جسما ، ولا جوهرا ، ولا في مكان ، ولا حالا ، ولا في محل ، ولا متغيرا / ~~ولا محتاجا بوجه من الوجوه ألبتة . # وأما الصفات الثبوتية : فبأن يعلم أن الموجب لذاته نسبته إلى بعض ~~الممكنات كنسبته إلى البواقي ، فلما رأينا أن هذه المخلوقات وقعت على وجه ~~يمكن وقوعها على خلاف تلك الأحوال ، علمنا أن المؤثر فيها قادر مختار لا ~~موجب بالذات ، ثم يستدل بما في أفعاله من الإحكام والإتقان على كمال علمه ، ~~فحينئذ يعرفه قادرا عالما حيا سميعا بصيرا موصوفا منعوتا بالجلال وصفات ~~الكمال ، وقد استقصينا ذلك في تفسير قوله { الله لا إلاه إلا هو الحى ~~القيوم } ( البقرة : 255 ) . # وأما الإيمان بأفعاله ، فبأن تعلم أن كل ما سواه فهو ممكن محدث ، وتعلم ~~ببديهة عقلك أن الممكن المحدث لا يوجد بذاته ، بل لا بد له من موجد يوجده ~~وهو القديم ، وهذا الدليل ms2080 يحملك على أن تجزم بأن كل ما سواه فإنما حصل ~~بتخليقه وإيجاده وتكوينه إلا أنه وقع في البين عقدة وهي الحوادث التي هي ~~الأفعال الاختيارية للحيوانات ، فالحكم الأول وهو أنها ممكنة محدثة فلا بد ~~من إسنادها إلى واجب الوجود مطرد فيها . # فإن قلت : إني أجد من نفسي أني إن شئت أن أتحرك تحركت ، وإن شئت أن لا ~~أتحرك لم أتحرك فكانت حركاتي وسكناتي بي لا بغيري . # فنقول : قد علقت حركتك بمشيئتك لحركتك ، وسكونك بمشيئتك لسكونك ، فقبل ~~حصول مشيئة الحركة لا تتحرك وقبل حصول مشيئة السكون لا تسكن ، وعند حصول ~~مشيئة الحركة لا بد وأن تتحرك . # إذا ثبت هذا فنقول : هذه المشيئة كيف حدثت فإن حدوثها إما أن يكون لا ~~بمحدث أصلا أو يكون بمحدث ، ثم ذلك المحدث إما أن يكون هو العبد أو الله ~~تعالى ، فإن حدثت لا بمحدث فقد لزم نفي الصانع ، وإن كان محدثها هو العبد ~~افتقر في إحداثها إلى مشيئة أخرى ولزم التسلسل ، فثبت أن محدثها هو الله ~~سبحانه وتعالى . # إذا ثبت هذا فنقول : لا اختيار للإنسان في حدوث تلك المشيئة ، وبعد ~~حدوثها فلا اختيار له في ترتب الفعل عليها إلا بالمشيئة به ، ولا حصول ~~الفعل بعد المشيئة ، فالإنسان مضطر في صورة مختار ، فهذا كلام قاهر قوي ، ~~وفي معارضته إشكالان أحدهما : كيف يليق بكمال حكمة الله تعالى إيجاد هذه ~~القبائح والفواحش من الكفر والفسق والثاني : أنه لو كان الكل بتخليقه فكيف ~~توجه الأمر والنهي ، والمدح والذم ، PageV07P114 والثواب والعقاب على العبد ~~، فهذا هو الحرف المعول عليه من / جانب الخصم ، إلا أنه وارد عليه أيضا في ~~العلم على ما قررناه في مواضع عدة . # وأما المرتبة الرابعة في الإيمان بالله : فهي معرفة أحكامه ، ويجب أن ~~يعلم في أحكامه أمورا أربعة أحدها : أنها غير معللة بعلة أصلا ، لأن كل ما ~~كان معللا بعلة كان صاحبه ناقصا بذاته ، كاملا بغيره ، وذلك على الحق ~~سبحانه محال وثانيها : أن يعلم أن المقصود من شرعها منفعة عائدة إلى العبد ~~لا إلى الحق ، فإنه منزه عن ms2081 جلب المنافع ، ودفع المضار وثالثها : أن يعلم ~~أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد ورابعها : أنه يعلم أنه لا ~~يجب لأحد على الحق بسبب أعماله وأفعاله شيء ، وأنه سبحانه في الآخرة يغفر ~~لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ، وأنه لا يقبح منه شيء ، ولا يجب عليه ~~شيء ، لأن الكل ملكه وملكه ، والمملوك المجازى لا حق له على المالك المجازي ~~، فكيف المملوك الحقيقي مع المالك الحقيقي . # وأما الرتبة الخامسة في الإيمان بالله : فمعرفة أسمائه قال في الأعراف { ~~ولله الاسماء الحسنى } ( الأعراف : 180 ) وقال في بني إسرائيل { أيا ما ~~تدعوا فله الاسماء الحسنى } ( الإسراء : 110 ) وقال في طه { الله لا إلاه ~~إلا هو له الاسماء الحسنى } ( طه : 8 ) وقال في آخر الحشر { له الاسماء ~~الحسنى يسبح له ما فى * السماوات والارض } ( الحشر : 24 ) والأسماء الحسنى ~~هي الأسماء الواردة في كتب الله المنزلة على ألسنة أنبيائه المعصومين ، ~~وهذه الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله . # وأما الإيمان بالملائكة ، فهو من أربعة أوجه أولها : الإيمان بوجودها ، ~~والبحث عن أنها روحانية محضة ، أو جسمانية ، أو مركبة من القسمين ، وبتقدير ~~كونها جسمانية فهي أجسام لطيفة أو كثيفة ، فإن كانت لطيفة فهي أجسام ~~نورانية ، أو هوائية ، وإن كانت كذلك فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها ~~بالغة في القوة إلى الغاية القصوى ، فذاك مقام العلماء الراسخين في علوم ~~الحكمة القرآنية والبرهانية . # والمرتبة الثانية في الإيمان بالملائكة : العلم بأنهم معصومون مطهرون { ~~يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } ( النحل : 50 ) { لا يستكبرون عن ~~عبادته ولا يستحسرون } ( الأنبياء : 19 ) فإن لذتهم بذكر الله ، وأنسهم ~~بعبادة الله ، وكما أن حياة كل واحد منا بنفسه الذي هو عبارة عن استنشاق ~~الهواء ، فكذلك حياتهم بذكر الله تعالى ومعرفته وطاعته . # والمرتبة الثالثة : أنهم وسائط بين الله وبين البشر ، فكل قسم منهم متوكل ~~على قسم من أقسام هذا العالم ، كما قال سبحانه : { والصافات صفا * فالزجرات ~~زجرا } ( الصافات : 1 ، 2 ) وقال : { والذريات ذروا * فالحاملات وقرا } ( ~~الذاريات : 1 ، 2 ) وقال : { والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا } ( المرسلات ms2082 ~~: 1 ، 2 ) وقال : { والنازعات غرقا * والناشطات نشطا } ( النازعات : 1 ، 2 ~~) ولقد ذكرنا في تفسير هذه الآيات أسرارا مخفية ، إذا طالعها الراسخون في ~~العلم وقفوا عليها . # / والمرتبة الرابعة : أن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة ~~الملائكة ، قال الله تعالى : { إنه لقول رسول كريم * ذى قوة عند ذى العرش ~~مكين * مطاع ثم أمين } ( التكوير : 19 ، 20 ، 21 ) فهذه المراتب لا بد منها ~~في حصول الإيمان بالملائكة ، فكلما كان غوص العقل في هذه المراتب أشد كان ~~إيمانه بالملائكة أتم . PageV07P115 # وأما الإيمان بالكتب : فلا بد فيه من أمور أربعة أولها : أن يعلم أن هذه ~~الكتب وحي من الله تعالى إلى رسوله ، وأنها ليست من باب الكهانة ، ولا من ~~باب السحر ، ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة وثانيها : أن يعلم ~~أن الوحي بهذه الكتب وإن كان من قبل الملائكة المطهرين ، فالله تعالى لم ~~يمكن أحدا من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الطاهر ~~، وعند هذا يعلم أن من قال : إن الشيطان ألقى قوله : تلك الغرانيق العلا في ~~أثناء الوحي ، فقد قال قولا عظيما ، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن . # والمرتبة الثالثة : أن هذا القرآن لم يغير ولم يحرف ، ودخل فيه فساد قول ~~من قال : إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان رضي الله عنه ، فإن ~~من قال ذلك أخرج القرآن عن كونه حجة . # والمرتبة الرابعة : أن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وأن ~~محكمه يكشف عن متشابهه . # وأما الإيمان بالرسل : فلا بد فيه من أمور أربعة : # المرتبة الأولى : أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب ، وقد أحكمنا هذه ~~المسألة في تفسير قوله { فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه } ( ~~البقرة : 36 ) وجميع الآيات التي يتمسك بها المخالفون قد ذكرنا وجه ~~تأويلاتها في هذا التفسير بعون الله سبحانه وتعالى . # والمرتبة الثانية : من مراتب الإيمان بهم : أن يعلم أن النبي أفضل ممن ~~ليس بنبي ، ومن الصوفية من ينازع في هذا الباب . # المرتبة الثالثة : قال بعضهم : أنهم أفضل من الملائكة ms2083 / وقال كثير من ~~العلماء : إن الملائكة السماوية أفضل منهم ، وهم أفضل من الملائكة الأرضية ~~، وقد ذكرنا هذه المسألة في تفسير قوله { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم } ~~( البقرة : 34 ) ولأرباب المكاشفات في هذه المسألة مباحثات غامضة . # المرتبة الرابعة : أن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض ، وقد بينا ذلك في ~~تفسير قوله تعالى : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض } ( البقرة : 253 ) ~~ومنهم من أنكر ذلك وتمسك بقوله تعالى له في هذه الآية { لا نفرق بين أحد من ~~رسله } ( البقرة : 253 ) . # / وأجاب العلماء عنه بأن المقصود من هذا الكلام شيء آخر ، وهو أن الطريق ~~إلى إثبات نبوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا كانوا حاضرين هو ظهور ~~المعجزة على وفق دعاويهم ، فإذا كان هذا هو الطريق ، وجب في حق كل من ظهرت ~~المعجزة على وفق دعواه أن يكون صادقا ، وإن لم يصح هذا الطريق وجب أن لا ~~يدل في حق أحد منهم على صحة رسالته ، فأما أن يدل على رسالة البعض دون ~~البعض فقول فاسد متناقض ، والغرض منه تزييف طريقة اليهود والنصارى الذين ~~يقرون بنبوة موسى وعيسى ، ويكذبون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذا هو ~~المقصود من قوله تعالى : { لا نفرق بين أحد من رسله } لا ما ذكرتم من أنه ~~لا يجوز أن يكون بعضهم أفضل من البعض فهذا هو الإشارة إلى أصول الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله . # المسألة الثالثة : قرأ حمزة { * وكتابه } على الواحد ، والباقون { أوتى ~~كتابه } على الجمع ، أما الأول ففيه وجهان PageV07P116 أحدهما : أن المراد ~~هو القرآن ثم الإيمان به ويتضمن الإيمان بجميع الكتب والرسل والثاني : على ~~معنى الجنس فيوافق معنى الجمع ، ونظيره قوله تعالى : { فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق } ( البقرة : 213 ) . # فإن قيل : اسم الجنس إنما يفيد العموم إذا كان مقرونا بالألف واللام ، ~~وهذه مضافة . # قلنا : قد جاء المضاف من الأسماء ونعني به الكثرة ، قال الله تعالى : { ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) وقال الله تعالى : { أحل ~~لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ( البقرة ms2084 : 187 ) وهذا الإحلال شائع في ~~جميع الصيام قال العلماء : والقراءة بالجمع أفضل لمشاكلة ما قبله وما بعده ~~من لفظ الجمع ولأن أكثر القراءة عليه ، واعلم أن القراء أجمعوا في قوله { ~~ورسله } على ضم السين ، وعن أبي عمرو سكونها ، وعن نافع { وكتبه ورسله } ~~مخففين ، وحجة الجمهور أن أصل الكلمة على فعل بضم العين ، وحجة أبي عمرو هي ~~أن لا تتوالى أربع متحركات ، لأنهم كرهوا ذلك ، ولهذا لم تتوال هذه الحركات ~~في شعر إلا أن يكون مزاحفا ، وأجاب الأولون أن ذلك مكروه في الكلمة الواحدة ~~أما في الكلمتين فلا بدليل أن الإدغام غير لازم في وجعل ذلك مع أنه قد ~~توالى فيه خمس متحركات ، والكلمة إذا اتصل بها ضمير فهي كلمتان لا كلمة ~~واحدة . # المسألة الرابعة : قوله { لا نفرق بين أحد من رسله } فيه محذوف ، ~~والتقدير : يقولون لا نفرق بين أحد من رسله كقوله { والملئكة باسطوا أيديهم ~~أخرجوا } ( الأنعام : 93 ) معناه يقولون : أخرجوا وقال : { والذين اتخذوا ~~من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله } ( الزمر : 3 ) أي قالوا ~~هذا . # المسألة الخامسة : قرأ أبو عمرو { يفرق } بالياء على أن الفعل لكل ، وقرأ ~~عبد الله { لا * يفرقون } . # المسألة السادسة : أحد في معنى الجمع ، كقوله { فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين } ( الحاقة : 47 ) والتقدير : / لا نفرق بين جميع رسله ، هذا هو ~~الذي قالوه ، وعندي أنه لا يجوز أن يكون أحد ههنا في معنى الجمع ، لأنه ~~يصير التقدير : لا نفرق بين جميع رسله ، وهذا لا ينافي كونهم مفرقين بين ~~بعض الرسل والمقصود بالنفي هو هذا ، لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرقون ~~بين كل الرسل ، بل بين البعض وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فثبت أن ~~التأويل الذي ذكروه باطل ، بل معنى الآية : لا نفرق بين أحد من الرسل ، ~~وبين غيره في النبوة ، فإذا فسرنا بهذا حصل المقصود من الكلام ، والله أعلم ~~. # ثم قال الله تعالى : { وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : الكلام في نظم هذه الآية من وجوه الأول ms2085 : وهو أن كمال ~~الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، واستكمال القوة ~~النظرية بالعلم ، واستكمال القوة العملية بفعل الخيرات ، والقوة النظرية ~~أشرف من القوة العملية ، والقرآن مملوء من ذكرهما بشرط أن تكون القوة ~~النظرية مقدمة على العملية قال عن إبراهيم { رب هب لى حكما وألحقنى ~~بالصالحين } ( الشعراء : 83 ) فالحكم كمال القوة النظرية { وألحقنى ~~بالصالحين } كمال القوة العملية ، وقد أطنبنا في شواهد هذا المعنى من ~~القرآن فيما تقدم من هذا الكتاب . PageV07P117 # إذا عرفت هذا فنقول : الأمر في هذه الآية أيضا كذلك ، فقوله { كل ءامن ~~بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } إشارة إلى استكمال ~~القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة وقوله { وقالوا سمعنا وأطعنا } إشارة ~~إلى استكمال القوة العملية الإنسانية بهذه الأعمال الفاضلة الكاملة ، ومن ~~وقف على هذه النكتة علم اشتمال القرآن على أسرار عجيبة غفل عنها الأكثرون . # والوجه الثاني : من النظم في هذه الآية أن للإنسان أياما ثلاثة : الأمس ~~والبحث عنه يسمى بمعرفة المبدأ واليوم الحاضر ، والبحث عنه يسمى بعلم الوسط ~~، والغد والبحث عنه يسمى بعلم المعاد والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب ~~الثلاثة قال في آخر سورة هود { ولله غيب * السماوات والارض * وإليه يرجع ~~الامر كله } ( هود : 123 ) وذلك إشارة إلى معرفة المبدأ ولما كانت الكمالات ~~الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، لا جرم ذكرها في هذه الآية ، وقوله { ~~ولله غيب * السماوات والارض } إشارة إلى كمال العلم ، وقوله { وإليه يرجع ~~الامر كله } إشارة إلى كمال القدرة ، فهذا هو الإشارة إلى علم المبدأ ، ~~وأما علم الوسط وهو علم ما يجب اليوم أن يشتغل به ، فله أيضا مرتبتان : ~~البداية والنهاية أما البداية فالاشتغال بالعبودية ، وأما النهاية فقطع ~~النظر عن الأسباب ، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب ، وذلك هو المسمى ~~بالتوكل ، فذكر هذين المقامين ، فقال : { فاعبده وتوكل عليه } ( هود : 123 ~~) وأما علم المعاد فهو قوله { وما ربك بغافل عما يعملون } ( الأنعام : 132 ~~) أي فيومك غدا سيصل فيه نتائج أعمالك إليك ، فقد اشتملت هذه الآية على ~~كمال ما يبحث ms2086 عنه في هذه المراتب الثلاثة ، ونظيرها أيضا قوله / سبحانه ~~وتعالى : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } ( الصافات : 180 ) وهو إشارة ~~إلى علم المبدأ ، ثم قال : { وسلام على المرسلين } ( الصافات : 181 ) وهو ~~إشارة إلى علم الوسط ، ثم قال : { والحمد لله رب العالمين } ( الصافات : ~~182 ) وهو إشارة إلى علم المعاد على ما قال في صفة أهل الجنة { دعواهم فيها ~~سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 100 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : تعريف هذه المراتب الثلاثة مذكور في آخر سورة ~~البقرة ، فقوله { الرسول بما } إلى قوله { لا نفرق بين أحد من رسله } إشارة ~~إلى معرفة المبدأ ، وقوله { وقالوا سمعنا وأطعنا } إشارة إلى علم الوسط ، ~~وهو معرفة الأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عالما مشتغلا بها ، ما دام ~~يكون في هذه الحياة الدنيا ، وقوله { غفرانك ربنا وإليك المصير } إشارة إلى ~~علم المعاد ، والوقوف على هذه الأسرار ينور القلب ويجذبه من ضيق عالم ~~الأجسام إلى فسحة عالم الأفلاك ، وأنوار بهجة السماوات . # الوجه الثالث في النظم : أن المطالب قسمان أحدهما : البحث عن حقائق ~~الموجودات والثاني : البحث عن أحكام الأفعال في الوجوب والجواز والحظر ، ~~أما القسم الأول فمستفاد من العقل والثاني مستفاد من السمع والقسم الأول هو ~~المراد بقوله { والمؤمنون كل ءامن بالله } والقسم الثاني هو المراد بقوله { ~~وقالوا سمعنا وأطعنا } . # المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله قوله { سمعنا وأطعنا } أي سمعنا ~~قوله وأطعنا أمره ، إلا أنه حذف المفعول ، لأن في الكلام دليلا عليه من حيث ~~مدحوا به . # وأقول : هذا من الباب الذي ذكره عبد القاهر النحوي رحمه الله أن حذف ~~المفعول فيه ظاهرا وتقديرا أولى لأنك إذا جعلت التقدير : سمعنا قوله ، ~~وأطعنا أمره ، فإذن ههنا قول آخر غير قوله ، وأمر آخر يطاع سوى PageV07P118 ~~أمره ، فإذا لم يقدر فيه ذلك المفعول أفاد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه ~~إلا قوله وليس في الوجود أمر يقال في مقابلته : أطعنا إلا أمره فكان حذف ~~المفعول صورة ومعنى في هذا الموضع أولى . # المسألة الثالثة : إعلم أنه تعالى لما وصف إيمان ms2087 هؤلاء المؤمنين وصفهم ~~بعد ذلك بأنهم يقولون : سمعنا وأطعنا ، فقوله { سمعنا } ليس المراد منه ~~السماع الظاهر ، لأن ذلك لا يفيد المدح ، بل المراد أنا سمعناه بآذان ~~عقولنا ، أي عقلناه وعلمنا صحته ، وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان ~~الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلينا فهو حق صحيح واجب القبول ~~والسمع بمعنى القبول والفهم وارد في القرآن ، قال الله تعالى : { إن فى ~~ذالك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } ( ق: 37 ) والمعنى : ~~لمن سمع الذكرى بفهم حاضر ، وعكسه قوله تعالى : { كأن لم يسمعها كأن فى ~~أذنيه وقرا } ( لقمان : 7 ) ثم قال بعد ذلك { وأطعنا } فدل هذا على أنه كما ~~صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها فجمع الله تعالى بهذين ~~اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكليف علما وعملا . # / ثم حكي عنهم بعد ذلك أنهم قالوا { غفرانك ربنا وإليك المصير } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية سؤال ، وهو أن القوم لما قبلوا التكاليف ~~وعملوا بها ، فأي حاجة بهم إلى طلبهم المغفرة . # والجواب من وجوه الأول : أنهم وإن بذلوا مجهودهم في أداء هذه التكاليف ~~إلا أنهم كانوا خائفين من تقصير يصدر عنهم ، فلما جوزوا ذلك قالوا { غفرانك ~~ربنا } ومعناه أنهم يلتمسون من قبله الغفران فيما يخافون من تقصيرهم فيما ~~يأتون ويذرون والثاني : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنه ~~ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) فذكروا ~~لهذا الحديث تأويلات من جملتها أنه عليه الصلاة والسلام كان في الترقي في ~~درجات العبودية فكان كلما ترقى من مقام إلى مقام أعلى من الأول رأى الأول ~~حقيرا ، فكان يستغفر الله منه ، فحمل طلب الغفران في القرآن في هذه الآية ~~على هذا الوجه أيضا غير مستبعد والثالث : أن جميع الطاعات في مقابلة حقوق ~~إلاهيته جنايات ، وكل أنواع المعارف الحاصلة عند الخلق في مقابلة أنوار ~~كبريائه تقصير وقصور وجهل ، ولذلك قال : { وما قدروا الله حق قدره } ( ~~الأنعام : 91 ) وإذا كان كذلك فالعبد ms2088 في أي مقام كان من مقام العبودية ، ~~وإن كان عالما جدا إذا قوبل ذلك بجلال كبرياء الله تعالى صار عين التقصير ~~الذي يجب الاستغفار منه ، وهذا هو السر في قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم : { فاعلم أنه لا إلاه إلائ الله واستغفر لذنبك } ( محمد : 19 ) فإن ~~مقامات عبوديته وإن كانت عالية إلا أنه كان ينكشف له في درجات مكاشفاته ~~أنها بالنسبة إلى ما يليق بالحضرة الصمدية عن التقصير ، فكان يستغفر منها ، ~~وكذلك حكي عن أهل الجنة كلامهم فقال { دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم ~~فيها سلام } ( يونس : 10 ) فسبحانك اللهم إشارة إلى التنزيه . # ثم إنه قال : { دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : ~~10 ) يعني أن كل الحمد لله وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا ~~على ذكره بألسنتنا . # المسألة الثانية : قوله { غفرانك } تقديره : اغفر غفرانك ، ويستغني ~~بالمصدر عن الفعل في الدعاء نحو PageV07P119 سقيا ورعيا ، قال الفراء : هو ~~مصدر وقع موقع الأمر فنصب ، ومثله الصلاة الصلاة ، والأسد الأسد ، وهذا ~~أولى من قول من قال : نسألك غفرانك لأن هذه الصيغة لما كانت موضوعة لهذا ~~المعنى ابتداء كانت أدل عليه ، ونظيره قولك : حمدا حمدا ، وشكرا شكرا ، أي ~~أحمد حمدا ، وأشكر شكر . # المسألة الثالثة : أن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين أحدهما : بالإضافة ~~إليه ، وهو قوله { غفرانك } والثاني : أردفه بقوله { ربنا } وهذان القيدان ~~يتضمنان فوائد إحداها : أنت الكامل في هذه الصفة ، فأنت غافر الذنب ، وأنت ~~غفور { وربك الغفور } ( الكهف : 58 ) { وهو الغفور الودود } ( البروج : 14 ~~) وأنت / الغفار { استغفروا ربكم إنه كان غفارا } ( نوح : 10 ) يعني أنه ~~ليست غفاريته من هذا الوقت ، بل كانت قبل هذا الوقت غفار الذنوب ، فهذه ~~الغفارية كالحرفة له ، فقوله ههنا { غفرانك } يعني أطلب الغفران منك وأنت ~~الكامل في هذه الصفة ، والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة ، ~~فقوله { غفرانك } طلب لغفران كامل ، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب ~~بفضله ورحمته ، ويبدلها بالحسنات ، كما قال : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات } ( الفرقان : 70 ) وثانيها : روي ms2089 في الحديث الصحيح ( إن لله مائة ~~جزء من الرحمة قسم جزءا واحدا منها على الملائكة والجن والإنس وجميع ~~الحيوانات ، فيها يتراحمون ، وادخر تسعة وتسعين جزءا ليوم القيامة ) فأظن ~~أن المراد من قوله { غفرانك } هو ذلك الغفران الكبير ، كان العبد يقول : هب ~~أن جرمي كبير لكن غفرانك أعظم من جرمي وثالثها : كأن العبد يقول : كل صفة ~~من صفات جلالك وإلاهيتك ، فإنما يظهر أثرها في محل معين ، فلولا الوجود بعد ~~العدم لما ظهرت آثار قدرتك ، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ~~ظهرت آثار علمك ، فكذا لولا جرم العبد وجنايته ، وعجزه وحاجته ، لما ظهرت ~~آثار غفرانك ، فقوله { غفرانك } معناه طلب الغفران الذي لا يمكن ظهور أثره ~~إلا في حقي ، وفي حق أمثالي من المجرمين . # وأما القيد الثاني : وهو قوله { ربنا } ففيه فوائد أولها : ربيتني حين ما ~~لم أذكرك بالتوحيد ، فكيف يليق بكرمك أن لا تريني عندما أفنيت عمري في ~~توحيدك وثانيها : ربيتني حين كنت معدوما ، ولو لم تربني في ذلك الوقت لما ~~تضررت به ، لأني كنت أبقى حينئذ في العدم / وأما الآن فلو لم تربني وقعت في ~~الضرر الشديد ، فأسألك أن لا تهملي وثالثها : ربيتني في الماضي فاجعل لي في ~~الماضي شفيعي إليك في أن تربيني في المستقبل ورابعها : ربيتني في الماضي ~~فإتمام المعروف خير من ابتدائه ، فتمم هذه التربية بفضلك ورحمتك . # ثم قال الله تعالى : { وإليك المصير } وفيه فائدتان إحداهما : بيان أنهم ~~كما أقروا بالمبدأ فكذلك أقروا بالمعاد ، لأن الإيمان بالمبدأ أصل الإيمان ~~بالمعاد ، فإن من أقر أن الله عالم بالجزئيات ، وقادر على كل الممكنات ، لا ~~بد وأن يقر بالمعاد والثانية : بيان أن العبد متى علم أنه لا بد من المصير ~~إليه ، والذهاب إلى حيث لا حكم إلا حكم الله ، ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا ~~بإذن الله ، كان إخلاصه في الطاعات أتم ، واحترازه عن السيئات أكمل ، ~~وهاهنا آخر ما شرح الله تعالى من إيمان المؤمنين . # PageV07P120 ! 7 < { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت ربنا لا تؤاخذنآ ms2090 إن نسينآ أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنآ أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } . > 7 @QB@ < # | البقرة : ( 286 ) لا يكلف الله . . . . . # > > # / إعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } يحتمل أن يكون ~~ابتداء خبر من الله ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين على نسق ~~الكلام في قوله { وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } ( البقرة ~~: 285 ) وقالوا { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ويؤيد ذلك ما أردفه من ~~قوله { ربنا لا تؤاخذنا } ( البقرة : 286 ) فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم ~~في التمسك بالإيمان والعمل الصالح وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم ~~بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها . # المسألة الثانية : في كيفية النظم : إن قلنا إن هذا من كلام المؤمنين ~~فوجه النظم أنهم لما قالوا { سمعنا وأطعنا } فكأنهم قالوا : كيف لا نسمع ~~ولا نطيع ، وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا ، فإذا كان هو ~~تعالي بحكم الرحمة الإلاهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين ، فكذلك نحن ~~بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين ، وإن قلنا : إن هذا من كلام الله ~~تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا { سمعنا وأطعنا } ثم قالوا بعده { غفرانك ~~ربنا } دل ذلك على أن قولهم { غفرانك } طلبا للمغفرة فيما يصدر عنهم من ~~وجوه التقصير منهم على سبيل العمد فلما كان قولهم : { غفرانك } طلبا ~~للمغفرة في ذلك التقصير ، لا جرم خفف الله تعالى عنهم ذلك وقال : { لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها } والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم ، وما تعمدتم التقصير ~~، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا ~~خائفين منه فإن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وبالجملة فهذا إجابة ~~لهم في دعائهم في قولهم { غفرانك ربنا } . # المسألة الثالثة : يقال : كلفته الشيء فتكلف ، والكلف اسم منه ، والوسع ~~ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا ms2091 يحرج فيه ، قال الفراء : هو اسم كالوجد ~~والجهد ، وقال بعضهم : الوسع دون المجهود في المشقة ، وهو ما يتسع له قدرة ~~الإنسان . # المسألة الرابعة : المعتزلة عولوا على هذه الآية في أنه تعالى لا يكلف ~~العبد ما لا يطيقه ولا يقدر عليه ، ونظيره قوله تعالى : { وما جعل عليكم فى ~~الدين من حرج } ( الحج : 78 ) وقوله { يريد الله أن يخفف عنكم } ( النساء : ~~28 ) وقوله { يريد الله بكم اليسر } وقالوا : هذه الآية صريحة في نفي تكليف ~~ما لا يطاق ، قالوا : وإذا ثبت هذا فههنا أصلان الأول : أن العبد موجد ~~لأفعال نفسه ، فإنه لو كان موجدها هو الله تعالى ، لكان تكليف العبد بالفعل ~~تكليفا بما لا يطاق ، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة ولا قدرة ~~ألبتة للعبد على ذلك الفعل ولا على تركه ، أما إنه لا قدرة له على الفعل ~~فلأن ذلك الفعل / وجد بقدرة الله تعالى ، والموجود لا يوجد ثانيا ، وأما ~~إنه لا قدر له على الدفع فلأن قدرته أضعف من قدرة الله تعالى ، فكيف ~~PageV07P121 تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى وإذا لم يخلق الله الفعل ~~استحال أن يكون للعبد قدرة على التحصيل / فثبت أنه لو كان الموجد لفعل ~~العبد هو الله تعالى لكان تكليف العبد بالفعل تكليفا بما لا يطاق والثاني : ~~أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادرا ~~على الإيمان ، فكان ذلك التكليف بما لا يطاق هذا تمام استدلال المعتزلة في ~~هذا الموضع . # أما الأصحاب فقالوا : دلت الدلائل العقلية على وقوع التكليف على هذا ~~الوجه ، فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية . # الحجة الأولى : أن من مات على الكفر ينبىء موته على الكفر أن الله تعالى ~~كان عالما في الأزل بأنه يموت على الكفر ولا يؤمن قط ، فكان العلم بعدم ~~الإيمان موجودا ، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان على ما قررناه في ~~مواضع ، وهو أيضا مقدم بينة بنفسها ، فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم ~~بعدم الإيمان تكليفا بالجمع بين النقيضين ، وهذه الحجة كما أنها جارية ms2092 في ~~العلم ، فهي أيضا جارية في الجبر . # الحجة الثانية : أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداهي ، وتلك الداعية ~~مخلوقة لله تعالى ومتى كان الأمر كذلك كان تكليف ما لا يطاق لازما ، إنما ~~قلنا : إن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي ، لأن قدرة العبد لما كانت ~~صالح للفعل والترك ، فلو ترجح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجح لزم وقوع ~~الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع ، وإنما قلنا : إن تلك الداعية من الله ~~تعالى لأنها لو كانت من العبد لافتقر إيجادها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل ~~، وإنما قلنا : إنه متى كان الأمر كذلك لزم الجبر ، لأن عند حصول الداعية ~~المرجحة لأحد الطرفين صار الطرف الآخر مرجوحا ، والمرجوح ممتنع الوقوع ، ~~وإذا كان المرجوح ممتنعا كان الراجح واجبا ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين ، ~~فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعا وهو مكلف به ، فكان التكليف تكليف ~~ما لا يطاق . # الحجة الثالثة : أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء الداعيين ~~، أو حال رجحان أحدهما ، فإن كان الأول فهو تكليف ما لا يطاق ، لأن ~~الاستواء يناقض الرجحان ، فإذا كلف حال حصول الاستواء بالرجحان ، فقد كلف ~~بالجمع بين النقيضين ، وإن كان الثاني فالراجح واجب ، والمرجوح ممتنع ، وإن ~~وقع التكليف بالراجح فقد وقع بالواجب ، وإن وقع بالمرجوح فقد وقع بالممتنع ~~. # الحجة الرابعة : أنه تعالى كلف أبا لهب الإيمان ، والإيمان تصديق الله في ~~كل ما أخبر / عنه ، وهو مما أخبر أنه لا يؤمن ، فقد صار أبو لهب مكلفا بأن ~~يؤمن بأنه لا يؤمن ، وذلك تكليف ما لا يطاق . # الحجة الخامسة : العبد غير عالم بتفاصيل فعله ، لأن من حرك أصبعه لم يعرف ~~عدد الأحيان التي حرك أصبعه فيها ، لأن الحركة البطيئة عبارة عند المتكلمين ~~عن حركات مختلطة بسكنات ، والعبد لم يخطر بباله أنه يتحرك في بعض الأحيان ، ~~ويسكن في بعضها ، وأنه أين تحرك وأين سكن ، وإذا لم يكن عالما بتفاصيل فعله ~~لم يكن موجدا لها ، لأنه لم يقصد إيجاد ذلك العدد المخصوص من ms2093 الأفعال ، فلو ~~فعل ذلك العدد دون الأزيد ودون الأنقص فقد ترجح الممكن لا لمرجح وهو محال ، ~~فثبت أن العبد غير موجد ، فإذا لم يكن موجدا كان تكليف ما لا يطاق لازما ~~على ما ذكرتم ، فهذه وجوه عقلية قطعية يقينية في هذا الباب ، فعلمنا أنه ~~PageV07P122 لا بد للآية من التأويل وفيه وجوه الأول : وهو الأصوب : أنه قد ~~ثبت أنه متى وقع التعارض من القاطع العقلي ، والظاهر السمعي ، فإما أن ~~يصدقهما وهو محال ، لأنه جمع بين النقيضين ، وإما أن يكذبهما وهو محال ، ~~لأنه إبطال النقيضين ، وإما أن يكذب القاطع العقلي ، ويرجح الظاهر السمعي ، ~~وذلك يوجب تطرق الطعن في الدلائل العقلية ، ومتى كان كذلك بطل التوحيد ~~والنبوة والقرآن ، وترجيح الدليل السمعي يوجب القدح في الدليل العقلي ~~والدليل السمعي معا / فلم يبق إلا أن يقطع بصحة الدلائل العقلية ، ويحمل ~~الظاهر السمعي على التأويل ، وهذا الكلام هو الذي تعول المعتزلة عليه أبدا ~~في دفع الظواهر التي تمسك بها أهل التشبيه ، فبهذا الطريق علمنا أن لهذه ~~الآية تأويلا في الجملة ، سواء عرفناه أو لم نعرفه ، وحينئذ لا يحتاج إلى ~~الخوض فيه على سبيل التفصيل . # الوجه الثاني في الجواب : هو أنه لا معنى للتكليف في الأمر والنهي إلا ~~الإعلام بأنه متى فعل كذا فإنه يثاب ، ومتى لم يفعل فإنه يعاقب ، فإذا وجد ~~ظاهر الأمر فإن كان المأمور به ممكنا كان ذلك أمرا وتكليفا في الحقيقة ، ~~وإلا لم يكن في الحقيقة تكليفا ، بل كان إعلاما بنزول العقاب به في الدار ~~الآخرة ، وإشعارا بأنه إنما خلق للنار . # والجواب الثالث : وهو أن الإنسان ما دام لم يمت ، وأنا لا ندري أن الله ~~تعالى علم منه أنه يموت على الكفر أو ليس كذلك ، فنحن شاكون في قيام المانع ~~، فلا جرم نأمره بالإيمان ونحثه عليه ، فإذا مات على الكفر علمنا بعد موته ~~أن المانع كان قائما في حقه . فتبين أن شرط التكليف كان زائلا عنه حال ~~حياته ، وهذا قول طائفة من قدماء أهل الجبر . # الجواب الرابع : أنا بينا أن قوله { لا يكلف ms2094 الله نفسا إلا وسعها } ليس ~~قول الله تعالى ، بل هو قول المؤمنين ، فلا يكون حجة ، إلا أن هذا ضعيف ، ~~وذلك لأن الله تعالى لما حكاه عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم ، ~~فبسبب هذا الكلام وجب أن يكونوا صادقين في هذا الكلام ، / إذ لو كانوا ~~كاذبين فيه لما جاز تعظيمهم بسببه ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في هذا ~~الموضع ونسأل الله العظيم أن يرحم عجزنا وقصور فهمنا ، وأن يعفو عن خطايانا ~~، فإنا لا نطلب إلا الحق ، ولا نروم إلا الصدق . # أما قوله تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أنه هل في اللغة فرق بين الكسب والاكتساب ، ~~قال الواحدي رحمه الله : الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا ~~فرق بينهما ، قال ذو الرمة : # ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب # والقرآن أيضا ناطق بذلك ، قال الله تعالى : { كل نفس بما كسبت رهينة } ( ~~المدثر : 38 ) وقال : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ( الأنعام : 164 ) ~~وقال : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به * خطيئة } ( البقرة : 81 ) وقال : { ~~والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } ( الأحزاب : 58 ) فدل ~~هذا على إقامة كل واحد من هذين اللفظين مقام الآخر ، ومن الناس من سلم ~~الفرق ، ثم فيه قولان أحدهما : أن الاكتساب أخص من الكسب ، لأن الكسب ينقسم ~~إلى كسبه لنفسه ولغيره ، والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب الإنسان لنفسه ~~PageV07P123 خاصة يقال فلان كاسب لأهله ، ولا يقال مكتسب لأهله والثاني : ~~قال صاحب ( الكشاف ) : إنما خص الخير بالكسب ، والشر بالاكتساب ، لأن ~~الاكتساب اعتمال ، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس ، وهي منجذبة إليه ، ~~وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد ، فجعلت لهذا المعنى مكتسبة فيه ولما ~~لم يكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال والله أعلم . # المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبد بإيجاده ~~وتكوينه ، قالوا لأن الآية صريحة في إضافة خيره وشره إليه ولو كان ذلك ~~بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة ويجري ms2095 صدور أفعاله منه مجرى لونه ~~وطوله وشكله وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها ألبتة والكلام فيه معلوم ~~وبالله التوفيق ، قال القاضي : لو كان خالقا أفعالهم فما الفائدة في ~~التكليف ، وأما الوجه في أن يسألوه أن لا يثقل عليهم والثقيل على قولهم ~~كالخفيف في أنه تعالى يخلقه فيهم وليس يلحقهم به نصب ولا لغوب . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة ~~قالوا : لأنه تعالى أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع ، فبين أن لها ثواب ما ~~كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت ، وهذا صريح في أن هذين الاستحقاقين يجتمعان ، ~~وأنه لا يلزم من طريان أحدهما زوال الآخر ، قال الجبائي : ظاهر الآية وإن ~~دل على الإطلاق إلا أنه مشروط والتقدير : لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح ~~إذا لم تبطله ، وعليها ما اكتسبت من العقاب إذا لم تكفره بالتوبة ، وإنما ~~صرنا إلى إضمار هذا / الشرط لما بينا أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة ~~دائمة وأن العقاب يجب أن يكون مضرة خالصة دائمة ، والجمع بينهما محال في ~~العقول ، فكان الجمع بين استحقاقيهما أيضا محالا . # واعلم أن الكلام على هذه المسألة مر على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى : ~~{ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى } ( القرة : 264 ) فلا نعيده . # المسألة الرابعة : احتج كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن الله تعالى ~~لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم ، ووجه الاستدلال ظاهر فيه ، ونظيره قوله ~~تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الأنعام : 164 ) . # المسألة الخامسة : الفقهاء تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الأصل في ~~الإمساك البقاء والاستمرار ، لأن اللام في قوله { لها ما كسبت } يدل على ~~ثبوت هذا الاختصاص ، وتأكد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : ( كل امرىء أحق ~~بكسبه من والده وولده وسائر الناس أجمعين ) وإذا تمهد هذا الأصل خرج عليه ~~شيء كثير من مسائل الفقه . # منها أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ~~، وهو قوله : { لها ما كسبت } والعارض الموجود ، إما الغضب ، وإما الضمان ، ~~وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل ms2096 أم الولد والمدبرة . # ومنها أنه إذا غصب ساحة وأدرجها في بنائه ، أو غصب حنطة فطحنها لا يزول ~~الملك لقوله { لها ما كسبت } . # ومنها أنه لا شفعة للجار ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله { ~~لها ما كسبت } والفرق بين الشريك والجار ظاهر بدليل أن الجار لا يقدم على ~~الشريك ، وذلك يمنع من حصول الاستواء ولأن التضرر PageV07P124 بمخالطة ~~الجار أقل ولأن في الشركة يحتاج إلى تحمل مؤنة القسمة وهذا المعنى مفقود في ~~الجار . # ومنها أن القطع لا يمنع وجوب الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، ~~وهو قوله { لها ما كسبت } والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى ~~كان باقيا قائما ، فإنه يجب رده على المالك ، ولا يكون القطع مقتضيا زوال ~~ملكه عنه . # ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به ، وجوابه أن الدلائل الموجبة ~~للزكاة أخص ، والخاص مقدم على العام ، وبالجملة فهذه الآية أصل كبير في ~~فروع الفقه والله أعلم . # ثم إعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين دعاءهم ، وذلك لأنه صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( الدعاء مخ العبادة ) لأن الداعي يشاهد نفسه في مقام الفقر ~~والحاجة والذلة والمسكنة ويشاهد جلال الله تعالى وكرمه وعزته وعظمته بنعت ~~الاستغناء والتعالي ، وهو المقصود من جميع العبادات والطاعات فلهذا السبب ~~ختم هذه السورة الشريفة المشتملة على هذه العلوم العظيمة بالدعاء والتضرع ~~إلى الله والكلام / في حقائق الدعاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى : { وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب } ( البقرة : 186 ) فقال : { ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : إعلم أنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء ~~، وذكر في مطلع كل واحد منها قوله { ربنا } إلا في النوع الرابع من الدعاء ~~فإنه حذف هذه الكلمة عنها وهو قوله { واعف عنا واغفر لنا } . # أما النوع الأول فهو قوله { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا ، وإنما جاء بلفظ المفاعلة ~~وهو فعل واحد ، لأن الناسي قد أمكن من نفسه ، وطرق السبيل ms2097 إليها بفعله ، ~~فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه ، وعندي فيه وجه آخر ، ~~وهو أن الله يأخذ المذنب بالعقوبة ، فالمذنب كأنه يأخذ ربه بالمطالبة ~~بالعفو والكرم ، فإنه لا يجد من يخلصه من عذابه إلا هو ، فلهذا يتمسك العبد ~~عند الخوف منه به ، فلما كان كل واحد منهما يأخذ الآخر عبر عنه بلفظ ~~المؤاخذة . # المسألة الثانية : في النسيان وجهان الأول : أن المراد منه هو النسيان ~~نفسه الذي هو ضد الذكر . # فإن قيل : أليس أن فعل الناسي في محل العفو بحكم دليل العقل حيث لا يجوز ~~تكليف ما لا يطاق وبدليل السمع وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( رفع عن ~~أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإذا كان النسيان في محل العفو قطعا ~~فما معنى طلب العفو عنه في الدعاء ) . # والجواب : عنه من وجوه الأول : أن النسيان منه ما يعذر فيه صاحبه ، ومنه ~~ما لا يعذر ألا ترى أن من رأى في ثوبه دما فأخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو ~~على ثوبه عد مقصرا ، إذ كان يلزمه المبادر إلى إزالته وأما إذا لم يره في ~~ثوبه فإنه يعذر فيه ، ومن رمى صيدا في موضع فأصاب إنسانا فقد يكون بحيث لا ~~يعلم الرامي أنه يصيب ذلك الصيد أو غيره فإذا رمى ولم يتحرز كان ملوما أما ~~إذا لم تكن أمارات الغلط ظاهرة ثم رمى وأصاب إنسانا كان ههنا معذورا ، ~~وكذلك الإنسان إذا تغافل عن الدرس والتكرار حتى نسي القرآن يكون ~~PageV07P125 ملوما ، وأما إذا واظب على القراءة ، لكنه بعد ذلك نسي فههنا ~~يكون معذورا ، فثبت أن النسيان على قسمين ، منه ما يكون معذورا ، ومنه ما ~~لا يكون معذورا ، وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يذكر حاجته ~~شد خيطا في أصبعه فثبت بما ذكرنا أن الناسي قد لا يكون معذورا ، وذلك ما ~~إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر ، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه ~~بالدعاء . # الوجه الثاني في الجواب : أن يكون هذا دعاء على سبيل التقدير وذلك ms2098 لأن ~~هؤلاء المؤمنين الذين ذكروا هذا الدعاء كانوا متقين لله حق تقاته ، فما كان ~~يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه / النسيان والخطأ ، فكان وصفهم بالدعاء ~~بذلك إشعارا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به كأن قيل : إن كان النسيان مما ~~تجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به . # الوجه الثالث في الجواب : أن المقصود من الدعاء إظهار التضرع إلى الله ~~تعالى ، لا طلب الفعل ، ولذلك فإن الداعي كثيرا ما يدعو بما يقطع بأن الله ~~تعالى يفعله سواء دعا أو لم يدع ، قال الله تعالى : { قال رب احكم بالحق } ~~( الأنبياء : 112 ) وقال : { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم ~~القيامة } ( آل عمران : 194 ) وقالت الملائكة في دعائهم { فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك } ( غافر : 7 ) فكذا في هذه الآية العلم بأن النسيان ~~مغفور لا يمنع من حسن طلبه في الدعاء . # الوجه الرابع في الجواب : أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلا ، وذلك لأن ~~الإنسان إذا علم أنه بعد النسيان يكون مؤاخذا فإنه بخوف المؤاخذة يستديم ~~الذكر ، فحينئذ لا يصدر عنه إلا أن استدامة ذلك التذكر فعل شاق على النفس ، ~~فلما كان ذلك جائزا في العقول ، لا جرم حسن طلب المغفرة منه بالدعاء . # الوجه الخامس : أن أصحابنا الذين يجوزون تكليف ما لا يطاق يتمسكون بهذه ~~الآية فقالوا الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل ، فلولا أنه جائز عقلا ~~من الله تعالى أن يعاقب عليه لما طلب بالدعاء ترك المؤاخذة عليه . # والقول الثاني : في تفسير النسيان ، أن يحمل على الترك ، قال الله تعالى ~~: { فنسى ولم نجد له عزما } ( طه : 115 ) وقال تعالى : { نسوا الله فنسيهم ~~} ( التوبة : 67 ) أي تركوا العمل لله فتركهم ، ويقول الرجل لصاحبه : لا ~~تنسني من عطيتك ، أي لا تتركني ، فالمراد بهذا النسيان أن يترك الفعل ~~لتأويل فاسد ، والمراد بالخطأ ، أن يفعل الفعل لتأويل فاسد . # المسألة الثالثة : علم أن النسيان والخطأ المذكورين في هذه الآية إما أن ~~يكونا مفسرين بتفسير ينبغي فيه القصد إلى فعل ما لا ينبغي ، أو يكون أحدهما ~~كذلك دون ms2099 الآخر ، فأما الاحتمال الأول فإنه يدل على حصول العفو لأصحاب ~~الكبائر ، لأن العمد إلى المعصية لما كان حاصلا في النسيان وفي الخطأ ثم ~~إنه تعالى أمر المسلمين أن يدعوه بقولهم { لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ~~فكان ذلك أمرا من الله تعالى لهم بأن يطلبوا من الله أن لا يعذبهم على ~~المعاصي ، ولما أمرهم بطلب ذلك ، دل على أنه يعطيهم هذا المطلوب ، وذلك يدل ~~على حصول العفو لأصحاب الكبائر ، وأما القسم الثاني والثالث فباطلان لأن ~~المؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم ، وما يقبح فعله من الله يمتنع أن يطلب ~~بالدعاء . PageV07P126 # فإن قيل : الناسي قد يؤاخذ في ترك التحفظ قصدا وعمدا على ما قررتم في ~~المسألة المتقدمة . # قلنا : فهو في الحقيقة مؤاخذ بترك التحفظ قصدا وعمدا ، فالمؤاخذة إنما ~~حصلت على ما تركه / عمدا ، وظاهر ما ذكرنا دلالة هذه الآية على رجاء العفو ~~لأهل الكبائر . # قوله تعالى : { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } ~~. # إعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدعاء وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الإصر في اللغة : الثقل والشدة ، قال النابغة : # يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم # والحامل الإصر عنهم بعد ما عرفوا # ثم سمي العهد إصرا لأنه ثقيل ، قال الله تعالى : { وأخذتم على ذالكم إصرى ~~} ( آل عمران : 81 ) أي عهدي وميثاقي والإصر العطف ، يقال : ما يأصرني عليه ~~آصرة ، أي رحم وقرابة ، وإنما سمي العطف إصرا لأن عطفك عليه يثقل على قلبك ~~كل ما يصل إليه من المكاره . # المسألة الثانية : ذكر أهل التفسير فيه وجهين الأول : لا تشدد علينا في ~~التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود ، قال المفسرون : إن الله تعالى ~~فرض عليهم خمسين صلاة ، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة ، ومن أصاب ~~ثوبه نجاسة أمر بقطعها ، وكانوا إذا نسوا شيئا عجلت لهم العقوبة في الدنيا ~~، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليهم من الطعام بعض ما كان حلالا لهم ، قال ~~الله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم } ( النساء : 160 ) وقال ~~تعالى : { ولو أنا ms2100 كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما ~~فعلوه إلا قليل منهم } وقد حرم على المسافرين من قوم طالوت الشرب من النهر ~~، وكان عذابهم معجلا في الدنيا ، كما قال : { من قبل أن نطمس وجوها } ~~وكانوا يمسخون قرد وخنازير ، قال القفال : ومن نظر في السفر الخامس من ~~التوراة التي تدعيها هؤلاء اليهود وقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود ~~والمواثيق ، ورأى الأعاجيب الكثيرة ، فالمؤمنون سألوا ربهم أن يصونهم عن ~~أمثال هذه التغليظات ، وهو بفضله ورحمته قد أزال ذلك عنهم ، قال الله تعالى ~~في صفة هذه الأمة { ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم } ( الأعراف ~~: 157 ) وقال عليه السلام : ( رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق ) وقال الله ~~تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } وقال عليه الصلاة والسلام : ( بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ) ~~والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير ، والتقصير ~~موجب للعقوبة ، ولا طاقة لهم بعذاب الله تعالى ، فلا جرم طلبوا السهولة في ~~التكاليف . # والقول الثاني : لا تحمل علينا عهدا وميثاقا يشبه ميثاق من قبلنا في ~~الغلظ والشدة ، وهذا القول يرجع إلى الأول في الحقيقة لكن بإضمار شيء زائد ~~على الملفوظ ، فيكون القول الأول أولى . # / المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : دلت الدلائل العقلية والسمعية على ~~أنه أكرم الأكرمين وأرحم PageV07P127 الراحمين ، فما السبب في أن شدد ~~التكليف على اليهود حتى أدى ذلك إلى وقوعهم في المخالفات والتمرد ، قالت ~~المعتزلة : من الجائز أن يكون الشيء مصلحة في حق إنسان ، مفسدة في حق غيره ~~، فاليهود كانت الفظاظة والغلظة غالبة على طباعهم ، فما كانوا ينصلحون إلا ~~بالتكاليف الشاقة والشدة ، وهذه الأمة كانت الرقة وكرم الخلق غالبا على ~~طباعهم ، فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ . # أجاب الأصحاب بأن السؤال الذي ذكرناه في المقام الأول ننقله إلى المقام ~~الثاني فنقول : ولماذا خص اليهود بغلظة الطبع ، وقسوة القلب ودناءة الهمة ، ~~حتى احتاجوا إلى التشديدات العظيمة في التكاليف ولماذا خص هذه الأمة بلطافة ~~الطبع وكرم الخلق وعلو الهمة حتى ms2101 صار يكفيهم التكاليف السهلة في حصول ~~مصالحهم . # ومن تأمل وأنصف علم أن هذه التعليلات عليلة فجل جناب الجلال عن أن يوزن ~~بميزان الاعتزال ، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد { لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسئلون } . # قوله تعالى : { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } . # إعلم أن هذا هو النوع الثالث من دعاء المؤمنين ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الطاقة اسم من الإطاقة ، كالطاعة من الإطاعة ، والجابة ~~من الإجابة وهي توضع موضع المصدر . # المسألة الثانية : من الأصحاب من تمسك به في أن تكليف ما لا يطاق جائز إذ ~~لو لم يكن جائزا لما حسن طلبه بالدعاء من الله تعالى . # أجاب المعتزلة عنه من وجوه الأول : أن قوله { ما لا طاقة لنا به } أي يشق ~~فعله مشقة عظيمة وهو كما يقول الرجل : لا أستطيع أن أنظر إلى فلان إذا كان ~~مستثقلا له . قال الشاعر : # إنك إن كلفتني ما لم أطق # ساءك ما سرك مني من خلق # وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المملوك : ( له طعامه ~~وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق ) أي ما يشق عليه ، وروى عمران بن ~~الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المريض يصلي جالسا ، فإن لم ~~يستطع فعلى جنب ) فقوله : فإن لم يستطع ليس معناه عدم القوة على الجلوس ، ~~بل كل الفقهاء يقولون : المراد منه إذا كان يلحقه في الجلوس مشقة عظيمة ~~شديدة ، / وقال الله تعالى في وصف الكفار { ما كانوا يستطيعون السمع } ( ~~هود : 20 ) أي كان يشق عليهم . # الوجه الثاني : أنه تعالى لم يقل : لا تكلفنا ما لا طاقة لنا به ، بل قال ~~: { لا * تحملنا ما لا طاقة لنا به } والتحميل هو أن يضع عليه ما لا طاقة ~~له بتحمله فيكون المراد منه العذاب والمعنى لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق ~~احتماله فلو حملنا الآية على ذلك كان قوله { لا * تحملنا } حقيقة فيه ولو ~~حملناه على التكليف كان قوله { لا * تحملنا } مجازا فيه ، فكان الأول أولى ~~. PageV07P128 # الوجه ms2102 الثالث : هب أنهم سألوا الله تعالى أن لا يكلفهم بما لا قدرة لهم ~~عليه لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلافه / لأنه لو دل على ذلك لدل قوله ~~{ رب احكم بالحق } ( الأنبياء : 112 ) على جواز أن يحكم بباطل ، وكذلك يدل ~~قول إبراهيم عليه السلام { ولا تخزنى يوم يبعثون } ( الشعراء : 87 ) على ~~جواز أن يخزي الأنبياء ، وقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم { ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب : 48 ) ولا يدل هذا على جواز أن يطيع ~~الرسول الكافرين والمنافقين وكذا الكلام في قوله { لئن أشركت ليحبطن عملك } ~~( الزمر : 65 ) هذا جملة أجوبة المعتزلة . # أجاب الأصحاب فقالوا : # أما الوجه الأول : فمدفوع من وجهين الأول : أنه لو كان قوله { ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به } محمولا على أن لا يشدد عليهم في التكليف لكان معناه ~~ومعنى الآية المتقدمة عليه وهو قوله { ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا } واحدا فتكون هذه الآية تكرارا محضا وذلك غير جائز الثاني ~~: أنا بينا أن الطاقة هي الإطاقة والقدرة ، فقوله { لا * تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به } ظاهره لا تحملنا ما لا قدرة لنا عليه أقصى ما في الباب أنه جاء ~~هذا اللفظ بمعنى الاستقبال في بعض وجوه الاستعمال على سبيل المجاز إلا أن ~~الأصل حمل اللفظ على الحقيقة . # وأما الوجه الثاني : فجوابه أن التحمل مخصوص في عرف القرآن بالتكليف ، ~~قال الله تعالى : { إنا عرضنا الامانة على * السماوات } ( الأحزاب : 72 ) ~~إلى قوله { وحملها الإنسان } ( الأحزاب : 72 ) ثم هب أنه لم يوجد هذا العرف ~~إلا أن قوله { لا * تحملنا ما لا طاقة لنا به } عام في العذاب وفي التكليف ~~فوجب إجراؤه على ظاهره أما التخصيص بغير حجة فإنه لا يجوز . # وأما الوجه الثالث : فجوابه أن فعل الشيء إذا كان ممتنعا لم يجز طلب ~~الامتناع منه على سبيل الدعاء والتضرع ويصير ذلك جاريا مجرى من يقول في ~~دعائه وتضرعه : ربنا لا تجمع بين الضدين ولا تقلب القديم محدثا ، كما أن ~~ذلك غير ms2103 جائز ، فكذا ما ذكرتم . # إذا ثبت هذا فنقول : هذا هو الأصل فإذا صار ذلك متروكا في بعض الصور ~~لدليل مفصل لم يجب تركه في سائر الصور بغير دليل وبالله التوفيق . # المسألة الثالثة : إعلم أنه بقي في الآية سؤالات : # / السؤال الأول : لم قال في الآية الأولى { لا تحمل * علينا إصرا } وقال ~~في هذه الآية { لا * تحملنا } خص ذلك بالحمل وهذا بالتحميل . # الجواب : أن الشاق يمكن حمله أما ما لا يكون مقدورا لا يمكن حمله ، ~~فالحاصل فيما لا يطاق هو التحميل فقط أما الحمل فغير ممكن وأما الشاق ~~فالحمل والتحميل يمكنان فيه ، فلهذا السبب خص الآية الأخيرة بالتحميل . # السؤال الثاني : أنه لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق قوله { لا تحمل * ~~علينا إصرا } كان من لوازمه أن لا يكلفه ما لا يطاق ، وعلى هذا التقدير كان ~~عكس هذا الترتيب أولى . PageV07P129 # والجواب : الذي أتخيله فيه والعلم عند الله تعالى أن للعبد مقامين أحدهما ~~: قيامه بظاهر الشريعة والثاني : شروعه في بدء المكاشفات ، وذلك هو أن ~~يشتغل بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمته ففي المقام الأول طلب ترك ~~التشديد ، وفي المقام الثاني قال : لا تطلب مني حمدا يليق بجلالك ، ولا ~~شكرا يليق بآلائك ونعمائك ، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك ، فإن ذلك لا يليق ~~بذكري وشكري وفكري ولا طاقة لي بذلك ، ولما كانت الشريعة متقدمة على ~~الحقيقة لا جرم كان قوله { ولا تحمل علينا إصرا } مقدما في الذكر على قوله ~~{ لا * تحملنا ما لا طاقة لنا به } . # السؤال الثالث : أنه تعالى حكى عن المؤمنين هذه الأدعية بصيغة الجمع ~~بأنهم قالوا { لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } فما الفائدة في ~~هذه الجمعية وقت الدعاء ؟ # والجواب : المقصود منه ببيان أن قبول الدعاء عند الاجتماع أكمل وذلك لأن ~~للهمم تأثيرات فإذا اجتمعت الأرواح والدواعي على شيء واحد كان حصوله أكمل . # قوله تعالى : { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم ms2104 ~~الكافرين } . # إعلم أن تلك الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها الترك وكانت ~~مقرونة بلفظ { ربنا } وأما هذا الدعاء الرابع ، فقد حذف منه لفظ { ربنا } ~~وظاهره يدل على طلب الفعل ففيه سؤالان : # السؤال الأول : لم لم يذكر ههنا لفظ ربنا ؟ . # الجواب : النداء إنما يحتاج إليه عند البعد ، أما عند القرب فلا وإنما ~~حذف النداء إشعارا / بأن العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله ~~تعالى وهذا سر عظيم يطلع منه على أسرار أخر . # السؤال الثاني : ما الفرق بين العفو والمغفرة والرحمة ؟ . # الجواب : أن العفو أن يسقط عنه العقاب ، والمغفرة أن يستر عليه جرمه صونا ~~له من عذاب التخجيل والفضيحة ، كأن العبد يقول : أطلب منك العفو وإذا عفوت ~~عني فاستره علي فإن الخلاص من عذاب القبر إنما يطيب إذا حصل عقيبه الخلاص ~~من عذاب الفضيحة ، والأول : هو العذاب الجسماني ، والثاني : هو العذاب ~~الروحاني ، فلما تخلص منهما أقبل على طلب الثواب ، وهو أيضا قسمان : ثواب ~~جسماني وهو نعيم الجنة ولذاتها وطيباتها ، وثواب روحاني وغايته أن يتجلى له ~~نور جلال الله تعالى ، وينكشف له بقدر الطاقة علو كبرياء الله وذلك بأن ~~يصير غائبا عن كل ما سوى الله تعالى ، مستغرقا بالكلية في نور حضور جلال ~~الله تعالى ، فقوله { وارحمنا } طلب للثواب الجسماني وقوله بعد ذلك { أنت ~~مولانا } طلب للثواب الروحاني ، ولأن يصير العبد مقبلا بكليته على الله ~~تعالى لأن قوله { أنت مولانا } خطاب الحاضرين ، ولعل كثيرا من PageV07P130 ~~المتكلمين يستبعدون هذه الكلمات ، ويقولون : إنها من باب الطاعات ، ولقد ~~صدقوا فيما يقولون ، فذلك مبلغهم من العلم { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } ( النجم : 30 ) . # وفي قوله { أنت مولانا } فائدة أخرى ، وذلك أن هذه الكلمة تدل على نهاية ~~الخضوع والتذلل والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها ، ~~وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم ~~متكلمين على فضله وإحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه ~~، والعبد الذي لا ms2105 ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه ، فهو سبحانه قيوم ~~السماوات والأرض ، والقائم بإصلاح مهمات الكل ، وهو المتولي في الحقيقة ~~للكل ، على ما قال : { نعم المولى ونعم النصير } ( الأنفال : 40 ) ونظير ~~هذه الآية { الله ولي الذين ءامنوا } ( البقرة : 257 ) أي ناصرهم ، وقوله { ~~فإن الله هو مولاه } ( التحريم : 4 ) أي ناصره ، وقوله { ذلك بأن الله مولى ~~الذين ءامنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) . # ثم قال : { فانصرنا على القوم الكافرين } أي انصرنا عليهم في محاربتنا ~~معهم ، وفي مناظرتنا بالحجة معهم ، وفي إعلاء دولة الإسلام على دولتهم على ~~ما قال : { ليظهره على الدين كله } ( التوبة : 33 ) ومن المحققين من قال : ~~{ فانصرنا على القوم الكافرين } المراد منه إعانة الله بالقوة الروحانية ~~الملكية على قهر القوى الجسمانية الداعية إلى ما سوى الله ، وهذا آخر ~~السورة . # وروى الواحدي رحمه الله عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسري بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى السماء أعطى خواتيم سورة البقرة / فقالت الملائكة : إن الله ~~عز وجل قد أكرمك بحسن الثناء عليك بقوله { الرسول بما } فسله وارغب إليه ، ~~فعلمه جبريل عليهما الصلاة والسلام كيف يدعو ، / فقال محمد صلى الله عليه ~~وسلم : { غفرانك ربنا وإليك المصير } فقال الله تعالى : ( قد غفرت لكم ) ~~فقال : { لا تؤاخذنا } فقال الله : { لا } فقال : { ربنا ولا تحمل علينا ~~إصرا } فقال : ( لا أشدد عليكم ) فقال محمد { لا * تحملنا ما لا طاقة لنا ~~به } فقال : ( لا أحملكم ذلك ) فقال محمد { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا } ~~فقال الله تعالى : ( قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم وأنصركم على القوم ~~الكافرين ) وفي بعض الروايات أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذه ~~الدعوات ، والملائكة كانوا يقولون آمين . # وهذا المسكين البائس الفقير كاتب هذه الكلمات يقول : إلاهي وسيدي كل ما ~~للبته وكتبته ما أردت به إلا وجهك ومرضاتك ، فإن أصبت فبتوفيقك أصبت فاقبله ~~من هذا المكدي بفضلك وإن أخطأت فتجاوز عني بفضلك ورحمتك يا من لا يبرمه ~~إلحاح الملحين ، ولا يشغله سؤال السائلين وهذا آخر الكلام في تفسير هذه ms2106 ~~والسورة الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله ~~وأصحابه وسلم . # # PageV07P131 < # > 1 ( سورة ال عمران ) 1 < # > # مائتا آية مدنية # # ! 7 < { الم* الله لاإلاه إلا هو الحى القيوم } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 1 - 2 ) الم # > > # أما تفسير { الم } فقد تقدم في سورة البقرة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو بكر عن عاصم { الم * الله } بسكون الميم ، ونصب ~~همزة : الله ، والباقون موصولا بفتح الميم ، أما قراءة عاصم فلها وجهان ~~الأول : نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء والثاني : أن يكون ذلك ~~على لغة من يقطع ألف الوصل ، فمن فصل وأظهر الهمزة فللتفخيم والتعظيم ، ~~وأما من نصب الميم ففيه قولان : # القول الأول : وهو قول الفراء واختيار كثير من البصريين أن أسماء الحروف ~~موقوفة الأواخر ، يقول : ألف ، لام ، ميم ، كما تقول : واحد ، إثنان ، ~~ثلاثة ، وعلى هذا التقدير وجب الابتداء بقوله : الله ، فإذا ابتدأنا به ~~نثبت الهمزة متحركة ، إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف ، ثم ألقيت حركتها ~~على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ ~~بها . # / فإن قيل : إن كان التقدير فصل إحدى الكلمتين عن الأخرى امتنع إسقاط ~~الهمزة ، وإن كان التقدير هو PageV07P132 الوصل امتنع بقاء الهمزة مع ~~حركتها ، وإذا امتنع بقاؤها امتنعت حركتها ، وامتنع إلقاء حركتها على الميم ~~. # قلنا : لم لا يجوز أن يكون ساقطا بصورته باقيا بمعناه فأبقيت حركتها لتدل ~~على بقائها في المعنى هذا تمام تقرير قول الفراء . # والقول الثاني : قول سيبويه ، وهو أن السبب في حركة الميم التقاء ~~الساكنين ، وهذا القول رده كثير من الناس ، وفيه دقة ولطف ، والكلام في ~~تلخيصه طويل . # وأقول : فيه بحثان أحدهما : سبب أصل الحركة والثاني : كون تلك الحركة ~~فتحة . # أما البحث الأول : فهو بناء على مقدمات : # المقدمة الأولى : أن الساكنين إذا اجتمعا فإن كان السابق منهما حرفا من ~~حروف المد واللين لم يجب التحريك ، لأنه يسهل النطق بمثل هذين الساكنين ، ~~كقولك : هذا إبراهيم وإسحاق ويعقوب موقوفة الأواخر ، أما إذا لم يكن كذلك ~~وجب التحريك لأنه لا يسهل ms2107 النطق بمثل هذين ، لأنه لا يمكن النطق إلا ~~بالحركة . # المقدمة الثانية : مذهب سيبويه أن حرف التعريف هي اللام ، وهي ساكنة ، ~~والساكن لا يمكن الابتداء به فقدموا عليها همزة الوصل وحركوها ليتوصلوا بها ~~إلى النطق باللام ، فعلى هذا إن وجدوا قبل لام التعريف حرفا آخر فإن كان ~~متحركا توصلوا به إلى النطق بهذه اللام الساكنة وإن كان ساكنا حركوه ~~وتوصلوا به إلى النطق بهذه اللام ، وعلى هذا التقدير يحصل الاستغناء عن ~~همزة الوصل لأن الحاجة إليها أن يتوصل بحركتها إلى النطق باللام ، فإذا حصل ~~حرف آخر توصلوا بحركته إلى النطق بهذه اللام ، فتحذف هذه الهمزة صورة ومعنى ~~، حقيقة وحكما ، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال : ألقيت حركتها على الميم ~~لتدل تلك الحركة عل كونها باقية حكما ، لأن هذا إنما يصار إليه حيث يتعلق ~~بوجوده حكم من الأحكام ، أو أثر من الآثار ، لكنا بينا أنه ليس الأمر كذلك ~~فعلمنا أن تلك الهمزة سقطت بذاتها وبآثارها سقوطا كليا ، وبهذا يبطل قول ~~الفراء . # المقدمة الثالثة : أسماء هذه الحروف موقوفة الأواخر ، وذلك متفق عليه . # إذا عرفت هذه المقدمات فنقول : الميم من قولنا { الم } ساكن ولام التعريف ~~من قولنا { الله } ساكن ، وقد اجتمعا فوجب تحريك الميم ، ولزم سقوط الهمزة ~~بالكلية صورة ومعنى ، وصح بهذا البيان قول سيبويه ، وبطل قول الفراء . # أما البحث الثاني : فلقائل أن يقول : الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر ، فلم ~~اختير الفتح / ههنا ، قال الزجاج في الجواب عنه : الكسر ههنا لا يليق ، لأن ~~الميم من قولنا { الم } مسبوقة بالياء فلو جعلت الميم مكسورة لاجتمعت ~~الكسرة مع الياء وذلك ثقيل / فتركت الكسرة واختيرت الفتحة ، وطعن أبو علي ~~الفارسي في كلام الزجاج ، وقال : ينتقض قوله بقولنا : جير ، فإن الراء ~~مكسورة مع أنها مسبوقة بالياء ، وهذا الطعن عندي ضعيف ، لأن الكسرة حركة ~~فيها بعض الثقل والياء أختها ، فإذا اجتمعا عظم الثقل ، ثم يحصل الانتقال ~~منه إلى النطق بالألف في قولك { الله } وهو في غاية الخفة ، فيصير اللسان ~~منتقلا من أثقل الحركات إلى أخف الحركات ، والانتقال من ms2108 الضد إلى الضد دفعة ~~واحدة صعب على اللسان ، أما إذا جعلنا الميم مفتوحة ، انتقل PageV07P133 ~~اللسان من فتحة الميم إلى الألف في قولنا { الله } فكان النطق به سهلا ، ~~فهذا وجه تقرير قول سيبويه والله أعلم . # المسألة الثانية : في سبب نزول أول هذه السورة قولان : # القول الأول : وهو قول مقاتل بن سليمان : أن بعض أول هذه السورة في ~~اليهود ، وقد ذكرناه في تفسير { الم * ذالك الكتاب } ( البقرة : 1 / 2 ) . # والقول الثاني : من ابتداء السورة إلى آية المباهلة في النصارى ، وهو قول ~~محمد بن إسحاق قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون ~~راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم ، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم ، ~~أحدهم : أميرهم ، واسمه عبد المسيح ، والثاني : مشيرهم وذو رأيهم ، وكانوا ~~يقولون له : السيد ، واسمه الأيهم ، والثالث : حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم ~~، يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل ، وملوك الروم كانوا ~~شرفوه ومولوه وأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم ، فلما ~~قدموا من بحران ركب أبو حارثة بغلته ، وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة ، ~~فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت ، فقال كرز أخوه : تعس الأبعد يريد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو حارثة : بل تعست أمك ، فقال : ولم يا ~~أخي ؟ فقال : إنه والله النبي الذي كنا ننتظره ، فقال له أخوه كرز : فما ~~يمنعك منه وأنت تعلم هذا ، قال : لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالا كثيرة ~~وأكرمونا ، فلو آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأخذوا منا كل هذه الأشياء ، ~~فوقع ذلك في قلب أخيه كرز ، وكان يضمره إلى أن أسلم فكان يحدث بذلك ، ثم ~~تكلم أولئك الثلاثة : الأمير ، والسيد والحبر ، مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على اختلاف من أديانهم ، فتارة يقولون عيسى هو الله ، وتارة يقولون : ~~هو ابن الله ، وتارة يقولون : ثالث ثلاثة ، ويحتجون لقولهم : هو الله ، ~~بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرىء الأكمه والأبرص ، ويبرىء الأسقام ، ويخبر ~~بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه ms2109 فيطير ، ويحتجون في قولهم ~~: إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم ، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله ~~تعالى : فعلنا وجعلنا ، ولو كان واحدا لقال فعلت فقال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : أسلموا ، فقالوا : قد أسلمنا ، فقال صلى الله عليه وسلم / ~~كذبتم كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولدا ، وتعبدون الصليب ، وتأكلون ~~الخنزير ، قالوا : فمن أبوه ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل ~~الله تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها . # ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يناظر معهم ، فقال : ألستم تعلمون ~~أن الله حي لا يموت ، وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا : بلى ، قال ألستم ~~تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟ قالوا بلى ، قال : ألستم تعلمون ~~أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ، فهل يملك عيسى شيئا من ذلك ؟ ~~قالوا : لا ، قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السماء ، فهل يعلم عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم ؟ قالوا : لا ، قال فإن ~~ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا ~~يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وتعلمون أن عيسى حملته امرأة كحمل المرأة ~~ووضعته كما تضع المرأة / ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث ~~قالوا : بلى فقال صلى الله عليه وسلم : ( فكيف يكون كما زعمتم ؟ فعرفوا ثم ~~أبوا إلا جحودا ، ثم قالوا : يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ ~~قال : بلى ) ، قالوا : فحسبنا فأنزل الله تعالى : { فأما الذين فى قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه } الآية . PageV07P134 # ثم إن الله تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بملاعنتهم إذ ردوا عليه ~~ذلك ، فدعاهم رسول الله إلى الملاعنة ، فقالوا : يا أبا القاسم دعنا ننظر ~~في أمرنا ، ثم نأتيك بما تريد أن نفعل ، فانصرفوا ثم قال بعض أولئك الثلاثة ~~لبعض : ما ترى ؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا نبي مرسل ms2110 ~~، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لا عن قوم نبيا قط إلا ~~وفى كبيرهم وصغيرهم ، وأنه الاستئصال منكم إن فعلتم ، وأنتم قد أبيتم إلا ~~دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم ~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا ~~نلاعنك وأن نتركك على دينك ، ونرجع نحن على ديننا ، فابعث رجلا من أصحابك ~~معنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا ، فإنكم عندنا رضا ، ~~فقال عليه السلام : آتوني العشية أبعث معكم الحكم القوي الأمين وكان عمر ~~يقول : ما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ رجاء أن أكون صاحبها ، فلما صلينا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وعن يساره ، وجعلت ~~أتطاول له ليراني ، فلم يزل يردد بصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح ، فدعاه ~~فقال : اخرج معهم واقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه ، قال عمر : فذهب بها ~~أبو عبيدة . # واعلم أن هذه الرواية دالة على أن المناظرة فيي تقرير الدين وإزالة ~~الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأن مذهب الحشوية في إنكار ~~البحث والنظر باطل قطعا ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : إعلم أن مطلع هذه السورة له نظم لطيف عجيب ، وذلك لأن ~~أولئك النصارى / الذين نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل لهم : ~~إما أن تنازعوه في معرفة الإلاه ، أو في النبوة ، فإن كان النزاع في معرفة ~~الإلاه وهو أنكم تثبتون له ولدا وأن محمدا لا يثبت له ولدا فالحق معه ~~بالدلائل العقلية القطعية ، فإنه قد ثبت بالبرهان أنه حي قيوم ، والحي ~~القيوم يستحيل عقلا أن يكون له ولد وإن كان النزاع في النبوة ، فهذا أيضا ~~باطل ، لأن بالطريق الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل على ~~موسى وعيسى فهو بعينه قائم في محمد صلى الله عليه وسلم ، وما ذاك إلا ~~بالمعجزة وهو حاصل ههنا ، فكيف يمكن منازعته في صحة النبوة ، فهذا هو وجه ~~النظم وهو مضبوط حسن ms2111 جدا فلننظر ههنا إلى بحثين . # البحث الأول : ما يتعلق بالإلاهيات فنقول : إنه تعالى حي قيوم ، وكل من ~~كان حيا قيوما يمتنع أن يكون له ولد ، وإنما قلنا : إنه حي قيوم ، لأنه ~~واجب الوجود لذاته ، وكل ما سواه فإنه ممكن لذاته محدث حصل تكوينه وتخليقه ~~وإيجاده على ما بينا كل ذلك في تفسير قوله تعالى : { الله لا إلاه إلا هو ~~الحى القيوم } وإذا كان الكل محدثا مخلوقا امتنع كون شيء منها ولدا له ~~وإلاها ، كما قال : { إن كل من فى * السماوات والارض * إلا اتى الرحمان ~~عبدا } ( مريم : 93 ) وأيضا لما ثبت أن الإلاه يجب أن يكون حيا قيوما ، ~~وثبت أن عيسى ما كان حيا قيوما لأنه ولد ، وكان يأكل ويشرب ويحدث ، ~~والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه ، فثبت أنه ما كان ~~حيا قيوما ، وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلاها ، فهذه الكلمة وهي ~~قوله { الحى القيوم } جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى في ~~التثليث . # وأما البحث الثاني : وهو ما يتعلق بالنبوة ، فقد ذكره الله تعالى ههنا في ~~غاية الحسن ونهاية الجودة ، وذلك لأنه قال : { نزل عليك الكتاب بالحق } ( ~~آل عمران : 3 ) وهذا يجري مجرى الدعوى ، ثم إنه تعالى أقام الدلالة على صحة ~~هذه الدعوى ، فقال : وافقتمونا أيها اليهود والنصارى على أنه تعالى أنزل ~~التوراة والإنجيل PageV07P135 من قبل هدى للناس ، فإنما عرفتم أن التوراة ~~والإنجيل كتابان إلاهيان ، لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على ~~الفرق بين قول المحق وقول المبطل والمعجز لما حصل به الفرق بين الدعوى ~~الصادقة والدعوى الكاذبة كان فرقا لا محالة ، ثم أن الفرقان الذي هو المعجز ~~كما حصل في كون التوراة والإنجيل نازلين من عند الله ، فكذلك حصل في كون ~~القرآن نازلا من عند الله وإذا كان الطريق مشتركا ، فإما أن يكون الواجب ~~تكذيب الكل على ما هو قول البراهمة ، أو تصديق الكل على ما هو قول المسلمين ~~، وأما قبول البعض ورد البعض فذلك جهل وتقليد ، ثم إنه تعالى لما ms2112 ذكر ما هو ~~العمدة في معرفة الإلاه على ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ، وما هو ~~العمدة في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لم يبق بعد ذلك عذر لمن ~~ينازعه في دينه فلا جرم أردفه بالتهديد والوعيد فقال : { إن الذين كفروا ~~بأيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } ( آل عمران : 4 ) فقد ظهر ~~أنه لا يمكن / أن يكون كلام أقرب إلى الضبط ، وإلى حسن الترتيب وجودة ~~التأليف من هذا الكلام ، والحمد لله على ما هدى هذا المسكين إليه ، وله ~~الشكر على نعمه التي لا حد لها ولا حصر . # ولما لخصنا ما هو المقصود الكلي من الكلام فلنرجع إلى تفسير كل واحد من ~~الألفاظ . # أما قوله { الله لا إلاه إلا هو } فهو رد على النصارى لأنهم كانوا يقولون ~~بعبادة عيسى عليه السلام فبين الله تعالى أن أحدا لا يستحق العبادة سواه . # ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقال : { الحى القيوم } فأما ~~الحي فهو الفعال الدراك وأما القيوم فهو القائم بذاته ، والقائم بتدبير ~~الخلق والمصالح لما يحتاجون إليه في معاشهم ، من الليل والنهار ، والحر ~~والبرد ، والرياح والأمطار ، والنعم التي لا يقدر عليها سواه ، ولا يحصيها ~~غيره ، كما قال تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( إبراهيم : 34 ~~) وقرأ عمر رضي الله عنه { الحى القيوم } قال قتادة ، الحي الذي لا يموت ، ~~والقيوم القائم على خلقه بأعمالهم ، وآجالهم ، وأرزاقهم ، وعن سعيد بن جبير ~~: الحي قبل كل حي ، والقيوم الذي لا ند له ، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن ~~قولنا : الحي القيوم محيط بجميع الصفات المعتبرة في الإلاهية ، ولما ثبت أن ~~المعبود يجب أن يكون حيا قيوما ودلت البديهة والحسن على أن عيسى عليه ~~السلام ما كان حيا قيوما ، وكيف وهم يقولون بأنه قتل وأظهر الجزع من الموت ~~. علمنا قطعا أن عيسى ما كان إلاها ، ولا ولدا للإلاه تعالى وتقدس عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا . # ! 7 < { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة ~~والإنجيل } . > 7 ms2113 ! # < < # | آل عمران : ( 3 ) نزل عليك الكتاب . . . . . # > > فاعلم أن الكتاب ههنا هو القرآن ، وقد ذكرنا في أول سورة البقرة ~~اشتقاقه ، وإنما خص القرآن بالتنزيل ، والتوراة والإنجيل بالإنزال ، لأن ~~التنزيل للتكثير ، والله تعالى نزل القرآن نجما نجما ، فكان معنى التكثير ~~حاصلا فيه ، وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة ، فلهذا ~~خصهما بالإنزال ، ولقائل أن PageV07P136 يقول : هذا يشكل بقوله تعالى : { ~~الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب } ( الكهف : 1 ) وبقوله { وبالحق ~~أنزلناه وبالحق نزل } ( الإسراء : 105 ) . # واعلم أنه تعالى وصف القرآن المنزل بوصفين : # الوصف الأول : قوله { بالحق } قال أبو مسلم : إنه يحتمل وجوها أحدها : ~~أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة وثانيها : أن ما فيه من ~~الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ، ~~ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل وثالثها : أنه / حق بمعنى أنه قول فصل ، وليس ~~بالهزل ورابعها : قال الأصم : المعنى أنه تعالى أنزله بالحق الذي يجب له ~~على خلقه من العبودية ، وشكر النعمة ، وإظهار الخضوع ، وما يجب لبعضهم على ~~بعض من العدل والإنصاف في المعاملات وخامسها : أنزله بالحق لا بالمعاني ~~الفاسدة المتناقضة ، كما قال : { أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا } ~~وقال : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : ~~82 ) . # والوصف الثاني : لهذا الكتاب قوله { مصدقا لما بين يديه } والمعنى أنه ~~مصدق لكتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولما أخبروا به عن الله عز وجل ~~، ثم في الآية وجهان الأول : أنه تعالى دل بذلك على صحة القرآن ، لأنه لو ~~كان من عند غير الله لم يكن موافقا لسائر الكتب ، لأنه كان أميا لم يختلط ~~بأحد من العلماء ، ولا تتلمذ لأحد ، ولا قرأ على أحد شيئا ، والمفتري إذا ~~كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف ، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما ~~عرف هذه القصص بوحي الله تعالى الثاني : قال أبو مسلم : المراد منه أنه ~~تعالى لم يبعث نبيا قط إلا بالدعاء إلى توحيده ، والإيمان به ، وتنزيهه عما ~~لا يليق به ms2114 ، والأمر بالعدل والإحسان ، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان ، ~~فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك ، بقي في الآية سؤالان : # السؤال الأول : كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه . # والجواب : أن تلك الأخبار لغاية ظهورها سماها بهذا الاسم . # السؤال الثاني : كيف يكون مصدقا لما تقدمه من الكتب ، مع أن القرآن ناسخ ~~لأكثر تلك الأحكام ؟ . # والجواب : إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ، ودالة على أن أحكامها ~~تثبت إلى حين بعثه ، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن ، كانت موافقة ~~للقرآن ، فكان القرآن مصدقا لها ، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن ~~القرآن مصدق لها ، لأن دلائل المباحث الإلاهية لا تختلف في ذلك ، فهو مصدق ~~لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل . # ثم قال الله تعالى : { وأنزل التوراة والإنجيل } وفيه مسائل : ~~PageV07P137 # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : التوراة والإنجيل اسمان أعجميان ~~، والاشتغال باشتقاقهما غير مفيد ، وقرأ الحسن { والإنجيل } بفتح الهمزة ، ~~وهو دليل على العجمية ، لأن أفعيل بفتح الهمزة معدوم في أوزان العرب ، ~~واعلم أن هذا القول هو الحق الذي لا محيد عنه ، ومع ذلك فننقل كلام الأدباء ~~فيه . # / أما لفظ { التوراة } ففيه أبحاث ثلاثة : # البحث الأول : في اشتقاقه ، قال الفراء { التوراة } معناها الضياء والنور ~~، من قول العرب ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار ، قال الله تعالى : { ~~فالموريات قدحا } ( العاديات : 2 ) ويقولون : وريت بك زنادي ، ومعناه : ظهر ~~بك الخير لي ، فالتوراة سميت بهذا الاسم لظهور الحق بها ، ويدل على هذا ~~المعنى قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى وهارون الفرقان وضياء } ( الأنبياء ~~: 48 ) . # البحث الثاني : لهم في وزنه ثلاثة أقوال : # القول الأول : قال الفراء : أصل { التوراة } تورية تفعلة بفتح التاء ، ~~وسكون الواو ، وفتح الراء والياء ، إلا أنه صارت الياء ألفا لتحركها ~~وانفتاح ما قبلها . # القول الثاني : قال الفراء : ويجوز أن تكون تفعلة على وزن ترفية وتوصية ، ~~فيكون أصلها تورية ، إلا أن الراء نقلت من الكسر إلى الفتح على لغة طيىء ، ~~فإنهم يقولون في جارية : جاراة ، وفي ناصية : ناصاة ، قال الشاعر : # فما الدنيا بباقاة لحي # وما ms2115 حي على الدنيا بباق # والقول الثالث : وهو قول الخليل والبصريين : إن أصلها : وورية ، فوعلة ، ~~ثم قلبت الواو الأولى تاء ، وهذا القلب كثير في كلامهم ، نحو : تجاه ، ~~وتراث ، وتخمة ، وتكلان ، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ~~فصارت { * توراة } وكتبت بالياء على أصل الكلمة ، ثم طعنوا في قول الفراء ، ~~أما الأول : فقالوا : هذا البناء نادر ، وأما فوعلة فكثير ، نحو : صومعة ، ~~وحوصلة ، ودوسرة والحمل على الأكثر أولى ، وأما الثاني : فلأنه لا يتم إلا ~~بحمل اللفظ على لغة طيىء ، والقرآن ما نزل بها ألبتة . # البحث الثالث : في التوراة قراءتان : الإمالة والتفخيم ، فمن فخم فلأن ~~الراء حرف يمنع الإمالة لما فيه من التكرير ، والله أعلم . # وأما الإنجيل ففيه أقوال الأول : قال الزجاج : إنه افعيل من النجل ، وهو ~~الأصل ، يقال : لعن الله ناجليه ، أي والديه ، فسمي ذلك الكتاب بهذا الاسم ~~، لأن الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين والثاني : قال قوم : الإنجيل مأخوذ ~~من قول العرب : نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته ويقال للماء الذي يخرج من ~~البئر : نجل ، ويقال : قد استنجل الوادي ، إذا خرج الماء من النز فسمي ~~الإنجيل إنجيلا لأنه تعالى أظهر الحق بواسطته والثالث : قال أبو عمرو ~~الشيباني : التناجل التنازع ، فسمي ذلك الكتاب بالإنجيل لأن القوم تنازعوا ~~فيه والرابع : أنه من النجل الذي هو سعة العين ، ومنه طعنة نجلاء ، سمي ~~بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه لهم . # وأقول : أمر هؤلاء الأدباء عجيب كأنهم أوجبوا في كل لفظ أن يكون مأخوذا ~~من شيء آخر ، / ولو كان PageV07P138 كذلك لزم إما التسلسل وإما الدور ، ~~ولما كانا باطلين وجب الاعتراف بأنه لا بد من ألفاظ موضوعة وضعا أولا : حتى ~~يجعل سائر الألفاظ مشتقة منها ، وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز في هذا ~~اللفظ الذي جعلوه مشتقا من ذلك الآخر أن يكون الأصل هو هذا ، والفرع هو ذاك ~~الآخر ومن الذي أخبرهم بأن هذا فرع وذاك أصل ، وربما كان هذا الذي يجعلونه ~~فرعا ومشتقا في غاية الشهرة ، وذاك الذي يجعلونه أصلا في غاية الخفاء ، ~~وأيضا فلو كانت ms2116 التوراة إنما سميت توراة لظهورها ، والإنجيل إنما سمي ~~إنجيلا لكونه أصلا وجب في كل ما ظهر أن يسمى بالتوراة فوجب تسمية كل ~~الحوادث بالتوراة ، ووجب في كل ما كان أصلا لشيء آخر أن يسمى بالإنجيل ، ~~والطين أصل الكوز ، فوجب أن يكون الطين إنجيلا والذهب أصل الخاتم والغزل ~~أصل الثوب فوجب تسمية هذه الأشياء بالإنجيل ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، ثم ~~أنهم عند إيراد هذه الإلزامات عليهم لا بد وأن يتمسكوا بالوضع / ويقولوا : ~~العرب خصصوا هذين اللفظين بهذين الشيئين على سبيل الوضع ، وإذا كان لا يتم ~~المقصود في آخر الأمر إلا بالرجوع إلى وضع اللغة ، فلم لا نتمسك به في أول ~~الأمر ونريح أنفسنا من الخوض في هذه الكلمات ، وأيضا فالتوراة والإنجيل ~~اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية ، فكيف يليق بالعاقل أن ~~يشتغل بتطبيقها على أوزان لغة العرب ، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت ~~إلى هذه المباحث والله أعلم . # ! 7 < { من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بأيات الله لهم ~~عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { والإنجيل من قبل هدى للناس } . # فاعلم أنه تعالى بين أنه أنزل التوراة والإنجيل قبل أن أنزل القرآن ، ثم ~~بين أنه إنما أنزلهما هدى للناس ، قال الكعبي : هذه الآية دالة على بطلان ~~قول من يزعم أن القرآن عمي على الكافرين وليس بهدى لهم ، ويدل على معنى ~~قوله { وهو عليهم عمى } ( فصلت : 44 ) أن عند نزوله اختاروا العمى على وجه ~~المجاز ، كقول نوح عليه السلام { فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ( نوح : 6 ) ~~لما فروا عنده . # واعلم أن قوله { هدى للناس } فيه احتمالان الأول : أن يكون ذلك عائدا إلى ~~التوراة والإنجيل فقط ، وعلى هذا التقدير يكون قد وصف القرآن بأنه حق ، ~~ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى والوصفان متقاربان . # فإن قيل : إنه وصف القرآن في أول سورة البقرة بأنه هدى للمتقين ، فلم لم ~~يصفه ههنا به ؟ . # قلنا : فيه لطيفة ، وذلك لأنا ذكرنا في سورة البقرة أنه إنما قال : { هدى ~~للمتقين } ( البقرة : 2 ) لأنهم ms2117 هم المنتفعون به ، فصار من الوجه هدى لهم ~~لا لغيرهم ، أما ههنا فالمناظرة كانت مع النصارى ، وهم / لا يهتدون بالقرآن ~~فلا جرم لم يقل ههنا في القرآنه أنه هدى بل قال : إنه حق في نفسه سواء ~~قبلوه أو لم يقبلوه ، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون في صحتهما ويدعون ~~بأنا إنما نتقول في ديننا عليهما فلا جرم وصفهما الله تعالى لأجل هذا ~~التأويل بأنهما هدى ، فهذا ما خطر بالبال والله أعلم . PageV07P139 # القول الثاني : وهو قول الأكثرين : أنه تعالى وصف الكتب الثلاثة بأنها ~~هدى ، فهذا الوصف عائد إلى كل ما تقدم وغير مخصوص بالتوراة والإنجيل والله ~~أعلم بمراده . # ثم قال : { وأنزل الفرقان } . # ولجمهور المفسرين فيه أقوال الأول : أن المراد هو الزبور ، كما قال : { ~~وءاتينا * داوود * زبورا } ( النساء : 163 ) والثاني : أن المراد هو القرآن ~~، وإنما أعاده تعظيما لشأنه ومدحا بكونه فارقا بين الحق والباطل أو يقال : ~~إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقا بين ~~ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل ، وعلى هذا التقدير فلا ~~تكرار . # والقول الثالث : وهو قول الأكثرين : أن المراد أنه تعالى كما جعل الكتب ~~الثلاثة هدى ودلالة ، فقد جعلها فارقة بين الحلال والحرام وسائر الشرائع ، ~~فصار هذا الكلام دالا على أن الله تعالى بين بهذه الكتب ما يلزم عقلا وسمعا ~~، هذا جملة ما قاله أهل التفسير في هذه الآية وهي عندي مشكلة أما حمله على ~~الزبور فهو بعيد ، لأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام ، بل ليس ~~فيه إلا المواعظ ، ووصف التوراة والإنجيل مع اشتمالهما على الدلائل ، وبيان ~~الأحكام بالفرقان أولى من وصف الزبور بذلك ، وأما القول الثاني : وهو حمله ~~على القرآن فبعيد من حيث إن قوله { وأنزل الفرقان } عطف على ما قبله ، ~~والمعطوف مغاير للمعطوف عليه والقرآن مذكور قبل هذا فهذا يقتضي أن يكون هذا ~~الفرقان مغايرا للقرآن ، وبهذا الوجه يظهر ضعف القول الثالث ، لأن كون هذه ~~الكتب فارقة بين الحق والباطل صفة لهذه الكتب وعطف الصفة على الموصوف وإن ~~كان ms2118 قد ورد في بعض الأشعار النادرة إلا أنه ضعيف بعيد عن وجه الفصاحة ~~اللائقة بكلام الله تعالى ، والمختار عندي في تفسير هذه الآية وجه رابع ، ~~وهو أن المراد من هذا الفرقان المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه ~~الكتب / وذلك لأنهم لما أتوا بهذه الكتب وادعوا أنها كتب نازلة عليهم من ~~عند الله تعالى افتقروا في إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين ~~دعواهم وبين دعوى الكذابين ، فلما أظهر الله تعالى على وفق دعواهم تلك ~~المعجزات حصلت المفارقة بين / دعوى الصادق وبين دعوى الكاذب ، فالمعجزة هي ~~الفرقان ، فلما ذكر الله تعالى أنه أنزل الكتاب بالحق ، وأنه أنزل التوراة ~~والإنجيل من قبل ذلك ، بين أنه تعالى أنزل معها ما هو الفرقان الحق ، وهو ~~المعجز القاهر الذي يدل على صحتها ، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب ~~المختلفة ، فهذا هو ما عندي في تفسير هذه الآية ، وهب أن أحدا من المفسرين ~~ما ذكره إلا أن حمل كلام الله تعالى عليه يفيد قوة المعنى ، وجزالة اللفظ ، ~~واستقامة الترتيب والنظم ، والوجوه التي ذكروها تنافي كل ذلك ، فكان ما ~~ذكرناه أولى والله أعلم بمراده . # واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر في هذه الألفاظ القليلة جميع ما يتعلق ~~بمعرفة الإلاه ، وجميع ما يتعلق بتقرير النبوة أتبع ذلك بالوعيد زجرا ~~للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة فقال : PageV07P140 # { إن الذين كفروا بأيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } . < < # | آل عمران : ( 4 ) من قبل هدى . . . . . # > > # واعلم أن بعض المفسرين خصص ذلك بالنصارى ، فقصر اللفظ العام على سبب ~~نزوله ، والمحققون من المفسرين قالوا : خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ، ~~فهو يتناول كل من أعرض عن دلائل الله تعالى . # ثم قال : { والله عزيز ذو انتقام } . # والعزيز الغالب الذي لا يغلب والانتقام العقوبة ، يقال انتقم منه انتقاما ~~أي عاقبه ، وقال الليث يقال : لم أرض عنه حتى نقمت منه وانتقمت إذا كافأه ~~عقوب بما صنع ، والعزيز إشار إلى القدرة التامة على العقاب ، وذو الانتقام ~~إشارة إلى كونه فاعلا للعقاب ، فالأول : صفة ms2119 الذات ، والثاني : صفة الفعل ، ~~والله أعلم . # ! 7 < { إن الله لا يخفى عليه شىء في الا رض ولا فى السمآء * هو الذي ~~يصوركم في الا رحام كيف يشآء لا إلاه إلا هو العزيز الحكيم } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 5 - 6 ) إن الله لا . . . . . # > > # إعلم أن هذا الكلام يحتمل وجهين : # الاحتمال الأول : أنه تعالى لما ذكر أنه قيوم ، والقيوم هو القائم بإصلاح ~~مصالح الخلق ومهماتهم ، وكونه كذلك لا يتم إلا بمجموع أمرين أحدهما : أن ~~يكون عالما بحاجاتهم على جميع وجوه الكمية والكيفية والثاني : أن يكون بحيث ~~متى علم جهات حاجاتهم قدر على دفعها ، / والأول : لا يتم إلا إذا كان عالما ~~بجميع المعلومات ، والثاني : لا يتم إلا إذا كان قادرا على جميع الممكنات ، ~~فقوله { إن الله لا يخفى عليه شىء في الارض ولا فى السماء } إشارة إلى كمال ~~علمه المتعلق بجميع المعلومات ، فحينئذ يكون عالما لا محالة مقادير الحاجات ~~ومراتب الضرورات ، لا يشغله سؤال عن سؤال ، ولا يشتبه الأمر عليه بسبب كثرة ~~أسئلة السائلين ثم قوله { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء } إشارة إلى ~~كونه تعالى قادرا على جميع الممكنات ، وحينئذ يكون قادرا على تحصيل مصالح ~~جميع الخلق ومنافعهم ، وعند حصول هذين الأمرين يظهر كونه قائما بالقسط ~~قيوما بجميع الممكنات والكائنات ، ثم فيه لطيفة أخرى ، وهي أن قوله { إن ~~الله لا يخفى عليه شىء في الارض ولا فى السماء } كما ذكرناه إشارة إلى كمال ~~علمه سبحانه ، والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالما لا يجوز أن يكون هو ~~السمع ، لأن معرفة صحة السمع مرقوفة على العلم بكونه تعالى عالما بجميع ~~المعلومات ، بل الطريق إليه ليس إلا الدليل العقلي ، وذلك هو أن نقول : إن ~~أفعال الله تعالى محكمة متقنة ، والفعل المحكم المتقن يدل على كون فاعله ~~عالما ، فلما كان دليل كونه تعالى عالما هو ما ذكرنا ، فحين ادعى كونه ~~عالما بكل المعلومات بقوله { إن الله لا يخفى عليه شىء في الارض ولا فى ~~السماء } أتبعه بالدليل العقلي الدال على ذلك ، وهو أنه هو الذي صور ms2120 في ~~ظلمات الأرحام هذه البنية العجيبة ، والتركيب الغريب ، وركبه من أعضاء ~~مختلفة في الشكل والطبع والصفة ، فبعضها عظام ، وبعضها غضاريف ، وبعضها ~~PageV07P141 شرايين ، وبعضها أوردة ، وبعضها عضلات ، ثم إنه ضم بعضها إلى ~~بعض على التركيب الأحسن ، والتأليف الأكمل ، وذلك يدل على كمال قدرته حيث ~~قدر أن يخلق من قطرة من النطفة هذه الأعضاء المختلفة في الطبائع والشكل ~~واللون ، ويدل على كونه عالما من حيث إن الفعل المحكم لا يصدر إلا عن ~~العالم ، فكان قوله { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء } دالا على كونه ~~قادرا على كل الممكنات ، ودالا على صحة ما تقدم من قوله { إن الله لا يخفى ~~عليه شىء في الارض ولا فى السماء } وإذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع ~~المعلومات ، وقادر على كل الممكنات ، ثبت أنه قيوم المحدثات والممكنات ، ~~فظهر أن هذا كالتقرير لما ذكره تعالى أولا من أنه هو الحي القيوم ، ومن ~~تأمل في هذه اللطائف علم أنه لا يعقل كلام أكثر فائدة ، ولا أحسن ترتيبا ، ~~ولا أكثر تأثيرا في القلوب من هذه الكلمات . # والاحتمال الثاني : أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها ، وذلك لأن ~~النصارى ادعوا إلاهية عيسى عليه السلام ، وعولوا في ذلك على نوعين من الشبه ~~، أحد النوعين شبه مستخرجة من مقدمات مشاهدة ، والنوع الثاني : شبه مستخرجة ~~من مقدمات إلزامية . # أما النوع الأول من الشبه : فاعتمادهم في ذلك على أمرين أحدهما : يتعلق ~~بالعلم والثاني : يتعلق بالقدرة . # / أما ما يتعلق بالعلم فهو أن عيسى عليه السلام كان يخبر عن الغيوب ، ~~وكان يقول لهذا : أنت أكلت في دارك كذا ، ويقول لذاك : إنك صنعت في دارك ~~كذا ، فهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالعلم . # وأما الأمر الثاني من شبههم ، فهو متعلق بالقدرة ، وهو أن عيسى عليه ~~السلام كان يحيي الموتى ، ويبرىء الأكمه والأبرص ، ويخلق من الطين كهيئة ~~الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ، وهذا النوع من شبه النصارى يتعلق ~~بالقدرة ، وليس للنصارى شبه في المسألة سوى هذين النوعين ، ثم إنه تعالى ~~لما استدل على بطلان قولهم في ms2121 إلاهية عيسى وفي التثليث بقوله { الحى القيوم ~~} ( البقرة : 255 ) يعني الإلاه يجب أن يكون حيا قيوما ، وعيسى ما كان حيا ~~قيوما ، لزم القطع إنه ما كان إلاها ، فأتبعه بهذه الآية ليقرر فيها ما ~~يكون جوابا عن هاتين الشبهتين : # أما الشبهة الأولى : وهي المتعلقة بالعلم ، وهي قولهم : إنه أخبر عن ~~الغيوب فوجب أن يكون إلاها ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله { إن الله لا يخفى ~~عليه شىء في الارض ولا فى السماء } وتقرير الجواب أنه لا يلزم من كونه ~~عالما ببعض المغيبات أن يكون إلاها لاحتمال أنه إنما علم ذلك بوحي من الله ~~إليه ، وتعليم الله تعالى له ذلك ، لكن عدم إحاطته ببعض المغيبات يدل دلالة ~~قاطعة على أنه ليس بإلاه لأن الإلاه هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا ~~في السماء فإن الإلاه هو الذي يكون خالقا ، والخالق لا بد وأن يكون عالما ~~بمخلوقه ، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى عليه السلام ما كان عالما بجميع ~~المعلومات والمغيبات ، فكيف والنصارى يقولون : إنه أظهر الجزع من الموت فلو ~~كان عالما بالغيب كله ، لعلم أن القوم يريدون أخذه وقتله ، وأنه يتأذى بذلك ~~ويتألم ، فكان يفر منهم قبل وصولهم إليه ، فلما لم يعلم هذا الغيب ظهر أنه ~~ما كان عالما بجميع المعلومات والمغيبات والإلاه هو الذي لا يخفى عليه شيء ~~من المعلومات ، فوجب القطع بأن عيسى عليه السلام ما كان إلاها فثبت أن ~~الاستدلال بمعرفة بعض الغيب لا يدل على حصول الإلاهية ، وأما PageV07P142 ~~الجهل ببعض الغيب يدل قطعا على عدم الإلاهية ، فهذا هو الجواب عن النوع ~~الأول من الشبه المتعلقة بالعلم . # أما النوع الثاني : من الشبه ، وهو الشبهة المتعلقة بالقدرة فأجاب الله ~~تعالى عنها بقوله { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء } والمعنى أن حصول ~~الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلاها ، ~~لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهارا لمعجزته وإكراما له . # أما العجز عن الإحياء والإماتة في بعض الصور يدل على عدم الإلاهية ، وذلك ~~لأن ms2122 الإلاه هو الذي يكون قادرا على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من ~~النطفة هذا التركيب العجيب ، / والتأليف الغريب ومعلوم أن عيسى عليه السلام ~~ما كان قادرا على الإحياء والإماتة على هذا الوجه وكيف ، ولو قدر على ذلك ~~لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه ، فثبت أن حصول الإحياء ~~والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلاها ، أما عدم ~~حصولهما على وفق مراده في سائر الصور يدل على أنه ما كان إلاها ، فظهر بما ~~ذكر أن هذه الشبهة الثانية أيضا ساقطة . # وأما النوع الثاني من الشبه : فهي الشبه المبنية على مقدمات إلزامية ، ~~وحاصلها يرجع إلى نوعين . # النوع الأول : أن النصارى يقولون : أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أنه ~~ما كان له أب من البشر ، فوجب أن يكون ابنا له فأجاب الله تعالى عنه أيضا ~~بقوله { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء } لأن هذا التصوير لما كان منه ~~فإن شاء صوره من نطفة الأب وإن شاء صوره ابتداء من غير الأب . # والنوع الثاني : أن النصارى قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم ألست تقول : ~~إن عيسى روح الله وكلمته ، فهذا يدل على أنه ابن الله ، فأجاب الله تعالى ~~عنه بأن هذا إلزام لفظي ، واللفظ محتمل للحقيقة والمجاز ، فإذا ورد اللفظ ~~بحيث يكون ظاهره مخالفا للدليل العقلي كان من باب المتشابهات ، فوجب رده ~~إلى التأويل ، وذلك هو المراد بقوله { هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } ( آل عمران : 7 ) فظهر بما ذكرنا أن ~~قوله { الحى القيوم } إشارة إلى ما يدل على أن المسيح ليس بإلاه ولا ابن له ~~، وأما قوله { إن الله لا يخفى عليه شىء في الارض ولا فى السماء } فهو جواب ~~عن الشبهة المتعلقة بالعلم ، وقوله { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء } ~~جواب عن تمسكهم بقدرته على الإحياء والإماتة ، وعن تمسكهم بأنه ما كان له ~~أب من البشر ، فوجب أن يكون ابنا لله ، وأما قوله { هو الذى أنزل ms2123 عليك ~~الكتاب } ( آل عمران : 7 ) فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن أن عيسى ~~روح الله وكلمته ، ومن أحاط علما بما ذكرناه ولخصناه علم أن هذا الكلام على ~~اختصاره أكثر تحصيلا من كل ما ذكره المتكلمون في هذا الباب ، وأنه ليس في ~~المسألة حجة ولا شبهة ولا سؤال ولا جواب إلا وقد اشتملت هذه الآية عليه ، ~~فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وأما كلام ~~من قبلنا من المفسرين في تفسير هذه الآيات فلم نذكره لأنه لا حاجة إليه فمن ~~أراد ذلك طالع الكتب ، ثم أنه تعالى لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد ~~زجرا للنصارى عن قولهم بالتثليث ، فقال : { لا إلاه إلا هو العزيز الحكيم } ~~فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والحكيم إشارة إلى كمال العلم ، وهو تقرير ~~لما تقدم من أن علم المسيح ببعض الغيوب ، وقدرته على الإحياء والإماتة في ~~بعض الصور PageV07P143 لا يكفي في كونه إلاها فإن الإلاه لا بد وأن يكون ~~كامل القدرة / وهو العزيز ، وكامل العلم وهو الحكيم ، وبقي في الآية أبحاث ~~لطيفة ، أما قوله { لا يخفى عليه شىء في الارض ولا فى السماء } فالمراد أنه ~~لا يخفى عليه شيء . # فإن قيل : ما الفائدة في قوله { في الارض ولا فى السماء } مع أنه لو أطلق ~~كان أبلغ . # قلنا : الغرض بذلك إفهام العباد كمال علمه ، وفهمهم هذا المعنى عند ذكر ~~السماوات والأرض أقوى ، وذلك لأن الحس يرى عظمة السماوات والأرض ، فيعين ~~العقل على معرفة عظمة علم الله عز وجل والحس متى أعان العقل على المطلوب ~~كان الفهم أتم والإدراك أكمل ، ولذلك فإن المعاني الدقيقة إذا أريد إيضاحها ~~ذكر لها مثال ، فإن المثال يعين على الفهم . # أما قوله { هو الذي يصوركم } قال الواحدي : التصوير جعل الشيء على صورة ، ~~والصورة هيأة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه وأصله من صاره ~~يصوره إذا أماله ، فهي صورة لأنها مائلة إلى شكل أبويه وتمام الكلام فيه ~~ذكرناه في قوله تعالى : { فصرهن إليك } ( البقرة : 260 ) وأما ms2124 { الارحام } ~~فهي جمع رحم وأصلها من الرحمة ، وذلك لأن الاشتراك في الرحم يوجب الرحمة ~~والعطف ، فلهذا سمي ذلك العضو رحما والله أعلم . # ! 7 < { هو الذىأنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغآء الفتنة ~~وابتغآء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا ~~به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 7 ) هو الذي أنزل . . . . . # > > إعلم أن في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : قد ذكرنا في اتصال قوله { إن الله لا يخفى عليه شىء في ~~الارض ولا فى السماء } بما قبله احتمالين أحدهما : أن ذلك كالتقرير لكونه ~~قيوما والثاني : أن ذلك الجواب عن شبه النصارى ، فأما على الاحتمال الأول ~~فنقول : إنه تعالى أراد أن يبين أنه قيوم وقائم بمصالح / الخلق ومصالح ~~الخلق قسمان : جسمانية وروحانية ، أما الجسمانية فأشرفها تعديل البنية ، ~~وتسوية المزاج على أحسن الصور وأكمل الأشكال ، وهو المراد بقوله { هو الذي ~~يصوركم في الارحام } ( آل عمران : 6 ) وأما الروحانية فأشرفها العلم الذي ~~تصير الروح معه كالمرآة المجلوة التي تجلت صور جميع الموجودات فيها وهو ~~المراد بقوله { هو الذى أنزل عليك الكتاب } وأما على الاحتمال الثاني فقد ~~ذكرنا أن من جملة شبه النصارى تمسكهم بما جاء في القرآن من قوله تعالى في ~~صفة عيسى عليه السلام : إنه روح الله وكلمته ، فبين الله تعالى بهذه الآية ~~أن القرآن مشتمل على PageV07P144 محكم وعلى متشابه ، والتمسك بالمتشابهات ~~غير جائز فهذا ما يتعلق بكيفية النظم ، هو في غاية الحسن والاستقامة . # المسألة الثانية : إعلم أن القرآن دل على أنه بكليته محكم ، ودل على أنه ~~بكليته متشابه ، ودل على أن بعضه محكم ، وبعضه متشابه . # أما ما دل على أنه بكليته محكم ، فهو قوله { الر تلك ءايات الكتاب الحكيم ~~} ( يونس : 1 ) { الر كتاب أحكمت ءاياته } ( هود : 1 ) فذكر في هاتين ~~الآيتين أن جميعه محكم ، والمراد من المحكم بهذا المعنى كونه كلاما حقا ~~فصيح الألفاظ صحيح المعاني وكل ms2125 قول وكلام يوجد كان القرآن أفضل منه في ~~فصاحة اللفظ وقوة المعنى ولا يتمكن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين ~~الوصفين ، والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الذي لا يمكن حله : ~~محكم ، فهذا معنى وصف جميعه بأنه محكم . # وأما ما دل على أنه بكليته متشابه ، فهو قوله تعالى : { كتابا متشابها ~~مثاني } ( الزمر : 23 ) والمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن ويصدق بعضه ~~بعضا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) أي لكان بعضه واردا على نقيض الآخر ، ~~ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة . # وأما ما دل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، فهو هذه الآية التي نحن في ~~تفسيرها ، ولا بد لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ، ثم من ~~تفسيرهما في عرف الشريعة : أما المحكم فالعرب تقول : حاكمت وحكمت وأحكمت ~~بمعنى رددت ، ومنعت ، والحاكم يمنع الظالم عن الظلم وحكمة اللجام التي هي ~~تمنع الفرس عن الاضطراب ، وفي حديث النخعي : احكم اليتيم كما تحكم ولدك أي ~~امنعه عن الفساد ، وقال جرير : أحكموا سفهاءكم ، أي امنعوهم ، وبناء محكم ~~أي وثيق يمنع من تعرض له ، وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي ، ~~وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابها للآخر بحيث يعجز الذهن عن ~~التمييز / قال الله تعالى : { إن البقر تشابه علينا } ( البقرة : 70 ) وقال ~~في وصف ثمار الجنة { وأتوا به متشابها } ( البقرة : 25 ) أي متفق المنظر ~~مختلف الطعوم ، وقال الله تعالى : { تشابهت قلوبهم } ( البقرة : 118 ) ومنه ~~يقال : اشتبه علي الأمران إذا لم يفرق بينهما ، ويقال لأصحاب المخاريق : ~~أصحاب الشبه ، وقال عليه السلام : ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور ~~متشابهات ) وفي رواية / أخرى مشتبهات . # ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما ~~لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه ، إطلاقا لاسم السبب على المسبب ، ونظيره ~~المشكل سمي بذلك ، لأنه أشكل ، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه ، ثم يقال ~~لكل ما غمض وإن ms2126 لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل ، ويحتمل أن يقال : إنه ~~الذي لا يعرف أن الحق ثبوته أو عدمه ، وكان الحكم بثبوته مساويا للحكم ~~بعدمه في العقل والذهن ، ومشابها له ، وغير متميز أحدهما عن الآخر بمزيد ~~رجحان ، فلا جرم سمي غير المعلوم بأنه متشابه ، فهذا تحقيق القول في المحكم ~~والمتشابه بحسب أصل اللغة ، فنقول : # الناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه ، ونحن نذكر الوجه ~~الملخص الذي عليه أكثر المحققين ، ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول : ~~PageV07P145 # اللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى ، فإما أن يكون محتملا لغير ذلك المعنى ، ~~وإما أن لا يكون فإذا كان اللفظ موضوعا لمعنى ولا يكون محتملا لغيره فهذا ~~هو النص ، وأما إن كان محتملا لغيره فلا يخلو إما أن يكون احتماله لأحدهما ~~راجحا على الآخر ، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء ، ~~فإن كان احتماله لأحدهما راجحا على الآخر سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ~~ظاهرا ، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا ، وأما إن كان احتماله لهما على السوية ~~كان اللفظ بالنسبة إليهما معا مشتركا ، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على ~~التعيين مجملا ، فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصا ~~، أو ظاهرا ، أو مؤولا ، أو مشتركا ، أو مجملا ، أما النص والظاهر فيشتركان ~~في حصول الترجيح ، إلا أن النص راجح مانع من الغير ، والظاهر راجح غير مانع ~~من الغير ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم . # وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة ، ~~وإن لم يكن راجحا لكنه غير مرجوح ، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا ~~بحسب الدليل المنفرد ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه ، لأن عدم ~~الفهم حاصل في القسمين جميعا وقد بينا أن ذلك يسمى متشابها إما لأن الذي لا ~~يعلم يكون النفي فيه مشابها للإثبات في الذهن ، وإما لأجل أن الذي يحصل فيه ~~التشابه يصير غير معلوم ، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقا لاسم ~~السبب على المسبب ms2127 ، فهذا هو الكلام المحصل في المحكم والمتشابه ، ثم اعلم ~~أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية ، فههنا يتوقف الذهن ، ~~مثل : القرء ، بالنسبة إلى الحيض والطهر ، إنما المشكل بأن يكون اللفظ بأصل ~~وضعه راجحا في أحد المعنيين ، ومرجوحا في الآخر ، ثم كان الراجح باطلا ، ~~والمرجوح حقا ، ومثاله من القرآن قوله تعالى : { وإذا أردنا أن نهلك قرية ~~أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول } ( الإسراء : 16 ) فظاهر هذا ~~الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا ، ومحكمه قوله تعالى : { إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء } ( الأعراف : 28 ) ردا على الكفار فيما حكى عنهم { وإذا فعلوا ~~فاحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها } ( الأعراف : 28 ) وكذلك ~~قوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } ( التوبة : 67 ) وظاهر النسيان ما يكون ~~ضدا للعلم ، ومرجوحه الترك والآية المحكمة فيه قوله تعالى : { وما كان ربك ~~نسيا } ( مريم : 64 ) وقوله تعالى : { لا يضل ربى ولا ينسى } ( طه : 52 ) . # واعلم أن هذا موضع عظيم فنقول : إن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن ~~الآيات الموافقة لمذهبه محكمة ، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة ، ~~فالمعتزلي يقول قوله { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ( الكهف : 29 ) ~~محكم ، وقوله { وما * تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } ( التكوير : ~~29 ) متشابه والسيء يقلب الأمر في ذلك فلا بد ههنا من قانون يرجع إليه في ~~هذا الباب فنقول : اللفظ إذا كان محتملا لمعنيين وكان بالنسبة إلى أحدهما ~~راجحا ، وبالنسبة إلى الآخر مرجوحا ، فإن حملناه على الراجح ولم نحمله على ~~المرجوح ، فهذا هو المحكم وأما إن حملناه على المرجوح ولم نحمله على الراجح ~~، فهذا هو المتشابه فنقول : صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من ~~دليل منفصل ، وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيا وإما أن يكون عقليا . # أما القسم الأول : فنقول : هذا إنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين ~~اللفظيين تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما رعاية لظاهر ~~الآخر أولى من العكس ، اللهم إلا أن يقال : إن PageV07P146 أحدهما قاطع في ~~دلالته والآخر ms2128 غير قاطع فحينئذ يحصل الرجحان ، أو يقال : كل واحد منهما وإن ~~كان راجحا إلا أن أحدهما يكون أرجح ، وحينئذ يحصل الرجحان إلا أنا نقول : # أما الأول فباطل ، لأن الدلائل اللفظية لا تكون قاطعة ألبتة ، لأن كل ~~دليل لفظي فإنه موقوف على نقل اللغات ، ونقل وجوه النحو والتصريف ، وموقوف ~~على عدم الاشتراك وعدم المجاز ، وعدم التخصيص ، وعدم الإضمار ، وعدم ~~المعارض النقلي والعقلي ، وكان ذلك مظنون ، والموقوف على المظنون أولى أن ~~يكون مظنونا ، فثبت أن شيئا من الدلائل اللفظية لا يكون قاطعا . # وأما الثاني وهو أن يقال : أحد الدليلين أقوى من الدليل الثاني وإن كان ~~أصل الاحتمال قائما فيهما معا ، فهذا صحيح ، ولكن على هذا التقدير يصير صرف ~~الدليل اللفظي عن ظاهره إلى المعنى المرجوح ظنيا ، ومثل هذا لا يجوز ~~التعويل عليه في المسائل الأصولية ، بل يجوز التعويل عليه في المسائل ~~الفقهيه فثبت بما ذكرناه أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح ~~في المسائل القطعية لا يجوز إلا عند قيام الدليل القطعي العقلي على أن ما ~~أشعر به ظاهر اللفظ محال ، وقد علمنا في الجملة أن استعمال اللفظ في معناه ~~المرجوح جائز عند تعذر حمله على ظاهره ، فعنذ هذا يتعين / التأويل ، فظهر ~~أنه لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بواسطة ~~إقامة الدلالة العقلية القاطعة على أن معناه الراجح محال عقلا ثم إذا أقامت ~~هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذا اللفظ ما أشعر به ~~ظاهره ، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا ~~لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وترجيح تأويل على تأويل ~~، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية والدلائل اللفظية على ما بينا ~~ظنية لا سيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر يكون في غاية ~~الضعف ، وكل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف والتعويل على مثل هذه الدلائل في ~~المسائل القطعية محال فلهذا التحقيق المتين مذهبا ms2129 أن بعد إقامة الدلائل ~~القطعية على أن حمل اللفظ على الظاهر محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل ~~، فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب ، والله ولي الهداية والرشاد . # المسألة الثالثة : في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه فالأول : ما ~~نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : المحكمات هي الثلاث آيات التي في ~~سورة الأنعام { قل تعالوا } ( الأنعام : 151 ) إلى آخر الآيات الثلاث ، ~~والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود ، وهي أسماء حروف الهجاء المذكور في ~~أوائل السور ، وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل فطلبوا أن يستخرجوا منها ~~مدة بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه ، وأقول : التكاليف الواردة ~~من الله تعالى تنقسم إلى قسمين منها ما لا يجوز أن يتغير بشرع وشرع ، وذلك ~~كالأمر بطاعة الله تعالى ، والاحتراز عن الظلم والكذب والجهل وقتل النفس ~~بغير حق ، ومنها ما يختلف بشرع وشرع كأعداد الصلوات ومقادير الزكوات وشرائط ~~البيع والنكاح وغير ذلك ، فالقسم الأول هو المسمى بالمحكم عند ابن عباس ، ~~لأن الآيات الثلاث في سورة الأنعام مشتملة على هذا القسم . # وأما المتشابه فهو الذي سميناه بالمجمل ، وهو ما يكون دلالة اللفظ ~~بالنسبة إليه وإلى غيره على السوية ، فإن دلالة هذه الألفاظ على جميع ~~الوجوه التي تفسر هذه الألفاظ بها على السوية لا بدليل منفصل على ما لخصناه ~~في أول سورة البقرة . PageV07P147 # القول الثاني : وهو أيضا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المحكم هو ~~الناسخ ، والمتشابه هو المنسوخ . # والقول الثالث : قال الأصم : المحكم هو الذي يكون دليله واضحا لائحا ، ~~مثل ما أخبر الله تعالى به من إنشاء الخلق في قوله تعالى : { ثم خلقنا ~~النطفة علقة } ( المؤمنون : 14 ) وقوله { وجعلنا من الماء كل شىء حى } ( ~~الأنبياء : 30 ) وقوله { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ~~} ( البقرة : 22 ) والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل نحو ~~الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا ترابا ولو تأملوا لصار المتشابه ~~عندهم محكما لأن من قدر على الإنشاء أو لا ms2130 قدر على الإعادة ثانيا . # / واعلم أن كلام الأصم غير ملخص ، فإنه إن عني بقوله : المحكم ما يكون ~~دلائله واضحة أن المحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة ، ~~والمتشابه ما لا يكون كذلك ، وهو إما المجمل المتساوي ، أو المؤول المرجوح ~~، فهذا هو الذي ذكرناه أولا ، وإن عني به أن المحكم هو الذي يعرف صحة معناه ~~من غير دليل ، فيصير المحكم على قوله ما يعلم صحته بضرورة العقل ، ~~والمتشابه ما يعلم صحته بدليل العقل ، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابها ، ~~لأن قوله { فخلقنا النطفة علقة } أمر يحتاج في معرفة صحته إلى الدلائل ~~العقلية ، وإن أهل الطبيعة يقولون : السبب في ذلك الطبائع والفصول ، أو ~~تأثيرات الكواكب ، وتركيبات العناصر وامتزاجاتها ، فكما أن إثبات الحشر ~~والنشر مفتقر إلى الدليل ، فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى الله تعالى مفتقر ~~إلى الدليل ، ولعل الأصم يقول : هذه الأشياء وإن كانت كلها مفتقرة إلى ~~الدليل ، إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيه ظاهرا بحيث تكون مقدماته ~~قليلة مرتبة مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادرا ، ومنها ما يكون الدليل فيه ~~خفيا كثير المقدمات غير مرتبة فالقسم الأول : هو المحكم والثاني : هو ~~المتشابه . # القول الرابع : أن كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي ، ~~أو بدليل خفي ، فذاك هو المحكم ، وكل ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو ~~المتشابه ، وذلك كالعلم بوقت قيام الساعة ، والعلم بمقادير الثواب والعقاب ~~في حق المكلفين ، ونظيره قوله تعالى : { يسئلونك عن الساعة أيان مرساها } ( ~~الأعراف : 187 ) ( النازعات : 42 ) . # المسألة الرابعة : في الفوائد التي لأجلها جعل بعض القرآن محكما وبعضه ~~متشابها . # إعلم أن من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات ، وقال ~~: إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ، ثم ~~إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه ، فالجبري يتمسك بآيات ~~الجبر ، كقوله تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا ~~} ( الأنعام : 103 ) والقدري يقول : بل هذا مذهب الكفار ، بدليل أنه تعالى ms2131 ~~حكى ذلك عن الكفار في معرض الذم لهم في قوله { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما ~~تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر } ( الأنعام : 25 ) وفي موضع آخر { وقالوا ~~قلوبنا غلف } ( الإسراء : 46 ) وأيضا مثبت الرؤية يتمسك بقوله { وجوه يومئذ ~~ناضرة * إلى ربها ناظرة } ( القيامة : 22 ، 23 ) والنافي يتمسك بقوله { لا ~~تدركه الابصار } ( الأنعام : 103 ) ومثبت الجهة يتمسك بقوله { يخافون ربهم ~~من فوقهم } PageV07P148 ( النحل : 50 ) وبقوله { الرحمان على العرش استوى } ~~( طه : 5 ) والنافي يتمسك بقوله { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) ثم إن ~~كل واحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه : محكمة ، والآيات المخالفة لمذهبه : ~~متشابهة وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية ، ووجوه ~~ضعيفة ، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل ~~الدين إلى قيام الساعة هكذا ، أليس أنه لو جعله ظاهرا جليا نقيا عن هذه ~~المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض . # / واعلم أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوها : # الوجه الأول : أنه متى كانت المتشابهات موجودة ، كان الوصول إلى الحق ~~أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب ، قال الله تعالى : { أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } ( آل ~~عمران : 142 ) . # الوجه الثاني : لو كان القرآن محكما بالكلية لما كان مطابقا إلا لمذهب ~~واحد ، وكان تصريحه مبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب ، وذلك مما ينفر أرباب ~~المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه ، فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملا ~~على المحكم وعلى المتشابه ، فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي ~~مذهبه ، ويؤثر مقالته ، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ، ويجتهد في ~~التأمل فيه كل صاحب مذهب ، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة ~~للمتشابهات ، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق . # الوجه الثالث : أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر ~~الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل ، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد ، ~~ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة ، أما لو كان كله محكما لم يفتقر إلى ~~التمسك ms2132 بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد . # الوجه الرابع : لما كان القرآن مشتملا على المحكم والمتشابه ، افتقروا ~~إلى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر تعلم ذلك إلى تحصيل ~~علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك ~~ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ، فكان إيراد هذه ~~المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة . # الوجه الخامس : وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على ~~دعوة الخواص والعوام بالكلية ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك ~~الحقائق ، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ~~ولا مشار إليه ، ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل ، فكان الأصلح أن ~~يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه / ويكون ذلك ~~مخلوطا بما يدل على الحق الصريح ، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول ~~الأمر يكون من باب المتشابهات ، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر ~~الأمر هو المحكمات ، فهذا ما حضرنا في هذا الباب والله أعلم بمراده . # وإذا عرفت هذه المباحث فلنرجع إلى التفسير . # أما قوله تعالى : { هو الذى أنزل عليك الكتاب } فالمراد به هو القرآن { ~~منه آيات محكمات } وهي التي PageV07P149 يكون مدلولاتها متأكدة إما ~~بالدلائل العقلية القاطعة وذلك في المسائل القطعية ، أو يكون مدلولاتها ~~خالية عن معارضات أقوى منها . # / ثم قال : { هن أم الكتاب } وفيه سؤالان : # السؤال الأول : ما معنى كون المحكم أما للمتشابه ؟ . # الجواب : الأم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء ، فلما كانت ~~المحكمات مفهومة بذواتها ، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، ~~لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات وقيل : أن ما جرى في الإنجيل من ذكر ~~الأب ، وهو أنه قال : إن الباري القديم المكون للأشياء الذي به قامت ~~الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها ، فعبر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن ~~الأب هو الذي حصل منه تكوين الإبن ، ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة ms2133 ~~الواقعة من جهة الولادة ، فكان قوله { ما كان لله أن يتخذ من ولد } ( مريم ~~: 35 ) محكما لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية ، وكان قوله : عيسى ~~روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم . # السؤال الثاني : لم قال : { أم الكتاب } ولم يقل : أمهات الكتاب ؟ . # الجواب : أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد ، ومجموع المتشابهات في ~~تقدير شيء آخر وأحدهما أم الآخر ، ونظيره قوله تعالى : { وجعلنا ابن مريم ~~وأمه ءاية } ( المؤمنون : 50 ) ولم يقل آيتين ، وإنما قال ذلك على معنى أن ~~مجموعهما آية واحدة ، فكذلك ههنا . # ثم قال : { وأخر متشابهات } وقد عرفت حقيقة المتشابهات ، قال الخليل ~~وسيبويه : أن { ءاخر } فارقت أخواتها في حكم واحد ، وذلك لأن أخر جمع أخرى ~~وأخرى تأنيث آخر وأخر على وزن أفعل وما كان على وزن أفعل فإنه يستعمل مع { ~~من } أو بالألف واللام ، فيقال : زيد أفضل من عمرو ، وزيد الأفضل فالألف ~~واللام معقبتان لمن في باب أفعل ، فكان القياس أن يقال : زيد آخر من عمرو ، ~~أو يقال : زيد الآخر إلا أنهم حذفوا منه لفظ { من } لأن لفظه اقتضى معنى { ~~من } فاسقطوها اكتفاء بدلالة اللفظ عليه والألف واللام معاقبتان لمن ، فسقط ~~الألف واللام أيضا فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أخر فأخر جمعه ~~، فصارت هذه اللفظة معدولة عن حكم نظائرها في سقوط الألف واللام عن جمعها ~~ووحدانها . # ثم قال : { فأما الذين فى قلوبهم زيغ } إعلم أنه تعالى لما بين أن الكتاب ~~ينقسم إلى قسمين منه محكم ومنه متشابه ، بين أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا ~~بالمتشابه ، والزيغ الميل عن الحق ، يقال : زاغ زيغا : أي مال ميلا ~~واختلفوا في هؤلاء الذين أريدوا بقوله { فى قلوبهم زيغ } فقال الربيع : هم ~~وفد نجران لما حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا : أليس ~~هو كلمة الله وروح منه قال : بلى . فقالوا : حسبنا . فأنزل الله هذه الآية ~~، ثم أنزل { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم } ( آل عمران : 59 ) وقال ~~الكلبي : هم اليهود طلبوا علم مدة ms2134 بقاء هذه الأمة واستخراجه من الحروف ~~المقطعة في أوائل السور وقال قتادة والزجاج : هم الكفار الذين ينكرون البعث ~~، لأنه قال في آخر الآية { وما يعلم تأويله إلا الله } وما ذاك إلا وقت ~~القيامة لأنه تعالى أخفاه عن كل الخلق حتى عن الملائكة والأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام . PageV07P150 # وقال المحققون : إن هذا يعم جميع المبطلين ، وكل من احتج لباطله ~~بالمتشابه ، لأن اللفظ عام ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ويدخل فيه كل ~~ما فيه لبس واشتباه ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة وما أوعد ~~الكفار من النقمة ويقولون { ائتنا بعذاب الله } ( العنكبوت : 29 ) { لا ~~تأتينا الساعة } ( سبأ : 3 ) { لو ما تأتينا بالملئكة } ( الحجر : 7 ) ~~فموهوا الأمر على الضعفة ، ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله تعالى ~~: { الرحمان على العرش استوى } ( طه : 5 ) فإنه لما ثبت بصريح العقل أن كل ~~ما كان مختصا بالحيز فإما أن يكون في الصغر كالجزء الذي لا يتجزأ وهو باطل ~~بالاتفاق وإما أن يكون أكبر فيكون منقسما مركبا وكل مركب فإنه ممكن ومحدث ، ~~فبهذا الدليل الظاهر يمتنع أن يكون الإلاه في مكان ، فيكون قوله { الرحمان ~~على العرش استوى } متشابها ، فمن تمسك به كان متمسكا بالمتشابهات ومن جملة ~~ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد ، ~~فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي ، وثبت ~~أن حصول ذلك الداعي من الله تعالى ، وثبت متى كان الأمر كذلك كان حصول ~~الفعل عند تلك الداعية واجبا ، وعدمه عند عدم هذه الداعية واجبا ، فحينئذ ~~يبطل ذلك التفويض ، وثبت أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته ، فيصير ~~استدلال المعتزلة بتلك الظواهر وإن كثرت استدلالا بالمتشابهات ، فبين الله ~~تعالى في كل هؤلاء الذين يعرضون عن الدلائل القاطعة ويقتصرون على الظواهر ~~الموهمة أنهم يتمسكون بالمتشابهات لأجل أن في قلوبهم زيغا عن الحق وطلبا ~~لتقرير الباطل . # واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم ~~محكمة ، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة ثم هو ms2135 الأمر في ذلك ألا ترى ~~إلى الجبائي فإنه يقوله : المجبرة الذين يضيفون الظلم والكذب ، وتكليف ما ~~لا يطاق إلى الله تعالى هم المتمسكون بالمتشابهات . # وقال أبو مسلم الأصفهاني : الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات ~~الضلال ، ولا يتأوله على المحكم الذي بينه الله تعالى بقوله { وأضلهم ~~السامرى } ( طه : 85 ) { وأضل فرعون قومه وما هدى } ( طه : 79 ) { وما يضل ~~به إلا الفاسقين } ( البقرة : 26 ) وفسروا أيضا قوله { وإذا أردنا أن نهلك ~~قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } ( الإسراء : 16 ) على أنه تعالى أهلكهم ~~وأراد فسقهم ، وأن الله تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم مع أنه تعالى ~~قال : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) { ~~ويريد الله * ليبين لكم ويهديكم } ( النساء : 26 ) وتأولوا قوله تعالى : { ~~زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون } ( النمل : 4 ) على أنه تعالى زين لهم النعمة ~~ونقضوا بذلك ما في القرآن كقوله تعالى : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم } ( الرعد : 11 ) { وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ~~ظالمون } ( القصص : 59 ) وقال : { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى } ( فصلت : 17 ) وقال : { فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه } ( يونس : ~~108 ) وقال : { ولاكن الله حبب إليكم الايمان وزينه فى قلوبكم } ( الحجرات ~~: 7 ) فكيف يزين النعمة ؟ فهذا ما قاله أبو مسلم ، وليت شعري لم حكم على ~~الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات / وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها ~~متشابهات ؟ ولم أوجب في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجرائها على الظاهر ، ~~وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر ؟ ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا ~~بالرجوع إلى الدلائل العقلية الباهرة ، فإذا دل على بطلان مذهب المعتزلة ~~الأدلة العقلية ، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين ~~دون الثاني من غير مرجح ، وذلك تصريح بنفي الصانع ، ولا يتم إلا إذا ~~PageV07P151 قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم ~~فاعله به ، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا ~~لمخصص ، وذلك نفي للصانع ، ولزم ms2136 منه أيضا أن لا يدل صدور الفعل المحكم على ~~كون الفاعل عالما وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على ~~كون فاعلها عالما ، ولو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم ~~يقدروا على دفعها ، فإذا لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل ~~أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه ، فظهر بما ذكرناه أن ~~القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة وكل ~~آية تخالفهم فهي المتشابهة . # وأما المحقق المنصف ، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة أحدها : ~~ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية ، فذاك هو المحكم حقا وثانيها : الذي ~~قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها ، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد ~~الله تعالى غير ظاهره وثالثها : الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ~~ثبوته وانتفائه ، فيكون من حقه التوقف فيه ، ويكون ذلك متشابها بمعنى أن ~~الأمر اشتبه فيه ، ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر ، إلا أن الظن الراجح ~~حاصل في إجرائها على ظواهرها فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم بمراده ~~. # واعلم أنه تعالى لما بين أن الزائغين يتبعون المتشابه ، بين أن لهم فيه ~~غرضين ، فالأول : هو قوله تعالى : { ابتغاء الفتنة } والثاني : هو قوله { ~~وابتغاء تأويله } . # فأما الأول : فاعلم أن الفتنة في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه ، ~~يقال : فلان مفتون بطلب الدنيا ، أي قد غلا في طلبها وتجاوز القدر ، وذكر ~~المفسرون في تفسير هذه الفتنة وجوها : أولها : قال الأصم : إنهم متى أوقعوا ~~تلك المتشابهات في الدين ، صار بعضهم مخالفا للبعض في الدين ، وذلك يفضي ~~إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة وثانيها : أن التمسك بذلك ~~المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتونا بذلك الباطل عاكفا عليه ~~لا ينقلع عنه بحيلة ألبتة وثالثها : أن الفتنة في الدين هو الضلال عنه ~~ومعلوم أنه لا فتنة ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه . # / وأما الغرض الثاني لهم : وهو قوله تعالى : { وابتغاء تأويله } فاعلم أن ~~التأويل هو التفسير وأصله ms2137 في اللغة المرجع والمصير ، من قولك آل الأمر إلى ~~كذا إذا صار إليه ، وأولته تأويلا إذا صيرته إليه ، هذا معنى التأويل في ~~اللغة ، ثم يسمى التفسير تأويلا ، قال تعالى : { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا } ( الكهف : 78 ) وقال تعالى : { وأحسن تأويلا } ( النساء : 59 ) ~~وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى ، واعلم أن المراد منه أنهم ~~يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان ، مثل طلبهم أن ~~الساعة متى تقوم ؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون ؟ قال ~~القاضي : هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما : أن يحملوه ~~على غير الحق : وهو المراد من قوله { ابتغاء الفتنة } والثاني : أن يحكموا ~~بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه ، وهو المراد من قوله { وابتغاء تأويله } ~~ثم بين تعالى ما يكون زيادة في ذم طريقة هؤلاء الزائغين فقال : { وما يعلم ~~تأويله إلا الله } واختلف الناس في هذا الموضع ، فمنهم من قال : تم الكلام ~~ههنا ، ثم الواو في قوله { والرسخون في العلم } واو الابتداء ، وعلى هذا ~~القول : لا يعلم المتشابه PageV07P152 إلا الله ، وهذا قول ابن عباس وعائشة ~~ومالك بن أنس والكسائي والفراء ، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي وهو ~~المختار عندنا . # والقول الثاني : أن الكلام إنما يتم عند قوله { والرسخون في العلم } وعلى ~~هذا القول يكون العلم بالمتشابه حاصلا عند الله تعالى وعند الراسخين في ~~العلم وهذا القول أيضا مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وأكثر ~~المتكلمين والذي يدل على صحة القول الأول وجوه : # الحجة الأولى : أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ، ثم دل دليل أقوى منه على ~~أن ذلك الظاهر غير مراد ، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة ~~، وفي المجازات كثرة ، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات ~~اللغوية ، والترجيحات اللغوية لا تفيد إلا الظن الضعيف ، فإذا كانت المسألة ~~قطعية يقينية ، كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز ، مثاله ~~قال الله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا ms2138 وسعها } ( البقرة : 286 ) ثم قال ~~الدليل القاطع على أن مثل هذا التكليف قد وجد على ما بينا في البراهين ~~الخمسة في تفسير هذه الآية فعلمنا أن مراد الله تعالى ليس ما يدل عليه ظاهر ~~هذه الآية ، فلا بد من صرف اللفظ إلى بعض المجازات ، وفي المجازات كثرة ~~وترجيح بعضها على بعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، وأنها لا تفيد إلا ~~الظن الضعيف ، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية ، فوجب أن يكون القول ~~فيها بالدلائل الظنية باطلا ، وأيضا قال الله تعالى : { الرحمان على العرش ~~استوى } ( طه : 5 ) دل الدليل على أنه يمتنع أن يكون الإلاه في المكان ، ~~فعرفنا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها ، إلا أن ~~في مجازات هذه اللفظة كثرة فصرف اللفظ إلى البعض دون البعض لا يكون إلا ~~بالترجيحات اللغوية الظنية ، والقول بالظن في / ذات الله تعالى وصفاته غير ~~جائز بإجماع المسلمين ، وهذه حجة قاطعة في المسألة والقلب الخالي عن التعصب ~~يميل إليه ، والفطرة الأصلية تشهد بصحته وبالله التوفيق . # الحجة الثانية : وهو أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه ~~مذموم ، حيث قال : { فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله } ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزا لما ذم الله ~~تعالى ذلك . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة ، كما في ~~قوله { يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي } ( الأعراف : ~~178 ) وأيضا طلب مقادير الثواب والعقاب ، وطلب ظهور الفتح والنصرة كما ~~قالوا { لو ما تأتينا بالملئكة } ( الحجر : 7 ) . # قلنا : إنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين محكم ومتشابه ، ودل العقل على ~~صحة هذه القسمة من حيث إن حمل اللفظ على معناه الراجح هو المحكم ، وحمله ~~على معناه الذي ليس براجح هو المتشابه ، ثم أنه تعالى ذم طريقة من طلب ~~تأويل المتشابه كان تخصيص ذلك ببعض المتشابهات دون البعض تركا للظاهر ، ~~وأنه لا يجوز . # الحجة الثالثة : أن ms2139 الله مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به ، ~~وقال في أول سورة البقرة { فما فوقها فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق } ~~فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه PageV07P153 على ~~التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح / لأن كل من عرف شيئا على سبيل ~~التفصيل فإنه لا بد وأن يؤمن به ، إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا ~~بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها ، ~~وعلموا أن القرآن كلام الله تعالى ، وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل والعبث ، ~~فإذا سمعوا آية ودلت الدلائل القطعية على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراد ~~الله تعالى ، بل مراده منه غير ذلك الظاهر ، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى ~~علمه ، وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب ، فهؤلاء هم ~~الراسخون في العلم بالله حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ، ولا عدم علمهم ~~بالمراد على التعيين عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن . # الحجة الرابعة : لو كان قوله { والرسخون في العلم } معطوفا على قوله { ~~إلا الله } لصار قوله { يقولون ءامنا به } ابتداء ، وأنه بعيد عن ذوق ~~الفصاحة ، بل كان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنا به ، أو يقال : ويقولون ~~آمنا به . # فإن قيل : في تصحيحه وجهان الأول : أن قوله { يقولون } كلام مبتدأ ، ~~والتقدير : هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به والثاني : أن يكون { ~~يقولون } حالا من الراسخين . # قلنا : أما الأول فمدفوع ، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه ~~إلى الاضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الاضمار والثاني : أن ذا ~~الحال هو الذي تقدم ذكره ، وههنا قد تقدم / ذكر الله تعالى وذكر الراسخين ~~في العلم فوجب أن يجعل قوله { يقولون ءامنا به } حالا من الراسخين لا من ~~الله تعالى ، فيكون ذلك تركا للظاهر ، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا ~~بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه ، فكان هذا القول أولى . # الحج الخامسة : قوله تعالى : { كل من عند ربنا } يعني أنهم آمنوا بما ~~عرفوه على ms2140 التفصيل ، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله ، فلو كانوا عالمين ~~بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة . # الحجة السادسة : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : تفسير القرآن ~~على أربعة أوجه : تفسير لا يسع أحدا جهله ، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، ~~وتفسير تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى . # وسئل مالك بن أنس رحمه الله عن الاستواء ، فقال : الاستواء معلوم ، ~~والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عند بدعة ، وقد ذكرنا بعض ~~هذه المسألة في أول سورة البقرة ، فإذا ضم ما ذكرناه ههنا إلى ما ذكرنا ~~هناك تم الكلام في هذه المسألة ، وبالله التوفيق . # ثم قال تعالى : { والرسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء . # واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية ~~القطعية ، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأى ~~شيئا متشابها ، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى ، علم حينئذ ~~قطعا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دل عليه ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا ~~يصير كون ظاهره مردودا شبهة في الطعن في صحة القرآن . PageV07P154 # ثم حكي عنهم أيضا أنهم يقولون { كل من عند ربنا } والمعنى : أن كل واحد ~~من المحكم والمتشابه من عند ربنا ، وفيه سؤالان : # السؤال الأول : لو قال : كل من ربنا كان صحيحا ، فما الفائدة في لفظ { ~~عند } ؟ . # الجواب ؛ الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد ، فذكر كلمة { ~~عند } لمزيد التأكيد . # السؤال الثاني : لم جاز حذف المضاف إليه من { كل } ؟ . # الجواب : لأن دلالة المضاف عليه قوية ، فبعد الحذف الأمن من اللبس حاصل . # ثم قال : { وما يذكر إلا أولوا الالباب } وهذا ثناء من الله تعالى على ~~الذين قالوا آمنا به / ومعناه : ما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول ~~الكاملة ، فصار هذا اللفظ كالدلالة على أنهم يستعملون عقولهم في فهم القرآن ~~، فيعلمون الذي يطابق ظاهره دلائل العقول فيكون محكما ، وأما الذي يخالف ms2141 ~~ظاهره دلائل العقول فيكون متشابها ، ثم يعلمون أن الكل كلام من لا يجوز في ~~كلامه التناقض والباطل ، فيعلمون أن ذلك المتشابه لا بد وأن يكون له معنى ~~صحيح عند الله تعالى ، وهذه / الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين ~~يبحثون عن الدلائل العقلية ، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته ~~وأفعاله ، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول ، وتوافق اللغة ~~والإعراب . # واعلم أن الشيء كلما كان أشرف كان ضده أخس ، فكذلك مفسر القرآن متى كان ~~موصوفا بهذه الصفة كانت درجته هذه الدرجة العظمى التي عظم الله الثناء عليه ~~، ومتى تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحرا في علم الأصول ، وفي علم ~~اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ( من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار ) . # ! 7 < { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 8 ) ربنا لا تزغ . . . . . # > > واعلم أنه تعالى كما حكى عن الراسخين أنهم يقولون آمنا به حكي عنهم ~~أنهم يقولون { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا } وحذف { يقولون } ~~لدلالة الأول عليه ، وكما في قوله { ويتفكرون فى خلق * السماوات والارض * ~~ربنا ما خلقت هذا باطلا } ( آل عمران : 191 ) وفي هذه الآية اختلف كلام أهل ~~السنة وكلام المعتزلة . # أما كلام أهل السنة فظاهر ، وذلك لأن القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان ، ~~وصالح لأن يميل إلى الكفر ، ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين إلا عند حدوث ~~داعية وإرادة يحدثها الله تعالى ، فإن كانت تلك الداعية داعية الكفر ، فهي ~~الخذلان ، والإزاغة ، والصد ، والختم ، والطبع ، والرين ، والقسوة ، والوقر ~~، والكنان ، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن ، وإن كانت تلك الداعية ~~داعية الإيمان فهي : التوفيق ، PageV07P155 والرشاد ، والهداية ، والتسديد ~~، والتثبيت ، والعصمة ، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن ، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن ) ~~والمراد من هذين الأصبعين الداعيتان ، فكما أن الشيء ms2142 الذي يكون بين أصبعي ~~الإنسان يتقلب كما يقلبه الإنسان بواسطة ذينك الأصبعين ، فكذلك القلب لكونه ~~بين الداعيتين يتقلب كما يقلبه الحق بواسطة تينك الداعيتين ، ومن أنصف ولم ~~يتعسف ، وجرب نفسه وجد هذا المعنى كالشيء المحسوس ، ولو جوز حدوث إحدى ~~الداعيتين من غير محدث ومؤثر لزمه نفي الصانع وكان صلى الله عليه وسلم يقول ~~: ( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك ) ومعناه ما ذكرنا / فلما ~~آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات والمتشابهات ~~تضرعوا إليه سبحانه وتعالى في أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل بعد أن ~~جعلها مائلة إلى الحق ، فهذا كلام برهاني متأكد بتحقيق قرآني . # ومما يؤكد ما ذكرناه أن الله تعالى مدح هؤلاء المؤمنين بأنهم لا يتبعون ~~المتشابهات ، بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال ، وترك الخوض فيها فيبعد منهم ~~في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه فلا بد وأن يكونوا قد تكلموا بهذا ~~الدعاء لاعتقادهم أن من المحكمات ، ثم إن الله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض ~~المدح لهم والثناء عليهم بسبب أنهم قالوا ذلك ، وهذا يدل على أن هذه الآية ~~من أقوى المحكمات ، وهذا كلام متين . # وأما المعتزلة فقد قالوا : لما دلت الدلائل على أن الزيغ لا يجوز أن يكون ~~بفعل الله تعالى ، وجب صرف هذه الآية إلى التأويل ، فأما دلائلهم فقد ~~ذكرناها في تفسير قوله تعالى : { سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون } ( البقرة : 6 ) . # ومما احتجوا به في هذا الموضع خاصة قوله تعالى : { فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم } وهو صريح في أن ابتداء الزيغ منهم ، وأما تأويلاتهم في هذه الآية ~~فمن وجوه الأول : وهو الذي قاله الجبائي واختاره القاضي : أن المراد بقوله ~~{ لا تزغ قلوبنا } ( الصف : 5 ) يعني لا تمنعها الألطاف التي معها يستمر ~~قلبهم على صفة الإيمان ، وذلك لأنه تعالى لما منعهم ألطافه عند استحقاقهم ~~منع ذلك جاز أن يقال : أزاغهم ويدل على هذا قوله تعالى : { فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم } والثاني : قال الأصم : لا تبلنا ببلوى تزيغ ms2143 عندها قلوبنا فهو ~~كقوله { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما ~~فعلوه إلا قليل منهم } ( النساء : 66 ) وقال : { لجعلنا لمن يكفر بالرحمان ~~لبيوتهم سقفا من فضة } ( الزخرف : 33 ) والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما ~~لا نأمن معه الزيغ ، وقد يقول القائل : لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما ~~أصير عنده مؤذيا لك الثالث : قال الكعبي { لا تزغ قلوبنا } أي لا تسمنا ~~باسم الزائغ ، كما يقال : فلان يكفر فلانا إذا سماه كافرا ، والرابع : قال ~~الجبائي : أي لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك بعد إذ هديتنا ؛ وهذا قريب من ~~الوجه الأول إلا أن يحمل على شيء آخر ، وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في ~~الحال ، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر ، فقوله { لا تزغ قلوبنا } ~~محمول على أن يميته قبل أن يصير كافرا ، وذلك لأن إبقاءه حيا إلى السنة ~~الثانية يجري مجرى ما إذا أزاغه عن طريق الجنة الخامس : قال الأصم { لا تزغ ~~قلوبنا } عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل السادس : قال أبو ~~مسلم : احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ ، فهذا جمل ما ذكروه ~~في تأويل هذه الآية وهي بأسرها ضعيفة . PageV07P156 # أما الأول : فلأن من مذهبم أن كل ما صح في قدرة الله تعالى أن يفعل في ~~حقهم لطفا / وجب عليه ذلك وجوبا لو تركه لبطلت إلاهيته ، ولصار جاهلا ~~ومحتاجا والشيء الذي يكون كذلك فأي حاجة إلى الدعاء في طلبه بل هذا القول ~~يستمر على قول بشر بن المعتمر وأصحابه الذين لا يوجبون على الله فعل جميع ~~الألطاف . # وأما الثاني : فضعيف ، لأن التشديد في التكليف إن علم الله تعالى له أثرا ~~في حمل المكلف على القبيح قبح من الله تعالى ، وإن علم الله تعالى أنه لا ~~أثر له ألبتة في حمل المكلف على فعل القبيح كان وجوده كعدمه فيما يرجع إلى ~~كون العبد مطيعا وعاصيا ، فلا فائدة في صرف الدعاء إليه . # وأما الثالث : فهو أن التسمية بالزيغ ms2144 والكفر دائر مع الكفر وجودا وعدما ~~والكفر والزيغ باختيار العبد ، فلا فائدة في قوله لا تسمنا باسم الزيغ ~~والكفر . # وأما الرابع : فهو أنه لو كان علمه تعالى بأنه يكفر في السنة الثانية ، ~~يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأن لا يؤمن قط ويكفر طول عمره يوجب عليه لا ~~يخلقه . # وأما الخامس : وهو حمله على إبقاء العقل فضعيف ، لأن هذا متعلق بما قال ~~قبل هذه الآية { فأما الذين فى قلوبهم زيغ } ( آل عمران : 7 ) . # وأما السادس : وهو أن الحراسة من الشيطان ومن شرور النفس إن كان مقدورا ~~وجب فعله ، فلا فائدة في الدعاء وإن لم يكن مقدورا تعذر فعله فلا فائدة في ~~الدعاء ، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الوجوه ، وأن الحق ما ذهبنا إليه . # فإن قيل : فعلى ذلك القول كيف الكلام في تفسير قوله تعالى : { فلما زاغوا ~~أزاغ الله قلوبهم } ( الصف : 5 ) . # قلنا : لا يبعد أن يقال إن الله تعالى يزيغهم ابتداء فعند ذلك يزيغون ، ~~ثم يترتب على هذا الزيغ إزاغة أخرى سوى الأولى من الله تعالى وكل ذلك لا ~~منافاة فيه . # أما قوله تعالى : { بعد إذ هديتنا } ( آل عمران : 8 ) أي بعد أن جعلتنا ~~مهتدين ، وهذا أيضا صريح في أن حصول الهداية في القلب بتخليق الله تعالى . # ثم قال : { وهب لنا من لدنك رحمة } واعلم أن تطهير القلب عما لا ينبغي ~~مقدم على تنويره مما ينبغي ، فهؤلاء المؤمنون سألوا ربهم أولا أن لا يجعل ~~قلوبهم مائلة إلى الباطل والعقائد الفاسدة ، ثم أنهم ابتغوا ذلك بأن طلبوا ~~من ربهم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ، وجوارحهم وأعضائهم بزينة الطاعة ، ~~وإنما قال : { رحمة } ليكون ذلك شاملا لجميع أنواع الرحمة ، فأولها : أن ~~يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة ، وثانيها : أن يحصل في ~~الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة / وثالثها : أن يحصل في ~~الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية ورابعها : أن يحصل ~~عند الموت سهولة سكرات الموت وخامسها : أن يحصل في القبر سهولة السؤال ، ~~وسهولة ظلمة القبر . # / وسادسها : أن يحصل في القيامة ms2145 سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات ~~وترجيح الحسنات فقوله { من لدنك رحمة } يتناول جميع هذه الأقسام ، ~~PageV07P157 ولما ثبت بالبراهين الباهرة القاهرة أنه لا رحيم إلا هو ، ولا ~~كريم إلا هو ، لا جرم أكد ذلك بقوله { من لدنك } تنبيها للعقل والقلب ~~والروح على أن المقصود لا يحصل إلا منه سبحانه ، ولما كان هذا المطلوب في ~~غاية العظمة بالنسبة إلى العبد لا جرم ذكرها على سبيل التنكير ، كأنه يقول ~~: أطلب رحمة وأية رحمة ، أطلب رحمة من لدنك ، وتليق بك ، وذلك يوجب غاية ~~العظمة . # ثم قال : { إنك أنت الوهاب } كأن العبد يقول : إلاهي هذا الذي طلبته منك ~~في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلي ، لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك ، وغاية ~~جودك ورحمتك ، فأنت الوهاب الذي من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها ~~وماهياتها ووجوداتها فكل ما سواك فمن جودك وإحسانك وكرمك ، يا دائم المعروف ~~، يا قديم الإحسان ، لا تخيب رجاء هذا المسكين ، ولا ترد دعاءه ، واجعله ~~بفضلك أهلا لرحمتك يا أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين . # ! 7 < { ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد } ~~. > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 9 ) ربنا إنك جامع . . . . . # > > واعلم أن هذا الدعاء من بقية كلام الراسخين في العلم ، وذلك لأنهم ~~لما طلبوا من الله تعالى أن يصونهم عن الزيغ ، وأن يخصهم بالهداية والرحمة ~~، فكأنهم قالوا : ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها ~~منقضية منقرضة ، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا ~~إلاهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة ، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفا ~~وكلامك لا يكون كذبا ، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد ، ومن ~~أعطيته التوفيق والهداية والرحمة وجعلته من المؤمنين ، بقي هناك في السعادة ~~والكرامة أبد الآباد ، فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة ، بقي ~~في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } تقديره : ~~جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه ، فحذف لكون المراد ظاهرا . # المسألة الثانية : قال ms2146 الجبائي : إن كلام المؤمنين تم عند قوله { ليوم لا ~~ريب فيه } فأما قوله { إن الله لا يخلف الميعاد } فهو كلام الله عز وجل ، ~~كأن القوم لما قالوا { إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } صدقهم الله تعالى ~~في ذلك وأيد كلامهم بقوله { إن الله لا يخلف الميعاد } كما قال حكاية عن ~~المؤمنين في آخر هذه السورة { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا ~~يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } ( آل عمران : 194 ) ومن الناس من قال : ~~لا يبعد ورود هذا على طريقة العدول في الكلام من الغيبة إلى الحضور ، ومثله ~~في كتاب الله تعالى كثير ، قال تعالى : { حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم ~~بريح طيبة } ( يونس : 22 ) . # فإن قيل : فلم قالوا في هذه الآية { إن الله لا يخلف الميعاد } وقالوا في ~~تلك الآية { إنك لا تخلف الميعاد } . PageV07P158 # قلت : الفرق والله أعلم أن هذه الآية في مقام الهيبة ، يعني أن الإلاهية ~~تقتضي الحشر والنشر لينتصف المظلومين من الظالمين ، فكان ذكره باسمه الأعظم ~~أولى في هذا المقام ، أما قوله في آخر السورة { إنك لا تخلف الميعاد } ( آل ~~عمران : 194 ) فذاك المقام مقام طلب العبد من ربه أن ينعم عليه بفضله ، وأن ~~يتجاوز عن سيئاته فلم يكن المقام مقام الهيبة ، فلا جرم قال : { إنك لا ~~تخلف الميعاد } . # المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق ، قال ~~: وذلك لأن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد ، بدليل قوله تعالى : { أن قد وجدنا ~~ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } ( الأعراف : 44 ) والوعد ~~والموعد والميعاد واحد ، وقد أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد فكان ~~هذا دليلا على أنه لا يخلف في الوعيد . # والجواب : لا نسلم أنه تعالى يوعد الفساق مطلقا ، بل ذلك الوعيد عندنا ~~مشروط بشرط عدم العفو ، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة ، فكما ~~أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل ، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل ~~منفصل ، سلمنا أنه يوعدهم ، ولكن لا نسلم أن الوعيد ms2147 داخل تحت لفظ الوعد ، ~~أما قوله تعالى : { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا } . # قلنا : لم لا يجوز أن يكون ذلك كما في قوله { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل ~~عمران : 21 ) وقوله { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) وأيضا لم ~~لا يجوز أن يكون المراد منه أنهم كانوا يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم ~~عند الله ، فكان المراد من الوعد تلك المنافع ، وتمام الكلام في مسألة ~~الوعيد قد مر في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { بل * من كسب سيئة ~~وأحاطت به خطيئته فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 81 ) ~~وذكر الواحدي في البسيط طريقة أخرى ، فقال : لم لا يجوز أن يحمل هذا على ~~ميعاد الأولياء ، دون وعيد الأعداء ، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب ، قال : ~~والدليل عليه أنهم يمدحون بذلك ، قال الشاعر : # إذ وعد السراء أنجز وعده # وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه # وروي المناظرة التي دارت بين أبي عمرو بن العلاء ، وبين عمرو بن عبيد ، ~~قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد : ما تقول في أصحاب الكبائر ؟ قال : ~~أقول إن الله وعد وعدا ، وأوعد إيعادا ، فهو منجز إيعاده ، كما هو منجز ~~وعده ، فقال أبو عمرو بن العلاء : إنك رجل أعجم ، لا أقول أعجم / اللسان ~~ولكن أعجم القلب ، إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما وعن الإيعاد كرما ~~وأنشد : # % وإني وإن أوعدته أو وعدته % % لمكذب إيعادي ومنجز موعدي % # واعلم أن المعتزلة حكوا أن أبا عمرو بن العلاء لما قال هذا الكلام قال له ~~عمرو بن عبيد : يا أبا عمرو فهل يسمى الله مكذب نفسه ؟ فقال : لا ، فقال ~~عمرو بن عبيد : فقد سقطت حجتك ، قالوا : فانقطع أبو عمرو بن العلاء . # وعندي أنه كان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول : إنك ~~قست الوعيد على الوعد وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين ، وذلك ~~لأن الوعد حق عليه والوعيد حق له ، ومن أسقط حق نفسه PageV07P159 فقد أتى ~~بالجود والكرم ، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم ، فظهر ms2148 الفرق بين الوعد ~~والوعيد ، وبطل قياسك ، وإنما ذكرت هذا الشعر لإيضاح هذا الفرق ، فأما قولك ~~: لو لم يفعل لصار كاذبا ومكذبا نفسه ، فجوابه : أن هذا إنما يلزم لو كان ~~الوعيد ثابتا جزما من غير شرط ، وعندي جميع الوعيدات مشروطة بعدم العفو ، ~~فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى ، فهذا ما يتعلق بهذه ~~الحكاية والله أعلم . # ! 7 < { إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ~~وأولائك هم وقود النار } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 10 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > إعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم ، ~~حكى كيفية حال الكافرين وشديد عقابهم ، فهذا هو وجه النظم ، وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : في قوله { إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا } قولان الأول : المراد بهم وفد نجران ، وذلك لأنا ~~روينا في بعض قصتهم أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه : إني لأعلم أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حقا ولكنني إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما ~~أعطوني من المال والجاه ، فالله تعالى بين أن أموالهم وأولادهم لا تدفع ~~عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة . # والقول الثاني : أن اللفظ عام ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ . # المسألة الثانية : إعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعا ~~به ، ثم يجتمع عليه / جميع الأسباب المؤلمة . # أما الأول : فهو المراد بقوله { لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم } وذلك ~~لأن المرء عند الخطوب والنوائب في الدنيا يفزع إلى المال والولد ، فهما ~~أقرب الأمور التي يفزع المرء إليها في دفع الخطوب فبين الله تعالى أن صفة ~~ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا لأن أقرب الطرق إلى دفع المضار إذا لم يتأت ~~في ذلك اليوم ، فما عداه بالتعذر أولى ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ~~يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم } ( الشعراء : 88 ، ~~89 ) وقوله { المال والبنون زينة الحيواة الدنيا والباقيات الصالحات خير ~~عند ربك ms2149 ثوابا } ( الكهف : 46 ) وقوله { ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } ( ~~مريم : 80 ) وقوله { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم } ( مريم : 80 ) . # وأما القسم الثاني : من أسباب كمال العذاب ، فهو أن يجتمع عليه الأسباب ~~المؤلمة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وأولئك هم وقود النار } وهذا هو ~~النهاية في شرح العذاب فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار PageV07P160 ~~فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس ، والوقود بفتح الواو الحطب الذي توقد به ~~النار ، وبالضم هو مصدر وقدت النار وقودا كقوله : وردت ورودا . # المسألة الثالثة : في قوله { من الله } قولان أحدهما : التقدير : لن تغني ~~عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه ~~والثاني : قال أبو عبيدة { من } بمعنى عند ، والمعنى لن تغني عند الله شيئا ~~. # ! 7 < { كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كذبوا بأياتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم والله شديد العقاب } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 11 ) كدأب آل فرعون . . . . . # > > يقال : دأبت الشيء أدأب دأبا ودؤبا إذا أجهدت في الشيء وتعبت فيه ، ~~قال الله تعالى : { سبع سنين دأبا } ( يوسف : 47 ) أي بجد واجتهاد ودوام ، ~~ويقال : سار فلان يوما دائبا ، إذا أجهد في السير يومه كله ، هذا معناه في ~~اللغة ، ثم صار الدأب عبارة عن الشأن والأمر والعادة ، يقال : هذا دأب فلان ~~أي عادته ، وقال بعضهم : الدؤب والدأب الدوام . # إذا عرفت هذا فنقول : في كيفية التشبيه وجوه الأول : أن يفسر الدأب ~~بالاجتهاد ، كما هو معناه في أصل اللغة ، وهذا قول الأصم والزجاج ، ووجه ~~التشبيه أن دأب الكفار ، أي جدهم / واجتهادهم في تكذيبهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام ، ثم إنا أهلكنا ~~أولئك بذنوبهم ، فكذا نهلك هؤلاء . # الوجه الثاني : أن يفسر الدأب بالشأن والصنع ، وفيه وجوه الأول : { كدأب ~~ءال فرعون } أي شأن هؤلاء وصنعهم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ، كشأن ~~آل فرعون في التكذيب بموسى ، ولا فرق بين هذا الوجه وبين ما قبله إلا أنا ~~حملنا اللفظ في الوجه الأول على ms2150 الاجتهاد ، وفي هذا الوجه على الصنع ~~والعادة والثاني : أن تقدير الآية : أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ~~ولا أولادهم من الله شيئا ، ويجعلهم الله وقود النار كعادته وصنعه في آل ~~فرعون ، فإنهم لما كذبوا رسولهم أخذهم بذنوبهم ، والمصدر تارة يضاف إلى ~~الفاعل ، وتارة إلى المفعول ، والمراد ههنا ، كدأب الله في آل فرعون ، ~~فإنهم لما كذبوا برسولهم أخذهم بذنوبهم ، ونظيره قوله تعالى : { يحبونهم ~~كحب الله } ( البقرة : 165 ) أي كحبهم الله وقال : { سنة من قد أرسلنا قبلك ~~من رسلنا } ( الإسراء : 77 ) والمعنى : سنتي فيمن أرسلنا قبلك والثالث : ~~قال القفال رحمه الله : يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله ~~تعالى ، والعادة المضافة إلى الكفار ، كأنه قيل : إن عادة هؤلاء الكفار ~~ومذهبهم في إيذاء محمد صلى الله عليه وسلم كعادة من قبلهم في إيذاء رسلهم ، ~~وعادتنا أيضا في إهلاك هؤلاء ، كعادتنا في إهلاك PageV07P161 أولئك الكفار ~~المتقدمين ، والمقصود على جميع التقديرات نصر النبي صلى الله عليه وسلم على ~~إيذاء الكفرة وبشارته بأن الله سينتقم منهم . # الوجه الثالث : في تفسير الدأب والدؤب ، وهو اللبث والدوام وطول البقاء ~~في الشيء ، وتقدير الآية ، وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون ، أي دؤبهم ~~في النار كدؤب آل فرعون . # والوجه الرابع : أن الدأب هو الاجتهاد ، كما ذكرناه ، ومن لوازم ذلك ~~التعب والمشقة ليكون المعنى ومشقتهم وتعبهم من العذاب كمشقة آل فرعون ~~بالعذاب وتعبهم به ، فإنه تعالى بين أن عذابهم حصل في غاية القرب ، وهو ~~قوله تعالى : { أغرقوا فأدخلوا نارا } ( نوح : 25 ) وفي غاية الشدة أيضا ~~وهو قوله { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال ~~فرعون أشد العذاب } ( غافر : 46 ) . # الوجه الخامس : أن المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة ~~العذاب ، فكان التشبيه بآل فرعون حاصلا في هذين الوجهين ، والمعنى : أنكم ~~قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل ~~الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد ، بل صاروا مضطرين إلى ما نزل بهم فكذلك ~~حالكم أيها الكفار ms2151 المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم في أنه ينزل بكم مثل ~~ما نزل بالقوم تقدم أو تأخر ولا تغني عنكم الأموال والأولاد . # الوجه السادس : يحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب ~~المعجل بالاستئصال فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وذلك من القتل والسبي / وسلب الأموال ويكون قوله تعالى : { قل للذين كفروا ~~ستغلبون وتحشرون إلى جهنم } ( آل عمران : 12 ) كالدلالة على ذلك فكأنه ~~تعالى بين أنه كما نزل بالقوم العذاب المعجل ، ثم يصيرون إلى دوام العذاب ، ~~فسينزل بمن كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم أمران أحدهما : المحن المعجلة وهي ~~القتل والسبي والإذلال ، ثم يكون بعده المصير إلى العذاب الأليم الدائم ، ~~وهذان الوجهان الأخيران ذكرهما القاضي رحمه الله تعالى . # أما قوله تعالى : { والذين من قبلهم } فالمعنى : والذين من قبلهم من ~~مكذبي الرسل ، وقوله { كذبوا بئاياتنا } المراد بالآيات المعجزات ومتى ~~كذبوا بها فقد كذبوا لا محالة بالأنبياء . # ثم قال : { فأخذهم الله بذنوبهم } وإنما استعمل فيه الأخذ لأن من ينزل به ~~العقاب يصير كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على التخلص . # ثم قال : { والله شديد العقاب } وهو ظاهر . # ! 7 < { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 12 ) قل للذين كفروا . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { سيغلبون } بالياء فيهما ، والباقون ~~بالتاء المنقطة من PageV07P162 فوق فيهما ، فمن قرأ بالياء المنقطة من تحت ~~، فالمعنى : بلغهم أنهم سيغلبون ، ويدل على صحة الياء قوله تعالى : { ~~يتفكرون قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } ( الجاثية : 14 ~~) و { قل للمؤمنين يغضوا } ( النور : 30 ) ولم يقل غضوا ، ومن قرأ بالتاء ~~فللمخاطبة ، ويدل على حسن التاء قوله { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ~~ءاتيتكم من كتاب } ( آل عمران : 81 ) والفرق بين القراءتين من حيث المعنى ~~أن القراءة بالتاء أمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى ~~جهنم ، والقراءة بالياء أمر بأن يحكي لهم والله أعلم . # المسألة الثانية : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها ms2152 الأول : لما غزا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر وقدم المدينة ، جمع يهود في ~~سوق بني قينقاع ، وقال : يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب ~~قريشا ، فقالوا : يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفرا من قريش لا يعرفون ~~القتال ، لو قاتلتنا لعرفت ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . # الرواية الثانية : أن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر ، قالوا ~~: والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة ، ونعته وأنه لا ترد ~~له راية ، ثم قال بعضهم لبعض : لا تعجلوا فلما كان يوم أحد ونكب أصحابه ~~قالوا : ليس هذا هو ذاك ، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا ، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية . # / والرواية الثالثة : أن هذه الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم ~~الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم ، وليس في الآية ما يدل على أنهم من هم . # المسألة الثالثة : احتج من قال بتكليف ما لا يطاق بهذه الآية ، فقال : إن ~~الله تعالى أخبر عن تلك الفرقة من الكفار أنهم يحشرون إلى جهنم ، فلو آمنوا ~~وأطاعوا لانقلب هذا الخبر كذبا وذلك محال ، ومستلزم المحال محال ، فكان ~~الإيمان والطاعة محالا منهم ، وقد أمروا به ، فقد أمروا بالمحال وبما لا ~~يطاق ، وتمام تقريره قد تقدم في تفسير قوله تعالى : { سواء عليهم ءأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) . # المسألة الرابعة : قوله { ستغلبون } إخبار عن أمر يحصل في المستقبل ، وقد ~~وقع مخبره على موافقته ، فكان هذا إخبارا عن الغيب وهو معجز ، ونظيره قوله ~~تعالى : { غلبت الروم * فى أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون } ( الروم ~~: 2 ، 3 ) الآية ، ونظيره في حق عيسى عليه السلام { وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون فى بيوتكم } ( آل عمران : 49 ) . # المسألة الخامسة : دلت الآية على حصول البعث في القيامة ، وحصول الحشر ~~والنشر ، وأن مرد الكافرين إلى النار . # ثم قال : { وبئس المهاد } وذلك لأنه تعالى لما ذكر حشرهم إلى جهنم وصفه ~~فقال : { بئس * المهاد } والمهاد : الموضع الذي يتمهد فيه وينام عليه ms2153 ~~كالفراش ، قال الله تعالى : { والارض فرشناها فنعم الماهدون } ( الذاريات : ~~48 ) فلما ذكر الله تعالى مصير الكافرين إلى جهنم أخبر عنها بالشر لأن بئس ~~مأخوذ من البأساء هو الشر والشدة ، قال الله تعالى : { وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس } ( الأعراف : 165 ) أي شديد وجهنم معروفة أعاذنا الله منها ~~بفضله . # PageV07P163 ! 7 < { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل ~~الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشآء إن فى ~~ذالك لعبرة لاولى الا بصار } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 13 ) قد كان لكم . . . . . # > > إعلم أن في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : لم يقل : قد كانت لكم آية ، بل قال : { قد كان لكم ~~ءاية } وفيه وجهان : # الأول : أنه محمول على المعنى ، والمراد : قد كان لكم إتيان هذا آية . # والثاني : قال الفراء : إنما ذكر للفصل الواقع بينهما ، وهو قوله { لكم } ~~. # المسألة الثانية : وجه النظم أنا ذكرنا أن الآية المتقدمة ، وهي قوله ~~تعالى : { ستغلبون وتحشرون } نزلت في اليهود ، وأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا ألسنا أمثال قريش في ~~الضعف وقلة المعرفة بالقتال بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما يغلب كل ~~من ينازعنا فالله تعالى قال لهم إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدة والعدة ~~فإنكم ستغلبون ثم ذكر الله تعالى ما يجري الدلالة على صحة ذلك الحكم ، فقال ~~: { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا فئة } يعني واقعة بدر كانت كالدلالة ~~على ذلك لأن الكثرة والعدة كانت من جانب الكفار والقلة وعدم السلاح من جانب ~~المسلمين ثم إن الله تعالى قهر الكفار وجعل المسلمين مظفرين منصورين وذلك ~~يدل على أن تلك الغلبة كانت بتأييد الله ونصره ، ومن كان كذلك فإنه يكون ~~غالبا لجميع الخصوم ، سواء كانوا أقوياء أو لم يكونوا كذلك فهذا ما يجري ~~مجرى الدلالة على أنه عليه السلام يهزم هؤلاء اليهود ويقهرهم وإن كانوا ~~أرباب السلاح والقوة ، فصارت هذه الآية كالدلالة على صحة قوله { قل للذين ~~كفروا ستغلبون } الآية ، فهذا هو الكلام ms2154 في وجه النظم . # المسألة الثالثة : { * الفئة } الجماعة ، وأجمع المفسرون على أن المراد ~~بالفئتين : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر ومشركوا مكة روي ~~أن المشركين يوم بدر كانوا تسعمائة وخمسين رجلا ، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل ~~، وقادوا مائة فرس ، وكانت معهم من الإبل سبعمائة بعير ، وأهل الخيل كلهم ~~كانوا دارعين وهم مائة نفر ، وكان في الرجال دروع سوى ذلك ، وكان المسلمون ~~ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا بين كل أربعة منهم بعير ، ومعهم من الدروع ستة ، ~~ومن الخيل فرسان ، ولا شك أن في غلبة المسلمين للكفار على هذه الصفة آية ~~بينة ومعجزة قاهرة . # واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوها الأول : ~~أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور ، منها : ~~قل العدد ، ومنها : أنهم خرجوا غير قاصدين PageV07P164 للحرب فلم يتأهبوا ، ~~ومنها قلة السلاح والفرس ، ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها أول ~~غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه ~~المعاني منها : كثرة العدد ، ومنها أنهم خرجوا متأهبين للحرب ، ومنها كثرة ~~سلاحهم وخيلهم ، ومنها أن أولئك الأقوام كانوا ممارسين للمحاربة ، ~~والمقاتلة في الأزمنة الماضية ، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء ~~العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وقلة المعرفة بأمر المحاربة يغلبون مثل ~~ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة ، ولما كان ذلك خارجا عن ~~العادة كان معجزا . # / والوجه الثاني : في كون هذه الواقعة آية أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله { ينظرون وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم } ( الأنفال : 7 ) يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان ، ~~وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان ، وهذا مصرع فلان ، فلما وجد ~~مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخبارا عن الغيب ، فكان معجزا ~~. # والوجه الثالث : في بيان كون هذه الواقعة آية ما ذكره تعالى بعد هذه ~~الآية ، وهو قوله تعالى : { يرونهم ms2155 مثليهم رأى العين } والأصح في تفسير هذه ~~الآية أن الرائين هم المشركون والمرئيين هم المؤمنون ، والمعنى أن المشركين ~~كانوا يرون المؤمنون مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين ، أو مثلي عدد ~~المسلمين وهو ستمائة ، وذلك معجز . # فإن قيل : تجويز رؤية ما ليس بموجود يفضي إلى السفسطة . # قلنا : نحمل الرؤية على الظن والحسبان ، وذلك لأن من اشتد خوفه قد يظن في ~~الجمع القليل أنهم في غاية الكثرة ، وإما أن نقول إن الله تعالى أنزل ~~الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيرين والجواب الأول أقرب ، لأن الكلام ~~مقتصر على الفئتين ولم يدخل فيهما قصة الملائكة . # والوجه الرابع : في بيان كون هذه القصة آية ، قال الحسن : إن الله تعالى ~~أمد رسوله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة بخمسة آلاف من الملائكة لأنه ~~قال : { فاستجاب لكم * إنى * ممدكم بألف } ( الأنفال : 9 ) وقال : { بلى إن ~~تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هاذا يمددكم ربكم بخمسة ءالاف من الملئكة } ~~( آل عمران : 125 ) والألف مع الأربعة آلاف : خمسة آلاف من الملائكة وكان ~~سيماهم هو أنه كان على أذناب خيولهم ونواصيها صوف أبيض ، وهو المراد بقوله ~~{ والله يؤيد بنصره من يشاء } والله أعلم . # ثم قال الله تعالى : { فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : القراءة المشهورة { فئة } بالرفع ، وكذا قوله { وأخرى ~~كافرة } وقرىء { فئة * فقاتل * وأخرى كافرة } بالجر على البدل من فئتين ، ~~وقرىء بالنصب إما على الاختصاص ، أو على الحال من الضمير في التقتا ، قال ~~الواحدي رحمه الله : والرفع هو الوجه لأن المعنى إحداهما تقاتل في سبيل ~~الله فهو رفع على استئناف الكلام . # المسألة الثانية : المراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله هم المسلمون ، ~~لأنهم قاتلوا لنصرة دين الله . # وقوله { وأخرى كافرة } المراد بها كفار قريش . PageV07P165 # ثم قال تعالى : { يرونهم مثليهم رأى العين } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ نافع وأبان عن عاصم { ترونهم } بالتاء المنقطة من ~~فوق ، والباقون بالياء فمن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود ، والمعنى ~~ترون أيها اليهود المسلمين مثل ما كانوا ، أو ms2156 مثلي / الفئة الكافرة ، أو ~~تكون الآية خطابا مع مشركي قريش والمعنى : ترون يا مشركي قريش المسلمون ~~مثلي فئتكم الكافرة ، ومن قرأ بالياء فللمغالبة التي جاءت بعد الخطاب ، وهو ~~قوله { فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم } فقوله { يرونهم ~~} يعود إلى الإخبار عن إحدى الفئتين . # المسألة الثانية : إعلم أنه قد تقدم في هذه الآية ذكر الفئة الكافرة وذكر ~~الفئة المسلمة فقوله { يرونهم * مثلهم } يحتمل أن يكون الراؤن هم الفئة ~~الكافرة ، والمرئيون هم الفئة المسلمة ، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك ~~فهذان احتمالان ، وأيضا فقوله { مثليهم } يحتمل أن يكون المراد مثلي ~~الرائين وأن يكون المراد مثلي المرئين فإذن هذه الآية تحتمل وجوها أربعة ~~الأول : أن يكون المراد أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين ~~قريبا من ألفين . # والاحتمال الثاني : أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ~~ستمائة ونيفا وعشرين ، والحكمة في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعين ~~المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم . # فإن قيل : هذا متناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال { ويقللكم فى أعينهم } ~~( الأنفال : 44 ) . # فالجواب : أنه كان التقليل والتكثير في حالين مختلفين ، فقللوا أولا في ~~أعينهم حتى اجترؤا عليهم ، فلما تلاقوا كثرهم الله في أعينهم حتى صاروا ~~معلوبين ، ثم إن تقليلهم في أول الأمر ، وتكثيرهم في آخر الأمر ، أبلغ في ~~القدرة وإظهار الآية . # والاحتمال الثالث : أن الرائين هم المسلمون ، والمرئيين هم المشركون ، ~~فالمسلمون رأوا المشركين مثلى المسلمين ستمائة وأزيد ، والسبب فيه أن الله ~~تعالى أمر المسلم الواحد بمقاومة الكافرين قال الله تعالى : { إن يكن منكم ~~* مائة صابرة يغلبوا مائتين } ( الأنفال : 66 ) . # فإن قيل : كيف يرونهم مثليهم رأي العين ، وكانوا ثلاثة أمثالهم ؟ . # الجواب : أن الله تعالى إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي ~~علم المسلمون أنهم يغلبونهم ، وذلك لأنه تعالى قال : { إن يكن منكم * مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين } فأظهر ذلك العدد من المشركين للمؤمنين تقوية لقلوبهم ~~، وإزالة للخوف عن صدورهم . # والاحتمال الرابع : أن الرائين هم المسلمون ، وأنهم رأوا المشركين على ~~الضعف من عدد ms2157 المشركين فهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد ، لأن هذا يوجب ~~نصرة المشركين بإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين ، والآية تنافي ذلك ، وفي ~~الآية احتمال خامس ، وهو أنا أول الآية قد بينا أن الخطاب مع اليهود ، ~~فيكون المراد ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة والشوكة . # فإن قيل : كيف رأوهم مثليهم فقد كانوا ثلاثة أمثالهم فقد سبق الجواب عنه ~~. PageV07P166 # بقي من مباحث هذا الموضع أمران : # البحث الأول : أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئيا ، ~~والاحتمال / الثالث يقتضي أن ما وجد وحضر لم يصر مرئيا أما الأول : فهو ~~محال عقلا ، لأن المعدوم لا يرى ، فلا جرم وجب حمل الرؤية على الظن القوي ، ~~وأما الثاني : فهو جائز عند أصحابنا ، لأن عندنا مع حصول الشرائط وصحة ~~الحاسد يكون الإدراك جائزا لا واجبا ، وكان ذلك الزمان زمان ظهور المعجزات ~~وخوارق العادات ، فلم يبعد أن يقال : إنه حصل ذلك المعجز ، وأما المعتزلة ~~فعندهم الإدراك واجب الحصول عند اجتماع الشرائط وسلامة الحاسد ، فلهذا ~~المعنى اعتذر القاضي عن هذا الموضع من وجوه أحدها : أن عند الاشتغال ~~بالمحاربة والمقاتلة قد لا يتفرغ الإنسان لأن يدير حدقته حول العسكر وينظر ~~إليهم على سبيل التأمل التام ، فلا جرم يرى البعض دون البعض وثانيها : لعله ~~يحدث عند المحاربة من الغبار ما يصير مانعا عن إدراك البعض وثالثها : يجوز ~~أن يقال : إنه تعالى خلق في الهواء ما صار مانعا عن إدراك ثلث العسكر ، وكل ~~ذلك محتمل . # البحث الثاني : اللفظ وإن احتمل أن يكون الراؤن هم المشركون ، وأن يكون ~~هم المسلمون فأي الاحتمالين أظهر فقيل : إن كون المشرك رائيا أولى ، ويدل ~~عليه وجوه الأول : أن تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول ، فجعل ~~أقرب المذكورين السابقين فاعلا ، وأبعدهما مفعولا أولى من العكس ، وأقرب ~~المذكورين هو قوله { وأخرى كافرة } والثاني : أن مقدمة الآية وهو قوله { قد ~~كان لكم ءاية } خطاب مع الكفار فقراءة نافع بالتاء يكون خطابا مع أولئك ~~الكفار والمعنى ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم ، فهذه القراءة لا ~~تساعد ms2158 إلا على كون الرائي مشركا الثالث : أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية ~~الكفار / حيث قال : { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا } فوجب أن تكون هذه ~~الحالة مما يشاهدها الكافر حتى تكون حجة عليه ، أما لو كانت هذه الحالة ~~حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجة الكافر والله أعلم . # واحتج من قال : الراؤن هم المسلمون ، وذلك لأن الرائين لو كانوا هم ~~المشركين لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال ، ولو كان الراؤن هم المؤمنون ~~لزم أن لا يرى ما هو موجود وهذا ليس بمحال ، وكان ذلك أولى والله أعلم . # ثم قال : { رأى العين } يقال : رأيته رأيا ورؤية ، ورأيت في المنام رؤيا ~~حسنة ، فالرؤية مختص بالمنام ، ويقول : هو مني مرأى العين حيث يقع عليه ~~بصري ، فقوله { رأى العين } يجوز أن ينتصب على المصدر ، ويجوز أن يكون ظرفا ~~للمكان ، كما تقول : ترونهم أمامكم ، ومثله : هو مني مناط العنق ومزجر ~~الكلب . # ثم قال : { والله يؤيد بنصره من يشاء } نصر الله المسلمين على وجهين : ~~نصر بالغلبة كنصر يوم بدر ، ونصر بالحجة ، فلهذا المعنى لو قدرنا أنه هزم ~~قوم من المؤمنين لجاز أن يقال : هم المنصورون لأنهم هم المنصورون بالحجة ، ~~وبالعاقبة الحميدة ، والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان / ~~بتأييد الله ونصره ، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح . # ثم قال : { إن فى ذالك لعبرة } والعبرة الاعتبار وهي الآية التي يعبر بها ~~من منزلة الجهل إلى العلم وأصله PageV07P167 من العبور وهو النفوذ من أحد ~~الجانبين إلى الآخر ، ومنه العبارة وهي كلام الذي يعبر بالمعنى إلى المخاطب ~~، وعبارة الرؤيا من ذلك ، لأنها تعبير لها ، وقوله { لاولى الابصار } أي ~~لأولي العقول ، كما يقال : لفلان بصر بهذا الأمر ، أي علم ومعرفة ، والله ~~أعلم . # ! 7 < { زين للناس حب الشهوات من النسآء والبنين والقناطير المقنطرة من ~~الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذالك متاع الحيواة الدنيا ~~والله عنده حسن المأب } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 14 ) زين للناس حب . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية النظم قولان الأول : ما يتعلق بالقصة فإنا ms2159 ~~روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلى ~~الله عليه وسلم في قوله إلا أنه لا يقر بذلك خوفا من أن يأخذ منه ملوك ~~الروم المال والجاه ، وأيضا روينا أنه عليه الصلاة والسلام لما دعا اليهود ~~إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال ~~والسلاح ، فبين الله تعالى في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها من متاع ~~الدنيا زائلة باطلة ، وأن الآخرة خير وأبقى . # القول الثاني : وهو على التأويل العام أنه تعالى لما قال في الآية ~~المتقدمة { والله يؤيد بنصره من يشاء إن فى ذالك لعبرة لاولى الابصار } ذكر ~~بعد هذه الآية ما هو كالشرح والبيان لتلك العبرة وذلك هو أنه تعالى بين أنه ~~زين للناس حب الشهوات الجسمانية ، واللذات الدنيوية ، ثم أنها فانية منقضية ~~تذهب لذاتها ، وتبقى تبعاتها ، ثم إنه تعالى حث على الرغبة في الآخرة بقوله ~~{ قل أؤنبئكم بخير من ذالكم } ( آل عمران : 15 ) ثم بين طيبات الآخرة معدة ~~لمن واظب على العبودية من الصابرين والصادقين إلى آخر الآية . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله { زين للناس } من الذي زين ذلك ؟ ~~أما أصحابنا فقولهم / فيه ظاهر ، وذلك لأن عندهم خالق جميع الأفعال هو الله ~~تعالى وأيضا قالوا : لو كان المزين الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة ~~للشيطان ، فإن كان ذلك شيطانا آخر لزم التسلسل ، وإن وقع ذلك من نفس ذلك ~~الشيطان في الإنسان فليكن كذلك الإنسان ، وإن كان من الله تعالى ، وهو الحق ~~فليكن في حق الإنسان كذلك ، وفي القرآن إشارة إلى هذه النكتة في سورة القصص ~~في قوله { ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( القصص : 63 ) ~~يعني إن اعتقد أحد أنا أغويناهم فمن الذي أغوانا ، وهذا الكلام ظاهر جدا . # أما المعتزلة فالقاضي نقل عنهم ثلاثة أقوال : # القول الأول : حكي عن الحسن أنه قال : الشيطان زين لهم ، وكان يحلف على ~~ذلك بالله ، واحتج القاضي لهم بوجوه أحدها : أنه تعالى أطلق حب الشهوات ، ~~فيدخل فيه الشهوات المحرمة ومزين ms2160 الشهوات المحرمة هو الشيطان وثانيها : أنه ~~تعالى ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وحب هذا المال الكثير ~~PageV07P168 إلى هذا الحد لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ، ومنتهى ~~مقصوده ، لأن أهل الآخرة يكتفون بالغلبة وثالثها : قوله تعالى : { ذالك ~~متاع الحيواة الدنيا } ولا شك أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للدنيا ~~والذم للشيء يمتنع أن يكون مزينا له ورابعها : قوله بعد هذه الآية { قل ~~أؤنبئكم بخير من ذالكم } ( آل عمران : 15 ) والمقصود من هذا الكلام صرف ~~العبد عن الدنيا وتقبيحها في عينه ، وذلك لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه ~~. # والقول الثاني : قول قوم آخرين من المعتزلة وهو أن المزين لهذه الأشياء ~~هو الله واحتجوا عليه بوجوه أحدها : أنه تعالى كما رغب في منافع الآخر فقد ~~خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده ، وإباحتها للعبيد تزيين لها ، فإنه تعالى ~~إذا خلق الشهوة والمشتهى ، وخلق للمشتهي علما بما في تناول المشتهى من ~~اللذة / ثم أباح له ذلك التناول كان تعالى مزينا لها وثانيها : أن الانتفاع ~~بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة ، والله تعالى قد ندب إليها ، فكان ~~مزينا لها ، وإنما قلنا : إن الانتفاع بها وسائل إلى ثواب الآخرة لوجوه ~~الأول : أن يتصدق بها والثاني : أن يتقوى بها على طاعة الله تعالى والثالث ~~: أنه إذا انتفع بها وعلم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله تعالى ~~وإعانته صار ذلك سببا لاشتغال العبد بالشكر العظيم ، ولذلك كان الصاحب ابن ~~عباد يقول : شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد من أقصى القلب وذكر ~~شعرا هذا معناه والرابع : أن القادر على التمتع بهذه اللذات والطيبات إذا ~~تركها واشتغل بالعبودية وتحمل ما فيها من المشقة كان أكثر ثوابا ، فثبت ~~بهذه الوجوه أن الانتفاع بهذه الطيبات وسائل إلى ثواب الآخر والخامس : قوله ~~تعالى : { هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا } ( البقرة : 29 ) وقال : { ~~قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق } ( الأعراف : 32 ~~) وقال : { إنا جعلنا ما على الارض زينة لها } ( الكهف : 7 ms2161 ) وقال : { خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد } ( الأعراف : 31 ) وقال / في سورة البقرة { وأنزل من ~~السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } ( البقرة : 22 ) وقال { كلوا ~~مما فى الارض حلالا طيبا } ( البقرة : 168 ) وكل ذلك يدل على أن التزيين من ~~الله تعالى ، ومما يؤكد ذلك قراءة مجاهد { زين للناس } على تسمية الفاعل . # والقول الثالث : وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي وهو التفصيل ، وذلك ~~أن كل ما كان من هذا الباب واجبا أو مندوبا كان التزيين فيه من الله تعالى ~~، وكل ما كان حراما كان التزيين فيه من الشيطان هذا ما ذكره القاضي ، وبقي ~~قسم ثالث وهو المباح الذي لا يكون في فعله ولا في تركه ثواب ولا عقاب ~~والقاضي ما ذكر هذا القسم ، وكان من حقه أن يذكره ويبين أن التزيين فيه من ~~الله تعالى ، أو من الشيطان . # المسألة الثالثة : قوله { حب الشهوات } فيه أبحاث ثلاثة : # البحث الأول : أن الشهوات ههنا هي الأشياء المشتهيات سميت بذلك على ~~الاستعارة للتعلق والاتصال ، كما يقال للمقدور قدرة ، وللمرجو رجاء ~~وللمعلوم علم ، وهذه استعارة مشهورة في اللغة ، يقال : هذه شهوة فلان ، أي ~~مشتهاه ، قال صاحب ( الكشاف ) : وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان : إحداهما ~~: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصا على ~~الاستمتاع بها والثانية : أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة من ~~اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية ، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير ~~عنها . PageV07P169 # البحث الثاني : قال المتكلمون : دلت هذه الآية على أن الحب غير الشهوة ~~لأنه أضاف الحب إلى الشهوة والمضاف غير المضاف إليه ، والشهوة من فعل الله ~~تعالى ، والمحبة من أفعال العباد وهي عبارة عن أن يجعل الإنسان كل غرضه ~~وعيشه في طلب اللذات والطيبات . # البحث الثالث : قال الحكماء : الإنسان قد يحب شيئا ولكنه يحب أن لا يحبه ~~مثل المسلم فإنه قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات لكنه يحب أن لا يحب ، وأما ~~من أحب شيئا وأحب إن يحبه فذاك هو كمال المحبة ، فإن كان ذلك في جانب ms2162 الخير ~~فهو كمال السعادة ، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام { إنى ~~أحببت حب الخير } ( ص: 32 ) ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محبا للخير ، ~~وإن كان ذلك في جانب الشر ، فهو كما قال في هذه الآية فإن قوله { زين للناس ~~حب الشهوات } يدل على أمور ثلاثة مرتبة أولها : أنه يشتهي أنواع المشتهيات ~~وثانيها : أنه يحب شهوته لها وثالثها : أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة ~~وفضيلة ، ولما اجتمعت في هذه القضية الدرجات الثلاثة بلغت الغاية القصوى في ~~الشدة والقوة ، ولا يكاد ينحل إلا بتوفيق عظيم من الله تعالى ، ثم إنه ~~تعالى أضاف ذلك إلى الناس ، وهو لفظ عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق ~~، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس ، والعقل أيضا يدل ~~عليه ، وهو أن كل ما كان لذيذا ونافعا فهو محبوب / ومطلوب لذاته واللذيذ ~~النافع قسمان : جسماني وروحاني ، والقسم الجسماني حاصل لكل أحد في أول ~~الأمر ، وأما القسم الروحاني فلا يكون إلا في الإنسان الواحد على سبيل ~~الندرة ، ثم ذلك الإنسان إنما يحصل له تلك اللذة الروحانية بعد استئناس ~~النفس باللذات الجسمانية ، فيكون انجذاب النفس إلى اللذات الجسمانية ~~كالملكة المستقرة المتأكدة ، وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة ~~الطارئة التي تزول بأدنى سبب فلا جرم كان الغالب على الخلق إنما هو الميل ~~الشديد إلى اللذات الجسمانية وأما الميل إلى طلب اللذات الروحانية فذاك لا ~~يحصل إلا للشخص النادر ، ثم حصوله لذلك النادر لا يتفق إلا في أوقات نادرة ~~، فلهذا السبب عم الله هذا الحكم فقال : { زين للناس حب الشهوات } . # وأما قوله تعالى : { من النساء والبنين } ففيه بحثان : # البحث الأول : { من } في قوله { من النساء والبنين } كما في قوله { ~~فاجتنبوا الرجس من الاوثان } ( الحج : 30 ) فكما أن المعنى فاجتنبوا ~~الأوثان التي هي رجس فكذا أيضا معنى هذه الآية : زين للناس حب النساء وكذا ~~وكذا التي هي مشتهاة . # البحث الثاني : إعلم أنه تعالى عدد ههنا من المشتهيات أمورا سبعة أولها : ~~النساء وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن ms2163 أكثر والاستئناس بهن أتم ~~ولذلك قال تعالى : { خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ~~مودة ورحمة } ( الروم : 21 ) ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك ~~لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة . # المرتبة الثانية : حب الولد : ولما كان حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى ~~، لا جرم خصه الله تعالى بالذكر ، ووجه التمتع بهم ظاهر من حيث السرور ~~والتكثر بهم إلى غير ذلك . PageV07P170 # واعلم أن الله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في قلب الإنسان حكمة ~~بالغة ، فإنه لولا هذا الحب لما حصل التوالد والتناسل ولأدى ذلك إلى انقطاع ~~النسل ، وهذه المحبة كأنها حالة غريزية ولذلك فإنها حاصلة لجميع الحيوانات ~~، والحكمة فيه ما ذكرنا من بقاء النسل . # المرتبة الثالثة والرابعة : { والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة } وفيه ~~أبحاث : # البحث الأول : قال الزجاج : القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ، ~~والقنطرة مأخوذة من ذلك لتوثقها بعقد الطاق ، فالقنطار مال كثير يتوثق ~~الإنسان به في دفع أصناف النوائب ، وحكى أبو عبيد عن العرب أنهم يقولون : ~~إنه وزن لا يحد ، واعلم أن هذا هو الصحيح ، ومن الناس من حاول تحديده ، ~~وفيه روايات : فروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ~~القنطار إثنا عشر ألف أوقية ) وروى أنس عنه أيضا أن القنطار ألف دينار ، ~~وروى أبي بن كعب أنه عليه السلام قال : القنطار ألف ومائتا أوقية وقال ابن ~~عباس : القنطار ألف دينار أو إثنا عشر / ألف درهم ، وهو مقدار الدية ، وبه ~~قاس الحسن ، وقال الكلبي : القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة ~~، وفيه أقوال سوى ما ذكرنا لكنا تركناها لأنها غير مقصودة بحجة ألبتة . # البحث الثاني : { المقنطرة } منفعلة من القنطار ، وهو للتأكيد ، كقولهم : ~~ألف مؤلفة / وبدرة مبدرة ، وإبل مؤبلة ، ودراهم مدرهمة ، وقال الكلبي : ~~القناطير ثلاثة ، والمقنطرة المضاعفة ، فكان المجموع ستة . # البحث الثالث : الذهب والفضة إنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع ~~الأشياء ، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء ، وصفة المالكية هي القدرة ، ~~والقدرة صفة كمال ، والكمال محبوب لذاته ms2164 ، فلما كان الذهب والفضة أكمل ~~الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا ~~به فهو محبوب ، لا جرم كانا محبوبين . # المسألة الخامسة : { الخيل * المسومة } قال الواحدي : الخيل جمع لا واحد ~~له من لفظه ، كالقوم والنساء والرهط ، وسميت الأفراس خيلا لخيلائها في ~~مشيها ، وسميت حركة الإنسان على سبيل الجولان اختيالا ، وسمي الخيال خيالا ~~، والتخيل تخيلا ، لجولان هذه القوة في استحضار تلك الصورة ، والأخيل ~~الشقراق ، لأنه يتخيل تارة أخضر ، وتارة أحمر ، واختلفوا في معنى { المسومة ~~} على ثلاثة أقوال الأول : أنها الراعية ، يقال : أسمت الدابة وسومتها إذا ~~أرسلتها في مروجها للرعي ، كما يقال : أقمت الشيء وقومته ، وأجدته وجودته ، ~~وأنمته ونومته ، والمقصود أنها إذا رعت ازدادت حسنا ، ومنه قوله تعالى : { ~~فيه تسيمون } ( النحل : 10 ) . # والقول الثاني : المسومة المعلمة قال أبو مسلم الأصفهاني : وهو مأخوذ من ~~السيما بالقصر والسيماء بالمد ، ومعناه واحد ، وهو الهيئة الحسنة ، قال ~~الله تعالى : { سيماهم فى وجوههم من أثر السجود } ( الفتح : 29 ) ثم ~~القائلون بهذا القول اختلفوا في تلك العلامة ، فقال أبو مسلم : المراد من ~~هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل ، وهي أن تكون الأفراس غرا ~~محجلة ، وقال الأصم : إنما هي البلق ، وقال قتادة : الشية ، وقال المؤرج : ~~الكي ، وقول أبي مسلم أحسن لأن الإشارة في هذه الآية إلى شرائف الأموال ، ~~وذلك هو أن يكون الفرس أغر محجلا ، وأما سائر الوجوه التي ذكروها فإنها لا ~~تفيد شرفا في الفرس . PageV07P171 # القول الثالث : وهو قول مجاهد وعكرمة : أنها الخيل المطهمة الحسان ، قال ~~القفال : المطهمة المرأة الجميلة . # المرتبة السادسة : { الانعام } وهيي جمع نعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، ~~ولا يقال للجنس الواحد منها : نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها . # المرتبة السابعة : { الحرث } وقد ذكرنا اشتقاقه في قوله { ويهلك الحرث ~~والنسل } ( البقرة : 205 ) . # / ثم إنه تعالى لما عدد هذه السبعة قال : { ذالك متاع الحيواة الدنيا } ~~قال القاضي : ومعلوم أن متاعها إنما خلق ليستمتع به فكيف يقال إنه لا يجوز ~~إضافة التزيين إلى الله تعالى ، ثم قال للاستمتاع بمتاع ms2165 الدنيا وجوه : منها ~~أن ينفرد به من خصه الله تعالى بهذه النعم فيكون مذموما ومنها أن يترك ~~الانتفاع به مع الحاجة إليه فيكون أيضا مذموما ، ومنها أن ينتفع به في وجه ~~مباح من غير أن يتوصل بذلك إلى مصالح الآخرة ، وذلك لا ممدوح ولا مذموم ، ~~ومنها أن ينتفع به على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة وذلك هو الممدوح . # ثم قال تعالى : { والله عنده حسن المأب } اعلم أن المآب في اللغة المرجع ~~، يقال : آب الرجل إيابا وأوبة وأبية ومآبا ، قال الله تعالى : { إن إلينا ~~إيابهم } والمقصود من هذا الكلام بيان أن من آتاه الله الدنيا كان الواجب ~~عليه أن يصرفها إلى ما يكون فيه عمارة لمعاده ويتوصل بها إلى سعادة آخرته ، ~~ثم لما كان الغرض الترغيب في المآب وصف المآب بالحسن . # فإن قيل : المآب قسما : الجنة وهي في غاية الحسن ، والنار وهي خالية عن ~~الحسن ، فكيف وصف المآب المطلق بالحسن . # قلنا : المآب المقصود بالذات هو الجنة ، فأما النار فهي المقصود بالغرض / ~~لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ، كما قال : سبقت رحمتي غضبي ، ~~وهذا سر يطلع منه على أسرار غامضة . # ! 7 < { قل أؤنبئكم بخير من ذالكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجرى من ~~تحتها الا نهار خاالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير ~~بالعباد } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 15 ) قل أؤنبئكم بخير . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي { أؤنبئكم } بهمزتين ~~واختلفت الرواية عن نافع وأبي عمرو . # المسألة الثانية : ذكروا في متعلق الاستفهام ثلاثة أوجه الأول : أن يكون ~~المعنى : هل أؤنبئكم بخير PageV07P172 من ذلاكم ، ثم يبتدأ فيقال : للذين ~~اتقوا عند ربهم كذا وكذا والثاني : هل أؤنبئكم / بخير من ذلاكم للذين اتقوا ~~، ثم يبتدأ فيقال : عند ربهم جنات تجري والثالث : هل أنبئكم بخير من ذلاكم ~~للذين اتقوا عند ربهم ، ثم يبتدى فيقال : جنات تجري . # المسألة الثالثة : في وجه النظم وجوه الأول : أنه تعالى لما قال : { ~~والله عنده حسن المأب } ( آل عمران : 14 ) بين في هذه الآية ms2166 أن ذلك المآب ، ~~كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا ، فقال { قل أؤنبئكم ~~بخير من ذالكم } الثاني : أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع ~~الآخرة خير منها كما قال في آية أخرى { والاخرة خير وأبقى } ( الأعلى : 7 ) ~~الثالث : كأنه تعالى نبه على أن أمرك في الدنيا وإن كان حسنا منتظما إلا أن ~~أمرك في الآخرة خير وأفضل ، والمقصود منه أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا ~~أطيب وأوسع وأفسح من بطن الأم ، فكذلك الآخرة أطيب وأوسع وأفسح من الدنيا . # المسألة الرابعة : إنما قلنا : إن نعم الآخرة خير من نعم الدنيا ، لأن ~~نعم الدنيا مشوبة بالمضرة ، ونعم الآخرة خالية عن شوب المضار بالكلية ، ~~وأيضا فنعم الدنيا منقطعة لا محالة ، ونعم الآخرة باقية لا محالة . # أما قوله تعالى : { للذين اتقوا } فقد بينا في تفسير قوله تعالى : { هدى ~~للمتقين } ( البقرة : 2 ) أن التقوى ما هي وبالجملة ، فإن الإنسان لا يكون ~~متقيا إلا إذا كان آتيا بالواجبات ، متحرزا عن المحظورات ، وقال بعض ~~أصحابنا : التقوى عبارة عن اتقاء الشرك ، وذلك لأن التقوى صارت في عرف ~~القرآن مختصة بالإيمان ، قال تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } ( الفتح : 26 ~~) وظاهر اللفظ أيضا مطابق له ، لأن الاتقاء عن الشرك أعم من الاتقاء عن ~~جميع المحظورات ، ومن الاتقاء عن بعض المحظورات ، لأن ماهية الاشتراك لا ~~تدل على ماهية الامتياز ، فحقيقة التقوى وماهيتها حاصلة عند حصول الاتقاء ~~عن الشرك ، وعرف القرآن مطابق لذلك ، فوجب حمله عليه فكان قوله { للذين ~~اتقوا } محمولا على كل من اتقى الكفر بالله . # أما قوله تعالى : { للذين اتقوا عند ربهم } ففيه احتمالان الأول : أن ~~يكون ذلك صفة للخير ، والتقدير : هل أنبئكم بخير من ذلاكم عند ربهم للذين ~~اتقوا والثاني : أن يكون ذلك صفة للذين اتقوا والتقدير : للذين اتقوا عند ~~ربهم خير من منافع الدنيا ويكون ذلك إشارة إلى أن هذا الثواب العظيم لا ~~يحصل إلا لمن كان متقيا عند الله تعالى ، فيخرج عنه المنافق ، ويدخل فيه من ~~كان مؤمنا في علم الله ms2167 . # وأما قوله { جنات } فالتقدير : هو جنات ، وقرأ بعضهم { جنات } بالجر على ~~البدل من خير ، واعلم أن قوله { جنات تجرى من تحتها الانهار } وصف لطيب ~~الجنة ودخل تحته جميع النعم الموجودة فيها من المطعم والمشرب والملبس ~~والمفرش والمنظر ، وبالجملة فالجنة مشتملة على جميع المطالب ، كما قال ~~تعالى : { فيها ما * تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) . # / ثم قال : { خالدين فيها } والمراد كون تلك النعم دائمة . # ثم قال : { وأزواج مطهرة ورضوان من الله } وقد ذكرنا لطائفها عند قوله ~~تعالى في سورة البقرة : { ولهم فيها أزواج مطهرة } ( البقرة : 25 ) وتحقيق ~~القول فيه أن النعمة وإن عظمت فلن تتكامل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل ~~الأنس إلا بهن ، ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب ، فقال { مطهرة ~~} ويدخل في PageV07P173 ذلك : الطهارة من الحيض والنفاس وسائر الأحوال التي ~~تظهر عن النساء في الدنيا مما ينفر عنه الطبع ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من ~~الأخلاق الذميمة ومن القبح وتشويه الخلقة ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء ~~العشرة . # ثم قال تعالى : { ورضوان من الله } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ عاصم { ورضوان } بضم الراء ، والباقون بكسرها ، أما ~~الضم فهو لغة قيس وتميم ، وقال الفراء : يقال رضيت رضا ورضوانا ، ومثل ~~الراضون بالكسر الحرمان والقربان وبالضم الطغيان والرجحان والكفران ~~والشكران . # المسألة الثانية : قال المتكلمون : الثواب له ركنان أحدهما : المنفعة ، ~~وهي التي ذكرناها ، والثاني : التعظيم ، وهو المراد بالرضوان ، وذلك لأن ~~معرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم ، حامد لهم ، ~~مثن عليهم ، أزيد في إيجاب السرور من تلك المنافع ، وأما الحكماء فإنهم ~~قالوا : الجنات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية ، والرضوان فهو إشارة ~~إلى الجنة الروحانية وأعلى المقامات إنما هو الجنة الروحانية ، وهو عبارة ~~عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح العبد واستغراق العبد في معرفته ، ثم ~~يصير في أول هذه المقامات راضيا عن الله تعالى ، وفي آخرها مرضيا عند الله ~~تعالى ، والله الإشارة بقوله { راضية مرضية } ( الفجر : 28 ) ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى : { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ms2168 تجري من تحتها ~~الانهار خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله } ( التوبة : ~~72 ) . # ثم قال : { والله بصير بالعباد } أي عالم بمصالحهم ، فيجب أن يرضوا ~~لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الآخرة ، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور ~~الدنيا . # ! 7 < { الذين يقولون ربنآ إننآ ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ~~} . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 16 ) الذين يقولون ربنا . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في إعراب موضع { الذين يقولون } وجوه الأول : أنه خفض ~~صفة / للذين اتقوا ، وتقدير الآية : للذين اتقوا الذين يقولون ، ويجوز أن ~~يكون صفة للعباد ، والتقدير : والله بصير بالعباد وأولئك هم المتقون الذين ~~لهم عند ربهم جنات هم الذين يقولون كذا وكذا والثاني : أن يكون نصبا على ~~المدح والثالث : أن يكون رفعا على التخصيص ، والتقدير : هم الذين يقول كذا ~~وكذا . # المسألة الثانية : إعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا { ربنا إننا ءامنا ~~} ثم إنهم قالوا بعد ذلك { فاغفر لنا ذنوبنا } وذلك يدل على أنهم توسلوا ~~بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة والله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم ~~، والثناء عليهم ، فدل هذا على أن العبد بمجرد الإيمان يستوجب الرحمة ~~والمغفرة من الله PageV07P174 تعالى ، فإن قالوا : الإيمان عبارة عن جميع ~~الطاعات أبطلنا ذلك عليهم بالدلائل المذكورة في تفسير قوله { الذين يؤمنون ~~بالغيب } وأيضا فمن أطاع الله تعالى في جميع الأمور ، وتاب عن جميع الذنوب ~~، كان إدخاله النار قبيحا من الله عندهم ، والقبيح هو الذي يلزم من فعله ، ~~إما الجهل ، وإما الحاجة فهما محالان ، ومستلزم المحال محال ، فإدخال الله ~~تعالى إياهم النار محال ، وما كان محال الوقوع عقلا كان الدعاء والتضرع في ~~أن لا يفعله الله عبثا وقبيحا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى في آخر هذه ~~السورة { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ءامنوا بربكم فئامنا ~~ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع } ( آل عمران : 193 ) . # فإن قيل : أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة حيث اتبع ~~هذه الآية بقوله { الصابرين والصادقين ms2169 } ( آل عمران : 17 ) . # قلنا : تأويل هذه الآية ما ذكرناه ، وذلك لأنه تعالى جعل مجرد الإيمان ~~وسيلة إلى طلب المغفرة ، ثم ذكر بعدها صفات المطيعين وهي كونهم صابرين ~~صادقين ، ولو كانت هذه الصفات شرائط لحصول هذه المغفرة لكان ذكرها قبل طلب ~~المغفرة أولى ، فلما رتب طلب المغفرة على مجرد الإيمان ، ثم ذكر بعد ذلك ~~هذه الصفات ، علمنا أن هذه الصفات غير معتبرة في حصول أصل المغفرة ، وإنما ~~هي معتبرة في حصول كمال الدرجات . # ! 7 < { الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالا سحار } ~~. > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 17 ) الصابرين والصادقين والقانتين . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { الصابرين } قيل نصب على المدح بتقدير : أعني الصابرين ~~، وقيل : الصابرين في موضع جر على البدل من الذين . # / المسألة الثانية : إعلم أنه تعالى ذكر ههنا صفات خمسة : # الصفة الأولى : كونهم صابرين ، والمراد كونهم صابرين في أداء الواجبات ~~والمندوبات ، وفي ترك المحظورات وكونهم صابرين في كل ما ينزل بهم من المحن ~~والشدائد ، وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين في قلوبهم عن الله تعالى ، ~~كما قال : { الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } ( ~~البقرة : 156 ) قال سفيان بن عيينة في قوله { وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا } ( السجدة : 24 ) إن هذه الآية تدل على أنهم إنما ~~استحقوا تلك الدرجات العالية من الله تعالى بسبب الصبر ، ويروى أنه وقف رجل ~~على الشلبي ، فقال : أي صبر أشد على الصابرين ؟ فقال الصبر في الله تعالى ، ~~فقال لا ، فقال : الصبر لله تعالى فقال لا فقال : الصبر مع الله تعالى ، ~~قال لا قال فايش ؟ قال : الصبر عن الله تعالى ، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه ~~تتلف . PageV07P175 # وقد كثر مدح الله تعالى للصابرين ، فقال : { والصابرين فى البأساء ~~والضراء وحين البأس } ( البقرة : 177 ) . # الصفة الثانية : كونهم صادقين ، إعلم أن لفظ الصدق قد يجري على القول ~~والفعل والنية ، فالصدق في القول مشهور ، وهو مجانبة الكذب والصدق في الفعل ~~الإتيان به وترك الانصراف عنه قبل تمامه ، يقال : صدق فلان في القتال وصدق ~~في الحملة ، ويقال في ضده ms2170 : كذب في القتال ، وكذب في الحملة ، والصدق في ~~النية إمضاء العزم والإقامة عليه حتى يبلغ الفعل . # الصفة الثالثة : كونهم قانتين ، وقد فسرناه في قوله تعالى : { وقوموا لله ~~قانتين } ( البقرة : 238 ) وبالجملة فهو عبارة عن الدوام على العبادة ~~والمواظبة عليها . # الصفة الرابعة : كونهم منفقين ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه وأهله ~~وأقاربه وصلة رحمه وفي الزكاة والجهاد وسائر وجوه البر . # الصفة الخامسة : كونهم مستغفرين بالأسحار ، والسحر الوقت الذي قبل طلوع ~~الفجر ، وتسحر إذا أكل في ذلك الوقت ، واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ~~ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا ~~أن يكون قد صلى قبل ذلك فقوله { والمستغفرين بالاسحار } يدل على أنهم كانوا ~~قد صلوا بالليل واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان وفي ~~كمال العبودية من وجوه الأول : أن في وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت ~~الظلمة شاملة للكل ، وبسبب طلوع نور الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء ، ~~فهناك وقت الجود العام والفيض التام ، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح ~~العالم الكبير يطلع صبح العالم الصغير ، وهو ظهور نور جلال الله تعالى في ~~القلب والثاني : أن وقت السحر أطيب أوقات النوم ، فإذا أعرض العبد عن تلك ~~اللذة ، وأقبل على العبودية ، كانت الطاعة أكمل والثالث : نقل عن ابن عباس ~~{ والمستغفرين بالاسحار } يريد المصلين صلاة الصبح . # / المسألة الثالثة : قوله { والصابرين والصادقين } أكمل من قوله : الذين ~~يصبرون ويصدقون ، لأن قوله { الصابرين } يدل على أن هذا المعنى عادتهم ~~وخلقهم ، وأنهم لا ينفكون عنها . # المسألة الرابعة : اعلم أن لله تعالى على عباده أنواعا من التكليف / ~~والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها ، ثم إن العبد قد يلتزم من عند ~~نفسه أنواعا أخر من الطاعات ، وإما بسبب الشروع فيه ، وكمال هذه المرتبة ~~أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه ، وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم ~~من غير خلل ألبتة ، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى ، لا جرم ذكر ~~سبحانه الصابرين أولا ثم قال ms2171 : { الصادقين } ثانيا ، ثم إنه تعالى ندب إلى ~~المواظبة على هذين النوعين من الطاعة ، فقال : { والقانتين } فهذه الألفاظ ~~الثلاثة للترغيب في المواظبة على جميع أنواع الطاعات ، ثم بعد ذلك ذكر ~~الطاعات المعينة ، وكان أعظم الطاعات قدرا أمران أحدهما : الخدمة بالمال ، ~~وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : ( والشفقة على خلق الله ) فذكر هنا ~~بقوله { والمنافقين } والثانية : الخدمة بالنفس وإليه الإشارة بقوله ( ~~التعظيم لأمر الله ) فذكره هنا بقوله { والمستغفرين بالاسحار } . ~~PageV07P176 # فإن قيل : فلم قدم ههنا ذكر المنفقين على ذكر المستغفرين ، وأخر في قوله ~~( التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ) . # قلنا : لأن هذه الآية في شرح عروج العبد من الأدنى إلى الأشرف ، فلا جرم ~~وقع الختم بذكر المستغفرين بالأسحار ، وقوله ( التعظيم لأمر الله ) في شرح ~~نزول العبد من الأشرف إلى الأدنى ، فلا جرم كان الترتيب بالعكس . # المسألة الرابعة : هذه الخمسة إشارة إلى تعديد الصفات لموصوف واحد ، فكان ~~الواجب حذف واو العطف عنها كما في قوله { هو الله الخالق البارىء المصور } ~~( الحشر : 24 ) إلا أنه ذكر ههنا واو العطف وأظن والعلم عند الله أن كل من ~~كان معه واحدة من هذه الخصال دخل تحت المدح العظيم واستوجب هذا الثواب ~~الجزيل والله أعلم . # ! 7 < { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما ~~بالقسط لا إلاه إلا هو العزيز الحكيم } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 18 ) شهد الله أنه . . . . . # > > إعلم أنه تعالى لما مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله { الذين يقولون ~~ربنا إننا ءامنا } ( آل عمران : 16 ) أردفه بأن بين / أن دلائل الإيمان ~~ظاهرة جلية ، فقال : { شهد الله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إعلم أن كل ما يتوقف العلم بنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم على العلم به ، فإنه لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية أما ما يكون ~~كذلك فإنه يجوز إثباته بالدلائل السمعية ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي ~~العلم ، لكن العلم بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لا يتوقف على العلم ~~بكون الله تعالى واحدا فلا جرم يجوز إثبات كون الله تعالى واحدا بمجرد ~~الدلائل السمعية ms2172 القرآنية . # إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في قوله { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم } قولين : أحدهما : أن الشهادة من الله تعالى ، ومن ~~الملائكة ، ومن أولي العلم بمعنى واحد الثاني : أنه ليس كذلك ، أما القول ~~الأول فيمكن تقريره من وجهين : # الوجه الأول : أن تجعل الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم ، فهذا ~~المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله تعالى ، وفي حق الملائكة ، وفي حق ~~أولي العلم ، أما من الله تعالى فقد أخبر في القرآن عن كونه واحدا لا إلاه ~~معه ، وقد بينا أن التمسك بالدلالة السمعية في هذه المسألة جائز ، وأما من ~~الملائكة وأولي العلم فكلهم أخبروا أيضا أن الله تعالى واحد لا شريك له ، ~~فثبت على هذا التقرير أن المفهوم من الشهادة معنى واحد في حق الله ، وفي حق ~~الملائكة ، وفي حق أولي العلم . PageV07P177 # الوجه الثاني : أن نجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان ، ثم نقول : ~~إنه تعالى أظهر ذلك وبينه بأن خلق ما يدل على ذلك ، أما الملائكة وأولوا ~~العلم فقد أظهروا ذلك ، وبينوه بتقرير الدلائل والبراهين ، أما الملائكة ~~فقد بينوا ذلك للرسل عليهم الصلاة والسلام ، والرسل للعلماء ، والعلماء ~~لعامة الخلق ، فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان ، ~~فالمفهوم الإظهار والبيان فهو مفهوم واحد في حق الله سبحانه وتعالى ، وفي ~~حق أولي العلم ، فظهر أن المفهوم من الشهادة واحد على هذين الوجهين ، ~~والمقصود من ذلك كأنه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم : إن وحدانية الله ~~تعالى أمر قد ثبت بشهادة الله تعالى ، وشهادة جميع المعتبرين من خلقه ، ~~ومثل هذا الدين المتين والمنهج القويم ، لا يضعف بخلاف بعض الجهال من ~~النصارى وعبدة الأوثان ، فاثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك فإنه هو الإسلام ~~والدين عند الله هو الإسلام . # القول الثاني : قول من يقول : شهادة الله تعالى على توحيده ، عبارة عن ~~أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده ، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن ~~إقرارهم بذلك ، ولما كان كل واحد من هذين الأمرين يسمى شهادة ms2173 ، لم يبعد أن ~~يجمع بين الكل في اللفظ ، ونظيره قوله تعالى : { إن الله وملائكته يصلون ~~على النبى ياأيها * أيها * الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } ( ~~الأحزاب : 56 ) ومعلوم أن الصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة ، ومن ~~الملائكة غير الصلاة من الناس ، مع أنه قد جمعهم في اللفظ . # / فإن قيل : المدعي للوحدانية هو الله ، فكيف يكون المدعي شاهدا ؟ . # الجواب : من وجوه الأول : وهو أن الشاهد الحقيقي ليس إلا الله / وذلك ~~لأنه تعالى هو الذي خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده ، ولولا تلك ~~الدلائل لما صحت الشهادة ، ثم بعد ذلك نصب تلك الدلائل هو الذي وفق العلماء ~~لمعرفة تلك الدلائل ، ولولا تلك الدلائل التي نصبها الله تعالى وهدى إليها ~~لعجزوا عن التوصل بها إلى معرفة التوحيد ، وإذا كان الأمر كذلك كان الشاهد ~~على الوحدانية ليس إلا الله وحده ، ولهذا قال : { قل أى شىء أكبر شهادة قل ~~الله } ( الأنعام : 19 ) . # الوجه الثاني : في الجواب أنه هو الموجود أزلا وأبدا ، وكل ما سواه فقد ~~كان في الأزل عدما صرفا ، ونفيا محضا ، والعدم يشبه الغائب ، والموجود يشبه ~~الحاضر ، فكل ما سواه فقد كان غائبا ، وبشهادة الحق صار شاهدا ، فكان الحق ~~شاهدا عل الكل ، فلهذا قال : { شهد الله أنه * لا إلاه إلا هو } . # الوجه الثالث : أن هذا وإن كان في صورة الشهادة ، إلا أنه في معنى ~~الإقرار ، لأنه لما أخبر أنه لا إلاه سواه ، كان الكل عبيدا له ، والمولى ~~الكريم لا يليق به أن لا يخل بمصالح العبيد ، فكان هذا الكلام جاريا مجرى ~~الإقرار بأنه يجب وجوب الكريم عليه أن يصلح جهات جميع الخلق . # الوجه الرابع : في الجواب قرأ ابن عباس { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو } ~~بكسر { أنه } ثم قرأ { إن الدين عند الله الإسلام } ( آل عمران : 19 ) بفتح ~~{ ءان } فعلى هذا يكون المعنى : شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ويكون ~~قوله { أنه لا إلاه إلا هو } اعتراضا في الكلام ، واعلم أن الجواب لا يعتمد ~~عليه ، لأن هذه القراءة غير مقبولة عند ms2174 العلماء ، وبتقدير { ءان } تكون ~~مقبولة لكن القراءة الأولى متفق عليها ، فالإشكال الوارد عليها لا يندفع ~~بسبب القراءة الأخرى . PageV07P178 # المسألة الثانية : المراد من { أولى * العلم } في هذه الآية الذين عرفوا ~~وحدانيته بالدلائل القاطعة لأن الشهادة إنما تكون مقبولة ، إذا كان الإخبار ~~مقرونا بالعلم ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا علمت مثل الشمس ~~فاشهد ) وهذا يدل على أن هذه الدرجة العالية والمرتبة الشريفة ليست إلا ~~لعلماء الأصول . # أما قوله تعالى : { قائما بالقسط } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : { قائما بالقسط } منتصب ، وفيه وجوه : # الوجه الأول : نصب على الحال ، ثم فيه وجوه أحدها : التقدير : شهد الله ~~قائما بالقسط وثانيها : يجوز أن يكون حالا من هو تقديره : لا إلاه إلا هو ~~قائما بالقسط ، ويسمى هذا حالا مؤكدة كقولك : أتانا عبد الله شجاعا ، ~~وكقولك : لا رجل إلا عبد الله شجاعا . # الوجه الثاني : أن يكون صفة المنفي ، كأنه قيل : لا إلاه قائما بالقسط ~~إلا هو ، وهذا غير بعيد لأنهم يفصلون بين الصفة والموصوف . # / والوجه الثالث : أن يكون نصبا على المدح . # فإن قيل : أليس من حق المدح أن يكون معرفة ، كقولك ، الحمد لله الحميد . # قلنا : وقد جاء نكرة أيضا ، وأنشد سيبويه : # % ويأوي إلى نسوة عطل % % وشعثا مراضع مثل السعالي % # المسألة الثانية : قوله { قائما بالقسط } فيه وجهان الأول : أنه حال من ~~المؤمنين والتقدير : وأولوا العلم حال كون كل واحد منهم قائما بالقسط في ~~أداء هذه الشهادة والثاني : وهو قول جمهور المفسرين أنه حال من { شهد الله ~~} . # المسألة الثالثة : معنى كونه { قائما بالقسط } قائما بالعدل ، كما يقال : ~~فلان قائم بالتدبير ، أي يجريه على الاستقامة . # واعلم أن هذا العدل منه ما هو متصل بباب الدنيا ، ومنه ما هو متصل بباب ~~الدين ، أما المتصل بالدين / فانظر أولا في كيفية خلقة أعضاء الإنسان ، حتى ~~تعرف عدل الله تعالى فيها ، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن ~~والقبح ، والغنى والفقر والصحة والسقم ، وطول العمر وقصره واللذة والآلام ~~واقطع بأن كل ذلك عدل من الله وحكمة وصواب ثم انظر في كيفية خلقة العناصر ~~وأجرام ms2175 الأفلاك ، وتقدير كل واحد منها بقدر معين وخاصية معينة ، واقطع بأن ~~كل ذلك حكمة وصواب ، أما ما يتصل بأمر الدين ، فانظر إلى اختلاف الخلق في ~~العلم والجهل ، والفطانة والبلادة والهداية والغواية ، واقطع بأن كل ذلك ~~عدل وقسط ، ولقد خاض صاحب ( الكشاف ) ههنا في التعصب للاعتزال وزعم أن ~~الآية دالة على أن الإسلام هو العدل والتوحيد ، وكان ذلك المسكين بعيدا عن ~~معرفة هذه الأشياء إلا أنه فضولي كثير الخوض فيما لا يعرف ، وزعم أن الآية ~~دلت على أن من أجاز الرؤية ، أو ذهب إلى الجبر لم يكن على دين الله الذي هو ~~الإسلام ، والعجب أن أكابر المعتزلة وعظماءهم أفنوا أعمارهم في طلب الدليل ~~على أنه لو كان مرئيا لكان جسما ، وما وجدوا فيه سوى الرجوع إلى الشاهد من ~~غير جامع عقلي قاطع ، فهذا المسكين الذي ما شم رائحة العلم من أين وجد ذلك ~~، PageV07P179 وأما حديث الجبر فالخوض فيه من ذلك المسكين خوض فيما لا ~~يعنيه ، لأنه لما اعترف بأن الله تعالى عالم بجميع الجزئيات ، واعترف بأن ~~العبد لا يمكنه أن يقلب علم الله جهلا ، فقد اعترف بهذا الجبر ، فمن أين هو ~~والخوض في أمثال هذه المباحث . # ثم قال الله تعالى : { لا إلاه إلا هو } والفائدة في إعادته وجوه الأول : ~~أن تقدير الآية : شهد الله أنه لا إلاه إلا هو ، وإذا شهد بذلك فقد صح أنه ~~لا إلاه إلا هو ، ونظيره قول من يقول : الدليل دل على وحدانية الله تعالى ، ~~ومتى كان كذلك صح القول بوحدانية الله تعالى الثاني : أنه تعالى لما أخبر ~~أن الله شهد أنه لا إلاه إلا هو وشهدت الملائكة وأولوا العلم بذلك صار ~~التقدير ، كأنه قال : / يا أمة محمد فقولوا أنتم على وفق شهادة الله وشهادة ~~الملائكة وأولي العلم { لا إلاه إلا هو } فكان الغرض من الإعادة الأمر بذكر ~~هذه الكلمة على وفق تلك الشهادات الثالث : فائدة هذا التكرير الإعلام بأن ~~المسلم يجب أن يكون أبدا في تكرير هذه الكلمة فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان ~~هي هذه الكلمة ms2176 ، فإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلا بذكرها وبتكريرها كان ~~مشتغلا بأعظم أنواع العبادات ، فكان الغرض من التكرير في هذه الآية حث ~~العباد على تكريرها الرابع : ذكر قوله { لا إلاه إلا هو } أولا : ليعلم أنه ~~لا تحق العبادة إلا لله تعالى ، وذكرها ثانيا : ليعلم أنه القائم بالقسط لا ~~يجور ولا يظلم . # أما قوله { العزيز الحكيم } فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة ، والحكيم ~~إشارة إلى كمال العلم ، وهما الصفتان اللتان يمتنع حصول الإلاهية إلا معهما ~~لأن كونه قائما بالقسط لا يتم إلا إذا كان عالما بمقادير الحاجات ، وكان ~~قادرا على تحصيل المهمات ، وقدم العزيز على الحكيم في الذكر ، لأن العلم ~~بكونه تعالى قادرا متقدم على العلم بكونه عالما في طريق المعرفة ~~الإستدلالية ، فلما كان مقدما في المعرفة الإستدلالية ، وكان هذا الخطاب مع ~~المستدلين ، لا جرم قدم تعالى ذكر العزيز على الحكيم . # ! 7 < { إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } ~~. > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 19 ) إن الدين عند . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اتفق القراء على كسر { ءان } إلا الكسائي فإنه فتح { ~~ءان } وقراءة الجمهور ظاهرة ، لأن الكلام الذي قبله قد تم ، وأما قراءة ~~الكسائي فالنحويون ذكروا فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن التقدير : شهد الله ~~أنه لا إلاه إلا هو أن الدين عند الله الإسلام وذلك لأن كونه تعالى واحدا ~~موجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام لأن دين الإسلام هو المشتمل على هذه ~~الوحدانية والثاني : أن التقدير : شهد الله أنه لا إلاه إلا هو ، وأن الدين ~~عند الله الإسلام الثالث : وهو قول البصريين أن يجعل الثاني بدلا من الأول ~~، ثم إن قلنا بأن دين الإسلام مشتمل على التوحيد نفسه كان هذا من باب قولك ~~: ضربت زيدا نفسه ، وإن قلنا : دين الإسلام مشتمل على التوحيد كان هذا من ~~باب بدل الاشتمال ، كقولك : ضربت زيدا رأسه . # فإن قيل : فعلى هذا الوجه وجب أن لا يحسب إعادة اسم الله ms2177 تعالى كما يقال ~~: ضربت زيدا رأس زيد . # قلنا : قد يظهرون الاسم في موضع الكناية ، قال الشاعر : PageV07P180 # لا أرى الموت يسبق الموت شي # وأمثاله كثيرة . # / المسألة الثانية : في كيفية النظم من قرأ { إن الدين } بفتح { ءان } ~~كان التقدير : شهد الله لأجل أنه لا إلاه إلا هو أن الدين عند الله الإسلام ~~، فإن الإسلام إذا كان هو الدين المشتمل على التوحيد ، والله تعالى شهد ~~بهذه الوحدانية كان اللازم من ذلك أن يكون الدين عند الله الإسلام ، ومن ~~قرأ { إن الدين } بكسر الهمزة ، فوجه الاتصال هو أنه تعالى بين أن التوحيد ~~أمر شهد الله بصحته ، وشهد به الملائكة وأولوا العلم ، ومتى كان الأمر كذلك ~~لزم أن يقال { إن الدين عند الله الإسلام } . # المسألة الثالثة : أصل الدين في اللغة الجزاء ، ثم الطاعة تسمى دينا ~~لأنها سبب الجزاء ، وأما الإسلام ففي معناه في أصل اللغة أوجه الأول : أنه ~~عبارة عن الدخول في الإسلام أي في الانقياد والمتابعة ، قال تعالى : { ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام } ( النساء : 94 ) أي لمن صار منقادا لكم ~~ومتابعا لكم والثاني : من أسلم أي دخل في السلم ، كقولهم : أسنى وأقحط وأصل ~~السلم السلامة الثالث : قال ابن الأنباري : المسلم معناه المخلص لله عبادته ~~من قولهم : سلم الشيء لفلان ، أي خلص له فالإسلام معناه إخلاص الدين ~~والعقيدة لله تعالى ، هذا ما يتعلق بتفسير لفظ الإسلام في أصل اللغة ، أما ~~في عرف الشرع فالإسلام هو الإيمان ، والدليل عليه وجهان الأول : هذه الآية ~~فإن قوله { إن الدين عند الله الإسلام } يقتضي أن يكون الدين المقبول عند ~~الله ليس إلا الإسلام ، فلو كان الإيمان غير الإسلام وجب أن لا يكون ~~الإيمان دينا مقبولا عند الله ، ولا شك في أنه باطل الثاني : قوله تعالى : ~~{ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } ( آل عمران : 85 ) فلو كان ~~الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون الإيمان دينا مقبولا عند الله تعالى . # فإن قيل : قوله تعالى : { قالت الاعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولاكن قولوا ~~أسلمنا } ( الحجرات : 14 ) هذا صريح ms2178 في أن الإسلام مغاير للإيمان . # قلنا : الإسلام عبارة عن الانقياد في أصل اللغة على ما بينا ، والمنافقون ~~انقادوا في الظاهر من خوف السيف ، فلا جرم كان الإسلام حاصلا في حكم الظاهر ~~/ والإيمان كان أيضا حاصلا في حكم الظاهر ، لأنه تعالى قال : { ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن } ( البقرة : 221 ) والإيمان الذي يمكن إدارة الحكم عليه ~~هو الإقرار الظاهر ، فعلى هذا الإسلام والإيمان تارة يعتبران في الظاهر ، ~~وتارة في الحقيقة ، والمنافق حصل له الإسلام الظاهر ، ولم يحصل له الإسلام ~~الباطن ، لأن باطنه غير منقاد لدين الله ، فكان تقدير الآية : لم تسلموا في ~~القلب والباطن ، ولكن قولوا : أسلمنا في الظاهر ، والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } فيه مسائل : ~~PageV07P181 # المسألة الأولى : الغرض من الآية بيان إن الله تعالى أوضح الدلائل ، ~~وأزال الشبهات والقوم ما كفروا إلا لأجل التقصير ، فقوله { وما اختلف الذين ~~أوتوا الكتاب } فيه وجوه : الأول : المراد بهم اليهود ، واختلافهم أن موسى ~~عليه السلام لما قربت وفاته سلم التوراة إلى سبعين حبرا ، وجعلهم أمناء ~~عليها واستخلف يوشع ، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين من بعد ما ~~جاءهم العلم في التوراة بغيا بينهم ، وتحاسدوا في طلب الدنيا والثاني : ~~المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى عليه السلام بعد ما جاءهم العلم بأنه ~~عبد الله ورسوله والثالث : المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت ~~اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله وأنكروا نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : نحن أحق بالنبوة من قريش ، لأنهم أميون ونحن ~~أهل الكتاب . # المسألة الثانية : قوله { إلا من بعد ما جاءهم العلم } المراد منه إلا من ~~بعد ما جاءتهم الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم ، لأنا لو حملناه ~~على العلم لصاروا معاندين والعناد على الجمع العظيم لا يصح ، وهذه الآية ~~وردت في كل أهل الكتاب وهم جمع عظيم . # المسألة الثالثة : في انتصاب قوله { بغيا ms2179 } وجهان الأول : قول الأخفش إنه ~~انتصب على أنه مفعول له أي للبغي كقولك : جئتك طلب الخير ومنع الشر والثاني ~~: قول الزجاج إنه انتصب على المصدر من طريق المعنى ، فإن قوله { وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب } قائم مقام قوله : وما بغى الذين أوتوا الكتاب فجعل { ~~بغيا } مصدرا ، والفرق بين المفعول له وبين المصدر أن المفعول له غرض للفعل ~~، وأما المصدر فهو المفعول المطلق الذي أحدثه الفاعل . # المسألة الرابعة : قال الأخفش قوله { بغيا بينهم } من صلة قوله { اختلف } ~~والمعنى : وما اختلفوا بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ، ~~وقال غيره : المعنى وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم إلا للبغي بينهم ~~، فيكون هذا إخبارا عن أنهم إنما اختلفوا للبغي ، وقال القفال : وهذا أجود ~~من الأول ، لأن الأول : يوهم أنهم اختلفوا بسبب ما جاءهم من العلم ، ~~والثاني : يفيد أنهم إنما اختلفوا لأجل الحسد والبغي . # ثم قال تعالى : { ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } وهذا تهديد ~~، وفيه وجهان : الأول : المعنى فإنه سيصير إلى الله تعالى سريعا فيحاسبه أي ~~يجزيه على كفره والثاني : أن الله / تعالى سيعلمه بأعماله ومعاصيه وأنواع ~~كفره بإحصاء سريع مع كثرة الأعمال . # ! 7 < { فإن حآجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والا ميين ءأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~والله بصير بالعباد } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 20 ) فإن حاجوك فقل . . . . . # > > PageV07P182 @183@ # إعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل أن أهل الكتاب اختلفوا من بعد ما جاءهم ~~العلم ، وأنهم أصروا على الكفر مع ذلك بين الله تعالى للرسول صلى الله عليه ~~وسلم ما يقوله في محاجتهم ، فقال : { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن ~~اتبعن } وفي كيفية إيراد هذا الكلام طريقان : # الطريق الأول : أن هذا إعراض عن المحاجة ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ~~كان قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مرارا وأطوارا ، فإن ~~هذه السورة مدنية ، وكان قد أظهر لهم المعجزات بالقرآن ، ودعاء الشجرة ~~وكلام ms2180 الذئب وغيرها ، وأيضا قد ذكر قبل هذه الآية آيات دالة على صحة دينه ، ~~فأولها : أنه تعالى ذكر الحجة بقوله { الحى القيوم } على فساد قول النصارى ~~في إلاهية عيسى عليه السلام وبقوله { نزل عليك الكتاب بالحق } ( آل عمران : ~~3 ) على صحة النبوة ، وذكر شبه القوم ، وأجاب عنها بأسرها على ما قررناه ~~فيما تقدم ، ثم ذكر لهم معجزة أخرى ، وهي المعجزات التي شاهدوها يوم بدر ~~على ما بيناه في تفسير قوله تعالى : { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا } ( ~~آل عمران : 13 ) ثم بين صحة القول بالتوحيد ، ونفى الضد والند والصاحبة ~~والولد بقوله { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو } ( آل عمران : 18 ) ثم بين ~~تعالى أن ذهاب هؤلاء اليهود والنصارى عن الحق ، واختلافهم في الدين ، إنما ~~كان لأجل البغي والحسد ، وذلك ما يحملهم على الانقياد للحق والتأمل في ~~الدلائل لو كانوا مخلصين ، فظهر أنه لم يبق من أسباب إقامة الحجة على فرق ~~الكفار شيء إلا وقد حصل ، فبعد هذا قال : { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ~~ومن اتبعن } يعني إنا بالغنا في تقرير الدلائل ، وإيضاح البينات ، فإن ~~تركتم الأنف والحسد ، وتمسكتم بها كنتم أنتم المهتدين ، وإن أعرضتم فإن ~~الله تعالى من وراء مجازاتكم ، وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام ، فإن ~~المحق إذا ابتلى بالمبطل اللجوج ، وأورد عليه الحجة حالا بعد حال ، فقد ~~يقول في آخر الأمر : أما أنا ومن اتبعني فمنقادون للحق ، مستسلمون له ، / ~~مقبلون على عبودية الله تعالى ، فإن وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد ~~هذه الدلائل التي ذكرتها فقد اهتديتم ، وإن أعرضتم فإن الله بالمرصاد ، ~~فهذا الطريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه . # الطريق الثاني : وهو أن نقول : إن قوله { أسلمت وجهى لله } محاجة ، ~~وإظهار للدليل ، وبيانه من وجوه : # الوجه الأول : أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع ، وكونه مستحقا للعبادة ~~، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم : هذا متفق عليه بين الكل فأنا ~~مستمسك بهذا القدر المتفق عليه وداع للخلق إليه ، وإنما الخلاف في أمور ms2181 ~~وراء ذلك وأنتم المدعون فعليكم الاثبات ، فإن اليهود يدعون التشبيه ~~والجسمية ، والنصارى يدعون إلاهية عيسى ، والمشركين يدعون وجوب عبادة ~~الأوثان فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ، وأما أنا فلا ~~أدعي إلا وجوب طااعة الله تعالى وعبوديته ، وهذا القدر متفق عليه ، ونظيره ~~هذه الآية قوله تعالى : { بالمفسدين قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } ( آل عمران : 64 ) . # والوجه الثاني : في كيفية الاستدلال ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو أن ~~اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم إبراهيم صلوات الله ~~وسلامه عليه ، والإقرار بأنه كان محقا في قوله صادقا في دينه ، إلا في ~~زيادات من الشرائع والأحكام ، فأمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بأن يتبع ملته فقال : { ثم أوحينا إليك أن PageV07P183 اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا } ( النحل : 123 ) ثم إنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الموضع أن يقول كقول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حيث قال : { إنى وجهت وجهى ~~للذى فطر * السماوات والارض } ( الأنعام : 79 ) فقول محمد صلى الله عليه ~~وسلم : { أسلمت وجهى } كقول إبراهيم عليه السلام { وجهت وجهى } أي اعترضت ~~عن كل معبود سوى الله تعالى ، وقصدته بالعبادة وأخلصت له ، فتقدير الآية ~~كأنه تعالى قال : فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل : أنا مستمسك ~~بطريقة إبراهيم ، وأنتم معترفون بأن طريقته حقة ، بعيدة عن كل شبهة وتهمة ، ~~فكان هذا من باب التمسك بالإلزامات ، وداخلا تحت قوله { وجادلهم بالتى هى ~~أحسن } ( النحل : 125 ) . # والوجه الثالث : في كيفية الاستدلال ما خطر ببالي عند كتبة هذا الموضع ، ~~وهو أنه ادعى قبل هذه الآية أن الدين عند الله الإسلام لا غير ، ثم قال : { ~~فإن حاجوك } يعني فإن نازعوك في قولك { إن الدين عند الله الإسلام } ( آل ~~عمران : 19 ) فقل : الدليل عليه أني أسلمت وجهي لله ، وذلك لأن المقصود من ~~الدين إنما هو الوفاء بلوازم الربوبية ، فإذا أسلمت وجهي لله فلا أعبد غيره ~~ولا أتوقع الخير إلا منه ولا أخاف ms2182 إلا من قهره وسطوته ، ولا أشرك به غيره ، ~~كان هذا هو تمام الوفاء بلوازم الربوبية والعبودية ، فصح أن الدين الكامل ~~هو الإسلام ، وهذا الوجه يناسب الآية . # / الوجه الرابع : في كيفية الاستدلال ، ما خطر ببالي أن هذه الآية مناسبة ~~لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ~~ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) يعني لا تجوز العبادة إلا لمن يكون ~~نافعا ضارا ، ويكون أمري في يديه ، وحكمي في قبضة قدرته ، فإن كان كل واحد ~~يعلم أن عيسى ما كان قادرا على هذه الأشياء امتنع في العقل أن أسلم له ، ~~وأن انقاد له ، وإنما أسلم وجهي للذي منه الخير ، والشر ، والنفع ، والضر ، ~~والتدبير ، والتقدير . # الوجه الخامس : يحتمل أيضا أن يكون هذا الكلام إشارة إلى طريقة إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام في قوله { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~} ( البقرة : 131 ) وهذا مروي عن ابن عباس . # أما قوله { أسلمت وجهى لله } ففيه وجوه الأول : قال الفراء أسلمت وجهي ~~لله ، أي أخلصت عملي لله يقال أسلمت الشيء لفلان أي أخلصته له ، ولم يشاركه ~~غيره قال : ويعني بالوجه ههنا العمل كقوله { يريدون وجهه } ( الكهف : 28 ) ~~أي عبادته ، ويقال : هذا وجه الأمر أي خالص الأمر وإذا قصد الرجل غيره ~~لحاجة يقول : وجهت وجهي إليك ، ويقال للمنهمك في الشيء الذي لا يرجع عنه : ~~مر على وجهه الثاني : أسلمت وجهي لله أي أسلمت وجه عملي لله ، والمعنى أن ~~كل ما يصدر مني من الأعمال فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله تعالى ~~والانقياد لإلاهيته وحكمه الثالث : أسلمت وجهي لله أي أسلمت نفسي لله وليس ~~في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس لله فيصير كأنه موقوف على عبادته ، ~~عادل عن كل ما سواه . # وأما قوله { ومن اتبعن } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : حذف عاصم وحمزة والكسائي ، الياء من اتبعن اجتزاء ~~بالكسر واتباعا للمصحف ، وأثبته الآخرون على الأصل : PageV07P184 # المسألة الثانية : { من } في محل الرفع عطفا على التاء في قوله { أسلمت } ~~أي ومعنى اتبعني ms2183 أسلم أيضا . # فإن قيل : لم قال أسلمت ومن اتبعن ، ولم يقل : أسلمت أنا ومن اتبعن . # قلنا : إن الكلام طال بقوله { وجهى لله } فصار عوضا من تأكيد الضمير ~~المتصل ، ولو قيل أسلمت وزيد لم يحسن حتى يقال : أسلمت أنا وزيد ولو قال ~~أسلمت اليوم بانشراح صدر ، ومن جاء معي جاز وحسن . # ثم قال تعالى : { وقل للذين أوتوا الكتاب والاميين ءأسلمتم } وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : هذه الآية متناولة لجميع المخالفين لدين محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، وذلك لأن منهم من كان من أهل الكتاب ، سواء كان محقا في تلك ~~الدعوى كاليهود والنصارى ، أو كان كاذبا فيه كالمجوس ، ومنهم من لم يكن من ~~أهل الكتاب وهم عبدة الأوثان . # / المسألة الثانية : إنما وصف مشركي العرب بأنهم أميون لوجهين الأول : ~~أنهم لما لم يدعوا الكتاب الإلاهي وصفوا بأنهم أميون تشبيها بمن لا يقرأ ~~ولا يكتب والثاني : أن يكون المراد أنهم ليسوا من أهل القراءة والكتابة ~~فهذه كانت صفة عامتهم وإن كان فيهم من يكتب فنادر من بينهم والله أعلم . # المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن المراد بقوله { فان } عام في كل ~~الكفار ، لأنه دخل كل من يدعي الكتاب تحت قوله { يأيها الذين أوتوا الكتاب ~~} ودخل من لا كتاب له تحت قوله { الاميين } . # ثم قال الله تعالى { ءأسلمتم } فهو استفهام في معرض التقرير ، والمقصود ~~منه الأمر قال النحويون : إنما جاء بالأمر في صورة الاستفهام ، لأنه ~~بمنزلته في طلب الفعل والاستدعاء إليه إلا أن في التعبير عن معنى الأمر ~~بلفظ الاستفهام فائدة زائدة ، وهي التعبير بكون المخاطب معاندا بعيدا عن ~~الانصاف ، لأن المنصف إذا ظهرت له الحجة لم يتوقف بل في الحال يقبل ونظيره ~~قولك لمن لخصت له المسألة في غاية التلخيص والكشف والبيان ؛ هل فهمتها ؟ ~~فإن فيه الإشارة إلى كون المخاطب بليدا قليل الفهم ، وقال الله تعالى في ~~آية الخمر { فهل أنتم منتهون } ( المائدة : 91 ) وفيه إشارة إلى التقاعد عن ~~الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهى عنه . # ثم قال الله تعالى : { فإن أسلموا فقد اهتدوا ms2184 } وذلك لأن هذا الإسلام ~~تمسك بما هدي إليه ، والمتمسك بهداية الله تعالى يكون مهتديا ، ويحتمل أن ~~يريد : فقد اهتدوا للفوز والنجاة في الآخرة إن ثبتوا عليه ثم قال : { وإن ~~تولوا } عن الإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم : { فإنما عليك البلاغ ~~} والغرض منه تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتعريفه أن الذي عليه ليس ~~إلا إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإذا بلغ ما جاء به فقد أدى ما عليه ، وليس ~~عليه قبولهم ثم قال : { والله بصير بالعباد } وذلك يفيد الوعد والوعيد ، ~~وهو ظاهر . # PageV07P185 ! 7 < { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم * أولائك الذين ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والا خرة وما لهم من ناصرين } . > 7 ! # / < < # | آل عمران : ( 21 - 22 ) إن الذين يكفرون . . . . . # > > إعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يعرض ويتولى بقوله { أن تولوا ~~* فإنما عليك البلاغ } أردفه بصفة هذا المتولي فذكر ثلاثة أنواع من الصفات ~~: # الصفة الأولى : قوله { إن الذين يكفرون بآيات الله } . # فإن قيل : ظاهر الآية يقتضي كونهم كافرين بجميع آيات الله واليهود ~~والنصارى ما كانوا كذلك لأنهم كانوا مقرين بالصانع وعلمه وقدرته والمعاد . # قلنا : الجواب من وجهين الأول : أن نصرف آيات الله إلى المعهود السابق ~~وهو القرآن ، ومحمد صلى الله عليه وسلم الثاني : أن نحمله على العموم ، ~~ونقول إن من كذب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يكذب بجميع آيات ~~الله تعالى لأن من تناقض لا يكون مؤمنا بشيء من الآيات إذ لو كان مؤمنا ~~بشيء منها لآمن بالجميع . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { ويقتلون النبيين بغير حق } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الحسن { ويقتلون النبيين بغير حق } وهو للمبالغة . # المسألة الثانية : روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : قلت يا رسول ~~الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟ قال : رجل قتل نبيا أو رجلا أمر ~~بالمعروف ونهى عن المنكر ، وقرأ هذه الآية ثم قال : يا أبا عبيدة قتلت بنو ~~إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا ms2185 من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة رجل ~~وإثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل ، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن ~~المنكر فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله ~~تعالى ، وأيضا القوم قتلوا يحيى بن ذكريا ، وزعموا أنهم قتلوا عيسى بن مريم ~~فعلى قولهم ثبت أنهم كانوا يقتلون الأنبياء . # وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : إذا كان قوله { إن الذين يكفرون بآيات الله } في حكم ~~المستقبل ، لأنه وعيد لمن كان في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقع ~~منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط فكيف يصح ذلك ؟ . # والجواب من وجهين الأول : أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت هذه ~~الإضافة إليهم ، إذ كانوا مصوبين وبطريقتهم راضين ، فإن صنع الأب قد يضاف ~~إلى الابن إذا كان راضيا به وجاريا على طريقته الثاني : إن القوم كانوا ~~يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل والمؤمنين إلا أنه تعالى ~~عصمه منهم ، فلما كانوا في PageV07P186 غاية الرغبة في ذلك صح إطلاق هذا ~~الاسم عليهم على سبيل المجاز ، كما يقال : النار محرقة ، والسم قاتل ، أي ~~ذلك من شأنهما إذا وجد القابل ، فكذا ههنا لا يصح أن يكون إلا كذلك . # السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله { ويقتلون النبيين بغير حق } وقتل ~~الأنبياء لا يكون إلا كذلك . # / والجواب : ذكرنا وجوه ذلك في سورة البقرة ، والمراد منه شرح عظم ذنبهم ~~، وأيضا يجوز أن يكون المراد أنهم قصدوا بطريقة الظلم في قتلهم طريقة العدل ~~. # السؤال الثالث : قوله { ويقتلون النبيين } ظاهره مشعر بأنهم قتلوا الكل ، ~~ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل ولا الأكثر ولا النصف . # والجواب : الألف واللام محمولان على المعهود لا على الاستغراق . # الصفة الثالثة : قوله { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة وحده { * ويقاتلون } بالألف والباقون { الله ~~ويقتلون } وهما سواء ، لأنهم قد يقاتلون فيقتلون بالقتال ، وقد يقتلون ~~ابتداء من غير قتال وقرأ أبي { ويقتلون النبيين * والذين * يأمرون } . # المسألة الثانية : قال الحسن : هذه الآية تدل على أن القائم ms2186 بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف ، تلي منزلته في العظم منزلة الأنبياء ~~، وروي أن رجلا قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أي الجهاد ~~أفضل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) ~~. # واعلم أنه تعالى كما وصفهم بهذه الصفات الثلاثة ، فقد ذكر وعيدهم من ~~ثلاثة أوجه الأول : قوله { فبشرهم بعذاب أليم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : إنما دخلت الفاء في قوله { فبشرهم } مع أنه خبران ، ~~لأنه في معنى الجزاء والتقدير : من يكفر فبشرهم . # المسألة الثانية : هذا محمول على الاستعارة ، وهو أن إنذار هؤلاء بالعذاب ~~قائم مقام بشرى المحسنين بالنعيم ، والكلام في حقيقة البشارة تقدم في قوله ~~تعالى : { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( البقرة : 25 ) . # النوع الثاني من الوعيد : قوله { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والاخرة } . # إعلم أنه تعالى بين بهذا أن محاسن أعمال الكفار محبطة في الدنيا والآخرة ~~، أما الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن ، ويدخل فيه ما ينزل بهم ~~من القتل والسبي ، وأخذ الأموال منهم غنيمة والاسترقاق لهم إلى غير ذلك من ~~الذل الظاهر فيهم ، وأما حبوطها في الآخرة فبإزالة الثواب إلى العقاب . # النوع الثالث من وعيدهم : قوله تعالى : { وما لهم من ناصرين } . # إعلم أنه تعالى بين بالنوع الأول من الوعيد اجتماع أسباب الآلام ~~والمكروهات في حقهم وبين بالنوع الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية ~~وبين بهذا الوجه الثالث لزوم ذلك في حقهم على وجه / لا يكون لهم ناصر ولا ~~دافع والله أعلم . # ( 23 ) # PageV07P187 ! 7 < { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى ~~كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون * ذالك بأنهم قالوا ~~لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون * فكيف ~~إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } . > 7 ~~@QB@ < # | آل عمران : ( 23 - 25 ) ألم تر إلى . . . . . # > > # إعلم أنه تعالى لما نبه على عناد القوم بقوله { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى ~~لله } ( آل عمران : 20 ) بين ms2187 في هذه الآية غاية عنادهم ، وهو أنهم يدعون ~~إلى الكتاب الذي يزعمون أنهم يؤمنون به ، وهو التوراة ثم إنهم يتمردون ، ~~ويتولون ، وذلك يدل على غاية عنادهم ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ظاهر قوله { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } ~~يتناول كلهم ، ولا شك أن هذا مذكور في معرض الذم ، إلا أنه قد دل دليل آخر ~~، على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك لأنه تعالى يقول { من أهل الكتاب أمة ~~قائمة يتلون ءايات الله ءاناء اليل وهم يسجدون } ( آل عمران : 113 ) . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { أوتوا نصيبا من الكتاب المراد به غير ~~القرآن لأنه أضاف الكتاب إلى الكفار ، وهم اليهود والنصارى ، وإذا كان كذلك ~~وجب حمله على الكتاب الذي كانوا مقرين بأنه حق ، ومن عند الله . # المسألة الثالثة : ذكروا في سبب النزول وجوها أحدها : روي عن ابن عباس أن ~~رجلا وامرأة من اليهود زنيا ، وكانا ذوي شرف ، وكان في كتابهم الرجم ، ~~فكرهوا رجمهما لشرفهما ، فرجعوا في أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم فحكم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالرجم فأنكروا ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : بيني وبينكم التوراة فإن ~~فيها الرجم فمن أعلمكم ؟ قالوا : عبد الله بن صوريا الفدكي فأتوا به ~~وأحضروا التوراة ، فلما أتى / على آية الرجم وضع يده عليها ، فقال ابن سلام ~~: قد جاوز موضعها يا رسول الله فرفع كفه عنها فوجدوا آية الرجم ، فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهما فرجما ، فغضبت اليهود لعنهم الله لذلك غضبا ~~شديدا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . # والرواية الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم دخل مدرسة اليهود ، وكان فيها ~~جماعة منهم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا : على أي دين أنت ؟ فقال : على ملة ~~إبراهيم ، فقالوا : إن إبراهيم كان يهوديا فقال صلى الله عليه وسلم : هلموا ~~إلى التوراة ، فأبوا ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية . # والرواية الثالثة : أن علامات بعثة محمد صلى الله عليه وسلم مذكورة في ~~التوراة ، والدلائل الدالة على صحة نبوته ms2188 PageV07P188 موجودة فيها ، فدعاهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوراة ، وإلى تلك الآيات الدالة على نبوته ~~فأبوا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى أنهم إذا أبوا أن يجيبوا إلى ~~التحاكم إلى كتابهم ، فلا تعجب من مخالفتهم كتابك فلذلك قال الله تعالى : { ~~قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } ( آل عمران : 93 ) وهذه الآية ~~على هذه الرواية دلت على أنه وجد في التوراة دلائل صحة نبوته ، إذ لو علموا ~~أنه ليس في التوراة ما يدل على صحة نبوته لسارعوا إلى بيان ما فيها ولكنهم ~~أسروا ذلك . # والرواية الرابعة : أن هذا الحكم عام في اليهود والنصارى ، وذلك لأن ~~دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في التوراة والإنجيل / ~~وكانوا يدعون إلى حكم التوراة والإنجيل وكانوا يأبون . # أما قوله { نصيبا من الكتاب } فالمراد منه نصيبا من علم الكتاب ، لأنا لو ~~أجريناه على ظاهره فهم أنهم قد أوتوا كل الكتاب والمراد بذلك العلماء منهم ~~وهم الذين يدعون إلى الكتاب ، لأن من لا علم له بذلك لا يدعي إليه . # أما قوله تعالى : { يدعون إلى كتاب الله } ففيه قولان : # القول الأول : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما والحسن أنه القرآن . # فإن قيل : كيف دعوا إلى حكم كتاب لا يؤمنون به ؟ . # قلنا : إنهم إنما دعوا إليه بعد قيام الحجج الدالة على أنه كتاب من عند ~~الله . # والقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين : إنه التوراة واحتج القائلون به ~~بوجوه الأول : أن الروايات المذكورة في سبب النزول دالة على أن القوم كانوا ~~يدعون إلى التوراة فكانوا يأبون والثاني : أنه تعالى عجب رسوله صلى الله ~~عليه وسلم من تمردهم وإعراضهم ، والتعجب إنما يحصل إذا تمردوا عن حكم ~~الكتاب الذي يعتقدون في صحته ، ويقرون بحقيته الثالث : أن هذا هو المناسب ~~لما قبل الآية ، وذلك لأنه تعالى لما بين أنه ليس عليه إلا البلاغ ، وصبره ~~على ما قالوه في تكذيبه مع ظهور الحجة بين أنهم إنما استعملوا طريق ~~المكابرة في نفس كتابهم الذي أقروا بصحته فستروا / ما فيه من ms2189 الدلائل ~~الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهذا يدل على أنهم في غاية التعصب ~~والبعد عن قبول الحق . # وأما قوله { ليحكم بينهم } فالمعنى : ليحكم الكتاب بينهم ، وإضافة الحكم ~~إلى الكتاب مجاز مشهور ، وقرىء { ليحكم } على البناء للمفعول ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) : وقوله { ليحكم بينهم } يقتضي أن يكون الاختلاف واقعا فيما بينهم ~~، لا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بين الله أنهم عند ~~الدعاء يتولى فريق منهم وهم الرؤساء الذين يزعمون أنهم هم العلماء . # ثم قال : { وهم معرضون } وفيه وجهان : # الأول : المتولون هم الرؤساء والعلماء والمعرضون الباقون منهم ، كأنه قيل ~~: ثم يتولى العلماء والأتباع معرضون عن القبول من النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأجل تولي علمائهم . # والثاني : أن المتولي والمعرض هو ذلك الفريق ، والمعنى أنه متولي عن ~~استماع الحجة في ذلك المقام ومعرض عن استماع سائر الحجج في سائر المسائل ~~والمطالب ، كأنه قيل : لا تظن أنه تولى عن هذه PageV07P189 المسألة بل هو ~~معرض عن الكل . # وأما قوله تعالى : { ذالك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ~~} ( آل عمران : 24 ) فالكلام في تفسيره قد تقدم في سورة البقرة ، ووجه ~~النظم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى { ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ~~} قال في هذه الآية : ذلك التولي والإعراض إنما حصل بسبب أنهم قالوا : لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودات ، قال الجبائي : وفيها دلالة على بطلان قول ~~من يقول : إن أهل النار يخرجون من النار ، قال : لأنه لو صح ذلك في هذه ~~الأمة لصح في سائر الأمم ، ولو ثبت ذلك في سائر الأمم لما كان المخبر بذلك ~~كاذبا ، ولما استحق الذم ، فلما ذكر الله تعالى ذلك في معرض الذم علمنا أن ~~القول بخروج أهل النار قول باطل . # وأقول : كان من حقه أن لا يذكر مثل هذا الكلام ، وذلك لأن مذهبه أن العفو ~~حسن جائز من الله تعالى ، وإذا كان كذلك لم يلزم من حصول العفو في هذه ~~الأمة حصوله في سائر الأمم . # سلمنا أنه يلزم ms2190 ذلك ، لكن لم قلتم : إن القوم إنما استحقوا الذم على مجرد ~~الإخبار بأن الفاسق يخرج من النار بل ههنا وجوه أخر الأول : لعلمهم ~~استوجبوا الذم على أنهم قطعوا بأن مدة عذاب الفاسق قصيرة قليلة / فإنه روي ~~أنهم كانوا يقولون : مدة عذابنا سبعة أيام ، ومنهم من قال : بل أربعون ليلة ~~على قدر مدة عبادة العجل والثاني : أنهم كانوا يتساهلون في أصول الدين ~~ويقولون بتقدير وقوع الخطأ منا فإن عذابنا قليل وهذا خطأ ، لأن عندنا ~~المخطىء في التوحيد والنبوة والمعاد عذابه دائم ، لأنه كافر ، والكافر ~~عذابه دائم والثالث : أنهم لما قالوا { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } ~~فقد استحقروا تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم واعتقدوا أنه لا تأثير له في ~~تغليظ / العقاب فكان ذلك تصريحا بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وذلك كفر ~~والكافر المصر على كفره لا شك أن عذابه مخلد ، وإذا كان الأمر على ما ~~ذكرناه ثبت أن احتجاج الجبائي بهذه الآية ضعيف وتمام الكلام على سبيل ~~الاستقصاء مذكور في سورة البقرة . # أما قوله تعالى : { وغرهم فى دينهم ما كانوا يفترون } فاعلم أنهم اختلفوا ~~في المراد بقوله { ما كانوا يفترون } فقيل : هو قولهم { نحن أبناء الله ~~وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) وقيل : هو قولهم { لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات } وقيل : غرهم قولهم : نحن على الحق وأنت على الباطل . # أما قوله تعالى : { فكيف إذا جمعناهم ليوم * ريب فيه } فالمعنى أنه تعالى ~~لما حكى عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل بين أنه سيجيء يوم يزول فيه ~~ذلك الجهل ، ويكشف فيه ذلك الغرور فقال { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ~~} وفي الكلام حذف ، والتقدير : فكيف صورتهم وحالهم ويحذف الحال كثيرا مع ~~كيف لدلالته عليها تقول : كنت أكرمه وهو لم يزرني ، فكيف لو زارني أي كيف ~~حاله إذا زارني ، واعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من تحريك ~~النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل : لو زارني وكل ~~نوع من أنواع العذاب في هذه الآية . # أما ms2191 قوله تعالى : { إذا جمعناهم ليوم } ولم يقل في يوم ، لأن المراد : ~~لجزاء يوم أو لحساب يوم فحذف المضاف ودلت اللام عليه ، قال الفراء : اللام ~~لفعل مضمر إذا قلت : جمعوا ليوم الخميس ، كان المعنى جمعوا لفعل يوجد في ~~يوم الخميس وإذا قلت : جمعوا في يوم الخميس لم تضمر فعلا وأيضا فمن المعلوم ~~PageV07P190 أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة وإظهار الفرق بين ~~المثاب والمعاقب ، وقوله { لا ريب فيه } أي لا شك فيه . # ثم قال : { ووفيت كل نفس ما كسبت } فإن حملت ما كسبت على عمل العبد جعل ~~في الكلام حذف ، والتقدير : ووفيت كل نفس جزاء ما كسبت من ثواب أو عقاب ، ~~وإن حملت ما كسبت على الثواب والعقاب استغنيت عن هذا الإضمار . # ثم قال : { وهم لا يظلمون } فلا ينقص من ثواب الطاعات ، ولا يزاد على ~~عقاب السيئات . # واعلم أن قوله { ووفيت كل نفس ما كسبت } يستدل به القائلون بالوعيد ، ~~ويستدل به أصحابنا القائلون بأن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة لا يخلد في ~~النار ، أما الأولون قالوا : لأن صاحب الكبيرة لا شك أنه مستحق العقاب بتلك ~~الكبيرة ، والآية دلت على أن كل نفس توفي عملها وما كسبت ، وذلك يقتضي وصول ~~العقاب إلى صاحب الكبيرة . # وجوابنا : أن هذا من العمومات ، وقد تكلمنا في تمسك المعتزلة بالعمومات . # وأما أصحابنا فإنهم يقولون : إن المؤمن استحق ثواب الإيمان فلا بد وأن ~~يوفي عليه ذلك / الثواب لقوله { ووفيت كل نفس ما كسبت } فإما أن يثاب في ~~الجنة ثم ينقل إلى دار العقاب وذلك باطل بالإجماع ، وإما أن يقال : يعاقب ~~بالنار ثم ينقل إلى دار الثواب أبدا مخلدا وهو المطلوب . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن ثواب إيمانهم يحبط بعقاب معصيتهم ؟ . # قلنا : هذا باطل لأنا بينا أن القول بالمحابطة محال في سورة البقرة ، ~~وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أن ثواب توحيد سبعين سنة أزيد من عقاب شرب جرعة ~~من الخمر ، والمنازع فيه مكابر ، فبتقدير القول بصحة المحابطة يمتنع سقوط ~~كل ثواب الإيمان بعقاب شرب جرعة من ms2192 الخمر ، وكان يحيى بن معاذ رحمة الله ~~عليه يقول : ثواب إيمان لحظة ، يسقط كفر سبعين سنة ، فثواب إيمان سبعين سنة ~~كيف يعقل أن يحبط بعقاب ذنب لحظة ، ولا شك أنه كلام ظاهر . # # PageV07P191 ! 7 < { قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشآء وتنزع الملك ~~ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير إنك على كل شىء قدير * تولج ~~اليل فى النهار وتولج النهار فى اليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من ~~الحى وترزق من تشآء بغير حساب } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 26 - 27 ) قل اللهم مالك . . . . . # > > # /إعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة ، وصحة دين الإسلام ، ثم ~~قال لرسوله { فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن } ثم ذكر من صفات ~~المخالفين كفرهم بالله ، وقتلهم الأنبياء والصالحين بغير حق ، وذكر شدة ~~عنادهم وتمردهم في قوله { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } ( آل ~~عمران : 23 ) ثم ذكر شدة غرورهم بقوله { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ~~} ( آل عمران : 24 ) ثم ذكر وعيدهم بقوله { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب ~~فيه } ( آل عمران : 25 ) أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء وتمجيد ~~يدل على مباينة طريقه وطريق أتباعه ، لطريقة هؤلاء الكافرين المعاندين ~~المعرضين ، فقال معلما نبيه كيف يمجد ويعظم ويدعو ويطلب { قل اللهم مالك ~~الملك } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلف النحويون في قوله { اللهم } فقال الخليل وسيبويه ~~{ اللهم } معناه : يا الله ، والميم المشددة عوض من : يا ، وقال الفراء : ~~كان أصلها ، يا الله أم بخير : فلما كثر في الكلام حذفوا حرف النداء ، ~~وحذفوا الهمزة من : أم ، فصار { اللهم } ونظيره قول العرب : هلم ، والأصل : ~~هل ، فضم : أم إليها ، حجة الأولين على فساد قول الفراء وجوه الأول : لو ~~كان الأمر على ما قاله الفراء لما صح أن يقال : اللهم افعل كذا إلا بحرف ~~العطف ، لأن التقدير : / يا الله أمنا واغفر لنا ، ولم نجد أحدا يذكر هذا ~~الحرف العاطف والثاني : وهو حجة الزجاج أنه لو كان الأمر كما قال ، لجاز ms2193 أن ~~يتكلم به على أصله ، فيقال { الله إما } كما يقال { * ويلم } ثم يتكلم به ~~على الأصل فيقال { ويل * أمه } الثالث : لو كان الأمر على ما قاله الفراء ~~لكان حرف النداء محذوفا ، فكان يجوز أن يقال : يا اللهم ، فلما لم يكن هذا ~~جائزا علمنا فساد قول الفراء بل نقول : كان يجب أن يكون حرف النداء لازما ، ~~كما يقال : يا الله اغفر لي ، وأجاب الفراء عن هذه الوجوه ، فقال : أما ~~الأول فضعيف ، لأن قوله { لامر الله إما } معناه : يا الله اقصد ، فلو قال ~~: واغفر لكان المعطوف مغايرا للمعطوف عليه فحينئذ يصير السؤال سؤالين ~~أحدهما : قوله { من } والثاني : قوله { واغفر لنا } أما إذا حذفنا العطف ~~صار PageV08P003 قوله : اغفر لنا تفسيرا لقوله : أمنا . فكان المطلوب في ~~الحالين شيئا واحدا فكان ذلك آكد ، ونظائره كثيرة في القرآن ، وأما الثاني ~~فضعيف أيضا ، لأن أصله عندنا أن يقال : يا الله أمنا . ومن الذي ينكر جواز ~~التكلم بذلك ، وأيضا فلأن كثيرا من الألفاظ لا يجوز فيها إقامة الفرع مقام ~~الأصل ، ألا ترى أن مذهب الخليل وسيبويه أن قوله : ما أكرمه ، معناه أي شيء ~~أكرمه ثم إنه قط لا يستعمل هذا الكلام الذي زعموا أنه الأصل في معرض التعجب ~~فكذا ههنا ، وأما الثالث : فمن الذي سلم لكم أنه لا يجوز أن يقال : يا ~~اللهم وأنشد الفراء : # % وأما عليك أن تقولي كلما % % سبحت أو صليت يا اللهما % # وقول البصريين : إن هذا الشعر غير معروف ، فحاصله تكذيب النقل ، ولو ~~فتحنا هذا الباب لم يبق شيء من اللغة والنحو سليما عن الطعن ، وأما قوله : ~~كان يلزم أن يكون ذكر حرف النداء لازما فجوابه أنه قد يحذف حرف النداء ~~كقوله { يوسف أيها الصديق أفتنا } ( يوسف : 46 ) فلا يبعد أن يختص هذا ~~الاسم بإلزام هذا الحذف ، ثم احتج الفراء على فساد قول البصريين من وجوه ~~الأول : أنا لو جعلنا الميم قائما مقام حرف النداء لكنا قد أخرنا النداء عن ~~ذكر المنادى ، وهذا غير جائز ألبتة ، فإنه لا يقال ألبتة ( الله يا ) وعلى ~~قولكم يكون ms2194 الأمر كذلك الثاني : لو كان هذا الحرف قائما مقام النداء لجاز ~~مثله في سائر الأسماء ، حتى يقال : زيدم وبكرم ، كما يجوز أن يقال : يا زيد ~~ويا بكر والثالث : لو كان الميم بدلا عن حرف النداء لما اجتمعا ، لكنهما ~~اجتمعا في الشعر الذي رويناه الرابع : لم نجد العرب يزيدون هذه المييم في ~~الأسماء التامة لإفادة معنى بعض الحروف المباينة للكلمة الداخلة عليها ، ~~فكان المصير إليه في هذه اللفظة الواحدة حكما على خلاف الاستقراء العام في ~~اللغة وأنه غير جائز ، فهذا جملة الكلام في هذا الموضع . # المسأل الثانية : { مالك الملك } في نصبه وجهان الأول : وهو قول سيبويه ~~أنه منصوب على النداء ، وكذلك قوله { قل اللهم فاطر * السماوات والارض } ( ~~الزمر : 46 ) ولا يجوز أن يكون نعتا لقوله { اللهم } لأن قولنا { اللهم } ~~مجموع الاسم والحرف ، وهذا المجموع لا يمكن وصفه والثاني : وهو / قول ~~المبرد والزجاج أن { مالك } وصف للمنادى المفرد ، لأن هذا الاسم ومعه الميم ~~بمنزلته ومعه { * يا } ولا يمتنع الصفة مع الميم ، كما لا يمتنع مع الياء . # المسألة الثالثة : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد ~~أمته ملك فارس والروم ، فقال المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ~~ملك فارس والروم ، وهم أعز وأمنع من ذلك ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام ~~لما خط الخندق عام الأحزاب ، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا ، وأخذوا يحفرون ~~خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول ، فوجهوا سلمان ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخبره ، فأخذ المعول من سلمان فلما ضربها ضرب ~~صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كأنه مصباح في جوف ليل مظلم ، ~~فكبر وكبر المسلمون ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( أضاءت لي منها قصور ~~الحيرة كأنها أنياب الكلاب ) ثم ضرب الثانية ، فقال : ( أضاءت لي منها ~~القصور الحمر من أرض الروم ) ثم ضرب الثالثة فقال : ( أضاءت لي منها قصور ~~صنعاء وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا ) فقال ~~المنافقون : ألا تعجبون من نبيكم يعدكم الباطل ويخبركم ms2195 أنه يبصر من يثرب ~~قصور الحيرة ومداين كسرى ، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الخوف لا ~~تستطيعون أن تخرجوا فنزلت هذه الآية والله أعلم ، وقال الحسن إن الله تعالى ~~أمر نبيه PageV08P004 أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ويرد ذل العرب ~~عليهما ، وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له هذا الدعاء ، وهكذا منازل ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا أمروا بدعاء استجيب دعاءهم . # المسألة الرابعة : { وقال الملك } هو القدرة ، والمالك هو القادر ، فقوله ~~{ مالك الملك } معناه القادر على القدرة ، والمعنى إن قدرة الخلق على كل ما ~~يقدرون عليه ليست إلا بإقدار الله تعالى فهو الذي يقدر كل قادر على مقدوره ~~، ويملك كل مالك مملوكه ، قال صاحب ( الكشاف ) { مالك الملك } أي يملك جنس ~~الملك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون ، واعلم أنه تعالى لما بين كونه ~~{ مالك الملك } على الإطلاق ، فصل بعد ذلك وذكر أنواعا خمسة : # النوع الأول : قوله تعالى : { تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } ~~وذكروا فيه وجوها الأول : المراد منه : ملك النبوة والرسالة ، كما قال ~~تعالى : { فقد ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما } ( ~~النساء : 54 ) والنبوة أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر عظيم على ~~بواطن الخلق والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق والأنبياء أمرهم نافذ في ~~البواطن والظواهر ، فأما على البواطن فلأنه يجب على كل أحد أن يقبل دينهم ~~وشريعتهم ، وأن يعتقد أنه هو الحق ، وأما على الظواهر فلأنهم لو تمردوا ~~واستكبروا لاستوجبوا القتل ، ومما يؤكد هذا التأويل أن بعضهم كان يستبعد أن ~~يجعل الله تعالى بشرا رسولا فحكى الله عنهم قولهم { أبعث الله بشرا رسولا } ~~( الإسراء : 94 ) وقال الله / تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ( ~~الأنعام : 9 ) وقوم آخرون جوزوا من الله تعالى أن يرسل رسولا من البشر ، ~~إلا أنهم كانوا يقولون : إن محمدا فقير يتيم ، فكيف يليق به هذا المنصب ~~العظيم على ما حكى الله عنهم أنهم قالوا { لولا نزل هاذا القرءان على رجل ~~من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) وأما اليهود فكانوا ms2196 يقولون النبوة كانت ~~في آبائنا وأسلافنا ، وأما قريش فهم ما كانوا أهل النبوة والكتاب فكيف يليق ~~النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ وأما المنافقون فكانوا يحسدونه على ~~النبوة ، على ما حكى الله ذلك عنهم في قوله { ما ءاتاهم الله من فضله فقد ~~ءاتينا ءال إبراهيم } ( النساء : 37 ) . # وأيضا فقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون ~~إلى جهنم وبئس المهاد } ( آل عمران : 12 ) أن اليهود تكبروا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بكثرة عددهم وسلاحهم وشدتهم ، ثم إنه تعالى رد على جميع ~~هؤلاء الطوائف بأن بين أنه سبحانه هو مالك الملك فيؤتي ملكه من يشاء ، فقال ~~{ تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } . # فإن قيل : فإذا حملتم قوله { تؤتى الملك من تشاء } على إيتاء ملك النبوة ~~، وجب أن تحملوا قوله { وتنزع الملك ممن تشاء } على أنه قد يعزل عن النبوة ~~من جعله نبيا ، ومعلوم أن ذلك لا يجوز . # قلنا : الجواب من وجهين الأول : أن الله تعالى إذا جعل النبوة في نسل رجل ~~، فإذا أخرجها الله من نسله ، وشرف بها إنسانا آخر من غير ذلك النسل ، صح ~~أن يقال إنه تعالى نزعها منهم ، واليهود كانوا معتقدين أن النبوة لا بد وأن ~~تكون في بني إسرائيل ، فلما شرف الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بها ، ~~صح أن يقال : إنه ينزع ملك النبوة من بني إسرائيل إلى العرب . # والجواب الثاني : أن يكون المراد من قوله { وتنزع الملك ممن تشاء } أي ~~تحرمهم ولا تعطيهم هذا PageV08P005 الملك لا على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن ~~أعطاه ، ونظيره قوله تعالى : { الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور } ( البقرة : 257 ) مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة ~~الكفر قط ، وقال الله تعالى مخبرا عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام { أو لتعودن فى ملتنا } ( الأعراف : 88 ) وأولئك الأنبياء ~~قالوا { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } ( الأعراف : 89 ) مع ~~أنهم ما كانوا فيها ms2197 قط ، فهذا جملة الكلام في تقرير قول من فسر قوله تعالى ~~: { تؤتى الملك من تشاء } بملك النبوة . # القول الثاني : أن يكون المراد من الملك ، ما يسمى ملكا في العرف ، وهو ~~عبارة عن مجموع أشياء أحدها : تكثير المال والجاه ، أما تكثير المال فيدخل ~~فيه ملك الصامت والناطق والدور والضياع ، والحرث ، والنسل ، وأما تكثير ~~الجاه فهو أن يكون مهيبا عن الناس ، مقبول القول ، مطاعا في الخلق والثاني ~~: أن يكون بحيث يجب على غيره أن يكون في طاعته ، وتحت أمره ونهيه والثالث : ~~أن يكون بحيث لو نازعه في ملكه أحد ، قدر على قهر ذلك المنازع ، وعلى غلبته ~~، ومعلوم أن كل ذلك لا يحصل إلا من الله تعالى ، أما تكثير المال فقد نرى ~~جمعا في غاية الكياسة لا يحصل لهم / مع الكد الشديد ، والعناء العظيم قليل ~~من المال ، ونرى الأبله الغافل قد يحصل له من الأموال ما لا يعلم كميته ، ~~وأما الجاه فالأمر أظهر ، فإنا رأينا كثيرا من الملوك بذلوا الأموال ~~العظيمة لأجل الجاه ، وكانوا كل يوم أكثر حقارة ومهانة في أعين الرعية ، ~~وقد يكون على العكس من ذلك وهو أن يكون الإنسان معظما في العقائد مهيبا في ~~القلوب ، ينقاد له الصغير والكبير ، ويتواضع له القاصي والداني ، وأما ~~القسم الثاني وهو كونه واجب الطاعة ، فمعلوم أن هذا تشريف يشرف الله تعالى ~~به بعض عباده ، وأما القسم الثالث ، وهو حصول النصرة والظفر فمعلوم أن ذلك ~~مما لا يحصل إلا من الله تعالى ، فكم شاهدنا من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله ، وعند هذا يظهر بالبرهان العقلي صحة ما ذكره الله تعالى من قوله ~~{ تؤتى الملك من تشاء } . # واعلم أن المعتزلة ههنا بحثا قال الكعبي قوله { تؤتى الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء } ليس على سبيل المختارية ، ولكن بالاستحقاق فيؤتيه من يقوم ~~به ، ولا ينزعه إلا ممن فسق عن أمر ربه ويدل عليه قوله { لا ينال عهدي ~~الظالمين } ( البقرة : 124 ) وقال في حق العبد الصالح { إن الله اصطفاه ~~عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ms2198 } ( البقرة : 247 ) فجعله سببا للملك ، ~~وقال الجبائي : هذا الحكم مختص بملوك العدل ، فأما ملوك الظلم فلا يجوز أن ~~يكون ملكهم بإيتاء الله ، وكيف يصح أن يكون ذلك بإيتاء الله ، وقد ألزمهم ~~أن لا يتملكوه ، ومنعهم من ذلك فصح بما ذكرنا أن الملوك العادلين هم ~~المختصون بأن الله تعالى آتاهم ذلك الملك ، فأما الظالمون فلا ، قالوا : ~~ونظير هذا ما قلناه في الرزق أنه لا يدخل تحته الحرام الذي زجره الله عن ~~الانتفاع به ، وأمره بأن يرده على مالكه فكذا ههنا ، قالوا : وأما النزع ~~فبخلاف ذلك لأنه كما ينزع الملك من الملوك العادلين لمصلحة تقتضي ذلك فقد ~~ينزع الملك عن الملوك الظالمين ونزع الملك يكون بوجوه : منها بالموت ، ~~وإزالة العقل ، وإزالة القوى ، والقدر والحواس ، ومنها بورود الهلاك والتلف ~~عن الأموال ، ومنها أن يأمر الله تعالى المحق بأن يسلب الملك الذي في يد ~~المتغلب المبطل ويؤتيه القوة والنصرة ، فإذا حاربه المحق وقهره وسلب ملكه ~~جاز أن يضاف هذا السلب والنزع إليه تعالى ، لأنه وقع عن أمره ، وعلى هذا ~~الوجه نزع الله تعالى ملك فارس على يد الرسول ، هذا جملة كلام المعتزلة في ~~هذا الباب . PageV08P006 # واعلم أن هذا الموضع مقام بحث مهم وذلك لأن حصول الملك للظالم ، إما أن ~~يقال : إنه وقع لا عن فاعل وإنما حصل بفعل ذلك المتغلب ، أو إنما حصل ~~بالأسباب الربانية ، والأول : نفي للصانع والثاني : باطل لأن كل أحد يريد ~~تحصيل الملك والدولة لنفسه ، ولا يتيسر له ألبتة فلم يبق إلا أن يقال بأن ~~ملك الظالمين إنما حصل بإيتاء الله تعالى ، وهذا الكلام ظاهر ومما يؤكد ذلك ~~أن الرجل قد يكون بحيث تهابه النفوس ، وتميل إليه القلوب ، ويكون النصر ~~قرينا له والظفر جليسا معه فأينما توجه حصل مقصوده / وقد يكون على الضد من ~~ذلك ، ومن تأمل في كيفية أحوال الملوك / اضطر إلى العلم بأن ذلك ليس إلا ~~بتقدير الله تعالى ، ولذلك قال حكيم الشعراء : # % لو كان بالحيل الغنى لوجدتني % % بأجل أسباب السماء تعلقي % # % من رزق الحجا حرم الغنى % % ضدان مفترقان ms2199 أي تفرق % # % ومن الدليل على القضاء وكونه % % بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق % # والقول الثاني : أن قوله { تؤتى الملك من تشاء } محمول على جميع أنواع ~~الملك فيدخل فيه ملك النبوة ، وملك العلم ، وملك العقل ، والصحة والأخلاق ~~الحسنة ، وملك النفاذ والقدرة وملك المحبة ، وملك الأموال ، وذلك لأن اللفظ ~~عام فالتخصيص من غير دليل لا يجوز . # وأما قوله تعالى : { وتعز من تشاء وتذل من تشاء } فاعلم أن العزة قد تكون ~~في الدين ، وقد تكون في الدنيا ، أما في الدين فأشرف أنواع العزة الإيمان ~~قال الله تعالى : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ( المنافقون : 8 ) إذا ~~ثبت هذا فنقول : لما كان أعز الأشياء الموجبة للعزة هو الإيمان ، وأذل ~~الأشياء الموجبة للمذلة هو الكفر ، فلو كان حصول الإيمان والكفر بمجرد ~~مشيئة العبد ، لكان إعزاز العبد نفسه بالإيمان وإذلاله نفسه بالكفر أعظم من ~~إعزاز الله عبده بكل ما أعزه به ، ومن إذلال الله عبده بكل ما أذله به ولو ~~كان الأمر كذلك لكان حظ العبد من هذا الوصف أتم وأكمل من حظ الله تعالى منه ~~، ومعلوم أن ذلك باطل قطعا ، فعلمنا أن الإعزاز بالإيمان والحق ليس إلا من ~~الله ، والإذلال بالكفر والباطل ليس إلا من الله ، وهذا وجه قوي في المسألة ~~، قال القاضي : الإعزاز المضاف إليه تعالى قد يكون في الدين ، وقد يكون في ~~الدنيا أما الذي في الدين فهو أن الثواب لا بد وأن يكون مشتملا على التعظيم ~~والمدح والكرامة في الدنيا والآخرة ، وأيضا فإنه تعالى يمدهم بمزيد الألطاف ~~ويعليهم على الأعداء بحسب المصلحة ، وأما ما يتعلق بالدنيا فبإعطاء الأموال ~~الكثيرة من الناطق والصامت وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب ، وإلقاء ~~الهيبة في قلوب الخلق . # واعلم أن كلامنا يأبى ذلك لأن كل ما يفعله الله تعالى من التعظيم في باب ~~الثواب فهو حق واجب على الله تعالى ولو لم يفعله لانعزل عن الإلاهية ولخرج ~~عن كونه إلاها للخلق فهو تعالى بإعطاء هذه التعظيمات يحفظ إلاهية نفسه عن ~~الزوال فأما العبد ، فلما خص نفسه بالإيمان الذي يوجب هذه ms2200 التعظيمات فهو ~~الذي أعز نفسه فكان إعزازه لنفسه أعظم من إعزاز الله تعالى إياه ، فعلمنا ~~أن هذا الكلام المذكور لازم على القوم . # أما قوله { وتذل من تشاء } فقال الجبائي في ( تفسيره ) : إنه تعالى إنما ~~يذل أعداءه في الدنيا والآخرة ولا يذل أحدا من أوليائه وإن أفقرهم وأمرضهم ~~وأحوجهم إلى غيرهم ، لأنه تعالى إنما يفعل هذه الأشياء ليعزهم في الآخرة ، ~~إما بالثواب ، وإما بالعوض فصار ذلك كالفصد والحجامة فإنهما وإن كانا ~~يؤلمان في الحال إلا PageV08P007 أنهما لما كانا يستعقبان نفعا عظيما لا ~~جرم لا يقال فيهما : إنهما تعذيب ، / قال وإذا وصف الفقر بأنه ذل فعلى وجه ~~المجاز كما سمى الله تعالى لين المؤمنين ذلا بقوله { أذلة على المؤمنين } ( ~~المائدة : 54 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : إذلال الله تعالى عبده المبطل إنما يكون بوجوه منها ~~بالذم واللعن ومنها بأن يخذلهم بالحجة والنصرة ، ومنها بأن يجعلهم خولا ~~لأهل دينه ، ويجعل مالهم غنيمة لهم ومنها بالعقوبة لهم في الآخرة هذا جملة ~~كلام المعتزلة / ومذهبنا أنه تعالى يعز البعض بالإيمان والمعرفة ، ويذل ~~البعض بالكفر والضلالة ، وأعظم أنواع الإعزاز والإذلال هو هذا والذي يدل ~~عليه وجوه الأول : وهو أن عز الإسلام وذل الكفر لا بد فيه من فاعل وذلك ~~الفاعل إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى والأول باطل ، لأن أحدا لا ~~يختار الكفر لنفسه ، بل إنما يريد الإيمان والمعرفة والهداية فلما أراد ~~العبد الإيمان ولم يحصل له بل حصل له الجهل ، علمنا أن حصوله من الله تعالى ~~لا من العبد الثاني : وهو أن الجهل الذي يحصل للعبد إما أن يكون بواسطة ~~شبهة وإما أن يقال : يفعله العبد ابتداء ، والأول باطل إذ لو كان كل جهل ~~إنما يحصل بجهل آخر يسبقه ويتقدمه لزم التسلسل وهو محال ، فبقي أن يقال : ~~تلك الجهات تنتهي إلى جهل يفعله العبد ابتداء من غير سبق موجب البتة لكنا ~~نجد من أنفسنا أن العاقل لا يرضى لنفسه أن يصير على الجهل ابتداء من غير ~~موجب فعلمنا أن ذلك بإذلال الله عبده وبخذلانه ms2201 إياه الثالث : ما بينا أن ~~الفعل لا بد فيه من الداعي والمرجح ، وذلك المرجح يكون من الله تعالى فإن ~~كان في طرف الخير كان إعزازا ، وإن كان في طرف الجهل والشر والضلالة كان ~~إذلالا ، فثبت أن المعز والمذل هو الله تعالى . # أما قوله تعالى : { بيدك الخير } . # فاعلم أن المراد من اليد هو القدرة ، والمعنى بقدرتك الخير والألف واللام ~~في الخير يوجبان العموم ، فالمعنى بقدرتك تحصل كل البركات والخيرات ، وأيضا ~~فقوله { بيدك الخير } يفيد الحصر كأنه قال بيدك الخير لا بيد غيرك ، كما أن ~~قوله تعالى : { لكم دينكم ولى دين } ( الكافرين : 6 ) أي لكم دينكم أي لا ~~لغيركم وذلك الحصر ينافي حصول الخير بيد غيره ، فثبت دلالة هذه الآية من ~~هذين الوجهين على أن جميع الخيرات منه ، وبتكوينه وتخليقه وإيجاده وإبداعه ~~، إذا عرفت هذا فنقول : أفضل الخيرات هو الإيمان بالله تعالى ومعرفته ، ~~فوجب أن يكون الخير من تخليق الله تعالى لا من تخليق العبد ، وهذا استدلال ~~ظاهر ومن الأصحاب من زاد في هذا التقدير فقال : كل فاعلين فعل أحدهما أشرف ~~وأفضل من فعل الآخر كان ذلك الفاعل أشرف وأكمل من الآخر ، ولا شك أن ~~الإيمان أفضل من الخير ، ومن كل ما سوى الإيمان فلو كان الإيمان بخلق العبد ~~لا بخلق الله لوجب كون العبد زائدا في الخيرية على الله تعالى ، وفي ~~الفضيلة والكمال ، وذلك كفر قبيح فدلت هذه الآية من هذين الوجهين على أن ~~الإيمان بخلق الله تعالى . # / فإن قيل : فهذه الآية حجة عليكم من وجه آخر لأنه تعالى لما قال : { ~~بيدك الخير } كان معناه أنه ليس بيدك إلا الخير ، وهذا يقتضي أن لا يكون ~~الكفر والمعصية واقعين بتخليق الله . # والجواب : أن قوله { بيدك الخير } يفيد أن بيده الخير لا بيد غيره ، وهذا ~~ينافي أن يكون بيد غيره ولكن لا ينافي أن يكون بيده الخير وبيده ما سوى ~~الخير إلا أنه خص الخير بالذكر لأنه الأمر المنتفع به فوقع التنصيص عليه ~~لهذا المعنى قال القاضي : كل خير حصل من جهة العباد ms2202 فلولا أنه تعالى أقدرهم ~~عليه PageV08P008 وهداهم إليه لما تمكنوا منه ، فلهذا السبب كان مضافا إلى ~~الله تعالى إلا أن هذا ضعيف لأن على هذا التقدير يصير بعض الخير مضافا إلى ~~الله تعالى ، ويصير أشرف الخيرات مضافا إلى العبد ، وذلك على خلاف هذا النص ~~. # أما قوله { إنك على كل شىء قدير } فهذا كالتأكيد لما تقدم من كونه مالكا ~~لإيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال . # أما قوله تعالى : { تولج اليل فى النهار وتولج النهار فى اليل } فيه ~~وجهان الأول : أن يجعل الليل قصيرا ويجعل ذلك القدر الزائد داخلا في النهار ~~وتارة على العكس من ذلك وإنما فعل سبحانه وتعالى ذلك لأنه علق قوام العالم ~~ونظامه بذلك والثاني : أن المراد هو أنه تعالى يأتي بالليل عقيب النهار ، ~~فيلبس الدنيا ظلمة بعد أن كان فيها ضوء النهار ، ثم يأتي بالنهار عقيب ~~الليل فيلبس الدنيا ضوءه فكان المراد من إيلاج أحدهما في الآخر إيجاد كل ~~واحد منهما عقيب الآخر ، والأول أقرب إلى اللفظ ، لأنه إذا كان النهار ~~طويلا فجعل ما نقص منه زيادة في الليل كان ما نقص منه داخلا في الليل . # وأما قوله { وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وحمزة والكسائي { الميت } بالتشديد ، والباقون ~~بالتخفيف ، وهما لغتان بمعنى واحد ، قال المبرد : أجمع البصريون على أنهما ~~سواء وأنشدوا : # إنما الميت ميت الأحياء # وهو مثل قوله : هين وهين ، ولين ولين ، وقد ذهب ذاهبون إلى أن الميت من ~~قد مات ، والميت من لم يمت . # المسألة الثانية : ذكر المفسرون فيه وجوها أحدها : يخرج المؤمن من الكافر ~~كإبراهيم من آزر ، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح عليه السلام والثاني ~~: يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس والثالث : يخرج الحيوان من النطفة ، والطير ~~من البيضة وبالعكس والرابع : يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس ، والنخلة من ~~النواة وبالعكس ، قال القفال رحمه الله : والكلمة محتملة / للكل أما الكفر ~~والإيمان فقال تعالى : { أو من كان ميتا فأحييناه } ( الأنعام : 122 ) يريد ~~كان كافرا فهديناه فجعل الموت كفرا والحياة إيمانا ms2203 ، وسمى إخراج النبات من ~~الأرض إحياء ، وجعل قبل ذلك ميتة فقال { فانظر إلىءاثار رحمة } ( الروم : ~~19 ) وقال : { فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الارض بعد موتها } ( فاطر : 9 ~~) وقال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } ( ~~البقرة : 28 ) . # أما قوله { وترزق من تشاء بغير حساب } ففيه وجوه الأول : أنه يعطي من ~~يشاء ما يشاء لا يحاسبه على ذلك أحد ، إذ ليس فوقه ملك يحاسبه بل هو الملك ~~يعطي من يشاء بغير حساب والثاني : ترزق من تشاء غير مقدور ولا محدود ، بل ~~تبسطه له وتوسعه عليه كما يقال : فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه ~~بالكثرة ، ونظيره قولهم في تكثير مال الإنسان : عنده مال لا يحصى والثالث : ~~ترزق من تشاء بغير حساب ، يعني على سبيل التفضل من غير استحقاق لأن من أعطى ~~على قدر الاستحقاق فقد أعطى بحساب ، وقال بعض من ذهب إلى هذا المعنى : إنك ~~لا ترزق عبادك على مقادير أعمالهم والله أعلم . # PageV08P009 ! 7 < { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين ~~ومن يفعل ذالك فليس من الله في شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله ~~نفسه وإلى الله المصير } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 28 ) لا يتخذ المؤمنون . . . . . # > > في كيفية النظم وجهان الأول : أنه تعالى لما ذكر ما يجب أن يكون ~~المؤمن عليه في تعظيم الله تعالى ، ثم ذكر بعده ما يجب أن يكون المؤمن عليه ~~في المعاملة مع الناس ، لأن كمال الأمر ليس إلا في شيئين : التعظيم لأمر ~~الله تعالى ، والشفقة على خلق الله قال : { لا يتخذ المؤمنون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين } الثاني : لما بين أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة ~~بين أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده ، وعند أوليائه دون أعدائه . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في سبب النزول وجوه الأول : جاء قوم من اليهود إلى قوم ~~المسلمين ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر ، وعبد الرحمن بن جبير ، ~~وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر / من المسلمين : اجتنبوا هؤلاء اليهود ، ~~واحذروا أن يفتنوكم عن دينكم ms2204 فنزلت هذه الآية والثاني : قال مقاتل : نزلت ~~في حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، وكانوا يتولون اليهود والمشركين ويخبرونهم ~~بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ~~هذه الآية الثالث : أنها نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلفاء من اليهود ~~، ففي يوم الأحزاب قال يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن ~~يخرجوا معي فنزلت هذه الآية . # فإن قيل : إنه تعالى قال : { ومن يفعل ذالك فليس من الله في شىء } وهذه ~~صفة الكافر . # قلنا : معنى الآية فليس من ولاية الله في شيء ، وهذا لا يوجب الكفر في ~~تحريم موالاة الكافرين . # واعلم أنه تعالى أنزل آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله تعالى : { لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم } ( آل عمران : 118 ) وقوله { لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله } ( المجادلة : 22 ) وقوله { ~~لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } وقوله { الحكيم ياأيها الذين ءامنوا لا ~~تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء } ( الممتحنة : 1 ) وقال : { والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ( التوبة : 71 ) . # واعلم أن كون المؤمن مواليا للكافر يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون ~~راضيا بكفره ويتولاه لأجله ، وهذا ممنوع منه لأن كل من فعل ذلك كان مصوبا ~~له في ذلك الدين ، وتصويب الكفر كفر والرضا بالكفر كفر ، فيستحيل أن يبقى ~~مؤمنا مع كونه بهذه الصفة . # فإن قيل : أليس أنه تعالى قال : { ومن يفعل ذالك فليس من الله في شىء } ~~وهذا لا يوجب الكفر فلا يكون داخلا تحت هذه الآية ، لأنه تعالى قال : { ذلك ~~بأن الذين كفروا } فلا بد وأن يكون خطابا في PageV08P010 شيء يبقى المؤمن ~~معه مؤمنا وثانيها : المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر ، وذلك غير ~~ممنوع منه . # والقسم الثالث : وهو كالمتوسط بين القسمين الأولين هو أن موالاة الكفار ~~بمعنى الركون إليهم والمعونة ، والمظاهرة ، والنصرة إما بسبب القرابة ، أو ~~بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه ، ~~لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجره إلى ms2205 استحسان طريقته والرضا بدينه ، وذلك ~~يخرجه عن الإسلام فلا جرم هدد الله تعالى فيه فقال : { ومن يفعل ذالك فليس ~~من الله في شىء } . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين ~~أولياء بمعنى أن يتولوهم دون المؤمنين ، فأما إذا تولوهم وتولوا المؤمنين ~~معهم فذلك ليس بمنهي عنه ، وأيضا فقوله { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ~~} فيه زيادة مزية ، لأن الرجل قد يوالي غيره ولا يتخذه مواليا فالنهي عن ~~اتخاذه مواليا لا يوجب النهي عن أصل مولاته . # / قلنا : هذان الاحتمالان وإن قاما في الآية إلا أن سائر الآيات الدالة ~~على أنه لا تجوز موالاتهم دلت على سقوط هذين الاحتمالين . # المسألة الثانية : إنما كسرت الذال من يتخذ لأنها مجزوم للنهي ، وحركت ~~لاجتماع الساكنين قال الزجاج : ولو رفع على الخبر لجاز ، ويكون المعنى على ~~الرفع أن من كان مؤمنا فلا ينبغي أن يتخذ الكافر وليا . # واعلم أن معنى النهي ومعنى الخبر يتقاربان لأنه متى كانت صفة المؤمن أن ~~لا يوالي الكافر كان لا محالة منهيا عن موالاة الكافر ، ومتى كان منهيا عن ~~ذلك ، كان لا محالة من شأنه وطريقته أن لا يفعل ذلك . # المسألة الثالثة : قوله { من دون المؤمنين } أي من غير المؤمنين كقوله { ~~وادعوا شهداءكم من دون الله } ( البقرة : 23 ) أي من غير الله ، وذلك لأن ~~لفظ دون مختص بالمكان ، تقول : زيد جلس دون عمرو أي في مكان أسفل منه ، ثم ~~إن من كان مباينا لغيره في المكان فهو مغاير له فجعل لفظ دون مستعملا في ~~معنى غير ، ثم قال تعالى : { ومن يفعل ذالك فليس من الله في شىء } وفيه حذف ~~، والمعنى فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ ~~من ولاية الله تعالى رأسا ، وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي ، وموالاة ~~عدوه ضدان قال الشاعر : # % تود عدوي ثم تزعم أنني % % صديقك ليس النوك عنك بعازب % # ويحتمل أن يكون المعنى : فليس من دين الله في شيء وهذا أبلغ . # ثم قال تعالى : { إلا ms2206 أن تتقوا منهم تقاة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الكسائي : تقاة بالإمالة ، وقرأ نافع وحمزة : بين ~~التفخيم والإمالة ، والباقون بالتفخيم ، وقرأ يعقوب تقية وإنما جازت ~~الإمالة لتؤذن أن الألف من الياء ، وتقاة وزنها فعلة نحو تؤدة وتخمة ، ومن ~~فخم فلأجل الحرف المستعلي وهو القاف . # المسألة الثانية : قال الواحدي : تقيته تقاة ، وتقى ، وتقية ، وتقوى ، ~~فإذا قلت اتقيت كان مصدره PageV08P011 الاتقياء ، وإنما قال تتقوا ثم قال ~~تقاة ولم يقل اتقاء اسم وضع موضع المصدر ، كما يقال : جلس جلسة ، وركب ركبة ~~، وقال الله تعالى : { فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا } ( آل ~~عمران : 37 ) وقال الشاعر : # وبعد عطائك المائة الرتاعا # فأجراه مجرى الإعطاء ، قال : ويجوز أن يجعل تقاة ههنا مثل رماة فيكون ~~حالا مؤكدة . # المسألة الثالثة : قال الحسن أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم ~~نعم نعم ، فقال : أفتشهد أني رسول الله ؟ / قال : نعم ، وكان مسيلمة يزعم ~~أنه رسول بني حنيفة ، ومحمد رسول قريش ، فتركه ودعا الآخر فقال أتشهد أن ~~محمدا رسول الله ؟ قال : نعم ، قال : أفتشهد أني رسول الله ؟ فقال : إني ~~أصم ثلاثا ، فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ~~أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئا له ، وأما الآخر فقبل رخصة ~~الله فلا تبعة عليه . # واعلم أن نظير هذه الآية قوله تعالى : { إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان } ( النحل : 106 ) . # المسألة الرابعة : اعلم أن للتقية أحكاما كثيرة ونحن نذكر بعضها . # الحكم الأول : أن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ، ويخاف ~~منهم على نفسه وماله فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان ~~، بل يجوز أيضا أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة ، ولكن بشرط أن ~~يضمر خلافه ، وأن يعرض في كل ما يقول ، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في ~~أحوال القلوب . # الحكم الثاني للتقية : هو أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية ~~كان ذلك أفضل ، ودليله ما ms2207 ذكرناه في قصة مسيلمة . # الحكم الثالث للتقية : أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة ~~والمعاداة ، وقد تجوز أيضا فيما يتعلق بإظهار الدين فأما ما يرجع ضرره إلى ~~الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع ~~الكفار على عورات المسلمين ، فذلك غير جائز ألبتة . # الحكم الرابع : ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين ~~إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة ~~بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس . # الحكم الخامس : التقية جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال يحتمل ~~أن يحكم فيها بالجواز ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( حرمة مال المسلم ~~كحرمة دمه ) ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل دون ماله فهو شهيد ) ~~ولأن الحاجة إلى المال شديدة والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء ، وجاز ~~الاقتصار على التيمم دفعا لذلك القدر من نقصان المال ، فكيف لا يجوز ههنا ~~والله أعلم . # الحكم السادس : قال مجاهد : هذا الحكم كان ثابتا في أول الإسلام لأجل ضعف ~~المؤمنين فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا ، وروى عوف عن الحسن : أنه قال ~~التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة ، وهذا القول أولى ، لأن دفع الضرر ~~عن النفس واجب بقدر الإمكان . PageV08P012 # ثم قال تعالى : { ويحذركم الله نفسه } وفيه قولان الأول : أن فيه محذوفا ~~، والتقدير : ويحذركم الله عقاب نفسه ، وقال أبو مسلم المعنى { ويحذركم ~~الله نفسه } أن تعصوه فتستحقوا عقابه / والفائدة في ذكر النفس أنه لو قال : ~~ويحذركم الله فهذا لا يفيد أن الذي أريد التحذير منه هو عقاب يصدر من الله ~~أو من غيره ، فلما ذكر النفس زال هذا الاشتباه ، ومعلوم أن العقاب الصادر ~~عنه يكون أعظم أنواع العقاب لكونه قادرا على ما لا نهاية له ، وأنه لا قدرة ~~لأحد على دفعه ومنعه مما أراد . # والقول الثاني : أن النفس ههنا تعود إلى اتخاذ الأولياء من الكفار ، أي ~~ينهاهم الله عن نفس هذا الفعل . # ثم قال : { وإلى الله المصير } والمعنى : إن الله يحذركم عقابه عند ms2208 ~~مصيركم إلى الله . # ! 7 < { قل إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما فى ~~السماوات وما فى الا رض والله على كل شىء قدير } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 29 ) قل إن تخفوا . . . . . # > > إعلم أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهرا ~~وباطنا واستثنى عنه التقية في الظاهر أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن ~~موافقا للظاهر في وقت التقية ، وذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار ~~الموالاة ، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سببا لحصول تلك ~~الموالاة في الباطن ، فلا جرم بين تعالى أنه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر ~~، فيعلم العبد أنه لا بد أن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه ، وفي الآية ~~سؤالات : # السؤال الأول : هذه الآية جملة شرطية فقوله { إن تخفوا ما فى صدوركم أو ~~تبدوه } شرط وقوله { يعلمه الله } جزاء ولا شك أن الجزاء مترتب على الشرط ~~متأخر عنه ، فهذا يقتضي حدوث علم الله تعالى . # والجواب : أن تعلق علم الله تعالى بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله ~~الآن ، ثم إن هذه التبدل والتجدد إنما وقع في النسب والإضافات والتعليقات ~~لا في حقيقة العلم ، وهذه المسألة لها غور عظيم وهي مذكورة في علم الكلام . # السؤال الثاني : محل البواعث والضمائر هو القلب ، فلم قال : { إن تخفوا ~~ما فى صدوركم } ولم يقل إن تخفوا ما في قلوبكم ؟ . # الجواب : لأن القلب في الصدر ، فجاز إقامة الصدر مقام القلب كما قال : { ~~يوسوس فى صدور الناس } ( الناس : 5 ) وقال : { فإنها لا تعمى الابصار ولاكن ~~تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) . PageV08P013 # السؤال الثالث : إن كانت هذه الآية وعيدا على كل ما يخطر بالبال فهو ~~تكليف ما لا يطاق . # الجواب : ذكرنا تفصيل هذه الكلام في آخر سورة البقرة في قوله { لله ما فى ~~* السماوات وما في الارض * وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله } ( البقرة : 284 ) . # ثم قال تعالى : { ويعلم ما فى * السماوات وما في الارض } . # واعلم أنه رفع على الاستئناف ms2209 ، وهو كقوله { قاتلوهم يعذبهم الله } ( ~~التوبة : 14 ) جزم الأفاعيل ، ثم قال : { ويتوب الله } فرفع ، ومثله قوله { ~~فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل } ( الشورى : 24 ) رفعا ، وفي ~~قوله { ويعلم ما فى * السماوات وما في الارض } غاية التحذير لأنه إذا كان ~~لا يخفى عليه شيء فيهما فكيف يخفى عليه الضمير . # ثم قال تعالى : { والله على كل شيء قدير } إتماما للتحذير ، وذلك لأنه ~~لما بين أنه تعالى عالم بكل المعلومات كان عالما بما في قلبه ، وكان عالما ~~بمقادير استحقاقه من الثواب والعقاب ، ثم بين أنه قادر على جميع المقدورات ~~، فكان لا محالة قادرا على إيصال حق كل أحد إليه ، فيكون في هذا تمام الوعد ~~والوعيد ، والترغيب والترهيب . # ! 7 < { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن ~~بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 30 ) يوم تجد كل . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية من باب الترغيب والترهيب ، ومن تمام الكلام الذي ~~تقدم . # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في العامل في قوله { يوم } وجوها الأول : قال ابن ~~الأنباري : اليوم متعلق بالمصير والتقدير : وإلى الله المصير يوم تجد ~~الثاني : العامل فيه قوله { ويحذركم الله نفسه } في الآية السابقة ، كأنه ~~قال : ويحذركم الله نفسه في ذلك اليوم الثالث : العامل فيه قوله / { والله ~~على كل شيء قدير } أي قدير في ذلك اليوم الذي تجد كل نفس ما عملت من خير ~~محضرا ، وخص هذا اليوم بالذكر ، وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة ~~الله تعالى تفضيلا له لعظم شأنه كقوله { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) ~~الرابع : أن العامل فيه قوله { تود } والمعنى : تود كل نفس كذا وكذا في ذلك ~~اليوم الخامس : يجوز أن يكون منتصبا بمضمر ، والتقدير : واذكر يوم تجد كل ~~نفس . # المسألة الثانية : اعلم أن العمل لا يبقى ، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة ~~، فلا بد فيه من التأويل وهو من PageV08P014 وجهين الأول : أنه يجد صحائف ~~الأعمال ، وهو قوله تعالى : { إنا كنا ms2210 نستنسخ ما كنتم تعملون } ( الجاثية : ~~29 ) وقال : { فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه } ( المجادلة : 6 ) ~~الثاني : أنه يجد جزاء الأعمال وقوله تعالى : { محضرا } يحتمل أن يكون ~~المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون المعنى : ~~أن جزاء العمل يكون محضرا ، كقوله { ووجدوا ما عملوا حاضرا } ( الكهف : 49 ~~) وعلى كلا الوجهين ، فالترغيب والترهيب حاصلان . # أما قوله : { وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } ففيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : قال الواحدي : الأظهر أن يجعل { ما } ههنا بمنزلة الذي ~~، ويكون { عملت } صلة لها ، ويكون معطوفا على { ما } الأول ، ولا يجوز أن ~~تكون { ما } شرطية ، وإلا كان يلزم أن ينصب { تود } أو يخفضه ، ولم يقرأه ~~أحد إلا بالرفع ، فكان هذا دليلا على أن { ما } ههنا بمعنى الذي . # فإن قيل : فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد الله ، ودت . # قلنا : لا كلام في صحته لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع ، لأنه حكاية ~~حال الكافر في ذلك اليوم ، وأكثر موافقة للقراءة المشهورة . # المسألة الثانية : الواو في قوله { وما عملت من سوء } فيه قولان الأول : ~~وهو قول أبي مسلم الأصفهاني : الواو واو العطف ، والتقدير : تجد ما عملت من ~~خير وما عملت من سوء ، وأما قوله { تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } ~~ففيه وجهان الأول : أنه صفة للسوء ، والتقدير : وما عملت من سوء الذي تود ~~أن يبعد ما بينها وبينه والثاني : أن يكون حالا ، والتقدير : يوم تجد ما ~~عملت من سوء محضرا حال ما تود بعده عنها . # والقول الثاني : أن الواو للاستئناف ، وعلى هذا القول لا تكون الآية ~~دليلا على القطع بوعيد المذنبين ، وموضع الكرم واللطف هذا ، وذلك لأنه نص ~~في جانب الثواب على كونه محضرا وأما في جانب العقاب فلم ينص على الحضور ، ~~بل ذكر أنهم يودون الفرار منه ، والبعد عنه ، وذلك ينبه على أن جانب الوعد ~~أولى بالوقوع من جانب الوعيد . # المسألة الثالثة : الأمد ، الغاية التي ينتهي إليها / ونظيره قوله تعالى ~~: { قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس ms2211 القرين } ( الزخرف : 38 ) . # / واعلم أن المراد من هذا التمني معلوم ، سواء حملنا لفظ الأمد على ~~الزمان أو على المكان ، إذ المقصود تمني بعده ، ثم قال : { ويحذركم الله ~~نفسه } وهو لتأكيد الوعيد . ثم قال : { والله رءوف بالعباد } وفيه وجوه ~~الأول : أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه ، وعرفهم كمال علمه وقدرته ، وأنه ~~يمهل ولا يمهل ، ورغبهم في استيجاب رحمته ، وحذرهم من استحقاق غضبه ، قال ~~الحسن : ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه الثاني : أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم ~~للتوبة والتدارك والتلافي الثالث : أنه لما قال : { ويحذركم الله نفسه } ~~وهو للوعيد أتبعه بقوله { والله رءوف بالعباد } وهو الموعد ليعلم العبد أن ~~وعده ورحمته ، غالب على وعيده وسخطه والرابع : وهو أن لفظ العباد في القرآن ~~مختص ، قال تعالى : { وعباد الرحمان الذين يمشون على الارض هونا } ( ~~الفرقان : 63 ) وقال تعالى : { عينا يشرب بها عباد الله } ( الإنسان : 6 ) ~~PageV08P015 فكان المعنى أنه لما ذكر وعيد الكفار والفساق ذكر وعد أهل ~~الطاعة فقال : { والله رءوف بالعباد } أي كما هو منتقم من الفساق ، فهو ~~رؤوف بالمطيعين والمحسنين . # ! 7 < { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ~~والله غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 31 ) قل إن كنتم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما دعا القوم إلى الإيمان به ، والإيمان برسله على ~~سبيل التهديد والوعيد ، دعاهم إلى ذلك من طريق آخر وهو أن اليهود كانوا ~~يقولون { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) فنزلت هذه الآية ، ~~ويروى أنه صلى الله عليه وسلم وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون ~~للأصنام فقال : يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة إبراهيم ، فقالت قريش : ~~إنما نعبد هذه حبا لله تعالى ليقربونا إلى الله زلفى ، فنزلت هذه الآية ، ~~ويروى أن النصارى قالوا : إنما نعظم المسيح حبا لله ، فنزلت هذه الآية ، ~~وبالجملة فكل واحد من فرق العقلاء يدعي أنه يحب الله ، ويطلب رضاه وطاعته ~~فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم : قل إن كنتم صادقين في ادعاء محبة الله ~~تعالى فكونوا منقادين لأوامره محترزين عن مخالفته ms2212 ، وتقدير الكلام : أن من ~~كان محبا لله تعالى لا بد وأن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه ، وإذا ~~قامت الدلالة القاطعة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وجبت متابتعه ، فإن ~~لم تحصل هذه المتابعة دل ذلك على أن تلك المحبة ما حصلت . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أما الكلام المستقصى في المحبة ، فقد تقدم في تفسير ~~قوله تعالى : { والذين ءامنوا أشد حبا لله } ( البقرة : 165 ) والمتكلمون ~~مصرون على أن محبة الله تعالى عبارة عن محبة إعظامه وإجلاله ، أو محبة ~~طاعته ، أو محبة ثوابه ، قالوا : لأن المحبة من جنس الإرادة ، والإرادة لا ~~تعلق لها إلا بالحوادث وإلا بالمنافع . # واعلم أن هذا القول ضعيف ، وذلك لأنه لا يمكن أن يقال في كل شيء إنه إنما ~~كان محبوبا لأجل معنى آخر وإلا لزم التسلسل والدور ، فلا بد من الانتهاء ~~إلى شيء يكون محبوبا بالذات ، كما أنا نعلم أن اللذة محبوبة لذاتها ، فكذلك ~~نعلم أن الكمال محبوب لذاته ، وكذلك أنا إذا سمعنا أخبار رستم واسفنديار في ~~شجاعتهما مال القلب إليهما مع أنا نقطع بأنه لا فائدة لنا في ذلك الميل ، ~~بل ربما نعتقد أن تلك المحبة معصية لا يجوز لنا أن نصر عليها ، فعلمنا أن ~~الكمال محبوب لذاته ، كما أن اللذة محبوبة لذاتها ، وكمال الكمال لله ~~سبحانه وتعالى ، فكان ذلك يقتضي كونه محبوبا لذاته من ذاته ومن المقربين ~~عنده الذين تجلى لهم أثر من آثار كماله وجلاله قال المتكلمون : وأما محبة ~~الله تعالى للعبد فهي عبارة عن إرادته تعالى إيصال الخيرات والمنافع في ~~الدين والدنيا إليه . # المسألة الثانية : القوم كانوا يدعون أنهم كانوا محبين لله تعالى ، ~~وكانوا يظهرون الرغبة في أن يحبهم الله تعالى ، والآية مشتملة على أن ~~الإلزام من وجهين أحدهما : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ، لأن المعجزات دلت ~~على أنه تعالى أوجب عليكم متابعتي الثاني : إن كنتم تحبون أن يحبكم الله ~~فاتبعوني لأنكم PageV08P016 إذا اتبعتموني فقد أطعتم الله ، والله تعالى ~~يحب كل من أطاعه ، وأيضا فليس في متابعتي إلا أني ms2213 دعوتكم إلى طاعة الله ~~تعالى وتعظيمه وترك تعظيم غيره ، ومن أحب الله كان راغبا فيه ، لأن المحبة ~~توجب الإقبال بالكلية على المحبوب ، والإعراض بالكلية عن غير المحبوب . # المسألة الثالثة : خاض صاحب ( الكشاف ) في هذا المقام في الطعن في أولياء ~~الله تعالى وكتب ههنا ما لا يليق بالعاقل أن يكتب مثله في كتب الفحش فهب ~~أنه اجترأ على الطعن في أولياء الله تعالى فكيف اجترأ على كتبه مثل ذلك ~~الكلام الفاحش في تفسير كلام الله تعالى / نسأل الله العصمة والهداية ، ثم ~~قال تعالى : { ويغفر لكم ذنوبكم } والمراد من محبة الله تعالى له إعطاؤه ~~الثواب ، ومن غفران ذنبه إزالة العقاب ، وهذا غاية ما يطلبه كل عاقل ، ثم ~~قال : { والله غفور رحيم } يعني غفور في الدنيا يستر على العبد أنواع ~~المعاصي رحيم في الآخرة بفضله وكرمه . # ! 7 < { قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } . ~~> 7 ! # < < # | آل عمران : ( 32 ) قل أطيعوا الله . . . . . # > > يروى أنه لما نزل قوله { قل إن كنتم تحبون الله } الآية قال عبد الله ~~بن أبي : إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ، ويأمرنا أن نحبه كما أحبت ~~النصارى عيسى ، فنزلت هذه الآية ، وتحقيق الكلام أن الآية الأولى لما اقتضت ~~وجوب متابعته ، ثم إن المنافق ألقى شبهة في الدين ، وهي أن محمدا يدعي ~~لنفسه ما يقوله النصارى في عيسى ، ذكر الله تعالى هذه الآية إزالة لتلك ~~الشبهة ، فقال : { قل أطيعوا الله والرسول } يعني إنما أوجب الله عليكم ~~متابعتي لا كما تقول النصارى في عيسى بل لكوني رسولا من عند الله ، ولما ~~كان مبلغ التكاليف عن الله هو الرسول لزم أن تكون طاعته واجبة فكان إيجاب ~~المتابعة لهذا المعنى لا لأجل الشبه التي ألقاها المنافق في الدين . # ثم قال تعالى : { فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } يعني إن أعرضوا ~~فإنه لا يحصل لهم محبة الله ، لأنه تعالى إنما أوجب الثناء والمدح لمن ~~أطاعه ، ومن كفر استوجب الذلة والإهانة ، وذلك ضد المحبة والله أعلم . # PageV08P017 ! 7 < { إن الله اصطفى آدم ونوحا ms2214 وءال إبراهيم وءال عمران ~~على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 33 - 34 ) إن الله اصطفى . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات ~~الرسل وشرف مناصبهم فقال : { إن الله اصطفى آدم } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المخلوقات على قسمين : المكلف وغير المكلف ~~واتفقوا على أن المكلف أفضل من غير المكلف ، واتفقوا على أن أصناف المكلف ~~أربعة : الملائكة ، والإنس والجن ، والشياطين ، أما الملائكة ، فقد روي في ~~الأخبار أن الله تعالى خلقهم من الريح ومنهم من احتج بوجوه عقلية على صحة ~~ذلك فالأول : أنهم لهذا السبب قدروا على الطيران على أسرع الوجوه والثاني : ~~لهذا السبب قدروا على حمل العرش ، لأن الريح تقوم بحمل الأشياء الثالث : ~~لهذا السبب سموا روحانيين ، وجاء في رواية أخرى أنهم خلقوا من النور ، ~~ولهذا صفت وأخلصت لله تعالى والأولى أن يجمع بين القولين فنقول : أبدانهم ~~من الريح وأرواحهم من النور فهؤلاء هم سكان عالم السماوات ، أما الشياطين ~~فهم كفرة أما إبليس فكفره ظاهر لقوله تعالى : { وكان من الكافرين } ( ~~البقرة : 34 ) وأما سائر الشياطين فهم أيضا كفرة بدليل قوله تعالى : { وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } ( ~~الأنعام : 121 ) ومن خواص الشياطين أنهم بأسرها أعداء للبشر قال تعالى : { ~~ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو } ( الكهف : ~~50 ) وقال : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن } ( الأنعام : ~~112 ) ومن خواص الشياطين كونهم مخلوقين من النار قال الله تعالى حكاية عن ~~إبليس { خلقتني من نار وخلقته من طين } ( الأعراف : 12 ) وقال : { والجآن ~~خلقناه من قبل من نار السموم } ( الحجر : 27 ) فأما الجن فمنهم كافر ومنهم ~~مؤمن ، قال تعالى : { وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك ~~تحروا رشدا } ( الجن : 14 ) أما الإنس فلا شك أن لهم والدا هو والدهم الأول ~~، وإلا لذهب إلى ما لا نهاية والقرآن دل على أن ذلك الأول هو آدم صلى الله ~~عليه ms2215 وسلم على ما قال تعالى في هذه السورة { إن مثل عيسى عند الله كمثل ~~ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } ( آل عمران : 59 ) وقال : { تفلحون ~~يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } ( ~~النساء : 1 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : اتفق العلماء على أن البشر أفضل من الجن والشياطين ~~، واختلفوا في أن البشر أفضل أم الملائكة ، وقد استقصينا هذه المسألة في ~~تفسير قوله تعالى : { اسجدوا لادم فسجدوا } ( الأعراف : 11 ) والقائلون بأن ~~البشر أفضل تمسكوا بهذه الآية ، وذلك لأن الاصطفاء يدل على مزيد الكرامة ~~وعلو الدرجة ، فلما بين تعالى أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل ~~العالمين وجب أن يكونوا أفضل من الملائكة لكونهم من العالمين . # فإن قيل : إن حملنا هذه الآية على تفضيل المذكورين فيها على كل العالمين ~~أدى إلى التناقض لأن الجمع الكثير إذا وصفوا بأن كل واحد منهم أفضل من كل ~~العالمين يلزم كون كل واحد منهم أفضل من كل العالمين يلزم كون كل واحد منهم ~~أفضل من الآخر وذلك محال / ولو حملناه على كونه أفضل عالمي زمانه أو عالمي ~~جنسه لم يلزم التناقض ، فوجب حمله على هذا المعنى دفعا للتناقض وأيضا قال ~~تعالى في صفة بني إسرائيل { وأنى فضلتكم على العالمين } ( البقرة : 47 ) ~~ولا يلزم كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم بل قلنا المراد به عالمو ~~زمان كل واحد منهم ، والجواب ظاهر في قوله : اصطفى آدم على العالمين ، ~~يتناول كل من يصح إطلاق لفظ العالم PageV08P018 عليه فيندرج فيه الملك ، ~~غاية ما في هذا الباب أنه ترك العمل بعمومه في بعض الصور لدليل قام عليه ، ~~فلا يجوز أن نتركه في سائر الصور من غير دليل . # المسألة الثانية : { اصطفى } في اللغة اختار ، فمعنى : اصطفاهم ، أي ~~جعلهم صفوة خلقه ، تمثيلا بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة ، ~~ويقال على ثلاثة أوجه : صفوة ، وصفوة وصفوة ، ونظير هذه الآية قوله لموسى { ~~إنى اصطفيتك على الناس برسالاتي } ( الأعراف : 144 ) وقال في إبراهيم ms2216 { ~~وإسحاق ويعقوب * وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار } ( ص : 47 ) . # إذا عرفت هذا فنقول . في الآية قولان الأول : المعنى أن الله اصطفى دين ~~آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعا إلى دينهم وشرعهم وملتهم ، ويكون هذا ~~المعنى على تقدير حذف المضاف والثاني : أن يكون المعنى : إن الله اصطفاهم ، ~~أي صفاهم من الصفات الذميمة ، وزينهم بالخصال / الحميدة ، وهذا القول أولى ~~لوجهين أحدهما : أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار والثاني : أنه موافق لقوله ~~تعالى : { الله أعلم حيث يجعل } ( الأنعام : 124 ) وذكر الحليمي في كتاب ( ~~المنهاج ) أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد وأن يكونوا مخالفين ~~لغيرهم في القوى الجسمانية ، والقوى الروحانية ، أما القوى الجسمانية ، فهي ~~إما مدركة ، وإما محركة . # أما المدركة : فهي إما الحواس الظاهرة ، وإما الحواس الباطنة ، أما ~~الحواس الظاهرة فهي خمسة أحدها : القوة الباصرة ، ولقد كان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم مخصوصا بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان الأول : قوله صلى الله ~~عليه وسلم : ( زويت لي الأرض فأريت مشارقها مغاربها ) والثاني : قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ( أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري ) ونظير ~~هذه القوة ما حصل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى : { وكذلك ~~نرى إبراهيم ملكوت * السماوات والارض } ( الأنعام : 75 ) ذكروا في تفسيره ~~أنه تعالى قوى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل قال الحليمي ~~رحمه الله : وهذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروي أن زرقاء اليمامة ~~كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام ، فلا يبعد أن يكون بصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أقوى من بصرها وثانيها : القوة السامعة ، وكان صلى الله ~~عليه وسلم أقوى الناس في هذه القوة ، ويدل عليه وجهان أحدهما : قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ( أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ~~ملك ساجد لله تعالى ) فسمع أطيط السماء والثاني : أنه سمع دويا وذكر أنه ~~هوي صخرة قذفت في جهنم فلم تبلغ قعرها إلى الآن ، قال الحليمي : ولا سبيل ~~للفلاسفة إلى استبعاد هذا ، فإنهم زعموا أن فيثاغورث ms2217 راض نفسه حتى سمع خفيف ~~الفلك ، ونظير هذه القوة لسليمان عليه السلام في قصة النمل { قالت نملة ~~يأيها * أيها * النمل ادخلوا مساكنكم } ( النمل : 18 ) فالله تعالى أسمع ~~سليمان كلام النمل وأوقفه على معناه وهذا داخل أيضا في باب تقوية الفهم ، ~~وكان ذلك حاصلا لمحمد صلى الله عليه وسلم حين تكلم مع الذئب ومع البعير ~~ثالثها : تقوية قوة الشم / كما في حق يعقوب عليه السلام ، فإن يوسف عليه ~~السلام لما أمر بحمل قميصه إليه وإلقائه على وجهه ، فلما فصلت العير قال ~~يعقوب { إنى لاجد ريح يوسف } ( يوسف : 94 ) فأحس بها من مسيرة أيام ورابعها ~~: تقوية قوة الذوق ، كما في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال : ( إن ~~هذا الذراع يخبرني أنه مسموم ) وخامسها : تقوية القوة اللامسة كما في حق ~~الخليل حيث جعل الله تعالى النار بردا وسلاما عليه ، فكيف يستبعد هذا ~~ويشاهد مثله في السمندل والنعامة ، وأما الحواس الباطنة فمنها قوة ~~PageV08P019 الحفظ ، قال تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } ( الأعلى : 6 ) ومنها ~~قوة الذكاء قال علي عليه السلام : ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألف باب من العلم واستنبطت من كل باب ألف باب ) فإذا كان حال الولي هكذا ، ~~فكيف حال النبي صلى الله عليه وسلم . # وأما القوى المحركة : فمثل عروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعراج ، ~~وعروج عيسى حيا / إلى السماء ، ورفع إدريس وإلياس على ما وردت به الأخبار ، ~~وقال الله تعالى : { قال الذى عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك } ( النمل : 40 ) . # وأما القوى الروحانية العقلية : فلا بد وأن تكون في غاية الكمال ، ونهاية ~~الصفاء . # واعلم أن تمام الكلام في هذا الباب أن النفس القدسية النبوية مخالفة ~~بماهيتها لسائر النفوس ، ومن لوازم تلك النفس الكمال في الذكاء ، والفطنة ، ~~والحرية ، والاستعلاء ، والترفع عن الجسمانيات والشهوات ، فإذا كانت الروح ~~في غاية الصفاء والشرف ، وكان البدن في غاية النقاء والطهارة كانت هذه ~~القوى المحركة المدركة في غاية الكمال لأنها جارية مجرى أنوار فائضة من ~~جوهر الروح ms2218 واصلة إلى البدن ، ومتى كان الفاعل والقابل في غاية الكمال كانت ~~الآثار في غاية القوة والشرف والصفاء . # إذا عرفت هذا فقوله { إن الله اصطفى آدم ونوحا } معناه : إن الله تعالى ~~اصطفى آدم إما من سكان العالم السفلي على قول من يقول : الملك أفضل من ~~البشر ، أو من سكان العالم العلوي على قول من يقول : البشر أشرف المخلوقات ~~، ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم عليه السلام ، ~~هم شيث وأولاده ، إلى إدريس ، ثم إلى نوح ، ثم إلى إبراهيم ، ثم حصل من ~~إبراهيم شعبتان : إسماعيل وإسحاق ، فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وجعل إسحاق مبدأ لشعبتين : يعقوب وعيصو ، فوضع ~~النبوة في نسل يعقوب ، ووضع الملك في نسل عيصو ، واستمر ذلك إلى زمان محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، فلما ظهر محمد صلى الله عليه وسلم نقل نور النبوة ~~ونور الملك إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وبقيا أعني الدين والملك لأتباعه ~~إلى قيام القيامة ، ومن تأمل في هذا الباب وصل إلى أسرار عجيبة . # المسألة الثالثة : من الناس من قال . المراد بآل إبراهيم المؤمنون ، كما ~~في قوله { النار يعرضون عليها } ( غافر : 46 ) والصحيح أن المراد بهم ~~الأولاد ، وهم المراد بقوله تعالى : { إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتى ~~قال لا ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) وأما آل عمران فقد اختلفوا ~~فيه ، فمنهم من قال المراد عمران ولد موسى وهارون ، وهو عمران بن يصهر بن ~~قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فيكون المراد من آل عمران ~~موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء ، ومنهم من قال : بل المراد : عمران بن ~~ماثان والد مريم ، وكان هو من نسل سليمان بن داود بن إيشا ، وكانوا من نسل ~~يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، قالوا . وبين ~~العمرانين ألف وثمانمائة سنة / واحتج من قال بهذا القول على صحته بأمور ~~أحدها : أن المذكور عقيب قوله { إن الله اصطفى آدم } هو عمران بن ماثان جد ~~عيسى عليه ms2219 السلام من قبل الأم ، فكان صرف الكلام إليه أولى وثانيها : أن ~~المقصود من الكلام أن النصارى كانوا يحتجون على إلاهية عيس بالخوارق التي ~~ظهرت على يديه ، فالله تعالى يقول : إنما ظهرت على يده إكراما من الله ~~تعالى إياه بها ، وذلك لأنه / تعالى اصطفاه على العالمين وخصه بالكرامات ~~العظيمة ، فكان حمل هذا PageV08P020 الكلام على عمران بن ماثان أولى في هذا ~~المقام من حمله على عمران والد موسى وهارون وثالثها : أن هذا اللفظ شديد ~~المطابقة لقوله تعالى : { وجعلناها وابنها ءاية للعالمين } ( الأنبياء : 91 ~~) واعلم أن هذه الوجوه ليست دلائل قوية ، بل هي أمور ظنية ، وأصل الاحتمال ~~قائم . # أما قوله تعالى : { ذرية بعضها من بعض } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في نصب قوله { ذرية } وجهان الأول : أنه بدل من آل ~~إبراهيم والثاني : أن يكون نصبا على الحال ، أي اصطفاهم في حال كون بعضهم ~~من بعض . # المسألة الثانية : في تأويل الآية وجوه الأول : ذرية بعضها من بعض في ~~التوحيد والإخلاص والطاعة ، ونظيره قوله تعالى : { المنافقون والمنافقات ~~بعضهم من بعض } ( التوبة : 67 ) وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق والثاني : ~~ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم عليه السلام كانوا متولدين من آدم عليه ~~السلام ، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم . # أما قوله تعالى : { والله سميع عليم } فقال القفال : المعنى والله سميع ~~لأقوال العباد ، عليم بضمائرهم وأفعالهم ، وإنما يصطفى من خلقه من يعلم ~~استقامته قولا وفعلا ، ونظيره قوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل } ( ~~الأنعام : 124 ) وقوله { زوجه إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ويدعوننا رغبا ~~ورهبا وكانوا لنا خاشعين } ( الأنبياء : 90 ) وفيه وجه آخر : وهو أن اليهود ~~كانوا يقولون : نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران ، فنحن أبناء الله وأحباؤه ~~، والنصارى كانوا يقولون : المسيح ابن الله ، وكان بعضهم عالما بأن هذا ~~الكلام باطل ، إلا أنه لتطييب قلوب العوام بقي مصرا عليه ، فالله تعالى ~~كأنه يقول : والله سميع لهذه الأقوال الباطلة منكم ، عليم بأغراضكم الفاسدة ~~من هذه الأقوال فيجازيكم عليها ، فكان أول الآية بيانا لشرف الأنبياء ~~والرسل ، وآخرها تهديدا ms2220 لهؤلاء الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على ~~أديانهم . # واعلم أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قصصا كثيرة : # القصة الاولى # واقعة حنة أم مريم عليهما السلام # ! 7 < { إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني ~~إنك أنت السميع العليم * فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتهآ أنثى والله أعلم ~~بما وضعت وليس الذكر كالا نثى وإنى سميتها مريم وإنى أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان الرجيم * فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ~~كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم أنى لك هاذا قالت ~~هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 35 - 37 ) إذ قالت امرأة . . . . . # > > PageV08P021 # / وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في موضع { إذ } من الإعراب أقوال الأول : قال أبو عبيدة ~~: إنها زائدة لغوا ، والمعنى : قالت امرأة عمران ، ولا موضع لها من الإعراب ~~، قال الزجاج : لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئا ، لأنه لا يجوز إلغاء حرف من ~~كتاب الله تعالى ، ولا يجوز حذف حرف من كتاب الله تعالى من غير ضرورة ~~والثاني : قال الأخفش والمبرد : التقدير اذكر { إذ قالت امرأت عمران } ~~ومثله في كتاب الله تعالى كثير الثالث : قال الزجاج ، التقدير : واصطفى آل ~~عمران على العالمين إذ قالت امرأة عمران ، وطعن ابن الأنباري فيه وقال : إن ~~الله تعالى قرن اصطفاء آل عمران باصطفاء آدم ونوح ، ولما كان اصطفاؤه تعالى ~~آدم ونوحا قبل قول امرأة عمران استحال أن يقال : إن هذا الاصطفاء مقيد بذلك ~~الوقت الذي قالت امرأة عمران هذا الكلام فيه ويمكن أن يجاب عنه بأن أثر ~~اصطفاء كل واحد إنما ظهرر عند وجوده ، وظهور طاعاته ، فجاز أن يقال : إن ~~الله اصطفى آدم عند وجوده ، ونوحا عند وجوده ، وآل عمران عندما قالت امرأة ~~عمران هذا الكلام الرابع : قال بعضهم : هذا متعلق بما قبله ، والتقدير : ~~والله سميع عليم إذ قالت امرأة / عمران هذا القول . # فإن قيل : إن الله سميع عليم قبل أن قالت المرأة هذا القول ms2221 ، فما معنى ~~هذا التقييد ؟ # قلنا : إن سمعه تعالى لذلك الكلام مقيد بوجود ذلك الكلام وعلمه تعالى ~~بأنها تذكر ذلك مقيد بذكرها لذلك والتغير في العلم والسمع إنما يقع في ~~النسب والمتعلقات . # المسألة الثانية : أن زكريا بن أذن ، وعمران بن ماثان ، كانا في عصر واحد ~~، وامرأة عمران حنة بنت فاقوذ ، وقد تزوج زكريا بابنته إيشاع أخت مريم ، ~~وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة ، ثم في كيفية هذا النذر روايات : # الرواية الأولى : قال عكرمة . إنها كانت عاقرا لا تلد ، وكانت تغبط ~~النساء بالأولاد ، ثم قالت : ( اللهم إن لك علي نذرا إن رزقتني ولدا أن ~~أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته ) . # والرواية الثانية : قال محمد بن إسحاق : إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد ~~حتى شاخت ، وكانت يوما في ظل شجرة فرأت طائرا يطعم فرخا له فتحركت نفسها ~~للولد ، فدعت ربها أن يهب لها ولدا فحملت بمريم ، وهلك عمران ، فلما عرفت ~~جعلته لله محررا ، أي خادما للمسجد ، قال الحسن البصري : إنها إنما فعلت ~~ذلك بإلهام من الله ولولاه ما فعلت كما رأى إبراهيم ذبح ابنه في المنام ~~فعلم أن ذلك أمر من الله وإن لم يكن عن وحي ، وكما ألهم الله أم موسى ~~فقذفته في اليم وليس بوحي . PageV08P022 # المسألة الثالثة : المحرر الذي جعل حرا خالصا ، يقال : حررت العبد إذا ~~خلصته عن الرق ، وحررت الكتاب إذا أصلحته ، وخلصته فلم تبق فيه شيئا من ~~وجوه الغلط ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه تعلق / والطين ~~الحر الخالص عن الرمل والحجارة والحمأة والعيوب أما التفسير فقيل مخلصا ~~للعبادة عن الشعبي ، وقيل : خادما للبيعة ، وقيل : عتيقا من أمر الدنيا ~~لطاعة الله ، وقيل : خادما لمن يدرس الكتاب ، ويعلم في البيع ، والمعنى ~~أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفا على طاعة الله ، قال الأصم : لم يكن لبني ~~إسرائيل غنيمة ولا سبي ، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا ~~، وذلك لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان ms2222 ~~يجب عليه خدمة الأبوين ، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع ، ~~ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى ، وقيل : كان المحرر يجعل ~~في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم ، ثم يخير بين المقام والذهاب ، ~~فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب ، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار ~~، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس . # المسألة الرابعة : هذا التحرير لم يكن جائزا إلا في الغلمان أما الجارية ~~فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض ، والأذى ، ثم إن حنة نذرت مطلقا ~~إما لأنها بنت الأمر على التقدير ، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب ~~الذكر . # / المسألة الخامسة : في انتصاب قوله { محررا } وجهان الأول : أنه نصب على ~~الحال من { ما } وتقديره : نذرت لك الذي في بطني محررا والثاني : وهو قول ~~ابن قتيبة أن المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محررا . # ثم قال الله تعالى حاكيا عنها : { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } ~~التقبل : أخذ الشيء على الرضا ، قال الواحدي : وأصله من المقابلة لأنه يقبل ~~بالجزاء ، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى ~~والإخلاص في عبادته ، ثم قالت { إنك أنت السميع العليم } والمعنى : أنك أنت ~~السميع لتضرعي ودعائي وندائي ، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي . # واعلم أن هذا النوع من النذر كان في شرع بني إسرائيل وغير موجود في شرعنا ~~، والشرائع لا يمتنع اختلافها في مثل هذه الأحكام . # قال تعالى : { فلما وضعتها } واعلم أن هذا الضمير إما أن يكون عائدا إلى ~~الأنثى التي كانت في بطنها وكان عالما بأنها كانت أنثى أو يقال : إنها عادت ~~إلى النفس والنسمة أو يقال : عادت إلى المنذورة . # ثم قال تعالى : { قالت رب إنى وضعتها أنثى } واعلم أن الفائدة في هذا ~~الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها ، وكان الغالب على ظنها ~~أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها ، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ ~~لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر ms2223 دون الأنثى فقالت { رب إنى وضعتها أنثى } ~~خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به ومعتذرة من إطلاقها النذر ~~المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى ، PageV08P023 تعالى الله ~~عن أن يحتاج إلى إعلامها ، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار . # ثم قال الله تعالى : { والله أعلم بما وضعت } قرأ أبو بكر عن عاصم وابن ~~عامر { وضعت } برفع التاء على تقدير أنها حكاية كلامها ، والفائدة في هذا ~~الكلام أنها لما قالت { إنى وضعتها أنثى } خافت أن يظن بها أنها تخبر الله ~~تعالى ، فأزالت الشبهة بقولها { والله أعلم بما وضعت } وثبت أنها إنما قالت ~~ذلك للاعتذار لا للاعلام ، والباقون بالجزم على أنه كلام الله ، وعلى هذه ~~القراءة يكون المعنى أنه تعالى قال : والله أعلم بما وضعت تعظيما لولدها ، ~~وتجهيلا لها بقدر ذلك الولد ، ومعناه : والله أعلم بالشيء الذي وضعت وبما ~~علق به من عظائم الأمور ، وأن يجعله وولده آية للعالمين ، وهي جاهلة بذلك ~~لا تعلم منه شيئا فلذلك تحسرت / وفي قراءة ابن عباس { والله أعلم بما وضعت ~~} على خطاب الله لها ، أي : أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله هو العالم ~~بما فيه من العجائب والآيات . # ثم قال تعالى حكاية عنها { وليس الذكر كالانثى } وفيه قولان الأول : أن ~~مرادها تفضيل الولد الذكر على الأنثى ، وسبب هذا التفضيل من وجوه أحدها : ~~أن شرعهم أنه لا يجوز تحرير الذكور دون الإناث والثاني : أن الذكر يصح أن ~~يستمر على خدمة موضع العبادة ، ولا يصح / ذلك في الأنثى لمكان الحيض وسائر ~~عوارض النسوان والثالث : الذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ~~ضعيفة لا تقوى على الخدمة والرابع : أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة ~~والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى والخامس : أن الذكر لا يلحقه من التهمة ~~عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في ~~هذا المعنى . # والقول الثاني : أن المقصود من هذا الكلام ترجيح هذه الأنثى على الذكر ، ~~كأنها قالت الذكر مطلوبي وهذه الأنثى موهوبة الله تعالى ، وليس ms2224 الذكر الذي ~~يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة لله ، وهذا الكلام يدل على أن تلك ~~المرأة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد ~~خير مما يريده العبد لنفسه . # ثم حكى تعالى عنها كلاما ثانيا وهو قولها { وإنى سميتها مريم } وفيه ~~أبحاث : # البحث الأول : أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد ~~مات في حال حمل حنة بمريم ، فلذلك تولت الأم تسميتها ، لأن العادة أن ذلك ~~يتولاه الآباء . # البحث الثاني : أن مريم في لغتهم : العابدة ، فأرادت بهذه التسمية أن ~~تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا ، والذي يؤكد هذا ~~قولها بعد ذلك { وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } . # البحث الثالث : أن قوله { وإنى سميتها مريم } معناه : وإني سميتها بهذا ~~اللفظ أي جعلت هذا اللفظ اسما لها ، وهذا يدل على أن الاسم والمسمى ~~والتسمية أمور ثلاثة متغايرة . # ثم حكى الله تعالى عنها كلاما ثالثا وهو قولها { وإنى أعيذها بك وذريتها ~~من الشيطان الرجيم } وذلك PageV08P024 لأنه لما فاتها ما كانت تريد من أن ~~يكون رجلا خادما للمسجد تضرعت إلى الله تعالى في أن يحفظها من الشيطان ~~الرجيم ، وأن يجعلها من الصالحات القانتات ، وتفسير الشيطان الرجيم قد تقدم ~~في أول الكتاب . # ولما حكى الله تعالى عن حنة هذه الكلمات قال : { فتقبلها ربها بقبول } ~~وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : إنما قال { فتقبلها ربها بقبول حسن } ولم يقل : فتقبلها ~~ربها بتقبل لأن القبول والتقبل متقاربان قال تعالى : { والله أنبتكم من ~~الارض نباتا } ( نوح : 17 ) أي إنباتا ، والقبول مصدر قولهم : قبل فلان ~~الشيء قبولا إذا رضيه ، قال سيبويه : خمسة مصادر جاءت على فعول : قبول ~~وطهور ووضوء ووقود وولوغ ، إلا أن الأكثر في الوقود إذا كان مصدرا الضم ، ~~وأجاز الفراء والزجاج : قبولا بالضم ، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي يقال : ~~قبلته قبولا وقبولا ، وفي الآية وجه آخر وهو أن ما كان من باب التفعل فإنه ~~يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل كالتصبر والتجلد ms2225 ونحوهما ~~فإنهما يفيدان الجد في إظهار الصبر والجلادة ، فكذا ههنا التقبل يفيد ~~المبالغة في إظهار القبول . # / فإن قيل : فلم لم يقل : فتقبلها ربها بتقبل حسن حتى صارت المبالغة أكمل ~~؟ # والجواب : أن لفظ التقبل وإن أفاد ما ذكرنا إلا أنه يفيد نوع تكلف على ~~خلاف الطبع ، أما القبول فإنه يفيد معنى القبول على وفق الطبع فذكر التقبل ~~ليفيد الجد والمبالغة / ثم ذكر القبول ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبع ، ~~بل على وفق الطبع ، وهذه الوجوه وإن كانت ممتنعة في حق الله تعالى ، إلا ~~أنها تدل من حيث الاستعارة على حصول العناية العظيمة في تربيتها ، وهذا ~~الوجه مناسب معقول . # المسألة الثانية : ذكر المفسرون في تفسير ذلك القبول الحسن وجوها : # الوجه الأول : أنه تعالى عصمها وعصم ولدها عيسى عليه السلام من مس ~~الشيطان روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من مولود ~~يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إلا مريم ~~وابنها ) ثم قال أبو هريرة : اقرؤا إن شئتم { وإنى أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان } طعن القاضي في هذا الخبر وقال : إنه خبر واحد على خلاف الدليل ~~فوجب رده ، وإنما قلنا : إنه على خلاف الدليل لوجوه أحدها : أن الشيطان ~~إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر والصبي ليس كذلك والثاني : أن ~~الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وإفساد ~~أحوالهم والثالث : لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى عليهما السلام دون سائر ~~الأنبياء عليهم السلام الرابع : أن ذلك النخس لو وجد بقي أثره ، ولو بقي ~~أثره لدام الصراخ والبكاء ، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلانه ، واعلم أن هذه ~~الوجوه محتملة ، وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر والله أعلم . # الوجه الثاني : في تفسير أن الله تعالى تقبلها بقبول حسن ، ما روي أن حنة ~~حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء ~~هارون ، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة ، وقالت : خذوا هذه النذيرة ، ~~فتنافسوا فيها ms2226 لأنها كانت بنت إمامهم ، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل ~~وأحبارهم وملوكهم فقال لهم زكريا : أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى ~~نقترع عليها ، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم ~~التي كانوا يكتبون الوحي بها على أن كل من ارتفع قلمه فهو PageV08P025 ~~الراجح ، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات ، ففي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق ~~الماء وترسب أقلامهم فأخذها زكريا . # الوجه الثالث : روى القفال عن الحسن أنه قال : إن مريم تكلمت في صباها ~~كما تكلم المسيح ولم تلتقم ثديا قط ، وإن رزقها كان يأتيها من الجنة . # الوجه الرابع : في تفسير القبول الحسن أن المعتاد في تلك الشريعة أن ~~التحرير لا يجوز إلا في حق الغلام حين يصير عاقلا قادرا على خدمة المسجد ، ~~وههنا لما علم الله تعالى تضرع تلك المرأة / قبل تلك الجارية حال صغرها ~~وعدم قدرتها على خدمة المسجد ، فهذا كله هو الوجوه المذكورة في تفسير ~~القبول الحسن . # ثم قال الله تعالى : { وأنبتها نباتا حسنا } قال ابن الأنباري : التقدير ~~أنبتها فنبتت هي نباتا حسنا ثم منهم من صرف هذا النبات الحسن إلى ما يتعلق ~~بالدنيا ، ومنهم من صرفه إلى ما يتعلق بالدين ، أما الأول فقالوا : المعنى ~~أنها كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام واحد ، وأما في الدين ~~فلأنها نبتت في الصلاح والسداد والعفة والطاعة . # ثم قال الله تعالى : { وكفلها زكريا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : يقال : كفل يكفل كفالة وكفلا فهو كافل ، وهو الذي ينفق ~~على إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه ، وفي الحديث ( أنا وكافل اليتيم كهاتين ) ~~وقال الله تعالى : { أكفلنيها } . # المسألة الثانية : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { وكفلها } بالتشديد ، ثم ~~اختلفوا في زكريا فقرأ عاصم بالمد ، وقرأ حمزة والكسائي بالقصر على معنى ~~ضمها الله تعالى إلى زكريا ، فمن قرأ ( زكرياء ) بالمد أظهر النصب ومن قرأ ~~بالقصر كان في محل النصب والباقون قرأوا بالمد والرفع على معنى ضمها زكرياء ~~إلى نفسه / وهو الاختيار ، لأن هذا مناسب لقوله تعالى : { أيهم يكفل مريم } ~~وعليه الأكثر ms2227 ، وعن ابن كثير في رواية { * كفلها } بكسر الفاء ، وأما القصر ~~والمد في زكريا فهما لغتان ، كالهيجاء والهيجا ، وقرأ مجاهد { فتقبلها ربها ~~وأنبتها وكفلها } على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة ، ونصب { ربها } كأنها ~~كانت تدعو الله فقالت : اقبلها يا ربها ، وأنبتها يا ربها ، واجعل زكريا ~~كافلا لها . # المسألة الثالثة : اختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت ، ~~فقال الأكثرون : كان ذلك حال طفوليتها ، وبه جاءت الروايات ، وقال بعضهم : ~~بل إنما كفلها بعد أن فطمت ، واحتجوا عليه بوجهين الأول : أنه تعالى قال : ~~{ وأنبتها نباتا حسنا } ثم قال : { وكفلها زكريا } وهذا يوهم أن تلك ~~الكفالة بعد ذلك النبات الحسن والثاني : أنه تعالى قال : { وكفلها زكريا ~~كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يامريم * مريم * أنى لك ~~هاذا قالت هو من عند الله } وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت ~~تلك الكفالة ، وأصحاب القول الأول أجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب ، فلعل ~~الانبات الحسن وكفالة زكرياء حصلا معا . # وأما الحجة الثانية : فلعل دخوله عليها وسؤاله منها هذا السؤال إنما وقع ~~في آخر زمان الكفالة . PageV08P026 # ثم قال الله : { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : { المحراب } الموضع العالي الشريف ، قال عمر بن أبي ~~ربيعة : # / ربة محراب إذا جئتها # لم أدن حتى أرتقي سلما # واحتج الأصمعي على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى : { إذ تسوروا ~~المحراب } ( ص: 21 ) والتسور لا يكون إلا من علو ، وقيل : المحراب أشرف ~~المجالس وأرفعها ، يروى أنها لما صارت شابة بنى زكريا عليه السلام لها غرفة ~~في المسجد ، وجعل بابها في وسطه لا يصعد إليه إلا بسلم ، وكان إذا خرج أغلق ~~عليها سبعة أبواب . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا على صحة القول بكرامة الأولياء بهذه ~~الآية ، ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن زكرياء كلما دخل عليها المحراب ~~وجد عندها رزقا قال يا مريم : أنى لك هذا ؟ قالت هو من عند الله ، فحصول ~~ذلك الرزق عندها إما أن يكون خارقا للعادة ، أو لا يكون ms2228 ، فإن قلنا : إنه ~~غير خارق للعادة فهو باطل من خمسة أوجه الأول : أن على هذا التقدير لا يكون ~~حصول ذلك الرزق عند مريم دليلا على علو شأنها وشرف درجتها وامتيازها عن ~~سائر الناس بتلك الخاصية ومعلوم أن المراد من الآية هذا المعنى والثاني : ~~أنه تعالى قال بعد هذه الآية { هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ~~ذرية طيبة } والقرآن دل على أنه كان آيسا من الولد بسبب شيخوخته وشيخوخة ~~زوجته ، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد فيستقيم قوله ~~{ هنالك دعا زكريا ربه } أما لو كان الذي شاهده في حق مريم لم يكن خارقا ~~للعادة لم تكن مشاهدة ذلك سببا لطمعه في انخراق العادة بحصول الولد من ~~المرأة الشيخة العاقر الثالث : أن التنكر في قوله { وجد عندها رزقا } يدل ~~على تعظيم حال ذلك الرزق ، كأنه قيل : رزقا . أي رزق غريب عجيب ، وذلك إنما ~~يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية لو كان خارقا للعادة الرابع : هو أنه ~~تعالى قال : { وجعلناها وابنها ءاية للعالمين } ( الأنبياء : 91 ) ولولا ~~أنه ظهر عليهما من الخوارق ، وإلا لم يصح ذلك . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المراد من ذلك هو أن الله تعالى خلق لها ~~ولدا من غير ذكر ؟ # قلنا : ليس هذا بآية ، بل يحتاج تصحيحه إلى آية ، فكيف نحمل الآية على ~~ذلك ، بل المراد من الآية ما يدل على صدقها وطهارتها ، وذلك لا يكون إلا ~~بظهور خوارق العادات على يدها كما ظهرت على يد ولدها عيسى عليه السلام ~~الخامس : ما تواترت الروايات به أن زكريا عليه السلام كان يجد عندها فاكهة ~~الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء ، فثبت أن الذي ظهر في حق مريم ~~عليها السلام كان فعلا خارقا للعادة ، فنقول : إما أن يقال : إنه كان معجزة ~~لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك ، والأول باطل لأن النبي الموجود في ذلك ~~الزمان هو زكريا عليه السلام ، ولو كان ذلك معجزة له لكان هو عالما بحاله ~~وشأنه ، فكان ms2229 يجب أن لا يشتبه أمره عليه وأن لا يقول لمريم { أنى لك هاذا } ~~وأيضا فقوله تعالى : { هنالك دعا زكريا ربه } مشعر بأنه لما سألها عن أمر ~~تلك الأشياء ثم إنها ذكرت له أن ذلك من عند الله فهنالك طمع في انخراق ~~العادة في حصول الولد من / المرأة العقيمة الشيخة العاقر وذلك يدل على أنه ~~ما وقف على تلك الأحوال PageV08P027 إلا بأخبار مريم ، ومتى كان الأمر كذلك ~~ثبت أن تلك الخوارق ما كانت معجزة لزكريا عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال ~~: إنها كانت كرامة لعيسى عليه السلام ، أو كانت كرامة لمريم عليها السلام ، ~~وعلى التقديرين فالمقصود حاصل ، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية على وقوع ~~كرامات الأولياء . # اعترض أبو علي الجبائي وقال : لم لا يجوز أن يقال إن تلك الخوارق كانت من ~~معجزات زكريا عليه السلام ، وبيانه من وجهين الأول : أن زكريا عليه السلام ~~دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقا ، وأنه ربما كان غافلا عن ~~تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله تعالى ، فإذا رأى شيئا بعينه في ~~وقت معين قال لها { أنى لك هاذا قالت هو من عند الله } فعنذ ذلك يعلم أن ~~الله تعالى أظهر بدعائه تلك المعجزة والثاني : يحتمل أن يكون زكريا يشاهد ~~عند مريم رزقا معتادا إلا أنه كان يأتيها من السماء ، وكان زكريا يسألها عن ~~ذلك حذرا من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها ، فقالت هو من عند ~~الله لا من عند غيره . # المقام الثاني : أنا لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من خوارق ~~العادات ، بل معنى الآية أن الله تعالى كان قد سبب لها رزقا على أيدي ~~المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات ، فكان ~~زكريا عليه السلام إذا رأى شيئا من ذلك خاف أنه ربما أتاها ذلك الرزق من ~~وجه لا ينبغي ، فكان يسألها عن كيفية الحال ، هذا مجموع ما قاله الجبائي في ~~( تفسيره ) وهو في غاية الضعف ، لأنه لو كان ذلك ms2230 معجزا لزكريا عليه السلام ~~كان مأذونا له من عند الله تعالى في طلب ذلك ، ومتى كان مأذونا في ذلك ~~الطلب كان عالما قطعا بأن يحصل ، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية ~~الحال ، ولم يبق أيضا لقوله { هنالك دعا زكريا ربه } فائدة ، وهذا هو ~~الجواب بعينه عن الوجه الثاني . # وأما سؤاله الثالث ففي غاية الركاكة لأن هذا التقدير لا يبقى فيه وجه ~~اختصاص لمريم بمثل هذه الواقعة ، وأيضا فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما ~~أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا ينبغي فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك ~~التهمة فعلمنا سقوط هذه الأسئلة وبالله التوفيق . # أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء ~~، ودليل النبوة لا يوجد مع غير الأنبياء ، كما أن الفعل المحكم لما كان ~~دليلا على العلم لا جرم لا يوجد في حق غير العالم . # والجواب من وجوه الأول : وهو أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق ~~المدعي ، فإن ادعى صاحبه النبوة فذاك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه ~~نبيا ، وإن ادعى الولاية فذلك يدل على كونه وليا والثاني : قال بعضهم : ~~الأنبياء مأمورون بإظهارها ، والأولياء مأمورون / بإخفائها والثالث : وهو ~~أن النبي يدعي المعجز ويقطع به ، والولي لا يمكنه أن يقطع به والرابع : أن ~~المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة ، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة ~~، فهذا جملة الكلام في هذا الباب وبالله التوفيق . # ثم قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام : { إن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب } فهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم ، وأن يكون من كلام الله ~~سبحانه وتعالى ، وقوله { بغير حساب } أي بغير تقدير لكثرته ، أو من غير ~~مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها ، وهذا كقوله { ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~} ( الطلاق : 3 ) وههنا آخر الكلام في قصة حنة . PageV08P028 # القصة الثانية # واقعة زكريا عليه السلام # ! 7 < { هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع ~~الدعآء } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 38 ) هنالك دعا زكريا ms2231 . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن قولنا : ثم ، وهناك ، وهنالك ، يستعمل في ~~المكان ، ولفظة : عند ، وحين يستعملان في الزمان ، قال تعالى : { فغلبوا ~~هنالك وانقلبوا صاغرين } ( الأعراف : 119 ) وهو إشارة إلى المكان الذي ~~كانوا فيه ، وقال تعالى : { إذا ألقوا * منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ~~ثبورا } ( الفرقان : 13 ) أي في ذلك المكان الضيق ، ثم قد يستعمل لفظة { ~~هنالك } في الزمان أيضا ، قال تعالى : { هنالك الولاية لله الحق } ( الكهف ~~: 44 ) فهذا إشارة إلى الحال والزمان . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله { هنالك دعا زكريا ربه } إن حملناه على المكان ~~فهو جائز ، أي في ذلك المكان الذي كان قاعدا فيه عند مريم عليها السلام ، ~~وشاهد تلك الكرامات دعا ربه ، وإن حملناه على الزمان فهو أيضا جائز ، يعني ~~في ذلك الوقت دعا ربه . # المسألة الثانية : اعلم أن قوله { هنالك دعا } يقتضي أنه دعا بهذا الدعاء ~~عند أمر عرفه في ذلك الوقت له تعلق بهذا الدعاء ، وقد اختلفوا فيه ، ~~والجمهور الأعظم من العلماء المحققين والمفسرين قالوا : هو أن زكريا عليه ~~السلام رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء ، ومن فاكهة الشتاء في الصيف ~~، فلما رأى خوارق العادات عندها ، طمع في أن يخرقها الله تعالى في حقه أيضا ~~فيرزقه الولد / من الزوجة الشيخة العاقر . # والقول الثاني : وهو قول المعتزلة الذين ينكرون كرامات الأولياء ، ~~وإرهاصات الأنبياء قالوا : إن زكريا عليه السلام لما رأى آثار الصلاح ~~والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم عليها السلام اشتهى الولد وتمناه فدعا ~~عند ذلك ، واعلم أن القول الأول أولى ، وذلك لأن حصول الزهد والعفاف ~~والسيرة المرضية لا يدل على انخراق العادات ، فرؤية ذلك لا يحمل الإنسان ~~على طلب ما يخرق العادة ، وأما رؤية ما يخرق العادة قد يطمعه في أن يطلب ~~أيضا فعلا خارقا للعادة ومعلوم أن حدوث الولد من الشيخ الهرم ، والزوجة ~~العاقر من خوارق العادات ، فكان حمل الكلام على هذا الوجه أولى . # فإن قيل : إن قلتم إن زكريا عليه السلام ما كان يعلم قدرة الله تعالى على ~~خرق العادات ms2232 إلا عندما شاهد تلك الكرامات عند مريم عليها السلام كان في هذا ~~نسبة الشك في قدرة الله تعالى إلى زكريا عليه السلام . # فإن قلنا : إنه كان عالما بقدرة الله على ذلك لمن تكن مشاهدة تلك الأشياء ~~سببا لزيادة علمه بقدرة الله PageV08P029 تعالى ، فلم يكن لمشاهدة تلك ~~الكرامات أثر في ذلك ، فلا يبقى لقوله هنالك أثر . # والجواب : أنه كان قبل ذلك عالما بالجواز ، فأما أنه هل يقع أم لا فلم ~~يكن عالما به ، فلما شاهد علم أنه إذا وقع كرامة لولي ، فبأن يجوز وقوع ~~معجزة لنبي كان أولى ، فلا جرم قوي طمعه عند مشاهدة تلك الكرامات . # المسألة الثالثة : إن دعاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لا يكون ~~إلا بعد الإذن ، لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة ، فحينئذ تصير دعوته ~~مردودة ، وذلك نقصان في منصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، هكذا قاله ~~المتكلمون ، وعندي فيه بحث ، وذلك لأنه تعالى لما أذن في الدعاء مطلقا ، ~~وبين أنه تارة يجيب وأخرى لا يجيب ، فللرسول أن يدعو كلما شاء وأراد مما لا ~~يكون معصية ، ثم إنه تعالى تارة يجيب وأخرى لا يجيب ، وذلك لا يكون نقصانا ~~بمنصب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم على باب رحمة الله تعالى سائلون ~~فإن أجابهم فبفضله وإحسانه وإن لم يجبهم فمن المخلوق حتى يكون له منصب على ~~باب الخالق . # أما قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام : { هب لى من لدنك ذرية طيبة ~~} ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أما الكلام في لفظة { لدن } فسيأتي في سورة الكهف ~~والفائدة في ذكره ههنا أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة ~~فلما طلب الولد مع فقدان تلك الأسباب كان المعنى : أريد منك إلاهي أن تعزل ~~الأسباب في هذه الواقعة وأن تحدث هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسط شيء من ~~هذه الأسباب . # / المسألة الثانية : لذرية النسل ، وهو لفظ يقع على الواحد ، والجمع ، ~~والذكر والأنثى ، والمراد منه ههنا : ولد واحد ، وهو مثل قوله { فهب لى من ~~لدنك وليا } ( مريم : 5 ) قال الفراء : وأنث { طيبة ms2233 } لتأنيث الذرية في ~~الظاهر ، فالتأنيث والتذكير تارة يجيء على اللفظ ، وتارة على المعنى ، وهذا ~~إنما نقوله في أسماء الأجناس ، أما في أسماء الأعلام فلا ، لأنه لا يجوز أن ~~يقال جاءت طلحة ، لأن أسماء الأعلام لا تفيد إلا ذلك الشخص ، فإذا كان ذلك ~~الشخص مذكرا لم يجز فيها إلا التذكير . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { إنك سميع الدعاء } ليس المراد منه أن ~~يسمع صوت الدعاء فذلك معلوم ، بل المراد منه أن يجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه ~~، وهو كقول المصلين : سمع الله لمن حمده ، يريدون قبل حمد من حمد من ~~المؤمنين ، وهذا متأكد بما قال تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام في سورة ~~مريم { ولم أكن بدعائك رب شقيا } ( مريم : 4 ) . # ! 7 < { فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى ~~مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين * قال رب أنى يكون لي ~~غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر قال كذالك الله يفعل ما يشآء } . > 7 ~~@QB@ < # | آل عمران : ( 39 - 40 ) فنادته الملائكة وهو . . . . . # > > # وفيه مسألتان : PageV08P030 # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : فناداه الملائكة ، على التذكير ~~والإمالة ، والباقون على التأنيث على اللفظ ، وقيل : من ذكر فلأن الفعل قبل ~~الاسم ، ومن أنث فلأن الفعل للملائكة ، وقرأ ابن عامر { المحراب } بالإمالة ~~، والباقون بالتفخيم ، وفي قراءة ابن مسعود : فناداه جبريل . # المسألة الثانية : ظاهر اللفظ يدل على أن النداء كان من الملائكة ، ولا ~~شك أن هذا في التشريف أعظم ، فإن دل دليل منفصل أن المنادي كان جبريل عليه ~~السلام فقط صرنا إليه . وحملنا هذ اللفظ على التأويل ، فإنه يقال : فلان ~~يأكل الأطعمة الطيبة ، ويلبس الثياب النفيسة ، أي يأكل من هذا الجنس ، ~~ويلبس من هذا الجنس ، مع أن المعلوم أنه لم يأكل جميع الأطعمة ، ولم يلبس ~~جميع الأثواب ، فكذا ههنا ، ومثله في القرآن { الذين قال لهم الناس } ( آل ~~عمران : 173 ) وهم نعيم بن مسعود / إن الناس : يعني أبا سفيان ، قال المفضل ~~بن سلمة : إذا كان القائل رئيسا جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه ~~، فلما كان ms2234 جبريل رئيس الملائكة ، وقلما يبعث إلا ومعه جمع صح ذلك . # أما قوله { وهو قائم يصلى فى المحراب } فهو يدل على أن الصلاة كانت ~~مشروعة في دينهم ، والمحراب قد ذكرنا معناه . # أما قوله { أن الله يبشرك بيحيى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أما البشارة فقد فسرناها في قوله تعالى : { وبشر الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات } ( البقرة : 25 ) وفي قوله { يبشرك بيحيى } وجهان ~~الأول : أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى ~~وله ذرية عالية ، فإذا قيل : إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان ذلك ~~بشارة له بيحيى عليه السلام والثاني : أن الله يبشرك بولد اسمه يحيى . # المسألة الثانية : قرأ ابن عامر وحمزة { ءان } بكسر الهمزة ، والباقون ~~بفتحها ، أما الكسر فعلى إرادة القول ، أو لأن النداء نوع من القول ، وأما ~~الفتح فتقديره : فنادته الملائكة بأن الله يبشرك . # المسألة الثالثة : قرأ حمزة والكسائي { يبشرك } بفتح الياء وسكون الباء ~~وضم الشين ، وقرأ الباقون { يبشرك } وقرىء أيضا { يبشرك } قال أبو زيد يقال ~~: بشر يبشر بشرا ، وبشر يبشر تبشيرا ، وأبشر يبشر ثلاث لغات . # المسألة الرابعة : قرأ حمزة والكسائي { يحيى } بالإمالة لأجل الياء ~~والباقون بالتفخيم ، وأما أنه لم سمى يحيى فقد ذكرناه في سورة مريم ، واعلم ~~أنه تعالى ذكر من صفات يحيى ثلاثة أنواع : # الصفة الأولى : قوله { مصدقا بكلمة من الله } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال الواحدي قوله { مصدقا بكلمة من الله } نصب على ~~الحال لأنه نكرة ، ويحيى معرفة . # المسألة الثانية : في المراد { بكلمة من الله } قولان الأول : وهو قول ~~أبي عبيدة : أنها كتاب من الله ، واستشهد بقولهم : أنشد فلان كلمة ، ~~والمراد به القصيدة الطويلة . PageV08P031 # والقول الثاني : وهو اختيار الجمهور : أن المراد من قوله { بكلمة من الله ~~} هو عيسى عليه السلام ، قال السدي : لقيت أم عيسى أم يحيى عليهما السلام ، ~~وهذه حامل بيحيى وتلك بعيسى ، فقالت : يا مريم أشعرت أني حبلى ؟ فقالت مريم ~~: وأنا أيضا حبلى ، قالت امرأة زكريا فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في ~~بطنك فذلك قوله { مصدقا بكلمة من ms2235 الله } وقال ابن عباس : إن يحيى كان أكبر ~~سنا من عيسى بستة أشهر ، وكان يحيى أول من آمن وصدق بأنه كلمة الله وروحه ، ~~ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى عليهما السلام ، فإن قيل : لم سمي عيسى كلمة في ~~هذه الآية ، وفي قوله { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته } ( ~~النساء : 171 ) قلنا : فيه وجوه الأول : أنه خلق بكلمة الله ، وهو قوله { ~~كن } / من غير واسطة الأب ، فلما كان تكوينه بمحض قول الله { كن } وبمحض ~~تكوينه وتخليقه من غير واسطة الأب والبذر ، لا جرم سمى : كلمة ، كما يسمى ~~المخلوق خلقا ، والمقدور قدرة ، والمرجو رجاء ، والمشتهي شهوة ، وهذا باب ~~مشهور في اللغة والثاني : أنه تكلم في الطفولية ، وآتاه الله الكتاب في ~~زمان الطفولية ، فكان في كونه متكلما بالغا مبلغا عظيما ، فسمي كلمة بهذا ~~التأويل وهو مثل ما يقال : فلان جود وإقبال إذا كان كاملا فيهما والثالث : ~~أن الكلمة كما أنها تفيد المعاني والحقائق ، كذلك عيسى كان يرشد إلى ~~الحقائق والأسرار الإلاهية ، فسمى : كلمة ، بهذا التأويل ، وهو مثل تسميته ~~روحا من حيث إن الله تعالى أحيا به من الضلالة كما يحيا الإنسان بالروح ، ~~وقد سمى الله القرآن روحا فقال : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( ~~الشورى : 52 ) والرابع : أنه قد وردت البشارة به في كتب الأنبياء الذين ~~كانوا قبله ، فلما جاء قيل : هذا هو تلك الكلمة ، فسمى كلمة بهذا التأويل ~~قالوا : ووجه المجاز فيه أن من أخبر عن حدوث أمر فإذا حدث ذلك الأمر قال : ~~قد جاء قولي وجاء كلامي ، أي ما كنت أقول وأتكلم به ، ونظيره قوله تعالى : ~~{ وكذالك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } ( غافر : 6 ) ~~وقال : { ولاكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } ( الزمر : 71 ) الخامس : أن ~~الإنسان قد يسمى بفضل الله ولطف الله ، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه ~~العلم : كلمة الله ، وروح الله ، واعلم أن كلمة الله هي كلامه ، وكلامه على ~~قول أهل السنة صفة قديمة قائمة بذاته ، وعلى قول المعتزلة أصوات يخلقها ~~الله تعالى ms2236 في جسم مخصوص دالة بالوضع على معان مخصوصة ، والعلم الضروري ~~حاصل بأن الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال ~~: أنها هي ذات عيسى عليه السلام ، ولما كان ذلك باطلا في بداهة العقول لم ~~يبق إلا التأويل . # الصفة الثانية : ليحيى عليه السلام قوله { وسيدا } والمفسرون ذكروا فيه ~~وجوها الأول : قال ابن عباس : السيد الحليم ، وقال الجبائي : إنه كان سيدا ~~للمؤمنين ، رئيسا لهم في الدين ، أعني في العلم والحلم والعبادة والورع ، ~~وقال مجاهد : الكريم على الله ، وقال ابن المسيب : الفقيه العالم ، وقال ~~عكرمة الذي لا يغلبه الغضب ، قال القاضي : السيد هو المتقدم المرجوع إليه ، ~~فلما كان سيدا في الدين كان مرجوعا إليه في الدين وقدوة في الدين ، فيدخل ~~فيه جميع الصفات المذكورة من العلم والحلم والكرم والعفة والزهد والورع . # الصفة الثالثة : قوله { وحصورا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في تفسير الحصور والحصر في اللغة الحبس ، يقال حصره ~~يحصره حصرا وحصر الرجل : أي اعتقل بطنه ، والحصور الذي يكتم السر ويحبسه ، ~~والحصور الضيق البخيل ، وأما المفسرون : PageV08P032 فلهم قولان أحدهما : ~~أنه كان عاجزا عن إتيان النساء ، ثم منهم من قال كان ذلك لصغر الآلة ، ~~ومنهم من قال : كان ذلك لتعذر الإنزال ، ومنهم من قال : كان ذلك لعدم ~~القدرة ، / فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول ، كأنه قال محصور عنهن ، أي ~~محبوس ، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب ، وهذا القول عندنا فاسد ~~لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز ، ولأن ~~على هذا التقدير لا يستحق به ثوابا ولا تعظيما . # والقول الثاني : وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز ~~بل للعفة والزهد ، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها ~~كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب ، والظلوم ، والغشوم ، والمنع ~~إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائما ، فلولا أن القدرة والداعية كانتا ~~موجودتين ، وإلا لما كان حاصرا لنفسه فضلا عن أن يكون حصورا ، لأن الحاجة ~~إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند ms2237 قوة الرغبة والداعية والقدرة ، وعلى ~~هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل وذلك ~~لأنه تعالى مدحه بترك النكاح ، وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك ~~الشريعة ، وإذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل ، وجب أن يكون الأمر كذلك ~~في هذه الشريعة بالنص والمعقول ، أما النص فقوله تعالى : { أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) وأما المعقول فهو أن الأصل في ~~الثابت بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل . # الصفة الرابعة : قوله { ونبيا } واعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين أحدهما ~~: قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين والثاني : ضبط ~~مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما ~~الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك ، لأنه ~~ليس بعدهما إلا النبوة . # الصفة الخامسة : قوله { من الصالحين } وفيه ثلاثة أوجه الأول : معناه أنه ~~من أولاد الصالحين والثاني : أنه خير كما يقال في الرجل الخير ( أنه من ~~الصالحين ) والثالث : أن صلاحه كان أتم من صلاح سائر الأنبياء ، بدليل قوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( ما من نبي إلا وقد عصى ، أو هم بمعصية غير يحيى ~~فإنه لم يعص ولم يهم ) . # فإن قيل : لما كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح فلما وصفه بالنبوة ~~فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بالصلاح ؟ # قلنا : أليس أن سليمان عليه السلام بعد حصول النبوة قال : { وأدخلنى ~~برحمتك فى عبادك الصالحين } ( النمل : 19 ) وتحقيق القول فيه : أن للأنبياء ~~قدرا من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة ، فذلك القدر بالنسبة إليهم يجري ~~مجرى حفظ الواجبات بالنسبة إلينا ، ثم بعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت ~~درجاتهم في الزيادة على ذلك القدر ، وكل من كان أكثر نصيبا منه كان أعلى ~~قدرا والله أعلم . # / قوله تعالى : { قال رب أنى يكون لي غلام } في الآية سؤالات : ~~PageV08P033 # السؤال الأول : قوله { رب } خطاب مع الله أو مع الملائكة ، لأنه جائز أن ~~يكون خطابا مع ms2238 الله ، لأن الآية المتقدمة دلت على أن الذين نادوه هم ~~الملائكة ، وهذا الكلام لا بد أن يكون خطابا مع ذلك المنادي لا مع غيره ، ~~ولا جائز أن يكون خطابا مع الملك ، لأنه لا يجوز للإنسان أن يقول للملك : ~~يا رب . # والجواب : للمفسرين فيه قولان الأول : أن الملائكة لما نادوه بذلك وبشروه ~~به تعجب زكريا عليه السلام ورجع في إزالة ذلك التعجب إلى الله تعالى ~~والثاني : أنه خطاب مع الملائكة والرب إشارة إلى المربي ، ويجوز وصف ~~المخلوق به ، فإنه يقال : فلان يربيني ويحسن إلي . # السؤال الثاني : لما كان زكريا عليه السلام هو الذي سأل الولد ، ثم أجابه ~~الله تعالى إليه فلم تعجب منه ولم استبعده ؟ # الجواب : لم يكن هذا الكلام لأجل أنه كان شاكا في قدرة الله تعالى على ~~ذلك والدليل عليه وجهان الأول : أن كل أحد يعلم أن خلق الولد من النطفة ~~إنما كان على سبيل العادة لأنه لو كان لا نطفة إلا من خلق ، ولا خلق إلا من ~~نطفة ، لزم التسلسل ولزم حدوث الحوادث في الأزل وهو محال ، فعلمنا أنه لا ~~بد من الانتهاء إلى مخلوق خلقه الله تعالى لا من نطفة أو من نطفة خلقها ~~الله تعالى لا من إنسان . # والوجه الثاني : أن زكريا عليه السلام طلب ذلك من الله تعالى ، فلو كان ~~ذلك محالا ممتنعا لما طلبه من الله تعالى ، فثبت بهذين الوجهين أن قوله { ~~أنى يكون لي غلام } ليس للاستبعاد ، بل ذكر العلماء فيه وجوها الأول : أنه ~~قوله { إنى } معناه : من أين . ويحتمل أن يكون معناه : كيف تعطي ولدا على ~~القسم الأول أم على القسم الثاني ، وذلك لأن حدوث الولد يحتمل وجهين أحدهما ~~: أن يعيد الله شبابه ثم يعطيه الولد مع شيخوخته ، فقوله { أنى يكون لي ~~غلام } معناه : كيف تعطي الولد على القسم الأول أم على القسم الثاني ؟ فقيل ~~له كذلك ، أي على هذا الحال والله يفعل ما يشاء ، وهذا القول ذكره الحسن ~~والأصم والثاني : أن من كان آيسا من الشيء مستبعدا لحصوله ووقوعه إذا اتفق ms2239 ~~أن حصل له ذلك المقصود فربما صار كالمدهوش من شدة الفرح فيقول : كيف حصل ~~هذا ، ومن أين وقع هذا كمن يرى إنسانا وهبه أموالا عظيمة ، يقول كيف وهبت ~~هذه الأموال ، ومن أين سمحت نفسك بهبتها ؟ فكذا ههنا لما كان زكريا عليه ~~السلام مستبعدا لذلك ، ثم اتفق إجابة الله تعالى إليه ، صار من عظم فرحه ~~وسروره قال ذلك الكلام الثالث : أن الملائكة لما بشروه بيحيى لم يعلم أنه ~~يرزق الولد من جهة أنثى أو من صلبه ، فذكر هذا الكلام لذلك الاحتمال الرابع ~~: أن العبد إذا كان في غاية الاشتياق إلى شيء فطلبه من السيد ، ثم إن / ~~السيد يعده بأنه سيعطيه بعد ذلك ، فالتذ السائل بسماع ذلك الكلام ، فربما ~~أعاد السؤال ليعيد ذلك الجواب فحينئذ يلتذ بسماع تلك الإجابة مرة أخرى ، ~~فالسبب في إعادة زكريا هذا الكلام يحتمل أن يكون من هذا الباب الخامس : نقل ~~سفيان بن عيينة أنه قال : كان دعاؤه قبل البشارة بستين سنة حتى كان قد نسي ~~ذلك السؤال وقت البشارة فلما سمع البشارة زمان الشيخوخة لا جرم استبعد ذلك ~~على مجرى العادة لا شكا في قدرة الله تعالى فقال ما قال السادس : نقل عن ~~السدي أن زكريا عليه السلام جاءه الشيطان عند سماع البشارة فقال إن هذا ~~الصوت من الشيطان ، وقد سخر منك فاشتبه الأمر على زكريا عليه السلام فقال : ~~{ رب أنى يكون لي غلام } وكان مقصوده من هذا الكلام أن يريه الله تعالى آية ~~تدل على أن ذلك الكلام من الوحي والملائكة لا من إلقاء PageV08P034 الشيطان ~~قال القاضي : لا يجوز أن يشتبه كلام الملائكة بكلام الشيطان عند الوحي على ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذ لو جوزنا ذلك لارتفع الوثوق عن كل ~~الشرائع ويمكن أن يقال : لما قامت المعجزات على صدق الوحي في كل ما يتعلق ~~بالدين لا جرم حصل الوثوق هناك بأن الوحي من الله تعالى بواسطة الملائكة ~~ولا مدخل للشيطان فيه ، أما ما يتعلق بمصالح الدنيا وبالولد فربما لم يتأكد ~~ذلك المعجز فلا جرم بقي احتمال ms2240 كون ذلك من الشيطان فلا جرم رجع إلى الله ~~تعالى في أن يزيل عن خاطره ذلك الاحتمال . # أما قوله تعالى : { وقد بلغني الكبر } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الكبر مصدر كبر الرجل يكبر إذا أسن ، قال ابن عباس : ~~كان يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت تسعين وثمان . # المسألة الثانية : قال أهل المعاني : كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك ~~وبلغك ، وكلما جاز أن يقول : بلغت الكبر جاز أن يقول بلغني الكبر يدل عليه ~~قول العرب : لقيت الحائط ، وتلقاني الحائط . # فإن قيل : يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد ، قلنا : هذا لا يجوز ، ~~والفرق بين الموضعين أن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه ~~، والإنسان أيضا يأتيه بمرور السنين عليه ، أما البلد فليس كالطالب للإنسان ~~الذاهب ، فظهر الفرق . # أما قوله { وامرأتى عاقر } . # اعلم أن العاقر من النساء التي لا تلد ، يقال : عقر يعقر عقرا ، ويقال ~~أيضا عقر الرجل ، وعقر بالحركات الثلاثة في القاف إذا لم يحمل له ، ورمل ~~عاقر : لا ينبت شيئا ، واعلم أن زكريا عليه السلام ذكر كبر نفسه مع كون ~~زوجته عاقرا لتأكيد حال الاستبعاد . # أما قوله { قال كذالك الله يفعل ما يشاء } ففيه بحثان الأول : أن قوله { ~~قال } عائد إلى مذكور / سابق ، وهو الرب المذكور في قوله { قال رب أنى يكون ~~لي غلام } وقد ذكرنا أن ذلك يحتمل أن يكون هو الله تعالى ، وأن يكون هو ~~جبريل . # البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) { كذالك الله } مبتدأ وخبر أي على ~~نحو هذه الصفة الله ، ويفعل ما يشاء بيان له ، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل ~~الخارقة للعادة . # ! 7 < { قال رب اجعل لىءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والإبكار } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 41 ) قال رب اجعل . . . . . # > > واعلم أن زكريا عليه السلام لفرط سروره بما بشر به وثقته بكرم ربه ، ~~وإنعامه عليه أحب أن يجعل له PageV08P035 علامة تدل على حصول العلوق ، وذلك ~~لأن العلوق لا يظهر في أول الأمر فقال ms2241 : { رب اجعل لىءاية } فقال الله ~~تعالى : { ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكره ههنا ثلاثة أيام ، وذكر في سورة مريم ثلاثة ليالي ~~فدل مجموع الآيتين على أن تلك الآية كانت حاصلة في الأيام الثلاثة مع ~~لياليها . # المسألة الثانية : ذكروا في تفسير هذه الآية وجوها أحدها : أنه تعالى حبس ~~لسانه ثلاثة أيام فلم يقدر أن يكلم الناس إلا رمزا ، وفيه فائدتان إحداهما ~~: أن يكون ذلك آية على علوق الولد والثانية : أنه تعالى حبس لسانه عن أمور ~~الدنيا ، وأقدره على الذكر والتسبيح والتهليل ، ليكون في تلك المدة مشتغلا ~~بذكر الله تعالى ، وبالطاعة والشكر على تلك النعمة الجسيمة وعلى هذا ~~التقدير يصير الشيء الواحد علامة على المقصود ، وأداء لشكر تلك النعمة ، ~~فيكون جامعا لكل المقاصد . # ثم اعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه أحدها : أن قدرته ~~على التكلم بالتسبيح والذكر ، وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من أعظم ~~المعجزات وثانيها : أن حصول ذلك المعجز في تلك الأيام المقدورة مع سلامة ~~البنية واعتدال المزاج من جملة المعجزات وثالثها : أن إخباره بأنه متى حصلت ~~هذه الحالة فقد حصل الولد ، ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضا ~~من المعجزات . # القول الثاني في تفسير هذه الآية : وهو قول أبي مسلم : أن المعنى أن ~~زكريا عليه السلام لما طلب من الله تعالى آية تدله على حصول العلوق ، قال ~~آيتك أن لا تكلم ، أي تصير مأمورا بأن / لا تتكلم ثلاثة أيام بلياليها مع ~~الخلق ، أي تكون مشتغلا بالذكر والتسبيح والتهليل معرضا عن الخلق والدنيا ~~شاكرا لله تعالى على إعطاء مثل هذه الموهبة ، فإن كانت لك حاجة دل عليها ~~بالرمز فإذا أمرت بهذه الطاعة فاعلم أنه قد حصل المطلوب ، وهذا القول عندي ~~حسن معقول ، وأبو مسلم حسن الكلام في التفسير كثير الغوص على الدقائق ~~واللطائف . # القول الثالث : روي عن قتادة أنه عليه الصلاة والسلام عوقب بذلك من حيث ~~سأل الآية بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصير بحيث لا يقدر ms2242 على الكلام . # أما قوله { إلا رمزا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : أصل الرمز الحركة ، يقال : ارتمز إذا تحرك ، ومنه قيل ~~للبحر : الراموز ، ثم اختلفوا في المراد بالرمز ههنا على أقوال أحدها : أنه ~~عبارة عن الإشارة كيف كانت باليد ، أو الرأس ، أو الحاجب ، أو العين ، أو ~~الشفة والثاني : أنه عبارة عن تحريك الشفتين باللفظ من غير نطق وصوت قالوا ~~: وحمل الرمز على هذا المعنى أولى ، لأن الإشارة بالشفتين يمكن وقوعها بحيث ~~تكون حركات الشفتين وقت الرمز مطابقة لحركاتهما عند النطق فيكون الاستدلال ~~بتلك الحركات على المعاني الذهنية أسهل والثالث : وهو أنه كان يمكنه أن ~~يتكلم بالكلام الخفي ، وأما رفع الصوت بالكلام فكان ممنوعا منه . # فإن قيل : الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه ؟ . # قلنا : لما أدى ما هو المقصود من الكلام سمي كلاما ، ويجوز أيضا أن يكون ~~استثناء منقطعا فأما إن PageV08P036 حملنا الرمز على الكلام الخفي فإن ~~الإشكال زائل . # المسألة الثانية : قرأ يحيى بن وثاب { إلا رمزا } بضمتين جمع رموز / ~~كرسول ورسل ، وقرىء { رمزا } بفتح الراء والميم جمع رامز ، كخادم وخدم ، ~~وهو حال منه ومن الناس ، ومعنى { إلا رمزا } إلا مترامزين ، كما يتكلم ~~الناس مع الأخرس بالإشارة ويكلمهم . # ثم قال الله تعالى : { واذكر ربك كثيرا } وفيه قولان أحدهما : أنه تعالى ~~حبس لسانه عن أمور الدنيا { إلا رمزا } فأما في الذكر والتسبيح ، فقد كان ~~لسانه جيدا ، وكان ذلك من المعجزات الباهرة والثاني : إن المراد منه الذكر ~~بالقلب وذلك لأن المستغرقين في بحار معرفة الله تعالى عادتهم في الأول أن ~~يواظبوا على الذكر اللساني مدة فإذا امتلأ القلب من نور ذكر الله سكت ~~اللسان وبقي الذكر في القلب ، ولذلك قالوا : من عرف الله كل لسانه ، فكأن ~~زكريا عليه السلام أمر بالسكوت واستحضار معاني الذكر والمعرفة واستدامتها . # { وسبح بالعشى والإبكار } وفيه مسألتان : # / المسألة الأولى : { * العشي } من حين نزول الشمس إلى أن تغيب ، قال ~~الشاعر : # % فلا الظل من برد الضحى تستطيعه % % ولا الفيء من برد العشى تذوق % # والفيء إنما يكون من حين زوال الشمس إلى ms2243 أن يتناهى غروبها ، وأما الإبكار ~~فهو مصدر بكرر يبكر إذا خرج للأمر في أول النهار ، ومثله بكر وابتكر وبكر ، ~~ومنه الباكورة لأول الثمرة ، هذا هو أصل اللغة ، ثم سمي ما بين طلوع الفجر ~~إلى الضحى : إبكارا ، كما سمي إصباحا ، وقرأ بعضهم { بالعشى والإبكار } ~~بفتح الهمزة ، جمع بكر كسحر وأسحار ، ويقال : أتيته بكرا بفتحتين . # المسألة الثانية : في قوله { وسبح } قولان أحدهما : المراد منه : وصل لأن ~~الصلاة تسمى تسبيحا قال الله تعالى : { فسبحان الله حين تمسون } وأيضا ~~الصلاة مشتملة على التسبيح ، فجاز تسمية الصلاة بالتسبيح ، وههنا الدليل دل ~~على وقوع هذا المحتمل وهو من وجهين الأول : أنا لو حملناه على التسبيح ~~والتهليل لم يبق بين هذه الآية وبين ما قبلها وهو قوله { واذكر ربك } فرق ، ~~وحينئذ يبطل لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز والثاني : وهو أنه شديد ~~الموافقة لقوله تعالى : { أقم الصلواة * طرفى النهار } وثانيهما : أن قوله ~~{ واذكر ربك } محمول على الذكر باللسان . # القصة الثالثة # وصفه طهارة مريم صلوات الله عليها # ! 7 < { وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نسآء ~~العالمين * يامريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 42 - 43 ) وإذ قالت الملائكة . . . . . # > > # وفيه مسائل : PageV08P037 # المسألة الأولى : عامل الإعراب ههنا في { إذ } هو ما ذكرناه في قوله { إذ ~~قالت امرأت عمران } ( آل عمران : 35 ) من قوله { سميع عليم } ثم عطف عليه { ~~إذ قالت الملئكة } وقيل : تقديره واذكر إذ قالت الملائكة . # المسألة الثانية : قالوا المراد بالملائكة ههنا جبريل وحده ، وهذا كقوله ~~{ ينزل الملائكة بالروح من أمره } ( النحل : 2 ) يعني جبريل ، وهذا وإن كان ~~عدولا عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه ، لأن / سورة مريم دلت على أن ~~المتكلم مع مريم عليها السلام هو جبريل عليه السلام ، وهو قوله { فأرسلنا ~~إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا } ( مريم : 17 ) . # المسألة الثالثة : اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء لقوله ~~تعالى : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل القرى } ( يوسف ~~: 109 ) وإذا كان كذلك ms2244 كان إرسال جبريل عليه السلام إليها إما أن يكون ~~كرامة لها ، وهو مذهب من يجوز كرامات الأولياء ، أو إرهاصا لعيسى عليه ~~السلام ، وذلك جائز عندنا ، وعند الكعبي من المعتزلة ، أو معجزة لزكرياء ~~عليه السلام ، وهو قول جمهور المعتزلة ، ومن الناس من قال : إن ذلك كان على ~~سبيل النفث في الروع والإلهام والإلقاء في القلب ، كما كان في حق أم موسى ~~عليه السلام في قوله { وأوحينا إلى أم موسى } ( القصص : 7 ) . # المسألة الرابعة : اعلم أن المذكور في هذه الآية أولا : هو الاصطفاء ، ~~وثانيا : التطهير ، وثالثا : الاصطفاء على نساء العالمين ، ولا يجوز أن ~~يكون الاصطفاء أولا من الاصطفاء الثاني ، لما أن التصريح بالتكرير غير لائق ~~، فلا بد من صرف الاصطفاء الأول إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول ~~عمرها ، والاصطفاء الثاني إلى ما اتفق لها في آخر عمرها . # النوع الأول من الاصطفاء : فهو أمور أحدها : أنه تعالى قبل تحريرها مع ~~أنها كانت أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث وثانيها : قال ~~الحسن : إن أمها لما وضعتها ما غذتها طرفة عين ، بل ألقتها إلى زكريا ، ~~وكان رزقها يأتيها من الجنة وثالثها : أنه تعالى فرغها لعبادته ، وخصها في ~~هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة ورابعها : أنه كفاها أمر معيشتها ~~، فكان يأتيها رزقها من عند الله تعالى على ما قال الله تعالى : { أنى لك ~~هاذا قالت هو من عند الله } وخامسها : أنه تعالى أسمعها كلام الملائكة ~~شفاها ، ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها ، فهذا هو المراد من الاصطفاء الأول ، ~~وأما التطهير ففيه وجوه أحدها : أنه تعالى طهرها عن الكفر والمعصية ، فهو ~~كقوله تعالى في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم { ويطهركم تطهيرا } ( ~~الأحزاب : 33 ) وثانيها : أنه تعالى طهرها عن مسيس الرجال وثالثها : طهرها ~~عن الحيض ، قالوا : كانت مريم لا تحيض ورابعها : وطهرك من الأفعال الذميمة ~~، والعادات القبيحة وخامسها : وطهرك عن مقالة اليهود وتهمتهم وكذبهم . # وأما الاصطفاء الثاني : فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى عليه السلام من ~~غير أب ، وأنطق عيسى حال انفصاله ms2245 منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن ~~التهمة ، وجعلها وابنها آية للعالمين ، فهذا هو المراد من هذه الألفاظ ~~الثلاثة . PageV08P038 # المسألة الخامسة : روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( حسبك من نساء ~~العالمين أربع : مريم وآسية امرأة فرعون ، وخديجة ، وفاطمة عليهن السلام ) ~~فقيل هذا الحديث دل على أن هؤلاء الأربع أفضل من النساء ، وهذه الآي دلت ~~على أن مريم عليها السلام أفضل من الكل ، وقول من / قال المراد إنها مصطفاة ~~على عالمي زمانها ، فهذا ترك الظاهر . # ثم قال تعالى : { العالمين يامريم اقنتى لربك واسجدى } وقد تقدم تفسير ~~القنوت في سورة البقرة في قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } ( البقرة : ~~238 ) وبالجملة فلما بين تعالى أنها مخصوصة بمزيد المواهب والعطايا من الله ~~أوجب عليها مزيد الطاعات ، شكرا لتلك النعم السنية ، وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : لم قدم ذكر السجود على ذكر الركوع ؟ . # والجواب من وجوه الأول : أن الواو تفيد الاشتراك ولا تفيد الترتيب الثاني ~~: أن غاية قرب العبد من الله أن يكون ساجدا قال عليه الصلاة والسلام : ( ~~أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد ) فلما كان السجود مختصا بهذا النوع من ~~الرتبة والفضيلة لا جرم قدمه على سائر الطاعات . # ثم قال : { واركعى مع الركعين } وهو إشارة إلى الأمر بالصلاة ، فكأنه ~~تعالى يأمرها بالمواظبة على السجود في أكثر الأوقات ، وأما الصلاة فإنها ~~تأتي بها في أوقاتها المعينة لها والثالث : قال ابن الأنباري : قوله تعالى ~~: { اقنتى } أمر بالعبادة على العموم ، ثم قال بعد ذلك { واسجدى واركعى } ~~يعني استعملي السجود في وقته اللائق به ، واستعملي الركوع في وقته اللائق ~~به ، وليس المراد أن يجمع بينهما ، ثم يقدم السجود على الركوع والله أعلم ~~الرابع : أن الصلاة تسمى سجودا كما قيل في قوله { وأدبار السجود } ( ق : 40 ~~) وفي الحديث ( إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين ) وأيضا المسجد سمي ~~باسم مشتق من السجود والمراد منه موضع الصلاة ، وأيضا أشرف أجزاء الصلاة ~~السجود وتسمية الشيء باسم أشرف أجزائه نوع مشهور في المجاز . # إذا ثبت هذا فنقول قوله { العالمين يامريم ms2246 اقنتى } معناه : يا مريم قومي ~~، وقوله { واسجدى } أي صلي فكان المراد من هذا السجود الصلاة ، ثم قال : { ~~واركعى مع الركعين } إما أن يكون أمرا لها بالصلاة بالجماعة فيكون قوله { ~~واسجدى } أمرا بالصلاة حال الانفراد ، وقوله { واركعى مع الركعين } أمرا ~~بالصلاة في الجماعة ، أو يكون المراد من الركوع التواضع ويكون قوله { ~~واسجدى } أمرا ظاهرا بالصلاة ، وقوله { واركعى مع الركعين } أمرا بالخضوع ~~والخشوع بالقلب . # الوجه الخامس في الجواب : لعله كان السجود في ذلك الدين متقدما على ~~الركوع . # السؤال الثاني : اما المراد من قوله { واركعى مع الركعين } . # والجواب : قيل معناه : افعلي كفعلهم ، وقيل المراد به الصلاة في الجماعة ~~كانت مأمورة بأن تصلي في بيت المقدس مع المجاورين فيه ، وإن كانت لا تختلط ~~بهم . # السؤال الثالث : لم لم يقل واركعي مع الراكعات ؟ # والجواب لأن الاقتداء بالرجال حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء ~~بالنساء . PageV08P039 # واعلم أن المفسرين قالوا : لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات مع مريم عليها ~~السلام شفاها ، / قامت مريم في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح من ~~قدميها . # ! 7 < { ذالك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ~~أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 44 ) ذلك من أنباء . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { ذالك } إشارة إلى ما تقدم ، والمعنى أن الذي مضى ذكره ~~من حديث حنة وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم ، إنما هو من إخبار الغيب فلا ~~يمكنك أن تعلمه إلا بالوحي . # فإن قيل : لم نفيت هذه المشاهدة ، وانتفاؤها معلوم بغير شبهة ، وترك نفي ~~استماع هذه الأشياء من حفاظها وهو موهوم ؟ . # قلنا : كان معلوما عندهم علما يقينيا أنه ليس من أهل السماع والقراءة ، ~~وكانوا منكرين للوحي ، فلم يبق إلا المشاهدة ، وهي وإن كانت في غاية ~~الاستبعاد إلا أنها نفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنه لا ~~سماع ولا قراءة ، ونظيره { وما كنت بجانب الغربى } ( القصص : 44 ) ، { وما ~~كنت بجانب الطور } ( القصص : 46 ) وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم } ( يوسف ~~: 102 ) { * } ( يوسف : 102 ) { وما ms2247 كنت * تعلمها أنت ولا قومك من قبل هاذا ~~} ( هود : 49 ) . # المسألة الثانية : الأنباء : الإخبار عما غاب عنك ، وأما الإيحاء فقد ورد ~~الكتاب به على معان مختلفة ، يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة ~~أو كتابة أو غيرهما ، وبهذا التفسير يعد الإلهام وحيا كقوله تعالى : { ~~وأوحى ربك إلى النحل } ( النحل : 68 ) وقال في الشياطين { ليوحون إلى ~~أوليائهم } ( الأنعام : 121 ) وقال : { فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } ~~( مريم : 11 ) فلما كان الله سبحانه ألقى هذه الأشياء إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام بحيث يخفى ذلك على غيره سماه وحيا . # أما قوله تعالى : { إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في تلك الأقلام وجوها الأول : المراد بالأقلام ~~التي كانوا يكتبون بها التوراة وسائر كتب الله تعالى ، وكان القراع على أن ~~كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه ، فلما فعلوا ذلك صار قلم ~~زكريا كذلك فسلموا الأمر له وهذا قول الأكثرين والثاني : أنهم ألقوا عصيهم ~~في الماء الجاري جرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم ، هذا قول الربيع ~~والثالث : قال أبو مسلم : معنى يلقون أقلامهم مما كانت الأمم تفعله من ~~المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم فمن خرج له ~~السهم سلم له الأمر ، وقد قال الله تعالى : { فساهم فكان من المدحضين } ( ~~الصافات : 141 ) وهو شبيه PageV08P040 بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب ~~لحم الجزور ، وإنما سميت هذه السهام أقلاما لأنها تقلم وتبرى ، وكل ما قطعت ~~منه شيئا بعد شيء فقد قلمته ، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلما . # قال القاضي : وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحا نظرا إلى أصل ~~الاشتقاق ، إلا أن العرف أوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به ، فوجب حمل ~~لفظ القلم عليه . # المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون أقلامهم في شيء ~~على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب ، وإما ليس ~~فيه دلالة على كيفية ذلك ms2248 الإلقاء ، إلا أنه روي في الخبر أنهم كانوا ~~يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له ، ثم ~~إنه حصل هذا المعنى لزكريا عليه السلام ، فلا جرم صار هو أولى بكفالتها ~~والله أعلم . # المسألة الثالثة : اختلفوا في السبب الذي لأجله رغبوا في كفالتها حتى ~~أدتهم تلك الرغبة إلى المنازعة / فقال بعضهم : إن عمران أباها كان رئيسا ~~لهم ومقدما عليهم ، فلأجل حق أبيها رغبوا في كفالتها ، وقال بعضهم : إن ~~أمها حررتها لعبادة الله تعالى ولخدمة بيت الله تعالى ، ولأجل ذلك حرصوا ~~على التكفل بها ، وقال آخرون : بل لأن في الكتب الإلاهية كان بيان أمرها ~~وأمر عيسى عليه السلام حاصلا فتقربوا لهذا السبب حتى اختصموا . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أن أولئك المختصمين من كانوا ؟ فمنهم من ~~قال : كانوا هم خدمة البيت ، ومنهم من قال : بل العلماء والأحبار وكتاب ~~الوحي ، ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في ~~الطريق . # أما قوله : { أيهم يكفل مريم } ففيه حذف والتقدير : يلقون أقلامهم ~~لينظروا أيهم يكفل مريم وإنما حسن لكونه معلوما . # أما قوله { وما كنت لديهم إذ يختصمون } فالمعنى وما كنت هناك إذ يتقارعون ~~على التكفل بها وإذ يختصمون بسببها فيحتمل أن يكون المراد بهذا الاختصام ما ~~كان قبل الإقراع ، ويحتمل أن يكون اختصاما آخر حصل بعد الإقراع ، وبالجملة ~~فالمقصود من الآية شدة رغبتهم في التكفل بشأنها ، والقيام بإصلاح مهماتها ، ~~وما ذاك إلا لدعاء أمها حيث قالت { فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } ( آل ~~عمران : 35 ) وقالت { إنى * أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } ( آل ~~عمران : 36 ) . # ! 7 < { إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ~~عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والا خرة ومن المقربين * ويكلم الناس فى ~~المهد وكهلا ومن الصالحين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 45 - 46 ) إذ قالت الملائكة . . . . . # > > PageV08P041 @42@ # اعلم أنه تعالى لما شرح حال مريم عليها السلام ، في أول أمرها وفي آخر ~~أمرها وشرح كيفية ولادتها لعيسى عليه السلام ، فقال : { إذ ms2249 قالت الملئكة } ~~وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اختلفوا في العامل في { إذ } قيل : العامل فيه . وما ~~كنت لديهم إذ قالت الملائكة ، وقيل : يختصمون إذ قالت الملائكة ، وقيل : ~~إنه معطوف على { إذ } الأولى في قوله { إذ قالت امرأت عمران } وقيل التقدير ~~: إن ما وصفته من أمور زكريا ، وهبة الله له يحيى كان إذ قالت الملائكة يا ~~مريم إن الله يبشرك ، وأما أبو عبيدة : فإنه يجري في هذا الباب على مذهب له ~~معروف ، وهو أن { إذ } صلة في الكلام وزيادة ، واعلم أن القولين الأولين ~~فيهما بعض الضعف وذلك لأن مريم حال ما كانوا يلقون الأقلام وحال ما كانوا ~~يختصمون ما بلغت الجد الذي تبشر فيه بعيسى عليه السلام ، إلا قول الحسن : ~~فإنه يقول إنها كانت عاقلة في حال الصغر ، فإن ذلك كان من كراماتها ، فإن ~~صح ذلك جاز في تلك الحال أن يرد عليها البشرى من الملائكة ، وإلا فلا بد من ~~تأخر هذه البشرى إلى حين العقل ، ومنهم من تكلف الجواب ، فقال : يحتمل أن ~~يقال الاختصام والبشرى وقعا في زمان واسع ، كما تقول لقيته في سنة كذا ، ~~وهذا الجواب بعيد والأصوب هو الوجه الثالث ، والرابع ، أما قول أبي عبيدة : ~~فقد عرفت ضعفه ، والله أعلم . # المسألة الثانية : ظاهر قوله { إذ قالت الملئكة } يفيد الجمع إلا أن ~~المشهور أن ذلك المنادي كان جبريل عليه السلام ، وقد قررناه فيما تقدم ، ~~وأما البشارة فقد ذكرنا تفسيرها في سورة البقرة في قوله { وبشر الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات } ( البقرة : 25 ) . # وأما قوله تعالى : { بكلمة منه } فقد ذكرنا تفسير الكلمة من وجوه وأليقها ~~بهذا الموضع وجهان الأول : أن كل علوق وإن كان مخلوقا بواسطة الكلمة وهي ~~قوله { كن } إلا أن ما هو السبب المتعارف كان مفقودا في حق عيسى عليه ~~السلام وهو الأب ، فلا جرم كان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكل وأتم فجعل بهذا ~~التأويل كأنه نفس الكلمة كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال ~~فيه على سبيل المبالغة إنه نفس الجود ، ومحض الكرم ، وصريح الإقبال ، فكذا ~~ههنا ms2250 . # والوجه الثاني : أن السلطان العادل قد يوصف بأنه ظل الله في أرضه ، وبأنه ~~نور الله لما / أنه سبب لظهور ظل العدل ، ونور الإحسان ، فكذلك كان عيسى ~~عليه السلام سببا لظهور كلام الله عز وجل بسبب كثرة بياناته وإزالة الشبهات ~~والتحريفات عنه فلا يبعد أن يسمى بكلمة الله تعالى على هذا التأويل . # فإن قيل : ولم قلتم إن حدوث الشخص من غير نطفة الأب ممكن قلنا : أما على ~~أصول المسلمين فالأمر فيه ظاهر ويدل عليه وجهان الأول : أن تركيب الأجسام ~~وتأليفها على وجه يحصل فيها الحياة والفهم ، والنطق أمر ممكن ، وثبت أنه ~~تعالى قادر على الممكنات بأسرها ، وكان سبحانه وتعالى قادرا على إيجاد ~~الشخص ، لا من نطفة الأب ، وإذا ثبت الإمكان ، ثم إن المعجز قام على صدق ~~النبي ، فوجب أن يكون صادقا ، ثم أخبر عن وقوع ذلك الممكن ، والصادق إذا ~~أخبر عن وقوع الممكن وجب القطع بكونه كذلك ، فثبت صحة ما ذكرناه الثاني : ~~ما ذكره الله تعالى في قوله { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم } ( آل عمران ~~: 59 ) فلما لم يبعد تخليق آدم من غير أب فلأن لا يبعد تخليق عيسى من غير ~~آب كان أولى وهذه حجة ظاهرة ، وأما على أصول الفلاسفة فالأمر في تجويزه ~~ظاهر ويدل عليه وجوه الأول : أن الفلاسفة اتفقوا على PageV08P042 أنه لا ~~يمتنع حدوث الإنسان على سبيل التوالد من غير تولد قالوا : لأن بدن الإنسان ~~إنما استعد لقبول النفس الناطقة التي تدبر بواسطة حصول المزاج المخصوص في ~~ذلك البدن ، وذلك المزاج إنما جعل لامتزاج العناصر الأربعة على قدر معين في ~~مدة معينة ، فحصول أجزاء العناصر على ذلك القدر الذي يناسب بدن الإنسان غير ~~ممتنع وامتزاجها غير ممتنع ، فامتزاجها يكون عند حدوث الكيفية المزاجية ~~واجبا ، وعند حدوث الكيفية المزاجية يكون تعلق النفس بذلك البدن واجبا ، ~~فثبت أن حدوث الإنسان على سبيل التولد معقول ممكن ، وإذا كان الأمر كذلك ~~فحدوث الإنسان لا عن الأب أولى بالجواز والإمكان . # الوجه الثاني : وهو أنا نشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل ms2251 التولد ، ~~كتولد الفأر عن المدر ، والحيات عن الشعر ، والعقارب عن الباذروج ، وإذا ~~كان كذلك فتولد الولد لا عن الأب أولى أن لا يكون ممتنعا . # الوجه الثالث : وهو أن التخيلات الذهنية كثيرا ما تكون أسبابا لحدوث ~~الحوادث الكثيرة ليس أن تصور المنافي يوجب حصول كيفية الغضب ، ويوجب حصول ~~السخونة الشديدة في البدن أليس اللوح الطويل إذا كان موضوعا على الأرض قدر ~~الإنسان على المشي عليه ولو جعل كالقنطرة على وهدة لم يقدر على المشي عليه ~~، بل كلما مشى عليه يسقط وما ذاك إلا أن تصور السقوط يوجب حصول السقوط ، ~~وقد ذكروا في ( كتب الفلسفة ) أمثلة كثيرة لهذا الباب ، وجعلوها كالأصل في ~~بيان جواز المعجزات والكرامات ، فما المانع من أن يقال إنه لما تخيلت صورته ~~عليه السلام كفى ذلك في علوق الولد في رحمها . وإذا كان كل هذه الوجوه ~~ممكنا محتملا كان القول / بحدوث عيسى عليه السلام من غير واسطة الأب قولا ~~غير ممتنع ، ولو أنك طالبت جميع الأولين والآخرين من أرباب الطبائع والطب ~~والفلسفة على إقامة حجة إقناعية في امتناع حدوث الولد من غير الأب لم يجدوا ~~إليه سبيلا إلا الرجوع إلا استقراء العرف والعادة ، وقد اتفق علماء ~~الفلاسفة على أن مثل هذا الاستقراء لا يفيد الظن القوي فضلا عن العلم ، ~~فعلمنا أن ذلك أمر ممكن فلما أخبر العباد عن وقوعه وجب الجزم به والقطع ~~بصحته . # أما قوله تعالى : { بكلمة منه } فلفظة { من } ليست للتبعيض ههنا إذ لو ~~كان كذلك لكان الله تعالى متجزئا متبعضا متحملا للاجتماع والافتراق وكل من ~~كان كذلك فهو محدث وتعالى الله عنه ، بل المراد من كلمة { من } ههنا ابتداء ~~الغاية وذلك لأن في حق عيسى عليه السلام لما لم تكن واسطة الأب موجودة صار ~~تأثير كلمة الله تعالى في تكوينه وتخليقه أكمل وأظهر فكان كونه كلمة { الله ~~} مبدأ لظهوره ولحدوثه أكمل فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهمه ~~النصارى والحلولية . # وأما قوله تعالى : { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : المسيح : هل هو ms2252 اسم مشتق ، أو موضوع ؟ . # والجواب : فيه قولان الأول : قال أبو عبيدة والليث : أصله بالعبرانية ~~مشيحا ، فعربته العرب وغيروا لفظه ، وعيسى : أصله يشوع كما قالوا في موسى : ~~أصله موشى ، أو ميشا بالعبرانية ، وعلى هذا القول لا يكون له اشتقاق . ~~PageV08P043 # والقول الثاني : أنه مشتق وعليه الأكثرون ، ثم ذكروا فيه وجوها الأول : ~~قال ابن عباس : إنما سمي عيسى عليه السلام مسيحا ، لأنه ما كان يمسح بيده ~~ذا عاهة ، إلا برىء من مرضه الثاني : قال أحمد بن يحيى : سمي مسيحا لأنه ~~كان يمسح الأرض أي يقطعها ، ومنه مساحة أقسام الأرض ، وعلى هذا المعنى يجوز ~~أن يقال : لعيسى مسيح بالتشديد على المبالغة كما يقال للرجل فسيق وشريب ~~الثالث : أنه كان مسيحا ، لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله تعالى ، فعلى هذه ~~الأقوال : هو فعيل بمعنى : فاعل ، كرحيم بمعنى : راحم الرابع : أنه مسح من ~~الأوزار والآثام والخامس : سمي مسيحا لأنه ما كان في قدمه خمص ، فكان ممسوح ~~القدمين والسادس : سمي مسيحا لأنه كان ممسوحا بدهن طاهر مبارك يمسح به ~~الأنبياء ، ولا يمسح به غيرهم ، ثم قالوا : وهذا الدهن يجوز أن يكون الله ~~تعالى جعله علامة حتى تعرف الملائكة أن كل من مسح به وقت الولادة فإنه يكون ~~نبيا السابع : سمي مسيحا لأنه مسحه جبريل صلى الله عليه وسلم بجناحه وقت ~~ولادته ليكون ذلك صونا له عن مس الشيطان الثامن : سمي مسيحا لأنه خرج من ~~بطن أمه ممسوحا بالدهن ، وعلى هذه الأقوال يكون المسيح ، بمعنى : الممسوح ، ~~فعيل بمعنى : مفعول . قال أبو عمرو بن العلاء المسيح : الملك . وقال النخعي ~~: المسيح الصديق والله أعلم . ولعلهما قالا ذلك من جهة كونه مدحا / لا ~~لدلالة اللغة عليه ، وأما المسيح الدجال فإنما سمي مسيحا لأحد وجهين أحدهما ~~: لأنه ممسوح أحد العينين والثاني : أنه يمسح الأرض أي : يقطعها في المدة ~~القليلة ، قالوا : ولهذا قيل له : دجال لضربه في الأرض ، وقطعه أكثر ~~نواحيها ، يقال : قد دجل الدجال إذا فعل ذلك ، وقيل : سمي دجالا من قوله : ~~دجل الرجل إذا موه ولبس . # السؤال الثاني : المسيح كان كاللقب ms2253 له ، وعيسى كالاسم فلم قدم اللقب على ~~الاسم ؟ . # الجواب : أن المسيح كاللقب الذي يفيد كونه شريفا رفيع الدرجة ، مثل ~~الصديق والفاروق فذكره الله تعالى أولا بلقبه ليفيد علو درجته ، ثم ذكره ~~باسمه الخاص . # السؤال الثالث : لم قال عيسى بن مريم والخطاب مع مريم ؟ . # الجواب : لأن الأنبياء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات ، فلما نسبه ~~الله تعالى إلى الأم دون الأب ، كان ذلك إعلاما لها بأنه محدث بغير الأب ، ~~فكان ذلك سببا لزيادة فضله وعلو درجته . # السؤال الرابع : الضمير في قوله : اسمه عائد إلى الكلمة وهي مؤنثة فلم ~~ذكر الضمير ؟ . # الجواب : لأن المسمى بها مذكر . # السؤال الخامس : لم قال اسمه المسيح عيسى بن مريم ؟ والاسم ليس إلا عيسى ~~، وأما المسيح فهو لقب ، وأما ابن مريم فهو صفة . # الجواب : الاسم علامة المسمى ومعرف له ، فكأنه قيل : الذي يعرف به هو ~~مجموع هذه الثلاثة . # أما قوله تعالى : { وجيها في الدنيا والاخرة } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : معنى الوجيه : ذو الجاه والشرف والقدر ، يقال : وجه ~~الرجل ، يوجه وجاهة هو وجيه ، إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس والسلطان ~~، وقال بعض أهل اللغة : الوجيه : هو الكريم ، لأن أشرف PageV08P044 أعضاء ~~الإنسان وجهه فجعل الوجه استعارة عن الكرم والكمال . # واعلم أن الله تعالى وصف موسى صلى الله عليه وسلم بأنه كان وجيها قال ~~الله تعالى : { كبيرا ياأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى ~~فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها } ( الأحزاب : 69 ) ثم للمفسرين ~~أقوال : الأول : قال الحسن : كان وجيها في الدنيا بسبب النبوة ، وفي الآخرة ~~بسبب علو المنزلة عند الله تعالى والثاني : أنه وجيه عند الله تعالى ، وأما ~~عيسى عليه السلام ، فهو وجيه في الدنيا بسبب أنه يستجاب دعاؤه ويحيي الموتى ~~ويبرىء الأكمه والأبرص بسبب دعائه ، ووجيه في الآخرة بسبب أنه يجعله شفيع ~~أمته المحقين ويقبل شفاعتهم فيهم كما يقبل شفاعة أكابر الأنبياء عليهم ~~السلام والثالث : أنه وجهه في الدنيا بسبب أنه كان مبرأ من العيوب التي ~~وصفه اليهود بها ، ووجيه في الآخرة بسبب كثرة ms2254 ثوابه وعلو درجته عن الله ~~تعالى . # / فإن قيل : كيف كان وجيها في الدنيا واليهود عاملوه بما عاملوه ، قلنا : ~~قد ذكرنا أنه تعالى سمى موسى عليه السلام بالوجيه مع أن اليهود طعنوا فيه ، ~~وآذوه إلى أن برأه الله تعالى مما قالوا ، وذلك لم يقدح في وجاهة موسى عليه ~~السلام ، فكذا ههنا . # المسألة الثانية : قال الزجاج { وجيها } منصوب على الحال ، المعنى : أن ~~الله يبشرك بهذا الولد وجيها في الدنيا والآخرة ، والفراء يسمي هذا قطعا ~~كأنه قال : عيسى بن مريم الوجيه فقطع منه التعريف . # أما قوله { ومن المقربين } ففيه وجوه أحدها : أنه تعالى جعل ذلك كالمدح ~~العظيم للملائكة فألحقه بمثل منزلتهم ودرجتهم بواسطة هذه الصفة وثانيها : ~~أن هذا الوصف كالتنبيه على أنه عليه السلام سيرفع إلى السماء وتصاحبه ~~الملائكة وثالثها : أنه ليس كل وجيه في الآخرة يكون مقربا لأن أهل الجنة ~~على منازل ودرجات ، ولذلك قال تعالى : { وكنتم أزواجا ثلاثة } ( الواقعة : ~~7 ) إلى قوله { والسابقون السابقون * أولئك المقربون } ( الواقعة : 10 ) . # أما قوله تعالى : { ويكلم الناس فى المهد وكهلا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الواو للعطف على قوله { وجيها } والتقدير كأنه قال : ~~وجيها ومكلما للناس وهذا عندي ضعيف ، لأن عطف الجملة الفعلية على الإسمية ~~غير جائز إلا للضرورة ، أو الفائدة والأولى أن يقال تقدير الآية { إن الله ~~يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم } الوجيه في الدنيا والآخرة ~~المعدود من المقربين ، وهذا المجموع جملة واحدة ، ثم قال : { ويكلم الناس } ~~فقوله { ويكلم الناس } عطف على قوله { إن الله يبشرك } . # المسألة الثانية : في المهد قولان أحدهما : أنه حجر أمه والثاني : هو هذا ~~الشيء المعروف الذي هو مضجع الصبي وقت الرضاع ، وكيف كان المراد منه : فإنه ~~يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ، ولا يختلف هذا ~~المقصود سواء كان في حجر أمه و كان في المهد . # المسألة الثالثة : قوله { وكهلا } عطف على الظرف من قوله { فى المهد } ~~كأنه قيل : يكلم الناس صغيرا وكهلا وههنا سؤالات : # السؤال الأول : ما الكهل ؟ . PageV08P045 # الجواب : الكهل في اللغة ما ms2255 اجتمع قوته وكمل شبابه ، وهو مأخوذ من قول ~~العرب اكتهل النبات إذا قوي وتم قال الأعشى : # يضاحك الشمس منها كوكب شرق # مؤزر بجميم النبت مكتهل # أراد بالمكتهل المتناهي في الحسن والكمال . # السؤال الثاني : أن تكلمه حال كونه في المهد من المعجزات ، فأما تكلمه ~~حال الكهولة فليس من المعجزات ، فما الفائدة في ذكره ؟ . # / والجواب : من وجوه الأول : أن المراد منه بيان كونه متقلبا في الأحوال ~~من الصبا إلى الكهولة والتغير على الإلاه تعالى محال ، والمراد منه الرد ~~على وفد نجران في قولهم : إن عيسى كان إلاها والثاني : المراد منه أن يكلم ~~الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه ، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي ~~والنبوة والثالث : قال أبو مسلم : معناه أنه يكلم حال كونه في المهد ، وحال ~~كونه كهلا على حد واحد وصفة واحدة وذلك لا شك أنه غاية في المعجز الرابع : ~~قال الأصم : المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة . # السؤال الثالث : نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثا ~~وثلاثين سنة وستة أشهر ، وعلى هذا التقدير : فهو ما بلغ الكهولة . # والجواب : من وجهين الأول : بينا أن الكهل في أصل اللغة عبارة عن الكامل ~~التام ، وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين / فصح وصفه ~~بكونه كهلا في هذا الوقت والثاني : هو قول الحسين بن الفضل البجلي : أن ~~المراد بقوله { وكهلا } أن يكون كهلا بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان ~~، ويكلم الناس ، ويقتل الدجال ، قال الحسين بن الفضل : وفي هذه الآية نص في ~~أنه عليه الصلاة والسلام سينزل إلى الأرض . # المسألة الرابعة : أنكرت النصارى كلام المسيح عليه السلام في المهد ، ~~واحتجوا على صحة قولهم بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ، ولا شك ~~أن هذه الواقعة لو وقعت لوجب أن يكون وقوعها في حضور الجمع العظيم الذي ~~يحصل القطع واليقين بقولهم ، لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد والإثنين لا ~~يجوز ، ومتى حدثت الواقعة العجيبة جدا عند حضور الجمع العظيم فلا بد وأن ~~تتوفر الدواعي على ms2256 النقل فيصير ذلك بالغا حد التواتر ، وإخفاء ما يكون ~~بالغا إلى حد التواتر ممتنع ، وأيضا فلو كان ذلك لكان ذلك الإخفاء ههنا ~~ممتنعا لأن النصارى بالغوا في إفراط محبته إلى حيث قالوا إنه كان إلاها ، ~~ومن كان كذلك يمتنع أن يسعى في إخفاء مناقبه وفضائله بل ربما يجعل الواحد ~~ألفا فثبت أن لو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى ~~، ولما أطبقوا على إنكارها علمنا أنه ما كان موجودا ألبتة . # أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة ، وقالوا : إن كلام عيسى عليه السلام في ~~المهد إنما كان للدلالة على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة ، وكان ~~الحاضرون جمعا قليلين ، فالسامعون لذلك الكلام ، كان جمعا قليلا ، ولا يبعد ~~في مثله التواطؤ على الإخفاء ، وبتقدير : أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود ~~كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت ، فهم أيضا قد سكتوا لهذه العلة ~~فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتوما PageV08P046 مخفيا إلى أن أخبر الله ~~سبحانه وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأيضا فليس كل النصارى ~~ينكرون ذلك ، فإنه نقل عن جعفر بن أبي طالب : لما قرأ على النجاشي / سورة ~~مريم ، قال النجاشي : لا تفاوت بين واقعة عيسى ، وبين المذكور في هذا ~~الكلام بذرة . # ثم قال تعالى : { ومن الصالحين } . # فإن قيل : كون عيسى كلمة من الله تعالى ، وكونه { وجيها في الدنيا ~~والاخرة } وكونه من المقربين عند الله تعالى ، وكونه مكلما للناس في المهد ~~، وفي الكهولة كل واحد من هذه الصفات أعظم وأشرف من كونه صالحا فلم ختم ~~الله تعالى أوصاف عيسى بقوله { ومن الصالحين } ؟ . # قلنا : إنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون ~~في جميع الأفعال والتروك مواظبا على النهج الأصلح ، والطريق الأكمل ، ~~ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا والدين في أفعال القلوب ، ~~وفي أفعال الجوارح ، فلما ذكر الله تعالى بعض التفاصيل أردفه بهذا الكلام ~~الذي يدل على أرفع الدرجات . # ! 7 < { قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر قال كذالك ms2257 الله يخلق ما ~~يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون * ويعلمه الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 47 - 48 ) قالت رب أنى . . . . . # > > # قال المفسرون : إنها إنما قالت ذلك لأن التبشير به يقتضي التعجب مما وقع ~~على خلاف العادة وقد قررنا مثله في قصة زكريا عليه السلام ، وقوله { إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ( غافر : 68 ) تقدم تفسيره في سورة ~~البقرة . # أما قوله تعالى : { ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } ففيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ نافع ، وعاصم { ويعلمه } بالياء والباقون بالنون ، ~~أما الياء فعطف على قوله { يخلق ما يشاء } وقال المبرد عطف على يبشرك بكلمة ~~، وكذا وكذا { ويعلمه الكتاب } ومن قرأ بالنون قال تقدير الآية أنها : قالت ~~رب أنى يكون لي ولد فقال لها الله { كذالك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون } فهذا وإن كان إخبارا على وجه المغايبة ، فقال { * ~~ونعلمه } لأن معنى قوله { قال كذالك الله يخلق ما يشاء } معناه : كذلك نحن ~~نخلق ما نشاء { إبراهيم الكتاب والحكمة } والله أعلم . # / المسألة الثانية : في هذه الآية أمور أربعة معطوف بعضها على بعض بواو ~~العطف ، والأقرب عندي أن يقال : المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة ، ثم ~~المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق لأن كمال الإنسان في أن يعرف ~~الحق لذاته والخير لأجل العمل به ومجموعهما هو المسمى بالحكمة ، ثم بعد أن ~~صار PageV08P047 عالما بالخط والكتابة ، ومحيطا بالعلوم العقلية والشرعية ، ~~يعلمه التوراة ، وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة ، لأن ~~التوراة كتاب إلاهي ، وفيه أسرار عظيمة ، والإنسان ما لم يتعلم العلوم ~~الكثيرة لا يمكنه أن يخوض في البحث على أسرار الكتب الإلاهية ، ثم قال في ~~المرتبة الرابعة والإنجيل ، وإنما أخر ذكر الإنجيل عن ذكر التوراة لأن من ~~تعلم الخط ، ثم تعلم علوم الحق ، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله الله ~~تعالى على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل الله ~~تعالى عليه بعد ذلك كتابا آخر وأوقفه على ms2258 أسراره فذلك هو الغاية القصوى ، ~~والمرتبة العليا في العلم ، والفهم والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية ، ~~والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية ، فهذا ما عندي في ترتيب هذه الألفاظ ~~الأربعة . # ! 7 < { ورسولا إلى بنىإسراءيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنىأخلق لكم من ~~الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الا كمه والا برص ~~وأحى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم إن في ذالك ~~لأية لكم إن كنتم مؤمنين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 49 ) ورسولا إلى بني . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول : تقدير الآية : ونعلمه الكتاب ~~والحكمة والتوراة والإنجيل ونبعثه رسولا إلى بني إسرائيل ، قائلا { أنى قد ~~جئتكم بآية من ربكم } والحذف حسن إذا لم يفض إلى الاشتباه الثاني : قال ~~الزجاج : الاختيار عندي أن تقديره : ويكلم الناس رسولا ، وإنما أضمرنا ذلك ~~لقوله { أنى قد جئتكم } والمعنى : ويكلمهم رسولا بأني قد جئتكم ، الثالث : ~~قال الأخفش : إن شئت جعلت الواو زائدة ، والتقدير : ويعلمه الكتاب والحكمة ~~والتوراة ، والإنجيل رسولا إلى بني إسرائيل ، قائلا : أني قد جئتكم بآية . # المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان رسولا ~~إلى كل بني إسرائيل بخلاف قول بعض اليهود إنه كان مبعوثا إلى قوم مخصوصين ~~منهم . # المسألة الثالثة : المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد ههنا ~~أنواعا من الآيات ، وهي إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، والإخبار ~~عن المغيبات فكان المراد من قوله { قد جئتكم بآية من ربكم } الجنس لا الفرد ~~. # ثم قال : { أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن ~~الله } . # / اعلم أنه تعالى حكى ههنا خمسة أنواع من معجزات عيسى عليه السلام : # النوع الأول # ما ذكره ههنا في هذه الآية وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة { إنى } بفتح الهمزة ، وقرأ نافع بكسر الهمزة ~~فمن فتح { إنى } فقد جعلها بدلا PageV08P048 من آية كأنه قال : وجئتكم بأنى ~~أخلق لكم من الطين ، ومن كسر فله وجهان أحدهما : الاستئناف وقطع الكلام مما ~~قبله والثاني : أنه ms2259 فسر الآية بقوله { أنى أخلق لكم } ويجوز أن يفسر الجملة ~~المتقدمة بما يكون على وجه الابتداء قال الله تعالى : { وعد الله الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات } ( الفتح : 29 ) ثم فسر الموعود بقوله { لهم مغفرة ~~} وقال : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم } ( آل عمران : 59 ) ثم فسر ~~المثل بقوله . { خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) وهذا الوجه أحسن لأنه في ~~المعنى كقراءة من فتح { إنى } على جعله بدلا من آية . # المسألة الثانية : { أخلق لكم من الطين } أي أقدر وأصور وقد بينا في ~~تفسير قوله تعالى : { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم } ( البقرة ~~: 21 ) إن الخلق هو التقدير ولا بأس بأن نذكره ههنا أيضا فنقول الذي يدل ~~عليه القرآن والشعر والاستشهاد ، أما القرآن فآيات أحدها : قوله تعالى : { ~~فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) أي المقدرين ، وذلك لأنه ~~ثبت أن العبد لا يكون خالقا بمعنى التكوين والإبداع فوجب تفسير كونه خالقا ~~بالتقدير والتسوية وثانيها : أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في ~~سورة الشعراء { إن هاذا إلا خلق الاولين } ( الشعراء : 137 ) وفي العنكبوت ~~{ وتخلقون إفكا } ( العنكبوت : 17 ) وفي سورة ص { إن هاذا إلا اختلاق } ( ~~ص: 7 ) والكاذب إنما سمي خالقا لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره وثالثها : ~~هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله { أنى أخلق لكم من الطين } أي أصور ~~وأقدر وقال تعالى في المائدة { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } ( المائدة ~~: 110 ) وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير ورابعها : قوله ~~تعالى : { هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا } ( البقرة : 29 ) وقوله { ~~خلق } إشارة إلى الماضي ، فلو حملنا قوله { خلق } على الإيجاد والإبداع ، ~~لكان المعنى : أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي ، ~~وذلك باطل بالاتفاق ، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو ~~أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض ، وأما الشعر فقوله : # ولأنت تفري ما خلقت وبع # ض القوم يخلق ثم لا يفري ms2260 # وقوله : # ولا يعطي بأيدي الخالق ولا # أيدي الخوالق إلا جيد الأدم # وأما الاستشهاد : فهو أنه يقال : خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس ~~والخلاق المقدار من الخير ، وفلان خليق بكذا ، أي له هذا المقدار من ~~الاستحقاق ، والصخرة الخلقاء الملساء ، لأن الملاسة استواء ، وفي الخشونة ~~اختلاف ، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية . # / إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في لفظ { الخالق } قال أبو عبد الله ~~البصري : إنه لا يجوز إطلاقه على الله في الحقيقة ، لأن التقدير والتسوية ~~عبارة عن الظن والحسبان وذلك على الله محال ، وقال أصحابنا : الخالق ، ليس ~~إلا الله ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : { الله خالق كل شىء } ( الرعد : 16 ~~) ومنهم من احتج بقوله { هل من خالق غير الله يرزقكم } ( فاطر : 3 ) وهذا ~~ضعيف ، لأنه تعالى قال : { هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء } ( فاطر ~~: 3 ) فالمعنى هل من خالق غير الله موصوف بوصف كونه رازقا من السماء ولا ~~يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه ، ليس إلا الله ، صدق قولنا ~~أنه لا خالق إلا الله . PageV08P049 # وأجابوا عن كلام أبي عبد الله بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن ~~لكن الظن وإن كان محالا في حق الله تعالى فالعلم ثابت . # إذا عرفت هذا فنقول : { أنى أخلق لكم من الطين } معناه : أصور وأقدر ~~وقوله { كهيئة الطير } فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشيء إذا ~~قدرته وقوله { فأنفخ فيه } أي في ذلك الطين المصور وقوله { فيكون طيرا بإذن ~~الله } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع { فيكون } بالألف على الواحد ، والباقون { ~~عليهم طيرا } على الجمع ، وكذلك في المائدة والطير اسم الجنس يقع على ~~الواحد وعلى الجمع . # يروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة ، وأظهر المعجزات أخذوا ~~يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش ، فأخذ طينا وصوره ، ثم نفخ فيه ، فإذا هو ~~يطير بين السماء والأرض ، قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ، ~~فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ، ثم اختلف الناس فقال قوم : إنه لم يخلق غير ~~الخفاش ، وكانت ms2261 قراءة نافع عليه . وقال آخرون : إنه خلق أنواعا من الطير ~~وكانت قراءة الباقين عليه . # المسألة الثانية : قال بعض المتكلمين : الآية تدل على أن الروح جسم رقيق ~~كالريح ، ولذلك وصفها بالفتح ، ثم ههنا بحث ، وهو أنه هل يجوز أن يقال : ~~إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية ، بحيث متى نفخ في شيء كان ~~نفخه فيه موجبا لصيرورة ذلك الشيء حيا / أو يقال : ليس الأمر كذلك بل الله ~~تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه ~~على سبيل إظهار المعجزات ، وهذا الثاني هو الحق لقوله تعالى : { الذى خلق ~~الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) وحكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قال في ~~مناظرته مع الملك { ربي الذى يحى ويميت } ( البقرة : 258 ) فلو حصل لغيره ، ~~هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال . # المسألة الثالثة : القرآن دل على أنه عليه الصلاة والسلام إنما تولد من ~~نفخ جبريل عليه السلام في مريم وجبريل صلى الله عليه وسلم روح محض وروحاني ~~محض فلا جرم كانت نفخة عيسى / عليه السلام للحياة والروح . # المسألة الرابعة : قوله { بإذن الله } معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه ~~لقوله تعالى : { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ( آل عمران : 145 ) ~~أي إلا بأن يوجد الله الموت ، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة ~~للشبهة ، وتنبيها على إني أعمل هذا التصوير ، فأما خلق الحياة فهو من الله ~~تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل . # واما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات # فهو قوله : { ورسولا إلى بنى إسراءيل أنى قد جئتكم } . PageV08P050 # ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي ولد أعمى ، وقال الخليل وغيره ~~هو الذي عمي بعد أن كان بصيرا ، وعن مجاهد هو الذي لا يبصر بالليل ، ويقال ~~: إنه لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب ( التفسير ~~) ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى من ~~أطاق منهم أتاه ، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام ، وما ms2262 كانت مداواته إلا ~~بالدعاء وحده ، قال الكلبي : كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا ~~قيوم وأحيا عاذر ، وكان صديقا له ، ودعا سام بن نوح من قبره ، فخرج حيا ، ~~ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله ، فنزل عن سريره حيا ، ورجع إلى أهله وولد ~~له ، وقوله { بإذن الله } رفع لتوهم من اعتقد فيه الإلاهية . # وأما النوع الخامس # من المعجزات إخباره عن الغيوب فهو قوله تعالى حكاية عنه { وأنبئكم بما * ~~تأكلوا * وما تدخرون فى بيوتكم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في هذه الآية قولان أحدهما : أنه عليه الصلاة والسلام ~~كان من أول مرة يخبر عن الغيوب ، روى السدي : أنه كان يلعب مع الصبيان ، ثم ~~يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم ، وكان يخبر الصبي بأن أمك قد خبأت لك كذا ~~فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء ثم قالوا لصبيانهم : لا ~~تلعبوا مع هذا الساحر ، وجمعوهم في بيت ، فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم ، / ~~فقالوا له ، ليسوا في البيت ، فقال : فمن في هذا البيت ، قالوا : خنازير ~~قال عيسى عليه السلام كذلك يكونون فإذا هم خنازير . # والقول الثاني : إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر وقت نزول المائدة ، وذلك ~~لأن القوم نهوا عن الادخار ، فكانوا يخزنون ويدخرون ، فكان عيسى عليه ~~السلام يخبرهم بذلك . # المسألة الثانية : الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة ، وذلك لأن ~~المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم ~~يستعينون عند ذلك بآلة ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب ، ثم يعترفون ~~بأنهم يغلطون كثيرا ، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة ، ولا ~~تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من الله تعالى . # ثم إنه عليه السلام ختم كلامه بقوله { إن في ذالك لأية لكم إن كنتم ~~مؤمنين } . # والمعنى إن في هذه الخمسة لمعجزة قاهرة قوية دالة على صدق المدعي لكل من ~~آمن بدلائل PageV08P051 المعجزة في الحمل على الصدق / بلى من أنكر دلالة ~~أصل المعجز على صدق المدعي ، وهم البراهمة ، فإنه لا يكفيه ظهور هذه الآيات ~~، أما ms2263 من آمن بدلالة المعجز على الصدق لا يبقى له في هذه المعجزات كلام ~~البتة . # ! 7 < { ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولا حل لكم بعض الذي حرم عليكم ~~وجئتكم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون * إن الله ربى وربكم فاعبدوه هاذا ~~صراط مستقيم } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 50 - 51 ) ومصدقا لما بين . . . . . # > > اعلم أنه عليه السلام لما بين بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولا من ~~عند الله تعالى ، بين بعد ذلك أنه بماذا أرسل وهو أمران أحدهما : قوله { ~~ومصدقا لما بين يدي من التوراة } . # وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قد ذكرنا في قوله { ورسولا إلى بنى إسراءيل أنى قد ~~جئتكم بآية } ( آل عمران : 49 ) أن تقديره وأبعثه رسولا إلى بني إسرائيل ~~قائلا { أنى قد جئتكم بآية } فقوله { ومصدقا } معطوف عليه والتقدير : / ~~وأبعثه رسولا إلى بني إسرائيل قائلا { أنى قد جئتكم بآية } ، وإني بعثت { ~~مصدقا لما بين يدى من التوراة } وإنما حسن حذف هذه الألفاظ لدلالة الكلام ~~عليها . # المسألة الثانية : إنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقا لجميع الأنبياء ~~عليهم السلام ، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة ، فكل من حصل له ~~المعجز ، وجب الاعتراف بنبوته ، فلهذا قلنا : بأن عيسى عليه السلام يجب أن ~~يكون مصدقا لموسى بالتوراة ، ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه ~~السلام إليهم تقرير التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين . # وأما المقصود الثاني : من بعثة عيسى عليه السلام قوله { ولاحل لكم بعض ~~الذي حرم عليكم } . # وفيه سؤال : وهو أنه يقال : هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها لأن هذه ~~الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعد الذي كان محرما عليه في التوراة ، ~~وهذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة ، وهذا يناقض قوله { ومصدقا لما ~~بين يدي من التوراة } . # والجواب : إنه لا تناقض بين الكلام ، وذلك لأن التصديق بالتوراة لا معنى ~~له إلا اعتقاد أن كل ما فيها فهو حق وصواب ، وإذا لم يكن الثاني مذكورا في ~~التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرما فيها ، مناقضا ms2264 PageV08P052 ~~لكونه مصدقا بالتوراة ، وأيضا إذا كانت البشارة بعيسى عليه السلام موجودة ~~في التوراة لم يكن مجيء عيسى عليه السلام وشرعه مناقضا للتوراة ، ثم ~~اختلفوا فقال بعضهم : إنه عليه السلام ما غير شيئا من أحكام التوراة ، قال ~~وهب بن منبه : إن عيسى عليه السلام كان على شريعة موسى عليه السلام كان ~~يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس ، ثم إنه فسر قوله { ولاحل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم } بأمرين أحدهما : إن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع ~~باطلة ونسبوها إلى موسى ، فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها وأعاد ~~الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السلام والثاني : أن الله تعالى كان قد ~~حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات كما ~~قال الله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ( ~~النساء : 160 ) ثم بقي ذلك التحريم مستمرا على اليهود فجاء عيسى عليه ~~السلام ورفع تلك التشديدات عنهم ، وقال آخرون : إن عيسى عليه السلام رفع ~~كثيرا من أحكام التوراة ، ولم يكن ذلك قادحا في كونه مصدقا بالتوراة على ما ~~بيناه ورفع السبت ووضع الأحد قائما مقامه وكان محقا في كل ما عمل لما بينا ~~أن الناسخ والمنسوخ كلاهما حق وصدق . # ثم قال : { وجئتكم بأية من ربكم } وإنما أعاده لأن إخراج الإنسان عن ~~المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر فأعاد ذكر المعجزات ليصير كلامه ناجعا ~~في قلوبهم ومؤثرا في طباعهم ، ثم خوفهم فقال : { فاتقوا الله وأطيعون } لأن ~~طاعة الرسول من لوازم تقوى الله تعالى فبين أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله ~~لزمكم أن تطيعوني فيما آمركم به عن ربي ، ثم إنه ختم كلامه بقوله { إن الله ~~ربى وربكم } / ومقصوده إظهار الخضوع والاعتراف بالعبودية لكيلا يتقولوا ~~عليه الباطل فيقولون : إنه إلاه وابن إلاه لأن إقراره لله بالعبودية يمنع ~~ما تدعيه جهال النصارى عليه ، ثم قال : { فاعبدوه } والمعنى : أنه تعالى ~~لما كان رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه ، ثم أكد ذلك بقوله { ~~هاذا ms2265 صراط مستقيم } . # ! 7 < { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارىإلى الله قال الحواريون ~~نحن أنصار الله ءامنا بالله واشهد بأنا مسلمون * ربنآ ءامنا بمآ أنزلت ~~واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين * ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ~~} . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 52 - 54 ) فلما أحس عيسى . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حكى بشارة مريم بولد مثل عيسى واستقصى في بيان صفاته ~~وشرح معجزاته وترك PageV08P053 ههنا قصة ولادته ، وقد ذكرها في سورة مريم ~~على الاستقصاء ، شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات ، وأظهر لهم ~~تلك الدلائل فهم بماذا عاملوه فقال تعالى : { فلما أحس عيسى منهم } وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : الإحساس عبارة عن وجدان الشيء بالحاسة وههنا وجهان ~~أحدهما : أن يجري اللفظ على ظاهره ، وهو أنهم تكلموا بالكفر ، فأحس ذلك ~~بإذنه والثاني : أن نحمله على التأويل ، وهو أن المراد أنه عرف منهم ~~إصرارهم على الكفر ، وعزمهم على قتله ، ولما كان ذلك العلم علما لا شبهة / ~~فيه ، مثل العلم الحاصل من الحواس ، لا جرم عبر عن ذلك العلم بالإحساس . # المسألة الثانية : اختلفوا في السبب الذي به ظهر كفرهم على وجوه الأول : ~~قال السدي : أنه تعالى لما بعثه رسولا إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم إلى ~~دين الله فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم ، وكان أمر عيسى عليه السلام في ~~قومه كأمر محمد صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فكان مستضعفا ، وكان يختفي من ~~بني إسرائيل كما اختفى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، وفي منازل من ~~آمن به لما أرادوا قتله ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام خرج مع أمه يسيحان في ~~الأرض ، فاتفق أنه / نزل في قرية على رجل فأحسن ذلك الرجل ضيافته وكان في ~~تلك المدينة ملك جبار فجاء ذلك الرجل يوما حزينا ، فسأله عيسى عن السبب ~~فقال : ملك هذه المدينة رجل جبار ومن عادته أنه جعل على كل رجل منا يوما ~~يطعمه ويسقيه هو وجنوده ، وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر علي ، فلما سمعت ~~مريم عليها السلام ذلك ، قالت : يا بني ms2266 ادع الله ليكفي ذلك ، فقال : يا ~~أماه إن فعلت ذلك كان شر ، فقالت : قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه فقال ~~عيسى عليه السلام : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ~~، فلما فعل ذلك دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخا ، وما في الخوابي ~~خمرا ، فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذا الخمر ؟ فتعلل الرجل في ~~الجواب فلم يزل الملك يطالبه بذلك حتى أخبره بالواقعة فقال : إن من دعا ~~الله حتى جعل الماء خمرا إذا دعا أن يحيي الله تعالى ولدي لا بد وأن يجاب ، ~~وكان ابنه قد مات قبل ذلك بأيام ، فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك ، ~~فقال عيسى : لا تفعل ، فإنه إن عاش كان شرا ، فقال : ما أبالي ما كان إذا ~~رأيته ، وإن أحييته تركتك على ما تفعل ، فدعا الله عيسى ، فعاش الغلام ، ~~فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح واقتتلوا ، وصار أمر عيسى عليه ~~السلام مشهورا في الخلق ، وقصد اليهود قتله ، وأظهروا الطعن فيه والكفر به ~~. # والقول الثاني : إن اليهود كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في ~~التوراة ، وأنه ينسخ دينهم ، فكانوا من أول الأمر طاعنين فيه ، طالبين قتله ~~، فلما أظهر الدعوة اشتد غضبهم ، وأخذوا في إيذائه وإيحاشه وطلبوا قتله . # والقول الثالث : إن عيسى عليه السلام ظن من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان ~~أنهم لا يؤمنون به وأن دعوته لا تنجع فيهم فأحب أن يمتحنهم ليتحقق ما ظنه ~~بهم فقال لهم { من أنصارى إلى الله } فما أجابه إلا الحواريون / فعند ذلك ~~أحس بأن من سوى الحواريين كافرون مصرون على إنكار دينه وطلب قتله . # أما قوله تعالى : { قال من أنصارى إلى الله } ففيه مسألتان : PageV08P054 # المسألة الأولى : في الآية أقوال الأول : أن عيسى عليه السلام لما دعا ~~بني إسرائيل إلى الدين ، وتمردوا عليه فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر ~~بجماعة من صيادي السمك ، وكان فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا ابنا زيدي وهم من ~~جملة الحواريين الاثنى عشر فقال عيسى عليه ms2267 السلام : الآن تصيد السمك ، فإن ~~تبعتني صرت بحيث تصيد الناس لحياة الأبد ، فطلبوا منه المعجزة ، وكان شمعون ~~قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئا فأمره عيسى بإلقاء شبكته ~~في الماء مرة أخرى ، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق منه ، ~~واستعانوا بأهل سفينة أخرى ، وملؤا السفينتين ، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه ~~السلام . # / والقول الثاني : أن قوله { من أنصارى إلى الله } إنما كان في آخر أمره ~~حين اجتمع اليهود عليه طلبا لقتله ، ثم ههنا احتمالات الأول : أن اليهود ~~لما طلبوه للقتل وكان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثنى عشر من الحواريين ~~: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ؟ . # فأجابه إلى ذلك بعضهم وفيما تذكره النصارى في إنجيلهم : أن اليهود لما ~~أخذوا عيسى سل شمعون سيفه فضرب به عبدا كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى ~~باذنه ، فقال له عيسى : حسبك ثم أخذ اذن العبد فردها إلى موضعها ، فصارت ~~كما كانت ، والحاصل أن الغرض من طلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه . # والاحتمال الثاني : أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة ~~أخرى { يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصارى } ( الصف : 14 ) . # المسألة الثانية : قوله { إلى الله } فيه وجوه الأول : التقدير : من ~~أنصاري حال ذهابي إلى الله أو حال التجائي إلى الله والثاني : التقدير : من ~~أنصاري إلى أن أبين أمر الله تعالى ، وإلى أن أظهر دينه ويكون إلى ههنا ~~غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي ، ويظهر أمر الله تعالى ~~الثالث : قال الأكثرون من أهل اللغة إلى ههنا بمعنى مع قال تعالى : { ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ( النساء : 2 ) أي معها ، وقال صلى الله عليه ~~وسلم : ( الذود إلى الذود إبل ) أي مع الذود . # قال الزجاج : كلمة { إلى } ليست بمعنى مع فإنك لو قلت ذهب زيد إلى عمرو ~~لم يجز أن تقول : ذهب زيد مع عمرو لأن ms2268 { إلى } تفيد الغاية و { مع } تفيد ~~ضم الشيء إلى الشيء ، بل المراد من قولنا أن { إلى } ههنا بمعنى { مع } هو ~~أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي وكذلك ~~المراد من قوله { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ( النساء : 2 ) أي لا ~~تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم ، وكذلك قوله عليه السلام : ( الذود إلى ~~الذود إبل ) معناه : الذود مضموما إلى الذود إبل والرابع : أن يكون المعنى ~~من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه ، وفي الحديث أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول إذا ضحى ( اللهم منك وإليك ) أي تقربا إليك ، ويقول ~~الرجل لغيره عند دعائه إياته { إلى } أي انضم إلى ، فكذا ههنا المعنى من ~~أنصاري فيما يكون قربة إلى الله تعالى الخامس : أن يكون { إلى } بمعنى ~~اللام كأنه قال : من أنصاري لله نظيره قوله تعالى : { قل هل من شركائكم من ~~يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق } ( يونس : 35 ) والسادس : تقدير الآية : ~~من أنصاري في سبيل الله . و ( إلى ) بمعنى ( في ) جائز ، وهذا قول الحسن . ~~PageV08P055 # أما قوله تعالى : { قال الحواريون نحن أنصار الله } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في لفظ { * الحواري } وجوها الأول : أن الحواري ~~اسم موضوع / لخاصة الرجل ، وخالصته ، ومنه يقال للدقيق حواري ، لأنه هو ~~الخالص منه ، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير : ( إنه ابن عمتي ، وحواري من ~~أمتي ) والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود ، فعلى هذا الحواريون ~~هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم . # القول الثاني : الحواري أصله من الحور ، وهو شدة البياض ، ومنه قيل ~~للدقيق حواري ، ومنه الأحور ، والحور نقاء بياض العين ، وحورت الثياب : ~~بيضتها ، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم ؟ فقال ~~سعيد بن جبير : لبياض ثيابهم ، وقيل كانوا قصارين ، يبيضون الثياب ، وقيل ~~لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحا لهم ، وإشارة ~~إلى نقاء قلوبهم ، كالثوب الأبيض ، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب ، طاهر ~~الذيل ، إذا كان ms2269 بعيدا عن الأفعال الذميمة ، وفلان دنس الثياب : إذا كان ~~مقدما على ما لا ينبغي . # القول الثالث : قال الضحاك : مر عيسى عليه السلام بقوم من الذين كانوا ~~يغسلون الثياب ، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا ، والذي يغسل الثياب يسمى بلغة ~~النبط هواري ، وهو القصار فعربت هذه اللفظة فصارت حواري ، وقال مقاتل بن ~~سليمان : الحواريون : هم القصارون ، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف ~~الاستعمال دليلا على خواص الرجل وبطانته . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن هؤلاء الحواريين من كانوا ؟ . # فالقول الأول : إنه عليه السلام مر بهم وهم يصطادون السمك فقال لهم ( ~~تعالوا نصطاد الناس ) قالوا : من أنت ؟ قال : ( أنا عيسى بن مريم ، عبد ~~الله ورسوله ) فطلبوا من المعجز على ما قال فلما أظهر المعجز آمنوا به ، ~~فهم الحواريون . # القول الثاني : قالوا : سلمته أمه إلى صباغ ، فكان إذا أراد أن يعلمه ~~شيئا كان هو أعلم به منه وأراد الصباغ أن يغيب لبعض مهماته ، فقال له : ~~ههنا ثياب مختلفة ، وقد علمت على كل واحد علامة معينة ، فاصبغها بتلك ~~الألوان ، بحيث يتم المقصود عند رجوعي ، ثم غاب فطبخ عيسى عليه السلام جبا ~~واحدا ، وجعل الجميع فيه وقال : ( كوني بإذن الله كما أريد ) فرجع الصباغ ~~فأخبره بما فعل فقال : قد أفسدت علي الثياب ، قال : ( قم فانظر ) فكان يخرج ~~ثوبا أحمر ، وثوبا أخضر ، وثوبا أصفر كما كان يريد ، إلى أن أخرج الجميع ~~على الألوان التي أرادها ، فتعجب الحاضرون منه ، وآمنوا به فهم الحواريون . # القول الثالث : كانوا الحواريون إثنى عشر رجلا اتبعوا عيسى عليه السلام ، ~~وكانوا إذا قالوا : يا روح الله جعنا ، فيضرب بيده إلى الأرض ، فيخرج لكل ~~واحد رغيفان ، وإذا عطشوا قالوا يا روح الله : عطشنا ، فيضرب بيده إلى ~~الأرض ، فيخرج الماء فيشربون ، فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا ، ~~وإذا شئنا سقيتنا ، وقد آمنا بك فقال : ( أفضل منكم من يعمل بيده ، ويأكل ~~من / كسبه ) فصاروا يغسلون الثياب بالكراء ، فسموا حواريين . # القول الرابع : أنهم كانوا ملوكا قالوا وذلك أن واحدا من الملوك صنع ~~طعاما ، وجمع الناس عليه ، وكان ms2270 PageV08P056 عيسى عليه السلام على قصعة ~~منها ، فكانت القصعة لا تنقص ، فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك ، فقال : ~~تعرفونه ، قالوا : نعم ، فذهبوا بعيسى عليه السلام ، قال : من أنت ؟ قال : ~~أنا عيسى بن مريم ، قال فإني أترك ملكي وأتبعك فتبعه ذلك الملك مع أقاربه ، ~~فأولئك هم الحواريون قال القفال : ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين ~~الاثني عشر من الملوك ، وبعضهم من صيادي السمك ، وبعضهم من القصارين ، ~~والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام / وأعوانه ، ~~والمخلصين في محبته ، وطاعته ، وخدمته . # المسألة الثالثة : المراد من قوله { الحواريون نحن أنصار الله } أي نحن ~~أنصار دين الله وأنصار أنبيائه ، لأن نصرة الله تعالى في الحقيقة محال ، ~~فالمراد منه ما ذكرناه . # أما قوله { بالله فإذا } فهذا يجري مجرى ذكر العلة ، والمعنى يجب علينا ~~أن نكون من أنصار الله ، لأجل أنا آمنا بالله ، فإن الإيمان بالله يوجب ~~نصرة دين الله ، والذب عن أوليائه ، والمحاربة مع أعدائه . # ثم قالوا : { واشهد بأنا مسلمون } وذلك لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على ~~أنفسهم ، إشهاد لله تعالى أيضا ، ثم فيه قولان الأول : المراد واشهد أنا ~~منقادون لما تريده منا في نصرتك ، والذب عنك ، مستسلمون لأمر الله تعالى ~~فيه الثاني : أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام ، وأنه دين كل الأنبياء ~~صلوات الله عليهم . # واعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم ، وعلى إسلامهم ~~تضرعوا إلى الله تعالى ، وقالوا : { ربنا ءامنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ~~فاكتبنا مع الشاهدين } وذلك لأن القوم آمنوا بالله حين قالوا : في الآية ~~المتقدمة { بالله فإذا } ثم آمنوا بكتب الله تعالى حيث قالوا { بما أنزلت ~~واتبعنا } وآمنوا برسول الله حيث ، قالوا { واتبعنا الرسول } فعند ذلك ~~طلبوا الزلفة والثواب ، فقالوا { فاكتبنا مع الشاهدين } وهذا يقتضي أن يكون ~~للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين ، ويفضل على درجته ، لأنهم هم ~~المخصوصون بأداء الشهادة قال الله تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) ~~الثاني : وهو منقول أيضا عن ابن عباس { فاكتبنا مع الشاهدين } أي ms2271 اكتبنا في ~~زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه قال الله تعالى : { فلنسئلن الذين ~~أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } ( الأعراف : 6 ) . # وقد أجاب الله تعالى دعاءهم وجعلهم أنبياء ورسلا ، فأحيوا الموتى ، ~~وصنعوا كل ما صنع عيسى عليه السلام . # / والقول الثالث : { فاكتبنا مع الشاهدين } أي اكتبنا في جملة من شهد لك ~~بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق ، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى عليه ~~السلام على إسلام أنفسهم ، حيث قالوا { واشهد بأنا مسلمون } فقد أشهدوا ~~الله تعالى على ذلك تأكيدا للأمر ، وتقوية له ، وأيضا طلبوا من الله مثل ~~ثواب كل مؤمن شهد لله بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوة . # القول الرابع : إن قوله { فاكتبنا مع الشاهدين } إشارة إلى أن كتاب ~~الأبرار إنما يكون في السماوات مع الملائكة قال الله تعالى : { كلا إن كتاب ~~الابرار لفى عليين } ( المطففين : 18 ) فإذا كتب الله ذكرهم مع الشاهدين ~~المؤمنين كان ذكرهم مشهورا في الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين . ~~PageV08P057 # القول الخامس : إنه تعالى قال : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم } ( آل عمران : 18 ) فجعل أولو العلم من الشاهدين ، وقرن ~~ذكرهم بذكر نفسه ، وذلك درجة عظيمة ، ومرتبة عالية ، فقالوا { فاكتبنا مع ~~الشاهدين } أي اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك . # والقول السادس : إن جبريل عليه السلام لما سأل محمدا صلى الله عليه وسلم ~~عن الإحسان فقال : ( أن تعبد الله كأنك تراه ) وهذا غاية درجة العبد في ~~الاشتغال بالعبودية ، وهو أن يكون العبد في مقام الشهود ، لا في مقام ~~الغيبة / فهؤلاء القوم لما صاروا كاملين في درجة الاستدلال أرادوا الترقي ~~من مقام الاستدلال ، إلى مقام الشهود والمكاشفة ، فقالوا { فاكتبنا مع ~~الشاهدين } . # القول السابع : إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من ~~المشاق والآلام ، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن يكونوا ناصرين له ، ~~ذابين عنه ، قالوا { فاكتبنا مع الشاهدين } أي اجعلنا ممن يكون في شهود ~~جلالك ، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق والمتاعب فحينئذ ~~يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من ms2272 نصرة رسولك ونبيك . # ثم قال تعالى : { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أصل المكر في اللغة ، السعي بالفساد في خفية ومداجاة ، ~~قال الزجاج : يقال مكر الليل ، وأمكر إذا أظلم ، وقال الله تعالى : { وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا } ( الأنفال : 30 ) وقال : { وما كنت لديهم إذ أجمعوا ~~أمرهم وهم يمكرون } ( يوسف : 102 ) وقيل أصله من اجتماع الأمر وإحكامه ، ~~ومنه امرأة ممكورة أي مجتمعة الخلق وإحكام الرأي يقال له الإجماع والجمع ~~قال الله تعالى : { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } ( يونس : 71 ) فلما كان المكر ~~رأيا محكما قويا مصونا عن جهات النقص والفتور ، لا جرم سمي مكرا . # المسألة الثانية : أما مكرهم بعيسى عليه السلام ، فهو أنهم هموا بقتله ، ~~وأما مكر الله تعالى بهم ، ففيه وجوه الأول : مكر الله تعالى بهم هو أنه ~~رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، وذلك أن يهودا ملك اليهود ، أراد قتل ~~عيسى عليه السلام ، وكان جبريل عليه السلام ، لا يفارقه ساعة ، وهو معنى ~~قوله / { وأيدناه بروح القدس } ( البقرة : 87 ) فلما أرادوا ذلك أمره جبريل ~~عليه السلام أن يدخل بيتا فيه روزنة ، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل عليه ~~السلام من تلك الروزنة ، وكان قد ألقى شبهه على غيره ، فأخذ وصلب فتفرق ~~الحاضرون ثلاث فرق ، فرقة قالت : كان الله فينا فذهب ، وأخرى قالت : كان ~~ابن الله ، والأخرى قالت : كان عبد الله ورسوله ، فأكرمه بأن رفعه إلى ~~السماء ، وصار لكل فرقة جمع فظهرت الكافرتان على الفرقة المؤمنة إلى أن بعث ~~الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ، وفي الجملة ، فالمراد من مكر الله ~~بهم أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال الشر إليه . # الوجه الثاني : أن الحواريين كانوا إثنى عشر ، وكانوا مجتمعين في بيت ~~فنافق رجل منهم ، ودل اليهود عليه ، فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى ، ~~فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم ، وقتلوه وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه ~~السلام ، فكان ذلك هو مكر الله بهمه # الوجه الثالث : ذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع ~~عيسى ms2273 عليه السلام ، PageV08P058 فشمسوهم وعذبوهم ، فلقوا منهم الجهد فبلغ ~~ذلك ملك الروم ، وكان ملك اليهود من رعيته فقيل له إن رجلا من بني إسرائيل ~~ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله ، وأراهم إحياء الموتى وإبراء ~~الأكمه والأبرص فقتل ، فقال : لو علمت ذلك لحلت بينه وبينهم ، ثم بعث إلى ~~الحواريين ، فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام ، فأخبروه ~~فتابعهم على دينهم ، وأنزل المصلوب فغيبه ، وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها ، ~~ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقا عظيما ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم ~~، وكان اسم هذا الملك طباريس ، وهو صار نصرانيا ، إلا أنه ما أظهر ذلك ، ثم ~~إنه جاء بعده ملك آخر ، يقال له : مطليس ، وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى ~~بنحو من أربعين سنة ، فقتل وسبى ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجرا على حجر ~~فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم الله تعالى على ~~تكذيب المسيح وألهم بقتله . # القول الرابع : أن الله تعالى سلط عليهم ملك فارس حتى قتلهم وسباهم ، وهو ~~قوله تعالى : { بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد } ( الإسراء : 5 ) ~~فهذا هو مكر الله تعالى بهم . # القول الخامس : يحتمل أن يكون المراد أنهم مكروا في إخفاء أمره ، وإبطال ~~دينه ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل والدناءة أعداءه ~~وهم اليهود والله أعلم . # المسألة الثالثة : المكر عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر ، والاحتيال ~~على الله تعالى محال فصار لفظ المكر في حقه من المتشابهات وذكروا في تأويله ~~وجوها أحدها : أنه تعالى سمى جزاء المكر بالمكر ، كقوله { وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها } ( الشورى : 40 ) وسمى جزاء المخادعة بالمخادعة ، وجزاء الاستهزاء ~~بالاستهزاء والثاني : أن معاملة الله معهم كانت شبيهة بالمكر فسمي بذلك ~~الثالث : أن هذا اللفظ ليس من المتشابهات ، لأنه عبارة عن التدبير المحكم ~~الكامل ثم اختص في العرف بالتدبير في إيصال / الشر إلى الغير ، وذلك في حق ~~الله تعالى غير ممتنع والله أعلم . # ! 7 < { إذ قال الله ياعيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك ms2274 من الذين كفروا ~~وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم ~~بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 55 ) إذ قال الله . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : العامل في { إذ } قوله { ومكروا ومكر الله والله خير ~~الماكرين } أي وجد هذا المكر إذ قال الله هذا القول ، وقيل التقدير : ذاك ~~إذ قال الله . PageV08P059 # المسألة الثانية : اعترفوا بأن الله تعالى شرف عيسى في هذه الآية بصفات : # الصفة الأولى : { إني متوفيك } ونظيره قوله تعالى حكاية عنه { فلما ~~توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم } ( المائدة : 117 ) واختلف أهل التأويل في ~~هاتين الآيتين على طريقين أحدهما : إجراء الآية على ظاهرها من غير تقديم ، ~~ولا تأخير فيها والثاني : فرض التقديم والتأخير فيها ، أما الطريق الأول ~~فبيانه من وجوه الأول : معنى قوله { إني متوفيك } أي متمم عمرك ، فحينئذ ~~أتوفاك ، فلا أتركهم حتى يقتلوك ، بل أنا رافعك إلى سمائي ، ومقربك ~~بملائكتي ، وأصونك عن أن يتمكنوا من قتلك وهذا تأويل حسن والثاني : { ~~متوفيك } أي مميتك ، وهو مروي عن ابن عباس ، ومحمد بن إسحاق قالوا : ~~والمقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله ثم إنه بعد ذلك أكرمه بأن ~~رفعه إلى السماء ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه أحدها : قال وهب : توفي ثلاثة ~~ساعات ، ثم رفع وثانيها : قال محمد بن إسحاق : توفي سبع ساعات ، ثم أحياه ~~الله ورفعه الثالث : قال الربيع بن أنس : أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى ~~السماء ، قال تعالى : { الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت فى ~~منامها } ( الزمر : 42 ) . # الوجه الرابع : في تأويل الآية أن الواو في قوله { متوفيك ورافعك إلى } ~~تفيد الترتيب فالآية تدل على أنه تعالى يفعل به هذه الأفعال ، فأما كيف ~~يفعل ، ومتى يفعل ، فالأمر فيه موقوف على الدليل ، وقد ثبت الدليل أنه حي ~~وورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنه سينزل ويقتل الدجال ) ثم ~~إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك . # / الوجه الخامس : في التأويل ما قاله أبو بكر الواسطي ، وهو أن المراد { ~~إني متوفيك } عن ms2275 شهواتك وحظوظ نفسك ، ثم قال : { ورافعك إلى } وذلك لأن من ~~لم يصر فانيا عما سوى الله لا يكون له وصول إلى مقام معرفة الله ، وأيضا ~~فعيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة في زوال الشهوة ، والغضب ~~والأخلاق الذميمة . # والوجه السادس : إن التوفي أخذ الشيء وافيا ، ولما علم الله إن من الناس ~~من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على ~~أنه عليه الصلاة والسلام رفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده ويدل على صحة ~~هذا التأويل قوله تعالى : { وما يضرونك من شىء } ( النساء : 113 ) . # والوجه السابع : { إني متوفيك } أي أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى ~~السماء وانقطع خبره وأثره عن الأرض كان كالمتوفى ، وإطلاق اسم الشيء على ما ~~يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن . # الوجه الثامن : إن التوفي هو القبض يقال : وفاني فلان دراهمي وأوفاني ~~وتوفيتها منه ، كما يقال : سلم فلان دراهمي إلي وتسلمتها منه ، وقد يكون ~~أيضا توفي بمعنى استوفى وعلى كلا الاحتمالين كان إخراجه من الأرض وإصعاده ~~إلى السماء توفيا له . # فإن قيل : فعلى هذا الوجه كان التوفي عين الرفع إليه فيصير قوله { ورافعك ~~إلى } تكرارا . # قلنا : قوله { إني متوفيك } يدل على حصول التوفي وهو جنس تحته أنواع ~~بعضها بالموت وبعضها بالإصعاد إلى السماء ، فلما قال بعده { ورافعك إلى } ~~كان هذا تعيينا للنوع ولم يكن تكرارا . # الوجه التاسع : أن يقدر فيه حذف المضاف والتقدير : متوفي عملك بمعنى ~~مستوفي عملك { ورافعك PageV08P060 إلى } أي ورافع عملك إلي ، وهو كقوله { ~~إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) والمراد من هذه الآية أنه تعالى ~~بشره بقبول طاعته وأعماله ، وعرفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق في ~~تمشية دينه وإظهار شريعته من الأعداء فهو لا يضيع أجره ولا يهدم ثوابه ، ~~فهذه جملة الوجوه المذكورة على قول من يجري الآية على ظاهرها . # الطريق الثاني : وهو قول من قال : لا بد في الآية من تقديم وتأخير من غير ~~أن يحتاج فيها إلى تقديم أو تأخير ، قالوا ms2276 إن قوله { ورافعك إلى } يقتضي ~~أنه رفعه حيا ، والواو لا تقتضي الترتيب ، فلم يبق إلا أن يقول فيها تقديم ~~وتأخير ، والمعنى : أني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد ~~إنزالي إياك في الدنيا ، ومثله من التقديم والتأخير كثير في القرآن . # واعلم أن الوجوه الكثيرة التي قدمناها تغني عن التزام مخالفة الظاهر ~~والله أعلم . # والمشبهة يتمسكون بهذه الآية في إثبات المكان لله تعالى وأنه في المساء ، ~~وقد دللنا في المواضع الكثيرة من هذا الكتاب بالدلائل القاطعة على أنه ~~يمتنع كونه تعالى في المكان فوجب حمل اللفظ / على التأويل ، وهو من وجوه : # الوجه الأول : أن المراد إلى محل كرامتي ، وجعل ذلك رفعا إليه للتفخيم ~~والتعظيم ومثله قوله { إنى ذاهب إلى ربى } ( الصافات : 99 ) وإنما ذهب ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم من العراق إلى الشام وقد يقول السلطان : ارفعوا ~~هذا الأمر إلى القاضي ، وقد يسمي الحجاج زوار الله ، ويسمى المجاورون جيران ~~الله ، والمراد من كل ذلك التفخيم والتعظيم فكذا ههنا . # الوجه الثاني : في التأويل أن يكون قوله { ورافعك إلى } معناه إنه يرفع ~~إلى مكان لا يملك الحكم عليه فيه غير الله لأن في الأرض قد يتولى الخلق ~~أنواع الأحكام فأما السماوات فلا حاكم هناك في الحقيقة وفي الظاهر إلا الله ~~. # الوجه الثالث : إن بتقدير القول بأن الله في مكان لم يكن ارتفاع عيسى إلى ~~ذلك سببا لانتفاعه وفرحه بل إنما ينتفع بذلك لو وجد هناك مطلوبه من الثواب ~~والروح والراحة والريحان ، فعلى كلا القولين لا بد من حمل اللفظ على أن ~~المراد : ورافعك إلى محل ثوابك ومجازاتك ، وإذا كان لا بد من إضمار ما ~~ذكرناه لم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان لله تعالى . # الصفة الثالثة : من صفات عيسى قوله تعالى : { ومطهرك من الذين كفروا } ~~والمعنى مخرجك من بينهم ومفرق بينك وبينهم ، وكما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه ~~أخبر عن معنى التخليص بلفظ التطهير وكل ذلك يدل على المبالغة في إعلاء شأنه ~~وتعظيم منصبه عند الله تعالى . # الصفة الرابعة : قوله { وجاعل ms2277 الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم ~~القيامة } وجهان الأول : أن المعنى : الذين اتبعوا دين عيسى يكونون فوق ~~الذين كفروا به ، وهم اليهود بالقهر والسلطان والاستعلاء إلى يوم القيامة ، ~~فيكون ذلك إخبارا عن ذل اليهود وإنهم يكونون مقهورين إلى يوم القيامة ، ~~فأما الذين اتبعوا المسيح عليه السلام فهم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد ~~الله ورسوله وأما بعد الإسلام فهم المسلمون ، وأما PageV08P061 النصارى فهم ~~وإن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم يخالفونه أشد المخالفة من حيث أن صريح ~~العقل يشهد أنه عليه السلام ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجهال / ومع ~~ذلك فإنا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود فلا نرى ~~في طرف من أطراف الدنيا ملكا يهوديا ولا بلدة مملوءة من اليهود بل يكونون ~~أين كانوا بالذلة والمسكنة وأما النصارى فأمرهم بخلاف ذلك الثاني : أن ~~المراد من هذه الفوقية الفوقية بالحجة والدليل . # واعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله { ورافعك إلى } هو الرفعة ~~بالدرجة والمنقبة ، لا بالمكان والجهة ، كما أن الفوقية في هذه ليست ~~بالمكان بل بالدرجة والرفعة . # أما قوله { ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } فالمعنى ~~أنه تعالى بشر عيسى عليه السلام بأنه يعطيه في الدنيا تلك الخواص الشريفة ، ~~والدرجات الرفيعة العالية ، وأما في القيامة / فإنه يحكم بين المؤمنين به ، ~~وبين الجاحدين برسالته ، وكيفية ذلك الحكم ما ذكره في الآية التي بعد هذه ~~الآية وبقي من مباحث هذه الآية موضع مشكل وهو أن نص القرآن دل على أنه ~~تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره على ما قال : { وما قتلوه وما صلبوه ~~ولاكن شبه لهم } ( النساء : 157 ) والأخبار أيضا واردة بذلك إلا أن ~~الروايات اختلفت ، فتارة يروى أن الله تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء ~~الذين دلوا اليهود على مكانه حتى قتلوه وصلبوه ، وتارة يروى أنه عليه ~~السلام رغب بعض خواص أصحابه في أن يلقي شبهه حتى يقتل مكانه ، وبالجملة ~~فكيفما كان ففي إلقاء شبهه على الغير إشكالات ms2278 : # الإشكال الأول : إنا لو جوزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر لزم السفسطة ~~، فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانيا فحينئذ أجوز أن يكون هذا الذي رأيته ~~ثانيا ليس بولدي بل هو إنسان ألقي شبهه عليه وحينئذ يرتفع الأمان على ~~المحسوسات ، وأيضا فالصحابة الذين رأوا محمدا صلى الله عليه وسلم يأمرهم ~~وينهاهم وجب أن لا يعرفوا أنه محمد لاحتمال أنه ألقي شبهه على غيره وذلك ~~يفضي إلى سقوط الشرائع ، وأيضا فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن ~~يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس ، فإذا جاز وقوع الغلط في المبصرات ~~كان سقوط خبر المتواتر أولى وبالجملة ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره ~~إبطال النبوات بالكلية . # والإشكال الثاني : وهو أن الله تعالى كان قد أمر جبريل عليه السلام بأن ~~يكون معه في أكثر الأحوال ، هكذا قاله المفسرون في تفسير قوله { إذ أيدتك ~~بروح القدس } ( المائدة : 110 ) ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه ~~السلام كان يكفي العالم من البشر فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه ؟ ~~وأيضا أنه عليه السلام لما كان قادرا على إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه ~~والأبرص ، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء وعلى ~~إسقامهم وإلقاء الزمانة والفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن التعرض له ؟ . # والإشكال الثالث : إنه تعالى كان قادرا على تخليصه من أولئك الأعداء بأن ~~يرفعه إلى السماء فما الفائدة في إلقاء شبهه على غيره ، وهل فيه إلا إلقاء ~~مسكين في القتل من غير فائدة إليه ؟ . # والإشكال الرابع : أنه إذا ألقي شبهه على غيره ثم إنه رفع بعد ذلك إلى ~~السماء فالقوم اعتقدوا فيه أنه PageV08P062 هو عيسى مع أنه ما كان عيسى ، ~~فهذا كان إلقاء لهم في الجهل والتلبيس ، وهذا لا يليق بحكمة الله تعالى . # والإشكال الخامس : أن النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض ومغاربها وشدة ~~محبتهم للمسيح عليه السلام ، وغلوهم في أمره أخبروا أنهم شاهدوه مقتولا ~~مصلوبا ، فلو أنكرنا ذلك كان طعنا فيما ثبت بالتواتر ، والطعن في التواتر ~~يوجب ms2279 الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ونبوة عيسى ، بل في وجودهما ~~، ووجود سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكل ذلك باطل . # / والإشكال السادس : أنه ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حيا زمانا طويلا ، ~~فلو لم يكن ذلك عيسى بل كان غيره لأظهر الجزع ، ولقال : إني لست بعيسى بل ~~إنما أنا غيره ، ولبالغ في تعريف هذا المعنى ، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند ~~الخلق هذا المعنى ، فلما لم يوجد شيء من هذا علمنا أن ليس الأمر على ما ~~ذكرتم ، فهذا جملة ما في الموضع من السؤالات : # والجواب عن الأول : أن كل من أثبت القادر المختار ، سلم أنه تعالى قادر ~~على أن يخلق إنسانا آخر على صورة زيد مثلا ، ثم إن هذا التصوير لا يوجب ~~الشك المذكور ، فكذا القول فيما ذكرتم : # والجواب عن الثاني : أن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه أو أقدر ~~الله تعالى عيسى عليه السلام على دفع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد ~~الإلجاء ، وذلك غير جائز . # وهذا هو الجواب عن الإشكال الثالث : فإنه تعالى لو رفعه إلى السماء وما ~~ألقي شبهه على الغير لبلغت تلك المعجزة إلى حد الإلجاء . # والجواب عن الرابع : أن تلامذة عيسى كانوا حاضرين ، وكانوا عالمين بكيفية ~~الواقعة ، وهم كانوا يزيلون ذلك التلبيس . # والجواب عن الخامس : أن الحاضرين في ذلك الوقت كانوا قليلين ودخول الشبهة ~~على الجمع القليل جائز والتواتر إذا انتهى في آخر الأمر إلى الجمع القليل ~~لم يكن مفيدا للعلم . # والجواب عن السادس : إن بتقدير أن يكون الذي ألقي شبه عيسى عليه السلام ~~عليه كان مسلما وقبل ذلك عن عيسى جائز أن يسكت عن تعريف حقيقة الحال في تلك ~~الواقعة ، وبالجملة فالأسئلة التي ذكروها أمور تتطرق الاحتمالات إليها من ~~بعض الوجوه ، ولما ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ~~ما أخبر عنه امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملة معارضة للنص القاطع ، والله ~~ولي الهداية . # ! 7 < { فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والا خرة وما ~~لهم من ناصرين ms2280 } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 56 ) فأما الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر { إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه ~~تختلفون } بين بعد ذلك مفصلا ما في PageV08P063 ذلك الاختلاف ، أما ~~الاختلاف فهو أن كفر قوم وآمن آخرون ، وأما الحكم فيمن كفر فهو / أن يعذبه ~~عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ، وأما الحكم فيمن آمن وعمل الصالحات ، فهو ~~أن يوفيهم أجورهم ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أما عذاب الكافر في الدنيا فهو من وجهين أحدهما : القتل ~~والسبي وما شاكله ، حتى لو ترك الكفر لم يحسن إيقاعه به ، فذلك داخل في ~~عذاب الدنيا والثاني : ما يلحق الكافر من الأمراض والمصائب ، وقد اختلفوا ~~في أن ذلك هل هو عقاب أم لا ؟ قال بعضهم : إنه عقاب في حق الكافر ، وإذا ~~وقع مثله للمؤمن فإنه لا يكون عقابا بل يكون ابتلاء وامتحانا ، وقال الحسن ~~: إن مثل هذا إذا وقع للكافر لا يكون عقابا بل يكون أيضا ابتلاء وامتحانا ، ~~ويكون جاريا مجرى الحدود التي تقام على النائب ، فإنها لا تكون عقابا بل ~~امتحانا ، والدليل عليه أنه تعالى يعد الكل بالصبر عليها والرضا بها ~~والتسليم لها وما هذا حاله لا يكون عقابا . # فإن قيل : فقد سلمتم في الوجه الأول إنه عذاب للكافر على كفره ، وهذا على ~~خلاف قوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دآبة } ( ~~النحل : 61 ) وكلمة { لو } تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فوجب أن لا ~~توجد المؤاخذة في الدنيا ، وأيضا قال تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ~~} ( غافر : 17 ) وذلك يقتضي حصول المجازاة في ذلك اليوم ، لا في الدنيا ، ~~قلنا : الآية الدالة على حصول العقاب في الدنيا خاصة ، والآيات التي ~~ذكرتموها عامة ، والخاص مقدم على العام . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول وصف العذاب بالشدة ، يقتضي أن يكون عقاب ~~الكافر في الدنيا أشد ، ولسنا نجد الأمرر كذلك ، فإن الأمر تارة يكون على ~~الكفار وأخرى على المسلمين ، ولا نجد بين الناس تفاوتا . # قلنا : بل التفاوت موجود في الدنيا ، لأن الآية في بيان أمر اليهود ms2281 الذين ~~كذبوا بعيسى عليه السلام ، ونري الذلة والمسكنة لازمة لهم ، فزال الإشكال . # المسألة الثالثة : وصف تعالى هذا العذاب بأنه ليس لهم من ينصرهم ويدفع ~~ذلك العذاب عنهم . # فإن قيل : أليس قد يمتنع على الأئمة والمؤمنين قتل الكفار بسبب العهد ~~وعقد الذمة . # قلنا : المانع هو العهد ، ولذلك إذا زال العهد حل قتله . # ! 7 < { وأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب ~~الظالمين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 57 ) وأما الذين آمنوا . . . . . # > > # فيه مسائل : # / المسألة الأولى : قرأ حفص عن عاصم { فيوفيهم } بالياء ، يعني فيوفيهم ~~الله ، والباقون بالنون حملا على ما تقدم من قوله { فاحكم * فأعذبهم } وهو ~~الأولى لأنه نسق الكلام . PageV08P064 # المسألة الثانية : ذكر الذين آمنوا ، ثم وصفهم بأنهم عملوا الصالحات ، ~~وذلك يدل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان ، وقد تقدم ذكر هذه ~~الدلالة مرارا . # المسألة الثالثة : احتج من قال بأن العمل علة للجزاء بقوله { فيوفيهم ~~أجورهم } فشبههم في عبادتهم لأجل طلب الثواب بالمستأجر ، والكلام فيه أيضا ~~قد تقدم والله أعلم . # المسألة الرابعة : المعتزلة احتجوا بقوله { والله لا يحب الظالمين } على ~~أنه تعالى لا يريد الكفر والمعاصي ، قالوا : لأن مريد الشيء لا بد وأن يكون ~~محبا له ، إذا كان ذلك الشيء من الأفعال وإنما تخالف المحبة الإرادة إذا ~~علقتا بالأشخاص ، فقد يقال : أحب زيدا ، ولا يقال : أريده ، وأما إذا علقتا ~~بالأفعال : فمعناهما واحد إذا استعملتا على حقيقة اللغة ، فصار قوله { ~~والله لا يحب الظالمين } بمنزلة قوله ( لا يريد ظلم الظالمين ) هكذا قرره ~~القاضي ، وعند أصحابنا أن المحبة عبارة عن إرادة إيصال الخير إليه فهو ~~تعالى وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لا يريد إيصال الثواب إليه ، وهذه ~~المسألة قد ذكرناها مرارا وأطوارا . # ! 7 < { ذالك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 58 ) ذلك نتلوه عليك . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : { ذالك } إشارة إلى ما تقدم من نبأ عيسى وزكريا وغيرهما ~~، وهو مبتدأ ، خبره { نتلوه } و { من الايات } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ ~~محذوف ، ويجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي ms2282 ، و { نتلوه } صلته ، و { من الايات ~~} الخبر . # المسألة الثانية : التلاوة والقصص واحد في المعنى ، فإن كلا منهما يرجع ~~معناه إلى شيء يذكر بعضه على إثر بعض ، ثم إنه تعالى أضاف التلاوة إلى نفسه ~~في هذه الآية ، وفي قوله { نتلوا عليك من نبإ موسى } ( القصص : 3 ) وأضاف ~~القصص إلى نفسه فقال : { نحن نقص عليك أحسن القصص } ( يوسف : 3 ) وكل ذلك ~~يدل على أنه تعالى جعل تلاوة الملك جارية مجرى تلاوته سبحانه وتعالى ، وهذا ~~تشريف عظيم للملك ، وإنما حسن ذلك لأن تلاوة جبريل صلى الله عليه وسلم لما ~~كان بأمره من غير تفاوت أصلا أضيف ذلك إليه سبحانه وتعالى . # المسألة الثالثة : قوله { من الايات } يحتمل أن يكون المراد منه ، أن ذلك ~~من آيات القرآن ويحتمل أن يكون المراد منه أنه من العلامات الدالة على ثبوت ~~رسالتك ، لأنها أخبار لا يعلمها إلا / قارىء من كتاب أو من يوحى إليه ، ~~فظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ ، فبقي أن ذلك من الوحي . # المسألة الرابعة : { والذكر الحكيم } فيه قولان الأول : المراد منه ~~القرآن وفي وصف القرآن بكونه ذكرا حكيما وجوه الأول : إنه بمعنى الحاكم مثل ~~القدير والعليم ، والقرآن حاكم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه والثاني : ~~معناه ذو الحكمة في تأليفه ونظمه وكثرة علومه والثالث : أنه بمعنى المحكم ، ~~فعيل بمعنى مفعل ، قال الأزهري : وهو شائع في اللغة ، لأن حكمت يجري مجرى ~~أحكمت في المعنى ، فرد إلى الأصل ، PageV08P065 ومعنى المحكم في القرآن أنه ~~أحكم عن تطرق وجوه الخلل إليه قال تعالى : { الر كتاب } ( هود : 1 ) ~~والرابع : أن يقال القرآن لكثرة حكمه إنه ينطق بالحكمة ، فوصف بكونه حكيما ~~على هذا التأويل . # القول الثاني : أن المراد بالذكر الحكيم ههنا غير القرآن ، وهو اللوح ~~المحفوظ الذي منه نقلت جميع الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السلام ، ~~أخبر أنه تعالى أنزل هذا القصص مما كتب هنالك ، والله أعلم بالصواب . # ! 7 < { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ~~} . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 59 ) إن مثل عيسى . . . . . # > > أجمع ms2283 المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ، وكان من جملة شبههم أن قالوا : يا محمد ، لما سلمت ~~أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى ، فقال : إن آدم ما ~~كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابنا لله تعالى ، فكذا القول في عيسى ~~عليه السلام ، هذا حاصل الكلام ، وأيضا إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من ~~التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم ؟ بل هذا أقرب إلى العقل ، فإن ~~تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب ~~اليابس ، هذا تلخيص الكلام . # ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : { مثل عيسى عند الله كمثل ءادم } أي صفته كصفة آدم ~~ونظيره قوله تعالى : { مثل الجنة التى وعد المتقون } ( الرعد : 35 ) أي صفة ~~الجنة . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { خلقه من تراب } ليس بصلة لآدم ولا صفة ~~ولكنه خبر مستأنف على جهة التفسير بحال آدم ، قال الزجاج : هذا كما تقول في ~~الكلام مثلك كمثل زيد ، تريد أن تشبهه به في أمر من الأمور ، ثم تخبر بقصة ~~زيد فتقول فعل كذا وكذا . # / المسألة الثالثة : اعلم أن العقل دل على أنه لا بد للناس من والد أول ، ~~وإلا لزم أن يكون كل ولد مسبوق بوالد لا إلى أول وهو محال ، والقرآن دل على ~~أن ذلك الوالد الأول هو آدم عليه السلام كما في هذه الآية ، وقال : { ~~تفلحون يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } ~~( النساء : 1 ) وقال : { هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها } ( ~~الأعراف : 189 ) ثم إنه تعالى ذكر في كيفية خلق آدم عليه السلام وجوها ~~كثيرة أحدها : أنه مخلوق من التراب كما في هذه الآية والثاني : أنه مخلوق ~~من الماء ، قال الله تعالى : { وهو الذى خلق من الماء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا } ( الفرقان : 54 ) والثالث : أنه مخلوق من الطين قال الله تعالى : { ~~الذى ms2284 أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ~~ماء مهين } ( السجدة : 7 ، 8 ) والرابع : أنه مخلوق من سلالة من ~~PageV08P066 طين قال تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم ~~جعلناه نطفة فى قرار مكين } ( المؤمنون : 11 ، 13 ) الخامس : أنه مخلوق من ~~طين لازب قال تعالى : { إنا خلقناهم من طين لازب } ( الصافات : 11 ) السادس ~~: إنه مخلوق من صلصال قال تعالى : { إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون } ~~( الحجر : 28 ) السابع : أنه مخلوق من عجل ، قال تعالى : { خلق الإنسان من ~~عجل } ( الأنبياء : 37 ) الثامن : قال تعالى : { لقد خلقنا الإنسان فى كبد ~~} ( البلد : 4 ) أما الحكماء فقالوا : إنما خلق آدم عليه السلام من تراب ~~لوجوه : الأول : ليكون متواضعا الثاني : ليكون ستارا الثالث : ليكون أشد ~~التصاقا بالأرض ، وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض ، قال تعالى : { إني ~~جاعل فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ) الرابع : أراد إظهار القدرة فخلق ~~الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم بظلمات الضلالة ، وخلق ~~الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام وأعطاهم كمال الشدة والقوة ، وخلق ~~آدم عليه السلام من التراب الذي هو أكثف الأجرام / ثم أعطاه المحبة ~~والمعرفة والنور والهداية ، وخلق السماوات من أمواج مياه البحار وأبقاها ~~معلقة في الهواء حتى يكون خلقه هذه الأجرام برهانا باهرا ودليلا ظاهرا على ~~أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج ، والخالق بلا مزاج وعلاج الخامس : خلق ~~الإنسان من تراب ليكون مطفئا لنار الشهوة ، والغضب ، والحرص ، فإن هذه ~~النيران لا تطفأ إلا بالتراب وإنما خلقه من الماء ليكون صافيا تتجلى فيه ~~صور الأشياء ، ثم إنه تعالى مزج بين الأرض والماء ليمتزج الكثيف فيصير طينا ~~وهو قوله { إنى خالق بشرا من طين } ثم إنه في المرتبة الرابعة قال : { ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين } والسلالة بمعنى المفعولة لأنها هي التي ~~تسل من ألطف أجزاء الطين ، ثم إنه في المرتبة السادسة أثبت له من الصفات ~~ثلاثة أنواع : # أحدها : أنه من صلصال والصلصال : اليابس الذي إذا ms2285 حرك تصلصل كالخزف الذي ~~يسمع من داخله صوت . والثاني : الحمأ وهو الذي استقر في الماء مدة ، وتغير ~~لونه إلى السواد . والثالث : تغير رائحته قال تعالى : { فانظر إلى طعامك ~~وشرابك لم يتسنه } ( البقرة : 259 ) أي لم يتغير . # فهذه جملة الكلام في التوفيق بين الآيات الواردة في خلق آدم عليه السلام ~~. # / المسألة الرابعة : في الآية إشكال ، وهو أنه تعالى قال : { خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون } فهذا يقتضي أن يكون خلق آدم متقدما على قول الله ~~له { كن } وذلك غير جائز . # وأجاب عنه من وجوه الأول : قال أبو مسلم : قد بينا أن الخلق هو التقدير ~~والتسوية ، ويرجع معناه إلى علم الله تعالى بكيفية وقوعه وإراداته لإيقاعه ~~على الوجه المخصوص وكل ذلك متقدم على وجود آدم عليه السلام تقديما من الأزل ~~إلى الأبد ، وأما قوله { كن } فهو عبارة عن إدخاله في الوجود فثبت أن خلق ~~آدم متقدم على قوله { كن } . # والجواب الثاني : وهو الذي عول عليه القاضي أنه تعالى خلقه من الطين ثم ~~قال له { كن } أي أحياه كما قال : { ثم خلقنا النطفة علقة } فإن قيل الضمير ~~في قوله خلقه راجع إلى آدم وحين كان ترابا لم يكن آدم عليه السلام موجودا . # أجاب القاضي وقال : بل كان موجودا وإنما وجد بعد حياته ، وليست الحياة ~~نفس آدم وهذا ضعيف لأن PageV08P067 آدم عليه السلام ليس عبارة عن مجرد ~~الأجسام المشكلة بالشكل المخصوص ، بل هو عبارة عن هوية أخرى مخصوصة وهي : ~~إما المزاج المعتدل ، أو النفس ، وينجر الكلام من هذا البحث إلى أن النفس ~~ما هي ، ولا شك أنها من أغمض المسائل . # الجواب : الصحيح أن يقال لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه ~~آدم عليه السلام قبل ذلك ، تسمية لما سيقع بالواقع . # والجواب الثالث : أن قوله { ثم قال له كن فيكون } يفيد تراخي هذا الخبر ~~عن ذلك الخبر كما في قوله تعالى : { ثم كان من الذين ءامنوا } ( البلد : 17 ~~) ويقول القائل : أعطيت زيدا اليوم ألفا ثم أعطيته أمس ألفين ، ومراده : ~~أعطيته ms2286 اليوم ألفا ، ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله { خلقه ~~من تراب } أي صيره خلقا سويا ثم إنه يخبركم أني إنما خلقته بأن قلت له { كن ~~} . # المسألة الخامسة : في الآية إشكال آخر وهو أنه كان ينبغي أن يقال : ثم ~~قال له كن فكان فلم يقل كذلك بل قال : { كن فيكون } . # والجواب : تأويل الكلام ، ثم قال له { كن فيكون } فكان . # واعلم يا محمد أن ما قال له ربك { كن } فإنه يكون لا محالة . # ! 7 < { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 60 ) الحق من ربك . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الفراء ، والزجاج قوله { الحق } خبر مبتدأ محذوف ، ~~والمعنى : الذي أنبأتك من قصة عيسى عليه السلام ، أو ذلك النبأ في أمر عيسى ~~عليه السلام { الحق } فحذف لكونه / معلوما ، وقال أبو عبيدة هو استئناف بعد ~~انقضاء الكلام ، وخبره قوله { من ربك } وهذا كما تقول الحق من الله ، ~~والباطل من الشيطان ، وقال آخرون : الحق ، رفع بإضمار فعل أي جاءك الحق . # وقيل : أيضا إنه مرفوع بالصفة وفيه تقديم وتأخير ، تقديره : من ربك الحق ~~فلا تكن . # المسألة الثانية : الامتراء الشك ، قال ابن الأنباري : هو مأخوذ من قول ~~العرب مريت الناقة والشاة إذا حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء كاللبن ~~الذي يجتذب عند الحلب ، يقال قد مارى فلان فلانا إذا جادله ، كأنه يستخرج ~~غضبه ، ومنه قيل الشكر يمتري المزيد أي يجلبه . # المسألة الثالثة : في الحق تأويلان الأول : قال أبو مسلم المراد أن هذا ~~الذي أنزلت عليك هو الحق من خبر عيسى عليه السلام لا ما قالت النصارى ~~واليهود ، فالنصارى قالوا : إن مريم ولدت إلاها ، واليهود رموا مريم عليها ~~السلام بالإفك ونسبوها إلى يوسف النجار ، فالله تعالى بين أن هذا الذي أنزل ~~في القرآن هو الحق ثم نهى عن الشك فيه ، ومعنى ممتري مفتعل من المرية وهي ~~الشك . PageV08P068 # والقول الثاني : أن المراد أن الحق في بين هذه المسألة ما ذكرناه من ~~المثل وهو قصة آدم عليه السلام فإنه لا بيان لهذه المسألة ولا ms2287 برهان أقوى ~~من التمسك بهذه الواقعة والله أعلم . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { فلا تكن من الممترين } خطاب في الظاهر ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا بظاهره يقتضي أنه كان شاكا في صحة ما ~~أنزل عليه ، وذلك غير جائز ، واختلف الناس في الجواب عنه ، فمنهم من قال : ~~الخطاب وإن كان ظاهره مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا أنه في المعنى مع ~~الأمة قال تعالى : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } والثاني : أنه ~~خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام والمعنى : فدم على يقينك ، وعلى ما أنت ~~عليه من ترك الامتراء . # ! 7 < { فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنآءنا ~~وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على ~~الكاذبين } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 61 ) فمن حاجك فيه . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى بين في أول هذه السورة وجوها من الدلائل القاطعة ~~على فساد قول النصارى / بالزوجة والولد ، وأتبعها بذكر الجواب عن جميع ~~شبههم على سبيل الاستقصاء التام ، وختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد ~~كلامهم ، وهو أنه لما لم يلزم من عدم الأب والأم البشريين لآدم عليه السلام ~~أن يكون ابنا لله تعالى لم يلزم من عدم الأب البشري لعيسى عليه السلام أن ~~يكون ابنا لله ، تعالى الله عن ذلك ولما لم يبعد انخلاق آدم عليه السلام من ~~التراب لم يبعد أيضا انخلاق عيسى عليه السلام من الدم الذي كان يجتمع في ~~رحم أم عيسى عليه السلام ، ومن أنصف وطلب الحق ، علم أن البيان قد بلغ إلى ~~الغاية القصوى ، فعند ذلك قال تعالى : { فمن حاجك } بعد هذه الدلائل ~~الواضحة والجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم وعاملهم بما يعامل به المعاند ~~، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة فقال : { فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم } ~~إلى آخر الآية ، ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : اتفق أني حين كنت بخوارزم ، أخبرت أنه جاء نصراني يدعي ~~التحقيق والتعمق في مذهبهم ، فذهبت إليه وشرعنا في الحديث وقال لي : ما ~~الدليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ms2288 ، فقلت له كما نقل إلينا ظهور ~~الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام ، نقل إلينا ~~ظهور الخوارق على يد محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن رددنا التواتر ، أو ~~قبلناه لكن قلنا : إن المعجزة لا تدل على الصدق ، فحينئذ بطلت نبوة سائر ~~الأنبياء عليهم السلام ، وإن اعترفنا بصحة التواتر ، واعترفنا بدلالة ~~المعجزة على الصدق ، ثم إنهما حاصلان في حق محمد وجب الاعتراف قطعا بنبوة ~~محمد عليه السلام ضرورة أن عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء في ~~حصول المدلول ، فقال النصراني : أنا لا أقول في عيسى عليه السلام إنه كان ~~نبيا بل أقول إنه PageV08P069 كان إلاها ، فقلت له الكلام في النبوة لا بد ~~وأن يكون مسبوقا بمعرفة الإلاه وهذا الذي تقوله باطل ويدل عليه أن الإلاه ~~عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته ، يجب أن لا يكون جسما ولا متحيزا ولا ~~عرضا وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدوما ~~وقتل بعد أن كان حيا على قولكم وكان طفلا أولا ، ثم صار مترعرعا ، ثم صار ~~شابا ، وكان يأكل ويشرب ويحدث وينام ويستيقظ ، وقد تقرر في بداهة العقول أن ~~المحدث لا يكون قديما والمحتاج لا يكون غنيا والممكن لا يكون واجبا ~~والمتغير لا يكون دائما . # والوجه الثاني : في إبطال هذه المقالة أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه ~~وصلبوه وتركوه حيا على الخشبة ، وقد مزقوا ضلعه ، وأنه كان يحتال في الهرب ~~منهم ، وفي الاختفاء عنهم ، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد ~~، فإن كان إلاها أو كان الإلاه حالا فيه أو كان جزءا من الإلاه حاك فيه ، ~~فلم لم يدفعهم عن نفسه ؟ ولم لم يهلكهم بالكلية ؟ وأي حاجة به إلى إظهار ~~الجزع منهم والاحتيال في الفرار منهما وبالله أنني لأتعجب جدا ! إن العاقل ~~كيف يليق به أن يقول هذا القول ويعتقد صحته ، فتكاد أن تكون بديهة العقل ~~شاهدة بفساده . # / والوجه الثالث : وهو أنه : إما أن يقال بأن الإلاه هو هذا الشخص ~~الجسماني المشاهد ، أو يقال حل ms2289 الإلاه بكليته فيه ، أو حل بعض الإلاه وجزء ~~منه فيه والأقسام الثلاثة باطلة أما الأول : فلأن إلاه العالم لو كان هو ~~ذلك الجسم ، فحين قتله اليهود كان ذلك قولا بأن اليهود قتلوا إلاه العالم ، ~~فكيف بقي العالم بعد ذلك من غير إلاها ثم إن أشد الناس ذلا ودناءة اليهود ، ~~فالإلاه الذي تقتله اليهود إلاه في غاية العجزا وأما الثاني : وهو أن ~~الإلاه بكليته حل في هذا الجسم ، فهو أيضا فاسد ، لأن الإلاه لم يكن جسما ~~ولا عرضا امتنع حلوله في الجسم ، وإن كان جسما ، فحينئذ يكون حلوله في جسم ~~آخر عبارة عن اختلاط أجزاءه بأجزاء ذلك الجسم ، وذلك يوجب وقوع التفرق في ~~أجزاء ذلك الإلاه ، وإن كان عرضا كان محتاجا إلى المحل ، وكان الإلاه ~~محتاجا إلى غيره ، وكل ذلك سخف ، وأما الثالث : وهو أنه حل فيه بعض من ~~أبعاض الإلاه ، وجزء من أجزائه ، فذلك أيضا محال لأن ذلك الجزء إن كان ~~معتبرا في الإلاهية ، فعند انفصاله عن الإلاه ، وجب أن لا يبقى الإلاه ~~إلاها ، وإن لم يكن معتبر في تحقق الإلاهية ، لم يكن جزأ من الإلاه ، فثبت ~~فساد هذه الأقسام ، فكان قول النصارى باطلا . # الوجه الرابع : في بطلان قول النصارى ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه ~~السلام كان عظيم الرغبة في العبادة والطاعة لله تعالى ، ولو كان إلاها ~~لاستحال ذلك ، لأن الإلاه لا يعبد نفسه ، فهذه وجوه في غاية الجلاء والظهور ~~، دالة على فساد قولهم ، ثم قلت للنصراني : وما الذي دلك على كونه إلاها ؟ ~~فقال الذي دل عليه ظهور العجائب عليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص ، وذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرة الإلاه تعالى ، فقلت له هل تسلم ~~إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول أم لا ؟ فإن لم تسلم لزمك من نفي ~~العالم في الأزل نفي الصانع ، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم ~~المدلول ، فأقول : لما جوزت حلول الإلاه في بدن عيسى عليه السلام ، فكيف ~~عرفت أن الإلاه ما حل في بدني وبدنك وفي ms2290 بدن كل حيوان ونبات وجماد ؟ فقال : ~~الفرق ظاهر ، وذلك لأني إنما حكمت بذلك الحلول ، لأنه ظهرت تلك الأفعال ~~العجيبة عليه ، والأفعال العجيبة ما ظهرت على يدي ولا على يدك ، فعلمنا أن ~~ذلك الحلول مفقود ههنا ، فقلت له : تبين PageV08P070 الآن أنك ما عرفت معنى ~~قولي إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول ، وذلك لأن ظهور تلك الخوارق ~~دالة على حلول الإلاه في بدن عيسى : فعدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك ليس ~~فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل ، فإذا ثبت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم ~~المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني ومنك عدم الحلول في حقي وفي ~~حقك ، وفي حق الكلب والسنور والفأر ثم قلت : إن مذهبا يؤدي القول به إلى ~~تجويز حلول ذات الله في بدن الكلب والذباب لفي غاية النحسة والركاكة . # الوجه الخامس : أن قلب العصا حية ، أبعد في العقل من إعادة الميت حيا ، ~~لأن المشاكلة / بين بدن الحي وبدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة وبين ~~بدن الثعبان ، فإذا لم يوجب قلب العصا حية كون موسى إلاها ولا ابنا للإلاه ~~، فبأن لا يدل إحياء الموتى على الإلاهية كان ذلك أولى ، وعند هذا انقطع ~~النصراني ولم يبق له كلام والله أعلم . # المسألة الثانية : روي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران ~~، ثم إنهم أصروا على جهلهم ، فقال عليه السلام : ( إن الله أمرني إن لم ~~تقبلوا الحجة أن أباهلكم ) فقالوا : يا أبا القاسم ، بل نرجع فننظر في ~~أمرنا ثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب : وكان ذا رأيهم ، يا عبد المسيح ~~ما ترى ، فقال : والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل ، ولقد ~~جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم ، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ~~ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لكان الاستئصال فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم ~~والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه مرط من ms2291 شعر أسود / وكان قد احتضن الحسين ~~وأخذ بيد الحسن ، وفاطمة تمشي خلفه ، وعلي رضي الله عنه خلفها ، وهو يقول ، ~~إذا دعوت فأمنوا ، فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى ، إني لأرى وجوها لو ~~سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا ~~يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، ثم قالوا : يا أبا القاسم ، ~~رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك فقال صلوات الله عليه : فإذا أبيتم ~~المباهلة فأسلموا ، يكن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما على المسلمين ، فأبوا ~~، فقال : فإني أناجزكم القتال ، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ، ولكن ~~نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا ، على أن نؤدي إليك في كل عام ~~ألفى حلة : ألفا في صفر ، وألفا في رجب ، وثلاثين درعا عادية من حديد ، ~~فصالحهم على ذلك ، وقال : والذي نفسي بيده ، إن الهلاك قد تدلى على أهل ~~نجران ، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي نارا ، ~~ولاستأصل الله نجران وأهله ، حتى الطير على رؤوس الشجر ، ولما حال الحول ~~على النصارى كلهم حتى يهلكوا ، وروي أنه عليه السلام لما خرج في المرط ~~الأسود ، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله ، ثم جاء الحسين رضي الله عنه ~~فأدخله ثم فاطمة ، ثم علي رضي الله عنهما ثم قال : { إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } ( الأحزاب : 33 ) واعلم أن هذه ~~الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث . # المسألة الثالثة : { فمن حاجك فيه } أي في عيسى عليه السلام ، وقيل : ~~الهاء تعود إلى الحق ، في قوله { الحق من ربك } ( هود : 17 ) { من بعد ما ~~جاءك من العلم } ( البقرة : 145 ) بأن عيسى عبد الله ورسوله عليه السلام ~~وليس المراد ههنا بالعلم نفس العلم لأن العلم الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك ~~، بل المراد بالعلم ما ذكره بالدلائل العقلية ، PageV08P071 والدلائل ~~الواصلة إليه بالوحي والتنزيل ، فقل تعالوا : أصله تعاليوا ، لأنه تفاعلوا ~~من العلو ، فاستثقلت الضمة على الياء ، فسكنت ، ثم حذفت لاجتماع الساكنين ، ~~وأصله العلو ms2292 والارتفاع ، / فمعنى تعالى ارتفع ، إلا أنه كثر في الاستعمال ~~حتى صار لكل مجيء ، وصار بمنزلة هلم . # المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على أن الحسن والحسين عليهما السلام ~~كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعد أن يدعو أبناءه ، فدعا الحسن ~~والحسين ، فوجب أن يكونا ابنيه ، ومما يؤكد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام ~~{ ومن ذريته * داوود * وسليمان } ( الأنعام : 84 ) إلى قوله { وزكريا ويحيى ~~وعيسى } ( الأنعام : 85 ) ومعلوم أن عيسى عليه السلام إنما انتسب إلى ~~إبراهيم عليه السلام بالأم لا بالأب ، فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابنا ~~والله أعلم . # المسألة الخامسة : كان في الري رجل يقال له : محمود بن الحسن الحمصي ، ~~وكان معلم الاثنى عشرية ، وكان يزعم أن عليا رضي الله عنه أفضل من جميع ~~الأنبياء سوى محمد عليه السلام ، قال : والذي يدل عليه قوله تعالى : { ~~وأنفسنا وأنفسكم } وليس المراد بقوله { وأنفسنا } نفس محمد صلى الله عليه ~~وسلم لأن الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد به غيره ، وأجمعوا على أن ذلك ~~الغير كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فدلت الآية على أن نفس علي هي ~~نفس محمد ، ولا يمكن أن يكون المراد منه ، أن هذه النفس هي عين تلك النفس ، ~~فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس ، وذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه ~~، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة ، وفي حق الفضل لقيام الدلائل على أن ~~محمدا عليه السلام كان نبيا وما كان علي كذلك ، ولانعقاد الإجماع على أن ~~محمدا عليه السلام كان أفضل من علي رضي الله عنه / فيبقى فيما وراءه معمولا ~~به ، ثم الإجماع دل على أن محمدا عليه السلام كان أفضل من سائر الأنبياء ~~عليهم السلام فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء ، فهذا وجه ~~الاستدلال بظاهر هذه الآية ، ثم قال : ويؤيد الاستدلال بهذه الآية ، الحديث ~~المقبول عند الموافق والمخالف ، وهو قوله عليه السلام : ( من أراد أن يرى ~~آدم في علمه ، ونوحا في طاعته ، وإبراهيم في خلته ، وموسى في هيبته ، وعيسى ~~في ms2293 صفوته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) فالحديث دل على أنه ~~اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم ، وذلك يدل على أن عليا رضي الله عنه أفضل من ~~جميع الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم ، وأما سائر الشيعة فقد كانوا ~~قديما وحديثا يستدلون بهذه الآية على أن عليا رضي الله عنه مثل نفس محمد ~~عليه السلام إلا فيما خصه الدليل ، وكان نفس محمد أفضل من الصحابة رضوان ~~الله عليهم ، فوجب أن يكون نفس علي أفضل أيضا من سائر الصحابة ، هذا تقدير ~~كلام الشيعة ، والجواب : أنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمدا ~~عليه السلام أفضل من علي ، فكذلك انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان ~~، على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي ، وأجمعوا على أن عليا رضي الله عنه ما ~~كان نبيا ، فلزم القطع بأن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء عليهم السلام . # / المسألة السادسة : قوله { ثم نبتهل } أي نتباهل ، كما يقال اقتتل القوم ~~وتقاتلوا واصطحبوا وتصاحبوا ، والابتهال فيه وجهان أحدهما : أن الابتهال هو ~~الاجتهاد في الدعاء ، وإن لم يكن باللعن ، ولا يقال : ابتهل في الدعاء إلا ~~إذا كان هناك اجتهاد والثاني : أنه مأخوذ من قولهم عليه بهلة الله ، أي ~~لعنته وأصله مأخوذ مما PageV08P072 يرجع إلى معنى اللعن ، لأن معنى اللعن ~~هو الإبعاد والطرد وبهله الله ، أي لعنه وأبعده من رحمته من قولك أبهله إذا ~~أهمله وناقة باهل لا صرار عليها ، بل هي مرسلة مخلاة ، كالرجل الطريد ~~المنفي ، وتحقيق معنى الكلمة : أن البهل إذا كان هو الإرسال والتخلية فكان ~~من بهله الله فقد خلاه الله ووكله إلى نفسه ومن وكله إلى نفسه فهو هالك لا ~~شك فيه فمن باهل إنسانا ، فقال : علي بهلة الله إن كان كذا ، يقول : وكلني ~~الله إلى نفسي ، وفرضني إلى حولي وقوتي ، أي من كلاءته وحفظه ، كالناقة ~~الباهل التي لا حافظ لها في ضرعها ، فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها ms2294 لا قوة ~~لها في الدفع عن نفسها ، ويقال أيضا : رجل باهل ، إذا لم يكن معه عصا ، ~~وإنما معناه أنه ليس معه ما يدفع عن نفسه ، والقول الأول أولى ، لأنه يكون ~~قوله { ثم نبتهل } أي ثم نجتهد في الدعاء ، ونجعل اللعنة على الكاذب وعلى ~~القول الثاني يصير التقدير : ثم نبتهل ، أي ثم نلتعن { فنجعل لعنت الله على ~~الكاذبين } وهي تكرار ، بقي في الآية سؤالات أربع . # السؤال الأول : الأولاد إذا كانوا صغارا لم يجز نزول العذاب بهم وقد ورد ~~في الخبر أنه صلوات الله عليه أدخل في المباهلة الحسن والحسين عليهما ~~السلام فما الفائدة فيه ؟ . # والجواب : إن عادة الله تعالى جارية بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم ~~هلكت معهم الأولاد والنساء ، فيكون ذلك في حق البالغين عقابا ، وفي حق ~~الصبيان لا يكون عقابا ، بل يكون جاريا مجرى إماتتهم وإيصال الآلام ~~والأسقام إليهم ومعلوم أن شفقة الإنسان على أولاده وأهله شديدة جدا فربما ~~جعل الإنسان نفسه فداء لهم وجنة لهم ، وإذا كان كذلك فهو عليه السلام أحضر ~~صبيانه ونساءه مع نفسه وأمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك ليكون ذلك أبلغ في الزجر ~~وأقوى في تخويف الخصم ، وأدل على وثوقه صلوات الله عليه وعلى آله بأن الحق ~~معه . # السؤال الثاني : هل دلت هذه الواقعة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ؟ . # الجواب : أنها دلت على صحة نبوته عليه السلام من وجهين أحدهما : وهو أنه ~~عليه السلام خوفهم بنزول العذاب عليهم ، ولو لم يكن واثقا بذلك ، لكان ذلك ~~منه سعيا في إظهار كذب نفسه لأن بتقدير : أن يرغبوا في مباهلته ، ثم لا ~~ينزل العذاب ، فحينئذ كان يظهر كذبه فيما أخبر ومعلوم أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم كان من أعقل الناس ، فلا يليق به أن يعمل عملا يفضي إلى ظهور ~~كذبه فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقا بنزول العذاب ~~عليهم وثانيهما : إن القوم لما تركوا مباهلته ، فلولا أنهم عرفوا من ~~التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته ، وإلا لما / أحجموا عن ms2295 مباهلته . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنهم كانوا شاكين ، فتركوا مباهلته خوفا ~~من أن يكون صادقا فينزل بهم ما ذكر من العذاب ؟ . # قلنا هذا مدفوع من وجهين الأول : أن القوم كانوا يبذلونه النفوس والأموال ~~في المنازعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولو كانوا شاكين لما فعلوا ~~ذلك الثاني : أنه قد نقل عن أولئك النصارى أنهم قالوا : إنه والله هو النبي ~~المبشر به في التوراة والإنجيل ، وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال فكان ~~ذلك تصريحا منهم بأن الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم بأنه نبي مرسل من ~~عند الله تعالى . PageV08P073 # السؤال الثالث : أليس إن بعض الكفار اشتغلوا بالمباهلة مع محمد صلى الله ~~عليه وسلم ؟ حيث قالوا { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء } ( الأنفال : 32 ) ثم إنه لم ينزل العذاب بهم ألبتة ، ~~فكذا ههنا ، وأيضا فبتقدير نزول العذاب ، كان ذلك مناقضا لقوله { وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم } ( الأنفال : 33 ) . # والجواب : الخاص مقدم على العام ، فلما أخبر عليه السلام بنزول العذاب في ~~هذه السورة على التعيين وجب أن يعتقد أن الأمر كذلك . # السؤال الرابع : قوله { إن هاذا لهو القصص الحق } هل هو متصل بما قبله أم ~~لا ؟ . # والجواب : قال أبو مسلم : إنه متصل بما قبله ولا يجوز الوقف على قوله { ~~الكاذبين } وتقدير الآية فنجعل لعنة الله على الكاذبين بأن هذا هو القصص ~~الحق وعلى هذا التقدير كان حق { ءان } أن تكون مفتوحة ، إلا أنها كسرت ~~لدخول اللام في قوله { لهو } كما في قوله { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } ( ~~العاديات : 11 ) وقال الباقون : الكلام تم عند قوله { على الكاذبين } وما ~~بعده جملة أخرى مستقلة غير متعلقة بما قبلها والله أعلم . # ! 7 < { إن هاذا لهو القصص الحق وما من إلاه إلا الله وإن الله لهو ~~العزيز الحكيم * فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 62 - 63 ) إن هذا لهو . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله { إن هذا } إشارة إلى ما تقدم ذكره من الدلائل ، ~~ومن ms2296 الدعاء إلى المباهلة { لهو القصص الحق } والقصص هو مجموع الكلام ~~المشتمل على ما يهدي إلى الدين ، ويرشد / إلى الحق ويأمر بطلب النجاة فبين ~~تعالى إن الذي أنزله على نبيه هو القصص الحق ليكون على ثقة من أمره ، ~~والخطاب وإن كان معه فالمراد به الكل . # المسألة الثانية : { هو } في قوله { لهو القصص الحق } فيه قولان أحدهما : ~~أن يكون فصلا وعمادا ، ويكون خبر { ءان } هو قوله { القصص الحق } . # فإن قيل : فكيف جاز دخول اللام على الفصل ؟ . # قلنا : إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجود ، لأنه أقرب ~~إلى المبتدأ منه ، وأصلها أن تدخل على المبتدأ . # والقول الثاني : إنه مبتدأ ، والقصص خبره ، والجملة خبر { ءان } . # المسألة الثالثة : قرىء { لهو } بتحريك الهاء على الأصل ، وبالسكون لأن ~~اللام ينزل من { هو } منزلة بعضه فخفف كما خفف عضد . PageV08P074 # المسألة الرابعة : يقال : قص فلان الحديث يقصه قصا وقصصا ، وأصله اتباع ~~الأثر ، يقال : خرج فلان قصصا ، وفي أثر فلان ، وقصا ، وذلك إذا اقتص أثره ~~، ومنه قوله تعالى : { وقالت لاخته قصيه } ( القصص : 11 ) وقيل للقاص إنه ~~قاص لاتباعه خبرا بعد خبر ، وسوقه الكلام سوقا ، فمعنى القصص الخبر المشتمل ~~على المعاني المتتابعة . # ثم قال : { وما من إلاه إلا الله } وهذا يفيد تأكيد النفي ، لأنك لو قلت ~~عندي من الناس أحد ، أفاد أن عندك بعض الناس ، فإذا قلت ما عندي من الناس ~~من أحد ، أفاد أنه ليس عندك بعضهم ، وإذا لم يكن عندك بعضهم ، فبأن لا يكون ~~عندك كلهم أولى فثبت أن قوله { وما من إلاه إلا الله } مبالغة في أنه لا ~~إلاه إلا الله الواحد الحق سبحانه وتعالى . # ثم قال : { وإن الله لهو العزيز الحكيم } وفيه إشارة إلى الجواب عن شبهات ~~النصارى ، وذلك لأن اعتمادهم على أمرين أحدهما : أنه قدر على إحياء الموتى ~~وإبراء الأكمه والأبرص ، فكأنه تعالى قال : هذا القدر من القدرة لا يكفي في ~~الإلاهية ، بل لا بد وأن يكون عزيزا غالبا لا يدفع ولا يمنع ، وأنتم قد ~~اعترفتم بأن عيسى ما كان كذلك ، وكيف وأنتم ms2297 تقولون إن اليهود قتلوه ؟ ~~والثاني : أنهم قالوا : إنه كان يخبر عن الغيوب وغيرها ، فيكون إلاها ، ~~فكأنه تعالى قال : هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلاهية ، بل لا بد وأن ~~يكون حكيما ، أي عالما بجميع المعلومات وبجميع عواقب الأمور ، فذكر { ~~العزيز الحكيم } ههنا إشارة إلى الجواب عن هاتين الشبهتين ونظير هذه الآية ~~ما ذكره تعالى في أول السورة من قوله { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء ~~لا إلاه إلا هو العزيز الحكيم } ( آل عمران : 6 ) . # ثم قال : { فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين } والمعنى : فإن تولوا عما ~~وصفت من أن الله هو / الواحد ، وأنه يجب أن يكون عزيزا غالبا قادرا على ~~جميع المقدورات ، حكيما عالما بالعواقب والنهايات مع أن عيسى عليه السلام ~~ما كان عزيزا غالبا ، وما كان حكيما عالما بالعواقب والنهايات . فاعلم أن ~~توليهم وإعراضهم ليس إلا على سبيل العناد فاقطع كلامك عنهم وفوض أمرهم إلى ~~الله ، فإن الله عليم بفساد المفسدين / مطلع على ما في قلوبهم من الأغراض ~~الفاسدة ، قادر على مجازاتهم . # ! 7 < { قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا ~~الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا ~~فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 64 ) قل يا أهل . . . . . # > > PageV08P075 @76@ # واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أورد على نصارى نجران أنواع ~~الدلائل وانقطعوا ، ثم دعاهم إلى المباهلة فخافوا وما شرعوا فيها وقبلوا ~~الصغار بأداء الجزية ، وقد كان عليه السلام حريصا على إيمانهم ، فكأنه ~~تعالى قال : يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام واعدل إلى منهج آخر يشهد كل ~~عقل سليم وطبع مستقيم أنه كلام مبني على الإنصاف وترك الجدال ، و { قل ~~ياأهل * أهل الكتاب * تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } أي هلموا إلى ~~كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض ، ولا ميل فيه لأحد على صاحبه ، وهي { أن لا ~~* نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا } هذا هو المراد من الكلام ولنذكر الآن ~~تفسير الألفاظ ms2298 . # أما قوله تعالى : { من أهل الكتاب } ففيه ثلاثة أقوال أحدها : المراد ~~نصارى نجران والثاني : المراد يهود المدينة والثالث : أنها نزلت في ~~الفريقين ، ويدل عليه وجهان الأول : أن ظاهر اللفظ يتناولهما والثاني : روي ~~في سبب النزول ، أن اليهود قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام ، ما تريد إلا ~~أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى وقالت النصارى : يا محمد ما تريد إلا ~~أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزيرا فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعندي ~~أن الأقرب حمله على النصارى ، لما بينا أنه لما أورد الدلائل عليهم أولا ، ~~ثم باهلهم ثانيا ، فعدل في هذا المقام إلى الكلام المبني على رعاية الإنصاف ~~، وترك المجادلة ، وطلب الإفحام والإلزام ، ومما يدل عليه ، أنه خاطبهم ~~ههنا بقوله تعالى : { من أهل الكتاب } وهذا الاسم من أحسن الأسماء وأكمل ~~الألقاب حيث جعلهم أهلا / لكتاب الله ، ونظيره ، ما يقال لحافظ القرآن يا ~~حامل كتاب الله ، وللمفسر يا مفسر كلام الله ، فإن هذا اللقب يدل على أن ~~قاتله أراد المبالغة في تعظيم المخاطب وفي تطييب قلبه ، وذلك إنما يقال عند ~~عدول الإنسان مع خصمه عن طريقة اللجاج والنزاع إلى طريقة طلب الإنصاف . # أما قوله تعالى : { تعالوا } فالمراد تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى ~~النظر فيه وإن لم يكن انتقالا من مكان إلى مكان لأن أصل اللفظ مأخوذ من ~~التعالي وهو الارتفاع من موضع هابط إلى مكان عال ، ثم كثر استعماله حتى صار ~~دالا على طلب التوجه إلى حيث يدعى إليه . # أما قوله تعالى : { إلى كلمة سواء بيننا } فالمعنى هلموا إلى كلمة فيها ~~إنصاف من بعضنا لبعض ، لا ميل فيه لأحد على صاحبه ، والسواء هو العدل ~~والإنصاف ، وذلك لأن حقيقة الإنصاف إعطاء النصف ، فإن الواجب في العقول ترك ~~الظلم على النفس وعلى الغير ، وذلك لا يحصل إلا بإعطاء النصف ، فإذا أنصف ~~وترك ظلمه أعطاه النصف فقد سوى بين نفسه وبين غيره وحصل الاعتدال ، وإذا ~~ظلم وأخذ أكثر مما أعطى زال الاعتدال فلما كان من لوازم العدل والإنصاف ~~التسوية جعل لفظ التسوية ms2299 عبارة عن العدل . # ثم قال الزجاج { سوآء } نعت للكملة يريد : ذات سواء ، فعلى هذا قوله { ~~كلمة سواء } أي كلمة عادلة مستقيمة مستوية ، فإذا آمنا بها نحن وأنتم كنا ~~على السواء والاستقامة ، ثم قال : { أن لا * نعبد إلا الله } وفيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : محل { ءان } في قوله أن لا نعبد / فيه وجهان الأول : ~~إنه رفع بإضمار ، هي : كأن قائلا قال : ما تلك الكلمة ؟ فقيل هي أن لا نعبد ~~إلا الله والثاني : خفض على البدل من : كلمة . # المسألة الثانية : إنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء أولها : { أن لا * نعبد إلا ~~الله } وثانيها : أن { لا * نشرك به PageV08P076 شيئا } وثالثها : أن { لا ~~يتخذ * بعضنا بعضا أربابا من دون الله } وإنما ذكر هذه الثلاثة لأن النصارى ~~جمعوا بين هذه الثلاثة فيعبدون غير الله وهو المسيح ، ويشركون به غيره وذلك ~~لأنهم يقولون إنه ثلاثة : أب وابن وروح القدس ، فأثبتوا ذوات ثلاثة قديمة ~~سواء ، وإنما قلنا : إنهم أثبتوا ذوات ثلاثة قديمة ، لأنهم قالوا : إن ~~أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح ، وأقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم ، ~~ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين وإلا لما جازت عليهما مفارقة ذات ~~الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم ، ولما أثبتوا ذوات ثلاثة مستقلة فقد ~~أشركوا ، وأما إنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله فيدل عليه ~~وجوه : # أحدها : إنهم كانوا يطيعونهم في التحليل والتحريم والثاني : إنهم كانوا ~~يسجدون لأحبارهم والثالث : قال أبو مسلم : من مذهبهم أن من صار كاملا في ~~الرياضة والمجاهدة يظهر فيه أثر حلول اللاهوت ، فيقدر على إحياء الموتى ~~وإبراء الأكمه والأبرص ، فهم وإن لم يطلقوا عليه لفظ الرب / إلا أنهم ~~أثبتوا في حقه معنى الربوبية والرابع : هو أنهم كانوا يطيعون أحبارهم في ~~المعاصي ، ولا معنى للربوبية إلا ذلك ، ونظيره قوله تعالى : { أفرأيت من ~~اتخذ إلاهه هواه } ( الجاثية : 23 ) فثبت أن النصارى جمعوا بين هذه الأمور ~~الثلاثة ، وكان القول ببطلان هذه الأمور الثلاثة كالأمر المتفق عليه بين ~~جمهور العقلاء وذلك ، لأن قبل المسيح ما كان المعبود إلا الله ، فوجب أن ~~يبقى الأمر ms2300 بعد ظهور المسيح على هذا الوجه ، وأيضا القول بالشركة باطل ~~باتفاق الكل ، وأيضا إذا كان الخالق والمنعم بجميع النعم هو الله ، وجب أن ~~لا يرجع في التحليل والتحريم والانقياد والطاعة إلا إليه ، دون الأحبار ~~والرهبان ، فهذا هو شرح هذه الأمور الثلاثة . # ثم قال تعالى : { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } والمعنى إن أبوا ~~إلا الإصرار ، فقولوا إنا مسلمون ، يعني أظهروا أنكم على هذا الدين ، لا ~~تكونوا في قيد أن تحملوا غيركم عليه . # ! 7 < { ياأهل الكتاب لم تحآجون فىإبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل ~~إلا من بعده أفلا تعقلون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 65 ) يا أهل الكتاب . . . . . # > > اعلم أن اليهود كانوا يقولون : إن إبراهيم كان على ديننا ، والنصارى ~~كانوا يقولون : كان إبراهيم على ديننا ، فأبطل الله عليهم ذلك بأن التوراة ~~والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده فكيف يعقل أن يكون يهوديا أو نصرانيا ؟ . # فإن قيل : فهذا أيضا لازم عليكم لأنكم تقولون : إن إبراهيم كان على دين ~~الإسلام ، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان طويل ، فإن قلتم إن المراد أن ~~إبراهيم كان في أصول الدين على المذهب الذي عليه المسلمون الآن ، فنقول : ~~فلم لا يجوز أيضا أن تقول اليهود إن إبراهيم كان يهوديا بمعنى أنه كان على ~~الدين الذي عليه PageV08P077 اليهود ، وتقول النصارى إن إبراهيم كان ~~نصرانيا بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه النصارى ، فكون التوراة ~~والإنجيل نازلين بعد إبراهيم لا ينافي كونه يهوديا أو نصرانيا بهذا التفسير ~~، كما إن كون القرآن نازلا بعده لا ينافي كونه مسلما . # والجواب : إن القرآن أخبر أن إبراهيم كان حنيفا مسلما ، وليس في التوراة ~~والإنجيل أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا ، فظهر الفرق ، ثم نقول : أما ~~إن النصارى ليسوا على ملة إبراهيم ، فالأمر فيه ظاهر ، لأن المسيح ما كان ~~موجودا في زمن إبراهيم ، فما كانت عبادته مشروعة في زمن / إبراهيم لا محالة ~~، فكان الاشتغال بعبادة المسيح مخالفة لملة إبراهيم لا محالة ، وأما إن ~~اليهود ليسوا على ملة إبراهيم ، فذلك لأنه لا شك إنه كان لله سبحانه وتعالى ~~تكاليف ms2301 على الخلق قبل مجيء موسى عليه السلام ، ولا شك أن الموصل لتلك ~~التكاليف إلى الخلق واحد من البشر ، ولا شك أن ذلك الإنسان قد كان مؤيدا ~~بالمعجزات ، وإلا لم يجب على الخلق قبول تلك التكاليف منه فإذن قد كان قبل ~~مجيء موسى أنبياء ، وكانت لهم شرائع معينة ، فإذا جاء موسى فإما أن يقال ~~إنه جاء بتقرير تلك الشرائع ، أو بغيرهما فإن جاء بتقريرها لم يكن موسى ~~صاحب تلك الشريعة ، بل كان كالفقيه المقرر لشرع من قبله ، واليهود لا يرضون ~~بذلك ، وإن كان قد جاء بشرع آخر سوى شرع من تقدمه فقد قال بالنسخ ، فثبت ~~أنه لا بد وأن يكون دين كل الأنبياء جواز القول بالنسخ واليهود ينكرون ذلك ~~، فثبت أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم ، فبطل قول اليهود والنصارى بأن ~~إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا ، فهذا هو المراد من الآية والله أعلم . # ! 7 < { هاأنتم هاؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم ~~به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون * ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه وهاذا النبى والذين ءامنوا والله ولى المؤمنين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 66 - 68 ) ها أنتم هؤلاء . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { وإذ أنتم } بالمد والهمزة ~~وقرأ نافع وأبو عمرو بغير همز ولا مد ، إلا بقدر خروج الألف الساكنة وقرأ ~~ابن كثير بالهمز والقصر على وزن { * صنعتم } وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز ~~، فمن حقق فعلى الأصل ، لأنهما حرفان { * ها } و { وإذ أنتم } ومن لم / يمد ~~ولم يهمز فللتخفيف من غير إخلال . PageV08P078 # المسألة الثانية : اختلفوا في أصل { وإذ أنتم } فقيل { * ها } تنبيه ~~والأصل { وإذ أنتم } وقيل أصله { أءنتم } فقلبت الهمزة الأولى هاء كقولهم ~~هرقت الماء وأرقت و { هؤلاء } مبني على الكسر وأصله أولاء دخلت عليه ها ~~التنبيه ، وفيه لغتان : القصر والمد ، فإن قيل : أين خبر أنتم في قوله ها ~~أنتم ؟ قلنا في ثلاثة أوجه الأول : قال صاحب ms2302 ( الكشاف ) { * ها } للتنبيه و ~~{ وإذ أنتم } مبتدأ و { هؤلاء } خبره و { حاججتم } جملة مستأنفة مبينة ~~للجملة الأولى بمعنى : أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة ~~عقولكم أنكم وإن جادلتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ؟ ~~والثاني : أن يكون { أنتم } مبتدأ ، وخبر { هؤلاء } بمعنى أولاء على معنى ~~الذي وما بعده صلة له الثالث : أن يكون { أنتم } مبتدأ { وهؤلاء } عطف بيان ~~{ * وحاججتم } خبره وتقديره : أنتم يا هؤلاء حاججتم . # المسألة الثالثة : المراد من قوله { هاؤلاء حاججتم فيما لكم به علم } هو ~~أنهم زعموا أن شريعة التوراة والإنجيل مخالفة لشريعة القرآن فكيف تحاجون ~~فيما لا علم لكم به وهو ادعاؤكم أن شريعة إبراهيم كانت مخالفة لشريعة محمد ~~عليه السلام ؟ . # ثم يحتمل في قوله { تعقلون هأنتم هاؤلاء حاججتم فيما لكم به علم } أنه لم ~~يصفهم في العلم حقيقة وإنما أراد إنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه ، ~~فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم به ألبتة ؟ . # ثم حقق ذلك بقوله { والله يعلم } كيف كانت حال هذه الشرائع في المخالفة ~~والموافقة { وأنتم لا تعلمون } كيفية تلك الأحوال . # ثم بين تعالى ذلك مفصلا فقال : { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا } ~~فكذبهم فيما ادعوه من موافقة لهما . # ثم قال : { ولكن كان حنيفا مسلما } وقد سبق تفسير الحنيف في سورة البقرة ~~. # ثم قال : { وما كان من المشركين } وهو تعريض بكون النصارى مشركين في ~~قولهم بإلاهية المسيح وبكون اليهود مشركين في قولهم بالتشبيه . # فإن قيل : قولكم إبراهيم على دين الإسلام أتريدون به الموافقة في الأصول ~~أو في الفروع ؟ فإن كان الأول لم يكن مختصا بدين الإسلام بل نقطع بأن ~~إبراهيم أيضا على دين اليهود ، أعني ذلك الدين الذي جاء به موسى ، فكان ~~أيضا على دين النصارى ، أعني تلك النصرانية التي جاء بها عيسى فإن أديان ~~الأنبياء لا يجوز أن تكون مختلفة في الأصول ، وإن أردتم به الموافقة في ~~الفروع ، فلزم أن لا يكون محمد عليه السلام صاحب الشرع البتة ، بل كان ~~كالمقرر لدين غيره / وأيضا من المعلوم ms2303 كالضرورة أن التعبد بالقرآن ما كان ~~موجودا في زمان إبراهيم عليه السلام فتلاوة القرآن مشروعة في صلاتنا وغير ~~مشروعة في صلاتهم . قلنا : جاز أن يكون المراد به الموافقة في الأصول ~~والغرض / منه بيان إنه ما كان موافقا في أصول الدين لمذهب هؤلاء الذين هم ~~اليهود والنصارى في زماننا هذا ، وجاز أيضا أن يقال المراد به الفروع وذلك ~~لأن الله نسخ تلك الفروع بشرع PageV08P079 موسى ، ثم في زمن محمد صلى الله ~~عليه وسلم نسخ شرع موسى عليه السلام الشريعة التي كانت ثابتة في زمن ~~إبراهيم عليه السلام وعلى هذا التقدير يكون محمد عليه السلام صاحب الشريعة ~~ثم لما كان غالب شرع محمد عليه السلام موافقا لشرع إبراهيم عليه السلام ، ~~فلو وقعت المخالفة في القليل لم يقدح ذلك في حصول الموافقة . # ثم ذكر تعالى : { إن أولى الناس بإبراهيم } فريقان أحدهما : من اتبعه ممن ~~تقدم والآخر : النبي وسائر المؤمنين . # ثم قال : { والله ولى المؤمنين } بالنصرة والمعونة والتوفيق والإعظام ~~والإكرام . # ! 7 < { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 69 ) ودت طائفة من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق ، ~~والإعراض عن قبول الحجة بين أنهم لا يقتصرون على هذا القدر ، بل يجتهدون في ~~إضلال من آمن بالرسول عليه السلام بإلقاء الشبهات كقولهم : إن محمدا عليه ~~السلام مقر بموسى وعيسى ويدعي لنفسه النبوة ، وأيضا إن موسى عليه السلام ~~أخبر في التوراة بأن شرعه لا يزول ، وأيضا القول بالنسخ يفضي إلى البداء ، ~~والغرض منه تنبيه المؤمنين على أن لا يغتروا بكلام اليهود ، ونظير قوله ~~تعالى في سورة البقرة : { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم ~~كفارا حسدا من عند أنفسهم } ( البقرة : 109 ) وقوله { ودوا لو تكفرون كما ~~كفروا فتكونون سواء } ( النساء : 89 ) . # واعلم أن { من } ههنا للتبعيض وإنما ذكر بعضهم ولم يعمهم لأن منهم من آمن ~~وأثنى الله عليهم بقوله { منهم أمة مقتصدة } ( المائدة : 66 ) { ومن أهل ~~الكتاب ms2304 * أمة قائمة } ( آل عمران : 113 ) وقيل نزلت هذه الآية في معاذ ~~وعمار بن ياسر وحذيفة دعاهم اليهود إلى دينهم ، وإنما قال : { لو يضلونكم } ~~ولم يقل أن يضلوكم ، لأن { لو } للتمني فإن قولك لو كان كذا يفيد التمني ~~ونظيره قوله تعالى : { يود أحدهم لو يعمر ألف سنة } ( البقرة : 96 ) . # ثم قال تعالى : { وما يضلون إلا أنفسهم } وهو يحتمل وجوها منها إهلاكهم ~~أنفسهم باستحقاق العقاب على قصدهم إضلال الغير وهو كقوله { وما ظلمونا ~~ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } ( البقرة : 57 ) وقوله { وليحملن أثقالهم ~~وأثقالا مع أثقالهم } ( العنكبوت : 13 ) { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون } ( النحل : 25 ~~) ومنها إخراجهم أنفسهم عن معرفة الهدى والحق لأن الذاهب عن الاهتداء يوصف ~~بأنه ضال ومنها أنهم لما اجتهدوا في إضلال المؤمنين ثم إن المؤمنين لم ~~يلتفتوا إليهم فهم قد صاروا خائبين خاسرين ، حيث اعتقدوا شيئا ولاح لهم أن ~~الأمر بخلاف ما تصوروه . # ثم قال تعالى : { وما يشعرون } أي ما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر ~~المؤمنين . # PageV08P080 ! 7 < { ياأهل الكتاب لم تكفرون بأيات الله وأنتم تشهدون } . ~~> 7 ! # < < # | آل عمران : ( 70 ) يا أهل الكتاب . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين حال الطائفة التي لا تشعر بما في التوراة من ~~دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، بين أيضا حال الطائفة العارفة بذلك ~~من أحبارهم . # فقال : { يشعرون يأهل الكتاب لم تكفرون بأيات الله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { لم } أصلها لما ، لأنها : ما ، التي للاستفهام ، دخلت ~~عليها اللام فحذفت الألف لطلب الخفة ، ولأن حرف الجر صار كالعوض عنها ~~ولأنها وقعت طرفا ويدل عليها الفتحة وعلى هذا قوله { عم يتساءلون } ( النبأ ~~: 1 ) و { فبم تبشرون } ( الحجر : 54 ) والوقف على هذه الحروف يكون بالهاء ~~نحو : فبمه ، ولمه . # المسألة الثانية : في قوله { له مقاليد } وجوه الأول : أن المراد منها ~~الآيات الواردة في التوراة والإنجيل ، وعلى هذا القول فيه وجوه أحدها : ما ~~في هذين الكتابين من البشارة بمحمد عليه السلام ، ومنها ما في هذين ~~الكتابين ، أن إبراهيم ms2305 عليه السلام كان حنيفا مسلما ، ومنها أن فيهما أن ~~الدين هو الإسلام . # واعلم أن على هذا القول المحتمل لهذه الوجوه نقول : إن الكفر بالآيات ~~يحتمل وجهين : أحدهما : أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة بل كانوا كافرين بما ~~يدل عليه التوراة فأطلق اسم الدليل على المدلول على سبيل المجاز والثاني : ~~أنهم كانوا كافرين بنفس التوراة لأنهم كانوا يحرفونها وكانوا ينكرون وجود ~~تلك الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . # فأما قوله تعالى : { وأنتم تشهدون } فالمعنى على هذا القول أنهم عند حضور ~~المسلمين ، وعند حضور عوامهم ، كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على ~~الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إذا خلا بعضهم مع بعض ~~شهدوا بصحتها ، ومثله قوله تعالى : { تبغونها عوجا وأنتم شهداء } ( آل ~~عمران : 99 ) . # واعلم أن تفسير الآية بهذا القول ، يدل على اشتمال هذه الآية على الإخبار ~~عن الغيب لأنه عليه الصلاة والسلام أخبرهم بما يكتمونه في أنفسهم ، ويظهرون ~~غيره ، ولا شك أن الإخبار عن / الغيب معجز . # القول الثاني : في تفسير آيات الله أنها هي القرآن وقوله { وأنتم تشهدون ~~} يعني أنكم تنكرون عند العوام كون القرآن معجزا ثم تشهدون بقلوبكم وعقولكم ~~كونه معجزا . # القول الثالث : أن المراد بآيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا القول فقوله تعالى : { وأنتم تشهدون } ~~معناه أنكم إنما اعترفتم بدلالة المعجزات التي ظهرت على سائر الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام الدالة على صدقهم ، من حيث أن المعجز قائم مقام ~~التصديق من الله تعالى فإذا شهدتهم بأن المعجز إنما دل على صدق سائر ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هذا الوجه ، وأنتم تشهدون حصول هذا الوجه ~~في حق محمد صلى الله عليه وسلم كان إصراركم على إنكار نبوته ورسالته مناقضا ~~لما شهدتهم بحقيته من دلالة معجزات سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على ~~صدقهم . # PageV08P081 ! 7 < { ياأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق ~~وأنتم تعلمون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 71 ) يا أهل الكتاب . . . . . # > > اعلم أن علماء اليهود والنصارى كانت ms2306 لهم حرفتان إحداهما : أنهم كانوا ~~يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا يعلمون بقلوبهم أنه رسول حق ~~من عند الله والله تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في الآية الأولى وثانيتهما : ~~إنهم كانوا يجتهدون في إلقاء الشبهات ، وفي إخفاء الدلائل والبينات والله ~~تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في هذه الآية الثانية ، فالمقام الأول مقام ~~الغواية والضلالة والمقام الثاني مقام الإغواء والإضلال ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء { تلبسون } بالتشديد ، وقرأ يحيى بن و ثاب { ~~تلبسون } بفتح الباء ، أي تلبسون الحق مع الباطل ، كقوله عليه السلام : ( ~~كلابس ثوبي زور ) وقوله . # إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا # المسألة الثانية : اعلم أن الساعي في إخفاء الحق لا سبيل له إلى ذلك إلا ~~من أحد وجهين : إما بإلقاء شبهة تدل على الباطل ، وإما بإخفاء الدليل الذي ~~يدل على الحق ، فقوله { لم تلبسون الحق بالباطل } إشارة إلى المقام الأول ~~وقوله { وتكتمون الحق } إشارة إلى المقام الثاني أما لبس الحق بالباطل فإنه ~~يحتمل ههنا وجوها أحدها : تحريف التوراة ، فيخلطون المنزل بالمحرف ، عن ~~الحسن وابن زيد وثانيها : إنهم تواضعوا على إظهار الإسلام أول النهار ، ثم ~~الرجوع عنه في آخر النهار ، / تشكيكا للناس ، عن ابن عباس وقتادة وثالثها : ~~أن يكون في التوراة ما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم من البشارة والنعت ~~والصفة ويكون في التوراة أيضا ما يوهم خلاف ذلك ، فيكون كالمحكم والمتشابه ~~فيلبسون على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعله كثير من المشبهة ، وهذا ~~قول القاضي ورابعها : أنهم كانوا يقولون محمدا معترف بأن موسى عليه السلام ~~حق ، ثم إن التوراة دالة على أن شرع موسى عليه السلام لا ينسخ وكل ذلك ~~إلقاء للشبهات . # أما قوله تعالى : { وتكتمون الحق } فالمراد أن الآيات الموجودة في ~~التوراة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان الاستدلال بها مفتقرا ~~إلى التفكر والتأمل ، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي كان ~~بمجموعها يتم هذا الاستدلال مثل ما أن أهل البدعة في زماننا يسعون في أن لا ~~يصل إلى عوامهم ms2307 دلائل المحققين . # أما قوله { وأنتم تعلمون } ففيه وجوه أحدها : إنكم تعلمون أنكم إنما ~~تفعلون ذلك عنادا وحسدا وثانيها : { وأنتم تعلمون } أي أنتم أرباب العلم ~~والمعرفة لا أرباب الجهل والخرافة وثالثها : { وأنتم تعلمون } أن عقاب من ~~يفعل مثل هذه الأفعال عظيم . # المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله تعالى : { لم تكفرون } و { لم ~~تلبسون الحق بالباطل } دال على أن ذلك فعلهم ، لأنه لا يجوز أن يخلقه فيهم ~~، ثم يقول : لم فعلتم ؟ وجوابه : أن الفعل يتوقف على الداعية فتلك الداعية ~~إن حدثت لا لمحدث لزم نفي الصانع ، وإن كان محدثها هو العبد افتقر إلى ~~إرادة أخرى وإن كان محدثها هو الله تعالى لزمكم ما ألزمتموه علينا والله ~~أعلم . # PageV08P082 ! 7 < { وقالت طآئفة من أهل الكتاب ءامنوا بالذيأنزل على ~~الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ءاخره لعلهم يرجعون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 72 ) وقالت طائفة من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يلبسون الحق بالباطل أردف ذلك بأن ~~حكى عنهم نوعا واحدا من أنواع تلبيساتهم ، وهو المذكور في هذه الآية وههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : قول بعضهم لبعض { وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا ~~بالذي أنزل } ويحتمل أن يكون المراد كل ما أنزل وأن يكون المراد بعض ما ~~أنزل . # أما الاحتمال الأول : ففيه وجوه الأول : أن اليهود والنصارى استخرجوا ~~حيلة في / تشكيك ضعفه المسلمين في صحة الإسلام ، وهو أن يظهروا تصديق ما ~~ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الشرائع في بعض الأوقات ، ثم يظهروا ~~بعد ذلك تكذيبه ، فإن الناس متى شاهدوا هذا التكذيب ، قالوا : هذا التكذيب ~~ليس لأجل الحسد والعناد ، وإلا لما آمنوا به في أول الأمر وإذا لم يكن هذا ~~التكذيب لأجل الحسد والعناد وجب أن يكون ذلك لأجل أنهم أهل الكتاب وقد ~~تفكروا في أمره واستقصوا في البحث عن دلائل نبوته فلاح لهم بعد التأمل ~~التام ، والبحث الوافي أنه كذاب ، فيصير هذا الطريق شبهة لضعفة المسلمين في ~~صحة نبوته ، وقيل : تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر على هذا الطريق ~~. # وقوله { لعلهم يرجعون ms2308 } معناه أنا متى ألقينا هذه الشبهة فلعل أصحابه ~~يرجعون عن دينه . # الوجه الثاني : يحتمل أن يكون معنى الآية أن رؤساء اليهود والنصارى قال ~~بعضهم لبعض نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ، ولكن بشرط أن تثبتوا على ~~دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب ، فإن أمر هؤلاء المؤمنين في ~~اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم ويرجعوا ~~إلى دينكم ، وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني ويدل عليه وجهان الأول : أنه ~~تعالى لما قال : { إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا } ( النساء ~~: 137 ) أتبعه بقوله { بشر المنافقين } وهو بمنزلة قوله { وإذا لقوا الذين ~~ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن } ( ~~البقرة : 14 ) الثاني : أنه تعالى اتبع هذه الآية بقوله { يرجعون ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } فهذا يدل على أنهم نهوا عن غير دينهم الذي ~~كانوا عليه فكان قولهم { وجه النهار واكفروا } أمر بالنفاق . # الوجه الثالث : قال الأصم : قال بعضهم لبعض إن كذبتموه في جميع ما جاء به ~~فإن عوامكم يعلمون كذبكم ، لأن كثيرا مما جاء به حق ولكن صدقوه في بعض ~~وكذبوه في بعض حتى يحمل الناس تكذيبكم له على الإنصاف لا على العناد ~~فيقبلوا قولكم . PageV08P083 # الاحتمال الثاني : أن يكون قوله { وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا ~~بالذي أنزل على الذين } بعض ما أنزل الله والقائلون بهذا القول حملوه على ~~أمر القبلة وذكروا فيه وجهين الأول : قال ابن عباس : وجه النهار أوله ، وهو ~~صلاة الصبح واكفروا آخره : يعني صلاة الظهر وتقريره أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة ففرح اليهود بذلك وطمعوا أن ~~يكون منهم ، فلما حوله الله إلى الكعبة كان ذلك عند صلاة الظهر قال كعب بن ~~الأشرف وغيره { وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا بالذي أنزل } يعني آمنوا ~~بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق / واكفروا بالقبلة التي صلى ~~إليها صلاة الظهر ، وهي آخر النهار ، وهي الكفر الثاني : أنه لما حولت ~~القبلة إلى الكعبة ms2309 شق ذلك عليهم ، فقال بعضهم لبعض صلوا إلى الكعبة في أول ~~النهار ، ثم اكفروا بهذه القبلة في آخر النهار وصلوا إلى الصخرة لعلهم ~~يقولون إن أهل الكتاب أصحاب / العلم فلولا أنهم عرفوا بطلان هذه القبلة لما ~~تركوها فحينئذ يرجعون عن هذه القبلة . # المسألة الثانية : الفائدة في إخبار الله تعالى عن تواضعهم على هذه ~~الحيلة من وجوه الأول : أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم ، وما أطلعوا ~~عليها أحدا من الأجانب ، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبارا عن الغيب ، ~~فيكون معجزا الثاني : أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه ~~الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين ، ولولا هذا الإعلان لكان ~~ربما أثرت هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف الثالث : أن القوم ~~لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من ~~الحيل والتلبيس . # المسألة الثالثة : وجه النهار هو أوله ، والوجه في اللغة هو مستقبل كل ~~شيء ، لأنه أول ما يواجه منه ، كما يقال لأول الثوب وجه الثوب ، روى ثعلب ~~عن ابن الأعرابي : أتيته بوجه نهار وصدر نهار ، وشباب نهار ، أي أول النهار ~~، وأنشد الربيع بن زياد فقال : # % من كان مسرورا بمقتل مالك % % فليأت نسوتنا بوجه نهار % # ! 7 < { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد ~~مثل مآ أوتيتم أو يحآجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء ~~والله واسع عليم * يختص برحمته من يشآء والله ذو الفضل العظيم } . > 7 @QB@ ~~< # | آل عمران : ( 73 - 74 ) ولا تؤمنوا إلا . . . . . # > > # اتفق المفسرون على أن هذا بقية كلام اليهود ، وفيه وجهان الأول : المعنى ~~: ولا تصدقوا إلا نبيا يقرر PageV08P084 شرائع التوراة ، فأما من جاء ~~بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه ، وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم ، ~~وعلى هذا التفسير تكون { * اللام } في قوله { تؤمنوا إلا لمن تبع } صلة ~~زائدة فإنه يقال صدقت فلانا . ولا يقال صدقت لفلان ، وكون هذه اللام صلة ~~زائدة جائز ، كقوله ms2310 تعالى : { ردف لكم } ( النمل : 72 ) والمراد ردفكم ~~والثاني : أنه ذكر قبل هذه الآية قوله { وقالت طائفة من أهل الكتاب } . # / ثم قال في هذه الآية : { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } أي لا تأتوا ~~بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم ، كأنهم قالوا : ليس الغرض من الإتيان ~~بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم ، فالمعنى ولا تأتوا بذلك الإيمان ~~إلا لأجل من تبع دينكم ، فإن مقصود كل واحد حفظ أتباعه وأشياعه على متابعته ~~. # ثم قال تعالى : { قل إن الهدى هدى الله } قال ابن عباس رضي الله عنهما . ~~معناه : الدين دين الله ومثله في سورة البقرة { قل إن هدى الله هو الهدى } ~~( البقرة : 120 ) . # واعلم أنه لا بد من بيان أنه كيف صار هذا الكلام جوابا عما حكاه عنهم ؟ ~~فنقول : أما على الوجه الأول وهو قولهم لا دين إلا ما هم عليه ، فهذا ~~الكلام إنما صلح جوابا عنه من حيث أن الذي هم عليه إنما ثبت دينا من جهة ~~الله ، لأنه تعالى أمر به وأرشد إليه وأوجب الانقياد له وإذا كان كذلك ، ~~فمتى أمر بعد ذلك بغيره ، وأرشد إلى غيره ، وأوجب الانقياد إلى غيره كان ~~نبيا يجب أن يتبع ، وإن كان مخالفا لما تقدم ، لأن الدين إنما صار دينا ~~بحكمه وهدايته ، فحيثما كان حكمه وجبت متابعته ، ونظيره قوله تعالى جوابا ~~لهم عن قولهم { ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب ~~} ( البقرة : 142 ) يعني الجهات كلها لله ، فله أن يحول القبلة إلى أي جهة ~~شاء ، وأما على الوجه الثاني فالمعنى أن الهدى هدى الله ، وقد جئتكم به فلن ~~ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف . # ثم قال تعالى : { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم } . # واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة ، فنقول هذا إما أن يكون من جملة ~~كلام الله تعالى أو يكون من جملة كلام اليهود ، ومن تتمة قولهم ولا تؤمنوا ~~إلا لمن تبع دينكم ، وقد ذهب إلى كل واحد من هذين الاحتمالين قوم من ms2311 ~~المفسرين . # أما الاحتمال الأول : ففيه وجوه الأول : قرأ ابن كثير آن يؤتي بمد الألف ~~على الاستفهام والباقون بفتح الألف من غير مد ولا استفهام ، فإن أخذنا ~~بقراءة ابن كثير ، فالوجه ظاهر وذلك لأن هذه اللفظة موضوعة للتوبيخ كقوله ~~تعالى : { أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الاولين ~~} ( القلم : 14 ، 15 ) والمعنى أمن أجل أن يؤتي أحد شرائع مثل ما أوتيتم من ~~الشرائع ينكرون اتباعه ؟ ثم حذف الجواب للاختصار ، وهذا الحذف كثير يقول ~~الرجل بعد طول العتاب لصاحبه ، وتعديده عليه ذنوبه بعد كثرة إحسانه إليه ~~أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك ؟ والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت ؟ ~~ونظيره قوله تعالى : { أمن هو قانت ءاناء اليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ~~ويرجوا رحمة ربه } ( الزمر : 9 ) وهذا الوجه مروي عن مجاهد وعيسى بن عمر . ~~أما قراءة من قرأ بقصر الألف من { ءان } فقد يمكن أيضا حملها على معنى ~~الاستفهام كما قرىء { سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم } ( البقرة : 6 ) ~~بالمد والقصر ، وكذا قوله { أن كان ذا مال وبنين } قرىء بالمد والقصر ، ~~وقال امرؤ القيس : PageV08P085 # % / تروح من الحي أم تبتكر ؟ % وماذا عليك ولم تنتظر % # أراد أروح من الحي ؟ فحذف ألف الاستفهام ، وإذا ثبت أن هذه القراءة ~~محتملة لمعنى الاستفهام كان التقدير ما شرحناه في القراءة الأولى . # الوجه الثاني : أن أولئك لما قالوا لأتباعهم : لا تؤمنوا إلا لمن تبع ~~دينكم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم { إن الهدى هدى ~~الله } فلا تنكروا { أن يؤتين * أحد } سواكم من الهدى { مثل ما } { أوتيتم ~~أو يحاجوكم } يعني هؤلاء المسلمين بذلك { عند ربكم } إن لم تقبلوا ذلك منهم ~~، أقصى ما في الباب أنه يفتقر في هذا التأويل إلى إضمار قوله فلا تنكروا ~~لأن عليه دليلا وهو قوله { إن الهدى هدى الله } فإنه لما كان الهدى هدى ~~الله كان له تعالى أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك ~~الإنكار . # الوجه الثالث : إن الهدى اسم للبيان ms2312 كقوله تعالى : { وأما ثمود فهديناهم ~~فاستحبوا العمى على الهدى } ( فصلت : 17 ) فقوله { إن الهدى } مبتدأ وقوله ~~{ هدى الله } بدل منه وقوله { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } خبر بإضمار حرف ~~لا ، والتقدير : قل يا محمد لا شك أن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم ، وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان وأن لا يحاجوكم يعني هؤلاء ~~اليهود عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم محقون وأنهم مضلون ~~، وهذا التأويل ليس فيه إلا أنه لا بد من إضمار حرف { لا } وهو جائز كما في ~~قوله تعالى : { أن تضلوا } ( النساء : 44 ) أي أن لا تضلوا . # الوجه الرابع : { الهدى } اسم و { هدى الله } بدل منه و { أن يؤتى أحد } ~~خبره والتقدير : إن هدى الله هو أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم ، وعلى هذا ~~التأويل فقوله { أو يحاجوكم عند ربكم } لا بد فيه من إضمار ، والتقدير : أو ~~يحاجوكم عند ربكم فيقضى لكم عليهم ، والمعنى : أن الهدى هو ما هديتكم به من ~~دين الإسلام الذي من حاجكم به عندي قضيت لكم عليه ، وفي قوله { عند ربكم } ~~ما يدل على هذا الإضمار ولأن حكمه بكونه ربا لهم يدل على كونه راضيا عنهم ~~وذلك مشعر بأنه يحكم لهم ولا يحكم عليهم . # والاحتمال الثاني : أن يكون قوله { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } من تتمة ~~كلام اليهود ، وفيه تقديم وتأخير ، والتقدير : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع ~~دينكم أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ، قل إن الهدى هدى ~~الله ، وأن الفضل PageV08P086 بيد الله ، قالوا ، والمعنى لا تظهروا ~~إيمانكم بأن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم ، وأسروا تصديقكم ، بأن ~~المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم ~~وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا ودون المشركين لئلا يدعوهم ذلك إلى ~~الإسلام . # / أما قوله { أو يحاجوكم عند ربكم } فهو عطف على أن يؤتى ، والضمير في ~~يحاجوكم لأحد ، لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا ms2313 تؤمنوا لغير أتباعكم / إن ~~المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة ، وعندي ~~أن هذا التفسير ضعيف ، وبيانه من وجوه الأول : إن جد القوم في حفظ أتباعهم ~~عن قبول دين محمد عليه السلام كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم ~~وأشياعهم عنه ، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضا بالإقرار بما يدل على صحة دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم عند أتباعهم وأشياعهم ، وأن يمتنعوا من ذلك عند ~~الأجانب ؟ هذا في غاية البعد الثاني : أن على هذا التقدير يختل النظم ويقع ~~فيه تقديم وتأخير لا يليق بكلام الفصحاء والثالث : إن على هذا التقدير لا ~~بد من الحذف فإن التقدير : قبل إن الهدى هدى الله وإن الفضل بيد الله ، ولا ~~بد من حذف { قل } في قوله { قل إن الفضل بيد الله } الرابع : إنه كيف وقع ~~قوله { قل إن الهدى هدى الله } فيما بين جزأى كلام واحد ؟ فإن هذا في غاية ~~البعد عن الكلام المستقيم ، قال القفال : يحتمل أن يكون قوله { قل إن الهدى ~~هدى الله } كلام أمر الله نبيه أن يقوله عند انتهاء الحكاية عن اليهود إلى ~~هذا الموضع لأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولا باطلا لا جرم أدب رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بأن يقابله بقول حق ، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم ~~كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولا فيه كفر ، فيقول : عند بلوغه إلى ~~تلك الكلمة آمنت بالله ، أو يقول لا إلاه إلا الله ، أو يقول تعالى الله ثم ~~يعود إلى تمام الحكاية فيكون قوله تعالى : { قل إن الهدى هدى الله } من هذا ~~الباب ، ثم أتى بعده بتمام قول اليهود إلى قوله { أو يحاجوكم عند ربكم } ثم ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمحاجتهم في هذا وتنبيههم على بطلان قولهم ، ~~فقيل له { قل إن الفضل بيد الله } إلى آخر الآية . # الإشكال الخامس : في هذه الوجوه : أن الإيمان إذا كان بمعنى التصديق لا ~~يتعدى إلى المصدق بحرف اللام لا يقال صدقت لزيد بل يقال : صدقت ms2314 زيدا ، فكان ~~ينبغي أن يقال : ولا تؤمنوا إلا من تبع دينكم ، وعلى هذا التقدير يحتاج إلى ~~حذف اللام في قوله { لمن تبع دينكم } ويحتاج إلى إضمار الباء أو ما يجري ~~مجراه في قوله { أن يؤتى } لأن التقدير : ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم ، ~~بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، فقد اجتمع في هذا التفسير الحذف والإضمار ~~وسوء النظم وفساد المعنى ، قال أبو علي الفارسي : لا يبعد أن يحمل الإيمان ~~على الإقرار فيكون المعنى : ولا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن ~~تبع دينكم ، وعلى هذا التقدير لا تكون اللام زائدة ، لكن لا بد من إضمار ~~حرف الباء أو ما يجري مجراه على كل حال ، فهذا محصل ما قيل في تفسير هذه ~~الآية والله أعلم بمراده . # ثم قال تعالى : { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم } ~~. # واعلم أنه تعالى حكى عن اليهود أمرين أحدهما : أن يؤمنوا وجه النهار ، ~~ويكفروا آخره ، / ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام . # فأجاب عنه بقوله { قل إن الهدى هدى الله } والمعنى : أن مع كمال هداية ~~الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة قوة ولا أثر والثاني : أنه ~~حكى عنهم أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكم والنبوة ~~. # فأجاب عنه بقوله { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } والمراد بالفضل ~~الرسالة ، وهو في اللغة عبارة عن الزيادة ، وأكثر ما يستعمل في زيادة ~~الإحسان ، والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير ، ثم كثر استعمال الفضل ~~لكل نفع قصد به فاعله الإحسان إلى الغير وقوله { بيد الله } أي إنه مالك له ~~قادر عليه / وقوله { يؤتيه من يشاء } أي هو تفضل موقوف على مشيئته ، وهذا ~~يدل على أن النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق ، لأنه تعالى جعلها من باب ~~الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ، ولا يصح ذلك في المستحق إلا على ~~وجه المجاز وقوله { والله واسع عليم } مؤكد لهذا المعنى ، لأن كونه واسعا ، ~~يدل على كمال ms2315 القدرة ، وكونه عليما على كمال العلم ، فيصح منه لمكان القدرة ~~أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء ، ويصح منه لمكان كمال العلم أن لا ~~يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب . PageV08P087 # ثم قال : { يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم } وهذا كالتأكيد ~~لما تقدم ، والفرق بين هذه الآية وبين ما قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادة ~~، ثم إن الزيادة من جنس المزيد عليه ، فبين بقوله { إن الفضل بيد الله } ~~إنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاهم من المناصب العالية ويزيد ~~عليها من جنسها ، ثم قال : { يختص برحمته من يشاء } والرحمة المضافة إلى ~~الله سبحانه أمر أعلى من ذلك الفضل ، فإن هذه الرحمة ربما بلغت في الشرف ~~وعلو الرتبة إلى أن لا تكون من جنس ما آتاهم ، بل تكون أعلى وأجل من أن ~~تقاس إلى ما آتاهم ، ويحصل من مجموع الآيتين إنه لا نهاية لمراتب إعزاز ~~الله وإكرامه لعباده ، وأن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة ، وعلى ~~أشخاص معينين جهل بكمال الله في القدرة والحكمة . # ! 7 < { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ذالك بأنهم قالوا ليس علينا فى ~~الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون * بلى من أوفى بعهده واتقى ~~فإن الله يحب المتقين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 75 - 76 ) ومن أهل الكتاب . . . . . # > > # اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين الأول : أنه تعالى حكى عنهم ~~في الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية ، ما لم يؤت ~~أحد غيرهم مثله ، ثم إنه تعالى بين أن الخيانة مستقبحة عند جميع أرباب ~~الأديان ، وهم مصرون عليها ، فدل هذا على كذبهم والثاني : أنه تعالى لما ~~حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم ~~قالوا { لا تؤمنوا * إلا لمن تبع دينكم } ( آل عمران : 73 ) حكى في هذه ~~الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة ms2316 الناس ، وهو إصرارهم على ~~الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل والكثير وههنا مسائل : # المسألة الأولى : الآية دالة على انقسامهم إلى قسمين : بعضهم أهل الأمانة ~~، وبعضهم أهل الخيانة وفيه أقوال الأول : أن أهل الأمانة منهم هم الذين ~~أسلموا ، أما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أن ~~يحل لهم قتل كل من خالفهم في الدين وأخذ أموالهم ونظير هذه الآية قوله ~~تعالى : { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ءايات الله ءاناء اليل ~~وهم يسجدون } ( آل عمران : 113 ) مع قوله { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ~~} ( آل عمران : 110 ) الثاني : أن أهل الأمانة هم النصارى ، وأهل الخيانة ~~هم اليهود ، والدليل عليه ما ذكرنا ، أن مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف ~~ويحل أخذ ماله بأي طريق كان الثالث : قال ابن عباس : أودع رجل عبد الله بن ~~سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأدى إليه ، PageV08P088 وأودع آخر فنحاص بن ~~عازوراء دينارا فخانه فنزلت الآية . # المسألة الثانية : يقال أمنته بكذا وعلى كذا ، كما يقال مررت به وعليه ، ~~فمعنى الباء إلصاق الأمانة ، ومعنى : على استعلاء الأمانة ، فمن اؤتمن على ~~شيء فقد صار ذلك الشيء في معنى الملتصق به لقربه منه ، واتصاله بحفظه ~~وحياطته ، وأيضا صار المودع كالمستعلي على تلك الأمانة والمستولي عليها ، ~~فلهذا حسن التعبير عن هذا المعنى بكلتا العبارتين ، وقيل إن معنى قولك ~~أمنتك بدينار أي وثقت بك فيه ، وقولك أمنتك عليه ، أي جعلتك أمينا عليه ~~وحافظا له . # المسألة الثالثة : المراد من ذكر القنطار والدينار ههنا العدد الكثير ~~والعدد القليل ، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على ~~الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها ، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو ~~اؤتمن على الشيء القليل ، فإنه يجوز فيه الخيانة ، ونظيره قوله تعالى : { ~~وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~} ( النساء : 20 ) وعلى هذا الوجه ، / فلا حاجة بنا إلى ذكر مقدار القنطار ~~وذكروا فيه وجوها الأول : إن القنطار ألف ومائتا أوقية قالوا ms2317 : لأن الآية ~~نزلت في عبد الله بن سلام حين استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية من ~~الذهب فرده ولم يخن فيه ، فهذا يدل على القنطار هو ذلك المقدار الثاني : ~~روي عن ابن عباس أنه ملء جلد ثور من المال الثالث : قيل القنطار هو ألف ألف ~~دينار أو ألف ألف درهم / وقد تقدم القول في تفسير القنطار . # المسألة الرابعة : قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر { يؤده } بسكون الهاء ~~، وروي ذلك عن أبي عمرو ، وقال الزجاج : هذا غلط من الراوي عن أبي عمرو كما ~~غلط في { بارئكم } بإسكان الهمزة وإنما كان أبو عمرو يختلس الحركة ، واحتج ~~الزجاج على فساد هذه القراءة بأن قال : الجزاء ليس في الهاء وإنما هو فيما ~~قبل الهاء والهاء اسم المكنى والأسماء لا تجزم في الوصل ، وقال الفراء : من ~~العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها . فيقول : ضربته ضربا شديدا كما ~~يسكنون ( ميم ) أنتم وقمتم وأصلها الرفع ، وأنشد : # % لما رأى أن لا دعه ولا شبع % % # وقرىء أيضا باختلاس حركة الهاء اكتفاء بالكسرة من الياء ، وقرىء بإشباع ~~الكسرة في الهاء وهو الأصل . # ثم قال تعالى : { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه ~~قائما } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في لفظ ( القائم ) وجهان : منهم من حمله على حقيقته ، ~~قال السدي : يعني إلا ما دمت قائما على رأسه بالاجتماع معه والملازمة له ، ~~والمعنى : أنه إنما يكون معترفا بما دفعت إليه ما دمت قائما على رأسه ، فإن ~~أنظرت وأخرت أنكر ، ومنهم من حمل لفظ ( القائم ) على مجازه ثم ذكروا فيه ~~وجوها الأول : قال ابن عباس المراد من هذا القيام الإلحاح والخصومة ~~والتقاضي والمطالبة ، قال ابن قتيبة : أصله أن المطالب للشيء يقوم فيه ~~والتارك له يقعد عنه ، دليل قوله تعالى : { أمة قائمة } ( آل عمران : 113 ) ~~أي عامله بأمر الله غير تاركه ، ثم قيل : لكل من واظب على مطالبة أمر أنه ~~قام به وإن لم يكن ثم قيام الثاني : قال أبو علي الفارسي : القيام في اللغة ~~بمعنى ms2318 الدوام والثبات ، وذكرنا ذلك في قوله تعالى : { يقيمون الصلواة } ( ~~البقرة : 3 ) ومنه قوله { دينا قيما } ( الأنعام : 161 ) أي دائما ثابتا لا ~~ينسخ فمعنى قوله { إلا ما دمت عليه قائما } أي دائما ثابتا في مطالبتك إياه ~~بذلك المال . PageV08P089 # المسألة الثانية : يدخل تحت قوله { من إن تأمنه بقنطار } و { بدينار } ~~العين والدين ، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى ~~المقاوضة وليس في الآية ما يدل على التعيين والمنقول عن ابن عباس أنه حمله ~~على المبايعة ، فقال منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك ومنهم من ~~تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك ونقلنا أيضا أن الآية نزلت في أن رجلا ~~أودع مالا كثيرا / عند عبد الله بن سلام ، ومالا قليلا عند فنحاص بن ~~عازوراء ، فخان هذا اليهودي في القليل ، وعبد الله بن سلام أدى الأمانة ، ~~فثبت أن اللفظ محتمل لكل الأقسام . # ثم قال تعالى : { ذالك بأنهم قالوا ليس علينا فى الاميين سبيل } والمعنى ~~إن ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من ~~أموال العرب سبيل . وههنا مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال ~~وجوها الأول : أنهم مبالغون في التعصب لدينهم ، فلا جرم يقولون : يحل قتل ~~المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية ~~قال عليه السلام : ( كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت ~~قدمي ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر ) الثاني : أن اليهود ~~قالوا { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) والخلق لنا عبيد فلا ~~سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا الثالث : أن اليهود إنما ذكروا هذا ~~الكلام لا مطلقا لكل من خالفهم / بل للعرب الذين آمنوا بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم ، روي أن اليهود بايعوا رجالا في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم ~~بالأموال فقالوا : ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم ، وأقول : من ~~المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر ms2319 باطل ~~كان في حكم المرتد ، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا ~~في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة . # المسألة الثانية : نفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة ~~والإلزام . قال تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة : 91 ) وقال ~~: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } ( النساء : 141 ) وقال : ~~{ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل * إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس } ( الشورى : 41 / 42 ) . # المسألة الثالثة : { الامى } منسوب إلى الأم ، وسمي النبي صلى الله عليه ~~وسلم أميا قيل لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد ~~بقي على أصله في أن لا يكتب ، وقيل : نسب إلى مكة وهي أم القرى . # ثم قال تعالى : { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } وفيه وجوه الأول : ~~أنهم قالوا : إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين ~~في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه ~~أفحش الثاني : أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة الثالث : أنهم يعلمون ما على ~~الخائن من الإثم . # ثم قال تعالى : { بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين } . # اعلم أن في { بلى } وجهين أحدهما : أنه لمجرد نفي ما قبله ، وهو قوله { ~~ليس علينا فى الاميين سبيل } فقال الله تعالى رادا عليهم { بلى } عليهم ~~سبيل في ذلك وهذا اختيار الزجاج ، قال : وعندي وقف التمام على { بلى } ~~وبعده استئناف والثاني : أن كلمة { بلى } كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر / ~~يذكر بعده ، وذلك PageV08P090 لأن قولهم : ليس علينا فيما نفعل جناح قائم ~~مقام قولهم : نحن أحباء الله تعالى ، فذكر الله تعالى أن أهل الوفاء بالعهد ~~والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى لا غيرهم ، وعلى هذا الوجه فإنه لا يحسن ~~الوقف على { بلى } وقوله { من أوفى بعهده } مضى الكلام في معنى الوفاء ~~بالعهد والضمير في { بعهده } يجوز أن يعود على اسم { الله } في قوله { ~~ويقولون على الله الكذب } ويجوز أن يعود على { من } لأن العهد ms2320 مصدر فيضاف ~~إلى المفعول وإلى الفاعل وههنا سؤالان : # السؤال الأول : بتقدير { ءان } يكون الضمير عائدا إلى الفاعل وهو { من } ~~فإنه يحتمل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة ، فإنهم يكتسبون ~~محبة الله تعالى . # الجواب : الأمر كذلك ، فإنهم إذا أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد ~~الأعظم ، وهو ما أخذ الله عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة ، لاتقوه في ترك الكذب على الله ، ~~وفي ترك تحريف التوراة . # السؤال الثاني : أين الضمير الراجع من الجزاء إلى { من } ؟ . # الجواب : عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير . # واعلم أن هذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد ، وذلك لأن الطاعات ~~محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، فالوفاء ~~بالعهد مشتمل عليهما معا ، لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق ، فهو شفقة على خلق ~~الله ، ولما أمر الله به ، كان الوفاء به تعظيما لأمر الله ، فثبت أن ~~العبارة مشتملة على جميع أنواع الطاعات والوفاء بالعهد / كما يمكن في حق ~~الغير يمكن أيضا في حق النفس لأن الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات ~~والتارك للمحرمات ، لأن عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب . # ! 7 < { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولائك لا خلاق ~~لهم فى الا خرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ~~ولهم عذاب أليم } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 77 ) إن الذين يشترون . . . . . # > > # اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها الأول : أنه تعالى لما وصف ~~اليهود بالخيانة في / أموال الناس ، ثم من المعلوم أن الخيانة في أموال ~~الناس لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة لا جرم ذكر عقيب تلك الآية هذه الآية ~~المشتملة على وعيد من يقدم على الأيمان الكاذبة الثاني : أنه تعالى لما حكى ~~عنهم أنهم { يقولون * على الله الكذب وهم يعلمون } ( آل عمران : 75 ) ولا ~~شك أن عهد الله على كل مكلف أن لا يكذب على الله ولا يخون في دينه ، لا جرم ~~ذكر هذا ms2321 الوعيد عقيب ذلك الثالث : أنه تعالى ذكر في الآية السابقة خيانتهم ~~في أموال الناس ، ثم ذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد الله وخيانتهم في ~~تعظيم أسمائه حين يحلفون بها كذبا ، ومن الناس من PageV08P091 قال : هذه ~~الآية ابتداء كلام مستقل بنفسه في المنع عن الأيمان الكاذبة ، وذلك لأن ~~اللفظ عام والروايات الكثيرة دلت على أنها إنما نزلت في أقوام أقدموا على ~~الأيمان الكاذبة ، وإذا كان كذلك وجب اعتقاد كون هذا الوعيد عاما في حق كل ~~من يفعل هذا الفعل وأنه غير مخصوص باليهود . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفت الروايات في سبب النزول ، فمنهم من خصها باليهود ~~الذين شرح الله أحوالهم في الآيات المتقدمة ، ومنهم من خصها بغيرهم . # أما الأول ففيه وجهان الأول : قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود ، ~~كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا ~~بأيديهم غيره وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا ، واحتج هؤلاء ~~بقوله تعالى في سورة البقرة { وأوفوا بعهدى أوف * بعدكم } ( البقرة : 40 ) ~~الثاني : أنها نزلت في ادعائهم أنه { ليس علينا فى الاميين سبيل } ( آل ~~عمران : 75 ) كتبوا بأيديهم كتابا في ذلك وحلفوا أنه من عند الله وهو قول ~~الحسن . # وأما الاحتمال الثاني : ففيه وجوه الأول : أنها نزلت في الأشعث بن قيس ، ~~وخصم له في أرض ، اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال للرجل : ~~( أقم بينتك ) فقال الرجل : ليس لي بينة فقال للأشعث ( فعليك اليمين ) فهم ~~الأشعث باليمين فأنزل الله تعالى هذه الآية فنكل الأشعث عن اليمين ورد ~~الأرض إلى الخصم واعترف بالحق ، وهو قول ابن جريج الثاني : قال مجاهد : ~~نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته الثالث : نزلت في عبدان وامرىء ~~القيس اختصما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في أرض ، فتوجه اليمين على ~~امرىء القيس ، فقال : أنظرني إلى الغد ، ثم جاء من الغد وأقر له بالأرض ، ~~والأقرب الحمل على الكل . # فقوله : { إن الذين يشترون بعهد الله } يدخل فيه جميع ms2322 ما أمر الله به ~~ويدخل فيه ما نصب عليه الأدلة ويدخل فيه المواثيق المأخوذة من جهة الرسول ، ~~ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه ، لأن كل ذلك من عهد الله الذي يلزم الوفاء ~~به . # قال تعالى : { ومنهم من عاهد الله لئن ءاتانا من فضله لنصدقن } ( التوبة ~~: 75 ) الآية وقال : { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا } ( الإسراء : 34 ~~) وقال : { يوفون بالنذر } ( الإنسان : 7 ) وقال : { من المؤمنين رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه } ( الأحزاب : 23 ) وقد ذكرنا في سورة البقرة ~~معنى الشراء ، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئا ويعطي شيئا فكل واحد من المعطى ~~والمأخوذ ثمن للآخر ، وأما الأيمان فحالها معلوم وهي الحلف التي يؤكد بها ~~الإنسان خبره من وعد ، أو وعيد ، أو إنكار ، أو إثبات . # ثم قال تعالى : { أولئك لا خلاق لهم فى الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر ~~إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } واعلم أنه تعالى فرع على ~~ذلك الشرط وهو الشراء بعهد الله والأيمان ثمنا قليلا ، خمسة أنواع من ~~الجزاء أربعة منها في بيان صيرورتهم محرومين عن الثواب والخامس : في بيان ~~وقوعهم في أشد العذاب ، أما المنع من الثواب فاعلم أن الثواب عبارة عن ~~المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم . # فالأول : وهو قوله { أولئك لا خلاق لهم فى الاخرة } إشارة إلى حرمانهم عن ~~منافع الآخرة . PageV08P092 # وأما الثلاثة الباقية : وهي قوله { ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم * ولا ~~يزكيهم } فهو إشارة إلى حرمانهم عن التعظيم والإعزاز . # وأما الخامس : وهو قوله { ولهم عذاب أليم } فهو إشارة إلى العقاب ، ولما ~~نبهت لهذا الترتيب فلنتكلم في شرح كل واحد من هذه الخمسة : # أما الأول : وهو قوله { لا خلاق لهم فى الاخرة } فالمعنى لا نصيب لهم في ~~خير الآخرة ونعيمها واعلم أن هذا العموم مشروط بإجماع الأمة بعدم التوبة ، ~~فإنه إن تاب عنها سقط الوعيد بالإجماع وعلى مذهبنا مشروط أيضا بعدم العفو ~~فإنه تعالى قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~} ( النساء : 48 ) . # وأما الثاني : وهو قوله { ولا ms2323 يكلمهم الله } ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى ~~قال : { فوربك لنسئلنهم أجمعين * عما كانوا يعملون } ( الحجر : 92 ، 93 ) ~~وقال : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } ( الأعراف : 6 ) ~~فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ، وبين تلك الآية ؟ قال القفال في الجواب : ~~المقصود من كل هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم ، لأن من منع غيره ~~كلامه في الدنيا ، فإنما ذلك بسخط الله عليه وإذا سخط إنسان على آخر ، قال ~~له لا أكلمك ، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول لا أرى وجه فلان ، وإذا جرى ذكره ~~لم يذكره بالجميل فثبت أن هذه الكلمات كنايات عن شدة الغضب نعوذ بالله منه ~~. وهذا هو الجواب الصحيح ، ومنهم من قال : لا يبعد أن يكون إسماع الله جل ~~جلاله أولياءه كلامه بغير سفير تشريفا عاليا يختص به أولياءه ، ولا يكلم ~~هؤلاء الكفرة والفساق ، وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة ومنهم من قال ~~معنى هذه الآية أنه تعالى لا يكلمهم بكلام يسرهم وينفعهم والمعتد هو الجواب ~~الأول . # وأما الثالث : وهو قوله تعالى : { ولا ينظر إليهم } فالمراد إنه لا ينظر ~~إليهم بالإحسان ، يقال فلان لا ينظر إلى فلان ، والمراد به نفي الاعتداد به ~~وترك الإحسان إليه ، والسبب لهذا المجاز أن من اعتد بالإنسان التفت إليه ~~وأعاد نظره إليه مرة بعد أخرى ، فهلذا السبب صار نظر الله عبارة عن ~~الاعتداد والإحسان ، وإن لم يكن ثم نظر ، ولا يجوز أن يكون المراد من هذا ~~النظر الرؤية ، لأنه تعالى يراهم كما يرى غيرهم ، ولا يجوز أن يكون المراد ~~من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماسا لرؤيته لأن هذا من صفات ~~الأجسام ، وتعالى إلاهنا عن أن يكون جسما ، وقد احتج المخالف بهذه الآية ~~على أن النظر المقرون بحرف ( إلى ) ليس للرؤية وإلا لزم في هذه الآية أن لا ~~يكون الله تعالى رائيا لهم وذلك باطل . # وأما الرابع : وهو قوله { ولا يزكيهم } ففيه وجوه الأول : أن لا يطهرهم ~~من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليها والثاني : لا يزكيهم أي لا يثني ~~عليهم كما يثني على أوليائه ms2324 الأزكياء والتزكية من المزكى للشاهد مدح منه له ~~. # واعلم أن تزكية الله عباده قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال : { ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ~~} ( الرعد : 23 ، 24 ) وقال : { وتتلقاهم الملئكة هاذا يومكم الذى كنتم ~~توعدون } ( الأنبياء : 103 ) { نحن أولياؤكم فى الحيواة الدنيا وفى الاخرة ~~} ( فصلت : 21 ) وقد تكون بغير واسطة ، أما في الدنيا فكقوله { التائبون ~~العابدون } ( التوبة : 112 ) وأما في الآخرة فكقوله { سلام قولا من رب رحيم ~~} ( يس : 58 ) . PageV08P093 # وأما الخامس : وهو قوله { ولهم عذاب أليم } فاعلم أنه تعالى لما بين ~~حرمانهم من الثواب بين كونهم في العقاب الشديد المؤلم . # ! 7 < { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو ~~من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله ~~الكذب وهم يعلمون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 78 ) وإن منهم لفريقا . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية تدل على أن الآية المتقدمة نازلة في اليهود بلا شك ~~لأن هذه الآية نازلة في حق اليهود وهي معطوفة على ما قبلها فهذا يقتضي كون ~~تلك الآية المتقدمة نازلة في اليهود أيضا / واعلم أن { * اللي } عبارة عن ~~عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج ، يقال : لويت يده ، والتوى ~~الشيء إذا انحرف والتوى فلان على إذا غير أخلافه عن الاستواء إلى ضده ، ~~ولوى لسانه عن كذا إذا غيره ، ولوى فلانا عن رأيه إذا أماله عنه ، وفي ~~الحديث : ( لي الواجد ظلم ) وقال تعالى : { مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا ~~فى الدين } ( النساء : 46 ) . # إذا عرفت هذا الأصل ففي تأويل الآية وجوه الأول : قال القفال رحمه الله ~~قوله { يلوون ألسنتهم } معناه وأن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات ~~الإعراب تحريفا يتغير به المعنى ، وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله ~~في العبرانية ، فلما فعلوا مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد عليه ~~الصلاة والسلام من التوراة كان ذلك هو المراد من قوله تعالى : { يلوون ~~ألسنتهم } وهذا تأويل في غاية الحسن الثاني : نقل ms2325 عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قال : إن النفر الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ~~كتبوا كتابا شوشوا فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وخلطوه بالكتاب الذي ~~كان فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثم قالوا { هاذا من عند الله } . # إذا عرفت هذا فنقول : إن لي اللسان تثنيه بالتشدق والتنطع والتكلف وذلك ~~مذموم فعبر الله تعالى عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلى اللسان ذما لهم ~~وعيبا ولم يعبر عنها بالقراءة ، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في ~~الشيء الواحد ، فيقولون في المدح : خطيب مصقع ، وفي الذم : مكثار ثرثار . # فقوله { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب } المراد قراءة ذلك ~~الكتاب الباطل ، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله { فويل للذين يكتبون ~~الكتاب بأيديهم ثم يقولون هاذا من عند الله } ( البقرة : 79 ) ثم قال : { ~~وما هو من الكتاب } أي وما هو الكتاب الحق المنزل من عند الله ، بقي ههنا ~~سؤالان : # السؤال الأول : إلى ما يرجع الضمير في قوله { لتحسبوه } ؟ . PageV08P094 # الجواب : إلى ما دل عليه قوله { يلوون ألسنتهم } وهو المحرف . # السؤال الثاني : كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة ~~بين الناس ؟ . # الجواب : لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل ، يجوز عليهم التواطؤ على ~~التحريف ، ثم إنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام وعلى هذا التقدير يكون ~~هذا التحريف ممكنا ، والأصوب عندي في تفسير الآية وجه آخر وهو أن الآيات ~~الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان يحتاج فيها إلى تدقيق النظر ~~وتأمل القلب ، والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة والاعتراضات ~~المظلمة فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين ، واليهود كانوا ~~يقولون : مراد الله من هذه الآيات ما ذكرناه لا ما ذكرتم ، فكان هذا هو ~~المراد بالتحريف وبلي الألسنة وهذا مثل ما أن المحق في زماننا إذا استدل ~~بآية من كتاب الله تعالى ، فالمبطل يورد عليه الأسئلة والشبهات ويقول : ليس ~~/ مراد الله ما ذكرت ، فكذا في هذه الصورة . # ثم قال تعالى : { ويقولون هو من ms2326 عند الله } واعلم أن من الناس من قال : ~~إنه لا فرق بين قوله { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } وبين قوله { ~~ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } ( آل عمران : 78 ) وكرر هذا ~~الكلام بلفظين مختلفين لأجل التأكيد ، أما المحققون فقالوا : المغايرة ~~حاصلة ، وذلك لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله ، فإن ~~الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب ، وتارة بالسنة ، وتارة بالإجماع ، وتارة ~~بالقياس والكل من عند الله . # فقوله { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } هذا نفي خاص ، ثم عطف عليه ~~النفي العام فقال : { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } وأيضا ~~يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة ، ويكون المراد من قولهم : هو من ~~عند الله ، أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل ~~أشعياء ، وأرمياء ، وحيقوق ، وذلك لأن القوم في نسبة التحريف إلى الله ~~كانوا متحيرين ، فإن وجدوا قوما من الأغمار والبله الجاهلين بالتوراة نسبوا ~~ذلك المحرف إلى أنه من التوراة ، وإن وجدوا قوما عقلاء أذكياء زعموا أنه ~~موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين جاؤا بعد موسى عليه ~~السلام ، واحتج الجبائي والكعبي به على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى ~~فقالا : لو كان لي اللسان بالتحريف والكذب خلقا لله تعالى لصدق اليهود في ~~قولهم : إنه من عند الله ولزم الكذب في قوله تعالى : إنه ليس من عند الله ، ~~وذلك لأنهم أضافوا إلى الله ما هو من عنده ، والله ينفي عن نفسه ما هو من ~~عنده ، ثم قال : وكفى خزيا لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من الله قال : ~~ليس لأحد أن يقول المراد من قولهم { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } ~~وبين قوله { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } فرق ، وإذا لم ~~يبق الفرق لم يحسن العطف ، وأجاب الكعبي عن هذا السؤال أيضا من وجهين آخرين ~~الأول : أن كون المخلوق من عند الخالق أوكد ms2327 من كون المأمور به من عند الآمر ~~به ، وحمل الكلام على الوجه الأقوى أولى والثاني : أن قوله { وما هو من عند ~~الله } نفي مطلق لكونه من عند الله وهذا ينفي كونه من عند الله بوجه من ~~الوجوه ، فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم . # والجواب : أما قول الجبائي لو حملنا قوله تعالى : { ويقولون هو من عند ~~الله } على أنه كلام الله لزم التكرار ، فجوابه ما ذكرنا أن قوله { وما هو ~~من الكتاب } معناه أنه غير موجود في الكتاب وهذا لا يمنع من PageV08P095 ~~كونه حكما لله تعالى ثابتا بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال : { وما هو ~~من عند الله } ثبت نفي كونه حكما لله تعالى وعلى هذا الوجه زال التكرار . # وأما الوجه الأول : من الوجهين اللذين ذكرهما الكعبي فجوابه ، أن الجواب ~~لا بد وأن يكون منطبقا على السؤال ، والقوم ما كانوا في ادعاء أن ما ذكروه ~~وفعلوه خلق الله تعالى ، بل كانوا / يدعون أنه حكم الله ونازل في كتابه . # فوجب أن يكون قوله { وما هو من عند الله } عائدا إلى هذا المعنى لا إلى ~~غيره ، وبهذا الطريق يظهر فساد ما ذكره في الوجه الثاني والله أعلم . # ثم قال تعالى : { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } والمعنى أنهم ~~يتعمدون ذلك الكذب مع العلم . # واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة ، وإعراب ~~ألفاظها ، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على ~~الكذب / وإن كان المراد منه تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات لم يبعد إطباق ~~الخلق الكثير عليه والله أعلم . # ! 7 < { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لى من دون الله ولاكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ~~وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 79 - 80 ) ما كان لبشر . . . . . # > > # اعلم ms2328 أنه تعالى لما بين أن عادة علماء أهل الكتاب التحريف والتبديل أتبعه ~~بما يدل على أن من جملة ما حرفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدعي ~~الإلاهية ، وأنه كان يأمر قومه بعبادته فلهذا قال : { ما كان لبشر } الآية ~~، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية وجوه الأول : قال ابن عباس : لما ~~قالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله نزلت هذه ~~الآية الثاني : قيل إن أبا رافع القرظي من اليهود ورئيس وفد نجران من ~~النصارى قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا ، ~~فقال عليه الصلاة والسلام ( معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير ~~عبادة الله / فما بذلك بعثني ؛ ولا بذلك أمرني ) فنزلت هذه الآية الثالث : ~~PageV08P096 قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، أفلا ~~نسجد لك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون ~~الله ، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله ) الرابع : أن اليهود لما ~~ادعوا أن أحدا لا ينال من درجات الفضل والمنزلة ما نالوه ، فالله تعالى قال ~~لهم : إن كان الأمر كما قلتم ، وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس ~~واستخدامهم ولكن يجب أن تأمروا الناس بالطاعة لله والانقياد لتكاليفه ~~وحينئذ يلزمكم أن تحثوا الناس على الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~لأن ظهور المعجزات عليه يوجب ذلك ، وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله { ~~ثم يقول للناس كونوا عبادا * من دون الله } مثل قوله { اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله } ( التوبة : 31 ) . # المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله { ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله } على ~~وجوه الأول : قال الأصم : معناه ، أنهم لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم ~~الدليل عليه قوله تعالى : { ولو تقول علينا بعض الاقاويل * لاخذنا منه ~~باليمين } ( الحاقه : 44 ) قال : { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا ~~لأذقناك ضعف الحيواة ms2329 وضعف الممات } ( الاسراء : 74 ، 75 ) الثاني : أن ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام موصوفون بصفات لا يحسن مع تلك الصفات ادعاء ~~الإلاهية والربوبية منها أن الله تعالى آتاهم الكتاب والوحي وهذا لا يكون ~~إلا في النفوس الطاهرة والأرواح الطيبة ، كما قال الله تعالى : { الله أعلم ~~حيث يجعل } ( الأنعام : 124 ) وقال : { المسرفين ولقد اخترناهم على علم على ~~العالمين } ( الدخان : 32 ) وقال الله تعالى : { الله يصطفى من الملائكة ~~رسلا ومن الناس } ( الحج : 75 ) والنفس الطاهرة يمتنع أن يصدر عنها هذه ~~الدعوى ، ومنها أن إيتاء النبوة لا يكون إلا بعد كمال العلم وذلك لا يمنع ~~من هذه الدعوى ، وبالجملة فللإنسان قوتان : نظرية وعملية ، وما لم تكن ~~القوة النظرية كاملة بالعلوم والمعارف الحقيقية ولم تكن القوة العملية ~~مطهرة عن الأخلاق الذميمة لا تكون النفس مستعدة لقبول الوحي والنبوة ، ~~وحصول الكمالات في القوة النظرية والعملية يمنع من مثل هذا القول والاعتقاد ~~، الثالث : أن الله تعالى لا يشرف عبده بالنبوة والرسالة إلا إذا علم منه ~~أنه لا يقول مثل هذا الكلام الرابع : أن الرسول ادعى أنه يبلغ الأحكام عن ~~الله تعالى ، واحتج على صدقه في هذه الدعوى فلو أمرهم بعبادة نفسه فحينئذ ~~تبطل دلالة المعجزة على كونه صادقا ، وذلك غير جائز ، واعلم أنه ليس المراد ~~من قوله { ما كان لبشر } ذلك أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل ~~الخلق ، وظاهر الآية يدل على أنه إنما لم يكن له ذلك لأجل أن الله آتاه ~~الكتاب والحكم والنبوة ، وأيضا لو كان المراد منه التحريم لما كان ذلك ~~تكذيبا للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح عليه السلام لأن من ادعى على رجل ~~فعلا فقيل له إن فلان لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن تكذيبا له فيما ادعى ~~عليه وإنما أراد في ادعائهم أن عيسى عليه السلام قال لهم : اتخذوني إلاها / ~~من دون الله فالمراد إذن ما قدمناه ، ونظيره قوله تعالى : { ما كان الله * ~~أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) على سبيل النفي لذلك عن نفسه ، لا ms2330 على وجه ~~التحريم والحظر ، وكذا قوله تعالى : { ما كان لنبى أن * يغل } ( آل عمران : ~~161 ) والمراد النفي لا النهي والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله { أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة } إشارة ~~إلى ثلاثة أشياء ذكرها على ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن الكتاب السماوي ~~ينزل أولا ثم إنه يحصل في عقل النبي فهم ذلك الكتاب وإليه PageV08P097 ~~الإشارة بالحكم ، فإن أهل اللغة والتفسير اتفقوا على أن هذا الحكم هو العلم ~~، قال تعالى : { واتيناه الحكم صبيا } ( مريم : 12 ) يعني العلم والفهم ، ~~ثم إذا حصل فهم الكتاب ، فحينئذ يبلغ ذلك إلى الخلق وهو النبوة فما أحسن ~~هذا الترتيب . # ثم قال تعالى : { ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : القراءة الظاهرة ، ثم يقول بنصب اللام ، وروي عن أبي ~~عمرو برفعها ، أما النصب فعلى تقدير : لا تجتمع النبوة وهذا القول ، ~~والعامل فيه ( أن ) وهو معطوف عليه بمعنى ثم أن يقول وأما الرفع فعلى ~~الاستئناف . # المسألة الثانية : حكى الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في ~~قوله تعالى : { كونوا عبادا لى } إنه لغة مزينة يقولون للعبيد عبادا . # ثم قال : { ولاكن كونوا ربانيين } وفيه مسألتان ؛ # المسألة الأولى : في هذه الآية إضمار ، والتقدير : ولكن يقول لهم كونوا ~~ربانيين فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الاضمار إذا كان في الكلام ~~ما يدل عليه ، ونظيره قوله تعالى : { وأما الذين * اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمانكم } ( آل عمران : 106 ) أي فيقال لهم ذلك . # المسألة الثانية : ذكروا في تفسير ( الرباني ) أقوالا الأول : قال سيبويه ~~: الرباني المنسوب إلى الرب ، بمعنى كونه عالما به ، ومواظبا على طاعته ، ~~كما يقال : رجل إلاهي إذا كان مقبلا على معرفة الإلاه وطاعته وزيادة الألف ~~والنون فيه للدلالة على كمال هذه الصفة ، كما قالوا : شعراني ولحياني ~~ورقباني إذا وصف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة ، فإذا نسبوا إلى ~~الشعر قالوا : شعري وإلى الرقبة رقبي وإلى اللحية لحيي والثاني : قال ~~المبرد { الربانيون } أرباب العلم وأحدهم رباني ، وهو الذي يرب العلم ويرب ms2331 ~~الناس أي : يعلمهم ويصلحهم ويقوم بأمرهم ، فالألف والنون للمبالغة كما ~~قالوا : ربان وعطشان وشبعان وعريان ، ثم ضمت إليه ياء النسبة كما قيل : ~~لحياني ورقباني قال الواحدي : فعلى قول سيبويه الرباني : منسوب إلى الرب ~~على معنى التخصيص بمعرفة الرب وبطاعته ، وعلى قول المبرد { * الرباني } ~~مأخوذ من التربية الثالث : قال ابن زيد : الرباني . هو الذي يرب الناس ، ~~فالربانيون هم ولاة الأمة والعلماء ، وذكر هذا أيضا في قوله تعالى : { ~~يعملون لولا ينهاهم الربانيون والاحبار } ( المائدة : 63 ) أي الولاة ~~والعلماء وهما الفريقان اللذان يطاعان ومعنى الآية على هذا التقدير : لا ~~أدعوكم إلى أن تكونوا عبادا لي ، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكا وعلماء ~~باستعمالكم أمر الله تعالى ومواظبتكم على طاعته ، قال القفال رحمه الله : ~~ويحتمل أن يكون الوالي سمي ربانيا ، لأنه يطاع كالرب تعالى ، فنسب إليه ~~الرابع : قال أبو عبيدة أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية ، ~~أو سريانية ، وسواء كانت عربية أو عبرانية ، فهي تدل على الإنسان الذي علم ~~وعمل بما علم ، واشتغل بتعليم طرق الخير . # ثم قال تعالى : { بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : في قوله { بما كنتم تعلمون الكتاب } قراءتان إحداهما : ~~{ تعلمون } من العلم ، وهي PageV08P098 قراءة عبد الله بن كثير ، وأبي عمرو ~~، ونافع والثانية : { تعلمون } من التعليم وهي قراءة الباقين من السبعة ~~وكلاهما صواب ، لأنهم كانوا يعلمونه في أنفسهم ويعلمونه غيرهم ، واحتج أبو ~~عمرو على أن قراءته أرجح بوجهين الأول : أنه قال : { تدرسون } ولم يقل { ~~تدرسون } بالتشديد الثاني : أن التشديد يقتضي مفعولين والمفعول هاهنا واحد ~~، وأما الذين قرؤا بالتشديد فزعموا أن المفعول الثاني محذوف تقديره : بما ~~كنتم تعلمون الناس الكتاب ، أو غيركم الكتاب وحذف ، لأن المفعول به قد يحذف ~~من الكلام كثيرا ، ثم احتجوا على أن التشديد أولى بوجهين الأول : أن ~~التعليم يشتمل على العلم ولا ينعكس فكان التعليم أولى الثاني : أن ~~الربانيين لا يكتفون بالعلم حتى يضموا إليه التعليم لله تعالى ألا ترى أنه ~~تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك فقال ms2332 : { ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة } ( النحل : 125 ) ويدل عليه قول مرة بن شراحيل : ~~كان علقمة من الربانيين الذين يعلمون الناس القرآن . # المسألة الثانية : نقل ابن جني في ( المحتسب ) ، عن أبي حيوة أنه قرأ { ~~تدرسون } بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء ، قال ابن جني : ينبغي أن ~~يكون هذا منقولا من درس هو ، أو درس غيره ، وكذلك قرأ وأقرأ غيره ، وأكثر ~~العرب على درس ودرس ، وعليه جاء المصدر على التدريس . # المسألة الثالثة : ( ما ) في القراءتين ، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل ~~، والتقدير : كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم ~~الكتاب ، ومثل هذا من كون ( ما ) مع الفعل بمعنى المصدر قوله تعالى : { ~~فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هاذا } ( الأعراف : 5 ) وحاصل الكلام أن ~~العلم والتعليم والدراسة توجب على صاحبها كونه ربانيا والسبب لا محالة ~~مغاير للمسبب ، فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانيا ، أمرا مغايرا لكونه عالما ~~، ومعلما ، ومواظبا على الدراسة ، وما ذاك إلا أن يكون بحيث يكون تعلمه لله ~~، وتعليمه ودراسته لله ، وبالجملة أن يكون الداعي له إلى جميع / الأفعال ~~طلب مرضاة الله ، والصارف له عن كل الأفعال الهرب عن عقاب الله ، وإذا ثبت ~~أن الرسول يأمر جميع الخلق بهذا المعنى ثبت أنه يمتنع منه أن يأمر الخلق ~~بعبادته / وحاصل الحرف شيء واحد ، وهو أن الرسول هو الذي يكون منتهى جهده ~~وجده صرف الأرواح والقلوب عن الخلق إلى الحق ، فمثل هذا الإنسان كيف يمكن ~~أن يصرف عقول الخلق عن طاعة الحق إلى طاعة نفسه . وعند هذا يظهر أنه يمتنع ~~في أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يأمر غيره بعبادته . # المسألة الرابعة : دلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون ~~الإنسان ربانيا ، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه ~~وخاب عمله وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ~~ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ~~) . # ثم قال تعالى : { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ms2333 أربابا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة وابن عامر { ولا يأمركم } بنصب الراء ، ~~والباقون بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفا على { ثم يقول } وفيه وجهان ~~أحدهما : أن تجعل { لا } مزيدة والمعنى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ~~والحكم والنبوة أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ويأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ، كما تقول : ما كان لزيد أن أكرمه ثم ~~يهينني ويستخف بي والثاني : أن تجعل { لا } غير PageV08P099 مزيدة ، ~~والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة ، ~~واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح ، فلما قالوا : أتريد أن نتخذك ربا ~~؟ قيل لهم : ما كان لبشر أن يجعله الله نبيا ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ~~وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء ، وأما القراءة بالرفع على سبيل ~~الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام ، ومما يدل على ~~الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ { ولن * يأمركم } . # المسألة الثانية : قال الزجاج : ولا يأمركم الله ، وقال ابن جريج : لا ~~يأمركم محمد ، وقيل : لا يأمركم الأنبياء بأن تتخذوا الملائكة أربابا كما ~~فعلته قريش . # المسألة الثالثة : إنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا من ~~أهل الكتاب بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح ~~وعزير ، فلهذا المعنى خصهما بالذكر . # ثم قال تعالى : { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } وفيه ومسائل : # المسألة الأولى : الهمزة في { أيأمركم } استفهام بمعنى الإنكار ، أي لا ~~يفعل ذلك . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) قوله { بعد إذ أنتم مسلمون } دليل ~~على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في أن يسجدوا له . # / المسألة الثالثة : قال الجبائي : الآية دالة على فساد قول من يقول : ~~الكفر بالله هو الجهل به والإيمان بالله هو المعرفة به ، وذلك لأن الله ~~تعالى حكم بكفر هؤلاء ، وهو قوله تعالى : { أيأمركم بالكفر } ثم إن هؤلاء ~~كانوا عارفين بالله تعالى بدليل قوله { ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من ~~دون ms2334 الله } وظاهر هذا يدل على معرفته بالله فلما حصل الكفر ههنا مع المعرفة ~~بالله دل ذلك على أن الإيمان به ليس هو المعرفة والكفر به تعالى ليس هو ~~الجهل به . # والجواب : أن قولنا الكفر بالله هو الجهل به لا نعني به مجرد الجهل بكونه ~~موجودا بل نعني به الجهل بذاته وبصفاته السلبية وصفاته الإضافية أن لا شريك ~~له في المعبودية ، فلما جهل هذا فقد جهل بعض صفاته . # ! 7 < { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم ~~رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى ~~قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين * فمن تولى بعد ذالك ~~فأولائك هم الفاسقون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 81 - 82 ) وإذ أخذ الله . . . . . # > > PageV08P100 @101@ # اعلم أن المقصود من هذه الآيات تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل ~~الكتاب مما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قطعا لعذرهم وإظهارا ~~لعنادهم ومن جملتها ما ذكره الله تعالى في هذه الآية وهو أنه تعالى أخذ ~~الميثاق من الأنبياء الذين آتاهم الكتاب والحكمة بأنهم كلما جاءهم رسول ~~مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه ، وأخبر أنهم قبلوا ذلك وحكم تعالى بأن من ~~رجع عن ذلك كان من الفاسقين ، فهذا هو المقصود من الآية فحصل الكلام أنه ~~تعالى أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقا لما معهم إلا أن ~~هذه المقدمة الواحدة لا تكفي في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ما لم ~~يضم إليها مقدمة أخرى ، وهي أن محمدا رسول الله جاء مصدقا لما معهم ، وعند ~~هذا لقائل أن يقول : هذا إثبات للشيء بنفسه ، لأنه إثبات لكونه رسولا بكونه ~~رسولا . # / والجواب : أن المراد من كونه رسولا ظهور المعجز عليه ، وحينئذ يسقط هذا ~~السؤال والله أعلم ، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ : # أما قوله { وإذ أخذ الله } فقال ابن جرير الطبري : معناه واذكروا يا أهل ~~الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيين ، وقال الزجاج : واذكر يا محمد في القرآن ~~إذ أخذ الله ميثاق ms2335 النبيين . # أما قوله { ميثاق النبيين } فاعلم أن المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل وإلى ~~المفعول ، فيحتمل أن يكون الميثاق مأخوذا منهم ، ويحتمل أن يكون مأخوذا لهم ~~من غيرهم ، فلهذا السبب اختلفوا في تفسير هذه الآية على هذين الوجهين . # أما الاحتمال الأول : وهو أنه تعالى أخذ الميثاق منهم في أن يصدق بعضهم ~~بعضا ، وهذا قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس رحمهم الله ، وقيل : إن الميثاق ~~هذا مختص بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهو مروي عن علي وابن عباس وقتادة ~~والسدي رضوان الله عليهم ، واحتج أصحاب هذا القول على صحته من وجوه الأول : ~~أن قوله تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } يشعر بأن آخذ الميثاق هو ~~الله تعالى ، والمأخوذ منهم هم النبيون ، فليس في الآية ذكر الأمة ، فلم ~~يحسن صرف الميثاق إلى الأمة ، ويمكن أن يجاب عنه من وجوه الأول : أن على ~~الوجوه الذي قلتم يكون الميثاق مضافا إلى الموثق عليه ، وعلى الوجه الذي ~~قلنا يكون إضافته إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل ، وهو الموثق له ، ولا شك ~~أن إضافة الفعل إلى الفاعل أقوى من إضافته إلى المفعول ، فإن لم يكن فلا ~~أقل من المساواة ، وهو كما يقال ميثاق الله وعهده ، فيكون التقدير : وإذ ~~أخذ الله الميثاق الذي وثقه الله للأنبياء على أممهم الثاني : أن يراد ~~ميثاق أولاد النبيين ، وهو بنو إسرائيل على حذف المضاف وهو كما يقال : فعل ~~بكر بن وائل كذا ، وفعل معد بن عدنان كذا ، والمراد أولادهم وقومهم ، فكذا ~~ههنا الثالث : أن يكون المراد من لفظ { النبيين } أهل الكتاب وأطلق هذا ~~اللفظ عليهم تهكما بهم على زعمهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من ~~محمد عليه الصلاة والسلام لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون الرابع : أنه ~~كثيرا ورد في القرآن لفظ النبي والمراد منه أمته قال تعالى : { الحكيم ~~يأيها النبى إذا طلقتم النساء } ( الطلاق : 1 ) . # الحجة الثانية : لأصحاب هذا القول : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال ~~: ( لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حيا لما ms2336 وسعه ~~إلا اتباعي ) . PageV08P101 # الحجة الثالثة : ما نقل عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن الله تعالى ما ~~بعث آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا أخذ ~~عليهم العهد لئن بعث محمد عليه الصلاة والسلام وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، ~~فهذا يمكن نصرة هذا القول به والله أعلم . # الاحتمال الثاني : إن المراد من الآية أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~كانوا يأخذون / الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به وأن ينصروه ، وهذا قول كثير من العلماء ، وقد ~~بينا أن اللفظ محتمل له وقد احتجوا على صحته بوجوه الأول : ما ذكره أبو ~~مسلم الأصفهاني فقال : ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ الله الميثاق منهم ~~يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه ، وكل الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام يكونون عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم من زمرة ~~الأموات ، والميت لا يكون مكلفا فلما كان الذين أخذ الميثاق عليهم يجب ~~عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام عند مبعثه ولا يمكن إيجاب الإيمان على ~~الأنبياء عند مبعث محمد عليه السلام ، علمنا أن الذين أخذ الميثاق عليهم ~~ليسوا هم النبيين بل هم أمم النبيين قال : ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكم على ~~الذين أخذ عليهم الميثاق أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق ~~بالأنبياء عليهم السلام وإنما يليق بالأمم ، أجاب القفال رحمه الله فقال لم ~~لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب ~~عليهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى : { لئن ~~أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) وقد علم الله تعالى أنه لا يشرك قط ~~ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض فكذا ههنا ، وقال : { ولو ~~تقول علينا بعض الاقاويل * لاخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين } ( ~~الحاقه : 44 ، 45 ، 46 ) وقال في صفة الملائكة { ومن يقل منهم إنى إلاه من ~~دونه فذالك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين } ( الأنبياء ms2337 : 29 ) مع أنه ~~تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يسبقونه بالقول وبأنهم يخافون ربهم من فوقهم ، ~~فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير فكذا ههنا ، ونقول إنه سماهم فاسقين ~~على تقدير التولي فإن اسم الفسق ليس أقبح من اسم الشرك ، وقد ذكر تعالى ذلك ~~على سبيل الفرض والتقدير في قوله { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) ~~فكذا ههنا . # الحجة الثانية : أن المقصود من هذه الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان الميثاق مأخوذا عليهم كان ذلك أبلغ ~~في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذا على الأنبياء عليهم السلام ، وقد ~~أجيب عن ذلك بأن درجات الأنبياء عليهم السلام ، أعلى وأشرف من درجات الأمم ~~، فإذا دلت هذه الآية على أن الله تعالى أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا ~~بمحمد عليه السلام لو كانوا في الأحياء ، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من ~~زمرة الفاسقين فلأن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجبا على أممهم ~~لو كان ذلك أولى ، فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل ~~المطلوب من هذا الوجه . # الحجة الثالثة : ما روي عن ابن عباس أنه قيل له إن أصحاب عبد الله يقرؤن ~~{ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } ونحن نقرأ { وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين } فقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما أخذ الله ميثاق النبيين على ~~قومهم . # الحجة الرابعة : أن هذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى : { خالدون يابنى ~~إسراءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم } وبقوله ~~تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ~~PageV08P102 ولا تكتمونه } ( آل عمران : 187 ) فهذا جملة ما قيل في هذا ~~الموضوع والله أعلم بمراده . # وأما قوله تعالى : { لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الجمهور { لما } بفتح اللام وقرأ حمزة بكسر اللام ~~وقرأ سعيد بن جبير { لما } مشددة ، أما القراءة بالفتح فلها وجهان الأول : ~~أن { ما } اسم موصول والذي بعده صلة له وخبره قوله { لتؤمنن به } والتقدير ms2338 ~~: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ، ~~وعلى هذا التقدير { ما } رفع بالابتداء والراجع إلى لفظة { ما } وموصولتها ~~محذوف والتقدير : لما آتيتكموه فحذف الراجع كما حذف من قوله { أهاذا الذى ~~بعث الله رسولا } ( الفرقان : 41 ) وعليه سؤالان : # السؤال الأول : إذا كانت { ما } موصولة لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة ~~على الصلة ذكر إلى الموصول وإلا لم يجز ، ألا ترى أنك لو قلت : الذي قام ~~أبوه ثم انطلق زيد لم يجز . # وقوله { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم } ليس فيه راجع إلى الموصول ، قلنا ~~: يجوز إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش والدليل عليه قوله تعالى : { ~~إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ( يوسف : 90 ) ولم يقل : ~~فإن الله لا يضيع أجره ، وقال : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات إنا لا ~~نضيع أجر من أحسن عملا } ( الكهف : 30 ) ولم يقل : إنا لا نضيع أجرهم وذلك ~~لأن المظهر المذكور قائم مقام المضمر فكذا ههنا . # السؤال الثاني : ما فائدة اللام في قوله { لما } قلنا : هذه اللام هي لام ~~الابتداء بمنزلة قولك : لزيد أفضل من عمرو ، ويحسن إدخالها على ما يجري ~~مجرى المقسم عليه لأن قوله { إذ * أخذ الله ميثاق النبيين } بمنزلة القسم ~~والمعنى استحلفهم ، وهذه اللام المتلقية للقسم ، فهذا تقرير هذا الكلام . # الوجه الثاني : وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج أن { ما } ههنا هي ~~المتضمنة لمعنى الشرط والتقدير ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ، فاللام في قوله { لتؤمنن به } هي المتلقية للقسم ، ~~أما اللام في { لما } هي لام تحذف تارة ، وتذكر أخرى ، ولا يتفاوت المعنى ~~ونظيره قولك : والله لو أن فعلت ، فعلت فلفظة ( أن ) لا يتفاوت الحال بين ~~ذكرها وحذفها فكذا ههنا ، وعلى هذا التقدير كانت ( ما ) في موضع نصب ~~بأتيتكم { وجاءكم } جزم بالعطف على { ءاتيتكم } و { لتؤمنن به } هو الجزاء ~~، وإنما لم يرض سيبويه بالقول الأول لأنه لا يرى إقامة المظهر مقام المضمر ~~، وأما الوجه في قراءة { لما } بكسر ms2339 اللام فهو أن هذا لام التعليل كأنه قيل ~~: أخذ ميثاقهم لهذا لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة ~~يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل { وما } على هذه القراءة تكون موصولة ~~، وتمام / البحث فيه ما قدمناه في الوجه الأول ، وأما قراءة { لما } ~~بالتشديد فذكر صاحب ( الكشاف ) فيه وجهين الأول : أن المعنى : حين آتيتكم ~~بعض الكتاب والحكمة ، ثم جاءكم رسول مصدق له ، وجب عليكم الإيمان به ونصرته ~~والثاني : أن أصل { لما } لمن ما فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات / وهي ~~الميمان والنون المنقلبة ميما بإدغامها في الميم فحذفوا إحداها فصارت { لما ~~} ومعناه : لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به ، وهذا قريب من قراءة حمزة في ~~المعنى . PageV08P103 # المسألة الثانية : قرأ نافع { ءاتيناكم } بالنون على التفخيم ، والباقون ~~بالتاء على التوحيد ، حجة نافع قوله { وءاتينا * داوود * زبورا } ( النساء ~~: 163 ) { واتيناه الحكم صبيا } ( مريم : 12 ) { وءاتيناهما الكتاب ~~المستبين } ( الصافات : 117 ) ولأن هذا أدل على العظمة فكان أكثر هيبة في ~~قلب السامع ، وهذا الموضع يليق به هذا المعنى ، وحجة الجمهور قوله { هو ~~الذى ينزل على عبده ءايات بينات } ( الحديد : 9 ) و { الحمد لله الذى أنزل ~~على عبده الكتاب } ( الكهف : 1 ) وأيضا هذه القراءة أشبه بما قبل هذه الآية ~~وبما بعدها لأنه تعالى قال قبل هذه الآية { وإذ أخذ الله } وقال بعدها { ~~إصرى } وأجاب نافع عنه بأن أحد أبواب الفصاحة تغيير العبارة من الواحد إلى ~~الجمع ومن الجمع إلى الواحد قال تعالى : { وجعلناه هدى لبنى إسراءيل ألا ~~تتخذوا من دونى } ( الإسراء : 2 ) ولم يقل من دوننا كما قال : { وجعلناه } ~~والله أعلم . # المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر النبيين على سبيل المغايبة ثم قال : { ~~ءاتيتكم } وهو مخاطبة إضمار والتقدير : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين فقال ~~مخاطبا لهم لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، والإضمار باب واسع في القرآن ، ومن ~~العلماء من التزم في هذه الآية إضمارا آخر وأراح نفسه عن تلك التكلفات التي ~~حكيناها عن النحويين فقال تقدير الآية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن ~~الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة ، قال ms2340 إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام ~~عليه لأن لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل ~~لا جرم حذفه اختصارا ثم قال تعالى بعده { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم } ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم { لتؤمنن به ولتنصرنه } وعلى هذا التقدير ~~يستقيم النظم ولا يحتاج إلى تكليف تلك التعسفات ، وإذا كان لا بد من التزام ~~الإضمار فهذا الإضمار الذي به ينتظم الكلام نظما بينا جليا أولى من تلك ~~التكلفات . # المسألة الرابعة : في قوله { لما ءاتيتكم من كتاب } إشكال ، وهو أن هذا ~~الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء أو مع الأمم ، فإن كان مع الأنبياء فجميع ~~الأنبياء ما أوتوا الكتاب ، وإنما أوتي بعضهم وإن كان مع الأمم ، فالإشكال ~~أظهر ، والجواب عنه من وجهين الأول : أن جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا ~~الكتاب ، بمعنى كونه مهتديا به داعيا إلى العمل به ، وإن لم ينزل عليه ~~والثاني : أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب ، فوصف ~~الكل بوصف أشرف الأنواع . # / المسألة الخامسة : الكتاب هو المنزل المقروء والحكمة هي الوحي الوارد ~~بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها . # المسألة السادسة : كلمة { من } في قوله { من كتاب } دخلت تبيينا لما ~~كقولك : ما عندي من الورق دانقان . # أما قوله تعالى : { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : ما وجه قوله { ثم جاءكم } والرسول لا يجيء إلى النبيين ~~وإنما يجيء إلى الأمم ؟ . # والجواب : إن حملنا قوله { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } على أخذ ميثاق ~~أممهم فقد زال السؤال وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيين أنفسهم كان قوله { ~~ثم جاءكم } أي جاء في زمانكم . # السؤال الثاني : كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم مع ~~مخالفة شرعه لشرعهم ، PageV08P104 قلنا : المراد به حصول الموافقة في ~~التوحيد ، والنبوات ، وأصول الشرائع ، فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها ؛ ~~فذلك في الحقيقة ليس بخلاف ، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون على أن ~~الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه وأن ms2341 الحق في زمان محمد صلى ~~الله عليه وسلم ليس إلا شرعه ، فهذا وإن كان يوهم الخلاف ، إلا أنه في ~~الحقيقة وفاق ، وأيضا فالمراد من قوله { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم } هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، والمراد بكونه مصدقا لما معهم هو أن وصفه وكيفية ~~أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل ، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان ~~مذكورا في تلك الكتب ، كان نفس مجيئه تصديقا لما كان معهم ، فهذا هو المراد ~~بكونه مصدقا لما معهم . # السؤال الثالث : حاصل الكلام أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع ~~الأنبياء بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقا لما معهم فما معنى ذلك الميثاق . # والجواب : يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة ~~على أن الانقياد لأمر الله واجب ، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولا عند ~~ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق ~~بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه ، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد ~~من أخذ الميثاق ، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح ~~صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين ، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في ~~الكتب الإلاهية المتقدمة وجب الانقياد له ، فقوله تعالى : { ثم جاءكم رسول ~~مصدق لما معكم } يدل على هذين الوجهين ، أما على الوجه الأول ، فقوله { ~~رسول } وأما على الوجه الثاني ، فقوله { مصدق لما معكم } . # أما قوله { لتؤمنن به ولتنصرنه } فالمعنى ظاهر ، وذلك لأنه تعالى أوجب ~~الإيمان به أولا ، ثم / الاشتغال بنصرته ثانيا ، واللام في { لتؤمنن به } ~~لام القسم ، كأنه قيل : والله لتؤمنن به . # ثم قال تعالى : { قال ءأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إن فسرنا قوله تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } ~~بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى { * أأقرتم } معناه : ~~قال الله تعالى للنبيين أأقرتم بالإيمان به والنصرة له وإن فسرنا أخذ ~~الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان ~~معنى قوله { قال } أي قال ms2342 كل نبي لأمته أأقرتم ، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ ~~الميثاق إلى نفسه ، وإن كانت النبيون أخذوه على الأمم ، فكذلك طلب هذا ~~الإقرار أضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ~~والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده ، فلم يقتصروا ~~على أخذ الميثاق على الأمم ، بل طالبوهم بالإقرار بالقول ، وأكدوا ذلك ~~بالإشهاد . # المسألة الثانية : الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر ، إذا ~~ثبت ولزم مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته . # أما قوله تعالى : { ءأقررتم وأخذتم على ذالكم إصرى } أي قبلتم عهدي ، ~~والأخذ بمعنى القبول كثير في الكلام قال تعالى : { ولا يؤخذ منها عدل } ( ~~البقرة : 48 ) أي يقبل منها فدية وقال : { ويأخذ الصدقات } ( التوبة : 104 ~~) أي PageV08P105 يقبلها والإصر هو الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلزمه من عمل ~~قال تعالى : { ولا تحمل علينا إصرا } ( البقرة : 286 ) فسمى العهد إصرا ~~لهذا المعنى ، قال صاحب ( الكشاف ) : سمى العهد إصرا لأنه مما يؤصر أي يشد ~~ويعقد ، ومنه الإصار الذي يعقد به وقرىء { إصرى } ويجوز أن يكون لغة في إصر ~~. # ثم قال تعالى : { قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } وفي ~~تفسير قوله { فأشهدوا } وجوه الأول : فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ، وأنا ~~على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضا { من الشاهدين } وهذا توكيد عليهم وتحذير من ~~الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض الثاني : أن قوله { ~~فأشهدوا } خطاب للملائكة الثالث : أن قوله { فأشهدوا } أي ليجعل كل أحد ~~نفسه شاهدا على نفسه ونظيره قوله { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى شهدنا } ( الأعراف : 172 ) على أنفسنا وهذا من باب المبالغة الرابع : { ~~فأشهدوا } أي بينوا هذا الميثاق للخاص والعام ، لكي لا يبقى لأحد عذر في ~~الجهل به ، وأصله أن الشاهد هو الذي يبين صدق الدعوى الخامس : { فأشهدوا } ~~أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق ، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء ~~المعاين له السادس : إذا قلنا إن أخذ الميثاق كان من الأمم فقوله { فأشهدوا ~~} خطاب للأنبياء عليهم السلام بأن يكونوا ms2343 شاهدين عليهم . # وأما قوله تعالى : { وأنا معكم من الشاهدين } فهو للتأكيد وتقوية الإلزام ~~، وفيه فائدة أخرى وهي أنه تعالى وإن أشهد غيره ، فليس محتاجا إلى ذلك ~~الإشهاد ، لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية لكن / لضرب من المصلحة لأنه ~~سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى ، ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيدا آخر فقال : { ~~فمن تولى بعد ذالك فأولئك هم الفاسقون } يعني من أعرض عن الإيمان بهذا ~~الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق ~~معلوم ، وقوله { فمن تولى بعد ذالك } هذا شرط ، والفعل الماضي ينقلب ~~مستقبلا في الشرط والجزاء ، والله أعلم . # ! 7 < { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى السماوات والا رض طوعا ~~وكرها وإليه يرجعون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 83 ) أفغير دين الله . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الإيمان بمحمد عليه ~~الصلاة والسلام شرع شرعه الله وأوجبه على جميع من مضى من الأنبياء والأمم ، ~~لزم أن كل من كره ذلك فإنه يكون طالبا دينا غير دين الله ، فلهذا قال بعده ~~{ أفغير دين الله يبغون } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حفص عن عاصم { يبغون } و { يرجعون } PageV08P106 ~~بالياء المنقطة من تحتها ، لوجهين أحدهما : ردا لهذا إلى قوله { وأولئك هم ~~الفاسقون } ( آل عمران : 82 ) والثاني : أنه تعالى إنما ذكر حكاية أخذ ~~الميثاق حتى يبين أن اليهود والنصارى يلزمهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ، فلما أصروا على كفرهم قال على جهة الاستنكار { أفغير دين الله يبغون ~~} وقرأ أبو عمرو { * تبغون } بالتاء خطابا لليهود وغيرهم من الكافر و { لا ~~يرجعون } بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله { وله أسلم من ~~فى * السماوات والارض } وقرأ الباقون فيهما بالتاء على الخطاب ، لأن ما ~~قبله خطاب كقوله { ءأقررتم وأخذتم } ( آل عمران : 81 ) وأيضا فلا يبعد أن ~~يقال للمسلم والكافر ولكل أحد : أفغير دين الله تبغون مع علمكم بأنه أسلم ~~له من في السماوات والأرض ، وأن مرجعكم إليه وهو كقوله { وكيف تكفرون وأنتم ~~تتلى عليكم ءايات الله وفيكم ms2344 رسوله } ( آل عمران : 101 ) . # المسألة الثانية : الهمزة للاستفهام والمراد استنكار أن يفعلوا ذلك أو ~~تقرير أنهم يفعلونه ، وموضع الهمزة هو لفظة { يبغون } تقديره : أيبغون غير ~~دين الله ؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال والحوادث ، إلا أنه تعالى ~~قدم المفعول الذي هو { غير * دين الله } على فعله ، لأنه أهم من حيث أن ~~الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل وأما الفاء فلعطف ~~جملة على جملة وفيه وجهان أحدهما : التقدير : فأولئك هم الفاسقون ، فغير ~~دين الله يبغون . # / واعلم أنه لو قيل أو غير دين الله يبغون جاز إلا أن في الفاء فائدة ~~زائدة كأنه قيل : أفبعد أخذ هذا الميثاق المؤكد بهذه التأكيدات البليغة ~~تبغون ؟ . # المسألة الثالثة : روي أن فريقين من أهل الكتاب اختصموا إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام ، وكل واحد من ~~الفريقين ادعى أنه أولى به ، فقال عليه الصلاة والسلام : كلا الفريقين برىء ~~من دين إبراهيم عليه السلام ، فقالوا : ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك ~~فنزلت هذه الآية ، ويبعد عندي حمل هذه الآية على هذا السبب لأن على هذا ~~التقدير تكون هذه الآية منقطعة عما قبلها ، والاستفهام على سبيل الإنكار ~~يقتضي تعلقها بما قبلها ، فالوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكورا ~~في كتبهم وهم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم في النبوة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة والحسد فصاروا كإبليس ~~الذي دعاه الحسد إلى الكفر ، فأعلمهم الله تعالى أنهم متى كانوا طالبين ~~دينا غير دين الله ، ومعبودا سوى الله سبحانه ، ثم بين أن التمرد على الله ~~تعالى والإعراض عن حكمه مما لا يليق بالعقلاء فقال : { وله أسلم من فى * ~~السماوات والارض * طوعا وكرها وإليه * ترجعون } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : الإسلام ، هو الاستسلام والانقياد والخضوع . # إذا عرفت هذا ففي خضوع كل من في السماوات والأرض لله وجوه الأول : وهو ~~الأصح عندي أن كل ما سوى الله سبحانه ممكن لذاته وكل ممكن لذاته ms2345 فإنه لا ~~يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه فإذن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع ~~لجلال الله في طرفي وجوده وعدمه ، وهذا هو نهاية الانقياد والخضوع ، ثم إن ~~في هذا الوجه لطيفة أخرى وهي أن قوله { وله أسلم } يفيد الحصر أي وله أسلم ~~كل من في السماوات والأرض لا لغيره ، فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد ~~وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه ولا يفنى إلا بإفنائه سواء كان ~~عقلا أو نفسا أو روحا أو جسما أو جوهرا أو عرضا أو فاعلا أو فعلا ، ونظير ~~هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى : { ولله يسجد من فى * ~~السماوات والارض } ( الرعد : 15 ) وقوله { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( ~~الإسراء : 44 ) . # الوجه الثاني : في تفسير هذه الآية أنه لا سبيل لأحد إلى الامتناع عليه ~~في مراده ، وإما أن ينزلوا عليه PageV08P107 طوعا أو كرها ، فالمسلمون ~~الصالحون ينقادون لله طوعا فيما يتعلق بالدين ، وينقادون له كرها فيما ~~يخالف طباعهم من المرض والفقر والموت وأشباه ذلك ، وأما الكافرون فهم ~~ينقادون لله تعالى على كل حال كرها لأنهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين ، ~~وفي غير ذلك مستسلمون له سبحانه كرها ، لأنه لا يمكنهم دفع قضائه وقدره ~~الثالث : أسلم المسلمون طوعا ، والكافرون عند موتهم كرها لقوله تعالى : { ~~فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } ( غافر : 85 ) الرابع : أن كل ~~الخلق منقادون لإلاهيته طوعا بدليل قوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلق * ~~السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) ومنقادون / لتكاليفه وإيجاده ~~للآلام كرها الخامس : أن انقياد الكل إنما حصل وقت أخذ الميثاق وهو قوله ~~تعالى : { وإذ أخذ ربك من بنىءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) السادس : قال الحسن : الطوع لأهل ~~السماوات خاصة ، وأما أهل الأرض فبعضهم بالطوع وبعضهم بالكره ، وأقول : إنه ~~سبحانه ذكر في تخليق السماوات والأرض هذا وهو قوله { فقال لها وللارض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) وفيه أسرار عجيبة ms2346 . # أما قوله { وإليه ترجعون } فالمراد أن من خالفه في العاجل فسيكون مرجعه ~~إليه ، والمراد إلى حيث لا يملك الضر والنفع سواه هذا وعيد عظيم لمن خالف ~~الدين الحق . # المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : الطوع الانقياد ، يقال : طاعه ~~يطوعه طوعا إذا انقاد له وخضع ، وإذا مضى لأمره فقد أطاعه ، وإذا وافقه فقد ~~طاوعه ، قال ابن السكيت : يقال طاع له وأطاع ، فانتصب طوعا وكرها على أنه ~~مصدر وقع موقع الحال ، وتقديره طائعا وكارها ، كقولك أتاني راكضا ، ولا ~~يجوز أن يقال : أتاني كلاما أي متكلما ، لأن الكلام ليس يضرب للإتيان والله ~~أعلم . # ! 7 < { قل ءامنا بالله ومآ أنزل علينا ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والا سباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 84 ) قل آمنا بالله . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أنه إنما أخذ الميثاق على ~~الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدق لما معهم بين في هذه الآية أن من ~~صفة محمد صلى الله عليه وسلم كونه مصدقا لما معهم فقال : { قل ءامنا بالله ~~} إلى آخر الآية وههنا مسائل : # المسألة الأولى : وحد الضمير في { قل } وجمع في { من } وفيه وجوه الأول : ~~إنه تعالى حين خاطبه ، إنما خاطبه بلفظ الوحدان ، وعلمه أنه حين يخاطب ~~القوم يخاطبهم بلفظ الجمع على وجه التعظيم PageV08P108 والتفخيم ، مثل ما ~~يتكلم الملوك والعظماء والثاني : أنه خاطبه أولا بخطاب الوجدان ليدل هذا ~~الكلام على أنه لا مبلغ لهذا التكليف من الله إلى الخلق إلا هو ، ثم قال : ~~{ من } تنبيها على أنه حين يقول هذا القول فإن أصحابه يوافقونه عليه الثالث ~~: إنه تعالى عينه في هذا التكليف بقوله / { قل } ليظهر به كونه مصدقا لما ~~معهم ثم قال { من } تنبيها على أن هذا التكليف ليس من خواصه بل هو لازم لكل ~~المؤمنين كما قال : { والمؤمنون كل ءامن بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق ~~بين أحد من رسله } ( البقرة : 285 ) . # المسألة الثانية : قدم الإيمان بالله ms2347 على الإيمان بالأنبياء ، لأن ~~الإيمان بالله أصل الإيمان بالنبوة ، وفي المرتبة الثانية ذكر الإيمان بما ~~أنزل عليه ، لأن كتب سائر الأنبياء حرفوها وبدلوها فلا سبيل إلى معرفة ~~أحوالها إلا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان ما أنزل على ~~محمد كالأصل لما أنزل على سائر الأنبياء فلهذا قدمه عليه ، وفي المرتبة ~~الثالثة ذكر بعض الأنبياء وهم الأنبياء الذين يعترف أهل الكتاب بوجودهم ، ~~ويختلفون في نبوتهم { والاسباط } هم أسباط يعقوب عليه السلام الذين ذكر ~~الله أممهم الاثنى عشر في سورة الأعراف ، وإنما أوجب الله تعالى الإقرار ~~بنبوة كل الأنبياء عليهم السلام لفوائد إحداها : إثبات كونه عليه السلام ~~مصدقا لجميع الأنبياء ، لأن هذا الشرط كان معتبرا في أخذ الميثاق وثانيها : ~~التنبيه على أن مذاهب أهل الكتاب متناقضة ، وذلك لأنهم إنما يصدقون النبي ~~الذي يصدقونه لمكان ظهور المعجزة عليه ، وهذا يقتضي أن كل من ظهرت المعجزة ~~عليه كان نبيا ، وعلى هذا يكون تخصيص البعض بالتصديق والبعض بالتكذيب ~~متناقضا ، بل الحق تصديق الكل والاعتراف بنبوة الكل وثالثها : إنه قال قبل ~~هذه الآية { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من فى * السماوات والارض } ( آل ~~عمران : 83 ) وهذا تنبيه على أن إصرارهم على تكذيب بعض الأنبياء إعراض عن ~~دين الله ومنازعة مع الله ، فههنا أظهر الإيمان بنبوة جميع الأنبياء ، ~~ليزول عنه وعن أمته ما وصف أهل الكتاب به من منازعة الله في الحكم والتكليف ~~ورابعها : أن في الآية الأولى ذكر أنه أخذ الميثاق على جميع النبيين ، أن ~~يؤمنوا بكل من أتى بعدهم من الرسل ، وههنا أخذ الميثاق على محمد صلى الله ~~عليه وسلم بأن يؤمن بكل من أتى قبله من الرسل ، ولم يأخذ عليه الميثاق لمن ~~يأتي بعده من الرسل ، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه على أنه لا نبي ~~بعده ألبتة ، فإن قيل : لم عدى { أنزل } في هذه الآية بحرف الاستعلاء ، ~~وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء ؟ قلنا : لوجود المعنيين جميعا ، لأن ~~الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل ، فجاء تارة ms2348 بأحد المعنيين وأخرى ~~بالآخر ، وقيل أيضا إنما قيل { علينا } في حق الرسول ، لأن الوحي ينزل عليه ~~وإلينا في حق الأمة لأن الوحي يأتيهم من الرسول على وجه الانتهاء وهذا تعسف ~~، ألا ترى إلى قوله { بما أنزل إليك } ( البقرة : 4 ) وأنزل إليك الكتاب ~~وإلى قوله { وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا } ( آل عمران : 72 ) . # المسألة الثانية : اختلف العلماء في أن الإيمان بهؤلاء الأنبياء الذين ~~تقدموا ونسخت شرائعهم كيف يكون ؟ وحقيقة الخلاف ، أن شرعه لما صار منسوخا ، ~~فهل تصير نبوته / منسوخة ؟ فمن قال إنها تصير منسوخة قال : نؤمن أنهم كانوا ~~أنبياء ورسلا ، ولا نؤمن بأنهم الآن أنبياء ورسل ، ومن قال إن نسخ الشريعة ~~لا يقتضي نسخ النبوة قال : نؤمن أنهم أنبياء ورسل في الحال فتنبه لهذا ~~الموضع . # المسألة الرابعة : قوله { لا نفرق بين أحد منهم } فيه وجوه الأول : قال ~~الأصم : التفرق قد يكون بتفضيل البعض على البعض ، وقد يكون لأجل القول ~~بأنهم ما كانوا على سبيل واحد في الطاعة لله والمراد PageV08P109 من هذا ~~الوجه يعني : نقر بأنهم كانوا بأسرهم على دين واحد في الدعوة إلى الله وفي ~~الانقياد لتكاليف الله الثاني : قال بعضهم المراد { لا نفرق بين أحد منهم } ~~بأن نؤمن ببعض دون بعض كما تفرقت اليهود والنصارى الثالث : قال أبو مسلم { ~~لا نفرق بين أحد منهم } أي لا نفرق ما أجمعوا عليه ، وهو كقوله { واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } ( آل عمران : 103 ) وذم قوما وصفهم بالتفرق ~~فقال : { لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون } ( الأنعام : 94 ) . # أما قوله { ونحن له مسلمون } ففيه وجوه الأول : إن إقرارنا بنبوة هؤلاء ~~الأنبياء إنما كان لأجل كوننا منقادين لله تعالى مستسلمين لحكمه وأمره ، ~~وفيه تنبيه على أن حاله على خلاف الذين خاطبهم الله بقوله { أفغير دين الله ~~يبغون وله أسلم من فى * السماوات والارض } والثاني : قال أبو مسلم { ونحن ~~له مسلمون } أي مستسلمون لأمر الله بالرضا وترك المخالفة وتلك صفة المؤمنين ~~بالله وهم أهل السلم والكافرون يوصفون بالمحاربة لله كما قال : { إنما جزاء ms2349 ~~الذين يحاربون الله ورسوله } ( المائدة : 33 ) الثالث : أن قوله { ونحن له ~~مسلمون } يفيد الحصر والتقدير : له أسلمنا لا لغرض آخر من سمعة ورياء وطلب ~~مال ، وهذا تنبيه على أن حالهم بالضد من ذلك فإنهم لا يفعلون ولا يقولون ~~إلا للسمعة والرياء وطلب الأموال والله أعلم . # ! 7 < { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الا خرة من ~~الخاسرين } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 85 ) ومن يبتغ غير . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة { ونحن له مسلمون } ( ~~آل عمران : 84 ) أتبعه بأن بين في هذه الآية أن الدين ليس إلا الإسلام ، ~~وأن كل دين سوى الإسلام فإنه غير مقبول عند الله ، لأن القبول للعمل هو أن ~~يرضى الله ذلك العمل ، ويرضى عن فاعله ويثيبه عليه ، ولذلك قال تعالى : { ~~إنما يتقبل الله من المتقين } ( المائدة : 27 ) ثم بين تعالى أن كل من له ~~دين سوى الإسلام فكما أنه لا يكون مقبولا عند الله ، فكذلك يكون من ~~الخاسرين ، والخسران في الآخرة يكون بحرمان الثواب ، وحصول العقاب ، / ~~ويدخل فيه ما يلحقه من التأسف والتحسر على ما فاته في الدنيا من العمل ~~الصالح وعلى ما تحمله من التعب والمشقة في الدنيا في تقريره ذلك الدين ~~الباطل واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان ~~الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون الإيمان مقبولا لقوله تعالى : { ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } إلا أن ظاهر قوله تعالى : { قالت ~~الاعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولاكن قولوا أسلمنا } ( الحجرات : 14 ) يقتضي ~~كون الإسلام مغايرا للإيمان ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على ~~العرف الشرعي ، والآية الثانية على الوضع اللغوي . # PageV08P110 ! 7 < { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن ~~الرسول حق وجآءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين * أولائك جزآؤهم أن ~~عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينظرون * إلا الذين تابوا من بعد ذالك وأصلحوا فإن الله غفور ms2350 ~~رحيم } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 86 - 89 ) كيف يهدي الله . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإسلام والإيمان بقوله { ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الاخرة من الخاسرين } ( آل عمران : 85 ) ~~أكد ذلك التعظيم بأن بين وعيد من ترك الإسلام ، فقال : { كيف يهدى الله ~~قوما كفروا بعد إيمانهم } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في سبب النزول أقوال الأول : قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : نزلت هذه الآية في عشرة رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم ~~أخذوا يتربصون به ريب المنون فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ، وكان فيهم ~~من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله { إلا الذين تابوا } الثاني : نقل أيضا ~~عن ابن عباس أنه قال : نزلت في يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا / ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه ، وكانوا يشهدون ~~له بالنبوة ، فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا بغيا وحسدا والثالث ~~: نزلت في الحرث بن سويد وهو رجل من الأنصار حين ندم على ردته فأرسل إلى ~~قومه أن اسألوا لي هل لي من توبة ؟ فأرسل إليه أخوه بالآية ، فأقبل إلى ~~المدينة وتاب على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل الرسول صلى الله عليه ~~وسلم توبته ، قال القفال رحمه الله : للناس في هذه الآية قولان : منهم من ~~قال إن قوله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا } وما بعده من قوله { كيف ~~يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم } إلى قوله { وأولئك هم الضالون } نزل ~~جميع ذلك في قصة واحدة ، ومنهم من جعل ابتداء القصة من قوله { إن الذين ~~كفروا وماتوا وهم كفار } ثم على التقديرين ففيها أيضا قولان أحدهما : أنها ~~في أهل الكتاب والثاني : أنها في قوم مرتدين عن الإسلام آمنوا ثم ارتدوا ~~على ما شرحناه . # المسألة الثانية : اختلف العقلاء في تفسير قوله { كيف يهدى الله قوما ~~كفروا بعد إيمانهم } أما المعتزلة فقالوا : إن أصولنا تشهد بأنه تعالى هدى ~~جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ، ووضع الدلائل وفعل الألطاف ms2351 ، إذ لو ~~يعم الكل بهذه الأشياء لصار الكافر والضال معذورا ، ثم إنه تعالى حكم بأنه ~~لم يهد هؤلاء الكفار ، فلا بد من تفسير هذه الهداية بشيء آخر سوى نصب ~~الدلائل ، ثم ذكروا فيه وجوها الأول : المراد من هذه الآية منع الألطاف ~~التي يؤتيها المؤمنين ثوابا لهم على إيمانهم كما قال تعالى : { والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ( العنكبوت : 69 ) وقال تعالى : { ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى } ( مريم : 76 ) وقال تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى ~~} ( محمد : 17 ) وقال : { يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } ( ~~المائدة : 16 ) # فدلت هذه الآيات على أن المهتدي قد يزيده الله هدى الثاني : أن المراد أن ~~الله تعالى لا يهديهم إلى الجنة PageV08P111 قال تعالى : { إن الذين كفروا ~~وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم } ( ~~النساء : 168 ، 169 ) وقال : { يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الانهار ~~} ( يونس : 9 ) والثالث : أنه لا يمكن أن يكون المراد من الهداية خلق ~~المعرفة فيه لأن على هذا التقدير يلزم أن يكون أيضا من الله تعالى لأنه ~~تعالى إذا خلق المعرفة كان مؤمنا مهتديا ، وإذا لم يخلقها كان كافرا ضالا ، ~~ولو كان الكفر من الله تعالى لم يصح أن يذمهم الله على الكفر ولم يصح أن ~~يضاف الكفر إليهم ، لكن الآية ناطقة بكونهم مذمومين بسبب الكفر وكونهم ~~فاعلين للكفر فإنه تعالى قال : { كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم } ~~فضاف الكفر إليهم وذمهم على ذلك الكفر فهذا جملة أقوالهم في هذه الآية ، ~~وأما أهل السنة فقالوا : المراد من الهداية خلق المعرفة ، قالوا : وقد جرت ~~سنة الله في دار التكليف أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإن الله تعالى ~~يخلقه عقيب قصد العبد ، فكأنه تعالى قال : كيف يخلق الله فيهم المعرفة وهم ~~قصدوا تحصيل الكفر أو أرادوه والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله { وأشهدوا } فيه قولان : # / الأول : أنه عطف والتقدير بعد أن آمنوا وبعد أن شهدوا أن الرسول حق ، ~~لأن عطف الفعل على الاسم لا يجوز فهو في ms2352 الظاهر وإن اقتضى عطف الفعل على ~~الاسم لكنه في المعنى عطف الفعل على الفعل الثاني : أن الواو للحال بإضمار ~~( قد ) والتقدير : كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم حال ما شهدوا أن ~~الرسول حق . # المسألة الرابعة : تقدير الآية : كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ، ~~وبعد الشهادة بأن الرسول حق ، وقد جاءتهم البينات ، فعطف الشهادة بأن ~~الرسول حق ، على الإيمان ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فيلزم أن الشهادة ~~بأن الرسول حق مغاير للإيمان وجوابه : إن مذهبنا أن الإيمان هو التصديق ~~بالقلب ، والشهادة هو الإقرار باللسان ، وهما متغايران فصارت هذه الآية من ~~هذا الوجه دالة على أن الإيمان مغاير للإقرار باللسان وأنه معنى قائم ~~بالقلب . # المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى استعظم كفر القوم من حيث أنه حصل بعد ~~خصال ثلاث أحدها : بعد الإيمان وثانيها : بعد شهادة كون الرسول حقا وثالثها ~~: بعد مجيء البينات ، وإذا كان الأمر كذلك كان ذلك الكفر صلاحا بعد البصيرة ~~وبعد إظهار الشهادة ، فيكون الكفر بعد هذه الأشياء أقبح لأن مثل هذا الكفر ~~يكون كالمعاندة والجحود ، وهذا يدل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل . # أما قوله تعالى : { والله لا يهدى القوم الظالمين } ففيه سؤالان : # السؤال الأول : قال في أول الآية { كيف يهدى الله قوما } وقال في آخرها { ~~والله لا يهدى القوم الظالمين } وهذا تكرار . # والجواب : أن قوله { كيف يهدى الله } مختص بالمرتدين ، ثم إنه تعالى عمم ~~ذلك الحكم في المرتد وفي الكافر الأصلي فقال : { والله لا يهدى القوم ~~الظالمين } . # السؤال الثاني : لم سمي الكافر ظالما ؟ . # الجواب : قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) والسبب فيه ~~أن الكافر أورد نفسه موارد PageV08P112 البلاء والعقاب بسبب ذلك الكفر ، ~~فكان ظالما لنفسه . # ثم قال تعالى : { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله والملئكة والناس ~~أجمعين * خالدين فيها } والمعنى أنه تعالى حكم بأن الذين كفروا بعد إيمانهم ~~يمنعهم الله تعالى من هدايته ، ثم بين أن الأمر غير مقصور عليه ، بل كما لا ~~يهديهم في الدنيا يلعنهم اللعن العظيم ويعذبهم في الآخرة / على ms2353 سبيل ~~التأبيد والخلود . # واعلم أن لعنة الله ، مخالفة للعنة الملائكة ، لأن لعنته بالإبعاد من ~~الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول ، وكذلك من ~~الناس ، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم / فصح أن يكون جزاء لذلك ~~وههنا سؤالان : # السؤال الأول : لم عم جميع الناس ومن يوافقه لا يلعنه ؟ . # قلنا : فيه وجوه الأول : قال أبو مسلم له أن يلعنه وإن كان لا يلعنه ~~الثاني : أنه في الآخرة يلعن بعضهم بعضا قال تعالى : { كلما دخلت أمة لعنت ~~أختها } ( الأعراف : 38 ) وقال : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا } ( العنكبوت : 25 ) وعلى هذا التقدير فقد حصل اللعن للكفار من ~~الكفار والثالث : كأن الناس هم المؤمنون ، والكفار ليسوا من الناس ، ثم لما ~~ذكر لعن الثلاث قال : { أجمعين } الرابع : وهو الأصح عندي أن جميع الخلق ~~يلعنون المبطل والكافر ، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا بكافر ، ~~فإذا لعن الكافر وكان هو في علم الله كافرا ، فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ~~ذلك . # السؤال الثاني : قوله { خالدين فيها } أي خالدين في اللعنة ، فما خلود ~~اللعنة ؟ . # قلنا : فيه وجهان الأول : أن التخليد في اللعنة على معنى أنهم يوم ~~القيامة لا يزال يلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء ~~من أحوالهم ، من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء الثاني : أن المراد بخلود اللعن ~~خلود أثر اللعن ، لأن اللعن يوجب العقاب ، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود ~~اللعن ، ونظيره قوله تعالى : { من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا * ~~خالدين فيه } ( طه : 100 ، 101 ) الثالث : قال ابن عباس قوله { خالدين فيها ~~} أي في جهنم فعلى هذا الكناية عن غير مذكور ، واعلم أن قوله { خالدين فيها ~~} نصب على الحال مما قبله ، وهو قوله تعالى : { عليهم لعنة الله } . # ثم قال : { لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } معنى الانظار التأخير ~~قال تعالى : { فنظرة إلى ميسرة } ( البقرة : 280 ) فالمعنى أنه لا يجعل ~~عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت وهذا تحقيق قول ms2354 المتكلمين : إن ~~العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة ، ~~نعوذ منه بالله . # ثم قال : { إلا الذين تابوا من بعد ذالك } والمعنى إلا الذين تابوا منه ، ~~ثم بين أن التوبة وحدها لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح فقال : { ~~وأصلحوا } أي أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات وظاهرهم مع الخلق بالعبادات ~~، وذلك بأن يلعنوا بأنا كنا على الباطل حتى أنه لو اغتر بطريقتهم الفاسدة ~~مغتر رجع عنها . # ثم قال : { فإن الله غفور رحيم } وفيه وجهان الأول : غفور لقبائحهم في ~~الدنيا بالستر ، رحيم في الآخرة بالعفو الثاني : غفور بإزالة العقاب ، رحيم ~~بإعطاء الثواب ، ونظيره قوله تعالى : { قل للذين كفروا إن PageV08P113 ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ( الأنفال : 38 ) ودخلت الفاء في قوله { فإن ~~الله غفور رحيم } لأنه الجزاء ، وتقدير الكلام : إن تابوا فإن الله يغفر ~~لهم . # ! 7 < { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ~~وأولائك هم الضآلون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 90 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > # / المسألة الأولى : اختلفوا فيما به يزداد الكفر ، والضابط أن المرتد ~~يكون فاعلا للزيادة بأن يقيم ويصر فيكون الإصرار كالزيادة ، وقد يكون فاعلا ~~للزيادة بأن يضم إلى ذلك الكفر كفرا آخر ، وعلى هذا التقدير الثاني ذكروا ~~فيه وجوها الأول : أن أهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد عليه الصلاة والسلام ~~قبل مبعثه ، ثم كفروا به عند المبعث ، ثم ازدادوا كفرا بسبب طعنهم فيه في ~~كل وقت ، ونقضهم ميثاقه ، وفتنتهم للمؤمنين ، وإنكارهم لكل معجزة تظهر ~~الثاني : أن اليهود كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام ، ثم كفروا بسبب ~~إنكارهم عيسى والإنجيل ، ثم ازدادوا كفرا ، بسبب إنكارهم محمدا عليه الصلاة ~~والسلام والقرآن والثالث : أن الآية نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة ، ~~وازديادهم الكفر أنهم قالوا : نقيم بمكة نتربص بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~ريب المنون الرابع : المراد فرقة ارتدوا ، ثم عزموا على الرجوع إلى الإسلام ~~على سبيل النفاق ، فسمى الله تعالى ذلك النفاق كفرا . # المسألة الثانية : أنه تعالى حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين ، ~~وحكم في ms2355 هذه الآية بعدم قبولها وهو يوهم التناقض ، وأيضا ثبت بالدليل أنه ~~متى وجدت التوبة بشروطها فإنها تكون مقبولة لا محالة ، فلهذا اختلف ~~المفسرون في تفسير قوله تعالى : { لن تقبل توبتهم } على وجوه ؛ # الأول : قال الحسن وقتادة وعطاء : السبب أنهم لا يتوبون إلا عند حضور ~~الموت والله تعالى يقول : { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت قال إنى تبت الان } ( النساء : 18 ) الثاني : أن يحمل هذا على ~~ما إذا تابوا باللسان ولم يحصل في قلوبهم إخلاص الثالث : قال القاضي ~~والقفال وابن الأنباري : أنه تعالى لما قدم ذكر من كفر بعد الإيمان ، وبين ~~أنه أهل اللعنة ، إلا أن يتوب ذكر في هذه الآية أنه لو كفر مرة أخرى بعد ~~تلك التوبة فإن التوبة الأولى تصير نير مقبولة وتصير كأنها لم تكن ، قال ~~وهذا الوجه أليق بالآية من سائر الوجوه لأن التقدير : إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ، فإن كانوا كذلك ثم ازدادوا كفرا لن تقبل ~~توبتهم ، الرابع : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله { لن تقبل توبتهم } جعل ~~كناية عن الموت على الكفر ، لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت ~~على الكفر ، كأنه قيل إن اليهود والمرتدين / الذين فعلوا ما فعلوا مائتون ~~على الكفر داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم الخامس : لعل المراد ما إذا ~~تابوا عن تلك الزيادة فقط فإن التوبة عن تلك الزيادة لا تصير مقبولة ما لم ~~تحصل التوبة عن الأصل ، PageV08P114 وأقول : جملة هذه الجوابات إنما تتمشى ~~على ما إذا حملنا قوله { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا } على ~~المعهود السابق لا على الاستغراق وإلا فكم من مرتد تاب عن ارتداده توبة ~~صحيحة مقرونة بالإخلاص في زمان التكليف ، فأما الجواب الذي حكيناه عن ~~القفال والقاضي فهو جواب مطرد سواء حملنا اللفظ على المعهود السابق أو على ~~الاستغراق . # أما قوله { وأولئك هم الضالون } ففيه سؤالان الأول : { وأولئك هم الضالون ~~} ينفي كون غيرهم ضالا ، وليس الأمر كذلك فإن كل كافر فهو ضال سواء ms2356 كفر بعد ~~الإيمان أو كان كافرا في الأصل والجواب : هذا محمول على أنهم هم الضالون ~~على سبيل الكمال . # السؤال الثاني : وصفهم أولا بالتمادي على الكفر والغلو فيه والكفر أقبح ~~أنواع الضلال والوصف إنما يراد للمبالغة ، والمبالغة إنما تحصل بوصف الشيء ~~بما هو أقوى حالا منه لا بما هو أضعف حالا منه والجواب : قد ذكرنا أن ~~المراد أنهم هم الضالون على سبيل الكمال ، وعلى هذا التقدير تحصل المبالغة ~~. # ! 7 < { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الا رض ~~ذهبا ولو افتدى به أولائك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 91 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام أحدها : الذي يتوب عن الكفر توبة ~~صحيحة مقبولة وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله { إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~* فإن الله غفور رحيم } ( آل عمران : 89 ) وثانيهما : الذي يتوب عن ذلك ~~الكفر توبة فاسدة وهو الذي ذكره الله في الآية المتقدمة وقال : إنه لن تقبل ~~توبته وثالثهما : الذي يموت على الكفر من غير توبة ألبتة وهو المذكور في ~~هذه الآية ، ثم إنه تعالى أخبر عن هؤلاء بثلاثة أنواع . # النوع الأول : قوله { فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا ولو افتدى به } ~~قال الواحدي ملء الشيء قدر ما يملؤه وانتصب { ذهبا } على التفسير ، ومعنى ~~التفسير : أن يكون الكلام تاما إلا أن يكون مبهما كقوله : عندي عشرون ، ~~فالعدد معلوم ، والمعدود مبهم ، فإذا قلت : درهما فسرت / العدد ، وكذلك إذا ~~قلت : هو أحسن الناس فقد أخبرت عن حسنه ، ولم تبين في ماذا ، فإذا قلت وجها ~~أو فعلا فقد بينته ونصبته على التفسير وإنما نصبته لأنه ليس له ما يخفضه ~~ولا ما يرفعه فلما خلا من هذين نصب لأن النصب أخف الحركات فيجعل كأنه لا ~~عامل فيه قال صاحب ( الكشاف ) وقرأ الأعمش { ذهب } بالرفع ردا على ملء كما ~~يقال : عندي عشرون نفسا رجال . # وههنا ثلاثة أسئلة : # السؤال الأول : لم قيل في الآية المتقدمة { لن تقبل } بغير فاء وفي هذه ms2357 ~~الآية { فلن يقبل } بالفاء ؟ . PageV08P115 # الجواب : أن دخول الفاء يدل على أن الكلام مبني على الشرط والجزاء ، وعند ~~عدم الفاء لم يفهم من الكلام كونه شرطا وجزاء ، تقول : الذي جاءني له درهم ~~، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء ، وإذا قلت : الذي جاءني فله ~~درهم ، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء فذكر الفاء في هذه الآية ~~يدل على أن عدم قبول الفدية معلل بالموت على الكفر . # السؤال الثاني : ما فائدة الواو في قوله { ولو افتدى به } ؟ . # الجواب : ذكروا فيه وجوها الأول : قال الزجاج : إنها للعطف ، والتقدير : ~~لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهبا لم ينفعه ذلك مع كفره ، ولو افتدى من ~~العذاب بملء الأرض ذهبا لم قبل منه ، وهذا اختيار ابن الأنباري قال : وهذا ~~أوكد في التغليظ ، لأنه تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه الثاني : { * ~~الواو } دخلت لبيان التفصيل بعد الإجمال وذلك لأن قوله { كفار فلن يقبل من ~~أحدهم ملء الارض ذهبا } يحتمل الوجوه الكثيرة ، فنص على نفي القبول بجهة ~~الفدية الثالث : وهو وجه خطر ببالي ، وهو أن من غضب على بعض عبيده ، فإذا ~~أتحفه ذلك العبد بتحفة وهدية لم يقبلها ألبتة إلا أنه قد يقبل منه الفدية ، ~~فأما إذا لم يقبل منه الفدية أيضا كان ذلك غاية الغضب ، والمبالغة إنما ~~تحصل بتلك المرتبة التي هي الغاية ، فحكم تعالى بأنه لا يقبل منهم ملء ~~الأرض ذهبا ولو كان واقعا على سبيل الفداء تنبيها على أنه لما لم يكن ~~مقبولا بهذا الطريق ، فبأن لا يكون مقبولا منه بسائر الطرق أولى . # السؤال الثالث : أن من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة نقيرا ولا ~~قطميرا ومعلوم أن بتقدير أن يملك الذهب فلا ينفع الذهب ألبتة في الدار ~~الآخرة ، فما فائدة قوله { لن * يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا } . # الجواب : فيه وجهان أحدهما : أنهم إذا ماتوا على الكفر فلو أنهم كانوا قد ~~أنفقوا في الدنيا ملء الأرض ذهبا لن يقبل الله تعالى ذلك منهم / لأن الطاعة ~~مع الكفر لا ms2358 تكون مقبولة والثاني : أن الكلام وقع على سبيل الفرض ، ~~والتقدير : فالذهب كناية عن أعز الأشياء ، والتقدير : لو أن / الكافر يوم ~~القيامة قدر على أعز الأشياء ثم قدر على بذله في غاية الكثرة لعجز أن يتوسل ~~بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب الله ، وبالجملة فالمقصود أنهم آيسون من تخليص ~~النفس من العقاب . # النوع الثاني : من الوعيد المذكور في هذه الآية قوله { ولهم عذاب أليم } ~~واعلم أنه تعالى لما بين أن الكافر لا يمكنه تخليص النفس من العذاب ، أردفه ~~بصفة ذلك العذاب ، فقال : { ولهم عذاب أليم } أي مؤلم . # النوع الثالث : من الوعيد قوله { وما لهم من ناصرين } والمعنى أنه تعالى ~~لما بين أنه لا خلاص لهم عن هذا العذاب الأليم بسبب الفدية ، بين أيضا أنه ~~لا خلاص لهم عنه بسبب النصرة والإعانة والشفاعة ، ولأصحابنا أن يحتجوا بهذه ~~الآية على إثبات الشفاعة وذلك لأنه تعالى ختم تعديد وعيد الكفار بعدم ~~النصرة والشفاعة فلو حصل هذا المعنى في حق غير الكافر بطل تخصيص هذا الوعيد ~~بالكفر ، والله أعلم . # PageV08P116 ! 7 < { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من ~~شىء فإن الله به عليم } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 92 ) لن تنالوا البر . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة علم ~~المؤمنين كيفية الإنفاق الذي ينتفعون به في الآخرة ، فقال : { لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون } وبين في هذه الآية أن من أنفق مما أحب كان من ~~جملة الأبرار ، ثم قال في آية أخرى { إن الابرار لفى نعيم } ( المطففين : ~~22 ) وقال أيضا : { إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا } ( ~~الإنسان : 5 ) وقال أيضا : { إن الابرار لفى نعيم * على الارائك ينظرون * ~~تعرف فى وجوههم نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفى ذلك ~~فليتنافس المتنافسون } ( المطففين : 22 ، 26 ) وقال : { ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب } ( البقرة : 177 ) فالله تعالى لما فصل في سائر ~~الآيات كيفية ثواب الأبرار اكتفى ههنا بأن ذكر أن من أنفق ما أحب نال البر ms2359 ~~، وفيه لطيفة أخرى . # وهي أنه تعالى قال : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ~~ولاكن البر من ءامن بالله واليوم الاخر والملئكة } إلى آخر الآية ، فذكر في ~~هذه الآية أكثر أعمال الخير ، وسماه البر ثم قال في هذه الآية { لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون } والمعنى أنكم وإن أتيتم بكل تلك الخيرات ~~المذكورة في تلك الآية فإنكم لا تفوزون بفضيلة البر حتى تنفقوا مما تحبون ، ~~وهذا يدل على أن الإنسان إذا أنفق ما يحبه كان ذلك أفضل الطاعات ، وههنا ~~بحث وهو : أن لقائل أن يقول كلمة { حتى } لانتهاء الغاية فقوله { لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون } يقتضي أن من أنفق مما أحب فقد نال البر ومن ~~نال البر دخل تحت الآيات الدالة على عظم الثواب للأبرار ، فهذا يقتضي أن من ~~/ أنفق ما أحب وصل إلى الثواب العظيم وإن لم يأت بسائر الطاعات ، وهو باطل ~~، وجواب هذا الإشكال : أن الإنسان لا يمكنه أن ينفق محبوبه إلا إذا توسل ~~بإنفاق ذلك المحبوب إلى وجدان محبوب أشرف من الأول ، فعلى هذا الإنسان لا ~~يمكنه أن ينفق الدنيا في الدنيا إلا إذا تيقن سعادة الآخرة ، ولا يمكنه أن ~~يعترف بسعادة الآخرة إلا إذا أقر بوجود الصانع العالم القادر ، وأقر بأنه ~~يجب عليه الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه ، فإذا تأملت علمت أن الإنسان ~~لا يمكنه إنفاق الدنيا في الدنيا إلا إذا كان مستجمعا لجميع الخصال ~~المحمودة في الدنيا ، ولنرجع إلى التفسير فنقول في الآية مسائل : # المسألة الأولى : كان السلف إذا أحبوا شيئا جعلوه لله ، روي أنه لما نزلت ~~هذه الآية قال أبو طلحة : يا رسول الله لي حائط بالمدينة وهو أحب أموالي ~~إلي أفأتصدق به ؟ فقال عليه السلام : ( بخ بخ ذاك مال رابح ، وإني أرى أن ~~تجعلها في الأقربين ) فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها في ~~أقاربه ، ويروى أنه جعلها بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب رضي الله عنهما ، ~~وروي أن زيد بن حارثة رضي الله عنه جاء عند نزول ms2360 هذه الآية بفرس له كان ~~يحبه وجعله في سبيل الله ، فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة ~~، فوجد زيد في نفسه فقال عليه السلام : ( إن الله قد قبلها ) واشترى ابن ~~عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له : لم أعتقتها ولم تصب منها ؟ فقال : { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } . # المسألة الثانية : للمفسرين في تفسير البر قولان أحدهما : ما به يصيرون ~~أبرارا حتى يدخلوا في قوله PageV08P117 { إن الابرار لفى نعيم } فيكون ~~المراد بالبر ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة والثاني : الثواب والجنة ~~فكأنه قال : لن تنالوا هذه المنزلة إلا بالانفاق على هذا الوجه . # أما القائلون بالقول الأول ، فمنهم من قال : { البر } هو التقوى واحتج ~~بقوله { ولاكن البر من ءامن بالله } إلى قوله { أولئك الذين صدقوا وأولئك ~~هم المتقون } ( البقرة : 177 ) وقال أبو ذر : إن البر هو الخير ، وهو قريب ~~مما تقدم . # وأما الذين قالوا : البر هو الجنة فمنهم من قال : { لن تنالوا البر } أي ~~لن تنالوا ثواب البر ، ومنهم من قال : المراد بر الله أولياءه وإكرامه ~~إياهم وتفضله عليهم ، وهو من قول الناس : برني فلان بكذا ، وبر فلان لا ~~ينقطع عني ، وقال تعالى : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ~~} إلى قول : { أن تبروهم } ( الممتحنة : 8 ) . # المسألة الثالثة : اختلف المفسرون في قوله { مما تحبون } منهم من قال : ~~إنه نفس المال ، قال تعالى : { وإنه لحب الخير لشديد } ( العاديات : 8 ) ~~ومنهم من قال : أن تكون الهبة رفيعة جيدة ، قال تعالى : { ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون } ( البقرة : 267 ) ومنهم من قال : ما يكون محتاجا إليه ~~قال تعالى : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا } ( الإنسان : 8 ) أحد تفاسير ~~الحب في هذه الآية على حاجتهم إليه ، وقال : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة } ( الحشر : 9 ) وقال عليه السلام : ( أفضل الصدقة ما تصدقت به ~~وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ) والأولى أن يقال : كل ذلك معتبر ~~في باب الفضل وكثرة الثواب . # المسألة الرابعة : اختلف المفسرون في أن هذا الانفاق ، هل هو الزكاة ms2361 أو ~~غيرها ؟ قال ابن عباس : أراد به الزكاة ، يعني حتى تخرجوا زكاة أموالكم ، ~~وقال الحسن : كل شيء أنفقه المسلم من ماله طلب به وجه الله فإنه من الذين ~~عنى الله سبحانه بقوله { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } حتى التمرة ~~، والقاضي اختار القول الأول ، واحتج عليه بأن هذا الانفاق ، وقف الله عليه ~~كون المكلف من الأبرار ، والفوز بالجنة ، بحيث لو لم يوجد هذا الانفاق ، لم ~~يصر العبد بهذه المنزلة ، وما ذاك إلا الانفاق الواجب ، وأقول : لو خصصنا ~~الآية بغير الزكاة لكان أولى لأن الآية مخصوصة بإيتاء الأحب ، والزكاة ~~الواجبة ليس فيها إيتاء الأحب ، فإنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف ~~أمواله وأكرمها ، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء المال على سبيل ~~الندب . # المسألة الخامسة : نقل الواحدي عن مجاهد والكلبي : أن هذه الآية منسوخة ~~بآية الزكاة ، وهذا في غاية البعد لأن إيجاب الزكاة كيف ينافي الترغيب في ~~بذل المحبوب لوجه الله سبحانه وتعالى . # المسألة السادسة : قال بعضهم كلمة { من } في قوله { مما تحبون } للتبعيض ~~، وقرأ عبد الله { حتى تنفقوا * بعض ما * تحبون } وفيه إشارة إلى أن إنفاق ~~الكل لا يجوز ثم قال : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ~~ذلك قواما } ( الفرقان : 67 ) وقال آخرون : إنها للتبيين . PageV08P118 # وأما قوله : ! 7 < { وما ينفقوا من شيء فإن الله به عليم } > 7 ! ففيه ~~سؤال : # وهو أن يقال : قيل فإن الله به عليم على جهة جواب الشرط مع أن الله تعالى ~~يعلمه على كل حال . # والجواب : من وجهين الأول : أن فيه معنى الجزاء تقديره : وما تنفقوا من ~~شيء فإن الله به يجازيكم قل أم كثر ، لأنه عليم به لا يخفى عليه شيء منه ، ~~فجعل كونه عالما بذلك الإنفاق كناية عن إعطاء الثواب ، والتعريض في مثل هذا ~~الموضع يكون أبلغ من التصريح والثاني : أنه تعالى يعلم الوجه الذي لأجله ~~يفعلونه ويعلم أن الداعي إليه أهو الإخلاص أم الرياء ويعلم أنكم تنفقون ~~الأحب الأجود ، أم الأخس الأرذل . # واعلم أن نظير هذه الآية ms2362 قوله { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } وقوله { ~~وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه } ( البقرة : 270 ) قال ~~صاحب ( الكشاف ) { من } في قوله { من شىء } لتبيين ما ينفقونه أي من شيء ~~كان طيبا تحبونه أو خبيثا تكرهونه فإن الله به عليم يجازيكم على قدره . # ! 7 < { كل الطعام كان حلا لبنىإسراءيل إلا ما حرم إسراءيل على نفسه من ~~قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين * فمن افترى ~~على الله الكذب من بعد ذلك فأولائك هم الظالمون * قل صدق الله فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 93 - 95 ) كل الطعام كان . . . . . # > > # اعلم أن الآيات المتقدمة إلى هذه الآية كانت في تقرير الدلائل الدالة على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي توجيه الإلزامات الواردة على أهل ~~الكتاب في هذا الباب . # وأما هذه الآية فهي في بيان الجواب عن شبهات القوم فإن ظاهر الآية يدل ~~على أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعي أن كل الطعام كان حلا ثم صار البعض ~~حراما بعد أن كان حلا والقوم نازعوه في ذلك وزعموا أن الذي هو الآن حرام ~~كان حراما أبدا . # وإذا عرفت هذا فنقول : الآية تحتمل وجوها الأول : أن اليهود كانوا يعولون ~~في إنكار شرع محمد صلى الله عليه وسلم PageV08P119 على إنكار النسخ ، فأبطل ~~الله عليهم ذلك بأن { كل الطعام كان حلا لبنى إسراءيل إلا ما حرم إسراءيل ~~على نفسه } فذاك الذي حرمه على نفسه ، كان حلالا ثم صار حراما عليه وعلى ~~أولاده فقد حصل النسخ ، فبطل قولكم : النسخ غير جائز ، ثم إن اليهود لما ~~توجه عليهم هذا السؤال أنكروا أن يكون حرمة ذلك الطعام الذي حرم الله بسبب ~~أن إسرائيل حرمه على نفسه ، بل زعموا أن ذلك كان حراما من لدن زمان آدم ~~عليه السلام إلى هذا الزمان ، فعند هذا طلب الرسول عليه السلام منهم أن ~~يحضروا التوراة فإن التوراة ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب أن ~~إسرائيل ms2363 حرمه على نفسه ، فخافوا من الفضيحة وامتنعوا من إحضار التوراة ، ~~فحصل عند ذلك أمور كثيرة تقوي دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أحدها : ~~أن هذا السؤال قد توجه عليهم في إنكار النسخ ، وهو لازم لا محيص عنه ~~وثانيها : أنه ظهر للناس كذبهم وأنهم ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها تارة ~~، ويمتنعون عن الإقرار بما هو فيها أخرى / وثالثها : أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم كان رجلا أميا لا يقرأ ولا يكتب فامتنع أن يعرف هذه المسألة ~~الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر السماء فهذا وجه حسن علمي في تفسير الآية ~~وبيان النظم . # الوجه الثاني : أن اليهود قالوا له : إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم ، فلو ~~كان الأمر كذلك فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراما في دين ~~إبراهيم فجعلوا هذا الكلام شبهة طاعنة في صحة دعواه ، فأجاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن هذه الشبهة بأن قال : ذلك كان حلا لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب عليهم السلام ، إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب وبقيت ~~تلك الحرمة في أولاده فأنكر اليهود ذلك ، فأمرهم الرسول عليه السلام بإحضار ~~التوراة وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل وألبانها ~~كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام فعجزوا عن ذلك وافتضحوا فظهر عند هذا ~~أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليه السلام . # الوجه الثالث : أنه تعالى لما أنزل قوله { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ~~ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا ~~} ( الأنعام : 146 ) وقال أيضا : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم } ( النساء : 160 ) فدلت هذه الآية على أنه تعالى إنما حرم على ~~اليهود هذه الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم وقبيح فعلهم وإنه لم يكن شيء ~~من الطعام حراما غير الطعام الواحد الذي حرمه إسرائيل على نفسه ، فشق ذلك ~~على اليهود من وجهين أحدهما : أن ذلك يدل على أن تلك الأشياء حرمت بعد ms2364 أن ~~كانت مباحة ، وذلك يقتضي وقوع النسخ وهم ينكرونه والثاني : أن ذلك يدل على ~~أنهم كانوا موصوفين بقبائح الأفعال ، فلما حق عليهم ذلك من هذين الوجهين ~~أنكروا كون حرمة هذه الأشياء متجددة ، بل زعموا أنها كانت محرمة أبدا ، ~~فطالبهم النبي صلى الله عليه وسلم بآية من التوراة تدل على صحة قولهم ~~فعجزوا عنه فافتضحوا ، فهذا وجه الكلام في تفسير هذه الآية وكله حسن مستقيم ~~، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ . # أما قوله { كل الطعام كان حلا لبنى إسراءيل } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) { كل الطعام } أي كل المطعومات أو ~~كل أنواع الطعام وأقول : اختلف الناس في أن اللفظ المفرد المحلى بالألف ~~واللام هل يفيد العموم أم لا ؟ . PageV08P120 # ذهب قوم من الفقهاء والأدباء إلى أنه يفيده ، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : ~~أنه تعالى أدخل لفظ { كل } على لفظ الطعام في هذه الآية ، ولولا أن لفظ ~~الطعام قائم مقام لفظ المطعومات وإلا لما جاز ذلك وثانيها : أنه استثنى عنه ~~ما حرم إسرائيل على نفسه والاستثناء يخرج من الكلام / ما لولاه لدخل ، ~~فلولا دخول كل الأقسام تحت لفظ الطعام وإلا لم يصح هذا الاستثناء وأكدوا ~~هذا بقوله تعالى : { إن الإنسان * لفى * خسر * إلا الذين ءامنوا } ( العصر ~~: 2 ، 3 ) وثالثها : أنه تعالى وصف هذا اللفظ المفرد بما يوصف به لفظ الجمع ~~، فقال : { والنخل باسقات لها طلع نضيد * رزقا للعباد } ( ق : 10 ، 11 ) ~~فعلى هذا من ذهب إلى هذا المذهب لا يحتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب ( ~~الكشاف ) ، أما من قال إن الاسم المفرد المحلى بالألف واللام لا يفيد ~~العموم ، وهو الذي نظرناه في أصول الفقه احتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب ~~( الكشاف ) . # المسألة الثانية : الطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل ، وزعم بعض أصحاب أبي ~~حنيفة رحمة الله عليه إنه اسم للبر خاصة ، وهذه الآية دالة على ضعف هذا ~~الوجه ، لأنه استثنى من لفظ الطعام ما حرم إسرائيل على نفسه ، والمفسرون ~~اتفقوا على أن ذلك الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان شيئا سوى الحنطة ، وسوى ~~ما ms2365 يتخذ منها ومما يؤكد ذلك قوله تعالى في صفة الماء { ومن لم يطعمه فإنه ~~منى } ( البقرة : 249 ) وقال تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم } ( المائدة : 5 ) وأراد الذبائح ، وقالت عائشة رضي الله ~~عنها : ما لنا طعام إلا الأسودان ، والمراد التمر والماء . # إذا عرفت هذا فنقول : ظاهر هذه الآية يدل على أن جميع المطعومات كان حلا ~~لبني إسرائيل ثم قال القفال : لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها ~~طعام ، وكذا القول في الخنزير ، ثم قال فيحتمل أن يكون ذلك على الأطعمة ~~التي كان يدعي اليهود في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم أنها كان محرمة على ~~إبراهيم ، وعلى هذا التقدير لا تكون الألف واللام في لفظ الطعام للاستغراق ~~، بل للعهد السابق ، وعلى هذا التقدير يزول الإشكال ومثله قوله تعالى : { ~~قل لا أجد فى ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو } ( الأنعام : 145 ) فإنه إنما خرج هذا الكلام على أشياء سألوا ~~عنها فعرفوا أن المحرم منها كذا وكذا دون غيره فكذا في هذه الآية . # المسألة الثالثة : الحل مصدر يقال : حل الشيء حلا كقولك : ذلت الدابة ذلا ~~وعز الرجل عزا ، ولذلك استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع ~~قال تعالى : { لا هن حل لهم } ( الممتحنة : 10 ) والوصف بالمصدر يفيد ~~المبالغة فههنا الحل والمحلل واحد ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في زمزم ~~هي حل وبل رواه سفيان بن عيينة فسئل سفيان : ما حل ؟ فقال محلل . # أما قوله تعالى : { إلا ما حرم إسراءيل على نفسه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في الشيء الذي حرمه إسرائيل على نفسه على وجوه ~~الأول : روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن يعقوب مرض ~~مرضا شديدا فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب عليه ، وكان أحب ~~الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها ) وهذا قول أبي العالية ~~وعطاء ومقاتل والثاني : قيل إنه كان به عرق النسا ، فنذر إن ms2366 شفاه / الله أن ~~لا يأكل شيئا من العروق الثالث : جاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على ~~نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر ، ونقل القفال رحمه الله عن ~~ترجمة التوراة ، أن PageV08P121 يعقوب لما خرج من حران إلى كنعان بعث بردا ~~إلى عيصو أخيه إلى أرض ساعير ، فانصرف الرسول إليه ، وقال : إن عيصو هو ذا ~~يتلقاك ومعه أربعمائة رجل ، فذعر يعقوب وحزن جدا وصلى ودعا وقدم هدايا ~~لأخيه وذكر القصة إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل ، فدنا ذلك الرجل ~~ووضع أصبعه على موضع عرق النسا ، فخدرت تلك العصبة وجفت فمن أجل هذا لا ~~يأكل بنو إسرائيل العروق . # المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن إسرائيل حرم ذلك على نفسه ، ~~وفيه سؤال : وهو أن التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب الله تعالى ، فكيف ~~صار تحريم يعقوب عليه السلام سببا لحصوله الحرمة . # أجاب المفسرون عنه من وجوه الأول : أنه لا يبعد أن الإنسان إذا حرم شيئا ~~على نفسه فإن الله يحرمه عليه ألا ترى أن الإنسان يحرم امرأته على نفسه ~~بالطلاق ، ويحرم جاريته بالعتق ، فكذلك جائز أن يقول تعالى إن حرمت شيئا ~~على نفسك فأنا أيضا أحرمه عليك الثاني : أنه عليه الصلاة والسلام ربما ~~اجتهد فأدى اجتهاده إلى التحريم ، فقال بحرمته وإنما قلنا : إن الاجتهاد ~~جائز من الأنبياء لوجوه الأول : قوله تعالى : { فاعتبروا ياأولى * أولى * ~~الابصار } ( الحشر : 2 ) ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رؤساء ~~أولي الأبصار والثاني : قال : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ( النساء : ~~83 ) مدح المستنبطين والأنبياء أولى بهذا المدح والثالث : قال تعالى لمحمد ~~عليه الصلاة والسلام { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) فلو كان ~~ذلك الإذن بالنص ، لم يقل : لم أذنت ، فدل على أنه كان بالاجتهاد الرابع : ~~أنه لا طاعة إلا وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها أعظم نصيب ولا شك أن ~~استنباط أحكام الله تعالى بطريق الاجتهاد طاعة عظيمة شاقة ، فوجب أن يكون ~~للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها نصيب لا سيما ومعارفهم أكثر وعقولهم ms2367 ~~أنور وأذهانهم أصفى وتوفيق الله وتسديده معهم أكثر ، ثم إذا حكموا بحكم ~~بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا ~~انعقد على الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته والأظهر الأقوى أن إسرائيل صلوات ~~الله عليه إنما حرم ذلك على نفسه بسبب الاجتهاد إذ لو كان ذلك بالنص لقال ~~إلا ما حرم الله على إسرائيل فلما أضاف التحريم إلى إسرائيل دل هذا على أن ~~ذلك كان بالاجتهاد وهو كما يقال : الشافعي يحل لهم الخيل وأبو حنيفة يحرمه ~~بمعنى أن اجتهاده أدى إليه فكذا ههنا . # الثالث : يحتمل أن التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا / فكما يجب علينا ~~الوفاء بالنذر كان يجب في شرعه الوفاء بالتحريم . # واعلم أن هذا لو كان فإنه كان مختصا بشرعه أما في شرعنا فهو غير ثابت قال ~~تعالى : { علما ياأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } ( التحريم : 1 ) ~~الرابع : قال الأصم : لعل نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع فامتنع من ~~أكلها قهرا للنفس وطلبا لمرضاة الله تعالى ، كما يفعله كثير من الزهاد فعبر ~~من ذلك الامتناع بالتحريم الخامس : قال قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله ~~تعالى أن يقول لعبده : احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب فلعل هذه الواقعة ~~كانت من هذا الباب ، وللمتكلمين في هذه المسألة منازعات كثيرة ذكرناها في ~~أصول الفقه . # المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية يدل على أن الذي حرمه إسرائيل على نفسه ~~فقد حرمه الله على بني إسرائيل ، وذلك لأنه تعالى قال : { كل الطعام كان ~~حلا لبنى إسراءيل } فحكم بحل كل أنواع المطعومات لبني PageV08P122 إسرائيل ~~، ثم استثنى عنه ما حرمه إسرائيل على نفسه ، فوجب بحكم الاستثناء أن يكون ~~ذلك حراما على بني إسرائيل والله أعلم . # أما قوله تعالى : { من قبل أن تنزل التوراة } فالمعنى أن قبل نزول ~~التوراة كان حلا لبني إسرائيل كل أنواع المطعومات سوى ما حرمه إسرائيل على ~~نفسه ، أما بعد التوراة فلم يبق كذلك بل حرم الله تعالى عليهم أنواعا كثيرة ~~، روي أن بني إسرائيل كانوا ms2368 إذا أتوا بذنب عظيم حرم الله عليهم نوعا من ~~أنواع الطعام ، أو سلط عليهم شيئا لهلاك أو مضرة ، دليله قوله تعالى : { ~~فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ( النساء : 160 ) . # ثم قال تعالى : { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } وهذا يدل ~~على أن القوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إما لأنهم ادعوا أن ~~تحريم هذه الأشياء كان موجودا من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان ، ~~فكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وإما لأن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ادعى كون هذه المطعومات مباحة في الزمان القديم ، وأنها إنما ~~حرمت بسبب أن إسرائيل حرمها على نفسه ، فنازعوه في ذلك ، فطلب الرسول عليه ~~السلام إحضار التوراة ليستخرج منها المسلمون من علماء أهل الكتاب آية ~~موافقة لقول الرسول ، وعلى كلا الوجهين ، فالتفسير ظاهر ، ولمنكري القياس ~~أن يحتجوا بهذه الآية ، وذلك لأن الرسول عليه السلام طالبهم فيما ادعوه ~~بكتاب الله ، ولو كان القياس حجة لكان لهم أن يقولوا : لا يلزم من عدم هذا ~~الحكم في التوراة عدمه ، لأنا نثبته بالقياس ، ويمكن أن يجاب عنه بأن ~~النزاع ما وقع في حكم شرعي ، وإنما وقع في أن هذا الحكم ، هل كان موجودا في ~~زمان إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السلام أم لا ؟ ومثل هذا لا يمكن إثباته ~~إلا بالنص ، فلهذا المعنى طالبهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، بنص ~~التوراة . # ثم قال تعالى : { فمن افترى على الله الكذب } الافتراء اختلاق الكذب ، ~~والفرية الكذب والقذف ، وأصله من فرى الأديم ، وهو قطعه ، فقيل للكذب ~~افتراء ، لأن الكاذب يقطع به في / القول من غير تحقيق في الوجود . # ثم قال : { من بعد ذالك } أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من ~~جهة يعقوب ، ولم يكن محرما قبله { فأولئك هم الظالمون } المستحقون لعذاب ~~الله لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن أضلوه عن الدين . # ثم قال تعالى : { قل صدق الله } ويحتمل وجوها أحدها : { قل صدق } في أن ~~ذلك النوع من الطعام صار حراما ms2369 على إسرائيل وأولاده بعد أن كان حلالا لهم / ~~فصح القول بالنسخ ، وبطلت شبهة اليهود وثانيها : { صدق الله } في قوله إن ~~لحوم الإبل وألبانها كانت محللة لإبراهيم عليه السلام وإنما حرمت على بني ~~إسرائيل لأن إسرائيل حرمها على نفسه ، فثبت أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لما أفتى بحل لحوم الإبل وألبانها ، فقد أفتى بملة إبراهيم وثالثها : { صدق ~~الله } في أن سائر الأطعمة كانت محللة لبني إسرائيل وأنها إنما حرمت على ~~اليهود جزاء على قبائح أفعالهم . # ثم قال تعالى : { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا } أي اتبعوا ما يدعوكم إليه ~~محمد صلوات الله عليه من ملة إبراهيم ، وسواء قال : ملة إبراهيم حنيفا ، أو ~~قال : ملة إبراهيم الحنيف لأن الحال والصفة سواء في المعنى . PageV08P123 # ثم قال : { وما كان من المشركين } أي لم يدع مع الله إلاها آخر ، ولا عبد ~~سواه ، كما فعله بعضهم من عبادة الشمس والقمر ، أو كما فعله العرب من عبادة ~~الأوثان ، أو كما فعله اليهود من ادعاء أن عزير ابن الله ، وكما فعله ~~النصارى من ادعاء أن المسيح ابن الله ، والغرض منه بيان أن محمدا صلوات ~~الله عليه على دين إبراهيم عليه السلام ، في الفروع والأصول . # أما في الفروع ، فلما ثبت أن الحكم بحله كان إبراهيم قد حكم بحله أيضا ، ~~وأما في الأصول فلأن محمدا صلوات الله وسلامه عليه لا يدعو إلا إلى التوحيد ~~، والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى وما كان إبراهيم صلوات الله عليه ~~وسلامه إلا على هذا الدين . # ! 7 < { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه ~~ءايات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان ءامنا ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 96 - 97 ) إن أول بيت . . . . . # > > # قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين * ~~فيه ءايات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان ءامنا } في اتصال هذه الآية بما ~~قبلها وجوه الأول : أن المراد منه الجواب عن شبهة ms2370 أخرى من شبه اليهود في ~~إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه عليه السلام لما حول ~~القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته ، وقالوا إن بيت المقدس أفضل من ~~الكعبة وأحق / بالاستقبال ، وذلك لأنه وضع قبل الكعبة ، وهو أرض المحشر ، ~~وقبلة جملة الأنبياء ، وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة منه إلى الكعبة ~~باطلا ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله { إن أول بيت وضع للناس } فبين تعالى ~~أن الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف ، فكان جعلها قبلة أولى والثاني : أن ~~المقصود من الآية المتقدمة بيان أن النسخ هل يجوز أم لا ؟ فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم استدل على جوازه بأن الأطعمة كانت مباحة لبني إسرائيل ، ثم ~~إن الله تعالى حرم بعضها ، والقوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ~~، وأعظم الأمور التي أظهر رسول الله نسخها هو القبلة ، لا جرم ذكر تعالى في ~~هذه الآية بيان ما لأجله حولت الكعبة ، وهو كون الكعبة أفضل من غيرها ~~الثالث : أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة { فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين } ( آل عمران : 95 ) وكان من أعظم شعار ملة إبراهيم ~~الحج ، ذكر في هذه الآية فضيلة البيت ، ليفرع عليه إيجاب الحج الرابع : أن ~~اليهود والنصارى زعم كل فرقة منهم أنه على ملة إبراهيم ، وقد سبقت هذه ~~المناظرة في الآيات المتقدمة ، فإن الله تعالى بين كذبهم ، من حيث أن حج ~~الكعبة كان ملة إبراهيم واليهود والنصارى لا يحجون ، فيدل هذا على كذبهم في ~~ذلك ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال المحققون الأول : هو الفرد السابق ، فإذا قال : أول ~~عبد اشتريه فهو حر فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق أحد منها لأن ~~الأول هو الفرد ، ثم لو اشترى في المرة الثانية عبدا واحدا لم يعتق ، لأن ~~شرط الأول كونه سابقا فثبت أن الأول هو الفرد السابق . # إذا عرفت هذا فنقول : إن قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس } لا يدل ~~على أنه أول بيت خلقه الله PageV08P124 تعالى ، ولا ms2371 أنه أول بيت ظهر في ~~الأرض ، بل ظاهر الآية يدل على أنه أول بيت وضع للناس ، وكونه موضوعا للناس ~~يقتضي كونه مشتركا فيه بين جميع الناس ، فأما سائر البيوت فيكون كل واحد ~~منها مختصا بواحد من الناس فلا يكون شيء من البيوت موضوعا للناس ، وكون ~~البيت مشتركا فيه بين كل الناس ، لا يحصل إلا إذا كان البيت موضوعا للطاعات ~~والعبادات وقبلة للخلق ، فدل قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس } على أن ~~هذا البيت وضعه الله موضعا للطاعات والخيرات والعبادات فيدخل فيه كون هذا ~~البيت قبلة للصلوات ، وموضعا للحج ، ومكانا يزداد ثواب العبادات والطاعات ~~فيه . # فإن قيل : كونه أولا في هذا الوصف يقتضي أن يكون له ثان ، وهذا يقتضي أن ~~يكون بيت المقدس يشاركه في هذه الصفات التي منها وجوب حجه / ومعلوم أنه ليس ~~كذلك . # والجواب : من وجهين الأول : أن لفظ الأول : في اللغة اسم للشيء الذي يوجد ~~ابتداء ، سواء حصل عقيبه شيء آخر أو لم يحصل ، يقال : هذا أول قدومي مكة ، ~~وهذا أول مال أصبته / ولو قال : أول عبد ملكته فهو حر فملك عبدا عتق وإن لم ~~يملك بعده عبدا آخر ، فكذا هنا ، والثاني : أن المراد من قوله { إن أول بيت ~~وضع للناس } أي أول بيت وضع لطاعات الناس وعباداتهم وبيت المقدس يشاركه في ~~كونه بيتا موضوعا للطاعات والعبادات ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : ( ~~لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ~~ومسجدي هذا ) فهذا القدر يكفي في صدق كون الكعبة أول بيت وضع للناس ، وأما ~~أن يكون بيت المقدس مشاركا له في جميع الأمور حتى في وجوب الحج ، فهذا غير ~~لازم والله أعلم . # المسألة الثانية : اعلم أن قوله { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا ~~} يحتمل أن يكون المراد كونه أولا في الوضع والبناء وأن يكون المراد كونه ~~أولا في كونه مباركا وهدى فحصل للمفسرين في تفسير هذه الآية قولان الأول : ~~أنه أول في البناء والوضع ، والذاهبون إلى هذا المذهب لهم أقوال أحدها : ما ms2372 ~~روى الواحدي رحمه الله تعالى في ( البسيط ) بإسناده عن مجاهد أنه قال : خلق ~~الله تعالى هذا البيت قبل أن يخلق شيا من الأرضين ، وفي رواية أخرى : خلق ~~الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيا من الأرض بألفي سنة ، وإن قواعده لفي ~~الأرض السابعة السفلى وروي أيضا عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( إن الله تعالى بعث ملائكته فقال ابنوا لي في الأرض بيتا على مثال ~~البيت المعمور وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل ~~السماء بالبيت المعمور ، وهذا كان قبل خلق آدم ) . # وأيضا ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر ، ومجاهد والسدي : أنه ~~أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء ، وقد خلقه الله تعالى ~~قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض تحته ، قال ~~القفال في ( تفسيره ) : روى حبيب بن ثابت عن ابن عباس أنه قال : وجد في ~~كتاب في المقام أو تحت المقام ( أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس ~~والقمر ، وحرمتها يوم وضعت هذين الحجرين ، وحققتها بسبعة أملاك حنفاء ) ~~وثانيها : أن آدم صلوات الله عليه وسلامه لما أهبط إلى الأرض شكا الوحشة ، ~~فأمره الله تعالى ببناء الكعبة وطاف بها ، وبقي ذلك إلى زمان نوح عليه ~~السلام ، فلما أرسل الله PageV08P125 تعالى الطوفان ، رفع البيت إلى السماء ~~السابعة حيال الكعبة ، يتعبد عنده الملائكة ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ~~سوى من دخل من قبل فيه ، ثم بعد الطوفان اندرس موضع الكعبة ، وبقي مختفيا ~~إلى أن بعث الله تعالى جبريل صلوات الله عليه إلى إبراهيم عليه السلام ودله ~~على مكان البيت ، وأمره بعمارته ، فكان المهندس جبريل والبناء إبراهيم ~~والمعين إسماعيل عليهم السلام . # واعلم أن هذين القولين يشتركان في أن الكعبة كانت موجودة في زمان آدم ~~عليه السلام ، وهذا / هو الأصوب ويدل عليه وجوه الأول : أن ms2373 تكليف الصلاة ~~كان لازما في دين جميع الأنبياء عليهم السلام ، بدليل قوله تعالى في سورة ~~مريم { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية * ءادم * وممن * ~~حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسراءيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى ~~عليهم ءايات الرحمان خروا سجدا وبكيا } ( مريم : 58 ) فدلت الآية على أن ~~جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا يسجدون لله والسجدة لا بد لها من قبلة / ~~فلو كانت قبلة شيث وإدريس ونوح عليهم السلام موضعا آخر سوى القبلة لبطل ~~قوله { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة } فوجب أن يقال : إن قبلة أولئك ~~الأنبياء المتقدمين هي الكعبة ، فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبدا مشرفة ~~مكرمة الثاني : أن الله تعالى سمى مكة أم القرى ، وظاهر هذا يقتضي أنها ~~كانت سابقة على سائر البقاع في الفضل والشرف منذ كانت موجودة الثالث : روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم فتح مكة ( ألا إن الله قد ~~حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر ) وتحريم مكة لا يمكن إلا ~~بعد وجود مكة الرابع : أن الآثار التي حكيناها عن الصحابة والتابعين دالة ~~على أنها كانت مودة قبل زمان إبراهيم عليه السلام . # واعلم أن لمن أنكر ذلك أن يحتج بوجوه الأول : ما روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ) وظاهر هذا ~~يقتضي أن مكة بناء إبراهيم عليه السلام ولقائل أن يقول : لا يبعد أن يقال ~~البيت كان موجودا قبل إبراهيم وما كان محرما ثم حرمه إبراهيم عليه السلام ~~الثاني : تمسكوا بقوله تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل } ( البقرة : 127 ) ولقائل أن يقول : لعل البيت كان موجودا قبل ~~ذلك ثم انهدم ، ثم أمر الله إبراهيم برفع قواعده وهذا هو الوارد في أكثر ~~الأخبار الثالث : قال القاضي : إن الذي يقال من أنه رفع زمان الطوفان إلى ~~السماء بعيد ، وذلك لأن الموضع الشريف هو تلك الجهة المعينة ، والجهة لا ~~يمكن رفعها إلى السماء ألا ms2374 ترى أن الكعبة والعياذ بالله تعالى لو انهدمت ~~ونقل الأحجار والخشب والتراب إلى موضع آخر لم يكن له شرف ألبتة ، ويكون شرف ~~تلك الجهة باقيا بعد الانهدام ، ويجب على كل مسلم أن يصلي إلى تلك الجهة ~~بعينها ، وإذا كان كذلك فلا فائدة في نقل تلك الجدران إلى السماء ولقائل أن ~~يقول : لما صارت تلك الأجسام في العزة إلى حيث أمر الله بنقلها إلى السماء ~~، وإنما حصلت لها هذه العزة بسبب أنها كانت حاصلة في تلك الجهة ، فصار ~~نقلها إلى السماء من أعظم الدلائل على غاية تعظيم تلك الجهة وإعزازها ، ~~فهذا جملة ما في هذا القول : # القول الثاني : أن المراد من هذه الأولية كون هذا البيت أولا في كونه ~~مباركا وهدى للخلق روي أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أول مسجد وضع ~~للناس ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( المسجد الحرام ثم بيت المقدس ) فقيل ~~كم بينهما ؟ قال : ( أربعون سنة ) وعن علي رضي الله عنه / أن رجلا قال له : ~~أهو أول بيت ؟ قال : لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا ~~فيه الهدى والرحمة والبركة أول من بناه إبراهيم ، PageV08P126 ثم بناه قوم ~~من العرب من جرهم ، ثم هدم فبناه العمالقة ، وهم ملوك من أولاد عمليق بن ~~سام بن نوح ، ثم هدم فبناه قريش . # واعلم أن دلالة الآية على الأولية في الفضل والشرف أمر لا بد منه ، لأن ~~المقصود الأصلي من ذكر هذه الأولية بيان الفضيلة ، لأن المقصود ترجيحه على ~~بيت المقدس ، وهذا إنما يتم بالأولية في الفضيلة والشرف ، ولا تأثير ~~للأولية في البناء في هذا المقصود ، إلا أن ثبوت الأولية بسبب الفضيلة لا ~~ينافي ثبوت الأولية في البناء ، وقد دللنا على ثبوت هذا المعنى أيضا . # المسألة الثالثة : إذا ثبت أن المراد من هذه الأولية زيادة الفضيلة ~~والمنقبة فلنذكر ههنا وجوه فضيلة البيت : # الفضيلة الأولى : اتفقت الأمم على أن باني هذا البيت هو الخليل عليه ~~السلام ، وباني بيت المقدس سليمان عليه السلام ، ولا شك أن الخليل أعظم ~~درجة وأكثر منقبة ms2375 من سليمان عليه السلام فمن هذا الوجه يجب أن تكون الكعبة ~~أشرف من بيت المقدس . # واعلم أن الله تعالى أمر الخليل عليه السلام بعمارة هذا البيت ، فقال : { ~~وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بى شيئا وطهر بيتى للطائفين ~~والقائمين والركع السجود } ( الحج : 26 ) والمبلغ لهذا التكليف هو جبريل ~~عليه السلام ، فلهذا قيل : ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة ، فالأمر هو ~~الملك الجليل والمهندس هو جبريل ، والباني هو الخليل ، والتلميذ إسماعيل ~~عليهم السلام . # الفضيلة الثانية : { مقام إبراهيم } وهو الحجر الذي وضع إبراهيم قدمه ~~عليه فجعل الله ما تحت قدم إبراهيم عليه السلام من ذلك الحجر دون سائر ~~أجزائه كالطين حتى غاص فيه قدم إبراهيم عليه السلام ، وهذا مما لا يقدر ~~عليه إلا الله ولا يظهره إلا على الأنبياء ، ثم لما رفع إبراهيم قدمه عنه ~~خلق فيه الصلابة الحجرية مرة أخرى ، ثم إنه تعالى أبقى ذلك الحجر على سبيل ~~الاستمرار والدوام فهذه أنواع من الآيات العجيبة والمعجزات الباهرة أظهرها ~~الله سبحانه في ذلك الحجر . # الفضيلة الثالثة : قلة ما يجتمع فيه من حصى الجمار ، فإنه منذ آلاف سنة ~~وقد يبلغ من يرمي في كل سنة ستمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ، ثم ~~لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير وليس الموضع الذي ~~ترمي إليه الجمرات مسيل ماء ولا مهب رياح شديدة وقد جاء في الآثار أن من ~~كانت حجته مقبولة رفعت حجارة جمراته إلى السماء . # الفضيلة الرابعة : إن الطيور تترك المرور فوق الكعبة عند طيرانها في ~~الهواء بل تنحرف عنها إذا ما وصلت إلى فوقها . # الفضيلة الخامسة : أن عنده يجتمع الوحش لا يؤذي بعضها بعضا كالكلاب ~~والظباء ، ولا / يصطاد فيه الكلاب والوحوش وتلك خاصية عجيبة وأيضا كل من ~~سكن مكة أمن من النهب والغارة وهو بركة دعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال : ~~{ رب اجعل هاذا بلدا آمنا } ( البقرة : 126 ) وقال تعالى في صفة أمنه { أو ~~لم * يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف ms2376 الناس من حولهم } ( العنكبوت : 67 ) ~~وقال : { فليعبدوا رب هاذا البيت * الذى أطعمهم من PageV08P127 جوع وءامنهم ~~من خوف } ( قريش : 3 ، 4 ) ولم ينقل ألبتة أن ظالما هدم الكعبة وخرب مكة ~~بالكلية ؛ وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية . # الفضيلة السادسة : أن صاحب الفيل وهو أبرهة الأشرم لما قاد الجيوش والفيل ~~إلى مكة لتخريب الكعبة وعجز قريش عن مقاومة أولئك الجيوش وفارقوا مكة ~~وتركوا له الكعبة فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل ، والأبابيل هم الجماعة من ~~الطير بعد الجماعة ، وكانت صغارا تحمل أحجارا ترميهم بها فهلك الملك وهلك ~~العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغر ، وهذه آية باهرة دالة على ~~شرف الكعبة وإرهاص لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام . # فإن قال قائل : لم لا يجوز أن يقال إن كل ذلك بسبب طلسم موضوع هناك بحيث ~~لا يعرفه أحد فإن الأمر في تركيب الطلسمات مشهور . # قلنا : لو كان هذا من باب الطلسمات لكان هذا طلسما مخالفا لسائر الطلسمات ~~فإنه لم يحصل لشيء سوى الكعبة مثل هذا البقاء الطويل في هذه المدة العظيمة ~~، ومثل هذا يكون من المعجزات ، فلا يتمكن منها سوى الأنبياء . # الفضيلة السابعة : إن الله تعالى وضعها بواد غير ذي زرع ، والحكمة من ~~وجوه أحدها : إنه تعالى قطع بذلك رجاء أهل حرمه وسدنة بيته عمن سواه حتى لا ~~يتوكلوا إلا على الله وثانيها : أنه لا يسكنها أحد من الجبابرة والأكاسرة ~~فإنهم يريدون طيبات الدنيا فإذا لم يجدوها هناك تركوا ذلك الموضع ، ~~وفالمقصود تنزيه ذلك الموضع عن لوث وجود أهل الدنيا وثالثها : أنه فعل ذلك ~~لئلا يقصدها أحد للتجارة بل يكون ذلك لمحض العبادة والزيارة فقط ورابعها : ~~أظهر الله تعالى بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيوت في أقل المواضع نصيبا ~~من الدنيا ، فكأنه قال : جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين ، فكذلك ~~أجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين ، لهم في الدنيا بيت الأمن وفي الآخرة ~~دار الأمن وخامسها : كأنه قال : لما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن ~~جميع نعم الدنيا ms2377 فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في كل قلب خال عن محبة ~~الدنيا ، فهذا ما يتعلق بفضائل الكعبة ، وعند هذا ظهر أن هذا البيت أول بيت ~~وضع للناس في أنواع الفضائل والمناقب ، وإذا ظهر هذا بطل قول اليهود : إن ~~بيت المقدس أشرف من الكعبة والله أعلم . # ثم قال تعالى : { للذى ببكة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لا شك أن المراد من { * بكة } هو مكة ثم اختلفوا فمنهم ~~من قال : بكة ومكة / اسمان لمسمى واحد ، فإن الباء والميم حرفان متقاربان ~~في المخرج فيقام كل واحد منهما مقام الآخر فيقال : هذه ضربة لازم ، وضربة ~~لازب ، ويقال : هذا دائم ودائب ، ويقال : راتب وراتم ، ويقال : سمد رأسه ، ~~وسبده ، وفي اشتقاق بكة وجهان الأول : أنه من البك الذي هو عبارة عن دفع ~~البعض بعضا ، يقال : بكه يبكه بكا إذا دفعه وزحمه ، وتباك القوم إذا ~~ازدحموا فلهذا قال سعيد بن جبير : سميت مكة بكة لأنهم يتباكون فيها أي ~~يزدحمون في الطواف ، وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة قال بعضهم : ~~رأيت محمد بن علي الباقر يصلي فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال : ~~دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضا ، تمر المرأة بين PageV08P128 يدي ~~الرجل وهو يصلي ، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي لا بأس بذلك في هذا ~~المكان . # الوجه الثاني : سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة لا يريدها جبار بسوء ~~إلا اندقت عنقه قال قطرب : تقول العرب بككت عنقه أبكه بكا إذا وضعت منه ~~ورددت نخوته . # وأما مكة ففي اشتقاقها وجوه الأول : أن اشتقاقها من أنها تمك الذنوب أي ~~تزيلها كلها ، من قولك : أمتك الفصيل ضرع أمه ، إذا امتص ما فيه الثاني : ~~سميت بذلك لاجتلابها الناس من كل جانب من الأرض ، يقال أمتك الفصيل ، إذا ~~استقصى ما في الضرع ، ويقال تمككت العظم ، إذا استقصيت ما فيه الثالث : ~~سميت مكة ، لقلة مائها ، كأن أرضها امتكت ماءها الرابع : قيل : إن مكة وسط ~~الأرض ، والعيون والمياه تنبع من تحت مكة ، فالأرض كلها تمك من ماء مكة ، ~~ومن ms2378 الناس من فرق بين مكة وبكة ، فقال بعضهم : إن بكة اسم للمسجد خاصة ، ~~وأما مكة ، فهو اسم لكل البلد ، قالوا : والدليل عليه أن اشتقاق بكة من ~~الازدحام والمدافعة ، وهذا إنما يحصل في المسجد عند الطواف ، لا في سائر ~~المواضع ، وقال الأكثرون : مكة اسم للمسجد والمطاف . وبكة اسم البلد ، ~~والدليل عليه أن قوله تعالى : { للناس للذى ببكة } يدل على أن البيت حاصل ~~في بكة ومظروف في بكة فلو كان بكة اسما للبيت لبطل كون بكة ظرفا للبيت ، ~~أما إذا جعلنا بكة اسما للبلد ، استقام هذا الكلام . # المسألة الثانية : لمكة أسماء كثيرة ، قال القفال رحمه الله في ( تفسيره ~~) : مكة وبكة وأم رحم وكويساء والبشاشة والحاطمة تحطم من استخف بها ، وأم ~~القرى قال تعالى : { لتنذر أم القرى ومن حولها } ( الأنعام : 92 ) وسميت ~~بهذا الاسم لأنها أصل كل بلدة ومنها دحيت الأرض ، ولهذا المعنى يزار ذلك ~~الموضع من جميع نواحي الأرض . # المسألة الثالثة : للكعبة أسماء أحدها : الكعبة قال تعالى : { جعل الله ~~الكعبة البيت الحرام } ( المائدة : 97 ) والسبب فيه أن هذا الاسم يدل على ~~الإشراف والارتفاع ، وسمي الكعب كعبا لإشرافه وارتفاعه على الرسغ ، وسميت ~~المرأة الناهدة الثديين كاعبا / لارتفاع ثديها ، فلما كان هذا البيت أشرف ~~بيوت / الأرض وأقدمها زمانا ، وأكثرها فضيلة سمي بهذا الاسم وثانيها : ~~البيت العتيق : قال تعالى : { ثم محلها إلى البيت العتيق } ( الحج : 33 ) ~~وقال : { وليطوفوا بالبيت العتيق } ( الحج : 29 ) وفي اشتقاقه وجوه الأول : ~~العتيق هو القديم ، وقد بينا أنه أقدم بيوت الأرض بل عند بعضهم أن الله ~~خلقه قبل الأرض والسماء والثاني : أن الله أعتقه من الغرق حيث رفعه إلى ~~السماء الثالث : من عتق الطائر إذا قوي في وكره ، فلما بلغ في القوة إلى ~~حيث أن كل من قصد تربية أهلكه الله سمي عتيقا الرابع : أن الله أعتقه من أن ~~يكون ملكا لأحد من المخلوقين الخامس : أنه عتيق بمعنى أن كل من زاره أعتقه ~~الله تعالى من النار وسادسها : المسجد الحرام قال سبحانه : { سبحان الذى ~~أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ms2379 المسجد الاقصى } ( الإسراء : 1 ) ~~والمراد من كونه حراما سيجيء إن شاء الله في تفسير هذه الآية . # فإن قال قائل : كيف الجمع بين قوله { إن أول بيت وضع للناس } وبين قوله { ~~وطهر بيتى للطائفين } ( الحج : 26 ) فأضافه مرة إلى نفسه ومرة إلى الناس . ~~PageV08P129 # والجواب : كأنه قيل : البيت لي ولكن وضعته لا لأجل منفعتي فإني منزه عن ~~الحاجة ولكن وضعته لك ليكون قبلة لدعائك والله أعلم . # ثم قال تعالى : { مباركا وهدى للعالمين } . # واعلم أنه تعالى وصف هذا البيت بأنواع الفضائل فأولها : أنه أول بيت وضع ~~للناس ، وقد ذكرنا معنى كونه أولا في الفضل ونزيد ههنا وجوها أخر الأول : ~~قال علي رضي الله عنه ، هو أول بيت خص بالبركة ، وبأن من دخله كان آمنا ، ~~وقال الحسن : هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض وقال مطرف . أول بيت جعل ~~قبلة وثانيها : أنه تعالى وصفه بكونه مباركا ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : انتصب { مباركا } على الحال والتقدير الذي استقر هو ~~ببكة مباركا . # المسألة الثانية : البركة لها معنيان أحدهما : النمو والتزايد والثاني : ~~البقاء والدوام ، يقال تبارك الله ، لثبوته لم يزل ، والبركة شبه الحوض ~~لثبوت الماء فيها ، وبرك البعير إذا وضع صدره على الأرض وثبت واستقر ، فإن ~~فسرنا البركة بالتزايد والنمو فهذا البيت مبارك من وجوه أحدها : أن الطاعات ~~إذا أتى بها في هذا البيت ازداد ثوابها . قال صلى الله عليه وسلم : ( فضل ~~المسجد الحرام على مسجدي ، كفضل مسجدي على سائر المساجد ) ثم قال صلى الله ~~عليه وسلم : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه ) فهذا في ~~الصلاة ، وأما الحج ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( من حج ولم يرفث ولم ~~يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) وفي حديث آخر ( الحج المبرور ليس له ~~جزاء إلا الجنة ) ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة ~~وثانيها : قال القفال رحمه الله تعالى : ويجوز أن يكون بركته ما ذكر في ~~قوله تعالى : { يجبى إليه ثمرات كل شىء } فيكون كقوله { إلى المسجد الاقصى ~~الذى باركنا حوله } ( الإسراء ms2380 : 1 ) / وثالثها : أن العاقل يجب أن يستحضر ~~في ذهنه أن الكعبة كالنقطة وليتصور أن صفوف المتوجهين إليها في الصلوات ~~كالدوائر المحيطة بالمركز ، وليتأمل كم عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة ~~حال اشتغالهم بالصلاة ، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص ~~أرواحهم علوية ، وقلوبهم قدسية وأسرارهم نورانية وضمائرهم ربانية ثم إن تلك ~~الأرواح الصافية إذا توجهت إلى كعبة المعرفة وأجسادهم توجهت إلى هذه الكعبة ~~الحسية فمن كان في الكعبة يتصل أنوار أرواح أولئك المتوجهين بنور روحه / ~~فتزداد الأنوار الإلاهية في قلبه ، ويعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره ~~وهذا بحر عظيم ومقام شريف ، وهو ينبهك على معنى كونه مباركا . # وأما إن فسرنا البركة بالدوام فهو أيضا كذلك لأنه لا تنفك الكعبة من ~~الطائفين والعاكفين والركع السجود ، وأيضا الأرض كرة ، وإذا كان كذلك فكل ~~وقت يمكن أن يفرض فهو صبح لقوم ، وظهر لثان وعصر لثالث ، ومغرب لرابع وعشاء ~~لخامس ، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها من ~~طرف من أطراف العالم لأداء فرض الصلاة ، فكان الدوام حاصلا من هذه الجهة ، ~~وأيضا بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفا من السنين دوام أيضا فثبت كونه ~~مباركا من الوجهين . # الصفة الثالثة : من صفات هذا البيت كونه { هدى * للعالمين } وفيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : قيل : المعنى أنه قبلة للعالمين يهتدون به إلى جهة ~~صلاتهم ، وقيل : هدى للعالمين PageV08P130 أي دلالة على وجود الصانع ~~المختار ، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة بما فيه من الآيات التي ~~ذكرناها والعجائب التي حكيناها فإن كل ما يدل على النبوة فهو بعينه يدل ~~أولا على وجود الصانع ، وجميع صفاته من العلم والقدرة والحكمة والاستغناء ، ~~وقيل : هدى للعالمين إلى الجنة لأن من أدى الصلوات الواجبة إليها استوجب ~~الجنة . # المسألة الثانية : قال الزجاج : المعنى وذا هدى للعالمين ، قال : ويجوز ~~أن يكون { وهدى } في موضع رفع على معنى وهو هدى . # أما قوله تعالى : { فيه ءايات بينات } ففيه قولان الأول : أن المراد ما ~~ذكرناه من الآيات التي فيه وهي ms2381 : أمن الخائف ، وإنمحاق الجمار على كثرة ~~الرمي ، وامتناع الطير من العلو عليه واستشفاء المريض به وتعجيل العقوبة ~~لمن انتهك فيه حرمة ، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا تخريبه فعلى هذا تفسير ~~الآيات وبيانها غير مذكور . # وقوله { مقام إبراهيم } لا تعلق له بقوله { فيه ءايات بينات } فكأنه ~~تعالى قال : { فيه ءايات بينات } ومع ذلك فهو مقام إبراهيم ومقره والموضع ~~الذي اختاره وعبد الله فيه ، لأن كل ذلك من الخلال التي بها يشرف ويعظم . # / القول الثاني : أن تفسير الآيات مذكور ، وهو قوله { مقام إبراهيم } أي ~~: هي مقام إبراهيم . # فإن قيل : الآيات جماعة ولا يصح تفسيرها بشيء واحد ، أجابوا عنه من وجوه ~~الأول : أن مقام إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة ، لأن ما كان معجزة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فهو دليل على وجود الصانع ، وعلمه وقدرته وإرادته ~~وحياته ، وكونه غنيا منزها مقدسا عن مشابهة المحدثات فمقام إبراهيم وإن كان ~~شيئا واحدا إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة الدلائل ~~كقوله { إن إبراهيم كان أمة قانتا } ( النحل : 120 ) الثاني : أن مقام ~~إبراهيم اشتمل على الآيات ، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية ، وغوصه ~~فيها إلى الكعبين آية ، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية ، لأنه لان من ~~الصخرة ما تحت قدميه فقط ، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام ~~آية خاصة لإبراهيم عليه السلام وحفظه مع كثرة أعدائه من اليهود والنصارى ~~والمشركين والملحدين ألوف سنين فثبت أن مقام إبراهيم عليه السلام آيات ~~كثيرة الثالث : قال الزجاج إن قوله { ومن دخله كان ءامنا } من بقية تفسير ~~الآيات ، كأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله ، ولفظ ~~الجمع قد يستعمل في الاثنين ، قال تعالى : { إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما } ( التحريم : 4 ) وقال عليه السلام : ( الاثنان فما فوقهما جماعة ~~) ومنهم من تمم الثلاثة فقال : مقام إبراهيم / وأن من دخله كان آمنا ، وأن ~~لله على الناس حجه ، ثم حذف ( أن ) اختصارا ، كما في قوله { قل أمر ربي ~~بالقسط } ( الأعراف : 29 ) أي أمر ربي ms2382 بأن تقسطوا الرابع : يجوز أن يذكر ~~هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات ، كأنه قيل فيه ~~آيات بينات مقام إبراهيم ، وأمن من دخله ، وكثير سواهما الخامس : قرأ ابن ~~عباس ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة { بينة لقوم } على التوحيد ~~السادس : قال المبرد { مقام } مصدر فلم يجمع كما قال : { وعلى سمعهم } ~~والمراد مقامات إبراهيم ، وهي ما أقامه إبراهيم عليه السلام من أمور الحج ~~وأعمال المناسك ولا شك أنها كثيرة وعلى هذا فالمراد بالآيات شعائر الحج كما ~~قال : { ومن يعظم شعائر الله } ( الحج : 32 ) . PageV08P131 # ثم قال تعالى : { مقام إبراهيم } وفيه أقوال أحدها : أنه لما ارتفع بنيان ~~الكعبة ، وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه ~~والثاني : أنه جاء زائرا من الشام إلى مكة ، وكان قد حلف لامرأته أن لا ~~ينزل بمكة حتى يرجع ، فلما وصل إلى مكة قالت له أم إسماعيل : إنزل حتى نغسل ~~رأسك ، فلم ينزل ، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على الجانب الأيمن ، فوضع قدمه ~~عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه ، ثم حولته إلى الجانب الأيسر ، حتى غسلت ~~الجانب الآخر ، فبقي أثر قدميه عليه والثالث : أنه هو الحجر الذي قام ~~إبراهيم عليه عند الأذان بالحج ، قال القفال رحمه الله : ويجوز أن يكون ~~إبراهيم قام على ذلك الحجر في هذه المواضع كلها . # ثم قال تعالى : { ومن دخله كان ءامنا } ولهذه الآية نظائر : منها قوله ~~تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } ( البقرة : 125 ) وقوله { ~~أولم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا } ( العنكبوت : 67 ) وقال إبراهيم { رب ~~اجعل هاذا بلدا آمنا } ( إبراهيم : 35 ) وقال تعالى : { الذى أطعمهم من جوع ~~وءامنهم من } ( قريش : 4 ) قال أبو بكر الرازي : لما كانت الآيات المذكورة ~~عقيب قوله { إن أول بيت وضع للناس } موجودة في الحرم ثم قال : { ومن دخله ~~كان ءامنا } وجب أن يكون مراده جميع الحرم ، وأجمعوا على أنه لو قتل في ~~الحرم فإنه يستوفي القصاص منه في الحرم وأجمعوا على أن الحرم لا يفيد ~~الأمان فيما سوى النفس ، إنما ms2383 الخلاف فيما إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم ~~فالتجأ إلى الحرم فهل يستوفي منه القصاص في الحرم ؟ قال الشافعي : يستوفي ، ~~وقال أبو حنيفة : لا يستوفي ، بل يمنع منه الطعام والشراب والبيع والشراء ~~والكلام حتى يخرج ، ثم يستوفي منه القصاص ، والكلام في هذه المسألة قد تقدم ~~في تفسير قوله { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } واحتج أبو حنيفة رضي ~~الله عنه بهذه الآية ، فقال : ظاهر الآية الاخبار عن كونه آمنا ، ولكن لا ~~يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمنا فيقع الخلف في الخبر ، فوجب حمله على ~~الأمر ترك العمل به في الجنايات التي دون النفس ، لأن الضرر فيها أخف من ~~الضرر في القتل ، وفيما إذا وجب عليه القصاص لجناية أتى بها في الحرم ، ~~لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم ، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر الآية . # والجواب : أن قوله { كان ءامنا } إثبات لمسمى الأمن ، ويكفي في العمل به ~~إثبات الأمن من بعض الوجوه ، ونحن نقول به وبيانه من وجوه الأول : أن من ~~دخله للنسك تقربا إلى الله تعالى كان آمنا من النار يوم القيامة ، قال ~~النبي عليه السلام : ( من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا ) وقال ~~أيضا : ( من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام ~~) وقال : ( من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) والثاني ~~: يحتمل أن يكون المراد ما أودع الله في قلوب الخلق من الشفقة على كل من ~~التجأ إليه ودفع المكروه عنه ، ولما كان الأمر واقعا على هذا الوجه في ~~الأكثر أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقا وهذا أولى مما قالوه لوجهين الأول ~~: أنا على هذا التقدير لا نجعل الخبر قائما مقام الأمر وهم جعلوه قائما ~~مقام الأمر والثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذا لبيان فضيلة البيت وذلك إنما ~~يحصل بشيء كان معلوما للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت ، فأما الحكم ~~الذي بينه الله في شرع محمد عليه السلام فإنه لا يصير ms2384 ذلك حجة على اليهود ~~والنصارى في إثبات فضيلة الكعبة . # الوجه الثالث : في تأويل الآية : أن المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان آمنا لأنه تعالى PageV08P132 قال : { لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين } ( الفتح : 27 ) الرابع : قال الضحاك : ~~من حج حجة كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك . # واعلم أن طرق الكلام في جميع هذه الأجوبة شيء واحد ، وهو أن قوله { كان ~~ءامنا } حكم / بثبوت الأمن وذلك يكفي في العمل به إثبات الأمن من وجه واحد ~~وفي صورة واحدة فإذا حملناه على بعض هذه الوجوه فقد عملنا بمقتضى هذا النص ~~فلا يبقى للنص دلالة على ما قالوه ، ثم يتأكد ذلك بأن حمل النص على هذا ~~الوجه لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على وجوب القصاص وحمله على ما قالوه ~~يفضي إلى ذلك فكان قولنا أولى والله أعلم . # قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } . # اعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل البيت ومناقبه ، أردفه بذكر إيجاب الحج وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { حج البيت } بكسر ~~الحاء والباقون بفتحها ، قيل الفتح لغة الحجاز ، والكسر لغة نجد وهما واحد ~~في المعنى ، وقيل هما جائزان مطلقا في اللغة ، مثل رطل ورطل ، وبزر وبزر ، ~~وقيل المكسورة اسم للعمل والمفتوحة مصدر ، وقال سيبويه : يجوز أن تكون ~~المكسورة أيضا مصدرا ، كالذكر والعلم . # المسألة الثانية : في قوله { من استطاع إليه سبيلا } وجوه الأول : قال ~~الزجاج : موضع { من } خفض على البدل من { الناس } والمعنى : ولله على من ~~استطاع من الناس حج البيت الثاني : قال الفراء إن نويت الاستئناف بمن كانت ~~شرطا وأسقط الجزاء لدلالة ما قبله عليه ، والتقدير من استطاع إلى الحج ~~سبيلا فلله عليه حج البيت الثالث : قال ابن الأنباري : يجوز أن يكون { من } ~~في موضع رفع على معنى الترجمة للناس ، كأنه قيل : من الناس الذين عليهم لله ~~حج البيت ؟ فقيل هم من استطاع إليه سبيلا . # المسألة الثالثة : اتفق الأكثرون على ms2385 أن الزاد والراحلة شرطان لحصول ~~الاستطاعة ، روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر ~~استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة ، وروى القفال عن جويبر عن ~~الضحاك أنه قال : إذا كان شابا صحيحا ليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى ~~يقضي حجه فقال له قائل : أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت ؟ فقال : لو ~~كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه ؟ قال : لا بل ينطلق إليه ولو حبوا ، قال ~~: فكذلك يجب عليه حج البيت ، عن عكرمة أيضا أنه قال : الاستطاعة هي صحة ~~البدن ، وإمكان المشي إذا لم يجد ما يركبه . # واعلم أن كل من كان صحيح البدن قادرا على المشي إذا لم يجد ما يركب فإنه ~~يصدق عليه أنه يستطيع لذلك الفعل ، فتخصيص هذه الاستطاعة بالزاد والراحلة ~~ترك لظاهر اللفظ فلا بد فيه من دليل منفصل ، ولا PageV08P133 يمكن التعويل ~~في ذلك على الأخبار المروية في هذا الباب لأنها أخبار آحاد فلا يترك لأجلها ~~ظاهر الكتاب لا سيما وقد طعن محمد بن جرير الطبري في رواة تلك الأخبار / ~~وطعن فيها / من وجه آخر ، وهو أن حصول الزاد والراحلة لا يكفي في حصول ~~الاستطاعة ، فإنه يعتبر في حصول الاستطاعة صحة البدن وعدم الخوف في الطريق ~~، وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن لا يكون شيء من ذلك معتبرا ، فصارت هذه ~~الأخبار مطعونا فيها من هذا الوجه بل يجب أن يعول في ذلك على ظاهر قوله ~~تعالى : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) وقوله { يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) . # المسألة الرابعة : احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع ~~الشرائع قالوا لأن ظاهر قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت } يعم ~~المؤمن والكافر وعدم الإيمان لا يصلح معارضا ومخصصا لهذا العموم ، لأن ~~الدهري مكلف بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الإيمان بالله الذي ~~هو شرط صحة الإيمان بمحمد عليه السلام غير حاصل والمحدث مكلف بالصلاة مع أن ~~الوضوء الذي هو ms2386 شرط صحة الصلاة غير حاصل ، فلم يكن عدم الشرط مانعا من كونه ~~مكلفا بالمشروط ، فكذا ههنا والله أعلم . # المسألة الخامسة : احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن الاستطاعة قبل ~~الفعل ، فقالوا : لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من لم يحج مستطيعا للحج ~~، ومن لم يكن مستطيعا للحج لا يتناوله التكليف المذكور في هذه الآية فيلزم ~~أن كل من لم يحج أن لا يصير مأمورا بالحج بسبب هذه الآية وذلك باطل ~~بالاتفاق . # أجاب الأصحاب بأن هذا أيضا لازم لهم ، وذلك لأن القادر إما أن يصير ~~مأمورا بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل أو بعد حصوله أما قبل حصول الداعي ~~فمحال ، لأن قبل حصول الداعي يمتنع حصول الفعل ، فيكون التكليف به تكليف ما ~~لا يطاق ، وأما بعد حصول الداعي فالفعل يصير واجب الحصول ، فلا يكون في ~~التكليف به فائدة ، وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه ~~التكليف المذكور في هذه الآية على أحد . # المسألة السادسة : روي أنه لما نزلت هذه الآية قيل : يا رسول الله أكتب ~~الحج علينا في كل عام ، ذكروا ذلك ثلاثا ، فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم ~~، ثم قال في الرابعة : ( لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ولو لم ~~تقوموا بها لكفرتم ألا فوادعوني ما وادعتكم وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ~~ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عنه فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة ~~احتلافهم على أنبيائهم ) ، ثم احتج العلماء بهذا الخبر على أن الأمر لا ~~يفيد التكرار من وجهين الأول : أن الأمر ورد بالحج ولم يفد التكرار والثاني ~~: أن الصحابة استفهموا أنه هل يوجب التكرار أم لا ؟ ولو كانت هذه الصيغة ~~تفيد التكرار لما احتاجوا إلى الاستفهام مع كونهم عالمين باللغة . # / المسألة السابعة : استطاعة السبيل إلى الشيء عبارة عن إمكان الوصول ، ~~قال تعالى : { فهل إلى خروج من سبيل } ( غافر : 11 ) وقال : { هل إلى مرد ~~من سبيل } ( الشورى : 44 ) وقال : { ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة : ~~91 ) فيعتبر في حصول هذا الإمكان ms2387 صحة البدن ، وزوال خوف التلف من السبع أو ~~العدو ، وفقدان الطعام والشراب والقدرة على المال الذي يشتري به الزاد ~~والراحلة وأن يقضي جميع الديون ويرد جميع PageV08P134 الودائع ، وإن وجب ~~عليه الإنفاق على أحد لم يجب عليه الحج إلا إذا ترك من المال ما يكفيهم في ~~المجيء والذهاب وتفاصيل هذا الباب مذكور في كتب الفقهاء والله أعلم . # ثم قال تعالى : { ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : # القول الأول : أنها كلام مستقل بنفسه ووعيد عام في حق كل من كفر بالله ~~ولا تعلق له بما قبله . # القول الثاني : أنه متعلق بما قبله والقائلون بهذا القول منهم من حمله ~~على تارك الحج ومنهم من حمله على من لم يعتقد وجوب الحج ، أما الذين حملوه ~~على تارك الحج فقد عولوا فيه على ظاهر الآية فإنه لما تقدم الأمر بالحج ثم ~~أتبعه بقوله { ومن كفر } فهم منه أن هذا الكفر ليس إلا ترك ما تقدم الأمر ~~به ثم إنهم أكدوا هذا الوجه بالأخبار ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : ( من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ) وعن أبي ~~أمامة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من مات ولم يحج حجة الإسلام ~~ولم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائز فليمت على أي حال شاء ~~يهوديا أو نصرانيا ) وعن سعيد بن جبير : لو مات جار لي وله ميسرة ولم يحج ~~لم أصل عليه ، فإن قيل : كيف يجوز الحكم عليه بالكفر بسبب ترك الحج ؟ # أجاب القفال رحمه الله تعالى عنه : يجوز أن يكون المراد منه التغليظ ، أي ~~قد قارب الكفر وعمل ما يعمله من كفر بالحج ، ونظيره قوله تعالى : { وبلغت ~~القلوب الحناجر } ( الأحزاب : 10 ) أي كادت تبلغ ونظيره قوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( من ترك صلاة متعمدا فقد كفر ) وقوله عليه الصلاة والسلام : ( ~~من أتى امرأة حائضا أو في دبرها فقد كفر ) وأما الأكثرون : فهم الذين حملوا ~~هذا الوعيد ms2388 على من ترك اعتقاد وجوب الحج ، قال الضحاك : لما نزلت آية الحج ~~جمع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الأديان الستة المسلمين ، والنصارى ~~واليهود والصابئين والمجوس والمشركين فخطبهم وقال : ( إن الله تعالى كتب ~~عليكم الحج فحجوا ) فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس ، وقالوا : لا ~~نؤمن / به ، ولا نصلي إليه ، ولا نحجه ، فأنزل الله تعالى قوله { ومن كفر ~~فإن الله غنى عن العالمين } وهذا القول هو الأقوى . # المسألة الثانية : اعلم أن تكليف الشرع في العبادات قسمان ، منها ما يكون ~~أصله معقولا إلا أن تفاصيله لا تكون معقولة مثل الصلاة فإن أصلها معقول وهو ~~تعظيم الله أما كيفية الصلاة فغير معقولة ، وكذا الزكاة أصلها دفع حاجة ~~الفقير وكيفيتها غير معقولة ، والصوم أصله معقول ، وهو قهر النفس وكيفيته ~~غير معقولة ، أما الحج فهو سفر إلى موضع معين على كيفيات مخصوصة ، فالحكمة ~~في كيفيات هذه العبادات غير معقولة وأصلها غير معلومة . PageV08P135 # إذا عرفت هذا فنقول : قال المحققون إن الإتيان بهذا النوع من العبادة أدل ~~على كمال العبودية والخضوع والانقياد من الإتيان بالنوع الأول ، وذلك لأن ~~الآتي بالنوع الأول يحتمل أنه إنما أتى به لما عرف بعقله من وجوه المنافع ~~فيه ، أما الآتي بالنوع الثاني فإنه لا يأتي به إلا لمجرد الانقياد والطاعة ~~والعبودية ، فلأجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على أنواع ~~كثيرة من التوكيد أحدها : قوله { ولله على الناس حج البيت } والمعنى أنه ~~سبحانه لكونه إلاها ألزم عبيده هذه الطاعة فيجب الانقياد سواء عرفوا وجه ~~الحكمة فيها أو لم يعرفوا وثانيها : أنه ذكر { الناس } ثم أبدل منه { من ~~استطاع إليه سبيلا } وفيه ضربان من التأكيد ، أما أولا فلأن الإبدال تثنية ~~للمراد وتكرير ، وذلك يدل على شدة العناية ، وأما ثانيا فلأنه أجمل أولا ~~وفصل ثانيا وذلك يدل على شدة الاهتمام وثالثها : أنه سبحانه عبر عن هذا ~~الوجوب بعبارتين إحداهما : لام الملك في قوله { ولله } وثانيتهما : كلمة { ~~على } وهي للوجوب في قوله { ولله على الناس } ورابعها : أن ظاهر اللفظ ~~يقتضي إيجابه على ms2389 كل إنسان يستطيعه ، وتعميم التكليف يدل على شدة الاهتمام ~~وخامسها : أنه قال { ومن كفر } مكان ، ومن لم يحج وهذا تغليظ شديد في حق ~~تارك الحج وسادسها : ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان ~~وسابعها : قوله { عن العالمين } ولم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين ~~أولى أن يكون مستغنيا عن ذلك الإنسان الواحد وعن طاعته ، فكان ذلك أدل على ~~السخط وثامنها : أن في أول الآية قال : { ولله على الناس } فبين أن هذا ~~الإيجاب كان لمجرد عزة الإلاهية وكبرياء الربوبية ، لا لجر نفع ولا لدفع ضر ~~، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله { فإن الله غنى عن العالمين } ومما يدل من ~~الأخبار على تأكيد الأمر بالحج ، قوله عليه الصلاة والسلام : ( حجوا قبل أن ~~لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالث ) وروي ( حجوا قبل أن لا ~~تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه ) قيل : معناه أنه يتعذر عليكم السفر في ~~البر في مكة لعدم الأمن أو غيره ، وعن ابن مسعود ( حجوا هذا البيت قبل أن ~~تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا هلكت ) . # ! 7 < { قل ياأهل الكتاب لم تكفرون بأيات الله والله شهيد على ما تعملون ~~* قل ياأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من ءامن تبغونها عوجا وأنتم شهدآء ~~وما الله بغافل عما تعملون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 98 - 99 ) قل يا أهل . . . . . # > > # /إعلم أن في كيفية النظم وجهين الأول : وهو الأوفق : أنه تعالى لما أورد ~~الدلائل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام مما ورد في التوراة والإنجيل من ~~البشارة بمقدمه ، ثم ذكر عقيب ذلك شبهات القوم . # فالشبهة الأولى : ما يتعلق بإنكار النسخ . PageV08P136 # وأجاب عنها بقوله { كل الطعام كان حلا لبنى إسراءيل إلا ما حرم إسراءيل ~~على نفسه } ( آل عمران : 93 ) . # والشبهة الثانية : ما يتعلق بالكعبة ووجوب استقبالها في الصلاة ووجوب ~~حجها . # وأجاب عنها بقوله { إن أول بيت وضع للناس } ( آل عمران : 96 ) إلى آخرها ~~، فعند هذا تمت وظيفة الاستدلال وكمل الجواب عن شبهات أرباب ms2390 الضلال ، فعند ~~ذلك خاطبهم بالكلام اللين وقال : { لم تكفرون بئيات الله } بعد ظهور ~~البينات وزوال الشبهات ، وهذا هو الغاية القصوى في ترتيب الكلام وحسن نظمه ~~. # الوجه الثاني : وهو أنه تعالى لما بين فضائل الكعبة ووجوب الحج ، والقوم ~~كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق والملة الصحيحة قال لهم : { لم تكفرون ~~بئيات الله } بعد أن علمتم كونها حقة صحيحة . # واعلم أن المبطل إما أن يكون ضالا فقط ، وإما أن يكون مع كونه ضالا يكون ~~مضلا ، والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعا فبدأ تعالى بالإنكار عليهم في ~~الصفة الأولى على سبيل الرفق واللطف . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله { يشعرون يأهل الكتاب لم تكفرون بأيات الله } ~~واختلفوا فيمن المراد بأهل الكتاب ، فقال الحسن : هم علماء أهل الكتاب ~~الذين علموا صحة نبوته ، واستدل عليه بقوله { وأنتم شهداء } وقال بعضهم : ~~بل المراد كل أهل الكتاب لأنهم وإن لم يعلموا فالحجة قائمة عليهم فكأنهم ~~بترك الاستدلال والعدول إلى التقليد بمنزلة من علم ثم أنكر . # / فإن قيل : ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار ؟ . # قلنا لوجهين : الأول : أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة ~~والإنجيل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم أجاب عن شبههم في ذلك ~~، ثم لما تم ذلك خاطبهم فقال : { من أهل الكتاب } فهذا الترتيب الصحيح ~~الثاني : أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوة ~~، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة في قوله تعالى : { لم تكفرون بئيات الله ~~} دلالة على أن الكفر من قبلهم حتى يصح هذا التوبيخ وكذلك لا يصح توبيخهم ~~على طولهم وصحتهم ومرضهم . # والجواب عنه : المعارضة بالعلم والداعي . # المسألة الثالثة : المراد { من آيات الله } الآيات التي نصبها الله تعالى ~~على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، والمراد بكفرهم بها كفرهم بدلالتها ~~على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . # ثم قال : { والله شهيد على ما تعملون } الواو للحال والمعنى : لم تكفرون ~~بآيات الله التي دلتكم على صدق محمد عليه الصلاة ms2391 والسلام ، والحال أن الله ~~شهيد على أعمالكم ومجازيكم عليها وهذه الحال توجب أن لا تجترؤا على الكفر ~~بآياته . PageV08P137 # ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد ذلك الإنكار عليهم في ~~إضلالهم لضعفة المسلمين فقال : { قل ياأهل * أهل الكتاب لمن * تصدون عن ~~سبيل الله من ءامن } قال الفراء : يقال صددته أصده صدا وأصددته إصدادا ، ~~وقرأ الحسن { تصدون } بضم التاء من أصده ، قال المفسرون : وكان صدهم عن ~~سبيل الله بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين وكانوا ينكرون ~~كون صفته صلى الله عليه وسلم في كتابهم . # ثم قال : { تبغونها عوجا } العوج بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما ~~لا يرى ، وهو الدين والقول ، فأما الشيء الذي يرى فيقال فيه : عوج بفتح ~~العين كالحائط والقناة والشجرة ، قال ابن الأنباري : البغي يقتصر له على ~~مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك : بغيت المال والأجر والثواب وأريد ~~ههنا : تبغون لها عوجا ، ثم أسقطت اللام كما قالوا : وهبتك درهما أي وهبت ~~لك درهما ، ومثله صدت لك ظبيا وأنشد : # % فتولى غلامهم ثم نادى % % أظليما أصيدكم أم حمارا % # أراد أصيد لكم والهاء في { تبغونها } عائدة إلى { السبيل } لأن السبيل ~~يؤنث ويذكر و { * العوج } يعني به الزيغ والتحريف ، أي تلتمسون لسبيله ~~الزيغ والتحريف بالشبه التي توردونها على الضعفة نحو قولهم : النسخ يدل على ~~البداء وقولهم : إنه ورد في التوراة أن شريعة موسى عليه السلام باقية إلى ~~الأبد ، وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون { له عوجا } في موضع الحال والمعنى ~~: تبغونها ضالين / وذلك أنهم كأنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله ~~فقال الله تعالى : إنكم تبغون سبيل الله ضالين وعلى هذا القول لا يحتاج إلى ~~إضمار اللام في تبغونها . # ثم قال : { وأنتم شهداء } وفيه وجوه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~: يعني أنتم شهداء أن في التوراة أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام ~~الثاني : وأنتم شهداء على ظهور المعجزات على نبوته صلى الله عليه وسلم ~~الثالث : وأنتم شهداء أنه ms2392 لا يجوز الصد عن سبيل الله الرابع : وأنتم شهداء ~~بين أهل دينكم عدول يثقون بأقوالكم ويعولون على شهادتكم في عظام الأمور وهم ~~الأحبار والمعنى : أن من كان كذلك فكيف يليق به الإصرار على الباطل والكذب ~~والضلال والإضلال . # ثم قال : { وما الله بغافل عما تعملون } والمراد التهديد ، وهو كقول ~~الرجل لعبده ، وقد أنكر طريقة لا يخفى على ما أنت عليه ولست غافلا عن أمرك ~~وإنما ختم الآية الأولى بقوله { ولله * شهيد } وهذه الآية بقوله { وما الله ~~بغافل عما تعملون } وذلك لأنهم كانوا يظهرون الكفر بنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم وما كانوا يظهرون إلقاء الشبه في قلوب المسلمين ، بل كانوا ~~يحتالون في ذلك بوجوه الحيل فلا جرم قال فيما أظهروه { والله شهيد } وفيما ~~أضمروه { وما الله بغافل عما تعملون } وإنما كرر في الآيتين قوله { قل ~~ياأهل * أهل الكتاب } لأن المقصود التوبيخ على ألطف الوجوه ، وتكرير هذا ~~الخطاب اللطيف أقرب إلى التلطف في صرفهم عن طريقتهم في الضلال والإضلال ~~وأدل على النصح لهم في الدين والإشفاق . # PageV08P138 ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا ~~الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين * وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ءايات ~~الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 100 - 101 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى لما حذر الفريق من أهل الكتاب في الآية الأولى عن ~~الإغواء والإضلال حذر المؤمنين في هذه الآية عن إغوائهم وإضلالهم ومنعهم عن ~~الالتفات إلى قولهم ، روي أن شاس بن قيس اليهودي كان عظيم الكفر شديد الطعن ~~على المسلمين شديد الحسد ، فاتفق أنه مر على نفر من الأنصار من الأوس ~~والخزرج فرآهم في مجلس لهم يتحدثون ، وكان قد زال ما كان بينهم في الجاهلية ~~من العداوة ببركة الإسلام ، فشق ذلك على اليهودي فجلس إليهم وذكرهم ما كان ~~بينهم من الحروب قبل ذلك وقرأ عليهم بعض ما قيل في تلك الحروب من الأشعار ~~فتنازع القوم وتغاضبوا وقالوا : السلاح السلاح ، فوصل الخبر إلى النبي عليه ~~السلام ms2393 ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار ، وقال : أترجعون إلى ~~أحوال الجاهلية وأنا بين أظهركم ، وقد أكرمكم الله بالإسلام وألف بين ~~قلوبكم فعرف القوم أن ذلك كان من عمل الشيطان ، ومن كيد ذلك اليهودي ، ~~فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم ، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية فقوله { إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } يحتمل أن يكون ~~المراد هذه الواقعة ، ويحتمل أن يكون المراد جميع ما يحاولونه من أنواع ~~الإضلال ، فبين تعالى أن المؤمنين إن لانوا وقبلوا منهم قولهم أدى ذلك حالا ~~بعد حال إلى أن يعودوا كفارا ، والكفر يوجب الهلاك في الدنيا والدين ، أما ~~في الدنيا فبوقوع العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة وثوران المحاربة المؤدية ~~إلى سفك الدماء ، وأما في الدين فظاهر . # ثم قال تعالى : { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ءايات الله وفيكم رسوله } ~~وكلمة { كيف } تعجب ، والتعجب إنما يليق بمن لا يعلم السبب ، وذلك على الله ~~محال ، والمراد منه المنع والتغليظ وذلك لأن تلاوة آيات الله عليهم حالا ~~بعد حال مع كون الرسول فيهم الذي يزيل كل شبهة ويقرر كل حجة ، كالمانع من ~~وقوعهم في الكفر ، فكان صدور الكفر على الذين كانوا بحضرة الرسول أبعد من ~~هذا الوجه ، فقوله { إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين } تنبيه على أن المقصد الأقصى لهؤلاء اليهود والمنافقين أن ~~يردوا المسلمين عن الإسلام ثم أرشد المسلمين إلى أنه يجب أن لا يلتفتوا إلى ~~قولهم ، بل الواجب أن يرجعوا عند كل شبهة يسمعونها من هؤلاء اليهود إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى يكشف عنها ويزيل وجه الشبهة فيها . # ثم قال : { ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم } والمقصود : إنه ~~لما ذكر الوعيد أردفه بهذا PageV08P139 الوعد ، والمعنى : ومن يتمسك بدين ~~الله ، ويجوز أن يكون حثا لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ~~والاعتصام في اللغة الاستمساك بالشيء وأصله من العصمة ، والعصمة ms2394 المنع في ~~كلام العرب ، والعاصم المانع ، واعتصم فلان بالشيء إذا تمسك بالشيء في منع ~~نفسه من الوقوع في آفة ، / ومنه قوله تعالى : { ولقد راودته عن نفسه ~~فاستعصم } ( يوسف : 32 ) قال قتادة : ذكر في الآية أمرين يمنعان عن الوقوع ~~في الكفر أحدهما : تلاوة كتاب الله والثاني : كون الرسول فيهم ، أما الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فقد مضى إلى رحمة الله ، وأما الكتاب فباق على وجه ~~الدهر . # وأما قوله { فقد هدى إلى صراط مستقيم } فقد احتج به أصحابنا على أن فعل ~~العبد مخلوق لله تعالى ، قالوا : لأنه جعل اعتصامهم هداية من الله ، فلما ~~جعل ذلك الاعتصام فعلا لهم وهداية من الله ثبت ما قلناه ، أما المعتزلة فقد ~~ذكروا فيه وجوها الأول : أن المراد بهذه الهداية الزيادة في الألطاف ~~المرتبة على أداء الطاعات كما قال تعالى : { يهدى به الله من اتبع رضوانه ~~سبل السلام } ( المائدة : 16 ) وهذا اختاره القفال رحمه الله والثاني : أن ~~التقدير من يعتصم بالله فنعم ما فعل فإنه إنما هدي إلى الصراط المستقيم ~~ليفعل ذلك الثالث : أن من يعتصم بالله فقد هدى إلى طريق الجنة والرابع : ~~قال صاحب ( الكشاف ) { فقد هدى } أي فقد حصل له الهدى لا محالة ، كما تقول ~~: إذا جئت فلانا فقد أفلحت ، كأن الهدى قد حصل فهو يخبر عنه حاصلا وذلك لأن ~~المعتصم بالله متوقع للهدى كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها كذالك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تهتدون } . > 7 @QB@ ~~< # | آل عمران : ( 102 - 103 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حذر المؤمنين من إضلال الكفار ومن تلبيساتهم في الآية ~~الأولى أمر المؤمنين في هذه الآيات بمجامع الطاعات ، ومعاقد الخيرات ، ~~فأمرهم أولا : بتقوى الله وهو قوله { اتقوا الله } / وثانيا : بالاعتصام ~~بحبل الله ، وهو قوله { واعتصموا بحبل ms2395 الله } وثالثا : بذكر نعم الله وهو ~~قوله { واذكروا نعمة الله عليكم } والسبب في هذا الترتيب أن فعل الإنسان لا ~~بد وأن يكون معللا ، إما بالرهبة وإما بالرغبة ، والرهبة مقدمة على الرغبة ~~، لأن دفع الضرر مقدم على جلب النفع ، فقوله { اتقوا الله حق تقاته } إشارة ~~إلى التخويف من عقاب الله تعالى ، ثم جعله سببا للأمر بالتمسك بدين الله ~~والاعتصام بحبل الله ، ثم أردفه بالرغبة ، وهي PageV08P140 قوله { واذكروا ~~نعمة الله عليكم } فكأنه قال : خوف عقاب الله يوجب ذلك ، وكثرة نعم الله ~~توجب ذلك فلم تبق جهة من الجهات الموجبة للفعل إلا وهي حاصلة في وجوب ~~انقيادكم لأمر الله ووجوب طاعتكم لحكم الله ، فظهر بما ذكرناه أن الأمور ~~الثلاثة المذكورة في هذه الآية مرتبة على أحسن الوجوه ، ولنرجع إلى التفسير ~~: # أما قوله تعالى : { اتقوا الله حق تقاته } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال بعضهم هذه الآية منسوخة وذلك لما يروى عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه قال : لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين لأن حق ~~تقاته : أن يطاع فلا يعصى طرفة عين ، وأن يشكر فلا يكفر ، وأن يذكر فلا ~~ينسى ، والعباد لا طاقة لهم بذلك ، فأنزل الله تعالى بعد هذه { فاتقوا الله ~~ما استطعتم } ونسخت هذه الآية أولها ولم ينسخ آخرها وهو قوله { ولا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون } وزعم جمهور المحققين أن القول بهذا النسخ باطل واحتجوا ~~عليه من وجوه الأول : ما روي عن معاذ أنه عليه السلام قال له : ( هل تدري ~~ما حق الله على العباد ؟ قال الله ورسوله أعلم ، قال : هو أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا ) وهذا لا يجوز أن ينسخ الثاني : أن معنى قوله { اتقوا الله ~~حق تقاته } أي كما يحق أن يتقى ، وذلك بأن يجتنب جميع معاصيه ، ومثل هذا لا ~~يجوز أن ينسخ لأنه إباحة لبعض المعاصي ، وإذا كان كذلك صار معنى هذا ومعنى ~~قوله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } ( التغابن : 16 ) واحدا لأن من ~~اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته ، ولا يجوز أن ms2396 يكون المراد بقوله { ~~حق تقاته } ما لا يستطاع من التقوى ، لأن الله سبحانه أخبر أنه لا يكلف ~~نفسا إلا وسعها والوسع دون الطاقة ونظير هذه الآية قوله { وجاهدوا فى الله ~~حق جهاده } ( الحج : 78 ) . # فإن قيل : أليس أنه تعالى قال : { وما قدروا الله حق قدره } ( الأنعام : ~~91 ) . # قلنا : سنبين في تفسير هذه الآية أنها جاءت في القرآن في ثلاثة مواضع ~~وكلها في صفة الكفار لا في صفة المسلمين ؛ أما الذين قالوا : إن المراد هو ~~أن يطاع فلا يعصى فهذا صحيح والذي يصدر عن الإنسان على سبيل السهو والنسيان ~~فغير قادح فيه لأن التكليف مرفوع في هذه الأوقات / وكذلك قوله : أن يشكر ~~فلا يكفر ، لأن ذلك واجب عليه عند خطور نعم الله بالبال ، فأما عند السهو ~~فلا يجب ، وكذلك قوله : أن يذكر فلا ينسى ، فإن هذا إنما يجب عند الدعاء ~~والعبادة وكل ذلك مما لا يطاق ، فلا وجه لما ظنوه أنه منسوخ . # / قال المصنف رضي الله تعالى عنه ، أقول : للأولين أن يقرروا قولهم من ~~وجهين الأول : أن كنه الإلاهية غير معلوم للخلق ، فلا يكون كمال قهره ~~وقدرته وعزته معلوما للخلق ، وإذا لم يحصل العلم بذلك لم يحصل الخوف اللائق ~~بذلك فلم يحصل الاتقاء اللائق به الثاني : أنهم أمروا بالاتقاء المغلظ ~~والمخفف معا فنسخ المغلظ وبقي المخفف ، وقيل : إن هذا باطل ، لأن الواجب ~~عليه أن يتقي ما أمكن والنسخ إنما يدخل في الواجبات لا في النفي ، لأنه ~~يوجب رفع الحجر عما يقتضي أن يكون الإنسان محجورا عنه وإنه غير جائز . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { حق تقاته } أي كما يجب أن يتقى يدل ~~عليه قوله تعالى : { حق اليقين } ( الواقعة : 95 ) ويقال : هو الرجل حقا ، ~~ومنه قوله عليه السلام : ( أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ) وعن ~~علي رضي الله عنه أنه قال : أنا علي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ، والتقى ~~اسم الفعل من قولك اتقيت ، كما أن الهدى اسم الفعل من قولك اهتديت . ~~PageV08P141 # أما قوله تعالى : { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ms2397 } فلفظ النهي واقع على ~~الموت ، لكن المقصود الأمر بالإقامة على الإسلام ، وذلك لأنه لما كان ~~يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت أتاهم وهم على الإسلام ، ~~صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم ، ومضى الكلام في هذا ~~عند قوله { إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ( البقرة ~~: 132 ) . # ثم قال تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعا } . # واعلم أنه تعالى لما أمرهم بالاتقاء عن المحظورات أمرهم بالتمسك ~~بالاعتصام بما هو كالأصل لجميع الخيرات والطاعات ، وهو الاعتصام بحبل الله ~~. # واعلم أن كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله ، فإذا تمسك بحبل ~~مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف ، ولا شك أن طريق الحق طريق ~~دقيق ، وقد انزلق رجل الكثير من الحلق عنه ، فمن اعتصم بدليل الله وبيناته ~~فإنه يأمن من ذلك الخوف ، فكان المراد من الحبل ههنا كل شيء يمكن التوصل به ~~إلى الحق في طريق الدين ، وهو أنواع كثيرة ، فذكر كل واحد من المفسرين ~~واحدا من تلك الأشياء ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد بالحبل ههنا ~~العهد المذكور في قوله { وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) وقال : ~~{ إلا بحبل من الله وحبل من الناس } ( آل عمران : 112 ) أي بعهد ، وإنما ~~سمي العهد حبلا لأنه يزيل عنه الخوف من الذهاب إلى أي موضع شاء ، وكان ~~كالحبل الذي من تمسك به زال عنه الخوف ، وقيل : إنه القرآن ، روي عن علي ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أما إنها ستكون فتنة ~~) قيل : فما المخرج منها ؟ قال : ( كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من ~~بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين ) وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : ( هذا القرآن حبل الله ) وروي عن أبي سعيد الخدري ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم / أنه قال : ( إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب ~~الله تعالى حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ) وقيل ms2398 : إنه ~~دين الله ، وقيل : هو طاعة الله ، وقيل : هو إخلاص التوبة ، وقيل : الجماعة ~~، لأنه تعالى ذكر عقيب ذلك قوله { ولا تفرقوا } وهذه الأقوال كلها متقاربة ~~، والتحقيق ما ذكرنا أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزا من ~~السقوط فيها / وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين ~~حرزا لصاحبه من السقوط في قعر جهنم جعل ذلك حبلا لله ، وأمروا بالاعتصام به ~~. # ثم قال تعالى : { ولا تفرقوا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في التأويل وجوه الأول : أنه نهى عن الاختلاف في الدين ~~وذلك لأن الحق لا يكون إلا واحدا ، وما عداه يكون جهلا وضلالا ، فلما كان ~~كذلك وجب أن يكون النهي عن الاختلاف في الدين ، وإليه الإشارة بقوله تعالى ~~: { فماذا بعد الحق إلا الضلال } ( يونس : 32 ) والثاني : أنه نهى عن ~~المعاداة والمخاصمة ، فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على المحاربة ~~والمنازعة فنهاهم الله عنها الثالث : أنه نهى عما يوجب الفرقة ويزيل الألفة ~~والمحبة . # واعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ستفترق أمتي على ~~نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد والباقي في النار فقيل : ومن هم يا رسول ~~الله ؟ قال الجماعة ) وروي ( السواد الأعظم ) وروي ( ما أنا عليه وأصحابي ) ~~PageV08P142 والوجه المعقول فيه : أن النهي عن الاختلاف والأمر بالاتفاق ~~يدل على أن الحق لا يكون إلا واحدا ، وإذا كان كذلك كان الناجي واحدا . # المسألة الثانية : استدلت نفاة القياس بهذه الآية ، فقالوا : الأحكام ~~الشرعية إما أن يقال : إنه سبحانه نصب عليها دلائل يقينية أو نصب عليها ~~دلائل ظنية ، فإن كان الأول امتنع الاكتفاء فيها بالقياس الذي يفيد الظن ، ~~لأن الدليل الظني لا يكتفى به في الموضع اليقيني ، وإن كان الثاني كان ~~الأمر بالرجوع إلى تلك الدلائل الظنية يتضمن وقوع الاختلاف ووقوع النزاع ، ~~فكان ينبغي أن لا يكون التفرق والتنازع منهيا عنه ، لكنه منهي عنه لقوله ~~تعالى : { ولا تفرقوا } وقوله { ولا تنازعوا } ولقائل أن يقول : الدلائل ~~الدالة على العمل بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله { ولا تفرقوا } ولعموم ~~قوله { ولا تنازعوا } والله ms2399 أعلم . # ثم قال تعالى : { واذكروا نعمة الله عليكم } واعلم أن نعم الله على الخلق ~~إما دنيوية وإما أخروية وإنه تعالى ذكرهما في هذه الآية ، أما النعمة ~~الدنيوية فهي قوله تعالى : { إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قيل إن ذلك اليهودي لما ألقى الفتنة بين الأوس والخزرج ~~وهم كل واحد منهما بمحاربة صاحبه ، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يزل ~~يرفق بهم حتى سكنت الفتنة وكان / الأوس والخزرج أخوين لأب وأم ، فوقعت ~~بينهما العداوة ، وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك ~~بالإسلام ، فالآية إشارة إليهم وإلى أحوالهم ، فإنهم قبل الإسلام كان يحارب ~~بعضهم بعضا ويبغض بعضهم بعضا ، فلما أكرمهم الله تعالى بالإسلام صاروا ~~إخوانا متراحمين متناصحين وصاروا إخوة في الله : ونظير هذه الآية قوله { لو ~~أنفقت ما فى الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولاكن الله ألف بينهم } ( ~~الأنفال : 63 ) . # واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معاديا لأكثر الخلق ، ومن كان ~~وجهه إلى خدمة الله تعالى لم يكن معاديا لأحد ، والسبب فيه أنه ينظر من ~~الحق إلى الخلق فيرى الكل أسيرا في قبضة القضاء والقدر فلا يعادي أحدا ، ~~ولهذا قيل : إن العارف إذا أمر أمر برفق ويكون ناصحا لا يعنف ويعير فهو ~~مستبصر بسر الله في القدر . # المسألة الثانية : قال الزجاج : أصل الأخ في اللغة من التوخي وهو الطلب ~~فالأخ مقصده مقصد أخيه ، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين ~~صاحبه ما في قلبه ، ولا يخفي عنه شيئا وقال أبو حاتم قال أهل البصرة : ~~الاخوة في النسب والإخوان في الصداقة ، قال وهذا غلط ، قال الله تعالى : { ~~إنما المؤمنون إخوة } ( الحجرات : 10 ) ولم يعن النسب ، وقال : { أو بيوت ~~إخوانكم } ( النور : 61 ) وهذا في النسب . # المسألة الثالثة : قوله { فأصبحتم بنعمته إخوانا } يدل على أن المعاملات ~~الحسنة الجارية بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله ، لأنه تعالى خلق تلك ~~الداعية في قلوبهم وكانت تلك الداعية نعمة من الله ms2400 مستلزمة لحصول الفعل ، ~~وذلك يبطل قول المعتزلة في خلق الأفعال ، قال الكعبي : إن ذلك بالهداية ~~والبيان والتحذير والمعرفة والألطاف . PageV08P143 # قلنا : كل هذا كان حاصلا في زمان حصول المحاربات والمقاتلات ، فاختصاص ~~أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم . # ثم قال تعالى : { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } . # واعلم أنه تعالى لما شرح النعمة الدنيوية ذكر بعدها النعمة الأخروية ، ~~وهي ما ذكره في آخر هذه الآية ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : المعنى أنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم ، لأن جهنم ~~مشبهة بالحفرة التي فيها النار فجعل استحقاقهم للنار بكفرهم كالإشراف منهم ~~على النار ، والمصير منهم إلى حفرتها ، فبين تعالى أنه أنقذهم من هذه ~~الحفرة ، وقد قربوا من الوقوع فيها . # قالت المعتزلة : ومعنى ذلك أنه تعالى لطف بهم بالرسول عليه السلام وسائر ~~ألطافه حتى آمنوا قال أصحابنا : جميع الألطاف مشترك فيه بين المؤمن والكافر ~~، فلو كان فاعل الإيمان وموجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من ~~النار ، والله تعالى حكم بأنه هو الذي أنقذهم من النار ، / فدل هذا على أن ~~خالق أفعال العباد هو الله سبحانه وتعالى . # المسألة الثانية : شفا الشيء حرفه مقصور ، مثل شفا البئر والجمع الإشفاء ~~، ومنه يقال : أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه ، أي حده وحرفه ~~وقوله { فأنقذكم منها } قال الأزهري : يقال نقذته وأنقذته واستنقذته ، أي ~~خلصته ونجيته . # وفي قوله { فأنقذكم منها } سؤال وهو : أنه تعالى إنما ينقذهم من الموضع ~~الذي كانوا فيه وهم كانوا على شفا حفرة ، وشفا الحفرة مذكر فكيف قال منها ؟ ~~. # وأجابوا عنه من وجوه الأول : الضمير عائد إلى الحفرة ولما أنقذهم من ~~الحفرة فقد أنقذهم من شفا الحفرة لأن شفاها منها والثاني : أنها راجعة إلى ~~النار ، لأن القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة ، وهذا قول الزجاج ~~الثالث : أن شفا الحفرة ، وشفتها طرفها ، فجاز أن يخبر عنه بالتذكير ~~والتأنيث . # المسألة الثالثة : أنهم لو ماتوا على الكفر لوقعوا في النار ، فمثلت ~~حياتهم ms2401 التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالعقود على حرفها ، وهذا فيه ~~تنبيه على تحقير مدة الحياة ، فإنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم ~~للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء ، وبين ذلك الشيء ، ثم قال : { ~~كذالك يبين الله } الكاف في موضع نصب ، أي مثل البيان المذكور يبين الله ~~لكم سائر الآيات لكي تهتدوا بها ، قال الجبائي : الآية تدل على أنه تعالى ~~يريد منهم الاهتداء ، أجاب الواحدي عنه في ( البسيط ) فقال : بل المعنى ~~لتكونوا على رجاء هداية . # وأقول : وهذا الجواب ضعيف لأن على هذا التقدير يلزم أن يريد الله منهم ~~ذلك الرجاء ومن المعلوم أن على مذهبنا قد لا يريد ذلك الرجاء ، فالجواب ~~الصحيح أن يقال كلمة ( لعل ) للترجي ، والمعنى أنا فعلنا فعلا يشبه فعل من ~~يترجى ذلك والله أعلم . # PageV08P144 ! 7 < { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولائك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ~~من بعد ما جآءهم البينات وأولائك لهم عذاب عظيم * يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ~~فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ~~* وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خالدون * تلك ءايات الله ~~نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين * ولله ما فى السماوات وما ~~فى الا رض وإلى الله ترجع الا مور } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 104 - 109 ) ولتكن منكم أمة . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى في الآيات المتقدمة عاب أهل الكتاب على شيئين أحدهما : ~~أنه عابهم على الكفر ، فقال : { قل ياأهل الكتاب لم تكفرون } ( آل عمران : ~~70 ) ثم بعد ذلك عابهم على سعيهم في إلقاء الغير في الكفر ، فقال : { قل ~~ياأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله } ( آل عمران : 99 ) فلما انتقل منه ~~إلى مخاطبة المؤمنين أمرهم أولا بالتقوى والإيمان ، فقال : { اتقوا الله حق ~~تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا } ( آل عمران ~~: 102 ، 103 ) ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة ، فقال : ~~{ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ms2402 } وهذا هو الترتيب الحسن الموافق للعقل ، ~~وفي الآية مسألتان : # المسألة الأولى : في قوله { منكم } قولان أحدهما : أن { من } ههنا ليست ~~للتبعيض لدليلين الأول : أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر على كل الأمة في قوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر } ( آل عمران : 110 ) والثاني : هو أنه لا مكلف إلا ويجب ~~عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إما بيده ، أو بلسانه ، أو بقلبه ، ~~ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس إذا ثبت هذا فنقول : معنى هذه الآية ~~كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ، وأما كلمة { من ~~} فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى : { فاجتنبوا الرجس من الاوثان } ~~( الحج : 30 ) ويقال أيضا : لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر ~~يريد بذلك / جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم ، كذا ههنا ، ثم قالوا : إن ~~PageV08P145 ذلك وإن كان واجبا على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط ~~التكليف عن الباقين ، ونظيره قوله تعالى : { انفروا خفافا وثقالا } ( ~~التوبة : 41 ) وقوله { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما } ( التوبة : 39 ) ~~فالأمر عام ، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين . # والقول الثاني : أن { من } ههنا للتبعيض ، والقائلون بهذا القول اختلفوا ~~أيضا على قولين أحدهما : أن فائدة كلمة { من } هي أن في القوم من لا يقدر ~~على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل النساء والمرضى ~~والعاجزين والثاني : أن هذا التكليف مختص بالعلماء ويدل عليه وجهان الأول : ~~أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء : الدعوة إلى الخير ، والأمر ~~بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم ~~بالخير وبالمعروف وبالمنكر / فإن الجاهل ربما عاد إلى الباطل وأمر بالمنكر ~~ونهى عن المعروف ، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن ~~غير منكر ، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة ، وينكر على من لا ~~يزيده إنكاره إلا تماديا ، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء ، ولا ms2403 شك ~~أنهم بعض الأمة ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين } ( التوبة : 122 ) والثاني : أنا جمعنا على ~~أن ذلك واجب على سبيل الكفاية بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين ، ~~وإذا كان كذلك كان المعنى ليقم بذلك بعضكم ، فكان في الحقيقة هذا إيجابا ~~على البعض لا على الكل ، والله أعلم . # وفيه قول رابع : وهو قول الضحاك : إن المراد من هذه الآية أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتعلمون من الرسول عليه السلام ~~ويعلمون الناس ، والتأويل على هذا الوجه كونوا أمة مجتمعين على حفظ سنن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وتعلم الدين . # المسألة الثانية : هذه الآية اشتملت على التكليف بثلاثة أشياء ، أولها : ~~الدعوة إلى الخير ثم الأمر بالمعروف ، ثم النهي عن المنكر ، ولأجل العطف ~~يجب كون هذه الثلاثة متغايرة ، فنقول : أما الدعوة إلى الخير فأفضلها ~~الدعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته وتقديسه عن مشابهة الممكنات وإنما قلنا ~~إن الدعوة إلى الخير تشتمل على ما ذكرنا لقوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة } ( النحل : 125 ) وقوله تعالى : { قل هاذه سبيلى * ادعوا * إلى ~~الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى } ( يوسف : 108 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : الدعوة إلى الخير جنس تحته نوعان أحدهما : الترغيب ~~في فعل ما ينبغي وهو بالمعروف والثاني : الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو ~~النهي عن المنكر فذكر الجنس أولا ثم أتبعه بنوعية مبالغة في البيان ، وأما ~~شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فمذكورة في كتب الكلام . # / ثم قال تعالى : { وأولائك هم المفلحون } وقد سبق تفسيره وفيه مسائل : # المسألة الأولى : منهم من تمسك بهذه الآية في أن الفاسق ليس له أن يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر ، قال لأن هذه الآية تدل على أن الآمر بالمعروف ~~والناهي عن المنكر من المفلحين ، والفاسق ليس من المفلحين ، فوجب أن يكون ~~الآمر بالمعروف ليس بفاسق ، وأجيب عنه بأن هذا ورد على سبيل الغالب فإن ~~الظاهر أن من أمر بالمعروف ونهى عن ms2404 المنكر لم يشرع فيه إلا بعد صلاح أحوال ~~نفسه ، لأن العاقل يقدم مهم PageV08P146 نفسه على مهم الغير ، ثم إنهم ~~أكدوا هذا بقوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ( التوبة : ~~44 ) قوله { لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون } ( الصف : 2 ، 3 ) ولأنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ~~يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت وجهها ؟ ومعلوم أن ذلك في غاية القبح ، ~~والعلماء قالوا : الفاسق له أن يأمر بالمعروف لأنه وجب عليه ترك ذلك المنكر ~~ووجب عليه النهي عن ذلك المنكر ، فبأن ترك أحد الواجبين لا يلزمه ترك ~~الواجب الآخر ، وعن السلف : مروا بالخير وإن لم تفعلوا ، وعن الحسن أنه سمع ~~مطرف بن عبد الله يقول : لا أقول ما لا أفعل ، فقال : وأينا يفعل ما يقول ؟ ~~ود الشيطان لو ظفر بهذه الكلمة منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن ~~المنكر . # المسألة الثانية : عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أمر بالمعروف ونهى ~~عن المنكر كان خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه ) وعن علي رضي ~~الله عنه : أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقال أيضا : من ~~لم يعرف بقلبه معروفا ولم ينكر منكرا نكس وجعل أعلاه أسفله ، وروى الحسن عن ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : يا أيها الناس ائتمروا بالمعروف ~~وانتهوا عن المنكر تعيشوا بخير ، وعن الثوري : إذا كان الرجل محببا في ~~جيرانه محمودا عند إخوانه فاعلم أنه مداهن . # المسألة الثالثة : قال الله سبحانه وتعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغى حتى ~~تفىء إلى أمر } ( الحجرات : 9 ) قدم الإصلاح على القتال ، وهذا يقتضي أن ~~يبدأ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأرفق مترقيا إلى الأغلظ ~~فالأغلظ ، وكذا قوله تعالى : { واهجروهن فى المضاجع واضربوهن } ( النساء : ~~34 ) يدل على ما ذكرناه ، ثم إذا لم يتم الأمر بالتغليظ والتشديد وجب عليه ~~القهر باليد ، فإن عجز فباللسان ، فإن عجز فبالقلب ، وأحوال ms2405 الناس مختلفة ~~في هذا الباب . # ثم قال تعالى : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات } . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في النظم وجهان الأول : أنه تعالى ذكر في الآيات ~~المتقدمة أنه بين في / التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام وصحة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر أن أهل الكتاب حسدوا محمدا صلى الله ~~عليه وسلم واحتالوا في إلقاء الشكوك والشبهات في تلك النصوص الظاهرة ، ثم ~~إنه تعالى أمر المؤمنين بالإيمان بالله والدعوة إلى الله ، ثم ختم ذلك بأن ~~حذر المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب ، وهو إلقاء الشبهات في هذه النصوص ~~واستخراج التأويلات الفاسدة الرافعة لدلالة هذه النصوص فقال : { ولا تكونوا ~~} أيها المؤمنون عند سماع هذه البينات { كالذين تفرقوا واختلفوا } من أهل ~~الكتاب { من بعد ما جاءهم } في التوراة والإنجيل تلك النصوص الظاهرة ، فعلى ~~هذا الوجه تكون الآية من تتمة جملة الآيات المتقدمة والثاني : وهو أنه ~~تعالى لما أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذلك مما لا يتم إلا إذا ~~كان الآمر بالمعروف قادرا على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة والمتغالين ، ~~ولا تحصل هذه القدرة إلا إذا حصلت الإلفة والمحبة بين أهل الحق والدين ، لا ~~جرم حذرهم تعالى من الفرقة والاختلاف لكي لا يصير ذلك سببا لعجزهم عن ~~القيام بهذا التكليف ، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية من تتمة الآية ~~السابقة فقط . PageV08P147 # المسألة الثانية : قوله { تفرقوا واختلفوا } فيه وجوه الأول : تفرقوا ~~واختلفوا بسبب اتباع الهوى وطاعة النفس والحسد ، كما أن إبليس ترك نص الله ~~تعالى بسبب حسده لآدم الثاني : تفرقوا حتى صار كل فريق منهم يصدق من ~~الأنبياء بعضا دون بعض ، فصاروا بذلك إلى العداوة والفرقة الثالث : صاروا ~~مثل مبتدعة هذه الأمة ، مثل المشبهة والقدرية والحشوية . # المسألة الثالثة : قال بعضهم { تفرقوا واختلفوا } معناهما واحد وذكرهما ~~للتأكيد وقيل : بل معناهما مختلف ، ثم اختلفوا فقيل : تفرقوا بالعداوة ~~واختلفوا في الدين ، وقيل : تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من تلك ~~النصوص ، ثم اختلفوا بأن حاول كل واحد ms2406 منهم نصرة قوله ومذهبه والثالث : ~~تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيسا في بلد ، ثم ~~اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق وأن صاحبه على الباطل ، ~~وأقول : إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه ~~الصفة فنسأل الله العفو والرحمة . # المسألة الرابعة : إنما قال : { من بعد ما جاءهم البينات } ولم يقل { ~~جاءتهم } لجواز حذف علامة من الفعل إذا كان فعل المؤنث متقدما . # ثم قال تعالى : { وأولئك لهم عذاب عظيم } يعني الذين تفرقوا لهم عذاب ~~عظيم في الآخرة بسبب تفرقهم ، فكان ذلك زجرا للمؤمنين عن التفرق . # ثم قال تعالى : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } اعلم أنه تعالى لما أمر ~~اليهود ببعض الأشياء ونهاهم عن بعض ، ثم أمر المسلمين بالبعض ونهاهم عن ~~البعض أتبع ذلك بذكر أحوال الآخرة ، تأكيدا للأمر ، وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : في نصب { يوم } وجهان الأول : أنه نصب على الظرف ، ~~والتقدير : ولهم عذاب عظيم في هذا اليوم ، وعلى هذا التقدير ففيه فائدتان ~~إحداهما : أن ذلك العذاب في هذا اليوم ، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن ~~تبيض فيه وجوه وتسود وجوه والثاني : أنه منصوب بإضمار ( اذكر ) . # المسألة الثانية : هذه الآية لها نظائر منها قوله تعالى : { ويوم القيامة ~~ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } ( الزمر : 60 ) ومنها قوله { ولا ~~يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } ( يونس : 26 ) ومنها قوله { وجوه يومئذ * مسفرة ~~* ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة } ( عبسى : 38 41 ~~) ومنها قوله { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * ~~تظن أن يفعل بها فاقرة } ( القيامة : 22 25 ) ومنها قوله { تعرف فى وجوههم ~~نضرة النعيم } ( المطففين : 24 ) ومنها قوله { يعرف المجرمون بسيماهم } ( ~~الرحمن : 41 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : في هذا البياض والسواد والغبرة والقترة والنضرة ~~للمفسرين قولان أحدهما : أن البياض مجاز عن الفرح والسرور ، والسواد عن ~~الغم ، وهذا مجاز مستعمل ، قال تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم } ( النحل : 58 ) ويقال : لفلان ms2407 عندي يد بيضاء ، أي جلية ~~سارة ، ولما سلم الحسن بن علي رضي الله عنه الأمر لمعاوية قال له بعضهم : ~~يا مسود وجوه المؤمنين ، ولبعضهم في الشيب . PageV08P148 # % يا بياض القرون سودت وجهي % % عند بيض الوجوه سود القرون % # % فلعمري لأخفينك جهدي % % عن عياني وعن عيان العيون % # % بسواد فيه بياض لوجهي % % وسواد لوجهك الملعون % # وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه : ابيض وجهه ومعناه الاستبشار ~~والتهلل وعند التهنئة بالسرور يقولون : الحمد لله الذي بيض وجهك ، ويقال ~~لمن وصل إليه مكروه : إربد وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته ، فعلى هذا معنى ~~الآية أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن كان ذلك من الحسنات ~~ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله ، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر ~~أعماله القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن والغم وهذا قول أبي مسلم ~~الأصفهاني . # والقول الثاني : إن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين ~~والكافرين ، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة ، ~~فوجب المصير إليه ، قلت : ولأبي مسلم أن يقول : الدليل دل على ما قلناه ، ~~وذلك لأنه تعالى قال : { وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ ~~عليها غبرة * ترهقها قترة } فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك ~~والاستبشار / فلو لم يكن المراد بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح ~~جعله مقابلا ، فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة والقترة الغم والحزن حتى يصح ~~هذا التقابل ، ثم قال القائلون بهذا القول : الحكمة في ذلك أن أهل / الموقف ~~إذا رأوا البياض في وجه إنسان عرفوا أنه من أهل الثواب فزادوا في تعظيمه ~~فيحصل له الفرح بذلك من وجهين أحدهما : أن السعيد يفرح بأن يعلم قومه أنه ~~من أهل السعادة ، قال تعالى مخبرا عنهم { قال ياليت قومى يعلمون بما غفر لى ~~ربى وجعلنى من المكرمين } ( يس : 26 ، 27 ) الثاني : أنهم إذا عرفوا ذلك ~~خصوه بمزيد التعظيم فثبت أن ظهور البياض في وجه المكلف سبب لمزيد سروره في ~~الآخرة وبهذا الطريق يكون ظهور السواد في وجه الكفار سببا ms2408 لمزيد غمهم في ~~الآخرة ، فهذا وجه الحكمة في الآخرة ، وأما في الدنيا فالمكلف حين يكون في ~~الدنيا إذا عرف حصول هذه الحالة في الآخرة صار ذلك مرغبا له في الطاعات ~~وترك المحرمات لكي يكون في الآخرة من قبيل من يبيض وجهه لا من قبيل من يسود ~~وجهه ، فهذا تقرير هذين القولين . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المكلف إما مؤمن وإما ~~كافر ، وأنه ليس ههنا منزلة بين المنزلتين كما يذهب إليه المعتزلة ، فقالوا ~~: إنه تعالى قسم أهل القيامة إلى قسمين منهم من يبيض وجهه وهم المؤمنون ، ~~ومنهم من يسود وجهه وهم الكافرون ولم يذكر الثالث ، فلو كان ههنا قسم ثالث ~~لذكره الله تعالى قالوا وهذا أيضا متأكد بقوله تعالى : { وجوه يومئذ مسفرة ~~* ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة ~~الفجرة } ( عبسى : 38 42 ) . # أجاب القاضي عنه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه ، يبين ذلك ~~أنه تعالى إنما قال : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } فذكرهما على سبيل ~~التنكير ، وذلك لا يفيد العموم ، وأيضا المذكور في الآية المؤمنون والذين ~~كفروا بعد الإيمان ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل ~~تحت هذين القسمين ، فكذا القول في الفساق . PageV08P149 # واعلم أن وجه الاستدلال بالآية هو أنا نقول : الآيات المتقدمة ما كانت ~~إلا في الترغيب في الإيمان بالتوحيد والنبوة وفي الزجر عن الكفر بهما ثم ~~إنه تعالى اتبع ذلك بهذه الآية فظاهرها يقتضي أن يكون ابيضاض الوجه نصيبا ~~لمن آمن بالتوحيد والنبوة ، واسوداد الوجه يكون نصيبا لمن أنكر ذلك ، ثم دل ~~ما بعد هذه الآية على أن صاحب البياض من أهل الجنة ، وصاحب السواد من أهل ~~النار ، فحينئذ يلزم نفي المنزلة بين المنزلتين ، وأما قوله يشكل هذا ~~بالكافر الأصلي فجوابنا عنه من وجهين الأول : أن نقول لم لا يجوز أن يكون ~~المراد منه أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم ؟ وإذا كان كذلك ~~كان الكل داخلا فيه والثاني : وهو ms2409 أنه تعالى قال في آخر الآية { فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون } فجعل موجب العذاب هو الكفر من حيث إنه كفر لا ~~الكفر من حيث أنه بعد الإيمان ، وإذا وقع التعليل بمطلق الكفر دخل كل ~~الكفار فيه سواء كفر بعد الإيمان ، أو كان كافرا أصليا والله أعلم . # ثم قال : { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } وفي الآية ~~سؤالات : # / السؤال الأول : أنه تعالى ذكر القسمين أولا فقال : { يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه } فقدم البياض على السواد في اللفظ ، ثم لما شرع في حكم هذين ~~القسمين قدم حكم السواد ، وكان حق الترتيب أن يقدم حكم البياض . # والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن الواو للجمع المطلق لا للترتيب وثانيها ~~: أن المقصود من الخلق إيصال الرحمة لا إيصال العذاب قال عليه الصلاة ~~والسلام حاكيا عن رب العزة سبحانه : ( خلقتهم ليربحوا علي لا لأربح عليهم ) ~~وإذا كان كذلك فهو تعالى ابتدأ بذكر أهل الثواب وهم أهل البياض ، لأن تقديم ~~الأشرف على الأخس في الذكر أحسن ، ثم ختم بذكرهم أيضا تنبيها على أن إرادة ~~الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال : ( سبقت رحمتي غضبي ) وثالثها : أن ~~الفصحاء والشعراء قالوا : يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئا يسر الطبع ~~ويشرح الصدر ولا شك أن ذكر رحمة الله هو الذي يكون كذلك فلا جرم وقع ~~الابتداء بذكر أهل الثواب والاختتام بذكرهم . # السؤال الثاني : أين جواب ( أما ) ؟ . # والجواب : هو محذوف ، والتقدير فيقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم ، وإنما ~~حسن الحذف لدلالة الكلام عليه ومثله في التنزيل كثير قال تعالى : { ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم } ( الرعد : 23 ، 24 ) وقال ~~: { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا } ( البقرة ~~: 127 ) وقال : { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا * رؤوسهم * عند ربهم ربنا } ( ~~السجدة : 12 ) . # السؤال الثالث : من المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ؟ . # والجواب : للمفسرين فيه أقوال أحدها : قال أبي بن كعب : الكل آمنوا حال ~~ما استخرجهم من صلب آدم عليه السلام ، فكل من كفر في الدنيا ، فقد كفر ms2410 بعد ~~الإيمان ، ورواه الواحدي في ( البسيط ) بإسناده عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وثانيها : أن المراد : أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو ~~الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوة ، والدليل على صحة هذا ~~التأويل ، قوله تعالى فيما قبل هذه الآية { يشعرون يأهل الكتاب لم ~~PageV08P150 تكفرون بأيات الله وأنتم تشهدون } ( آل عمران : 70 ) فذمهم على ~~الكفر بعد وضوح الآيات ، وقال للمؤمنين { ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } ( آل عمران : 105 ) . # ثم قال ههنا { أكفرتم بعد إيمانكم } فكان ذلك محمولا على ما ذكرناه حتى ~~تصير هذه الآية مقررة لما قبلها ، وعلى هذين الوجهين تكون الآية عامة في حق ~~كل الكفار ، وأما الذين خصصوا هذه الآية ببعض الكفار فلهم وجوه الأول : قال ~~عكرمة والأصم والزجاج المراد أهل الكتاب فإنهم قبل مبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم كانوا مؤمنين به ، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كفروا به الثاني ~~: قال قتادة : المراد الذين كفروا بعد الإيمان بسبب الارتداد الثالث : قال ~~الحسن : / الذين كفروا بعد الإيمان بالنفاق الرابع : قيل هم أهل البدع ~~والأهواء من هذه الأمة الخامس : قيل هم الخوارج ، فإنه عليه الصلاة والسلام ~~قال فيهم : ( إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) وهذان ~~الوجهان الأخيران في غاية البعد لأنهما لا يليقان بما قبل هذه الآية ، ~~ولأنه تخصيص لغير دليل ، ولأن الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة . # السؤال الرابع : ما الفائدة في همزة الاستفهام في قوله { أكفرتم } ؟ . # الجواب : هذا استفهام بمعنى الإنكار ، وهو مؤكد لما ذكر قبل هذه الآية ~~وهو قوله { قل ياأهل * أهل الكتاب لمن * تكفرون بئيات الله والله شهيد على ~~ما تعملون * قل ياأهل * أهل الكتاب لمن * تصدون عن سبيل الله } ( آل عمران ~~: 98 / 99 ) . # ثم قال تعالى : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } . # وفيه فوائد الأولى : أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصا بمن كفر بعد ~~إيمانه ، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه ولمن كان كافرا أصليا ~~الثانية ms2411 : قال القاضي قوله { أكفرتم بعد إيمانكم } يدل على أن الكفر منه لا ~~من الله وكذا قوله { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } الثالثة : قالت ~~المرجئة : الآية تدل على أن كل نوع من أنواع العذاب وقع معللا بالكفر ، ~~وهذا ينفي حصول العذاب لغير الكافر . # ثم قال تعالى : { وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خالدون ~~} وفيه سؤالات : # السؤال الأول : ما المراد برحمة الله ؟ . # الجواب : قال ابن عباس : المراد الجنة ، وقال المحققون من أصحابنا : هذا ~~إشارة إلى أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمة الله ، ~~وكيف لا نقول ذلك والعبد ما دامت داعيته إلى الفعل وإلى الترك على السوية ~~يمتنع منه الفعل ؟ فإذن ما لم يحصل رجحان داعية الطاعة امتنع أن يحصل منه ~~الطاعة وذلك الرجحان لا يكون إلا بخلق الله تعالى ، فإذن صدور تلك الطاعة ~~من العبد نعمة من الله في حق العبد فكيف يصير ذلك موجبا على الله شيئا ، ~~فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل الله وبرحمته وبكرمه لا باستحقاقنا . # السؤال الثاني : كيف موقع قوله { هم فيها خالدون } بعد قوله { ففى رحمة ~~الله } . # الجواب : كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فقيل هم فيها خالدون لا يظعنون ~~عنها ولا يموتون . # السؤال الثالث : الكفار مخلدون في النار كما أن المؤمنين مخلدون في الجنة ~~، ثم إنه تعالى لم ينص على خلود أهل النار في هذه الآية مع أنه نص على خلود ~~أهل الجنة فيها فما الفائدة ؟ . PageV08P151 # والجواب : كل ذلك إشعارات بأن جانب الرحمة أغلب ، وذلك لأنه ابتدأ في ~~الذكر بأهل الرحمة وختم بأهل الرحمة ، ولما ذكر العذاب ما أضافه إلى نفسه ، ~~بل قال : { فذوقوا العذاب } مع أنه ذكر / الرحمة مضافة إلى نفسه حيث قال : ~~{ ففى رحمة الله } ولما ذكر العذاب ما نص على الخلود مع أنه نص على الخلود ~~في جانب الثواب ، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم فقال : { فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون } ولما ذكر الثواب علله برحمته فقال : { ففى رحمة الله } ثم ~~قال في آخر الآية ms2412 { وما الله يريد ظلما للعالمين } وهذا جار مجرى الاعتذار ~~عن الوعيد بالعقاب ، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب ، يا أرحم ~~الراحمين لا تحرمنا من برد رحمتك ومن كرامة غفرانك وإحسانك . # ثم قال تعالى : { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } فقوله { تلك } فيه ~~وجهان الأول : المراد أن هذه الآيات التي ذكرناها هي دلائل الله ، وإنما ~~جاز إقامة { تلك } مقام { هاذه } لأن هذه الآيات المذكورة قد انقضت بعد ~~الذكر ، فصار كأنها بعدت فقيل فيها { تلك } والثاني : إن الله تعالى وعده ~~أن ينزل عليه كتابا مشتملا على كل ما لابد منه في الدين ، فلما أنزل هذه ~~الآيات قال : تلك الآيات الموعودة هي التي نتلوها عليك بالحق ، وتمام ~~الكلام في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة في تفسير قوله { ذالك الكتاب ~~} ( البقرة : 2 ) وقوله { بالحق } فيه وجهان الأول : أي ملتبسة بالحق ~~والعدل من إجزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه الثاني : بالحق ، أي بالمعنى ~~الحق ، لأن معنى التلو حق . # ثم قال تعالى : { وما الله يريد ظلما للعالمين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إنما حسن ذكر الظلم ههنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة ~~وهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين ، فكأنه تعال يعتذر عن ذلك وقال إنهم ما ~~وقعوا فيه إلا بسبب أفعالهم المنكرة / فإن مصالح العالم لا تستقيم إلا ~~بتهديد المذنبين ، وإذا حصل هذا التهديد فلا بد من التحقيق دفعا للكذب ، ~~فصار هذا الاعتذار من أدل الدلائل ، على أن جانب الرحمة غالب ، ونظيره قوله ~~تعالى في سورة ( عم ) بعد أن ذكر وعيد الكفار { إنهم كانوا لا يرجون حسابا ~~* وكذبوا بئاياتنا كذابا } ( النبأ : 27 ، 28 ) أي هذا الوعيد الشديد إنما ~~حصل بسبب هذه الأفعال المنكرة . # المسألة الثانية : قال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه سبحانه لا يريد ~~شيئا من القبائح لا من أفعاله ولا من أفعال عباده ، ولا يفعل شيئا من ذلك ، ~~وبيانه : وهو أن الظلم إما أن يفرض صدوره من الله تعالى ، أو من العبد ، ~~وبتقدير صدوره من العبد ، فإما أن يظلم نفسه وذلك بسبب إقدامه ms2413 على المعاصي ~~أو يظلم غيره ، فأقسام الظلم هي هذه الثلاثة ، وقوله تعالى : { وما الله ~~يريد ظلما للعالمين } نكرة في سياق النفي ، فوجب أن لا يريد شيئا مما يكون ~~ظلما ، سواء كان ذلك صادرا عنه أو صادرا عن غيره ، فثبت أن هذه الآية تدل ~~على أنه لا يريد شيئا من هذه الأقسام الثلاثة ، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا ~~يكون فاعلا لشيء من هذه الأقسام ، ويلزم منه أن لا يكون فاعلا للظلم أصلا ~~ويلزم أن لا يكون فاعلا لأعمال العباد ، لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم ~~وظلم بعضهم بعضا ، وإنما قلنا : إن الآية تدل على كونه تعالى غير فاعل ~~للظلم ألبتة لأنها دلت على أنه غير مريد لشيء منها ، / ولو كان فاعلا لشيء ~~من أقسام الظلم لكان مريدا لها ، وقد بطل ذلك ، قالوا : فثبت بهذه الآية ~~أنه تعالى غير فاعل للظلم ، وغير فاعل لأعمال العباد ، وغير مريد للقبائح ~~من أفعال العباد ، ثم قالوا : إنه PageV08P152 تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك ~~، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريدا له ، فدلت ~~هذه الآية على كونه تعالى قادرا على الظلم وعند هذا تبجحوا وقالوا : هذه ~~الآية الواحدة وافية بتقرير جميع أصول المعتزلة في مسائل العدل ، ثم قالوا ~~: ولما ذكر تعالى أنه لا يريد الظلم ولا يفعل الظلم قال بعده { ولله ما فى ~~* السماوات وما في الارض * وإلى الله ترجع الامور } وإنما ذكر هذه الآية ~~عقيب ما تقدم لوجهين الأول : أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح ~~استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح إما للجهل ، أو العجز ، أو ~~الحاجة ، وكل ذلك على الله محال لأنه مالك لكل ما في السماوات وما في الأرض ~~، وهذه المالكية تنافي الجهل والعجز والحاجة ، وإذا امتنع ثبوت هذه الصفات ~~في حقه تعالى امتنع كونه فاعلا للقبيح والثاني : أنه تعالى لما ذكر أنه لا ~~يريد الظلم بوجه من الوجوه كان لقائل أن يقول : إنا نشاهد وجود الظلم في ~~العالم ، فإذا لم ms2414 يكن وقوعه بإرادته كان على خلاف إرادته ، فيلزم كونه ~~ضعيفا عاجزا مغلوبا وذلك محال . # فأجاب الله تعالى عنه بقوله { ولله ما فى * السماوات وما في الارض } أي ~~أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر ، ~~ولما كان قادرا على ذلك خرج عن كونه عاجزا ضعيفا لا أنه تعالى أراد منهم ~~ترك المعصية اختيارا وطوعا ليصيروا بسبب ذلك مستحقين للثواب فلو قهرهم على ~~ترك المعصية لبطلت هذه الفائدة ، فهذا تلخيص كلام المعتزلة في هذه الآية ، ~~وربما أوردوا هذا الكلام من وجه آخر ، فقالوا : المراد من قوله { وما الله ~~يريد ظلما للعالمين } إما أن يكون هو لا يريد أن يظلمهم أو أنه لا يريد ~~منهم أن يظلم بعضهم بعضا فإن كان الأول فهذا لا يستقيم على قولكم ، لأن ~~مذهبكم أنه تعالى لو عذب البريء عن الذنب بأشد العذاب لم يكن ظلما / بل كان ~~عادلا ، لأن الظلم تصرف في ملك الغير ، وهو تعالى إنما يتصرف في ملك نفسه ~~فاستحال كونه ظالما وإذا كان كذلك لم يكن حمل الآية على أنه لا يريد أن ~~يظلم الخلق وإن حملتم الآية على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضا ، ~~فهذا أيضا لا يتم على قولكم لأن كل ذلك بإرادة الله وتكوينه على قولكم ، ~~فثبت أن على مذهبكم لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح والجواب : لم لا يجوز ~~أن يكون المراد أنه تعالى لا يريد أن يظلم أحدا من عباده ؟ قوله الظلم منه ~~محال على مذهبكم فامتنع التمدح به قلنا : الكلام عليه من وجهين الأول : أنه ~~تعالى تمدح بقوله { لا تأخذه سنة ولا نوم } ( البقرة : 255 ) وبقوله { وهو ~~يطعم ولا يطعم } ( الأنعام : 14 ) ولا يلزم من ذلك صحة النوم والأكل عليه ~~فكذا ههنا الثاني : أنه تعالى إن عذب من لم يكن مستحقا للعذاب فهو وإن لم ~~يكن ظلما في نفسه لكنه في صور الظلم ، وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على ~~الآخر كقوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) ونظائره كثيرة ms2415 في ~~القرآن هذا تمام / الكلام في هذه المناظرة . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بقوله { ولله ما فى * السماوات وما في ~~الارض } على كونه خالقا لأعمال العباد ، فقالوا لا شك أن أفعال العباد من ~~جملة ما في السماوات والأرض ، فوجب كونها له بقوله { ولله ما فى * السماوات ~~وما في الارض } وإنما يصح قولنا : إنها له لو كانت مخلوقة له فدلت هذه ~~الآية على أنه خالق لأفعال العباد . # أجاب الجبائي عنه بأن قوله { لله } إضافة ملك لا إضافة فعل ، ألا ترى أنه ~~يقال : هذا البناء لفلان PageV08P153 فيريدون أنه مملوكه لا أنه مفعوله ، ~~وأيضا المقصود من الآية تعظيم الله لنفسه ومدحه لإلاهية نفسه ، ولا يجوز أن ~~يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الفواحش والقبائح ، وأيضا فقوله { ما في السماوات ~~وما في الارض } إنما يتناول ما كان مظروفا في السماوات والأرض وذلك من صفات ~~الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض . # أجاب أصحابنا عنه بأن هذه الإضافة إضافة الفعل بدليل أن القادر على ~~القبيح والحسن لا يرجح الحسن على القبيح إلا إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى ~~فعل الحسن ، وتلك الداعية حاصلة بتخليق الله تعالى دفعا للتسلسل ، وإذا كان ~~المؤثر في حصول فعل العبد هو مجموع القدرة والداعية ، وثبت أن مجموع القدرة ~~والداعية بخلق الله تعالى ثبت أن فعل العبد مستند إلى الله تعالى خلقا ~~وتكوينا بواسطة فعل السبب ، فهذا تمام القول في هذه المناظرة . # المسألة الرابعة : قوله تعالى { ولله ما فى * السماوات وما في الارض } ~~زعمت الفلاسفة أنه إنما قدم ذكر ما في السماوات على ذكر ما في الأرض لأن ~~الأحوال السماوية أسباب للأحوال الأرضية ، فقدم السبب على المسبب ، وهذا ~~يدل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأحوال السماوية ، ولا شك أن ~~الأحوال السماوية مستندة إلى خلق الله وتكوينه فيكون الجبر لازما أيضا من ~~هذا الوجه . # المسألة الخامسة : قال تعالى : { ولله ما فى * السماوات وما في الارض * ~~وإلى الله ترجع الامور } فأعاد ذكر الله في أول الآيتين والغرض منه تأكيد ~~التعظيم ، والمقصود ms2416 أن تمنه مبدأ المخلوقات وإليه معادهم ، فقوله { ولله ما ~~فى * السماوات وما في الارض } إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول وقوله { وإلى ~~الله ترجع الامور } إشارة إلى أنه هو الآخر ، وذلك يدل إحاطة حكمه وتصرفه ~~وتدبيره بأولهم وآخرهم ، وأن الأسباب منتسبة إليه وأن الحاجات منقطعة عنده ~~. # المسألة السادسة : كلمة { إلى } في قوله { وإلى الله ترجع الامور } لا ~~تدل على كونه تعالى في مكان وجهة / بل المراد أن رجوع الخلق إلى موضع لا ~~ينفذ فيه حكم أحد إلا حكمه ولا يجري فيه قضاء أحد إلا قضاؤه . # ! 7 < { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون بالله ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون * لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الا دبار ثم لا ينصرون } ~~. > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 110 - 111 ) كنتم خير أمة . . . . . # > > PageV08P154 @155@ # / في النظم وجهان الأول : أنه تعالى لما أمر المؤمنين ببعض الأشياء ~~ونهاهم عن بعضها وحذرهم من أن يكونوا مثل أهل الكتاب في التمرد والعصيان ، ~~وذكر عقيبه ثواب المطيعين وعقاب الكافرين ، كان الغرض من كل هذه الآيات حمل ~~المؤمنين المكلفين على الانقياد والطاعة ومنعهم عن التمرد والمعصية ، ثم ~~إنه تعالى أردف ذلك بطريق آخر يقتضي حمل المؤمنين على الانقياد والطاعة ~~فقال { كنتم خير أمة } والمعنى أنكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الأمم ~~وأفضلهم ، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة ، وأن لا ~~تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة ، وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ~~ما يتوجه عليكم من التكاليف الثاني : أن الله تعالى لما ذكر كمال حال ~~الأشقياء وهو قوله { فأما الذين اسودت وجوههم } ( آل عمران : 106 ) وكمال ~~حال السعداء وهو قوله { وأما الذين ابيضت وجوههم } ( آل عمران : 107 ) نبه ~~على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله { وما الله يريد ظلما للعالمين } ( ~~آل عمران : 108 ) يعني أنهم إنما استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة ، ثم نبه في ~~هذه الآية على ما هو السبب لوعد السعداء بقوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~} أي ms2417 تلك السعادات والكمالات والكرامات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم ~~كانوا في الدنيا { خير أمة أخرجت للناس } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : لفظة { كان } قد تكون تامة وناقصة وزائدة على ما هو ~~مشروح في النحو واختلف المفسرون في قوله { كنتم } على وجوه الأول : أن ( ~~كان ) ههنا تامة بمعنى الوقوع والحدوث وهو لا يحتاج إلى خبر ، والمعنى : ~~حدثتم خير أمة ووجدتم وخلقتم خير أمة ، ويكون قوله { خير أمة } بمعنى الحال ~~وهذا قول جمع من المفسرين الثاني : أن ( كان ) ههنا ناقصة وفيه سؤال : / ~~وهو أن هذا يوهم أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة وأنهم ما بقوا الآن عليها . # والجواب عنه : أن قوله ( كان ) عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل ~~الإبهام ، ولا يدل ذلك على انقطاع طارىء بدليل قوله { استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا } ( نوح : 10 ) قوله { وكان الله غفورا رحيما } ( الفتح : 14 ) ~~إذا ثبت هذا فنقول : للمفسرين على هذا التقدير أقوال أحدها : كنتم في علم ~~الله خير أمة وثانيها : كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير ~~أمة وهو كقوله { أشداء على الكفار رحماء بينهم } ( الفتح : 29 ) إلى قوله { ~~ذلك مثلهم فى التوراة } ( الفتح : 29 ) فشدتهم على الكفار أمرهم بالمعروف ~~ونهيهم عن المنكر وثالثها : كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة ~~ورابعها : كنتم منذ آمنتم خير أمة أخرجت للناس وخامسها : قال أبو مسلم قوله ~~{ كنتم خير أمة } تابع لقوله { وأما الذين ابيضت وجوههم } ( آل عمران : 107 ~~) والتقدير : أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة : كنتم في دنياكم خير أمة ~~فاستحقيتم ما أنتم فيه من الرحمة وبياض الوجه بسببه ، ويكون ما عرض بين أول ~~القصة وآخرها كما لا يزال يعرض في القرآن من مثله وسادسها : قال بعضهم : لو ~~شاء الله تعالى لقال ( أنتم ) وكان هذا التشريف حاصلا لكلنا ولكن قوله { ~~كنتم } مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وهم السابقون ~~الأولون ، ومن صنع مثل ما صنعوا وسابعها : كنتم مذ آمنتم خير أمة تنبيها ~~على أنهم كانوا ms2418 موصوفين بهذه الصفة مذ كانوا . # الاحتمال الثالث : أن يقال ( كان ) ههنا زائدة ، وقال بعضهم قوله { كنتم ~~خير أمة } هو كقوله { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } ( الأعراف : 86 ) ~~وقال في موضع آخر { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون } ( الأنفال : 26 ) ~~وإضمار كان وإظهارها سواء إلا أنها تذكر للتأكيد ووقوع الأمر لا محالة : ~~قال ابن الأنباري : هذا القول ظاهر PageV08P155 الاختلال ، لأن ( كان ) ~~تلغى متوسطة ومؤخرة ، ولا تلغى متقدمة ، تقول العرب : عبد الله كان قائم ، ~~وعبد الله قائم كان على أن كان ملغاة ، ولا يقولون : كان عبد الله قائم على ~~إلغائها ، لأن سبيلهم أن يبدؤا بما تنصرف العناية إليه ، والمعنى لا يكون ~~في محل العناية ، وأيضا لا يجوز إلغاء الكون في الآية لانتصاب خبره ، وإذا ~~عمل الكون في الخبر فنصبه لم يكن ملغى . # الاحتمال الرابع : أن تكون ( كان ) بمعنى صار ، فقوله { كنتم خير أمة } ~~معناه صرتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، أي ~~صرتم خير أمة بسبب كونكم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ومؤمنين بالله . # ثم قال : { ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم } يعني كما أنكم اكتسبتم ~~هذه الخيرية بسبب هذه الخصال ، فأهل الكتاب لو آمنوا لحصلت لهم أيضا صفة ~~الخيرية والله أعلم . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة ، ~~وتقريره من وجهين الأول : قوله تعالى : { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق } ( ~~الأعراف : 159 ) ثم قال في هذه الآية { كنتم خير أمة } فوجب / بحكم هذه ~~الآية أن تكون هذه الآية أفضل من أولئك الذين يهدون بالحق من قوم موسى ، ~~وإذا كان هؤلاء أفضل منهم وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق إذ لو ~~جاز في هذه الآية أن تحكم بما ليس بحق لامتنع كون هذه الأمة أفضل من الأمة ~~التي تهدي بالحق ، لأن المبطل يمتنع أن يكون خيرا من المحق ، فثبت أن هذه ~~الأمة لا تحكم إلا بالحق ، وإذا كان كذلك كان إجماعهم حجة . # الوجه الثاني : وهو ( أن الألف واللام ) في لفظ { المعروف } ولفظ ms2419 { ~~المنكر } يفيدان الاستغراق ، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف ، وناهين عن ~~كل منكر ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقا وصدقا لا محالة فكان حجة ، ~~والمباحث الكثيرة فيه ذكرناها في الأصول . # المسألة الثالثة : قال الزجاج : قوله { كنتم خير أمة } ظاهر الخطاب فيه ~~مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه عام في كل الأمة ، ونظيره قوله ~~{ كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) { كتاب * عليم * القصاص } ( البقرة ~~: 178 ) فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ ، ولكنه عام في حق الكل ~~كذا ههنا . # المسألة الرابعة : قال القفال رحمه الله : أصل الأمة الطائفة المجتمعة ~~على الشيء الواحد فأمة نبينا صلى الله عليه وسلم هم الجماعة الموصوفون ~~بالإيمان به والإقرار بنبوته ، وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته أنهم أمته إلا ~~أن لفظ الأمة إذا أطلقت وحدها وقع على الأول ، ألا ترى أنه إذا قيل أجمعت ~~الأمة على كذا فهم منه الأول وقال عليه الصلاة والسلام : ( أمتي لا تجتمع ~~على ضلالة ) وروي أنه عليه الصلاة والسلام يقول يوم القيامة ( أمتي أمتي ) ~~فلفظ الأمة في هذه المواضع وأشباهها يفهم منه المقرون بنبوته / فأما أهل ~~دعوته فإنه إنما يقال لهم : إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم إلا لفظ الأمة ~~بهذا الشرط . # أما قوله { أخرجت للناس } ففيه قولان الأول : أن المعنى كنتم خير الأمم ~~المخرجة للناس في جميع الأعصار ، فقوله { أخرجت للناس } أي أظهرت للناس حتى ~~تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها والثاني : أن قوله { للناس } من تمام ~~قوله { كنتم } والتقدير : كنتم للناس خير أمة ، ومنهم من قال : PageV08P156 ~~{ أخرجت } صلة ، والتقدير : كنتم خير أمة للناس . # ثم قال : { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } . # واعلم أن هذا كلام مستأنف ، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية ، كما ~~تقول : زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم ، وتحقيق الكلام أنه ~~ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك ~~الحكم معللا بذلك الوصف ، فههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة ، ~~ثم ذكر عقيبه هذا ms2420 الحكم وهذه الطاعات ، أعني الأمر / بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والإيمان ، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات . # وههنا سؤالات : # السؤال الأول : من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والإيمان بالله كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت ~~حاصلة في سائر الأمم ؟ . # والجواب : قال القفال : تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل ~~لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال لأن ~~الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد ، وأقواها ما يكون بالقتال ~~، لأنه إلقاء النفس في خطر القتل وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان ~~بالتوحيد والنبوة ، وأنكر المنكرات : الكفر بالله ، فكان الجهاد في الدين ~~محملا لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع ، وتخليصه من أعظم ~~المضار ، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات ، ولما كان أمر الجهاد في ~~شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع ، لا جرم صار ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على ~~سائر الأمم ، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية : ~~قوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس } تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إلاه إلا الله ~~ويقروا بما أنزل الله ، وتقاتلونهم عليه و ( لا إلاه إلا الله ) أعظم ~~المعروف ، والتكذيب هو أنكر المنكر . # ثم قال القفال : فائدة القتال على الدين لا ينكره منصف ، وذلك لأن أكثر ~~الناس يحبون أديانهم بسبب الألف والعادة ، ولا يتأملون في الدلائل التي ~~تورد عليهم فإذا أكره على الدخول في الدين بالتخويف بالقتل دخل فيه ، ثم لا ~~يزال يضعف ما في قلبه من حب الدين الباطل ، ولا يزال يقوى في قلبه حب الدين ~~الحق إلى أن ينتقل من الباطل إلى الحق ، ومن استحقاق العذاب الدائم إلى ~~استحقاق الثواب الدائم . # السؤال الثاني : لم قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان ~~بالله في الذكر مع أن الإيمان بالله لا بد وأن يكون مقدما على كل الطاعات ؟ ~~. # والجواب : أن الإيمان بالله أمر مشترك فيه بين جميع الأمم المحقة ، ثم ~~إنه تعالى فضل هذه الأمة ms2421 على سائر الأمم المحقة ، فيمتنع أن يكون المؤثر في ~~حصول هذه الخيرية هو الإيمان الذي هو القدر المشترك بين الكل ، بل المؤثر ~~في حصول هذه الزيادة هو كون هذه الأمة أقوى حالا في الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر من سائر الأمم ، فإذن المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما الإيمان بالله فهو شرط لتأثير هذا المؤثر ~~في هذا الحكم لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يصر شيء من الطاعات مؤثرا في ~~PageV08P157 صفة الخيرية ، فثبت أن الموجب لهذه الخيرية هو كونهم آمرين ~~بالمعروف ناهين عن المنكر / وأما إيمانهم فذاك شرط التأثير ، والمؤثر ألصق ~~/ بالأثر من شرط التأثير ، فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر على ذكر الإيمان . # السؤال الثالث : لم اكتفى بذكر الإيمان بالله ولم يذكر الإيمان بالنبوة ~~مع أنه لا بد منه . # والجواب : الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالنبوة ، لأن الإيمان بالله لا ~~يحصل إلا إذا حصل الإيمان بكونه صادقا ، والإيمان بكونه صادقا لا يحصل إلا ~~إذا كان الذي أظهر المعجز على وفق دعواه صادقا لأن المعجز قائم مقام ~~التصديق بالقول ، فلما شاهدنا ظهور المعجز على وفق دعوى محمد صلى الله عليه ~~وسلم كان من ضرورة الإيمان بالله الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~فكان الاقتصار على ذكر الإيمان بالله تنبيها على هذه الدقيقة . # ثم قال تعالى : { ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم } وفيه وجهان الأول ~~: ولو آمن أهل الكتاب بهذا الدين الذي لأجله حصلت صفة الخيرية لأتباع محمد ~~عليه الصلاة والسلام لحصلت هذه الخيرية أيضا لهم ، فالمقصود من هذا الكلام ~~ترغيب أهل الكتاب في هذا الدين الثاني : إن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم ~~على دين الإسلام حبا للرياسة واستتباع العلوم ولو آمنوا لحصلت لهم هذه ~~الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة ، فكان ذلك خيرا لهم مما ~~قنعوا به . # واعلم أنه تعالى أتبع هذا الكلام بجملتين على سبيل الابتداء من غير عاطف ~~إحداهما : قوله { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ms2422 } ( آل عمران : 110 ) ~~وثانيتهما : قوله { لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ~~ينصرون } قال صاحب ( الكشاف ) : هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند ~~إجراء ذكر أهل الكتاب ، كما يقول القائل : وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت ~~وكيت ، ولذلك جاء { من } غير عاطف . # أما قوله { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ففيه سؤالان : # السؤال الأول : الألف واللام في قوله { المؤمنون } للاستغراق أو للمعهود ~~السابق ؟ . # والجواب : بل للمعهود السابق ، والمراد : عبد الله بن سلام ورهطه من ~~اليهود ، والنجاشي ورهطه من النصارى . # السؤال الثاني : الوصف إنما يذكر للمبالغة فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر ~~بأنه فاسق . # والجواب : الكافر قد يكون عدلا في دينه وقد يكون فاسقا في دينه فيكون ~~مردودا عند الطوائف كلهم ، لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره ، والكفار لا ~~يقبلونه لكونه فاسقا فيما بينهم ، فكأنه قيل أهل الكتاب فريقان : منهم من ~~آمن ، والذين ما آمنوا فهم فاسقون في أديانهم ، فليسوا ممن يجب الاقتداء ~~بهم ألبتة عند أحد من العقلاء . # أما قوله تعالى : { لن يضروكم إلا أذى } فاعلم أنه تعالى لما رغب ~~المؤمنين في التصلب في إيمانهم / وترك الالتفات إلى أقوال الكفار وأفعالهم ~~بقوله { كنتم خير أمة } رغبهم فيه من وجه آخر ، وهو أنهم لا قدرة لهم على ~~الاضرار بالمسلمين إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به ، ولو أنهم قاتلوا ~~المسلمين صاروا منهزمين مخذولين ، وإذا كان كذلك لم يجب الالتفات إلى ~~أقوالهم وأفعالهم ، وكل ذلك تقرير لما تقدم من PageV08P158 قوله { إن ~~تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } ( آل عمران : 100 ) فهذا وجه النظم ، ~~فأما قوله { لن يضروكم إلا أذى } فمعناه : أنه ليس على المسلمين من كفار ~~أهل الكتاب ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان ، إما بالطعن في محمد ~~وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وإما بإظهار كلمة الكفر ، كقولهم { عزير ابن ~~الله } ( التوبة : 30 ) و { المسيح ابن الله } ( التوبة : 30 ) و { الله ~~ثالث ثلاثة } ( المائدة : 73 ) وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل ، وإما ~~بإلقاء الشبه في الأسماع ، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين ms2423 ، ومن الناس من ~~قال : إن قوله { إلا أذى } استثناء منقطع وهو بعيد ، لأن كل الوجوه ~~المذكورة يوجب وقوع الغم في قلوب المسلمين والغم ضرر ، فالتقدير لا يضروكم ~~إلا الضرر الذي هو الأذى ، فهو استثناء صحيح ، والمعنى لن يضروكم إلا ضررا ~~يسيرا ، والأذى وقع موقع الضرر ، والأذى مصدر أذيت الشيء أذى . # ثم قال تعالى : { وإن يقاتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون } وهو إخبار ~~بأنهم لو قاتلوا المسلمين لصاروا منهزمين مخذولين { ثم لا ينصرون } أي إنهم ~~بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة ولا قوة البتة ، ومثله قوله تعالى : ~~{ ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبار ثم لا ينصرون } ( ~~الحشر : 12 ) قوله { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم } ( آل عمران ~~: 12 ) وقوله { نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر } ( القمر : 44 ~~، 45 ) وكل ذلك وعد بالفتح والنصرة والظفر . # واعلم أن هذه الآية اشتملت على الإخبار عن غيوب كثيرة ، منها أن المؤمنين ~~آمنون من ضررهم ، ومنها أنهم لو قاتلوا المؤمنين لانهزموا ، ومنها أنه لا ~~يحصل لهم قوة وشوكة بعد الانهزام وكل هذه الأخبار وقعت كما أخبر الله عنها ~~، فإن اليهود لم يقاتلوا إلا انهزموا ، وما أقدموا على محاربة وطلب رياسة ~~إلا خذلوا ، وكل ذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزا وههنا سؤالات : # السؤال الأول : هب أن اليهود كذلك ، لكن النصارى ليسوا كذلك فهذا يقدح في ~~صحة هذه الآيات قلنا : هذه الآيات مخصوصة باليهود ، وأسباب النزول على ذلك ~~فزال هذا الإشكال . # السؤال الثاني : هلا جزم قوله { ثم لا ينصرون } . # قلنا : عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الأخبار ابتداء كأنه قيل أخبركم ~~أنهم لا ينصرون ، والفائدة فيه أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيدا بمقاتلتهم ~~كتولية الأدبار ، وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا كأنه قال : ثم شأنهم ~~وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم لا يجدون النصرة بعد ~~ذلك قط بل يبقون في الذلة والمهانة أبدا دائما . # / السؤال الثالث : ما الذي عطف عليه قوله { ثم لا ينصرون } ؟ . # الجواب : هو جملة ms2424 الشرط والجزاء ، كأنه قيل : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ~~ينهزموا ، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون وإنما ذكر لفظ { ثم } لإفادة معنى ~~التراخي في المرتبة ، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الاخبار ~~بتوليتهم الأدبار . # PageV08P159 ! 7 < { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذالك بأنهم كانوا ~~يكفرون بأايات الله ويقتلون الا نبيآء بغير حق ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون ~~} . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 112 ) ضربت عليهم الذلة . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما بين أنهم إن قاتلوا رجعوا مخذولين غير منصورين ~~ذكر أنهم مع ذلك قد ضربت عليهم الذلة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قد ذكرنا تفسير هذه اللفظة في سورة البقرة ، والمعنى ~~جعلت الذلة ملصقة ربهم كالشيء يضرب على الشيء فيلصق به ، ومنه قولهم : ما ~~هذا علي بضربة لازب ، ومنه تسمية الخراج ضريبة . # المسألة الثانية : الذلة هي الذل ، وفي المراد بهذا الذل أقوال الأول : ~~وهو الأقوى أن المراد أن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم وتسبى ذراريهم ~~وتملك أراضيهم فهو كقوله تعالى : { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } ( البقرة : 191 ~~) . # ثم قال تعالى : { إلا بحبل من الله } والمراد إلا بعهد من الله وعصمة ~~وذمام من الله ومن المؤمنين لأن عند ذلك تزول الأحكام ، فلا قتل ولا غنيمة ~~ولا سبي الثاني : أن هذه الذلة هي الجزية ، وذلك لأن ضرب الجزية عليهم يوجب ~~الذلة والصغار والثالث : أن المراد من هذه الذلة أنك لا ترى فيهم ملكا ~~قاهرا ولا رئيسا معتبرا ، بل هم مستخفون في جميع البلاد ذليلون مهينون . # واعلم أنه لا يمكن أن يقال المراد من الذلة هي الجزية فقط أو هذه المهانة ~~فقط لأن قول { إلا بحبل من الله } يقتضي زوال تلك الذلة عند حصول هذا الحبل ~~والجزية والصغار والدناءة لا يزول شيء منها عند حصول هذا الحبل ، فامتنع ~~حمل الذلة على الجزية فقط ، وبعض من نصر هذا القول ، أجاب عن هذا السؤال ~~بأن قال : إن هذا الاستثناء منقطع ، وهو قول محمد بن جرير الطبري ، فقال : ~~اليهود ms2425 قد ضربت عليهم الذلة ، سواء كانوا على عهد من الله أو لم يكونوا فلا ~~يخرجون بهذا الاستثناء من الذلة إلى العزة ، فقوله { إلا بحبل من الله } ~~تقديره لكن قد يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس . واعلم أن هذا ضعيف لأن ~~حمل لفظ { إلا } على ( لكن ) خلاف الظاهر ، وأيضا إذا حملنا الكلام على أن ~~المراد : لكن قد يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس لم يتم هذا القدر فلا ~~بد من إضمار الشيء الذي يعتصمون بهذه الأشياء لأجل الحذر عنه والإضمار خلاف ~~الأصل ، فلا يصار إلى هذه الأشياء إلا عند الضرورة فإذا كان لا ضرورة ههنا ~~إلى ذلك كان المصير إليه غير جائز ، بل ههنا وجه آخر وهو أن يحمل الذلة على ~~كل هذه الأشياء أعني : القتل ، والأسر ، وسبي PageV08P160 الذراري ، وأخذ ~~المال ، وإلحاق الصغار ، والمهانة ، ويكون فائدة الاستثناء هو أنه لا يبقى ~~مجموع هذه الأحكام ، وذلك لا ينافي بقاء بعض هذه الأحكام ، وهو أخذ القليل ~~من أموالهم الذي هو مسمى بالجزية ، وبقاء المهانة والحقارة والصغار فيهم ، ~~فهذا هو القول في هذا الموضع ، وقوله { أينما ثقفوا } أي وجدوا وصودفوا ، ~~يقال : ثقفت فلانا في الحرب أي أدركته ، وقد مضى الكلام فيه عند قوله { حيث ~~ثقفتموهم } ( البقرة : 191 ) . # المسألة الثالثة : قوله { إلا بحبل من الله } فيه وجوه الأول : قال ~~الفراء : التقدير إلا أن يعتصموا بحبل من الله ، وأنشد على ذلك : # % رأتني بحبلها فصدت مخافة % % وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق % # واعترضوا عليه / فقالوا : لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته ، لأن الموصول ~~هو الأصل والصلة فرع فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه ، أما حذف الأصل ~~وإبقاء الفرع فهو غير جائز الثاني : أن هذا الاستثناء واقع على طريق المعنى ~~، لأن معنى ضرب الذلة لزومها إياهم على أشد الوجوه بحيث لا تفارقهم ولا ~~تنفك عنهم ، فكأنه قيل : لا تنفك عنهم الذلة ، ولن يتخلصوا إلا بحبل من ~~الله وحبل من الناس الثالث : أن تكون الباء بمعنى ( مع ) كقولهم : اخرج بنا ~~نفعل كذا ، أي معنا ، والتقدير : إلا مع حبل ms2426 من الله . # المسألة الرابعة : المراد من حبل الله عهده ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن ~~العهد إنما سمي بالحبل لأن الإنسان لما كان قبل العهد خائفا ، صار ذلك ~~الخوف مانعا له من الوصول إلى مطلوبه ، فإذا حصل العهد توصل بذلك العهد إلى ~~الوصول إلى مطلوبه ، فصار ذلك شبيها بالحبل الذي من تمسك به تخلص من خوف ~~الضرر . # / فإن قيل : إنه عطف على حبل الله حبلا من الناس وذلك يقتضي المغايرة ~~فكيف هذه المغايرة ؟ # قلنا : قال بعضهم : حبل الله هو الإسلام ، وحبل الناس هو العهد والذمة ، ~~وهذا بعيد لأنه لو كان المراد ذلك لقال : أو حبل من الناس ، وقال آخرون : ~~المراد بكلام الحبلين العهد والذمة والأمان ، وإنما ذكر تعالى الحبلين لأن ~~الأمان المأخوذ من المؤمنين هو الأمان المأخوذ بإذن الله وهذا عندي أيضا ~~ضعيف ، والذي عندي فيه أن الأمان الحاصل للذمي قسمان أحدهما : الذي نص الله ~~عليه وهو أخد الجزية والثاني : الذي فوض إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة ~~وينقص بحسب الاجتهاد فالأول : هو المسمى بحبل الله والثاني : هو المسمى ~~بحبل المؤمنين والله أعلم . # ثم قال : { وباءوا بغضب من الله } وقد ذكرنا أن معناه : أنهم مكثوا ، ~~ولبثوا وداموا في غضب الله ، وأصل ذلك مأخوذ من البوء وهو المكان ، ومنه : ~~تبوأ فلان منزل كذا وبوأته إياه ، والمعنى أنهم مكثوا في غضب من الله وحلوا ~~فيه ، وسواء قولك : حل بهم الغضب وحلوا به . # ثم قال : { وضربت عليهم المسكنة } والأكثرون حملوا المسكنة على الجزية ~~وهو قول الحسن قال وذلك لأنه تعالى أخرج المسكنة عن الاستثناء وذلك يدل على ~~أنها باقية عليهم غير زائلة عنهم ، والباقي عليهم ليس إلا الجزية ، وقال ~~آخرون : المراد بالمسكنة أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر وإن كان غنيا موسرا ~~، وقال بعضهم : هذا إخبار من الله سبحانه بأنه جعل اليهود أرزاقا للمسلمين ~~فيصيرون مساكين ، ثم إنه تعالى PageV08P161 لما ذكر هذه الأنواع من الوعيد ~~قال : { ذالك بأنهم كانوا يكفرون بئايات الله ويقتلون الانبياء بغير حق } ~~والمعنى : أنه تعالى ألصق باليهود ثلاثة أنواع من ms2427 المكروهات أولها : جعل ~~الذلة لازمة لهم وثانيا : جعل غضب الله لازما لهم وثالثها : جعل المسكنة ~~لازمة لهم ، ثم بين في هذه الآية أن العلة لإلصاق هذه الأشياء المكروهة بهم ~~هي : أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ، وهنا سؤالات ~~: # السؤال الأول : هذه الذلة والمسكنة إنما التصقت باليهود بعد ظهور دولة ~~الإسلام ، والذين قتلوا الأنبياء بغير حق هم الذين كانوا قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم بأدوار وأعصار ، فعلى هذا الموضع الذي حصلت فيه العلة وهو قتل ~~الأنبياء لم يحصل فيه المعلول الذي هو الذلة والمسكنة ، والموضع الذي حصل ~~فيه هذا المعلول لم تحصل فيه العلة ، فكان الإشكال لازما . # والجواب عنه : أن هؤلاء المتأخرين وإن كان لم يصدر عنهم قتل الأنبياء ~~عليهم السلام لكنهم كانوا راضين بذلك ، فإن أسلافهم هم الذين قتلوا ~~الأنبياء وهؤلاء المتأخرون كانوا راضين بفعل أسلافهم ، فنسب ذلك الفعل ~~إليهم من حيث كان ذلك الفعل القبيح فعلا لآبائهم وأسلافهم مع أنهم كانوا ~~مصوبين لأسلافهم في تلك الأفعال . # السؤال الثاني : لم كرر قوله { ذالك بما عصوا } وما الحكمة فيه ولا يجوز ~~أن يقال التكرير / للتأكيد ، لأن التأكيد يجب أن يكون بشيء أقوى من المؤكد ~~، والعصيان أقل حالا من الكفر فلم يجز تأكيد الكفر بالعصيان ؟ . # والجواب من وجهين الأول : أن علة الذلة والغضب والمسكنة هي الكفر وقتل ~~الأنبياء ، وعلة الكفر وقتل الأنبياء هي المعصية ، وذلك لأنهم لما توغلوا ~~في المعاصي والذنوب فكانت ظلمات المعاصي تتزايد حالا فحالا ، ونور الإيمان ~~يضعف حالا فحالا ، ولم يزل كذلك إلى أن بطل نور الإيمان وحصلت ظلمة الكفر ، ~~وإليه الإشارة بقوله { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ( المطففين ~~: 14 ) فقوله { ذالك بما عصوا } إشارة إلى علة العلة ولهذا المعنى قال ~~أرباب المعاملات ، من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن ، ومن ابتلي بترك ~~السنن وقع في ترك الفريضة ، ومن ابتلي بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة ~~، ومن ابتلي بذلك وقع في الكفر الثاني : يحتمل أن يريد بقوله { ذالك بأنهم ~~كانوا يكفرون ms2428 } من تقدم منهم ، ويريد بقوله { ذالك بما عصوا } من حضر منهم ~~في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا لا يلزم التكرار ، فكأنه ~~تعالى بين علة عقوبة من تقدم ، ثم بين أن من تأخر لما تبع من تقدم كان لأجل ~~معصيته وعداوته مستوجبا لمثل عقوبتهم حتى يظهر للخلق أن ما أنزله الله ~~بالفريقين من البلاء والمحنة ليس إلا من باب العدل والحكمة . # PageV08P162 ! 7 < { ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون ءايات ~~الله ءانآء اليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الا خر ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويسارعون فى الخيرات وأولائك من الصالحين * وما يفعلوا من ~~خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 113 - 115 ) ليسوا سواء من . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن في قوله { ليسوا سواء } قولين أحدهما : أن قوله ~~{ ليسوا سواء } كلام تام ، وقوله { من أهل الكتاب أمة قائمة } كلام مستأنف ~~لبيان قوله { ليسوا سواء } كما وقع قوله { تأمرون بالمعروف } ( آل عمران : ~~110 ) بيانا لقوله { كنتم خير أمة } ( آل عمران : 110 ) والمعنى أن أهل ~~الكتاب الذين سبق ذكرهم / ليسوا سواء ، وهو تقرير لما تقدم من قوله { منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ، ثم ابتدأ فقال : { من أهل الكتاب أمة قائمة ~~} وعلى هذا القول احتمالان أحدهما : أنه لما قال : { من أهل الكتاب أمة ~~قائمة } كان تمام الكلام أن يقال : ومنهم أمة مذمومة ، إلا أنه أضمر ذكر ~~الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد ~~الآخر وتحقيقه أن الضدين يعلمان معا ، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما ~~، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر . # قال أبو ذؤيب : # % دعاني إليها القلب إني لامرؤ % % مطيع فلا أدري أرشد طلابها % # أراد ( أم غي ) فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي ، وهذا قول الفراء وابن ~~الأنباري ، وقال الزجاج : لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة ، لأن ذكر ~~الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى ~~، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم ms2429 بالضدين معا كان ذكر أحدهما مغنيا عن ~~ذكر الآخر ، وهذا كما يقال زيد وعبد الله لا يستويان زيد عاقل دين زكي ، ~~فيغني هذا عن أن يقال : وعبد الله ليس كذلك ، فكذا ههنا لما تقدم قوله { ~~ليسوا سواء } أغنى ذلك عن الإضمار . # والقول الثاني : أن قوله { ليسوا سواء } كلام غير تام ولا يجوز الوقف ~~عنده ، بل هو متعلق بما بعده ، والتقدير : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة ~~قائمة وأمة مذمومة ، فأمة رفع بليس وإنما قيل { ليسوا } على مذهب من يقول : ~~أكلوني البراغيث ، وعلى هذا التقدير لا بد من إضمار الأمة المذمومة وهو ~~اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق الأكثرين ~~على أن قوله أكلوني البراغيث وأمثالها لغة ركيكة والله أعلم . # المسألة الثانية : يقال فلان وفلان سواء ، أي متساويان وقوم سواء ، لأنه ~~مصدر لا يثنى ولا يجمع ومضى الكلام في { سوآء } في أول سورة البقرة . ~~PageV08P163 # المسألة الثالثة : في المراد بأهل الكتاب قولان الأول : وعليه الجمهور : ~~أن المراد منه الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام ، روي أنه لما أسلم ~~عبد الله بن سلام وأصحابه قال لهم بعض كبار اليهود : لقد كفرتم وخسرتم ، ~~فأنزل الله تعالى لبيان فضلهم هذه الآية ، وقيل : إنه تعالى لما وصف أهل ~~الكتاب في الآية المتقدمة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل ~~الكتاب ليسوا كذلك ، بل فيهم من يكون موصوفا بالصفات الحميدة والخصال ~~المرضية ، قال الثوري : بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب ~~والعشاء / وعن عطاء : أنها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من ~~الحبشة وثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد عليه الصلاة ~~والسلام . # / والقول الثاني : أن يكون المراد بأهل الكتاب كل من أوتي الكتاب من أهل ~~الأديان ، وعلى هذا القول يكون المسلمين من جملتهم ، قال تعالى : { ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } ( فاطر : 32 ) ومما يدل على هذا ~~ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج ms2430 إلى ~~المسجد ، فإذا الناس ينتظرون الصلاة ، فقال : ( أما إنه ليس من أهل الأديان ~~أحد يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم ) وقرأ هذه الآية ، قال القفال رحمه ~~الله : ولا يبعد أن يقال : أولئك الحاضرون كانوا نفرا من مؤمني أهل الكتاب ~~، فقيل ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فأقاموا صلاة العتمة في الساعة التي ينام فيها غيرهم من أهل الكتاب ~~الذين لم يؤمنوا ، ولم يبعد أيضا أن يقال : المراد كل من آمن بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم فسماهم الله بأهل الكتاب ، كأنه قيل : أولئك الذين سموا ~~أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة والمسلمون الذين سماهم ~~الله بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا ، يستويان ؟ فيكون الغرض من هذه الآية ~~تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيدا لما تقدم من قوله { كنتم خير أمة } ( آل ~~عمران : 110 ) وهو كقوله { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ( ~~السجدة : 18 ) . # ثم اعلم أنه تعالى مدح الأمة المذكورة في هذه الآية بصفات ثمانية . # الصفة الأولى : أنها قائمة وفيها أقوال الأول : أنها قائمة في الصلاة ~~يتلون آيات الله آناء الليل فعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل ~~وهو كقوله { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } ( الفرقان : 64 ) وقوله { ~~إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل } ( المزمل : 20 ) وقوله { قم اليل ~~} ( المزمل : 2 ) وقوله { وقوموا لله قانتين } ( البقرة : 238 ) والذي يدل ~~على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله { وهم يسجدون } والظاهر أن ~~السجدة لا تكون إلا في الصلاة . # والقول الثاني : في تفسير كونها قائمة : أنها ثابتة على التمسك بالدين ~~الحق ملازمة له غير مضطربة في التمسك به كقوله { إلا ما دمت عليه قائما } ( ~~آل عمران : 75 ) أي ملازما للاقتضاء ثابتا على المطالبة مستقصيا فيها ، ~~ومنه قوله تعالى : { قائما بالقسط } ( آل عمران : 18 ) . # وأقول : إن هذه الآية دلت على كون المسلم قائما بحق العبودية وقوله { ~~قائما بالقسط } يدل على أن المولى قائم بحق الربوبية في العدل والإحسان ~~فتمت المعاهدة ms2431 بفضل الله تعالى كما قال : { أوفوا * بعهدى أوف بعهدكم } ( ~~البقرة : 40 ) وهذا قول الحسن البصري ، واحتج عليه بما روي أن عمر بن ~~الخطاب قال يا رسول PageV08P164 الله : إن أناسا من أهل الكتاب يحدثوننا ~~بما يعجبنا فلو كتبناه ، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال : أمتهوكون أنتم يا ~~ابن الخطاب كما تهوكت اليهود ، قال الحسن : متحيرون مترددون ( أما والذي ~~نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقية ) وفي رواية أخرى قال عند ذلك : ( ~~إنكم لم تكلفوا أن تعملوا بما في التوراة والإنجيل وإنما أمرتم أن تؤمنوا ~~بهما وتفوضوا علمهما إلى الله تعالى ، وكلفتم / أن تؤمنوا بما أنزل علي في ~~هذا الوحي غدوة وعشيا والذي نفس محمد بيده لو أدركني إبراهيم وموسى وعيسى ~~لآمنوا بي واتبعوني ) فهذا الخبر يدل على أن الثبات على هذا الدين واجب ~~وعدم التعلق بغيره واجب / فلا جرم مدحهم الله في هذه الآية بذلك فقال : { ~~من أهل الكتاب أمة قائمة } . # القول الثالث : { أمة قائمة } أي مستقيمة عادلة من قولك : أقمت العود ~~فقام بمعنى استقام ، وهذا كالتقرير لقوله { كنتم خير أمة } . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { يتلون ءايات الله ءاناء اليل } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : { يتلون * ويؤمنون } في محل الرفع صفتان لقوله { أمة } ~~أي أمة قائمة تالون مؤمنون . # المسألة الثانية : التلاوة القراءة وأصل الكلمة من الاتباع فكأن التلاوة ~~هي اتباع اللفظ اللفظ . # المسألة الثالثة : آيات الله قد يراد بها آيات القرآن ، وقد يراد بها ~~أصناف مخلوقاته التي هي دالة على ذاته وصفاته والمراد ههنا الأولى . # المسألة الرابعة : { أمن هو } أصلها في اللغة الأوقات والساعات وواحدها ~~إنا ، مثل : معى وأمعاء وإنى مثل نحى وإنحاء ، مكسور الأول ساكن الثاني ، ~~قال القفال رحمه الله ، كأن الثاني مأخوذ منه لأنه انتظار الساعات والأوقات ~~، وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أخر المجيء إلى ~~الجمعة ( آذيت وآنيت ) أي دافعت الأوقات . # الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وهم يسجدون } وفيه وجوه الأول : يحتمل أن ~~يكون حالا من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع ms2432 ~~والخشوع إلا أن القفال رحمه الله روى في ( تفسيره ) حديثا : أن ذلك غير ~~جائز ، وهو قوله عليه السلام : ( ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا ) ~~الثاني : يحتمل أن يكون كلاما مستقلا والمعنى أنهم يقومون تارة يبتغون ~~الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله تعالى وهو كقوله { ~~والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } ( الفرقان : 64 ) وقوله { أمن هو قانت ~~ءاناء اليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجوا رحمة ربه } ( الزمر : 9 ) قال ~~الحسن : يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه ، وهذا على معنى إرادة الراحة ~~وإزالة التعب وإحداث النشاط الثالث : يحتمل أن يكون المراد بقوله { وهم ~~يسجدون } أنهم يصلون وصفهم بالتهجد بالليل والصلاة تسمى سجودا وسجدة وركوعا ~~وركعة وتسبيحا وتسبيحة ، قال تعالى : { واركعوا مع الراكعين } ( البقرة : ~~43 ) أي صلوا وقال : { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) ~~والمراد الصلاة الرابع : يحتمل أن يكون المراد بقوله { وهم يسجدون } أي ~~يخضعون ويخشعون لله لأن العرب تسمي الخشوع سجودا كقوله { ولله يسجد ما فى * ~~السماوات وما في الارض } ( النمل : 49 ) وكل هذه الوجوه ذكرها القفال رحمه ~~الله . PageV08P165 # الصفة الرابعة : قوله { يؤمنون بالله واليوم الاخر } واعلم أن اليهود ~~كانوا أيضا يقومون / في الليالي للتهجد وقراءة التوراة ، فلما مدح المؤمنين ~~بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله { يؤمنون بالله واليوم الاخر } وقد ~~بينا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله والإيمان باليوم ~~الآخر يستلزم الحذر من المعاصي ، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ولا ~~يحترزون عن معاصي الله ، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد . # واعلم أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، ~~وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله ، وأفضل المعارف معرفة المبدأ ~~ومعرفة المعاد ، فقوله { يتلون ءايات الله ءاناء اليل وهم يسجدون } إشارة ~~إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم وقوله { يؤمنون بالله واليوم الاخر } ~~إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في ~~القوة العملية وفي القوة النظرية / وذلك أكمل أحوال الإنسان ، وهي المرتبة ~~التي يقال لها ms2433 : إنها آخر درجات الإنسانية وأول درجات الملكية . # الصفة الخامسة : قوله { ويأمرون بالمعروف } . # الصفة السادسة : قوله { وينهون عن المنكر } واعلم أن الغاية القصوى في ~~الكمال أن يكون تاما وفوق التمام فكون الإنسان تاما ليس إلا في كمال قوته ~~العملية والنظرية وقد تقدم ذكره ، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل ~~الناقصين ، وذلك بطريقين ، إما بإرشادهم إلى ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف ، ~~أو يمنعهم عما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر ، قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~: { يأمرون بالمعروف } أي بتوحيد الله وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم { ~~وينهون عن المنكر } أي ينهون عن الشرك بالله ، وعن إنكار نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، واعلم أن لفظ المعروف والمنكر مطلق فلم يجز تخصيصه بغير ~~دليل ، فهو يتناول كل معروف وكل منكر . # الصفة السابعة : قوله { ويسارعون فى الخيرات } وفيه وجهان أحدهما : أنهم ~~يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت ، والآخر : يعملونها غير متثاقلين . فإن ~~قيل : أليس أن العجلة مذمومة قال عليه الصلاة والسلام : ( العجلة من ~~الشيطان والتأني من الرحمن ) فما الفرق بين السرعة وبين العجلة ؟ قلنا : ~~السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه ، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ~~ينبغي تقديمه ، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين ، لأن من ~~رغب في الأمر ، آثر الفور على التراخي ، قال تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم } ( آل عمران : 133 ) وأيضا العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل ~~قوله تعالى : { وعجلت إليك رب لترضى } ( طه : 84 ) . # الصفة الثامنة : قوله { وأولئك من الصالحين } والمعنى وأولئك الموصوفون ~~بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم ، ~~واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول ، أما القرآن ، ~~فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم / الصلاة والسلام ~~فقال : بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم { وأدخلناهم فى رحمتنا ~~إنهم من الصالحين } ( الأنبياء : 86 ) وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام ~~أنه قال : { وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } ( النمل : 19 ) وقال : { ~~فإن الله هو مولاه وجبريل ms2434 وصالح المؤمنين } ( التحريم : 4 ) وأما المعقول ~~فهو أن الصلاح ضد الفساد ، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد ، سواء كان ~~ذلك في العقائد ، أو في الأعمال ، فإذا كان كل ما حصل من باب PageV08P166 ~~ما ينبغي أن يكون ، فقد حصل الصلاح ، فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات . # ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال : { وما يفعلوا من خير فلن ~~يكفروه والله عليم بالمتقين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { وما يفعلوا من خير ~~فلن يكفروه } بالياء على المغايبة ، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني ~~أهل الكتاب ، يتلون ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون ، ولن يضيع ~~لهم ما يعلمون ، والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلام إنكم ~~خسرتم بسبب هذا الإيمان ، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى ، فكان ~~المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال ، ثم هذا وإن كان ~~بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب ، فإن سائر الخلق ~~يدخلون فيه نظرا إلى العلة . # وأما الباقون فإنهم قرؤا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع ~~المؤمنين على معنى أن أفعال مؤمني أهل الكتاب ذكرت / ثم قال : وما تفعلوا ~~من خير معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء ، فلن تكفروه ، والفائدة أن ~~يكون حكم هذه الآية عاما بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين ، ومما يؤكد ذلك ~~أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير تخصيص بقوم دون قوم ~~كقوله { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } ( البقرة : 197 ) وما تفعلوا من ~~خير يوف إليكم } { * } { وما تفعلوا من خير * تجدوه عند الله } وأما أبو ~~عمرو فالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه الآية بالقراءتين . # المسألة الثانية : { فلن } أي لن تمنعوا ثوابه وجزاءه وإنما سمي منع ~~الجزاء كفر لوجهين الأول : أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكرا قال الله تعالى ~~: { خيرا فإن الله شاكر عليم } ( البقرة : 158 ) وقال : { فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا } ( الإسراء : 19 ) فلما سمى إيصال الجزاء ms2435 شكرا سمى منعه كفرا ~~والثاني : أن الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفرا ، لأنه بمنزلة ~~الجحد والستر . # فإن قيل : لم قال : { فلن } فعداه إلى مفعولين مع أن شكر وكفر لا يتعديان ~~إلا إلى واحد يقال شكر النعمة وكفرها . # قلنا : لأنا بينا أن معنى الكفر ههنا هو المنع والحرمان ، فكان كأنه قال ~~: فلن تحرموه ، ولن / تمنعوا جزاءه . # المسألة الثالثة : احتج القائلون بالموازنة من الذاهبين إلى الإحباط بهذه ~~الآية فقال : صريح هذه الآية يدل على أنه لا بد من وصول أثر فعل العبد إليه ~~، فلو انحبط ولم ينحبط من المحبط بمقداره شيء لبطل مقتضى هذه الآية ، ونظير ~~هذه الآية قوله تعالى : { أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 / 8 ) . # ثم قال : { والله عليم بالمتقين } والمعنى أنه تعالى لما أخبر عن عدم ~~الحرمان والجزاء أقام ما يجري مجرى الدليل عليه وهو أن عدم إيصال الثواب ~~والجزاء إما أن يكون للسهو والنسيان وذلك محال في حقه لأنه عليم بكل ~~المعلومات ، وإما أن يكون للعجز والبخل والحاجة وذلك محال لأنه إلاه جميع ~~المحدثات ، فاسم PageV08P167 الله تعالى يدل على عدم العجز والبخل والحاجة ~~، وقوله { عليم } يدل على عدم الجهل ، وإذا انتفت هذه الصفات امتنع المنع ~~من الجزاء ، لأن منع الحق لا بد وأن يكون لأجل هذه الأمور والله أعلم ، ~~إنما قال : { عليم بالمتقين } مع أنه عالم بالكل بشارة للمتقين بجزيل ~~الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى . # ! 7 < { إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ~~وأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 116 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآيات مرة أحوال الكافرين في كيفية ~~العقاب ، وأخرى أحوال المؤمنين في الثواب جامعا بين الزجر والترغيب والوعد ~~والوعيد ، فلما وصف من آمن من الكفار بما تقدم من الصفات الحسنة أتبعه ~~تعالى بوعيد الكفار ، فقال : { إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم } وفي ms2436 الآية مسائل : # المسألة الأولى : في قوله { إن الذين كفروا } قولان الأول : المراد منه ~~بعض الكفار ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها أحدها : قال ابن عباس : ~~يريد قريظة والنضير ، وذلك لأن مقصود رؤساء اليهود في معاندة الرسول ما كان ~~إلا المال والدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة { ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا } ( البقرة : 41 ) وثانيها : أنها نزلت في مشركي قريش ، فإن أبا ~~جهل كان كثير الافتخار بماله ولهذا السبب نزل فيه قوله { وكم أهلكنا قبلهم ~~من قرن هم أحسن أثاثا } ( مريم : 74 ) / وقوله { خاطئة فليدع ناديه * سندع ~~الزبانية } ( العلق : 17 ، 18 ) وثالثها : أنها نزلت في أبي سفيان ، فإنه ~~أنفق مالا كثيرا على المشركين يوم بدر وأحد في عداوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم . # والقول الثاني : أن الآية عامة في حق جميع الكفار ، وذلك لأنهم كلهم ~~كانوا يتعززون بكثرة الأموال ، وكانوا يعيرون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأتباعه بالفقر ، وكان من جملة شبههم أن قالوا : لو كان محمد على الحق لما ~~تركه ربه في هذا الفقر والشدة ولأن اللفظ عام ، ولا دليل يوجب التخصيص فوجب ~~إجراؤه على عمومه ، وللأولين أن يقولوا : إنه تعالى قال بعد هذه الآية { ~~مثل ما ينفقون } فالضمير في قوله { ينفقون } عائد إلى هذا الموضع ، وهو ~~قوله { إن الذين كفروا } ثم إن قوله { ينفقون } مخصوص ببعض الكفار ، فوجب ~~أن يكون هذا أيضا مخصوصا . # المسألة الثانية : إنما خص تعالى الأموال والأولاد بالذكر لأن أنفع ~~الجمادات هو الأموال وأنفع الحيوانات هو الولد ، ثم بين تعالى أن الكافر لا ~~ينتفع بهما ألبتة في الآخرة ، وذلك يدل على عدم انتفاعه PageV08P168 بسائر ~~الأشياء بطريق الأولى ، ونظيره قوله تعالى : { يوم لا ينفع مال ولا بنون * ~~إلا من أتى الله بقلب سليم } ( الشعراء : 88 ، 89 ) وقوله { واتقوا يوما لا ~~تجزى نفس عن نفس شيئا } ( البقرة : 48 ) الآية وقوله { فلن يقبل من أحدهم ~~ملء الارض ذهبا ولو افتدى به } ( آل عمران : 91 ) وقوله { وما أموالكم ولا ~~أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى } ( سبأ : 37 ) ولما بين تعالى ms2437 أنه لا ~~انتفاع لهم بأموالهم ولا بأولادهم ، قال : { وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } . # واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة لا يبقون في النار أبدا ~~فقالوا قوله { وأولئك أصحاب النار } كلمة تفيد الحصر فإنه يقال : أولئك ~~أصحاب زيد لا غيرهم وهم المنتفعون به لا غيرهم ولما أفادت هذه الكلمة معنى ~~الحصر ثبت أن الخلود في النار ليس إلا للكافر . # ! 7 < { مثل ما ينفقون فى هاذه الحيواة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت ~~حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولاكن أنفسهم يظلمون } . > 7 ~~! # < < # | آل عمران : ( 117 ) مثل ما ينفقون . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئا ، ثم إنهم ~~ربما أنفقوا أموالهم / في وجوه الخيرات ، فيخطر ببال الإنسان أنهم ينتفعون ~~بذلك ، فأزال الله تعالى بهذه الآية تلك الشبهة ، وبين أنهم لا ينتفعون ~~بتلك الإنفاقات ، وإن كانوا قد قصدوا بها وجه الله . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : المثل الشبه الذي يصير كالعلم لكثرة استعماله فيما يشبه ~~به وحاصل الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقتهم ، كما أن الريح الباردة تهلك ~~الزرع . # فإن قيل : فعلى هذا التقدير مثل إنفاقهم هو الحرث الذي هلك ، فكيف شبه ~~الإنفاق بالريح الباردة المهلكة . # قلنا : المثل قسمان منه ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من ~~الجملتين وإن لم تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين ، وهذا هو المسمى ~~بالتشبيه المركب ، ومنه ما حصلت المشابهة فيه بين المقصود من الجملتين ، ~~وبين أجزاء كل واحدة منهما ، فإذا جعلنا هذا المثل من القسم الأول زال ~~السؤال ، وإن جعلناه من القسم الثاني ففيه وجوه الأول : أن يكون التقدير : ~~مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون ، كمثل الريح المهلكة للحرث الثاني : مثل ما ~~ينفقون ، كمثل مهلك ريح ، وهو الحرث الثالث : لعل الإشارة في قوله { مثل ما ~~ينفقون } إلى ما أنفقوا في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع ~~العساكر عليه ، وكان هذا الإنفاق مهلكا PageV08P169 لجميع ما أتوا به من ~~أعمال الخير والبر وحينئذ يستقيم ms2438 التشبيه من غير حاجة إلى إضمار وتقديم ~~وتأخير ، والتقدير : مثل ما ينفقون في كونه مبطلا لما أتوا به قبل ذلك من ~~أعمال البر كمثل ريح فيها صر في كونها مبطلة للحرث ، وهذا الوجه خطر ببالي ~~عند كتابتي على هذا الموضع ، فإن انفاقهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من أعظم أنواع الكفر ومن أشدها تأثيرا في إبطال آثار أعمال البر . # المسألة الثانية : اختلفوا في تفسير هذا الإنفاق على قولين الأول : أن ~~المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة ~~سماه الله إنفاقا كما سمى ذلك بيعا وشراء في قوله { إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم } ( التوبة : 111 ) إلى قوله { فاستبشروا ببيعكم الذى ~~بايعتم به } ( التوبة : 111 ) ومما يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى : { ~~لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( آل عمران : 92 ) والمراد به جميع ~~أعمال الخير وقوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ( البقرة : ~~188 ) والمراد جميع أنواع الانتفاعات . # والقول الثاني : وهو الأشبه أن المراد إنفاق الأموال ، والدليل عليه ما ~~قبل هذه الآية وهو قوله { لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم } ( آل عمران : ~~10 ) . # المسألة الثالثة : قوله { مثل ما ينفقون } المراد منه جميع الكفار أو ~~بعضهم ، فيه قولان : الأول : المراد بالإخبار عن جميع الكفار ، وذلك لأن ~~إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا أو لمنافع الآخرة فإن كان لمنافع الدنيا ~~لم يبق منه أثر ألبتة في الآخرة في حق المسلم فضلا عن الكافر وإن كان / ~~لمنافع الآخرة لم ينتفع به في الآخرة لأن الكفر مانع من الانتفاع به ، فثبت ~~أن جميع نفقات الكفار لا فائدة فيها في الآخرة / ولعلهم أنفقوا أموالهم في ~~الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والاحسان إلى الضعفاء والأيتام ~~والأرامل ، وكان ذلك المنفق يرجو من ذلك الإنفاق خيرا كثيرا فإذا قدم ~~الآخرة رأى كفره مبطلا لآثار الخيرات ، فكان كمن زرع زرعا وتوقع منه نفعا ~~كثيرا فأصابته ريح فأحرقته فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف ، هذا إذا أنفقوا ~~الأموال في وجوه الخيرات ms2439 أما إذا أنفقوها فيما ظنوه أنه الخيرات لكنه كان ~~من المعاصي مثل إنفاق الأموال في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفي قتل ~~المسلمين وتخريب ديارهم ، فالذي قلناه فيه أسد وأشد ، ونظير هذه الآية قوله ~~تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( الفرقان : ~~23 ) وقال : { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ~~فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة } ( الأنفال : 36 ) وقوله { والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة } ( النور : 39 ) فكل ذلك يدل على الحسنات من الكفار ~~لا تستعقب الثواب ، وكل ذلك مجموع في قوله تعالى : { إنما يتقبل الله من ~~المتقين } ( المائدة : 27 ) وهذا القول هو الأقوى والأصح . # واعلم أنا إنما فسرنا الآية بخيبة هؤلاء الكفار في الآخرة ولا يبعد أيضا ~~تفسيرها بخيبتهم في الدنيا ، فإنهم أنفقوا الأموال الكثيرة في جمع العساكر ~~وتحملوا المشاق ثم انقلب الأمر عليهم ، وأظهر الله الإسلام وقواه فلم يبق ~~مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الخيبة والحسرة . # والقول الثاني : المراد منه الإخبار عن بعض الكفار ، وعلى هذا القول ففي ~~الآية وجوه الأول : أن المنافقين كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولكن ~~على سبيل التقية والخوف من المسلمين وعلى سبيل المداراة لهم فالآية فيهم ~~الثاني : نزلت هذه الآية في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على ~~PageV08P170 الرسول عليه السلام الثالث : نزلت في إنفاق سفلة اليهود على ~~أحبارهم لأجل التحريف والرابع : المراد ما ينفقون ويظنون أنه تقرب إلى الله ~~تعالى مع أنه ليس كذلك . # المسألة الرابعة : اختلفوا في { * الصر } على وجوه الأول : قال أكثر ~~المفسرين وأهل اللغة : الصر البرد الشديد وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي ~~وابن زيد والثاني : أن الصر : هو السموم الحارة والنار التي تغلي ، وهو ~~اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر بن الأنباري ، قال ابن الأنباري : وإنما ~~وصفت النار بأنها { فيها صر } لتصويتها عند الالتهاب ، ومنه صرير الباب ، ~~والصرصر مشهور ، والصرة الصيحة ومنه قوله تعالى : { فأقبلت امرأته فى صرة } ~~( الذاريات : 29 ) وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما ms2440 ~~في { فيها صر } قال فيها نار ، وعلى القولين فالمقصود من التشبيه حاصل ، ~~لأنه سواء كان بردا مهلكا أو حرا محرقا فإنه يصير مبطلا للحرث والزرع فيصح ~~التشبيه به . # المسألة الخامسة : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على صحة القول بالإحباط ، ~~وذلك لأنه كما أن هذه الريح تهلك الحرث فكذلك الكفر يهلك الإنفاق ، وهذا ~~إنما يصح إذا قلنا : إنه لولا الكفر / لكان ذلك الإنفاق موجبا لمنافع ~~الآخرة وحينئذ يصح القول بالإحباط ، وأجاب أصحابنا عنه بأن العمل لا يستلزم ~~الثواب إلا بحكم الوعد ، والوعد من الله مشروط بحصول الإيمان ، فإذا حصل ~~الكفر فات المشروط لفوات شرطه لأن الكفر أزاله بعد ثبوته ، ودلائل بطلان ~~القول بالإحباط قد تقدمت في سورة البقرة . # ثم قال تعالى : { أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم } وفيه سؤال : وهو أن يقال ~~: لم لم يقتصر على قوله { أصابت حرث قوم } وما الفائدة في قوله { ظلموا ~~أنفسهم } . # قلنا : في تفسير قوله { ظلموا أنفسهم } وجهان الأول : أنهم عصوا الله ~~فاستحقوا هلاك حرثهم عقوبة لهم ، والفائدة في ذكره هي أن الغرض تشبيه ما ~~ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه شيء ، وحرث الكافرين الظالمين هو ~~الذي يذهب بالكلية ولا يحصل منه منفعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فأما ~~حرث المسلم المؤمن فلا يذهب بالكلية لأنه وإن كان يذهب صورة فلا يذهب معنى ~~، لأن الله تعالى يزيد في ثوابه لأجل وصول تلك الأحزان إليه والثاني : أن ~~يكون المراد من قوله { ظلموا أنفسهم } هو أنهم زرعوا في غير موضع الزرع أو ~~في غير وقته ، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وعلى هذا التفسير يتأكد ~~وجه التشبيه ، فإن من زرع لا في موضعه ولا في وقته يضيع ، ثم إذا أصابته ~~الريح الباردة كان أولى بأن يصير ضائعا ، فكذا ههنا الكفار لما أتوا ~~بالإنفاق لا في موضعه ولا في وقته ثم أصابه شؤم كفرهم امتنع أن لا يصير ~~ضائعا والله أعلم . # ثم قال تعالى : { وما ظلمهم الله ولاكن أنفسهم يظلمون } والمعنى أن الله ~~تعالى ما ظلمهم حيث ms2441 لم يقبل نفقاتهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث أتوا بها ~~مقرونة بالوجوه المانعة من كونها مقبولة لله تعالى قال صاحب ( الكشاف ) : ~~قرىء { ولاكن } بالتشديد بمعنى ولكن أنفسهم يظلمونها ، ولا يجوز أن يراد ، ~~ولكنه أنفسهم يظلمون على إسقاط ضمير الشأن ، لأنه لا يجوز إلا في الشعر . # PageV08P171 ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضآء من أفواههم وما تخفى صدورهم ~~أكبر قد بينا لكم الا يات إن كنتم تعقلون } . > 7 ! # / < < # | آل عمران : ( 118 ) يا أيها الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير ~~المؤمنين عن مخالطة الكافرين في هذه الآية وههنا مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من ~~هم ؟ على أقوال : الأول : أنهم هم اليهود وذلك لأن المسلمين كانوا ~~يشاورونهم في أمورهم ويؤانسونهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظنا منهم ~~أنهم وإن خالفوهم في الدين فهم ينصحون لهم في أسباب المعاش فنهاهم الله ~~تعالى بهذه الآية عنه ، وحجة أصحاب هذا القول أن هذه الآيات من أولها إلى ~~آخرها مخاطبة مع اليهود فتكون هذه الآية أيضا كذلك الثاني : أنهم هم ~~المنافقون ، وذلك لأن المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين ويظنون ~~أنهم صادقون فيفشون إليهم الأسرار ويطلعونهم على الأحوال الخفية ، فالله ~~تعالى منعهم عن ذلك ، وحجة أصحاب هذا القول أن ما بعد هذه الآية يدل على ~~ذلك وهو قوله { هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا ~~لقوكم قالوا } ( آل عمران : 119 ) ومعلوم أن هذا لا يليق باليهود بل هو صفة ~~المنافقين ، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة : { وإذا لقوا الذين ءامنوا ~~قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن } ( البقرة : ~~14 ) الثالث : المراد به جميع أصناف الكفار والدليل عليه قوله تعالى : { ~~تتخذوا بطانة من دونكم } فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين ~~فيكون ذلك نهيا عن جميع الكفار وقال تعالى : { الحكيم ياأيها الذين ءامنوا ~~لا تتخذوا عدوى وعدوكم ms2442 أولياء } ( الممتحنة : 1 ) ومما يؤكد ذلك ما روي أنه ~~قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : ههنا رجل من أهل الحيرة نصراني لا يعرف ~~أقوى حفظا ولا أحسن خطأ منه ، فإن رأيت أن تتخذه كاتبا ، فامتنع عمر من ذلك ~~وقال : إذن اتخذت بطانة من غير المؤمنين ، فقد جعل عمر رضي الله عنه هذه ~~الآية دليلا على النهي عن اتخاذ بطانة ، وأما ما تمسكوا به من أن ما بعد ~~الآية مختص بالمنافقين فهذا لا يمنع عموم أول الآية ، فإنه ثبت في أصول ~~الفقه أن أول الآية إذا كان عاما وآخرها إذا كان خاصا لم يكن خصوص آخر ~~الآية مانعا من عموم أولها . # المسألة الثانية : قال أبو حاتم عن الأصمعي : بطن فلان بفلان يبطن به ~~بطونا وبطانة ، إذا كان خاصا به داخلا في أمره ، فالبطانة مصدر يسمى به ~~الواحد والجمع ، وبطانة الرجل خاصته الذين يبطنون أمره وأصله من البطن خلاف ~~الظهر ، ومنه بطانة الثوب خلاف ظهارته ، والحاصل أن الذي يخصه الإنسان ~~بمزيد التقريب يسمى بطانة لأنه بمنزلة ما يلي بطنه في شدة القرب منه . ~~PageV08P172 # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { لا تتخذوا بطانة } نكرة في سياق النفي ~~فيفيد العموم . # أما قوله { من دونكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : من دونكم أي من دون المسلمين ومن غير أهل ملتكم ولفظ { ~~من دونكم } يحسن حمله على هذا الوجه كما يقال الرجل : قد أحسنتم إلينا ~~وأنعمتم علينا ، وهو يريد أحسنتم إلى / إخواننا ، وقال تعالى : { ويقتلون ~~النبيين بغير حق } ( آل عمران : 21 ) أي آباؤهم فعلوا ذلك . # المسألة الثانية : في قوله { من دونكم } احتمالان أحدهما : أن يكون ~~متعلقا بقوله { لا تتخذوا } أي لا تتخذوا من دونكم بطانة والثاني : أن يجعل ~~وصفا للبطانة والتقدير : بطانة كائنات من دونكم . # فإن قيل : ما الفرق بين قوله : لا تتخدوا من دونكم بطانة ، وبين قوله { ~~لا تتخذوا بطانة من دونكم } ؟ . # قلنا : قال سيبويه : إنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعني وههنا ليس ~~المقصود اتخاذ البطانة إنما المقصود أن يتخذ منهم بطانة فكان قوله : لا ~~تتخذوا ms2443 من دونكم بطانة أقوى في إفادة المقصود . # المسألة الثالثة : قيل { من } زائدة ، وقيل للنبيين : لا تتخذوا بطانة من ~~دون أهل ملتكم . فإن قيل : هذه الآية تقتضي المنع من مصاحبة الكفار على ~~الإطلاق ، وقال تعالى : { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ~~ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم } ( ~~الممتحنة : 8 ، 9 ) فكيف الجمع بينهما ؟ قلنا : لا شك أن الخاص يقدم على ~~العام . # واعلم أنه تعالى لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من الكافرين ذكر ~~علة هذا النهي وهي أمور أحدها : قوله تعالى : { لا يألونكم خبالا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : يقال ( ألا ) في الأمر يألوا إذا ~~قصر فيه ، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم : لا آلوك نصحا ، ولا آلوك ~~جهدا على التضمين ، والمعنى لا أمنعك نصحا ولا أنقصك جهدا . # المسألة الثانية : الخبال الفساد والنقصان ، وأنشدوا : # لستم بيد إلا يدا أبدا مخبولة العضد # أي فاسدة العضد منقوضتها ، ومنه قيل : رجل مخبول ومخبل ومختبل لمن كان ~~ناقص العقل ، وقال تعالى : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } ( التوبة ~~: 47 ) أي فسادا وضررا . # المسألة الثالثة : قوله { لا يألونكم خبالا } أي لا يدعون جهدهم في ~~مضرتكم وفسادكم ، يقال : ما ألوته نصحا ، أي ما قصرت في نصيحته ، وما ألوته ~~شرا مثله . # المسألة الرابعة : انتصب الخبال بلا يألونكم لأنه يتعدى إلى مفعولين كما ~~ذكرنا وإن شئت نصبته على المصدر ، لأن معنى قوله { لا يألونكم خبالا } لا ~~يخبلونكم خبالا وثانيها : قوله تعالى : { ودوا ما عنتم } وفيه مسائل : ~~PageV08P173 # المسألة الأولى : يقال وددت كذا ، أي أحببته و ( العنت ) شدة الضرر ~~والمشقة قال تعالى : { ولو شاء الله لاعنتكم } ( البقرة : 220 ) . # المسألة الثانية : ما مصدرية كقوله { ذلكم بما كنتم تفرحون فى الارض بغير ~~الحق وبما كنتم تمرحون } ( غافر : 75 ) أي بفرحكم ومرحكم وكقوله { والسماء ~~وما بناها * والارض وما طحاها } ( الشمس : 5 ، 6 ) أي بنائه إياها وطحيه ~~إياها . # المسألة الثالثة : تقدير الآية : أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد ~~الضرر . # المسألة ms2444 الرابعة : قال الواحدي رحمه الله : لا محل لقوله { ودوا ما عنتم ~~} لأنه استئناف بالجملة وقيل : إنه صفة لبطانة ، ولا يصح هذا لأن البطانة ~~قد وصفت بقوله { لا يألونكم خبالا } فلو كان هذا صفة أيضا لوجب إدخال حرف ~~العطف بينهما . # المسألة الخامسة : الفرق بين قوله { لا يألونكم خبالا } وبين قوله { ودوا ~~ما عنتم } في المعنى من وجوه الأول : لا يقصرون في إفساد دينكم ، فإن عجزوا ~~عنه ودوا إلقاءكم في أشد أنواع الضرر الثاني : لا يقصرون في إفساد أموركم ~~في الدنيا ، فإذا عجزوا عنه لم يزل عن قلوبهم حب إعناتكم والثالث : لا ~~يقصرون في إفساد أموركم ، فإن لم يفعلوا ذلك لمانع من خارج ، فحب ذلك غير ~~زائل عن قلوبهم وثالثها : قوله تعالى : { قد بدت البغضاء من أفواههم } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : البغضاء أشد البغض ، فالبغض مع البغضاء كالضر مع الضراء ~~. # المسألة الثانية : الأفواه جمع الفم والفم أصله فوه بدليل أن جمعه أفواه ~~، يقال : فوه وأفواه كسوط وأسواط ، وطوق وأطواق ، ويقال رجل مفوه إذا أجاد ~~القول ، وأفوه إذا كان واسع الفهم ، فثبت أن أصل الفم فوه بوزن سوط ، ثم ~~حذفت الهاء تخفيفا ثم أقيم الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان . # المسألة الثالثة : قوله { قد بدت البغضاء من أفواههم } إن حملناه على ~~المنافقين ففي تفسيره وجهان الأول : أنه لا بد في المنافق من أن يجري في ~~كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقة لطريق المخالصة في الود والنصيحة ، ونظيره ~~قوله تعالى : { ولتعرفنهم فى لحن القول } ( محمد : 30 ) الثاني : قال قتادة ~~: قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضا على ~~ذلك ، أما إن حملناه على اليهود فتفسير قوله { قد بدت البغضاء من أفواههم } ~~فهو أنهم يظهرون تكذيب نبيكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق ، ومن ~~اعتقد في غيره الإصرار على الجهل والحمق امتنع أن يحبه ، بل لا بد وأن ~~يبغضه ، فهذا هو المراد بقوله { قد بدت البغضاء من أفواههم } . # ثم قال تعالى : { وما تخفى صدورهم أكبر } يعني الذي يظهر على لسان ~~المنافق من علامات البغضاء ms2445 أقل مما في قلبه من النفرة ، والذي يظهر من ~~علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد ، ثم بين تعالى أن إظهار ~~هذه الأسرار للمؤمنين من نعمه عليهم ، فقال : { قد بينا لكم الايات إن كنتم ~~تعقلون } أي من أهل العقل والفهم والدراية ، وقيل : { إن كنتم تعقلون } ~~الفصل بين ما يستحقه العدو والولي ، والمقصود بعثهم على استعمال العقل في ~~تأمل هذه الآية وتدبر هذه البينات ، والله أعلم . # PageV08P174 ! 7 < { هآأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب ~~كله وإذا لقوكم قالوا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الا نامل من الغيظ قل ~~موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور } . > 7 ! # / < < # | آل عمران : ( 119 ) ها أنتم أولاء . . . . . # > > واعلم أن هذا نوع آخر من تحذير المؤمنين عن مخالطة المنافقين ، وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال السيد السرخسي سلمه الله { * ها } للتنبيه و { وإذ ~~أنتم } مبتدأ و { أولاء } خبره و { تحبونهم } في موضع النصب على الحال من ~~اسم الإشارة ، ويجوز أن تكون { أولاء } بمعنى الذين و { تحبونهم } صلة له ، ~~والموصول مع الصلة خبر { أنتم } وقال الفراء { أولاء } خبر و { تحبونهم } ~~خبر بعد خبر . # المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر في هذه الآية أمورا ثلاثة ، كل واحد ~~منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه فالأول : قوله ~~{ تحبونهم ولا يحبونكم } وفيه وجوه : أحدها : قال المفضل { تحبونهم } ~~تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء { ولا يحبونكم } لأنهم يريدون بقاءكم ~~على الكفر ، ولا شك أنه يوجب الهلاك الثاني : { تحبونهم } بسبب ما بينكم ~~وبينهم من الرضاعة والمصاهرة { ولا يحبونكم } بسبب كونكم مسلمين الثالث : { ~~تحبونهم } بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان { ولا يحبونكم } بسبب أن الكفر ~~مستقر في باطنهم الرابع : قال أبو بكر الأصم { تحبونهم } بمعنى أنكم لا ~~تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن { ولا يحبونكم } بمعنى أنهم يريدون ~~إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر الخامس : { تحبونهم } بسبب ~~أنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب { ولا يحبونكم } لأنهم ~~يعلمون أنكم تحبون الرسول وهم يبغضون الرسول ومحب المبغوض مبغوض السادس ms2446 : { ~~تحبونهم } أي تخالطونهم ، وتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم { ولا ~~يحبونكم } أي لا يفعلون مثل ذلك بكم . # واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون ~~المؤمنين يحبونهم ولكونهم يبغضون المؤمنين ، فالكل داخل تحت الآية ، ولما ~~عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين وعرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ~~ذلك داعيا من حيث الطبع ، ومن حيث الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين ~~لهؤلاء المنافقين . # / والسبب الثاني لذلك : قوله تعالى : { وتؤمنون بالكتاب كله } وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : في الآية إضمار ، والتقدير : وتؤمنون بالكتاب كله وهم ~~لا يؤمنون به ، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معا فكان ذكر أحدهما ~~مغنيا عن ذكر الآخر . # المسألة الثانية : ذكر ( الكتاب ) بلفظ الواحد لوجوه أحدها : أنه ذهب به ~~مذهب الجنس كقولهم : كثر الدرهم في أيدي الناس وثانيها : أن المصدر لا يجمع ~~إلا على التأويل ، فلهذا لم يقل الكتب بدلا من الكتاب ، وإن كان لو قاله ~~لجاز توسعا . PageV08P175 # المسألة الثالثة : تقدير الكلام : أنكم تؤمنون بكتبهم كلها وهم مع ذلك ~~يبغضونكم فما بالكم مع ذلك تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم ، وفيه ~~توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم ، ونظيره قوله تعالى : { ~~فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون } ( النساء : 104 ) . # السبب الثالث لقبح هذه المخالطة : قوله تعالى : { هاأنتم أولاء تحبونهم ~~ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا } والمعنى : أنه إذا خلا ~~بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة ، وشدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك ~~الشدة إلى عض الأنامل ، كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه وعظم حزنه على ~~فوات مطلوبه ، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان ، صار ذلك كناية عن الغضب حتى ~~يقال في الغضبان : إنه يعض يده غيظا وإن لم يكن هناك عض ، قال المفسرون : ~~وإنما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين واجتماع ~~كلمتهم وصلاح ذات بينهم . # ثم قال تعالى : { قل موتوا بغيظكم } وهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى ~~يهلكوا به ، والمراد من ms2447 ازدياد الغيظ ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة ~~الإسلام وعزة أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي . # فإن قيل : قوله { قل موتوا بغيظكم } أمر لهم بالإقامة على الغيظ ، وذلك ~~الغيظ كفر ، فكان هذا أمرا بالإقامة على الكفر وذلك غير جائز . # قلنا : قد بينا أنه دعاء بازدياد ما يوجب هذا الغيظ وهو قوة الإسلام فسقط ~~السؤال : # وأيضا فإنه دعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون . # ثم قال : { إن الله عليم بذات الصدور } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ( ذات ) كلمة وضعت لنسبة المؤنث كما أن ( ذو ) كلمة ~~وضعت لنسبة المذكر والمراد بذات الصدور الخواطر القائمة بالقلب والدواعي ~~والصوارف الموجودة فيه وهي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه فكانت ذات ~~الصدور ، والمعنى أنه تعالى عالم بكل ما حصل في قلوبكم من الخواطر والبواعث ~~والصوارف . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) يحتمل أن تكون هذه الآية داخلة في ~~جملة المقول / وأن لا تكون أما الأول : فالتقدير : أخبرهم بما يسرونه من ~~عضهم الأنامل غيظا إذا خلوا وقل لهم : إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه ~~بينكم ، وهو مضمرات الصدور ، فلا تظنوا أن شيئا من أسراركم يخفى عليه أما ~~الثاني : وهو أن لا يكون داخلا في المقول فمعناه : قل لهم ذلك يا محمد ولا ~~تتعجب من اطلاعي إياك على ما يسرون ، فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك ، وهو ما ~~أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم ويجوز أن لا يكون ، ثم قول وأن يكون ~~قوله { قل موتوا بغيظكم } أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة ~~الرجاء والاستبشار بوعد الله إياه أنهم يهلكون غيظا بإعزاز الإسلام ~~وإذلالهم به ، كأنه قيل : حدث نفسك بذلك والله تعالى أعلم . # PageV08P176 ! 7 < { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 120 ) إن تمسسكم حسنة . . . . . # > > واعلم أن هذه الآية من تمام وصف المنافقين ، فبين تعالى أنهم مع ما ~~لهم من الصفات الذميمة والأفعال ms2448 القبيحة مترقبون نزول نوع من المحنة ~~والبلاء بالمؤمنين ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : المس أصله باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى الشيء ( ماسا ) ~~على سبيل التشبيه فيقال : فلان مسه التعب والنصب ، قال تعالى : { وما مسنا ~~من لغوب } ( ق : 38 ) وقال : { وإذا مسكم الضر فى البحر } ( الإسراء : 67 ) ~~قال صاحب ( الكشاف ) : المس ههنا بمعنى الإصابة ، قال تعالى : { إن تصبك ~~حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة } ( التوبة : 50 ) وقوله { ما أصابك من حسنة فمن ~~الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ( النساء : 79 ) وقال : { إذا مسه الشر ~~جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا } ( المعارج : 20 / 21 ) . # المسألة الثانية : المراد من الحسنة ههنا منفعة الدنيا على اختلاف ~~أحوالها ، فمنها صحة البدن وحصول الخصب والفوز بالغنيمة والاستيلاء على ~~الأعداء وحصول المحبة والالفة بين الأحباب والمراد بالسيئة أضدادها ، وهي ~~المرض والفقر والهزيمة والانهزام من العدو وحصول التفرق بين الأقارب ، ~~والقتل والنهب والغارة ، فبين تعالى أنهم يحزنون ويغتمون بحصول نوع من ~~أنواع الحسنة للمسلمين ويفرحون بحصول نوع من أنواع السيئة لهم . # المسألة الثالثة : يقال ساء الشيء يسوء فهو سيء ، والأنثى سيئة أي قبح ، ~~ومنه قوله تعالى : { ساء ما يعملون } ( المائدة : 66 ) والسوأى ضد الحسنى . # / ثم قال : { وأن تصبروا } يعني على طاعة الله وعلى ما ينالكم فيها من ~~شدة وغم { وتتقوا } كل ما نهاكم عنه وتتوكلوا في أموركم على الله { لا ~~يضركم كيدهم شيئا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { لا يضركم } بفتح الياء ~~وكسر الضاد وسكون الراء ، وهو من ضاره يضيره ، ويضوره ضورا إذا ضره ، ~~والباقون { لا يضركم } بضم الضاد والراء المشددة وهو من الضر ، وأصله ~~يضرركم جزما ، فأدغمت الراء في الراء ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد ~~وضمت الراء الأخيرة ، اتباعا لأقرب الحركات وهي ضمة الضاد ، وقال بعضهم : ~~هو على التقديم والتأخير تقديره : ولا يضركم كيدهم شيئا إن تصبروا وتتقوا ، ~~قال صاحب ( الكشاف ) : وروى المفضل عن عاصم { لا يضركم } بفتح الراء . # المسألة الثانية : الكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه ms2449 ، وابن ~~عباس فسر الكيد ههنا بالعداوة . PageV08P177 # المسألة الثالثة : { شيئا } نصب على المصدر أي شيئا من الضر . # المسألة الرابعة : معنى الآية : أن كل من صبر على أداء أوامر الله تعالى ~~واتقى كل ما نهى الله عنه كان في حفظ الله فلا يضره كيد الكافرين ولا حيل ~~المحتالين . # وتحقيق الكلام في ذلك هو أنه سبحانه إنما خلق الخلق للعبودية كما قال : { ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) فمن وفى بعهد ~~العبودية في ذلك فالله سبحانه أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه عن ~~الآفات والمخافات ، وإليه الإشارة بقوله { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب } ( الطلاق : 2 / 3 ) إشارة إلى أنه يوصل إليه كل ~~ما يسره ، وقال بعض الحكماء : إذا أردت أن تكبت من يحسد فاجتهد في اكتساب ~~الفضائل . # ثم قال تعالى : { إن الله بما يعملون محيط } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء بما يعملون بالياء على سبيل المغايبة بمعنى أنه ~~عالم بما يعملون في معاداتكم فيعاقبهم عليه ، ومن قرأ بالتاء على سبيل ~~المخاطبة ، فالمعنى أنه عالم محيط بما تعملون من الصبر والتقوى فيفعل بكم ~~ما أنتم أهله . # المسألة الثانية : إطلاق لفظ المحيط على الله مجاز ، لأن المحيط بالشيء ~~هو الذي يحيط به من كل جوانبه ، وذلك من صفات الأجسام ، لكنه تعالى لما كان ~~عالما بكل الأشياء قادرا على كل الممكنات ، جاز في مجاز اللغة أنه محيط بها ~~، ومنه قوله { والله من ورائهم محيط } ( البروج : 20 ) وقال : { والله محيط ~~بالكافرين } ( البقرة : 19 ) وقال : { ولا يحيطون به علما } ( طه : 11 ) ~~وقال : { وأحاط بما لديهم وأحصى كل شىء عددا } ( الجن : 28 ) . # المسألة الثالثة : إنما قال : { إن الله بما يعملون محيط } ولم يقل إن ~~الله محيط بما يعملون لأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه ، أعني وليس ~~المقصود ههنا بيان كونه تعالى عالما ، بينا أن / جميع أعمالهم معلومة لله ~~تعالى ومجازيهم عليها فلا جرم قد ذكر العمل والله أعلم . # ! 7 < { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله ms2450 سميع عليم * ~~إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . ~~> 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 121 - 122 ) وإذ غدوت من . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما قال : { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } ( ~~آل عمران : 120 ) أتبعه بما يدلهم على سنة الله تعالى فيهم في باب النصرة ~~والمعونة ودفع مضار العدو إذا هم صبروا واتقوا ، وخلاف ذلك فيهم إذا لم ~~PageV08P178 يصبروا فقال : { وإذ غدوت من أهلك } يعني أنهم يوم أحد كانوا ~~كثيرين للقتال ، فلما خالفوا أمر الرسول انهزموا ، ويوم بدر كانوا قليلين ~~غير مستعدين للقتال فلما أطاعوا أمر الرسول غلبوا واستولوا على خصومهم ، ~~وذلك يؤكد قولنا ، وفيه وجه آخر وهو أن الانكسار يوم أحد إنما حصل بسبب ~~تخلف عبد الله بن أبي بن سلول المنافق ، وذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ ~~هؤلاء المنافقين بطانة وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله { وإذ غدوت من أهلك } فيه ثلاثة أوجه الأول : ~~تقديره واذكر إذ غدوت والثاني : قال أبو مسلم : هذا كلام معطوف بالواو على ~~قوله { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى ~~كافرة } ( آل عمران : 13 ) يقول : قد كان لكم في نصر الله تلك الطائفة ~~القليلة من المؤمنين على الطائفة الكثيرة من الكافرين موضع اعتبار لتعرفوا ~~به أن الله ناصر المؤمنين ، وكان لهم مثل ذلك من الآية إذ غدا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم يبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والثالث : العامل فيه محيط : ~~تقديره والله بما يعملون محيط إذ غدوت . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن هذا اليوم أي يوم هو ؟ فالأكثرون : أنه ~~يوم أحد : وهو قول ابن عباس والسدي وابن إسحاق والربيع والأصم وأبي مسلم ، ~~وقيل : إنه يوم بدر ، وهو قول الحسن ، وقيل إنه يوم الأحزاب وهو قول مجاهد ~~ومقاتل ، حجة من قال هذا اليوم هو يوم أحد وجوه الأول : أن أكثر العلماء ~~بالمغازي زعموا أن هذه الآية نزلت في وقعة أحد الثاني : أنه تعالى قال بعد ~~هذه الآية { ولقد نصركم الله ببدر } ( آل عمران : 123 ) والظاهر ms2451 أنه معطوف ~~على ما تقدم ، / ومن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه ، وأما يوم ~~الأحزاب ، فالقوم إنما خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد لا ~~يوم الأحزاب ، فكانت قصة أحد أليق بهذا الكلام لأن المقصود من ذكر هذه ~~القصة تقرير قوله { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } فثبت أن هذا ~~اليوم هو يوم أحد الثالث : أن الانكسار واستيلاء العدو كان في يوم أحد أكثر ~~منه في يوم الأحزاب لأن في يوم أحد قتلوا جمعا كثيرا من أكابر الصحابة ولم ~~يتفق ذلك يوم الأحزاب فكان حمل الآية على يوم أحد أولى . # السمألة الثالثة : روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قط ~~قبلها فاستشاره فقال عبد الله وأكثر الأنصار : يا رسول الله أقم بالمدينة ~~ولا تخرج إليهم والله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخل عدو ~~علينا إلا أصبنا منه ، فكيف وأنت فينا ؟ فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر موضع ~~وإن دخلوا قتلهم الرجال في وجوههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة ، وإن ~~رجعوا رجعوا خائبين وقال آخرون : أخرج بنا إلى الأكلب لئلا يظنوا أنا قد ~~خفناهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إني قد رأيت في منامي بقرا تذبح ~~حولي فأولتها خيرا ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولته هزيمة ورأيت كأني أدخلت ~~يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم ) ~~فقال قوم من المسلمين من الذين فاتتهم ( بدر ) وأكرمهم الله بالشهادة يوم ~~أحد أخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لأمته ، فلما لبس ندم ~~القوم ، وقالوا : بئسما صنعنا نشير على رسول الله والوحي يأتيه ، فقالوا له ~~اصنع يا رسول الله ما رأيت ، فقال : ( لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها ~~حتى يقاتل ) فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم ~~السبت للنصف من شوال ، فمشى على رجليه وجعل PageV08P179 يصف أصحابه للقتال ms2452 ~~كأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدرا خارجا قال له تأخر ، وكان نزوله في جانب ~~الوادي ، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وأمر عبد الله بن جبير على الرماة ، ~~وقال : ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا ، وقال عليه الصلاة ~~والسلام لأصحابه : اثبتوا في هذا المقام ، فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار ، ~~فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام ، ثم إن الرسول عليه الصلاة ~~والسلام لما خالف رأى عبد الله بن أبي شق عليه ذلك ، وقال : أطاع الولدان ~~وعصاني ، ثم قال لأصحابه : إن محمدا إنما يظفر بعدوه بكم ، وقد وعد أصحابه ~~أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا ، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعوكم ، ~~فيصير الأمر على خلاف ما قاله محمد عليه السلام ، فلما التقى الفريقان ~~انهزم عبد الله بالمنافقين ، وكان جملة عسكر المسلمين ألفا ، فانهزم عبد ~~الله بن أبي مع ثلثمائة ، فبقيت سبعمائة ، ثم قواهم الله مع ذلك حتى هزموا ~~المشركين ، فلما رأى المؤمنون انهزام القوم ، وكان الله تعالى بشرهم بذلك ، ~~طمعوا أن / تكون هذه الواقعة كواقعة بدر ، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك ~~الموضع ، وخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أراهم ما يحبون ، ~~فأراد الله تعالى أن يفطمهم عن هذا الفعل لئلا يقدموا على مخالفة الرسول ~~عليه السلام وليعلموا أن ظفرهم إنما حصل يوم بدو ببركة طاعتهم لله ولرسوله ~~، ومتى تركهم الله مع عدوهم لم يقوموا لهم فنزع الله الرعب من قلوب ~~المشركين ، فكثر عليهم المشركون وتفرق العسكر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، كما قال تعالى : { إذا * تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم ~~فى أخراكم } ( آل عمران : 153 ) وشج وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وكسرت ~~رباعيته وشلت يد طلحة دونه ، ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وسعد ، ~~ووقعت الصيحة في العسكر أن محمدا قد قتل ، وكان رجل يكنى أبا سفيان من ~~الأنصار نادى الأنصار وقال : هذا رسول الله ، فرجع إليه المهاجرون والأنصار ~~، وكان قتل منهم سبعون وكثر فيهم الجراح ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( رحم ms2453 ~~الله رجلا ذب عن إخوانه ) وشد على المشركين بمن معه حتى كشفهم عن القتلى ~~والجرحى والله أعلم . # والمقصود من القصة أن الكفار كانوا ثلاثة آلاف والمسلمون كانوا ألفا وأقل ~~، ثم رجع عبد الله بن أبي مع ثلثمائة من أصحابه فبقي الرسول صلى الله عليه ~~وسلم مع سبعمائة ، فأعانهم الله حتى هزموا الكفار ، ثم لما خالفوا أمر ~~الرسول واشتغلوا بطلب الغنائم انقلب الأمر عليهم وانهزموا ووقع ما وقع ، ~~وكل ذلك يؤكد قوله تعالى : { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } ( آل ~~عمران : 120 ) وأن المقبل من أعانه الله ، والمدبر من خذله الله . # المسألة الرابعة : يقال : بوأته منزلا وبوأت له منزلا أي أنزلته فيه ، ~~والمباءة والباءة المنزل وقوله { مقاعد للقتال } أي مواطن ومواضع ، وقد ~~اتسعوا في استعمال المقعد والمقام بمعنى المكان / ومنه قوله تعالى : { فى ~~مقعد صدق } ( القمر : 55 ) وقال : { قبل أن تقوم من مقامك } ( النمل : 39 ) ~~أي من مجلسك وموضع حكمك وإنما عبر عن الأمكنة ههنا بالمقاعد لوجهين الأول : ~~وهو أنه عليه السلام أمرهم أن يثبتوا في مقاعدهم لا ينتقلوا عنها ، والقاعد ~~في مكان لا ينتقل عنه فسمى تلك الأمكنة بالمقاعد ، تنبيها على أنهم مأمورون ~~بأن يثبتوا فيها ولا ينتقلوا عنها ألبتة والثاني : أن المقاتلين قد يقعدون ~~في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدو فيقوموا عند الحاجة إلى المحاربة ~~فسميت تلك الأمكنة بالمقاعد لهذا الوجه . # المسألة الخامسة : قوله { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال ~~} يروى أنه عليه السلام غدا من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه ~~إلى أحد ، وهذا قول مجاهد والواقدي ، فدل هذا PageV08P180 النص على أن ~~عائشة رضي الله عنها كانت أهلا للنبي صلى الله عليه وسلم وقال تعالى : { ~~الطيبات * للطيبين والطيبون للطيبات } ( النور : 26 ) فدل هذا النص على ~~أنها مطهرة مبرأة عن كل قبيح ، / ألا ترى أن ولد نوح لما كان كافرا قال : { ~~إنه ليس من أهلك } ( هود : 46 ) وكذلك امرأة لوط . # ثم قال تعالى : { والله سميع عليم } أي سميع لأقوالكم عليم بضمائركم ~~ونياتكم ، فإنا ms2454 ذكرنا أنه عليه السلام شاور أصحابه في ذلك الحرب ، فمنهم من ~~قال له : أقم بالمدينة ، ومنهم من قال : اخرج إليهم ، وكان لكل أحد غرض آخر ~~فيما يقول ، فمن موافق ، ومن مخالف فقال تعالى : أنا سميع لما يقولون عليم ~~بما يضمرون . # ثم قال تعالى : { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : العامل في قوله { إذ همت طائفتان منكم } فيه وجوه الأول ~~: قال الزجاج : العامل فيه التبوئة ، والمعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت ~~الثاني : العامل فيه قوله { سميع عليم } الثالث : يجوز أن يكون بدلا من { ~~إذ * غدوت } . # المسألة الثانية : الطائفتان حيان من الأنصار : بنو سلمة من الخزرج وبنو ~~حارثة من الأوس لما انهزم عبد الله بن أبي همت الطائفتان باتباعه ، فعصمهم ~~الله ، فثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن العلماء من قال : إن ~~الله تعالى أبهم ذكرهما وستر عليهما ، فلا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر . # المسألة الثالثة : الفشل الجبن والخور ، فإن قيل : الهم بالشيء هو العزم ~~، فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل والترك وذلك معصية ~~فكيف بهما أن يقال والله وليهما ؟ . # والجواب : الهم قد يراد به العزم ، وقد يراد به الفكر ، وقد يراد به حديث ~~النفس ، وقد يراد به ما يظهر من القول الدال على قوة العدو وكثرة عدده ~~ووفور عدده ، لأن أي شيء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف من ظهر ذلك منه بأنه ~~هم بأن يفشل من حيث ظهر منه ما يوجب ضعف القلب ، فكان قوله { إذ همت ~~طائفتان منكم أن تفشلا } لا يدل على أن معصية وقعت منهما ، وأيضا فبتقدير ~~أن يقال : إن ذلك معصية لكنها من باب الصغائر لا من باب الكبائر ، بدليل ~~قوله تعالى : { والله وليهما } فإن ذلك الهم لو كان من باب الكبائر لما ~~بقيت ولاية الله لهما . # ثم قال تعالى : { والله وليهما } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عبد الله { والله وليهما } كقوله { وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا } ( الحجرات : 9 ) . # المسألة الثانية : في المعنى وجوه الأول : أن ms2455 المراد منه بيان أن ذلك ~~الهم ما أخرجهما عن ولاية الله تعالى الثاني : كأنه قيل : الله تعالى ~~ناصرهما ومتولي أمرهما فكيف يليق بهما هذا الفشل وترك التوكل على الله ~~تعالى ؟ الثالث : فيه تنبيه على أن ذلك الفشل إنما لم يدخل في الوجود لأن ~~الله تعالى وليهما فأمدهما بالتوفيق والعصمة ، والغرض منه بيان أنه لولا ~~توفيقه سبحانه وتسديده لما تخلص أحد عن ظلمات المعاصي ، ويدل على صحة هذا ~~التأويل قوله تعالى بعده هذه الآية { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . # / فإن قيل : ما معنى ما روي عن بعضهم عند نزول هذه الآية أنه قال : والله ~~ما يسرنا أنا لم نهم بما همت الطائفتان به ، وقد أخبرنا الله تعالى نأنه ~~وليهما ؟ . PageV08P181 # قلنا : معنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى ، ~~وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية ، وأن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية ~~الله تعالى . # ثم قال : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } التوكل : تفعل ، من وكل أمره ~~إلى فلان إذا عتمد فيه كفايته عليه ولم يتوله بنفسه ، وفي الآية إشارة إلى ~~أنه ينبغي أن يدفع الإنسان ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله ، ~~وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل . # ! 7 < { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون } . > ~~7 ! # < < # | آل عمران : ( 123 ) ولقد نصركم الله . . . . . # > > في كيفية النظم وجهان الأول : أنه تعالى لما ذكر قصة أحد أتبعها بذكر ~~قصة بدر ، وذلك لأن المسلمين يوم بدر كانوا في غاية الفقر والعجز ، والكفار ~~كانوا في غاية الشدة والقوة ، ثم إنه تعالى سلط المسلمين على المشركين فصار ~~ذلك من أقوى الدلائل على أن العاقل يجب أن لا يتوسل إلى تحصيل غرضه ومطلوبه ~~إلا بالتوكل على الله والاستعانة به والمقصود من ذكر هذه القصة تأكيد قوله ~~{ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } ( آل عمران : 120 ) وتأكيد قوله ~~{ وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ( آل عمران : 122 ) الثاني : أنه تعالى حكى ~~عن الطائفتين أنهما همتا بالفشل . # ثم قال : { والله وليهما وعلى الله ms2456 فليتوكل المؤمنون } يعني من كان الله ~~ناصرا له ومعينا له فكيف يليق به هذا الفشل والجبن والضعف ؟ ثم أكد ذلك ~~بقصة بدر فإن المسلمين كانوا في غاية الضعف ولكن لما كان الله ناصرا لهم ~~فازوا بمطلوبهم وقهروا خصومهم فكذا ههنا ، فهذا تقرير وجه النظم ، وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : في بدر أقوال الأول : بدر اسم بئر لرجل يقال له بدر ~~فسميت البئر باسم صاحبها هذا قول الشعبي الثاني : أنه اسم للبئر كما يسمى ~~البلد باسم من غير أن ينقل إليه اسم صاحبه وهذا قول الواقدي وشيوخه ، ~~وأنكروا قول الشعبي وهو ماء بين مكة والمدينة . # المسألة الثانية : { أذلة } جمع ذليل قال الواحدي : الأصل في الفعيل إذا ~~كان صفة أن يجمع على فعلاء كظريف وظرفاء وكثير وكثراء وشريك وشركاء إلا أن ~~لفظ فعلاء اجتنبوه في التضعيف لأنهم لو قالوا : قليل وقللاء وخليل وخللاء ~~لاجتمع حرفان من جنس واحد فعدل إلى أفعلة لأن من جموع الفعيل : الأفعلة ، ~~كجريب وأجربة ، وقفيز وأقفزة فجعلوه جمع ذليل أذلة ، قال صاحب / ( الكشاف ) ~~: الأذلة جمع قلة ، وإنما ذكر جمع القلة ليدل على أنهم مع ذلهم كانوا ~~قليلين . # المسألة الثالثة : قوله { وأنتم أذلة } في موضع الحال ، وإنما كانوا أذلة ~~لوجوه الأول : أنه تعالى قال : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ( ~~المنافقون : 8 ) فلا بد من تفسير هذا الذل بمعنى لا ينافي مدلول هذه الآية ~~، وذلك هو تفسيره بقلة العدد وضعف الحال وقلة السلاح والمال وعدم القدرة ~~على مقاومة العدو ومعنى الذل الضعف عن المقاومة ونقيضه العز وهو القوة ~~والغلبة ، روي أن المسلمين كانوا ثلثمائة وبضعة عشر ، وما كان PageV08P182 ~~فيهم إلا فرس واحد ، وأكثرهم كانوا رجالة ، وربما كان الجمع منهم يركب جملا ~~واحدا ، والكفار قريبين من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة ~~والعدة الكاملة الثاني : لعل المراد أنهم كانوا أذلة في زعم المشركين ~~واعتقادهم لأجل قلة عددهم وسلاحهم ، وهو مثل ما حكى الله عن الكفار أنهم ~~قالوا { ليخرجن الاعز منها الاذل } ( المنافقون : 8 ) الثالث : أن الصحابة ~~قد شاهدوا الكفار في ms2457 مكة في القوة والثروة وإلى ذلك الوقت ما اتفق لهم ~~استيلاء على أولئك الكفار ، فكانت هيبتهم باقية في قلوبهم واستعظامهم مقررا ~~في نفوسهم فكانوا لهذا السبب يهابونهم ويخافون منهم . # ثم قال تعالى : { فاتقوا الله } أي في الثبات مع رسوله { لعلكم تشكرون } ~~بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته أو لعل الله ينعم عليكم نعمة أخرى ~~تشكرونها ، فوضع الشكر موضع الإنعام ، لأنه سبب له . # ! 7 < { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالاف من ~~الملائكة منزلين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 124 ) إذ تقول للمؤمنين . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر ، أو يوم ~~أحد ويتفرع على هذين القولين بيان العامل في { إذ } فإن قلنا هذا الوعد حصل ~~يوم بدر كان العامل في { إذ } قوله { نصركم الله } ( آل عمران : 123 ) ~~والتقدير : إذ نصركم الله ببدر وأنتم أذلة تقول للمؤمنين ، وإن قلنا إنه ~~حصل يوم أحد كان ذلك بدلا ثانيا من قوله { وإذ غدوت } . # إذا عرفت هذا فنقول : # القول الأول : أنه يوم أحد ، وهو مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ~~ومقاتل / ومحمد بن إسحاق ، والحجة عليه من وجوه : # الحجة الأولى : أن يوم بدر إنما أمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف ~~من الملائكة قال تعالى في سورة الأنفال : { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم * ~~إنى * ممدكم بألف من الملئكة } ( الأنفال : 9 ) فكيف يليق ما ذكر فيه ثلاثة ~~آلاف وخمسة آلاف بيوم بدر ؟ . # الحجة الثانية : أن الكفار كانوا يوم بدر ألفا أو ما يقرب منه والمسلمون ~~كانوا على الثلث منهم لأنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر ، فأنزل الله تعالى ~~يوم بدر ألفا من الملائكة ، فصار عدد الكفار مقابلا بعدد الملائكة مع زيادة ~~عدد المسلمين فلا جرم وقعت الهزيمة على الكفار فكذلك يوم أحد كان عدد ~~المسلمين ألفا ، وعدد الكفار ثلاثة آلاف ، فكان عدد المسلمين على الثلث من ~~عدد الكفار في هذا اليوم ، كما في يوم بدر ، فوعدهم الله في هذا اليوم أن ~~ينزل ثلاثة آلاف من الملائكة ليصير ms2458 عدد الكفار مقابلا بعدد الملائكة مع ~~زيادة عدد المسلمين ، فيصير ذلك دليلا على أن المسلمين يهزمونهم في هذا ~~اليوم كما هزموهم يوم بدر ثم جعل الثلاثة PageV08P183 آلاف خمسة آلاف ~~لتزداد قوة قلوب المسلمين في هذا اليوم ويزول الخوف عن قلوبهم ، ومعلوم أن ~~هذا المعنى إنما يحصل إذا قلنا إن هذا الوعد إنما حصل يوم أحد . # الحجة الثالثة : أنه تعالى قال في هذه الآية { بلى إن تصبروا وتتقوا ~~ويأتوكم من فورهم هاذا يمددكم ربكم بخمسة } ( آل عمران : 125 ) والمراد ~~ويأتوكم أعداؤكم من فورهم ، ويوم أحد هو اليوم الذي كان يأتيهم الأعداء ، ~~فأما يوم بدر فالأعداء ما أتوهم ، بل هم ذهبوا إلى الأعداء . # فإن قيل : لو جرى قوله تعالى : { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ~~ربكم بثلاثة } في يوم أحد ، ثم إنه ما حصل هذا الإمداد لزم الكذب . # والجواب عنه من وجهين الأول : أن إنزاله خمسة آلاف من الملائكة كان ~~مشروطا بشرط أن يصبروا ويتقوا في المغانم ثم أنهم لم يصبروا ولم يتقوا في ~~المغانم بل خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما فات الشرط لا جرم ~~فات المشروط وأما إنزال ثلاثة آلاف من الملائكة فإنما وعد الرسول بذلك ~~للمؤمنين الذين بوأهم مقاعد للقتال وأمرهم بالسكون والثبات في تلك المقاعد ~~، فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم إنما وعدهم بهذا الوعد بشرط أن ~~يثبتوا في تلك المقاعد ، فلما أهملوا هذا الشرط لا جرم لم يحصل المشروط . # الوجه الثاني : في الجواب : لا نسلم أن الملائكة ما نزلت ، روى الواقدي ~~عن مجاهد أنه قال : حضرت الملائكة يوم أحد ولكنهم لم يقاتلوا ، وروي أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى اللواء معصب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ~~ملك في صورة مصعب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم يا مصعب فقال ~~الملك لست بمصعب فعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ملك أمد / به / وعن ~~سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال : كنت أرمي السهم يومئذ فيرده على ms2459 ~~رجل أبيض حسن الوجه وما كنت أعرفه ، فظننت أنه ملك ، فهذا ما نقوله في ~~تقرير هذا الوجه . # إذا عرفت هذا فنقول : نظم الآية على هذا التأويل أنه تعالى ذكر قصة أحد ، ~~ثم قال : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي يجب أن يكون توكلهم على الله ~~لا على كثرة عددهم وعددهم فلقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فكذلك هو قادر ~~على مثل هذه النصرة في سائر المواضع ، ثم بعد هذا أعاد الكلام إلى قصة أحد ~~فقال : { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالاف من ~~الملئكة } . # القول الثاني : أن هذا الوعد كان يوم بدر ، وهو قول أكثر المفسرين ، ~~واحتجوا على صحته بوجوه . # الحجة الأولى : أن الله تعالى قال : { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة * ~~إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم } كذا وكذا ، فظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله ~~تعالى نصرهم ببدر حينما قال الرسول للمؤمنين هذا الكلام ، وهذا يقتضي أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال هذا الكلام يوم بدر . # الحجة الثانية : أن قلة العدد والعدد كانت يوم بدر أكثر وكان الاحتياج ~~إلى تقوية القلب ذلك اليوم أكثر ، فكان صرف هذا الكلام إلى ذلك اليوم أولى ~~. # الحجة الثالثة : أن الوعد بإنزال ثلاثة آلاف من الملائكة كان مطلقا غير ~~مشروط بشرط ، فوجب أن يحصل ، وهو إنما حصل يوم بدر لا يوم أحد ، وليس لأحد ~~أن يقول إنهم نزلوا لكنهم ما قاتلوا لأن الوعد كان بالإمداد بثلاثة آلاف من ~~الملائكة ، وبمجرد الإنزال لا يحصل الإمداد بل لا بد من الإعانة ، والإعانة ~~حصلت PageV08P184 يوم بدر ولم تحصل يوم أحد ، ثم القائلون بهذا القول ~~أجابوا عن دلائل الأولين فقالوا : # أما الحجة الأولى : وهي قولكم : الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أمد يوم ~~بدر بألف من الملائكة . # فالجواب عنها : من وجهين الأول : أنه تعالى أمد أصحاب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بألف ثم زاد فيهم ألفين فصاروا ثلاثة آلاف ، ثم زاد ألفين آخرين ~~فصاروا خمسة آلاف ، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم : ألن يكفيكم أن ~~يمدكم ربكم بألف ms2460 من الملائكة فقالوا بلى ، ثم قال : ألن يكفيكم أن يمدكم ~~ربكم بثلاثة آلاف فقالوا بلى ، ثم قال لهم : إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف ، وهو كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : ( أيسركم ~~أن تكونوا ربع أهل الجنة قالوا نعم قال أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة ~~قالوا نعم قال فإني أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ) . # الوجه الثاني في الجواب : أن أهل بدر إنما أمدوا بألف على ما هو مذكور في ~~سورة / الأنفال ، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير ~~فخافوا وشق عليهم ذلك لقلة عددهم ، فوعدهم الله بأن الكفار إن جاءهم مدد ~~فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة ، ثم إنه لم يأت قريشا ذلك المدد ، بل ~~انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش ، فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة على ~~الألف . # وأما الحجة الثانية : وهي قولكم : إن الكفار كانوا يوم بدر ألفا فأنزل ~~الله ألفا من الملائكة ويوم أحد ثلاثة آلاف فأنزل الله ثلاثة آلاف . # فالجواب : إنه تقريب حسن ، ولكنه لا يوجب أن لا يكون الأمر كذلك ، بل ~~الله تعالى قد يزيد وقد ينقص في العدد بحسب ما يريد . # وأما الحجة الثالثة : وهي التمسك بقوله { ويأتوكم من فورهم } ( آل عمران ~~: 125 ) . # فالجواب عنه : أن المشركين لما سمعوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه قد تعرضوا للعير ثار الغضب في قلوبهم واجتمعوا وقصدوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم / ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم الله تعالى : ~~أنهم إن يأتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة فهذا حاصل ما ~~قيل في تقرير هذين القولين ، والله أعلم بمراده . # المسألة الثانية : اختلفوا في عدد الملائكة ، وضبط الأقوال فيها أن من ~~الناس من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد ، فقالوا : لأن الوعد بإمداد ~~الثلاثة لا شرط فيه ، والوعد بإمداد الخمسة مشروط بالصبر والتقوى ومجيء ~~الكفار من فورهم ، فلا بد من التغاير وهو ضعيف ، لأنه لا يلزم من كون ~~الخمسة مشروطة بشرط أن تكون الثلاثة التي ms2461 جزؤها مشروطة بذلك الشرط ومنهم من ~~أدخل العدد الناقص في العدد الزائد ، أما على تقدير الأول : فإن حملنا ~~الآية على قصة بدر كان عدد الملائكة تسعة آلاف لأنه تعالى ذكر الألف ، وذكر ~~ثلاثة آلاف ، وذكر خمسة آلاف ، والمجموع تسعة آلاف ، وإن حملناها على قصة ~~أحد ، فليس فيها ذكر الألف ، بل فيها ذكر ثلاثة آلاف ، وخمسة آلاف ، ~~والمجموع : ثمانية آلاف ، وأما على التقدير الثاني : وهو إدخال الناقص في ~~الزائد فقالوا : عدد الملائكة خمسة آلاف ، ثم ضم إليها ألفان آخران ، فلا ~~جرم وعدوا بالألف ثم ضم إليه ألفان فلا جرم وعدوا بثلاثة آلاف ، ثم ضم ~~إليها ألفان آخران فلام جر وعدوا بخمسة PageV08P185 آلاف ، وقد حكينا عن ~~بعضهم أنه قال أمد أهل بدر بألف فقيل : إن كرز بن جابر المحاربي يريد أن ~~يمد المشركين فشق ذلك على المسلمين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم : ~~ألن يكفيكم يعني بتقدير أن يجيء المشركين مدد فالله تعالى يمدكم أيضا ~~بثلاثة آلاف وخمسة آلاف ، ثم إن المشركين ما جاءهم المدد ، فكذا ههنا ~~الزائد على الألف ما جاء المسلمين فهذه وجوه كلها محتملة والله أعلم بمراده ~~. # / المسألة الثالثة : أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل ~~الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم ~~تقاتل الملائكة سوى يوم بدر وفيما سواه كانوا عددا ومددا لا يقاتلون ولا ~~يضربون ، وهذا قول الأكثرين ، وأما أبو بكر الأصم ، فإنه أنكر ذلك أشد ~~الإنكار ، واحتج عليه بوجوه : # الحجة الأولى : إن الملك الواحد يكفي في إهلاك الأرض ، ومن المشهور أن ~~جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت المدائن الأربع لقوم لوط وبلغ جناحه إلى ~~الأرض السابعة ، ثم رفعها إلى السماء وقلب عاليها سافلها ، فإذا حضر هو يوم ~~بدر ، فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار ؟ ثم بتقدير حضوره ، فأي فائدة ~~في إرسال سائر الملائكة ؟ . # الحجة الثانية : أن أكابر الكفار كانوا مشهورين وكل واحد منهم مقابله من ~~الصحابة معلوم وإذا كان كذلك امتنع إسناد قتله إلى الملائكة . # الحجة الثالثة ms2462 : الملائكة لو قاتلوا لكانوا إما أن يصيروا بحيث يراهم ~~الناس أو لا يراهم الناس فإن رآهم الناس فإما أن يقال إنهم رأوهم في صورة ~~الناس أو في غير صورة الناس ، فإن كان الأول فعلى هذا التقدير صار المشاهد ~~من عسكر الرسول ثلاثة آلاف ، أو أكثر ، ولم يقل أحد بذلك ، ولأن هذا على ~~خلاف قوله تعالى : { ويقللكم فى أعينهم } ( الأنفال : 44 ) وإن شاهدوهم في ~~صورة غير صور الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق فإن من شاهد الجن ~~لا شك أنه يشتد فزعه ولم ينقل ذلك ألبتة . # وأما القسم الثاني : وهو أن الناس ما رأوا الملائكة فعلى هذا التقدير : ~~إذا حاربوا وحزوا الرؤوس ، ومزقوا البطون وأسقطوا الكفار عن الأفراس ، ~~فحينئذ الناس كانوا يشاهدون حصول هذه الأفعال مع أنهم ما كانوا شاهدوا أحدا ~~من الفاعلين ، ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات ، وحينئذ يجب أن يصير الجاحد ~~لمثل هذه الحالة كافرا متمردا ، ولما لم يوجد شيء من ذلك عرف فساد هذا ~~القسم أيضا . # الحجة الرابعة : أن هؤلاء الملائكة الذين نزلوا ، إما أن يقال : إنهم ~~كانوا أجساما كثيفة أو لطيفة ، فإن كان الأول وجب أن يراهم الكل وأن تكون ~~رؤيتهم كرؤية غيرهم ، ومعلوم أن الأمر ما كان كذلك ، وإن كانوا أجساما ~~لطيفة دقيقة مثل الهواء لم يكن فيهم صلابة وقوة ، ويمتنع كونهم راكبين على ~~الخيول وكل ذلك مما ترونه . # واعلم أن هذه الشبهة إنما تليق بمن ينكر القرآن والنبوة ، فأما من يقر ~~بهما فلا يليق به شيء من هذه الكلمات ، فما كان يليق بأبي بكر الأصم إنكار ~~هذه الأشياء مع أن نص القرآن ناطق بها وورودها في الأخبار قريب من التواتر ~~، روى عبد الله بن عمر قال لما رجعت قريش من أحد / جعلوا يتحدثون في ~~أنديتهم بما ظفروا ، ويقولون : لم نر الخيل البلق ولا الرجال البيض الذين ~~كنا نراهم يوم بدر والشبهة المذكورة إذا قابلناها PageV08P186 بكمال قدرة ~~الله تعالى زالت وطاحت فإنه تعالى يفعل ما يشاء لكونه قادرا على جميع ~~الممكنات ويحكم ما ms2463 يريد لكونه منزها عن الحاجات . # المسألة الرابعة : اختلفوا في كيفية نصرة الملائكة قال بعضهم : بالقتال ~~مع المؤمنين ، وقال بعضهم : بل بتقوية نفوسهم وإشعارهم بأن النصرة لهم ~~وبإلقاء الرعب في قلوب الكفار ، والظاهر في المدد أنهم يشركون الجيش في ~~القتال إن وقعت الحاجة إليهم ، ويجوز أن لا تقع الحاجة إليهم في نفس القتال ~~وأن يكون مجرد حضورهم كافيا في تقوية القلب ، وزعم كثير من المفسرين أنهم ~~قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا في سائر الأيام . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { ألن يكفيكم } معنى الكفاية هو سد الخلة ~~والقيام بالأمر ، يقال كفاه أمر كذا إذا سد خلته ، ومعنى الإمداد إعطاء ~~الشيء حالا بعد حال قال المفضل : ما كان على جهة القوة والإعانة قيل فيه ~~أمده يمده ، وما كان على جهة الزيادة قيل فيه : مده يمده ومنه قوله { ~~والبحر يمده } ( لقمان : 27 ) . # المسألة السادسة : قرأ ابن عامر { منزلين } مشدد الزاي مفتوحة على ~~التكثير ، والباقون بفتح الزاي مخففة وهما لغتان . # المسألة السابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : إنما قدم لهم الوعد بنزول ~~الملائكة لتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله ومعنى { ألن ~~يكفيكم } إنكار أن لا يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء ~~بلن التي هي لتأكيد النفي للاشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عددهم ~~كالآيسين من النصر . # ! 7 < { بلىإن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هاذا يمددكم ربكم بخمسة ~~ءالاف من الملائكة مسومين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 125 ) بلى إن تصبروا . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : بلى : إيجاب لما بعد ( لن ) يعني بل يكفيكم الإمداد ~~فأوجب الكفاية ، ثم قال : { إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هاذا } يعني ~~والمشركون يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر من ذلك العدد وهو خمسة ~~آلاف ، فجعل مجيء خمسة آلاف من الملائكة مشروطة ثلاثة أشياء ، الصبر ~~والتقوى ومجيء الكفار على الفور ، فلما لم توجد هذه الشرائط لا جرم / لم ~~يوجد المشروط . # المسألة الثانية : الفور مصدر من : فارت القدر إذا غلت ، قال تعالى : { ~~حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور } ( هود : 40 ) قيل إنه ms2464 أول ارتفاع الماء ~~منه ثم جعلوا هذه اللفظة استعارة في السرعة ، يقال جاء فلان ورجع من فوره ، ~~ومنه قول الأصوليين الأمر للفور أو التراخي ، والمعنى حدة مجيء العدو ~~وحرارته وسرعته . PageV08P187 # المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم { مسومين } بكسر الواو ~~أي معلمين علموا أنفسهم بعلامات مخصوصة ، وأكثر الأخبار أنهم سوموا خيولهم ~~بعلامات جعلوها عليها ، والباقون بفتح الواو ، أي سومهم الله أو بمعنى أنهم ~~سوموا أنفسهم ، فكان في المراد من التسويم في قوله { مسومين } قولان الأول ~~: السومة العلامة التي يعرف بها الشيء من غيره ، ومضى شرح ذلك في قوله { ~~والخيل المسومة } ( آل عمران : 14 ) وهذه العلامة يعلمها الفارس يوم اللقاء ~~ليعرف بها ، وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر : ( سوموا ~~فإن الملائكة قد سومت ) قال ابن عباس : كانت الملائكة قد سوموا أنفسهم ~~بالعمائم الصفر ، وخيولهم وكانوا على خيل بلق ، بأن علقوا الصوف الأبيض في ~~نواصيها وأذنابها ، وروي أن حمزة بن عبد المطلب كان يعلم بريشة نعامة ، وأن ~~عليا كان يعلم بصوفة بيضاء وأن الزبير كان يتعصب بعصابة صفراء وأن أبا ~~دجانة كان يعلم بعصابة حمراء . # القول الثاني : في تفسير المسومين إنه بمعنى المرسلين مأخوذا من الإبل ~~السائمة المرسلة في الرعي ، تقول أسمت الإبل إذا أرسلتها ، ويقال في ~~التكثير سومت كما تقول أكرمت وكرمت ، فمن قرأ { مسومين } بكسر الواو ~~فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيلها على الكفار لقتلهم وأسرهم ، ومن قرأ بفتح ~~الواو فالمعنى أن الله تعالى أرسلهم على المشركين ليهلكوهم كما تهلك ~~الماشية النبات والحشيش . # ! 7 < { وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من ~~عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا ~~خآئبين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 126 - 127 ) وما جعله الله . . . . . # > > # / الكناية في قوله { وما جعله الله } عائدة على المصدر ، كأنه قال : وما ~~جعل الله المدد والإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تنصرون فدل { يمددكم } على ~~الإمداد فكنى عنه ، كما قال : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ms2465 وإنه ~~لفسق } ( الأنعام : 121 ) معناه : وإن أكله لفسق فدل { تأكلوا } على الأكل ~~فكنى عنه وقال الزجاج { وما جعله الله } أي ذكر المدد { إلا بشرى } والبشرى ~~اسم من الإبشار ومضى الكلام في معنى التبشير في سورة البقرة في قوله { وبشر ~~الذين ءامنوا } ( البقرة : 25 ) . # ثم قال : { ولتطمئن قلوبكم به } وفيه سؤال : # وهو أن قوله { ولتطمئن } فعل وقوله { إلا بشرى } اسم وعطف الفعل على ~~الاسم مستنكر ، فكان الواجب أن يقال إلا بشرى لكم واطمئنانا ، أو يقال إلا ~~ليبشركم ولتطمئن قلوبكم به فلم ترك ذلك وعدل عنه إلى عطف الفعل على الاسم . # والجواب عنه من وجهين الأول : في ذكر الإمداد مطلوبان ، وأحدهما أقوى في ~~المطلوبية من الآخر ، PageV08P188 فأحدهما إدخال السرور في قلوبهم ، وهو ~~المراد بقوله { إلا بشرى } والثاني : حصول الطمأنينة على أن إعانة الله ~~ونصرته معهم فلا يجبنوا عن المحاربة ، وهذا هو المقصود الأصلي ففرق بين ~~هاتين العبارتين تنبيها على حصول التفاوت بين هذين الأمرين في المطلوبية ~~فكونه بشرى مطلوب ولكن المطلوب الأقوى حصول الطمأنينة ، فلهذا أدخل حرف ~~التعليل على فعل الطمأنينة ، فقال : { ولتطمئن } ونظيره قوله { والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وزينة } ( النحل : 8 ) ولما كان المقصود الأصلي ~~هو الركوب أدخل حرف التعليل عليها ، فكذا ههنا الثاني ؛ قال بعضهم في ~~الجواب : الواو زائدة والتقدير وما جعله الله إلا بشرى لكم لتطمئن به ~~قلوبكم . # ثم قال : { وما النصر إلا من عند الله } والغرض منه أن يكون توكلهم على ~~الله لا على الملائكة وهذا تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند ~~الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسبب الأسباب أو قوله { العزيز ~~الحكيم } فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته ، والحكيم إشارة إلى كمال علمه ، ~~فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن إجابة الدعوات ، وكل من كان كذلك ~~لم يتوقع النصر إلا من رحمته ولا الإعانة إلا من فضله وكرمه . # ثم قال : { ليقطع طرفا من الذين كفروا } واللام في { ليقطع طرفا } متعلق ~~بقوله { وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } والمعنى أن المقصود من ms2466 ~~نصركم بواسطة إمداد الملائكة هو أن يقطعوا طرفا من الذين كفروا ، أي يهلكوا ~~طائفة منهم ويقتلوا قطعة منهم ، قيل : إنه راجع إلى قوله { ولتطمئن قلوبكم ~~به * ليقطع طرفا } ولكنه ذكر بغير حرف العطف لأنه إذا كان البعض قريبا من ~~البعض جاز حذف العاطف ، وهو كما يقول السيد لعبده : أكرمتك لتخدمني لتعينني ~~لتقوم بخدمتي حذف العاطف ، لأن البعض يقرب من البعض ، فكذا ههنا ، وقوله { ~~طرفا } أي طائفة / وقطعة وإنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف ولم يحسن ذكر ~~الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف ، وهذا يوافق قوله ~~تعالى : { قاتلوا الذين يلونكم } ( التوبة : 123 ) وقوله { أو لم * يروا ~~أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها } ( الرعد : 41 ) . # ثم قال : { أو يكبتهم } الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه ، يقال : كبته ~~فانكبت هذا تفسيره ، ثم قد يذكر والمراد به الاخزاء والإهلاك واللعن ~~والهزيمة والغيظ الإذلال ، فكل ذلك ذكره المفسرون في تفسير الكبت ، وقوله { ~~خائبين } الخيبة هي الحرمان والفرق بين الخيبة وبين اليأس أن الخيبة لا ~~تكون إلا بعد التوقع ، وأما اليأس فإنه قد يكون بعد التوقع وقبله ، فنقيض ~~اليأس الرجاء ، ونقيض الخيبة الظفر ، والله أعلم . # ! 7 < { ليس لك من الا مر شىء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون } . ~~> 7 ! # < < # | آل عمران : ( 128 ) ليس لك من . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية قولان الأول : وهو المشهور : ~~أنها نزلت في قصة أحد ، ثم PageV08P189 القائلون بهذا القول اختلفوا على ~~ثلاثة أوجه أحدها : أنه أراد أن يدعو على الكفار فنزلت هذه الآية والقائلون ~~بهذا ذكروا احتمالات أحدها : روي أن عتبة بن أبي وقاص شجه وكسر رباعيته ~~فجعل يمسح الدم عن وجهه وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم وهو يقول : ~~( كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم ) ثم أراد أن ~~يدعو عليهم فنزلت هذه الآية وثانيها : ما روى سالم بن عبد الله عن أبيه عبد ~~الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه ms2467 وسلم لعن أقواما فقال : ( اللهم العن ~~أبا سفيان ، اللهم العن الحرث بن هشام ، اللهم العن صفوان بن أمية ) فنزلت ~~هذه الآية { أو يتوب عليهم } فتاب الله على هؤلاء وحسن إسلامهم وثالثها : ~~أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما رآه ~~ورأى ما فعلوا به من المثلة قال : ( لأمثلن منهم بثلاثين ) ، فنزلت هذه ~~الآية ، قال القفال رحمه الله ، وكل هذه الأشياء حصلت يوم أحد ، فنزلت هذه ~~الآية عند الكل فلا يمتنع حملها على كل الاحتمالات الثاني : في سبب نزول ~~هذه الآية أنها نزلت بسبب أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يلعن المسلمين ~~الذين خالفوا أمره والذين انهزموا فمنعه الله من ذلك وهذا القول مروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما . # / الوجه الثالث : أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر للمسلمين الذين ~~انهزموا وخالفوا أمره ويدعو عليهم فنزلت الآية ، فهذه الاحتمالات والوجوه ~~كلها مفرعة على قولنا إن هذه الآية نزلت في قصة أحد . # القول الثاني : أنها نزلت في واقعة أخرى وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعث جمعا من خيار أصحابه إلى أهل بئر معونة ليعلموهن القرآن فذهب إليهم ~~عامر بن الطفيل مع عسكره وأخذهم وقتلهم فجزع من ذلك الرسول صلى الله عليه ~~وسلم جزعا شديدا ودعا على الكفار أربعين يوما ، فنزلت هذه الآية ، هذا قول ~~مقاتل وهو بعيد لأن أكثر العلماء اتفقوا على أن هذه الآية في قصة أحد ، ~~وسياق الكلام يدل عليه وإلقاء قصة أجنبية عن أول الكلام وآخره غير لائق . # المسألة الثانية : ظاهر هذه الآية يدل على أنها وردت في أمر كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يفعل فيه فعلا ، وكانت هذه الآية كالمنع منه ، وعند هذا ~~يتوجه الإشكال ، وهو أن ذلك الفعل إن كان بأمر الله تعالى ، فكيف منعه الله ~~منه ؟ وإن قلنا إنه ما كان بأمر الله تعالى وبإذنه ، فكيف يصح هذا مع قوله ~~{ وما ينطق عن الهوى } ( النجم : 3 ) وأيضا دلت الآية على عصمة الأنبياء ~~عليهم الصلاة ms2468 والسلام فالأمر الممنوع عنه في هذه الآية إن كان حسنا فلم ~~منعه الله ؟ وإن كان قبيحا ، فكيف يكون فاعله معصوما ؟ . # والجواب من وجوه الأول : أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع منه ~~كان مشتغلا به فإنه تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم { لئن أشركت ليحبطن ~~عملك } ( الزمر : 65 ) وأنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك قط وقال : { ~~منتظرون ياأيها النبى اتق الله } ( الأحزاب : 1 ) فهذا لا يدل على أنه ما ~~كان يتقي الله ، ثم قال : { ولا تطع الكافرين } وهذا لا يدل على أنه أطاعهم ~~، والفائدة في هذا المنع أنه لما حصل ما يوجب الغم الشديد ، والغضب العظيم ~~، وهو مثلة عمه حمزة ، وقتل المسلمين / والظاهر أن الغضب يحمل الإنسان على ~~ما لا ينبغي من القول والفعل ، فلأجل أن لا تؤدي مشاهدة تلك المكاره إلى ما ~~لا يليق من القول والفعل نص الله تعالى على المنع تقوية لعصمته وتأكيدا ~~لطهارته والثاني : لعله عليه الصلاة والسلام إن فعل لكنه كان ذلك من باب ~~ترك الأفضل والأولى ، فلا جرم أرشده الله إلى اختيار الأفضل والأولى ، ~~ونظيره قوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل PageV08P190 ما عوقبتم به ~~ولئن صبرتم لهو خير للصابرين * واصبر وما صبرك إلا بالله } ( النحل : 126 ، ~~127 ) كأنه تعالى قال : إن كنت تعاقب ذلك الظالم فاكتف بالمثل ، ثم قال ~~ثانيا : وإن تركته كان ذلك أولى ، ثم أمره أمرا جازما بتركه ، فقال : { ~~واصبر وما صبرك إلا بالله } . # الوجه الثالث : في الجواب : لعله صلى الله عليه وسلم لما مال قلبه إلى ~~اللعن عليهم استأذن ربه فيه ، فنص الله تعالى على المنع منه ، وعلى هذا ~~التقدير لا يدل هذا النهي على القدح في العصمة . # / المسألة الثالثة : قوله { ليس لك من الامر شىء } فيه قولان الأول : أن ~~معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء وعلى هذا فنقل عن ~~المفسرين عبارات أحدهما : ليس لك من مصالح عبادي شيء إلا ما أوحي إليك ~~وثانيها : ليس لك من مسألة إهلاكهم شيء ، لأنه تعالى ms2469 أعلم بالمصالح فربما ~~تاب عليهم وثالثها : ليس لك في أن يتوب الله عليهم ، ولا في أن يعذبهم شيء ~~. # والقول الثاني : أن المراد هو الأمر الذي يضاد النهي ، والمعنى : ليس لك ~~من أمر خلقي شيء إلا إذا كان على وفق أمري ، وهو كقوله { ألا له الحكم } ( ~~الأنعام : 62 ) وقوله { لله الامر من قبل ومن بعد } ( الروم : 4 ) وعلى ~~القولين فالمقصود من الآية منعه صلى الله عليه وسلم من كل فعل وقول إلا ما ~~كان بإذنه وأمره وهذا هو الإرشاد إلى أكمل درجات العبودية ، ثم اختلفوا في ~~أن المنع من اللعن لأي معنى كان ؟ منهم من قال الحكمة فيه أنه تعالى ربما ~~علم من حال بعض الكفار أنه يتوب ، أو إن لم يتب لكنه علم أنه سيولد منه ولد ~~يكون مسلما برا تقيا ، وكل من كان كذلك ، فإن اللائق برحمة الله تعالى أن ~~يمهله في الدنيا وأن يصرف عنه الآفات إلى أن يتوب أو إلى أن يحصل ذلك الولد ~~فإذا حصل دعاء الرسول عليهم بالإهلاك ، فإن قبلت دعوته فات هذا المقصود ، ~~وإن لم تقبل دعوته كان ذلك كالاستخفاف بالرسول صلى الله عليه وسلم ، فلأجل ~~هذا المعنى منعه الله تعالى من اللعن وأمره بأن يفوض الكل إلى علم الله ~~تعالى ، ومنهم من قال : المقصود منه إظهار عجز العبودية وأن لا يخوض العبد ~~في أسرار الله تعالى في ملكه وملكوته ، هذا هو الأحسن عندي والأوفق لمعرفة ~~الأصول الدالة على حقيقة الربوبية والعبودية . # المسألة الرابعة : ذكر الفراء والزجاج وغيرهما في هذه الآية قولين أحدهما ~~: أن قوله { أو يتوب عليهم } عطف على ما قبله ، والتقدير : ليقطع طرفا من ~~الذين كفروا ، أو يكبتهم ، أو يتوب عليهم ، أو يعذبهم ، ويكون قوله { ليس ~~لك من الامر شىء } كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه ، كما ~~تقول : ضربت زيدا ، فاعلم ذلك عمرا ، فعلى هذا القول هذه الآية متصلة بما ~~قبلها . # والقول الثاني : أن معنى { أو } ههنا معنى حتى ، أو إلا أن كقولك : ~~لألزمنك أو تعطيني حقي والمعنى : إلا أن تعطيني ms2470 أو حتى تعطيني ، ومعنى ~~الآية ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم ، أو ~~يعذبهم فتتشفى منهم . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { أو يتوب عليهم } مفسر عند أصحابنا بخلق ~~التوبة فيهم وذلك عبارة عن خلق الندم فيهم على ما مضى / وخلق العزم فيهم ~~على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل قال أصحابنا : وهذا المعنى متأكد ~~ببرهان العقل وذلك لأن الندم عبارة عن حصول إرادة في المضي / متعلقة بترك ~~فعل من PageV08P191 الأفعال في المستقبل ، وحصول الإرادات والكراهات في ~~القلب لا يكون بفعل العبد ، لأن فعل العبد مسبوق بالإرادة ، فلو كانت ~~الإرادات فعلا للعبد لافتقر العبد في فعل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ويلزم ~~التسلسل وهو محال ، فعلمنا أن حصول الإرادة والكراهات في القلب ليس إلا ~~بتخليق الله تعالى وتكوينه إبتداء ، ولما كانت التوبة عبارة عن الندم ~~والعزم ، وكل ذلك من جنس الإرادات والكراهات ، علمنا أن التوبة لا تحصل ~~للعبد إلا بخلق الله تعالى ، فصار هذا البرهان مطابقا لما دل عليه ظاهر ~~القرآن ، هو قوله { أو يتوب عليهم } وأما المعتزلة فإنهم فسروا قوله { أو ~~يتوب عليهم } إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة . # أما قوله تعالى : { فإنهم ظالمون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : إن كان الغرض من الآية منعه من الدعاء على الكفر صح ~~الكلام وهو أنه تعالى سماهم ظالمين ، لأن الشرك ظلم قال تعالى : { إن الشرك ~~لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وإن كان الغرض منها منعه من الدعاء على ~~المسلمين الذين خالفوا أمره صح الكلام أيضا ، لأن من عصى الله فقد ظلم نفسه ~~. # المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد من العذاب المذكور في هذه الآية ~~عذاب الدنيا ، وهو القتل والأسر وأن يكون عذاب الآخرة ، وعلى التقديرين ~~فعلم ذلك مفوض إلى الله . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فإنهم ظالمون } جملة مستقلة ، إلا أن ~~المقصود من ذكرها تعليل حسن التعذيب ، والمعنى : أو يعذبهم فإنه إن عذبهم ~~إنما يعذبهم لأنهم ظالمون . # ! 7 < { ولله ما فى السماوات وما فى الا رض يغفر لمن يشآء ويعذب ms2471 من يشآء ~~والله غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 129 ) ولله ما في . . . . . # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : إن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولا من قوله { ليس لك ~~من الامر شىء } والمعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك ، وملك السماوات ~~والأرض ليس إلا لله تعالى فالأمر في السماوات والأرض ليس إلا لله ، وهذا ~~برهان قاطع . # المسألة الثانية : إنما قال : { ما في السماوات وما في الارض } ولم يقل ( ~~من ) لأن المراد الإشارة إلى الحقائق والماهيات ، فدخل فيه الكل . # / أما قوله { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } فاعلم أن أصحابنا يحتجون ~~بهذه الآية على أنه سبحانه له أن يدخل الجنة بحكم إلاهيته جميع الكفار ~~والمردة ، وله أن يدخل النار بحكم إلاهيته جميع المقربين والصديقين وأنه لا ~~اعتراض عليه في فعل هذه الأشياء ودلالة الآية على هذا المعنى ظاهرة ~~والبرهان العقلي PageV08P192 يؤكد ذلك أيضا ، وذلك أن فعل العبد يتوقف على ~~الإرادة وتلك الإرادة مخلوقة لله تعالى ، فإذا خلق الله تلك الإرادة أطاع ، ~~وإذا خلق النوع الآخر من الإرادة عصى ، فطاعة العبد من الله ومعصيته أيضا ~~من الله ، وفعل الله لا يوجب على الله شيئا ألبتة ، فلا الطاعة توجب الثواب ~~، ولا المعصية توجب العقاب ، بل الكل من الله بحكم إلاهيته وقهره وقدرته ، ~~فصح ما ادعيناه أنه لو شاء يعذب جميع المقربين حسن منه ، ولو شاء يرحم جميع ~~الفراعنة حسن منه ذلك ، وهذا البرهان هو الذي دل عليه ظاهر قوله تعالى : { ~~يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } . # فإن قيل : أليس أنه ثبت أنه لا يغفر للكفار ولا يعذب الملائكة والأنبياء ~~. # قلنا : مدلول الآية أنه لو أراد لفعل ولا اعتراض عليه ، وهذا القدر لا ~~يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل ، وهذا الكلام في غاية الظهور . # ثم ختم الكلام بقوله { والله غفور رحيم } والمقصود بيان أنه وإن حسن كل ~~ذلك منه إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب لا على سبيل الوجوب بل على سبيل ~~الفضل والإحسان . # # PageV08P193 ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ~~واتقوا ms2472 الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التىأعدت للكافرين * وأطيعوا الله ~~والرسول لعلكم ترحمون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 130 - 132 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # اعلم أن من الناس من قال : انه تعالى لما شرح عظيم نعمه على المؤمنين ~~فيما يتعلق بارشادهم إلى الأصلح لهم في أمر الدين وفي أمر الجهاد ، أتبع ~~ذلك بما يدخل في الأمر والنهي والترغيب والتحذير فقال : { رحيم ياأيها ~~الذين ءامنوا لا تأكلوا الربا } وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية ابتداء ~~كلام ولا تعلق لها بما قبلها ، وقال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون ذلك ~~متصلا بما تقدم من جهة أن المشركين إنما أنفقوا على تلك العساكر أموالا ~~جمعوها بسبب الربا ، فلعل ذلك يصير داعيا للمسلمين إلى الاقدام على الربا ~~حتى يجمعوا المال وينفقوه على العسكر فيتمكنون من الانتقام منهم ، فلا جرم ~~نهاهم الله عن ذلك وفي قوله : { أضعافا مضاعفة } مسألتان : # المسألة الأولى : كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم ~~إلى أجل ، فاذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجدا لذلك المال قال زد في ~~المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين ، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل ~~ذلك ، ثم إلى آجال كثيرة ، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد ~~من قوله : { أضعافا مضاعفة } . # المسألة الثانية : انتصب { أضعافا } على الحال . # ثم قال تعالى : { واتقوا الله لعلكم تفلحون } . # اعلم أن اتقاء الله في هذا النهي واجب ، وأن الفلاح يتوقف عليه ، فلو أكل ~~ولم يتق زال الفلاح / وهذا تنصيص على أن الربا من الكبائر لا من الصغائر ~~وتفسير قوله : { لعلكم } تقدم في سورة البقرة في قوله : { اعبدوا ربكم الذى ~~خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } وتمام الكلام في الربا أيضا مر في ~~سورة البقرة . # ثم قال : { واتقوا النار التى أعدت للكافرين } وفيه سؤالات : الأول : أن ~~النار التي أعدت للكافرين PageV09P003 تكون بقدر كفرهم وذلك أزيد مما ~~يستحقه المسلم بفسقه ، فكيق قال : { واتقوا النار التى أعدت للكافرين } . # والجواب : تقدير الآية : اتقوا أن تجحدوا تحريم الربا فتصيروا كافرين . # السؤال الثاني : ظاهر ms2473 قوله : { أعدت للكافرين } يقتضي أنها ما أعدت إلا ~~للكافرين ، وهذا يقتضي القطع بأن أحدا من المؤمنين لا يدخل النار وهو على ~~خلاف سائر الآيات . # والجواب من وجوه : الأول : أنه لا يبعد أن يكون في النار دركات أعد بعضها ~~للكفار وبعضها للفساق فقوله : { النار التى أعدت للكافرين } اشارة إلى تلك ~~الدركات المخصوصة التي أعدها الله للكافرين ، وهذا لا يمنع ثبوت دركات أخرى ~~في النار أعدها الله لغير الكافرين . الثاني : أن كون النار معدة للكافرين ~~، لا يمنع دخول المؤمنين ، فيها لأنه لما كان أكثر أهل النار هم الكفار ~~فلأجل الغلبة لا يبعد أن يقال : انها معدة لهم ، كما أن الرجل يقول : لدابة ~~ركبها الحاجة من الحوائح ، إنما أعددت هذه الدابة للقاء المشركين ، فيكون ~~صادقا في ذلك وان كان هو قد ركبها في تلك الساعة لغرض آخر فكذا ههنا . # الوجه الثالث : في الجواب : أن القرآن كالسورة الواحدة فهذه الآية دلت ~~على أن النار معدة للكافرين وسائر الآيات دالة أيضا على أنها معدة لمن سرق ~~وقتل وزنى وقذف ، ومثاله قوله تعالى : { كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ~~ألم يأتكم نذير } ( الملك : 8 ) وليس لجميع الكفار يقال ذلك ، وأيضا قال ~~تعالى : { فكبكبوا فيها هم والغاوون } ( الشعرا : 94 ) إلى قوله : { إذ ~~نسويكم برب العالمين } ( الشعرا : 98 ) وليس هذا صفة جميعهم ولكن لما كانت ~~هذه الشرائط مذكورة في سائر السور ، كانت كالمذكورة ههنا ، فكذا فيما ~~ذكرناه والله أعلم . # الوجه الرابع : ان قوله : { أعدت للكافرين } اثبات كونها معدة لهم ولا ~~يدل على الحصر كما أن قوله : في الجنة { أعدت للمتقين } ( آل عمران : 133 ) ~~لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين والحور العين . # الوجه الخامس : أن المقصود من وصف النار بأنها أعدت للكافرين تعظيم الزجر ~~، وذلك لأن المؤمنين الذين خوطبوا باتقاء المعاصي اذا علموا بانهم متى ~~فارقوا التقوى أدخلوا النار المعدة للكافرين ، وقد تقرر في عقولهم عظم ~~عقوبة الكفار ، كان انزجارهم عن المعاصي أتم ، / وهذا بمنزلة أن يخوف ~~الوالد ولده بأنك ان عصيتني أدخلتك دار السباع ms2474 ، ولا يدل ذلك على أن تلك ~~الدار لا يدخلها غيرهم فكذا ههنا . # السؤال الثالث : هل تدل الآية على أن النار مخلوقة الآن أم لا ؟ # الجواب : نعم لأن قوله : { أعدت } إخبار عن الماضي فلا بد أن يكون قد دخل ~~ذلك الشيء في الوجود . # ثم قال تعالى : { وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون } ولما ذكر الوعيد ~~ذكر الوعد بعده على ما هو العادة المستمرة في القرآن ، وقال : محمد بن ~~إسحاق بن يسار هذه الآية معاتبة للذين عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم حين ~~أمرهم بما أمرهم يوم أحد ، وقالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن حصول ~~الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا عام ~~فيدل الظاهر على أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء أنه ليس أهلا ~~للرحمة وذلك يدل على قول أصحاب الوعيد . # PageV09P004 ! 7 < { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والا ~~رض أعدت للمتقين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 133 ) وسارعوا إلى مغفرة . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر { * سارعوا } بغير واو ، وكذلك هو ~~في مصاحف أهل المدينة والشام ، والباقون بالواو ، وكذلك هو في مصاحف مكة ~~والعراق ومصحف عثمان ، فمن قرأ بالواو عطفها على ما قبلها والتقدير أطيعوا ~~الله والرسول وسارعوا ، ومن ترك الواو فلانه جعل قوله : { * سارعوا } وقوله ~~: { قل أطيعوا الله } ( آل عمران : 32 ) كالشيء الواحد ، ولقرب كل واحد ~~منها من الآخر في المعنى أسقط العاطف . # المسألة الثانية : روي عن الكسائي الامالة في { * سارعوا } { راجعون ~~أولئك يسارعون } ( المؤمنون : 61 ) { * ونسارع } ( المؤمنون : 65 ) وذلك ~~جائز لمكان الراء المسكورة ، ويمنع كما المفتوحة الامالة ، كذلك المسكورة ~~يميلها . # المسألة الثالثة : قالوا : في الكلام حذف والمعنى : وسارعوا إلى ما يوجب ~~مغفرة من ربكم ولا شك أن الموجب للمغفرة ليس الا فعل المأمورات وترك ~~المنهيات ، فكان هذا أمرا بالمسارعة إلى فعل المأمورات وترك المنهيات ، ~~وتمسك كثير من الأصوليين بهذه الآية في أن ظاهر الأمر يوجب الفور ويمنع من ~~التراخي ووجهه ظاهر ، وللمفسرين فيه كلمات : إحداها : قال ابن عباس ms2475 : هو ~~الاسلام / أقول وجهه ظاهر ، لأنه ذكر المغفرة على سبيل التنكير ، والمراد ~~منه المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وذلك هو المغفرة الحاصلة بسبب ~~الاسلام . الثاني : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : هو أداء ~~الفرائض ، ووجهه أن اللفظ مطلق فيجب أن يعم الكل . والثالث : انه الاخلاص ~~وهو قول عثمان بن عفان رضي الله عنه : ووجهه أن المقصود من جميع العبادات ~~الاخلاص ، كما قال : { البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~} ( البينه : 5 ) الرابع : قال أبو العالية : هو الهجرة . والخامس : أنه ~~الجهاد وهو قول الضحاك ومحمد بن اسحاق ، قال : لأن من قوله : { وإذ غدوت من ~~أهلك } ( آل عمران : 121 ) إلى تمام ستين آية نزل في يوم أحد فكان كل هذه ~~الأوامر والنواهي مختصة بما يتعلق بباب الجهاد . السادس : قال سعيد بن جبير ~~: انها التكبيرة الأولى . والسابع : قال عثمان : انها الصلوات الخمس . ~~والثامن : قال عكرمة : إنها جميع الطاعات . لأن اللفظ عام فيتناول الكل . ~~والتاسع : قال الأصم : سارعوا ، أي بادروا إلى التوبة من الربا والذنوب ، ~~والوجه فيه أنه تعالى نهى أولا عن الربا ، ثم قال : { وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم } فهذا يدل على أن المراد منه المسارعة في ترك ما تقدم النهي عنه ، ~~والأولى ما تقدم من وجوب حمله على أداء الواجبات والتوبة عن جميع المحظورات ~~، لأن اللفظ عام فلا وجه في تخصيصه ، ثم أنه تعالى بين أنه كما تجب ~~المسارعة إلى المغفرة فكذلك تجب المسارعة إلى الجنة ، وإنما فصل بينهما لأن ~~الغفران معناه إزالة العقاب ، والجنة معناها إيصال الثواب ، فجمع بينهما ~~للأشعار بأنه لا بد للمكلف من تحصيل الأمرين ، فأما وصف الجنة بأن عرضها ~~السموات : فمعلوم أن ذلك ليس بحقيقة لأن نفس السموات لا تكون عرضا للجنة ، ~~فالمراد كعرض السموات والأرض وههنا سؤالات . PageV09P005 # السؤال الأول : ما معنى أن عرضها مثل عرض السموات والأرض وفيه وجوه : ~~الأول : أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا بحيث يكون كل واحدة ~~من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا ms2476 تتجزأ ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا ~~واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة ، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله . ~~والثاني : أن الجنة التي يكون عرضها مثل عرض السموات والأرض إنما تكون ~~للرجل الواحد لأن الانسان إنما يرغب فيما يصير ملكا ، فلا بد وأن تكون ~~الجنة المملوكة لكل واحد مقدارها هذا . الثالث : قال أبو مسلم : وفيه وجه ~~آخر وهو أن الجنة لو عرضت بالسموات والأرض على سبيل البيع لكانتا ثمنا ~~للجنة ، تقول إذا بعت الشيء بالشيء الآخر : عرضته عليه وعارضته به ، فصار ~~العرض يوضع موضع المساواة بين الشيئين في القدر ، وكذا أيضا معنى القيمة ~~لأنها مأخوذة من مقاومة الشيء بالشيء حتى يكون كل واحد منهما / مثلا للآخر ~~. الرابع : المقصود المبالغة في وصف سعة الجنة وذلك لأنه لا شيء عندنا أعرض ~~منهما ونظيره قوله : { خالدين فيها ما دامت * السماوات والارض } ( هود : ~~107 ) فان أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض ، فخوطبنا على وفق ما ~~عرفناه ، فكذا ههنا . # السؤال الثاني : لم خص العرض بالذكر . # والجواب فيه وجهان : الأول : أنه لما كان العرض ذلك فالظاهر أن الطول ~~يكون أعظم ونظيره قوله : { بطائنها من إستبرق } ( الرحمن : 54 ) وإنما ذكر ~~البطائن لأن من المعلوم أنها تكون أقل حالا من الظهارة ، فاذا كانت البطانة ~~هكذا فكيف الظهارة ؟ فكذا ههنا اذا كان العرض هكذا فكيف الطول والثاني : ~~قال القفال : ليس المراد بالعرض ههنا ما هو خلاف الطول ، بل هو عبارة عن ~~السعة كما تقول العرب : بلاد عريضة ، ويقال هذه دعوى عريضة ، أي واسعة ~~عظيمة ، والأصل فيه ان ما اتسع عرضه لم يضق ، وما ضاق عرضه دق ، فجعل العرض ~~كناية عن السعة . # السؤال الثالث : أنتم تقولون : الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض ~~السماء ؟ # والجواب من وجهين : الأول : أن المراد من قولنا انها فوق السموات وتحت ~~العرش ، قال عليه السلام : في صفة الفردوس ( سقفها عرش الرحمن ) وروي أن ~~رسول هرقل سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال : انك تدعو إلى جنة عرضها ~~السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار ms2477 ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار . والمعنى والله أعلم أنه إذا دار ~~الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب ، فكذا الجنة ~~في جهة العلو والنار في جهة السفل ، وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض ~~أم في السماء ؟ فقال : وأي أرض وسماء تسع الجنة ، قيل فأين هي ؟ قال : فوق ~~السموات السبع تحت العرش . # والوجه الثاني : أن الذين يقولون الجنة والنار غير مخلوقتين الآن ، بل ~~الله تعالى يخلقهما بعد قيام القيامة ، فعلى هذا التقدير لا يبعد أن تكون ~~الجنة مخلوقة في مكان السموات والنار في مكان الأرض والله أعلم . # أما قوله : { أعدت للمتقين } فظاهره يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان ~~الآن وقد سبق تقرير ذلك قوله تعالى : # PageV09P006 ! 7 < { الذين ينفقون فى السرآء والضرآء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } > 7 ! # / < < # | آل عمران : ( 134 ) الذين ينفقون في . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن الجنة معدة للمتقين ذكر صفات المتقين حتى ~~يتمكن الانسان من اكتساب الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات . # فالصفة الأولى : قوله : { الذين ينفقون فى السراء والضراء } وفيه وجوه : ~~الأول : أن المعنى أنهم في حال الرخاء واليسر والقدرة والعسر لا يتركون ~~الانفاق ، وبالجملة فالسراء هو الغنى ، والضراء هو الفقر . يحكى عن بعض ~~السلف أنه ربما تصدق ببصلة ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدقت بحبة عنب ~~، والثاني : أن المعنى أنهم سواء كانوا في سرور أو في حزن أو في عسر أو في ~~يسر فانهم لا يدعون الاحسان إلى الناس ، الثالث : المعنى أن ذلك الاحسان ~~والانفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم ، أو ساءهم بأن كان على خلاف ~~طبعهم فانهم لا يتركونه ، وإنما افتتح الله بذكر الانفاق لأنه طاعة شاقة ~~ولأنه كان في ذلك الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة اليه في مجاهدة العدو ~~ومواساة فقراء المسلمين . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { والكاظمين الغيظ } وفيه مسئلتان . # المسألة الأولى : يقال : كظم غيظة إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا ms2478 ~~بفعل قال : المبرد تأويله أنه كتم على امتلائه منه ، يقال : كظمت السقاء ~~إذا ملأنه وسددت عليه ، ويقال : فلان لا يكظم على جرته إذا كان لا يحتمل ~~شيئا ، وكل ما سددت من مجرى ماء أو باب أو طريق فهو كظم ، والذي يسد به ~~يقال له الكظامة والسدادة ، ويقال للقناة التي تجري في بطن الأرض كظامة ، ~~لامتلائها بالماء كامتلاء القرب المكظومة ، ويقال : أخذ فلان بكظم فلان إذا ~~أخذ بمجرى نفسه ، لأنه موضع الامتلاء بالنفس ، وكظم البعير كظوما إذا أمسك ~~على ما في جوفه ولم يجتر ، ومعنى قوله : { والكاظمين الغيظ } الذين يكفون ~~غيظهم عن الامضاء يردون غيظهم في أجوافهم ، وهذا الوصف من أقسام الصبر ~~والحلم وهو كقوله : { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ( الشورى : 37 ) . # المسألة الثانية : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من كظم غيظا وهو ~~يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ) وقال عليه السلام : لأصحابه ~~( تصدقوا ) فتصدقوا بالذهب والفضة والطعام ، وأتاه الرجل بقشور التمر فتصدق ~~به ، وجاءه آخر فقال والله ما عندي ما أتصدق به ، ولكن أتصدق بعرضي فلا ~~أعاقب أحدا بما يقوله في حديثه ، فوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قوم ذلك الرجل وفد ، فقال عليه السلام : ( لقد تصدق منكم رجل بصدقة ولقد ~~قبلها الله منه تصدق بعرضه ) وقال عليه السلام : ( من كظم غيظا وهو يستطيع ~~أن ينفذه زوجه الله من الحور العين حيث يشاء ) وقال عليه السلام : ( ما من ~~جرعتين أحب إلى الله من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر وحسن / عزاء ومن ~~جرعة غيظ كظمها ) وقال عليه السلام ( ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك ~~نفسه عند الغضب ) . PageV09P007 # الصفة الثالثة : قوله تعالى : { والعافين عن الناس } قال القفال رحمه ~~الله : يحتمل أن يكون هذا راجعا إلى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا ، ~~فنهى المؤمنون عن ذلك وندبوا إلى العفو عن المعسرين . قال تعالى : عقيب قصة ~~الربا والتداين { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم } ( ~~البقرة : 280 ) ويحتمل أن يكون كما قال ms2479 في الدية : { فمن عفى له من أخيه * ~~شىء } ( البقرة : 178 ) إلى قوله : { وأن تصدقوا خير لكم } ( البقرة : 280 ~~) ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مثلوا ~~بحمزة وقال : ( لامثلن بهم ) فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والكف عن ~~فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة ، فكان تركه فعل ذلك عفوا ، قال تعالى : في ~~هذه القصة { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين } ( النحل : 126 ) قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يكون العبد ذا ~~فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ) وروي عن عيسى بن مريم ~~صلوات الله عليه : ليس الاحسان أن تحسن إلى من أحسن اليك ذلك مكافأة انما ~~الاحسان أن تحسن إلى من أساء اليك . # أما قوله تعالى : { والله يحب المحسنين } فاعلم أنه يجوز أن تكون اللام ~~للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون ، وأن تكون للعهد فيكون ~~إشارة إلى هؤلاء . # واعلم أن الاحسان إلى الغير إما أن يكون بايصال النفع اليه أو بدفع الضرر ~~عنه . أما إيصال النفع اليه فهو المراد بقوله : { الذين ينفقون فى السراء ~~والضراء } ويدخل فيه انفاق العلم ، وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية ~~الضالين ، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات وأما دفع الضرر ~~عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الاساءة باساءة ~~أخرى ، وهو المراد بكظم الغيظ ، وإما في الآخرة وهو أن يبرىء ذمته عن ~~التبعات والمطالبات في الآخرة ، وهو المراد بقوله تعالى : { والعافين عن ~~الناس } فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الاحسان إلى ~~الغير ، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ~~ذكر ثوابها فقال : { والله يحب المحسنين } فان محبة الله للعبد أعم درجات ~~الثواب . # ! 7 < { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * ~~أولائك جزآؤهم مغفرة ms2480 من ربهم وجنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيها ~~ونعم أجر العاملين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 135 - 136 ) والذين إذا فعلوا . . . . . # > > # /واعلم أن وجه النظم من وجهين : الأول : أنه تعالى لما وصف الجنة بأنها ~~معدة للمتقين بين أن المتقين قسمان : أحدهما : الذين أقبلوا على الطاعات ~~والعبادات ، وهم الذين وصفهم الله بالانفاق في السراء والضراء ، وكظم الغيظ ~~، والعفو عن الناس . وثانيهما : الذين أذنبوا ثم تابوا وهو المراد بقوله : ~~{ والذين إذا PageV09P008 فعلوا فاحشة } وبين تعالى أن هذه الفرقة كالفرقة ~~الأولى في كونها متقية ، وذلك لأن المذنب إذا تاب عن الذنب صار حاله كحال ~~من لم يذنب قط في استحقاق المنزلة والكرامة عند الله . # والوجه الثاني : أنه تعالى ندب في الآية الأولى إلى الاحسان إلى الغير ، ~~وندب في هذه الآية إلى الاحسان إلى النفس ، فان المذنب العاصي إذا تاب كانت ~~تلك التوبة إحسانا منه إلى نفسه ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : روى ابن عباس : أن هذه الآية نزلت في رجلين ، أنصاري ~~وثقفي ، والرسول صلى الله عليه وسلم كان قد آخى بينهما ، وكانا لا يفترقان ~~في أحوالهما ، فخرج الثقفي مع الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرعة في السفر ~~، وخلف الأنصاري على أهله ليتعاهدهم ، فكان يفعل ذلك . ثم قام إلى امرأته ~~ليقبلها فوضعت كفها على وجهها ، فندم الرجل ، فلما وافى الثقفي مع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لم ير الأنصاري ، وكان قد هام في الجبال للتوبة ، فلما ~~عرف الرسول صلى الله عليه وسلم سكت حتى نزلت هذه الآية . وقال ابن مسعود : ~~قال المؤمنون للنبي صلى الله عليه وسلم : كانت بنو إسرائيل أكرم على الله ~~منا ، فكان أحدهم إذا أذنب ذنبا أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره : ~~اجدع أنفك ، افعل كذا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وبين أنهم أكرم على ~~الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار . # المسألة الثانية : الفاحشة ههنا نعت محذوف والتقدير : فعلوا فعلة فاحشة ، ~~وذكروا في الفرق بين الفاحشة وبين ظلم النفس وجوها : الأول : قال صاحب ( ~~الكشاف ) : الفاحشة ما يكون فعله / كاملا ms2481 في القبح ، وظلم النفس : هو أي ~~ذنب كان مما يؤاخذ الانسان به . والثاني : أن الفاحشة هي الكبيرة ، وظلم ~~النفس . هي الصغيرة ، والصغيرة يجب الاستغفار منها ، بدليل أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان مأمورا بالاستغفار وهو قوله : { واستغفر لذنبك } ( محمد ~~: 19 ) وما كان استغفاره دالا على الصغائر بل على ترك الأفضل . الثالث : ~~الفاحشة : هي الزنا ، وظلم النفس : هي القبلة واللمسة والنظرة ، وهذا على ~~قول من حمل الآية على السبب الذي رويناه ، ولأنه تعالى سمى الزنا فاحشة ، ~~فقال تعالى : { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة } ( الإسراء : 32 ) . # أما قوله : { ذكروا الله } ففيه وجهان : أحدهما : أن المعنى ذكروا وعيد ~~الله أو عقابة أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه ، فيكون من باب حذف ~~المضاف ، والذكر ههنا هو الذي ضد النسيان وهذا معنى قول الضحاك ، ومقاتل ، ~~والواقدي ، فان الضحاك قال : ذكروا العرض الأكبر على الله ، ومقاتل ، ~~والواقدي . قال : تفكروا أن الله سائلهم ، وذلك لأنه قال : بعد هذه الآية { ~~فاستغفروا لذنوبهم } وهذا يدل على أن الاستغفار كالأثر / والنتيجة لذلك : ~~الذكر ، ومعلوم أن الذكر الذي يوجب الاستغفار ليس إلا ذكر عقاب الله ، ~~ونهيه ووعيده ، ونظير هذه الآية قوله : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طئف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } ( الأعراف : 201 ) # والقول الثاني : أن المراد بهذا الذكر ذكر الله بالثناء والتعظيم ~~والاجلال ، وذلك لأن من أراد أن يسأل الله مسألة ، فالواجب أن يقدم على تلك ~~المسألة الثناء على الله ، فهنا لما كان المراد الاستغفار من الذنوب قدموا ~~عليه الثناء على الله تعالى ، ثم اشتغلوا بالاستغفار عن الذنوب . # ثم قال : { فاستغفروا لذنوبهم } والمراد منه الاتيان بالتوبة على الوجه ~~الصحيح ، وهو الندم على فعل ما PageV09P009 مضى مع العز على ترك مثله في ~~المستقبل ، فهذا هو حقيقة التوبة ، فأما الاستغفار باللسان ، فذاك لا أثر ~~له في إزالة الذنب ، بل يجب إظهار هذا الاستغفار لازالة التهمة ، ولاظهار ~~كونه منقطعا إلى الله تعالى ، وقوله : { لذنوبهم } أي لأجل ذنوبهم . # ثم قال : { ومن يغفر الذنوب إلا الله } والمقصود منه أن لا يطلب ms2482 العبد ~~المغفرة إلا منه ، وذلك لأنه تعالى هو القادر على عقاب العبد في الدنيا ~~والآخرة ، فكان هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه ، فصح أنه لا يجوز طلب ~~الاستغفار إلا منه . # ثم قال : { ولم يصروا على ما فعلوا } واعلم أن قوله : { ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله } جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ، والتقدير : فاستغفروا ~~لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا . # وقوله : { وهم يعلمون } فيه وجهان : الأول : أنه حال من فعل الاصرار ، ~~والتقدير : ولم يصروا / على ما فعلوا من الذنوب حال ما كانوا عالمين بكونها ~~محظورة محرمة لأنه قد يعذر من لا يعلم حرمة الفعل ، أما العالم بحرمته فانه ~~لا يعذر في فعله البتة . الثاني : أن يكون المراد منه العقل والتمييز ~~والتمكين من الاحتراز من الفواحش فيجري مجرى قوله صلى الله عليه وسلم : ( ~~رفع القلم عن ثلاث ) . # ثم قال : { أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الانهار } ~~والمعنى أن المطلوب أمران : الأول : الأمن من العقاب واليه الاشارة بقوله : ~~{ مغفرة من ربهم } والثاني : إيصال الثواب اليه وهو المراد بقوله : { جنات ~~تجرى من تحتها الانهار خاالدين فيها } ثم بين تعالى أن الذي يحصل لهم من ~~ذلك وهو الغفران والجنات يكون أجرا لعملهم وجزاء عليه بقوله : { ونعم أجر ~~العاملين } قال القاضي : وهذا يبطل قول من قال ان الثواب تفضل من الله وليس ~~بجزاء على عملهم . # ! 7 < { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا فى الا رض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين * هاذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 137 - 138 ) قد خلت من . . . . . # > > # اعلم أن الله تعالى لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية الغفران ~~والجنات ، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو ~~تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال : { قد خلت من قبلكم ~~سنن } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : أصل الخلو في اللغة الانفراد والمكان ~~الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه ويستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضي لأن ما ~~مضى انفرد عن ms2483 الوجود وخلا عنه ، وكذا الأمم الخالية ، وأما السنة فهي ~~الطريقة المستقيمة والمثال المتبع ، وفي اشتقاق هذه اللفظة وجوه : الأول : ~~أنها فعلة من سن الماء يسنه اذا والى صبه ، والسن الصب للماء ، والعرب شبهت ~~الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب فانه لتوالي أجزاء الماء فيه على نهج ~~واحد يكون كالشيء الواحد ، والسنة فعلة بمعنى مفعول ، وثانيها : أن تكون ~~PageV09P010 من : سننت النصل والسنان أسنه سنا فهو مسنون إذا حددته على ~~المسن ، فالفعل المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمي سنة على معنى أنه ~~مسنون ، وثالثها : أن يكون من قولهم : سن الابل اذا أحسن الرعي ، والفعل ~~الذي داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم سمي سنة بمعنى أنه عليه الصلاة ~~والسلام أحسن رعايته وادامته . # المسألة الثانية : المراد من الآية : قد انقضت من قبلكم سنن الله تعالى ~~في الأمم السالفة ، واختلفوا / في ذلك ، فالاكثرون من المفسرين على أن ~~المراد سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله تعالى : { فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين } وذلك لأنهم خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب ~~لذاتها ، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي اللعن في الدنيا والعقاب ~~في الآخرة عليهم ، فرغب الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تأمل ~~أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم إلى الايمان بالله ورسله والاعراض ~~عن الرياسة في الدنيا وطلب الجاه ، وقال مجاهد : بل المراد سنن الله تعالى ~~في الكافرين والمؤمنين ؛ فان الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر ، ~~ولكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في ~~العقبى ، والكافر بقي عليه اللعنة في الدنيا والعقاب في العقبى ثم إنه ~~تعالى قال : { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } لأن التأمل في حال أحد ~~القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر ، وأيضا يقال الغرض منه زجر الكفار ~~عن كفرهم وذلك انما يعرف بتأمل أحوال المكذبين والمعاندين ، ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم ~~المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون } ( الصافات : 171 173 ) وقوله : { ~~والعاقبة ms2484 للمتقين } ( الأعراف : 128 ، القصص : 83 ) وقوله : { أن الارض ~~يرثها عبادى الصالحون } ( الأنبياء : 105 ) . # المسألة الثالثة : ليس المراد بقوله { فسيروا فى الارض فانظروا } ( النحل ~~: 36 ) الأمر بذلك لا محالة ، بل المقصود تعرف أحوالهم ، فان حصلت هذه ~~المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلا ، ولا يمتنع أن يقال أيضا ~~: ان لمشاهدة آثار المتقدمين أثرا أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر : # إن آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار # ثم قال تعالى : { هاذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } ويعني بقوله : { ~~هاذا } ما تقدم من أمره ونهيه ووعده ووعيده وذكره لأنواع البينات والآيات ، ~~ولا بد من الفرق بين البيان وبين الهدى وبين الموعظة ، لأن العطف يقتضي ~~المغايرة فنقول فيه وجهان : الأول : أن البيان هو الدلالة التي تفيد إزالة ~~الشبهة بعد أن كانت الشبهة حاصلة ، فالفرق أن البيان عام في أي معنى كان ، ~~وأما الهدى فهو بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي . وأما الموعظة فهي ~~الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين ، فالحاصل أن البيان ~~جنس تحته نوعان : أحدهما : الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى ~~. الثاني : الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة . # الوجه الثاني : أن البيان هو الدلالة ، وأما الهدى فهو الدلالة بشرط ~~كونها مفضية إلى الاهتداء ، وقد تقدم هذا البحث في تفسير قوله : { هدى ~~للمتقين } في سورة البقرة . # المسألة الرابعة : في تخصيص هذا البيان والهدى والموعظة للمتقين وجهان . ~~أحدهما : أنهم / هم المنتفعون به ، فكانت هذه الأشياء في حق غير المتقين ~~كالمعدومة ونظيره قوله تعالى : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : ~~45 ) { إنما تنذر * مع * من اتبع الذكر } ( يس : 11 ) { إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء } PageV09P011 ( فاطر : 28 ) وقد تقدم تقريره في تفسير قوله ~~: { هدى للمتقين } الثاني : أن قوله : { هاذا بيان للناس } كلام عام ثم ~~قوله : { وهدى وموعظة } للمتقين مخصوص بالمتقين ، لأن الهدى اسم للدلالة ~~بشرط كونها موصلة إلى البغية ، ولا شك أن هذا المعنى لا يحصل إلا في حق ~~المتقين والله أعلم ms2485 بالصواب . # ! 7 < { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الا علون إن كنتم مؤمنين } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 139 ) ولا تهنوا ولا . . . . . # > > اعلم أن الذي قدمه من قوله : { قد خلت من قبلكم سنن } ( آل عمران : ~~137 ) وقوله : هذا بيان للناس كالمقدمة لقوله : { ولا تهنوا ولا تحزنوا } ( ~~آل عمران : 139 ) كأنه قال إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم أن أهل ~~الباطل وإن اتفقت لهم الصولة ، لكن كان مآل الأمر إلى الضعف والفتور ، ~~وصارت دولة أهل الحق عالية ، وصولة أهل الباطل مندرسة ، فلا ينبغي أن تصير ~~صولة الكفار عليكم يوم أحد سببا لضعف قلبكم ولجبنكم وعجزكم ، بل يجب أن ~~يقوى قلبكم فان الاستعلاء سيحصل لكم والقوة والدولة راجعة اليكم . # ثم نقول قوله : { ولا تهنوا } أي لا تضعفوا عن الجهاد ، والوهن الضعف قال ~~تعالى : حكاية عن زكريا عليه السلام { إنى وهن العظم منى } وقوله : { ولا ~~تحزنوا } أي على من قتل منكم أو جرح وقوله : { وأنتم الاعلون } فيه وجوه : ~~الأول : أن حالكم أعلى من حالهم في القتل لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر ~~مما أصابوا منكم يوم أحد ، وهو كقوله تعالى : { أو لما أصابتكم مصيبة قد ~~أصبتم مثليها قلتم أنى هاذا } ( آل عمران : 165 ) أو لأن قتالكم لله ~~وقتالهم للشيطان ، أو لأن قتالهم للدين الباطل وقتالكم للدين الحق ، وكل ~~ذلك يوجب كونكم أعلى حالا منهم . الثاني : أن يكون المراد وأنتم الأعلون ~~بالحجة والتمسك بالدين والعاقبة الحميدة . الثالث : أن يكون المعنى وأنتم ~~الأعلون من حيث أنكم في العاقبة تظفرون بهم وتستولون عليهم وهذا شديد ~~المناسبة لما قبله ، لأن القوم انكسرت قلوبهم بسبب ذلك الوهن فهم كانوا ~~محتاجين إلى ما يفيدهم قوة في القلب ، وفرحا في النفس ، فبشرهم الله تعالى ~~بذلك ، فأما قوله : { إن كنتم مؤمنين } ففيه وجوه : الأول : وأنتم الأعلون ~~ان بقيتم على إيمانكم ، والمقصود بيان أن الله تعالى إنما تكفل باعلاء ~~درجتهم لأجل تمسكهم بدين الاسلام . الثاني : وأنتم الأعلون فكونوا مصدقين ~~لهذه البشارة ان كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة . ~~والثالث : / التقدير : ولا ms2486 تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين ~~، فان الله تعالى وعد بنصرة هذا الدين ، فان كنتم من المؤمنين علمتم أن هذه ~~الواقعة لا تبقى بحالها ، وأن الدولة تصير للمسلمين والاستيلاء على العدو ~~يحصل لهم . # PageV09P012 ! 7 < { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الا يام ~~نداولها بين الناس وليعلم الله الذين ءامنوا ويتخذ منكم شهدآء والله لا يحب ~~الظالمين * وليمحص الله الذين ءامنوا ويمحق الكافرين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 140 - 141 ) إن يمسسكم قرح . . . . . # > > # واعلم أن هذا من تمام قوله : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون } ( ~~آل عمران : 139 ) فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم ~~واجتهادهم في جهاد العدو ، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله ~~قبل ذلك ، فاذا كانوا مع باطلهم ، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في ~~الحرب ، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى ، وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { قرح } بضم القاف ~~وكذلك قوله : { من بعد ما أصابهم القرح } ( آل عمران : 172 ) والباقون بفتح ~~القاف فيهما واختلفوا على وجوه : فالأول : معناهما واحد ، وهما لغتان : ~~كالجهد والجهد ، والوجد والوجد ، والضعف والضعف . والثاني : أن الفتح لغة ~~تهامة والحجاز والضم لغة نجد . والثالث : أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم . ~~والرابع : وهو قول الفرار انه بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم الجراحة . ~~والخامس : قال ابن مقسم : هما لغتان الا أن المفتوحة توهم انها جمع قرحة . # المسألة الثانية : في الآية قولان : أحدهما : إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد ~~مسهم يوم بدر ، وهو كقوله تعالى : { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ~~قلتم أنى هاذا } ( آل عمران : 165 ) والثاني : أن الكفار قد نالهم يوم أحد ~~مثل ما نالكم من الجرح والقتل ، لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا ، وقتل صاحب ~~لوائهم والجراحات كثرت فيهم وعقر عامة خيلهم بالنبل ، وقد كانت الهزيمة ~~عليهم في أول النهار . # فان قيل كيف قال : { قرح مثله } وما كان قرحهم يوم أحد مثل ms2487 قرح المشركين ~~؟ # / قلنا : يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة ~~القتلى . # ثم قال تعالى : { وتلك الايام نداولها بين الناس } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { تلك } مبتدأ { * والأيام } صفة { * ونداولها } خبره ~~ويجوز أن يقال : تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول : هي الأيام تبلي كل جديد ~~، فقوله : { تلك * الايام } إشارة إلى جميع أيام الوقائع العجيبة ، فبين ~~أنها دول تكون على الرجل حينا وله حينا والحرب سجال . # المسألة الثانية : قال القفال : المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر ، ~~يقال : تداولته الأيدي إذا تناقلته ومنه قوله تعالى : { كى لا يكون دولة ~~بين الاغنياء منكم } ( الحشر : 7 ) أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها ~~نصيبا ، ويقال : الدنيا دول ، أي تنتقل من قوم إلى آخرين ، ثم عنهم إلى ~~غيرهم ، ويقال : دال له الدهر بكذا إذا انتقل اليه ، والمعنى أن أيام ~~الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها ، فيوم يحصل فيه السرور ~~له والغم لعدوه ، ويوم آخر بالعكس من ذلك ، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا ~~يستقر أثر من آثارها . # واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين ~~وأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف وإعزاز عظيم ، فلا يليق ~~بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار ~~وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه : الأول : أنه تعالى لو شدد ~~المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات ~~لحصل العلم الاضطراري بأن الايمان حق وما سواه باطل / PageV09P013 ولو كان ~~كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على ~~أهل الايمان ، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها ~~بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الاسلام فيعظم ثوابه عند الله . ~~والثاني : أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي ، فيكون عند الله تشديد ~~المحنة عليه في الدنيا أدبا له وأما تشديد المحنة على الكافر فانه يكون ~~غضبا من الله عليه . والثالث : وهو أن لذات الدنيا ms2488 وآلامها غير باقية ~~وأحوالها غير مستمرة ، وإنما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة ، ولذلك ~~فانه تعالى يميت بعد الاحياء ، ويسقم بعد الصحة ، فاذا حسن ذلك فلم لا يحسن ~~أن يبدل السراء بالضراء ، والقدرة بالعجز ، وروي أن أبا سفيان صعد الجبل ~~يوم أحد ثم قال : أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب ، ~~فقال عمر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أبو بكر ، وها أنا عمر ~~، فقال أبو سفيان : يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال ، فقال عمر رضي الله ~~عنه لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، فقال : ان كان كما ~~تزعمون ، فقد خبنا اذن وخسرنا . # / أما قوله تعالى : { وليعلم الله الذين ءامنوا } ففيه مسائل . # المسألة الأولى : اللام في قوله : { وليعلم الله } متعلق بفعل مضمر ، اما ~~بعده أو قبله ، أما الاضمار بعده فعلى تقدير { وليعلم الله الذين ءامنوا } ~~فعلنا هذه المداولة ، وأما الاضمار قبله فعلى تقدير { وتلك الأيام نداولها ~~بين الناس لأمور ، منها ليعلم الله الذين آمنوا ، ومنها ليتخذ منكم شهداء ، ~~ومنها ليمحص الله الذين آمنوا ، ومنها ليمحق الكافرين ، فكل ذلك كالسبب ~~والعلة في تلك المداولة . # المسألة الثانية : الواو في قوله : { وليعلم الله الذين آمنوا } نظائره ~~كثيرة في القرآن ، قال تعالى : { وليكون من الموقنين } ( الأنعام : 75 ) ~~وقال تعالى : { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون } ( الأنعام : 113 ) ~~والتقدير : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم الله ، ~~وإنما حذف المعطوف عليه للايذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ، ~~ليسليهم عما جرى ، وليعرفهم أن تلك الواقعة وأن شأنهم فيها ، فيه من وجوه ~~المصالح ما لو عرفوه لسرهم . # المسألة الثالثة : ظاهر قوله تعالى : { وليعلم الله الذين ءامنوا } مشعر ~~بأنه تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم ، ومعلوم أن ذلك محال ~~على الله تعالى ، ونظير هذه الآية في الاشكال قوله تعالى : { أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } ( آل ~~عمران : 142 ) وقوله : { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين ms2489 ~~صدقوا وليعلمن الكاذبين } ( العنكبوت : 30 ) وقوله : { لنعلم أي الحزبين ~~أحصى لما لبثوا أمدا } ( الكهف : 12 ) وقوله : { ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين } وقوله : { إلا لنعلم من يتبع الرسول * الماء ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ( هود : 7 ، الملك : 2 ) وقد احتج هشام بن الحكم ~~بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها ~~، فقال : كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه ~~الأشياء عند حدوثها . # أجاب المتكلمون عنه : بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم ~~الحوادث قبل وقوعها ، فثبت أن التغيير في العلم محالا الا أن اطلاق لفظ ~~العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور / يقال : هذا ~~PageV09P014 علم فلان والمراد معلومه ، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره ، ~~فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم ، فالمراد تجدد المعلوم . # إذا عرفت هذا ، فنقول : في هذه الآية وجوه : أحدها : ليظهر الاخلاص من ~~النفاق والمؤمن من الكافر . والثاني : ليعلم أولياء الله ، فأضاف إلى نفسه ~~تفخيما . وثالثها : ليحكم بالامتياز ، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز ، ~~لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم . ورابعها : ليعلم ذلك واقعا ~~منهم كما كان يعلم أنه سيقع ، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم ~~الذي لم يوجد . # / المسألة الرابعة : العلم قد يكون بحيث يكتفي فيه بمفعول واحد ، كما ~~يقال : علمت زيدا ، أي علمت ذاته وعرفته ، وقد يفتقر إلى مفعولين ، كما ~~يقال : علمت زيدا كريما ، والمراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني ، إلا ~~أن المفعول الثاني محذوف والتقدير : وليعلم الله الذين آمنوا متميزين ~~بالايمان من غيرهم ، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير الذين آمنوا ~~متميزين عمن يدعي الايمان بسبب صبرهم وثباتهم على الاسلام ، ويحتمل أن يكون ~~العلم ههنا من القسم الأول ، بمعنى معرفة الذات ، والمعنى وليعلم الله ~~الذين آمنوا لما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم ، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا ~~أن سبب حدوث هذا العلم ، وهو ظهور الصبر حذف ههنا . # أما قوله : { ويتخذ منكم شهداء } فالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك ms2490 ~~المداولة ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : الأول : يتخذ منكم شهداء على ~~الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي ، فان كونهم شهداء على الناس منصب ~~عال ودرجة عالية . والثاني : المراد منه وليكرم قوما بالشهادة ، وذلك لأن ~~قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر ، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم ~~يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة ، وأيضا القرآن مملوء ~~من تعظيم حال الشهداء قال تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } ( آل عمران : 169 ) وقال : { وجىء ~~بالنبيين والشهداء } ( الزمر : 69 ) وقال : { فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } ( النساء : 69 ) فكانت ~~هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة ، وإذا كان كذلك فكان من جملة ~~الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بارادة ~~الله تعالى فقالوا : منصب الشهادة على ما ذكرتم ، فان كان يمكن تحصيلها ~~بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه ، وإن كان لا يمكن ~~فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة ، فاذا كان تحصيل ~~تلك الشهادة للعبد مطلوبا لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوبا لله ~~تعالى ، وأيضا فقوله : { ويتخذ منكم شهداء } تنصيص على أن ما به حصلت تلك ~~الشهادة هو من الله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى . # المسألة الثالثة : الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء ، والمقتول من ~~المسلمين بسيف الكفار شهيدا ، وفي تعليل هذا الاسم وجوه : الأول : قال ~~النضر بن شميل : الشهداء أحياء لقوله : { بل أحياء عند ربهم يرزقون } ( آل ~~عمران : 169 ) فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام ، وأرواح غيرهم لا تشهدها ~~، الثاني : قال PageV09P015 ابن الانباري : لأن الله تعالى وملائكته شهدوا ~~له بالجنة ، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول ، الثالث : سموا شهداء لأنهم يشهدون ~~يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين ، كما قال تعالى : { لتكونوا شهداء على ~~الناس } ( البقرة : 143 ) الرابع : سموا شهداء لأنهم ms2491 كما قتلوا أدخلوا ~~الجنة ، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله : { أغرقوا ~~فأدخلوا نارا } ( نوح : 25 ) فكذا ههنا يجب أن يقال : هؤلاء الذين قتلوا في ~~سبيل الله ، كما ماتوا دخلوا الجنة . # ثم قال تعالى : { والله لا يحب الظالمين } قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~أي المشركين ، لقوله تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وهو ~~اعتراض بين بعض التعليل وبعض ، وفيه وجوه : الأول : والله لا يحب من لا ~~يكون ثابتا على الايمان صابرا على الجهاد . الثاني : فيه إشارة إلى أنه ~~تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد ، لا لأنه يحبهم ~~. # ثم قال : { وليمحص الله الذين ءامنوا } أي ليطهرهم من ذنوبهم ويزيلها ~~عنهم ، والمحص : في اللغة التنقية ، والمحق في اللغة النقصان ، وقال المفضل ~~: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء ، ومنه قوله تعالى : { يمحق ~~الله الربواا } ( البقرة : 276 ) أي يستأصله . قال الزجاج : معنى الآية أن ~~الله تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين والكافرين ، فان حصلت الغلبة ~~للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين ، وإن كانت الغلبة ~~للمؤمنين على هؤلاء الكافرين كان المراد محق آثار الكافرين ومحوهم ، فقابل ~~تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين ، لأن تمحيص هؤلاء باهلاك ذنوبهم نظير محق ~~أولئك باهلاك أنفسهم ، وهذه مقابلة لطيفة في المعنى . والأقرب أن المراد ~~بالكافرين ههنا طائفة مخصوصة منهم وهم الذين حاربوا الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يوم أحد ، وإنما قلنا ذلك لعلمنا بأنه تعالى لم يمحق كل الكفار ، بل ~~كثير منهم بقي على كفره والله أعلم . # ! 7 < { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~ويعلم الصابرين * ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 142 - 143 ) أم حسبتم أن . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى الوجوه التي هي الموجبات ~~والمؤثرات في مداولة الأيام ذكر في هذه الآية ما هو السبب الأصلي لذلك ، ~~فقال { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } بدون تحمل المشاق وفي الآية ms2492 مسائل : # المسألة الأولى : أم : منقطعة ، وتفسير كونها منقطعة تقدم في سورة البقرة ~~. قال أبو مسلم : في { أم حسبتم } إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي ~~للتبكيت ، وتلخيصه : لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد ، وهو ~~كقوله : { الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون } ( ~~العنكبوت : 1 2 ) وافتتح الكلام بذكر ( أم ) التي هي أكثر ما تأتي في ~~كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما لا بعينه ، يقولون : أزيدا ضربت أم ~~عمروا ، مع تيقن وقوع الضرب بأحدهما ، قال : وعادة العرب يأتون بهذا الجنس ~~من الاستفهام توكيدا ، PageV09P016 فلما قال : { ولا تهنوا ولا تحزنوا } ( ~~آل عمران : 139 ) كأنه قال : أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به ، أم تحسبون أن ~~تدخلوا الجنة من غير مجاهدة وصبر ، وإنما استبعد هذا لأن الله تعالى أوجب ~~الجهاد قبل هذه الواقعة ، وأوجب الصبر على تحمل متاعبها ، وبين وجوه ~~المصالح فيها في الدين وفي الدنيا ، فلما كان كذلك ، فمن البعيد أن يصل ~~الانسان إلى السعادة والجنة مع إهمال هذه الطاعة . # المسألة الثانية : قال الزجاج : إذا قيل فعل فلان ، فجوابه أنه لم يفعل ، ~~وإذا قيل قد فعل فلان ، فجوابه لما يفعل . لأنه لما أكد في جانب الثبوت بقد ~~، لا جرم أكد في جانب النفي بكلمة ( لما ) . # المسألة الثالثة : ظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم ، والمراد ~~وقوعه على نفي المعلوم ، والتقدير : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يصدر ~~الجهاد عنكم ، وتقريره أن العلم متعلق بالمعلوم ، كما هو عليه ، فلما حصلت ~~هذه المطابقة لا جرم . حسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر ، وتمام الكلام ~~فيه قد تقدم . # أما قوله : { ويعلم الصابرين } فاعلم أنه قرأ الحسن { ويعلم الصابرين } ~~بالجزم عطفا على { ولما يعلم الله } وأما النصب فباضمار أن ، وهذه الواو ~~تسمى واو الصرف ، كقولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، أي لا تجمع بينهما ، ~~وكذا ههنا المراد أن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان ، ~~وقرأ أبو عمرو { ويعلم } بالرفع على تقدير أن الواو للحال . كأنه ms2493 قيل : ~~ولما تجاهدوا وأنتم صابرون . # واعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة ، فبقدر ما ~~يزداد أحدهما ينتقص الآخر ، وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال ~~القلب بطلب الدنيا ، والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما ~~سوى الله وامتلائه من حب الله ، وهذان الأمران مما لا يجتمعان ، فلهذا السر ~~وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما ، وأيضا حب الله وحب ~~الآخرة لا يتم بالدعوى ، فليس كل من أقر بدين الله كان صادقا ، ولكن الفصل ~~فيه تسليط / المكروهات والمحبوبات ، فان الحب هو الذي لا ينتقص بالجفاء ولا ~~يزداد بالوفاء ، فان بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر أن ذلك الحب كان ~~حقيقيا ، فلهذه الحكمة قال : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } بمجرد تصديقكم ~~الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة والله أعلم . # ! 7 < { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله ~~الشاكرين } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 144 ) وما محمد إلا . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس ومجاهد والضحاك : لما نزل النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ، وأن لا ينتقلوا عن ذلك ~~سواء كان الأمر لهم أو عليهم ، فلما وقفوا وحملوا على الكفار وهزموهم وقتل ~~علي طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم ، والزبير والمقداد شدا على المشركين ثم ~~حمل الرسول مع أصحابه PageV09P017 فهزموا أبا سفيان ، ثم إن بعض القوم لما ~~أن رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة وكان خالد بن الوليد ~~صاحب ميمنة الكفار ، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق ~~جمعهم وكثر القتل في المسملين ، ورمى عبدالله بن قميئة الحارثي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه ، وأقبل يريد قتله ، فذب ~~عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة ، ~~فظن أنه ms2494 قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال قد قتلت محمدا ، وصرخ ~~صارح ألا ان محمدا قد قتل ، وكان الصارخ الشيطان ، ففشا في الناس خبر قتله ~~، فهنالك قال بعض المسلمين : ليت عبدالله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي ~~سفيان . وقال قوم من المنافقين : لو كان نبيا لما قتل ، ارجعوا إلى إخوانكم ~~والى دينكم ، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك : يا قوم ان كان قد قتل ~~محمد فان رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ؟ قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ، ثم قال : ~~اللهم اني أعتذر اليك مما يقول هؤلاء ، ثم سل سيفه فقاتل حتى قتل رحمه الله ~~تعالى ، ومر بعض المهاجرين بأنصاري يتشحط في دمه ، فقال : يا فلان أشعرت أن ~~محمدا قد قتل ، فقال : ان / كان قد قتل فقد بلغ ، قاتلوا على دينكم ، ولما ~~شج ذلك الكافر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته ، احتمله طلحة ~~بن عبيدالله ، ودافع عنه أبو بكر وعلي رضي الله عنهم ونفر آخرون معهم ، ثم ~~ان الرسول صلى الله عليه وسلم جعل ينادي ويقول : إلى عباد الله حتى انحازت ~~اليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم ، فقالوا يا رسول الله فديناك ~~بآبائنا وأمهاتنا ، أتانا خبر قتلك فاستولى الرعب على قلوبنا فولينا مدبرين ~~، ومعنى الآية { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } فسيخلو كما خلوا ~~، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم ، فعليكم أن تتمسكوا ~~بدينه بعد خلوه ، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة والزام الحجة ، لا ~~وجودهم بين أظهر قومهم أبدا . # المسألة الثانية : قال أبو علي : الرسول جاء على ضربين : أحدهما : يراد ~~به المرسل ، والآخر الرسالة ، وههنا المراد به المرسل بدليل قوله : { إنك ~~لمن المرسلين } ( البقرة : 252 ) وقوله : { يعملون ياأيها الرسول بلغ } ( ~~المائدة : 67 ) وفعول قد يراد به المفعول ، كالركوب والحلوب لما يركب ويحلب ~~والرسول بمعنى الرسالة كقوله : # لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسر ms2495 ولا أرسلتهم برسول # أي برسالة ، قال : ومن هذا قوله تعالى : { إنا رسولا ربك } ونذكره في ~~موضعه ان شاء الله تعالى ثم قال : { وما محمد إلا رسول قد خلت من } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : حرف الاستفهام دخل على الشرط وهو في الحقيقة داخل على ~~الجزاء ، والمعنى أتنقلبون على أعقابكم ان مات محمد أو قتل / ونظيره قوله : ~~هل زيد قائم ، فأنت أنما تستخبر عن قيامه ، الا انك أدخلت هل على الاسم ~~والله أعلم . # المسألة الثانية : أنه تعالى بين في آيات كثيرة انه عليه السلام لا يقتل ~~قال : { إنك ميت وإنهم ميتون } ( الزمر : 30 ) وقال : { والله يعصمك من ~~الناس } ( المائدة : 67 ) وقال : { ليظهره على الدين كله } ( الصف : 9 ) ~~فليس لقائل أن يقول : لما علم أنه لا يقتل فلم قال أو قتل ؟ فان الجواب عنه ~~من وجوه : الأول : أن صدق القضية الشرطية لا يقتضي صدق جزأيها ، فانك ~~PageV09P018 تقول : ان كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، فالشرطية ~~صادقة وجزآها كاذبان ، وقال تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ~~( الأنبياء : 22 ) فهذا حق مع أنه ليس فيهما آلهة ، وليس فيهما فساد ، فكذا ~~ههنا . والثاني : ان هذا ورد على سبيل الالزام ، فان موسى عليه السلام مات ~~ولم ترجع أمته عن ذلك ، والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لا ~~يرجعون عن دينه ، فكذا ههنا ، والثالث : ان الموت لا يوجب رجوع الأمة عن ~~دينه ، فكذا القتل وجب أن لا يوجب الرجوع عن دينه ، لانه فارق بين الأمرين ~~، فلما رجع إلى هذا المعنى كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في ~~صحة الدين وهموا بالارتداد . # / المسألة الثالثة : قوله : { انقلبتم على أعقابكم } أي صرتم كفارا بعد ~~إيمانكم ، يقال لكل من عاد إلى ما كان عليه : رجع وراءه وانقلب على عقبه ~~ونكص على عقبيه ، وذلك أن المنافقين قالوا لضعفة المسلمين : ان كان محمد ~~قتل فالحقوا بدينكم ، فقال بعض الانصار : ان كان محمد قتل فان رب محمد لم ~~يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد . وحاصل الكلام انه تعالى ms2496 بين أن ~~قلته لا يوجب ضعفا في دينه بدليلين : الأول : بالقياس على موت سائر ~~الأنبياء وقتلهم ، والثاني : أن الحاجة إلى الرسول لتبليغ الدين وبعد ذلك ~~فلا حاجة اليه ، فلم يلزم من قتله فساد الدين والله أعلم . # المسألة الرابعة : ليس لقائل أن يقول : ان قوله : { وما محمد إلا رسول } ~~شك وهو على الله تعالى لا يجوز ، فانا نقول : المراد أنه سواء وقع هذا أو ~~ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الارتداد . # ثم قال تعالى : { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا } والغرض منه ~~تأكيد الوعيد ، لأن كل عاقل يعلم ان الله تعالى لا يضره كفر الكافرين ، بل ~~المراد أنه لا يضر الا نفسه ، وهذا كما إذا قال الرجل لولده عند العتاب : ~~ان هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض ، ويريد به أنه يعود ~~ضرره عليه فكذا ههنا ، ثم أتبع الوعيد بالوعد فقال : { وسيجزى الله ~~الشاكرين } فالمراد أنه لما وقعت الشبهة في قلوب بعضهم بسبب تلك الهزيمة ~~ولم تقع الشبهة في قلوب العلماء الاقوياء من المؤمنين ، فهم شكروا الله على ~~ثباتهم على الايمان وشدة تمسكهم به ، فلا جرم مدحهم الله تعالى بقوله : { ~~وسيجزى الله الشاكرين } وروى محمد بن جرير الطبري عن علي رضي الله عنه أنه ~~قال : المراد بقوله : { وسيجزى الله الشاكرين } أبو بكر وأصحابه ، وروي عنه ~~أنه قال أبو بكر من الشاكرين وهو من أحباء الله والله أعلم بالصواب . # ! 7 < { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب ~~الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الا خرة نؤته منها وسنجزى الشاكرين } . > 7 ~~! # < < # | آل عمران : ( 145 ) وما كان لنفس . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية تعلق هذه الآية بما قبله وجوه : الأول : أن ~~المنافقين أرجفوا أن محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فالله تعالى يقول : ~~انه لا تموت نفس الا باذن الله وقضائه وقدره ، / فكان قتله مثل موته في أنه ~~لا PageV09P019 يحصل الا في الوقت المقدر المعين ، فكما أنه لو مات ms2497 في داره ~~لم يدل ذلك على فساد دينه ، فكذا اذا قتل وجب أن لا يؤثر ذلك في فساد دينه ~~، والمقصود منه ابطال قول المنافقين لضعفة المسلمين انه لما قتل محمد ~~فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان . الثاني : أن يكون المراد تحريض ~~المسلمين على الجهاد باعلامهم أن الحذر لا يدفع القدر ، وان أحدا لا يموت ~~قبل الأجل وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء ، فلا فائدة في الجبن والخوف ~~. والثالث : أن يكون المراد حفظ الله للرسول صلى الله عليه وسلم وتخليصه من ~~تلك المعركة المخوفة ، فان تلك الواقعة ما بقي سبب من أسباب الهلاك إلا وقد ~~حصل فيها ، ولكن لما كان الله تعالى حافظا وناصرا ما ضره شيء من ذلك وفيه ~~تنبيه على أن أصحابه قصروا في الذب عنه . والرابع : وما كان لنفس أن تموت ~~إلا باذن الله ، فليس في ارجاف من أرجف بموت النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يحقق ذلك فيه أو يعين في تقوية الكفر ، بل يبقيه الله إلى أن يظهر على ~~الدين كله . الخامس : أن المقصود منه الجواب عما قاله المنافقون ، فان ~~الصحابة لما رجعوا وقد قتل منهم من قتل قالوا : لو كانوا عندنا ما ماتوا ~~وما قتلوا ، فاخبر الله تعالى ان الموت والقتل كلاهما لا يكونان الا باذن ~~الله وحضور الأجل والله أعلم بالصواب . # المسألة الثانية : اخلفوا في تفسير الاذن على أقوال : الأول : أن يكون ~~الاذن هو الامر وهو قول أبي مسلم ، والمعنى ان الله تعالى يأمر ملك الموت ~~بقبض الارواح فلا يموت أحد إلا بهذا الامر . الثاني : ان المراد من هذا ~~الاذن ما هو المراد بقوله : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون } ( النحل : 40 ) والمراد من هذا الأمر انما هو التكوين والتخليق ~~والايجاد ، لانه لا يقدر على الموت والحياة أحد الا الله تعالى ، فاذن ~~المراد : أن نفسا لن تموت الا بما أماتها الله تعالى . الثالث : أن يكون ~~الاذن هو التخلية والاطلاق وترك المنع بالقهر والاجبار ، وبه فسر قوله ~~تعالى : { وما ms2498 هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } ( البقرة : 102 ) أي ~~بتخليته فانه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر ، فيكون المعنى : ما كان ~~لنفس أن تموت الا بإذن الله بتخلي الله بين القاتل والمقتول ، ولكنه تعالى ~~يحفظ نبيه ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصدا ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به ~~، ولا يخلي بين أحد وبين قتله حتى ينتهي إلى الاجل الذي كتبه الله له ، فلا ~~تنكسروا بعد ذلك في غزواتكم بأن يرجف مرجف أن محمدا قد قتل . الرابع : أن ~~يكون الاذن بمعنى العلم ومعناه أن نفسا لن تموت إلا في الوقت الذي علم الله ~~موتها فيه ، واذا جاء ذلك الوقت لزم الموت ، كما قال { فإذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ( النحل : 61 ) الخامس : قال ابن عباس : ~~الاذن هو قضاء الله وقدره ، فانه لا يحدث شيء إلا بمشيئته وارادته فيجعل ~~ذلك على سبيل التمثيل ، كانه فعل لا ينبغي لاحد أن يقدم عليه إلا باذن الله ~~. # / المسألة الثالثة : قال الاخفش والزجاج : اللام في { وما كان لنفس } ~~معناها النفي ، والتقدير وما كانت نفس لتموت الا باذن الله . # المسألة الرابعة : دلت الآية على أن المقتول ميت بأجله ، وأن تغيير ~~الآجال ممتنع . # وقوله تعالى : { كتابا مؤجلا } فيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { كتابا مؤجلا } منصوب بفعل دل عليه ما قبله فان ~~قوله : { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } قام مقام أن يقال : كتب ~~الله ، فالتقدير كتب الله كتابا مؤجلا ونظيره قوله : { كتاب الله عليكم } [ ~~النساء : 24 ] PageV09P020 لأن في قوله { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : ~~23 ) دلالة على انه كتب هذا التحريم عليكم ومثله : صنع الله ، ووعد الله ، ~~وفطرة الله ، وصبغة الله . # المسألة الثانية : المراد بالكتاب المؤجل الكتاب المشتمل على الآجال ، ~~ويقال : انه هو اللوح المحفوظ ، كما ورد في الأحاديث أنه تعالى قال للقلم ( ~~اكتب فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ) . # واعلم أن جميع الحوادث لا بد أن تكون معلومة لله تعالى ، وجميع حوادث هذا ~~العالم من الخلق والرزق والأجل ms2499 والسعادة والشقاوة لا بد وأن تكون مكتوبة في ~~اللوح المحفوظ ، فلو وقعت بخلاف علم الله لانقلب علمه جهلا ، ولانقلب ذلك ~~الكتاب كذبا ، وكل ذلك محال ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت ان الكل بقاء الله ~~وقدره . وقد ذكر بعض العلماء هذا المعنى في تفسير هذه الآية وأكده بحديث ~~الصادق المصدوق ، وبالحديث المشهور من قوله عليه السلام ( فحج آدم موسى ) ~~قال القاضي : أما الأجل والرزق فهما مضافان إلى الله ، وأما الكفر والفسق ~~والايمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد ، فاذا كتب تعالى ذلك فانما يكتب ~~بعلمه من اختيار العبد ، وذلك لا يخرج العبد من أن يكون هو المذموم أو ~~الممدوح . # واعلم أنه ما كان من حق القاضي أن يتغافل عن موضع الاشكال ، وذلك لانا ~~نقول : إذا علم الله من العبد الكفر وكتب في اللوح المحفوظ منه الكفر ، فلو ~~أتى بالايمان لكان ذلك جمعا بين المتناقضين ، لأن العلم بالكفر والخبر ~~الصدق عن الكفر مع عدم الكفر جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا كان موضع ~~الالزام هو هذا فأنى ينفعه الفرار من ذلك إلى الكلمات الأجنبية عن هذا ~~الالزام . # وأما قوله تعالى : { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الاخرة ~~نؤته منها وسنجزى الشاكرين } . # فاعلم أن الذين حضروا يوم أحد كانوا فريقين ، منهم من يريد الدنيا ، ~~ومنهم من يريد الآخرة / كما ذكره الله تعالى فيما بعد من هذه السورة ، ~~فالذين حضروا القتال للدنيا ، هم الذين حضروا لطلب الغنائم والذكر والثناء ~~، وهؤلاء لا بد وأن ينهزموا ، والذين حضروا للدين ، فلا بد وأن لا ينهزموا ~~ثم أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من طلب الدنيا لا بد وأن يصل إلى بعض ~~مقصوده ومن طلب الآخرة فكذلك ، وتقريره قوله عليه السلام : ( إنما الأعمال ~~بالنيات ) إلى آخر الحديث . # واعلم أن هذه الآية وان وردت في الجهاد خاصة ، لكنها عامة في جميع ~~الأعمال ، وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب ، والعقاب المقصود والدواعي لا ~~ظواهر الأعمال ، فان من وضع الجبهة على الأرض في صلاة الظهر والشمس قدامه ms2500 ، ~~فان قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى كان ذلك من أعظم دعائم الاسلام ، وان ~~قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر . وروى أبو هريرة عنه عليه ~~السلام ان الله تعالى يقول يوم القيامة لمقاتل في سبيل الله ( في ماذا قتلت ~~فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول تعالى : كذبت بل أردت ~~أن يقال فلان محارب وقد قيل ذلك ) ثم ان الله تعالى يأمر به إلى النار . # PageV09P021 ! 7 < { وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لمآ ~~أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 146 ) وكأين من نبي . . . . . # > > واعلم أنه تعالى من تمام تأديبه قال للمنهزمين يوم أحد : إن لكم ~~بالأنبياء المتقدمين وأتباعهم أسوة حسنة ، فلما كانت طريقة أتباع الأنبياء ~~المتقدمين الصبر على الجهاد وترك الفرار ، فكيف يليق بكم هذا الفرار ~~والانهزام ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ( وكائن ) على وزن كاعن ممدودا مهموزا ~~مخففا ، وقرأ الباقون ( كأين ) مشدودا بوزن كعين وهي لغة قريش ، ومن اللغة ~~الأولى قول جرير : # % وكائن بالأباطح من صديق % % يراني لو أصيب هو المصاب % # وأنشد المفضل : # % وكائن ترى في الحي من ذي قرابة . % % # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ( قتل معه ) والباقون ( ~~قاتل معه ) فعلى القراءة الأولى يكون المعنى أن كثيرا من الأنبياء قتلوا ~~والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم ، بل استمروا / على جهاد عدوهم ونصرة ~~دينهم ، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة محمد هكذا . قال القفال رحمه الله ~~: والوقف على هذا التأويل على قوله : ( قتل ) وقوله : ( معه ربيون ) حال ~~بمعنى قتل حال ما كان معه ربيون ، أو يكون على معنى التقديم والتأخير ، أي ~~وكأين من نبي معه ربيون كثير قتل فما وهن الربيون على كثرتهم ، وفيه وجه ~~آخر ، وهو أن يكون المعنى وكأين من نبي قتل من إخوانهم ، بل مضوا على جهاد ~~عدوهم ، فقد كان ينبغي أن يكون حالكم كذلك ، وحجة هذه القراءة أن المقصود ~~من هذه ms2501 الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء لتقتدي هذه الأمة بهم ، وقد قال ~~تعالى : { وما محمد إلا رسول قد خلت من } ( آل عمران : 144 ) فيجب أن يكون ~~المذكور قتل سائر الأنبياء لا قتالهم ، ومن قرأ ( قاتل معه ) فالمعنى : وكم ~~من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا ، ~~لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله ، ~~فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد . وحجة هذه القراءة ان ~~المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~القتال ، فوجب أن يكون المذكور هو القتال . وأيضا روي عن سعيد بن جبير أنه ~~قال : ما سمعنا بنبي قتل في القتال . # المسألة الثالثة : قال الواحدي رحمه الله : أجمعوا على أن معنى ( كأين ) ~~كم ، وتأويلها التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم ، ونظيره قوله : { ~~فكأين من قرية أهلكناها } ( الحج : 45 ) { وكأين من قرية أمليت لها } ( ~~الحج : 48 ) والكافي في ( كأين ) كاف التشبيه دخلت على ( أي ) التي هي ~~للاستفهام كما دخلت على ( ذا ) من ( كذا ) و ( أن ) من كأن ، ولا معنى ~~للتشبيه فيه كما لا معنى للتشبيه في كذا ، تقول : لي عليه كذا وكذا : معناه ~~لي عليه عدد ما ، فلا معنى للتشبيه ، الا أنها زيادة لازمة لا يجوز حذفها ، ~~واعلم أنه لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ، وكذا ~~استعمال هذه الكلمة فصارت كلمة واحدة موضوعة للتكثير . # المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : الربيون الربانيون ، وقرىء ~~بالحركات الثلاث والفتح على PageV09P022 القياس ، والضم والكسر من تغييرات ~~النسب . وحكى الواحدي عن الفراء أنه قال : الربيون : الأولون ، وقال الزجاج ~~: هم الجماعات الكثيرة ، الواحد ربي ، قال ابن قتيبة : أصله من الربة وهي ~~الجماعة / يقال : ربي كأنه نسب إلى الربة . وقال الأخفش : الربيون الذين ~~يعبدون الرب ، وطعن فيه ثعلب ، وقال : كان يجب أن يقال : ربي ليكون منسوبا ~~إلى الرب ، وأجاب من نصر الأخفش وقال : العرب إذا نسبت شيئا إلى شيء غيرت ~~حركته ms2502 ، كما يقال : بصري في النسب إلى البصرة ، / ودهري في النسبة إلى ~~الدهر ، وقال ابن زيد : الربانيون الأئمة والولاة ، والربيون الرعية ، وهم ~~المنتسبون إلى الرب . # واعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيين بنوعين : أولا بصفات النفي ، وثانيا ~~بصفات الاثبات ، أما المدح بصفات النبي فهو قوله تعالى : { فما وهنوا لما ~~أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا } ولا بد من الفرق بين هذه ~~الأمور الثلاثة ، قال صاحب ( الكشاف ) : ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا ~~عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو ، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن ~~والانكسار ، عند الارجاف بقتل رسولهم ، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين ~~، واستكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبدالله بن أبي ، وطلب ~~الأمان من أبي سفيان ، ويحتمل أيضا أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم ، ~~ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم ، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم ، ~~والاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم ، وفيه وجه ثالث وهو ان ~~الوهن ضعف يلحق القلب . والضعف المطلق هو اختلال القوة والقدرة بالجسم ، ~~والاستكانة هي إظهار ذلك العجز وذلك الضعف ، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة ، ~~قال الواحدي : الاستكانة الخضوع ، وهو أن يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد . # ثم قال تعالى : { والله يحب الصابرين } والمعنى أن من صبر على تحمل ~~الشدائد في طريق الله ولم يظهر الجزع والعجز والهلع فان الله يحبه ، ومحبة ~~الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه واعزازه وتعظيمه ، والحكم له ~~بالثواب والجنة ، وذلك نهاية المطلوب . # ثم انه تعالى أتبع ذلك بأن مدحهم بصفات الثبوت فقال : # PageV09P023 ! 7 < { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~وإسرافنا فىأمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين 1 } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 147 ) وما كان قولهم . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { وثبت أقدامنا } يدل على أن فعل العبد خلق الله ~~تعالى ، والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف . # المسألة الثانية : بين تعالى أنهم كانوا مستعدين عند ذلك التصبر والتجلد ~~بالدعاء والتضرع بطلب / الامداد والاعانة من الله ، والغرض منه أن يقتدى ~~بهم في هذه ms2503 الطريقة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فان من عول في تحصيل ~~مهماته على نفسه ذل ، ومن اعتصم بالله فاز بالمطلوب ، قال القاضي : إنما ~~قدموا قولهم : { ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا } لأنه تعالى لما ~~ضمن النصرة للمؤمنين ، فاذا لم تحصل النصرة وظهر أمارات استيلاء العدو ، دل ~~ذلك ظاهرا على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين ؛ فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم ~~التوبة والاستغفار على طلب النصرة ، فبين تعالى أنهم بدأوا بالتوبة عن كل ~~المعاصي وهو المراد بقوله : { ربنا اغفر لنا ذنوبنا } فدخل فيه كل الذنوب ، ~~سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر ، ثم انهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة ~~منها بالذكر بعد ذلك لعظمها وعظم عقابها وهو المراد من قوله : { وإسرافنا ~~فى أمرنا } لان الاسراف في كل شيء هو الافراط فيه ، قال تعالى : { قل ~~ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم } ( الزمر : 53 ) وقال : { فلا يسرف فى ~~القتل } ( الإسراء : 33 ) وقال : { كلوا واشربوا * ولا تسرفوا } ( الأعراف ~~: 31 ) ويقال : فلان مسرف اذا كان مكثرا في النفقة وغيرها ، ثم انهم لما ~~فرغوا من ذلك سألوا ربهم أن يثبت أقدامهم ، وذلك بازالة الخوف عن قلوبهم ، ~~وازالة الخواطر الفاسدة عن صدورهم ، ثم سألوا بعد ذلك أن ينصرهم على القوم ~~الكافرين ، لان هذه النصرة لا بد فيها من أمور زائدة على ثبات أقدامهم ، ~~وهو كالرعب الذي يلقيه في قلوبهم ، واحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب ~~انهزامهم ، مثل هبوب رياح تثير الغبار في وجوههم ، ومثل جريان سيل في موضع ~~وقوفهم ، ثم قال القاضي : وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب ~~بالادعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره . # ! 7 < { فأاتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الا خرة والله يحب المحسنين ~~} . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 148 ) فآتاهم الله ثواب . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما شرح طريقة الربيين في الصبر ، وطريقتهم في ~~الدعاء ذكر أيضا ما ضمن لهم في مقابلة ذلك في الدنيا والآخرة فقال : { ~~فاتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الاخرة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { فاتاهم الله } يقتضي ms2504 أنه تعالى أعطاهم الامرين ~~، أما ثواب الدنيا فهو النصرة والغنيمة وقهر العدو والثناء الجميل ، ~~وانشراح الصدر بنور الايمان وزوال ظلمات الشبهات وكفارة المعاصي والسيئات ، ~~وأما ثواب الآخرة فلا شك أنه هو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وأنواع ~~السرور والتعظيم ، وذلك غير حاصل في الحال ، فيكون المراد أنه تعالى حكم ~~لهم بحصولها في الآخرة ، فأقام حكم الله بذلك مقام نفس الحصول ، كما أن ~~الكذب في وعد الله والظلم في عدله محال ، أو يحمل قوله : { فأتاهم } على ~~أنه سيؤتيهم على قياس قوله : { اتى * أمر الله } أي سيأتي أمر الله . قال / ~~القاضي : ولا يمتنع أن تكون هذه الآية مختصة بالشهداء ، وقد أخبر الله ~~تعالى عن بعضهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، فيكون حال هؤلاء الربيين أيضا ~~كذلك ، فانه تعالى في حال انزال هذه الآية كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة في ~~جنان السماء . # المسألة الثانية : خص تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على جلالة ثوابهم ~~، وذلك لأن ثواب الآخرة كله في غاية الحسن ، فما خصه الله بانه حسن من هذا ~~الجنس فانظر كيف يكون حسنه ، ولم يصف ثواب الدنيا بذلك لقلتها وامتزاجها ~~بالمضار وكونها ، منقطعة زائلة ، قال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون ~~الحسن هو الحسن كقوله : { وقولوا للناس حسنا } ( البقرة : 83 ) أي حسنا ، ~~والغرض منه المبالغة كأن تلك الاشياء PageV09P024 الحسنة لكونها عظيمة في ~~الحسن صارت نفس الحسن ، كما يقال : فلان جود وكرم ، إذا كان في غاية الجود ~~والكرم والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال فيما تقدم : { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن ~~يرد ثواب الاخرة نؤته منها } ( آل عمران : 145 ) فذكر لفظة ( من ) الدالة ~~على التبعيض فقال في الآية : { فاتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الاخرة } ~~ولم يذكر كلمة ( من ) والفرق : أن الذين يريدون ثواب الآخرة انما اشتغلوا ~~بالعبودية لطلب الثواب ، فكانت مرتبتهم في العبودية نازلة ، وأما المذكورون ~~في هذه الآية فانهم لم يذكروا في أنفسهم الا الذنب والقصور ، وهو المراد من ~~قوله : { اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا } ( آل عمران : 147 ms2505 ) ولم يروا ~~التدبير والنصرة والاعانة الا من ربهم ، وهو المراد بقوله : { وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين } ( آل عمران : 147 ) فكان مقام هؤلاء في ~~العبودية في غاية الكمال ، فلا جرم أولئك فازوا ببعض الثواب ، وهؤلاء فازوا ~~بالكل ، وأيضا أولئك أرادوا الثواب ، وهؤلاء ما أرادوا الثواب . وإنما ~~أرادوا خدمة مولاهم فلا جرم أولئك حرموا وهؤلاء أعطوا ، ليعلم أن كل من ~~أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله . # ثم قال : { والله يحب المحسنين } وفيه دقيقة لطيفة وهي أن هؤلاء اعترفوا ~~بكونهم مسيئين حيث قالوا : { ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا } ~~فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين ، كأن الله تعالى يقول لهم : # إذا اعترفت باساءتك وعجزك فأنا أصفك بالاحسان وأجعلك حبيبا لنفسي ، حتى ~~تعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله الا باظهار الذلة ~~والمسكنة والعجز . وأيضا : انهم لما أرادوا الاقدام على الجهاد طلبوا تثبيت ~~أقدامهم في دينه ونصرتهم على العدو من الله تعالى ، فعند ذلك سماهم ~~بالمحسنين ، وهذا يدل على أن العبد لا يمكنه الاتيان بالفعل الحسن ، الا ~~اذا أعطاه الله ذلك الفعل / الحسن وأعانه عليه ، ثم إنه تعالى قال : { هل ~~جزاء الإحسان إلا الإحسان } ( الرحمن : 60 ) وقال : { للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة } ( يونس : 26 ) وكل ذلك يدل على أنه سبحانه هو الذي يعطي الفعل ~~الحسن للعبد ، ثم أنه يثيبه عليه ليعلم العبد ان الكل من الله وباعانة الله ~~. # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم ~~فتنقلبوا خاسرين * بل الله مولاكم وهو خير الناصرين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 149 - 150 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # واعلم أن هذه الآية من تمام الكلام الأول ، وذلك لأن الكفار لما أرجفوا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ، ودعا المنافقون بعض ضعفة المسلمين ~~إلى الكفر ، منع الله المسلمين بهذه الآية عن الالتفات إلى كلام أولئك ~~المنافقين . فقال : { المحسنين ياأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا ~~} وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قيل : { إن تطيعوا الذين كفروا } المراد أبو ms2506 سفيان ، ~~فانه كان كبير القوم في ذلك اليوم ، قال السدي : المراد أبو سفيان لأنه كان ~~شجرة الفتن ، وقال آخرون : المراد عبدالله بن أبي وأتباعه من PageV09P025 ~~المنافقين ، وهم الذين ألقوا الشبهات في قلوب الضعفة وقالوا لو كان محمد ~~رسول الله ما وقعت له هذه الواقعة ، وإنما هو رجل كسائر الناس ، يوما له ~~ويوما عليه ، فارجعوا إلى دينكم الذي كنتم فيه ، وقال آخرون : المراد ~~اليهود لأنه كان بالمدينة قوم من اليهود ، وكانوا يلقون الشبهة في قلوب ~~المسلمين ، ولا سيما عند وقوع هذه الواقعة ، والأقرب أنه يتناول كل الكفار ~~، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ . # المسألة الثانية : قوله : { إن تطيعوا الذين كفروا } لا يمكن حمله على ~~طاعتهم في كل ما يقولونه بل لا بد من التخصيص فقيل : ان تطيعوهم فيما ~~أمروكم به يوم أحد من ترك الاسلام ، وقيل : ان تطيعوهم في كل ما يأمرونكم ~~من الضلال ، وقيل في المشورة ، وقيل في ترك المحاربة وهو قولهم : ( لو ~~كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ) . # ثم قال : { يردوكم على أعقابكم } يعني يردوكم إلى الكفر بعد الإيمان ، ~~لأن قبول قولهم في الدعوة إلى الكفر كفر . # / ثم قال : { فتنقلبوا خاسرين } . # واعلم أن اللفظ لما كان عاما وجب أن يدخل فيه خسران الدنيا والآخرة ، أما ~~خسران الدنيا فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد للعدو ~~والتذلل له وإظهار الحاجة اليه ، وأما خسران الآخرة فالحرمان عن الثواب ~~المؤبد والوقوع في العقاب المخلد . # ثم قال تعالى : { بل الله مولاكم وهو خير الناصرين } والمعنى أنكم إنما ~~تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا جهل ، لأنهم عاجزون ~~متحيرون ، والعاقل يطلب النصرة من الله تعالى ، لأنه هو الذي ينصركم على ~~العدو ويدفع عنكم كيده ، ثم بين أنه خير الناصرين ، ولو لم يكن المراد ~~بقوله : { مولاكم وهو خير الناصرين } النصرة ، لم يصح أن يتبعه بهذا القول ~~، وإنما كان تعالى خير الناصرين لوجوه : الأول : أنه تعالى هو القادر على ~~نصرتك في كل ما تريد ، والعالم الذي لا يخفى عليه دعاؤك وتضرعك ms2507 ، والكريم ~~الذي لا يبخل في جوده ، ونصرة العبيد بعضهم لبعض بخلاف ذلك في كل هذه ~~الوجوه ، والثاني : أنه ينصرك في الدنيا والآخرة ، وغيره ليس كذلك ، ~~والثالث : أنه ينصرك قبل سؤالك ومعرفتك بالحاجة ، كما قال : { قل من يكلؤكم ~~باليل والنهار } ( الأنبياء : 42 ) وغيره ليس كذلك . # واعلم أن قوله : { وهو خير الناصرين } ظاهره يقتضي أن يكون من جنس سائر ~~الناصرين وهو منزه عن ذلك ، لكنه ورد الكلام على حسب تعارفهم كقوله : { وهو ~~أهون عليه } ( الروم : 27 ) . # ! 7 < { سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب بمآ أشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 151 ) سنلقي في قلوب . . . . . # > > PageV09P026 @27@ # اعلم أن هذه الآية من تمام ما تقدم ذكره ، فانه تعالى ذكر وجوها كثيرة في ~~الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار ، ومن جملتها ما ذكر في هذه الآية ~~أنه تعالى يلقي الخوف في قلوب الكفار ، ولا شك أن ذلك مما يوجب استيلاء ~~المسلمين عليهم ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد ، أو هو ~~عام في جميع الأوقات ؟ قال كثير من المفسرين : إنه مختص بهذا اليوم ، وذلك ~~لأن جميع الآيات المتقدمة إنما / وردت في هذه الواقعة ، ثم القائلون بهذا ~~القول ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في هذا اليوم وجهين : ~~الأول : أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في ~~قلوبهم ، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب ، حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل ~~، وقال : أين ابن أبي كبشة ، وأين ابن أبي قحافة ، وأين ابن الخطاب ، ~~فأجابه عمر ، ودارت بينهما كلمات ، وما تجاسر أبو سفيان على النزول من ~~الجبل والذهاب إليهم ، والثاني : أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة ، فلما كانوا ~~في بعض الطريق قالوا : ما صنعنا شيئا ، قتلنا الأكثرين منهم ، ثم تركناهم ~~ونحن قاهرون ، ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية ، فلما عزموا على ذلك ألقى الله ~~الرعب في قلوبهم . # والقول الثاني : أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد ، بل هو ms2508 عام . قال ~~القفال رحمه الله : كأنه قيل انه وان وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا ~~أن الله تعالى سيلقي الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار ~~، ويظهر دينكم على سائر الأديان . وقد فعل الله ذلك حتى صار دين الاسلام ~~قاهرا لجميع الأديان والملل ، ونظير هذه الآية قوله عليه السلام ( نصرت ~~بالرعب مسيرة شهر ) . # المسألة الثانية : قرأ ابن عامر والكسائي { الرعب } بضم العين ، والباقون ~~بتخفيفها في كل القرآن ، قال الواحدي : هما لغتان ، يقال : رعبته رعبا ~~ورعبا وهو مرعوب ، ويجوز أن يكون الرعب مصدرا ، والرعب اسم منه . # المسألة الثالثة : الرعب : الخوف الذي يحصل في القلب ، وأصل الرعب الملء ~~، يقال سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار ، وإنما سمي الفزع رعبا لأنه ~~يملأ القلب خوفا . # المسألة الرابعة : ظاهر قوله : { سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب } ~~يقتضي وقوع الرعب في جميع الكفار ، فذهب بعض العلماء إلى اجراء هذا العموم ~~على ظاهره ، لأنه لا أحد يخالف دين الاسلام إلا وفي قلبه ضرب من الرعب من ~~المسلمين ، إما في الحرب ، وإما عند المحاجة . # وقوله تعالى : { سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب } لا يقتضي وقوع جميع ~~أنواع الرعب في قلوب الكفار ، إنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة في قلوبهم من ~~بعض الوجوه ، وذهب جمع من المفسرين إلى أنه مخصوص بأولئك الكفار . # أما قوله : { بما أشركوا بالله } فاعلم أن ( ما ) مصدرية ، والمعنى : ~~بسبب إشراكهم بالله . # واعلم أن تقدير هذا بالوجه المعقول هو أن الدعاء إنما يصير في محل ~~الاجابة عند الاضطرار كما قال : { أمن يجيب المضطر إذا دعاه } ( النحل : 62 ~~) ومن اعتقد أن لله شريكا لم يحصل له الاضطرار ، لأنه يقول : / إن كان هذا ~~المعبود لا ينصرني ، فذاك الآخر ينصرني ، وإن لم يحصل في قلبه الاضطرار لم ~~تحصل الاجابة ولا النصرة ، PageV09P027 وإذا لم يحصل ذلك وجب أن يحصل الرعب ~~والخوف في قلبه ، فثبت أن الاشراك بالله يوجب الرعب . # أما قوله : { ما لم ينزل به سلطانا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : السلطان ههنا هو الحجة والبرهان ، وفي ms2509 اشتقاقه وجوه : ~~الأول : قال الزجاج : إنه من السليط وهو الذي يضاء به السراج ، وقيل ~~للأمراء سلاطين لأنهم الذين بهم يتوصل الناس إلى تحصيل الحقوق . الثاني : ~~أن السلطان في اللغة هو الحجة ، وإنما قيل للأمير سلطان ، لأن معناه أنه ذو ~~الحجة . الثالث : قال الليث : السلطان القدرة ، لأن أصل بنائه من التسليط ~~وعلى هذا سلطان الملك : قوته وقدرته ، ويسمى البرهان سلطانا لقوته على دفع ~~الباطل . الرابع : قابل ابن دريد : سلطان كل شيء حدته ، وهو مأخوذ من ~~اللسان السليط ، والسلاطة بمعنى الحدة . # المسألة الثانية : قوله : { ما لم ينزل به سلطانا } يوهم أن فيه سلطانا ~~إلا أن الله تعالى ما أنزله وما أظهره ، إلا أن الجواب عنه أنه لو كان ~~لأنزل الله به سلطانا ، فلما لم ينزل به سلطانا وجب عدمه ، وحاصل الكلام ~~فيه ما يقوله المتكلمون : أن هذا مما لا دليل علي فلم يجز إثباته ، ومنهم ~~من يبالغ فيقول : لا دليل عليه فيجب نفيه ، ومنهم من احتج بهذا الحرف على ~~وحدانية الصانع ، فقال : لا سبيل إلى اثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات ~~اليه ، ويكفي في دفع هذه الحاجة اثبات الصانع الواحد ، فما زاد عليه لا ~~سبيل إلى اثباته فلم يجز اثباته . # المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على فساد التقليد ، وذلك لأن الآية ~~دالة على أن الشرك لا دليل عليه ، فوجب أن يكون القول به باطلا ، وهذا إنما ~~يصح إذا كان القول باثبات ما لا دليل على ثبوته يكون باطلا ، فيلزم فساد ~~القول بالتقليد . # ثم قال تعالى : { ومأواهم النار } . # واعلم أنه تعالى بين أن أحوال هؤلاء المشركين في الدنيا هو وقوع الخوف في ~~قلوبهم ، وبين أحوالهم في الآخرة ، وهي أن مأواهم ومسكنهم النار . # ثم قال : { وبئس مثوى الظالمين } المثوى : المكان الذي يكون مقر الانسان ~~ومأواه ، من قولهم : ثوى يثوي ثويا ، وجمع المثوى مثاوي . # ! 7 < { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم ~~فى الا مر وعصيتم من بعد مآ أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من ~~يريد الا خرة ثم ms2510 صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على ~~المؤمنين } . > 7 ! # / < < # | آل عمران : ( 152 ) ولقد صدقكم الله . . . . . # > > PageV09P028 اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها من وجوه : الأول : ~~أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة وقد أصابهم ~~ما أصابهم بأحد ، قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله ~~النصرا فأنزل الله تعالى هذه الآية . الثاني : قال بعضهم كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يذبح كبشا فصدق الله رؤياه بقتل طلحة بن ~~عثمان صاحب لواء المشركين يوم أحد ، وقتل بعده تسعة نفر على اللواء فذاك ~~قوله : { ولقد صدقكم الله وعده } يريد تصديق رؤيا الرسول صلى الله عليه ~~وسلم . الثالث : يجوز أن يكون هذا الوعد ما ذكره في قوله تعالى : { بلى إن ~~تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هاذا يمددكم ربكم } ( آل عمران : 125 ) إلا ~~أن هذا كان مشروطا بشرط الصبر والتقوى . والرابع : يجوز أن يكون هذا الوعد ~~هو قوله : { ولينصرن الله من ينصره } إلا أن هذا أيضا مشروط بشرط . والخامس ~~: يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله : { سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب } ( ~~آل عمران : 151 ) والسادس : قيل : الوعد هو ان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال للرماة : ( لا تبرحوا من هذا المكان ، فانا لا نزال غالبين ما دمتم في ~~هذا المكان ) السابع : قال أبو مسلم : لما وعدهم الله في الآية المتقدمة ~~إلقاء الرعب في قلوبهم أكد ذلك بأن ذكرهم ما أنجزهم من الوعد بالنصر في ~~واقعة أحد ، فانه لما وعدهم بالنصرة بشرط أن يتقوا ويصبروا فحين أتوا بذلك ~~الشرط لا جرم ، وفى الله تعالى بالمشروط وأعطاهم النصرة ، فلما تركوا الشرط ~~لا جرم فاتهم المشروط . # إذا عرفت وجه النظم ففي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الصدق يتعدى إلى مفعولين ، ~~تقول : صدقته الوعد والوعيد . # المسألة الثانية : قد ذكرنا في قصة أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ~~أحدا خلف ظهره / واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل ، وأمرهم ms2511 أن ~~يثبتوا هناك ولا يبرحوا ، سواء كانت النصرة للمسلمين أو عليهم ، فلما أقبل ~~المشركون جعل الرماة يرشقون نبلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا ، ~~والمسلمون على آثارهم يحسونهم ، قال الليث : الحس : القتل الذريع ، تحسونهم ~~: أي تقتلونهم قتلا كثيرا ، قال أبو عبيد ، والزجاج ، وابن قتيبة : الحس : ~~الاستئصال بالقتل ، يقال : جراد محسوس . إذا قتله البرد . وسنة حسوس : إذا ~~أتت على كل شيء ، ومعنى ( تحسونهم ) أي تستأصلونهم قتلا ، قال أصحاب ~~الاشتقاق : ( حسه ) إذا قتله لأنه أبطل حسه بالقتل ، كما يقال : بطنه إذا ~~أصاب بطنه ، ورأسه ، إذا أصاب رأسه ، وقوله : { بإذنه } أي بعلمه ، ومعنى ~~الكلام أنه تعالى لما وعدكم النصر بشرط التقوى والصبر على الطاعة فما دمتم ~~وافين بهذا الشرط أنجز وعده ونصركم على أعدائكم ، فلما تركتم الشرط وعصيتم ~~أمر ربكم لا جرم زالت تلك النصرة . # أما قوله تعالى : { حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الامر وعصيتم من * بعدما * ~~أراكم ما تحبون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول ظاهر قوله : { حتى إذا فشلتم } بمنزلة ~~الشرط ، ولا بد له من الجواب فأين جوابه ؟ # واعلم أن للعلماء ههنا طريقين : الأول : أن هذا ليس بشرط ، بل المعنى ، ~~ولقد صدقكم الله وعده PageV09P029 حتى إذا فشلتم ، أي قد نصركم إلى أن كان ~~منكم الفشل والتنازع ، لأنه تعالى كان إنما وعدهم بالنصرة بشرط التقوى ~~والصبر على الطاعة ، فلما فشلوا وعصوا انتهى النصر ، وعلى هذا القول تكون ~~كلمة ( حتى ) غاية بمعنى ( إلى ) فيكون معنى قوله : { حتى إذا } إلى أن ، ~~أو إلى حين . # الطريق الثاني : أن يساعد على أن قوله : { حتى إذا فشلتم } شرط ، وعلى ~~هذا القول اختلفوا في الجواب على وجوه : الأول : وهو قول البصريين أن جوابه ~~محذوف ، والتقدير : حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما ~~أراكم ما تحبون منعكم الله نصره ، وإنما حسن حذف هذا الجواب لدلالة قوله : ~~{ ولقد صدقكم الله وعده } عليه ، ونظائره في القرآن كثيرة ، قال تعالى : { ~~وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى الارض أو } ( ~~الأنعام : 35 ) والتقدير : فافعل ، ثم أسقط ms2512 هذا الجواب لدلالة هذا الكلام ~~عليه ، وقال : { أمن هو قانت ءاناء اليل } ( الزمر : 9 ) والتقدير : أم من ~~هو قانت كمن لا يكون كذلك ؟ # الوجه الثاني : وهو مذهب الكوفيين واختيار الفراء : أن جوابه هو قوله : { ~~وعصيتم } والواو زائدة كما قال : { فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه } ( ~~الصافات : 103 104 ) والمعنى ناديناه ، كذا ههنا ، الفشل والتنازع صار ~~موجبا للعصيان ، فكان التقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم ، ~~فالواو زائدة ، وبعض / من نصر هذا القول زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو ~~في جواب ( حتى إذا ) بدليل قوله تعالى : { حتى إذا * جاءوها وفتحت أبوابها ~~وقال لهم خزنتها } ( الزمر : 71 ) والتقدير حتى إذا جاؤها فتحت لهم أبوابها ~~. # فان قيل : إن فشلتم وتنازعتم معصية ، فلو جعلنا الفشل والتنازع علة ~~للمعصية لزم كون الشيء علة لنفسه وذلك فاسد . # قلنا : المراد من العصيان ههنا خروجهم عن ذلك المكان ، ولا شك أن الفشل ~~والتنازع هو الذي أوجب خروجهم عن ذلك المكان ، فلم يلزم تعليل الشيء بنفسه ~~. # واعلم أن البصريين إنما لم يقبلوا هذا الجواب لأن مذهبهم أنه لا يجوز جعل ~~الواو زائدة . # الوجه الثالث في الجواب : أن يقال تقدير الآية : حتى إذا فشلتم وتنازعتم ~~في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون ، صرتم فريقين ، منكم من يريد ~~الدنيا ، ومنكم من يريد الآخرة . # فالجواب : هو قوله : صرتم فريقين ، إلا أنه أسقط لأن قوله : { منكم من ~~يريد الدنيا ومنكم من يريد الاخرة } يفيد فائدته ويؤدي معناه ، لأن كلمة ( ~~من ) للتبعيض فهي تفيد هذا الانقسام ، وهذا احتمال خطر ببالي . # الوجه الرابع : قال أبو مسلم : جواب قوله : { حتى إذا فشلتم } هو قوله : ~~{ صرفكم عنهم } والتقدير حتى إذا فشلتم وكذا وكذا صرفكم عنهم ليبتليكم ~~وكلمة ( ثم ) ههنا كالساقطة وهذا الوجه في غاية العبد . والله أعلم . # المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر أمورا ثلاثة : أولها : الفشل وهو الضعف ~~، وقيل الفشل هو الجبن ، وهذا باطل بدليل قوله تعالى : { ولا تنازعوا ~~فتفشلوا } ( الأنفال : 46 ) أي فتضعفوا ، لأنه لا يليق به أن يكون المعنى ~~فتجنبوا . ثانيها : التنازع في ms2513 الأمر وفيه بحثان . # البحث الأول : المراد من التنازع انه عليه الصلاة والسلام أمر الرماة بأن ~~لا يبرحوا عن مكانهم ألبتة ، PageV09P030 وجعل أميرهم عبدالله بن جبير ؛ ~~فلما ظهر المشركون أقبل الرماة عليهم بالرمي الكثير حتى انهزم المشركون / ~~ثم ان الرماة رأوا نساء المشركين صعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت ~~خلاخيلهن ، فقالوا الغنيمة الغنيمة ، فقال عبدالله : عهد الرسول الينا أن ~~لا نبرح عن هذا المكان فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة ، وبقي عبدالله ~~مع طائفة قليلة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون فهذا هو التنازع . # البحث الثاني : قوله : { فى الامر } فيه وجهان : الأول : أن الأمر ههنا ~~بمعنى الشأن والقصة ، أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن . والثاني : أنه ~~الأمر الذي يضاده النهي . والمعنى : وتنازعتم فيما أمركم / الرسول به من ~~ملازمة ذلك المكان . وثالثها : وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ، والمراد ~~عصيتم بترك ملازمة ذلك المكان . بقي في هذه الآية سؤالات : الأول : لم قدم ~~ذكر الفشل على ذكر التنازع والمعصية ؟ # والجواب : ان القوم لما رأوا هزيمة الكفار وطمعوا في الغنيمة فشلوا في ~~أنفسهم عن الثبات طمعا في الغنيمة ، ثم تنازعوا بطريق القول في أنا : هل ~~نذهب لطلب الغنيمة أم لا ؟ ثم اشتغلوا بطلب الغنيمة . # السؤال الثاني : لما كانت المعصية بمفارقة تلك المواضع خاصة بالبعض فلم ~~جاء هذا العتاب باللفظ العام ؟ # والجواب : هذا اللفظ وان كان عاما الا أنه جاء المخصص بعده ، وهو قوله : ~~{ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الاخرة } . # السؤال الثالث : ما الفائدة في قوله : { من بعد ما أراكم ما تحبون } . # والجواب عنه : أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية ، لأنهم لما ~~شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بانجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن ~~المعصية ، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الاكرام وأذاقهم وبال ~~أمرهم . # ثم قال تعالى : { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } وقد اختلف قول أصحابنا وقول ~~المعتزلة في تفسير هذه الآية ، وذلك لأن صرفهم عن الكفار معصية ، فكيف ~~أضافه إلى نفسه ؟ أما أصحابنا فهذا الاشكال ms2514 غير وارد عليهم ، لأن مذهبهم أن ~~الخير والشر بارادة الله وتخليقه ، فعلى هذا قالوا معنى هذا الصرف أن الله ~~تعالى رد المسلمين عن الكفار ، وألقى الهزيمة عليهم وسلط الكفار عليهم ، ~~وهذا قول جمهور المفسرين . قالت المعتزلة : هذا التأويل غير جائز ويدل عليه ~~القرآن والعقل ، أما القرآن فهو قوله تعالى : { إن الذين تولوا منكم يوم ~~التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا } ( آل عمران : 155 ) ~~فأضاف ما كان منهم إلى فعل الشيطان ، فكيف يضيفه بعد هذا إلى نفسه ؟ وأما ~~المعقول فهو أنه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف ، ولو كان ذلك بفعل الله لم ~~يجز معاتبة القوم عليه ، كما لا يجوز معاتبتهم على طولهم وقصرهم وصحتهم ~~ومرضهم ، ثم عند هذا ذكروا وجوها من التأويل : الأول : قال الجبائي : ان ~~الرماة كانوا فريقين ، بعضهم فارقوا المكان أولا لطلب الغنائم ، وبعضهم ~~بقوا هناك ، ثم هؤلاء الذين بقوا أحاط بهم العدو ، فلو استمروا على المكث ~~هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلا ، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ~~ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو ، ألا ترى أن النبي / صلى الله ~~عليه وسلم ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه وتحصنوا به PageV09P031 ولم ~~يكونوا عصاة بذلك ، فلما كان ذلك الانصراف جائزا أضافه إلى نفسه بمعنى أنه ~~كان بامره وإذنه ، ثم قال : { ليبتليكم } والمراد أنه تعالى لما صرفهم إلى ~~ذلك المكان وتحصنوا به أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين ، ولا شك ~~أن الاقدام على الجهاد بعد الانهزام ، وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل ~~أقربائهم وأحبائهم هو من أعظم أنواع الابتلاء . # فان قيل : فعلى هذا التأويل هؤلاء الذين صرفهم الله عن الكفار ما كانوا ~~مذنبين / فلم قال : { ولقد عفا عنكم } . # قلنا : الآية مشتملة على ذكر من كان معذورا في الانصراف ومن لم يكن ، وهم ~~الذين بدؤا بالهزيمة فمضوا وعصوا فقوله : { ثم صرفكم عنهم } راجع إلى ~~المعذورين ، لأن الآية لما اشتملت على قسمين وعلى حكمين رجع كل حكم إلى ~~القسم الذي يليق به ، ونظيره ms2515 قوله تعالى : { ثاني اثنين إذ هما فى الغار إذ ~~يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه } ( التوبة : 40 ~~) والمراد الذي قال له : { لا تحزن } وهو أبو بكر ، لأنه كان خائفا قبل هذا ~~القول ، فلما سمع هذا سكن ، ثم قال : { وأيده بجنود لم تروها } ( التوبة : ~~40 ) وعنى بذلك الرسول دون أبي بكر ، لأنه كان قد جرى ذكرهما جميعا ، فهذا ~~جملة ما ذكره الجبائي في هذا المقام . # والوجه الثاني : ما ذكره أبو مسلم الاصفهاني ، وهو ان المراد من قوله : { ~~ثم صرفكم عنهم } أنه تعالى أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من ~~المسلمين عقوبة منه على عصيانهم وفشلهم ، ثم قال : { ليبتليكم } أي ليجعل ~~ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا إلى الله وترجعوا اليه وتستغفروه فيما خالفتم ~~فيه أمره وملتم فيه إلى الغنيمة ، ثم أعلمهم أنه تعالى قد عفا عنهم . # والوجه الثالث : قال الكعبي : { ثم صرفكم عنهم } بأن لم يأمركم بمعاودتهم ~~من فورهم { ليبتليكم } بكثرة الانعام عليكم والتخفيف عنكم ، فهذا ما قيل في ~~هذا الموضع والله أعلم . # ثم قال : { ولقد عفا عنكم } فظاهره يقتضي تقدم ذنب منهم . قال القاضي : ~~إن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بأنه عفا عنهم من غير توبة ، ~~وإن كان من باب الكبائر ، فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن ~~صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو والمغفرة . # واعلم أن الذنب لا شك أنه كان كبيرة ، لأنهم خالفوا صريح نص الرسول ، ~~وصارت تلك المخالفة سببا لانهزام المسلمين ، وقتل جمع عظيم من أكابرهم ، ~~ومعلوم أن كل ذلك من باب الكبائر وأيضا : ظاهر قوله تعالى : { ومن يولهم ~~يومئذ دبره } ( الأنفال : 16 ) يدل على كونه كبيرة ، وقول من قال : إنه خاص ~~/ في بدر ضعيف ، لأن اللفظ عام ، ولا تفاوت في المقصود ، فكان التخصيص ~~ممتنعا ، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أنه تعالى عفا عنهم من غير توبة ، ~~لأن التوبة غير مذكورة ، فصار هذا دليلا على أنه تعالى قد يعفو ms2516 عن أصحاب ~~الكبائر ، وأما دليل المعتزلة في المنع عن ذلك ، فقد تقدم الجواب عنه في ~~سورة البقرة . # ثم قال : { والله ذو فضل على المؤمنين } وهو راجع إلى ما تقدم من ذكر ~~نعمه سبحانه وتعالى بالنصر أولا ، ثم بالعفو عن المذنبين ثانيا . وهذه ~~الآية دالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن ، لأنا بينا أن هذا الذنب كان ~~PageV09P032 من الكبائر ، ثم انه تعالى سماهم المؤمنين ، فهذا يقتضي أن ~~صاحب الكبيرة مؤمن بخلاف ما تقوله المعتزلة ، والله أعلم . # ! 7 < { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم فىأخراكم فأثابكم ~~غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا مآ أصابكم والله خبير بما تعملون } ~~. > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 153 ) إذ تصعدون ولا . . . . . # > > فيه قولان : # أحدهما : أنه متعلق بما قبله ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : أحدها : ~~كأنه قال وعفا عنكم اذ تصعدون ، لأن عفوه عنهم لا بد وان يتعلق بأمر ~~اقترفوه ، وذلك الأمر هو ما بينه بقوله : { إذ تصعدون } والمراد به ما صدر ~~عنهم من مفارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين لا يلوون على أحد ~~وثانيها : التقدير : ثم صرفكم عنهم إذ تصعدون . وثالثها : التقدير : ~~ليبتليكم اذ تصعدون . # والقول الثاني : أنه ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله ، والتقدير : اذكر ~~اذ تصعدون وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ الحسن { إذ تصعدون * فى * ~~الجبل } ، وقرأ أبي { إذ تصعدون * فى * الوادى } وقرأ أبو حيوة { إذ تصعدون ~~} بفتح التاء وتشديد العين ، من تصعد في السلم . # المسألة الثانية : الاصعاد : الذهاب في الأرض والابعاد فيه ، يقال صعد في ~~الجبل ، وأصعد في / الأرض ، ويقال أصعدنا من مكة إلى المدينة ، قال أبو ~~معاذ النحوي : كل شيء له أسفل وأعلى مثل الوادي والنهر والإزقة ، فانك تقول ~~: صعد فلان يصعد في الوادي إذا أخذ من أسفله إلى أعلاه ، وأما ما ارتفع ~~كالسلم فانه يقال صعدت . # المسألة الثالثة : ولا تلوون على أحد : أي لا تلتفتون إلى أحد من شدة ~~الهرب ، وأصله أن المعرج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته ، فاذا ~~مضى ولم ms2517 يعرج قيل لم يلوه ، ثم استعمل اللي في ترك التعريج على الشيء وترك ~~الالتفات إلى الشيء ، يقال : فلان لا يلوي على شيء ، أي لا يعطف عليه ولا ~~يبالي به . # ثم قال تعالى : { والرسول يدعوكم } كان يقول : ( إلى عباد الله أنا رسول ~~الله من كر فله الجنة ) فيحتمل أن يكون المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~PageV09P033 يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ، ولا يتفرقوا ، ويحتمل أن ~~يكون المراد أنه كان يدعوهم إلى المحاربة مع العدو . # ثم قال : { فى أخراكم } أي آخركم ، يقال : جئت في آخر الناس وأخراهم ، ~~كما يقال : في أولهم وأولاهم ، ويقال : جاء فلان في أخريات الناس ، أي ~~آخرهم ، والمعنى أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم وهو واقف في آخرهم ، ~~لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه . # ثم قال : { فأثابكم غما بغم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب الا في الخير ، ويجوز ~~أيضا استعماله في الشر ، لأنه مأخوذ من قولهم : ثاب اليه عقله ، أي رجع ~~اليه ، قال تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس } ( البقرة : 125 ) ~~والمرأة تسمى ثيبا لأن الواطىء عائد اليها ، وأصل الثواب كل ما يعود إلى ~~الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيرا أو شرا ، الا أنه بحسب العرف اختص لفظ ~~الثواب بالخير ، فان حملنا لفظ الثواب ههنا على أصل اللغة استقام الكلام ، ~~وان حملناه على مقتضى العرف كان ذلك واردا على سبيل التهكم ، كما يقال : ~~تحيتك الضرب ، وعتابك السيف ، أي جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب قال ~~تعالى : { فبشرهم بعذاب أليم } ( التوبة : 34 ، الإنشقاق : 24 ) . # المسألة الثانية : الباء في قوله : { غما بغم } يحتمل أن تكون بمعنى ~~المعارضة ، كما يقال : هذا بهذا أي هذا عوض عن ذاك ، ويحتمل أن تكون بمعنى ~~( مع ) والتقدير : أثابهم غما مع غم ، أما على التقدير الأول ففيه وجوه : ~~الأول : وهو قول الزجاج أنكم لما أذقتم الرسول غما بسبب أن عصيتم أمره ، ~~فالله تعالى أذاقكم هذا الغم ، وهو الغم الذي حصل لهم بسبب الانهزام وقتل ~~الأحباب ، والمعنى جازاكم من ذلك ms2518 الغم بهذا الغم . الثاني : قال الحسن : ~~يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم / بدر للمشركين ، والمقصود منه أن لا ~~يبقى في قلبكم التفات إلى الدنيا ، فلا تفرحوا باقبالها ولا تحزنوا ~~بادبارها ، وهو المعنى بقوله : { لكيلا تأسوا على ما فاتكم } في واقعة أحد ~~{ ولا تفرحوا بما ءاتاكم } ( الحديد : 23 ) في واقعة بدر ، طعن القاضي في ~~هذا الوجه وقال : إن غمهم يوم أحد انما كان من جهة استيلاء الكفار ، وذلك ~~كفر ومعصية ، فكيف يضيفه الله إلى نفسه ؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد ~~أن يعلم الله تعالى أن في تسليط الكفار على المسلمين نوع مصلحة ، وهو أن لا ~~يفرحوا باقبال الدنيا ولا يحزنوا بادبارها ، فلا يبقى في قلوبهم اشتغال ~~بغير الله . الثالث : يجوز أن يكون الضمير في قوله { فأثابكم } يعود للرسول ~~، والمعنى أن الصحابة لما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم شج وجهه وكسرت ~~رباعيته وقتل عمه ، اغتموا لأجله ، والرسول عليه السلام لما رأى أنهم عصوا ~~ربهم لطلب الغنيمة ثم بقوا محرومين من الغنيمة ، وقتل أقاربهم اغتم لأجلهم ~~، فكان المراد من قوله { فأثابكم غما بغم } هو هذا ، أما على التقدير ~~الثاني وهو أن تكون الباء في قوله : { غما بغم } بمعنى ( مع ) أي غما مع غم ~~، أو غما على غم ، فهذا جائز لأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض ، تقول : ~~ما زلت به حتى فعل ، وما زلت معه حتى فعل ، وتقول : نزلت ببني فلان ، وعلى ~~بني فلان . # واعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة : فأحدها : غمهم بما نالهم من العدو في ~~الأنفس والأموال . وثانيها : غمهم بما لحق سائر المؤمنين من ذلك ، وثالثها ~~: غمهم بما وصل إلى الرسول من الشجة وكسر الرباعية ، ورابعها : ما أرجف به ~~من قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخامسها : بما وقع منهم من المعصية وما ~~يخافون من عقابها ، وسادسها : غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم ، ~~وذلك لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة ~~والعود إلى المحاربة بعد الانهزام ، وذلك من أشق الأشياء ms2519 ، لأن الانسان بعد ~~صيرورته منهزما يصير ضعيف القلب جبانا ، فاذا أمر بالمعاودة ، فان فعل خاف ~~القتل ، وإن لم يفعل خاف PageV09P034 الكفر أو عقاب الآخرة ، وهذا الغم لا ~~شك أنه أعظم الغموم والأحزان ، وإذا عرفت هذه الجملة فكل واحد من المفسرين ~~فسر هذه الآية بواحد من هذه الوجوه ونحن نعدها : # الوجه الأول : أن الغم الأول ما أصابهم عند الفشل والتنازع ، والغم ~~الثاني ما حصل عند الهزيمة . # الوجه الثاني : ان الغم الأول ما حصل بسب فوت الغنائم ، والغم الثاني ما ~~حصل بسبب أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم ~~وقتلوا منهم جمعا عظيما . # الوجه الثالث : أن الغم الأول ما كان عند توجه أبي سفيان وخالد بن الوليد ~~عليهم بالقتل والغم الثاني هو أن المشركين لما رجعوا خاف الباقون من ~~المسلمين من أنهم لو رجعوا لقتلوا / الكل فصار هذا الغم بحيث أذهلهم عن ~~الغم الأول . # والوجه الرابع : أن الغم الأول ما وصل اليهم بسبب أنفسهم وأموالهم ، ~~والغم الثاني ما وصل اليهم بسبب الارجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وفي الآية قول ثالث اختاره القفال رحمه الله تعالى قال : وعندنا أن الله ~~تعالى ما أراد بقوله : { غما بغم } اثنين ، وإنما أراد مواصلة الغموم ~~وطولها ، أي ان الله عاقبكم بغموم كثيرة ، مثل قتل اخوانكم وأقاربكم ، ~~ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم / ومثل ~~إقدامكم على المعصية ، فكأنه تعالى قال : أثابكم هذه الغموم المتعاقبة ~~ليصير ذلك زاجرا لكم عن الاقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله ~~تعالى . # المسألة الثالثة : معنى أن الله أثابهم غم بغم : أنه خلق الغم فيهم ، ~~وأما المعتزلة فهذا لا يليق بأصولهم ، فذكروا في علة هذه الاضافة وجوها : ~~الأول : قال الكعبي : ان المنافقين لما أرجفوا أن محمدا عليه الصلاة ~~والسلام قد قتل ولم يبين الله تعالى كذب ذلك القائل ، صار كأنه تعالى هو ~~الذي فعل ذلك الغم ، وهذا كالرجل الذي يبلغه الخبر الذي يغمه ويكون معه من ~~يعلم أن ذلك الخبر كذب ms2520 ، فاذا لم يكشفه له سريعا وتركه يتفكر فيه ثم أعلمه ~~فانه يقول له : لقد غممتني وأطلت حزني وهو لم يفعل شيئا من ذلك ، بل سكت ~~وكف عن اعلامه ، فكذا ههنا . الثاني : أن الغم وان كان من فعل البعد فسببه ~~فعل الله تعالى ، لأن الله طبع العباد طبعا يغتمون بالمصائب التي تنالهم ~~وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون . الثالث : أنه لا يبعد أن يخلق الله ~~تعالى الغم في قلب بعض المكلفين لرعاية بعض المصالح . # ثم قال تعالى : { لكيلا تحزنوا } وفيه وجهان : الاول : انها متصلة بقوله ~~: { ولقد عفا عنكم } ( آل عمران : 152 ) كأنه قال : ولقد عفا عنكم لكيلا ~~تحزنوا ، لان في عفوه تعالى ما يزيل كل غم وحزن ، والثاني : أن اللام متصلة ~~بقوله : { فأثابكم } ثم على هذا القول ذكروا وجوها : الأول : قال الزجاج : ~~المعنى أثابكم غم الهزيمة من غمكم النبي صلى الله عليه وسلم بسبب مخالفته ، ~~ليكون غمكم بأن خالفتموه فقط ، لا بأن فاتتكم الغنيمة وأصابتكم الهزيمة ، ~~وذلك لان الغم الحاصل بسبب الاقدام على المعصية ينسي الغم الحاصل بسبب ~~مصائب الدنيا . الثاني : قال الحسن : جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما ~~جعلتموهم مغمومين يوم بدر ، لاجل أن يسهل أمر الدنيا في أعينكم فلا تحزنوا ~~بفواتها ولا تفرحوا باقبالها ، وهذان الوجهان مفرعان على قولنا الباء في ~~قوله : { غما بغم } للمجازاة ، أما اذا قلنا انها بمعنى ( مع ) فالمعنى ~~أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا أمر PageV09P035 الرسول لوقعنا ~~في غم فوات الغنيمة ، فاعلموا أنكم / لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة ~~وقعتم في هذه الغموم العظيمة التي كل واحد منها أعظم من ذلك الغم أضعافا ~~مضاعفة ، والعاقل اذا تعارض عنده الضرران ، وجب أن يخص أعظمهما بالدفع ، ~~فصارت إثابة الغم على الغم مانعا لكم من أن تحزنوا بسبب فوات الغنيمة ، ~~وزاجرا لكم عن ذلك ، ثم كما زجرهم عن تلك المعصية بهذا الزجر الحاصل في ~~الدنيا ، زجرهم عنها بسبب الزواجر الموجودة في الغنيمة فقال : { والله خبير ~~بما تعملون } أي هو عالم بجميع أعمالكم وقصودكم ودواعيكم ms2521 ، قادر على ~~مجازاتها ، ان خيرا فخير وان شرا فشر ، وذلك من أعظم الزواجر للعبد عن ~~الاقدام على المعصية والله أعلم . # ! 7 < { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد ~~أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الا مر ~~من شىء قل إن الا مر كله لله يخفون فىأنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان ~~لنا من الا مر شىء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلى الله ما فى صدوركم وليمحص ما فى قلوبكم ~~والله عليم بذات الصدور } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 154 ) ثم أنزل عليكم . . . . . # > > في كيفية النظم وجهان : الأول : أنه تعالى لما وعد نصر المؤمنين على ~~الكافرين ، وهذا النصر لا بد وأن يكون مسبوقا بازالة الخوف عن المؤمنين ، ~~بين في هذه الآية أنه تعالى أزال الخوف عنهم / ليصير ذلك كالدلالة على أنه ~~تعالى ينجز وعده في نصر المؤمنين . الثاني : أنه تعالى بين أنه نصر ~~المؤمنين أولا ، فلما عصى بعضهم سلط الخوف عليهم ، ثم ذكر أنه أزال ذلك ~~الخوف عن قلب من كان صادقا في إيمانه مستقرا على دينه بحيث غلب النعاس عليه ~~. # واعلم أن الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فريقان : ~~أحدهما : الذين كانوا جازمين بأن محمدا عليه الصلاة والسلام نبي حق من عند ~~الله وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، وكانوا قد سمعوا من النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان ~~، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال ، فلا جرم كانوا ~~آمنين ، وبلغ ذلك الامن إلى حيث غشيهم النعاس ، فان النوم لا يجيء مع الخوف ~~، فمجيء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية ، فقال ههنا في قصة أحد في هؤلاء ~~{ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا } وقال في قصة بدر { إذ يغشيكم ~~النعاس أمنة منه } ( الأنفال : 11 ) ففي قصة ms2522 أحد قدم الأمنة على النعاس ، ~~وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة ، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون ~~الذين كانوا PageV09P036 شاكين في نبوته عليه الصلاة والسلام ، وما حضروا ~~إلا لطلب الغنيمة ، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم ، ثم انه تعالى وصف حال ~~كل واحدة من هاتين الطائفتين ، فقال في صفة المؤمنين : { ثم أنزل عليكم من ~~بعد الغم أمنة نعاسا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : ( الأمنة ) مصدر كالامن ، ومثله من ~~المصادر : العظمة والغلبة ، وقال الجبائي : يقال : أمن فلان يأمن أمنا ~~وأمانا . # المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : قرىء ( أمنة ) بسكون الميم ، لأنها ~~المرة من الأمن . # المسألة الثالثة : في قوله تعالى : { نعاسا } وجهان : أحدهما : أن يكون ~~بدلا من أمنة ، والثاني : إن يكون مفعولا ، وعلى هذا التقدير ففي قوله : { ~~ءامنة } وجوه : أحدها : أن تكون حالا منه مقدمة عليه ، كقولك : رأيت راكبا ~~رجلا ، وثانيها : أن يكون مفعولا له بمعنى نعستم أمنة ، وثالثها : أن يكون ~~حالا من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة . # ثم قال تعالى : { يغشى طائفة منكم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قد ذكرنا أن هذه الطائفة هم المؤمنون الذين كانوا على ~~البصيرة في إيمانهم قال أبو طلحة ، غشينا النعاس ونحن في مصافنا ، فكان ~~السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه . ثم يسقط فيأخذه ، وعن الزبير قال : كنت مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف / فأرسل الله علينا النوم ، وإني ~~لأسمع قول معتب بن قشير : والنعاس يغشاني يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ~~ما قتلنا / ههنا . وقال عبد الرحمن بن عوف : ألقى النوم علينا يوم أحد ، ~~وعن ابن مسعود : النعاس في القتال أمنة ، والنعاس في الصلاة من الشيطان ، ~~وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا ، ~~ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله . # واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد : أحدها : أنه وقع على كافة المؤمنين لا ~~على الحد المعتاد ، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا ~~شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ms2523 ازدادوا إيمانا مع إيمانهم ~~، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو ووثوقهم بأن الله منجز وعده ~~، وثانيها : أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال ، والنوم يفيد عود القوة ~~والنشاط واشتداد القوة والقدرة ، وثالثها : أن الكفار لما اشتغلوا بقتل ~~المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم ، ~~فيشتد الخوف والجبن في قلوبهم ، ورابعها : أن الأعداء كانوا في غاية الحرص ~~على قتلهم ، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل ~~الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم ، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ~~ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى ، ومن الناس من قال : ذكر النعاس في ~~هذا الموضع كناية عن غاية الامن ، وهذا ضعيف لأن صرف اللفظ عن الحقيقة إلى ~~المجاز لا يجوز إلا عند قيام الدليل المعارض ، فكيف يجوز ترك حقيقة اللفظ ~~مع اشتمالها على هذه الفوائد والحكم . # المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي { * تغشى } بالتاء ردا إلى الأمنة ، ~~والباقون بالياء ردا ، إلى النعاس ، وهو اختيار أبي حاتم وخلف وأبي عبيد . # واعلم أن الأمنة والنعاس كل واحد منهما يدل على الآخر ، فلا جرم يحسن رد ~~الكناية إلى أيهما PageV09P037 شئت ، كقوله تعالى : { الرحيم إن شجرة ~~الزقوم * طعام الاثيم * كالمهل يغلى فى البطون } ( الدخان : 43 45 ) وتغلي ~~، إذا عرفت جوازهما فنقول : مما يقوي القراءة بالتاء أن الأصل الأمنة ، ~~والنعاس بدل ، ورد الكناية إلى الأصل أحسن ، وأيضا الأمنة هي المقصود ، ~~وإذا حصلت الأمنة حصل النعاس لأنها سببه ، فان الخائف لا يكاد ينعس ، وأما ~~من قرأ بالياء فحجته أن النعاس هو الغاشي ، فان العرب يقولون غشينا النعاس ~~، وقلما يقولون غشيني من النعاس أمنة ، وأيضا فان النعاس مذكور بالغشيان في ~~قوله : { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } ( الأنفال : 11 ) وأيضا : النعاس يلي ~~الفعل ، وهو أقرب في اللفظ إلى ذكر الغشيان من الأمنة فالتذكير أولى . # ثم قال تعالى : { وطائفة قد أهمتهم أنفسهم } وفيه مسألتان . # المسألة الأولى : هؤلاء هم المنافقون عبدالله بن أبي ومعتب بن قشير ~~وأصحابهما ، كان همهم / خلاص أنفسهم ، يقال ms2524 : همني الشيء أي كان من همي ~~وقصدي ، قال أبو مسلم : من عادة العرب أن يقولوا لمن خاف ، قد أهمته نفسه ، ~~فهؤلاء المنافقون لشدة خوفهم من القتل طار النوم عنهم ، وقيل المؤمنون ، ~~كان همهم النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانهم من المؤمنين ، والمنافقون كان ~~همهم أنفسهم وتحقيق القول فيه : أن الانسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء ~~واستغراقه فيه ، صار غافلا عما سواه ، فلما كان أحب الأشياء إلى الانسان ~~نفسه ، فعند الخوف على النفس يصير ذاهلا عن كل ما سواها ، فهذا هو المراد ~~من قوله : { أهمتهم أنفسهم } وذلك لأن أسباب الخوف وهي قصد الأعداء كانت ~~حاصلة والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد الله ووعد رسوله ما كان معتبرا عندهم ، ~~لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم ، فلا جرم عظم الخوف في قلوبهم . # المسألة الثانية : ( طائفة ) رفع بالابتداء وخبره ( يظنون ) وقيل خبره ( ~~أهمتهم أنفسهم ) ثم انه تعالى وصف هذه الطائفة بأنواع من الصفات . # الصفة الأولى : من صفاتهم قوله تعالى : { يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذا الظن احتمالان : أحدهما : وهو الأظهر : هو أن ~~ذلك الظن أنهم كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقا في دعواه لما سلط ~~الكفار عليه وهذا ظن فاسد ، أما على قول أهل السنة والجماعة ، فلأنه سبحانه ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه ، فان النبوة خلعة من الله ~~سبحانه يشرف عبده بها ، وليس يجب في العقل أن المولى إذا شرف عبده بخلعة أن ~~يشرفه بخلعة أخرى ، بل له الأمر والنهي كيف شاء بحكم الالهية ، وأما على ~~قول من يعتبر المصالح في أفعال الله وأحكامه ، فلا يبعد أن يكون لله تعالى ~~في التخلية بين الكافر والمسلم ، بحيث يقهر الكافر المسلم ، حكم خفية ~~وألطاف مرعية ، فان الدنيا دار الامتحان والابتلاء ، ووجوه المصالح مستورة ~~عن العقول ، فربما كانت المصلحة في التخلية بين الكافر والمؤمن حتى يقهر ~~الكافر المؤمن ، وربما كانت المصلحة في تسليط الفقر والزمانة على المؤمنين ~~. قال القفال : لو كان كون المؤمن محقا يوجب زوال ms2525 هذه المعاني لوجب أن يضطر ~~الناس إلى معرفة المحق بالجبر ، وذلك ينافي التكليف واستحقاق الثواب ~~والعقاب ، بل الانسان إنما يعرف كونه محقا بما معه من الدلائل والبينات ، ~~فأما القهر فقد يكون من المبطل للمحق ، ومن المحق للمبطل ، وهذه جملة كافية ~~في بيان أنه لا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة على أن صاحبها ~~على الحق . الثاني : أن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون إله العالم بكل ~~المعلومات القادر على كل المقدورات ، وينكرون النبوة PageV09P038 والبعث ، ~~فلا جرم ما وثقوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله يقويهم وينصرهم ~~. # / المسألة الثانية : { غير } في حكم المصدر ، ومعناه : يظنون بالله غير ~~الظن الحق الذي يجب أن يظن به ( وظن الجاهلية ) بدل منه ، والفائدة في هذا ~~الترتيب أن غير الحق : أديان كثيرة ، وأقبحها مقالات أهل الجاهلية ، فذكر ~~أولا أنهم يظنون بالله غير الظن الحق ، ثم بين أنهم اختاروا من أقسام ~~الأديان التي غير حقة أركها وأكثرها بطلانا ، وهو ظن أهل الجاهلية ، كما ~~يقال : فلان دينه ليس بحق ، دينه دين الملاحدة . # المسألة الثالثة : في قوله : { الحق ظن الجاهلية } قولان : أحدهما : أنه ~~كقولك : حاتم الجود ، وعمر العدل ، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية ، ~~والثاني : المراد ظن أهل الجاهلية . # الصفة الثانية : من الصفات التي ذكرها الله تعالى لهؤلاء المنافقين قوله ~~تعالى : { يقولون هل لنا من الامر من شىء قل إن الامر كله لله } . # واعلم أن قوله ) { هل لنا من الامر من شىء } حكاية للشبهة التي تمسك أهل ~~النفاق بها ، وهو يحتمل وجوها : الأول : أن عبدالله بن أبي لما شاوره النبي ~~صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة ، ثم ~~ان الصحابة ألحوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج اليهم ، فغضب ~~عبدالله بن أبي من ذلك ، فقال عصاني وأطاع الولدان ، ثم لما كثر القتل في ~~بني الخزرج ورجع عبدالله بن أبي قيل له : قتل بنو الخزرج ، فقال : هل لنا ~~من الأمر من شيء ، يعني أن محمدا لم يقبل قولي ms2526 حين أمرته بأن يسكن في ~~المدينة ولا يخرج منها ، ونظيره ما حكاه الله عنهم أنهم قالوا : { لو ~~أطاعونا ما قتلوا } ( آل عمران : 168 ) والمعنى : هل لنا من أمر يطاع وهو ~~استفهام على سبيل الانكار . # الوجه الثاني في التأويل : أن من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لعدوه ~~قالوا : عليه الأمر ، فقوله : { هل لنا من الامر من شىء } أي هل لنا من ~~الشيء الذي كان يعدنا به محمد ، وهو النصرة والقوة شيء وهذا استفهام على ~~سبيل الانكار ، وكان غرضهم منه الاستدلال بذلك على أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم كان كاذبا في ادعاء النصرة والعصمة من الله تعالى لأمته ، وهذا ~~استفهام على سبيل الانكار . الثالث : أن يكون التقدير : أنطمع أن تكون لنا ~~الغلبة على هؤلاء ، والغرض منه تصبير المسلمين في التشديد في الجهاد والحرب ~~مع الكفار ، ثم ان الله سبحانه أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { قل إن الامر ~~كله لله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ( كله ) برفع اللام ، والباقون بالنصب ، ~~أما وجه الرفع فهو أن قوله : ( كله ) مبتدأ وقوله : ( لله ) خبره ، ثم صارت ~~هذه الجملة خبرا لان ، وأما النصب فلان لفظة ( كل ) للتأكيد ، فكانت كلفظة ~~أجمع ، ولو قيل : ان الأمر أجمع ، لم يكن إلا النصب ، فكذا إذا قال ( كله ) ~~. # / المسألة الثانية : الوجه في تقرير هذا الجواب ما بينا : انا إذا قلنا ~~بمذهب أهل السنة لم يكن على الله اعتراض في شيء من أفعاله في الاماتة ~~والاحياء ، والفقر والاغناء والسراء والضراء ، وإن قلنا بمذهب القائلين ~~برعاية المصالح ، فوجوه المصالح مخفية لا يعلمها إلا الله تعالى ، فربما ~~كانت المصلحة في إيصال السرور واللذة ، وربما كانت في تسليط الأحزان ~~والآلام ، فقد اندفعت شبهة المنافقين من هذا الوجه . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع المحدثات بقضاء ~~الله وقدره ، وذلك لأن PageV09P039 المنافقين قالوا : ان محمدا لو قبل منا ~~رأينا ونصحنا ، لما وقع في هذه المحنة ، فأجاب الله عنه بأن الأمر كله لله ~~، وهذا الجواب : إنما ينتظم لو كانت أفعال العباد بقضاء ms2527 الله وقدره ومشيئته ~~إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب دافعا لشبهة المنافقين ، ~~فثبت أن هذه الآية دالة على ما ذكرنا . وأيضا فظاهر هذه الآية مطابق ~~للبرهان العقلي ، وذلك لأن الموجود ، إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ، ~~والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه الا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته ~~، فثبت أن كل ما سوى الله تعالى مستند إلى إيجاده وتكوينه ، وهذه القاعدة ~~لا اختصاص لها بمحدث دون محدث ، أو ممكن دون ممكن ، فتدخل فيه أفعال العباد ~~وحركاتهم وسكناتهم ، وذلك هو المراد بقوله : { قل إن الامر كله لله } وهذا ~~كلام في غاية الظهور لمن وفقه الله للانصاف . # ثم انه تعالى قال : { يخفون فى أنفسهم ما لا يبدون لك } . # واعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : هل لنا من الأمر من شيء ، وهذا ~~الكلام محتمل ، فلعل قائله كان من المؤمنين المحقين ، وكان غرضه منه إظهار ~~الشفقة ، وانه متى يكون الفرج ؟ ومن أين تحصل النصرة ؟ ولعله كان من ~~المنافقين ، وإنما قاله طعنا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي الاسلام ~~فبين تعالى في هذه الآية أن غرض هؤلاء من هذا الكلام هذا القسم الثاني ، ~~والفائدة في هذا التنبيه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم متحرزا عن مكرهم ~~وكيدهم . # النوع الثالث : من الأشياء التي حكى الله عن المنافقين ، قولهم : لو كان ~~لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا . وفيه إشكال ، وهو أن لقائل أن يقول : ما ~~الفرق بين هذا الكلام وبين ما تقدم من قوله : { هل لنا من الامر من شىء } ~~ويمكن أن يجاب عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى لما حكى عنهم قولهم : { هل ~~لنا من الامر من شىء } فأجاب عنه بقوله : { الامر كله لله } واحتج ~~المنافقون على الطعن في هذا الجواب بقولهم : لو كان لنا من الأمر شيء لما ~~خرجنا من المدينة وما قتلنا ههنا ، فهذا يدل على أنه ليس الأمر كما قلتم من ~~أن الأمر كله لله ، وهذا هو بعينه المناظرة الدائرة بين أهل السنة ms2528 وأهل ~~الاعتزال / فان السني يقول : الأمر كله في الطاعة والمعصية والايمان والكفر ~~بيد الله ، فيقول المعتزلي : ليس الأمر كذلك ، فان الانسان مختار مستقل ~~بالفعل ، ان شاء آمن ، وإن شاء كفر ، فعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام ~~شبهة مستقلة بنفسها ، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله الله تعالى جوابا ~~عن الشبهة الأولى . # والوجه الثاني : أن يكون المراد من قوله : { هل لنا من الامر من شىء } هو ~~أنه هل لنا من النصرة التي وعدنا بها محمد شيء ، ويكون المراد من قوله : { ~~لو كان لنا من الامر شىء ما قتلنا * هاهنا } هو ما كان يقوله عبدالله بن ~~أبي من أن محمدا لو أطاعني وما خرج من المدينة ما قتلنا ههنا . # واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه : # الوجه الأول من الجواب : قوله : { قل لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم } والمعنى أن الحذر لا يدفع القدر ، والتدبير لا ~~يقاوم التقدير ، فالذين قدر الله عليهم القتل لا بد وأن يقتلوا على جميع ~~التقديرات ، لأن الله تعالى لما أخبر أنه يقتل ، فلو لم يقتل لانقلب علمه ~~جهلا ؛ وقد بينا أيضا أنه ممكن PageV09P040 فلا بد من انتهائه إلى إيجاد ~~الله تعالى ، فلو لم يجد لانقلبت قدرته عجزا ، وكل ذلك محال ، ومما يدل على ~~تحقيق الوجوب كما قررنا قوله : { الذين كتب عليهم القتل } وهذه الكلمة تفيد ~~الوجوب ، فان هذه الكلمة في قوله : { كتب عليكم الصيام } { كتب عليكم ~~القصاص } ( البقرة : 178 ) تفيد وجوب الفعل ، وها هنا لا يمكن حملها على ~~وجوب الفعل ، فوجب حملها على وجوب الوجود وهذا كلام في غاية الظهور لمن ~~أيده الله بالتوفيق . ثم نقول للمفسرين : فيه قولان : الأول : لو جلستم في ~~بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم القتل إلى مضاجعهم ومصارعهم حتى يوجد ~~ما علم الله أنه يوجد ، والثاني : كأنه قيل للمنافقين لو جلستم في بيوتكم ~~وتخلفتم عن الجهاد لخرج المؤمنون الذين كتب عليهم قتال الكفار إلى مضاجعهم ~~، ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب ms2529 تخلفكم . # الوجه الثاني في الجواب عن تلك الشبهة : قوله : { وليبتلى الله ما فى ~~صدوركم } وذلك لأن القوم زعموا أن الخروج إلى تلك المقاتلة كان مفسدة ، ولو ~~كان الأمر اليهم لما خرجوا اليها ، فقال تعالى : بل هذه المقاتلة مشتملة ~~على نوعين من المصلحة : أن يتميز الموافق من المنافق ، وفي المثل المشهور : ~~لا تكرهوا الفتن فانها حصاد المنافقين ، ومعنى الابتلاء في حق الله تعالى ~~قد مر تفسيره مرارا كثيرة لا تكرهوا الفتن فانها حصاد المنافقين ، ومعنى ~~الابتلاء في حق الله تعالى قد مر تفسيره مرارا كثيرة . # فان قيل : لم ذكر الابتلاء وقد سبق ذكره في قوله : { ثم صرفكم عنهم ~~ليبتليكم } ( آل عمران : 152 ) . # قلنا : لما طال الكلام أعاد ذكره ، وقيل الابتلاء الأول هزيمة المؤمنين ، ~~والثاني سائر الأحوال . # والوجه الثالث في الجواب : قوله : { وليمحص ما فى قلوبكم } وفيه وجهان : ~~أحدهما : أن هذه / الواقعة تمحص قلوبكم عن الوساوس والشبهات ، والثاني : ~~أنها تصير كفارة لذنوبكم فتمحصكم عن تبعات المعاصي والسيآت ، وذكر في ~~الابتلاء الصدور ، وفي التمحيص القلوب ، وفيه بحث ثم قال : { والله عليم ~~بذات الصدور } . # واعلم أن ذات الصدور هي الأشياء الموجودة في الصدور ، وهي الأسرار ~~والضمائر ، وهي ذات الصدور / لأنها حالة فيها مصاحبة لها ، وصاحب الشيء ذوه ~~وصاحبته ذاته ، وإنما ذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفي ~~عليه ما في الصدور ، أو غير ذلك ، لأنه عالم بجميع المعلومات وإنما ابتلاهم ~~اما لمحض الالهية ، أو للاستصلاح . # ! 7 < { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 155 ) إن الذين تولوا . . . . . # > > واعلم أن المراد : أن القوم الذين تولوا يوم أحد عند التقاء الجمعين ~~وفارقوا المكان وانهزموا قد عفا الله عنهم ، وفي الآية مسائل : PageV09P041 # المسألة الأولى : اختلفت الأخبار فيمن ثبت ذلك اليوم وفيمن تولى ، فذكر ~~محمد بن اسحاق أن ثلث الناس كانوا مجروحين ، وثلثهم انهزموا ، وثلثهم ثبتوا ~~، واختلفوا في المنهزمين ، فقيل : ان بعضهم ورد المدينة وأخبر أن النبي ms2530 صلى ~~الله عليه وسلم قتل ، وهو سعد بن عثمان ، ثم ورد بعده رجال دخلوا على ~~نسائهم ، وجعل النساء يقلن : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرونا وكن ~~يحثين التراب في وجوههم ويقلن : هاك المغزل اغزل به ، ومنهم قال : ان ~~المسلمين لم يعدوا الجبل . قال القفال : والذي تدل عليه الأخبار في الجملة ~~أن نفرا منهم تولوا وأبعدوا ، فمنهم من دخل المدينة ، ومنهم من ذهب إلى ~~سائر الجوانب ، وأما الاكثرون فانهم نزلوا عند الجبل واجتمعوا هناك . ومن ~~المنهزمين عمر ، الا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين ولم يبعد ، بل ثبت على ~~الجبل إلى أن صعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم أيضا عثمان انهزم مع ~~رجلين من الانصار يقال لهما سعد وعقبة ، انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيدا ثم ~~رجعوا بعد ثلاثة أيام ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ( لقد ذهبتم ~~فيها عريضة ) وقالت فاطمة لعلي : ما فعل عثمان ؟ فنقصه ، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ( يا علي أعياني أزواج الأخوات / أن يتحابوا ) وأما الذين ~~ثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا أربعة عشر رجلا ، سبعة من ~~المهاجرين ، وسبعة من الانصار ، فمن المهاجرين أبو بكر ، وعلي وعبد الرحمن ~~بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيدالله وأبو عبيدة بن الجراح والزبير ~~بن العوام ، ومن الانصار الخباب بن المنذر وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحرث ~~بن الصمة وسهل بن حنيف وأسيد بن حضير وسعد ابن معاذ ، وذكر أن ثمانية من ~~هؤلاء كانوا بايعوه يومئذ على الموت ثلاثة من المهاجرين : علي وطلحة ~~والزبير ، وخمسة من الانصار : أبو دجانة والحرث بن الصمة وخباب بن المنذر ~~وعاصم بن ثابت وسهل ابن حنيف ، ثم لم يقتل منهم أحد . وروى ابن عيينة أنه ~~أصيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين ~~يديه ويقول : وجهي لوجهك الفداء ، ونفسي لنفسك الفداء ، وعليك السلام غير ~~مودع . # المسألة الثانية : قوله : { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } هذا ~~خطاب للمؤمنين خاصة يعني ms2531 الذين انهزموا يوم أحد { إنما استزلهم الشيطان } ~~أي حملهم على الزلة . وأزل واستزل بمعنى واحد ، قال تعالى : { فأزلهما ~~الشيطان عنها } وقال ابن قتيبة : استزلهم طلب زلتهم ، كما يقال استعجلته أي ~~طلبت عجلته ، واستعملته طلبت عمله . # المسألة الثالثة : قال الكعبي : الآية تدل على أن المعاصي لا تنسب إلى ~~الله ، فانه تعالى نسبها في هذه الآية إلى الشيطان وهو كقوله تعالى عن موسى ~~: { هاذا من عمل الشيطان } ( القصص : 15 ) وكقول يوسف . ( من بعد أن نزغ ~~الشيطان بيني وبين اخوتي ) وكقول صاحب موسى : ( وما أنسانيه إلا الشيطان ) ~~( الكهف : 63 ) . # المسألة الرابعة : أنه تعالى لم يبين أن الشيطان في أي شيء استزلهم ، ~~وذلك لأن مع العفو لا حاجة إلى تعيين المعصية ، لكن العلماء جوزوا أن يكون ~~المراد بذلك تحولهم عن ذلك الموضع / بأن يكون رغبتهم في الغنيمة ، وأن يكون ~~فشلهم في الجهاد وعدو لهم عن الاخلاص ، وأي ذلك كان ، فقد صح أن الله تعالى ~~عفا عنهم . وروي أن عثمان عوتب في هزيمته يوم أحد ، فقال إن ذلك وإن كان ~~خطأ لكن الله عفا عنه ، وقرأ هذه الآية . # أما قوله تعالى : { ببعض ما كسبوا } ففيه وجهان : أحدهما : أن الباء ~~للالصاق كقولك : كتبت بالقلم ، PageV09P042 وقطعت بالسكين ، والمعنى أنه ~~كان قد صدرت عنهم جنايات ، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم ~~، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه ، الأول : قال الزجاج : انهم لم يتولوا على ~~جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا ، وإنما ~~ذكرهم الشيطان ذنوبا كانت لهم ، فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها ، ~~وإلا بعد الاخلاص في التوبة ، فهذا / خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطئين فيه . ~~الثاني : انهم لما أذنبوا بسبب مفارقة ذلك المكان أزلهم الشيطان بشؤم هذه ~~المعصية وأوقعهم في الهزيمة ، لأن الذنب يجر إلى الذنب ، كما أن الطاعة تجر ~~إلى الطاعة . ويكون لطفا فيها . الثالث : لما أذنبوا بسبب الفشل ومنازعة ~~بعضهم مع بعض وقعوا في ذلك الذنب . # والوجه الثاني : أن يكون المعنى : استزلهم الشيطان في بعض ما كسبوا ، لا ~~في كل ms2532 ما كسبوا ، والمراد منه بيان انهم ما كفروا وما تركوا دينهم ، بل هذه ~~زلة وقعت لهم في بعض أعمالهم . # ثم قال تعالى : { ولقد عفا الله عنهم } . # واعلم أن هذه الآية دلت على أن تلك الزلة ما كانت بسبب الكفر ، فان العفو ~~عن الكفر لا يجوز لقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) ثم قالت المعتزلة : ذلك الذنب ان كان من ~~الصغائر جاز العفو عنه من غير توبة ، وان كان من الكبائر لم يجز الا مع ~~التوبة ، فههنا لا بد من تقدم التوبة منهم ، وان كان ذلك غير مذكور في ~~الآية ، قال القاضي : والأقرب أن ذلك الذنب كان من الصغائر ويدل عليه وجهان ~~: الأول : أنه لا يكاد في الكبائر يقال انها زلة ، إنما يقال ذلك في ~~الصغائر . الثاني : أن القوم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق ~~إلى ثباتهم في ذلك المكان حاجة ، فلا جرم انتقلوا عنه وتحولوا لطلب الغنيمة ~~، ومثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله مدخلا ، ~~وأما على قول أصحابنا فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز ، فلا حاجة إلى هذه ~~التكلفات . # ثم قال تعالى : { أن الله غفور حليم } أي غفور لمن تاب وأناب ، حليم لا ~~يعجل بالعقوبة . وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ذلك الذنب كان من ~~الكبائر ، لأنه لو كان من الصغائر لوجب على قول المعتزلة أن يعفو عنه ، ولو ~~كان العفو عنه واجبا لما حسن التمدح به ، لأن من يظلم إنسانا فانه لا يحسن ~~أن يتمدح بأنه عفا عنه وغفر له ، فلما ذكر هذا التمدح علمنا أن ذلك الذنب ~~كان من الكبائر ، ولما عفا عنه علمنا أن العفو عن الكبائر واقع والله أعلم ~~. # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ~~ضربوا فى الا رض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل ~~الله ذالك حسرة فى قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما ms2533 تعملون بصير * ولئن ~~قتلتم فى سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون * ولئن متم ~~أو قتلتم لإلى الله تحشرون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 156 - 158 ) يا أيها الذين . . . . . # > > PageV09P043 @44@ # / اعلم أن المنافقين كانوا يعيرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار بقولهم : ~~لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، ثم انه لما ظهر عن بعض المؤمنين فتور ~~وفشل في الجهاد حتى وقع يوم أحد ما وقع وعفا الله بفضله عنهم ، ذكر في هذه ~~الآية ما يدل على النهي عن أن يقول أحد من المؤمنين مثل مقالتهم فقال : يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقولوا لمن يريد الخروج إلى الجهاد : لو لم تخرجوا لما ~~متم وما قتلتم فان الله هو المحيي والمميت ، فمن قدر له البقاء لم يقتل في ~~الجهاد ، ومن قدر له الموت لم يبق وان لم يجاهد ، وهو المراد من قوله : { ~~والله يحيى ويميت } وأيضا الذي قتل في الجهاد ، لو أنه ما خرج إلى الجهاد ~~لكان يموت لا محالة ، فاذا كان لا بد من الموت فلأن يقتل في الجهاد حتى ~~يستوجب الثواب العظيم ، كان ذلك خيرا له من أن يموت من غير فائدة ، وهو ~~المراد من قوله : { ولئن قتلتم فى سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ~~خير مما يجمعون } فهذا هو المقصود من الكلام ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في المراد بقوله : { كالذين كفروا } فقال بعضهم ~~: هو على إطلاقه ، فيدخل فيه كل كافر يقول مثل هذا القول سواء كان منافقا ~~أو لم يكن ، وقال آخرون : انه مخصوص بالمنافقين لأن هذه الآيات من أولها ~~إلى آخرها مختصة بشرح أحوالهم ، وقال آخرون : هذا مختص بعبدالله بن أبي بن ~~سلول ، ومعتب بن قشير ، وسائر أصحابه ، وعلى هذين القولين فالآية تدل على ~~أن الايمان ليس عبارة عن الاقرار باللسان ، كما تقول الكرامية : إذ لو كان ~~كذلك لكان المنافق مؤمنا ، ولو كان مؤمنا لما سماه الله كافرا . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { وقالوا لإخوانهم } أي ~~لأجل إخراجهم كقوله : { وقال الذين كفروا ms2534 للذين ءامنوا لو كان خيرا ما ~~سبقونا إليه } ( الأحقاف : 11 ) وأقول : تقرير هذا الوجه أنهم / لما قالوا ~~لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فهذا يدل على أن أولئك الاخوان كانوا ~~ميتين ومقتولين عند هذا القول ، فوجب أن يكون المراد من قوله : { وقالوا ~~لإخوانهم } هو أنهم قالوا ذلك لأجل إخوانهم ، ولا يكون المراد هو أنهم ~~ذكروا هذا القول مع اخوانهم . # المسألة الثالثة : قوله : { إخوانهم } يحتمل أن يكون المراد منه الاخوة ~~في النسب وان كانوا مسلمين ، كقوله تعالى : { وإلى عاد أخاهم هودا } ( ~~الأعراف : 65 ) { وإلى ثمود أخاهم صالحا } ( الأعراف : 73 ) فان الاخوة في ~~هذه الآيات أخوة النسب لا اخوة الدين ، فلعل أولئك المقتولين من المسلمين ~~كانوا من أقارب المنافقين ، فالمنافقون ذكروا هذا الكلام ، ويحتمل أن يكون ~~المراد من هذه الأخوة المشاكلة في الدين ، واتفق إلى أن صار بعض المنافقين ~~مقتولا في بعض الغزوات فالذين بقوا من المنافقين قالوا ذلك . # المسألة الرابعة : المنافقون كانوا يظنون أن الخارج منهم لسفر بعيد / وهو ~~المراد بقوله : { إذا ضربوا فى الارض } والخارج إلى الغزو ، وهو المراد ~~بقوله : { أو كانوا غزى } إذا نالهم موت أو قتل فذلك إنما نالهم بسبب السفر ~~والغزو ، وجعلوا ذلك سببا لتنفير الناس عن الجهاد ، وذلك لأن في الطباع ~~محبة الحياة وكراهية الموت والقتل ، فاذا قيل للمرء : ان تحرزت من السفر ~~والجهاد فأنت سليم طيب العيش ، وان تقحمت PageV09P044 أحدهما وصلت إلى ~~الموت أو القتل ، فالغالب أنه ينفر طبعه عن ذلك ويرغب في ملازمة البيت ، ~~وكان ذلك من مكايد المنافقين في تنفير المؤمنين عن الجهاد . # فان قيل : فلماذا ذكر بعض الضرب في الأرض الغزو وهو داخل فيه ؟ # قلنا : لأن الضرب في الأرض يراد به الابعاد في السفر ، لا ما يقرب منه ، ~~وفي الغزو لا فرق بين بعيده وقريبه ، اذ الخارج من المدينة إلى جبل أحد لا ~~يوصف بأنه ضارب في الأرض مع قرب المسافة وان كان غازيا ، فهذا فائدة إفراد ~~الغزو عن الضرب في الأرض . # المسألة الخامسة : في الآية إشكال وهو أن قوله : { وقالوا ms2535 لإخوانهم } يدل ~~على الماضي ، وقوله : { إذا ضربوا } يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما ؟ ~~بل لو قال : وقالوا لاخوانهم إذ ضربوا في الأرض ، أي حين ضربوا لم يكن فيه ~~إشكال . # والجواب عنه من وجوه : الأول : أن قوله : { قالوا } تقديره : يقولون ~~فكأنه قيل : لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لاخوانهم كذا وكذا ، وإنما عبر ~~عن المستقبل بلفظ الماضي لفائدتين : أحدهما : أن الشيء الذي يكون لازم ~~الحصول في المستقبل فقد يعبر عنه بأنه حدث أو هو حادث قال تعالى : { أتى ~~أمر الله } وقال : { إنك ميت } ( الزمر : 30 ) فهنا لو وقع التعبير عنه ~~بلفظ المستقل لم يكن فيه مبالغة أما لما وقع التعبير عنه بلفظ الماضي ، دل ~~ذلك على أن جدهم واجتهادهم في تقرير الشبهة قد بلغ / الغاية ، وصار بسبب ~~ذلك الجد هذا المستقبل كالكائن الواقع . # الفائدة الثانية : انه تعالى لما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل ذلك على ~~أنه ليس المقصود الاخبار عن صدور هذا الكلام ، بل المقصود الاخبار عن جدهم ~~واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة ، فهذا هو الجواب المعتمد عندي والله أعلم . # الوجه الثاني في الجواب : أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية ، ~~والمعنى أن اخوانهم اذا ضربوا في الأرض ، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ~~ما ماتوا وما قتلوا ، فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد وان يقول : قالوا ، فهذا ~~هو المراد بقولنا : خرج هذا الكلام على سبيل حكاية الحال الماضية . # الوجه الثالث : قال قطرب : كلمة ( اذ ) واذا ، يجوز اقامة كل واحدة منهما ~~مقام الأخرى ، وأقول : هذا الذي قاله قطرب كلام حسن ، وذلك لانا اذا جوزنا ~~إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائل مجهول ، فلأن يجوز اثباتها بالقرآن ~~العظيم ، كان ذلك أولى ، أقصى ما في الباب أن يقال ( اذ ) حقيقة في ~~المستقبل ، ولكن لم لا يحوز استعماله في الماضي على سبيل المجاز لما بينه ~~وبين كلمة ( اذ ) من المشابهة الشديدة ؟ وكثيرا أرى النحويين يتحيرون في ~~تقرير الالفاظ الواردة في القرآن ، فاذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول ~~فرحوا به ، وأنا شديد التعجب منهم ms2536 ، فانهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت ~~المجهول على وفقه دليلا على صحته ، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلا على ~~صحته كان أولى . # المسألة السادسة : { غزى } جمع غاز ، كالقول والركع والسجد ، جمع قائل ~~وراكع وساجد ، ومثله من الناقص ( عفا ) ويجوز أيضا : غزاة ، مثل قضاة ورماة ~~في جمع القاضي والرامي ، ومعنى الغزو في كلام العرب PageV09P045 قصد العدو ~~، والمغزى المقصد . # المسألة السابعة : قال الواحدي : في الآية محذوف يدل عليه الكلام ، ~~والتقدير : إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزاة فقتلوا / لو كانوا ~~عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فقوله : { ما ماتوا وما قتلوا } يدل على موتهم ~~وقتلهم / # ثم قال تعالى : { ليجعل الله ذالك حسرة فى قلوبهم } وفيه وجهان : الأول : ~~أن التقدير أنهم قالوا ذلك الكلام ليجعل الله ذلك الكلام حسرة في قلوبهم ، ~~مثل ما يقال : ربيته ليؤذيني ونصرته ليقهرني ومثله قوله تعالى : { فالتقطه ~~ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) إذا عرفت هذا فنقول : ~~ذكروا في بيان أن ذلك القول كيف استعقب حصول الحسرة في قلوبهم وجوها : ~~الأول : أن أقارب ذلك المقتول اذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في ~~قلوبهم ، لان أحدهم يعتقد أنه لو بالغ في منعه عن ذلك السفر وعن ذلك الغزو ~~لبقي ، فذلك الشخص انما مات أو قتل بسبب أن هذا الانسان قصر في / منعه ، ~~فيعتقد السامع لهذا الكلام انه هو الذي تسبب إلى موت ذلك الشخص العزيز عليه ~~أو قتله ، ومتى اعتقد في نفسه ذلك فلا شك أنه تزداد حسرته وتلهفه ، أما ~~المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكون إلا بتقدير الله وقضائه ، لم ~~يحصل ألبتة في قلبه شيء من هذا النوع من الحسرة ، فثبت ان تلك الشبهة التي ~~ذكرها المنافقون لا تفيدهم إلا زيادة الحسرة . # الوجه الثاني : ان المنافقين إذا ألقوا هذه الشبهة إلى اخوانهم تثبطوا عن ~~الغزو والجهاد وتخلفوا عنه ، فاذا اشتغل المسلمون بالجهاد والغزو ، ووصلوا ~~بسببه إلى الغنائم العظيمة والاستيلاء على الاعداء . والفوز بالأماني ، بقي ~~ذلك المتخلف عند ذلك في الخيبة والحسرة . # الوجه الثالث : ان ms2537 هذه الحسرة إنما تحصل يوم القيامة في قلوب المنافقين ~~إذا رأوا تخصيص الله المجاهدين بمزيد الكرامات واعلاء الدرجات ، وتخصيص ~~هؤلاء المنافقين بمزيد الخزي واللعن والعقاب . # الوجه الرابع : ان المنافقين إذا أوردوا هذه الشبهة على ضعفة المسلمين ~~ووجدوا منهم قبولا لها ، فرحوا بذلك ، من حيث أنه راج كيدهم ومكرهم على ~~أولئك الضعفة ، فالله تعالى يقول : إنه سيصير ذلك حسرة في قلوبهم إذا علموا ~~أنهم كانوا على الباطل في تقرير هذه الشبهة . # الوجه الخامس : ان جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات وإلقاء الضلالات يعمي ~~قلوبهم فيقعون عند ذلك في الحيرة والخيبة وضيق الصدر ، وهو المراد بالحسرة ~~، كقوله : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } ( الأنعام : 125 ) . # الوجه السادس : انهم متى ألقوا هذه الشبهة على أقوياء المسلمين لم ~~يلتفتوا اليهم فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم فتحصل الحسرة في قلوبهم . # والقول الثاني في تفسير الآية : أن اللام في قوله : { ليجعل الله } ~~متعلقة بما دل عليه النهي ، والتقدير : لا تكونوا مثلهم حتى يجعل الله ~~انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم ، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ~~ومضادتهم مما يغيظهم . PageV09P046 # ثم قال تعالى : { والله يحيى ويميت } وفيه وجهان : الأول : أن المقصود ~~منه بيان الجواب عن هذه الشبهة ، وتقريره أن المحيي والمميت هو الله ، ولا ~~تأثير لشيء آخر في الحياة والموت ، وان علم الله لا يتغير ، وان حكمه لا ~~ينقلب ، وان قضاءه لا يتبدل ، فكيف ينفع الجلوس في البيت من الموت ؟ # فان قيل : إن كان القول بأن قضاء الله لا يتبدل يمنة من كون الجد ~~والاجتهاد مفيدا في الحذر عن القتل والموت ، فكذا القول بأن قضاء الله لا ~~يتبدل وجب أن يمنع من كون العمل مفيدا في / الاحتراز عن عقاب الآخرة ، وهذا ~~يمنع من لزوم التكليف ، والمقصود من هذه الآيات تقرير الأمر بالجهاد ~~والتكليف ، وإذا كان الجواب يفضي بالآخرة إلى سقوط التكليف كان هذا الكلام ~~يقضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلا . # الجواب : ان حسن التكليف عندنا غير معلل بعلة ورعاية مصلحة / بل عندنا ~~أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما ms2538 يريد . # والوجه الثاني : في تأويل الآية : أنه ليس الغرض من هذا الكلام الجواب عن ~~تلك الشبهة بل المقصود أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن أن يقولوا مثل قول ~~المنافقين ، قال : { والله يحيى ويميت } يريد : يحيي قلوب أوليائه وأهل ~~طاعته بالنور والفرقان ، ويميت قلوب أعدائه من المنافقين . # ثم قال تعالى : { والله بما تعملون بصير } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المقصود منه الترغيب والترهيب فيما تقدم ذكره من طريقة ~~المؤمنين وطريقة المنافقين . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { يعملون } كناية عن ~~الغائبين ، والتقدير { ليجعل الله ذالك حسرة فى قلوبهم والله يحيى ويميت ~~والله بما تعملون بصير } والباقون بالتاء على الخطاب ليكون وفقا لما قبله ~~في قوله : { لا تكونوا كالذين كفروا } ولما بعده في قوله : { ولئن قتلتم فى ~~سبيل الله أو متم } . # ثم قال تعالى : { ولئن قتلتم فى سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ~~خير مما } . # واعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن شبهة المنافقين ، وتقريره أن هذا الموت ~~لا بد واقع ولا محيص للانسان من أن يقتل أو يموت ، فاذا وقع هذا الموت أو ~~القتل في سبيل الله وفي طلب رضوانه ، فهو خير من أن يجعل ذلك في طلب الدنيا ~~ولذاتها التي لا ينتفع الانسان بها بعد الموت ألبتة ، وهذا جواب في غاية ~~الحسن والقوة ، وذلك لأن الانسان إذا توجه إلى الجهاد أعرض قلبه عن الدنيا ~~وأقبل على الآخرة ، فاذا مات فكانه تخلص عن العدو ووصل إلى المحبوب ، وإذا ~~جلس في بيته خائفا من الموت حريصا على جمع الدنيا ، فاذا مات فكأنه حجب عن ~~المعشوق وألقي في دار الغربة ، ولا شك في كمال سعادة الأول ، وكمال شقاوة ~~الثاني . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وحمزة والكسائي ( متم ) بكسر الميم ، والباقون ~~بضم الميم ، والأولون أخذوه من : مات يمات مت ، مثل هاب يهاب هبت ، وخاف ~~يخاف خفت ، وروى المبرد هذه اللغة فان صح فقد صحت هذه القراءة ، وأما قراءة ~~الجمهور فهو مأخوذ من ، مات يموت مت : مثل قال يقول قلت . PageV09P047 # / المسألة ms2539 الثانية : قال الواحدي رحمه الله : اللام في قوله : { بصير ~~ولئن قتلتم } لام القسم ، بتقدير الله لئن قتلتم في سبيل الله ، واللام في ~~قوله : { لمغفرة من الله ورحمة } جواب القسم ، ودال على أن ما هو داخل عليه ~~جزاء ، والاصوب عندي أن يقال : هذه اللام للتأكيد ، فيكون المعنى ان وجب أن ~~تموتوا وتقتلوا في سفركم وغزوكم ، فكذلك يجب أن تفوزوا بالمغفرة أيضا ، ~~فلماذا تحترزون عنه كأنه قيل : ان الموت والقتل غير لازم الحصول ، ثم ~~بتقدير أن يكون لازما فانه يستعقب لزوم المغفرة ، فكيف يليق بالعاقل أن ~~يحترز عنه ؟ # المسألة الثالثة : قرأ حفص عن عاصم ( يجمعون ) بالياء على سبيل الغيبة ، ~~والباقون بالتاء على وجه الخطاب ، أما وجه الغيبة فالمعنى أن مغفرة الله ~~خير مما يجمعه هؤلاء المنافقون من الحطام الفاني ، وأما وجه الخطاب فالمعنى ~~أنه تعالى كأنه يخاطب المؤمنين فيقول لهم مغفرة الله خير لكم من الأموال ~~التي تجمعونها في الدنيا . # المسألة الرابعة : إنما قلنا : ان رحمة الله ومغفرته خير من نعيم الدنيا ~~لوجوه : أحدها : ان من يطلب المال فهو في تعب من ذلك الطلب في الحال ، ~~ولعله لا ينتفع به غدا لأنه يموت قبل الغد وأما طلب الرحمة والمغفرة فانه ~~لا بد وأن ينتفع به لأن الله لا يخلف وعده ، وقد قال : { فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره } ( الزلزلة : 7 ) وثانيها : هب أنه بقي إلى الغد لكن لعل ذلك ~~المال لا يبقى إلى الغد ، فكم من انسان أصبح أميرا وأمسى أسيرا ، وخيرات ~~الآخرة لا تزول لقوله : { والباقيات الصالحات خير عند ربك } ( الكهف : 46 ) ~~ولقوله : { ما عندكم ينفد وما عند الله باق } ( النحل : 96 ) وثالثها : ~~بتقدير أن يبقى إلى الغد ويبقى المال إلى الغد ، لكن لعله يحدث حادث يمنعك ~~عن الانتفاع به مثل مرض وألم وغيرهما ، ومنافع الآخرة ليست كذلك . ورابعها ~~: بتقدير أنه في الغد يمكنك الانتفاع بذلك المال ، ولكن لذات الدنيا مشوبة ~~بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار ، وذلك مما لا يخفي ، وأما منافع الآخرة ~~فليست كذلك . وخامسها : هب أن تلك المنافع تحصل في ms2540 الغد خالصة عن الشوائب ~~ولكنها لا تدوم ولا تستمر ، بل تنقطع وتفنى ، وكلما كانت اللذة أقوى وأكمل ~~، كان التأسف والتحسر عند فواتها أشد وأعظم ، ومنافع الآخرة مصونة عن ~~الانقطاع والزوال . وسادسها : أن منافع الدنيا حسية ومنافع الآخرة عقلية ، ~~والحسية خسيسة ، والعقلية شريفة ، أترى ان انتفاع الحمار بلذة بطنه وفرجه ~~يساوي ابتهاج الملائكة المقربين عند اشراقها بالأنوار الالهية ، فهذه ~~المعاقد الستة تنبهك على ما لانهاية لها من الوجوه الدالة على صحة قوله ~~سبحانه وتعالى : { لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون } . # فان قيل : كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما تجمعون ، ولا خير فيما ~~تجمعون أصلا . # / قلنا : ان الذي تجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيرا ~~، وأيضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات ، فقيل : ~~المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات . # ثم قال : { ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون } . # واعلم أنه سبحانه وتعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالحشر إلى مغفرة ~~الله ، وفي هذه الآية زاد في إعلاء الدرجات فرغبهم ههنا بالحشر إلى الله ، ~~يروى أن عيسى بن مريم صلوات الله عليه وسلامه مر بأقوام نحفت أبدانهم ~~واصفرت وجوههم ، ورأى عليهم آثار العبادة ، فقال ماذا تطلبون ؟ فقالوا : ~~نخشى عذاب الله ، فقال : هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه ، ثم مر بأقوام ~~آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم ، فقالوا : نطلب الجنة والرحمة ، فقال ~~: هو أكرم من أن يمنحكم رحمته ثم مر بقوم ثالث ورأى آثار العبودية عليهم ~~أكثر ، PageV09P048 فسألهم فقالوا : نعبده لأنه إلهنا ، ونحن عبيده لا ~~لرغبة ولا لرهبة ، فقال : أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحقون ، فانظر ~~في ترتيب هذه الآيات فانه قال في الآية الأولى : { لمغفرة من الله } وهو ~~إشارة إلى من يعبده خوفا من عقابه ، ثم قال { ورحمة } وهو إشارة إلى من ~~يعبده لطلب ثوابه ، ثم قال في خاتمة الآية : { لإلى الله تحشرون } وهو ~~إشارة إلى من يعبد الله لمجرد الربوبية والعبودية ، وهذا أعلى المقامات ~~وأبعد النهايات في العبودية في ms2541 علو الدرجة ، ألا ترى أنه لما شرف الملائكة ~~قال : { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ( الأنبياء : 19 ) وقال للمقربين ~~من أهل الثواب : { عند مليك مقتدر } ( القمر : 55 ) فبين أن هؤلاء الذين ~~بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعته ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه ، واستئناسهم ~~بكرمه ، وتمتعهم بشروق نور ربوبيته ، وهذا مقام فيه إطناب ، والمستبصر ~~يرشده القدر الذي أوردناه . # ولنرجع إلى التفسير : كأنه قيل ان تركتم الجهاد واحترزتم عن القتل والموت ~~بقيتم أياما قليلة في الدنيا مع تلك اللذات الخسيسة ، ثم تتركونها لا محالة ~~، فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم ، أما لو أعرضتم عن لذات الدنيا ~~وطيباتها / وبذلتم النفس والمال للمولى يكون حشركم إلى الله ، ووقوفكم على ~~عتبة رحمة الله ، وتلذذكم بذكر الله ، فشتان ما بين هاتين الدرجتين ~~والمنزلتين . # واعلم أن في قوله : { لإلى الله تحشرون } دقائق : أحدها : أنه لم يقل : ~~تحشرون إلى الله بل قال : لالى الله تحشرون ، وهذا يفيد الحصر ، معناه إلى ~~الله يحشر العالمون لا إلى غيره ، وهذا يدل على أنه لا حاكم في ذلك اليوم ~~ولا ضار ولا نافع إلا هو ، قال تعالى : { لمن الملك اليوم لله الواحد ~~القهار } ( غافر : 16 ) وقال تعالى : { والامر يومئذ لله } ( الأنفطار : 19 ~~) وثانيها : أنه ذكر من أسماء الله هذا الاسم ، وهذا الاسم أعظم الأسماء ~~وهو دال / على كمال الرحمة وكمال القهر ، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم ~~أنواع الوعد ، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد . وثالثها : إدخال ~~لام التأكيد في اسم الله حيث قال : { لإلى الله } وهذا ينبهك على أن ~~الالهية تقتضي هذا الحشر والنشر ، كما قال : { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها ~~لتجزى كل نفس بما تسعى } ( طه : 15 ) ورابعها : أن قوله : { تحشرون } فعل ~~ما لم يسم فاعله ، مع أن فاعل ذلك الحشر هو الله ، وإنما لم يقع التصريح به ~~لأنه تعالى هو العظيم الكبير الذي ، شهدت العقول بأنه هو الله الذي يبدىء ~~ويعيد ، ومنه الانشاء والاعادة ، فترك التصريح في مثل هذا الموضع أدل على ~~العظمة ، ونظيره قوله تعالى : { وقيل ياأرض * أرض * ابلعى ms2542 ماءك } ( هود : ~~44 ) وخامسها : أنه أضاف حشرهم إلى غيرهم ، وذلك ينبه العقل على أن جميع ~~الخلق مضطرون في قبضة القدرة ونفاذ المشيئة ، فهم سواء كانوا أحياء أم ~~أمواتا لا يخرجون عن قهر الربوبية وكبرياء الالهية . وسادسها : أن قوله : { ~~تحشرون } خطاب مع الكل ، فهو يدل على أن جميع العالمين يحشرون ويوقفون في ~~عرصة القيامة وبساط العدل ، فيجتمع المظلوم مع الظالم ، والمقتول مع القاتل ~~، والحق سبحانه وتعالى يحكم بين عبيده بالعدل المبرأ عن الجور ، كما قال : ~~{ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } ( الأنبياء : 47 ) فمن تأمل في قوله ~~تعالى : { لإلى الله تحشرون } وساعده التوفيق علم أن هذه الفوائد التي ~~ذكرناها كالقطرة من بحار الأسرار المودعة في هذه الآية ، وتمسك القاضي بهذه ~~الآية على أن المقتول ليس بميت ، قال : لأن قوله : { ولئن متم أو قتلتم } ~~يقتضي عطف المقتول على الميت ، وعطف الشيء على نفسه ممتنع . # PageV09P049 ! 7 < { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الا مر فإذا عزمت فتوكل ~~على الله إن الله يحب المتوكلين } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 159 ) فبما رحمة من . . . . . # > > واعلم أن القوم لما انهزموا عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ثم ~~عادوا لم يخاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالتغليط والتشديد ، وإنما ~~خاطبهم بالكلام اللين ، ثم إنه سبحانه وتعالى لما أرشدهم في الآيات ~~المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم ، وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم ~~، زاد / في الفضل والاحسان بأن مدح الرسول صلى الله عليه وسلم على عفوه ~~عنهم ، وتركه التغليظ عليهم فقال : { فبما رحمة من الله لنت لهم } ومن أنصف ~~علم أن هذا ترتيب حسن في الكلام . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن لينه صلى الله عليه وسلم مع القوم عبارة عن حسن ~~خلقه مع القوم قال تعالى : { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } ( ~~الشعراء : 215 ) وقال : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ، وقال ~~: { وإنك لعلى خلق عظيم } ( القلم : 4 ) وقال : { لقد ms2543 جاءكم رسول من أنفسكم ~~عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين * لرءوف رحيم } ( التوبة : 128 ) ~~وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا حلم أحب إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه ~~ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه ) فلما كان عليه الصلاة والسلام ~~إمام العالمين ، وجب أن يكون أكثرهم حلما وأحسنهم خلقا . وروى أن امرأة ~~عثمان دخلت عليه صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي وعلي يغسلان السلاح ، ~~فقالت : ما فعل ابن عفان ؟ أما والله لا تجدونه امام القوم ، فقال لها علي ~~: ألا إن عثمان فضح الزمان اليوم ، فقال عليه الصلاة والسلام ( مه ) وروي ~~أنه قال حيئنذ : أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا ، ولما دخل عليه عثمان مع ~~صاحبيه ما زاد على أن قال : ( لقد ذهبتم فيها عريضة ) وروي عن بعض الصحابة ~~أنه قال : لقد أحسن الله إلينا كل الاحسان ، كنا مشركين ، فلو جاءنا رسول ~~الله بهذا الدين جملة ، وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا ، فما كنا ~~ندخل في الاسلام ، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة ، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة ~~الايمان ، قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم الدين ~~وكملت الشريعة . وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( إنما أنا لكم مثل ~~الوالد فاذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ) واعلم ~~أن سر الأمر في حسن الخلق أمران : اعتبار حال القائل ، واعتبار حال الفاعل ~~، أما اعتبار حال القائل فلأن جواهر النفوس مختلفة بالماهية ، كما قال عليه ~~الصلاة والسلام : ( الأرواح جنود مجندة ) وقال : ( الناس معادن كمعادن ~~الذهب والفضة ) وكما أنها في جانب النقصان تنتهي إلى غاية البلادة والمهانة ~~والنذالة ، واستيلاء الشهوة والغضب عليها واستيلاء حب المال واللذات ، ~~فكذلك في جانب الكمال قد تنتهي إلى غاية القوة والجلالة ، أما في القوة ~~النظرية فيكون كما وصفه الله تعالى بقوله : { نور على نور } ( النور : 35 ) ~~وقوله : { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ( النساء : 113 ~~) PageV09P050 وأما في القوة العملية ، فكما وصفه الله بقوله : { وإنك لعلى ~~خلق عظيم ms2544 } كأنها من جنس أرواح الملائكة ، فلا تنقاد للشهوة ولا تميل ~~لدواعي الغضب / ولا تتأثر من حب المال والجاه ، فان من تأثر عن شيء كان ~~المتأثر أضعف من المؤثر ، فالنفس إذا مالت إلى هذه المحسوسات / كانت ~~روحانياتها أضعف من الجسمانيات ، وإذا لم تمل اليها ولم تلتفت إليها كانت ~~روحانياتها مستعلية على الجسمانيات ، وهذه الخواص نظرية ، وكانت نفسه ~~المقدسة في غاية الجلالة والكمال في هذه الخصال . وأما اعتبار حال الفاعل ~~فقوله عليه الصلاة والسلام : ( من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب ~~) فانه يعلم أن الحوادث الأرضية مستندة إلى الأسباب الالهية ، فيعلم أن ~~الحذر لا يدفع القدر ، فلا جرم إذا فاته مطلوب لم يغضب ، وإذا حصل له محبوب ~~لم يأنس به ، لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات ، ~~فلا ينازع أحدا من هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها ، ولا يغضب ~~على أحد بسبب فوت شيء من مطالبها ، ومتى كان الانسان كذلك كان حسن الخلق ، ~~طيب العشرة مع الخلق ، ولما كان صلوات الله وسلامه عليه أكمل البشر في هذه ~~الصفات الموجبة لحسن الخلق ، لا جرم كان أكمل الخلق في حسن الخلق . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله : { فبما ~~رحمة من الله لنت لهم } وجه الاستدلال أنه تعالى بين أن حسن خلقه مع الخلق ~~، إنما كان بسبب رحمة الله تعالى ، فنقول : رحمة الله عند المعتزلة عامة في ~~حق المكلفين ، فكل ما فعله مع محمد عليه الصلاة والسلام من الهداية والدعوة ~~والبيان والارشاد ، فقد فعل مثل ذلك مع إبليس وفرعون وهامان وأبي جهل وأبي ~~لهب ، فاذا كان على هذا القول كل ما فعله الله تعالى مع المكلفين في هذا ~~الباب مشتركا فيه بين أصفى الأصفياء ، وبين أشقى الأشقياء لم يكن اختصاص ~~بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفادا من رحمة الله ، فكان على هذا القول ~~تعليل حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام برحمة الله باطلا ، ولما كان هذا ~~باطلا علمنا أن جميع أفعال العباد بقضاء الله وبقدره ms2545 ، والمعتزلة يحملون ~~هذا على زيادة الألطاف وهذا في غاية البعد ، لأن كل ما كان ممكنا من ~~الألطاف ، فقد فعله في حق المكلفين ، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته ~~من مزيد الألطاف ، فذاك في الحقيقة إنما اكتسبه من نفسه لا من الله ، لأنه ~~متى فعل الطاعة استحق ذلك المزيد من اللطف ، ووجب إيصاله اليه ، ومتى لم ~~يفعل امتنع ايصاله ، فكان ذلك للعبد من نفسه لا من الله . # المسألة الثالثة : ذهب الأكثرون إلى أن ( ما ) في قوله : { فبما رحمة من ~~الله } صلة زائدة ومثله في القرآن كثير ، كقوله : { عما قليل } و { جند ما ~~هنالك } ( ص : 11 ) { فبما نقضهم } ( النساء : 155 ، المائدة : 13 ) { من ~~خطاياهم } ( العنكبوت : 12 ) قالوا : والعرب قد تزيد في الكلام للتأكيد على ~~ما يستغنى عنه ، قال تعالى : { فلما أن جاء البشير } ( يوسف : 96 ) أراد ~~فلما جاء ، فأكد بأن ، وقال المحققون : دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام ~~أحكم الحاكمين غير جائر ، وههنا يجوز أن تكون ( ما ) استفهاما للتعجب ~~تقديره : فبأي رحمة من الله لنت لهم ، وذلك لأن جنايتهم لما كانت عظيمة / ~~ثم انه ما أظهر ألبتة ، تغليظا في القول ، ولا خشونة في الكلام ، علموا أن ~~هذا لا يتأتى الا بتأييد رباني وتسديد إلهي ، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ~~ذلك التأييد والتسديد ، فقيل : فبأي رحمة من الله لنت لهم ، وهذا هو الأصوب ~~عندي . # المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة الله هي المؤثرة في ~~صيرورة محمد عليه PageV09P051 الصلاة والسلام رحيما بالأمة ، فاذا تأملت ~~حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة الا لله سبحانه ، والذي يقرر ~~ذلك وجوه : أحدها : أنه لولا أن الله ألقى في قلب عبده داعية الخير والرحمة ~~واللطف لم يفعل شيئا من ذلك / واذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه ~~الافعال لا محالة ، وعلى هذا التقدير فلا رحمة إلا لله : ان كل رحيم سوى ~~الله تعالى فانه يستفيد برحمته عوضا ، اما هربا من العقاب ، أو طلبا للثواب ~~، أو طلبا للذكر الجميل ، فاذا فرضنا ms2546 صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب ~~هو الرقة الجنسية ، فان من رأى حيوانا في الألم رق قلبه ، وتألم بسبب ~~مشاهدته إياه في الالم ، فيخلصه عن ذلك الالم دفعا لتلك الرقة عن قلبه ، ~~فلو لم يوجد شيء من هذه الاعراض لم يرحم ألبتة ، أما الحق سبحانه وتعالى ~~فهو الذي يرحم لا لغرض من الأغراض ، فلا رحمة إلا لله ، وثالثها : ان كل من ~~رحم غيره فانه إنما يرحمه بأن يعطيه مالا ، أو يبعد عنه سببا من أسباب ~~المكروه والبلاء ، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك المال إلا مع سلامة ~~الاعضاء ، وهي ليست إلا من الله تعالى ، فلا رحمة في الحقيقة إلا لله ، ~~وأما في الظاهر فكل من أعانه الله على الرحمة سمي رحيما ، قال عليه السلام ~~: ( الراحمون يرحمهم الرحمن ) وقال في صفة محمد عليه السلام : { بالمؤمنين ~~* لرءوف رحيم } ( التوبة : 128 ) ثم قال تعالى : { ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك } . # واعلم أن كمال رحمة الله في حق محمد صلى الله عليه وسلم أنه عرفه مفاسد ~~الفظاظة والغلظة وفيه مسائل . # المسألة الأولى : قال الواحدي : رحمه الله تعالى : الفظ ، الغليظ الجانب ~~السيء الخلق ، يقال : فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ ، وأصله فظظ ، كقوله : حذر من ~~حذرت ، وفرق من فرقت ، الا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحن ~~رجل صب ، وأصله صبب ، وأما ( الفض ) بالضاد فهو تفريق الشيء ، وانفض القوم ~~تفرقوا ، قال تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : ~~11 ) ومنه : فضضت الكتاب ، ومنه يقال : لا يفضض الله فاك . # فان قيل : ما الفرق بين الفظ وبين غليظ القلب ؟ # قلنا : الفظ الذي يكون سيء الخلق ، وغليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن ~~شيء ، فقد / لا يكون الانسان سيء الخلق ولا يؤذي أحدا ولكنه لا يرق لهم ولا ~~يرحمهم ، فظهر الفرق من هذا الوجه . # المسألة الثانية : ان المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله إلى ~~الخلق ، وهذا المقصود لا يتم إلا اذا مالت قلوبهم اليه وسكنت نفوسهم لديه ، ~~وهذا ms2547 المقصود لا يتم إلا اذا كان رحيما كريما ، يتجاوز عن ذنبهم ، ويعفو عن ~~إساءتهم ، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة ، فلهذه الأسباب وجب أن يكون ~~الرسول مبرأ عن سوء الخلق ، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب ، ~~بل يكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء ، كثير القيام باعانة الفقراء ، كثير ~~التجاوز عن سيآتهم ، كثير الصفح عن زلاتهم ، فلهذا المعنى قال : { ولو كنت ~~فظا القلب لانفضوا من حولك } ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة ~~والرسالة . وحمل القفال رحمه الله هذه الآية على واقعة أحد قال : { فبما ~~رحمة من الله لنت لهم } يوم أحد حين عادوا اليك بعد الانهزام { ولو كنت فظا ~~غليظ القلب } وشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لانفضوا من حولك ، هيبة ~~منك وحياء بسبب ما كان منهم من الانهزام ، فكان ذلك مما لا يطمع العدو فيك ~~وفيهم . PageV09P052 # المسألة الثالثة : اللين والرفق انما يجوز اذا لم يفض إلى إهمال حق من ~~حقوق الله ، فأما اذا أدى إلى ذلك لم يجز ، قال تعالى : { العظيم ياأيها ~~النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } ( التوبة : 73 ) وقال للمؤمنين ~~في إقامة حد الزنا : { ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله } ( النور : 2 ) . # وههنا دقيقة أخرى : وهي أنه تعالى منعه من الغلظة في هذه الآية ، وأمره ~~بالغلظة في قوله : { واغلظ عليهم } فههنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين ، ~~وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين ، فهو كقوله : { أذلة على المؤمنين أعزة ~~على الكافرين } ( المائدة : 54 ) وقوله : { أشداء على الكفار رحماء بينهم } ~~( الفتح : 29 ) وتحقيق القول فيه ان طرفي الافراط والتفريط مذمومان ، ~~والفضيلة في الوسط ، فورود الامر بالتغليظ تارة ، وأخرى بالنهي عنه ، إنما ~~كان لأجل أن يتباعد عن الافراط والتفريط ، فيبقى على الوسط الذي هو الصراط ~~المستقيم ، فلهذا السر مدح الله الوسط فقال : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } ~~( البقرة : 143 ) . # ثم قال تعالى : { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الامر } واعلم أنه ~~تعالى أمره في هذه الآية بثلاثة أشياء : أولها : بالعفو عنهم وفيه مسائل . # المسألة الأولى : ان كمال حال العبد ms2548 ليس إلا في أن يتخلق بأخلاق الله ~~تعالى ، قال عليه السلام : ( تخلقوا بأخلاق الله ) ثم إنه تعالى لما عفا ~~عنهم في الآية المتقدمة أمر الرسول أيضا أن يعفو عنهم ليحصل للرسول عليه ~~السلام فضيلة التخلق بأخلاق الله . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : ( فاعف عنهم ) فيما يتعلق بحقك ~~( واستغفر لهم ) فيما يتعلق بحق الله تعالى . # المسألة الثالثة : ظاهر الأمر للوجوب ، والفاء في قوله تعالى : { فاعف ~~عنهم } يدل على التعقيب ، فهذا يدل على أنه تعالى أوجب عليه أن يعفو عنهم ~~في الحال ، وهذا يدل على كمال الرحمة الالهية حيث عفا هو عنهم ، ثم أوجب ~~على رسوله أن يعفو في الحال عنهم . # واعلم أن قوله : { فاعف عنهم } إيجاب للعفو على الرسول عليه السلام ، ~~ولما آل الأمر إلى الأمة لم يوجبه عليهم ، بل ندبهم اليه فقال تعالى : { ~~والعافين عن الناس } ليعلم أن حسنات الأبرار سيآت المقربين . وثانيها : ~~قوله تعالى : { واستغفر لهم } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية دلالة قوية على أنه تعالى يعفو عن أصحاب ~~الكبائر ، وذلك لأن الانهزام في وقت المحاربة كبيرة لقوله تعالى : { ومن ~~يولهم يومئذ دبره } إلى قوله : { فقد باء بغضب من الله } ( الأنفال : 16 ) ~~فثبت أن انهزام أهل أحد كان من الكبائر ، ثم انه تعالى نص في الآية ~~المتقدمة على أنه عفا عنهم وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ~~بالعفو عنهم ، ثم أمره بالاستغفار لهم ، وذلك من أدل الدلائل على ما ذكرنا ~~. # المسألة الثانية : قوله تعالى : { واستغفر لهم } أمر له بالاستغفار ~~لأصحاب الكبائر ، وإذا أمره بطلب المغفرة لا يجوز أن لا يجيبه اليه ، لأن ~~ذلك لا يليق بالكريم ، فدلت هذه الآية على أنه تعالى يشفع محمدا صلى الله ~~عليه وسلم في الدنيا في حق أصحاب الكبائر ، فبأن يشفعه في حقهم في القيامة ~~كان أولى . PageV09P053 # المسألة الثالثة : أنه سبحانه وتعالى عفا عنهم أولا بقوله : { ولقد عفا ~~الله عنهم } ( آل عمران : 155 ) ثم أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الآية بالاستغفار لهم ولأجلهم ، كأنه قيل ms2549 له : يا محمد استغفر لهم فاني قد ~~غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم ، واعف عنهم فاني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم ، ~~وهذا يدل على كمال رحمة الله لهذه الأمة ، وثالثها : قوله تعالى : { ~~وشاورهم فى الامر } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : يقال : شاورهم مشاورة وشوارا ومشورة ، والقوم شورى ، ~~وهي مصدر سمي القوم بها كقوله : { وإذ هم نجوى } ( الإسراء : 47 ) قيل : ~~المشاورة مأخوذة من قولهم : شرت العسل أشوره إذا أخذته من موضعه واستخرجته ~~/ وقيل مأخوذة من قولهم : شرت الدابة شورا إذا عرضتها ، والمكان الذي يعرض ~~فيه الدواب يسمى مشوارا ، كأنه بالعرض يعلم خيره وشره ، فكذلك بالمشاورة ~~يعلم خير الأمور وشرها . # / المسألة الثانية : الفائدة في أنه تعالى أمر الرسول بمشاورتهم وجوه : ~~الأول : أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم توجب علو شأنهم ورفعة ~~درجتهم ، وذلك يقتضي شدة محبتهم له وخلوصهم في طاعته ، ولو لم يفعل ذلك ~~لكان ذلك اهانة بهم فيحصل سوء الخلق والفظاظة . الثاني : أنه عليه السلام ~~وإن كان أكمل الناس عقلا إلا أن علوم الخلق متناهية ، فلا يبعد أن يخطر ~~ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله ، لا سيما فيما يفعل من أمور ~~الدنيا فانه عليه السلام قال : ( أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور ~~دينكم ) ولهذا السبب قال عليه السلام : ( ما تشاور قوم قط الا هدوا لأرشد ~~أمرهم ) الثالث : قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره ~~في المشاورة ويصير سنة في أمته . الرابع : أنه عليه السلام شاورهم في واقعة ~~أحد فأشاروا عليه بالخروج ، وكان ميله إلى أن يخرج ، فلما خرج وقع ما وقع ، ~~فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب ~~مشاورتهم بقية أثر . فأمره الله تعالى بعد تلك الواقعة بأن يشاورهم ليدل ~~على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة . الخامس : وشاورهم في الأمر ، ~~لا لتستفيد منهم رأيا وعلما ، لكن لكي تعلم مقادير عقولهم وأفهامهم ومقادير ~~حبهم لك وإخلاصهم في طاعتك فحينئذ يتميز ms2550 عندك الفاضل من المفضول فبين لهم ~~على قدر منازلهم . السادس : وشاورهم في الأمر لا لأنك محتاج اليهم ، ولكن ~~لأجل أنك إذا شاورتهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح ~~في تلك الواقعة ، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه ~~فيها ، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله ، وهذا ~~هو السر عند الاجتماع في الصلوات . وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من ~~صلاة المنفرد . السابع : لما أمر الله محمدا عليه السلام بمشاورتهم ذل ذلك ~~على أن لهم عند الله قدرا وقيمة ، فهذا يفيد أن لهم قدرا عند الله وقدرا ~~عند الرسول وقدرا عند الخلق . الثامن : الملك العظيم لا يشاور في المهمات ~~العظيمة إلا خواصه والمقربين عنده ، فهؤلاء لما أذنبوا عفا الله عنهم ، ~~فربما خطر ببالهم أن الله تعالى وان عفا عنا بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك ~~الدرجة العظيمة ، فبين الله تعالى أن تلك الدرجة ما انتقصت بعد التوبة ، بل ~~أنا أزيد فيها ، وذلك أن قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي بمشاورتكم ، وبعد ~~هذه الواقعة أمرته بمشاورتكم ، لتعلموا أنكم الآن أعظم حالا مما كنتم قبل ~~ذلك ، والسبب فيه انكم قبل هذه الواقعة كنتم تعولون على أعمالكم وطاعتكم ، ~~والآن تعولون على فضلي وعفوي ، فيجب أن تصير درجتكم ومنزلتكم الآن أعظم مما ~~كان قبل ذلك ، لتعلموا أن عفوي أعظم من عملكم وكرمي أكثر من طاعتكم . ~~والوجوه الثلاثة الأول مذكورة ، والبقية مما خطر ببالي عند هذا الموضع ~~والله أعلم بمراده وأسرار كتابه . PageV09P054 # / المسألة الثالثة : اتفقوا على ان كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز ~~للرسول أن يشاور فيه الأمة ، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس ، فأما ~~ما لا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أم لا ؟ قال الكلبي ~~وكثير من العلماء : هذا الأمر مخصوص بالمشاورة في الحروب وحجته ان الألف ~~واللام في لفظ ( الأمر ) ليسا للاستغراق ، لما بين أن الذي نزل فيه الوحي ~~لا تجوز المشاورة فيه ، فوجب ms2551 حمل الألف واللام ههنا على المعهود السابق ، ~~والمعهود السابق في هذه الآية إنما هو ما يتعلق بالحرب ولقاء العدو ، فكان ~~قوله : { وشاورهم فى الامر } مختصا بذلك / ثم قال القائلون بهذا القول : قد ~~أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول على ~~الماء فقبل منه ، فأشار عليه السعدان : سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، يوم ~~الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا ، فقبل منهما وخرق ~~الصحيفة ، ومنهم من قال : اللفظ عام خص عنه ما نزل فيه وحي فتبقى حجته في ~~الباقي ، والتحقيق في القول أنه تعالى أمر أولي الأبصار بالاعتبار فقال : { ~~فاعتبروا ياأولى * أولى * الابصار } ( الحشر : 2 ) وكان عليه السلام سيد ~~أولي الأبصار ، ومدح المستنبطين فقال : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ( ~~النساء : 83 ) وكان أكثر الناس عقلا وذكاء ، وهذا يدل على أنه كان مأمورا ~~بالاجتهاذ إذا لم ينزل عليه الوحي ، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة ~~فلهذا كان مأمورا بالمشاورة . وقد شاورهم يوم بدر في الاساري وكان من أمور ~~الدين ، والدليل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس أن النص كان لعامة ~~الملائكة في سجود آدم ، ثم ان ابليس خص نفسه بالقياس وهو قوله : { خلقتني ~~من نار وخلقته من طين } ( الأعراف : 12 ) فصار ملعونا ، فلو كان تخصيص النص ~~بالقياس جائزا لما استحق اللعن بهذا السبب . # المسألة الرابعة : ظاهر الأمر للوجوب فقوله : { وشاورهم } يقتضي الوجوب ، ~~وحمل الشافعي رحمه الله ذلك على الندب فقال هذا كقوله عليه الصلاة والسلام ~~: ( البكر تستأمر في نفسها ) ولو أكرهها الأب على النكاح جاز ، لكن الأولى ~~ذلك تطييبا لنفسها فكذا ههنا . # المسألة الخامسة : روى الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ~~أنه قال : الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورته في هذه الآية أبو ~~بكر وعمر رضي الله عنهما ، وعندي فيه اشكال ، لأن الذين أمر الله رسوله ~~بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمره بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم وهم ~~المنهزمون ، فهب أن عمر كان من المنهزمين فدخل تحت الآية ms2552 ، إلا أن أبا بكر ~~ما كان منهم فكيف يدخل تحت هذه الآية والله أعلم . # ثم قال : { فإذا عزمت فتوكل على الله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المعنى أنه إذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة فلا يجب أن ~~يقع الاعتماد عليه / بل يجب أن يكون الاعتماد على إعانة الله وتسديده ~~وعصمته ، والمقصود أن لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله في جميع ~~الأمور . # المسألة الثانية : دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الانسان نفسه ، ~~كما يقوله بعض الجهال ، وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل ، ~~بل التوكل هو أن يراعي الانسان الأسباب الظاهرة ، ولكن لا يعول بقلبه عليها ~~، بل يعول على عصمة الحق . PageV09P055 # المسألة الثالثة : حكي عن جابر بن زيد أنه قرأ { فإذا عزمت } بضم التاء ، ~~كأن الله تعالى قال للرسول إذا عزمت أنا فتوكل ، وهذا ضعيف من وجهين : ~~الأول : وصف الله بالعزم غير جائز ، ويمكن أن يقال : هذا العزم بمعنى ~~الايجاب والالزام ، والمعنى وشاورهم في الأمر ، فاذا عزمت لك على شيء ~~وأرشدتك إليه . فتوكل علي ، ولا تشاور بعد ذلك أحدا . والثاني : أن القراءة ~~التي لم يقرأ بها أحد من الصحابة لا يجوز إلحاقها بالقرآن والله أعلم . # ثم قال تعالى : { إن الله يحب المتوكلين } والغرض منه ترغيب المكلفين في ~~الرجوع إلى الله تعالى والاعراض عن كل ما سوى الله . # ! 7 < { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من ~~بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 160 ) إن ينصركم الله . . . . . # > > قال ابن عباس : ان ينصركم الله كما نصركم يوم بدر . فلا يغلبكم أحد ، ~~وان يخذلكم كما خذلكم يوم أحد لم ينصركم أحد . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قيل المقصود من الآية الترغيب في الطاعة ، والتحذير عن ~~المعصية ، وذلك لأنه تعالى بين فيما تقدم أن من اتقى معاصي الله تعالى نصره ~~الله ، وهو قوله : { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هاذا يمددكم ~~ربكم بخمسة ءالاف من الملئكة } ( آل عمران : 125 ) ثم بين في هذه الآية أن ms2553 ~~من نصره الله فلا غالب له ، فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين ، ان من اتقى ~~الله فقد فاز بسعادة الدنيا والآخرة فانه يفوز بسعادة لا شقاوة معها وبعز ~~لا ذل معه ، ويصير غالبا لا يغلبه أحد ، وأما من أتى بالمعصية فان الله ~~يخذله ، ومن خذله الله فقد وقع في شقاوة لا سعادة معها ، وذل لا عز معه . # المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الايمان لا يحصل الا ~~باعانة الله ، والكفر لا يحصل الا بخذلانه ، والوجه فيه ظاهر لأنها دالة ~~على أن الأمر كله لله . # المسألة الثالثة : قرأ عبيد بن عمير { وإن يخذلكم } من أخذله اذا جعله ~~مخذولا . # المسألة الرابعة : قوله : { من بعده } فيه وجهان : الأول : يعني من بعد ~~خذلانه ، والثاني : أنه مثل قولك : ليس لك من يحسن اليك من بعد فلان . # ثم قال : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } يعني لما ثبت أن الأمر كله بيد ~~الله ، وأنه لا راد لقضائه ولا دافع لحكمه ، وجب أن لا يتوكل المؤمن الا ~~عليه ، وقوله : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } يفيد الحصر ، أي على الله ~~فليتوكل المؤمنون لا على غيره . # PageV09P056 ! 7 < { وما كان لنبى أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 161 ) وما كان لنبي . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بلغ في الحث على الجهاد أتبعه بذكر أحكام الجهاد ~~. ومن جملتها المنع من الغلول ، فذكر هذه الآية في هذا المعنى وفيها مسائل ~~: # المسألة الأولى : الغلول هو الخيانة ، وأصله أخذ الشيء في الخفية ، يقال ~~أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخيانة ، ~~والغل الحقد الكامن في الصدر . والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الثياب ، ~~والغلل الماء الذي يجري في أصول الشجرة لأنه مستتر بالأشجار وتغلل الشيء ~~إذا تخلل وخفى ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من بعثناه على عمل فغل شيئا ~~جاء يوم القيامة يحمله على عنقه ) وقال : ( هدايا الولاة غلول ) وقال : ( ~~ليس على المستعير غير المغل ضمان ) وقال : ( لا إغلال ms2554 ولا إسلال ) وأيضا ~~يقال : أغله اذا وجده غالا ، كقولك : أبخلته وأفحمته . أي وجدته كذلك . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ( يغل ) بفتح الياء وضم ~~الغين ، أي ما كان للنبي أن يخون ، وقرأ الباقون من السبعة ( يغل ) بضم ~~الياء وفتح الغين ، أي ما كان للنبي أن يخان . # واختلفوا في أسباب النزول ، فبعضها يوافق القراءة الأولى . وبعضها يوافق ~~القراءة الثانية . # / أما النوع الأول : ففيه روايات : الأولى : أنه عليه الصلاة والسلام غنم ~~في بعض الغزوات وجمع الغنائم ، وتأخرت القسمة لبعض الموانع ، فجاء قوم ~~وقالوا : ألا تقسم غنائمنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( لو كان لكم مثل ~~أحد ذهبا ما حبست عنكم منه درهما أتحسبون أني أغلكم مغنمكم ) فأنزل الله ~~هذه الآية . الثاني : أن هذه الآية نزلت في أداء الوحي ، كان عليه الصلاة ~~والسلام يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتم ، فسألوه أن يترك ذلك فنزلت ~~هذه الآية . الثالث : روى عكرمة وسعيد بن جبير : أن الآية نزلت في قطيفة ~~حمراء فقدت يوم بدر ، فقال بعض الجهال لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها ~~فنزلت هذه الآية . الرابع : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق آخر أن ~~أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي عليه الصلاة والسلام من الغنائم بشيء ~~زائد فنزلت هذه الآية . الخامس : روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث طلائع ~~فغنموا غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع فنزلت هذه الآية . السادس : قال ~~الكلبي ومقاتل : نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلبا ~~للغنيمة وقالوا : نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم : من أخذ شيئا فهو ~~له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر ، فقال عليه الصلاة والسلام ~~: ( ظننتم أنا نغل فلا نقسم لكم ) فنزلت هذه الآية . # واعلم أن على الرواية الأولى المراد من الآية النهي عن أن يكتم الرسول ~~شيئا من الغنيمة عن أصحابه لنفسه ، وعلى الروايات الثلاثة يكون المقصود ~~نهيه عن الغلول ، بأن يعطى للبعض دون البعض . PageV09P057 # وأما ما يوافق القراءة الثانية : فروي أن النبي صلى ms2555 الله عليه وسلم لما ~~وقعت غنائم هوازن في يده يوم حنين ، غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية . واعلم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم أمر الغلول وجعله من الكبائر ، عن ثوبان ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من فارق روحه جسده وهو بريء ~~من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين ) وعن عبدالله بن عمرو : أن رجلا ~~كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم ، يقال له : كركرة فمات ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : هو في النار ، فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء وعباءة ~~قد غلهما / وقال عليه الصلاة والسلام : ( أدوا الخيط والمخيط فانه عار ونار ~~وشنار يوم القيامة ) وروي رويفع بن ثابت الانصاري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء ~~المسلمين حتى اذا أعجفها ردها ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~يلبس ثوبا حتى اذا أخلقه رده ) وروي أنه صلى الله عليه وسلم جعل سلمان علي ~~الغنيمة فجاءه رجل وقال يا سلمان / كان في ثوبي خرق فأخذت خيطا من هذا ~~المتاع فخطته به ، فهل علي جناح ؟ فقال سلمان : كل شيء بقدره فسل الرجل ~~الخيط من ثوبه ثم ألقاه في المتاع ، وروي أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم بشراك أو شراكين من المغنم ، فقال أصبت هذا يوم خيبر ، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( شراك أو شراكان من نار ) ورمى رجل بسهم في خيبر ، فقال ~~القوم لما مات : هنيئا له الشهادة فقال عليه الصلاة والسلام : ( كلا والذي ~~نفس محمد بيده أن الشملة التي أخذها من الغنائم قبل قسمتها لتلتهب عليه ~~نارا ) واعلم أنه يستثنى عن هذ النهي حالتان . # الحالة الأولى : أخذ الطعام وأخذ علف الدابة بقدر الحاجة ، قال عبدالله ~~بن أبي أوفى : أصبنا طعاما يوم حنين ، فكان الرجل يأتي فيأخذ منه قدر ~~الكفاية ثم ينصرف ، وعن سلمان أنه أصاب يوم المدائن أرغفة وجبنا وسكينا ، ~~فجعل يقطع من الجبن ويقول : كلوا ms2556 على اسم الله . # الحالة الثانية : اذا احتاج اليه ، روي عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلا ~~من المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به . # المسألة الثالثة : أما القراءة بفتح الياء وضم الغين ، بمعنى : ما كان ~~لنبي أن يخون ، فله تأويلان : الأول : أن يكون المراد أن النبوة والخيانة ~~لا يجتمعان ، وذلك لأن الخيانة سبب للعار في الدنيا والنار في الآخرة ، ~~فالنفس الراغبة فيها تكون في نهاية الدناءة ، والنبوة أعلى المناصب ~~الانسانية فلا تليق إلا بالنفس التي تكون في غاية الجلالة والشرف ، والجمع ~~بين الصفتين في النفس الواحدة ممتنع ، فثبت أن النبوة والخيانة لا تجتمعان ~~، فنظير هذه الآية قوله : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) ~~يعني : الالهية واتخاذ الولد لا يجتمعان ، وقيل : اللام منقولة ، والتقدير ~~: وما كان النبي ليغل ، كقوله : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } أي ما كان ~~الله ليتخذ ولدا . # الوجه الثاني : في تأويل هذه الآية على هذه القراءة أن يقال : ان القوم ~~قد التمسوا منه أن يخصهم بحصة زائدة من الغنائم ، ولا شك أنه لو فعل ذلك ~~لكان ذلك غلولا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية مبالغة في النهي له عن ذلك ، ~~ونظيره قوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) وقوله : { ولو * ~~نقول * علينا بعض الاقاويل * لاخذنا منه باليمين } ( الحاقة : 44 ) فقوله : ~~{ وما كان لنبى أن يغل } أي ما كان يحل له ذلك ، واذا لم يحل له لم يفعله ، ~~ونظيره قوله : { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهاذا } ( ~~النور : 16 ) أي ما يحل لنا . # وإذا عرفت تأويل الآية على هذه القراءة فنقول : حجة هذه القراءة وجوه : ~~أحدها : أن أكثر الروايات في سبب PageV09P058 نزول هذه الآية أنهم نسبوا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الغلول ، فبين الله بهذه الآية أن هذه ~~الخصلة لا تليق به . وثانيها : أن ما هو من هذا القبيل في التنزيل أسند ~~الفعل فيه / إلى الفاعل كقوله : { ما كان لنا أن نشرك بالله } و { ما كان ~~ليأخذ أخاه ms2557 } ( يوسف : 76 ) { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ( آل ~~عمران : 145 ) { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } ( يوسف : 38 ) { ~~وما كان الله ليطلعكم على الغيب } ( آل عمران : 179 ) وقل أن يقال : ما كان ~~زيد ليضرب ، وإذا كان كذلك وجب إلحاق هذه الآية بالاعم الأغلب ، ويؤكده ما ~~حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة ، وقال : ليس في الكلام ~~ما كان لك أن تضرب ، بضم التاء . وثالثها : أن هذه القراءة اختيار ابن عباس ~~: فقيل له ان ابن مسعود يقرأ ( يغل ) فقال ابن عباس : كان النبي يقصدون ~~قتله ، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة ؟ وأما القراءة الثانية وهي ( يغل ) ~~بضم الياء وفتح الغين ففي تأويلها وجهان : الأول : أن يكون المعنى : ما كان ~~للنبي أن يخان . # واعلم أن الخيانة مع كل أحد محرمة ، وتخصيص النبي بهذه الحرمة فيه فوائد ~~: أحدها : أن المجنى عليه كلما كان أشرف وأعظم درجة كانت الخيانة في حقه ~~أفحش ، والرسول أفضل البشر فكانت الخيانة في حقه أفحش . وثانيها : أن الوحي ~~كان يأتيه حالا فحالا ، فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب ~~الآخرة فضيحة الدنيا . وثالثها : ان المسلمين كانوا في غاية الفقر في ذلك ~~الوقت فكانت تلك الخيانة هناك أفحش . # الوجه الثاني : في التأويل : أن يكون من الاغل : أن يخون ، أي ينسب إلى ~~الخيانة ، قال المبرد تقول العرب : أكفرت الرجل جعلته كافرا ونسبته إلى ~~الكفر ، قال العتبي : لو كان هذا هو المراد لقيل : يعلل ، كما قيل : يفسق ~~ويفجر ويكفر ، والأولى : أن يقال : إنه من أغللته ، أي وجدته غالا ، كما ~~يقال أبخلته وأفحمته ، أي وجدته كذلك . قال صاحب ( الكشاف ) : وهذه القراءة ~~بهذا التأويل يقرب معناها من معنى القراءة الأولى ، لأن هذا المعنى لهذه ~~القراءة هو أنه لا يصح أن يوجد النبي غالا ، لأنه يوجد غالا إلا إذا كان ~~غالا . # المسألة الرابعة : قد ذكرنا ان الغلول هو الخيانة ، إلا أنه في عرف ~~الاستعمال صار مخصوصا بالخيانة في الغنيمة ، وقد جاء هذا أيضا في غير ms2558 ~~الغنيمة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بأكبر الغلول الرجلان ~~يكون بينهما الدار والأرض فان اقتطع أحدهما من صاحبه موضع حصاة طوقها من ~~الأرضين السبع ) وعلى هذا التأويل يكون المعنى كونه صلوات الله وسلامه عليه ~~مبرأ عن جميع الخيانات ، وكيف لا نقول ذلك والكفار كانوا يبذلون له الأموال ~~العظيمة لترك ادعاء الرسالة فكيف يليق بمن كان كذلك وكان أمينا لله في ~~الوحي النازل اليه من فوق سبع سموات أن يخون الناسا # ثم قال تعالى : { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } وفيه وجهان : الأول ~~: وهو قول أكثر / المفسرين إجراء هذه الآية على ظاهرها ، قالوا : وهي نظير ~~قوله في مانع الزكاة { يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم هاذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا } ( التوبة : 35 ) ويدل عليه ~~قوله : ( لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو بقرة ~~لها خوار أو شاة لها ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله ~~شيئا قد بلغتك ) وعن ابن عباس أنه قال : يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ، ~~ثم يقال له : انزل اليه فخذه فينزل اليه ، فاذا انتهى اليه حمله على ظهره ~~فلا يقبل منه . قال المحققون : والفائدة فيه أنه إذا PageV09P059 جاء يوم ~~القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته . # الوجه الثاني : أن يقال : ليس المقصود منه ظاهره ، بل المقصود تشديد ~~الوعيد على سبيل التمثيل والتصوير ، ونظيره قوله تعالى : { إنها إن تك ~~مثقال حبة من خردل فتكن فى صخرة أو فى * السماوات * أو فى الارض يأت بها ~~الله } ( لقمان : 16 ) فانه ليس المقصود نفس هذا الظاهر : بل المقصود إثبات ~~أن الله تعالى لا يعزب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~، فكذا ههنا المقصود تشديد الوعيد ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجهين : ~~الأول : قال أبو مسلم : المراد أن الله تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره ~~عليه يوم القيامة ويجازيه ، لأنه لا يخفى عليه خافية . الثاني : قال أبو ms2559 ~~القاسم الكعبي : المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء ، ~~واعلم أن هذا التأويل يحتمل إلا أن الأصل المعتبر في علم القرآن أنه يجب ~~إجراء اللفظ على الحقيقة ، إلا إذا قام دليل يمنع منه ، وههنا لا مانع من ~~هذا الظاهر ، فوجب اثباته . # ثم قال تعالى : { ثم توفى كل نفس ما كسبت } وفيه سؤالان : # السؤال الأول : هلا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل بما قبله ؟ # والجواب : الفائدة في ذكر هذا العموم أن صاحب الغلول إذا علم أن ههنا ~~مجازيا يجازي كل أحد على عمله سواء كان خيرا أو شرا ، علم أنه غير متخلص من ~~بينهم مع عظم ما اكتسب . # السؤال الثاني : المعتزلة يتمسكون بهذا في إثبات كون العبد فاعلا ، وفي ~~إثبات وعيد الفساق . # أما الأول : فلأنه تعالى أثبت الجزاء على كسبه ، فلو كان كسبه خلقا لله ~~لكان الله تعالى يجازيه على ما خلقه فيه . # وأما الثاني : فلأنه تعالى قال في القاتل المتعمد : { فجزاؤه جهنم } ( ~~النساء : 93 ) وأثبت في هذه الآية أن كل عامل يصل اليه جزاؤه فيحصل من ~~مجموع الآيتين القطع بوعيد الفساف . # والجواب : أما سؤال الفعل فجوابه المعارضة بالعلم ، وأما سؤال الوعيد ~~فهذا العموم مخصوص / في صورة التوبة ، فكذلك يجب أن يكون مخصوصا في صورة ~~العفو للدلائل الدالة على العفو . # ثم قال تعالى : { وهم لا يظلمون } قال القاضي : هذا يدل على أن الظلم ~~ممكن في أفعال الله وذلك بأن ينقص من الثواب أو يزيد في العقاب ، قال : ولا ~~يتأتى ذلك إلا على قولنا دون قول من يقول من المجبرة : ان أي شيء فعله ~~تعالى فهو عدل وحكمة لأنه المالك . # الجواب : نفي الظلم عنه لا يدل على صحته عليه ، كما أن قوله : { لا تأخذه ~~سنة ولا نوم } ( البقرة : 255 ) لا يدل على صحتهما عليه . # ! 7 < { أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 162 ) أفمن اتبع رضوان . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قال : { ثم توفى كل نفس ما كسبت } ( البقرة : 281 ~~، آل ms2560 عمران : 161 ) أتبعه بتفصيل هذه الجملة ، وبين ان جزاء PageV09P060 ~~المطيعين ما هو ، وجزاء المسيئين ما هو ، فقال : { أفمن اتبع رضوان الله } ~~وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : للمفسرين فيه وجوه : الأول : { أفمن اتبع رضوان الله } ~~في ترك الغلول { كمن باء بسخط من الله } في فعل الغلول ، وهو قول الكلبي ~~والضحاك . الثاني : أفمن اتبع رضوان الله بالايمان به والعمل بطاعته ، كمن ~~باء بسخط من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته ، الثالث : { أفمن اتبع ~~رضوان الله } وهم المهاجرون ، { كمن باء بسخط من الله } وهم المنافقون ، ~~الرابع : قال الزجاج : لما حمل المشركون على المسلمين دعا النبي صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه إلى أن يحملوا على المشركين ، ففعله بعضهم وتركه آخرون . ~~فقال : { أفمن اتبع رضوان الله } وهم الذين امتثلوا أمره { كمن باء بسخط من ~~الله } وهم الذين لم يقبلوا قوله ، وقال القاضي : كل واحد من هذه الوجوه ~~صحيح ، ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه { أفمن اتبع رضوان الله } وكل من أخلد ~~إلى متابعة النفس والشهوة فهو داخل تحت قوله : { كمن باء بسخط من الله } ~~أقصى ما في الباب أن الآية نازلة في واقعة معينة ، لكنك تعلم أن عموم اللفظ ~~لا يبطل لأجل خصوص السبب . # المسألة الثانية : قوله : { أفمن اتبع } الهمزة فيه للانكار ، والفاء ~~للعطف على محذوف تقديره : أمن اتقى فاتبع رضوان الله . # / المسألة الثالثة : قوله : { باء بسخط } أي احتمله ورجع به ، وقد ذكرناه ~~في سورة البقرة . # المسألة الرابعة : قرأ عاصم في إحدى الروايتين عنه : { رضوان الله } بضم ~~الراء ، والباقون بالكسر وهما مصدران ، فالضم كالكفران ، والكسر كالحسبان . # المسألة الخامسة : قوله : { ومأواه جهنم } من صلة ما قبله والتقدير : كمن ~~باء بسخط من الله وكان مأواه جهنم ، فأما قوله : { وبئس المصير } فمنقطع ~~عما قبله وهو كلام مبتدأ ، كأنه لما ذكر جهنم أتبعه بذكر صفتها . # المسألة السادسة : نظير هذه الآية قوله تعالى : { ما يحكمون وخلق الله ~~السماوات والارض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا } ( الجاثية : 21 ) ~~وقوله : { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ( السجدة : 18 ) وقوله ms2561 ~~: { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض أم نجعل ~~المتقين كالفجار } ( ص : 28 ) واحتج القوم بهذه الآية على أنه لا يجوز من ~~الله تعالى أن يدخل المطيعين في النار ، وأن يدخل المذنبين الجنة ، وقالوا ~~: انه تعالى ذكر ذلك على سبيل الاستبعاد ، ولولا أنه ممتنع في العقول ، ~~والا لما حسن هذا الاستبعاد ، وأكد القفال ذلك فقال : لا يجوز في الحكمة أن ~~يسوى المسيء بالمحسن ، فان فيه إغراء بالمعاصي وإباحة لها وإهمالا للطاعات ~~. # ! 7 < { هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 163 ) هم درجات عند . . . . . # > > وفيه مسائل . # المسألة الأولى : تقدير الكلام : لهم درجات عند الله ، الا أنه حسن هذا ~~الحذف ، لان اختلاف PageV09P061 أعمالهم قد صيرتهم بمنزلة الأشياء المختلفة ~~في ذواتها . فكان هذا المجاز أبلغ من الحقيقة والحكماء يقولون : ان النفوس ~~الانسانية مختلفة بالماهية والحقيقة ، فبعضها ذكية وبعضها بليدة ، وبعضها ~~مشرقة نورانية ، وبعضها كدرة ظلمانية ، وبعضها خيرة وبعضها نذلة ، واختلاف ~~هذه الصفات ليس لاختلاف الامزجة البدنية ، بل لاختلاف ماهيات النفوس ، ~~ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ) وقال ~~: ( الارواح جنود مجندة ) واذا كان كذلك ثبت أن الناس في أنفسهم درجات ، لا ~~أن لهم درجات . # المسألة الثانية : هم : عائد إلى لفظ ( من ) في قوله : { أفمن اتبع رضوان ~~الله } ( آل عمران : 162 ) ولفظ ( من ) يفيد الجمع في المعنى ، فلهذا صح أن ~~يكون قوله : { هم } عائدا اليه ، ونظيره قوله : { أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا لا يستوون } فان قوله : { يستوون } صيغة الجمع وهو عائد إلى ( من ) . # المسألة الثالثة : هم : ضمير عائد إلى شيء قد تقدم ذكره ، وقد تقدم ذكر ~~من اتبع رضوان الله وذكر من باء بسخط من الله ، فهذا الضمير يحتمل أن يكون ~~عائدا إلى الاول ، أو إلى الثاني ، أو اليهما معا ، والاحتمالات ليست الا ~~هذه الثلاثة . # الوجه الأول : أن يكون عائدا إلى { من اتبع رضوانه * الله } وتقديره : ~~أفمن اتبع رضوان الله سواء ، لا بل هم درجات عند الله على حسب أعمالهم ، ~~والذي يدل على ان ms2562 هذا الضمير عائد إلى من اتبع الرضوان وأنه أولى ، وجوه : ~~الأول : ان الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب ، والدركات في ~~أهل العقاب . الثاني : أنه تعالى وصف من باء بسخط من الله ، وهو أن مأواهم ~~جهنم وبئس المصير ، فوجب أن يكون قوله : { هم درجات } وصفا لمن اتبع رضوان ~~الله . الثالث : أن عادة القرآن في الأكثر جارية بأن ما كان من الثواب ~~والرحمة فان الله يضيفه إلى نفسه ، وما كان من العقاب لا يضيفه إلى نفسه ، ~~قال تعالى : { كتب ربكم على نفسه الرحمة } وقال : { كتب عليكم القصاص } ( ~~البقرة : 178 ) { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) فما أضاف هذه ~~الدرجات إلى نفسه حيث قال : { هم درجات عند الله } علمنا أن ذلك صفة أهل ~~الثواب . ورابعها : أنه متأكد بقوله تعالى : { انظر كيف فضلنا بعضهم على ~~بعض وللاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } ( الإسراء : 21 ) . # والوجه الثاني : أن يكون قوله : { هم درجات } عائدا على { من * باء بسخط ~~من الله } والحجة أن الضمير عائد إلى الأقرب وهو قول الحسن ، قال : والمراد ~~أن أهل النار متفاوتون في مراتب العذاب ، وهو كقوله : { ولكل درجات مما ~~عملوا } ( الأحقاف : 19 ) وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان فيها ~~أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل يحذى له نعلان من نار يعلى من حرهما ~~دماغه ينادي يا رب وهل أحد يعذب عذابي ) . # الوجه الثالث : أن يكون قوله : { هم } عائدا إلى الكل ، وذلك لأن درجات ~~أهل الثواب متفاوتة ، ودرجات أهل العقاب أيضا متفاوتة على حسب تفاوت أعمال ~~الخلق ، لأنه تعالى قال : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 8 ) فلما تفاوتت مراتب الخلق في أعمال المعاصي ~~والطاعات وجب أن تتفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب . PageV09P062 # المسألة الرابعة : قوله : { عند الله } أي في حكم الله وعلمه ، فهو كما ~~يقال : هذه المسألة عند الشافعي كذا ، وعند أبي حنيفة كذا ، وبهذا يظهر ~~فساد استدلال المشبهة بقوله : { ومن عنده لا يستكبرون } ( الأنبياء : 19 ) ~~وقوله : { عند مليك مقتدر } ( القمر ms2563 : 55 ) . # / ثم قال تعالى : { والله بصير بما يعملون } والمقصود أنه تعالى لما ذكر ~~أنه يوفى لكل أحد بقدر عمله جزاء ، وهذا لا يتم إلا اذا كان عالما بجميع ~~أفعال العباد على التفصيل الخالي عن الظن والريب والحسبان ، أتبعه ببيان ~~كونه عالما بالكل تأكيدا لذلك المعنى ، وهو قوله : { والله بصير بما يعملون ~~} وذكر محمد بن إسحاق صاحب المغازي في تأويل قوله : { وما كان لنبى أن يغل ~~} ( آل عمران : 161 ) وجها آخر فقال : ما كان لنبي أن يغل أي ما كان لنبي ~~أن يكتم الناس ما بعثه الله به اليهم رغبة في الناس أو رهبة عنهم ثم قال : ~~{ أفمن اتبع رضوان الله } يعني رجح رضوان الله على رضوان الخلق ، وسخط الله ~~على سخط الخلق ، { كمن باء بسخط من الله } فرجح سخط الخلق على سخط الله ، ~~ورضوان الخلق على رضوان الله ، ووجه النظم على هذا التقرير أنه تعالى لما ~~قال : { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الامر } ( آل عمران : 159 ) بين ~~أن ذلك إنما يكون معتبرا اذا كان على وفق الدين ، فأما اذا كان على خلاف ~~الدين فانه غير جائز ، فكيف يمكن التسوية بين من اتبع رضوان الله وطاعته ، ~~وبين من اتبع رضوان الخلق ، وهذا الذي ذكره محتمل ، لأنا بينا أن الغلول ~~عبارة عن الخيانة على سبيل الخفية ، وأما أن اختصاص هذا اللفظ بالخيانة في ~~الغنيمة فهو عرف حادث . # ! 7 < { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا ~~عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال ~~مبين } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 164 ) لقد من الله . . . . . # > > اعلم أن في وجه النظم وجوها : الأول : أنه تعالى لما بين خطأ من نسبه ~~إلى الغلول والخيانة أكد ذلك بهذه الآية ، وذلك لان هذا الرسول ولد في ~~بلدهم ونشأ فيما بينهم ، ولم يظهر منه طول عمره الا الصدق والامانة والدعوة ~~إلى الله والاعراض عن الدنيا ، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة . # الوجه الثاني : أنه لما بين خطأهم في نسبته إلى الخيانة ms2564 والغلول قال : لا ~~أقنع بذلك ولا أكتفي في حقه بأن أبين براءته عن الخيانة والغلول ، ولكني ~~أقول : ان وجوده فيكم من أعظم نعمتي عليكم فانه يزكيكم عن الطريق الباطلة ، ~~ويعلمكم العلوم النافعة لكم في دنياكم وفي دينكم ، فأي عاقل يخطر بباله أن ~~ينسب مثل هذا الانسان إلى الخيانة . # الوجه الثالث : كأنه تعالى يقول : انه منكم ومن أهل بلدكم ومن أقاربكم ، ~~وأنتم أرباب الخمول / والدناءة ، فاذا شرفه الله تعالى وخصه بمزايا الفضل ~~والاحسان من جميع العالمين ، حصل لكم شرف عظيم PageV09P063 بسبب كونه فيكم ~~، فطعنكم فيه واجتهادكم في نسبة القبائح اليه على خلاف العقل . # الوجه الرابع : انه لما كان في الشرف والمنقبة بحيث يمن الله به على ~~عباده وجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ، فوجب عليكم أن ~~تحاربوا أعداءه وأن تكونوا معه باليد واللسان والسيف والسنان ، والمقصود ~~منه العود إلى ترغيب المسلمين في مجاهدة الكفار وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : للمن في كلام العرب معان : ~~أحدها : الذي يسقط من السماء وهو قوله : { وأنزلنا عليكم المن والسلوى } ( ~~البقرة : 57 ) وثانيها : أن تمن بما أعطيت وهو قوله : { لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والاذى } ( البقرة : 264 ) وثالثها : القطع وهو قوله : { لهم أجر غير ~~} ( فصلت : 8 ) { بمجنون وإن لك لاجرا غير ممنون } ورابعها : الانعام ~~والاحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه ، ومنه قوله : { هاذا عطاؤنا فامنن أو ~~أمسك } ( ص: 39 ) وقوله : { ولا تمنن تستكثر } والمنان في صفة الله تعالى : ~~المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا وقوله : { لقد من الله على المؤمنين ~~} أي أنعم عليهم وأحسن اليهم ببعثه هذا الرسول . # المسألة الثانية : أن بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين ، وذلك لأن وجه ~~الاحسان في بعثته كونه داعيا لهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم إلى ~~ثواب الله ، وهذا عام في حق العالمين ، لأنه مبعوث إلى كل العالمين ، كما ~~قال تعالى : { وما أرسلناك إلا كافة للناس } ( سبأ : 28 ) إلا أنه لما لم ~~ينتفع بهذا الانعام الا أهل الاسلام ms2565 ، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة ~~بالمؤمنين ، ونظيره قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) مع أنه ~~هدى للكل ، كما قال : { هدى للناس } ( البقرة : 185 ) وقوله : { إنما أنت ~~منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) . # المسألة الثالثة : اعلم أن بعثة الرسول إحسان من الله إلى الخلق ثم انه ~~لما كان الانتفاع بالرسول أكثر كان وجه الانعام في بعثة الرسل أكثر ، وبعثة ~~محمد صلى الله عليه وسلم كانت مشتملة على الأمرين : أحدهما : المنافع ~~الحاصلة من أصل البعثة ، والثاني : المنافع الحاصلة بسب ما فيه من الخصال ~~التي ما كانت موجودة في غيره . # أما المنفعة بسبب أصل البعثة فهي التي ذكرها الله تعالى في قوله : { رسلا ~~مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ( النساء : 165 ) ~~قال أبو عبدالله الحليمي : وجه الانتفاع ببعثة الرسل ليس إلا في طريق الدين ~~وهو من وجوه : الأول : أن الخلق جبلوا على النقصان وقلة الفهم وعدم الدراية ~~، فهو صلوات الله عليه أورد عليهم وجوه الدلائل ونقحها ، وكلما خطر ببالهم ~~شك أو شبهة أزالها وأجاب عنها . والثاني : ان الخلق وان كانوا يعلمون أنه ~~لا بد لهم من خدمة مولاهم ، ولكنهم ما كانوا عارفين بكيفية تلك الخدمة ، ~~فهو شرح تلك الكيفية لهم حتى يقدموا على الخدمة آمنين من / الغلط ومن ~~الاقدام على ما لا ينبغي . والثالث : أن الخلق جبلوا على الكسل والغفلة ~~والتواني والملالة فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات حتى انه كلما ~~عرض لهم كسل أو فتور نشطهم للطاعة ورغبهم فيها . الرابع : أن أنوار عقول ~~الخلق تجري مجرى أنوار البصر ، ومعلوم أن الانتفاع بنور البصر لا يكمل الا ~~عند سطوع نور الشمس ، ونوره عقلي إلهي PageV09P064 يجري مجرى طلوع الشمس ، ~~فيقوي العقول بنور عقله ، ويظهر لهم من لوائح الغيب ما كان مستترا عنهم قبل ~~ظهوره ، فهذا إشارة حقيقية إلى فوائد أصل البعثة . # وأما المنافع الحاصلة بسبب ما كان في محمد صلى الله عليه وسلم من الصفات ~~، فأمور ذكرها الله تعالى في هذه الآية أولها قوله : { من أنفسهم } . # واعلم أن وجه الانتفاع ms2566 بهذا من وجوه : الأول : أنه عليه السلام ولد في ~~بلدهم ونشأ فيما بينهم وهم كانوا عارفين بأحواله مطلعين على جميع أفعاله ~~وأقواله ، فما شاهدوا منه من أول عمره إلى آخره إلا الصدق والعفاف ، وعدم ~~الالتفات إلى الدنيا والبعد عن الكذب ، والملازمة على الصدق ، ومن عرف من ~~أحواله من أول العمر إلى آخره ملازمته الصدق والأمانة ، وبعده عن الخيانة ~~والكذب ، ثم ادعى النبوة والرسالة التي يكون الكذب في مثل هذه الدعوى أقبح ~~أنواع الكذب ، يغلب على ظن كل أحد أنه صادق في هذه الدعوى . الثاني : أنهم ~~كانوا عالمين بأنه لم يتلمذ لأحد ولم يقرأ كتابا ولم يمارس درسا ولا تكرارا ~~، وأنه إلى تمام الأربعين لم ينطق ألبتة بحديث النبوة والرسالة ، ثم انه ~~بعد الأربعين ادعى الرسالة وظهر على لسانه من العلوم ما لم يظهر على أحد من ~~العالمين ، ثم انه يذكر قصص المتقدمين وأحوال الأنبياء الماضين على الوجه ~~الذي كان موجودا في كتبهم ، فكل من له عقل سليم علم أن هذا لا يتأتى إلا ~~بالوحي السماوي والالهام الالهي . الثالث : أنه بعد ادعاء النبوة عرضوا ~~عليه الأموال الكثيرة والأزواج ليترك هذه الدعوى فلم يلتفت إلى شيء من ذلك ~~، بل قنع بالفقر وصبر على المشقة ، ولما علا أمره وعظم شأنه وأخذ البلاد ~~وعظمت الغنائم لم يغير طريقه في البعد عن الدنيا والدعوة إلى الله ، ~~والكاذب إنما يقدم على الكذب ليجد الدنيا ، فاذا وجدها تمتع بها وتوسع فيها ~~، فلما لم يفعل شيئا من ذلك علم أنه كان صادقا . الرابع : أن الكتاب الذي ~~جاء به ليس فيه إلا تقرير التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة وإثبات المعاد ~~وشرح العبادات وتقرير الطاعات ، ومعلوم أن كمال الانسان في أن يعرف الحق ~~لذاته ، والخير لأجل العمل به ، ولما كان كتابه ليس إلا في تقرير هذين ~~الأمرين علم كل عاقل أنه صادق فيما يقوله . الخامس : أن قبل مجيئه كان دين ~~العرب أرذل الأديان وهو عبادة الأوثان ، / وأخلاقهم أرذل الأخلاق وهو ~~الغارة والنهب والقتل وأكل الأطعمة الرديئة . ثم لما بعث الله محمدا ms2567 صلى ~~الله عليه وسلم نقلهم الله ببركة مقدمة من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات ~~إلى أن صاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة وعدم الالتفات إلى ~~الدنيا وطياتها . ولا شك أن فيه أعظم المنة . # إذا عرفت هذه الوجوه فنقول : ان محمدا عليه الصلاة والسلام ولد فيهم ونشأ ~~فيما بينهم وكانوا مشاهدين لهذه الأحوال ، مطلعين على هذه الدلائل ، فكان ~~إيمانهم مع مشاهدة هذه الأحوال أسهل مما إذا لم يكونوا مطلعين على هذه ~~الأحوال . فلهذه المعاني من الله عليهم بكونه مبعوثا منهم فقال : { إذ بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم } وفيه وجه آخر من المنة وذلك لأنه صار شرفا للعرب ~~وفخر لهم ، كما قال : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) وذلك لأن ~~الافتخار بابراهيم عليه السلام كان مشتركا فيه بين اليهود والنصارى والعرب ~~. ثم ان اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى والتوراة والانجيل ، ~~فما كان للعرب ما يقابل ذلك ، فلما بعث الله محمدا عليه السلام وأنزل ~~القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم ، فهذا هو وجه الفائدة ~~في قوله : { من أنفسهم } . PageV09P065 # ثم قال بعد ذلك : { يتلو عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } ~~. # واعلم أن كمال حال الانسان في أمرين : في أن يعرف الحق لذاته ، والخير ~~لأجل العمل به ، وبعبارة أخرى : للنفس الانسانية قوتان ، نظرية وعملية ، ~~والله تعالى أنزل الكتاب على محمد عليه السلام ليكون سببا لتكميل الخلق في ~~هاتين القوتين ، فقوله : { يتلو عليهم ءاياته } إشارة إلى كونه مبلغا لذلك ~~الوحي من عند الله إلى الخلق ، وقوله : { ويزكيهم } اشارة إلى تكميل القوة ~~النظرية بحصول المعارف الالهية { والكتاب } إشارة إلى معرفة التأويل ، ~~وبعبارة أخرى { الكتاب } إشارة إلى ظواهر الشرعية { والحكمة } إشارة إلى ~~محاسن الشريعة وأسرارها وعللها ومنافعها ، ثم بين تعالى ما تتكمل به هذه ~~النعمة . وهو أنهم كانوا من قبل في ضلال مبين ، لأن النعمة إذا وردت بعد ~~المحنة كان توقعها أعظم ، فاذا كان وجه النعمة العلم والاعلام ، ووردا عقيب ~~الجهل والذهاب عن الدين ، كان أعظم ونظيره قوله : { ووجدك ضالا فهدى ms2568 } ( ~~الضحى : 7 ) . # ! 7 < { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هاذا قل هو من ~~عند أنفسكم إن الله على كل شىء قدير } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 165 ) أو لما أصابتكم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم طعنوا في الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بأن نسبوه إلى الغلول والخيانة ، حكى عنهم شبهة أخرى في هذه ~~الآية وهي قولهم : لو كان رسولا من عند الله لما انهزم عسكره من الكفار في ~~يوم أحد : وهو المراد من قولهم : أنى هذا ، وأجاب الله عنه بقوله : { قل هو ~~من عند أنفسكم } أي هذا الانهزام إنما حصل بشؤم عصيانكم فهذا بيان وجه ~~النظم . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : تقرير الآية : { أو لما أصابتكم مصيبة } المراد منها ~~واقعة أحد ، وفي قوله : { قد أصبتم مثليها } قولان : الأول : وهو قول ~~الأكثرين أن معناه قد أصبتم يوم بدر ، وذلك لأن المشركين قتلوا من المسلمين ~~يوم أحد سبعين ، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين . والثاني ~~: أن المسلمين هزموا الكفار يوم بدر ، وهزموهم أيضا في الأول يوم أحد ، ثم ~~لما عصوا هزمهم المشركون ، فانهزام المشركين حصل مرتين ، وانهزام المسلمين ~~حصل مرة واحدة ، وهذا اختيار الزجاج : وطعن الواحدي في هذا الوجه فقال : ~~كما أن المسلمين نالوا من المشركين يوم بدر ، فكذلك المشركون نالوا من ~~المسلمين يوم أحد ، ولكنهم ما هزموا المسلمين ألبتة ، أما يوم أحد ~~فالمسلمون هزموا المشركين أولا ثم انقلب الأمر . # المسألة الثانية : الفائدة في قوله : { قد أصبتم مثليها } هو التنبيه على ~~أن أمور الدنيا لا تبقى على نهج واحد ، فلما هزمتموهم مرتين فأي استبعاد في ~~أن يهزموكم مرة واحدة ، أما قوله : { قلتم أنى هاذا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : سبب تعجبهم أنهم قالوا نحن ننصر الاسلام الذي هو دين ~~الحق ، ومعنا الرسول ، وهم ينصرون دين الشرك بالله والكفر ، فكيف صاروا ~~منصورين عليناا PageV09P066 # واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين : الأول : ما أدرجه عند ~~حكاية السؤال وهو قوله { قد أصبتم مثليها } يعني أن أحوال الدنيا لا ms2569 تبقى ~~على نهج واحد ، فاذا أصبتم منهم مثل هذه / الواقعة . . فكيف تستبعدون هذه ~~الواقعة ؟ والثاني : قوله قل : { هو من عند أنفسكم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : تقرير هذا الجواب من وجهين : الأول : أنكم إنما وقعتم ~~في هذه المصيبة بشؤم معصيتكم وذلك لأنهم عصوا الرسول في أمور : أولها : أن ~~الرسول عليه السلام قال : المصلحة في أن لا نخرج من المدينة بل نبقى ههنا ، ~~وهم أبوا إلا الخروج ، فلما خالفوه توجه إلى أحد . وثانيها : ما حكى الله ~~عنهم من فشلهم . وثالثها : ما وقع بينهم من المنازعة . ورابعها : أنهم ~~فارقوا المكان وفرقوا الجمع . وخامسها : اشتغالهم بطلب الغنيمة وإعراضهم عن ~~طاعة الرسول عليه السلام في محاربة العدو ، فهذه الوجوه كلها ذنوب ومعاصي ، ~~والله تعالى إنما وعدهم النصر بشرط ترك المعصية ، كما قال : { إن تصبروا ~~وتتقوا ويأتوكم من فورهم هاذا يمددكم ربكم } ( آل عمران : 125 ) فلما فات ~~الشرط لا جرم فات المشروط . # الوجه الثاني : في التأويل : ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : جاء ~~جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، فقال : يا محمد ~~إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى ، وقد أمرك أن ~~تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم ، وبين أن يأخذوا الفداء على ~~أن تقتل منهم عدتهم / فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لقومه ، ~~فقالوا : يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم ، فنتقوى به على ~~قتال العدو ، ونرضى أن يستشهد منا بعددهم ، فقتل يوم أحد سبعون رجلا عدد ~~أسارى أهل بدر ، فهو معنى قوله : { قل هو من عند أنفسكم } أي بأخذ الفداء ~~واختياركم القتل . # المسألة الثانية : استدلت المعتزلة على أن أفعال العبد غير مخلوقة لله ~~تعالى بقوله : { قل هو من عند أنفسكم } من وجوه : أحدها : أن بتقدير أن ~~يكون ذلك حاصلا بخلق الله ولا تأثير لقدرة العبد فيه ، كان قوله : { من عند ~~أنفسكم } كذبا ، وثانيها : أن القوم تعجبوا أن الله كيف يسلط الكافر على ~~المؤمن ، فالله تعالى أزال التعجب ms2570 بأن ذكر أنكم إنما وقعتم في هذا المكروه ~~بسبب شؤم فعلكم ، فلو كان فعلهم خلقا لله لم يصح هذا الجواب . وثالثها : أن ~~القوم قالوا : { أنى هاذا } ، أي من أين هذا فهذا طلب لسبب الحدوث ، فلو لم ~~يكن المحدث لها هو العبد لم يكن الجواب مطابقا للسؤال . # والجواب : أنه معارض بالآيات الدالة على كون أفعال العبد بايجاد الله ~~تعالى . # ثم قال تعالى : { إن الله على كل شىء قدير } ( فاطر : 1 ) أي انه قادر ~~على نصركم لو ثبتم وصبرتم ، كما أنه قادر على التخلية إذا خالفتم وعصيتم ، ~~واحتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى قالوا : إن فعل العبد ~~شيء فيكون مخلوقا لله تعالى قادرا عليه ، وإذا كان الله قادرا على إيجاده ، ~~فلو أوجده العبد امتنع كونه تعالى قادرا على إيجاده لأنه لما أوجده العبد ~~امتنع من الله إيجاده ، لأن إيجاد الموجود محال / فلما كان كون العبد موجوا ~~له يفضي إلى هذا المحال ، وجب أن لا يكون العبد موجدا له والله أعلم . # PageV09P067 ! 7 < { ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم ~~المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ~~ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ~~يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم والله أعلم بما يكتمون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 166 - 167 ) وما أصابكم يوم . . . . . # > > # اعلم أن هذا متعلق بما تقدم من قوله : { أو لما أصابتكم مصيبة } ( آل ~~عمران : 165 ) فذكر في هذه الآية الأولى أنها أصابتهم بذنبهم ومن عند ~~أنفسهم ، وذكر في هذه الآية أنها أصابتهم لوجه آخر ، وهو أن يتميز المؤمن ~~عن المنافق ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { يوم التقى الجمعان } ( الفرقان : 41 ) المراد ~~يوم أحد ، والجمعان : أحدهما جمع المسلمين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~والثاني : جمع المشركين الذين كانوا مع أبي سفيان . # المسألة الثانية : في قوله : { فبإذن الله } وجوه : الأول : أن اذن الله ~~عبارة عن التخلية وترك المدافعة ، استعار الاذن لتخلية الكفار فانه لم ~~يمنعهم منهم ليبتليهم ms2571 ، لأن الاذن في الشيء لا يدفع المأذون عن مراده ، ~~فلما كان ترك المدافعة من لوازم الاذن أطلق لفظ الاذن على ترك المدافعة على ~~سبيل المجاز . # الوجه الثاني : فباذن الله : أي بعلمه كقوله : { وأذان من الله } ( ~~التوبرة : 3 ) أي إعلام ، وكقوله : { ما منا من شهيد وضل } ( فصلت : 47 ) ~~وقوله : { فأذنوا بحرب من الله } ( البقرة : 279 ) وكل ذلك بمعنى العلم . ~~طعن الواحدي فيه فقال : الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ولا تقع التسلية ~~إلا إذا كان واقعا بعلمه ، لأن علمه عام في جميع المعلومات بدليل قوله ~~تعالى : { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } ( فاطر : 11 ) . # الوجه الثالث : أن المراد من الاذن الأمر ، بدليل قوله : { ثم صرفكم عنهم ~~ليبتليكم } ( آل عمران : 152 ) والمعنى أنه / تعالى لما أمر بالمحاربة ، ثم ~~صارت تلك المحاربة مؤدية إلى ذلك الانهزام ، صح على سبيل المجاز أن يقال ~~حصل ذلك بأمره . # الوجه الرابع : وهو المنقول عن ابن عباس : أن المراد من الاذن قضاء الله ~~بذلك وحكمه به وهذا أولى لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ، والتسلية ~~إنما تحصل إذا قيل ان ذلك وقع بقضاء الله وقدره ، فحينئذ يرضون بما قضى ~~الله . # ثم قال : { وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا } والمعنى ليميز ~~المؤمنين عن المنافقين وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : يقال : نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر ~~كلمة الايمان وأضمر خلافها ، والنفاق اسم إسلامي اختلف في اشتقاقه على وجوه ~~: الأول : قال أبو عبيدة : هو من نافقاء اليربوع ، وذلك لأن حجر اليربوع له ~~بابان : القاصعاء والنافقاء ، فاذا طلب من أيهما كان خرج من الآخر فقيل ~~للمنافق أنه PageV09P068 منافق ، لأنه وضع لنفسه طريقين ، إظهار الاسلام ~~وإضمار الكفر ، فمن أيهما طلبته خرج من الآخر : الثاني : قال ابن الانباري ~~: المنافق من النفق وهو السرب ، ومعناه أنه يتستر بالاسلام كما يتستر الرجل ~~في السرب . الثالث : أنه مأخوذ من النافقاء ، لكن على غير هذا الوجه الذي ~~ذكره أبو عبيدة ، وهو أن النافقاء جحر يحفره اليربوع في داخل الأرض ، ثم ~~انه يرقق بما فوق الجحر ms2572 ، حتى إذا رابه ريب دفع التراب برأسه وخرج ، فقيل ~~للمنافق منافق لأنه يضمر الكفر في باطنه / فاذا فتشته رمى عنه ذلك الكفر ~~وتمسك بالاسلام . # المسألة الثانية : قوله : { وليعلم المؤمنين } ظاهره يشعر بأنه لأجل أن ~~يحصل له هذا العلم أذن في تلك المصيبة ، وهذا يشعر بتجدد علم الله ، وهذا ~~محال في حق علم الله تعالى ، فالمراد ههنا من العلم المعلوم ، والتقدير : ~~ليتبين المؤمن من المنافق ، وليتميز أحدهما عن الآخر حصل الاذن في تلك ~~المصيبة ، وقد تقدم تقرير هذا المعنى في الآيات المتقدمة والله أعلم . # المسألة الثالثة : في الآية حذف ، تقديره : وليعلم إيمان المؤمنين ونفاق ~~المنافقين . # فان قيل : لم قال : { وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا } ولم يقل : ~~وليعلم المنافقين . # قلنا : الاسم يدل على تأكيد ذلك المعنى ، والفعل يدل على تجدده ، وقوله : ~~{ وليعلم المؤمنين } يدل على كونهم مستقرين على إيمانهم متثبتين فيه ، وأما ~~{ نافقوا } فيدل على كونهم إنما شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك ~~الوقت . # ثم قال تعالى : { وقيل لهم تعالوا قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا } وفيه ~~مسائل : # / المسألة الأولى : في أن هذا القائل من هو ؟ وجهان : الأول : قال الأصم ~~: انه الرسول عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى القتال . الثاني : روي أن ~~عبدالله بن أبي بن سلول لما خرج بعسكره إلى أحد قالوا : لم نلقي أنفسنا في ~~القتل ، فرجعوا وكانوا ثلثمائة من جملة الألف الذين خرج بهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فقال لهم عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر بن عبدالله ~~الأنصاري : أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدو ، فهذا هو ~~المراد من قوله تعالى : { وقيل لهم } يعني قول عبدالله هذا . # المسألة الثانية : قوله : { قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا } يعني إن كان ~~في قلبكم حب الدين والاسلام فقاتلوا للدين والاسلام ، وإن لم تكونوا كذلك ، ~~فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم ، يعني كونوا إما من رجال الدين ، ~~أو من رجال الدنيا . قال السدي وابن جريج : ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا ~~إن لم تقاتلوا معنا ، قالوا : لأن ms2573 الكثرة أحد أسباب الهيبة والعظمة ، ~~والأول هو الوجه . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { قاتلوا فى سبيل الله أو ادفعوا } تصريح ~~بأنهم قدموا طلب الدين على طلب الدنيا ، وذلك يدل على أن المسلم لا بد وأن ~~يقدم الدين على الدنيا في كل المهمات . # ثم قال تعالى : { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب ~~منهم للإيمان } وهذا هو الجواب الذي ذكره المنافقون وفيه وجهان : الأول : ~~أن يكون المراد أن الفريقين لا يقتتلان ألبتة ، فلهذا رجعنا . الثاني : أن ~~يكون المعنى لو نعلم ما يصلح أن يسمى قتالا لاتبعناكم ، يعني أن الذي ~~يقدمون عليه لا يقال له PageV09P069 قتال ، وإنما هو إلقاء النفس في ~~التهلكة لأن رأي عبدالله كان في الاقامة بالمدينة ، وما كان يستصوب الخروج ~~. # واعلم أنه إن كان المراد من هذا الكلام هو الوجه الأول فهو فاسد ، وذلك ~~لأن الظن في أحوال الدنيا قائم مقام العلم ، وأمارات حصول القتال كانت ~~ظاهرة في ذلك اليوم ، ولو قيل لهذا المنافق الذي ذكر هذا الجواب : فينبغي ~~لك لو شاهدت من شهر سيفه في الحرب أن لا تقدم على مقاتلته لأنك لا تعلم منه ~~قتالا ، وكذا القول في سائر التصرفات في أمور الدنيا ، بل الحق أن الجهاد ~~واجب عند ظهور أمارات المحاربة ، ولا أمارات أقوى من قربهم من المدينة عند ~~جبل أحد ، فدل ذكر هذا الجواب على غاية الخزي والنفاق ، وإنه كان غرضهم من ~~ذكر هذا الجواب إما التلبيس / واما الاستهزاء . وأما إن كان مراد المنافق ~~هو الوجه الثاني فهو أيضا باطل ، لأن الله تعالى لما وعدهم بالنصرة ~~والاعانة لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء للنفس في التهلكة . # / ثم انه بين حالهم عندما ذكروا هذا الجواب فقال : { هم للكفر يومئذ أقرب ~~منهم للإيمان } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في التأويل وجهان : الأول : أنهم كانوا قبل هذه الواقعة ~~يظهرون الايمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم ، فلما رجعوا ~~عن عسكر المؤمنين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين . # واعلم أن رجوعهم عن معاونة ms2574 المسلمين دل على أنهم ليسوا من المسلمين ، ~~وأيضا قولهم : { لو نعلم قتالا لاتبعناكم } يدل على أنهم ليسوا من المسلمين ~~، وذلك لأنا بينا أن هذا الكلام يدل إما على السخرية بالمسلمين ، وإما على ~~عدم الوثوق بقول النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد منهما كفر . # الوجه الثاني : في التأويل أن يكون المراد أنهم لاهل الكفر أقرب نصرة ~~منهم لأهل الايمان ، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانعزال يجر إلى تقوية ~~المشركين . # المسألة الثانية : قال أكثر العلماء : ان هذا تنصيص من الله تعالى على ~~أنهم كفار ، قال الحسن اذا قال الله تعالى : { أقرب } فهو اليقين بأنهم ~~مشركون ، وهو مثل قوله : { مائة ألف أو يزيدون } فهذه الزيادة لا شك فيها ، ~~وأيضا المكلف لا يمكن أن ينفك عن الايمان والكفر ، فلما دلت الآية على ~~القرب لزم حصول الكفر . وقال الواحدي في ( البسيط ) : هذه الآية دليل على ~~أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر ولم يطلق القول بتكفيره ، لانه تعالى لم ~~يطلق القول بكفرهم مع أنهم كانوا كافرين ، لاظهارهم القول بلا إله إلا الله ~~محمد رسول الله . # ثم قال تعالى : { يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم } والمراد أن لسانهم ~~مخالف لقلبهم ، فهم وإن كانوا يظهرون الايمان باللسان لكنهم يضمرون في ~~قلوبهم الكفر . # ثم قال : { والله أعلم بما يكتمون } . PageV09P070 # فان قيل : إن المعلوم اذا علمه عالمان لا يكون أحدهما أعلم به من الآخر ، ~~فما معنى قوله : { والله أعلم بما يكتمون } . # قلنا : المراد أن الله تعالى يعلم من تفاصيل تلك الاحوال ما لا يعلمه ~~غيره . # ! 7 < { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن ~~أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 168 ) الذين قالوا لإخوانهم . . . . . # > > اعلم أن الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا : { لو نعلم قتالا لاتبعناكم ~~} ( آل عمران : 167 ) وصفهم الله تعالى بأنهم كما قعدوا واحتجوا لقعودهم ، ~~فكذلك ثبطوا غيرهم واحتجوا لذلك ، فحكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا ~~لاخوانهم إن الخارجين لو أطاعونا ما قتلوا ، فخوفوا من مراده موافقة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ms2575 في محاربة الكفار بالقتل لما عرفوا ما جرى يوم أحد من ~~الكفار على المسلمين من القتل ، لأن المعلوم من الطباع محبة الحياة فكان ~~وقوع هذه الشبهة في القلوب يجري مجرى ما يورده الشيطان من الوسواس ، وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : في محل { الذين } وجوه : أحدها : النصب على البدل من { ~~الذين نافقوا } وثانيها : الرفع على البدل من الضمير في { يكتمون } وثالثها ~~: الرفع على خبر الابتداء بتقدير : هم الذين ، ورابعها : أن يكون نصبا على ~~الذم . # المسألة الثانية : قال المفسرون : المراد { بالذين * قالوا } عبدالله بن ~~أبي وأصحابه ، وقال الأصم : هذا لا يجوز لأن عبدالله بن أبي خرج مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الجهاد يوم أحد ، وهذا القول فهو واقع فيمن قد تخلف ~~لأنه قال : { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا } أي في القعود ما ~~قتلوا فهو كلام متأخر عن الجهاد ، قاله لمن خرج إلى الجهاد ولمن هو قوي ~~النية في ذلك ليجعله شبهة فيما بعده صارفا لهم عن الجهاد . # المسألة الثالثة : قالوا لاخوانهم : أي قالوا لأجل إخوانهم ، وقد سبق ~~بيان المراد من هذه الاخوة ، الاخوة في النسب ، أو الاخوة بسبب المشاركة في ~~الدار ، أو في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم أو في عبادة الاوثان ؟ ~~والله أعلم . # المسألة الرابعة : قال الواحدي : الواو في قوله : { وقعدوا } للحال ومعنى ~~هذا القعود القعود عن الجهاد يعني من قتل بأحد لو قعدوا كما قعدنا وفعلوا ~~كما فعلنا لسلموا ولم يقتلوا ، ثم أجاب الله عن ذلك بقوله : { قل فادرؤا عن ~~أنفسكم الموت ان كنتم صادقين . # / فان قيل : ما وجه الاستدلال بذلك مع أن الفرق ظاهر فان التحرز عن القتل ~~ممكن ، أما التحرز عن الموت فهو غير ممكن ألبتة ؟ # والجواب : هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى لا يتمشى إلا إذا اعترفنا ~~بالقضاء والقدر ، وذلك لأنا إذا PageV09P071 قلنا لا يدخل الشيء في الوجود ~~إلا بقضاء الله وقدره ، اعترفنا بأن الكافر لا يقتل المسلم إلا بقضاء الله ~~، وحينئذ لا يبقى بين القتل وبين الموت فرق ، فيصح الاستدلال . أما إذا ms2576 ~~قلنا بأن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه ، كان الفرق بين الموت والقتل ~~ظاهرا من الوجه الذي ذكرتم ، فتفضي إلى فساد الدليل الذي ذكره الله تعالى ، ~~ومعلوم أن المفضي إلى ذلك يكون باطلا ، فثبت أن هذه الآية دالة على أن الكل ~~بقضاء الله . وقوله : { ان كنتم صادقين } يعني : إن كنتم صادقين في كونكم ~~مشتغلين بالحذر عن المكاره ، والوصول إلى المطالب . # ! 7 < { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون * فرحين بمآ ءاتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 169 - 170 ) ولا تحسبن الذين . . . . . # > > # اعلم أن القول لما ثبطوا الراغبين في الجهاد بأن قالوا : الجهاد يفضي إلى ~~القتل ، كما قالوا في حق من خرج إلى الجهاد يوم أحد ، والقتل شيء مكروه ، ~~فوجب الحذر عن الجهاد ، ثم ان الله تعالى بين أن قولهم : الجهاد يقضي إلى ~~القتل باطل ، بأن القتل إنما يحصل بقضاء الله وقدره كما أن الموت يحصل ~~بقضاء الله وقدره ، فمن قدر الله له القتل لا يمكنه الاحتراز عنه ، ومن لم ~~يقدر له القتل لا خوف عليه من القتل ، ثم أجاب عن تلك الشبهة في هذه الآية ~~بجواب آخر وهو أنا لا نسلم ان القتل في سبيل الله شيء مكروه ، وكيف يقال ~~ذلك والمقتول في سبيل الله أحياه الله بعد القتل وخصه بدرجات القربة ~~والكرامة ، وأعطاه أفضل أنواع الرزق وأوصله إلى أجل مراتب الفرح والسرور ؟ ~~فأي عاقل يقول ان مثل هذا القتل يكون مكروها ، فهذا وجه النظم وفي الآية ~~مسائل : # / المسألة الأولى : هذه الآية واردة في شهداء بدر وأحد ، لأن في وقت نزول ~~هذه الآية لم يكن أحد من الشهداء إلا من قتل في هذين اليومين المشهورين ، ~~والمنافقون إنما ينفرون المجاهدين عن الجهاد لئلا يصيروا مقتولين مثل من ~~قتل في هذين اليومين من المسلمين ، والله تعالى بين فضائل من قتل في هذين ~~اليومين ليصير ذلك داعيا للمسلمين إلى التشبه بمن جاهد في ms2577 هذين اليومين ~~وقتل ، وتحقيق الكلام أن من ترك الجهاد فربما وصل إلى نعيم الدنيا وربما لم ~~يصل ، وبتقدير أن يصل اليه فهو حقير وقليل ، ومن أقبل على الجهاد فاز بنعيم ~~الآخرة قطعا وهو نعيم عظيم ، ومع كونه عظيما فهو دائم مقيم ، واذا كان ~~الأمر كذلك ظهر أن الاقبال على الجهاد أفضل من تركه . # المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر الآية يدل على كون هؤلاء المقتولين أحياء ~~، فاما أن يكون المراد منه حقيقة أو مجازا ، فان كان المراد منه هو الحقيقة ~~، فاما أن يكون المراد أنهم سيصيرون في الآخرة أحياء ، أو PageV09P072 ~~المراد أنهم أحياء في الحال ، وبتقدير أن يكون هذا هو المراد ، فاما أن ~~يكون المراد إثبات الحياة الروحانية أو إثبات الحياة الجسمانية ، فهذا ضبط ~~الوجوه التي يمكن ذكرها في هذه الآية . # الاحتمال الأول : أن تفسير الآية بأنهم سيصيرون في الآخرة أحياء ، قد ذهب ~~اليه جماعة من متكلمي المعتزلة ، منهم أبو القاسم الكعبي قال : وذلك لأن ~~المنافقين الذين حكى الله عنهم ما حكى ، كانوا يقولون : أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم : يعرضون أنفسهم للقتل فيقتلون ويخسرون الحياة ولا يصلون ~~إلى خير ، وإنما كانوا يقولون ذلك لجحدهم البعث والميعاد ، فكذبهم الله ~~تعالى وبين بهذه الآية أنهم يبعثون ويرزقون ويوصل اليهم أنواع الفرح ~~والسرور والبشارة . # واعلم أن هذا القول عندنا باطل ، ويدل عليه وجوه : # الحجة الأولى : ان قوله : { بل أحياء } ظاهره يدل على كونهم أحياء عند ~~نزول الآية ، فحمله على أنهم سيصيرون أحياء بعد ذلك عدول عن الظاهر . # الحجة الثانية : انه لا شك أن جانب الرحمة والفضل والاحسان أرجح من جانب ~~العذاب والعقوبة ، ثم إنه تعالى ذكر في أهل العذاب أنه أحياهم قبل القيامة ~~لأجل التعذيب فانه تعالى قال : { أغرقوا فأدخلوا نارا } ( 25 : نوح ) ~~والفاء للتعقيب ، والتعذيب مشروط بالحياة ، وأيضا قال تعالى : { النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا } ( غافر : 46 ) واذا جعل الله أهل العذاب أحياء ~~قبل قيام القيامة لأجل التعذيب ، فلأن يجعل أهل الثواب أحياء قبل القيامة ~~لأجل الاحسان والاثابة كان ذلك أولى . # الحجة ms2578 الثالثة : أنه لو أراد أنه سيجعلهم أحياء عند البعث في الجنة لما ~~قال للرسول عليه / الصلاة والسلام : { ولا تحسبن } مع علمه بأن جميع ~~المؤمنين كذلك ، أما إذا حملناه على ثواب القبر حسن قوله : { ولا تحسبن } ~~لأنه عليه الصلاة والسلام لعله ما كان يعلم أنه تعالى يشرف المطيعين ~~والمخلصين بهذا التشريف ، وهو أنه يحييهم قبل قيام القيامة لأجل إيصال ~~الثواب اليهم . # فان قيل : إنه عليه الصلاة والسلام وان كان عالما بأنهم سيصيرون أحياء ~~عند ربهم عند البعث ولكنه غير عالم بأنهم من أهل الجنة ، فجاز أن يبشره ~~الله بأنهم سيصيرون أحياء ويصلون إلى الثواب والسرور . # قلنا : قوله : { ولا تحسبن } إنما يتناول الموت لأنه قال : { ولا تحسبن ~~الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا } فالذي يزيل هذا الحسبان هو كونهم أحياء ~~في الحال لأنه لا حسبان هناك في صيرورتهم أحياء يوم القيامة ، وقوله : { ~~يرزقون * فرحين } فهو خبر مبتدأ ولا تعلق له بذلك الحسبان فزال هذا السؤال ~~. # الحجة الرابعة : قوله تعالى : { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~} والقوم الذين لم يلحقوا بهم لا بد وأن يكونوا في الدنيا ، فاستبشارهم بمن ~~يكون في الدنيا لا بد وأن يكون قبل قيام القيامة ، والاستبشار لا بد وأن ~~يكون مع الحياة ، فدل هذا على كونهم أحياء قبل يوم القيامة ، وفي هذا ~~الاستدلال بحث سيأتي ذكره . # الحجة الخامسة : ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال في صفة الشهداء : ( ان أرواحهم في أجواف طير خضر وانها ترد ~~أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح حيث شاءت وتأوي إلى قناديل PageV09P073 ~~من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مسكنهم ومطعمهم ومشربهم قالوا : يا ليت ~~قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله تعالى بنا كي يرغبوا في ~~الجهاد فقال الله تعالى : أنا مخبر عنكم ومبلغ اخوانكم ففرحوا بذلك ~~واستبشروا فأنزل الله تعالى هذه الآية ) وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن ~~هذه الآية ، فقال : سألنا عنها فقيل لنا ان الشهداء على نهر ms2579 بباب الجنة في ~~قبة خضراء ، وفي رواية في روضة خضراء ، وعن جابر بن عبدالله قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب باحد أحياه الله ~~ثم قال : ما تريد يا عبدالله بن عمرو أن فعل بك فقال يا رب أحب أن تردني ~~إلى الدنيا فأقتل فيها مرة أخرى ) والروايات في هذا الباب كأنها بلغت حد ~~التوتر ، فكيف يمكن انكارها ؟ طعن الكعبي في هذه الروايات وقال : إنها غير ~~جائزة لان الارواح لا تتنعم ، وانما يتنعم الجسم اذا كان فيه روح لا الروح ~~، ومنزلة الروح من البدن منزلة القوة ، وأيضا : الخبر المروي ظاهره يقتضي ~~أن هذه الارواح / في حواصل الطير ، وأيضا ظاهره يقتضي أنها ترد أنهار الجنة ~~وتأكل من ثمارها وتسرح ، وهذا يناقض كونها في حواصل الطير . # والجواب : أما الطعن الأول : فهو مبني على أن الروح عرض قائم بالجسم ، ~~وسنبين أن الأمر ليس كذلك ، وأما الطعن الثاني : فهو مدفوع لان القصد من ~~أمثال هذه الكلمات الكنايات عن حصول الراحات والمسرات وزوال المخافات ~~والآفات ، فهذا جملة الكلام في هذا الاحتمال . # وأما الوجه الثاني : من الوجوه المحتملة في هذه الآية هو أن المراد أن ~~الشهداء أحياء في الحال ، والقائلون بهذا القول منهم من أثبت هذه الحياة ~~للروح ، ومنهم من أثبتها للبدن ، وقبل الخوض في هذا الباب يجب تقديم مقدمة ~~/ وهي أن الانسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية ، ويدل عليه أمران : ~~أحدهما : أن أجزاء هذه البنية في الذوبان والانحلال ، والتبدل ، والانسان ~~المخصوص شيء باق من أول عمره إلى آخره ، والباقي مغاير للمتبدل ، والذي ~~يؤكد ما قلناه : أنه تارة يصير سمينا وأخرى هزيلا ، وأنه يكون في أول الامر ~~صغير الجثة ، ثم انه يكبر وينمو ، ولا شك أن كل إنسان يجد من نفسه أنه شيء ~~واحد من أول عمره إلى آخره فصح ما قلناه . الثاني : أن الانسان قد يكون ~~عالما بنفسه حال ما يكون غافلا عن جميع أعضائه وأجزائه ، والمعلوم مغاير ~~لما ليس بمعلوم ، فثبت بهذين الوجهين أنه شيء مغاير ms2580 لهذا البدن المحسوس ، ~~ثم بعد ذلك يحتمل أن يكون جسما مخصوصا ساريا في هذه الجثة سريان النار في ~~الفحم . والدهن في السمسم ، وماء الورد في الورد . ويحتمل أن يكون جوهرا ~~قائما بنفسه ليس بجسم ولا حال في الجسم ، وعلى كلا المذهبين فانه لا يبعد ~~أنه لما مات البدن انفصل ذلك الشيء حيا ، وان قلنا أنه أماته الله الا أنه ~~تعالى يعيد الحياة اليه ، وعلى هذا التقدير تزول الشبهات بالكلية عن ثواب ~~القبر ، كما في هذه الآية ، وعن عذاب القبر كما في قوله : { أغرقوا فأدخلوا ~~نارا } ( نوح : 25 ) فثبت بما ذكرناه أنه لا امتناع في ذلك ، فظاهر الآية ~~دال عليه ، فوجب المصير اليه ، والذي يأكد ما ذكرناه القرآن والحديث والعقل ~~. أما القرآن فآيات : إحداها : { أحد يأيتها النفس المطمئنة * ارجعى إلى ~~ربك راضية مرضية * فادخلى فى عبادى * وادخلى جنتى } ( الفجر : 27 30 ) ولا ~~شك أن المراد من قوله : { ارجعى إلى ربك } الموت . ثم قال : { فادخلى فى ~~عبادى } وفاء التعقيب تدل على أن حصول هذه الحالة يكون عقيب الموت ، وهذا ~~يدل على ما ذكرناه ، وثانيها : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون } ( الأنعام : 61 ) وهذا عبارة عن موت البدن . PageV09P074 # ثم قال : { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } ( الأنعام : 62 ) فقوله : { ~~ردوا } ضمير عنه . وإنما هو بحياته وذاته المخصوصة ، فدل على أن ذلك باق ~~بعد موت البدن ، وثالثها : قوله : { فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان ~~* وجنة * نعيم } ( الواقعة : 88 89 ) وفاء التعقيب تدل على أن هذا الروح ~~والريحان والجنة حاصل عقيب الموت ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : ~~( من مات فقد قامت قيامته ) والفاء فاء التعقيب تدل على أن قيامة كل أحد ~~حاصلة بعد موته ، وأما القيامة الكبرى فهي حاصلة في الوقت المعلوم عند الله ~~، وأيضا قوله عليه الصلاة والسلام : ( القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من ~~حفر النار ) وأيضا روي أنه عليه الصلاة والسلام يوم بدر كان ينادي ~~المقتولين ويقول : ( هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ) فقيل له ms2581 : يا رسول الله ~~إنهم أموات ، فكيف تناديهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إنهم أسمع منكم ~~) أو لفظا هذا معناه ، وأيضا قال عليه الصلاة والسلام : ( أولياء الله لا ~~يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار ) وكل ذلك يدل على أن النفوس باقية بعد ~~موت الجسد . # وأما المعقول فمن وجوه : الأول : وهو أن وقت النوم يضعف البدن ، وضعفه لا ~~يقتضي ضعف النفس ، بل النفس تقوى وقت النوم فتشاهد الأحوال وتطلع على ~~المغيبات ، فاذا كان ضعف البدن لا يوجب ضعف النفس ، فهذا يقوي الظن في أن ~~موت البدن لا يستعقب موت النفس . الثاني : وهو أن كثرة الأفكار سبب لجفاف ~~الدماغ ، وجفافه يؤدي إلى الموت ، وهذه الأفكار سبب لاستكمال النفس ~~بالمعارف الالهية ، وهو غاية كمال النفس ، فما هو سبب في كمال النفس فهو ~~سبب لنقصان البدن / وهذا يقوي الظن في أن النفس لا تموت بموت البدن . ~~الثالث : أن أحوال النفس على ضد أحوال البدن ، وذلك لأن النفس انما تفرح ~~وتبتهج بالمعارف الالهية ، والدليل عليه قوله تعالى : { ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( أبيت عند ربي ~~يطعمني ويسقيني ) ولا شك أن ذلك الطعام والشراب ليس الا عبارة عن المعرفة ~~والمحبة والاستنارة بأنوار عالم الغيب وأيضا ، فانا نرى أن الانسان اذا غلب ~~عليه الاستبشار بخدمة سلطان ، أو بالفوز بمنصب ، أو بالوصول إلى معشوقه ، ~~قد ينسى الطعام والشراب ، بل يصير بحيث لو دعي إلى الاكل والشرب لوجد من ~~قلبه نفرة شديدة منه ، والعارفون المتوغلون في معرفة الله تعالى قد يجدون ~~من أنفسهم أنهم اذا لاح لهم شيء من تلك الانوار ، وانكشف لهم شيء من تلك ~~الاسرار ، لم يحسوا ألبتة بالجوع والعطش وبالجملة فالسعادة النفسانية ~~كالمضادة للسعادة الجسمانية ، وكل ذلك يغلب على الظن أن النفس مستقلة ~~بذاتها ولا تعلق لها بالبدن ، واذا كان كذلك وجب أن لا تموت النفس بموت ~~البدن ، ولتكن هذه الاقناعيات كافية في هذا المقام . # واعلم أنه متى تقررت هذه القاعدة زالت الاشكالات والشبهات عن كل ما ورد ~~في القرآن من ms2582 ثواب القبر وعذابه ، واذا عرفت هذه القاعدة فنقول : قال بعض ~~المفسرين : أرواح الشهداء أحياء / وهي تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى ~~يوم القيامة ، والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~اذا نام العبد في سجوده باهى الله تعالى به ملائكته ويقول انظروا إلى عبدي ~~روحه عندي وجسده في خدمتي . # واعلم أن الآية دالة على ذلك وهي قوله : { أحياء عند ربهم } ولفظ ( عند ) ~~فكما أنه مذكور ههنا فكذا في صفة الملائكة مذكور وهو قوله : { ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته } ( الأنبياء : 19 ) فاذا فهمت السعادة PageV09P075 ~~الحاصلة للملائكة بكونهم عند الله ، فهمت السعادة الحاصلة للشهداء بكونهم ~~عند الله ، وهذه كلمات تفتح على العقل أبواب معارف الآخرة . # الوجه الثالث : في تفسير هذه الآية عند من يثبت هذه الحياة للاجساد ، ~~والقائلون بهذا القول اختلفوا ، فقال بعضهم : انه تعالى يصعد أجساد هؤلاء ~~الشهداء إلى السموات والى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادة والكرامات ~~اليها ، ومنهم من قال : يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات اليها ~~، ومن الناس من طعن فيه وقال : انا نرى أجساد هؤلاء الشهداء قد تأكلها ~~السباع ، فاما أن يقال إن الله تعالى يحييها حال كونها في بطون هذه السباع ~~ويوصل الثواب اليها ، أو يقال : إن تلك الأجزاء بعد انفصالها من بطون ~~السباع يركبها الله تعالى ، ويؤلفها ويرد الحياة اليها ويوصل الثواب اليها ~~، وكل ذلك مستبعد ، ولأنا قد نرى الميت المقتول باقيا أياما إلى أن تنفسخ ~~أعضاؤه وينفصل القيح والصديد ، فان جوزنا كونها حية متنعمة عاقلة عارفة لزم ~~القول بالسفسطة . # الوجه الرابع : في تفسير هذه الآية أن نقول : ليس المراد من كونها أحياء ~~حصول الحياة فيهم ، بل المراد بعض المجازات وبيانه من وجوه : الأول : قال ~~الأصم البلخي : إن الميت إذا كان عظيم المنزلة في الدين ، وكانت عاقبته يوم ~~القيامة البهجة والسعادة والكرامة ، صح أن يقال : إنه حي وليس بميت ، كما ~~يقال في الجاهل الذي لا ينفع نفسه ولا ينتقع به أحد : إنه ميت وليس بحي ، ~~وكما يقال للبليد ms2583 : إنه حمار ، وللمؤذي إنه سبع ، وروي أن عبد الملك بن ~~مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال له : ما مات من خلف مثلك ، ~~وبالجملة فلا شك أن الانسان إذا مات وخلف ثناء جميلا وذكرا حسنا ، فانه ~~يقال على سبيل المجاز إنه ما مات بل هو حي . الثاني : قال بعضهم مجاز هذه ~~الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم / وانها لا تبلى تحت الأرض البتة . ~~واحتج هؤلاء بما روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين على قبور الشهداء ، ~~أمر بأن ينادي : من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع ، قال جابر : فخرجنا ~~اليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان ، فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دما . ~~والثالث : أن المراد بكونهم أحياء أنهم لا يغسلون كما تغسل الأموات ، فهذا ~~/ مجموع ما قيل في هذه الآية والله أعلم بأسرار المخلوقات . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : { ولا تحسبن } الخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد وقرىء بالياء ، وفيه وجوه : أحدها : ~~ولا يحسبن رسول الله . والثاني : ولا يحسبن حاسب ، والثالث : ولا يحسبن ~~الذين قتلوا أنفسهم أمواتا قال : وقرىء { تحسبن } بفتح السين ، وقرأ ابن ~~عامر { قاتلوا } بالتشديد والباقون بالتخفيف . # المسألة الرابعة : قوله : { بل أحياء } قال الواحدي : التقدير : بل هم ~~أحياء ، قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { أحياء } بالنصب على معنى بل أحسبهم ~~أحياء . وأقول : إن الزجاج قال : ولو قرىء { أحياء } بالنصب لجاز على معنى ~~بل أحسبهم أحياء ، وطعن أبو علي الفارسي فيه فقال : لا يجوز ذلك لأنه أمر ~~بالشك والأمر بالشك غير جائز على الله ، ولا يجوز تفسير الحسبان بالعلم لأن ~~ذلك لم يذهب اليه أحد من علماء أهل اللغة ، وللزجاج أن يجيب فيقول : ~~الحسبان ظن لا شك ، فلم قلتم انه لا يجوز أن يأمر الله بالظن ، أليس أن ~~تكليفه في جميع المجتهدات ليس إلا بالظن . PageV09P076 # وأقول : هذه المناظرة من الزجاج وأبي علي الفارسي تدل على أنه ما قرىء { ~~أحياء } بالنصب بل الزجاج كان يدعي أن لها وجها في اللغة ، والفارسي نازعه ~~فيه ، وليس كل ما له ms2584 وجه في الاعراب جازت القراءة به . # أما قوله تعالى : { عند ربهم } ففيه وجوه : أحدها : بحيث لا يملك لهم أحد ~~نفعا ولا ضرا إلا الله تعالى . والثاني : هم أحياء عند ربهم ، أي هم أحياء ~~في علمه وحكمه ، كما يقال : هذا عند الشافعي كذا ، وعند أبي حنيفة بخلافه . ~~والثالث : ان { عند } معناه القرب والاكرام ، كقوله : { ومن عنده لا ~~يستكبرون } ( الأنبياء : 19 ) وقوله : { الذين عند ربك } ( الأعراف : 206 ) ~~. # أما قوله : { يرزقون * فرحين بما ءاتاهم الله } فاعلم أن المتكلمين قالوا ~~الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فقوله : { يرزقون } إشارة إلى ~~المنفعة ، وقوله : { فرحين } إشارة إلى الفرح الحاصل بسبب ذلك التعظيم ، ~~وأما الحكماء فانهم قالوا : إذا أشرقت جواهر الأرواح القدسية بالأنوار ~~الالهية كانت مبتهجة من وجهين : أحدهما : ان تكون ذواتها منيرة مشرقة ~~متلألئة بتلك الجلايا القدسية والمعارف الالهية . والثاني : بكونها ناظرة ~~إلى ينبوع النور ومصدر الرحمة والجلالة ، قالوا : وابتهاجها بهذا القسم ~~الثاني أتم من ابتهاجها بالأول ، فقوله : { يرزقون } إشارة إلى الدرجة ~~الأولى وقوله : { فرحين } إشارة إلى الدرجة الثانية ، ولهذا قال : { فرحين ~~بما ءاتاهم الله من فضله } يعني ان فرحهم ليس بالرزق ، بل بايتاء الرزق لأن ~~المشغول بالرزق مشغول بنفسه ، والناظر إلى إيتاء الرزق مشغول بالرازق ، ومن ~~/ طلب الحق لغيره فهو محجوب . # ثم قال تعالى : { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون } . # واعلم أن قوله : { ألا خوف } في محل الخفض بدل من { الذين } والتقدير : ~~ويستبشرون بأن لا خوف ولا حزن بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : الاستشار السرور الحاصل بالبشارة ، وأصل الاستفعال طلب ~~الفعل / فالمستبشر بمنزلة من طلب السرور فوجده بالبشارة . # المسألة الثانية : اعلم أن الذين سلموا كون الشهداء أحياء قبل قيام ~~القيامة ذكروا لهذه الآية تأويلات أخر . # أما الأول : فهو أن يقال : ان الشهداء يقول بعضهم لبعض : تركنا إخواننا ~~فلانا وفلانا في صف المقاتلة مع الكفار فيقتلون إن شاء الله فيصيبون من ~~الرزق والكرامة ما أصبنا ، فهو قوله : { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم } ~~. # وأما ms2585 الثاني : فهو أن يقال : ان الشهداء إذا دخلوا الجنة بعد قيام ~~القيامة يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ، والمراد بقوله : { لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم } هم إخوانهم من المؤمنين الذين ليس لهم مثل درجة ~~الشهداء ، لأن الشهداء يدخلون الجنة قبلهم ، دليله قوله تعالى : { وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة } ( ~~النساء : 95 96 ) فيفرحون بما يرون من مأوى المؤمنين والنعيم المعد لهم ، ~~وبما يرجونه من الاجتماع بهم وتقر بذلك أعينهم ، هذا اختيار أبي مسلم ~~الاصفهاني والزجاج . # واعلم أن التأويل الأول أقوى من الثاني ، وذلك لأن حاصل الثاني يرجع إلى ~~استبشار بعض المؤمنين PageV09P077 ببعض بسبب اجتماعهم في الجنة ، وهذا أمر ~~عام في حق كل المؤمنين ، فلا معنى لتخصيص الشهداء بذلك ، وأيضا : فهم كما ~~يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، فكذلك يستبشرون بمن تقدمهم في ~~الدخول ، لأن منازل الأنبياء والصديقين فوق منازل الشهداء ، قال تعالى : { ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~} ( النساء : 69 ) وعلى هذا التقدير لا يبقى فائدة في التخصيص . أما إذا ~~فسرنا الآية بالوجه الأول ففي تخصيص المجاهدين بهذه الخاصية أعظم الفوائد ~~فكان ذلك أولى والله أعلم . # المسألة الثالثة : الخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل في المستقبل ، ~~والحزن يكون بسبب فوات المنافع التي كانت موجودة في الماضي ، فبين سبحانه ~~أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم / من أحوال القيامة ، ولا حزن لهم فيما ~~فاتهم من نعيم الدنيا . # ! 7 < { يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } . ~~> 7 ! # < < # | آل عمران : ( 171 ) يستبشرون بنعمة من . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى بين أنهم كما يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ~~على ما ذكر فهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم ، وانما أعاد لفظ { ~~يستبشرون } لأن الاستبشار الأول كان بأحوال الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، ~~والاستبشار الثاني كان بأحوال أنفسهم خاصة . # فان قيل : أليس أنه ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم والفرح عين الاستبشار ؟ # قلنا : الجواب من وجهين : الأول : ان الاستبشار هو ms2586 الفرح التام فلا يلزم ~~التكرار . والثاني : لعل المراد حصول الفرح بما حصل في الحال ، وحصول ~~الاستبشار بما عرفوا أن النعمة العظيمة تحصل لهم في الآخرة . # المسألة الثانية : قوله : { بنعمة من الله وفضل } النعمة هي الثواب ~~والفضل هو التفضل الزائد . # المسألة الثالثة : الآية تدل على ان استبشارهم بسعادة اخوانهم أتم من ~~استبشارهم بسعادة أنفسهم ، لأن الاستبشار الأول في الذكر هو بأحوال الاخوان ~~، وهذا ، تنبيه من الله تعالى على ان فرح الانسان بصلاح أحوال اخوانه ~~ومتعلقيه ، يجب أن يكون أتم وأكمل من فرحه بصلاح أحوال نفسه . # ثم قال : { وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الكسائي { وأن الله } بكسر الألف على الاستئناف . ~~وقرأ الباقون بفتحها على معنى : وبأن الله ، والتقدير : يستبشرون بنعمة من ~~الله وفضل وبأن الله لا يضيع أجر المؤمنين والقراءة الأولى أتم وأكمل لأن ~~على هذه القراءة يكون الاستبشار بفضل الله وبرحمته فقط ، وعلى القراءة ~~الثانية يكون الاستبشار بالفضل والرحمة وطلب الأجر ، ولا شك أن المقام ~~الأول أكمل لأن كون العبد مشتغلا بطلب الله أتم من اشتغاله بطلب أجر عمله . # المسألة الثانية : المقصود من الآية بيان أن الذي تقدم من ايصال الثواب ~~والسرور العظيم إلى الشهداء PageV09P078 ليس حكما مخصوصا بهم ، بل كل مؤمن ~~يستحق شيئا من الأجر والثواب ، فان الله سبحانه يوصل اليه ذلك الأجر ~~والثواب ولا يضيعه ألبتة . # المسألة الثالثة : الآية عندنا دالة على العفو عن فساق أهل الصلاة لأنه ~~بايمانه استحق الجنة / فلو بقي بسبب فسقه في النار مؤبدا مخلدا لما وصل ~~اليه أجر إيمانه ، فحينئذ يضيع أجر المؤمنين على إيمانهم وذلك خلاف الآية . # ! 7 < { الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح للذين أحسنوا ~~منهم واتقوا أجر عظيم } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 172 ) الذين استجابوا لله . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى مدح المؤمنين على غزوتين ، تعرف احداهما بغزوة ~~حمراء الاسد ، والثانية بغزوة بدر الصغرى ، وكلاهما متصلة بغزوة أحد ، أما ~~غزوة حمراء الاسد فهي المراد من هذه الآية على ما سنذكره ان شاء الله تعالى ms2587 ~~، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في محل { الذين } وجوه : الأول : وهو قول الزجاج أنه ~~رفع بالابتداء وخبره { للذين أحسنوا منهم } إلى آخر هذه الآية : أن يكون ~~محله هو الخفض على النعت للمؤمنين الثالث : أن يكون نصبا على المدح . # المسألة الثانية : في سبب نزول هذه الآية قولان : الأول : وهو الأصح أن ~~أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ندموا ، وقالوا إنا ~~قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم ؟ بل الواجب أن نرجع ~~ونستأصلهم ، فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأراد ~~أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة ، فندب أصحابه إلى الخروج في ~~طلب أبي سفيان وقال : لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال ، ~~فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم مع قوم من أصحابه ، قيل كانوا سبعين رجلا ~~حتى بلغوا حمراء الأسد . وهو من المدينة على ثلاثة أميال ، فألقى الله ~~الرعب في قلوب المشركين فانهزموا ، وروي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على ~~عنقه ساعة ، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى ، وكان كل ذلك لاثخان ~~الجراحات فيهم ، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ، ويتوكأ عليه صاحبه ~~ساعة . والثاني : قال أبو بكر الأصم : نزلت هذه الآية في يوم أحد لما رجع ~~الناس اليه صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم ~~، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنها بعد أن مثلوا بحمزة ، فقذف الله في ~~قلوبهم الرعب فانهزموا ، وصلى عليهم / صلى الله عليه وسلم ودفنهم بدمائهم ، ~~وذكروا / أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال عليه الصلاة والسلام ~~للزبير : ردها لئلا تجزع من مثلة أخيها ، فقالت : قد بلغني ما فعل به وذلك ~~يسير في جنب طاعة الله تعالى ، فقال للزبير : فدعها تنظر اليه ، فقالت خيرا ~~واستغفرت له . وجاءت امرأة قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها فلما رأت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي قالت : إن كل مصيبة بعدك هدر ، فهذا ما ~~قيل ms2588 في سبب نزول هذه PageV09P079 الآية ، وأكثر الروايات على الوجه الأول . # المسألة الثالثة : استجاب : بمعنى أجاب ، ومنه قوله : { فليستجيبوا * إلى ~~} ( البقرة : 186 ) وقيل : أجاب ، فعل الاجابة واستجاب طلب أن يفعل الاجابة ~~، لأن الأصل في الاستفعال طلب الفعل ، والمعنى أجابوا وأطاعوا الله في ~~أوامره وأطاعوا الرسول من بعد ما أصابهم الجراحات القوية . # أما قوله تعالى : { للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم } ففيه مسألتان . # المسألة الأولى : في قوله : { للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم } وجوه ~~: الأول : { أحسنوا } دخل تحته الائتمار بجميع المأمورات ، وقوله : { ~~واتقوا } دخل تحته الانتهاء عن جميع المنهيات ، والمكلف عند هذين الأمرين ~~يستحق الثواب العظيم . الثاني : أحسنوا في طاعة الرسول في ذلك الوقت ، ~~واتقوا الله في التخلف عن الرسول ، وذلك يدل على أنه يلزمهم الاستجابة ~~للرسول وإن بلغ الأمر بهم في الجراحات ما بلغ من بعد أن يتمكنوا معه من ~~النهوض . الثالث : أحسنوا : فيما أتوا به من طاعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم / واتقوا ارتكاب شيء من المنهيات بعد ذلك . # المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف ( من ) في قوله : { للذين أحسنوا منهم ~~} للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا واتقوا كلهم لا بعضهم ~~. # ! 7 < { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 173 - 174 ) الذين قال لهم . . . . . # > > # /وفي الآية مسائل . # المسألة الأولى : هذه الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى ، روى ابن عباس أن ~~أبا سفيان لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى : يا محمد موعدنا ~~موسم بدر الصغرى فنقتتل بها إن شئت ، فقال عليه الصلاة والسلام لعمر : قل ~~بيننا وبينك ذلك إن شاء الله تعالى ، فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه ~~حتى نزل بمر الظهران ، وألقى الله تعالى الرعب في قلبه ، فبدا له أن يرجع ، ~~فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم نعيم معتمرا ، فقال : يا نعيم إني وعدت ms2589 ~~محمدا أن نلتقي بموسم بدر ، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه ~~الشجر ونشرب فيه اللبن ، وقد بدا لي أن أرجع ، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج ~~زاد بذلك جراءة ، فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الابل ، فخرج ~~نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم : ما هذا بالرأي ، أتوكم في دياركم ~~وقتلوا أكثرهم فان ذهبتم اليهم لم يرجع منكم أحد ، فوقع هذا الكلام في قلوب ~~قوم منهم ، فلما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك قال : ( والذي نفس ~~محمد بيده لأخرجن PageV09P080 إليهم ولو وحدي ) ثم خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، ومعه نحو من سبعين رجلا فيهم ابن مسعود ، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى ~~بدر الصغرى ، وهي ماء لبني كنانة ، وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ~~ثمانية أيام ، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من ~~المشركين ، ووافقوا السوق ، وكانت معهم نفقات وتجارات ، فباعوا واشتروا ~~أدما وزبيبا وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين ~~غانمين ، ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق ، وقالوا : ~~إنما خرجتم لتشربوا السويق ، فهذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية . # المسألة الثانية : في محل { الذين } وجوه : أحدها : أنه جر ، صفة ~~للمؤمنين بتقدير : والله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس . ~~الثاني : أنه بدل من قوله : { للذين أحسنوا } الثالث : أنه رفع بالابتداء ~~وخبره { فزادهم إيمانا } . # المسألة الثالثة : المراد بقوله : { الذين } من تقدم ذكرهم ، وهم الذين ~~استجابوا لله والرسول ، وفي المراد بقوله : { قال لهم الناس } وجوه : الأول ~~: أن هذا القائل هو نعيم بن مسعود كما ذكرناه في سبب نزول هذه الآية ، ~~وإنما جاز إطلاق لفظ الناس على الانسان الواحد ، لأنه إذا قال الواحد قولا ~~وله أتباع يقولون مثل قوله أو يرضون بقوله ، حسن حينئذ إضافة ذلك الفعل إلى ~~الكل ، قال الله تعالى : { وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها } ( البقرة : 72 ) ~~{ وإذ قلتم ياموسى * موسى * لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ( البقرة : 55 ~~) وهم ms2590 لم يفعلوا ذلك وإنما فعله أسلافهم ، إلا أنه أضيف اليهم لمتابعتهم ~~لهم على تصويبهم في تلك الأفعال / فكذا ههنا يجوز أن يضاف القول إلى ~~الجماعة الراضين بقول ذلك الواحد . الثاني : وهو قول ابن عباس ، ومحمد بن ~~إسحاق : أن ركبا من عبد القيس مروا بأبي سفيان ، فدسهم إلى المسلمين ~~ليجبنوهم وضمن لهم عليه جعلا . الثالث : قال السدي : هم المنافقون ، قالوا ~~للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بعد لميعاد أبي سفيان : القوم قد أتوكم في ~~دياركم / فقتلوا الأكثرين منكم ، فان ذهبتهم إليهم لم يبق منكم أحد . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { إن الناس قد جمعوا لكم } المراد بالناس ~~هو أبو سفيان وأصحابه ورؤساء عسكره ، وقوله : { قد جمعوا لكم } أي جمعوا ~~لكم الجموع ، فحذف المفعول لأن العرب تسمي الجيش جمعا ويجمعونه جموعا ، ~~وقوله : { فاخشوهم } أي فكونوا خائفين منهم ، ثم انه تعالى أخبر أن ~~المسلمين لما سمعوا هذا الكلام لم يلتفتوا اليه ولم يقيموا له وزنا ، فقال ~~تعالى : { فزادهم إيمانا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الضمير في قوله : { فزادهم } إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان ~~: الأول : عائد إلى الذين ذكروا هذه التخويفات . والثاني : أنه عائد إلى ~~نفس قولهم ، والتقدير : فزادهم ذلك القول إيمانا ، وإنما حسنت هذه الاضافة ~~لأن هذه الزيادة في الايمان لما حصلت عند سماع هذا القول حسنت إضافتها إلى ~~هذا القول وإلى هذا القائل ، ونظيره قوله تعالى : { فلم يزدهم دعائى إلا ~~فرارا } ( نوح : 6 ) وقوله تعالى : { فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا } ~~( فاطر : 42 ) # المسألة الثانية : المراد بالزيادة في الايمان أنهم لما سمعوا هذا الكلام ~~المخوف لم يلتفتوا اليه ، بل حدث في قلوبهم عزم متأكد على محاربة الكفار ، ~~وعلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به وينهي عنه ثقل ~~PageV09P081 ذلك أو خف ، لأنه قد كان فيهم من به جراحات عظيمة ، وكانوا ~~محتاجين إلى المداوة ، وحدث في قلوبهم وثوق بأن الله ينصرهم على أعدائهم ~~ويؤيدهم في هذه المحاربة ، فهذا هو المراد من قوله تعالى : { فزادهم إيمانا ~~} . # المسألة الثالثة : الذين يقولون ان الايمان ms2591 عبارة لا عن التصديق بل عن ~~الطاعات ، وإنه يقبل الزيادة والنقصان ، احتجوا بهذه الآية ، فانه تعالى نص ~~على وقوع الزيادة ، والذين لا يقولون بهذا القول قالوا : الزيادة إنما وقعت ~~في مراتب الايمان وفي شعائره ، فصح القول بوقوع الزيادة في الايمان مجازا . # المسألة الرابعة : هذه الواقعة تدل دلالة ظاهرة على أن الكل بقضاء الله ~~وقدره ، وذلك لأن المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحد ، والعادة ~~جارية بأنه إذا انهزم أحد الخصمين عن / الآخر فانه يحصل في قلب الغالب قوة ~~وشدة استيلاء ، وفي قلب المغلوب انكسار وضعف ، ثم انه سبحانه قلب القضية ~~ههنا ، فأودع قلوب الغالبين وهم المشركون الخوف والرعب ، وأودع قلوب ~~المغلوبين القوة والحمية والصلابة ، وذلك يدل على أن الدواعي والصوارف من ~~الله تعالى ، وإنها متى حدثت في القلوب وقعت الأفعال على وفقها . # ثم قال تعالى : { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } والمراد أنهم كلما ~~ازدادوا إيمانا في قلوبهم أظهروا ما يطابقه فقالوا : حسبنا الله ونعم ~~الوكيل . قال ابن الانباري : { حسبنا الله } أي كافينا الله ، ومثله قول ~~امرىء القيس : # وحسبك من غنى شبع وري # أي يكفيك الشبع والري ، وأما ( الوكيل ) ففيه أقوال : أحدها : أنه الكفيل ~~. قال الشاعر : # ذكرت أبا أروى فبت كأنني برد الأمور الماضيات وكيل # اراد كأنني برد الأمور كفيل . الثاني : قال الفراء : الوكيل : الكافي ، ~~والذي يدل على صحة هذا القول أن ( نعم ) سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقا ~~للذي قبلها ، تقول : رازقنا الله ونعم الرازق ، وخالقنا الله ونعم الخالق ، ~~وهذا أحسن من قول من يقول : خالقنا الله ونعم الرازق ، فكذا ههنا تقدير ~~الآية : يكفينا الله ونعم الكافي . الثالث : الوكيل ، فعيل بمعنى مفعول ، ~~وهو الموكول اليه ، والكافي والكفيل يجوز أن يسمى وكيلا ، لأن الكافي يكون ~~الأمر موكولا إليه ، وكذا الكفيل يكون الأمر موكولا إليه . # ثم قال تعالى : { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل } وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خرج والمعنى : وخرجوا فانقلبوا ، فحذف الخروج لأن الانقلاب يدل ~~عليه ، كقوله : { أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } ( الشعراء : 63 ) أي فضرب ~~فانفلق ms2592 ، وقوله : { بنعمة من الله وفضل } قال مجاهد والسدي : النعمة ههنا ~~العافية ، والفضل التجارة ، وقيل : النعمة منافع الدنيا ، والفضل ثواب ~~الآخرة ، وقوله : { لم يمسسهم سوء } لم يصبهم قتل ولا جراح في قول الجميع { ~~واتبعوا رضوان الله } في طاعة رسوله { والله ذو فضل عظيم } قد تفضل عليهم ~~بالتوفيق فيما فعلوا ، وفي ذلك إلقاء الحسرة في قلوب المتخلفين عنهم وإظهار ~~لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم مما فاز به هؤلاء ، وروي أنهم قالوا : هل يكون ~~هذا غزوا ، فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم . PageV09P082 # واعلم أن أهل المغازي اختلفوا ، فذهب الواقدي إلى تخصيص الآية الأولى ~~بواقعة حمراء الأسد ، والآية الثانية ببدر الصغرى ، ومنهم من يجعل الآيتين ~~في وقعة بدر الصغرى ، والأول أولى لأن قوله تعالى : { من بعد ما أصابهم ~~القرح } كأنه يدل على قرب عهد بالقرح ، فالمدح فيه أكثر من المدح / على ~~الخروج على العدو من وقت إصابة القرح لمسه ، والقول الآخر أيضا محتمل . ~~والقرح على هذا القول يجب أن يفسر بالهزيمة ، فكأنه قيل : إن الذين انهزموا ~~ثم أحسنوا الأعمال بالتوبة واتقوا الله في سائر أمورهم ، ثم استجابوا لله ~~وللرسسول عازمين على الثواب موطنين أنفسهم على لقاء العدو ، بحيث لما بلغهم ~~كثرة جموعهم لم يفتروا ولم يفشلوا ، وتوكلوا على الله ورضوا به كافيا ~~ومعينا فلهم أجر عظيم لا يحجبهم عنه ما كان منهم من الهزيمة إذ كانوا قد ~~تابوا عنها والله أعلم . # ! 7 < { إنما ذالكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ~~مؤمنين } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 175 ) إنما ذلكم الشيطان . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { الشيطان } خبر { ذالكم } بمعنى : انما ذلكم المثبط هو ~~الشيطان { كانوا أولياءه } جملة مستأنفة بيان لتثبيطه ، أو { الشيطان } صفة ~~لاسم الاشارة و { يخوف } الخبر ، والمراد بالشيطان الركب ، وقيل : نعيم بن ~~مسعود ، وسمي شبطانا لعتوه وتمرده في الكفر ، كقوله : { شياطين الإنس والجن ~~} ( الأنعام : 112 ) وقيل : هو الشيطان يخوف بالوسوسة . # أما قوله تعالى : { يخوف أولياءه } ففيه سؤال : وهو أن الذين سماهم الله ~~بالشيطان إنما خوفوا المؤمنين ، فما معنى قوله : { الشيطان يخوف أولياءه } ~~والمفسرون ذكروا ms2593 فيه ثلاثة أوجه : الأول : تقدير الكلام : ذلكم الشيطان ~~يخوفكم بأوليائه ، فحذف المفعول الثاني وحذف الجار ، ومثال حذف المفعول ~~الثاني قوله تعالى : { فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم } ( القصص : 7 ) أي ~~فاذا خفت عليه فرعون ، ومثال حذف الجار قوله تعالى : { لينذر بأسا شديدا } ~~( الكهف : 2 ) معناه : لينذركم ببأس وقوله : { لينذر يوم التلاق } ( غافر : ~~15 ) أي لينذركم بيوم التلاق ، وهذا قول الفراء ، والزجاج ، وأبي علي . ~~قالوا : ويدل عليه قراءة أبي بن كعب { * يخوفكم بأوليائه } . # القول الثاني : أن هذا على قول القائل : خوفت زيدا عمرا ، وتقدير الآية : ~~يخوفكم أولياءه ، فحذف المفعول الأول ، كما تقول : أعطيت الأموال ، أي ~~أعطيت القوم الأموال ، قال ابن الانباري : وهذا أولى من ادعاء جار لا دليل ~~عليه وقوله : { عوجا قيما لينذر بأسا } أي لينذركم بأسا وقوله : { لينذر ~~يوم التلاق } أي لينذركم يوم التلاق والتخويف يتعدى إلى مفعولين من غير حرف ~~جر تقول : خاف زيد القتال ، وخوفته القتال وهذا الوجه يدل عليه قراءة ابن ~~مسعود { كانوا أولياءه } . # / القول الثالث : أن معنى الآية : يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن ~~قتال المشركين ، والمعنى الشيطان يخوف أولياءه الذين يطيعونه ويؤثرون أمره ~~، فأما أولياء الله ، فانهم لا يخافونه إذا خوفهم ولا ينقادون لأمره ومراده ~~منهم ، وهذا قول الحسن والسدي ، فالقول الأول فيه محذوفان ، والثاني فيه ~~محذوف واحد ، والثالث لا حذف فيه . وأما الأولياء فهم المشركون والكفار ، ~~وقوله : { فلا تخافوهم } الكناية في القولين الأولين عائدة PageV09P083 إلى ~~الأولياء . وفي القول الثالث عائدة إلى { الناس } في قوله : { إن الناس قد ~~جمعوا لكم } ( آل عمران : 173 ) { فلا تخافوهم } فتقعدوا عن القتال وتجنبوا ~~{ وخافون } فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به { إن كنتم مؤمنين } ~~يعني أن الايمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس . # ! 7 < { ولا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد ~~الله ألا يجعل لهم حظا فى الا خرة ولهم عذاب عظيم } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 176 ) ولا يحزنك الذين . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع { يحزنك } بضم الياء وكسر الزاي ، وكذلك في ms2594 ~~جميع ما في القرآن إلا قوله : { لا يحزنهم الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ~~) في سورة الأنبياء ، فانه فتح الياء وضم الزاي ، والباقون كلهم بفتح الياء ~~وضم الزاي . قال الازهري : اللغة الجيدة : حزنه يحزنه على ما قرأ به أكثر ~~القراء ، وحجة نافع أنهما لغتان يقال : حزن يحزن كنصر ينصر ، وأحزن يحزن ~~كأكرم يكرم لغتان . # المسألة الثانية : اختلفوا في سبب نزول الآية على وجوه : الأول : أنها ~~نزلت في كفار قريش ، والله تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم ، والمعنى : لا ~~يحزنك من يسارع في الكفر بأن يقصد جمع العساكر لمحاربتك ، فانهم بهذا ~~الصنيع إنما يضرون أنفسهم ولا يضرون الله ، ولا بد من حمل ذلك على أنهم لن ~~يضروا النبي وأصحابه من المؤمنين شيئا ، واذا حمل على ذلك فلا بد من حمله ~~على ضرر مخصوص ، لأن من المشهور أنهم بعد ذلك ألحقوا أنواعا من الضرر ~~بالنبي عليه الصلاة والسلام ، والأولى أن يكون ذلك محمولا على أن مقصودهم ~~من جمع العساكر إبطال هذا الدين وإزالة هذه الشريعة ، وهذا المقصود لا يحصل ~~لهم ، بل يضمحل أمرهم وتزول شوكتهم ، ويعظم أمرك ويعلو شأنك . الثاني : ~~أنها نزلت في المنافقين ، ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوفون المؤمنين / بسبب ~~وقعة أحد ويؤيسونهم من النصرة والظفر ، أو بسبب أنهم كانوا يقولون ان محمدا ~~طالب ملك ، فتارة يكون الأمر له ، وتارة عليه ، ولو كان رسولا من عند الله ~~ما غلب ، وهذا كان ينفر المسلمين عن الاسلام ، فكان الرسول يحزن بسببه . ~~قال بعضهم : ان قوما من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفا من قريش فوقع الغم في ~~قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك السبب ، فانه عليه السلام ظن أنهم بسبب ~~تلك الردة يلحقون به مضرة . فبين الله أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك قال ~~القاضي : ويمكن أن يقوي هذا الوجه بأمور : الأول : أن المستمر على الكفر لا ~~يوصف بانه يسارع في الكفر ، وإنما يوصف بذلك من يكفر بعد الايمان . الثاني ~~: أن إرادته تعالى أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة لا يليق إلا ms2595 بمن قد آمن ، ~~فاستوجب ذلك ، ثم أحبط . الثالث : أن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود ، ~~فلما قدر النبي صلى الله عليه وسلم الانتفاع بايمانهم ، ثم كفروا حزن صلى ~~الله عليه وسلم عند ذلك لفوات التكثير بهم ، فآمنه الله من ذلك وعرفه أن ~~وجود إيمانهم كعدمه في أن أحواله لا تتغير . # القول الرابع : أن المراد رؤساء اليهود : كعب بن الأشرف وأصحابه الذين ~~كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم لمتاع PageV09P084 الدنيا . قال القفال ~~رحمه الله : ولا يبعد حمل الآية على جميع أصناف الكفار بدليل قوله تعالى : ~~{ قدير يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر } إلى قوله : { ومن ~~الذين هادوا } ( المائدة : 41 ) فدلت هذه الآية على أن حزنه كان حاصلا من ~~كل هؤلاء الكفار . # المسألة الثالثة : في الآية سؤال : وهو أن الحزن على كفر الكافر ومعصية ~~العاصي طاعة ، فكيف نهى الله عن الطاعة ؟ # والجواب من وجهين : الأول : أنه كان يفرط ويسرف في الحزن على كفر قومه ~~حتى كاد يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به ، فنهاه الله تعالى عن الاسراف فيه . ~~ألا ترى إلى قوله تعالى : { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ( فاطر : 8 ) ~~الثاني : أن المعنى لا يحزنوك بخوف أن يضروك ويعينوا عليك / ألا ترى إلى ~~قوله : { إنهم لن يضروا الله شيئا } يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر ~~غير أنفسهم ، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم ألبتة . # ثم قال : { إنهم لن يضروا الله شيئا } والمعنى أنهم لن يضروا النبي ~~وأصحابه شيئا ، وقال عطاء : يريد : لن يضروا أولياء الله شيئا . # ثم قال تعالى : { يريد الله ألا يجعل لهم حظا فى الاخرة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه رد على المعتزلة ، وتنصيص على أن الخير والشر ~~بارادة الله تعالى ، قال القاضي : المراد أنه يريد الاخبار بذلك والحكم به ~~. # / واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين : الأول : أنه عدول عن الظاهر ، ~~والثاني : بتقدير أن يكون الأمر كما قال ، لكن الاتيان بضد ما أخبر الله ~~عنه وحكم به محال فيعود الاشكال . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة ms2596 : الارادة لا تتعلق بالعدم ، وقال ~~أصحابنا ذلك جائز ، والآية دالة على قول أصحابنا لأنه قال : { يريد الله أن ~~* لا * يجعل لهم حظا فى الاخرة } فبين أن إرادته متعلقة بهذا العدم . قالت ~~المعتزلة : المعنى أنه تعالى ما أراد ذلك كما قال : { ولا يريد بكم العسر } ~~( البقرة : 185 ) قلنا : هذا عدول عن الظاهر . # المسألة الثالثة : الآية تدل على أن النكرة في موضع النفي تعم ، إذ لو لم ~~يحصل العموم لم يحصل تهديد الكفار بهذه الآية ثم قال : { ولهم عذاب عظيم } ~~وهذا كلام مبتدأ والمعنى أنه كما لاحظ لهم البتة من منافع الآخرة فلهم الحظ ~~العظيم من مضار الآخرة . # ! 7 < { إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب ~~أليم } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 177 ) إن الذين اشتروا . . . . . # > > اعلم أنا لو حملنا الآية الأولى على المنافقين واليهود ، وحملنا هذه ~~الآية على المرتدين لا يبعد أيضا حمل الآية الأولى على المرتدين ، وحمل هذه ~~الآية على اليهود ، ومعنى اشتراء الكفر بالايمان منهم ، أنهم كانوا يعرفون ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمنون به قبل مبعثه ويستنصرون به على أعدائهم ، ~~فلما بعث كفروا به وتركوا ما PageV09P085 كانوا عليه ، فكأنهم أعطوا ~~الايمان وأخذوا الكفر بدلا عنه كما يفعل المشتري من إعطاء شيء وأخذ غيره ~~بدلا عنه ، ولا يبعد أيضا حمل هذه الآية على المنافقين ، وذلك لأنهم متى ~~كانوا مع المؤمنين أظهروا الايمان ، فاذا خلوا إلى شياطينهم كفروا وتركوا ~~الايمان ، فكان ذلك كأنهم اشتروا الكفر بالايمان . # واعلم أنه تعالى . قال في الآية الأولى : { إن الذين * يسارعون فى الكفر ~~* لن يضروا الله شيئا } ( آل عمران : 176 ) وقال في هذه الآية : { إن الذين ~~اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا } والفائدة في هذا التكرار أمور ~~: أحدها : أن الذين اشتروا الكفر بالايمان لا شك أنهم كانوا كافرين أولا ، ~~ثم آمنوا ثم كفروا بعد ذلك ، وهذا يدل على شدة الاضطراب وضعف الرأي وقلة ~~الثبات ، ومثل هذا الانسان لا خوف منه ولا هيبة له ولا قدرة له البتة على ~~الحاق الضرر بالغير . وثانيها ms2597 : أن أمر الدين أهم / الأمور وأعظمها ، ومثل ~~هذا مما لا يقدم الانسان فيه على الفعل أو على الترك إلا بعد إمعان النظر ~~وكثرة الفكر ، وهؤلاء يقدمون على الفعل أو على الترك في مثل هذا المهم ~~العظيم بأهون الأسباب وأضعف الموجبات ، وذلك يدل على قلة عقلهم وشدة ~~حماقتهم ، فامثال هؤلاء لا يلتفت العاقل اليهم . وثالثها : ان أكثرهم إنما ~~ينازعونك في الدين ، لا بناء على الشبهات ، بل بناء على الحسد والمنازعة في ~~منصب الدنيا ، ومن كان عقله هذا القدر ، وهو أنه يبيع بالقليل من الدنيا ~~السعادة العظيمة في الآخرة كان في غاية الحماقة ، ومثله لا يقدر في إلحاق ~~الضرر بالغير ، فهذا هو الفائدة في إعادة هذه الآية والله أعلم بمراده . # ! 7 < { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير لانفسهم إنما نملى لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 178 ) ولا يحسبن الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى حكى عن الذين ذهبوا إلى المدينة لتثبيط أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنهم إنما ثبطوهم لأنهم خوفوهم بأن يقتلوا كما قتل ~~المسلمون يوم أحد ، والله تعالى بين أن أقوال هؤلاء الشياطين لا يقبلها ~~المؤمن ولا يلتفت اليها ، وإنما الواجب على المؤمن أن يعتمد على فضل الله ، ~~ثم بين في هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين ليس خيرا من قتل أولئك الذين ~~قتلوا بأحد ، لأن هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي في الدنيا والعقاب الدائم ~~في القيامة ، وقتل أولئك الذين قتلوا يوم أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل ~~في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، فترغيب أولئك المثبطين في مثل هذه ~~الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل . فهذا بيان وجه النظم ~~، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { ولا تحسبن الذين * كفروا } { ~~ولا تحسبن الذين * يبخلون } ( آل عمران : 18 ) { لا تحسبن الذين يفرحون فلا ~~تحسبنهم } ( آل عمران : 188 ) في الأربعة بالتاء وضم الباء في قوله : { ~~تحسبنهم } وقرأ نافع وابن عامر بالياء إلا قوله : { فلا تحسبنهم } فانه ~~بالتاء ، وقرأ ms2598 حمزة كلها بالتاء ، واختلاف القراء في فتح السين وكسرها ~~قدمناه في سورة البقرة ، أما الذين قرأوا بالياء المنقطة من تحت : ~~PageV09P086 فقوله : { يحسبن } فعل ، وقوله : { الذين كفروا } فاعل يقتضي ~~مفعولين أو مفعولا يسد مسد مفعولين نحو حسبت ، وقوله : حسبت أن زيدا منطلق ~~، وحسبت أن يقوم عمرو ، فقوله في الآية : { أنما نملى لهم خير لانفسهم } ~~يسد مسد المفعولين ، ونظيره قوله تعالى : { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون } ( ~~الفرقان : 44 ) وأما قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فأحسن ما قيل فيه ما ~~ذكره الزجاج ، وهو أن { الذين كفروا } نصب بأنه المفعول الاول ، و { أنما ~~نملى لهم } بدل عنه . و { خير لانفسهم } هو المفعول الثاني والتقدير : ولا ~~تحسبن يا محمد إملاء الذين كفروا خيرا لهم . ومثله مما جعل ( أن ) مع الفعل ~~بدلا من المفعول قوله تعالى : { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم } ~~( الأنفال : 7 ) فقوله : { أنها لكم } بدل من إحدى الطائفتين . # المسألة الثانية : ( ما ) في قوله : { إنما } يحتمل وجهين : أحدهما : أن ~~يكون بمعنى الذي فيكون التقدير : لا تحسبن الذين كفروا أن الذين نمليه خير ~~لأنفسهم ، وحذف الهاء من ( نملي ) لأنه يجوز حذف الهاء من صلة الذي كقولك : ~~الذي رأيت زيد ، والآخر : أن يقال : ( ما ) مع ما بعدها في تقدير المصدر ، ~~والتقدير : لا تحسبن الذين كفروا أن إملائي لهم خير . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : ( ما ) مصدرية وإذا كان كذلك ~~فكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في مصحف عثمان ~~متصلة ، واتباع خط المصاحف لذلك المصحف واجب ، وأما في قوله : { أنما نملى ~~لهم } فههنا يجب أن تكون متصلة لانها كافة بخلاف الأولى . # المسألة الرابعة : معنى ( نملي ) نطيل ونؤخر ، والاملاء الامهال والتأخير ~~، قال الواحدي رحمه الله : واشتقاقه من الملوة وهي المدة من الزمان ، يقال ~~: ملوت من الدهر ملوة وملوة وملاوة وملاوة بمعنى واحد ، قال الاصمعي : يقال ~~: أملى عليه الزمان أي طال ، وأملى له أي طول له وأمهله / قال أبو عبيدة : ~~ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة والملوان الليل والنهار . # المسألة الخامسة : احتج أصحابنا ms2599 بهذه الآية في مسألة القضاء والقدر من ~~وجوه : الأول : أن هذا الاملاء عبارة عن اطالة المدة ، وهي لا شك أنها من ~~فعل الله تعالى ، والآية نص في بيان أن هذا الاملاء ليس بخير ، وهذا يدل ~~على أنه سبحانه فاعل الخير والشر . الثاني : أنه تعالى نص على أن المقصود ~~من هذا الاملاء هو أن يزدادوا الاثم والبغي والعدوان ، وذلك يدل على أن ~~الكفر والمعاصي بارادة الله ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : { ولهم عذاب ~~مهين } أي إنما نملي لهم ليزدادوا إثما وليكون لهم عذاب مهين . الثالث : ~~أنه تعالى أخبر عنهم أنهم لا خير لهم في هذا الاملاء ، أنهم لا يحصلون إلا ~~على ازدياد البغي والطغيان ، والاتيان بخلاف مخبر الله تعالى مع بقاء ذلك ~~الخير جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا لم يكونوا قادرين مع ذلك الاملاء ~~على الخير والطاعة مع أنهم مكلفون بذلك لزم في نفسه بطلان مذهب القوم . ~~قالت المعتزلة : # / أما الوجه الأول : فليس المراد من هذه الآية أن هذا الاملاء ليس بخير ، ~~إنما المراد أن هذا الاملاء ليس خيرا لهم من أن يموتوا كما مات الشهداء يوم ~~أحد ، لأن كل هذه الآيات في شأن أحد وفي تثبيط المنافقين المؤمنين عن ~~الجهاد على ما تقدم شرحه في الآيات المتقدمة ، فبين تعالى أن إبقاء ~~الكافرين في الدنيا وإملاءه لهم ليس بخير لهم من أن يموتوا كموت الشهداء ، ~~ولا يلزم من نفي كون هذا الاملاء أكثر خيرية من ذلك القتل ، أن لا يكون هذا ~~الاملاء في نفسه خيرا . PageV09P087 # وأما الوجه الثاني : فقد قالوا : ليس المراد من الآية أن الغرض من ~~الاملاء إقدامهم على الكفر والفسق بدليل قوله تعالى : { وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) وقوله : { وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله } ( النساء : 64 ) بل الآية تحتمل وجوها من التأويل : ~~أحدها : أن تحمل هذه اللام على لام العاقبة كقوله تعالى : { فالتقطه ءال ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) وقوله : { ولقد ذرأنا لجهنم } ~~( الأعراف : 179 ) وقوله : { وجعلوا لله أندادا ms2600 ليضلوا عن سبيله } ( ~~إبراهيم : 30 ) وهم ما فعلوا ذلك لطلب الاضلال ، بل لطلب الاهتداء ، ويقال ~~: ما كانت موعظتي لك إلا لزيادة في تماديك في الفسق اذا كانت عاقبة الموعظة ~~ذلك ، وثانيها : أن يكون الكلام على التقديم والتأخير ، والتقدير : ولا ~~يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم ~~وثالثها : أنه تعالى لما أمهلهم مع علمه بأنهم لا يزدادون عند هذا الامهال ~~إلا تماديا في الغي والطغيان ، أشبه هذا حال من فعل الاملاء لهذا الغرض ~~والمشابهة أحد أسباب حسن المجاز . ورابعها : وهو السؤال الذي ذكرته للقوم ~~وهو أن اللام في قوله : { ليزدادوا إثما } غير محمول على الغرض باجماع ~~الأمة ، أما على قول أهل السنة فلأنهم يحيلون تعليل أفعال الله بالأغراض ، ~~وأما على قولنا فلأنا لا نقول بأن فعل الله معلل بغرض التعب والايلام ، بل ~~عندنا أنه تعالى لم يفعل فعلا إلا لغرض الاحسان ، واذا كان كذلك فقد حصل ~~الاجماع على أن هذه اللام غير محمولة على التعليل والغرض ، وعند هذا يسقط ~~ما ذكرتم من الاستدلال ، ثم بعد هذا : قول القائل : ما المراد من هذه اللام ~~غير ملتفت اليه ، لأن المستدل إنما بنى استدلاله على أن هذه اللام للتعليل ~~، فاذا بطل ذلك سقط استدلاله . # وأما الوجه الثالث : وهو الاخبار والعلم فهو معارض بأن هذا لو منع العبد ~~من الفعل لمنع الله منه ، ويلزم أن يكون الله موجبا لا مختارا / وهو ~~بالاجماع باطل . # والجواب عن الأول : أن قوله : { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير ~~} معناه نفي الخيرية في نفس الأمر ، وليس معناه أنه ليس خيرا من شيء آخر ، ~~لأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا عند ذكر الراجح والمرجوح ، فلما لم ~~يذكر الله ههنا إلا أحد الأمرين عرفنا أنه لنفي الخيرية / لا لنفي كونه ~~خيرا من شيء آخر . # وأما السؤال الثاني : وهو تمسكهم بقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون } وبقوله تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع } ( النساء : 64 ~~) . # فجوابه : أن الآية التي تمسكنا بها خاص ms2601 ، والآية التي ذكرتموها عام ، ~~والخاص مقدم على العام . # وأما السؤال الثالث : وهو حمل اللام على لام العاقبة فهو عدول عن الظاهر ~~، وأيضا فان البرهان العقلي يبطله ؛ لأنه تعالى لما علم أنهم لا بد وأن ~~يصيروا موصوفين بازدياد الغي والطغيان ، كان ذلك واجب الحصول لأن حصول ~~معلوم الله واجب ، وعدم حصوله محال ، وإرادة المحال محال ، فيمتنع أن يريد ~~منهم الايمان ، ويجب أن يريد منهم ازدياد الغي والطغيان ، وحينئذ ثبت أن ~~المقصود هو التعليل وأنه لا يجوز المصير إلى لام العاقبة . # وأما السؤال الرابع : وهو التقديم والتأخير . # فالجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها : أن التقديم والتأخير ترك للظاهر . ~~وثانيها : قال الواحدي PageV09P088 رحمه الله : هذا إنما يحسن لو جازت ~~قراءة { أنما نملى لهم خير لانفسهم } بكسر ( إنما ) وقراءة { إنما نملى لهم ~~ليزدادوا إثما } بالفتح . ولم توجد هذه القراءة ألبتة . وثالثها : أنا بينا ~~بالبرهان القاطع العقلي أنه يجب أن يكون مراد الله من هذا الاملاء حصول ~~الطغيان لا حصول الايمان ، فالقول بالتقديم والتأخير ترك للظاهر والتزام ~~لما هو على خلاف البرهان القاطع . # وأما السؤال الخامس : وهو قوله : هذه اللام لا يمكن حملها على التعليل . # فجوابه أن عندنا يمتنع تعليل أفعال الله لغرض يصدر من العباد ، فأما أن ~~يفعل تعالى فعلا ليحصل منه شيء آخر فهذا غير ممتنع ، وأيضا قوله : { إنما ~~نملى لهم ليزدادوا إثما } تنصيص على أنه ليس المقصود من هذا الاملاء إيصال ~~الخير لهم والاحسان اليهم ، والقوم لا يقولون بذلك ، فتصير الآية حجة عليهم ~~من هذا الوجه . # وأما السؤال السادس : وهو المعارضة بفعل الله تعالى . # فالجواب : أن تأثير قدرة الله في إيجاد المحدثات متقدم على تعلق علمه ~~بعدمه ، فلم يمكن أن يكون العلم مانعا عن القدرة . أما في حق العبد فتأثير ~~قدرته في إيجاد الفعل متأخر عن تعلق علم الله بعدمه ، فصلح أن يكون هذا ~~العلم مانعا للعبد عن الفعل ، فهذا تمام المناظرة في هذه الآية . # المسألة السادسة : اتفق أصحابنا أنه ليس لله تعالى في حق الكافر شيء من ~~النعم الدينية ، وهل له ms2602 في حقه شيء من النعم الدنيوية ، اختلف فيه قول ~~أصحابنا ، فالذين قالوا ليس له في حقه شيء من / النعم الدنيوية تمسكوا بهذه ~~الآية ، وقالوا هذه الآية دالة على أن أطالة العمر وإيصاله إلى مراداته في ~~الدنيا ليس شيء منها نعمة ، لانه تعالى نص على أن شيئا من ذلك ليس بخير ، ~~والعقل أيضا يقرره وذلك لان من أطعم إنسانا خبيصا مسموما فانه لا يعد ذلك ~~الا طعام إنعاما ، فاذا كان المقصود من إعطاء نعم الدنيا عقاب الآخرة لم ~~يكن شيء منها نعمة حقيقة ، وأما الآيات الواردة في تكثير النعم في حق ~~الكفار فهي محمولة على ما يكون نعما في الظاهر ، وانه لا طريق إلى التوفيق ~~بين هذه الآية وبين تلك الآيات الا أن نقول : تلك النعم نعم في الظاهر ~~ولكنها نقم وآفات في الحقيقة والله أعلم . # ! 7 < { ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشآء ~~فأامنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 179 ) ما كان الله . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية من بقية الكلام في قصة أحد ، فأخبر تعالى ان ~~الاحوال التي وقعت في تلك الحادثة من القتل والهزيمة ، ثم دعاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم اياهم مع ما كان بهم من الجراحات إلى الخروج لطلب العدو ، ~~ثم دعائه اياهم مرة أخرى إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان ، فأخبر تعالى أن ~~كل هذه الأحوال PageV09P089 صار دليلا على امتياز المؤمن من المنافق ، لان ~~المنافقين خافوا ورجعوا وشمتوا بكثرة القتلى منكم ، ثم ثبطوا وزهدوا ~~المؤمنين عن العود إلى الجهاد ، فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يجوز في حكمته ~~أن يذركم على ما أنتم عليه من اختلاط المنافقين بكم وإظهارهم أنهم منكم ومن ~~أهل الايمان بل كان يجب في حكمته إلقاء هذه الحوادث والوقائع حتى يحصل هذا ~~الامتياز ، فهذا وجه النظم . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : { حتى يميز الخبيث ms2603 } بالتشديد ، ~~وكذلك في الافعال والباقون { يميز } بالتخفيف وفتح الياء الأولى وكسر الميم ~~وسكون الياء الأخيرة ، قال الواحدي رحمه الله : وهما لغتان يقال مزت الشيء ~~بعضه من بعض فأنا أميزه ميزا أو أميزه تمييزا ، ومنه الحديث ( من ماز أذى ~~عن طريق فهو له صدقة ) وحجة من قرأ بالتخفيف وفتح الباء أن الميز يفيد ~~فائدة التمييز وهو أخف / في اللفظ فكان أولى ، وحكى أبو زيد عن أبي عمرو ~~أنه كان يقول : التشديد للكثرة ، فاما واحد من واحد فيميز بالتخفيف ، والله ~~تعالى قال : { حتى يميز الخبيث من الطيب } فذكر شيئين ، وهذا كما قال بعضهم ~~في الفرق والتفريق ، وأيضا قال تعالى : { وامتازوا اليوم } ( يس : 59 ) وهو ~~مطاوع الميز ، وحجة من قرأ بالتشديد : أن التشديد للتكثير والمبالغة ، وفي ~~المؤمنين والمنافقين كثرة ، فلفظ التمييز ههنا أولى ، ولفظ الطيب والخبيث ~~وان كان مفردا إلا أنه للجنس ، فالمراد بهما جميع المؤمنين والمنافقين لا ~~اثنان منهما . # المسألة الثانية : قد ذكرنا أن معنى الآية : ما كان الله ليذركم يا معشر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق واشباهه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب ، أي المنافق من المؤمن . واختلفوا بأي شيء ميز بينهم ~~وذكروا وجوها : أحدها : بالقاء المحن والمصائب والقتل والهزيمة ، فمن كان ~~مؤمنا ثبت على إيمانه وعلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن كان ~~منافقا ظهر نفاقه وكفره . وثانيها : أن الله وعد بنصرة المؤمنين وإذلال ~~الكافرين ، فلما قوي الاسلام عظمت دولته وذل الكفر وأهله ، وعند ذلك حصل ~~هذا الامتياز . وثالثها : القرائن الدالة على ذلك ، مثل ان المسلمين كانوا ~~يفرحون بنصرة الاسلام وقوته ، والمنافقين كانوا يغتمون بسبب ذلك . # المسألة الثالثة : ههنا سأل ، وهو أن هذا التمييز إن ظهر وانكشف فقد ظهر ~~كفر المنافقين ، وظهور الكفر منهم ينفي كونهم منافقين ، وان لم يظهر لم ~~يحصل موعود الله . # وجوابه : أنه ظهر بحيث يفيد الامتياز الظني ، لا الامتياز القطعي . # ثم قال تعالى : { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } معناه أنه سبحانه حكم ~~بأن يظهر هذا التمييز ، ثم بين بهذه الآية أنه ms2604 لا يجوز أن يحصل ذلك التمييز ~~بأن يطلعكم الله على غيبه فيقول : إن فلانا منافق وفلانا مؤمن / وفلانا من ~~أهل الجنة وفلانا من أهل النار ، فان سنة الله جارية بأنه لا يطلع عوام ~~الناس على غيبه ، بل لا سبيل لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلا بالامتحانات ~~مثل ما ذكرنا من وقوع المحن والآفات ، حتى يتميز عندها الموافق من المنافق ~~، فأما معرفة ذلك على سبيل الاطلاع من الغيب فهو من خواص الأنبياء ، فلهذا ~~قال : { ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء } أي ولكن الله يصطفى من رسله من ~~يشاء فخصهم باعلامهم أن هذا مؤمن وهذا منافق . ويحتمل ولكن الله يجتبي من ~~رسله من يشاء فيمتحن خلقه بالشرائع على أيديهم حتى يتميز الفريقان ~~بالامتحان ، ويحتمل أيضا أن يكون المعنى : وما كان الله PageV09P090 ~~ليجعلكم كلكم عالمين بالغيب من حيث يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن ~~الرسول ، بل الله يخص من يشاء من عباده بالرسالة ، ثم يكلف الباقين طاعة ~~هؤلاء الرسل . # ثم قال : { ما كان الله } والمقصود أن المنافقين طعنوا في نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم بوقوع / الحوادث المكروهة في قصة أحد ، فبين الله تعالى انه ~~كان فيها مصالح . منها تمييز الخبيث من الطيب ، فلما أجاب عن هذه الشبهة ~~التي ذكرتموها قال : { ما كان الله } يعني لما دلت الدلائل على نبوته وهذه ~~الشبهة التي ذكرتموها في الطعن في نبوته فقد أجبنا عنها ، فلم يبق إلا أن ~~تؤمنوا بالله ورسله ، وإنما قال : { ورسله } ولم يقل : ورسوله لدقيقة ، وهي ~~أن الطريق الذي به يتوصل إلى الاقرار بنبوة أحد من الأنبياء عليهم السلام ~~ليس إلا المعجز وهو حاصل في حق محمد صلى الله عليه وسلم ، فوجب الاقرار ~~بنبوة كل واحد من الأنبياء ، فلهذه الدقيقة قال : { ورسله } والمقصود ~~التنبيه على أن طريق إثبات نبوة جميع الأنبياء واحد ، فمن أقر بنبوة واحد ~~منهم لزمه الاقرار بنبوة الكل ، ولما أمرهم بذلك قرن به الوعد بالثواب فقال ~~: { وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم } وهو ظاهر . # ! 7 < { ولا يحسبن الذين يبخلون ms2605 بمآ ءاتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل ~~هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والا رض ~~والله بما تعملون خبير } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 180 ) ولا يحسبن الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد في ~~الآيات المتقدمة شرع ههنا في التحريض على بذل المال في الجهاد ، وبين ~~الوعيد الشديد لمن يبخل ببذل المال في سبيل الله ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة { ولا تحسبن } بالتاء والباقون بالياء ، أما ~~قراءة حمزة بالتاء المنقطة من فوق فقال الزجاج : معناه ولا تحسبن بخل الذين ~~يبخلون خيرا لهم ، فحذف المضاف لدلالة يبخلون عليه ، وأما من قرأ بالياء ~~المنقطة من تحت ففيه وجهان : الأول : أن يكون فاعل { يحسبن } ضمير رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، أو ضمير أحد ، والتقدير : ولا يحسبن رسول الله ~~أو لا يحسبن أحد بخل الذين يبخلون خيرا لهم . الثاني : أن يكون فاعل { ~~يحسبن } هم الذين يبخلون ، وعلى هذا التقدير يكون المفعول محذوفا ، وتقديره ~~: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خيرا لهم ، وانما جاز حذفه لدلالة ~~يبخلون عليه ، كقوله : من كذب كان شرا له ، أي الكذب ، ومثله : # / إذا نهى السفيه جرى إليه # أي السفه وأنشد الفراء # هم الملوك وأبناء الملوك هم والآخذون به والسادة الأول # فقوله به : يريد بالملك ولكنه اكتفى عنه بذكر الملوك . # PageV09P091 المسألة الثانية : هو في قوله : { هو خيرا لهم } تسميه ~~البصريون فصلا ، والكوفيون عمادا ، وذلك لأنه لما ذكر ( يبخلون ) فهو ~~بمنزلة ما اذا ذكر البخل ، فكأنه قيل : ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيرا ~~لهم ، وتحقيق القول فيه أن للمبتدأ حقيقة ، وللخبر حقيقة ، وكون حقيقة ~~المبتدأ موصوفا بحقيقة الخبر أمر زائد على حقيقة المبتدأ وحقيقة الخبر ، ~~فاذا كانت هذه الموصوفية أمرا زائدا على الذاتين فلا بد من صيغة ثالثة دالة ~~على هذه الموصوفية وهي كلمة ( هو ) . # المسألة الثالثة : اعلم أن الآية دالة على ذم البخل بشيء من الخيرات ~~والمنافع ، وذلك الخير يحتمل أن يكون مالا ، وأن يكون ms2606 علما . # فالقول الأول : ان هذا الوعيد ورد على البخل بالمال ، والمعنى : لا ~~يتوهمن هؤلاء البخلاء أن بخلهم هو خير لهم ، بل هو شر لهم ، وذلك لأنه يبقى ~~عقاب بخلهم عليهم ، وهو المراد من قوله : { سيطوقون ما بخلوا به يوم ~~القيامة } مع أنه لا تبقى تلك الأموال عليهم وهذا هو المراد بقوله : { ولله ~~ميراث * السماوات والارض } . # والقول الثاني : أن المراد من هذا البخل : البخل بالعلم ، وذلك لأن ~~اليهود كانوا يكتمون نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ، فكان ذلك الكتمان ~~بخلا ، يقال فلان يبخل بعلمه ، ولا شك أن العلم فضل من الله تعالى قال الله ~~تعالى : { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ( النساء : 113 ~~) ثم أنه تعالى علم اليهود والنصارى ما في التوراة والأنجيل ، فاذا كتموا ~~ما في هذين الكتابين من البشارة بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك ~~بخلا . # واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه تعالى قال : ~~{ سيطوقون ما بخلوا به } ولو فسرنا الآية بالعلم احتجنا إلى تحمل المجاز في ~~تفسير هذه الآية ، ولو فسرناها بالمال لم نحتج إلى المجاز فكان هذا أولى . ~~الثاني : أنا لو حملنا هذه الآية على المال كان ذلك ترغيبا في بذل المال في ~~الجهاد فحينئذ يحصل لهذه الآية مع ما قبلها نظم حسن / ولو حملناها على أن ~~اليهود كتموا ما عرفوه من التوراة انقطع النظم ، إلا على سبيل التكلف ، ~~فكان الأول أولى . # المسألة الرابعة : أكثر العلماء على أن البخل عبارة عن منع الواجب ، وان ~~منع التطوع / لا يكون بخلا ، واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : ان الآية دالة ~~على الوعيد الشديد في البخل ، والوعيد لا يليق إلا الواجب . وثانيها : أنه ~~تعالى ذم البخل وعابه ، ومنع التطوع لا يجوز أن يذم فاعله وأن يعاب به . ~~وثالثها : وهو أنه تعالى لا ينفك عن ترك التفضل لأنه لا نهاية لمقدوراته في ~~التفضل ، وكل ما يدخل في الوجود فهو متناه ، فيكون لا محالة تاركا التفضل ، ~~فلو كان ترك التفضل بخلا لزم أن ms2607 يكون الله تعالى موصوفا بالبخل لا محالة ، ~~تعالى الله عز وجل عنه علوا كبيرا . ورابعها : قال عليه الصلاة والسلام : ( ~~وأي داء أدوأ من البخل ) ومعلوم أن تارك التطوع لا يليق به هذا الوصف . ~~وخامسها : أنه كان لو تارك التفضل بخيلا لوجب فيمن يملك المال كله العظيم ~~أن لا يتخلص من البخل إلا باخراج الكل . وسادسها : أنه تعالى قال : { ومما ~~رزقناهم ينفقون } ( البقرة : 3 ) وكلمة ( من ) للتبعيض ، فكان المراد من ~~هذه الآية : الذين ينفقون بعض ما رزقهم الله ، ثم إنه تعالى قال في صفتهم : ~~{ أولائك على هدى من ربهم وأولائك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) ~~PageV09P092 فوصفهم بالهدى والفلاح ، ولو كان تارك التطوع بخيلا مذموما لما ~~صح ذلك . فثبت بهذه الآية أن البخل عبارة عن ترك الواجب ، إلا أن الانفاق ~~الواجب أقسام كثيرة ، منها انفاقه على نفسه وعلى أقاربه الذين يلزمه مؤنتهم ~~، ومنها ما يتصل بأبواب الزكاة ، ومنها ما إذا احتاج المسلمون إلى دفع عدو ~~يقصد قتلهم ومالهم ، فههنا يجب عليهم انفاق الأموال على من يدفعه عنهم ، ~~لأن ذلك يجري مجرى دفع الضرر عن النفس ، ومنها إذا صار أحد من المسلمين ~~مضطرا فانه يجب عليه أن يدفع اليه مقدار ما يستبقي به رمقه ، فكل هذه ~~الاتفاقات من الواجبات وتركه من باب البخل والله أعلم . # ثم قال تعالى : { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في تفسير هذا الوعيد وجوه : الأول : أن يحمل هذا على ~~ظاهره وهو أنه تعالى يطوقهم بطوق يكون سببا لعذابهم . قيل : انه تعالى يصير ~~تلك الأموال في أعناقهم حياة تكون لهم كالاطواق تلتوي في أعناقهم ، ويجوز ~~أيضا أن تلتوي تلك الحيات في سائر أبدانهم ، فأما ما يصير من ذلك في ~~أعناقهم فعلى جهة أنهم كانوا التزموا أداء الزكاة ثم امتنعوا عنها ، وأما ~~ما يلتوي منها في سائر أبدانهم فعلى وجهة أنهم كانوا يضمون تلك الأموال إلى ~~أنفسهم ، فعوضوا منها بأن جعلت حيات التوت عليهم كأنهم قد التزموها وضموها ~~إلى أنفسهم . ويمكن أن يكون الطوق طوقا من نار ms2608 يجعل في أعناقهم ، ونظيره ~~قوله تعالى : { يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم } ( التوبة : 35 ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما : تجعل تلك الزكاة ~~الممنوعة في عنقهم كهيئة الطوق شجاعا ذا زبيبتين يلدغ بهما خديه ويقول : ~~أنا الزكاة التي بخلت في الدنيا بي . # / القول الثاني : في تفسير قوله : { سيطوقون } قال مجاهد : سيكلفون أن ~~يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة ونظيره ما روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ { ~~وعلى الذين * يطيقونه فدية } ( البقرة : 184 ) قال المفسرون : يكلفونه ولا ~~يطيقونه ، فكذا قوله : { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } ( آل عمران : ~~180 ) أي يؤمرون بأداء ما منعوا حين لا يمكنهم الاتيان به ، فيكون ذلك ~~توبيخا على معنى : هلا فعلتم ذلك حين كان ممكنا . # والقول الثالث : أن قوله : { سيطوقون ما بخلوا به } أي سيلزمون إثمه في ~~الآخرة ، وهذا على طريق التمثيل لا على أن ثم أطواقا ، يقال منه : فلان ~~كالطوق في رقبة فلان ، والعرب يعبرون عن تأكيد الزام الشيء بتصييره في ~~العنق ، ومنه يقال : قلدتك هذا الأمر ، وجعلت هذا الأمر في عنقك قال تعالى ~~: { وكل إنسان ألزمناه طئره فى عنقه } ( الإسراء : 13 ) . # القول الرابع : إذا فسرنا هذا البخل بالبخل بالعلم كان معنى { سيطوقون } ~~أن الله تعالى يجعل في رقابهم طوقا من نار ، قال عليه الصلاة والسلام : ( ~~من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة ) ~~والمعنى أنهم عوقبوا في أفواههم وألسنتهم بهذا اللجام لأنهم لم ينطقوا ~~بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق . # واعلم أن تفسير هذا البخل بكتمان دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم غير ~~بعيد ، وذلك لأن اليهود والنصارى PageV09P093 موصوفون بالبخل في القرآن ~~مذمومون به . قال تعالى في صفتهم : { أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون ~~الناس نقيرا } ( النساء : 53 ) وقال أيضا فيهم : { الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل } ( النساء : 37 ) وأيضا ذكر عقيب هذه الآية قوله : { لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } ( آل عمران : 181 ) وذلك ~~من ms2609 أقوال اليهود ، ولا يبعد أيضا أن تكون الآية عامة في البخل بالعلم ، وفي ~~البخل بالمال ، ويكون الوعيد حاصلا عليهما معا . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على القطع بوعيد ~~الفساق ، وذلك لأن من يلزمه هذه الحقوق ولا تسقط عنه هو المصدق بالرسول ~~وبالشريعة ، أما قوله : { بل هو شر لهم } فلأنه يؤدي إلى حرمان الثواب ~~وحصول النار ، وأما قوله : { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } فهو صريح ~~بالوعيد . # واعلم أن الكلام في هذه المسألة تقدم في سورة البقرة . # ثم قال تعالى : { ولله ميراث * السماوات والارض } وفيه وجهان : الأول : ~~وله ما فيها مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره . فما لهم يبخلون عليه بملكه ~~ولا ينفقونه في سبيله ، ونظيره قوله تعالى : { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين ~~فيه } ( الحديد : 7 ) والثاني : وهو قول الأكثرين : المراد أنه يفنى أهل / ~~السموات والأرض وتبقى الاملاك ولا مالك لها إلا الله ، فجرى هذا مجرى ~~الوراثة إذ كان الخلق يدعون الاملاك ، فلما ماتوا عنها ولم يخلفوا أحدا كان ~~هو الوارث لها ، والمقصود من الآية أنه يبطل ملك جمع المالكين إلا ملك الله ~~سبحانه وتعالى ، فيصير كالميراث . قال ابن الانباري : يقال : ورث فلان علم ~~فلان إذا انفرد به بعد أن كان مشاركا فيه ، وقال تعالى : { وورث سليمان * ~~داوود } ( النمل : 16 ) وكان المعنى انفراده بذلك الأمر بعد أن كان داود ~~مشاركا له فيه وغالبا عليه . # ثم قال تعالى : { والله بما تعملون خبير } قرأ ابن كثير وأبو عمرو { بما ~~يعملون } بالياء على المغايبة كناية عن الذين يبخلون ، والمعنى والله بما ~~يعملون خبير من منعهم الحقوق فيجازيهم عليه ، والباقون قرؤا بالتاء على ~~الخطاب ، وذلك لأن ما قبل هذه الآية خطاب وهو قوله : { وإن تؤمنوا وتتقوا ~~فلكم أجر عظيم } ( آل عمران : 179 ) والله بما تعملون خبير فيجازيكم عليه ، ~~والغيبة أقرب اليه من الخطاب قال صاحب الكشاف : الياء على طريقة الالتفات ~~وهي أبلغ في الوعيد . # ! 7 < { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء سنكتب ما ~~قالوا وقتلهم الا نبياء بغير حق ms2610 ونقول ذوقوا عذاب الحريق * ذالك بما قدمت ~~أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 181 - 182 ) لقد سمع الله . . . . . # > > # اعلم أن في كيفية النظم وجهين : الأول : أنه تعالى لما أمر المكلفين في ~~هذه الآيات ببذل النفس PageV09P094 وبذل المال في سبيل الله وبالغ في تقرير ~~ذلك ، شرع بعد ذلك في حكاية شبهات القوم في الطعن في نبوته . # فالشبهة الأولى : أنه تعالى لما أمر بانفاق الأموال في سبيله قالت الكفار ~~: انه تعالى لو طلب الانفاق في تحصيل مطلوبه لكان فقيرا عاجزا ، لأن الذي ~~يطلب المال من غيره يكون فقيرا ، ولما كان الفقر على الله تعالى محالا ، ~~كان كونه طالبا للمال من عبيده محالا ، وذلك يدل على أن محمدا كاذب في ~~إسناد هذا الطلب إلى الله تعالى . # / الوجه الثاني : في طريق النظم أن أمة موسى عليه السلام كانوا إذا ~~أرادوا التقرب بأموالهم إلى الله تعالى ، فكانت تجيء نار من السماء فتحرقها ~~، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما طلب منهم بذل الأموال في سبيل الله قالوا ~~له لو كنت نبيا لما طلبت الأموال لهذا الغرض ، فانه تعالى ليس بفقير حتى ~~يحتاج في اصلاح دينه إلى أموالنا ، بل لو كنت نبيا لكنت تطلب أموالنا لأجل ~~أن تجيئها نار من السماء فتحرقها ، فلما لم تفعل ذلك عرفنا أنك لست بنبي ، ~~فهذا هو وجه النظم ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه يبعد من العاقل أن يقول ان الله فقير ونحن ~~أغنياء ، بل الانسان إنما يذكر ذلك إما على سبيل الاستهزاء أو على سبيل ~~الالزام ، وأكثر الروايات أن هذا القول إنما صدر عن اليهود ، روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الاسلام ~~وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا ، فقال فنحاص ~~اليهودي : إن الله فقير حتى سألنا القرض ، فلطمه أبو بكر في وجهه وقال : ~~لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك ، فشكاه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وجحد ما قاله ms2611 ، فنزلت هذه الآية تصديقا لأبي بكر رضي الله ~~عنه . وقال آخرون : لما أنزل الله تعالى { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة } ( البقرة : 245 ) قالت اليهود : نرى إله محمد ~~يستقرض منا ، فنحن إذن أغنياء وهو فقير ، وهو ينهانا عن الربا ثم يعطينا ~~الربا ، وأرادوا قوله : { فيضاعفه له أضعافا كثيرة } . # واعلم أنه ليس في الآية تعيين هذا القائل ، إلا أن العلماء نسبوا هذا ~~القول إلى اليهود واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن الله تعالى حكى عنهم ~~أنهم قالوا : إن يد الله مغلولة : يعنون أنه بخيل بالعطاء وذلك الجهل مناسب ~~للجهل المذكور في هذه الآية . وثانيها : ما روي في الخبر أنهم تكلموا بذلك ~~على ما رويناه في قصة أبي بكر . وثالثها : أن القول بالتشبيه غالب على ~~اليهود ، ومن قال بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه تعالى قادرا على كل ~~المقدورات ، وإذا عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني وليس بفقير . # والوجه الرابع : أن موسى عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم أن يوافقوه في ~~مجاهدة الأعداء قالوا : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون . فموسى عليه ~~السلام لما طلب منهم الجهاد بالنفس قالوا : لما كان الاله قادرا فأي حاجة ~~به إلى جهادنا ، وكذا ههنا أن محمدا عليه الصلاة والسلام لما طلب منهم ~~الجهاد ببذل المال قالوا : لما كان الاله غنيا فأي حاجة به إلى أموالنا . ~~فكان إسنادهم هذه الشبهة إلى اليهود لائقا من هذا الوجه ، وإن كان لا يمتنع ~~أن يكون غيرهم من الجهال قد قال ذلك . والأظهر أنهم قالوه على سبيل الطعن ~~في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، يعني لو صدق محمد في / أن الاله يطلب ~~المال من عبيده لكان PageV09P095 فقيرا ، ولما كان ذلك محالا ثبت أنه كاذب ~~في هذا الاخبار ، أو ذكروه على سبيل الاستهزاء والسخرية ، فأما أن يقول ~~العاقل مثل هذا الكلام عن اعتقاد فهو بعيد . # المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أنه تعالى سميع للأقوال ، ونظيره ~~قوله تعالى : { قد سمع الله قول التى ms2612 تجادلك } ( المجادلة : 1 ) . # المسألة الثالثة : ظاهر الآية يدل على أن قائل هذا القول كانوا جماعة ، ~~لأنه تعالى قال : { الذين قالوا } وظاهر هذا القول يفيد الجميع . وأما ما ~~روي أن قائل هذا القول هو فنحاص اليهودي ، فهذا يدل على أن غيره لم يقل ذلك ~~، فلما شهد الكتاب أن القائلين كانوا جماعة وجب القطع بذلك . # ثم قال تعالى : { سنكتب ما قالوا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة { * سيكتب } بالياء وضمها على ما لم يسم فاعله ~~{ الله وقتلهم الانبياء } برفع اللام على معنى سيكتب قتلهم ، والباقون ~~بالنون وفتح اللام إضافة اليه تعالى . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرأ الحسن ~~والأعرج { * سيكتب } بالياء وتسمية الفاعل . # المسألة الثانية : هذا وعيد على ذلك القول وهو يحتمل وجوها : أحدها : أن ~~يكون المراد من كتبه عليهم إثبات ذلك عليهم وأن لا يلغي ولا يطرح ، وذلك ~~لأن الناس إذا أرادوا إثبات الشيء على وجه لا يزول ولا ينسى ولا يتغير ~~كتبوه ، والله تعالى جعل الكتبة مجازا عن إثبات حكم ذلك عليهم . الثاني : ~~سنكتب ما قالوا في الكتب التي تكتب فيها أعمالهم ليقرؤا ذلك في جرائد ~~أعمالهم يوم القيامة ، والثالث : عندي فيه احتمال آخر ، وهو أن المراد : ~~سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق إلى يوم القيامة شدة تعنت ~~هؤلاء وجهلهم وجهدهم في الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما ~~قدروا عليه . # ثم قال : { الله وقتلهم الانبياء بغير حق } أي ونكتب قتلهم الأنبياء بغير ~~حق ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : الفائدة في ضم أنهم قتلوا الأنبياء إلى أنهم وصفوا الله ~~تعالى بالفقر ، هي بيان أن جهل هؤلاء ليس مخصوصا بهذا الوقت ، بل هم منذ ~~كانوا ، مصرون على الجهالات والحماقات . # المسألة الثانية : في إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء وجهان : أحدهما : ~~سنكتب ما قال هؤلاء ونكتب ما فعله أسلافهم فنجازي الفريقين بما هو أهله ، ~~كقوله تعالى : { وإذ قتلتم نفسا } أي قتلها أسلافكم { وإذ نجيناكم من ءال ~~فرعون } ( البقرة : 49 ) { وإذ فرقنا بكم البحر } ( البقرة : 50 ) والفاعل ~~لهذه الأشياء هو أسلافهم ms2613 ، والمعنى أنه سيحفظ على الفريقين معا أقوالهم ~~وأفعالهم . # والوجه الثاني : سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم ، ونكتب عليهم رضاهم ~~بقتل آبائهم / الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين . وعن الشعبي أن رجلا ذكر ~~عنه عثمان رضي الله عنه وحسن قتله ، فقال الشعبي : صرت شريكا في دمه ، ثم ~~قرأ الشعبي { قل قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم } ~~( آل عمران : 183 ) فنسب لهؤلاء قتلهم وكان بينهما قريب من سبعمائة سنة . # ثم قال تعالى : { ونقول ذوقوا عذاب الحريق } وفيه مسائل : PageV09P096 # المسألة الأولى : قرأ حمزة { * سيكتب } على لفظ ما لم يسم فاعله { الله ~~وقتلهم الانبياء } برفع اللام { ويقول ذوقوا } بالياء المنقطة من تحت / ~~والباقون { سنكتب ونقول } بالنون . # المسألة الثانية : المراد أنه تعالى ينتقم من هذا القائل بأن يقول له ذق ~~عذاب الحريق ، كما أذقت المسلمين الغصص ، والحريق هو المحرق كالأليم بمعنى ~~المؤلم . # المسألة الثالثة : يحتمل أن يقال له هذا القول عند الموت أو عند الحشر أو ~~عند قراءة الكتاب ويحتمل أن يكون هذا كناية عن حصول الوعيد ، وإن لم يكن ~~هناك قول : # المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : إنهم أوردوا سؤالا وهو أن من يطلب ~~المال من غيره كان فقيرا محتاجا ، فلو طلب الله المال من عبيده لكان فقيرا ~~وذلك محال ، فوجب أن يقال : إنه لم يطلب المال من عبيده ، وذلك يقدح في كون ~~محمد عليه الصلاة والسلام صادقا في ادعاء النبوة فهو هو شبهة القوم فأين ~~الجواب عنها ؟ وكيف يحسن ذكر الوعيد على ذكرها قبل ذكر الجواب عنها ؟ # فنقول : إذا فرعنا على قول أصحابنا من أهل السنة والجماعة قلنا : يفعل ~~الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا يبعد أن يأمر الله تعالى عبيده ببذل ~~الأموال مع كونه تعالى أغنى الاغنياء . # وإن فرعنا على قول المعتزلة في أنه تعالى يراعي المصالح لم يبعد أن يكون ~~في هذا التكليف أنواع من المصالح العائدة إلى العباد : منها : أن إنفاق ~~المال يوجب زوال حب المال عن القلب ، وذلك من أعظم المنافع ، فانه اذا مات ~~فلو بقي ms2614 في قلبه حب المال مع أنه ترك المال لكان ذلك سببا لتألم روحه بتلك ~~المفارقة ، ومنها : أن يتوسل بذلك الانفاق إلى الثواب المخلد المؤبد ، ~~ومنها : أن بسبب الانفاق يصير القلب فارغا عن حب ما سوى الله ، وبقدر ما ~~يزول عن القلب حب غير الله فانه يقوى في حب الله ، وذلك رأس السعادات ، وكل ~~هذه الوجوه قد ذكرها الله في القرآن وبينها مرارا وأطوارا ، كما قال : { ~~والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا } ( الكهف : 46 ) وقال : { والاخرة ~~خير وأبقى } ( الأعلى : 17 ) وقال : { ورضوان من الله أكبر } ( التوبة : 72 ~~) وقال : { فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } ( يونس : 58 ) فلما تقدم ~~ذكر هذه الوجوه على الاستقصاء كان إيراد هذه الشبهة بعد تقدم هذه البينات ~~محض التعنت ، فلهذا اقتصر الله تعالى عند ذكرها على مجرد الوعيد . # / ثم قال تعالى : { ذالك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد } ~~وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد ذكر سببه فقال : { ~~ذالك بما قدمت أيديكم } أي هذا العذاب المحرق جزاء فعلكم حيث وصفتم الله ~~وأقدمتم على قتل الأنبياء ، فيكون هذا العقاب عدلا لا جورا . # المسألة الثانية : قال الجبائي : الآية تدل على أن فعل العقاب بهم كان ~~يكون ظلما بتقدير أن لا يقع منهم تلك الذنوب ، وفيه بطلان قول المجبرة : ان ~~الله يعذب الأطفال بغير جرم ، ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب ، ويدل على ~~كون العبد فاعلا ، وإلا لكان الظلم حاصلا . # والجواب : ان ما ذكرتم معارض بمسألة الداعي ومسألة العلم على ما شرحناه ~~مرارا وأطوارا . PageV09P097 # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : { وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ~~) يفيد نفي كونه ظلاما ، ونفي الصفة يوهم بقاء الأصل ، فهذا يقتضي ثبوت أصل ~~الظلم . # أجاب القاضي عنه بأن العذاب الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ظلما لكان ~~عظيما ، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا ، وهذا يؤكد ما ذكرنا أن إيصال ~~العقاب اليهم يكون ظلما لو لم يكونوا مذنبين . # المسألة الرابعة : اعلم أن ذكر الأيدي على سبيل المجاز ms2615 ، لأن الفاعل هو ~~الانسان لا اليد ، إلا أن اليد لما كانت آلة الفعل حسن إسناد الفعل اليها ~~على سبيل المجاز / ثم في هذه الآية ذكر اليد بلفظ الجمع فقال : { بما قدمت ~~أيديكم } وفي آية أخرى ذكر بلفظ التثنية فقال : { ذالك بما قدمت يداك } ( ~~الحج : 10 ) والكل حسن متعارف في اللغة . # ! 7 < { الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان ~~تأكله النار قل قد جآءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم إن ~~كنتم صادقين } . > 7 ! # قوله تعالى : { الذين قالوا إن الله عهد إلينا * أن لا * نؤمن لرسول حتى ~~يأتينا بقربان تأكله النار قل جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين } . # < < # | آل عمران : ( 183 ) الذين قالوا إن . . . . . # > > اعلم أن هذه هي الشبهة الثانية للكفار في الطعن في نبوته صلى الله ~~عليه وسلم ، وتقريرها أنهم قالوا : ان الله عهد الينا أن لا نؤمن لرسول حتى ~~يأتينا بقربان تأكله النار ، وأنت يا محمد ما فعلت ذلك / فوجب أن لا تكون ~~من الأنبياء ، فهذا بيان وجه النظم ، وفي الآية مسائل . # المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ، وكعب ~~بن أسد ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا ، وزيد بن التابوب ، وفنحاص بن ~~عازوراء وغيرهم ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد ~~تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتابا ، وقد عهد الينا في التوراة ~~أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، ويكون لها دوي خفيف ، ~~تنزل من السماء ، فان جئتنا بهذا صدقناك ، فنزلت هذه الآية . قال عطاء : ~~كانت بنو اسرائيل يذبحون لله ، فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في ~~وسط بيت ، والسقف مكشوف فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه ، وبنو اسرائيل ~~خارجون واقفون حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوي خفيف ولا دخان لها فتأكل ~~كل ذلك القربان . # واعلم أن للعلماء فيما ادعاه اليهود قولين : الأول وهو قول السدى : أن ~~هذا الشرط جاء في التوراة ms2616 ولكنه مع شرط ، وذلك أنه تعالى قال في التوراة : ~~من جاءكم يزعم أنه نبي فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا ~~المسيح ومحمدا عليهما السلام . فانهما اذا أتيا فآمنوا بهما فانهما يأتيان ~~بغير قربان تأكله النار . قال : وكانت هذه العادة باقية إلى مبعث المسيح ~~عليه السلام ، فلما بعث الله المسيح ارتفعت وزالت . # القول الثاني : ان ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة ، ويدل عليه وجوه : ~~أحدها : أنه لو كان ذلك PageV09P098 حقا لكانت معجزات كل الأنبياء هذا ~~القربان ، ومعلوم أنه ما كان الأمر كذلك ، فان معجزات موسى عليه السلام عند ~~فرعون كانت أشياء سوى هذا القربان . وثانيها : أن نزول هذه النار وأكلها ~~للقربان معجزة فكانت هي وسائر المعجزات على السواء ، فلم يكن في تعيين هذه ~~المعجزة وتخصيصها فائدة ، بل لما ظهرت المعجزة القاهرة على يد محمد عليه ~~الصلاة والسلام وجب القطع بنبوته سواء ظهرت هذه المعجزة أو لم تظهر . ~~وثالثها : أنه إما أن يقال إنه جاء في التوراة أن مدعي النبوة وإن جاء ~~بجميع المعجزات فلا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه المعجزة المعينة ، أو ~~يقال جاء في التوراة أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة سواء كانت المعجزة هي ~~مجيء النار ، أو شيء آخر ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير لم يكن ~~الاتيان بسائر المعجزات دالا على الصدق ، وإذا جاز الطعن في سائر المعجزات ~~جاز الطعن أيضا في هذه المعجزة المعينة . # وأما الثاني : فانه يقتضي توقيت الصدق على ظهور مطلق المعجزة ، لا على ~~ظهور هذه المعجزة المعينة ، فكان اعتبار هذه المعجزة عبثا ولغوا ، فظهر بما ~~ذكرنا سقوط هذه الشبهة بالكلية والله أعلم . # / المسألة الثانية : في محل { الذين } وجوه : أحدها : قال الزجاج : الجر ~~، وهذا نعت العبيد ، والتقدير : وما ربك بظلام للعبيد الذين قالوا كذا وكذا ~~. وثانيها : أن التقدير : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ، ~~وقول الذين قالوا إن الله عهد إلينا . وثالثها : أن يكون رفعا بالابتداء ~~والتقدير : هم الذين قالوا ذلك . # المسألة الثالثة : قال الواحدي رحمه الله : القربان البر الذي ms2617 يتقرب به ~~إلى الله ، وأصله المصدر من قولك قرب قربانا ، كالكفران والرجحان والخسران ~~، ثم سمى به نفس المتقرب به ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لكعب بن عجرة ~~( يا كعب الصوم جنة والصلاة قربان ) أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في ~~الحاجة لديه . # واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة فقال : { قل قد جاءكم رسل من قبلى ~~بالبينات وبالذى قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى بين بهذه الدلائل أنهم يطلبون هذه ~~المعجزة لا على سبيل الاسترشاد ، بل على سبيل التعنت ، وذلك لأن أسلاف ~~هؤلاء اليهود طلبوا هذا المعجز من الأنبياء المتقدمين مثل زكريا وعيسى ~~ويحيى عليهم السلام ، وهم أظهروا هذا المعجز ، ثم إن اليهود سعوا في قتل ~~زكرياء ويحيى ، ويزعمون أنهم قتلوا عيسى عليه السلام أيضا ، وذلك يدل على ~~أن أولئك القوم إنما طلبوا هذا المعجز من أولئك الأنبياء على سبيل التعنت ، ~~إذ لو لم يكن كذلك لما سعوا في قتلهم ، ثم إن المتأخرين راضون بأفعال أولئك ~~المتقدمين ومصوبون لهم في كل ما فعلوه ، وهذا يقتضي كون هؤلاء في طلب هذا ~~المعجز من محمد عليه الصلاة والسلام متعنتين ، واذا ثبت أن طلبهم لهذا ~~المعجز وقع على سبيل التعنت لا على سبيل الاسترشاد ، لم يجب في حكمة الله ~~إسعافهم بذلك ، لا سيما وقد تقدمت المعجزات الكثيرة لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ، وهذا الجواب شاف عن هذه الشبهة . PageV09P099 # المسألة الثانية : إنما قال : { قد جاءكم رسل من قبلى } ولم يقل جاءتكم ~~رسل لأن فعل المؤنث يذكر إذا تقدمه . # المسألة الثالثة : المراد بقوله : { وبالذى قلتم } هو ما طلبوه منه ، وهو ~~القربان الذي تأكله النار . # واعلم أنه تعالى لم يقل : قد جاءكم رسل من قبلي بالذي قلتم ، بل قال : { ~~قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذى قلتم } والفائدة : أن القوم قالوا : ~~ان الله تعالى وقف التصديق بالنبوة على ظهور القربان الذي تأكله النار ، ~~فلو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم : ان الأنبياء المتقدمين أتوا / ~~بهذا القربان ، لم يلزم ms2618 من هذا القدر وجوب الاعتراف بنبوتهم ، لاحتمال أن ~~الاتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا موجب لها ، والشرط هو الذي يلزم عند ~~عدمه عدم المشروط ، لكن لا يلزم عند وجوده وجود المشروط ، فثبت أنه لو ~~اكتفى بهذا القدر لما كان الالزام واردا ، أما لما قال : { قد جاءكم رسل من ~~قبلى بالبينات وبالذى قلتم } كان الالزام واردا ، لأنهم لما أتوا بالبينات ~~فقد أتوا بالموجب للتصديق ، ولما أتوا بهذا القربان فقد اتوا بالشرط ، وعند ~~الاتيان بهما كان الاقرار بالنبوة واجبا ، فثبت أنه لولا قوله : { جاءكم ~~بالبينات } ( غافر : 28 ) لم يكن الالزام واردا على القوم والله أعلم . # ! 7 < { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جآءوا بالبينات والزبر والكتاب ~~المنير * كل نفس ذآئقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن ~~النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحيواة الدنيا إلا متاع الغرور } . > 7 ~~@QB@ < # | آل عمران : ( 184 - 185 ) فإن كذبوك فقد . . . . . # > > # في قوله : { فإن كذبوك } وجوه : أحدها : فان كذبوك في قولك ان الأنبياء ~~المتقدمين جاؤا إلى هؤلاء اليهود بالقربان الذي تأكله النار فكذبوهم ~~وقتلوهم ، فقد كذب رسل من قبلك : نوح وهود وصالح وابراهيم وشعيب وغيرهم . ~~والثاني : ان المراد : فان كذبوك في أصل النبوة والشريعة فقد كذب رسل من ~~قبلك ، ولعل هذا الوجه أوجه ، لأنه تعالى لم يخصص ، ولأن تكذيبهم في أصل ~~النبوة أعظم ، ولأنه يدخل تحته التكذيب في ذلك الحجاج . والمقصود من هذا ~~الكلام تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبيان أن هذا التكذيب ليس ~~أمرا مختصا به من بين سائر الأنبياء ، بل شأن جميع الكفار تكذيب جميع ~~الأنبياء والطعن فيهم ، مع أن حالهم في ظهور المعجزات عليهم وفي نزول الكتب ~~إليهم كحالك ، ومع هذا فانهم صبروا على ما نالهم من أولئك الأمم واحتملوا ~~إيذاءهم في جنب تأدية الرسالة ، فكن متأسيا بهم سالكا مثل طريقتهم في هذا ~~المعنى ، وإنما صار ذلك تسلية لأن المصيبة إذا عمت طابت وخفت ، فأما ~~البينات فهي الحجج والمعجزات ، وأما الزبر فهي الكتب ، وهي جمع زبور ، ~~والزبور الكتاب ، بمعنى ms2619 المزبور أي المكتوب ، يقال : زبرت الكتاب / أي ~~كتبته ، وكل كتاب زبور . قال الزجاج : الزبور كل كتاب ذي حكمة ، وعلى هذا : ~~PageV09P100 الأشبه أن يكون معنى الزبور من الزبر الذي هو الزجر ، يقال : ~~زبرت الرجل إذا زجرته عن الباطل ، وسمي الكتاب زبورا لما فيه من الزبر عن ~~خلاف الحق ، وبه سمي زبور داود لكثرة ما فيه من الزواجر والمواعظ . وقرأ ~~ابن عباس { وبالزبر } أعاد الباء للتأكيد وأما ( المنير ) فهو من قولك أنرت ~~الشيء أي أوضحته ، وفي الآية مسألتان . # المسألة الأولى : المراد من البينات المعجزات ثم عطف عليها الزبر والكتاب ~~، وهذا يقتضي أن يقال إن معجزاتهم كانت مغايرة لكتبهم ، وذلك يدل على أن ~~أحدا من الأنبياء ما كانت كتبهم معجزة لهم ، فالتوراة والانجيل والزبور ~~والصحف ما كان شيء منها معجزة ، وأما القرآن فهو وحده كتاب ومعجزة ، وهذا ~~أحد خواص الرسول عليه الصلاة والسلام . # المسألة الثانية : عطف ( الكتاب المنير ) على ( الزبر ) مع أن الكتاب ~~المنير لا بد وأن يكون من الزبر ، وإنما حسن هذا العطف لأن الكتاب المنير ~~أشرف الكتب وأحسن الزبر ، فحسن العطف كما في قوله : { وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح } ( الأحزاب : 7 ) وقال : { من كان عدوا لله وملئكته ~~ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) ووجه زيادة الشرف فيه إما كونه ~~مشتملا على جميع الشريعة ، أو كونه باقيا على وجه الدهر ، ويحتمل أن يكون ~~المراد بالزبر : الصحف ، وبالكتاب المنير التوراة والانجيل والزبور . # قوله تعالى : { كل نفس ذائقة الموت } . # اعلم ان المقصود من هذه الآية تأكيد تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام ~~والمبالغة في إزالة الحزن من قلبه وذلك من وجهين : أحدهما : أن عاقبة الكل ~~الموت ، وهذه الغموم والاحزان تذهب وتزول ولا يبقى شيء منها ، والحزن متى ~~كان كذلك لم يلتفت العاقل اليه . والثاني : ان بعد هذه الدار دار يتميز ~~فيها المحسن عن المسيء ، ويتوفر على عمل كل واحد ما يليق به من الجزاء / ~~وكل واحد من هذين الوجهين في غاية القوة في إزالة الحزن والغم عن قلوب ~~العقلاء ، وفي الآية مسائل : # المسألة ms2620 الأولى : في قوله : { كل نفس ذائقة الموت } سؤال : وهو أن الله ~~تعالى يسمى بالنفس قال : { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } وأيضا ~~النفس والذات واحد فعلى هذا يدخل الجمادات تحت اسم النفس ، ويلزم على هذا ~~عموم الموت في الجمادات ، وأيضا قال تعالى : { فصعق من فى * السماوات * ومن ~~فى الارض إلا من شاء الله } ( الزمر : 68 ) وذلك يقتضي أن لا يموت الداخلون ~~في هذا / الاستثناء ، وهذا العموم يقتضي موت الكل ، وأيضا يقتضي وقوع الموت ~~لأهل الجنة ولأهل النار لأن كلهم نفوس . # وجوابه : أن المراد بالآية المكلفون الحاضرون في دار التكليف بدليل أنه ~~تعالى قال بعد هذه الآية : { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } فان ~~هذا المعنى لا يتأتى إلا فيهم ، وأيضا العام بعد التخصيص يبقى حجة . # المسألة الثانية : { ذائقة } فاعلة من الذوق ، واسم الفاعل إذا أضيف إلى ~~اسم وأريد به الماضي لم يجز فيه إلا الجر ، كقولك : زيد ضارب عمرو أمس ، ~~فان أردت به الحال والاستقبال جاز الجر والنصب PageV09P101 تقول : هو ضارب ~~زيد غدا ، وضارب زيدا غدا ، قال تعالى : { هل هن كاشفات ضره } ( الزمر : 38 ~~) قرىء بالوجهين لأنه للاستقبال . وروي عن الحسن أنه قرأ { ذائقة الموت } ~~بالتنوين ونصب ( الموت ) وهذا هو الأصل وقرأ الأعمش { ذائقة الموت } بطرح ~~التنوين مع النصب كقوله : # ولا ذاكر الله إلا قليلا # وتمام الكلام في هذه المسألة يأتي في سورة النساء عند قوله : { ظالمى ~~أنفسهم } ( النساء : 97 ، النحل : 28 ) ان شاء الله تعالى . # المسألة الثالثة : زعمت الفلاسفة ان الموت واجب الحصول عند هذه الحياة ~~الجسمانية ، وذلك لأن هذه الحياة الجسمانية لا تحصل إلا بالرطوبة الغريزية ~~والحرارة الغريزية ، ثم ان الحرارة الغريزية تؤثر في تحليل الرطوبة ~~الغريزية ، ولا تزال تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء ~~الحرارة الغريزية ويحصل الموت ، فبهذا الطريق كان الموت ضروريا في هذه ~~الحياة . قالوا وقوله : { كل نفس ذائقة الموت } يدل على أن النفوس لا تموت ~~بموت البدن ، لأنه جعل النفس ذائقة الموت ، والذائق لا بد وأن ms2621 يكون باقيا ~~حال حصول الذوق ، والمعنى أن كل نفس ذائقة موت البدن ، وهذا يدل على أن ~~النفس غير البدن ، وعلى أن النفس لا تموت بموت البدن ، وأيضا : لفظ النفس ~~مختص بالأجسام ، وفيه تنبيه على أن ضرورة الموت مختصة بالحياة الجسمانية ، ~~فأما الأرواح المجردة فلا ، وقد جاء في الروايات ما هو خلاف ذلك ، فانه روي ~~عن ابن عباس أنه قال : لما نزل قوله تعالى : { كل من عليها فان } ( الرحمن ~~: 26 ) قالت الملائكة مات أهل الأرض ، ولما نزل قوله تعالى : { كل نفس ~~ذائقة الموت } قالت الملائكة متنا . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { كل نفس ذائقة الموت } يدل على أن ~~المقتول يسمى بالميت وإنما لا يسمى المذكى بالميت بسبب التخصيص بالعرف . # / ثم قال تعالى : { وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } بين تعالى أن تمام ~~الأجر والثواب لا يصل إلى المكلف إلا يوم القيامة ، لأن كل منفعة تصل إلى ~~المكلف في الدنيا فهي مكدرة بالغموم والهموم وبخوف الانقطاع والزوال ، ~~والأجر التام والثواب الكامل إنما يصل إلى المكلف يوم القيامة لأن هناك ~~يحصل السرور بلا غم ، والأمن بلا خوف ، واللذة بلا ألم . والسعادة بلا خوف ~~الانقطاع ، وكذا القول في جانب العقاب فانه لا يحصل في الدنيا ألم خالص عن ~~شوائب اللذة / بل يمتزج به راحات وتخفيفات ، وإنما الألم التام الخالص ~~الباقي هو الذي يكون يوم القيامة ، نعوذ بالله منه . # ثم قال تعالى : { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } الزحزحة ~~التنحية والابعاد ، وهو تكرير الزح ، والزح هو الجذب بعجلة ، وهذا تنبيه ~~على أن الانسان حينما كان في الدنيا كأنه كان في النار ، وما ذاك إلا لكثرة ~~آفاتها وشدة بلياتها ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( الدنيا سجن ~~المؤمن ) . # واعلم أنه لا مقصود للانسان وراء هذين الأمرين ، الخلاص عن العذاب ، ~~والوصول إلى الثواب ، فبين تعالى أن من وصل إلى هذين المطلوبين فقد فاز ~~بالمقصد الأقصى والغاية التي لا مطلوب بعدها . وروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما ms2622 فيها ) وقرأ ~~قوله تعالى : { فمن PageV09P102 زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد } وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته ~~وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليؤت إلى الناس ما يحب أن يؤتى اليه ) . # ثم قال : { فاز وما الحيواة الدنيا إلا متاع الغرور } الغرور مصدر من ~~قولك : غررت فلانا غرورا شبه الله الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ~~ويغر عليه حتى يشتريه ثم يظهر له فساده ورداءته والشيطان هو المدلس الغرور ~~، وعن سعيد بن جبير : أن هذا في حق من آثر الدنيا على الآخرة ، وأما من طلب ~~الآخرة بها فانها نعم المتاع والله أعلم . # واعلم أن فساد الدنيا من وجوه : أولها : أنه لو حصل للانسان جميع مراداته ~~لكان غمه وهمه أزيد من سروره ، لأجل قصر وقته وقلة الوثوق به وعدم علمه ~~بأنه هل ينتفع به أم لا ، وثانيها : أن الانسان كلما كان وجدانه بمرادات ~~الدنيا أكثر كان حرصه في طلبها أكثر ، ولكما كان الحرص أكثر كان تألم القلب ~~بسبب ذلك الحرص أشد ، فان الانسان يتوهم أنه إذا فاز بمقصوده سكنت نفسه ~~وليس كذلك ، بل يزداد طلبه وحرصه ورغبته ، وثالثها : أن الانسان بقدر ما ~~يجد من الدنيا يبقى محروما عن الآخرة التي هي أعظم السعادات والخيرات ، ~~ومتى عرفت هذه الوجوه الثلاثة / علمت أن الدنيا متاع الغرور ، وأنها كما ~~وصفها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال : لين مسها قاتل ~~سمها . وقال بعضهم : الدنيا ظاهرها مطية السرور ، وباطنها مطية الشرور . # ! 7 < { لتبلون فىأموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذالك من عزم الا ~~مور } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 186 ) لتبلون في أموالكم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما سلى الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : { كل نفس ~~ذائقة الموت } ( آل عمران : 185 ) زاد في تسليته بهذه الآية ، فبين أن ~~الكفار بعد أن آذوا الرسول والمسلمين يوم أحد ، فسيؤذونهم أيضا في المستقبل ~~بكل طريق يمكنهم ، من ms2623 الايذاء بالنفس والايذاء بالمال ، والغرض من هذا ~~الاعلام أن يوطنوا أنفسهم على الصبر وترك الجزع ، وذلك لأن الانسان إذا لم ~~يعلم نزول البلاء عليه فاذا انزل البلاء عليه شق ذلك عليه ، أما اذا كان ~~عالما بأنه سينزل ، فاذا نزل لم يعظم وقعه عليه . # أما قوله : { لتبلون فى أموالكم وأنفسكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : اللام لام القسم ، والنون دخلت ~~مؤكدة وضمت الواو لسكونها وسكون النون ، ولم تكسر لالتقاء الساكنين لأنها ~~واو جمع فحركت بما كان يجب لما قبلها من الضم ، ومثله { اشتروا الضلالة } ( ~~البقرة : 16 ) . PageV09P103 # المسألة الثانية : { لتبلون } لتختبرن ، ومعلوم أنه لا يجوز في وصف الله ~~تعالى الاختبار لأنه طلب المعرفة ليعرف الجيد من الردىء ، ولكن معناه في ~~وصف الله تعالى أنه يعامل العبد معاملة المختبر . # المسألة الثالثة : اختلفوا في معنى هذا الابتلاء فقال بعضهم : المراد ما ~~ينالهم من الشدة والفقر وما ينالهم من القتل والجرح والهزيمة من جهة الكفار ~~، ومن حيث ألزموا الصبر في الجهاد . وقال الحسن : المراد به التكاليف ~~الشديدة المتعلقة بالبدن والمال ، وهي الصلاة والزكاة والجهاد . قال القاضي ~~: والظاهر يحتمل كل واحد من الأمرين فلا يمتنع حمله عليهما . # / وأما قوله : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين ~~أشركوا أذى كثيرا } فالمراد منه أنواع الايذاء الحاصلة من اليهود والنصارى ~~والمشركين للمسلمين ، وذلك لأنهم كانوا يقولون عزير ابن الله ، والمسيح ابن ~~الله ، وثالث ثلاثة ، وكانوا يطعنون في الرسول عليه الصلاة والسلام بكل ما ~~يقدرون عليه ، ولقد هجاه كعب بن الأشرف ، وكانوا يحرضون الناس على مخالفة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . وأما المشركون فهم كانوا يحرضون الناس على ~~مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ويجمعون العساكر على محاربة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ويثبطون المسلمين عن نصرته ، فيجب أن يكون الكلام محمولا ~~على الكل إذ ليس حمله على البعض أولى من حمله على الثاني . # ثم قال عطفا على الأمرين : { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذالك من عزم الامور } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال المفسرون : بعث الرسول ms2624 صلى الله عليه وسلم أبا بكر ~~إلى فنحاص اليهودي يستمده ، فقال فنحاص قد احتاج ربك إلى أن نمده ، فهم أبو ~~بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~له حين بعثه : لا تغلبن على شيء حتى ترجع إلي ، فتذكر أبو بكر رضي الله عنه ~~ذلك وكف عن الضرب ونزلت هذه الآية . # المسألة الثانية : للآية تأويلان : الأول : أن المراد منه أمر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بالمصابرة على الابتلاء في النفس والمال ، والمصابرة على ~~تحمل الأذى وترك المعارضة والمقابلة ، وإنما أوجب الله تعالى ذلك لأنه أقرب ~~إلى دخول المخالف في الدين / كما قال : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ~~يخشى } ( طه : 44 ) وقال : { قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام ~~الله } ( الجاثية : 14 ) والمراد بهذا الغفران الصبر . وترك الانتقام وقال ~~تعالى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) وقال : { فاصبر ~~كما صبر أولوا العزم من الرسل } ( الأحقاف : 35 ) وقال : { ادفع بالتى هى ~~أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم } ( فصلت : 34 ) قال ~~الواحدي رحمه الله : كان هذا قبل نزول آية السيف . قال القفال رحمه الله : ~~الذي عندي أن هذا ليس بمنسوخ والظاهر أنها نزلت عقيب قصة أحد ، والمعنى ~~أنهم أمروا بالصبر على ما يؤذون به الرسول صلى الله عليه وسلم على طريق ~~الأقوال الجارية فيما بينهم ، واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال . ~~والأمر بالقتال لا ينافي الأمر بالمصابرة على هذا الوجه ، واعلم أن قول ~~الواحدي ضعيف ، والقول ما قاله القفال . # الوجه الثاني في التأويل : أن يكون المراد من الصبر والتقوى : الصبر على ~~مجاهدة الكفار PageV09P104 ومنابذتهم والانكار عليهم ، فأمروا بالصبر على ~~مشاق الجهاد ، والجري على نهج أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الانكار على ~~اليهود والاتقاء عن المداهنة مع الكفار ، والسكوت عن إظهار الانكار . # المسألة الثالثة : الصبر عبارة عن احتمال المكروه ، والتقوى عبارة عن ~~الاحتراز عما لا ينبغي / فقدم ذكر الصبر ثم ذكر عقبه التقوى ، لأن الانسان ~~إنما يقدم على ms2625 الصبر لأجل أنه يريد الاتقاء عما لا ينبغي ، وفيه وجه آخر : ~~وهو أن المراد من الصبر هو أن مقابلة الاساءة بالاساءة تفضي إلى ازدياد ~~الاساءة ، فأمر بالصبر تقليلا لمضار الدنيا ، وأمر بالتقوى تقليلا لمضار ~~الآخرة ، فكانت الآية على هذا التأويل جامعة لآداب الدنيا والآخرة . # المسألة الرابعة : قوله : { من عزم الامور } أي من صواب التدبير الذي لا ~~شك في ظهور الرشد فيه ، وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه ، فتأخذ نفسه ~~لا محالة به ، والعزم كأنه من جملة الحزم وأصله من قول الرجل : عزمت عليك ~~أن تفعل كذا ، أي ألزمته إياك لا محالة على وجه لا يجوز ذلك الترخص في تركه ~~، فما كان من الأمور حميد العاقبة معروفا بالرشد والصواب فهو من عزم الأمور ~~لأنه مما لا يجوز لعاقل أن يترخص في تركه ، ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يكون ~~معناه : فان ذلك مما قد عزم عليكم فيه أي ألزمتم الأخذ به والله أعلم . # ! 7 < { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه فنبذوه ورآء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون } . > 7 ~~! # < < # | آل عمران : ( 187 ) وإذ أخذ الله . . . . . # > > اعلم أن في كيفية النظم وجهين : الأول : أنه تعالى لما حكى عن اليهود ~~شبها طاعنة في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وأجاب عنه أتبعه بهذه الآية ، ~~وذلك لأنه تعالى أوجب عليهم في التوراة والانجيل على أمة موسى وعيسى عليهما ~~السلام ، أن يشرحوا ما في هذين الكتابين من الدلائل الدالة على صحة دينه ~~وصدق نبوته ورسالته ، والمراد منه التعجب من حالهم كأنه قيل : كيف يليق بكم ~~ايراد الطعن في نبوته ودينه مع ان كتبكم ناطقة ودالة على أنه يجب عليكم ذكر ~~الدلائل الدالة على صدق نبوته ودينه . الثاني : أنه تعالى لما أوجب في ~~الآية المتقدمة على محمد صلى الله عليه وسلم احتمال الأذى من أهل الكتاب ، ~~وكان من جملة ايذائهم للرسول صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يكتمون ما في ~~التوراة والانجيل من الدلائل الدالة على نبوته ، فكانوا يحرفونها ms2626 ويذكرون ~~لها تأويلات فاسدة ، فبين أن هذا من تلك الجملة التي يجب فيها الصبر وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو بكر وعاصم وأبو عمرو { * ليبيننه ولا ~~يكتمونه } بالياء فيهما / كناية عن أهل الكتاب ، وقرأ الباقون بالتاء فيهما ~~على الخطاب الذي كان حاصلا في وقت أخذ الميثاق ، أي فقال لهم : لتبيننه ، ~~ونظير هذه الآية قوله : { هم فيها خالدون وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرءيل لا ~~تعبدون إلا الله } ( البقرة : 83 ) بالتاء PageV09P105 والياء وأيضا قوله : ~~{ وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب لتفسدن فى الارض } ( الأسراء : 4 ) . # المسألة الثانية : الكلام في كيفية أخذ الميثاق قد تقدم في الآية ~~المتقدمة ، وذلك لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أورودا الدلائل في جميع ~~أبواب التكاليف وألزموهم قبولها ، فالله سبحانه وتعالى إنما أخذ الميثاق ~~منهم على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فذلك التوكيد والالزام هو ~~المراد بأخذ الميثاق . وعن سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : ان أصحاب ~~عبدالله يقرؤن { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } ( آل عمران : 81 ) فقال أخذ ~~الله ميثاق النبيين على قومهم . واعلم أن الزام هذا الاظهار لا شك أنه ~~مخصوص بعلماء القوم الذين يعرفون ما في الكتاب والله أعلم . # المسألة الثالثة : الضمير في قوله : { لتبيننه للناس ولا تكتمونه } إلى ~~ماذا يعود ؟ فيه قولان : قال سعيد بن جبير والسدي : هو عائد إلى محمد عليه ~~السلام ، وعلى هذا التقدير يكون الضمير عائدا إلى معلوم غير مذكور ، وقال ~~الحسن وقتادة : يعود إلى الكتاب في قوله : { أوتوا الكتاب } أي أخذنا ~~ميثاقهم بأن يبينوا للناس ما في التوراة والانجيل من الدلالة على صدق نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم . # المسألة الرابعة : اللام لام التأكيد يدخل على اليمين ، تقديره : ~~استحلفهم ليبيننه . # المسألة الخامسة : إنما قال : ولا تكتمونه ولم يقل : ولا تكتمنه ، لأن ~~الواو واو الحال دون واو العطف ، والمعنى لتبيننه للناس غير كاتمين . # فان قيل : البيان يضاد الكتمان ، فلما أمر بالبيان كان الأمر به نهيا عن ~~الكتمان ، فما الفائدة في ذكر النهي عن الكتمان ؟ # قلنا : المراد من البيان ذكر ms2627 تلك الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم من التوراة والانجيل ، والمراد من النهي عن الكتمان أن لا يلقوا ~~فيها التأويلات الفاسدة والشبهات المعطلة . # المسألة السادسة : اعلم أن ظاهر هذه الآية وإن كان مختصا باليهود ~~والنصارى فانه لا يبعد أيضا دخول المسلمين فيه ، لأنه أهل القرآن وهو أشرف ~~الكتب . حكي أن الحجاج أرسل إلى الحسن وقال : ما الذي بلغني عنك ؟ فقال : ~~ما كل الذي بلغنك عني قلته : ولا كل ما قلته بلغك ، قال : أنت الذي قلت : ~~إن النفاق كان مقموعا فأصبح قد تعمم وتقلد سيفا ، فقال : نعم ، فقال : وما ~~الذي حملك على هذا ونحن نكرهه ، قال : لأن الله أخذ ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه . وقال قتادة : مثل علم لا يقال به كمثل ~~كنز لا ينفق منه ، ومثل حكمة لا تخرج كمثل / صنم قائم لا يأكل ولا يشرب ، ~~وكان يقول : طوبى لعالم ناطق ، ولمستمع واع ، هذا علم علما فبذله ، وهذا ~~سمع خيرا فوعاه ، قال عليه الصلاة والسلام : ( من كتم علما عن أهله ألجم ~~بلجام من نار ) وعن علي رضي الله عنه : ما أخذ الله على أهل الجهل أن ~~يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا . # ثم قال تعالى : { فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما ~~يشترون } والمراد أنهم لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه ، والنبذ وراء الظهر مثل ~~الطرح وترك الاعتداد ، ونقيضه : جعله نصب عينه وإلقاؤه بين عينيه وقوله : { ~~واشتروا به ثمنا قليلا } معناه أنهم أخفوا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان شيء ~~من الدنيا ، PageV09P106 فكل من لم يبين الحق للناس وكتم شيئا منه لغرض ~~فاسد ، من تسهيل على الظلمة وتطييب لقلوبهم ، أو لجر منفعة ، أو لتقية وخوف ~~، أو لبخل بالعلم دخل تحت هذا الوعيد . # ! 7 < { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ~~فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم * ولله ملك السماوات والا رض ~~والله على كل شىء قدير } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 188 - 189 ) لا تحسبن الذين . . . . . # > > # اعلم ms2628 أن هذا من جملة ما دخل تحت قوله : { ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } ( ~~آل عمران : 186 ) فبين تعالى ان من جملة أنواع هذا الأذى أنهم يفرحون بما ~~أتوا به من أنواع الخبث والتلبيس على ضعفة المسلمين ، ويحبون أن يحمدوا ~~بأنهم أهل البر والتقوى والصدق والديانة ، ولا شك أن الانسان يتأذى بمشاهدة ~~مثل هذه الأحوال ، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالمصابرة عليها ، وبين ~~ما لهم من الوعيد الشديد وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتاء المنقطة من فوق ، وقرأ ~~ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالياء المنقطة من تحت ، وكذا في قوله ~~: { فلا تحسبنهم } أما القراءة الأولى ففيها وجهان : أحدهما : أن يقرأ ~~كلاهما بفتح الباء . والثاني : أن يقرأ كلاهما بضم الباء ، فمن قرأ بالتاء ~~وفتح الباء فيهما جعل التقدير : لا تحسبن يا محمد ، أو أيها السامع ، ومن ~~ضم الباء فيهما جعل الخطاب للمؤمنين : وجعل أحد المفعولين الذين يفرحون ، ~~والثاني : بمفازة وقوله : { فلا تحسبنهم بمفازة } تأكيد / للأول وحسنت ~~اعادته لطول الكلام ، كقولك : لا تظن زيدا إذا جاءك وكلمك في كذا وكذا فلا ~~تظنه صادقا ، وأما القراءة الثانية وهي بالياء المنقطة من تحت في قوله : { ~~لا * يحسبن } ففيها أيضا وجهان : الأول : بفتح الباء وبضمها فيهما جعل ~~الفعل للرسول صلى الله عليه وسلم والباقي كما علمت . # والوجه الثاني : بفتح الباء في الأول وضمها في الثاني وهو قراءة أبي عمرو ~~، ووجهه أنه جعل الفعل للذين يفرحون ولم يذكر واحدا من مفعوليه ، ثم أعاد ~~قوله : { فلا تحسبن } بضم الباء وقوله : { هم } رفع باسناد الفعل اليه ، ~~والمفعول الأول محذوف والتقدير : ولا تحسبن هؤلاء الذين يفرحون أنفسهم ~~بمفازة من العذاب . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف هؤلاء القوم بأنهم يفرحون بفعلهم ~~ويحبون أيضا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، والمفسرون ذكروا فيه وجوها : الأول ~~: أن هؤلاء اليهود يحرفون نصوص التوراة ويفسرونها بتفسيرات باطلة ويروجونها ~~على الاغمار من الناس ، ويفرحون بهذا الصنع ثم يحبون أن يحمدوا بأنهم أهل ~~الدين والديانة والعفاف والصدق والبعد عن الكذب ، وهو ms2629 قول ابن عباس ، وأنت ~~إذا أنصفت عرفت أن أحوال أكثر الخلق كذلك ، فانهم يأتون بجميع وجوه الحيل ~~في تحصيل الدنيا ويفرحون بوجدان PageV09P107 مطلوبهم ، ثم يحبون أن يحمدوا ~~بأنهم أهل العفاف والصدق والدين والثاني : روي أنه عليه الصلاة والسلام سأل ~~اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروا بخلافه ، وأروه أنهم قد ~~صدقوه وفرحوا بذلك التلبيس ، وطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يثني ~~عليهم بذلك ، فأطلع رسول الله على هذا السر . والمعنى أن هؤلاء اليهود ~~فرحوا بما فعلوا من التلبيس وتوقعوا منك أن تثني عليهم بالصدق والوفاء . ~~والثالث : يفرحون بما فعلوا من كتمان النصوص الدالة على مبعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم ، حيث ~~ادعوا أن إبراهيم عليه السلام كان على اليهودية وأنهم على دينه . الرابع : ~~أنه نزل في المنافقين فانهم يفرحون بما أتوا من إظهار الايمان للمسلمين على ~~سبيل النفاق من حيث أنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا / ~~ثم كانوا يتوقعون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يحمدهم على الايمان الذي ~~ما كان موجودا في قلوبهم . الخامس : قال أبو سعيد الخدري نزلت في رجال من ~~المنافقين كانوا يتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو ، ~~ويفرحون بقعودهم عنه فاذا قدم اعتذروا إليه فيقبل عذرهم ، ثم طمعوا أن يثني ~~عليهم كما كان يثني عن المسلمين المجاهدين . السادس : المراد منه كتمانهم ~~ما في التوراة من أخذ الميثاق عليهم بالاعتراف بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ~~/ وبالاقرار بنبوته ودينه ، ثم أنهم فرحوا بكتمانهم لذلك وإعراضهم عن نصوص ~~الله تعالى ، ثم زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وقالوا : لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودة . # واعلم أن الأولى أن يحمل على الكل ، لأن جميع هذه الأمور مشتركة في قدر ~~واحد ، وهو أن الانسان يأتي بالفعل الذي لا ينبغي ويفرح به ، ثم يتوقع من ~~الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والاقبال على طاعة ~~الله . # المسألة الثالثة : في قوله : { بما أتوا ms2630 } بحثان : الأول : قال الفراء : ~~قوله : { بما أتوا } يريد فعلوه كقوله : { واللذان يأتيانها منكم } ( ~~النساء : 16 ) وقوله : { لقد جئت شيئا فريا } ( مريم : 27 ) أي فعلت . قال ~~صاحب ( الكشاف ) : أتى وجاء ، يستعملان بمعنى فعل ، قال تعالى : { إنه كان ~~وعده مأتيا } ( مريم : 61 ) { لقد جئت شيئا فريا } ويدل عليه قراءة أبي { ~~يفرحون بما * فعلوا } . # البحث الثاني : قرىء آتوا بمعنى أعطوا ، وعن علي رضي الله عنه { بما ~~أوتوا } . # المسألة الرابعة : قوله : { بمفازة من العذاب } أي بمنجاة منه ، من قولهم ~~: فاز فلان اذا نجا ، وقال الفراء : أي ببعد من العذاب ، لأن الفوز معناه ~~التباعد من المكروه ، وذكر ذلك في قوله : { فقد فاز } ثم حقق ذلك بقوله : { ~~ولهم عذاب أليم } ولا شبهة أن الآية ، واردة في الكفار والمنافقين الذين ~~أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذاهم . # ثم قال : { ولله ملك * السماوات والارض * والله على كل شيء قدير } أي لهم ~~عذاب أليم ممن له ملك السموات والأرض ، فكيف يرجو النجاة من كان معذبه هذا ~~القادر الغالب . # ! 7 < { إن فى خلق السماوات والا رض واختلاف اليل والنهار لايات لا ولى ~~الا لباب } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 190 ) إن في خلق . . . . . # > > PageV09P108 @109@ # اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال ~~بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق ، فلما طال الكلام في تقرير الاحكام ~~والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد ~~والالهية والكبرياء والجلال ، فذكر هذه الآية . قال ابن عمر : قلت لعائشة : ~~أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكت وأطالت ثم ~~قالت : كل أمره عجب ، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ، ~~/ ثم قال لي : يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي ، فقلت : يا ~~رسول الله إني لأحب قربك وأحب مرادك قد أذنت لك . فقام إلى قربة من ماء في ~~البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء ، ثم قام يصلي ، فقرأ من القرآن وجعل ~~يبكي ، ثم رفع يديه ms2631 فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض ، فأتاه بلال ~~يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي ، فقال له : يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله ~~لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال : يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا ، ثم ~~قال : ما لي لا أبكي وقد أنزل الله في هذه الليلة : { إن في خلق * السماوات ~~والارض } ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها . وروي : ويل لمن لاكها ~~بين فكيه ولم يتأمل فيها . وعن علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان اذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر إلى السماء ويقول : إن في خلق ~~السموات والأرض . وحكى أن الرجل من بني إسرائيل كان اذا عبد الله ثلاثين ~~سنة أظلته سحابة . فعبدها فتى من فتيانهم فما اظلته السحابة ، فقالت له أمه ~~: لعل فرطة صدرت منك في مدتك ، قال : ما أذكر ، قالت : لعلك نظرة مرة إلى ~~السماء ولم تعتبر قال نعم ، قالت : فما أتيت إلا من ذلك . # واعلم أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة البقرة ، وذكرها هنا أيضا ، وختم ~~هذه الآية في سورة البقرة بقوله : { لآيات لقوم يعقلون } ( البقرة : 164 ) ~~وختمها ههنا بقوله : { لايات لاولى الالباب } وذكر في سورة البقرة مع هذه ~~الدلائل الثلاثة خمسة أنواع أخرى ، حتى كان المجموع ثمانية أنواع من ~~الدلائل ، وههنا اكتفى بذكر هذه الأنواع الثلاثة : وهي السموات والأرض ، ~~والليل والنهار ، فهذه أسئلة ثلاثة : # السؤال الأول : ما الفائدة في إعادة الآية الواحدة باللفظ الواحد في ~~سورتين ؟ # والسؤال الثاني : لم اكتفي ههنا باعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف ~~الخمسة الباقية ؟ # والسؤال الثالث : لم قال هناك : { لقوم يعقلون } ( البقرة : 164 ) وقال ~~ههنا : { لاولى الالباب } . # فأقول والله أعلم بأسرار كتابه : إن سويداء البصيرة تجري مجرى سواد البصر ~~فكما أن سواد البصر لا يقدر أن يستقصي في النظر إلى شيئين ، بل إذا حدق ~~بصره نحو شيء تعذر عليه في تلك الحالة تحديق البصر نحو شيء آخر ، فكذلك ~~ههنا إذا حدق الانسان حدقة عقله نحو ملاحظة معقول امتنع عليه ms2632 في تلك الحالة ~~تحديق حدقة العقل نحو معقول آخر ، فعلى هذا كلما كان اشتغال العقل ~~بالالتفات إلى المعقولات المختلفة أكثر ، كان حرمانه عن الاستقصاء في تلك ~~التعقلات والادراكات أكثر ، فعلى هذا : السالك إلى الله لا بد له في أول ~~الأمر من تكثير الدلائل ، فاذا استنار القلب بنور معرفة الله صار اشتغاله ~~بتلك الدلائل كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله ، فالسالك في أول ~~أمره كان طالبا لتكثير الدلائل ، فعند وقوع هذا النور في القلب يصير طالبا ~~لتقليل الدلائل ، حتى إذا زالت / الظلمة المتولدة من اشتغال القلب بغير ~~الله كمل فيه تجلى أنوار معرفة الله / واليه الاشارة بقوله : { فاخلع نعليك ~~إنك بالواد المقدس طوى } ( طه : 12 ) PageV09P109 والنعلان هما المقدمتان ~~اللتان بهما يتوصل العقل إلى المعرفة فلما وصل إلى المعرفة أمر بخلعهما ، ~~وقيل له : إنك تريد أن تضع قدميك في وادي قدس الوحدانية فاترك الاشتغال ~~بالدلائل . # إذا عرفت هذه القاعدة ، فذكر في سورة البقرة ثمانية أنواع من الدلائل ، ~~ثم أعاد في هذه السورة ثلاثة أنواع منها ، تنبيها على أن العارف بعد ~~صيرورته عارفا لا بد له من تقليل الالتفات إلى الدلائل ليكمل له الاستغراق ~~في معرفة المدلول ، فكان الغرض من إعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف ~~البقية ، التنبيه على ما ذكرناه ، ثم انه تعالى استقصى في هذه الآية ~~الدلائل السماوية وحذف الدلائل الخمسة الباقية ، التي هي الدلائل الارضية ، ~~وذلك لأن الدلائل السماوية أقهر وأبهر ، والعجائب فيها أكثر ، وانتقال ~~القلب منها إلى عظمة الله وكبريائه أشد ، ثم ختم تلك الآية بقوله : { لقوم ~~يعقلون } وختم هذه الآية بقوله : { لاولى الالباب } لأن العقل له ظاهر وله ~~لب ، ففي أول الأمر يكون عقلا ، وفي كمال الحال يكون لبا ، وهذا أيضا يقوي ~~ما ذكرناه ، فهذا ما خطر بالبال والله أعلم بأسرار كلامه العظيم الكريم ~~الحكيم . # ! 7 < { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق ~~السماوات والا رض ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار * ربنآ ~~إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما ms2633 للظالمين من أنصار } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 191 - 192 ) الذين يذكرون الله . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الالهية والقدرة والحكمة وهو ما يتصل ~~بتقرير الربوبية ذكر بعدها ما يتصل بالعبودية ، وأصناف العبودية ثلاثة ~~أقسام : التصديق بالقلب ، والاقرار باللسان ، والعمل بالجوارح ، فقوله ~~تعالى : { يذكرون الله } إشارة إلى عبودية اللسان ، وقوله : { قياما وقعودا ~~وعلى جنوبهم } إشارة إلى عبودية الجوارح والاعضاء ، وقوله : { ويتفكرون فى ~~خلق * السماوات والارض } إشارة إلى عبودية القلب والفكر والروح ، والانسان ~~ليس إلى هذا المجموع ، فاذا كان اللسان مستغرقا في الذكر ، والأركان في ~~الشكر ، والجنان في الفكر ، كان هذا العبد مستغرفا بجميع أجزائه في ~~العبودية ، فالآية الأولى دالة على كمال الربوبية ، وهذه الآية دالة على ~~كمال العبودية ، فما أحسن هذا الترتيب في جذب الأرواح من الخلق إلى الحق ، ~~وفي نقل الأسرار من جانب عالم الغرور إلى جناب الملك الغفور ، ونقول في ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : للمفسرين في هذه الآية قولان : الأول : أن يكون المراد ~~منه كون الانسان دائم الذكر لربه ، فان الأحوال ليست إلا هذه الثلاثة ، ثم ~~لما وصفهم بكونهم ذاكرين فيها كان ذلك دليلا على كونهم مواظبين على الذكر ~~غير فاترين عنه ألبتة . PageV09P110 # والقول الثاني : أن المراد من الذكر الصلاة ، والمعنى أنهم يصلون في حال ~~القيام ، فان عجزوا ففي حال القعود ، فان عجزوا ففي حال الاضطجاع ، والمعنى ~~أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال ، والحمل على الأول أولى لأن ~~الآيات الكثيرة ناطقة بفضيلة الذكر ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من أحب ~~أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله ) . # المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد بهذا الذكر هو الذكر باللسان ، ~~وأن يكون المراد منه الذكر بالقلب ، والأكمل أن يكون المراد الجمع بين ~~الأمرين . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : إذا صلى المريض مضطجعا وجب ~~أن يصلي على جنبه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : بل يصلى مستلقيا حتى إذا ~~وجد خفة قعد ، وحجة الشافعي رضي الله عنه ظاهر هذه الآية ، وهو أنه تعالى ~~مدح من ذكره على حال ms2634 الاضطجاع على الجنب ، فكان هذا الوضع أولى . # واعلم أن فيه دقيقة طبية وهو أنه ثبت في المباحث الطبية أن كون الانسان ~~مستلقيا على قفاه يمنع من استكمال الفكر والتدبر ، وأما كونه مضطجعا على ~~الجنب فانه غير مانع منه ، وهذا المقام يراد فيه التدبر والتفكر ، ولأن ~~الاضطجاع على الجنب يمنع من النوم المغرق ، فكان هذا الوضع أولى ، لكونه ~~أقرب إلى اليقظة ، وإلى الاشتغال بالذكر . # المسألة الرابعة : محل { على * جنوبهم } نصب على الحال عطفا على ما قبله ~~، كأنه قيل : قياما وقعودا ومضطجعين . # واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالذكر وثبت أن الذكر لا يكمل إلا مع الفكر ، ~~لا جرم قال بعده : { ويتفكرون فى خلق * السماوات والارض } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى رغب في ذكر الله ، ولما آل الأمر إلى ~~الفكر لم يرغب في الفكر في الله ، بل رغب في الفكر في أحوال السموات والأرض ~~، وعلى وفق هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام : ( تفكروا في الخلق ولا ~~تتفكروا في الخالق ) والسبب في ذلك أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن ~~وقوعه على نعت المماثلة / إنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة ، فاذن نستدل ~~بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها ، وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة ~~خالقها عن الكمية والكيفية والشكل ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( من عرف ~~نفسه عرف ربه ) معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم ، ومن عرف نفسه ~~بالامكان عرف ربه بالوجوب ، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء ، ~~فكان التفكر في الخلق ممكنا من هذا الوجه ، أما التفكر في الخالق فهو غير ~~ممكن ألبتة ، فاذن لا يتصور حقيقته إلا بالسلوب فنقول : إنه ليس بجوهر ولا ~~عرض ، ولا مركب ولا مؤلف ، ولا في الجهة ، ولا شك أن حقيقته المخصوصة ~~مغايرة لهذه السلوب ، وتلك الحقيقة المخصوصة لا سبيل للعقل إلى معرفتها ~~فيصير العقل كالواله المدهوش المتحير في هذا الموقف فلهذا السبب نهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن التفكر في الله ، وأمر بالتفكر في المخلوقات ، فلهذه ~~الدقيقة أمر الله في هذه الآيات بذكره ms2635 ، ولما ذكر الفكر لم يأمر بالتفكر ~~فيه ، بل أمر بالفكر في مخلوقاته . PageV09P111 # المسألة الثانية : اعلم أن الشيء الذي لا يمكن معرفته بحقيقته المخصوصة ~~إنما يمكن معرفته بآثاره وأفعاله ، فكلما كانت أفعاله أشرف وأعلى كان وقوف ~~العقل على كمال ذلك الفاعل أكمل ، ولذلك ان العامي يعظم اعتقاده في القرآن ~~ولكنه يكون اعتقادا تقليديا إجماليا ، أما المفسر المحقق الذي لا يزال يطلع ~~في كل آية على أسرار عجيبة ، ودقائق لطيفة ، فانه يكون اعتقاده في عظمة ~~القرآن أكمل . # إذا عرفت هذا فنقول : دلائل التوحيد محصورة في قسمين : دلائل الآفاق ، ~~ودلائل الأنفس ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم كما قال تعالى : { لخلق * ~~السماوات والارض * أكبر من خلق الناس } ( غافر : 57 ) ولما كان الأمر كذلك ~~لا جرم أمر في هذه الآية بالفكر في خلق السموات والأرض لأن دلالتها أعجب ~~وشواهدها أعظم ، وكيف لا نقول ذلك ولو أن الانسان نظر إلى ورقة صغيرة من ~~أوراق شجرة ، رأى في تلك الورقة عرقا واحدا ممتدا في وسطها ، ثم يتشعب من ~~ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين ، ثم يتشعب منها عروق دقيقة . ولا يزال ~~يتشعب من كل عرق عروق أخر حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر ، وعند ~~هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه / الخلقة حكما بالغة ~~وأسرارا عجيبة ، وأن الله تعالى أودع فيها قوى جاذبة لغذائها من قعر الأرض ~~ثم أن ذلك الغذاء يجري في تلك العروق حتى يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك ~~الورقة جزء من أجزاء ذلك الغذاء بتقدير العزيز العليم ، ولو أراد الانسان ~~أن يعرف كيفية خلقة تلك الورقة وكيفية التدبير في إيجادها وإيداع القوى ~~الغاذية والنامية فيها لعجز عنه ، فاذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على ~~كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة ، فحينئذ يقيس تلك الورقة إلى السموات مع ما ~~فيها من الشمس والقمر والنجوم ، وإلى الأرض مع ما فيها من البحار والجبال ~~والمعادن والنبات والحيوان ، عرف ان تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء ~~كالعدم ، فاذا عرف ms2636 قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير عرف أنه لا سبيل له ~~ألبتة إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله في خلق السموات والأرض ، واذا عرف ~~بهذا البرهان النير قصور عقله وفهمه عن الاحاطة بهذا المقام لم يبق معه إلا ~~الاعتراف بأن الخالق أجل وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين ~~، بل يسلم ان كل ما خلقه ففيه حكم بالغة وأسرار عظيمة وان كان لا سبيل له ~~إلى معرفتها ، فعند هذا يقول : سبحانكا والمراد منه اشتغاله بالتسبيح ~~والتهليل والتحميد والتعظيم ، ثم عند ذلك يشتغل بالدعاء فيقول : فقنا عذاب ~~النار . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بينما رجل مستلق على فراشه إذ ~~رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء وقال : أشهد أن لك ربا وخالقا ، ~~اللهم اغفر لي فنظر الله اليه فغفر له ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ~~لا عبادة كالتفكر ) وقيل : الفكرة تذهب الغفلة وتجذب للقلب الخشية كما ينبت ~~الماء الزرع . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تفضلوني على يونس بن ~~متى فانه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض ) قالوا : وكان ذلك العمل ~~هو التفكر في معرفة الله ، لأن أحدا لا يقدر أن يعمل بجوارحه مثل عمل أهل ~~الأرض . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين التفكر في دلائل ~~الذات والصفات وأن التقليد أمر باطل لا عبرة به ولا التفات اليه . # واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء العباد الصالحين المواظبين على الذكر ~~والفكر أنهم ذكروا خمسة أنواع من الدعاء . PageV09P112 # النوع الأول : قوله : { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الآية إضمار وفيه وجهان ، قال الواحدي رحمه الله : ~~التقدير : يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا ، وقال صاحب ( الكشاف ) : انه في ~~محال الحال بمعنى يتفكرون قائلين . # المسألة الثانية : هذا : في قوله : { ما خلقت هذا } كناية عن المخلوق ، ~~يعني ما خلقت هذا المخلوق / العجيب باطلا ، وفي كلمة { هاذا } ضرب من ~~التعظيم كقوله : { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى ms2637 أقوم } ( الإسراء : 9 ) . # المسألة الثالثة : في نصب قوله { باطلا } وجوه : الأول : أنه نعت لمصدر ~~محذوف أي خلقا باطلا . الثاني : أنه بنزع الخافض تقديره : بالباطل أو ~~للباطل . الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) : يجوز أن يكون ( باطلا ) حالا من ( ~~هذا ) . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما ~~يفعله لغرض الاحسان إلى البعيد البعيد ولأجل الحكمة ، والمراد منها رعاية ~~مصالح العباد ، واحتجوا عليه بهذه الآية لأنه تعالى لو لم يخلق السموات ~~والأرض لغرض لكان قد خلقها باطلا ، وذلك ضد هذه الآية قالوا : وظهر بهذه ~~الآية أن الذي تقوله المجبرة : ان الله تعالى أراد بخلق السموات والأرض ~~صدور الظلم والباطل من أكثر عباده وليكفروا بخالقها ، وذلك رد لهذه الآية ، ~~قالوا : وقوله : { سبحانك } تنزيه له عن خلقه لهما باطلا ، وعن كل قبيح ، ~~وذكر الواحدي كلاما يصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة فقال : الباطل عبارة ~~عن الزائل الذاهب الذي لا يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء ، وخلق السموات ~~والأرض خلق متقن محكم ، ألا ترى إلى قوله : { ما ترى فى خلق الرحمان من ~~تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور } ( الملك : 3 ) وقال : { وبنينا فوقكم ~~سبعا شدادا } ( النبأ : 12 ) فكان المراد من قوله : { ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا } هذا المعنى ، لا ما ذكره المعتزلة . # فان قيل : هذا الوجه مدفوع بوجوه : الأول : لو كان المراد بالباطل الرخو ~~المتلاشي لكان قوله : { سبحانك } تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق ، ~~ومعلوم أن ذلك باطل . الثاني : أنه إنما يحسن وصل قوله : { فقنا عذاب النار ~~} به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه لأن التقدير : ما خلقته باطلا بغير ~~حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة ، وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا ~~بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك ، فقنا عذاب النار ، لأنه جزاء من عصي ولم يطع ، ~~فثبت أنا إذا فسرنا قوله : { وما خلقت * هذا باطلا } بما ذكرنا حسن هذا ~~النظم ، أما إذا فسرناه بأنك خلقته محكما شديد التركيب لم يحسن هذا النظم . ~~الثالث : أنه تعالى ذكر هذا في ms2638 آية أخرى فقال : { وما خلقنا * السماوات ~~والارض * وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا } وقال في آية أخرى : { وما ~~خلقنا * السماوات والارض * وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق } ( ~~الدخان : 38 39 ) وقال في آية أخرى : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا * إلى } ~~( المؤمنون : 115 ) قوله : { فتعالى الله الملك الحق } ( المؤمنون : 116 ) ~~أي فتعالى الملك الحق عن أن يكون فعله عباث ، وإذا امتنع أن يكون عبثا فبأن ~~يمتنع كونه باطلا أولى . # والجواب : اعلم ان بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته ، وإما ~~ممكن لذاته ، وشاهده / أن كل ممكن لذاته فانه لا بد وأن ينتهي في رجحانه ~~إلى الواجب لذاته ، وليس في هذه القضية تخصيص PageV09P113 بكون ذلك الممكن ~~مغايرا لافعال العباد ، بل هذه القضية على عمومها قضية يشهد العقل بصحتها ، ~~وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء الله . واذا كان كذلك امتنع ~~يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح ، إذا عرفت هذا ~~فنقول : لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحدي : قوله : ولو ~~كان كذلك لكان قوله : { سبحانك } تنزيها له عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة ~~وذلك باطل . قلنا : لم لا يجوز أن يكون المراد : ربنا ما خلقت هذا رخوا ~~فاسد التركيب بل خلقته صلبا محكما ، وقوله : { سبحانك } معناه انك وان خلقت ~~السموات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزه عن الاحتياج اليه والانتفاع به ~~فيكون قوله : { سبحانك } معناه هذا . قوله ثانيا : إنما حسن وصل قوله : { ~~فقنا عذاب النار } به إذا فسرناه بقولنا ، قلنا لا نسلم بل وجه النظم انه ~~لما قال : { سبحانك } اعترف بكونه غنيا عن كل ما سواه ، فعندما وصفه بالغنى ~~أقر لنفسه بالعجز والحاجة اليه في الدنيا والآخرة فقال : { فقنا عذاب النار ~~} وهذا الوجه في حسن النظم ان لم يكن أحسن مما ذكرتم لم يكن أقل منه ، وأما ~~سائر الآيات التي ذكرتموها فهي دالة على أن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة ~~بكونها عبثا ولعبا وباطلا ، ونحن نقول بموجبه ، وان ms2639 أفعال الله كلها حكمة ~~وصواب ، لأنه تعالى لا يتصرف إلا في ملكه وملكه ، فكان حكمه صوابا على ~~الاطلاق فهذا ما في هذه المناظرة والله أعلم . # المسألة الخامسة : احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أنه سبحانه خلق هذه ~~الافلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة ، وجعلها بحيث يحصل من ~~حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع سكان هذه البقعة ~~الارضية ، قالوا : لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة ، وذلك رد للآية . ~~قالوا : وليس لقائل أن يقول الفائدة فيها الاستدلال بها على وجود الصانع ~~المختار ، وذلك لأن كل واحد من كرات الهواء والماء يشارك الافلاك والكواكب ~~في هذا المعنى ، فحينئذ لا يبقى لخصوص كونه فلكا وشمسا وقمرا فائدة ، فيكون ~~باطلا وهو خلاف هذا النص . # أجاب المتكلمون عنه : بأن قالوا : لم لا يكفي في هذا المعنى كونها أسبابا ~~على مجرى العادة لا على سبيل الحقيقة . # أما قوله تعالى : { سبحانك } فقيه مسألتان : # المسألة الأولى : هذا إقرار بعجز العقول عن الاحاطة بآثار حكمة الله في ~~خلق السموات / والأرض ، يعني : أن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة ~~لم يعرفوا منها إلا هذا القدر ، وهو أن خالقها ما خلقها باطلا ، بل خلقها ~~لحكم عجيبة ، وأسرار عظيمة ، وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها . # المسألة الثانية : المقصود منه تعليم الله عباده كيفية الدعاء ، وذلك أن ~~من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم الثناء ثم يذكر بعده الدعاء كما في هذه ~~الآية . # أما قوله تعالى : { فقنا عذاب النار } فاعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء ~~العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى / وأبدانهم في طاعة ~~الله ، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله ، ذكر أنهم مع هذه الطاعات ~~يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار ، ولولا أنه يحسن من الله تعذيبهم وإلا ~~لكان هذا الدعاء عبثا ، فان كان المعتزلة ظنوا أن أول الآية حجة لهم ، ~~فليعلموا أن آخر هذه الآية حجة لنا في PageV09P114 أنه لا يقبح من الله شيء ~~أصلا ، ومثل هذا التضرع ما حكاه ms2640 الله تعالى عن إبراهيم في قوله : { والذى ~~أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) . # النوع الثاني من دعواتهم : قوله تعالى حكاية عنهم : { ربنا إنك من تدخل ~~النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ~~ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي ، ليكون موقع السؤال أعظم ~~، لأن من سأل ربه أن يفعل شيئا أو أن لا يفعله ، إذا شرح عظم ذلك المطلوب ~~وقوته كانت داعيته في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه في طلبه أشد ، والدعاء لا ~~يتصل بالاجابة إلا إذا كان مقرونا بالاخص ، فهذا تعليم من الله عباده في ~~كيفية إيراد الدعاء . # المسألة الثانية : قال الواحدي : الاخزاء في اللغة يرد على معان يقرب ~~بعضها من بعض . قال الزجاج : أخزى الله العدو ، أي أبعده وقال غيره : أخزاه ~~الله . أي أهانه ، وقال شمر بن حمدويه أخزاه الله أي فضحه الله ، وفي ~~القرآن { ولا تخزون فى ضيفى } ( هود : 78 ) وقال المفضل : أخزاه الله . أي ~~أهلكه وقال ابن الانباري : الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو ~~بوقوع في بلاء ، وكل هذه الوجوه متقاربة . ثم قال صاحب ( الكشاف ) : { فقد ~~أخزيته } أي قد أبلغت في إخزائه وهو نظير ما يقال : من سبق فلانا فقد سبق ، ~~ومن تعلم من فلان فقد تعلم . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة من ~~أهل الصلاة ليس بمؤمن ، وذلك لأن صاحب الكبيرة اذا دخل النار فقد أخزاه ~~الله لدلالة هذه الآية ، والمؤمن / لا يخزى لقوله تعالى : { يوم لا * إلى ~~الله توبة نصوحا عسى ربكم } فوجب من مجموع هاتين الآيتين أن لا يكون صاحب ~~الكبيرة مؤمنا . # والجواب : أن قوله { يوم لا * إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم } ( التحريم ~~: 8 ) لا يقتضي نفي الاخزاء مطلقا ، وإنما يقتضي أن لا يحصل الاخزاء حال ما ~~يكون مع النبي ، وهذا النفي لا يناقضه إثبات الاخزاء في الجملة لاحتمال أن ~~يحصل ذلك الاثبات في وقت ms2641 آخر ، هذا هو الذي صح عندي في الجواب ، وذكر ~~الواحدي في البسيط أجوبة ثلاثة سوى ما ذكرناه : أحدها : أنه نقل عن سعيد بن ~~المسيب والثوري وقتادة أن قوله : { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } مخصوص ~~بمن يدخل النار للخلود ، وهذا الجواب عندي ضعيف ، لأن مذهب المعتزلة أن كل ~~فاسق دخل النار فانما دخلها للخلود ، فهذا لا يكون سؤالا عنهم . ثانيها : ~~قال : المدخل في النار مخزي في حال دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها ، ~~وهذا ضعيف أيضا لأن موضع الاستدلال أن قوله : { يوم لا * إلى الله توبة ~~نصوحا عسى ربكم } ( التحريم : 8 ) يدل على نفي الخزي عن المؤمنين على ~~الاطلاق ، وهذه الآية دلت على حصول الخزي لكل من دخل النار ، فحصل بحكم ~~هاتين الآيتين بين كونه مؤمنا وبين كونه كافرا ممن يدخل النار منافاة ، ~~وثالثها : قال : الاخزاء يحتمل وجهين : أحدهما : الاهانة والاهلاك ، ~~والثاني : التخجيل ، يقال : خزي خزاية اذا استحيا ، وأخزاه غيره اذا عمل به ~~عملا يخجله ويستحيى منه . PageV09P115 # واعلم أن حاصل هذا الجواب : أن لفظ الاخزاء لفظ مشترك بين التخجيل وبين ~~الاهلاك / واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والاثبات على معنييه ~~جميعا ، واذا كان كذلك جاز أن يكون المنفى بقوله : { يوم لا * إلى الله ~~توبة نصوحا عسى ربكم } غير المثبت في قوله : { إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته } وعلى هذا يسقط الاستدلال ، إلا أن هذا الجواب إنما يتمشى اذا كان ~~لفظ الاخزاء مشتركا بين هذين المفهومين ، أما اذا كان لفظا متواطئا مفيدا ~~لمعنى واحد ، وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحدي نوعين تحت جنس واحد ، ~~سقط هذا الجواب لأن قوله : { لا * إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم } لنفي ~~الجنس وقوله : { فقد أخزيته } لاثبات النوع ، وحينئذ يحصل بينهما منافاة . # المسألة الرابعة : احتجت المرجئة بهذه الآية في القطع على أن صاحب ~~الكبيرة لا يخزي . وكل من دخل النار فانه يخزي ، فيلزم القطع بأن صاحب ~~الكبيرة لا يدخل النار ، إنما قلنا صاحب الكبيرة لا يخزى . لأن صاحب ~~الكبيرة مؤمن ، والمؤمن لا يخزى . إنما ms2642 قلنا إنه مؤمن لقوله تعالى : { وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى ~~فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر } ( الحجرات : 9 ) سمي الباغي حال كونه ~~باغيا مؤمنا ، والبغي من الكبائر بالاجماع ، وأيضا / قال تعالى : { المتقون ~~يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) سمي ~~القاتل بالعمد العدوان مؤمنا ، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا إن ~~المؤمن لا يخزى لقوله : { يوم لا * إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم } ( ~~التحريم : 8 ) ولقوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } ( آل عمران : 194 ) . # ثم قال تعالى : { فاستجاب لهم ربهم } ( آل عمران : 195 ) وهذه الاستجابة ~~تدل على أنه تعالى لا يخزي المؤمنين ، فثبت بما ذكرنا أن صاحب الكبيرة لا ~~يخزى بالنار ، وإنما قلنا إن كل من دخل النار فانه يخزى لقوله تعالى : { ~~إنك من تدخل النار فقد أخزيته } وحينئذ يتولد من هاتين المقدمتين القطع بأن ~~صاحب الكبيرة لا يدخل النار . # والجواب عنه ما تقدم : أن قوله : { يوم لا * إلى الله توبة نصوحا عسى ~~ربكم } ( التحريم : 8 ) لا يدل على نفي الاخزاء مطلقا ، بل يدل على نفي ~~الاخزاء حال كونهم مع النبي ، وذلك لا ينافي حصول الاخزاء في وقت آخر . # المسألة الخامسة : قوله : { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } عام دخله ~~الخصوص في مواضع منها : أن قوله تعالى : { وإن منكم إلا واردها كان على ربك ~~حتما مقضيا * ثم ننجى الذين اتقوا } ( مريم : 71 72 ) يدل على أن كل ~~المؤمنين يدخلون النار ، وأهل الثواب يصانون عن الخزي . وثانيها : أن ~~الملائكة الذين هم خزنة جهنم يكونون في النار ، وهم أيضا يصانون عن الخزي . ~~قال تعالى : { عليها ملئكة غلاظ شداد } ( التحريم : 6 ) . # المسألة السادسة : احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني ~~أشد وأقوى من العذاب الجسماني ، قالوا : لأن الآية دالة على التهديد بعد ~~عذاب النار بالخزي ، والخزي عبارة عن التخجيل وهو عذاب روحاني ، فلولا أن ~~العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وإلا لما حسن تهديد من عذب بالنار ~~بعذاب الخزي والخجالة ms2643 . PageV09P116 # المسألة السابعة : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الفساق الذين دخلوا ~~النار لا يخرجون منها بل يبقون هناك مخلدين ، وقالوا : الخزي هو الهلاك / ~~فقوله : { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } معناه فقد أهلكته ، ولو كانوا ~~يخرجون من النار إلى الجنة لما صح أن كل من دخل النار فقد هلك . والجواب : ~~أنا لا نفسر الخزي بالاهلاك بل نفسره بالاهانة والتخجيل ، وعند هذا يزول ~~كلامكم . # أما قوله تعالى : { وما للظالمين من أنصار } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المعتزلة تمسكوا به في نفي الشفاعة للفساق ، وذلك لأن ~~الشفاعة نوع نصرة ، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع . # / والجواب من وجوه : الأول : أن القرآن دل على أن الظالم بالاطلاق هو ~~الكافر ، قال تعالى : { والكافرون هم الظالمون } ( البقرة : 254 ) ومما ~~يؤكد هذا أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم خصصوا أنفسهم بنفي الشفعاء والأنصار ~~حيث قالوا : { فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم } وثانيها : إن الشفيع لا ~~يمكنه أن يشفع إلا باذن الله ، قال تعالى : { من ذا الذى يشفع عنده إلا ~~بإذنه } ( البقرة : 255 ) واذا كان كذلك لم يكن الشفيع قادرا على النصرة ~~إلا بعد الاذن ، واذا حصل الاذن لم يكن في شفاعته فائدة في الحقيقة ، وعند ~~ذلك يظهر أن العفو إنما حصل من الله تعالى ، وتلك الشفاعة ما كان لها تأثير ~~في نفس الأمر ، وليس الحكم إلا لله ، فقوله : { وما للظالمين من أنصار } ~~يفيد أنه لا حكم إلا الله كما قال : { ألا له الحكم } وقال : { والامر ~~يومئذ لله } ( الأنفطار : 19 ) لا يقال : فعلى هذا التقدير لا يبقى لتخصيص ~~الظالمين بهذا الحكم فائدة ، لأنا نقول : بل فيه فائدة لأنه وعد المؤمنين ~~المتقين في الدنيا بالفوز بالثواب والنجاة من العقاب ، فلهم يوم القيامة ~~هذه الحجة . اما الفساق فليس لهم ذلك ، فصح تخصيصهم بنفي الأنصار على ~~الاطلاق . الثالث : أن هذه الآية عامة وواردة بثبوت الشفاعة خاصة والخاص ~~مقدم على العام والله أعلم . # المسألة الثانية : المعتزلة تمسكوا في أن الفاسق لا يخرج من النار ، ~~قالوا : لو خرج من النار لكان من أخرجه ms2644 منها ناصرا له ، والآية دالة على ~~أنه لا ناصر له ألبتة . # والجواب : المعارضة بالآيات الدالة على العفو كما ذكرناه في سورة البقرة ~~. # النوع الثالث : من دعواتهم . # ! 7 < { ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ءامنوا بربكم فأامنا ~~ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الا برار } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 193 ) ربنا إننا سمعنا . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في المنادى قولان : أحدهما : أنه محمد عليه الصلاة ~~والسلام وهو قول الأكثرين ، PageV09P117 والدليل عليه قوله تعالى : { ادع ~~إلى سبيل ربك } ( النحل : 125 ) { وداعيا إلى الله بإذنه } ( الأحزاب : 46 ~~) { أدعو إلى الله } ( يوسف : 108 ) والثاني : أنه هو القرآن ، قالوا إنه ~~تعالى حكى عن مؤمني الانس ذلك كما حكى عن مؤمني الجن قوله : { قل أوحى إلى ~~أنه * يهدى إلى الرشد فئامنا به } ( الجن : 1 2 ) قالوا : والدليل على أن ~~تفسير الآية بهذا الوجه أولى لأنه ليس كل أحد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ~~، أما القرآن فكل أحد سمعه وفهمه ، قالوا : وهذا / وان كان مجازا إلا أنه ~~مجاز متعارف ، لأن القرآن لما كان مشتملا على الرشد ، وكان كل من تأمله وصل ~~به إلى الهدى إذا وفقه الله تعالى لذلك ، فصار كأنه يدعو إلى نفسه وينادي ~~بما فيه من أنواع الدلائل ، كما قيل في جهنم : { تدعوا من أدبر وتولى } ( ~~المعارج : 17 ) إذ كان مصيرهم اليها ، والفصحاء والشعراء يصفون الدهر بأنه ~~ينادي ويعظ ، ومرادهم منها دلالة تصاريف الزمان ، قال الشاعر : # يا واضع الميت في قبره خاطبك الدهر فلم تسمع # المسألة الثانية : في قوله : { ينادى للإيمان } وجوه : الأول : ان اللام ~~بمعنى ( إلى ) كقوله : { ثم يعودون لما نهوا عنه } ( المجادلة : 3 ) { ثم ~~يعودون لما قالوا } ( المجادلة : 8 ) { بأن ربك أوحى لها } ( الزلزلة : 5 ) ~~{ الحمد لله الذى هدانا لهاذا } ( الأعراف : 43 ) ويقال : دعاه لكذا والى ~~كذا ، وندبه له واليه ، وناداه له وإليه ، وهداه للطريق واليه ، والسبب في ~~إقامة كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى : أن معنى انتهاء الغاية ~~ومعنى الاختصاص حاصلان جميعا . الثاني : قال أبو عبيدة ms2645 : هذا على التقديم ~~والتأخير ، أي سمعنا مناديا للايمان ينادي بأن آمنوا ، كما يقال : جاءنا ~~منادي الأمير ينادي بكذا وكذا . والثالث : أن هذه اللام لام الأجل والمعنى ~~: سمعنا مناديا كان نداؤه ليؤمن الناس ، أي كان المنادي ينادي لهذا الغرض ، ~~ألا تراه قال : { ربنا إننا سمعنا } أي لتؤمن الناس ، وهو كقوله : { وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ( النساء : 64 ) . # المسألة الثالثة : قوله : { سمعنا مناديا ينادى } نظيره قولك : سمعت رجلا ~~يقول كذا ، وسمعت زيدا يتكلم ، فيوقع الفعل على الرجل ويحذف المسموع ، لأنك ~~وصفته بما يسمع وجعلته حالا عنه فاغناك عن ذكره ، ولأن الوصف أو الحال لم ~~يكن بد منه ، وانه يقال : سمعت كلام فلان أو قوله . # المسألة الرابعة : ههنا سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في الجمع بين ~~المنادي وينادي ؟ # وجوابه : ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالايمان تفخيما لشأن المنادي ، لأنه ~~لا منادي أعظم من مناد ينادي للايمان ، ونظيره قولك : مررت بهاد يهدي ~~للاسلام ، وذلك لأن المنادي اذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لاطفاء ~~النائرة ، أو لاغاثة المكروب ، أو الكفاية لبعض النوازل ، وكذلك الهادي ، ~~وقد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، فاذا قلت ينادي للايمان ~~ويهدي للاسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته . # المسألة الخامسة : قوله : { وإذا أنزلت } فيه حذف أو إضمار / والتقدير : ~~آمنوا أو بأن آمنوا ، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا بعد ذلك : { فاغفر لنا * ~~ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار } وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : أعلم أنهم طلبوا من الله تعالى في هذا الدعاء ثلاثة ~~أشياء : أولها : غفران PageV09P118 الذنوب ، وثانيها : تكفير السيئات ، ~~وثالثها : أن تكون وفاتهم مع الأبرار . أما الغفران فهو الستر والتغطية ، ~~والتكفير أيضا هو التغطية ، يقال : رجل مكفر بالسلاح ، أي مغطى به ، والكفر ~~منه أيضا ، وقال لبيد : # في ليلة كفر النجوم ظلامها # اذا عرفت هذا : فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد . # أما المفسرون فذكروا فيه وجوها : أحدها : أن المراد بهما شيء واحد وإنما ~~أعيد ذلك للتأكيد لأن الالحاح في ms2646 الدعاء والمبالغة فيه مندوب ، وثانيها : ~~المراد بالأول ما تقدم من الذنوب ، وبالثاني المستأنف ، وثالثها : أن يريد ~~بالغفران ما يزول بالتوبة ، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة ، ورابعها : ~~أن يكون المراد بالاول ما أتى به الانسان مع العلم بكونه معصية وذنبا ، ~~وبالثاني : ما أتى به الانسان مع جهله بكونه معصية وذنبا . # وأما قوله : { وتوفنا مع الابرار } ففيه بحثان : الأول : أن الأبرار جمع ~~بر أو بار ، كرب وأرباب ، وصاحب وأصحاب ، الثاني : ذكر القفال في تفسير هذه ~~المعية وجهين : الأول : أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى ~~يكونوا في درجاتهم يوم القيامة ، قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه ~~المسألة ، ويريد به كونه مساويا له في ذلك الإعتقاد ، والثاني : يقال فلان ~~في العطاء مع أصحاب الألوف ، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفا . والثالث : ~~أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم ، ومنه قوله : { ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } ( النساء : 69 ) . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا على حصول العفو بدون التوبة بهذه الآية ~~أعني قوله تعالى حكاية عنهم : { فاغفر لنا ذنوبنا } ( آل عمران : 16 ) ~~والاستدلال به من وجهين : الأول : أنهم طلبوا غفران الذنوب ولم يكن للتوبة ~~فيه ذكر ، فدل على أنهم طلبوا المغفرة مطلقا ، ثم ان الله تعالى أجابهم ~~اليه لأنه قال في آخر الآية : { فاستجاب لهم ربهم } ( آل عمران : 195 ) ~~وهذا صريح في أنه تعالى قد يعفو عن الذنب وان لم توجد التوبة . والثاني : ~~وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أخبروا عن أنفسهم بأنهم آمنوا ، فعند هذا ~~قالوا : فاغفر لنا ذنوبنا ، والفاء في قوله : { فاغفر } فاء الجزاء وهذا ~~يدل على أن مجرد الايمان سبب لحسن طلب المغفرة من الله ، ثم ان الله تعالى ~~أجابهم اليه بقوله : { فاستجاب لهم ربهم } فدلت هذه الآية على ان مجرد ~~الايمان سبب لحصول الغفران ، إما من الابتداء وهو بأن يعفو عنهم ولا يدخلهم ~~النار أو بأن يدخلهم النار ويعذبهم مدة ثم يعفو عنهم ويخرجهم من النار ، ~~فثبت ms2647 دلالة هذه الآية من / هذين الوجهين على حصول العفو . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن شفاعة محمد صلى الله ~~عليه وسلم في حق أصحاب الكبائر مقبولة يوم القيامة ، وذلك لأن هذه الآية ~~دلت على أن هؤلاء المؤمنين طلبوا من الله غفران الذنوب مطلقا من غير أن ~~قيدوا ذلك بالتوبة ، فأجاب الله قولهم وأعطاهم مطلوبهم فاذا قبل شفاعة ~~المؤمنين في العفو عن الذنب ، فلأن يقبل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيه ~~كان أولى . # النوع الرابع : من دعائهم . # PageV09P119 ! 7 < { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم ~~القيامة إنك لا تخلف الميعاد } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 194 ) ربنا وآتنا ما . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على } فيه حذف المضاف ~~ثم فيه وجوه أحدها : وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك . وثانيها : وآتنا ما ~~وعدتنا على تصديق رسلك ، والدليل عليه أن هذه الآية مذكورة عقيب ذكر ~~المنادي للايمان وهو ، الرسول وعقيب قوله : { من } وهو التصديق . # المسألة الثانية : ههنا سؤال : وهو أن الخلف في وعد الله محال ، فكيف ~~طلبوا بالدعاء ما علموا أنه لا محالة واقع ؟ # والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل ، بل ~~المقصود منه إظهار الخضوع والذلة والعبودية ، وقد أمرنا بالدعاء في أشياء ~~نعلم قطعا أنها توجد لا محالة ، كقوله : { قل رب * احكم بالحق } ( الأنبياء ~~: 112 ) وقوله : { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } ( غافر : 7 ) . # والوجه الثاني في الجواب : أن وعد الله لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم ، ~~بل إنما يتناولهم بحسب أوصافهم ، فانه تعالى وعد المتقين بالثواب ، ووعد ~~الفساق بالعقاب ، فقوله : { ربنا وءاتنا ما } معناه : وفقنا للاعمال التي ~~بها نصير أهلا لوعدك ، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب / ~~والخزي ، وعلى هذا التقدير يكون المقصود من هذه الآية طلب التوفيق للطاعة ~~والعصمة عن المعصية . # الوجه الثالث : ان الله تعالى وعد المؤمنين بأن ينصرهم في الدنيا ويقهر ~~عدوهم ، فهم طلبوا تعجيل ذلك ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال . # المسألة الثالثة : الآية دلت على ms2648 أنهم إنما طلبوا منافع الآخرة بحكم ~~الوعد لا بحكم الاستحقاق لأنهم قالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، ~~وفي آخر الكلام قالوا : { إنك لا تخلف الميعاد } وهذا يدل على أن المقتضى ~~لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق . # المسألة الرابعة : ههنا سؤال آخر : وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع ~~العقاب لازما لا محالة ، فقوله : { أتانا * ما وعدتنا على رسلك } طلب ~~للثواب ، فبعد طلب الثواب كيف طلب ترك العقاب ؟ وهو قوله : { ولا تخزنا يوم ~~القيامة } بل لو طلب ترك العقاب أولا ثم طلب إيصال الثواب كان الكلام ~~مستقيما . # والجواب من وجهين : الأول : أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة ~~بالتعظيم والسرور فقوله : { أتانا * ما وعدتنا على رسلك } المراد منه ~~المنافع ، وقوله : { ولا تخزنا } المراد منه التعظيم ، الثاني : أنا قد ~~بينا أن المقصود من هذه الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة عن المعصية ، ~~وعلى هذا التقدير يحسن النظم كأنه قيل : وفقنا للطاعات ، واذا وفقنا لها ~~فاعصمنا عما يبطلها ويزيلها ويوقعنا في الخزي والهلاك ، والحاصل كأنه قيل : ~~وفقنا لطاعتك فانا لا نقدر على شيء من الطاعات إلا بتوفيقك ، واذا ~~PageV09P120 وفقت لفعلها فوفقنا لاستبقائها فانا لا نقدر على استبقائها ~~واستدامتها إلا بتوفيقك ، وهو إشارة إلى أن العبد لا يمكنه عمل من الأعمال ~~، ولا فعل من الأفعال ، ولا لمحة ولا حركة إلا باعانة الله وتوفيقه . # المسألة الخامسة : قوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } شبيه بقوله : { وبدا ~~لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ( الزمر : 47 ) فانه ربما ظن الانسان ~~أنه على الإعتقاد الحق والعمل الصالح ، ثم انه يوم القيامة يظهر له أن ~~اعتقاده كان ضلالا وعمله كان ذنبا ، فهناك تحصل الخجالة العظيمة والحسرة ~~الكاملة والأسف الشديد / ثم قال حكماء الاسلام : وذلك هو العذاب الروحاني . ~~قالوا : وهذا العذاب أشد من العذاب الجسماني ، ومما يدل على هذا أنه سبحانه ~~حكى عن هؤلاء العباد المؤمنين أنهم طلبوا في هذا الدعاء أشياء فأول مطالبهم ~~الاحتراز عن العذاب الجسماني وهو قوله : { فقنا عذاب النار } ( آل عمران : ~~191 ) وآخرها الاحتراز عن ms2649 العذاب الروحاني وهو قوله : { ولا تخزنا يوم ~~القيامة } وذلك يدل على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني . # ! 7 < { فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا ~~وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الا نهار ثوابا ~~من عند الله والله عنده حسن الثواب } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 195 ) فاستجاب لهم ربهم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عرفوا الله بالدليل وهو قوله : { ~~إن في خلق * السماوات والارض } ( البقرة : 164 ) إلى قوله : { لايات لاولى ~~الالباب } ( آل عمران : 190 ) ثم حكى عنهم مواظبتهم على الذكر وهو قوله : { ~~الذين يذكرون الله قياما } وعلى التفكر وهو قوله : { ويتفكرون فى خلق * ~~السماوات والارض } ثم حكى عنهم أنهم أثنوا على الله تعالى وهو قولهم : { ~~ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك } ( آل عمران : 191 ) ثم حكى عنهم أنهم بعد ~~الثناء اشتغلوا بالدعاء وهو من قولهم : { فقنا عذاب النار } ( آل عمران : ~~191 ) إلى قوله : { إنك لا تخلف الميعاد } ( آل عمران : 194 ) بين في هذه ~~الآية أنه استجاب دعاءهم فقال : { فاستجاب لهم ربهم } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في الآية تنبيه على أن استجابة الدعاء مشروطة بهذه ~~الأمور ، فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا ، لا جرم كان الشخص الذي يكون ~~مجاب الدعاء عزيزا . # المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : يقال استجابه واستجاب له ، قال ~~الشاعر : # % وداع دعا يا من يجيب إلى الندا % % فلم يستجبه عند ذاك مجيب % # وقال تعالى : { معرضون يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول } ( ~~الأنفال : 34 ) . PageV09P121 # المسألة الثالثة : أني لا أضيع : قرىء بالفتح ، والتقدير : بأني لا أضيع ~~، وبالكسر على إرادة القول ، وقرىء { لا أضيع } بالتشديد . # المسألة الرابعة : من : في قوله : { من ذكر } قيل للتبيين كقوله : { ~~فاجتنبوا الرجس من الاوثان } ( الحج : 30 ) وقيل : إنها مؤكدة للنفي بمعنى ~~: عمل عامل منكم ذكر أو أنثى . # / المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل ، لأن ~~العمل كلما وجد تلاشى ms2650 وفنى ، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل ، والاضاعة ~~عبارة عن ترك الاثابة فقوله : { لا أضيع } نفي للنفي فيكون اثباتا ، فيصير ~~المعنى : اني أوصل ثواب جميع أعمالهم اليكم ، اذا ثبت ما قلنا فالآية دالة ~~على أن أحدا من المؤمنين لا يبقى في النار مخلدا ، والدليل عليه أنه ~~بايمانه استحق ثوابا ، وبمعصيته استحق عقابا ، فلا بد من وصولهما اليه بحكم ~~هذه الآية والجمع بينهما محال ، فاما أن يقدم الثواب ثم ينقله إلى العقاب ~~وهو باطل بالاجماع ، أو يقدم العقاب ثم ينقله إلى الثواب وهو المطلوب . # المسألة السادسة : جمهور المفسرين فسروا الآية بأن معناها أنه تعالى قبل ~~منهم أنه يجازيهم على أعمالهم وطاعاتهم ويوصل ثواب تلك الاعمال اليهم . # فان قيل : القوم أولا طلبوا غفران الذنوب ، وثانيا إعطاء الثواب فقوله : ~~{ أنى لا أضيع عمل عامل منكم } إجابة لهم في إعطاء الثواب ، فأين الإجابة ~~في طلب غفران الذنوب ؟ # قلنا : إنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب ، لكن يلزم من حصول ~~الثواب سقوط العقاب فصار قوله : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } اجابة ~~لدعائهم في المطلوبين . وعندي في الآية وجه آخر : وهو أن المراد من قوله : ~~{ أنى لا أضيع عمل عامل منكم } أني لا أضيع دعاءكم ، وعدم إضاعة الدعاء ~~عبارة عن إجابة الدعاء ، فكان المراد منه أنه حصلت اجابة دعائكم في كل ما ~~طلبتموه وسألتموه . # وأما قوله تعالى : { من ذكر أو أنثى } فالمعنى : أنه لا تفاوت في الاجابة ~~وفي الثواب بين الذكر والانثى اذا كانا جميعا في التمسك بالطاعة على السوية ~~، وهذا يدل على أن الفضل في باب الدين بالاعمال ، لا بسائر صفات العاملين ، ~~لان كون بعضهم ذكرا أو أنثى ، أو من نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا ~~الباب ، ومثله قوله تعالى : { ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل ~~سوءا يجز به } ( النساء : 123 ) وروي أن أم سلمة قالت : يا رسول الله إني ~~لأسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت هذه الآية . # أما قوله تعالى : { بعضكم من ms2651 بعض } ففيه وجوه : أحسنا أن يقال : { من } ~~بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض ، ومثل بعض في الثواب على الطاعة والعقاب على ~~المعصية . قال القفال : هذا من قولهم : فلان مني أي على خلقي وسيرتي ، قال ~~تعالى : { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه منى } ( البقرة : 249 ) ~~وقال عليه الصلاة والسلام : ( من غشنا فليس منا ) وقال : ( ليس منا من حمل ~~علينا السلاح ) فقوله : { بعضكم من بعض } أي بعضكم شبه بعض في استحقاق ~~الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، فكيف يمكن إدخال التفاوت فيه ؟ ~~PageV09P122 # / ثم قال تعالى : { فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى ~~وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار ~~} والمراد من قوله : { الذين * هاجروا } الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم ~~في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمراد من { الذين أخرجوا من ديارهم ~~} الذين ألجأهم الكفار إلى الخروج ، ولا شك أن رتبة الأولين أفضل لانهم ~~اختاروا خدمة الرسول عليه السلام وملازمته على الاختيار ، فكانوا أفضل ~~وقوله : { وأوذوا فى سبيلى } أي من أجله وسببه { وقاتلوا وقتلوا } لان ~~المقاتلة تكون قبل القتال ، قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو { وقاتلوا } بالالف ~~أولا { وقتلوا } مخففة ، والمعنى أنهم قاتلوا معه حتى قتلوا ، وقرأ ابن ~~كثير وابن عامر { وقاتلوا } أولا { وقتلوا } مشددة قيل : التشديد للمبالغة ~~وتكرر القتل فيهم كقوله : { مفتحة لهم الابواب } ( ص: 50 ) وقيل : قطعوا عن ~~الحسن ، وقرأ حمزة والكسائي { وقتلوا } بغير ألف أولا { وقاتلوا } بالالف ~~بعده وفيه وجوه : الأول : أن الواو لا توجب الترتيب كما في قوله : { واسجدى ~~واركعى } ( آل عمران : 43 ) والثاني : على قولهم : قتلنا ورب الكعبة ، اذا ~~ظهرت أمارات القتل ، أو اذا قتل قومه وعشائره . والثالث : باضمار ( قد ) أي ~~قتلوا وقد قاتلوا . # ثم ان الله تعالى وعد من فعل هذا بأمور ثلاثة : أولها : محو السيئات ~~وغفران الذنوب وهو قوله : { لاكفرن عنهم سيئاتهم } وذلك هو الذي طلبوه ~~بقولهم : { فاغفر لنا * ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا } ( آل عمران : 193 ) ~~وثانيها إعطاء الثواب العظيم وهو قوله : { ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها ~~الانهار } وهو ms2652 الذي طلبوه بقولهم : وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وثالثها : ~~أن يكون ذلك الثواب ثوابا عظيما مقرونا بالتعظيم والاجلال وهو قوله : { من ~~عند الله } وهو الذي قالوه : { ولا تخزنا يوم القيامة } لانه سبحانه هو ~~العظيم الذي لا نهاية لعظمته ، واذا قال السلطان العظيم لعبده : اني أخلع ~~عليك خلعة من عندي دل ذلك على كون تلك الخلعة في نهاية الشرف وقوله : { ~~ثوابا } مصدر مؤكد ، والتقدير : لأثيبنهم ثوابا من عند الله ، أي لأثيبنهم ~~إثابة أو تثويبا من عند الله ، لان قوله لأكفرن عنهم ولأدخلنهم في معنى ~~لأثيبنهم . ثم قال : { والله عنده حسن الثواب } وهو تأكيد ليكون ذلك الثواب ~~في غاية الشرف لأنه تعالى لما كان قادرا على كل المقدورات ، عالما بكل ~~المعلومات ، غنيا عن الحاجات ، كان لا محالة في غاية الكرم والجود والاحسان ~~، فكان عنده حسن الثواب . روي عن جعفر الصادق أنه قال : من حزبه أمر فقال ~~خمس مرات : ربنا ، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد ، وقرأ هذه الآية ، ~~قال : لأن الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات : ربنا ، ثم أخبر أنه استجاب ~~لهم . # ! 7 < { لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد * متاع قليل ثم مأواهم جهنم ~~وبئس المهاد } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 196 - 197 ) لا يغرنك تقلب . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى لما وعد المؤمنين بالثواب العظيم ، وكانوا في الدنيا في ~~نهاية الفقر والشدة ، والكفار كانوا في النعم ، ذكر الله تعالى هذه الآية ~~ما يسليهم ويصبرهم على تلك الشدة ، فقال : { لا يغرنك } وفيه مسائل : ~~PageV09P123 # المسألة الأولى : قد ذكرنا أن الغرور مصدر قولك : غررت الرجل بما يستحسنه ~~في الظاهر ثم يجده عند التفتيش على خلاف ما يحبه ، فيقول : غرني ظاهره أي ~~قبلته على غفلة عن امتحانه ، وتقول العرب في الثواب إذا نشر ثم أعيد إلى ~~طيه : رددته على غرة . # المسألة الثانية : المخاطب في قوله : { لا يغرنك } من هو ؟ فيه قولان : ~~الأول : أنه الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن المراد هو الأمة . قال قتادة : ~~والله ما غروا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله ms2653 ، والخطاب وإن ~~كان له إلا أن المراد غيره ، ويمكن أن يقال : السبب لعدم إغرار الرسول عليه ~~السلام بذلك هو تواتر هذه الآيات عليه ، كما قال : { ولولا أن ثبتناك لقد ~~كدت تركن إليهم شيئا قليلا } ( الإسراء : 74 ) فسقط قول قتادة ، ونظيره ~~قوله : { ولا * وكان من الكافرين } ( هود : 42 ) { ولا تكونن من المشركين } ~~( الأنعام : 14 ) { ولا تطع * المكذبين } ( القلم : 8 ) والثاني : وهو أن ~~هذا خطاب لكل من سمعه من المكلفين ، كأنه قيل : لا يغرنك أيها السامع : # المسألة الثالثة : تقلب الذين كفروا في البلاد ، فيه وجهان : الأول : ~~نزلت في مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين : إن أعداء ~~الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية . والثاني : ~~قال الفراء : كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت هذه الآية ، ~~والمراد بتقلب الذين كفروا في البلاد ، تصرفهم في التجارات والمكاسب ، أي ~~لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم في البلاد كيف شاؤا ، وأنتم معاشر ~~المؤمنين خائفون محضورون ، فان ذلك لا يبقى إلا مدة قليلة ثم ينتقلون إلى ~~أشد العذاب . # ثم قال تعالى : { متاع قليل } قيل : أي تقلبهم متاع قليل ، وقال الفراء : ~~ذلك متاع قليل ، وقال الزجاج : ذلك الكسب والربح متاع قليل ، وإنما وصفه ~~الله تعالى بالقلة لأن نعيم الدنيا مشوب / بالآفات والحسرات ، ثم أنه ~~بالعاقبة ينقطع وينقضي ، وكيف لا يكون قليلا وقد كان معدوما من الأزل إلى ~~الآن ، وسيصير معدوما من الأزل إلى الأبد ، فاذا قابلت زمان الوجود بما مضى ~~وما يأتي وهو الأزل والأبد ، كان أقل من أن يجوز وصفه بأنه قليل . # ثم قال تعالى : { ثم مأواهم جهنم } يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار ~~جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك ~~نعمة ، وهو كقوله : { إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } ( آل عمران : 178 ) ~~وقوله : { وأملى لهم إن كيدى متين } ( الأعراف : 183 ) . # ثم قال : { وبئس المهاد } أي الفراش ، والدليل على أنه بئس المهاد قوله ~~تعالى : { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ms2654 ظلل } ( الزمر : 16 ) فهم ~~بين أطباق النيران ، ومن فوقهم غواش يأكلون النار ويشربون النار . # ! 7 < { لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين ~~فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار } . > 7 ! # < < # | آل عمران : ( 198 ) لكن الذين اتقوا . . . . . # > > PageV09P124 اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد بالنزل ، ~~والنزل ما يهيأ للضيف وقوله : { لكن الذين اتقوا ربهم } يتناول جميع ~~الطاعات ، لأنه يدخل في التقوى الاحتراز عن المنهيات ، وعن ترك المأمورات . ~~واحتج بعض أصحابنا بهذه الآية على الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلا ~~، فلا بد من الرؤية لتكون خلعة ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا } ( الكهف : 107 ) وقوله : { ~~نزلا } نصب على الحال من { جنات } لتخصيصها بالوصف ، والعامل اللام ، ويجوز ~~أن يكون بمعنى مصدر مؤكد ، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها أو نزولهم ، وقال ~~الفراء : هو نصب على التفسير كما تقول : هو لك هبة وبيعا وصدقة ثم قال : { ~~وما عند الله } من الكثير الدائم { خير للابرار } مما يتقلب فيه الفجار من ~~القليل الزائل ، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش { نزلا } بسكون الزاي ، وقرأ ~~يزيد بن القعقاع { لكن الذين اتقوا } بالتشديد . # ! 7 < { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم ~~خاشعين لله لا يشترون بأايات الله ثمنا قليلا أولائك لهم أجرهم عند ربهم إن ~~الله سريع الحساب * ياأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون } . > 7 @QB@ < # | آل عمران : ( 199 - 200 ) وإن من أهل . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار من قبل ، ~~بأن مصيرهم إلى النار بين في هذه الآية أن من آمن منهم كان داخلا في صفة ~~الذين اتقوا فقال : { وإن من أهل الكتاب } واختلفوا في نزولها ، فقال ابن ~~عباس وجابر وقتادة : نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، فقال المنافقون : إنه يصلي على نصراني لم يره قط ، وقال ابن ~~جريج وابن زيد : نزلت ms2655 في عبدالله بن سلام وأصحابه ، وقيل : نزلت في أربعين ~~من أهل نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم كانوا على دين ~~عيسى عليه السلام فأسلموا . وقال مجاهد : نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، ~~وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم إلى العقاب ، بين فيمن آمن ~~منهم بأن مصيرهم إلى الثواب . # واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات : أولها : الايمان بالله ، وثانيها : ~~الايمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم . وثالثها : الايمان ~~بما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد عليه الصلاة والسلام . ورابعها ~~: كونهم خاشعين لله وهو حال من فاعل { يؤمن } لأن { من يؤمن } في معنى ~~الجمع . وخامسها : أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا كما يفعله أهل ~~الكتاب ممن كان يكتم أمر الرسول وصحة نبوته . # ثم قال تعالى في صفتهم : { أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ~~} والفائدة في كونه PageV09P125 سريع الحساب كونه عالما بجميع المعلومات ، ~~فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب . # قوله تعالى : { الحساب يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون } . # / واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواعا كثيرة من علوم الأصول ~~والفروع ، أما الأصول ففيما يتعلق بتقرير التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، ~~وأما الفروع ففيما يتعلق بالتكاليف والأحكام نحو الحج والجهاد وغيرهما ، ~~ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع الآداب ، وذلك لأن أحوال ~~الانسان قسمان : منها ما يتعلق به وحده ، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين ~~غيره ، أما القسم الأول فلا بد فيه من الصبر ، وأما القسم الثاني فلا بد ~~فيه من المصابرة . # أما الصبر فيندرج تحته أنواع : أولها : أن يصبر على مشقة النظر ~~والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وعلى مشقة استنباط ~~الجواب عن شبهات المخالفين . وثانيها : أن يصبر على مشقة أداء الواجبات ~~والمندوبات . وثالثها : أن يصبر على مشقة الاحتراز عن المنهيات . ورابعها : ~~الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها من المرض والفقر والقحط والخوف ، فقوله : { ~~اصبروا } يدخل تحته هذه الأقسام ، وتحت كل واحد من هذه ms2656 الأقسام الثلاثة ~~أنواع لا نهاية لها ، وأما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة ~~بينه وبين الغير ، ويدخل فيه تحمل الاخلاق الردية من أهل البيت والجيران ~~والأقارب ، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء اليك كما قال : { وأعرض عن ~~الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) وقال : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( ~~الفرقان : 72 ) ويدخل فيه الايثار على الغير كما قال : { ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ( الحشر : 9 ) ويدخل فيه العفو عمن ظلمك كما ~~قال : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ( البقرة : 237 ) ويدخل فيه الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ، فان المقدم عليه ربما وصل اليه بسببه ضرر ، ~~ويدخل فيه الجهاد فانه تعريض النفس للهلاك ، ويدخل فيه المصابرة مع ~~المبطلين ، وحل شكوكهم والجواب عن شبههم ، والاحتيال في إزالة تلك الاباطيل ~~عن قلوبهم ، فثبت ان قوله { اصبروا } تناول كل ما تعلق به وحده { وصابروا } ~~تناول كل ما كان مشتركا بينه وبين غيره . # واعلم أن الانسان وان تكلف الصبر والمصابرة إلا أن فيه أخلاقا ذميمة تحمل ~~على أضدادها وهي الشهوة والغضب والحرص ، والانسان ما لم يكن مشتغلا طول ~~عمره بمجاهدتها وقهرها لا يمكنه الاتيان بالصبر والمصابرة ، فلهذا قال : { ~~ورابطوا } ولما كانت هذه المجاهدة فعلا من الأفعال ولا بد للانسان في كل ~~فعل يفعله من داعية وغرض ، وجب أن يكون للانسان في هذه المجاهدة غرض وباعث ~~، وذلك هو تقوى الله لنيل الفلاح والنجاح ، فلهذا قال : { واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون } وتمام التحقيق فيه أن الأفعال مصدرها هو القوى ، فهو تعالى ~~أمر بالصبر والمصابرة ، وذلك عبارة عن الاتيان بالافعال الحسنة ، والاحتراز ~~عن الافعال الذميمة ، ولما كانت الافعال صادرة عن القوى أمر بعد ذلك ~~بمجاهدة القوى التي هي مصادر الافعال الذميمة ، وذلك هو المراد بالمرابطة ، ~~ثم / ذكر ما به يحصل دفع هذه القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات ، وذلك ~~هو تقوى الله ، ثم ذكر ما لأجله وجب ترجيح تقوى الله على سائر القوى ~~والاخلاق ، وهو الفلاح ، فظهر أن هذه الآية التي هي خاتمة لهذه السورة ~~مشتملة على كنوز الحكم والاسرار الروحانية ، وانها ms2657 على اختصارها كالمتمم ~~لكل ما تقدم ذكره في هذه السورة من علوم الأصول والفروع فهذا ما عندي فيه . ~~PageV09P126 # ولنذكر ما قاله المفسرون : قال الحسن : اصبروا على دينكم ولا تتركوه بسبب ~~الفقر والجوع ، وصابروا على عدوكم ولا تفشلوا بسبب وقوع الهزيمة يوم أحد ، ~~وقال الفراء : اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم فلا ينبغي أن يكون أصبر منكم ~~، وقال الأصم : لما كثرت تكاليف الله في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها ، ~~ولما كثر ترغيب الله تعالى في الجهاد في هذه السورة أمرهم بمصابرة الأعداء ~~. # وأما قوله : { ورابطوا } ففيه قولان : الأول : أنه عبارة عن أن يربط ~~هؤلاء خيلهم في الثغور ويربط أولئك خيلهم أيضا ، بحيث يكون كل واحد من ~~الخصمين مستعدا لقتال الآخر ، قال تعالى : { ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم } ( الأنفال : 60 ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( من رابط ~~يوما وليلة في سبيل الله كان مثل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينتقل عن ~~صلاته إلا لحاجة ) االثاني : أن معنى المرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة ~~ويدل عليه وجهان : الأول : ما روي عن أبي سلمة عبد الرحمن أنه قال : لم يكن ~~في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ، وإنما نزلت هذه الآية ~~في انتظار الصلاة بعد الصلاة . الثاني : ما روي من حديث أبي هريرة حين ذكر ~~انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال : ( فذلكم الرباط ) ثلاث مرات . # واعلم أنه يمكن حمل اللفظ على الكل ، وأصل الرباط من الربط وهو الشد ، ~~يقال : لكل من صبر على أمر ربط قلبه عليه ، وقال آخرون : الرباط هو اللزوم ~~والثبات ، وهذا المعنى أيضا راجع إلى ما ذكرناه من الصبر وربط النفس ، ثم ~~هذا الثبات والدوام يجوز أن يكون على الجهاد ، ويجوز أن يكون على الصلاة ~~والله أعلم . # قال الامام رضي الله تعالى عنه : تم تفسير هذه السورة بفضل الله وإحسانه ~~يوم الخميس أول ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة . # PageV09P127 < # > 1 ( سورة النساء ) 1 < # > # مائة وسبعون وست آيات مدنية # ! 7 < { ياأيها الناس اتقوا ربكم الذى ms2658 خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ~~زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء واتقوا الله الذى تسآءلون به والا رحام ~~إن الله كان عليكم رقيبا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 1 ) يا أيها الناس . . . . . # > > اعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف ، وذلك لأنه ~~تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام ، ~~والرأفة بهم وإيصال حقوقهم اليهم وحفظ أموالهم عليهم ، وبهذا المعنى ختمت ~~السورة ، وهو قوله : { يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة } ( النساء : ~~176 ) وذكر في أثناء هذه السورة أنواعا أخر من التكاليف ، وهي الأمر ~~بالطهارة والصلاة وقتال المشركين ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس ~~لثقلها على الطباع ، لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه ~~التكاليف الشاقة ، وهي تقوى الرب الذي خلقنا والاله الذي أوجدنا ، فلهذا ~~قال : { تفلحون يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : روى الواحدي عن ابن عباس في قوله : { يذهبكم أيها الناس ~~} أن هذا الخطاب لأهل / مكة ، وأما الأصوليون من المفسرين فقد اتفقوا على ~~أن الخطاب عام لجميع المكلفين ، وهذا هو الأصح لوجوه : أحدها : أن لفظ ~~الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق . وثانيها : أنه تعالى علل ~~الأمر بالاتقاء بكونه تعالى خالقا لهم من نفس واحدة ، وهذه العلة عامة في ~~حق جميع المكلفين بأنهم من آدم عليه السلام خلقوا بأسرهم ، وإذا كانت العلة ~~عامة كان الحكم عاما . وثالثها : أن التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة ، ~~بل هو عام في حق جميع العالمين ، وإذا كان لفظ الناس عاما في الكل ، وكان ~~الأمر بالتقوى عاما في الكل ، وكانت علة هذا التكليف ، وهي كونهم خلقوا من ~~النفس الواحدة عامة في حق PageV09P128 الكل ، كان القول بالتخصيص في غاية ~~البعد . وحجة ابن عباس أن قوله : { واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام } ~~مختص بالعرب لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم . فيقولون أسألك ~~بالله وبالرحم ، وأنشدك الله والرحم ، وإذا كان كذلك كان قوله : { واتقوا ~~الله الذى تساءلون به والارحام } مختصا بالعرب ، فكان أول ms2659 الآية وهو قوله : ~~{ يذهبكم أيها الناس } مختصا بهم لأن قوله في أول الآية : { اتقوا ربكم } ~~وقوله بعد ذلك : { واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام } وردا متوجهين ~~إلى مخاطب واحد ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه ثبت في أصول الفقه أن خصوص آخر ~~الآية لا يمنع من عموم أولها ، فكان قوله : { يذهبكم أيها الناس } عاما في ~~الكل ، وقوله : { واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام } . خاصا بالعرب . # المسألة الثانية : أنه تعالى جعل هذا المطلع مطلعا لسورتين في القرآن : ~~إحداهما : هذه السورة وهي السورة الرابعة من النصف الاول من القرآن . ~~والثانية : سورة الحج ، وهي أيضا السورة الرابعة من النصف الثاني من القرآن ~~، ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى في هذه السورة بما يدل على معرفة المبدأ ~~، وهو أنه تعالى خلق الخلق من نفس واحدة ، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق ~~وكمال علمه وكمال حكمته وجلاله ، وعلل الأمر بالتقوى في سورة الحج بما يدل ~~على كمال معرفة المعاد ، وهو قوله : { إن زلزلة الساعة شىء عظيم } ( الحج : ~~1 ) فجعل صدر هاتين السورتين دلالة على معرفة المبدأ ومعرفة المعاد / ثم ~~قدم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد ، وتحت هذا ~~البحث أسرار كثيرة . # المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى أمرنا بالتقوى وذكر عقبيه أنه تعالى ~~خلقنا من نفس واحدة ، وهذا مشعر بأن الأمر بالتقوى معلل بأنه تعالى خلقنا ~~من نفس واحدة ، ولا بد من بيان المناسبة بين هذا الحكم وبين ذلك الوصف ، ~~فنقول : قولنا إنه تعالى خلقنا من نفس واحدة ، مشتمل على قيدين : أحدهما : ~~أنه تعالى خلقنا ، والثاني : كيفية ذلك التخليق ، وهو أنه تعالي إنما خلقنا ~~من نفس / واحدة ، ولكل واحد من هذين القيدين أثر في وجوب التقوى . # أما القيد الأول : وهو أنه تعالى خلقنا ، فلا شك أن هذا المعنى علة لأن ~~يجب علينا الانقياد لتكاليف الله تعالى والخضوع لأوامره ونواهيه ، وبيان ~~ذلك من وجوه : الأول : أنه لما كان خالقا لنا وموجدا لذواتنا وصفاتنا فنحن ~~عبيده وهو مولى لنا ، والربوبية توجب نفاذ أوامره على عبيده ، والعبودية ms2660 ~~توجب الانقياد للرب والموجد والخالق ، الثاني : أن الايجاد غاية الانعام ~~ونهاية الاحسان ، فانك كنت معدوما فأوجدك ، وميتا فأحياك ، وعاجزا فأقدرك . ~~وجاهلا فعلمك ، كما قال إبراهيم عليه السلام : ( الذي خلقني فهو يهدين ~~والذين هو يطعمني ويسقين ) فلما كانت النعم بأسرها من الله سبحانه وجب على ~~العبد أن يقابل تلك النعم باظهار الخضوع والانقياد ، وترك التمرد والعناد ، ~~وهذا هو المراد بقوله : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ~~ثم يحييكم } ( البقرة : 28 ) الثالث : وهو أنه لما ثبت كونه موجدا وخالقا ~~وإلها وربا لنا . وجب علينا أن نشتغل بعبوديته وأن نتقي كل ما نهى عنه وزجر ~~عنه ، ووجب أن لا يكون شيء من هذه الأفعال موجبا ثوابا ألبتة ، لأن هذه ~~الطاعات لما وجبت في مقابلة النعم السالفة امتنع أن تصير موجبة للثواب ، ~~لأن أداء الحق إلى المستحق لا يوجب شيئا آخر ، هذا إذا سلمنا PageV09P129 ~~أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه ابتداء ، فكيف وهذا محال ، لأن فعل ~~الطاعات لا يحصل إلا إذا خلق الله القدرة على الطاعة ، وخلق الداعية على ~~الطاعة ، ومتى حصلت القدرة والداعي كان مجموعهما موجبا لصدور الطاعة عن ~~العبد ، وإذا كان كذلك كانت تلك الطاعة إنعاما من الله على عبده ، والمولى ~~إذا خص عبده بانعام لم يصر ذلك الانعام موجبا عليه إنعاما آخر ، فهذا هو ~~الاشارة إلى بيان أن كونه خالقا لنا يوجب علينا عبوديته والاحتراز عن ~~مناهيه . # وأما القيد الثاني : وهو أن خصوص كونه خالقا لنا من نفس واحدة يوجب علينا ~~الطاعة والاحتراز عن المعصية ، فبيانه من وجوه : الأول : أن خلق جميع ~~الأشخاص الانسانية من الانسان الواحد أدل على كمال القدرة ، من حيث أنه لو ~~كان الأمر بالطبيعة والخاصية لكان المتولد من الانسان الواحد ، لم يكن إلا ~~أشياء متشاكلة في الصفة متشابهة في الخلقة والطبيعة ، فلما رأينا في أشخاص ~~الناس الأبيض والأسود والأحمر والأسمر والحسن والقبيح والطويل والقصير ، دل ~~ذلك على أن مدبرها وخالقها فاعل مختار ، لا طبيعة مؤثرة ، ولا علة موجبة ، ~~ولما دلت هذه الدقيقة على ms2661 أن مدبر العالم فاعل مختار قادر على كل الممكنات ~~عالم بكل المعلومات ، فحينئذ يجب الانقياد لتكاليفه وأوامره ونواهيه ، فكان ~~ارتباط قوله : { اتقوا ربكم } بقوله : { خلقكم من نفس واحدة } في غاية ~~الحسن والانتظام . # / والوجه الثاني : وهو أنه تعالى لما ذكر الأمر بالتقوى ذكر غقبيه الأمر ~~بالاحسان إلى اليتامى والنساء والضعفاء ، وكون الخلق بأسرهم مخلوقين من نفس ~~واحدة له أثر في هذا المعنى ، وذلك لأن الأقارب لا بد وأن يكون بينهم نوع ~~مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة ، ولذلك ان الانسان يفرح بمدح أقاربه ~~وأسلافه / ويحزن بذمهم والطعن فيهم ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( فاطمة ~~بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ) وإذا كان الأمر كذلك ، فالفائدة في ذكر هذا ~~المعنى أن يصير ذلك سببا لزيادة شفقة الخلق بعضهم على البعض . # الوجه الثالث : أن الناس اذا عرفوا كون الكل من شخص واحد تركوا المفاخرة ~~والتكبر وأظهروا التواضع وحسن الخلق . # الوجه الرابع : أن هذا يدل على المعاد ، لأنه تعالى لما كان قادرا على أن ~~يخرج من صلب شخص واحد أشخاصا مختلفين ، وأن يخلق من قطرة من النطفة شخصا ~~عجيب التركيب لطيف الصورة ، فكيف يستبعد إحياء الأموات وبعثهم ونشورهم ، ~~فتكون الآية دالة على المعاد من هذا الوجه { ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ~~ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } ( النجم : 31 ) . # الوجه الخامس : قال الأصم : الفائدة فيه : أن العقل لا دليل فيه على أن ~~الخلق يجب أن يكونوا مخلوقين من نفس واحدة ، بل ذلك إنما يعرف بالدلائل ~~السمعية ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أميا ما قرأ كتابا ولا تلمذ ~~لأستاذ ، فلما أخبر عن هذا المعنى كان إخبارا عن الغيب فكان معجزا ، ~~فالحاصل أن قوله : { خلقكم } دليل على معرفة التوحيد ، وقوله : { من نفس ~~واحدة } دليل على معرفة النبوة . # فان قيل : كيف يصح أن يكون الخلق أجمع من نفس واحدة مع كثرتهم وصغر تلك ~~النفس ؟ PageV09P130 # قلنا : قد بين الله المراد بذلك لأن زوج آدم اذا خلقت من بعضه ، ثم حصل ~~خلق أولاده من نطفتهما ثم كذلك أبدا ، جازت إضافة الخلق أجمع إلى ms2662 آدم . # المسألة الرابعة : أجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو ~~آدم عليه السلام ، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس ، ونظيره قوله تعالى : ~~{ أقتلت نفسا زكية بغير نفس } ( الكهف : 74 ) وقال الشاعر : # % أبوك خليفة ولدته أخرى % % فأنت خليفة ذاك الكمال % # قالوا فهذا التأنيث على لفظ الخليفة . # قوله تعالى : { وخلق منها زوجها } فيه مسائل : # / المسألة الأولى : المراد من هذا الزوج هو حواء ، وفي كون حواء مخلوقة ~~من آدم قولان : الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله آدم ألقى ~~عليه النوم ، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى ، فلما استيقط رآها ومال ~~اليها وألفها ، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه ، واحتجوا عليه بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ( ان المرأة خلقت من ضلع أعوج فان ذهبت تقيمها ~~كسرتها وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها ) . # والقول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني : أن المراد من قوله : { ~~وخلق منها زوجها } أي من جنسها وهو كقوله تعالى : { والله جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا } ( النحل : 72 ) وكقوله : { إذ بعث فيهم رسولا * من أنفسهم ~~} ( آل عمران : 164 ) وقوله : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ~~) قال القاضي : والقول الأول أقوى ، لكي يصح قوله : { خلقكم من نفس واحدة } ~~إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين ، لا من نفس ~~واحدة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن كلمة ( من ) لابتداء الغاية ، فلما كان ~~ابتداء التخليق والايجاد وقع بآدم عليه السلام صح أن يقال : خلقكم من نفس ~~واحدة ، وأيضا فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا ~~أيضا على خلق حواء من التراب ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأي فائدة في خلقها ~~من ضلع من أضلاع آدم . # المسألة الثانية : قال ابن عباس : إنما سمي آدم بهذا الاسم لأنه تعالى ~~خلقه من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها ؛ فلذلك كان في ~~ولده الأحمر والأسود والطيب والخبيث والمرأة إنما سميت بحواء لأنها خلقت من ~~ضلع من أضلاع آدم فكانت مخلوقة ms2663 من شيء حي / فلا جرم سميت بحواء . # المسألة الثالثة : احتج جمع من الطبائعيين بهذه الآية فقالوا : قوله ~~تعالى : { خلقكم من نفس واحدة } يدل على أن الخلق كلهم مخلوقون من النفس ~~الواحدة ، وقوله : { وخلق منها زوجها } يدل على أن زوجها مخلوقة منها ، ثم ~~قال في صفة آدم : { خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) فدل على أن آدم ~~PageV09P131 مخلوق من التراب ، ثم قال في حق الخلائق : { منها خلقناكم } ( ~~طه : 55 ) وهذه الآيات كلها دالة على ان الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة ~~يصير الشيء مخلوقا منها ، وأن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال ~~. # أجاب المتكلمون فقالوا : خلق الشيء من الشيء محال في العقول ، لأن هذا ~~المخلوق ان كان عين ذلك الشيء الذي كان موجودا قبل ذلك لم يكن هذا مخلوقا ~~ألبتة ، واذا لم يكن مخلوقا امتنع كونه مخلوقا من شيء آخر ، وان قلنا : ان ~~هذا المخلوق مغاير للذي كان موجودا قبل ذلك ، فحينئذ هذا المخلوق وهذا ~~المحدث إنما حدث وحصل عن العدم المحض ، فثبت أن كون الشيء مخلوقا من / غيره ~~محال في العقول ، وأما كلمة { من } في هذه الآية فهو مفيد ابتداء الغاية ، ~~على معنى أن ابتداء حدوث هذه الأشياء من تلك الأشياء لا على وجه الحاجة ~~والافتقار ، بل على وجه الوقوع فقط . # المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { وخلق منها زوجها وبث ~~منهما } بلفظ اسم الفاعل ، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو خالق . # قوله تعالى : { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } . # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : بث منهما : يريد فرق ونشر ، قال ابن ~~المظفر : البث تفريقك الأشياء ، يقال : بث الخيل في الغارة وبث الصياد ~~كلابه ، وخلق الله الخلق فبثهم في الأرض ، وبثثت البسط إذا نشرتها ، قال ~~الله تعالى : { وزر * أبى * مبثوثة } قال الفراء والزجاج : وبعض العرب يقول ~~: أبث الله الخلق . # المسألة الثانية : لم يقل : وبث منهما الرجال والنساء لأن ذلك يوجب ~~كونهما مبثوثين عن نفسهما وذلك محال ، فلهذا عدل عن هذا اللفظ إلى قوله : { ~~وبث منهما رجالا كثيرا ms2664 ونساء } . # فان قيل : لم لم يقل : وبث منهما رجالا كثيرا ونساء كثيرا ؟ ولم خصص وصف ~~الكثرة بالرجال دون النساء ؟ # قلنا : السبب فيه والله أعلم أن شهرة الرجال أتم ، فكانت كثرتهم أظهر ، ~~فلا جرم خصوا بوصف الكثرة ، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال ~~الاشتهار والخروج والبروز ، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول . # المسألة الثالثة : الذين يقولون : إن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر ، ~~وكانوا مجتمعين في صلب آدم عليه السلام ، حملوا قوله : { وبث منهما رجالا ~~كثيرا ونساء } على ظاهره ، والذين أنكروا ذلك قالوا : المراد بث منهما ~~أولادهما ومن أولادهما جمعا آخرين ، فكان الكل مضافا اليهما على سبيل ~~المجاز . PageV09P132 # قوله تعالى : { واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم ~~رقيبا } . # / فيه مسائل . # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : { تساءلون } بالتخفيف ~~والباقون بالتشديد ، فمن شدد أراد : تتساءلون فأدغم التاء في السين ~~لاجتماعهما في أنهما من حروف اللسان وأصول الثنايا واجتماعهما في الهمس ، ~~ومن خفف حذف تاء تتفاعلون لاجتماع حروف متقاربة ، فأعلها بالحذف كما أعلها ~~الأولون بالادغام ، وذلك لأن الحروف المتقاربة إذا اجتمعت خففت تارة بالحذف ~~وأخرى بالادغام . # المسألة الثانية : قرأ حمزة وحده { والارحام } بجر الميم قال القفال رحمه ~~الله : وقد رويت هذه القراءة عن غير القراء السبعة عن مجاهد وغيره / وأما ~~الباقون من القراء فكلهم قرؤا بنصب الميم . وقال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { ~~والارحام } بالحركات الثلاث ، أما قراءة حمزة فقد ذهب الأكثرون من النحويين ~~إلى أنها فاسدة ، قالوا : لأن هذا يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور ~~وذلك غير جائز . واحتجوا على عدم جوازه بوجوه : أولها : قال أبو علي ~~الفارسي : المضمر المجرور بمنزلة الحرف ، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر عليه ~~، إنما قلنا المضمر المجرور بمنزلة الحرف لوجوه : الأول : أنه لا ينفصل ~~ألبتة كما أن التنوين لا ينفصل ، وذلك ان الهاء والكاف في قوله : به ، وبك ~~لا ترى واحدا منفصلا عن الجار ألبتة فصار كالتنوين . الثاني : أنهم يحذفون ~~الياء من المنادى المضاف في الاختيار كحذفهم التنوين من المفرد ، وذلك ~~كقولهم : يا غلام ، فكان المضمر ms2665 المجرور مشابها للتنوين من هذا الوجه ، ~~فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين ، فوجب أن لا يجوز عطف المظهر ~~عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فاذا لم ~~تحصل المشابهة ههنا وجب أن لا يجوز العطف . وثانيها : قال علي بن عيسى : ~~انهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر المرفوع . فلا يجوز أن يقال : اذهب ~~وزيد ، وذهبت وزيد بل يقولون : يا غلام ، فكان المضمر المجرور مشابها ~~للتنوين من هذا الوجه ، فثبت أن المضمر المجرور بمنزلة حرف التنوين ، فوجب ~~أن لا يجوز عطف المظهر عليه لأن من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف ~~والمعطوف عليه ، فاذا لم تحصل المشابهة ههنا وجب أن لا يجوز العطف . ~~وثانيها : قال علي بن عيسى : انهم لم يستحسنوا عطف المظهر على المضمر ~~المرفوع . فلا يجوز أن يقال : اذهب وزيد ، وذهبت وزيد بل يقولون : اذهب أنت ~~وزيد ، وذهبت أنا وزيد . قال تعالى : { فاذهب أنت وربك فقاتلا } مع ان ~~المضمر المرفوع قد ينفصل ، فاذا لم يجز عطف المظهر على المضمر المجرور مع ~~انه أقوى من المضمر المجرور بسبب أنه قد ينفصل ، فلأن لا يجوز عطف المظهر ~~على المضمر المجرور مع أنه ألبتة لا ينفصل كان أولى . وثالثها : قال أبو ~~عثمان المازني : المعطوف والمعطوف عليه متشاركان ، وإنما يجوز عطف الأول ~~على الثاني لو جاز عطف الثاني على الأول ، وههنا هذا المعنى غير حاصل ، ~~وذلك لأنك لا تقول : مررت بزيدوك ، فكذلك لا تقول مررت بك وزيد . # واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوها قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات ~~، وذلك لأن / حمزة أحد القراء السبعة ، والظاهر أنه لم يأت بهذه القراءة من ~~عند نفسه ، بل رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك يوجب القطع ~~بصحة هذه اللغة ، والقياس يتضاءل عند السماع لا سيما بمثل هذه الأقيسة التي ~~هي أوهن من بيت العنكبوت ، وأيضا فلهذه القراءة وجهان : أحدهما : أنها على ~~تقدير تكرير الجار ، كأنه قيل تساءلون به وبالارحام . وثانيها : أنه ورد ~~ذلك في الشعر وأنشد سيبويه ms2666 في ذلك : # % فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا % % فاذهب فما بك والأيام من عجب % % ~~PageV09P133 # وأنشد أيضا : # % نعلق في مثل السواري سيوفنا % % وما بينها والكعب غوط نفانف % # والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين ~~المجهولين ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد ، مع أنهما كانا من ~~أكابر علماء السلف في علم القرآن . واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة من ~~جهة المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحلفوا بآبائكم ) فاذا عطفت ~~الأرحام على المكنى عن اسم الله اقتضى ذلك جواز الحلف بالارحام ، ويمكن ~~الجواب عنه بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية لأنهم كانوا ~~يقولون : أسألك بالله والرحم ، وحكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لا تنافي ~~ورود النهي عنه في المستقبل ، وأيضا فالحديث نهي عن الحلف بالآباء فقط ، ~~وههنا ليس كذلك ، بل هو حلف بالله أولا ثم يقرن به بعده ذكر الرحم ، فهذا ~~لا ينافي مدلول ذلك الحديث ، فهذا جملة الكلام في قراءة قوله : { والارحام ~~} بالجر . أما قراءته بالنصب ففيه وجهان : الأول : وهو اختيار أبي علي ~~الفارسي وعلي بن عيسى أنه عطف على موضع الجار والمجرور كقوله : # فلسنا بالجبال ولا الحديدا # والثاني : وهو قول أكثر المفسرين : أن التقدير : واتقوا الأرحام أن ~~تقطعوها ، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج ، ~~وعلى هذا الوجه فنصب الأرحام بالعطف على قوله : { الله } أي : اتقوا الله ~~واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها قال الواحدي رحمه ~~الله : ويجوز أيضا أن يكون منصوبا بالاغراء ، أي والأرحام فاحفظوها وصلوها ~~كقولك : الأسد الأسد ، وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم ، ويدل على ~~وجوب صلتها . وأما القراءة بالرفع فقال صاحب ( الكشاف ) : الرفع على أنه ~~مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل : والأرحام كذلك على معنى والأرحام مما يتقى ، ~~أو والأرحام مما يتساءل به . # المسألة الثالثة : أنه تعالى قال أولا : { اتقوا ربكم } ثم قال بعده : { ~~واتقوا الله } وفي هذا التكرير وجوه : الأول : تأكيد الأمر والحث عليه ~~كقولك للرجل : اعجل اعجل فيكون أبلغ من قولك ms2667 : اعجل / الثاني : أنه أمر ~~بالتقوى في الأول لمكان الانعام بالخلق وغيره ، وفي الثاني أمر بالتقوى ~~لمكان وقوع التساؤل به فيما يلتمس البعض من البعض . الثالث : قال أولا : { ~~اتقوا ربكم } وقال ثانيا : { واتقوا الله } والرب لفظ يدل على التربية ~~والاحسان ، والاله لفظ يدل على القهر والهيبة ، فأمرهم بالتقوى بناء على ~~الترغيب ، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب كما قال : { يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا } ( السجدة : 16 ) وقال : { ويدعوننا رغبا ورهبا } ( الأنبياء : 90 ) ~~كأنه قيل : انه رباك وأحسن اليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة ~~. # المسألة الرابعة : اعلم أن التساؤل بالله وبالأرحام قيل هو مثل أن يقال : ~~بالله أسألك ، وبالله أشفع اليك ، وبالله أحلف عليك ، إلى غير ذلك مما يؤكد ~~المرء به مراده بمسألة الغير ، ويستعطف ذلك الغير في التماس حقه منه أو ~~نواله ومعونته ونصرته ، وأما قراءة حمزة فهي ظاهرة من حيث المعنى ، ~~والتقدير : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، لأن العادة جرت في ~~العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول : أسألك بالله والرحم ، وربما ~~أفرد ذلك فقال : أسألك بالرحم ، وكان يكتب المشركون إلى رسول PageV09P134 ~~الله صلى الله عليه وسلم : نناشدك الله والرحم أن لا تبعث الينا فلانا ~~وفلانا ، وأما القراءة بالنصب فالمعنى يرجع إلى ذلك ، والتقدير : واتقوا ~~الله واتقوا الأرحام ، قال القاضي : وهذا أحد ما يدل على أنه قد يراد ~~باللفظ الواحد المعاني المختلفة ، لأن معنى تقوى الله مخالف لمعنى تقوى ~~الأرحام ، فتقوى الله إنما يكون بالتزام طاعته واجتناب معاصيه ، واتقاء ~~الأرحام بأن توصل ولا تقطع فيما يتصل بالبر والافضال والاحسان ، ويمكن أن ~~يجاب عنه بأنه تعالى لعله تكلم بهذه اللفظة مرتين ، وعلى هذا التقدير يزول ~~الاشكال . # المسألة الخامسة : قال بعضهم : اسم الرحم مشتق من الرحمة التي هي النعمة ~~، واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يقول الله تعالى ~~أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي ) ووجه التشبيه ان لمكان هذه ~~الحالة تقع الرحمة من بعض الناس لبعض . وقال آخرون : بل اسم الرحم ms2668 مشتق من ~~الرحم الذي عنده يقع الانعام وانه الأصل / وقال بعضهم : بل كل واحد منهما ~~أصل بنفسه ، والنزاع في مثل هذا قريب . # المسألة السادسة : دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى . روى مجاهد ~~عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سألكم بالله فأعطوه ~~) وعن البراء بن عازب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع : ~~منها ابرار القسم . # المسألة السابعة : دل قوله تعالى : { والارحام } على تعظيم حق الرحم ~~وتأكيد النهي عن قطعها ، قال / تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى ~~الارض وتقطعوا أرحامكم } ( محمد : 22 ) وقال : { لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ~~ذمة } قيل في الأول : إنه القرابة ، وقال : { وقضى ربك * أن لا تعبدوا إلا ~~* إياه وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) وقال : { واعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين } ( ~~النساء : 36 ) وعن عبد الرحمن بن عوف : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~( يقول الله تعالى أنا الرحمن وهي الرحم اشتققت اسمها من اسمي فمن وصلها ~~وصلته ومن قطعها قطعته ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( ما من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم وما ~~من عمل عصى الله به أعجل عقوبة من البغي واليمين الفاجرة ) وعن أنس قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما ~~في العمر ويدفع بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه ) وقال ~~عليه الصلاة والسلام : ( أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح ) قيل الكاشح ~~العدو ، فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها ، ~~ثم إن أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه بنوا على هذا الأصل مسألتين : إحداهما ~~: أن الرجل اذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والاخت ، والعم والخال ، ~~قال لانه لو بقي الملك لحل الاستخدام بالاجماع ، لكن الاستخدام إيحاش يورث ~~قطيعة الرحم ، وذلك حرام بناء على هذا الاصل ، فوجب أن لا يبقى ms2669 الملك ، ~~وثانيهما : أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها لان ذلك الرجوع ~~ايحاش يورث قطيعة الرحم ، فوجب أن لا يجوز ، والكلام في هاتين المسألتين ~~مذكور في الخلافيات . # ثم أنه تعالى ختم هذه الآية بما يكون كالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ~~فقال : { إن الله كان عليكم رقيبا } والرقيب هو المراقب الذي يحفظ عليك ~~جميع أفعالك . ومن هذا صفته فانه يجب أن يخاف ويرجى ، فبين تعالى أنه يعلم ~~السر وأخفى ، وانه اذا كان كذلك يجب أن يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتي ~~ويترك . # PageV09P135 ! 7 < { وءاتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ~~ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 2 ) وآتوا اليتامى أموالهم . . . . . # > > اعلم أنه لما افتتح السورة بذكر ما يدل على أنه يجب على العبد أن ~~يكون منقادا لتكاليف الله سبحانه ، محترزا عن مساخطه ، شرع بعد ذلك في شرح ~~أقسام التكاليف . # فالنوع الأول : ما يتعلق بأموال اليتامى ، وهو هذه الآية ، وأيضا أنه ~~تعالى وصى في الآية السابقة بالأرحام ، فكذلك في هذه الآية وصى بالأيتام ، ~~لأنهم قد صاروا بحيث لا كافل لهم ولا مشفق شديد الاشفاق عليهم ، ففارق ~~حالهم حال من له رحم ماسة عاطفة عليه لمكان الولادة أو لمكان الرحم فقال : ~~{ وءاتوا اليتامى أموالهم } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : اليتامى الذين مات آباؤهم ~~فانفردوا عنهم ، واليتم الانفراد ، ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة ، ~~وقيل : اليتم في الأناسي من قبل الآباء ، وفي البهائم من قبل الأمهات . قال ~~: وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء الانفراد عن الآباء ، إلا ~~أن في العرف اختص هذا الاسم بمن لم يبلغ مبلغ الرجال ، فاذا صار بحيث ~~يستغني بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره ، زال عنه هذا ~~الاسم ، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يتيم أبي طالب ، ~~إما على القياس ، وإما على حكاية الحال التي كان عليها حين كان صغيرا ناشئا ~~في حجر عمه توضيعا له . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا ms2670 يتم بعد حلم ~~) فهو تعليم الشريعة لا تعليم اللغة ، يعني اذا احتلم فانه لا تجرى عليه ~~أحكام الصغار . وروى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن ~~عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه ؟ فكتب اليه : اذا أونس منه الرشد ~~انقطع يتمه ، وفي بعض الروايات : أن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه ~~يتمه بعد ، فأخبر ابن عباس أن اسم اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ اذا لم يؤنس ~~منه الرشد ، ثم قال أبو بكر : واسم اليتيم قد يقع على المرأة المفردة عن ~~زوجها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تستأمر اليتيمة ) وهي لا تستأمر ~~إلا وهي بالغة ، قال الشاعر : # % ان القبور تنكح الأيامى % % النسوة الأرامل اليتامى % # فالحاصل من كل ما ذكرنا أن اسم اليتيم بحسب أصل اللغة يتناول الصغير ~~والكبير ، إلا أنه بحسب العرف مختص بالصغير . # المسألة الثانية : ههنا سؤال وهو أن يقال : كيف جمع اليتيم على يتامى ؟ ~~واليتيم فعيل ، والفعيل يجمع على فعلى ، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى وجريح ~~وجرحى ، قال صاحب ( الكشاف ) : فيه وجهان : أحدهما : أن يقال : جمع اليتيم ~~يتمى ، ثم يجمع فعلى على فعالى ، كأسير وأسرى وأسارى ، والثاني : أن يقال : ~~جمع يتيم يتائم ، لأن اليتيم جار مجرى الأسماء نحو صاحب وفارس ، ثم يقلب / ~~اليتائم يتامى . قال PageV09P136 القفال رحمه الله : ويجوز يتيم ويتامى ، ~~كنديم وندامى ، ويجوز أيضا يتيم وأيتام كشريف وأشراف . # المسألة الثالثة : ههنا سؤال ثان : وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص ~~بالصغير ، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله اليه ، وإذا صار كبيرا بحيث يجوز ~~دفع ماليه إليه لم يبق يتيما ، فكيف قال : { وءاتوا اليتامى أموالهم } ~~والجواب عنه على طريقين : الأول : أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا ~~أو كبروا ثم فيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل ~~اللغة ، والثاني : أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وان كان قد ~~زال في هذا الوقت كقوله تعالى : { فألقى السحرة ساجدين } ( الأعراف : 120 ) ~~أي الذين كانوا سحرة قبل السجود ، وأيضا سمى الله تعالى ms2671 مقاربة انقضاء ~~العدة ، بلوغ الاجل في قوله : { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن } ( الطلاق : 2 ) ~~والمعنى مقاربة البلوغ ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية ~~البالغون قوله تعالى : { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } ( ~~النساء : 6 ) والاشهاد لا يصح قبل البلوغ وانما يصح بعد البلوغ . # الطريق الثاني : أن نقول : المراد باليتامى الصغار ، وعلى هذا الطريق ففي ~~الآية وجهان : أحدهما : ان قوله : { وأتوا } أمر ، والامر انما يتناول ~~المستقبل ، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال ~~صفة اليتم عنهم أموالهم ، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة . والثاني : المراد ~~: وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون اليه لنفقتهم وكسوتهم ، ~~والفائدة فيه انه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه ~~صغيرا ، فأباح الله تعالى ذلك ، وفيه إشكال وهو انه لو كان المراد ذلك لقال ~~: وآتوهم من أموالهم ، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك . # المسألة الرابعة : نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال ~~: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم وعزلوا أموال ~~اليتامى عن أموالهم ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~تعالى : { فى الدنيا والاخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } ( ~~البقرة : 220 ) قال أبو بكر الرازي : وأظن أنه غلط من الراوي ، لان المراد ~~بهذه الآية إيتاؤهم أموالهم بعد البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى ، وهو ~~ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أنزل الله { ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن } ( البقرة : 152 ) و { إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( النساء : 10 ) ذهب من كان عنده يتيم فعزل ~~طعامه من طعامه وشرابه من شرابه ، فاشتد ذلك على اليتامى ، فذكروا ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى شرابه ، { فى الدنيا ~~والاخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير } فخلطوا عند ذلك طعامهم / ~~بطعامهم وشرابهم بشرابهم . قال المفسرون : الصحيح أنها نزلت في رجل من ms2672 ~~غطفان ، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه ~~، فتراجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، فلما سمعها ~~العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول ، نعوذ بالله من الحوب الكبير ، ودفع ~~ماله اليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ومن يوق شح نفسه ويطع ربه ~~هكذا فانه يحل داره ) أي جنته ، فلما قبض الصبي ماله أنفقه في سبيل الله ، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثبت الأجر وبقي الوزر ) فقالوا : يا ~~رسول الله لقد عرفنا أنه ثبت الأجر ، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله ~~؟ فقال : ثبت أجر الغلام وبقي الوزر على والده . PageV09P137 # المسألة الخامسة : احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن السفيه ، لا ~~يحجر عليه بعد الخمس والعشرين ، قال لأن قوله : { وءاتوا اليتامى أموالهم } ~~مطلق يتناول السفيه أونس منه الرشد أو لم يؤنس ترك العمل به قبل الخمس ~~والعشرين سنة لاتفاق العلماء على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذا السن ، شرط ~~في وجوب دفع المال اليه ، وهذا الاجماع لم يوجد بعد هذا السن ، فوجب إجراء ~~الأمر بعد هذا السن على حكم ظاهر هذه الآية . # أجاب أصحابنا عنه : بأن هذه الآية عامة ، لأنه تعالى ذكر اليتامى فيها ~~جملة / ثم إنهم ميزوا بعد ذلك بقوله : { وابتلوا اليتامى } ( النساء : 6 ) ~~وبقوله : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } ( النساء : 5 ) حرم بهاتين الآيتين ~~إيتاءهم أموالهم إذا كانوا سفهاء ، ولا شك أن الخاص مقدم على العام . # ثم قال تعالى : { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : ولا تتبدلوا ، أي ولا تستبدلوا ، ~~والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز ، ومنه التعجل بمعنى الاستعجال ، والتأخر ~~بمعنى الاستئخار . وقال الواحدي رحمه الله : يقال : تبدل الشيء بالشيء إذا ~~أخذه مكانه . # المسألة الثانية : في تفسير هذا التبدل وجوه : # الوجه الأول : قال الفراء والزجاج : لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى ~~، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض ~~، فتأكلوه مكانه . الثاني : لا تستبدلوا الأمر الخبيث ms2673 ، وهو اختزال أموال ~~اليتامى ، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين انه كان ~~ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون ، يجعل الزائف بدل الجيد ~~، والمهزول بدل السمين ، وطعن صاحب ( الكشاف ) في هذا الوجه ، فقال : ليس ~~هذا بتبدل إنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة ~~من مال الصبي . الرابع : / هو أن هذا التبدل معناه : أن يأكلوا مال اليتيم ~~سلفا مع التزام بدله بعد ذلك ، وفي هذا يكون متبدلا الخبيث بالطيب . # ثم قال تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } وفيه وجهان : الأول : ~~معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الانفاق حتى تفرقوا بين أموالكم ~~وأموالهم في حل الانتفاع بها . والثاني : أن يكون ( إلى ) بمعنى ( مع ) قال ~~تعالى : { من أنصارى إلى الله } ( آل عمران : 52 ) أي مع الله ، والأول : ~~أصح . # واعلم أنه تعالى وان ذكر الأكل ، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم ~~كما يحرم ، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة ، والدليل عليه ~~أن في المال ما لا يصح ان يؤكل ، فثبت ان المراد منه التصرف ، وإنما ذكر ~~الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف . # فان قيل : انه تعالى لما حرم عليهم أكل أموال اليتامى ظلما في الآية ~~الأولى المتقدمة دخل فيها أكلها وحدها وأكلها مع غيرها ، فما الفائدة في ~~إعادة النهي عن أكلها مع أموالهم ؟ # قلنا : لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله من حلال ~~وهم مع ذلك يطمعون في أموال اليتامى ، كان القبح أبلغ والذم أحق . ~~PageV09P138 # واعلم أنه تعالى عرف الخلق بعد ذلك ان أكل مال اليتيم من جميع الجهات ~~المحرمة إثم عظيم فقال : { إنه كان حوبا كبيرا } قال الواحدي رحمه الله : ~~الكناية تعود إلى الأكل ، وذلك لأن قوله : { ولا تأكلوا } دل على الأكل { * ~~والحوب } الاثم الكبير . قال عليه الصلاة والسلام : ( ان طلاق أم أيوب لحوب ~~) وكذلك الحوب والحاب ثلاث لغات في الاسم والمصدر قال الفراء : الحوب لأهل ~~الحجاز ، والحاب لتميم ، ومعناه الاثم قال عليه الصلاة والسلام ms2674 : ( رب تقبل ~~توبتي واغسل حوبتي ) قال صاحب ( الكشاف ) : الحوب والحاب كالقول والقال . ~~قال القفال : وكأن أصل الكلمة من التحوب وهو التوجع ، فالحوب هو ارتكاب ما ~~يتوجع المرتكب منه ، وقال البصريون : الحوب بفتح الحاء مصدر ، والحوب بالضم ~~الاسم ، والحوبة ، المرة الواحدة ، ثم يدخل بعضها في البعض كالكلام فانه ~~اسم ، ثم يقال : قد كلمته كلاما فيصير مصدرا . قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ ~~الحسن حوبا ، وقرىء : حابا . # ! 7 < { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النسآء ~~مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذالك أدنى ~~ألا تعولوا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 3 ) وإن خفتم ألا . . . . . # > > اعلم أن هذا من النوع الثاني من الأحكام التي ذكرها في هذه السورة ~~وهو حكم الأنكحة وفي / الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الاقساط العدل ، يقال أقسط ~~الرجل إذا عدل ، قال الله تعالى : { بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } ~~( الحجرات : 9 ) والقسط العدل والنصفة ، قال تعالى : { كونوا قوامين بالقسط ~~} ( النساء : 135 ) قال الزجاج : وأصل قسط وأقسط جميعا من القسط وهو النصيب ~~، فاذا قالوا : قسط بمعنى جار أرادوا أنه ظلم صاحبه في قسطه الذي يصيبه ، ~~ألا ترى أنهم قالوا : قاسطته إذا غلبته على قسطه ، فبنى قسط على بناء ظلم ~~وجار وغلب ، وإذا قالوا أقسط فالمراد أنه صار ذا قسط عدل ، فبنى على بناء ~~أنصف إذا أتى بالنصف والعدل في قوله وفعله وقسمه . # المسألة الثانية : اعلم أن قوله : { وإن خفتم * أن لا * تقسطوا } شرط ~~وقوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } جزاء ، ولا بد من بيان أنه كيف ~~يتعلق هذا الجزاء بهذا الشرط ، وللمفسرين فيه وجوه : الأول : روي عن عروة ~~أنه قال : قلت لعائشة : ما معنى قول الله : { وإن خفتم * أن لا * تقسطوا فى ~~اليتامى } فقالت : يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في ~~مالها وجمالها ، إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها ، ثم إذا تزوج بها ~~عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع ms2675 شر ذلك الزوج ~~عنها ، فقال تعالى : ( وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا من ~~غيرهن ما طاب لكم من النساء ، قالت عائشة رضي الله عنها : ثم إن الناس ~~استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن ، فأنزل الله ~~تعالى : { ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم فى ~~الكتاب فى يتامى النساء } قالت : وقوله تعالى : { وما يتلى عليكم فى الكتاب ~~فى يتامى النساء } ( النساء : 127 ) المراد منه هذه الآية وهي قوله : { وإن ~~خفتم * أن لا * تقسطوا } . PageV09P139 # الوجه الثاني : في تأويل الآية : انه لما نزلت الآية المتقدمة في اليتامى ~~وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير ، خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك ~~الاقساط في حقوق اليتامى ، فتحرجوا من ولايتهم ، وكان الرجل منهم ربما كان ~~تحته العشر من الأزواج وأكثر ، فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن ، فقيل لهم ~~: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها ، فكونوا خائفين من ترك ~~العدل من النساء ، فقالوا عدد المنكوحات ، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه ~~وهو مرتكب لمثله فكأنه غير متحرج . # الوجه الثالث : في التأويل : أنهم كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى فقيل : ~~إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا ، فانكحوا ما حل لكم من ~~النساء ولا تحوموا حول المحرمات . # الوجه الرابع : في التأويل : ما روي عن عكرمة أنه قال : كان الرجل عنده ~~النسوة ويكون / عنده الأيتام ، فاذا أنفق مال نفسه على النسوة ولم يبق له ~~مال وصار محتاجا ، أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن فقال تعالى : { وإن ~~خفتم * أن لا * تقسطوا فى * أموال اليتامى } عند كثرة الزوجات فقد حظرت ~~عليكم أن لا تنكحوا أكثر من أربع كي يزول هذا الخوف / فان خفتم في الأربع ~~أيضا فواحدة ، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع ، والناقص وهو الواحدة ، ونبه ~~بذلك على ما بينهما ، فكأنه تعالى قال : فان خفتم من الأربع فثلاث ، فان ~~خفتم فاثنتان ، فان خفتم فواحدة ، وهذا القول أقرب ، فكأنه تعالى خوف من ~~الاكثار من النكاح بما ms2676 عساه يقع من الولي من التعدي في مال اليتيم للحاجة ~~إلى الانفاق الكثير عند التزوج بالعدد الكثير . # أما قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن ~~خفتم * أن لا * تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذالك أدنى * أن لا * ~~تعولوا } . # ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أصحاب الظاهر : النكاح واجب وتمسكوا بهذه الآية ، ~~وذلك لأن قوله { فانكحوا } أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، وتمسك الشافعي في ~~بيان انه ليس بواجب بقوله تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات * أو ما ملكت أيمانكم } ( النساء : 25 ) إلى قوله : { ~~ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير لكم } فحكم تعالى بأن ترك النكاح في ~~هذه الصورة خير من فعله ، وذلك يدل على أنه ليس بمندوب ، فضلا عن أن يقال ~~إنه واجب . # المسألة الثانية : إنما قال : { ما طاب } ولم يقل : من طاب لوجوه : أحدها ~~: أنه أراد به الجنس تقول : ما عندك ؟ فيقول رجل أو امرأة ، والمعنى ما ذلك ~~الشيء الذي عندك ، وما تلك الحقيقة التي عندك ، وثانيها : أن ( ما ) مع ما ~~بعده في تقدير المصدر ، وتقديره : فانكحوا الطيب من النساء ، وثالثها : ان ~~( ما ) و ( من ) ربما يتعاقبان . قال تعالى : { والسماء وما بناها } ( ~~الشمس : 5 ) وقال : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ( الكافرون : 2 ) ~~PageV09P140 وحكى أبو عمرو بن العلاء : سبحان ما سبح له الرعد ، وقال : { ~~فمنهم من يمشى على بطنه } ( النور : 45 ) ورابعها : إنما ذكر ( ما ) تنزيلا ~~للاناث منزلة غير العقلاء . ومنه : قوله : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم } ( المعارج : 30 ) . # / المسألة الثالثة : قال الواحدي وصاحب ( الكشاف ) : قوله { ما طاب لكم } ~~أي ما حل لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها ، وهي الأنواع المذكورة في ~~قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم } ( النساء : 23 ) وهذا عندي فيه نظر ~~، وذلك لأنا بينا أن قوله : { فانكحوا } أمر إباحة . فلو كان المراد بقوله ~~: { ما طاب لكم } أي ما حل لكم لنزلت الآية منزلة ما يقال : أبحنا لكم نكاح ~~من يكون نكاحها مباحا لكم : وذلك يخرج ms2677 الآية عن الفائدة ، وأيضا فبتقدير أن ~~تحمل الآية على ما ذكروه تصير الآية مجملة ، لأن أسباب الحل والاباحة لما ~~لم تكن مذكورة في هذه الآية صارت الآية مجملة لا محالة ، أما إذا حملنا ~~الطيب على استطابة النفس وميل القلب ، كانت الآية عاما دخله التخصيص . وقد ~~ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين الاجمال والتخصيص كان رفع ~~الاجمال أولى ، لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، والمجمل لا ~~يكون حجة أصلا . # المسألة الرابعة : { مثنى وثلاث ورباع } معناه : اثنين اثنين ، وثلاثا ~~ثلاثا ، وأربعا أربعا ، وهو غير منصرف وفيه وجهان : الأول : أنه اجتمع فيها ~~أمران : العدل والوصف ، أما العدل فلأن العدل عبارة عن أنك تذكر كلمة وتريد ~~بها كلمة أخرى ، كما تقول : عمر وزفر وتريد به عامرا وزافرا ، فكذا ههنا ~~تريد بقولك : مثنى : ثنتين ثنتين فكان معدولا ، وأما أنه وصف ، فدليله قوله ~~تعالى : { أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع } ( فاطر : 1 ) ولا شك أنه وصف . # الوجه الثاني : في بيان أن هذه الأسماء غير منصرفة أن فيها عدلين لأنها ~~معدولة عن أصولها كما بيناه ، وأيضا انها معدولة عن تكررها فانك لا تريد ~~بقولك : مثنى ثنتين فقط ، بل ثنتين ثنتين ، فاذا قلت : جاءني اثنان أو ~~ثلاثة كان غرضك الاخبار عن مجيء هذا العدد فقط ، أما إذا قلت : جاءني القوم ~~مثنى أفاد أن ترتيب مجيئهم وقع اثنين اثنين ، فثبت أنه حصل في هذه الألفاظ ~~نوعان من العدد فوجب أن يمنع من الصرف ، وذلك لأنه إذا اجتمع في الاسم ~~سببان أوجب ذلك منع الصرف ، لأنه يصير لأجل ذلك نائبا من جهتين فيصير ~~مشابها للفعل فيمتنع صرفه ، وكذا إذا حصل فيه العدل من جهتين فوجب أن يمنع ~~صرفه والله أعلم . # المسألة الخامسة : قال أهل التحقيق : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ~~لا يتناول العبيد وذلك لأن الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة ~~قدر على نكاحها ، والعبد ليس كذلك بدليل أنه لا يتمكن من النكاح إلا باذن ~~مولاه ، ويدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله ms2678 تعالى : { ضرب الله ~~مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء } ( النحل : 75 ) فقوله : { لا يقدر على ~~شىء } ينفي كونه مستقلا بالنكاح ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام : ~~( أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر ) فثبت بما ذكرناه أن / هذه الآية ~~لا يندرج فيها العبد . # إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : ذهب أكثر الفقهاء إلى أن نكاح الأربع مشروع ~~للأحرار دون PageV09P141 العبيد ، وقال مالك : يحل للعبد أن يتزوج بالأربع ~~وتمسك بظاهر هذه الآية . # والجواب الذي يعتمد عليه : أن الشافعي احتج على أن هذه الآية مختصة ~~بالأحرار بوجهين آخرين سوى ما ذكرناه : الأول : أنه تعالى قال بعد هذه ~~الآية : { فإن خفتم * أن لا * تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم } وهذا لا ~~يكون إلا للأحرار ، والثاني : أنه تعالى قال : { فإن طبن لكم عن شىء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا } ( النساء : 4 ) والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس ~~امرأته من المهر ، بل يكون لسيده قال مالك : إذا ورد عمومان مستقلان ، ~~فدخول التقييد في الأخير لا يوجب دخوله في السابق . # أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن هذه الخطابات في هذه الآيات وردت متوالية ~~على نسق واحد فلما عرف في بعضها اختصاصها بالأحرار عرف أن الكل كذلك ، ومن ~~الفقهاء من علم أن ظاهر هذه الآية متناول للعبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم ~~بالقياس ، قالوا : أجمعنا على أن للرق تأثيرا في نقصان حقوق النكاح ، ~~كالطلاق والعدة ، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما ~~للحر ، والجواب الأول أولى وأقوى والله أعلم . # المسألة السادسة : ذهب قوم سدى إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد ، ~~واحتجوا بالقرآن والخبر ، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه ~~: الأول : أن قوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } إطلاق في جميع ~~الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه ، وحكم الاستثناء إخراج ما ~~لولاه لكان داخلا . والثاني : أن قوله : { مثنى وثلاث ورباع } لا يصلح ~~تخصيصا لذلك العموم ، لأن تخصيص بعض الاعداد بالذكر لا ينفي ثبوت ms2679 الحكم في ~~الباقي ، بل نقول : ان ذكر هذه الأعداد يدل على رفع الحرج والحجر مطلقا ، ~~فان الانسان إذا قال لولده : افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدينة وإلى ~~البستان ، كان تنصيصا في تفويض زمام الخيرة اليه مطلقا ، ورفع الحجر والحرج ~~عنه مطلقا ، ولا يكون ذلك تخصيصا للاذن بتلك الأشياء المذكورة ، بل كان ~~إذنا في المذكور وغيره فكذا ههنا ، وأيضا فذكر جميع الأعداد متعذر / فاذا ~~ذكر بعض الأعداد بعد قوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } كان ذلك ~~تنبيها على حصول الاذن في جميع الأعداد . والثالث : أن الواو للجمع المطلق ~~فقوله : { مثنى وثلاث ورباع } يفيد حل هذا المجموع ، وهو يفيد تسعة ، بل ~~الحق أنه يفيد ثمانية عشر ، لان قوله : مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط ، بل ~~عن اثنين اثنين وكذا القول في البقية . وأما الخبر فمن وجهين : الأول : أنه ~~ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن / تسع ، ثم ان الله تعالى ~~أمرنا باتباعه فقال : { فاتبعوه } وأقل مراتب الأمر الاباحة . الثاني : أن ~~سنة الرجل طريقته ، وكان التزوج بالأكثر من الأربع طريقة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام ، فكان ذلك سنة له ، ثم انه عليه السلام قال : ( فمن رغب عن ~~سنتي فليس مني ) فظاهر هذا الحديث يقتضي توجه اللوم على من ترك التزوج ~~بأكثر من الأربعة ، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز . # واعلم أن معتمد الفقهاء في إثبات الحصر على أمرين : الأول : الخبر ، وهو ~~ما روي ان غيلان أسلم وتحته عشر نسوة ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ~~أمسك أربعا وفارق باقيهن ، وروي ان نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة ~~فقال عليه السلام : ( أمسك أربعا وفارق واحدة ) . # واعلم أن هذا الطريق ضعيف لوجهين : الأول : أن القرآن لما دل على عدم ~~الحصر بهذا الخبر كان PageV09P142 ذلك نسخا للقرآن بخبر الواحد وإنه غير ~~جائز . والثاني : وهو أن الخبر واقعة حال ، فلعله عليه الصلاة والسلام إنما ~~أمره بامساك أربع ومفارقة البواقي لأن الجمع بين الأربعة وبين البواقي غير ~~جائز ، إما بسبب النسب ، أو ms2680 بسبب الرضاع ، وبالجملة فلهذا الاحتمال قائم في ~~هذا الخبر فلا يمكن نسخ القرآن بمثله . # الطريق الثاني : وهو إجماع فقهاء الامصار على أنه لا يجوز الزيادة على ~~الأربع وهذا هو المعتمد ، وفيه سؤالان : الأول : أن الاجماع لا ينسخ ولا ~~ينسخ ، فكيف يقال : الاجماع نسخ هذه الآية . الثاني : أن في الأمة أقواما ~~شذاذا لا يقولون بحرمة الزيادة على الأربع ، والاجماع مع مخالفة الواحد ~~والاثنين لا ينعقد . # والجواب عن الأول : الاجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ، وعن الثاني ، أن مخالف هذا الاجماع من أهل البدعة فلا عبرة ~~بمخالفته . # فان قيل : فاذا كان الأمر على ما قلتم فكان الأولى على هذا التقدير أن ~~يقال : مثنى أو ثلاث أو رباع ، فلم جاء بواو العطف دون ( أو ) ؟ # قلنا : لو جاء بكلمة ( أو ) لكان ذلك يقتضي أنه لا يجوز ذلك الا على أحد ~~هذه الأقسام ، وأنه لا يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام ، بمعنى أن ~~بعضهم يأتي بالتثنية ، والبعض الآخر بالتثليث والفريق الثالث بالتربيع ، ~~فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسما من هذه ~~الأقسام ، ونظيره أن يقول الرجل للجماعة : اقتسموا هذا المال وهو ألف ، ~~درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة ، والمراد أنه يجوز لبعضهم أن ~~يأخذ درهمين درهمين ، ولبعض / آخرين أن يأخذوا ثلاثة ثلاثة ، ولطائفة ثالثة ~~أن يأخذوا أربعة أربعة ، فكذا ههنا الفائدة في ترك ( أو ) وذكر الواو ما ~~ذكرناه والله أعلم . # المسألة السابعة : قوله : { مثنى وثلاث ورباع } محله النصب على الحال مما ~~طاب ، تقديره : فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ، ثنتين ثنتين ، ~~وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا . # قوله تعالى : { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم } . # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المعنى : فان خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد كما ~~خفتم ترك العدل فيما فوقها ، فاكتفوا بزوجة واحدة أو بالمملوكة ، سوى في ~~السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الاماء من غير حصر / ولعمري إنهن ~~أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر ، لا عليك ms2681 أكثرت منهم أم أقللت ، عدلت بينهن ~~في القسم أم لم تعدل ، عزلت عنهن أم لم تعزل . # المسألة الثانية : قرىء { فواحدة } بنصب التاء والمعنى : فالتزموا أو ~~فاختاروا واحدة وذروا الجمع رأسا ، فان الأمر كله يدور مع العدل ، فأينما ~~وجدتم العدل فعليكم به ، وقرىء { فواحدة } بالرفع والتقدير : فكفت واحدة ، ~~أو فحسبكم واحدة أو ما ملكت أيمانكم . # المسألة الثالثة : للشافعي رحمة الله أن يحتج بهذه الآية في بيان ~~الاشتغال بنوافل العبادات PageV09P143 أفضل من النكاح ، وذلك لأن الله ~~تعالى خير في هذه الآية بين التزوج بالواحدة وبين التسري ، والتخيير بين ~~الشيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة ، كما اذا قال الطبيب : ~~كل التفاح أو الرمان ، فان ذلك يشعر بكون كل واحد منهما قائما مقام الآخر ~~في تمام الغرض ، وكما أن الآية دلت على هذه التسوية ، فكذلك العقل يدل ~~عليها ، لأن المقصود هو السكن والازدواج وتحصين الدين ومصالح البيت ، وكل ~~ذلك حاصل بالطريقين ، وأيضا إن فرضنا الكلام فيما اذا كانت المرأة مملوكة ~~ثم أعتقها وتزوج بها ، فههنا يظهر جدا حصول الاستواء بين التزوج وبين ~~التسري ، واذا ثبت بهذه الآية ان التزوج والتسري متساويان . فنقول : أجمعنا ~~على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري فوجب أن يكون أفضل من النكاح ؛ ~~لان الزائد على أحد المتساويين يكون زائد على المساوي الثاني لا محالة . # ثم قال تعالى : { ذلك أدنى أن * لا * تعولوا } وفيه مسألتان . # المسألة الأولى : المراد من الادنى ههنا الاقرب ، والتقدير : ذلك أقرب من ~~أن لا تعولوا وحسن حذف ( من ) لدلالة الكلام عليه . # المسألة الثانية : في تفسير { أن لا * تعولوا } وجوه : الأول : معناه : ~~لا تجوروا ولا تميلوا ، / وهذا هو المختار عند أكثر المفسرين ، وروي ذلك ~~مرفوعا ، روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { ~~ذالك أدنى ألا تعولوا } قال : ( لا تجوروا ) وفي رواية أخرى ( أن لا تميلوا ~~) قال الواحدي رحمه الله : كلا اللفظين مروي ، وأصل العول الميل يقال : عال ~~الميزان عولا ، اذا مال ، وعال الحاكم في حكمه اذا جار ، لانه اذا جار فقد ms2682 ~~مال . وأنشدوا لأبي طالب . # بميزان قسط لا يغل شعيرة ووزان صدق وزنه غير عائل # وروي أن أعرابيا حكم عليه حاكم ، فقال له : أتعول علي ، ويقال : عالت ~~الفريضة اذا زادت سهامها ، وقد أعلتها أنا اذا ازدت في سهامها ، ومعلوم ~~أنها اذا زادت سهامها فقد مالت عن الاعتدال فدلت هذه الاشتقاقات على أن أصل ~~هذا اللفظ الميل ، ثم اختص بحسب العرف بالميل إلى الجور والظلم . فهذا هو ~~الكلام في تقرير هذا الوجه الذي ذهب اليه الأكثرون . # الوجه الثاني : قال بعضهم : المراد أن لا تفتقروا ، يقال : رجل عائل أي ~~فقير ، وذلك لأنه اذا قل عياله قلت نفقاته ، واذا قلت نفقاته لم يفتقر . # الوجه الثالث : نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : ( ذلك أدنى أن لا ~~تعولوا } معناه : ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم ، قال أبو بكر الرازي في ~~أحكام القرآن : وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه لا خلاف ~~بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية : أن معناه : أن لا تميلوا ولا ~~تجوروا ، وثانيها : أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل : ذلك أدنى أن لا تعيلوا ~~لكان ذلك مستقيما ، فأما تفسير { * } معناه : ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم ، ~~قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه ~~: أحدها : أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية : أن معناه : ~~أن لا تميلوا ولا تجوروا ، وثانيها : أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل : ذلك ~~أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيما / فأما تفسير { تعولوا } بتعيلوا فانه ~~خطأ في اللغة ، وثالثها : أنه تعالى ذكر الزوجة الواحدة أو ملك اليمين ~~والاماء في العيال بمنزلة النساء ، ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء ~~بملك اليمين ، فعلمنا أنه ليس المراد كثرة العيال . وزاد صاحب النظم في ~~الطعن وجها رابعا ، وهو أنه تعالى قال في أول الآية : { فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة } ولم يقل أن تفتقروا ، PageV09P144 فوجب أن يكون الجواب ~~معطوفا على هذا ms2683 الشرط ، ولا يكون جوابه إلا بضد العدل ، وذلك هو الجور لا ~~كثرة العيال . وأنا أقول : # أما السؤال الأول : فهو في غاية الركاكة وذلك أنه لم ينقل عن الشافعي ~~رحمة الله عليه أنه طعن في قول المفسرين أن معنى الآية : أن لا تجوروا ولا ~~تميلوا ، ولكنه ذكر فيه وجها آخر ، وقد ثبت في أصول الفقه أن المتقدمين اذا ~~ذكروا وجها في تفسير الآية فذلك لا يمنع المتأخرين من استخراج وجه آخر في ~~تفسيرها ، ولولا جواز ذلك وإلا لصارت الدقائق التي استنبطها المتأخرون في ~~تفسير كلام الله مردودة باطلة ، ومعلوم أن ذلك لا يقوله إلا مقلد خلف ، ~~وأيضا : فمن الذي / أخبر الرازي أن هذا الوجه الذي ذكره الشافعي لم يذكره ~~واحد من الصحابة والتابعين ، وكيف لا نقول ذلك ، ومن المشهور أن طاوسا كان ~~يقرأ : ذلك أدنى أن لا تعيلوا ، واذا ثبت أن المتقدمين كانوا قد جعلوا هذا ~~الوجه قراءة ، فبأن يجعلوه تفسيرا كان أولى ، فثبت بهذه الوجوه شدة جهل ~~الرازي في هذا الطعن . # وأما السؤال الثاني : فنقول : انك نقلت هذه اللفظة في اللغة عن المبرد ، ~~لكنك بجهلك وحرصك على الطعن في رؤساء المجتهدين والاعلام ، وشدة بلادتك ، ~~ما عرفت ان هذا الطعن الذي ذكره المبرد فاسد ، وبيان فساده من وجوه : الأول ~~: أنه يقال : عالت المسألة اذا زادت سهامها وكثرة ، وهذا المعنى قريب من ~~الميل لانه اذا مال فقد كثرت جهات الرغبة وموجبات الارادة واذا كان كذلك ~~كان معنى الآية : ذلك أدنى أن لا تكثروا ، واذا لم تكثروا لم يقع الانسان ~~في الجور والظلم لان مطية الجور والظلم هي الكثرة والمخالطة ، وبهذا الطريق ~~يرجع هذا التفسير إلى قريب من التفسير الأول الذي اختاره الجمهور . # الوجه الثاني : ان الانسان اذا قال : فلان طويل النجاد كثير الرماد ، ~~فاذا قيل له ما معناه ؟ حسن أن يقال : معناه أنه طويل القامة كثير الضيافة ~~، وليس المراد منه أن تفسير طويل النجاد هو أنه طويل القامة ، بل المراد أن ~~المقصود من ذلك الكلام هو هذا المعنى . وهذا الكلام تسميه علماء ms2684 البيان ~~التعبير عن الشيء بالكناية والتعريض ، وحاصله يرجع إلى حرف واحد وهو ~~الاشارة إلى الشيء بذكر لوازمه ، فههنا كثرة العيال مستلزمة للميل والجور ، ~~والشافعي رضي الله عنه جعل كثرة العيال كناية عن الميل والجور ، لما أن ~~كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور ، فجعل هذا تفسيرا له لا على سبيل ~~الكناية والاستلزام ، وهذه طريقة مشهورة في كتاب الله ، والشافعي لما كان ~~محيطا بوجوه أساليب المطابقة ، بل على سبيل الكلام العربي استحسن ذكر هذا ~~الكلام ، فأما أبو بكر الرازي لما كان بليد الطبع بعيدا عن أساليب كلام ~~العرب ، لا جرم لم يعرف الوجه الحسن فيه . # الوجه الثالث : ما ذكره صاحب ( الكشاف ) وهو أن هذا التفسير مأخوذ من ~~قولك : عال الرجل عياله يعولهم . كقولهم : مانهم يمونهم اذا أنفق عليهم ، ~~لان من كثر عياله لزمه أن يعولهم ، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود ~~الورع وكسب الحلال والرزق الطيب ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي ذكره إمام ~~المسلمين الشافعي رضي الله عنه في غاية الحسن ، وأن الطعن لا يصدر الا عن ~~كثرة الغباوة وقلة المعرفة . # وأما السؤال الثالث : وهو قوله : إن كثرة العيال لا تختلف بأن تكون ~~المرأة زوجة أو / مملوكة فجوابه من وجهين : الأول : ما ذكره القفال رضي ~~الله عنه ، وهو أن الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب ، وإذا ~~PageV09P145 اكتسبن أنفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضا ، وحينئذ تقل العيال ~~أما اذا كانت المرأة حرة لم يكن الامر كذلك فظهر الفرق . الثاني : ان ~~المرأة اذا كانت مملوكة فاذا عجز المولى عن الانفاق عليها باعها وتخلص منها ~~، أما اذا كانت حرة فلا بد له من الانفاق عليها ، والعرف يدل على أن الزوج ~~ما دام يمسك الزوجة فانها لا تطالبه بالمهر ، فاذا حاول طلاقها طالبته ~~بالمهر فيقع الزوج في المحنة . # وأما السؤال الرابع : وهو الذي ذكره الجرجاني صاحب النظم ، فالجواب عنه ~~من وجهين : الأول : ما ذكره القاضي وهو أن الوجه الذي ذكره الشافعي أرجح ، ~~لانه لو حمل على الجور لكان تكرارا لانه فهم ذلك ms2685 من قوله : { وإن خفتم ألا ~~تقسطوا } أما اذا حملناه على ما ذكره الشافعي لم يلزم التكرار فكان أولى . ~~الثاني : أن نقول : هب أن الامر كما ذكرتم لكنا بينا أن التفسير الذي ذكره ~~الشافعي راجع عند التحقيق إلى ذكر التفسير الأول ، لكن على سبيل الكناية ~~والتعريض ، واذا كان الامر كذلك فقد زال هذا السؤال ، فهذا تمام البحث في ~~هذا الموضع وبالله التوفيق . # ! 7 < { وءاتوا النسآء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 4 ) وآتوا النساء صدقاتهن . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وءاتوا النساء } خطاب لمن ؟ فيه قولان : ~~أحدهما : ان هذا خطاب لأولياء النساء ، وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا ~~تعطي النساء من مهورهن شيئا ، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت : هنيئا ~~لك النافجة ، ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي ~~تعظمه ، وقال ابن الاعرابي : النافجة يأخذه الرجل من الحلوان اذا زوج ابنته ~~، فنهى الله تعالى عن ذلك ، وأمر بدفع الحق إلى أهله ، وهذا قول الكلبي ~~وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة . # القول الثاني : ان الخطاب للأزواج . أمروا بايتاء النساء مهورهن ، وهذا ~~قول : علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج ، قال لأنه لا ذكر للأولياء ~~ههنا ، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج . # المسألة الثانية : قال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون المراد من ~~الايتاء المناولة ، ويحتمل أن يكون المراد الالتزام ، قال تعالى : { حتى ~~يعطوا الجزية عن يد } ( التوبة : 29 ) والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها ، ~~فعلى هذا الوجه الأول كأن المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن ~~، وعلى التقدير الثاني : / كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم ~~سواء سمي ذلك أو لم يسم ، إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~الموهوبة ، ثم قال رحمه الله : ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا ~~والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : { صدقاتهن } مهورهن ، وفي حديث ~~شريح : قضى ابن عباس لها بالصدقة وقرأ { صدقاتهن } بفتح الصاد وسكون ms2686 الدال ~~على تخفيف صدقاتهن و { صدقاتهن } بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة ، وقرىء { ~~صدقاتهن } بضم الصاد والدل على التوحيد وهو مثقل صدقة كقوله في ظلمة : ظلمة ~~، قال الواحدي : موضوع صدق على هذا الترتيب للكمال والصحة ، فسمي المهر ~~صداقا وصدقة لأن عقد النكاح به يتم ويكمل . PageV09P146 # المسألة الرابعة : في تفسير النحلة وجوه : الأول : قال ابن عباس وقتادة ~~وابن جريج وابن زيد : فريضة ، وإنما فسروا النحلة بالفريضة ، لأن النحلة في ~~اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب ، يقال : فلان ينتحل كذا إذا ~~كان يتدين به ، ونحلته كذا أي دينه ومذهبه ، فقوله : { أتوا * النساء ~~صدقاتهن نحلة } أي آتوهن مهورهن ، فانها نحلة أي شريعة ودين ومذهب وما هو ~~دين ومذهب فهو فريضة . الثاني : قال الكلبي : نحلة أي عطية وهبة ، يقال : ~~نحلت فلانا شيئا أنحله نحلة ونحلا ، قال القفال : وأصله إضافة الشيء إلى ~~غير من هوله ، يقال : هذا شعر منحول ، أي مضاف إلى غير قائله ، وانتحلت كذا ~~إذا ادعيته وأضفته إلى نفسك ، وعلى هذا القول فالمهر عطية ممن ؟ فيه ~~احتمالان : أحدهما : أنه عطية من الزوج ، وذلك لأن الزوج لا يملك بدله شيئا ~~لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله ، فالزوج أعطاها المهر ولم ~~يأخذ منها عوضا يملكه ، فكان في معنى النحلة التي ليس بازائها بدل ، وإنما ~~الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك ، وقال آخرون إن ~~الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركا بين الزوجين ، ~~ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر فكان ذلك عطية من الله ابتداء . # والقول الثالث : في تفسير النحلة قال أبو عبيدة : معنى قوله { نحلة } أي ~~عن طيب نفس ، وذلك لأن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض ، كما ينحل ~~الرجل لولده شيئا من ماله / وما أعطى من غير طلب عوض لا يكون إلا عن طيب ~~النفس ، فأمر الله باعطاء مهور النساء من غير مطالبة منهن ولا مخاصمة ، لأن ~~ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة . # المسألة الخامسة : إن حملنا النحلة على الديانة ms2687 ففي انتصابها وجهان : ~~أحدهما : أن يكون مفعولا له ، والمعنى آتوهن مهورهن ديانة . والثاني : أن ~~يكون حالا من الصدقات أي دينا من الله شرعه وفرضه ، وأما إن حملنا النحلة ~~على العطية ففي انتصابها أيضا وجهان : أحدهما : أنه نصب / على المصدر ، ~~وذلك لأن النحلة والايتاء بمعنى الاعطاء ، فكأنه قيل : وانحلوا النساء ~~صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم . والثاني : أنها نصب على ~~الحال ، ثم فيه وجهان : أحدهما : على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ~~ناحلين طيبي النفوس بالاعطاء . والثاني : على الحال من الصدقات ، أي منحولة ~~معطاة عن طيبة الأنفس . # المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : الخلوة الصحيحة تقرر ~~المهر ، وقال الشافعي رضي الله عنه : لا تقرره احتج أبو حنيفة على صحة قوله ~~بهذه الآية ، وذلك لأن هذا النص يقتضي إيجاب إيتاء المهر بالكلية مطلقا ، ~~ترك العمل به فيما إذا لم يحصل المسيس ولا الخلوة ، فعند حصولهما وجب ~~البقاء على مقتضى الآية . # أجاب أصحابنا بأن هذه عامة وقوله تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } ( البقرة : 237 ) يدل على أنه ~~لا يجب فيها إلا نصف المهر ، وهذه الآية خاصة ولا شك أن الخاص مقدم على ~~العام . # قوله تعالى : { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } . ~~PageV09P147 # اعلم أنه تعالى لما أمرهم بايتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها ~~وهبتها له ، لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه ، وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : نفسا : نصب على التمييز والمعنى : طابت أنفسهن لكم عن ~~شيء من الصداق بنقل الفعل من الأنفس إليهن ، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا : ~~أنت حسن وجها ، والفعل في الأصل للوجه ، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه ~~مفسرا لموقع الفعل ، ومثله : قررت به عينا وضقت به ذرعا . # المسألة الثانية : إنما وحد النفس لأن المراد به بيان موقع الفعل ، وذلك ~~يحصل بالواحد ومثله عشرون درهما . قال الفراء : لو جمعت كان صوابا كقوله : ~~{ الاخسرين * أعمالا } ( الكهف : 103 ) . # المسألة الثالثة ms2688 : من : في قوله : { منه } ليس للتبعيض ، بل للتبيين ~~والمعنى عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر كقوله : { فاجتنبوا الرجس من ~~الاوثان } ( الحج : 30 ) وذلك أن المرأة لو طابت نفسها عن جميع المهر حل ~~للزوج أن يأخذه بالكلية . # المسألة الرابعة : منه : أي من الصدقات أو من ذلك وهو كقوله تعالى : { قل ~~أؤنبئكم بخير من ذالكم } ( آل عمران : 15 ) بعد ذكر الشهوات . وروي أنه لما ~~قال رؤبة : # فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع البهق # فقيل له : الضمير في قوله ( كأنه ) ان عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول : ~~كأنها ، وان عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول : كأنهما ، فقال : أردت ~~كأن ذاك ، وفيه وجه آخر وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت : وآتوا ~~النساء صداقهن لكان المقصود حاصلا ، وفيه وجه ثالث : وهو أن الفائدة في ~~تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق ، والغرض منه ترغيبها في أن لا ~~تهب إلا بعض الصداق . # المسألة الخامسة : معنى الآية : فان وهبن لكم شيئا من الصداق عن طيبة ~~النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن ، أو سوء معاشرتكم معهن ~~، فكلوه وأنفقوه ، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب / ووجوب ~~الاحتياط ، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال : { فإن طبن } ولم يقل : فان ~~وهبن أو سمحن ، إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة . # المسألة السادسة : الهنيء والمريء : صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ ، إذا كان ~~سائغا لا تنغيص فيه ، وقيل : الهنىء ما يستلذه الآكل ، والمريء ما يحمد ~~عاقبته ، وقيل : ما ينساغ في مجراه ، وقيل : لمدخل الطعام من الحلقوم إلى ~~فم المعدة : المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه . وحكى الواحدي عن بعضهم ~~أن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران ، فالهنيء شفاء من ~~الجرب ، قال المفسرون : المعنى انهن إذا وهبن مهورهن من أزواجهن عن طيبة ~~النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ~~وبالجملة فهو عبارة عن ms2689 التحليل ، والمبالغة في الاباحة وإزالة التبعة . # المسألة السابعة : قوله : { هنيئا مريئا } وصف للمصدر ، أي أكلا هنيئا ~~مريئا ، أو حال من الضمير أي كلوهو وهو هنيء مريء ، وقد يوقف على قوله : { ~~فكلوه } ثم يبتدأ بقوله : { هنيئا مريئا } على الدعاء وعلى أنهما صفتان ~~أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل : هنأ مرأ . PageV09P148 # المسألة الثامنة : دلت هذه الآية على أمور : منها : ان المهر لها ولا حق ~~للولي فيه ، ومنها جواز هبتها المهر للزوج ، وجواز أن يأخذه الزوج ، لأن ~~قوله : { فكلوه هنيئا مريئا } يدل على المعنيين ، ومنها جواز هبتها المهر ~~قبل القبض ، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين . # وههنا بحث وهو أن قوله : { فكلوه هنيئا مريئا } يتناول ما إذ كان المهر ~~عينا ، أما إذا كان دينا / فالآية غير متناولة له ، فانه لا يقال لما في ~~الذمة : كله هنيئا مريئا . # قلنا : المراد بقوله : { فكلوه هنيئا مريئا } ليس نفس الأكل ، بل المراد ~~منه حل التصرفات ، وإنما خص الأكل بالذكر لأن معظم المقصود من المال إنما ~~هو الأكل ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( ~~النساء : 10 ) وقال : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } . # المسألة التاسعة : قال بعض العلماء : ان وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها ~~لم تطب عنه نفسا ، وعن الشعبي : أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية ~~أعطتها إياه وهي تطلب الرجوع فقال شريح : رد عليها ، فقال الرجل أليس قد ~~قال الله تعالى : { فإن طبن لكم عن شىء } فقال : لو طابت نفسها عنه لما ~~رجعت فيه . وروي عنه أيضا : أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن ، وحكي ~~أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه ، فلبث ~~شهرا ثم طلقها ، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان ، فقال الرجل : أعطتني ~~طيبة به نفسها ، فقال عبد الملك : فان الآية التي بعدها { فلا تأخذوا منه ~~شيئا } اردد عليها . وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى ~~قضاته : ان النساء يعطين رغبة ورهبة ، فايما امرأة أعطته ثم أرادت أن ms2690 ترجع ~~فذلك لها والله أعلم . # ! 7 < { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التى جعل الله لكم قياما وارزقوهم ~~فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 5 ) ولا تؤتوا السفهاء . . . . . # > > واعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذه السورة . # واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو كأنه تعالى يقول : إني وإن كنت ~~أمرتكم بايتاء اليتامى أموالهم وبدفع صدقات النساء اليهن ، فانما قلت ذلك ~~إذا كانوا عاقلين بالغين متمكنين من حفظ أموالهم ، فأما إذا كانوا غير ~~بالغين ، أو غير عقلاء ، أو ان كانوا بالغين عقلاء إلا أنهم كانوا سفهاء ~~مسرفين ، فلا تدفعوا اليهم أموالهم وأمسكوها لأجلهم إلى أن يزول عنهم السفه ~~، والمقصود من كل ذلك الاحتياط في حفظ أموال الضعفاء والعاجزين . # وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : أنها خطاب الأولياء فكأنه ~~تعالى قال : أيها الأولياء لا تؤتوا PageV09P149 الذين يكونون تحت ولايتكم ~~وكانوا سفهاء أموالهم . والدليل على أنه خطاب الأولياء قوله : { وارزقوهم ~~فيها واكسوهم } وأيضا فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه ~~. # فان قيل : فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال : ولا تؤتوا السفهاء أموالهم ، ~~فلم قال أموالكم ؟ # قلنا : في الجواب وجهان : الأول : أنه تعالى أضاف المال اليهم لا لأنهم ~~ملكوه ، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه ، ويكفي في حسن الاضافة أدنى سبب ، ~~الثاني : إنما حسنت هذه الاضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص ، ~~ونظيره قوله تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) وقوله ~~: { وما ملكت أيمانكم } ( النساء : 36 ) وقوله : { فاقتلوا أنفسكم } وقوله ~~: { ثم أنتم هاؤلاء تقتلون أنفسكم } ( البقرة : 85 ) ومعلوم أن الرجل منهم ~~ما كان يقتل نفسه ، ولكن كان بعضهم يقتل بعضا ، وكان الكل من نوع واحد ، ~~فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الانسان ويحتاج اليه . فلأجل هذه الوحدة ~~النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم . # والقول الثاني : أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى اذا كان ~~أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها ~~اليهم ms2691 ، لما كان في ذلك من الافساد ، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال ~~اليهم حقيقة ، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال ~~والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك ، وذلك يدل على أنه ليس له أن يأكل جميع ~~أمواله ويهلكها ، واذا قرب أجله فانه يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظ ~~ذلك المال على ورثته ، وقد ذكرنا أن القول الأول أرجح لوجهين ، ومما يدل ~~على هذا الترجيح أن ظاهر النهي للتحريم ، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم ~~عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله ، وأجمعوا على ~~أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم ، واذا كان كذلك وجب حمل ~~الآية على القول الأول لا على هذا القول الثاني والله أعلم . الثاني : أنه ~~قال في آخر الآية : { وقولوا لهم قولا معروفا } ولا شك أن هذه الوصية ~~بالأيتام أشبه ، لان المرء مشفق بطبعه على ولده ، فلا يقول له إلا المعروف ~~، وإنما يحتاج إلى هذه الوصية مع الأيتام الأجانب ، ولا يمتنع أيضا حمل ~~الآية على كلا الوجهين . قال القاضي : هذا بعيد لأنه يقتضي حمل قوله : { ~~أموالكم } على الحقيقة والمجاز جميعا ، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله : { ~~أموالكم } يفيد كون تلك الأموال مختصة بهم اختصاصا يمكنه التصرف فيها ، ثم ~~إن هذا الاختصاص حاصل في المال الذي يكون مملوكا له / وفي المال الذي يكون ~~مملوكا للصبي ، إلا أنه يجب تصرفه ، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من ~~المفهوم المستفاد من قوله : / { أموالكم } واذا كان كذلك لم يبعد حمل اللفظ ~~عليهما من حيث أن اللفظ أفاد معنى واحدا مشتركا بينهما . # المسألة الثانية : ذكروا في المراد بالسفهاء أوجها : الأول : قال مجاهد ~~وجويبر عن الضحاك السفهاء ههنا النساء سواء كن أزواجا أو أمهات أو بنات . ~~وهذا مذهب ابن عمر ، ويدل على هذا ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( ألا انما خلقت النار للسفهاء يقولها ثلاثا ألا وإن السفهاء ~~النساء الا امرأة أطاعت قيمها ms2692 ) . # فان قيل : لو كان المراد بالسفهاء النساء لقال : السفائه . أو السفيهات ~~في جمع السفيهة نحو غرائب وغريبات في جمع الغريبة . PageV09P150 # أجاب الزجاج : بأن السفهاء في جمع السفيهة جائز كما أن الفقراء في جمع ~~الفقيرة جائز . # والقول الثاني : قال الزهري وابن زيد : عني بالسفهاء ههنا السفهاء من ~~الأولاد ، يقول : لا تعط مالك الذي هو قيامك ، ولدك السفيه فيفسده . # القول الثالث : المراد بالسفهاء هم النساء والصبيان في قول ابن عباس ~~والحسن وقتادة وسعيد ابن جبير ، قالوا اذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة ~~، وان ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله فيفسده . # والقول الرابع : أن المراد بالسفهاء كل من لم يكن له عقل يفي بحفظ المال ~~، ويدخل فيه النساء والصبيان والايتام كل من كان موصوفا بهذه الصفة ، وهذا ~~القول أولى لان التخصيص بغير دليل لا يجوز ، وقد ذكرنا في سورة البقرة أن ~~السفه خفة العقل ، ولذلك سمي الفاسق سفيها لانه لا وزن له عند أهل الدين ~~والعلم ، ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله . # المسألة الثالثة : أنه ليس السفه في هؤلاء صفة ذم ، ولا يفيد معنى ~~العصيان لله تعالى ، وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم عن ~~القيام بحفظ الاموال . # المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ ~~الأموال ، قال تعالى : { ولا تبذر تبذيرا * إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين } ( الإسراء : 26 27 ) وقال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } ( الإسراء : 29 ) وقال ~~تعالى : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } ( الفرقان : 67 ) وقد ~~رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والاشهاد والرهن ، ~~والعقل أيضا يؤيد ذلك ، لأن الانسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام ~~بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة ، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال لأن ~~به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ، فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت ~~الدنيا في حقه من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة ms2693 الآخرة ، أما / ~~من أرادها لنفسها ولعينها كانت من أعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { التى جعل الله لكم قياما } معناه أنه ~~لا يحصل قيامكم ولا معاشكم إلا بهذا المال ، فلما كان المال سببا للقيام ~~والاستقلال سماه بالقيام إطلاقا لاسم المسبب على السبب على سبيل المبالغة ، ~~يعني كان هذا المال نفس قيامكم وابتغاء معاشكم ، وقرأ نافع وابن عامر { ~~التى جعل الله لكم * قيما } وقد يقال : هذا قيم وقيم ، كما قال : ( دينا ~~قيما ملة إبراهيم ) وقرأ عبدالله بن عمر ( قواما ) بالواو ، وقوام الشيء ما ~~يقام به كقولك : ملاك الأمر لما يملك به . # المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : البالغ إذا كان مبذرا للمال ~~مفسدا له يحجر عليه وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يحجر عليه . حجة ~~الشافعي : أنه سفيه ، فوجب أن يحجر عليه ، إنما قلنا إنه سفيه ، لأن السفيه ~~في اللغة ، هو من خف وزنه . ولا شك أن من كان مبذرا للمال مفسدا له من غير ~~فائدة ، فانه لا يكون له في القلب وقع عند العقلاء ، فكان خفيف الوزن عندهم ~~، فوجب أن يسمى بالسفيه ، وإذا ثبت هذا لزم اندراجه تحت قوله تعالى : { ولا ~~تؤتوا السفهاء أموالكم } . PageV09P151 # ثم قال تعالى : { وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا } . # واعلم أنه تعالى لما نهى عن إيتاء المال السفيه أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء ~~: أولها : قوله : { وارزقوهم } ومعناه : وأنفقوا عليهم ومعنى الرزق من ~~العباد هو الاجراء الموظف لوقت معلوم يقال : فلان رزق عياله أي أجرى عليهم ~~، وإنما قال : { فيها } ولم يقل : منها لئلا يكون ذلك أمرا بأن يجعلوا بعض ~~أموالهم رزقا لهم ، بل أمرهم أن يجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم بأن يتجروا ~~فيها ويثمروها فيجعلوا أرزاقهم من الأرباح لا من أصول الأموال ، وثانيها : ~~قوله : { واكسوهم } والمراد ظاهر ، وثالثها : قوله : { وقولوا لهم قولا ~~معروفا } . # واعلم انه تعالى إنما أمر بذلك لأن القول الجميل يؤثر في القلب فيزيل ~~السفه ، أما خلاف القول المعروف فانه يزيد السفيه سفها ونقصانا . # والمفسرون ذكروا في تفسير القول المعروف ms2694 وجوها : أحدها : قال ابن جريج ~~ومجاهد : انه العدة الجميلة من البر والصلة ، وقال ابن عباس : هو مثل أن ~~يقول : اذا ربحت في سفرتي هذه فعلت بك ما انت أهله ، وان غنمت في غزاتي ~~أعطيتك ، وثانيها : قال ابن زيد : انه الدعاء مثل أن يقول : عافانا الله ~~وإياك بارك الله فيك ، وبالجملة كل ما سكنت اليه النفوس وأحبته من قول وعمل ~~فهو معروف وكل ما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر ، وثالثها : قال الزجاج ~~: المعنى علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم مما يتعلق بالعلم ~~والعمل ، ورابعها : قال القفال رحمه الله القول المعروف / هو أنه ان كان ~~المولى عليه صبيا ، فالولي يعرفه ان المال ماله وهو خازن له ، وأنه اذا زال ~~صباه فانه يرد المال اليه ، ونظير هذه الآية قوله : { فأما اليتيم فلا تقهر ~~} ( الضحى : 9 ) معناه لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد ، وكذا ~~قوله : { وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا } ~~( الإسراء : 28 ( وان كان المولى عليه سفيها وعظه ونصحه وحثه على الصلاة ، ~~ورغبه في ترك التبذير والاسراف ، وعرفه أن عاقبة التبذير الفقر والاحتياج ~~إلى الخلق إلى ما يشبه هذا النوع من الكلام ، وهذا الوجه أحسن من سائر ~~الوجوه التى حكيناها . # ! 7 < { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا ~~فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم وكفى بالله حسيبا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 6 ) وابتلوا اليتامى حتى . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بدفع مال اليتيم اليه بقوله : { ~~وءاتوا اليتامى أموالهم } ( النساء : 2 ) بين بهذه الآية متى يؤتيهم ~~أموالهم ، فذكر هذه الآية وشرط في دفع أموالهم اليهم شرطين : أحدهما : بلوغ ~~النكاح ، والثاني : إيناس الرشد ، ولا بد من ثبوتهما حتى يجوز دفع مالهم ~~اليهم ، وفي الآية مسائل : PageV09P152 # المسألة الأولى : قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : تصرفات الصبي ~~العاقل المميز باذن الولي صحيحة ، وقال الشافعي رضي الله ms2695 تعالى عنه : غير ~~صحيحة ، احتج أبو حنيفة على قوله بهذه الآية ، وذلك لان قوله : { وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح } يقتضي ان هذا الابتلاء انما يحصل قبل ~~البلوغ ، والمراد من هذا الابتلاء اختبار حاله في أنه هل له تصرف صالح ~~للبيع والشراء ، وهذا الاختبار انما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء ، ~~وإن لم يكن هذا المعنى نفس الاختبار ، فهو داخل في الاختبار بدليل أنه يصح ~~الاستثناء ، يقال : وابتلوا اليتامى إلا في البيع والشراء ، وحكم الاستثناء ~~إخراج ما لولاه / لدخل ، فثبت أن قوله : { وابتلوا اليتامى } أمر للأولياء ~~بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء قبل البلوغ ، وذلك يقتضي صحة تصرفاتهم . # أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قال : ليس المراد بقوله : { وابتلوا ~~اليتامى } الاذن لهم في التصرف حال الصغر بدليل قوله تعالى بعد ذلك : { ~~وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن } فانما أمر بدفع المال اليهم ~~بعد البلوغ وإيناس الرشد ، وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنه لا يجوز دفع المال ~~اليه حال الصغر ، وجب أن لا يجوز تصرفه حال الصغر ، لأنه لا قائل بالفرق ، ~~فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على قول الشافعي ، وأما الذي احتجوا به ، ~~فجوابه : أن المراد من الابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله ، في أنه هل له ~~فهم وعقل وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد ، وذلك إذا باع الولي واشترى ~~بحضور الصبي ، ثم يستكشف من الصبي أحوال ذلك البيع والشراء وما فيهما من ~~المصالح والمفاسد ولا شك أن بهذا القدر يحصل الاختبار والابتلاء ، وأيضا : ~~هب أنا سلمنا أنه يدفع اليه شيئا ليبيع أو يشتري ، فلم قلت إن هذا القدر ~~يدل على صحة ذلك البيع والشراء ، بل إذا باع واشترى وحصل به اختبار عقله ، ~~فالولي بعد ذلك يتمم البيع وذلك الشراء ، وهذا محتمل والله أعلم . # المسألة الثانية : المراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله : ~~{ وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم } ( النور : 59 ) وهو في قول عامة الفقهاء ~~عبارة عن البلوغ مبلغ الرجال الذي عنده يجري على صاحبه القلم ويلزمه الحدود ms2696 ~~والأحكام ، وإنما سمي الاحتلام بلوغ النكاح لأنه إنزال الماء الدافق الذي ~~يكون في الجماع . # واعلم أن للبلوغ علامات خمسة : منها ثلاثة مشتركة بين الذكور والاناث ، ~~وهو الاحتلام والسن المخصوص ، ونبات الشعر الخشن على العانة ، واثنان منها ~~مختصان بالنساء ، وهما : الحيض والحبل . # المسألة الثالثة : أما إيناس الرشد فلا بد فيه من تفسير الايناس ومن ~~تفسير الرشد ، أما الايناس فقوله : { ءانستم } أي عرفتم وقيل : رأيتم ، ~~وأصل الايناس في اللغة الابصار ، ومنه قوله : { من جانب الطور نارا قال } ( ~~القصص : 29 ) وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا تعلق له ~~بصلاح ماله ، بل لا بد وأن يكون هذا مرادا ، وهو أن يعلم أنه مصلح لما له ~~حتى لا يقع منه إسراف ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته ، ثم اختلفوا في ~~أنه هل يضم إليه الصلاح في الدين ؟ فعند الشافعي رضي الله عنه لا بد منه ، ~~وعند أبي حنيفة رضي الله عنه هو غير معتبر ، والأول أولى ، ويدل عليه وجوه ~~: أحدها : أن أهل اللغة قالوا : الرشد هو إصابة الخير ، والمفسد في دينه لا ~~يكون مصيبا للخير . وثانيها : أن الرشد نقيض / الغي قال تعالى : { قد تبين ~~الرشد من الغي } ( البقرة : 256 ) والغي هو الضلال والفساد وقال تعالى : { ~~وعصى * ءادم * ربه فغوى } ( طه : 121 ) فجعل العاصي غويا ، وهذا يدل على أن ~~الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين ، وثالثها : أنه تعالى قال : { وما ~~أمر PageV09P153 فرعون برشيد } ( هود : 97 ) نفي الرشد عنه لأنه ما كان ~~يراعي مصالح الدين والله أعلم . # إذا عرفت هذا فنقول : فائدة هذا الاختلاف أن الشافعي رحمه الله يرى الحجر ~~على الفاسق ، وأبو حنيفة رضي الله عنه لا يراه . # المسألة الرابعة : اتفقوا على أنه إذا بلغ غير رشيد فانه لا يدفع اليه ~~ماله ، ثم عند أبي حنيفة لا يدفع اليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة ، ~~فاذا بلغ ذلك دفع اليه ماله على كل حال ، وإنما اعتبر هذا السن لأن مدة ~~بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة ، فاذا زاد عليه ms2697 سبع سنين وهي مدة ~~معتبر في تغير أحوال الانسان لقوله عليه الصلاة والسلام : ( مروهم بالصلاة ~~لسبع ) فعند ذلك تمت المدة التي يمكن فيها حصول تغير الأحوال ، فعندها يدفع ~~اليه ماله ، أونس منه الرشد أو لم يؤنس وقال الشافعي رضي الله عنه : لا ~~يدفع إليه أبدا إلا بايناس الرشد ، وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله . # احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقال : لا شك أن اسم الرشد ~~واقع على العقل في الجملة ، والله تعالى شرط رشدا منكرا ولم يشترط سائر ~~ضروب الرشد ، فاقتضى ظاهر الآية أنه لما حصل العقل فقد حصل ما هو الشرط ~~المذكور في هذه الآية ، فيلزم جواز دفع المال اليه ترك العمل به فيما دون ~~خمس وعشرين سنة ، فوجب العمل بمقتضى الآية فيما زاد على خمس وعشرين سنة ~~ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى قال : { وابتلوا اليتامى } ولا شك أن المراد ~~ابتلاؤهم فيما يتعلق بمصالح حفظ المال ، ثم قال : { وابتلوا اليتامى حتى ~~إذا بلغوا } ويجب أن يكون المراد : فان آنستم منهم رشدا في حفظ المال وضبط ~~مصالحه ، فانه ان لم يكن المراد ذلك تفكك النظم ولم يبق للبعض تعلق بالبعض ~~، وإذا ثبت هذا علمنا أن الشرط المعتبر في الآية هو حصول الرشد في رعاية ~~مصالح المال ، وعند هذا سقط استدلال أبي بكر الرازي ، بل تنقلب هذه الآية ~~دليلا عليه لأنه جعل رعاية مصالح المال شرطا في جواز دفع المال اليه ، فاذا ~~كان هذا الشرط مفقودا بعد خمس وعشرين سنة ، وجب أن لا يجوز دفع المال اليه ~~، والقياس الجلي أيضا يقوي الاستدلال بهذا النص ، لأن الصبي إنما منع منه ~~المال لفقدان العقل الهادي إلى كيفية حفظ المال وكيفية الانتفاع به ، فاذا ~~كان هذا المعنى حاصلا في الشباب والشيخ كان في حكم الصبي ، فثبت أنه لا وجه ~~لقول من يقول : انه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع اليه ماله وان لم يؤنس منه ~~الرشد . # / المسألة الخامسة : إذا بلغ رشيدا ثم تغير وصار سفيها حجر عليه عند ~~الشافعي ms2698 ولا يحجر عليه عند أبي حنيفة وقد مرت هذه المسألة عند قوله تعالى : ~~{ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قياما } ( النسار : 5 ) ~~والقياس الجلي أيضا يدل عليه ، لأن هذه الآية دالة على أنه إذا بلغ غير ~~رشيد لم يدفع اليه ماله ، وإنما لم يدفع اليه ماله لئلا يصير المال ضائعا ~~فيكون باقيا مرصدا ليوم حاجته ، وهذا المعنى قائم في السفه الطارىء ، فوجب ~~اعتباره والله أعلم . # المسألة السادسة : قال صاحب ( الكشاف ) : الفائدة في تنكير الرشد التنبيه ~~على ان المعتبر هو الرشد في التصرف والتجارة ، أو على أن المعتبر هو حصول ~~طرف من الرشد وظهور أثر من آثاره حتى لا ينتظر به تمام الرشد . # المسألة السابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ ابن مسعود فان أحستم ، ~~بمعنى أحسستم قال : PageV09P154 # أحسن به فهن اليه شوس # وقرىء رشدا بفتحتين ورشدا بضمتين . # ثم قال تعالى : { فادفعوا إليهم أموالهم } والمراد أن عند حصول الشرطين ~~أعني البلوغ وإيناس الرشد يجب دفع المال اليهم ، وإنما لم يذكر تعالى مع ~~هذين الشرطين كمال العقل ، لأن إيناس الرشد لا يحصل إلا مع العقل لأنه أمر ~~زائد على العقل . # ثم قال تعالى : { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } أي مسرفين ~~ومبادرين كبرهم أو لاسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها وتقولون : ~~ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينزعوها من أيدينا ، ثم قسم الأمر بين ~~أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيرا فقال : { ومن كان غنيا فليستعفف } ~~قال الواحدي رحمه الله : استعف عن الشيء وعف اذا امتنع منه وتركه ، وقال ~~صاحب ( الكشاف ) : استعف أبلغ من عف كأنه طالب زيادة العفة وقال : { ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف } واختلف العلماء في أن الوصي هل له أن ينتفع ~~بمال اليتيم ؟ وفي هذه المسألة أقوال : أحدهما : أن له أن يأخذ بقدر ما ~~يحتاج اليه من مال اليتيم وبقدر أجر عمله ، واحتج القائلون بهذا القول ~~بوجوه : الأول : أن قوله تعالى : { ولا تأكلوها إسرافا } مشعر بأن له أن ~~يأكل بقدر الحاجة ، وثانيها : أنه قال : { ومن كان غنيا ms2699 فليستعفف ومن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف } فقوله : { ومن كان غنيا فليستعفف } ليس المراد منه ~~نهي الوصي الغني عن الانتفاع بمال نفسه ، بل المراد منه نهيه عن الانتفاع ~~بمال اليتيم ، وإذا كان كذلك لزم أن يكون قوله : { ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف } إذنا للوصي في أن ينتفع بمال اليتيم بمقدار الحاجة ، وثالثها : ~~قوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( النساء : 10 ) وهذا دليل ~~على أن مال اليتيم قد يؤكل ظلما وغير ظلم ، ولو لم يكن ذلك لم يكن لقوله : ~~{ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } فائدة ، وهذا يدل على أن للوصي ~~المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف ، ورابعها : ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن رجلا قال له : ان تحت حجري يتيما أآكل من ماله ؟ قال : ~~بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله ، قال : أفأضربه ؟ قال : مما ~~كنت ضاربا منه ولدك ، وخامسها : ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب ~~إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف : سلام عليكم أما بعد : فاني رزقتكم كل ~~يوم شاة شطرها لعمار ، وربعها لعبدالله ابن مسعود ، وربعها لعثمان ، ألا ~~وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله بمنزلة ولي مال اليتيم : من كان ~~غنيا فليستعفف ، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف . وعن ابن عباس أن ولي يتيم ~~قال له : أفأشرب من لبن إبله ؟ قال : إن كنت تبغي ضالتها وتلوط حوضها وتهنأ ~~جرباها وتسقيها يوم وردها ، فاشرب غير مضر بنسل ، ولا ناهك في الحلب وعنه ~~أيضا : يضرب بيده مع أيديهم فليأكل بالمعروف ولا يلبس عمامة فما فوقها / ~~وسادسها : أن الوصي لما تكفل باصلاح مهمات الصبي وجب أن يتمكن من أن يأكل ~~من ماله بقدر عمله قياسا على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها ، فانه يضرب له ~~في تلك الصدقات بسهم ، فكذا ههنا ، فهذا تقرير هذا القول . # والقول الثاني : أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج اليه من مال اليتيم قرضا ، ~~ثم إذا أيسر قضاه ، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه ms2700 ، وهذا قول ~~سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية ، وأكثر الروايات عن ابن عباس . وبعض أهل ~~العلم خص هذا الاقراض بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرها ، فأما التناول ~~من PageV09P155 ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب ، فمباح له إذا ~~كان غير مضر بالمال ، وهذا قول أبي العالية وغيره ، واحتجوا بأن الله تعالى ~~قال : { فإذا دفعتم إليهم أموالهم } فحكم في الأموال بدفعها اليهم . # والقول الثالث : قال أبو بكر الرازي : الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا ~~يأخذ على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء ، سواء كان غنيا أو فقيرا . ~~واحتج عليه بآيات : منها : قوله تعالى : { وءاتوا اليتامى أموالهم } إلى ~~قوله : { إنه كان حوبا كبيرا } ( النساء : 2 ) ومنها : قوله : { إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } ( ~~النساء : 10 ) ومنها : { قوله * وأن تقوموا لليتامى بالقسط } ( النساء : ~~127 ) ومنها : قوله : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ( البقرة : 188 ~~) قال : فهذه الآية محكمة حاصرة لمال اليتيم على وصية في حال الغنى والفقر ~~، وقوله : { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } متشابه محتمل فوجب رده لكونه ~~متشابها إلى تلك المحكمات ، وعندي أن هذه الآيات لا تدل على ما ذهب الرازي ~~/ اليه . أما قوله : { وءاتوا اليتامى أموالهم } فهو عام وهذه الآية التي ~~نحن فيها خاصة ، والخاص مقدم على العام . وقوله : { إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما } فهو إنما يتناول هذه الواقعة لو ثبت أن أكل الوصي من مال ~~الصبي بالمعروف ظلم ، وهل النزاع الا فيه ، وهو الجواب بعينه عن قوله : { ~~ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } أما قوله : { وأن تقوموا لليتامى ~~بالقسط } فهو إنما يتناول محل النزاع لو ثبت أن هذا الأكل ليس بقسط ، ~~والنزاع ليس إلا فيه ، فثبت أن كلامه في هذا الموضع ساقط ركيك والله أعلم . # ثم قال تعالى : { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } . # واعلم أن الأمة مجمعة على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد صيرورته ~~بالغا ، فان الأولى والأحوط أن يشهد عليه لوجوه : أحدها : أن اليتيم إذا ~~كان عليه بينة بقبض ms2701 المال كان أبعد من أن يدعي ما ليس له ، وثانيها : أن ~~اليتيم إذا أقدم على الدعوى الكاذبة أقام الوصي الشهادة على أنه دفع ماله ~~اليه . ثالثها : أن تظهر أمانة الوصي وبراءة ساحته ، ونظيره أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب ) ~~فأمره بالاشهاد لتظهر أمانته وتزول التهمة عنه ، فثبت بما ذكرنا من الاجماع ~~والمعقول أن الاحوط هو الاشهاد . واختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ ~~اليتيم انه قد دفع المال اليه هل هو مصدق ؟ وكذلك لو قال : أنفقت عليه في ~~صغره هل هو مصدق ؟ قال مالك والشافعي : لا يصدق ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : ~~يصدق ، واحتج الشافعي بهذه الآية فان قوله : { فأشهدوا عليهم } أمر ، وظاهر ~~الأمر الوجوب ، وأيضا قال الشافعي : القيم غير مؤتمن من جهة اليتيم / وإنما ~~هو مؤتمن من جهة الشرع ، وطعن أبو بكر الرازي في هذا الكلام مع السفاهة ~~الشديدة وقال : لو كان ما ذكره علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي ~~إذا قال لليتيم : قد دفعت اليك لأنه لم يأتمنه ، وكذلك يلزمه أن يقول في ~~الأب إذا قال بعد بلوغ الصبي : قد دفعت مالك اليك أن لا يصدق لأنه لم ~~يأتمنه ، ويلزمه أيضا أن يوجب الضمان عليهم إذا تصادقوا بعد البلوغ انه قد ~~هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه ، فيقال له : ان قولك هذا لبعيد ~~عن معاني الفقه ، أما النقض بالقاضي فبعيد ، لأن القاضي حاكم فيجب إزالة ~~التهمة عنه ليصير قضاؤه نافذا ، ولولا ذلك لتمكن كل من قضى القاضي عليه بأن ~~ينسبه إلى الكذب والميل والمداهنة ، وحينئذ يحتاج القاضي إلى قاض آخر ، ~~ويلزم التسلسل ، ومعلوم أن هذا المعنى غير موجود في وصي اليتيم ، وأما الأب ~~فالفرق ظاهر لوجين : أحدهما : PageV09P156 ان شفقته أتم من شفقة الاجنبي ، ~~ولا يلزم من قلة التهمة في حق الأب قلتها في حق الأجنبي ، وأما إذا تصادقوا ~~بعد / البلوغ أنه قد هلك فنقول : ان كان قد اعترف بأنه هلك لسبب تقصيره ms2702 ~~فههنا يلزمه الضمان ، أما إذا اعترف بأنه هلك لا بتقصيره ، فههنا يجب أن ~~يقبل قوله ، والا لصار ذلك مانعا للناس من قبول الوصاية ، فيقع الخلل في ~~هذا المهم العظيم ، فأما الاشهاد عند الرد اليه بعد البلوغ فانه لا يفضي ~~إلى هذه المفسدة فظهر الفرق ، ومما يؤكد هذا الفرق أنه تعالى ذكر قبل هذه ~~الآية ما يدل على أن اليتيم حصل في حقه ما يوجب التهمة ، وهو قوله : { ولا ~~تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا } وهذا يدل على جريان العادة بكثرة إقدام ~~الولي على ظلم الايتام والصبيان ، وإذن دلت هذه الآية على تأكد موجبات ~~التهمة في حق ولي اليتيم : # ثم قال بعده : { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا } أشعر ذلك بأن الغرض ~~منه رعاية جانب الصبي ؛ لأنه إذا كان لا يتمكن من ادعاء دفع المال اليه إلا ~~عند حضور الشاهد ، صار ذلك مانعا له من الظلم والبخس والنقصان ، وإذا كان ~~الأمر كذلك علمنا أن قوله : { فأشهدوا } كما أنه يجب لظاهر الايجاب ، فكذلك ~~يجب أن القرائن والمصالح تقتضي الايجاب ، ثم قال هذا الرازي ، ويدل على أنه ~~مصدق فيه بغير إشهاد ، اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وإمساكه على وجه ~~الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه ، فهو بمنزلة الودائع ~~والمضاربات ، فوجب أن يكون مصدقا على الرد كما يصدق على رد الوديعة ، فيقال ~~له : أما الفرق بين هذه الصورة وصورة الوديعة فقد ذكره الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه ، واعتراضك على ذلك الفرق قد سبق إبطاله ، وأيضا فعادتك ترك ~~الالتفات إلى كتاب الله لقياس ركيك تتخيله ، ومثل هذا الفقه مسلم لك ، ولا ~~يجب المشاركة فيه معك وبالله التوفيق . # ثم قال تعالى : { وكفى بالله حسيبا } قال ابن الانباري والأزهري : يحتمل ~~أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب ، وأن يكون بمعنى الكافي ، فمن الأول قولهم ~~للرجل للتهديد : حسبه الله ومعناه يحاسبه الله على ما يفعل من الظلم ، ~~ونظير قولنا الحسيب بمعنى المحاسب ، قولنا الشريب بمعنى المشارب ، ومن ~~الثاني قولهم : حسيبك الله أي كافيك الله . # واعلم أن هذا وعيد لولي ms2703 اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ~~ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل ، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك ~~إلى أن يصل اليه ماله ، وهذا المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو ~~بالكافي . # واعلم أن الباء في قوله : { وكفى بالله } { وكفى بربك } ( الإسراء : 65 ) ~~في جميع القرآن زائدة ، هكذا نقله الواحدي عن الزجاج و { حسيبا } نصب على ~~الحال أي كفى الله حال كونه محاسبا ، وحال كونه كافيا . # ! 7 < { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والا قربون وللنسآء نصيب مما ترك ~~الوالدان والا قربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 7 ) للرجال نصيب مما . . . . . # > > PageV09P157 @158@ # اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة وهو ما ~~يتعلق بالمواريث والفرائض وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس : ان أوس بن ثابت ~~الانصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة ، فجاء رجلان من بني عمه وهما وصيان له ~~يقال لهما : سويد ، وعرفجة وأخذا ماله . فجاءت امرأة أوس إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وذكرت القصة ، وذكرت أن الوصيين ما دفعا إلي شيئا ، وما ~~دفعا إلى بناته شيئا من المال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ارجعي إلى ~~بيتك حتى أنظر ما يحدث الله في أمرك ) فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذه الآية ، ودلت على أن للرجال نصيبا وللنساء نصيبا ، ولكنه تعالى لم يبين ~~المقدار في هذه الآية ، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوصيين وقال ~~: ( لا تقربا من مال أوس شيئا ) ثم نزل بعد : { يوصيكم الله فى أولادكم } ( ~~مريم : 11 ) ونزل فرض الزوج وفرض المرأة ، فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام ~~الوصيين أن يدفعا إلى المرأة الثمن ويمسكا نصيب البنات ، وبعد ذلك أرسل ~~عليه الصلاة والسلام اليهما أن ادفعا نصيب بناتها اليها فدفعاه اليها ، ~~فهذا هو الكلام في سبب النزول . # المسألة الثانية : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال ، ويقولون ~~لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد ms2704 عن الحوزة وحاز الغنيمة ، فبين تعالى أن ~~الارث غير مختص بالرجال ، بل هو أمر مشترك فيه بين الرجال والنساء ، فذكر ~~في هذه الآية هذا القدر ، ثم ذكر التفصيل بعد ذلك ولا يمتنع إذا كان للقوم ~~عادة في توريث الكبار دون الصغار ودون النساء ، أن ينقلهم سبحانه وتعالى عن ~~تلك العادة قليلا قليلا على التدريج ، لأن الانتقال عن العادة شاق ثقيل على ~~الطبع ، فاذا كان دفعة عظم وقعه على القلب ، وإذا كان على التدريج سهل ، ~~فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذا المجمل أولا ، ثم أردفه بالتفصيل . # المسألة الثالثة : احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على توريث ذوي الارحام ~~قال : / لأن العمات والخالات والاخوال وأولاد البنات من الأقربين ، فوجب ~~دخولهم تحت قوله : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب ~~مما ترك الوالدان والاقربون } أقصى ما في الباب أن قدر ذلك النصيب غير ~~مذكور في هذه الآية ، إلا أنا نثبت كونهم مستحقين لأصل النصيب بهذه الآية ، ~~وأما المقدار فنستفيده من سائر الدلائل . # وأجاب أصحابنا عنه من وجهين : أحدهما : انه تعالى قال في آخر الآية { ~~نصيبا مفروضا } أي نصيبا مقدرا ، وبالاجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر ، ~~فثبت أنهم ليسوا داخلين في هذه الآية ، وثانيهما : أن هذه الآية مختصة ~~بالأقربين ، فلم قلتم إن ذوي الأرحام من الأقربين ؟ وتحقيقه أنه إما أن ~~يكون المراد من الأقربين من كان أقرب من شيء آخر ، أو المراد منه من كان ~~أقرب من جميع الأشياء ، والأول باطل ؛ لأنه يقتضي دخول أكثر الخلق فيه ، ~~لأن كل إنسان له نسب مع غيره إما بوجه قريب أو بوجه بعيد ، وهو الانتساب ~~إلى آدم عليه السلام ، ولا بد وأن يكون هو أقرب إليه من ولده ، فيلزم دخول ~~كل الخلق في هذا النص وهو باطل ، ولما بطل هذا الاحتمال وجب حمل النص على ~~الاحتمال الثاني وهو أن يكون المراد من الأقربين من كان أقرب الناس إليه ، ~~وما ذاك إلا الوالدان والأولاد / فثبت أن هذا النص لا يدخل فيه ذو الأرحام ~~، لا يقال : لو حملنا ms2705 الأقربين على الوالدين لزم التكرار ، لأنا نقول : ~~الأقرب جنس يندرج تحته نوعان : الوالد والولد ، فثبت أنه تعالى ذكر الوالد ~~، ثم ذكر الأقربين ، فيكون المعنى أنه ذكر النوع ، ثم ذكر الجنس فلم يلزم ~~التكرار . PageV09P158 # المسألة الرابعة : قوله : { نصيبا } في نصبه وجوه : أحدها : أنه نصب على ~~الاختصاص بمعنى أعني نصيبا مفروضا مقطوعا واجبا ، والثاني : يجوز أن ينتصب ~~انتصاب المصدر ، لأن النصيب اسم في معنى المصدر كأنه قيل : قسما واجبا ، ~~كقوله : { فريضة من الله } ( التوبة : 60 ، النساء : 11 ) أي قسمة مفروضة . # المسألة الخامسة : أصل الفرض الحز ، ولذلك سمي الحز الذي في سية القوس ~~فرضا ، والحز الذي في القداح يسمى أيضا فرضا ، وهو علامة لها تميز بينها ~~وبين غيرها ، والفرضة العلامة في مقسم الماء ، يعرف بها كل ذي حق حقه من ~~الشرب ، فهذا هو أصل الفرض في اللغة ، ثم ان أصحاب أبي حنيفة خصصوا لفظ ~~الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، واسم الوجوب بما عرف وجوبه بدليل مظنون ، ~~قالوا : لأن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأما الوجوب فانه عبارة عن ~~السقوط ، يقال : وجبت الشمس إذا سقطت ، ووجب الحائط إذا سقط ، وسمعت وجبة ~~يعني سقطة قال الله تعالى : { فإذا وجبت جنوبها } ( الحج : 36 ) يعني سقطت ~~، فثبت أن الفرض عبارة عن الحز والقطع ، وأن الوجوب عبارة عن السقوط ، ولا ~~شك أن تأثير الحز والقطع أقوى وأكمل من تأثير السقوط . / فلهذا السبب خصص ~~أصحاب أبي حنيفة لفظة الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع ، ولفظ الوجوب بما ~~عرف وجوبه بدليل مظنون . # إذا عرفت هذا فنقول : هذا الذي قرروه يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي ~~الأرحام لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل قاطع باجماع الأمة ~~، فلم يكن توريثهم فرضا ، والآية إنما تناولت التوريث المفروض ، فلزم القطع ~~بأن هذه الآية ما تناولت ذوي الأرحام ، والله أعلم . # ! 7 < { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ~~وقولوا لهم قولا معروفا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 8 ) وإذا حضر القسمة . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { وإذا ms2706 حضر القسمة } ليس فيه بيان أي ~~قسمة هي ، فلهذا المعنى حصل للمفسرين فيه أقوال : الأول : أنه تعالى لما ~~ذكر في الآية الأولى أن النساء أسوة الرجال في أن لهن حظا من الميراث ، ~~وعلم تعالى أن في الأقارب من يرث ومن لا يرث ، وأن الذين لا يرثون إذا ~~حضروا وقت القسمة ، فان تركوا محرومين بالكلية ثقل ذلك عليهم ، فلا جرم أمر ~~الله تعالى أن يدفع اليهم شيء عند القسمة حتى يحصل الأدب الجميل وحسن ~~العشرة ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال : إن ذلك واجب ، ~~ومنهم من قال : إنه مندوب ، أما القائلون بالوجوب ، فقد اختلفوا في أمور : ~~أحدها : أن منهم من قال : الوارث إن كان كبيرا وجب عليه أن يرضخ لمن حضر ~~القسمة شيئا من المال بقدر ما تطيب نفسه به ، وإن كان صغيرا وجب على الولي ~~إعطاؤهم من ذلك المال ، ومنهم من قال : إن كان الوارث كبيرا ، وجب عليه ~~الاعطاء من ذلك المال ، وإن كان صغيرا وجب على الولي أن يعتذر إليهم ، ~~ويقول : إني لا أملك هذا المال PageV09P159 إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين ~~لا يعقلون ما عليهم من الحق ، وان يكبروا فسيعرفون حقكم ، فهذا هو القول ~~المعروف ، وثانيها : قال الحسن والنخعي : هذا الرضخ مختص بقسمة الأعيان ، ~~فاذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك ، قال لهم قولا ~~معروفا ، مثل أن يقول لهم : ارجعوا بارك الله فيكم ، وثالثها : قالوا : ~~مقدار ما يجب فيه الرضخ شيء قليل ، ولا تقدير / فيه بالاجماع . ورابعها : ~~أن على تقدير وجوب هذا الحكم تكون هذه الآية منسوخة . قال ابن عباس في ~~رواية عطاء : وهذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وهذا قول سعيد بن المسيب ~~والضحاك وقال في رواية عكرمة : الآية محكمة غير منسوخة وهو مذهب أبي موسى ~~الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير ، ~~فهؤلاء كانوا يعطون من حضر شيئا من التركة . روي أن عبدالله بن عبد الرحمن ~~بن أبي بكر الصديق قسم ميراث أبيه وعائشة حية ، فلم يترك في الدار أحدا ms2707 إلا ~~أعطاه ، وتلا هذه الآية ، فهذا كله تفصيل قول من قال بأن هذا الحكم ثبت على ~~سبيل الوجوب ، ومنهم من قال : انه ثبت على سبيل الندب والاستحباب ، لا على ~~سبيل الفرض والايجاب ، وهذا الندب أيضا إنما يحصل اذا كانت الورثة كبارا ، ~~أما اذا كانوا صغارا فليس إلا القول المعروف ، وهذا المذهب هو الذي عليه ~~فقهاء الأمصار . واحتجوا بأنه لو كان لهؤلاء حق معين لبين الله تعالى قدر ~~ذلك الحق كما في سائر الحقوق ، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب ، ولأن ذلك ~~لو كان واجبا لتوفرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين على ~~تقديره ، ولو كان ذلك لنقل على سبيل التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك ~~علمنا أنه غير واجب . # القول الثاني : في تفسير الآية : أن المراد بالقسمة الوصية ، فاذا حضرها ~~من لا يرث من الأقرباء واليتامى والمساكين أمر الله تعالى أن يجعل لهم ~~نصيبا من تلك الوصية ، ويقول لهم مع ذلك : قولا معروفا في الوقت ، فيكون ~~ذلك سببا لوصول السرور اليهم في الحال والاستقبال ، والقول الأول أولى ، ~~لأنه تقدم ذكر الميراث ولم يتقدم ذكر الوصية ، ويمكن أن يقال : هذا القول ~~أولى لأن الآية التي تقدمت في الوصية . # القول الثالث : في تفسير الآية أن قوله : { وإذا حضر القسمة أولوا القربى ~~} فالمراد من { أولى القربى } الذين يرثون والمراد من { اليتامى * ~~والمساكين } الذين لا يرثون . # ثم قال : { فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا } فقوله : { فارزقوهم } ~~راجع إلى القربى الذين يرثون وقوله : { وقولوا لهم قولا معروفا } راجع إلى ~~اليتامى والمساكين الذين لا يرثون ، وهذا القول محكى عن سعيد بن جبير . # المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : الضمير في قوله : { فارزقوهم منه } ~~عائد إلى ما ترك الوالدان والأقربون ، وقال الواحدي : الضمير عائد إلى ~~الميراث فتكون الكناية على هذا الوجه عائدة إلى معنى القسمة ، لا إلى لفظها ~~كقوله : { ثم استخرجها من وعاء أخيه } ( يوسف : 76 ) والصواع مذكر لا يكنى ~~عنه بالتأنيث ، لكن أريد به المشربة فعادت الكناية إلى المعنى لا إلى اللفظ ~~، وعلى هذا التقدير ms2708 / فالمراد بالقسمة المقسوم ، لأنه إنما يكون الرزق من ~~المقسوم لا من نفس القسمة . # المسألة الثالثة : إنما قدم اليتامى على المساكين لأن ضعف اليتامى أكثر ، ~~وحاجتهم أشد ، فكان وضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم في الأجر . PageV09P160 # المسألة الرابعة : الأشبه هو أن المراد بالقول المعروف أن لا يتبع العطية ~~المن والأذى بالقول أو يكون المراد الوعد بالزيادة والاعتذار لمن لم يعطه ~~شيئا . # ! 7 < { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا ~~الله وليقولوا قولا سديدا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 9 ) وليخش الذين لو . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : الجملة الشرطية وهو قوله : { لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم } هي صلة لقوله : { الذين } والمعنى : وليخش الذين من ~~صفتهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافا خافوا عليهم وأما الذي يخشى عليه فغير ~~منصوص عليه ، وسنذكر وجوه المفسرين فيه . # المسألة الثانية : لا شك أن قوله : { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم } يوجب الاحتياط للذرية الضعاف ، وللمفسرين فيه وجوه : ~~الأول : أن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون : ان ذريتك لا ~~يغنون عنك من الله شيئا ، فأوص بمالك لفلان وفلان ، ولا يزالون يأمرونه ~~بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا ، فقيل لهم : ~~كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال ، فاخشوا الله ~~ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله . وحاصل الكلام أنك ~~لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك ، فلا ترضه لأخيك المسلم . عن أنس قال : قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) . # والقول الثاني : قال حبيب بن أبي ثابت : سألت مقسما عن هذه الآية فقال : ~~هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب ، فيقول له من كان عنده : ~~اتق الله وأمسك على ولدك مالك ، مع أن ذلك الانسان يحب أن يوصي له ، ففي ~~القول الأول الآية محمولة على نهي الحاضرين / عن الترغيب في الوصية ، وفي ~~القول الثاني محمولة على نهي الحاضرين ms2709 عن النهي عن الوصية ، والأولى أولى ، ~~لأن قوله : { لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا } أشبه بالوجه الأول وأقرب اليه ~~. # والقول الثالث : يحتمل أن تكون الآية خطابا لمن قرب أجله ، ويكون المقصود ~~نهيه عن تكثير الوصية لئلا تبقى ورثته ضائعين جائعين بعد موته ، ثم إن كانت ~~هذه الآية إنما نزلت قبل تقدير الوصية بالثلث ، كان المراد منها أن لا يجعل ~~التركة مستغرقة بالوصية ، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث ، كان ~~المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية ، وإن كانت نزلت بعد تقدير ~~الوصية بالثلث . كان المراد منها أن يوصي أيضا بالثلث ، بل ينقص إذا خاف ~~على ذريته والمروي عن كثير من الصحابة أنهم وصوا بالقليل لأجل ذلك ، وكانوا ~~يقولون : الخمس أفضل من الربع ، والربع أفضل من الثلث ، وخبر سعد يدل عليه ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( الثلث والثلث كثير لأن تدع ورثتك أغنياء ~~خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ) . PageV09P161 # والقول الرابع : أن هذا أمر لأولياء اليتيم ، فكأنه تعالى قال : وليخش من ~~يخاف على ولده بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا ~~كان في حجره ، والمقصود من الآية على هذا الوجه أن يبعثه سبحانه وتعالى على ~~حفظ ماله ، وأن يترك نفسه في حفظه والاحتياط في ذلك بمنزلة ما يحبه من غيره ~~في ذريته لو خلفهم وخلف لهم مالا . قال القاضي : وهذا أليق بما تقدم وتأخر ~~من الآيات الواردة في باب الأيتام ، فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال ~~اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ، ولا شك أنه من أقوى ~~الدواعي والبواعث في هذا المقصود . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء ضعفاء ، وضعافى ، وضعافى : ~~نحو سكارى وسكارى . قال الواحدي : قرأ حمزة { ضعافا خافوا عليهم } بالامالة ~~فيهما ثم قال : ووجه إمالة ضعاف أن ما كان على وزن فعال ، وكان أوله حرفا ~~مستعليا مكسورا نحو ضعاف ، وغلاب ، وخباب ، يحسن فيه الامالة ، وذلك لأنه ~~تصعد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسرة ، فيستحب أن ms2710 لا يتصعد بالتفخيم بعد ~~الكسر حتى يوجد الصوت على طريقة واحدة ، وأما الامالة في { خافوا } فهي ~~حسنة لأنها تطلب الكسرة التي في خفت ، ثم قال : { فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا } وهو كالتقرير لما تقدم ، فكأنه قال : فليتقوا الله في الأمر ~~الذي تقدم ذكره والاحتياط فيه ، وليقولوا قولا سديدا إذا أرادوا بعث غيرهم ~~على فعل وعمل ، والقول السديد هو العدل والصواب من القول . قال صاحب ( ~~الكشاف ) : القول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى ، ويكلموهم كما ~~يكلمون أولادهم بالترحيب وإذا خاطبوهم قالوا يا بني ، يا ولدي ، والقول ~~السديد من الجالسين إلى المريض أن يقولوا : إذا أردت / الوصية لا تسرف في ~~وصيتك ولا تحجف بأولادك ، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد ~~والقول السديد من الورثة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون ، أن ~~يلطفوا القول لهم ويخصوهم بالاكرام . # ! 7 < { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 10 ) إن الذين يأكلون . . . . . # > > اعلم أنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلما ، وقد كثر الوعيد ~~في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك ، كقوله : { ولا تتبدلوا ~~الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } ( ~~النساء : 2 ) { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا } ( النساء : 9 ) ~~ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم ، وذلك كله رحمة من ~~الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد ~~العناية والكرامة ، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه ~~وفضله ، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله ~~بهم إلى الغاية القصوى . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم ، ~~والا لم يكن لهذا التخصيص فائدة ، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي ~~المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف . # المسألة الثانية : قوله : { إنما يأكلون فى بطونهم نارا } فيه قولان : ~~الأول : أن ms2711 يجري ذلك على ظاهره قال السدي : إذا أكل الرجل مال اليتيم ظلما ~~يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومسامعه وأذنيه PageV09P162 ~~وعينيه ، يعرف كل من رآه أنه أكل مال اليتيم . وعن أبي سعيد الخدري أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليلة أسرى بي رأيت قوما لهم مشافر كمشافر ~~الابل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من النار يخرج ~~من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء : فقال : هؤلاء الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما ) . # والقول الثاني : ان ذلك توسع ، والمراد : ان أكل مال اليتيم جار مجرى أكل ~~النار من حيث انه يفضي اليه ويستلزمه ، وقد يطلق اسم أحد المتلازمين على ~~الآخر ، كقوله تعالى : / { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) قال ~~القاضي : وهذا أولى من الأول لأن قوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا } الاشارة فيه إلى كل واحد ، فكان حمله ~~على التوسع الذي ذكرناه أولى . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة ~~قوله : { إنما يأكلون فى بطونهم نارا } . # وجوابه : أنه كقوله : { يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم } ( آل عمران : ~~167 ) والقول لا يكون إلا بالفهم ، وقال : { ولاكن تعمى القلوب التى فى ~~الصدور } ( الحج : 46 ) والقلب لا يكون إلا في الصدر ، وقال : { ولا طائر ~~يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) والطيران لا يكون إلا بالجناح ، والغرض من ~~كل ذلك التأكيد والمبالغة . # المسألة الرابعة : انه تعالى وإن ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع ~~الاتلافات ، فان ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل ، أو ~~بطريق آخر ، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه : أحدها : ~~أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ~~ألبانها . فخرج الكلام على عادتهم . وثانيها : أنه جرت العادة فيمن أنفق ~~ماله في وجوه مراداته خيرا كانت أو شرا ، أنه يقال : إنه أكل ماله . ~~وثالثها : أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات . # المسألة الخامسة : قالت ms2712 المعتزلة : الآية دالة على وعيد كل من فعل هذا ~~الفعل / سواء كان مسلما أو لم يكن ؛ لأن قوله تعالى : { إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما } عام يدخل فيه الكل فهذا يدل على القطع بالوعيد وقوله ~~: { وسيصلون سعيرا } يوجب القطع على أنهم إذا ماتوا على غير توبة يصلون هذا ~~السعير لا محالة ، والجواب عنه قد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة ، ثم نقول ~~: لم لا يجوز أن يكون هذا الوعيد مخصوصا بالكفار لقوله تعالى : { والكافرون ~~هم الظالمون } ( البقرة : 254 ) ثم قالت المعتزلة : ولا يجوز أن يدخل تحت ~~هذا الوعيد أكل اليسير من ماله لأن الوعيد مشروط بأن لا يكون معه توبة ولا ~~طاعة أعظم من تلك المعصية ، وإذا كان كذلك ، فالذي يقطع على أنه من أهل ~~الوعيد من تكون معصيته كبيرة ولا يكون معها توبة ، فلا جرم وجب أن يطلب قدر ~~ما يكون كثيرا من أكل ماله ، فقال أبو علي الجبائي : قدره خمسة دراهم لأنه ~~هو القدر الذي وقع الوعيد عليه في آية الكنز في منع الزكاة ، هذا جملة ما ~~ذكره القاضي ، فيقال له : فأنت قد خالفت ظاهر هذا العموم من وجهين أحدهما : ~~أنك زدت فيه شرط عدم التوبة . والثاني : أنك زدت فيه عدم كونه صغيرا ، وإذا ~~جاز ذلك فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو ؟ أقصى ما في الباب أن ~~يقال : ما وجدنا دليلا يدل / على حصول العفو ، لكنا نجيب عنه من وجهين : ~~أحدهما : أنا لا نسلم عدم دلائل العفو ، بل هي كثيرة على ما قررناه في سورة ~~البقرة . والثاني : هب أنكم ما وجدتموها لكن عدم الوجدان لا PageV09P163 ~~يفيد القطع بعدم الوجود ، بل يبقى الاحتمال ، وحينئذ يخرج التمسك بهذه ~~الآية من إفادة القطع والجزم والله أعلم . # المسألة السادسة : أنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال : { يوم ~~يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } ( التوبة : 35 ~~) وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار ، ولا شك أن هذا الوعيد ~~أشد ، والسبب فيه أن في ms2713 باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء من النصاب ، بل ~~يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله ، أما ههنا اليتيم مالك لذلك المال ~~فكان منعه من اليتيم أقبح ، فكان الوعيد أشد ، ولأن الفقير قد يكون كبيرا ~~فيقدر على الاكتساب ، أما اليتيم فانه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في ~~إتلاف ماله أشد . # ثم قال تعالى : { وسيصلون سعيرا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم { وسيصلون } بضم الياء ، ~~أي يدخلون النار على ما لم يسم فاعله ، والباقون بفتح الياء قال أبو زيد ~~يقال : صلى الرجل النار يصلاها صلى وصلاء ، وهو صالي النار ، وقوم صالون ~~وصلاء قال تعالى : { إلا من هو صال الجحيم } ( الصافات : 163 ) وقال : { ~~أولى بها صليا } ( مريم : 70 ) وقال : { جهنم يصلونها } ( إبراهيم : 29 ، ~~ص: 56 ، المجادلة : 8 ) قال الفراء : الصلي : اسم الوقود وهو الصلاء إذا ~~كسرت مدت ، وإذا فتحت قصرت ، ومن ضم الياء فهو من قولهم : أصلاه الله حر ~~النار اصلاء . قال : { فسوف نصليه نارا } ( النساء : 30 ) وقال تعالى : { ~~سأصليه سقر } ( المدثر : 26 ) قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { * سيصلون } بضم ~~الياء وتخفيف اللام وتشديدها . # المسألة الثانية : السعير : هو النار المستعرة يقال : سعرت النار أسعرها ~~سعرا فهي مسعورة وسعير ، والسعير معدول عن مسعورة كما عدل كف خضيب عن ~~مخضوبة ، وإنما قال : { وسيصلون سعيرا } لأن المراد نار من النيران مبهمة ~~لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى . # المسألة الثالثة : روي أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس ~~فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية ، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله ~~تعالى : { وإن تخالطوهم فإخوانكم } ( البقرة : 220 ) ومن الجهال من قال : ~~صارت هذه الآية منسوخة بتلك ، وهو بعيد لأن هذه الآية في المنع من الظلم ~~وهذا لا يصير منسوخا ، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على سبيل ~~الظلم فهو من أعظم أبواب الاثم كما في هذه الآية ، وإن كان على سبيل ~~التربية والاحسان فهو من أعظم أبواب البر ، كما في قوله : { وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم } والله أعلم . # ! 7 < { يوصيكم ms2714 الله فىأولادكم للذكر مثل حظ الا نثيين فإن كن نسآء فوق ~~اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولابويه لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلا مه الثلث ~~فإن كان له إخوة فلا مه السدس من بعد وصية يوصى بهآ أو دين ءابآؤكم ~~وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما ~~حكيما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 11 ) يوصيكم الله في . . . . . # > > PageV09P164 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين : أحدهما : ~~النسب ، والآخر العهد ، أما النسب فهم ما كانوا يورثون الصغار ولا الاناث . ~~وإنما كانوا يورثون من الأقارب الرجال الذين يقاتلون على الخيل ويأخذون ~~الغنيمة ، وأما العهد فمن وجهين : الأول : الحلف ، كان الرجل في الجاهلية ~~يقول لغيره : دمي دمك ، وهدمي هدمك ، وترثني وأرثك ، وتطلب بي وأطلب بك ، ~~فاذا تعاهدوا على هذا الوجه فأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال ~~الميت ، والثاني : التبني ، فان الرجل منهم كان يتبنى ابن غيره فينسب إليه ~~دون أبيه من النسب ويرثه ، وهذا التبني نوع من أنواع المعاهدة ، ولما بعث ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم تركهم في أول الأمر على ما كانوا عليه في ~~الجاهلية ، ومن العلماء من قال : بل قررهم الله على ذلك فقال : { ولكل * ~~جعلنا موالى مما ترك الوالدان والاقربون } ( النساء : 33 ) والمراد التوارث ~~بالنسب . ثم قال : { والذين عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبهم } ( النساء : 33 ) ~~والمراد به التوارث بالعهد ، والأولون قالوا المراد بقوله : { والذين * ~~عليما * ولكل جعلنا موالى } ليس المراد منه النصيب من المال ، بل المراد ~~فآتوهم نصيبهم من النصرة والنصيحة وحسن العشرة ، فهذا شرح أسباب التوارث في ~~الجاهلية . # وأما أسباب التوارث في الاسلام ، فقد ذكرنا أن في أول الأمر قرر الحلف ~~والتبني ، وزاد فيه أمرين آخرين : أحدهما : الهجرة ، فكان المهاجر يرث من ~~المهاجر . وان كان أجنبيا عنه ، إذا كان كل واحد منهما مختصا بالآخر بمزيد ~~المخالطة والمخالصة ، ولا يرثه غير ms2715 المهاجر ، وإن كان من أقاربه . والثاني ~~: المؤاخاة ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم ، ~~وكان ذلك سببا للتوارث ، ثم إنه تعالى نسخ كل هذه الأسباب بقوله : { وأولوا ~~الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } ( الأحزاب : 6 ) والذي تقرر عليه ~~دين الاسلام أن أسباب التوريث ثلاثة : النسب ، والنكاح ، والولاء . # المسألة الثانية : روى عطاء قال : استشهد سعد بن الربيع وترك ابنتين ~~وامرأة وأخا ، فأخذ / الأخ المال كله ، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله ~~هاتان ابنتا سعد ، وإن سعدا قتل وان عمهما أخذ مالهما ، فقال عليه الصلاة ~~والسلام : ( ارجعي فلعل الله سيقضي فيه ) ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت ~~هذه الآية ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال : ( أعط ابنتي ~~سعد الثلثين ، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك ، فهذا أول ميراث قسم في ~~الاسلام . # المسألة الثالثة : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه ~~تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام ، وما على الأولياء فيه ، بين كيف يملك ~~هذا اليتيم المال بالارث ، ولم يكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث / ~~الثاني : أنه تعالى أثبت حكم الميراث بالاجمال في قوله : { للرجال نصيب مما ~~ترك الوالدان والاقربون } ( النساء : 7 ) فذكر عقيب ذلك المجمل ، هذا ~~المفصل فقال : { يوصيكم الله فى أولادكم } . # المسألة الرابعة : قال القفال : قوله : { يوصيكم الله فى أولادكم } أي ~~يقول الله لكم قولا يوصلكم إلى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم ، وأصل ~~الايصاء هو الايصال يقال : وصى يصي اذا وصل ، وأوصى يوصي اذا أوصل ، فاذا ~~قيل : أوصاني فمعناه أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه ، وكذلك وصى وهو على ~~المبالغة قال الزجاج : معنى قوله ههنا : { يوصيكم } أي يفرض عليكم ، لأن ~~الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله : PageV09P165 { ولا تقتلوا النفس ~~التى حرم الله إلا بالحق ذالكم وصاكم به } ولا شك في كون ذلك واجبا علينا . # فان قيل : انه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال ههنا : { يوصيكم ~~الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين } . # قلنا : لما ms2716 كانت الوصية قولا ، لا جرم ذكر بعد قوله : { يوصيكم الله } ~~خبرا مستأنفا وقال : { للذكر مثل حظ الانثيين } ونظيره قوله تعالى : { وعد ~~الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } ( الفتح : 29 ~~) أي قال الله : لهم مغفرة لأن الوعد قول . # المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك ~~لأن تعلق الانسان بولده أشد التعلقات ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( ~~فاطمة بضعة مني ) فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم . # واعلم أن للأولاد حال انفراد ، وحال اجتماع مع الوالدين : أما حال ~~الانفراد فثلاثة ، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والاناث معا ، وإما ~~أن يخلف الاناث فقط ، أو الذكور فقط . # القسم الأول : ما اذا خلف الذكران والاناث معا ، وقد بين الله الحكم فيه ~~بقوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } . # / واعلم أن هذا يفيد أحكاما : أحدهما : اذا خلف الميت ذكرا واحدا وأنثى ~~واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم ، وثانيها : إذا كان الوارث جماعة من ~~الذكور وجماعة من الاناث كان لكل ذكر سهمان ، ولك أنثى سهم . وثالثها : إذا ~~حصل مع الأولاد جمع آخرون من الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم ~~، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن ~~قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } يفيد هذه الأحكام الكثيرة . # القسم الثاني : ما إذا مات وخلف الاناث فقط : بين تعالى أنهم إن كن فوق ~~اثنتين ، فلهن الثلثان ، وإن كانت واحدة فلها النصف ، إلا أنه تعالى لم ~~يبين حكم البنتين بالقول الصريح . واختلفوا فيه ، فعن ابن عباس أنه قال : ~~الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا ، وأما فرض البنتين فهو النصف ، واحتج ~~عليه بأنه تعالى قال : { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } وكلمة ~~( إن ) في اللغة للاشتراط ، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ~~ثلاثا فصاعدا ، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين . # والجواب من وجوه : الأول : أن هذا الكلام لازم على ابن عباس ، لأنه تعالى ~~قال : { وإن كانت واحدة فلها النصف } فجعل حصول النصف مشروطا بكونها واحدة ~~، وذلك ينفي ms2717 حصول النصف نصيبا للبنتين ، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل ~~قوله . الثاني : أنا لا نسلم أن كلمة ( ان ) تدل على انتفاء الحكم عند ~~انتفاء الوصف ؛ ويدل عليه أنه لو كان الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين ~~الآيتين ، لأن الاجماع دل على أن نصيب الثنتين إما النصف / وإما الثلثان ، ~~وبتقدير أن يكون كلمة ( إن ) للاشتراط وجب القول بفسادهما ، فثبت أن القول ~~بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلا ، ولأنه تعالى قال : { وإن لم * ~~تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } ( البقرة : 283 ) وقال : لا جناح عليكم أن ~~تقصروا من الصلاة إن خفتم ، ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات ~~. PageV09P166 # الوجه الثالث : في الجواب : هو أن في الآية تقديما وتأخيرا ، والتقدير : ~~فان كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان ، فهذا هو الجواب عن حجة ابن ~~عباس ، وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان ، قالوا : ~~وإنما عرفنا ذلك بوجوه : الأول : قال أبو مسلم الاصفهاني : عرفناه من قوله ~~تعالى : { للذكر مثل حظ الانثيين } وذلك لأن من مات وخلف ابنا وبنتا فههنا ~~يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى : { للذكر مثل حظ الانثيين } ~~فاذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين ، ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان ، ~~وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين / الثلثين ، الثاني : قال أبو بكر ~~الرازي : اذا مات وخلف ابنا وبنتا فههنا نصيب البنت الثلث بدليل قوله تعالى ~~: { للذكر مثل حظ الانثيين } فاذا كان نصيب البنت مع الولد الذكر هو الثلث ~~، فبأن يكون نصيبهما مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى ، لأن الذكر أقوى ~~من الأنثى . الثالث : أن قوله تعالى : { للذكر مثل حظ الانثيين } يفيد أن ~~حظ الأنثيين أزيد من حظ الأنثى الواحدة ، وإلا لزم أن يكون حظ الذكر مثل حظ ~~الأنثى الواحدة وذلك على خلاف النص ، واذا ثبت أن حظ الأنثيين أزيد من حظ ~~الواحدة فنقول وجب أن يكون ذلك هو الثلثان ، لأنه لا قائل بالفرق ، والرابع ~~: أنا ذكرنا في سبب نزول هذه الآية أنه عليه ms2718 الصلاة والسلام أعطى بنتي سعد ~~بن الربيع الثلثين ، وذلك يدل على ما قلناه . الخامس : أنه تعالى ذكر في ~~هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن ، ولم يذكر حكم ~~الثنتين ، وقال في شرح ميراث الأخوات : { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك } فههنا ذكر ميراث ~~الأخت الواحدة والأختين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ، فصار كل واحدة من ~~هاتين الآيتين مجملا من وجه ومبينا من وجه ، فنقول : لما كان نصيب الأختين ~~الثلثين كانت البنتان أولى بذلك ، لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين ، ولما ~~كان نصيب البنات الكثيرة لا يزداد على الثلثين وجب أن لا يزداد نصيب ~~الأخوات الكثيرة على ذلك ، لأن البنت لما كانت أشد اتصالا بالميت امتنع جعل ~~الأضعف زائدا على الأقوى ، فهذا مجموع الوجوه المذكورة في هذا الباب ، ~~فالوجوه الثلاثة الاول مستنبطة من الآية ، والرابع مأخوذ من السنة ، ~~والخامس من القياس الجلي . # أما القسم الثالث : وهو اذا مات وخلف الأولاد الذكور فقط فنقول : أما ~~الابن الواحد فانه اذا انفرد أخذ كل المال ، وبيانه من وجوه : الاول من ~~دلالة قوله تعالى : { للذكر مثل حظ الانثيين } ( النساء : 176 ) فان هذا ~~يدل على أن نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين . # ثم قال تعالى في البنات : { وإن كانت واحدة فلها النصف } فلزم من مجموع ~~هاتين الآيتين ان نصيب الابن المفرد جميع المال . الثاني : أنا نستفيد ذلك ~~من السنة وهي قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما أبقت السهام فلا ولى عصبة ~~ذكر ) ولا نزاع ان الابن عصبة ذكر ، ولما كان الابن آخذا لكل ما بقي بعد ~~السهام وجب فيما إذا لم يكن سهام أن يأخذ الكل . الثالث : ان أقرب العصبات ~~إلى الميت هو الابن ، وليس له بالاجماع قدر معين من الميراث / فاذا لم يكن ~~معه صاحب فرض لم يكن له ان يأخذ قدرا أولى منه بأن يأخذ الزائد ، فوجب أن ~~يأخذ الكل . # فان قيل : حظ الانثيين هو الثلثان فقوله : { للذكر مثل حظ ms2719 الانثيين } ~~يقتضي أن يكون حظ / الذكر مطلقا هو الثلث ، وذلك ينفي أن يأخذ كل المال . ~~PageV09P167 # قلنا : المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد ، ويدل عليه وجهان : ~~أحدهما : ان قوله : { يوصيكم الله فى أولادكم } يقتضي حصول الأولاد ، وقوله ~~: { للذكر مثل حظ الانثيين } يقتضي حصول الذكر والانثى هناك . والثاني : ~~أنه تعالى ذكر عقيبه حال الانفراد ، هذا كله إذا مات وخلف ابنا واحدا فقط ، ~~أما إذا مات وخلف أبناء كانوا متشاركين في جهة الاستحقاق ولا رجحان ، فوجب ~~قسمة المال بينهم بالسوية والله أعلم . بقي في الآية سؤالان : # السؤال الأول : لا شك أن المرأة أعجز من الرجل لوجوه : أما أولا فلعجزها ~~عن الخروج والبروز ، فان زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك . وأما ثانيا : ~~فلنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها . وأما ثالثا : فلأنها متى خالطت ~~الرجال صارت متهمة ، وإذا ثبت أن عجزها أكمل وجب أن يكون نصيبها من الميراث ~~أكثر ، فان لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة ، فما الحكمة في أنه تعالى جعل ~~نصيبها نصف نصيب الرجل . # والجواب عنه من وجوه : الأول : أن خرج المرأة أقل ، لأن زوجها ينفق عليها ~~، وخرج الرجل أكثر لأنه هو المنفق على زوجته ، ومن كان خرجه أكثر فهو إلى ~~المال أحوج . الثاني : أن الرجل أكمل حالا من المرأة في الخلقة وفي العقل ~~وفي المناصب الدينية ، مثل صلاحية القضاء والامامة ، وأيضا شهادة المرأة ~~نصف شهادة الرجل ، ومن كان كذلك وجب أن يكون الانعام عليه أزيد . الثالث : ~~ان المرأة قليلة العقل كثيرة الشهوة ، فاذا انضاف اليها المال الكثير عظم ~~الفساد قال الشاعر : # إن الفراغ والشباب والجده مفسدة للمرء أي مفسده # وقال تعالى : { إن الإنسان ليطغى * أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 7 ) ~~وحال الرجل بخلاف ذلك . والرابع : أن الرجل لكمال عقله يصرف المال إلى ما ~~يفيده الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة ، نحو بناء ~~الرباطات ، وإعانة الملهوفين والنفقة على الأيتام والأرامل ، وإنما يقدر ~~الرجل على ذلك لأنه يخالط الناس كثيرا ، والمرأة تقل مخالطتها مع الناس فلا ~~تقدر على ذلك . الخامس : روي أن ms2720 جعفر الصادق سئل عن هذه المسألة فقال : إن ~~حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها ، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها ، ثم أخذت ~~حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم ، فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله ~~الأمر عليها ، فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل . # السؤال الثاني : لم لم يقل : للأنثيين مثل حظ الذكر ، أو للأنثى مثلا نصف ~~حظ الذكر ؟ # / والجواب من وجوه : الأول : لما كان الذكر أفضل من الأنثى قدم ذكره على ~~ذكر الأنثى ، كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى . الثاني : أن قوله : { للذكر ~~مثل حظ الانثيين } يدل على فضل الذكر بالمطابقة وعلى نقص الأنثى بالالتزام ~~، ولو قال : كما ذكرتم لدل ذلك على نقص الأنثى بالمطابقة وفضل الذكر ~~بالالتزام ، فرجح الطريق الأول تنبيها على أن السعي في تشهير الفضائل يجب ~~أن يكون راجحا على السعي في تشهير الرذائل ، ولهذا قال : { إن أحسنتم ~~أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) فذكر الاحسان مرتين ~~والاساءة مرة واحدة . الثالث : أنهم كانوا يورثون الذكور دون الاناث وهو ~~السبب لورود هذه الآية ، فقيل : كفى للذكر أن جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى ، ~~فلا ينبغى له أن يطمع في جعل الأنثى محرومة عن الميراث بالكلية والله أعلم ~~. PageV09P168 # المسألة السادسة : لا شك أن اسم الولد واقع على ولد الصلب على سبيل ~~الحقيقة ، ولا شك أنه مستعمل في ولد الابن قال تعالى : { تتقون وإذ أخذ } ( ~~الأعراف : 26 ) وقال للذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام : { ~~معى بنى إسراءيل } ( البقرة : 40 ) الا أن البحث في أن لفظ الولد يقع على ~~ولد الابن مجازا أو حقيقة . # فان قلنا : إنه مجاز فنقول : ثبت في أصول الفقه أن اللفظ الواحد لا يجوز ~~أن يستعمل دفعة واحدة في حقيقته وفي مجازه معا ، فحينئذ يمتنع أن يريد الله ~~بقوله : { يوصيكم الله فى أولادكم } ولد الصلب وولد الابن معا . # واعلم أن الطريق في دفع هذا الاشكال أن يقال : انا لا نستفيد حكم ولد ~~الابن من هذه الآية بل من السنة ومن القياس ، وأما ان أردنا أن نستفيده ms2721 من ~~هذه الآية فنقول : الولد وولد الابن ما صارا مرادين من هذه الآية معا ، ~~وذلك لأن أولاد الابن لا يستحقون الميراث إلا في إحدى حالتين ، إما عند عدم ~~ولد الصلب رأسا ، وإما عند ما لا يأخذ ولد الصلب كل الميراث ، فحينئذ ~~يقتسمون الباقي ، وأما أن يستحق ولد الابن مع ولد الصلب على وجه الشركة ~~بينهم كما يستحقه أولاد الصلب بعضهم مع بعض فليس الأمر كذلك ، وعلى هذا لا ~~يلزم من دلالة هذه الآية على الولد وعلى ولد الابن أن يكون قد أريد باللفظ ~~الواحد حقيقته ومجازه معا ، لأنه حين أريد به ولد الصلب ما أريد به ولد ~~الابن ، وحين أريد به ولد الابن ما أريد به ولد الصلب ، فالحاصل ان هذه ~~الآية تارة تكون خطابا مع ولد الصلب وأخرى مع ولد الابن ، وفي كل واحدة من ~~هاتين الحالتين يكون المراد به شيئا واحدا ، أما إذا قلنا : ان وقوع اسم ~~الولد على ولد الصلب وعلى ولد الابن يكون حقيقة ، فان جعلنا اللفظ مشتركا ~~بينهما عاد الاشكال ، لأنه ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك لافادة ~~معنييه معا ، بل الواجب أن يجعله متواطئا فيهما كالحيوان بالنسبة إلى ~~الانسان / والفرس . والذي يدل على صحة ذلك قوله تعالى : { وحلائل أبنائكم ~~الذين من أصلابكم } ( النساء : 23 ) وأجمعوا أنه يدخل فيه ابن الصلب وأولاد ~~الابن ، فعلمنا أن لفظ الابن متواطىء بالنسبة إلى ولد الصلب وولد الابن ، ~~وعلى هذا التقدير يزول الاشكال . # واعلم أن هذا البحث الذي ذكرناه في أن الابن هل يتناول أولاد الابن ؟ ~~قائم في أن لفظ الأب والأم هل يتناول الاجداد والجدات ؟ ولا شك أن ذلك واقع ~~بدليل قوله تعالى : { نعبد إلاهك وإلاه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ( ~~البقرة : 133 ) والأظهر أنه ليس على سبيل الحقيقة ، فان الصحابة اتفقوا على ~~أنه ليس للجد حكم مذكور في القرآن ، ولو كان اسم الأب يتناول الجد على سبيل ~~الحقيقة لما صح ذلك والله أعلم . # المسألة السابعة : اعلم أن عموم قوله تعالى : { يوصيكم الله فى أولادكم ~~للذكر مثل حظ ms2722 الانثيين } زعموا أنه مخصوص في صور أربعة : أحدها : أن الحر ~~والعبد لا يتوارثان . وثانيها : أن القاتل على سبيل العمد لا يرث . وثالثها ~~: أنه لا يتوارث أهل ملتين ، وهذا خبر تلقته الأمة بالقبول وبلغ حد ~~المستفيض ، ويتفرع عليه فرعان . # الفرع الأول : اتفقوا على أن الكافر لا يرث من المسلم ، أما المسلم فهل ~~يرث من الكافر ؟ ذهب الأكثرون إلى أنه أيضا لا يرث ، وقال بعضهم : إنه يرث ~~قال الشعبي : قضى معاوية بذلك وكتب به إلى زياد ، فأرسل ذلك زياد إلى شريح ~~القاضي وأمره به ، وكان شريح قبل ذلك يقضي بعدم التوريث ، فلما أمره زياد ~~PageV09P169 بذلك كان يقضي به ويقول : هكذا قضى أمير المؤمنين . # حجة الأولين عموم قوله عليه السلام : ( لا يتوارث أهل ملتين ) وحجة القول ~~الثاني : ما روي أن معاذا كان باليمن فذكروا له أن يهوديا مات وترك أخا ~~مسلما فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( الاسلام يزيد ولا ~~ينقص ) ثم أكدوا ذلك بأن قالوا إن ظاهر قوله : { يوصيكم الله فى أولادكم ~~للذكر مثل حظ الانثيين } يقتضي توريث الكافر من المسلم ، والمسلم من الكافر ~~، إلا أنا خصصناه بقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يتوارث أهل ملتين ) لأن ~~هذا الخبر أخص من تلك الآية ، والخاص مقدم على العام فكذا ههنا قوله : ( ~~الاسلام يزيد ولا ينقص ) أخص من قوله : ( لا يتوارث أهل ملتين ) فوجب ~~تقديمه عليه ، بل هذا التخصيص أولى ، لأن ظاهر هذا الخبر متأكد بعموم الآية ~~، والخبر الأول ليس كذلك ، وأقصى ما قيل في جوابه : أن قوله : ( الاسلام ~~يزيد ولا ينقص ) ليس نصا في واقعة الميراث فوجب حمله على سائر الاحوال . # الفرع الثاني : المسلم إذا ارتد ثم مات أو قتل ، فالمال الذي اكتسبه في ~~زمان الردة أجمعوا / على أنه لا يورث ، بل يكون لبيت المال ، أما المال ~~الذي اكتسبه حال كونه مسلما ففيه قولان : قال الشافعي : لا يورث بل يكون ~~لبيت المال ، وقال أبو حنيفة : يرثه ورثته من المسلمين ، حجة الشافعي أنا ~~أجمعنا على ترجيح قوله عليه السلام : ( لا يتوارث أهل ملتين ms2723 ) على عموم ~~قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } والمرتد وورثته من المسلمين أهل ملتين ، ~~فوجب أن لا يحصل التوارث . # فان قيل : لا يجوز أن يقال : إن المرتد زال ملكه في آخر الاسلام وانتقل ~~إلى الوارث ، وعلى هذا التقدير فالمسلم انما ورث عن المسلم لا عن الكافر . # قلنا : لو ورث المسلم من المرتد لكان إما أن يرثه حال حياة المرتد أو بعد ~~مماته ، والأول باطل ، ولا يحل له أن يتصرف في تلك الأموال لقوله تعالى : { ~~إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( المؤمنون : 6 ) وهو بالاجماع باطل ~~. والثاني : باطل لأن المرتد عند مماته كافر فيفضي إلى حصول التوارث بين ~~أهل ملتين ، وهو خلاف الخبر . ولا يبقى ههنا إلا أن يقال : إنه يرثه بعد ~~موته مستندا إلى آخر جزء من أجزاء إسلامه ، إلا أن القول بالاستناد باطل ، ~~لأنه لما لم يكن الملك حاصلا حال حياة المرتد ، فلو حصل بعد موته على وجه ~~صار حاصلا في زمن حياته لزم إيقاع التصرف في الزمان الماضي ، وذلك باطل في ~~بداهة العقول ، وإن فسر الاستناد بالتبيين عاد الكلام إلى أن الوارث ورثه ~~من المرتد حال حياة المرتد ، وقد أبطلناه والله أعلم . # الموضع الرابع : من تخصيصات هذه الآية ما هو مذهب أكثر المجتهدين أن ~~الأنبياء عليهم السلام لا يورثون ، والشيعة خالفوا فيه ، روي أن فاطمة ~~عليها السلام لما طلبت الميراث ومنعوها منه ، احتجوا بقوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) فعند هذا احتجت ~~فاطمة عليها السلام بعموم قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } وكأنها أشارت ~~إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ، ثم ان الشيعة قالوا : ~~بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد إلا أنه غير جائز ههنا ، ~~وبيانه من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على خلاف قوله تعالى : حكاية عن زكريا ~~عليه السلام { يرثنى ويرث من ءال يعقوب } ( مريم : 6 ) وقوله تعالى : { ~~وورث سليمان * داوود } ( النمل : 16 ) قالوا : ولا يمكن حمل ذلك على وراثة ~~العلم والدين لأن ذلك لا يكون وراثة ms2724 في الحقيقة . بل PageV09P170 يكون كسبا ~~جديدا مبتدأ ، إنما التوريث لا يتحقق إلا في المال على سبيل الحقيقة ، ~~وثانيها : أن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلا فاطمة وعلي والعباس ~~وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء وأهل الدين ، وأما أبو بكر فانه ما ~~كان محتاجا إلى معرفة هذه المسألة البتة ، لأنه ما كان ممن يخطر بباله أنه ~~يرث من الرسول عليه الصلاة والسلام فكيف يليق بالرسول عليه الصلاة والسلام ~~أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى ~~معرفتها أشد الحاجة / وثالثها : يحتمل أن قوله : ( ما تركناه صدقة ) صلة ~~لقوله : / ( لا نورث ) والتقدير : أن الشيء الذي تركناه صدقة ، فذلك الشيء ~~لا يورث . # فان قيل : فعلى هذا التقدير لا يبقى للرسول خاصية في ذلك . # قلنا : بل تبقى الخاصية لاحتمال أن الأنبياء إذا عزموا على التصدق بشيء ~~فبمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم ولا يرثه وارث عنهم ، وهذا المعنى مفقود في ~~حق غيرهم . # والجواب : أن فاطمة عليها السلام رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة ، ~~وانعقد الاجماع على صحة ما ذهب اليه أبو بكر فسقط هذا السؤال والله أعلم . # المسألة الثامنة : من المسائل المتعلقة بهذه الآية أن قوله : { للذكر مثل ~~حظ الانثيين } معناه للذكر منهم ، فحذف الراجع اليه لأنه مفهوم ، كقولك : ~~السمن منوان بدرهم ، والله أعلم . # أما قوله تعالى : { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } المعنى إن ~~كانت البنات أو المولودات نساء خلصا ليس معهن ابن ، وقوله : { فوق اثنتين } ~~يجوز أن يكون خبرا ثانيا لكان ، وأن يكون صفة لقوله : { نساء } أي نساء ~~زائدات على اثنتين . وههنا سؤالات . # السؤال الأول : قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } كلام مذكور لبيان حظ ~~الذكر من الأولاد ، لا لبيان حظ الأنثيين ، فكيف يحسن إرادته بقوله : { فإن ~~كن نساء } وهو لبيان حظ الاناث . # والجواب من وجهين : الأول : أنا بينا أن قوله : { للذكر مثل حظ الانثيين ~~} دل على أن حظ الأنثيين هو الثلثان ، فلما ذكر ما دل على حكم الأنثيين ms2725 قال ~~بعده : { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } على معنى : فان كن ~~جماعة بالغات ما بلغن من العدد ، فلهن ما للثنتين وهو الثلثان ، ليعلم أن ~~حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت ، فثبت أن هذا العطف متناسب . الثاني : ~~أنه قد تقدم ذكر الأنثيين ، فكفى هذا القول في حسن هذا العطف . # السؤال الثاني : هل يصح أن يكون الضميران في ( كن ) و ( كانت ) مبهمين ~~ويكون ( نساء ) و ( واحدة ) تفسيرا لهما على ان ( كان ) تامة ؟ # الجواب : ذكر صاحب ( الكشاف ) : أنه ليس ببعيد . # السؤال الثالث : النساء : جمع ، وأقل الجمع ثلاثة ، فالنساء يجب أن يكن ~~فوق اثنتين فما الفائدة في التقييد بقوله فوق اثنتين ؟ # الجواب : من يقول أقل الجمع اثنان فهذه الآية حجته ، ومن يقول : هو ثلاثة ~~قال هذا للتأكيد ، كما في قوله : { إنما يأكلون فى بطونهم نارا } ( النساء ~~: 10 ) وقوله : { لا تتخذوا إلاهين اثنين إنما هو إلاه واحد } . ~~PageV09P171 # أما قوله تعالى : { وإن كانت واحدة فلها النصف } فنقول : قرأ نافع ( ~~واحدة ) بالرفع ، والباقون بالنصب ، أما الرفع فعلى كان التامة ، والاختيار ~~النصب لأن التي قبلها لها خبر منصوب وهو قوله : { فإن كن نساء } ( النحل : ~~51 ) والتقدير : فان كان المتروكات أو الوارثات نساء فكذا ههنا ، التقدير : ~~وإن كانت المتروكة واحدة ، وقرأ زيد بن علي : النصف ، بضم النون . # قوله تعالى : { ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } . # اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية ميراث الأولاد ذكر بعده ميراث الأبوين ، ~~وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الحسن ونعيم بن أبي ميسر { السدس } بالتخفيف وكذلك ~~الربع و { الثمن } . # المسألة الثانية : اعلم أن للأبوين ثلاثة أحوال . # الحالة الأولى : أن يحصل معهما ولد وهو المراد من هذه الآية ، واعلم أنه ~~لا نزاع أن اسم لولد يقع على الذكر والانثى ، فهذه الحالة يمكن وقوعها على ~~ثلاثة أوجه : أحدها : أن يحصل مع الأبوين ولد ذكر واحد ، أو أكثر من واحد ، ~~فههنا الابوان لكل واحد منهما السدس . وثانيها : أن يحصل مع الأبوين بنتان ~~أو أكثر ، وههنا الحكم ما ذكرناه ms2726 أيضا . وثالثها : أن يحصل مع الأبوين بنت ~~واحدة فههنا للبنت النصف ، وللام السدس وللأب السدس بحكم هذه الآية . ~~والسدس الباقي أيضا للأب بحكم التعصيب ، وههنا سؤالات . # السؤال الأول : لا شك أن حق الوالدين على الانسان أعظم من حق ولده عليه ، ~~وقد بلغ حق الوالدين إلى أن قرن الله طاعته بطاعتهما فقال : { وقضى ربك * ~~أن لا تعبدوا إلا * إياه وبالوالدين إحسانا } وإذا كان كذلك فما السبب في ~~أنه تعالى جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل ؟ # والجواب عن هذا في نهاية الحسن والحكمة ، وذلك لأن الوالدين ما بقي من ~~عمرهما إلا القليل فكان احتياجهما إلى المال قليلا ، أما الأولاد فهم في ~~زمن الصبا فكان احتياجهم إلى المال كثيرا فظهر الفرق . # السؤال الثاني : الضمير في قوله : { ولابويه } إلى ماذا يعود ؟ # الجواب : أنه ضمير عن غير مذكور ، والمراد : ولأبوي الميت . # السؤال الثالث : ما المراد بالأبوين ؟ # والجواب : هما الأب والأم ، والأصل في الأم أن يقال لها أبة ، فأبوان ~~تثنية أب وأبة . # / السؤال الرابع : كيف تركيب هذه الآية . # الجواب : قوله : { لكل واحد منهما } بدل من قوله : { * لأبويه } بتكرير ~~العامل ، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل : ولأبويه السدس لكان ظاهره ~~اشتراكهما فيه . # فان قيل : فهلا قيل لكل واحد من أبويه السدس . PageV09P172 # قلنا : لأن في الابدال والتفصيل بعد الاجمال تأكيدا وتشديدا ، والسدس ~~مبتدأ وخبره : لأبويه ، والبدل متوسط بينهما للبيان . # قوله تعالى : { ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث } . # وفي الآية مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الحالة الثانية من أحوال الأبوين ، وهو ~~أن لا يحصل معهما أحد من الأولاد ، ولا يكون هناك وارث سواهما ، وهو المراد ~~من قوله : { وورثه أبواه } فههنا للأم الثلث ، وذلك فرض لها ، والباقي للأب ~~، وذلك لأن قوله : { وورثه أبواه } ظاهره مشعر بأنه لا وارث له سواهما ، ~~واذا كان كذلك كان مجموع المال لهما ، فاذا كان نصيب الأم هو الثلث وجب أن ~~يكون الباقي وهو الثلثان للأب ، فههنا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ ~~الأنثيين كما في حق الأولاد ، ويتفرع ms2727 على ما ذكرنا فرعان : الأول : أن ~~الآية السابقة دلت على أن فرض الاب هو السدس ، وفي هذه الصورة يأخذ الثلثين ~~إلا أنه ههنا يأخذ السدس بالفريضة ، والنصف بالتعصيب . الثاني : لما ثبت ~~أنه يأخذ النصف بالتعصيب في هذه الصورة وجب أن يكون الأب اذا انفرد أن يأخذ ~~كل المال ، لأن خاصية العصبة هو أن يأخذ الكل عند الانفراد ، هذا كله اذا ~~لم يكن للميت وارث سوى الأبوين ، أما اذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فذهب ~~أكثر الصحابة إلى أن الزوج يأخذ نصيبه ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم ، ويدفع ~~الباقي إلى الأب ، وقال ابن عباس : يدفع إلى الزوج نصيبه ، والى الأم الثلث ~~، ويدفع الباقي إلى الأب ، وقال : لا أجد في كتاب الله ثلث ما بقي ، وعن ~~ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين ، وخالفه في الزوج ~~والأبوين ، لأنه يفضي إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين ، وأما في الزوجة ~~فانه لا يفضي إلى ذلك ، وحجة الجمهور وجوه : الأول : أن قاعدة الميراث أنه ~~متى اجتمع الرجل والمرأة من جنس واحد كان للذكر مثل حظ الأنثيين ، ألا ترى ~~أن الابن مع البنت كذلك قال تعالى : { يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ ~~الانثيين } ( النساء : 176 ) وأيضا الأخ مع الأخت كذلك قال تعالى : { وإن ~~كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين } وأيضا الأم مع الأب كذلك ~~، لأنا بينا أنه اذا كان لا وارث غيرهما فللأم الثلث ، وللأب الثلثان ، اذا ~~ثبت هذا فنقول : اذا أخذ الزوج نصيبه وجب أن يبقى الباقي بين الأبوين ~~أثلاثا ، للذكر مثل حظ الأنثيين . الثاني : أن الأبوين يشبهان شريكين ~~بينهما مال ، فاذا صار شيء منه مستحقا بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق ~~الأول ، الثالث : أن الزوج إنما أخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة ~~، فأشبه الوصية في قسمة الباقي ، الرابع : أن المرأة اذا خلفت زوجا وأبوين ~~فللزوج النصف ، فلو دفعنا الثلث إلى الأم والسدس إلى الأب لزم أن يكون ~~للأنثى مثل حظ الذكرين ، وهذا خلاف قوله ms2728 : { للذكر مثل حظ الانثيين } . # واعلم أن الوجوه الثلاثة الأول : يرجع حاصلها إلى تخصيص عموم القرآن ~~بالقياس . # وأما الوجه الرابع : فهو تخصيص لأحد العمومين بالعموم الثاني . ~~PageV09P173 # المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي { فلامه } بكسر الهمزة والميم ~~وشرطوا في جواز هذه الكسرة أن يكون ما قبلها حرفا مكسروا أو ياء . # أما الأول : فكقوله : { فى بطون أمهاتكم } ( الزمر : 6 ) . # وأما الثاني : فكقوله : { فى أمها رسولا } ( القصص : 59 ) وإذا لم يوجد ~~هذا الشرط فليس إلا الضم كقوله : { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية } وأما ~~الباقون فانهم قرؤا بضم الهمزة ، أما وجه من قرأ بالكسر قال الزجاج : انهم ~~استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله : { فلامه } وذلك لأن اللام لشدة ~~اتصالها بالأم صار المجموع كأنه كلمة واحدة ، وليس في كلام العرب فعل بكسر ~~الفاء وضم العين ، فلا جرم جعلت الضمة كسرة ، وأما وجه من قرأ الهمزة بالضم ~~فهو أتى بها على الأصل ، ولا يلزم منه استعمال فعل لأن اللازم في حكم ~~المنفصل والله أعلم . # قوله تعالى : { فإن كان له إخوة فلامه السدس } . # اعلم أن هذا هو الحالة الثالثة من أحوال الأبوين وهي أن يوجد معهما ~~الاخوة ، والأخوات وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اتفقوا على أن الأخت الواحدة لا تحجب الأم من الثلث إلى ~~السدس ، واتفقوا على أن الثلاثة يحجبون ، واختلفوا في الأختين ، فالأكثرون ~~من الصحابة على القول باثبات / الحجب كما في الثلاثة ، وقال ابن عباس : لا ~~يحجبان كما في حق الواحدة ، حجة ابن عباس أن الآية دالة على أن هذا الحجب ~~مشروط بوجود الاخوة ، ولفظ الاخوة جمع وأقل الجمع ثلاثة على ما ثبت في أصول ~~الفقه ، فاذا لم توجد الثلاثة لم يحصل شرط الحجب ، فوجب أن لا يحصل الحجب . ~~روي أن ابن عباس قال لعثمان : بم صار الاخوان يردان الأم من الثلث إلى ~~السدس ؟ وإنما قال الله تعالى : { فإن كان له إخوة } والأخوان في لسان قومك ~~ليسا باخوة ؟ فقال عثمان : لا أستطيع أن أرد قضاء قضى به من قبلي ومضى في ~~الأمصار . # واعلم أن في هذه الحكاية دلالة ms2729 على أن أقل الجمع ثلاثة لأن ابن عباس ذكر ~~ذلك مع عثمان ، وعثمان ما أنكره ، وهما كانا من صميم العرب ، ومن علماء ~~اللسان ، فكان اتفاقهما حجة في ذلك . # واعلم أن للعلماء في أقل الجمع قولين : الأول : أن أقل الجمع اثنان وهو ~~قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمة الله عليه ، واحتجوا فيه بوجوه : أحدها ~~: قوله تعالى : { فقد صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) ولا يكون للانسان ~~الواحد أكثر من قلب واحد ، وثانيها : قوله تعالى : { فإن كن نساء فوق ~~اثنتين } والتقييد بقوله : فوق اثنتين إنما يحسن لو كان لفظ النساء صالحا ~~للثنتين ، وثالثها : قوله : ( الاثنان فما فوقهما جماعة ) والقائلون بهذا ~~المذهب زعموا أن ظاهر الكتاب يوجب الحجب بالأخوين / الا أن الذي نصرناه في ~~أصول الفقه أن أقل الجمع ثلاثة ، وعلى هذا التقدير فظاهر الكتاب لا يوجب ~~الحجب بالأخوين ، وإنما الموجب لذلك هو القياس ، وتقريره أن نقول : الأختان ~~يوجبان الحجب ، وإذا كان كذلك فالأخوان وجب أن يحجبا أيضا ، إنما ~~PageV09P174 قلنا إن الأختين يحجبان ، وذلك لأنا رأينا أن الله تعالى نزل ~~الاثنين من النساء منزلة الثلاثة في باب الميراث ، ألا ترى أن نصيب البنتين ~~ونصيب الثلاثة هو الثلثان ، وأيضا نصيب الأختين من الأم ونصيب الثلاثة هو ~~الثلث ، فهذا الاستقراء يوجب أن يحصل الحجب بالأختين ، كما أنه حصل ~~بالأخوات الثلاثة ، فثبت أن الأختين يحجبان ، واذا ثبت ذلك في الأختين لزم ~~ثبوته في الأخوين ، لأنه لا قائل بالفرق ، فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في ~~هذا الموضع ، وفيه إشكال لأن إجراء القياس في التقديرات صعب لأنه غير معقول ~~المعنى ، فيكون ذلك مجرد تشبيه من غير جامع ، ويمكن أن يقال : لا يتمسك به ~~على طريقة القياس ، بل على طريقة الاستقراء لأن الكثرة أمارة العموم ، إلا ~~أن هذا الطريق في غاية الضعف والله أعلم ، واعلم أنه تأكد هذا باجماع ~~التابعين على سقوط مذهب ابن عباس ، والأصح في أصول الفقه أن الاجماع الحاصل ~~عقيب الخلاف حجة والله أعلم . # المسألة الثانية : الاخوة اذا حجبوا الأم من الثلث إلى السدس فهم لا ~~يرثون ms2730 شيئا البتة ، بل / يأخذ الأب كل الباقي وهو خمسة أسداس ، سدس بالفرض ~~، والباقي بالتعصيب ، وقال ابن عباس : الاخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم ~~عنه ، وما بقي فللأب ، وحجته أن الاستقراء دل على أن من لا يرث لا يحجب ، ~~فهؤلاء الاخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا ، وحجة الجمهور أن عند عدم الاخوة ~~كان المال ملكا للأبوين ، وعند وجود الاخوة لم يذكرهم الله تعالى إلا بأنهم ~~يحجبون الأم من الثلث إلى السدس ، ولا يلزم من كونه حاجبا كونه وارثا ، ~~فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين ، كما كان قبل ذلك ~~والله أعلم . # قوله تعالى : { من بعد وصية يوصى بها } . # اعلم أن مسائل الوصايا تذكر في خاتمة هذه الآية وههنا مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد والوالدين ، قال : { ~~السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين } أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء ~~إذا فضل عن الوصية والدين ، وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين ، حتى لو ~~استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق ، فأما إذا لم يكن دين ، ~~أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء ، فان أوصى الميت بوصية أخرجت الوصية من ~~ثلث ما فضل ، ثم قسم الباقي ميراثا على فرائض الله . # المسألة الثانية : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إنكم ~~لتقرؤن الوصية قبل الدين ، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل ~~الوصية . # واعلم أن مراده رضي الله تعالى عنه التقديم في الذكر واللفظ ، وليس مراده ~~أن الآية تقتضي تقديم الوصية على الدين في الحكم لأن كلمة ( أو ) لا تفيد ~~الترتيب ألبتة . # واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين : الأول : ~~أن الوصية مال يؤخذ PageV09P175 بغير عوض فكان اخراجها شاقا على الورثة ، ~~فكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين ، فان نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه ~~، فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها ~~وترغيبا ms2731 في اخراجها ، ثم أكد في ذلك الترغيب بادخال كلمة ( أو ) على الوصية ~~والدين ، تنبيها على أنهما في وجوب الاخراج على السوية . الثاني : أن سهام ~~المواريث كما أنها تؤخر عن الدين فكذا تؤخر عن الوصية ، ألا ترى أنه إذا ~~أوصى بثلث ماله كان سهام الورثة معتبرة بعد تسليم الثلث إلى الموصى له ، ~~فجمع الله بين ذكر الدين وذكر الوصية / ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة / ~~بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين ، بل فرق بين الدين وبين الوصية من جهة ~~أخرى ، وهي أنه لو هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصايا ~~وفي أنصباء أصحاب الارث ، وليس كذلك الدين ، فانه لو هلك من المال شيء ~~استوفى الدين كله من الباقي ، وإن استغرقه بطل حق الموصى له وحق الورثة ~~جميعا ، فالوصية تشبه الارب من وجه ، والدين من وجه آخر ، أما مشابهتها ~~بالارث فما ذكرنا أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب ~~الوصية والارث ، وأما مشابهتها بالدين فلأن سهام أهل المواريث معتبرة بعد ~~الوصية كما أنها معتبرة بعد الدين والله أعلم . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : ما معنى ( أو ) ههنا وهلا قيل : من ~~بعد وصية يوصى بها ودين ، والجواب من وجهين : الأول : أن ( أو ) معناها ~~الاباحة كما لو قال قائل : جالس الحسن أو ابن سيرين والمعنى أن كل واحد ~~منهما أهل أن يجالس ، فان جالست الحسن فأنت مصيب ، أو ابن سيرين فأنت مصيب ~~، وإن جمعتهما فأنت مصيب ، أما لو قال : جالس الرجلين فجالست واحدا منهما ~~وتركت الآخر كنت غير موافق للأمر ، فكذا ههنا لو قال : من بعد وصية ودين ~~وجب في كل مال أن يحصل فيه الأمران ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، أما اذا ذكره ~~بلفظ ( أو ) كان المعنى أن أحدهما إن كان فالميراث بعده ، وكذلك إن كان ~~كلاهما . الثاني : أن كلمة ( أو ) اذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو ~~كقوله : { ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا } ( الإنسان : 24 ) وقوله : { حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو ms2732 الحوايا أو ما اختلط بعظم } ( ~~الأنعام : 146 ) فكانت ( أو ) ههنا بمعنى الواو ، فكذا قوله تعالى : { من ~~بعد وصية يوصى بها أو دين } لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال إلا أن ~~يكون هناك وصية أو دين فيكون المراد بعدهما جميعا . # المسألة الرابعة : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم { يوصى } ~~بفتح الصاد على ما لم يسم فاعله . وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر ~~الصاد إضافة إلى الموصى وهو الاختيار بدليل قوله تعالى : { مما ترك إن كان ~~له ولد } . # قوله تعالى : { وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن ~~الله كان عليما حكيما ولكم } . # اعلم أن هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين قوله : { فريضة ~~من الله } ومن حق / الاعتراض أن يكون ما اعترض مؤكدا ما اعترض بينه ومناسبه ~~، فنقول : إنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد PageV09P176 وأنصباء الأبوين ، ~~وكانت تلك الأنصباء مختلفة والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات ، ~~والانسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع له ~~وأصلح ، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث على هذا الوجه ، وانهم كانوا ~~يورثون الرجال الأقوياء ، وما كانوا يورثون الصبيان والنسوان والضعفاء ، ~~فالله تعالى أزال هذه الشبهة بأن قال : إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط ~~بمصالحكم ، فربما اعتقدتم في شيء أنه صالح لكم وهو عين المضرة وربما ~~اعتقدتم فيه أنه عين المضرة ويكون عين المصلحة ، وأما الاله الحكيم الرحيم ~~فهو العالم بمغيبات الأمور وعواقبها ، فكأنه قيل : أيها الناس اتركوا تقدير ~~المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم ، وكونوا مطيعين لأمر الله في هذه ~~التقديرات التي قدرها لكم ، فقوله : { وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا فريضة } اشارة إلى ترك ما يميل اليه الطبع من قسمة المواريث على ~~الورثة ، وقوله : { فريضة من الله } اشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة ~~التي قدرها الشرع وقضى بها / وذكروا في المراد من قوله : { أيهم أقرب لكم ~~نفعا } وجوها : الأول : المراد أقرب لكم نفعا في الآخرة ، قال ms2733 ابن عباس : ~~إن الله ليشفع بعضهم في بعض ، فأطوعكم لله عز وجل من الأبناء والآباء ~~أرفعكم درجة في الجنة ، وإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع ~~الله اليه ولده بمسألته ليقر بذلك عينه ، وإن كان الولد أرفع درجة من ~~والديه رفع الله إليه والديه ، فقال : { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } لأن ~~أحدهما لا يعرف أن انتفاعه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك . الثاني : المراد ~~كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة ما أوجب من الانفاق عليه ~~والتربية له والذب عنه والثالث : المراد جواز أن يموت هذا قبل ذلك فيرثه ~~وبالضد . # قوله تعالى : { فريضة من الله } هو منصوب نصب المصدر المؤكد أي فرض ذلك ~~فرضا إن الله كان عليما حكيما ، والمعنى أن قسمة الله لهذه المواريث أولى ~~من القسمة التي تميل اليها طباعكم ، لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، ~~فيكون عالما بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ، وأنه حكيم لا يأمر ~~إلا بما هو الأصلح الأحسن ، ومتى كان الأمر كذلك كانت قسمته لهذه المواريث ~~أولى من القسمة التي تريدونها ، وهذا نظير قوله للملائكة : { إني أعلم ما ~~لا تعلمون } ( البقرة : 30 ) . # فان قيل : لم قال : { كان عليما حكيما } مع أنه الآن كذلك . # قلنا : قال الخليل : الخبر عن الله بهذه الألفاظ كالخبر بالحال ~~والاستقبال ، لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان ، وقال سيبويه : القوم ~~لما شاهدوا علما وحكمة وفضلا وإحسانا تعجبوا ، فقيل / لهم : إن الله كان ~~كذلك ، ولم يزل موصوفا بهذه الصفات . # ! 7 < { ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم ~~الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بهآ أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم ~~يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بهآ ~~أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما ~~السدس فإن كانوا أكثر من ذالك فهم شركآء فى الثلث من بعد ms2734 وصية يوصى بهآ أو ~~دين غير مضآر وصية من الله والله عليم حليم } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 12 ) ولكم نصف ما . . . . . # > > PageV09P177 @178@ # اعلم أنه تعالى أورد أقسام الورثة في هذه الآيات على أحسن الترتيبات ، ~~وذلك لأن الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة ، فان اتصل ~~به بغير واسطة فسبب الاتصال اما أن يكون هو النسب أو الزوجية ، فحصل ههنا ~~أقسام ثلاثة ، أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب ، وذلك ~~هو قرابة الولاد ، ويدخل فيها الأولاد والوالدان فالله تعالى قدم حكم هذا ~~القسم . وثانيها : الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية ، وهذا القسم ~~متأخر في الشرف عن القسم الأول لأن الأول ذاتي وهذا الثاني عرضي ، والذاتي ~~أشرف من العرضي ، وهذا القسم هو المراد من هذه الآية التي نحن الآن في ~~تفسيرها . وثالثها : الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة ، ~~وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لوجوه : أحدها : أن الأولاد والوالدين ~~والأزواج والزوجات لا يعرض لهم السقوط بالكلية ، وأما الكلالة فقد يعرض لهم ~~السقوط بالكلية . وثانيها : أن القسمين الأولين ينسب كل واحد منهما إلى ~~الميت بغير واسطة ، والكلالة تنسب إلى الميت بواسطة والثابت ابتداء أشرف من ~~الثابت بواسطة . وثالثها : أن مخالطة الانسان بالوالدين والأولاد والزوج ~~والزوجة أكثر وأتم من مخالطته بالكلالة . وكثرة المخالطة مظنة الالفة ~~والشفقة ، وذلك يوجب شدة الاهتمام بأحوالهم ، فلهذه الأسباب الثلاثة ~~وأشباهها أخر الله تعالى ذكر مواريث الكلالة عن ذكر القسمين الأولين فما ~~أحسن هذا الترتيب وما أشد انطباقه / على قوانين المعقولات وفي الآية مسائل ~~: # المسألة الأولى : أنه تعالى لما جعل في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ ~~الانثيين كذلك جعل في الموجب السببي حظ الرجل مثل حظ الانثيين ، واعلم أن ~~الواحد والجماعة سواء في الربع والثمن ، والولد من ذلك الزوج ومن غيره سواء ~~في الرد من النصف إلى الربع أو من الربع إلى الثمن ، واعلم أنه لا فرق في ~~الولد بين الذكر والانثى ولا فرق بين الابن وبين ابن الابن ولا بين البنت ~~وبين بنت الابن والله أعلم ms2735 . # المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : يجوز للزوج غسل زوجته ، وقال ~~أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجوز . حجة الشافعي أنها بعد الموت زوجته فيحل ~~له غسلها ، بيان أنها زوجته قوله تعالى : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } ~~سماها زوجة حال ما أثبت للزوج نصف مالها عند موتها ، إذا ثبت للزوج نصف ~~مالها عند موتها ، فوجب أن تكون زوجة له بعد موتها ، إذا ثبت هذا وجب أن ~~يحل له غسلها لأنه قبل الزوجية ما كان يحل له غسلها ، وعند حصول الزوجية حل ~~له غسلها ، والدوران دليل العلية ظاهرا . وحجة أبي حنيفة أنها ليست زوجته ~~ولا يحل له غسلها : بيان عدم الزوجية أنها لو كانت زوجته لحل له بعد الموت ~~وطؤها لقوله : { إلا على أزواجهم } ( المؤمنون : 6 ) وإذا ثبت هذا وجب أن ~~لا يثبت حل الغسل / لأنه لو ثبت لثبت اما مع حل النظر وهو باطل لقوله عليه ~~السلام : ( غض بصرك إلا عن زوجتك ) أو بدون حل النظر وهو باطل بالاجماع . # والجواب : لما تعارضت الآيتان في ثبوت الزوجية وعدمها وجب الترجيح فنقول ~~: لو لم تكن زوجة لكان قوله : { نصف ما ترك أزواجكم } مجازا ، ولو كانت ~~زوجة مع أنه لا يحل وطؤها لزم التخصيص ، وقد ذكرنا في أصول الفقه أن ~~التخصيص أولى ، فكان الترجيح من جانبنا ، وكيف وقد علمنا أن في صور كثيرة ~~حصلت PageV09P178 الزوجية ولم يحصل حل الوطء مثل زمان الحيض والنفاس ومثل ~~نهار رمضان ، وعند اشتغالها باداء الصلاة المفروضة والحج المفروض ، وعند ~~كونها في العدة عن الوطء بالشبهة ، وأيضا فقد بينا في الخلافيات أن حل ~~الوطء ثبت على خلاف الدليل لما فيه من المصالح الكثيرة ، فبعد الموت لم يبق ~~شيء من تلك المصالح ، فعاد إلى أصل الحرمة ، أما حل الغسل فان ثبوته بعد ~~الموت منشأ للمصالح الكثيرة فوجب القول ببقائه والله أعلم . # المسألة الثالثة : في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء لأنه تعالى ~~حيث ذكر الرجال في هذه الآية ذكرهم على سبيل المخاطبة ، وحيث ذكر النساء ~~ذكرهن على سبيل ms2736 المغايبة ، وأيضا / خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات ~~، وذكر النساء فيها على سبيل الغيبة أقل من ذلك ، وهذا يدل على تفضيل ~~الرجال على النساء ، وما أحسن ما راعى هذه الدقيقة لأنه تعالى فضل الرجال ~~على النساء في النصيب ، ونبه بهذه الدقيقة على مزيد فضلهم عليهن . # قوله تعالى : { وإن كان رجل يورث كلالة * ءان * امرأة وله أخ أو أخت فلكل ~~واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذالك فهم شركاء فى الثلث من } . # اعلم أن هذه الآية في شرح توريث القسم الثالث من أقسام الورثة وهم ~~الكلالة وهم الذين ينسبون إلى الميت بواسطة . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : كثر أقوال الصحابة في تفسير الكلالة ، واختيار أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه أنها عبارة عمن سوى الوالدين والولد ، وهذا هو المختار ~~والقول الصحيح ، وأما عمر رضي الله عنه فانه كان يقول : الكلالة من سوى ~~الولد ، وروي أنه لما طعن قال : كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له ، وأنا ~~أستحيى أن أخالف أبا بكر ، الكلالة من عدا الوالد والولد ، وعن عمر فيه ~~رواية أخرى : وهي التوقف ، وكان يقول : ثلاثة ، لأن يكون بينها الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لنا أحب الي من الدنيا وما فيها : الكلالة ، والخلافة ، ~~والربا . والذي يدل على صحة قول الصديق رضي الله عنه وجوه : الأول : التمسك ~~باشتقاق لفظ الكلالة وفيه وجوه : الأول : يقال : كلت الرحم بين فلان وفلان ~~إذا تباعدت القرابة ، وحمل فلان على فلان ، ثم كل عنه إذا تباعد . فسميت ~~القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه . الثاني : يقال : كل الرجل يكل كلا ~~وكلالة إذا أعيا وذهبت قوته ، ثم جعلوا هذا اللفظ استعارة من القرابة ~~الحاصلة لا من جهة الولادة ، وذلك لانا بينا أن هذه القرابة حاصلة بواسطة ~~الغير فيكون فيها ضعف ، وبهذا يظهر أنه يبعد ادخال الوالدين في الكلالة لأن ~~انتسابهما إلى الميت بغير واسطة . الثالث : الكلالة في أصل اللغة عبارة عن ~~الاحاطة ، ومنه الاكليل لاحاطته / بالرأس ، ومنه الكل لاحاطته بما يدخل فيه ~~، ويقال تكلل السحاب ms2737 إذا صار محيطا بالجوانب ، إذا عرفت هذا فنقول : من عدا ~~الوالد والولد إنما PageV09P179 سموا بالكلالة ، لأنهم كالدائرة المحيطة ~~بالانسان وكالاكليل المحيط برأسه : أما قرية الولادة فليست كذلك فان فيها ~~يتفرع البعض عن البعض : ويتولد البعض من البعض ، كالشيء الواحد الذي يتزايد ~~على نسق واحد ، ولهذا قال الشاعر : # % نسب تتابع كابرا عن كابر % % كالرمح أنبوبا على أنبوب % # فأما القرابة المغايرة لقرابة الولادة / وهي كالاخوة والأخوات والأعمام ~~والعمات ، فانما يحصل لنسبهم اتصال وإحاطة بالمنسوب اليه ، فثبت بهذه ~~الوجوه الاشتقاقية أن الكلالة عبارة عمن عدا الوالدين والولد . # الحجة الثانية : أنه تعالى ما ذكر لفظ الكلالة في كتابه إلا مرتين ، في ~~هذه السورة : أحدهما : في هذه الآية ، والثاني : في آخر السورة وهو قوله : ~~{ قل الله يفتيكم فى الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ~~ترك } ( النساء : 176 ) واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على أن الكلالة من ~~لا ولد له فقط ، قال : لأن المذكور ههنا في تفسير الكلالة : هو أنه ليس له ~~ولد ، إلا أنا نقول : هذه الآية تدل على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد ~~. وذلك لأن الله تعالى حكم بتوريث الاخوة والأخوات حال كون الميت كلالة ، ~~ولا شك أن الاخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين ، فوجب أن لا يكون ~~الميت كلالة حال وجود الأبوين . # الحجة الثانية : انه تعالى ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة ~~ثم أتبعها بذكر الكلالة ، وهذا الترتيب يقتضي أن تكون الكلالة من عدا ~~الوالدين والولد . # الحجة الرابعة : قول الفرزدق : # % ورثتم قناة الملك لا عن كلالة % % عن ابني مناف عبد شمس وهاشم % # دل هذا البيت على أنهم ما ورثوا الملك عن الكلالة ، ودل على أنهم ورثوها ~~عن آبائهم ، وهذا يوجب أن لا يكون الأب داخلا في الكلالة والله أعلم . # المسألة الثانية : الكلالة قد تجعل وصفا للوارث وللمورث ، فاذا جعلناها ~~وصفا للوارث فالمراد من سوى الأولاد والوالدين ، واذا جعلناها وصفا للمورث ~~، فالمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد ، أما بيان أن هذا ms2738 اللفظ ~~مستعمل في الوارث فالدليل عليه ما روى جابر قال : مرضت مرضا أشفيت منه على ~~الموت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إني رجل لا ~~يرثني إلا كلالة ، وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد ، وأما أنه مستعمل في ~~المورث فالبيت الذي / رويناه عن الفرزدق ، فان معناه أنكم ما ورثتم الملك ~~عن الأعمام ، بل عن الآباء فسمى العم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث ، اذا ~~عرفت هذا فنقول : المراد من الكلالة في هذه الآية الميت ، الذي لا يختلف ~~الوالدين والولد ، لأن هذا الوصف إنما كان معتبرا في الميت الذي هو المورث ~~لا في الوارث الذي لا يختلف حاله بسب أن له ولدا أو والدا أم لا . # المسألة الثالثة : يقال رجل كلالة ، وامرأة كلالة ، وقوم كلالة ، لا يثنى ~~ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والوكالة . # إذا عرفت هذا فنقول : إذا جعلناها صفة للوارث أو المورث كان بمعنى ذي ~~كلالة ، كما يقول : فلان من قرابتي يريد من ذوي قرابتي ، قال صاحب ( الكشاف ~~) : ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق . PageV09P180 # المسألة الرابعة : قوله : { يورث } فيه احتمالان : الأول : أن يكون ذلك ~~مأخوذا من ورثه الرجل يرثه ، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الموروث منه ، ~~وفي انتصاب كلالة وجوه : أحدها : النصب على الحال ، والتقدير : يورث حال ~~كونه كلالة ، والكلالة مصدر وقع موقع الحال تقديره : يورث متكلل النسب ، ~~وثانيها : أن يكون قوله : { يورث } صفة لرجل ، و { كلالة } خبر كان ، ~~والتقدير وإن كان رجل يورث منه كلالة ، وثالثها : أن يكون مفعولا له ، أي ~~يورث لأجل كونه كلالة . # الاحتمال الثاني : في قوله : { يورث } أن يكون ذلك مأخوذا من أورث يورث ، ~~وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الوارب ، وانتصاب كلالة على هذا التقدير ~~أيضا يكون على الوجوه المذكورة . # المسألة الخامسة : قرأ الحسن ، وأبو رجاء العطاردي : يورث ويورث بالتخفيف ~~والتشديد على الفاعل . # أما قوله تعالى : { وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس } ففيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : ههنا سؤال : وهو أنه تعالى قال : { وإن كان رجل ms2739 يورث ~~كلالة أو امرأة } ثم قال : { وله أخ } فكنى عن الرجل وما كنى عن المرأة فما ~~السبب فيه ؟ # والجواب قال الفراء : هذا جائز فانه إذا جاء حرفان في معنى واحد ( بأو ) ~~جاز إسناد التفسير إلى أيهما أريد ، ويجوز إسناده إليهما أيضا ، تقول : من ~~كان له أخ أو أخت فليصله ، يذهب إلى الأخ ، أو فليصلها يذهب إلى الأخت ، ~~وإن قلت فليصلهما جاز أيضا . # المسألة الثانية : أجمع المفسرون ههنا على أن المراد من الأخ والأخت : ~~الأخ والأخت من الأم ، وكان سعد بن أبي قاص يقرأ : وله أخ أو أخت من أم ، ~~وإنما حكموا بذلك لأنه تعالى قال / في آخر السورة : { قل الله يفتيكم فى ~~الكلالة } ( النساء : 176 ) فأثبت للأختين الثلثين ، وللاخوة كل المال ، ~~وههنا أثبت للاخوة والأخوات الثلث ، فوجب أن يكون المراد من الاخوة ~~والأخوات ههنا غير الاخوة والأخوات في تلك الآية ، فالمراد ههنا الاخوة ~~والأخوات من الأم فقط ، وهناك الاخوة والأخوات من الأب والأم ، أو من الأب ~~. # ثم قال تعالى : { من بعد وصية يوصى بها } ( النساء : 11 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي جواز الوصية بكل المال ~~وبأي بعض أريد ، ومما يوافق هذه الآية من الأحاديث ما روى نافع عن ابن عمر ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما حق امرىء مسلم له مال يوصى ~~به ثم تمضي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده ) فهذا الحديث أيضا يدل على ~~الاطلاق في الوصية كيف أريد ، إلا أنا نقول : هذه العمومات مخصوصة من وجهين ~~: الأول : في قدر الوصية ، فانه لا يجوز الوصية بكل المال بدلالة القرآن ~~والسنة ، أما القرآن فالآيات الدالة على الميراث مجملا ومفصلا ، أما المجمل ~~فقوله تعالى : { حسيبا للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون } ( النساء ~~: 7 ) ومعلوم أن الوصية بكل المال تقتضي نسخ هذا النص ، وأما المفصل فهي ~~آيات المواريث كقوله : { للذكر مثل حظ الانثيين } ( النساء : 11 ) ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى : { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا ~~عليهم } ( النساء : 9 ) وأما ms2740 السنة فهي الحديث المشهور في هذا الباب ، وهو ~~PageV09P181 قوله عليه الصلاة والسلام : ( الثلث والثلث كثير إنك ان تترك ~~ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ) . # واعلم أن هذا الحديث يدل على أحكام : أحدها : أن الوصية غير جائزة في ~~أكثر من الثلث ، وثانيها : أن الأولى النقصان عن الثلث لقوله : ( والثلث ~~كثير ) وثالثها : أنه اذا ترك القليل من المال وورثته فقراء فالأفضل له أن ~~لا يوصي بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام : ( ان تترك ورثتك أغنياء خير من ~~أن تدعهم عالة يتكففون الناس ) ورابعها : فيه دلالة على جواز الوصية بجميع ~~المال اذا لم يكن له وارث لأن المنع منه لأجل الورثة ، فعند عدمهم وجب ~~الجواز . # الوجه الثاني : تخصيص عموم هذه الآية في الموصى له ، وذلك لأنه لا يجوز ~~الوصية لوارث ، قال عليه الصلاة والسلام : ( ألا لا وصية لوارث ) . # المسألة الثانية : قال الشافعي رحمة الله عليه : اذا أخر الزكاة والحج ~~حتى مات يجب إخراجهما من التركة ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب ، ~~حجة الشافعي : أن الزكاة الواجبة والحج الواحب / دين فيجب اخراجه بهذه ~~الآية ، وإنما قلنا إنه دين ، لأن اللغة تدل عليه ، والشرع أيضا يدل عليه ، ~~أما اللغة فهو أن الدين عبارة عن الأمر الموجب للانقياد / قيل في الدعوات ~~المشهورة ؛ يا من دانت له الرقاب ، أي انقادت ، وأما الشرع فلأنه روي أن ~~الخثعمية لما سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحج الذي كان على أبيها ، ~~فقال عليه الصلاة والسلام : ( أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزىء ~~؟ فقالت نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام فدين الله أحق أن يقضي ) إذا ثبت ~~أنه دين وجب تقديمه على الميراث لقوله تعالى : { من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين } قال أبو بكر الرازي : المذكور في الآية الدين المطلق ، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم سمى الحج دينا لله ، والاسم المطلق لا يتناول المقيد . # قلنا : هذا في غاية الركاكة لأنه لما ثبت أن هذا دين ، وثبت بحكم الآية ~~أن الدين مقدم على الميراث لزم ms2741 المقصود لا محالة ، وحديث الاطلاق والتقييد ~~كلام مهمل لا يقدح في هذا المطلوب والله أعلم . # المسألة الثالثة : اعلم أن قوله تعالى : { غير مضار } نصب على الحال ، أي ~~يوصى بها وهو غير مضار لورثته . # واعلم أن الضرار في الوصية يقع على وجوه : أحدها : أن يوصي بأكثر من ~~الثلث . وثانيها : أن يقر بكل ماله أو ببعضه لأجنبي . وثالثها : أن يقر على ~~نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة . ورابعها : أن يقر بأن ~~الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل اليه . وخامسها : أن يبيع شيئا ~~بثمن بخمس أو يشتري شيئا بثمن غال ، كل ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى ~~الورثة . وسادسها : أن يوصي بالثلث لا لوجه الله لكن لغرض تنقيص حقوق ~~الورثة ، فهذا هو وجه الاضرار في الوصية . # واعلم أن العلماء قالوا : الأولى أن يوصى بأقل من الثلث ، قال علي : لأن ~~أوصي بالخمس أحب إلى من الربع . ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي ~~بالثلث . وقال النخعي : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص ، وقبض ~~أبو بكر فوصى ، فان أوصى الانسان فحسن ، وإن لم يوص فحسن أيضا . ~~PageV09P182 # واعلم أن لأولى بالانسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف ، ثم يجعل ~~وصيته بحسب ذلك فان كان ماله قليلا وفي الورثة كثرة لم يوص ، وإن كان في ~~المال كثرة أوصى بحسب المال وبحسب حاجتهم بعده في القلة والكثرة والله أعلم ~~. # المسألة الرابعة : روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : الاضرار في الوصية من ~~الكبائر . واعلم أنه يدل على ذلك القرآن والسنة والمعقول ، أما القرآن ~~فقوله تعالى : { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله } ( النساء : 13 ) قال ~~ابن عباس في الوصية : { ومن يعص الله ورسوله } ( النساء : 14 ) قال في ~~الوصية ، وأما السنة فروى عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ( الاضرار في الوصية من الكبائر ) وعن شهر بن حوشب عن أبي ~~هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ان الرجل ms2742 ليعمل بعمل أهل ~~الجنة سبعين سنة وجار في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار وان الرجل ~~ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل ~~الجنة ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ~~ميراثه من الجنة ) ومعلوم ان الزيادة في الوصية قطع من الميراث ، وأما ~~المعقول فهو أن مخالفة أمر الله عند القرب من الموت يدل على جراءة شديدة ~~على الله تعالى ، وتمرد عظيم عن الانقياد لتكاليفه ، وذلك من أكبر الكبائر ~~. # ثم قال تعالى : { وصية من الله } وفيه سؤالان : # السؤال الأول : كيف انتصاب قوله : { وصية } . # والجواب فيه من وجوه : الأول : أنه مصدر مؤكد أي يوصيكم الله بذلك وصية ، ~~كقوله : { فريضة من الله } ( النساء : 11 ) الثاني : أن تكون منصوبة بقوله ~~: { غير مضار } ( النساء : 12 ) أي لا تضار وصية الله في أن الوصية يجب أن ~~لا تزاد على الثلث . الثالث : أن يكون التقدير : وصية من الله بالأولاد وأن ~~لا يدعهم عالة يتكففون وجوه الناس بسبب الاسراف في الوصية ، وينصر هذا ~~الوجه قراءة الحسن : غير مضار وصية بالاضافة . # السؤال الثاني : لم جعل خاتمة الآية الأولى : { فريضة من الله } وخاتمة ~~هذه الآية { وصية من الله } . # الجواب : ان لفظ الفرض أقوى وآكد من لفظ الوصية ، فختم شرح ميراث الأولاد ~~بذكر الفريضة ، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية ليدل بذلك على أن الكل ، ~~وان كان واجب الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى ، ثم ~~قال : { والله عليم حليم } أي عليم بمن جار أو عدل في وصيته { حليم } على ~~الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد والله أعلم . # ! 7 < { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الا ~~نهر خالدين فيها وذالك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ~~يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 13 - 14 ) تلك حدود الله . . . . . # > > PageV09P183 @184@ # / في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى بعد بيان سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد ~~ترغيبا في الطاعة وترهيبا ms2743 عن المعصية فقال : { تلك حدود الله } وفيه بحثان ~~. # البحث الأول : ان قوله : { تلك } إشارة إلى ماذا ؟ فيه قولان : الأول : ~~أنه إشارة إلى أحوال المواريث . # القول الثاني : أنه إشارة إلى كل ما ذكره من أول السورة إلى ههنا من بيان ~~أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم ، حجة القول ~~الأول أن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات ، وحجة القول الثاني أن عوده إلى ~~الأقرب اذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد مانع يوجب عوده إلى الكل . # البحث الثاني : أن المراد بحدود الله المقدرات التي ذكرها وبينها ، وحد ~~الشيء طرفه الذي يمتاز به عن غيره ، ومنه حدود الدار ، والقول الدال على ~~حقيقة الشيء يسمى حدا له ، لأن ذلك القول يمنع غيره من الدخول فيه ، وغيره ~~هو كل ما سواه . # المسألة الثانية : قال بعضهم : قوله : { ومن يطع الله ورسوله } وقوله : { ~~ومن يعص الله ورسوله } مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في ~~هذه السورة ، وقال المحققون : بل هو عام يدخل فيه هذا وغيره ، وذلك لأن ~~اللفظ عام فوجب أن يتناول الكل . أقصى ما في الباب ان هذا العام إنما ذكر ~~عقيب تكاليف خاصة ، إلا أن هذا القدر لا يقتضي تخصيص العموم ، ألا ترى أن ~~الوالد قد يقبل على ولده ويوبخه في أمر مخصوص ، ثم يقول : احذر مخالفتي ~~ومعصيتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور ، فكذا ههنا والله ~~أعلم . # المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن عامر : { إنا أعتدنا للظالمين نارا } ~~بالنون في الحرفين ، والباقون بالياء . # أما الأول : فعلى طريقة الالتفات كما في قوله : { بل الله مولاكم } ثم ~~قال : { سنلقى } بالنون . # وأما الثاني : فوجهه ظاهر . # المسألة الرابعة : ههنا سؤال وهو أن قوله : { يدخله جنات } إنما يليق ~~بالواحد ثم قوله بعد / ذلك { خالدين فيها } إنما يليق بالجمع فكيف التوفيق ~~بينهما ؟ # الجواب : أن كلمة ( من ) في قوله : { ومن يطع الله } مفرد في اللفظ جمع ~~في المعنى فلهذا صح الوجهان . # المسألة الخامسة : انتصب ( خالدين ) ( وخالدا ) على الحال من الهاء في ( ~~ندخله ) والتقدير : ندخله خالدا ms2744 في النار . # المسألة السادسة : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن فساق أهل الصلاة ~~يبقون مخلدين في النار . وذلك لأن قوله : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده } إما أن يكون مخصوصا بمن تعدى في الحدود التي PageV09P184 سبق ذكرها ~~وهي حدود المواريث ، أو يدخل فيها ذلك وغيره ، وعلى التقديرين يلزم دخول من ~~تعدى في المواريث في هذا الوعيد ، وذلك عام فيمن تعدى وهو من أهل الصلاة أو ~~ليس من أهل الصلاة ، فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد ، وعلى ان الوعيد ~~مخلد ، ولا يقال : هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود الله ، وذلك لا يتحقق إلا ~~في حق الكافر . فانه هو الذي تعدى جميع حدود الله ، فانا نقول : هذا مدفوع ~~من وجهين : الأول : انا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود الله خرجت ~~الآية عن الفائدة لأن الله تعالى نهى عن اليهودية والنصرانية والمجوسية / ~~فتعدى جميع حدوده هو أن يترك جميع هذه النواهي ، وتركها إنما يكون بأن يأتي ~~اليهودية والمجوسية والنصرانية معا وذلك محال ، فثبت أن تعدى جميع حدود ~~الله محال فلو كان المراد من الآية ذلك لخرجت الآية عن كونها مفيدة ، ~~فعلمنا ان المراد منه أي حد كان من حدود الله . الثاني : هو أن هذه الآية ~~مذكورة عقيب آيات قسمة المواريث ، فيكون المراد من قوله : { ويتعد حدوده } ~~تعدى حدود الله في الأمور المذكورة في هذه الآيات . وعلى هذا التقدير يسقط ~~هذا السؤال . هذا منتهى تقرير المعتزلة وقد ذكرنا هذه المسألة على سبيل ~~الاستقصاء في سورة البقرة . ولا بأس بأن نعيد طرفا منها في هذا الموضع ~~فنقول : أجمعنا على أن هذا الوعيد مختص بعدم التوبة لأن الدليل دل على انه ~~إذا حصلت التوبة لم يبق هذا الوعيد ، فكذا يجوز أن يكون مشروطا بعدم العفو ~~، فان بتقدير قيام الدلالة على حصول العف امتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول ~~العفو ، ونحن قد ذكرنا الدلائل الكثيرة على حصول العفو ، ثم نقول : هذا ~~العموم مخصوص بالكافر ، ويدل عليه وجهان : الأول : انا إذا قلنا لكم : ما ~~الدليل ms2745 على أن كلمة ( من ) في معرض الشرط تفيد العموم ؟ قلتم : الدليل عليه ~~أنه يصح الاستثناء منه ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه ، ~~فنقول : ان صح هذا الدليل فهو يدل على أن قوله : { ومن يعص الله ورسوله } ~~مختص بالكافر : لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ فيقال : ومن ~~يعص الله ورسوله إلا في الكفر ، والا في الفسق ، وحكم الاستثناء إخراج ما ~~لولاه / لدخل ، فهذا يقتضي أن قوله : { ومن يعص الله } في جميع أنواع ~~المعاصي والقبائح وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر ، وقوله : الاتيان بجميع ~~المعاصي محال لأن الاتيان باليهودية والنصرانية معا محال ، فنقول : ظاهر ~~اللفظ يقتضي العموم إلا إذا قام مخصص عقلي أو شرعي ، وعلى هذا التقدير يسقط ~~سؤالهم ويقوى ما ذكرناه . # الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية مختصة بالكافر : أن قوله : { ومن ~~يعص الله ورسوله } يفيد كونه فاعلا للمعصية والذنب ، وقوله : { ويتعد حدوده ~~} لو كان المراد منه عين ذلك للزم التكرار ، وهو خلاف الأصل ، فوجب حمله ~~على الكفر ، وقوله : بأنا نحمل هذه الآية على تعدي الحدود المذكورة في ~~المواريث . # قلنا : هب أنه كذلك إلا أنه يسقط ما ذكرناه من السؤال بهذا الكلام ، لأن ~~التعدي في حدود المواريث تارة يكون بأن يعتقد أن تلك التكاليف والأحكام حق ~~وواجبة القبول إلا أنه يتركها ، وتارة يكون بأن يعتقد أنها واقعة لا على ~~وجه الحكمة والصواب ، فيكون هذا هو الغاية في تعدي الحدود ، وأما الأول فلا ~~يكاد يطلق في حقه أنه تعدى حدود الله ، وإلا لزم وقوع التكرار كما ذكرناه ، ~~فعلمنا أن هذا الوعيد مختص بالكافر الذي لا يرضى بما ذكره الله في هذه ~~الآية من قسمة المواريث ، فهذا ما يختص بهذه الآية من المباحث ، وأما بقية ~~الأسئلة فقد تقدم ذكرها في سورة البقرة والله أعلم . # PageV09P185 ! 7 < { واللاتى يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله ~~لهن سبيلا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 15 ) واللاتي يأتين الفاحشة . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ms2746 ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالاحسان إلى ~~النساء ومعاشرتهن بالجميل ، وما يتصل بهذا الباب ، ضم إلى ذلك التغليظ ~~عليهن فيما يأتينه من الفاحشة ، فان ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن ~~في أمر آخرتهن ، وأيضا ففيه فائدة أخرى : وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال / ~~بالاحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن ، فيصير ذلك سببا لوقوعهن في ~~أنواع المفاسد والمهالك ، وأيضا فيه فائدة ثالثة ، وهي بيان أن الله تعالى ~~كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم ، وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه ~~وبين أحد قرابة ، وأن مدار هذا الشرع الانصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي ~~الافراط والتفريط ، فقال : { واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : اللاتي : جمع التي ، وللعرب في جمع ( التي ) لغات : ~~اللاتي واللات واللواتي واللوات . قال أبو بكر الانباري : العرب تقول في ~~الجمع من غير الحيوان : التي ، ومن الحيوان : اللاتي ، كقوله : { أموالكم ~~التى جعل الله لكم قياما } وقال في هذه : اللاتي واللائي ، والفرق هو أن ~~الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد ، وأما جمع الحيوان فليس ~~كذلك ، بل كل واحدة منها غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات ، فهذا هو الفرق ~~، ومن العرب من يسوي بين البابين ، فيقول : ما فعلت الهندات التي من أمرها ~~كذا ، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا ، والأول هو المختار . # المسألة الثانية : قوله : { يأتين الفاحشة } أي يفعلنها يقال : أتيت أمرا ~~قبيحا ، أي فعلته قال تعالى : { لقد جئت شيئا فريا } ( مريم : 27 ) وقال : ~~{ لقد جئتم شيئا إدا } ( مريم : 89 ) وفي التعبير عن الاقدام على الفواحش ~~بهذه العبارة لطيفة ، وهي أن الله تعالى لما نهى المكلف عن فعل هذه المعاصي ~~، فهو تعالى لا يعين المكلف على فعلها ، بل المكلف كأنه ذهب اليها من عند ~~نفسه ، واختارها بمجرد طبعه ، فلهذه الفائدة يقال : إنه جاء إلى تلك ~~الفاحشة وذهب اليها ، إلا أن هذه الدقيقة لا تتم إلا على قول المعتزلة . ~~وفي قراءة ابن مسعود : يأتين بالفاحشة ، وأما الفاحشة فهي الفعلة القبيحة ~~وهي مصدر ms2747 عند أهل اللغة كالعاقبة يقال : فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة ، ~~وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل . وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا ~~الزنا ، وإنما أطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من ~~القبائح . # فان قيل : الكفر أقبح منه ، وقتل النفس أقبح منه ، ولا يسمى ذلك فاحشة . # قلنا : السبب في ذلك أن القوى المدبرة لبدن الانسان ثلاثة : القوة ~~الناطقة ، والقوة الغضبية والقوة PageV09P186 الشهوانية ، ففساد القوة ~~الناطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما ، وفساد القوة الغضبية هو القتل ~~والغضب وما يشبههما ، وفساد القوة الشهوانية هو الزنا واللواط والسحق وما ~~أشبهها ، وأخس هذه القوى الثلاثة : القوة الشهوانية ، فلا جرم كان فسادها ~~أخس أنواع الفساد ، فلهذا السبب خص هذا العمل بالفاحشة والله أعلم بمراده . # المسألة الثالثة : في المراد بقوله : { واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم ~~} قولان : الأول : المراد / منه الزنا ، وذلك لأن المرأة إذا نسبت إلى ~~الزنا فلا سبيل لأحد عليها إلا بأن يشهد أربعة رجال مسلمون على أنها ارتكبت ~~الزنا / فاذا شهدوا عليها أمسكت في بيت محبوسة إلى أن تموت أو يجعل الله ~~لهن سبيلا ، وهذا قول جمهور المفسرين . # والقول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني : أن المراد بقوله : { ~~واللاتى يأتين الفاحشة } السحاقات ، وحدهن الحبس إلى الموت وبقوله : { ~~واللذان يأتيانها منكم } ( النساء : 16 ) أهل اللواط ، وحدهما الأذى بالقول ~~والفعل ، والمراد بالآية المذكورة في سورة النور : الزنا بين الرجل والمرأة ~~، وحده في البكر الجلد ، وفي المحصن الرجم ، واحتج أبو مسلم عليه بوجوه : ~~الأول : أن قوله : { واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم } مخصوص بالنسوان ، ~~وقوله : { واللذان يأتيانها منكم } مخصوص بالرجال ، لأن قوله : { واللذان } ~~تثنية الذكور . # فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : { واللذان } الذكر والأنثى ~~إلا أنه غلب لفظ المذكر . # قلنا : لو كان كذلك لما أفرد ذكر النساء من قبل ، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر ~~بعد قوله : { واللذان يأتيانها منكم } سقط هذا الاحتمال . الثاني : هو أن ~~على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات ، بل يكون حكم ~~كل ms2748 واحدة منها باقيا مقررا ، وعلى التقدير الذي ذكرتم يحتاج إلى التزام ~~النسخ ، فكان هذا القول أولى . والثالث : أن على الوجه الذي ذكرتم يكون ~~قوله : { واللاتى يأتين الفاحشة } في الزنا وقوله : { واللذان يأتيانها ~~منكم } يكون أيضا في الزنا ، فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع ~~الواحد مرتين وإنه قبيح ، وعلى الوجه الذي قلناه لا يفضي إلى ذلك فكان أولى ~~. الرابع : أن القائلين بأن هذه الآية نزلت في الزنا فسروا قوله : { أو ~~يجعل الله لهن سبيلا } بالرجم والجلد والتغريب ، وهذا لا يصح لأن هذه ~~الأشياء تكون عليهن لا لهن . قال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ~~( البقرة : 286 ) وأما نحن فانا نفسر ذلك بأن يسهل الله لها قضاء الشهوة ~~بطريق النكاح ، ثم قال أبو مسلم : ومما يدل على صحة ما ذكرناه قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ( إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة ~~المرأة فهما زانيتان ) واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه : الأول : أن ~~هذا قول لم يقله أحد من المفسرين المتقدمين فكان باطلا ، والثاني : أنه روي ~~في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( قد جعل الله لهن سبيلا الثيب ~~ترجم والبكر تجلد ) وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق الزناة . الثالث ~~: أن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواط ، ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية ، ~~فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم من أقوى الدلائل ~~على أن هذه الآية ليست في اللواطة . # / والجواب عن الأول : أن هذا اجماع ممنوع فلقد قال بهذا القول مجاهد ، ~~وهو من أكابر المفسرين ، ولأنا بينا في أصول الفقه أن استنباط تأويل جديد ~~في الآية لم يذكره المتقدمون جائز . PageV09P187 # والجواب عن الثاني : أن هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز ~~. # والجواب عن الثالث : أن مطلوب الصحابة أنه هل يقام الحد على اللوطي ؟ ~~وليس في هذه الآية دلالة على ذلك بالنفي ولا بالاثبات ، فلهذا لم يرجعوا ~~إليها . # المسألة الرابعة : زعم جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة ، وقال ms2749 أبو ~~مسلم : إنها غير منسوخة ، أما المفسرون : فقد بنوا هذا على أصلهم ، وهو أن ~~هذه الآية في بيان حكم الزنا ، ومعلوم أن هذا الحكم لم يبق وكانت الآية ~~منسوخة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضا على قولين : فالأول : أن هذه ~~الآية صارت منسوخة بالحديث وهو ما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر ~~والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم ) ثم ان هذا الحديث صار ~~منسوخا بقوله تعالى : { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ~~( النور : 2 ) وعلى هذا الطريق يثبت أن القرآن قد ينسخ بالسنة وأن السنة قد ~~تنسخ بالقرآن خلاف قول الشافعي : لا ينسخ واحد منهما بالآخر . # والقول الثاني : أن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد . # واعلم أن أبا بكر الرازي لشدة حرصه على الطعن في الشافعي قال : القول ~~الأول أولى لأن آية الجلد لو كانت متقدمة على قوله : ( خذوا عني ) فائدة ~~فوجب أن يكون قوله : ( خذوا عني ) متقدما على آية الجلد ، وعلى هذا التقدير ~~تكون آية الحبس منسوخة بالحديث ويكون الحديث منسوخا بآية الجلد ، فحينئذ ~~ثبت أن القرآن والسنة قد ينسخ كل واحد منهما بالآخر . # واعلم أن كلام الرازي ضعيف من وجهين : الأول : ما ذكره أبو سليمان ~~الخطابي في معالم السنن فقال : لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في هذا ~~الحديث ألبتة ، وذلك لأن قوله تعالى : { فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن ~~الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } يدل على أن امساكهن في البيوت ممدود إلى ~~غاية أن يجعل الله لهن سبيلا وذلك السبيل كان مجملا ، فلما قال صلى الله ~~عليه وسلم : ( خذوا عني الثيب ترجم والبكر تجلد وتنفى ) صار هذا الحديث ~~بيانا لتلك الآية لا ناسخا لها وصار أيضا مخصصا لعموم قوله تعالى : { ~~الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ( النور : 2 ) ومن ~~المعلوم أن جعل هذا الحديث بيانا لاحدى الآيتين ومخصصا للآية الأخرى ، أولى ~~من الحكم بوقوع ms2750 النسخ مرارا ، وكيف وآية الحبس مجملة قطعا فانه ليس في ~~الآية ما يدل على أن ذلك السبيل كيف هو ؟ فلا بد لها من المبين ، وآية ~~الجلد مخصوصة ولا بد لها من المخصص ، فنحن جعلنا هذا الحديث مبينا لآية / ~~الحبس مخصصا لآية الجلد ، وأما على قول أصحاب أبي حنيفة فقد وقع النسخ من ~~ثلاثة أوجه : الأول : آية الحبس صارت منسوخة بدلائل الرجم ، فظهر أن الذي ~~قلناه هو الحق الذي لا شك فيه . # الوجه الثاني : في دفع كلام الرازي : انك تثبت أنه لا يجوز أن تكون آية ~~الجلد متقدمة على قوله : ( خذوا عني ) فلم قلت انه يجب أن تكون هذه الآية ~~متأخرة عنه ؟ ولم لا يجوز أن يقال : إنه لما نزلت هذه الآية ذكر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ذلك ؟ وتقديره أن قوله : { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة } مخصوص بالاجماع في حق الثيب المسلم ، وتأخير بيان المخصص ~~عن العام المخصوص غير جائز عندك وعند أكثر المعتزلة ، لما أنه يوهم التلبيس ~~، واذا كان كذلك فثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك مقارنا ~~لنزول قوله : { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } وعلى ~~هذا التقدير سقط قولك : ان الحديث كان متقدما على آية الجلد . هذا كله ~~تفريع على قول من يقول : هذه الآية أعني آية الحبس نازلة في حق الزناة ، ~~PageV09P188 فثبت أن على هذا القول لم يثبت الدليل كونها منسوخة ، وأما على ~~قول أبي مسلم الأصفهاني فظاهر أنها غير منسوخة والله أعلم . # المسألة الخامسة : القائلون بأن هذه الآية نازلة في الزنا يتوجه عليهم ~~سؤالات : # السؤال الأول : ما المراد من قوله : { من نسائكم } ؟ # الجواب فيه وجوه : أحدها : المراد ، من زوجاتكم كقوله : { والذين يظاهرون ~~من نسائهم } ( المجادلة : 3 ) وقوله : { من نسائكم اللاتى دخلتم بهن } ( ~~النساء : 23 ) وثانيها : من نسائكم ، أي من الحرائر كقوله : { واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم } ( البقرة : 282 ) والغرض بيان أنه لا حد على الاماء . ~~وثالثها : من نسائكم ، أي من المؤمنات ورابعها : من نسائكم ، أي من الثيبات ~~دون ms2751 الأبكار . # السؤال الثاني : ما معنى قوله : { فأمسكوهن فى البيوت } ؟ # الجواب : فخلدوهن محبوسات في بيوتكم ، والحكمة فيه ان المرأة إنما تقع في ~~الزنا عند الخروج والبروز ، فاذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا ، وإذا ~~استمرت على هذه الحالة تعودت العفاف والفرار عن الزنا . # السؤال الثالث : ما معنى { يتوفاهن الموت } والموت والتوفي بمعنى واحد ، ~~فصار في التقدير : أو يميتهن الموت ؟ # الجواب : يجوز أن يراد . حتى يتوفاهن ملائكة الموت ، كقوله : { الذين ~~تتوفاهم الملائكة } ( النحل : 38 } { * } { قل يتوفاكم ملك الموت } ( ~~السجدة : 11 ) أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن . # السؤال الرابع : انكم تفسرون قوله : { أو يجعل الله لهن سبيلا } بالحديث ~~وهو قوله عليه الصلاة والسلام : ( قد جعل الله لهن سبيلا البكر تجلد والثيب ~~ترجم ) وهذا بعيد ، لأن هذا السبيل عليها لا لها ، فان الرجم لا شك أنه ~~أغلظ من الحبس . # والجواب : أن النبي عليه الصلاة والسلام فسر السبيل بذلك فقال : ( خذوا ~~عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر ~~بالبكر جلد مائة وتغريب عام ) ولما فسر الرسول صلى الله عليه وسلم السبيل ~~بذلك وجب القطع بصحته ، وأيضا : له وجه في اللغة فان المخلص من الشيء هو ~~سبيل له ، سواء كان أخف أو أثقل . # ( 16 ) # ! 7 < { واللذان يأتيانها منكم فأاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهمآ ~~إن الله كان توابا رحيما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 16 ) واللذان يأتيانها منكم . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير { واللذان } مشددة النون ، والباقون ~~بالتخفيف ، وأما أبو عمرو فانه PageV09P189 وافق ابن كثير في قوله : { ~~الرهب فذانك } أما وجه التشديد قال ابن مقسم : إنما شدد ابن كثير هذه ~~النونات لأمرين : أحدهما : الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة ~~، والآخر : أن ( الذي وهذا ) مبنيان على حرف واحد وهو الذال ، فأرادوا ~~تقوية كل واحد منهما بأن زادوا على نونها نونا أخرى من جنسها ، وقال غيره : ~~سبب التشديد فيها ان النون فيها ليست نون التثنية ، فأراد أن يفرق بينها ~~وبين نون التثنية ، وقيل زادوا النون تأكيدا ، كما زادوا اللام ، وأما ms2752 ~~تخصيص أبي عمرو التعويض في المبهمة دون الموصولة ، فيشبه أن يكون ذلك لما ~~رأى من أن الحذف للمبهمة ألزم ، فكان استحقاقها العوض أشد . # المسألة الثانية : الذين قالوا : ان الآية الأولى في الزناة قالوا : هذه ~~الآية أيضا في الزناة / فعند هذا اختلفوا في أنه ما السبب في هذا التكرير ~~وما الفائدة فيه ؟ وذكروا فيه وجوها : الأول : أن المراد من قوله : { ~~واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم } ( النساء : 15 ) المراد منه الزواني ، ~~والمراد من قوله : { واللذان يأتيانها منكم } الزناة ، ثم انه تعالى خص ~~الحبس في البيت بالمرأة وخص الايذاء بالرجل ، والسبب فيه أن المرأة إنما ~~تقع في الزنا عند الخروج والبروز ، فاذا حبست في البيت انقطعت مادة هذه ~~المعصية ، وأما الرجل فانه لا يمكن حبسه في البيت ، لأنه يحتاج إلى الخروج ~~في إصلاح معاشه وترتيب مهماته واكتساب قوت عياله ، فلا جرم جعلت عقوبة ~~المرأة الزانية الحبس في البيت ، وجعلت عقوبة الرجل الزاني أن يؤذى ، فاذا ~~تاب ترك إيذاؤه ، ويحتمل أيضا أن يقال إن الايذاء كان مشتركا بين الرجل ~~والمرأة ، والحبس كان من خواص المرأة ، فاذا تابا أزيل الايذاء عنهما وبقي ~~الحبس على المرأة ، وهذا أحسن الوجوه المذكورة . الثاني : قال السدي : ~~المراد بهذه الآية البكر من الرجل والنساء ، وبالآية الأولى الثيب ، وحينئذ ~~يظهر التفاوت بين الآيتين . قالوا : ويدل على هذا التفسير وجوه : الأول : ~~أنه تعالى قال : { واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم } فأضافهن إلى الأزواج ~~. والثاني : أنه سماهن نساء وهذا الاسم أليق بالثيب . والثالث : أن الأذى ~~أخف من الحبس في البيت والأخف للبكر دون الثيب . والرابع : قال الحسن : هذه ~~الآية نزلت قبل الآية المتقدمة والتقدير : واللذان يأتيان الفاحشة من ~~النساء والرجال فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما . ثم نزل قوله : { ~~فأمسكوهن فى البيوت } ( النساء : 15 ) يعني إن لم يتوبا وأصرا على هذا ~~الفعل القبيح فأمسكوهن في البيوت إلى أن يتبين لكم أحوالهن ، وهذا القول ~~عندي في غاية البعد ، لأنه يوجب فساد الترتيب في هذه الآيات . الخامس : ما ~~نقلناه عن أبي مسلم أن الآية الأولى في ms2753 السحاقات ، وهذه في أهل اللواط وقد ~~تقدم تقريره . والسادس : أن يكون المراد هو أنه تعالى بين في الآية الأولى ~~أن الشهداء على الزنا لا بد وأن يكونوا أربعة ، فبين في هذه الآية أنهم لو ~~كانوا شاهدين فآذوهما وخوفوهما بالرفع إلى الامام والحد ، فان تابا قبل ~~الرفع إلى الامام فاتركوهما . # المسألة الثالثة : اتفقوا على أنه لا بد في تحقيق هذا الايذاء من الايذاء ~~باللسان وهو التوبيخ والتعيير ، مثل أن يقال : بئس ما فعلتما ، وقد تعرضتما ~~لعقاب الله وسخطه / وأخرجتما أنفسكما عن اسم العدالة ، وأبطلتما عن أنفسكما ~~أهلية الشهادة . واختلفوا في أنه هل يدخل فيه الضرب ؟ فعن ابن عباس أنه ~~يضرب بالنعال ، والأول أولى لأن مدلول النص إنما هو الايذاء ، وذلك حاصل ~~بمجرد / الايذاء باللسان ، ولا يكون في النص دلالة على الضرب فلا يجوز ~~المصير اليه . # ثم قال تعالى : { فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما } يعني فاتركوا ايذاءهما ~~. PageV09P190 # ثم قال : { إن الله كان توابا رحيما } معنى التواب : أنه يعود على عبده ~~بفضله ومغفرته إذا تاب اليه من ذنبه ، وأما قوله : { كان توبا } فقد تقدم ~~الوجه فيه . # PageV09P191 ! 7 < { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم ~~يتوبون من قريب فأولائك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 17 ) إنما التوبة على . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا ~~تابا وأصلحا زال الاذى عنهما ، وأخبر على الاطلاق أيضا أنه تواب رحيم ، ذكر ~~وقت التوبة وشرطها ، ورغبهم في تعجيلها لئلا يأتيهم الموت وهم مصرون فلا ~~تنفعهم التوبة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أما حقيقة التوبة فقد ذكرناها في سورة البقرة في تفسير ~~قوله تعالى : { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } البقرة : 54 ) واحتج ~~القاضي على أنه يجب على الله عقلا قبول التوبة بهذه الآية من وجهين : الأول ~~: ان كلمة ( على ) للوجوب فقوله : { إنما التوبة على الله للذين } يدل على ~~أنه يجب على الله عقلا قبولها . الثاني : لو حملنا قوله : { إنما التوبة ~~على * على الله } على مجرد القبول لم ms2754 يبق بينه وبين قوله : { فأولئك يتوب ~~الله عليهم } فرق لأن هذا أيضا إخبار عن الوقوع ، أما إذا حملنا ذلك على ~~وجوب القبول وهذا على الوقوع يظهر الفرق بين الآيتين ولا يلزم التكرار . # واعلم أن القول بالوجوب على الله باطل ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن ~~لازمة الوجوب استحقاق الذم عند الترك ، فهذه اللازمة اما أن تكون ممتنعة ~~الثبوت في حق الله تعالى ، أو غير ممتنعة في حقه ، والأول باطل ، لأن ترك ~~ذلك الواجب لما كان مستلزما لهذا الذم ، وهذا الذم محال الثبوت في حق الله ~~تعالى ، وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق الله ، وإذا كان الترك ~~ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثبوت ، فحينئذ يكون الله تعالى موجبا ~~بالذات لا فاعلا بالاختيار / وذلك باطل ، وأما ان كان استحقاق الذم غير ~~ممتنع الحصول في حق الله تعالى ، فكل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه ~~محال ، فيلزم جواز أن يكون الاله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذم ~~وذلك محال لا يقوله عاقل ، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن القول بالوجوب على ~~الله تعالى باطل . # الحجة الثانية : أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة وتركها إما أن ~~يكون PageV10P003 على السوية ، أولا يكون على السوية ، فان كان على السوية ~~لم يترجح فعل التوبة على تركها إلا لمرجح ، ثم ذلك المرجح إن حدث لا عن ~~محدث لزم نفي الصانع ، وإن حدث عن العبد عاد التقسيم وإن حدث عن الله ~~فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة الله وتقويته ، فتكون تلك التوبة ~~إنعاما من الله تعالى على عبده ، وإنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ~~ينعم عليه مرة أخرى ، فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا يوجب على الله ~~القبول ، وأما إن كانت قادرية العبد لا تصلح للترك والفعل فحينئذ يكون ~~الجبر ألزم ، وإذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا وفسادا . # الحجة الثالثة : التوبة عبارة عن الندم على ما مضى والعزم على الترك في ~~المستقبل ، والندم والعزم من باب ms2755 الكراهات والارادات ، والكراهة والارادة ~~لا يحصلان باختيار العبد ، وإلا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم ~~التسلسل ، وإذا كان كذلك كان حصول هذا الندم وهذا العزم بمحض تخليق الله ~~تعالى ، وفعل الله لا يوجب على الله فعلا آخر ، فثبت أن القول بالوجوب باطل ~~. # الحجة الرابعة : أن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم ، فلو صار ~~ذلك علة للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثرا في ذات الله وفي صفاته ، ~~وذلك لا يقوله عاقل . # فأما الجواب عما احتجوا به فهو أنه تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين / ~~فاذا وعد الله بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب ، ~~فبهذا التأويل صح اطلاق كلمة ( على ) وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله : { ~~إنما التوبة على الله } وبين قوله : { فأولئك يتوب الله عليهم } . # إن قيل : فلما أخبر عن قبول التوبة وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب ~~الوقوع ، فيلزمكم أن لا يكون فاعلا مختارا . # قلنا : الاخبار عن الوقوع تبع للوقوع ، والوقوع تبع للايقاع ، والتبع لا ~~يغير الأصل ، فكان فاعلا مختارا في ذلك الايقاع . أما أنتم تقولون بأن وقوع ~~التوبة من حيث أنها هي تؤثر في وجوب القبول على الله تعالى ، وذلك لا يقوله ~~عاقل فظهر الفرق . # المسألة الثانية : أنه تعالى شرط قبول هذه التوبة بشرطين : أحدهما قوله : ~~{ للذين يعملون السوء بجهالة } وفيه سؤالان : أحدهما : أن من عمل ذنبا ولم ~~يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابا ، لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة ، فعلى هذا : ~~الذين يعملون السوء بجهالة فلا حاجة بهم إلى التوبة ، والسؤال الثاني : أن ~~كلمة ( إنما ) للحصر ، فظاهر هذه الآية يقتضي أن من أقدم على السوء مع ~~العلم بكونه سوأ أن لا تكون توبته مقبولة ، وذلك بالاجماع باطل . # والجواب عن السؤال الأول : أن اليهودي اختار اليهودية وهو لا يعلم كونها ~~ذنبا مع أنه يستحق العقاب عليها . # والجواب عن السؤال الثاني : أن من أتى بالمعصية مع الجهل بكونها معصية ~~يكون حاله أخف ممن أتى بها مع العلم بكونها معصية ، واذا كان ms2756 كذلك لا جرم ~~خص القسم الأول بوجوب قبول التوبة وجوبا على سبيل الوعد والكرم ، وأما ~~القسم الثاني فلما كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التأكيد في قبول ~~PageV10P004 التوبة ، فتكون هذه الآية دالة من هذا الوجه على أن قبول ~~التوبة غير واجب على الله تعالى . # واذا عرفت الجواب عن هذين السؤالين فلنذكر الوجوه التي ذكرها المفسرون في ~~تفسير الجهالة . # الأول : قال المفسرون : كل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة ، قال ~~تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام : { أصب إليهن وأكن من الجاهلين } ( يوسف ~~: 33 ( وقال حكاية عن يوسف عليه السلام أنه قال لأخوته : { هل علمتم ما ~~فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون } ( يوسف : 89 ) وقال تعالى : { قال ~~يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألنى ما ليس لك به علم إنى ~~أعظك أن تكون من الجاهلين } ( هود : 46 ) وقال تعالى : { إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } ( ~~البقرة : 67 ) وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل : ياجاهل لم فعلت ~~كذا وكذا ، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما ~~معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية ، فلما لم يستعمل ذلك ~~العلم صار كأنه لا علم له ، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلا ، وعلى ~~هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الانسان مع العلم بكونهامعصية أو ~~مع الجهل بذلك . # والوجه الثاني : في تفسير الجهالة : أن يأتي الانسان بالمعصية مع العلم ~~بكونها معصية إلا أن يكون جاهلا بقدر عقابه ، وقد علمنا أن الانسان اذا ~~أقدم على ما لا ينبغي مع العلم بأنه مما لا ينبغي إلا أنه لا يعلم مقدار ما ~~يحصل في عاقبته من الآفات ، فانه يصح أن يقال على سبيل المجاز : انه جاهل ~~بفعله . # والوجه الثالث : أن يكون المراد منه أن يأتي الانسان بالمعصية مع أنه لا ~~يعلم كونه معصية لكن بشرط أن يكون متمكنا ms2757 من العلم بكونه معصية / فانه على ~~هذا التقدير يستحق العقاب ، ولهذا / المعنى أجمعنا على أن اليهودي يستحق ~~على يهوديته العقاب ، وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية ، إلا أنه لما ~~كان متمكنا من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنبا ومعصية ، كفى ذلك في ثبوت ~~استحقاق العقاب ، ويخرج عما ذكرنا النائم والساهي ، فانه أتى بالقبيح ولكنه ~~ما كان متمكنا من العلم بكونه قبيحا ، وهذا القول راجح على غيره من حيث أن ~~لفظ الجهالة في الوجهين الأولين محمول على المجاز ، وفي هذا الوجه على ~~الحقيقة ، إلا أن على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلا من عمل القبيح وهو ~~لا يعلم قبحه ، أما المتعمد فانه لا يكون داخلا تحت الآية ، وإنما يعرف ~~حاله بطريق القياس وهو أنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة ، فلأن ~~تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى ، فهذا هو الكلام في الشرط الأول من ~~شرائط التوبة ، وأما الشرط الثاني فهو قوله : { ثم يتوبون من قريب } وقد ~~أجمعوا على أن المراد من هذا القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله ، وإنما ~~سمى تعالى هذه المدة قريبة لوجوه : أحدها : أن الأجل آت وكل ما هو آت قريب ~~. وثانيها : للتنبيه على أن مدة عمر الانسان وإن طالت فهي قليلة قريبة ~~فانها محفوفة بطرفي الأزل والأبد ، فاذا قسمت مدة عمرك إلى ما على طرفيها ~~صار كالعدم . وثالثها : أن الانسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به ، وما ~~هذا حاله فانه يوصف بالقرب . # فان قيل : ما معنى ( من ) في قوله : { من قريب } . # الجاب : أنه لابتداء الغاية ، أي يجعل مبتدأ توبته زمانا قريبا من ~~المعصية لئلا يقع في زمرة المصرين ، فأما من تاب بعد المعصية بزمان بعيد ~~وقبل الموت بزمان بعيد فانه يكون خارجا عن المخصوصين بكرامة حتم ~~PageV10P005 قبول التوبة على الله بقوله : { إنما التوبة على الله } وبقوله ~~: { فأولئك يتوب الله عليهم } ومن لم تقع توبته على هذا الوجه فانه يكفيه ~~أن يكون من جملة الموعودين بكلمة ( عسى ) في قوله : { عسى الله أن يتوب ~~عليهم ms2758 } ( التوبة : 102 ) ولا شك أن بين الدرجتين من التفاوت ما لا يخفى . ~~وقيل : معناه التبعيض ، أي يتوبون بعض زمان قريب ، كأنه تعالى سمى ما بين ~~وجود المعصية وبين حضور الموت زمانا قريبا ، ففي أي جزء من أجزاء هذا ~~الزمان أتى بالتوبة فهو تائب من قريب ، وإلا فهو تائب من بعيد . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذين الشرطين قال : { فأولئك يتوب الله عليهم } ~~. # فان قيل : فما فائدة قوله : { فأولئك يتوب الله عليهم } بعد قوله : { ~~إنما التوبة على الله } . # قلنا : فيه وجهان : الأول : أن قوله : { إنما التوبة على الله } إعلام ~~بأنه يجب على الله قبولها ، وجوب الكرم والفضل والاحسان ، لا وجوب ~~الاستحقاق ، وقوله : { فأولئك يتوب الله عليهم } / إخبار بأنه سيفعل ذلك . ~~والثاني : أن قوله : { إنما التوبة على الله } يعني إنما الهداية إلى ~~التوبة والارشاد اليها والاعانة عليها على الله تعالى في حق من أتى بالذنب ~~على سبيل الجهالة ثم تاب عنها عن قريب وترك الاصرار عليها وأتى بالاستغفار ~~عنها . ثم قال : { فأولئك يتوب الله عليهم } يعني أن العبد الذي هذا شأنه ~~اذا أتى بالتوبة قبلها الله منه ، فالمراد بالأول التوفيق على التوبة ، ~~وبالثاني قبول التوبة . # ثم قال : { وكان الله عليما حكيما } أي وكان الله عليما بأنه إنما أتى ~~بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه ، حكيما بأن العبد لما ~~كان من صفته ذلك ، ثم إنه تاب عنها من قريب فانه يجب في الكرم قبول توبته . # ! 7 < { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال ~~إنى تبت الا ن ولا الذين يموتون وهم كفار أولائك أعتدنا لهم عذابا أليما } ~~. > 7 ! # < < # | النساء : ( 18 ) وليست التوبة للذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر شرائط التوبة المقبولة أردفها بشرح التوبة ~~التي لا تكون مقبولة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : الآية دالة على أن من حضره الموت وشاهد أهواله فان ~~توبته غير مقبولة ، وهذه المسألة مشتملة على بحثين : # البحث الأول : الذي يدل على أن توبة من وصفنا حاله غير مقبولة وجوه : ~~الأول : هذه الآية وهي ms2759 صريحة في المطلوب ، الثاني : قوله تعالى : { فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } ( غافر : 85 ) الثالث : قال في صفة فرعون ~~: { حتى إذا أدركه الغرق قال ءامنت أنه لا إلاه إلا الذىءامنت به بنوا ~~إسراءيل وأنا من المسلمين * PageV10P006 ءالئن وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين } ( يونس : 90 91 ) فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب ، ولو ~~أنه أتى بذلك الايمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولا ، الرابع : قوله ~~تعالى : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلى أعمل صالحا فيما ~~تركت كلا إنها كلمة هو قائلها } ( المؤمنون : 99 100 ) الخامس : قوله تعالى ~~: { وأنفقوا مما * رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول رب لولا ~~أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن } ( المنافقون : 10 11 ) ~~فأخبر تعالى في هذه الآيات أن التوبة لا تقبل عند حضور الموت . السادس : ~~روى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقبل توبة العبد ~~ما لم يغرغر ، أي ما لم تتردد الروح في حلقه ، وعن عطاء : ولو قبل موته ~~بفواق الناقة . وعن الحسن : أن ابليس قال حين أهبط إلى الأرض : وعزتك لا ~~أفارق ابن آدم ما دامت روحه في جسده ، فقال : وعزتي لا أغلق عليه باب ~~التوبة ما لم يغرغر . # واعلم أن قوله : { حتى إذا حضر أحدهم الموت } ( النساء : 18 ) أي علامات ~~نزول الموت وقربه ، وهو كقوله تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } ( ~~البقرة : 180 ) . # البحث الثاني : قال المحققون : قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة ، بل ~~المانع من قبول التوبة مشاهدة الأحوال التي عندها يحصل العلم بالله تعالى ~~على سبيل الاضطرار ، وإنما قلنا إن نفس القرب من الموت لا يمنع من قبول ~~التوبة لوجوه : الأول : أن جماعة أماتهم الله تعالى ثم أحياهم مثل قوم من ~~بنى إسرائيل ، ومثل أولاد أيوب عليه السلام ، ثم إنه تعالى كلفهم بعد ذلك ~~الاحياء ، فدل هذا على أن مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف . الثاني : أن ~~الشدائد التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل ms2760 الشدائد الحاصلة عند القولنج ، ~~ومثل الشدائد التي تلقاها المرأة عند الطلق أو أزيد منها ، فاذا لم تكن هذه ~~الشدائد مانعة من بقاء التكليف فكذا القول في تلك الشدائد . الثالث : أن ~~عند القرب من الموت إذا عظمت الآلام صار اضطرار العبد أشد وهو تعالى يقول : ~~{ أمن يجيب المضطر إذا دعاه } ( النمل : 62 ) فتزايد الآلام في ذلك الوقت ~~بأن يكون سببا لقبول التوبة أولى من أين يكون سببا لعدم قبول التوبة ، فثبت ~~بهذه الوجوه أن نفس القرب من الموت ونفس تزايد الآلام والمشاق ، لا يجوز أن ~~يكون مانعا من قبول التوبة / ونقول : المانع من قبول التوبة أن الانسان عند ~~القرب من الموت إذا شاهد أحوالا وأهوالا صارت معرفته بالله ضرورية عند ~~مشاهدته تلك الأهوال ، ومتى صارت معرفته بالله ضرورية سقط التكليف عنه ، ~~ألا ترى أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضرورية سقط التكليف عنهم وإن لم ~~يكن هناك موت ولا عقاب ، لأن توبتهم عند الحشر والحساب وقبل دخول النار ، ~~لا تكون مقبولة . # واعلم أن ههنا بحثا عميقا أصوليا ، وذلك لأن أهل القيامة لا يشاهدون إلا ~~أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتا ، ويشاهدون أيضا النار العظيمة ~~وأصناف الأهوال ، وكل ذلك لا يوجب أن يصير العلم بالله ضروريا ، لأن العلم ~~بأن حصول الحياة بعد أن كانت معدومة يحتاج إلى الفاعل علم نظري عند أكثر ~~شيوخ المعتزلة ، وبتقدير أن يقال : هذا العلم ضروري لكن العلم بأن الاحياء ~~لا يصح من غير الله لا شك أنه نظري ، وأما العلم بأن فاعل تلك النيران ~~العظيمة ليس إلا الله ، فهذا / أيضا استدلالي ، فكيف يمكن ادعاء أن أهل ~~الآخرة لأجل مشاهدة أهوالها يعرفون الله بالضرورة ثم هب أن الأمر كذلك ، ~~فلم قلتم بأن العلم بالله إذا كان PageV10P007 ضروريا منع من صحة التكليف . ~~وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الاله المثيب المعاقب قد يقدم على ~~المعصية لعلمه بأنه كريم ، وأنه لا ينفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه ، وإذا ~~كان الأمر كذلك ، فلم قالوا : بأن هذا يوجب زوال التلكيف ms2761 وأيضا : فهذا الذي ~~يقوله هؤلاء المعتزلة من أن العلم بالله في دار التكليف يجب أن يكون نظريا ~~، فاذا صار ضروريا سقط التكليف : كلام ضعيف ، لأن من حصل في قلبه العلم ~~بالله إن كان تجويز نقيضه قائما في قلبه ، فهذا يكون ظنا لا علما ، وإن لم ~~يكن تجويز نقيضه قائما ، امتنع أن يكون علم آخر أقوى منه وآكد منه ، وعلى ~~هذا التقدير لا يبقى ألبتة فرق بين العلم الضروري وبين العلم النظري فثبت ~~أن هذه الأشياء التي تذكرها المعتزلة كلمات ضعيفة واهية ، وأنه تعالى يفعل ~~ما يشاء ويحكم ما يريد ، فهو بفضله وعد بقبول التوبة في بعض الأوقات ، ~~وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر ، وله أن يقلب الأمر فيجعل ~~المقبول مردودا ، والمردود مقبولا { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } ( ~~الأنبياء : 23 ) . # المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر قسمين ، فقال في القسم الأول : { إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة } ( النساء : 17 ) وهذا مشعر ~~بأن قبول توبتهم واجب ، وقال في القسم الثاني : { وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات } فهذاجزم بأنه تعالى لا يقبل توبة هؤلاء فبقي بحكم التقسيم ~~العقلي فيما بين هذين القسمين قسم ثالث : وهم الذين لم يجزم الله تعالى ~~بقبول توبتهم ، ولم يجزم برد توبتهم . فلما كان القسم الأول : هم الذين ~~يعملون السوء بجهالة ، والقسم الثاني : هم الذين لا يتوبون إلا عند مشاهدة ~~البأس ، وجب أن يكون القسم المتوسط بين هذين القسمين : هم الذين يعملون ~~السوء على سبيل العمد ، ثم يتوبون ، فهؤلاء ما أخبر الله عنهم أنه يقبل ~~توبتهم ، وما أخبر عنهم أنه يرد توبتهم ، بل تركهم في المشيئة ، كما أنه ~~تعالى ترك مغفرتهم في المشيئة حيث قال : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } . # المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بين أن من تاب عند حضور علامات الموت ~~ومقدماته لا تقبل توبته قال : { ولا الذين يموتون } وفيه وجهان : الأول : ~~معناه الذين قرب موتهم ، والمعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند ~~القرب من الموت ، كذلك الايمان لا ms2762 يقبل عند القرب من الموت . الثاني : ~~المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم ~~. # المسألة الرابعة : تعلقت الوعيدية بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجهين : ~~الأول : قالوا إنه تعالى قال : { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الان ولا الذين يموتون وهم كفار } فعطف ~~الذين يعملون السيئات على الذين يموتون وهم كفار ، والمعطوف مغاير للمعطوف ~~عليه ، فثبت أن الطائفة الأولى ليسوا من الكفار ، ثم إنه تعالى قال في حق ~~الكل : { أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما } فهذا يقتضي شمول هذا الوعيد ~~للكفار والفساق . الثاني : أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند المعاينة ، ~~فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا الاعلام معنى . # والجواب : أنا قد جمعنا جملة العمومات الوعيدية في سورة البقرة في تفسير ~~قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولائك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } ( البقرة : 81 ) وأجبنا عن تمسكهم بها وذكرنا وجوها كثيرة من ~~الأجوبة ، ولا حاجة إلى إعادتها في كل واحد من هذه العمومات ، ثم نقول ~~الضمير يجب أن يعود إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكورات من قوله : { ~~أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما } هو قوله : { ولا PageV10P008 الذين يموتون ~~وهم كفار } فلم لا يجوز أن يكون قوله : { أعتدنا لهم عذابا أليما } عائدا ~~إلى الكفار فقط ، وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى أخبر عن الذين لا يتوبون إلا ~~عند الموت أن توبتهم غير مقبولة ، ثم ذكر الكافرين بعد ذلك ، فبين أن ~~ايمانهم عند الموت غير مقبول ، ولا شك أن الكافر أقبح فعلا وأخس درجة عند ~~الله من الفاسق ، فلا بد وأن يخصه بمزيد إذلال وإهانة فجاز أن يكون قوله : ~~{ أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما } مختصا بالكافرين ، بيانا لكونهم مختصين ~~بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والاذلال . # أما الوجه الثاني : مما عولوا عليه : فهو أنه أخبر أنه لا توبة عند ~~المعاينة ، واذا كان لا توبة حصل هناك تجويز العقاب وتجويز المغفرة ، وهذا ~~لا يخلو عن نوع تخويف ms2763 وهو كقوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) على أن هذا تمسك بدليل الخطاب ، ~~والمعتزلة لا يقولون به والله أعلم . # المسألة الخامسة : أنه تعالى عطف على الذين يتوبون عند مشاهدة الموت ، ~~الكفار ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فهذا يقتضي أن الفاسق من أهل ~~الصلاة ليس بكافر ، ويبطل به قول الخوارج : إن الفاسق كافر ، ولا يمكن أن ~~يقال : المراد منه المنافق لأن الصحيح أن المنافق كافر ، قال تعالى : { ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ( المنافقون : 1 ) والله أعلم . # المسألة السادسة : أعتدنا : أي أعددنا وهيأنا ، ونظيره قوله تعالى في صفة ~~نار جهنم : { أعدت للكافرين } ( البقرة : 24 ، آل عمران : 131 ) احتج ~~أصحابنا بهذه الآية على أن النار مخلوقة لأن العذاب الأليم ليس إلا نار ~~جهنم وبرده ، وقوله : { أعتدنا } إخبار عن الماضي ، فهذا يدل على كون النار ~~مخلوقة من هذا الوجه والله أعلم . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن ~~بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } . ~~> 7 ! # < < # | النساء : ( 19 ) يا أيها الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بعد وصف التوبة عاد إلى أحكام النساء ، واعلم أن أهل ~~الجاهلية كانوا يؤذون النساء بأنواع كثيرة من الايذاء ، ويظلمونهن بضروب من ~~الظلم ، فالله تعالى نهاهم عنها في هذه الآيات . # فالنوع الأول : قوله تعالى : { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : كان الرجل في الجاهلية اذا ~~مات وكانت له زوجة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه على المرأة ~~وقال : ورثت امرأته كما ورثت ماله ، فصار أحق بها من سائر الناس ومن نفسها ~~، فان شاء تزوجها بغير صداق ، إلا لصداق الأول الذي أصدقها الميت ، وإن شاء ~~زوجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا ، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية ، وبين أن ذلك حرام وأن الرجل PageV10P009 لا يرث امرأة الميت ms2764 منه ، ~~فعلى هذا القول المراد بقوله : { أن ترثوا النساء } عين النساء ، وأنهن لا ~~يورثن من الميت . # والقول الثاني : ان الوراثة تعود إلى المال ، وذلك أن وارث الميت كان له ~~أن يمنعها من الأزواج حتى تموت فيرثها مالها ، فقال تعالى : لا يحل لكم أن ~~ترثوا أموالهن وهن كارهات . # المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي { كرها } بضم الكاف ، وفي التوبة { ~~أنفقوا طوعا أو كرها } ( التوبة : 53 ) وفي الأحقاف { حملته أمه كرها ~~ووضعته كرها } ( الأحقاف : 15 ) كل ذلك بالضم ، وقرأ عاصم وابن عامر في ~~الأحقاف بالضم ، والباقي بالفتح ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالفتح في ~~جميع ذلك ، قال الكسائي : هما لغتان بمعنى واحد ، وقال الفراء : الكره ~~بالفتح الا الاكراه ، وبالضم المشقة ، فما أكره / عليه فهو كره بالفتح ، ~~وما كان من قبل نفسه فهو كره بالضم . # النوع الثاني : من الأشياء التي نهى الله عنها مما يتعلق بالنساء قوله ~~تعالى : { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في محل { ولا تعضلوهن } قولان : الأول : انه نصب بالعطف ~~على حرف ( أن ) تقديره : ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا أن تعضلوهن ~~في قراءة عبدالله ، والثاني : أنه جزم بالنهي عطفا على ما تقدم تقديره ، ~~ولا ترثوا ولا تعضلوا . # المسألة الثانية : العضل : المنع ، ومنه الداء العضال ، وقد تقدم ~~الاستقصاء فيه في قوله : { فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن } ( البقرة : 232 ~~) . # المسألة الثالثة : المخاطب في قوله : { ولا تعضلوهن } من هو ؟ فيه أقوال ~~: الأول : أن الرجل منهم قد كان يكره زوجته ويريد مفارقتها ، فكان يسيء ~~العشرة معها ويضيق عليها حتى تفتدي منه نفسها بمهرها ، وهذا القول اختيار ~~أكثر المفسرين ، فكأنه تعالى قال : لا يحل لكم التزوج بهن بالاكراه ، وكذلك ~~لا يحل لكم بعد التزوج بهن العضل والحبس لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن . الثاني ~~: أنه خطاب للوارث بأن يترك منعها من التزوج بمن شاءت وأرادت ، كما كان ~~يفعله أهل الجاهلية وقوله : { لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن } معناه أنهم ~~كانوا يحبسون امرأة الميت وغرضهم أن تبذل المرأة ما أخذت من ميراث الميت ms2765 ، ~~الثالث : أنه خطاب للأولياء ونهى لهم عن عضل المرأة / الرابع : أنه خطاب ~~للأزواج . فانهم في الجاهلية كانوا يطلقون المرأة وكانوا يعضلونهن عن ~~التزوج ويضيقون الأمر عليهن لغرض أن يأخذوا منهن شيئا ، الخامس : أنه عام ~~في الكل . # أما قوله تعالى : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في الفاحشة المبينة قولان : الأول : أنها النشوز وشكاسة ~~الخلق وإيذاء الزوج وأهله ، والمعنى إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد ~~عذرتم في طلب الخلع ، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب : إلا أن يفحش عليكم . # والقول الثاني : أنها الزنا ، وهو قول الحسن وأبي قلابة والسدي . # المسألة الثانية : قوله : { إلا أن يأتين } استثناء من ماذا ؟ فيه وجوه : ~~الأول : انه استثناء من أخذ الأموال ، PageV10P010 يعني لا يحل له أن ~~يحبسها ضرارا حتى تفتدي منه إلا إذا زنت ، والقائلون بهذا منهم من قال : ~~بقي هذا الحكم وما نسخ ، ومنهم من قال : انه منسوخ بآية الجلد . الثاني : ~~أنه استثناء من الحبس والامساك الذي تقدم ذكره في قوله : { فأمسكوهن فى ~~البيوت } ( النساء : 15 ) وهو قول أبي مسلم / وزعم أنه غير منسوخ . الثالث ~~: يمكن أن يكون ذلك استثناء من قوله : { ولا تعضلوهن } لأن العضل هو الحبس ~~فدخل فيه الحبس في البيت ، فالأولياء والأزواج نهوا عن حبسهن في البيوت إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة ، فعند ذلك يحل للأولياء والأزواج حبسهن في البيوت . # المسألة الثالثة : قرأ نافع وأبو عمرو { مبينة } بكسر الياء و { مبينات ~~والله } ( النور : 34 ) بفتح الياء حيث كان ، قال لأن في قوله : { مبينات } ~~قصد إظهارها ، وفي قوله : { بفاحشة مبينة } لم يقصد اظهارها ، وقرأ ابن ~~كثير وأبو بكر عن عاصم بالفتح فيهما ، والباقون بكسر الياء فيهما ، أما من ~~قرأ بالفتح فله وجهان : الأول : أن الفاحشة والآيات لا فعل لهما في الحقيقة ~~، إنما الله تعالى هو الذي بينهما . والثاني : ان الفاحشة تتبين ، فان يشهد ~~عليها أربعة صارت مبينة ، وأما الآيات فان الله تعالى بينها ، وأما من قرأ ~~بالكسر فوجهه أن الآيات إذا تبينت وظهرت صارت أسبابا للبيان وإذا صارت ms2766 ~~أسبابا للبيان جاز إسناد البيان اليها ، كما أن الاصنام لما كانت أسبابا ~~للضلال حسن اسناد الاضلال اليها كقوله تعالى : { رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس } ( إبراهيم : 36 ) . # النوع الثالث : من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء قوله تعالى : { ~~وعاشروهن بالمعروف } وكان القوم يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم : وعاشروهن ~~بالمعروف ، قال الزجاج : هو النصفة في المبيت والنفقة ، والاجمال في القول ~~. # ثم قال تعالى : { فإن كرهتموهن } أي كرهتم عشرتهن بالمعروف وصحبتهن ، ~~وآثرتم فراقهن { فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } والضمير ~~في قوله { فيه } إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان : الأول : المعنى انكم إن كرهتم ~~صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف فعسى أن يكون في صحبتهن الخير الكثير ومن قال ~~بهذا القول فتارة فسر الخير الكثير بولد يحصل فتنقلب الكراهة محبة ، ~~والنفرة رغبة وتارة بأنه لما كره صحبتها ثم إنه يحمل ذلك المكروه طلبا ~~لثواب الله ، وأنفق عليها وأحسن اليها على خلاف الطبع ، استحق الثواب ~~الجزيل في العقبى والثناء الجميل في الدنيا ، الثاني : أن يكون المعنى إن ~~كرهتموهن ورغبتم في مفارقتهن ، فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيرا ~~كثيرا ، وذلك بأن تتخلص تلك المرأة من هذا الزوج وتجد زوجا خيرا منه ، ~~ونظيره قوله : { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } ( النساء : 130 ) وهذا ~~قول أبي بكر الأصم ، قال القاضي : وهذا بعيد لأنه تعالى حث بما ذكر على ~~سبيل الاستمرار على الصحبة / فكيف يريد بذلك المفارقة . # النوع الرابع : من التكاليف المتعلقة بالنساء . # PageV10P011 ! 7 < { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم إحداهن ~~قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا * وكيف تأخذونه ~~وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 20 - 21 ) وإن أردتم استبدال . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى في الآية الأولى لما أذن في مضارة الزوجات ~~إذا أتين بفاحشة ، بين في هذه الآية تحريم المضارة في غير حال الفاحشة فقال ~~: { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج } روي أن الرجل منهم إذا مال إلى ~~التزوج بامرأة أخرى رمى زوجة نفسه بالفاحشة ms2767 حتى يلجئها إلى الافتداء منه ~~بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة التي يريدها قال تعالى : { وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج } الآية والقنطار المال العظيم ، وقد مر تفسيره في ~~قوله تعالى : { والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة } ( آل عمران : 14 ) . # المسألة السادسة : قالوا : الآية تدل على جواز المغالاة في المهر ، روي ~~أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر : ألا لا تغالوا في مهور نسائكم ، ~~فقامت امرأة فقالت : يا ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية ، ~~فقال عمر : كل الناس أفقه من عمر ، ورجع عن كراهة المغالاة . وعندي أن ~~الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة لأن قوله : { وإن أردتم استبدال } ~~لا يدل على جواز إيتاء القنطار كما أن قوله : { لو كان فيهما الهة إلا الله ~~لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) لا يدل على حصول الآلهة ، والحاصل أنه لا يلزم ~~من جعل الشيء شرطا لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع ، وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين ) ولم يلزم منه جواز ~~القتل ، وقد يقول الرجل : لو كان الاله جسما لكان محدثا ، وهذا حق ، ولا ~~يلزم منه ان قولنا : الاله جسم حق . # المسألة الثالثة : هذه الآية يدخل فيها ما اذا آتاها مهرها وما إذا لم ~~يؤتها ، وذلك لأنه أوقع العقد على ذلك الصداق في حكم الله ، فلا فرق فيه ~~بين ما اذا آتاها الصداق حسا ، وبين ما إذا لم يؤتها . # المسألة الرابعة : احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن الخلوة الصحيحة ~~تقرر المهر ، قال وذلك لأن الله تعالى منع الزوج من أن يأخذ منها شيئا من ~~المهر ، وهذا المنع مطلق ترك العمل / به قبل الخلوة ، فوجب أن يبقى معمولا ~~به بعد الخلوة قال : ولا يجوز أن يقال انه مخصوص بقوله تعالى : { وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } ( البقرة : ~~237 ) وذلك لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس فقال علي وعمر : المراد من ~~المسيس الخلوة ، وقال عبدالله : هو الجماع ms2768 ، واذا صار مختلفا فيه امتنع ~~جعله مخصصا لعموم هذه الآية . # والجواب : ان هذه الآية المذكورة ههنا مختصة بما بعد الجماع بدليل قوله ~~تعالى : { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } وإفضاء بعضهم إلى البعض ~~هو الجماع على قول أكثر المفسرين وسنقيم الدلائل على صحة ذلك . # المسألة الخامسة : اعلم أن سوء العشرة اما أن يكون من قبل الزوج ، وإما ~~أن يكون من قبل الزوجة ، فان كان من قبل الزوج كره له أنه يأخذ شيئا من ~~مهرها لأن قوله تعالى : { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج PageV10P012 ~~وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } صريح في أن النشوز إذا كان من ~~قبله فانه يكون منهيا عن أن يأخذ من مهرها شيئا / ثم ان وقعت المخالعة ملك ~~الزوج بدل الخلع ، كما ان البيع وقت النداء منهي عنه ، ثم انه يفيد الملك ، ~~واذا كان النشوز من قبل المرأة فههنا يحل أخذ بدل الخلع ؛ لقوله تعالى : { ~~ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ( ~~النساء : 19 ) . # ثم قال تعالى : { أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه الانسان به صاحبه ~~على جهة المكابرة ، وأصله من بهت الرجل إذا تحير ، فالبهتان كذب يحير ~~الانسان لعظمته ، ثم جعل كل باطل يتحير من بطلانه { بهتانا } ، ومنه الحديث ~~: ( إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته ) . # المسألة الثانية : في أنه لم انتصب قوله : { بهتانا } وجوه : الأول : قال ~~الزجاج : البهتان ههنا مصدر وضع موضع الحال ، والمعنى : أتأخذونه مباهتين ~~وآثمين . الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : يحتمل أنه انتصب لأنه مفعول له ~~وإن لم يكن غرضا في الحقيقة ، كقولك : قعد عن القتال جبنا . الثالث : انتصب ~~بنزع الخافض ، أي ببهتان . الرابع : فيه اضمار تقديره : تصيبون به بهتانا ~~وإثما . # المسألة الثالثة : في تسمية هذا الأخذ ( بهتانا ) وجوه : الأول : أنه ~~تعالى فرض لها ذلك المهر فمن استرده كان كأنه يقول : ليس ذلك بفرض فيكون ~~بهتانا . الثاني : أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر اليها ، وأن لا ~~يأخذه منها ms2769 ، فاذا أخذه صار ذلك القول الأول بهتانا . الثالث : أنا ذكرنا ~~أنه كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تخاف ~~وتشتري نفسها منه / بذلك المهر ، فلما كان هذا الأمر واقعا على هذا الوجه ~~في الأغلب الأكثر ، جعل كأن أحدهما هو الآخر . الرابع : أنه تعالى ذكر في ~~الآية السابقة : { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ءاتيتموهن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة } والظاهر من حال المسلم أنه لا يخالف أمر الله ، فاذا أخذ ~~منها شيئا أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة ، فاذا لم يكن الأمر كذلك في ~~الحقيقة صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان ، من حيث أنه يدل على إتيانها ~~بالفاحشة مع أن الأمر ليس كذلك . وفيه تقرير آخر وهو أن أخذ المال طعن في ~~ذاتها وأخذ لمالها ، فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر ، فكان ذلك معصية ~~عظيمة من أمهات الكبائر ، الخامس : أن عقاب البهتان والاثم المبين كان ~~معلوما عندهم فقوله : { أتأخذونه بهتانا } معناه أتأخذون عقاب البهتان فهو ~~كقوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا ~~} ( النساء : 10 ) . # المسألة الرابعة : قوله : { أتأخذونه } استفهام على معنى الانكار ~~والاعظام ، والمعنى أن الظاهر أنكم لا تفعلون مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه ~~في الشرع والعقل . # واعلم أنه تعالى ذكر في علة هذا المنع أمورا : أحدهما : أن هذا الأخذ ~~يتضمن نسبتها إلى الفاحشة المبينة ، فكان ذلك بهتانا والبهتان من أمهات ~~الكبائر . وثانيها : أنه إثم مبين لأن هذا المال حقها فمن ضيق الأمر عليها ~~ليتوسل بذلك التشديد والتضييق وهو ظلم ، إلى أخذ المال وهو ظلم آخر ، فلا ~~شك أن التوسل PageV10P013 بظلم إلى ظلم آخر يكون إثما مبينا . وثالثها : ~~قوله تعالى : { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : أصل أفضى من الفضاء الذي هو السعة يقال : فضا يفضو ~~وفضاء إذا اتسع ، قال الليث : أفضى فلان إلى فلان ، أي وصل اليه ، وأصله ~~أنه صار في فرجته وفضائه ، وللمفسرين في الافضاء في هذه الآية قولان : ~~أحدهما : أن ms2770 الافضاء ههنا كناية عن الجماع وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي ~~واختيار الزجاج وابن قتيبة ومذهب الشافعي ؛ لأن عنده الزوج إذا طلق قبل ~~المسيس فله أن يرجع في نصف المهر / وإن خلا بها . # والقول الثاني : في الافضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها ، قال الكلبي : ~~الافضاء أن يكون معها في لحاف واحد ، جامعها أو لم يجامعها ، وهذا القول ~~اختيار الفراء ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنه . لأن الخلوة الصحيحة تقرر ~~المهر . # واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن الليث قال : ~~أفضى فلان إلى فلانة / أي صار في فرجتها وفضائها ، ومعلوم أن هذا المعنى ~~إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع ، أما في غير وقت الجماع فهذا غير حاصل . ~~الثاني : أنه تعالى ذكر هذا في معرض التعجب ، فقال : { وكيف تأخذونه وقد ~~أفضى بعضكم إلى بعض } والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الافضاء سببا قويا في ~~حصول الألفة والمحبة ، وهو الجماع لا مجرد الخلوة ، فوجب حمل الافضاء عليه ~~. الثالث : وهو أن الافضاء اليها لا بد وأن يكون مفسرا بفعل منه ينتهي اليه ~~، لأن كلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية ، ومجرد الخلوة ليس كذلك ، لأن عند ~~الخلوة المحضة لم يصل فعل من أفعال واحد منهما إلى الآخر ، فامتنع تفسير ~~قوله : { أفضى بعضكم إلى بعض } بمجرد الخلوة . # فان قيل : فاذا اضطجعا في لحاف واحد وتلامسا فقد حصل الافضاء من بعضهم ~~إلى بعض فوجب أن يكون ذلك كافيا . وأنتم لا تقولون به . # قلنا : القائل قائلان ، قائل يقول : المهر لا يتقرر إلا بالجماع ، وآخر : ~~انه يتقرر بمجرد الخلوة وليس في الأمة أحد يقول إنه يتقرر بالملامسة ~~والمضاجعة ، فكان هذا القول باطلا بالاجماع ، فلم يبق في تفسير إفضاء بعضهم ~~إلى بعض إلا أحد أمرين : إما الجماع ، وإما الخلوة ، والقول بالخلوة باطل ~~لما بيناه ، فبقي أن المراد بالافضاء هو الجماع . الرابع : أن المهر قبل ~~الخلوة ما كان متقررا ، والشرع قد علق تقرره على إفضاء البعض إلى البعض ، ~~وقد اشتبه الأمر في أن المراد بهذا الافضاء ، هو الخلوة أو ms2771 الجماع ، وإذا ~~وقع الشك وجب بقاء ما كان على ما كان ، وهو عدم التقرير ، فبهذه الوجوه ظهر ~~ترجيح مذهب الشافعي والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } كلمة ~~تعجب ، أي لأي وجه ولأي معنى تفعلون هذا ؟ فانها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها ~~لذتك وتمتعك ، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما ، فكيف يليق ~~بالعاقل أن يسترد منها شيئا بذله لها بطبية نفسه ؟ إن هذا لا يليق ألبتة ~~بمن له طبع سليم وذوق مستقيم . # الوجه الرابع : من الوجوه التي جعلها الله مانعا من استرداد المهر قوله : ~~{ وأخذن منكم ميثاقا غليظا } في PageV10P014 تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه ~~: الأول : قال السدي وعكرمة والفراء : هو قولهم زوجتك هذه المرأة على ما ~~أخذه الله للنساء على الرجال ، من إمساك بمعروف أو تسريح باحسان ، ومعلوم ~~أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فما سرحها بالاحسان ، بل سرحها بالاساءة ~~. الثاني : قال ابن عباس ومجاهد : الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على ~~الصداق ، وتلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء ، قال صلى الله عليه وسلم ~~: ( اتقوا الله في النساء فانكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم / فروجهن ~~بكلمة الله . الثالث : قوله : { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } أي أخذن منكم ~~بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقا غليظا ، وصفه بالغلظة لقوته وعظمته ، ~~وقالوا : صحبة عشرين يوما قرابة ، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد ~~والامتزاج . # النوع الخامس : من الأمور التي كلف الله تعالى بها في هذه الآية من ~~الأمور المتعلقة بالنساء . # ! 7 < { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النسآء إلا ما قد سلف إنه كان ~~فاحشة ومقتا وسآء سبيلا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 22 ) ولا تنكحوا ما . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس وجمهور المفسرين : كان أهل الجاهلية ~~يتزوجون بأزواج آبائهم فنهاهم الله بهذه الآية عن ذلك الفعل . # المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : يحرم على الرجل أن يتزوج ~~بمزنية أبيه ، وقال الشافعي رحمة الله عليه : لا يحرم احتج أبو حنيفة بهذه ~~الآية فقال : إنه تعالى نهى الرجل أن ms2772 ينكح منكوحة أبيه ، والنكاح عبارة عن ~~الوطء فكان هذا نهيا عن نكاح موطوءة أبيه ، إنما قلنا : إن النكاح عبارة عن ~~الوطء لوجوه : الأول : قوله تعالى : { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره } ( البقرة : 230 ) أضاف هذا النكاح إلى الزوج ، والنكاح المضاف إلى ~~الزوج هو الوطء لا العقد ، لأن الانسان لا يمكنه أن يتزوج بزوجة نفسه لأن ~~تحصيل الحاصل محال ، ولأنه لو كان المراد بالنكاح في هذه الآية هوالعقد ~~لوجب أن يحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح ~~في هذه الآية ليس هو العقد ، فتعين أن يكون هو الوطء لأنه لا قائل بالفرق ، ~~الثاني : قوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح } ( النساء ~~: 6 ) والمراد من النكاح ههنا الوطء لا العقد ، لأن أهلية العقد كانت حاصلة ~~أبدا . الثالث : قوله تعالى : { الزانى لا ينكح إلا زانية } ( النور : 3 ) ~~فلو كان المراد ههنا العقد لزم الكذب . الرابع : قوله عليه الصلاة والسلام ~~: ( ناكح اليد ملعون ) ومعلوم أن المراد ليس هو العقد بل هو الوطء . فثبت ~~بهذه الوجوه أن النكاح عبارة عن الوطء ، فلزم أن يكون قوله تعالى : { ولا ~~تنكحوا ما نكح ءاباؤكم } أي : ولا تنكحوا ما وطئهن آباؤكم ، وهذا يدخل فيه ~~المنكوحة والمزنية ، لا يقال : كما أن لفظ النكاح ورد بمعنى الوطء فقد ورد ~~/ أيضا بمعنى العقد قال تعالى : { وأنكحوا الايامى منكم } ( النور : 32 ) { ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ( النسار : 3 ) { إذا نكحتم المؤمنات } ( ~~الأحزاب : 49 ) وقوله عليه الصلاة والسلام : ( ولدت من نكاح ولم أولد من ~~سفاح ) فلم كان حمل PageV10P015 اللفظ على الوطء أولى من حمله على العقد ؟ # أجابوا عنه من ثلاثة أوجه : الأول : ما ذهب اليه الكرخي وهو أن لفظ ~~النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد ، بدليل أن لفظ النكاح في أصل اللغة ~~عبارة عن الضم ، ومعنى الضم حاصل في الوطء لا في العقد ، فكان لفظ النكاح ~~حقيقة في الوطء . ثم إن العقد سمي بهذا الاسم لأن العقد لما كان سببا له ~~أطلق اسم ms2773 المسبب على السبب ، كما أن العقيقة اسم للشعر الذي يكون على رأس ~~الصبي حال ما يولد ، ثم تسمى الشاة التي تذبح عند حلق ذلك الشعر عقيقة فكذا ~~ههنا . # واعلم أنه كان مذهب الكرخي أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار ~~الواحد في حقيقته ومجازه معا ، فلا جرم كان يقول : المستفاد من هذه الآية ~~حكم الوطء ، أما حكم العقد فانه غير مستفاد من هذه الآية ، بل من طريق آخر ~~ودليل آخر . # الوجه الثاني : أن من الناس من ذهب إلى أن اللفظ المشترك يجوز استعماله ~~في مفهوميه معا فهذا القائل قال : دلت الآيات المذكورة على أن لفظ النكاح ~~حقيقة في الوطء وفي العقد معا ، فكان قوله : { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم } ~~نهيا عن الوطء وعن العقد معا ، حملا للفظ على كلا مفهوميه . # الوجه الثالث : في الاستدلال ، وهو قول من يقول : اللفظ المشترك لا يجوز ~~استعماله في مفهوميه معا / قالوا : ثبت بالدلائل المذكورة أن لفظ النكاح قد ~~استعمل في القرآن في الوطء تارة وفي العقد أخرى ، والقول بالاشتراك والمجاز ~~خلاف الأصل ، ولا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو معنى الضم ~~حتى يندفع الاشتراك والمجاز ، وإذا كان كذلك كان قوله : { ولا تنكحوا ما ~~نكح ءاباؤكم } نهيا عن القدر المشترك بين هذين القسمين ، والنهي عن القدر ~~المشترك بين القسمين يكون نهيا عن كل واحد من القسمين لا محالة ، فان النهي ~~عن التزويج يكون نهيا عن العقد وعن الوطء معا ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال ~~في تقرير هذا الاستدلال . # والجواب عنه من وجوه : الأول : لا نسلم أن اسم النكاح يقع على الوطء ، ~~والوجوه التي احتجوا بها على ذلك فهي معارضة بوجوه : أحدها : قوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( النكاح سنتي ) ولا شك أن الوطء من حيث كونه وطأ ليس سنة ~~له ، وإلا لزم أن يكون الوطء بالسفاح سنة له فلما ثبت أن النكاح سنة ، وثبت ~~أن الوطء ليس سنة ، ثبت أن النكاح ليس عبارة عن الوطء ، كذلك التمسك بقوله ~~: { * تناكحوا تكثروا } ولو كان الوطء ms2774 مسمى بالنكاح لكان هذا إذنا في مطلق ~~الوطء / وكذلك التمسك بقوله تعالى : { لعلكم تفلحون وأنكحوا الايامى منكم } ~~( النور : 32 ) وقوله : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ( النساء : 3 ) . # لا يقال : لما وقع التعارض بين هذه الدلائل فالترجيح معنا ، وذلك لأنا لو ~~قلنا : الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دلائلنا ، ~~ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى . # لأنا نقول : أنتم تساعدون على أن لفظ النكاح مستعمل في العقد ، فلو قلنا ~~: إن النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها ، ~~ولزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النكاح فيها بمعنى العقد ، أما ~~قولنا : ان النكاح فيها بمعنى الوطء فلا يلزمنا التخصيص ، فقولكم يوجب ~~المجاز PageV10P016 والتخصيص معا ، وقولنا يوجب المجاز فقط ، فكان قولنا ~~أولى . # الوجه الثاني : من الوجوه الدالة على أن النكاح ليس حقيقة في الوطء قوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح ) أثبت نفسه مولودا ~~من النكاح وغير مولود من السفاح ، وهذا يقتضي أن لا يكون السفاح نكاحا ، ~~والسفاح وطء ، فهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحا . # الوجه الثالث : أنه من حلف في أولاد الزنا : أنهم ليسوا أولاد النكاح لم ~~يحنث ، ولو كان الوطء نكاحا لوجب أن يحنث ، وهذا دليل ظاهر على أن الوطء ~~ليس مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة . الثاني : سلمنا أن الوطء مسمى بالنكاح ~~، لكن العقد أيضا مسمى به ، فلم كان حمل الآية على ما ذكرتم أولى من حملها ~~على ما ذكرنا ؟ # أما الوجه الأول : وهو الذي ذكره الكرخي فهو في غاية الركاكة ، وبيانه من ~~وجهين : الأول : أو الوطء مسبب العقد ، فكما يحسن إطلاق اسم المسبب على ~~السبب مجازا فكذلك يحسن اطلاق اسم السبب على المسبب مجازا . فكما يحتمل أن ~~يقال : النكاح اسم للوطء ثم أطلق هذا الاسم على العقد لكونه سببا للوطء ، ~~فكذلك يحتمل أن يقال : النكاح اسم للعقد ، ثم أطلق هذا الاسم على الوطء ~~لكون الوطء مسببا له ، فلم كان أحدهما أولى من الآخر ms2775 ؟ بل الاحتمال الذي ~~ذكرناه أولى ، لأن استلزام السبب للمسبب أتم من استلزام المسبب للسبب ~~المعين ، فانه لا يمتنع أن يكون لحصول الحقيقة الواحدة أسباب كثيرة ، ~~كالملك فانه يحصل بالبيع والهبة والوصية والارث ، ولا شك أن الملازمة شرط ~~لجواز المجاز ، فثبت أن القول بأن اسم النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء ~~، أولى من عكسه . # الوجه الثاني : أن النكاح لو كان حقيقة في الوطء مجازا في العقد ، وقد ~~ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه معا ~~/ فحينئذ يلزم أن لا تكون الآية دالة / على حكم العقد ، وهذا وإن كان قد ~~التزمه الكرخي لكنه مدفوع بالدليل القاطع ، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على ~~أن سبب نزول هذه الآية هو أنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم ، وأجمع ~~المسلمون على أن سبب نزول الآية لا بد وأن يكون داخلا تحت الآية ، بل ~~اختلفوا في أن غيره هل يدخل تحت الآية أم لا ؟ وأما كون سبب النزول داخلا ~~فيها فذاك مجمع عليه بين الأمة ، فاذا ثبت باجماع المفسرين ، أن سبب نزول ~~هذه الآية هو العقد لا الوطء ، وثبت باجماع المسلمين أن سبب النزول لا بد ~~وأن يكون مرادا ، ثبت بالاجماع أن النهي عن العقد مراد من هذه الآية ، فكان ~~قول الكرخي واقعا على مضادة هذا الدليل القاطع ، فكان فاسدا مردودا قطعا . # أما الوجه الثاني : مما ذكروه وهو أنا نحمل لفظ النكاح على مفهوميه ، ~~فنقول : هذا أيضا باطل ، وقد بينا وجه بطلانه في أصول الفقه . # وأما الوجه الثالث : فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب ، وهو أيضا ~~ضعيف لأن الضم الحاصل في الوطء عبارة عن تجاور الأجسام وتلاصقها ، والضم ~~الحاصل في العقد ليس كذلك لأن الايجاب والقبول أصوات غير باقية ، فمعنى ~~الضم والتلاقي والتجاور فيها محال ، وإذا كان كذلك ثبت أنه ليس بين الوطء ~~وبين العقد مفهوم مشترك حتى يقال : إن لفظ النكاح حقيقة فيه ، فاذا بطل ذلك ~~لم يبق إلا أن يقال : لفظ النكاح مشترك بين الوطء وبين العقد ، ويقال : إنه ms2776 ~~حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر ، وحينئذ يرجع الكلام إلى PageV10P017 ~~الوجهين الأولين ، فهذا هو الكلام الملخص في هذا . # الوجه الثاني : في الجواب عن هذا الاستدلال أن نقول : سلمنا أن النكاح ~~بمعنى الوطء ، ولكن لم قلتم : إن قوله : { ما نكح ءاباؤكم } المراد منه ~~المنكوحة ، والدليل عليه إجماعهم على أن لفظه ( ما ) حقيقة في غير العقلاء ~~، فلو كان المراد منه ههنا المنكوحة لزم هذا المجاز ، وإنه خلاف الأصل ، بل ~~أهل العربية اتفقوا على أن ( ما ) مع بعدها في تقدير المصدر ، فتقدير الآية ~~: ولا تنكحوا نكاح آبائكم ، وعلى هذا يكون المراد منه النهي عن أن تنكحوا ~~نكاحا مثل نكاح آبائكم ، فان أنكحتهم كانت بغير ولي ولا شهود ، وكانت موقتة ~~، وكانت على سبيل القهر والالجاء ، فالله تعالى نهاهم بهذه الآية عن مثل ~~هذه الأنكحة ، وهذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية ~~. # الوجه الثالث : في الجواب عن هذا الاستدلال : سلمنا أن المراد من قوله : ~~{ ما نكح ءاباؤكم } المنكوحة ، والتقدير : ولا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكن ~~قوله : من نكح آباؤكم ليس صريحا في العموم بدليل أنه يصح إدخال لفظي الكل ~~والبعض عليه ، فيقال : ولا تنكحوا كل ما نكح آباؤكم ولا تنكحوا بعض من نكح ~~آباؤكم ، ولو كان هذا صريحا في العموم لكان إدخال لفظ / الكل عليه تكريرا ، ~~وإدخال لفظ البعض عليه نقصا ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فثبت أن قوله : { ولا ~~تنكحوا ما نكح ءاباؤكم } لا يفيد العموم ، وإذا لم يفد العموم لم يتناول ~~محل النزاع . # لا يقال : لو لم يفد العموم لم يكن صرفه إلى بعض الأقسام أولى من صرفه ~~إلى الباقي ، فحينئذ يصير مجملا غير مفيد ، والأصل أن لا يكون كذلك . # لأنا نقول : لا نسلم أن بتقدير أن لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض ~~أولى من صرفه إلى غيره ، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزوله إنما ~~هو التزوج بزوجات الآباء ، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى ، وبهذا التقدير ~~لا يلزم كون الآية مجملة ، ولا يلزم كونها ms2777 متناولة لمحل النزاع . # الوجه الرابع : سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النزاع ، لكن لم قلتم : ~~إنه يفيد التحريم ؟ أليس أن كثيرا من أقسام النهي لا يفيد التحريم ، بل ~~يفيد التنزيه ، فلم قلتم : إنه ليس الأمر كذلك ؟ أقصى ما في الباب أن يقال ~~: هذا على خلاف الأصل ، ولكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل ، وسنذكر دلائل ~~صحة هذا النكاح إن شاء الله تعالى . # الوجه الخامس : أن ما ذكرتم هب أنه يدل على فساد هذا النكاح ، إلا أن ~~ههنا ما يدل على صحة هذا النكاح وهو من وجوه : # الحجة الأولى : هذا النكاح منعقد فوجب أن يكون صحيحا ، بيان أنه منعقد ~~أنه عند أبي حنيفة رضي الله عنه منهي عنه بهذه الآية ، ومن مذهبه أن النهي ~~عن الشيء يدل على كونه في نفسه منعقدا وهذا هو أصل مذهبه في مسألة البيع ~~الفاسد وصوم يوم النحر ، فيلزم من مجموع هاتين المقدمتين أن يكون هذا ~~النكاح منعقدا على أصل أبي حنيفة ، وإذا ثبت القول بالانعقاد في هذه الصورة ~~وجب القول بالصحة لأنه لا قائل بالفرق . فهذا وجه حسن من طريق الالزام ~~عليهم في صحة هذا النكاح . PageV10P018 # الحجة الثانية : عموم قوله تعالى : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ( ~~البقرة : 221 ) نهى عن نكاح المشركات ومد النهي إلى غاية وهي إيمانهن ، ~~والحكم الممدود إلى غاية ينتهي عند حصول تلك الغاية ، فوجب أن ينتهي المنع ~~من نكاحهن عند إيمانهن ، وإذا انتهى المنع حصل الجواز ، فهذا يقتضي جواز ~~نكاحهن على الاطلاق ، ولا شك أنه يدخل في هذا العموم مزنية الأب وغيرها ، ~~أقصى ما في الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في مواضع يبقى حجة في غير محل ~~التخصيص . وكذلك نستدل بجميع العمومات الواردة في باب النكاح كقوله تعالى : ~~{ وأنكحوا الايامى } ( النور : 32 ) وقوله : { فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء } ( النساء : 3 ) وأيضا نتمسك بقوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم } ( النساء : 24 ) وليس لأحد أن يقول : إن قوله : / { ما وراء ذلكم } ~~ضمير عائد إلى المذكور السابق ، ومن جملة المذكور السابق ms2778 قوله : { ولا ~~تنكحوا ما نكح ءاباؤكم } وذلك لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، ~~وأقرب المذكورات اليه هو من قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) ~~فكان قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } عائدا اليه ، ولا يدخل فيه قوله : { ~~ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم } وأيضا نتمسك بعمومات الأحاديث كقوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه ) وقوله : ( زوجوا ~~بناتكم الاكفاء ) فكل هذه العمومات يتناول : محل النزاع . واعلم أنا بينا ~~في أصول الفقه أن الترجيح بكثرة الأدلة جائز ، وإذا كان كذلك فنقول بتقدير ~~أن يثبت لهم أن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد ، فلو حملنا الآية على ~~العقد لم يلزمنا إلا مجاز واحد ، وبتقدير أن نحمل تلك الآية على حرمة ~~النكاح يلزمنا هذه التخصيصات الكثيرة فكان الترجيح من جانبنا بسبب كثرة ~~الدلائل . # الحجة الثالثة : الحديث المشهور في المسألة وهو قوله عليه الصلاة والسلام ~~: ( الحرام لا يحرم الحلال ) أقصى ما في الباب أن يقال : إن قطرة من الخمر ~~إذا وقعت في كوز من الماء فههنا الحرام حرم الحلال ، وإذا اختلطت المنكوحة ~~بالاجنبيات واشتبهت بهن ، فههنا الحرام حرم الحلال ، إلا أنا نقول : دخول ~~التخصيص فيه في بعض الصور ، ولا يمنع من الاستدلال به . # الحجة الرابعة : من جهة القياس أن نقول : المقتضى لجواز النكاح قائم ، ~~والفارق بين محل الاجماع وبين محل النزاع ظاهر ، فوجب القول بالجواز ، أما ~~المقتضى فهو أن يقيس نكاح هذه المرأة على نكاح سائر النسوان عند حصول ~~الشرائط المتفق عليها ، بجامع ما في النكاح من المصالح ، وأما الفارق فهو ~~أن هذه المحرمية إنما حكم الشرع بثبوتها ، سعيا في إبقاء الوصلة الحاصلة ~~بسبب النكاح ومعلوم أن هذا لا يليق بالزنا . # بيان المقام الأول : من تزوج بامرأة ، فلو لم يدخل على المرأة أب الرجل ~~وابنه . ولم تدخل على الرجل أم المرأة وبنتها ، لبقيت المرأة كالمحبوسة في ~~البيت ، ولتعطل على الزوج والزوجة أكثر المصالح ولو أذنا في هذا الدخول ولم ~~نحكم بالمحرمية فربما امتد عين البعض إلى البعض وحصل الميل والرغبة وعند ms2779 ~~حصول التزوج بأمها أو ابنتها تحصل النفرة الشديدة بينهن ، لأن صدور الايذاء ~~عن الأقارب أقوى وقعا وأشد إيلاما وتأثيرا ، وعند حصول النفرة الشديدة يحصل ~~التطليق والفراق ، أما إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع وانحبست الشهورة ، ~~فلا يحصل ذلك الضرر ، فبقي النكاح بين الزوجين سليما عن هذه المفسدة ، ~~PageV10P019 فثبت أن المقصود من حكم الشرع بهذه المحرمية ، السعي في تقرير ~~الاتصال الحاصل بين الزوجين ، وإذا كان المقصود من شرع المحرمية ابقاء ذلك ~~الاتصال ، فمعلوم / أن الاتصال الحاصل عند النكاح مطلوب البقاء ، فيتناسب ~~حكم الشرع باثبات هذه المحرمية ، وأما الاتصال الحاصل عند الزنا فهو غير ~~مطلوب البقاء ، فلم يتناسب حكم الشرع باثبات هذه المحرمية ، وهذا وجه مقبول ~~مناسب في الفرق بين البابين ، وهذا هو من قول الامام الشافعي رضي الله عنه ~~عند مناظرته في هذه المسألة محمد بن الحسن حيث قال : وطء حمدت به ، ووطء ~~رجمت به ، فكيف يشتبهان ؟ ولنكتف بهذا القدر من الكلام في هذه المسألة . # واعلم أن السبب في ذكر هذا الاستقصاء ههنا أن أبا بكر الرازي طول في هذه ~~المسألة في تصنيفه ، وما كان ذلك التطويل إلا تطويلا في الكلمات المختلطة ~~والوجوه الفاسدة الركيكة ، ثم إنه لما آل الأمر إلى المكالمة مع الامام ~~الشافعي أساء في الأدب وتعدى طوره ، وخاض في السفاهة وتعامى عن تقرير ~~دلائله وتغافل عن إيراد حججه ، ثم انه بعد أن كتب الأوراق الكثيرة في ~~الترهات التي لا نفع لمذهبه منها ولا مضرة على خصومه بسببها ، أظهر القدح ~~الشديد والتصلف العظيم في كثرة علوم أصحابه وقلة علوم من يخالفهم ، ولو كان ~~من أهل التحصيل لبكى على نفسه من تلك الكلمات التي حاولت نصرة قوله بها ، ~~ولتعلم الدلائل ممن كان أهلا لمعرفتها ، ومن نظر في كتابنا ونظر في كتابه ~~وأنصف علم أنا أخذنا منه خرزة ، ثم جعلناها لؤلؤة من شدة التخليص والتقرير ~~ثم أجبنا عنه بأجوبة مستقيمة على قوانين الأصول ، منطبقة على قواعد الفقه ، ~~ونسأل الله حسن الخاتمة ودوام التوفيق والنصرة . # المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في قوله : { إلا ما ms2780 قد سلف } وجوها : ~~الأول : وهو أحسنها : ما ذكره السيد صاحب حل المقل فقال : هذا استثناء على ~~طريق المعنى لأن قوله : { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد ~~سلف } قبل نزول آية التحريم فانه معفو عنه ، الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) ~~: هذا كما استثنى ( غير أن سيوفهم ) من قوله : { ولا * لكم فيهم } يعني إن ~~أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فانه لا يحل لكم غيره ، وذلك غير ممكن ~~، والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته ، كما يقال : حتى يبيض ~~القار ، وحتى يلج الجمل في سم الخياط . الثالث : أن هذا استثناء منقطع لأنه ~~لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل ، والمعنى : لكن ما قد سلف فان الله ~~تجاوز عنه . والرابع : ( إلا ) ههنا بمعنى بعد ، كقوله تعالى : { لا يذوقون ~~فيها الموت إلا الموتة الاولى } ( الدخان : 56 ) أي بعد الموتة الأولى . ~~الخامس : قال بعضهم : معناه إلا ما قد سلف فانكم مقرون عليه ، قالوا : إنه ~~عليه الصلاة والسلام أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن . وإنما فعل ذلك ~~ليكون إخراجهم عن هذه العادة الرديئة على سبيل التدريج ، وقيل : إن هذا خطأ ~~، لأنه عليه الصلاة والسلام ما أقر أحدا على نكاح امرأة أبيه / / وإن كان ~~في الجاهلية . روى البراء : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بردة إلى ~~رجل عرس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله . # المسألة الرابعة : الضمير في قوله تعالى : { أنه } إلى ماذا يعود ؟ فيه ~~وجهان : الأول : أنه راجع إلى هذا النكاح قبل النهي ، أعلم الله تعالى أن ~~هذا الذي حرمه عليهم كان لم يزل منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم ، وكانت ~~العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه : مقتى ، وذلك لأن زوجة الأب تشبه ~~الأم ، وكان نكاح الأمهات من أقبح الأشياء عند العرب ، فلما كان هذا النكاح ~~يشبه ذلك ، لا جرم كان مستقبحا عندهم ، فبين الله تعالى PageV10P020 أن هذا ~~النكاح أبدا كان ممقوتا وقبيحا ، الثاني : أن هذا الضمير راجع إلى هذا ~~النكاح بعد النهي ، فبين الله تعالى أنه كان فاحشة في الاسلام ms2781 ومقتا عند ~~الله ، وإنما قال : { كان } لبيان أنه كان في حكم الله وفي علمه موصوفا ~~بهذا الوصف . # المسألة الخامسة : أنه تعالى وصفه بأمور ثلاثة : أولها : أنه فاحشة ، ~~وإنما وصف هذا النكاح بأنه فاحشة لما بينا أن زوجة الأب تشبه الأم فكانت ~~مباشرتها من أفحش الفواحش ، وثانيها : المقت : وهو عبارة عن بغض مقرون ~~باستحقار ، حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه ، وهو من الله في حق العبد ~~يدل على غاية الخزي والخسار . وثالثها : قوله : { وساء سبيلا } قال الليث : ~~( ساء ) فعل لازم وفاعله مضمر و ( سبيلا ) منصوب تفسيرا لذلك الفاعل ، كما ~~قال : { وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) واعلم أن مراتب القبح ثلاثة : ~~القبح في العقول ، وفي الشرائع وفي العادات ، فقوله : { إنه كان فاحشة } ~~إشارة إلى القبح العقلي ، وقوله : { ومقتا } إشارة إلى القبح الشرعي ، ~~وقوله : { وساء سبيلا } إشارة إلى القبح في العرف والعادة ، ومتى اجتمعت ~~فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح والله أعلم . # النوع السادس : من التكاليف المتعلقة بالنساء المذكورة في هذه الآيات . # ! 7 < { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الا ~~خ وبنات الا خت وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم ~~وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسآئكم اللاتى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم ~~بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنآئكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الا ~~ختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 23 ) حرمت عليكم أمهاتكم . . . . . # > > # قوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الاخ وبنات الاخت } . # اعلم أنه تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النسوان : سبعة منهن من ~~جهة النسب ، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ ~~وبنات الأخت . وسبعة / أخرى لا من جهة النسب : الأمهات من الرضاعة والأخوات ~~من الرضاعة وأمهات النساء وبنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء ، ~~وأزواج الابناء والآباء ، إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ههنا ، وأزواج ~~الآباء مذكورة في الآية المتقدمة ، والجمع بين الأختين . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى ms2782 : ذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة قال : لأنه أضيف ~~التحريم فيها إلى الأمهات والبنات ، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الاعيان ، ~~وإنما يمكن إضافته إلى الافعال ، وذلك الفعل غير مذكور في الآية ، فليست ~~إضافة هذا التحريم إلى بعض الافعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات ~~والبنات ، أولى من بعض ، فصارت الآية مجملة من هذا الوجه . # والجواب عنه من وجهين : الأول : أن تقديم قوله تعالى : { ولا تنكحوا ما ~~نكح ءاباؤكم } ( النساء : 22 ) يدل على أن المراد من قوله : { حرمت عليكم ~~أمهاتكم } تحريم نكاحهن . الثاني : أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلى ~~الله عليه وسلم أن المراد منه تحريم نكاحهن ، والأصل فيه أن الحرمة ~~والاباحة إذا أضيفتا إلى الاعيان ، فالمراد PageV10P021 تحريم الفعل ~~المطلوب منها في العرف ، فاذا قيل : حرمت عليكم الميتة والدم ، فهم كل أحد ~~أن المراد تحريم أكلهما ، وإذا قيل : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ~~، فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن ، ولما قال عليه الصلاة والسلام : ( ~~لا يحل دم امرىء مسلم إلا لاحدى معان ثلاث ) فهم كل أحد أن المراد لا يحل ~~إراقة دمه . وإذا كانت هذه الأمور معلومة بالضرورة كان إلقاء الشبهات فيها ~~جاريا مجرى القدح في البديهيات وشبه السوفسطائية ، فكانت في غاية الركاكة ~~والله أعلم . # بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى : أحدها : أن قوله : { حرمت عليكم } مذكور ~~على ما لم يسم فاعله ، فليس فيه تصريح بأن فاعل هذا التحريم هو الله تعالى ~~، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر ، ولا سبيل اليه إلا بالاجماع ، ~~فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا ، بل لا بد معها من الاجماع على هذه المقدمة ~~، وثانيها : أن قوله : { حرمت عليكم } ليس نصا في ثبوت التحريم على سبيل ~~التأييد ، فان القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المؤبد ، والى ~~المؤقت ، كأنه تعالى تارة قال : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى الوقت ~~الفلاني فقط ، وأخرى : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم مؤبدا مخلدا ، واذا كان ~~القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتقسيم ms2783 بهذين القسمين ، لم ~~يكن نصا في التأييد ، فاذن هذا التأييد لا يستفاد من ظاهر الآية / بل من ~~دلالة منفصلة ، وثالثها : أن قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } خطاب مشافهة ~~فيخصص بأولئك الحاضرين ، فاثبات هذا التحريم في حق الكل إنما يستفاد من ~~دليل منفصل ، ورابعها : أن قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } إخبار عن ثبوت ~~هذا / التحريم في الماضي ، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل فلا ~~يعرف ذلك إلا بدليل منفصل ، وخامسها : أن ظاهر قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم ~~} يقتضي أنه قد حرم على كل أحد جميع أمهاتهم وجميع بناتهم ، ومعلوم أنه ليس ~~كذلك ، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع ، فيقتضي مقابلة الفرد ~~بالفرد ، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد حرم على كل أحد أمه خاصة ، وبنته ~~خاصة ، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر ، وسادسها : أن قوله : { حرمات } يشعر ~~ظاهره بسبق الحل ، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله : { حرمات } ~~تحريما لما هو في نفسه حرام ، فيكون ذلك إيجاد الموجود وهو محال ، فثبت أن ~~المراد من قوله : { حرمات } ليس تجديد التحريم حتى يلزم الاشكال المذكور ، ~~بل المراد الاخبار عن حصول التحريم ، فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده ~~غير كاف في إثبات المطلوب والله أعلم . # المسألة الثانية : اعلم أن حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم ~~عليه السلام إلى هذا الزمان ، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان ~~الالهية ، بل ان زرداشت رسول المجوس قال بحله ، إلا أن أكثر المسلمين ~~اتفقوا على انه كان كذابا . أما نكاح الاخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحا في ~~زمن آدم عليه السلام ، وإنما حكم الله باباحة ذلك على سبيل الضرورة ، ورأيت ~~بعض المشايخ أنكر ذلك ، وقال : انه تعالى كان يبعث الحواري من الجنة ليزوج ~~بهن أبناء آدم عليه السلام وهذا بعيد ، لأنه إذا كان زوجات أبنائه وأزواج ~~بناته من أهل الجنة ، فحينئذ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط ، وذلك ~~بالاجماع باطل . وذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم : أن الوطء إذلال ~~وإهانة ، فان الانسان ms2784 يستحي من ذكره ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي ، ~~وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره ، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون ~~الأمهات عنه لأن إنعام الأم PageV10P022 على الولد أعظم وجوه الانعام ، ~~فوجب صونها عن هذا الاذلال ، والبنت بمنزلة جزء من الانسان وبعض منه ، قال ~~عليه الصلاة والسلام : ( فاطمة بضعة مني ) فيجب صونها عن هذا الاذلال ، لأن ~~المباشرة معها تجري مجرى الاذلال ، وكذا القول في البقية والله أعلم . ~~ولنشرع الآن في التفاصيل فنقول : # النوع الأول : من المحرمات : الأمهات ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الأمهات جمع الأم والأم في ~~الأصل أمهة فأسقط الهاء في التوحيد قال الشاعر : # أمهتى خندف والياس أبي # وقد تجمع الأم على أمات بغير هاء وأكثر ما يستعمل في الحيوان غير الآدمي ~~قال الراعي : # / كانت نجائب منذر ومحرق أماتهن وطرقهن فحيلا المسألة الثانية : كل امرأة ~~رجع نسبك اليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات ، ~~بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك . ثم ههنا بحث وهو أن لفظ الأم لا شك ~~أنه حقيقة في الأم الأصلية ، فأما في الجدات فاما ان يكون حقيقة أو مجازا ، ~~فان كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات ، فاما أن يكون لفظا ~~متواطئا أو مشتركا ، فان كان لفظا متواطئا أعني أن يكون لفظ الأم موضوعا ~~بازاء قدر مشترك بين الأم الأصلية وبين سائر الجدات فعلى هذا التقدير يكون ~~قوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } نصا في تحريم الأم الأصلية وفي تحريم ~~جميع الجدات ، وأما إن كان لفظ الام مشتركا في الأم الأصلية وفي الجدات / ~~فهذا يتفرع على أن اللفظ المشترك بين أمرين هل يجوز استعماله فيهما معا أم ~~لا ؟ فمن جوزه حمل اللفظ ههنا على الكل ، وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصا ~~عليه ، ومن قال : لا يجوز ، فالقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الموضع : ~~أحدهما : أن لفظ الأم لا شك أنه أريد به ههنا الأم الأصلية ، فتحريم نكاحها ~~مستفاد من هذا الوجه ، وأما تحريم نكاح ms2785 الجدات فغير مستفاد من هذا النص ، ~~بل من الاجماع . والثاني : أنه تعالى تكلم بهذه الآية مرتين ، يريد في كل ~~مرة مفهوما آخر ، أما إذا قلنا : لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية مجاز في ~~الجدات ، فقد ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة واحدة في حقيقته ~~ومجازه معا ، وحينئذ يرجع الطريقان اللذان ذكرناهما فيما إذا كان لفظ الأم ~~حقيقة في الأم الأصلية ، وفي الجدات . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها ~~يلزمه الحد ، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يلزمه . حجة الشافعي أن وجود هذا ~~النكاح وعدمه بمثابة واحدة ، فكان هذا الوطء زنا محضا فيلزمه الحد لقوله ~~تعالى : { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ( النور : 2 ~~) إنما قلنا : إن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لأنه تعالى قال : { ~~حرمت عليكم أمهاتكم } وقد علم بالضرورة من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن ~~مراد الله تعالى من هذه الآية : تحريم نكاحها وإذا ثبت هذا فنقول : الموجود ~~ليس إلا صيغة الايجاب والقبول ، فلو حصل هذا الانعقاد ، فاما أن يقال : إنه ~~حصل في الحقيقة أو في حكم الشرع والأول باطل ، لأن صيغة الايجاب والقبول ~~كلام وهو عرض لا يبقى ، والقبول لا يوجد إلا بعد الايجاب ، وحصول الانعقاد ~~بين الموجود والمعدوم محال . والثاني : باطل ، لأن الشرع بين في هذه الآية ~~بطلان هذا PageV10P023 العقد قطعا ، ومع كون هذا العقد باطلا قطعا في حكم ~~الشرع ، كيف يمكن القول بأنه منعقد شرعا ؟ فثبت أن وجود هذا / العقد وعدمه ~~بمثابة واحدة ، وإذا ثبت ذلك فباقي التفريع والتقرير ما تقدم . # النوع الثاني : من المحرمات : البنات ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : كل أنثى يرجع نسبها اليك بالولادة بدرجة أو بدرجات ، ~~باناث أو بذكرو فهي بنتك ، وأما بنت الابن وبنت البنت فهل تسمى بنتا حقيقة ~~أو مجازا ؟ فالبحث فيه عين ما ذكرناه في الأمهات . # المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : البنت المخلوقة من ماء الزنا ~~لا تحرم على الزاني . وقال أبو حنيفة : تحرم . حجة الشافعي أنها ms2786 ليست بنتا ~~له فوجب أن لا تحرم ، إنما قلنا : إنها ليست بنتا لوجوه : الأول : أن أبا ~~حنيفة إما أن يثبت كونها بنتا له بناء على الحقيقة ، وهي كونها مخلوقة من ~~مائه ، أو بناء على حكم الشرع بثبوت هذا النسب ، والأول باطل على مذهبه ~~طردا وعكسا ، أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكرا وافتضها وحبسها في ~~داره فأتت بولد ، فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه مع أن أبا حنيفة قال ~~: لا يثبت نسبها إلا عن الاستلحاق ، ولو كان السبب هو كون الولد متخلقا من ~~مائه لما توقف في ثبوت هذا النسب بغير الاستلحاق ، وأما العكس فهو أن ~~المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد ، فأبو حنيفة أثبت النسب هنا مع ~~القطع بأنه غير مخلوق من مائه ، فثبت أن القول بجعل التخليق من مائه سببا ~~للنسب باطل طردا وعكسا على قول أبي حنيفة ، وأما إذا قلنا : النسب إنما ~~يثبت بحكم الشرع ، فههنا أجمع المسلمون على أنه لا نسب لولد الزنا من ~~الزاني ، ولو انتسب إلى الزاني لوجب على القاضي منعه من ذلك الانتساب ، ~~فثبت أن انتسابها اليها غير ممكن ، لا بناء على الحقيقة ، ولا بناء على حكم ~~الشرع . # الوجه الثاني : التمسك بقوله عليه الصلاة والسلام : ( الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر ) فقوله : الولد للفراش يقتضي حصر النسب في الفراش . # الوجه الثالث : لو كانت بنتا له لأخذت الميراث لقوله تعالى : { للذكر مثل ~~حظ الانثيين } ( النساء : 11 ) ولثبتت له ولاية الاجبار ، لقوله عليه ~~السلام : ( زوجوا بناتكم الاكفاء ) ولوجب عليه نفقتها وحضانتها ، ولحلت ~~الخلوة بها ، فلما لم يثبت شيء من ذلك علمنا انتفاء البنتية ، وإذا ثبت ~~أنها ليست بنتا له وجب أن يحل التزوج بها ، لأن حرمة التزوج بها إما ~~للبنتية ، أو لأجل أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة ، وهذا الحصر ثابت بالاجماع ~~. والبنتية باطلة كما ذكرنا ، وحرمة المصاهرة بسبب الزنا أيضا باطلة كما ~~تقدم شرح هذه المسألة ، فثبت أنها غير محرمة على الزاني والله أعلم . # النوع الثالث : من المحرمات : الأخوات : ويدخل فيه الأخوات من الأب ms2787 والأم ~~معا ، / والأخوات من الأب فقط ، والأخوات منالأم فقط . # النوع الرابع والخامس : العمات والخالات . قال الواحدي رحمه الله : كل ~~ذكر رجع نسبك اليه فأخته عمتك ، وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي ~~أمك ، وكل أنثى رجع نسبك اليها بالولادة فأختها خالتك ، وقد تكون الخالة من ~~جهة الأب وهي أخت أم أبيك . # النوع السادس والسابع : بنات الأخ وبنات الأخت : والقول في بنات الأخ ~~وبنات الأخت كالقول في PageV10P024 بنات الصلب . فهذه الأقسام السبعة محرمة ~~في نص الكتاب بالانساب والارحام . قال المفسرون : كل امرأة حرم الله نكاحها ~~للنسب والرحم ، فتحريمها مؤبد لا يحل بوجه من الوجوه ، وأما اللواتي يحل ~~نكاحهن ثم يصرن محرمات بسبب طارىء ، فهن اللاتي ذكرن في باقي الآية . # النوع الثامن والتاسع : # قوله تعالى : { وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } . # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : المرضعات سماهن أمهات لأجل ~~الحرمة ، كما أنه تعالى سمى أزواج النبي عليه السلام أمهات المؤمنين في ~~قوله : { وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) لأجل الحرمة . # المسألة الثانية : أنه تعالى نص في هذه الآية على حرمة الأمهات والأخوات ~~من جهة الرضاعة إلا أن الحرمة غير مقصورة عليهن ، لأنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) وإنما عرفنا أن الأمر كذلك ~~بدلالة هذه الآيات ، وذلك لأنه تعالى لما سمى المرضعة أما ، والمرضعة أختا ~~، فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب ، وذلك لانه تعالى ~~حرم بسبب النسب سبعا : اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق الولادة ، وهما ~~الأمهات والبنات ، وخمس منها بطريق الأخوة ، وهو الأخوات والعمات والخالات ~~وبنات الأخ وبنات الأخت ، ثم انه تعالى لما شرع بعد ذلك في أحوال الرضاع ~~ذكر من هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي ، فذكر من قسم قرابة ~~الولادة الأمهات ، ومن قسم قرابة الاخوة الأخوات ، ونبه بذكر هذين المثالين ~~من هذين القسمين على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب ، ثم انه عليه ~~السلام أكد هذا البيان بصريح قوله : ( يحرم من الرضاع ms2788 ما يحرم من النسب ) ~~فصار صريح الحديث مطابقا لمفهوم الآية ، وهذا / بيان لطيف . # المسألة الثالثة : أم الأنسان من الرضاع هي التي أرضعته ، وكذلك كل امرأة ~~انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة ، إما من جهة النسب أو من جهة الرضاع ، ~~والحال في الأب كما في الأم ، واذا عرفت الأم والأب فقد عرفت البنت أيضا ~~بذلك الطريق ، وأما الأخوات فثلاثة : الأولى أختك لأبيك وأمك ، وهي الصغيرة ~~الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبن أبيك ، سواء أرضعتها معك أو مع ولد قبلك أو ~~بعدك ، والثانية أختك لأبيك دون أمك ، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك بلبن ~~أبيك / والثالثة أختك لأمك دون أبيك ، وهي التي أرضعتها أمك بلبن رجل آخر ، ~~واذا عرفت ذلك سهل عليك معرفة العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت . # المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمة الله عليه : الرضاع يحرم بشرط أن ~~يكون خمس رضعات ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : الرضعة الواحدة كافية ، ~~وقد مرت هذه المسألة في سورة البقرة ، واحتج أبو بكر الرازي بهذه الآية ~~فقال : انه تعالى علق هذا الاسم يعني الأمومة والاخوة بفعل الرضاع ، فحيث ~~حصل هذا الفعل وجب أن يترتب عليه الحكم ، ثم سأل نفسه فقال : ان قوله تعالى ~~: { وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم } PageV10P025 بمنزلة قول القائل : وأمهاتكم ~~اللاتي أعطينكم ، وأمهاتكم اللاتي كسونكم ، وهذا يقتضي تقدم حصول صفة ~~الأمومة والأختية على فعل الرضاع ، بل لو أنه تعالى قال : اللاتي أرضعنكم ~~هن أمهاتكم لكان مقصودكم حاصلا . # وأجاب عنه بأن قال : الرضاع هو الذي يكسوها سمة الأمومة ، فلما كان الاسم ~~مستحقا بوجود الرضاع كان الحكم معلقا به ، بخلاف قوله وأمهاتكم اللاتي ~~كسونكم ، لأن اسم الأمومة غير مستفاد من الكسوة ، قال ويدل على أن ذلك ~~مفهوم من هذه الآية ما روي أنه جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال : ~~قال ابن الزبير : لا بأس بالرضعة ولا بالرضعتين ، فقال ابن عمر : قضاء الله ~~خير من قضاء ابن الزبير ، قال الله تعالى : { وأخواتكم من الرضاعة } قال : ~~فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بالرضاع القليل . # واعلم أن ms2789 هذا الجواب ركيك جدا ، أما قوله : ان اسم الأمومة إنما جاء من ~~فعل الرضاع فنقول : وهل النزاع الا فيه ، فان عندي أن اسم الأمومة إنما جاء ~~من الرضاع خمس مرات ، وعندك إنما جاء من أصل الرضاع ، وأنت إنما تمسكت بهذه ~~الآية لاثبات هذا الأصل ، فاذا أثبت التمسك بهذه الآية على هذا الأصل كنت ~~قد أثبت الدليل بالمدلول وإنه دور وساقط ، وأما التمسك بأن ابن عمر فهم من ~~الآية حصول التحريم بمجرد فعل الرضاع ، فهو معارض بما أن ابن الزبير ما ~~فهمه / منه ، وكان كل واحد منهما من فقهاء الصحابة ومن العلماء بلسان العرب ~~، فكيف جعل فهم أحدهما حجة ولم يجعل فهم الآخر حجة على قول خصمه . ولولا ~~التعصب الشديد المعمي للقلب لما خفي ضعف هذه الكلمات ، ثم ان أبا بكر ~~الرازي أخد يتمسك في إثبات مذهبه بالأحاديث والأقيسة ، ومن تكلم في أحكام ~~القرآن وجب أن لا يذكر إلا ما يتسنبطه من الآية ، فأما ما سوى ذلك فانما ~~يليق بكتب الفقه . # النوع العاشر : من المحرمات . # قوله تعالى : { وأمهات نسائكم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : يدخل في هذه الآية الأمهات الأصلية وجميع جداتها من قبل ~~الأب والأم كما بينا مثله في النسب . # المسألة الثانية : مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين أن من تزوج بامرأة ~~حرمت عليه أمها سواء دخل بها أو لم يدخل ، وزعم جمع من الصحابة أن أم ~~المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها ، ~~وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر ، وأظهر الروايات عن ابن عباس ~~، وحجتهم أنه تعالى ذكر حكمين وهو قوله : { وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتى ~~فى حجوركم } ثم ذكر شرطا وهو قوله : { من نسائكم اللاتى دخلتم بهن } فوجب ~~أن يكون ذلك الشرط معتبرا في الجملتين معا ، وحجة القول الأول أن قوله ~~تعالى : { وأمهات نسائكم } جملة مستقلة بنفسها ولم يدل الدليل على عود ذلك ~~الشرط اليه ، فوجب القول ببقائه على عمومه ، وإنما قلنا إن هذا الشرط غير ~~عائد لوجوه : الأول : وهو أن PageV10P026 الشرط لا ms2790 بد من تعليقه بشيء سبق ~~ذكره فاذا علقناه باحدى الجملتين لم يكن بنا حاجة إلى تعليقه بالجملة ~~الثانية / فكان تعليقه بالجملة الثانية تركا للظاهر من غير دليل ، وانه لا ~~يجوز . الثاني : وهو أن عموم هذه الجملة معلوم ، وعود الشرط اليه محتمل ، ~~لأنه يجوز أن يكون الشرط مختصا بالجملة الأخيرة فقط ، ويجوز أن يكون عائدا ~~إلى الجملتين معا ، والقول بعود هذا الشرط إلى الجملتين ترك لظاهر العموم ~~بمخصص مشكوك ، وانه لا يجوز . الثالث : وهو أن هذا الشرط لو عاد إلى الجملة ~~الأولى ، فاما أن يكون مقصورا عليها ، وإما أن يكون متعلقا بها وبالجملة ~~الثانية أيضا ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير يلزم القول بتحريم ~~الربائب مطلقا ، وذلك باطل بالاجماع ، والثاني باطل أيضا ، لأن على هذا ~~التقدير يصير نظم الآية هكذا / وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، ~~فيكون المراد بكلمة ( من ) ههنا التمييز ثم يقول : وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فيكون المراد بكلمة ( من ) ههنا ~~ابتداء الغاية كما يقول : بنات الرسول من خديجة ، فيلزم استعمال اللفظ ~~الواحد المشترك في كلا مفهوميه وانه غير جائز ، ويمكن أن يجاب عنه فيقال : ~~إن كلمة ( من ) للاتصال كقوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض } ( التوبة : 71 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( ما أنا من دد ولا الدد ~~مني ) ومعنى مطلق الاتصال حاصل في النساء والربائب معا . # الوجه الرابع : في الدلالة على ما قلناه : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : اذا نكح الرجل المرأة فلا ~~يحل له أن يتزوج أمها ، دخل بالبنت أو لم يدخل ، واذا تزوج الأم فلم يدخل ~~بها ثم طلقها فان شاء تزوج البنت ، وطعن محمد بن جرير الطبري في صحة هذا ~~الحديث . وكان عبدالله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة اذا طلق بنتها قبل ~~المسيس وهو يومئذ بالكوفة ، فاتفق أن ذهب إلى المدينة فصادفهم مجمعين على ~~خلاف فتواه ، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ms2791 ذلك الرجل وقرع ~~عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة . وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن ~~زيد بن ثابت قال : الرجل اذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها ~~فان طلقها قبل الدخول تزوج أمها ، وإن ماتت لم يتزوج أمها ، واعلم أنه إنما ~~فرق بين الموت والطلاق في التحريم ، لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء ~~من أحكام الدخول ، ألا ترى أنه لا يجب عليها عدة ، وأما الموت فلما كان في ~~حكم الدخول في باب وجوب العدة ، لا جرم جعله الله سببا لهذا التحريم . # النوع الحادي عشر : من المحرمات . # قوله تعالى : { وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن ~~فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم } . # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الربائب : جمع ربيبة ، وهي بنت امرأة الرجل من غيره ، ~~ومعناها مربوبة ، لأن / الرجل PageV10P027 هو يربها يقال : ربيت فلانا أربه ~~: وربيته أربيه بمعنى واحد ، والحجور جمع حجر ، وفيه لغتان قال ابن السكيت ~~: حجر الانسان وحجره بالفتح والكسر ، والمراد بقوله : { فى حجوركم } أي في ~~تربيتكم ، يقال : فلان في حجر فلان اذا كان في تربيته ، والسبب في هذه ~~الاستعارة أن كل من ربى طفلا أجلسه في حجره ، فصار الحجر عبارة عن التربية ~~، كما يقال : فلان في حضانة فلان ، وأصله من الحضن الذي هو الابط ، وقال ~~أبو عبيدة : في حجوركم أي في بيوتكم . # المسألة الثانية : روى مالك بن أوس بن الحدثان عن علي رضي الله عنه أنه ~~قال : الربيبة اذا لم تكن في حجر الزوج وكانت في بلد آخر ، ثم فارق الأم ~~بعد الدخول فانه يجوز له أن يتزوج الربيبة ، ونقل أنه رضوان الله عليه احتج ~~على ذلك بأنه تعالى قال : { وربائبكم اللاتى فى حجوركم } شرط في كونها ~~ربيبة له / كونها في حجره ، فاذا لم تكن في تربيته ولا في حجره فقد فات ~~الشرط ، فوجب أن لا تثبت الحرمة ، وهذا استدلال حسن . وأما سائر العلماء ~~فانهم قالوا : إذا دخل بالمرأة حرمت عليه ابنتها سواء كانت في تربيته أو لم ms2792 ~~تكن ، والدليل عليه قوله تعالى : { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ~~} علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول ، وهذا يقتضي أن المقتضى لحصول الجناح ~~هو مجرد الدخول . وأما الجواب عن حجة القول الأول فهو أن الأعم الأغلب أن ~~بنت زوجة الانسان تكون في تربيته ، فهذا الكلام على الأعم ، لا أن هذا ~~القيد شرط في حصول هذا التحريم . # المسألة الثالثة : تمسك أبو بكر الرازي في إثبات أن الزنا يوجب حرمة ~~المصاهرة بقوله تعالى : { وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى ~~دخلتم بهن } قال : لأن الدخول بها اسم لمطلق الوطء سواء كان الوطء نكاحا أو ~~سفاحا ، فدل هذا على أن الزنا بالأم يوجب تحريم البنت ، وهذا الاستدلال في ~~نهاية الضعف ، وذلك لأن هذه الآية مختصة بالمنكوحة لدليلين : الأول : أن ~~هذه الآية إنما تناولت امرأة كانت من نسائه قبل دخوله بها والمزني بها ليست ~~كذلك ، فيمتنع دخولها في الآية بيان الأول من وجهين : الأول : أن قوله : { ~~من نسائكم اللاتى دخلتم بهن } يقتضي أن كونها من نسائه يكون متقدما على ~~دخوله بها ، والثاني : أنه تعالى قسم نساءهم إلى من تكون مدخولا بها ، وإلى ~~من لا تكون كذلك ، بدليل قوله : { فإن لم تكونوا دخلتم بهن } وإذا كان ~~نساؤهم منقسمة إلى هذين القسمين علمنا أن كون المرأة من نسائه أمر مغاير ~~للدخول بها ، وأما بيان أن المزنية ليست كذلك ، فذلك لأن في النكاح صارت ~~المرأة بحكم العقد من نسائه سواء دخل بها أو لم يدخل بها ، أما في الزنا ~~فانه لم يحصل قبل الدخول بها حالة أخرى تقتضي صيرورتها من نسائه ، فثبت ~~بهذا أن المزنية غير داخلة / في هذه الآية . الثاني : لو أوصى لنساء فلان ، ~~لا تدخل هذه الزانية فيهن ، وكذلك لو حلف على نساء بني فلان ، لا يحصل ~~الحنث والبر بهذه الزانية ، فثبت ضعف هذا الاستدلال والله أعلم . # النوع الثاني عشر : من المحرمات . # قوله تعالى : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } وفيه مسائل : ~~PageV10P028 # المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ms2793 ~~ابنه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إنه يجوز ، احتج الشافعي فقال : ~~جارية الابن حليلة ، وحليلة الابن محرمة على الأب ، أما المقدمة الأولى ~~فبيانها بالبحث عن الحليلة فنقول : الحليلة فعيلة فتكون بمعنى الفاعل أو ~~بمعنى المفعول ، ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون مأخوذا من الحل الذي هو ~~الاباحة ، فالحليلة تكون بمعنى المحلة أي المحللة ، ولا شك أن الجارية كذلك ~~فوجب كونها حليلة له . الثاني : أن يكون ذلك مأخوذا من الحلول ، فالحليلة ~~عبارة عن شيء يكون محل الحلول ، ولا شك أن الجارية موضع حلول السيد ، فكانت ~~حليلة له ، أما إذا قلنا : الحليلة بمعنى الفاعل ففيه وجهان أيضا : الأول : ~~أنها لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر كأنهما يحلان في ثوب واحد وفي لحاف ~~واحد وفي منزل واحد ولا شك أن الجارية كذلك . الثاني : ان كل واحد منهما ~~كأنه حال في قلب صاحبه وفي روحه لشدة ما بينهما من المحبة والالفة ، فثبت ~~بمجموع ما ذكرناه أن جارية الابن حليلة ، وأما المقدمة الثانية وهي أن ~~حليلة الابن محرمة على الأب لقوله تعالى : { وحلائل أبنائكم الذين } لا ~~يقال : إن أهل اللغة يقولون : حليلة الرجل زوجته لأنا نقول : إنا قد بينا ~~بهذه الوجوه الأربعة من الاشتقاقات الظاهرة أن لفظ الحليلة يتناول الجارية ~~/ فالنقل الذي ذكرتموه لا يلتفت اليه . فكيف وهو شهادة على النفي ؟ فانا لا ~~ننكر أن لفظ الحليلة يتناول الزوجة ، ولكنا نفسره بمعنى يتناول الزوجة ~~والجارية ، فقول من يقول : إنه ليس كذلك شهادة على النفي ولا يلتفت إليه . # المسألة الثانية : قوله : { الذين من أصلابكم } احترازا عن المتبني ، ~~وكان المتبني في صدر الاسلام بمنزلة الابن ، ولا يحرم على الانسان حليلة من ~~ادعاه ابنا إذا لم يكن من صلبه ، نكح الرسول صلى الله عليه وسلم زينب بنت ~~جحش الأسدية وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب ، وكانت زينب ابنة عمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، بعد أن كانت زوجة زيد بن حارثة ، فقال المشركون : إنه ~~تزوج امرأة ابنه فأنزل الله تعالى : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } ( ~~الأحزاب : 4 ) وقال : { لكى ms2794 لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم } ~~( الأحزاب : 37 ) . # / المسألة الثالثة : ظاهر قوله : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } لا ~~يتناول حلائل الأبناء من الرضاعة ، فلما قال في آخر الآية : { وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم } لزم من ظاهر الآيتين حل التزوج بأزواج الأبناء من الرضاع ، إلا ~~أنه عليه السلام قال : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) فاقتضى هذا ~~تحريم التزوج بحليلة الابن من الرضاع لأن قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ~~يتناول الرضاع وغير الرضاع ، فكان قوله : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~النسب ) أخص منه ، فخصصوا عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم . # المسألة الرابعة : اتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس ~~العقد كما أن حرمة التزوج بحليلة الأب تحصل بنفس العقد ، وذلك لأن عموم ~~الآية يتناول حليلة الابن ، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن . أما ما روي ~~ان ابن عباس سئل عن قوله : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } أنه تعالى ~~لم يبين أن هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل الابن بها . أو غير مخصوص بذلك ، ~~فقال ابن عباس : أبهموا ما أبهمه الله ، فليس مراده من هذا الابهام كونها ~~مجملة مشتبهة ، بل المراد من هذا الابهام التأييد . ألا ترى أنه قال في ~~السبعة المحرمة من جهة النسب : انها من المبهمات ، أي من اللواتي تثبت ~~حرمتهن على سبيل التأبيد ، PageV10P029 فكذا ههنا والله أعلم . # المسألة الخامسة : اتفقوا على أن هذه الآية تقتضي تحريم حليلة ولد الولد ~~على الجد ، وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صلب الجد ، وفيه ~~دلالة على أن ولد الولد منسوب إلى الجد بالولادة . # النوع الثالث عشر : من المحرمات . # قوله تعالى : { وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا ~~رحيما } في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وأن تجمعوا بين الاختين } في محل الرفع ، لأن ~~التقدير : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم والجمع بين الأختين . # المسألة الثانية : الجمع بين الأختين يقع على ثلاثة أوجه : إما أن ~~ينكحهما معا ، أو يملكهما معا ms2795 ، أو ينكح إحداهما ويمكل الاخرى ، أما الجمع ~~بين الأختين في النكاح . فذلك يقع على وجهين : أحدهما : أن يعقد عليهما ~~جميعا ، فالحكم ههنا : إما الجمع ، أو التعيين ، أو التخيير ، أو الابطال ، ~~أما الجمع فباطل بحكم هذه الآية هكذا قالوا ، إلا أنه مشكل على أصل أبي ~~حنيفة رضي الله عنه ، لأن / الحرمة لا تقتضي الابطال على قول أبي حنيفة ، ~~ألا ترى أن الجمع بين الطلقات حرام على قوله ، ثم انه يقع ، وكذا النهي عن ~~بيع الدرهم بالدرهمين لم يمنع من انعقاد هذا العقد ، وكذا القول في جميع ~~المبايعات الفاسدة / فثبت أن الاستدلال بالنهي على الفساد لا يستقيم على ~~قوله . # فان قالوا : وهذا يلزمكم أيضا لأن الطلاق في زمان الحيض وفي طهر جامعها ~~فيه منهي عنه ، ثم انه يقع . # قلنا : بين الصورتين فرق دقيق لطيف ذكرناه في الخلافيات ، فمن أراده ~~فليطلب ذلك الكتاب فثبت أن الجمع باطل . وأما أن التعيين أيضا باطل ، فلأن ~~الترجيح من غير مرجح باطل ، وأما أن التخيير أيضا باطل ، فلأن القول ~~بالتخيير يقتضي حصول العقد وبقاءه إلى أوان التعيين . وقد بينا بطلانه ، ~~فلم يبق إلا القول بفساد العقدين جميعا . # الصورة الثانية : من صور الجمع : وهي أن يتزوج إحداهما ، ثم يتزوج الأخرى ~~بعدها ، فههنا يحكم ببطلان نكاح الثانية ، لأن الدفع أسهل من الرفع ، وأما ~~الجمع بين الأختين بملك اليمين ، أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى ، فقد ~~اختلفت الصحابة فيه ، فقال علي وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر : لا ~~يجوز الجمع بينهما : والباقون جوزوا ذلك . أما الأولون فقد احتجوا على ~~قولهم بأن ظاهر الآية يقتضي تحريم الجمع بين الأختين مطلقا ، فوجب أن يحرم ~~الجمع بينهما على جميع الوجوه وعن عثمان أنه قال : أحلتهما آية وحرمتهما ~~آية ، والتحليل أولى ، فالآية الموجبة للتحليل هي قوله : { والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم } ( النساء : 24 ) وقوله : { إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم } ( المؤمنون : 6 ) . # والجواب عنه من وجهين : الأول : أن هذه الآيات دالة على تحريم الجمع أيضا ~~، لأن المسلمين PageV10P030 أجمعوا على ms2796 أنه لا يجوز الجمع بين الأختين في ~~حل الوطء ، فنقول : لو جاز الجمع بينهما في الملك لجاز الجمع بينهما في ~~الوطء لقوله تعالى : { والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم } ( المعارج : 29 30 ، المؤمنون : 5 6 ) لكنه لا يجوز الجمع ~~بينهما في الملك ، فثبت أن هذه الآية بأن تكون دالة على تحريم الجمع بينهما ~~في الملك ، أولى من أن تكون دالة على الجواز . # الوجه الثاني : إن سلمنا دلالتها على جواز الجمع ، لكن نقول : الترجيح ~~لجانب الحرمة ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما ~~اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال ) الثاني : أنه لا شك أن ~~الاحتياط في جانب الترك فيجب ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( دع ما يريبك ~~إلى ما لا يريبك ) الثالث : أن مبنى الابضاع في الأصل على الحرمة ، بدليل ~~أنه إذا استوت الامارات في حصول العقد مع شرائطه وفي عدمه وجب القول ~~بالحرمة ، ولأن النكاح مشتمل على / المنافع العظيمة ، فلو كان خاليا عن جهة ~~الاذلال والضرر ، لوجب أن يكون مشروعا في حق الأمهات لأن إيصال النفع اليهن ~~مندوب لقوله تعالى : { وبالوالدين إحسانا } ( البقرة : 83 ) ولما كان ذلك ~~محرما علمنا اشتماله على وجه الاذلال والمضارة ، وإذا كان كذلك كان الأصل ~~فيه هو الحرمة ، والحل إنما ثبت بالعارض ، وإذا ثبت هذا ظهر أن الرجحان ~~لجانب الحرمة ، فهذا هو تقرير مذهب علي رضي الله عنه في هذا الباب . أما ~~إذا أخذنا بالمذهب المشهور بين الفقهاء ، وهو أنه يجوز الجمع بين أمتين ~~أختين في ملك اليمين ، فاذا وطىء إحداهما حرمت الثانية ، ولا تزول هذه ~~الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : نكاح الأخت في عدة الأخت ~~البائن جائز ، وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه : لا يجوز . حجة الشافعي : ~~أنه لم يوجد الجمع فوجب أن لا يحصل المنع ، إنما قلنا : إنه لم يوجد الجمع ~~لأن نكاح المطلقة زائل ، بدليل أنه لا يجوز ms2797 له وطؤها ، ولو وطئها يلزمه ~~الحد ، وإنما قلنا : انه لما لم يوجد الجمع وجب أن لا يحصل المنع ، لقوله ~~تعالى بعد تقرير المحرمات : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ( النساء : 24 ) ولا ~~شبهة في انتفاء جميع تلك الموانع ، إلا كونه جمعا بين أختين ، فاذا ثبت ~~بالدليل أن الجمع منتف وجب القول بالجواز . # فان قيل : النكاح باق من عبض الوجوه بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة عليها ~~. # قلنا : النكاح له حقيقة واحدة ، والحقيقة الواحدة يمتنع كونها موجودة ~~معدومة معا ، بل لو انقسمت هذه الحقيقة إلى نصفين حتى يكون أحدهما موجودا ~~والآخر معدوما صح ذلك ، أما إذا كانت الحقيقة الواحدة غير قابلة للتنصيف ~~كان هذا القول فاسدا . وأما وجوب العدة ولزوم النفقة ، فاعلم أنه ان حصل ~~النكاح حصلت القدرة على حبسها ، وهذا لا ينتج أنه حصلت القدرة على حبسها ~~للنكاح ؛ لأن استثناء عين التالي لا ينتج ، فبالجملة : فاثبات حق الحبس بعد ~~زوال النكاح بطريق آخر معقول في الجملة ، فاما القول ببقاء النكاح حال ~~القول بعدمه ، فذلك مما لا يقبله العقل ، وتخريج أحكام الشرع على وفق ~~العقول ، أولى من حملها على ما يعرف بطلانها في بداهة العقول ، والله أعلم ~~. # المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمة الله عليه : إذا أسلم الكافر وتحته ~~أختان اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : ان ~~كان قد تزوج بهما دفعة واحدة فرق بينه وبينهما ، وان كان قد PageV10P031 ~~تزوج باحداهما أولا وبالأخرى ثانيا ، اختار الأولى وفارق الثانية ، واحتج ~~أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بقوله : { وأن تجمعوا بين الاختين } قال : هذا ~~خطاب عام / فيتناول المؤمن والكافر ، وإذا ثبت أنه تناول الكافر وجب أن ~~يكون النكاح فاسدا ، لأن النهي يدل على الفساد . فيقال له : انك بنيت هذا ~~الاستدلال على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع وعلى أن النهي يدل على ~~الفساد ، وأبو حنيفة لا يقول بواحد من هذين الأصلين ، فان قال : فهما ~~صحيحان على قولكم : فكان هذا الاستدلال لازما عليكم فنقول : قولنا : الكفار ~~مخاطبون بفروع الشرائع لا نعني به في أحكام ms2798 الدنيا ، فانه ما دام كافرا لا ~~يمكن تكليفه بفروع الاسلام ، وإذا أسلم سقط عنه كل ما مضى بالاجماع ، بل ~~المراد منه أحكام الآخرة ، وهو أن الكافر يعاقب بترك فروع الاسلام كما ~~يعاقب على ترك الاسلام ، إذا عرفت هذا فنقول : أجمعنا على أنه لو تزوج ~~الكافر بغير ولي ولا شهود ، أو تزوج بها على سبيل القهر ، فبعد الاسلام يقر ~~ذلك النكاح في حقه ، فثبت أن الخطاب بفروع الشرائع لا يظهر أثره في الأحكام ~~الدنيوية في حق الكافر ، وحجة الشافعي : أن فيروز الديلمي أسلم على ثمان ~~نسوة ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( اختر أربعا وفارق سائرهن ) خيره بينهن ~~، وذلك ينافي ما ذكرتم من الترتيب والله أعلم . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { إلا ما قد سلف } فيه الاشكال المشهور : ~~وهو أن تقدير الآية حرمت عليكم أمهاتكم وكذا وكذا الا ما قد سلف ، وهذا ~~يقتضي استنثاء الماضي من المستقبل ، وإنه لا يجوز ، وجوابه بالوجوه ~~المذكورة في قوله : { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد * ما ~~سلف } والمعنى أن ما مضى بدليل قوله : { إن الله كان غفورا رحيما } ؟ # النوع الرابع : عشر من المحرمات . # ! 7 < { والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به ~~منهن فأاتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ~~إن الله كان عليما حكيما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 24 ) والمحصنات من النساء . . . . . # > > # قوله تعالى : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم } . # فيه مسائل : # المسألة الأولى : الاحصان في اللغة المنع ، وكذلك الحصانة ، يقال : مدينة ~~حصينة ودرع حصينة ، أي مانعة صاحبها من الجراحة . قال تعالى : { وعلمناه ~~صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم } ( الأنبياء : 80 ) معناه لتمنعكم وتحرزكم ~~، والحصن الموضع الحصين لمنعه من يريده بالسوء ، والحصان بالكسر الفرس / ~~الفحل ، لمنعه صاحبه من الهلاك ، والحصان بالفتح المرأة العفيفة لمنعها ~~فرجها من الفساد ، قال تعالى : { ومريم ابنة عمران التى أحصنت فرجها ms2799 } ( ~~التحريم : 12 ) . # واعلم أن لفظ الاحصان جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الحرية كما في ~~قوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات } ( النور : 4 ) يعني الحرائر ، ألا ~~ترى أنه لو قذف غير حر لم يجلد ثمانين ، وكذلك قوله : { فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب } [ النساء : 25 ] يعني الحرائر ، وكذلك قوله : { ~~محصنات غير مسافحات } ( النساء : 25 ) وقوله : { محصنين غير مسافحين } ~~وقوله : { والتى أحصنت فرجها } ( الأنبياء : 91 ) PageV10P032 أي أعفته ، ~~وثالثها الاسلام : من ذلك قوله : { فإذا أحصن } قيل في تفسيره : اذا أسلمن ~~، ورابعها : كون المرأة ذات زوج يقال : امرأة محصنة اذا كانت ذات زوج ، ~~وقوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } يعني ذوات الأزواج ، ~~والدليل على أن المراد ذلك أنه تعالى عطف المحصنات على المحرمات ، فلا بد ~~وأن يكون الاحصان سببا للحرمة ، ومعلوم أن الحرية والعفاف والاسلام لا ~~تأثير له في ذلك ، فوجب أن يكون المراد منه المزوجة ، لأن كون المرأة ذات ~~زوج له تأثير في كونها محرمة على الغير . # واعلم أن الوجوه الأربعة مشتركة في المعنى الأصلي اللغوي ، وهو المنع ، ~~وذلك لأنا ذكرنا أن الاحصان عبارة عن المنع ، فالحرية سبب لتحصين الانسان ~~من نفاذ حكم الغير فيه ، والعفة أيضا مانعة للانسان عن الشروع فيما لا ~~ينبغي ، وكذلك الاسلام مانع من كثير مما تدعو إليه النفس والشهوة ، والزوج ~~أيضا مانع للزوجة من كثير من الأمور ، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في ~~الزنا ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( من تزوج فقد حصن ثلثي دينه ) ~~فثبت أن المرجع بكل هذه الوجوه إلى ذلك المعنى اللغوي والله أعلم . # المسألة الثانية : قال الواحدي : اختلف القراء في { المحصنات } فقرؤا ~~بكسر الصاد وفتحها في جميع القرآن إلا التي في هذه الآية فانهم أجمعوا على ~~الفتح فيها ، فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن يعني : أسلمن واخترن العفاف ، ~~وتزوجن وأحسن أنفسهن بسبب هذه الأمور . ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن ، ~~يعني أحصنهن أزواجهن والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمة الله عليه : الثيب الذمي إذا زنى ~~يرجم ، وقال أبو حنيفة رضي ms2800 الله عنه : لا يرجم . حجة الشافعي أنه حصل الزنا ~~مع الاحصان وذلك علة لاباحة الدم / فوجب أن يثبت إباحة الدم ، وإذا ثبت ذلك ~~وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم . أما قولنا : حصل الزنا مع الاحصان ، فهذا ~~يعتمد اثبات قيدين : أحدهما : حصول الزنا ولا شك فيه . الثاني : / حصول ~~الاحصان وهو حاصل ، لأن قوله تعالى : { والمحصنات من النساء } يدل على أن ~~المراد من المحصنة : المزوجة ، وهذه المرأة مزوجة فهي محصنة ، فثبت أنه حصل ~~الزنا مع الاحصان ، وإنما قلنا : ان الزنا مع الاحصان علة لاباحة الدم ~~لقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يحل دم امرىء مسلم الا لاحدى معان ثلاثة ~~) ومنها قوله : ( وزنا بعد إحصان ) جعل الزنا بعد الاحصان علة لاباحة الدم ~~في حق المسلم ، والمسلم محل لهذا الحكم ، أما العلة فهي مجرد الزنا بعد ~~الاحصان ، بدليل أن لام التعليل إنما دخل عليه . أقصى ما في الباب أنه حكم ~~في حق المسلم ، أن الزنا بعد الاحصان علة لاباحة الدم ، إلا أن كونه مسلما ~~محل الحكم ، وخصوص محل الحكم لا يمنع من التعدية إلى غير ذلك المحل ، والا ~~لبطل القياس بالكلية . وأما العلة فهي ما دخل عليه لام التعليل ، وهي ماهية ~~الزنا بعد الاحصان ، وهذه الماهية لما حصلت في حق الثيب الذمي ، وجب أن ~~يحصل في حقه اباحة الدم ، فثبت أنه مباح الدم . ثم ههنا طريقان : ان شئنا ~~اكتفينا بهذا القدر ، فانا ندعي كونه مباح الدم والخصم لا يقول به ، ~~PageV10P033 فصار محجوجا ، أو نقول : لما ثبت أنه مباح الدم وجب أن يكون ~~ذلك بطريق الرجم لأنه لا قائل بالفرق . # فان قيل : ما ذكرتم إن دل على أن الذمي محصن ، فههنا ما يدل على أنه غير ~~محصن ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : ( من أشرك بالله فليس بمحصن ) . # قلنا : ثبت بالدليل الذي ذكرناه ان الذمي محصن ، وثبت بهذا الخبر الذي ~~ذكرتم أنه ليس بمحصن ، فنقول : إنه محصن بمعنى أنه ذات زوج ، وغير محصن ~~بمعنى أنه لا يحد قاذفة ، وقوله : من أشرك بالله فليس بمحصن يجب حمله على ms2801 ~~أنه لا يحد قاذفه ، لا على أنه لا يحد على الزنا ، لأنه وصفه بوصف الشرك ~~وذلك جناية ، والمذكور عقيب الجناية لا بد وأن يكون أمرا يصلح أن يكون ~~عقوبة ، وقولنا : انه لا يحد قاذفه يصلح أن يكون عقوبة ، أما قولنا : لا ~~يحد على الزنا ، لا يصلح أن يكون عقوبة له ، فكان المراد من قوله : من أشرك ~~بالله فليس بمحصن ما ذكرناه والله أعلم . # المسألة الرابعة : في قوله : { والمحصنات من النساء } قولان : أحدهما : ~~المراد منها ذوات الأزواج ، وعلى هذا التقدير ففي قوله : { إلا ما ملكت ~~أيمانكم } وجهان : الأول : أن المرأة اذا كانت ذات زوج حرمت على غير زوجها ~~، إلا اذا صارت ملكا لانسان فانها تحل للمالك ، الثاني : أن المراد بملك ~~اليمين ههنا ملك النكاح ، والمعنى أن ذوات الأزواج حرام عليكم إلا اذا ~~ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع البنيوية بينهن وبين أزواجهن ، والمقصود من ~~هذا الكلام الزجر عن الزنا والمنع من وطئهن إلا بنكاح جديد ، أو بملك يمين ~~إن كانت المرأة مملوكة ، وعبر عن / ذلك بملك اليمين لأن ملك اليمين حاصل في ~~النكاح وفي الملك . # القول الثاني : أن المراد ههنا بالمحصنات الحرائر ، والدليل عليه قوله ~~تعالى بعد هذه الآية : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ~~* فما * ملكت أيمانكم } ( النساء : 25 ) ذكر ههنا المحصنات ثم قال بعده : { ~~ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات } كان المراد بالمحصنات ههنا ما ~~هو المراد هناك ، ثم المراد من المحصنات هناك الحرائر ، فكذا ههنا . وعلى ~~هذا التقدير ففي قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } وجهان : الأول : المراد ~~منه إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع ، فصار التقدير : حرمت ~~عليكم الحرائر إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع / الثاني : ~~الحرائر محرمات عليكم إلا ما أثبت الله لكم ملكا عليهن ، وذلك عند حضور ~~الولي والشهود وسائر الشرائط المعتبرة في الشريعة ، فهذا الأول في تفسير ~~قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } هو المختار ، ويدل عليه قوله تعالى : { ~~والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم ms2802 أو ما ملكت أيمانهم } ( ~~المعارج : 29 30 ، المؤمنون : 5 6 ) جعل ملك اليمين عبارة عن ثبوت الملك ~~فيها ، فوجب أن يكون ههنا مفسرا بذلك ، لأن تفسير كلام الله تعالى بكلام ~~الله أقرب الطرق إلى الصدق والصواب والله أعلم . # المسألة الخامسة : اتفقوا على أنه إذا سبى أحد الزوجين قبل الأخر وأخرج ~~إلى دار الاسلام وقعت الفرقة . أما إذا سبيا معا فقال الشافعي رضي الله عنه ~~: ههنا تزول الزوجية ، ويحل للمالك أن يستبرئها بوضع الحمل إن كانت حاملا ~~من زوجها ، أو بالحيض . وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه : لا تزول . حجة ~~الشافعي رضي الله عنه أن قوله : { والمحصنات من النساء } يقتضي تحريم ذات ~~الأزواج ثم قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } يقتضي أن عند طريان الملك ترفع ~~الحرمة ويحصل الحل ، قال أبو بكر الرازي : لو حصلت الفرقة PageV10P034 ~~بمجرد طريان الملك لوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها وإرثها ، ~~ومعلوم أنه ليس كذلك ، فيقال له : كأنك ما سمعت أن العام بعد التخصيص حجة ~~في الباقي ، وأيضا : فالحاصل عند السبي إحداث الملك فيها ، وعند البيع نقل ~~الملك من شخص إلى شخص فكان الأول أقوى ، فظهر الفرق . # المسألة السادسة : مذهب علي وعمر وعبد الرحمن بن عوف أن الأمة المنكوحة ~~إذا بيعت لا يقع عليها الطلاق ، وعليه إجماع الفقهاء اليوم ، وقال أبي بن ~~كعب وابن مسعود وابن عباس وجابر وأنس : إنها إذا بيعت طلقت . حجة الجمهور : ~~أن عائشة لما اشترت بريرة وأعتقتها خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ~~مزوجة ، ولو وقع الطلاق بالبيع لما كان لذلك التخيير فائدة . ومنهم من روى ~~في قصة بريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( بيع الأمة طلاقها ) وحجة أبي ~~كعب / وابن مسعود عموم الاستثناء في قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } وحاصل ~~الجواب عنه يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم . ثم إنه ~~تعالى ختم ذكر المحرمات بقوله : { كتاب الله عليكم } وفيه وجهان : الأول : ~~أنه مصدر مؤكد من غير لفظ الفعل فان قوله : { حرمت عليكم } يدل على معنى ~~الكتبة فالتقدير ms2803 : كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من الله ~~، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير نظيره { وترى الجبال تحسبها جامدة ~~وهى تمر مر السحاب صنع الله } ( النمل : 88 ) الثاني : قال الزجاج : ويجوز ~~أن يكون منصوبا على جهة الأمر ، ويكون ( عليكم ) مفسرا له فيكون المعنى : ~~الزموا كتاب الله . # ثم قال : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { وأحل لكم } على ما لم ~~يسم فاعله عطفا على قوله : { حرمت عليكم } والباقون بفتح الألف والحاء عطفا ~~على { كتاب الله } يعني كتب الله عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما ~~وراءها . # المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر قوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ~~يقتضي حل كل من سوى الأصناف المذكورة . إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف ~~أخر سوى هؤلاء المذكورين ونحن نذكرها . # الصنف الأول : لا يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها ، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ( وهذا خبر ~~مشهور مستفيض / وربما قيل : إنه بلغ مبلغ التواتر ، وزعم الخوارج أن هذا ~~خبر واحد ، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، واحتجوا عليه بوجوه : ~~الأول : أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة ، وخبر الواحد مظنون ~~المتن ظاهر الدلالة ، فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن ، فترجيحه عليه ~~بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى وإنه لا يجوز . الثاني : من جملة الأحاديث ~~المشهورة خبر معاذ ، وإنه يمنع من تقديم خبر الواحد على عموم القرآن من ~~وجهين لأنه قال : بم تحكم ؟ قال بكتاب الله ، قال : فان لم تجد قال : بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدم التمسك بكتاب الله على التمسك بالسنة ~~، وهذا يمنع من تقديم السنة على الكتاب ، وأيضا فانه قال : فان لم تجد قال ~~: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علق جواز التمسك بالسنة على عدم ~~الكتاب بكلمة ( إن ) وهي للاشتراط ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط . ~~الثالث : أن من الأحاديث المشهورة قوله عليه ms2804 الصلاة والسلام : ( إذا روي ~~لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وإلا فردوه ) فهذا ~~الخبر يقتضي أن لا يقبل خبر الواحد / إلا عند موافقة الكتاب ، فاذا كان خبر ~~العمة PageV10P035 والخالة مخالفا لظاهر الكتاب وجب رده . الرابع : أن قوله ~~تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } مع قوله عليه السلام : لا تنكح المرأة ~~على عمتها لا يخلو الحال فيهما من ثلاثة أوجه : إما أن يقال : الآية نزلت ~~بعد الخبر ، فحينئذ تكون الآية ناسخة للخبر لأنه ثبت أن العام إذا ورد بعد ~~الخاص كان العام ناسخا للخاص ، وإما أن يقال : الخبر ورد بعد الكتاب ، فهذا ~~يقتضي نسخ القرآن بخر الواحد وإنه لا يجوز ، وإما أن يقال : وردا معا ، ~~وهذا أيضا باطل لأن على هذا التقدير تكون الآية وحدها مشتبهة ، ويكون موضع ~~الحجة مجموع الآية مع الخبر ، ولا يجوز للرسول المعصوم أن يسعى في تشهير ~~الشبهة ولا يسعى في تشهير الحجة ، فكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن لا يسمع أحدا هذه الآية إلا مع هذا الخبر ، وأن يوجب إيجابا ظاهرا على ~~جميع الأمة أن لا يبلغوا هذه الآية أحد إلا مع هذا الخبر ، ولو كان كذلك ~~لزم أن يكون اشتهار هذا الخبر مساويا لاشتهار هذه الآية ، ولما لم يكن كذلك ~~علمنا فساد هذا القسم . # الوجه الخامس : أن بتقدير أن تثبت صحة هذا الخبر قطعا ، إلا أن التمسك ~~بالآية راجح على التمسك بالخبر . وبيانه من وجهين : الأول : أن قوله : { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم } نص صريح في التحليل كما أن قوله : { حرمت عليكم } ~~نص صريح في التحريم . وأما قوله : ( لا تنكح المرأة على عمتها ) فليس نصا ~~صريحا لأن ظاهره إخبار ، وحمل الاخبار على النهي مجاز ، ثم بهذا التقدير ~~فدلالة لفظ النهي على التحريم أضعف من دلالة لفظ الاحلال على معنى الاباحة ~~. الثاني : أن قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } صريح في تحليل كل ما سوى ~~المذكورات ، وقوله : { لا * تنكح } ليس صريحا في العموم ، بل احتماله ~~للمعهود السابق أظهر . # الوجه ms2805 السادس : أنه تعالى استقصى في هذه الآية شرح أصناف المحرمات فعد ~~منها خمسة عشر صنفا ، ثم بعد هذا التفصيل التام والاستقصاء الشديد قال : { ~~كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم } فلو لم يثبت الحل في كل من سوى ~~هذه الأصناف المذكورة لصار هذا الاستقصاء عبثا لغوا ، وذلك لا يليق بكلام ~~أحكم الحاكمين ، فهذا تقرير وجوه السؤال في هذا الباب . # والجواب على وجوه : الأول : ما ذكره الحسن وأبو بكر الأصم ، وهو أن قوله ~~: { وأحل لكم ما وراء ذلكم } لا يقتضى إثبات الحل على سبيل التأييد ، وهذا ~~الوجه عندي هو الأصح في هذا الباب ، والدليل عليه أن قوله : { وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم } إخبار عن إحلال كل ما سوى المذكورات وليس فيه بيان أن إحلال كل ~~ما سوى المذكورات وقع على التأييد أم لا ، والدليل على أنه لا يفيد التأييد ~~: أنه يصح تقسيم هذا المفهوم إلى المؤبد وإلى غير المؤبد ، فيقال تارة : { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم } أبدا ، وأخرى { وأحل لكم ما وراء ذلكم } إلى الوقت ~~الفلاني ، ولو كان قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } صريحا في التأييد لما ~~كان هذا التقسيم ممكنا ، ولأن قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } لا يفيد ~~إلا إحلال من سوى المذكورات وصريح العقل يشهد بأن الاحلال أعم من الاحلال ~~المؤبد ومن الاحلال المؤقت ، إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم } لا يفيد إلا حل من عدا المذكورات في ذلك الوقت ، فأما ثبوت ~~حلهم في سائر الأوقات فاللفظ ساكت عنه بالنفي والاثبات ، وقد كان حل من سوى ~~المذكورات ثابتا في ذلك الوقت ، وطريان حرمة بعضهم بعد ذلك لا يكون تخصيصا ~~لذلك النص ولا نسخا له ، فهذا وجه حسن معقول مقرر . وبهذا الطريق ~~PageV10P036 نقول أيضا : إن قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء : 23 ) ~~ليس نصا في تأبيد هذا التحريم ، وإن ذلك التأبيد إنما عرفناه بالتواتر من ~~دين محمد صلى الله عليه وسلم ، لا من هذا اللفظ ، فهذا هو الجواب المعتمد ~~في هذا الموضع . # الوجه الثاني ms2806 : انا لا نسلم أن حرمة الجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها ~~غير مذكورة في الآية وبيانه من وجهين : الأول : أنه تعالى حرم الجمع بين ~~الأختين ، وكونهما أختين يناسب هذه الحرمة لأن الأختية قرابة قريبة ، ~~والقرابة القريبة تناسب مزيد الوصلة والشفقة والكرامة ، وكون إحداهما ضرة ~~الأخرى يوجب الوحشة العظيمة والنفرة الشديدة ، وبين الحالتين منافرة عظيمة ~~، فثبت أن كونها أختا لها يناسب حرمة الجمع بينهما في النكاح ، وقد ثبت في ~~أصول الفقه ان ذكر الحكم مع الوصف المناسب له ، يدل بحسب اللفظ على كون ذلك ~~الحكم معللا بذلك الوصف فثبت أن قوله : { وأن تجمعوا بين الاختين } ( ~~النساء : 23 ) يدل على كون القرابة القريبة مانعة من الجمع في النكاح ، ~~وهذا المعنى حاصل بين المرأة وعمتها أو خالتها ، فكان الحكم المذكور في ~~الأختين مذكورا في العمة والخالة من طريق الدلالة ، بل ههنا أولى ، وذلك ~~لأن العمة والخالة يشبهان الأم لبنت الأخ ولبنت الأخت ، وهما يشبهان الولد ~~للعمة والخالة ، واقتضاء مثل هذه القرابة لترك المضارة أقوى من اقتضاء ~~قرابة الأختية لمنع المضارة ، فكان قوله : { وأن تجمعوا بين الاختين } ~~مانعا من العمة والخالة بطريق الأولى . الثاني : أنه نص على حرمة التزوج ~~بأمهات النساء فقال : { وأمهات نسائكم } ( النساء : 23 ) ولفظ الأم قد ~~ينطلق على العمة والخالة ، أما على العمة فلأنه تعالى قال مخبرا عن أولاد ~~يعقوب عليه السلام : { نعبد إلاهك وإلاه آبائك إبراهيم * وإسماعيل } ( ~~البقرة : 133 ) فأطلق لفظ الأب على إسماعيل مع أنه كان عما ، وإذا كان العم ~~أبا لزم أن تكون العمة أما ، وأما إطلاق لفظ الأم على الخالة فيدل عليه ~~قوله تعالى : { ورفع أبويه على العرش } ( يوسف : 100 ) والمراد أبوه وخالته ~~، فان أمه كانت متوفاة في ذلك الوقت ، فثبت بما / ذكرنا أن لفظ الأم قد ~~ينطلق على العمة والخالة ، فكان قوله : { وأمهات نسائكم } متناولا للعمة ~~والخالة من بعض الوجوه . # وإذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } المراد ما وراء ~~هؤلاء المذكورات سواء كن مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية / أو بدلالة ~~خفية ms2807 ، وإذا كان كذلك لم تكن العمة والخالة خارجة عن المذكورات . # الوجه الثالث : في الجواب عن شبهة الخوارج أن نقول : قوله تعالى : { وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم } عام ، وقوله : ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على ~~خالتها ) خاص ، والخاص مقدم على العام ، ثم ههنا طريقان : تارة نقول : هذا ~~الخبر بلغ في الشهرة مبلغ التواتر ، وتخصيص عموم القرآن بخبر المتواتر جائز ~~، وعندي هذا الوجه كالمكابرة ، لأن هذا الخبر وإن كان في غاية الشهرة في ~~زماننا هذا لكنه لما انتهى في الأصل إلى رواية الآحاد لم يخرج عن أن يكون ~~من باب الآحاد . وتارة نقول : تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد جائز ، ~~وتقريره مذكور في الأصول ، فهذا جملة الكلام في هذا الباب ، والمعتمد في ~~الجواب عندنا الوجه الأول . # الصنف الثالث : من التخصيصات الداخلة في هذا العموم : أن المطلقة ثلاثا ~~لا تحل ، إلا أن هذا التخصيص ثبت بقوله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من ~~بعد حتى تنكح زوجا غيره } ( البقرة : 230 ) . # الصنف الرابع : تحريم نكاح المعتدة ، ودليله قوله تعالى : { والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } PageV10P037 ( البقرة : 228 ) . # الصنف الخامس : من كان في نكاحه حرة لم يجز له أن يتزوج بالأمة ، وهذا ~~بالاتفاق . وعند الشافعي : القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة ، ~~ودليل هذا التخصيص قوله : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم } ( النساء : 25 ) وسيأتي بيان دلالة هذه ~~الآية على هذا المطلوب . # الصنف السادس : يحرم عليه التزوج بالخامسة ، ودليله قوله تعالى : { مثنى ~~وثلاث ورباع } . # الصنف السابع : الملاعنة : ودليله قوله عليه الصلاة والسلام : ( ~~المتلاعنان لا يجتمعان أبدا ) . # قوله تعالى : { أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين } . # فيه مسائل : # / المسألة الأولى : قوله : { أن تبتغوا } في محله قولان : الأول : أنه ~~رفع على البدل من ( ما ) والتقدير : وأحل لكم ما وراء ذلكم وأحل لكم أن ~~تبتغوا ، على قراءة من قرأ ( وأحل ) بضم الألف . ومن قرأ بالفتح كان محل ( ~~أن تبتغوا ) نصبا . الثاني : أن يكون محله على القراءتين النصب بنزع الخافض ~~كأنه قيل ms2808 : لأن تبتغوا ، والمعنى : وأحل لكم ما وراء ذلكم لارادة أن تبتغوا ~~بأموالكم وقوله : { محصنين غير مسافحين } أي في حال كونكم محصنين غير ~~مسافحين ، وقوله : { محصنين } أي متعففين عن الزنا ، وقوله : { غير مسافحين ~~} أي غير زانين ، وهو تكرير للتأكيد . قال الليث : السفاح والمسافحة الفجور ~~، وأصله في اللغة من السفح وهو الصب يقال : دموع سوافح ومسفوحة ، قال تعالى ~~: { أو دما مسفوحا } ( الانعام : 145 ) وفلان سفاح للدماء أي سفاك ، وسمي ~~الزاني سفاحا لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة . # فان قيل : أين مفعول تبتغوا ؟ # قلنا : التقدير : وأحل لكم ما وراء ذلكم لارادة أن تبتغوهن ، أي تبتغوا ~~ما وراء ذلكم ، فحذف ذكره لدلالة ما قبله عليه والله أعلم . # المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا مهر أقل من عشرة ~~دراهم ، وقال الشافعي رضي الله عنه : يجوز بالقليل والكثير ولا تقدير فيه . ~~احتج أبو حنيفة بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى قيد التحليل بقيد ، وهو ~~الابتغاء بأموالهم ، والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالا ، فوجب أن لا يصح ~~جعلها مهرا . # فان قيل : ومن عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال ، مع أنكم تجوزون ~~كونها مهرا . # قلنا : ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا تكون العشرة كافية / إلا أنا تركنا ~~العمل بظاهر الآية في هذه الصورة لدلالة الاجماع على جوازه ، فتمسك في ~~الأقل من العشرة بظاهر الآية . # واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، لأن الآية دالة على أن الابتغاء بالأموال ~~جائز ، وليس فيها دلالة على PageV10P038 أن الابتغاء بغير الأموال لا يجوز ~~، إلا على سبيل المفهوم ، وأنتم لا تقولون به . ثم نقول : الذي يدل على أنه ~~لا تقدير في المهر وجوه : # الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية ، وذلك لأن قوله : { بأموالكم } مقابلة ~~الجمع بالجمع ، فيقتضي توزع الفرد على الفرد ، فهذا يقتضي أن يتمكن كل واحد ~~من ابتغاء النكاح بما يسمى مالا ، والقليل والكثير في هذه الحقيقة وفي هذا ~~الاسم سواء ، فيلزم من هذه الآية جواز ابتغاء النكاح بأي شيء يسمى مالا من ~~غير تقدير . # / الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : { وإن طلقتموهن ms2809 من قبل أن تمسوهن ~~وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } ( البقرة : 237 ) دلت الآية على سقوط ~~النصف عن المذكور ، وهذا يقتضي أنه لو وقع العقد في أول الأمر بدرهم أن لا ~~يجب عليه إلا نصف درهم ، وأنتم لا تقولون به . # الحجة الثالثة : الأحاديث : منها ما روي أن امرأة جيء بها إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقد تزوج بها رجل على نعلين ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( ~~رضيت من نفسك بنعلين ) فقالت : نعم فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~والظاهر أن قيمة النعلين تكون أقل من عشرة دراهم ، فان مثل هذا الرجل ~~والمرأة اللذين لا يكون تزوجهما إلا على النعلين يكونان في غاية الفقر ، ~~ونعل هذا الانسان يكون قليل القيمة جدا . ومنها ما روي عن جابر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق أو ~~طعام فقد استحل ) ومنها ما روي في قصة الواهبة أنه عليه الصلاة والسلام قال ~~لمن أراد التزوج بها : ( التمس ولو خاتما من حديد ) وذلك لا يساوي عشرة ~~دراهم . # المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : لو تزوج بها على تعليم ~~سورة من القرآن لم يكن ذلك مهرا ولها مهر مثلها ، ثم قال : اذا تزوج امرأة ~~على خدمته سنة ، فان كان حرا لها مهر مثلها ، وإن كان عبدا فلها خدمة سنة . ~~وقال الشافعي رحمة الله عليه : يجوز جعل ذلك مهرا ، احتج أبو حنيفة على ~~قوله بوجوه : الأول : هذه الآية وذلك أنه تعالى شرط في حصول الحل أن يكون ~~الابتغاء بالمال ، والمال اسم للأعيان لا للمنافع ، الثاني : قال تعالى : { ~~فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } ( النساء : 4 ) وذلك صفة ~~الأعيان . # أجاب الشافعي عن الأول بأن الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز ، وليس ~~فيه بيان أن الابتغاء بغير المال جائز أم لا ، وعن الثاني : أن لفظ الايتاء ~~كما يتناول الأعيان يتناول المنافع الملتزمة ، وعن الثالث : أنه خرج الخطاب ~~على الأعم الأغلب ، ثم احتج ms2810 الشافعي رضي الله عنه على جواز جعل المنفعة ~~صداقا لوجوه : # الحجة الأولى : قوله تعالى في قصة شعيب : { إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى ~~هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج } ( القصص : 27 ) جعل الصداق تلك المنافع ~~والأصل في شرع من تقدمنا البقاء إلى أن يطرأ الناسخ . # الحجة الثانية : ان التي وهبت نفسها ، لما لم يجد الرجل الذي أراد أن ~~يتزوج بها شيئا ، قال عليه الصلاة والسلام : ( هل معك شيء من القرآن قال ~~نعم سورة كذا ، قال زوجتكها بما معك من / القرآن ) والله أعلم . ~~PageV10P039 # المسألة الرابعة : قال أبو بكر الرازي : دلت الآية على أن عتق الأمة لا ~~يكون صداقا لها ، لأن الآية تقتضي كون البضع مالا ، وما روي أنه عليه ~~السلام أعتق صفية وجعل عتقها صداقها / فذاك من خواص الرسول عليه السلام . # المسألة الخامسة : قوله : { محصنين } فيه وجهان : أحدهما : أن يكون ~~المراد أنهم يصيرون محصنين بسبب عقد النكاح ، والثاني : أن يكون الاحصان ~~شرطا في الاحلال المذكور في قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } والأول أولى ~~، لأن على هذا التقدير تبقى الآية عامة معلومة المعنى ، وعلى هذا التقدير ~~الثاني تكون الآية مجملة ، لأن الاحصان المذكور فيه غير مبين ، والمعلق على ~~المجمل يكون مجملا ، وحمل الآية على وجه يكون معلوما أولى من حملها على وجه ~~يكون مجملا . # قوله تعالى : { فما استمتعتم به منهن فئاتوهن أجورهن فريضة } . # فيه مسائل : # المسألة الأولى : الاستمتاع في اللغة الانتفاع ، وكل ما انتفع به فهو ~~متاع ، يقال : استمتع الرجل بولده ، ويقال فيمن مات في زمان شبابه : لم ~~يتمتع بشبابه . قال تعالى : { ربنا استمتع بعضنا ببعض } ( الأنعام : 128 ) ~~وقال : { أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } ( الأحقاف : 20 ~~) يعني تعجلتم الانتفاع بها ، وقال : { فاستمتعتم بخلاقكم } ( التوبة : 69 ~~) يعني بحظكم ونصيبكم من الدنيا . وفي قوله : { فما استمتعتم به منهن } ~~وجهان : الأول : فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو عقد عليهن ، ~~فآتوهن أجورهن عليه ، ثم أسقط الراجع إلى ( ما ) لعدم الالتباس كقوله : { ~~إن ذلك لمن عزم الامور } ( الشورى : 43 ) فأسقط منه . والثاني ms2811 : أن يكون ( ~~ما ) في قوله : { ما وراء ذلكم } بمعنى النساء و ( من ) في قوله : { منهن } ~~للتبعيض ، والضمير في قوله : { به } راجع إلى لفظ { ما } لأنه واحد في ~~اللفظ ، وفي قوله : { والمحصنات من } إلى معنى ( ما ) لأنه جمع في المعنى ، ~~وقوله : { أجورهن } أي مهورهن ، قال تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا } ( ~~النساء : 25 ) إلى قوله : { فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن } ( النساء ~~: 25 ) وهي المهور ، وكذا قوله : { والمحصنات من } ههنا ، وقال تعالى في ~~آية أخرى : { لا جناح عليكم إن * تنكحوهن إذا ءاتيتموهن أجورهن } ( ~~الممتحنة : 10 ) وإنما سمي المهر أجرا لأنه بدل المنافع ، وليس ببدل من ~~الأعيان ، كما سمي بدل منافع الدار والدابة أجرا والله أعلم . # / المسألة الثانية : قال الشافعي : الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر . وقال ~~أبو حنيفة تقرره . واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية لأن قوله : { فما ~~استمتعتم به منهن فئاتوهن أجورهن } مشعر بأن وجوب إيتائهن مهورهن كان لأجل ~~الاستمتاع بهن ، ولو كانت الخلوة الصحيحة مقررة للمهر كان الظاهر أن الخلوة ~~الصحيحة تتقدم الاستمتاع بهن ، فكان المهر يتقرر قبل الاستمتاع ، وتقرره ~~قبل الاستمتاع يمنع من تعلق ذلك التقرر بالاستمتاع ، والآية دالة على أن ~~تقرر المهر يتعلق بالاستمتاع ، فثبت أن الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر . ~~PageV10P040 # المسألة الثالثة : في هذه الآية قولان : أحدهما : وهو قول أكثر علماء ~~الأمة أن قوله : { أن تبتغوا بأموالكم } المراد منه ابتغاء النساء بالأموال ~~على طريق النكاح ، وقوله : { فما استمتعتم به منهن فئاتوهن أجورهن } فان ~~استمتع بالدخول بها آتاها المهر بالتمام ، وإن استمتع بعقد النكاح آتاها ~~نصف المهر . # والقول الثاني : أن المراد بهذه الآية حكم المتعة ، وهي عبارة عن أن ~~يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين فيجامعها ، واتفقوا على أنها ~~كانت مباحة في ابتداء الاسلام / روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم ~~مكة في عمرته تزين نساء مكة ، فشكا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم طول ~~العزوبة فقال : استمتعوا من هذه النساء ، واختلفوا في أنها هل نسخت أم لا ؟ ~~فذهب السواد الأعظم من الأمة إلى أنها ms2812 صارت منسوخة ، وقال السواد منهم : ~~إنها بقيت مباحة كما كانت وهذا القول مروي عن ابن عباس وعمران بن الحصين ، ~~أما ابن عباس فعنه ثلاث روايات : احداها : القول بالاباحة المطلقة ، قال ~~عمارة : سألت ابن عباس عن المتعة : أسفاح هي أم نكاح ؟ قال : لا سفاح ولا ~~نكاح ، قلت : فما هي ؟ قال : هي متعة كما قال تعالى ، قلت : هل لها عدة ؟ ~~قال نعم عدتها حيضة ، قلت : هل يتوارثان ؟ قالا لا . # والرواية الثانية عنه : أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس في ~~المتعة قال ابن عباس : قاتلهم الله إني ما أفتيت باباحتها على الاطلاق ، ~~لكني قلت : إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير له . # والرواية الثالثة : أنه أقر بأنها صارت منسوخة . روى عطاء الخرساني عن ~~ابن عباس في قوله : { فما استمتعتم به منهن } قال صارت هذه الآية منسوخة ~~بقوله تعالى : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } ( ~~الطلاق : 1 ) وروي أيضا أنه قال عند موته : اللهم إني أتوب اليك من قولي في ~~المتعة والصرف وأما عمران بن الحصين فانه قال : نزلت آية المتعة في كتاب ~~الله تعالى ولم ينزل بعدها آية تنسخها / وأمرنا بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتمتعنا بها ، ومات ولم ينهنا عنه ، ثم قال رجل برأيه ما شاء . ~~وأما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فالشيعة يروون عنه ~~إباحة المتعة ، وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أنه قال : لولا أن عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلا شقي ، وروى ~~محمد بن على المشهور بمحمد بن الحنفية أن عليا رضي الله عنه مر بابن عباس ~~وهو يفتي بجواز المتعة ، فقال أمير المؤمنين : انه صلى الله عليه وسلم نهى ~~عنها وعن لحوم الحمر الأهلية ، فهذا ما يتعلق بالروايات . واحتج الجمهور ~~على حرمة المتعة بوجوه : الأول : أن الوطء لا يحل إلا في الزوجة أو ~~المملوكة لقوله تعالى : { والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ms2813 ~~ما ملكت أيمانهم } ( المعارج : 29 30 ، المؤمنون : 5 6 ) وهذه المرأة لا شك ~~أنها ليست مملوكة ، وليست أيضا زوجة ، ويدل عليه وجوه : أحدها : لو كانت ~~زوجة لحصل التوارث بينهما لقوله تعالى : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } ( ~~النساء : 12 ) وبالاتفاق لا توارث بينهما ، وثانيها : ولثبت النسب ، لقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( الولد للفراش ) وبالاتفاق لا يثبت ، وثالثها : ~~ولوجبت العدة عليها ، لقوله تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ( البقرة : 234 ) واعلم أن هذه الحجة ~~كلام حسن مقرر . # الحجة الثانية : ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في خطبته : متعتان ~~كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما ~~، ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد ، فالحال ههنا لا يخلو ~~PageV10P041 إما أن يقال : انهم كانوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا ، أو ~~كانوا عالمين بأنها مباحة ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة ، أو ما عرفوا ~~إباحتها ولا حرمتها . فسكتوا لكونهم متوقفين في ذلك ، والأول هو المطلوب ، ~~والثاني يوجب تكفير عمر ، وتكفير الصحابة لأن من علم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حكم باباحة المتعة ، ثم قال : إنها محرمة محظورة من غير نسخ لها ~~فهو كافر بالله ، ومن صدقه عليه مع علمه بكونه مخطئا كافرا ، كان كافرا ~~أيضا . وهذا يقتضي تكفير الأمة وهو على ضد قوله : { كنتم خير أمة } ( آل ~~عمران : 110 ) . # والقسم الثالث : وهو أنهم ما كانوا عالمين بكون المتعة مباحة أو محظورة ~~فلهذا سكتوا ، فهذا أيضا باطل ، لأن المتعة بتقدير كونها مباحة تكون ~~كالنكاح ، واحتياج الناس إلى معرفة الحال في كل واحد منهما عام في حق الكل ~~، ومثل هذا يمنع أن يبقى مخفيا ، بل يجب أن يشتهر العلم به ، فكما أن الكل ~~كانوا عارفين بأن النكاح مباح ، وأن إباحته غير منسوخة ، وجب أن يكون الحال ~~في المتعة كذلك ، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن الصحابة إنما سكتوا عن ~~الانكار على عمر رضي الله عنه لأنهم كانوا عالمين بأن المتعة صارت منسوخة ms2814 ~~في الاسلام . # / فان قيل : ما ذكرتم يبطل بما أنه روي أن عمر قال : لا أوتي برجل نكح ~~امرأة إلى أجل إلا رجمته ، ولا شك أن الرجم غير جائز ، مع أن الصحابة ما ~~أنكروا عليه حين ذكل ذلك ، فدل هذا على أنهم كانوا يسكتون عن الانكار على ~~الباطل . # قلنا : لعله كان يذكر ذلك على سبيل التهديد والزجر والسياسة ، ومثل هذه ~~السياسات جائزة للامام عند المصلحة ، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام قال ~~: ( من منع منا الزكاة فانا آخذوها منه وشطر ماله ) ثم أن أخذ شطر المال من ~~مانع الزكاة غير جائز ، لكنه قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للمبالغة في ~~الزجر ، فكذا ههنا والله أعلم . # الحجة الثالثة على أن المتعة محرمة : ما روى مالك عن الزهري عن عبدالله ~~والحسن ابني محمد ابن علي عن أبيهما عن علي : أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الانسية . وروى الربيع بن سبرة ~~الجهني عن أبيه قال : غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا هو قائم ~~بين الركن والمقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول : ( يا أيها الناس إني أمرتكم ~~بالاستمتاع من هذه النساء ألا وإن الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة فمن ~~كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) وروي عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( متعة النساء حرام ) وهذه الأخبار الثلاثة ~~ذكرها الواحدي في البسيط ، وظاهر أن النكاح لا يسمى استمتاعا ، لأنا بينا ~~أن الاستمتاع هو التلذذ ، ومجرد النكاح ليس كذلك ، أما القائلون باباحة ~~المتعة فقد احتجوا بوجوه . # الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية أعني قوله تعالى : { والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم } وفي الاستدلال بهذه ~~الآية طريقان : # الطريق الأول : أن قول : نكاح المتعة داخل في هذه الآية ، وذلك لأن قوله ~~: { أن تبتغوا بأموالكم } يتناول من ابتغى بماله الاستمتاع بالمرأة على ~~سبيل التأييد ، ومن ابتغى بماله على سبيل التأقيت ، وإذا كان كل واحد ms2815 من ~~القسمين داخلا فيه كان قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ~~} يقتضي حل PageV10P042 القسمين ، وذلك يقتضي حل المتعة . # الطريق الثاني : أن نقول : هذه الآية مقصورة على بيان نكاح المتعة ، ~~وبيانه من وجوه : الأول : ما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ { فما استمتعتم به ~~منهن * إلى أجل مسمى * والمحصنات من } وهذا أيضا هو قراءة ابن عباس ، ~~والأمة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة ، فكان ذلك إجماعا من الأمة على ~~صحة هذه القراءة ، وتقريره ما ذكرتموه في أن عمر رضي الله عنه لما منع من ~~المتعة والصحابة / ما أنكروا عليه كان ذلك إجماعا على صحة ما ذكرنا ، وكذا ~~ههنا ، واذا ثبت بالاجماع صحة هذه القراءة ثبت المطلوب . الثاني : أن ~~المذكور في الآية إنما هو مجرد الابتغاء بالمال ، ثم انه تعالى أمر ~~بايتائهن أجورهن بعد الاستمتاع بهن ، وذلك يدل على أن مجرد الابتغاء بالمال ~~يجوز الوطء ، ومجرد الابتغاء بالمال لا يكون إلا في نكاح المتعة ، فأما في ~~النكاح المطلق فهناك الحل إنما يحصل بالعقد ، ومع الولي والشهود ، ومجرد ~~الابتغاء بالمال لا يفيد الحل ، فدل هذا على أن هذه الآية مخصوصة بالمتعة . ~~الثالث : أن في هذه الآية أوجب إيتاء الأجور بمجرد الاستمتاع ، والاستمتاع ~~عبارة عن التلذذ والانتفاع ، فأما في النكاح فايتاء الأجور لا يجب على ~~الاستمتاع ألبتة ، بل على النكاح ، ألا ترى أن بمجرد النكاح يلزم نصف المهر ~~، فظاهر أن النكاح لا يسمى استمتاعا ، لأنا بينا أن الاستمتاع هو التلذذ . ~~ومجرد النكاح ليس كذلك . الرابع : أنا لو حملنا هذه الآية على حكم النكاح ~~لزم تكرار بيان حكم النكاح في السورة الواحدة ، لأنه تعالى قال في أول هذه ~~السورة : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } ( النساء : 3 ~~) ثم قال : { وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة } ( النساء : 4 ) أما لو حملنا ~~هذه الآية على بيان نكاح المتعة كان هذا حكما جديدا ، فكان حمل الآية عليه ~~أولى والله أعلم . # الحجة الثانية على جواز نكاح المتعة : أن الأمة مجمعة على أن نكاح المتعة ms2816 ~~كان جائزا في الاسلام ، ولا خلاف بين أحد من الأمة فيه ، إنما الخلاف في ~~طريان الناسخ ، فنقول : لو كان الناسخ موجودا لكان ذلك الناسخ إما أن يكون ~~معلوما بالتواتر ، أو بالآحاد ، فان كان معلوما بالتواتر ، كان علي بن أبي ~~طالب وعبدالله بن عباس وعمران بن الحصين منكرين لما عرف ثبوته بالتواتر من ~~دين محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك يوجب تكفيرهم ، وهو باطل قطعا ، وإن ~~كان ثابتا بالآحاد فهذا أيضا باطل ، لأنه لما كان ثبوت إباحة المتعة معلوما ~~بالاجماع والتواتر ، كان ثبوته معلوما قطعا ، فلو نسخناه بخبر الواحد لزم ~~جعل المظنون رافعا للمقطوع وإنه باطل . قالوا : ومما يدل أيضا على بطلان ~~القول بهذا النسخ أن أكثر الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر ، وأكثر الروايات أنه عليه الصلاة ~~والسلام أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح ، وهذان اليومان متأخران ~~عن يوم خيبر ، وذلك يدل على فساد ما روي أنه عليه السلام نسخ المتعة يوم ~~خيبر ، لأن الناسخ يمتنع تقدمه على المنسوخ ، وقول من يقول : انه حصل ~~التحليل مرارا والنسخ مرارا ضعيف ، لم يقل به أحد من المعتبرين ، إلا الذين ~~أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات . # الحجة الثالثة : ما روي أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر : متعتان ~~كانتا مشروعتين في عهد / رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا أنهي عنهما : ~~متعة الحج ، ومتعة النكاح ، وهذا منه تنصيص على أن متعة النكاح كانت موجودة ~~في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقوله : وأنا أنهي عنهما يدل على أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ما نسخه ، وإنما عمر هو الذي نسخه . وإذا ثبت ~~هذا فنقول : هذا الكلام يدل على أن حل المتعة كان ثابتا في عهد الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، وأنه عليه السلام ما نسخه ، وأنه ليس ناسخ الا نسخ عمر ، ~~وإذا ثبت هذا وجب أن لا يصير منسوخا لأن ما كان ثابتا في PageV10P043 زمن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ms2817 وما نسخه الرسول ، يمتنع أن يصير منسوخا بنسخ ~~عمر ، وهذا هو الحجة التي احتج بها عمران بن الحصين حيث قال : ان الله أنزل ~~في المتعة آية وما نسخها بآية أخرى ، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمتعة وما نهانا عنها ، ثم قال رجل برأيه ما شاء ، يريد أن عمر نهى عنها ~~/ فهذا جملة وجوه القائلين بجواز المتعة . # والجواب عن الوجه الأول أن نقول : هذه الآية مشتملة على أن المراد منها ~~نكاح المتعة وبيانه من ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى ذكر المحرمات ~~بالنكاح أولا في قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } ثم قال في آخر الآية : { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم } فكان المراد بهذا التحليل ما هو المراد هناك بهذا ~~التحريم ، لكن المراد هناك بالتحريم هو النكاح ، فالمراد بالتحليل ههنا ~~أيضا يجب أن يكون هو النكاح . الثاني : أنه قال : { محصنين } والاحصان لا ~~يكون إلا في نكاح صحيح . والثالث : قوله : { غير مسافحين } سمى الزنا سفاحا ~~لأنه لا مقصود فيه إلا سفح الماء ، ولا يطلب فيه الولد وسائر مصالح النكاح ~~، والمتعة لا يراد منها إلا سفح الماء فكان سفاحا ، هذا ما قاله أبو بكر ~~الرازي . أما الذي ذكره في الوجه الأول : فكأنه تعالى ذكر أصناف من يحرم ~~على الانسان وطؤهن ، ثم قال : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } أي وأحل لكم وطء ~~ما وراء هذه الأصناف ، فأي فساد في هذا الكلام ؟ وأما قوله ثانيا : الاحصان ~~لا يكون إلا في نكاح صحيح فلم يذكر عليه دليلا ، وأما قوله ثالثا : الزنا ~~إنما سمي سفاحا ، لأنه لا يراد منه إلا سفح الماء ، والمتعة ليست كذلك ، ~~فان المقصود منها سفح الماء بطريق مشروع مأذون فيه من قبل الله ، فان قلتم ~~: المتعة محرمة ، فنقول : هذا أول البحث ، فلم قلتم : إن الأمر كذلك ، فظهر ~~أن الكلام رخو ، والذي يجب أن يعتمد عليه في هذا الباب أن نقول : إنا لا ~~ننكر أن المتعة كانت مباحة ، إنما الذي نقوله : إنها صارت منسوخة ، وعلى ~~هذا التقدير فلو كانت هذه الآية دالة على أنها مشروعة ms2818 لم يكن ذلك قادحا في ~~غرضنا ، وهذا هو الجواب أيضا عن تمسكهم بقراءة أبي وابن عباس ، فان تلك ~~القراءة بتقدير ثبوتها لا تدل ألا على أن المتعة كانت مشروعة ، ونحن لا ~~ننازع فيه ، إنما الذي نقوله : إن النسخ طرأ عليه ، وما ذكرتم من الدلائل / ~~لا يدفع قولنا ، وقولهم : الناسخ إما أن يكون متواترا أو آحادا . # قلنا : لعل بعضهم سمعه ثم نسيه ، ثم إن عمر رضي الله عنه لما ذكر ذلك في ~~الجمع العظيم تذكروه وعرفوا صدقه فيه فسلموا الأمر له . # قوله : إن عمر أضاف النهي عن المتعة إلى نفسه . # قلنا : قد بينا أنه لو كان مراده أن المتعة كانت مباحة في شرع محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأنا أنهي عنه لزم تكفيره وتكفير كل من لم يحاربه وينازعه ، ~~ويفضي ذلك إلى تكفير أمير المؤمنين حيث لم يحاربه ولم يرد ذلك القول عليه ، ~~وكل ذلك باطل ، فلم يبق إلا أن يقال : كان مراده أن المتعة كانت مباحة في ~~زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنا أنهي عنها لما ثبت عندي أنه صلى الله ~~عليه وسلم نسخها ، وعلى هذا التقدير يصير هذا الكلام حجة لنا في مطلوبنا ~~والله أعلم . # ثم قال تعالى : { والمحصنات من النساء } والمعنى أن إيتاءهن أجورهن ~~ومهورهن فريضة لازمة وواجبة ، وذكر صاحب ( الكشاف ) في قوله : { فريضة } ~~ثلاثة أوجه : أحدها : أنه حال من الأجور بمعنى مفروضة . وثانيها : أنها ~~وضعت موضع إيتاء ، لأن الايتاء مفروض . وثالثها : أنه مصدر مؤكد ، أي فرض ~~ذلك فريضة . PageV10P044 # ثم قال تعالى : { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله ~~كان عليما حكيما } . # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان حكم النكاح قالوا ~~: المراد أنه إذا كان المهر مقدرا بمقدار معين ، فلا حرج في أن تحط عنه ~~شيئا من المهر أو تبرئه عنه بالكلية ، فعلى هذا : المراد من التراضي الحط ~~من المهر أو الابراء عنه ، وهو كقوله تعالى : { فإن طبن لكم عن شىء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا } ( النساء : 4 ) وقوله ms2819 : { إلا أن يعفون أو يعفوا ~~الذى بيده عقدة النكاح } ( البقرة : 237 ) وقال الزجاج معناه : لا إثم ~~عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها ، أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر إذا ~~طلقها قبل الدخول . وأما الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان المتعة قالوا ~~: المراد من هذه الآية أنه إذا انقضى أجل المتعة لم يبق للرجل على المرأة ~~سبيل ألبتة ، فان قال لها : زيديني في الأيام وأزيدك / في الأجرة كانت ~~المرأة بالخيار ، ان شاءت فعلت ، وان شاءت لم تفعل ، فهذا هو المراد من ~~قوله : { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } أي من بعد ~~المقدار المذكور أولا من الأجر والأجل . # المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : إلحاق الزيادة في الصداق ~~جائز ، وهي ثابتة ان دخل بها أو مات عنها ، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت ~~الزيادة ، وكان لها نصف المسمى في العقد . وقال الشافعي رحمة الله عليه : ~~الزيادة بمنزلة الهبة ، فان أقبضها ملكته بالقبض ، وان لم يقبضها بطلت . ~~احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقوله : { لا جناح عليكم * فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة } يتناول ما وقع التراضي به في طرفي الزيادة ~~والنقصان ، فكان هذا بعمومه يدل على جواز إلحاق الزيادة بالصداق ، قال : بل ~~هذه الآية بالزيادة أخص منها بالنقصان ؛ لأنه تعالى علقه بتراضيهما ، ~~والبراءة والحط لا يحتاج إلى رضا الزوج ، والزيادة لا تصح إلا بقبوله ، ~~فاذا علق ذلك بتراضيهما جميعا دل على أن المراد هو الزيادة . # والجواب : لم لا يجوز أن تكون الزيادة عبارة عما ذكره الزجاج ؟ وهو أنه ~~إذا طلقها قبل الدخول ، فان شاءت المرأة أبرأته عن النصف ، وان شاء الزوج ~~سلم اليها كل المهر ، وبهذا التقدير يكون قد زادها عما وجب عليه تسليمه ~~اليها ، وأيضا عندنا أنه لا جناح في تلك الزيادة إلا أنها تكون هبة . ~~والدليل القاطع على بطلان هذه الزيادة أن هذه الزيادة لو التحقت بالأصل ~~لكان إما مع بقاء العقد الأول ، أو بعد زوال العقد ، والأول باطل ، لأن ~~العقد لما ms2820 انعقد على القدر الأول ، فلو انعقد مرة أخرى على القدر الثاني ، ~~لكان ذلك تكوينا لذلك العقد بعد ثبوته ، وذلك يقتضى تحصيل الحاصل وهو محال ~~. والثاني باطل لانعقاد الاجماع على أن عند إلحاق الزيادة لا يرتفع العقد ~~الأول ، فثبت فساد ما قالوه والله أعلم . ثم إنه تعالى لما ذكر في هذه ~~الآية أنواعا كثيرة من التكاليف والتحريم والاحلال ، بين أنه عليم بجميع ~~المعلومات لا يخفى عليه منها خافية أصلا ، وحكيم لا يشرع الأحكام إلا على ~~وفق الحكمة ، وذلك يوجب التسليم لأوامره والانقياد لأحكامه والله أعلم . # النوع السابع : من التكاليف المذكورة في هذه السورة . # PageV10P045 ! 7 < { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ~~فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض ~~فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا ~~متخذات أخدان فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب ذلك لمن خشى العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم } . > 7 ~~! # / < < # | النساء : ( 25 ) ومن لم يستطع . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين من يحل ومن لا يحل : بين فيمن يحل أنه متى ~~يحل ، وعلى أي وجه يحل فقال : { ومن لم يستطع منكم طولا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الكسائي { المحصنات } بكسر الصاد ، وكذلك { محصنات ~~غير مسافحات } وكذلك { فعليهن نصف ما على المحصنات } كلها بكسر الصاد ، ~~والباقون بالفتح ، فالفتح معناه ذوات الأزواج ، والكسر معناه العفائف ~~والحرائر والله أعلم . # المسألة الثانية : الطول : الفضل ، ومنه التطول وهو التفضل ، وقال تعالى ~~: { ذى الطول } ( غافر : 3 ) ويقال : تطاول لهذا الشيء أي تناوله ، كما ~~يقال : يدفلان مبسوطة وأصل هذه الكلمة من الطول الذي هو خلاف القصر ؛ لأنه ~~إذا كان طويلا ففيه كمال وزيادة ، كما أنه إذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان ~~، وسمي الغنى أيضا طولا ، لأنه ينال به من المرادات مالا ينال عند الفقر ، ~~كما أن بالطول ينال ما لا ينال بالقصر . # إذا عرفت هذا فنقول : الطول القدرة ، وانتصابه على أنه مفعول ( يستطع ) و ~~{ أن ينكح ms2821 } في موضع النصب على أنه مفعول القدرة . # فان قيل : الاستطاعة هي القدرة ، والطول أيضا هو القدرة ، فيصير تقدير ~~الآية : ومن لم يقدر / منكم على القدرة على نكاح المحصنات ، فما فائدة هذا ~~التكرير في ذكر القدرة ؟ # قلنا : الأمر كما ذكرت ، والأولى أن يقال : المعنى فمن لم يستطع منكم ~~استطاعة بالنكاح المحصنات ، وعلى هذا الوجه يزول الاشكال ، فهذا ما يتعلق ~~باللغة . # أما ما قاله المفسرون فوجوه : الأول : ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة ~~يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة . الثاني : أن يفسر النكاح بالوطء ، ~~والمعنى : ومن لم يستطع منكم طولا وطء الحرائر فلينكح أمة ، وعلى هذا ~~التقدير فكل من ليس تحته حرة فانه يجوز له التزوج بالأمة . وهذا التفسير ~~لائق بمذهب أبي حنيفة ، فان مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له التزوج ~~بالأمة . وهذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة ، فان مذهبه أنه إذا كان تحته ~~حرة لم يجز له نكاح الأمة ، سواء قدر على التزوج PageV10P046 بالحرة أو لم ~~يقدر . والثالث : الاكتفاء بالحرة ، فله أن يتزوج بالأمة سواء كان تحته حرة ~~أو لم يكن ، كل هذه الوجوه إنما حصلت ، لأن لفظ الاستطاعة محتمل لكل هذه ~~الوجوه . # المسألة الثالثة : المراد بالمحصنات في قوله : { ومن لم يستطع منكم طولا ~~أن ينكح المحصنات } هو الحرائر ، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح ~~المحصنات نكاح الاماء ، فلا بد وأن يكون المراد من المحصنات من يكون كالضد ~~للاماء ، والوجه في تسمية الحرائر بالمحصنات على قراءة من قرأ بفتح الصاد : ~~أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الأماء ، فان الظاهر أن ~~الأمة تكون خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة ، والحرة مصونة محصنة من هذه ~~النقصانات ، واما على قراءة من قرأ بكسر الصاد ، فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن ~~بحريتهن . # المسألة الرابعة : مذهب الشافعي رضي الله عنه : أن الله تعالى شرط في ~~نكاح الاماء شرائط ثلاثة ، اثنان منها في الناكح ، والثالث في المنكوحة ، ~~أما اللذان في الناكح . فأحدهما : أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة ~~المؤمنة من الصداق ms2822 ، وهو معنى قوله : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات } فعدم استطاعة الطول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة . # فان قيل : الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة يقدر على التزوج بالحرة ~~الفقيرة ، فمن أين هذا التفاوت ؟ # قلنا : كانت العادة في الاماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة ~~السادات ، وعلى هذا التقدير يظهر هذا التفاوت . # وأما الشرط الثاني : فهو المذكور في آخر الآية وهو قوله : { ذلك لمن خشى ~~العنت منكم } ( النساء : 25 ) أي بلغ الشدة في العزوبة . # وأما الشرط الثالث : المعتبر في المنكوحة ، فأن تكون الأمة مؤمنة لا ~~كافرة ، فان الأمة / إذا كانت كافرة كانت ناقصة من وجهين : الرق والكفر ، ~~ولا شك أن الولد تابع للأم في الحرية والرق ، وحينئذ يعلق الولد رقيقا على ~~ملك الكافر ، فيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه ملكا للكافر ، فهذه الشرائط ~~الثلاثة معتبرة عند الشافعي في جواز نكاح الأمة . # وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فيقول : اذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح ~~الأمة ، أما إذا لم يكن تحته حرة جاز له ذلك ، سواء قدر على نكاح الحرة أو ~~لم يقدر ، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وتقريره من وجهين : الأول : ~~أنه تعالى ذكر عدم القدرة PageV10P047 على طول الحرة ، ثم ذكر عقيبه التزوج ~~بالأمة ، وذلك الوصف يناسب هذا الحكم لأن الانسان قد يحتاج إلى الجماع ، ~~فاذا لم يقدر على جماع الحرة بسبب كثرة مؤنتها ومهرها ، وجب أن يؤذن له في ~~نكاح الأمة ، اذا ثبت هذا فنقول : الحكم اذا كان مذكورا عقيب وصف يناسبه ، ~~فذلك الاقتران في الذكر يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، اذا ثبت ~~هذا فنقول : لو كان نكاح الأمة جائزا بدون القدرة على طول الحرة ومع القدرة ~~عليه لم يكن لعدم هذه القدرة أثر في هذا الحكم ألبتة ، لكنا بينا دلالة ~~الآية على أن له أثرا في هذا الحكم ، فثبت أنه لا يجوز التزوج بالأمة مع ~~القدرة على طول الحرة . الثاني : أن نتمسك بالآية على سبيل المفهوم ، وهو ~~أن ms2823 تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه ، والدليل عليه أن ~~القائل اذا قال : الميت اليهودي لا يبصر شيئا ، فان كل أحد يضحك من هذا ~~الكلام ويقول : اذا كان غير اليهودي أيضا لا يبصر فما فائدة التقييد بكونه ~~يهوديا ، فلما رأينا أن أهل العرف يستقبحون هذا الكلام ويعللون ذلك ~~الاستقباح بهذه العلة ، علمنا اتفاق أرباب اللسان على أن التقييد بالصفة ~~يقتضي نفي الحكم في غير محل القيد . قال أبو بكر الرازي : تخصيص هذه الحالة ~~بذكر الاباحة فيها لا يدل على حظر ما عداه ، كقوله تعالى : { ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق } ( الإسراء : 31 ) ولا دلالة فيه على إباحة القتل عند ~~زوال هذه الحالة ، وقوله : { لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } ( آل عمران : ~~130 ) لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة ، وقوله : { لا ~~تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه ~~الحالة ، فيقال له : ظاهر اللفظ يقتضي ذلك ، إلا أنه ترك العمل به بدليل ~~منفصل ، كما أن عندك ظاهر الأمر للوجوب ، وقد يترك العمل به في صور كثيرة ~~لدليل منفصل ، والسؤال الجيد على التمسك بالآية ما ذكرناه ، حيث قلنا : لم ~~لا يجوز أن يكون المراد من النكاح الوطء ، والتقدير : ومن لم يستطع منكم ~~وطء الحرة ، وذلك عند من لا يكون تحته حرة / فانه يجوز له نكاح الأمة ، ~~وعلى هذا التقدير تنقلب الآية حجة لأبي حنيفة . # وجوابه : أن أكثر المفسرين فسروا الطول بالغنى ، وعدم الغنى تأثيره في ~~عدم القدرة على العقد ، لا في عدم القدرة على الوطء . واحتج أبو بكر الرازي ~~على صحة قوله بالعمومات ، كقوله تعالى : / { فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~} ( النساء : 3 ) وقوله : { وأنكحوا الايامى منكم } وقوله : { وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم } وقوله : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } ( المائدة : 5 ) ~~وهو متناول للاماء الكتابيات . والمراد من هذا الاحصان العفة . # والجواب : ان آيتنا خاصة ، والخاص مقدم على العام ، ولأنه دخلها التخصيص ~~فيا إذا كان تحته حرة ، وإنما خصت صونا للولد ، عن الارقاق ، وهو ms2824 قائم في ~~محل النزاع . # المسألة الخامسة : ظاهر قوله : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات } يقتضي كون الايمان معتبرا في الحرة ، فعلى هذا : لو ~~قدر على حرة كتابية ولم يقدر على طول حرة مسلمة فانه يجوز له أن يتزوج ~~الأمة ، وأكثر العلماء أن ذكر الايمان في الحرائر ندب واستحباب ، لأنه لا ~~فرق بين الحرة الكتابية وبين المؤمنة في كثرة المؤنة وقلتها . # المسألة السادسة : من الناس من قال : انه لا يجوز التزوج بالكتابيات ~~ألبتة ، واحتجوا بهذه الآيات ، فقالوا : انه تعالى بين أن عند العجز عن ~~نكاح الحرة المسلمة يتعين له نكاح الأمة المسلمة ، ولو كان التزوج بالحرة ~~الكتابية جائزا ، لكان عند العجز عن الحرة المسلمة لم تكن الأمة المسلمة ~~متعينة ، وذلك ينفي دلالة الآية . ثم أكدوا هذه الدلالة بقوله تعالى : { ~~ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ( البقرة : 221 ) وقد بينا بالدلائل ~~الكثيرة في تفسير هذه الآية أن الكتابية مشركة . # المسألة السابعة : الآية دالة على التحذير من نكاح الاماء ، وأنه لا يجوز ~~الاقدام عليه إلا عند الضرورة ، والسبب فيه وجوه : الأول : أن الولد يتبع ~~الأم في الرق والحرية ، فاذا كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقا ، وذلك يوجب ~~النقص في حق ذلك الانسان وفي حق ولده . والثاني : أن الأمة قد تكون تعودت ~~الخروج والبروز والمخالطة بالرجال وصارت في غاية الوقاحة ، وربما تعودت ~~الفجور ، وكل ذلك ضرر على الأزواج . PageV10P048 الثالث : أن حق المولى ~~عليها أعظم من حق الزوج ، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة ، ~~فربما احتاج الزوج اليها جدا ولا يجد اليها سبيلا لأن السيد يمنعها ويحبسها ~~. الرابع : أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر ، فعلى قول من يقول : بيع ~~الأمة طلاقها ، تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى ، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد ~~يسافر المولى الثاني بها وبولدها ، وذلك من أعظم المضار . الخامس : أن ~~مهرها ملك لمولاها ، فهي لا تقدر على هبة مهرها من زوجها ، ولا على إبرائه ~~عنه ، بخلاف الحرة ، فلهذه الوجه ما أذن الله في نكاح الأمة ms2825 إلا على سبيل ~~الرخصة والله أعلم . # قوله تعالى : { فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } فيه مسائل : # / المسألة الأولى : قوله : { فمن ما ملكت أيمانكم } أي فليتزوج مما ملكت ~~أيمانكم . قال ابن عباس : يريد جارية أختك ، فان الانسان لا يجوز له أن ~~يتزوج بجارية نفسه . # المسألة الثانية : الفتيات : المملوكة جمع فتاة ، والعبد فتى ، وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ( لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي ) ويقال ~~للجارية الحديثة : فتاة ، وللغلام فتى ، والأمة تسمى فتاة ، عجوزا كانت أو ~~شابة ، لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير . # المسألة الثالثة : قوله : { من فتياتكم المؤمنات } يدل على تقييد نكاح ~~الأمة بما إذا كانت مؤمنة فلا يجوز التزوج بالأمة الكتابية ، سواء كان ~~الزوج حرا أو عبدا ، وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن ، وقول مالك والشافعي ، ~~وقال أبو حنيفة : يجوز التزوج بالأمة الكتابية . # حجة الشافعي رضي الله عنه : أن قوله : { من فتياتكم المؤمنات } تقييد ~~لجواز نكاح الأمة بكونها مؤمنة ، وذلك ينفي جواز نكاح غير المؤمنة من ~~الوجهين اللذين ذكرناهما في مسألة طول الحرة ، وأيضا قال تعالى : { ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ( البقرة : 221 ) . # حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه : النص والقياس : أما النص فالعمومات ~~التي ذكرنا تمسكه بها في طول الحرة ، وآكدها قوله : { والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم } ( المائدة : 5 ) وأما القياس فهو أنا أجمعنا على ~~أن الكتابة الحرة مباحة ، والكتابية المملوكة أيضا مباحة ، فكذلك إذا تزوج ~~بالكتابية المملوكة وجب أنه يجوز . # والجواب عن العمومات : أن دلائلنا خاصة فتكون مقدمة على العمومات ، وعن ~~القياس : أن الشافعي قال : إذا تزوج بالحرة الكتابية فهناك نقص واحد ، أما ~~إذا تزوج بالأمة الكتابية فهناك نوعان من النقص : الرق والكفر ، فظهر الفرق ~~. # ثم قال تعالى : { والله أعلم بإيمانكم } قال الزجاج : معناه اعملوا على ~~الظاهر في الايمان فانكم مكلفون بظواهر الأمور ، والله يتولى السرائر ~~والحقائق . # ثم قال تعالى : { بعضكم من بعض } وفيه وجهان : الأول : كلكم أولاد آدم ~~فلا تداخلنكم أنفة من تزوج الاماء عند الضرورة . والثاني : ان ms2826 المعنى : ~~كلكم مشتركون في الايمان ، والايمان أعظم الفضائل ، فاذا حصل الاشتراك في ~~أعظم الفضائل كان التفاوت فيما وراءه غير ملتفت اليه ، ونظيره قوله تعالى : ~~{ والمؤمنون PageV10P049 والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ( التوبة : 71 ) ~~وقوله : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) قال الزجاج : فهذا ~~الثاني أولى لتقدم ذكر المؤمنات ، أو لأن الشرف بشرف الاسلام أولى منه ~~بسائر الصفات ، وهو يقوي قول الشافعي رضي الله عنه : ان الايمان شرط لجواز ~~/ نكاح الأمة . # واعلم أن الحكمة في ذكر هذه الكلمة أن العرب كانوا يفتخرون بالأنساب ، ~~فأعلم في ذكر هذه الكلمة أن الله لا ينظر و يلتفت اليه . روي عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : ( ثلاث من أمر الجاهلية : الطعن في الأنساب ، ~~والفخر بالأحساب ، والاستسقاء بالانواء ، ولا يدعها الناس في الاسلام ) ~~وكان أهل الجاهلية يضعون من ابن الهجين ، فذكر تعالى هذه الكلمة زجرا لهم ~~عن أخلاق أهل الجاهلية . # ثم أنه تعالى شرح كيفية هذا النكاح فقال : { فانكحوهن بإذن أهلهن } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل ، ويدل ~~عليه القرآن والقياس . أما القرآن فهو هذه الآية فان قوله تعالى : { ~~فانكحوهن بإذن أهلهن } يقتضي كون الاذن شرطا في جواز النكاح ، وان لم يكن ~~النكاح واجبا . وهو كقوله عليه الصلاة والسلام : ( من أسلم فليسلم في كيل ~~معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ) فالسلم ليس بواجب ، ولكنه إذا إختار أن ~~يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط ، كذلك النكاح وان لم يكن واجبا ، لكنه إذا ~~أراد أن يتزوج أمة ، وجب أن لا يتزوجها إلا باذن سيدها . وأما القياس : فهو ~~أن الأمة ملك للسيد ، وبعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها ، فوجب أن لا ~~يجوز ذلك إلا باذنه . واعلم أن لفظ القرآن مقتصر على الأمة ، وأما العبد ~~فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ( إذا تزوج العبد بغير اذن السيد فهو عاهر ) . # المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله عنه : المرأة البالغة العاقلة لا ~~يصح نكاحها إلا ms2827 باذن الولي . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يصح ، احتج ~~الشافعي بهذه الآية ، وتقريره أن الضمير في قوله : { فانكحوهن بإذن أهلهن } ~~عائد إلى الاماء ، والأمة ذات موصوفة بصفة الرق ، وصفة الرق صفة زائلة ، ~~والاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة ذات موصوفة بصفة الرق ، وصفة الرق ~~صفة زائلة ، والاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة لا يتناول الاشارة إلى ~~تلك الصفة ، ألا ترى أنه لو حلف لا يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخا ثم تكلم ~~معه يحنث في يمينه ، فثبت أن الاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة عرضية زائلة ~~، باقية بعد زوال تلك الصفة العرضية ، وإذا ثبت هذا فنقول : قوله : { ~~فانكحوهن بإذن أهلهن } اشارة إلى الاماء ، فهذه الاشارة وجب أن تكون باقية ~~حال زوال الرق عنهن ، وحصول صفة الحرية لهن ، وإذا كان كذلك فالحرة البالغة ~~العاقلة في هذه الصورة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها ، وإذا ثبت ذلك في ~~هذه الصورة وجب ثبوت هذا الحكم في سائر الصور ؛ ضرورة أنه لا قائل بالفرق . ~~احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على فساد قول الشافعي / في هذه المسألة ~~فقال : مذهبه أنه لا عبارة للمرأة في عقد النكاح ، فعلى هذا لا يجوز للمرأة ~~أن تزوج أمتها ، بل مذهبه أن توكل غيرها بتزويج أمتها . قال : وهذه الآية ~~تبطل ذلك ، لأن ظاهر هذه الآية يدل على الاكتفاء بحصول اذن أهلها ، فمن قال ~~لا يكفي ذلك كان تاركا لظاهر الآية . # والجواب من وجوه : الأول : أن المراد بالاذن الرضا . وعندنا أن رضا ~~المولى لا بد منه ، فأما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه ، وثانيها : أن ~~أهلهن عبارة عمن يقدر على نكاحهن ، وذلك إما المولى أن كان رجلا ، أو ولي ~~مولاها إن كان مولاها امرأة . وثالثها : هب أن الاهل عبارة عن المولى ، ~~لكنه عام يتناول الذكور PageV10P050 والاناث ، والدلائل الدالة على أن ~~المرأة لا تنكح نفسها خاصة قال عليه الصلاة والسلام : ( العاهر هي التي ~~تنكح نفسها ) فثبت بهذا الحديث أنه عبارة لها في نكاح نفسها ، فوجب أن لا ~~يكون لها عبارة ms2828 في نكاح مملوكتها ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والله أعلم . # ثم قال تعالى : { ومن لم يستطع } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في تفسير الآية قولان : الأول : ان المراد من الأجور : ~~المهور ، وعلى هذا التقدير فالآية تدل على وجوب مهرها إذا نكحها ، سمي لها ~~المهر أو لم يسم ، لأنه تعالى لم يفرق بين من سمى ، وبين من لم يسم في ~~إيجاب المهر ، ويدل على أنه قد أراد مهر لمثل قوله تعالى : { بالمعروف } ( ~~البقرة : 33 ) وهذا إنما يطلق فيما كان مبنيا على الاجتهاد وغالب الظن في ~~المعتاد والمتعارف كقوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ~~} الثاني : قال القاضي : ان المراد من أجورهن النفقة عليهن ، قال هذا ~~القائل : وهذا أولى من الأول ، لأن المهر مقدر ، ولا معنى لاشتراط المعروف ~~فيه ، فكأنه تعالى بين أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما ~~في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة ، ثم قال ~~القاضي : اللفظ وان كان يحتمل ما ذكرناه فأكثر المفسرين يحملونه على المهر ~~، وحملوا قوله : { بالمعروف } على ايصال المهر اليها على العادة الجميلة ~~عند المطالبة من غير مطل وتأخير . # المسألة الثانية : نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن بعض أصحاب مالك ~~أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها ، وان المولى إذا آجرها للخدمة كان المولى ~~هو المستحق للأجر دونها وهؤلاء احتجوا في المهر بهذه الآية ، وهو قوله : { ~~ومن لم } وأما الجمهور فانهم احتجوا على ان مهرها لمولاها بالنص والقياس ، ~~أما النص فقوله تعالى : { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء } ( ~~النحل : 75 ) وهذا ينفي كون المملوك مالكا لشيء أصلا ، وأما القياس فهو أن ~~المهر وجب عوضا عن منافع البضع ، وتلك المنافع مملوكة للسيد ، وهو الذي ~~أباحها للزوج بقيد النكاح ، فوجب أن / يكون هو المستحق لبدلها . # والجواب عن تمسكهم بالآية من وجوه : الأول : انا إذا حملنا الأجور في ~~الآية على النفقة زال السؤال بالكلية . الثاني : أنه تعالى إنما أضاف إيتاء ~~المهور اليهن لأنه ثمن بضعهن وليس ms2829 في قوله : { وءاتوهن } ما يوجب كون المهر ~~ملكا لهن ، ولكنه عليه الصلاة والسلام قال : ( العبد وما في يده لمولاه ) ~~فيصير ذلك المهر ملكا للمولى بهذه الطريق والله أعلم . # ثم قال تعالى : { محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : محصنات أي عفائف ، وهو حال من قوله : { ~~فانكحوهن } باذن أهلهن ، فظاهر هذا يوجب حرمة نكاح الزواني من الاماء ، ~~واختلف الناس في أن نكاح الزواني هل يجوز أم لا ؟ وسنذكره في قوله : { ~~الزانى لا ينكح إلا زانية } ( النور : 3 ) والأكثرون على أنه يجوز فتكون ~~هذه الآية محمولة على الندب والاستحباب وقوله : { غير مسافحات } أي غير ~~زوان { ولا متخذات أخدان } جمع خدن ، كالاتراب جمع ترب ، والخدن الذي ~~يخادنك وهو الذي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن . قال أكثر المفسرين : ~~المسافحة هي التي تؤاجر نفسها مع أي رجل أرادها ، والتي تتخذ الخدن فهي ~~التي تتخذ خدنا معينا ، وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين ، وما كانوا ~~يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية ، PageV10P051 فلما كان هذا الفرق ~~معتبرا عندهم لا جرم أن الله سبحانه أفرد كل واحد من هذين القسمين بالذكر ، ~~ونص على حرمتهما معا ، ونظيره أيضا قوله تعالى : { قل إنما حرم ربي الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن } ( الأعراف : 33 ) . # المسألة الثانية : قال القاضي : هذه الآية أحد ما يستدل به من لا يجعل ~~الايمان في نكاح الفتيات شرطا ، لأنه لو كان ذلك شرطا لكان كونهن محصنات ~~عفيفات أيضا شرطا ، وهذا ليس بشرط . # وجوابه : أن هذا معطوف لا على ذكر الفتيات المؤمنات ، بل على قوله : { ~~فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن } ولا شك أن كل ذلك واجب ، فعلمنا أنه ~~لا يلزم من عدم الوجوب في هذا ، عدم الوجوب فيما قبله والله أعلم . # ثم قال تعالى : { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب } . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { أحصن } بالفتح في ~~الألف ، والباقون بضم الألف ، فمن فتح فمعناه : أسلمن ، هكذا قاله ms2830 عمر وابن ~~مسعود والشعبي والنخعي والسدي ، ومن / ضم الألف فمعناه : أنهن أحصن ~~بالازواج . هكذا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد . ومنهم من طعن ~~في الوجه الأول فقال : انه تعالى وصف الاماء بالايمان في قوله : { فتياتكم ~~المؤمنات } ومن البعيد أن يقال فتياتكم المؤمنات ، ثم يقال : فاذا آمن ، ~~فان حالهن كذا وكذا ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى ذكر حكمين : الأول : ~~حال نكاح الاماء ، فاعتبر الايمان فيه بقوله : { من فتياتكم المؤمنات } ~~والثاني : حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة ، فذكر حال إيمانهن ~~أيضا في هذا الحكم ، وهو قوله : { فإذا أحصن } . # المسألة الثانية : في الآية إشكال قوي / وهو أن المحصنات في قوله : { ~~فعليهن نصف ما على المحصنات } إما أن يكون المراد منه الحرائر المتزوجات ، ~~أو المراد منه الحرائر الأبكار . والسبب في إطلاق اسم المحصنات عليهن ~~حريتهن . والأول مشكل ، لأن الواجب على الحرائر المتزوجات في الزنا : الرجم ~~، فهذا يقتضي أن يجب في زنا الاماء نصف الرجم ، ومعلوم أن ذلك باطل . ~~والثاني : وهو أن يكون المراد : الحرائر الأبكار ، فحينئذ يكون هذا الحكم ~~معلقا بمجرد صدور الزنا عنهن ، وظاهر الآية يقتضي كونه معلقا بمجموع ~~الأمرين : الاحصان والزنا ، لأن قوله : { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة } شرط ~~بعد شرط ، فيقتضي كون الحكم مشروطا بهما نصا ، فهذا إشكال قوي في الآية . # والجواب : أنا نختار القسم الثاني ، وقوله : { فإذا أحصن } ليس المراد ~~منه جعل هذا الاحصان شرطا لأن يجب في زناها خمسون جلدة ، بل المعنى أن حد ~~الزنا يغلظ عند التزوج ، فهذه إذا زنت وقد تزوجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد ~~عليه ، فبأن يكون قبل التزوج هذا القدر أيضا أولى ، وهذا مما يجري مجرى ~~المفهوم بالنص ، لأن عند حصول ما يغلظ الحد ، لما وجب تخفيف الحد لمكان ~~الرق ، فبأن يجب هذا القدر عند مالا يوجد ذلك المغلظ كان أولى والله أعلم . ~~PageV10P052 # المسألة الثالثة : الخوارج اتفقوا على انكار الرجم ، واحتجوا بهذه الآية ~~، وهو أنه تعالى أوجب على الأمة نصف ما على الحرة المحصنة ، فلو وجب على ~~الحرة المحصنة ms2831 الرجم ، لزم أن يكون الواجب على الأمة نصف الرجم وذلك باطل ، ~~فثبت أن الواجب على الحرة المتزوجة ليس إلا الجلد ، والجواب عنه ما ذكرناه ~~في المسألة المتقدمة ، وتمام الكلام فيه مذكور في سورة النور في تفسير قوله ~~: { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ( النور : 2 ) . # المسألة الرابعة : اعلم أن الفقهاء صيروا هذه الآية أصلا في نقصان حكم ~~العبد عن حكم الحر / في غير الحد ، وإن كان في الأمور مالا يجب ذلك فيه ~~والله أعلم . # ثم قال تعالى : { ذلك لمن خشى العنت منكم } ( النساء : 25 ) ولم يختلفوا ~~في أن ذلك راجع إلى نكاح الاماء فكأنه قال : فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات لمن خشي العنت منكم ، والعنت هو الضرر الشديد الشاق قال تعالى ~~فيما رخص فيه مخالطة اليتامى : { والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله ~~لاعنتكم } ( البقرة : 220 ) أي لشدد الأمر عليكم فألزمكم تمييز طعامكم من ~~طعامهم فلحقكم بذلك ضرر شديد وقال : { ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من ~~أفواههم } ( آل عمران : 118 ) ، أي أحبوا أن تقعوا في الضرر الشديد . ~~وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تحمل ~~على الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب العظيم في الآخرة ، فهذا هو ~~العنت . والثاني : أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة قد تؤدي بالانسان إلى ~~الأمراض الشديدة ، أما في حق النساء فقد تؤدي إلى اختناق الرحم ، وأما في ~~حق الرجال فقد تؤدي إلى أوجاع الوركين والظهر . وأكثر العلماء على الوجه ~~الأول لأنه هو اللائق ببيان القرآن . # ثم قال تعالى : { وأن تصبروا خير لكم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المراد أن نكاح الاماء بعد رعاية شرائطه الثلاثة أعني ~~عدم القدرة على التزوج بالحرة ، ووجود العنت ، وكون الأمة مؤمنة : الأولى ~~تركه لما بينا من المفاسد الحاصلة في هذا النكاح . # المسألة الثانية : مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاشتغال بالنكاح أفضل ~~من الاشتغال بالنوافل ، فان كان مذهبهم أن الاشتغال بالنكاح مطلقا أفضل من ~~الاشتغال بالنوافل ، سواء كان النكاح نكاح الحرة ms2832 أو نكاح الأمة / فهذه ~~الآية نص صريح في بطلان قولهم ، وآن قالوا : إنا لا نرجح نكاح الأمة على ~~النافلة ، فحينئذ يسقط هذا الاستدلال ، إلا أن هذا التفصيل ما رأيته في شيء ~~من كتبهم والله أعلم . # ثم انه تعالى ختم الآية بقوله : { والله غفور رحيم } وهذا كالمؤكد لما ~~ذكره من أن الأولى ترك هذا النكاح ، يعني انه وان حصل ما يقتضي المنع من ~~هذا الكلام إلا أنه تعالى أباحه لكم لاحتياجكم اليه ، فكان ذلك من باب ~~المغفرة والرحمة والله أعلم . # ! 7 < { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~والله عليم حكيم } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 26 ) يريد الله ليبين . . . . . # > > PageV10P053 @54@ # فيه مسائل : # / المسألة الأولى : اللام في قوله : { ليبين لكم } فيه وجهان : الأول : ~~قالوا : إنه قد تقام اللام مقام ( أن ) في أردت وأمرت ، فيقال : أردت أن ~~تذهب ، وأردت لتذهب ، وأمرتك أن تقوم ، وأمرتك لتقوم ، قال تعالى : { ~~يريدون * ليطفئوا نور الله } ( الصف : 8 ) يعني يريدون أن يطفؤا ، وقال : { ~~وأمرنا لنسلم لرب العالمين } ( الأنعام : 71 ) . # والوجه الثاني : أن نقول ؛ إن في الآية إضمارا ، والتقدير : يريد الله ~~إنزال هذه الآيات ليبين لكم دينكم وشرعكم ، وكذا القول في سائر الآيات التي ~~ذكروها ، فقوله : { يريدون * ليطفئوا نور الله } يعني يريدون كيدهم وعنادهم ~~ليطفؤا ، وأمرنا بما أمرنا لنسلم . # المسألة الثانية : قال بعض المفسرين : قوله : { يريد الله ليبين لكم ~~ويهديكم سنن الذين من قبلكم } معناهما شي واحد ، والتكرير لأجل التأكيد ~~وهذا ضعيف ، والحق أن المراد من قوله : { ليبين لكم } هو أنه تعالى بين لنا ~~هذه التكاليف ، وميز فيها الحلال من الحرام والحسن من القبيح . # ثم قال : { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } وفيه قولان : أحدهما : أن هذا ~~دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا وتحليله لنا من النساء في الآيات ~~المتقدمة ، فقد كان الحكم أيضا كذلك في جميع الشرائع والملل ، والثاني : ~~أنه ليس المراد ذلك ، بل المراد أنه تعالى يهديكم سنن الذين من قبلكم في ~~بيان مالكم فيه من المصلحة كما بينه لهم ، فان الشرائع والتكاليف وإن كانت ms2833 ~~مختلفة في نفسها ، إلا أنها متفقة في باب المصالح ، وفيه قول ثالث : وهو أن ~~المعنى : أنه يهديكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق لتجتنبوا الباطل ~~وتتبعوا الحق . # ثم قال تعالى : { ويتوب عليكم } قال القاضي : معناه أنه تعالى كما أراد ~~منا نفس الطاعة ، فلا جرم بينها وأزال الشبهة عنها ، كذلك وقع التقصير ~~والتفريط منا ، فيريد أن يتوب علينا ، لأن المكلف قد يطيع فيستحق الثواب ، ~~وقد يعصي فيحتاج إلى التلافي بالتوبة . # واعلم أن في الآية إشكالا : وهو أن الحق إما أن يكون ما يقول أهل السنة ~~من أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، وإما أن يكون الحق ما تقوله المعتزلة من ~~أن فعل العبد ليس مخلوقا لله تعالى ، والآية مشكلة على كلا القولين . أما ~~على القول الأول : فلأن على هذا القول كل ما يريده الله تعالى فانه يحصل ، ~~فاذا أراد أن يتوب علينا وجب أن يحصل التوبة لكلنا ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، ~~وأما على القول الثاني : فهو تعالى يريد منا أن نتوب باختيارنا وفعلنا ، ~~وقوله : { ويتوب عليكم } ظاهره مشعر بأنه تعالى هو الذي يخلق التوبة فينا ~~ويحصل لنا هذه التوبة ، فهذه الآية مشكلة على كلا القولين . # / والجواب أن نقول : إن قوله : { ويتوب عليكم } صريح في أنه تعالى هو ~~الذي يفعل التوبة فينا . والعقل أيضا مؤكد له ، لأن التوبة عبارة عن الندم ~~في الماضي ، والعزم على عدم العود في المستقبل ، والندم والعزم من باب ~~الارادات ، والارادة لا يمكن إرادتها ، وإلا لزم التسلسل ، فاذن الارادة ~~يمتنع أن تكون فعل الانسان ، فعلمنا أن هذا الندم وهذا العزم لا يحصلان إلا ~~بتخليق الله تعالى ، فصار هذا البرهان العقلي دالا على صحة PageV10P054 ما ~~أشعر به ظاهر القرآن وهو أنه تعالى هو الذي يتوب علينا فأما قوله : لو تاب ~~علينا لحصلت هذه التوبة ، فنقول : قوله : { ويتوب عليكم } خطاب مع الأمة ، ~~وقد تاب عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه ~~الآيات ، وحصلت هذه التوبة لهم فزال الاشكال والله أعلم . # ثم قال تعالى : { والله عليم حكيم ms2834 } أي عليم بأحوالكم ، حكيم في كل ما ~~يفعله بكم ويحكم عليكم . # ! 7 < { والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~ميلا عظيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 27 ) والله يريد أن . . . . . # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : قيل : المجوس كانوا يحلون الأخوات وبنات الاخوة ~~والأخوات ، فلما حرمهن الله تعالى قالوا : إنكم تحلون بنت الخالة والعمة ، ~~والخالة والعمة عليكم حرام ، فانكحوا أيضا بنات الأخ والأخت ، فنزلت هذه ~~الآية . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : قوله : { والله يريد أن يتوب عليكم } ~~يدل على أنه تعالى يريد التوبة من الكل ، والطاعة من الكل . قال أصحابنا : ~~هذا محالا لأنه تعالى علم من الفاسق أنه لا يتوب وعلمه بأنه لا يتوب مع ~~توبته ضدان ، وذلك العلم ممتنع الزوال ، ومع وجوب أحد الضدين كانت إرادة ~~الضد الآخر إرادة لما علم كونه محالا ، وذلك محال ، وأيضا إذا كان هو تعالى ~~يريد التوبة من الكل ويريد الشيطان أن تميلوا ميلا عظيما ، ثم يحصل مراد ~~الشيطان لا مراد الرحمن ، فحينئذ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتم من نفاذ ~~الرحمن في ملك نفسه وذلك محال ، فثبت أن قوله : { والله يريد أن يتوب عليكم ~~} خطاب مع قوم معينين حصلت هذه التوبة لهم . # ! 7 < { يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 28 ) يريد الله أن . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في التخفيف قولان : الأول : المراد منه إباحة نكاح ~~الأمة عند الضرورة وهو قول مجاهد ومقاتل ، والباقون قالوا : هذا عام في كل ~~أحكام الشرع ، وفي جميع ما يسره لنا وسهله علينا ، إحسانا منه الينا ، ولم ~~يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني إسرائيل ، ونظيره قوله تعالى : { ويضع ~~عنهم إصرهم والاغلال التى كانت عليهم } ( الأعراف : 157 ) وقوله : { يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) وقوله : { وما جعل ~~عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) وقوله عليه الصلاة والسلام : ( ~~جئتكم بالحنيفية السهلة السمحة ) . # المسألة الثانية : قال القاضي : هذا يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله ~~تعالى ، إذ لو كان كذلك فالكافرين يخلق فيه ms2835 الكفر ، ثم يقول له : لا تكفر ، ~~فهذا أعظم وجوه التثقيل ، ولا يخلق فيه الايمان ، ولا قدرة PageV10P055 ~~للعبد على خلق الايمان . ثم يقول له : آمن ، وهذا أعظم وجوه التثقيل . قال ~~: ويدل أيضا على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ، لأنه أعظم وجوه التثقيل . # والجواب : أنه معارض بالعلم والداعي ، وأكثر ما ذكرناه . # ثم قال : { وخلق الإنسان ضعيفا } والمعنى أنه تعالى لضعف الانسان خفف ~~تكليفه ولم يثقل والأقرب أنه يحمل الضعف في هذا الموضع لا على ضعف الخلقة ، ~~بل يحمل على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة ، فيصير ذلك كالوجه في ~~أن يضعف عن احتمال خلافه . وإنما قلنا : ان هذا الوجه أولى ، لأن الضعف في ~~الخلقة والقوة لو قوى الله داعيته إلى الطاعة كان في حكم القوي والقوي في ~~الخلقة والآلة إذا كان ضعيف الدواعي إلى الطاعة صار في حكم الضعيف ، ~~فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها ، لا لضعف البدن وقوته ، هذا ~~كله كلام القاضي ، وهو كلام حسن ، ولكنه يهدم أصله ، وذلك لما سلم أن ~~المؤثر في وجود الفعل وعدمه ، قوة الداعية وضعفها فلو تأمل لعلم أن قوة ~~الداعية وضعفها لا بد له من سبب ، فان كان ذلك لداعية أخرى من العبد لزم ~~التسلسل ، وإن كان الكل من الله ، فذاك هو الحق الذي لا محيد عنه ، وبطل ~~القول بالاعتزال بالكلية والله أعلم . # المسألة الثالثة : روي عن ابن عباس أنه قال : ثمان آيات في سورة النساء ~~هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت : { يريد الله ليبين لكم } ( ~~النساء : 26 ) { والله يريد أن يتوب عليكم } ( النساء : 27 ) { يريد الله ~~أن يخفف عنكم } { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ( النساء : 31 ) { إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به } ( النساء : 116 ) { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } ~~( النساء : 40 ) { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه } ( النساء : 110 ) { ما ~~يفعل الله بعذابكم } ( آل عمران : 147 ) . # ويقول محمد الرازي مصنف هذا الكتاب ختم الله له بالحسنى : اللهم اجعلنا ~~بفضلك ورحمتك أهلا لها يا أكرم الأكرمين ms2836 ويا أرحم الراحمين . # النوع الثامن : من التكاليف المذكورة في هذه السورة . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن ~~يفعل ذالك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذالك على الله يسيرا } . > 7 ~~@QB@ < # | النساء : ( 29 - 30 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # اعلم أن في كيفية النظم وجيهن : الأول : أنه تعالى لما شرح كيفية التصرف ~~في النفوس بسبب النكاح ذكر بعده كيفية التصرف في الأموال . والثاني : قال ~~القاضي : لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهور والنفقات ، ~~بين من بعد كيف التصرف في الأموال فقال : { ضعيفا يأيها الذين ءامنوا لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } PageV10P056 وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى خص الأكل ههنا بالذكر وإن كانت سائر التصرفات ~~الواقعة على الوجه الباطل محرمة ، لما أن المقصود الأعظم من الأموال : ~~الأكل ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( ~~النساء : 10 ) . # المسألة الثانية : ذكروا في تفسير الباطل وجهين : الأول : أنه اسم لكل ما ~~لا يحل في الشرع ، كالربا والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال ~~باليمين الكاذبة وجحد الحق . وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه يقتضي كونها ~~مجملة ، لأنه يصير تقدير الآية : لا تأكلوا أموالكم التي جعلتموها بينكم ~~بطريق غير مشروع ، فان الطرق المشروعة لما لم تكن مذكورة ههنا على التفصيل ~~صارت الآية مجملة لا محالة . والثاني : ما روي عن ابن عباس والحسن رضي الله ~~عنهم : أن الباطل هو كل / ما يؤخذ من الانسان بغير عوض ، وبهذا التقدير لا ~~تكون الآية مجملة ، لكن قال بعضهم : إنها منسوخة ، قالوا : لما نزلت هذه ~~الآية تحرج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئا ، وشق ذلك على الخلق ، فنسخه ~~الله تعالى بقوله في سورة النور : { ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ~~ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } ( النور : 61 ) ~~الآية . وأيضا : ظاهر الآية إذا فسرنا الباطل بما ذكرناه ، تحرم الصدقات ~~والهبات ، ويمكن ms2837 أن يقال : هذا ليس بنسخ وإنما هو تخصيص ، ولهذا روى الشعبي ~~عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال : هذه الآية محكمة ما نسخت ، ولا تنسخ إلى ~~يوم القيامة . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ~~يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل ، وأكل مال نفسه بالباطل ؛ لأن قوله : { ~~أموالكم } يدخل فيه القسمان معا ، كقوله : { ولا تقتلوا أنفسكم } يدل على ~~النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل . أما أكل مال نفسه بالباطل . فهو ~~إنفاقه في معاصي الله ، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه . # ثم قال : { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : { تجارة } بالنصب ، والباقون ~~بالرفع . أما من نصب فعلى ( كان ) الناقصة ، والتقدير : إلا أن تكون ~~التجارة تجارة ، وأما من رفع فعلى ( كان ) التامة ، والتقدير : إلا أن توجد ~~وتحصل تجارة . وقال الواحدي : والاختيار الرفع ، لأن من نصب أضمر التجارة ~~فقال : تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة ، والاضمار قبل الذكر ليس بقوى ~~وإن كان جائزا . # المسألة الثانية : قوله : { إلا } فيه وجهان : الأول : أنه استثناء منقطع ~~، لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل ، فكان ( إلا ) ههنا ~~بمعنى ( بل ) والمعنى : لكل يحل أكله بالتجارة عن تراض . الثاني : ان من ~~الناس من قال : الاستثناء متصل وأضمر شيئا ، فقال التقدير : لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل ، وإن تراضيتم كالربا وغيره ، إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض . # واعلم أنه كما يحل المستفاد من التجارة ، فقد يحل أيضا المال المستفاد من ~~الهبة والوصية والارث وأخذ الصدقات والمهر وأروش الجنايات ، فان أسباب ~~الملك كثيرة سوى التجارة . PageV10P057 # فان قلنا : إن الاستثناء منقطع فلا إشكال ، فانه تعالى ذكر ههنا سببا ~~واحد ، من أسباب الملك ولم يذكر سائرها ، لا بالنفي ولا باثبات . # وإن قلنا : الاستثناء متصل كان ذلك حكما بأن غير التجارة لا يفيد الحل ، ~~وعند هذا لا بد إما من النسخ أو التخصيص . # / المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمة الله عليه : النهي في المعاملات ~~يدل على البطلان ، وقال أبو ms2838 حنيفة رضي الله عنه : لا يدل عليه ، واحتج ~~الشافعي على صحة قوله بوجوه : الأول : أن جميع الأموال مملوكة لله تعالى ، ~~فاذا أذن لبعض عبيده في بعض التصرفات كان ذلك جاريا مجرى ما إذا وكل ~~الانسان وكيلا في بعض التصرفات ، ثم إن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول ~~الموكل فذاك غير منعقد بالاجماع ، فاذا كان التصرف الواقع على خلاف قول ~~المالك المجازي لا ينعقد فبأن يكون التصرف الواقع على خلاف قول المالك ~~الحقيقي غير منعقد كان أولى . وثانيها : أن هذه التصرفات الفاسدة إما أن ~~تكون مستلزمة لدخول المحرم المنهي عنه في الوجود ، وإما أن لا تكون فان كان ~~الأول وجب القول ببطلانها قياسا على التصرفات الفاسدة . والجامع السعي في ~~أن لا يدخل منشأ النهي في الوجود ، وإن كان الثاني وجب القول بصحتها ، ~~قياسا على التصرفات الصحيحة ، والجامع كونها تصرفات خالية عن المفسد ، فثبت ~~أنه لا بد من وقوع التصرف على هذين الوجهين . فأما القول بتصرف لا يكون ~~صحيحا ولا باطلا فهو محال ، وثالثها : أن قوله : لا تبيعوا الدرهم بدرهمين ~~، كقوله : لا تبيعوا الحر بالعبد ، فكما أن هذا النهي باللفظ لكنه نسخ ~~للشريعة فكذا الأول ، وإذا كان ذلك نسخا للشريعة بطل كونه مفيدا للحكم ~~والله أعلم . # المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة رحمة الله عليه ، خيار المجلس غير ثابت ~~في عقود المعاوضات المحضة ، وقال الشافعي رحمة الله عليه : ثابت ، احتج أبو ~~حنيفة بالنصوص : أولها : هذه الآية ، فان قوله : { إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم } ظاهره يقتضي الحل عند حصول التراضي ، سواء حصل التفرق أو لم ~~يحصل . وثانيها : قوله : { أوفوا بالعقود } فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد ~~عن نفسه . وثالثها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يحل مال امرىء مسلم ~~إلا بطيبة من نفسه ) وقد حصلت الطيبة ههنا بعقد البيع ، فوجب أن يحصل الحل ~~. ورابعها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( من ابتاع طعاما لا يبعه حتى ~~يقبضه ) جوز بيعه بعد القبض ، وخامسها : ما روي أنه عليه السلام نهى عن بيع ~~الطعام حتى يجري فيه الصيعان ms2839 ، وأباح بيعه إذا جرى فيه الصيعان ، ولم يشترط ~~فيه الافتراق . وسادسها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يجزى ولد والده ~~إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) واتفقوا على أنه كما اشترى حصل العتق ~~، وذلك يدل على أنه يحصل الملك بمجرد العقد . # واعلم أن الشافعي يسلم عموم هذه النصوص ، لكنه يقول : أنتم أثبتم خيار ~~الرؤية في شراء ما لم يره المشتري بحديث اتفق المحدثون على ضعفه ، فنحن ~~أيضا نثبت خيار المجلس بحديث اتفق علماء الحديث على قبوله ، وهو قوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ) وتأويلات أصحاب / ~~أبي حنيفة لهذا الخبر وأجوبتها مذكورة في الخلافيات والله أعلم . # قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } اتفقوا على أن ~~هذا نهي عن أن يقتل بعضهم PageV10P058 بعضا وإنما قال : { أنفسكم } لقوله ~~عليه السلام : ( المؤمنون كنفس واحدة ) ولأن العرب يقولون : قتلنا ورب ~~الكعبة إذا قتل بعضهم لأن قتل بعضهم يجري مجرى قتلهم . واختلفوا في أن هذا ~~الخطاب هل هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم ؟ فانكره بعضهم وقال : إن المؤمن مع ~~إيمانه لا يجوز أن ينهى عن قتل نفسه ، لأنه ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه ، ~~وذلك لأن الصارف عنه في الدنيا قائم ، وهو الألم الشديد والذم العظيم ، ~~والصارف عنه أيضا في الآخرة قائم ، وهو استحقاق العذاب العظيم ، وإذا كان ~~الصارف خالصا امتنع منه أن يفعل ذلك وإذا كان كذلك لم يكن للنهي عنه فائدة ~~، وإنما يمكن أن يذكر هذا النهي فيمن يعتقد في قتل نفسه ما يعتقده أهل ~~الهند ، وذلك لا يتأتى من المؤمن ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المؤمن مع كونه ~~مؤمنا بالله واليوم الآخر ، قد يلحقه من الغم والأذية ما يكون القتل عليه ~~أسهل من ذلك ، ولذلك نرى كثيرا من المسلمين قد يقتلون أنفسهم بمثل السبب ~~الذي ذكرناه ، وإذا كان كذلك كان في النهي عنه فائدة ، وأيضا ففيه احتمال ~~آخر ، كأنه قيل : لا تفعلوا ما تستحقون به القتل : من القتل والردة والزنا ~~بعد الاحصان ، ثم بين تعالى أنه رحيم ms2840 بعباده ولأجل رحمته نهاهم عن كل ما ~~يستوجبون به مشقة أو محنة ، وقيل : إنه تعالى أمر بني إسرائيل بقتلهم ~~أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصا لخطاياهم وكان بكم يا أمة محمد رحيما ، حيث ~~لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة . # ثم قال : { ومن يفعل ذالك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذالك على ~~الله يسيرا } . # واعلم أن فيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله : { ومن يفعل ذالك } إلى ماذا يعود ~~؟ على وجوه : الأول : قال عطاء : إنه خاص في قتل النفس المحرمة ، لأن ~~الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات . الثاني : قال الزجاج : إنه عائد إلى ~~قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة . والثالث : قال ~~ابن عباس : إنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى هذا الموضع ~~. # المسألة الثانية : إنما قال : { ومن يفعل ذالك عدوانا } لأن في جملة ما ~~تقدم قتل البعض للبعض ، وقد يكون ذلك حقا كالقود ، وفي جملة ما تقدم أخذ ~~المال ، وقد يكون ذلك حقا كما في الدية وغيرها ، فلهذا السبب شرطه تعالى في ~~ذلك الوعيد . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على القطع بوعيد أهل ~~الصلاة . قالوا : / وقوله : { فسوف نصليه نارا } وان كان لا يدل على ~~التخليد إلا أن كل من قطع بوعيد الفساق قال : بتخليدهم ، فيلزم من ثبوت ~~أحدهما ثبوت الآخر ، لأنه لا قائل بالفرق . والجواب عنه بالاستقصاء قد تقدم ~~في مواضع ، إلا أن الذي نقوله ههنا : ان هذا مختص بالكفار ، لأنه قال : { ~~ومن يفعل ذالك عدوانا وظلما } ولا بد من الفرق بين العدوان وبين الظلم دفعا ~~للتكرير ، فيحمل الظلم على ما اذا كان قصده التعدي على تكاليف الله ، ولا ~~شك أن من كان كذلك كان كافرا لا يقال : أليس أنه وصفهم بالايمان فقال : { ~~ذلك بأن الذين كفروا } فكيف يمكن أن يقال : المراد بهم الكفار ؟ لأنا نقول ~~: مذهبكم أن من دخل تحت هذا الوعيد لا يكون مؤمنا ألبتة ، فلا بد على هذا ~~المذهب أن تقولوا : أنهم كانوا مؤمنين ، ثم لما أتوا ms2841 بهذه الأفعال ما بقوا ~~على وصف الايمان ، فاذا كان لا بد لكم من القول بهذا الكلام . فلم لا يصح ~~هذا الكلام منا أيضا في تقرير ما قلناه ؟ والله أعلم . PageV10P059 # ثم أنه تعالى ختم الآية فقال : { وكان ذالك على الله يسيرا } . # واعلم أن جميع الممكنات بالنسبة إلى قدرة الله على السوية ، وحينئذ يمتنع ~~أن يقال : ان بعض الأفعال أيسر عليه من بعض / بل هذا الخطاب نزل على القول ~~المتعارف فيما بيننا كقوله تعالى : { وهو أهون عليه } أو يكون معناه ~~المبالغة في التهديد ، وهو أن أحدا لا يقدر على الهرب منه ولا على الامتناع ~~عليه . # ! 7 < { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا ~~كريما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 31 ) إن تجتنبوا كبائر . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر الوعيد أتبعه بتفصيل ما يتعلق به فذكر ~~هذه الآية ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : من الناس من قال : جميع الذنوب والمعاصي كبائر . روى ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة ، فمن ~~عمل شيئا منها فليستغفر الله ، فان الله تعالى لا يخلد في النار من هذه ~~الأمة إلا راجعا عن الاسلام ، أو جاحدا فريضة ، أو مكذبا بقدر . واعلم أن ~~هذا القول ضعيف لوجوه : # الحجة الأولى : هذه الآية ، فان الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح ~~الفصل بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر . # / الحجة الثانية : قوله تعالى : { وكل صغير وكبير مستطر } ( القمر : 53 ) ~~وقوله : { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) . # الحجة الثالثة : ان الرسول عليه الصلاة والسلام نص على ذنوب بأعيانها ~~أنها كبائر ، كقوله : { الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس } ~~وذلك يدل على أن منها ما ليس من الكبائر . # الحجة الرابعة : قوله تعالى : { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } ( ~~الحجرات : 7 ) وهذا صريح في أن المنهيات أقسام ثلاثة : أولها : الكفر ، ~~وثانيها : الفسوق . وثالثها : العصيان ، فلا بد من فرق بين الفسوق وبين ~~العصيان ليصح العطف ، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق ms2842 بين الصغائر وبين ~~الكبائر ، فالكبائر هي الفسوق ، والصغائر هي العصيان . واحتج ابن عباس ~~بوجهين : أحدهما : كثرة نعم من عصى . والثاني : إجلال من عصى ، فان اعتبرنا ~~الأول فنعم الله غير متناهية ، كما قال : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~} ( النحل : 18 ) وان اعتبرنا الثاني فهو أجل الموجودات وأعظمها ، وعلى ~~التقديرين وجب أن يكون عصيانه في غاية الكبر ، فثبت أن كل ذنب فهو كبيرة . # والجواب من وجهين : الأول : كما أنه تعالى أجل الموجودات وأشرفها ، فكذلك ~~هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ، وأغنى الأغنياء عن طاعات المطيعين وعن ~~ذنوب المذنبين ، وكل ذلك يوجب خفة الذنب . الثاني : هب أن الذنوب كلها ~~كبيرة من حيث أنها ذنوب ، ولكن بعضها أكبر من بعض ، وذلك يوجب التفاوت . ~~PageV10P060 إذا ثبت أن الذنوب على قسمين بعضها صغائر وبعضها كبائر ، ~~فالقائلون بذلك فريقان : منهم من قال : الكبيرة تتميز عن الصغيرة في نفسها ~~وذاتها ، ومنهم من قال : هذا الامتياز إنما يحصل لا في ذواتها ، بل بحسب ~~حال فاعليها ، ونحن نشرح كل واحد من هذين القولين . # أما القول الأول : فالذاهبون اليه والقائلون به اختلفوا اختلافا شديدا ، ~~ونحن نشير إلى بعضها ، فالأول : قال ابن عباس : كل ما جاء في القرآن مقرونا ~~بذكر الوعيد فهو كبيرة ، نحو قتل النفس المحرمة وقذف المحصنة والزنا والربا ~~وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف . الثاني : قال ابن مسعود : افتتحوا سورة ~~النساء ، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية فهو كبيرة ، ثم قال : ~~مصداق ذلك : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ( النساء : 31 ) الثالث : ~~قال قوم : كل عمد فهو كبيرة . واعلم أن هذه الأقوال ضعيفة . # أما الأول : فلأن كل ذنب لا بد وأن يكون متعلق الذم في العاجل والعقاب في ~~الآجل ، / فالقول بأن كل ما جاء في القرآن مقرونا بالوعيد فهو كبيرة يقتضي ~~أن يكون كل ذنب كبيرة وقد أبطلناه . # وأما الثاني : فهو أيضا ضعيف ، لأن الله تعالى ذكر كثيرا من الكبائر في ~~سائر السور / ولا معنى لتخصيصها بهذه السورة . # وأما الثالث : فضعيف أيضا ، لأنه ان أراد بالعمد ms2843 أنه ليس بساه عن فعله ، ~~فما هذا حاله هو الذي نهى الله عنه ، فيجب على هذا أن يكون كل ذنب كبيرة ~~وقد أبطلناه ، وان أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية ، ~~فمعلوم أن اليهود والنصارى يكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وهم لا يعلمون ~~أنه معصية ، وهو مع ذلك كفر كبير ، فبطلت هذه الوجوه الثلاثة . وذكر الشيخ ~~الغزالي رحمه الله في منتخبات كتاب إحياء علوم الدين فصلا طويلا في الفرق ~~بين الكبائر والصغائر فقال : فهذا كله قول من قال : الكبائر تمتاز عن ~~الصغائر بحسب ذواتها وأنفسها . # وأما القول الثاني : وهو قول من يقول : الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب ~~اعتبار أحوال فاعليها ، فهؤلاء الذين يقولون : إن لكل طاعة قدرا من الثواب ~~، ولكل معصية قدرا من العقاب ، فاذا أتى الانسان بطاعة واستحق بها ثوابا ، ~~ثم أتى بمعصية واستحق بها عقابا ، فههنا الحال بين ثواب الطاعة وعقاب ~~المعصية بحسب القسمة العقلية يقع على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يتعادلا ~~ويتساويا ، وهذا وإن كان محتملا بحسب التقسيم العقلي إلا أنه دل الدليل ~~السمعي على أنه لا يوجد ، لأنه تعالى قال : { فريق فى الجنة وفريق فى ~~السعير } ( الشورى : 7 ) ولو وجد مثل هذا المكلف وجب أن لا يكون في الجنة ~~ولا في السعير . # والقسم الثاني : أن يكون ثواب طاعته أزيد من عقاب معصيته ، وحينئذ ينحبط ~~ذلك العقاب بما يساويه من الثواب ، ويفضل من الثواب شيء ، ومثل هذه المعصية ~~هي الصغيرة ، وهذا الانحباط هو المسمى بالتكفير . # والقسم الثالث : أن يكون عقاب معصيته أزيد من ثواب طاعته ، وحينئذ ينحبط ~~ذلك الثواب بما يساويه من العقاب ، ويفضل من العقاب شيء ، ومثل هذه المعصية ~~هي الكبيرة ، وهذا الانحباط هو المسمى بالاحباط ، وبهذا الكلام ظهر الفرق ~~بين الكبيرة وبين الصغيرة . وهذا قول جمهور المعتزلة . PageV10P061 # واعلم أن هذا الكلام مبني على ول كلها باطلة عندنا . أولها : أن هذا مبنى ~~على أن الطاعة توجب ثوابا والمعصية توجب عقابا ، وذلك باطل لأنا بينا في ~~كثير من مواضع هذا الكتاب أن / صدور الفعل ms2844 عن العبد لا يمكن إلا اذا خلق ~~الله فيه داعية توجب ذلك الفعل ، ومتى كان كذلك امتنع كون الطاعة موجبة ~~للثواب ، وكون المعصية موجبة للعقاب ، وثانيها : أن بتقدير أن يكون الأمر ~~كذلك ، إلا أنا نعلم ببديهة العقل أن من اشتغل بتوحيد الله وتقديسه وخدمته ~~وطاعته سبعين سنة ، فان ثواب مجموع هذه الطاعات الكثيرة في هذه المدة ~~الطويلة أكثر بكثير من عقاب شرب قطرة واحدة من الخمر ، مع أن الأمة مجمعة ~~على أن شرب هذه القطرة من الكبائر ، فان أصروا وقالوا : بل عقاب شرب هذه ~~القطرة أزيد من ثواب التوحيد وجميع الطاعات سبعين سنة فقط أبطلوا على ~~أنفسهم أصلهم ، فانهم يبنون هذه المسائل على قاعدة الحسن والقبح العقليين ، ~~ومن الأمور المتقررة في العقول أن من جعل عقاب هذا القدر من الجناية أزيد ~~من ثواب تلك الطاعات العظيمة فهو ظالم ، فان دفعوا حكم العقل في هذا الموضع ~~فقد أبطلوا على أنفسهم القول بتحسين العقل وتقبيحه ، وحينئذ يبطل عليهم كل ~~هذه القواعد ، وثالثها : أن نعم الله تعالى كثيرة وسابقة على طاعات العبيد ~~، وتلك النعم السابقة موجبة لهذه الطاعات ، فكان أداء الطاعات أدار لما وجب ~~بسبب النعم السابقة ، ومثل هذا لا يوجب في المستقبل شيئا آخر ، وإذا كان ~~كذلك وجب أن لا يكون شيء من الطاعات موجبا للثواب أصلا ، وإذا كان كذلك فكل ~~معصية يؤتى بها فان عقابها يكون أزيد من ثواب فاعلها ، فوجب أن يكون جميع ~~المعاصي كبائر ، وذلك أيضا باطل . ورابعها : أن هذا الكلام مبني على القول ~~بالاحباط ، وقد ذكرنا الوجوه الكثيرة في إبطال القول بالاحباط في سورة ~~البقرة / فثبت أن هذا الذي ذهبت المعتزلة اليه في الفرق بين الصغيرة ~~والكبيرة قول باطل وبالله التوفيق . # المسألة الثانية : اختلف الناس في أن الله تعالى هل ميز جملة الكبائر عن ~~جملة الصغائر أم لا ؟ فالأكثرون قالوا : إنه تعالى لم يميز جملة الكبائر عن ~~جملة الصغائر ، لأنه تعالى لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر ~~يوجب تكفير الصغائر ، فاذا عرف العبد أن الكبائر ms2845 ليست إلا هذه الأصناف ~~المخصوصة ، عرف أنه متى احترز عنها صارت صغائره مكفرة فكان ذلك إغراءا له ~~بالاقدام على تلك الصغائر ، والاغراء بالقبيح لا يليق بالجملة ، أما إذا لم ~~يميز الله تعالى كل الكبائر عن كل الصغائر ، ولم يعرف في شيء من الذنوب أنه ~~صغيرة ، ولا ذنب يقدم عليه إلا ويجوز كونه كبيرة فيكون ذلك زاجرا له عن ~~الاقدام عليه . قالوا : ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في ~~الصلوات وليلة القدر في ليالي رمضان ، وساعة الاجابة في ساعات الجمعة ، ~~ووقت الموت في جميع الأوقات . والحاصل أن هذه القاعدة تقتضي أن لا يبين ~~الله تعالى في شيء من الذنوب أنه صغيرة ، وأن لا يبين أن الكبائر ليست / ~~إلا كذا وكذا ، فانه لو بين ذلك لكان ما عداها صغيرة ، فحينئذ تصير الصغيرة ~~معلومة ، ولكن يجوز أن يبين في بعض الذنوب أنه كبيرة . روي أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( ما تعدون الكبائر ) فقالوا : الله ورسوله أعلم ، فقال : ~~( الاشراك بالله وقتل النفس المحرمة وعقوق الوالدين والفرار من الزحف ~~والسحر وأكل مال اليتيم وقول الزور وأكل الربا وقذف المحصنات الغافلات ) ~~وعن عبدالله بن عمر أنه ذكرها وزاد فيها : استحلال آمين البيت الحرام ، ~~وشرب الخمر ، وعن ابن مسعود أنه زاد فيها : القنوط من رحمة الله واليأس من ~~رحمة الله ، والأمن من مكر الله . وذكر عن ابن عباس أنها سبعة ، ثم قال : ~~هي إلى السبعين أقرب . وفي رواية أخرى إلى السبعمائة أقرب والله أعلم . ~~PageV10P062 # المسألة الثالثة : احتج أبو القاسم الكعبي بهذه الآية على القطع بوعيد ~~أصحاب الكبائر فقال : قد كشف الله بهذه الآية الشبهة في الوعيد ، لأنه ~~تعالى بعد أن قدم ذكر الكبائر ، بين أن من اجتنبها يكفر عن سيآته ، وهذا ~~يدل على أنهم إذا لم يجتنبوها فلا تكفر ، ولو جاز أن يغفر تعالى لهم ~~الكبائر والصغائر من غير توبة لم يصح هذا الكلام . # وأجاب أصحابنا من وجوه : الأول : انكم إما أن تستدلوا بهذه الآية من حيث ~~إنه تعالى لما ذكر أن عند اجتناب الكبائر ms2846 يكفر السيآت ، وجب أن عند عدم ~~اجتناب الكبائر لا يكفرها ، لأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما ~~عداه وهذا باطل . لأن عند المعتزلة هذا الأصل باطل ، وعندنا انه دلالة ظنية ~~ضعيفة ، وإما أن تستدلوا به من حيث أن المعلق بكلمة ( إن ) على الشيء عدم ~~عند عدم ذلك الشيء ، وهذا أيضا ضعيف ، ويدل عليه آيات : إحداها : قوله : { ~~واشكروا * الله إن كنتم إياه تعبدون } ( البقرة : 172 ) فالشكر واجب سواء ~~عبد الله أو لم يعبد . وثانيها : قوله تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذى اؤتمن أمانته } ( البقرة : 283 ) وأداء الأمانة واجب سواء ائتمنه أو ~~لم يفعل ذلك . وثالثها : { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } ( البقرة : ~~282 ) والاستشهاد بالرجل والمرأتين جائز سواء حصل الرجلان أو لم يحصلا . ~~ورابعها : { ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } والرهن مشروع سواء وجد الكاتب ~~أو لم يجده . وخامسها : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا } ( ~~النور : 33 ) والاكراه على البغاء محرم ، سواء أردن التحصن أو لم يردن . ~~وسادسها : { وإن خفتم * أن لا * تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء } ( النساء : 3 ) والنكاح جائز سواء حصل ذلك الخوف أو لم يحصل ، ~~وسابعها : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم } والقصر جائز ، ~~سواء حصل الخوف أو لم يحصل وثامنها : { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ~~ما ترك } والثلثان كما أنه حق الثلاثة فهو أيضا حق الثنتين ، وتاسعها : ~~قوله : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله } ( النساء : 35 ) ~~وذلك جائز سواء حصل / الخوف أو لم يحصل . وعاشرها : قوله : { إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما } ( النساء : 35 ) وقد يحصل التوفيق بدون ~~إرادتيهما ، والحادي عشر : قوله : { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } ( ~~النساء : 130 ) وقد يحصل الغنى بدون ذلك التفرق ، وهذا الجنس من الآيات فيه ~~كثرة ، فثبت أن المعلق بكلمة ( إن ) على الشيء لا يلزم أن يكون عدما عند ~~عدم ذلك الشيء ، والعجب أن مذهب القاضي عبد الجبار في أصول الفقه هو أن ~~المعلق بكملة ms2847 ( إن ) على الشيء لا يكون عدما عند عدم ذلك الشيء ، ثم إنه في ~~التفسير استحسن استدلال الكعبي بهذه الآية ، وذلك يدل على أن حب الانسان ~~لمذهبه قد يلقيه فيما لا ينبغي . # الوجه الثاني من الجواب : قال أبو مسلم الاصفهاني : إن هذه الآية إنما ~~جاءت عقيب الآية التي نهى الله فيها عن نكاح المحرمات ، وعن عضل النساء ~~وأخذ أموال اليتامى وغير ذلك ، فقال تعالى : إن تجتنبوا هذه الكبائر التي ~~نهيناكم عنها كفرنا عنكم ما كان منكم في ارتكابها سالفا . وإذا كان هذا ~~الوجه محتملا ، لم يتعين حمله على ما ذكره المعتزلة . وطعن القاضي في هذا ~~الوجه من وجهين : الأول : أن قوله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } عام ~~، فقصره على المذكور المتقدم لا يجوز . الثاني : أن قوله : إن باجتنابهم في ~~المستقبل هذه المحرمات يكفر الله ما حصل منها في الماضي كلام بعيد ؛ لأنه ~~لا يخلو حالهم من أمرين اثنين : إما أن يكونوا PageV10P063 قد تابوا من كل ~~ما تقدم ، فالتوبة قد أزالت عقاب ذلك لاجتناب هذه الكبائر ، أو لا يكونوا ~~قد تابوا من كل ما تقدم ، فمن أين أن اجتناب هذه الكبائر يوجب تكفير تلك ~~السيآت ؟ هذا لفظ القاضي في تفسيره . # والجواب عن الأول : أنا لا ندعي القطع بأن قوله : { إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه } محمول على ما تقدم ذكره ، لكنا نقول : إنه محتمل ، ومع هذا ~~الاحتمال لا يتعين حمل الآية على ما ذكروه . وعن الثاني : أن قولك : من أين ~~أن اجتناب هذا الكبائر يوجب تكفير تلك السيئات ؟ سؤال لا استدلال على فساد ~~هذا القسم ، وبهذا القدر لا يبطل هذا الاحتمال ، وإذا حضر هذا الاحتمال بطل ~~ما ذكرتم من الاستدلال والله أعلم . # الوجه الثالث : من الجواب عن هذا الاستدلال : هو أنا إذا أعطيناهم جميع ~~مراداتهم لم يكن في الآية زيادة على أن نقول : إن من لم يجتنب الكبائر لم ~~تكفر سيآته ، وحينئذ تصير هذه الآية عامة في الوعيد ، وعمومات الوعيد ليست ~~قليلة ، فما ذكرناه جوابا عن سائر العمومات كان جوابا عن ms2848 تمسكهم بهذه الآية ~~، فلا أعرف لهذه الآية مزيد خاصية في هذا الباب ، وإذا كان كذلك لم يبق ~~لقول الكعبي : إن الله قد كشف الشبهة بهذه الآية عن هذه المسألة وجه . # الوجه الرابع : أن هذه الكبائر قد يكون فيها ما يكون كبيرا ، بالنسبة إلى ~~شيء ، ويكون / صغيرا بالنسبة إلى شيء آخر ، وكذا القول في الصغائر ، إلا أن ~~الذي يحكم بكونه كبيرا على الاطلاق هو الكفر ، وإذا ثبت هذا فلم لا يجوز أن ~~يكون المراد بقوله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } الكفر ؟ وذلك لأن ~~الكفر أنواع كثيرة : منها الكفر بالله وبأنبيائه وباليوم الآخر وشرائعه / ~~فكان المراد أن من اجتنب عن الكفر كان ما وراءه مغفورا ، وهذا الاحتمال ~~منطبق موافق لصريح قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) وإذا كان هذا محتملا ، بل ظاهرا سقط ~~استدلالهم بالكلية وبالله التوفيق . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن عند اجتناب الكبائر يجب غفران ~~الصغائر ، وعندنا أنه لا يجب عليه شيء ، بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان ، ~~وقد تقدم ذكر دلائل هذه المسألة . # ثم قال تعالى : { وندخلكم مدخلا كريما } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ المفضل عن عاصم { يكفر * ويدخلكم } بالياء في ~~الحرفين على ضمير الغائب ، والباقون بالنون على استئناف الوعد ، وقرأ نافع ~~{ مدخلا } بفتح الميم وفي الحج مثله ، والباقون بالضم ، ولم يختلفوا في { ~~مدخل صدق } بالضم ، فبالفتح المراد موضع الدخول ، وبالضم المراد المصدر وهو ~~الادخال ، أي : ويدخلكم إدخالا كريما ، وصف الادخال بالكرم بمعنى أن ذلك ~~الادخال يكون مقرونا بالكرم على خلاف من قال الله فيهم : { الذين يحشرون ~~على وجوههم إلى جهنم } ( الفرقان : 34 ) # المسألة الثانية : أن مجرد الاجتناب عن الكبائر لا يوجب دخول الجنة ، بل ~~لا بد معه من الطاعات ، فالتقدير : ان أتيتم بجميع الواجبات ، واجتنبتم عن ~~جميع الكبائر كفرنا عنكم بقية السيئات وأدخلناكم الجنة ، فهذا أحد ما يوجب ~~الدخول في الجنة . ومن المعلوم أن عدم السبب الواحد لا يوجب عدم المسبب ، ~~بل ههنا سبب آخر ms2849 هو السبب الأصلي القوي ، وهو فضل الله وكرمه ورحمته ، كما ~~قال : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } ( يونس : 58 ) والله أعلم . # PageV10P064 ! 7 < { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال ~~نصيب مما اكتسبوا وللنسآء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله ~~كان بكل شىء عليما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 32 ) ولا تتمنوا ما . . . . . # > > اعلم أن في النظم وجهين : الأول : قال القفال رحمه الله : انه تعالى ~~لما نهاهم في الآية المتقدمة عن أكل الأموال بالباطل ، وعن قتل النفس ، ~~أمرهم في هذه الآية بما سهل عليهم ترك هذه المنهيات ، وهو أن يرضى كل أحد ~~بما قسم الله له ، فانه إذا لم يرض بذلك وقع في الحسد ، واذا وقع في الحسد ~~وقع لا محالة في أخذ الأموال بالباطل وفي قتل النفوس ، فإما إذا رضي بما ~~قدر الله أمكنه الاحتراز عن الظلم في النفوس وفي الأموال . # الوجه الثاني : في كيفية النظم : هو أن أخذ المال بالباطل وقتل النفس ، ~~من أعمال الجوارح فأمر أولا بتركهما ليصير الظاهر طاهرا عن الأفعال القبيحة ~~، وهو الشريعة . ثم أمر بعده بترك التعرض لنفوس الناس وأموالهم بالقلب على ~~سبيل الحسد ، ليصير الباطن طاهرا عن الاخلاق الذميمة ، وذلك هو الطريقة . ~~ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : التمني عندنا عبارة عن ارادة ما يعلم أو يظن أنه لا ~~يكون ، ولهذا قلنا : انه تعالى لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا ~~يؤمن لكان متمنيا . وقالت المعتزلة : النهي عن قول القائل : ليته وجد كذا ، ~~أو ليته لم يوجد كذا ، وهذا بعيد لأن مجرد اللفظ إذا لم يكن له معنى لا ~~يكون تمنيا ، بل لا بد وأن يبحث عن معنى هذا اللفظ ، ولا معنى له إلا ما ~~ذكرناه من إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون . # المسألة الثانية : اعلم أن مراتب السعادات إما نفسانية ، أو بدنية ، أو ~~خارجية . # أما السعادات النفسانية فنوعان : أحدهما : ما يتعلق بالقوة النظرية ، وهو ~~: الذكاء التام والحدس الكامل ، والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية ~~والكيفية ms2850 . وثانيهما : ما يتعلق بالقوة العملية ، وهي : العفة التي هي وسط ~~بين الخمود والفجور ، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن ، واستعمال ~~الحكمة العملية الذي هو توسط بين البله والجربزة ، ومجموع هذه الأحوال هو ~~العدالة . # وأما السعادات البدنية : فالصحة والجمال ، والعمر الطويل في ذلك مع اللذة ~~والبهجة . # وأما السعادات الخارجية : فهي كثرة الأولاد الصلحاء ، وكثرة العشائر ، ~~وكثرة الأصدقاء والأعوان ، والرياسة التامة ، ونفاذ القول ، وكونه محبوبا ~~للخلق حسن الذكر فيهم ، مطاع الأمر فيهم ، فهذا هو الاشارة إلى مجامع ~~السعادات ، وبعضها فطرية لا سبيل للكسب فيه ، وبعضها كسبية ، وهذا الذي ~~يكون كسبيا متى تأمل العاقل فيه يجده أيضا محض عطاء الله ، فانه لا ترجيح ~~للدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات ، وإلا PageV10P065 فيكون سبب ~~السعي والجد مشتركا فيه ، ويكون الفوز / بالسعادة والوصول إلى المطلوب غير ~~مشترك فيه ، فهذا هو أقسام السعادات التي يفضل الله بعضهم على بعض فيها . # المسألة الثانية : أن الانسان اذا شاهد أنواع الفضائل حاصلة لانسان ، ~~ووجد نفسه خاليا عن جملتها أو عن أكثرها ، فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره ~~، ثم يعرض ههنا حالتان : إحداهما : أن يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك ~~الإنسان ، والأخرى : أن لا يتمنى ذلك ، بل يتمنى حصول مثلها له . أما الأول ~~فهو الحسد المذموم ، لأن المقصود الأول لمدبر العالم وخالقه : الاحسان إلى ~~عبيده والجود اليهم وإفاضة أنواع الكرم عليهم ، فمن تمنى زوال ذلك فكأنه ~~اعترض على الله تعالى فيما هو المقصود بالقصد الأول من خلق العالم وإيجاد ~~المكلفين ، وأيضا ربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعم من ذلك الانسان ~~فيكون هذا اعتراضا على الله وقدحا في حكمته / وكل ذلك مما يلقيه في الكفر ~~وظلمات البدعة ، ويزيل عن قلبه نور الايمان ، وكما أن الحسد سبب للفساد في ~~الدين ، فكذلك هو السبب للفساد في الدنيا ، فانه يقطع المودة والمحبة ~~والموالاة ، ويقلب كل ذلك إلى أضدادها ، فلهذا السبب نهى الله عباده عنه ~~فقال : { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } . # واعلم أن سبب المنع من هذا الحسد يختلف باختلاف أصول ms2851 الأديان ، أما على ~~مذهب أهل السنة والجماعة ، فهو أنه تعالى فعال لما يريد : { لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسئلون } ( الأنبياء : 23 ) فلا اعتراض عليه في فعله . ولا مجال ~~لأحد في منازعته ، وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه ، واذا كان كذلك فقد صارت ~~أبواب القيل والقال مسدودة ، وطرق الاعتراضات مردودة . وأما على مذهب ~~المعتزلة فهذا الطريق أيضا مسدود ، لأنه سبحانه علام الغيوب فهو أعرف من ~~خلقه بوجوه المصالح ودقائق الحكم ، ولهذا المعنى قال : { ولو بسط الله ~~الرزق لعباده لبغوا فى الارض } ( الشورى : 27 ) وعلى التقديرين فلا بد لكل ~~عاقل من الرضا بقضاء الله سبحانه ، ولهذا المعنى حكى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم عن رب العزة أنه قال : ( من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر ~~لنعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين ومن لم يرض بقضائي ولم ~~يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائي فليطلب ربا سواي ) فهذا هو الكلام فيما ~~اذا تمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الانسان ، ومما يؤكد ذلك ما روى ابن سيرين ~~عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~( لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق ~~أختها لتقوم مقامها فان الله هو رازقها ) والمقصود من كل ذلك المبالغة في ~~المنع من الحسد . أما إذا لم يتمن ذلك بل تمنى حصول مثلها له فمن الناس من ~~جوز ذلك إلا أن المحققين قالوا : هذا أيضا لا يجوز ، لأن تلك النعمة / ربما ~~كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة عليه في الدنيا ، فلهذا السبب قال ~~المحققون : إنه لا يجوز للانسان أن يقول : اللهم أعطني دارا مثل دار فلان ، ~~وزوجة مثل زوجة فلان ، بل ينبغي أن يقول : اللهم أعطني ما يكون صلاحا في ~~ديني ودنياي ومعادي ومعاشي . وإذا تأمل الانسان كثيرا لم يجد دعاء أحسن مما ~~ذكر الله في القرآن تعليما لعباده وهو قوله : { فى الدنيا حسنة وفي الاخرة ~~حسنة وقنا } ( البقرة : 201 ) وروى قتادة عن ms2852 الحسن أنه قال : لا يتمن أحد ~~المال فلعل هلاكه في ذلك المال ، كما في حق ثعلبة وهذا هو المراد بقوله في ~~هذه الآية : { واسألوا الله من فضله } . # المسألة الرابعة : ذكروا في سبب النزول وجوها : الأول : قال مجاهد قالت ~~أم سلمة : يا رسول الله يغزو PageV10P066 الرجال ولا نغزو ، ولهم من ~~الميراث ضعف ما لنا ، فليتنا كنا رجالا فنزلت الآية ، الثاني : قال السدي : ~~لما نزلت آية المواريث قال الرجال : نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما ~~فضلنا في الميراث وقال النساء : نرجو أن يكون الوزر علينا علينا نصف ما على ~~الرجال كما في الميراث فنزلت الآية : الثالث : لما جعل الله الميراث للذكر ~~مثل حظ الأنثيين قالت النساء : نحن أحوج لأنا ضعفاء ، وهم أقدر على طلب ~~المعاش فنزلت الآية . الرابع : أتت واحدة من النساء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقالت : رب الرجال والنساء واحد ، وأنت الرسول الينا واليهم ، ~~وأبونا آدم وأمنا حواء . فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا ، ~~فنزلت الآية . فقالت : وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا ؟ فقال صلى الله ~~عليه وسلم : ( إن للحامل منكن أجر الصائم القائم فاذا ضربها الطلق لم يدر ~~أحد ما لها من الأجر / فاذا أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس ) . # ثم قال تعالى : { للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن } . # واعلم أنه يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما يتعلق بأحوال الدنيا ، ~~وأن يكون ما يتعلق بأحوال الآخرة ، وأن يكون ما يتعلق بهما . # أما الاحتمال الأول : ففيه وجوه : الأول : أن يكون المراد لكل فريق نصيب ~~مما اكتسب من نعيم الدنيا ، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له . الثاني : كل ~~نصيب مقدر من الميراث على ما حكم الله به فوجب أن يرضى به ، وأن يترك ~~الاعتراض ، والاكتساب على هذا القول بمعنى الاصابة والاحراز . الثالث : كان ~~أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ، فأبطل الله ذلك بهذه الآية ، ~~وبين أن لكل واحد منهم نصيبا ، ذكرا كان أو أنثى ، صغيرا كان أو ms2853 كبيرا . # وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد بهذه الآية : ما يتعلق بأحوال ~~الآخرة ففيه وجوه : الأول : المراد لكل أحد قدر من الثواب يستحقه بكرم الله ~~ولطفه ، فلا تتمنوا خلاف / ذلك . الثاني : لكل أحد جزاء مما اكتسب من ~~الطاعات ، فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم وتقديره : لا تضيع مالك ~~وتتمن ما لغيرك . الثالث : للرجال نصيب مما اكتسبوا سبب قيامهم بالنفقة على ~~النساء ، وللنساء نصيب مما اكتسبن ، يريد حفظ فروجهن وطاعة أزواجهن ، ~~وقيامها بمصالح البيت من الطبخ والخبز وحفظ الثياب ومصالح المعاش ، فالنصيب ~~على هذا التقدير هو الثواب . # وأما الاحتمال الثالث : فهو أن يكون المراد من الآية : كل هذه الوجوه : ~~لأن هذا اللفظ محتمل ، ولا منافاة . # ثم قال تعالى : { واسألوا الله من فضله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير والكسائي : { واسألوا الله من فضله } بغير ~~همز ، بشرط أن يكون أمرا من السؤال ، وبشرط أن يكون قبله واو أو فاء ، ~~والباقون بالهمز في كل القرآن . # أما الأول : فنقل حركة الهمزة إلى السين ، واستغنى عن ألف الوصل فحذفها . # وأما الثاني : فعلى الأصل . واتفقوا في قوله : { وليسئلوا } أنه بالهمزة ~~، لأنه أمر لغائب . # المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : قوله : { من فضله } في موضع ~~المفعول الثاني في قول أبي PageV10P067 الحسن ويكون المفعول الثاني محذوفا ~~في قياس قول سيبويه ، والصفة قائمة مقامه ، كأنه قيل : واسألوا الله نعمته ~~من فضله . # المسألة الثالثة : قوله : { واسألوا الله من فضله } تنبيه على أن الانسان ~~لا يجوز له أن يعين شيئا في الطلب والدعاء ، ولكن يطلب من فضل الله ما يكون ~~سببا لصلاحه في دينه ودنياه على سبيل الاطلاق . # ثم قال : { إن الله كان بكل شىء عليما } والمعنى أنه تعالى هو العالم بما ~~يكون صالحا للسائلين ، فليقتصر السائل على المجمل ، وليحترز في دعائه عن ~~التعيين ، فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر والله أعلم . # ! 7 < { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الا ~~خ وبنات الا خت وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم ~~وربائبكم اللاتى فى حجوركم ms2854 من نسآئكم اللاتى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم ~~بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنآئكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الا ~~ختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 33 ) ولكل جعلنا موالي . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه يمكن تفسير الآية بحيث يكون الوالدان ~~والأقربون وراثا ، ويمكن أيضا بحيث يكونان موروثا عنهما . # أما الأول : فهو أن قوله : { ولكل جعلنا موالى مما ترك } أي : ولكل واحد ~~جعلنا ورثة في تركته ، ثم كأنه قيل : ومن هؤلاء الورثة ؟ فقيل : هم ~~الوالدان والأقربون ، وعلى هذا الوجه لا بد من الوقف عند قوله : { مما ترك ~~} . # وأما الثاني : ففيه وجهان : الأول : أن يكون الكلام على التقديم والتأخير ~~، والتقدير : ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالى ، أي : ورثة ~~و { جعلنا } في هذين الوجهين لا يتعدى إلى مفعولين ، لأن معنى { جعلنا } ~~خلقنا . الثاني : أن يكون التقدير : ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون ، فقوله : { موالى } على هذا القول يكون صفة ، والموصوف ~~يكون محذوفا ، والراجع إلى قوله : { ولكل } محذوفا ، والخبر وهو قوله : { ~~نصيب } محذوف أيضا ، وعلى هذا التقدير يكون { جعلنا } معتديا إلى مفعولين ، ~~والوجهان الأولان أولى ، لكثرة الاضمار في هذا الوجه . # المسألة الثانية : لفظ مشترك بين معان : أحدها : المعتق ، لأنه ولى نعمته ~~في عتقه ، ولذلك يسمى مولى النعمة . وثانيها : العبد المعتق ، لاتصال ولاية ~~مولاه في إنعامه عليه ، وهذا كما يسمى الطالب غريما ، لأن له اللزوم ~~والمطالبة بحقه ، ويسمى المطلوب غريما لكون الدين لازما له . وثالثها : ~~الحليف لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين . ورابعها : ابن العم ، لأنه يليه ~~بالنصرة للقرابة التي بينهما . وخامسها : المولى الولي لأنه يليه بالنصرة ~~قال تعالى : { ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن الكافرين لا PageV10P068 ~~مولى لهم } ( محمد : 11 ) وسادسها : العصبة ، وهو المراد به في هذه الآية ~~لأنه لا يليق بهذه الآية إلا هذا المعنى ، ويؤكده ما روى أبو صالح عن أبي ~~هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا أولى بالمؤمنين من ~~مات ms2855 وترك مالا فماله للموالي العصبة ومن ترك كلا فأنا وليه ) وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولي عصبة ذكر ) . # ثم قال تعالى : { والذين عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : عقدت بغير ألف وبالتخفيف ، ~~والباقون بالألف والتخفيف ، وعقدت : أضافت العقد إلى واحد ، والاختيار : ~~عاقدت ، لدلالة المفاعلة على عقد الحلف من الفريقين . # / المسألة الثانية : الأيمان . جمع يمين ، واليمين يحتمل أن يكون معناه ~~اليد ، وأن يكون معناه القسم ، فان كان المراد اليد ففيه مجاز من ثلاثة ~~أوجه : أحدها : أن المعاقدة مسندة في ظاهر اللفظ إلى الأيدي ، وهي في ~~الحقيقة مسندة إلى الحالفين ، والسبب في هذا المجاز أنهم كانوا يضربون صفقة ~~البيع بأيمانهم ، ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد . # والوجه الثاني : في المجاز : وهو أن التقدير : والذين عاقدت بحلفهم ~~أيمانكم ، فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه ، وحسن هذا الحذف لدلالة ~~الكلام عليه . الثالث : أن التقدير : والذين عاقدتهم ، إلا أنه حذف الذكر ~~العائد من الصلة إلى الموصول ، هذا كله إذا فسرنا اليمين باليد . أما ~~عاقدتهم ، إلا أنه حذف الذكر العائد من الصلة إلى الموصول ، هذا كله إذا ~~فسرنا اليمين باليد . أما إذا فسرناها بالقسم والحلف كانت المعاقدة في ظاهر ~~اللفظ مضافة إلى القسم ، وإنما حسن ذلك لأن سبب المعاقدة لما كان هو اليمين ~~حسنت هذه الاضافة ، والقول في بقية المجازات كما تقدم . # المسألة الثالثة : من الناس من قال : هذه الآية منسوخة ، ومنهم من قال : ~~إنها غير منسوخة أما القائلون بالنسخ فهم الذين فسروا الآية بأحد هذه ~~الوجوه التي نذكرها : فالأول : هو أن المراد بالذين عاقدت أيمانكم : ~~الحلفاء في الجاهلية ، وذلك أن الرجل كان يعاقد غيره ويقول : دمي دمك وسلمي ~~سلمك ، وحربي حربك ، وترثني وأرثك ، وتعقل عني وأعقل عنك ، فيكون لهذا ~~الحليف السدس من الميراث ، فنسخ ذلك بقوله تعالى : { وأولوا الارحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله } ( الأنفال : 75 ) وبقوله : { يوصيكم الله } ~~الثاني : أن الواحد منهم كان يتخذ إنسانا أجنبيا ابنا له ، وهم المسمون ms2856 ~~بالأدعياء ، وكانوا يتوارثون بذلك السبب ثم نسخ . الثالث : أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يثبت المؤاخاة بين كل رجلين من أصحابه ، وكانت تلك ~~المؤاخاة سببا للتوارث . واعلم أن على كل هذه الوجوه الثلاثة كانت المعاقدة ~~سببا للتوارث بقوله : { ولكل جعلنا } ثم ان الله تعالى نسخ ذلك بالآيات ~~التي تلوناها . # القول الثاني : قول من قال : الآية غير منسوخة ، والقائلون بذلك ذكروا في ~~تأويل الآية وجوها : الأول : تقدير الآية : ولكل شيء مما ترك الوالدان ~~والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي ورثة فآتوهم نصيبهم ، أي فآتوا ~~الموالي والورثة نصيبهم ، فقوله : { والذين عقدت أيمانكم } معطوف على قوله ~~: { الوالدان والاقربون } والمعنى : ان ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله ~~وارث هو أولى به ، وسمى الله تعالى الوارث مولى . والمعنى لا تدفعوا المال ~~إلى الحليف ، بل إلى المولى والوارث ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ في الآية ، ~~وهذا تأويل PageV10P069 أبي علي الجبائي . الثاني : المراد بالذين عاقدت ~~أيمانكم : الزوج والزوجة ، والنكاح يسمى عقدا قال تعالى : { ولا تعزموا ~~عقدة النكاح } ( البقرة : 235 ) فذكر تعالى الوالدين والأقربين ، وذكر معهم ~~الزوج والزوجة ، ونظيره آية المواريث في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين ~~ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة ، وعلى هذا فلا نسخ في الآية أيضا ، وهو قول ~~أبي مسلم الاصفهاني . الثالث : أن يكون المراد بقوله : { والذين * فى ~~أيمانكم } الميراث الحاصل بسبب الولاء ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا . ~~الرابع : أن يكون المراد من { الذين * عقدت أيمانكم } الحلفاء ، والمراد ~~بقوله : { ولكل جعلنا } النصرة والنصيحة والمصافاة في العشرة ، والمخالصة ~~في المخالطة ، فلا يكون المراد التوارث ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ أيضا . ~~الخامس : نقل أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي ابنه عبد ~~الرحمن ، وذلك أنه رضي الله عنه حلف أن لا ينفق عليه ولا يورثه شيئا من ~~ماله ، فلما أسلم عبد الرحمن أمره الله أن يؤتيه نصيبه ، وعلى هذا التقدير ~~فلا نسخ أيضا . السادس : قال الاصم : إنه نصيب على سبيل التحفة والهدية ~~بالشيء القليل ، كما أمر تعالى لمن حضر القسمة أن ms2857 يجعل له نصيب على ما تقدم ~~ذكره ، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة والله أعلم بمراده . # المسألة الرابعة : القائلون بأن قوله : { والذين عقدت أيمانكم } مبتدأ ، ~~وخبره قوله : { ولكل جعلنا } قالوا : إنما جاء خبره مع الفاء لتضمن ( الذي ~~) معنى الشرط فلا جرم وقع خبره مع الفاء وهو قوله : { ولكل جعلنا } ويجوز ~~أن يكون منصوبا على قولك : زيدا فاضربه . # المسألة الخامسة : قال جمهور الفقهاء : لا يرث المولى الأسفل من الأعلى . ~~وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال : يرث ، لما روى ابن عباس أن رجلا ~~أعتق عبدا له ، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق ، فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق ، ولأنه داخل في قوله تعالى : { والذين ~~عقدت أيمانكم فئاتوهم نصيبهم } . # والجواب عن التمسك بالحديث : أنه لعل ذلك المال لما صار لبيت المال دفعه ~~النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك الغلام لحاجته وفقره ، لأنه كان مالا لا ~~وارث له ، فسبيله أن يصرف إلى الفقراء . # المسألة السادسة : قال الشافعي ومالك رضي الله عنهما : من اسلم على يد ~~رجل ووالاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره ، انه لا يرثه بل ميراثه ~~للمسلمين . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يرثه حجة الشافعي : أنا بينا أن ~~معنى هذه الآية ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم ~~، فقد جعلنا له موالى وهم العصبة ، ثم هؤلاء العصبة إما الخاصة وهم الورثة ~~، وإما العامة وهم جماعة المسلمين ، فوجب صرف هذا المال إلى العصبة العامة ~~ما لم توجد العصبة الخاصة ، واحتج / أبو بكر الرازي لقوله بأن الآية توجب ~~الميراث للذي والاه وعاقده ، ثم إنه تعالى نسخه بقوله : { وأولوا الارحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } ( الأنفال : 75 ) فهذا النسخ إنما يحصل إذا ~~وجد أولو الأرحام فاذا لم يوجدوا لزم بقاء الحكم كما كان . # والجواب : أنا بينا أنه لا دلالة في الآية على أن الحليف يرث ، بل بينا ~~أن الآية دالة على أنه لا يرث ، وبينا أن القول بهذا النسخ باطل . # ثم قال تعالى : { إن الله ms2858 كان على كل شىء شهيدا } وهو كلمة وعد للمطيعين ~~، وكلمة وعيد للعصاة PageV10P070 والشهيد الشاهد والمشاهد ، والمراد منه ~~إما علمه تعالى بجميع الجزئيات والكليات ، وإما شهادته على الخلق يوم ~~القيامة بكل ما عملوه . وعلى التقدير الأول : الشهيد هو العالم ، وعلى ~~التقدير الثاني : هو المخبر . # ! 7 < { الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله بعضهم على بعض وبمآ ~~أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حفظات للغيب بما حفظ الله واللاتى ~~تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 34 ) الرجال قوامون على . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى قال : { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } ( ~~النساء : 32 ) وقد ذكرنا أن سبب نزول هذه الآية أن النساء تكلمن في تفضيل ~~الله الرجال عليهن في الميراث ، فذكر تعالى في هذه الآية أنه إنما فضل ~~الرجال على النساء في الميراث ، لأن الرجال قوامون على النساء ، فانهما وإن ~~اشتركا في استمتاع كل واحد منهما بالآخر ، أمر الله الرجال أن يدفعوا اليهن ~~المهر ، ويدروا عليهن النفقة فصارت الزيادة من أحد الجانبين مقابلة ~~بالزيادة من الجانب الآخر ، فكأنه لا فضل ألبتة ، فهذا هو بيان كيفية النظم ~~. وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : القوام ؛ اسم لمن يكون مبالغا في القيام بالأمر ، ~~يقال : هذا قيم المرأة وقوامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها . قال ابن ~~عباس : نزلت هذه الآية في بنت محمد بن سلمة وزوجها سعد بن الربيع أحد نقباء ~~الأنصار ، فانه لطمها لطمة فنشزت عن فراشه وذهبت إلى الرسول عليه الصلاة ~~والسلام وذكرت هذه الشكاية ، وأنه لطمها وان أثر اللطمة باق في وجهها ، ~~فقال عليه الصلاة والسلام : ( اقتصي منه ثم قال لها اصبري حتى أنظر ) فنزلت ~~هذه الآية : { الرجال قوامون على النساء } أي مسلطون على أدبهن والأخذ فوق ~~أيديهن ، فكأنه تعالى جعله أميرا عليها ونافذ الحكم في حقها ، فلما نزلت ~~هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أردنا أمرا وأراد الله أمرا ~~والذي أراد الله خير ) ورفع القصاص ، ثم انه ms2859 تعالى لما أثبت للرجال سلطنة ~~على النساء ونفاذ أمر عليهن بين أن ذلك معلل بأمرين ، أحدهما : قوله تعالى ~~: { بما فضل الله بعضهم على بعض } ( النساء : 34 ) . # واعلم أن فضل الرجل على النساء حاصل من وجوه كثيرة ، بعضها صفات حقيقة ، ~~وبعضها أحكام شرعية ، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع ~~حاصلها إلى أمرين : إلى العلم ، وإلى القدرة ، ولا شك أن عقول الرجال ~~وعلومهم أكثر ، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل ، فلهذين السببين ~~حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة ، والكتابة في ~~الغالب والفروسية والرمي ، وان منهم الأنبياء والعلماء ، وفيهم الامامة ~~الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود ~~والقصاص بالاتفاق ، وفي الأنكحة عند الشافعي رضي الله عنه ، وزيادة النصيب ~~PageV10P071 في الميراث والتعصيب في الميراث ، وفي تحمل الدية في القتل ~~والخطأ ، وفي القسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج ، ~~وإليهم الانتساب ، فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء . # والسبب الثاني : لحصول هذه الفضيلة : قوله تعالى : { وبما أنفقوا من ~~أموالهم } يعني الرجل أفضل من المرأة لأنه يعطيها المهر وينفق عليها ، ثم ~~انه تعالى قسم النساء قسمين ، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات حافظات ~~للغيب بما حفظ الله ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ ابن مسعود { فالصالحات ~~قانتات حفظات للغيب } . # المسألة الثانية : قوله : { قانتات حفظات للغيب } فيه وجهان : الأول : ~~قانتات ، أي مطيعات لله ، { حفظات للغيب } أي قائمات بحقوق الزوج ، وقدم ~~قضاء حق الله ثم أتبع ذلك بقضاء حق الزوج . الثاني : أن حال المرأة إما أن ~~يعتبر عند حضور الزوج أو عند غيبته ، أما حالها عند حضور الزوج فقد وصفها ~~الله بأنها قانتة ، وأصل القنوت دوام الطاعة ، فالمعنى أنهن قيمات بحقوق / ~~أزواجهن ، وظاهر هذا إخبار ، إلا أن المراد منه الأمر بالطاعة . # واعلم أن المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها ، لأن الله ~~تعالى قال : { فالصالحات قانتات } والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق ، ~~فهذا يقتضي أن كل امرأة تكون صالحة ، فهي لا بد وأن تكون ms2860 قانتة مطيعة . قال ~~الواحدي رحمه الله : لفظ القنوت يفيد الطاعة ، وهو عام في طاعة الله وطاعة ~~الأزواج ، وأما حال المرأة عند غيبة الزوج فقد وصفها الله تعالى بقوله : { ~~حفظات للغيب } واعلم أن الغيب خلاف الشهادة ، والمعنى كونهن حافظات بمواجب ~~الغيب ، وذلك من وجوه : أحدها : أنها تحفظ نفسها عن الزنا لئلا يلحق الزوج ~~العار بسبب زناها ، ولئلا يلتحق به الولد المتكون من نطفة غيره ، وثانيها : ~~حفظ ماله عن الضياع ، وثالثها : حفظ منزله عما لا ينبغي ، وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ( خير النساء إن نظرت اليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن ~~غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ) ، وتلا هذه الآية . # المسألة الثالثة : ( ما ) في قوله : { بما حفظ الله } فيه وجهان : الأول ~~: بمعنى الذي ، والعائد اليه محذوف ، والتقدير : بما حفظه الله لهن ، ~~والمعنى أن عليهن ان يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على ~~أزواجهن ، حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن ، ~~فقوله : { بما حفظ الله } يجري مجرى ما يقال : هذا بذاك ، أي هذا في مقابلة ~~ذاك . # والوجه الثاني : أن تكون ( ما ) مصدرية ، والتقدير : بحفظ الله ، وعلى ~~هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : أنهن حافظات للغيب بما حفظ الله إياهن ، ~~أي لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله ، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى ~~الفاعل . والثاني : أن المعنى : هو أن المرأة إنما تكون حافظة للغيب بسبب ~~حفظهن الله أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره ، فان المرأة لولا أنها تحاول ~~رعاية تكاليف الله وتجتهد في حفظ أوامره لما أطاعت زوجها ، وهذا الوجه يكون ~~من باب إضافة المصدر إلى المفعول . # واعلم أنه تعالى لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصالحات ، فقال : { ~~واللاتى تخافون نشوزهن } . # واعلم أن الخوف عبارة عن حال يحصل في القلب عند ظن حدوث أمر مكروه في ~~المستقبل . قال PageV10P072 الشافعي رضي الله عنه : { واللاتى تخافون ~~نشوزهن } النشوز قد يكون قولا ، وقد يكون فعلا ، فالقول مثل أن كانت تلبيه ~~إذا دعاها ، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ثم تغيرت ، والفعل مثل ms2861 أن كانت ~~تقوم اليه إذا دخل عليها ، أو كانت تسارع إلى أمره وتبادر إلى فراشه ~~باستبشار إذا التمسها ، ثم إنها تغيرت عن كل ذلك ، فهذه أمارات دالة على ~~نشوزها وعصيانها ، فحينئذ ظن نشوزها / ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز ~~. وأما النشوز فهو معصية الزوج والترفع عليه بالخلاف ، وأصله من قولهم نشز ~~الشيء إذا ارتفع ، ومنه يقال للأرض المرتفعة : ونشز ونشر . # ثم قال تعالى : { فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : أما الوعظ فانه يقول لها : ~~اتقي الله فان لي عليك حقا وارجعي عما أنت عليه ، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ~~ونحو هذا ، ولا يضربها في هذه الحالة لجواز أن يكون لها في ذلك كفاية ، فان ~~أصرت على ذلك النشوز فعند ذلك يهجرها في المضجع وفي ضمنه امتناعه من كلامها ~~/ وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : ولا يزيد في هجره الكلام ثلاثا ، ~~وأيضا فاذا هجرها في المضجع فان كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتترك النشوز ~~، وان كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران ، فكان ذلك دليلا على كمال نشوزها ، ~~وفيهم من حمل ذلك على الهجران في المباشرة ، لأن إضافة ذلك إلى المضاجع ~~يفيد ذلك ، ثم عند هذه الهجرة ان بقيت على النشوز ضربها . قال الشافعي رضي ~~الله عنه : والضرب مباح وتركه أفضل . روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أنه قال : كنا معاشر قريش تملك رجالنا نساءهم ، فقدمنا المدينة فوجدنا ~~نساءهم تملك رجالهم ، فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن ، فأذن في ~~ضربهن فطاف بحجر نساء النبي صلى الله عليه وسلم جمع من النسوان كلهن يشكون ~~أزواجهن ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( لقد أطاف الليلة بآل محمد سبعون ~~امرأة كلهن يشكون أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم ) ومعناه أن الذين ضربوا ~~أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا . قال الشافعي رضي الله عنه : فدل هذا ~~الحديث على أن الأولى ترك الضرب ، فأما إذا ضربها وجب في ذلك الضرب أن يكون ~~بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك ألبتة ms2862 ، بأن يكون مفرقا على بدنها ، ولا ~~يوالي بها في موضع واحد ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن ، وأن يكون دون ~~الأربعين . ومن أصحابنا من قال : لا يبلغ به عشرين لأنه حد كامل في حق ~~العبد ، ومنهم من قال : ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف أو بيده ، ولا ~~يضربها بالسياط ولا بالعصا ، وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على ~~أبلغ الوجوه . # وأقول : الذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ ، ثم ترقى منه إلى الهجران ~~في المضاجع ، ثم ترقى منه إلى الضرب ، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه ~~مهما حصل الغرض بالطريق الاخف وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الاقدام على ~~الطريق الأشق والله أعلم . # المسألة الثانية : اختلف أصحابنا قال بعضهم : حكم هذه الآية مشروع على ~~الترتيب ، فان ظاهر / اللفظ وان دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على ~~الترتيب ، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : يعظها ~~بلسانه ، فان انتهت فلا سبيل له عليها ، فان أبت هجر مضجعها ، فان أبت ~~ضربها ، فان لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين . وقال آخرون : هذا الترتيب مراعى ~~عند خوف النشوز ، أما عند تحقق النشوز فلا PageV10P073 بأس بالجمع بين الكل ~~. وقال بعض أصحابنا : تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها ، وهل له ~~أن يهجرها ؟ فيه احتمال ، وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها ، أو ~~يضربها . # ثم قال تعالى : { فإن أطعنكم } أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا ~~التأديب { فلا تبغوا عليهن سبيلا } أي لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران ~~طريقا على سبيل التعنت والايذاء { إن الله كان عليا كبيرا } وعلوه لا بعلو ~~الجهة ، وكبره لا بكبر الجثة ، بل هو علي كبير لكمال قدرته ونفاذ مشيئته في ~~كل الممكنات . وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن ، وبيانه من ~~وجوه : الأول : أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان ، والمعنى ~~أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم ، فالله سبحانه علي قاهر ~~كبير قادر ينتصف لهن منكم ويستوفي ms2863 حقهن منكم ، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم ~~أعلى يدا منهن ، وأكبر درجة منهن . الثاني : لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم ~~لعلو أيديكم . فان الله أعلى منكم وأكبر من كل شيء ، وهو متعال عن أن يكلف ~~إلا بالحق . الثالث : أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون ~~، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم ، فانهن لا يقدرن على ذلك . الرابع : أنه مع ~~علوه وكبرئايه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب ، بل يغفر له ، فاذا تابت المرأة عن ~~نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها وتتركوا معاقبتها . الخامس : أنه ~~تعالى مع علوه وكبرئايه اكتفى من العبد بالظواهر / ولم يهتك السرائر ، ~~فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة ، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في ~~قلبها وضميرها من الحب والبغض . # ! 7 < { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلهآ إن ~~يريدآ إصلاحا يوفق الله بينهمآ إن الله كان عليما خبيرا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 35 ) وإن خفتم شقاق . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر عند نشوز المرأة أن الزوج يعظها ، ثم يهجرها ~~، ثم يضربها ، بين أنه لم / يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف ~~المظلوم من الظالم فقال : { وإن خفتم شقاق بينهما } إلى آخر الآية وههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : { خفتم } أي علمتم . قال : وهذا بخلاف ~~قوله : { واللاتى تخافون نشوزهن } فان ذلك محمول على الظن ، والفرق بين ~~الموضعين أن في الابتداء يظهر له أمارات النشوز فعند ذلك يحصل الخوف وأما ~~بعد الوعظ والهجر والضرب لما أصرت على النشوز ، فقد حصل العلم بكونها ناشزة ~~: فوجب حمل الخوف ههنا على العلم . طعن الزجاج فيه فقال : { خفتم } ههنا ~~بمعنى أيقنتم خطأ ، فانا لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم نحتج إلى الحكمين ~~. # وأجاب سائر المفسرين بأن وجود الشقاق وإن كان معلوما ، الا أنا لا نعلم ~~أن ذلك الشقاق صدر عن هذا أو عن ذاك ، فالحاجة إلى الحكمين لمعرفة هذا ~~المعنى . ويمكن أن يقال : وجود الشقاق في الحال معلوم ، ومثل هذا لا يحصل ~~منه خوف ، إنما الخوف في أنه ms2864 هل يبقى ذلك الشقاق أم لا ؟ فالفائدة في بعث ~~PageV10P074 الحكمين ليست إزالة الشقاق الثابت في الحال فان ذلك محال ، بل ~~الفائدة إزالة ذلك الشقاق في المستقبل . # المسألة الثانية : للشقاق تأويلان : أحدهما : أن كل واحد منهما يفعل ما ~~يشق على صاحبه . الثاني : أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة . # المسألة الثالثة : قوله : { شقاق بينهما } معناه : شقاقا بينهما ، إلا ~~أنه أضيف المصدر إلى الظرف وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة لحصولها فيها ، ~~يقال : يعجبني صوم يوم عرفة ، وقال تعالى : { بل مكر اليل والنهار } ( سبأ ~~: 33 ) . # المسألة الرابعة : المخاطب بقوله : { فابعثوا حكما من أهله } من هو ؟ فيه ~~خلاف : قال بعضهم إنه هو الامام أو من يلي من قبله ، وذلك لأن تنفيذ ~~الأحكام الشرعية اليه ، وقال آخرون : المراد كل واحد من صالحي الأمة وذلك ~~لأن قوله : { خفتم } خطاب للجميع وليس حمله على البعض أولى من حمله على ~~البقية ، فوجب حمله على الكل ، فعلى هذا يجب أن يكون قوله : { فإن خفتم } ~~خطابا لجميع المؤمنين . ثم قال { فابعثوا } فوجب أن يكون هذا أمرا لآحاد ~~الآمة بهذا المعنى ، فثبت أنه سواء وجد الامام أو لم يوجد ، فللصالحين أن ~~يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها للاصلاح . وأيضا فهذا يجري مجرى دفع ~~الضرر ، ولكل أحد أن يقوم به . # المسألة الخامسة : إذا وقع الشقاق بينهما ، فذاك الشقاق إما أن يكون ~~منهما أو منه أو منها ، أو يشكل ، فان كان منها فهو النشوز وقد ذكرنا حكمه ~~، وان كان منه ، فان كان قد فعل فعلا حلالا / مثل التزوج بامرأة أخرى ، أو ~~تسري بجارية ، عرفت المرأة أن ذلك مباح ونهيت عن الشقاق ، فان قبلت وإلا ~~كان نشوزا ، وإن كان بظلم من جهته أمره الحاكم بالواجب ، وإن كان منهما أو ~~كان الأمر متشابها ، فالقول أيضا ما قلناه . # المسألة السادسة : قال الشافعي رضي الله عنه : المستحب أن يبعث الحاكم ~~عدلين ويجعلهما حكمين ، والأولى أن يكون واحد من أهله وواحد من أهلها ، لأن ~~أقاربهما أعرف بحالهما من الأجانب ، وأشد طلبا للصلاح ، فان كانا أجنبيين ms2865 ~~جاز . وفائدة الحكمين أن يخلو كل واحد منهما بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال ، ~~ليعرف أن رغبته في الاقامة على النكاح / أو في المفارقة ، ثم يجتمع الحكمان ~~فيفعلان ما هو الصواب من إيقاع طلاق أو خلع . # المسألة السابعة : هل يجوز للحكمين تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذنهما ، ~~مثل أن يطلق حكم الرجل ، أو يفتدى حكم المرأة بشيء من مالها ؟ للشافعي فيه ~~قولان : أحدهما : يجوز ، وبه قال مالك واسحق . والثاني : لا يجوز ، وهو قول ~~أبي حنيفة . وعلى هذا هو وكالة كسائر الوكالات وذكر الشافعي رضي الله عنه ~~حديث علي رضي الله عنه ، وهو ما روى ابن سيرين عن عبيدة أنه قال جاء رجل ~~وامرأة إلى علي رضي الله عنه ، ومع كل واحد منهما جمع من الناس ، فأمرهم ~~علي بأن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ، ثم قال للحكمين : تعرفان ما ~~عليكما ؟ عليكما ان رأيتما أن تجمعا فاجمعا ، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا ، ~~فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله تعالى فيما علي ولي فيه . فقال الرجل : أما ~~الفرقة فلا ، فقال علي : كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به . قال ~~الشافعي رضي الله عنه : وفي هذا الحديث لكل واحد من القولين دليل . ~~PageV10P075 # أما دليل القول الأول فهو أنه بعث من غير رضا الزوجين وقال : عليكما إن ~~رأيتما أن تجمعا فاجمعا ، وأقل ما في قوله : عليكما ، أن يجوز لهما ذلك . # وأما دليل القول الثاني : أن الزوج لما لم يرض توقف على ، ومعنى قوله : ~~كذبت ، أي لست بمنصف في دعواك حيث لم تفعل ما فعلت هي . ومن الناس من احتج ~~للقول الأول بأنه تعالى سماهما حكمين . والحكم هو الحاكم وإذا جعله حاكما ~~فقد مكنه من الحكم ، ومنهم من احتج للقول الثاني بأنه تعالى لما ذكر ~~الحكمين ، لم يضف اليهما إلا الاصلاح ، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الاصلاح ~~غير مفوض اليهما . # المسألة الثامنة : قوله : { وإن خفتم شقاق بينهما } أي شقاقا بين الزوجين ~~، ثم إنه وإن لم يجر ذكرهما إلا أنه جرى ذكر ما يدل عليهما ، وهو ms2866 الرجال ~~والنساء . # / ثم قال تعالى : { إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في قوله : { إن يريدا } وجوه : الأول : ان يرد الحكمان ~~خيرا وإصلاحا يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير . الثاني : ان ~~يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين . الثالث : إن يرد الزوجان ~~إصلاحا يوفق الله بين الزوجين . الرابع : إن يرد الزوجان إصلاحا يوفق الله ~~بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح ، ولا شك أن اللفظ محتمل لكل هذه الوجوه . # المسألة الثانية : أصل التوفيق الموافقة ، وهي المساواة في أمر من الأمور ~~، فالتوفيق اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة ، والآية دالة على أنه لا يتم ~~شيء من الأغراض والمقاصد إلا بتوفيق الله تعالى ، والمعنى أنه إن كانت نية ~~الحكمين إصلاح ذات البين يوفق الله بين الزوجين . # ثم قال تعالى : { إن الله كان عليما خبيرا } والمراد منه الوعيد للزوجين ~~وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق . # النوع التاسع : من التكاليف المذكورة في هذه السورة : # ! 7 < { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذى القربى ~~واليتامى والمساكين والجار ذى القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن ~~السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 36 ) واعبدوا الله ولا . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع ~~الآخر وإلى إزالة الخصومة والخشونة ، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق ~~الحسنة وذكر منها عشرة أنواع . # النوع الأول : قوله : واعبدوا الله } قال ابن عباس : المعنى وحدوه ، ~~واعلم أن العبادة عبارة عن كل PageV10P076 فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله ~~تعالى بذلك ، وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح ، فلا ~~معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد ، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة ~~البقرة في قوله تعالى : { * } قال ابن عباس : المعنى وحدوه ، واعلم أن ~~العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك ، وهذا ~~يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح ، فلا معنى لتخصيص ذلك ~~بالتوحيد ms2867 ، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى ~~: { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم } . # / النوع الثاني : قوله : { ولا تشركوا به شيئا } وذلك لأنه تعالى لما أمر ~~بالعبادة بقوله : { واعبدوا الله } أمر بالاخلاص في العبادة بقوله : { ولا ~~تشركوا به شيئا } لأن من عبد مع الله غيره كان مشركا ولا يكون مخلصا ، ~~ولهذا قال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ( ~~البينة : 5 ) . # النوع الثالث : قوله : { وبالوالدين إحسانا } واتفقوا على أن ههنا محذوفا ~~، والتقدير : وأحسنوا بالوالدين إحسانا كقوله : { فضرب الرقاب } ( محمد : 4 ~~) أي فاضربوها ، ويقال : أحسنت بفلان ، وإلى فلان . قال كثير : # أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة لدنيا ولا مقلية إن تقلت # واعلم أنه تعالى قرن إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع : أحدها ~~: في هذه الآية ، وثانيها : قوله : { وقضى ربك * أن لا تعبدوا * إياه ~~وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) وثالثها : قوله : { أن اشكر لى ~~ولوالديك إلى المصير } ( لقمان : 14 ) وكفى بهذا دلالة على تعظيم حقهما ~~ووجوب برهما والاحسان اليهما . ومما يدل على وجوب البر اليهما قوله تعالى : ~~{ فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } ( الإسراء : 23 ) ~~وقال : { ووصينا الإنسان * أجرا حسنا } وقال في الوالدين الكافرين : { وإن ~~جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا ~~معروفا } ( لقمان : 15 ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أكبر } ~~وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم من اليمن استأذنه في الجهاد ، فقال عليه السلام : ( هل لك أحد باليمن ~~فقال أبواي فقال : أبواك أذنا لك فقال لا فقال فارجع وأستاذنهما فان أذنا ~~لك فجاهد وإلا فبرهما ) . # واعلم أن الاحسان إلى الوالدين هو أن يقوم بخدمتهما ، وألا يرفع صوته ~~عليهما ، ولا يخشن في الكلام معهما ، ويسعى في تحصيل مطالبهما والانفاق ~~عليهما بقدر القدرة من البر ، وأن لا يشهر عليهما سلاحا ، ولا يقتلهما ، ~~قال أبو بكر الرازي : إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف ms2868 أن يقتله أن ترك قتله ، ~~فحينئذ يجوز له قتله ؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك كان قد قتل نفسه بتمكين غيره ~~منه ، وذلك منهي عنه ، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى حنظلة بن أبي ~~عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا . # النوع الرابع : قوله تعالى : { الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين ~~إحسانا وبذى القربى } وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول السورة بقوله : { ~~والارحام } . # واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضا ، إلا أن قرابة الولاد لما كانت ~~مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها ، لا جرم ~~ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع ، فذكر في هذه الآية قرابة ~~الولاد ، ثم أتبعها بقرابة الرحم . # / النوع الخامس : قوله : { واليتامى } واعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من ~~العجز : أحدهما : الصغر ، والثاني : عدم المنفق ، ولا شك أن من هذا حاله ~~كان في غاية العجز واستحقاق الرحمة . قال ابن عباس : PageV10P077 يرفق بهم ~~ويربيهم ويمسح رأسهم ، وإن كان وصيا لهم فليبالغ في حفظ أموالهم . # النوع السادس : قوله : { والمساكين } واعلم أنه وان كان عديم المال إلا ~~أنه لكبره يمكنه أن يعرض حال نفسه على الغير ، فيجلب به نفعا أو يدفع به ~~ضررا ، وأما اليتيم فلا قدرة له عليه ، فلهذا المعنى قدم الله اليتيم في ~~الذكر على المسكين ، والاحسان إلى المسكين اما بالاجمال اليه ، أو بالرد ~~الجميل . كما قال تعالى : { وأما السائل فلا تنهر } ( الضحى : 9 ) . # النوع السابع : قوله : { والجار ذى القربى } قيل : هو الذي قرب جواره ، ~~والجار الجنب هو الذي بعد جواره . قال عليه الصلاة والسلام : ( لا يدخل ~~الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ألا وان الجوار أربعون دارا ) وكان الزهري ~~يقول : أربعون يمنة ، وأربعون يسرة ، وأربعون أماما وأربعون خلفا . وعن أبي ~~هريرة قيل : يا رسول الله ان فلانة تصوم النهار وتصلي الليل وفي لسنانها ~~شيء يؤذي جيرانها ، أي هي سليطة ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا خير ~~فيها هي في النار ) وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( والذي نفس محمد ~~بيده ms2869 لا يؤدي حق الجار إلا من رحم الله وقليل ما هم أتدرون ما حق الجار ان ~~افتقر أغنيته وان استقرض أقرضته وان أصابه خير هنأته وان أصابه شر عزيته ~~وان مرض عدته وان مات شيعت جنازته ) وقال آخرون : عني بالجار ذي القربى : ~~القريب النسيب ، وبالجار الجنب : الجار الأجنبي ، وقرىء ( والجار ذا القربى ~~) نصبا على الاختصاص ، كما قرىء ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) ( ~~البقرة : 238 ) تنبيها على عظم حقه ، لأنه اجتمع فيه موجبان . الجوار ~~والقرابة . # النوع الثامن : قوله : { والجار الجنب } وقد ذكرنا تفسيره . قال الواحدي ~~: الجنب نعت على وزن فعل ، وأصله من الجنابة ضد القرابة وهو البعيد . يقال ~~: رجل جنب إذا كان غريبا متباعدا عن أهله ، ورجل أجنبي وهو البعيد منك في ~~القرابة . وقال تعالى : { واجنبنى وبنى } ( إبراهيم : 35 ) أي بعدني ، ~~والجانبان الناحيتان لبعد كل واحد منهما عن الآخر ، ومنه الجنابة من الجماع ~~لتباعده عن الطهارة وعن حضور المساجد للصلاة ما لم يغتسل ، ومنه أيضا ~~الجنبان لبعد كل واحد منهما عن الآخر . وروى المفضل عن عاصم : { والجار ~~الجنب } بفتح الجيم وسكون النون وهو يحتمل معنيين : أحدهما : أنه يريد ~~بالجنب الناحية ، ويكون التقدير : والجار ذي الجنب فحذف المضاف ، لأن ~~المعنى مفهوم والآخر : أن يكون وصفا على سبيل المبالغة ، كما يقال : فلان ~~كرم وجود . # النوع التاسع : قوله : { والصاحب بالجنب } وهو الذي صحبك بأن حصل بجنبك ~~إما رفيقا في / سفر / وإما جارا ملاصقا ، وإما شريكا في تعلم أو حرفة ، ~~وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك ، من أدنى صحبة التأمت ~~بينك وبينه ، فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الاحسان . ~~قيل : الصاحب الجنب : المرأة فانها تكون معك وتضجع إلى جنبك . # النوع العاشر : قوله : { وابن السبيل } وهو المسافر الذي انقطع عن بلده ، ~~وقيل : الضيف . # النوع الحادي عشر : قوله : { وما ملكت أيمانكم } . # واعلم أن الاحسان إلى المماليك طاعة عظيمة ، روى عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : PageV10P078 ( من ابتاع شيئا من ~~الخدم فلم ms2870 توافق شيمته شيمته فليبع وليشتر حتى توافق شيمته شيمته فان للناس ~~شيما ولا تعذبوا عباد الله ) وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان آخر كلامه : ~~( الصلاة وما ملكت أيمانكم ) وروي أنه كان رجل بالمدينة يضرب عبده ، فيقول ~~العبد أعوذ بالله ويستمعه الرسول عليه السلام ، والسيد كان يزيده ضربا ، ~~فطلع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال : أعوذ برسول الله فتركه ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله كان أحق أن يجار عائذه ) قال يا ~~رسول الله فانه حر لوجه الله ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ( والذي ~~نفس محمد بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار ) . # واعلم أن الاحسان اليهم من وجوه : أحدها : أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم ~~به ، وثانيها : أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة ، ~~وثالثها : أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون اليه . وكانوا في ~~الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الاماء البغاء ، وهو الكسب بفروجهن ~~وبضوعهن . وقال بعضهم : كل حيوان فهو مملوك ، والاحسان إلى الكل بما يليق ~~به طاعة عظيمة . # واعلم أن ذكر اليمين تأكيد وهو كما يقال : مشت رجلك ، وأخذت يدك ، قال ~~عليه الصلاة والسلام : ( على اليد ما أخذت ) وقال تعالى : { مما عملت ~~أيدينا أنعاما } ( يس : 71 ) ولما ذكر تعالى هذه الأصناف قال : { إن الله ~~لا يحب من كان مختالا فخورا } والمختال ذو الخيلاء والكبر . قال ابن عباس : ~~يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق أحد . قال الزجاج : وإنما ~~ذكر الاختيال ههنا ، وذكرنا اشتقاق هذه اللفظة عند قوله : { والخيل المسومة ~~} ( آل عمران : 14 ) ومعنى الفخر التطاول ، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرا ~~وتطاولا . قال ابن عباس : هو الذي يفخر على عباد الله بما أعطاه الله من ~~أنواع نعمه ، وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع ، لأن ~~المختال هو المتكبر ، وكل من كان متكبرا فانه قلما يقوم برعاية الحقوق ، ثم ~~أضاف اليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه / الحقوق لأجل الرياء والسمعة ~~، بل لمحض أمر الله تعالى . # ! 7 ms2871 < { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون مآ ءاتاهم الله من ~~فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 37 ) الذين يبخلون ويأمرون . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : { بالبخل } بفتح الباء والخاء ، ~~وفي الحديد مثله ، وهي لغة الانصار ، والباقون { بالبخل } بضم الباء والخاء ~~وهي اللغة العالية . # المسألة الثانية : الذين يبخلون : بدل من قوله : { من كان مختالا فخورا } ~~والمعنى : ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا يحب الذين يبخلون ، أو ~~نصب على الذم . ويجوز أن يكون رفعا على الذم ، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره ~~محذوف كأنه قيل : الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون : أحقاء بكل ملامة . ~~PageV10P079 # المسألة الثالثة : قال الواحدي : البخل فيه أربع اللغات : البخل . مثل ~~القفل ، والبخل مثل الكرم ، والبخل مثل الفقر ، والبخل بضمتين . ذكره ~~المبرد ، وهو في كلام العرب عبارة عن منع الاحسان ، وفي الشريعة منع الواجب ~~. # المسألة الرابعة : قال ابن عباس : انهم اليهود ، بخلوا أن يعترفوا بما ~~عرفوا من نعت محمد عليه الصلاة والسلام وصفته في التوراة ، وأمروا قومهم ~~أيضا بالكتمان { ويكتمون ما ءاتاهم الله من فضله } يعني من العلم بما في ~~كتابهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم { وأعتدنا } في الآخرة لليهود { ~~عذابا مهينا } واحتج من نصر هذا القول : بأن ذكر الكافر في آخر الآية يدل ~~على أن المراد بأولها الكافر . وقال آخرون : المراد منه البخل بالمال ، ~~لأنه تعالى ذكره عقيب الآية التي أوجب فيها رعاية حقوق الناس بالمال ، فانه ~~قال : { وبالوالدين إحسانا وبذى القربى واليتامى والمساكين والجار ذى ~~القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل } ( النساء : 36 ) ومعلوم ~~أن الاحسان إلى هؤلاء إنما يكون بالمال ، ثم ذم المعرضين عن هذا الاحسان ~~فقال : { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } ( النساء : 36 ) ثم عطف ~~عليه { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } فوجب أن يكون هذا البخل بخلا / ~~متعلقا بما قبله ، وما ذاك إلا البخل بالمال . # والقول الثالث : أنه عام في البخل بالعلم والدين ، وفي البخل بالمال ، ~~لأن اللفظ عام ، والكل مذموم ، فوجب كون اللفظ متناولا للكل ms2872 . # المسألة الخامسة : أنه تعالى ذكر في هذه الآية من الأحوال المذمومة ثلاثا ~~: أولها : كون الانسان بخيلا وهو المراد بقوله : { الذين يبخلون } وثانيها ~~: كونهم آمرين لغيرهم بالبخل ، وهذا هو النهاية في حب البخل ، وهو المراد ~~بقوله : { ويأمرون الناس بالبخل } وثالثها : قوله : { ويكتمون ما ءاتاهم ~~الله من فضله } فيوهمون الفقر مع الغنى ، والاعسار مع اليسار ، والعجز مع ~~الامكان ، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر ، مثل أن يظهر ~~الشكاية عن الله تعالى ، ولا يرضى بالقضاء والقدر ، وهذا ينتهي إلى حد ~~الكفر ، فلذلك قال : { وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } ومن قال : الآية ~~مخصوصة باليهود ، فكلامه في هذا الموضع ظاهر ، لأن من كتم الدين والنبوة ~~فهو كافر ، ويمكن أيضا أن يكون المراد من هذا الكافر ، من يكون كافرا ~~بالنعمة ، لا من يكون كافرا بالدين والشرع . # ! 7 < { والذين ينفقون أموالهم رئآء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الا خر ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 38 ) والذين ينفقون أموالهم . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إن شئت عطفت { الذين } في هذه الآية على { الذين } في ~~الآية التي قبلها ، وإن شئت جعلته في موضع خفض عطفا على قوله : { للكافرين ~~عذابا مهينا } . PageV10P080 # المسألة الثانية : قال الواحدي : نزلت في المنافقين ، وهو الوجه لذكر ~~الرئاء ، وهو ضرب من النفاق . # وقيل : نزلت في مشركي مكة المنفقين على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~، والأولى أن يقال : إنه تعالى لما أمر بالاحسان إلى أرباب الحاجات ، بين ~~أن من لا يفعل ذلك قسمان : فالأول : هو البخيل الذي لا يقدم على إنفاق ~~المال البتة ، وهم المذمومون في قوله : { الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل } ( النساء : 37 ) والثاني : الذين ينفقون أموالهم ، لكن لا لغرض ~~الطاعة ، بل لغرض الرياء والسمعة ، فهذه الفرقة أيضا مذمومة ، ومتى بطل ~~القول بهذين القسمين لم يبق إلا القسم الأول . وهو إنفاق الأموال لغرض ~~الاحسان . # ثم قال تعالى : { ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا } . والمعنى : أن ~~الشيطان قرين لأصحاب هذه الأفعال كقوله : { ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض ms2873 له ~~شيطانا فهو له قرين } ( الزخرف : 36 ) وبين تعالى أنه بئس القرين ، إذ كان ~~يضله عن دار النعيم ويورده نار السعير وهو كقوله : { ومن الناس من يجادل فى ~~الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ~~ويهديه إلى عذاب السعير } ( الحج : 3 4 ) . # ثم انه تعالى عيرهم وبين سوء اختيارهم في ترك الايمان . # ! 7 < { وماذا عليهم لو ءامنوا بالله واليوم الا خر وأنفقوا مما رزقهم ~~الله وكان الله بهم عليما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 39 ) وماذا عليهم لو . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وماذا عليهم } استفهام بمعنى الانكار ، ويجوز ~~أن يكون ( ماذا ) اسما واحدا ، فيكون المعنى : وأي الشيء عليهم ، ويجوز أن ~~يكون ( ذا ) في معنى الذي ، ويكون ( ما ) وحدها اسما ، ويكون المعنى : وما ~~الذي عليهم لو آمنوا . # المسألة الثانية : احتج القائلون بأن الايمان يصح على سبيل التقليد بهذه ~~الآية فقالوا : إن قوله تعالى : { وماذا عليهم لو ءامنوا } مشعر بأن ~~الاتيان بالايمان في غاية السهولة ، ولو كان الاستدلال معتبرا لكان في غاية ~~الصعوبة ، فانا نرى المستدلين تفرغ أعمارهم ولا يتم استدلالهم ، فدل هذا ~~على أن التقليد كاف . # أجاب المتكلمون بأن الصعوبة في التفاصيل ، فأما الدلائل على سبيل الجملة ~~فهي سهلة ، واعلم أن في هذا البحث غورا . # المسألة الثالثة : احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية وضربوا له أمثلة ، قال ~~الجبائي : ولو كانوا غير قادرين لم يجز أن يقول الله ذلك ، كما لا يقال لمن ~~هو في النار معذب : ماذا عليهم لو خرجوا منها وصاروا إلى الجنة ، وكما لا ~~يقال للجائع الذي لا يقدر على الطعام : ماذا عليه لو أكل . وقال الكعبي : ~~لا يجوز أن يحدث فيه الكفر ثم يقول : ماذا عليه لو آمن . كما لا يقال لمن ~~أمرضه : ماذا عليه لو كان / صحيحا ، ولا يقال للمرأة : ماذا عليها لو كانت ~~رجلا ، وللقبيح : ماذا عليه لو كان جميلا ، وكما لا يحسن هذا القول من ~~العاقل كذا لا يحسن من الله تعالى ، فبطل بهذا ما يقال : إنه وإن قبح من ~~غيره ms2874 ، لكنه يحسن منه لأن الملك ملكه . وقال القاضي عبد الجبار : إنه لا ~~يجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتصرف في الضيعة ويحبسه من حيث لا يتمكن من ~~PageV10P081 مفارقة الحبس ، ثم يقول له : ماذا عليك لو تصرفت في الضيعة ، ~~وإذا كان من يذكر مثل هذا الكلام سفيها دل على أن ذلك غير جائز على الله ~~تعالى ، فهذا جملة ما ذكروه من الأمثلة . # واعلم أن التمسك بطريقة المدح والذم والثواب والعقاب قد كثر للمعتزلة ، ~~ومعارضتهم بمسألتي العلم والداعي قد كثرت ، فلا حاجة إلى الاعادة . # ثم قال تعالى : { وكان الله عليما } والمعنى أن القصد إلى الرئاء إنما ~~يكون باطنا غير ظاهر ، فبين تعالى أنه عليم ببواطن الأمور كما هو عليم ~~بظواهرها ، فان الانسان متى اعتقد ذلك صار ذلك كالرادع له عن القبائح من ~~أفعال القلوب : مثل داعية النفاق والرياء والسمعة . # ! 7 < { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه ~~أجرا عظيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 40 ) إن الله لا . . . . . # > > اعلم أن تعلق هذه الآية هو بقوله تعالى : { وماذا عليهم لو ءامنوا ~~بالله واليوم الاخر وأنفقوا مما رزقهم الله } ( النساء : 39 ) فكأنه قال : ~~فان الله لا يظلم من هذه حاله مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ، فرغب بذلك ~~في الايمان والطاعة . # واعلم أن هذه الآية مشتملة على الوعد بأمور ثلاثة : الأول : قوله تعالى : ~~{ إن الله لا يظلم مثقال ذرة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الذرة النملة الحمراء الصغيرة في قول أهل اللغة . وروي ~~عن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ، ثم قال : كل ~~واحد من هذه الأشياء ذرة و { مثقال } مفعال من الثقل يقال : هذا على مثقال ~~هذا ، أي وزن هذا ، ومعنى { مثقال ذرة } أي ما يكون وزنه وزن الذرة . # واعلم أن المراد من الآية أنه تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا ، ولكن ~~الكلام خرج على أصغر / ما يتعارفه الناس يدل عليه قوله تعالى : { إن الله ~~لا يظلم الناس شيئا } ( يونس : 44 ) . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : دلت ms2875 هذه الآية على أنه تعالى ليس ~~خالقا لأعمال العباد ، لأن من جملة تلك الأعمال ظلم بعضهم بعضا ، فلو كان ~~موجد ذلك الظلم هو الله تعالى لكان الظالم هو الله ، وأيضا لو خلق الظلم في ~~الظالم ، ولا قدرة لذلك الظالم على تحصيل ذلك الظلم عند عدمه ، ولا على ~~دفعه بعد وجوده ، ثم إنه تعالى يقول لمن هذا شأنه وصفته : لم ظلمت ثم ~~يعاقبه عليه ، كان هذا محض الظلم ، والآية دالة على كونه تعالى منزها عن ~~الظلم . # والجواب : المعارضة بالعلم والداعي على ما سبق مرارا لا حد لها ، وقد ~~ذكرنا أن استدلالات هؤلاء المعتزلة وإن كثرت وعظمت ، إلا أنها ترجع إلى حرف ~~واحد ، وهو التمسك بالمدح والذم والثواب والعقاب ، والسؤال على هذا الحرف ~~معين ، وهو المعارضة بالعلم والداعي ، فكلما أعادوا ذلك الاستدلال أعدنا ~~عليهم هذا السؤال . PageV10P082 # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : الآية تدل على أنه قادر على الظلم ~~لأنه تمدح بتركه ، ومن تمدح بترك فعل قبيح لم يصح منه ذلك التمدح ، إلا إذا ~~كان هو قادرا عليه ، ألا ترى أن الزمن لا يصح منه أن يتمدح بأنه لا يذهب في ~~الليالي إلى السرقة . # والجواب أنه تعالى تمدح بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولم يلزم أن يصح ذلك ~~عليه ، وتمدح بأنه لا تدركه الأبصار ، ولم يدل ذلك عند المعتزلة على أنه ~~يصح أن تدركه الأبصار . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : الآية دالة على أن العبد يستحق الثواب ~~على طاعته وأنه تعالى لو لم يثبه لكان ظالما ، لأنه تعالى بين في هذه الآية ~~أنه لو لم يثبهم على أعمالهم لكان قد ظلمهم ، وهذا لا يصح إلا إذا كانوا ~~مستحقين للثواب على أعمالهم . # والجواب : أنه تعالى وعدهم بالثواب على تلك الأفعال ، فلو لم يثبهم عليها ~~لكان ذلك في صورة ظلم ، فلهذا أطلق عليه اسم الظلم ، والذي يدل على أن ~~الظلم محال من الله ، أن الظلم مستلزم للجهل والحاجة عندكم ، وهما محالان ~~على الله ، ومستلزم المحال محال ، والمحال غير مقدور . وأيضا الظلم عبارة ~~عن التصرف في ملك ms2876 الغير ، والحق سبحانه لا يتصرف إلا في ملك نفسه ، فيمتنع ~~كونه ظالما . وأيضا : الظالم لا يكون إلها والشيء لا يصح إلا إذا كانت ~~لوازمه صحيحة ، فلو صح منه الظلم لكان زوال إلهيته صحيحا ، ولو كان كذلك ~~لكانت إلهيته جائزة الزوال ، وحينئذ يحتاج في حصول صفة الالهية له إلى مخصص ~~وفاعل / وذلك على الله محال . # المسألة الخامسة : قالت المعتزلة : إن عقاب قطرة من الخمر يزيل ثواب ~~الايمان والطاعة / مدة مائة سنة . وقال أصحابنا : هذا باطل ؛ لأنا نعلم ~~بالضرورة أن ثواب كل تلك الطاعات العظيمة تلك السنن المتطاولة ، أزيد من ~~عقاب شرب هذه القطرة ، فاسقاط ذلك الثواب العظيم بعقاب هذا القدر من ~~المعصية ظلم ، وإنه منفي بهذه الآية . # المسألة السادسة : قال الجبائي : إن عقاب الكبيرة يحبط ثواب جملة الطاعات ~~، ولا ينحبط من ذلك العقاب شيء . وقال ابنه أبو هاشم : بل ينحبط . واعلم أن ~~هذا المشروع صار حجة قوية لأصحابنا في بطلان القول بالاحباط فانا نقول : لو ~~انحبط ذلك الثواب لكان إما أن يحبط مثله من العقاب أولا يحبط ، والقسمان ~~باطلان . فالقول بالاحباط باطل . إنما قلنا إنه لا يجوز انحباط كل واحد ~~منهما بالآخر ، لأنه إذا كان سبب عدم كل واحد منهما وجود الآخر ، فلو حصل ~~العدمان معا لحصل الوجدان معا ، ضرورة أن العلة لا بد وأن تكون حاصلة مع ~~المعلول ، وذلك محال . وإنما قلنا : إنه لا يجوز انحباط الطاعة بالمعصية مع ~~أن المعصية لا تنحبط بالطاعة ، لأن تلك الطاعات لم ينتفع العبد بها ألبتة ، ~~لا في جلب ثواب ، ولا في دفع عقاب وذلك ظلم ، وهو ينافي قوله تعالى : { إن ~~الله لا يظلم مثقال ذرة } ولما بطل القسمان ثبت القول بفساد الاحباط على ما ~~تقوله المعتزلة . # المسألة السابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المؤمنين يخرجون من ~~النار إلى الجنة ، فقالوا : لا شك أن ثواب الايمان ، والمداومة على التوحيد ~~، والاقرار بأنه هو الموصول بصفات الجلال والاكرام ، والمواظبة على وضع ~~الجبين على تراب العبودية مائة سنة : أعظم ثوابا من عقاب شرب الجرعة من ~~الخمر ms2877 ، PageV10P083 فاذا حضر هذا الشارب يوم القيامة وأسقط عنه قدر عقاب ~~هذا المعصية من ذلك الثواب العظيم فضل له من الثواب قدر عظيم ، فاذا أدخل ~~النار بسبب ذلك القدر من العقاب ، فلو بقي هناك لكان ذلك ظلما وهو باطل ، ~~فوجب القطع بأنه يخرج إلى الجنة . # النوع الثاني : من الأمور التي اشتملت عليها هذه الآية : # قوله تعالى : { وإن تك حسنة يضاعفها } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير { حسنة } بالرفع على تقديره ( كان ) ~~التامة ، والمعنى : وإن حدثت حسنة ، أو وقعت حسنة ، والباقون بالنصب على ~~تقدير ( كان ) الناقصة والتقدير : وإن تك زنة الذرة حسنة . وقرأ ابن كثير ~~وابن عامر { يضاعفها } بالتشديد من غير ألف من التضعيف ، والباقون { ~~يضاعفها } بالألف والتخفيف من المضاعفة . # المسألة الثانية : تك : أصله من ( كان يكون ) وأصله ( تكون ) سقطت الضمة ~~للجزم ، وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار ( تكن ) ثم حذفوا النون أيضا ~~لأنها ساكنة . وهي / تشبه حروف اللين ، وحروف اللين إذا وقعت طرفا سقطت ~~للجزم ، كقولك : لم أدر ، أي لا أدري وجاء القرآن بالحذف والاثبات ، أما ~~الحذف فههنا ، وأما الاثبات ، فكقوله : { إن يكن غنيا أو فقيرا } ( النساء ~~: 135 ) . # المسألة الثالثة : ان الله تعالى بين بقوله : { إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة } أنه لا يبخسهم حقهم أصلا ، وبين بهذه الآية أن الله تعالى يزيدهم على ~~استحقاقهم . # واعلم أن المراد من هذه المضاعفة ليس هو المضاعفة في المدة ، لأن مدة ~~الثواب غير متناهية ، وتضعيف غير المتناهي محال ، بل المراد أنه تعالى ~~يضعفه بحسب المقدار : مثلا يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب ، فيجعله ~~عشرين جزءا ، أو ثلاثين جزءا ، أو أزيد . روي عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~أنه قال : يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين ~~: هذا فلان ابن فلان ، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه / ثم يقال له : أعط ~~هؤلاء حقوقهم ، فيقول : يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقول الله ~~لملائكته : انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فان بقي مثقال ذرة من ~~حسنة ضعفها ms2878 الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته . مصداق ذلك في ~~كتاب الله تعالى : { وإن تك حسنة يضاعفها } وقال الحسن : قوله : { وإن تك ~~حسنة يضاعفها } هذا أحب إلى العلماء مما لو قال : في الحسنة الواحدة مائة ~~ألف حسنة ، لأن ذلك الكلام يكون مقداره إنها خير من ألف شهر . وقال أبو ~~عثمان النهدي : بلغني عن أبي هريرة أنه قال : إن الله ليعطي عبده المؤمن ~~بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ، فقدر الله أن ذهبت إلى مكة حاجا أو معتمرا ~~فألفيته فقلت : بلغني عنك أنك تقول : إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة ~~الواحدة ألف ألف حسنة قال أبو هريرة : لم أقل ذلك ، ولكن قلت : إن الحسنة ~~تضاعف بألفي ألف ضعف ، ثم تلا هذه الآية وقال : إذا قال الله : { أجرا ~~عظيما } فمن يقدر قدره . # النوع الثالث : من الأمور التي اشتملت هذه الآية عليها قوله تعالى : { ~~ويؤت من لدنه أجرا عظيما } وفيه مسألتان : PageV10P084 # المسألة الأولى : لدن : بمعنى ( عند ) إلا أن ( لدن ) أكثر تمكينا ، يقول ~~الرجل : عندي مال إذا كان ماله ببلد آخر ، ولا يقال : لدي مال ولا لدني ، ~~إلا ما كان حاضرا . # المسألة الثانية : اعلم أنه لا بد من الفرق بين هذا وبين قوله : { وإن تك ~~حسنة يضاعفها } والذي يخظر ببالي والعلم عند الله ، أن ذلك التضعيف يكون من ~~جنس ذلك الثواب ، وأما هذا الأجر / العظيم فلا يكون من جنس ذلك الثواب ، ~~والظاهر أن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعد بها في الجنة ، وأما هذا ~~الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه ، فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية ، وعند ~~الاستغراق في المحبة والمعرفة ، وإنما خص هذا النوع بقوله : { من لدنه } ~~لأن هذا النوع من الغبطة والسعادة والبهجة والكمال ، لا ينال بالأعمال ~~الجسدانية ، بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الاشراق ~~والصفاء والنور ، وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادة الجسمانية ، ~~وهذا الأجر العظيم إشارة إلى السعادة الروحانية . # ! 7 < { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هاؤلاء شهيدا * ~~يومئذ يود الذين كفروا ms2879 وعصوا الرسول لو تسوى بهم الا رض ولا يكتمون الله ~~حديثا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 41 - 42 ) فكيف إذا جئنا . . . . . # > > # وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم ، وأنه ~~تعالى يجازي المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه ، فبين تعالى في هذه ~~الآية أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق ، لتكون ~~الحجة على المسىء أبلغ ، والتبكيت له أعظم وحسرته أشد ، ويكون سرور من قبل ~~ذلك من الرسول وأظهر الطاعة أعظم ، ويكون هذا وعيدا للكفار الذين قال الله ~~فيهم : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } ووعدا للمطيعين الذين قال الله فيهم ~~: { وإن تك حسنة يضاعفها } ( النساء : 40 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود : ( ~~إقرأ القرآن علي ) قال : فقلت يا رسول الله أنت الذي علمتنيه فقال : ( أحب ~~أن أسمعه من غيري ) قال ابن مسعود : فافتتحت سورة النساء ، فلما انتهيت إلى ~~هذه الآية بكى الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال ابن مسعود فأمسكت عن ~~القراءة . وذكر السدي أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون للرسل بالبلاغ ~~، والرسول صلى الله عليه وسلم يشهد لأمته بالتصديق ، فلهذا قال : { جعلناكم ~~أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : ~~143 ) وحكي عن عيسى عليه السلام أنه قال : { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~} ( المائدة : 117 ) . # / المسألة الثانية : من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه : ~~كيف بك إذا كان كذا وكذا ، وإذا فعل فلان كذا ، وإذا جاء وقت كذا ، فمعنى ~~هذا الكلام : كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل امة برسولها ، ~~واستشهدك على هؤلاء ، يعني قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف ~~أحوالهم . ثم إن أهل كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم ، وعلى ~~هذا الوجه قال عيسى عليه السلام : ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ) . ~~PageV10P085 # ثم انه تعالى وصف ذلك اليوم فقال : { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ~~لو تسوى بهم الارض ولا ms2880 يكتمون الله حديثا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { الذين كفروا وعصوا الرسول } يقتضي كون عصيان ~~الرسول مغايرا للكفر . لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز ، فوجب حمل عصيان ~~الرسول على المعاصي المغايرة للكفر ، إذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على ~~أن الكفار مخاطبون بفروع الاسلام ، وأنهم كما يعاقبون يوم القيامة على ~~الكفر فيعاقبون أيضا على تلك المعاصي . لأنه لو لم يكن لتلك المعصية أثر في ~~هذا المعنى لما كان في ذكر معصيتهم في هذا الموضع أثر . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو { تسوى } مضمومة التاء ~~خفيفة السين على ما لم يسم فاعله ، وقرأ نافع وابن عامر { تسوى } مفتوحة ~~التاء مشددة السين بمعنى : تتسوى ، فأدغم التاء في السين لقربها منها ، ولا ~~يكره اجتماع التشديدين في هذه القراءة لأن لها نظائر في التنزيل كقوله : { ~~اطيرنا بك } ( النمل : 47 ) { وازينت } ( يونس : 24 ) { * ويذكرون } ( ~~الأنعام : 26 ) وفي هذه القراءة اتساع ، وهو إسناد الفعل إلى الأرض وقرأ ~~حمزة والكسائي { لو تسوى } مفتوحة التاء والسين خفيفة ، حذفا التاء التى ~~أدغمها نافع / لأنها كما اعتلت بالادغام اعتلت بالحذف . # المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير قوله : { لو تسوى بهم الارض } وجوها : ~~الأول : لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى . والثاني : يودون ~~أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء . الثالث : تصير البهائم ترابا ~~فيودون حالها كقوله : { الكافر ياليتنى كنت ترابا } ( النبأ : 40 ) . # المسألة الرابعة : قوله : { ولا يكتمون الله حديثا } فيه لأهل التأويل ~~طريقان : الأول : أن هذا متصل بما قبله . والثاني : أنه كلام مبتدأ ، فاذا ~~جعلناه متصلا احتمل وجهين : أحدهما : ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما : ~~يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ~~ولا كفروا به ولا نافقوا ، وعلى هذا القول : الكتمان عائد إلى ما كتموا من ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، الثاني : أن المشركين لما رأوا يوم القيامة ~~أن الله تعالى يغفر لأهل الاسلام ولا يغفر / شركا ، قالوا : تعالوا فلنجحد ~~فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، وجاء أن ms2881 يغفر الله لهم ، فحينئذ يختم ~~على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون ، فهنالك يودون ~~أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا . # الطريق الثاني في التأويل : أن هذا الكلام مستأنف ، فان ما عملوه ظاهر ~~عند الله ، فكيف يقدرون على كتمانه ؟ # المسألة الخامسة : فان قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله : { ~~والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) . # والجواب من وجوه : الأول : أن مواطن القيامة كثيرة ، فموطن لا يتكلمون ~~فيه وهو قوله : { فلا تسمع إلا همسا } ( طه : 108 ) وموطن يتكلمون فيه ~~كقوله : { ما كنا نعمل من سوء } ( النحل : 28 ) وقولهم : { والله ربنا ما ~~كنا مشركين } فيكذبون في مواطن ، وفي مواطن يعترفون على أنفسهم بالكفر ~~ويسألون الرجعة وهو قولهم : { فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بئايات ربنا } ( ~~الأنعام : 27 ) وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم ~~وأرجلهم وجلودهم ، فنعوذ بالله من خزي ذلك اليوم . الثاني : أن هذا الكتمان ~~غير واقع ، بل هو داخل PageV10P086 في التمني على ما بينا . الثالث : أنهم ~~لم يقصدوا الكتمان ، وإنما أخبروا على حسب ما توهموا ، وتقديره : والله ما ~~كنا مشركين عند أنفسنا ، بل مصيبين في ظنوننا حتى تحققنا الآن . وسيجيء ~~الكلام في هذه المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى . # النوع العاشر : من التكاليف المذكورة في هذه السورة . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~أو جآء أحد منكم من الغآئط أو لامستم النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا ~~طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 43 ) يا أيها الذين . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجهين : الأول : أن جماعة من أفاضل ~~الصحابة صنع لهم عبد الرحمن بن عوف طعاما وشرابا حين كانت الخمر مباحة ~~فأكلوا وشربوا ، فلما ثلموا جاء وقت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم . ~~فقرأ : أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد ، فنزلت هذه الآية ms2882 ، فكانوا لا ~~يشربون في أوقات الصلوات ، فاذا صلوا العشاء شربوها ، فلا يصبحون إلا وقد / ~~ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ، ثم نزل تحريمها على الاطلاق في سورة ~~المائدة . وعن عمر رضي الله عنه أنه لما بلغه ذلك قال : اللهم إن الخمر تضر ~~بالعقول والأموال ، فأنزل فيها أمرك فصبحهم الوحي بآية المائدة . الثاني : ~~قال ابن عباس : نزلت في جماعة من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا ~~يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فنهاهم ~~الله عنه . # المسألة الثانية : في لفظ الصلاة قولان : أحدهما : المراد منه المسجد ، ~~وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ، وإليه ذهب الشافعي . # واعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل ، ويدل عليه وجهان : الأول : ~~أنه يكون من باب حذف المضاف ، أي لا تقربوا موضع الصلاة ، وحذف المضاف مجاز ~~شائع ، والثاني : قوله : { لهدمت صوامع وبيع وصلوات } ( الحج : 40 ) ~~والمراد بالصلوات مواضع الصلوات ، فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد به ~~المسجد جائز . # والقول الثاني : وعليه الأكثرون : أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس ~~الصلاة ، أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى . # واعلم أن فائدة الخلاف تظهر في حكم شرعي ، وهو أن على التقدير الأول يكون ~~المعنى : لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى ولا جنبا إلا عابري سبيل ، وعلى هذا ~~الوجه يكون الاستثناء دالا على أنه يجوز للجنب العبور في المسجد ، وهو قول ~~الشافعي . وأما على القول الثاني فيكون المعنى : لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى ، ولا تقربوها PageV10P087 حال كونكم جنبا إلا عابري سبيل ، والمراد ~~بعابر السبيل المسافر ، فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب ~~الاقدام على الصلاة عند العجز عن الماء . قال أصحاب الشافعي : هذا القول ~~الأول أرجح ، ويدل عليه وجوه : الأول : أنه قال : { لا تقربوا الصلواة } ~~والقرب والبعد لا يصحان على نفس الصلاة على سبيل الحقيقة ، إنما يصحان على ~~المسجد . الثاني : أنا لو حملناه على ما قلنا لكان الاستثناء صحيحا ، أما ~~لو حملناه على ما قلتم لم يكن صحيحا ، لأن من لم يكن عابر سبيل وقد ms2883 عجز عن ~~استعمال الماء بسبب المرض الشديد ، فانه يجوز له الصلاة بالتيمم ، وإذا كان ~~كذلك كان حمل الآية على ذلك أولى . الثالث : انا إذا حملنا عابر السبيل على ~~الجنب المسافر ، فهذا إن كان واجدا للماء لم يجز له القرب من الصلاة ألبتة ~~، فحينئذ يحتاج إلى إضمار هذا الاستثناء في الآية ، وإن لم يكن واجدا للماء ~~لم يجز له الصلاة إلا مع التيمم ، فيفتقر إلى إضمار هذا الاستثناء في الآية ~~، وإن لم يكن واجدا للماء لم يجز له الصلاة إلا مع التيمم ، فيفتقر إلى ~~إضمار هذا الشرط في الآية ، وأما على ما قلناه فانا لا نفتقر إلى إضمار شيء ~~في الآية فكان قولنا أولى . الرابع : أن الله تعالى ذكر حكم السفر وعدم ~~الماء ، وجواز التييم بعد هذا ، فلا يجوز حمل هذا / على حكم مذكور في آية ~~بعد هذه الآية ، والذي يؤكده أن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله : { ~~حتى تغتسلوا } ثم يستأنف قوله : { وإن كنتم مرضى } لأنه حكم آخر . وأما إذا ~~حملنا الآية على ما ذكرنا لم نحتج فيه إلى هذه الالحاقات فكان ما قلناه ~~أولى . ولمن نصر القول الثاني أن يقول : إن قوله تعالى : { حتى تعلموا ما ~~تقولون } يدل على أن المراد من قوله : { لا تقربوا الصلواة } نفس الصلاة ~~لأن المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه ، أما الصلاة ففيها أقوال ~~مخصوصة يمنع السكر منها ، فكان حمل لآية على هذا أولى ، وللقائل الأول ان ~~يجيب بأن الظاهر أن الانسان إنما يذهب إلى المسجد لأجل الصلاة ، فما يخل ~~بالصلاة كان كالمانع من الذهاب إلى المسجد فلهذا ذكر هذا المعنى . # المسألة الثالثة : قال الواحدي رحمه الله : السكارى جمع سكران ، وكل نعت ~~على فعلان فانه يجمع على : فعالى وفعالى ، مثل كسالى وكسالى ، وأصل السكر ~~في اللغة سد الطريق ، ومن ذلك سكر البثق وهو سده ، وسكرت عينه سكرا إذا ~~تحيرت ، ومنه قوله تعالى : { إنما سكرت أبصارنا } ( الحجر : 15 ) أي غشيت ~~فليس ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقيقتها ، ومن ذلك سكر الماء وهو ms2884 رده ~~على سننه في الجري . والسكر من الشراب وهو أن ينقطع عما عليه من النفاذ حال ~~الصحو ، فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في حال صحوه . إذا عرفت هذا فنقول : في ~~لفظ السكارى في هذه الآية قولان : الأول : المراد منه السكر من الخمر وهو ~~نقيض الصحو ، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين . # والقول الثاني : وهو قول الضحاك : وهو أنه ليس المراد منه سكر الخمر ، ~~إنما المراد منه سكر النوم ، قال : ولفظ السكر يستعمل في النوم فكان هذا ~~اللفظ محتملا له ، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه ، أما بيان أن اللفظ ~~محتمل له فمن وجهين : الأول : ما ذكرنا : أن لفظ السكر في أصل اللغة عبارة ~~عن سد الطريق ، ولا شك أن عند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة ~~فتنسد تلك المجاري بها ، ولا ينفذ الروح الباصر والسامع إلى ظاهر البدن . ~~الثاني : قول الفرزدق : # من السير والادلاج يحسب انما سقاه الكرى في كل منزلة خمرا # واذا ثبت أن اللفظ محتمل له فنقول : الدليل دل عليه ، وبيانه من وجوه : ~~الأول : أن قوله تعالى : PageV10P088 { لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون } ظاهره أنه تعالى نهاهم عن القرب من الصلاة حال صيرورتهم ~~بحيث لا يعلمون ما يقولون ، وتوجيه التكليف على مثل هذا الانسان ممتنع ~~بالعقل والنقل ، أما العقل فلأن تكليف مثل هذا الانسان يقتضي تكليف ما لا ~~يطاق ، وأما النقل فهو قوله عليه الصلاة والسلام : ( رفع القلم عن ثلاث عن ~~الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى / يفيق وعن النائم حتى يستيقظ ) ولا شك أن ~~هذا السكران يكون مثل المجنون ، فوجب ارتفاع التكليف عنه . # والحجة الثانية : قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا نعس أحدكم وهو في ~~الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم فانه إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر ~~فيسب نفسه ) هذا تقرير قول الضحاك . # واعلم أن الصحيح هو القول الأول ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن لفظ ~~السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر ، والأصل في الكلام الحقيقة ، فأما حمله ~~على السكر من ms2885 الشعق ، أو من الغضب أو من الخوف ، أو من النوم ، فكل ذلك ~~مجاز ، وإنما يستعمل مقيدا . قال تعالى : { وجاءت سكرة الموت } ( ق: 19 ) ~~وقال : { وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ( الحج : 2 ) الثاني : أن جميع ~~المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر / وقد ثبت في ~~أصول الفقه ان الآية إذا نزلت في واقعة معينة ولأجل سبب معين ، امتنع ان لا ~~يكون ذلك السبب مرادا بتلك الآية ، فأما قول الضحاك كيف يتناوله النهي حال ~~كونه سكران ؟ فنقول : وهذا أيضا لازم عليكم ، لأنه يقال : كيف يتناوله ~~النهي وهو نائم لا يفهم شيئا ؟ ثم الجواب عنه : ان المراد من الآية النهي ~~عن الشرب المؤدي إلى السكر المخل بالفهم حال وجوب الصلاة عليهم ، فخرج ~~اللفظ عن النهي عن الصلاة في حال السكر مع أن المراد منه النهي عن الشرب ~~الموجب للسكر في وقت الصلاة . وأما الحديث الذي تمسك به فذاك لا يدل على أن ~~السكر المذكور في الآية هو النوم . # المسألة الرابعة : قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المائدة ، وأقول : ~~الذي يمكن ادعاء النسخ فيه أنه يقال : نهى عن قربان الصلاة حال السكر ~~ممدودا إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول والحكم المدود إلى غاية يقتضي ~~انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية ، فهذا يقتضي جواز قربن الصلاة مع السكر ~~إذا صار بحيث يعلم ما يقول ، ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر بآية ~~المائدة فقد رفع هذا الجواز ، فثبت أن آية المائدة ناسخة لبعض مدلالوت هذه ~~الآية . هذا ما خطر ببالي في تقرير هذا النسخ . # والجواب عنه : أنا بينا أن حاصل هذا النهي راجع إلى النهي عن الشرب ~~الموجب للسكر عند القرب من الصلاة ، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ~~الحكم عما عداه الا على سبيل الظن الضعيف ، ومثل هذا لا يكون نسخا . # المسألة الخامسة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { سكارى } بفتح السين و { ~~سكارى } على أن يكون جمعا نحو : هلكى ، وجوعى . # / ثم قال تعالى : { ولا جنبا إلا عابرى ms2886 سبيل } قوله : { ولا جنبا } عطف ~~على قوله : { وأنتم سكارى } والواو ههنا للحال ، والتقدير : لا تقربوا ~~الصلاة حال ما تكونون سكارى ، وحال ما تكونون جنبا ، والجنب يستوى فيه ~~الواحد والجمع ، المذكر والمؤنث ، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو ~~الاجناب . وقد ذكرنا أن أصل الجنابة البعد ، وقيل للذي يجب عليه الغسل : ~~جنب ، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد وقراءة القرآن حتى PageV10P089 يتطهر . ثم ~~قال : { إلا عابرى سبيل } وقد ذكرنا أن فيه قولين : أحدهما : أن هذا العبور ~~المراد منه العبور في المسجد . الثاني : أن المراد بقوله : { إلا عابرى ~~سبيل } المسافرون ، وبينا كيفية ترجيح أحدهما على الآخر . # ! 7 < { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون ~~أن تضلوا السبيل } . > 7 ! # اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أصنافا أربعة : المرضى ، والمسافرين ، والذين ~~جاؤا من الغائط ، والذين لامسوا النساء . # فالقسمان الأولان : يلجئان إلى التيمم ، وهما المرض والسفر . # والقسمان الأخيران : يوجبان التطهر بالماء عند وجود الماء ، وبالتيمم عند ~~عدم الماء ، ونحن نذكر حكم كل واحد من هذه الأقسام : # أما السبب الأول : وهو المرض ، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام : أحدها : أن ~~يكون بحيث لو استعمل الماء لمات ، كما في الجدري الشديد والقروح العظيمة ، ~~وثانيها : أن لا يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة . وثالثها : ~~أن لا يخاف الموت والآلام الشديدة . لكنه يخاف بقاء شين أو عيب على البدن ، ~~فالفقهاء جوزوا التيمم في القسمين الأولين ، وما جوزوه في القسم الثالث ~~وزعم الحسن البصري أنه لا يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء ، بدليل ~~أنه شرط جواز التيمم للمريض بعدم وجدان الماء ، بدليل أنه قال في آخر الآية ~~: { فلم تجدوا ماء } وإذا كان هذا الشرط / معتبرا في جواز التيمم ، فعند ~~فقدان هذا الشرط وجب أن لا يجوز التيمم ، وهو أيضا قول ابن عباس . وكان ~~يقول : لو شاء الله لابتلاه بأشد من ذلك . ودليل الفقهاء أنه تعالى جوز ~~التيمم للمريض إذا لم يجد الماء ، وليس فيه دلالة على منعه من التيمم عند ~~وجوده ، ثم قد دلت السنة على جوازه ms2887 ، ويؤيده ما روي عن بعض الصحابة أنه ~~أصابته جنابة كان به جراحة عظيمة ، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال ، فلما ~~اغتسل مات ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : قتلوه قتلهم الله ، ~~فدل ذلك على جواز ما ذكرناه . # السبب الثاني : السفر : والآية تدل على أن المسافر إذا لم يجد الماء تيمم ~~، طال سفره أو قصر لهذه الآية . # السبب الثالث : قوله : { أو جاء أحد منكم من الغائط } والغائط المكان ~~المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان . وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب ~~غائطا من الأرض يحجبه عن أعين الناس ، ثم سمي الحدث بهذا الاسم تسمية للشيء ~~باسم مكانه . # السبب الرابع : قوله : { أو لامستم النساء } وفيه مسائل : PageV10P090 # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : { لامستم } بغير ألف من اللمس ، ~~والباقون { لامستم } بالألف من الملامسة . # المسألة الثانية : اختلف المفسرون في اللمس المذكور ههنا على قولين : ~~أحدهما : أن المراد به الجماع ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ، ~~وقول أبي حنيفة رضي الله عنه ، لأن اللمس باليد لا ينقض الطهارة . والثاني ~~: أن المراد باللمس ههنا التقاء البشرتين ، سواء كان بجماع أو غيره وهو قول ~~ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي وقول الشافعي رضي الله عنه . # واعلم أن هذا القول أرجح من الأول ، وذلك لأن إحدى القراءتين هي قوله ~~تعالى : { أو لامستم النساء } واللمس حقيقته المس باليد ، فأما تخصيصه ~~بالجماع فذاك مجاز ، والأصل حمل الكلام على حقيقته . وأما القراءة الثانية ~~وهي قوله : { أو لامستم } فهو مفاعلة من اللمس ، وذلك ليس حقيقة في الجماع ~~أيضا ، بل يجب حمله على حقيقته أيضا ، لئلا يقع التناقض بين المفهوم من ~~القراءتين المتواترتين واحتج من قال : المراد باللمس الجماع ، بأن لفظ ~~اللمس والمس وردا في القرآن بمعنى الجماع ، قال تعالى : { وإن طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن } ( البقرة : 37 ) وقال في آية الظهار : { فتحرير رقبة من ~~قبل أن يتماسا } ( المجادلة : 3 ) وعن ابن عباس أنه قال : إن الله حيي كريم ~~يعف ويكني ، فعبر عن المباشرة بالملامسة . وأيضا الحدث نوعان : الأصغر ، ~~وهو المراد بقوله : { أو جاء أحد ms2888 منكم من الغائط } فلو حملنا قوله : { أو ~~لامستم النساء } / على الحدث الأصغر لما بقي للحدث الأكبر ذكر في الآية ، ~~فوجب حمله على الحدث الأكبر . # واعلم أن كل ما ذكروه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل ، فوجب أن لا يجوز . ~~وأيضا فحكم الجنابة تقدم في قوله : { ولا جنبا } فلو حملنا هذه الآية على ~~الجنابة لزم التكرار . # المسألة الثالثة : قال أهل الظاهر : إنما ينتقض وضوء اللامس لظاهر قوله : ~~{ أو لامستم النساء } أما الملموس فلا . وقال الشافعي رضي الله عنه : بل ~~ينتقض وضوءهما معا . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأسباب الأربعة قال : { فلم تجدوا ماء } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : إذا دخل وقت الصلاة فطلب ~~الماء ولم يجده وتيمم وصلى ، ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة ~~أخرى . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب ، حجة الشافعي قوله : { فلم ~~تجدوا ماء } وعدم الوجدان مشعر بسبق الطلب ، فلا بد في كل مرة من سبق الطلب ~~. # فان قيل : قولنا : وجد ، لا يشعر بسبق الطلب ، بدليل قوله تعالى : { ~~ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى } ( الضحى : 7 8 ) وقوله : { وما ~~وجدنا لاكثرهم من عهد } ( الأعراف : 102 ) وقوله : { ولم نجد له عزما } فان ~~الطلب على الله محال . # قلنا : الطلب وإن كان في حقه تعالى محالا ، إلا أنه لما أخرج محمدا صلى ~~الله عليه وسلم من بين قومه بما لم يكن لائقا لقومه صار ذلك كأنه طلبه ، ~~ولما أمر المكلفين بالطاعات ثم إنهم قصروا فيها صار كأنه طلب شيئا ثم لم ~~يجده ، فخرجت هذه اللفظة في هذه الآيات على سبيل التأويل من الوجه الذي ~~ذكرناه . PageV10P091 # المسألة الثانية : أجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه يحتاج إليه لعطشه أو ~~عطش حيوان محترم جاز له التيمم ، أما إذا وجد من الماء مالا يكفيه للوضوء ، ~~فهل يجب عليه أن يجمع بين استعمال ذلك القدر من الماء وبين التيمم ؟ قد ~~أوجبه الشافعي رضي الله عنه ، متمسكا بظاهر لفظ الآية . # ثم قال تعالى : { فتيمموا صعيدا طيبا ms2889 } وفي مسائل : # المسألة الأولى : التيمم في اللغة عبارة عن القصد ، يقال : أممته وتيممته ~~وتأممته ، أي قصدته وأما على الصعيد فهو فعيل بمعنى الصاعد ، قال الزجاج : ~~الصعيد وجه الأرض ، ترابا كان أو غيره . # المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : لو فرضنا صخرا لا تراب ~~عليه فضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافيا . وقال الشافعي رضي الله ~~عنه : بل لا بد من تراب يلتصق بيده . احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية فقال ~~: التيمم هو القصد ، والصعيد هو ما تصاعد من الأرض ، فقوله : { فتيمموا ~~صعيدا طيبا } أي أقصدوا أرضا ، فوجب أن يكون هذا القدر كافيا . وأما ~~الشافعي فانه احتج بوجهين الأول : أن هذه الآية ههنا مطلقة ، ولكنها في ~~سورة المائدة مقيدة ، وهي قوله سبحانه : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } ~~وكلمة ( من ) للتبعيض ، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه . فان ~~قيل : إن كلمة ( من ) لابتداء الغاية ، قال صاحب ( الكشاف ) : لا يفهم أحد ~~من العرب من قول القائل : مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب : إلا ~~معنى التبعيض ، ثم قال : والاذعان للحق أحق من المراء . الثاني : ما ذكره ~~الواحدي رحمه الله ، وهو أنه تعالى أوجب في هذه الآية كون الصعيد طيبا ، ~~والأرض الطيبة هي التي تنبت بدليل قوله : { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ~~ربه } ( الأعراف : 58 ) فوجب في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة ، فكان قوله ~~: { فتيمموا صعيدا طيبا } أمرا بالتيمم بالتراب فقط ، وظاهر الأمر للوجوب . ~~أن قوله : { صعيدا طيبا } أمر بايقاع التيمم بالصعيد الطيب ، والصعيد الطيب ~~هو الأرض التي لا سبخة فيها ، ولا شك أن التيمم بهذا التراب جائز بالاجماع ~~، فوجب حمل الصعيد الطيب عليه رعاية لقاعدة الاحتياط ، لا سيما وقد خصص ~~النبي عليه الصلاة والسلام التراب بهذه الصفة ، فقال : ( جعلت لي الأرض ~~مسجدا وترابها طهورا ) وقال : ( التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء ) . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } محمول عند ~~كثير من المفسرين على الوجه واليدين إلى الكوعين ، وعند أكثر الفقهاء يجب ~~مسح اليدين ms2890 إلى المرفقين ، وحجتهم أن اسم اليد يتناول جملة هذا العضو إلى ~~الابطين ، إلا أنا أخرجنا المرفقين منه بدلالة الاجماع ، فبقي اللفظ ~~متناولا للباقي . ثم ختم تعالى الآية بقوله : { إن الله كان عفوا غفورا } ~~وهو كناية عن الترخيص ، والتيسير ، لأن من كان من عادته أنه يعفور عن ~~المذنبين ، فبأن يرخص للعاجزين كان أولى . # ! 7 < { والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } . > 7 ~~@QB@ < # | النساء : ( 44 - 45 ) ألم تر إلى . . . . . # > > PageV10P092 @ 93@ # / اعلم أنه تعالى لما ذكر من أول هذه السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة ~~من التكاليف والأحكام الشرعية ، قطع ههنا ببيان الأحكام الشرعية ، وذكر ~~أحوال أعداء الدين وأقاصيص المتقدمين ، لأن البقاء في النوع الواحد من ~~العلم مما يكل الطبع ويكدر الخاطر ، فأما الانتقال من نوع من العلوم إلى ~~نوع آخر ، فانه ينشط الخاطر ويقوى القريحة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { ألم تر } معناه : ألم ينته علمك إلى هؤلاء ، ~~وقد ذكرنا ما فيه عند قوله : { ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم } ( البقرة : ~~258 ) وحاصل الكلام أن العلم اليقيني يشبه الرؤية ، فيجوز جعل الرؤية ~~استعارة عن مثل هذا العلم . # المسألة الثانية : الذين أوتوا نصيبا من الكتاب : هم اليهود ، ويدل عليه ~~وجوه : الأول : أن قوله بعد هذه الآية : { من الذين هادوا } ( النساء : 46 ~~، المائدة : 41 ) متعلق بهذه الآية . الثاني : روى ابن عباس ان هذه الآية ~~نزلت في حبرين من أحبار اليهود ، كانا يأتيان رأس المنافقان عبدالله بن أبي ~~ورهطه فيثبطونهم عن الاسلام . الثالث : ان عداوة اليهود كانت أكثر من عداوة ~~النصارى بنص القرآن ، فكانت إحالة هذا المعنى على اليهود أولى . # المسألة الثالثة : لم يقل تعالى : انهم أوتوا علم الكتاب ، بل قال : { ~~أوتوا نصيبا من الكتاب } لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى عليه السلام ، ~~ولم يعرفوا منها نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فأما الذين أسلموا ~~كعبدالله بن سلام وعرفوا الأمرين ، فوصفهم الله بأن معهم علم الكتاب ، فقال ~~: { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب } ( الرعد : 43 ) ~~والله أعلم . # المسألة الرابعة ms2891 : اعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين : الضلال والاضلال ، أما ~~الضلال فهو قوله : { يشترون الضلالة } وفيه وجوه : الأول : قال الزجاج : ~~يؤثرون تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليأخذوا الرشا على ذلك ويحصل لهم ~~الرياسة ، وإنما ذكر ذلك بلفظ الاشتراء لأن من اشترى شيئا آثره . الثاني : ~~ان في الآية إضمارا ، وتأويله : يشترون الضلالة بالهدى كقوله : { أولائك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ( البقرة : 16 ) أي يستبدلون الضلالة بالهدى ~~، ولا إضمار على قول الزجاج . الثالث : المراد بهذه الآية عوام اليهود ، ~~فانهم كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم ويطلبون منهم أن ينصروا اليهودية ~~ويتعصبوا لها ، فكانوا جارين مجرى من يشتري بماله الشبهة والضلالة ، ولا ~~إضمار على هذا التأويل أيضا ، ولكن الأولى أن تكون الآية نازلة في علمائهم ~~، ثم لما وصفهم تعالى بالضلال وصفهم بعد ذلك بالاضلال فقال : { ويريدون أن ~~تضلوا السبيل } يعني أنهم يتوصلون إلى إضلال المؤمنين والتلبيس عليهم ؛ لكي ~~يخرجوا عن الاسلام . # / واعلم انك لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين أعني ~~الضلال والاضلال . # ثم قال تعالى : { والله أعلم بأعدائكم } أي هو سبحانه أعلم بكنه ما في ~~قلوبهم وصدورهم من العداوة والبغضاء . # ثم قال تعالى : { وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } والمعنى أنه تعالى ~~لما بين شدة عداوتهم للمسلمين ، بين أن الله تعالى ولى المسلمين وناصرهم ، ~~ومن كان الله وليا له وناصرا له لم تضره عداوة الخلق ، وفي الآية سؤالات : # السؤالا الأول : ولاية الله لعبده عبارة عن نصرته له ، فذكر النصير بعد ~~ذكر الولي تكرارا . PageV10P093 # والجواب : ان الولي المتصرف في الشيء ، والمتصرف في الشيء لا يجب أن يكون ~~ناصرا له فزال التكرار . # السؤال الثاني : لم لم يقل : وكفى بالله وليا ونصيرا ؟ وما الفائدة في ~~تكرير قوله : { وكفى بالله } . # والجواب : ان التكرار في مثل هذا المقام يكون أشد تأثيرا في القلب وأكثر ~~مبالغة . # السؤال الثالث : ما فائدة الباء في قوله : { وكفى بالله وليا } . # والجواب : ذكروا وجوها ، الأول : لو قيل : كفى الله ، كان يتصل الفعل ~~بالفاعل . ثم ههنا زيدت الباء إيذانا أن الكفاية من الله ليست ms2892 كالكفاية من ~~غيره في الرتبة وعظم المنزلة . الثاني : قال ابن السراج : تقدير الكلام : ~~كفى اكتفاؤك بالله وليا ، ولما ذكرت ( كفى ) دل على الاكتفاء ، لأنه من ~~لفظه ، كما تقول : من كذب كان شرا له ، أي كان الكذب شرا له ، فأضمرته ~~لدلالة الفعل عليه . الثالث : يخطر ببالي أن الباء في الأصل للالصاق ، وذلك ~~إنما يحسن في المؤثر الذي لا واسطة بينه وبين التأثير ، ولو قيل : كفى الله ~~، دل ذلك على كونه تعالى فاعلا لهذه الكفاية ، ولكن لا يدل ذلك على أنه ~~تعالى يفعل بواسطة أو بغير واسطة ، فاذا ذكرت حرف الباء دل على أنه يفعل ~~بغير واسطة ، بل هو تعالى يتكفل بتحصيل هذا المطلوب ابتداء من غير واسطة ~~أحد ، كما قال : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق: 16 ) . # ! 7 < { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا ~~واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين ولو أنهم قالوا سمعنا ~~وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا } . > 7 ! # / < < # | النساء : ( 46 ) من الذين هادوا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يشترون الضلالة شرح كيفية تلك ~~الضلالة وهي أمور : أحدها : أنهم كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه ، وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : في متعلق قوله : { من الذين } وجوه : الأول : أن يكون ~~بيانا للذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، والتقدير : ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب من الذين هادوا ، والثاني : أن يتعلق بقوله : { نصيرا } ~~والتقدير : وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا ، وهو كقوله : { ونصرناه من ~~القوم الذين كذبوا بئاياتنا } ( الأنبياء : 77 ) الثالث : أن يكون خبر ~~مبتدأ محذوف ، و { يحرفون } صفته . تقديره : من الذين هادوا قوم يحرفون ~~الكلم ، فحذف الموصوف وأقيم الوصف مكانه . الرابع : أنه تعالى لما قال : { ~~ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة } ( النساء : 44 ) ~~بقي ذلك مجملا من وجين ، فكأنه قيل : ومن ذلك الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~؟ فأجيب وقيل : من الذين هادوا ، ثم قيل : وكيف يشترون الضلالة ؟ فأجيب ms2893 ~~وقيل : PageV10P094 يحرفون الكلم . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : الجمع مؤنث ، فكان ينبغي أن يقال : ~~يحرفون الكلم عن مواضعها . # والجواب : قال الواحدي : هذا جمع حروفه أقل من حروف واحده ، وكل جمع يكون ~~كذلك فانه يجوز تذكيره ، ويمكن أن يقال : كون الجمع مؤنثا ليس أمرا حقيقيا ~~، بل هو أمر لفظي ، فكان التذكير والتأنيث فيه جائزا وقرىء ، يحرفون الكلم ~~. # المسألة الثالثة : في كيفية التحريف وجوه : أحدها : أنهم كانوا يبدلون ~~اللفظ بلفظ آخر مثل تحريفهم اسم ( ربعة ) عن موضعه في التوراة بوضعهم ( آدم ~~طويل ) مكانه ، ونحو تحريفهم ( الرجم ) بوضعهم ( الحد ) بدله ونظيره قوله ~~تعالى : { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هاذا من عند الله } ~~( البقرة : 79 ) . # فان قيل : كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ ~~التواتر المشهور / في الشرق والغرب ؟ # قلنا لعله يقال : القوم كانوا قليلين ، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية ~~القلة فقدروا على هذا التحريف ، والثاني : أن المراد بالتحريف : إلقاء ~~الشبه الباطلة ، والتأويلات الفاسدة ، وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى ~~باطل بوجوه الحيل اللفظية ، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات ~~المخالفة لمذاهبهم ، وهذا هو الأصح . الثالث : أنهم كانوا يدخلون على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به ، فاذا خرجوا من ~~عنده حرفوا كلامه . # المسألة الرابعة : ذكر الله تعالى ههنا : { عن مواضعه } وفي المائدة { من ~~بعد مواضعه } والفرق أنا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة ، فههنا ~~قوله : { يحرفون الكلم عن مواضعه } معناه : أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة ~~لتلك النصوص ، فههنا قوله : { يحرفون الكلم عن مواضعه } معناه : أنهم ~~يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص ، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك ~~اللفظة من الكتاب . وأما الآية المذكورة في سورة المائدة ، فهي دالة على ~~أنهم جمعوا بين الأمرين / فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة ، وكانوا يخرجون ~~اللفظ أيضا من الكتاب ، فقوله : { يحرفون الكلم } إشارة إلى التأويل الباطل ~~وقوله : { من بعد مواضعه } إشارة إلى إخراجه عن الكتاب . # النوع الثاني : من ضلالاتهم : ما ذكره الله تعالى بقوله : { ويقولون ~~سمعنا وعصينا } وفيه وجهان ms2894 : الأول : أن النبي عليه السلام كان إذا أمرهم ~~بشيء قالوا في الظاهر : سمعنا ، وقالوا في أنفسهم : وعصينا والثاني : أنهم ~~كانوا يظهرون قولهم : سمعنا وعصينا ، إظهارا للمخالفة ، واستحقارا للأمر . # النوع الثالث : من ضلالتهم قوله : { واسمع غير مسمع } . # واعلم ان هذه الكلمة ذو وجهين يحتمل المدح والتعظيم ، ويحتمل الاهانة ~~والشتم . أما أنه يحتمل المدح فهو أن يكون المراد اسمع غير مسمع مكروها ، ~~وأما أنه محتمل للشتم والذم فذاك من وجوه : الأول : أنهم كانوا يقولون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم : اسمع ، ويقولون في أنفسهم : لا سمعت ، فقوله : ~~{ غير مسمع } معناه : غير سامع ، فان السامع مسمع ، والمسمع سامع . الثاني ~~: غير مسمع ، أي غير مقبول منك ، ولا تجاب إلى ما تدعو اليه ، ومعناه غير ~~مسمع جوابا يوافقك ، فكأنك ما أسمعت شيئا . الثالث : اسمع غير مسمع كلاما ~~ترضاه ، ومتى كان كذلك فان الانسان لا يسمعه لنبو سمعه عنه ، فثبت بما ~~ذكرنا أن هذه الكلمة محتملة للذم والمدح ، فكانوا يذكرونها لغرض الشتم . ~~PageV10P095 # النوع الرابع : من ضلالاتهم قولهم : { وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى ~~الدين } أما تفسير { راعنا } فقد ذكرناه في سورة البقرة وفيه وجوه : الأول ~~: أن هذه كلمة كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخرية ، فلذلك نهى ~~المسلمون أن يتلفظوا بها في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم . الثاني : / ~~قوله : { راعنا } معناه ارعنا سمعك ، أي اصرف سمعك إلى كلامنا وأنصت ~~لحديثنا وتفهم ، وهذا مما لا يخاطب به الأنبياء عليهم السلام ، بل إنما ~~يخاطبون بالاجلال والتعظيم . الثالث : كانوا يقولون راعنا ويوهمونه في ظاهر ~~الأمر أنهم يريدون أرعنا سمعك ، وكانوا يريدون سبه بالرعونة في لغتهم . ~~الرابع : أنهم كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم : { راعنا } راعينا ، ~~وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناما لنا ، وقوله : { ليا بألسنتهم } قال ~~الواحدي : أصل ( ليا ( لويا ، لانه من لويت ، ولكن الواو أدغمت في الياء ~~لسبقها بالسكون ، ومثله الطي وفي تفسيره وجوه : الأول : قال الفراء كانوا ~~يقولون : راعنا ويريدون به الشتم ، فذاك هو اللي ، وكذلك قولهم : ( غير ~~مسمع ) وأرادوا به لا سمعت ، فهذا هو اللي . الثاني : انهم ms2895 كانوا يصلون ~~بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير على سبيل النفاق . ~~الثالث : لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام على سبيل ~~السخرية ، كما جرت عادة من يهزأ بانسان بمثل هذا الأفعال ، ثم بين تعالى ~~أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء لطعنهم في الدين ، لأنهم كانوا يقولون ~~لأصحابهم : إنما نشتمه ولا يعرف ، ولو كان نبيا لعرف ذلك ، فأظهر الله ~~تعالى ذلك فعرفه خبث ضمائرهم ، فانقلب ما فعلوه طعناه في نبوته دلالة قاطعة ~~على نبوته ، لأن الاخبار عن الغيب معجز . # فان قيل : كيف جاؤا بالقول المحتمل للوجهين بعدما حرفوا ، وقالوا سمعنا ~~وعصينا ؟ # والجواب من وجهين : الأول : أنا حكينا عن بعض المفسرين أنه قال : إنهم ما ~~كانوا يظهرون قولهم : { وعصينا } بل كانوا يقولونه فى أنفسهم . والثاني : ~~هب أنهم أظهروا ذلك إلا أن جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ، ~~ولا يواجهونه بالسب والشتم . # ثم قال تعالى : { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا ~~لهم وأقوم } والمعنى أنهم لو قالوا بدل قولهم : سمعنا وعصينا ، سمعنا ~~وأطعنا لعلمهم بصدقك ولاظهارك الدلائل والبينات مرات بعد مرات ، وبدل قولهم ~~: { واسمع غير مسمع } قولهم واسمع ، وبدل قولهم : { راعنا } قولهم : { ~~انظرنا } أي اسمع منا ما نقول ، وانظرنا حتى نتفهم عنك لكان خيرا لهم عند ~~الله وأقوم ، أي أعدل وأصوب ، ومنه يقال : رمح قويم أي مستقيم ؛ وقومت ~~الشيء من عوج فتقوم . # ثم قال : { ولكن لعنهم الله بكفرهم } والمراد أنه تعالى إنما لعنهم بسبب ~~كفرهم . # ثم قال : { فلا يؤمنون إلا قليلا } وفيه قولان : أحدهما : أن القليل صفة ~~للقوم ، والمعنى فلا يؤمن منهم إلا أقوام قليلون . ثم منهم من قال : كان ~~ذلك القليل عبدالله بن سلام وأصحابه ، وقيل : هم الذين علم الله منهم أنهم ~~يؤمنون بعد ذلك . # / والقول الثاني : أن القليل صفة للايمان ، والتقدير فلا يؤمنون إلا ~~إيمانا قليلا ، فانهم كانوا يؤمنون بالله والتوراة وموسى ولكنهم كانوا ~~يكفرون بسائر الأنبياء ، ورجح أبو علي الفارسي هذا القول على الأول ، قال : ~~لأن ( قليلا ) لفظ مفرد ، ولو أريد ms2896 به ناس لجمع نحو قوله : { إن هؤلاء ~~لشرذمة قليلون } ( الشعراء : 54 ) ويمكن أن PageV10P096 يجاب عنه بأنه قد ~~جاء فعيل مفردا ، والمراد به الجمع قال تعالى : { وحسن أولئك رفيقا } ( ~~النساء : 69 ) وقال : { ولا يسئل حميم حميما * يبصرونهم } ( المعارج : 10 ~~11 ) فدل عود الذكر مجموعا إلى القبيلين على أنه اريد بهما الكثرة . # ! 7 < { ياأيهآ الذين أوتوا الكتاب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من ~~قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت وكان ~~أمر الله مفعولا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 47 ) يا أيها الذين . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى بعد أن حكى عن اليهود أنواع مكرهم وإيذائهم ~~أمرهم بالايمان وقرن بهذا الأمر الوعيد الشديد على الترك ، ولقائل أن يقول ~~: كان يجب أن يأمرهم بالنظر والتفكر في الدلائل الدالة على صحة نبوته ، حتى ~~يكون إيمانهم استدلاليا ، فلما أمرهم بذلك الايمان ابتداء فكأنه تعالى ~~أمرهم بالايمان على سبيل التقليد . # والجواب عنه : أن هذا الخطاب مختص بالذين أوتوا الكتاب ، وهذا صفة من كان ~~عالما بجميع التوراة . ألا ترى أنه قال في الآية الأولى : { أم تريدون * ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } ( النساء : 44 ) ولم يقل : ألم تر إلى ~~الذين أوتوا الكتاب ، لأنهم ما كانوا عالمين بكل ما في التوراة ، فلما قال ~~في هذه الآية يقل : ألم تر إلى الذين أوتوا الكتاب ، لأنهم ما كانوا عالمين ~~بكل ما في التوراة ، فلما قال في هذه الآية : { قليلا يأيها الذين أوتوا ~~الكتاب } علمنا أن هذا التكليف مختص بمن كان عالما بكل التوراة ، ومن كان ~~كذلك فانه يكون عالما بالدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~لأن التوراة كانت مشتملة على تلك الدلائل ، ولهذا قال تعالى : { مصدقا لما ~~معكم } أي مصدقا للآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، واذا كان العلم حاصلا كان ذلك الكفر محض العناد ، فلا جرم حسن ~~منه تعالى أن يأمرهم بالايمان بمحمد عليه الصلاة والسلام جزما ، وأن / يقرن ~~الوعيد الشديد بذلك . # المسألة الثانية ms2897 : الطمس : المحو ، تقول العرب في وصف المفازة ، إنها ~~طامسة الأعلام وطمس الطريق وطمس إذا درس ، وقد طمس الله على بصره إذا أزاله ~~وأبطله ، وطمست الريح الأثر إذا محته ، وطمست الكتاب محوته ، وذكروا في ~~الطمس المذكور في هذه الآية قولين : أحدهما : حمل اللفظ على حقيقته وهو طمس ~~الوجوه : والثاني : حمل اللفظ على مجازه . # أما القول الأول : فهو أن المراد من طمس الوجوه محو تخطيط صورها ، فان ~~الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه الحواس ، فاذا أزيلت ومحيت كان ~~ذلك طمسا ، ومعنى قوله : { فنردها على أدبارها } رد الوجوه إلى ناحية القفا ~~، وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة ~~والفضيحة ، لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة ، فان هذا الوعيد مختص بيوم ~~القيامة على ما سنقيم الدلالة عليه ، ومما يقرره قوله تعالى : { وأما من ~~أوتى كتابه وراء ظهره } ( الانشقاق : 10 ) فانه إذا ردت الوجوه إلى القفا ~~أوتوا الكتاب PageV10P097 من وراء ظهورهم ، لأن في تلك الجهة العيون ~~والأفواه التي بها يدرك الكتاب ويقرأ باللسان . # فاما القول الثاني : فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه ، ثم ذكروا فيه ~~وجوها : الأول : قال الحسن : المراد نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها ، ~~أي على ضلالتها ، والمقصود بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات ~~، ونظيره قوله تعالى : { معرضون يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } ( الأنفال : ~~24 ) تحقيق القول فيه أن الانسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس / ~~ثم عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات ، ~~فقد امه عالم المعقولات ، ووراءه عالم المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من ~~قدامه إلى خلفه كما قال تعالى في صفتهم : { * ناكسورؤسهم } ( السجدة : 12 ) ~~. الثاني : يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير ، وبالوجوه : ~~رؤساؤهم ووجهاؤهم ، والمعنى من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم ~~الاقبال والوجاهة ونكسوهم الصغار والادبار والمذلة . الثالث : قال عبد ~~الرحمن ابن زيد : هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى ، وتأول ms2898 ذلك في إجلاء ~~قريظة والنضير إلى الشام ، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى ~~أذرعات وإريحاء من أرض الشام ، كما جاؤا منها بدءا ، وطمس الوجوه على هذا ~~التأويل يحتمل معنيين : أحدهما : تقبيح صورتهم يقال : طمس الله صورته كقوله ~~: قبح الله وجهه ، والثاني : إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها ~~. # فان قيل : إنه تعالى هددهم بطمس الوجوه على القول الثاني فلا إشكال ألبتة ~~، وان فسرناه / على القول الأول وهو حمله على ظاهره فالجواب عنه من وجوه : ~~الأول : أنه تعالى ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه ، بل جعل الوعيد إما الطمس ~~أو اللعن فانه قال : { أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت } وقد فعل ~~أحدهما وهو اللعن وهو قوله : { أو نلعنهم } وظاهره ليس هو المسخ . الثاني : ~~قوله تعالى : { ءامنوا } تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم ، فلزم أن ~~يكون قوله : { من قبل أن نطمس وجوها } واقعا في الآخرة ، فصار التقدير : ~~آمنوا من قبل أن يجىء وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت . الثالث : أنا ~~قد بينا أن قوله : { قليلا يأيها الذين أوتوا الكتاب } خطاب مع جميع ~~علمائهم ، فكان التهديد بهذا الطمس مشروطا بأن لا يأتي أحد منهم بالايمان ، ~~وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن عبدالله بن سلام وجمع كثير من أصحابه ، ففات ~~المشروط بفوات الشرط ، ويقال : لما نزلت هذه الآية أتى عبدالله بن سلام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم ، وقال : يا رسول ~~الله كنت أرى أن لا أصل اليك حتى يتحول وجهي في قفاي . الرابع : أنه تعالى ~~لم يقل : من قبل أن نطمس وجوهكم ، بل قال : { من قبل أن نطمس وجوها } ~~وعندنا أنه لا بد من طمس في اليهود أو مسخ قبل قيام الساعة ، ومما يدل على ~~أن المراد ليس طمس وجوههم بأعيابهم ، بل طمس وجوه غيرهم من أبناء جنسهم ~~قوله : { أو نلعنهم } فذكرهم على سبيل المغايبة ، ولو كان المراد أولئك ~~المخاطبين لذكرهم على سبيل الخطاب ، وحمل الآية على طريقة الالتفات وإن كان ms2899 ~~جائزا إلا أن الأظهر ما ذكرناه . # ثم قال تعالى : { أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت } قال مقاتل وغيره : ~~نمسخهم قردة كما فعلنا ذلك بأوائلهم . وقال أكثر المحققين : الأظهر حمل ~~الآية على اللعن المتعارف ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { قل هل أنبئكم بشر ~~من ذالك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير ~~} PageV10P098 ففصل تعالى ههنا بين اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير ، وههنا ~~سؤالات : # السؤال الأول : إلى من يرجع الضمير في قوله : { أو نلعنهم } . # الجواب : إلى الوجوه إن أريد الوجهاء أو لأصحاب الوجوه ، لأن المعنى من ~~قبل أن نطمس وجوه قوم ، أو يرجع إلى الذين أوتوا على طريقة الالتفات . # السؤال الثاني : قد كان اللعن والطمس حاصلين قبل الوعيد على الفعل فلا بد ~~وأن يتحدا . # والجواب : أن لعنه تعالى لهم من بعد هذا الوعيد يكون أزيد تأثيرا في ~~الخزي فيصح ذلك فيه . # السؤال الثالث : قوله تعالى : { قليلا يأيها الذين أوتوا الكتاب } خطاب ~~مشافهة ، وقوله : { أو نلعنهم } خطاب مغايبة ، فكيف يليق أحدهما بالآخر ؟ # / الجواب : منهم من حمل ذلك على طريقة الالتفات كما في قوله تعالى : { ~~حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم } ( يونس : 22 ) ومنهم من قال : هذا تنبيه ~~على أن التهديد حاصل في غيرهم ممن يكذبون من أبناء جنسهم . وعندي فيه ~~احتمال آخر : وهو أن اللعن هو الطرد والابعاد ، وذكر البعيد لا يكون إلا ~~بالمغايبة ، فلما لعنهم ذكرهم بعبارة الغيبة . # ثم قال تعالى : { وكان أمر الله مفعولا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : يريد لا راد لحكمه ولا ناقض لأمره ، على ~~معنى أنه لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله ، كما تقول في الشيء الذي لا شك ~~في حصوله : هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد . وإنما قال : { وكان } إخبارا ~~عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين أنه مهما أخبرهم بانزال العذاب ~~عليهم فعل ذلك لا محالة ، فكأنه قيل لهم : أنتم تعلمون أنه كان تهديد الله ~~في الأمم السالفة واقعا لا محالة ، فاحترزوا الآن وكونوا على حذر ms2900 من هذا ~~الوعيد والله أعلم . # المسألة الثانية : احتج الجبائي بهذه الآية على أن كلام الله محدث فقال : ~~قوله : { وكان أمر الله مفعولا } يقتضي أن أمره مفعول ، والمخلوق والمصنوع ~~والمفعول واحد ، فدل هذا على أن أمر الله مخلوق مصنوع ، وهذا في غاية ~~السقوط لأن الأمر في اللغة جاء بمعنى الشأن والطريقة والفعل قال تعالى : { ~~وما أمر فرعون برشيد } ( هود : 97 ) والمراد ههنا ذاك . # ! 7 < { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ومن يشرك ~~بالله فقد افترى إثما عظيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 48 ) إن الله لا . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى لما هدد اليهود على الكفر ، وبين أن ذلك التهديد ~~لا بد من وقوعه لا محالة بين أن مثل هذا التهديد من خواص الكفر ، فأما سائر ~~الذنوب التي هي مغايرة للكفر فليست حالها كذلك ، بل هو PageV10P099 سبحانه ~~قد يعفو عنها ، فلا جرم قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا في عرف الشرع ~~، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور ، ~~فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك / لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية ، ~~وبالاجماع هي غير مغفورة ، فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك . الثاني : أن ~~اتصال هذه الآية بما قبلها إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود ، فلولا أن ~~اليهودية داخلة تحت اسم الشرك ، وإلا لم يكن الأمر كذلك . # فان قيل : قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا والذين هادوا } إلى قوله : { ~~والذين أشركوا } ( الحج : 17 ) عطف المشرك على اليهودي ، وذلك يقتضي ~~المغايرة . # قلنا : المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي ، والاتحاد حاصل بسبب المفهوم ~~الشرعي ، ولا بد من المصير إلى ما ذكرناه دفعا للتناقض . إذا ثبتت هذه ~~المقدمة فنقول : قال الشافعي رضي الله عنه : المسلم لا يقتل بالذمي ، وقال ~~أبو حنيفة : يقتل . حجة الشافعي أن الذمي مشرك لما ذكرناه ، والمشرك مباح ~~الدم لقوله تعالى : اقتلوا المشركين . فكان ms2901 الذمي مباح الدم على الوجه الذي ~~ذكرناه ومباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله ، ولا يتوجه النهي عن ~~قتله ترك العمل بهذا الدليل في حق النهي ، فوجب أن يبقى معمولا به في سقوط ~~القصاص عن قاتله . # المسألة الثانية : هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب ~~الكبائر . # واعلم أن الاستدلال بها من وجوه : # الوجه الأول : أن قوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } معناه لا يغفر ~~الشرك على سبيل التفضل لأنه بالاجماع لا يغفر على سبيل الوجوب ، وذلك عندما ~~يتوب المشرك عن شركه ، فاذا كان قوله : إن الله لا يغفر الشرك هو أنه لا ~~يغفره على سبيل التفضل ، وجب أن يكون قوله : { ويغفر ما دون ذلك } هو أن ~~يغفره على سبيل التفضل ؛ حتى يكون النفي والاثبات متواردين على معنى واحد . ~~ألا ترى أنه لو قال : فلان لا يعطي أحدا تفضلا ، ويعطي زائدا فانه يفهم منه ~~أنه يعطيه تفضلا ، حتى لو صرح وقال : لا يعطي أحدا شيئا على سبيل التفضل ~~ويعطي أزيد على سبيل الوجوب ، فكل عاقل يحكم بركاكة هذا الكلام ، فثبت أن ~~قوله : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } على سبيل التفضل . إذا ثبت هذا فنقول ~~: وجب أن يكون المراد منه أصحاب الكبائر قبل التوبة ، لأن عند المعتزلة ~~غفران الصغيرة وغفران الكبيرة بعد التوبة واجب عقلا ، فلا يمكن حمل الآية ~~عليه ، فاذا تقرر ذلك لم يبق إلا حمل الآية على غفران الكبيرة قبل التوبة ~~وهو المطلوب . الثاني : أنه تعالى قسم المنهيات على قسمين : الشرك وما سوى ~~الشرك ، ثم إن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة ، والكبيرة بعد ~~التوبة والصغيرة ، ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور قطعا ، وعلى ما سواه ~~بأنه مغفور قطعا ، لتكن في حق من يشاء ، فصار تقدير الآية أنه تعالى يغفر ~~كل ما سوى الشرك ، لكن في حق / من شاء . ولما دلت الآية على أن كل ما سوى ~~الشرك مغفور ، وجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة أيضا مغفورة . الثالث : أنه ms2902 ~~تعالى قال : { لمن يشاء } فعلق هذا الغفران بالمشيئة ، وغفران الكبيرة بعد ~~التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به ، PageV10P100 وغير معلق على المشيئة ، ~~فوجب أن يكون الغفران المذكور في هذه الآية هو غفران الكبيرة قبل التوبة ~~وهو المطلوب ، واعترضوا على هذا الوجه الأخير بأن تعليق الأمر بالمشيئة لا ~~ينافي وجوبه ، ألا ترى أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { بل الله يزكى من ~~يشاء } ( النساء : 49 ) ثم إنا نعلم أنه تعالى لا يزكي إلا من كان أهلا ~~للتزكية ، وإلا كان كذبا ، والكذب على الله محال ، فكذا ههنا . # واعلم أنه ليس للمعتزلة على هذه الوجوه كلام يلتفت إليه إلا المعارضة ~~بعمومات الوعيد ، ونحن نعارضها بعمومات الوعد ، والكلام فيه على الاستقصاء ~~مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 81 ) فلا فائدة في ~~الاعادة . وروى الواحدي في البسيط باسناده عن ابن عمر قال : كنا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من ~~أهل النار ، حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادات . وقال ابن عباس : إني ~~لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل ، كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب . ذكر ذلك ~~عند عمر بن الخطاب فسكت عمر . وروي مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: ( اتسموا بالايمان وأقربوا به فكما لا يخرج إحسان المشرك المشرك من ~~إشراكه كذلك لا تخرج ذنوب المؤمن المؤمن من إيمانه ) . # المسألة الثانية : روي عن ابن عباس انه قال : لما قتل وحشي حمزة يوم أحد ~~، وكانوا قد وعدوه بالاعتاق ان هو فعل ذلك ، ثم أنهم ما وفوا له بذلك ، ~~فعند ذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذنبهم ، ~~وانه لا يمنعهم عن الدخول في الاسلام إلا قوله تعالى : { والذين لا يدعون ~~مع الله إلاها ءاخر } ( الفرقان : 68 ) فقالوا : قد ارتكبنا كل ما في الآية ~~، فنزل قوله : { إلا من تاب وءامن وعمل عملا صالحا } ( الفرقان : 70 ms2903 ) ~~فقالوا : هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به ، فنزل قوله : { إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فقالوا : نخاف أن لا نكون من أهل ~~مشيئته ، فنزل { قل ياأهل * عبادى * الذين أسرفوا على أنفسهم } ( الزمر : ~~53 ) فدخلوا عند ذلك في الاسلام . وطعن القاضي في هذه الرواية وقال : ان من ~~يريد الايمان لا يجوز منه المراجعة على هذا الحد ؛ ولأن قوله : { إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا } ( الزمر : 53 ) لو كان على اطلاقه لكان ذلك اغراء لهم ~~بالثبات على ما هم عليه . # والجواب عنه : لا يبعد أن يقال : انهم استعظموا قتل حمزة وايذاء الرسول ~~إلى ذلك / الحد ، فوقعت الشبهة في قلوبهم أن ذلك هل يغفر لهم أم لا ، فلهذا ~~المعنى حصلت المراجعة . وقوله : هذا إعراء بالقبيح ، فهو انه إنما يتم على ~~مذهبه ، أما على قولنا : انه تعالى فعال لما يريد ، فالسؤال ساقط والله ~~أعلم . # ثم قال : { ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } أي اختلق ذنبا غير ~~مغفور ، يقال : افترى فلان الكذب إذا اعتمله واختلقه ، وأصله من الفرى ~~بمعنى القطع . # ! 7 < { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشآء ولا يظلمون ~~فتيلا * انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 49 - 50 ) ألم تر إلى . . . . . # > > PageV10P101 # اعمل أنه تعالى لما هدد اليهود بقوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ~~فعند هذا قالوا : لسنا من المشركين ، بل نحن خواص الله تعالى كما حكى تعالى ~~عنهم انه قالوا : { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) وحكى عنهم ~~أنهم قالوا : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } وحكى أيضا أنهم قالوا : ~~{ لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ( البقرة : 111 ) وبعضهم كانوا ~~يقولون : أن آباءنا كانوا أنبياء فيشفعون لنا . وعن ابن عباس رضي الله عنه ~~ان قوما من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا ~~محمد هل على هؤلاء ذنب ؟ فقال لا ، فقالوا : والله ما نحن إلا كهؤلاء ms2904 : ما ~~عملناه بالليل كفر عنا بالنهار ، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل . ~~وبالجملة فالقوم كانوا قد بالغوا في تزكية أنفسهم فذكر تعالى في هذه الآية ~~أنه لا عبرة بتزكية الانسان نفسه ، وإنما العبرة بتزكية الله له وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : التزكية في هذا الموضع عبارة عن مدح الانسان نفسه ، ~~ومنه تزكية المعدل للشاهد ، قال تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن ~~اتقى } ( النجم : 32 ) وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى ، والتقوى صفة في ~~الباطن ، ولا يعلم حقيقتها إلا الله ، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا من الله ~~، فلهذا قال تعالى : { بل الله يزكى من يشاء } . # فان قيل : أليس أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( والله إني لأمين في ~~السماء أمين في الأرض ) . # قلنا : إنما قال ذلك حين قال المنافقون له : اعدل في القسمة ، ولأن الله ~~تعالى لما زكاه / أولا بدلالة المعجزة جاز له ذلك بخلاف غيره . # المسألة الثانية : قوله : { بل الله يزكى من يشاء } يدل على أن الايمان ~~يحصل بخلق الله تعالى لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الايمان ، ~~فلما ذكر تعالى انه هو الذي يزكي من يشاء دل على أن ايمان المؤمنين لم يحصل ~~إلا بخلق الله تعالى . # المسألة الثالثة : قوله : { ولا يظلمون فتيلا } هو كقوله : { إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة } ( النساء : 40 ) والمعنى ان الذين يزكون أنفسهم يعاقبون ~~على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم ، أو يكون المعنى : أن الذين زكاهم ~~الله فانه يثيبهم على طاعاتهم ولا ينقص من ثوابهم شيئا ، والفتيل ما فتلت ~~بين أصبعيك من الوسخ ، فعيل بمعنى مفعول ، وعن ابن السكيت : الفتيل ما كان ~~في شق النواة ، والنقير النقطة التي في ظهر النواة ، والقطمير القشرة ~~الرقيقة على النواة ، وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير ، ~~أي لا يظلمون لا قليلا ولا كثيرا . # ثم قال تعالى : { انظر كيف يفترون على الله الكذب } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم من فريتهم على الله ~~، وهي تزكيتهم أنفسهم وافتراؤهم على ms2905 الله ، وهو قولهم : { نحن أبناء الله ~~وأحباؤه } وقولهم : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } وقولهم : ~~ما عملناه بالنهار يكفر عنا بالليل . # المسألة الثانية : مذهبنا أن الخبر عن الشيء اذا كان على خلاف المخبر عنه ~~كان كذبا ، سواء علم قائله كونه كذلك أو لم يعلم / وقال الجاحظ : شرط كونه ~~كذبا أن يعلم كونه بخلاف ذلك ، وهذه الآية دليل لنا PageV10P102 لأنهم ~~كانوا يعتقدون في أنفسهم الزكاء والطهارة ، ثم لما أخبروا بالزكاة والطهارة ~~كذبهم الله فيه ، وهذا يدل على ما قلناه . # ثم قال تعالى : { وكفى به إثما مبينا } وإنما يقال : كفى به في التعظيم ~~على جهة المدح أو على جهة الذم ، أما في المدح فكقوله : { وكفى بالله وليا ~~وكفى بالله نصيرا } ( النساء : 45 ) وأما في الذم فكما في هذا الموضع . ~~وقوله : { إثما مبينا } منصوب على التمييز . # ! 7 < { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ~~ويقولون للذين كفروا هاؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا * أولائك الذين ~~لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 51 - 52 ) ألم تر إلى . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى حكى عن اليهود نوعا آخر من المكر ، وهو أنهم كانوا ~~يفضلون عبدة الأصنام على المؤمنين ، ولا شك أنهم كانوا عالمين بأن ذلك باطل ~~، فكان إقدامهم على هذا القول لمحض العناد والتعصب ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى ~~مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشا على محاربة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ، فقالوا : أنتم أهل كتاب ، وأنتم أقرب إلى محمد منكم الينا فلا نأمن ~~مكركم ، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا ، ففعلوا ذلك . فهذا إيمانهم ~~بالجبت والطاغوت ، لأنهم سجدوا للأصنام ، فقال أبو سفيان : أنحن أهدى سبيلا ~~أم محمد ؟ فقال كعب : ماذا يقول محمد ؟ يأمر بعبادة الله وحده وينهي عن ~~عبادة الأصنام وترك دين آبائه ، وأوقع الفرقة . قال : وما دينكم ؟ قالوا : ~~نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني وذكروا أفعالهم ، فقال ~~: أنتم أهدى ms2906 سبيلا . فهذا هو المراد من قولهم : { للذين كفروا هؤلاء أهدى ~~من الذين ءامنوا سبيلا } ( النساء : 51 ) . # المسألة الثانية : اختلف الناس في الجبت والطاغوت ، وذكروا فيه وجوه : ~~الأول : قال أهل اللغة : كل معبود دون الله فهو جبت وطاغوت ، ثم زعم ~~الأكثرون أن الجبت ليس له تصرف في اللغة . وحكى القفال عن بعضهم أن الجبت ~~أصله جبس ، فأبدلت السين تاء ، والجبس هو الخبيث الردىء ، وأما الطاغوت فهو ~~مأخوذ من الطغيان ، وهو الاسراف في المعصية ، فكل من دعا إلى المعاصي ~~الكبار لزمه هذا الاسم ، ثم توسعوا في هذا الاسم حتى أوقعوه على الجماد ، ~~كما قال تعالى : { واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس } ( إبراهيم : 35 36 ) فأضاف الاضلال إلى الأصنام مع أنها جمادات . ~~الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله ، ~~والطاغوت الشيطان . الثالث : الجبت الأصنام ، والطاغوت تراجمة الأصنام ~~يترجمون للناس عنها الأكاذيب فيضلونهم بها ، وهو منقول عن ابن عباس . ~~الرابع : روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : الجبت الكاهن ، والطاغوت ~~الساحر . الخامس : قال الكلبي : الجبت في هذه PageV10P103 الآية حيي بن ~~أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف ، وكانت اليهود يرجعون اليهما ، فسيما بهذين ~~الاسمين لسعيهما في إغواء / الناس وإضلالهم . السادس : الجبت والطاغوت ~~صنمان لقريش ، وهما الصنمان اللذان سجد اليهود لهما طلبا لمرضاة قريش ، ~~وبالجملة فالأقاويل كثيرة ، وهما كلمتان وضعتا علمين على من كان غاية في ~~الشر والفساد . # ثم قال تعالى : { أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ~~} فبين أن عليهم اللعن من الله وهو الخذلان والابعاد ، وهو ضد ما للمؤمنين ~~من القربة والزلفى ؛ وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له ، كما قال : ~~{ ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } ( الأحزاب : 61 ) فهذا اللعن ~~حاضر ، وما في الآخرة أعظم ، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله ، وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية ، ~~بالضد على الضد ، كما قال في الآيات المتقدمة : { وكفى بالله وليا ms2907 وكفى ~~بالله نصيرا } ( النساء : 45 ) . # واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل ~~عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يجري مجرى المكابرة ~~، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله ومن ~~كان دينه الاقبال بالكلية على خدمة الخالق والاعراض عن الدنيا والاقبال على ~~الآخرة ، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال والله أعلم . # ! 7 < { أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 53 ) أم لهم نصيب . . . . . # > > اعلم أنه تعالى وصف اليهود في الآية المتقدمة بالجهل الشديد ، وهو ~~اعتقادهم أن عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى ، ووصفهم في هذه الآية ~~بالبخل والحسد ، فالبخل هو أن لا يدفع لأحد شيئا مما آتاه الله من النعمة ، ~~والحسد هو أن يتمنى أن لا يعطي الله غيره شيئا من النعم ، فالبخل والحسد ~~يشتركان في أن صاحبه يريد منع النعمة من الغير ، فأما البخيل فيمنع نعمة ~~نفسه عن الغير ، وأما الحاسد فيريد أن يمنع نعمة الله من عبادة ، وإنما قدم ~~تلك الآية على هذه الآية لأن النفس الانسانية لها قوتان : القوة العالمة ~~والقوة العاملة ، فكمال القوة العالمة العلم ، ونقصانها الجهل ، وكمال ~~القوة العاملة : الأخلاق الحميدة ، ونقصانها الأخلاق الذميمة ، وأشد ~~الأخلاق الذميمة نقصانا البخل والحسد ، لأنهما منشآن لعود المضار إلى عباد ~~الله . # إذا عرفت هذا فنقول : إنما قدم وصفهم بالجهل على وصفهم بالبخل والحسد ~~لوجهين : الأول : أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية في الشرف ~~والرتبة وأصل لها ، فكان شرح حالها يجب / أن يكون مقدما على شرح حال القوة ~~العملية . الثاني : أن السبب لحصول البخل والحسد هو الجهل ، والسبب مقدم ~~على المسبب ، لا جرم قدم تعالى ذكر الجهل على ذكر البخل والحسد . وإنما ~~قلنا : إن الجهل سبب البخل والحسد : أما البخل فلأن بذل المال سبب لطهارة ~~النفس ولحصول السعادة في الآخرة ، وحبس المال سبب لحصول مال الدنيا في يده ~~، فالبخل يدعوك إلى الدنيا ms2908 ويمنعك عن الآخرة ، والجود يدعوك إلى الآخرة ~~ويمنعك عن الدنيا ، ولا شك أن ترجيح الدنيا على الآخرة لا يكون إلا من محض ~~الجهل . وأما الحسد فلأن الالهية عبارة عن إيصال النعم والاحسان إلى العبيد ~~، فمن كره ذلك فكأنه أراد عزل الاله عن الالهية ، وذلك PageV10P104 محض ~~الجهل . فثبت أن السبب الأصلي للبخل والحسد هو الجهل ، فلما ذكر تعالى ~~الجهل أردفه بذكر البخل والحسد ليكون المسبب مذكورا عقيب السبب ، فهذا هو ~~الاشارة إلى نظم هذه الآية ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : ( أم ) ههنا فيه وجوه : الأول : قال بعضهم : الميم صلة ~~، وتقديره : ألهم لأن حرف ( أم ) إذا لم يسبقه استفهام كان الميم فيه صلة . ~~الثاني : أن ( أم ) ههنا متصلة ، وقد سبق ههنا استفهام على سبيل المعنى ، ~~وذلك لأنه تعالى لما حكى عن هؤلاء الملعونين قولهم للمشركين : انهم أهدى ~~سبيلا من المؤمنين ، عطف عليه بقوله : { أم لهم نصيب } فكأنه تعالى قال : ~~أمن ذلك يتعجب ، أم من قولهم : لهم نصيب من الملك ، مع أنه لو كان لهم ملك ~~لبخلوا بأقل القليل . الثالث : أن ( أم ) ههنا منقطعة وغير متصلة بما قبلها ~~ألبتة ، كأنه لما تم الكلام الأول قال : بل لهم نصيب من الملك ، وهذا ~~الاستفهام استفهام بمعنى الانكار ، يعني ليس لهم شيء من الملك ألبتة ، وهذا ~~الوجه أصح الوجوه . # المسألة الثانية : ذكروا في هذا الملك وجوها : الأول اليهود كانوا يقولون ~~نحن أولى بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب ؟ فأبطل الله عليهم قولهم في هذه ~~الآية . الثاني : أن اليهود كانوا يزعمون أن الملك يعود اليهم في آخر ~~الزمان ، وذلك أنه يخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودولتهم ويدعو إلى دينهم ، ~~فكذبهم الله في هذه الآية . الثالث : المراد بالملك ههنا التمليك ، يعني ~~أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك اليهم ، ولو كان التمليك ~~اليهم لبخلوا بالنقير والقطمير ، فكيف يقدرون على النفي والاثبات . قال أبو ~~بكر الأصم : كانوا أصحاب بساتين وأموال ، وكانوا في عزة ومنعة ثم كانوا ~~يبخلون على الفقراء بأقل القليل / فنزلت هذه الآية . # المسألة الثالثة : أنه تعالى ms2909 جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم ، وهذا ~~يدل على أن الملك والبخل لا يجتمعان ، وتحقيق الكلام فيه من حيث العقل أن ~~الانقياد للغير أمر مكروه لذاته ، والانسان لا يتحمل المكروه إلا إذا وجد ~~في مقابلته أمرا مطلوبا مرغوبا فيه ، وجهات الحاجات / محيطة بالناس ، فاذا ~~صدر من إنسان احسان إلى غيره صارت رغبة المحسن اليه في ذلك المال سببا ~~لصيرورته منقادا مطيعا له ، فلهذا قيل : بالبر يستعبد الحر ، فاذا لم يوجد ~~هذا بقيت النفرة الطبيعية عن الانقياد للغير خالصا عن المعارض ، فلا يحصل ~~الانقياد ألبتة ، فثبت أن الملك والبخل لا يجتمعان ثم ان الملك على ثلاثة ~~أقسام : ملك على الظواهر فقط ، وهذا هو ملك الملوك ، وملك على البواطن فقط ~~، وهذا هو ملك العلماء ، وملك على الظواهر والبواطن معا ، وهذا هو ملك ~~الأنبياء صلوات الله عليهم . فاذا كان الجود من لوازم الملك وجب في ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا في غاية الجود والكرم والرحمة ~~والشفقة ، ليصير كل واحد من هذه الاخلاق سببا لانقياد الخلق لهم ، ~~وامتثالهم لأوامرهم . وكمال هذه الصفات حاصل لمحمد عليه الصلاة والسلام . # المسألة الرابعة : قال سيبويه : ( إذن ) في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في ~~عوامل الأسماء ، وتقريره أن الظن إذا وقع في أول الكلام نصب لا غير ، كقولك ~~أظن زيدا قائما ، وإن وقع في الوسط جاز إلغاؤه وإعماله ، كقوله : زيد أظن ~~قائم ، وإن شئت قلت زيدا أظن قائما ، وإن تأخر فالأحسن إلغاؤه ، تقول زيد ~~منطلق ظننت ، والسبب فيما ذكرناه أن ( ظن ) وما أشبهه من الأفعال نحو علم ~~وحسب ضعيفة في العمل ، لأنها لا تؤثر PageV10P105 في معمولاتها ، فاذا تقدم ~~دل التقديم في الذكر على شدة العناية فقوي على التأثير ، وإذا تأخر دل على ~~عدم العناية فلغا ، وإن توسط فحينئذ لا يكون في محل العناية من كل الوجوه ، ~~ولا في محل الاهمال من كل الوجوه ، بل كانت كالمتوسطة في هاتين الحالتين ~~فلا جرم كان الاعمال والالغاء جائزا . # واعلم أن الاعمال في حال التوسط أحسن ، والالغاء حال التأخر أحسن . # إذا عرفت ms2910 هذا فنقول : كلمة ( إذن ) على هذا الترتيب أيضا ، فان تقدمت ~~نصبت الفعل ، تقول إذن أكرمك ، وإن توسطت أو تأخرت جاز الالغاء ، تقول أنا ~~إذن أكرمك ، وأنا أكرمك إذن فتلغيه في هاتين الحالتين . # إذا عرفت هذه المقدمة فقوله تعالى : { فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } كلمة ~~( إذن ) فيها متقدمة وما عملت ، فذكروا في العذر وجوها : الأول : أن في ~~الكلام تقديما وتأخيرا ، والتقدير : لا يؤتون الناس نقيرا إذن . الثاني : ~~أنها لما وقعت بين الفاء والفعل جاز أن تقدر متوسطة فتلغى كما تلغى إذا ~~توسطت أو تأخرت ، وهكذا سبيلها مع الواو كقوله تعالى : { وإذا لا يلبثون ~~خلافك } والثالث : قرأ ابن مسعود { فإذا لا * يؤتوا } على إعمال ( إذن ) ~~عملها الذي هو النصب . # المسألة الخامسة : قال أهل اللغة : النقير نقرة في ظهر النواة ومنها تنبت ~~النخلة ، وأصله أنه / فعيل من النقر ، ويقال للخشب الذي ينقر فيه نقير لأنه ~~ينقر ، والنقر ضرب الحجر وغيره بالمنقار والمنقار حديدة كالفأس تقطع بها ~~الحجارة ، والغرض انهم يبخلون بأقل القليل . # ! 7 < { أم يحسدون الناس على مآ ءاتاهم الله من فضله فقد ءاتينآ ءال ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما * فمنهم من ءامن به ومنهم من ~~صد عنه وكفى بجهنم سعيرا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 54 - 55 ) أم يحسدون الناس . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : أم : منقطعة ، والتقدير بل يحسدون الناس . # المسألة الثانية : في المراد بلفظ ( الناس ) قولان : الأول : وهو قول ابن ~~عباس والأكثرين انه محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ ~~الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في ~~الجمع العظيم ، ومن هذا يقال : فلان أمة وحده ، أي يقوم مقام أمة ، قال ~~تعالى : { إن إبراهيم كان أمة قانتا } ( النحل : 120 ) . PageV10P106 # والقول الثاني : المراد ههنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين ، وقال من ~~ذهب إلى هذا القول : ان لفظ الناس جمع ، فحمله على الجمع أولى من حمله على ~~المفرد . # واعلم أنه إنما حسن ذكر الناس لارادة طائفة معينة من الناس ، لأن المقصود ~~من الخلق ms2911 إنما هو القيام بالعبودية ، كما قال تعالى : { وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) فلما كان القائمون بهذا المقصود ~~ليس إلا محمدا صلى الله عليه وسلم ومن كان على دينه كان وهو وأصحابه كأنهم ~~كل الناس ، فلهذا حسن إطلاق لفظ الناس وإرادتهم على التعيين : # المسألة الثالثة : اختلفوا في تفسير الفضل الذي لأجله صاروا محسودين على ~~قولين : # فالقول الأول : انه هو النبوة والكرامة الحاصلة بسببها في الدين والدنيا ~~. # والقول الثاني : انهم حسدوه على انه كان له من الزوجات تسع . # / واعلم أن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة ، فكلما كانت فضيلة الانسان ~~أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم ، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في ~~الدين ، ثم انه تعالى أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وضم اليها انه ~~جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصارا وأعوانا وكل ذلك مما يوجب ~~الحسد العظيم . فاما كثرة النساء فهو كالأمر الحقير بالنسبة إلى ما ذكرناه ~~، فلا يمكن تفسير هذا الفضل به ، بل ان جعل الفضل اسما لجميع ما أنعم الله ~~تعالى به عليه دخل هذا أيضا تحته ، فأما على سبيل القصر عليه فبعيد . # واعلم أنه تعالى لما بين أن كثرة نعم الله عليه صارت سببا لحسد هؤلاء ~~اليهود بين ما يدفع ذلك فقال : { فقد ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة ~~وءاتيناهم ملكا عظيما } ( النساء : 54 ) والمعنى أنه حصل في أولاد إبراهيم ~~جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك ، وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا ~~تحسدونه ، فلم تتعجبون من حال محمد ولم تحسدونه ؟ # واعلم أن { الكتاب } إشارة إلى ظواهر الشريعة { والحكمة } إشارة إلى ~~أسرار الحقيقة ، وذلك هو كمال العلم ، وأما الملك العظيم فهو كمال القدرة . ~~وقد ثبت أن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، فهذا الكلام تنبيه ~~على أنه سبحانه آتاهم أقصى ما يليق بالانسان من الكمالات ، ولما لم يكن ذلك ~~مستبعدا فيهم لا يكون مستبعدا في حق محمد صلى الله عليه وسلم . # وقيل : إنهم لما استكثروا نساءه قيل لهم : كيف استكثرتهم له التسع ، وقد ms2912 ~~كان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة بالمهر وسبعمائة سرية ؟ # ثم قال تعالى : { منهم من * به ومنهم من صد عنه وكفى } واختلفوا في معنى ~~( به ) فقال بعضهم : بمحمد عليه الصلاة والسلام ، والمراد أن هؤلاء القوم ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب آمن بعضهم وبقي بعضهم على الكفر والانكار . ~~وقال آخرون : المراد من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . والمعنى ~~أن أولئك الأنبياء مع ما خصصتهم به من النبوة والملك جرت عادت أممهم فيهم ~~أن بعضهم آمن به وبعضهم بقوا على الكفر ، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه ~~هؤلاء القوم ، فان أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت ، وذلك ~~تسلية من الله ليكون أشد صبرا على ما ينال من قبلهم . PageV10P107 # ثم قال : { وكفى بجهنم سعيرا } أي كفى بجهنم في عذاب هؤلاء الكفار ~~المتقدمين والمتأخرين . سعيرا ، والسعير الوقود ، يقال أوقدت النار ~~وأسعرتها بمعنى واحد . # ! 7 < { إن الذين كفروا بأاياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 56 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بعدما ذكر الوعيد بالطائفة الخاصة من أهل الكتاب بين ~~ما يعم الكافرين من الوعيد فقال : { إن الذين كفروا بئاياتنا } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : يدخل في الآيات كل ما يدل على ذات الله وأفعاله وصفاته ~~وأسمائه والملائكة والكتب والرسل ، وكفرهم بالآيات ليس يكون بالجحد ، لكن ~~بوجوه ، منها أن ينكروا كونها آيات ، ومنها أن يغفلوا عنها فلا ينظروا فيها ~~. ومنها أن يلقوا الشكوك والشبهات فيها . ومنها : أن ينكروها مع العلم بها ~~على سبيل العناد والحسد ، وأما حد الكفر وحقيقته فقد ذكرناه في سورة البقرة ~~في تفسير قوله تعالى : { إن الذين كفروا سواء عليهم } ( البقرة : 6 ) . # المسألة الثانية : قال سيبويه : ( سوف ) كلمة تذكر للتهديد والوعيد ، ~~يقال : سوف أفعل ، وينوب عنها حرف السين كقوله : { سأصليه سقر } وقد ترد ~~كلمة ( سوف ) في الوعد أيضا قال تعالى : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وقال : ~~{ سوف أستغفر لكم ربى } قيل أخره إلى وقت السحر تحقيقا للدعاء ، وبالجملة ms2913 ~~فكلمة ( السين ) و ( سوف ) مخصوصتان بالاستقبال . # المسألة الثالثة : قوله : { نصليهم } أي ندخلهم النار ، لكن قوله : { ~~نصليهم } فيه زيادة على ذلك فانه بمنزلة شويته بالنار ، يقال شاة مصلية أي ~~مشوية . # ثم قال تعالى : { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } ~~وفيه سؤالان : # السؤال الأول : لما كان تعالى قادرا على ابقائهم أحياء في النار أبد ~~الآباد فلم لم يبق أبدانهم في النار مصونة عن النضج والاحتراق مع أنه يوصل ~~اليها الآلام الشديدة ، حتى لا يحتاج إلى تبديل جلودهم بجلود أخرى ؟ # والجواب : أنه تعالى لا يسأل عما يفعل ، بل نقول : انه تعالى قادر على أن ~~يوصل إلى أبدانهم آلاما عظيمة من غير إدخال النار مع انه تعالى أدخلهم ~~النار . # السؤال الثاني : الجلود العاصية إذا احترقت فلو خلق الله مكانها جلودا ~~أخرى وعذبها كان / هذا تعذيبا لمن لم يعص وهو غير جائز . # والجواب عنه من وجوه : الأول : أن يجعل النضج غير النضيج ، فالذات واحدة ~~والمتبدل هو PageV10P108 الصفة ، فاذا كانت الذات واحدة كان العذاب لم يصل ~~إلا إلى العاصي ، وعلى هذا التقدير المراد بالغيرية التغاير في الصفة . ~~الثاني : المعذب هو الانسان ، وذلك الجلد ما كان جزأ من ماهية الانسان ، بل ~~كان كالشيء الملتصق به الزائد على ذاته ، فاذا جدد الله الجلد وصار ذلك ~~الجلد الجدد سببا لوصول العذاب اليه لم يكن ذلك تعذيبا الا للعاصي . الثالث ~~: أن المراد بالجلود السرابيل ، قال تعالى : { سرابيلهم من قطران } ( ~~إبراهيم : 50 ) فتجديد الجلود إنما هو تجديد السرابيلات . طعن القاضي فيه ، ~~فقال : انه ترك للظاهر ، وأيضا السرابيل من القطران لا توصف بالنضج ، وإنما ~~توصف بالاحتراق . الرابع : يمكن أن يقال : هذا استعارة عن الدوام وعدم ~~الانقطاع ، كما يقال لمن يراد وصفه بالدوام : كلما انتهى فقد ابتدأ ، وكلما ~~وصل إلى آخره فقد ابتدأ من أوله ، فكذا قوله : { كلما نضجت جلودهم بدلناهم ~~جلودا غيرها } ( النساء : 56 ) يعني كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا ~~إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا ~~، فيكون المقصود بيان دوام العذاب وعدم ms2914 انقطاعه . الخامس : قال السدي : إنه ~~تعالى يبدل الجلود من لحم الكافر فيخرج من لحمه جلدا آخر وهذا بعيد ، لأن ~~لحمه متناه ، فلا بد وأن ينفد ، وعند نفاد لحمه لا بد من طريق آخر في تبديل ~~الجلد ، ولم يكن ذلك الطريق مذكورا أولا والله أعلم . # ثم قال تعالى : { ليذوقوا العذاب } وفيه سؤالان : # السؤال الأول : قوله : { ليذوقوا العذاب } أي ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع ، ~~كقولك للمعزوز : أعزك الله ، أي أدامك على العز وزادك فيه . وأيضا المراد ~~ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب ، وإلا فهم ذائقون مستمرون عليه . # السؤال الثاني : أنه إنما يقال : فلان ذاق العذاب إذا أدرك شيئا قليلا ~~منه ، والله تعالى قد وصف أنهم كانوا في أشد العذاب ، فكيف يحسن أن يذكر ~~بعد ذلك أنهم ذاقوا العذاب ؟ # والجواب : المقصود من ذكر الذوق الاخبار بأن إحساسهم بذلك العذاب في كل ~~حال يكون كاحساس الذائق المذوق ، من حيث أنه لا يدخل فيه نقصان ولا زوال ~~بسبب ذلك الاحتراق . # ثم قال تعالى : { إن الله كان عزيزا حكيما } والمراد من العزيز : القادر ~~الغالب ، ومن الحكيم : الذي لا يفعل إلا الصواب ، وذكرهما في هذا الموضع في ~~غاية الحسن ، لأنه يقع في القلب تعجب من أنه كيف يمكن بقاء الانسان في ~~النار الشديدة أبد الآبادا فقيل : هذا ليس بعجيب من الله ، / لأنه القادر ~~الغالب على جميع الممكنات ، يقدر على إزالة طبيعة النار ، ويقع في القلب ~~أنه كريم رحيم ، فكيف يليق برحمته تعذيب هذا الشخص الضعيف إلى هذا الحد ~~العظيم ؟ فقيل : كما أنه رحيم فهو أيضا حكيم ، والحكمة تقتضي ذلك . فان ~~نظام العالم لا يبقى إلا بتهديد العصاة ، والتهديد الصادر منه لا بد وأن ~~يكون مقرونا بالتحقيق صونا لكلامه عن الكذب ، فثبت أن ذكر هاتين الكلمتين ~~ههنا في غاية الحسن . # PageV10P109 ! 7 < { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من ~~تحتها الا نهار خالدين فيهآ أبدا لهم فيهآ أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا } ~~. > 7 ! # < < # | النساء : ( 57 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . # > > اعلم أنه قد جرت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم ms2915 بأن الوعد ~~والوعيد يتلازمان في الذكر على سبيل الأغلب ، وفي الآية مسألتان : # المسألة الأولى : هذه الآية دالة على أن الايمان غير العمل ، لأنه تعالى ~~عطف العمل على الايمان ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه . قال القاضي : متى ~~ذكر لفظ الايمان وحده دخل فيه العمل ، ومتى ذكر معه العمل كان الايمان هو ~~التصديق ، وهذا بعيد لأن الأصل عدم الاشتراك وعدم التغير ، ولولا أن الأمر ~~كذلك لخرج القرآن عن كونه مفيدا . فلعل هذه الألفاظ التي نسمعها في القرآن ~~يكون لكل واحد منها معنى سوى ما نعلمه ، ويكون مراد الله تعالى منه ذلك ~~المعنى لا هذا الذي تبادرت أفهامنا اليه . هذا على القول بأن احتمال ~~الاشتراك والافراد على السوية ، وأما على القول بأن احتمال البقاء على ~~الأصل واحتمال التغيير متساويان فلا ، لأن على هذا التقدير يحتمل أن يقال : ~~هذه الألفاظ كانت في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم موضوعة لمعنى آخر غير ~~ما نفهمه الآن ، ثم تغيرت إلى هذا الذي نفهمه الآن . فثبت أن على هذين ~~التقديرين يخرج القرآن عن كونه حجة ، وإذا ثبت أن الاشتراك والتغيير خلاف ~~الأصل اندفع كلام القاضي . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى ذكر في شرح ثواب المطيعين أمورا : ~~أحدها : أنه تعالى يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، وقال الزجاج : ~~المراد تجري من تحتها مياه الأنهار ، واعلم أنه إن جعل النهر اسما لمكان ~~الماء كان الأمر مثل ما قاله الزجاج ، أما إن جعلناه في المتعارف اسما لذلك ~~/ الماء فلا حاجة إلى هذا الاقمار ، وثانيها : أنه تعالى وصفها بالخلود ~~والتأبيد ، وفيه رد على جهم بن صفوان حيث يقول : إن نعيم الجنة وعذاب النار ~~ينقطعان ، وأيضا أنه تعالى ذكر مع الخلود التأبيد ، ولو كان الخلود عبارة ~~عن التأبيد لزم التكرار وهو غير جائز ، فدل هذا أن الخلود ليس عبارة عن ~~التأبيد ، بل هو عبارة عن طول المكث من غير بيان أنه منقطع أو غير منقطع ، ~~وإذا ثبت هذا الأصل فعند هذا يبطل استدلال المعتزلة بقوله تعالى : { ومن ~~يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ms2916 فيها } ( النساء : 93 ) على أن صاحب ~~الكبيرة يبقى في النار على سبيل التأبيد ، لأنا بينا بدلالة هذه الآية أن ~~الخلود لطول المكث لا للتأبيد ، وثالثها : قوله تعالى : { لهم فيها أزواج ~~مطهرة } والمراد طهارتهن من الحيض والنفاس وجميع أقذار الدنيا ، ونظيره ~~قوله تعالى في سورة البقرة : { لهم فيها أزواج مطهرة * وهم فيها خالدون } ~~واللطائف اللائقة بهذا الموضع قد ذكرناها في تلك الآية . ورابعها : قوله : ~~{ وندخلهم ظلا ظليلا } قال الواحدي : الظليل ليس ينبىء عن الفعل حتى يقال : ~~إنه بمعنى فاعل أو مفعول ، بل هو مبالغة في نعت الظل ، مثل قولهم : ليل ~~أليل . # واعلم أن بلاد العرب كانت في غاية الحرارة ، فكان الظل عندهم أعظم أسباب ~~الراحة ، ولهذا المعنى جعلوه كناية عن الراحة . قال عليه الصلاة السلام : ( ~~السلطان ظل الله في الأرض ) فاذا كان الظل عبارة عن الراحة كان الظليل ~~كناية عن المبالغة العظيمة في الراحة ، هذا ما يميل اليه خاطري ، وبهذا ~~الطريق يندفع سؤال من يقول : إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرها فما فائدة ~~وصفها بالظل الظليل . وأيضا نرى في الدنيا أن المواضع التي يدوم الظل فيها ~~ولا يصل نور الشمس اليها يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا فما معنى وصف هواء ~~الجنة بذلك لأن على هذا الوجه الذي لخصناه تندفع هذه الشبهات . # PageV10P110 ! 7 < { إن الله يأمركم أن تؤدوا الاحمانات إلىأهلها وإذا ~~حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا ~~بصيرا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 58 ) إن الله يأمركم . . . . . # > > اعلم انه سبحانه لما شرح بعض أحوال الكفار وشرح وعيده عاد إلى ذكر ~~التكاليف مرة أخرى ، وأيضا لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث ~~قالوا للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ، أمر المؤمنين في ~~هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور ، سواء كانت تلك الأمور من باب ~~المذاهب والديانات ، أو من باب الدنيا والمعاملات ، وأيضا لما ذكر في الآية ~~السابقة الثواب العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وكان من أجل الأعمال ~~الصالحة الأمانة / لا ms2917 جرم أمر بها في هذه الآية . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم ~~الفتح أغلق عثمان بن طلحة بن عبد الدار وكان سادن الكعبة باب الكعبة ، وصعد ~~السطح وأبى أن يدفع المفتاح اليه ، وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه ، ~~فلوى علي بين أبي طالب رضي الله عنه يده وأخذه منه وفتح ، ودخل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين ، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ~~ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية ، فأمر عليا أن يرده إلى عثمان ~~ويعتذر اليه ، فقال عثمان لعلي : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله ، فهبط جبريل عليه السلام وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن السدانة ~~في أولاد عثمان أبدا . فهذا قول سعيد بن المسيب ومحمد بن إسحاق . وقال أبو ~~روق : قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان : أعطني المفتاح فقال : هاك ~~بامانة الله ، فلما أراد أن يتناوله ضم يده ، فقال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ذلك مرة ثانية : ان كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأعطني المفتاح ، ~~فقال : هاك بامانة الله ، فلما أراد أن يتناوله ضم يده ، فقال الرسول عليه ~~الصلاة والسلام ذلك مرة ثالثة ، فقال عثمان في الثالثة : هاك بامانة الله ~~ودفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يطوف ~~ومعه المفتاح وأراد أن يدفعه إلى العباس ، ثم قال : يا عثمان خذ المفتاح ~~على أن للعباس نصيبا معك ، فأنزل الله هذه الآية ، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعثمان : ( هاك خالدة تالدة لا ينزعها منك إلا ظالم ) ثم ان ~~عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة فهو في ولده اليوم . # المسألة الثانية : اعلم أن نزول هذه الآية عند هذه القصة لا يوجب كونها ~~مخصوصة بهذه القضية ، بل يدخل فيه جميع أنواع الأمانات ، واعلم أن معاملة ~~الانسان اما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد ، أو مع نفسه ، ولا بد من ms2918 ~~رعاية الامانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة . # أما رعاية الامانة مع الرب : فهي في فعل المأمورات وترك المنهيات ، وهذا ~~بحر لا ساحل له قال ابن مسعود : الامانة في كل شيء لازمة ، في الوضوء ~~والجنابة والصلاة والزكاة والصوم . وقال ابن عمر رضي الله عنهما : إنه ~~تعالى خلق فرج الانسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها ، ~~واعلم أن هذا باب واسع ، فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة ~~والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها ، وأمانة العين أن لا يستعملها في ~~النظر إلى الحرام ، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي ، ~~وسماع الفحش والأكاذيب وغيرها ، وكذا القول / في جميع الأعضاء . # وأما القسم الثاني : وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد ~~الودائع / ويدخل فيه ترك التطفيف PageV10P111 في الكيل والوزن ، ويدخل فيه ~~أن لا يفشي على الناس عيوبهم ، ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل ~~العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة ، بل يرشدونهم إلى ~~اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم ، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، ونهيهم عن قولهم للكفار : ان ما أنتم عليه ~~أفضل من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، ويدخل فيه أمر الرسول عليه الصلاة ~~والسلام برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ، ويدخل فيه أمانة الزوجة للزوج في ~~حفظ فرجها ، وفي أن لا تلحق بالزوج ولدا يولد من غيره . وفي اخبارها عن ~~انقضاء عدتها . # وأما القسم الثالث : وهو أمانة الانسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه ~~إلا ما هو الأنفع والاصلح له في الدين والدنيا ، وأن لا يقدم بسبب الشهوة ~~والغضب على ما يضره في الآخرة ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( كلكم ~~راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) فقوله : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الاحمانات } ~~يدخل فيه الكل ، وقد عظم الله أمر الامانة في مواضع كثيرة من كتابه فقال : ~~{ إنا عرضنا الامانة على * السماوات والارض * والجبال فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها وحملها الإنسان } ( الأحزاب : 72 ) وقال : { والذين ms2919 هم ~~لاماناتهم وعهدهم راعون } ( المؤمنون : 8 ) وقال : { ولا * تخونوا * ~~أماناتكم } ( الأنفال : 27 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا أيمان لمن لا ~~أمانة له } وقال ميمون بن مهران : ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر : الامانة ~~والعهد وصلة الرحم . وقال القاضي : لفظ الامانة وان كان متناولا للكل إلا ~~أنه تعالى قال في هذه الآية : { * } وقال ميمون بن مهران : ثلاثة يؤدين إلى ~~البر والفاجر : الامانة والعهد وصلة الرحم . وقال القاضي : لفظ الامانة وان ~~كان متناولا للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية : { إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الاحمانات إلى أهلها } فوجب أن يكون المراد بهذه الامانة ما يجري ~~مجرى المال ؛ لأنها هي التي يمكن أداؤها إلى الغير . # المسألة الثالثة : الامانة مصدر سمي به المفعول ، ولذلك جمع فانه جعل ~~اسما خالصا . قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { الامانة } على التوحيد . # المسألة الرابعة : قال أبو بكر الرازي : من الامانات الودائع ، ويجب ردها ~~عند الطلب والأكثرون على أنها غير مضمونة . وعن بعض السلف أنها مضمونة ، ~~روى الشعبي عن أنس قال : استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي ، فضمنني ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وعن أنس قال : كان لانسان عندي وديعة ستة ~~آلاف درهم فذهبت ، فقال عمر : ذهب لك معها شيء ؟ قلت لا ، فألزمني الضمان ، ~~وحجة القول المشهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال : قال رسول / الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( لا ضمان على راع ولا على مؤتمن ) وأما فعل عمر فهو ~~محمول على أن المودع اعترف بفعل يوجب الضمان . # المسألة الخامسة : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : العارية مضمونة بعد ~~الهلاك ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : غير مضمونة . حجة الشافعي ~~قوله تعالى : { إن الله يأمركم أن تؤدوا الاحمانات إلى أهلها } وظاهر الأمر ~~للوجوب ، وبعد هلاكها تعذر ردها بصورتها ، ورد ضمانها ردها بمعناها ، فكانت ~~الآية دالة على وجوب التضمين . ونظير هذه الآية قوله عليه الصلاة والسلام : ~~( على اليد ما أخذت حتى تؤديه ) أقصى ما في الباب أن الآية مخصوصة في ~~الوديعة ، لكن العام بعد التخصيص ms2920 حجة ، وأيضا فلأنا أجمعنا على أن المستام ~~مضمون ، وأن المودع غير مضمون ، والعارية وقعت في البين / فنقول : المشابهة ~~بين العارية وبين المستام PageV10P112 أكثر ، لأن كل واحد منهما أخذه ~~الأجنبي لغرض نفسه ، بخلاف المودع ، فانه أخذ الوديعة لغرض المالك ، فكانت ~~المشابهة بين المستعار وبين المستام أتم ، فظهر الفرق بين المستعار وبين ~~المودع . حجة أبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا ضمان على مؤتمن ) ~~. # قلنا : إنه مخصوص في المستام ، فكذا في العارية ، ولأن دليلنا ظاهر ~~القرآن وهو أقوى . # قوله تعالى : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما ~~يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا } . # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الامانة عبارة عما إذا وجب لغيرك عليك حق فأديت ~~ذلك الحق اليه فهذا هو الأمانة ، والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب لانسان ~~على غيره حق فأمرت من وجب عليه ذلك الحق بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق ، ~~ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الانسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ~~ثم يشتغل بغيره ، لا جرم أنه تعالى ذكر الأمر بالامانة أولا ، ثم بعده ذكر ~~الأمر بالحكم بالحق ، فما أحسن هذا الترتيب ، لأن أكثر لطائف القرآن مودعة ~~في الترتيبات والروابط . # / المسألة الثانية : أجمعوا على أن من كان حاكما وجب عليه أن يحكم بالعدل ~~قال تعالى : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } والتقدير : إن الله ~~يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . وقال : { إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان } ( النحل : 90 ) وقال : { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا ~~قربى } وقال : { مئاب ياداوود إنا جعلناك خليفة فى الارض فاحكم بين الناس ~~بالحق } ( ص: 26 ) وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تزال ~~هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت ) وعن ~~الحسن قال : ان الله أخذ على الحكام ثلاثا : أن لا يتبعوا الهوى ، وأن ~~يخشوه ولا يخشوا الناس ، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا . ثم قرأ { مئاب ~~ياداوود إنا جعلناك خليفة فى الارض ms2921 } إلى قوله : { ولا تتبع الهوى } ( ص: ~~26 ) وقرأ { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون } ( ~~المائدة : 44 ) إلى قوله : { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } ( البقرة : 41 ~~) ومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم قال تعالى : { ~~احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } ( الصافات : 22 ) وقال عليه الصلاة والسلام ~~: ( ينادي منادي يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة ، فيجمعون كلهم ~~حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجمعون ويلقون في النار ) وقال أيضا ~~: { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } ( إبراهيم : 42 ) وقال : { ~~فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا } ( النمل : 52 ) . # فان قيل : الغرض من الظلم منفعة الدنيا . # فأجاب الله عن السؤال بقوله : { لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن ~~الوارثين } ( القصص : 58 ) . PageV10P113 # المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : ينبغي للقاضي أن يسوي بين ~~الخصمين في خمسة أشياء : في الدخول عليه ، والجلوس بين يديه ، والاقبال ~~عليهما ، والاستماع منهما ، والحكم عليهما قال : والمأخوذ عليه التسوية ~~بينهما في الأفعال دون القلب ، فان كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب ~~بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز عنه . قال : ولا ينبغي ~~أن يلقن واحدا منهما حجته ، ولا شاهدا شهادته لأن ذلك يضر بأحد الخصمين / ~~ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف ، ولا يلقن المدعي عليه الانكار ~~والاقرار ، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا ، ولا ينبغي أن يضيف ~~أحد الخصمين دون الآخر لأن ذلك يكسر قلب الآخر ، ولا يجيب هو إلى ضيافة ~~أحدهما ، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين . وروي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان لا يضيف الخصم الا وخصمه معه . وتمام الكلام فيه مذكور في كتب ~~الفقه ، وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه ~~، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر ، وذلك هو المراد بقوله : { وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل } . # / المسألة الرابعة : قوله : { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } ~~كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا ms2922 في الحكم ، بل ذلك لبعضهم ، ثم ~~بقيت الآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكما ولما دلت سائر الدلائل على ~~أنه لا بد للامة من الامام الأعظم ، وأنه هو الذي ينصب القضاة والولاة في ~~البلاد ، صارت تلك الدلائل كالبيان لما في هذه الآية من الاجمال . # ثم قال تعالى : { إن الله * يعظكم به } أي نعم شيء يعظكم به ، أو نعم ~~الذي يعظكم به ، والمخصوص بالمدح محذوف ، أي نعم شيء يعظكم به ذاك ، وهو ~~المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل . # ثم قال : { إن الله كان سميعا بصيرا } أي اعملوا بأمر الله ووعظه فانه ~~أعلم بالمسموعات والمبصرات يجازيكم على ما يصدر منكم ، وفيه دقيقة أخرى ، ~~وهي أنه تعالى لما أمر في هذه الآيات بالحكم على سبيل العدل وبأداء الأمانة ~~قال : { إن الله كان سميعا بصيرا } أي إذا حكمت بالعدل فهو سميع لكل ~~المسموعات يسمع ذلك الحكم ، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ~~ذلك ، ولا شك أن هذا أعظم أسباب الوعد للمطيع ، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي ~~، وإليه الاشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : ( اعبد الله كأنك تراه فان لم ~~تكن تراه فانه يراك ) وفيه دقيقة أخرى ، وهي أن كلما كان احتياج العبد أشد ~~كانت عناية الله أكمل ، والقضاة والولاة قد فوض الله إلى أحكامهم مصالح ~~العباد ، فكان الاهتمام بحكمهم وقضائهم أشد ، فهو سبحانه منزه عن الغفلة ~~والسهو والتفاوت في ابصار المبصرات وسماع المسموعات ، ولكن لو فرضنا أن هذا ~~التفاوت كان ممكنا لكان أولى المواضع بالاحتراز عن الغفلة والنسيان هو وقت ~~حكم الولاة والقضاة ، فلما كان هذا الموضع مخصوصا بمزيد العناية لا جرم قال ~~في خاتمة هذه الآية : { إن الله كان سميعا بصيرا } فما أحسن هذه المقاطع ~~الموافقة لهذه المطالع . # PageV10P114 ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولى الا مر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الا خر ذالك خير وأحسن تأويلا } . > 7 ! # / < < # | النساء : ( 59 ) يا أيها الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أمر الرعاة ms2923 والولاة بالعدل في الرعية أمر الرعية ~~بطاعة الولاة فقال : { بصيرا ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله } ولهذا قال ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه : حق على الامام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي ~~الأمانة ، فاذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا . وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : قالت المعتزلة : الطاعة موافقة الارادة ، وقال أصحابنا ~~: الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الارادة . لنا أنه لا نزاع في أن موافقة ~~الأمر طاعة ، إنما النزاع أن المأمور به هل يجب أن يكون مرادا أم لا ؟ فاذا ~~دللنا على أن المأمور به قد لا يكون مرادا ثبت حيئنذ أن الطاعة ليست عبارة ~~عن موافقة الارادة ، وإنما قلنا إن الله قد يأمر بما لا يريد لأن علم الله ~~وخبره قد تعلقا بأن الايمان لا يوجد من أبي لهب ألبتة ، وهذا العلم وهذا ~~الخبر يمتنع زوالهما وانقلابهما جهلا ، ووجود الايمان مضاد ومناف لهذا ~~العلم ولهذا الخبر ، والجمع بين الضدين محال ، فكان صدور الايمان من أبي ~~لهب محالا . والله تعالى عالم بكل هذه الأحوال فيكون عالما بكونه محالا ، ~~والعالم بكون الشيء محالا لا يكون مريدا له ، فثبت أنه تعالى غير مريد ~~للايمان من أبي لهب وقد أمره بالايمان فثبت أن الأمر قد يوجد بدون الارادة ~~، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن طاعة الله عبارة عن موافقة أمره لا عن موافقة ~~إرادته ، وأما المعتزلة فقد احتجوا على أن الطاعة اسم لموافقة الارادة بقول ~~الشاعر : # رب من أنضجت غيظا صدره قد تمنى لي موتا لم يطع # رتب الطاعة على التمني وهو من جنس الارادة . # والجواب : أن العاقل عالم بأن الدليل القاطع الذي ذكرناه لا يليق معارضته ~~بمثل هذه الحجة الركيكة . # المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول ~~الفقه ، وذلك لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع : الكتاب والسنة ~~والاجماع والقياس ، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا ~~الترتيب . أما الكتاب والسنة فقد وقعت الاشارة إليهما بقوله : { أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول } . # فان ms2924 قيل : أليس أن طاعة الرسول هي طاعة الله ، فما معنى هذا العطف ؟ # قلنا : قال القاضي : الفائدة في ذلك بيان الدلالتين ، فالكتاب يدل على ~~أمر الله ، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة ، والسنة تدل على أمر الرسول ، ~~ثم نعلم منه أمر الله لا محالة ، فثبت بما ذكرنا أن قوله : { أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة . PageV10P115 # / المسألة الثالثة : اعلم أن قوله : { وأولى الامر منكم } يدل عندنا على ~~أن إجماع الأمة حجة ، والدليل على ذلك أن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر ~~على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا ~~بد وأن يكون معصوما عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير ~~إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك ~~الخطأ والخطأ لكونه خطأ منهي عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في ~~الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وانه محال ، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة ~~أولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم ~~وجب أن يكون معصوما عن الخطأ / فثبت قطعا أن أولي الأمر المذكور في هذه ~~الآية لا بد وأن يكون معصوما ، ثم نقول : ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو ~~بعض الأمة ، لا جائز أن يكون بعض الأمة ؛ لأنا بينا أن الله تعالى أوجب ~~طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعا ، وإيجاب طاعتهم قطعا مشروط بكوننا ~~عارفين بهم قادرين على الوصول اليهم والاستفادة منهم ، ونحن نعلم بالضرورة ~~أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الامام المعصوم ، عاجزون عن الوصول ~~اليهم ، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم ، واذا كان الأمر كذلك علمنا ~~أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الأمة ، ولا ~~طائفة من طوائفهم . ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد ~~بقوله : { وأولى الامر } أهل الحل والعقد من الأمة ، وذلك يوجب القطع بأن ~~إجماع الأمة حجة . # فان قيل ms2925 : المفسرون ذكروا في { أولى الامر } وجوها أخرى سوى ما ذكرتم : ~~أحدها : أن المراد من أولى الأمر الخلفاء الراشدون ، والثاني : المراد ~~أمراء السرايا ، قال سعيد بن جبير : نزلت هذه الآية في عبدالله بن حذافة ~~السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على سرية . وعن ابن عباس ~~أنها نزلت في خالد بن الوليد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على سرية ~~وفيها عمار بن ياسر ، فجرى بينهما اختلاف في شيء ، فنزلت هذه الآية وأمر ~~بطاعة أولي الأمر . وثالثها : المراد العلماء الذين يفتون في الأحكام ~~الشرعية ويعلمون الناس دينهم ، وهذا رواية الثعلبي عن ابن عباس وقول الحسن ~~ومجاهد والضحاك . ورابعها : نقل عن الروافض أن المراد به الأئمة المعصومون ~~، ولما كانت أقوال الأمة في تفسير هذه الآية محصورة في هذه الوجوه ، وكان ~~القول الذي نصرتموه خارجا عنها كان ذلك باجماع الأمة باطلا . # السؤال الثاني : أن نقول : حمل أولى الأمر على الأمراء والسلاطين أولي ~~مما ذكرتم . ويدل عليه وجوه : الأول : أن الامراء والسلاطين أوامرهم نافذة ~~على الخلق ، فهم في الحقيقة أولو الأمر / أما أهل الاجماع فليس لهم أمر ~~نافذ على الخلق ، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى . والثاني : ~~أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه ، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر ~~الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل ، وأما آخر الآية فهو أنه تعالى أمر ~~بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل ، وهذا إنما يليق بالأمراء لا بأهل ~~الاجماع . الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الترغيب في طاعة ~~الأمراء ، فقال : ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن ~~عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني ) فهذا ما يمكن ذكره من السؤال ~~على الاستدلال الذي ذكرناه . # والجواب : أنه لا نزاع أن جماعة من الصحابة والتابعين حملوا قوله : { ~~وأولى الامر منكم } على PageV10P116 العلماء ، فاذا قلنا : المراد منه جميع ~~العلماء من أهل العقد والحل لم يكن هذا قولا خارجا عن أقوال الأمة ، بل كان ~~هذا اختيارا لأحد أقوالهم ms2926 وتصحيحا له بالحجة القاطعة ، فاندفع السؤال الأول ~~: وأما سؤالهم الثاني فهو مدفوع ، لأن الوجوه التي ذكروها وجوه ضعيفة ، ~~والذي ذكرناه برهان قاطع ، فكان قولنا أولى ، على أنا نعارض تلك الوجوه ~~بوجوه أخرى أقوى منها : فأحدها : أن الأمة مجمعة على أن الأمراء والسلاطين ~~إنما يجب طاعتهم فيما علم بالدليل أنه حق وصواب ، وذلك الدليل ليس إلا ~~الكتاب والسنة ، فحينئذ لا يكون هذا قسما منفصلا عن طاعة الكتاب والسنة ، ~~وعن طاعة الله وطاعة رسوله ، بل يكون داخلا فيه ، كما أن وجوب طاعة الزوجة ~~للزوج والولد للوالدين ، والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول ~~، أما إذا حملناه على الاجماع لم يكن هذا القسم داخلا تحتها / لأنه ربما دل ~~الاجماع على حكم بحيث لا يكون في الكتاب والسنة دلالة عليه ، فحينئذ أمكن ~~جعل هذا القسم منفصلا عن القسمين الأولين ، فهذو أولى . وثانيها : أن حمل ~~الآية على طاعة الأمراء يقتضي إدخال الشرط في الآية ، لأن طاعة الأمراء ~~إنما تجب إذا كانوا مع الحق ، فاذا حملناه على الاجماع لا يدخل الشرط في ~~الآية ، فكان هذا أولى . وثالثها : أن قوله من بعد : { فإن تنازعتم فى شىء ~~فردوه إلى الله } مشعر باجماع مقدم يخالف حكمه حكم هذا التنازع . ورابعها : ~~أن طاعة الله وطاعة رسوله واجبة قطعا ، وعندنا أن طاعة أهل الاجماع واجبة ~~قطعا ، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة قطعا ، بل الأكثر أنها تكون ~~محرمة لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم ، وفي الأقل تكون واجبة بحسب الظن الضعيف ~~، فكان حمل الآية على الاجماع أولى ، لأنه أدخل الرسول وأولي الأمر في لفظ ~~واحد وهو قوله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر } فكان حمل أولي ~~الأمر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على / الفاجر الفاسق ~~. وخامسها : أن أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوي العلماء ، ~~والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء ، فكان حمل لفظ أولي الأمر عليهم أولى ، ~~وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد ~~لوجوه : أحدها : ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم ms2927 وقدرة الوصول اليهم ، ~~فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق ، ولو أوجب ~~علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الايجاب مشروطا ، ~~وظاهر قوله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } يقتضي ~~الاطلاق ، وأيضا ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال ، وذلك لأنه تعالى أمر ~~بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة ، وهو قوله : { وأطيعوا ~~الرسول وأولى الامر منكم } واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة ~~معا ، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق ~~أولي الأمر . الثاني : أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر ، وأولو الأمر جمع ، ~~وعندهم لا يكون في الزمان إلا إمام واحد ، وحمل الجمع على الفرد خلاف ~~الظاهر . وثالثها : أنه قال : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول ~~} ولو كان المراد بأولي الأمر الامام المعصوم لوجب أن يقال : فان تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الامام ، فثبت أن الحق تفسير الآية بما ذكرناه . # المسألة الرابعة : اعلم أن قوله : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله ~~والرسول } يدل عندنا على أن القياس حجة ، والذي يدل على ذلك أن قوله : { ~~فإن تنازعتم فى شىء } إما أن يكون المراد فان اختلفتم في شيء حكمه منصوص ~~عليه في الكتاب أو السنة أو الاجماع ، أو المراد فان اختلفتم في شيء حكمه ~~غير منصوص عليه في شيء من هذه الثلاثة ، والأول باطل لأن على ذلك التقدير ~~وجب عليه طاعته فكان ذلك PageV10P117 داخلا تحت قوله : { أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } وحينئذ يصير قوله : { فإن تنازعتم فى ~~شىء فردوه إلى الله والرسول } إعادة لعين ما مضى ، وإنه غير جائز . وإذا ~~بطل هذا القسم تعين الثاني وهو أن المراد : فان تنازعتم في شيء حكمه غير ~~مذكور في الكتاب والسنة والاجماع ، واذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله : ~~{ فردوه إلى الله والرسول } طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة . فوجب أن يكون ~~المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له ms2928 ، وذلك هو ~~القياس ، فثبت أن الآية دالة على الأمر بالقياس . # فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : { فردوه إلى الله والرسول } ~~أي فوضوا علمه إلى الله واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له ؟ وأيضا فلم لا يجوز ان ~~يكون المراد فردوا غير المنصوص إلى المنصوص في أنه لا يحكم فيه إلا بالنص ؟ ~~وأيضا لم يجوز أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام / إلى البراءة الأصلية ؟ # قلنا : أما الأول فمدفوع ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل ~~الوقائع قسمين ، منها ما يكون حكمها منصوصا عليه ، ومنها ما لا يكون كذلك ، ~~ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد ، وأمر في القسم الثاني بالرد إلى ~~الله وإلى الرسول ، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الرد السكوت ، لأن ~~الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك ، بل لا بد من قطع الشغب والخصومة فيها ~~بنفي أو إثبات ، واذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله على السكوت عن تلك ~~الواقعة ، وبهذا الجواب يظهر فساد السؤال الثالث . # وأما السؤال الثاني : فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل ، فلا ~~يكون رد الواقعة اليها ردا إلى الله بوجه من الوجوه ، أما إذا رددنا حكم ~~الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها كان هذا ردا للواقعة على أحكام الله ~~تعالى ، فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى . # المسألة الخامسة : هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على ~~القياس مطلقا ، فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس ، ولا يجوز تخصيصهما ~~بسبب القياس ألبتة ، سواء كان القياس جليا أو خفيا ، سواء كان ذلك النص ~~مخصوصا قبل ذلك أم لا ، ويدل عليه أنا بينا أن قوله تعالى : { أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } أمر بطاعة الكتاب والسنة ، وهذا الأمر مطلق ، فثبت أن ~~متابعة الكتاب والسنة سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يوجد واجبة ~~، ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى : أحدها : أن كلمة ( ان ) على قول كثير من الناس ~~للاشتراط ، وعلى هذا المذهب كان قوله : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى ~~الله والرسول } صريح في ms2929 أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان ~~الأصول . الثاني : انه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة ، وهذا ~~مشعر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة . الثالث : أنه صلى الله عليه ~~وسلم اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب ، وعلق ~~جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله : ( فان لم تجد ) الرابع : انه ~~تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم حيث قال : { وإذا قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم فسجدوا إلا إبليس } ( البقرة : 34 ) ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص ~~بالكلية ، بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس هو قوله : { خلقتني من نار ~~وخلقته من طين } ( الأعراف : 12 ) ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس ~~مقدما على النص وصار بذلك السبب ملعونا ، وهذا يدل على أن تخصيص النص ~~بالقياس تقديم للقياس على النص وانه غير جائز . الخامس : أن القرآن مقطوع ~~في متنه لأنه ثبت بالتواتر ، والقياس ليس كذلك ، بل هو مظنون من جميع ~~الجهات ، والمقطوع PageV10P118 راجح على المظنون . السادس : قوله تعالى / { ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ( المائدة : 45 ) وإذا ~~وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم انا لا نحكم به بل حكمنا بالقياس ~~لزم الدخول تحت هذا العموم . السابع : قوله تعالى : { عظيما ياأيها الذين ~~ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله } ( الجمرات : 1 ) فاذا كان عموم ~~القرآن حاضر ، ثم قدمنا القياس المخصص لزم التقديم بين يدي الله ورسوله . ~~الثامن : قوله تعالى : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله } ( الأنعام : 148 ~~) إلى قوله : { إن يتبعون * إلى * الظن } ( النجم : 23 28 ) جعل اتباع الظن ~~من صفات الكفار ، ومن الموجبات القوية في مذمتهم ، فهذا يقتضي أن لا يجوز ~~العمل بالقياس ألبتة ترك هذا النص لما بينا أنه يدل على جواز العمل بالقياس ~~، لكنه إنما دل على ذلك عند فقدان النصوص ، فوجب عند وجدانها أن يبقى على ~~الأصل . التاسع : انه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا روي ~~عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان ms2930 وافقه فاقبلوه وإلا ذروه ) ولا شك ان ~~الحديث أقوى من القياس ، فاذا كان الحديث الذي لا يوافقه الكتاب مردودا ~~فالقياس أولى به . العاشر : ان القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، والقياس يفرق عقل الانسان ~~الضعيف ، وكل من له عقل سليم علم أن الأول أقوى بالمتابعة وأحرى . # المسألة السادسة : هذه الآية دالة على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة : ~~أعني الكتاب والسنة والاجماع والقياس مردود باطل ، وذلك لأنه تعالى جعل ~~الوقائع قسمين : أحدهما : ما تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالطاعة ~~وهو قوله : { بصيرا ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى ~~الامر منكم } والثاني : ما لا تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها ~~بالاجتهاد وهو قوله : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول } فاذا ~~كان لا مزيد على هذين القسمين وقد أمر الله تعالى في كل واحد منهما بتكليف ~~خاص معين دل ذلك على أنه ليس للمكلف أن يتمسك بشيء سوى هذه الأصول الأربعة ~~، وإذا ثبت هذا فنقول : القول بالاستحسان الذي يقول به أبو حنيفة رضي الله ~~عنه ، والقول بالاستصلاح الذي يقول به مالك رحمه الله إن كان المراد به أحد ~~هذه الأمور الأربعة فهو تغيير عبارة ولا فائدة فيه ، وإن كان مغايرا لهذه ~~الأربعة كان القول به باطلا قطعا لدلالة هذه الآية على بطلانه كما ذكرنا . # المسألة السابعة : زعم كثير من الفقهاء أن قوله تعالى : { أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } يدل على أن ظاهر الأمر للوجوب ، واعترض المتكلمون عليه ~~فقالوا : قوله : { أطيعوا الله } فهذا لا يدل على الايجاب إلا إذا ثبت أن ~~الأمر للوجوب . وهذا يقتضي افتقار الدليل إلى المدلول وهو باطل ، وللفقهاء ~~أن يجيبوا عنه من وجهين : الأول : أن الأوامر الواردة في الوقائع المخصوصة ~~دالة على / الندبية فقوله : { أطيعوا } لو كان معناه أن الاتيان بالمأمورات ~~مندوب فحينئذ لا يبقى لهذه الآية فائدة . لأن مجرد الندبية كان معلوما من ~~تلك الأوامر ، فوجب حملها على إفادة الوجوب حتى يقال : ان ms2931 الأوامر دلت على ~~أن فعل تلك المأمورات أولى من تركها ، وهذه الآية دلت على المنع من تركها ~~فحينئذ يبقى لهذه الآية فائدة . والثاني : أنه تعالى ختم الآية بقوله : { ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر } وهو وعيد ، فكما أن احتمال اختصاصه ~~بقوله : { فردوه إلى الله } قائم ، فكذلك احتمال عوده إلى الجملتين أعني ~~قوله : { أطيعوا الله } وقوله : { فردوه إلى الله } قائم ، ولا شك أن ~~الاحتياط فيه ، وإذا حكمنا بعود ذلك الوعيد إلى الكل صار قوله : { أطيعوا ~~الله } موجبا للوجوب ، فثبت أن هذه الآية دالة PageV10P119 على أن ظاهر ~~الامر للوجوب ، ولا شك أنه أصل معتبر في الشرع . # المسألة الثامنة : اعلم أن المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم اما ~~القول واما الفعل ، أما القول فيجب إطاعته لقوله تعالى : { أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } وأما الفعل فيجب على الأمة الاقتداء به إلا ما خصه الدليل ~~. وذلك لأنا بينا ان قوله : { أطيعوا } يدل على أن أوامر الله للوجوب ثم ~~انه تعالى قال في آية أخرى في صفة محمد عليه الصلاة والسلام : { فاتبعوه } ~~وهذا أمر ، فوجب أن يكون للوجوب ، فثبت أن متابعته واجبة ، والمتابعة عبارة ~~عن الاتيان بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله ، فثبت ان قوله { أطيعوا ~~الله } يوجب الاقتداء بالرسول في كل أفعاله ، وقوله : { وأطيعوا الرسول } ~~يوجب الاقتداء به في جميع أقواله ، ولا شك أنهما أصلان معتبران في الشريعة ~~. # المسألة التاسعة : اعلم أن ظاهر الأمر وان كان في أصل الوضع لا يفيد ~~التكرار ولا الفور إلا أنه في عرف الشرع يدل عليه ، ويدل عليه وجوه : الأول ~~: ان قوله : { أطيعوا الله } يصح منه استثناء أي وقت كان ، وحكم الاستثناء ~~اخراج ما لولاه لدخل ، فوجب أن يكون قوله : { أطيعوا الله } متناولا لكل ~~الأوقات ، وذلك يقتضي التكرار ، والتكرار يقتضي الفور . الثاني : انه لو لم ~~يفد ذلك لصارت الآية مجملة ، لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير ~~مذكورة ، أما لو حملناه على العموم كانت الآية مبينة ، وحمل كلام الله على ~~الوجه الذي يكون مبينا أولى من حمله على الوجه ms2932 الذي به يصير مجملا مجهولا ، ~~أقصى ما في الباب أنه يدخله التخصيص ، والتخصيص خير من الاجمال . الثالث : ~~ان قوله : { أطيعوا الله } أضاف لفظ الطاعة إلى لفظ الله ، فهذا يقتضي أن ~~وجوب الطاعة علينا له إنما كان لكوننا عبيدا له ولكونه إلها ، فثبت من هذا ~~الوجه ان المنشأ لوجوب الطاعة هو العبودية والربوبية ، وذلك يقتضي دوام ~~وجوب الطاعة على جميع المكلفين إلى قيام القيامة / وهذا أصل معتبر في الشرع ~~. # المسألة العاشرة : انه قال : { أطيعوا الله } فأفرده في الذكر ، ثم قال : ~~{ وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } وهذا تعليم من الله سبحانه لهذا الأدب ~~، وهو أن لا يجمعوا في الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره ، وأما إذا آل ~~الأمر إلى المخلوقين فيجوز ذلك ، بدليل انه قال : { وأطيعوا الرسول وأولى ~~الامر منكم } وهذا تعليم لهذا الأدب ، ولذلك روي أن واحدا ذكر عند الرسول ~~عليه الصلاة والسلام وقال : من أطاع الله والرسول فقد رشد ، ومن عصاهما فقد ~~غوى ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( بئس الخطيب أنت هلا قلت من عصى الله ~~وعصى رسوله ) أو لفظ هذا معناه ، وتحقيق القول فيه أن الجمع بين الذكرين في ~~اللفظ يوهم نوع مناسبة ومجانسة ، وهو سبحانه متعال عن ذلك . # المسألة الحادية عشرة : قد دللنا على أن قوله : { وأولى الامر منكم } يدل ~~على أن الاجماع حجة فنقول : كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل ~~كثيرة من فروع القول بالاجماع ، ونحن نذكر بعضها : # الفرع الأول : مذهبنا أن الاجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم ~~استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة ، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل ~~والعقد في كتب أصول الفقه نقول : الآية دالة عليه لأنه تعالى أوجب طاعة ~~أولي الأمر ، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من ~~العلماء ، PageV10P120 لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط ~~الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه ، وكذلك المفسر والمحدث الذي لا ~~قدرة له على استنباط الأحكام من القرآن والحديث ، فدل على ما ذكرناه ، فلما ~~دلت ms2933 الآية على أن اجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أن ينعقد ~~الاجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء . وأما دلالة الآية على أن ~~العامي غير داخل فيه فظاهر ؛ لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر . # الفرع الثاني : اختلفوا في أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف هل هو حجة ؟ ~~والأصح أنه حجة / والدليل عليه هذه الآية ، وذلك لأنا بينا أن قوله : { ~~وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد ~~من الأمة ، وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف وما لم يكن كذلك ، فوجب أن ~~يكون الكل حجة . # الفرع الثالث : اختلفوا في أن انقراض أهل العصر هل هو شرط ؟ والأصح أنه ~~ليس بشرط ، والدليل عليه هذه الآية ، وذلك لأنها تدل على وجوب طاعة ~~المجمعين ، وذلك يدخل فيه ما إذا انقرض العصر وما إذا لم ينقرض . # / الفرع الرابع : دلت الآية على أن العبرة باجماع المؤمنين لأنه تعالى ~~قال في أول الآية : { ذلك بأن الذين كفروا } ثم قال : { وأولى الامر منكم } ~~فدل هذا على أن العبرة باجماع المؤمنين ، فأما سائر الفرق الذين يشك في ~~إيمانهم فلا عبرة بهم . # المسألة الثانية عشرة : ذكرنا أن قوله : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى ~~الله والرسول } يدل على صحة العمل بالقياس ، فنقول : كما أن هذه الآية دلت ~~على هذا الأصل ، فكذلك دلت على مسائل كثيرة من فروع القول بالقياس ، ونحن ~~نذكر بعضها : # الفرع الأول : قد ذكرنا أن قوله : { فردوه إلى الله } معناه فردوه إلى ~~واقعة بين الله حكمها ، ولا بد وأن يكون المراد فردوها إلى واقعة تشبهها ، ~~إذ لو كان المراد بردها ردها إلى واقعة تخالفها في الصورة والصفة ، فحينئذ ~~لم يكن ردها إلى بعض الصور أولى من ردها إلى الباقي ، وحينئذ يتعذر الرد ، ~~فعلمنا أنه لا بد وأن يكون المراد : فردوها إلى واقعة تشبهها في الصورة ~~والصفة . ثم إن هذا المعنى الذي قلناه يؤكد بالخبر والأثر ، أما الخبر ~~فانهم لما سألوه صلى الله عليه وسلم عن قبلة الصائم فقال عليه الصلاة ms2934 ~~والسلام : ( أرأيت لو تمضمضت ) يعني المضمضة مقدمة الأكل ، كما أن القبلة ~~مقدمة الجماع ، فكما أن تلك المضمضة لم تنقض الصوم ، فكذا القبلة . ولما ~~سألته الخثعمية عن الحج فقال عليه الصلاة والسلام : أرأيت لو كان على أبيك ~~دين فقضيته هل يجزى فقالت نعم : قال عليه الصلاة والسلام : فدين الله أحق ~~بالقضاء ) وأما الأثر فما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : اعرف الأشباه ~~والنظائر وقس الأمور برأيك ، فدل مجموع ما ذكرناه من دلالة هذه الآية ~~ودلالة الخبر ودلالة الأثر على أن قوله : { فردوه } أمر برد الشيء إلى ~~شبيهة ، واذا ثبت هذا فقد جعل الله المشابهة في الصورة والصفة دليلا على أن ~~الحكم في غير محل النص مشابه للحكم في محل النص ، وهذا هو الذي يسميه ~~الشافعي رحمه الله قياس الأشباه ، ويسميه أكثر الفقهاء قياس الطرد ، ودلت ~~هذه الآية على صحته لأنه لما ثبت بالدليل أن المراد من قوله : { فردوه } هو ~~أنه ردوه إلى شبيهه علمنا أن الأصل المعول عليه في باب القياس محض المشابهة ~~، وهذا بحث فيه طول ، ومرادنا بيان كيفية استنباط المسائل من الآيات ، فأما ~~PageV10P121 الاستقصاء فيها فمذكور في سائر الكتب . # الفرع الثاني : دلت الآية على أن شرط الاستدلال بالقياس في المسألة أن لا ~~يكون فيها نص من الكتاب والسنة لأن قوله : { فإن تنازعتم فى شىء فردوه } ~~مشعر بهذا الاشتراط . # الفرع الثالث : دلت الآية على أنه اذا لم يوجد في الواقعة نص من الكتاب ~~والسنة والاجماع جاز استعمال القياس فيه كيف كان ، وبطل به قول من قال : لا ~~يجوز استعمال القياس في الكفارات / والحدود وغيرهما ؛ لأن قوله : { فإن ~~تنازعتم فى شىء } عام في كل واقعة لا نص فيها . # الفرع الرابع : دلت الآية على أن من أثبت الحكم في صورة بالقياس فلا بد ~~وأن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالنص ، ولا يجوز أن يقيسه على صورة ثبت ~~الحكم فيها بالقياس لأن قوله : { فردوه إلى الله والرسول } ظاهره مشعر بأنه ~~يجب رده إلى الحكم الذي ثبت بنص الله ونص رسوله ms2935 . # الفرع الخامس : دلت الآية على أن القياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالقرآن ~~، والقياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالسنة إذا تعارضا كان القياس على ~~القرآن مقدما على القياس على الخبر لأنه تعالى قدم الكتاب على السنة في ~~قوله : { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } وفي قوله : { فردوه إلى الله ~~والرسول } وكذلك في خبر معاذ . # الفرع السادس : دلت الآية على أنه إذا تعارض قياسان أحدهما تأيد بايماء ~~في كتاب الله والآخر تأيد بايماء خبر من أخبار رسول الله ، فان الأول مقدم ~~على الثاني ، يعني كما ذكرناه في الفرع الخامس ، فهذه المسائل الأصولية ~~استنبطناها من هذه الآية في أقل من ساعتين ، ولعل الانسان إذا استعمل الفكر ~~على الاستقصاء أمكنه استنباط أكثر مسائل أصول الفقه من هذه الآية . # المسألة الثالثة عشرة : قوله : { وأولى الامر } معناه ذوو الأمر وأولو ~~جمع ، وواحده ذو على غير القياس ، كالنساء والابل والخيل ، كلها أسماء ~~للجمع ولا واحد له في اللفظ . # المسألة الرابعة عشرة : قوله : { فإن تنازعتم } قال الزجاج : اختلفتم ~~وقال كل فريق : القول قولي واشتقاق المنازعة من النزع الذي هو الجذب ، ~~والمنازعة عبارة عن مجاذبة كل واحد من الخصمين لحجة مصححة لقوله ، أو ~~محاولة جذب قوله ونزعه إياه عما يفسده . # ثم قال تعالى : { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : هذا الوعيد يحتمل أن يكون عائدا إلى قوله : { أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول } وإلى قوله : { فردوه إلى الله والرسول } والله أعلم ~~. # المسألة الثانية : ظاهر قوله : { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر } ~~يقتضي أن من لم يطع الله والرسول لا يكون مؤمنا ، وهذا يقتضي أن يخرج ~~المذنب عن الايمان لكنه محمول على التهديد / . # ثم قال تعالى : { ذالك خير وأحسن تأويلا } أي ذلك الذي أمرتكم به في هذه ~~الآية خير لكم وأحسن عاقبة لكم لأن التأويل عبارة عما اليه مآل الشيء ~~ومرجعه وعاقبته . # PageV10P122 ! 7 < { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بمآ أنزل إليك ~~ومآ أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ~~ويريد ms2936 الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل ~~الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 60 - 61 ) ألم تر إلى . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما أوجب في الآية الاولى على جميع المكلفين أن يطيعوا ~~الله ويطيعوا الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض ~~لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه ، وانما يريدون حكم غيره ، وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : الزعم والزعم لغتان ، ولا يستعملان في الاكثر الا في ~~القول الذي لا يتحقق . قال الليث : أهل العربية يقولون زعم فلان اذا شكوا ~~فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق ، فكذلك تفسير قوله : { هاذا لله بزعمهم } أي ~~بقولهم الكذب . قال الاصمعي : الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم ~~لا ، وقال ابن الاعربي : الزعم يستعمل في الحق ، وأنشد لأمية بن الصلت # واني أدين لكم أنه سينجزكم ربكم ما زعم # اذا عرفت هذا فنقول : الذي في هذه الآية المراد به الكذب ، لأن الآية ~~نزلت في المنافقين . # المسألة الثانية : ذكروا في أسباب النزول وجوها : الأول : قال كثير من ~~المفسرين : نازع رجل من المنافقين رجلا من اليهود فقال اليهودي : بيني ~~وبينك أبو القاسم ، وقال المنافق : بيني وبينك كعب بن الاشرف ، والسبب في ~~ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة ، ~~وكعب بن الاشرف كان يديد الرغبة في الرشوة ، واليهودي كان محقا ، والمنافق ~~كان مبطلا ، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم إلى الرسول ، والمنافق ~~كان يريد كعب بن الاشرف ، ثم أصر اليهودي على قوله ، فذهبا اليه صلى الله ~~عليه وسلم ، فحكم الرسول عليه الصلاة والسلام لليهودي / على المنافق ، فقال ~~المنافق لا أرضى انطلق بنا إلى أبي بكر ، فحكم أبو بكر رضي الله عنه ~~لليهودي فلم يرض المنافق ، وقال المنافق : بيني وبينك عمر ، فصارا إلى عمر ~~فأخبره اليهودي أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر حكما على المنافق ~~فلم يرض بحكمهما ، فقال للمنافق : أهكذا فقال نعم ، قال : اصبرا إن لي حاجة ~~أدخل ms2937 فأقضيها وأخرج اليكما . فدخل فأخذ سيفه ثم خرج اليهما فضرب به المنافق ~~حتى برد وهرب اليهودي ، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسأل عمر عن قصته ، فقال عمر : إنه رد حكمك يا رسول الله ، فجاء ~~جبريل عليه السلام في الحال وقال : انه الفاروق فرق بين الحق والباطل ، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : ( أنت الفاروق ) وعلى هذا القول ~~الطاغوت هو كعب بن الأشرف . PageV10P123 # الرواية الثانية : في سبب نزول هذه الآية أنه أسلم ناس من اليهود ونافق ~~بعضهم ، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضريا قتل به وأخذ ~~منه دية مائة وسق من تمر ، وإذا قتل نضري قرظيا لم يقتل به ، لكن أعطي ديته ~~ستين وسقا من التمر ، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس ، وقريظة حلفاء ~~الخزرج ، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة قتل نضري قرظيا ~~فاختصما فيه ، فقالت بنو النضير : لا قصاص علينا ، إنما علينا ستون وسقا من ~~تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل ، وقالت الخزرج : هذا حكم الجاهلية ، ونحن ~~وأنتم اليوم إخوة ، وديننا واحد ولا فضل بيننا ، فأبي بنو النضير ذلك ، ~~فقال المنافقون : انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي / وقال المسلمون : ~~بل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ~~ليحكم بينهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ودعا الرسول عليه الصلاة ~~والسلام الكاهن إلى الاسلام فأسلم ، هذا قول السدي ، وعلى هذا القول ~~الطاغوت هو الكاهن . # الرواية الثالثة : قال الحسن : ان رجلا من المسلمين كان له على رجل من ~~المنافقين حق ، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون اليه ، ~~ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن ، فالمراد بالطاغوت هو ذلك الرجل . # الرواية الرابعة : كانوا يتحاكمون إلى الأوثان ، وكان طريقهم أنهم يضربون ~~القداح بحضرة الوثن ، فما خرج على القداح عملوا به ، وعلى هذا القول ~~فالطاغوت هو الوثن . # واعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين ، ثم ~~قال أبو مسلم : ظاهر الآية ms2938 يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب ، مثل أنه ~~كان يهوديا فأظهر الاسلام على سبيل النفاق لأن قوله تعالى : { يزعمون أنهم ~~ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } إنما يليق بمثل هذا المنافق . # / المسألة الثالثة : مقصود الكلام ان بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض ~~أهل الطغيان ولم يرد التحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم . قال القاضي : ~~ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر ، وعدم الرضا بحكم محمد عليه ~~الصلاة والسلام كفر ، ويدل عليه وجوه : الأول : انه تعالى قال : { يريدون ~~أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به } فجعل التحاكم إلى ~~الطاغوت يكون ايمانا به ، ولا شك أن الايمان بالطاغوت كفر بالله ، كما أن ~~الكفر بالطغوت إيمان بالله . الثاني : قوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم } إلى قوله : { ويسلموا تسليما } ( النساء : 65 ~~) وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام . الثالث : ~~قوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم } ( النور : 63 ) وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة ، وفي هذه ~~الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول عليه الصلاة ~~والسلام فهو خارج عن الاسلام ، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد ، ~~وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم ~~وسبي ذراريهم . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : ان قوله تعالى : { ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا } يدل على أن كفر الكافر ليس بخلق الله ولا بارادته ، ~~وبيانه من وجوه : الأول : أنه لو خلق الله الكفر في الكافر وأراده منه فأي ~~تأثير للشيطان فيه ، وإذا لم يكن له فيه تأثير فلم ذمه عليه ؟ الثاني : انه ~~تعالى ذم الشيطان بسبب انه يريد PageV10P124 هذه الضلالة ؟ فلو كان تعالى ~~مريدا لها لكان هو بالذم أولى من حيث ان كل من عاب شيئا ثم فعله كان بالذم ~~أولى قال تعالى : { كبر مقتا عند الله أن ms2939 تقولوا ما لا تفعلون } ( الصف : 3 ~~) الثالث : ان قوله تعالى في أول الآية صريح في إظهار التعجب من أنهم كيف ~~تحاكموا إلى الطاغوت مع أنهم قد أمروا أن يكفروا به ، ولو كان ذلك التحاكم ~~بخلق الله لما بقي التعجب ، فانه يقال : إنما فعلوا لاجل أنك خلقت ذلك ~~الفعل فيهم وأردته منهم ، بل التعجب من هذا التعجب أولى ، فان من فعل ذلك ~~فيهم ثم أخذ يتعجب منهم انهم كيف فعلوا ذلك كان التعجب من هذا التعجب أولى ~~. # واعلم أن حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى التمسك بطريقة المدح أو الذم ، وقد ~~عرفت منا انا لا نقدح في هذه الطريقة إلا بالمعارضة بالعلم والداعي والله ~~أعلم . # ثم قال تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : بين في الآية الأولى رغبة المنافقين في التحاكم إلى ~~الطاغوت ، وبين بهذه الآية نفرتهم عن التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم . قال المفسرون : إنما صد المنافقون عن حكم الرسول عليه الصلاة ~~والسلام لأنهم كانوا ظالمين ؛ وعلموا أنه لا يأخذ الرشا وانه لا يحكم إلا ~~بمر الحكم ، وقيل : كان ذلك الصد لعداوتهم في الدين . # المسألة الثانية : يصدون عنك صدودا ، أي يعرضون عنك ، وذكر المصدر ~~للتأكيد والمبالغة كأنه قيل : صدودا أي صدود . # ! 7 < { فكيف إذآ أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جآءوك يحلفون بالله ~~إن أردنآ إلا إحسانا وتوفيقا * أولائك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم فأعرض ~~عنهم وعظهم وقل لهم فىأنفسهم قولا بليغا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 62 - 63 ) فكيف إذا أصابتهم . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهين : الأول : ~~أن قوله : { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } كلام وقع في البين ، ~~وما قبل هذه الآية متصل بما بعدها هكذا : واذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ثم جاؤك يحلفون بالله إن ~~أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ، يعني أنهم في أول الأمر ms2940 يصدون عنك أشد الصدود ، ~~ثم بعد ذلك يجيئونك ويحلفون بالله كذبا على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا ~~الاحسان والتوفيق ، وعلى هذا التقدير يكون النظم متصلا ، وتلك الآية وقعت ~~في البين كالكلام الأجنبي ، وهذا يسمى اعتراضا ، وهو كقول الشاعر : ~~PageV10P125 # إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان # فقوله : وبلغتها ، كلام أجنبي وقع في البين ، إلا أن هذا الكلام الأجنبي ~~شرطه أن يكون له من بعض الوجوه تعلق بذلك المقصود كما في هذا البيت ، فان ~~قوله : بلغتها دعاء للمخاطب وتلطف في / القول معه ، والآية أيضا كذلك ، لأن ~~أول الآية وآخرها في شرح قبائح المنافقين وفضائحهم وأنواع كيدهم ومكرهم ، ~~فان الآية أخبرت بأنه تعالى حكى عنهم في أول الآية أنهم يتحاكمون إلى ~~الطاغوت مع أنهم أمروا بالكفر به ، ويصدون عن الرسول مع أنهم أمروا بطاعته ~~، فذكر بعد هذا ما يدل على شدة الأحوال عليهم بسبب هذه الأعمال السيئة في ~~الدنيا والآخرة فقال : { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } أي فكيف ~~حال تكل الشدة وحال تلك المصيبة ، فهذا تقرير هذا القول ، وهو قول الحسن ~~البصري ، واختيار الواحدي من المتأخرين . # الوجه الثاني : أنه كلام متصل بما قبله ، وتقريره انه تعالى لما حكى عنهم ~~في الآية المتقدمة أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويفرون من الرسول عليه ~~الصلاة والسلام أشد الفرار دل ذلك على شدة نفرتهم من الحضور عند الرسول ~~والقرب منه ، فلما ذكر ذلك قال : { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~} يعني إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا ، فكيف ~~يكون حالهم في شدة الغم والحسرة إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ، ثم ~~جاؤك شاؤا أم أبوا ويحلفون بالله على سبيل الكذب : انا ما أردنا بتلك ~~الجناية إلا الخير والمصلحة ، والغرض من هذا الكلام بيان ان ما في قلبهم من ~~النفرة عن الرسول لا غاية له ، سواء غابوا أم حضروا ، وسواء بعدوا أم قربوا ~~، ثم انه تعالى أكد هذا المعنى بقوله : { أولئك الذين يعلم الله ما فى ~~قلوبهم } والمعنى أن ms2941 من أراد المبالغة في شيء قال : هذا شيء لا يعلمه إلا ~~الله ، يعني انه لكثرته وقوته لا يقدر أحد على معرفته إلا الله تعالى ، ثم ~~لما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام شدة بغضهم ونهاية عداوتهم ونفرتهم ~~أعلمه انه كيف يعاملهم فقال : { فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولا ~~بليغا } وهذا الكلام على ما قررناه منتظم حسن الاتساق لا حاجة فيه إلى شيء ~~من الحذف والإضمار ، ومن طالع كتب التفسير علم ان المتقدمين والمتأخرين كيف ~~اضطربوا فيه والله أعلم . # المسألة الثانية : ذكروا في تفسير قوله : { أصابتهم مصيبة } وجوها : ~~الأول : أن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول ~~عليه السلام ، فهم جاؤا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فطالبوا عمر بدمه ~~وحلفوا انهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة ، وهذا اختيار ~~الزجاج . الثاني : قال أبو علي الجبائي : المراد من هذه المصيبة ما أمر ~~الله تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ، ~~وانه يخصهم بمزيد الاذلال والطرد عن حضرته وهو قوله تعالى : { لئن لم ينته ~~المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } ( ~~الأحزاب : 60 61 ) وقوله : { قل لن * تخرجوا معى أبدا } ( التوبة : 83 ) ~~وبالجملة فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم ، فكانت معدودة في ~~مصائبهم ، وانما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم ، وعني بقوله : { ثم } أي وقت ~~المصيبة يحلفون ويعتذرون أنا ما أردنا بما كان منا من مداراة الكفار الا ~~الصلاح ، وكانوا في ذلك كاذبين لانهم أضمروا خلاف ما أظهروه ، ولم يريدوا ~~بذلك PageV10P126 الاحسان الذي هو الصلاح . الثالث : قال أبو مسلم ~~الاصفهاني : انه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت ~~وكرهوا حكم الرسول ، بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ستصيبهم مصائب ~~تلجئهم إليه ، والى أن يظهروا له الايمان به والى أن يحلفوا بأن مرادهم ~~الاحسان والتوفيق . قال : ومن عادة العرب عند التبشير والانذار أن يقولوا ms2942 : ~~كيف أنت اذا كان كذا وكذا ، ومثاله قوله تعالى : { عظيما فكيف إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد } ( النساء : 41 ) وقوله : { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب ~~فيه } ( آل عمران : 25 ) ثم أمره تعالى اذا كان منهم ذلك أن يعرض عنهم ~~ويعظهم . # المسألة الثالثة : في تفسير الاحسان والتوفيق وجوه : الأول : معناه ما ~~أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول صلى الله عليه وسلم الا الاحسان إلى خصومنا ~~واستدامة الاتفاق والائتلاف فيما بيننا ، وانما كان التحاكم إلى غير الرسول ~~إحسانا إلى الخصوم لأنهم لو كانوا عند الرسول لما قدروا على رفع صوت عند ~~تقرير كلامهم ، ولما قدروا على التمرد من حكمه ، فاذن كان التحاكم إلى غير ~~الرسول إحسانا إلى الخصوم . الثاني : أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى ~~عمر إلا أنه يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه ، وما ~~خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به الرسول . الثالث : أن يكون المعنى ما أردنا ~~بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله الا أنك لا تحكم الا بالحق المر ، وغيرك ~~يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالاحسان إلى الآخر ، وتقريب ~~مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة . # ثم قال تعالى : { أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم } والمعنى أنه لا ~~يعلم ما في قلوبهم من النفاق والغيظ والعداوة الا الله . # ثم قال تعالى : { فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا } واعلم ~~أنه تعالى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم بثلاثة أشياء : ~~الأول : قوله : { فأعرض عنهم } وهذا يفيد أمرين أحدهما : أن لا يقبل منهم ~~ذلك العذر ولا يغتر به ، فان من لا يقبل عذر غيره ويستمر على سخطه قد يوصف ~~بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه . والثاني : أن هذا يجري مجرى أن يقول له : ~~اكتف بالاعراض عنهم ولا تهتك سترهم ، ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في ~~بواطنهم ، فان من هتك ستر / عدوه وأظهر له كونه عالما بما في قلبه فربما ~~يجرئه ذلك على أن لا يبالي ms2943 باظهار العداوة فيزداد الشر / ولكن إذا تركه على ~~حاله بقي في خوف ووجل فيقل الشر . # النوع الثاني : قوله تعالى : { وعظهم } والمراد أنه يزجرهم عن النفاق ~~والمكر والكيد والحسد والكذب ويخوفهم بعقاب الآخرة ، كما قال تعالى : { ادع ~~إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ( النحل : 125 ) . # النوع الثالث : قوله تعالى : { وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : في قوله : { فى أنفسهم } وجوه : الأول : أن في الآية ~~تقديما وتأخيرا ، والتقدير : وقل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم ~~يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعارا . الثاني : أن يكون ~~التقدير : وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا ~~بليغا ، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه ، فطهروا قلوبكم ~~من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شرا من ذلك ~~وأغلظ . الثالث : قل لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر ~~، لأن PageV10P127 النصحية على الملأ تقريع وفي السر محض المنفعة . # المسألة الثانية : في الآية قولان : أحدهما : أن المراد بالوعظ التخويف ~~بعقاب الآخرة ، والمراد بالقول البليغ التخويف بعقاب الدنيا ، وهو أن يقول ~~لهم : إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله ، ولا فرق بينكم ~~وبين سائر الكفار ، وإنما رفع الله السيف عنكم لأنكم أظهرتم الايمان ، فان ~~واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر للكل بقاؤكم على الكفر ، وحينئذ يلزمكم ~~السيف . الثاني : أن القول البليغ صفة للوعظ ، فأمر تعالى بالوعظ ، ثم أمر ~~أن يكون ذلك الوعظ بالقول البليغ ، وهو أن يكون كلاما بليغا طويلا حسن ~~الألفاظ حسن المعاني مشتملا على الترغيب والترهيب والاحذار والانذار ~~والثواب والعقاب ، فان الكلام إذا كان هكذا عظم وقعه في القلب ، وإذا كان ~~مختصرا ركيك اللفظ قليل المعنى لم يؤثر ألبتة في القلب . # ! 7 < { ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جآءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } ~~. > 7 ! # < < # | النساء : ( 64 ) وما أرسلنا من . . . . . # > > قوله تعالى : { وما ms2944 أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } . ( النساء ~~: 64 ) واعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الرسول في قوله : { وأطيعوا الرسول ~~وأولى الامر منكم } ثم حكى ان بعضهم تحاكم إلى الطاغوت ولم يتحاكم إلى ~~الرسول ، وبين قبح طريقه وفساد منهجه ، رغب في هذه الآية مرة أخرى في طاعة ~~الرسول فقال : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } وفي / الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال الزجاج كلمة ( من ) ههنا صلة زائدة ، والتقدير : ~~وما أرسلنا رسولا ، ويمكن أن يكون التقدير : وما أرسلنا من هذا الجنس أحدا ~~الا كذا وكذا ، وعلى هذا التقدير تكون المبالغة أتم . # المسألة الثانية : قال أبو علي الجبائي : معنى الآية : وما أرسلت من رسول ~~إلا وأنا مريد أن يطاع ويصدق ولم أرسله ليعصى . قال : وهذا يدل على بطلان ~~مذهب المجبرة لانهم يقولون : انه تعالى أرسل رسلا لتعصى ، والعاصي من ~~المعلوم أنه يبقى على الكفر ، وقد نص الله على كذبهم في هذه الآية ، فلو لم ~~يكن في القرآن ما يدل على بطلان قولهم إلا هذه الآية لكفى ، وكان يجب على ~~قولهم أن يكون قد أرسل الرسل ليطاعوا وليعصوا جميعا ، فدل ذلك على أن ~~معصيتهم للرسل غير مرادة لله ، وأنه تعالى ما أراد ألا أن يطاع . # واعلم أن هذا الاستدلال في غاية الضعف وبيانه من وجوه : الأول : ان قوله ~~: { إلا ليطاع } يكفي في تحقيق مفهومه أن يطيعه مطيع واحد في وقت واحد ، ~~وليس من شرط تحقق مفهومه أن يطيعه جميع الناس في جميع الاوقات ، وعلى هذا ~~التقدير فنحن نقول بموجبه : وهو أن كل من أرسله الله تعالى فقد أطاعه بعض ~~الناس في بعض الاوقات ، اللهم الا أن يقال : تخصيص الشيء بالذكر يدل على ~~نفي الحكم عما عداه ، الا أن الجبائي لا يقول بذلك ، فسقط هذا الاشكال على ~~جميع التقديرات . الثاني : لم لا يجوز أن يكون المراد به ان كل كافر فانه ~~لا بد وأن يقربه عند موته ، كما قال تعالى : { وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به قبل موته } ( النساء : 159 ) أو ms2945 يحمل ذلك على ايمان الكل به يوم ~~القيامة ، ومن المعلوم أن الوصف في جانب الثبوت PageV10P128 يكفي في حصول ~~مسماه ثبوته في بعض الصور وفي بعض الأحوال . الثالث : أن العلم بعدم الطاعة ~~مع وجود الطاعة متضادان ، والضدان لا يجتمعان ، وذلك العلم ممتنع العدم ، ~~فكانت الطاعة ممتنعة الوجود ، والله عالم بجميع المعلومات ، فكان عالما ~~بكون الطاعة ممتنعة الوجود ، والعالم بكون الشيء ممتنع الوجود لا يكون ~~مريدا له ، فثبت بهذا البرهان القاطع أن يستحيل أن يريد الله من الكافر ~~كونه مطيعا ، فوجب تأويل هذه اللفظة وهو أن يكون المراد من الكلام ليس ~~الارادة بل الأمر ، والتقدير : وما أرسلنا من رسول إلا ليؤمر الناس بطاعته ~~، وعلى هذا التقدير سقط الاشكال . # المسألة الثالثة : قال أصحابنا : الآية دالة على أنه لا يوجد شيء من ~~الخير والشر والكفر والايمان والطاعة والعصيان إلا بارادة الله تعالى ، ~~والدليل عليه قوله تعالى : { إلا ليطاع بإذن الله } ولا يمكن أن يكون ~~المراد من هذا الاذن الأمر والتكليف ، لأنه لا معنى لكونه رسولا الا أن ~~الله / أمر بطاعته ، فلو كان المراد من الاذن هو هذا لصار تقدير الآية : ~~وما أذنا في طاعة من أرسلناه الا باذننا وهو تكرار قبيح ، فوجب حمل الاذن ~~على التوفيق والاعانة . وعلى هذا الوجه فيصير تقدير الآية : وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بتوفيقنا وإعانتنا / وهذا تصريح بأنه سبحانه ما أراد من ~~الكل طاعة الرسول ، بل لا يريد ذلك الا من الذي وفقه الله لذلك وأعانه عليه ~~وهم المؤمنون . وأما المحرومون من التوفيق والاعانة فالله تعالى ما أراد ~~ذلك منهم ، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا . # المسألة الرابعة : الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون ~~مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها ، اذ لو كان لا يدعو إلا إلى شرع من كان ~~قبله لم يكن هو في الحقيقة مطاعا ، بل كان المطاع هو الرسول المتقدم الذي ~~هو الواضع لتلك الشريعة ، والله تعالى حكم على كل رسول بأنه مطاع . # المسألة الخامسة : الآية دالة على ms2946 أن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن ~~المعاصي والذنوب لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقا ، فلو أتوا بمعصية لوجب ~~علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية فتصير تلك المعصية واجبة علينا ، وكونها ~~معصية يوجب كونها محرمة علينا ، فيلزم توارد الايجاب والتحريم على الشيء ~~الواحد وإنه محال . # فان قيل : ألستم في الاعتراض على كلام الجبائي ذكرتم أن قوله : { إلا ~~ليطاع } لا يفيد العموم ، فكيف تمسكتم به في هذه المسألة مع أن هذا ~~الاستدلال لا يتم إلا مع القول بأنها تفيد العموم . # قلنا : ظاهر اللفظ يوهم العموم ، وإنما تركنا العموم في تلك المسألة ~~للدليل العقلي القاطع الذي ذكرناه على أنه يستحيل منه تعالى أن يريد ~~الايمان من الكافر ، فلأجل ذلك المعارض القاطع صرفنا الظاهر عن العموم ، ~~وليس في هذه المسألة برهان قاطع عقلي يوجب القدح في عصمة الأنبياء فظهر ~~الفرق . # قوله تعالى : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر ~~لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } . # وفيه مسائل : PageV10P129 # / المسألة الأولى : في سبب النزول وجهان : الأول : المراد به من تقدم ~~ذكره من المنافقين ، يعني لو أنهم عندما ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت ~~والفرار من التحاكم إلى الرسول جاؤا الرسول وأظهروا الندم على ما فعلوه ~~وتابوا عنه واستغفروا منه واستغفر لهم الرسول بأن يسأل الله أن يغفرها لهم ~~عند توبتهم لوجدوا الله توابا رحيما . الثاني : قال أبو بكر الأصم : إن ~~قوما من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم ~~دخلوا عليه لأجل ذلك الغرض فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره به ، فقال صلى ~~الله عليه وسلم : إن قوما دخلوا يريدون أمرا لا ينالونه ، فليقوموا ~~وليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا ، فقال : ألا تقومون ، فلم ~~يفعلوا فقال صلى الله عليه وسلم : قم يا فلان قم يا فلان حتى عد أثنى عشر ~~رجلا منهم ، فقاموا وقالوا : كنا عزمنا على ما قلت ، ونحن نتوب إلى الله من ~~ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا ، فقال : الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب ~~إلى الاستغفار : وكان ms2947 الله أقرب إلى الاجابة اخرجوا عني . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه ~~صحيح لكانت توبتهم مقبولة ، فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى ~~استغفارهم ؟ # قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان ~~مخالفة لحكم الله ، وكان أيضا إساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ~~وإدخالا للغم في قلبه ، ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب ~~لغيره ، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم . ~~الثاني : أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمر ، فاذا ~~تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد ، وما ذاك إلا بأن ~~يذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلبوا منه الاستغفار . الثالث : ~~لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل / فاذا انضم اليها استغفار ~~الرسول صارت مستحقة للقبول والله أعلم . # المسألة الثالثة : إنما قال : { واستغفر لهم الرسول } ولم يقل واستغفرت ~~لهم إجلالا للرسول عليه الصلاة والسلام ، وأنهم إذا جاؤه فقد جاؤا من خصه ~~الله برسالته وأكرمه بوحيه وجعله سفيرا بينه وبين خلقه ، ومن كان كذلك فان ~~الله لا يرد شفاعته ، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ ~~المغايبة ما ذكرناه . # المسألة الرابعة : الآية دالة على الجزم بأن الله تعالى يقبل توبة التائب ~~، لأنه تعالى لما ذكر عنهم الاستغفار قال بعده : { لوجدوا الله توابا رحيما ~~} وهذا الجواب إنما ينطلق على ذلك الكلام إذا كان المراد من قوله : { توابا ~~رحيما } هو أن يقبل توبتهم ويرحم تضرعهم / ولا يرد استغفارهم . # ! 7 < { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~فىأنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 65 ) فلا وربك لا . . . . . # > > # فيه مسائل : PageV10P130 # المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية قولان : أحدهما : وهو قول عطاء ~~ومجاهد والشعبي : ان هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق ، فهذه الآية ~~متصلة بما قبلها ، وهذا القول هو المختار عندي . والثاني : انها مستأنفة ~~نازلة في قصة ms2948 أخرى ، وهو ما روي عن عروة بن الزبير أن رجلا من الانصار خاصم ~~الزبير في ماء يسقى به النخل ، فقال صلى الله عليه وسلم للزبير : ( اسق ~~أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك ) فقال الانصاري : لأجل أنه ابن عمتك ، ~~فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير : ( اسق ثم احبس ~~الماء حتى يبلغ الجدر ) . # واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول ~~الماء وحقه تمام السقي ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في السقي ~~على وجه المسامحة ، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمر به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من المسامحة لاجله أمره النبي عليه الصلاة والسلام باستيفاء ~~حقه على سبيل التمام ، وحمل خصمه على مر الحق . # المسألة الثانية : ( لا ) في قوله : ( فلا وربك ) فيه قولان : الأول : ~~معناه فوربك ، كقوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } و ( لا ) مزيدة لتأكيد ~~معنى القسم ، كما زيدت في { لئلا يعلم } لتأكيد وجوب العلم و { لا يؤمنون } ~~جواب القسم . والثاني : انها مفيدة ، وعلى هذا التقدير ذكر الواحدي فيه ~~وجهين : الأول : انه يفيد نفي أمر سبق ، والتقدير : ليس الأمر كما يزعمون ~~انهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ، ثم استأنف القسم بقوله : { فوربك * لا ~~يؤمنون حتى يحكموك } والثاني : أنها لتوكيد النفي الذي جاء فيما بعد ، لأنه ~~إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن . # المسألة الثالثة : يقال شجر يشجر شجورا وشجرا إذا اختلف واختلط ، وشاجره ~~إذا نازعه وذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض عند المنازعة ، ومنه يقال لخشبات ~~الهودج شجار ، لتداخل / بعضها في بعض . قال أبو مسلم الأصفهاني : وهو مأخوذ ~~عندي من التفاف الشجر ، فان الشجر يتداخل بعض أغصانه في بعض ، وأما الحرج ~~فهو الضيق . قال الواحدي : يقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل اليه : حرج ~~، وجمعه حراج ، وأما التسليم فهو تفعيل يقال : سلم فلان أي عوفي ولم ينشب ~~به نائبة ، وسلم هذا الشيء لفلان ، أي خلص له من غير منازع ، فاذا ثقلته ms2949 ~~بالتشديد فقلت : سلم له فمعناه أنه سلمه له وخلصه له ، هذا هو الأصل في ~~اللغة ، وجميع استعمالات التسليم راجع إلى الأصل فقولهم : سلم عليه ، أي ~~دعا له بأن يسلم ، وسلم اليه الوديعة ، أي دفعها اليه بلا منازعة ، وسلم ~~اليه أي رضي بحكمه ، وسلم إلى فلان في كذا ، أي ترك منازعته فيه ، وسلم إلى ~~الله أمره أي فوض اليه حكم نفسه ، على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرا ~~ولا شركة ، وعلم أن المؤثر الصانع هو الله تعالى وحده لا شريك له . # المسألة الرابعة : اعلم أن قوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون } قسم من ~~الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط : ~~أولها : قوله تعالى : { حتى يحكموك فيما شجر بينهم } وهذا يدل على أن من لم ~~يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا . # واعلم أن من يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى ~~إلا بارشاد النبي المعصوم قال : PageV10P131 لأن قوله : { لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم } تصريح بأنه لا يحصل لهم الايمان إلا بأن يستعينوا ~~بحكم النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما اختلفوا فيه / ونرى أهل العلم ~~مختلفين في صفات الله سبحانه وتعالى ، فمن معطل ومن مشبه ، ومن قدري ومن ~~جبري ، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا يحصل الايمان إلا بحكمه وارشاده وهدايته ~~، وحققوا ذلك بأن عقول أكثر الخلق ناقصة وغير وافية بادراك هذه الحقائق ؟ ~~وعقل النبي المعصوم كامل مشرق ، فاذا اتصل اشراق نوره بعقول الأمة قويت ~~عقولهم وانقلبت من النقص إلى الكمال ، ومن الضعف إلى القوة ، فقدروا عند ~~ذلك على معرفة هذه الأسرار الالهية . والذي يؤكذ ذلك أن الذين كانوا في ~~زمان الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا جازمين متيقنين كاملي الايمان ~~والمعرفة ، والذين بعدوا عنه اضطربوا أو اختلفوا ، وهذه المذاهب ما تولدت ~~إلا بعد زمان الصحابة والتابعين ، فثبت ان الأمر كما ذكرنا ، والتمسك بهذه ~~الآية رأيته في كتب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ، فيقال له : فهذا ~~الاستقلال ms2950 الذي ذكرته إنما استخرجته من عقلك ، فاذا كان عقول الأكثرين ~~ناقصة فلعلك ذكرت هذه الاستدلال لنقصان عقلك ، وإذا كان هذا الاحتمال قائما ~~وجب أن يشك في صحة مذهبك وصحة هذا الدليل الذي تمسكت به ، ولأن معرفة ~~النبوة موقوفة على معرفة الاله ، فلو توقفت معرفة الاله على معرفة النبوة ~~لزم الدور ، وهو محال . # / الشرط الثاني : قوله : { ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت } قال ~~الزجاج : لا تضيق صدورهم من أفضيتك . # واعلم أن الراضي بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام قد يكون راضيا به في ~~الظاهر دون القلب فبين في هذه الآية انه لا بد من حصول الرضا به في القلب ، ~~واعلم أن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر ، فليس المراد من الآية ~~ذلك ، بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به ~~الرسول هو الحق والصدق . # الشرط الثالث : قوله تعالى : { ويسلموا تسليما } واعلم أن من عرف بقلبه ~~كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ~~ذلك القبول ، فبين تعالى أنه كما لا بد في الايمان من حصول ذلك اليقين في ~~القلب . فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر ، فقوله : { ثم لا يجدوا فى ~~أنفسهم حرجا مما قضيت } المراد به الانقياد في الباطن ، وقوله : { ويسلموا ~~تسليما } المراد منه الانقياد في الظاهر والله أعلم . # المسألة الخامسة : دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~معصومون عن الخطأ في الفتوى وفي الأحكام ، لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم ~~وبالغ في ذلك الايجاب وبين انه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي ~~القلب ، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم ، فهذا يدل على أن قوله : { عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) وأن فتواه في أسارى بدر ، وأن قوله : { ~~لم تحرم ما أحل الله لك } ( التحريم : 1 ) وأن قوله : { عبس وتولى } ( عبس ~~: 1 ) كل ذلك محمول على الوجوه التي لخصناها في هذا الكتاب . # المسألة السادسة : من الفقهاء من تمسك بقوله تعالى ms2951 : { ثم لا يجدوا فى ~~أنفسهم حرجا مما قضيت } على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وهو ضعيف لأن القضاء هو ~~الالزام ، ولا نزاع في أنه للوجوب . # المسألة السابعة : ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس ، ~~لأنه يدل على أنه يجب PageV10P132 متابعة قوله وحكمه على الاطلاق ، وانه لا ~~يجوز العدول عنه إلى غيره ، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما ~~يوجد في شيء من التكاليف ، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم ~~القياس ، وقوله : { ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت } مشعر بذلك لأنه ~~متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس / ~~فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ، ويسلم ~~النص تسليما كليا ، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف . # المسألة الثامنة : قالت المعتزلة : لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء الله ~~تعالى لزم التناقض ، / وذلك لأن الرسول اذا قضى على إنسان بأنه ليس له أن ~~يفعل الفعل الفلاني وجب على جميع المكلفين الرضا بذلك لأنه قضاء الرسول . ~~والرضا بقضاء الرسول واجب لدلالة هذه الآية ، ثم لو أن ذلك الرجل فعل ذلك ~~الفعل على خلاف فتوى الرسول ، فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكان ذلك الفعل ~~بقضاء الله ، والرضا بقضاء الله واجب ، فيلزم أن يجب على المكلفين الرضا ~~بذلك الفعل . لأنه قضاء الله ، فوجب أن يلزمهم الرضا بالفعل والترك معا ، ~~وذلك محال . # والجواب : أن المراد من قضاء الرسول الفتوى المشروعة ، والمراد من قضاء ~~الله التكوين والايجاد ، وهما مفهومان متغايران ، فالجمع بينهما لا يفضي ~~إلى التناقض . # ! 7 < { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما ~~فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا * وإذا لاتيناهم من لدنآ أجرا عظيما * ولهديناهم صراطا مستقيما } . ~~> 7 @QB@ < # | النساء : ( 66 - 68 ) ولو أنا كتبنا . . . . . # > > # اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الاخلاص ~~وترك النفاق ، والمعنى أنا لو شددنا ms2952 التكليف على الناس ، نحو أن نأمرهم ~~بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون ، وحينئذ ~~يظهر كفرهم وعنادهم ، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا ~~بتكليفهم في الأمور السهلة ، فليقبلوها بالاخلاص وليتركوا التمرد والعناد ~~حتى ينالوا خير الدارين ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي : { أن اقتلوا ~~أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } بضم النون في ( أن ) وضم واو ( أو ) والسبب ~~فيه نقل ضمة { اقتلوا } وضمة { أخرجوا } اليهما ، وقرأ عاصم وحمزة بالكسر ~~فيهما لالتقاء الساكنين ، وقرأ أبو عمرو بكسر النون وضم الواو ، وقال ~~الزجاج : ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون ~~رواية . وقال غيره : أما كسر النون فلأن الكسر هو الأصل لالتقاء الساكنين ، ~~وأما ضم الواو فلأن الضمة / في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير . واتفق ~~الجمهور PageV10P133 على الضم في واو الضمير نحو { اشتروا الضلالة } ( ~~البقرة : 16 ) { ولا تنسوا الفضل } ( البقرة : 237 ) . # المسألة الثانية : الكناية في قوله : { ما فعلوه } عائدة إلى القتل ~~والخروج معا ، وذلك لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه ، واختلف القراء ~~في قوله : { إلا قليل } فقرأ ابن عامر { قليلا } بالنصب ، وكذا هو في مصاحب ~~أهل الشام ومصحف أنس بن مالك ، والباقون بالرفع ، أما من نصب فقاس النفي ~~على الاثبات ، فإن قولك : ما جاءني أحد كلام تام ، كما أن قولك : جاءني ~~القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوبا في الإثبات فكذا مع النفي ، ~~والجامع كون المستثنى فضلة جاءت بعد تمام الكلام ، وأما من رفع فالسبب أنه ~~جعله بدلا من الواو في { فعلوه } وكذلك كل مستثنى من منفي ، كقولك : ما ~~أتاني أحد إلا زيد ، برفع زيد على البدل من أحد ، فيحمل إعراب ما بعد ( إلا ~~) على ما قبلها . وكذلك في النصب والجر ، كقولك : ما رأيت أحدا الا زيدا ، ~~وما مررت بأحد إلا زيد . قال أبو علي الفارسي : الرفع أقيس ، فان معنى ما ~~أتى أحد إلا زيد ، وما أتاني الا زيد واحد ، فكما اتفقوا في ms2953 قولهم ما أتاني ~~الا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم : ما أتاني أحد الا زيد بمنزلته . # المسألة الثالثة : الضمير في قوله : { ولو أنا كتبنا عليهم } فيه قولان : ~~الأول : وهو قول ابن عباس ومجاهد انه عائد إلى المنافقين ، وذلك لأنه تعالى ~~كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ~~ديارهم ، فقال تعالى : ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء ~~المنافقين ما فعله الا قليل رياء وسمعة ، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف ~~كفرهم ، فاذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق ~~وليقبلوا الايمان على سبيل الاخلاص ، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي ~~بكر القفال . الثاني : أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله ~~إلا قليل منهم ، وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق ، ~~وأما الضمير في قوله : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } فهو مختص ~~بالمنافقين ، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا ، وعلى هذا ~~التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين ، روي أن ثابت بن قيس بن شماس ~~ناظر يهوديا ، فقال اليهودي : ان موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك ، وإن ~~محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه ، فقال : يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل ~~نفسي لفعلت ذلك ، فنزلت هذه الآية . وروي أن ابن مسعود قال مثل ذلك ، فنزلت ~~هذه الآية . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده إن من أمتي ~~رجالا الايمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ) وعن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه قال : والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله ~~الذي / لم يأمرنا بذلك . # المسألة الرابعة : قال أبو علي الجبائي : لما دلت هذه الآية على أنه ~~تعالى لم يكلفهم ما يغلظ ويثقل عليهم ، فبأن لا يكلفهم ما لا يطيقون كان ~~أولى ، فيقال له : هذا لازم عليك لأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما لم ~~يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة ، لأنه لو كلفهم بها لما فعلوها ، ولو لم ms2954 ~~يفعلوها لوقعوا في العذاب ، ثم انه تعالى علم من أبي جهل وأبي لهب أنهم لا ~~يؤمنون ، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب الدائم ، ومع ذلك فانه ~~تعالى كلفهم ، فكل ما تجعله جوابا عن هذا فهو جوابنا عما ذكرت . # ثم قال تعالى : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ~~* وإذا لاتيناهم من لدنا أجرا عظيما * ولهديناهم صراطا مستقيما } . ~~PageV10P134 # اعلم أن المراد من قوله : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } أنهم لو فعلوا ~~ما كلفوا به وأمروا به ، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا لأن تكاليف ~~الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والثواب والعقاب ، ~~وما كان كذلك فانه يسمى وعظا ، ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه ~~التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع . # فالنوع الأول : قوله : { لكان خيرا لهم } فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل ~~لهم خير الدنيا والآخرة ، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح ، وهو ~~أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره ، لأن قولنا : ( خير ) يستعمل على الوجهين ~~جميعا . # النوع الثاني : قوله : { وأشد تثبيتا } وفيه وجوه : الأول : أن المراد أن ~~هذا أقرب إلى ثباتهم عليه واستمرارهم ، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها ، ~~والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه . الثاني : أن يكون أثبت وأبقى ~~لأنه حق والحق ثابت باق ، والباطل زائل . الثالث : أن الانسان يطلب أولا ~~تحصيل الخير ، فاذا حصله فانه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا ، فقوله ~~: { لكان خيرا لهم } إشارة إلى الحالة الأولى ، وقوله : { وأشد تثبيتا } ~~إشارة إلى الحالة الثانية . # النوع الثالث : قوله تعالى : { وإذا لاتيناهم من لدنا أجرا عظيما } . # واعلم أنه تعالى لما بين أن هذا الاخلاص في الايمان خير مما يريدونه من ~~النفاق وأكثر ثباتا وبقاء ، بين أنه كما أنه في نفسه خير فهو أيضا مستعقب ~~الخيرات العظيمة وهو الأجر العظيم والثواب العظيم . قال صاحب ( الكشاف ) : ~~و ( إذا ) جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت . ~~فقيل : هو أن نؤتيهم من لدنا أجرا عظيما ، كقوله : { ويؤت ms2955 من لدنه أجرا ~~عظيما } ( النساء : 4 ) . # / وأقول : إنه تعالى جمع في هذه الآية قرائن كثيرة ، كل واحدة منها تدل ~~على عظم هذا الأجر . أحدها : أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة وهي قوله : { ~~ءاتيناه } وقوله : { من لدنا } والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال ~~على عظمة عند الوعد بالعطية دل ذلك على عظمة تلك العطية / وثانيها : قوله : ~~{ من لدنا } وهذا التخصيص يدل على المبالغة ، كما في قوله : { وعلمناه من ~~لدنا علما } ( الكهف : 65 ) وثالثها : أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم ~~، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة ~~، وكيف لا يكون عظيما ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( فيها ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) . # النوع الرابع : قوله : { ولهديناهم صراطا مستقيما } وفيه قولان : أحدهما ~~: أن الصراط المستقيم هو الدين الحق ، ونظيره قوله تعالى : { وإنك لتهدى ~~إلى صراط مستقيم * صراط الله } ( الشورى : 52 53 ) والثاني : انه الصراط ~~الذي هو الطريق من عرصة القيامة ، وذلك لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الثواب ~~والأجر ، والدين الحق مقدم على الثواب والأجر ، والصراط الذي هو الطريق من ~~عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج اليه بعد استحقاق الأجر ، فكان حمل لفظ ~~الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى . # PageV10P135 ! 7 < { ومن يطع الله والرسول فأولائك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولائك رفيقا * ذالك ~~الفضل من الله وكفى بالله عليما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 69 - 70 ) ومن يطع الله . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الله وطاعة الرسول بقوله : { بصيرا ياأيها ~~الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ثم زيف طريقة الذين تحاكموا إلى ~~الطاغوت وصدوا عن الرسول ، ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول مرة أخرى فقال : { ~~وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ( النساء : 64 ) ثم رغب في تلك ~~الطاعة بقوله : { لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا * وإذا لاتيناهم من لدنا أجرا ~~عظيما * ولهديناهم صراطا مستقيما } ( النساء : 66 67 68 ) أكد الأمر بطاعة ~~الله وطاعة الرسول ms2956 في هذه الآية مرة أخرى فقال : { ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } إلى آخر الآية ~~وههنا مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها : الأول : روى جمع من ~~المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه ، فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل ~~جسمه وعرف الحزن في وجهه ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله ، ~~فقال يا رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت اليك واستوحشت وحشة ~~شديدة حتى ألقاك ، فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك ، لأنى إن أدخلت ~~الجنة فأنت تكون في درجات النبيين وأنا في درجة العبيد فلا أراك ، وإن أنا ~~لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا ، فنزلت هذه الآية . الثاني : قال السدي ~~: ان ناسا من الانصار قالوا : يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ، ~~ونحن نشتاق اليك ، فكيف نصنع ؟ فنزلت الآية . الثالث : قال مقاتل : نزلت في ~~رجل من الانصار قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إذا خرجنا من ~~عندك إلى أهالينا اشتقنا اليك ، فما ينفعنا شيء حتى نرجع اليك ، ثم ذكرت ~~درجتك في الجنة ، فكيف لنا برؤيتك ان دخلنا الجنة ؟ فأنزل الله هذه الآية ، ~~فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أتى الانصار ولده وهو في حديقة له ~~فأخبره بموت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : اللهم أعمني حتى لا أرى ~~شيئا بعده إلى أن ألقاه ، فعمى مكانه ، فكان يحب النبي حبا شديدا فجعله ~~الله معه في الجنة . الرابع : قال الحسن : ان المؤمنين قالوا للنبي عليه ~~السلام : مالنا منك إلا الدنيا ، فاذا كانت الآخرة رفعت فى الأولى فحزن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحزنوا ، فنزلت هذه الآية . قال المحققون : لا ~~ننكر صحة هذه الروايات إلا أن سبب نزول الآية يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك ~~، وهو البعث على الطاعة والترغيب فيها ، فانك تعلم أن ms2957 خصوص السبب لا يقدح ~~في عموم اللفظ ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين ، وهو أن كل من أطاع ~~الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عند الله ~~تعالى . # المسألة الثانية : ظاهر قوله : { ومن يطع الله والرسول } يوجب الاكتفاء ~~بالطاعة الواحدة . لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في العمل به في جانب ~~الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة . PageV10P136 قال القاضي : لا بد من حمل ~~هذا على غير ظاهره ، وأن تحمل الطاعة على فعل المأمورات وترك جميع المنهيات ~~، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار / لأنهم قد ~~يأتون بالطاعة الواحدة . وعندي فيه وجه آخر ، وهو أنه ثبت في أصول الفقه أن ~~الحكم المذكور عقيب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، إذا ثبت ~~هذا فنقول : قوله : { ومن يطع الله } / أي ومن يطع الله في كونه إلها ، ~~وطاعة الله في كونه إلها هو معرفته والاقرار بجلاله وعزته وكبريائه وصمديته ~~، فصارت هذه الآية تنبيها على أمرين عظيمين من أحوال المعاد ، فالأول : هو ~~أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح بأنوار معرفة الله ، وكل من ~~كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر ، وصفاؤها أقوى ، وبعدها عن التكدر بمحبة ~~عالم الاجسام أتم كان إلى السعادة أقرب وإلى الفوز بالنجاة أوصل . والثاني ~~: انه تعالى ذكر في الآية المتقدمة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب ~~الجزيل والهداية إلى الصراط المستقيم ، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم ~~مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وهذا ~~الذي وقع به في الختم لا بد أن يكون أشرف وأعلى مما قبله ، ومعلوم أنه ليس ~~المراد من كون هؤلاء معهم هو أنهم يكونون في عين تلك الدرجات ، لأن هذا ~~ممتنع ، فلا بد وأن يكون معناه أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقها مع ~~الأرواح الكاملة في الدنيا لسبب الحب الشديد ، فاذا فارقت هذا العالم ووصلت ~~إلى عالم الآخرة بقيت تلك العلائق الروحانية هناك ، ثم تصير تلك الأرواح ~~الصافية كالمرايا المجلوة المتقابلة ، فكأن هذه ms2958 المرايا ينعكس الشعاع من ~~بعضها على بعض ، وبسبب هذه الانعكاسات تصير أنوارها في غاية القوة ، فكذا ~~القول في تلك الأرواح فانها لما كانت مجلوة بصقالة المجاهدة عن غبار حب ما ~~سوى الله ، وذلك هو المراد من طاعة الله وطاعة الرسول ، ثم ارتفعت الحجب ~~الجسدانية أشرقت عليها أنوار جلال الله ، ثم انعكست تلك الأنوار من بعضها ~~إلى بعض وصارت الأرواح الناقصة كاملة بسبب تلك العلائق الروحانية ، فهذا ~~الاحتمال خطر بالبال والله أعلم بأسرار كلامه . # المسألة الثالثة : ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين ~~والصديقين ، كون الكل في درجة واحدة ، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين ~~الفاضل والمفضول ، وإنه لا يجوز . بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل ~~واحد منهم من رؤية الآخر ، وإن بعد المكان ، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم ~~بعضا ، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه ، فهذا هو المراد من هذه ~~المعية . # المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى ذكر النبيين ، ثم ذكر أوصافا ثلاثة : ~~الصديقين والشهداء والصالحين ، واتفقوا على أن النبيين مغايرون للصديقين ~~والشهداء والصالحين ، فأما هذه الصفات الثلاثة فقد اختلفوا فيها ، قال ~~بعضهم : هذه الصفات كلها لموصوف واحد ، وهي صفات متداخلة فانه لا يمتنع في ~~الشخص الواحد أن يكون صديقا وشهيدا وصالحا . وقال الآخرون : بل المراد / ~~بكل وصف صنف من الناس ، وهذا الوجه أقرب لأن المعطوف يجب أن يكون مغايرا ~~للمعطوف عليه ، وكما أن النبيين غير من ذكر بعدهم ، فكذلك الصديقون يجب أن ~~يكونوا غير من ذكر بعدهم وكذا القول في سائر الصفات ، ولنبحث عن هذه الصفات ~~الثلاث : # الصفة الأولى : الصديق : وهو اسم لمن عادته الصدق ، ومن غلب على عادته ~~فعل إذا وصف بذلك الفعل قيل فيه فعيل ، كما يقال : سكير وشريب وخمير ، ~~والصدق صفة كريمة فاضلة من صفات المؤمنين ، PageV10P137 وكفى الصدق فضيلة ~~أن الايمان ليس إلا التصديق ، وكفى الكذب مذمة أن الكفر ليس إلا التكذيب . # إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين في الصديق وجوه : الأول : أن كل من صدق ~~بكل الدين لا يتخالجه فيه ms2959 شك فهو صديق ، والدليل عليه قوله تعالى : { ~~والذين ءامنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } ( الحديد : 19 ) . الثاني : ~~قال قوم : الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام . الثالث : أن ~~الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فصار في ذلك قدوة ~~لسائر الناس ، وإذا كان الأمر كذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ~~أولى الخلق بهذا الوصف أما بيان انه سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة ~~والسلام فلأنه قد اشتهرت الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال : ~~( ما عرضت الاسلام على أحد إلا وله كبوة غير أبي بكر فانه لم يتلعثم ) دل ~~هذا الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم لما عرض الاسلام على أبي بكر قبله ~~أبو بكر ولم يتوقف ، فلو قدرنا أن اسلامه تأخر عن إسلام غيره لزم أن يقال : ~~ان النبي صلى الله عليه وسلم قصر حيث أخر عرض الاسلام عليه ، وهذا لا يكون ~~قدحا في أبي بكر ، بل يكون قدحا في الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك كفر ، ~~ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه صلى الله عليه وسلم ما قصر ~~في عرض الاسلام عليه ، ولما بطل نسبة هذا التقصير إلى الرسول علمنا أنه صلى ~~الله عليه وسلم ما قصر في عرض الاسلام عليه ، والحديث دل على أن أبا بكر لم ~~يتوقف ألبتة ، فحصل من مجموع الأمرين ان أبا بكر رضي الله تعالى عنه أسبق ~~الناس إسلاما ، أما بيان أنه كان قدوة لسائر الناس في ذلك فلأن بتقدير أن ~~يقال : إن إسلام علي كان سابقا على إسلام أبي بكر ، إلا أنه لا يشك عاقل أن ~~عليا ما صار قدوة في ذلك الوقت ، لأن عليا كان في ذلك الوقت صبيا صغيرا ، ~~وكان أيضا في تربية الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان شديد القرب منه ~~بالقرابة ، وأبو بكر ما كان شديد القرب منه بالقرابة وإيمان من هذا شأنه ~~يكون سببا لرغبة سائر الناس في الاسلام . وذلك لأنهم اتفقوا على انه رضي ~~الله تعالى ms2960 عنه لما آمن جاء بعذ ذلك بمدة قليلة بعثمان بن عفان رضي الله ~~عنه ، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم ~~أجمعين حتى أسلموا ، فكان إسلامه / سببا لاقتداء هؤلاء الأكابر به ، فثبت ~~بمجموع ما ذكرنا أنه رضوان الله عليه كان أسبق الناس إسلاما ، وثبت أن ~~إسلامه صار سببا لاقتداء أفاضل الصحابة في ذلك الاسلام ، فثبت أن أحق الامة ~~بهذه الصفة أبو بكر رضي الله عنه . إذا عرفت هذا فنقول : هذا الذي ذكرناه ~~يقتضي انه كان أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبيانه من وجهين ~~: الأول : أن إسلامه لما كان أسبق من غيره وجب أن يكون ثوابه أكثر ؛ لقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة ) الثاني : أنه بعد أن أسلم جاهد في الله وصار جهاده مفضيا إلى ~~حصول الاسلام لأكابر الصحابة مثل عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ~~وعثمان بن مظعون وعلي رضي الله تعالى عنهم ، وجاهد علي يوم أحد ويوم ~~الأحزاب في قتل الكفار ، ولكن جهاد أبي بكر رضي الله عنه أفضى إلى حصول ~~الإسلام لمثل الذين هم أعيان الصحابة ، وجهاد على أفضى إلى قتل الكفار ، ~~ولا شك أن الأول أفضل ، وأيضا فأبو بكر جاهد في أول الإسلام حين كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم في غاية الضعف ، وعلي إنما جاهد يوم أحد ويوم الأحزاب ، ~~وكان الاسلام قويا في هذه الأيام ، ومعلوم أن الجهاد وقت الضعف أفضل من ~~الجهاد وقت القوة ، ولهذا المعنى قال تعالى : { لا يستوى منكم من أنفق من ~~قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } ( ~~الحديد : 10 ) فبين أن نصرة الاسلام وقت ما كان ضعيفا أعظم ثوابا من نصرته ~~وقت ما كان قويا ، فثبت من مجموع ما ذكرنا أن أولى الناس بهذا الوصف هو ~~الصديق ، فلهذا أجمع المسلمون على تسليم هذا اللقب له إلا من لا يلتفت إليه ~~فانه ينكره / ودل تفسير الصديق ms2961 بما ذكرناه على أنه PageV10P138 لا مرتبة ~~بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا الوصف وهو كون الانسان صديقا ، وكما دل ~~الدليل عليه فقد دل لفظ القرآن عليه ، فانه أينما ذكر الصديق والنبي لم ~~يجعل بينهما واسطة ، فقال في وصف إسماعيل : { إنه كان صادق الوعد } وفي صفة ~~إدريس { إنه كان صديقا نبيا } ( مريم : 56 ) وقال في هذه الآية : { من ~~النبيين والصديقين } يعني انك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة ، وإن ~~نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية ، ولا متوسط بينهما ، وقال في آية أخرى : ~~{ والذى جاء بالصدق وصدق به } ( الزمر : 33 ) فلم يجعل بينهما واسطة ، وكما ~~دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها ~~خير أمة حتى جعلوا الامام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر على سبيل ~~الاجماع ، ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه إلى جنب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين ~~في هذه الآية ، فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها . # / الصفة الثانية : الشهادة : والكلام في الشهداء قد مر في مواضع من هذا ~~الكتاب ، ولا بأس بأن نعيد البعض فنقول : لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة ~~بكون الانسان مقتول الكافر ، والذي يدل عليه وجوه : الأول : أن هذه الآية ~~دالة على أن مرتبة الشهادة مرتبة عظيمة في الدين ، وكون الانسان مقتول ~~الكافر ليس فيه زيارة شرف ، لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ومن لا منزلة ~~له عند الله . الثاني : أن المؤمنين قد يقولون : اللهم ارزقنا الشهادة ، ~~فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك ~~القتل وانه غير جائز ، لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر ، فكيف يجوز ~~أن يطلب من الله ما هو كفر ، الثالث : روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ~~المبطون شهيد والغريق شهيد ، فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل ، بل ~~نقول : الشهيد فعيل بمعنى الفاعل ، وهو الذي يشهد بصحة دين ms2962 الله تعالى تارة ~~بالحجة والبيان ، وأخرى بالسيف والسنان ، فالشهداء هم القائمون بالقسط ، ~~وهم الذين ذكرهم الله في قوله : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قائما بالقسط } ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد من حيث أنه ~~بذل نفسه في نصرة دين الله ، وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل ، ~~واذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من شهداء الله في الآخرة ، كما قال ~~: { وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ( البقرة : 143 ) . # الصفة الثالثة : الصالحون : والصالح هو الذي يكون صالحا في اعتقاده وفي ~~عمله ، فان الجهل فساد في الإعتقاد ، والمعصية فساد في العمل ، واذا عرفت ~~تفسير الصديق والشهيد والصالح ظهر لك ما بين هذه الصفات من التفاوت ، وذلك ~~لأن كل من كان اعتقاده صوابا وكان عمله طاعة وغير معصية فهو صالح ، ثم ان ~~الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل ، ~~وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل وأخرى بالسيف ، وقد لا يكون الصالح ~~موصوفا بكونه قائما بهذه الشهادة ، فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا ، ~~وليس كل من كان صالحا شهيدا ، فالشهيد أشرف أنواع الصالح ، ثم ان الشهيد قد ~~يكون صديقا وقد لا يكون : ومعنى الصديق الذي كان أسبق إيمانا من غيره ، ~~وكان إيمانه قدوة لغيره ، فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا ، وليس كل من ~~كان شهيدا كان صديقا ، فثبت أن أفضل الخلق هم الأنبياء عليهم السلام ، ~~وبعدهم الصديقون ، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة / وبعدهم من ~~ليس له إلا محض درجة الصلاح . فالحاصل أن أكابر الملائكة يأخذون الدين الحق ~~عن الله ، والأنبياء يأخذون PageV10P139 عن الملائكة ، كما قال : { ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده } ( النحل : 2 ) والصديقون ~~يأخذونه عن الأنبياء . والشهداء يأخذونه عن الصديقين ، لأنا بينا أن الصديق ~~هو الذي يأخذ في المرة الأولى عن / الأنبياء وصار قدوة لمن بعده ، ~~والصالحون يأخذونه عن الشهداء ، فهذا هو ms2963 تقرير هذه المراتب وإذا عرفت هذا ~~ظهر لك أنه لا أحد يدخل الجنة إلا وهو داخل في بعض هذه النعوت والصفات . # ثم قال تعالى : { وحسن أولئك } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : فيه معنى التعجيب . كأنه قيل : ~~ما أحسن أولئك رفيقا . # المسألة الثانية : الرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل ، وصاحبه رفيق ~~. هذا معناه في اللغة ثم الصاحب يسمي رفيقا لارتفاق بعضهم ببعض . # المسألة الثالثة : قال الواحدي : إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع ، لأن ~~الرفيق والرسول والبريد تذهب به العرب إلى الواحد والى الجمع قال تعالى : { ~~فقولا إنا رسول رب العالمين } ( الشعراء : 16 ) ولا يجوز أن يقال : حسن ~~أولئك رجلا ، وبالجملة فهذا إنما يجوز في الاسم الذي يكون صفة ، أما إذا ~~كان اسما مصرحا مثل رجل وامرأة لم يجز ، وجوز الزجاج ذلك في الاسم أيضا ~~وزعم أنه مذهب سيبويه ، وقيل : معنى قوله : { وحسن أولئك } أي حسن كل واحد ~~منهم رفيقا ، كما قال : { ثم يخرجكم طفلا } ( غافر : 67 ) . # المسألة الرابعة : { رفيقا } نصب على التمييز ، وقيل على الحال : أي حسن ~~واحد منهم رفيقا . # المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى بين فيمن أطاع الله ورسوله أنه يكون مع ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ثم لم يكترث بذلك ، بل ذكر أنه ~~يكون رفيقا له ، وقد ذكرنا أن الرفيق هو الذي يرتفق به في الحضر والسفر ، ~~فبين أن هؤلاء المطيعين يرتفقون بهم ، وإنما يرتفقون بهم إذا نالوا منهم ~~رفقا وخيرا ، ولقد ذكرنا مرارا كيفية هذا الارتفاق ، وأما على حسب الظاهر ~~فلأن الانسان قد يكون مع غيره ولا يكون رفيقا له ، فأما إذا كان عظيم ~~الشفقة عظيم الاعتناء بشأنه كان رفيقا له ، فبين تعالى أن الأنبياء ~~والصديقين والشهداء والصالحين يكونون له كالرفقاء من شدة محبتهم له وسرورهم ~~برؤيته . # ثم قال تعالى : { ذالك الفضل من الله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لا شك أن قوله تعالى : { ذالك } إشارة إلى كل ما تقدم ~~ذكره من وصف الثواب ، فلما حكم على كل ذلك بأنه فضل من الله دل هذا على أن ms2964 ~~الثواب غير واجب على الله ، ومما يدل عليه من جهة المعقول وجوه : الأول : ~~القدرة على الطاعة إن كانت لا تصلح إلا للطاعة ، فخالق تلك القدرة هو الذي ~~أعطى الطاعة ، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا ، وإن كانت صالحة للمعصية ~~أيضا لم يترجح جانب الطاعة على جانب المعصية إلا بخلق الداعي إلى الداعي ، ~~ويصير مجموع القدرة والداعي موجبا للفعل ، فخالق هذا المجموع هو الذي أعطى ~~الطاعة ، فلا يكون فعله موجبا عليه / شيئا . الثاني : نعم الله على العبد ~~لا تحصى وهي موجبة للطاعة والشكر ، واذا كانت الطاعات تقع في مقابلة النعم ~~السالفة امتنع كونها موجبة للثواب في المستقبل . الثالث : أن الوجوب يستلزم ~~استحقاق الذنب عند الترك ، وهذا الاستحقاق ينافي الالهية ، فيمتنع حصوله في ~~حق الاله تعالى ، فثبت أن ظاهر الآية كما دل على أن الثواب كله فضل من الله ~~تعالى ، فالبراهين العقلية القاطعة دالة PageV10P140 على ذلك أيضا ، وقالت ~~المعتزلة : الثواب وإن كان واجبا لكن لا يمتنع إطلاق اسم الفضل عليه ، وذلك ~~أن العبد إنما استحق ذلك الثواب لأن الله تعالى كلفه والتكليف تفضل / ولأنه ~~تعالى هو الذي أعطى العقل والقدرة وأزاح الأعذار والموانع حتى تمكن المكلف ~~من فعل الطاعة ، فصار ذلك بمنزلة من وهب لغيره ثوبا كي ينتفع به ، فاذا ~~باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب فكذا ههنا : # المسألة الثانية : قوله : { ذالك الفضل من الله } فيه احتمالان : أحدهما ~~: أن يكون التقدير : ذلك هو الفضل من الله ، ويكون المعنى أن ذلك الثواب ~~لكمال درجته كأنه هو الفضل من الله وأن ما سواه فليس بشيء ، والثاني : أن ~~يكون التقدير : ذلك الفضل هو من الله ، أي ذلك الفضل المذكور ، والثواب ~~المذكور هو من الله لا من غيره ، ولا شك أن الاحتمال الأول أبلغ . # ثم قال تعالى : { وكفى بالله عليما } وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من ~~الترغيب في طاعة الله لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفة ~~الجزاء والتفضل ، وذلك مما يرغب المكلف في كمال ms2965 الطاعة والاحتراز عن ~~التقصير فيه . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا } ~~. > 7 ! # < < # | النساء : ( 71 ) يا أيها الذين . . . . . # > > واعلم أنه تعالى عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر ~~الجهاد الذي تقدم ، لانه أشق الطاعات ، ولأنه أعظم الامور التي بها يحصل ~~تقوية الدين فقال : { عليما يأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : الحذر والحذر بمعنى واحد ، كالاثر والاثر ، والمثل ~~والمثل ، يقال : أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف ، كأنه جعل الحذر آلته ~~التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه ، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا ~~تمكنوه من أنفسكم ، هذا ما ذكره صاحب ( الكشاف ) . وقال الواحدي رحمه الله ~~فيه قولان : أحدهما : المراد بالحذر ههنا السلاح ، والمعنى خذوا سلاحكم ، ~~والسلاح يسمى حذرا ، أي خذوا سلاحكم وتحذروا ، والثاني : أن يكون { خذوا ~~حذركم } بمعنى / احذروا عدوكم لأن هذا الأمر بالحذر يتضمن الامر بأخذ ~~السلاح ، لأن أخذ السلاح هو الحذر من العدو ، فالتأويل أيضا يعود إلى الأول ~~، فعلى القول الاول الأمر مصرح بأخذ السلاح ، وعلى القول الثاني أخذ السلاح ~~مدلول عليه بفحوى الكلام . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : ذلك الذي أمر الله تعالى بالحذر عنه ~~ان كان مقتضى الوجود لم ينفع الحذر ، وان كان مقتضى العدم لا حاجة إلى ~~الحذر ، فعلى التقديرين الامر بالحذر عبث وعنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ~~المقدور كائن والهم فضل ) وقيل أيضا : الحذر لا يغني من القدر فنقول : ان ~~صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع ، فانه يقال : إن كان الانسان من أهل ~~السعادة في قضاء الله وقدره فلا حاجة إلى الايمان ، وان كان من أهل الشقاوة ~~لم ينفعه الايمان والطاعة ، فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية ، والتحقيق ~~في الجواب أنه لما كان الكل بقدر كان الامر بالحذر أيضا داخلا في القدر ، ~~فكان قول القائل : أي فائدة في الحذر كلاما متناقضا ، لأنه لما كان هذا ~~الحذر مقدرا فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر . PageV10P141 # المسألة الثالثة : قوله : { فانفروا } يقال : نفر القوم ينفرون ms2966 نفرا ~~ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدو وخرجوا للحرب ، واستنفر الامام الناس لجهاد ~~العدو فنفروا ينفرون إذا حثهم على النفير ودعاهم اليه ، ومثله قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ( وإذا استنفرتم فانفروا ) والنفير اسم للقوم الذين ~~ينفرون ، ومنه يقال : فلان لا في العير ولا في النفير ، وقال أصحاب العربية ~~: أصل هذا الحرف من النفور والنفار وهو الفزع ، يقال نفر اليه إذا فزع اليه ~~، ونفر منه إذا فزع منه وكرهه ، ومعنى الآية فانفروا إلى قتال عدوكم . # المسألة الرابعة : قال جميع أهل اللغة : الثبات جماعات متفرقة واحدها ثبة ~~، وأصلها من : ثبيت الشيء ، أي جمعته ، ويقال أيضا : ثبيت على الرجل إذا ~~أثنيت عليه ، وتأويله جمع محاسنه ، فقوله : { فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ~~} معناه : انفروا إلى العدو إما ثبات ، أي جماعات متفرقة ، سرية بعد سرية ، ~~وإما جميعا ، أي مجتمعين كوكبة واحدة ، وهذا المعنى أراد الشاعر في قوله : # طاروا اليه زرافات ووحدانا # ومثله قوله تعالى : { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } ( البقرة : 239 ) أي ~~على أي الحالتين كنتم فصلوا . # ! 7 < { وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ ~~لم أكن معهم شهيدا * ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم ~~وبينه مودة ياليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 72 - 73 ) وإن منكم لمن . . . . . # > > # /وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { وإن منكم } يجب أن يكون راجعا إلى ~~المؤمنين الذين ذكرهم الله بقوله : { عليما يأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم ~~} واختلفوا على قولين : الأول : المراد منه المنافقون كانوا يثبطون الناس ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . # فان قيل : قوله : { وإن منكم لمن ليبطئن } تقديره : يا أيها الذين آمنوا ~~إن منكم لمن ليبطئن ، فاذا كان هذا المبطىء منافقا فكيف جعل المنافق قسما ~~من المؤمن في قوله : { وإن منكم } . # والجواب من وجوه : الأول : أنه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث ~~الجنس والنسب والاختلاط . الثاني : أنه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب ~~الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الايمان . الثالث : كأنه ms2967 قيل : ~~يا أيها الذين آمنوا في زعمكم ودعواكم كقوله : { وقالوا يأيها الذى نزل ~~عليه الذكر } ( الحجر : 6 ) . # القول الثاني : أن هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المؤمنين وهو اختيار جماعة ~~من المفسرين قالوا : والتبطئة بمعنى الابطاء أيضا ، وفائدة هذا التشديد ~~تكرر الفعل منه . وحكى أهل اللغة أن العرب تقول : ما PageV10P142 أبطأ بك ~~يا فلان عنا ، وإدخالهم الباء يدل على أنه في نفسه غير متعد ، فعلى هذا ~~معنى الآية أن فيهم من يبطىء عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد ، فاذا ~~ظفر المسلمون تمنوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة ، وان أصابتهم مصيبة ~~سرهم أن كانوا متخلفين . قال : وهؤلاء هم الذين أرادهم الله بقوله : { ~~الكافرين ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الارض } قال : والذي يدل على أن المراد بقوله : { ليبطئن } ~~الابطاء منهم لا تثبيط غيرهم ، ما حكاه تعالى من قولهم : { مودة ياليتنى ~~كنت معهم } عند الغنيمة ، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا ~~الكلام معنى . وطعن القاضي في هذا القول وقال : انه تعالى حكى عن هؤلاء ~~المبطئين أنهم يقولون عند مصيبة المؤمنين : { قد أنعم الله على إذ لم أكن ~~معهم شهيدا } فيعد قعوده عن القتال نعمة من الله تعالى ، ومثل هذا الكلام / ~~انما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين ، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم ~~: { كأن لم * يكن * بينكم وبينه } يعني الرسول : { مودة } فثبت أنه لا يمكن ~~حمله على المؤمنين ، وإنما يمكن حمله على المنافقين ، ثم قال : فان حمل على ~~أنه من الابطاء والتثاقل صح في المنافقين ، لأنهم كانوا يتأخرون عن الجهاد ~~ويتثاقلون ولا يسرعون إليه ، وإن حمل على تثبيط الغير صح أيضا فيهم ، فقد ~~كان يثبطون كثيرا من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التلبيس ، فكلا ~~الوصفين موجود في المنافقين ، وأكثر المفسرين حمله على تثبيط الغير ، ~~فكأنهم فصلوا بين أبطأ وبطأ ، فجعلوا الأول لازما ، والثاني متعديا ، كما ~~يقال في أحب وحب ، فان الأول لازم والثاني متعد . # المسألة الثانية : قال الزجاج : ( من ) في قوله : { لمن ms2968 ليبطئن } موصولة ~~بالحال للقسم كأن هذا لو كان كلاما لك لقلت إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن . # ثم قال تعالى : { فإن أصابتكم مصيبة } يعني من القتل والانهزام وجهد من ~~العيش . يعني لم أكن معهم شهيدا حاضرا حتى يصيبني ما أصابهم من البلاء ~~والشدة { ولئن أصابكم فضل من الله } من ظفر وغنيمة ليقولن : { كأن لم تكن ~~بينكم وبينه مودة ياليتنى * ليتنى * كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم { كأن لم تكن } بالتاء ~~المنقطة من فوق يعني المودة ، والباقون بالياء لتقدم الفعل . قال الواحدي : ~~وكلا القراءتين قد جاء به التنزيل . قال : { قد جاءتكم موعظة من ربكم } ( ~~يونس : 57 ) وقال في آية أخرى : { فمن جاءه موعظة من ربه } ( البقرة : 275 ~~) فالتأنيث هو الأصل والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي ، سيما إذا ~~وقع فاصل بين الفعل والفاعل . # المسألة الثانية : قرأ الحسن { ليقولن } بضم اللام أعاد الضمير إلى معنى ~~( من ) لأن قوله : { لمن ليبطئن } في معنى الجماعة ، إلا أن هذه القراءة ~~ضعيفة لأن ( من ) وإن كان جماعة في المعنى لكنه مفرد في اللفظ ، وجانب ~~الافراد قد ترجح في قوله : { قال قد أنعم الله على } ( النساء : 72 ) وفي ~~قوله : { مودة ياليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لو كان التنزيل هكذا : ولئن أصابكم ~~فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كان النظم مستقيما ~~حسنا ، فكيف وقع قوله : { كأن لم تكن بينكم وبينه مودة } في البين ؟ # وجوابه : أنه اعتراض وقع في البين وهو في غاية الحسن ، بيانه أنه تعالى ~~حكى عن هذا المنافق أنه إذا PageV10P143 وقعت للمسلمين نكبة أظهر السرور ~~الشديد بسبب أنه كان متخلفا عنهم ، ولو فازوا بغنيمة / ودولة أظهر الغم ~~الشديد بسبب فوات تلك الغنيمة ، ومثل هذه المعاملة لا يقدم عليها الانسان ~~إلا في حق الأجنبي العدو ، لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه وحزن عند حزنه ، ~~فاما إذا قلبت هذه القضية فذاك إظهار للعداوة . # إذا عرفت هذه ms2969 المقدمة فنقول : إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت ~~نكبة المسلمين ، ثم أراد أين يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاته ~~الغنيمة ، فقبل أن يذكر هذا الكلام بتمامه ألقى في البين قوله : { كأن لم ~~تكن بينكم وبينه مودة } والمراد التعجب كأنه تعالى يقول : انظروا إلى ما ~~يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أنها المؤمنون وبينه مودة ولا مخالطة أصلا ~~، فهذا هو المراد من الكلام ، وهو وإن كان كلاما واقعا في البين على سبيل ~~الاعتراض إلا أنه في غاية الحسن . # ! 7 < { فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحيواة الدنيا بالا خرة ومن ~~يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 74 ) فليقاتل في سبيل . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذم المبطئين في الجهاد عاد إلى الترغيب فيه فقال ~~: { فليقاتل فى سبيل الله } وللمفسرين في قوله : { يشرون الحيواة الدنيا } ~~وجهان : الأول : أن { يشرون } معناه يبيعون قال ابن مفرغ # وشريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامه # قال : وبرد هو غلامه ، وشربته بمعنى بعته ، وتمنى الموت بعد بيعه ، فكان ~~معنى الآية : فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ، ~~وهو كقوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } إلى قوله : { ~~فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به } . # والقول الثاني : معنى قوله : { يشرون } أي يشرتون قالوا : والمخاطبون ~~بهذا الخطاب هم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد ، وتقرير الكلام : فليقاتل ~~الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة ، وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف ~~تقديره : آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة حصول الأمر بشرائع الاسلام قبل حصول ~~الاسلام . وعندي في الآية احتمالات أخرى : أحدها : أن الانسان لما أراد أن ~~يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه بها ، فاشتراها من نفسه ~~بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله بطيبة النفس . وثانيها : أنه ~~تعالى أمر بالقتال مقرونا ببيان فساد ما لأجله يترك الانسان / القتال ، فان ~~من ترك القتال فانما يتركه رغبة في الحياة الدنيا ، وذلك يوجب فوات سعادة ~~الآخرة ، فكأنه قيل له : اشتغل ms2970 بالقتال واترك ترجيح الفاني على الباقي . ~~وثالثها : كأنه قيل : الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة إنما رجحوا الحياة ~~الدنيا على الآخرة اذا كانت مقرونة بالسعادة والغبطة والكرامة واذا كان ~~كذلك فليقاتلوا ، فانهم بالمقاتلة يفوزون بالغبطة والكرامة في الدنيا ، ~~لأنهم بالمقاتلة يستولون على الأعداء ويفوزون بالأموال ، فهذه وجوه خطرت ~~بالبال والله أعلم بمراده . PageV10P144 # ثم قال تعالى : { ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما } والمعنى من يقاتل في سبيل الله فسواء صار مقتولا للكفار أو صار ~~غالبا للكفار فسوف نؤتيه أجرا عظيما ، وهو المنفعة الخالصة الدائمة ~~المقرونة بالتعظيم ، ومعلوم أنه لا واسطة بين هاتين الحالتين ، فاذا كان ~~الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد . وهذا يدل على ~~أن المجاهد لا بد وأن يوطن نفسه على أنه لا بد من أحد أمرين ، إما أن يقتله ~~العدو ، وإما أن يغلب العدو ويقهره ، فانه اذا عزم على ذلك لم يفر عن الخصم ~~ولم يحجم عن المحاربة ، فأما اذا دخل لا على هذا العزم فما أسرع ما يقع في ~~الفرار ، فهذا معنى ما ذكره الله تعالى من التقسيم في قوله : { فيقتل أو ~~يغلب } . # ! 7 < { وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنسآء ~~والولدان الذين يقولون ربنآ أخرجنا من هاذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا ~~من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 75 ) وما لكم لا . . . . . # > > اعمل أن المراد منه إنكاره تعالى لتركهم القتال ، فصار ذلك توكيدا ~~لما تقدم من الأمر بالجهاد وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { لكم لا تقاتلون } يدل على أن الجهاد واجب ، ~~ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ حال المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف ، فهذا حث شديد على ~~القتال ، وبيان العلة التي لها صار القتال واجبا ، وهو ما في القتال من / ~~تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة ، لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى ~~فكاك الأسير . # المسألة الثانية : قالت ms2971 المعتزلة قوله : { وما لكم لا تقاتلون فى سبيل ~~الله } انكار عليهم في ترك القتال وبيان أنه لا عذر لهم ألبتة في تركه ، ~~ولو كان فعل العبد بخلق الله لبطل هذا الكلام لأن من أعظم العذر أن الله ما ~~خلقه وما أراده وما قضى به ، وجوابه مذكور . # المسألة الثالثة : اتفقوا على أن قوله : { والمستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان } متصل بما قبله ، وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون عطفا على السبيل ~~، والمعنى : مالكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين . والثاني : أن ~~يكون معطوفا على اسم الله عز وجل ، أي في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين . # المسألة الرابعة : المراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان قوم من ~~المسلمين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة ، وكانوا يلقون من كفار ~~مكة أذى شديدا . قال ابن عباس : كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء ~~والولدان . # المسألة الخامسة : الولدان : جمع الولد ، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان ~~، نحو حزب وحزبان ، PageV10P145 وورك ووركان ، كذلك ولد وولدان . قال صاحب ~~( الكشاف ) : ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الاحرار والحرائر ، وبالولدان ~~العبيد والاماء ، لأن العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة ، وجمعهما ~~الولدان والولائد ، إلا أنه جعل ههنا الولدان جمعا للذكور والاناث تغليبا ~~للذكور على الاناث ، كما يقال آباء وإخوة والله أعلم . # المسألة السادسة : إنما ذكر الله الولدان مبالغة في شرح ظلمهم حيث بلغ ~~أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم وأمهاتهم ، ومبغضة لهم بمكانهم ~~، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله ~~بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا ، كما وردت السنة باخراجهم في الاستسقاء ، ثم ~~حكى تعالى عن هؤلاء المستضعفين أنهم كانوا يقولون : { ربنا أخرجنا من هاذه ~~القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أجمعوا على أن المراد امن هذه القرية الظالم أهلها مكة ~~، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى : ~~{ إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون ~~المسلمين ويوصلون إليهم أنواع ms2972 المكاره . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : القرية مؤنثة ، وقوله : { الظالم ~~أهلها } صفة للقرية ولذلك خفض ، / فكان ينبغي أن يقال : الظالمة أهلها ، ~~وجوابه أن النحويين يسمون مثل هذه الصفة الصفة المشبهة باسم الفاعل ، ~~والأصل في هذا الباب : أنك اذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على ~~الأول في تذكيره وتأنيثه ، نحو قولك : مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب ، ~~ومررت برجل جميل الجارية ، واذا لم تدخل الألف واللام في الأخير حملته على ~~الثاني في تذكيره وتأنيثه كقولك : مررت بامرأة كريم أبوها ، ومن هذا قوله ~~تعالى : { أخرجنا من هاذه القرية الظالم أهلها } ولو أدخلت الألف واللام ~~على الأهل لقلت من هذه القرية الظالمة الأهل ، وإنما جاز أن يكون الظالم ~~نعتا للقرية لأنه صفة للأهل ، والأهل منتسبون إلى القرية ، وهذا القدر كاف ~~في صحة الوصف كقولك مررت برجل قائم أبوه ، فالقيام للأب وقد جعلته وصفا ~~للرجل ، وإنما كان هذا القدر كافيا في صحة الوصف لأن المقصود من الوصف ~~التخصيص والتمييز ، وهذا المقصود حاصل من مثل هذا الوصف والله أعلم . # المسألة الثانية : في قوله : { واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك ~~نصيرا } قولان : فالأول : قال ابن عباس : يريدون اجعل علينا رجلا من ~~المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا ، فأجاب الله ~~تعالى دعاءهم لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد ~~أميرا لهم ، فكان الولي هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان النصير عتاب ~~بن أسيد ، وكان عتاب ينصف الضعيف من القوي والذليل من العزيز . الثاني : ~~المراد : واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة ، والحاصل كن أنت لنا وليا وناصرا ~~. # ! 7 < { الذين ءامنوا يقاتلون فى سبيل الله والذين كفروا يقاتلون فى سبيل ~~الطاغوت فقاتلوا PageV10P146 أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا } . ~~> 7 ! # < < # | النساء : ( 76 ) الذين آمنوا يقاتلون . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما بين وجوب الجهاد بين أنه لا عبرة بصورة الجهاد . ~~بل العبرة بالقصد والداعي ، فالمؤمنون يقاتلون لغرض نصرة دين الله وإعلاء ~~كلمته ، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت ، وهذه الآية كالدلالة ms2973 على أن ~~كل من كان غرضه في فعله رضا غير الله فهو في سبيل الطاغوت ، لأنه تعالى لما ~~ذكر هذه القسمة وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله : أو في سبيل / ~~الطاغوت وجب أن يكون ما سوى الله طاغوتا ، ثم إنه تعالى أمر المقاتلين في ~~سبيل الله بأن يقاتلوا أولياء الشيطان ، وبين أن كيد الشيطان كان ضعيفا ، ~~لأن الله ينصر أولياءه ، والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان ~~لأوليائه أضعف من نصرة الله لأوليائه ، ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ~~ذكرهم الجميل على وجه الدهر وان كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة ، ~~وأما الملوك والجبابرة فاذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ~~ولا ظلمهم ، والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه يقال : كاده ~~يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه وفائدة إدخال ( كان ) في ~~قوله : { كان ضعيفا } للتأكيد لضعف كيده ، يعني أنه منذ كان كان موصوفا ~~بالضعف والذلة . # ! 7 < { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلواة وءاتوا ~~الزكواة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو ~~أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولاأخرتنا إلى أجل قريب قل ~~متاع الدنيا قليل والا خرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 77 ) ألم تر إلى . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذه الآية صفة للمؤمنين أو المنافقين ؟ فيه قولان : ~~الأول : أن الآية نزلت في المؤمنين ، قال الكلبي : نزلت في عبد الرحمن بن ~~عوف والمقداد وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص ، كانوا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم قبل أن يهاجروا إلى المدينة ، ويلقون من المشركين أذى شديدا ~~فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : ائذن لنا في قتالهم ~~ويقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفوا أيديكم فاني لم أومر ~~بقتالهم ، واشتغلوا باقامة دينكم / من الصلاة والزكاة ، فلما هاجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ms2974 وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه ~~بعضهم ، فأنزل الله هذه الآية . واحتج الذاهبون إلى هذا القول بان الذين ~~يحتاج الرسول أن يقول لهم : كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال ، ~~والراغبون في القتال هم المؤمنون ، فدل هذا على أن الآية نازلة في حق ~~المؤمنين . ويمكن الجواب عنه بأن المنافقين كانوا يظهرون من أنفسهم انا ~~مؤمنون وانا نريد قتال الكفار ومحاربتهم ، فلما أمر الله بقتالهم الكفار ~~أحجم المنافقون عنه وظهر منهم خلاف ما كانوا يقولونه . # القول الثاني : أن الآية نازلة في حق المنافقين ، واحتج الذاهبون إلى هذا ~~القول بأن الآية مشتملة على PageV10P147 أمور تدل على أنها مختصة ~~بالمنافقين . فالأول : أنه تعالى قال في وصفهم : { يخشون الناس كخشية الله ~~أو أشد خشية } ( النساء : 77 ) ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق ، ~~لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى . ~~والثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : ربنا لم كتبت علينا القتال ، ~~والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين . الثالث : أنه تعالى ~~قال للرسول : { قل متاع الدنيا قليل والاخرة خير لمن اتقى } وهذا الكلام ~~يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة ، وذلك من صفات ~~المنافقين . # وأجاب القائلون بالقول الأول عن هذه الوجوه بحرف واحد ، وهو أن حب الحياة ~~والنفرة عن القتل من لوازم الطباع ، فالخشية المذكورة في هذه الآية محمولة ~~على هذا المعنى ، وقولهم : { لم كتبت علينا القتال } محمول على التمني ~~لتخفيف التكليف لا على وجه الانكار لايجاب الله تعالى ، وقوله تعالى : { قل ~~متاع الدنيا قليل } مذكور لا لأن القوم كانوا منكرين لذلك ، بل لأجل إسماع ~~الله لهم هذا الكلام مما يهون على القلب أمر هذه الحياة ، فحينئذ يزول من ~~قلبهم نفرة القتال وحب الحياة ويقدمون على الجهاد بقلب قوي ، فهذا ما في ~~تقرير هذين القوين والله أعلم ، والأولى حمل الآية على المنافقين لأنه ~~تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله : { وإن تصبهم حسنة يقولوا هاذه من عند الله ms2975 ~~وإن تصبهم سيئة يقولوا هاذه من عندك } ( النساء : 78 ) ولا شك أن من هذا ~~كلام المنافقين ، فاذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التي نحن في ~~تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا . # المسألة الثانية : دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على ~~إيجاب الجهاد ، وهذا هو الترتيب المطابق لما في العقول ، لأن الصلاة عبارة ~~عن التعظيم لأمر الله ، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله ، ولا شك ~~أنهما مقدمان على الجهاد . # المسألة الثالثة : قوله : { كخشية الله } مصدر مضاف إلى المفعول . # / المسألة الرابعة : ظاهر قوله : { أو أشد خشية } يوهم الشك ، وذلك على ~~علام الغيوب محال . وفيه وجوه من التأويل : الأول : المراد منه الابهام على ~~المخاطب ، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة ، وذلك لأن كل ~~خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد فبين ~~تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من الله ، بل بقي ~~إما أن يكون مساويا أو أزيد ، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه ، بل يوجب ~~إبقاء الابهام في هذين القسمين على المخاطب . الثاني : أن يكون ( أو ) ~~بمعنى الواو ، والتقدير : يخشونهم كخشية الله وأشد خشية ، وليس بين هذين ~~القسمين منافاة ، لأن من هو أشد خشية فمعه من الخشية مثل خشيته من الله ~~وزيادة . الثالث : أن هذا نظير قوله : { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } ~~( الصافات : 147 ) يعني أن من يبصرهم يقول هذا الكلام ، فكذا ههنا والله ~~أعلم . # ثم قال تعالى : { وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال } . # واعلم أن هؤلاء القائلين إن كانوا مؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا ~~على الله ، لكن جزعا من الموت وحبا للحياة ، وإن كانوا منافقين فمعلوم أنهم ~~كانوا منكرين لكون الرب تعالى كاتبا للقتال عليهم ، PageV10P148 فقالوا ذلك ~~على معنى أنه تعالى كتب القتال عليهم في زعم الرسول عليه الصلاة والسلام ~~وفي دعواه ، ثم قالوا : { لولا أخرتنا إلى أجل قريب } وهذا كالعلة لكراهتهم ~~لايجاب القتال ms2976 عليهم ، أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا ، ثم إنه تعالى أجاب ~~عن شبهتهم فقال : { قل متاع الدنيا قليل والاخرة خير لمن اتقى } وإنما قلنا ~~: إن الآخرة خير لوجود : الأول : ان نعم الدنيا قليلة ، ونعم الآخرة كثيرة ~~. والثاني : ان نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة . والثالث : أن نعم ~~الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره ، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات . ~~والرابع : أن نعم الدنيا مشكوكة فان أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون ~~عاقبته في اليوم الثاني ، ونعم الآخرة يقينية ، وكل هذه الوجوه تجب رجحان ~~الآخرة على الدنيا ، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين ، ~~فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله : { لمن اتقى } وهذا هو المراد ~~من قوله عليه الصلاة والسلام : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) . # ثم قال تعالى : { ولا تظلمون فتيلا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : { يظلمون } بالياء على ~~أنه راجع إلى المذكورين في قوله : { الم * ترى * إلى الذين قيل } والباقون ~~بالتاء على سبيل الخطاب ، ويؤيد التاء قوله : { قل متاع الدنيا قليل } فان ~~قوله : { قل } يفيد الخطاب . # / المسألة الثانية : قالت المعتزلة : الآية تدل على أنهم يستحقون على ~~طاعتهم الثواب ، وإلا لما تحقق نفي الظلم ، وتدل على أنه تعالى يصح منه ~~الظلم وإن كنا نقطع بأنه لا يفعل ، وإلا لما صح التمدح به . # المسألة الثالثة : قوله : { ولا تظلمون فتيلا } أي لا ينقصون من ثواب ~~أعمالهم مثل فتيل النواة وهو ما تفتله بيدك ثم تلقيه احتقارا . وقد مضى ~~الكلام فيه . # ! 7 < { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة وإن تصبهم ~~حسنة يقولوا هاذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هاذه من عندك قل كل من ~~عند الله فما لهاؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 78 ) أينما تكونوا يدرككم . . . . . # > > والمقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون ~~الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، فقال ~~تعالى : { أينما تكونوا يدرككم الموت } فبين تعالى ms2977 أنه لا خلاص لهم من ~~الموت ، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة ، فاذا كان لا بد من الموت ، ~~فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون ~~كذلك ، ونظير هذه الآية قوله : { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو ~~القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا } ( الأحزاب : 16 ) والبروج في كلام العرب ~~هي القصور والحصون ، وأصلها في اللغة من الظهور ، يقال : تبرجت المرأة ، ~~إذا أظهرت محاسنها ، والمشيدة المرتفعة ، وقرىء { مشيدة } قال صاحب ( ~~الكشاف ) : من شاد إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص ، وقرأ نعيم بن ميسرة ~~بكسر الياء وصفا لها بفعل فاعلها مجازا ، كما قالوا : قصيدة شاعرة ، وإنما ~~الشاعر قائلها . PageV10P149 # قوله تعالى : { وإن تصبهم حسنة يقولوا هاذه من عند الله وإن تصبهم سيئة ~~يقولوا هاذه من عندك قل كل من عند } . # اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائقين من ~~الموت غير راغبين / في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة ~~أقبح من الأولى ، وفي النظم وجه آخر ، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت ~~المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فان أصابوا واحدة ~~وغنيمة راحة قالوا : هذه من عند الله ، وإن أصابهم مكروه قالوا : هذا من ~~شؤم مصاحبة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة ~~عنادهم ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها ؛ الأول : قال المفسرون ~~: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما ~~ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الامساك كما جرت عادته ~~في جميع الأمم ، قال تعالى : { وما أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلها ~~بالبأساء والضراء } فعند هذا قال اليهود والمنافقون : ما رأينا أعظم شؤما ~~من هذا الرجل ، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم ، فقوله تعالى : { وإن ~~تصبهم حسنة } يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا : هذا من عند ~~الله { وإن تصبهم سيئة } جدب وغلاء ms2978 سعر قالوا هذا من شؤم محمد ، وهذا كقوله ~~تعالى : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هاذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ~~ومن معه } ( الأعراف : 131 ) وعن قوم صالح : { قالوا اطيرنا بك وبمن معك } ~~. # القول الثاني : المراد من الحسنة النصر على الاعداء والغنيمة ، ومن ~~السيئة القتل والهزيمة قال القاضي : والقول الأول هو المعتبر لأن اضافة ~~الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة ، أما إضافة ~~النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة ، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة ~~والقتل لم يجز إضافتها إلى الله ، وأقول : القول كما قال على مذهبه / أما ~~على مذهبنا فالكل داخل في قضاء الله وقدره . # المسألة الثانية : اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية ، والحسنة على ~~النعمة والطاعة قال تعالى : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } ( ~~الأعراف : 168 ) وقال : { إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وإن تصبهم حسنة } يفيد العموم في كل ~~الحسنات ، وكذلك قوله : { وإن تصبهم سيئة } يفيد العموم في كل السيئات ، ثم ~~قال بعد ذلك : { قل كل من عند الله } فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات ~~من الله ، ولما ثبت بما ذكرنا أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة ~~والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله وهو المطلوب ~~. # فان قيل : المراد ههنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية ، ويدل ~~عليه وجوه : الأول : اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب ~~والجدب فكانت مختصة بهما . الثاني : أن الحسنة التي يراد بها الخير والطاعة ~~لا يقال فيها أصابتني ، إنما يقال أصبتها ، وليس في كلام العرب / أصابت ~~فلانا حسنة بمعنى عمل خيرا ، أو أصابته سيئة بمعنى عمل معصية ، فعلى هذا لو ~~كان المراد ما ذكرتم لقال ان أصبتم حسنة . الثالث : لفظ الحسنة واقع ~~بالاشتراك على الطاعة وعلى المنفعة ، وههنا أجمع المفسرون على أن المنفعة ~~PageV10P150 مرادة ، فيمتنع كون الطاعة مرادة ، ضرورة أنه لا يجوز استعمال ~~اللفظ المشترك في مفهوميه معا . # فالجواب عن الأول : أنكم تسلمون أن خصوص السبب لا ms2979 يقدح في عموم اللفظ . # والجواب عن الثاني : أنه يصح أن يقال : أصابني توفيق من الله وعون من ~~الله ، وأصابه خذلان من الله ، ويكون مراده من ذلك التوفيق والعون تلك ~~الطاعة ، ومن الخذلان تلك المعصية . # والجواب عن الثالث : أن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة ، فان كان منتفعا ~~به في الآخرة فهو الطاعة ، وإن كان منتفعا به في الدنيا فهو السعادة ~~الحاضرة ، فاسم الحسنة بالنسبة إلى هذين القسمين متواطىء الاشتراك ، فزال ~~السؤال . فثبت أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه ، ومما يدل على أن المراد ~~ليس إلا ذاك ما ثبت في بدائه العقول أن كل موجود فهو إما واجب لذاته ، وإما ~~ممكن لذاته ، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، والممكن لذاته ~~كل ما سواه ، فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثر فسد الاستدلال بجواز ~~العالم وحدوثه على وجود الصانع ، وحينئذ يلزم نفي الصانع ، وإن كان الممكن ~~لذاته محتاجا إلى المؤثر ، فاذا كان كل ما سوى الله ممكنا كان كل ما سوى ~~الله مستندا إلى الله ، وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو ~~جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنبات ، فان الحكم لاستناد الممكن لذاته إلى ~~الواجب لذاته لما بينا من كونه ممكنا كان الكل فيه على السوية ، وهذا برهان ~~أوضح وأبين من قرص الشمس على أن الحق ما ذكره تعالى ، وهو قوله : { قل كل ~~من عند الله } . # ثم قال تعالى : { فمال * هؤلاء * القوم لا يكادون يفقهون حديثا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : انه لما كان البرهان الدال على أن كل ما سوى الله ~~مستندا إلى الله على الوجه الذي لخصانه في غاية الظهور والجلاء ، قال تعالى ~~: { فمال * هؤلاء * القوم لا يكادون يفقهون حديثا } وهذا يجري مجرى التعجب ~~من عدم وقوفهم على صحة هذا الكلام مع ظهوره . قالت المعتزلة : بل هذه الآية ~~دالة على صحة قولنا ، لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله تعالى ~~لم يبق هذا التعجب معنى ألبتة ، لأن السبب في عدم حصول هذه المعرفة هو ms2980 أنه ~~تعالى ما خلقها وما أوجدها / وذلك يبطل هذا التعجب ، فحصول هذا التعجب يدل ~~على أنه إنما تحصل بايجاد العبد لا بايجاد الله تعالى . # واعلم أن هذا الكلام ليس إلا التمسك بطريقة المدح والذم ، وقد ذكرنا أنها ~~معارضة بالعلم . # / المسألة الثانية : قالت المعتزلة : أجمع المفسرون على أن المراد من ~~قوله : { لا يكادون يفقهون حديثا } أنهم لا يفقهون هذه الآية المذكورة في ~~هذا الموضع ، وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث ، والحديث فعيل بمعنى مفعول ~~، فيلزم منه أن يكون القرآن محدثا . # والجواب : مرادكم بالقرآن ليس إلا هذه العبارات ، ونحن لا ننازع في كونها ~~محدثة . # المسألة الثالثة : الفقه : الفهم ، يقال أوتى فلانا فقها ، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم لابن عباس : ( فقهه في التأويل ) أي فهمه . # PageV10P151 ! 7 < { مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من سيئة فمن ~~نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 79 ) ما أصابك من . . . . . # > > قال أبو علي الجبائي : قد ثبت أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية ~~والمحنة ، وتارة يقع على الذنب والمعصية ، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى ~~نفسه في الآية الأولى بقوله : { قل كل من عند الله } ( النساء : 78 ) ~~وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله : { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ( ~~النساء : 79 ) فلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما ، ~~ولما كانت السيئة بمعنى البلاء والشدة مضافة إلى الله وجب أن تكون السيئة ~~بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين ~~المتجاورتين ، قال : وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرؤا : { ~~فمن } فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريقة الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن ~~. # فان قيل : فلماذا فصل تعالى بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف ~~الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم ؟ # قلنا : لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد فانما وصل اليها بتسهيله تعالى ~~وألطافه فصحت الاضافة إليه ، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير ~~مضافة إلى الله تعالى ms2981 لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها ، ولا بأنه أمر ~~بها ، ولا بأنه رغب فيها ، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة من جميع الوجوه ~~إلى الله تعالى . هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع . # / ونحن نقول : هذه الآية دالة على أن الايمان حصل بتخليق الله تعالى ، ~~والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية . # إنما قلنا : إن الآية دالة على ذلك لأن الايمان حسنة ، وكل حسنة فمن الله ~~. # إنما قلنا : إن الايمان حسنة ، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع ~~جهات القبح ، ولا شك أن الايمان كذلك ، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على ~~أن قوله : { رحيم ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } ( فصلت : 33 ) المراد ~~به كلمة الشهادة ، وقيل في قوله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } ( ~~النحل : 90 ) قيل : هو لا إله إلا الله ، فثبت أن الايمان حسنة ، وإنما ~~قلنا إن كل حسنة من الله لقوله تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله } ( ~~النساء : 79 ) وقوله : { ما أصابك من حسنة } يفيد العموم في جميع الحسنات ، ~~ثم حكم على كلها بأنها من الله ، فيلزم من هاتين المقدمتين ، أعني أن ~~الايمان حسنة ، وكل حسنة من الله ، القطع بأن الايمان من الله . # فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الايمان من الله هو أن الله ~~أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنة ، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر ؟ # قلنا : جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الايمان والكفر عندكم ، ثم إن ~~العبد باختيار نفسه أوجد الايمان ، ولا مدخل لقدرة الله وإعانته في نفس ~~الايمان ، فكان الايمان منقطعا عن الله في كل الوجوه ، فكان هذا مناقضا ~~لقوله : { ما أصابك من حسنة فمن الله } فثبت بدلالة هذه الآية أن الايمان ~~من الله ، والخصوم لا PageV10P152 يقولون به ، فصاروا محجوجين في هذه ~~المسألة ، ثم اذا أردنا أن نبين أن الكفر أيضا من الله . # قلنا فيه وجوه : الأول : أن كل من قال : الايمان من الله قال : الكفر من ~~الله ، فالقول بأن أحدهما من الله دون الآخر ms2982 مخالف لاجماع الأمة . الثاني : ~~أن العبد لو قدر على تحصيل الكفر فالقدرة الصالحة لايجاد الكفر إما أن تكون ~~صالحة لايجاد الايمان أو لا تكون / فان كانت صالحة لايجاد الايمان فحينئذ ~~يعود القول في أن إيمان العبد منه ، وإن لم تكن صالحة لايجاد الايمان ~~فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده ، وذلك عندهم محال ، ولأن ~~على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور ، وذلك يمنع من كونه قادرا عليه ~~، فثبت أنه لما لم يكن الايمان منه وجب أن لا يكون الكفر منه . الثالث : ~~أنه لما لم يكن العبد موجدا للايمان فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى ، وذلك ~~لأن المستقل بايجاد الشيء هو الذي يمكنه تحصيل مراده ، ولا نرى في الدنيا ~~عاقلا إلا ويريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الايمان والمعرفة والحق ، وإن ~~أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو / الجهل والضلال ~~والاعتقاد الخطأ ، فاذا كان العبد موجدا لأفعال نفسه وهو لا يقصد إلا تحصيل ~~العلم الحق المطابق ، وجب أن لا يحصل في قلبه إلا الحق ، فاذا كان الايمان ~~الذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده لم يقطع بايجاده ، فبأن يكون الجهل الذي ما ~~أراده وما قصد تحصيله وكان في غاية النفرة عنه والفرار منه غير واقع ~~بايجاده وتكوينه كان ذلك أولى . والحاصل أن الشبهة في أن الايمان واقع ~~بقدرة العبد أشد من الشبهة في وقوع الكفر بقدرته ، فلما بين تعالى في ~~الايمان أنه من الله ترك ذكر الكفر للوجه الذي ذكرناه ، فهذا جملة الكلام ~~في بيان دلالة هذه الآية على مذهب إمامنا . # أما ما احتج الجبائي به على مذهبه من قوله : { وما أصابك من سيئة فمن ~~نفسك } . # فالجواب عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى قال حكاية عن إبراهيم عليه ~~السلام : { وإذا مرضت فهو يشفين } ( الشعراء : 80 ) أضاف المرض إلى نفسه ~~والشفاء إلى الله ، فلم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للمرض والشفاء ، بل ~~إنما فصل بينهما رعاية الأدب ، فكذا ههنا ، فانه يقال : يا مدبر السموات ~~والأرض ، ولا ms2983 يقال يا مدبر القمل والصبيان والخنافس ، فكذا ههنا . الثاني : ~~أكثر المفسرين قالوا في تفسير قول إبراهيم : { هاذا ربى } أنه ذكر هذا ~~استفهاما على سبيل الانكار ، كأنه قال : أهذا ربي ، فكذا ههنا ، كأنه قيل : ~~الايمان الذي وقع على وفق قصده قد بينا أنه ليس واقعا منه ، بل من الله ، ~~فهذا الكفر ما قصده وما أراده وما رضي به ألبتة ، أفيدخل في العقل أن يقال ~~: إنه وقع به ؟ فانا بينا أن الحسنة في هذه الآية يدخل فيها الايمان ، ~~والسيئة يدخل فيها الكفر ، أما قراءة من قرأ { فمن } فنقول : إن صح أنه قرأ ~~بهذه الآية واحد من الصحابة والتابعين فلا طعن فيه ، وإن لم يصح ذلك ~~فالمراد أن من حمل الآية على أنها وردت على سبيل الاستفهام على وجه الانكار ~~ذكر في تفسير الاستفهام على سبيل الانكار هذا الكلام ، لأنه لما أضاف ~~السيئة اليهم في معرض الاستفهام على سبيل الانكار كان المراد أنها غير ~~مضافة اليهم ، فذكر هذا القائل قوله : { فمن } ( النساء : 79 ) لا على ~~اعتقاد أنه من القرآن ، بل لأجل أنه يجري مجرى التفسير لقولنا : إنه ~~استفهام على سبيل الانكار ، ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه ~~الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله تعالى ، قوله تعالى بعد هذه الآية : { ~~نفسك وأرسلناك للناس رسولا } يعني ليس لك إلا الرسالة والتبليغ ، وقد فعلت ~~ذلك وما قصرت { وكفى بالله PageV10P153 شهيدا } ( النساء : 166 ) على جدك ~~وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي ، فأما حصول الهداية فليس إليك ~~بل إلى الله ، ونظيره قوله تعالى : { ليس لك من الامر شىء } وقوله : { إنك ~~لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشاء } ( القصص : 56 ) فهذا جملة ما ~~خطر بالبال في هذه الآية ، والله أعلم بأسرار كلامه . # / ثم إنه تعالى أكد هذا الذي قلناه . # ! 7 < { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } ~~. > 7 ! # < < # | النساء : ( 80 ) من يطع الرسول . . . . . # > > والمعنى أن من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام الله ~~فهو في الحقيقة ms2984 ما أطاع إلا الله ، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق ~~الله ، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ، فان من أعماه الله عن الرشد ~~وأضله عن الطريق ، فان أحدا من الخلق لا يقدر على إرشاده . # واعلم أن من أنار الله قلبه بنور الهداية قطع بأن الأمر كما ذكرنا ، فانك ~~ترى الدليل الواحد تعرضه على شخصين في مجلس واحد ، ثم إن أحدهما يزداد ~~إيمانا على إيمان عند سماعه ، والآخر يزداد كفرا على كفر عند سماعه ، ولو ~~أن المحب لذلك الكلام أراد أن يخرج عن قلبه حب ذلك الكلام واعتقاد صحته لم ~~يقدر عليه ، ولو أن المبغض له أراد أن يخرج عن قلبه بغض ذلك الكلام واعتقاد ~~فساده لم يقدر ، ثم بعد أيام ربما انقلب المحب مبغضا والمبغض محبا ، فمن ~~تأمل للبرهان القاطع الذي ذكرناه في أنه لا بد من إسناد جميع الممكنات إلى ~~واجب الوجود ، ثم اعتبر من نفسه الاستقراء الذي ذكرناه ، ثم لم يقطع بأن ~~الكل بقضاء الله وقدره ، فليجعل واقعته من أدل الدلائل على أنه لا تحصل ~~الهداية إلا بخلق الله من جهة أن مع العلم بمثل هذا الدليل ، ومع العلم ~~بمثل هذا الاستقراء لما لم يحصل في قلبه هذا الإعتقاد ، عرف أنه ليس ذلك ~~إلا بأن الله صده عنه ومنعه منه . بقي في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } من أقوى ~~الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن الله ، ~~لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة الله وأيضا وجب أن يكون معصوما ~~في جميع أفعاله ، لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله : { فاتبعوه } ( الأنعام ~~: 153 155 ) والمتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك ~~الغير ، فكان الآتي بمثل ذلك الفعل مطيعا لله في قوله : { فاتبعوه } فثبت ~~أن الانقياد له في جميع أقواله وفي جميع أفعاله ، إلا ما خصه الدليل ، طاعة ~~لله وانقياد لحكم الله . # المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله عنه في ms2985 كتاب الرسالة في باب فرض ~~الطاعة للرسول : ان قوله تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } يدل على ~~أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج ~~وسائر الأبواب في القرآن ، ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن ، فحينئذ ~~لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول ، وإذا كان الأمر ~~كذلك / لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله ، هذا معنى كلام الشافعي . ~~PageV10P154 # المسألة الثالثة : قوله : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } يدل على أنه ~~لا طاعة إلا لله ألبتة ، وذلك لأن طاعة الرسول لكونه رسولا فيما هو فيه ~~رسول لا تكون إلا طاعة لله ، فكانت الآية دالة على أنه لا طاعة لأحد إلا ~~لله . قال مقاتل في هذه الآية : ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : ( ~~من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله ) فقال المنافقون : لقد ~~قارب هذا الرجل الشرك وهو أن ينهي أن نعبد غير الله ، ويريد أن نتخذه ربا ~~كما اتخذت النصارى عيسى ، فأنزل الله هذه الآية . # واعلم أنا بينا كيفية دلالة الآية على أنه لا طاعة ألبتة للرسول ، وإنما ~~الطاعة لله . أما قوله : { ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا } ففيه قولان ~~: أحدهما : أن المراد من التولي هو التولي بالقلب ، يعني يا محمد حكمك على ~~الظواهر ، أما البواطن فلا تتعرض لها . والثاني : أن المراد به التولي ~~بالظاهر ، ثم ههنا ففي قوله : { فما أرسلناك عليهم حفيظا } قولان : الأول : ~~معناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولي وأن تحزن ، فما أرسلناك لتحفظ ~~الناس عن المعاصي ، والسبب في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يشتد حزنه ~~بسبب كفرهم وإعراضهم ، فالله تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له عليه الصلاة ~~والسلام عن ذلك الحزن . الثاني : أن المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ~~ذلك لتولى وهو كقوله : { لا إكراه فى الدين } ( البقرة : 256 ) ثم نسخ هذا ~~بعده بآية الجهاد . # ! 7 < { ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذى تقول ms2986 ~~والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } . > 7 ~~! # < < # | النساء : ( 81 ) ويقولون طاعة فإذا . . . . . # > > أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء { طاعة } بالرفع ، أي أمرنا وشأننا طاعة ~~، ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة ، وهذا كما إذا قال الرجل المطيع المنقاد ~~: سمعا وطاعة ، وسمع وطاعة . قال سيبويه : سمعنا بعض العرب الموثوق بهم ~~يقال لهم كيف أصبحت ؟ فيقول : حمدالله وثناء عليه ، كأنه قال : أمرى وشأني ~~حمدا لله . # واعلم أن النصب يدل على مجرد الفعل . وأما الرفع فانه يدل على ثبات ~~الطاعة واستقرارها { فإذا برزوا من عندك } أي خرجوا من عندك { بيت طائفة ~~منهم غير الذى تقول } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : قال الزجاج : كل أمر تفكروا فيه كثيرا وتأملوا في ~~مصالحه ومفاسده كثيرا قيل هذا أمر مبيت ، قال تعالى : { إذ يبيتون ما لا ~~يرضى من القول } ( النساء : 108 ) وفي اشتقاقه وجهان : الأول : اشتقاقه من ~~البيتوتة ، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الانسان في بيته بالليل ، فهناك ~~تكون الخواطر أخلى والشواغل أقل ، فلما كان الغالب أن الانسان وقت الليل ~~يكون في البيت ، والغالب له أنه إنما يستقصي في الأفكار في الليل ، لا جرم ~~سمي الفكر المستقصى مبيتا . الثاني : اشتقاقه من بيت الشعر . قال الأخفش : ~~العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه فسموا المتفكر فيه ~~المستقصى مبيتا ، تشبيها له ببيت الشعر من حيث أنه يسوى ويدبر PageV10P155 ~~. # المسألة الثانية : أنه تعالى خص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت ، وفي ~~هذا التخصيص وجهان : أحدهما : أنه تعالى ذكر من علم أنه يبقى على كفره ~~ونفاقه ، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فانه لم يذكرهم . والثاني : أن هذه ~~الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت ، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم ~~يبيتوا ، فلا جرم لم يذكروا . # المسألة الثالثة : قرأ أبو عمرو وحمزة { بيت طائفة } بادغام التاء في ~~الطاء ، والباقون بالاظهار أما من أدغم فله فيه وجهان : الأول : قال الفراء ~~: جزموا لكثرة الحركات ، فلما سكنت التاء أدغمت في الطاء ، والثاني : أن ~~الطاء والدال والتاء من حيز واحد ، فالتقارب الذي ms2987 بينها يجريها مجرى ~~الأمثال في الادغام ، ومما يحسن هذا الادغام أن الطاء تزيد على التاء ~~بالاطباق ، فحسن إدغام الأنقص صوتا في الأزيد صوتا . أما من لم يدغم فعلته ~~أنهما حرفان من مخرجين في كلمتين متفاصلتين ، فوجب إبقاء كل واحد منهما ~~بحاله . # المسألة الرابعة : قال : { بيت } بالتذكير ولم يقل : بيتت بالتأنيث ، لأن ~~تأنيث الطائفة غير حقيقي ، ولأنها في معنى الفريق والفوج . قال صاحب ( ~~الكشاف ) : { بيت طائفة } أي زورت وزينت خلاف ما قلت وما أمرت به ، أو خلاف ~~ما قالت وما ضمنت من الطاعة ، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا ~~الطاعة . # ثم قال تعالى : { والله يكتب ما يبيتون } ذكر الزجاج فيه وجهين : أحدهما ~~: أن معناه ينزل اليك في كتابه . والثاني : يكتب ذلك في صحائف أعمالهم ~~ليجازوا به . # ثم قال تعالى : { فأعرض عنهم } والمعنى لا تهتك سترهم ولا تفضحهم ولا ~~تذكرهم بأسمائهم ، وإنما أمر الله بستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر ~~الاسلام . ثم قال : { وتوكل على الله } في شأنهم ، فان الله يكفيك شرهم ~~وينتقم منهم { وكفى بالله وكيلا } لمن توكل عليه . قال المفسرون : كان ~~الأمر بالاعراض عن / المنافقين في ابتداء الاسلام / ثم نسخ ذلك بقوله : { ~~جاهد الكفار والمنافقين } ( التوبة : 73 ، التحريم : 9 ) وهذا الكلام فيه ~~نظر ، لأن الأمر بالصفح مطلق فلا يفيد إلا المرة الواحدة ، فورود الأمر بعد ~~ذلك بالجهاد لا يكون ناسخا له . # ! 7 < { أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 82 ) أفلا يتدبرون القرآن . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم ، وكان كل ~~ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقا في ادعاء الرسالة صادقا فيه ، بل ~~كانوا يعتقدون أنه مفتر متخرص ، فلا جرم أمرهم الله تعالى بأن ينظروا ~~ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته . فقال : { أفلا يتدبرون القرءان ~~ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } فاحتج تعالى بالقرآن ~~على صحة نبوته وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : التدبير والتدبر عبارة عن النظر في عواقب ms2988 الأمور ~~وأدبارها ، ومنه قوله : إلام تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها ، ويقال في ~~فصيح الكلام : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، أي لو عرفت في صدر أمري ما ~~عرفت من عاقبته . # المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى احتج بالقرآن ~~على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ لو PageV10P156 تحمل الآية على ~~ذلك لم يبق لها تعلق بما قبلها ألبتة ، والعلماء قالوا : دلالة القرآن على ~~صدق محمد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه : أولها : فصاحته . وثانيها : ~~اشتماله على الاخبار عن الغيوب . والثالث : سلامته عن الاختلاف ، وهذا هو ~~المذكور في هذه الآية ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في تفسير سلامته عن ~~الاختلاف ثلاثة أوجه : الأول : قال أبو بكر الأصم : معناه أن هؤلاء ~~المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد ، والله ~~تعالى كان يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على تلك الأحوال حالا فحالا : ~~ويخبره عنها على سبيل التفصيل ، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق ، ~~فقيل لهم : إن ذلك لو لم يحصل باخبار الله تعالى وإلا لما اطرد الصدق فيه ، ~~ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت ، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ~~ذلك ليس إلا باعلام الله تعالى ، والثاني : وهو الذي ذهب اليه أكثر / ~~المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير ، وهو مشتمل على أنواع كثيرة ~~من العلوم ، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات ~~المتناقضة ، لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك ، ولما لم يوجد فيه ~~ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله . # فان قيل : أليس أن قوله : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } ( ~~القيامة : 23 ) كالمناقض لقوله تعالى : { لا تدركه الابصار } ( الأنعام : ~~103 ) وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر ، وقوله : { فوربك لنسئلنهم ~~أجمعين } ( الحجر : 92 ) كالمناقض لقوله : { فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ~~ولا جان } ( الرحمن : 39 ) . # قلنا : قد شرحنا في هذا التفسير أنه لا منافاة ولا مناقضة بين شيء منها ~~ألبتة ms2989 . # الوجه الثالث : في تفسير قولنا : القرآن سليم عن الاختلاف ما ذكره أبو ~~مسلم الأصفهاني ، وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة ، حتى لا ~~يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك ، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى ~~آخره على نهج واحد ، ومن المعلوم أن الانسان وإن كان في غاية البلاغة ~~ونهاية الفصاحة ، فاذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكبيرة ، فلا ~~بد وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا ~~، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه لمعجز من عند الله تعالى ، وضرب ~~القاضي لهذا مثلا فقال : ان الواحد منا لا يمكنه أن يكتب الطوامير الطويلة ~~بحيث لا يقع في شيء من تلك الحروف خلل ونقصان / حتى لو رأينا الطوامير ~~الطويلة مصونة عن مثل هذا الخلل والنقصان لكان ذلك معدودا في الاعجاز فكذا ~~ههنا . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن القرآن معلوم المعنى خلاف ما يقوله ~~من يذهب إلى أنه لا يعلم معناه إلا النبي والامام المعصوم ، لأنه لو كان ~~كذلك لما تهيأ للمنافقين معرفة ذلك بالتدبر ، ولما جاز أن يأمرهم الله ~~تعالى به وأن يجعل القرآن حجة في صحة نبوته ، ولا أن يجعل عجزهم عن مثله ~~حجة عليهم ، كما لا يجوز أن يحتج على كفار الزنج بمثل ذلك . # المسألة الرابعة : دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال ، وعلى القول ~~بفساد التقليد ، لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة ~~نبوته ، واذا كان لا بد في صحة نبوته من الاستدلال ، فبأن يحتاج في معرفة ~~ذات الله وصفاته إلى الاستدلال كان أولى . # المسألة الخامسة : قال أبو علي الجبائي : دلت الآية على أن أفعال العباد ~~غير مخلوقة لله تعالى لأن قوله PageV10P157 تعالى : { ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } يقتضي أن فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف ، ~~والاختلاف والتفاوت شيء واحد ، فاذا كان فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف ~~والتفاوت ، وفعل الله لا يوجد فيه التفاوت لقوله تعالى : { ما ترى فى خلق ms2990 ~~الرحمان من تفاوت } ( الملك : 3 ) فهذا / يقتضي أن فعل العبد لا يكون فعلا ~~لله . # والجواب أن قوله : { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت } معناه نفي التفاوت ~~في أنه يقع على وفق مشيئته بخلاف غيره ، فان فعل غيره لا يقع على وفق ~~مشيئته على الاطلاق . # ! 7 < { وإذا جآءهم أمر من الا من أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولى الا مر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 83 ) وإذا جاءهم أمر . . . . . # > > اعلم أنه تعالى حكى عن المنافقين في هذه الآية نوعا آخر من الأعمال ~~الفاسدة ، وهو أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من ~~باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوه وأفشوه ، وكان ذلك سبب الضرر من وجوه : ~~الأول : أن مثل هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير . والثاني : أنه إن ~~كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة ، فاذا لم توجد تلك ~~الزيادات أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول عليه السلام ، لأن المنافقين ~~كانوا يروون تلك الارجافات عن الرسول ، وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش ~~الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين ، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب ، فكانت ~~تلك الارجافات سببا للفتنة من هذا الوجه . # الوجه الثالث : وهو أن الارجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد ~~والاستقصاء التام ، وذلك سبب لظهور الأسرار ، وذلك مما لا يوافق مصلحة ~~المدينة . الرابع : أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين ~~الكفار ، وكان كل واحد من الفريقين في إعداد آلات الحرب وفي انتهاز الفرصة ~~فيه ، فكل ما كان آمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني ، فان وقع خبر ~~الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك فوصل ~~الخبر في أسرع مدة إلى الكفار ، فأخذوا في التحصن من المسلمين ، وفي ~~الاحتراز عن استيلائهم عليهم ، / وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك ~~، وزادوا فيه وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين ، فظهر من هذا ms2991 أن ذلك ~~الارجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه ، ولما كان الأمر كذلك ذم ~~الله تلك الاذاعة وذلك التشهير ، ومنعهم منه . # واعلم أن قوله : أذاعه به لغتان . # ثم قال تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الامر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم } . PageV10P158 # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في { أولى الامر } قولان : أحدهما : إلى ذوي العلم ~~والرأي منهم . والثاني : إلى أمراء السرايا ، وهؤلاء رجحوا هذا القول على ~~الأول ، قالوا لأن أولي الأمر الذين لهم أمر على الناس ، وأهل العلم ليسوا ~~كذلك ، إنما الأمراء هم الموصوفون بأن لهم أمرا على الناس . # وأجيب عنه : بأن العلماء اذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه ، وكان ~~يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه ، ~~والذي يدل عليه قوله تعالى : { ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم لعلهم يحذرون } ( التوبة : 122 ) فأوجب الحذر بانذراهم وألزم ~~المنذرين قبول قولهم ، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم . # المسألة الثانية : الاستنباط في اللغة الاستخراج ؛ يقال : استنبط الفقيه ~~اذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه ، وأصله من النبط وهو الماء الذي ~~يخرج من البئر أول ما تحفر ، والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم الماء من ~~الأرض . # المسألة الثالثة : في قوله : { الذين يستنبطونه منهم } قولان : الأول : ~~أنهم هم أولئك المنافقون المذيعون ، والتقدير : ولو أن هؤلاء المنافقين ~~المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر ، وطلبوا معرفة ~~الحال فيه من جهتهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم / وهم هؤلاء المنافقون ~~المذيعون منهم ، أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر . # القول الثاني : أنهم طائفة من أولي الأمر ، والتقدير : ولو أن المنافقين ~~ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه ~~الوقائع من أولي الأمر ، وذلك لأن أولي الأمر فريقان ، بعضهم من يكون ~~مستنبطا ، وبعضهم من لا يكون كذلك ، فقوله : { منهم } يعني لعلمه الذين ~~يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر . # فان قيل : إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى ~~أولي ms2992 الأمر هم المنافقون ، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله : { وإلى أولى ~~الامر منهم } . # / قلنا : إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر ، لأن المنافقين ~~يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون ، ونظيره قوله تعالى : { وإن منكم لمن ليبطئن ~~} وقوله : { ما فعلوه إلا قليل منهم } والله أعلم . # المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على أن القياس حجة في الشرع ، وذلك لأن ~~قوله : { الذين يستنبطونه منهم } صفة لأولي الأمر ، وقد أوجب الله تعالى ~~على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم ، ولا ~~يخلوا إما أن يرجعوا اليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها ، أولا ~~مع حصول النص فيها ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط ~~لأن من روى النص في واقعة لا يقال : إنه استنبط الحكم ، فثبت أن الله أمر ~~المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها ، ولولا أن الاستنباط حجة لما ~~أمر المكلف بذلك ، فثبت أن الاستنباط حجة ، والقياس إما استنباط أو داخل ~~فيه ، فوجب أن يكون حجة . إذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على أمور : أحدها ~~: أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف بالنص بل بالاستنباط . وثانيها : أن ~~الاستنباط حجة : وثالثها : أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام ~~الحوادث . ورابعها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفا باستنباط ~~الأحكام لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر . PageV10P159 # ثم قال تعالى : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ولم يخصص أولي الأمر بذلك ~~دون الرسول وذلك يوجب أن الرسول وأولي الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط . # فان قيل : لا نسلم أن المراد بقوله : { الذين يستنبطونه منهم } هم أولوا ~~الأمر ، بل المراد منهم المنافقون المذيعون على ما رويتم هذا القول في ~~تفسير الآية ، سلمنا أن المراد بالذين يستنبطونه منهم أولو الأمر لكن هذه ~~الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد ، فهب أن الرجوع ~~إلى الاستنباط جائز فيها ، فلم قلتم إنه يلزم جوازه في الوقائع الشرعية ؟ ~~فان قيس أحد البابين على الآخر كان ذلك إثباتا ms2993 للقياس الشرعي بالقياس ~~الشرعي وإنه لا يجوز ، سلمنا أن الاستنباط في الأحكام الشرعية داخل تحت ~~الآية . فلم قلتم : إنه يلزم أيكون القياس حجة ؟ بيانه أنه يمكن أن يكون ~~المراد من الاستنباط استخراج الأحكام من النصوص الخفية أو من تركيبات ~~النصوص ، أو المراد من استخراج الأحكام من البراءة الاصلية ، أو مما ثبت ~~بحكم العقل كما يقول الاكثرون : ان الاصل في المنافع الاباحة ، وفي المضار ~~الحرمة ، سلمنا أن القياس من الشرعي داخل في الآية ، لكن بشرط أن يكون ذلك ~~القياس مفيدا للعلم بدليل قوله تعالى : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ~~فاخبر تعالى في هذه الآية أنه يحصل العلم / من هذا الاستنباط ، ولا نزاع في ~~مثل هذا القياس ، انما النزاع في أن القياس الذي يفيد الظن هل هو حجة في ~~الشرع أم لا ؟ والجواب : # أما في السؤال الأول : فمدفوع لانه لو كان المراد بالذين يستنبطونه ~~المنافقين لكان الأولى أن يقال : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلموه ، لأن عطف المظهر على المضمر ، وهو قوله : { ولو ردوه } قبيح مستكره ~~. # وأما السؤال الثاني : فمدفوع لوجهين : الأول : أن قوله : { وإذا جاءهم ~~أمر من الامن أو الخوف } النساء : 83 ) عام في كل ما يتعلق بالحروب وفيما ~~يتعلق بسائر الوقائع الشرعية ، لأن الامن والخوف حاصل في كل ما يتعلق بباب ~~التكليف ، فثبت انه ليس في الآية ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب . الثاني : ~~هب أن الامر كما ذكرتم لكن تعرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي ، ولما ثبت ~~جوازه وجب أن يجوز التمسك بالقياس الشرعي في سائر الوقائع لأنه لا قائل ~~بالفرق ، ألا ترى أن من قال : القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم ~~يلتفت اليه ، فكذا ههنا . # وأما السؤال الثالث : وهو حمل الاستنباط على النصوص الخفية أو على ~~تركيبات النصوص فجوابه : أن كل ذلك لا يخرج عن كونه منصوصا ، والتمسك بالنص ~~لا يسمى استنباطا . قوله : لم لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الاصلية ؟ ~~قلنا ليس هذا استنباطا بل هو إبقاء لما كان على ما كان ، ومثل ms2994 هذا لا يسمى ~~استنباطا ألبتة . # وأما السؤال الرابع : وهو قوله ان هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول ~~العلم ، والقياس الشرعي لا يفيد العلم . # قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : ان القياس الشرعي عندنا يفيد العلم ~~، وذلك لان بعد ثبوت أن القياس حجة نقطع بانه مهما غلب على الظن أن حكم ~~الله في الاصل معلل بكذا ، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع ، ~~فههنا يحصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه في الاصل ، وعند هذا ~~PageV10P160 الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن ، فالحاصل أن ~~الظن واقع في طريق الحكم ، وأما الحكم فمقطوع به ، وهو يجري مجرى ما إذا ~~قال الله : مهما غلب على ظنك كذا فاعلم ان في الواقعة الفلانية حكمي كذا ~~فاذا حصل الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم . والثاني : وهو ان العلم قد يطلق ~~ويراد به الظن ، قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا علمت مثل الشمس فاشهد ) ~~شرط العلم في جواز الشهادة ، وأجمعنا على أن عند الظن تجوز الشهادة ، فثبت ~~أن الظن قد يسمى بالعلم والله أعلم . # / ثم قال تعالى : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا ~~قليلا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ان ظاهر هذا الاستنثاء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل ~~الله ولا برحمته ومعلوم ان ذلك محال . فعند هذا اختلف المفسرون وذكروا ~~وجوها ، قال بعضهم : هذا الاستثناء راجع إلى قوله : { أذاعوا } وقال قوم : ~~راجع إلى قوله : { لعلمه الذين يستنبطونه } وقال آخرون : إنه راجع إلى قوله ~~: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } . # واعلم أن الوجوه لا يمكن أن تزيد على هذه الثلاثة لأن الآية متضمنة ~~للاخبار عن هذه الأحكام الثلاثة ، ويصح صرف الاستثناء إلى كل واحد منها ، ~~فثبت أن كل واحد من هذه الأقوال محتمل . # أما القول الأول : فالتقدير : وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا ~~به إلا قليلا ، فأخرج تعالى بعض المنافقين عن هذه الاذاعة كما أخرجهم في ~~قوله : { بيت طائفة منهم غير الذى تقول * النساء } . # والقول الثاني : الاستنثاء ms2995 عائد إلى قوله : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم ~~} يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل : قال الفراء والمبرد : ~~القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه ، والأكثر يجهله ، ~~وصرف الاستثناء إلى ما ذكره يقتضي ضد ذلك . قال الزجاج : هذا غلط لأنه ليس ~~المراد من هذا الاستثناء شيئا يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض / إنما هو ~~استنباط خبر ، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه ، إنما البالغ في البلادة ~~والجهالة هو الذي لا يعرفه ويمكن أن يقال : كلام الزجاج إنما يصح لو حملنا ~~الاستنباط على مجرد تعرف الاخبار والاراجيف ، أما إذا حملناه على الاستنباط ~~في جميع الأحكام كما صححنا ذلك بالدليل كان الحق كما ذكره الفراء والمبرد . # القول الثالث : انه متعلق بقوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ~~ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء ~~البعيد عنه . # واعلم أن هذا القول لا يتمشى الا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص ، ~~وفيه وجهان : الأول : وهو قول جماعة من المفسرين ، أن المراد بفضل الله ~~وبرحمته في هذه الآية إنزال القرآن وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~والتقدير : ولولا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن لاتبعتم ~~الشيطان وكفرتم بالله الا قليلا منكم ، فان ذلك القليل بتقدير عدم بعثة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان ، وما كان ~~يكفر بالله ، وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، ~~وهم الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم . # / الوجه الثاني : ما ذكره أبو مسلم ، وهو أن المراد بفضل الله وبرحمته في ~~هذه الآية هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم : { ~~فأفوز فوزا عظيما } ( النساء : 73 ) فبين تعالى أنه لولا حصول النصر ~~PageV10P161 والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين الا ~~اقليل منكم ، وهم أهل البصائر الناقدة والنيات القوية والعزائم المتمكنة من ~~أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقا حصول الدولة في ~~الدنيا ، فلأجل تواتر ms2996 الفتح والظفر يدل على كونه حقا ، ولأجل تواتر ~~الانهزام والانكسار يدل على كونه باطلا ، بل الامر في كونه حقا وباطلا على ~~الدليل ، وهذا أصح الوجوه وأقربها إلى التحقيق . # المسألة الثانية : دلت الآية على أن الذين اتبعوا الشيطان فقد منعهم الله ~~فضله ورحمته ، والا ما كان يتبع ، وهذا يدل على فساد قول المعتزلة في أنه ~~يجب على الله رعاية الاصلح في الدين . أجاب الكعبي عنه بأن فضل الله ورحمته ~~عامان في حق الكل ، لكن المؤمنين انتفعوا به ، والكافرين لم ينتفعوا به ، ~~فصح على سبيل المجاز أنه لم يحصل للكافر من الله فضل ورحمة في الدين . # والجواب : أن حمل اللفظ على المجاز خلاف الاصل . # ! 7 < { فقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن ~~يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 84 ) فقاتل في سبيل . . . . . # > > اعلم انه تعالى لما أمر بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب في الآيات ~~المتقدمة ، وذكر في المنافقين قلة رغبتهم في الجهاد ، بل ذكر عنهم شدة ~~سعيهم في تثبيط المسلمين عن الجهاد ، عاد في هذه الآية إلى الامر بالجهاد ~~فقال : { فقاتل فى سبيل الله } وفي الآية مسائل : PageV10P162 # المسألة الأولى : الفاء في قوله : { فقاتل } بماذا تتعلق ؟ فيه وجوه : ~~الأول : أنها جواب لقوله : { ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل } ( النساء : 74 ~~) من طريق المعنى لأنه يدل على معنى ان أردت الفوز فقاتل الثاني : أن يكون ~~متصلا بقوله : { وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله } ( النساء : 75 ) { ~~فقاتل فى سبيل الله } ( النساء : 84 ) والثالث : أن يكون متصلا بمعنى ما ~~ذكر من قصص المنافقين ، والمعنى أن من أخلاق هؤلاء المنافقين كذا وكذا ، ~~فلا تعتد بهم ولا تلتفت إلى أفعالهم ، بل قاتل . # / المسألة الثانية : دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده ~~قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج ، وكان أبو سفيان واعد الرسول صلى ~~الله عليه وسلم اللقاء فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا ، فنزلت هذه الآية ~~، فخرج وما معه الا سبعون ms2997 رجلا ولم يلتفت إلى أحد ، ولو لم يتبعوه لخرج ~~وحده . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق ~~وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى الله عليه ~~وسلم موصوف بهذه الصفات ، ولقد اقتدى به أبو بكر رضي الله عنه حيث حاول ~~الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ، ومن علم ان الأمر كله بيد الله وأنه ~~لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه . # ثم قال تعالى : { لا تكلف إلا نفسك } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { لا تكلف } بالجزم على ~~النهي . و { لا نكلف } بالنون وكسر اللام ، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها ~~. # المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله . انتصاب قوله : { نفسك } على ~~مفعول ما لم يسم فاعله . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم ~~يجز له التخلف عن الجهاد البتة ، والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك ~~، فاذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك . # واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات ، فما لم ~~يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب ، بخلاف الرسول عليه الصلاة والسلام فانه ~~على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله تعالى : { والله يعصمك من الناس } ( ~~المائدة : 67 ) وبدليل قوله ههنا : { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } و ~~( عسى ) من الله جزم ، فلزمه الجهاد وان كان وحده . # ثم قال تعالى : { وحرض المؤمنين } والمعنى ان الواجب على الرسول عليه ~~الصلاة والسلام إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد ، فان أتى بهذين ~~الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء . # ثم قال : { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : عسى : حرف من حروف المقاربة وفيه ترج وطمع ، وذلك على ~~الله تعالى محال . # والجواب عنه ان ( عسى ) معناها الاطماع ، وليس في الاطماع أنه شك أو يقين ~~، وقال بعضهم : إطماع الكريم إيجاب ms2998 . # / المسألة الثانية : الكف المنع ، والبأس أصله المكروه ، يقال ما عليك من ~~هذا الأمر بأس أي مكروه ، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة ، وقوله : ~~{ بعذاب بئيس } ( الأعراف : 165 ) أي مكروه ، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف ~~بالرداءة ، وقوله : { بعذاب بئيس } أي مكروه ، والعذاب قد يسمى بأسا لكونه ~~مكروها ، قال تعالى : { فمن ينصرنا من بأس الله } ( غافر : 9 ) { فلما ~~أحسوا بأسنا * فلما رأوا بأسنا } ( الأنبياء : 12 ) قال المفسرون : عسى ~~الله أن يكف بأس الذين كفروا ، وقد كف بأسهم ، فقد بدا لأبي سفيان وقال هذا ~~عام مجدب وما كان معهم زاد إلا السويق ، فترك الذهاب إلى محاربة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # ثم قال تعالى : { والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } يقال : نكلت فلانا إذا ~~عاقبته عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله ، من قولهم : نكل الرجل عن الشيء ~~إذا جبن عنه وامتنع منه ، قال تعالى : { فجعلناها نكالا لما بين يديها وما ~~خلفها } ( البقرة : 66 ) وقال في السرقة : { بما كسبا نكالا من الله } ( ~~المائدة : 38 ) ويقال : نكل فلان عن اليمين إذا خافه ولم يقدم عليه : # إذا عرفت هذا فنقول : الآية دالة على أن عذاب الله وتنكيله أشد من عذاب ~~غيره ومن تنكيله ، وأقبل الوجوه في بيان هذا التفاوت أن عذاب غير الله لا ~~يكون دائما ، وعذاب الله دائم في الآخرة ، وعذاب غير الله قد يخلص الله منه ~~، وعذاب الله لا يقدر أحد على التخلص منه ، وأيضا عذاب غير الله لا يكون ~~إلا من وجه واحد ، وعذاب الله قد يصل إلى جميع الأجزاء والابعاض والروح ~~والبدن . # PageV10P163 ! 7 < { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة ~~سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شىء مقيتا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 85 ) من يشفع شفاعة . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها : الأول : ~~أن الله تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يحرض الأمة على الجهاد ، والجهاد ~~من الأعمال الحسنة والطاعات الشريفة ، فكان تحريض النبي عليه الصلاة ~~والسلام ms2999 للأمة على الجهاد تحريضا منه لهم على الفعل الحسن والطاعة الحسنة ، ~~فبين تعالى في هذه الآية أن من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ، والغرض ~~/ منه بيان أنه عليه الصلاة والسلام لما حرضهم على الجهاد فقد استحق بذلك ~~التحريض أجرا عظيما . الثاني : أنه تعالى لما أمره بتحريضهم على الجهاد ذكر ~~أنهم لو لم يقبلوا أمره لم يرجع إليه من عصيانهم وتمردهم عيب ، ثم بين في ~~هذه الآية أنهم لما أطاعوا وقبلوا التكليف رجع إليهم من طاعتهم خير كثير ، ~~فكأنه تعالى قال للرسول عليه الصلاة والسلام : حرضهم على الجهاد ، فان لم ~~يقبلوا قولك لم يكن من عصيانهم عتاب لك ، وإن أطاعوك حصل لك من طاعتهم أعظم ~~الثواب ، فكان هذا ترغيبا من الله لرسوله في أن يجتهد في تحريض الأمة على ~~الجهاد ، والسبب في أنه عليه الصلاة والسلام كان يرجع اليه عند طاعتهم أجر ~~عظيم ، وما كان يرجع اليه من معصيتهم شيء من الوزر ، هو أنه عليه السلام ~~بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة وما رغبهم ألبتة في المعصية ، فلا جرم يرجع ~~اليه من طاعتهم أجر ولا يرجع اليه من معصيتهم وزر . الثالث : يجوز أن يقال ~~: إنه عليه الصلاة والسلام لما كان يرغبهم في القتال ويبالغ في تحريضهم ~~عليه ، فكان بعض المنافقين يشفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أن يأذن ~~لبعضهم في التخلف عن الغزو ، فنهى الله عن مثل هذه الشفاعة وبين أن الشفاعة ~~إنما تحسن اذا كانت وسيلة إلى إقامة طاعة الله ، فأما اذا كانت وسيلة إلى ~~معصيته كانت محرمة منكرة . الرابع : يجوز أن يكون بعض المؤمنين راغبا في ~~الجهاد ، إلا أنه لم يجد أهبة الجهاد ، فصار غيره من المؤمنين شفيعا له إلى ~~مؤمن آخر ليعينه على الجهاد ، فكانت هذه الشفاعة سعيا في إقامة الطاعة ، ~~فرغب الله تعالى في مثل هذه الشفاعة ، وعلى جميع الوجوه فالآية حسنة ~~الاتصال بما قبلها . # المسألة الثانية : الشفاعة مأخوذة من الشفع ، وهو أن يصير الانسان نفسه ~~شفعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على ms3000 المسألة فيها . # إذا عرفت هذا فنقول : في الشفاعة المذكورة في الآية وجوه : الأول : أن ~~المراد منها تحريض النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على الجهاد ، وذلك لأنه ~~اذا كان عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفعا لهم في تحصيل ~~الأغراض المتعلقة بالجهاد ، وأيضا فالتحريض على الشيء عبارة عن الأمر به لا ~~على سبيل التهديد ، بل على سبيل الرفق والتلطف ، وذلك يجري مجرى الشفاعة . ~~الثاني : أن المراد منه ما ذكرنا من أن بعض المنافقين PageV10P164 كان يشفع ~~لمنافق آخر في أن يأذن له الرسوله عليه الصلاة والسلام في التخلف عن الجهاد ~~، أو المراد به أن بعض المؤمنين كان يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث في أن ~~يحصل له ما يحتاج إليه من آلات الجهاد . الثالث : نقل الواحدي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما ما معناه أن الشفاعة الحسنة ههنا هي أن يشفع إيمانه بالله ~~بقتال الكفار ، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالمحبة للكفار وترك إيذائهم ~~: الرابع : قال مقاتل : الشفاعة / إلى الله إنما تكون بالدعاء ، واحتج بما ~~روى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من دعا لأخيه المسلم ~~بظهر الغيب استجيب له وقال الملك له ولك مثل ذلك ) فهذا هو النصيب ، وأما ~~الشفاعة السيئة فهي ما روي أن اليهود كانوا إذا دخلوا على الرسول صلى الله ~~عليه وسلم قالوا : السام عليكم ، والسام هو الموت ، فسمعت عائشة رضي الله ~~عنها فقالت عليكم السام واللعنة ، أتقولون هذا للرسولا فقال صلى الله عليه ~~وسلم : قد علمت ما قالوا فقلت وعليكم ، فنزلت هذه الآية . الخامس : قال ~~الحسن ومجاهدي والكلبي وابن زيد : المراد هو الشفاعة التي بين الناس بعضهم ~~لبعض ، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة ، وما لا يجوز أن ~~يشفع فيه فهو شفاعة سيئة ، ثم قال الحسن : من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها ~~أجر ، وإن لم يشفع ، لأن الله تعالى يقول : { من يشفع } ولم يقل : ومن يشفع ~~، ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام : ( اشفعوا تؤجروا ) . # وأقول : هذه ms3001 الشفاعة لا بد وأن يكون لها تعلق بالجهاد وإلا صارت الآية ~~منقطعة عما قبلها ، وذلك التعلق حاصل بالوجهين الأولين ، فأما الوجوه ~~الثلاثة الأخيرة فان كان المراد قصر الآية عليها فذلك باطل ، وإلا صارت هذه ~~الآية أجنبية عما قبلها ، وإن كان المراد دخول هذه الثلاثة مع الوجهين ~~الأولين في اللفظ فهذا جائز ؛ لأن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ . # المسألة الثالثة : قال أهل اللغة : الكفل : هو الحظ ومنه قوله تعالى : { ~~يؤتكم كفلين من رحمته } ( الحديد : 28 ) أي حظين وهو مأخوذ من قولهم : كفلت ~~البعير واكتفلته إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه . وإنما قيل : كفلت ~~البعير واكتفلته لأنه لم يستعمل كل الظهر ، وإنما استعمل نصيبا من الظهر . ~~قال ابن المظفر : لا يقال : هذا كفل فلان حتى تكون قد هيأت لغيره مثله ، ~~وكذا القول في النصيب ، فان أفردت فلا تقل له كفل ولا نصيب . # فان قيل : لم قال في الشفاعة الحسنة : { يكن له نصيب منها } وقال في ~~الشفاعة السيئة : { يكن له كفل منها } وهل لاختلاف هذين اللفظين فائدة ؟ # قلنا : الكفل اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس ، وإنما يقال كفل ~~البعير لأنك حميت ظهر البعير بذلك الكساء عن الآفة ، وحمي الراكب بدنه بذلك ~~الكساء عن ارتماس ظهر البعير فيتأذى به ، ويقال للضامن : كفيل . وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( أنا وكافل اليتيم كهاتين ) فثبت أن الكفل هو النصيب ~~الذي عليه يعتمد الانسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه ، ~~إذا ثبت هذا فنقول : { ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها } أي يحصل له ~~منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له في معاشه ومعاده ، والمقصود حصول ضد ~~ذلك { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل عمران : 21 ) / والغرض منه التنبيه على أن ~~الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله ~~تعالى # ثم قال تعالى : { وكان الله على كل شىء مقيتا } وفيه مسألتان : ~~PageV10P165 # المسألة الأولى : في المقيت قولان : الأول : المقيت القادر على الشيء ، ~~وأنشدوا للزبير بن عبد المطلب . # وذي ضغن كففت النفس عنه ms3002 وكنت على إساءته مقيتا # وقال آخر : # ليت شعري وأشعرن اذا ما قربوها منشورة ودعيت # إلي الفضل أم علي اذا حو سبت اني على الحساب مقيت # وأنشد النضر بن شميل : # تجلد ولا تجزع وكن ذا حفيظة فاني على ما ساءهم لمقيت # الثاني : المقيت مشتق من القوت ، يقال : قت الرجل اذا حفظت عليه نفسه بما ~~يقوته ، واسم ذلك الشيء هو القوت ، وهو الذي لا فضل له على قدر الحفظ ، ~~فالمقيت هو الحفيظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة ، ثم قال القفال رحمه ~~الله : وأي المعنيين كان فالتأويل صحيح ، وهو أنه تعالى قادر على إيصال ~~النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه / إن ~~خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، ولا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء ~~المشفوع ، وعلى الوجه الثاني أنه تعالى حافظ الأشياء شاهد عليها لا يخفى ~~عليه شيء من أحوالنا ، فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل حفيظ ~~عليه فيجازى كلا بما علم منه . # المسألة الثانية : انما قال : { وكان الله على كل شىء مقيتا } تنبيها على ~~أن كونه تعالى قادرا على المقدورات صفة كانت ثابتة له من الازل ، وليست صفة ~~محدثة ، فقوله : { كان } مطلقا من غير أن قيد ذلك بأنه كان من وقت كذا أو ~~حال كذا ، يدل على أنه كان حاصلا من الازل إلى الأبد . # ! 7 < { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ إن الله كان على كل ~~شىء حسيبا } . > 7 ! # / < < # | النساء : ( 86 ) وإذا حييتم بتحية . . . . . # > > في النظم وجهان : الأول : أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم ايضا ~~بأن الاعداء لو رضوا بالمسألة فكونوا أنتم أيضا راضين بها ، فقوله : { وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } كقوله تعالى : { وإن جنحوا للسلم ~~فاجنح لها } ( الأنفال : 61 ) . الثاني : ان الرجل في الجهاد كان يلقاه ~~الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه ، فقد لا يلتفت إلى سلامه ~~عليه ويقتله ، وربما ظهر أنه كان مسلما ، فمنع الله المؤمنين عنه وأمرهم ان ms3003 ~~كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الاكرام يقابلونه بمثل ذلك الاكرام أو ~~أزيد ، فانه ان كان كافرا لا يضر المسلم ان قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من ~~الاكرام ، أما ان كان مسلما وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد ، وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : التحية تفعلة من حييت ، وكان في الاصل تحيية ، مثل ~~التوصية والتسمية ، والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الاربعة ، نحو ~~قوله : { وتصلية جحيم } ( الواقعة : 94 ) فثبت أن التحية أصلها PageV10P166 ~~التحيية ثم أدغموا الياء في الياء . # المسألة الثانية : اعلم أن عادة العرب قبل الاسلام أنه إذا لقي بعضهم ~~بعضا قالوا : حياك الله واشتقاقه من الحياة كأنه يدعو له بالحياة ، فكانت ~~التحية عندهم عبارة عن قول بعضهم لبعض حياك الله ، فلما جاء الاسلام أبدل ~~ذلك بالسلام ، فجعلوا التحية اسما للسلام . قال تعالى : { تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام } ( الأحزاب : 44 ) ومنه قول المصلى : التحيات لله ، أي السلام ~~من الآفات لله ، والأشعار ناطقة بذلك . قال عنترة : # حييت من طلل تقادم عهده # إنا محيوك يا سلمى فحيينا # وقال آخر : # واعلم أن قول القائل لغيره : السلام عليك أتم وأكمل من قوله : حياك الله ~~، وبيانه من وجوه : الأول : أن الحي إذا كان سليما كان حيا لا محالة ، وليس ~~إذا كان حيا كان سليما ، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات ، فثبت أن ~~قوله : السلام عليك أتم وأكمل من قوله : حياك الله . الثاني : أن السلام ~~اسم من أسماء الله تعالى ، فالابتداء بذكر الله أو بصفة من صفاته الدالة ~~على أنه يريد ابقاء السلامة على عباده أكمل من قوله : حياك الله . الثالث : ~~أن قول الانسان لغيره : السلام عليك فيه بشارة بالسلامة ، وقوله : حياك ~~الله لا يفيد ذلك ، فكان هذا أكمل . ومما يدل على فضيلة السلام القرآن ~~والأحاديث والمعقول ، أما القرآن فمن وجوه : الأول : اعلم أن الله تعالى ~~سلم على المؤمن في اثني عشر موضعا : أولها : أنه تعالى كأنه سلم عليك في ~~الأزل ، ألا ترى أنه قال في وصف ذاته : الملك القدوس السلام ، وثانيها : ~~أنه سلم على نوح وجعل ms3004 لك من ذلك السلام نصيبا ، فقال : { قيل يانوح * نوح ~~اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك } والمراد منه أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، وثالثها : سلم عليك على لسان جبريل ، فقال : { تنزل ~~الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * سلام هى حتى مطلع الفجر } ( ~~القدر : 5 ) قال المفسرون : إنه عليه الصلاة والسلام خاف على أمته أن ~~يصيروا مثل أمة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، فقال الله : لا تهتم ~~لذلك فاني وإن أخرجتك من الدنيا ، إلا أني جعلت جبريل خليفة لك ، ينزل إلى ~~أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني . ورابعها : سلم عليك على لسان موسى ~~عليه السلام حيث قال : { والسلام على من اتبع الهدى } ( طه : 47 ) فاذا كنت ~~متبع الهدى وصل سلام موسى إليك . وخامسها : سلم عليك على لسان محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، فقال : { الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى } ( ~~النمل : 59 ) وكل من هدى الله إلى الايمان فقد اصطفاه ، كما قال : { ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } ( فاطر : 32 ) وسادسها : أمر ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بالسلام على سبيل المشافهة ، فقال : { وإذا جاءك ~~الذين يؤمنون بئاياتنا فقل سلام عليكم } ( الأنعام : 54 ) وسابعها : أمر ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالتسليم عليك قال : { وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها } وثامنها : سلم عليك على لسان ملك الموت فقال : { ~~الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم } قيل : إن ملك الموت يقول ~~في أذن المسلم : السلام يقرئك السلام ، ويقول : أجبني فاني مشتاق إليك ، ~~واشتاقت الجنات والحور العين إليك ، فاذا سمع المؤمن البشارة ، يقول لملك ~~الموت : للبشير مني هدية ، ولا هدية أعز من روحي ، فاقبض روحي هدية لك ، ~~وتاسعها : السلام من الأرواح الطاهرة المطهرة ، قال تعالى : { وأما إن كان ~~من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين } ( الواقعة : 91 ) وعاشرها : ~~سلم الله عليك على لسان رضوان خاون PageV10P167 الجنة فقال تعالى : { وسيق ~~الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا } إلى قوله : { وقال لهم خزنتها سلام ~~عليكم طبتم } ( الزمر ms3005 : 73 ) والحادي عشر : اذا دخلوا الجنة فالملائكة ~~يزورونهم ويسلمون عليهم . قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ~~* سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 23 24 ) والثاني عشر : ~~السلام من الله من غير واسطة وهو قوله : { تحيتهم يوم يلقونه سلام } ( ~~الأحزاب : 44 ) وقوله : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) وعند ذلك ~~يتلاشى سلام الكل لأن المخلوق لا يبقى على تجلي نور الخالق . # الوجه الثاني : من الدلائل القرآنية الدالة على فضيلة السلام أن أشد ~~الأوقات حاجة إلى السلامة والكرامة ثلاثة أوقات : وقت الابتداء ، ووقت ~~الموت ، ووقت البعث ، والله تعالى لما أكرم يحيى عليه السلام فانما أكرمه ~~بأن وعده السلام في هذه الأوقات الثلاثة فقال : وسلام عليه يوم ولد ويوم ~~يموت ويوم يبعث حيا } وعيسى عليه السلام ذكر أيضا ذلك فقال : { * } وعيسى ~~عليه السلام ذكر أيضا ذلك فقال : { والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا } ( مريم : 33 ) . # الوجه الثالث : أنه تعالى لما ذكر تعظيم محمد عليه الصلاة والسلام قال : ~~{ إن الله وملائكته يصلون على النبى ياأيها * أيها * الذين ءامنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما } يروى في التفسير أن اليهود كانوا إذا دخلوا قالوا : ~~السام عليك ، فحزن الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا المعنى ، فبعث الله ~~جبريل عليه السلام وقال : إن كان اليهود يقولون السام عليك ، فأنا أقول من ~~سرادقات الجلال : السلام عليك ، وأنزل قوله : { إن الله وملائكته يصلون على ~~النبى } إلى قوله : { وسلموا تسليما } . # وأما ما يدل من الأخبار على فضيلة السلام فما روي أن عبدالله بن سلام قال ~~: لما سمعت بقدوم الرسول عليه الصلاة والسلام دخلت في غمار الناس / فأول ما ~~سمعت منه : ( يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام ~~وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ) . # وأما ما يدل على فضل السلام من جهة المعقول فوجوه : الأول : قالوا : تحية ~~النصارى وضع اليد على الفم ، وتحية اليهود بعضهم لبعض الاشارة بالأصابع ، ~~وتحية المجوس الانحناء ، وتحية العرب بعضهم لبعض أن يقولوا : حياك الله ، ~~وللملوك أن يقولوا : أنعم ms3006 صباحا ، وتحية المسلمين بعضهم لبعض أن يقولوا : ~~السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، ولا شك أن هذه التحية أشرف التحيات ~~وأكرمها . الثاني : أن السلام مشعر بالسلامة من الآفات والبليات . ولا شك ~~أن السعي في تحصيل الصون عن الضرر أولى من السعي في تحصيل النفع . الثالث : ~~أن الوعد بالنفع يقدر الانسان على الوفاء به وقد لا يقدر ، أما الوعد بترك ~~الضرر فانه يكون قادرا عليه لا محالة ، والسلام يدل عليه . فثبت أن السلام ~~أفضل أنواع التحية . # المسألة الثالثة : من الناس من قال : من دخل دارا وجب عليه أن يسلم على ~~الحاضرين ، واحتج عليه بوجوه : الأول : قوله تعالى : { كريم يأيها الذين ~~ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ( ~~النور : 27 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( أفشوا السلام ) والأمر للوجوب . ~~الثاني : أن من دخل على إنسان كان كالطالب له ، ثم المدخول عليه لا يعلم ~~أنه يطلبه لخير أو لشر ، فاذا قال : السلام عليك فقد بشره بالسلامة وآمنه ~~من الخوف ، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة قال عليه الصلاة والسلام : ( ~~المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه ) فوجب أن يكون السلام واجبا . ~~الثالث : أن السلام من شعائر أهل الاسلام ، وإظهار شعائر PageV10P168 ~~الاسلام واجب ، وأما المشهور فهو أن السلام سنة ، وهو قول ابن عباس والنخعي ~~. # وأما الجواب على السلام فقد أجمعوا على وجوبه ، ويدل عليه وجوه : الأول : ~~قوله تعالى / { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } الثاني : أن ~~ترك الجواب إهانة ، والاهانة ضرر والضرر حرام . # المسألة الرابعة : منتهى الأمر في السلام أن يقال : السلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته ، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد . # واعلم أنه تعالى قال : { فحيوا بأحسن منها أو ردوها } فقال العلماء : ~~الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة ، وإن ذكر ~~السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة ، وإن ذكر الثلاثة في ~~الابتداء أعادها في الجواب . روي أن رجلا قال للرسول صلى الله عليه وسلم : ~~السلام عليك يا رسول الله ، فقال عليه ms3007 الصلاة والسلام : وعليك السلام ورحمة ~~الله وبركاته . وآخر قال : السلام عليك ورحمة الله ، فقال : وعليك السلام ~~ورحمة الله وبركاته ، وجاء ثالث فقال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، ~~فقال عليه الصلاة والسلام : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، فقال الرجل ~~: نقصتني ، فأين قول الله : { فحيوا بأحسن منها } فقال صلى الله عليه وسلم ~~: إنك ما تركت لي فضلا فرددت عليك ما ذكرت . # المسألة الخامسة : المبتدىء يقول : السلام عليك والمجيب ، يقول : وعليكم ~~السلام ، هذا هو الترتيب الحسن ، والذي خطر ببالي فيه أنه إذا قال : السلام ~~عليكم كان الابتداء واقعا بذكر الله ، فاذا قال المجيب : وعليكم السلام كان ~~الاختتام واقعا بذكر الله ، وهذا يطابق قوله : { هو الاول والاخر } ( ~~الحديد : 3 ) وأيضا لما وقع الابتداء والاختتام بذكر الله فانه يرجى أن ~~يكون ما وقع بينهما يصير مقبولا ببركته كما في قوله : { أقم الصلواة * وأقم ~~الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل إن الحسنات } ( هود : 114 ) فلو خالف ~~المبتدىء فقال : وعليكم السلام فقد خالف السنة ، فالأولى للمجيب أن يقول : ~~وعليكم السلام ، لأن الأول لما ترك الافتتاح بذكر الله ، فهذا لا ينبغي أن ~~يترك الاختتام بذكر الله . # المسألة السادسة : ان شاء قال : سلام عليكم ، وان شاء قال : السلام عليكم ~~قال تعالى في حق نوح : { قيل يانوح اهبط بسلام منا } ( هود : 48 ) وقال عن ~~الخليل : { قال سلام عليك سأستغفر لك ربي } ( مريم : 47 ) وقال في قصة لوط ~~: { قالوا سلاما قال سلام } ( هود : 69 ) وقال عن يحيى : { وسلام عليه } ~~وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم : { قل الحمد لله وسلام على عباده } ( ~~النمل : 59 ) وقال عن الملائكة : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * ~~سلام عليكم } ( الرعد : 23 24 ) وقال عن رب العزة : { سلام قولا من رب رحيم ~~} ( يس : 58 ) وقال : { فقل سلام عليكم } وأما بالألف واللام فقوله عن موسى ~~عليه السلام : { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بنى إسراءيل ولا ~~تعذبهم قد جئناك بئاية من ربك } ( طه : 47 ) وقال عن عيسى عليه السلام : { ~~والسلام على يوم ولدت ويوم أموت } ( مريم ms3008 : 33 ) فثبت أن الكل جائز ، وأما ~~في التحليل من الصلاة فلا بد من الألف واللام بالاتفاق ، واختلفوا في سائر ~~المواضع أن التنكير أفضل أم التعريف ؟ فقيل التنكير أفضل ، ويدل عليه وجوه ~~: الأول : أن لفظ السلام على سبيل التنكير كثير في القرآن فكان أفضل . ~~الثاني : ان كل ما ورد من الله والملائكة والمؤمنين فقد ورد بلفظ التنكير ~~على ما عددناه في الآيات ، وأما بالألف واللام فانما ورد في تسليم الانسان ~~على نفسه قال موسى صلى الله عليه وسلم : { والسلام على من اتبع الهدى } ( ~~طه : 47 ) وقال عيسى عليه PageV10P169 الصلاة والسلام : { والسلام على } ( ~~مريم : 33 ) والثالث : وهو المعنى المعقول ان لفظ السلام بالألف واللام يدل ~~على أصل الماهية ، والتنكير يدل على أصل الماهية مع وصف الكمال ، فكان هذا ~~أولى : # المسألة السابعة : قال صلى الله عليه وسلم : ( السنة أن يسلم الراكب على ~~الماشي ، وراكب الفرس على راكب الحمار ، والصغير على الكبير ، والأقل على ~~الأكثر ، والقائم على القاعد ) . # وأقول : أما الأول فلوجهين : أحدهما : ان الراكب أكثر هيبة فسلامه يفيد ~~زوال الخوف والثاني : أن التكبر به أليق ، فأمر بالابتداء بالتسليم كسرا ~~لذلك التكبر ، وأما أن القائم يسلم على القاعد فلأنه هو الذي وصل اليه ، ~~فلا بد وأن يفتتح هذا الواصل الموصول بالخير . # المسألة الثامنة : السنة في السلام الجهر لأنه أقوى في إدخال السرور في ~~القلب . # المسألة التاسعة : السنة في السلام الافشاء والتعميم لأن في التخصيص ~~ايحاشا . # المسألة العاشرة : المصافحة عند السلام عادة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ~~ورق الشجر ) . # المسألة الحادية عشرة : قال أبو يوسف : من قال لآخر : اقرىء فلانا عني ~~السلام وجب عليه أن يفعل . # المسألة الثانية عشرة : إذا استقبلك رجل واحد فقل سلام عليكم ، واقصد ~~الرجل والملكين فانك إذا سلمت عليهما ردا السلام عليك ، ومن سلم الملك عليه ~~فقد سلم من عذاب الله . # المسألة الثالثة عشرة : إذا دخلت بيتا خاليا فسلم ، وفيه وجوه : الأول : ~~انك تسلم من الله على نفسك . والثاني : انك ms3009 تسلم على من فيه من مؤمني الجن ~~. والثالث : أنك تطلب السلامة ببركة السلام ممن في البيت من الشياطين ~~والمؤذيات . # المسألة الرابعة عشرة : السنة أن يكون المبتديى بالسلام على الطهارة ، ~~وكذا المجيب . روي أن واحدا سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كان في ~~قضاء الحاجة ، فقام وتيمم ثم رد السلام . # / المسألة الخامسة عشرة : السنة إذا التقى إنسانان أن يبتدرا بالسلام ~~إظهارا للتواضع . # المسألة السادسة عشرة : لنذكر المواضع التي لا يسلم فيها ، وهي ثمانية : ~~الأول : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يبدأ اليهودي بالسلام ، ~~وعن أبي حنيفة أنه قال : لا يبدأ بالسلام في كتاب ولا في غيره ، وعن أبي ~~يوسف : لا تسلم عليهم ولا تصافحهم ، وإذا دخلت فقل : السلام على من اتبع ~~الهدى . ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة ، ~~وأما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء : ينبغي أن يقال وعليك ، والأصل ~~فيه أنهم كانوا يقولون عند الدخول على الرسول : السام عليك ، فكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول وعليكم ، فجرت السنة بذلك ، ثم ههنا تفريع وهو أنا ~~إذا قلنا لهم : وعليكم السلام ، فهل يجوز ذكر الرحمة فيه ؟ قال الحسن يجوز ~~أن يقال للكافر : وعليكم السلام ، لكن لا يقال ورحمة الله لأنها استغفار . ~~وعن الشعبي انه قال لنصراني : وعليكم السلام ورحمة الله فقيل له فيه ، فقال ~~: أليس في رحمة الله يعيش . الثاني : إذا دخل يوم الجمعة والامام يخطب ، ~~فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاجتماع ، فان سلم فرد بعضهم فلا بأس ، ~~ولو اقتصروا على الاشارة كان أحسن . الثالث : إذا دخل الحمام فرأى الناس ~~متزرين يسلم عليهم ، وإن لم يكونوا PageV10P170 متزرين لم يسلم عليهم ، ~~الرابع : الأولى ترك السلام على القارىء ، لأنه إذا اشتغل بالجواب يقطع ~~عليه التلاوة وكذلك القول فيمن كان مشتغلا برواية الحديث ومذاكرة العلم ، ~~الخامس : لا يسلم على المشتغل بالأذان والاقامة للعلة التي ذكرناها . ~~السادس : قال أبو يوسف . لا يسلم على لاعب النرد ، ولا على المغني ، ومطير ~~الحمام ، وفي معناه كل ms3010 من كان مشتغلا بنوع معصية ، السابع : لا يسلم على من ~~كان مشتغلا بقضاء الحاجة ، مر على الرسول عليه الصلاة والسلام رجل وهو يقضي ~~حاجته ، فسلم عليه ، فقام الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجدار فتيمم ثم ~~رد الجواب ، وقال : ( لولا أني خشيت أن تقول سلمت عليه فلم يرد الجواب لما ~~أجبتك إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي فانك إن سلمت علي لم أرد ~~عليك ) الثامن : إذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته ، فان حضرت أجنبية هناك ~~لم يسلم عليهما . # المسألة السابعة عشرة : في أحكام الجواب وهي ثمانية : الأول : رد الجواب ~~واجب لقوله تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } ولأن ~~ترك الجواب إهانة وضرر وحرام ، وعن عباس : ما من رجل يمر على قوم مسلمين ~~فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة . ~~الثاني : رد الجواب فرض على الكفاية اذا قام به البعض سقط عن الباقين ، ~~والأولى للكل أن يذكروا الجواب إظهارا للاكرام ومبالغة فيه ، الثالث : أنه ~~واجب / على الفور ، فان أخر حتى انقضى الوقت فان أجاب بعد فوت الوقت كان ~~ذلك ابتداء سلام ولا يكون جوابا . الرابع : اذا ورد عليه سلام في كتاب ~~فجوابه بالكتبة أيضا واجب ، لقوله تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن ~~منها أو ردوها } الخامس : اذا قال السلام عليكم ، فالواجب أن يقول : وعليكم ~~السلام . السادس : روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال : لا يجهر بالرد ~~يعني الجهر الكثير . السابع : إن سلمت المرأة الأجنبية عليه وكان يخاف في ~~رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد ، بل الأولى أن لا يفعل . الثامن ~~: حيث قلنا انه لا يسلم / فلو سلم لم يجب عليها الرد ، لأنه أتى بفعل منهى ~~عنه فكان وجوده كعدمه . # المسألة الثامنة عشرة : اعلم أن لفظ التحية على ما بيناه صار كناية عن ~~الاكرام ، فجميع أنواع الاكرام يدخل تحت لفظ التحية . # إذا عرفت هذا فنقول : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : من وهب لغير ذي ms3011 رحم ~~محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها ، فاذا أثيب منها فلا رجوع فيها . ~~وقال الشافعي رضي الله عنه : له الرجوع في حق الولد ، وليس له الرجوع في حق ~~الأجنبي ، احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على صحة قول أبي حنيفة فان قوله ~~: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } يدخل فيه التسليم ، ~~ويدخل فيه الهبة ، ومقتضاه وجوب الرد اذا لم يصر مقابلا بالأحسن ، فاذا لم ~~يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز ، وقال الشافعي : هذا الأمر محمول على الندب ~~، بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالاجماع ، مع أن ظاهر ~~الآية يقتضي أن يأتي بالأحسن ، ثم احتج الشافعي على قوله بما روى ابن عباس ~~وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يحل لرجل أن يعطي ~~عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ) وهذا نص في أن هبة ~~الأجنبي يحرم الرجوع PageV10P171 فيها ، وهبة الولد يجوز الرجوع فيها . # ثم قال تعالى : { إن الله كان على كل شىء حسيبا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الحسيب قولان : الأول : أنه بمعنى المحاسب على العمل ~~، كالأكيل والشريب والجليس بمعنى المؤاكل والمشارب والمجالس . الثاني : أنه ~~بمعنى الكافي في قولهم : حسبي كذا ؛ أي كافي ، ومنه قوله تعالى : { حسبى ~~الله } ( التوبة : 129 ، الزمر : 38 ) . # المسألة الثانية : المقصود منه الوعيد ، فانا بينا أن الواحد منهم قد كان ~~يسلم على الرجل المسلم ، / ثم إن ذلك المسلم ما كان يتفحص عن حاله ، بل ~~ربما قتله طمعا في سلبه ، فالله تعالى زجر عن ذلك فقال : { وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } وإياكم أن تتعرضوا له بالقتل . # ثم قال : { إن الله كان على كل شىء حسيبا } أي هو محاسبكم على أعمالكم ~~وكافي في إيصال جزاء أعمالكم اليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف ، ~~وهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء والمنع من إهدارها . # ! 7 < { الله لاإلاه إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن ~~أصدق ms3012 من الله حديثا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 87 ) الله لا إله . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية النظم وجهان : الأول : أنا بينا أن المقصود من ~~قوله : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } أن لا يصير الرجل ~~المسلم مقتولا ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بالوعيد في قوله : { إن الله كان على ~~كل شىء حسيبا } ثم بالغ في تأكيد ذلك الوعيد بهذه الآية ، فبين في هذه ~~الآية أن التوحيد والعدل متلازمان ، فقوله : { لا إلاه إلا هو } إشارة إلى ~~التوحيد ، وقوله : { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } إشارة إلى العدل ، وهو ~~كقوله : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما ~~بالقسط } ( آل عمران : 18 ) وكقوله في طه : { إننى أنا الله لا إلاه إلا ~~أنا فاعبدنى وأقم الصلواة لذكرى } ( طه : 14 ) وهو إشارة إلى التوحيد ثم ~~قال : { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } ( طه : 15 ) ~~وهو إشارة إلى العدل ، فكذا في هذه الآية بين أنه يجب في حكمه وحكمته أن ~~يجمع الأولين والآخرين في عرصة القيامة فينتصف للمظلومين من الظالمين ، ولا ~~شك أنه تهديد شديد . الثاني : كأنه تعالى يقول : من سلم عليكم وحياكم ~~فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر ، فان البواطن إنما يعرفها ~~الله الذي لا إله إلا هو ، إنما تنكشف بواطن الخلق للخق في يوم القيامة . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { لا إلاه إلا هو } إما ~~خبر للمبتدا ، وإما اعتراض والخبر { ليجمعنكم } واللام لام القسم ، ~~والتقدير : والله ليجمعنكم . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لم لم يقل : ليجمعنكم في يوم القيامة ~~؟ # / والجواب من وجهين : الأول : المراد ليجمعنكم في الموت أو القبور إلى ~~يوم القيامة . الثاني : التقدير : PageV10P172 ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمع ~~بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه . # المسألة الرابعة : قال الزجاج : يجوز أن يقال سميت القيامة قيامة لأن ~~الناس يقومون من قبورهم ، ويجوز أيضا أن يقال : سميت بهذا الاسم لأن الناس ~~يقومون للحساب قال تعالى : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } ( المطففين : 6 ~~) قال صاحب ( الكشاف ) : القيام القيامة ms3013 ، كالطلاب والطلابة . # المسألة الخامسة : اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أثبت أن القيامة ~~ستوجد لا محالة ، وجعل الدليل على ذلك مجرد إخبار الله تعالى عنه ، وهذا حق ~~، وذلك لأن المسائل الأصولية على قسمين منها ما العلم بصحة النبوة يكون ~~محتاجا إلى العلم بصحته ، ومنها ما لا يكون كذلك . والأول مثل علمنا ~~بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات ، فانا ~~ما لم نعلم ذلك لا يمكننا العلم بصدق الأنبياء ، فكل مسألة هذا شأنها فانه ~~يمتنع اثباتها بالقرآن واخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والا وقع ~~الدور . # وأما القسم الثاني : وهو جملة المسائل التي لا يتوقف العلم بصحة النبوة ~~على العلم بصحتها فكل ذلك مما يمكن اثباته بكلام الله واخباره ومعلوم أن ~~قيام القيامة كذلك ، فلا جرم أمكن إثباته بالقرآن وبكلام الله ، فثبت أن ~~الاستدلال على قيام القيامة باخبار الله عنه استدلال صحيح . # المسألة السادسة : قوله : { ومن أصدق من الله حديثا } استفهام على سبيل ~~الانكار / والمقصود منه بيان أنه يجب كونه تعالى صادقا وأن الكذب والخلف في ~~قوله محال . وأما المعتزلة فقد بنوا ذلك على أصلهم ، وهو أنه تعالى عالم ~~بكون الكذب قبيحا ، وعالم بكونه غنيا عنه ، وكل من كان كذلك استحال أن يكذب ~~. إنما قلنا : انه عالم بقبح الكذب ، وعالم بكونه غنيا عنه لأن الكذب قبيح ~~لكونه كذبا ، والله تعالى غير محتاج إلى شيء أصلا ، وثبت أنه عالم بجميع ~~المعلومات فوجب القطع بكونه عالما بهذين الأمرين ، وأما أن كل من كان كذلك ~~استحال أن يكذب فهو ظاهر لأن الكذب جهة صرف لا جهة دعاء ، فاذا خلا عن ~~معارض الحاجة بقي ضارا محضا فيمتنع صدور الكذب عنه ، وأما أصحابنا فدليلهم ~~أنه لو كان كاذبا لكان كذبه قديما ، ولو كان كذبه قديما لامتنع زوال كذبه ~~لامتناع العدم على القديم ، ولو امتنع زوال كذبه قديما لامتنع كونه صادقا ، ~~لأن وجود أحد الضدين يمنع وجود الضد الآخر ، فلو كان كاذبا لامتنع أن يصدق ~~لكنه غير ممتنع ، لانا نعلم بالضرورة أن ms3014 كل من علم شيئا فانه لا يمتنع عليه ~~أن يحكم عليه بحكم مطابق / للمحكوم عليه ، والعلم بهذه الصحة ضروري ، فاذا ~~كان إمكان الصدق قائما كان امتناع الكذب حاصلا لا محالة ، فثبت أنه لا بد ~~من القطع بكونه تعالى صادقا . # المسألة السابعة : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن كلام الله تعالى ~~محدث ، قالوا لأنه تعالى وصفه بكونه حديثا في هذه الآية وفي قوله تعالى : { ~~الله نزل أحسن الحديث } ( الزمر : 23 ) والحديث هو الحادث أو المحدث ، ~~وجوابنا عنه : انكما إنما تحكمون بحدوث الكلام الذي هو الحرف والصوت ونحن ~~لا ننازع في حدوثه ، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر غير هذه الحروف والأصوات ~~، والآية لا تدل على حدوث ذلك الشيء ألبتة بالاتفاق منا ومنكم ، فأما منا ~~فظاهر ، وأما منكم فانكم تنكرون وجود كلام سوى هذه الحروف والأصوات ، فكيف ~~يمكنكم أن تقولوا بدلالة هذه الآية على حدوثه والله أعلم . # PageV10P173 ! 7 < { فما لكم فى المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ~~أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 88 ) فما لكم في . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال المنافقين ذكره الله تعالى ، وههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها : الأول : أنها نزلت ~~في قوم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وآله مسلمين فأقاموا بالمدينة ~~ما شاء الله ، ثم قالوا يا رسول الله : نريد أن نخرج إلى الصحراء فائذن لنا ~~فيه ، فأذن لهم ، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا ~~بالمشركين فتكلم المؤمنون فيهم ، فقال بعضهم : لو كانوا مسلمين مثلنا لبقوا ~~معنا وصبروا كما صبرنا وقال قوم : هم مسلمون ، وليس لنا أن ننسبهم إلى ~~الكفر إلى أن يظهر أمرهم ، فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية . الثاني : ~~نزلت الآية في قوم أظهروا الاسلام بمكة ، وكانوا يعينون المشركين على ~~المسلمين . فاختلف المسلمون فيهم وتشاجروا ، فنزلت الآية . وهو قول ابن ~~عباس وقتادة . الثالث : نزلت الآية في الذين تخلفوا يوم أحد عن رسول الله ms3015 ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا : لو نعلم قتالا لاتبعناكم ، فاختلف أصحاب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم ، فمنهم فرقة يقولون كفروا ، وآخرون قالوا ~~: لم يكفروا ، فنزلت هذه الآية . وهو قول زيد بن ثابت ، ومنهم من طعن في ~~هذا الوجه وقال : في / نسق الآية ما يقدح فيه ، وإنهم من أهل مكة ، وهو ~~قوله تعالى : { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله } ( ~~النساء : 89 ) الرابع : نزلت الآية في قوم ضلوا وأخذوا أموال المسلمين ~~وانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم ، فنزلت الآية : وهو قول ~~عكرمة . الخامس : هم العرنيون الذين أغاروا وقتلوا يسارا مولى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم . السادس : قال ابن زيد : نزلت في أهل الافك . # المسألة الثانية : في معنى الآية وجهان : الأول : أن ( فئتين ) نصب على ~~الحال : كقولك : مالك قائما ، أي مالك في حال القيام ، وهذا قول سيبويه . ~~الثاني : أنه نصب على خبر كان ، والتقدير : مالكم صرتم في المنافقين فئتين ~~، وهو استفهام على سبيل الانكار ، اي لم تختلفون في كفرهم مع أن دلائل ~~كفرهم ونفاقهم ظاهرة جلية ، فليس لكم أن تختلفوا فيه بل يجب أن تقطعوا ~~بكفرهم . # المسألة الثالثة : قال الحسن : إنما سماهم منافقين وان أظهروا الكفر ~~لأنهم وصفوا بالصفة التي كانوا عليها من قبل ، والمراد بقوله : { فئتين } ~~ما بينا ان فرقة منهم كانت تميل اليهم وتذب عنهم وتواليهم ، وفرقة منهم ~~تباينهم وتعاديهم ، فنهوا عن ذلك وأمروا بأن يكونوا على نهج واحد في ~~التباين والتبري والتكفير ، والله أعلم . # ثم قال تعالى مخبرا عن كفرهم : { والله أركسهم بما كسبوا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الركس : رد الشيء من آخره إلى أوله ، فالركس والنكس ~~والمركوس والمنكوس واحد ، ومنه يقال للروث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة ، ~~وهي حالة النجاسة ، ويسمى رجيعا لهذا المعنى PageV10P174 أيضا ، وفيه لغتان ~~: ركسهم وأركسهم فارتكسوا ، أي ارتدوا . وقال أمية . # فأركسوا في حميم النار إنهم كانوا عصاة وقالوا الافك والزورا # المسألة الثانية : معنى الآية أنه ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار ~~والسبي والقتل بما كسبوا ، أي بما أظهروا ms3016 من الارتداد بعدما كانوا على ~~النفاق ، وذلك أن المنافق ما دام يكون متمسكا في الظاهر بالشهادتين لم يكن ~~لنا سبيل إلى قتله ، فاذا أظهر الكفر فحينئذ يجري الله تعالى عليه أحكام ~~الكفار . # المسألة الثالثة : قرأ أبي كعب وعبدالله بن مسعود { والله أركسهم } وقد ~~ذكرنا أن أركس وركس لغتان . # ثم قال تعالى : { أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا } قالت المعتزلة / المراد من قوله : { أضل الله } ليس أنه هو خلق ~~الضلال فيه للوجوه المشهورة ، ولأنه تعالى قال قبل هذه الآية : { والله ~~أركسهم بما كسبوا } فبين تعالى انه إنما ردهم وطردهم بسبب كسبهم وفعلهم ، ~~وذلك ينفي القول بان إضلالهم حصل بخلق الله وعند هذا حملوا قوله : { من أضل ~~الله } على وجوه : الأول : المراد منه ان الله تعالى حكم بضلالهم وكفرهم ~~كما يقال فلان يكفر فلانا ويضله : بمعنى أنه حكم به وأخبر عنه : الثاني : ~~أن المعنى أتريدون أن تهدوا إلى الجنة من أضله الله عن طريق الجنة ، وذلك ~~لأنه تعالى يضل الكفار يوم القيامة عن الاهتداء إلى طريق الجنة . الثالث : ~~أن يكون هذا الاضلال مفسرا بمنع الالطاف : # واعلم أنا قد ذكرنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ضعف هذه الوجوه ، ثم ~~نقول : هب أنها صحيحة ، ولكنه تعالى لما أخبر عن كفرهم وضلالهم ، وانهم لا ~~يدخلون الجنة فقد توجه الاشكال لأن انقلاب علم الله تعالى جهلا محال ، ~~والمفضي إلى المحال محال ، ومما يدل على أن المراد من الآية أن الله تعالى ~~أضلهم عن الدين قوله : { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } فالمؤمنون في ~~الدنيا انما كانوا يريدون من المنافقين الايمان ويحتالون في إدخالهم فيه . # ثم قال تعالى : { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } فوجب أن يكون معناه ~~أنه تعالى لما أضلهم عن الايمان امتنع أن يجد المخلوق سبيلا إلى ادخاله في ~~الايمان ، وهذا ظاهر . # ! 7 < { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء فلا تتخذوا منهم أوليآء ~~حتى يهاجروا فى سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث ms3017 وجدتموهم ولا ~~تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 89 ) ودوا لو تكفرون . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : انه تعالى لما قال قبل هذه الآية : { أتريدون أن تهدوا ~~من أضل الله } ( النساء : 88 ) وكان ذلك استفهاما على سبيل الانكار قرر ذلك ~~الاستبعاد بأن قال : انهم بلغوا في الكفر إلى أنهم يتمنون أن تصيروا أيها ~~المسلمون كفارا ، فلما بلغوا في تعصبهم في الكفر إلى هذا الحد فكيف تطمعون ~~في ايمانهم . PageV10P175 # المسألة الثانية : قوله : { فتكونون سواء } رفع بالنسق على { تكفرون } ~~والمعنى : ودوا لو / تكونون ، والفاء عاطفة ولا يجوز أن يجعل ذلك جواب ~~التمني ، ولو أراد ذلك على تأويل إذا كفروا استووا لكان نصبا ، ومثله قوله ~~: { ودوا لو تدهن فيدهنون } ( القلم : 9 ) ولو قيل : { * فيدهنوا } على ~~الجواب لكان ذلك جائزا في الاعراب ، ومثله : { وأسلحتهم ود الذين كفروا لو ~~تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم } ( النساء : 102 ) ومعنى قوله : ~~{ فتكونون سواء } أي في الكفر ، والمراد فتكونون أنتم وهم سواء الا أنه ~~اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لوضوح المعنى بسبب تقدم ذكرهم ، واعلم ~~أنه تعالى لما شرح للمؤمنين كفرهم وشدة غلوهم في ذلك الكفر ، فبعد ذلك شرح ~~للمؤمنين كيفية المخالطة معهم فقال : { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ~~فى سبيل الله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين ~~والمشتهرين بالزندقة والالحاد ، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى : { الحكيم ~~ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء } والسبب فيه أن أعز ~~الاشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين ، لأن ذلك هو الامر الذي به يتقرب ~~إلى الله تعالى ، ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة ، وإذا كان كذلك ~~كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة ، وإذا كان كذلك امتنع طلب ~~المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه والله ~~أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا } قال ~~أبو بكر الرازي : التقدير حتى يسلموا ويهاجروا ، لأن الهجرة في سبيل الله ~~لا تكون إلا بعد الاسلام ، فقد ms3018 دلت الآية على إيجاب الهجرة بعد الاسلام ، ~~وانهم وإن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة ، ونظيره قوله ~~: { مالكم * من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا } . # واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة قال صلى ~~الله عليه وسلم : ( أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين وأنا بريء ~~من كل مسلم مع مشرك ) فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة ، ثم نسخ فرض ~~الهجرة . عن طاوس عن ابن عباس قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح ~~مكة ( لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ) وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت ~~في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الاسلام قائما . # المسألة الثالثة : اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى ~~دار الايمان ، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين / ~~قال صلى الله عليه وسلم : ( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) وقال ~~المحققون : الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته / وفعل ~~منهياته ، ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما ~~يتناول الكل فقال : { حتى يهاجروا فى سبيل الله } فانه تعالى لم يقل : حتى ~~يهاجروا عن الكفر ، بل قال : { حتى يهاجروا فى سبيل الله } وذلك يدخل فيه ~~مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر ، ثم لم يقتصر تعالى على ذكر الهجرة ، ~~بل قيده بكونه في سبيل الله ، فانه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار ~~الاسلام ، ومن شعار الكفر إلى شعار الاسلام لغرض من أغراض الدنيا ، إنما ~~المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى . PageV10P176 # ثم قال تعالى : { فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا ~~منهم وليا ولا نصيرا } . والمعنى فان أعرضوا عن الهجرة ولزموا مواضعهم ~~خارجا عن المدينة فخذوهم اذا قدرتم عليهم ، واقتلوهم أينما وجدتموهم في ~~الحل والحرم ، ولا تتخذوا منهم في هذه الحالة وليا يتولى شيئا من مهماتكم ~~ولا نصيرا ينصركم على ms3019 أعدائكم . # واعلم أنه تعالى لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى منه موضعين . # ! 7 < { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جآءوكم حصرت ~~صدورهم أن يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شآء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ~~فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم ~~سبيلا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 90 ) إلا الذين يصلون . . . . . # > > # وفيه مسائل : PageV10P177 # المسألة الأولى : في قوله : { يصلون } قولان : الأول : ينتهون اليهم ~~ويتصلون بهم ، والمعنى أن كل من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا ~~داخلون في عهدكم . قال القفال رحمه الله : وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم ~~حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلجأوا إلى قوم ~~بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل اليه . # القول الثاني : أن قوله : { يصلون } معناه ينتسبون ، وهذا ضعيف لأن أهل ~~مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان قد أباح دم الكفار منهم . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين ~~عهد من هم ؟ قال بعضهم هم الأسلميون فانه كان بينهم وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عهد ، فانه عليه الصلاة والسلام وادع وقت خروجه إلى مكة ~~هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعصيه ولا يعين عليه ، وعلى أن كل من وصل ~~إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل ما لهلال . وقال ابن عباس : هم بنو ~~بكر بن زيد / مناة ، وقال مقاتل : هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناة . # واعلم أن ذلك يتضمن بشارة عظيمة لأهل الايمان ، لأنه تعالى لما رفع السيف ~~عمن التجأ إلى من التجأ إلى المسلمين ، فبأن يرفع العذاب في الآخرة عمن ~~التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى والله أعلم . # الموضع الثاني في الاستثناء : قوله تعالى : { أو * حصرت صدورهم أن ~~يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم } وفي ~~الآية ms3020 مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { أو } يحتمل أن يكون عطفا على صلة { ~~يتذكرون الذين } والتقدير : إلا الذين يصلون بالمعاهدين أو الذين حصرت ~~صدورهم فلا يقاتلونكم ، ويحتمل أن يكون عطفا على صفة ( قوم ) والتقدير : ~~إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم عهد ، أو يصلون إلى قوم حصرت صدورهم ~~فلا يقاتلونكم ، والاول أولى لوجهين : أحدهما : قوله تعالى : { فخذوهم ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم } ( النساء : 89 ) وهذا يدل على ان السبب الموجب ~~لترك التعرض لهم هو تركهم للقتال ، وهذا انما يتمشى على الاحتمال الاول ، ~~وأما على الاحتمال الثاني فالسبب الموجب لترك التعرض لهم هو الاتصال بمن ~~ترك القتال . الثاني : أن جعل ترك القتال موجبا لترك التعرض أولى من جعل ~~الاتصال بمن ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض ، لان على التقدير الاول ~~يكون ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض ، وعلى السبب الثاني يصير سببا ~~بعيدا . # المسألة الثانية : قوله : { حصرت صدورهم } معناه ضاقت صدورهم عن المقاتلة ~~فلا يريدون قتالكم لانكم مسلمون ، ولا يريدون قتالهم لانهم أقاربهم . ~~واختلفوا في موضع قوله : { حصرت صدورهم } وذكروا وجوها : الأول : أنه في ~~موضع الحال باضمار ( قد ) وذلك لان ( قد ) تقرب / الماضي من الحال ، ألا ~~تراهم يقولون : قد قامت الصلاة ، ويقال أتاني فلان ذهب عقله ، أي أتاني ~~فلان قد ذهب عقله : وتقدير الآية ، أو جاؤكم حال ما قد حصرت صدورهم . ~~الثاني : أنه خبر بعد خبر ، كأنه قال : أو جاؤكم ثم أخبر بعده فقال : { ~~حصرت صدورهم } وعلى هذا التقدير يكون قوله : { حصرت صدورهم } بدلا من { * ~~جاؤكم } الثالث : أن يكون التقدير : جاؤكم قوما حصرت صدورهم أو جاؤكم رجالا ~~حصرت صدورهم ، فعلى هذا التقدير قوله : { جاءوكم حصرت صدورهم } نصب لأنه ~~صفة لموصوف منصوب على الحال ، الا انه حذف الموصوف المنتصب على الحال . ~~وأقيمت صفته مقامه ، وقوله : { ءان * يقاتلوكم * أو يقاتلوا قومهم } معناه ~~ضاقت قلوبهم عن قتالكم وعن قتال قومهم فهم لا عليكم ولا لكم . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن الذين استثناهم الله تعالى أهم من ~~الكفار أو من المؤمنين ؟ فقال الجمهور : هم من الكفار ، والمعنى أنه ms3021 تعالى ~~أوجب قتل الكافر الا إذا كان معاهدا أو تاركا للقتال فانه لا يجوز قتلهم ، ~~وعلى هذا التقدير فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر وان ترك القتال فانه يجوز ~~قتله ، وقال أبو مسلم الاصفهاني : انه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من ~~أسلم استثنى من له عذر فقال : { إلا الذين يصلون } وهم قوم من المؤمنين ~~قصدوا الرسول للهجرة والنصرة ، الا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم ~~يجدوا طريقا اليه خوفا من أولئك الكفار ، فصاروا إلى قوم بين المسلمين ~~وبينهم عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص ، واستثنى بعد ذلك من صار ~~إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه ، لأنه يخاف الله تعالى فيه ، ولا ~~يقاتل الكفار أيضا لأنهم أقاربه ، أو لانه أبقى أولاده وأزواجه بينهم ، ~~فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه ، فهذان الفريقان من المسلمين لا ~~يحل قتالهم وان كان لم يوجد منهم الهجرة ولا مقاتلة الكفار . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ولو شاء الله لسلطهم عليكم } التسليط ~~في اللغة مأخوذ من السلاطة وهي الحدة ، والمقصود منه أن الله تعالى من على ~~المسلمين بكف بأس المعاهدين ، والمعنى : أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو ~~لأن الله قذف الرعب في قلوبهم ، ولو أنه تعالى قوى قلوبهم على قتال ~~المسلمين لتسلطوا عليهم . قال أصحابنا : وهذا يدل على أنه لا يقبح من الله ~~تعالى تسليط الكافر على المؤمن وتقويته عليه ، PageV10P178 وأما المعتزلة ~~فقد أجابوا عنه من وجهين : الأول : قال الجبائي قد بينا أن القوم الذين ~~استثناهم الله تعالى قوم مؤمنون لا كافرون ، وعلى هذا فمعنى الآية : ولو ~~شاء الله لسلطهم عليكم بتقوية قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم أن أقدمتم على ~~مقاتلتهم على سبيل الظلم . والثاني : قال الكلبي : انه تعالى أخبر أنه لو ~~شاء لفعل ، وهذا لا يفيد إلا أنه تعالى قادر على / الظلم ، وهذا مذهبنا إلا ~~أنا نقول : إنه تعالى لا يفعل الظلم ، وليس في الآية دلالة على أنه شاء ذلك ~~وأراده . # المسألة الخامسة : اللام في قوله : { فلقاتلوكم } جواب ( للو ) على ~~التكرير أو ms3022 البدل ، على تأويل ولو شاء الله لسلطهم عليكم ولو شاء الله ~~لقاتلوكم . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { فلقاتلوكم } بالتخفيف والتشديد . # ثم قال : { فإن اعتزلوكم } أي فان لم يتعرضوا لكم وألقوا اليكم السلم ، ~~أي الانقياد والاستسلام ، وقرىء بسكون اللام مع فتح السين { فما جعل الله ~~لكم عليهم سبيلا } فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم . واختلف المفسرون فقال ~~بعضهم : الآية منسوخة بآية السيف ، وهي قوله : { اقتلوا * المشركين } ( ~~التوبة : 5 ) وقال قوم : انها غير منسوخة ، أما الذين حملوا الاستثناء على ~~المسلمين فذلك ظاهر على قولهم / وأما الذين حملوا الاستثناء على الكافرين ~~فقال الأصم : إذا حملنا الآية على المعاهد فكيف يمكن أن يقال انها منسوخة . # ! 7 < { ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى ~~الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ~~فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولائكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا } . > ~~7 ! # < < # | النساء : ( 91 ) ستجدون آخرين يريدون . . . . . # > > قال المفسرون : هم قوم من أسد وغطفان ، كانوا اذا أتوا المدينة ~~أسلموا وعاهدوا ، وغرضهم أن يأمنوا المسلمين ، فاذا رجعوا إلى قومهم كفروا ~~ونكثوا عهودهم { كلما * ردوا إلى الفتنة } كلما دعاهم قومهم إلى قتال ~~المسلمين { أركسوا فيها } أي ردوا مغلوبين منكوسين فيها ، وهذا استعارة ~~لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوسا يتعذر ~~خروجه منه . # ثم قال تعالى : { فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ~~فخذوهم واقتلوهم حيث } . # والمعنى : فان لم يعتزلوا قتالكم ولم يطلبوا الصلح منكم ولم يكفوا أيديهم ~~فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم . قال الأكثرون : وهذا يدل على أنهم اذا ~~اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا ~~قتالهم ولا قتلهم ، ونظيره قوله تعالى : { رحيم لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم } ( الممتحنة : 8 ) ~~وقوله : { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ( البقرة : 190 ) فخص ~~PageV10P179 الأمر بالقتال لمن يقاتلنا دون من لم يقاتلنا . واعلم أن هذا ~~الكلام مبني على أن المعلق بكلمة ( إن ) على الشرط ms3023 عدم عند عدم الشرط ، وقد ~~شرحنا الحال فيه في قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ( ~~النساء : 31 ) . # ثم قال : { وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا } . # وفي السلطان المبين وجهان : الأول : أنه ظهر على جواز قتل هؤلاء حجة ~~واضحة ظاهرة ، وهي ظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر والغدر ، وإضرارهم ~~بأهل الاسلام . الثاني : أن السلطان المبين هو إذن الله تعالى للمسلمين في ~~قتل هؤلاء الكفار . # ! 7 < { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو ~~مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة ~~إلىأهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ~~وكان الله عليما حكيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 92 ) وما كان لمؤمن . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار ، وحرض عليها ذكر بعد ذلك ~~بعض ما يتعلق بهذه المحاربة ، فمنها أنه تعالى لما أذن في قتل الكفار فلا ~~شك أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلا يظنه كافرا حربيا / فيقتله ، ثم يتبين ~~انه كان مسلما ، فذكر الله تعالى حكم هذه الواقعة في هذه الآية وههنا مسائل ~~: # المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها : الأول : روى عروة بن ~~الزبير أن حذيفة بن اليمان كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ ~~المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار ، فأخذوه وضربوه بأسيافهم ~~وحذيفة يقول : انه أبي فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه ، فقال حذيفة : ~~يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، فلما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ~~ازداد وقع حذيفة عنده ، فنزلت هذه الآية : # الرواية الثانية : أن الآية نزلت في أبي الدرداء ، وذلك لأنه كان في سرية ~~فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلا في غنم له فحمل عليه بالسيف ، فقال الرجل ~~: لا إله إلا الله ، فقتله وساق غنمه ثم وجد في نفسه شيئا ، فذكر الواقعة ~~للرسول صلى ms3024 الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : ( هلا شققت عن قلبه ~~) وندم أبو الدرداء فنزلت الآية . PageV10P180 # الرواية الثالثة : روي أن عياش بن أبي ربيعة ، وكان أخا لأبي جهل من أمه ~~، أسلم وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة ، وذلك قبل هجرة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس تحت سقف حتى يرجع ، فخرج ~~أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وطولا في الأحاديث ، فقال ~~أبو جهل : أليس أن محمدا يأمرك ببر الأم فانصرف وأحسن إلى أمك وأنت على ~~دينك فرجع ، فلما دنوا من مكة قيدوا يديه ورجليه ، وجلده أبو جهل مائة جلدة ~~، وجلده الحرث مائة أخرى ، فقال للحرث : هذا أخي فمن أنت يا حرث ، لله علي ~~إن وجدتك خالي أن أقتلك . وروي أن الحرث قال لعياش حين رجع : ان كان دينك ~~الأول هدى فقد تركته وان كان ضلالا فقد دخلت الآن فيه ، فشق ذلك على عياش ~~وحلف أن يقتله ، فلما دخل على أمه حلفت أمه لا يزول عنه القيد حتى يرجع إلى ~~دينه الأول ففعل ، ثم هاجر بعد ذلك وأسلم الحرث أيضا وهاجر ، فلقيه عياش ~~خاليا ولم يشعر باسلامه فقتله ، فلما أخبر بأنه كان مسلما ندم على فعله ~~وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قتلته ولم أشعر باسلامه ، فنزلت ~~هذه الآية . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { الجحيم وما كان } فيه وجهان : الأول : ~~أي وما كان فيما أتاه من ربه وعهد إليه . الثاني : ما كان له في شيء من ~~الأزمنة ذلك ، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان ~~التكليف . # المسألة الثالثة : قوله : { إلا } فيه قولان : الأول : أنه استثناء متصل ~~، والذاهبون إلى هذا القول ذكروا وجوها : الأول : ان هذا الاستثناء ورد على ~~طريق المعنى ، لأن قوله : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا } معناه أنه ~~يؤاخذ الانسان على القتل إلا اذا كان القتل قتل خطأ فانه لا يؤاخذ به . ~~الثاني : أن الاستثناء صحيح أيضا على ظاهر اللفظ ، والمعنى أنه ms3025 ليس لمؤمن ~~أن يقتل مؤمنا ألبتة إلا عند الخطأ . وهو ما إذا رأى عليه شعار الكفار ، أو ~~وجده في عسكرهم فظنه مشركا ، فههنا يجوز قتله ، ولا شك أن هذا خطأ ، فانه ~~ظن أنه كافر مع أنه ما كان كافرا . الثالث : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، ~~والتقدير : وما كان مؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ ، ومثله قوله تعالى : { ~~يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) تأويله : ما كان الله ~~ليتخذ من ولد ، لأنه تعالى لا يحرم عليه شيء ، إنما ينفي عنه ما لا يليق به ~~، وأيضا قال تعالى : { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } ( النمل : 60 ) معناه ~~ما كنتم لتنبتوا ، لأنه تعالى لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر ، إنما نفى ~~عنهم أن يمكنهم إنباتها ، فانه تعالى هو القادر على إنبات الشجر . الرابع : ~~أن وجه الاشكال في حمل هذا الاستثناء على الاستثناء المتصل ، وهو أن يقال : ~~الاستثناء من النفي إثبات ، وهذا يقتضي الاطلاق في قتل المؤمن في بعض ~~الأحوال ، وذلك محال ، إلا أن هذا الاشكال إنما يلزم اذا سلمنا أن ~~الاستثناء من النفي إثبات ، وذلك مختلف فيه بين الأصوليين ، والصحيح أنه لا ~~يقتضيه لأن الاستثناء يقتضي صرف الحكم عن المستثنى لا صرف المحكوم به عنه ، ~~واذا كان تأثير الاستثناء في صرف الحكم فقط بقي المستثنى غير محكوم عليه لا ~~بالنفي ولا بالاثبات ، وحينئذ يندفع الاشكال . ومما يدل على أن الاستثناء ~~من النفي ليس باثبات قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا صلاة الا بطهور ولا ~~نكاح الا بولي ) ويقال : لا ملك الا بالرجال ولا رجال الا بالمال ، ~~والاستثناء في جملة هذه الصور لا يفيد أن يكون الحكم المستثنى من النفي ~~إثباتا والله أعلم . الخامس : قال أبو هاشم وهو أحد رؤساء المعتزلة : تقدير ~~الآية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيبقى مؤمنا ، الا أن يقتله ~~PageV10P181 خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا ، قال : والمراد أن قتل المؤمن للمؤمن ~~يخرجه عن كونه مؤمنا ، الا أن يكون خطأ فانه لا يخرجه عن كونه مؤمنا . ~~واعلم أن هذا الكلام ms3026 بناء على أن الفاسق ليس بمؤمن ، وهو أصل باطل ، والله ~~أعلم . # القول الثاني : أن هذا الاستثناء منقطع بمعنى لكن ، ونظيره في القرآن ~~كثير . قال تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة } ~~( النساء : 29 ) وقال : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } ~~( النجم : 53 ) وقال : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما ~~سلاما } والله أعلم . # المسألة الرابعة : في انتصاب قوله : { * خطأ } وجوه : الأول : أنه مفعوله ~~له ، والتقدير ما ينبغي أن يقتله لعلة من العلل ، إلا لكونه خطأ . الثاني : ~~أنه حال ، والتقدير : لا يقتله ألبتة إلا حال كونه خطأ . الثالث : أنه صفة ~~للمصدر . والتقدير : إلا قتلا خطأ . # / قوله تعالى : { ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى ~~أهله إلا أن يصدقوا } . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله : القتل على ثلاثة أقسام : عمد ، ~~وخطأ ، وشبه عمد . # أما العمد : فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء ~~كان ذلك جارحا أو لم يكن ، وهذا قول الشافعي . # وأما الخطأ فضربان : أحدهما : أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فأصاب مسلما ~~. والثاني : أن يظنه مشركا بأن كان عليه شعار الكفار ، والأول خطأ في الفعل ~~، والثاني خطأ في القصد . # أما شبه العمد : فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالبا فيموت منه . قال ~~الشافعي رحمه الله : هذا خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب . # المسألة الثانية : قال أبو حنيفة : القتل بالمثقل ليس بعمد محض ، بل هو ~~خطأ وشبه عمد ، فيكون داخلا تحت هذه الآية فتجب فيه الدية والكفارة ، ولا ~~يجب فيه القصاص . وقال الشافعي رحمه الله : إنه عمد محض يجب فيه القصاص . ~~أما بيان أنه قتل فيدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فهو أنه تعالى حكى ~~عن موسى عليه السلام أنه وكز القبطي فقضى عليه ، ثم إن ذلك الوكز يسمى ~~بالقتل ، بدليل أنه حكى أن القبطي قال في اليوم الثاني : { أتريد أن تقتلنى ~~كما قتلت نفسا بالامس } ( القصص : 19 ) وكان الصادر عن موسى عليه ms3027 السلام ~~بالأمس ليس إلا الوكز ، فثبت أن القبطي سماه قتلا ، وأيضا ان موسى صلوات ~~الله عليه سماه قتلا حيث قال : { ربى إنى * قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ~~} ( القصص : 33 ) وأجمع المفسرون على أن المراد منه قتل ذلك القبطي بذلك ~~الوكز ، وأيضا ان الله تعالى سماه قتلا حيث قال : { وقتلت نفسا فنجيناك من ~~الغم وفتناك فتونا } ( طه : 40 ) فثبت أن الوكز قتل بقول القبطي وبقول موسى ~~وبقول الله تعالى ، وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن قتيل ~~الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الابل ) فسماه قتلا ، فثبت ~~بهذين الدليلين أنه حصل القتل ، وأما أنه عمد فالشاك فيه داخل في السفسطة ~~فان من ضرب رأس إنسان بحجر الرحا ، أو صلبه أو غرقه ، أو خنقه ثم قال : ما ~~قصدت به قتله كان ذلك إما كاذبا أو مجنونا ، وأما أنه عدوان فلا ينازع فيه ~~مسلم ، فثبت أنه قتل عمد عدوان ، فوجب أن يجب القصاص بالنص والمعقول . ~~PageV10P182 # أما النص : فهو جميع الآيات الدالة على وجوب القصاص ، كقوله : { كتب ~~عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) { وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس } ( المائدة : 45 ) { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } ( ~~الإسراء : 33 ) { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) { فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ( البقرة : 194 ) . # وأما المعقول : فهو أن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن ~~الاهدار . قال تعالى : { ولكم في القصاص حيواة } ( البقرة : 179 ) وإذا كان ~~المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الاهدار ، والاهدار من ~~المثقل كهو في المحدد كانت الحاجة إلى شرع الزاجر في إحدى الصورتين كالحاجة ~~إليه في الصورة الأخرى ، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس الاهدار ، إنما ~~التفاوت حاصل في آلة الاهدار ، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر ، ~~والكلام في الفقهيات إذا وصل إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في ~~التحقيق لمن ترك التقليد ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن ~~قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا ms3028 فيه مائة من الابل ) وهو عام سواء كان ~~السوط والعصا صغيرا أو كبيرا . # والجواب : أن قوله : ( قتيل الخطأ ) يدل على أنه لا بد وأن يكون معنى ~~الخطأ حاصلا فيه ، وقد بينا أن من خنق إنسانا أو ضرب رأسه بحجر الرحا ، ثم ~~قال : ما كنت أقصد قتله ، فان كل عاقل ببديهة عقله يعلم أنه كاذب في هذا ~~المقال ، فوجب حمل هذا الضرب على الضرب بالعصا الصغيرة حتى يبقى معنى الخطأ ~~فيه . والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة : القتل العمد لا يوجب الكفارة ، وقال ~~الشافعي : يوجب . احتج أبو حنيفة بهذه الآية ، فقال قوله : { ومن قتل مؤمنا ~~} شرط لوجوب الكفارة وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط ، فيقال له : إنه ~~تعالى قال : { حكيما ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ~~ما ملكت أيمانكم } ( النساء : 25 ) فقوله : { ومن لم يستطع } ما كان شرطا ~~لجواز نكاح الأمة على قولكم ، فكذلك ههنا . ثم نقول : الذي يدل على وجوب ~~الكفارة في القتل العمد الخبر والقياس . # أما الخبر فهو ما روى واثلة بن الأسقع قال : أتينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في صاحب لنا أوجب النار بالقتل ، فقال : اعتقوا عنه يعتق الله ~~بكل عضو منه عضوا منه من النار . # وأما القياس : فهو أن الغرض من إعتاق العبد هو أن يعتقه الله من النار ، ~~والحاجة إلى هذا المعنى في القتل العمد أتم ، فكانت الحاجة فيه إلى ايجاب ~~الكفارة أتم والله أعلم . # وذكر الشافعي رضي الله عنه حجة أخرى من قياس الشبه فقال : لما وجبت ~~الكفارة في قتل الصيد في الاحرام سوينا بين العامد وبين الخاطىء إلا في ~~الاثم ، فكذا في قتل المؤمن ، ولهذا الكلام تأكيد آخر وهو أن يقال : نص ~~الله تعالى هناك في العامد ، وأوجبنا على الخاطىء . فههنا نص على الخاطىء ، ~~فبأن نوجبه على العامد مع أن احتياج العامد إلى الاعتاق المخلص له عن النار ~~/ أشد كان ذلك أولى . # المسألة الرابعة : قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي : لا تجزى الرقبة ~~إلا إذا صام وصلى ms3029 ، وقال الشافعي ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة رضي الله ~~تعالى عنهم : يجزى الصبي إذا كان أحد أبويه مسلما . حجة ابن عباس هذه الآية ~~، فانه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة ، والمؤمن من يكون موصوفا بالايمان ~~، PageV10P183 والايمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع ، وعلى ~~التقديرات فالكل فائت عن الصبي فلم يكن مؤمنا ، فوجب أن لا يجزى . حجة ~~الفقهاء أن قوله : { ومن قتل مؤمنا } يدخل فيه الصغير ، فكذا قوله : { خطئا ~~فتحرير رقبة مؤمنة } فوجب أن يدخل فيه الصغير . # المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : الدية في العمد المحض وفي شبه ~~العمد مغلظة مثلثة ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون خلفة في بطونها ~~أولادها . # وأما في الخطأ المحض فمخففة : عشرون بنات مخاض ، وعشرون بنات لبون ، ~~وعشرون بنو لبون ، وعشرون حقة ، وعشرون جذعة . وأما أبو حنيفة فهو أيضا ~~هكذا يقول في الكل إلا في شيء واحد فانه أوجب بني مخاض بدلا عن بنات لبون . ~~حجة الشافعي رحمه الله أنه تعالى أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفية ~~الدية فرجعنا في معرفة الكيفية إلى السنة والقياس ، فلم نجد في السنة ما ~~يدل عليه . # وأما القياس فانه لا مجال للمناسبات والتعليلات المعقولة في تعيين ~~الأسباب وتعيين الأعداد ، فلم يبق ههنا مطمع إلا في قياس الشبه ، ونرى أن ~~الدية وجبت بسبب أقوى من السبب الموجب للزكاة ، ثم إنا رأينا أن الشرع لم ~~يجعل لبني مخاض دخلا في باب الزكاة ، فوجب أن لا يكون لها دخل في باب الدية ~~أيضا . وحجة أبي حنيفة أن البراءة كانت ثابتة ، والأصل في الثابت البقاء ، ~~فكانت البراءة الأصلية باقية ، ولا يعدل عن هذا الدليل إلا لدليل أقوى منه ~~فنقول : الأول هو المتفق عليه فاعترفنا بوجوبه : وأما الزائد عليه فوجب أن ~~يبقى على النفي الأصلي . # والجواب : أن الذمة مشغولة بوجوب الدية ، والأصل في الثابت البقاء ، وقد ~~رأينا حصول الاتفاق على السقوط بأداء أكثر ما قيل فيه ، فوجب أن لا يحصل ~~ذلك السقوط عند أداء أقل ما فيه ، والله أعلم . # المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : إذا ms3030 لم توجد الابل ، فالواجب ~~إما ألف دينار ، أو اثنا عشر ألف درهم . وقال أبو حنيفة : بل الواجب عشرة ~~آلاف درهم . حجة الشافعي : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . قال : ~~كانت قيمة الدية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم / ثمانمائة دينار . ~~وثمانية آلاف درهم ، فلما استخلف عمر رضي الله عنه قام خطيبا . وقال : إن ~~الابل قد غلت أثمانها ، ثم إن عمر فرضها على أهل الذهب ألف دينار / وعلى ~~أهل الورق أثنى عشر ألفا ، وجه الاستدلال أن عمر ذكر ذلك في مجمع الصحابة ~~وما أنكر عليه أحد فكان إجماعا . حجة أبي حنيفة : أن الأخذ بالأقل أولى ، ~~وقد سبق جوابه . # المسألة السابعة : قال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج : الدية واجبة على ~~القاتل ، قالوا : ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله : { فتحرير رقبة مؤمنة ~~} لا شك أنه إيجاب لهذا التحرير ، والايجاب لا بد فيه من شخص يجب عليه ذلك ~~الفعل ، والمذكور قبل هذه الآية هو القاتل ، وهو قوله : { ومن قتل مؤمنا } ~~فهذا الترتيب يوجب القطع بأن هذا التحرير إنما أوجبه الله تعالى عليه لا ~~على غيره ، والثاني : أن هذه الجناية صدرت منه ، والمعقول هو أن الضمان لا ~~يجب إلا على المتلف ، أقصى ما في الباب أن هذا الفعل صدر عنه على سبيل ~~الخطأ . ولكن الفعل الخطأ قائم في قيم المتلفات وأروش الجنايات ، مع أن تلك ~~الضمانات لا تجب إلى على المتلف ، فكذا ههنا . الثالث : أنه تعالى أوجب في ~~هذه الآية شيئين : تحرير الرقبة المؤمنة ، وتسليم الدية الكاملة ، ثم انعقد ~~الاجماع على أن التحرير واجب على الجاني ، فكذا الدية يجب أن تكون ~~PageV10P184 واجبة على القاتل ، ضرورة أن اللفظ واحد في الموضعين . الرابع ~~: أن العاقلة لم يصدر عنهم جناية ولا ما يشبه الجناية ، فوجب أن لا يلزمهم ~~شيء للقرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : { لا * تزر وازرة وزر أخرى } ~~( الأنعام : 164 ) وقال تعالى : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ( الأنعام : ~~29 ) وقال : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) وأما الخبر ms3031 ~~فما روي أن أبا رمثة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابنه فقال عليه ~~الصلاة والسلام : من هذا فقال ابني ، قال انه لا يجني عليك ولا تجني عليه ، ~~ومعلوم أنه ليس المقصود منه الاخبار عن نفس الجناية إنما المقصود بيان أن ~~أثر جنايتك لا يتعدى إلى ولدك وبالعكس ، وكل ذلك يدل على أن إيجاب الدية ~~على الجاني أولى من إيجابها عل الغير . الخامس : أن النصوص تدل على أن مال ~~الانسان معصوم وأنه لا سبيل لأحد أن يأخذه منه . قال تعالى : { لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة } ( النساء : 29 ) وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( كل امرىء أحق بكسبه ) وقال : ( حرمة مال المسلم كحرمة ~~دمه ) وقال : ( لا يحل مال المسلم إلا بطيبة من نفسه ) تركنا العمل بهذه ~~العمومات في الأشياء التي عرفنا بنص القرآن كونها موجبة لجواز الأخذ كما ~~قلنا في الزكوات ، وكما قلنا في أخذ الضمانات . وأما في إيجاب الدية على ~~العاقلة فالمعتمد فيه على خبر الواحد ، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا ~~يجوز ، لأن القرآن معلوم ، وخبر الواحد مظنون ، وتقديم المظنون على المعلوم ~~غير جائز ، ولأن هذا خبر واحد ورد / فيما تعم به البلوى فيرد ، ولأنه خبر ~~واحد ورد على مخالفة جميع أصول الشرائع ، فوجب رده ، وأما الفقهاء فقد ~~تمسكوا فيه بالخبر والأثر والآية : أما الخبر : فما روى المغيرة أن امرأة ~~ضربت بطن امرأة أخرى فألقت جنينا ميتا ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على عاقلة الضاربة بالغرة ، فقام حمل بن مالك فقال : كيف ندى من لا شرب ولا ~~أكل ، ولا صاح ولا استهل ، ومثل ذلك بطل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~هذا من سجع الجاهلية ، وأما الأثر : فهو أن عمر رضي الله عنه قضى على علي ~~بأن يعقل عن مولى صفية بنت عبد المطلب حين جنى مولاها ، وعلي كان ابن أخي ~~صفية ، وقضى للزبير بميراثها ، فهذا يدل على أن الدية إنما تجب على العاقلة ~~والله أعلم . # المسألة الثامنة : مذهب أكثر الفقهاء أن دية ms3032 المرأة نصف دية الرجل . وقال ~~الأصم وابن عطية : ديتها مثل دية الرجل . حجة الفقهاء أن عليا وعمر وابن ~~مسعود قضوا بذلك ، ولأن المرأة في الميراث والشهادة على النصف من الرجل ، ~~فكذلك في الدية . وحجة الأصم قوله تعالى : { ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } وأجمعوا على أن هذه الآية دخل فيها حكم ~~الرجل والمرأة ، فوجب أن يكون الحكم فيها ثابتا بالسوية والله أعلم . # المسألة التاسعة : انفقوا على أن دية الخطأ مخففة في ثلاث سنين : الثلث ~~في السنة ، والثلثان في السنتين ، والكل في ثلاث سنين . استفاض ذلك عن عمر ~~ولم يخالفه فيه أحد من السلف فكان إجماعا . # المسألة العاشرة : لا فرق في هذه الدية بين أين يقضي منها الدين وتنفذ ~~منها الوصية ، ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله تعالى . روي أن ~~امرأة جاءت تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر : لا أعلم لك شيئا ، إنما ~~الدية للعصبة الذين يعقلون عنه ، فشهد بعض من الصحابة أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أمره أن يورث الزوجة من دية زوجها ، فقضى عمر بذلك ، وإذ قد ~~ذكرنا هذه المسائل فلنرجع إلى تفسير الآية فنقول : قوله : { فتحرير رقبة ~~مؤمنة } معناه فعليه تحرير رقبة ، والتحرير عبارة عن جعله حرا ، والحر هو ~~الخالص ، ولما كان الانسان في أصل PageV10P185 الخلقة خلق ليكون مالكا ~~للأشياء كما قال تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } ( البقرة : 29 ) ~~فكونه مملوكا يكون صفة تكدر مقتضى الانسانية وتشوشها ، فلا جرم سميت إزالة ~~الملك تحريرا ، أي تخليصا لذلك الانسان عما يكدر إنسانيته ، والرقبة عبارة ~~عن النسمة كما قد يجعل الرأس أيضا عبارة عن نسمة في قولهم : فلان يملك كذا ~~رأسا من الرقيق ، والمراد برقبة مؤمنة كل رقبة كانت على حكم الاسلام عند ~~الفقهاء ، وعند ابن عباس لا تجزي إلا رقبة قد صلت وصامت ، وقد ذكرنا هذه ~~المسألة . وقوله : { ودية مسلمة إلى أهله } قال الواحدي : الدية من الودي ~~كالشية من الوشي ، والأصل ودية فحذفت الواو يقال : ودى فلانا فلانا ، أي ~~أدى ms3033 ديته إلى وليه ، ثم ان الشرع خصص هذا اللفظ بما يؤدى في بدل النفس دون ~~ما يؤدى في بدل المتلفات ، ودون ما يؤدى في بدل الاطراف والاعضاء . # ثم قال تعالى : { إلا أن يصدقوا } أصله يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد ، ~~ومعنى التصدق الاعطاء قال الله تعالى : { وتصدق علينا إن الله يجزى ~~المتصدقين } ( يوسف : 88 ) والمعنى : إلا أن يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا ~~الدية . قال صاحب ( الكشاف ) : وتقدير الآية ، ويجب عليه الدية وتسليمها ~~إلى حين يتصدقون عليه ، وعلى هذا فقوله : { أن يصدقوا } في محل النصب على ~~الظرف ، ويجوز أن يكون حالا من أهله بمعنى إلا متصدقين . # ثم قال تعالى : { فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } . # فاعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى : أن من قتل على سبيل الخطأ مؤمنا ~~فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية ، وذكر في هذه الآية أن من قتل على سبيل ~~الخطأ مؤمنا من قوم عدو لنا فعليه تحرير الرقبة وسكت عن ذكر الدية ، ثم ذكر ~~بعد أن المقتول إن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وجبت الدية ، والسكوت عن ~~إيجاب الدية في هذه الآية مع ذكرها فيما قبل هذه الآية ، وفيما بعدها يدل ~~على أن الدية غير واجبة في هذه الصورة . # إذا ثبت هذا فنقول : كلمة ( من ) في قوله : { من قوم عدو لكم } إما أن ~~يكون المراد منها كون هذا المقتول من سكان دار الحرب ، أو المراد كونه ذا ~~نسب منهم ، والثاني باطل لانعقاد الاجماع على أن المسلم الساكن في دار ~~الاسلام ، وجميع أقاربه يكونون كفارا / فاذا قتل على سبيل الخطأ وجبت الدية ~~في قتله ، ولما بطل هذا القسم تعين الأول فيكون المراد : وإن كان المقتول ~~خطأ من سكان دار الحرب وهو مؤمن ، فالواجب بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ ~~هو تحرير الرقبة ، فأما وجوب الدية فلا . قال الشافعي رحمه الله : وكما دلت ~~هذه الآية على هذا المعنى فالقياس يقويه ، أما أنه لا تجب الدية فلأنا لو ~~أوجبنا الدية في قتل المسلم الساكن في دار ms3034 الحرب لاحتاج من يريد غزو دار ~~الحرب إلى أن يبحث عن كل أحد أنه هل هو من المسلمين أم لا ، وذلك مما يصعب ~~ويشف فيفضي ذلك إلى احتراز الناس عن الغزو ، فالأولى سقوط الدية عن قاتله ~~لأنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختياره السكنى في دار الحرب ، وأما ~~الكفارة فانها حق الله تعالى ، لأنه لما صار ذلك الانسان مقتولا فقد هلك ~~إنسان كان مواظبا على عبادة الله تعالى ، والرقيق لا يمكنه المواظبة على ~~عبادة الله ، فاذا أعتقه فقد أقامه مقام ذلك المقتول في المواظبة على ~~العبادات ، فظهر أن القياس يقتضي سقوط الدية ، ويقتضي بقاء الكفارة والله ~~أعلم . PageV10P186 # / ثم قال تعالى : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى ~~أهله وتحرير رقبة مؤمنة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : وان كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ، فيه قولان : الأول ~~: ان المراد منه المسلم ، وذلك لأنه تعالى ذكر أولا حال المسلم القاتل خطأ ~~ثم ذكر حال المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل الحرب ، ثم ذكر حال ~~المسلم المقتول خطأ إذا كان فيما بين أهل العهد وأهل الذمة ولا شك ان هذا ~~ترتيب حسن فكان حمل اللفظ عليه جائزا ، والذي يؤكد صحة هذا القول أن قوله { ~~وإن كان } لا بد من إسناده إلى شيء جرى ذكره فيما تقدم ، والذي جرى ذكره ~~فيما تقدم هو المؤمن المقتول خطأ . فوجب حمل اللفظ عليه . # القول الثاني : أن المراد منه الذمي ، والتقدير : وان كان المقتول من قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق ومعنى كون المقتول منهم أنه على دينهم ومذهبهم ، ~~والقائلون بهذا القول طعنوا في القول الأول من وجوه : الأول : أن المسلم ~~المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو كان من أهل الذمة فهو داخل تحت قوله ~~: { ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله } فلو كان ~~المراد من هذه الآية هو المؤمن لكان هذا عطفا للشيء على نفسه وانه لا يجوز ~~، بخلاف ما إذا كان المؤمن المقتول خطأ من سكان دار ms3035 الحرب ، فانه تعالى ~~إنما أعاده لبيان أنه لا تجب الدية في قتله ، وأما في هذه الآية فقد أوجب ~~الدية والكفارة ، فلو كان المراد منه هو المؤمن لكان هذا إعادة وتكرارا من ~~غير فائدة وإنه لا يجوز . الثاني : أنه لو كان المراد منه ما ذكرتم لما ~~كانت الدية مسلمة إلى أهله لأن أهله كفار لا يرثونه . الثالث : ان قوله : { ~~وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } يقتضي أن يكونوا من ذلك القوم في ~~الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما ، فان كونه منهم مجمل ~~لا يدري أنه منهم في أي الأمور ، وإذا حملناه على كونه منهم في ذلك الوصف ~~زال الاجمال فكان ذلك أولى ، وإذا دلت الآية على أنه منهم في كونه معاهدا ~~وجب أن يكون ذميا أو معاهدا مثلهم ويمكن أن يجاب عن هذه الوجوه : # أما الأول : فجوابه أنه تعالى ذكر حكم المؤمن المقتول على سبيل الخطأ ، ~~ثم ذكر أحد قسميه وهو المؤمن المقتول خطأ الذي يكون من سكان دار الحرب ، ~~فبين أن الدية لا تجب في قتله ، وذكر القسم الثاني وهو المؤمن المقتول خطأ ~~الذي يكون من سكان مواضع أهل الذمة ، وبين وجوب الدية والكفارة في قتله ، ~~والغرض منه اظهار الفرق بين هذا القسم وبين ما قبله . # وأما الثاني : فجوابه أن أهله هم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم . # / وأما الثالث : فجوابه أن كلمة ( من ) صارت مفسرة في الآية السابقة ~~بكلمة ( في ) يعني في قوم عدو لكم ، فكذا ههنا يجب أن يكون المعنى ذلك لا ~~غير . # واعلم أن فائدة هذا البحث تظهر في مسألة شرعية ، وهي أن مذهب أبي حنيفة ~~أن دية الذمى مثل دية المسلم ، وقال الشافعي رحمه الله تعالى : دية اليهودي ~~والنصراني ثلث دية المجوسي ، ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم . واحتج أبو ~~حنيفة على قوله بهذه الآية : { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } المراد ~~به الذمي ، ثم قال : { فدية مسلمة إلى أهله } فأوجب تعالى فيهم تمام الدية ~~، ونحن نقول : إنا بينا أن الآية نازلة ms3036 PageV10P187 في حق المؤمنين لا في ~~حق أهل الذمة فسقط الاستدلال ، وأيضا بتقدير أن يثبت لهم أنها نازلة في أهل ~~الذمة لم تدل على مقصودهم ، لأنه تعالى أوجب في هذه الآية دية مسلمة ، فهذا ~~يقتضي إيجاب شيء من الأشياء التي تسمى دية ، فلم قلتم إن الدية التي أوجبها ~~في حق الذمي هي الدية التي أوجبها في حق المسلم ؟ ولم لا يجوز أن تكون دية ~~المسلم مقدارا معينا . ودية الذمي مقدارا آخر ، فان الدية لا معنى لها إلا ~~المال الذي يؤدى في مقابلة النفس ، فان ادعيتم أن مقدار الدية في حق المسلم ~~وفي حق الذمي واحد فهو ممنوع ، والنزاع ما وقع إلا فيه ، فسقط هذا الاحتجاج ~~والله أعلم . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم قدم تحرير الرقبة على الدية في ~~الآية الأولى وههنا عكس هذا الترتيب ، إذ لو أفاده لتوجه الطعن في إحدى ~~الآيتين فصار هذا كقوله : { ادخلوا الباب سجدا * وقولوا حطة } ( البقرة ) ~~58 ) وفي آية أخرى { وقولوا حطة } ( البقرة : 58 ) { وادخلوا الباب } ( ~~البقرة : 154 ، الأعراف : 161 ) والله أعلم . # المسألة الثالثة : في هؤلاء الذين بيننا وبينهم ميثاق قولان : الأول : ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما : هم أهل الذمة من أهل الكتاب . الثاني : قال ~~الحسن : هم المعاهدون من الكفار . # ثم قال تعالى : { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله } أي ~~فعليه ذلك بدلا عن الرقبة إذا كان فقيرا ، وقال مسروق إنه بدل عن مجموع ~~الكفارة والدية ، والتتابع واجب حتى لو أفطر يوما وجب الاستئناف إلا أن ~~يكون الفطر بحيض أو نفاس ، وقوله : { توبة من الله } انتصب بمعنى صيام ما ~~تقدم ، كأنه قيل : اعملوا بما أوجب الله عليكم لأجل التوبة من الله ، أي ~~ليقبل الله توبتكم ، وهو كما يقال : فعلت كذا حذر الشر . # فان قيل : قتل الخطأ لا يكون معصية ، فما معنى قوله : { توبة من الله } . # قلنا فيه وجوه : الأول : أن فيه نوعين من التقصير ، فان الظاهر أنه لو ~~بالغ في الاحتياط لم يصدر عنه ذلك الفعل ، ألا ترى أن من قتل ms3037 مسلما على ظن ~~أنه كافر حربي ، فلو أنه بالغ في الاحتياط / والاستكشاف فالظاهر أنه لا يقع ~~فيه ، ومن رمى إلى صيد فأخطأ وأصاب أنسانا فلو احتاط فلا يرمي إلا في موضع ~~يقطع بأنه ليس هناك إنسان فانه لا يقع في تلك الواقعة ، فقوله : { توبة من ~~الله } تنبيه على أنه كان مقصرا في ترك الاحتياط . # الوجه الثاني في الجواب : أن قوله : { توبة من الله } راجع إلى أنه تعالى ~~أذن له في إقامة الصوم مقام الاعتاق عند العجز عنه ، وذلك لأن الله تعالى ~~اذا تاب على المذنب فقد خفف عنه ، فلما كان التخفيف من لوازم التوبة أطلق ~~لفظ التوبة لارادة التخفيف إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم . # الوجه الثالث في الجواب : أن المؤمن إذا اتفق له مثل هذا الخطأ فانه يندم ~~ويتمنى أن لا يكون ذلك مما وقع فسمى الله تعالى ذلك الندم وذلك التمني توبة ~~. # ثم قال تعالى : { وكان الله عليما حكيما } والمعنى أنه تعالى عليم بأنه ~~لم يقصد ولم يتعمد حكيم في أنه ما يؤاخذه بذلك الفعل الخطأ ، فان الحكمة ~~تقتضي أن لا يؤاخذ الانسان إلا بما يختار ويتعمد . # واعلم أن أهل السنة لما اعتقدوا أن أفعال الله تعالى غير معللة برعاية ~~المصالح قالوا : معنى كونه تعالى PageV10P188 حكيما كونه عالما بعواقب ~~الأمور . وقالت المعتزلة : هذه الآية تبطل هذا القول لأنه تعالى عطف الحكيم ~~على العليم ، فلو كان الحكيم هو العليم لكان هذا عطفا للشيء على نفسه وهو ~~محال . # والجواب : أن في كل موضع من القرآن ورد فيه لفظ الحكيم معطوفا على العليم ~~كان المراد من الحكيم كونه محكما في أفعاله ، فالأحكام والاعلام عائدان إلى ~~كيفية الفعل والله أعلم . # ! 7 < { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 93 ) ومن يقتل مؤمنا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم القتل الخطأ ذكر بعده بيان حكم القتل ~~العمد ، وله أحكام مثل وجوب القصاص والدية ، وقد ذكر تعالى ذلك في سورة ~~البقرة وهو قوله : { المتقون ms3038 يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى } ( البقرة : 178 ) فلا جرم ههنا اقتصر على بيان ما فيه من الاثم ~~والوعيد ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : استدلت الوعيدية بهذه الآية على أمرين : أحدهما : على ~~القطع بوعيد الفساق . والثاني : على خلودهم في النار ، ووجه الاستدلال أن ~~كلمة ( من ) في معرض الشرط / تفيد الاستغراق ، وقد استقصينا في تقرير ~~كلامهم في سورة البقرة في تفسير قوله : { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 81 ) وبالغنا في الجواب ~~عنها ، وزعم الواحدي أن الأصحاب سلكوا في الجواب عن هذه الآية طرقا كثيرة . ~~قال : وأنا لا أرتضي شيئا منها لأن التي ذكروها اما تخصيص ، واما معارضة ، ~~وإما إضمار ، واللفظ لا يدل على شيء من ذلك . قال : والذي أعتمده وجهان : ~~الأول : إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا ثم ذكر تلك ~~القصة . والثاني : أن قوله : { فجزاؤه جهنم } معناه الاستقبال أي انه سيجزى ~~بجهنم ، وهذا وعيد قال : وخلف الوعيد كرم ، وعندنا أنه يجوز ان يخلف الله ~~وعيد المؤمنين ، فهذا حاصل كلامه الذي زعم انه خير مما قاله غيره . # وأقول : أما الوجه الأول فضعيف ، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه ان العبرة ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فاذا ثبت ان اللفظ الدال على الاستغراق حاصل ~~، فنزوله في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم ، فيسقط هذا الكلام بالكلية ، ~~ثم نقول : كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة ~~المذكورة ، فكذا ههنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر ، وبيانه من ~~وجوه : الأول : انه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما ~~يحتاجون اليه عند اشتغالهم بالجهاد ، فابتدأ بقوله : { وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا } ( النساء : 92 ) فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات : كفارة ~~قتل المسلم في دار الاسلام ، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب ، ~~وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد ، ثم ذكر عقيبه حكم ~~قتل العمد ms3039 مقرونا بالوعيد ، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا لحكم اختص ~~بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ ، وجب أن ~~يكون أيضا مختصا بالمؤمنين ، فان لم PageV10P189 يختص بهم فلا أقل من ~~دخولهم فيه . الثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { يأيها الذين ءامنوا ~~إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا } ( النساء : 94 ) وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق ~~جماعة من المسلمين لقوا قوما فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من ~~الخوف ، وعلى هذا التقدير : فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين ~~يظهرون الايمان ؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~} نازلا في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب ، فثبت بما ~~ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار . ~~الثالث : أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدل ~~على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم / وبهذا الطريق عرفنا أن قوله : { ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } ( المائدة : 38 ) وقوله : { الزانية ~~والزانى فاجلدوا كل واحد منهما } ( النور : 2 ) الموجب للقطع هو السرقة ، ~~والموجب للجلد هو الزنا ، / فكذا ههنا وجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو ~~هذا القتل العمد ، لأن هذا الوصف مناسب لذلك الحكم ، فلزم كون ذلك الحكم ~~معللا به ، واذا كان الأمر كذلك لزم أن يقال : أينما ثبت هذا المعنى فانه ~~يحصل هذا الحكم ، وبهذا الوجه لا يبقى لقوله : الآية مخصوصة بالكافر وجه . # الوجه الرابع : أن المنشأ لاستحقاق هذا الوعيد إما أن يكون هو الكفر أو ~~هذا القتل المخصوص ، فان كان منشأ هذا الوعيد هو الكفر كان الكفر حاصلا قبل ~~هذا القتل ، فحينئذ لا يكون لهذا القتل أثر ألبتة في هذا الوعيد ، وعلى هذا ~~التقدير تكون هذه الآية جارية مجرى ما يقال : ان من يتعمد قتل نفس فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ، لأن القتل العمد لما لم يكن له ms3040 تأثير في ~~هذا الوعيد جرى مجرى النفس ومجرى سائر الأمور التي لا أثر لها في هذا ~~الوعيد ، ومعلوم ان ذلك باطل ، وان كان منشأ هذا الوعيد هو كونه قتلا عمدا ~~فحينئذ يلزم أن يقال : أينما حصل القتل يحصل هذا الوعيد ، وحينئذ يسقط هذا ~~السؤال ، فثبت بما ذكرنا أن هذا الوجه الذي ارتضاه الواحدي ليس بشيء . # وأما الوجه الثاني : من الوجهين اللذين اختارهما فهو في غاية الفساد لأن ~~الوعيد قسم من أقسام الخبر ، فاذا جوز على الله الخلف فيه فقد جوز الكذب ~~على الله ، وهذا خطأ عظيم ، بل يقرب من أن يكون كفرا ، فان العقلاء أجمعوا ~~على انه تعالى منزه عن الكذب ، ولأنه إذا جوز الكذب على الله في الوعيد ~~لأجل ما قال : إن الخلف في الوعيد كرم ، فلم لا يجوز الخلف في القصص ~~والأخبار لغرض المصلحة ، ومعلوم أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن ~~وكل الشريعة فثبت أن كل واحد من هذين الوجهين ليس بشيء . وحكى القفال في ~~تفسيره وجها آخر ، هو الجواب وقال : الآية تدل على أن جزاء القتل العمد هو ~~ما ذكر ، لكن ليس فيها أنه تعالى يوصل هذا الجزاء إليه أم لا ، وقد يقول ~~الرجل لعبده : جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا ، إلا أني لا أفعله ، وهذا الجواب ~~أيضا ضعيف لأنه ثبت بهذه الآية أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر ، وثبت بسائر ~~الآيات أنه تعالى يوصل الجزاء إلى المستحقين . قال تعالى : { من يعمل * ~~سوءا يجز به } ( النساء : 123 ) وقال : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ( ~~غافر : 17 ) وقال : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره } ( الزلزلة : 7 8 ) بل إنه تعالى ذكر في هذه الآية ما يدل على أنه ~~يوصل اليهم هذا الجزاء وهو قوله : { وأعد له عذابا عظيما } PageV10P190 فان ~~بيان أن هذا جزاؤه حصل بقوله : { فجزاؤه جهنم خالدا فيها } فلو كان قوله : ~~{ وأعد له عذابا عظيما } إخبارا عن الاستحقاق كان تكرارا ، فلو حملناه على ~~الاخبار عن أنه تعالى ms3041 سيفعل لم يلزم التكرار ، فكان ذلك أولى . # واعلم أنا نقول : هذه الآية مخصوصة في موضعين : أحدهما : أن يكون القتل ~~العمد غير عدوان كما في القصاص فانه لا يحصل فيه هذا الوعيد ألبتة . ~~والثاني : القتل العمد العدوان إذا تاب عنه فانه لا يحصل فيه الوعيد ، وإذا ~~ثبت دخول التخصيص فيه في هاتين الصورتين فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل ~~العفو بدليل قوله تعالى : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) ~~وأيضا فهذه الآية إحدى عمومات الوعيد ، وعمومات الوعد أكثر من عمومات ~~الوعيد ، وما ذكره في ترجيح عمومات الوعيد قد أجبنا عنه وبينا أن عمومات ~~الوعد راجحة / وكل ذلك قد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { ~~بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( ~~البقرة : 81 ) # المسألة الثانية : نقل عن ابن عباس أنه قال : توبة من أقدم على القتل ~~العمد العدوان غير مقبولة ، وقال جمهور العلماء : إنها مقبولة ، ويدل عليه ~~وجوه : # الحجة الأولى : أن الكفر أعظم من هذا القتل فاذا قبلت التوبة عن الكفر ~~فالتوبة من هذا القتل أولى بالقبول . # الحجة الثانية : قوله تعالى في آخر الفرقان : { والذين لا يدعون مع الله ~~إلاها ءاخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل * ~~يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وءامن وعمل عملا ~~صالحا } ( الفرقان : 68 ، 69 ، 70 ) وإذا كانت توبة الآتي بالقتل العمد مع ~~سائر الكبائر المذكورة في هذه الآية مقبولة : فبأن تكون توبة الآتي بالقتل ~~العمد وحده مقبولة كان أولى . # الحجة الثالثة : قوله : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وعد بالعفو عن كل ~~ما سوى الكفر ، فبأن يعفو عنه بعد التوبة أولى والله أعلم . # تم الجزء العاشر ، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي عشر ، وأوله قول ~~تعالى : # { عظيما يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله } ( النساء : 94 ) من ~~سورة النساء . أعان الله على إكماله . # PageV10P191 ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل ms3042 الله فتبينوا ~~ولا تقولوا لمن ألقىإليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحيواة الدنيا فعند ~~الله مغانم كثيرة كذالك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان ~~بما تعملون خبيرا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 94 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { عظيما يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا ~~} . # أعلم أن المقصود من هذه الآية المبالغة في تحريم قتل المؤمنين ، وأمر ~~المجاهدين بالتثبيت فيه لئلا يسفكوا دما حراما بتأويل ضعيف ، وهذه المبالغة ~~تدل على أن الآية المتقدمة خطاب مع المؤمنين وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي هنا وكذلك في الحجرات { فثبتوا } من ~~ثبت ثباتا ، والباقون بالنون من اليان ، والمعنيان متقاربان ، فمن رجح ~~التثبيت قال : إنه خلاف الإقدام ، والمراد في الآية التأني وترك العجلة ، ~~ومن رجح التبيين قال المقصود من التثبيت التبيين ، فكان التبيين أبلغ وأكمل ~~. # المسألة الثانية : الضرب معناه السير فيها بالفسر للتجارة أو الجهاد ، ~~وأصله من الضرب باليد ، وهو كناية عن الإسراع في السير فإن من ضرب إنسانا ~~كانت حركة يده عند ذلك الضرب سريعة ، فجعل الضرب كناية عن الإسراع في السير ~~. قال الزجاج : ومعنى { ضربتم فى سبيل الله } أي غزوتم وسرتم إلى الجهاد . # ثم قال تعالى : { ولا تقولوا * إلى * المسلمين * ومنه * قوله * وألقوا ~~إلى الله يومئذ السلم } ( النحل : 87 ) أي استسلموا للأمر ، ومن قرأ { ~~السلام } بالألف فله معنيان : أحدها : أن يكون المراد السلام الذي يكون هو ~~تحية المسلمين ، أي لا تقولوا لمن حياتكم بهذه التحية إنه إنما قالها تعوذا ~~فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله ولكن كفوا واقبلوا منه ما أظهره . ~~والثاني : أن يكون المعنى : لا تقولوا لمن اعتزلكم ولم يقتلكم لست مؤمنا ، ~~وأصل هذا من السلامة لأن المعتزل طالب للسلامة . قال صاحب الكشاف : قرىء { ~~مؤمنا } بفتح الميم من آمنه أي لا نؤمنك . # المسألة الثالثة : في سبب نزول هذه الآية روايات : # الرواية الأولى : أن مرداس بن نهيك رجل من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه ~~غيره ، فذهبت سرية PageV11P003 الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه وأميرهم ~~غالب ms3043 بن فضالة ، فهرب القوم وبقي مرداس لثقته بإسلامه ، فلما رأى الخيل ~~ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل ، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل ، وقال : لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم ، فقتله أسامة بن زيد وساق غنمه ~~، فأخبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديدا وقال : قتلمتموه ~~إرادة ما معه ، ثم قرأ الآية على أسامة يا رسول الله استغفر لي ، فقال : ~~فكيف وقد تلا لا إله إلا الله قال أسامة فما زال يعيدها حتى وددت أني لم ~~أكن أسلمت إلا يومئذ ، ثم استغفر لي وقال : أعتنق رقبة . # الرواية الثانية : أن القاتل ملحم بن جثامة لقيه عامر بن الأضبط فحياه ~~بتحية الإسلام ، وكانت بين ملحم وبينه إحنة في الجاهلية فرماه بسهم فقتله ، ~~فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( لا غفر الله لك ) فما مضت به ~~سبعة أيام حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض ثلاث مرات ، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ( إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم ~~الذنب عنده ) ثم أمر أن تلقى عليه الحجارة . # الرواية الثالثة : أن المقداد بن الأسود قد وقعت له مثل واقعة أسامة قال ~~: فقلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي ~~بالسيف ثم لاذ بشجرة ، فقال أسلمت لله تعالى أفأقتله يا رسول الله بعد ذلك ~~؟ فقال رسول الله لا تقتله ، فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي ، فقال عليه ~~الصلاة والسلام ( لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك بعد ما تقتله وأنت ~~بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال ) وعن أبي عبيدة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( إذا إشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة ~~نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح ) قال القفال رحمه الله : ولا ~~منافاة بين هذه الروايات فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها ، فكان كل فريق يظن ~~أنها نزلت في واقعته والله أعلم . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أن توبة ms3044 الزنديق هل تقبل أم لا ؟ فالفقهاء ~~قبلوها واحتجوا عليه بوجوه : الأول : هذه الآية فإنه تعالى لم يفرق في هذه ~~الآية بين الزنديق وبين غيره بل أوجب ذلك في الكل . # الحجة الثانية : قوله تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف } ( الأنفال : 38 ) وهو عام في جميع أصناف الكفرة . # الحجة الثالثة : أن الزنديق لا شك أنه مأمور بالتوبة ، والتوبة مقبولة ~~على الإطلاق لقوله تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده } ( الشورى : ~~25 ) وهذا عام في جميع الذنوب وفي جميع أصناف الخق . # المسألة الخامسة : إسلام الصبي صحيح عند أبي حنيفة ، وقال الشافعي لا يصح ~~. قال أبو حنيفة دلت هذه الآية على صحة إسلام الصبي لأن قوله : { ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } عام في حق الصبي ، وفي حق البالغ ~~. قال الشافعي : لو صح الإسلام منه لوجب ، لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذنا في ~~الكفر ، وهو غير جائز ، لكنه غير واجب عليه لقوله عليه الصلاة والسلام : ( ~~رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ ) الحديث ، والله أعلم . # المسألة السادسة : قال أكثر الفقهاء : لو قال اليهودي أو النصراني : أنا ~~مؤمن أو قال أنا مسلم لا يحكم بهذا القدر بإسلامه ، لأن مذهبه أن الذي هو ~~عليه هو الإسلام وهو الإيمان ، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ~~فعند قوم لا يحكم بإسلامه ، لأنه فيهم من يقول : إنه رسول الله إلى العرب ~~لا إلى الكل ، ومنهم من PageV11P004 يقول : إن محمدا الذي هو الرسول الحق ~~بعد ما جاء ، وسيجيء بعد ذلك ، بل لا بد وأن يعترف بأن الدين الذي كان عليه ~~باطل وأن الدين الموجود فيما بين المسلمين هو الحق والله أعلم . # ثم قال تعالى : { تبتغون عرض الحيواة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة } قال ~~أبو عبيدة : جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء ، يقال : إن الدنيا عرض حاضر ~~يأخذ منها البر والفاجر ، والعرض بسكون الراء ما سوى الدراهم والدنانير ، ~~وإنما سمي متاع الدنيا عرضا لأنه عارض زائل غير باق ومنه ms3045 يسمي المتكلمون ما ~~خالف الجوهر من الحوادث عرضا لقلة لبثه ، فقوله : { فعند الله مغانم كثيرة ~~} يعني ثوابا كثيرا ، فنبه تعالى بتسميته عرضا على كونه سريع الفناء قريب ~~الانقضاء ، وبقوله : { فعند الله مغانم كثيرة } على أن ثواب الله موصوف ~~بالدوام والبقاء كما قال : { والباقيات الصالحات خير عند ربك } ( مريم : 76 ~~) . # ثم قال تعالى : { وكذالك * كنتم من قبل } وهذا يقتضي تشبيه هؤلاء ~~المخاطبين بأولئك الذين ألقوا السم ، وليس فيه بيان أن هذا التشبيه فيم وقع ~~، فلهذا ذكر المفسرون فيه وجوها : الأول : أن المراد أنكم أول ما دخلتم في ~~الإسلام كما سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة حقنت دماءكم وأموالكم من غير ~~توقيف ذلك على حصول العلم بأن قلبكم موافق لما في لسانكم / فعليكم بأن ~~تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم ، وأن تعتبروا ظاهر القول ، وأن ~~لا تقولوا إن إقدامهم على التكلم بهذه الكلمة لأجل الخوف من السيف ، هذا هو ~~الذي اختاره أكثر المفسرين ، وفي إشكال لأن لهم أن يقولوا : ما كان إيماننا ~~مثل إيمان هؤلاء ، لأنا آمنا عن الطواعية والاختيار ، وهؤلاء أظهروا ~~الإيمان تحت ظلال السيوف ، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر . # الوجه الثاني : قال سعيد بن جبير : المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن ~~قومكم كما أخفى هذا الداعي إيمانه عن قومه ، ثم من الله عليكم بإعزازكم حتى ~~أظهرتم دينكم ، فأنتم عاملوهم بمثل هذه المعاملة ، وهذا أيضا فيه إشكال لأن ~~إخفاء الإيمان ما كان عاما فيهم . الثالث : قال مقاتل : المراد كذلك كنتم ~~من قبل الهجرة حين كمنتم فيما بين الكفار تأمنون من أصحاب رسول الله بكلمة ~~( لا إله إلا الله ) فاقبلوا منهم مثل ذلك ، وهذا يتوجه عليه الإشكال الأول ~~، والأقرب عندي أن يقال : إن من ينتقل من دين إلى دين ففي أول الأمر يحدث ~~ميل قليل بسبب ضعيف ، ثم لا يزال ذلك الميل يتأكد ويتقوى إلى أن يكمل ~~ويستحكم ويحصل الانتقال ، فكأنه قيل لهم : كنتم في أول الأمر إنما حدث فيكم ~~ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام ، ثم من الله عليكم بالإسلام بتقوية ms3046 ذلك ~~الميل وتأكيد النفرة عن الكفر ، فكذلك هؤلاء كما حدث فيهم ميل ضعيف إلى ~~الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم هذا الإيمان ، فإن الله تعالى يؤكد ~~حلاوة الإيمان في قلوبهم يقوي تلك الرغبة في صدورهم ، فهذا ما عندي فيه . ~~PageV11P005 # ثم قال تعالى : { فمن الله عليكم } وفيه احتمالان : الأول : أن يكون هذا ~~متعلقا بقوله : { كذالك كنتم من قبل } يعني إيمانكم كان مثل إيمانهم في أنه ~~إنما عرف منه مجرد القول اللساني دون ما في القلب ، أو في أنه كان في ~~ابتداء الأمر حاصلا بسبب ضعيف ، ثم من الله عليكم حيث قوي نور الإيمان في ~~قلوبكم وأعانكم على العمل به والمحبة له . والثاني : أن يكون هذا منقطعا عن ~~هذا الموضع ، ويكون متعلقا بما قبله ، وذلك لأن القوم لما قتلوا من تكلم ~~بلا إله إلا الله ، ثم أنه تعالى نهاهم عن هذا الفعل وبين لهم أنه من ~~العظائم قال بعد ذلك { فمن الله عليكم } أي من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك ~~الفعل المنكر . # ثم أعاد الأمر بالتبيين فقال : { فتبينوا } وإعادة الأمر بالتبيين تدل ~~على المبالغة في التحذير عن ذلك الفعل . # ثم قال تعالى : { إن الله كان بما تعملون خبيرا } والمراد منه الوعيد ~~والزجر عن الإظهار بخلاف الإضمار . # ! 7 < 96 ) { لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون ~~فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا ~~عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما } > 7 @QB@ < # | النساء : ( 95 - 96 ) لا يستوي القاعدون . . . . . # > > # أعلم أن في كيفية النظم وجوها : الأول : ما ذكرناه أنه تعالى لما رغب في ~~الجهاد أتبع ذلك بيان أحكام الجهاد . فالنوع الأول من أحكام الجهاد : تحذير ~~المسلمين عن قتل المسلمين ، وبيان الحال في قتلهم على سبيل الخطأ كيف ، ~~وعلى سبيل العمد كيف ، وعلى سبيل تأويل الخطأ كيف ، فلما ذكر ذلك الحكم ~~أتبعه بحكم آخر وهو بيان فضل المجاهد على غيره وهو هذه الآية . # الوجه الثاني ms3047 : لما عاتبهم الله تعالى على ما صدر منهم من قتل من تكلم ~~بكلمة الشهادة ، فلعله يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد لئلا يقع ~~بسببه في مثل هذا المحذور ، فلا جرم ذكر الله تعالى في عقيبه هذه الآية ~~وبين فيها فضل المجاهد على غيره إزالة لهذه الشبهة . # الوجه الثالث : أنه تعالى لما عاتبهم على ما صدر منهم من قتل تكلم ~~بالشهادة ذكر عقيبه فضيلة الجهاد ، كأنه قيل : من أتى بالجهاد فقد فاز بهذه ~~الدرجة العظيمة عند الله تعالى ، فليحترز صاحبها من تلك الهفوة لئلا يخل ~~منصبه العظيم في الدين بسبب هذه الهفوة ، والله أعلم وفي الآية مسائل : ~~PageV11P006 # المسألة الأولى : قرىء { غير أولى الضرر } بالحركات الثلاث في { غير } ~~فالرفع صفة لقوله : { القاعدون } والمعنى لا يستوي القاعدون المغايرون ~~لأولي الضرر والمجاهدون ، ونظيره قوله : { أو التابعين غير أولى الإربة } ( ~~النور : 31 ) وذكرنا جواز أن يكون { غير } صفة المعرفة في قوله : { غير ~~المغضوب } ( الفاتحة : 7 ) قال الزجاج : ويجو أن يكون { غير } رفعا على جهة ~~الاستثناء ، والمعنى لا يستوي القاعدون والمجهدون إلا أولي الضرر فإنهم ~~يساوون المجاهدين ، أي الذين أقعدهم عن الجهاد الضرر ، والكلام في رفع ~~المستثنى بعد النفي قد تقدم في قوله : { ما فعلوه إلا قليل منهم } ( النساء ~~: 66 ) و ( أما القراءة بالنصل ففيها وجهان . الأول : أن يكون استثناء ~~القاعدين ، والمعنى لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر ، وهو اختيار الأخفش ~~. الثاني : أن يكون نصبا على الحال ، والمعنى لا يستوي القاعدون في حال ~~صحتهم ، والمجاهدون ، كما تقول : جاءني زيد غير مريض ، أي جاءني زيد صحيحا ~~، وهذا قول الزجاج والفراء وكقوله : { أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلى الصيد } ( المائدة : 1 ) وأما القراءة بالجر فعلى تقدير أن ~~يجعل { غير } صفة للمؤمنين ، فهذا بيان الوجوه في هذه القراءات . # ثم ههنا بحث آخر : وهو أن الأخفش قال : القراءة بالنصب على سبيل ~~الاستثناء أولى لأن المقصود منه استثناء قوم لم يقدروا على الخروج . روي في ~~التفسير أنه لما ذكر الله تعالى فضيلة المجاهدين على القاعدين ms3048 جاء قوم من ~~أولي الضرر فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : حالتنا كما ترى ، ونحن نشتهي ~~الجهاد ، فهل لنا من طريق ؟ فنزل { غير أولى الضرر } فاستثناهم الله تعالى ~~من جملة القاعدين . وقال آخرون : القراءة بالرفع أولى لأن الأصل في كلمة { ~~غير } أن تكون صفة ، ثم أنها وإن كانت صفة فالمقصود والمطلوب من الإستثناء ~~حاصل منها / لأنها في كلتا الحالتين أخرجت أولي الضرر من تلك المفضولية ، ~~وإذا كان هذا المقصود حاصلا على كل التقديرين وكان الأصل في كلمة { غير } ~~أن تكون صفة كانت القراءة بالرفع أولى . # المسألة الثانية : الضرر النقصان سواء كان بالعمى أو العرج أو المرض ، أو ~~كان بسبب عدم الأهبة . # المسألة الثالثة : حاصل الآية : لا يستوي القاعدون المؤمنون الأصحاء ~~والمجاهدون في سبيل الله ، واختلفوا في أن قوله : { غير أولى الضرر } هل ~~يدل على أن المؤمنين القاعدين الأضراء يساوون المجاهدين أم لا ؟ قال بعضهم ~~: أنه لا يدل لأنا إن حملنا لفظ { غير } على الصفة وقلنا التخصيص بالصفة لا ~~يدل على نفي الحكم عما عداه لم يلزم ذلك ، وإن حملناه على الاستثناء وقلنا ~~الاستثناء من النفي ليس بإثبات لم يلزم أيضا ذلك ، أما إذا حملناه على ~~الاستثناء وقلنا الاستثناء من النفي إثبات لزم القول بالمساواة . وأعلم أن ~~هذه المساواة في حق الاضراء عند من يقول بها مشروطة بشرط آخر ذكر الله ~~تعالى في سورة التوبة وهو قوله : { ليس على الضعفاء ولا على المرضى } إلى ~~قوله : { إذا نصحوا لله ورسوله } ( التوبة : 91 ) . # وأعلم أن القول بهذه المساواة غير مستبعد ، ويدل عليه النقل والعقل ، أما ~~النقل فقوله عليه الصلاة والسلام عند انصرافه من بعض غزواته ( لقد خلفتم ~~بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم أولئك أقوام ~~حبسهم العذر ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( إذا مرض العبد قال الله عز وجل ~~اكتبوا لعبدي ما كن يعمله في الصحة إلى أن يبرأ ) وذكر بعض المفسرين في ~~تفسير قوله تعالى : { ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم أجر غير ممنون ms3049 } PageV11P007 ( التين : 5 ، 6 ) أن من صار ~~هرما كتب الله تعالى له أجر ما كان يعمله قبل هرمه غير منقوص من ذلك شيئا . ~~وذكروا في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام ( نية المؤمن خير من عمله ) أن ~~ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبدا خير له ~~من عمله الذي أدركه في مدة حياته ، وأما المعقول فهو أن المقصود من جميع ~~الطاعات والعبادات استنارة القلب بنور معرفة الله تعالى ، فإن حصل الاستواء ~~فيه للمجاهد والقاعد فقد حصل الاستواء في الثواب ، وإن كان القاعد أكثر حظا ~~من هذا الاستغراق كان هو أكثر ثوابا . # المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : إنه تعالى قال : { إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم } ( التوبة : 111 ) فقدم ذكر النفس على المال ، ~~وفي الآية التي نحن فيها وهي قوله : { الله بأموالهم وأنفسهم } قدم ذكر ~~المال على النفس ، فما السبب فيه ؟ # وجوابه : أن النفس أشرف من المال ، فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيها على أن ~~الرغبة فيها أشد ، والبائع أخر ذكرها تنبيها على أن المضايقة فيها أشد ، ~~فلا يرضى ببذلها إلا في آخر المراتب . # وأعلم أنه تعالى لما بين أن المجاهدين والقاعدين لا يستويان ثم أن عدم ~~الاستواء يحتمل الزيادة ويحتمل النقصان ، لا جرم كشف تعالى عنه فقال : { ~~فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة } وفي انتصاب قوله ~~{ درجة } وجوه : الأول : أنه يحذف الجار ، والتقتدير بدرجة فلما حذف الجار ~~وصل الفعل فعمل الثاني : قوله { درجة } أي فضيلة ، والتقدير : وفضل الله ~~المجاهدين فضيلة كما يقال زيد أكرم عمرا إكراما والفائدة في التنكير ~~والتفخيم . الثالث : قوله { درجة } نصب على التمييز . # ثم قال : { وكلا وعد الله الحسنى } أي وكلا من القاعدين والمجاهدين فقد ~~وعده الله الحسنى وقال الفقهاء : وفيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية ~~، وليس على كل واحد بعينه لأنه تعالى وعد القاعدين الحسنى كما وعد ~~المجاهدين ، ولو كان الجهاد واجبا على التعيين لما كان القاعد أهلا لوعد ~~الله تعالى إياه الحسنى . # ثم قال تعالى : { وفضل الله المجاهدين ms3050 على القاعدين أجرا عظيما * درجات ~~منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في انتصاب قوله : { أجرا } وجهان : الأول : انتصب بقوله ~~: { وفضل } لأنه في معنى قولهم : آجرهم أجرا ، ثم قوله : { درجات منه ~~ومغفرة ورحمة } بدل من قوله : { أجرا } . الثاني : انتصب على التمييز و { ~~درجات } عطف بيان { ومغفرة ورحمة } معطوفان على { درجات } . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إنه تعالى ذكر أولا { درجة } ، وههنا ~~{ درجات } ، وجوابه من وجوه : الأول : المراد بالدرجة ليس هو الدرجة ~~الواحدة بالعدد ، بل بالجنس ، والواحد بالجنس يدخل تحته الكثير بالنوع ، ~~وذلك هو الأجر العظيم ، والدرجات الرفيعة في الجنة المغفرة والرحمة . ~~الثاني : أن المجاهد أفضل من القاعد الذي يكون من الأضراء بدرجة ، ومن ~~القاعد الذي يكون من الأصحاء بدرجات ، وهذا الجواب إنما يتمشى إذا قلنا بأن ~~قوله : { غير أولى الضرر } لا يوجب حصول المساواة بين المجاهدين وبين ~~القاعدين الأضراء . PageV11P008 الثالث : فضل الله المجاهدين في الدنيا ~~بدرجة واحدة وهي الغنيمة ، وفي الآخرة بدرجات كثيرة في الجنة بالفضل ~~والرحمة والمغفرة . الرابع : قال في أول الآية { وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما } ولا يمكن أن يكون المراد من هذا المجاهد هو المجاهد ~~بالمال والنفس فقط ، وإلا حصل التكرار ، فوجب أن يكون المراد منه من كان ~~مجاهدا على الإطلاق في كل الأمور ، أعني في عمل الظاهر ، وهو الجهاد بالنفس ~~والمال والقلب وهو أشرف أنواع المجاهدة ، كما قال عليه السلام : ( رجعنا من ~~الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) وحاصل هذا الجهاد صرف القلب من الالتفات ~~إلى غير الله إلى الاستغراق في طاعة الله ، ولما كان هذا المقام أعلى مما ~~قبله لا جرم جعل فضيلة الأول درجة ، وفضيلة هذا الثاني درجات . # المسألة الثالثة : قالت الشيعة : دلت هذه الآية على أن علي بن أبي طالب ~~عليه السلام أفضل من أبي بكر ، وذلك لأن عليا كان أكثر جهادا ، فالقدر الذي ~~فيه حصل التفاوت كان أبو بكر من القاعدين فيه ، وعلي من القائمين ، وإذا ~~كان كذلك وجب أن يكون علي أفضل منه لقوله تعالى : { وفضل ms3051 الله المجاهدين ~~على القاعدين أجرا عظيما } فيقال لهم : إن مباشرة علي عليه السلام لقتل ~~الكفار كانت أكثر من مباشرة الرسول لذلك ، فليزمكم بحكم هذه الآية أن يكون ~~علي أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا لا يقوله عاقل ، فإن قلتم إن ~~مجاهدة الرسول مع الكفار كانت أعظم من مجاهدة علي معهم ، لأن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كان يجاهد الكفار بتقرير الدلائل والبينات وإزالة الشبهات ~~والضلالات ، وهذا الجهاد أكمل من ذلك الجهاد ، فنقول : فاقبلوا منا مثله في ~~حق أبي بكر ، وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه لما أسلم في أول الأمر سعى في ~~إسلام سائر الناس حتى أسلم على يده عثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن ~~أبي وقاص وعثمان بن مظعون ، وكان يبالغ في ترغيب الناس في الإيمان وفي الذب ~~عن محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه وبماله ، وعلي في ذلك الوقت كان صبيا ما ~~كان أحد يسلم بقوله ، وما كان قادرا على الذب عن محمد عليه الصلاة والسلام ~~، فكان جهاد أبي بكر أفضل من جهاد علي فإنما ظهر في المدينة في الغزوات / ~~وكان الإسلام في ذلك الوقت قويا . والثاني : أن جهاد أبي بكر كان بالدعوة ~~إلى الدين ، وأكثر أفاضل العشرة إنما أسلموا على يده ، وهذا النوع من ~~الجهاد هو حرفة النبي عليه الصلاة والسلام وأما جهاد علي فإنما كان بالقتل ~~، ولا شك أن الأول أفضل . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن نعيم الجنة لا ينال ~~إلا بالعمل لأن التفاوت في العمل لما أوجب التفاوت في الثواب والفضيلة دل ~~ذلك على أن علة الثواب هو العمل ، وأيضا لو لم يكن العمل موجبا للثواب لكان ~~الثواب هبة لا أجرا ، لكنه تعالى سماه أجرا ، فبطل القول بذلك ، فيقال لهم ~~: لم لا يجوز أن يقال : العمل علة الثواب لكن لا لذاته ، بل بجعل الشارع ~~ذلك العمل موجبا له . # المسألة الخامسة : قالت الشافعية : دلت الآية على أن الاشتغال بالنوافل ~~أفضل من الاشتغال بالنكاح ، لأنا بينا أن الجهاد فرض على ms3052 الكفاية بدليل ~~قوله : { وكلا وعد الله الحسنى } ولو كان الجهاد من فروض الأعيان لما كان ~~القاعد عن الجهاد موعودا من عند الله بالحسنى . # إذا ثبت هذا فنقول : إذا قامت طائفة بالجهاد سقط الفرض عن الباقين ، فلو ~~أقدموا عليه كان ذلك من النوافل لا محالة ، ثم إن قوله : { وفضل الله ~~المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما } يتناول جميع المجاهدين PageV11P009 ~~سواء كان جهاده واجبا أو مندوبا ، والمشتغل بالنكاح قاعد عن الجهاد ، فثبت ~~أن الاشتغال بالجهاد المندوب أفضل من الاشتغال بالنكاح والله أعلم . # ! 7 < { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمىأنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين فى الا رض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولائك ~~مأواهم جهنم وسآءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولائك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله ~~عفوا غفورا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 97 - 99 ) إن الذين توفاهم . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد أتبعه بعقاب من قعد عنه ~~ورضي بالسكون في دار الكفر ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الفراء : إن شئت جعلت { توفاهم } ماضيا ولم تضم تاء ~~مع التاء ، مثل قوله : { إن البقر تشابه علينا } ( البقرة : 70 ) وعلى هذا ~~التقدير تكون هذه الآية إخبارا عن حال أقوام معينين انقرضوا ومضوا ، وإن ~~شئت جعلته مستقبلا ، والتقدير : إن الذين تتوفاهم الملائكة ، وعلى هذا ~~التقدير تكون الآية عامة في حق كل من كان بهذه الصفة . # المسألة الثانية : في هذا التوفي قولان : الأول : وهو قول الجمهور معناه ~~تقبض أرواحهم عند الموت . # فإن قيل : فعلى هذا القول كيف الجمع بينه وبين قوله تعالى : { الله يتوفى ~~الانفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : ~~2 ) { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } ( ~~البقرة : 28 ) وبين قوله : { قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم } ( السجدة ~~: 11 ) . # قلنا : خالق الموت هو الله تعالى ، والرئيس المفوض إليه هذا العمل هو ملك ~~الموت وسائر الملائكة أعوانه . # القول الثاني : { ننزل الملائكة } يعني ms3053 يحشرونهم إلى النار ، وهو قول ~~الحسن . # المسألة الثالثة : في خبر ( إن ) وجوه : الأول : أنه هو قوله : قالوا لهم ~~فيم كنتم ، فحذف ( لهم ) لدلالة الكلام عليه . الثاني : أن الخبر هو قوله : ~~{ فأولئك مأواهم جهنم } فيكون ( قالوا لهم ) في موضع { ظالمى أنفسهم } ، ~~لأنه نكرة . الثالث : أن الخبر محذوف وهو هلكوا ، ثم فسر الهلاك بقوله : { ~~قالوا فيم كنتم } أما قوله تعالى : { ظالمى أنفسهم } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { ظالمى أنفسهم } في محل النصب على الحال ، ~~والمعنى تتوفاهم الملائكة في PageV11P010 حال ظلمهم أنفسهم ، وهو وإن أضيف ~~إلى المعرفة إلا أنه نكرة في الحقيقة ، لأن المعنى على الانفصال ، كأنه قيل ~~ظالمين أنفسهم ، ءلا أنهم حذفوا النون طلبا للخفة ، واسم الفاعل سواء أريد ~~به الحال أو الاستقبال فقد يكون مفصولا في المعنى وإن كان موصولا في اللفظ ~~، وهو كقوله تعالى : { هاذا عارض ممطرنا } ( الأحقاف : 24 ) { هديا بالغ ~~الكعبة } ( المائدة : 95 ) { ثانى عطفه } ( الحج : 9 ) فالإضافة في هذه ~~المواضع كلها لفظية لا معنوية . # المسألة الثانية : الظلم قد يراد به الكفر قال تعالى : { إن الشرك لظلم ~~عظيم } ( لقمان : 13 ) وقد يراد به المعصية { فمنهم ظالم لنفسه } ( فاطر : ~~32 ) وفي المراد بالظلم في هذه قولان : الأول : أن المراد الذين أسلموا في ~~دار الكفر وبقوا هناك ، ولم يهاجروا إلى دار الإسلام . الثاني : أنها نزلت ~~في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفا ، فإذا رجعوا إلى ~~قومهم أظهروا لهم الكفر ولم يهاجروا إلى المدينة / فبين الله تعالى بهذه ~~الآية أنهم ظالمون لأنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة . # وأما قوله تعالى : { قالوا فيم كنتم } ففيه وجوه : أحدها : فيم كنتم من ~~أمر دينكم . وثانيها : فيم كنتم في حرب محمد أو في حرب أعدائه . وثالثها : ~~لم تركتم الجهاد ولم رضيتم بالسكون في ديار الكفار ؟ # ثم قال تعالى : { قالوا كنا مستضعفين فى الارض } جوابا عن قولهم { فيم ~~كنتم } وكان حق الجواب أن يقولوا : كنا في كذا ، أو لم نكن في شيء . # وجوابه : أن معنى { فيم كنتم } التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين ~~حيث ms3054 قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا ، فقالوا : كما مستضعفين اعتذارا عما ~~وبخوا به ، واعتلالا بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة ، ثم إن الملائكة ~~لم يقبلوا منهم هذا العذر بل ردوه عليهم فقالوا : { ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها } أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد ~~التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ، فبقيتم بين الكفار لا للعجز عن ~~مفارقتهم ، بل مع القدرة على هذه المفارقة ، فلا جرم ذكر الله تعالى وعيدهم ~~فقال : { فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا } . # ثم استثنى تعالى فقال : { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا ~~يستطيعون حيلة } ونظيره قول الشاعر : # ولقد أمر على اللئيم يسبني # ويجوز أن يكون { لا يستطيعون } في موضع الحال ، والمعنى لا يقدرون على ~~حيلة ولا نفقة ، أو كان بهم مرض ، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك ~~المهاجرة . # ثم قال : { ولا يهتدون سبيلا } أي لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلهم ~~على الطريق . روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي ~~مكة فقال جندب بن ضمرة لبنيه : احملوني فإني لسيت من المستضعفين ، ولا أني ~~لا أهتدي الطريق ، والله لا أبيت الليلة بمكة ، فحملوه على سرير متوجها إلى ~~المدينة ، وكان شيخا كبيرا ، فمات في الطريق . # فإن قيل : كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد ، فإن ~~الاستثناء إنما يحسن لو كانوا PageV11P011 مستحقين للوعيد على بعض الوجوه ؟ # قلنا : سقوط الوعيد إذا كان بسبب العحز ، والعجز تارة يحصل بسبب عدم ~~الأهبة وتارة بسبب الصبا ، فلا جرم حسن هذا إذا أريد بالولدان الأطفال ، ~~ولا يجوز أن يراد المراهقون منهم الذين كملت عقولهم لتوجه التكليف عليهم ~~فيما بينهم وبين الله تعالى ، وإن أريد العبيد والإماء البالغون فلا سؤال . # ثم قال تعالى : { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم } وفيه سؤال ، وهو أن ~~القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة ، والعاجز عن الشيء غير مكلف به ، وإذا ~~لم يكن مكلفا به لم يكن عليه في تركه عقوبة ، فلم قال : { عسى الله ms3055 أن يعفو ~~عنهم } والعفو لا يتصور إلا مع الذنب ، وأيضا { عسى } كلمة الإطماع ، وهذا ~~يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم . # والجواب عن الأول : أن المستضعف قد يكون قادرا على ذلك الشيء مع ضرب من ~~المشقة وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده ~~الرخصة شاق ومشتبه ، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون ~~كذلك ، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس ، وبسبب شدة ~~النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزا مع أنه لا يكون كذلك ، ولا سيما في ~~الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس ، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان ~~كونه عاجزا مع أنه لا يكون كذلك ، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو ~~شديدة في هذا المقام . # وأما السؤال الثاني : وهو قوله : ما الفائدة في ذكر لفظة { عيسى } ههنا ؟ ~~فنقول : الفائدة فيها الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه ، ~~حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول : عسى الله أن يعفو عني ، ~~فكيف الحال في غيره . هذاهو الذي ذكره صاحب ( الكشاف ) في الجواب عن هذا ~~السؤال ، إلا أن الأولى أن يكون الجواب ما قدمناه ، وهو أن الإنسان لشدة ~~نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزا عنها مع أنه لا يكون كذلك في ~~الحقيقة ، فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة { عسى } لا بالكلمة الدالة على ~~القطع . # ثم قال تعالى : { وكان الله عفوا غفورا } ذكر الزجاج في { كان } ثلاثة ~~أوجه : الأول : كان قبل أن خلق الخلق موصوفا بهذه الصفة . الثاني : أنه قال ~~{ كان } مع أن جميع العباد بهذه الصفة والمقود بيان أن هذه عادة الله تعالى ~~أجراها في حق خلقه . الثالث : لو قال : إنه تعالى عفو غفور كان هذا إخبارا ~~عن كونه كذلك فقط ، ولما قال إنه كان كذلك كان هذا إخبارا وقع مخبره على ~~وفقه فكان ذلك أدل على كونه صدقا وحقا ومبرأ عن الخلف والكذب . واحتج ~~أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن ms3056 الذنب قبل التوبة فإنه لو لم ~~يحصل ههنا شيء من الذنب لامتنع حصول العفو والمغفرة فيه ، فلما أخبر بالعفو ~~والمغفرة دل على حصول الذنب ، ثم إنه تعالى وعد بالعفو مطلقا غير مقيد بحال ~~التوبة فيدل على ما ذكرناه . # ! 7 < { ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الا رض مراغما كثيرا وسعة ومن ~~يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ~~وكان الله غفورا رحيما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 100 ) ومن يهاجر في . . . . . # > > PageV11P012 # واعلم أن ذلك المانع أمران : الأول : أن يكون له في وطنه نوع راحة ~~ورفاهية ، فيقول لو فارقت الوطن وقعت في الشدة والمشقة وضيق العيش ، فأجاب ~~الله عنه بقوله : { ومن يهاجر فى سبيل الله يجد فى الارض مراغما كثيرا وسعة ~~} يقال : راغمت الرجل إذا فعلت ما يكرهه ذلك الرجل ، واشتقاقه من الرغام ~~وهو التراب ، فإنهم يقولون : رغم أنفه ، يريدون به أنه وصل إليه شيء يكرهه ~~، وذلك لأن الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة ، فجعلوا قولهم ~~: رغم أنفه كناية عن الذل . # إذا عرفت هذا فنقول : المشهور أن هذه المراغمة إنما حصلت بسبب أنهم ~~فارقوا وخرجوا عن ديارهم . # وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن يكون المعنى : ومن يهاجر في سبيل الله إلى ~~بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سببا لرغم أنف ~~أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة ~~أجنبية فإذ استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية ، ووصل ذلك الخبر إلى أهل ~~بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه ، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك ، وحمل اللفظ على ~~هذا أقرب من حمله على ما قالوه والله أعلم . والحاصل كأنه قيل : يا أيها ~~الإنسان إنك كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفا من أن تقع في المشقة ~~والمحنة في السفر ، فلا تخف فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة ~~والمراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سببا لرغم أنوف أعدائك ، ويكون سببا ~~لسعة عيشك ، وإنما قدم ms3057 في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ~~ابتهاج الإنسان الذي يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته من ~~حيث إنها تصير سببا لرغم أنوف الأعداء ، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث ~~أنها صارت سببا لسعة العيش عليه . # وأما المانع الثاني من الإقدام على المهاجرة فهو أن الإنسان يقول : إن ~~خرجت عن بلدي في طلب هذا الغرض ، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه ، ~~فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة بسبب طلب شيء ربما أصل إليه ، وربما ~~لا أصل إليه ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله } والمعنى ظاهر ، وفي ~~الآية مسائل . # المسألة الأولى : قال بعضهم : المراد من قصد طاعة الله ثم عجز عن إتمامها ~~، كتب الله له ثواب تمام تلك الطاعة : كالمريض يعجز عما كان يفعله في حال ~~صحته من الطاعة ، فيكتب له ثواب ذلك العمل هكذا روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . وقال آخرون : ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك ~~العمل ، وأما أجر تمام العمل فذلك محال ، واعلم أن القول الأول أولى لأنه ~~تعالى إنما ذكر هذه الآية ههنا في معرض الترغيب في الجهاد ، وهو أن من خرج ~~إلى السفر لأجل الرغبة في الهجرة ، فقد وجد ثواب الهجرة ، ومعلوم أن ~~الترغيب إنما يحصل بهذا المعنى ، فأما القول بأن معنى الآية هو أن يصل إليه ~~ثواب ذلك القدر من العمل ، فلا يصلح مرغبا ، لأنه قد عرف أن كل من أتى بعمل ~~فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر من العمل ، ويدل عليه قوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( وإنما لك امريء ما نوى ) وأيضا ما روي في قصلاة جندب بن ~~ضمرة ، أنه لما قرب موته أخذ يصفق بيمينه على شماله / ويقول : اللهم هذه لك ~~، وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك ، ثم مات فبلغ خبره أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لو توفي ms3058 بالمدينة لكان خيرا له ، ~~فنزلت هذه الآية . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن العمل يوجب ~~الثواب على الله ، لأنه تعالى قال : PageV11P013 { فقد وقع أجره على الله } ~~وذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه ذكر لفظ الوقوع ، وحقيقة ~~الوجوب هي الوقوع والسقوط ، قال تعالى : { فإذا وجبت جنوبها } ( الحج : 26 ~~) أي وقعت وسقطت . وثانيها : أنه ذكر بلفظ الأجر ، والأجر عبارة عن المنفعة ~~المستحقة ، فأما الذي لا يكون مستحقا فذاك لا يسمى أجرا بل هبة . وثالثها : ~~قوله : { على الله } وكلمة { على } للوجوب ، قال تعالى : { ولله على الناس ~~حج البيت } ( آل عمران : 97 ) والجواب : أننا لا ننازع في الوجوب ، لكن ~~بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم ، لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل ~~لخرج عن الإلهية ، وقد ذكرنا دلائله فيما تقدم . # المسألة الثالثة : استدل قوم بهذه الآية على أن الغازي إذا مات في الطريق ~~وجب سهمه من الغنيمة ، كما وجب أجره . وهذا ضعيف ، لأن لفظ الآية مخصوص ~~بالأجر ، وأيضا فاستحقاق السهم من الغنيمة متعلق بحيازتها ، إذ لا تكون ~~غنيمة إلا بعد حيازتها ، قال تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شىء } ( ~~الأنفال : 41 ) والله أعلم . # ثم قال تعالى : { وكان الله غفورا رحيما } أي يغفر ما كان منه من القعود ~~إلى أن يخرج ، ويرحمه بإكمال أجر المجاهدة . # ! 7 < { وإذا ضربتم فى الا رض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 101 ) وإذا ضربتم في . . . . . # > > اعلم أن أحد الأمور التي يحتاج المجاهد إليها معرفة كيفية أداء ~~الصلاة في زمان الخوف ، والاشتغال بمحاربة العدو ؛ فلهذا المعنى ذكره الله ~~تعالى في هذه الآية ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال يالواحدي : يقال قصر فلان صلاته وأقصرها وقصرها ، ~~كل ذلك جائز وقرأ ابن عباس : تقصروا من أقصر ، وقرأالزهري : من قصر ، وهذا ~~دليل على اللغات الثلاث . # المسألة الثانية : اعلم أن لفظ القصر مشعر بالتخفيف ، لأنه ليس صريحا في ~~أن المراد هو القصر في كمية الركعات وعددها ms3059 أو في كيفية أدائها ، فلا جرم ~~حصل في الآية قولان : الأول : أن المراد منه صلاة المسافر ، وهو أن كل صلاة ~~تكون في الحضر أربع ركعات ، فإنها تصير في السفر ركعتين ، فعلى هذا القصر ~~إنما يدخل في صلاة الظهر والعصر والعشاء ، أما المغرب والصبح ، فلا يدخل ~~فيهما القصر . الثاني : أنه ليس المراد بهذه الآية صلاة السفر ، بل صلاة ~~الخوف ، وهو قول ابن عباس وجابر بن عبدالله وجماعة ، قال ابن عباس : فرض ~~الله صلاة الحضر أربعا ، وصلاة السفر ركعتين ، وصلاة الخوف ركعة على لسان ~~نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذان القولان متفرعان على ما إذا قلنا : ~~المراد من القصر تقليل الركعات . # القول الثاني : أن المراد من القصر إدخال التخفيف في كيفية أداء الركعات ~~، وهو أن يكتفي في الصلاة PageV11P014 بالإيماء والإشارة بدل الركوع ~~والسجود ، وأن يجوز المشي في الصلاة ، وأن تجوز الصلاة عند تلطخ الثوب ~~بالدم ، وذلك هو الصلاة التي يؤتى بها حال شدة التحام القتال ، وهذا القول ~~يروى عن ابن عباس وطاوس . واحتج هؤلاء على صحة هذا القول بأن خوف الفتنة من ~~العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على إتمام أوصافهما ، وإنما ذلك فيما يشتد ~~فيه الخوف في حال التحام القتال ، وهذا ضعيف ، لأنه يمكن أن يقال : إن صلاة ~~المسافر إذا كانت قليلة الركعات ، فيمكنه أن يأتي بها على وجه لا يعلم خصمه ~~بكونه مصليا ، أما إذا كثرت الركعات طالت المدة ولا يمكنه أن يأتي بها على ~~حين غفلة من العدو . # واعلم أن وجه الاحتمال ما ذكرنا ، وهو أن القصر مشعر بالتخفيف ، والتخفيف ~~كما يحصل بحذف بعض الركعات فكذلك يحصل بأن يجعل الإيماء والإشارة فائما ~~مقام الركوع والسجود . # واعلم أن حمل لفظ القصر على إسقاط بعض الركعات أولى ، ويدل عليه وجوه : ~~الأول : ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~، كيف نقصر وقد أمنا ، وقد قال الله تعالى : { ليس عليكم جناح أن * تقصروا ~~من الصلواة إن خفتم } فقال : عجبت مما عجبت منه ، فسألت النبي ms3060 صلى الله ~~عليه وسلم فقال : ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) وهذا يدل على ~~القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات ، وأن ذلك كان مفهوما ~~عندهم من معنى الآية . الثاني : أن القصر عبارة عن أن يؤتي ببعض الشيء ، ~~ويقتصر عليه ، فأما أن يؤتى بشيء آخر ، فذلك لا يسمى قصرا ، ولا اقتصارا ، ~~ومعلوم أن إقامة الإيماء مقام الركوع والسجود ، وتجويز المشي في الصلاة ~~وتجويز الصلاة مع الثوب الملطخ بالدم ، ليس شيء من ذلك قصرا ، بل كلها ~~إثبات لأحكام جديدة وإقامة لشيء مقام شيء رخر ، فكان تفسير القصر بما ذكرنا ~~أولى . # الثالث : أن { من } في قوله { من الصلواة } للتبعيض ، وذلك يوجب جواز ~~الاقتصار على بعض الصلاة ، فثبت بهذه الوجوه أن تفسير القصر بإسقاط بعض ~~الركعات أولى من تفسيره بما ذكروه من الإيماء والإشارة . # الرابع : أن لفظ القصر كان مخصوصا في عرفهم بنقص عدد الركعات ، ولهذا ~~المعنى لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين ، قال ذو اليدين : ~~أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ الخامس : أن القصر بمعنى تغير الصلاة مذكور في ~~الآية التي بعد هذه الآية ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر ~~بمعنى الركعات ، لئلا يلزم التكرار ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : القصر رخصة ، فإن شاء المكلف ~~أتم ، وإن شاء اكتفى على القصر ، وقال أبو حنيفة : القصر واجب ، فإن صلى ~~المسافر أربعا ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته ، وإن قعد بينهما مقدار ~~التشهد تمت صلاته ، واحتج الشافعي رحمه الله على قوله بوجوه : الأول : أن ~~ظاهر قوله تعالى : { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة } مشعر بعدم ~~الوجوب ، فإنه لا يقال { فليس عليكم جناح } في أداء الصلاة الواجبة ، بل ~~هذا اللفظ إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشيء ، فأما إيجابه على التعيين ~~فهذا اللفظ غير مستعمل فيه ، أما أبو بكر الرازي فأجاب عنه بأن المراد من ~~القصر في هذه الآية لا تقليل الركعات ، بل تخفيف الأعمال . # وأعلم أنا بينا بالدليل أنه لا يجوز حمل الآية ms3061 على ما ذكره ، فسقط هذا ~~العذر . وذكر صاحب ( الكشاف ) وجها آخر فيه ، فقال : إنهم لما ألفوا ~~الاتمام ، فربما كان يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر ، فنفى ~~PageV11P015 عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ، فيقال له : هذا الاحتمال ~~إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم : رخصت لكم في هذا القصر ، أما إذا ~~قال : أوجبت عليكم هذا القصر ، وحرمت عليكم الاتمام ، وجلعته مفسدا لصلاتكم ~~، فهذا الاحتمال مما لا يخطر ببال عاقل أصلا ، فلا يكون هذا الكلام لائقا ~~به . # الحجة الثانية : ما روي أن عائشة رضي الله عنها قالت : اعتمرت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ، فلما قدمت مكة قلت يا رسول ~~الله : بأبي أنت وأمي ، قصرت وأتممت وصمت وأفطرت ، فقال : أحسنت يا عائشة ~~وما عاب علي ، وكان عثمان يتم ويقصر ، وما ظهر إنكار من الصحابة عليه . # الحجة الثالثة : أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجويز ، لا على سبيل ~~التعيين جزما فكذا ههنا ، واحتجوا بالأحاديث منها ما روى عمر أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال فيه ( سدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) فظاهر الأمر ~~للوجوب ، وعن أبي عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا ~~صلى ركعتين . # والجواب : أن هذه الأحاديث تدل على كون القصر مشروعا جائزا ، إلا أن ~~الكلام في أنه هل يجوز غيره ؟ ولما دل لفظ القرآن على جواز غيره كان القول ~~به أولى ، والله أعلم . # المسألة الرابعة : قال بعضهم : صلاة السفر ركعتان ، تمام غير قصر ، ولما ~~قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة ~~الحضر . # وأعلم أن لفظ الآية يبطل هذا ، وذلك لأنا بينا أن المراد من القصر ~~المذكور في الآية تخفيف الركعات ، ولو كان الأمر ما ذكروه لما كان هذا قصرا ~~في صلاة السفر ، بل كان ذلك زيادة في صلاة الحضر ، والله أعلم . # المسألة الخامسة : زعم داود وأهل الظاهر أن قليل السفر وكثيره سواء في ~~جواز الرخصة وزعم جمهور الفقهاء أن السفر ما لم يقدر ms3062 بمقدار مخصوص لم يحصل ~~فيه الرخصة . احتج أهل الظاهر بالآية فقالوا : إن قوله تعالى : { وإذا ~~ضربتم فى الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة } جملة مركبة من شرط ~~، وجزاء الشرط هو الضرب في الأرض ، والجزاء هو جواز القصر ، وإذا حصل الشرط ~~وجب أن يترتب عليه الجزاء سواء كان الشرط الذي هو السفر طويلا أو قصيرا / ~~أقصى ما في الباب أن يقال : فهذا يقتضي حصول الرخصة عند انتقال الإنسان من ~~محلة إلى محلة ، ومن دار إلى دار ، إلا أنا نقول : # الجواب عنه من وجهين : الأول : أن الانتقال من محلة إلى محلة إن لم يسم ~~بأنه ضرب في الأرض ، فقد زال الاشكال ، وإن سمي بذلك فنقول : أجمع المسلمون ~~على أنه غير معتبر ، فهذا تخصيص تطرق إلى هذا النص بدلالة الإجماع ، والعام ~~بعد التخصيص حجة ، فوجب أن يبقى النص معتبرا في السفر ، سواء كان قليلا أو ~~كثيرا . والثاني : أن قوله : { وإذا ضربتم فى الارض } يدل على أنه تعالى ~~جعل الضرب في الأرض شرطا لحصول هذه الرخصة ، فلو كان الضرب في الأرض اسما ~~لمطلق الانتقال لكان ذلك حاصلا دائما ، لأن الإنسان لا ينفك طول عمره من ~~الانتقال من الدار إلى المسجد ، ومن المسجد إلى السوق ، وإذا كان حاصلا ~~دائما امتنع جعله شرطا لثبوت هذا الحكم ، فلما جعل الله الضرب في الأرض ~~شرطا لثبوت هذا الحكم علمنا أنه مغاير لمطلق الانتقال وذلك هو الذي يسمى ~~سفرا ومعلوم أن اسم السفر واقع على القريب وعلى البعيد ، PageV11P016 ~~فعلمنا دلالة الآية على حصول الرخصة في مطلق السفر ، أما الفقهاء فقالوا : ~~أجمع السلف على أن أقل السفر مقدر ، قالوا : والذي يدل عليه أنه حصل في ~~المسألة روايات : # فالرواية الأولي : ما روي عن عمر أنه قال : يقصر في يوم تام ، وبه قال ~~الزهري والأوزاعي . الثانية : قال ابن عباس : إذا زاد على يوم وليلة قصر . ~~والثالثة : قال أنس بن مالك : المعتبر خمس فراسخ . الرابعة : قال الحسن : ~~مسيرة ليلتين . الخامسة : قال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير : من الكوفة ~~إلى المداين ، وهي ms3063 مسيرة ثلاثة أيام ، وهو قول أبي حنيفة . وروى الحسن بن ~~زياد عن أبي حنيفة أنه إذا سافر إلى موضع يكون مسيرة يومين وأكثر اليوم ~~الثالث جاز القصر ، وهكذا رواه ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد . السادسة : ~~قال مالك والشافعي : أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ ، كل فرسخ ثلاثة أميال ~~بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي قدر أميال البادية ~~كل ميل إثنا عشر ألف قدم ، وهي أربعة آلاف خطوة ، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة ~~قال الفقهاء : فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن ~~الحكم غير مربوط بمطلق السفر ، قال أهل الظاهر : اضطراب الفقهاء في هذه ~~الأقاويل ، يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلا قويا في تقدير المدة ، ~~إذ لو حصل في المسألة دليل ظاهر الدلالة لما حصل هذا الاضطراب ، وأما سكوت ~~سائر الصحابة عن حكم هذه المسألة فلعله إنما كان لأنهم اعتقدوا أن هذه ~~الآية دالة على ارتباط الحكم بمطلق السفر ، فكان هذا الحكم ثابتا في مطلق ~~السفر بحكم هذه الآية ، وإذا كان الحكم مذكورا في نص القرآن لم يكن بهم ~~حاجة إلى الاجتهاد والاستنباط ، فلهذا سكتوا عن هذه المسألة . # وأعلم أن أصحاب أبي حنيفة عولوا في تقدير المدة بثلاثة أيام على قوله ~~عليه الصلاة والسلام يمسح المسافر ثلاثة أيام ، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل ~~المسح ثلاثة أيام أن لا يكون مسافرا ، وإذا لم يكن مسافرا لم يحصل الرخص ~~المشروعة في السفر ، وأما أصحاب الشافعي رضي الله عنه فإنهم عولوا على ما ~~روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد ، من مكة إلى عسفان ، قال ~~أهل الظاهر : الكلام عليه من وجوه : الأول : أنه بناء على تخصيص عموم ~~القرآن بخبر الواحد ، وهو عندنا غير جائز لوجهين : الأول : إن القرآن وخبر ~~الواحد مشتركان في دلالة لفظ كل واحد منهما على الحكم ، والقرآن مقطوع ~~المتن ms3064 ، والخبر مظنون المتن ، فكان القرآن أقوى دلالة من الخبر ، فترجيح ~~الضعيف على القوي لا يجوز . والثاني : أنه روي في الخبر أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال : ( إذا روي حديث عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى فإن وافقه ~~فاقبلوه وإن خالفه فردوه ) ، دل هذا الخبر على أن كل خبر ورد على مخالفة ~~كتاب الله تعالى فهو مردود ، فهذا الخبر لما ورد على مخالفة عموم الكتب وجب ~~أن يكون مردودا . # الوجه الثاني : في دفع هذه الأخبار ، وهو أنها أخبار آحاد وردت في واقعة ~~تعم الحاجة إلى معرفة حكمها فوجب كونها مردودة ، إنما قلنا : إن الحاجة ~~إليها عامة لأن أكثر الصحابة كانوا في أكثر الأوقات في السفر وفي الغزو ، ~~فلما كانت رخص السفر مخصوصة بسفر مقدر ، كانت الحاجة إلى مقدار السفر ~~المفيد للرخص حاجة عامة في حق المكلفين ، ولو كان الأمر كذلك لعرفوها ~~ولنقلوها نقلا متواترا ، لا سيما وهو على خلاف ظاهر القرآن ، فلما لم يكن ~~الأمر كذلك علمنا أن هذه أخبار ضعيفة مردودة ، وإذا كان الأمر كذلك ~~PageV11P017 فكيف يجوز ترك ظاهر القرآن بسببها . الثالث : أن دلائل ~~الشافعية ودلائل الحنفية صارت متقابلة متدافعة ، وإذا تعارضت تساقطت ، فوجب ~~الرجوع إلى ظاهر القرآن ، هذا تمام الكلام في هذا الموضع . والذي عندي في ~~هذا الباب أن يقال : إن كلمة ( إذا ) وكلمة ( إن ) لا يفيدان إلا كون الشرط ~~مستعقبا لذلك الجزاء في جميع الأوقات فهذا غير لازم ، بدليل أنه إذا قال ~~لامرأته : إن دخلت الدار ، أو إذا دخلت الدار فأنت طالق ، فدخلت مرة وقع ~~الطلاق ، وإذا دخلت الدار ثانيا لا يقع وهذا يدل على أن كلمة ( إذا ) وكلمة ~~( إن ) لا يفيدان العموم البتة ، وإذا ثبت هذا سقط استدلال أهل الظاهر ~~بالآية ، فإن الآية لا تفيد إلا أن الضرب في الأرض يستعقب مرة واحدة هذه ~~الرخص وعندنا الأمر كذلك فيما إذا كان السفر طويلا ، فأما السفر القصير ~~فإنما يدخل تحت الآية لو قلنا أن كلمة ( إذا ) للعموم ، ولما ثبت أنه ليس ~~الأمر كذلك فقط سقط هذا الاستدلال ، وإذا ثبت ms3065 هذا ظهر أن الدلائل التي تمسك ~~بها المجتهدون بمقدار معين ليست واقعة على خلاف ظاهر القرآن فكانت مقبولة ~~صحيحة ، والله أعلم . # المسألة السادسة : زعم داود وأهل الظاهر أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف ~~. واحتجوا بأنه تعالى أثبت هذا الحكم مشروطا بالحوف ، وهو قوله { فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ~~PageV11P018 والمشروط بالشيء عدم عند عدم ذلك الشرط ، فوجب أن لا يحصل جواز ~~القصر عند الأمن . قالوا : ولا يجوز رفع هذا الشرط بخبر من أخبار الآحاد ، ~~لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز ، ولقد صعب هذا الكلام على ~~قوله ذكروا فيه وجوها متكلفة في الآية ليتخلصوا عن هذا الكلام . وعندي أنه ~~ليس في هدا غموض ، وذلك لأتا بينا في تفسير قوله تعالى : { إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه } ( النساء : 31 ) أن كلمة ( إن ) وكلمة ( إذا ) يفيدان ~~أن عند حصول الشرط يحصل المشروط ، ولا يفيدان أن عند عدم الشرط يلزم عدم ~~المشروط ، واستدللنا على صحة هذا الكلام بآيات كثيرة ، وإذا ثبت هذا فنقول ~~: قوله تعالى : { إن خفتم } يقتضي أن عند حصول الخوف تحصل الرخصة ، ويقتضي ~~أن عند عدم الخوف لا تحصل الرخصة ، وإذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال ~~الأمن بالنفي وبالإثبات ، وإثبات الرخصة حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتا ~~لحكم سكت عنه القرآن بخبر الواحد ، وذلك غير ممتنع ، إنما الممتنع إثبات ~~الحكم بخبر الواحد على خلاف ما دل عليه القرآن ، ونحن لا نقول به . # فإن قيل : فعلى هذا لما كان هذا الحكم ثابتا حال الأمن وحال الخوف ، فما ~~الفائدة في تقييده بحال الخوف ؟ # قلنا : إن الآية نزلت في غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم ، وأكثرها ~~لم يخل عن خوف العدو / فذكر الله هذا الشرط من حيث أنه هو الأغلب في الوقوع ~~، ومن الناس من أجاب عنه بأن القصر المذكور في الآية المراد منه الاكتفاء ~~بالإيماء والإشارة بدلا عن الركوع والسجود ، وذلك هو الصلاة حال شدة الخوف ~~، ولا شك أن هذه الصلاة ms3066 مخصوصة بحال الخوف ، فإن وقت الأمن لا يجوز الإتيان ~~بهذه الصلاة ، ولا تكون محرمة ولا صحيحة ، والله أعلم . ثم يقال لأهل ~~الظاهر : إن ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا يجوز القصر إلا عند حصول الخوف ~~الحاصل من فتنة الكفار ، وأما لو حصل الخوف بسبب آخر وجب أن لا يجوز القصر ~~، فإن التزموا ذلك سلموا من الطعن ، إلا أنه بعيد ، وإن لم يلتزموه توجه ~~النقص عليهم ، لأنه تعالى قال : { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } وذلك ~~يقتضي أن الشرط هو هذا الخوف المخصوص ، ولهم أن يقولوا : إما أن يقال : حصل ~~إجماع الصحابة والأمة على أن مطلق الخوف كاف ، أو لم يحصل الإجماع ، فإن ~~حصل الإجماع فنقول : خالفنا ظاهر القرآن بدلالة الإجماع ، وهو دليل قاطع ~~فلم تجز مخالفته بدليل ظني ، وإن لم يحصل الإجماع فقد زال السؤال ، لأنا ~~نلتزم أنه لا يجوز القصر إلا مع هذا الخوف المخصوص ، والله أعلم . # أما قوله : { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ففي تفسير هذه الفتنة ~~قولان : الأول : خفتم أن يفتنوكم عن إتمام الركوع والسجود في جميعها . ~~الثاني : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا بعداوتهم ، والحاصل أن كل محنة ~~وبلية وشدة فهي فتنة . # ثم قال تعالى : { إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا } والمعنى أن العداوة ~~الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة ، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين ~~وازدادت عداوتهم ، وبسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم وقصد إتلافكم إن ~~قدروا ، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم ، فعلى هذا رخصت لكم ~~في قصر الصلاة ، وإنما قال { عدوا } ولم يقل أعداء ، لأن العدو يستوي فيه ~~الواحد والجمع ، قال تعالى : { فإنهم عدو لى إلا رب العالمين } ( الشعراء : ~~77 ) . # ! 7 < { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلواة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ~~معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ms3067 ~~مرضىأن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا * فإذا ~~قضيتم الصلواة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلواة إن الصلواة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } > 7 @QB@ < # | النساء : ( 102 - 103 ) وإذا كنت فيهم . . . . . # > > # أعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة حال قصر الصلاة بحسب الكمية في ~~العدد ، بين في هذه الآية حالها في الكيفية ، وفيه مسائل : PageV11P019 # المسألة الأولى : قال أبو يوسف والحسن بن زياد : صلاة الخوف كانت خاصة ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ولا تجوز لغيره ، وقال المزني : كانت ثابتة ثم ~~نسخت . واحتج أبو يوسف على قوله بوجهين : الأول : أن قوله تعالى : { وإذا ~~كنت فيهم فأقمت لهم الصلواة } ظاهره يقتضي أن إقامة هذه الصلاة مشروطة بكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ، لأن كلمة ( إذا ) تفيد الاشتراط الثاني : ~~أن تغيير هيئة الصلاة أمر على خلاف الدليل ، إلا أنا جوزنا ذلك في حق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لتحصل للناس فضيلة الصلاة خلفه ، وأما في حق غير ~~الرسول عليه الصلاة والسلام فهذا المعنى غير حاصل ، لأن فضيلة الصلاة خلف ~~الثاني كهي خلف الأول ، فلا يحتاج هناك إلى تغيير هيئة الصلاة ، وأما سائر ~~الفقهاء فقالوا : لما ثبت هدا الحكم في حق النبي صلى الله عليه وسلم بحكم ~~هذه الآية وجب أن يثبت في حق غيره لقوله تعالى : { واتبعوه } ( الأعراف : ~~158 ) ألا ترى أن قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم } ( التوبة : ~~103 ) لم يوجب كون الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصا به دون غيره من الأمة ~~بعده ، وأما التمسك بإدراك فضيلة الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فليس ~~يجوز أن يكون علة لإباحة تغيير الصلاة ، لأنه لا يجوز أن يكون طلب الفضيلة ~~يوجب ترك الفرض ، فاندفع هذا الكلام والله أعلم . # المسألة الثانية : شرح صلاة الخوف هو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي ~~بهم ركعة واحدة ، ثم إذا فرغوا من الركعة فكيف يصنعون ؟ فيه أقوال : الأول ~~: أن تلك الطائفة يسلمون من الركعة الواحدة ويذهبون إلى وجه ms3068 العدو ، وتأتي ~~الطائفة الأخرى ويصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم ، وهذا مذهب من يرى أن ~~صلاة الخوف للإمام ركعتان ، وللقوم ركعة ، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر بن ~~عبد الله ومجاهد . الثاني : أن الإمام يصلي بتلك الطائفة ركعتين ويسلم ، ثم ~~تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدو ، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي الإمام بهم ~~مرة أخرى ركعتين ، وهذا قول الحسن البصري . الثالث : أن يصلي الإمام مع ~~الطائفة الأولى ركعة تامة ، ثم يبقى الإمام قائما في الركعة الثانية إلى أن ~~تصلي هذه الطائفة ركعة أخرى ، ويتشهدون ويسلمون ويذهبون إلى وجه العدو ، ثم ~~تأتي الطائفة الثانية ويصلون مع الإمام قائما في الركعة الثانية ركعة ، ثم ~~يجلس الإمام في التشهد إلى أن تصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية / ثم ~~يسلم الإمام بهم ، وهذا قول سهل بن أبي حثمة ومذهب الشافعي . الرابع : أن ~~الطائفة الأولى يصلي الإمام بهم ركعة ويعودون إلى وجه العدو ، وتأتي ~~الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو ، ثم تعود ~~الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم بقراءة وينصرفون إلى وجه العدو ، ثم ~~تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة ، والفرق أن الطائفة ~~الأولى أدركت أول الصلاة ، وهم في حكم من خلف الإمام ، وأما لاثانية فلم ~~تدرك أول الصلاة ، والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد في صلاته ، وهذا قول عبد ~~الله بن مسعود ، ومذهب أبي حنيفة . وأعلم أنه وردت الروايات المختلفة بهذه ~~الصلاة ، فلعله صلى الله عليه وسلم صلى بهم هذه الصلاة في أوقات مختلفة ~~بحسب المصلحة ، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن الأفضل والأشد موافقة ~~لظاهر الآية أي هذه الأقسام ، أما الواحدي رحمه الله فقال : الآية مخالفة ~~للروايات التي أخذ بها أبو حنيفة ، وبين ذلك من وجهين : الأول : أنه تعالى ~~قال : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا } وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد ~~صلت عند إتيان الثانية ، وعند أبي حنيفة ليس الأمر كذلك ، لأن الطائفة ~~الثانية عنده تأتي والأولى بعد في الصلاة وما PageV11P020 فرغوا منها . ~~الثاني : أن قوله { فليصلوا معك } ظاهره يدل على ms3069 أن جميع صلاة الطائفة ~~الثانية مع الإمام لأن مطلق قولك : صليت مع الإمام يدل على أنك أدركت جميع ~~الصلاة معه ، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك ، وأما أصحاب أبي حنيفة ~~فقالوا : الآية مطابقة لقولنا ، لأنه تعالى قال : { فإذا سجدوا فليكونوا من ~~ورائكم } وهذا يدل عى أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة ، ولكنهم ~~يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة ، وأجاب الواحدي عنه ~~فقال : هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة ، ~~وليس الأمر كذلك ، بل هو لطائفتين السجود للأولى ، والكون من ورائكم الذي ~~بمعنى الحراسة للطائفة الثانية والله أعلم . # ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول : قوله تعالى : { وإذا كنت فيهم } أي وإذا ~~كنت أيها النبي مع المؤمنين في غزواتهم وخوفهم { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلواة فلتقم } والمعنى فاجعلهم طائفتين ، فلتقم منهم طائفة معك فصل بهم ~~وليأخذوا أسلحتهم ، والضمير إما للمصلين وإما لغيرهم ، فإن كان للمصلين ~~فقالوا : يأخذون من السلام ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر ، وذلك ~~لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط وأمنع للعدو من الإقدام عليهم ، وإن كان لغير ~~المصلين فلا كلام فيه . ويحتمل أن يكون ذلك أمرا للفريقين بحمل السلام لأن ~~ذلك أقرب إلى الاحتياط . # ثم قال : { فإذا سجدوا فليكونوا } # يعني غير المصلين { من ورائكم } يحرسونكم ، وقد ذكرنا أن أداء الركعة ~~الأولى مع الإمام في صلاة الخوف كهو في صلاة الأمن ، إنما التفاوت يقع في ~~أداء الركعة الثانية فيه ، وقد ذكرنا مذاهب الناس فيها . # ثم قال : { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } وقد بينا أن هذه ~~الآية دالة على صحة قول الشافعي . # ثم قال : { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } والمعنى أنه تعالى جعل الحذر وهو ~~التحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي ، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في ~~الأخذ وجعلا مأخوذين . قال الواحدي رحمه الله : وفيه رخصة للخائف في الصلاة ~~بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة . # فإن قيل : لم ذكر في الآية الأولى { أسلحتهم } فقط ، وذكر في هذه الآية ~~حذرهم وأسلحتهم . # قلنا : لأن ms3070 في أول الصلاة قلما يتنبه العدو لكون المسلمين في الصلاة / بل ~~يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة أما في الركعة الثانية فقد ظهر للكفار ~~كونهم في الصلاة ، فههنا ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم ، فلا جرم خص الله ~~تعالى هذا الموضع بزيادة تحذير فقال : { وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } . # ثم قال تعالى : { ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتهم وأمتعتكم فيميلون ~~عليكم ميلة واحدة } أي بالقتال . عن أبي عباس وجابر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى بأصحابه الظهر ، ورأى المشركون ذلك ، فقالوا بعد ذلك : بئسما ~~صنعنا حيث لم نقدم عليهم ، وعزموا على ذلك عند الصلاة الأخرى ، فأطلع الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم على أسرارهم بهذه الآية : # ثم قال تعالى : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن ~~تضعوا أسلحتكم } PageV11P021 والمعنى أنه إن تعذر حمل السلاح إما لأنه ~~يصيبه بلل المطر فيسود وتفسد حدته ، أو لأن من الأسلحة ما يكون مبطنا فيثقل ~~على لابسه إذا ابتل بالماء ، أو لأجل أن الرجل كان مريضا فيشق عليه حمل ~~السلام ، فههنا له أن يضع حمل السلاح . # ثم قال : { وخذوا حذركم } والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال ~~المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالنيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر ، ~~لئلا يجترىء العدو عليهم احتيالا في الميل عليهم واستغناما منهم لوضع ~~المسلمين أسلحتهم ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن قوله في أول الآية { وليأخذوا أسلحتهم } أمر ، وظاهر ~~الأمر للوجوب ، فيقتضي أن يكون أمذ السلاح واجبا ثم تأكد هذا بدليل آخر ، ~~وهو أنه قال : { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو وراء هاتين ~~الحالتين يكون الإثم والجناح حاصلا بسبب وضع السلاح . ومنهم من قال : إنه ~~سنة مؤكدة ، والأصح ما بيناه ثم الشرط أن لا يحمل سلاحا نجسا إن أمكنه ، ~~ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف ، وبالجملة بحيث لا يتأذى به أحد . # المسألة الثانية : قال أبو على الجرجاني صاحب النظم : قوله تعالى : { ~~وخذوا حذركم } يدل على أنه كان يجوز للنبي ms3071 صلى الله عليه وسلم أن يأتي ~~بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذرا غير غافل عن كيد العدو . والذي نزل به ~~القرآن في هذا الموضع هو وجه الحذر ، لأن العدو يومئذ بذات الرقاع كان ~~مستقبل القبلة ، فالمسلمون كانوا مستدبرين القبلة ، ومتى استقبلوا القبلة ~~صاروا مستدبرين لعدوهم ، فلا جرم أمروا بأن يصيروا طائفتين : طائفة في وجه ~~العدو ، وطظائفة مع النبي عليه الصلاة والسلام مستقبل القبلة ، وأما حين ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان وببطن نخل فإنه لم يفرق أصحابه ~~طائفتين ، وذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة ، والمسلمون كانوا مستقبلين ~~لها ، فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا ~~عند السجود ، فلا جرم لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم ، فلما ~~فرغوا من السجود وقاموا تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا وكان الصف الأول ~~حال قيامهم يحرسون الصف الثاني ، فثبت بما ذكرنا أن قوله تعالى : { خذوا ~~حذركم } يدل على جواز هذه الوجوه ؛ والذي يدل على أن المراد من هذه الآية ~~ما ذكرناه أنا لو لم نحملها على هذا الوجه لصار تكرارا محضا من غير فائدة ، ~~ولوقع فعل الرسول بعسفان وببطن نخل على خلاف نص القرآن وإنه غير جائز ، ~~والله أعلم . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : إن الله تعالى أمر بالحذر ، وذلك يدل ~~على كون العبد قادرا على الفعل وعلى الترك وعلى جميع وجوه الحذر ، وذلك يدل ~~على أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى ، وجوابه ما تقدم من المعارضة ~~بالعلم والداعي والله أعلم . # المسألة الرابعة : دلت الآية على وجوب الحذر عن العدو ، فيدل على وجوب ~~الحذر عن جميع المضار المظنونة ، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج ~~بالدواء والعلاج باليد والاحتراز عن الوباء وعن الجلوس تحت الجدار المائل ~~واجبا والله أعلم . # ثم قال تعالى : { إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } وفيه سؤال ، أنه ~~كيف طابق الأمر بالحذر قوله PageV11P022 { إن الله أعد للكافرين عذابا ~~مهينا } وجوابه : أنه تعالى لما أمر بالحذر عن العدو أوهم ذلك قوة العدو ~~وشدتهم ، فأزال الله ms3072 تعالى هذا الوهم بأن أخبر أنه يهينهم ويخذلهم ولا ~~ينصرهم البتة حتى يقوي قلوب المسلمين ويعلموا أن الأمر بالحذر ليس لما لهم ~~من القوة والهيبة ، وإنما هو لأجل أن يحصل الخوف في قلب المؤمنين ، فحيهئذ ~~يكونون متضرعين إلى الله تعالى في أن يمدهم بالنصر والتوفيق ، ونظيره قوله ~~تعالى : { إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } ( ~~الأنفال : 45 ) . # ثم قال تعالى : { فإذا قضيتم الصلواة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبكم } وفيه قولان : الأول : فإذا قضيتم صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله ~~في جميع الأحوال ، فإن ما أنتم عليه من الخوف والحذر مع العدو جدير ~~بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه ، الثاني : أن المراد بالذكر الصلاة ، ~~يعني صلوا قياما حال اشتغالكم بالمسابقة والمقارعة ، وقعودا حال اشتغالكم ~~بالرمي ، وعلى جنوبكم حال ما تكثر الجراحات فيكم فتسقطون على الأرض ، فإذا ~~اطمأننتم حين تضع الحرب أوزارها فأقيموا الصلاة ، فاقضوا ما صليتم في حال ~~المسابقة . هذا ظاهر على مذهب الشافعي في إيجاب الصلاة على المحارب في حال ~~المسابقة إذا حضر وقتها ، وإذا اطمأنوا فعليهم القضاء إلا أن على هذا القول ~~إشكالا ، وهو أن يصير تقدير الآية : فإذا قضيتم الصلاة فصلوا ، وذلك بعيد ~~لأن حمل لفظ الذكر على الصلاة مجاز فلا يصار إليه إلا لضرورة . # ثم قال تعالى : { فإذا قضيتم الصلواة فاذكروا } واعلم أن هذه الآية ~~مسبوقة بحكمين : أولهما : بيان القصر وهو صلاة السفر ، والثاني : صلاة ~~الخوف ، ثم إن قوله { فإذا اطمأننتم } يحتمل نقيض الأمرين ، فيحتمل أن يكون ~~المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافرا بل يصير مقيما ، وعلى هذا ~~التقدير يكون المراد : فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ~~البتة ، ويحتمل أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مضطرب ~~القلب ، بل يصير ساكن القلب ساكن النفس بسبب أنه زال الخوف ، وعلى هذا ~~التقدير يكون المراد : فإذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي ~~كنتم تعرفونها ، ولا تغيروا شيئا من أحوالها وهيآتها ، ثم لما بالغ الله ~~سبحانه وتعالى في ms3073 شرح أقسام الصلاة فذكر صلاة السفر ، ثم ذكر بعد ذلك صلاة ~~الخوف ختم هذه الآية بقوله { فإذا قضيتم الصلواة فاذكروا الله قياما وقعودا ~~} أي فرضا موقتا ، والمراد بالكتاب ههنا المكتوب كأنه قيل : مكتوبة موقوتة ~~، ثم حذف الهاء من الموقوت كما جعل المصدر موضع المفعو والمصدر مذكر ، ~~ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات موقتة ، يقال : وقته ووقته مخففا ، ~~وقريء { وإذا الرسل } ( المرسلات : 11 ) بالتخفيف . # واعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أن وجوب الصلاة مقدر بأوقات مخصوصة ، ~~إلا أنه تعالى أجمل ذكر الأوقات ههنا وبينها في سائر الآيات ، وهي خمسة : ~~أحدها : قوله تعالى { بصير حافظوا على الصلوات والصلواة الوسطى } ( البقرة ~~: 238 ) فقوله { الصلوات } يدل على وجوب صلوات ثلاثة / وقوله { حافظوا على ~~} يمنع أن يكون أحد تلك الثلاثة وإلا لزم التكرار ، فلا بد وأن تكون زائدة ~~على الثلاثة ولا يجوز أن يكون الواجب أربعة ، وإلا لم يحصل فيها وسطى ، فلا ~~بد من جعلها خمسة لتحصل الوسطى ، وكما دلت هذه الآية على وجوب خمس صلوات ~~دلت على عدم وجوب الوتر ، وإلا لصارت الصلوات الواجبة ستة ، فحينئذ لا تحصل ~~الوسطى فهذه الآية دلت على أن الواجب خمس صلوات إلا أنها غير دالة على بيان ~~أوقاتها . وثانيها : قوله PageV11P023 تعالى : { أقم الصلواة لدلوك الشمس ~~إلى غسق اليل وقرءان الفجر } ( الإسراء : 78 ) فالواجب من الدلوك إلى الغسق ~~هو الظهر والعصر ، والواجب من الغسق إلى الفجر هو المغرب والعشاء والواجب ~~في الفجر هو صلاة الصبح ، وهذه الآية توهم أن للظهر والعصر وقتا واحدا ~~وللمغرب والعشاء وقتا واحدا . وثالثها : قوله سبحانه { فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) والمراد منه الصلاتان الواقعتان في ~~طرفي النهار وهما المغرب والصبح ، ثم قال { وله الحمد فى * السماوات والارض ~~* وعشيا وحين تظهرون } ( الروم : 18 ) فقوله { وعشيا } المراد منه الصلاة ~~الواقعة في محض الليل وهي صلاة العشاء ، وقوله { وحين تظهرون } المراد ~~الصلاة الواقعة في محض النهار ، وهي صلاة الظهر كما قدم في قوله { حين ~~تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) صلاة الليل على ms3074 صلاة النهار في الذكر ، ~~فكذلك قدم في قوله { وعشيا وحين تظهرون } صلاة الليل على ثلاة النهار في ~~الذكر ، فصارت الصلوات الأربعة مذكورة في هذه الآية ، وأما صلاة العصر فقد ~~أفردها الله تعالى بالذكر في قوله { والعصر } تشريفا لها بالإفراد بالذكر . ~~ورابعها : قوله تعالى : { وأقم الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل } ( هود ~~: 114 ) فقوله { طرفى النهار } يفيد وجوب صلاة الصبح وجوب صلاة العصر ~~لأنهما كالواقعتين على الطرفين ، وإن كانت صلاة الصبح واقعة قبل حدوث الطرف ~~الأول وصلاة العصر واقعة قبل حدوث الطرف الثاني . وقوله { وزلفا من اليل } ~~يفيد وجوب المغرب والعشاء ، وكان بعضهم يستدل بهذه الآية على وجوب الوتر ~~قال : لأن الزلف جمع ، وأقله ثلاثة ، فلا بد وأن يجب ثلاث صلوات في الليل ~~عملا بقوله { وزلفا من اليل } وخامسها : قوله تعالى { وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ءاناء اليل فسبح } فقوله { قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها } ( طه : 130 ) إشارة إلى الصبح والعصر ، وهو كقوله { وأقم الصلواة ~~طرفى النهار وزلفا من اليل } ( هود : 114 ) وقوله { ومن ءاناء اليل } إشارة ~~إلى المغرب والعشاء ، وهو كقوله { وزلفا من اليل } وكما احتجوا بقوله { ~~وزلفا من اليل } فكذلك احتجوا عليه بقوله { ومن ءاناء اليل } لأن قوله آناء ~~الليل جمع وأقله ثلاثة ، فهذا مجموع الآيات الدالة على الأوقات الخمسة ~~للصلوات الخمس . # واعلم أن تقدير الصلوات بهذه الأوقات الخمسة في نهاية الحسن والجمال نظرا ~~إلى المعقول ، وبيانه أن لكل شيء من أحوال هذا العالم مراتب خمسة : أولها : ~~مرتبة الحدوث والدخول في الوجود ، وهو كما يولد الإنسان ويبقى في النشو ~~والنماء إلى مدة معلومة ، وهذه المدة تسمى سن النشو والنماء . # والمرتبة الثانية : مدة الوقوف ، وهو أن يبقى ذلك الشيء على صفة كماله من ~~غير زيادة ولا نقصان وهذه المدة تسمى سن الشباب . # والمرتبة الثالثة : مدة الكهولة ، وهو أن يظهر في الإنسان نقصانات ظاهرة ~~جلية إلى أن يموت ويهلك / وتسمى هذه المدة سن الشيخوخة . # المرتبة الخامسة : أن تبقى آثاره بعد موته مدة ، ثم بالآخرة تنمحي تلك ~~الآثار ms3075 وتبطل وتزول ، ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ، فهذه المراتب ~~الخمسة حاصلة لجميع حوادث هذا العالم سواء كان إنسانا أو غيره من الحيوانات ~~أو النباتات ، والشمس حصل لها بحسب طلوعها وغروبها هذه الأحوال الخمس ، ~~وذلك لأنها PageV11P024 حين تطلع من مشرقها يشبه حالها حال المولود عندما ~~يولد ، ثم لا يزال يزداد ارتفاعها ويقوى نورها ويشتد حرها إلى أن تبلغ إلى ~~وسط السماء ، فتقف هناك ساعة ثم تنحدر ويظهر فيها نقاصانات خفية إلى وقت ~~العصر ، ثم من وقت العصر يظهر فيها نقصانات ظاهرة فيضعف ضوؤها ويضعف حرها ، ~~ويزداد انحطاطها وقوتها إلى الغروب ، ثم إذا غربت يبقى بعض آثارها في أفق ~~المغرب وهو الشفق ، ثم تنمحي تلك الآثار وتصير الشمس كأنها ما كانت موجودة ~~في العالم ، فلما حصلت هذه الأحوال الخمسة لها وهي أمور عجيبة لا يقدر ~~عليها إلا الله تعالى لا جرم أوجب الله تعالى عند كل واحد من هذهالأحوال ~~الخمسة لها صلاة ، فأوجب عند قرب الشمس من الطلوع صلاة الفجر شكرا للنعمة ~~العظيمة الحاصلة بسبب زوال تلك الظلمة وحصول النور ، وبسبب زوال النوم الذي ~~هو كالموت وحصول اليقظة التي هي كالحياة ، ولما وصلت الشمس إلى غاية ~~الارتفاع ثم ظهر فيها أثر الانحطاط أوجب صلاة الظهر تعظيما للخالق القادر ~~على قلب أحوال الأجرام العلوية والسفلية من الضد إلى الضد ، فجعل الشمس بعد ~~غاية ارتفاعها واستعلائها منحطة عن ذلك العلو وآخذة في سن الكهولة ، وهو ~~النقصان الخفي ، ثم لما انقضت مدة الحكهولة ودخلت في أول زمان الشيخوخة ~~أوجب تعالى صلاة العصر . ونعم ما قال الشافعي رحمه الله : أن أول العصر هو ~~أن يصير ظل كل شيء مثليه ، وذلك لأن من هذا الوقت تظهر النقصانات الظاهرة ، ~~ألا ترى أن من أول وقت الظهر إلى وقت العصر على قول الشافعي رحمه الله ما ~~ازداد الظل إلا مثل الشيء ، ثم إن في زمان الطيف يصير ظله مثليه ، وذلك يدل ~~على أن من الوقت الذي يصير ظل الشيء مثلا له تأخذ الشمس في النقصانات ~~الظاهرة ms3076 ، ثم إذا غربت الشمس أشبهت هذه الحالة ما إذا مات الإنسان ، فلا ~~جرم أوجب الله تعالى عند هذه الحالة صلاة المغرب ، ثم لما غرب الشفق فكأنه ~~انمحت آثار الشمس ولم يبق منها في الدنيا خبر ولا أثر ، فلا جرم أوجب الله ~~تعالى صلاة العشاء ، فثبت أن إيجاب الصلوات الخمس في هذه الأوقات الخمسة ~~مطابق للقوانين العقلية والأصول الحكمية ، والله أعلم بأسرار أفعاله . # ! 7 < { ولا تهنوا فى ابتغآء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما ~~تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 104 ) ولا تهنوا في . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض الأحكام التي يحتاج المجاهد إلى معرفتها ~~عاد مرة أخرى إلى الحث على الجهاد فقال { ولا تهنوا } أي ولا تضعفوا ولا ~~تتوانوا { فى ابتغاء القوم } أي في طلب الكفار بالقتال ، ثم أورد الحجة ~~عليهم في ذلك فقال : فلما لم يصر خوف الألم مانعا لهم عن قتالكم فكيف صار ~~مانعا لكم عن قتالهم ، ثم زاد في تقرير الحجة وبين أن المؤمنين أولى ~~بالمصابرة على القتال من المشركين ، لأن المؤمنين مقرون بالثواب والعقاب ~~والحشر والنشر ، والمشركين لا يقرون بذلك ، فإذا كانوا مع إنكارهم الحشر ~~والنشر يجدون PageV11P025 في القتال فأنتم أيها المؤمنون المقرون بأن لكم ~~في هذا الجهاد ثوابا عظيما وعليكم في تركه عقابا عظيما ، أولى بأن تكونوا ~~مجدين في هذا الجهاد ، وهو المراد من قوله تعالى : { وترجون من الله ما لا ~~يرجون } ويحتمل أيضا أن يكون المراد من هذا الرجاء ما وعدهم الله تعالى في ~~قوله { ليظهره على الدين كله } ( التوبة : 33 ) ( الفتح : 28 ) ( الصف : 9 ~~) وفي قوله { حكيم ياأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } ( ~~الأنفال : 64 ) وفيه وجه ثالث ، وهو أنكم تعبدون الإله العالم القادر ~~السميع البصير فيصح منكم أن ترجوا ثوابه ، وأما المشركون فإنهم يعبدون ~~الأصنام وهي جمادات ، فلا يصح منهم أن يرجوا من تلك الأصنام ثوابا أو ~~يخافوا منها عقابا . وقرأ الأعرج { إن تكونوا تألمون } بفتح الهمزة بمعنى : ~~ولا تهنوا لأن ms3077 تكونوا تألمون ، وقوله { فإنهم يألمون كما تألمون } تعليل . # ثم قال : { وكان الله عليما حكيما } أي لا يكلفكم شيئا ولا يأمركم ولا ~~ينهاكم إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم . # ! 7 < { إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا ~~تكن للخآئنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 105 - 106 ) إنا أنزلنا إليك . . . . . # > > # في كيفية النظم وجوه : الأول : أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين على ~~سبيل الاستقصاء ثم اتصل بذلك أمر المحاربة ، واتصل بذكر المحاربة ما يتعلق ~~بها من الأحكام الشرعية ، مثل قتل المسلم خطأ على ظن أنه كافر ، ومثل بيان ~~صلاة السفر وصلاة الخوف ، رجع الكلام بعد ذلك إلى أحوال المنافقين ، وذكر ~~أنهم كانوا يحاولون أن يحملوا الرسول عليه الصلاة والسلام على أن يحكم ~~بالباطل ويذر الحكم الحق ، فأطلع الله رسوله عليه وأمره بأن لا يلتفت إليهم ~~ولا يقبل قولهم في هذا الباب . # والوجه الثاني في بيان النظم : أنه تعالى لما بين الأحكام الكثيرة في هذه ~~السورة بين أن كل ما عرف بإنزال الله تعالى وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء ~~منها طلبا لرضا قومه . # الوجه الثالث : أنه تعالى لما أمر بالمجاهدة مع الكفار بين أن الأمر وإن ~~كان كذلك لكنه لا تجوز الخيانة معهم ولا إلحاق ما لم يفعلوا بهم ، وأن كفر ~~الكافر لا يبيح المسامحة بالنظر له ، بل الواجب في الدين أن يحكم له وعليه ~~بما أنزل على رسوله ، وأن لا يلحق الكافر حيف لأجل أن يرضى المنافق بذلك ، ~~وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اتفق المفسرون على أن أكثر هذه الآيات نزلت في طعمة بن ~~أبيرق ، ثم في كيفية الواقعة روايات : أحدها : أن طعمة سرق درعا فلما طلبت ~~الدرع منه رمى واحدا من اليهود بتلك السرقة ، ولما اشتدت الخصومة بين قومه ~~وبين قوم اليهودي جاء قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه أن ~~يعينهم على هذا المقصود وأن يلحق هذه الخيانة باليهودي ، فهم الرسول عليه ms3078 ~~الصلاة والسلام بذلك فنزلت الآية ، وثانيها : أن واحدا وضع عنده درعا على ~~سبيل الوديعة ولم يكن هناك شاهد ، فلما طلبها منه جحدها . وثالثها : أن ~~المودع لما PageV11P026 طلب الوديعة زعم أن اليهودي سرق الدرع واعلم أن ~~العلماء قالوا هذايدل على أن طعمة وقومه كانوا منافقين ، وإلا لما طلبوا من ~~الرسول نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي على سبيل التخرص والبهتان ، ~~ومما يؤكد ذلك قوله تعالى : { وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء } ( ~~النساء : 113 ) ثم روي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد وثقب حائطا هناك لأجل ~~السرقة فسقط الحائط عليه ومات . # المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : قوله { أراك الله } إما أن يكون ~~منقولا بالهمزة من رأيت التي يراد بها رؤية البصر ، أو من رأيت التي تتعدى ~~إلى المفعولين ، أو من رأيت التي يراد بها الإعتقاد ، والأول باطل لأن ~~الحكم في الحادثة لا يرى بالبصر ، والثاني أيضا باطل لأنه يلزم أن يتعدى ~~إلى ثلاثة لا إلى المفعولين بسبب التعدية ، ومعلوم أن هذا اللفظ لم يتعد ~~إلا إلى مفعولين أحدهما : الكاف التي هي للخطاب ، والآخر المفعول المقدر ، ~~وتقديره : بما أراكه الله ، ولما بطل السمان بقي الثالث ، وهو أن يكون ~~المراد منه رأيت بمعنى الإعتقاد . # المسألة الثالثة : اعلم أنه ثبت بما قدمنا أن قوله { بما أراك الله } ~~معناه بما أعلمك الله ، وسمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ ~~عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية في القوة والظهور ، وكان عمر يقول : ~~لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيه ، وأما ~~الواحد منا فرأيه يكون ظنا ولا يكون علما . # إذا عرفت هذا فنقول : قال المحققون : هذه الآية تدل على أنه عليه الصلاة ~~والسلام ما كان يحكم إلا بالوحي والنص . # وإذا عرفت هذا فنقول : تفرع عليه مسألتان : إحداهما : أنه لما ثبت أنه ~~عليه الصلاة والسلام ما كان يحكم إلا بالنص ، فوجب أن يكون حال الأمة كذلك ~~لقوله تعالى : { واتبعوه ( الأعراف : 158 ) وإذا كان كذلك وجب أن يكون ~~العمل بالقياس ms3079 حراما . # والجواب عنه أنه لما قامت الدلالة على أن القياس حجة كان العمل بالقياس ~~عملا بالنص في الحقيقة ، فإنه يصير التقدير كأنه تعالى قال : مهما غلب على ~~ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر ~~جامع بين الصورتين فاعلم أن تكليفي في حقك أن تعمل بموجب ذلك الظن ، وإذا ~~كان الأمر كذلك كان العمل بهذا القياس عملا بعين النص . # أما قوله : { ولا تكن للخائنين خصيما } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : معنى الآية : ولا تكن لأجل الخائنين مخاصما لمن كان ~~بريئا عن الذنب ، يعني لا تخاصم اليهود لأجل المنافقين . # المسألة الثانية : قال الواحيد رحمه الله : خصمك الذي يخاصمك ، وجمعه ~~الخصماء ، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه ، والخصم طرف الزاوية وطرف ~~الأشفار ، وقيل للخصمين خصمان لأن كل PageV11P027 واحد منهما في ناحية من ~~الحجة والدعوى ، وخصوم السحابة جوانبها . # المسألة الثالثة : قال الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام : دلت هذه ~~الآية على صدور الذنب من الرسول عليه السلاة والسلام ، فإنه لولا أن الرسول ~~عليه الصلاة والسلام أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه وإلا لما ورد ~~النهي عنه . # والجواب : أن النهي عن الشيء ة يقتضي كون المنهي فاعلا للمنهى عنه ، بل ~~ثبت في الرواية أن قوم طعملاة لما التمسوا من الرسول عليه الصلاة والسلام ~~أن يذب عن طعمة وأن يلحق السرقة باليهودي توقف وانتظر الوحي فنزلت هذه ~~الآية ، وكان الغرض من هذا النهي تنبيه النبي عليه الصلاة والسلام على أن ~~طعمة كذاب ، وأن اليهودي برىء عن ذلك الجرم . # فإن قيل : الدليل على أن ذلك الجرم قد وقع من النبي عليه الصلاة والسلام ~~قوله بعد هذه الآية { واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما } فلما أمره ~~الله بالاستغفار دل على سبق الذنب . # والجواب من وجوه : الأول : لعله مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه كان في ~~الظاهر من المسلمين فأمر بالستغفار لهذا القدر ، وحسنات الأبرار سيئات ~~المقربين . والثاني : لعل القوم لما شهدوا على سرقة اليهودي وعلى براءة ~~طعمة من تلك ms3080 السرقة ولم يظهر للرسول عليه الصلاة والسلام ما يوجب القدح في ~~شهادتهم هم بأن يقضي بالسرقة على اليهودي ، ثم لما أطلعه الله تعالى على ~~كذب أولئك الشهود عرف أن ذلك القضاء لو وقع لكان خطأ ، فكان استغفاره بسبب ~~أنه هم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه وإن كان معذورا عند الله ~~فيه . الثالث : قوله { واستغفر الله } يحتمل أن يكون المراد : واستغفر الله ~~لأولئك الذين يذبون عن طعمة ويريدون أن يظهروا براءته عن السرقة ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا ~~أثيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 107 ) ولا تجادل عن . . . . . # > > والمراد بالذين يختانون أنفسهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه ~~سارقا ، والاختيان كالخيانة يقال : خانه واختانه ، وذكرنا ذلك عند قوله ~~تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } ( البقرة : 187 ) وءنما قال ~~تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم : إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية ~~قفد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب ، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه ، ~~ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره : إنه ظلم نفسه . # وأعلم أن في الآية تهديدا شديدا ، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام ~~لما مال طبعه قليلا إلى جانب طعمة ، وكان في علم الله أن طعمة كان فاسقا ، ~~فالله تعلى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب ، فكيف حال من يعلم ~~من الظالم كونه ظالما ثم يعينه على ذلك الظلم ، بل يحمله عليه ويرغبه فيه ~~أشد الترغيب . # ثم قال تعالى : { إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } قال المفسرون : إن ~~طعمة خان في الدرع ، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة فلا جرم قال الله ~~تعالى : { إن الله لا يحب من كان خوانا * أثيما } . PageV11P028 # فإن قيل : لم قال { خوانا * أثيما } مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم ~~واحد . # قلنا : علم الله تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم ~~الكثير ، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في ms3081 طبعه من الميل إلى ~~ذلك ، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب ~~حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات ، ومن كان خاتمته كذلك لم ~~يشك في خيانته ، وأيضا طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدفع السرقة ~~عنه ويلحقها باليهودي ، وهذا يبطل رسالة الرسول ، ومن حاول إبطال رسالة ~~الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر ، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في ~~الخيانة والإثم . # وقيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات . عن عمر رضي الله ~~عنه أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمة تبكي وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف ~~عنه ، فقال كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول الأمر ، وأعلم أنه تعالى لما ~~خص هذا الوعيد بمن كان عظيم الخيانة والإثم دل ذلك على أن من كان قليل ~~الخيانة والإثم فهو خارج عنه ثم قال تعالى : # ! 7 < { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا ~~يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا } > 7 ! # < < # | النساء : ( 108 ) يستخفون من الناس . . . . . # > > الاستخفاء في اللغة معناه الاستتار ، يقال استخفيت من فلان ، أي ~~تواريت منه واستترت . قال تعالى : { ومن جهر به ومن } ( الرعد : 10 ) أي ~~مستتر ، فقوله : { يستخفون من الناس } أي يستترون من الناس ولا يستترون من ~~الله . قال ابن عباس : يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله . قال الواحدي ~~: هذا معنى وليس بتفسير ، وذلك لأن الاستحياء من الناس يوجب الاستتار من ~~الناس والاستخفاء منهم ، فأما أن يقال : الاستحياء هو نفس الاستخفاء فليس ~~الأمر كذلك ، وقوله : { وهو معهم } يريد بالعلم والقدرة والرؤية ، وكفى هذا ~~زاجرا للإنسان عن المعاصي ، وقوله : { إذ يبيتون ما لا * بالسوء من القول } ~~أي يضمرون ويقدرون في أذهانهم وذكرنا معنى التبييت في قوله : دبيت طائفة ~~منهم } ( النساء : 81 ) والذي لا يرضاه الله من القول هو أن طعمة قال : ~~أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع وأحلف أني لم أسرقها ، فيقبل الرسول ~~يميني لأني على دينه ms3082 ولا يقبل يمين اليهودي . # فإن قيل : كيف سمي التبييت قولا وهو معنى في النفس ؟ # قلنا : مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو المعنى القائم بالنفس ، وعلى هذا ~~المذهب فلا إشكال ، ومن أنكر كلام النفس فله أن يجيب بأن طعمة وأصحابه ~~لعلهم اجتمعوا في الليل ورتبوا كيفية الحيلة والمكر ، فسمى الله تعالى ~~كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه ، فأما قوله { وكان الله بما ~~يعملون محيطا } فالمراد الوعيد من حيث إنهم وإن كانوا يخفون كيفية المكر ~~والخداع عن الناس إلا أنها كانت ظاهرة في علم الله ، لأنه تعالى محيط بجميع ~~المعلومات لا يخفى عليه سبحانه منها شيء PageV11P029 ثم قال تعالى : # ! 7 < { هاأنتم هاؤلاء جادلتم عنهم فى الحيواة الدنيا فمن يجادل الله ~~عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا } > 7 @QB@ < # | النساء : ( 109 ) ها أنتم هؤلاء . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { محيطا هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم فى الحيواة الدنيا فمن ~~يجادل الله عنهم يوم القيامة } { * ها } للتنبيه في { وإذ أنتم } و { هؤلاء ~~} وهما مبتدأ وخبر { جادلتم } جملة مبينة لوقوع { أولاء } اسما موصولا ~~بمعنى الذي و { جادلتم } صلة ، وأما الجدال فهو في اللغة عبارة عن شدة ~~المخاصمة ، وجدل الحبل شدة فتلة ، ورجل مجدول كأنه فتل ، والأجدل الصقر ~~لأنه من أشد الطيور قوة . هذا قول الزجاج . وقال غيره : سميت المخاصمة ~~جدالا لأن كل واحد من المخصمين يريد ميل صاحبه عما هو عليه وصرفه عن رأيه . # إذا عرفت هذا فنقول : هذا خطاب مع قوم من المؤمنين كانوا يذبون عن طعمة ~~وعن قومه بسبب أنهم كانوا في الظاهر من المسلمين ، والمعنى : هبوا أنكم ~~خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا ، فمن الذين يخاصمون عنهم في الآخرة إذا ~~أخذهم الله بعذابه . وقرأ عبد الله بن مسعود : ها أنتم هؤلاء جادلتم عنه ، ~~يعني عن طعمة ، وقوله { فمن يجادل الله عنهم } استفهام بمعنى التوبيخ ~~والتقريع . # ثم قال تعالى : { أم من يكون عليهم وكيلا } فقوله : { أم من يكون } عطف ~~على الاستفهام السابق ، والوكيل هو الذي وكل إليه الأمر في الحفظ والحماية ~~، والمعنى : من الذي يكون ms3083 محافظا ومحاميا لهم من عذاب الله ؟ # وأعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في هذا الباب أتبعه بالدعوة إلى التوبة ، ~~وذكر فيه ثلاثة أنواع من الترغيب فالأول : # ! 7 < { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ~~} > 7 ! # < < # | النساء : ( 110 ) ومن يعمل سوءا . . . . . # > > والمراد بالسوء القبيح الذي يسوء به غيره كما فعل طعمة من سرقة الدرع ~~ومن رمي اليهودي بالسرقة والمراد بظلم النفس ما يختص به الإنسان كالحلف ~~الكاذب ، وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ذلك يكون في الأكثر ~~إيصالا للضرر إلى الغير ، والضرر سوء حاضر ، فأما الذنب الذي يخص الإنسان ~~فذلك في الأكثر لا يكون ضررا حاضرا لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه . # وأعلم أن هذه الآية دالة على حكمين : الأول : أن التوبة مقبولة عن جميع ~~الذنوب سواء كانت كفرا أو قتلا ، عمدا أو غصبا للأموال لأن قوله { ومن يعمل ~~سوءا أو يظلم نفسه } عم الكل الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي أن مجرد ~~الاستغفار كاف ، وقال بعضهم : أنه مقيد بالتوبة لأنه لا ينفع الاستغفار مع ~~الإصرار ، وقوله { يجد الله غفورا رحيما } معناه غفورا رحيما له ، وحذف هذا ~~القيد لدلالة الكلام عليه ، فإنه لا معنى للترغيب PageV11P030 في الاستغفار ~~إلا إذا كان المراد ذلك . # والنوع الثاني : من الكلمات المرغبة في التوبة قوله تعالى : # ! 7 < { ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما } > 7 ~~! # < < # | النساء : ( 111 ) ومن يكسب إثما . . . . . # > > والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة ، ولذلك لم يجز وصف ~~الباري تعالى بذلك والمقصود منه ترغيب العاصي في الاستغفار كأنه تعالى يقول ~~: الذنب الذي أتيت به ما عادت مضرته إلي فإنني منزه عن النفع والضرر ، ولا ~~تيأس من قبول التوبة والاستغفار { وكان الله عليما } بما في قلبه عند ~~إقدامه على التوبة { حكيما } تقتضي حكمته ورحمته أن يتجاوز عن التائب . # النوع الثالث : قوله تعالى : # ! 7 < { ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما ~~مبينا } > 7 ! # < < # | النساء ms3084 : ( 112 ) ومن يكسب خطيئة . . . . . # > > وذكروا في الخطيئة والإثم وجوها : الأول : أن الخطيئة هي الصغيرة ، ~~والإثم هو الكبيرة وثانيها : الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها ، والإثم ~~هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل . وثالثها : الخطيئة ما لا ينبغي ~~فعله سواء كان بالعمد أو بالخطأ ، والإثم ما يحصل بسبب العمد ، والدليل ~~عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله { ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه } ( ~~النساء : 111 ) فبين أن الإثم ما يكون سببا لاستحقاق العقوبة . # وأما قوله { ثم يرم به بريئا } فالضمير في { به } إلى ماذا يعود ؟ فيه ~~وجوه : الأول : ثم يرم بأحد هذين المذكورين . الثاني : أن يكون عائدا إلى ~~الإثم وحده لأنه هو الأقرب كما عاد إلى التجارة في قوله { وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا انفضوا إليها } الثالث : أن يكون عائدا إلى الكسب ، والتقدير : يرم ~~بكسبه بريئا ، فدل يكسب على الكسب . الرابع : أن يكون الضمير راجعا إلى ~~معنى الخطيئة فكأنه قال : ومن يكسب ذنبا ثم يرم به بريئا . # وأما قوله { فقد احتمل بهتانا } فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكر وهو ~~برىء منه . # وأعلم أن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم ، ومعاقب في الآخرة أشد ~~العقاب ، فقوله { فقد احتمل بهتانا } إشارة إلى ما يلحقه من الذم العظيم في ~~الدنيا ، وقوله { وإثما مبينا } إشارة إلى ما يلحقه من العقاب العظيم في ~~الآخرة . # ! 7 < { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طآئفة منهم أن يضلوك وما يضلون ~~إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم ~~تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } > 7 @QB@ < # | النساء : ( 113 ) ولولا فضل الله . . . . . # > > PageV11P031 # ثم قال تعالى : { ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك } ~~والمعنى ولولا أن الله خصك بالفضل وهو النبوة ، وبالرحمة وهي العصمة لهمت ~~طائفة منهم أن يضلوك ، وذلك لأن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أن سارق ، ثم ~~سألوا النبي عليه السلام أن يدفع ويجادل عنه ويبرئه عن السرقة ، وينسب تلك ~~السرقة إلى اليهودي ، ومعنى يضلوك أي يلقوك في ms3085 الحكم الباطل الخطأ . # ثم قال تعالى : { وما يضلون إلا أنفسهم } بسبب تعاونهم على الإثم ~~والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان ، فهم لما أقدموا على هذه الأعمال فهم ~~الذين يعملون عمل الضالين . # { وما يضرونك من شىء } فيه وجهان : الأول : قال القفال رحمه الله : وما ~~يضرونك في المستقبل ، فوعده الله تعالى في هذه الآية بادامة العصمة له مما ~~يريدون من إيقاعه في الباطل . الثاني : أن المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك ~~في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل ، لأنك بنيت الأمر على ظاهر الحال ، وأنت ~~ما أمرت إلا ببناء الأحكام على الظواهر . # ثم قال تعالى : { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة } # وأعلم أنا إن فسرنا قوله { وما يضرونك من شىء } بأن المراد أنه تعالى ~~وعده بالعصمة في المستقبل كان قوله { وأنزل الله عليك الكتاب } مؤكدا لذلك ~~الوعد ، يعني لما أنزل عليك الكتاب والحكمة وأمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق ~~فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك عن الوقوع في الشبهات والضلالات ، وإن فسرنا ~~تلك الآية بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان معذورا في بناء الحكم على ~~الظاهر كان المعنى : وأنزل عليك الكتاب والحكمة وأوجب فيها بناء أحكام ~~الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر على الظاهر . # ثم قال تعالى : { والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ~~} # قال القفال رحمه الله : هذه الآية تحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المراد ~~ما يتعلق بالدين ، كما قال { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى ~~: 52 ) وعلى هذا الوجه تقدير الآية : أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك ~~على أسرارهما وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالما بشيء منهما ~~، فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك ~~وإزلالك . # الوجه الثاني : أن يكون المراد : وعلمك ما لم تكن تعلم من أخبار الأولين ~~، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه كيدهم ما تقدر به على الاحتراز عن ~~وجوه كيدهم ومكرهم ، ثم قال { وكان فضل الله عليك عظيما } وهذا من أعظم ~~الدلائل على أن ms3086 العلم أشرف الفضائل والمناقب وذلك لأن الله تعالى ما أعطى ~~الخلق من العلم إلا القليل ، كما قال { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ( ~~الإسرار : 85 ) ونصيب الشخص الواحد من علوم جميع الخلق يكون قليلا ، ثم أنه ~~سمى ذلك القليل عظيما حيث قال { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } وسمى جميع ~~الدنيا قليلا حيث قال { قل متاع الدنيا قليل } ( النساء : 77 ) وذلك يدل ~~على غاية شرف العلم . PageV11P032 # ! 7 < { لا خير فى كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح ~~بين الناس ومن يفعل ذالك ابتغآء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } > 7 ! # < < # | النساء : ( 114 ) لا خير في . . . . . # > > وأعلم أن هذه إشارة إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضي ~~من القول وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : النجوى في اللغة سر بين إثنين ~~، يقال ناجيت الرجل مناجاة ونجاء ، ويقال : نجوت الرجل أنجو نجوى بمعنى ~~ناجيته ، والنجوى قد تكون مصدرا بمنزلة المناجاة ، قال تعالى { ما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ( المجادلة : 7 ) وقد تكون بمعنى القوم الذين ~~يتناجون ، قال تعالى { وإذ هم نجوى } ( الإسراء : 47 ) . # المسألة الثانية : قوله { إلا من أمر بصدقة } ذكر النحويون في محل { من } ~~وجوها ، وتلك الوجود مبنية على معنى النجوى في هذه الآية ، فإن جعلنا معنى ~~النجوى ههنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب ، لأنه استثناء الشيء عن ~~خلاف جنسه فيكون نصبا كقوله { إلا أذى } ( آل عمران : 111 ) ويجوز أن يكون ~~رفعا في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله : # إلا اليعافير وإلا العيس # وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال : التقدير إلا في نجوى من أمر ~~بصدقة ثم حذف المضاف ، وعلى هذا التقدي يكون { من } في محل النجوى لأنه ~~أقيم مقامه ، ويجوز فيه وجهان : إحدهما : الخفض بدل من نجواهم ، كما تقول : ~~ما مررت بأحد إلا زيد . والثاني : النصب على الاستثناء فكما تقول ما جاءني ~~أحد إلا زيدا ، وهذا استثناء الجنس من الاجنس ، وأما ان ms3087 جعلنا النجوى اسما ~~للقوم المتناجين كان منصوبا على الاستثناء لأنه استثناء الجنس من الجنس ، ~~ويجوز أن يكون { من } في محل الخفض من وجهين : أحدهما : أن تجلعه تبعا ~~لكثير ، على معنى : لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة ، كقولك : ~~لا خير في القوم إلا نفر منهم . والثاني : أن تجعله تبعا للنجوى ، كما تقول ~~: لا خير في جماعة من القوم إلا زيد ، إن شئت أتبعت زيدا الجماعة ، وإن شئت ~~أتبعه القوم ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع ~~بعض إلا أنها في المعنى عامة ، والمراد : لا خير فما ينتاجى فيه الناس ~~ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ، ثم إنه تعالى ذكر من ~~أعمال الخير ثلاثة أنواع : الأمر بالصدقة ، والأمر بالمعروف ، والاصلاح بين ~~الناس ، وإنما ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة ، وذلك لأن عمل الخير إما أن ~~يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة ، أما إيصال الخير فاما أن يكون من ~~الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال ، وإليه الإشارة بقوله { إلا من أمر } ~~وإما أن يكون من الخيرات الروحانية ، وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية ~~بالعلوم ، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة ، ومجموعها عبارة عن ~~الأمر بالمعروف ، وإليه الإشارة بقوله { بصدقة أو معروف } وأما إزالة الضرر ~~فإليها PageV11P033 الإشارة بقوله { أو إصلاح بين الناس * وكان الله عليما ~~حكيما * ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما ~~مبينا * ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون ~~إلا أنفسهم وما يضرونك من شىء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم ~~تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما * لا خير فى كثير من نجواهم } فهو هذا ~~بعينه / أما مسعت الله يقول { والعصر * إن الإنسان * لفى * خسر } ( العصر : ~~( 1 ، 2 ) فهو هذا بعينه . # ثم قال تعالى : { ومن يفعل ذالك ابتغاء * مرضات * الله فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما } والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في ms3088 غاية الشرف ~~والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى لها لوجه الله ولطلب ~~مرضاته ، فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم ~~المفاسد ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة ~~رعاية أحوال القلب في إخلاص النية ، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض ~~سوى طلب رضوان الله تعالى ونظيره قوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين } ( البينه : 5 ) وقوله { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~} ( النجم : 39 ) وقوله عليه الصلاة والسلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) ~~وههنا سؤالان : # السؤال الأول : لم انتصب { ابتغاء مرضات الله } ؟ # والجواب : لأنه مفعول له ، والمعنى لأنه لابتغاء مرضاة الله . # السؤال الثاني : كيف قال { إلا من أمر } ثم قال { ومن يفعل ذالك } . # والجواب : أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأن الأمر بالخير لما ~~دخل في زمرة الخيرين فبأن يدخل فاعل الخير فيهم كان ذلك أولى ، ويجوز أن ~~يراد : ومن يأمر بذلك ، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر أيضا فعل من ~~الأفعال . # ! 7 < { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا } > 7 ! # < < # | النساء : ( 115 ) ومن يشاقق الرسول . . . . . # > > أعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو ما روي أن طعمة بن أبيرق لما ~~رأى أن الله تعالى هتك ستره وبرأ اليهودي عن تهمة السرقة ارتد وذهب إلى مكة ~~ونقب جدار إنسان لأجل السرقة فتهدم الجدار عليه ومات فنزلت هذه الآية . أما ~~الشقاق والمشاققة فقد ذكرنا في سورة البقرة أنه عبارة عن كون كل واحد منهما ~~في شق آخر من الأمر ، أو عن كون كل واحد منهما فاعلا فعلا يقتضي لحوق مشقة ~~بصاحبه ، وقوله { من بعد ما تبين له الهدى } أي من بعد ما ظهر له بالدليل ~~صحة دين الإسلام . قال الزجاج : لأن طعمة هذا كان قد تبين له بما أوحى الله ~~تعالى من أمره وأظهر من سرقته ما دله ذلك على صحة نبوة محمد صلى ms3089 الله عليه ~~وسلم ، فعادى الرسول وأظهر الشقاق وارتد عن دين الإسلام ، فكان ذلك إظهار ~~الشقاق بعد ما تبين له الهدى ، قوله { ويتبع غير سبيل المؤمنين } ~~PageV11P034 يعني غير دين الموحدين ، وذلك لأن طعمة ترك دين الإسلام واتبع ~~دين عبادة الأوثان . # ثم قال { نوله ما تولى } أي نتركه وما اختار لنفسه ، ونكله إلى ما توكل ~~عليه . قال بعضهم : هذا منسوخ بآية السيف لا سيما في حق المرتد . # ثم قال { ونصله جهنم } يعني نلزمه جنهم ، وأصله الصلاء وهو لزوم النار ~~وقت الاستدفاء { وساءت مصيرا } انتصب { مصيرا } على التمييز كقولك : فلان ~~طاب نفسا ، وتصبب عرقا ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : روي أن الشافعي رضي الله عنه سئل عن آية في كتاب الله ~~تعالى تدل على أن الإجماع حجة ، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وجد هذه الآية ~~، وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، فوجب أن يكون اتباع ~~سبيل المؤمنين واجبا ، بيان المقدمة الأولى أنه تعالى الحق الوعيد بمن ~~يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين ، ومشاقة الرسول وحدها موجبة لهذا ~~الوعيد ، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجبا له لكان ذلك ضما لما لا ~~أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد وإنه غير جائز ، فثبت ~~أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام ، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم ~~واجبا ، وذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل ~~المؤمنين ، فإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما لزم أن يكون عدم اتباع ~~سبيل المؤمنين حراما ، وإذا كان عدم اتباعهم حراما كان اتباعهم واجبا ، ~~لأنه لا خروج عن طرفي النقيض . # فإن قيل : لا نسلم أن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير ~~سبيل المؤمنين ، فإنه لا يمتنع أن لا يتبع لا سبيل المؤمنين ولا غير سبيل ~~المؤمنين . # وأجيب عن هذا السؤال بأن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل ما فعل الغير ، ~~فإذا كان من شأن غير المؤمنين أن لا يتبعوا سبيل المؤمنين فكل من لم يتبع ms3090 ~~سبيل المؤمنين فقد أتى بمثل فعل غير المؤمنين فوجب كونه متبعا لهم ، ولقائل ~~أن يقول : الاتباع ليس عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير وإلا لزم أن يقال : ~~الأنبياء والملائكة متبعون لآحاد الخلق من حيث أنهم يوحدون الله كما أن كل ~~واحد من آحاد الأمة يوحد الله ، ومعلوم أن ذلك لا يقال ، بل الاتباع عبارة ~~عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير ، وإذا كان كذلك فمن ترك ~~متابعة سبيل المؤمنين ، فهذا سؤال قوي على هذا الدليل ، وفيه أبحاث أخر ~~دقيقة ذكرناها في كتاب المحصول في علم الأصول والله أعلم . # المسألة الثانية : دلت هذه الآية على وجوب عصمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~عن جميع الذنوب ، والدليل عليه أنه لو صدر عنه ذنب لجاز منعه ، وكل من منع ~~غيره عن فعل يفعله كان مشاققا له ، لأن كل واحد منهما يكون في شق غير الشق ~~الذي يكون الآخر فيه ، فثبت أنه لو صدر الذنب عن الرسول لوجبت مشاقته ، لكن ~~مشاقته محرمة بهذه الآية فوجب أن لا يصدر الذنب عنه . # المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أنه يجب الاقتداء بالرسول عليه ~~الصلاة والسلام في أفعاله إذ لو كان فعل الأمة غير فعل الرسول لزم كون كل ~~واحد منهما في شق آخر من العمل فتحصل المشاقة ، لكن المشاقة محرمة ، فيلزم ~~وجوب الاقتداء في أفعاله . PageV11P035 # المسألة الرابعة : قال بعض المتقدمين : كل مجتهد مصيب في الأصول لا بمعنى ~~أن اعتقاد كل واحد منهم مطابق للمعتقد ، بل بمعنى سقوط الإثم عن المخطىء ، ~~واحتجوا على قولهم بهذه الآية قالوا : لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين ~~الهدى ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط ، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل ~~تبين الهدى أن لا يكون الوعيد حاصلا . # وجوابه : وهو دلالة ظنية عند من يقول به ، والدليل الدال على أن وعيد ~~الكفار قطعي أنه تعالى قال بعد هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به } ( ~~النساء : 116 ) والقاطع لا يعارضه المظنون . # المسألة الخامسة : الآية دالة على أنه ms3091 لا يمكن تصحيح الدين إلا بالدليل ~~والنظر والاستدلال ، وذلك لأنه تعالى شرط حصول الوعيد بتبين الهدى ، ولو لم ~~يكن تبين الهدى معتبرا في صحة الدين وإلا لم يكن لهذا الشرط معنى . # المسألة السادسة : الآية دالة على أن الهدى اسم للدليل لا للعلم ، إذ لو ~~كان الهدى اسما للعلم لكان تبين الهدى إضافة الشيء إلى نفسه وأنه فاسد . # ! 7 < { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذالك لمن يشآء ومن يشرك ~~بالله فقد ضل ضلالا بعيدا * إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا ~~شيطانا مريدا * لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا * ولأضلنهم ~~ولأمنينهم ولامرنهم فليبتكن ءاذان الا نعام ولامرنهم فليغيرن خلق الله ومن ~~يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا * يعدهم ويمنيهم وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا * أولائك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا * ~~والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين ~~فيهآ أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 116 - 122 ) إن الله لا . . . . . # > > # اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة ، وفي تكرارها فائدتان : الأولى : ~~أن عمومات الوعيد وعمومات PageV11P036 الوعد متعارضة في القرآن ، وأنه تعلى ~~ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين ، وقد أعاد ههذه الآية دالة ~~على العفو والمغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة ، وقد اتفقوا على أنه لا فائدة ~~في التكرير إلا التأكيد ، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد والرحمة ~~بمزيد التأكيد ، وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد . # والفائدة الثانية : أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع ، وقوله ~~{ ومن يشاقق الرسول } ( النساء : 115 ) إلى آخر الآيات إنما نزلت في ~~ارتداده ، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن ذلك ~~السارق لو لم يرتد لم يصر محروما عن رحمتي ، ولكنه لما ارتد وأشرك بالله ~~صار محروما قطع عن رحمة الله ، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم ~~عند الله ms3092 فقال { ومن يشرك * بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } يعني ومن لم يشرك ~~بالله لم يكن ضلاله بعيدا ، فلا جرم لا يصير محروما عن رحمتي ، وهذه ~~الناسبابت دالة قطعا على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعا ~~سواء حصلت التوبة أو لم تحصل ، ثم إنه تعالى بين كون الشرك ضلالا بعيدا ~~فقال { إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا * لعنه الله ~~} { ءان } ههنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى : { وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به قبل موته } ( النساء : 159 ) و { يدعون } بمعنى يعبدون لأن من ~~عبد شيئا فءنه يدعوه عند احتياجه إليه ، وقوله { إلا إناثا } فيه أقوال : ~~الأول : أن المراد هو الألأثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم : اللات ~~والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، واللات تأنيث الله ، والعزى تأنيث العزيز . ~~قال الحسن : لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى ~~بني فلان ، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي الله عنها : إلا ~~أوثانا ، وقراءة ابن عباس : إلا أثنا ، جمع وثن مثل أسد وأسد ، ثم أبدلت من ~~الواو المضمومة همزة نحو قوله { وإذا الرسل أقتت } ( المرسلات : 11 ) قال ~~الزجاج : وجائز أن يكون أثن أصلها أثن ، فأتبعت الضمة الضمة . # القول الثاني : قوله { إلا إناثا } أي إلا أمواتا ، وفي تسمية الأموت ~~إناثا وجهان : الأول : أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن ~~الأنثى / تقول : هذه الأحجار تعجبني : كما تقول : هذه المرأة تعجبني . ~~الثاني : أن الأنثى أخس من الذكر ، والميت أخس من الحي ، فلهذه المناسبة ~~أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات . # القول الثالث : أن بعضهم كان يعبد الملائكة ، وكانوا يقولون : الملائكة ~~بنات الله قال تعالى : { إن الذين لا يؤمنون بالاخرة ليسمون الملائكة تسمية ~~الانثى } ( النجم : 27 ) والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق ~~السموات والأرض وما بينهما جمادا يسميه بالأنثى . # ثم قال : { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا } قال المفسرون : كان في كل واحد ~~من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم ، وقال الزجاج ms3093 : المراد ~~بالشيطان ههنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية { وقال لاتخذن من ~~عبادك نصيبا مفروضا } ولا شك أن قائل هذاالقول هو إبليس ، ولا يبعد أن الذي ~~تراءى للسدنة هو إبليس ، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في ~~البعد من الطاعة ويقال له : مارد ومريد ، قال الزجاج : يقال : حائط ممرد أي ~~مملس ، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها ، والذي لم تنبت له لحية يقال له ~~أمرد لكون موضع اللحية أملس ، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ~~ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء . PageV11P037 # ثم قال تعالى ؛ { لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } وفيه ~~مسألتان . # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : { لعنه الله وقال لاتخذن } صفتان ~~بمعنى شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول الشنيع . واعلم أن ~~الشيطان ههنا قد ادعى أشياء : أولها : قوله { لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ~~} الفرض في اللغة القطع ، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر ، والفرض ~~الحز الذي في الوتر ، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر ، والفريضة ~~ما فرض الله على عباده وجعله حتما عليهم قطعا لعذرهم ، وكذا قوله { وقد ~~فرضتم لهن فريضة } ( البقرة : 237 ) أي جعلتم لهن قطعة من المال . # إذا عرفت هذا فنقول : معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك : ~~لأتخذن من عبادك حظا مقدرا معينا ، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه ~~، وفي التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( من كل ألف واحد ~~لله وسائره للناس ولإبليس ) . # فإن قيل : النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عددا من حزب الله ~~. # أما النقل : فقوله تعالى في صفة البشر { فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } ~~( سبأ : 20 ) وقال حاكيا عن الشيطان { لاحتنكن ذريته إلا قليلا } ( الإسراء ~~: 62 ) . وحكي عنه أيضا أنه قال { لاغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم ~~المخلصين } ( ص: 82 ، 83 ) ولا شك أن المخلصين قليلون . # وأما العقل : فهو أن الفساق والكفار أكثر عددا من المؤمنين المخلصين ms3094 ، ~~ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس . # إذا ثبت هذا فنقول : لم قال { لاتخذن من عبادك نصيبا } مع أن لفظ النصيب ~~لا يتناول القسم الأكثر ، وإنما يتناول الأقل ؟ # والجواب : أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع الشر ، أما إذا ضممت زمرة ~~الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين ، ~~وأيضا فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله ، ~~والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم ، فلهذا السبب وقع ~~اسم النصيب على قوم إبليس . وثانيها : { ولاضلنهم } يعني عن الحق / قالت ~~المعتزلة : هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا . # فالأصل الأول : المضل هو الشيطان ، وليس المضل هو الله تعالى قالوا : ~~وإنما قلنا : أن الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان ادعى ذلك ~~والله تعالى ما كذبه فيه ، ونظيره قوله { لاغوينهم أجمعين } وقوله { ~~لاحتنكن ذريته إلا قليلا } وقوله { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } ( الأعراف ~~: 16 ) وأيضا أنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلا للناس في معرض الذم له ، وذلك ~~يمنع من كون الإله موصوفا بذلك . # والأصل الثاني : وهو أن أهل السنة يقولون : الاضلال عبارة عن خلق الكفر ~~والضلال وقلنا : ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس ~~وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال . # والجواب : أن هذاكلام إبليس فلا يكون حجة ، وأيضا أن كلام إبليس في هذه ~~المسألة مضطرب PageV11P038 جدا ، فتارة يميل إلى القدر المحض ، وهو قوله { ~~لاغوينهم أجمعين } وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله { رب بمآ أغويتنى } ( ~~القصص : 39 ) وتارة يظهر التردد فيه حيث قال : { ربنا هؤلاء الذين أغوينا ~~أغويناهم كما غوينا } ( القصص : 63 ) يعني أن قول هؤلاء الكفار : نحن ~~أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين ؟ ولا بد من انتهاء الكل بالآخرة إلى الله ~~. وثالثها : قوله { ولامنينهم } واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال { ~~ولامنينهم } وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الاضلال أقوى من إلقاء الأماني ~~في قلوب الخلق ، وطلب الأماني يورث شيئين ms3095 : الحرص والأمل ، والحرص والأمل ~~يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة ، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال ~~صلى الله عليه وسلم : ( يهرم ابن آدم ويشب معه إثنان الحرص والأمل ) والحرص ~~يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد ~~لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق ، وإذا طال أمله نسي ~~الآخرة وصار غريقا في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة ، ولا يكاد يؤثر فيه ~~الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة . ورابعها : قوله { ولامرنهم ~~فليبتكن ءاذان الانعام } البتك القطع ، وسيف باتك أي قاطع ، والتبتيك ~~التقطيع . قال الواحدي رحمه الله : التبتيك ههنا هو قطع آذان البحيرة ~~بإجماع المفسرين ، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن ~~وجاء الخامس ذكرا ، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها . وقال آخرون : المراد ~~أنهم يقطعون آذان الأنهام نسكا في عبادة الأثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع ~~أنه في نفسه كفر وفسق . خامسها : قوله { ولامرنهم فليغيرن خلق الله } ~~وللمفسرين ههنا : قولان : الأول : أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين ~~الله ، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي ~~والنخعي وقتادة ، وفي تقرير هذا القول وجهان : الأول : أن الله تعالى فطر ~~الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ~~ربهم وآمنوا به ، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وهذا ~~معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة ) ولكن أبواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه . # والوجه الثاني : في تقرير هذا القول : أن المراد من تغيير دين الله هو ~~تبديل الحلال حراما أو الحرام . # القول الثاني : حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر ، ~~وذكروا فيه وجوها الأول : قال الحسن : المراد ما روى عبدالله بن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله الواصلات والواشمات ) قال وذلك لأن ~~المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا . الثاني : روي عن أنس وشهر بن حوشب ~~وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق ms3096 الله ههنا هو الاخصاء وقطع الآذان وفقء ~~العيون ، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم ، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ~~ألفا عوروا عين فحلها . الثالث : قال ابن زيد هو التخنث ، وأقول : يجب ~~إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول ، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه ~~الأنثى ، والسحق عبارة عن ذكر يشبه الأنثى ، والسحق عبارة عن أنثى تشبه ~~الذكر الرابع : حكى الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ~~ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل ، وخلق الشمس ~~والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون ، فغيروا خلق الله ~~، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب ويخطر ببالي ههنا وجه آخر في تخريج ~~الآية على سبيل المعنى ، وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ~~ثلاثة أوجه : التشوش ، والنقصان ، والبطلان . فادعى الشيطان لعنه الله ~~إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين ، وضرر الدين هو PageV11P039 قوله { ~~ولامنينهم } وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني ~~الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية ، ~~فهذا مرض روحاني من جنس التشوش ، وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله { ~~ولامرنهم فليبتكن ءاذان الانعام } وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان ، وهذا ~~لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم ~~في طلب الآخرة ، وأما البطلان فالإشارة إليه بقوله { ولامرنهم فليغيرن خلق ~~الله } وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى ، ومن ~~المعلوم أن من بقي مواظبا على طلب اللذات العاجلة معرضا عن السعادات ~~الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة ، ولا ~~تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر ~~الآخرة البتة ، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة ، فتكون حركته وسكونه ~~وقوله وفعله لأجل الدنيا ، وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية ~~إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر ، وهي متوجهة إلى عالم ~~القيامة ، فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لا بد من ms3097 انقضائها ~~وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييرا للخلقة ، وهو كما قال تعالى : { ولا ~~تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } ( الحشر : 19 ) وقال { فإنها لا ~~تعمى الابصار ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) . # واعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الاغواء والضلال حذر الناس ~~عن متابعته فقال : { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا ~~مبينا } واعلم أن أحدا لا يختار أن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ، ولكن ~~المعنى أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه ~~اتخذ الشيطان وليا لنفسه وترك ولاية الله تعالى ، وإنما قال { خسر خسرانا ~~مبينا } لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب ~~الضرر ، وطاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم ~~والأحزان والآلام الغالبة ، والجمع بينهما محال عقلا ، فمن رغب في ولايته ~~فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها ، ولا شك أن هذا هو ~~الخسار المطلق . # ثم قال تعالى : { يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } واعلم أنا ~~بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في ~~القلب ، وأما تبتيك الآذان وتغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في ~~القلب ومن آثاره / فلا جرم نبه الله تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك ~~الأماني وهو أن تلك الأماني لا تفيد إلا الغرور ، والغرور هو أن يظن ~~الأنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار ~~، وجميع أحوال الدنيا كذلك ، والعاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شيء منها ، ~~ومثال هذا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان أنه سيطول عمره وينال من الدنيا ~~أمله ومقصوده ، ويستولي على أعدائه ، ويقع في قلبه أن الدنيا دول فربما ~~تيسرت له كما تيسرت لغيره ، إلا أن كل ذلك غرور فإنه ربما لم يطل عمره ، ~~وإن طال فربما لم يجد مطلوبه ، وإن طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه ~~فإنه لا بد وأن يكون عند الموت في ms3098 أعظم أنواع الغم والحسرة فإن المطلوب ~~كلما كان ألذ وأشهى وكان الألف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته أشد إيلاما ~~وأعظم تأثيرا في حصول الغم والحسرة ، فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو ~~العمدة والقاعدة في هذا الباب . PageV11P040 # وفي الآية وجه آخر : وهو أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء ~~فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية . # ثم قال تعالى : { أولئك مأواهم جهنم } واعلم أنا ذكرنا أن الغرور عبارة ~~عن الحالة التي تحصل للإنسان عند وجدان ما يستحسن ظاهره إلا أنه يعظم تأذيه ~~عند انكشاف الحال فيه ، والاستغراق في طيبات الدنيا والانهماك في معاصي ~~الله سبحانه وإن كان في الحال لذيذا إلا أن عاقبته عذاب جهنم وسخط الله ~~والبعد عن رحمته ، فكان هذا المعنى مما يقوي ما تقدم ذكره من أنه ليس إلا ~~الغرور . # ثم قال تعالى : { ولا يجدون عنها محيصا } المحيص المعدل والمفر . قال ~~الواحدي رحمه الله : هذه الآية تحتمل وجهين : أحدهما : أنه لا بد لهم من ~~ورودها . الثاني : التخليد الذي هو نصيب الكفار ، وهذا غير بعيد لأن الضمير ~~في قوله { ولا يجدون } عائد إلى الذين تقدم ذكرهم ، وهم الذين قال الشيطان ~~: لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا . والأظهر أن الذي يكون نصيبا للشيطان هم ~~الكفار . # ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال : { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا وعد الله ~~حقا ومن أصدق من } . # وأعلم أنه تعالى في أكثر آيات الوعد ذكر { خالدين فيها أبدا } ولو كان ~~الخلود يفيد التأبيد والدوام للزم التكرار وهو خلاف الأصل ، فعلمنا أن ~~الخلود عبارة عن طول المكث لا عن الدوام ، وأما في آيات الوعيد فإنه يذكر ~~الخلود ولم يذكر التأبيد إلا في حق الكفار ، وذلك يدل على أن عقاب الفساق ~~منقطع . # ثم قال : { وعد الله حقا } قال صاحب ( الكشاف ) : هما مصدران : الأول : ~~مؤكد لنفسه ، كأنه قال : وعد وعدا وحقا مصدر مؤكد لغيره ، أي حق ذلك حقا . # ثم قال : { ومن أصدق من الله قيلا } وهو توكيد ثالث بليغ ms3099 . وفائدة هذه ~~التوكيدات معارضة ما ذكره الشيطان لأتباعه من المواعيد الكاذبة والأماني ~~الباطلة ، والتنبيه على أن وعد الله أولى بالقبول وأحق بالتصديق من قول ~~الشيطان الذي ليس أحد أكذب منه ، وقرأ حمزة والكسائي { أصدق من الله قيلا } ~~باشمام الصاد الزاي ، وكذلك كل صاد ساكنة بعدها دال في القرآن نحو { قصد ~~السبيل } ( النحل : 9 ) { فاصدع بما تؤمر } ( الحجر : 94 ) والقيل : مصدر ~~قال قولا وقيلا ، وقال ابن السكيت : القيل والقال اسمان لا مصدران ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { ليس بأمانيكم ولاأمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد ~~له من دون الله وليا ولا نصيرا } > 7 @QB@ < # | النساء : ( 123 ) ليس بأمانيكم ولا . . . . . # > > # قوله تعالى : { ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الأمنية أفعولة من المنية ، وتمام الكلام في هذا اللفظ ~~مذكور في قوله تعالى { إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى } ( الحج : 52 ) . # المسألة الثانية : { بعيد ليس } فعل ، فلا بد من اسم يكون هو مسندا إليه ~~، وفيه وجوه : الأول : ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله { ~~سندخلهم جنات تجرى } ( النساء : 122 ) الآية ، بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب ، أي PageV11P041 ليس يستحق بالأماني إنما يستحق بالإيمان والعمل ~~الصالح . الثاني : ليس وضع الدين على أمانيكم . الثالث : ليس الثواب ~~والعقاب بأمانيكم ، والوجه الأول أولى لأن إسناد { ليس } إلى ما هو مذكور ~~فيما قبل أولى من إسناده إلى ما هو غير مذكور . # المسألة الثالثة : الخطاب في قوله { ليس بأمانيكم } خطاب مع من ؟ فيه ~~قولان : الأول : أنه خطاب مع عبدة الأوثان ، وأمانيهم أن لا يكون هناك جشر ~~ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب ، وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها ~~شفعاؤهم عند الله ، وأما أماني أهل الكتاب فهو قولهم { لن يدخل الجنة إلا ~~من * هو * كان * هودا أو نصارى } ( البقرة : 111 ) وقولهم : { نحن أبناء ~~الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) فلا يعذبنا ، وقولهم { لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) . # القول الثاني : أنه خطاب مع المسلمين ، وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا ~~الكبائر ، وليس الأمر ms3100 كذلك ، فإنه تعالى يخص بالعفو والرحمة من يشاء كما ~~قال { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 116 ) وروي أنه تفاخر ~~المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل ~~كتابكم ، ونحن أولى بالله منكم ، وقال المسلمون : نبينا خاتم النبيين ، ~~وكتابنا ناسخ الكتب ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . # ثم قال تعالى : { من يعمل سوءا يجز به } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أنه تعالى لا يعفو ~~عن شيء من السيئات ، وليس لقائل أن يقول : هذا يشكل بالصغائر فإنها مغفورة ~~قالوا : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن العام بعد التخصيص حجة ، والثاني ~~: أن صاحب الصغيرة قد انحبط من ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية ، فههنا ~~قد وصل جزاء تلك المعصية إليه . # أجاب أصحابنا عنه بأن الكلام على عموماته قد تقدم في تفسير قوله تعالى : ~~{ بلى من كسب سيئة وأحاطت به * خطيئة * فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~} ( البقرة : 81 ) والذي نزيده في هذه الآية وجوه الأول : لم لا يجوز أن ~~يكون المراد من هذا الجزاء ما يصل إلى الإنسان في الدنيا من الغموم والهموم ~~والأحزان والآلام والأسقام ، والذي يدل على صحة ما ذكرنا القرآن والخبر ، ~~أما القرآن فهو قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما ~~كسبا } ( المائدة : 38 ) سمي ذلك القطع بالجزاء وأما الخبر فما روي أنه لما ~~نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : كيف الصلاح بعد هذه ~~الآية ؟ فقال غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ، أليس يصيبك الأذى فهو ما ~~تجزون . وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قرأ هذه الآية فقال : أنجزى بكل ~~ما نعمل لقد هلكنا ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم كلامه فقال : يجزى ~~المؤمن في الدنيا بمصيبته في جسده وما يؤذيه ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه ~~: لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا : يا رسول الله ما أبقت هذه الآية ~~لنا شيئا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( أبشروا فإنه لا يصيب أحد منكم ms3101 ~~مصيبة في الدنيا إلا جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه ) . # الوجه الثاني في الجواب : هب أن ذلك الجزاء إنما يصل إليهم يوم لقيامة ~~لكن لم لا يجوز أن يحصل الجزاء بنقص ثواب إيمانه وسائر طاعاته ، ويدل عليه ~~القرآن والخبر والمعقول . # أما القرآن فقوله تعالى : { إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود : 114 ) . ~~PageV11P042 # وأما الخبر : فما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت ~~هذه الآية شقت على المؤمنين مشقة شديدة ، وقالوا يا رسول الله وأينا لم ~~يعمل سوءا فكيف الجزاء ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إنه تعالى وعد على ~~الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزي بالسيئة نقصت ~~واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت آحاده أعشاره ) . # وأما المعقول : فهو أن ثواب الإيمان وجميع الطاعات أعظم لا محالة من عقاب ~~الكبيرة الواحدة والعدل يقتضي أن يحط من الأكثر مثل الأقل ، فيبقى حينئذ من ~~الأكثر شيء زائد فيدخل الجنة بسبب تلك الزيادة . # الوجه الثالث في الجواب : أن هذه الآية إنما نزلت في الكفار ، والذي يدل ~~على ما ذكرناه أنه تعالى قال بعد هذه الآية { ومن يعمل من الصالحات من ذكر ~~أو * اثنى * وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة } ( النساء : 124 ) فالمؤمن الذي ~~أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات ، فوجب ~~القطع بأنه يدخل الجنة بحكم هذه الآية ، وقولهم : خرج عن كونه مؤمنا فهو ~~باطل للدلائل الدالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن ، مثل قوله { وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا } إلى قوله { فإن بغت إحداهما على الاخرى } ( الحجرات : 9 ~~) سمي الباغي حال كونه باغيا مؤمنا ، وقال : { المتقون يأيها الذين ءامنوا ~~كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 187 ) سمي صاحب القتل العمد ~~العدوان مؤمنا ، وقال : { تعملون يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله } ( ~~التحريم : 8 ) سماه مؤمنا حال ما أمره بالتوبة ، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ~~، وإذا كان مؤمنا كان قوله تعالى : { ومن يعمل من الصالحات } حجة في ms3102 أن ~~المؤمن الذي يكون صاحب الكبيرة من أهل الجنة ، فوجب أن يكون قوله { من يعمل ~~سوءا يجز به } مخصوصا بأهل الكفر . # الوجه الرابع في الجواب : هب أن النص يعم المؤمن والكافر ، ولكن قوله { ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) أخص منه والخاص مقدم على ~~العام ، ولأن إلحاق التأويل بعمومات الوعيد أولى من إلحاقه بعمومات الوعد ~~لأن الوفاء بالوعد كرم ، وإهمال الوعيد وحمله على التأويل بالتعريض جود ~~وإحسان . # المسألة الثانية : دلت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن ~~قوله { من يعمل سوءا } يتناول جميع المحرمات ، فدخل فيه ما صدر عن الكفار ~~مما هو محرم في دين الإسلام ثم قوله { يجز به } يدل على وصول جزاء كل ذلك ~~إليهم . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون ذلك الجزاء عبارة عما يصل إليهم من الهموم ~~والغموم في الدنيا . # قلنا : إنه لا بد وأن يصل جزاء أعمالهم الحسنة إليهم في الدنيا إذ لا ~~سبيل إلى إيصال ذلك الجزاء إليهم في الآخرة / وإذا كان كذلك فهذا يقتضي أن ~~يكون نتعمهم في الدنيا أكثر ولذاتهم ههنا أكمل ، ولذلك قال عليه الصلاة ~~والسلام : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) وإذا كان كذلك امتنع أن يقال ~~: إن جزاء أفعالهم المحظورة تصل إليهم في الدنيا ، فوجب القول بوصول ذلك ~~الجزاء إليهم في الآخرة . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن العبد فاعل ، ودلت ~~أيضا على أنه بعمل السوء يستحق الجزاء ، وإذا دلت الآية على مجموع هذين ~~الأمرين فقد دلت على أن الله غير خالق لأفعال العباد ، وذلك من وجهين : ~~أحدهما : أنه لما كان عملا للعبد امتنع كونه عملا لله تعالى لاستحالة حصول ~~مقدور واحد PageV11P043 بقادرين ، والثاني : أنه لو حصل بخلق الله تعالى ~~لما استحق العبد عليه جزاء ألبتة وذلك باطل ، لأن الآية دالة على أن العبد ~~يستحق الجزاء على عمله ، وأعلم أن الكلام على هذا النوع من الاستدلال مكرر ~~في هذا الكتاب . # ثم قال تعالى : { ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } . # قالت المعتزلة ms3103 : دلت الآية على نفي الشفاعة ، والجواب من وجهين : الأول : ~~أنا قلنا أنا هذه الآية في حق الكفار . والثاني : أن شفاعة الأنبياء ~~والملائكة في حق العصاة إنما تكون بإذن الله تعالى ، وإذا كان كذلك فلا ولي ~~لأحد ولا نصير لأحد إلا الله سبحانه وتعالى ثم قال تعالى : # ! 7 < { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولائك يدخلون ~~الجنة ولا يظلمون نقيرا } > 7 ! # < < # | النساء : ( 124 ) ومن يعمل من . . . . . # > > قال مسروق : لما نزل قوله { من يعمل سوءا يجز به } ( النساء : 123 ) ~~قال أهل الكتاب للمسلمين : نحن وأنتم سواء ، فنزلت هذه الآية إلى قوله { ~~ومن أحسن دينا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم { يدخلون الجنة } بضم ~~الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله ، وكذلك في سورة مريم وفي حم المؤمن ~~، والباقون بفتح الياء وضم الخاء في هذه السورة جميعا على أن الدخول مضاف ~~إليهم ، وكلاهما حسن ، والأول أحسن لأنه أفخم ، ويدل على مثيب أدخلهم الجنة ~~ويوافق { ولا يظلمون } وأما القراءة الثانية فهي مطابقة لقوله تعالى : { ~~ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم } ( الزخرف : 70 ) ولقوله { ادخلوها بسلام } ( ~~الحجر : 46 ) ( ق : 34 ) والله أعلم . # المسألة الثانية : قالوا : الفرق بين { من } الأولى والثانية أن الأولى ~~للتبعيض ، والمراد من يعمل بعض الصالحات لأن أحدا لا يقدر على أن يعمل جميع ~~الصالحات ، بل المراد أنه إذا عمل بعضها حال كونه مؤمنا استحق الثواب . # وأعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن صاحب الكبيرة لا يبقى مخلدا في ~~النار ، بل ينقل إلى الجنة ، وذلك لأنا بينا أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإذا ~~ثبت هذا فنقول : إن صاحب الكبيرة إذا كان قد صلى وصام وحج وزكى وجب بحكم ~~هذه الآية أن يدخل الجنة ، ولزم بحكم الآيات الدالة على وعيد الفساق أن ~~يدخل النار ، فأما أن يدخل الجنة ثم ينقل إلى لانار فذلك باطل بالإجماع ، ~~أو يدخل النار ثم ينقل إلى الجنة فذلك هو الحق الذي لا محيد عنه والله أعلم ~~. PageV11P044 # المسألة الثالثة : النقير : نقرة ms3104 في ظهر النواة منها تنبت النخلة ، ~~والمعنى أنهم لا ينقصون قدر منبت النواة . # فإن قيل : كيف خص الله الصالحين بأنهم لا يظلمون مع أن غيرهم كذلك كما ~~قال { وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ) وقال { وما الله يريد ظلما ~~للعالمين } ( آل عمران : 108 ) . # والجواب من وجهين : الأول : أن يكون الراجع في قوله { ولا يظلمون } عائدا ~~إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعا ، والثاني : أن كل ما لا ينقص عن ~~الثواب كان بأن لا يزيد في العقاب أولى هذا هو الحكم فيما بين الخلق ، فذكر ~~الله تعالى هذا الحكم على وفق تعارف الخلق . # ! 7 < { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا * ولله ما فى السماوات وما فى الا رض وكان ~~الله بكل شىء محيطا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 125 - 126 ) ومن أحسن دينا . . . . . # > > # أعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون الإنسان مؤمنا ~~شرح الإيمان وبين فضله من وجهين : أحدهما : أنه الدين المشتمل على إظهار ~~كمال العبودية والخضوع والانقياد لله تعالى ، والثاني : وهو أنه الذين الذي ~~كان عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وكل واحد من هذين الوجهين سبب ~~مستقل بالترغيب في دين الإسلام . # أما الوجه الأول : فأعلم أن دين الإسلام مبين على أمرين : الإعتقاد ~~والعمل : أما الإعتقاد فإليه الإشارة بقوله { أسلم وجهه } وذلك لأن الإسلام ~~هو الانقياد والخضوع . والوجه أحسن أعضاء الإنسان ، فالإنسان إذا عرف بقلبه ~~ربن وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه فقد أسلم وجهه لله ، وأما العمل فإليه ~~الإشارة بقوله { وهو محسن } ويدخل فيه فعل الحسنات وترك السيئات ، فتأمل في ~~هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض ، وأيضا فقوله { ~~أسلم وجهه لله } يفيد الحصر ، معناه أنه أسلم نفسه لله وما أسلم لغير الله ~~وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى ~~الخالق وأظهار التبري من الحول والقوة ، وأيضا ففيه تنبيه على فساد طريقة ~~من استعان بغير الله ، فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون : ~~هؤلاء شفعاؤنا ms3105 عند الله ، والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب ~~والطبائع وغيرها ، واليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم : أنهم من ~~أولاد الأنبياء ، والنصارى كانوا يقولون : ثالث ثلاثة ، فجميع الفرق قد ~~استعانوا بغير الله . وأما المعتزلة فهم في الحقيقة ما أسلمت وجوههم لله ~~لأنهم يرون الطاعة الموجبة لثوابهم من أنفسهم ، وأما أهل السنة الذين فوضوا ~~التدبير والتكوين والإبداع والخلق إلى الحق سبحانه وتعالى ، واعتقدوا أنه ~~لا موجد ولا مؤثر إلا لله فهم الذين أسلموا وجوههم لله وعولوا بالكلية على ~~فضل الله ، وانقطع نظرهم عن كل شيء ما سوى الله . PageV11P045 # وأما الوجه الثاني في بيان فضيلة الإسلام : وهو أن محمدا عليه الصلاة ~~والسلام إنما دعا الخلق إلى دين إبراهيم عليه السلام ، فلقد اشتهر عند كل ~~الخلق أن إبراهيم عليه السلام ما كان يدعو إلا إلى الله تعالى كما قال : { ~~إننى * برىء مما تشركون } ( الأنعام : 19 ) وما كان يدعو إلى عبادة فلك ولا ~~طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة ، بل كان دينه الدعوة إلى الله ~~والاعراض عن كل ما سوء الله ودعوة محمد عليه الصلاة والسلام قد كان قريبا ~~من شرع إبراهيم عليه السلام في الختان وفي الأعمال المتعلقة بالكعبة : مثل ~~الصلاة إليها والطواف بها والسعي والرمي والوقوف والحلق والكلمات العشر ~~المذكورة في قوله { وإذا * ابتلى إبراهيم ربه } ( البقرة : 124 ) ولما ثبت ~~أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام كان قريبا من شرع إبراهيم ثم إن شرع ~~إبراهيم مقبول عند الكل ، وذلك لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم ~~بالانتساب إلى إبراهيم ، وأما اليهود والنصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به ~~، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولا عند الكل . # وأما قوله { حنيفا } ففيه بحثان : الأول : يجوز أن يكون حالا للمتبوع ، ~~وأن يكون حالا للتابع ، كما إذا قلت : رأيت راكبا ، فإنه يجوز أن يكون ~~الراكب حالا للمرئي والرائي . # البحث الثاني : الحنيف المائل ، ومعناه أنه مائل عن الأديان كلها ، لأن ~~ما سواه باطل ، والحق أنه مائل عن كل ظاهر وباطن ، وتحقيق الكلام فيه ms3106 أن ~~الباطل وإن كان بعيدا من الباطل الذي يضاده فقد يكون قريبا من الباطل الذي ~~يجانسه ، وأما الحق فإنه واحد فيكون مائلا عن كل ما عداه كالمركز الذي يكون ~~في غاية البعد عن جميع أجزاء الدائرة . # فإن قيل : ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام نفس شرع ~~إبراهيم ، وعلى هذا التقدير لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة ~~مستقلة ، وأنتم لا تقولون بذلك . # قلنا : يجوز أن تكون ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد عليه الصلاة والسلام ~~مع اشتمال هذه الملة على زوائد حسنة وفوائد جليلة . # ثم قال تعالى : { واتخذ الله إبراهيم خليلا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها ، وفيه وجهان : الأول : أن ~~إبراهيم عليه السلام لما بلغ في علو الدرجة في الدين أن اتخذه الله خليلا ~~كان جديرا بأن يتبع خلقه وطريقته . والثاني : أنه لما ذكر ملة إبراهيم ~~ووصفه بكونه حنيفا ثم قال عقيبه { واتخذ الله إبراهيم خليلا } أشعر هذا ~~بأنه سبحانه إنما اتخذه خليلا لأنه كان عالما بذلك الشرع آتيا بتلك ~~التكاليف ، ومما يؤكد هذا قوله { وإذا * ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إنى جاعلك للناس إماما } ( البقرة : 124 ) وهذا يدل على أنه سبحانه ~~إنما جعله إماما للخلق لأنه أتم تلك الكلمات . # وإذ ثبت هذا فنقول : لما دلت الآية على أن إبراهيم عليه السلام إنما كان ~~بهذا المنصب العالي وهو كونه خليلا لله تعالى بسبب أنه كان عاملا بتلك ~~الشريعة كان هذا تنبيها على أن من عمل بهذا الشرع لا بد وأن يفوز بأعظم ~~المناصب في الدين ، وذلك يفيد الترغيب العظيم في هذا الدين . PageV11P046 # فإن قيل : م موقع قوله { واتخذ الله إبراهيم خليلا } # قلنا : هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الاعراب ، ونظيره ما جاء في ~~الشعر من قوله : # والحوادث جمة # والجملة الاعتراضية من شأنها تأكيد ذلك الكلام ، والأمر ههنا كذلك على ما ~~بيناه . # المسألة الثانية : ذكروا في اشتقاق الخليل وجوها : الأول : أن خليل ~~الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره ms3107 وأسراره ، والذي دخل حبه في خلال أجزاء ~~قلبه ، ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة . # قيل : لما طلع الله إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا ~~القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد الله ، ومنعهم عن عبادة النجم والقمر والشمس ~~، ومنعهم عن عبادة الأوثان ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله ~~للضيفان جعله الله إماما للخلق ورسولا إليهم ، وبشره بأن الملك والنبوة في ~~ذريته ، فلهذه الاختصاصات سماه خليلا ، لأن محبة الله لعبده عبارة عن ~~إرادته لإيصال الخيرات والمنافع إليه . # الوجه الثاني في اشتقاق اسم الخليل : أنه الذي يوافقك في خلالك . أقول : ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تخلفوا بأخلاق الله ) فيشبه ~~أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في هذا الباب مبلغا لم يبلغه أحد ممن تقدم ~~لا جرم خصه الله بهذا التشريف . # الوجه الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) : إن الخليل هو الذي يسايرك في طريقك ~~، من الخل وهو الطريق في الرمل ، وهذا الوجه قريب من الوجه الثاني ، أو ~~يحمل ذلك على شدة طاعته لله وعدم تمرده في ظاهره وباطنه عن حكم الله ، كما ~~أخبر الله عنه بقوله { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } ( ~~البقرة : 131 ) . # الوجه الرابع : الخليل هو الذي يسد خللك كما تسد خلله ، وهذا القول ضعيف ~~لأن إبراهيم عليه السلام لما كان خليلا مع الله امتنع أن يقال : إنه يسد ~~الخلل ، ومن هاهنا علمنا أنه لا يمكن تفسير الخليل بذلك ، أما المفسرون فقد ~~ذكروا في سبب نزول هذا اللقب وجوها : الأول : أنه لما صار الرمل الذي أتى ~~به غلمانه دقيقا قالت امرأته : هذا من عند خليلك المصري ، فقال إبراهيم : ~~بل هو من خليلي الله ، والثاني : قال شهر بن حوشب : هبط ملك في صورة رجل ~~وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي فقال إبراهيم عليه السلام : اذكره مرة أخرى ، ~~فقال لا أذكره مجانا ، فقال لك مالي كله ، فذكره الملك بصوت أشجى من الأول ~~، فقال : اذكره مرة ثالثة ولك أولادي ، فقال الملك : أبشر فإني ملك ms3108 لا ~~أحتاج إلى مالك وولدك ، وإنما كان المقصود امتحانك ، فلما بذل المال ~~والأولاد على سماع ذكر الله لا جرم اتخذه الله خليلا . الثالث : روى طاوس ~~عن ابن عباس أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان ~~الوجوه وظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلا سمينا وقربه إليهم وقال كلوا ~~على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره ، فقال جبريل أنت خليل الله ~~، فنزل هذا الوصف . وأقول : فيه عندي وجه آخر ، وهو أن جوهر الروح إذا كان ~~مضيئا مشرقا علويا قليل التعلق باللذات الجسمانية والأحوال الجسدانية ، ثم ~~انضاف إلى مثل هذا الجوهر المقدس الشريف أعمال تزيده صقالة عن الكدورات ~~الجسمانية وأفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية PageV11P047 والجلايا ~~الإلهية ، صار مثل هذا الإنسان متوغلا في عالم القدس والطهارة متبرئا عن ~~علائق الجسم والحس ، ثم لا يزال هذا الإنسان يتزايد في هذه الأحوال الشريفة ~~إلى أن يصير بحيث لا يرى إلا الله ، ولا يسمع إلا الله ، ولا يتحرك إلا ~~بالله ، ولا يسكن إلا بالله ، ولا يمشي إلا بالله ، فكان نور جلال الله قد ~~سرى في جميع قواه الجسمانية وتخلل فيها وغاص في جواهرها ، وتوغل في ~~ماهياتها ، فمثل هذا الإنسان هو الموصوف حقا بأنه خليل لما أنه تخللت محبة ~~الله في جميع قواه ، وإليه الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه ~~: ( اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وفي عصبي نورا ) ~~. # المسألة الثالثة : قال بعض النصارى : لما جاز إطلاق اسم الخليل على إنسان ~~معين على سبيل الاعزاز والتشريف ، فلم لا يجوز إطلاق اسم الابن في حق عيسى ~~عليه السلام على سبيل الاعزاز والتشريف . # وجوابه : أن الفرق أن كونه خليللا عبارة عن المحبة المفرطة ، وذلك لا ~~يقتضي الجنسية ، أما الابن فإنه مشعر بالجنسية ، وجل الإله عن مجانسة ~~الممكنات ومشابهة المحدثات . # ثم قال تعالى : { ولله ما فى * السماوات وما في الارض * وكان الله بكل ~~شىء محيطا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها ms3109 ، وفيه وجوه : الأول : أن ~~يكون المعنى أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلا لاحتياجه إليه في أمر من ~~الأمور كما تكون خلة الآدميين ، وكيف يعقل ذلك وله ملك السماوات والأرض ، ~~وما كان كذلك ، فكيف يعقل أن يكون محتاجا إلى البشر الضعيف ، وإنما اتخذه ~~خليلا بمحض الفضل والإحسان والكرم ، ولأنه لما كان مخلصا في العبودية لا ~~جرم خصه الله بهذا التشريف ، والحاصل أن كونه خليلا يوهم الجنسية فهو ~~سبحانه أزال وهم المجانسة والمشاكلة بهذا الكلام . والثاني : أنه تعالى ذكر ~~من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعا كثيرة من الأمر والنهي والوعد والوعيد ~~، فبين هاهنا أنه إله المحدثات وموجد الكائنات والممكنات ، ومن كان كذلك ~~كان ملكا مطاعا فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وأن ينقاد لأمره ونهيه . ~~الثالث : أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد ولا يمكن الوفاء بهما إلا عند ~~حصول أمرين : أحدهما : القدرة التامة المتعلقة بجميع الكائنات والممكنات . ~~والثاني : العلم التام المتعلق بجميع الجزئيات والكليات حتى لا يشتبه عليه ~~المطيع والعاصي والمحسن والمسيء ، فدل على كمال قدرته بقوله { ولله ما فى * ~~السماوات وما في الارض } وعلى كمال علمه بقوله { وكان الله بكل شىء محيطا } ~~الرابع : أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خليله بين أنه مع هذه الخلة عبد ~~له ، وذلك لأنه له ما في السماوات وما في الأرض ، ويجري هذا مجرى قوله { إن ~~كل من فى * السماوات والارض * إلا اتى الرحمان عبدا } ( مريم : 93 ) ومجرى ~~قوله { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملئكة المقربون } ( النساء ~~: 172 ) يعني أن الملائكة مع كمالهم في صفة القدرة والقوة في صفة العلم ~~والحكمة لما لم يستنكفوا عن عبودية الله فكيف يمكن أن يستنكف المسيح مع ضعف ~~بشريته عن عبودية الله كذا هاهنا ، يعني إذا كان كل من في السماوات والأرض ~~ملكه في تسخيره ونفاذ إلاهيته فكيف يعقل أن يقال : إن اتخاذ الله إبراهيم ~~عليه السلام خليلا يخرجه عن عبودية الله ، وهذه الوجوه كلها حسنة متناسبة . # المسألة الثانية : إنما قال { ما في السماوات وما ms3110 في الارض } ولم يقل ( ~~من ) لأنه ذهب مذهب الجنس ، والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنيس ذكر بما . ~~PageV11P048 # المسألة الثالثة : قوله : { وكان الله بكل شىء } فيه وجهان : أحدهما : ~~المردا منه الإحاطة في العلم . والثاني : المراد منه الإحاطة بالقدرة ، كما ~~في قوله لعالى { مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها } ( الفتح ~~: 21 ) قال القائلون بهذا القول : وليس لقائل أن يقول لما دل قوله { ولله ~~ما فى * السماوات وما في الارض } على كمال القدرة ، فلو حملنا قوله { وكان ~~الله بكل شىء محيطا } على كمال القدرة لزم التكرار ، وذلك لأنا نقول : إن ~~قوله { لله ما فى * السماوات وما في الارض } لا يفيد ظاهره إلا كونه تعالى ~~قادرا مالكا لكل ما في السماوات وما في الأرض ، ولا يفيد كونه قادرا على ما ~~يكون خارجا عنهما ومغايرا لهما ، فلما قال { وكان الله بكل شىء محيطا } دل ~~على كونه قادرا على ما لا نهاية له من المقدورات خارجا عن هذه السماوات ~~والأرض ، على أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الكائنات والممكنات إنما ~~تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه ، فهذا تقرير هذا القول ، إلا أن القول ~~الأول أحسن لما بينا أن الإلهية والوفاء بالوعد إنما يحصل ويكمل بمجموع ~~القدرة والعلم ، فلا بد من ذكرهما معا ، وإنما قدم ذكر القدرة على ذكر ~~العلم لما ثبت في علم الأصول أن العلم بالله هو العلم بكونه قادرا ، ثم بعد ~~العلم بكونه قادرا يعلم كونه عالما لما أن الفعل بحدوثه يدل على القدرة ، ~~وبما فيه من الأحكام والإتقان يدل على العلم ، ولا شك أن الأول مقدم على ~~الثاني . # ! 7 < { ويستفتونك فى النسآء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم فى ~~الكتاب فى يتامى النسآء اللاتى لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ~~والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن ~~الله كان به عليما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 127 ) ويستفتونك في النساء . . . . . # > > اعلم أن عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه ~~وهو أنه يذكر ms3111 شيئا من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والترغيب ~~والترهيب ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظمة إلهيته . ~~ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام ، وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى ~~التأثير في القلوب ، لأن التكليف بالأعمال الشاقة لا يقع في موقع القبول ~~إلا إذا كان مقرونا بالوعد والوعيد ، والوعد والوعيد لا يؤثر في القلب إلا ~~عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد ، فظهر أن هذا الترتيب أحسن ~~الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق . # إذا عرفت هذا فنقول : إنه سبحانه ذكر في أول هذه السورة أنواعا كثيرة من ~~الشرائع والتكاليف ، ثم أتبعها بشرح أحوال الكافرين والمنافقين واستقصى في ~~ذلك ، ثم ختم تلك الآيات الدالة على عظمة جلال الله وكمال كبريائه ، ثم عاد ~~بعد ذلك إلى بيان الأحكام فقال { ويستفتونك فى النساء قل الله يفتيكم فيهن ~~} وفي الآية مسائل : PageV11P049 # المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الاستفتاء طلب الفتوى يقال : ~~استفتيت الرجل في المسألة فإفتاني إفتاء وفتيا وفتوى ، وهما إسمان موضوعان ~~موضع الافتاء ، ويقال : أفتيت فلانا في رؤيا رآها إذا عبرها قال تعالى : { ~~يوسف أيها الصديق أفتنا فى سبع * بقرءان * سمان } ( يوسف : 46 ) ومعنى ~~الافتاء إظهار المشكل ، وأصله من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل ، فالمعنى ~~كأنه يقوى ببيانه ما أشكل ويصير قويا فتيا . # المسألة الثانية : ذكروا في سبب نزول هذه الآية قولين : الأول : أن العرب ~~كانت لا تورث النساء والصبيان شيئا من الميراث كما ذكرنا في أول هذه السورة ~~، فهذه الآية نزلت في توريثهم . والثاني : أن الآية نزلت في توفية الصداق ~~لهن ، وكان اليتيمة تكون عند الرجل فإذا كانت جميلة ولها مال تزوج بها وأكل ~~مالها ، وإذا كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها ، فأنزل الله ~~هذه الآية . # المسألة الثالثة : اعمل أن الاستفتاء لا يقع عن ذوات النساء وإنما يقع عن ~~حالة من أحوالهن وصفة من صفاتهم ، وتلك الحالة غير مذكورة في الآية فكانت ~~مجملة غير دالة على الأمر الذي وقع عنه الاستفتاء ms3112 . # أما قوله تعالى : { وما يتلى عليكم } ففيه : الأول : أنه رفع بالابتداء ~~والتقدير : قل الله يفتيكم في النساء ، والمتلو في الكتاب يفتيكم فيهن أيضا ~~، وذلك المتلو في الكتاب هو قوله { وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى } ( ~~النساء : 3 ) . # وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن أحوال كثيرة من أحوال النساء ، فما ~~كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم فيها ، وما كان منها مبين ~~الحكم في الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها . وجعل ~~دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب ، ألا ترى أنه يقال في المجاز ~~المشهور : إن كتاب الله بين لنا هذا الحكم ، وكما جاز هذا جاز أيضا أن يقال ~~: إن كتاب الله أفتى بكذا . # القول الثاني : أن قوله { وما يتلى عليكم } مبتدأ و { فى الكتاب } خبره / ~~وهي جملة معترضة ، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ ، والغرض منه تعظيم حال ~~هذه الآية التي تتلى عليهم وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من عظائم ~~الأمور عند الله تعالى التي يجب مراعاتها والمحافظة عليها ، والمخل بها ~~ظالم متهاون بما عظمه الله . ونظيره في تعظيم القرآن قوله { وإنه فى أم ~~الكتاب لدينا لعلى حكيم } ( الزخرف : 4 ) . # القول الثالث : أنه مجرور على القسم ، كأنه قيل : قل الله يفتيكم فيهن ، ~~وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب ، والقسم أيضا بمعنى التعظيم . # والقول الرابع : أنه عطف على المجرور في قوله { فيهن } والمعنى : قل الله ~~يفتيكم فيهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ، قال الزجاج : ~~وهذا الوجه بعيد جدا نظرالل إلى اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأنه يقتضي عطف ~~المظهر على المضمر ، وذلك غير جائز كما شرحناه في قوله { تساءلون به ~~والارحام } ( النساء : 1 ) وأما المعنى فلأن هذا القول يقتضي أنه تعالى في ~~تلك المسائل أفتى ويفتي أيضا فيما يتلى من الكتاب ، ومعلوم أنه ليس المراذ ~~ذلك ، وإنما المراد أنه تعالى يفتي فيما سألوا من المسائل : بقي هاهنا ~~سؤالان : # السؤال الأول : بم تعلق قوله { فى يتامى النساء } . PageV11P050 # قلنا : هو في الوجه الأول صلة { يتلى ms3113 } أي يتلى عليكم في معناهن ، وأما ~~في سائر الوجوه فبدل من { فيهن } . # السؤال الثاني : الإضافة في { يتامى النساء } ما هي ؟ # الجواب : قال الكوفيون : معناه في النساء اليتامى ، فأضيفت الصفة إلى ~~الاسم ، كما تقول : يوم الجمعة ، وحق اليقين . وقال البصريون : إضافة الصفة ~~إلى الاسم غير جائز فلا يقال مررت بطالعة الشمس ، وذلك لأن الصفة والموصوف ~~شيء واحد ، وإضافة الشيء إلى نفسه محال . وهذا التعليل ضعيف لأن الموصوف قد ~~يبقى بدون الوصف ، وذلك يدل على أن الموصوف غير الصفة ، ثم أن البصريين ~~فرعوا على هذا القول وقالوا : النساء في الآية غير اليتامى ، والمراد ~~بالنساء أمهات اليتامى أضيفت إليهن أولادهن اليتامى ، ويدل عليه أن الآية ~~نزلت في قصة أم كحة ، وكانت لها يتامى . # ثم قال { اللاتى لا تؤتونهن } قال ابن عباس : يريد ما فرض لهن من الميراث ~~، وهذا على قول من يقول : نزلت الآية في ميراث اليتامى والصغار ، وعلى قول ~~الباقين المراد بقوله { ما كتب لهن } الصداق . # ثم قال تعالى : { وترغبون أن تنكحوهن } قال أبو عبيدة : هذا يحتمل الرغبة ~~والنفرة ، فإن حملته على الرغبة كان المعنى : وترغبون في أن تنكحوهن ، وإن ~~حملته على النفرة كان المعنى : وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن . واحتج ~~أصحاب أبي حنيفة رحمه ا ا بهذه الآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج ~~الصغيرة ، ولا حجة لهم فيها لاحتمال أن يكون المراد : وترغبون أن تنكحوهن ~~إذا بلغن ، والدليل على صحة قولنا : أن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان ~~بن مظعون من عبد الله بن عمر ، فخطبها المغيرة بن شعبة ورغب أمها في المال ~~، فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال قدامة : أنا عمها ووصي ~~أبيها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنها صغيرة وإنها لا تزوج إلا ~~بإذنها ، وفرق بينها وبين ابن عمر ، ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة ~~الأولياء في نكاح اليتيمة ، وذلك لا يدل على الجواز . # ثم قال تعالى : { والمستضعفين من الولدان } وهو مجرور معطوف على يتامى ~~النساء كانوا في الجاهلية لا ms3114 يورثون الأطفال ولا النساء ، وإنما يورثون ~~الرجال الذين بلغوا إلى القيام بالأمور العظيمة دون الأطفال والنساء . # ثم قال تعالى : { وأن تقوموا لليتامى بالقسط } وهو مجرور معطوف على ~~المستضعفين / وتقدير الآية : وما يتلى عليكم في الكتاب يفتيكم في يتامى ~~النساء وفي المستشعفين وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط { وما تفعلوا من خير ~~فإن الله كان به عليما } يجازيكم عليه ولا يضيع عند الله منه شيء . # ! 7 < { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهمآ أن ~~يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن ~~الله كان بما تعملون خبيرا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 128 ) وإن امرأة خافت . . . . . # > > PageV11P051 # اعلم أن هذا من جملة ما أخبر الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء مما لم ~~يتقدم ذكره في هذه السورة وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال بعضهم : هذه الآية شبيهة بقوله { وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره } ( التوبة : 6 ) وقوله { وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما } ( الحجزات : 9 ) وهاهنا ارتفع { امرأت } بفعل ~~يفسره { خافت } وكذا القول في جميع الآيات التي تلوناها والله أعلم . # المسألة الثانية : قال بعضهم : خافت أي علمت ، وقال آخرون : ظنت ، وكل ~~ذلك ترك للظاهر من غير حاجة ، بل المراد نفس الخوف إلا أن الخوف لا يحصل ~~إلا عند ظهور الأمارات الدالة على وقوع الخوف ، وتلك الأمارات هاهنا أن ~~يقول الرجل لامرأته : إنك دميمة أو شيخة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة ، ~~والبعل هو الزوج ، والأصل في البعل هو السيد ، ثم سمي الزوج به لكونه ~~الكسيد للزوجة ؛ ويجمع البعل على بعولة ، وقد سبق هذا في سورة البقرة في ~~قوله تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن } ( البقرة : 228 ) والنشوز يكون من ~~الزوجين وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه ، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع ~~من الأرض ، ونشوز الرجل في حق المرأة أن يعرض عنها ويعبس وجهه في وجهها ~~ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها . # المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوها : الأول : روى ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الآية ms3115 نزلت في ابن أبي السائب كانت له زوجة ~~وله منها أولاد وكانت شيخة فهم بطلاقها ، فقالت لا تطلقني ودعني أشتغل ~~بمصالح أولادي وأقسم في كل شهر ليالي قليلة ، فقال الزوج : إن كان الأمر ~~فهو أصلح لي . والثاني : أنها نزلت في قصة سودة بنت زمعة أراد النبي عليه ~~الصلاة والسلام أن يطلقها ، فالتمست أن يمسكها ويجعل نوبتها لعائشة ، فأجاز ~~النبي عليه الصلاة والسلام ذلك ولم يطلقها . والثالث : روي عن عائشة أنها ~~قالت : نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها ، ~~فتقول : أمسكني وتزوج بغيري ، وأنت في حل من النفقة والقسم . # المسألة الرابعة : قوله { نشوزا أو إعراضا } المراد بالنشوز إظهار ~~الخشونة في القول أو الفعل أو فيهما والمراد من الإعراض السكوت عن الخير ~~والشر والمداعاة والإيذاء ، وذلك لأن هذا الإعراض يدل دلالة قوية على ~~النفرة والكراهة . # ثم قال تعالى : { فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { يصلحا } بضم الياء وكسر ~~اللام وحذف الألف من الإصلاح ، والباقون { * يصالحا } بفتح الياء والصاد ، ~~والألف بين الصاد واللام وتشديد الصاد من التصالح ، ويصالحا في الأصل هو ~~يتصالحا ، فسكنت التاء وأدغمت في الصاد . ونظيره قوله { إذا اداركوا فيها } ~~( الأعراف : 38 ) أصله تداركوا سكنت التاء وأبدلت بالدال لقرب المخرج ~~وأدغمت في الدال ، ثم اجتلبت الهمزة للابتداء بها فصار اداركوا . ~~PageV11P052 # إذا عرفت هذا فنقول : من قرأ { يصلحا } فوجهه أن الاصلاح عند التنازع ~~والتشاجر مستعمل قال تعالى : { فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم } ~~( البقرة : 182 ) وقال { أو إصلاح بين الناس } ( النساء : 114 ) ومن قرأ { ~~* يصالحا } وهو الاختيار عند الأكثرين قال : أن يصالحا معناه يتوافقا ، وهو ~~أليق بهذا الموضع وفي حرف عبد الله : فلا جناح عليهما أن صالحا ، وانتصب ~~صلحا في هذه القراءة على المصدر وكان الأصل أن يقال : تصالحا ، ولكنه ورد ~~كما في قوله { سراجا والله أنبتكم من الارض نباتا } ( نوح : 17 ) وقوله { ~~وتبتل إليه تبتيلا } ( المزمل : 8 ) وقول الشاعر : # وبعد عطائك المائة الرتاعا # المسألة ms3116 الثانية : الصلح إنما يحصل في شيء يكون حقا له ، وحق المراأة على ~~الزوج إما المهر أو النفقة أو القسم ، فهذه الثلاثة هي التي تقدر المرأة ~~على طلبها من الزوج شاء أم أبى ، أما الوطء فليس كذلك ، لأن الزوج لا يجبر ~~على الوطء . # إذا عرفت هذا فنقول : هذا الصلح عبارة عما إذا بذلت المرأة كل الصداق أو ~~بعضه للزوج أو أسقطت عنه مؤنة النفقة ، أو أسقطت عنه القسم ، وكان غرضها من ~~ذلك أن لا يطلقها زوجها ، فإذا وقعت المصالحة على ذلك كان جائزا . # ثم قال تعالى : { والصلح خير } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف ، والمفرد الذي دخل فيه ~~حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا ؟ والذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا ~~يفيده ، وذكرنا الدلائل الكثيرة فيه . # وأما إذا قلنا : إنه يفيد العموم فهاهنا بحث ، وهو أنه إذا حصل هناك ~~معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق ؟ الأصح أن حمله ~~على المعهود السابق أولى ، وذلك لأنا إنما حملناه على الاستغراق ضرورة أنا ~~لو لم نقل ذلك لصار مجملا ويخرج عن الإفادة ، فإذا حصل هناك معهود سابق ~~اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه . # إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : من الناس من حمل قوله { والصلح خير } على ~~الاستغراق ، ومنهم من حمله على المعهود السابق ، يعني الصلح بين الزوجين ~~خير من الفرقة ، والأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز ~~كما هو قول أبي حنيفة ، وأما نحن فقد بينا أن حمل هذا اللفظ على المعهود ~~السابق أولى ، فاندفع استدلالهم والله أعلم . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : هذه الجملة اعتراض ، وكذلك قوله ~~{ وأحضرت الأنفس الشح } إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب فحصل المقصود . # المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر أولا قوله { فلا جناح عليهما أن يصلحا } ~~فقوله { لا جناح } يوهم أنه رخصة ، والغاية فيه ارتفاع الإثم ، فبين تعالى ~~أن هذا الصلح كما أنه لا جناح فيه ولا إثم فكذلك فيه خير عظيم ومنفعة كثيرة ~~، فإنهما إذا تصالحا على ms3117 شيء فذاك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز ~~والإعراض ، أما قوله تعالى : { وأحضرت الأنفس الشح } . # فأعلم أن الشح هو البخل ، والمراد أن الشح جعل PageV11P053 كالأمر ~~المجاور للنفوس اللازم لها ، يعني أن النفوس مطبوعة على الشح ، ثم يحتمل أن ~~يكن المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها وحقها ، ويحتمل أن يكون المراد ~~أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها مع دمامة وجهها وكبر سنها وعدم حصول اللذة ~~بمجانستها . # ثم قال تعالى : { وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا } ~~وفيه وجوه : الأول : أنه خطاب مع الأزواج ، يعني إن تحسنوا بالإقامة على ~~نسائكم وإن كرهمتوهن وتيقنتم النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة ~~فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيرا ، وهو يشيبكم عليه . ~~الثاني : أنه خطاب للزوج والمرأة ، يعني وأن يحسن كل واحد منكما إلى صاحبه ~~ويحترز عن الظلم . الثالث : أنه خطاب لغيرهما ، يعني أن تحسنوا في المصالحة ~~بينهما وتتقوا الميل إلى واحد منهما . وحكى صاحب الكشاف : أن عمران بن حطان ~~الخارجي كان من أدم بني آدم ، وامرأته من أجملهم ، فنظرت إليه يوما ثم قالت ~~: الحمد لله ، فقال مالك ؟ فقالت حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة ~~لأنك رزقت مثلي فشكرت ، ورزقت مثلك فصبرت ، وقد وعد الله بالجنة عباده ~~الشاكرين والصابرين . # ! 7 < { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو حرصتم فلا تميلوا كل ~~الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما } > 7 ~~@QB@ < # | النساء : ( 129 ) ولن تستطيعوا أن . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } وفيه ~~قولان : الأول : لن تقدروا على التسوية بينهن في ميل الطباع ، وإذا لم ~~تقدروا عليه لم تكونوا ملكفين به . قالت المعتزلة : فهذا يدل على أن تكليف ~~ما لا يطاق غير واقع ولا جائز الوقوع ، وقد ذكرنا أن الاشكال لازم عليهم في ~~العلم وفي الدواعي . الثاني : لا تستطيعون التسوية بينهن في الأقوال ~~والأفعال لأن التفاوت في الحب يوجب التفاوت في نتائج الحب ، لأن الفعل بدون ~~الداعي ms3118 ومع قيام الصارف محال . # ثم قال : { فلا تميلوا كل الميل } والمعنى أنكم لستم منهيين عن حصول ~~التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم ، ولكنكم منهيون عن إظهار ~~ذلك التفاوت في القول والفعل . روى الشافعي رحمة الله عليه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم ويقول : ( هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم ~~بما لا أملك ) . # ثم قال تعالى : { فتذروها كالمعلقة } يعين تبقى لا أيما ولا ذات بعل ، ~~كما أن الشيء المعلق لا يكون على الأرض ولا على السماء ، وفي قراءة أبي : ~~فتذروها كالمسجونة ، وفي الحديث ( من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء ~~يوم القيامة وأحد شفيه مائل ) وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى ~~أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال فقالت عائشة : إلى كل أزواج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر بمثل هذا ؟ فقالوا : لا ، بعث إلى ~~القرشيات بمثل هذا ، وإلى غيرهن بغيره ، فقالت للرسول ارفع رأسك وقل لعمر : ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا قي القسمة بماله ونفسه ، ~~فرجع الرسول فأخبره فأتم لهن جميعا . PageV11P054 # ثم قال تعالى : { وإن تصلحوا } بالعدل في القسم { وتتقوا } الجور { فإن ~~الله كان غفورا رحيما } ما حصل في القلب من الميل إلى بعضهن دون البعض . # وقيل : المعنى : وإن تصلحوا ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ، وتتقوا ~~في المستقبل عن مثله غفر الله لكم ذلك ، وهذا الوجه أولى لأن التفاوت في ~~الميل القلبي لما كان خارجا عن الوسع لم يكن فيه حاجة إلى المغفرة . # ! 7 < { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما } > 7 ~~@QB@ < # | النساء : ( 130 ) وإن يتفرقا يغن . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } . # وأعلم أنه تعالى ذكر جواز الصلح إن أرادا ذلك ، فإن رغبا في المفارقة ~~فالله سبحانه بين جوازه بهذه الآية أيضا ، ووعد لهما أن يغني كل واحد منهما ~~عن صاحبه بعد الطلاق ، أو يكون المعنى أنه يغني كل واحد ms3119 منهما بزوج خير من ~~زوجه الأول ، ويعيش أهنأ من عيشه الأول . # ثم قال : { وكان الله واسعا حكيما } والمعنى أنه تعالى لما وعد كل واحد ~~منهما بأنه يغنيه من سعته وصف نفسه بكونه واسعا ، وءنما جاز وصف الله تعالى ~~بذلك لأنه تعالى واسع الرزق ، واسع الفضل ، واسع الرحمة ، واسع القدرة ، ~~واسع العلم ، فلو ذكر تعالى أنه واسع في كذا لاختص ذلك بذلك المذكور ، ~~ولكنه لما ذكر الواسع وما أضافه إلى شيء معين دل على أنه واسع في جميع ~~الكمالات ، وتحقيقه في العقل أن الموجود إما واجب لذاته ، وإما ممكن لذاته ~~، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، وما سواه ممكن لذاته لا ~~يوجد إلا بإيجاد الله الواجب لذاته ، وإذا كان كذلك كان كل ما سواه من ~~الموجودات فإنما يوجد بإيجاده وتكوينه ، فلزم من هذا كونه واسع العلم ~~والقدرة والحكمة ، والرحمة ، والفضل والجود ، والكرم . وقوله { حكيما } قال ~~ابن عباس : يريد فيما حكم ووعظ وقال الكلبي : يريد فيما حكم على الزوج من ~~إمساكها بمعروف أو تسريح بإحسان . # ! 7 < { ولله ما فى السماوات وما فى الا رض ولقد وصينا الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما فى السماوات ~~وما فى الا رض وكان الله غنيا حميدا * ولله ما فى السماوات وما فى الا رض ~~وكفى بالله وكيلا * إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت باخرين وكان الله على ~~ذالك قديرا * من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والا خرة وكان ~~الله سميعا بصيرا } > 7 @QB@ < # | النساء : ( 131 - 134 ) ولله ما في . . . . . # > > PageV11P055 # وفي تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما ذكر أنه ~~يغني كلا من سعته ، وأنه واسع أشار إلى ما هو كالتفسير لكونه واسعا فقال { ~~والله * ما في السماوات وما في الارض } يعني من كان كذلك فإنه لا بد وأن ~~يكون واسع القدرة والعلم والجود والفضل والرحمة . الثاني : أنه تعالى لما ~~أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين بين أنه ما أمر بهذه الأشياء ~~لاحتياجه ms3120 إلى أعمال العباد ، لأن مالك السماوات والأرض كيف يعقل أن يكون ~~محتاجا إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من العضف والقصور ، بل إنما أمر بها ~~رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم . # ثم قال تعالى : { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا الله } وفيه مسائل : # المسأالة الأولى : المراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع ~~الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل ، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين . # المسألة الثانية : قوله { من قبلكم } فيه وجهان : الأول : أنه متعلق ~~بوصينا ، يعني ولقد وصينا من قبلكم الذين أوتوا الكتاب . والثاني : أنه ~~متعلق بأوتوا ، يعني الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وصيناهم بذلك . وقوله { ~~وإياكم } بالعطف على { الذين أوتوا الكتاب } والكتاب اسم للجنس يتناول ~~الكتب السماوية ، والمراد اليهود والنصارى . # المسألة الثالثة : قوله { أن اتقوا الله } كقولك : أمرتك الخير ، قال ~~الكسائي : يقال أوصيتك أن أفعل كذا وأن تفعل كذا ، ويقال : ألم آمرك أن ائت ~~زيدا ، وأن تأتي زيدا ، قال تعالى : { أمرت أن أكون أول من أسلم } ( ~~الأنعام : 14 ) وقال { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة } ( النمل : 91 ) . # ثم قال تعالى : { وإن تكفروا فإن لله ما فى * السماوات وما في الارض * ~~وكان الله غنيا حميدا } قوله { وإن تكفروا } عطف على قوله { اتقوا الله } ~~والمعنى : أمرناهم وأمرناكم بالتقوى ، وقلنا لهم ولكم : إن تكفروا فإن لله ~~ما في السموات وما في الأرض . وفيه وجهان : الأول : أنه تعالى خالقهم ~~ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها ، فحق كل عاقل أن يكون منقادا ~~لأوامره ونواهيه يرجو ثوابه ويخاف عقابه ، والثاني : أنكم إن تكفروا فإن ~~لله ما في سمواته وما في أرضه من أصناف المخلوقات من يعبده ويتقيه ، وكان ~~مع ذلك غنيا عن خلقهم وعن عبادتهم ، ومستحقا لأن يحمد لكثرة نعمه ، وإن لم ~~يحمده أحد منهم فهو في ذاته محمود سواء حمدوه أو لم يحمدوه . # ثم قال تعالى : { ولله ما فى * السماوات وما في الارض * وكفى بالله وكيلا ~~} # فإن قيل : ما الفائدة في تكرير قوله ms3121 { ولله ما فى * السماوات وما في ~~الارض } # قلنا : إنه تعالى ذكر هذه الكلمات في هذه الآية ثلاث مرات لتقرير ثلاثة ~~أمور : فأولها : أنه تعالى قال : { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } ( ~~النساء : 130 ) والمراد منه كونه تعالى جوادا متفضلا ، فذكر عقيبه قوله { ~~والله * ما في السماوات وما في الارض } والغرض تقرير كونه واسع الجود ~~والكرم ، وثانيها : قال { وإن تكفروا فإن لله ما فى * السماوات وما في ~~الارض } والمراد منه أنه تعالى منزه عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين ، ~~فلا يزذاذ جلاله بالطاعات ، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات ، فذكر عقيبه قوله ~~{ فإن لله ما فى * السماوات وما في الارض } PageV11P056 والغرض منه تقرير ~~كونه غنيا لذاته عن الكل ، وثالثها : قال : { ولله ما فى * السماوات وما في ~~الارض * وكفى بالله وكيلا * إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت باخرين وكان ~~الله على ذالك قديرا } والمراد منه أنه تعالى قادر على الإفناء والإيجاد ، ~~فإن عصيتموه فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية ، وعلى أن يوجد قوما ~~آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه ، فالغرض ههنا تقدير كونه سبحانه وتعالى ~~قادرا على جميع المقدورات ، وإذا كان الدليل الواحد دليلا على مدلولات ~~كثيرة فإنه يحسن ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات ، ثم ~~يذكره مرة أخرى ليستدل به على الثاني ، ثم يذكره ثالثا ليستدل به على ~~المدلول الثالث ، وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة ~~واحدة ، لأن عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول ، ~~فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى ، فظهر أن هذا التكرير في غاية ~~الحسن والكمال . وأيضا فإذا أعدته ثلاث مرات وفرعت عليه في كل مرة إثبات ~~صفة أخرى من صفات جلال الله تنبه الذهن حينئذ لكون تخليق السموات والأرض ~~دالا على أسرار شريفة ومطالب جليلة ، فعند ذلك يجتهد الإنسان في التفكر ~~فيها والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق سبحانه وتعالى ، ولما ~~كان الغرض الكلي من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام عن الاشتغال ~~بغير الله إلى الاستغراق في معرفة ms3122 الله ، وكان هذا التكرير مما يفيد حصول ~~هذا المطلوب ويؤكده ، لا جرم كان في غاية الحسن والكمال . وقوله { وكان ~~الله على ذالك قديرا } معناه أنه تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بالقدرة على ~~جميع المقدورات ، فإن قدرته على الأشياء لو كانت حادثة لافتقر حدوث تلك ~~القدرة إلى قدرة أخرى ولزم التسلسل . # ثم قال تعالى : { من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والاخرة ~~} والمعنى أن هؤلاء الذين يريدون بجهادهم الغنيمة فقط مخطئون ، وذلك لأن ~~عند الله ثواب الدنيا والآخرة ، فلم اكتفى بطلب ثواب الدنيا مع أنه كان ~~كالعدم بالنسبة إلى ثواب الآخرة ، ولو كان عاقلا لطلب ثواب الآخرة حتى يحصل ~~له ذلك ويحصل له ثواب الدنيا على سبيل التبع . # فإن قيل كيف دخل الفاء في جوب الشرط وعنده تعالى ثواب الدنيا والآخرة ~~سواء حصلت هذه الإرادة أو لم تحصل ؟ # قلنا : تقرير الكلام : فعند الله ثواب الدينا والآخرة له إن أراده الله ~~تعالى ، وعلى هذا التقدير يتعلق الجزاء بالشرط . # ثم قال : { وكان الله سميعا بصيرا } يعني يسمع كلامهم أنهم لا يطلبون من ~~الجهاد سوى الغنيمة ويرى أنهم لا يسعون في الجهاد ولا يجتهدون فيه إلا عند ~~توقع الفوز بالغنيمة ، وهذا كالزجر منه تعالى لهم عن هذه الأعمال . # ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو علىأنفسكم ~~أو الوالدين والا قربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا ~~الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا } > 7 ~~@QB@ < # | النساء : ( 135 ) يا أيها الذين . . . . . # > > PageV11P057 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في اتصال الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه لما تقدم ~~ذكر النساء والنشوز والمصالحة بينهن وبين الأزواج عقبه بالأمر بالقيام ~~بأداء حقوق الله تعالى وبالشهادة لإحياء حقوق الله ، وبالجملة فكأنه قيل : ~~إن اشتغلت بتحصيل مشتهياتك كنت لنفسك لا لله ، وءن اشتغلت بتحصيل مأمورات ~~الله كنت صلى الله عليه وسلم لا لنفسك ، ولا شك أن هذا المقام أعلى وأشرف ، ~~فكانت هذه الآية تأكيدا لما تقدم ms3123 من التكاليف . الثاني : أن الله تعالى لما ~~منع الناس عن أن يقصروا عن طلب ثواب الدنيا وأمرهم بأن يكونوا طالبين لثواب ~~الآخرة ذكر عقيبه هذه الآية ، وبين أن كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله ~~لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله حتى يصير من الذين يكونون في آخر ~~مراتب الإنسانية وأول مراتب الملائكة ، فأما إذا عكس هذه القضية كان مثل ~~البهيمة التي منتهى أمرها وجدان علف ، أو السبعالذي غاية أمره إيذاء حيوان ~~. الثالث : أنه تقدم في هذه السورة أمر الناس بالقسط كما قال { وإن خفتم ~~ألا تقسطوا فى اليتامى } ( النساء : 3 ) وأمرهم بالإشهاد عن دفع أموال ~~اليتامى إليهم ، وأمرهم بعد ذلك ببذل النفس والمال في سيل الله ، وأجرى في ~~هذه السورة قصة طعمة بن أبيرق واجتماع قومه على الذب عنه بالكذب والشهادة ~~على اليهودي بالباطل . ثم إنه تعالى أمر في هذه الآيات بالمصالحة مع الزوجة ~~، ومعلوم أن ذلك أمر من الله لعباده بأن يكونوا قائمين بالقسط ، شاهدين لله ~~على كل أحد ، بل وعلى أنفسهم ، فكانت هذه الآية كالمؤكد لكل ما جرى ذكره في ~~هذه السورة من أنواع التكاليف . # المسألة الثانية : القوام مبالغة من قائم ، والقسط العدل ، فهذا أمر منه ~~تعالى لجميع المكلفين بأن يكونوا مبالغين في اختيار العدل والاحتراز عن ~~الجور والميل ، وقوله { شهداء لله } أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما ~~أمرتم بإقامتها ، ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم ، ~~وشهادة الإنسان على نفسه لها تفسيران : الأول : أن يقر نفسه لأن الإقرار ~~كالشهادة في كونه موجبا إلزام الحق ، والثاني : أن يكون المراد وإن كانت ~~الشهادة وبالا على أنفسكم وأقاربكم ، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من ~~سلطان ظالم أو غيره . # المسألة الثالثة : في نصب { شهداء } ثلاثة أوجه : الأول : على الحال من { ~~قوامين } . والثاني : أنه خبر على أن { كونوا } لها خبران ، والثالث : أن ~~تكون صفة لقوامين . # المسألة الرابعة : إنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة ~~لوجوه : الأول : أن أكثر الناس عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف ، فإذا ms3124 ~~آل الأمر إلى أنفسهم تركوه حتى أن أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان في محل ~~المسامحة وأحسن الحسن ، وإذا صدر عن غيرهم كان في محل المنازعة فالله ~~سبحانه نبه في هذه الآية على سوء هذه الطريقة ، وذلك أنه تعالى أمرهم ~~بالقيام بالقسط أولا ، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانيا ، تنبيها على أن ~~الطريقة الحسنة أن تكون مضايقة الإنسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير . ~~الثاني : أن القيام بالقسط عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير ، وهو الذي ~~عليه الحق ، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع PageV11P058 الضرر عن الغير ~~/ الثالث : أن القيام بالقسط فعل ، والشهادة قول ، والفعل أقوى من القول . # فإن قيل : ءنه تعالى قال : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قائما بالقسط } ( آل عمران : 18 ) فقدم الشهادة على القيام ~~بالقسط ، وههنا قدم القيام بالقسط ، فما الفرق ؟ # قلنا : شهادة الله تعالى عبارة عن كونه تعالى خالقا للمخلوقات ، وقيامه ~~بالقسط عبارة عن رعاية القوامين بالعدل في تلك المخلوقات ، فيلزم هناك أن ~~تكون الشهادة مقدمة على القيام بالقسط ، أما في حق العباد فالقيام بالقسط ~~عبارة عن كونه مراعيا للعدل ومياينا للجور ، ومعلوم أنه ما لم يكون الإنسان ~~كذلك لم تكن شهادته على الغير مقبولة ، فثبت أن الواجب في قوله { شهد الله ~~} أن تكون تلك الشهادة مقدمة على القيام بالقسط والواجب ههنا أن تكون ~~الشهادة متأخرة عن القيام بالقسط ، ومن تأمل علم أن هذه الأسرار مما لا ~~يمكن الوصول إليها إلا بالتأييد الإلهي والله أعلم . # ثم قال تعالى : { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما } أي إن يكن ~~المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغنى أو ~~الترحم على الفقير ، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما ، وكان من حق الكلام أن ~~يقال : فالله أولى به ، لأن قوله { إن يكن غنيا أو فقيرا } في معنى أن يكن ~~أحد هذين إلا أنه بنى الضمير على الرجوع إلى المعنى دون اللفظ ، أي الله ~~أولى بالفقير والغني ، وفي قراءة أبي ms3125 فالله أولى بهم ، وهو راجع إلى قوله { ~~أو الوالدين والاقربين } وقرأ عبد الله : إن يكن غني أو فقير ، على ( كان ) ~~التامة . # ثم قال تعالى : { فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } والمعنى اتركوا متابعة ~~الهوى حتى تصيروا موصوفيه بصفة العدل ، وتحقيق الكلام أن العدل عبارة عن ~~ترك متابعة الهوى ، ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ، فتقدير الآية ~~: فلا تتبعوا الهوى لأجل أن تعدلوا يعني اتركوا متابعة الهوى لأجل أن ~~تعدلوا . # ثم قال تعالى : { وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا } ~~وفي الآية قراءتان قرأ الجمهور { وإن تلووا } بواوين ، وقرأ ابن عامر وحمزة ~~{ * تلوا } وأما قراءة تلووا ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون بمعنى الدفع ~~والاعراض من قولهم : لواه حقه إذا مطله ودفعه . الثاني : أن يكون بمعنى ~~التحريف والتبديل من قولهم : لوى الشيء إذا فتله ، ومنه يقال : التوى هذا ~~الأمر إذا تعقد وتعسر تشبيها بالشيء المنفتل ، وأما { * تلوا } ففيه وجهان ~~: الأول : أن ولاية الشيء إقبال عليه واشتغال به ، والمعنى أن تقبلوا عليه ~~فتتموه أو تعرضوا عنه فإن الله كان بما تعلمون خبيرا فيجازى المسحن المقبل ~~بإحسانه والمسيء المعرض بإساءته ، والحاصل : إن تلووا عن إقامتها أو تعرضوا ~~عن إقامتها ، والثاني : قال الفراء والزجاج : يجوز أن يقال : { * تلوا } ~~أصله تلووا ثم قبلت الواو همزة ، ثم حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الساكن ~~الذي قبلها فصار { وإن تلووا } وهذا أضعف الوجهين ، وأما قوله { فإن الله ~~كان بما * تعلمون * خبيرا } فهو تهديد ووعيد للمذنبين ووعد بالإحسان ~~للمطيعين . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على ~~رسوله والكتاب الذىأنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الا خر فقد ضل ضلالا بعيدا } > 7 @QB@ < # | النساء : ( 136 ) يا أيها الذين . . . . . # > > PageV11P059 # وفي مسائل : # المسألة الأولى : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنها ~~متصلة بقوله : { كونوا قوامين بالقسط } وذلك لأن الإنسان لا يكون قائما ~~بالقسط إلا إذا كان راسخ القدم في الإسمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية ~~، وثانيهما : أنه تعالى لما بين ms3126 الأحكام الكثيرة في هذه السورة ذكر عقيبها ~~آية الأمر بالإيمان . # المسألة الثانية : أعلم أن ظاهر قوله تعالى : { خبيرا يأيها الذين ءامنوا ~~ءامنوا بالله ورسوله } مشعر بأنه أمر بتحصيل الحاصل ، ولا شك أنه محال ، ~~فلهذا السبب ذكر المفسرون في وجوها وهي منحصرة في قولين : الأول : أن ~~المراد بقوله تعالى : { ذلك بأن الذين كفروا } المسلمون ، ثم في تفسير ~~الآية تفريعا على هذا القول وجوه : الأول : أن المراد منه يا أيها الذين ~~آمنوا دوموا على الإيمان واثبتوا عليه ، وحاصله يرجع إلى هذا المعنى : يا ~~أيها الذين آمنوا في الماضي والحاضر آمنوا في المستقبل ، ونظيره قوله { ~~فاعلم أنه لا إلاه إلائ * الله } ( محمد : 19 ) مع أنه كان عالما بذلك . ~~وثانيها : يا أيها الذين آمنوا على سبيل التقليد آمنوا على سبيل الاستدلال ~~. وثالثها : يا أيها الذين آمنوا بحسب الاستدلالات الجميلة آمنوا بحسب ~~الدلائل التفصيلية . ورابعها : يا أيها الذين آمنوا بالدلائل التفصيلية ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله آمنوا بأن كنه عظمة الله لا تنتهي إليه عقولكم ~~، وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا تنتهي إليها على سبيل ~~التفصيل عقولنا . وخامسها : روي أن جماعة من أحبار اليهود جاؤوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا : يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى ~~والتوراة وعزير ، ونكفر بما بمواه من الكتب والرسل ، فقال صلى الله عليه ~~وسلم : بل آمنوا بالله وبرسله وبمحمد وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله ، ~~فقالوا : لا نفعل ، فنزلت هذه الآية فكلهم آمنوا . # القول الثاني : أن المخاطبين بقوله { ءامنوا } ليس هم المسلمون ، وفي ~~تفسير الآية تفريعا على هذا القول وجوه : الأول : أن الخطاب مع اليهود ~~والنصارى ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل ~~آمنوا بمحمد والقرآن . وثانيها : أن الخطاب مع المنافقين ، والتقدير : يا ~~أيها الذين آمنوا باللسان رمنوا بالقلب ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : { من ~~الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } ( المائدة : 41 ) وثالثها : ~~أنه خطاب مع الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره ، والتقدير : يا أيها ~~الذين آمنوا وجه النهار آمنوا أيضا آخره ms3127 . ورابعها : أنه خطاب للمشركين ~~تقديره : يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى آمنوا بالله ، وأكثر العلماء ~~رجحوا القول الأول لأن لفظ المؤمن لا يتناول عند الإطلاق إلا المسلمين . # المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو { والكتاب الذى نزل ~~على رسوله والكتاب الذى أنزل } على ما لم يسم فاعله ، والباقون ( نزل وأنزل ~~) بالفتح ، فمن ضم فحجته قوله تعالى : { لتبين للناس ما نزل إليهم } وقال ~~في آية أخرى { والذين ءاتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك } ( الأنعام ~~: 114 ) ومن فتح فحجته قوله { إنا نحن نزلنا الذكر } وقوله { وأنزلنا * ~~الذكر } وقال بعض العلماء : كلاهما حسن إلا أن الضم إفخم كما في قوله { ~~وقيل ياأرض * أرض * ابلعى ماءك } ( هود : 44 ) . PageV11P060 # المسألة الرابعة : اعلم أنه أمر في هذه الآية بالإيمان بأربعة أشياء : ~~أولها : بالله ، وثانيها : برسوله ، وثالثها : بالكتاب الذي نزل على رسوله ~~، ورابعها : بالكتاب الذي أنزل من قبل ، وذكر في الكفر أمورا خمسة : فأولها ~~الكفر بالله ، وثانيها الكفر بملائكته ، وثالثها الكفر بكتبه ، ورابعها ~~الكفر برسله ، وخامسها الكفر باليوم الآخر . # ثم قال تعالى : { فقد ضل ضلالا بعيدا } وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب ، وفي ~~مراتب الكفر قلب القضية ؟ # الجواب : لأن في مرتبة النزول من معرفة الخالق إلى الخلق كان الكتاب ~~مقدما على الرسول وفي مرتبة العروج من الخلق إلى الخالق يكون الرسول مقدما ~~على الكتاب . # السؤال الثاني : لم ذكر في مراتب الإيمان أمورا ثلاثة : الإيمان بالله ~~وبالرسول وبالكتب ، وذكر في مراتب الكفر أمورا خمسة : الكفر بالله ~~وبالملائكة وبالكتب وبالرسل وباليوم الآخر . # والجواب : أن الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب متى حصل فقد حصل الإيمان ~~بالملائكة واليوم الآخر لا محالة ، إذ ربما ادعى الإنسان أنه يؤمن بالله ~~وبالرسل وبالكتب ، ثم إنه ينكر الملائكة وينكر اليوم الآخر ، ويزعم أنه ~~يجعل الآيات الواردة في الملائكة وفي اليوم الآخر محمولة على التأويل ، ~~فلما كان هذا الاحتمال قائما لا جرم نص أن منكر الملائكة ومنكر القيامة ~~كافر بالله . # السؤال الثالث : كيف قيل لأهل ms3128 الكتب { والكتاب الذى أنزل من قبل } مع ~~أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة والإنجيل بل مؤمنين بهما ؟ # والجواب عنه من وجهين : الأول : أنهم كانوا مؤمنين بهما فقط وما كانوا ~~مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب ، فأمروا أن يؤمنوا بكل الكتب المنزلة ، ~~الثاني : أن إيمانهم ببعض الكتب دون البعض لا يصح لأن طريق الإيمان هو ~~المعجزة ، فإذا كانت المعجزة حاصلة في الكل كان ترك الإيمان بالبعض طعنا في ~~المعجزة ، وإذا حصل الطعن في المعجزة امتنع التصديق بشيء منها ، وهذا هو ~~المراد بقوله تعالى : { ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا ~~بين ذالك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا } ( النساء : 150 / 151 ) . # السؤال الرابع : لم قال { نزل على رسوله * وأنزل من * قبل } . # والجواب : قال صاحب ( الكشاف ) : لأن القرآن نزل مفرقا منجما في عشرين ~~سنة بخلاف الكتب قبله . وأقول : الكلام في هذا سبق في تفسير قوله تعالى : { ~~نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل ~~} ( آل عمران : 3 / 4 ) . # السؤال الخامس : قوله { والكتاب الذى أنزل من قبل } لفظ مفرد ، وأي الكتب ~~هو المراد منه ؟ # الجواب : أنه اسم جنس فيصلح للعموم . PageV11P061 # ! 7 < { إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم ~~يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا * بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ~~} . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 137 - 138 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما أمر بالإيمان ورغب فيه بين فساد ~~طريقة من يكفر بعد الإيمان فذكر هذه الآية . # واعلم أن فيها أقوالا كثيرة : الأول : أن المراد منه الذين يتكرر منهم ~~الكفر بعد الإيمان مرات وكرات ، فإن ذلك يدل على أنه لا وقع للإيمان في ~~قلوبهم ، إذ لو كان للإيمان وقع ورتبة في قلوبهم لما تركوه بأدنى سبب ، ومن ~~لا يكون للإيمان في قلبه وقع فالظاهر أنه لا يؤمن بالله إيمانا صحيحا ~~معتبرا فهذا هو المراد بقوله { لم يكن الله ليغفر لهم } وليس المراد أنه لو ~~أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبرا ms3129 ، بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب ~~على الوجه الذي ذكرناه ، وكذلك نرى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم ~~يرجع فإنه لا يكاد يرجى منه الثبات ، والغالب أنه يموت على الفسق ، فكذا ~~ههنا . الثاني : قال بعضهم : اليهود آمنوا بالتوراة وبموسى ، ثم كفروا ~~بعزير ، ثم آمنوا بداود ، ثم كفروا بعيسى ، ثم ازدادوا كفرا عند مقدم محمد ~~عليه الصلاة والسلام . الثالث : قال آخرون : المراد المنافقون ، فالإيمان ~~الأول إطهارهم الإسلام ، وكفرهم بعد ذلك هو نفاقهم وكون باطنهم على خلاف ~~ظاهرهم ، والإيمان الثاني هو أنهم كلما لقوا جمعا من المسلمين قالوا إنا ~~مؤمنون والكفر الثاني هو أنهم إذا دخلوا على شياطينهم قالوا إنا معكم إنما ~~نحن مستهزؤون ، وازديادهم في الكفر هو جدهم واجتهادهم في استخراج أنواع ~~المكر والكيد في حق المسلمين ، وإظهار الإيمان قد يسمى إيمانا قال تعالى { ~~ولا * تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ( البقرة : 221 ) قال القفال رحمة الله ~~عليه : وليس المراد بيان هذا العدد ، بل المراد ترددهم كما قال { مذبذبين ~~بين ذالك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } ( النساء : 143 ) قال والذي يدل ~~عليه قوله تعالى بعد هذه الآية { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما } . ~~الرابع : قال قوم ؛ المراد طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين ~~فكانوا يظهرون الإيمان تارة ، والكفر أخرى على ما أخبر الله تعالى عنهم ~~أنهم قالوا { وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا بالذي أنزل على الذين ~~ءامنوا وجه } ( آل عمران : 72 ) وقوله { ثم ازدادوا كفرا } معناه أنهم ~~بلغوا في ذلك إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام . # المسألة الثانية : دلت الآية على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وهذا ~~يبطل مذهب القائلين بالموافاة ، وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت على ~~الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان ، فوجب ~~أن يكون الإيمان أيضا كذلك لأنهما ضدان متنافيان ، فإذا قبل أحدهما التفاوت ~~فكذلك الآخر ، وذكروا في تفسير هذه الزيادة وجوها : PageV11P062 الأول : ~~أنهم ماتوا على كفرهم . الثاني : أنهم ازدادوا ms3130 كفرا بسبب ذنوب أصابوها حال ~~كفرهم ، وعلى هذا التقدير لما كانت إصابة الذنوب وقت الكفر زيادة في الكفر ~~فكذلك إصابة الطاعات وقت الإيمان يجب أن تكون زيادة في الإيمان . الثالث : ~~أن الزيادة في الكفر إنما حصلت بقولهم { إنما نحن } ( البقرة : 14 ) وذلك ~~يدل على الاستهزاء بالدين أعظم درجات الكفر وأقوى مراتبه . # ثم قال تعالى : { كفرا لم يكن الله ليغفر لهم } وفيه سؤالان : الأول : أن ~~الحكم المذكور في هذه الآية إما أن يكون مشروطا بما قبل التوبة يأو بما ~~بعدها ، والأول باطل لأن الكفر قبل التوبة غير مذكور على الإطلاق ، وحينئذ ~~تضيع هذه الشرائط المذكورة في هذه الآية . والثاني : أيضا باطل لأن الكفر ~~بعد التوبة مغفورة ، ولو كان ذلك بعد ألف مرة ، فعلى كلا التقديرين فالسؤال ~~لازم . # والجواب عنه من وجوه : الأول : أنا لا نحمل قوله { إن الذين } على ~~الاستغراق ، بل نحمله على المعهود السابق ، والمراد به أقوام معينون علم ~~الله تعالى منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه قط فقوله { لم يكن ~~الله ليغفر لهم } إخبار عن موتهم على الكفر ، وعلى هذا التقدير زال السؤال ~~. الثاني : أن الكلام خرج على الغالب المعتاد ، وهو أن كل من كان كثير ~~الانتقال من الإسلام إلى الكفر لم يكن للإسلام في قلبه وقع ولا عظم ، ~~والظاهر من حال مثل هذا الإنسان أنه يموت على الكفر على ما قررناه . الثالث ~~: أن الحكم المذكور في الآية مشروط بعدم التوبة عن الكفر ، وقول السائل : ~~إن على هذا التقدير تضيع الصفات المذكورة . # قلنا : إن إفرادهم بالذكر يدل على كفرهم أفحش وخيانتهم أعظم وعقوبتهم في ~~القيامة أقوى فجرى هذا مجرى قوله { وإذا * أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ~~ومن نوح } ( الأحزاب : 7 ) خصهما بالذكر لأجل التشريف ، وكذلك قوله { ~~وملئكته * وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) . # السؤال الثاني : في قوله { ليغفر لهم } اللام للتأكيد فقوله { لم يكن ~~الله ليغفر لهم } يفيد نفي التأكيد ، وهذا غير لائق بهذا الموضع إنما ~~اللائق به تأكيد النفي ، فما الوجه فيه ؟ # والجواب : أن نفي التأكيد إذا ذكر ms3131 على سبيل التهكم كان المراد منه ~~المبالغة في تأكيد النفي . # ثم قال تعالى : { ولا ليهديهم سبيلا } قال أصحابنا : هذا يدل على أنه ~~سبحانه وتعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان خلافا للمعتزلة ، وهم أجابوا عنه ~~بأنه محمول على المنع من زيادة اللطف ، أو على أنه تعالى لا يهديه في ~~الآخرة إلى الجنة . # ثم قال تعالى : { بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما } . # واعلم أن من حمل الآية المتقدمة على المنافقين قال إنه تعالى بين أنه لا ~~يغفر لهم كفرهم ولا يهديهم إلى الجنة ، ثم قال : وكما لا يوصلهم إلى دار ~~الثواب فإنه مع ذلك يوصلهم إلى أعظم أنواع العقاب ، وهو المراد من قوله { ~~بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما } وقوله { بشر } تهكم بهم ، والعرب تقول ~~: تحيتك الضرب ، وعتابك السيف . PageV11P063 ثم قال تعالى : # ! 7 < { الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم ~~العزة فإن العزة لله جميعا } . > 7 ! # { < < # | النساء : ( 139 ) الذين يتخذون الكافرين . . . . . # > > الذين } : نصب على الذم ، بمعنى أريد الذين ، أو رفع بمعنى هم الذين ~~، واتفق المفسرون على أن المراد بالذين يتخذون : المنافقون ، وبالكافرين ~~اليهود ، وكان المنافقون يوالونهم ويقول بعضهم لبعض : إن أمر محمد لا يتم ، ~~فيقول اليهود بأن العزة والمنعة لهم . # ثم قال تعالى : { أيبتغون عندهم العزة } قال الواحدي : أصل العزة في ~~اللغة الشدة ، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة : غزاز ، ويقال : قد استعز ~~المرض على المريض إذا اشتد مرضه وكاد يأن يهلك ، وعز الهم اشتد ، ومنه عز ~~على أن يكون كذا بمعنى اشتد ، وعز الشيء إذا قل حتى لا يكاد يوجد لأنه اشتد ~~مطلبه ، واعتز فلان بفلان إذا اشتد ظهره به ، وشاة عزوز التي يشتد حلبها ~~ويصعب والعزة القوة منقولة من الشدة لتقارب معنييهما . والعزيز القوي ~~المنيع بخلاف الذليل . # إذا عرفت هذا فنقول : إن المنافقين كانوا يطلبون العزة والقوة بسبب ~~اتصالهم باليهود ، ثم إنه تعالى أبطل عليهم هذا الرأي بقوله { فإن العزة ~~لله جميعا } . # فإن قيل : هذا كالمناقض لقوله { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ( ~~المنافقين : 8 ) . # قلنا : القدرة الكاملة لله ، وكل من ms3132 سواه فباقداره صار قادرا ، وبإعزازه ~~صار عزيزا ، فالعزة الحاصلة للرسول عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لم تحصل ~~إلا من الله تعالى ، فكان الأمر عند التحقيق أن العزة جميعا لله . ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { وقد نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم ءايات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا فى حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن ~~الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 140 ) وقد نزل عليكم . . . . . # > > قال المفسرون : إن المشركين كانوا في مجالسهم يخوضون في ذكر القرآن ~~ويستهزئون به ، فأنزل الله تعالى : { وإذا رأيت الذين يخوضون فىءاياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره } ( الأنعام : 68 ) وهذه الآية نزلت ~~بمكة ، ثم إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين ، ~~والقاعدون معهم والموافقون لهم على ذلك الكلام هم المنافقون ، فقال تعالى ~~مخاطبا للمنافقين إنه { قد * نزل عليكم فى الكتاب أن إذا سمعتم ءايات الله ~~يكفر بها ويستهزأ بها } PageV11P064 والمعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله ~~والاستهزاء بها ، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات والمراد به سماع ~~الاستهزاء . قال الكسائي : وهو كما يقال : سمعت عبدالله يلام . وعندي فيه ~~وجه آخر وهو أن يكون المعنى : إذا سمعتم آيات الله حال ما يكفر بها ويستهزأ ~~بها ، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى ما قال الكسائي ، فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غير الكفر والاستهزاء . # ثم قال : { إنكم إذا مثلهم } . # والمعنى : أيها المنافقون أنتم مثل أولئك الأحبار في الكفر . قال أهل ~~العلم : هذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر ، ومن رضي بمنكر يراه وخالط ~~أهله وإن يباشر كان في الإثم بمنزلة المباشر بدليل أنه تعالى ذكر لفظ المثل ~~ههنا ، هذا إذا كان الجالس راضيا بذلك الجلوس ، فأما إذا كان ساخطا لقولهم ~~وإنما جلس على سبيل التقية والخوف فالأمر ليس كذلك ، ولهذه الدقيقة قلنا ~~بأن المنافقين الذين كانوا يجالسون اليهود ، وكانوا يطعنون في القرآن ~~والرسول كانوا كافرين مثل أولئك اليهود ، والمسلمون الذين كانوا بالمدينة ~~كانوا بمكة يجالسون الكفار ms3133 الذين كانوا يطعنون في القرآن فإنهم كانوا باقين ~~على الإيمان ، والفرق أن المنافقين كانوا يجالسون اليهود مع الاختيار ، ~~والمسلمين كانوا يجالسون الكفار عند الضرورة . # ثم إنه تعالى حقق كون المنافقين مثل الكافرين في الكفر فقال : { إن الله ~~جامع المنافقين والكافرين فى جهنم جميعا } . # يريد كما أنهم اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون ~~في عذاب جهنم يوم القيامة ، وأراد جامع بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن ~~حذف التنوين استخفافا من اللفظ وهو مراد في الحقيقة . # ! 7 < { الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم ~~وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله ~~يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } . > 7 ~~@QB@ < # | النساء : ( 141 ) الذين يتربصون بكم . . . . . # > > # إعلم أن قوله { الذين يتربصون بكم } أما بدل من الذين يتخذون ، وإما صفة ~~للمنافقين ، وإما نصب على الذم ، وقوله { يتربصون } أي ينتظرون ما يحدث من ~~خير أو شر ، فإن كان لكم فتح أي ظهور على اليهود قالوا للمؤمنين ألم نكن ~~معكم ، أي فأعطونا قسما من الغنيمة ، وإن كان للكافرين يعني اليهود نصيب ، ~~أي ظفر على المسلمين قالوا ألم نستحوذ عليكم ، يقال : استحوذ على فلان ، أي ~~غلب عليه وفي تفسير هذه PageV11P065 الآية وجهان : الأول : أن يكون بمعنى ~~ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئا من ذلك ونمنعكم من ~~المسلمين بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في ~~مظاهرتهم عليكم فهاتوا لنا نصيبا مما أصبتم . الثاني : أن يكون المعنى أن ~~أولئك الكفار واليهود كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام ، ثم إن المنافقين ~~حذروهم عن ذلك وبالغوا في تنفيرهم عنه وأطعموه أنه سيضعف أمر محمد وسيقوى ~~أمركم ، فإذا اتفقت لهم صولة على المسلمين قال المنافقون : ألسنا غلبنانكم ~~على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وقلنا لكم بأنه سيضعف أمره ~~ويقوى أمركم ، فلما شاهدتم صدق قولنا فادفعوا إلينا نصيبا مما وجدتم . ~~والحاصل أن المنافقين يمنون على الكافرين ms3134 بأنا نحن الذين أرشدناكم إلى هذه ~~المصالح ، فادفعوا إلينا نصيبا مما وجدتم . # فإن قيل : لم سمي ظفر المسلمين فتحا وظفر الكفار نصيبا ؟ # قلنا : تعظيما لشأن المؤمنين واحتقارا لحظ الكافرين ، لأن ظفر المؤمنين ~~أمر عظيم تفتح له أبواب السماء حتى تنزل الملائكة بالفتح على أولياء الله ، ~~وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء ينقضي ولا يبقى منه إلا الذم في ~~الدنيا والعقوبة في العاقبة . # ثم قال تعالى : { فالله يحكم بينكم يوم القيامة } أي بين المؤمنين ~~والمنافقين : والمعنى أنه تعالى ما وضع السيف في الدنيا عن المنافقين ، بل ~~آخر عقابهم إلى يوم القيامة . # ثم قال : { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } وفيه قولان : ~~الأول : وهو قول علي عليه السلام وابن عباس رضي الله عنهما : أن المراد به ~~في القيامة بدليل أنه عطف على قوله { فالله يحكم بينكم يوم القيامة } ~~الثاني : أن المراد ، به في الدنيا ولكنه مخصوص بالحجة ، والمعنى أن حجة ~~المسلمين غالبة على حجة الكل ، وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة والدليل الثالث ~~: هو أنه عام في الكل إلا ما خصه الدليل ، وللشافعي رحمه الله مسائل : منها ~~أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه بداء الحرب لم يملكه بدلالة ~~هذه الآية ، ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبدا مسلما بدلالة هذه الآية ~~، ومنها أن المسلم لا يقتل بالذمي بدلالة هذه الآية . # ! 7 < { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلواة ~~قاموا كسالى يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 142 ) إن المنافقين يخادعون . . . . . # > > # قوله تعالى : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } قد مر تفسير ~~الخداع في سورة البقرة في قوله { يخادعون الله والذين ءامنوا } ( البقرة : ~~9 ) قال الزجاج في تفسير هذه الآية { يخادعون الله } أي يخادعون رسول الله ~~، أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كما قال : { إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) وقوله { وهو } أي مجازيهم بالعقاب على ~~خداعهم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه تعالى خادعهم الآخرة ، وذلك ~~أنه تعالى ms3135 يعطيهم نورا كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ ~~نورهم وبقوا في الظلمة ، ودليله قوله تعالى : { مهتدين مثلهم كمثل الذى ~~استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ~~} ( البقرة : 17 ) . # ثم قال تعالى : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } يعني وإذا ~~قاموا إلى الصلاة مع المسلمين قاموا PageV11P066 كسالى ، أي متثاقلين ~~متباطئين وهو معنى الكسل في اللغة ، وسبب ذلك الكسل أنهم يستثقلونها في ~~الحال ولا يرجون بها ثوابا ولا من تركها عقابا ، فكان الداعي للترك قويا من ~~هذه الوجوه ، والداعي إلى الفعل ليس إلا خوف الناس ، والداعي إلى الفعل متى ~~كان كذلك وقع الفعل على وجه الكسل والفتور . قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { ~~كسالى } بضم الكاف وفتحها جمع كسلان كسكارى في سكران . # ثم قال تعالى : { يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } والمعنى أنهم ~~لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة ، لا لأجل الدين . # فإن قيل : ما معنى المرآة وهي مفاعلة من الرؤية . # قلنا : إن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل ، وفي قوله { ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا } وجوه : الأول : أن المراد بذكر الله الصلاة ، ~~والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلا ، لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لم ~~يصلوا ، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلقون حتى يصيروا ~~غائبين عن أعين الناس . الثاني : أن المراد بذكر الله أنهم كانوا في صلاتهم ~~لا يذكرون الله إلا قليلا ، وهو الذي يظهر مثل التكبيرات ، فأما الذي يخفى ~~مثل القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها . الثالث : المراد أنهم لا يذكرون ~~الله في جميع الأوقات سواء كان ذلك الوقت وقت الصلاة أو لم يكن وقت الصلاة ~~إلا قليلا نادرا . قال صاحب ( الكشاف ) . وهكذا نرى كثيرا من المتظاهرين ~~بالإسلام ، ولو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ، ~~ولكن حديث الدنيا يستغرق به أيامه وأوقاته لا يفتر عنه . الرابع : قال ~~قتادة إنما قيل : إلا قليلا ، لأن الله تعالى لم يقبله ، وما رده الله ~~تعالى ms3136 فكثيره قليل ، وما قبله الله فقليله كثير ثم قال تعالى : # ! 7 < { مذبذبين بين ذالك لا إلى هاؤلاء ولا إلى هاؤلاء ومن يضلل الله ~~فلن تجد له سبيلا } > 7 ! # < < # | النساء : ( 143 ) مذبذبين بين ذلك . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : مذبذبين . إما حال من قوله { * يراؤن } أو من قوله { لا ~~يذكرون * الله إلا قليلا } ( النساء : 142 ) ويحتمل أن يكون منصوبا على ~~الذم . # المسألة الثانية : مذبذبين : أي متحيرين ، وحقيقة المذبدب الذي يذب عن ~~كلا الجانبين ، أي يرد ويدفع فلا يقر في جانب واحد ، إلا أن الذبذبة فيها ~~تكرير وليس في الذب ، فكان المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه . # وأعلم أن السبب في ذلك أن الفعل يتوقف على الداعي ، فإن كان الداعي إلى ~~الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم كثر التذبذب والاضطراب ، لأن ~~منافع هذا العالم وأسبابه متغيرة سريعة التبدل ، وإذا كان الفعل تبعا ~~للداعي ، والداعي تبعا للمقصود ثم إن المقصود سريع التبدل والتغير لزم وقوع ~~التغير في PageV11P067 الميل والرغبة ، وربما تعارضت الدواعي والصوارف ~~فيبقى الإنسان في الحيرة والتردد . أما من كان مطلوبه في فعله إنشاء ~~الخيرات الباقية ، واكتساب السعادات الروحانية ، وعلم أن تلك المطالب أمور ~~باقية بريئة عن التغير والتبدل لا جرم كان هذا الإنسان ثابتا راسخا فلهذا ~~المعنى وصف الله تعالى أهل الإيمان بالثبات فقال { يثبت الله الذين ءامنوا ~~} ( إبراهيم : 27 ) وقال { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) ~~وقال : { أحد يأيتها النفس المطمئنة } ( الفجر : 26 ) . # المسألة الثالثة : قرأ ابن عباس { مذبذبين } بكسر الذال الثانية ، ~~والمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم ، بمعنى يتذبذبون كما جاء صلصل ~~وتصلصل بمعنى ، وفي مصحف عبد الله بن مسعود : متذبذبين ، وعن أبي جعفر : ~~مذبذبين بالدال المهملة ، وكأن المعنى أنهم تارة يكونون في دبة وتارة في ~~أخرى ، فلا يبقون على دبة واحدة والدبة الطريقة وهي التي تدب فيها الدواب . # المسألة الرابعة : قوله { بين ذالك } أي بين الكفر والإيمان ، أو بين ~~الكافرين والمؤمنين ، وكلمة { ذالك } يشار به إلى الجماعة ، وقد تقدم ~~تقريره في تفسير قوله { عوان بين ms3137 ذالك } ( البقرة : 68 ) وذكر الكافرين ~~والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله { الذين يتخذون الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين } ( النساء : 139 ) وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر ~~والإيمان قال قتادة : معنى الآية ليسوا مؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين ~~بالشرك . # المسألة الخامسة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الحيرة في الدين إنما ~~تحصل بإيجاد الله تعالى وقالوا : إن قوله { مذبذبين } يقتضي فاعلا قد ~~ذبذبهم وصيرهم متحيرين مترددين ، وذلك ليس باختيار العبد ، فإن الإنسان إذا ~~وقع في قلبه الدواعي المتعارضة الموجبة للتردد والحيرة ، فلو أراد أن يدفع ~~ذلك التردد عن نفسه لم يقدر عليه أصلا ، ومن رجع إلى نفسه وتأمل في أحواله ~~علم أن الأمر كما ذكرنا ، وإذا كانت تلك الذبذبة لا بد لها من فاعل ، وثبت ~~أن فاعلها ليس هو العبد ثبت أن فاعلها هو الله تعالى ، فثبت أن الكل من ~~الله تعالى . # فإن قيل : قوله تعالى : { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } يقتضي ذمهم على ~~ترك طريقة المؤمنين وطريقة الكافرين ، وذلك يقتضي أنه تعالى ما ذمهم على ~~طريقة الكفار وإنه غير جائز . # قلنا : ءن طريقة الكفار وإن كانت خبيثة إلا أن طريقة النفاق أخبث منها ، ~~ولذلك فإنه تعالى ذم الكفار في أول سورة البقرة في آيتين / وذم المنافقين ~~في بضع عشرة آية ، وما ذاك إلا أن طريقة النفاق أخبث من طريقة الكفار ، فهو ~~تعالى إنما ذمهم لا لأنهم تركوا الكفر ، بل لأنهم عدلوا عنه إلى ما هو أخبث ~~منه . # ثم قال تعالى : { ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } واحتج أصحابنا بهذه ~~الآية على قولهم من وجهين : الأول : أن ذكر هذا الكلام عقيب قوله { مذبذبين ~~} يدل على أن تلك الذبذبة من الله تعلى ، وإلا لم يتصل هذا الكلام بما قبله ~~. والثاني : أنه تصريح بأن الله تعالى تعالى أضله عن الدين . قالت المعتزلة ~~: معنى هذا الإضلال سلب الألطاف ، أو هو عبارة عن حكم الله عليه بالضلال ، ~~أو هو عبارة عن أن الله تعالى يضله يوم القيامة عن طريق ms3138 الجنة ، وهذه ~~الوجوه قد تكلمنا عليها مرارا . PageV11P068 # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكافرين أوليآء من دون المؤمنين ~~أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } > 7 @QB@ < # | النساء : ( 144 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { سبيلا يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين } . # أعلم أنه تعالى لما ذم المنافقين بأنهم مرة إلى الكفرة ومرة إلى المسلمين ~~من غير أن يستقروا مع أحد الفريقين نهى المسلمين في هذه الآية أن يفعلوا ~~مثل فعلهم فقال : { سبيلا يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين } والسبب فيه أن الأنصار بالمدينة كان لهم في بني قريظة رضاع ~~وحلف ومودة ، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : من نتولى ؟ فقال : ~~المهاجرين ؟ فنزلت هذه الآية . # والوجه الثاني : ما قاله القفال رحمه الله : وهو أن هذا نهي للمؤمنين عن ~~موالاة المنافقين يقول : قد بينت لكم أخلاق المنافقين ومذاهبهم فلا تتخذوا ~~منهم أولياء . # ثم قال تعالى : { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } # فإن حملنا الآية الأولى على أنه تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار كان ~~معنى الآية أتريدون أن تجعلوا لله سلطانا مبينا على كونكم منافقين ، ~~والمراد أتريدن أن تجعلوا لأهل دين الله وهم الرسول وأمته ، وإن حملنا ~~الآية الأولى على المنافقين كان المعنى : أتريدون أن تجعلوا لله عليكم في ~~عقابكم حجة بسبب موالاتكم للمنافقين ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن المنافقين فى الدرك الا سفل من النار ولن تجد لهم نصيرا } > 7 ~~! # < < # | النساء : ( 145 ) إن المنافقين في . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الليث : الدرك أقصى قعر الشيء كالبحر ونحوه ، فعلى ~~هذا المراد بالدرك الأسفل أقصى قعر جهنم ، وأصل هذا من الإدراك بمعنى ~~اللحوق ، ومنه إدراك الطعام وإدراك الغلام ، فالدرك ما يلحق به من الطبقة ، ~~وظاهره أن جهنم طبقات ، والظاهر أن أشدها أسفلها . قال الضحاك : الدرج إذا ~~كان بعضها فوق بعض ، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بضع . # المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { فى الدرك } بسكون ~~الراء والباقون بفتحها ، قال الزجاج : هما ms3139 لغتان مثل الشمع والشمع ، إلا أن ~~الاختيار فتح الراء لأنه أكثر استعمالا قال أبو حاتم : جمع الدرك أدراك ~~كقولهم : جمل وأجمل ، وفرس وأفرس ، وجمع الدرك أدرك مثل فلس وأفلس وكلب ~~وأكلب . # المسألة الثالاثة : قال ابن الأنباري : إنه تعالى قال في صفة المنافقين ~~إنهم في الدرك الأسفل ، وقال في آل فرعون { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ~~} ( غافر : 46 ) فأيهما أشد عذابا ، المنافقون أم آل فرعون ؟ وأجاب بأنه ~~يحتمل أن أشد العذاب إنما يكون في الدرك الأسفل ، وقد اجتمع فيه الفريقان . # المسألة الرابعة : لما كان المنافق أشد عذابا من الكافر لأنه مثله في ~~الكفر ، وضم إليه نوع آخر من PageV11P069 الكفر ، وهو الاستهزاء بالإسلام ~~وبأهله ، وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار ~~المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين ، ~~فلهذه الأسباب جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار . # ثم قال تعالى : { ولن تجد لهم نصيرا } وهذا تهديد لهم . واحتج أصحابنا ~~بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل الصلاة ، قالوا : إنه تعالى خص ~~المنافقين بهذا التهديد ، ولو كان ذلك حاصلا في حق غير المنافقين لم يكن ~~ذلك زجرا عن النفاق من حيث أنه نفاق ، وليس هذا استدلالا بدليل الخطاب ، بل ~~وجه الاستدلال فيه أنه تعالى ذكره في معرض الزجر عن النفاق ، فلو حصل ذلك ~~مع عدمه لم يبق زجرا عنه من حيث إنه نفاق ثم قال تعالى : # ! 7 < { إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ~~فأولائك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما } > 7 ! # < < # | النساء : ( 146 ) إلا الذين تابوا . . . . . # > > وأعلم أن هذه الآية فيها تغليظات عظيمة على المنافقين ، وذلك لأنه ~~تعالى شرط في إزالة العقاب عنهم أمورا أربعة : أولها : التوبة ، وثانيها : ~~إصلاح العمل ، فالتوبة عن القبيح ، وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على ~~الحسن ، وثالثها : الاعتصام بالله ، وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح ~~العمل طلب مرضاة الله تعالى لا طلب مصلحة الوقت ، لأنه لو كان مطلوبه جلب ~~المنافع ودفع المضار لتغير عن ms3140 التوبة وإصلاح العمل سريعا ، أما إذا كان ~~مطلوبه مرضاة الله تعالى وسعادة الآخرة والاعتصام بدين الله بقي على هذه ~~الطريقة ولم يتغير عنها . ورابعها : الإخلاص ، والسبب فيه أنه تعالى أمرهم ~~أولا : بترك القبيح ، وثانيا : بفعل الحسن ، وثالثا : أن يكون غرضهم في ذلك ~~الترك والفعل طلب مرضاة الله تعالى ، ورابعا : أن يكون ذلك الغرض وهو طلب ~~مرضاة الله تعالى خالصا وأن لا يمتزج به غرض آخر ، فإذا حصلت هذه الشرائط ~~الأربعة فعند ذلك قال : { فأولئك مع المؤمنين } ولم يقل فأولئك مؤمنون ، ثم ~~أوقع أجر المؤمنين في التشريف لإنضمام المنافقين إليهم ، فقال : { وسوف يؤت ~~الله المؤمنين أجرا عظيما } وهذه القرائن دالة على أن حال المنافق شديد عند ~~الله تعالى . # ! 7 < { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم وكان الله شاكرا عليما } ~~> 7 ! # < < # | النساء : ( 147 ) ما يفعل الله . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : أيعذبكم لأجل التشفي ، أم لطلب النفع ، أم لدفع الضرر ، ~~كل ذلك محال في حقه لأنه تعالى غنى لذاته عن الحاجات ، منزه عن جلب المنافع ~~ودفع المضار ، وإنما المقصود منه حمل PageV11P070 المكلفين على فعل الاحسن ~~والاحتراز عن القبيح ، فإذا أتيتم بالحسن وتركتم القبيح فكيف يليق بكرمه أن ~~يعذبكم . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : دلت هذه الآية على قولنا ، وذلك لأنها ~~دالة على أنه سبحانه ما خلق خلقا لأجل التعذيب والعقاب ، فإن قوله { ما ~~يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم } صريح في أنه لم يخلق أحداف لغرض ~~التعذيب ، وأيضا الآية تدل على أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وليس ذلك ~~فعلا لله تعالى ، وإلا لصار التقدير : ما يفعل الله بعذابكم إذا خلق الشكر ~~والإيمان فيكم ومعلوم أن هذا غير منتظم ، وقد سبق الجواب عن هذه الكلمات . # المسألة الثالثة : قال أصحابنا : دلت هذه الآية على أنه لا يعذب صاحب ~~الكبيرة لأنا نفرض الكلام فيمن شكر ورمن ثم أقدم على الشرب أو الزنا ، فهذا ~~وجب أن لا يعاقب بدليل قوله تعالى : { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ~~وءامنتم } فإن قالوا لا نسلم أن صاحب الكبيرة نؤمن ms3141 ، قلنا : ذكرنا الوجوه ~~الكثيرة في هذا الكتاب على أنه مؤمن . # المسألة الرابعة : في تقدم الشكر على الإيمان وجهان : الأول : أنه على ~~التقديم والتأخير ، أي إن آمنتم وشكرتم ، لأن الإيمان مقدم على سائر ~~الطاعات . الثاني : إذا قلنا : الواو لا توجب الترتيب فالسؤال زائل . ~~الثالث : أن الإنسان إذا نظر في نفسه رأى النعمة العظيمة حاصلة في تخليقها ~~وترتيبها فيشكر شكرا مجملا ، ثم إذا تمم النظر في معرفة المنعم آمن به ثم ~~شكر شكرا مفصلا ، فكان ذلك الشكر المجمل مقدما على الإيمان ، فلهذا قدمه ~~عليه في الذكر . # ثم قال : { وكان الله شاكرا عليما } لأنه تعالى لما أمرهم بالشكر سمى ~~جزاء الشكر شكرا على سبيل الاستعارة ، فالمراد من الشاكر في حقه تعالى كونه ~~مثيبا على الشكر ، والمراد من كونه عليما أنه عالم بجميع الجزئيات ، فلا ~~يقع الغلط له ألبتة ، فلا جرم يوصل الثواب إلى الشاكر والعقاب إلى المعرض . # ! 7 < { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا ~~عليما } > 7 ! # < < # | النساء : ( 148 ) لا يحب الله . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية النظم وجهان : الأول : أنه تعالى لما هتك ستر ~~المنافقين وفضحهم وكان هتك التسر غير لائق بالرحيم الكريم ذكر تعالى ما ~~يجري مجرى العذر في ذلك فقال : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم } يعني أنه تعالى لا يحب إظهار الفضائح والقبائح إلا في حق من عظم ضرره ~~وكثر مكره وكيده ، فعند ذلك يجوز إظهار فضائحه ، ولهذا قال عليه الصلاة ~~والسلام : ( أذكروا الفاسق بما فيه كي تحذره الناس ) وهؤلاء المنافقون قد ~~كان كثر مكرهم وكيدهم وظلمهم في حق المسلمين وعظم ضررهم ، فلهذا المعنى ذكر ~~الله فضائحهم وكشف أسرارهم . الثاني : أنه تعالى ذكر في هذه الآية المتقدمة ~~أن هؤلاء المنافقين إذا تابوا أخلصوا صاروا من المؤمنين ، فيحتمل أنه كان ~~يثوب بعضهم ويخلص في توبته PageV11P071 ثم لا يسلم بعد ذلك من التعيير ~~والذم من بعض المسلمين بسبب ما صدر عنه في الماضي من النفاق ، فبين تعالى ~~في هذه ms3142 الآية أنه تعالى لا يحب هذه الطريقة ، ولا يرضى بالجهر بالسوء من ~~القول إلا من ظلم نفسه وأقام على نفاقه فإنه لا يكره ذلك . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : دلت الآية على أنه تعالى لا يريد من ~~عباده فعل القبائح ولا يخلقها ، وذلك لأن محبة الله تعالى عبارة عن إرادته ~~، فلما قال : { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } علمنا أنه لا يريد ذلك ~~، وأيضا لو كان خالقا لأفعال العباد لكان مريدا لها ، ولو كان مريدا لها ~~لكان قد أحب إيجاد الجهر بالسوء من القول ، وإنه خلاف الآية . # والجواب : المحبة عندنا عبارة عن إعطاء الثواب على الفعل ، وعلى هذا ~~الوجه يصح أن يقال : إنه تعالى أراده ولكنه ما أحبه والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال أهل العلم : إنه تعالى لا يحب الجهر بالسوء من ~~القول ولا غير الجهر أيضا ، ولكنه تعالى إنما ذكر هذا الوصف لأن كيفيته ~~الواقعة أوجبت ذلك كقوله { إذا ضربتم فى سبيل الله فتبينوا } ( النساء : 94 ~~) والتبين واجب في الطعن والإقامة ، فكذا ههنا . # المسألة الرابعة : في قوله { إلا من ظلم } قولان ، وذلك لأنه إما ى ن ~~يكون استثناء منقطعا أو متصلا . # القول الأول : أنه استثناء متصل ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : ~~قال أبو عبيدة هذا من باب حذف المضاف على تقدير : إلا جهر من ظلم . ثم حذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، الثاني : قال الزجاج : المصدر ههنا أقيم ~~مقام الفاعل ، والتقدير : لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم . # القول الثاني : إن هذا الاستثناء منقطع ، والمعنى لا يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول ، لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته . # المسألة الخامسة : المظلوم ماذا يفعل ؟ فيه وجوه : الأول : قال قتادة ~~وابن عباس : لا يحب الله رفع الصوت بما يسوء غيره إلا المظلوم فإن له أن ~~يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه . الثاني : قال مجاهد : إلا أن يخبر بظلم ~~ظالمه له . الثالث : لا يجوز إظهار الأحوال المتسورة المكتومة ، لأن ذلك ~~يصير سببا لوقوع الناس في الغيبة ووقوع ذلك الإنسان في ms3143 الريبة ، لكن من ظلم ~~فيجوز إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب ، وهذا قول الأصم . الرابع : قال ~~الحسن : إلا أن ينتصر من ظالمه . قيل نزلت الآية في أبي بكر رضي الله عنه ، ~~فإن رجلا شتمه فسكت مرارا ، ثم رد عليه فقام النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فقال أبو بكر : شتمني وأنت جالس ، فلما رددت عليه قمت / قال : إن ملكا كان ~~يجيب عنك ، فلما رددت عليه ذهب ذلك الملك وجاء الشيطان ، فلم أجلس عند مجيء ~~الشيطان ، فنزلت هذه الآية . # المسألة السادسة : قرأ جماعة من الكبار : الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن ~~جبير { إلا من ظلم } بفتح الظاء ، وفيه وجهان : الأول : أن قوله { لا يحب ~~الله الجهر بالسوء من القول } كلام تام ، وقوله { إلا من ظلم } كلام منقطع ~~عما قبله ، والتقدير : لكن من ظلم فدعوه وخلوه ، وقال الفراء والزجاج : ~~يعني لكن من ظلم نفسه فإنه يجهر بالسوء من القول ظلما واعتداء . الثاني : ~~أن يكون الاستثناء متصلا والتقدير { إلا من PageV11P072 ظلم } فإنه يجوز ~~الجهر بالسوء من القول معه . # ثم قال : { وكان الله سميعا عليما } وهو تحذير من التعدي في الجهر ~~المأذون فيه ، ويعني فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستورا بسوء ~~فإنه يصير عاصيا لله بذلك ، وهو تعالى سميع لما يقوله عليم بما يضمره . # ! 7 < { إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ~~} > 7 ! # < < # | النساء : ( 149 ) إن تبدوا خيرا . . . . . # > > أعلم أن معاقد الخيرات على كثرتها محصورة في أمرين : صدق مع الحق ، ~~وخلق مع الخلق ، والذي يتعلق بالخلق محصور في قسمين إيصال نفع إليهم ودفع ~~ضرر عنهم ، فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر . # ثم قال تعالى : { فإن الله كان عفوا قديرا } وفيه وجوه : الأول : أنه ~~تعالى يعفو عن الجانبين مع قدرته على الانتقام ، فعليكم أن تقتدوا بسنة ~~الله تعالى وهو قول الحسن . الثاني : أن الله كان عفوا لمن عفا ، قديرا على ~~إيصال الثواب إليه . الثالث : قال الكلبي : إن الله تعالى أقدر على ms3144 عفو ~~ذنوبك منك على عفو صاحبك . # ! 7 < { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ~~ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذالك سبيلا * أولائك ~~هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } > 7 @QB@ < # | النساء : ( 150 - 151 ) إن الذين يكفرون . . . . . # > > # أعلم أنه تعالى لما تكلم على طريقة المنافقين عاد يتكلم على مذاهب اليهود ~~والنصارى ومناقضاتهم وذكر في آخر هذه السورة من هذا الجنس أنواعا : # النوع الأول : من أباطيلهم : إيمانهم ببعض الأنبياء دون البعض . فقال : { ~~إن الذين يكفرون بالله ورسله } فإن اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا ~~بعيسى والإنجيل ، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد والقرآن { ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله } أي يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله ~~ورسله { ويريدون أن يتخذوا بين ذالك سبيلا } أي بين الإيمان بالكل وبين ~~الكفر بالكل سبيلا أي واسطة ، وهي الإيمان بالبعض دون البعض . # ثم قال تعالى : { أولئك هم الكافرون حقا } وفيه مسائل : PageV11P073 # المسألة الأولى : في خبر { ءان } قولان : أحدهما : أنه محذوف ، كأنه قيل ~~جمعوا المخازي . والثاني : هو قوله { أولئك هم الكافرون } والأول أحسن ~~لوجهين : أحدهما : أنه أبلغ لأنه إذا حذف الجواب ذهب الوهم كل مذهب من ~~العيب ، وإذا ذكر بقي مقتصرا على المذكور ، والثاني : أنه رأس الآية ، ~~والأحسن أن لا يكون الخبر منفصلا عن المبتدأ . # المسألة الثانية : أنهم إنما كانوا كافرين حقا لوجهين : الأول : أن ~~الدليل الذي يدل على نبوة البعض ليس إلا المعجز ، وإذا كان دليلا على ~~النبوة لزم القطع بأنه حيث حصل حصلت النبوة فإن جوزنا في بعض المواضع حصول ~~المعجز بدون الصدق تعذر الاستدلال به على الصدق ، وحينئذ يلزم الكفر بجميع ~~الأنبياء فثبت أن من لم يقبل نبوة أحد منهم لزمه الكفر بجميعهم . # فإن قيل : هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء ، ولكن ليس إذا توجه بعض ~~الالزامات على الإنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلا به ، فإلزام الكفر ~~غير ، والتزام الكفر غير ، والقوم لما لم يلتزموا ذلك فيكف يقضى عليهم ~~بالكفر . # قلنا : الإلزام إذا كان خفيا بحيث ms3145 يحتاج فيه إلى فكر وتأمل كان الأمر فيه ~~كما ذكرتم ، أما إذا كان جليا واضحا لم يبق بين الالزام والالتزام فرق ، ~~والثاني : وهو أن قبول بعض الأنبياء أن كان لأجل الانقياد لطاعة الله تعالى ~~وحكمه وجب قبول الكل ، وإن كان لطلب الرياسة كان ذلك في الحقيقة كفرا بكل ~~الأنبياء . # المسألة الثالثة : في قوله { حقا } وجهان : الأول : أنه انتصب على مثل ~~قولك : زيد أخوك حقا ، والتقدير أخبرتك بهذا المعنى إخبارا حقا ، والثاني : ~~أن يكون التقدير : أولئك هم الكافرون كفرا حقا . طعن الواحدي فيه وقال : ~~الكفر لا يكون حقا بوجه من الوجوه . # والجواب أن المراد بهذا الحق الكامل ، المعنى أولئك هم الكافرون كفرا ~~كاملا ثابتا حقا يقينا . # ! 7 < { والذين ءامنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولائك سوف ~~يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 152 ) والذين آمنوا بالله . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أردفه بالوعد فقال : { والذين ءامنوا ~~بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله ~~غفورا رحيما } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : إنما قال : { ولم يفرقوا بين أحد منهم } مع أن التفريق ~~يقتضي شيئين فصاعدا إلا أن أحدا لفظ يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر ~~والمؤنث ، ويدل عليه وجهان : الأول : صحة الاستثناء . والثاني : قوله تعالى ~~: { لستن كأحد من النساء } ( الأحزاب : 32 ) . # إذا عرفت هذا فتقدير الآية : ولم يفرقوا بين أثنين منهم أو بين جماعة . # المسألة الثانية : تمسك أصحابنا بهذه الآية في إثبات العفو وعدم الاحباط ~~فقالوا : إنه تعالى وعد من آمن بالله ورسله بأن يؤتيهم أجورهم ، والمفهوم ~~منه يؤتيهم أجورهم على ذلك الإيمان ، وإلا لم تصلح هذه PageV11P074 الآية ~~لأن تكون ترغيبا في الإيمان ، وذلك يوجب القطع بعدم الإحباط والقطع بالعفو ~~وبالإخراج من النار بعد الإدخال فيها . # المسألة الثالثة : قرأ عاصم في رواية حفص { يؤتيهم } بالياء والضمير راجع ~~إلى اسم الله ، والباقون بالنون ، وذلك أولى لوجهين : أحدهما : أنه أفخم . ~~والثاني : أنه مشاكل لقوله { وأعتدنا } ( الأحزاب : 31 ) . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { سوف يؤتيهم أجورهم } معناه ms3146 أن إيتاءها ~~كائن لا محالة وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتحقيقه لا كونه متأخرا . # ثم قال : { وكان الله غفورا رحيما } والمراد أنه وعدهم بالثواب ثم أخبرهم ~~بعد ذلك بأنه يتجاوز عن سيئاتهم ويعفو عنها ويغفرها . # ! 7 < { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء فقد سألوا موسى ~~أكبر من ذالك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا ~~العجل من بعد ما جآءتهم البينات فعفونا عن ذالك وءاتينا موسى سلطانا مبينا ~~* ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا ~~تعدوا فى السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 153 - 154 ) يسألك أهل الكتاب . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو النوع الثاني من جهالات اليهود ، فإنهم قالوا : إن كنت ~~رسولا من عند الله فائتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح . ~~وقيل : طلبوا أن ينزل عليهم كتابا من السماء إلى فلان وكتابا إلى فلان بأنك ~~رسول الله وقيل : كتابا نعاينه حين ينزل ، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل ~~التعنت لأن معجزات الرسول كانت قد تقدمت ، وحصلت فكان طلب الزيادة من باب ~~التعنت . # ثم قال تعالى : { فقد سألوا موسى أكبر من ذالك } وإنما أسند السؤال إليهم ~~وإن وجد من آبائهم في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم ~~كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومشاكلين لهم في التعنت . # واعلم أن المقصود من الآية بيان ما جبلوا عليه من التعنت ، كأنه قيل : إن ~~موسى لما نزل عليه كتاب من السماء لم يكتفوا بذلك القدر ، بل طلبوا منه ~~الرؤية على سبيل المعاينة ، وهذا يدل على أن طلب هؤلاء لنزول الكتاب عليهم ~~من السماء ليس لأجل الاسترشاد بل لمحض العناد . # ثم قال تعالى : { فقد سألوا موسى أكبر من ذالك فقالوا أرنا الله جهرة ~~فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } وهذه PageV11P075 القصة قد فسرناها في سورة ~~البقرة ، واستدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الرؤية قد أجبنا عنه هناك . # ثم قال تعالى : { ثم اتخذوا العجل من بعد ما * جاءتهم البينات } والمعنى ~~بيان كمال جهالاتهم وإصرارهم ms3147 على كفرهم فإنهم ما اكتفوا بعد نزول التوراة ~~عليهم بطلب الرؤية جهرة ، بل ضموا إليه عبادة العجل وذلك يدل على غاية ~~بعدهم عن طلب الحق والدين ، والمراد بالبينات من قوله { من بعد ما جاءتهم ~~البينات } أمور : أحدها : أنه تعالى جعل ما أراهم من الصاعقة بينات ، فإن ~~الصاعقة وإن كانت شيئا واحدا إلا أنها كانت دالة على قدرة الله تعالى وعلى ~~علمه وعلى قدمه ، وعلى كونه مخالفا للأجسام والأعراض وعلى صدق موسى عليه ~~السلام في دعوى النبوة . وثانيها : أن المراد بالبينات إنزال الصاعقة ~~وإحياؤهم بعد ما أماتهم . وثالثها : أنهم إنما عبدوا العجل من بعد أن ~~شاهدوا معجزات موسى عليه السلام التي كان يظهرها في زمان فرعون ، وهي العصا ~~واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها من المعجزات القاهرة ، والمقصود من ذلك ~~الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتابا من السماء فاعلم ~~يا محمد أنهم لا يطلبونه منك إلا عنادا ولجاجا ، فإن موسى قد أنزل الله ~~عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات القاهرة ، ثم أنهم طلبوا الرؤية ~~على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل ، وكل لذلك يدل على أنهم مجبولون ~~على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق . # ثم قال : { فعفونا عن ذالك } يعني لم نستأصل عبدة العجل { يسألك أهل ~~الكتاب أن } يعني أن قوم موسى وإن كانوا قد بالغوا في إظهار اللجاج والعناد ~~معه لكنا نصرناه وقويناه فعظم أمره وضعف خصمه / وفيه بشارة للرسول صلى الله ~~عليه وسلم على سبيل التنبيه ، والرمز بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه ~~فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم ، ثم حكى تعالى عنهم سائر جهالاتهم ~~وإصرارهم على أباطيلهم : فأحدها : أنه تعالى رفع فوقهم الطور بميثاقهم ، ~~وفيه وجوه : الأول : أنهم أعطوا الميثاق على أن لا يرجعوا عن الدين . ثم ~~رجعوا عنه وهموا بالرجوع ، فرفع الله فوقهم الطور حتى يخافوا فلا ينقضوا ~~الميثاق . الثاني : أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله الجبل ~~فوقهم حتى قبلوا ، وصار المعنى : ورفعنا فوقهم الطور لأجل أن يعطوا الميثاق ~~بقبول الدين ms3148 . الثالث : أنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن ~~الدين فالله يعذبهم بأي نوع من أنواع العذاب أراد ، فلما هموا بترك الدين ~~أظل الله الطور عليهم وهو المراد من قوله { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم } ~~. وثانيها : قوله : { وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا } ومضى بيانه في سورة ~~البقرة . وثالثها : قوله { وقلنا لهم لا تعدوا فى السبت وأخذنا منهم ميثاقا ~~غليظا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { لا تعدوا فى السبت } ، فيه وجهان : الأول : لا تعدوا ~~باقتناص السمك فيه قال الواحدي : يقال عدا عليه أشد العداء والعدو والعدوان ~~، أي ظلمه وجاوز الحد ، ومنه قوله { فيسبوا الله عدوا } ( الأنعام : 108 ) ~~الثاني : لا تعدوا في السبت من العدو بمعنى الحضر ، والمراد النهي عن العمل ~~والكسب يوم السبت ، كأنه قال لهم : اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا ~~في منازلكم فأنا الرزاق . # المسألة الثانية : قرأ نافع { لا تعدوا } ساكنة العين مشددة الدال ، ~~وأراد : لا تعتدوا ، وحجته قوله { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت } ~~( البقرة : 65 ) فجاء في هذه القصة بعينها افتعلوا ، ثم أدغم التاء في ~~الدال لتقاربهما ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر ، وكثير من النحويين ~~ينكرون الجمع بين الساكنين إذا PageV11P076 كان الثاني منهما مدغما ولم يكن ~~الأول حرف لين نحو دابة وشابة ، وقيل لهم ، ويقولون : إن المد يصير عوضا عن ~~الحركة ، وروى ورش عن نافع { لا تعدوا } بفتح العين وتشديد الدال ، وذلك ~~لأنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين ، والباقون { تعدوا } ~~بضم الدال وسكون العين حقيقة . # المسألة الثالثة : قال القفال : الميثاق الغليط هو العهد المؤكد غاية ~~التوكيد ، وذلك بين فيما يدعونه من التوراة ثم قال تعالى : # ! 7 < { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بأايات الله وقتلهم الا نبيآء بغير حق ~~وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } . > 7 ~~! # < < # | النساء : ( 155 ) فبما نقضهم ميثاقهم . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في متعلق الباء في قوله { فبما نقضهم } قولان الأول : ~~أنه محذوف تقديره فيما نقضهم ميثاقهم وكذا ، لعنادهم وسخطنا عليهم ، والحذف ~~أفخم ms3149 لأن عند الحذف يذهب الوهم كل مذهب ، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء ~~المذكورة من صفات الذم فيدل على اللعن . الثاني : أن متعلق الباء هو قوله { ~~فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ( النساء : 160 ) وهذا ~~قول الزجاج ورغم أن قوله { فبظلم من الذين هادوا } بدل من قوله { فيما * ~~نقضهم } . # واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان : أحدهما : أن من قوله { ~~فبما نقضهم ميثاقهم } إلى قوله { فبظلم } الآيتين بعيد جدا ، فجعل أحدهما ~~بدلا عن الآخر بعيد . الثاني : أن تلك الجنايات المذكورة عظيمة جدا لأن ~~كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء وإنكارهم للتكليف بقولهم : قلوبنا غلف أعظم ~~الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة ، ~~وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات العظيمة . # المسألة الثانية : اتفقوا على أن ( ما في قوله { فبما نقضهم ميثاقهم } ~~صلة زائدة ، والتقدير : فبنقضهم ميثاقهم ، وقد استقصينا هذه المسألة في ~~تفسير قوله { فبما رحمة من الله لنت لهم } ( آل عمران : 159 ) . # المسألة الثالثة : أنه تعالى أدخل حرف الباء على أمور : أولها : نقض ~~الميثاق . وثانيها : كفرهم بآيات الله ، والمراد منه كفرهم بالمعجزات ، وقد ~~بينا فيما تقدم أن من أنكر معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل ، ~~فلهذا السبب حكم الله عليهم بالكفر بآيات الله . وثالثها : قتلهم الأنبياء ~~بغير حق ، وذكرنا تفسيره في سورة البقرة . ورابعها : قولهم { قلوبنا غلف } ~~وذكر القفال فيه وجهين : أحدهما : أن غلفا جمع غلاف والأصل غلف بتحريك ~~اللام فخفف بالتسكين ، كما قيل كتب ورسل بتسكين التاء والسين ، والمعنى على ~~هذا أنهم قالوا قلوبنا غلف ، أي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما ~~عندنا ، فكذبوا الأنبياء بهذا القول . والثاني : أن غلفا جمع أغلف وهو ~~المتغطى بالغلاف أي بالغطاء ، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا في أغطية ~~فهي لا تفقه ما تقولون ، نظيره ما حكى الله في قوله { وقالوا قلوبنا فى ~~أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) ~~. PageV11P077 # ثم قال تعالى : { بل طبع ms3150 الله عليها بكفرهم } . # فإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الأول كان المراد من هذه الآية أنه ~~تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم أوعية للعلم وبين أنه تعالى طبع عليها ~~وختم عليها فلا يصل أثر الدعوة والبيان إليها ، وهذا يليق بمذهبنا ، وإن ~~حملنا الآية المتقدمة على التأويل الثاني كان المراد من هذه الآية أنه ~~تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم في الأكنة والأغطية ، وهذا يليق بمذهب ~~المعتزلة ، إلا أن الوجه الأول أولى ، وهو المطابق لقوله { بل طبع الله ~~عليها بكفرهم } . # ثم قال : { فلا يؤمنون إلا قليلا } أي لا يؤمنون إلا بموسى والتوراة ، ~~وهذا إخبار منهم على حسب دعواهم وزعمهم ، وإلا فقد بينا أن من يكفر برسول ~~واحد وبمعجزة واحدة فإنه لا يمكنه الإيمان بأحد من الرسل البتة . # ! 7 < { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 156 ) وبكفرهم وقولهم على . . . . . # > > # وخامسها : قوله : { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } . # اعلم أنهم لما نسبوا مريم إلى الزنا لإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق ~~الولد من دون الأب ومنكر قدرة الله على ذلك كافر لأنه يلزمه أن يقول : كل ~~ولد ولد فهو مسبوق بوالد لا إلى أول ، وذلك يوجب القول بقدم العالم والدهر ~~، والقدح في وجود الصانع المختار ، فالقوم لا شك أنهم أولا : أنكروا قدرة ~~الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ، وثانيا : نسبوا مريم إلى الزنا ، ~~فالمراد بقوله { وبكفرهم } هو إنكارهم قدرة الله تعالى ، وبقوله { وقولهم ~~على مريم بهتانا عظيما } نسبتهم إياها إلى الزنا ، ولما حصل التغير لا جرم ~~حسن العطف ، وإنما صار هذا الطعن بهتانا عظيما لأنه ظهر عند ولادة عيسى ~~عليه السلام من الكرامات والمعجزات ما دل على براءتها من كل عيب ، نحو قوله ~~{ وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } ( مريم : 25 ) ونحو كلام ~~عيسى عليه السلام حال كونه طفلا منفصلا عن أمه ، فإن كل ذلك دلائل قاطعة ~~على براءة مريم عليها السلام من كل ريبة ، فلا جرم وصف الله تعالى طعن ~~اليهود فيها بأنه بهتان عظيم ، وكذلك ms3151 وصف طعن المنافقين في عائشة بأنه ~~بهتان عظيم حيث قال : { سبحانك * هاذا بهتان عظيم } ( النور : 16 ) وذلك ~~يدل على أن الروافض الذين يطعنون في عائشة بمنزلة اليهود الذين يطعنون في ~~مريم عليها السلام . # ! 7 < { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما ~~صلبوه ولاكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم ~~إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ~~} . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 157 ) وقولهم إنا قتلنا . . . . . # > > # وسادسها : قوله تعالى : { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول ~~الله } . # وهذا يدل على كفر عظيم منهم لأنهم قالوا فعلنا ذلك ، وهذا يدل على أنهك ~~كانوا راغبين في قتله مجتهدين في ذلك ، فلا شك أن هذا القدر كفر عظيم . # فإن قيل : اليهود كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه ~~الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن PageV11P078 الفاعلة ، فكيف قالوا : إنا ~~قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ؟ # والجواب عنه من وجهين : الأول : أنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ~~{ إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) وكقول كفار قريش ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون ~~} ( الحجز : 6 ) ، والثاني : أنه يجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم ~~القبيح في الحكاية عنهم رفعا لعيسى عليه السلام عما كانوا يذكرونه به . # ثم قال تعالى { وما قتلوه وما صلبوه ولاكن شبه لهم } . # واعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود أنهم زعموا أنهم قتلوا عيسى عليه ~~السلام فالله تعالى كذبهم في هذه الدعوى وقال { وما قتلوه وما صلبوه ولاكن ~~شبه لهم } وفي الآية سؤالان : # السؤال الأول : قوله { شبه } مسند إلى ماذا ؟ إن جعلته مسندا إلى المسيح ~~فهو مشبه به وليس بمشبه ، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر . # والجواب من وجهين : الأول : أنه مسند إلى الجار والمجرور ، وهو كقولك : ~~خيل إليه كأنه قيل : ولكن وقع لهم الشبه . الثاني : أن يسند إلى ضمير ms3152 ~~المقتول لأن قوله { وما قتلوه } يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك ~~الغير مذكورا بهذا الطريق ، فحسن إسناد { شبه } إليه . # السؤال الثاني : أنه إن جاز أن يقال : أن الله تعالى يلقي شبه إنسان على ~~إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة ، فإنا إذا رأينا زيدا فلعله ليس بزيد ، ~~ولكنه ألقى شبه زيد عليه ، وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك ، وثوقا ~~به ، وأيضا يفضي إلى القدح في التواتر لأن خبر التواتر إنما يفيد العلم ~~بشرط انتهائه في الآخرة إلى المحسوس ، فإذا جوزنا حصول مثل هذه الشبهة في ~~المحسوسات توجه الطعن في التواتر ، وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع ، وليس ~~لمجيب أن يجيب عنه بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ~~لأنا نقول : لو صح ما ذكرتم فذاك إنما يعرف بالدليل والبرهان ، فمن لم يعلم ~~ذلك الدليل وذلك البرهان وجب أن لا يقطع بشيء من المحسوسات ووجب أن لا ~~يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة ، وأيضا ففي زماننا إن انسدت المعجزات ~~فطريق الكرامات مفتوح ، وحينئذ يعود الاحتمال المذكور في جميع الأزمنة : ~~وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر ، والطعن فيه يوجب الطعن في ~~نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فهذا فرع يوجب الطعن في الأصول ~~فكان مردودا . # والجواب : اختلفت مذاهب العلماء في هذا الموضع وذكروا وجوها : # الأول : قال كثير من المتكلمين : إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله ~~تعالى إلى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم / فأخذوا ~~إنسانا وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس أنه المسيح ، والناس ما كانوا ~~يعرفون المسيح إلا بالاسم لأنه كان قليل المخالطة للناس ، وبهذا الطريق زال ~~السؤال . لا يقال : إن النصارى ينقلون عن أسلافهم أنهم شاهدوه مقتولا ، ~~لأنا نقول : إن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على ~~الكذب . # والطريق الثاني : أنه تعالى ألقى شبهه على إنسان آخر ثم فيه وجوه : الأول ~~: أن اليهود لما علموا أنه PageV11P079 حاضر في البيت الفلاني مع أصحابه ~~أمر يهوذا رأس اليهود رجلا من ms3153 أصحابه يقال له طيطايوس أن يدخل على عيسى ~~عليه السلام ويخرجه ليقتله ، فلما دخل عليه أخرج الله عيسى عليه السلام من ~~سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فظنوه هو فصلبوه وقتلوه . الثاني : ~~وكلوا بعيسى رجلا يحرسه وصعد عيسى عليه السلام في الجبل ورفع إلى السماء ، ~~وألقى الله شبهه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست بعيسى . الثالث : أن ~~اليهود لما هموا بأخذه وكان مع عيسى عشرة من أصحابه فقال لهم : من يشتري ~~الجنة بأن يلقى عليه شبهي ؟ فقال واحد منهم أنا ، فألقى الله شبه عيسى عليه ~~فأخرج وقتل ، ورفع الله عيسى عليه السلام . الرابع : كان رجل يدعي أنه من ~~أصحاب عيسى عليه السلام ، وكان منافقا فذهب إلى اليهود ودلهم عليه ، فلما ~~دخل مع اليهود لأخذه ألقى الله تعالى شبهه عليه فقتل وصلب . وهذه الوجوه ~~متعارضة متدافعة والله أعلم بحقائق الأمور . # ثم قال تعالى : { أعلم أن * فى * قوله * وإن الذين اختلفوا فيه } قولين : ~~الأول : أنهم هم النصارى وذلك لأنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه ، ~~إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة : النسطورية ، والملكانية ، واليعقوبية . # أما النسطورية فقد زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته ، ~~وأكثر الحكماء يرون ما يقرب من هذا القول ، قالوا : لأنه ثبت أن الإنسان ~~ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو إما جسم شريف منساب في هذا البدن ، وءما ~~جوهر روحاني مجرد في ذاته وهو مدبر في هذا البدن ، فالقتل إنما ورد على هذا ~~الهيكل ، وأما النفس التي هي في الحقيقة عيسى عليه السلام فالقتل ما ورد ~~عليه ، لا يقال : فكل إنسان كذلك فما الوجه لهذا التخصيص ؟ لأنا نقول : إن ~~نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الاشراق بالأنوار الإلهية عظيمة القرب ~~من أرواح الملائكة ، والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل ~~وتخريب البدن ، ثم إنها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلص إلى فسحة السموات ~~وأنوار عالم الجلال فيعظم بهجتها وسعادتها هناك ، ومعلوم أن هذه الأحوال ~~غير حاصلة لكل الناس بل ms3154 هي غير حاصلة من مبدأ خلقة آدم عليه السلام إلى ~~قيام القيامة إلا لأشخاص قليلين ، فهذا هو الفائدة في تخصيص عيسى عليه ~~السلام بهذه الحالة . # وأما الملكانية فقالوا : القتل والصلب وصلا إلى الاهوت بالإحساس والشعور ~~لا بالمباشرة . # وقالت اليعقوبية : القتل واللصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولد من ~~جوهرين ، فهذا هو شرح مذاهب النصارى في هذا الباب ، وهو المراد من قوله { ~~وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه } . # القول الثاني : أن المراد بالذين اختلفوا هم اليهود ، وفيه وجهان : الأول ~~: أنهم لما قتلوا الشخص المشبه به كان الشبه قد ألقى على وجهه ولم يلق عليه ~~شبه جسد عيسى عليه السلام ، فلما قتلوه ونظروا إلى بدنه قالوا : الوجه وجه ~~عيسى والجسد جسد غيره . الثاني : قال السدي : إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة ~~من PageV11P080 الحواريين في بيت ، فدخل عليه رجل من اليهود ليخرجه ويقتله ~~، فألقى الله شبه عيسى عليه ورفع إلى السماء ، فأخذوا ذلك الرجل وقتلوه على ~~أنه عيسى عليه السلام ، ثم قالوا : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا / وإن كان ~~صاحبنا فأين عيسى ؟ فذلك اختلافهم فيه . # المسألة الثانية : احتج نفاة القياس بهذه الآية وقالوا : العمل بالقياس ~~اتباع للظن ، واتباع الظن مذموم في كتاب الله بدليل أنه إنما ذكره في معرض ~~الذم ، ألا ترى أنه تعالى وصف اليهود والنصارى ههنا في معرض الذم بهذا فقال ~~{ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } وقال في سورة الأنعام في مذمة الكفار ~~{ إن يتبعون إلا الظن وإن هم * لا * يخرصون } ( الأنعام : 116 ) وقال في ~~آية أخرى { وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا } ( يونس : 36 ) وكل ذلك يدل على ~~أن اتباع الظن مذموم . # والجواب : لا نسلم أن العمل بالقياس اتباع الظن ، فإن الدليل القاطع لما ~~دل على العمل بالقياس كان الحكم المستفاد من القياس معلوما لا مظنونا ، ~~وهذا الكلام له غور وفيه بحث . # ثم قال تعالى : { وما قتلوه * بل رفعه الله إليه } . # واعلم أن هذا اللفظ يحتمل وجهين : أحدهما : يقين عدم القتل ، والآخر يقين ~~عدم ms3155 الفعل ، فعلى التقدير الأول يكون المعنى : أنه تعالى أخبر أنهم شاكون ~~في أنه هل قتلوه أم لا ، ثم أخبر محمدا بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه ، ~~وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا ، ثم ~~أخبر محمدا بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه ، وعلى التقدير الثاني يكون ~~المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه ؟ ثم أكد ذلك بأنهم قتلوا ذلك الشخص ~~الذي قتلوه لا على يقين أنه عيسى عليه السلام ، بلحين ما قتلوه كانوا شاكين ~~في أنه هل هو عيسى أم لا ، والاحتمال الأول أولى لأنه تعالى قال بعده { بل ~~رفعه الله إليه } وهذا الكلام إنما يصح إذا تقدم القطع واليقين بعدم القتل ~~. < < # | النساء : ( 158 ) بل رفعه الله . . . . . # > > # أما قوله : { بل رفعه الله إليه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو والكسائي { بل رفعه الله إليه } بإدغام ~~اللام في الراء والباقون بترك الإدغام ، حجتهما قرب مخرج اللام من الراء ~~والراء أقوى من اللام بحصول التكرير فيها ، ولهذا لم يجز إدغام الراء في ~~اللام لأن الأنقص يدغم في الأفضل ، وحجة الباقين أن الراء واللام حرفان من ~~كلمتين فالأولى ترك الإدغام . # المسألة الثانية : المشبهة احتجوا بقوله تعالى : { بل رفعه الله إليه } ~~في إثبات الجهة . # والجواب : المراد الرفع إلى موضع لا يجرى فيه حكم غير الله تعالى كقوله { ~~وإلى الله ترجع الامور } ( البقرة : 210 ) وقال تعالى : { ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله } ( النساء : 100 ) وكانت الهجرة في ذلك الوقت إلى ~~المدينة ، وقال إبراهيم { إنى ذاهب إلى ربى } ( الصافات : 99 ) . # المسألة الثالثة : رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية ، ~~ونظير هذه الآية قوله في آل عمران { إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين ~~كفروا } ( آل عمران : 55 ) واعلم أنه تعالى لما ذكر عقيب PageV11P081 ما ~~شرح أنه وصل إلى عيسى أنواع كثيرة من البلاء والمحنة أنه رفعه إليه دل ذلك ~~على أن رفعه إليه أعظم في باب الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من اللذات ms3156 ~~الجسمانية ، وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية . # ثم قال تعالى : { وكان الله عزيزا حكيما } . # والمراد من العزة كمال القدرة ، ومن الحكمة كمال العلم ، فنبجه بهذا على ~~أن رفع عيسى من الدنيا إلى السموات وإن كان كالمعتذر على البشر لكنه لا ~~تعذر فيه بالنسبة إلى قدرتي وإلى حكمتي ، وهو نظير قوله تعالى : { سبحان ~~الذى أسرى بعبده ليلا } ( الإسراء : 1 ) فإن الإسراء وإن كان متعذرا ~~بالنسبة إلى قدرة محمد إلا أنه سهل بالنسبة إلى قدرة الحق سبحانه ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون ~~عليهم شهيدا } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 159 ) وإن من أهل . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائح اليهود وقبائح أفعالهم وشرح أنهم ~~قصدوا قتل عيسى عليه السلام وبين أنه ما حصل لهم ذلك المقصود ، وأنه حصل ~~لعيسى أعظم المناصب وأجل المراتب بين تعالى أن هؤلاء اليهود الذين كانوا ~~مبالغين في عداواته لا يخرج أحد منهم من الدنيا إلا بعد أن يؤمن به فقال : ~~{ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } . # واعلم أن كلمة { ءان } بمعنى ( ما ) النافية كقوله { وإن منكم إلا واردها ~~} ( مريم : 71 ) فصار التقدير : وما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به . ثم ~~إنا نرى أكثر اليهود يموتون ولا يؤمنون بعيسى عليه السلام . # والجواب من وجهين : الأول : ما روي عن شهر بن حوشب قال : قال الحجاج إني ~~ما قرأتها إلا وفي نفسي منها شيء ، يعني هذه الآية فإني أضرب عنق اليهودي ~~ولا أسمع منه ذلك . فقلت : إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ~~ودبره ، وقالوا يا عدو الله أتاك عيسى نبيا فكذبت به ، فيقول آمنت أنه ~~عبدالله ، وتقول للنصراني : أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه هو الله وابن الله ، ~~فيقول : آمنت أنه عبدالله فأهل الكتاب يؤمنون به ، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك ~~الإيمان ، فاستوى الحجاج جالسا وقال : عمن نقلت هذا ؟ فقلت : حدثني به محمد ~~بن علي بن الحنفية فأخذ ينكت في الأرض بقضيب ثم قال : لقد ms3157 أخذتها من عين ~~صافية . وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة : فإن خر من سفق بيت أو ~~احترق أو أكله سبع قال : يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به ، ~~ويدل عليه قراءة أبي { إلا ليؤمنن به قبل موته } بضم النون على معنى وإن ~~منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم لأن أحدا يصلح للجميع ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) : والفائدة في أخبار الله تعالى بإيمانهم بعيسى قبل موتهم أنهم ~~متى علموا أنه لا بد من الإيمان به لا محالة فلأن يؤمنوا به حال ما ينفعهم ~~ذلك الإيمان أولى من أن يؤمنوا به حال ما لا ينفعهم ذلك الإيمان . # والوجه الثاني : في الجواب عن أصل السؤال : أن قوله { قبل موته } أي قبل ~~موت عيسى ، والمراد أن PageV11P082 أهل الكتاب الذين يكونون موجودين في ~~زمان نزوله لا بد وأن يؤمنوا به : قال بعض المتكلمين : إنه لا يمنع نزوله ~~من السماء إلى الدنيا إلا أنه إنما ينزل عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا ~~يعرف ، إذ لو نزل مع بقاء التكاليف على وجه يعرف أنه عيسى عليه السلام لكان ~~إما أن يكون نبيا ولا نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام ، أو غير نبي وذلك ~~غير جائز على الأنبياء ، وهذا الاشكال عندي ضعيف لأن انتهاء الأنبياء إلى ~~مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فعند مبعثه انتهت تلك المدة ، فلا يبعد أن ~~يصير بعد نزوله تبعا لمحمد عليه الصلاة والسلام . # ثم قال تعالى : { ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } قيل : يشهد على اليهود ~~أنهم كذبوه وطعنوا فيه ، وعلى النصارى أنهم أشركوا به ، وكذلك كل نبي شاهد ~~على أمته ثم قال تعالى : # ! 7 < { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل ~~الله كثيرا * وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ~~وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 160 - 161 ) فبظلم من الذين . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى لما شرح فضائح أعمال اليهود وقبائح الكافرين وأفعالهم ~~ذكر عقيبه تشديده تعالى عليهم في الدنيا ms3158 وفي الآخرة ، أما تشديده عليهم في ~~الدنيا فهو أنه تعالى حرم عليهم طيبات كانت محللة لهم قبل ذلك ، كما قال ~~تعالى في موضع آخر { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم ~~حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا } ( الأنعام : 146 ) ~~ثم إنه تعالى بين ما هو كالعلة الموجبة لهذه التشديدات . # واعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين : الظلم للخلق ، والإعراض عن ~~الدين الحق ، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله { وبصدهم عن سبيل الله } ~~ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص في طلب المال ، فتارة يحصلونه بالربا مع أنهم ~~نهوا عنه ، وتارة بطريق الرشوة وهو المراد بقوله { وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل } ونظيره قوله تعالى : { سماعون * الكذب * أكالون للسحت } ( ~~المائدة : 43 ) فهذه الأربعة هي الذنوب الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا ~~وفي الآخرة ، أما التشديد في الدنيا فهو الذي تقدنم ذكره من تحريم الطيبات ~~عليهم ، وأما التشديد في الآخرة فهو المراد من قوله { وأعتدنا للكافرين ~~منهم عذابا أليما } . # واعلم أنه تعالى لما وصف طريقة الكفار والجهال من اليهود وصف طريقة ~~المؤمنين منهم . # ! 7 < { لاكن الراسخون فى العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ ~~أنزل من قبلك والمقيمين الصلواة والمؤتون الزكواة والمؤمنون بالله واليوم ~~الا خر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 162 ) لكن الراسخون في . . . . . # > > PageV11P083 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المراد من ذلك عبدالله بن سلام وأصحابه ~~الراسخون في العلم الثابتون فيه ، وهم في الحقيقة المستدلون بأن المقلد ~~يكون بحيث إذا شكك يشك ، وأما المستدل فإنه لا يتشكك البتة ، فالراسخون هم ~~المستدلون والمؤمنون ، يعني المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين ~~والأنصار وارتفع الراسخون على الابتداء و { يؤمنون } خبره ، وأما قوله { ~~والمقيمين الصلواة والمؤتون الزكواة } ففيه أقوال : الأول : روي عن عثمان ~~وعائشة أنهما قالا : إن في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتها . # واعلم أن هذا بعيد لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه ، الثاني : وهو قول ms3159 البصريين ~~: أنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة ، قالوا إذا قلت : مررت بزيد الكريم ~~فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد ، ولك أن تنصبه على تقدير أعني ، وءن شئت ~~رفعت على تقدير هو الكريم ، وعلى هذا يقال : جاءني قومك المطعمين في المحل ~~والمغيثون في الشدائد ، والتقدير جاءني قومك أعني المطعمين في المحل وهم ~~المغيثون في الشدائد فكذا ههنا تقدير الآية : أعني المقيمين اللاة وهم ~~المؤتون الزكاة ، طعن الكسائي في هذا القول وقال : النصب على المدح إنما ~~يكون بعد تمام الكلام ، وههنا لم يتم الكلام ، لأن قوله { لاكن الراسخون فى ~~العلم } منتظر للخبر ، والخبر هو قوله { أولائك سنؤتيهم أجرا عظيما } . # والجواب : لا نسلم أن الكلام لا يتم إلا عند قوله { أولائك } لأنا بينا ~~أن الخبر هو قوله { يؤمنون } وأيضا لم لا يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم ~~والخبر ؛ وما الدليل على امتناعه ؟ فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية . # والقول الثالث : وهو اختيار الكسائي ، وهو أن المقيمين خفض بالعطف على ( ~~ما ) في قوله { بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } والمعنى : والمؤمنون ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة ، ثم عطف على ~~قوله { والمؤمنون } قوله { والمؤتون الزكواة } والمراد بالمقيمين الصلاة ~~الأنبياء ، وذلك لأنه لم يخل شرع أحد منهم من الصلاة . قال تعالى في سورة ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد ذكر أعدادا منهم { وجعلناهم أئمة يهدون ~~بأمرنا وأوحينا إليهم } ( الأنبياء : 73 ) وقيل : المراد بالمقيمين الصلاة ~~الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم الصافون وهم المسبحون وأنهم يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون ، فقوله { يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } يعني ~~يؤمنون بالكتب ، وقوله { والمقيمين الصلواة } يعني يؤمنون بالرسل . الرابع ~~: جاء في مصحف عبدالله بن مسعود { إلى الصلواة } بالواو ، وهي قراءة مالك ~~بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي . # المسألة الثانية : اعلم أن العلماء على ثلاثة أقسام : الأول : العلماء ~~بأحكام الله تعالى فقط . والثاني : العلماء بذات الله وصفات الله فقط . ~~والثالث : العلماء بأحكام الله وبذات الله ، أما الفريق الأول فهم العالمون ~~بأحكام الله وتاليفه ms3160 وشرائعه ، وأما الثاني : فهم العالمون بذات الله ~~وبصفاته الواجبة والجائزة والممتنعة / وأما الثالث : فهم الموصوفون ~~بالعاملين وهم أكابر العلماء ، وإلى هذه الأقسام الثلاثة أشار النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقوله : ( جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء ) . # وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى وصفهم PageV11P084 بكونهم راسخين في ~~العلم ، ثم شرح ذلك فبين أولا : كونهم عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين ~~بتلك الأحكام ، فأما علمهم بأحكام الله فهو المراد من قوله { والمؤمنون ~~يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } وأما عملهم بتلك الأحكام فهو ~~المراد بقوله { والمقيمين الصلواة والمؤتون الزكواة } وخصهما بالذكر ~~لكونهما أشرف الطاعات لأن الصلاة أشرف الطاعات البدينة ، والزكاة أشرف ~~الطاعات المالية ، ولما شرح كونهم عالمين بأحكام الله وعاملين بها شرح بعد ~~ذلك كونهم عالمين بالله ، وأشرف المعارف العلم بالمبدأ والمعاد ، فالعلم ~~بالمبدأ هو المراد بقوله { والمؤمنون بالله } والعلم بالمعاد هو المراد من ~~قوله { واليوم الاخر } ولما شرح هذه الأقسام ظهر كون هؤلاء المذكورين ~~عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بها وظهر كونهم عالمين بالله وبأحوال ~~المعاد ، وإذا حصلت هذه العلوم والمعارف ظهر كونهم راسخين في العلم لأن ~~الإنسان لا يمكنه أن يتجاوز هذا المقام في الكمال وعلو الدرجة ، ثم أخبر ~~عنهم بقوله { أولائك سنؤتيهم أجرا عظيما } . # ! 7 < { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينآ ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والا سباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون ~~وسليمان وءاتينا داوود زبورا * ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما * رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما } . > 7 @QB@ < # | النساء : ( 163 - 165 ) إنا أوحينا إليك . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، وذكر تعالى بعده أنهم لا ~~يطلبون ذلك لأجل الاسترشاد ولكن لأجل العناد وللجاج ، وحكى أنواعا كثيرة من ~~فضائحهم وقبائحهم ، وامتد الكلام إلى هذا المقام ، شرع الآن في ms3161 الجواب عن ~~تلك الشبهة فقال : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ~~} والمعنى : أنا توافقنا على نبوة نوح وإبراهيم وإسماعيل وجميع المذكورين ~~في هذه الآية ، وعلى أن الله تعالى أوحى إليهم ، ولا طريق إلى العلم بكونهم ~~أنبياء الله ورسله إلا ظهور المعجزات عليهم ولكل واحد منهم نوع آخر من ~~المعجزات على التعيين ، وما أنزل الله على كل واحد من أنواع المعجزات عليهم ~~، علمنا أن هذه الشبهة زائلة ، وأن إصرار اليهود على طلب هذه المعجزة باطل ~~، وتحقيق القول فيه أن PageV11P085 إثبات المدلول يتوقف على ثبوت الدليل ، ~~ثم إذا حصل الدليل وتم فالمطالبة بدليل آخر تكون طلبا للزيادة وإظهارا ~~للتعنت واللجاج ، والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا ~~اعتراض عليه لأحد بأنه لم أعطى هذا الرسول هذه المعجزة وذلك الرسول الآخر ~~معجزا آخر ، وهذا الجواب المذكور ههنا هو الجواب المذكور في قوله تعالى : { ~~وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) إلى ~~قوله { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } ( الإسراء : 93 ) يعني أنك ~~إنما ادعيت الرسالة ، والرسول لا بد له من معجزة تدل على صدقه ، وذلك قد ~~حصل ، وأما أن تأتي بكل ما يطلب منك فذاك ليس من شرط الرسالة ، فهذا جواب ~~معتمد عن الشبهة التي أوردها اليهود ، وهو المقصود الأصلي من هذه الآية . # المسألة الثانية : قال الزجاج : الإيحاء الإعلام على سبيل الخفاء ، قال ~~تعالى : { فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } ( مريم : 11 ) أي أشار إليهم ~~، وقال { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ءامنوا بى } ( المائدة : 111 ) وقال { ~~وأوحى ربك إلى النحل } ( النحل : 68 ) { وأوحينا إلى أم موسى } ( القصص : 7 ~~) والمراد بالوحي في هذه الآيات الثلاثة الإلهام . # المسألة الثالثة : قالوا إنما بدأ تعالى بذكر نوح لأنه أول نبي شرع الله ~~تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام ، ثم قال تعالى : { والنبيين من ~~بعده } ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم كقوله { وملئكته ~~ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) . # واعلم أن الأنبياء ms3162 المذكورين في هذه الآية سوى موسى عليه السلام إثنا عشر ~~ولم يذكر موسى معهم ، وذلك لأن اليهود قالوا : إن كنت يا محمد نبيا فأتنا ~~بكتاب من السماء دفعة واحدة كما أتى موسى عليه السلام بالتوراة دفعة واحدة ~~/ فالله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بأن هؤلاء الأنبياء الأثنى عشر كلهم ~~كانوا أنبياء ورسلا مع أن واحدا منهم ما أتى بكتاب مثل التوراة دفعة واحدة ~~، ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله { وءاتينا * داوود * زبورا } يعني أنكم ~~اعترفتم بأن الزبور من عند الله ، ثم إنه ما نزل على داود دفعة واحدة في ~~ألواح مثل ما نزلت التوراة دفعة واحدة على موسى عليه السلام في الألواح ، ~~فدل هذا على أن نزول الكتاب لا على الوجه الذي نزلت التوراة لا يقدح في كون ~~الكتاب من عند الله ، وهذا إلزام حسن قوي . # المسألة الرابعة : قال أهل اللغة : الزبور الكتاب ، وكل كتاب زبور ، وهو ~~مفعول بمعنى مفعول ، كالرسول والركوب والحلوب ، وأصله من زبرت بمعنى كتبت ، ~~وقد ذكرنا ما فيه عند قوله { جاءوا بالبينات والزبر } ( آل عمران : 184 ) . # المسألة الخامسة : قرأ حمزة { زبورا } بضم الزاي في كل القرآن ، والباقون ~~بفتحها ، حجة حمزة أن الزبور مصدر في الأصل ، ثم استعمل في المفعول كقولهم ~~: ضرب الأمير ، ونسج فلان فصار اسما ثم جمع على زبر كشهود وشهد ، والمصدر ~~إذا أقيم مقام المفعول فإنه يجوز جمعه كما يجمع الكتاب على كتب ، فعلى هذا ~~، الزبور الكتاب ، والزبر بضم الزاي الكتب ، أما قراءة الباقين فهي أولى ~~لأنها أشهر ، والقراءة بها أكثر . # ثم قال تعالى : { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك } . ~~PageV11P086 # وأعلم أنه انتصب قوله { رسلا } بمضمر يفسره قوله { قد قصصناهم عليك } ~~والمعنى أنه تعالى إنما ذكر أحوال بعض الأنبياء في القرآن ، والأكثرون غير ~~مذكورين على سبيل التفصيل . # ثم قال { وكلم الله موسى تكليما } والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء ~~والرسل وخص موسى عليه السلام بالتكلم معه ، ولم يلزم من تخصيص موسى عليه ~~السلام بهذا التشريف الطعن في نبوة سائر الأنبياء عليهم ms3163 الصلاة والسلام ، ~~فكذلك لم يلزم من تخصيص موسى بإنزال التوراة عليه دفعة واحدة طعن فيمن أنزل ~~الله عليه الكتاب لا على هذا الوجه ، وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرأ ~~{ وكلم الله } بالنصب ، وقال بعضهم : وكلم الله معناه وجرح الله موسى ~~بأظفار المحن ومخالب الفتن وهذا تفسير باطل . # ثم قال تعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل وكان الله عزيزا حكيما } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في انتصاب قوله { رسلا } وجوه : الأول : قال صاحب ( ~~الكشاف ) : الأوجه أن ينتصب على المدح . والثاني : أنه انتصب على البدل من ~~قوله { ورسلا } الثالث : أن يكون التقدير : أوحينا إليهم رسلا فيكون منصوبا ~~على الحال والله أعلم . # المسألة الثانية : أعلم أن هذا الكلام أيضا جواب عن شبهة اليهود ، ~~وتقريره أن المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يبشروا الخلق ~~على اشتغالهم بعبودية الله ، وأن ينذروهم على الإعراض عن العبودية ، فهذا ~~هو المقصود الأصلي من البعثة ، فإذا حصل هذا المقصود فقد كمل الغرض وتم ~~المطلوب ، وهذا المقصود الأصلي حاصل بإنزال الكتاب المشتمل على بيان هذا ~~المطلوب ، ومن المعلوم أنه لا يختلف حال هذا المطلوب بأن يكون ذلك الكتاب ~~مكتوباف في الألواح أو لم يكن ، وبأن يكون نازلا دفعة واحدة أو منجما مفرقا ~~، بل لو قيل : إن إنزال الكتاب منجما مفرقا أقرب إلى المصلحة لكان أولى لأن ~~الكتاب إذا نزل دفعة واحدة كثرت التكاليف وتوجهت بأسرها على المكلفين فيثقل ~~عليهم قبولها ، ولهذا السبب أصر قوم موسى عليه السلام على التمرد ولم ~~يقبلوا تلك التكاليف ، أما إذا نزل الكتاب منجما مفرقا لم يكن كذلك / بل ~~ينزل التكاليف شيئا فشيئا وجزءا فجزءا ، فحينئذ يحصل الانقياد والطاعة من ~~القوم وحاصل هذا لجواب أن المقصود من بعثة الرسل وإنزال الكتب هو الإعذار ~~والإنذار ، وهذا المقصود حاصل سواء نزل الكتاب دفعة واحدة أو لم يكن كذلك ، ~~فكان اقتراح اليهود في أنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحا فاسدا . وهذا أيضا ~~جواب عن تلك الشبهة في غاية الحسن ، ثم ختم الآية ms3164 بقوله { وكان الله عزيزا ~~حكيما } يعني هذا الذي يطلبونه من الرسول أمر هين في القدرة ، ولكنكم ~~طلبتموه على سبيل اللجاج وهو تعالى عزيز ، وعزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت ~~إلى مطلوبه فكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع لعلمه تعالى بأنه لو فعل ذلك ~~لبقوا مصرين على لجاجهم ، وذلك لأنه تعالى أعطى موسى عليه السلام هذا ~~التشريف ومع ذلك فقومه بقوا معه على المكابرة والإصرار وللجاج والله أعلم . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى ~~لا يثبت إلا بالسمع قالوا لأن قوله { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل } يدل على أن قبل البعثة يكون للناس حجة في ترك الطاعات والعبادات ، ~~ونظيره قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( الإسرار : 15 ) ~~وقوله { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع ءاياتك من قبل أن نذل ونخزى } ( طه : 134 ) . PageV11P087 # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : دلت هذه الآية على أن العبد قد يحتج ~~على الرب ، وأن الذي يقوله أهل السنة من أنه تعالى لا اعتراض عليه في شيء ، ~~وأن له أن يفعل ما يشاء كما يشاء ليس بشيء قالوا : لأن قوله { لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل } يقتضي أن لهم على الله حجة قبل الرسل ، ~~وذلك يبطل قول أهل السنة . # والجواب : المراد لئلا يكون للناس على لله حجة أي ما يشبه الحجة فيما ~~بينكم . قالت المعتزلة : وتدل هذه الآية أيضا على أن تكليق ما لا يطاق غير ~~جائز لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذرا فبأن يكون عدم المكنة والقدرة ~~صالحا لأن يكون عذرا كان أولى ، وجوابه المعرضة بالعلم والله أعلم . # ! 7 < { لاكن الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى ~~بالله شهيدا } > 7 ! # < < # | النساء : ( 166 ) لكن الله يشهد . . . . . # > > وفي الآية مسألتان : # المسألة الأولى : أعلم أن قوله { لكن } لا يبتدأ به لأنه استدراك على ما ~~سبق ، وفي ذلك المستدرك قولان : الأول : أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قوله ms3165 ~~{ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء } ( النساء : 153 ) وهذا ~~الكلام يتضمن أن هذا القرآن ليس كتابا نازلا عليهم من السماء فكأنه قيل : ~~إنهم وإن شهدوا بأن القرآن لم ينزل عليه من السماء لكن الله يشهد بأنه نازل ~~عليه من السماء . الثاني : أنه تعالى لما قال { إنا أوحينا إليك } ( النساء ~~: 163 ) قال القوم : نحن لا نشهد لك بذلك ، فنزل { لاكن الله يشهد } . # المسألة الثانية : شهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل عليه هذا القرآن ~~البالغ في الفصاحة في اللفظ والشرف في المعنى إلى حيث عجز الأولون والآخرون ~~عن معارضته ، فكان ذلك معجزا وإظهار المعجزة شهادة بكون المدعي صادقا ، ~~ولما كانت شهادته إنما عرفت بواسطة إنزال القرآن لا جرم قال { لاكن الله ~~يشهد بما أنزل إليك } أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله ~~إليك . # ثم قال تعالى : { أنزله بعلمه } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال : { يشهد بما أنزل إليك } بين صفة ~~ذلك الإنزال وهو أنه تعالى أنزله بعلم تام وحكمة بالغة ، فصار قوله { أنزله ~~بعلمه } جاريا مجرى قول القائل : كتبت بالقلم وقطعت بالسكين ، والمراد من ~~قوله { أنزله بعلمه } وصف القرآن بغاية الحسن ونهاية الكمال ، وهذا مثل ما ~~يقال في الرجل المشهور بكمال الفشل والعلم إذا صنف كتابا واستقصى في تحريره ~~: إنه إنما صنف هذا بكمال علمه وفضله ، يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ~~ووسيلة إلى تصنيف هذا الكتاب فيدل ذلك على وصف ذلك التصنيف بغاية الجودة ~~ونهاية الحسن ، فكذا ههنا والله أعلم . PageV11P088 # المسألة الثانية : قال أصحابنا : دلت الآية على أن لله تعالى علما ، وذلك ~~لأنها تدل على إثبات علم الله تعالى ، ولو كان علمه نفس ذاته لزم إضافة ~~الشيء إلى نفسه وهو محال . # ثم قال : { والملئكة يشهدون } وإنما تعرف شهادة الملائكة له بذلك لأن ~~ظهور المعجز على يده يدل على أنه تعالى شهد به بالنبوة ، وإذا شهد الله له ~~بذلك فقد شهدت الملائكة لا محالة بذلك لما ثبت في القرآن أنهم لا يسبقونه ~~بالقول ، والمقصود ms3166 كأنه قيل : يا محمد إن كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم ~~فإن الله تعالى وهو إله العالمين يصدقك في ذلك ، وملائكة السموات السبع ~~يصدقونك في ذلك ، ومن صدقه رب العالمين وملائكة العرش والكرسي والسموات ~~السبع أجمعون لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس ، وهم هؤلاء اليهود . # ثم قال تعالى : { وكفى بالله شهيدا } والمعنى وكفى الله شهيدا ، وقد سبق ~~الكلام في مثل هذا . # ! 7 < { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا * إن ~~الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق ~~جهنم خالدين فيهآ أبدا وكان ذالك على الله يسيرا } > 7 @QB@ < # | النساء : ( 167 - 169 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > # أعلم أن هذا من صفات اليهود الذين تقدم ذكرهم ، والمراد أنهم كفروا بمحمد ~~وبالقرآن وصدوا غيرهم عن سبيل الله ، وذلك بإلقاء الشبهات في قلوبهم نحو ~~قولهم : لو كان رسولا لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء كما نزلت التوراة ~~على موسى ، وقولهم : إن الله تعالى ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ~~ولا تنسخ إلى يوم القيامة ، وقولهم : إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد ~~هارون وداود ، وقوله { قد ضلوا ضلالا بعيدا } وذلك لأن أشد الناس ضلالا من ~~كان ضالا ويعتقد في نفسه أنه محق ، ثم إنه يتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب ~~المال والجاه ، ثم إنه يبل كنه جهده في إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال ، ~~فهذا الإنسان لا شك أنه قد بلغ في الضلال إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات ~~، فلهذا قال تعالى في حقهم { قد ضلوا ضلالا بعيدا } ولما وصف تعالى كيفية ~~ضلالهم ذكر بعده وعيدهم فقال : { إن الذين كفروا وظلموا } محمدا بكتمان ذكر ~~بعثته وصلموا عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم { لم يكن الله ليغفر لهم } . # وأعلم أنا إن حملنا قوله { إن الذين كفروا } على المعهود السابق لم يحتج ~~إلى إضمار شرط في هذا الوعيد ، لأنا نحمل الوعيد في الآية على أقوام علم ~~الله منهم أنهم يموتون على الكفر ، وإن حملناه على الاستغراق أضمرنا فيه ~~شرط ms3167 عدم التوبة ، ثم قال { ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم } . # ثم قال تعالى : { خالدين فيها أبدا } والمعنى أنه تعالى لا يهديهم يوم ~~القيامة إلى الجنة بل يهديهم إلى طريق جهنم { وكان ذالك على الله يسيرا } ~~انتصب خالدين على الحال ، والعامل فيه معنى لا ليهديهم لأنه PageV11P089 ~~بمنزلة نعاقبهم خالدين ، وانتصب { أبدا } على الظرف ، وكان ذلك على الله ~~يسيرا ، والمعنى لا يتعذر عليه شيء فكان إيصال الألم إليهم شيئا بعد شيء ~~إلى غير النهاية يسيرا عليه وإن كان معتذرا على غيره . ! 7 < { ياأيها ~~الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم فأامنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ~~ما فى السماوات والا رض وكان الله عليما حكيما } > 7 ! # < < # | النساء : ( 170 ) يا أيها الناس . . . . . # > > أعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة اليهود على الوجوه الكثيرة وبين ~~فساد طريقتهم ذكر خطابا عاما يعمهم ويعم غيرهم في الدعوة إلى دين محمد عليه ~~الصلاة والسلام فقال : { يسيرا يأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم ~~} وهذا الحق فيه وجهان : الأول : أنه جاء بالقرآن ، القرآن معجز فيلزم أنه ~~جاء بالحق من ربه . والثاني : أنه جاء بالدعوة إلى عبادة الله والاعراض عن ~~غيره ، والعقل يدل على أن هذا هو الحق ، فيلزم أنه جاء بالحق من ربه . # ثم قال تعالى : { يأيها الناس قد } يعين فآمنوا يكن ذلك الإيمان خيرا لكم ~~مما أنتم فيه ، أي أحمد عقبة من الكفر ، وإن تكفروا فإن الله غني عن ~~إيمانكم لأنه مالك السموات والأرض وخالقهما ، ومن كان كذلك لم يكن محتاجا ~~إلى شيء ، ويحتمل أن يكون المراد : فإن صلى الله عليه وسلم ما في السموات ~~والأرض ، ومن كان كذلك كان قادرا على إنزال العذاب الشديد عليكم لو كفرتم ، ~~ويحتمل أن يكون المراد : أنكم إن كفرتم فله ملك السموات والأرض وله عبيد ~~يعبدونه وينقادون لأمره وحكمه . # ثم قال تعالى : { وكان الله عليما حكيما } أي عليما لا يخفى عليه من ~~أعمال عباده المؤمنين والكافرين شيء ، و { حكيما } لا يضيع عمل عامل منهم ~~ولا يسوي بين المؤمن والكافر ms3168 والمسيء والمحسن ، وهو كقوله { أم نجعل الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض أم نجعل المتقين كالفجار } ( ص ~~: 28 ) . PageV11P090 ! 7 < { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما ~~الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ما في السموات وما في الأرض وكفى ~~بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبد لله ولا الملائكة المقربون ومن ~~يستنكف عن عبادته فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا فيعذبهم عذابا أليما ~~ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } > 7 @QB@ < # | النساء : ( 171 - 173 ) يا أهل الكتاب . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات اليهود تكلم بعد ذلك مع النصارى في ~~هذه الآية ، والتقدير : يا أهل الكتاب من النصارى لا تغلوا في دينكم أي لا ~~تفرطوا في تعظيم المسيح ، وذلك لأنه تعالى حكى عن اليهود أنهم يبالغون في ~~الطعن في المسيح ، وهؤلاء النصارى يبالغون في تعظيمه وكلا طرفي قصدهم ذميم ~~، فلهذا قال النصارى { لا تغلوا في دينكم } وقوله { ولا تقولوا على الله ~~إلا الحق } يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان أو روحه ، ~~ونزهوه عن هذه الأحوال . ولما منهم عن طريق الغلو أرشدهم إلى طريق الحق ، ~~وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وعبده . # وأما وقوله { وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } . # فاعلم أنا فسرنا { الكلمة } في قوله تعالى { إن الله يبشرك بكلمة منه ~~اسمه المسيح } [ آل عمران : 45 ] والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير ~~واسطة ولا نطفة كما قال { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ~~قال له كن فيكون } [ آل عمران : 59 ] وأما قوله { وروح منه } ففيه وجوه : ~~الأول : أنه جرت عادة الناتس أنهم إذا وصفوا شيئا بغاية الطهارة والنظافة ~~قالوا : إنه روح ، فلما ms3169 كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة ~~جبريل عليه السلام لا جرم وصف بأنه روح ، والمراد من قوله { منه } التشريف ~~والتفضيل كما يقال : هذه نعمة من الله ، والمراد كون تلك النعمة كاملة ~~شريفة . الثاني : أنه كانم سببا لحياة الخلق في أديانهم ، ومن كان كذلك وصف ~~بأنه روح . قال تعالى في صفة القرآن { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } [ ~~الشورى : 52 ] الثالث : روح منه أي رحمة منه ، قيل في تفسير قوله تعالى { ~~وأيدهم بروح منه } [ المجادلة : 22 ] أي برحمة منه ، وقال عليه الصلاة ~~والسلام < < إنما رحمة مهداة > > فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من ~~حيث أنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم لا جرم سمي روحا منه . ~~الرابع : أن الروح هو النفخ في كلام العرب ، فإن الروح والريح متقاربان ، ~~فالروح عبارة عن نفخة جبريل وقوله { منه } يعني أن ذلك النفخ من جبريل كان ~~بأمر الله وإذنه فهو منه ، وهذا كقوله { فنفخنا فيها من روحنا } الخامس : ~~قوله { روح } أدخل التنكير في لفظ { روح } وذلك يفيد التعظيم ، فكان المعنى ~~: وروح من الأرواح الشريفة القدسية العالية ، وقوله { منه } إضافة لذلك ~~الروح إلى نفسه لأجل التشريف والتعظيم . PageV11P091 # ثم قال تعالى { فآمنوا بالله ورسله } أي أن عيسى من رسل الله فآمنوا به ~~كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلها . # ثم قال { ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خير لكم } زفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المعنى : ولا تقولوا إن الله سبحانه واحد بالجواهر ~~ثلاثة بالأقانيم . # واعلم أن مذهب النصارى مجهول جدا ، والذي يتحصل منه أهم أثبوت ذاتا ~~موصوفة بصفات ثلاثة ، إلا أنهم وإن سموها صفات فهي في الحقيقة ذوات ، بدليل ~~أنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها ، وإلا لما جوزوا عليها ~~أن تحل في الغير وأن تفارق ذلك الغير مرة أخرى ، فهم وإن كانوا يسمونها ~~بالصفات غلا أنهم في الحقيقة يثبتون دوات متعددة قائمة بأنفسها ، وذلك محض ~~الكفر ، فلهذا المعنى قال تعالى { ولا تقولوا ثلاثة انتهوا } فأما إن حملنا ~~الثلاثة على أنهم ms3170 يثبتون صفات ثلاثة ، فهذا لا يمكن إنكاره ، وكيف لا نقول ~~ذلك وإنا نقول : هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام العالم ~~الحي القادر المريد ، ونفهم من كل واحد من هذه الألفاظ غير ما نفهمه من ~~اللفظ الآخر ، ولا معنى لتعدد الصفات إلا ذلك ، فلو كان القول بتعدد الصفات ~~كفرا لزم رد جميع القرآن ولزم رد العقل من حيث أنا نعلم بالضرورة أن ~~المفهوم من كونه تعالى عالما غير المفهوم من كونه تعالى قادرا أو حيا . # المسألة الثانية : قوله { ثلاثة } خبر مبتدأ محذوف ، ثم اختلفوا في تعيين ~~ذلك المبتدأ على وجوه الأول : ما ذكرناه ، أي ولا تقولوا الأقاليم ثلاثة . ~~الثاني : قال الزجاج : ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة ، وذلك لأن القرآن يدل على ~~أن النصارى يقولون : إن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، والدليل عليه قوله ~~تعالى { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [ المائدة : 116 ~~] الثالث : قال الفراء ولا تقولوا هم ثلاثة كقوله { سيقولون ثلاثة } [ ~~الكهف : 22 ] زذلك لأن عيسى بن مريم مع الله تعالى بهذه العبارة يوهم ~~كونهما ألهين ، وبالجملة فلا نرى مذهبا في الدنيا أشد ركاكة وبعدا عن العقل ~~من مذهب النصارى . # ثم قال تعالى { انتهوا خير لكم } وقد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله { ~~فآمنوا خيرا لكم } [ النساء : 170 ] . # ثم أكد التوحيد بقوله { إنما الله إله واحد } ثم نزه نسه عن الولد بقوله ~~{ سبحانه أن يكون له ولد } ودلائل تنزيه الله عن الولد فد ذكرناها في سورة ~~آل عمران وفي سورة مريم على الاستقصاء . وقرأ الحسن : إن يكون ، بكسر ~~الهمزة من ' أن ' ورفع النون من يكون ، أي سبحانه ما يكون له ولد ، وعلى ~~هذا التقدير فالكلام جملتان . # ثم قال تعالى { له ما في السموات والأرض } # واعلم أنه سبحانه في كل موضع نزه نفسه عن الولد ذكر كونه ملكا ومالكا لما ~~في السموات وما في الأرض فقال في مريم { إن كل من في السموات والأرض إلا ~~آتي الرحمن عبدا } [ مريم : 93 ] والمعنى : من كان مالكا لكل السموات ms3171 ~~والأرض ولكل ما فيها كان مالكا لعيسى ولمريم لأنهما كانا في السموات وفي ~~الأرض ، وما كانا أعظم من عيرهما في الذوات والصفات ، وإذا كان مالكا لما ~~هو أعظم منهما فبأن يكون مالكا PageV11P092 لهما أولى ، وإذا كانا مملوكين ~~له فكيف مع هذا توهم كونهما له ولدا وزوجة . # ثم قال { وكفى بالله وكيلا } والمعنى أن الله سبحانه كاف في تدبير ~~المخلوقات وفي حفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر ، وهو ~~إشارة إلى ما يذكره المتكلمون من أنه سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات ~~قادرا على كل المقدورات كان كافيا في الإلهية ، ولو فرضنا إلها معه آخر معه ~~لكان معطلا لا فائدة فيه ، وذلك نقص ، والناقص لا يكون إلها . # ثم قال تعالى { لن يستنكف المسيح أن يكون عبد لله ولا الملائكة المقربون ~~} وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الزجاج : لن يستنكف أي لن يأنف ، وأصله في اللغة من ~~نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك عن خدك ، فتأويل { لن يستنكف } أي لن يتنغص ~~ولن يمتنع ، وقال الأزهري : سمعت المنذري يقول سمعت أبا العباس وقد سئل عن ~~الاستنكاف فقال : هو من النكف ، يقال ما عليه في هذا الأمر من نكف ولا وكف ~~، والنكف أن يقال له سوء ، واستنكف إذا وفع ذلك السوء عنه . # المسألة الثانية : روي أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: لم تعيب صاحبنا ؟ قال : ومن صاحبكم ؟ قالوا عيسى ، قال : وأي سيء قلت ؟ ~~قالوا تقول إنه عبد الله ورسوله ، قال إنه ليس بعار أن يكون عبد الله ، ~~فنزلت هذه الآية ، وأنا أقول : إنه تعالى لما أقام الحجة القاطعة على أن ~~عيسى عبد الله ، ولا يجوز أن يكون ابنا له أشار بعده إلى حكاية شبهتهم ~~وأجاب عنها ، وذلك لأن الشبهة التي عليها يعولون في إثبات أنه ابن الله هو ~~أنه كان يخبر عن المغيبات لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ ، وأعلى حالا منه ~~في القدرة لأن ثمانية منهم حملوا العرش على عظمته ، ثم إن الملائكة مع كمال ~~حالهم في العلوم والقدرة ms3172 لن يستنكفوا عن عبودية الله ، فكيف يستنكف المسيح ~~عن عبوديته بسبب هذا القدر القليل الذي كان معه من العلم والقدرة ! وإذا ~~حملنا الآية على ما ذكرناه صارت هذه الآيات متناسبة متتابعة ومناظرة شريفة ~~كاملة ، فكان حمل الآية على هذا الوجه أولى . # المسألة الثالثة : استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر ~~. وقد ذكرنا استدلالهم بها في تفسير قوله { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~} [ البقرة : 34 ] وأجبنا عن هذا الاستدلال بوجوه كثيرة ، والذي نقول ههنا ~~: إنا نسلن أن اطلاع الملائكة على المغيبات أكثر من اطلاع البشر عليها ~~ونسلم أن قدرة الملائكة على التصرف في هذا العالم أشد من قدرة البشر ، كيف ~~ويقال : إن جبريل قلع مدائن قوله لوط بريشة واحدة من جناحه إنما النزاع في ~~أن ثواب طاعات الملائكة أكثر أم ثواب طاعات البشر ، وهذه الآية لا تدل على ~~ذلك البتة ، وذلك لأن النصارى إنما أثبتوا إلهية عيسى بسبب أنه أخبر عن ~~الغيوب وأتى بخوارق العادات ، فإيراد الملائكة لأجل إبطال هذه الشبهة إنما ~~يستقيم إذا كانت الملائكة أقوى حالا في هذا العلم وفي هذه القدرة من البشر ~~، ونحن نقول بموجبه . فأما أن يقال : المراد من الآية تفضيل الملائكة على ~~المسيح في كثرة الثواب على الطاعات فذلك مما لا يناسب هذا الموضع ولا يليق ~~به ، فظهر أن هذا الاستدلال إنما قوي في الأوهام لأن الناس ما لخصوا محل ~~النزاع والله أعلم . # المسألة الرابعة : في الآية سؤال ، وهو أن الملائكة معطوفون على المسيح ~~فيصير التقدير : ولا PageV11P093 الملائكة المقربون في أن يكونوا عبيدا لله ~~وذلك غير جائز . # والجواب فيه وجهان : أحدهما : أن يكون المراد ولا كل واحد من المقربين . ~~والثاني : أن يكون المراد ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا فحذف ذلك ~~لدلالة قول { عبدا لله } عليه على طريق الإيجاز . # المسألة الخامسة : قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ' عبيد الله ' على ~~التصغير . # المسألة السادسة : قوله { ولا الملائكة المقربون } يدل على أن طبقات ~~الملائكة مختلفة في الدرجة والفضيلة فالأكابر منهم مثل جبريل ms3173 وميكائيل ~~وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش ، وقد شرحنا طبقاتهم في سورة البقرة في ~~تفسير قوله { وإذا قال ربك للملائكة } [ البقرة : 30 ] . # ثم قال تعالى { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا } ~~والمعنى أن من استنكف عن عبادة الله واستكبر عنها فإن الله يحشرهم إليه أي ~~يجمعهم إليه يوم القيامة حيث لا يملكون لأنفسهم شيئا . # واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه يحشر هؤلاء المستنكفين المستكبرين لم يذكر ~~ما يفعل بهم بل ذكر أولا ثواب المؤمنين المطيعين . # فقال : { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله } ثم ذكر آخرا عقاب المستنكفين المستكبرين . # فقال : { وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون ~~لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } والمعنى ظاهر لا إشكال فيه ، وإنما قدم ~~ثواب المؤمنين على عقاب المستنكفين لأنهم إذا رأوا أولا ثواب المطيعين ثم ~~شاهدوا بعده عقاب أنفسهم كان ذلك أعظم في الحسرة . ! 7 < { ياأيها الناس قد ~~جآءكم برهان من ربكم وأنزلنآ إليكم نورا مبينا * فأما الذين ءامنوا بالله ~~واعتصموا به فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما } . > 7 ~~@QB@ < # | النساء : ( 174 - 175 ) يا أيها الناس . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى : لما أورد الحجة على جميع الفرق من المنافقين والكفار ~~واليهود والنصارى وأجااب عن جميع شبهاتهم عمم الخطاب . ودعا جميع الناس إلى ~~الاعتراف برسالة محمد عليه الصلاة والسلام فقال : { نصيرا يأيها الناس قد ~~جاءكم برهان من ربكم } والبرهان هو محمد عليه الصلاة والسلام ، وإنما سماه ~~برهانا لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل ، والنور ~~المبين هو القرآن ، وسماه نورا لأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب ، ولما ~~قرر على كل العالمين كون محمد رسولا وكون القرآن كتابا حقا أمرهم بعد ذلك ~~أن يتمسكوا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ووعدهم عليه بالثواب فقال { ~~فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به } والمراد آمنوا بالله في ذاته وصفاته ~~وأفعاله وأحكامه وأسمائه واعتصموا به أي بالله في أن يثبتهم على الإيمان ~~ويصونهم عن نزع الشيطان ويدخلهم في رحمة منه ms3174 وفضل ويهديهم إليه صراطا ~~مستقيما ، فوعد بأمور ثلاثة : الرحمة PageV11P094 والفضل والهداية . قال ~~ابن عباس : الرحمة الجنة ، والفضل ما يتفضل به عليهم مما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت { ويهديهم إليه صراطا مستقيما } يريد دينا مستقيما . # وأقول : الرحمة والفضل محمولان على ما في الجنة من المنفعة والتعظيم ، ~~وأما الهداية فالمراد منها السعادات الحاصلة بتجلي أنوار عالم القدس ~~والكبرياء في الأرواح البشرية وهذا هو السعادة الروحانية ، وأخر ذكرها عن ~~القسمين الأولين تنبيها على أن البهجة الروحانية أشرف من اللذات الجسمانية ~~. # ! 7 < { يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله ~~أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ الا نثيين يبين ~~الله لكم أن تضلوا والله بكل شىء عليم } . > 7 ! # < < # | النساء : ( 176 ) يستفتونك قل الله . . . . . # > > إعلم أنه تعالى تكلم في أول السورة في أحكام الأموال وختم آخرها بذلك ~~ليكون الآخر مشاكلا للأول ، ووسط السورة مشتمل على المناظرة مع الفرق ~~المخالفين للدين . قال أهل العلم : إن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين ~~إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة ، والأخرى في الصيف وهي هذه ~~الآية ، ولهذا تسمى هذه الآية آية الصيف وقد ذكرنا أن الكلالة اسم يقع على ~~الوارث وعلى الموروث ، فإن وقع على الوارث فهو من سوى الوالد والولد ، وإن ~~وقع على الموروث فهو الذي مات ولا يرثه أحد الوالدين ولا أحد من الأولاد ، ~~ثم قال { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } ارتفع امرؤ ~~بمضمر يفسره الظاهر ، ومحل { ليس له ولد } الرفع على الصفة ، أي إن هلك ~~امرؤ غير ذي ولد . # واعلم أن ظاهر هذه الآية فيه تقييدات ثلاث : الأول : أن ظاهر الآية يقتضي ~~أن الأخت تأخذ النصف عند عدم الولد ، فأما عند وجود الولد فإنها لا تأخذ ~~النصف ، وليس الأمر كذلك ، بل شرط كون الأخت تأخذ النصف أن لا يكون ms3175 للميت ~~ولد ابن ، فإن كان له بنت فإن الأخت تأخذ النصف . الثاني : أن ظاهر الآية ~~يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك ، بل الشرط ~~أن لا يكون للميت ولد ولا والد ، وذلك أن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع ~~. الثالث : أن قوله { وله أخت } المراد منه الأخت من الأب والأم ، أو من ~~الأب ، لأن الأخت من الأم والأخ من الأم قد بين الله حكمه في أول السورة ~~بالإجماع . # ثم قال تعالى : { وهو يرثها إن لم يكن لها ولد } يعني أن الأخ يستغرق ~~ميراث الأخت إذا لم يكن للأخت ولد ، إلا أن هذا الأخ من الأب والأم أو من ~~الأب ، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث . # ثم قال تعالى : { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة ~~رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين } PageV11P095 وهذه الآية دالة على أن ~~الأخت المذكورة ليست هي الأخت من الأم فقط ، وروي أن الصديق رضي الله عنه ~~قال في خطبته : ألا أن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض ، ~~فأولها : في الولد والوالد ، وثانيها : في الزوج والزوجة والإخوة من الأم ، ~~والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الأخوة والأخوات من الأب والأم ~~، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام . # ثم قال تعالى : { يبين الله لكم أن تضلوا } وفيه وجوه : الأول : قال ~~البصريون : المضاف هاهنا محذوف وتقديره : يبين الله لكمم كراهة أن تضلوا ، ~~إلا أنه حذف المضاف كقوله { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) الثاني : قال ~~الكوفيون : حرف النفي محذوف ، والتقدير : يبين الله لكم لئلا تضلوا ، ~~ونظيره قوله { إن الله يمسك * السماوات والارض * أن تزولا } ( فاطر : 41 ) ~~أي لئلا تزولا . الثالث : قال الجرجاني صاحب ( النظم ) : يبين الله لكم ~~الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتجنبوها . # ثم قال تعالى : { والله بكل شيء عليم } فيكون بيانه حقا وتعريفه صدقا . # واعلم أن في هذه الصورة لطيفة عجيبة ، وهي أن أولها مشتمل على بيان كمال ~~قدرة الله تعالى فإنه ms3176 قال : { تفلحون يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من ~~نفس واحدة } ( النساء : 1 ) وهذا دال على سعة القدرة ، وآخرها مشتمل على ~~بيان كمال العلم وهو قوله { والله بكل شيء عليم } وهذان الوصفان هما اللذان ~~بهما تثبت الربوبية والإلهية والجلالة والعزة ، وبهما يجب على العبد أن ~~يكون مطيعا للأوامر والنواهي منقادا لكل التكاليف . # قال المصنف فرغت من تفسير هذه السورة يوم الثلاثاء ثاني عشر جمادى الآخرة ~~من سنة خمس وتسعين وخمسمائة PageV11P096 < # > 1 ( سورة المائدة ) 1 < # > # مدنية وآياتها مائة وعشرون # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الا نعام إلا ~~ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد } . > 7 @QB@ ~~< # | المائدة : ( 1 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # { عليم يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } في الآية مسائل : # المسألة الأولى : يقال : وفى بالعهد وأوفى به ، ومنه { والموفون بعهدهم } ~~( البقرة : 177 ) والعقد هو وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والأحكام ~~، والعهد إلزام ، والعقد التزام على سبيل الأحكام ، ولما كان الإيمان عبارة ~~عن معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله وكان من جملة أحكامه أنه ~~يجب على جميع الخلق إظهار الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه وأوامره ~~ونواهيه فكان هذا العقد أحد الأمور المعتبرة في تحقق ماهية الإيمان ، فلهذا ~~قال : { عليم يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } يعني يا أيها الذين ~~التزمتم بإيمانكم أنواع العقود والعهود في إظهار طاعة الله أوفوا بتلك ~~العقود ، وإنما سمى الله تعالى هذه التكاليف عقودا كما في هذه الآية لأنه ~~تعالى ربطها بعباده كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق . # واعلم أنه تعالى تارة يسمي هذه التكاليف عقودا كما في هذه الآية ، وكما ~~في قوله { ولاكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان } ( المائدة : 89 ) وتارة عهودا ~~، قال تعالى : { وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) وقال : { ~~وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان } ( النحل : 91 ) وحاصل ~~الكلام في هذه الآية أنه أمر بأداء التكاليف فعلا وتركا . PageV11P097 # المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ~~ذبح الولد ms3177 لغا ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : بل يصح . حجة أبي حنيفة أنه ~~نذر الصوم والذبح فيلزمه الصوم والذبح ، بيان الأول أنه نذر صوم يوم العيد ~~، ونذر ذبح الولد ، وصوم يوم العيد ماهية مركبة من الصوم ومن وقوعه في يوم ~~العيد ، وكذلك ذبح الولد ماهية مركبة من الذبح ومن وقوعه في الولد ، والآتي ~~بالمركب يكون آتيا بكل واحد من مفرديه ، فملتزم صوم يوم العيد وذبح الولد ~~يكون لا محالة ملتزما للصوم والذبح . # إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن يجب عليه الصوم والذبح لقوله تعالى : { أوفوا ~~بالعقود } ولقوله تعالى : { لم تقولون ما لا تفعلون } ( الصف : 2 ) ولقوله ~~{ يوفون بالنذر } ( الإنسان : 7 ) ولقوله عليه الصلاة والسلام : ( ف بنذرك ~~) أقصء ما في الباب أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعا في يوم ~~العيد ، وفي خصوص كون الذبح واقعا في الولد ، إلا أن العام بعد التخصيص حجة ~~. وحجة الشافعي رحمه الله : أن هذا نذر في المعصية فيكون لغوا لقوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( لا نذر في معصية الله ) . # المسألة الثالثة : قال أبو حنيفة رحمه الله : خيار المجلس غير ثابت ، ~~وقال الشافعي رحمه الله : ثابت ، حجة أبي حنيفة أنه لما انعقد البيع ~~والشراء وجب أن يحرم الفسخ ، لقوله تعالى : { أوفوا بالعقود } وحجة الشافعي ~~تخصيص هذا العموم بالخبر ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : ( المتبايعان ~~بالخيار كل واحد منهما ما لم يتفرقا ) . # المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة رحمه الله : الجمع بين الطلقات حرام ، ~~وقال الشافعي رحمه الله : ليس بحرام ، حجة أبي حنيفة أن النكاح عقد من ~~العقود لقوله تعالى : { ولا تعزموا عقدة النكاح } ( البقرة : 235 ) فوجب أن ~~يحرم رفعه لقوله تعالى : { أوفوا بالعقود } ترك العمل به في الطلقة الواحدة ~~بالإجماع فيبقى فيما عداها على الأصل / والشافعي رحمه الله خصص هذا العموم ~~بالقياس ، وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يرحم . # قوله تعالى : { أحلت لكم بهيمة الانعام } . # إعلم أنه تعالى لما قرر بالآية الأولى على جميع المكلفين أنه يلزمهم ~~الانقياد لجميع تكاليف الله تعالى ، وذلك ms3178 كالأصل الكلي والقاعدة الجميلة ، ~~شرع بعد ذلك في ذكر التكاليف المفصلة ، فبدأ بذكر ما يحل وما يحرم من ~~المطعومات فقال : { أحلت لكم بهيمة الانعام } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قالوا : كل حي لا عقل له فهو بهيمة ، من قولهم : استبهم ~~الأمر على فلان ءذا أشكل ، وهذا باب مبهم أي مسدود الطريق ، ثم اختص هذا ~~الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر ، والأنعام هي الإبل والبقر والغنم ، ~~قال تعالى : { والانعام خلقها لكم فيها دفء } إلى قوله { والخيل والبغال ~~والحمير } ( النحل : 5 8 ) ففرق تعالى بين الأنعام وبين الخيل والبغال ~~والحمير . وقال تعالى : { مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون * ~~وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون } ( يس : 71 ، 72 ) وقال : { ومن ~~الانعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله } PageV11P098 إلى قوله { ثمانية ~~أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } وإلى قوله { ومن الإبل اثنين ومن ~~البقر اثنين } ( للأنعام : 142 144 ) قال الواحدي رحمه الله : ولا يدخل في ~~اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء . # إذا عرفت هذا فنقول : في لفظ الآية سؤالات : الأول : أن البهيمة اسم ~~الجنس ، والأنعام اسم النوع فقوله { بهيمة الانعام } يجري مجرى قول القائل ~~: حيوان الإنسان وهو مستدرك . الثاني : أنه تعالى لو قال : أحلت لكم ~~الأنعام ، لكان الكلام تاما بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى { وأحلت لكم ~~الانعام إلا ما يتلى عليكم } ( الحج : 30 ) فأي فائدة في زيادة لفظ البهيمة ~~في هذه الآية . الثالث : أنه ذكر لفظ البهيمة بلفظ الوحدان ، ولفظ الأنعام ~~بلفظ الجمع ، فما الفائدة فيه ؟ # والجواب عن السؤال الأول من وجهين : الأول : أن المراد بالبهيمة ~~وبالأنعام شيء واحد ، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان ، وهذه الإضافة ~~بمعنى { من } كخاتم فضة ، ومعناه البهيمة من الأنعام أو للتأكد كقولنا : ~~نفس الشيء وذاته وعينه . الثاني : أن المراد بالبهيمة شيء ، وبالأنعام شيء ~~آخر وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : أن المراد من بهيمة الأنعام ~~الظباء وبقر الوحش ونحوها ، كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس ~~البهائم في الاجترار وعدم الأنياب ms3179 ، فأضيفت إلى الأنعام لحصول المشابهة . ~~الثاني : أن المراد ببهيمة الأنعام أجنة الأنعام . روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين ، فأخذ ابن عباس بذنبها وقال : ~~هذا من بهيمة الأنعام . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنها أجنة الأنعام ، ~~وذكاته ذكاة أمه . # واعلم أن هذا الوجد يدل على صحة مذهب الشافعي رحمه الله في أن الجنين ~~مذكى بذكاة الأم . # المسألة الثانية : قالت الثنوية : ذبح الحيوانات إيلام ، والإيلام قبيح ، ~~والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم ، فيمتنع أن يكون الذبح حلالا ~~مباحا بحكم الله . قالوا : والذي يحقق ذلك أن هذه الحيوانات ليس لها قدرة ~~عن الدفع عن أنفسها ، ولا لها لسان تحتج على من قصد إيلامها ، والإيلام ~~قبيح إلا أن إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى هذا الحد أقبح . # واعلم أن فرق المسلمين افترقوا فرقا كثيرة بسبب هذه الشبهة فقالت ~~المكرمية : لا نسلم أن هذه الحيوانات تتألم عند الذبح ، بل لعل الله تعالى ~~يرفع ألم الذبح عنها . وهذا كالمكابرة في الضروريات ، وقالت المعتزلة : لا ~~نسلم أن الإيلام قبيح مطلقا ، بل إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقا بجناية ولا ~~ملحقا بعوض . وهاهنا الله سبحانه يعوض هذه الحيوانات في الآخرة بأعواض ~~شريفة ، وحينئذ يخرج هذا الذبح عن أن يكون ظلما ، قالوا : والذي يدل على ~~صحة ما قلناه ما تقرر في العقول أنه يحسن تحمل ألم الفصد والحجامة للطلب ~~الصحة ، فإذا حسن تحمل الألم القليل لأجل المنفعة العظيمة ، فكذلك القول في ~~الذبح . وقال أصحابنا : إن الاذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في ~~ملكه ، والمالك لا اعتراض عليه إذا تصرف في ملك نفسه ، والمسألة طويلة ~~مذكورة في علم الأصول والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال بعضهم : قوله { أحلت لكم بهيمة الانعام } مجملل ؛ ~~لأن الإحلال إنما يضاف إلى الأفعال ، وهاهنا أضيف إلى الذات فتعذر إجراؤه ~~على ظاهره فلا بد من إضمار فعل ، وليس إضمار بعض PageV11P099 الأفعال أولى ~~من بعض ، فيحتمل أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو ms3180 صوفها ~~أو لحمها ، أو المراد إحلال الانتفاع بالأكل ، ولا شك أن اللفظ محتمل للكل ~~فصارت الآية مجملة ، إلا أن قوله تعالى : { والانعام خلقها لكم فيها دفء ~~ومنافع ومنها تأكلون } ( النحل : 5 ) دل على أن المراد بقوله { أحلت لكم ~~بهيمة الانعام } إباحة الانتفاع بها من كل هذه الوجوه . # واعلم أنه تعالى لما ذكر قوله { أحلت لكم بهيمة الانعام } ألحق به نوعين ~~من الاستثناء : الأول : قوله { إلا ما يتلى عليكم } واعلم أن ظاهر هذا ~~الاستثناء مجمل ، واستثناء الكلام المجمل من الكلام المفصل يجعل ما بقي بعد ~~الاستثناء مجملا أيضا ، إلا أن المفسرين أجمعوا على أن المراد من هذا ~~الاستثناء هو المذكور بعد هده الآية وهو قوله { حرمت عليكم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ~~وما أكل السبع إلا } ( المائدة : 3 ) ووجه هذا أن قوله { أحلت لكم بهيمة ~~الانعام } يقتضي إحلالها لهم على جميع الوجوه فبين الله تعالى أنها إن كانت ~~ميتة ، أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو افترسها السبع أو ذبحت على غير اسم ~~الله تعالى فهي محرمة . # النوع الثاني : من الاستثناء قوله تعالى : { غير محلى الصيد وأنتم حرم } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما أحل بهيمة الأنعام ذكر الفرق بين صيدها ~~وغير صيدها ، فعرفنا أن ما كان منها صيدا ، فإنه حلال في الإحلال فون ~~الإحرام ، وما لم يكن صيدا فإنه حلال في الحالين جميعا والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله { وأنتم حرم } أي محرمون أي داخلون في الإحرام ~~بالحج والعمرة أو أحدهما ، يقال : أحرم بالحج والعمرة فهو محرم وحرم ، كما ~~يقال : أجنب فهو مجنب وجنب ، ويستوي فيه الواحد والجمع ، يقال قوم حرم كما ~~يقال قوم جنب . قال تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ( المائدة : 65 ) . # وأعلم أنا إذا قلنا : أحرم الرجل فله معنيان : الأول : هذا ، والثاني : ~~أنه دخل الحرم فقوله { وأنتم حرم } يشتمل على الوجهين ، فيحرم الصيد على من ~~كان في الحرم كما يحرم على من كان محرما بالحج أو العمرة ، وهو قول الفقهاء ms3181 ~~. # المسألة الثالثة : أعلم أن ظاهر لآية يقتضي أن لصيد حرام على المحرم ، ~~ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } فإن { إذا } للشرط / ~~والمعلق بكلمة الشرط على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، إلا أنه تعالى بين ~~في آية أخرى أن المحرم على المحرم إنما هو صيد البر لا صيد البحر ، قال ~~تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد ~~البر ما دمتم حرما } ( المائدة : 96 ) فصارت هذه الآية بيانا لتلك الآيات ~~المطلقة . # المسألة الرابعة : انتصب { غير } على الحال من قوله { أحلت لكم } كما ~~تقول : أحل لكم الطعام غير معتدين فيه . قال الفراء : هو مثل قولك : أحل لك ~~الشيء لا مفرطا فيه ولا متعديا ، والمعنى أحلت لكم بهيمة PageV11P100 ~~الأنعام إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام فإنه لا يحل لكم ذلك إذ كنتم ~~محرمين . # ثم قال تعالى : { إن الله يحكم ما يريد } والمعنى أنه تعالى أباح الأنعام ~~في جميع الأحوال ، وأباح الصيد في بعض الأحوال دون بعض ، فلو قال قائل : ما ~~السبب في هذا التفصيل والتخصيص كان جوابه أي يقال : أنه تعالى مالك الأشياء ~~وخالقها فلم يكن على حكمه اعتراض بوجه من الوجوه ، وهذا هو الذي يقوله ~~أصحابنا أن علة حسن التكليف هي الربوبية والعبودية لا ما يقوله المعتزلة من ~~رعاية المصالح . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعآئر الله ولا الشهر الحرام ولا ~~الهدى ولا القلائد ولاءامين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا ~~حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن ~~الله شديد آلعقاب } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 2 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { حرم إن الله يحكم ما يريد يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا ~~شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا } . # أعلم أنه تعالى : لما حرم الصيد على المحرم في الآية الأولى أكد ذلك ~~بالنهي في هذه الآية عن مخالفة تكاليف الله تعالى فقال : { يريد يأيها ms3182 ~~الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله } . # وأعلم أن الشعائر جمع ، والأكثرون على أنها جمع شعيرة . وقال ابن فارس : ~~واحدها شعارة ، والشعيرة فعيلة بمعنى مفعلة ، والمشعرة المعلمة ، والأشعار ~~الأعلام ، وكل شيء أشعر فقد أعلم ، وكل شيء جعل علما على شيء أن علم بعلامة ~~جاز أن يسمى شعيرة ، فالهدي الذي يهدى إلى مكة يسمى شعائر لأنهت معلمة ~~بعلامات دالة على كونها هدايا . واختلف المفسرون في المراد بشعائر الله ، ~~وفيه قولان : الأول : قوله { لا تحلوا شعائر الله } أي لا تخلوا بشيء من ~~شعائر الله وفرائضه التي حدها لعباده وأوجبها عليهم ، وعلى هذا القول ~~فشعائر الله عام في جميع تكاليفه غير مخصوص بشيء معين ، ويقرب منه قول ~~الحسن : شعائر الله دين الله . والثاني : أن المراد منه شيء خاص من ~~التكاليف ، وعلى هذا القول فذكروا وجوها : الأول : المراد لا تحلوا ما حرم ~~الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد . والثاني : قال ابن عباس : إن ~~المشركين كانوا يحجون البيت ويهدون الهدايا ويعظمون المشاعر وينحرون ، ~~فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم ، فأنزل الله تعالى : { لا تحلوا شعائر ~~الله } الثالث : قال الفراء : كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من ~~شعائر الحج ولا يطوفون بهما ، فأنزل الله تعالى : لا تستحلوا ترك شيء من ~~مناسك الحج وائتوا بجميعها على سبيل الكمال والتما . الرابع : قال بعضهم : ~~الشعائر هي الهدايا تطعن في أسنامها وتقلد ليعلم أنها هدى ، وهو قول أبي ~~عبيدة قال : ويدل عليه قوله تعالى : { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } ~~( الحج : 36 ) وهذا عندي ضعيف لأنه تعالى ذكر شعائر الله ثم عطف عليها ~~الهدى ، والعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه . # ثم قال تعالى : { ولا الشهر الحرام } أي لا تحلو الشهر الحرام بالقتال ~~فيه . # وأعلم أن الشهر الحرام هو الشهر الذي كانت العرب تعظمه وتحرم القتال فيه ~~، قال تعالى : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم ~~خلق * السماوات والارض * منها أربعة حرم } ( التوبة : 36 ) فقيل : هي ذو ~~العقدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، فقوله { ولا الشهر ms3183 الحرام } يجوز أن يكون ~~إشارة إلى PageV11P101 جميع هذه الأشهر كما يطلق اسم الواحد على الجنس ، ~~ويجوز أن يكون المراد هو رجب لأنه أكمل الأشهر الأربعة في هده الصفة . # ثم قال تعالى : { ولا الهدى } قال الواحدي : الهدي ما أهدي إلى بيت الله ~~من ناقة أو بقرة أو شاة ، واحدها هدية بتسكين الدال / ويقال أيضا هدية ، ~~وجمعها هدى . قال الشاعر : # حلفت برب مكة والمصلى # وأعناق الهدى مقلدات ونظير هذه الآية قوله تعالى : { هديا بالغ الكعبة } ~~( المائدة : 95 ) وقوله { والهدى معكوفا أن يبلغ محله } ( الفتح : 25 ) . # ثم قال تعالى : { ولا القلائد } والقلائد جمع قلادة وهي التي تشد على عنق ~~العبير وغيره وهي مشهورة . وفي التفسير وجوه : الأول : المراد منه الهدى ~~ذوات القلائد ، وعطفت على الهدي مبالغة في التوصية بها لأنها أشرف الهدي ~~كقوله { وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) كأنه قيل : والقلائد منها خصوصا ~~الثاني : أنه نهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي ~~على معنى : ولا تحلوا قلائدها فضلا عن أن تحلوها ، كما قال { ولا يبدين ~~زينتهن } ( النور : 31 ) فهنى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء ~~مواضعها . الثالث : قال بعضهم : كانت العرب في الجاهلية موظبين على ~~المحاربة إلا في الأشهر الحرم ، فمن وجد في غير هذه الأشهر الحرم أصيب منه ~~، إلا أن يكون مشعرا بدنة أو بقرة من لحاء شجر الحرم ، أو محرما بعمرة إلى ~~البيت ، فحينئذ لا يتعرض له ، فأمر الله المسلمين بتقرير هذا المعنى . # ثم قال : { ولا الشهر الحرام ولا } أي قوما قاصدين المسجد الحرام ، وقرأ ~~عبد الله : ولا آمي البيت الحرام على الإضافة . # ثم قال تعالى : { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حميد بن قيس الأعرج { تبتغون } بالتاء على خطاب ~~المؤمنين . # المسألة الثانية : في تفسير الفضل والرضوان وجهان : الأول : يبتغون فضلا ~~من ربهم بالتجارة المباحة لهم في جحهم ، كقوله { ليس عليكم جناح أن * ~~تبتغوا فضلا من ربكم } ( البقرة : 198 ) قالوا : نزلت في تجاراتهم أيام ~~الموسم ، والمعنى : لا تمنعوهم فإنما قصدوا البيت لإصلاح ms3184 معاشهم ومعادهم ، ~~فابتغاء الفضل للدنيا ، وابتغاء الرضوان للآخرة . قال أهل العلم : إن ~~المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله وإن كانوا لا ينالون ذلك ، ~~فلا يبعد أن يحصل لهم بسبب هذا القصد نوع من الحرمة . PageV11P102 # والوجه الثاني : أن المراد بفضل الله الثواب ، وبالرضون أن يرضى عنهم ، ~~وذلك لأن الكافر وإن كان لا ينال الفضل والرضوان لكنه يظن أنه بفعله طالب ~~لهما ، فيجوز أن يوصف بذلك بناء على ظنه ، قال تعالى : { وانظر إلى إلاهك } ~~( طه : 97 ) وقال { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) . # المسألة الثالثة : ااختلف الناس فقال بعضهم : هذه الآية منسوخة ، لأن ~~قوله { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام } يقتضي حرمة القتال في الشهر ~~الحرام ، وذلك منسوخ بقوله { اقتلوا * المشركين حيث وجدتموهم } ( التوبة : ~~5 ) قوله { ولا الشهر الحرام ولا } يقتضي حرمة منع المشركين عن المسجد ~~الحرام وذلك منسوخ بقوله { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هاذا } ( ~~البقرة : 28 ) وهذا قول كثير من المفسرين كابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة . ~~وقال الشعبي : لم ينسخ من سورة المائدة إلا هذه الآية . وقال قوم آخرون من ~~المفسرين : هذه الآية غير منسوخة ، وهؤلاء لهم طريقان : الأول : أن الله ~~تعالى أمرن في هذه الآية أن لا نخيف من يقصد بيته من المسلمين ، وحرم علينا ~~أخذ الهدى من المهدين إذا كانوا مسلمين ، والدليل عليه أول الآية وآخرها ، ~~أما أول الآية فهو قوله { لا تحلوا شعائر الله } وشعائر الله إنما تليق ~~بنسك المسلمين وطاعاتهم لا بنسك الكفار / وأما رخر ااية فهو قوله { يبتغون ~~فضلا من ربهم ورضوانا } وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر . الثاني : قال ~~أبو مسلم الأصفهاني : المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الحظر ولزم المراد ~~بقوله تعالى : { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هاذا } . # ثم قال تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } وفي مسائل : # المسألة الأولى : قريء : وإذا أحللتم يقال حل المحرم وأحل ، وقريء بكسر ~~الفاء وقيل هو بدل من كسر الهمزة عند ms3185 الابتداء . # المسألة الثانية : هذه الآية متعلقة بقوله { غير محلى الصيد وأنتم حرم } ~~( المائدة : 1 ) يعني لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام ، فإذا زال ~~الاحرام وجب أن يزول المنع . # المسألة الثالثة : ظاهر الأمر وإن كان للوجوب إلا أنه لا يفيد ههنا إلا ~~بالإباحة . وكذا في قوله { فإذا قضيت الصلواة فانتشروا فى الارض } ( الجمعة ~~: 10 ) ونظيره قول القائل : لا تدخلن هذه الدار حتى تؤدي ثمنها ، فإذا أديت ~~فادخلها ، أي فإذا أديت فقد أبيح لك دخولها ، وحاصل الكلام أنا إنما عرفنا ~~أن الأمر ههنا لم يفد الوجوب بدليل منفصل والله أعلم . # ثم قال تعالى : { ولا يجرمنكم شنان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن ~~تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال القفال رحمه الله : هذا معطوف على قوله { لا تحلوا ~~شعائر الله } إلى قوله { ولا الشهر الحرام ولا } يعني ولا تحملنكم عداوتكم ~~لقوم من أجل أنهم صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا فتمنعوهم عن المسجد ~~الحرام ، فإن الباطل لا يجوز أن يعتدى به . وليس للناس أن يعين بعضهم بعضا ~~على العدوان حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه ، لكن ~~الواجب أن يعين بعضهم بعضا على ما فيه البر والتقوى ، فهذا هو المقصود من ~~الآية . PageV11P103 # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) { جرم } يجري مجرى كسب في تعديه ~~تارة إلى مفعول واحد ، وتارة إلى إثنين ، تقول : جرم ذنبا نحو كسبه ، ~~وجرمته ذنبا نحو كسبته إياه ، ويقال : أجرمته ذنبا على نقل المتعدي إلى ~~مفعول بالهمزة إلى مفعولين ، كقولهم : أكسبته ذنبا ، وعليه قراءة عبد الله ~~{ ولا يجرمنكم } بضم الياء ، وأول المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين ~~. والثاني : أن تعتدوا ، والمعنى لا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء ~~ولا يحملنكم عليه . # المسألة الثالثة : الشنآن البغض ، يقال : شنأت الرجل أشنؤه شنأ ومشنأ . # ومشنأة وشنآنا بفتح الشين وكسرها ، ويقال : رجل شنآن وامرأة شنآنة ~~مصروفان ، ويقال شنآن بغير صرف ، وفعلان قد جاء وصفا وقد جاء مصدرا . # المسألة ms3186 الرابعة : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وإسماعيل عن نافع بجزم ~~النون الأولى ، والباقون بالفتح . قالوا : والفتح أجود لكثرة نظائرها في ~~المصادر كالضربان والسيلان والغليان والغشيان ، وأما بالسكون فقد جاء في ~~الأكثر وصفا . قال الواحدي : ومما جاء مصدرا كقولهم : لويته حقه ليانا ، ~~وشنان في قول أبي عبيدة . وأنشد للأحوص . # وإن غاب فيه ذو الشنان وفندا # فقوله : ذو الشنان على التخفيف كقولهم : إني ظمان ، وفلان ظمان ، بحذف ~~الهمزة وإلقاء حركتها على ما قبلها . # المسألة الخامسة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { أن صدوكم } بكسر الألف على ~~الشرط والجزاء والباقون بفتح الألف ، يعني لأن صدوكم . قال محمد بن جرير ~~الطبري : وهذه القراءة هي الاختيار لأن معنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام ~~منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن ~~العمرة ، وهذه السورة نزلت بعد الحديبية ، وكان هذا الصد متقدما لا محالة ~~على نزول هذه الآية . # ثم قال تعالى : { واتقوا الله إن الله شديد آلعقاب } والمراد منه التهديد ~~والوعيد ، يعني اتقوا الله ولا تستحلوا شيئا من محارمه إن الله شديد العقاب ~~، لا يطيق أحد عقابه . # ! 7 < { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب وأن تستقسموا بالا زلام ذالكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت ~~لكم الأسلام دينا فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } ~~> 7 @QB@ < # | المائدة : ( 3 ) حرمت عليكم الميتة . . . . . # > > # قوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله ~~به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا } . # إعلم أنه تعالى قال في أول السورة { أحلت لكم بهيمة } ( المائدة : 1 ) ثم ~~ذكر فيه استثناء أشياء تتلى عليكم ، فههنا ذكر الله تعالى تلك الصور ~~المستثناة من ذلك العموم ، وهي أحد عشر نوعا : الأول : الميتة : وكانوا ~~PageV11P104 يقولون : إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ms3187 ما قتل الله . # وأعلم أن تحريم الميتة موافق لما في العقول ، لأن الدم جوهر لطيف جدا ، ~~فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن وفسد وحصل من أكله ~~مضار عظيمة . والثاني : الدم : قال صاحب ( الكشاف ) كانوا يملؤون المعي من ~~الدم ويشوونه ويطعمونه المعي من الدم ويشوونه ويطعمونه الضيف ، فالله تعالى ~~حرم ذلك عليهم . والثالث : لحم الخنزير ، قال أهل العلم : الغذاء يصير جزءا ~~من جوهر المغتذي ، فلا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلا ~~في الغذاء ، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات ، فحرم ~~أكله على الإنسان لئل يتكيف بتلك الكيفية ، وأما الشاة فإنها حيوان في غاية ~~السلامة ، فكأنها ذات عارية عن جميع الأخلاق ، فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب ~~أكل لحمها كيفية أجنبية عن أحوال الإنسان . الرابع : ما ى هل لغير الله به ~~، والإهلال رفع الصوت ، ومنه يقال أهل فلان بالحج إذا لبى به ، ومنه استهل ~~الصبي وهو صراخة إذا ولد ، وكانوا يقولون عند الذبح : باسم اللآت والعزى ~~فحرم الله تعالى ذلك . والخامس : المنخنقة ، يقال : خنقة فاختنق ، والخنق ~~والاختناق انعصار الحلق . # وأعلم أن المنخنقة على وجوه : منها أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة ~~فإذا ماتت أكلوها ، ومنها ما يخنق بحبل الصائد ، ومنها ما يدخل رأسها بين ~~عودين في شجرة فتختنق فتموت ، وبالجملة فبأي وجه اختنقت فهي حرام . # وأعلم أن هذه المنخنقة من جنس الميتة ، لأنها لما ماتت وما سال دمها كانت ~~كالميت حتف أنفه . والسادس : الموقوذة ، وهي التي ضربت إلى أن ماتت يقال : ~~وقذها وأوقذها إذا ضربها إلى أن ماتت ، ويدخل في الموقوذة ما رمي بالندق ~~فمات ، وهي أيضا في معنى الميتة وفي معنى المنخنقة فءنها ماتت ولم يسل دمها ~~. السابع : المتردية ، والمتردي هو الواقع في الردى وهو الهلاك . قال تعالى ~~: { للعسرى وما يغنى عنه ماله إذا تردى } ( الليل : 11 ) أي وقع في النار ، ~~ويقال : فلان تردى من السطح ، فالمتردية هي التي تسقط من جبل أو موضع مشرف ~~فتموت ، وهذا أيضا من الميتة ms3188 لأنها ماتت وما سال منها الدم ، ويدخل فيه ما ~~إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم ~~أنه مات بالتردي أو بالسهم . والثامن : النطيحة ، وهي المنطوحة إلى أن ماتت ~~/ وذلك مثل شاتين تناطحا إلى أن ماتا أو مات أحدهما ، وهذا أيضا داخل في ~~الميتة لأنها ماتت من غير سيلان الدم . # وأعلم أن دخول الهاء في هذه الكلمات الأربع ، أعني : المنخنقة ، ~~والموقوذة ، والمتردية ، والنطيحة ، إنما كان لأنها صفات لموصوف مؤنث وهو ~~الشاة ، كأنه قيل : حرمت عليكم الشاة المنخنقة والموقوذة ، وخصت الشاة ~~لأنها من أعم ما يأكله الناس ، والكلام يخرج على الأعم الأغلب ويكون المراد ~~هو الكل . # فإن قيل : لم أثبت الهاء في النطيحة مع أنها كانت في الأصل منطوحة فعدل ~~بها إلى النطيحة ، وفي مثل هذا الموضع تكون الهاء محذوفة ، كقولهم : كف ~~خضيب ، ولحية دهين ، وعين كحيل . # قلنا : إنما تحذف الهاء من الفعلية إذا كانت صفة لموصوف يتقدمها ، فإذا ~~لم يذكر الموصوف وذكرت الصفة وضعتها موضع الموصوف ، تقول : رأيت قتيلة بني ~~فلان بالهاء لأنك إن لم تدخل الهاء لم يعرف أرجل هو أو امرأة ، فعلى هذا ~~إنما دخلت الهاء في النطيحة لأنها صفة لمؤنث غير مذكور وهو الشاة ، والتاسع ~~: قوله PageV11P105 { وما أكل السبع إلا ذكيتم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : السبع : اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ~~والدواب ويفترسها ، مثل الأسد وما دونه ، ويجوز التخفيف في سبع فيقال : سبع ~~وسبعة ، وفي رواية عن أبي عمرون : السبع بسكون الباء ، وقرأ ابن عباس : ~~وأكيل السبع . # المسألة الثانية : قال قتادة : كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئا ~~فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي ، فحرمه الله تعالى . وفي الآية محذوف تقديره ~~: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفذ ولا حكم له ، وإنما الحكم ~~للباقي . # المسألة الثالثة : أصل الذكاء في اللغة إتمام الشيء ، ومنه الذكاء في ~~الفهم وهو تمامه ، ومنه الذكاء في السن ، وقيل : جري المذكيات غلاب ، أي ~~جري المسنات التي قد أسنت ، وتأويل ms3189 تمام السن النهاية في الشباب ، فإذا نقص ~~عن ذلك أو زاد فلا يقال له الذكاء في السن ، ويقال ذكيت النار أي أتممت ~~إشعالها . # إذا عرفت هذا الأصل فنقول : الاستثناء المذكور في قوله { إلا ما ذكيتم } ~~فيه أقوال : الأول : أنه استثناء من جميع ما تقدم من قوله { والمنخنقة } ~~إلى قوله { وما أكل السبع } وهو قول عي وابن عباس والحسن وقتادة ، فعلى هذا ~~أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عينا تطرف أو ذنبا يتحرك إو رجلا تركض ~~فاذبح فإنه حلال ، فإنه لولا بقاء الحياة فيه لما حصلت هذه الأحوال ، فلما ~~وجدتها مع هذه الأحوال دل على أن الحياة بتمامها حاصلة فيه . # والقول الثاني : أن هذا الاستثناء مختص بقوله { وما أكل السبع } . # والقول الثالث : أنه استثناء منقطع كأنه قيل : لكن ما ذكيتم من غير هذا ~~فهو حلال . # والقول الرابع : أنه استثناء من التحريم لا من المحرمات ، يعني حرم عليكم ~~ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم حلال . وعلى هذا التقدير يكون الاستثناء ~~منقطعا أيضا . العاشر : من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { ~~وما ذبح على النصب } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : النصب يحتمل أن يكون جمعا وأن يكون واحدا ، فإن قلنا ~~إنه جمع ففي واحده ثلاثة أوجه : الأول : أن واحده نصاب ، فقولنا : نصاب ~~ونصب كقولنا : حما وحمر . الثاني : أن واحده النصب ، فقولنا نصب ونصب ~~كقولنا : سقف وسقف ورهن ورهن ، وهو قول ابن الأنباري . والثالث : أن واحدة ~~النصبة . قال الليث : النصب جمع النصبة ، وهي علامة تنصب لقوم ، أما إن ~~قلنا : أن النصب واحد فجمعه أنصاب ، قفولنا : نصب وأنصاب كقولنا طنب وأطناب ~~. قال الأزهري : وقد جعل الأعشى النصب واحدا فقال : # ولا النصب المنصوب لا تنسكنه # لعاقبة والله ربك فاعبدا المسألة الثانية : من الناس من قال : النصب هي ~~الأوثان ، وهذا بعيد لأن هذا معطوف على قوله { وما أهل لغير الله به } وذلك ~~هو الذبح على اسم الأثان ، ومن حق المعطوف أن يكون مغايرا للمعطوف عليه . ~~وقال ابن جريج : النصب ليس بأصنام فإن الأصنام أحجار مصورة ms3190 منقوشة ، وهذه ~~النصب أحجار كانوا PageV11P106 ينصبونها حول الكعبة ، وكانوا يذبحون عندها ~~للأصنام ، وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويضعون اللحوم عليها ، فقال ~~المسلمون : يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظنون البيت بالدم ، فنحن أحق ~~أن نعظمه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكره ، فأنزل الله تعالى : { ~~لن ينال الله لحومها ولا دماؤها } ( الحج : 37 ) . # واعلم أن { ما } في قوله { وما ذبح } في محل الرفع لأنه عطف على قوله { ~~حرمت عليكم الميتة } إلى قوله { وما أكل السبع } . # واعلم أن قوله { وما ذبح على النصب } فيه وجهان , أحدهما : وما ذبح على ~~اعتقاد تعظيم النصب ، والثاني : وما ذبح للنصب ، و ( اللام ) و ( على ) ~~يتعاقبان ، قال تعالى : { فسلام لك من أصحاب اليمين } ( الواقعة : 91 ) أي ~~فسلام عليك منهم ، وقال { وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) أي فعليها . # النوع الحادي عشر : قوله تعالى : { وأن تستقسموا بالازلام } قال القفال ~~رحمه الله : ذكر هذا في جملة المطاعم لأنه مما أبدعه أهل الجاهلية وكان ~~موافقا لما كانوا فعلوه في المطاعم ، وذلك أن الذبح على النصب إنما كان يقع ~~عند البيت ، وكذا الاستقسام بالأزلام كانوا يوقعونه عند البيت إذا كانوا ~~هناك ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : كان أحدهم إذا أراد سفرا أو ~~غزوا أو تجارة أو نكاحا أو أمرا آخر من معاظم الأمور ضرب بالقداح ، وكانوا ~~قد كتبوا على بعضها : أمرني ربي ، وعلى بعضها : نهاني ربي ، وتركوا بعضها ~~خاليا عن الكتابة ، فإن خرج الأمر أقدم على الفعل ، وإن خرج النهي أمسك ، ~~وإن خرج الغفل أعاد العمل مرة أخرى ، فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة ~~الخير والشر بواسطة ضرب القداح . الثاني : قال المؤرخ وكثير من أهل اللغة : ~~الاستقسام هنا هو الميسر المنهى عنه ، والأزلام قداح الميسر ، والقول الأول ~~اختيار الجمهور . # المسألة الثانية : الأزلام القداح واحدها زلم ، ذكره الأخفش . وإنما سميت ~~القداح بالأزلام لأنها زلمت أي سويت . ويقال : رجل مزلم وامرأة مزلمة إذا ~~كان خفيفا قليل العلائق ، ويقال قدح مزلم وزلم إذا ظرف وأجيد قده وصنعته ، ~~وما أحسن ما زلم سهمه ms3191 ، أي سواه ، ويقال لقوائم البقر أزلام ، شبهت بالقداح ~~للطافتها . # ثم قال تعالى : { ذالكم فسق } وفيه وجهان : الأول : أن يكون راجعا إلى ~~الاستقسام بالأزلام فقط ومقتصرا عليه . والثاني : أن يكون راجعا إلى جميع ~~ما تقدم ذكره من التحليل والتحريم ، فمن خالف فيه رادا على الله تعالى كفر ~~. # فإن قيل : على القول الأول لم صار الاستقسام بالأزلام فسقا ؟ أليس أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل ، وهذا أيضا من جملة الفأل فلم صار فسقا ~~؟ # قلنا : قال الواحدي : إنما يحرم ذلك لأنه طلب لمعرفة الغيب ، وذلك حرام ~~لقوله تعالى : { وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا } ( لقمان : 34 ) وقال { قل لا ~~يعلم من فى * السماوات والارض * الغيب إلا الله } ( النمل : 65 ) وروى أبو ~~الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من تكهن أو استقسم أو ~~تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة ) ~~. # ولقائل أن يقول : لو كان طلب الظن بناء على الإمارات المتعارفة طلبا ~~لمعرفة الغيب لزم أن يكون علم PageV11P107 التعبير غيبا أو كفرا لأنه طلب ~~للغيب / ويلزم أن يكون التمسك بالفأل كفرا لأنه طلب للغيب ، ويتعين أن يكون ~~أصحاب الكرامات المدعون للإلهامات كفارا ، ومعلوم أن ذلك كله باطل ، وأيضا ~~فالآيات إنما وردت في العلم ، والمستقسم بالأزلام نسلم أنه لا يستفيد من ~~ذلك علما وإنما يستفيد من ذلك ظنا ضعيفا ، فلم يكن ذلك داخلا تحت هذه ~~الآيات . وقال قوم آخرون أنهم كانوا يحملون تلك الأزلام عند الأصنام ~~ويعقدون أن ما يخرج من الأمر والنهي على تلك الأزلام فبإرشاد الأصنام ~~وإعانتهم ، فلهذا السبب كان ذلك فسقا وكفرا ، وهذا القول عندي أولى وأقرب . # قوله تعالى : { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون } . # اعلم أنه تعالى لما عدد فيما مضى ما حرمه من بهيمة الأنعام وما أحله منها ~~ختم الكلام فيها بقوله { ذالكم فسق } والغرض منه تحذير المكلفين عن مثل تلك ~~الأعمال ، ثم حرضهم على التمسك بما شرع لهم بأكمل ما يكون فقال { اليوم ms3192 يئس ~~الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم } أي فلا تخافوا المشركين في خلافكم إياهم ~~في الشرائع والأديان ، فإني أنعمت عليكم بالدولة القاهرة والقوة العظيمة ~~وصاروا مقهورين لكم ذليلين عندكم ، وحصل لهم اليأس من أن يصيروا قاهرين لكم ~~مستولين عليكم ، فإذا صار الأمر كذلك فيجب عليكم أن لا تلتفتوا إليهم ، وأن ~~تقبلوا على طاعة الله تعالى والعمل بشرائعه وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } فيه قولان : ~~الأول : أنه ليس المراد هو ذلك اليوم بعينه حتى يقال إنهم ما يئسوا قبله ~~بيوم أو يومين ، وإنما هو كلام خارج على عادة أهل اللسان معناه لا حاجة بكم ~~الآن إلى مداهنة هؤلاء الكفار لأنكم الآن صرتم بحيث لا يطمع أحد من أعدائكم ~~في توهين أمركم ، ونظيره قوله : كنت بالأمس شابا واليوم قد صرت شيخا ، ولا ~~يريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك ، ولا باليوم يومك الذي أنت فيه . # والقول الثاني : أن المراد به يوم نزول هذه الآية ، وقد نزلت يوم الجمعة ~~وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي صلى الله عليه وسلم ~~واقف بعرفات على ناقته العضباء . # المسألة الثانية : قوله { يئس الذين كفروا من دينكم } فيه قولان : الأول ~~: يئسوا من أن تحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله محرمة . والثاني : ~~يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم ، وذلك لأنه تعالى كان قد وعد بإعلاء هذا ~~الدين على كل الأديان ، وهو قوله تعالى : { ليظهره على الدين كله } ( ~~التوبة : 33 ) ( الفتح : 28 ) ( الصف : 9 ) فحقق تلك النصرة وأزال الخوف ~~بالكلية وجعل الكفار مغلوبين بعد أن كانوا غالبين ، ومقهورين بعد أن كانوا ~~قاهرين ، وهذا القول أولى . PageV11P108 # المسألة الثالثة : قال قوم : الآية دالة على أن التقية جائزة عند الخوف ، ~~قالوا لأنه تعالى أمرهم بإظهار هذه الشرائع وإظهار العمل بها وعلل ذلك ~~بزوال الخوف من جهة الكفار ، وهذا يدل على أن قيام الخوف يجوز تركها . # ثم قال تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم ~~الأسلام دينا } وفيه مسائل ms3193 : # المسألة الأولى : في الآية سؤال وهو أن قوله { اليوم أكملت لكم دينكم } ~~يقتضي أن الدين كان ناقصا قبل ذلك ، وذلك يوجب أن الدين الذي كان صلى الله ~~عليه وسلم مواظبا عليه أكثر عمره كان ناقصا ، وأنه إنما وجد الدين الكامل ~~في آخر عمره مدة قليلة . # واعلم أن المفسرين لأجل الاحتراز عن هذا الاشكال ذكروا وجوها : الأول : ~~أن المراد من قوله { أكملت لكم دينكم } هو إزالة الخوف عنهم وإظهار القدرة ~~لهم على أعدائهم / وهذا كما يقول الملك عندما يستولي على عدوه ويقهره قهرا ~~كليا : اليوم كمل ملكنا ، وهذا الجواب ضعيف لأن ملك ذلك الملك كان قبل قهر ~~العدو ناقصا . الثاني : أن المراد : إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في ~~تكاليفكم من تعلم الحلال والحرام ، وهذا أيضا ضعيف لأنه لو لم يكمل لهم قبل ~~هذا اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع كان ذلك تأخيرا للبيان عن وقت ~~الحاجة ، وأنه لا يجوز . الثالث : وهو الذي ذكره القفال وهو المختار : أن ~~الدين ما كان ناقصا ، البتة ، بل كان أبدا كاملا ، يعني كانت الشرائع ~~النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت ، إلا أنه تعالى كان ~~عالما في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ~~ولا صلاح فيه ، فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت وكان يزيد بعد العدم ، وأما في ~~رخر زمان المبعث فأنزل الله سريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة ، ~~فالشرع أبدا كان كاملا ، إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص ، والثاني كمال ~~إلى يوم القيامة فلأجل هذا المعنى قال : { اليوم أكملت لكم دينكم } . # المسألة الثانية : قال نفاة القياس : دلت الآية على أن القياس بالطل ، ~~وذلك لأن الآية دلت على أنه تعالى قد نص على الحكم في جميع الوقائع ، إذ لو ~~بقي بعضها غير مبين الحكم لم يكن الدين كاملا ، وإذا حصل النص في جميع ~~الوقائع فالقياس إن كان على وفق ذلك النص كان عبثا ، وإن كان على خلافه كان ~~باطلا . # أجاب ms3194 مثبتو القياس بأن المراد بإكمال الدين أنه تعالى بين حكم جميع ~~الوقائع بعضها بالنص وبعضها بأن بين طريق معرفة الحكم فيها على سبيل القياس ~~، فإنه تعالى لما جعل الوقائع قسمين أحدهما التي نص على أحكامها ، والقسم ~~الثاني أنواع يمكن استنباط الحكم فيها بواسطة قياسها على القسم الأول ، ثم ~~أنه تعالى لما أمر بالقياس وتعبد المكلفين به كان ذلك في الحقيقة بيانا لكل ~~الأحكام ، وإذا كان كذلك كان ذلك إكمالا للدين . قال نفاة القياس : الطريق ~~المقتضية لإلحاق غير المنصوص بالمنصوص إما أن تكون دلائل قاطعة أو غير ~~قاطعة ، فإن كان القسم الأول فلا نزاع في صحته ، فإنا نسلم أن القياس ~~المبني على المقدمات اليقينية حجة ، إلا أن مثل هذا القياس يكون المصيب فيه ~~واحدا ، والمخالف يكون مستحقا للعقاب ، وينقض PageV11P109 قضاء القاضي فيه ~~وأنتم لا تقولون بذلك ، وءن كان الحق هو القسم الثاني كان ذلك تمكينا لكل ~~أحد أن يحكم بما غلب على ظنه من غير أن يعلم أنه هل هو دين الله أم لا ، ~~وهل هو الحكم الذي حكم به الله أم لا ، ومعلوم أن مثل هذا لا يكون إكمالا ~~للدين ، بل يكون ذلك إلقاء للخلق في ورطة الظنون والجهالات ، قال مثبتو ~~القياس : إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان ذلك إكمالا للدين ~~، ويكون كل مكلف قاطعا بأنه عامل بحكم الله فزال السؤال . # المسألة الثالثة : قال أصحابنا : هذه الآية دالة على بطلان قول الرافضة ، ~~وذلك لأنه تعالى بين أن الذين كفروا يئسوا من تبديل الدين ، وأكد ذلك بقوله ~~{ فلا تخشوهم واخشون } فلو كانت إماة علي بن أبي طالب رضي الله عنه منصوصا ~~عليها من قبل الله تعالى وقبل رسوله صلى الله عليه وسلم نصا واجب الطاعة ~~لكان من أراد إخفاءه وتغييره آيسا من ذلك بمقتضى هذه الآية ، فكان يلزم أن ~~لا يقدر أحد من الصحابة على إنكار ذلك النص وعلى تغييره وإخفائه ، ولما لم ~~يكن الأمر كذلك ، بل لم يجر لهذا النص ذكر ، ولا ظهر منه خبر ولا ms3195 أثر ، ~~علمنا أن ادعاء هذا النص كذب ، وأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كان ~~منصوصا عليه بالإمامة . # المسألة الرابعة : قال أصحاب الآثار : إنه لما نزلت هذه الآية على النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يعمر بعد نزولها إلا أحدا وثمانين يوما / أو اثنين ~~وثمانين يوما ، ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا تبديل البتة ، ~~وكان ذلك جاريا مجرى أخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن قرب وفاته ، وذلك ~~إخبار عن الغيب فيكون معجزا ، ومما يؤكد ذلك ما روي أنه صلى الله عليه وسلم ~~لما قرأ هذه الآية على الصحابة فرحوا جدا وأظهروا السرور العظيم إلا أبا ~~بكر رضي الله عنه فإنه بكى فسئل عنه فقال : هذه الآية على عدل على قرب وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ليس بعد الكمال إلا الزوال ، فكان ذلك ~~دليلا على كمال علم الصديق حيث وفق من هذه الآية على سر لم يقف عليه غيره . # المسألة الخامسة : قال أصحابنا : دلت الآية على أن الدين لا يحصل إلا ~~بخلق الله تعالى وإيجاده ، والدليل عليه أنه أضاف إكمال الدين إلى نفسه ~~فقال { اليوم أكملت لكم دينكم } ولن يكون إكمال الدين منه إلا وأصله أيضا ~~منه . # واعلم أنا سواء قلنا : الدين عبارة عن العمل ، أو قلنا إنه عبارة عن ~~المعرفة ، أو قلنا إنه عبارة عن مجموع الإعتقاد والاقرار والفعل فالاستدلال ~~ظاهر . # وأما المعتزلة فإنهم يحملون ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار شرائعه ، ~~ولا شك أن الذي ذكروه عدول عن الحقيقة إلى المجاز . # ثم قال تعالى : { وأتممت عليكم نعمتى } ومعنى أتممت عليكم نعمتي بإكمال ~~أمر الدين والشريعة كأنه قال : اليوم أكملت لكم دينكم أتممت عليكم نعمتي ~~بسبب ذلك الاكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام . # واعلم أن هذه الآية أيضا دالة على أن خالق الإيمان هو الله تعالى ، وذلك ~~لأنا نقول : الدين الذي هو الإسلام نعمة ، وكل نعمة فمن الله ، فيلزم أن ~~يكون دين الإسلام من الله . # إنما قلنا : إن الإسلام ms3196 نعمة لوجهين : الأول : الكلمة المشهورة على لسان ~~الأمة وهي قولهم : الحمد لله على نعمة الإسلام . PageV11P110 # والوجه الثاني : أنه تعالى قال في هذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتى } ذكر لفظ النعمة مبهمة ، والظاهر أن المراد بهذه ~~النعمة ما تقدم ذكره وهو الدين . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد بإتمام النعمة جعلهم قاهرين ~~لأعدائهم ، أو المراد به جعل هذا الشرع بحيث لا يتطرق إليه نسخ . # قلنا : أما الأول فقد عرف بقوله { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } فحمل ~~هذه الآية عليه أيضا يكون تكريرا . # وأما الثاني فلأن إبقاء هذا الدين لما كان إتماما للنعمة وجب أن يكون أصل ~~هذا الدين نعمة لا محالة ، فثبت أن دين الإسلام نعمة . # وإاذ ثبت هذا فنقول : كل نعمة فهي من الله تعالى ، والدليل عليه قوله ~~تعالى : { وما بكم من نعمة فمن الله } وإذا ثبت هاتان المقدمتان لزم القطع ~~بأن دين الإسلام إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه وإيجاده . # ثم قال تعالى : { ورضيت لكم الأسلام دينا } والمعنى أن هذا هو الدين ~~المرضى عند الله تعالى ويؤكده قوله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه } . # ثم قال تعالى : { فمن اضطر فى مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ~~} . # وهذا من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها الله تعالى ، يعني أنها ~~وإن كانت محرمة إلا أنها تحل في حالة الاضطرار ، ومن قوله { ذالكم فسق } ~~إلى هاهنا اعتراض وقع في البين ، والغرض منه تأكيد ما ذكر من معنى التحريم ~~، فإن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإسلام ~~الذي هو الدين المرضي عند الله تعالى ، ومعنى اضطر أصيب بالضر الذي لا ~~يمكنه الامتناع معه من الميتة / والمخمصة المجاعة . قال أهل اللغة : الخمص ~~والمخمصة خلو البطن من الطعام عند الجوع ، وأصله من الخمص الذي هو ضمور ~~البطن . يقال : رجل خميص وخمصان وامرأة خميصة وخمصانة والجمع خمائص ~~وخمصانات ، وقوله { غير متجانف لإثم } أي غير متعمد ، وأصله في اللغة من ~~الجنف ms3197 الذي هو الميل ، قال تعالى : { فمن خاف من موص جنفا أو إثما } ( ~~البقرة : 182 ) أي ميلا ، فقوله غير { متجانف } أي غير مائل وغير منحرف ، ~~ويجوز أن ينتصب { غير } بمحذوف مقدر على معنى فتناول غير متجانف ، ويجوز أن ~~ينصب بقوله { اضطر } ويكون المقدر متأخرا على معنى : فمن اضطر غير متجانف ~~لاثم فتناول فإن الله غفور رحيم ، ومعنى الإثم هاهنا في قول أهل العراق أن ~~يأكل فوق الشبع تلذذا ، وفي قول أهل الحجاز أن يكون عاصيا بسفره ، وقد ~~استقصينا الكلام في هذه المسألة في تفسير سورة البقرة في قوله { فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد } ( البقرة : 173 ) وقوله { فإن الله غفور رحيم } يعني ~~يغفر لهم أكل المحرم عندما اضطر إلى أكله ، ورحيم بعباده حيث أحل لهم ذلك ~~المحرم عند احتياجهم إلى أكله . # ! 7 < { يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم الله ~~عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 4 ) يسألونك ماذا أحل . . . . . # > > PageV11P111 # قوله تعالى : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات } وهذا أيضا ~~متصل بما تقدم من ذكر المطاعم والمآكل ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) في السؤال معنى القول ، فلذلك وقع ~~بعده { ماذا أحل لهم } كأنه قيل : يقولون لك ماذا أحل لهم ، وإنما لم يقل ~~ماذا أحل لنا حكاية لما قالوه . # واعلم أن هذا ضعيف لأنه لو كان هذا حكاية لكلامهم لكانوا قد قالوا ماذا ~~أحل لهم ، ومعلوم أن هذا باطل لأنهم لا يقولون ذلك ، بل إنما يقولون ماذا ~~أحل لنا ، بل الصحيح أن هذا ليس حكاية لكلامهم بعبارتهم ، بل هو بيان ~~لكيفية الواقعة . # المسألة الثانية : قال الواحدي : { ماذا } إن جعلته اسما واحدا فهو رفع ~~بالابتداء ، وخبره { أحل } وإن شئت جعلت { ما } وحدها اسما ، ويكون خبرها { ~~ذا } و { أحل } من صلة { ذا } لأنه بمعنى : ما الذي أحل لهم . # المسألة الثالثة : أن العرب في الجاهلية كانوا يحرمون أشياء من الطيبات ~~كالبحيرة ms3198 والسائبة والوصيلة والحام . فهم كانوا يحكمون بكونها طيبة إلا ~~أنهم كانوا يحرمون أكلها لشبهات ضعيفة ، فذكر تعالى أن كل ما يستطاب فهو ~~حلال ، وأكد هذه الآية بقوله { قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق } ( الأعراف : 32 ) وبقوله { ويحل لهم الطيبات ويحرم ~~عليهم الخبئث } ( الأعراف : 157 ) . # واعلم أن الطيب في اللغة هو المستلذ ، والحلال المأذون فيه يسمى أيضا ~~طيبا تشبيها بما هو مستلذ ، لأنهما اجتمعا في انتفاء المضرة ، فلا يمكن أن ~~يكون المراد بالطيبات هاهنا المحللات ، وإلا لصار تقدير الآية : قل أحل لكم ~~المحلللات ، ومعلوم أن هذا ركيك ، فوجب حمل الطيبات على المستلذ المشتهى ، ~~فصار التقدير : أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى . # ثم اعلم أن العبرة في الاستلذاذ والاستطابة بأهل المروءة والأخلاق ~~الجميلة ، فإن أهل البادية يستطيبون أكل جميع الحيوانات ، ويتأكد دلالة هذه ~~الآيات بقوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } ( البقرة : 29 ) فهذا ~~يقتضي التمكن من الانتفاع بكل ما في الأرض ، إلا أنه أدخل التخصيص في ذلك ~~العموم فقال { ويحرم عليهم الخبئث } ( الأعراف ؛ 157 ) ونص في هذه الآيات ~~الكثيرة على إباحة المستلذات والطيبات فصار هذا أصلا كبيرا ، وقانون مرجوعا ~~إليه في معرفة ما يحل ويحرم من الأطعمة ، منها أن لحم الخيل مباح عند ~~الشافعي رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله ليس بمباح . حجة الشافعي ~~رحمه الله أنه مستلذ مستطاب ، والعلم به ضروري ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون ~~حلالا لقوله { أحل لكم الطيبات } ومنها أن متروك التسمية عند الشافعي رحمه ~~الله مباح ، وعند أبي حنيفة حرام ، حجة الشافعي رحمه الله أنه مستطاب مستلذ ~~، فوجب أن يحل لقوله { أحل لكم الطيبات } ويدل أيضا على صحة قول الشافعي ~~رحمه الله في هاتين المسألتين قوله تعالى : { إلا ما ذكيتم } استثنى ~~المذكاة بما بين اللبة والصدر ، وقد حصل ذلك في الخيل ، فوجب أن تكون مذكاة ~~، فوجب أن تحل لعموم قوله { إلا ما ذكيتم } . ( المائدة : 3 ) وأما في ~~متروك التسمية فالذكاة أيضا حاصلة لأنا أجمعنا على أنه لو ترك ms3199 التسمية ~~ناسيا فهي مذكاة ، وذلك يدل على أن ذكر الله تعالى باللسان ليس حزءا من ~~ماهية الذكاة ، وإذا كان كذلك كان الإتيان بالذكاة بدون الإتيان بالتسمية ~~ممكنا ، فنحن مثلكم فيما إذا وجد ذلك ، وإذا حصلت الذكاة دخل تحت قوله { ~~إلا ما ذكيتم } ومنها أن لحم الحمر الأهلية PageV11P112 مباح عند مالك وعند ~~بشر المريسي وقد احتجا بهايتن الآيتين ، إلا أنا نعتمد في تحريم ذلك على ما ~~روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر . # ثم قال تعالى : { وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : الأول : أن فيها إضمارا ، ~~والتقدير أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح مكلبين ، فحذف الصيد ~~وهو مراد في الكلام لدلالة الباقي عليه ، وهو قوله { فكلوا مما أمسكن عليكم ~~} . الثاني : أن يقال إن قوله { وما علمتم من الجوارح مكلبين } ابتداء كلام ~~، وخبره هو قوله { فكلوا مما أمسكن عليكم } وعلى هذا التقدير يصح الكلام من ~~غير حذف وإضمار . # المسألة الثانية : في الجوارح قولان : أحدهما : أنها الكواسب من الطير ~~والسباع ، واحدها جارحة ، سميت جوارح لأنها كواسب من جرح واجترح إذا اكتسب ~~، قال تعالى : { الذين اجترحوا السيئات } ( الجاثية : 21 ) أي اكتسبوا ، ~~وقال { ويعلم ما جرحتم بالنهار } ( الأنعام : 60 ) أي ما كسبتم . والثاني : ~~أن الجوارح هي التي تجرح ، وقالوا : أن ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم ~~يحل . # المسألة الثالثة : نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي ، أن ما صاده غير ~~الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يجز أكله ، وتمسكوا بقوله تعالى : { مكلبين * ~~قالوا * لان * فإن الله غفور رحيم * يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات وما علمتم من الجوارح } يدخل فيه كل ما يمكن الاصطياد به ، كالفهد ~~والسباع من الطير : مثل الشاهين والباشق والعقاب ، قال الليث : سئل مجاهد ~~عن الصقر والبازي والعقاب والفهد وما يصطاد به من السباع ، فقال : هذه كلها ~~جوارح . وأجابوا عن التمسك بقوله تعالى : { مكلبين } من وجوه : الأول : أن ~~المكلب ms3200 هو مؤدب الجوارح ومعلمها أن تصطاد لصاحبها ، وإنما اشتق هذا الاسم ~~من الكلب لأن التأديب أكثر ما يكون في الكلاب ، فاشتق منه هذا اللفظ لكثرته ~~في جنسه . الثاني : أن كل سبع فإنه يسمى كلبا ، ومنه قوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فأكله الأسد ) . الثالث : أنه ~~مأخوذ من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة ، يقال فلان : كلب بكذا إذا كان ~~حريصا عليه . والرابع : هب أن المذكور في هذه الآية إباحة الصيد بالكلب ، ~~لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره ، بدليل أن الاصطياد بالرمي ووضع الشبكة ~~جائز ، وهو غير مذكور في الآية والله أعلم . # المسألة الرابعة : دلت الآية على أن الاصطياد بالجوارح إنما يحل إذا كانت ~~الجوارح معلمة ، لأنه تعالى قال : { وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن ~~مما علمكم الله } وقال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم : ( إذا أرسلت كلبك ~~المعلم وذكرت اسم الله فكل ) ، قال الشافعي رحمه الله : والكلب لا يصير ~~معلما إلا عند أمور ، وهي إذا أرسل استرسل ، وإذا أخذ حبس ولا يأكل ، وإذا ~~دعاه أجابه ، وإذا أراده لم يفر منه ، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم ، ولم ~~يذكر رحمه الله فيه حدا معينا / بل قال : أنه متى غلب على الظن أنه تعلم ~~حكم به قال لأن الاسم إذا لم يكن معلوما من النص أو الاجماع وجب الرجوع فيه ~~إلى العرف ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله في أظهر الروايات . وقال الحسن ~~البصري رحمه الله : يصير معلما بمرة واحدة ، وعن أبي حنيفة رحمه الله في ~~رواية أخرى أنه يصير معلما بتكرير ذلك مرتين ، وهو قول أحمد رحمه الله ، ~~وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله : أنه يصير معلما بثلاث مرات . PageV11P113 # المسألة الخامسة : الكلاب والمكلب هو الذي يعلم الكلاب الصيد ، فمكلب ~~صاحب التكليب كمعلم صاحب التعليم ، ومؤدب صاحب التأديب . قال صاحب ( الكشاف ~~) وقرىء مكلبين بالتخفيف ، وأفعل وفعل يشتركان كثيرا . # المسألة السادسة : انتصاب مكلبين على الحال من { علمتم } . # فإن قيل : ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم ؟ # قلنا ms3201 : فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح نحريرا في علمه مدربا فيه موصوفا ~~بالتكليب { * وتعلمونهن } حال ثانية أو استئناف ، والمقصود منه المبالغة في ~~اشتراط التعليم . # ثم قال تعالى : { الله فكلوا مما أمسكن عليكم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعمل أنه إذا كان الكلب معلما ثم صاد صيدا وجرحه وقتله ~~وأدركه الصائد ميتا فهو حلال ، وجرح الجارحة الكذبح ، وكذا الحكم في سائر ~~الجوارح المعلمة . وكذا في السهم والرمح ، أما إذا صاده الكلب فجثم عليه ~~وقتله بالفم من غير جرح فقال بعضهم : لا يجوز أكله لأنه ميتة . وقال آخرون ~~: يحل لدخوله تحت قوله { فكلوا مما أمسكن عليكم } وهذا كله إذا لم يأكل ، ~~فإن أكل منه فقد اختلف فيه العلماء ، فعند ابن عباس وطاوس والشعبي وعطاء ~~والسدي أنه لا يحل ، وهو أظهر أقوال الشافعي ، قالوا : لأنه أمسك الصيد على ~~نفسه ، والآية دلت على أنه إنما يحل إذا أمسكه على صاحبه ، ويدل عليه أيضا ~~ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي ابن حاتم : ( إذا أرسلت كلبك ~~فاذكر اسم الله فإن أدركته ولم يقتل فاذبح واذكر اسم الله عليه ، وإن ~~أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك ، وإن وجدته قد أكل فلا تطعم ~~منه شيئا فإنما أمسك على نفسه } وقال سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن ~~عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم : إنه يحل وإن أكل ، وهو القول الثاني ~~للشافعي رحمه الله . واختلفوا في البازي إذا أكل ، فقال قائلون : إنه لا ~~فرق بينه وبين الكلب ، فإن أكل شيئا من الصيد لم يؤكل ذلك الصيد وهو مروي ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني : ~~يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب ، الفرق أنه يمكن أن ~~يؤدب الكلب على الأكل بالضرب ، ولا يمكن أن يؤدب البازي على الأكل . # المسألة الثانية : { * } وقال سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ~~وأبو هريرة رضي الله عنهم : إنه يحل وإن أكل ، وهو القول ms3202 الثاني للشافعي ~~رحمه الله . واختلفوا في البازي إذا أكل ، فقال قائلون : إنه لا فرق بينه ~~وبين الكلب ، فإن أكل شيئا من الصيد لم يؤكل ذلك الصيد وهو مروي عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه . وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني : يؤكل ما ~~بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب ، الفرق أنه يمكن أن يؤدب ~~الكلب على الأكل بالضرب ، ولا يمكن أن يؤدب البازي على الأكل . # المسألة الثانية : { من } في قوله { مما أمسكن } فيه وجهان : الأول : أنه ~~صلة زائدة كقوله { كلوا من ثمره إذا أثمر } ( الأنعام : 141 ) والثاني : ~~أنه للتبعيض ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : أن الصيد كله لا يؤكل ~~فإن لحمه يؤكل ، أما عظمه ودمه وريشه فلا يؤكل . الثاني : أن المعنى كلوا ~~مما تبقى لكم الجوارح بعد أكلها منه / فالآية دالة على أن الكلب إذا أكل من ~~الصيد كانت البقية حلالا ، قالوا وإن أكله من الصيد لا يقدح في أنه أمسكه ~~على صاحبه لأن صفة الإمساك هو أن يأخذ الصيد ولا يتركه حتى يذهب ، وهذا ~~المعنى حاصل سواء أكل منه أو لم يأكل منه . # ثم قال تعالى : { واذكروا اسم الله عليه } وفيه أقوال : الأول : أن ~~المعنى : سم الله إذا أرسلت كلبك . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~( إذا أسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل ) وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله { ~~عليه } عائد إلى { ما * علمتم من الجوارح } أي سموا عليه عند إرساله . ~~PageV11P114 # القول الثاني : الضمير عائد إلى ما أمسكن ، يعني سموا عليه إذا أدركتم ~~ذكاته . الثالث : أن يكون الضمير عائدا إلى الأكل ، يعني واذكروا اسم الله ~~على الأكل . روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن أبي سلمة : ( سم الله ~~وكل مما يليك ) . # واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن متروك التسمية عامدا يحل أكله ، فإن ~~حملنا هذه الآية على الوجه الثالث فلا كلام ، وإن حملناه على الأول ~~والثالني كان المراد من الأمر الندب توفيقا بينه وبين النصوص الدالة على ms3203 ~~حله ، وسنذكر هذه المسألة إن شاء الله تعالى في تفسير قوله { ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه } ( الأنعام : 121 ) . # ثم قال تعالى : { واتقوا الله إن الله سريع الحساب } أي واحذروا مخالفة ~~أمر الله في تحليل ما أحله وتحريم ما حرمه . # ! 7 < { اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم ~~حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~إذآ ءاتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذىأخدان ومن يكفر بالإيمان ~~فقد حبط عمله وهو فى الا خرة من الخاسرين } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 5 ) اليوم أحل لكم . . . . . # > > # قوله تعالى : { اليوم أحل لكم الطيبات } . # اعلم أنه تعالى أخبر في هذه الآية المتقدمة أنه أحل الطيبات ، وكان ~~المقصود من ذكره الأخبار عن هذا الحكم ، ثم أعاد ذكره في هذه الآية ، ~~والغرض من ذكره أنه قال : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى } ~~فبين أنه كما أكمل الدين وأتمم النعمة في كل ما يتعلق بالدين ، فكذلك أتم ~~النعمة في كل ما يتعلق بالدنيا ، ومنها إحلال الطيبات ، والغرض من الاعادة ~~رعاية هذه النكتة . # ثم قال تعالى : { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } وفي المراد بالطعام ~~هاهنا وجوه ثلاثة : الأول : أنه الذبائح ، يعني أنه يحل لنا أكل ذبائح أهل ~~الكتاب ، وأما المجوس فقد سن فيهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون ~~أكل ذبائحهم ونكاس نسائهم ، وعن علي رضي الله عنه أنه استثنى نصارى بني ~~تغلب ، وقال : ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر ، وبه ~~أخذ الشافعي رحمه الله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن ذبائح ~~نصارى العرب فقال لا بأس به ، وبه أخذوا أبو حنيفة رحمه الله . # والوجه الثاني : أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى ~~الذكاة ، وهو منقول عن بعض أئمة الزيدية ، والثالث : أن المراد جميع ~~المطعومات ، والأكثرون على القول الأول ورجحوا ذلك من وجوه : أحدها : أن ~~الذبائح هي التي تصير طعاما بفعل الذابح ، فحمل قوله { وطعام الذين أوتوا ms3204 ~~الكتاب } على الذبائح أولى ، وثانيها : أن ما سوى الذبائح فهي محللة قبل أن ~~كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم ، فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة ~~، وثالثها : ما قبل هذه الآية في بيان الصيد والذبائح ، فحمل هذه الآية على ~~الذبائح أولى . PageV11P115 # ثم قال تعالى : { وطعامكم حل لهم } أي ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم ~~لأنه لا يمتنع أن يحرم الله أن نطعمهم من ذبائحنا ، وأيضا فالفائدة في ذكر ~~ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة في الجانبين ، وإباحة الذبائح كانت حاصلة ~~في الجانبين ، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك تنبيها على التمييز بين النوعين . # ثم قال تعالى : { والمحصنات من المؤمنات } وفي المحصنات قولان : أحدهما : ~~أنها الحرائر ، والثاني : أنها العفائف ، وعلى التقدير الثاني يدخل فيه ~~نكاح الأمة ، والقول الأول أولى لوجوه : أحدها : أنه تعالى قال بهد هذه ~~الآية { اليوم أحل لكم } ومهر الأمة لا يدفع إليها بل إلى سيدها ، وثانيها ~~: أنا بينا في تفسير قوله تعالى : { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } ( النساء : ~~25 ) أن نكاح الأمة إنما يحل بشرطين : عدم طول الحرة ، وحصول الخوف من ~~العنت ، وثالثها : أن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهرا على تحريم نكاح ~~الزانية ، وقد ثبت أنه غير محرم ، أما لو حملنا المحصنات على الحرائر يلزم ~~تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات / ورابعها : أنا بينا أن ~~اشتقاق الاحصان من التحصن ، ووصف التحصن في حق الحرة أكثر ثبوتا منه في حق ~~الأمة لما بينا أن الأمة وإن كانت عفيفة إلا أنها لا تخلو من الخروج ~~والبروز والمخالطة مع الناس بخلاف الحرة ، فثبت أن تفسير المحصنات بالحرائر ~~أولى من تفسيرها بغيرها . # ثم قال تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يحل التزوج بالذمية من ~~الليهود والنصارى وتمسكوا فيه بهذه الآية ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا ~~يرى ذلك ويحتج بقوله { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ms3205 } ( البقرة : 221 ) ~~ويقول : لا أعلم شركا أعظم من قولها : إن ربها عيسى ، ومن قال بهذا القول ~~أجابوا عن التمسك بقوله تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } بوجوه ~~: الأول : أن المراد الذين آمنوا منهم ، فإنه كان يحتمل أن يخطر ببال بعضهم ~~أن اليهودية إذا آمنت فهل يجوز للمسلم أن يتزوج بها أم لا ؟ فبين تعالى ~~بهذه الآية جواز ذلك ، والثاني : روي عن عطاء أنه قال : إنما رخص الله ~~تعالى في الزوج بالكتابية في ذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ، وأما ~~الآن ففيهن الكثرة العظيمة ، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة ، والثالث : ~~الآيات الدالة على وجوب المباعدة عن الكفار ، كقوله { لا تتخذوا عدوى ~~وعدوكم أولياء } ( الممتحنة : 1 ) و قوله { لا تتخذوا بطانة من دونكم } ( ~~آل عمران : 118 ) ولأن عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة ويصير ذلك سببا ~~لميل الزوج إلى دينها ، وعند حدوث الولد فربما مال الولد إلى دينها ، وكل ~~ذلك إلقاء للنفس في الضرر من غير حاجة . الرابع : قوله تعالى في خاتمة هذه ~~الآية { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو فى الاخرة من الخاسرين } وهذا ~~من أعظم الكافرات عن التزوج بالكافرة ، فلو كان المراد بقوله تعالى : { ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } إباحة التزوج بالكتابية لكان ~~ذكر هذه الآية عقيبها كالتناقض وهو غير جائز . # المسألة الثانية : إن قلنا : المراد بالمحصنات : الحرائر ، لم تدخل الأمة ~~الكتابية تحت الآية ، وإن قلنا : المراد بالمحصنات : العفائف دخلت ، وعلى ~~هذا البحث وقع الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة فعند PageV11P116 الشافعي لا ~~يجوز التزوج بالأمة الكاتبية . قال : لأنه اجتمع في حقها نوعان من النقصان ~~: الكفر والرق ، وعند أبي حنيفة رحمه الله يجوز ، وتمسك بهذه الآية بناء ~~على أن المراد بالمحصنات العفائف وقد سبق الكلام فيه . # المسألة الثالثة : قالل سعيد بن المسب والحسن { والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب } يدخل فيه الذميات والحربيات ، فيجوز التزوج بكلهن ، وأكثر الفقهاء ~~على أن ذلك مخصوص بالذمية فقط ، وهذا قول ابن عباس ، فإنه قال : من نساء ~~أهل الكتاب من يحل لنا ms3206 ، ومنهن من لا يحل لنا ، وقرأ { قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله } إلى قوله { حتى يعطوا الجزية عن يد } ( التوبة : 29 ) فمن ~~أعطى الجزية حل ، ومن لم يعط لم يحل . # المسألة الرابعة : اتفقوا على أن المجوس قد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ ~~الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم ، وروي عن ابن المسيب أنه قال : ~~إذا كان المسلم مريضا فأمر المجوسي أن يذكر الله ويذبح فلا بأس ، وقال أبو ~~ثور : وإن أمرة بذلك في الصحة فلا بأس . # المسألة الخامسة : قال الكثير من الفقهاء : إنما يحل نكاح الكتابية التي ~~دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول القرآن ، قالوا : والدليل عليه قوله { ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } فقوله { من قبلكم } يدل على أن ~~من دان الكتاب بعد نزول الفرقان خرج عن حكم الكتاب . # ثم قال تعالى : { اليوم أحل لكم } وتقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على ~~تأكد وجوبها وأن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقها كان في صورة ~~الزاني ، وتسمية المهر بالأجر يدل على أن الصداق لا يتقدر ، كما أن أقل ~~الأجر لا يتقدر في الإجارات . # ثم قال تعالى : { محصنين غير مسافحين ولا متخذى } قال الشعبي : الزنا ~~ضربان : السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان ، واتخاذ الخدن وهو الزنا في ~~السر ، والله تعالى حرمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة ~~الاحصان وهو التزوج . # ثم قال تعالى : { أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله }وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أن ~~المقصود منه الترغيب فيما تقدم من التكاليف والأحكام ، يعني ومن يكفر ~~بشرائع الله وبتكاليفه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة ، والثاني : قال ~~القفال : المعنى أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم في الدنيا فضيلة المناكحة ~~وإباحة الذبائح في الدنيا إلا أن ذلك لا يفرق بينهم وبين المشركين في أحوال ~~الآخرة وفي الثواب والعقاب ، بل كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ~~ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة البتة . # المسألة ms3207 الثانية : قوله { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } فيه إشكال ، ~~وهو أن الكفر إنما يعقل بالله ورسوله ، فأما الكفر بالإيمان فهو محال ، ~~فلهذا السبب اختلف المفسرون على وجوه : الأول : قال ابن عباس ومجاهد { ومن ~~يكفر بالإيمان } أي ومن يكفر بالله ، إنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى رب ~~الإيمان ، ورب الشيء قد يسمى باسم ذلك الشيء على سبيل المجاز ، والثاني : ~~قال الكلبي { ومن يكفر بالإيمان } أي بشهادة PageV11P117 أن لا إله إلا ~~الله ، فجعل كلمة التوحيد إيمانا ، فإن الإيمان بها لما كان واجبا كان ~~الإيمان من لوازمها بحسب أمر الشرع ، وإطلاق اسم الشيء على لازمه مجاز ~~مشهور ، والثالث : قال قتادة : إن ناسا من المسلمين قالوا : كيف نتزوج ~~نساءهم مع كونهم على غير دينناا فأنزل الله تعالى هذه الآية أي ، ومن يكفر ~~بما نزل في القرآن فهو كذا وكذا ، فسمى القرآن إيمانا لأنه هو المشتمل على ~~بيان كل ما لا بد منه في الإيمان . # المسألة الثالثة : القائلون بالاحباط قالوا : المراد بقوله { ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله } أي عقاب كفره يزيل ما كان حاصلا له من ثواب إيمانه ~~، والذين ينكرون القول بالاحباط قالوا : معناه أن عمله الذي أتى به بعد ذلك ~~الإيمان فقد هلك وضاع ؛ فإنه إنما يأتي بتلك الأعمال بعد الإيمان لاعتقاده ~~أنها خير من الإيمان ، فإذا لم يكن الأمر كذلك بل كان ضائعا باطلا كانت تلك ~~الأعمال باطلة في أنفسها ، فهذا هو المراد من قوله { فقد حبط عمله } . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { وهو فى الاخرة من الخاسرين } مشروط ~~بشرط غير مذكور في الآية ، وهو أن يموت على ذلك الكفر ؛ إذ لو تاب عن الكفر ~~لم يكن في الآخرة من الخاسرين ، والدليل على أنه لا بد من هذا الشرط قوله ~~تعالى : { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر } ( البقرة : 217 ) الآية ~~. # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا وإن كنتم مرضىأو على سفر أو جآء أحد ms3208 منكم من الغائط أو لامستم ~~النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولاكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم ~~تشكرون } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 6 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { الخاسرين يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } ~~. # اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله { * يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~باللعقود } ( المائدة : 1 ) وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد ~~الربوبية وعهد العبودية ، فقوله { بكل شىء عليم يأيها الذين ءامنوا أوفوا ~~بالعقود } طلب تعالى من عباده أن يفوا بعهد العبودية ، فكأنه قيل : إلهنا ~~العهد نوعان : عهد الربوبية منك ، وعهد العبودية منا ، فأنت أولى بأن تقدم ~~الوفاء بعهد الربوبية والإحسان . فقال تعالى : نعم أنا أوفي أولا بعهد ~~الربوبية والكرم ، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين : لذات المطعم ، ~~ولذات المنكح ، فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح ، ~~ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح ، لا جرم قدم بيان ~~المطعوم على المنكوح ، وعند تمام هذا البيان كأنه يقول : قد وفيت بعهد ~~الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات ، فاشتغل أنت في الدنيا ~~بالوفاء بعهد العبودية ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة ، وكانت ~~الصلاة لا يمكن إقامتها إلا بالطهارة ، لا جرم بدأ تعالى بذكر شرائط الوضوء ~~فقال { الخاسرين يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أعلم أن المراد بقوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } ليس ~~نفس القيام ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه لو كان المراد ذلك لزم تأخير ~~الوضوء عن الصلاة ، وأنه باطل بالإجماع . الثاني : أنهم أجمعوا على أنه لو ~~غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعدا أو مضطجعا لكان قد خرج عن العهدة ، بل المراد ~~منه : إذا شمرتم PageV11P118 للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ، وهذا وإن كان ~~مجازا إلا أنه مشهور متعارف ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن الإرادة ~~الجازمة ms3209 سبب لحصول الفعل ، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور . ~~الثاني : قوله تعالى : { الرجال قوامون على النساء } ( النساء : 34 ) وليس ~~المراد منه القيام الذي هو الانتصاب ، يقال : فلان قائم بذلك الأمر ، قال ~~تعالى : { قائما بالقسط } ( آل عمران : 18 ) وليس المراد منه ألبتة ~~الانتصاب ، بل المراد كونه مريدا لذلك الفعل متهيئا له مستعدا لإدخاله في ~~الوجود ، فكذا ههنا قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } معناه إذا أردتم أداء ~~الصلاة والاشتغال بإقامتها . # المسألة الثانية : قال قوم : الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة ، وليس ذلك ~~تكليفا مستقلا بنفسه ، واحتجوا بأن قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم } ~~جملة شرطية / الشرط فيها القيام إلى الصلاة ، والجزاء الأمر بالغسل ، ~~والمعلق على الشيء بحرف الشرط عدم عند عدم الشرط ، فهذا يقتضي أن الأمر ~~بالوضوء تبع للأمر بالصلاة . وقال آخرون : المقصود من الوضوء الطهارة ، ~~والطهارة مقصودة بذاتها بدليل القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى في ~~آخر الآية { ولاكن يريد ليطهركم } وأما الحديث فقوله عليه الصلاة والسلام : ~~( بني الدين على النظافة ) وقال : ( أمتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم ~~القيامة ) ولأن الأخبار الكثيرة واردة في كون الوضوء سببا لغفران الذنوب ~~والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال داود : يجب الوضوء لكل صلاة ، وقال أكثر الفقهاء : ~~لا يجب . احتج داود بهذه الآية من وجهين : لأول : أن ظاهر لفظ الآية يدل ~~على ذلك ، فإن قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } إما أن يكون المراد منه ~~قياما واحدا وصلاة واحدة ، فيكون المراد منه الخصوص ، أو يكون المراد منه ~~العموم ، والأول باطل لوجوه : الأول : أن على هذا التقدير تصير الآية مجملة ~~لأن تعيين تلك المرة غير مذكور في الآية ، وحمل الآية على الإجمال إخراج ~~لها عن الفائدة ، وذلك خلاف الأصل ، وثانيها : أنه يصح إدخال الاستثناء ~~عليه ، ومن شأنه إخراج ما لولاه لدخل ، وذلك يوجب العموم ، وثالثها : أن ~~الأمة مجمعة على أن الأمر بالوضوء غير مقصور في هذه الآية على مرة واحدة ~~ولا على شخص واحد ، وإذا بطل هذا وجب حمله على المعموم عند كل قيام إلى ~~الصلاة ، إذ ms3210 لو لم تحمل هذه الآية على هذا المحمل لزم احتياج هذه الآية في ~~دلالتها على ما هو مراد لله تعالى إلى سائر الدلائل ، فتصير هذه الآية ~~وحدها مجملة ، وقد بينا أنه خلاف الأصل ، فثبت بما ذكرنا أن ظاهر هذه الآية ~~يدل على وجوب الووء عند كل قيام إلى الصلاة . # الوجه الثاني : أنا نستفيد هذا العموم من إيماء اللفظ ، وذلك لأن الصلاة ~~اشتغال بخدمة المعبود ، والاتشغال بالخدمة يجب أن يكون مقونا بأقصى ما يقدر ~~العبد عليه من التعظيم ، ومن وجوه التعظيم كونه آتيا بالخدمة حال كونه في ~~غاية النظافة ، ولا شك أن تجديد الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة مبالغة في ~~النظافة ، ومعلوم أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللا ~~بذلك الوصف المناسب ، وذلك يقتضي عموم الحكم لعمومه ، فيلزم وجو الوضوء عند ~~كل قيام إلى الصلاة . ثم قال داود : ولا يجوز أن يقال ورد في القراءة ~~الشاذة : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون ، أو يقال : إنا نترك ظاهر هذه ~~الآية لورود خبر الواحد على خلافه ، قال : أما القراءة الشاذة فمردودة قطعا ~~، لأنا إن جوزنا ثبوت قرآن غير منقول بالتواتر لزم الطعن في كل القرآن ، ~~وهو أن يقال : إن القرآن كان أكثر مما هو الآن بكثير إلا أنه لم ينقل ، ~~وأيضا فلأن PageV11P119 معرفة أحوال الوضوء من أعظم ما عم به البلوى ، ومن ~~أشد الأمور التي يحتاج كل أحد إلى معرفتها ، فلو كان ذلك قرآنا لامتنع ~~بقاؤه في حيز الشذوذ ، وأما التمسك بخبر الواحد فقال : هذا يقتضي نسخ ~~القررن بالخبر ، وذلك لا يجوز . قال الفقهاء : ءن كلمة { إذا } لا تفيد ~~العموم بدليل أنه لو قال لامرأته : إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة ~~طلقت ، ثم لو دخلت ثانيا لم تطلق ثانيا ، وذلك يدل على أن كلمة { إذا } لا ~~تفيد العموم ، وأيضا أن السيد إذ قال لعبده : إذا دخلت السوق فادخل على ~~فلان وقل له كذا وكذا ، فهذا لا يفيد الأمر بالفعل إلا مرة واحدة . # وأعلم أن مذهب داود في ms3211 مسألة الطلاق غير معلوم : فلعله يلتزم العموم ، ~~وأيضا فله أن يقول : إنا قد دللنا على أن كلمة { إذا } في هذه الآية تفيد ~~العموم لأن التكاليف الواردة في القرآن مبناها على التكرير ، وليس الأمر ~~كذلك في الصور التي ذكرتم ، فإن القرائن الظاهرة دلت على أنه ليس مبني ~~الأمر فيها على التكرير / وأما الفقهاء فإنهم استدولا على صحة قولهم بما ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم الفتح فإنه ~~صلى الصلوات كلها بوضوء واحد . قال عمر رضي الله عنه : فقلت له في ذلك فقال ~~: عمدا فعلت ذلك يا عمر . # أجاب داود بأنا ذكرنا أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن ، وأيضا فهذا الخبر ~~يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على تجديد الوضوء لكل صلاة ، ~~وهذا يقتضي وجوب ذلك علينا لقوله تعالى : { فاتبعوه } ( سبأ : 20 ) بقي أن ~~يقال : قد جاء في هذا الخبر أنه ترك ذلك يوم الفتح ، فنقول : لما وقع ~~التعارض فالترجيح معنا من وجوه : الأول : هب أن التجديد لكل صلاة ليس بواجب ~~لكنه مندوب ، والظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يزيد في يوم الفتح ~~في الطاعات ولا ينقص منها ، لأن ذلك اليوم هو يوم إتمام النعمة عليه ، ~~وزيادة النعمة من الله تناسب زيادة الطاعات لا نقصانها . والثاني : أن ~~الاحتياط لا شك أنه من جانبنا فيكون راجحا لقوله عليه الصلاة والسلام : ( ~~دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) الثالث : أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد ~~. والرابع : أن دلالة القرآن على قولنا لفظية ، ودلالة الخبر الذي رويتم ~~على قولكم فعلية ، والدلالة القولية أقوى من الدلالة الفعلية ، لأن الدلالة ~~القولية غنية عن الفعلية ولا ينعكس ، فهذا ما في هذه المسألة والله أعلم . # والأقوى في إثبات المذهب المشهور أن يقال : لو وجب الوضوء لكل صلاة لكان ~~الموجب للوضوء هو القيام إلى الصلاة ولم يكن لغيره تأثير في إيجاب الوضوء ، ~~لكن ذلك باطل لأنه تعالى قال في آخر هذه الآية { أو جاء أحد منكم من ms3212 الغائط ~~أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا } ( النساء : 43 ) أوجب التيمم على ~~المتغوط والمجامع إذا لم يجد الماء ، وذلك يدل على كون كل واحد منهما سببا ~~لوجوب الطهارة عند وجود الماء ، وذلك يقتضي أن يكون وجوب الوضوء قد يكون ~~بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة ، وذلك يدل على ما قلناه . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أن هذه الآية هل تدل على كون الوضوء شرطا ~~لصحة الصلاة ؟ والأصح أنها تدل عليه من وجيهن : الأول : أنه تعالى علق فعل ~~الصلاة على الطهور بالماء ، ثم بين أنه متى عدم لا تصح إلا بالتيمم ، ولو ~~لم يكن شرطا لما صح ذلك . الثاني : أنه تعالى إنما أمر بالصلاة مع الوضوء ، ~~فالآتي بالصلاة بدون الوضوء تارك للمأمور به ، وتارك المأمور به يستحق ~~العقاب ، ولا معنى للبقاء في عهدة التكليف إلا ذلك ، فإذا ثبت هذا ظهر كون ~~الوضوء شرطا لصحة الصلاة بمقتضى هذه الآية . # المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : النية شرط لصحة الوضوء والغسل ~~. وقال أبو حنيفة رحمه PageV11P120 الله : ليس كذلك . # وأعلم أن كل واحد منهما يستدل لذلك بظاهر هذه الآية . # أما الشافعي رحمه الله فإنه قال : الوضوء مأمور به ، وكل مأمور به يجب أن ~~يكون منويا فالوضوء يجب أن يكون منويا ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون شرطا ~~لأنه لا قائل بالفرق ، وإنما قلنا : إن الوضوء مأمور به لقوله { فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } ( ~~المائدة : 6 ) ولا شك أن قوله { فاغسلوا } { وامسحوا } أمر ، وإنما قلنا : ~~إن كل مأمور به أن يكون منويا لقوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين } ( البينة : 5 ) واللام في قوله { ليعبدوا } ظاهر للتعليل ~~، لكن تعليل أحكام الله تعالى محال ، فوجب حمله على الباء لما عرف من جواز ~~إقامة حروف الجر بعضها مقام بعض ، فيصير التقدير : وما أمروا إلا بأن ~~يعبدوا الله مخلصين له الدين / والإخلاص عبارة عن النية الخالصة ، ومتى ~~كانتالنية الخالصة معتبرة كان أصل النية معتبرا . وقد حققنا الكلام في هذا ~~الدليل ms3213 في تفسير قوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين } فليرجع إليه في طلب زيادة الاتقان ، فثبت بما ذكرنا أن كل وضوء ~~مأمور به ، وثبت أن كل مأمور به يجب أن يكون منويا مخصوص في بعض الصور ، ~~لكنا إنما أثبتنا هده المقدمة بعموم النص ، والعام حجة في غير محل التخصيص ~~. # وأما أبو حنيفة رحمه الله فإنه احتج بهذه الآية على أن النية ليست شرطا ~~لصحة الوضوء ، فقال : إنه تعالى أوجب غسل الأعضاء الأربعة في هذه الآية ولم ~~يوجب النية فيها ، فإيجاب النية زيادة على النص ، والزيادة على النص نسخ ، ~~ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس لا يجوز . # وجوابنا : إنا بينا أنه إنما أوجبنا النية في الوضوء بدلالة القرآن . # المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : الترتيب شرط لصحة الوضوء ، ~~وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله : ليس كذلك ، احتج الشافعي رحمه الله ~~بهذه الآية على قوله من وجوه : الأول : أن قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا ~~قمتم إلى } يقتضي وجوب الابتداء بغسل الوجه لأن الفاء للتعقيب ، وإذا وجب ~~الترتيب في هذا العضو وجب في غيره لأنه لا قائل بالفرق . # فإن قالوا : فاء التعقيب إنما دخلت في جملة هذه الأعمال فجرى الكلام مجرى ~~أن يقال : إذا قمتم إلى الصلاة فأتوا بمجموع هذه الأفعال . # قلنا : فاء التعقيب إنما دخلت على الوجه لأن هذه الفاء ملتصقة بذكر الوجه ~~، ثم ءن هذه الفاء بواسطة دخولها على الوجه دخلت على سائر الأعمال ، وعلى ~~هذا دخول الفاء في غسل الوجه أصل ، ودخولها على مجموع هذه الأفعال تبع ~~لدخولها على غسل الوجه ، ولا منافاة بين إيجاب تقديم غسل الوجه وبين إيجاب ~~مجموع هذه الأفعال ، فنحن اعتبرنا دلالة هذه الفاء في الأصل والتبع ، وأنتم ~~ألغيتموها في الأصل واعتبرتموها في التبع ، فكان قولنا أولى . # والوجه الثاني : أن نقول : وقعت البداءة في الذكر بالوجه ، فوجب أن تقع ~~البداءة به في العمل لقوله PageV11P121 { فاستقم كما أمرت } ( هود : 112 ) ~~ولقوله عليه الصلاة والسلام : ( ابدؤا بما بدأ الله ) وهذا الخبر وإن ورد ~~في قصة الصفا ms3214 والمروة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، أقصى ما ~~في الباب أنه مخصوص في بعض الصور لكن العام حجة في غير محل التخصيص ، ~~والثالث : أنه تعالى ذكر هذه الأعضاء لا على وفق الترتيب المعتبر في الحس ، ~~ولا على وفق الترتيب المعتبر في الشرع ، وذلك يدل على أن الترتيب واجب . ~~بيان المقدمة الأولى أن الترتيب المعتبر في الحس أن يبدأ من الرأس نازلا ~~إلى القدم ، أو من القدم صاعدا إلى الرأس ، والترتيب المذكور في الآية ليس ~~كذلك ، وأما الترتيب المعتبر في لاشرع فهو أن يجمع بين الأعضاء المغسولة ، ~~ويفرد الممسوحة عنها ، والآية ليست كذلك ، فإنه تعالى أدرج الممسوح في ~~أثناء المغسولات ، إذ ثبت هد فنقول : هذا يدل على أن الترتيب واجب ، ~~والدليل عليه أن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح ، فوجب تنزيه كلام الله ~~تعالى عنه ، ترك العمل به فيما إذا صار ذلك محتملا للتنبيه على أن ذلك ~~الترتيب واجب ، فيبقى في غير هذه الصورة على وفق الأصل . الرابع : أن إيجاب ~~الوضوء غير معقول المعنى ، وذلك يقتضي وجوب الإتيان به على الوجه الذي ورد ~~في النص ، بيان المقام الأول من وجوه : أحدها : أن الحدث يخرج من موضع ~~والغسل يجب من موضع آخر وهو خلاف المعقول ، وثانيها : أن أعضاء المحدث ~~طاهرة لقوله تعالى : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) وكلمة ءنما ~~للحصر ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا } ~~وتطهير الطاهر محال / وثالثها : أن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء ، ولا شك ~~أنه ضد النظافة والوضاءة ، وخاسمها : أن الماء الكدر العفن يفيد الطهارة ، ~~وماء الورد لا يفيدها ، فثبت بهذا أن الوضوء غير معقول المعنى ، وإذ ثبت هذ ~~وجب الاعتماد فيه على مورد النص ، لاحتمال أن يكون الترتيب المذكور معتبرا ~~إما لمحض التعبد أو لحكم خفية لا نعرفها ، فلهذا السبب أوجبنا رعاية ~~الترتيب المعتبر المذكور في أركان الصلاة ، بل ههنا أولى ، لأنه تعالى لما ~~ذكر أركان الصلاة في كتابه مرتبة وذكر أعضاء الوضوء في هذه الآية مرتبة ~~فلما وجب الترتيب هناك ms3215 فههنا أولى . # واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على قوله فقال : الواو لا توجب ~~الترتيب ، فكانت الآية خالية عن إيجاب الترتيب ، فلو قلنا بوجوب الترتيب ~~كان ذلك زيادة على النص ، وهو نسخ وهو غير جائز . # وجوابنا : أنا بينا دلالة الآية على وجوب الترتيب من جهات أخر غير التمسك ~~بأن الواو توجب الترتيب والله أعلم . # المسألة السابعة : موالاة أفعال الوضوء ليست شرطا لصحته في القول الجديد ~~للشافعي رحمه الله ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال مالك رحمه الله : ~~إنه شرط لنا أنه تعالى أوجب هذه الأعمال ، ولا شك أن إيجابها قدر مشترك بين ~~إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي ثم إنه تعالى حكم في ~~آخر هذه الآية بأن هذا القدر يفيد حصول الطهارة ، وهو قوله { * } وتطهير ~~الطاهر محال ، وثالثها : أن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء ، ولا شك أنه ضد ~~النظافة والوضاءة ، وخاسمها : أن الماء الكدر العفن يفيد الطهارة ، وماء ~~الورد لا يفيدها ، فثبت بهذا أن الوضوء غير معقول المعنى ، وإذ ثبت هذ وجب ~~الاعتماد فيه على مورد النص ، لاحتمال أن يكون الترتيب المذكور معتبرا إما ~~لمحض التعبد أو لحكم خفية لا نعرفها ، فلهذا السبب أوجبنا رعاية الترتيب ~~المعتبر المذكور في أركان الصلاة ، بل ههنا أولى ، لأنه تعالى لما ذكر ~~أركان الصلاة في كتابه مرتبة وذكر أعضاء الوضوء في هذه الآية مرتبة فلما ~~وجب الترتيب هناك فههنا أولى . # واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على قوله فقال : الواو لا توجب ~~الترتيب ، فكانت الآية خالية عن إيجاب الترتيب ، فلو قلنا بوجوب الترتيب ~~كان ذلك زيادة على النص ، وهو نسخ وهو غير جائز . # وجوابنا : أنا بينا دلالة الآية على وجوب الترتيب من جهات أخر غير التمسك ~~بأن الواو توجب الترتيب والله أعلم . # المسألة السابعة : موالاة أفعال الوضوء ليست شرطا لصحته في القول الجديد ~~للشافعي رحمه الله ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال مالك رحمه الله : ~~إنه شرط لنا أنه تعالى أوجب هذه الأعمال ، ولا شك أن إيجابها قدر ms3216 مشترك بين ~~إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي ثم إنه تعالى حكم في ~~آخر هذه الآية بأن هذا القدر يفيد حصول الطهارة ، وهو قوله { ولاكن يريد ~~ليطهركم } فثبت أن الوضوء بدون الموالاة يفيد حصول الطهارة ، فوجب أن نقول ~~بجواز الصلاة بها لقوله عليه الصلاة والسلام : ( مفتاح الصلاة الطهارة ) . # المسألة الثامنة : قال أبو حنيفة رحمه الله : الخارج من غير السبيلين ~~ينقض الوضوء ، وقال الشافعي PageV11P122 رحمه الله لا ينقض ، احتج أبو ~~حنيفة رحمه الله بهذه الآية فقال : ظاهرها يقتضي لإتيان بالوضوء لكل صلاة ~~على ما بينا ذلك فيما تقدم ، ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من ~~البدن فيبقى معمولا به عند خروج الخارج النجس ، والشافعي رحمه الله عول على ~~ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه ~~. # المسألة التاسعة : قال مالك رحمه الله : لا وضوء في الخارج من السبيلين ~~إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة / وقال ربيعة : لا وضوء أيضا في دم ~~الاستحضانة ، لنا التمسك بعموم الآية . # المسألة العاشرة : قال أبو حنيفة رحمه الله : القهقهة في الصلاة المشتملة ~~على الركوع والسجود تنقض الوضوء ، وقال الباقون : لا تنقض ، ولأبي حنيفة ~~رحمه الله التمسك بعموم الآية على ما قررناه . # المسألة الحادية عشرة : قال الشافعي رحمه الله : لمس المرأة ينقض الوضوء ~~، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا ينقضه ، للشافعي أن يتمسك بعموم الآية ، ~~وهذا العموم متأكد بظاهر قوله تعالى : { أو لامستم النساء } وحجة الخصم خبر ~~واحد ، أو قياس ، فلا يصير معارضا له . # المسألة الثانية عشرة : مس الفرج ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله ، ~~وقال أبو حنيفة رحمه الله لا ينقضه ، للشافعي رحمه الله أن يتمسك بعموم ~~الآية ، وهذا العموم متأكد بقوله عليه الصلاة والسلام : ( من مس ذكره ~~فليتوضأ ) والخبر الذي يتمسك به الخصم على خلاف عموم الآية فكان الترجيح ~~معنا . # المسألة الثالثة عشرة : لو كان على بدنه أو وجهه نجاسة فغسلها ونوى ~~الطهارة عن الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوؤه ؟ ما ms3217 رأيت هذه المسألة موضوعة في ~~كتب أصحابنا . والذي أقوله : إنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله { فاغسلوا } ~~وقد أتى به فيخرج عن العهدة لأنه عند احتياجه إلى التبرد والتنظف لو نوى ~~فإنه يصح وضوؤه ، كذا ههنا . وأيضا قال عليه الصلاة والسلام : ( لكل امريء ~~ما نوى ) وهذا الإنسان نوى فيجب أن يحصل له المنوي والله أعلم . # المسألة الرابعة عشر : لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع ~~الحدث هل يصح وضوؤه أم لا ؟ يمكن أن يقال : لا يصح ، لأنه أمر بالغسل ، ~~والغسل عمل وهو لم يأت بالعمل ، ويمكن أن يقال : يصح لأن الغسل عبارة عن ~~الفعل المفضي إلى الإنغسال ، والوقوف تحت الميزاب يفضي إلى الإنغسال فكان ~~ذلك الوقوف غسلا . # المسألة الخامسة عشرة : إذا غسل هذه الأعضاء ثم بعد ذلك تقضرت الجلدة ~~عنها فلا شك أن ما ظهر تحت الجلدة غير مغسول ، إنما المغسول هو تلك الجلدة ~~وقد تقلصت وسقطت . # المسألة السادسة عشرة : الغسل عبارة عن إمرار الماء على العضو ، فلو رطب ~~هذه الأعضاء ، ولكن ما سال الماء عليها لم يكف ، لأن الله تعالى أمر بإمرا ~~الماء على العضو ، وفي غسل الجنابة احتمال أن يكفي ذلك ، والفرق أن المأمور ~~به في الوضوء الغسل ، وذلك لا يحصل إلا عند إمرار الماء ، وفي الجناية ~~المأمور به الطهر ، وهو قوله { ولاكن يريد ليطهركم } وذلك حاصل بمجرد ~~الترطيب . # المسألة السابعة عشرة : لو أخذ الثلج وأمره على وجهه ، فإن كان الهواء ~~حارا يذيب الثلج ويسيل PageV11P123 جاز ، وإن كان بخلافه لم يجز خلافا ~~لمالك والأوزاعي . لنا أن قوله { فاغسلوا } يقتضي كونه مأمورا بالغسل ، ~~وهذا لا يسمى غسلا ، فوجب أن لا يجزىء . # المسألة الثامنة عشرة : التثليث في أعمال الوضوء سنة لا واجب ، إنما ~~الواجب هو المرة الواحدة ، والدليل عليه أنه تعالى أمر بالغسل فقال { ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } وماهية الغسل تدخل في الوجود بالمرة الواحدة ، ثم ~~إنه تعالى رتب على هذا القدر حصول الطهارة فقال { ولاكن يريد ليطهركم } ~~فثبت أن المرة الواحدة كافية في صحة الوضوء ثم تأكد ms3218 هذا بما روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ~~. # المسألة التاسعة عشرة : السواك سنة ، وقال داود : واجب ولكن تركه لا يقدح ~~في الصلاة . لنا أن السواك غير مذكور في الآية ، ثم حكم بحصول الطهارة ~~بقوله { ولاكن يريد ليطهركم } وإذا حصلت الطهارة حصل جواز الصلاة لقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( مفتاح الصلاة الطهارة ) . # المسألة العشرون : التسمية في أول الوضوء سنة ، وقال أحمد وإسحاق : واجبة ~~، وإن تركها عامدا بطلت الطهارة ، لنا أن التسمية غير مذكورة في الآية ، ثم ~~حكم بحصول الطهارة وقد سبق تقرير هذه الدلالة ، ثم تأكد هذا بما روي أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( من توضأ فذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع ~~بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه ) . # المسألة الحادية والعشرون : قال بعض الفقهاء : تقديم غسل اليدين على ~~الوضوء واجب ، وعندنا أنه سنة وليس بواجب ، والاستدلال بالآية كما قررناه ~~في السواك وفي التسمية . # المسألة الثانية والعشرون : حد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن ~~طولا ، ومن الأذن إلى الأذن عرضا ، ولفظ الوجه مأخوذ من المواجهة فيجب غسل ~~كل ذلك . # المسألة الثالثة والعشرون : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يجب إيصال ~~الماء إلى داخل العين ، وقال الباقون لا يجب ، حجة ابن عباس أنه وجب غسل كل ~~الوجه لقوله { فاغسلوا وجوهكم } والعين جزء من الوجه ، فوجب أن يجب غسله . ~~حجة الفقهاء أنه تعالى قال في آخر الآية { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~} ولا شك أن في إدخال لماء في العين حرجا والله أعلم . # المسألة الرابعة والعشرون : المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء ~~والغسل عند الشافعي رحمه الله ، وعند أحمد وإسحاق رحمهما الله واجبان فيهما ~~، وعند أبي حنيفة رحمه الله واجب في الغسل ، غير واجب في الوضوء . لنا أنه ~~تعالى أوجب غسل الوجه ، والوجه هو الذي يكون مواجها وداخل الأنف والفم غير ~~مواجه فلا يكون من الوجه . # إذ ثبت هذا فنقول ms3219 : إيصال الماء إلى الأعضاء الأربعة يفيد الطهارة لقوله ~~{ ولاكن يريد ليطهركم } والطهارة تفيد جواز الصلاة كما بيناه . # المسألة الخامسة والعشرون : غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند ~~أبي حنيفة ومحمد والشافعي رحمهم الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجب لنا ~~. أنه من الوجه ، والوجه يجب غسله بالآية ، PageV11P124 ولأنا أجمعنا على ~~أنه يجب غسله قبل نبات الشعر ، فحيلولة الشعر بينه وبين الوجه لا تسقط ~~كالجبهة لما وجب غسلها قبل نبات شعر الحاجب وجب أيضا بعده . # المسألة السادسة والعشرون : قال الشافعي رحمه الله : يجب إيصال الماء إلى ~~ما تحت اللحية الخفيفة ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجب . لنا أن قوله ~~تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } يوجب غسل الوجه ، والوجه اسم للجلدة الممتدة من ~~الجبهة إلى الذقن ، ترك العمل به عند كثافة اللحية عملا بقوله { وما جعل ~~عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) وعند خفة اللحية لم يحصل هذا الحرج ~~، فكانت الآية دالة على وجوب غسله . # المسألة السابعة والعشرون : هل يجب إمرار الماء على ما نزل من اللحية عن ~~حد الوجه وعلى الخارج منها إلى الأذنين عرضا ؟ للشافعي رحمه الله فيه قولان ~~: أحدهما : أنه يجب . والثاني : أنه لا يجب ، وهو قول مالك وأبي حنيفة ~~والمزني . حجة الشافعي رحمه الله أنا توافقنا على أن في اللحية الكثيفة لا ~~يجب إيصال الماء إلى منابت الشعور وهي الجلد ، وإنما أسقطنا هذا التكليف ~~لأنا أقمنا ظاهر اللحية مقام جلدة الوجه في كونه وجها ، وإذا كان ظاهر ~~اللحية يسمى وجها والوجه يجب غسله بالتمام بدليل قوله { فاغسلوا وجوهكم } ~~لزم بحكم هذا الدليل إيصال الماء إلى ظاهر جميع اللحية . # المسألة الثامنة والعشرون : لو نبت للمرأة لحية يجب إيصال الماء إلى جلدة ~~الوجه وإن كانت تلك اللحية كثيفة ، وذلك لأن ظاهر الآية يدل على وجوب غسل ~~الوجه ، والوجه عبارة عن الجلدة الممتدة من مبدأ الجبهة إلى منتهى الذقن ، ~~تركنا العمل به في حق الرجال دفعا للحرج / ولحية المرأة نادرة فتبقى على ~~الأصل . # واعلم أنه يجب إيصال الماء إلى ms3220 ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع : ~~العنفقة ، والحاجبان ، والشاربان ، والعذاران ، وأهداب العين ، لأن قوله { ~~فاغسلوا وجوهكم } يدل على وجوب غسل كل جلد الوجه ، ترك العمل به في اللحية ~~الكثيفة دفعا للحرج ، وهذه الشعور خفيفة فلا حرج في إيصال الماء إلى الجلدة ~~، فوجب أن تبقى على الأصل . # المسألة التاسعة والعشرون : قال الشعبي : ما أقبل من الأذن معدود من ~~الوجه فيجب غسله مع الوجه ، وما أدبر منه فهو معدود من الرأس فيمسح ، ~~وعندنا الأذن ليست البتة من الوجه إذ الوجه ما به المواجهة ، والأذن ليست ~~كذلك . # المسألة الثلاثون : قال الجمهور : غسل اليدين إلى المرفقين واجب معهما ، ~~وقال مالك وزفر رحمهما الله : لا يجب غسل المرفقين ، وهذا الخلاف حاصل أيضا ~~في قوله { وأرجلكم إلى الكعبين } حجة زفر أن كلمة { إلى } لانتهاء الغاية ، ~~وما يجعل غاية للحكم يكون خارجا عنه كما في قوله { ثم أتموا الصيام إلى ~~اليل } ( البقرة : 187 ) فوجب أن لا يجب غسل المرفقين . # والجواب من وجهين : الأول : أن حد الشيء قد يكون منفصلا عن المحدود بمقطع ~~محسوس ، وهاهنا يكون الحد خارجا عن المحدود ، وهو كقوله { ثم أتموا الصيام ~~إلى اليل } فإن النهار منفصل عن الليل انفصالا محسوسا لأن انفصال النور عن ~~الظلمة محسوس ، وقد لا يكون كذلك كقولك : بعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ~~ذلك الطرف ، فإن طرف الثوب غير منفصل عن الثوب بمقطع محسوس . PageV11P125 # إذا عرفت هذا فنقول : لا شك أن امتياز المرفق عن الساعد ليس له مفصل معين ~~، وإذا كان كذلك فليس إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر ، ~~فوجب القول بإيجاب غسل كل المرفق . # الوجه الثاني من الجواب : سلمنا أن المرفق لا يجب غسله ، لكن المرفق اسم ~~لما جاوز طرف العظم ، فإنه هو المكان الذي يرتفق به أي يتكأ عليه ، ولا ~~نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله ، وهذا الجواب اختيار الزجاج ~~والله أعلم . # المسألة الحادية والثلاثون : الرجل إن كان أقطع ، فإن كان أقطع مما دون ~~المرفق وجب عليه غسل ms3221 ما بقي من المرفق لأن قوله { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~إلى المرافق } يقتضي وجوب غسل اليدين إلى المرفقين ، فإذا سقط بعضه بالقطع ~~وجب غسل الباقي بحكم الآية ، وأما إن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب شيء ~~لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلا ، وأما إذا كان أقطع من المرفق قال ~~الشافعي رحمه الله : يجب إمساس الماء لطرف العظم ، وذلك لأن غسل المرفق لما ~~كان واجبا والمرفق عبارة عن ملتقى العظمين ، فإذا وجب إمساس الماء لملتقى ~~العظمين وجب إمساس الماء لطرف العظم الثاني لا محالة . # المسألة الثانية والثلاثون : تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب ، ~~وقال أحمد : هو واجب . لنا أنه تعالى ذكر الأيدي والأرجل ولم يذكر فيه ~~تقديم اليمنى على اليسرى ، وذلك يدل على أن الواجب هو غسل اليدين بأي صفة ~~كان والله أعلم . # المسألة الثالثة والثلاثون : السنة أن يصب الماء على الكف بحيث يسيل ~~الماء من الكف إلى المرفق ، فإن صب الماء على المرفق حتى سال الماء إلى ~~الكف ، فقال بعضهم : هذا لا يجوز لأنه تعالى قال : { وأيديكم إلى المرافق } ~~فجعل المرافق غاية الغسل ، فجعله مبدأ الغسل خلاف الآية فوجب أن لا يجوز . ~~وقال جمهور الفقهاء : أنه لا يخل بصحة الوضوء إلا أنه يكون تركا للسنة . # المسألة الرابعة والثلاثون : لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل ~~لعموم قوله { وأيديكم إلى المرافق } كما أنه لو نبت على الكف أصبع زائدة ~~فإنه يجب غسلها بحكم هذه الآية . # المسألة الخامسة والثلاثون : قوله تعالى : { إلى المرافق } يقتضي تحديد ~~الأمر لا تحديد المأمور به ، يعني أن قوله { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق } أكر بغسل اليدين إلى المرفقين ، فإيجاب الغسل محدود بهذا الحد ، ~~فبقي الواجب الواجب هو هذا القدر فقط ، أما نفس الغسل فغير محدود بهذا الحد ~~لأنه ثبت بالأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة . # المسألة السادسة والثلاثون : قال الشافعي رحمه الله : الواجب في مسح ~~الرأس أقل شيء يسمى مسحا للرأس ، وقال مالك : يجب مسح الكل ، وقال أبو ~~حنيفة رحمه الله : الواجب مسح ms3222 ربع الرأس . حجة الشافعي أنه لو قال : مسحت ~~المنديل ، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية أما لو قال : مسحت يدي ~~بالمنديل فهذا يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل . # إذا ثبت هذا فنقول : قوله { وامسحوا برؤوسكم } يكفي في العمل به مسح اليد ~~بجزء من أجزاء الرأس ، ثم ذلك الجزء غير مقدر في الآية ، فإن أوجبنا تقديره ~~بمقدار معين لم يمكن تعيين ذلك المقدار إلا بدليل PageV11P126 مغاير لهذه ~~الآية ، فيلزم صيرورة الآية مجملة وهو خلاف الأصل ، وإن قلنا : أنه يكفي ~~فيه إيقاع المسح على أي جزء كان من أجزاء الرأس كانت الآية مبينة مفيدة ، ~~ومعلوم أن حمل الآية على محمل تبقى الآية معه مفيدة أولى من حملها على محمل ~~تبقى الآية معه مجملة ، فكان المصير إلى ما قلناه أولى . وهذا استنباط حسن ~~من الآية . # المسألة السابعة والثلاثون : لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة ، وقال ~~الأوزاعي والثوري وأحمد : يجوز . لنا أن الآية دالة على أنه يجب المسح على ~~الرأس ، ومسح العمامة ليس مسحا للرأس واحتجبوا بما روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام مسح على العمامة . # جوابنا : لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة . # المسألة الثامنة والثلاثون : اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما ، ~~فنقل الفقال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر ~~محمد بن علي الباقر : أن الواجب فيهما المسح ، وهو مذهب الإمامية من الشيعة ~~. وقال جمهور الفقهاء والمفسرين : فرضهما الغسل ، وقال داود الأصفهاني : ~~يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية . وقال الحسن البصري ~~ومحمد بن جرير الطبري : المكلف مخير بين المسح والغسل . # حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله { وأرجلكم ~~} فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر ، وقرأ ~~نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب ، فنقول : أما القراءة بالجر ~~فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس ، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك ~~في الأرجل . # فإن قيل ms3223 : لم لا يجوز أن يقال : هذا كسر على الجوار كما في قوله : جحر ضب ~~خرب ، وقوله # كبير أناس في بجاد مزمل # قلنا : هذا باطل من وجوه : الأول : أن الكسر إنما يصار إليه حيث يحصل ~~الأمن من الالتباس كما في قوله : جحر ضب خرب ، فإن من المعلوم بالضرورة أن ~~الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر ، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير ~~حاصل . وثالثها : أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف ، وأما مع حرف ~~العطف فلم تتكلم به العرب ، وأما القراءة بالنصب فقالوا أيضا : إنها توجب ~~المسح ، وذلك لأن قوله { وامسحوا برؤوسكم } فرؤوسكم في النصب ولكنها مجرورة ~~بالباء ، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفا على محل ~~الرؤوس ، والجر عطفا على الظاهر ، وهذا مذهب مشهور للنحاة . # إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله { وأرجلكم ~~} هو قوله { وامسحوا } ويجوز أن يكون هو قوله { فاغسلوا } لكن العاملان إذا ~~اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى / فوجب أن يكون عامل النصب في ~~قوله { وأرجلكم } هو قوله { وامسحوا } فثبت أن قراءة { وأرجلكم } ~~PageV11P127 بنصب اللام توجب المسح أيضا ، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية ~~على وجوب المسح ، ثم قالوا : ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنها بأسرها من ~~باب الآحاد ، ونسخ القرآن بخير الواحد لا يجوز . # واعلم أنه لا يمكن الجواب عن هذا إلا من وجهين : الأول : أن الأخبار ~~الكثيرة وردت بإيجاب الغسل ، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس ، فكان ~~الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه ، وعلى هذا الوجه يجب القطع بأن ~~غسل الرجل يقوم مقام مسحها ، والثاني : أن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين ، ~~والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح ، والقوم أجابوا عنه بوجهين : ~~الأول : أن الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم ، وعلى هذا التقدير ~~فيجب المسح على ظهر القدمين ، والثاني : أنهم سلموا أن الكعبين عبارة عن ~~العظمين الناتئين من جانبي الساق ، إلا أنهم التزموا أنه يجب أن يمسح ظهور ~~القدمين ms3224 إلى هذين الموضعين ، وحينئذ لا يبقى هذا السؤال . # المسألة التاسعة والثلاثون : مذهب جمهور الفقهاء أن الكعبين عبارة عن ~~العظمين الناتئين من جانبي الساق ، وقالت الإمامية وكل من ذهب إلى وجوب ~~المسح : إن الكعب عبارة عن عظم مستدير مثل كعب البقر والغنم موضوع تحت عظم ~~الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم ، وهو قول محمد بن الحسن رحمه الله . ~~وكان الأصمعي يختار هذا القول ويقول : الطرفان الناتئان يسميان المنجمين . ~~هكذا رواه القفال في تفسيره . # حجة الجمهور وجوه : الأول : أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان ~~الحاصل في كل رجل كعبا واحدا ، فكان ينبغي أن يقال : وأرجلكم إلى الكعاب ، ~~كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقا واحدا لا جرم قال { وأيديكم إلى ~~المرافق } والثاني : أن العظم المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه ~~إلا المشرحون ، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان معلومان لكل أحد ، ~~ومناط التكاليف العامة يجب أن يكون أمرا ظاهرا ، لا أمرا خفيا . الثالث : ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ألصقوا الكعب بالكاعب ) ولا ~~شك أن المراد ما ذكرناه . الرابع : أن الكعب مأخوذ من الشرف والارتفاع ، ~~ومنه جارية كاعب إذا نتأ ثدياها ، ومنه الكعب لكل ما له ارتفاع . # حجة الإمامية : أن اسم الكعب واقع على العظم المخصوص الموجود في أرجل ~~جميع الحيوانات ، فوجب أن يكون في حق الإنسان كذلك ، وأيضا المفصل يسمى ~~كعبا ، ومنه كعوب الرمح لمفاصله ، وفي وسط القدم مفصل ، فوجب أن يكون الكعب ~~هو هو . # والجواب : أن مناط التكاليف الظاهرة يجب أن يكون شيئا ظاهرا ، والذي ~~ذكرناه أظهر ، فوجب أن يكون الكعب هو هو . # المسألة الأربعون : أثبت جمهور الفقهاء جواز المسح على الخفين . وأطبقت ~~الشيعة والخوارج على إنكاره ، واحتجوا بأن ظاهر قوله تعالى : { وامسحوا ~~برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } يقتضي إما غسل الرجلين أو مسحهما ، والمسح ~~على الخفين ليس مسحا للرجلين ولا غسلا لهما ، فوجب أن لا يجوز بحكم نص هذه ~~الآية ، ثم قالوا : إن القائلين بجواز المسح على الخفين إنما يعولون على ms3225 ~~الخبر ، لكن الرجوع إلى القرآن أولى من الرجوع إلى هذا الخبر ، ويدل عليه ~~وجوه : الأول : أن نسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز ، والثاني : أن هذه ~~الآية في سورة المائدة ، وأجمع المفسرون على أن هذه السورة لا منسوخ فيها ~~ألبتة إلا قوله PageV11P128 تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر ~~الله } ( المائدة : 2 ) فإن بعضهم قال : هذه الآية منسوخة ، وإذا كان كذلك ~~امتنع القول بأن وجوب غسل الرجلين منسوخ / والثالث : خبر المسح على الخفين ~~بتقدير أنه كان متقدما على نزول الآية كان خبر الواحد منسوخا بالقرآن ، ولو ~~كان بالعكس كان خبر الواحد ناسخا للقرآن ، ولا شك أن الأول أولى لوجوه : ~~الأول : أن ترجيح القرآن المتواتر على خبر الواحد أولى من العكس ، وثانيها ~~: أن العمل بالآية أقرب إلى الاحتياط ، وثالثها : أنه قد روي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن ~~وافقه فاقبلوه وإلا فردوه ) وذلك يقتضي تقديم القرآن على الخبر ، ورابعها : ~~أن قصة معاذ تقتضي تقديم القرآن على الخبر . # الوجه الرابع : في بيان ضعف هذا الخبر : أن العلماء اختلفوا فيه ، فعن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لأن تقطع قدماي أحب إلي من أن أمسح على ~~الخفين ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لأن أمسح على جلد حمار أحب ~~إلي من أن أمسح على الخفين ، وأما مالك فإحدى الروايتين عنه أنه أنكر جواز ~~المسح على الخفين ، ولا نزاع أنه كان في علم الحديث كالشمس الطالعة ، فلولا ~~أنه عرف فيه ضعفا وإلا لما قال ذلك ، والرواية الثانية عن مالك أنه ما أباح ~~المسح على الخفين للمقيم ، وأباحه للمسافر مهما شاء من غير تقدير فيه . # وأما الشافعي وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء فإنهم جوزوه للمسافر ثلاثة أيام ~~بلياليها من وقت الحدث بعد اللبس . وقال الحسن البصري : ابتداؤه من وقت لبس ~~الخفين ، وقال الأوزاعي وأحمد : يعتبر وقت المسح بعد الحدث : قالوا : فهذا ~~الاختلاف الشديد بين الفقهاء يدل على أن الخبر ما بلغ مبلغ الظهور والشهرة ms3226 ~~، وإذا كان كذلك وجب القول بأن هذه الأقوال لما تعارضت تساقطت ، وعند ذلك ~~يجب الرجوع إلى ظاهر كتاب الله تعالى . الخامس : أن الحاجة إلى معرفة جواز ~~المسح على الخفين حاجة عامة في حق كل المكلفين ، فلو كان ذلك مشروعا لعرفه ~~الكل ، ولبلغ مبلغ التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر ضعفه ، فهذا جملة ~~كلام من أنكر المسح على الخفين . # وأما الفقهاء فقالوا : ظهر عن بعض الصحابة القول به ولم يظهر من الباقين ~~إنكار ، فكان ذلك إجماعا من الصحابة ، فهذا أقوى ما يقال فيه . وقال الحسن ~~البصري : حدثني سبعون من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مسح على ~~الخفين ، وأما إنكار ابن عباس رضي الله عنهما فروي أن عكرمة روى ذلك عنه ، ~~فلما سئل ابن عباس عنه فقال : كذب علي . وقال عطاء : كان ابن عمر يخالف ~~الناس في المسح على الخفين لكنه لم يمت حتى وافقهم ، وأما عائشة رضي الله ~~عنها فروي أن شريح بن هانيء قال : سألتها عن مسح الخفين فقالت : اذهب إلى ~~علي فاسأله فإنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في أسفاره ، قال : ~~فسألته فقال امسح ، وهذا يدل على أن عائشة تركت ذلك الإنكار . # المسألة الحادية والأربعون : رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان ~~الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس . فإن لم يكن معه من يوضئه أو ~~ييممه يسقط عنه ذلك أيضا ، لأن قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين } مشروط بالقدرة عليه لا محالة ، فإذا فاتت القدرة سقط التكليف ، ~~فهذا جملة ما يتعلق من المسائل بآية الوضوء . PageV11P129 # قوله تعالى : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } قال الزجاج : معناه فتطهروا ، ~~إلا أن التاء تدغم في الطاء لأنهما من مكان واحد ، فإذا أدغمت التاء في ~~الطاء سكن أول الكلمة فزيد فيها ألف الوصل ليبتدأ بها . فقيل : اطهروا . # واعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية الطهارة الصغرى ذكر بعدها كيفية الطهارة ~~الكبرى ، وهي الغسل من الجناية وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لحصول الجناية سببان : الأول : نزول المني ، قال عليه ~~الصلاة والسلام ms3227 : ( إنما الماء من الماء ) والثاني : التقاء الختانين ، ~~وقال زيد بن ثابت ومعاذ وأبو سعيد الخدري : لا يجب الغسل إلا عند نزول ~~الماء . لنا قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا التقى الختانان وجب الغسل ) ~~. # واعلم أن ختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة ، وأمات ختان ~~المرأة فاعلم أن شفريها محيطان بثلاثة أشياء : ثقبة في أسفل الفرج وهو مدخل ~~الذكر ومخرج الحيض والولد ، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج ~~البول لا غير ، والثالث ، فوق ثقبة البول موضع ختانها ، وهناك جلدة رقيقة ~~قائمة مثل عرف الديك ، وقطع هذه الجلدة هو ختانها ، فإذا غابت الحشفة حاذى ~~ختانها ختانه . # المسألة الثانية : قوله { فاطهروا } أمر على الاطلاق بحيث لم يكن مخصوصا ~~بعضو معين دون عضو ، فكان ذلك أمرا بتحصيل الطهارة في كل البدن على الاطلاق ~~، ولأن الطهارة لما كانت مخصوصة ببعض الأعضاء لا جرم ذكر الله تعالى تلك ~~الأعضاء على التعيين ، فههنا لما لم يذكر شيئا من الأعضاء على التعيين علم ~~أن هذا الأمر أمر بطهارة كل البدن . # واعلم أن هذا التطهير هو الاغتسال كما قال في موضع آخر { ولا جنبا إلا ~~عابرى سبيل حتى تغتسلوا } ( النساء : 43 ) . # المسألة الثالثة : الدلك غير واجب في الغسل ، وقال مالك رحمه الله : واجب ~~. لنا أن أقوله { فاطهروا } أمر بتطهير البدن ، وتطهير البدن لا يعتبر فيه ~~الدلك بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الاغتسال من الجناية ~~قال : ( أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات خفيفات من الماء فإذا أنا قد ~~طهرت ) أثبت حصول الطهارة بدون الدلك ، فدل على أن التطهير لا يتوقف على ~~الدلك . # المسألة الربعة : لا يجوز للجنب مس المصحف . وقال داود : يجوز . لنا قوله ~~{ فاطهروا } فدل على أنه ليس بطاهر ، وإلا لكان ذلك أمرا بتطهير الطاهر ~~وإنه غير جائز ، وإذا لم يكن طاهرا لم يجز له مس المصحف لقوله تعالى : { لا ~~يمسه إلا المطهرون } ( الواقعة : 79 ) . # المسألة الخامسة : لا يجب تقديم الوضوء على الغسل ، وقال أبو ثور وداود : ~~يجب . لنا ms3228 أن قوله { فاطهروا } أمر بالتطهير ، والتطهير حاصل بمجرد ~~الاغتسال ، ولا يتوقف على الوضوء بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : ( أما ~~أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت ) . # المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : المضمضة والاستنشاق غير ~~واجبين في الغسل ، وقال أبو PageV11P130 حنيفة رحمه الله : هما واجبان . # حجة الشافعي قوله عليه الصلاة والسلام : ( أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث ~~حثيات فإذا أنا قد طهرت ) . # وحجة أبي حنيفة الآية والخبر . أما الآية فقوله تعالى : { فاطهروا } وهذا ~~أمر بأن يطهروا أنفسهم ، وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس ~~، ترك العمل به في الأجزاء الباطنة التي يتعذر تطهيرها ، وداخل الفم والأنف ~~يمكن تطهيرهما ، فوجب بقاؤهما تحت النص ، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( بلوا الشعر وانقوا البشرة ) فإن تحت كل شعرة جنابة ) فقوله ( ~~بلوا الشعر ) يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعرا ، وقوله ( وانقوا البشرة ) ~~يدخل فيه جلدة داخل الفم . # المسألة الرابعة : شعر الرأس إن كان مفتولا لا مشدودا بعضه ببعض نظر ، ~~فإن كان ذلك يمنع من وصول الماء إلى جلدة الرأس وجب نقضه ، وقال مالك لا ~~يجب ، وإن كان لا يمنع لم يجب وقال النخعي : يجب . لنا أن قوله : { فاطهروا ~~} عبارة عن إيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن ، فإن كان شد بعض الشعور ~~بالبعض مانعا منه وجب إزالة ذلك الشد ليزول ذلك المانع ، فإن لم يكن مانعا ~~منه لم يجب إزالته ، لأن ما هو المقصود قد حصل فلا حاجة إليه . # المسألة الثامنة : قال الأكثرون : لا ترتيب في الغسل ، وقال إسحاق : تجب ~~البداءة بأعلى البدن لنا أن قوله { فاطهروا } أمر بالتطهير المطلق ، وذلك ~~حاصل بإيصال الماء إلى كل البدن ، فإذا حصل التطهير وجب أن يكون كافيا في ~~الخروج عن العهدة . # قوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء } ( النساء : 43 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : يجوز للمريض أن يتيمم لقوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر } ولا يجوز أن يقال : إنه ms3229 شرط فيه عدم الماء ، لأن عدم الماء يبيح ~~التيمم ، فلا معنى لضمه إلى المرض ، وإنما يرجع قوله { فلم تجدوا ماء } إلى ~~المسافر . # المسألة الثانية : المرض على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يخاف الضرر والتلف ~~، فههنا يجوز التيمم بالاتفاق . الثاني : أن لا يخاف الضرر ولا التلف ، ~~فههنا قال الشافعي : لا يجوز التيمم ، وقال مالك وادود يجوز ، وحجتهما أن ~~قوله { وإن كنتم مرضى } يتناول جميع أنواع المرض . الثالث : أن يخاف ~~الزيادة في العلة وبطء المرض ، فههنا يجوز له التيمم على أصح قولي الشافعي ~~رحمه الله . وبه قال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله ، والدليل عليه عموم قوله ~~{ وإن كنتم مرضى } الرابع : أن يخاف بقاء شين على شيء من أعضائه ، قال في ( ~~الجديد ) : لا يتيمم . قال في ( القديم ) يتيمم وهو الأصح لأنه هو المطابق ~~للآية . # المسألة الثالثة : إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلا في بعض ~~جسده دون بعض ، فقال الشافعي رحمه الله : إنه يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم ~~، وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن كان أكثر البدن صحيحا غسل الصحيح دون ~~التيمم ، وإن كان أكثره جريحا يكفيه التيمم . حجة الشافعي رحمه الله الأخذ ~~PageV11P131 بالاحتياط ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن الله تعالى جعل المرض ~~أحد أسباب جواز التيمم ، والمرض إذا كان حالا في بعض أعضائه فهو مريض فكان ~~داخلا تحت الآية . # المسألة الرابعة : لو ألصق على موضع التيمم لصوقا يمنع وصول الماء إلى ~~البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف ، قال الشافعي رحمه الله : يلزمه ~~نزع اللصوق عند التيمم حتى يصل التراب إليه ، وقال الأكثرون : لا يجب . حجة ~~الشافعي رعاية الاحتياط ، وحجة الجمهور أن مدار الأمر في التيمم على ~~التخفيف وإزالة الحرج على ما قال تعالى : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج ~~} ( الحج : 87 ) فإيجاب نزع للصوق حرج ، فوجب أن لا يجب . # المسألة الخامسة : يجوز التيمم في السفر القصير ، وقال بعض المتأخرين من ~~أصحابنا : لا يجوز . لنا أن قوله تعالى : { أو على سفر } مطلق وليس فيه ~~تفصيل أن السفر ms3230 هل هو طويل أو قصير ، ولقائل أن يقول : أنا إذا قلنا السفر ~~الطويل والقصير سببان للرخصة لكون لفظ السفر مطلقا وجب أن نقول : المرض ~~الخفيف والشديد سببان للرخصة لكون لفظ المرض مطلقا ، ويدل أيضا على أن ~~السفر القصير يبيح التيمم ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه انصرف من ~~قومه فبلغ موضعا مشرفا على المدينة فدخل وقت العصر فطلب الماء للوضوء فلم ~~يجد فجعل يتيمم ، فقال له مولاه : أتتيمم وها هي تنظر إليك جدران المدينة ا ~~فقال : أو أعيش حتى أبلغها ، وتيمم وصلى ، ودخل المدينة والشمس حية بيضاء ~~وما أعاد الصلاة . # المسألة السادسة : المسافر إذا كان معه ماء ويخاف الاعطش جاز له أن يتيمم ~~لقوله تعالى في آخر الآية { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } ولأن فرض ~~الوضوء سقط عنه إذا أضر بماله ، لدليل أنه إذا لم يجد الماء إلا بثمن كثير ~~لم يجب عليه الوضوء ، فإذا أضر بنفسه كان أولى . # المسألة السابعة : إذا كان معه ماء وكان حيوان آخر عطشانا مشرفا على ~~الهلاك يجوز له التيمم لأن ذلك الماء واجب الصرف إلى ذلك الحيوان ، لأن حق ~~الحيوان مقدم على الصلاة ، ألا ترى أنه يجوز له قطع الصلاة عند إشراف صبي ~~أو أعمى على غرق أو حرق ، فإذا كان كذلك كان ذلك الماء كالمعدوم ، فدخل ~~حينئذ تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } . # المسألة الثامنة : إذ لم يكن معه ماء ولكن كان مع غيره ماء ، ولا يمكنه ~~أن يشتري إلا بالغبن الفاحش جاز التيمم له : لأن قوله { وما جعل عليكم فى ~~الدين من حرج } ( الحج : 78 ) رفع عنه تحمل الغبن الفاحش ، وحينئذ يكون ~~كالفاقد للماء فيدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وكذا القول إذا كن ~~واجدا لثمن المثل ولم يكن به إليه حاجة ضرورية فهنا يجب شراء الماء . # المسألة التاسعة : إذا وهب منه ذلك الماء هل يجوز له التيمم ، قال ~~أصحابنا : يجوز له التيمم ولا يجب عليه قبول ذلك الماء ، لأن المنة في قبول ~~الهبة شاقة ، وأنا ms3231 أتعجب منهم فإنهم لما جعلوا هذا القدر من الحرج سببا ~~لجواز التيمم فلم لم يجدوا خوف زيادة الألم في المرض سببا لجواز التيمم . # المسألة العاشرة : إذا أعير منه الدول والرشاء ، فههنا الأكثرون قالوا : ~~لا يجوز له التيمم ، لأن المنة في هذه الإعارة قليلة ، وكان هذا الإنسان ~~واجدا للماء من غير حرج فلم يجز له التيمم لأن قوله تعالى : { فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا } PageV11P132 دليل على أنه يشترط لجواز التيمم عدم وجدان ~~الماء . # المسألة الحادية عشرة : قوله { أو جاء أحد منكم من الغائط } كناية عن ~~قضاء الحاجة . وأكثر العلماء ألحقوا به كل ما يخرج من السبيلين سواء كان ~~معتادا أو نادرا لدلالة الأحاديث عليه . # المسألة الثانية عشرة : قال الشافعي رحمه الله : الاستنجاء واجب إما ~~بالماء وءما بالأحجار وقال أبو حنيفة رحمه الله : غير واجب . # حجة الشافعي قوله : فليستنج بثلاثة أحجار ، وحجة أبي حنيفة أنه تعالى قال ~~: { أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا } ~~أوجب عند المجيء من الغائط الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحد ، وذلك ~~يدل على أنه غير واحب . # المسألة الثالثة عشرة : لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي رحمه الله ، ~~ولا ينقض عند أبي حنيفة رحمه الله . # المسألة الرابعة عشرة : ظاهر قوله { أو لامستم النساء } يدل على انتقاض ~~وضوء اللامس ، أما انتقاض وضوء الملموس فغير مأخوذ من الآية ، بل ءنما أخذ ~~من الخبر ، أو من القياس الجلي . # قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } وفيه مسائل ، وهي ~~محصورة في نوعين : أحدهما : الكلام في أن الماء المطهر ما هو ؟ والثاني : ~~الكلام في أن التيمم كيف هو ؟ # أما النوع الأول ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الوضوء بلماء المسخن جاز ولا يكره ، وقال مجاهد : يكره ~~. لنا وجهان : الأول : قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } والغسل عبارة عن ~~إمرار المء على العضو وقد أتى به فيخرج عن العهدة . الثاني : أنه قال : { ~~فلم تجدوا ماء فتيمموا } علق جواز التيمم بفقدان الماء ، وههنا لم يحصل ~~فقدان الماء ، فوجب أن لا يجوز ms3232 التيمم . # المسألة الاثانية : قال أصحابنا : الماء إذا قصد تشميسه في الإناء كره ~~الوضوء به ، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله : لا يكره . حجة أصحابنا ما ~~روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من ~~اغتسل بماء مشمس فأصابه وضع فلا يلومن إلا نفسه ) ومن أصحابنا من قال : لا ~~يكره ذلك من جهة الشرع / بل من جهة الطب . وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه ~~أمر بالغسل في قوله { فاغسلوا وجوهكم } وهذا غسل فيكون كافيا ، الثاني أنه ~~واجد للماء فلم يجز له التيمم . # المسألة الثالثة : لا يكره الوضوء بما فضل عن وضوء المشرك ، وكذا لا يكره ~~الوضوء بالماء الذي يكون في أواني المشركين . وقال أحمد وإسحاق لا يجوز . ~~لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به ولأنه واجد للماء فلا يتيمم . وروى أنه عليه ~~الصلاة والسلام توضأ من مزادة مشركة ، وتوضأ عمر رضي الله عنه من ماء في ~~جرة نصرانية . PageV11P133 # المسألة الرابعة : يجوز الوضوء بماء البحر . وقال عبد الله بن عمرو بن ~~العاص لا يجوز . لنا أنه أمر بالغسل وقد أتى به ، ولأن شرط جواز التيمم عدم ~~الماء ، ومن وجد ماء البحر فقد وجد الماء . # المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر . ~~وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز ذلك في السفر . حجة الشافعي قوله { فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا } أوجب الشارع عند عدم الماء التيمم ، وعند الخصم يجوز ~~له الترك للتيمم بل يجب ، وذلك بأن يتوضأ بنبيذ التمر ، فكان ذلك على خلاف ~~الآية ، فإن تمسكوا بقصة الجن قلنا : قيل إن ذلك كان ماء نبذت فيه تميرات ~~لإزالة الملوحة ، وأيضا فقصة الجن كانت بمكة وسورة المائدة آخر ما نزل من ~~القرآن ، فجعل هذا ناسخا لذلك أولى . # المسألة السادسة : ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع ~~المائعات الطاهرة ، وقال الأكثرون : لا يجوز . لنا أن عند عدم الماء أوجب ~~الله التيمم ، وتجويز الوضوء بسائر المائعات يبطل ذلك . احتجوا بأن قوله ~~تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } أمر بمطلق ms3233 الغسل ، وإمرار المائع على العضو ~~يسمى غسلا كقول الشاعر : # فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها # وإذا كان الغسل اسما للقدر المشترك بين ما يحصل بالماء وبين ما يحصل ~~بسائر المائعات كان قوله { فاغسلوا } إذنا في الوضوء بكل المائعات . # قلنا : هذا مطلق ، والدليل الذي ذكرناه مقيد ، وحمل المطلق على المقيد هو ~~الواجب . # لمسألة السابعة : قال الشافعي رحمه الله : الماء المتغير بالزعفران تغيرا ~~فاحشا لا يجوز الوضوء به . وقال بو حنيفة رحمه ا يجوز ، حجة الشافعي أن مثل ~~هذا الماء لا يسمى ماء على الإطلاق قواجده غير واجد للكاء ، فوجب أن يجب ~~عليه التيمم ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله أو واجده واجد للماء لأن الماء ~~المتغير بالزعفران ماى موصوف بصفة معينة ، فكان أصل الماى موجودا لا محالة ~~، فواجده يكون واجدا للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم لقوله تعالى { فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا } علق جواز التيمم بعدم الماء . # المسألة الثامنة : الماء الذي تغير وتعفن بطول المكث طاهر طهور لدليل ~~قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } علق جواز التيمم على عدم الماء ~~وهذا الماء المتعفن ماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم عند وجوده . # المسألة التاسعة : قال مالك وداود : الماء المتسعمل في الوضوء يبقى طاهرا ~~طهورا ، وهو قول قديم للشافعي رحمه الله ، والقول الجديد للشافعي أنه لم ~~يبق طهورا ولكنه طاهر ، وهو قول محمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة رحمه الله ~~في أكثر الروايات أنه نجس . حجة مالك أن جواز التيمم معلق على عدم وجدان ~~الماء . وهو قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وواجد الماء المستعمل واجد ~~للماء ، فوجب أن لا يجوز التيمم ، وإذا لم يجز التيمم جاز له التوضوء ، ~~لأنه لا قائل بالفرق . وأيضا قال تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ~~( الفرقان : 48 ) والطهور هو الذي يتكرر منه هذا الفعل كالضحوك والقتول ~~والأكول والشروب ، والتكرار إنما يحصل إذا كان المستعمل في الطهارة يجوز ~~استعماله فيها مرة أخرى . # المسألة العاشرة : قال مالك : الماء إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير الماء ~~بتلك النجاسة بقي طاهرا PageV11P134 طهورا سواء ms3234 كان قليلا أو كثيرا ، وهو ~~قول أكثر الصحابة والتابعين . وقال الشافعي رحمه الله : إن كان أقل من ~~القلتين ينجس . وقال أبو حنيفة : إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس . حجة ~~مالك أن الله جعل في هذه الآية عدم الماء شرطا لجواز لتيمم ، وواجد هذا ~~الماء الذي فيه النزاع واجد للماء ، فوجب أن لا يجوز له التيمم . أقصى ما ~~في الباب أن يقال : هذا المعنى موجود عند صيرورة الماء القليل متغيرا ، إلا ~~أنا نقول : العام حجة في غير محل التخصيص ، وأيضا قوله تعالى : { فاغسلوا ~~وجوهكم } أمر بمطلق الغسل ، ترك العمل به في سائر المائعات وفي الماء ~~القليل الذي تغير بالنجاسة ، فيبقى حجة في الباقي . وقال مالك رحمه الله : ~~ثم تأيد التمسك بهذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : ( خلق الماى طهورا ~~لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه ) ولا يعارض هذا بقوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ) لأن القرآن أولى من ~~خبر الواحد ، والمنطوق أولى من المفهوم . # المسألة الحادية عشرة : يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب . وقال أحمد وإسحاق : ~~لا يجوز بفضل ماء المرأة إذا خلت به ، وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب . لنا ~~قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وواجد هذا الماء فلم يجز له التيمم ~~، وإذا لم يجز له ذلك جاز له الوضوء لأنه لا قائل بالفرق . # المسألة الثانية عشرة : أسار السباع طاهرة مطهرة ، وكذا سؤر الحمار . ~~وقال أبو حنيفة رحمه الله : نجسة . لنا أن واجد هذا السؤر واجد للماء فلم ~~يجز له التيمم ، ولأن قوله { فاغسلوا } يتناول جميع أنواع الماء على ما ~~تقدم تقرير هذين الوجهين . # المسألة الثالثة عشرة : الماء إذا بلغ قلتين ووقعت فيه نجاسة مغيرة بقي ~~طاهراف مطهورة عند الشافعي رحنه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله ينجس . ~~لنا أنه واجد للماء فلم يجز له لتيمم ، ولأنه أمر بالغسل وقد أتى به فخرج ~~عن العهدة . # المسألة الرابعة عشرة : الماء الذي تفتتت الأوراق فيه ، للناس فيه تفاصيل ~~، لكن هذه ms3235 الآية دالة على كونه طاهرا مطهرا ما لم يزل عنه اسم الماء المطلق ~~، وبالجملة فهذه الآية دالة على أنه كلما بقي اسم الماىء المطلق كان طاهراف ~~مطهورا . # النوع الثاني : من المسائل المستخرجة من هذه الآية من مسائل التيمم . # المسألة الأولى : قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون رحمهم الله : لا بد ~~في التيمم من النية ، وقال زفر رحمه الله لا يجب . لنا قوله تعالى : { ~~فتيمموا } والتيمم عبارة عن القصد ، فدل على أنه لا بد من لنية . # المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة : يجب تيمم اليدين إلى ~~المرفقين ، وعن علي وابن عباس إلى الرسغين ، وعن مالك إلى الكوعين ، وعن ~~الزهري إلى الآباط . # لنا : اليد اسم لهذا العضو إلى الإبط فقوله { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } ~~يقتضي المسح إلى الإبن ، تركنا العمل بهذا النص في العضدين لأنا نعلم أن ~~التيمم بدل عن الوضوء . ومبناه على التخفيف بدليل أن الواجب تطهير أعضاء ~~أربعة في الوضوء ، وفي التيمم الواجب تطهير عضوين وتأكد هذا المعنى بقوله ~~تعالى في آية التيمم { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } فإذا كان العضدان ~~غير معتبرين في PageV11P135 الوضوء فبأن لا يكونا معتبرين في التيمم أولى ، ~~وإذا خرج العضدان عن ظاهر النص بهذا الدليل بقي اليدان إلى المرفقين فيه ، ~~فالحاصل أنه تعالى إنما ترك تقييد التيمم في اليدين بالمرفقين لأنه بدل عن ~~الوضوء ، فتقييده بهما في الوضوء يغني عن ذكر هذا التقييد في التيمم . # المسألة الثالثة : يجب استيعاب العضوين في التيمم . ونقل الحسن بن زياد ~~عن أبي حنيفة أنه إذا يمم الأكثر جاز . # لنا قوله : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } والوجه واليد اسم لجملة هذين ~~العضوين ، وذلك لا يحصل إلا بالاستيعاب ، ولقئل أن يقول : قد ذكرتم في قوله ~~تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } أن الباء تفيد التبغيض فكذا ههنا . # المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : إذا وضع يده على الأرض فما لم ~~يعلق بيده شيء من الغبار لم يجزه ، وهو قول أبي يوسف رحمه لله . وقال أبو ~~حنيفة ومالك رحمهما الله يجزئه . # لنا قوله تعالى : { فامسحوا بوجوهكم ms3236 وأيديكم منه } وكلمة { منه } تدل على ~~التمسح بشيء من ذلك التراب كما أن من قال : فلان يمسح من الدن أفاد هذا ~~المعنى ، وقد بالغنا في تقرير هذا في تفسير آية التيمم من سورة النساء ~~والله أعلم . # المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز التيمم إلا بالتراب ~~الخالص ، وهو قول أبي يوسف رحمه اا . وقال أبو حنيفة رحمه الله : يجوز ~~بالتراب وبالرمل وبالخزف المدقوق والجص والنورة والزرنيخ . # لنا ما روي أن ابن عباس قال : الصعيد هو التراب ، وأيضا التيمم طهارة غير ~~معقولة المعنى ، فوجب الاقتصار فيه على مورد النص ، والنص المفصل إنما ورد ~~في التراب . قال عليه الصلاة والسلام : ( التراب طهور المسلم ولو لم يجد ~~الماء عشر حجج ) وقال ( جعلت لي الأرض مسجدا وتربها طهورا ) والله أعلم . # المسألة السادسة : لو وقف على مهب الرياح فسفت الرياح التراب عليه فأمر ~~يده عليه أو لم يمر ظاهر مدهب الشافعي رحمه الله أنه لا يكفي . وقال بعض ~~المحققين يكفي ، لأنه لما وصل الغبار إلى أعضائه ثم أمر الغبار على تلك ~~الأعضاء فقد قصد إلى استعمال الصعيد الطيب في أعضائه فكان كافيا . # المسألة السابعة : المذهب أنه إذا يممه غيره صح ، وقيل لا يصح لأن قوله { ~~فتيمموا } أمر له بالفعل ولم يوجد . # المسألة الثامنة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجوز التيمم إلا بعد دخول ~~وقت الصلاة . وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز . # لنا قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا } إلى قوله { فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا } والقيام إلى الصلاة إنما يكون بعد دخول وقتها . # والمسألة التاسعة : إذا ضرب رجله حتى ارتفع عنه غبار قال أبو حنيفة رحمه ~~الله : يجوز له أن يتيمم ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز . حجة أبي يوسف ~~قوله تعالى : { فتيمموا صعيدا طيبا } والغبار المنفصل عن PageV11P136 ~~التراب لا يقال إنه صعيد طيب ، فوجب أن لا يجزى . # المسألة العاشرة : لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله تعالى : { فتيمموا ~~صعيدا طيبا } والنجس لا يكون طيبا . # المسألة الحادية عشرة : قال الشافعي رحمه الله : المسافر إذا لم ms3237 يجد ~~الماء بقربه لم يجز له التيمم إلا بعد الطلب عن اليمين واليسار ، وإن كان ~~هناك واد هبط إليه ، وإن كان جبل صعده . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إذا ~~غلب على ظنه عدم الماء لم يجب طلبه . # لنا قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } جعل عدم وجدان الماء شرطا ~~لجواز التيمم ، وعدم الوجدان مشروط بتقديم الطلب ، فدل هذا على أنه لا بد ~~من تقديم الطلب . # المسألة الثانية عشرة : لا يصح الطلب إلا بعد دخول وقت الصلاة ، فإن طلب ~~قبله يلزمه الطلب ثانيا بعد دخول الوقت ، إلا أن يحصل عنده يقين أن الأمر ~~بقي كما كان ولم يتغير . # لنا قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا } إلى قوله { فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا } فقوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } عبارة عن دخول الوقت / فوجب أن ~~يكون قوله { فلم تجدوا } عبارة عن عدم الوجدان بعد دخول الوقت ، وعدم ~~الوجدان بعد دخول الوقت مشروط بحصول الطلب بعد دخول الوقت ، فعلمنا أنه لا ~~بد من الطلب بعد دخول الوقت . # المسألة الثالثة عشرة : لا خلاف في جواز التيمم بدلا عن الوضوء . وأما ~~التيمم بدلا عن الغسل في حق الجنب فعن علي وابن عباس جوازه ، وهو قال أكثر ~~الفقهاء . وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز . # لنا أن قوله : إما أن يكون مختصا بالجماع أو يدخل فيه الجماع ، فوجب جواز ~~التيمم بدلا عن الغسل لقوله { أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا } . # المسألة الرابعة عشرة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجمع بالتيمم بين ~~فرضين وإن لم يحدث كما في الوضوء . وقال أحمد : يجمع بين الفوائت ولا يجمع ~~بين صلاتي وقتين . # حجة الشافعي : قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم } إلى قوله { ~~وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ~~أو لامستم النساء } . # وجه الاستدلال به أن ظاهره يقتضي الأمر بكل وضوء عند كل صلاة إن وجد ~~الماء ، وبالتيمم إن فقد الماء ، ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله ms3238 ~~صلى الله عليه وسلم ، فيبقى في التيمم على مقتضى ظاهر الآية . # المسألة الخامسة عشرة : قال الشافعي رحمه الله : إذا لم يجد الماء في أول ~~الوقت ويتوقع وجدانه في آخر الوقت جاز له التيمم في أول الوقت . وقال أبو ~~حنيفة رحمه الله تعالى : بل يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت . # حجة الشافعي : قوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } إلى قوله { فلم تجدوا ماء ~~} وقوله { يأيها الذين ءامنوا إذا } ليس المراد منه القيام إلى الصلاة ، بل ~~المراد دخول وقت الصلاة . وهذا يدل على أن عند دخول الوقت إذا لم يجد الماء ~~جاز له التيمم . PageV11P137 # المسألة السادسة عشرة : إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة ~~بطل تيممه . وقال أبو موسى الأشعري والشعبي : لا يبطل . # لنا قوله تعالى : { الخاسرين يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة } ~~إلى قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } شرط عدم وجدان الماء بجواز الشروع في ~~الصلاة بالتيمم ، ومن وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة فقد فاته ~~هذا الشرط فوجب أن لا يجوز له الشروع في الصلاة بذلك التيمم . # المسألة السابعة عشرة : لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة ~~الصلاة . قال طاوس : يلزمه . # لنا قوله تعالى : { الخاسرين يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة } ~~إلى قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } جوز له الشروع في الصلاة بالتيمم عند ~~عدم وجدان الماء ، وقد حصل ذلك ، فوجب أن يكون سببا لخروجه عن عهدة التكليف ~~، لأن الإتيان بالمأمور به سبب للأجزاء . # المسألة الثامنة عشرة : لو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج ~~منها ، وبه قال مالك وأحمد خلافا لأبي حنيفة والثوري ، وهو اختيار المزني ~~وابن شريح . # لنا أن عدم وجدان الماء يقتضي جواز الشروع في الصلاة بحكمم التيمم على ما ~~دلت الآية عليه ، فقد انعقدت عليه صلاته صحيحة ، فإذا وجد الماء في أثناء ~~الصلاة فنقول : ما لم يبطل صلاته لا يصير قادرا على استعمال الماء ، وما لم ~~يصر قادرا على استعمال الماء لا تبطل صلاته ، فيتوقف كل واحد منهما ms3239 على ~~الآخر ، فيكون دورا وهو باطل . والله أعلم . # المسألة التاسعة عشرة : لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود ~~الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي رحمه الله / وهو قول أحمد وأبي ~~يوسف ، والقول الثاني أنه لا يلزمه ، وهو قول مالك وأبي حنيفة . حجة القول ~~الثاني أنه عاجز عن الماء لأن عدم الماء كما أنه سبب للعجز عن استعمال ~~الماء ، فكذلك النسيان سبب للعجز ، فثبت أنه عند النسيان عاجز فيه ، فيدخل ~~تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وحجة القول الأول أنه غير معذور في ذلك ~~النسيان . # المسألة العشرون : إذا ضل رحله في الرحال ففيه الخلاف المذكور ، والأولى ~~أن لا تجب الإعادة . # المسألة الحادية والعشرون : إذا نسي كون الماء في رحله ولكنه استقصى في ~~الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجده ، فالأكثرون على أنه تجب الإعادة لأن ~~العذر ضعيف . وقال قوم : لا تجب الإعادة ، لأنه لما استقصى في الطلب صار ~~عاجزا عن استعمال الماء فدخل تحت قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ~~. # المسألة الثانية والعشرون : لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكن ~~استعمال ذلك الماء ، فإن كان قد علمه أولا ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في ~~رحله ، وإن لم يكن عالما بها قط ، فإن كان عليها علامة ظاهرة لزمه الإعادة ~~، وإن لم يكن عليها علامة فلا إعادة لأنه عاجز عن استعمال الماء ، فدخل تحت ~~قوله { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } فهذا جملة الكلام في المسائل ~~الفقهية المستنبطة من هذه الآية ، وهي مائة مسألة ، وقد كتبناها في موضع ما ~~كان معنا شيء من الكتب الفقهية المعتبرة ، وكان القلب مشوشا بسبب ~~PageV11P138 استيلاء الكفار على بلاد المسلمين . فنسأل الله تعالى أن ~~يكفينا شرهم ، وأن يجعل كدنا في استنباط أحكام الله من نص الله سببا لرجحان ~~الحسنات على السيآت أنه أعز مأمول وأكرم مسؤول . # قوله تعالى : { ما يريد * ليجعل عليكم من حرج ولاكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم لعلكم تشكرون } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : دلت ms3240 الآية على أنه تعالى مريد ، وهذا متفق عليه بين ~~الأئمة ، إلا أنهم اختلفوا في تفسير كونه مريدا ، فقال الحسن النجار : أنه ~~مريد بعمنى أنه غير مغلوب ولا مكره ، وعلى هذا التقدير فكونه تعالى { مريدا ~~} صفة سلبية ، ومنهم من قال : إنه صفة ثبوتية ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : ~~معنى كونه مريدا لأفعال نفسه أنه دعاه الداعي إلى أيجادها ، ومعنى كونه ~~مريدا لأفعال غيره أنه دعاه الداعي إلى الأمر بها ، وهو قول الجاحظ وأبي ~~قاسم الكعبي وأبي الحسين البصري من المعتزلة . وقال الباقون : كونه مريدا ~~صفة زائدة على العلم ، وهو الذي سميناه بالداعي ، ثم منهم من قال : إنه ~~مريد لذاته ، وهذه هي الرواية الثانية عن الحسن النجار . وقال آخرون : إنه ~~مريد بإرادة ، ثم قال أصحابنا : مريد بإرادة قديمة . قالت المعتزلة البصرية ~~: مريد بإرادة محدثة لا في محله وقالت الكرامية : مريد بإرادة محدثة قائمة ~~بذاته والله أعلم . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : دلت الآية على أن تكليف ما لا يطاق لا ~~يوجد لأنه تعالى أخبر أنه ما جعل عليكم في الدين من حرج ، ومعلوم أن تكليف ~~ما لا يطاق أشد أنواع الحرج . قال أصحابنا : لما كان خلاف المعلوم محال ~~الوقوع فقد لزمكم ما ألزمتموه علينا . # المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية أصل كبير معتبر في الشرع ، وهو أن ~~الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، ويدل عليه هذه الآية فإنه تعالى قال : ~~{ ما جعل * عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة : 185 ) ويدل ~~عليه من الأحاديث قوله عليه السلام : ( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ) ويدل ~~عليه أيضا أن دفع الضرر مستحسن في العقول فوجب أن يكون الأمر كذلك في الشرع ~~لقوله عليه السلام : ( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ) وأما بيان ~~أن الأصل في المنافع الإباحة فوجوه : أحدها : قوله تعالى : { خلق لكم ما فى ~~الارض جميعا } ( البقرة : 29 ) وثانيها : قوله { أحل لكم الطيبات } ( ~~المائدة : 4 ) وقد بينا أن ms3241 المراد من الطيبات المستلذات والأشياء التي ~~ينتفع بها ، وإذا ثبت هذان الأصلان فعند هذا قال نفاة القياس : لا حاجة ~~البتة أصلا إلى القياس في الشرع ؛ لأن كل حادثة تقع فحكمها المفصل إن كان ~~مذكورا في الكتاب والسنة فذاك هو المراد وإن لم يكن كذلك ، فإن كان من باب ~~المضار حرمناه بالدلائل الدالة على أن الأصل في المضار الحرمة ، وإن كان من ~~باب المنافع إبحناه بالدلائل الدالة على إباحة المنافع ، وليس لأحد أن يقدح ~~في هذين الأصلين بشيء من الأقسية لأن القياس المعارض لهذين PageV11P139 ~~الأصلين يكون قياسا واقعا في مقابلة النص ، وأنه مردود فكان باطلا . # المسألة الرابعة : قوله { ولاكن يريد ليطهركم } اختلفوا في تفسير هذا ~~التطهير ، فقال جمهور أهل النظر من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : إن عند ~~خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية ، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك ~~النجاسة الحكمية ، وهذا الكلام عندنا بعيد جدا ، ويدل عليه وجوه : الأول : ~~قوله تعالى : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) وكلمة { إنما } للحصر ~~، وهذا يدل على أن المؤمن لا تنجس أعضاؤه البتة . الثاني : قوله عليه ~~السلام : ( المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا ) فهذا الحديث مع تلك الآية كالنص ~~الدال على بطلان ما قالوه . الثالث : أجمعت الأمة على أن بدن المحدث لو كان ~~رطبا فأصابه ثوب لم يتنجس ، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته ، وذلك بدل ~~على أنه لا نجاسة في أعضاء المحدث . الرابع : أن الحدث لو كان يوجب نجاسة ~~الأعضاء الأربعة ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل الأعضاء لوجب ~~أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك . الخامس : ~~أن خروج النلجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخرا السادس : أن قوله { ~~ولاكن يريد ليطهركم } مذكور عقيب التيمم ، ومن المعلوم بالضرورة أن التيمم ~~زيادة في التقدير وإزالة الوضاءة والنظافة ، وأنه لا يزيل شيئا من النجاسات ~~أصلا ، السابع : أن المسح على الخفين قائم مقام غسل الرجلين ، ومعلوم أن ~~هذا المسح لا يزيل شيئا البتة عن الرجلين ، الثامن : أن الذي ms3242 يراد زواله إن ~~كان من جملة الأجسام فالحس يشهد ببطلان ذلك ، وإن كان من جملة الإعراض فهو ~~محال ، لأن انتقال الأعراض محال ، فثبت بهذه الوجوه أن الذي يقوله هؤلاء ~~الفقهاء بعيد . # الوجه الثاني : في تفسير هذا التطهير أن يكون المراد منه طهارة القلب عن ~~صفة التمرد عن طاعة الله تعالى ، وذلك لأن الكفر والمعاصي نجاسة للأرواح ، ~~فإن النجاسة إنما كانت نجاسة لأنها شيء يراد نفيه وإزالته وتبعيده ، والكفر ~~المعاصي كذلك ، فكانت نجاسات روحانية ، وكما أن إزالة النجاسات الجسمانية ~~تسمى طهارة فكذلك إزالة هذه العقائد الفاسدة والأخلاق الباطلة تسمى طهارة ، ~~ولهذا التأويل قال الله تعالى : { إنما المشركون نجس } فجعل رأيهم نجاسة ، ~~وقال { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } ( ~~الأحزاب : 33 ) فجعل براءتهم عن المعاصي طهارة لهم . وقال في حق عيسى عليه ~~السلام : { إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا } ( آل عمران : 55 ~~) فجعل خلاصه عن طعنهم وعن تصرفهم فيه تطهيرا له . # وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر العبد بإيصال الماء إللى هذه ~~الأعضاء المخصوصة وكانت هذه الأعضاء طاهرة لم يعرف العبد في هذا التكليف ~~فائدة معقولة / فلما انقاد لهذا التكليف كان ذلك الانقياد لمحض إظهار ~~العبودية والانقياد للربوبية ، فكان هذا الانقياد قد أزال عن قلبه آثار ~~التمرد فكان ذلك طهارة ، فهذا هو الوجه الصحيح في تسمية هذه الأعمال طهارة ~~، وتأكد هذا بالأخبار الكثيرة الواردة في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت ~~خطاياه من وجهه ، وكذا القول في يديه ورأسه ورجائه . # واعلم أن هذه القاعدة التي قررناها أصل معتبر في مذهب الشافعي رحمه الله ~~، وعليه يخرج كثير من المسائل الخلافية في أبواب الطهارة والله أعلم . ~~PageV11P140 # أما قوله { وليتم نعمته عليكم } ففيه وجهان : الأول : أن الكلام متعلق ~~بما ذكر من أول السورة إلى هنا ، وذلك لأنه تعالى أنعم في أول السورة ~~بإباحة الطيبات من المطاعم والمناكح ، ثم إنه تعالى ذكر بعده كيفية فرض ~~الوضوء فكأنه قال : إنما ذكرت ذلك لتتم النعمة المذكورة أولا وهي نعمة ~~الدنيا ms3243 ، والنعمة المذكورة ثانيا وهي نعمة الدين . الثاني : أن المراد : ~~وليتم نعمته عليكم أي بالترخص في التيمم والتخفيف في حال السفر والمرض ، ~~فاستدلوا بذلك على أنه تعالى يخفف عنكم يوم القيامة بأن يعفو عن ذنوبكم ~~ويتجاوز عن سيئاتكم . # ثم قال تعالى : { لعلكم تشكرون } والكلام في ( لعل ) مذكور في أول سورة ~~البقرة في قوله تعالى : { لعلكم تتقون } ( البقرة : 21 ) والله أعلم # ! 7 < { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذى واثقكم به إذ قلتم سمعنا ~~وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 7 ) واذكروا نعمة الله . . . . . # > > # إعلم أنه تعالى لما ذكر هذا التكليف أردفه بما يوجب عليهم القبول ~~والانقياد ، وذلك من وجهين : الأول : كثرة نعمة الله عليهم ، وهو المراد من ~~قوله { واذكروا نعمة الله عليكم } ومعلوم أن كثرة النعم توجب على المنعم ~~عليه الاشتغال بخدمة المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : إنما قال { واذكروا نعمة الله عليكم } ولم يقل نعم الله ~~عليكم ، لأنه ليس المقصود منه التأمل في إعداد نعم الله ، بل المقصود منه ~~التأمل في جنس نعم الله لأن هذا الجنيس جنس لا يقدر غير الله عليه ، فمن ~~الذي يقدر على إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات ~~والإيصال إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة ، فجنس نعمة الله جنس لا يقدر ~~عليه غير الله ، فقوله تعالى : { واذكروا نعمت الله } المراد التأمل في هذا ~~النوع من حيث أنه ممتاز عن نعمة غيره ، وذلك الامتياز هو أنه لا يقدر عليه ~~غيره ، ومعلوم أن النعمة متى كانت على هذا الوجه كان وجوب الاشتغال بشكرها ~~أتم وأكمل . # المسألة الثانية : قوله { واذكروا نعمت الله } مشعر بسبق النسيان ، فكيف ~~يعقل نسيانها مع أنها متواترة متوالية علينا في جميع الساعات والأوقات ، ~~إلا أن الجواب عنه أنها لكثرتها وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد ، فصارت غلبة ~~ظهورها وكثرتها سببا لوقوعها في محل النيسان ، ولهذا المعنى قال المحققون : ~~إنه تعالى إنما كان باطنا لكونه ظاهرا ، وهو المراد من قولهم : سبحان من ~~احتجب عن العقول بشدة ظهوره ، واختفى ms3244 عنها بكمال نوره . # السبب الثاني : من الأسباب التي توجب عليهم كونهم منقادين لتكاليف الله ~~تعالى هو الميثاق الذي واثقهم به ، والمواثقة المعاهدة التي قد أحكمت ~~بالعقد على نفسه ، وهذه الآية مشابهة لقوله في أول السورة { عليم يأيها ~~الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } ( المائدة : 1 ) وللمفسرين في تفسير هذا ~~الميثاق وحوه : الأول : أن المراد هو المواثيق التي PageV11P141 جرت بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في أن يكونوا على السمع والطاعة في ~~المحبوب والمكروه ، مثل مبايعته مع الأنصار في أول الأمر ومبايعته عامة ~~المؤمنين تحت الشجرة وغيرهما ، ثم إنه تعالى أضاف الميثاق الصادر عن الرسول ~~إلى نفسه كما قال : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : 10 ~~) وقال : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } ( النساء : 80 ) ثم إنه تعالى ~~أكد ذلك بأن ذكرهم أنهم التزموا ذلك وقبلوا تلك التكاليف وقالوا سمعنا ~~وأطعنا ، ثم حذرهم من نقض تلك العهود والمواثيق فقال : { واتقوا الله إن ~~الله عليم بذات الصدور } يعني لا تنقضوا تلك العهود ولا تعزموا بقلوبكم على ~~نقضها ، فإنه إن خطر ذلك ببالكم فالله يعلم بذلك وكفى به مجازيا . والثاني ~~: قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني ~~إسرائيل حين قالوا آمنا بالتوراة وبكل ما فيها ، فلما كان من جملة ما في ~~التوراة البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم لزمهم الإقرار بمحمد عليه ~~الصلاة والسلام ، والثالث : قال مجاهد والكلبي ومقاتل : هو الميثاق الذي ~~أخذه الله تعالى منهم حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم . # فإن قيل : على هذا القول أن بني آدم لا يذكرون هذا العهد والميثاق فكيف ~~يؤمرون بحفظه ؟ # قلنا : لما أخبر الله تعالى بأنه كان ذلك حاصلا حصل القطع بحصوله ، ~~وحينئذ يحسن أن يأمرهم بالوفاء بذلك العهد . الرابع : قال السيد : المراد ~~بالميثاق الدلائل العقلية والشرعية التي نصبها الله تعالى على التوحيد ~~والشرائع ، وهو اختيار أكثر المتكلمين . # ! 7 < { ياأيهآ الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهدآء بالقسط ولا يجرمنكم ~~شنآن ms3245 قوم علىألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير ~~بما تعملون } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 8 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { الصدور يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ~~} هذا أيضا متصل بما قبله ، والمراد حثهم على الانقياد لتكاليف الله تعالى ~~. # واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلا أنها محصورة في نوعين : التعظيم لأمر ~~الله تعالى ، والشفقة على خلق الله ، فقوله { كونوا قوامين لله } إشارة إلى ~~النوع الأولل وهو التعظيم لأمر الله ، ومعنى القيام لله هو أن يقوم لله ~~بالحق في كل ما يلزمه القيام به من إظهار العبودية وتعظيم الربوبية ، وقوله ~~{ شهداء بالقسط } إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان : الأول : قال ~~عطاء : يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودك وقرابتك ، ولا تمنع شهادتك أعداءك ~~وأضدادك . الثاني : قال الزجاج : المعنى تبينون عن دين الله ، لأن الشاهد ~~يبين ما يشهد عليه . # ثم قال تعالى : { ولا يجرمنكم شنان قوم على ألا تعدلوا } أي لا يحملنكم ~~بغض قوم على أن لا تعدلوا ، وأراد أن لا تعدلوا فيهم لكنه حذف للعلم ، وفي ~~الآية قولان : الأول : أنها عامة والمعنى لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا ~~عليهم وتجاوزوا الحد فيهم ، بل اعدلوا فيهم وإن أساءوا إليكم ، وأحسنوا ~~إليهم PageV11P142 وإن بالغوا في إيحاشكم ، فهذا خطاب عام ، ومعناه أمر ~~الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدا إلا على سبيل العدل والانصاف ، ~~وترك الميل والظلم والاعتساف ، والثاني : أنها مختصة بالكفار فإنها نزلت في ~~قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام . # فإن قيل : فعلى هذا القول كيف يعقل ظلم المشركين مع أن المسلمين أمروا ~~بقتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم ؟ # قلنا : يمكن ظلمهم أيضا من وجوه كثيرة : منها أنهم إذا أظهروا الإسلام لا ~~يقبلونه منهم ، ومنها قتل أولادهم الأطفال لاغتمام الآباء ، ومنها إيقاع ~~المثلة بهم ، ومنها نقض عهودهم ، والقول الأول أولى . # ثم قال تعالى : { اعدلوا هو أقرب للتقوى } فنهاهم أولا عن أن يحملهم ~~البغضاء على ترك العدل ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا ، ~~ثم ms3246 ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله { هو أقرب للتقوى } ونظيره قوله { ~~وأن تعفوا أقرب للتقوى } ( البقرة : 237 ) أي هو أقرب للتقوى ، وفيه وجهان ~~، الأول : هو أقرب إلى الاتقاء من معاصي الله تعالى ، والثاني : هو أقرب ~~إلى الاتقاء من عذاب الله وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين ~~هم أعداء الله تعالى ، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه ~~وأحباؤه . # ثم ذكر الكلام الذي يكون وعدا مع المطيعين ووعيدا للمذنبين وهو قوله ~~تعالى : { واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } يعني أنه عالم بجميع ~~المعلومات فلا يخفى عليه شيء من أوالكم . # ! 7 < { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم } . ~~> 7 @QB@ < # | المائدة : ( 9 ) وعد الله الذين . . . . . # > > # ثم ذكر وعد المؤمنين فقال تعاللى : { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم } فالمغفرة إسقاط السيئات كما قال { فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات } ( الفرقان : 70 ) والأجر العظيم إيصال الثواب ، ~~وقوله { لهم مغفرة وأجر عظيم } فيه وجوه : الأول : أنه قال أولا { وعد الله ~~الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } فكأنه قيل : وأي شيء وعدهم ؟ فقال { لهم ~~مغفرة وأجر عظيم } الثاني : التقدير كأنه قال : وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وقال لهم مغفرة وأجر عظيم ، والثالث : أجرى قوله { وعد } ~~مجرى قال ، والتقدير : قال الله في الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ~~وأجر عظيم ، والرابع : أن يكون { وعد } واقعا على جملة { لهم مغفرة وأجر ~~عظيم } أي وعدهم بهذا المجموع . # فإن قيل : لم أخبر عن هذا الوعد مع أنه لو أخبر بالموعود به كان ذلك أقوى ~~؟ # قلنا : بل الأخبار عن كون هذا الوعد وعد الله أقوى . وذلك لأنه أضاف هذا ~~الوعد إلى الله تعالى فقال { وعد الله } والإله هو الذي يكون قادرا على ~~جميع المقدورات عالما بجميع المعلومات غنيا عن كل الحاجات ، وهذا يمتنع ~~الخلف في وعده ، لأن دخول الخلف إنما يكون إما للجهل حيث ينسى وعده ، وإما ~~للعجز حيث لا يقدر على الوفاء بوعده ، وإما للبخل حيث يمنعه البخل عن ~~الوفاء ms3247 بالوعد ، وإما للحاجة ، فإذا كان الإله هو الذي يكون منزها عن كل ~~هذه الوجوه كان دخول الخلف في وعده محالا ، فكان الإخبار عن PageV11P143 ~~هذا الوعد أوكد وأقوى من نفس الأخبار عن الموعود به ، وأيضا فلأن هذا الوعد ~~يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عن سكرات الموت فتسهل بسببه تلك الشدائد ~~، وبعد الموت يسهل عليه بسببه البقاء في ظلمة القبر وفي عرصة القيامة عند ~~مشاهدة تلك الأهوال . # ! 7 < { والذين كفروا وكذبوا بأاياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 10 ) والذين كفروا وكذبوا . . . . . # > > # ثم ذكر بعد ذلك وعيد الكفار فقال : { والذين كفروا وكذبوا بئاياتنا ~~أولائك أصحاب الجحيم } . # هذه الآية نص قاطع في أن الخلود ليس إلا للكفار ، لأن قوله { أولائك ~~أصحاب الجحيم } يفيد الحصر ، والمصاحبة تقتضي الملازمة كما يقال : أصحاب ~~الصحراء ، أي الملازمون لها . # ! 7 < { ياأيهآ الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا ~~إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } > ~~7 @QB@ < # | المائدة : ( 11 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # وقوله تعالى : { الجحيم يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم ~~قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم }وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية وجهان : الأول : أن المشركين في ~~أول الأمر كانوا غالبين ، والمسلمين كانوا مقهورين مغلوبين ، ولقد كان ~~المشركون أبدا يريدون أيقاع البلاء والقتل والنهب بالمسلمين ، والله تعالى ~~كن يمنعهم عن مطلوبهم إلى أن قوي الإسلام وعظمت شوكة المسلمين فقال تعالى : ~~{ اذكروا نعمتى * الله عليكم إذ هم قوم } وهو المشركون { أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم } بالقتل والنهب والنفي فكف الله تعالى بلطفه ورحمته أيدي الكفار ~~عنكم أيها المسلمون ، ومثل هذا الأنعام العظيم يوجب عليكم أن تتقوا معاصيه ~~ومخالفته . # ثم قال تعالى : { واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي كونوا ~~مواظبين على طاعة الله تعالى ، ولا تخافوا أحدا في إقامة طاعات الله تعالى ~~. # الوجه الثاني : أن هذه الآية نزلت في واقعة خاصة ثم فيه وجوه : الأول : ~~قال ابن عباس والكلبي ومقاتل : كان النبي صلى الله ms3248 عليه وسلم بعث سرية إلى ~~بني عامر فقتلوا ببئر معونة إلا ثلاثة نفر : أحدهم عمرو بن امية الضمري ، ~~وانصرف هو وآخر معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبراه خبر القوم ، ~~فلقيا رجلين من بني سليم معهما أمان من النبي صلى الله عليه وسلم فقتلاهما ~~ولم يعلما أن معهما أمانا ، فجاء قومهما يطلبون الدية ، فخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلى حتى دخلوا على بني النضير ، ~~وقد كانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه ~~في الديات . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : رجل من أصحابي أصاب رجلين ~~معهما أمان مني فلزمني ديتهما ، فأريد أن تعينوني ، فقالوا أجلس حتى نطعمك ~~ونعطيك ما تريد ، ثم خموا بالفتك برسول الله وبأصحابه ، فنزل جبريل وأخبره ~~بذلك ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحال مع أصحابه وخرجوا ، ~~فقال اليهود : إن قدورنا تغلي ، فأعلمهم الرسول أنه قد نزل عليه الوحي بما ~~عزموا عليه . قال عطاء : توامروا على أن يطرحوا عليه رحا أو حجرا ، وقيل : ~~بل PageV11P144 ألقوا فأخذه جبريل عليه السلام ، والثاني : قال آخرون : إن ~~الرسول نزل منزلا وتفرق الناس عنه ، وعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سلاحه بشجرة ، فجاء إعرابي وسل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : من ~~يمنعك مني ؟ فقال لا أحد ، ثم صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ~~فأخبرهم وأبى أن يعاقبه ، وعلى هذين القولين فالمراد من قوله { اذكروا ~~نعمتى * الله عليكم } تذكير نعمة الله عليهم بدفع الشر والمكروه عن نبيهم ، ~~فأنه لو حصل ذلك لكان من أعظم المحن ، والثالث : روي أن المسلمين قاموا ءلى ~~صلاة الظهر بالجماعة وذلك بعسفان ، فلما صلوا ندم المشركون وقالوا ليتنا ~~أوقعنا بهم في أثناء صلاتهم ، فقيل لهم : إن للمسلمين بعدها صلاة هي أحب ~~إليهم من أبنائهم وآبائهم ، يعنون صلاة العصر ، فهموا بأن يوقعوا بهم إذ ~~قامو إليه ، فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف . # المسألة الثانية : يقال : بسط إليه لسانه إذا ms3249 شتمه ، وبسط إليه يده إذا ~~بطش به . ومعنى بسط اليد مده إلى المطبوش به ، ألا ترى أن قولهم : فلان ~~بسيط الباع ومديد الباع بمعنى واحد { فكف أيديهم عنكم } أي منعها أن تصل ~~إليكم . # ! 7 < { ولقد أخذ الله ميثاق بنىإسراءيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وقال ~~الله إنى معكم لئن أقمتم الصلواة وءاتيتم الزكواة وءامنتم برسلى وعزرتموهم ~~وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجرى من تحتها ~~الا نهار فمن كفر بعد ذالك منكم فقد ضل سوآء السبيل } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 12 ) ولقد أخذ الله . . . . . # > > # قوله تعالى : { ولقد * أخذ الله ميثاق بنى إسراءيل وبعثنا منهم اثنى عشر ~~نقيبا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوها : الأول : ~~أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه ~~الذى واثقكم به إذ قلتم * الله وأطعنا } ( المئدة : 7 ) ثم ذكر الآن أنه ~~أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به ، فلا تكونوا ~~أيها المؤمنون مثل أولئك اليهود في هذا الخلق الذميم لئلا تصيروا مثلهم ~~فيما نزل بهم من اللعن والذلة والمسكنة ، والثاني : أنه لما ذكر قوله { ~~اذكروا نعمتى * الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } ( المائدة : ~~11 ) وقد ذكرنا في بعض الروايات أن هذه الآية نزلت في اليهود ، وأنهم ~~أرادوا أيقاع الشر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم ذكر الله تعالى ذلك ~~أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبدا كانوا مواظبين على نقض العهود ~~والمواثيق ، الثالث : أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول ~~التكاليف وترك التمرد والعصيان ، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبل المسلمين ~~كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والالزام غير مخصوصة بهم ، بل ~~هي عادة جارية له مع جميع عباده . # المسألة الثانية : قال الزجاج : النقيب فعيل أصله من النقب وهو الثقب ~~الواسع ، يقال فلان نقيب القوم لأنه ينقب عن أحوالهم كما ينقب عن الأسرار ~~ومنه المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها ms3250 ، ونقبت الحائط ~~أي بلغت في النقب إلى آخرة ، ومنه النقبة السراويل بغير رجلين لأنه قد بولغ ~~في فتحها ونقبها ، ويقال : كلب نقيب ، وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرتفع صوت ~~نباحه ، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف . PageV11P145 # إذ عرفت هذا فنقول : النقيب فعيل ، والفعيل يحتمل الفاعل والمفعول ، فإن ~~كان بمعنى الفاعل فهو الناقب عن أحوال القوم المفتش عنها ، وقال أبو مسلم : ~~النقيب ههنا فعيل بمعنى مفعول يعني اختارهم على بهم ، ونظيره أنه يقال ~~للمضروب : ضريب ، وللمقتول قتيل . وقال الأصم : هم المنظور إليهم والمسند ~~إليهم أمور القوم وتدبير مصالحهم . # المسألة الثالثة : أن بني إسرائيل كانوا اثنى عشر سبطا ، فاختار الله ~~تعالى من كل سبط رجلا يكون نقيبا لهم وحاكما فيهم . وقال مجاهد والكلبي ~~والسدي : أن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى عليه السلام ~~بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام ~~أن يحدثوهم ، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا ، ويوشع بن ~~نون من سبط إفراثيم بن يوسف ، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما { قال ~~رجلان من الذين يخافون } ( المائدة : 23 ) الآية . # قوله تعالى : { وقال الله إنى معكم لئن أقمتم الصلواة وءاتيتم * أشق وما ~~لهم من الله من واق * مثل الجنة التى وعد المتقون تجرى من تحتها الانهار } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الآية حذف ، والتقدير : وقال الله لهم إني معكم ، ~~إلا أنه حذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم . # المسألة الثانية : قوله { إنى معكم } خطاب لمن ؟ فيه قولان : الأول : أنه ~~خطاب للنقباء ، أي وقال الله للنقباء إني معكم . والثاني : أنه خطاب لكل ~~بني إسرائيل ، وكلاهما محتمل إلا أن الأول أولى . لأن الضمير يكون عائدا ~~إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكور هنا النقباء والله أعلم . # المسألة الثالثة : أن الكلام قد تم عند قوله { وقال الله إنى معكم } ~~والمعنى إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم ~~وأقدر على إيصال الجزاء إليكم ، فقوله { إنى معكم } مقدمة معتبرة جدا في ~~الترغيب والترهيب ، ثم لما ms3251 وضع الله تعالى هذه المقدمة الكلية ذكر بعدها ~~جملة شرطية ، والشرط فيها مركب من أمور خمسة ، وهي قوله { لئن أقمتم ~~الصلواة وءاتيتم الزكواة وءامنتم برسلى وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا } ~~والجزاء هو قوله { لاكفرن عنكم } وذلك إشارة إلى إزالة العقاب . وقوله { ~~لهم جنات تجرى من تحتها الانهار } وهو إشارة إلى إيصال الثواب ، وفي الآية ~~سؤالات : PageV11P146 # السؤال الأول : لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع ~~أنه مقدم عليها ؟ # والجواب : أن اليهود كانوا مقرين بأنه لا بد في حصول النجاة من إقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسلد فذكر بعد ~~إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لا بد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل ~~المقصود ، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة ~~بدون الإيمان بجميع الرسل . # والسؤال الثاني : ما معنى التعزيز ؟ الجواب : قال الزجاج : العزز في ~~اللغة الرد ، وتأويل عززت فلانا ، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه ~~، ولهذا قال الأكثرون : معنى قوله { وعزرتموهم } أي نصرتموهم ، وذلك لأن من ~~نصر إنسانا فقد رد عنه أعداءه . قال : ولو كان التعزيز هو التوقير لكان ~~قوله { وتعزروه وتوقروه } ( الفتح : 9 ) تكرارا . # والسؤال الثالث : قوله { وأقرضتم الله قرضا حسنا } دخل تحت إيتاء الزكاة ~~، فما الفائدة في الإعادة ؟ # والجواب : المراد بإيتاء الزكاة الواجبات . وبهذا الاقراض الصدقات ~~المندوبة ، وخصها بالذكر تنبيها على شرفها وعلو مرتبتها . قال الفراء : ولو ~~قال : وأقرضتم الله إقراضا حسنا لكان صوابا أيضا إلا أنه قد يقام الإسم ~~مقام المصدر ، ومثله قوله { فتقبلها ربها بقبول حسن } ( آل عمران : 37 ) ~~ولم يقل يتقبل ، وقوله { وأنبتها نباتا حسنا } ولم يقل إنباتا . # ثم قال تعالى : { فمن كفر بعد ذالك منكم فقد ضل سواء السبيل } أي أخطأ ~~الطريق المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لهم . # فإن قيل : من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل سواء السبيل . # قلنا : أجل ، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم ~~النعمة المكفورة ، فإذا زادت النعمة ms3252 زاد قبح الكفر وبلغ النهاية القصوى . # ! 7 < { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن ~~مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خآئنة منهم إلا قليلا ~~منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 13 ) فبما نقضهم ميثاقهم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في نقضهم الميثاق وجوه : الأول : بتكذيب الرسل وقتل ~~الأنبياء . الثاني : بكتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم . الثالث : ~~مجموع هذه الأمور . # المسألة الثانية : في تفسير ( اللعن ) وجوه : الأول : قال عطاء : لعناهم ~~أي أخر جناهم من رحمتنا . الثاني : قال الحسن ومقاتل : مسخناهم حتى صاروا ~~قردة وخنازير . قال ابن عباس ضربنا الجزية عليهم . PageV11P147 ثم قال ~~تعالى : { وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكساي ( قسية ) بتشديد الياء بغير ألف على ~~وزن فعلية ، والباقون بالألف والتخفيف ، وفي قوله ( قسية ) وجهان : أحدهما ~~: أن تكون القسية بمعنى القاسية إلا أن القسي أبلغ من القاسي ، كما يقال : ~~قادر وقدير ، وعالم وعليم ، وشاهد وشهيد ، فكما أن القدير أبلغ من القادر ~~فكذلك القسي أبلغ من القاسي ، الثاني : أنه مأخوذ من قولهم : درهم قسي على ~~وزن شقي ، أي فاسد رديء . قال صاحب ( الكشاف ) وهو أيضا من القسوة لأن ~~الذهب والفضة الخالصين فيهما لين ، والمغشوش فيه يبس وضلابة ، وقرىء ( قسية ~~) بكسر القاف للاتباع . # المسألة الثانية : قال أصحابنا { وجعلنا قلوبهم قاسية } أي جعلناها نائبة ~~عن قبول الحق منصرفة عن الانقياد للدلائل . وقالت المعتزلة { وجعلنا قلوبهم ~~قاسية } أي أخبرنا عنها بأنها صارت قاسية كما يقال : فلان جعل فلانا فاسقا ~~وعدلا . # ثم أنه تعالى ذكر بعض ما هو من نتائج تلك القسوة فقال { يحرفون الكلم عن ~~مواضعه } وهذا التحريف يحتمل التأويل الباطل ، ويحتمل تغيير اللفظ ، وقد ~~بينا فيما تقدم أن الأول أولى لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى فيه ~~تغيير اللفظ . # ثم قال تعالى : { ونسوا حظا مما ذكروا به } قال ابن عباس : تركوا نصيبا ~~مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان ms3253 بمحمد صلى الله عليه وسلم . # ثم قال تعالى : { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } وفي الخائنة وجهان : ~~الأول : أن الخائنة بمعنى المصدر ، ونظيره كثير ، كالكافية والعافية ، وقال ~~تعالى : { فأهلكوا بالطاغية } ( الحاقة : 5 ) أي بالطغيان . وقال { ليس * ~~لوقعتها كاذبة } ( الواقعة : 2 ) أي كذب . وقال : { لا تسمع فيها لاغية } ( ~~الغاشية : 11 ) أي لغوا . وتقول العرب : سمعت راغية الإبل . وثاغية الشاء ~~يعنون رغاءها وثغاءها . وقال الزجاج : ويقال عافاه الله عافية ، والثاني : ~~أن يقال : الخائنة صفة ، والمعنى : تطلع على فرقة خائنة أو نفس خائنة أو ~~على فعلة ذات خيانة . وقيل : أراد الخائن ، والهاء للمبالغة كعلامة ونسابة ~~. قال صاحب ( الكشاف ) وقرىء على خيانة منهم . # ثم قال تعالى : { إلا قليلا منهم } وهم الذين آمنوا كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه . وقيل : يحتمل أن يكون هذا القليل من الذين بقوا على العهد ولم ~~يخونوا فيه . # ثم قال : { فاعف عنهم واصفح } وفيه قولان : الأول : أنه منسوخ بآية السيف ~~، وذلك لأنه عفو وصفح عن الكفار ، ولا شك أنه منسوخ بآية السيف . # والقول الثاني : أنه غير منسوخ وعلى هذا القول ففي الآية وجهان : أحدهما ~~: المعنى فاعف عن مذنبهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم ، والثاني : أنا إذا ~~حملنا القليل عن الكفار منهم الذين بقوا على الكفر فسرنا هذه الآية بأن ~~المراد منها أمر الله رسوله بأن يعفو عنهم ويصفح عن صغائر زلاتهم ما داموا ~~باقين على العهد ، وهو قول أبي مسلم . # ثم قال تعالى : { إن الله يحب المحسنين } وفيه وجهان : الأول : قال ابن ~~عباس : إذا عفوت فأنت PageV11P148 محسن ، وإذا كنت محسنا فقد أحبك الله . ~~والثاني : أن المراد بهؤلاء المحسنين هم المعنيون بقوله { إلا قليلا منهم } ~~وهم الذين نقضوا عهد الله ، والقول الأول أولى لأن صرف قوله { إن الله يحب ~~المحسنين } على القول الأول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه هو المأمور ~~في هذه الآية بالعفو والصفح ، وعلى القول الثاني إلى غير الرسول ، ولا شك ~~أن الأول أولى . # ! 7 < { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا ms3254 بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما ~~كانوا يصنعون } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 14 ) ومن الذين قالوا . . . . . # > > والمراد أن سبيل النصارى مثل سبيل اليهود في نقض المواثيق من عند ~~الله ، وإنما قال : { ومن الذين قالوا إنا نصارى } ولم يقل : ومن النصارى ، ~~وذلك لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله تعالى ، وهم ~~الذين قالوا لعيسى { نحن أنصار الله } ( آل عمران : 52 ) فكان هذا الاسم في ~~الحقيقة اسم مدح ، فبين الله تعالى أنهم يدعون هذه الصفة ولكنهم ليسوا ~~موصوفين بها عند الله تعالى ، وقوله { أخذنا ميثاقهم } أي مكتوب في الإنجيل ~~أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتنكير { * الحظ } في الآية يدل على ~~أن المراد به حظ واحد ، وهو الذي ذكرناه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ، وإنما خص هذا الواحد بالذكر مع أنهم تركوا الكثير مما أمرهم الله ~~تعالى به لأن هدا هو المعظم والمهم ، وقوله { به فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضاء } أي ألصقنا العداوة والبغضاء بهم ، يقال : أغرى فلان بفلان إذا ~~ولع به كأنه ألصق به ، ويقال لما التصق به ، ويقال لما التصق به الشيء : ~~الغراء ، وفي قوله { بينهم } وجهان : أحدهما : بين اليهود والنصارى . ~~والثاني : بين فرق النصارى ، فءن بعضهم يكفر بعضا إلى يوم القيامة ، ونظيره ~~قوله { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } ( الأنعام : 65 ) وقوله { ~~وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } وعيد لهم . # ! 7 < { ياأهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب ويعفوا عن كثير قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 15 ) يا أهل الكتاب . . . . . # > > PageV11P149 # وأعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود وعن النصارى نقضهم العهد وتركهم ما ~~أمروا به ، دعاهم عقيب ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال { من ~~أهل الكتاب } والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى ، وإنما وحد الكتاب لأنه ~~خرج الجنس ، ثم وصف الرسول بأمرين : الأول : أنه يبين لهم كثيرا مما كانوا ~~يخفون . قال ابن عباس : أخفوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ms3255 ، وأخفوا أمر ~~الرجم ، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم بين ذلك لهم ، وهذا معجز لأنه ~~عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتابا ولم يتعلم علما من أحد ، فلما أخبرهم ~~بأسرار ما في كتابهم كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا . # والوصف الثاني للرسول : قوله { ويعفوا عن كثير } أي لا يظهر كثيرا مما ~~تكتمونه أنتم ، وإنما لم يظهره لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين ، ~~والفائدة في ذكر ذلك أنهم يعلمون كون الرسول عالما بكل ما يخفونه ، فيصير ~~ذلك داعيا لهم إلى ترك الإخفاء لئلا يفتضحوا . # ثم قال تعالى : { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } وفيه أقوال : الأول ~~: أن المراد بالنور محمد ، وبالكتاب القرآن ، والثاني : أن المراد بالنور ~~الإسلام ، وبالكتاب القرآن . الثالث : النور والكتاب هو القرآن ، وهذا ضعيف ~~لأن العطف يوجب المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه وتسمية محمد والإسلام ~~والقرآن بالنور ظاهرة ، لأن النور الظاهر هو الذي يتقوى به البصر على إدراك ~~الأشياء الظاهرة ، والنور الباطن أيضا هو الذي تتقوى به البصيرة على إدراك ~~الحقائق والمعقولات . # ! 7 < { يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 16 ) يهدي به الله . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { يهدى به الله } أي بالكتاب المبين { من اتبع رضوانه } ~~من كان مطلوبه من طلب الدين اتباع الدين الذي يرتضيه الله تعالى ، فأما من ~~كان مطلوبه من دينه تقرير ما ألفه ونشأ عليه وأخذخ من أسلافه مع ترك النظر ~~والاستدلال ، فمن كان كذلك فهو غير متبع رضوان الله تعالى . # ثم قال تعالى : { سبل السلام } أي طرق السلامة ، ويجوز أن يكون على حذف ~~المضاف ، أي سبل دار السلام ، ونظيره قوله { والذين قتلوا فى سبيل الله فلن ~~يضل أعمالهم * سيهديهم } ( محمد : 4 ، 5 ) ومعلوم أنه ليس المراد هداية ~~الإسلام ، بل الهداية إلى طريق الجنة . # ثم قال : { ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه } أي من ظلمات الكفر إلى ~~نور الإيمان ، وذلك أن الكفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام ms3256 ، ويهتدي ~~بالإيمان إلى طرق الجنة كما يهتدي بالنور ، وقوله { بإذنه } أي بتوفيقه ، ~~والباء تتعلق بالاتباع أي اتبع رضوانه بإذنه ، ولا يجوز أن تتعلق بالهداية ~~ولا بالإخراج لأنه لا معنى له ، فدل ذلك على أنه لا يتبع رضوان الله إلا من ~~أراد الله منه ذلك . # وقوله تعالى : { ويهديهم إلى صراط مستقيم } وهو الدين الحق ، لأن الحق ~~واحد لذاته ، ومتفق من جميع جهاته ، وأما الباطل ففيه كثرة ، وكلها معوجة . # ! 7 < { لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من ~~الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الا رض جميعا ولله ~~ملك السماوات والا رض وما بينهما يخلق ما يشآء والله على كل شىء قدير } . > ~~7 @QB@ < # | المائدة : ( 17 ) لقد كفر الذين . . . . . # > > PageV11P150 # وقوله تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } في ~~الآية سؤال ، وهو أن أحدا من النصارى لا يقول : إن الله هو المسيح ابن مريم ~~، فكيف حكى الله عنهم ذلك مع أنهم لا يقولون به . # وجوابه : أن كثيرا من الحلولية يقولون : إن الله تعالى قد يحل في بدن ~~إنسان معين ، أو في روحه ، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال : إن قوما من ~~النصارى ذهبوا إلى هذا القول ، بل هذا أقرب مما يذهب إليه النصارى ، وذلك ~~لأنهم يقولون : أن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى عليه السلام ، فأقنوم الكلمة ~~إما أن يكون ذاتا أو صفة ، فإن كان ذاتا فذات الله تعالى قد حلت في عيسى ~~واتحدت بعيسى فيكون عيسى هو الإله على هذا القول . وإن قلنا : إن الأقنوم ~~عبارة عن الصفة ، فانتقال الصفة من ذات إلى ذات أخرى غير معقول ، ثم بتقدير ~~انتقال أقنوم العلم عن ذات الله تعالى إلى عيسى يلزم خلو ذات الله عن العلم ~~، ومن لم يكن عالما لم يكن إلها ، فحينئذ يكون الإله هو عيسى على قولهم ، ~~فثبت أن النصارى وإن كانوا لا يصرحون بهذا القول إلا أن حاصل مذهبهم ليس ~~إلا ذلك : # ثم أنه سبحانه احتج ms3257 على فساد هذا المذهب بقوله { قل فمن يملك من الله ~~شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الارض جميعا } وهذه جملة ~~شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط . والتقدير : إن أراد أن يهلك المسيح ابن ~~مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ، فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ~~ومقدوره ، وقوله { فمن يملك من الله شيئا } أي فمن يملك من أفعال الله شيئا ~~، والملك هو القدرة ، يعني فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال الله تعالى ~~ومنع شيء من مراده . وقوله { ومن فى الارض جميعا } ( المعارج : 14 ) يعني ~~أن عيسى مشاكل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير ~~الصفات والأحوال ، فلما سلمتم كونه تعالى خالقا للكل مدبرا للكل وجب أن ~~يكون أيضا خالقا لعيسى . # ثم قال تعالى : { ولله ملك * السماوات والارض * وما بينهما } إنما قال { ~~وما بينهما } بعد ذكر السماوات والأرض ، ولم يقل : بينهن لأنه ذهب بذلك ~~مذهب الصنفين والنوعين . # ثم قال : { يخلق ما يشاء والله على كل شىء قدير } وفيه وجهان : الأول : ~~يعني يخلق ما يشاء ، فتارة يخلق الإنسان من الذكر والأنثى كما هو معتاد ، ~~وتارة لا من الأب والأم كما في خلق آدم عليه السلام ، وتارة من الأم لا من ~~الأب كما في حق عيسى عليه السلام ، والثاني : يخلق ما يشاء ، يعني أن عيسى ~~إذا قدر صورة الطير من الطين فالله تعالى يخلق فيه اللحمية والحياة والقدرة ~~معجزة لعيسى ، وتارة يحيى الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص معجزة له ، ولا ~~اعتراض على الله تعالى في شيء من أفعاله . # ! 7 < { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ولله ملك ~~السماوات والا رض وما بينهما وإليه المصير } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 18 ) وقالت اليهود والنصارى . . . . . # > > # قوله تعالى : { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } وفيه ~~سؤال : وهو أن اليهود لا يقولون ذلك البتة ، فكيف نقل هذا القول عنهم ؟ ~~وأما النصارى فإنهم يقولون ذلك ms3258 في حق عيسى لا في حق PageV11P151 أنفسهم ، ~~فكيف يجوز هذا النقل عنهم ؟ # أجاب المفسرون عنه من وجوه : الأول : أن هذا من باب حذف المضاف ، ~~والتقدير نحن أبناء رسل الله ، فأضيف إلى الله ما هو في الحقيقة مضاف إلى ~~رسل الله ، ونظيره قوله { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : ~~10 ) والثاني : أن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب فقد يطلق أيضا على من ~~يتخذ ابنا ، واتخاذه ابنا بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة ، فالقوم لما ~~ادعوا أن عناية الله بهم أشد وأكمل من عنايته بكل ما سواهم ، لا جرم عبر ~~الله تعالى عن دعواهم كمال عناية الله بهم بأنهم ادعوا أنهم أبناء الله . ~~الثالث : أن اليهود لما زعموا أن عزيرا ابن الله ، والنصارى زعموا أن ~~المسيح ابن الله ، ثم زعموا أن عزيرا والمسيح كانا منهم ، صار ذلك كأنهم ~~قالوا نحن أبناء الله ، ألا ترى أن أقارب الملك إذا فاخروا إنسانا آخر فقد ~~يقولون : نحن ملوك الدنيا ، ونحن سلاطين العالم ، وغرضهم منه كونهم مختصين ~~بذلك الشخص الذي هو الملك والسلطان فكذا هاهنا ، والرابع : قال ابن عباس : ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم ~~بعقاب الله تعالى فقالوا : كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله وأحباؤه ~~، فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة ، وأما النصارى فإنهم يتلون في ~~الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم : اذهب إلى أبي وأبيكم وجملة الكلام أن ~~اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلا على سائر الخلق بسبب أسلافهم ~~الأفاضل من الأنبياء حتى انتهوا في تعظيم أنفسهم إلى أن قالوا : نحن أبناء ~~الله وأحباؤه . # ثم انه تعالى أبطل عليهم دعواهم وقال : { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } وفيه ~~سؤال ، وهو أن حاصل هذا الكلام أنهم لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم ~~لكنه عذبهم ، فهم ليسوا أبناء الله ولا أحباءه ، والاشكال عليه أن يقال : ~~إما أن تدعوا أن الله عذبهم في الدنيا أو تدعوا أنه سيعذبهم في الآخرة ، ~~فإن كان موضع الالزام عذاب ms3259 الدنيا فهذا لا يقدح في ادعائهم كونهم أحباء ~~الله لأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يدعي أنه هو وأمته أحباء الله ، ثم ~~أنهم ما خلوا عن محن الدنيا . انظروا إلى وقعة أحد ، وإلى قتل الحسن ~~والحسين ، وإن كان موضع الالزام هو أنه تعالى سيعذبهم في الآخرة فالقوم ~~ينكرون ذلك . ومجرد إخبار محمد صلى الله عليه وسلم ليس بكاف في هذا الباب ، ~~إذ لو كان كافيا لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادعائهم أنهم أحباء الله ~~كافيا ، وحينئذ يصير هذا الاستدلال ضائعا . # والجواب من وجوه : الأول : أن موضع الالزام هو عذا الدنيا ، والمعارضة ~~بيوم أحد غير لازمة لأنه يقول : لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم ~~الله في الدنيا ، ومحمد عليه الصلاة والسلام ادعى أنه من أحباء الله ولم ~~يدع أنه من أبناء الله فزال السؤال . الثاني : أن موضع الالزام هو عذاب ~~الآخرة ، واليهود والنصارى كانوا معترفين بعذاب الآخرة كما أخبر الله تعالى ~~عنهم أنهم قالوا { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) ~~والثالث : المراد بقوله { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } فلم مسخكم ، فالمعذب في ~~الحقيقة اليهود الذين كانوا قبل اليهود المخاطبين بهذا الخطاب في زمان ~~الرسول عليه الصلاة والسلام ، إلا أنهم لما كانوا من جنيس أولئك المتقدمين ~~حسنت هذه الإضافة ، وهذا الجواب أولى لأنه تعالى لم يكن ليأمر رسوله عليه ~~الصلاة والسلام أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود فإنهم يقولون : ~~لا نسلم أنه تعالى يعذبنا ، بل الأولى أن يحتج عليهم عليهم بشيء قد وجد ~~وحصل حتى يكون الاستدلال به قويا متينا . PageV11P152 # ثم قال تعالى : { بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } ~~يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له ، وليس لأحد عليه حق يمنعه ~~من أن يعذبه ، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . # واعلم أنا بينا أن مراد القوم من قولهم { نحن أبناء الله وأحباؤه } كمال ~~رحمته عليهم وكمال عنايته بهم . # وإذا عرفت هذا فمذهب المعتزلة ms3260 أن كل من أطاع الله واحترز عن الكبائر فإنه ~~يجب على الله عقلا إيصال الرحمة والنعمة إليه أبد الآباد ، ولو قطع عنه بعد ~~ألوف سنة في الآخرة تلك النعم لحظة واحدة لبطلت إلهيته ولخرج عن صفة الحكمة ~~، وهذا أعظم من قول اليهود والنصارى : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وكما أن ~~قوله { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } إبطال لقول اليهود . فبأن يكون ~~إبطالا لقول المعتزلة أولى وأكمل . # ثم قال تعالى : { ولله ملك * السماوات والارض * وما بينهما } بمعنى من ~~كان ملكه هكذا وقدرته هكذا فكيف يستحق البشر الضعيف عليه حقا واجبا ؟ وكيف ~~يملك الإنسان الجاهل بعبادته الناقصة ومعرفته القليلة عليه دينا . إنها ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا . # ثم قال تعالى : { وإليه المصير } أي وإليه يؤول أمر الخلق في الآخرة لأنه ~~لا يملك الضر والنفع هناك إلا هو كما قال { والامر يومئذ لله } ( الانفطار ~~: 19 ) . # ! 7 < { يأهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن ~~تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شىء ~~قدير } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 19 ) يا أهل الكتاب . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في قوله { يبين لكم } وجهان : الأول : أن يقدر المبين ، ~~وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون ذلك المبين هو الدين ~~والشرائع ، وإنما حسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان ~~الشرائع ، وثانيها : أن يكون التقدير يبين لكم ما كنتم تخفون ، وإنما حسن ~~حذفه لتقدم ذكره . # الوجه الثاني : أن لا يقدر المبين ويكون المعنى يبين لكم البيان ، وحذف ~~المفعول أكمل لأن على هذا التقدير يصير أعم فائدة . # المسألة الثانية : قوله { يبين لكم } في محل النصب على الحال ، أي مبينا ~~لكم . # المسألة الثالثة : قوله { على فترة من الرسل } قال ابن عباس : يريد على ~~انقطاع من الأنبياء ، يقال : فتر الشيء يفتر فتورا إذا سكنت حدته وصار أقل ~~مما كان عليه ، وسميت المدة التي بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي في العمل ~~بتلك الشرائع . # واعلم أن ms3261 قوله { على فترة } متعلق { جاءكم } أي جاءكم على حين فتور من ~~إرسال الرسل . قيل : كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة أو أقل ~~ألأ أكثر . وعن الكلبي كان بين موسى وعيسى PageV11P153 عليهما السلام ألف ~~وسبعمائة سنة ، وألفا نبي ، وبين عيسى ومحمد عليهما السلام أربعة من ~~الأنبياء : ثلاثة من بني إسرائيل ، وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسي ~~. # المسألة الرابعة : الفائدة في بعثة محمد عليه الصلاة والسلام عند فترة من ~~الرسل هي أن التغيير والتحريف قد تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها ~~وطول زمانها ، وبسبب ذلك اختلط الحق بالباطل والصدق بالكذب ، وصار ذلك عذرا ~~ظاهر في اعراض الخلق عن العبادات . لأن لهم أن يقولوا : يا إلهنا عرفنا أنه ~~لا بد من عبادتك ولكنا ما عرفنا كيف نعبد ، فبعث الله تعالى في هذا الوقت ~~محمدا عليه الصلاة والسلام إزالة لهذا العذر ، وهو { أن تقولوا ما جاءنا من ~~بشير ولا نذير } يعني إنما بعثنا إليكم الرسول في وقت الفترة كراهة أن ~~تقولوا : ما جاءنا في هذا الوقت من بشير ولا نذير . # ثم قال تعالى : { فقد جاءكم بشير ونذير } فزالت هذه العلة وارتفع هذا ~~العذر . # ثم قال : { والله على كل شيء قدير } والمعنى أن حصول الفترة يوجب احتياج ~~الخلق إلى بعثة الرسل ، والله تعالى قادر على كل شيء ، فكان قادرا على ~~البعثة ، ولكا كان الخلق محتاجين إلى البعثة ، والرحيم الكريم قادرا على ~~البعثة وجب في كرمه ورحمته أن يبعث الرسل إليهم ، فالمراد بقوله { والله ~~على كل شيء قدير } الإشارة إلى الدلالة التي قررناها . # ! 7 < { وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم ~~أنبيآء وجعلكم ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 20 ) وإذ قال موسى . . . . . # > > واعلم أن وجه الاتصال هو أن الواو في قوله { وإذ قال موسى لقومه } ~~واو عطف ، وهو متصل بقوله { ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسراءيل } ( المائدة : ~~12 ) كأنه قيل : أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى نعم الله تعالى وأمرهم ~~بمحاربة الجبارين فخالفوا ms3262 في القول في الميثاق ، وخالفوه في محاربة ~~الجبارين . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى من عليهم بأمور ثلاثة : أولها : قوله { إذ ~~جعل فيكم أنبياء } لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ~~، فمنهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه فانطلقوا معه إلى الجبل ، ~~وأيضا كانوا من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وهؤلاء الثلاثة بالاتفاق ~~كانوا من أكابر الأنبياء ، وأولاد يعقوب أيضا كانوا على قول الأكثرين ~~أنبياء ، والله تعالى أعلم موسى أنه لا يبعث الأنبياء إلا من ولد بعقوب ومن ~~ولد إسماعيل ، فهذا الشرف حصل بمن مضى من الأنبياء ، وبالذين كانوا حاضرين ~~مع موسى ، وبالذين أخبر الله موسى أنه سيبعثهم من ولد يعقوب وإسماعيل بعد ~~ذلك ، ولا شك أنه شرف عظيم ، وثانيها : قوله { وجعلكم ملوكا } وفيه وجوه : ~~أحدها : قال السدي : يعني وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد ما PageV11P154 ~~كنتم في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية فينا ، ولا يغلبكم على أنفسكم غالب ، ~~وثانيها : أن كل من كان رسولا ونبيا كان ملكا لأنه يملك أمر أمته ويملك ~~التصرف فيهم ، وكان نافذ الحكم عليهم فكان ملكا ، ولهذا قال تعالى : { فقد ~~ءاتينا ءال إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم ملكا عظيما } ( النساء : 54 ) ~~وثالثها : أنه كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء ، وقد يقال فيمن حصل ~~فيهم ملوك : أنتم ملوك على سبيل الاستعارة ، ورابعها : أن كل من كان مستقلا ~~بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجا في مصالحه إلى أحد فهو ملك . قال الزجاج ~~: الملك من لا يدخل عليه أحد إلا بإذنه . وقال الضحاك : كانت منازلهم واسعة ~~وفيها مياه جارية ، وكانت لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ، ومن كان ~~كذلك كان ملكا . # والنوع الثالث : من النعم التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله { وإذ ~~قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة } وذلك لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من ~~الاكرام : أحدها : أنه تعالى فلق البحر لهم ، وثانيها : أنه أهلك عدوهم ~~وأورثهم أموالهم ، وثالثها : أنه أنزل عليهم المن والسلوى ، ورابعها : أنه ~~أخرج لهم المياه العذبة من ms3263 الحجر ، وخامسها : أنه تعالى أظلل فوقهم الغمام ~~، وسادسها : أنه لم يجتمع لقوم الملك والنبوة كما جمع لهم ، وسابعها : أنهم ~~في تلك الأيام كانوا هم العلماء بالله وهم أحباب الله وأنصار دينه . # واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكرهم هذه النعمة وشرحها لهم أمرهم بعد ~~ذلك بمجاهدة العدو فقال : # ! 7 < { ياقوم ادخلوا الا رض المقدسة التى كتب الله لكم ولا ترتدوا على ~~أدباركم فتنقلبوا خاسرين } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 21 ) يا قوم ادخلوا . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : روي أن إبراهيم عليه السلام لما صعد جبل لبنان قال له ~~الله تعالى : انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس ، وهو ميراث لذريتك . وقيل : ~~لما خرج قوم موسى عليه السلام من مصر وعدهم الله تعالى إسكان أرض الشام ، ~~وكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد ، ثم بعث موسى عليه السلام ~~اثنى عشر نقيبا من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي ، فلما دخلوا ~~تلك البلاد رأوا أجساما عظيمة هائلة . قال المفسرون : لما بعث موسى عليه ~~السلام النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في ~~كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك ، فنثرهم بين يديه ~~وقال متعجبا للملك : هؤلاء يريدون قتالنا ، فقال الملك : ارجعوا إلى صاحبكم ~~وأخبروه بما شاهدتم ، ثم انصرف أولئك النقباء إلى موسى عليه السلام فأخبروه ~~بالواقعة ، فأمرهم أن يكتموا ما عاهدوه فلم يقبلوا قوله ، إلا رجلان منهم ، ~~وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ، فإنهما سهلا الأمر وقالا : هي بلاد طيبة ~~كثيرة النعم ، والأقوام وإن كانت أجسادهم عظيمة إلا أن قلوبهم ضعيفة ، وأما ~~العشرة الباقية فقد أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من ~~غزوهم ، فقالوا لموسى عليه السلام { إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها ~~فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ( المائدة : 24 ) فدعا موسى عليه ~~السلام عليهم فعاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم في التيه أربعين سنة . قالوا : ~~وكانت مدة غيبة النقباء للتجسس أربعين يوما فعوقبوا بالتيه أربعين سنة ، ~~ومات أولئك العصاة في التيه ms3264 ، وأهلك النقباء العشرة في التيه بعقوبات غليظة ~~. ومن الناس من قال : إن موسى وهارون عليهما السلام ماتا أيضا في التيه : ~~ومنهم من قال : إن موسى عليه السلام بقي وخرج معه يوشع وكالب وقاتلوا ~~الجبارين وغلبوهم PageV11P155 ودخلوا تلك البلاد ، فهذه هي القصة والله ~~أعلم بكيفية الأمور . # المسألة الثانية : الأرض المقدسلا هي الأرض المطهرة طهرت من الآفات . قال ~~المفسرون : طهرت من الشرك وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء ، وهذا فيه نظر ، ~~لأن تلك الأرض لما قال موسى عليه الصلاة والسلام { ادخلوا الارض المقدسة } ~~ما كانت مقدسة عن الشرك ، وما كانت مقرا للأنبياء ، ويمكن أن يجاب بأنها ~~كانت كذلك فيما قبل . # المسألة الثالثة : اختلفوا في تلك الأرض ، فقال عكرمة والسدي وابن زيد : ~~هي أريحا وقال الكلبي : دمشق وفلسطين وبعض الأردن ، وقيل الطور . # المسألة الرابعة : في قوله { كتب الله لكم } وجوه : أحدها : كتب في اللوح ~~المحفوظ أنها لكم وثانيها : وهبها الله لكم ، وثالثها : أمركم بدخولها . # فإن قيل : لم قال { كتب الله لكم } ثم قال { فإنها محرمة عليهم } ( ~~المائدة : 26 ) . # والجواب : قال ابن عباس : كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم ~~. وقيل : اللفظ وإن كان عاما لكن المراد هو الخصوص ، فصار كأنه مكتوب ~~لبعضهم وحرام على بعضهم . وقيل : إن الوعد بقوله { كتب الله لكم } مشروط ~~بقيد الطاعة ، فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط ، وقيل : إنها ~~محرمة عليهم أربعين سنة ، فلما مضى الأربعون حصل ما كتب . # المسألة الخامسة : في قوله { كتب الله لكم } فائدة عظيمة ، وهي أن القوم ~~وإن كانوا جبارين إلا أن الله تعالى لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض ~~لهم / فإن كانوا مؤمنين مقرين بصدق موسى عليه السلام علموا قطعا أن الله ~~ينصرهم عليهم ويسلطهم عليهم فلا بد وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا ~~خوف ولا هلع ، فهذه هي الفائدة من هذه الكلمة . # ثم قال : { ولا ترتدوا على أدباركم } وفيه وجهان : الأول : لا ترجعوا عن ~~الدين الصحيح إلى الشك في نبوة موسى عليه السلام ، وذلك لأنه عليه السلام ~~لما ms3265 أخبر أن الله تعالى جعل تلك الأرض لهم كان هذا وعدا بأن الله تعالى ~~ينصرهم عليهم ، فلو لم يقطعوا بهذه النصرة صاروا شاكين في صدق موسى عليه ~~السلام فيصيروا كافرين بالإلهية والنبوة . # والوجه الثاني : المراد لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى الأرض ~~التي خرجتم عنها . يروى أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مثر ، ~~وقوله { فتنقلبوا خاسرين } فيه وجوه : أحدها : خاسرين في الآخرة فإنه ~~يفوتكم الثواب ويلحقكم العقاب ، وثانيها : ترجعون إلى الذل ، وثالثها : ~~تموتون في التيه ولا تصلون إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة . # ! 7 < { قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا ~~منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 22 ) قالوا يا موسى . . . . . # > > PageV11P156 # ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم { قالوا يأبانا * موسى أن * فيها قوما ~~جبارين } وفي تفسير الجبارين وجهان : الأول : الجبار فعال من جبره على ~~الأمر بمعنى أجبره عليه ، وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد ، وهذا ~~هو اختيار الفراء والزجاج . قال الفراء : لم أسمع فعالا من أفعل إلا في ~~حرفين وهما : جبار من أجبر ، ودراك من أدرك ، والثاني : أنه مأخوذ من قولهم ~~نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها ، ويقال : رجل جبار ~~إذا كان طويلا عظيما قويا ، تشبيها بالجبار من النخل والقوم كانوا في غاية ~~القوة وعظم الأجسام بحث كانت أيدي قوم موسى ما كانت تصل إليهم ، فسموهم ~~جبارين لهذا المعنى . # ثم قال القوم { وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا ~~داخلون } وإنما قالوا هذا على سبيل الاستبعاد كقوله تعالى : { ولا يدخلون ~~الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط } ( الأعراف : 40 ) . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب ~~فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 23 ) قال رجلان من . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا الرجلان هما يوشع بن نون ، وكالب بن يوفنا ، وكانا ~~من الذين يخافون الله وأنعم الله ms3266 عليهما بالهداية والثقة بعون الله تعالى ~~والاعتماد على نصرة الله . قال القفال : ويجوز أن يكون التقدير : قال رجلان ~~من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون ، وهما رجلان منهم أنعم الله ~~عليهما بالإيمان فآمنا ، وقالا هذا القول لقوم موسى تشجيعا لهم على قتالهم ~~، وقراءة من قرأ { يخافون } بالضم شاهدة لهذا الوجه . # المسألة الثانية : في قوله { أنعم الله عليهما } وجهان : الأول : أنه صفة ~~لقوله { رجلان } ، والثاني : أنه اعتراض وقع في البين يؤكد ما هو المقصود ~~من الكلام . # المسألة الثالثة : قوله { ادخلوا عليهم الباب } مبالغة في الوعد بالنصر ~~والظفر ، كأنه قال : متى دخلتم باب بلدهم انهزموا ولا يبقى منهم نافخ نار ~~ولا ساكن دار ، فلا تخافوهم . والله أعلم . # المسألة الرابعة : إنما جزم هذان الرجلان في قولهما { فإذا دخلتموه فإنكم ~~غالبون } لأنهما كانا جازمين بنبوة موسى عليه السلام ، فلما أخبرهم موسى ~~عليه السلام بأن الله قال : { ادخلوا الارض المقدسة التى كتب الله لكم } ( ~~المائدة : 21 ) لا جرم قطعا بأن النصرة لهم والغلبة حاصلة في جانبهم ، ~~ولذلك ختموا كلامهم بقولهم { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } يعني لما ~~وعدكم الله تعالى النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من شدة قوتهم وعظم ~~أجسامهم ، بل توكلوا على الله في حصول هذا النصر لكم إن كنتم مؤمنين مقرين ~~بوجود الإله القادر ومؤمنين بصحة نبوة موسى عليه السلام . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { قالوا ياموسىإنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك ~~فقاتلاإنا هاهنا قاعدون } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 24 ) قالوا يا موسى . . . . . # > > PageV11P157 # وفي قوله { اذهب أنت * وربك } وجوه : الأول : لعل القوم كانوا مجسمة ، ~~وكانوا يجوزون الذهاب والمجيء على الله تعالى . الثاني : يحتمل أن لا يكون ~~المراد حقيقة الذهاب بل هو كما يقال : كلمته قذهب يجيبني ، يعني يردي أن ~~يجيبني ، فكأنهم قالوا : كن أنت وربك مردين لقتالهم ، والثالث : التقدير : ~~اذهب أنت وربك معين لك بزعمك فأضمر خبر الابتداء . # فإن قيل : إذا أضمرنا الخبر فكيف يجعل قوله { فقاتلا } خبرا أيضا ؟ # قلنا : لا يمتنع خبر بعد خبر ، والرابع : المراد بقوله { وربك } أخوه ms3267 ~~هارون ، وسموه ربا لأنه كان أكبر من موسى . قال المفسرون : قولهم { اذهب ~~أنت * وربك } إن قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر ، وإن ~~قالوه على وجه التمرد عن الطاعة فهو فسق ، ولقد فسقوا بهذا الكلام بدليل ~~قوله تعالى في هذه القصة { فلا تأس على القوم الفاسقين } ( المائدة : 26 ) ~~والمقصود من هذه القصة شرح خلاف هؤلاء اليهود وشدة بغضهم وغلوهم في ~~المنازعة مع أنبياء الله تعالى منذ كانوا . # ! 7 < { قال رب إنى لاأملك إلا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 25 ) قال رب إني . . . . . # > > ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه لما سمع منهم هذا الكلام { ~~قال رب إنى لا أملك إلا نفسى وأخى } ذكر الزجاج في إعراب قوله { وأخى } ~~وجهين : الرفع والنصب ، أما الرفع فمن وجهين : أحدهما : أن يكون نسقا على ~~موضع { إنى } والمعنى أنا لا أملك إلا نفسي ، وأخي كذلك ومثله قوله { أن ~~الله برىء من المشركين ورسوله } ( التوبة : 3 ) والثاني : أن يكون عطفا على ~~الضمير في { أملك } وهو ( أنا ) والمعنى : لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا ، ~~وأما النصب فمن وجهين : أحدهما أن يكون نسقا على الياء ، والتقدير : إني ~~وأخي لا نملك إلا أنفسنا ، والثاني : أن يكون { أخى } معطوفا على { نفسى } ~~فيكون المعنى لا أملك إلا نفسي ، ولا أملك إلا أخي ، لأن أخاه إذا كان ~~مطيعا له فهو مالك طاعته . # فإن قيل : لم قال لا أملك إلا نفسي وأخي ، وكان معه الرجلان المذكوران ؟ # قلنا : كأنه لم يثق بهما كل الوثوق لما رأى من إطباق الأكثرين على التمرد ~~، وأيضا لعله إنما قال ذلك تقليلا لمن يوافقه ، وأيضا يجوز أن يكون المراد ~~بالأخ من يواخيه في الدين ، وعلى هذا التقدير فكانا داخلين في قوله { وأخى ~~} . # ثم قال : { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } يعني فافصل بيننا وبينهم ~~بأن تحكم لنا بما نستحق وتحكم عليهم بما يستحقون ، وهو في معنى الدعاء ~~عليهم ، ويحتمل أن يكون المراد خلصنا من صحبتهم ، وهو كقوله { ونجنى من ~~القوم الظالمين ms3268 } ( القصص : 21 ) . # ثم إنه تعالى قال : # ! 7 < { قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الا رض فلا تأس على ~~القوم الفاسقين } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 26 ) قال فإنها محرمة . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله { فإنها } أي الأرض المقدسة محرمة عليهم ، وفي ~~قوله { أربعين سنة } قولان : أحدهما : أنها منضصوبة بالتحريم ، أي الأرض ~~المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة ، ثم فتح الله تعالى تلك الأرض لهم من غير ~~محاربة ، هكذا ذكره الربيع بن أنس . PageV11P158 # والقول الثاني : أنها منصوبة بقوله { يتيهون فى الارض } أي بقوا في تلك ~~الحالة أربعين سنة ، وأما الحرمة فقد بقيت عليهم وماتوا ، ثم إن أولادهم ~~دخلوا تلك البلدة . # المسألة الثانية : يحتمل أن موسى عليه السلام لما قال في دعائه على القوم ~~{ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } ( المائدة : 25 ) لم يقصد بدعائه هذا ~~الجنس من العذاب ، بل أخف منه . فلما أخبره الله تعالى بالتيه علم أنه يحزن ~~بسبب ذلك فعزاه وهون أمرهم عليه ، فقال { فلا تأس على القوم الفاسقين } قال ~~مقاتل : إن موسى لما دعا عليهم أخبره الله تعالى بأحوال التيه ، ثم إن موسى ~~عليه السلام أخبر قومه بذكل ، فقالوا له : لم دعوت علينا وندم موسى على ما ~~عمل ، فأوحى الله تعالى إليه { لا * تأس على القوم الفاسقين } وجائز أن ~~يكون ذلك خطابا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، أي لا تحزن على قوم لم يزل ~~شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل والله أعلم . # المسألة الثالثة : اختلف الناس في أن موسى وهارون عليهما السلام هل بقيا ~~في التيه أم لا ؟ فقال قوم : إنهما ما كانا في التيه ، قالوا : ويدل عليه ~~وجوه : الأول : أنه عليه السلام دعا الله يفرق بينه وبين القوم الفاسقين ، ~~ودعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مجابة ، وهذا يدل على أنه عليه ~~السلام ما كان معهم في ذلك الموضع ، والثاني : أن ذلك التيه كان عذابا ~~والأنبياء لا يعذبون ، والثالث : أن القوم إنما عذبوا بسبب أنهم تمردوا ~~وموسى وهارون ما كانا كذلك ، فكيف يجوز أن يكونا مع أولئك الفاسقين في ذلك ~~العذاب . وقال آخرون : إنهما ms3269 كانا مع القوم في ذلك التيه إلا أنه تعالى سهل ~~عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلاما ، ثم ~~القائلون بهذا القول اختلفوا في أنهما هل ماتا في التيه أو خرجا منه ؟ فقال ~~قوم : إن هارون مات في التيه ثم مات موسى بعده بسنة ، وبقي يوشع بن نون ~~وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته ، وهو الذي فتح الأرض المقدسة . # وقيل : إنه ملك الشأم بعد ذلك . وقال آخرون : بل بقي موسى بعد ذلك وخرج ~~من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله أعلم . # المسألة الرابعة : قوله { فإنها محرمة عليهم } الأكثرون على أنه تحريم ~~منع لا تحريم تعبد ، وقيل : يجوز أيضا أن يكون تحريم تعبد ، فأمرهم بأن ~~يمكثوا في تلك المفازة في الشدة والبلية عقابا لهم على سوء صنيعهم . # المسألة الخامسة : اختلفوا في التيه فقال الربيع : مقدار ستة فراسخ ، ~~وقيل : تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا . وقيل : ستة في اثنى عشر فرسخا ، وقيل ~~: كانوا ستمائة ألف فارس . # فإن قيل : كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا القدر الصغيرل من ~~المفازة أربعين سنة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يجد طريقا إلى الخروج عنها ، ~~ولو أنهم وضعوا أعينهم على حركة الشمس أو الكواكب لخرجوا منها ولو كانوا في ~~البحر العظيم ، فكيف في المفازة الصغيرة ؟ # قلنا : فيه وجهان : الأول : أن انخراق العادات في زمان الأنبياء غير ~~مستبعد ، إذ لو فتحنا باب الاستبعاد لزم الطعن في جميع المعجزات / وإنه ~~باطل . الثاني : إذا فسرنا ذلك التحريم بتحريم التعبد فقد زال السؤال ~~لاحتمال أن الله تعالى حرم عليهم الرجوع إلى أوطانهم ، بل أمرهم بالمكث في ~~تلك المفازة أربعين سنة مع المشقة والمحنة جزاء لهم على سوء صنيعهم ، وعلى ~~هذا التقدير فقد زال الاشكال . PageV11P159 # المسألة السادسة : يقال : تاه يتيه تيها وتيها وتوها ، والتيه أعمها ، ~~والتيهاء الأرض التي لا يهتدى فيها . قال الحسن : كانوا يصبحون حيث أمسوا ، ~~ويمسون حيث أصبحوا ، وكانت حركتهم في تلك المفازة على سبيل الاستدارة ، ~~وهذا مشكل فإنهم إذا وضعوا أعينهم ms3270 على مسير الشمس ولم ينعطفوا ولم يرجعوا ~~فإنهم لا بد وأن يخرجوا عن المفازة ، بل الأولى حمل الكلام على تحريم ~~التعبد على ما قررناه والله أعلم . # ! 7 < { واتل عليهم نبأ ابنى ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ~~ولم يتقبل من الا خر قال لاقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين } . > 7 ~~@QB@ < # | المائدة : ( 27 ) واتل عليهم نبأ . . . . . # > > # المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه تعالى ~~قال فيما تقدم { الجحيم يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم ~~قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم } ( المائدة : 11 ) فذكر تعالى ~~أن الأعداء يريدون إيقاع البلاء والمحنة بهم لكنه تعالى يحفظهم بفضله ويمنع ~~أعداءهم من إيصال الشر إليهم ، ثم إنه تعالى لأجل التسلية وتخفيف هذه ~~الأحوال على القلب ذكر قصصا كثيرة في أن كل من خصه الله تعالى بالنعم ~~العظيمة في الدين والدنيا فإن الناس ينازعونه حسدا وبغيا ، فذكر أولا قصة ~~النقباء الاثني عشر وأخذ الله تعالى الميثاق منهم ، ثم إن اليهود نقضوا ذلك ~~الميثاق حتى وقعوا في اللعن والقساوة ، وذكر بعده شدة إصرار النصارى على ~~كفرهم وقولهم بالتثليث بعد ظهور الدلائل القاطعة على فساد ما هم عليه ، وما ~~ذاك إلا لحسدهم لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما آتاه الله من الدين الحق ، ~~ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد والعصيان ~~، ثم ذكر بعده قصة موسى في محاربة الجبارين وإصرار قومه على التمرد ~~والعصيان ، ثم ذكر بعده قصة ابنى آدم أن أحدهما قتل الآخر حسدا منه على أن ~~الله تعالى قبل قربانه ، وكل هذه القصص دالة على أن كل ذي نعمة محسود ، ~~فلما كانت نعم الله على محمد صلى الله عليه وسلم أعظم النعم لا جرم لم يبعد ~~اتفاق الأعداء على استخراج أنواع المكر والكيد في حقه ، فكان ذكر هذه القصص ~~تسلية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لما هم قوم من اليهود أن ~~يمكروا به وأن يوقعوا به ms3271 آفة ومحنة . والثاني : أن هذا متعلق بقوله { دابة ~~وهو على جمعهم إذا يشاء قدير وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا ~~عن كثير } ( المائدة : 15 ) وهذه القصة وكيفية إيجاب القصاص عليها من أسرار ~~التوراة ، والثالث : أن هذه القصة متعلقة بما قبلها ، وهي قصة محاربة ~~الجبارين ، أي اذكر لليهود حديث ابني آدم ليعلموا أن سبيل أسلافهم في ~~الندامة والحسرة الحاصلة بسبب إقدامهم على المعصية كان مثل سبيل ابني آدم ~~في إقدام أحدهما على قتل الآخر . والرابع : قيل هذا متصل بقوله حكاية عن ~~اليهود والنصارى { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) أي لا ينفعهم ~~كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينتفع ولد آدم عند معصيته بكون ~~أبيه نبيا معظما عند الله تعالى . الخامس : لما كفر أهل الكتاب بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم حسدا أخبرهم الله تعالى بخبر ابن آدم وأن الحسد أوقعه في ~~سوء العاقبة ، والمقصود منه التحذير عن الحسد . # المسألة الثانية : قوله { واتل عليهم } فيه قولان : أحدهما : واتل على ~~الناس . والثاني : واتل على أهل PageV11P160 الكتاب ، وفي قوله { ابنى * ~~ءادم } قولان : الأول : أنهما ابنا آدم من صلبه ، وهما هابيل وقابيل . وفي ~~سبب وقوع المنازعة بينهما قولان : أحدهما : أن هابيل كان صاحب غنم ، وقابيل ~~كان صاحب زرع ، فقرب كل واحد منهما قربانا ، فطلب هابيل أحسن شاة كانت في ~~غنمه وجعلها قربانا ، وطلب قابيل شر حنطة في زرعه فجعلها قربانا ، ثم تقرب ~~كل واحد بقربانه إلى الله فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل ولم ~~تحمل قربان قابيل / فعلم قابيل أن الله تعالى قبل قربان أخيه ولم يقبل ~~قربانه فحسده وقصد قتله ، وثانيهما : ما روي أن آدم عليه السلام كان يولد ~~له في كل بطن غلام وجارية وكان يزوج البنت من بطن الغلام من بطن آخر ، فولد ~~له قابيل وتوأمته ، وبعدهما هابيل وتوأمته ، وكانت توأمة قابيل أحسن الناس ~~وجها ، فأراد آدم أن يزوجها من هابيل ، فأبى قابيل ذلك وقال أن أحق بها ، ~~وهو أحق بأخته ، وليس هذا من الله تعالى ، وإنما ms3272 هو رأيك ، فقال آدم عليه ~~السلام لهما : قربا قربانا ، فأيكما قبل قربانه زوجتها منه ، فقبل الله ~~تعالى قربان هابيل بأن أنزل الله تعالى على قربانه نارا ، فقتله قابيل حسدا ~~له . # والقول الثاني : وهو قول الحسن والضحاك : أن ابنى قوله تعالى في آخر ~~القصة { من أجل ذالك كتبنا على بنى إسراءيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو ~~فساد فى الارض فكأنما قتل } ( المائدة : 32 ) إذ من الظاهر أن صدور هذا ~~الذنب من أحد ابنى آدم لا يصلح أن يكون سببا لإيجاب القصاص على بني إسرائيل ~~، أما لما أقدم رجل من بني إسرائيل على مثل هذه المعصية أمكن جعل ذلك سببا ~~لإيجاب القصاص عليهم زجرا لهم عن المعاودة إلى مثل هذا الذنب . ومما يدل ~~على ذلك أيضا أن المقصود من هذه القصة بيان إصرار اليهود أبدا من قديم ~~الدهر على التمرد والحسد حتى بلغ بهم شدة الحسد إلى أن أحدهما لما قبل الله ~~قربانه حسده الآخر وأقدم على قتله ، ولا شك أنها رتبة عظيمة في الحسد ، ~~فإنه لما شاهد أن قربان مقبول عند الله تعالى فذلك مما يدعوه إلى حسن ~~الإعتقاد فيه والمبالغة في تعظيمه ، فلما أقدم على قتله وقتله مع هذه ~~الحالة دل ذلك على أنه كان قد بلغ في الحسد إلى أقصى الغايات ، وإذا كان ~~المراد من ذكر هذه القصة بيان أن الحسد دأب قديم في بني إسرائيل وجب أن ~~يقال : هذان الرجلان كانا من بني إسرائيل . # واعلم أن القول الأول هو الذي اختاره أكثر أصحاب الأخبار ، وفي الآية ~~أيضا ما يدل عليه لأن الآية تدل على أن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى ~~تعلم ذلك من عمل الغراب ، ولو كان من بني إسرائيل لما خفي عليه هذا الأمر ، ~~وهو الحق والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله { بالحق } فيه وجوه : الأول : بالحق ، أي تلاوة ~~متلبسة بالحق والصحة من عند الله تعالى . والثاني : أي تلاوة متلبسة بالصدق ~~والحق موافقة لما في التوراة والإنجيل . الثالث : بالحق ، أي بالغرض الصحيح ~~وهو تقبيح الحسد ms3273 ، لأن المشركين وأهل الكتاب كانوا يحسدون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويبعون عليه . الرابع : بالحق ، أي ليعتبروا به لا ليحملوه ~~على اللعب والباطل مثل كثير من الأقاصيص التي لا فائدة فيها ، وإنما هي لهو ~~الحديث ، وهذا يدل على أن المقصود بالذكر من الأقاصيص والقصص في القرآن ~~العبرة لا مجرد الحكاية ، ونظيره قوله تعالى : { لقد كان فى قصصهم عبرة ~~لاولى الالباب } ( يوسف : 111 ) . # ثم قال تعالى : { إذ قربا قربانا } وفيه مسائل : PageV11P161 # المسألة الأولى : إذ : نصب بماذا ؟ فيه قولان الأول : أنه نصب بالنبأ ، ~~أي قصتهم في ذلك الوقت . الثاني : يجوز أن يكون بدلا من النبأ أي واتل ~~عليهم من النبأ نبأ ذلك الوقت ، على تقدير حذف المضاف . # المسألة الثانية : القربان : اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة ~~أو صدقة ، ومضى الكلام على القربان في سورة آل عمران . # المسألة الثالثة : تقدير الكلام وهو قوله { إذ قربا قربانا } قرب كل واحد ~~منهما قربانا إلا أنه جمعهما في الفعل وأفرد الاسم ، لأنه يستدل بفعلهما ~~على أن لكل واحد قربانا . وقيل : إن القربان اسم جنس فهو يصلح للواحد ~~والعدد ، وأيضا فالقربان مصدر كالرجحان والعدوان والكفران والمصدر لا يثنى ~~ولا يجمع . # ثم قال تعالى : { فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الاخر } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قيل : كانت علامة القبول أن تأكله النار وهو قول أكثر ~~المفسرين . وقال مجاهد : علامة الرد أن تأكله النار ، والأول أولى لاتفاق ~~أكثر المفسرين عليه . وقيل : ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرب ~~به إلى الله تعالى ، فكانت النار تنزل من السماء فتأكله . # المسألة الثانية : إنما صار القربانين مقبولا والآخر مردودا لأن حصول ~~التقوى شرط في قبول الأعمال . قال تعالى هاهنا حكاية عن المحق { إنما يتقبل ~~الله من المتقين } وقال فيما أمرنا به من القربان بالبدن { لن ينال الله ~~لحومها ولا دماؤها ولاكن يناله التقوى منكم } ( الحج : 37 ) فأخبر أن الذي ~~يصل إلى حضرة الله ليس إلا التقوى والتقوى من صفات القلوب قال عليه الصلاة ~~والسلام : ( التقوى ms3274 هاهنا ) وأشار إلى القلب ، وحقيقة التقوى أمور : أحدها ~~: أن يكون على خوف ووجل من تقصير نفسه في تلك الطاعة فيتقى بأقصى ما يقدر ~~عليه عن جهات التقصير ، وثانيها : أن يكون في غاية الاتقاء من أن يأتي بتلك ~~الطاعة لغرض سوى طلب مرضاة الله تعالى . وثالثها : أن يتقي أن يكون لغير ~~الله فيه شركة ، وما أصعب رعاية هذه الشرائطا وقيل في هذه القصة : إن ~~أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه ، والآخر جعل قربانه أردأ ما كان معه . ~~وقيل : إنه أضمر أنه لا يبالي سواء قبل أو لم يقبل ولا يزوج أخته من هابيل ~~. وقيل : كان قابيل ليس من أهل التقوى والطاعة ، فلذلك لم يقبل الله قربانه ~~. # ثم حكى الله تعالى عن قابيل أنه قال لهابيل { * اقتلنك } فقال هابيل { ~~قال إنما يتقبل الله من المتقين } وفي الكلام حذف ، والتقدير : كأن هابيل ~~قال : لم تقتلني ؟ قال لأن قربانك صار مقبولا ، فقال هابيل : وما ذنبي ؟ ~~إنما يتقبل الله من المتقين . وقيل : هذا من كلام الله تعالى لنبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم اعتراضا بين القصة ، كأنه تعالى بين لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم أنه إنما لم يقبل قربانه لأنه لم يكن متقيا . ثم حكى تعالى عن ~~الأخ المظلوم أنه قال : # ! 7 < { لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى مآ أنا بباسط يدى إليك لاقتلك إنىأخاف ~~الله رب العالمين } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 28 ) لئن بسطت إلي . . . . . # > > والسؤال الأول : وهو أنه لم لم يدفع القاتل عن نفسه مع أن الدفع عن ~~النفس واجب ؟ وهب أنه ليس بواجب فلا أقل من أنه ليس بحرام ، فلم قال { إنى ~~أخاف الله رب العالمين } . PageV11P162 # والجواب من وجوه : الأول : يحتمل أن يقال : لاح للمقتول بأمرات تغلب على ~~الظن أنه يريد قتلهد فذكر له هذا الكلام على سبيل الوعظ والنصيحة ، يعني ~~أنا لا أجوز من نفسي أن أبدأك بالقتل الظلم العدوان ، وإنما لا أفعله خوفا ~~من الله تعالى ، وإنما ذكر له هذا الكلام قبل إقدام القاتل على قتله وكان ~~غرضه منه تقبيح القتل العمد ms3275 في قلبه ، ولهذا يروى أن قابيل صبر حتى نام ~~هابيل فضرب رأسه بحجر كبير فقتله . # والوجه الثاني في الجواب : أن المذكور في الآية قوله { ما أنا بباسط يدى ~~إليك لاقتلك } يعني لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك ، وإنما أبسط يدي إليك لغرض ~~الدفع . وقال أهل العلم : الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر ~~، وليس له أن يقصد القتل بل يجل عليه أن يقصد الدفع ، ثم إن لم يندفع إلا ~~بالقتل جاز له ذلك . # الوجه الثالث : قال بعضهم : المقصود بالقتل إن أراد أن يستسلم جاز له ذلك ~~، وهكذا فعل عثمان رضي الله تعالى عنه . وقال النبي عليه الصلاة والسلام ~~لمحمد بن مسلمة : ( ألق كمك على وجهك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد ~~الله القاتل ) . # الوجه الرابع : وجوب الدفع عن النفس أمر يجوز أن يختلف باختلاف الشرائع . ~~وقال مجاهد : ءن الدفع عن النفس ما كان مباحا في ذلك الوقت . # السؤال الثاني : لم جاء الشرط بلفظ الفعل ، والجزاء بلفظ اسم الفاعل ، ~~وهو قوله { لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط } . # والجواب : ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ، ولذلك أكده ~~بالباء المؤكد للنفي . ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنىأريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزآء ~~الظالمين } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 29 ) إني أريد أن . . . . . # > > وفيه سؤالان : # الأول : كيف يعقل أن يبوء القاتل بإثم المقتول مع أنه تعالى قال : { ولا ~~تزر * وازرة وزر أخرى } ، ( فاطر : 18 ) . # والجواب من وجهين : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما وابن مسعود ~~والحسن وقتادة رضي الله عنهم : معناه تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل ~~قتلي ، وهذا بحذف المضاف ، والثاني : قال الزجاج : معناه ترجع إلى الله ، ~~فلم قال : { إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك } . # والجواب من وجوه : الأول : قد ذكرنا أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما ~~غلب على ظن المقتول أنه PageV11P163 يريد قتله ، وكان ذلك قبل إقدام القاتل ~~على إيقاع القتل به ، وكأنه لما وعظه ونصحه قال له ms3276 : وإن كنت لا تنزجر عن ~~هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد وأن تترصد قتلي في وقت أكون غافلا عنك ~~وعاجزا عن دفعك ، فحينئذ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلا إذا قتلتك ابتداء ~~بمجرد الظن والحسبان ، وهذا مني كبيرة ومعصية ، وإذا دار الأمر بين أن يكون ~~فاعل هذه المعصية أنا وبين أن يكون أنت ، فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك ~~لا لي ، ومن المعلوم أن إرادة صدور الذنب من الغير في هذه الحالة وعلى هذا ~~الشرط لا يكون حراما ، بل هو عين الطاعة ومحض الاخلاص . # والوجه الثاني في الجواب : أن المراد : إني أريد أن تبوء بعقوبة قتلي ، ~~ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من الله عقاب ظالمه ، والثالث : روي أن ~~الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على ~~الظالم ، فعلى هذا يجوز أن يقال : إني أريد أن تبوأ بإثمي في أنه يحمل عليك ~~يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني ، وبإثمك في قتلك إياي ، وهذا يصلح جوابا ~~عن السؤال الأول والله أعلم ، ثم قال تعالى : # ! 7 < { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 30 ) فطوعت له نفسه . . . . . # > > ثم قال المفسرون : سهلت له نفسه قتل أخيه . ومنهم من قال شجعته ، ~~وتحقيق الكلام أن الإنسان إذا تصور من القتل العمد العدوان كونه من أعظم ~~الكبائر ، فهذا الإعتقاد يصير صارفا له عن فعله ، فيكون هذا الفعل كالشيء ~~العاصي المتمرد عليه الذي لا يعطيه بوجه ألبتة ، فإذا أوردت النفس أنواع ~~وساوسها صار هذا الفعل سهلا عليه ، فكأن النفس جعلت بوساوسها العجيبة هذا ~~الفعل كالمطيع له بعد أن كان كالعاصي المتمرد عليه . فهذا هو المراد بقوله ~~{ فطوعت له نفسه قتل أخيه } قالت المعتزلة : لو كان خالق الكل هو الله ~~تعالى لكان ذلك التزيين والتطويع مضافا إلى الله تعالى لا إلى النفس . # وجوابه : أنه لما أسندت الأفعال إلى الدواعي ، وكان فاعل تلك الدواعي هو ~~الله تعالى فكان فاعل الأفعال كلها هو الله ms3277 تعالى . # ثم قال تعالى : { فقتله } قيل : لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل ، فظهر له ~~إبليس وأخذ طيرا وضرب رأسه بحجر ، فتعلم قابيل ذلك منه ، ثم إنه وجد هابيل ~~نائما يوما فضرب رأسه بحجر فمات . وعن عبد الله عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ~~) وذلك أنه أول من سن القتل . # ثم قال تعالى : { فأصبح من الخاسرين } قال ابن عباس : خسر دنياه وآخرته ، ~~أما الدنيا فهو أنه أسخط والديه وبقي مذموما إلى يوم القيامة ، وأما الآخرة ~~فهو العقاب العظيم . قيل : إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن ~~، فأتاه إبليس وقال : إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يخدم النار ~~ويعبدها ، فإن عبدت النار أيضا حصل مقصودك ، فبنى بيت نار وهو أول من عبد ~~النار . وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة ، وكان قتله عند عقبة حراء ، ~~وقيل بالبصرة في موضع المسجد الأعظم ، وروي أنه لما قتله اسود جسد وكان ~~أبيض ، فسأله آدم عن أخيه ، فقال ما كنت عليه وكيلا ، فقال بل قتلته ، ~~ولذلك اسود جسدك ، ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك قط . قال صاحب ( الكشاف ~~) يروى أنه رثاه بشعر . قال وهو كذب بحت ، وما الشعر إلا منحول ملحون ، ~~والأنبياء معصومون عن الشعر ، وصدق صاحب ( الكشاف ) فيما قال . فإن ذلك ~~الشعر في غاية الركاكة لا يليق بالحمقى من المعلمين ، فكيف ينسب إلى من جعل ~~الله علمه حجة على الملائكة PageV11P164 ثم قال تعالى : # ! 7 < { فبعث الله غرابا يبحث فى الا رض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه قال ~~ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هاذا الغراب فأواري سوءة أخى فأصبح من النادمين ~~} > 7 ! # < < # | المائدة : ( 31 ) فبعث الله غرابا . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قيل : لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ، ثم خاف عليه ~~السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغير فبعث الله غرابا ، وفيه وجوه : ~~الأول : بعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما ms3278 الآخر ، فحفر له بمنقاره ~~ورجليه ثم ألقاه في الحفرة ، فتعلم قابيل ذلك من الغراب . الثاني : قال ~~الأصم : لما قتله وتركه بعث الله غرابا يحثو التراب على المقتول ، فلما رأى ~~القاتل أن الله كيف يكرمه بعد موته ندم وقال : يا ويلتى . الثالث : قال أبو ~~مسلم : عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئا فتعلم ذلك منه . # المسألة الثانية : { ليريه } فيه وجهان : الأول : ليريه الله أو ليريه ~~الغراب ، أي ليعلمه ، لأنه لما كان سبب تعلمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل ~~المجاز . # المسألة الثالثة : { من أخيه } عورة أخيه ، وهو ما لا يجوز أن ينكشف من ~~جسده ، والسوأة الفضيحة لقبحها . وقيل سوأة أخيه ، أي جيفة أخيه . # ثم قال تعالى : { قال ياءادم * ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هاذا الغراب ~~فأواري سوءة أخى فأصبح من النادمين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لا شك أن قوله { * يا ويلتى } كلمة تحسر وتلهف ، وفي ~~الآية احتمالان : الأول : أنه ما كان يعلم كيف يدفن المقتول ، فلما تعلم ~~ذلك من الغراب علم أن الغراب أكثر علما منه وعلم أنه إنما أقدم على قتل ~~أخيه بسبب جهله وقلة معرفته ، فندم وتلهف وتحسر على فعله . الثاني : أنه ~~كان عالما بكيفية دفنه ، فإنه يبعد في الإنسان أن لا يهتدي إلى هذا القدر ~~من العلمل ، إلا أنه لما قتله تركه بالعراء استخفافا به ، ولما رأى الغراب ~~يدفن الغراب الآخر رق قلبه وقال : إن الغراب جاء وكان يحثي التراب على ~~المقتول ، فلما رأى أن الله أكرمه حال حياته بقبول قربانه . وأكرمه بعد ~~مماته بأن بعث هذا الغراب ليدفنه تحت الأرض علم أنه عظيم الدرجة عند الله ~~فتلهف على فعله ، وعلم أنه لا قدرة له على التقرب إلى أخيه إلا بأن يدفنه ~~في الأرض ، فلا جرم قال : يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب . # المسألة الثانية : قوله : { * يا ويلتى } اعتراف على نفسه باستحقاق ~~العذاب ، وهي كلمة تستعمل عند وقوع الداهية العظيمة ، ولفظها لفظ النداء ، ~~وكأن الويل غير حاضر له فناداه ليحضره ، أي أيها الويل احضر ، فهذا أوان ms3279 ~~حضورك ، وذكر { * يا } زيادة بيان كما في قوله { * يا ويلتى أأكد } ( هود : ~~72 ) والله أعلم . # المسألة الثالثة : لفظ الندم وضع للزوم ، ومنه سمي النديم نديما لأنه ~~يلازم المجلس . وفيه سؤال : PageV11P165 وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال : ~~( الندم توبة ) فلما كان من النادمين كان من التائبين فلم لم تقبل توبته ؟ # أجابوا عنه من وجوه : أحدها : أنه لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار ~~من النادمين على حمله على ظهره سنة ، والثاني : أنه صار من النادمين على ~~قتل أخيه ، لأنه لم ينتفع بقتله ، وسخط عليه بسببه أبوه وإخوته ، فكان ندمه ~~لأجل هذه الأسباب لا لكونه معصية ، والثالث : أن ندمه كان لأجل أنه تركه ~~بالعراء استخفافا به بعد قتله ، فلما رأى أن الغراب لما قتل الغراب دفنه ~~ندم على قساوة قلبه وقال : هذا أخي وشقيقي ولحمه مختلط بلحمي ودمه مختلط ~~بدمي ، فإذا ظهرت الشفقة من الغراب على الغراب ولم تظهر مني على أخي كنت ~~دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة فكان ندمه لهذه الأسباب / لا لأجد ~~الخوف من الله تعالى فلا جرم لم ينفعه ذلك الندم ثم قال تعالى : # ! 7 < { من أجل ذالك كتبنا على بنىإسراءيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو ~~فساد فى الا رض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ~~ولقد جآءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذالك فى الا رض لمسرفون } ~~> 7 @QB@ < # | المائدة : ( 32 ) من أجل ذلك . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { فأصبح من النادمين من أجل ذالك } أي بسبب ~~فعلته . # فإن قيل عليه سؤالان : الأول : ى ن قوله { من أجل ذالك } أي من أجل ما مر ~~من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل القصاص ، وذاك مشكل فإنه لا ~~مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل . الثاني ~~: أن وجوب القصاص حكم ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ببني إسرائيل ؟ # والجواب عن الأول من وجهين : أحدهما : قال الحسن : هذا القتل إنما وقع في ~~بني إسرائيل لا ms3280 بين ولدي آدم من صلبه ، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ، ~~والثاني : أنا نسلم أن هذا القتل وقع بين ولدي آدم من صلبه ، ولكن قوله { ~~من أجل ذالك } ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل ، بل هو إشارة إلى ما مر ~~ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام ، منها قوله ~~{ فأصبح من الخاسرين } ( المائدة : 30 ) ومنها قوله { فأصبح من النادمين } ~~( المائدة : 31 ) فقوله { فأصبح من الخاسرين } إشارة إلى أنه حصلت له خسارة ~~الدين والدنيا ، وقوله { فأصبح من النادمين } إشارة إلى أنه حصل من قلبه ~~أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دفع له ألبتة ، فقوله : { من * أجد * ~~ذالك كتبنا على بنى إسراءيل } أي من أجد ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من ~~أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد العدوان شرعنا القصاص من حق القاتل ~~، وهذا جواب حسن والله أعلم . # وأما السؤال الثاني : والجواب عنه أن وجوب القصاص في حق القاتل وإن كان ~~عاما في جميع لأديان والملل ، إلا أن التشديد المذكور ههنا في حق بني ~~إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان لأنه تعالى حكم ههنا PageV11P166 بأن قتل ~~النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس ، ولا شك في أن المقصود منه ~~المبالغة في شرح عقاب القتل العمد العدوان ، والمقصود من شرح هذه المبالغة ~~أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل ~~. وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى ، ولما ~~كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في الواقعة ~~التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأكابر ~~أصحابه ، كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة العظيمة مناسبا ~~للكلام ومؤكدا للمقصود . # المسألة الثانية : قرىء ( من أجل ذلك ) بحذف الهمزة وفتح النوق لالقاء ~~حركتها عليها وقرأ أبو جعفر ( من أجل ذلك ) بكسر الهمزة ، وهي لغة ، فإذا ~~خفف كسر النون ملقيا لكسر الهمزة عليها . # المسألة الثالثة : قال القائلون بالقياس : دلت الآية على ms3281 أن أحكام الله ~~تعالى قد تكون معللة بالعلل ، وذلك لأنه تعالى قال : { من أجل ذالك كتبنا ~~على بنى إسراءيل } كذا وكذا ، وهذا تصريح بأن كتبة تلك الأحكام معللة بتلك ~~المعاني المشار إليها بقوله { من أجل ذالك } والمعزلة أيضا قالوا : دلت هذه ~~الآية على أن أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد ، ومتى ثبت ذلك امتنع ~~كونه تعالى خالقا للكفر والقبائح فيهم مريدا وقوعها منهم / لأن خلق القبائح ~~وإرادتها تمنع من كونه تعالى مراعيا للمصالح . وذلك يبطل التعليل المذكور ~~في هذه الآية . # قال أصحابنا : القول بتعليل أحكام الله تعالى محال لوجوه : أحدها : أن ~~العلة إن كانت قديمة لزم قدم المعلول ، وإن كانت محدثة وجب تعليلها بعلة ~~أخرى ولزم التسلسل ، وثانيها : لو كان معللا بعلة فوجود تلك العلة وعدمها ~~بالنسبة إلى الله تعالى إن كان على السوية امتنع كونه علة ، وإن لم يكن على ~~السوية فأحدهما به أولى ، وذلك يقتضي كونه مستفيدا تلك الأولوية من ذلك ~~الفعل ، فيكون ناقصا لذاته مستكملا بغيره وهو محال . وثالثها : أنه قد ثبت ~~توقف الفعل على الوداعي ، ويمتنع وقوع التسلسل في الدواعي ، بل يجب ~~انتهاؤها إلى الداعية الأولى التي حدثت في العبد لا من العبد بل من الله ، ~~وثبت أن عند حدوث الداعية يجب الفعل ، وعلى هذا التقدير فالكل من الله ، ~~وهذا يمنع من تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه ، فثبت أن ظاهر هذه الآية من ~~المتشابهات لا من المحاكمات ، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى : { قل فمن يملك ~~من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الارض جميعا } ( ~~المائدة : 17 ) وذلك نص صريح في أنه يحسن من الله كل شيء ولا يتوقف خلقه ~~وحكمه على رعاية المصالح . # المسألة الرابعة : قوله { أو فساد فى الارض } قال الزجاج : إنه معطوف على ~~قوله { نفس } والتقدير من قتل نفسا بغير نفس أو بغير فساد في الأرض ، وإنما ~~قال تعالى ذلك لأن القتل يحل لأسباب كثيرة ، منها القصاص وهو المراد بقوله ~~{ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى ms3282 الارض } ومنها الكفر مع الحراب ، ومنها ~~الكفر بعد الإيمان ، ومنها قطع الطريق وهو المراد بقوله تعالى بعد هذه ~~الآية { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } ( المائدة : 33 ) فجمع ~~تعالى كل هذه الوجوه في قوله { أو فساد فى الارض } . # المسألة الخامسة : قوله فكأنما قتل الناس جميعا } وفيه إشكال . وهو أن ~~قتل النفس الواحدة كيف يكون مساويا لقتل جميع الناس ، فإن من الممتنع أن ~~يكون الجزء مساويا للكل ، وذكر المفسرون بسبب هذا PageV11P167 السؤال وجوها ~~من الجواب وهي بأسرها مبنية على مقدمة واحدة وهي أن تشبيه أحد الشيئين ~~بالآخر لا يقتضي الحكم بمشابهتهما من كل الوجوه ، لأن قولنا : هذا يشبه ذاك ~~أعم من قولنا : ءنه يشبهه من كل الوجوه ، أو من بعض الوجوه ، وإذا ظهرت صحة ~~هذه المقدمة فنقول : الجواب من وجوه : الأول : المقصود من تشبيه قتل النفس ~~الواحدة بقتل النفوس المبالغة في تعظيم أمر القتل العمد العدوان وتفخيم ~~شأنه ، يعني كما أن قتل كل الخلق أمر مستعظم عند كل أحد ، فكذلك يجب أن ~~يكون قتل الإنسان الواحد مستعظما مهيبا فالمقصود مشاركتهما في الاستعظام ، ~~لا بيان مشاركتهما في مقدار الاستعظام ، وكيف لا يكون مستعظما وقد قال ~~تعالى : { * } وفيه إشكال . وهو أن قتل النفس الواحدة كيف يكون مساويا لقتل ~~جميع الناس ، فإن من الممتنع أن يكون الجزء مساويا للكل ، وذكر المفسرون ~~بسبب هذا السؤال وجوها من الجواب وهي بأسرها مبنية على مقدمة واحدة وهي أن ~~تشبيه أحد الشيئين بالآخر لا يقتضي الحكم بمشابهتهما من كل الوجوه ، لأن ~~قولنا : هذا يشبه ذاك أعم من قولنا : ءنه يشبهه من كل الوجوه ، أو من بعض ~~الوجوه ، وإذا ظهرت صحة هذه المقدمة فنقول : الجواب من وجوه : الأول : ~~المقصود من تشبيه قتل النفس الواحدة بقتل النفوس المبالغة في تعظيم أمر ~~القتل العمد العدوان وتفخيم شأنه ، يعني كما أن قتل كل الخلق أمر مستعظم ~~عند كل أحد ، فكذلك يجب أن يكون قتل الإنسان الواحد مستعظما مهيبا فالمقصود ~~مشاركتهما في الاستعظام / لا بيان مشاركتهما في مقدار الاستعظام ، وكيف لا ~~يكون مستعظما ms3283 وقد قال تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما } ( النساء : 93 ) . # الوجه الثاني في الجواب : هو أن جميع الناس لو علموا من إنسان واحد أنه ~~يقصد قتلهم بأجمعهم فلا شك أنهم يدفعونه دفعا لا يمكنه تحصيل مقصوده ، ~~فكذلك إذا علموا منه أنه يقصد قتل إنسان واحد معين يجب أن يكون جدهم ~~واجتهادهم في منعه عن قتل ذلك الإنسان مثل جدهم واجتهادهم في الصورة الأولى ~~. # الوجه الثالث في الجواب : وهو أنه لما أقدم على القتل العمد العدوان فقد ~~رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة ، ومتى كان الأمر كذلك كان هذا ~~الترجيح حاصلا بالنسبة إلى كل واحد ، فكان في قلبه أن كل أحد نازعه في شيء ~~من مطالبه فإنه لو قدر عليه لقتله ، ونية المؤمن في الخيرات خير من عمله ، ~~فكذلك نية المؤمن في الشرور شر من عمله ، فيصير المعنى : ومن يقتل إنسانا ~~قتلا عمدا عدوانا فكأنما قتل جميع الناس ، وهذه الأجوبة الثلاثة حسنة . % ~~المسألة السادسة : قوله { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } المراد من ~~إحياء النفس تخليصها عن المهلكات : مثل الحرق والغرق والجوع المفرط والبرد ~~والحر المفرطين ، والكلام في أن إحياء النفس الواحدة مثل إحياء النفوس على ~~قياس ما قررناه في أن قتل النفس الواحدة مثل قتل النفوس . # ثم قال تعالى : { ولقد * جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ~~ذالك فى الارض لمسرفون } . # والمعنى أن كثيرا من اليهود بعد ذلك ، أي بعد مجيء الرسل ، وبعد ما كتبنا ~~عليهم تحريم القتل لمسرفون ، يعني في التقل لا يبالون بعظمته . # ! 7 < { إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الا رض فسادا أن ~~يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الا رض ذالك ~~لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الا خرة عذاب عظيم } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 33 ) إنما جزاء الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى تغليظ الإثم في قتل النفس ~~بغير قتل نفس ولا فساد ms3284 في الأرض أتبعه ببيان أن الفساد في الأرض الذي يوجب ~~القتل ما هو ، فإن بعض ما يكون فسادا في الأرض لا يوجب قتل فقال { إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } وفي الآية مسائل : PageV11P168 # المسألة الأولى : في أول الآية سؤال ، وهو أن المحاربة مع الله تعالى غير ~~ممكنة فيجب حمله على المحاربة مع أولياء الله ، والمحاربة مع الرسل ممكنة ~~فلفظة المحاربة إذا نسبت إلى الله تعالى كان مجازا ، لأن المراد منه ~~المحاربة مع أولياء الله ، وإذا نسبت إلى الرسول كانت حقيقة ، فلفظ يحاربون ~~في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } يلزم أن يكون محمولا على ~~المجاز والحقيقة معا ، وذلك ممتنع ، فهذا تقرير السؤال . # وجوابه من وجهين : الأول : أنا نحمل المحاربة على المخالفة الأمر ~~والتكليف ، والتقدير : إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله ~~ويسعون في الأرض فسادا كذا وكذا ، والثاني : تقدير الكلام إنما جزاء الذين ~~يحاربون أولياء الله تعالى وأولياء رسوله كذا وكذا . وفي الخبر أن الله ~~تعالى قال : ( من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ) . # المسألة الثانية : من الناس من قال : هذا الوعيد مختص بالكفار ، ومنهم من ~~قال : إنه في فساق المؤمنين ، أما الأولون فقد ذكروا وجوها : الأول : أنها ~~نزلت في قوم من عرينة نزلوا المدينة مظهرين للإسلام ، فمرضت أبدانهم واصفرت ~~ألوانهم ، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة ليشربوا من ~~أبوالها وألبانها فيصحوا ، فلما وصلوا إلى ذلك الموضع وشربوا وصحوا قتلوا ~~الرعاة وساقوا الإبل وارتدوا ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في أثرهم ~~وإمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركوا هناك حتى ماتوا ، فنزلت ~~هذه الآية نسخا لما فعله الرسول ، فصارت تلك السنة مسنوخة بهذا القرآن ، ~~وعند الشافعي رحمه الله لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك ~~السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقا للسنة الناسخة ، والثاني : أن الآية ~~نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي ، وكان قد عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، فمر قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة ms3285 غائب ، فقتلوهم وأخذوا ~~أموالهم . الثالث : أن هذه الآية في هؤلاء الذين حكى الله تعالى عنهم من ~~بني إسرائيل أنهم بعد أن غلظ الله عليهم عقاب القتل العمد العدوان فهم ~~مسرفون في القتل مفسدون في الأرض ، فمن أتى منهم بالقتل والفساد في الأرض ~~فجزاؤهم كذا وكذا . # والوجه الرابع : أن هذه الآية نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وهذا قول ~~أكثر الفقهاء ، قالوا : والذي يدل على أنه لا يجوز حمل الآية على المرتدين ~~وجوه : أحدها : أن قطع المرتد لا يتوقف على المحاربة ولا على إظهار الفساد ~~في دار الإسلام ، والآية تقتضي ذلك . وثانيها : لا يجوز الاقتصار في المرتد ~~على قطع اليد ولا على النفي ، والآية تقتضي ذلك . وثالثها : أن الآية تقتضي ~~سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة وهو قوله { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم } ( المائدة : 34 ) والمرتد يسقط حذه بالتوبة قبل القدرة وبعدها / ~~فدل ذلك على أن الآية لا تعلق لها بالمرتدين . ورابعها : أن الصلب غير ~~مشروع في حق المرتد وهو مشروع هاهنا ، فوجب أن لا تكون الآية مختصة بالمرتد ~~. وخامسها : أن قوله { الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الارض فسادا } ~~يتناول كل من كان موصوفا بهذه الصفة ، سواء كان كافرا أو مسلما ، أقصى ما ~~في الباب أن يقال الآية نزلت في الكفار لكنك تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب . # المسألة الثالثة : المحاربون المذكورون في هذه الآية هم القوم الذين ~~يجتمعون ولهلم منعة ممن أرادهم بسبب أنهم يحمي بعضهم بعضا ويقصدون المسلمين ~~في أرواحهم ودمائهم ، وإنما اعتبرنا القوة والشوكة لأن PageV11P169 قاطع ~~الطريق إنما يمتاز عن السارق بهذا القيد ، واتفقوا على أن هذه الحالة إذا ~~حصلت في الصحراء كانوا قطاع الطريق ، فأما لو حصلت في نفس البلدة فقال ~~الشافعي رحمه الله : إنه يكون أيضا ساعيا في الأرض بالفساد ويقام عليه هذا ~~الحد . قال : وأراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم ذنبا فلا أقل من المساواة ~~، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله : إذا حصل ذلك في المصر فإنه لا يقام ms3286 ~~عليه الحد . وجه قول الشافعي رحمه الله النص والقياس ، أما النص فعموم قوله ~~تعالى : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الارض فسادا } ~~ومعلوم أنه إذا حصل هذا المعنى في البلد كان لا محالة داخلا تحت عموم هذا ~~النص ، وأما القياس فهو أن هذا حد فلا يختلف في المصر وغير المصر كسائر ~~الحدود . وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن الداخل في المصر يلحقه الغوث في ~~الغالب فلا يتمكن من المقاتلة فصار في حكم السارق . # المسألة الرابعة : قوله { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف أو ينفوا من الارض } للعلماء في لفظ { أو } في هذه الآية قولان : ~~الأول : أنها للتخيير وهو قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول ~~الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد ، والمعنى أن الإمام إن شاء قتل وإن شاء صلب ~~، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل ، وإن شاء نفى ، أي واحد من هذه الأقسام شاء ~~فعل . وقال ابن عباس في رواية عطاء : كلمة { أو } هاهنا ليست للتخيير ، بل ~~هي لبيان أن الأحكام تختلف باختلاف الجنايات ، فمن اقتصر على القتل قتل ، ~~ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من ~~خلاف . ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال نفي من الأرض ، وهذا قول الأكثرين من ~~العلماء ، وهو مذهب الشافعي رحمه الله ، والذي يدل على ضعف القول الأول ~~وجهان : الأول : أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام ~~من الاقتصار على النفي ، ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس ~~المراد من الآية التخيير ، والثاني : أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ ~~المال فقد هم بالمعصية ولم يفعل ، وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر ~~المعاصي ، فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير ، فيجب أن يضمر في كل ~~فعل على حدة فعلا على حدة ، فصار التقدير : أن يقتلوا أن قتلوا ، أو يصلبوا ~~إن جمعوا بين أخذ المال والقتل ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم ms3287 من خلاف إن ~~اقتصروا على أخذ المال أو ينفوا ممن الأرض إن أخافوا السبل ، والقياس الجلي ~~أيضا يدل على صحة ما ذكرناه لأن القتل العمد العدوان يوجب القتل ، فغلظ ذلك ~~في قاطع الطريق ، وصار القتل حتما لا يجوز العفو عنه ، وأخذ المال يتعلق به ~~القطع في غير قاطع الطريق ، فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين ، وإن ~~جمعوا بين القتل وبين أخد المال جمع في حقهم بين القتل وبني الصلب ، لأن ~~بقاءه مصلوبا في ممر الطريق يكون سببا لاشتهار إيقاع هذه العقوبة / فيصير ~~ذلك زاجرا لغيره عن الاقدام على مثل هذه المعصية ، وأما إن اقتصر على مجرد ~~الإخافة اقتصر الشرع منه على عقوبة خفيفة وهي النفي من الأرض . # المسألة الخامسة : قال أبو حنيفة رحمه الله : إذا قتل وأخذ المال فالإمام ~~مخير فيه بين ثلاثة أشياء . أن يقتلهم فقط ، أو يقتلهم ويقطع أيديهم ~~وأرجلهم قبل القتل ، أو يقتلهم ويصلبهم ، وعند الشافعي رحمه الله : لا بد ~~من الصلب ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله . # حجة الشافعي رحمه الله : أنه تعالى نص على الصلب كما نص على القتل فلم ~~يجز إسقاط الصلب PageV11P170 كما لم يجز إسقاط القتل . ثم اختلفوا في كيفية ~~الصلب ، فقيل : يصلب حيا ثم بطنه برمح حتى يموت ، وقال الشافعي رحمه الله : ~~يقتل ويصلى عليه ثم يصلب . # المسألة السادسة : اختلفوا في تفسير النفي من الأرض . قال الشافعي رحمه ~~الله : معناه إن وجد هؤلاء المحاربين قتلهم وصلبهم وقطع أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف ، وإن لم يجدهم طلبهم أبدا حتى إذا قدر عليهم فعل بهم ما ذكرناه ، وبه ~~قال أحمد وإسحاق رحمهما الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله : النفي من الأرض ~~هو الحبس ، وهو اختيار أكثر أهل اللغة ، قالوا : ويدل علليه أن قوله { أو ~~ينفوا من الارض } إما أن يكون المراد النفي من جميع الأرض ، وذلك غير ممكن ~~مع بقاء الحياة ، وإما أن يكون إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى ، وهو ~~أيضا غير جائز ؛ لأن الغرض من هذا النفي دفع شره عن المسلمين ms3288 ، فلو أخرجناه ~~إلى بلد آخر لاستضر به من كان هناك من المسلمين ، وإما أن يكون المراد ~~إخراجه إلى دار الكفر وهو أيضا غير جائز ، لأن إخراج المسلم إلى دار الكفر ~~تعريض له بالردة وهو غير جائز ، ولما بطل الكل لم يبق إلا أن يكون المراد ~~من النفي نفيه عن جميع الأرض إلا مكان الحبس . قالوا : والمحبوس قد يسمى ~~منفيا من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبان الدنيا ولذاتها ، ولا يرى أحدا ~~من أحبابه ، فصار منفيا عن جميع اللذات والشهوات والطيبات فكان كالمنفي في ~~الحقيقة . ولما حبسوا صالح بن عبد القدوس على تهمة الزندقة في حبس ضيق وطال ~~لبثه هنالك ذكر شعرا ، منه قوله : # خرجان عن الدنيا وعن وصل أهلها # فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى إذا جاءنا السجان يوما لحاجة # عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا قال الشافعي رحمه الله : هذا النفي ~~المذكور في الآية محمول على وجهين : الأول : أن هؤلاء المحاربين إذا قتلوا ~~وأخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم الحد ، وإن لم يأخذهم طلبهم أبدا ~~فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي . ~~الثاني : القوم الذين يحضرون الواقعة ويكثرون جمع هؤلاء المحاربين ويخيفون ~~المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال فالإمام إن أخذهم أقام عليهم ~~الحد ، وإن لم يأخذهم طلبهم أبدا . فيقوم الشافعي هاهنا : إن الإمام يأخذهم ~~ويعزرهم ويحبسهم ، فالمراد بنفيهم عن الأرض هو هذا الحبس لا غير ، والله ~~أعلم . # ثم قال تعالى : { ذالك لهم خزى فى الدنيا } أي فضيحة وهوان { ولهم فى ~~الاخرة عذاب عظيم } . # قالت المعتزلة : الآية دالة على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة ، ~~ودالة على أن قتلهم قد أحبط ثوابهم ، لأنه تعالى حكم بأن ذلك لهم خزي في ~~الدنيا والآخرة ، وذلك يدل على كونهم مستحقين للذم ، وكونهم مستحقين للذم ~~في الحال يمنع من بقاء استحاقهم للمدح والتعظيم لما أن ذلك جمع بين الضدين ~~، وإذا كان الأمر كذلك ثبت القول بالقطع بوعيد الفساق ، وثبت القول ~~بالإحباط . PageV11P171 # والجواب : لا نزاع ms3289 بيننا وبينكم في أن هذا الحد إنما يكون واقعا على جهة ~~الخزي والاستخفاف إذا لم تحصل التوبة ، فأما عند حصول التوبة فإن هذا الحد ~~لا يكون على جهة الخزي والاستخفاف / بل يكون على جهة الامتحان ، فإذا جاز ~~لكم أن تشترطوا هذا الحكم بعدم التوبة لدليل دل على اعتبار هذا الشرط ، ~~فنحن أيضا نشرط هذا الحكم بشرط عدم العفو ، وحينئذ لا يبقى الكلام إلا في ~~أنه هل دل هذا الدليل على أنه تعالى يعفو عن الفساق أم لا ؟ وقد ذكرنا هذه ~~المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { بلى من كسب ~~سيئة وأحاطت به خطيئته فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } ( البقرة : 81 ~~) ثم قال تعالى : # ! 7 < { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور ~~رحيم } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 34 ) إلا الذين تابوا . . . . . # > > قال الشافعي رحمه الله تعالى : لما شرح ما يجب على هؤلاء المحاربين ~~من الحدود والعقوبات استثنى عنه ما إذا تابوا قبل القدرة عليهم . وضبط هذا ~~الكلام أن ما يتعلق من تلك الأحكام بحقوق الله تعالى فإنه يسقط بعد هذه ~~التوبة ، وما يتعلق منها بحقوق الآدميين فإنه لا يسقط ، فهؤلاء المحاربون ~~إن قتلوا إنسانا ثم تابوا قبل القدرة علليهم كان ولي الدم على حقه في ~~القصاص والعفو ، إلا أنه يزول حتم القتل بسبب هذه التوبة ، وإن أخذ مالا ~~وجب عليه رده ولم يكن عليه قطع اليد أو الرجل ، وأما إذا تاب بعد القدرة ~~فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه ، وتقام الحدود عليه . قال الشافعي رحمه ~~الله تعالى : ويحتمل أن يسقط كل حد الله بالتوبة ، لأن ماعزا لما رجم أظهر ~~توبته ، فلما تمموا رجمه ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ~~( هلا تركتموه ) ، أو لفظ هذا معناه ، وذلك يدل على أن التوبة تسقط عن ~~المكلف كل ما يتعلق بحق الله تعالى . # ! 7 < { يأأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا فى ~~سبيله لعلكم تفلحون } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 35 ) يا أيها الذين . . . . . # > > وفي الآية ms3290 مسائل : # المسألة الأولى : في النظم وجهان : الأول : اعلم أنا قد بينا أنه تعالى ~~لما أخبر رسوله أن قوما من اليهود هموا أن يبسطوا أيديهم إلى الرسول وإلى ~~إخوانه من المؤمنين وأصحابه بالغدر والمكر ومنعهم الله تعالى عن مرادهم ، ~~فعند ذلك شرح للرسول شدة عيتهم على الأنبياء وكمال إصرارهم على إيذائهم ، ~~وامتد الكلام إلى هذا الموضع ، فعند هذا رجع الكلام إلى المقصود الأول وقال ~~: { رحيم يئأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } كأنه قيل ~~: قد عرفتم كمال جسارة اليهود على المعاصي والذنوب وبعدهم عن الطاعات التي ~~هي الوسائل للعبد إلى الرب ، فكونوا يا أيها المؤمنون بالضد من ذلك ، ~~وكونوا متقين عن معاصي الله ، متوسلين إلى الله بطاعات الله . # الوجه الثاني في النظم : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا { نحن أبناء الله ~~وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) أي نحن أبناء أنبياء الله ، فكان افتخارهم ~~بأعمال آبائهم ، فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا ليكن مفاخرتكم بأعمالكم ~~لا بشرف آبائكم وأسلافكم ، فاتقوا وابتغوا إليه اللوسيلة ، والله أعلم . ~~PageV11P172 # المسألة الثانية : اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما : ~~أحدهما : ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله { اتقوا الله } وثانيهما : فعل ~~المأمورات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وابتغوا إليه الوسيلة } ولما ~~كان ترك المنهيات مقدما على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدمه تعالى عليه ~~في الذكر . وإنما قلنا : إن الترك مقدم على الفعل لأن الترك عبارة عن بقاء ~~الشيء على عدمه الأصلي ، والفعل هو الايقاع والتحصيل ، ولا شك أن عدم جميع ~~المحدثات سابق على وجودها ؛ فكان الترك قبل الفعل لا محالة . # فإن قيل : ولم جعلت الوسيلة مخصوصة بالفعل مع أنا نعلم أن ترك المعاصي قد ~~يتوسل به إلى الله تعالى ؟ # قلنا : الترك إبقاء الشيء على عدمه الأصلي ، وذلك العدم المستمر لا يمكن ~~التوسل به إلى شيء البتة فثبت أن الترك لا يمكن أن يكون وسيلة ، بل من دعاه ~~داعي الشهورة إلى فعل قبيح ، ثم تركه لطلب مرضاة الله تعالى ، فهاهنا يحصل ~~الوسل بذلك الامتناع إلى الله تعالى ، إلا ms3291 أن ذلك الامتناع من باب الأفعال ~~، ولهذا قال المحققون : ترك الشيء عبارة عن فعل ضده . # إذا عرفت هذا فنقول : إن الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال ، ~~فالذي يجب تركه هو المحرمات ، والذي يجب فعله هو الواجبات ، ومعتبران أيضا ~~في الأخلاق ، فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة ، والذي يجب تركه هو ~~الأخلاق الذميمة ، ومعتبران أيضا في الأفكار فالذي يجب فعله هو الفتكر في ~~الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة والمعاد ، والذي يجب تركه هو الالتفات ~~إلى الشبهات ، ومعتبران أيضا في مقام التجلي ، فالفعل هن الاستغراق في الله ~~تعالى ، والترك هو الالتفات إلى غير الله تعالى : وأهل الرياضة يسمون الفعل ~~والترك بالتحلية والتخلية ، وبالمحو والصحو ، وبالنفي والاثبات ، وبالفناء ~~والبقاء ، وفي جميع المقامات النفي مقدم على الاثبات ، ولذلك كان قولنا ( ~~لا إله إلا الله ) النفي مقدم فيه إلى الاثبات . # المسألة الثالثة : الوسيلة فعلية ، من وسل إليه إذا تقرب إليه . قال لبيد ~~الشاعر : # أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم # ألاكل ذي لب إلى الله واسل أي متوسل ، فالوسيلة هي التي يتوسل بها إلى ~~المقصود . قالت التعليمية : دلت الآية على أنه لا سبيل إلى الله تعالى إلا ~~بمعلم يعلمنا معرفته ، ومرشد يرشدنا إلى العلم به ، وذلك لأنه أمر بطلب ~~الوسيلة إليه مطلقا ، والإيمان به من أعظم المطالب وأشرف المقاصد ، فلا بد ~~فيه من الوسيلة . # وجوابنا : أنه تعالى إنما أمر بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان به ، ~~والإيمان به عبارة عن المعرفة به فكان هذا أمرا بابتغاء الوسيلة إليه بعد ~~الإيمان وبعد معرفته ، فيمتنع أن يكون هذا أمرا بطلب الوسيلة إليه في ~~معرفته ، فكان المراد طلب الوسيلة إليه في تحصيل مرضاته وذلك بالعبادات ~~والطاعات . # ثم قال تعالى : { وجاهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون } واعلم أنه تعالى لما ~~أمر بترك ما لا ينبغي بقوله { اتقوا الله } وبفعل ما ينبغي ، بقوله { ~~وابتغوا إليه الوسيلة } وكل واحد منهما شاق ثقيل على النفس والشهوة ، فإن ~~النفس لا تدعو إلا إلى الدنيا واللذات المحسوسة ، والعقل لا يدعو إلا إلى ~~خدمة الله وطاعته ms3292 والاعراض عن المحصوصات ، وكان بين الحالتين تضاد وتناف ، ~~ولذلك فإن العلماء ضربوا المثل في مظان PageV11P173 تطلب الدنيا والآخرة ~~بالضرتين وبالضدين ، وبالمشرق والمغرب ، وبالليل والنهار ، وإذا كان كذلك ~~كان الانقياد لقوله تهالى : { اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } من أشق ~~الأشياء على النفس وأشدها ثقلا على الطبع ، فلهذا السبب أردف ذلك التكليف ~~بقوله { وجاهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون } وهذه الآية آية شريفة مشتملة على ~~أسرار روحانية ، ونحن نشير هاهنا إلى واحد منها ، وهو أن من يعبد الله ~~تعالى فريقان ، منهم من يعبد الله لا لغرض سوى الله ، ومنهم من يعبده لغرض ~~آخر . # والمقام الأول : هو المقام الشريف العالي ، وإليه الإشارة بقوله { ~~وجاهدوا فى سبيله } أي من سبيل عبوديته وطريق الاخلاص في معرفته وخدمته . # والمقام الثاني : دون الأول ، وإليه الإشارة بقوله { لعلكم تفلحون } ~~والفلاح اسم جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب . # واعلم أنه تعالى لما أرشد المؤمنين في هذه الآية إلى معاقد جميع الخيرات ~~، ومفاته كل السعادات أتبعه بشرح حال الكفار ، وبوصف عاقبة من لم يعرف حياة ~~ولا سعادة إلا في هذه الدار ، وذكر من جملة تلك الأمور الفظيعة نوعين : # ! 7 < { إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الا رض جميعا ومثله معه ليفتدوا ~~به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم * يريدون أن يخرجوا من ~~النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 36 - 37 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > # أحدهما : قوله تعالى : { إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الارض جميعا ~~ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما } وفيه مسائل : # فإن قيل : لم وحد الراجع في قوله { ليفتدوا به } مع أن المذكور السابق ~~بيان ما في الأرض جميعا ومثله ؟ # قلنا : التقدير كأنه قيل : ليفتدوا بذلك المذكور . # المسألة الثانية : قوله { ولهم عذاب أليم } يحتمل أن يكون في موضع الحال ~~، ويحتمل أن يكون عطفا على الخبر . # المسألة الثالثة : المقصود من هذا الكلام التمثيل للزوم العذاب لهم ، ~~فإنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه . وعن النبي صلى ms3293 الله عليه وسلم : ( يقال ~~للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به فيقول ~~نعم فيقال له قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت ) . PageV11P174 # النوع الثاني : من الوعيد المذكور في هذه الآية . # قوله { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } ~~وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : إرادتهم الخروج تحتمل وجهين : الأول : أنهم قصدوا ذلك ~~وطلبوا المخرج منها كما قال تعالى : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا ~~فيها } ( السجدة : 2 ) . # قيل : إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج . وقيل : يكادون ~~يخرجون من النار لقوة النار ودفعها للمعذبين ، والثاني : أنهم تمنوا ذلك ~~وأرادوه بقلوبهم ، كقوله تعالى في موضع آخر { ربنا أخرجنا منها } ( ~~المؤمنون : 107 ) ويؤكد هذا الوجه قراءة من قرأ { يريدون أن يخرجوا من ~~النار } بضم الياء . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذا الآية على أنه تعالى يخرج من النار ~~من قال ( لا إله إلا الله ) على سبيل الإخلاص . قالوا : لأنه تعالى جعل هذا ~~المعنى من تهديدات الكفار ، وأنواع ما خوفهم به من الوعيد الشديد ، ولولا ~~أن هذا لامعنى مختص بالكفار وإلا لم يكن لتخصيص الكفار به معنى والله أعلم ~~. ومما يؤيد هذا الذي قلناه قوله { ولهم عذاب مقيم } وهذا يفيد الحصر ، ~~فكان المعنى ولهم عذاب مقيم لا لغيرهم ، كما أن قوله { لكم دينكم } ( ~~المائدة : 3 ) أي لكم لا لغيركم ، فكذا ههنا . # ! 7 < { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من الله ~~والله عزيز حكيم } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 38 ) والسارق والسارقة فاقطعوا . . . . . # > > في اتصال الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما أوجب في ~~الآية المتقدمة قطع الأيد والأرجل عند أخذ المال على سبيل المحاربة ، بين ~~في هذه الآية أن أخذ المال على سبيل السرقة يوجب قطع الأيدي والأرجل أيضا ، ~~والثاني : أنه لما ذكر تعظيم أمر القتل حيث قال : { من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد فى الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا } ( المائدة : 32 ) ذكر بعد هذا الجنايات التي ms3294 تبيح القتل والإيلام ، ~~فذكر أولا : قطع الطريق ، وثانيا : أمر السرقة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أختلف النحويون في الرفع في قوله { والسارق والسارقة } ~~على وجوه : الأول : وهو قول سيبويه والأخفش : أن قوله { والسارق والسارقة } ~~مرفوعان بالابتداء ، والخبر محذوف والتقدير : فيما يتلى عليكم السارق ~~والسارقة ، أي حكمهما كذا ، وكذا القول في قوله دالزانية والزاني فاجلدوا ~~كل واحد منهما } ( النور : 2 ) وفي قوله { * } ( النور : 2 ) وفي قوله { ~~واللذان يأتيانها منكم فئاذوهما } ( النساء : 16 ) وقرأ عيسى بن عمر { ~~والسارق PageV11P175 والسارقة } بالنصب ، ومثله { الزانية والزانى } ~~والاختيار عند سيبويه النصب في هذا . قال لأن قول القائل : زيدا فاضربه ~~أحسن من قولك : زيد فاضربه ، وأيضا لا يجوز أن يكون { * فاطعوا } خبر ~~المبتدأ ، لأن خبر المبتدأ لا يدخل عليه الفاء . # والقول الثاني : وهو اختيار الفراء : أن الرفع أولى من النصب ، لأن الألف ~~واللام في قوله { مقيم والسارق والسارقة } يقومان مقام ( الذي ) فصار ~~التقدير : الذي سرق قاقطعوا يده ، وعلى هذا التقدير حسن إدخال حرف الفاء ~~على الخبر لأنه صار جزاء ، وأيضا النصب إنما يحسن إذا أردت سارقا بعينه أو ~~سارقة بعينها ، فأما إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل من أتى بهذا الفعل ~~فالرفع أولى ، وهذا القول اختاره الزجاج وهو المعتمد . # ومما يدل على أن المراد من الآية الشرط والجزاء وجوه : الأول : أن الله ~~تعالى صرح بذلك وهو قوله { جزاء بما كسبا } وهذا دليل على أن القطع شرع ~~جزاء على فعل السرقة ، فوجب أن يعم الجزاء لعموم الشرط ، والثاني : أن ~~السرقة جناية ، والقطع عقوبة ، وربط العقوبة بالجناية مناسب ، وذكر الحكم ~~عقيب الوصف المناسب يدل على أن الوصف علة لذلك الحكم ، والثالث : أنا لو ~~حملنا الآية على هذا الوجه كانت الآية مفيدة ، ولو حملناها على سارق معين ~~صارت مجملة غير مفيدة ، فكان الأول أولى . # وأما القول الذي ذهب إليه سيبويه فليس بشيء ، ويدل عليه وجوه : الأول : ~~أنه طعن في القررن المنقول بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام وعن ~~جميع الأمة ، وذلك باطل قطعا ، فإن قال لا أقول : إن القراءة ms3295 بالرفع غير ~~جائزة ولكني أقول : القراءة بالنصب أولى ، فنقول : وهذا أيضا رديء لأن ~~ترجيح القراءة التي لم يقرأ بها عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة ~~في عهد الصحابة والتابعين أمر منكر وكلام مردود . والثاني : أن القراءة ~~بالنصب لو كانت أولى لوجب أن يكون في القراء من قرأ ( واللذين يأتيانها ~~منكم ) بالنصب ، ولما لم يوجد في القراء أحد قرأ كذلك علمنا سقوط هذا القول ~~. # الوجه الثالث : أنا إذا قلنا : { والسارق والسارقة } مبتدأ ، وخبره هو ~~الذي نضمره ، وهو قولنا فيما يتلى عليكم ، فحينئذ قد تمت هذه الجملة ~~بمتداها وخبرها / فبأي شيء تتعلق الفاء في قوله { فاقطعوا أيديهما } فإن ~~قال : الفاء تتعلق بالفعل الذي دل عليه قوله { والسارق والسارقة } يعني أنه ~~إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يديه فنقول : إذا احتجت في آخر الأمر إلى أن تقول ~~: السارق والسارقة تقديره : من سرق ، فاذكر هذا أولا حتى لا تحتاج إلى ~~الإضمار الذي ذكرته . والرابع : أنا إذا اخترنا القراءة بالنصب لم يدل ذلك ~~على كون السرقة علة لوجوب القطع ، وإذا اخترنا القراءة بالرفع أفادت الآية ~~هذا المعنى ، ثم هذا المعنى متأكد بقوله { جزاء بما كسبا } فثبت أن القراءة ~~بالرفع أولى . الخامس : أن سيبويه قال : هم يقدمون الأهم فالأهم ، والذي هم ~~بشأنه أعنى ، فالقراءة بالرفع تقتضي تقديم ذكر كونه سارقا على ذكر وجوب ~~القطع ، وهذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفا إلى شرح ما يتلعق بحال ~~السارق من حيث إنه سارق ، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكون العناية ~~ببيان القطع أتم من العناية بكونه سارقا ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فءن ~~المقصود في هذه الآية بيان تقبيح السرقة والمبالغة في الزجر عنها ، فثبت أن ~~القراءة بالرفع هي المتعينة قطعا والله أعلم . # المسألة الثانية : قال كثير من المفسرين الأصوليين : هذه الآية مجملة من ~~وجوه : أحدها : أن الحكم PageV11P176 معلق على السرقة ، ومطلق السرقة غير ~~موجب للقطع ، بل لا بد وأن تكون هذه السرقة سرقة لمقدار مخصوص من المال ، ~~وذلك القدر غير مذكور في الآية فكانت مجملة ، وثانيها : أنه ms3296 تعالى أوجب قطع ~~الأيدي ، وليس فيه بيان أن الواجب قطع الأيدي الأيمان والشمائل ، وبالاجماع ~~لا يجب قطعهما معا فكانت الآية مجملة ، وثالثها : أن اليد اسم يتناول ~~الأصابع فقط ، ألا ترى أنه لو حلف لا يمس فلانا بيده فمسه بأصابعه فإنه ~~يحنث في يمينه ، فاليد اسم يقع على الأصابع وحدها ، ويقع على الأصابع مع ~~الكف ، ويقع على الأصابع والكف والسعدين إلى المرفقين ، ويقع على كل ذلك ~~إلى المنكبين ، وإذا كان لفظ اليد محتملا لكل هذه الأقسام ، والعيين غير ~~مذكور في هذه الآية فكانت مجملة ، ورابعها : أن قوله { فاقطعوا } خطاب مع ~~قوم ، فيحتمل أن يكون هذا التكليف واقعا على مجموع الأمة ، وأن يكون واقعا ~~على طائفة مخصوصة منهم ، وأن يكون واقعا على شخص معين منهم ، وهو إمام ~~الزمان كما يذهب إليه الأكثرون ، ولما لم يكن التعيين مذكورا في الآية كانت ~~الآية مجملة ، فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية مجملة على الإطلاق ، هذا ~~تقرير هذا المذهب . # وقال قوم من المحققين : الآية ليست مجملة ألبتة ، وذلك لأنا بينا أن ~~الألف واللام في قوله { والسارق والسارقة } قائمام مقام ( الذي ) والفاء في ~~قوله { فاقطعوا } للجزاء ، فكان التقدير : الذي سرق فاقطعوا يده ، ثم تأكد ~~هذا بقوله تعالى : { جزاء بما كسبا } وذلك الكسب لا بد وأن يكون المراد به ~~ما تقدم ذكره وهو السرقة ، فصار هذا دليلا على أن مناط الحكم ومتعلقه هو ~~ماهية السرقة ومقتضاه أن يعم الجزاء فيما حصل هذا الشرط ، اللهم إلا إذا ~~قام دليل منفصل يقتضي تخصيص هذا العام ، وءما قوله ( الأيدي ) عامة فنقول : ~~مقتضاه قطع الأيدي لكنه لما انعقد الاجماع على أنه لا يجب قطعهما معا ، ولا ~~الاتبداء باليد اليسرى أخرجناه عن العموم . # وأما قوله : لفظ اليد دائر بين أشياء فنقول : لا نسلم ، بل اليد اسم لهذا ~~العضو إلى المنكب ، ولهذا السبب قال تعالى : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق } ( المائدة : 6 ) فلولا دخول العضدين في هذا الاسم وإلا لما احتيج ~~إلى التقيد بقوله { إلى المرافق } فظاهر الآية يوجب قطع اليدين من المنكبين ~~كما ms3297 هو قول الخوارج ، إلا أنا تركنا ذلك لدليل منفصل . # وأما قوله : رابعا : يحتمل أن يكون الخطاب مع كل واحد ، وأن يكون مع واحد ~~معين . # قلنا : ظاهره أنه خطاب مع كل أحد ، ترك العمل به فيما صار مخصوصا بدليل ~~منفصل فيبقى معمولا به في الباقي . # والحاصل أنا نقول : الآية عامة ، فصارت مخصوصة بدلائل منفصلة في بعض ~~الصور فتبقى حجة فيما عداها ، ومعلوم أن هذا القول أولى من قول من قال : ~~إنها مجملة فلا تفيد فائدة أصلا . # المسألة الثالثة : قال جمهور الفقهاء : القطع لا يجب إلا عند شرطين : قدر ~~النصاب ، وأن تكون السرقة من الحرز ، وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن ~~البصري : القدر غير معتبر ، فالقطع واجب في سرقة القليل والكثير ، والحرز ~~أيضا غير معتبر ، وهو قول داود الأصفهاني ، وقول الخوارج ، وتمسكوا في ~~المسألة بعموم الآية كما قررناه ، فإن قوله { والسارق والسارقة } يتناول ~~السرقة سواء كانت قليلة أو كثيرة وسواء سرقت من PageV11P177 الحرز أو من ~~غير الحرز . # إذا ثبت هذا فنقول : لو ذهبنا إلى التخصيص لكان ذلك إما بخبر الواحد ، أو ~~بالقياس وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز ، وحجة جمهور ~~الفقهاء أنه لا حاجة بنا إلى القول بالتخصيص ، بل نقول : إن لفظ السرقة ~~لفظة عربية ، ونحن بالضرورة نعلم أن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة من ~~حنطة الغير ، أو تبنة واحدة ، أو كسرة صغيرة من خبز : إنه سرق ماله ، ~~فعلمنا أن أخذ مال الغير كيفما كان لا يسمى سرقة ، وأيضا السرقة مشتقة من ~~مسارقة عين المالك ، وإنما يحتاج إلى مسارقة عين المالك لو كان المسروق ~~أمرا يكون متعلق الرغبة في محل الشح والضنة حتى يرغب السارق في أخذه ~~ويتضايق المسروق منه في دفعه إلى الغير ولهذا الطريق اعتبرنا في وجوب القطع ~~أخذ المال من حرز المثل ، لأن ما لا يكون موضوعا في الحرز لا يحتاج في أخذه ~~إلى مسارقة الأعين فلا يسمى أخذه سرقة . وقال داود : نحن لا نوجب القطع في ~~سرقة الحبة الواحدة ، ولا في سرقة التبنة الواحدة ms3298 ، بل في أقل شيء يجري فيه ~~الشح والضنة ، وذلك مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة ، فربما استحقر الملك ~~الكبير لآلافا مؤلفة ، وربما استعظم الفقير طسوجا ، ولهذا قال الشافعي رحمه ~~الله : لو قال لفلان على مال عظيم ، ثم فسر بالحبة يقبل قوله فيه لاحتمال ~~أنه كان عظيما عنده لغاية فقره وشدة احتياجه إليه ، ولما كانت مقادير القلة ~~والكثرة غير مضبوطة وجب بناء الحكم على أقل ما يسمى مالا ، وليس لقائل أن ~~يستبعد ويقول : كيد يجوز قطع اليد في سرقة الطسوجة الواحدة ، لأن الملحدة ~~قد جعلوا هذا طعنا في الشريعة ، فقالوا : اليد لما كانت قيمتها خمسمائة ~~دينار من الذهب ، فكيف تقطع لأجل القليل من المال ؟ ثم إنا أجبنا عن هذا ~~الطعن بأن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك ~~القدر القليل ، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة بهذه العقوبة ~~العظيمة ، وإذا كان هذا الجواب مقبولا من الكل فليكن أيضا مقبولا منا في ~~إيجاب القطع في القليل والكثير . قال : ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيص ~~عموم القرآن ههنا بخبر الواحد ، وذلك لأن القائلين بتخصيص هذا العموم ~~اختلفوا على وجوه ، فقال الشافعي رحمه لله : يجب القطع في ربع دينار ، وروي ~~فيه قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا قطع إلا ربع دينار ) وقال أو حنيفة ~~رحمه الله : لا يجوز القطع إلا في عشرة دراهم مضروبة وروي فيه قوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( لا قطع إلا في ثمن المجن ) والظاهر أن ثمن المجن لا ~~يكون أقل من عشرة دراهم . وقال مالك وأحمد وإسحاق : إنه مقدر بثلاثة دراهم ~~أو ربع دينار . وقال ابن أبي ليلى : مقدر بخمسة دراهم ، وكل واحد من هؤلاء ~~المجتهدين يطعن في الخبر الذي يرويه الآخر ، وعلى هذا التقدير فهذه ~~المخصصات صارت متعارضة / فوجب أن لا يلتفت إلى شيء منها ، ويرجع في معرفة ~~حكم الله تعالى إلى ظاهر القرآن . قال : وليس لأحد أن يقول : إن الصحابة ~~رضي الله عنهم أجمعوا على أنه لا يجب القطع إلا في مقدار معين ms3299 . قال : لأن ~~الحسن البصري كان يوجب القطع بمطلق السرقة ، وكان يقول : احذر من قطع يدك ~~بدرهم ، ولو كان الاجماع منعقدا لما خالف الحسن البصري فيه مع قربه من زمان ~~الصحابة وشدة احتياطه فيما يتعلق بالدين ، فهذا تقرير مذهب الحسن البصري ~~وداود الأصفهاني . # وأما الفقهاء فإنهم اتفقوا على أنه لا بد في وجوب القطع من القدر ، ثم ~~قال الشافعي رحمه الله : القطع في ربع دينار فصاعدا وهو نصاب السرقة ، ~~وسائر الأشياء تقوم به . وقال أبو حنيفة والثوري : لا يجب القطع ~~PageV11P178 في أقل من عشرة دارهم مضروبة ، ويقوم غيرها بها . وقال مالك ~~رحمه الله : ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وقال ابن أبي ليلى : خمسة دراهم . # حجة الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~} يوجب القطع في القليل والكثير ، إلا أن الفقهاء توافقوا فيما بينهم على ~~أنه لا يجب القطع فيما دون ربع دينار ، فوجب أن يبقى في ربع دينار فصاعدا ~~على ظاهر النص ، ثم أكد هذ بما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لا قطع ~~إلا في ربع دينار ) . # وأما الذي تمسك به أبو حنيفة رحمه الله من قوله عليه الصلاة والسلام : ( ~~لا قطع إلا في ثمن المجن ) فهو ضعيف لوجهين : الأول : أن ثمن المجن مجهول ، ~~فتخصيص عموم القرآن بخبر واحد مجمل مجهول المعنى لا يجوز . الثاني : أنه إن ~~كان ثمن المجن مقدرا بعشرة دراهم كان التخصيص الحاصل بسببه في عموم قوله ~~تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } أكثر من التخصيص الحاصل في ~~عموم هذه الآية بقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا قطع إلا في ربع دينار ) ~~فكان الترجيح لهذا الجانب . # المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : الرجل إذا سرق أولا قطعت يده ~~اليمنى ، وفي الثانية رجله اليسرى ، وفي الثالثة يده اليسرى ، وفي الرابعة ~~رجله اليمنى ، وقال أبو حنيفة والثوري : لا يقطع في المرة الثالثة والرابعة ~~. # واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجيهن : الأول : أن السرقة علة ~~لوجوب القطع ، وقد وجدت في المرة الثالثة ، فوجب القطع في المرة الثالثة ~~أيضا ms3300 ، إنما قلنا : إن السرقة علة لوجوب القطع لقوله { والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما } وقد بينا أن المعنى : الذي سرق فاقطعوا يده ، وأيضا ~~الفاء في قوله { فاقطعوا أيديهما } يدل على أن القطع وجب جزاء على تلك ~~السرقة ، فالسرقة علة لوجوب القطع ، ولا شك أن السرقة حصلت في المرة ~~الثالثة ، فما هو الموجب للقطع حاصل في المرة الثالثة ، فلا بد وأن يترتب ~~عليه موجبه ولا يجوز أن يكون موجبه هو القطع في المرة الأولى لأن الحكم لا ~~يسبق العلة ، وذلك لأن القطع وجب بالسرقة الأولى ، فلم يبق إلا أن تكون ~~السرقة في المرة الثالثة توجب قطعا آخر وهو المطلوب ، والثاني : أنه تعالى ~~قال : { فاقطعوا أيديهما } ولفظ الأيدي لفظ جمع ، وأقله ثلاثة ، والظاهر ~~يقتضي وجوب قطع ثلاثة من الأيدي في السارق والسارقة ، ترك العمل به ابتداء ~~فيبقى معمولا به عند السرقة الثالثة . # فإن قالوا : إن ابن مسعود قرأ فاقطعوا أيمانهما ، فكان هذا الحكم مختصا ~~باليمين لا في مطلق الأيدي ، والقراءة الشاذة جارية مجرى خبر الواحد . # قلنا : القراءة الشاذة لا تبطل لقراءة المتواترة ، فنحن نتمسك بالقراءة ~~المتواترة في إثبات مذهبنا وأيضا القراءة الشذة ليست بحجة عندنا ، لأنا ~~نقطع أنها ليست قرآنا ، إذ لو كانت قرآنا لكانت متواترة ، فإنا لو جوزنا أن ~~لا ينقل شيء من القرآن إلينا على سبيل التواتر انفتح باب طعن الروافض ~~والملاحدة في القرآن / ولعله كان في القررن آيات دالة على إمامة علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه نصا ، وما نقلت إلينا ، ولعله كان فيه آيات دالة على نسخ ~~أكثر هذه الشرائع وما نقلت إلينا ولما كان ذلك باطلا بأنه لو كان قرآنا ~~لكان متواترا ، فلما لم يكن متواترا قطعنا أنه ليس بقرآن ، فثبت أن لاقراءة ~~الشاذة ليست بحجة ألبتة . PageV11P179 # المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : أغرم السارق ما سرق . وقال ~~أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق : لا يجمع بين القطع والعزم ، فإن غرم فلا ~~قطع ، وإن قطع فلا غرم . وقال مالك رحمه لله : يقطع بكل حال ، وأما الغرم ~~فليزمه إن كان ms3301 غنيا ، ولا يلزمه إن كان فقيرا . # حجة الشافعي رحمه الله أن الآية دلت على أن السرقة توجب القطع ، وقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه ) يوجب الضمان ، وقد ~~احتج الأمران في هذه السرقة فوجب أن يحب القطع والضمان ، فلو ادعى مدع أن ~~الجمع ممتنع كان ذلك معارضة ، وعليه الدليل ، على أنا نقول : ءن حد الله لا ~~يمنع حق العباد ، بدليل أنه يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك ، ~~وبدليل أنه لو كان المسروق باقيا وجب رده بالإجماع ، ويدل عليه أيضا أن ~~المسروق كان باقيا على ملك المالك إلى وقت قطع يد السارق بالاتفاق ، فعند ~~حصول القطع إما أن يحصل الملك فيه مقتصرا على وقت القطع ، أو مسندا إلى أول ~~زمان السرقة ، والأول : لا يقول به الخصم ، والثاني : يقتضي أن يقال : إنه ~~حدث الملك فيه من وقت القطع في الزمان الذي كان سابقا على ذلك الوقت ، وهذا ~~يقتضي وقوع الفعل في الزمان الماضي . وهذا محال . # حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى حكم بكون هذا القطع جزاء ، والجزاء هو ~~الكافي ، فدل ذلك على أن هذا القطع كاف في جناية السرقة ، وإذا كان كافيا ~~وجب أن لا يضم الغرم إليه . # والجواب : لو كان الأمر كما قلتم لوجب أن لا يلزم رد المسروق عند كونه ~~قائما ، والله أعلم بالصواب . # المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : السيد يملك إقامة الحد على ~~المماليك . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يملك . # حجة الشافعي أن قوله { فاقطعوا أيديهما } عام في حق الكل ، لأن هذا ~~الخطاب ليس فيه ما يدل على كونه مخصوصا بالبغض دون البعض ، ولما عم الكل ~~دخل فيه المولى أيضا ، ترك العمل به في حق غير الإمام والمولى ، فوجب أن ~~يبقى معمولا به في حق الإمام والمولى . # المسألة السابعة : احتج المتكلمون بهذه الآية في أنه يجب على الأمة أن ~~ينصبوا لأنفسهم إماما معينا والدليل عليه أنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة ~~الحد على السراق والزناة ، فلا بد من شخص يكون مخاطبا بهذا الخطاب ms3302 ، وأجمعت ~~الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة ، بل أجمعوا على ~~أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للإمام ، فلما كان هذا ~~التكليف تكليفا جازما ولا يمكن الخروج عن عهدة هذا التكليف إلا عند وجود ~~الإمام ، وما لا يتأتى الواجب إلا به ، وكان مقدورا للمكلف ، فهو واجب ، ~~فلزم القطع بوجوب نصب الإمام حينئذ . # المسألة الثامنة : قال المعتزلة : قوله { نكالا من الله } يدل على أنه ~~إنما أقيم عليه هذا الحد على سبيل الاستخفاف والإهانة ، وإذا كان الأمر ~~كذلك لزم القطع بكونه مستحقا للاستخفاف والذم والإهانة ، ومتى كان لأمر ~~كذلك امتنع أن يقال : إنه بقي مستحقا للمدح والتعظيم ، لأنهما ضدان والجمع ~~بينهما محال ، وذلك يدل على أن عقاب الكبير يحبط ثواب الطاعات . # وأعلم أنا قد ذكرنا الدلائل الكثيرة في بطلان القول بالإحباط في سورة ~~البقرة في تفسير قوله تعالى : ( دلا تبطلوا صداقاتكم بالمن والأذى } ( ~~البقرة : 264 ) PageV11P180 فلا نعيدها ههنا . # ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعا على سبيل ~~التنكيل مشروط بعدم التوبة / فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله ~~تعالى لزم القطع بأن إقامة الحد لا تكون أيضا على سبيل التنكيل ، بل تكون ~~على سبيل الامتحان ، لكنا ذكرنا الدلائل الكثيرة على العفو . # المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : قوله { * } ( البقرة : 264 ) فلا ~~نعيدها ههنا . # ثم الجواب عن كلام المعتزلة أنا أجمعنا على أن كون الحد واقعا على سبيل ~~التنكيل مشروط بعدم التوبة ، فبتقدير أن يدل دليل على حصول العفو من الله ~~تعالى لزم القطع بأن إقامة الحد لا تكون أيضا على سبيل التنكيل ، بل تكون ~~على سبيل الامتحان ، لكنا ذكرنا الدلائل الكثيرة على العفو . # المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : قوله { جزاء بما كسبا نكالا من * لله ~~} يدل على تعليل أحكام الله ، فإن الباء في قوله { بما كسبا } صريح في أن ~~القطع إنما وجب معللا بالسرقة . # وجوابه ما ذكرناه في هذه السورة في قوله { من أجل ذالك كتبنا على بنى ~~إسراءيل أنه من قتل ms3303 نفسا بغير نفس } ( المائدة : 32 ) . # المسألة العاشرة : قوله { جزاء بما كسبا } قال الزجاج : جزاء نصب لأنه ~~مفعول له ، والتقدير فاقطعوهم لجزاء فعلهم ، وكذلك { نكالا من الله } فإن ~~شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دل عليه { فاقطعوا } والتقدير : جازوهم ~~ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالا من الله . # أما قوله { والله عزيز حكيم } فالمعنى : عزيز في انتقامه ، حكيم في ~~شرائعه وتكاليفه . قال الأصمعي كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي ، فقرأت ~~هذه الآية فقلت { والله غفور رحيم } سهوا ، فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ ~~فقلت كلام الله . قال أعد ، فأعدت : والله غفور رحيم ، ثم تنبهت فقلت { ~~والله عزيز حكيم } فقال : الآن أصبت ، فقلت كيف عرفت ؟ قال : يا هذا عزيز ~~حكيم فأمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع ~~ثم قال تعالى : # ! 7 < { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ~~} . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 39 ) فمن تاب من . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : دلت الآية على أن من تاب فإن الله يقبل توبته ، فإن قيل ~~: قوله { وأصلح } يدل على أن مجرد التوبة غير مقبول . # قلنا : المراد من قوله { وأصلح } أي يتوب بنية صالحة صادقة وعزيمة صحيحة ~~خالية عن سائر الأغراض . # المسألة الثانية : إذا تاب قبل القطع تاب الله عليه ، وهل يسقط عنه الحد ~~؟ قال بعض العلماء التابعين : يسقط عنه الحد ، لأن ذكر الغفور الرحيم في ~~آخر هذه الآية يدل على سقوط العقوبة عنه ، والعقوبة المذكورة في هذه الآية ~~هي الحد ، فظاهر الآية يقتضي سقوطها . وقال الجمهور : لا يسقط عنه هذا الحد ~~، بل يقام عليه على سبيل الإمتحان . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى ~~لأنه تعالى تمدح بقبول التوبة ، والتمدح إنما يكون بفعل التفضل والإحسان ، ~~لا بأداء الواجبات ثم قال تعالى : # ! 7 < { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والا رض يعذب من يشآء ويغفر ~~لمن يشآء والله على كل شىء قدير } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 40 ) ألم تعلم أن ms3304 . . . . . # > > PageV11P181 # واعلم أنه تعالى لما أوجب قطع اليد وعقاب الآخرة على السارق قبل التوبة ، ~~ثم ذكر أنه يقبل توبته إن تاب أردفه ببيان أن له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد ، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه ~~في مقابلة تقدم السرقة على التوبة . قال الواحدي : الآية واضحة للقدرية في ~~التعديل والتجويز ، وقولهم بوجوب الرحمة للمطيع ، ووجوب العذاب للعاصي على ~~الله ، وذلك لأن الآية دالة على أن الرحمة مفوضة إلى المشيئة والوجوب ينافي ~~ذلك . # وأقول : فيه وجه آخر يبطل قولهم ، وذلك لأنه تعالى ذكر أولا قوله { ألم ~~تعلم أن الله له ملك * السماوات والارض } ثم رتب عليه قوله { يعذب من يشاء ~~ويغفر لمن يشاء } وهذا يدل على أنه إنما حسن منه التعذيب تارة ، والمغفرة ~~أخرى ، لأنه مالك الخلق وربهم وإلههم ، وهذا هو مذهب أصحابنا فإنهم يقولون ~~: إنه تعالى يحسن منه كل ما يشاء ويريد لأجل كونه مالكا لجميع المحدثات ، ~~والمالك له أنه يتصرف في ملكه كيف شاء وأراد : أما المعتزلة فإنهم يقولون : ~~حسن هذه الأفعال من الله تعالى ليس لأجل كونه إلها للخلق ومالكا لهم ، بل ~~لأجل رعاية المصالح والمفاسد ، وذلك يبطله صريح هذه الآية كما قررناه . # ! 7 < { ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا ~~ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ~~ءاخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هاذا فخذوه ~~وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولائك ~~الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الا خرة عذاب ~~عظيم } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 41 ) يا أيها الرسول . . . . . # > > # قوله تعالى : { قدير يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر من ~~الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } . # اعلم أنه تعالى لما بين بعض التكاليف والشرائع ، وكان قد علم من بعض ~~الناس كونهم متسارعين إلى الكفر لا جرم صبر رسوله على تحمل ms3305 ذلك ، وأمره بأن ~~لا يحزن لأجل ذلك ، فقال : { قدير يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى ~~الكفر } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله : ~~يا أيها النبي في مواضع كثيرة ، وما خاطبه PageV11P182 بقوله : يا أيها ~~الرسول إلا في موضعين : أحدهما : ههنا ، والثاني : قوله : { يعملون ياأيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ( المائدة : 67 ) وهذا الخطاب لا شك أنه ~~خطاب تشريف وتعظيم . # المسألة الثانية : قرىء { لا يحزنك } بضم الياء ، ويسرعون ، والمعنى لا ~~تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفر وذلك بسبب احتيالهم في استخراج ~~وجوه الكيد والمكر في حق المسلمين وفي مبالغتهم في موالاة المشركين فإني ~~ناصرك عليهم وكافيك شرهم . يقال : أسرع فيه الشيب وأسرع فيه الفساد بمعنى ~~وقع فيه سريعا ، فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على ~~أسرع الوجوه متى وجدوا فيه فرصة ، وقوله { من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ~~ولم تؤمن قلوبهم } فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : من الذين قالوا بأفواههم ~~آمنا ولم تؤمن قلوبهم ولا شك أن هؤلاء هم المنافقون . # ثم قال تعالى : { ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين لم ~~يأتوك } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : ذكر الفراء والزجاج ههنا وجهين : الأول : أن الكلام ~~إنما يتم عند قوله { ومن الذين هادوا } ثم يبتدأ الكلام منقوله { سماعون ~~للكذب سماعون لقوم ءاخرين } وتقدير الكلام : لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من المنافقين ومن اليهود ، ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين لقوم ~~آخرين . # الوجه الثاني : أن الكلام تم عند قوله { ولم تؤمن قلوبهم } ثم ابتدأ من ~~قوله { ومن الذين هادوا سماعون للكذب } وعلى هذا التقدير فقوله { سماعون } ~~صفة محذوف ، والتقدير : ومن الذين هادوا قوم سماعون . وقيل : خبر مبتدأ ~~محذوف ، يعني هم سماعون . # المسألة الثانية : ذكر الزجاج في قوله { سماعون للكذب } وجهين : الأول : ~~أن معناه قابلون للكذب ، والسمع يستعمل ويراد منه القبول ، كما يقال : لا ~~تسمع من فلان أي لا تقبل منه ، ومنه ( سمع الله لمن حمده ) ، وذلك الكذب ~~الذي ms3306 يقبلونه هو ما يقوله رؤساؤهم من الأكاذيب في دين الله تعالى في تحريف ~~التوراة / وفي الطعن في محمد صلى الله عليه وسلم . # والوجه الثاني : أن المراد من قوله { سماعون للكذب } نفس السماع ، واللام ~~في قوله { للكذب } لام كي ، أي يسمعون منك لكي يكذبوا عليك . وأما قوله { ~~سماعون للكذب سماعون لقوم ءاخرين } فالمعنى أنهم أعين وجواسيس لقوم آخرين ~~لم يأتوك ولم يحضروا عندك لينقلوا إليهم أخبارك ، فعلى هذا التقدير قوله { ~~سماعون للكذب } أي سماعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا ~~عليه بأن يمزجوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير ، ~~سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود ، وهم عيون ليبلغوهم ما ~~سمعوا منه . # ثم إنه تعالى وصف هؤلاء اليهود بصفة أخرى فقال { يحرفون الكلم من بعد ~~مواضعه } أي من بعد أن وضعه الله مواضعه ، أي فرض فروضه وأحل حلاله وحرم ~~حرامه . قال المفسرون : إن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا ، وكان حد ~~الزنا في التوراة الرجم ، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما ، فأرسلوا قوما إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن حكمه في الزانيين إذا أحصنا ، ~~وقالوا : إن أمركم بالجلد فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا ، ~~فلما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك نزل جبريل بالرجم فأبوا أن ~~يأخذوا به ، فقال له جبريل PageV11P183 عليه السلام : اجعل بينك وبينخم ( ~~ابن صوريا ) فقال الرسول : هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ~~: ابن صوريا ؟ قالوا نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ، فرضوا به حكما ، ~~فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي ~~فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم ~~كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن ) ؟ قال ابن صوريا : ~~نعم ، فوثبت عليه سفلة اليهود ، فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب ~~، ثم سأل رسول الله عن أشياء كان يعرفها من علاماته ، فقال ابن ms3307 صوريا : ~~أشهد أن إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به ~~المرسلون ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب ~~مسجده . # إذا عرفت القصة فنقول : قوله { يحرفون الكلم من بعد مواضعه } أي وضعوا ~~الجلد مكان الرجم . # وقوله تعالى : { يقولون إن أوتيتم هاذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } أي ~~إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوا ، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا . # واعلم أن مذهب الشافعي رحمه الله أن الثيب الذمي يرجم . قال : لأنه صح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر برجمه ، فإن كان الأمر برجم الثيب ~~الذمي من دين الرسول فقد ثبت المقصود ، وإن كان إنما أمر بذلك بناء على ما ~~ثبت في شريعة موسى عليه السلام وجب أن يكون ذلك مشروعا في ديننا ، ويدل ~~عليه وجهان : الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفتى على وفق ~~شريعة التوراة في هذه المسألة كان الإقتداء به في ذلك واجبا ، لقوله { ~~فاتبعوه } ( الأعراف : 58 ) والثاني : أن ما كان ثابتا في شرع موسى عليه ~~السلام فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخ ~~هذا الحكم ، فوجب أن يكون باقيا ، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله ~~تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ( المائدة : 45 ) حكمه باق ~~في شرعنا . # ولما شرح الله تعالى فضائح هؤلاء اليهود قال : { ومن يرد الله فتنته فلن ~~تملك له من الله شيئا } . # واعلم أن لفظ الفتنة محتمل لجميع أنواع المفاسد / إلا أنه لما كان هذا ~~اللفظ مذكورا عقيب أنواع كفرهم التي شرحها الله تعالى وجب أن يكون المراد ~~من هذه الفتنة تلك الكفريات التي تقدم ذكرها ، وعلى هذا التقدير فالمراد : ~~ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك عنه . # ثم أكد تعالى هذا فقال : { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } . # قال أصحابنا : دلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر ، ~~وأنه لم يطهر قلبه من ms3308 الشك والشرك ، ولو فعل ذلك لآمن ، وهذه الآية من أشد ~~الآيات على القدرية . أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تفسير الفتنة وجوها : ~~أحدها : أن الفتنة هي العذاب ، قال تعالى : { على النار يفتنون } ( ~~الذاريات : 13 ) أي يعذبون ، فالمراد ههنا : أنه يريد عذابه لكفره ونفاقه ، ~~وثانيها : الفتنة الفضيحة ، يعني ومن يرد الله فضيحته . الثالث : فتنته : ~~إضلاله ، والمراد من الأضلال الحكم بضلاله وتسميته ضالا ، ورابعها : الفتنة ~~الاختبار ، يعني من يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ، ثم إنه ~~يتركها ولا يقوم بأدائها فلن تملك له من الله ثوابا ولا نفعا . # وأما قوله { أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } فذكروا فيه وجوها ~~: أحدها : لم يرد الله أن يمد قلوبهم بالألطاف ، لأنه تعالى علم أنه لا ~~فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قلوبهم ، وثانيها : لم يرد الله ~~PageV11P184 أن يطهر قلوبهم عن الحرج والغم والوحشة الدالة على كفرهم ، ~~وثالثها : أن هذا استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى ، وأنه غير ملتفت ~~إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله ، والكلام عن هذه الوجوه قد تقدم مرارا . # ثم قال تعالى : { لهم فى الدنيا خزى } وخزي المنافقين هتك سترهم باطلاع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم على كذبهم وخوفهم من القتل ، وخزي اليهود ~~فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص الله تعالى في إيجاب الرجم وأخذ الجزية ~~منهم . # { ولهم فى الاخرة عذاب عظيم } وهو الخلود في النار . # ! 7 < { سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ~~وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب ~~المقسطين } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 42 ) سماعون للكذب أكالون . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { سماعون للكذب أكالون للسحت } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي السحت بضم السين ~~والحاء حيث كان ، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة برفع السين وسكون الحاء ~~على لفظ المصدر من : سحته ، ونقل صاحب ( الكشاف ) السحت بفتحتين ، والسحت ~~بكسر السين وسكون الحاء ، وكلها لغات . # المسألة الثانية : ذكروا في لفظ السحت وجوها قال الزجاج ms3309 : أصله من سحته ~~إذا استأصله ، قال تعالى : { فيسحتكم بعذاب } ( طه : 61 ) وسميت الرشا التي ~~كانوا يأخذونها بالسحت إما لأن الله تعالى يسحتهم بعذاب ، أي يستأصلهم ، أو ~~لأنه مسحوت البركة ، قال تعالى : { يمحق الله الربواا } ( البقرة : 276 ) ~~الثاني : قال الليث : إنه حرام يحصل منه العار ، وهذا قريب من الوجه الأول ~~لأن مثل هذا الشيء يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها ، والثالث : قال الفراء : ~~أصل السحت شدة الجوع ، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولا لا يلقى إلا ~~جائعا أبدا ، فالسحت حرام يحمل عليه شدة الشره كشره من كان مسحوت المعدة ، ~~وهذا أيضا قريب من الأول ، لأن من كان شديد الجوع شديد الشره فكأنه يستأصل ~~كل ما يصل إليه من الطعام ويشتهيه . # إذا عرفت هذا فنقول : السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب ~~الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستئجار في ~~المعصية : روي ذاك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد ، وزاد ~~بعضهم ، ونقص بعضهم ، وأصله يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ~~، ويكون في حصوله عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة ، ومعلوم أن أخذ الرشوة ~~كذلك ، فكان سحتا لا محالة . # المسألة الثالثة : في قوله { سماعون للكذب أكالون للسحت } وجوه : الأول : ~~قال الحسن كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة ~~سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه ، فكان يسمع الكذب ويأكل السحت . الثاني : ~~قال بعضهم : كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه ~~من اليهودية ، فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي ~~يأخذونه منهم . الثالث : سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة ~~، أكالون للربا لقوله تعالى : { وأخذهم الربا } ( النساء : 161 ) . # ثم قال تعالى : { فان * جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ثم إنه تعالى ~~خيره بين الحكم فيهم PageV11P185 والاعراض عنهم ، واختلفوا فيه على قولين : ~~الأول : أنه في أمر خاص ، ثم اختلف هؤلاء ، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد ~~والزهري : أنه في زنا المحصن وأن حده هو الجلد والرجم ms3310 . الثاني : أنه في ~~قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير ، وكان في بني النضير شرف وكانت ~~ديتهم دية كاملة ، وفي قريظة نصف دية ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجعل الدية سواء . الثالث : أن هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ~~ذمة لهم ، فإن شاء حكم فيهم وإن شاء أعرض عنهم . # القول الثاني : أن الآية عاملاة في كل من الكفار ، ثم اختلفوا فمنهم من ~~قال الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ ، وهو قول النخعي والشعبي وقتادة ~~وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم ، ومنهم من قال : إنه منسوخ بقوله تعالى : ~~{ وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ( المائدة : 49 ) وهو قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وعكرمة . ومذهب الشافعي أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم ~~بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه ، لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارا ~~لهم ، فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على ~~الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك ، وهذا التخيير الذي في هذه الآية ~~مخصوص بالمعاهدين . # ثم قال تعالى : { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا } والمعنى : أنهم كانوا ~~لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف ، كالجلد مكان الرجم ، فإذا أعرض ~~عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم إعراضه عنهم وصاروا أعداء له ، فبين تعالى ~~أنه لا تضره عداوتهم له . # ثم قال تعالى : { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } . # أي فاحكم بينهم بالعدل والاحتياط كما حكمت بالرجم . # ! 7 < { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ~~ذالك ومآ أولائك بالمؤمنين } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 43 ) وكيف يحكمونك وعندهم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : هذا تعجيب من الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام ~~بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ، ثم تركهم قبول ~~ذلك الحكم ، فعدلوا عما يعتقدونه حكما حقا إلى ما يعتقدونه باطلا طلبا ~~للرخصة ، فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من ms3311 وجوه : أحدها : ~~عدولهم عن حكم كتابهم ، والثاني : رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه ~~مبطن ، والثالث : إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه ، فبين الله تعالى حال ~~جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله ومن المحافظين على ~~أمر الله ، وههنا سؤالان : # السؤال الأول : قوله { فيها حكم الله } ما موضعه من الاعراب ؟ # الجواب : إما أن ينصب حالا من التوراة ، وهي مبتدأ خبرها { عندهم } وإما ~~أن يرتفع خبرا عنها كقولك : وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله تعالى ، وءما ~~أن لا يكون له محل ويكون المقصود أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم ، كما تقول ~~: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره ؟ # السؤال الثاني : لم أنث التوراة ؟ والجواب : الأمر فيه مبني على ظاهر ~~اللفظ . # المسألة الثانية : احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية على أن حكم التوراة ~~وشرائع من قبلنا لازم علينا ما PageV11P186 لم ينسخ وهو ضعيف ، ولو كان ~~كذلك لكان حكم التوراة كحكم القرآن في وجوب طلب الحكم منه ، لكن الشرع نهى ~~عن النظر فيها . بل المراد هذا الأمر الخاص وهو الرجم ؛ لأنهم طلبوا الرخصة ~~بالتحكيم . # ثم قال تعالى : { ثم يتولون من بعد ذالك وما أولئك بالمؤمنين } قوله { ثم ~~يتولون } معطوف على قوله { يحكمونك } وقوله { ذالك } إشارة إلى حكم الله ~~الذي في التوراة ، ويجوز أن يعود إلى التحكيم . وقوله { وما أولئك ~~بالمؤمنين } فيه وجوه : الأول : أي وما هم بالمؤمنين بالتوراة وإن كانوا ~~يظهرون الإيمان بها ، والثاني : ما أولئك بالمؤمنين : إخبار بأنهم لا ~~يؤمنون أبدا وهو خبر عن المستأنف لا عن الماضي . الثالث : أنهم وإن طلبوا ~~الحكم منك فما هم بمؤمنين بك ولا بمعتقدين في صحة حكمك ، وذلك يدل على أنه ~~لا إيمان لهم بشيء وأن كل مقصودهم تحصيل مصالح الدنيا فقط . # PageV11P187 ! 7 < { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والا حبار بما استحفظوا من كتاب الله ~~وكانوا عليه شهدآء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بأاياتى ثمنا قليلا ~~ومن لم يحكم بمآ أنزل ms3312 الله فأولائك هم الكافرون } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 44 ) إنا أنزلنا التوراة . . . . . # > > # قوله تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا ~~عليه شهداء } . # اعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى لليهود المنكرين لوجوب الرجم ، وترغيب ~~لهم في أن يكونوا كمتقدميهم من مسلمي أحبارهم والأنبياء المبعوثين إليهم ، ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فوجب ~~حصول الفرق بين الهدى والنور ، فالهدى محمول على بيان الأحكام والشرائع ~~والتكاليف ، والنور بيان للتوحيد والنبوة والمعاد . قال الزجاج { فيها هدى ~~} أي بيان الحكم الذي جاؤا يستفتون فيه النبي صلى الله عليه وسلم { ونور } ~~بيان أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق . # المسألة الثانية : احتج القائلون بأن شرع من قبلنا لازم علينا إلا إذا ~~قام الدليل على صيرورته منسوخا بهذه الآية ؛ وتقريره أنه تعالى قال : إن في ~~التوراة هدى ونورا . والمراد كونه هدى ونورا في أصول الشرع وفروعه ، ولو ~~كان منسوخا غير معتبر الحكم بالكلية لما كان فيه هدى ونور ، ولا يمكن أن ~~يحمل الهدى والنور على ما يتعلق بأصول الدين فقط ، لأنه ذكر الهدى والنور ، ~~ولو كان المراد منهما معا هو ما يتعلق بأصول الدين لزم التكرار ، وأيضا أن ~~هذه الآية إنما نزلت في مسألة الرجم ، فلا بد وأن تكون الأحكام الشرعية ~~داخلة في الآية ، لأنا وإن اختلفنا في أن غير سبب نزول الآية هل يدخل فيها ~~أم لا ، لكنا توافقنا على أن سبب نزول الآية يجب أن يكون داخلا فيها . # المسالة الثالثة : قوله { يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } ~~يريد النبيين الذين كانوا بعد PageV12P003 موسى ، وذلك أن الله تعالى بعث ~~في بني إسرائيل ألوفا من الأنبياء ليس معهم كتاب ، إنما بعثهم بإقامة ~~التوراة حتى يحدوا حدودها ويقوموا بفرائضها ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها . # فإن قيل : كل نبي لا بد وأن يكون مسلما ، فما الفائدة في قوله { النبيون ~~الذين أسلموا } . # قلنا فيه وجوه : الأول : المراد بقوله دأسلموا } أي ms3313 انقادوا لحكم التوراة ~~، فإن من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين ~~لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام . ~~الثاني : قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد ~~بالنبيين الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأنه صلى الله ~~عليه وسلم حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر ~~بلفظ الجمع تعظيما له ، كقوله تعالى : { * } أي انقادوا لحكم التوراة ، فإن ~~من الأنبيار من لم تكن شريعته شريعة التوراة ، والذين كانوا منقادين لحكم ~~التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام . الثاني ~~: قال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : يحتمل أن يكون المراد بالنبيين ~~الذين أسلموا هو محمد عليه الصلاة والسلام / وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ~~حكم على اليهوديين بالرجم ، وكان هذا حكم التوراة ، وإنما ذكر بلفظ الجمع ~~تعظيما له ، كقوله تعالى : { إن إبراهيم كان أمة } ( النحل : 120 ) وقوله { ~~أم يحسدون الناس } ( النساء : 45 ) وذلك لأنه كان قد اجتمع فيه من خصالل ~~الهير ما كان حاصلا لأكثر الأنبياء . الثالث : قال ابن الأنباري : هذا رد ~~على اليهود والنصارى لأن بعضهم كانوا يقولون : الأنبياء كلهم يهود أو نصارى ~~، فقال تعالى : { يحكم بها النبيون الذين أسلموا } يعني الأنبياء ما كانوا ~~موصوفين باليهودية والنصرانية ، بل كانوا مسلمين لله منقادين لتكاليفه . ~~الرابع : المراد بقوله { النبيون الذين أسلموا } يعني الذين كان مقصودهم من ~~الحكم بالتوراة الإيمان والإسلام وإظهار أحكام الله تعالى والانقياد ~~لتكاليفه ، والغرض من التنبيه على قبح طريعة هؤلاء اليهود المتأخرين ، فإن ~~غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة واستتباع العوام . # المسألة الرابعة : قوله { للذين هادوا } فيه وجهان : الأول : المعنى أن ~~النبيين إنما يحكمون بالتوراة للذين هادوا ، أي لأجلهم وفيما بينهم ، ~~والثاني : يجوز أن يكون المعنى على القديم والتأخير على معنى إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا . # المسألة الخامسة : أما الربانيون فقد تقدم تفسيره ، وأما الأحبار فقال ~~ابن عباس : هم الفقهاء ms3314 ، واختلف أهل اللغة في واحده ، قال الفراء : إنما هو ~~( حبر ) بكسر الحاء ، يقال ذلك للعالم وإنما سمي بهذا الاسم لمكان الحبر ~~الذي يكتب به ، وذلك أنه يكون صاحب كتب ، وكان أبو عبيدة يقول : حبر بفتح ~~الحاء . قال الليث : هو حبر وحبر بكسر الحاء وفتحها . وقال الأصمعي : لا ~~أدري أهو الحبر أو الحبر ، وأما اشتقاقه فقال قوم : أصله من التحبير وهو ~~التحسين ، وفي الحديث ( يخرج رجل من النار ذهب حبره وسبره ) أي جماله ~~وبهاؤه ، والمحبر للشيء المزين ، ولما كان العلم أكل أقسام الفضيلة والجمال ~~والمنقبة لا جرم سمي العالم به . وقال آخرون اشتقاقه من الحبر الذي يكتب به ~~، وهو قول الفراء والكسائي وأبي عبيدة ، والله أعلم . # المسألة السادسة : دلت الآية على أنه يحكم بالتوراة النبيون والربانيون ~~والأحبار ، وهذا يقتضي كون الربانيين أعلى حالا من الأحبار ، فثبت أن يكون ~~الربانيون كالمجتهدين ، والأحباء كآحاد العلماء . # ثم قال : { بما استحفظوا من كتاب الله } وفيه مسألتان : PageV12P004 # المسألة الأولى : حفظ كتاب الله على وجهين : الأول : أن يحفظ فلا ينسى . ~~الثاني : أن يحفظ فلا يضيع ، وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين ~~الوجهين : أحدهما : أن يحفظون في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم ، والثاني : أن ~~لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه . # المسألة الثانية : الباء في قوله { بما استحفظوا من كتاب الله } فيه ~~وجهان : الأول : أن يكون صلة الأحبار على معنى العلماء بما استحفظوا . ~~الثاني : أن يكون المعنى يحكمون بما استحفظوا ، وهو قول الزجاج . # ثم قال تعالى : { وكانوا عليه شهداء } أي هؤلاء النبيون والربانيون ~~والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق ومن عند الله ، فلا ~~جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها عن التحريف والتغيير . # ثم قال تعالى : { فلا تخشوا الناس * واخشونى } # واعلم أنه تعالى لما قرر أن النبيين والربانيين والأحبار كانوا قائمين ~~بإمضاء أحكام التوراة من غير مبالاة ، خاطب اليهود الذين كانوا في عصر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، ومنعهم من التحريف والتغيير . # واعلم أن إقدام القوم على التحريف لا بد وأن يكون لخوف ms3315 ورهبة / أو لطمع ~~ورغبة ، ولما كان الخوف أقوى تأثيرا من الطمع قدم تعالى ذكره فقال : { فلا ~~تخشوا * تخشوهم واخشون } والمعنى إياكم وأن تحرفوا كتابي للخوف من الناس ~~والملوك والأشراف ، فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في ~~سقوط تكاليف الله تعالى عنهم ، فلا تكونوا خائفين من الناس ، بل كونوا ~~خائفين مني ومن عقابي . # ولما ذكر أمر الرهبة ابتعه بأمر الرغبة ، فقال { ولا تشتروا بآياتي ثمنا ~~قليلا } أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف والرهبة ، فكذلك أنهاكم ~~عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة فإن كل متاع ~~الدنيا قليل ، والرشوة التي تأخذونها منهم في غاية القلة ، والرشوة لكونها ~~سحتا تكون قليلة البركة والبقاء والمنفعة ، فكذلك المال الذي تكتسبونه قليل ~~من قليل ، ثم أنتم تضيعون بسببه الدين والثواب المؤبد ، والسعادات التي لا ~~نهاية لها . # ويحتمل أيضا أن يكون إقدامهم على التحريف والتبديل لمجموع الأمرين ، ~~للخوف من الرؤساء ولأخذ الرشوة من العامة ، ولما منعهم الله من الأمرين على ~~ما في كل واحد منهما من الدناءة والسقوط كان ذلك برهانا قاطعا في المنع من ~~التحريف والتبديل . PageV12P005 # ثم إنه أتبع هذا البرهان الباهر بالوعيد الشديد فقال : { ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وفليه مسألتان : # المسألة الأولى : المقصود من هذا الكلام تهديد اليهود في ءقدامهم على ~~تحريف حكم الله تعالى في حد الزاني المحصن ، يعني أنهم لما أنكروا حكم الله ~~المنصوص عليه في التوراة وقالوا : إنه غير واجب ، فهم كافرون على الاطلاق ، ~~لا يستحقون اسم الإيمان لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن . # المسألة الثانية : قالت الخوارج : كل من عصى الله فهو كافر . وقال جمهور ~~الأئمة : ليس الأمر كذلك ، أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية وقالوا : ~~إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر ، وكل من أذنب فقد حكم ~~بغير ما أنزل الله ، فوجب أن يكون كافرا . # وذكر المتكلمون والمفسرون أجوبة عن هذه الشبهة : الأول : أن هذه الآية ~~نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم ، وهذا ms3316 ضعيف لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب ، ومنهم من حاول دفع هذا السؤال فقال : المراد ومن لم يحكم من ~~هؤلاء الذين سبق ذكرهم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، وهذا أيضا ضعيف ~~لأن قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله } كلام أدخل فيه كلمة { من } في معرض ~~الشرط ، فيكون للعموم . وقول من يقول : المراد ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~من الذين سبق ذكرهم فهو زيادة في النص وذلك غير جائز . الثاني : قال عطاء : ~~هو كفر دون كفر . وقال طاوس : ليس بكفر ينقل عن الملة كمن يكفر بالله ~~واليوم الآخر ، فكأنهم حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين ، وهو ~~أيضا ضعيف ، لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين . والثالث : ~~قال ابن الأنباري : يجوز أن يكون المعنى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد ~~فعل فعلا يضالهي أفعال الكفار ، ويشبه من أجل ذلك الكافرين ، وهذا ضعيف ~~أيضا لأنه عدولل عن الظاهر . والرابع : قال عبد العزيز بن يحيى الكناني : ~~قوله { بما أنزل الله } صيغة عموم ، فقوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله } ~~معناه من أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، ~~وهذا حق لأن الكافر هو الذي أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله ، ~~أما الفاسق فإنه لم يأت بضد حكم الله إلا في القليل ، وهو العمل ، أما في ~~الإعتقاد والاقرار فهو موافق ، وهذا أيضا ضعيف لأنه لو كانت هذه الآية ~~وعيدا مخصوصا بمن خالف حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله تعالى لم يتناول ~~هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في الرجم / وأجمع المفسرون على ~~أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله تعالى في واقعة الرجم ~~، فيدل على سقوط هذا الجواب ، والخامس : قال عكرمة : قوله { ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله } إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه ، أما من عرف بقلبه ~~كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله ، إلا أنه ms3317 أتى بما يضاده فهو حاكم ~~بما أنزل الله تعالى ، ولكنه تارك له ، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية ، ~~وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم . # PageV12P006 ! 7 < { وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين بالعين ~~والا نف بالا نف والا ذن بالا ذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو ~~كفارة له ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولائك هم الظالمون } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 45 ) وكتبنا عليهم فيها . . . . . # > > ثم قال تعالى : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ~~والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص { . # والمعنى أنه تعالى بين في التوراة أن حكم الزاني المحصن هو الرجم ، ~~واليهود غيروه وبدلوه ، وبين في هذه الآية أيضا أنه تعالى بين في التوراة ~~أن النفس بالنفس ، وهؤلاء اليهود غيروا هذا الحكم أيضا ، ففضلوا بني النضير ~~على بني قريظة ، وخصصوا إيجاب القود ببني قريظة دون بني النضير ، فهذا هو ~~وجه النظم من الآية ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الكسائي : العين والأنف والأذن والسن والجروح كلها ~~بالرفع ، وفيه وجوه : أحدها : العطف على محل { أن النفس } لأن المعنى : ~~وكتبنا عليهم فيها النفس بالنفس لأن معنى كتبنا قلنا ، وثانيها : أن ~~الكتابة تقع على مثل هذه الجمل تقول : كتبت ( الحمد لله ) وقرأت ( سورة ~~أنزلناها ) وثالثها : أنها ترتفع على الاستئناف ، وتقديره : أن النفس ~~مقتولة بالنفس والعين مفقوءة بالعين ، ونظيره قوله تعالى في هذه السورة { ~~إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين } ( البقرة : 62 ) وقرأ ~~ابن كثير وابن عامر وأبو عممرو بنصف الكل سوى { * الجروح } فإنه بالرفع ، ~~فالعين والأنف والأذن نصب عطفا على النفس ، ثم { * الجروح } مبتدأ ، و { ~~والحرمات قصاص } خبره ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة كلها بالنصب عطفا لبعض ذلك ~~على بعض ، وخبر الجميع قصاص ، وقرأ نافع { * الأذن } بسكون الذال حيث وقع ، ~~والباقون بالضم مثقلة ، وهما لغتان . # المسألة الثانية : قال ابن عباس : يريد وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس ~~بالنفس ، يريد من قتل نفسا بغير قود قيد منه ، ولم يجعل الله له دية في نفس ~~ولا جرح ، إنما هو ms3318 العفو أو القصاص . وعن ابن عباس : كانوا لا يقتلون الرجل ~~بالمرأة فنزلت هذه الآية ، وأما الأطراف فكل شخصين جرى القصاص بينهما في ~~النفس جرى القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة ، وإذا ~~امتنع القصاص في النفس امتنع أيضا في الأطراف ، ولما ذكر الله تعالى بعض ~~الأعضاء عمم الحكم في كلها فقال { بالسن والجروح قصاص } وهو كل ما يمكن أن ~~يقتص منه ، مثل الشفتين والذكر والأنثيين والأنف والقدمين واليدين وغيرها ، ~~فأما ما لا يمكن القصاص فيه من رض في لحم ، أو كسر في عظم ، أو جراحة في ~~بطن يخاف منه التلف ففيه أرش وحكومة . # واعلم أن هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعا في التوراة ، فمن قال : شرع ~~من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال : هذه الآية حجة في شرعنا ، ومن ~~أنكر ذلك قال : إنها ليست بحجة علينا . # المسألة الثالثة : { قصاص } هاهنا مصدر يراد به المفعول ، أي والجروح ~~متقاصة بعضها ببعض . PageV12P007 # ثم قال تعالى : { فمن تصدق به فهو كفارة له } الضمير في قوله { له } ~~يحتمل أن يكون عائدا إلى العافي أو إلى المعفو عنه ، أما الأول فالتقدير أن ~~المجروح أو ولي المقتول إذا عفا كان ذلك كفارة له ، أي للعافي ويتأكد هذا ~~بقوله تعالى في آية القصاص 3 في سورة البقرة { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ( ~~البقرة : 237 ) ويقرب منه قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيعجز أحدكم أن يكون ~~كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس ) وروى عبادة بن ~~الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من تصدق من جسده بشيء كفر ~~الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه ) وهذا قول أكثر المفسرين . # والقول الثاني : أن الضمير في قوله { فهو كفارة له } عائد إلى القاتل ~~والجارح ، يعني أن المجنى عليه إذا عفا عن الجاني صار ذلك العفو كفارة ~~للجاني ، يعني لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو ، وأما المجنى عليه الذي ~~عفا فأجره على الله تعالى . # ثم قال تعالى : { ومن لم يحكم بما ms3319 أنزل الله فأولئك هم الظالمون } وفيه ~~سؤال ، وهو أنه تعالى قال أولا : { فأولئك هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) ~~وثانيا : { هم الظالمون } والكفر أعظم من الظلم ، فلما ذكر أعظم التهديدات ~~أولا ، فأي فائدة في ذكر الأخف بعده ؟ # وجوابه : أن الكفر من حيث أنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر ، ~~ومن حيث إنه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس ~~، ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه ، وفي ~~هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه . # ! 7 < { وقفينا علىءاثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة ~~وءاتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة ~~للمتقين } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 46 ) وقفينا على آثارهم . . . . . # > > قفيته : مثل عقبته إذا اتبعته ، ثم يقال : عقبته بفلان وقفيته به ، ~~فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء . # فإن قيل : فأين المفعول الأول في الآية ؟ PageV12P008 # قلنا : هو محذوف ، والظرف وهو قوله { علىءاثارهم } كالساد مسده ، لأنه ~~إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه ، والضمير في { ءاثارهم } للنبيين في ~~قوله { يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } ( المائدة : 44 ) ~~وهاهنا سؤالات : # السؤال الأول : أنه تعالى وصف عيسى ابن مريم بكونه مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة ، وإنما يكون كذلك إذا كان عمله على شريعة التوراة ، ومعلوم أنه لم ~~يكن كذلك ، فإن شريعة عيسى عليه السلام كانت مغايرة لشريعة موسى عليه ~~السلام ، فلذلك قال في آخر هذه الآية { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ~~فيه } ( المائدة : 47 ) فكيف طريق الجمع بين هذين الأمرين ؟ # والجواب : معنى كون عيسى مصدقا للتوراة أنه أقر بأنه كتاب منزل من عند ~~الله ، وأنه كان حقا واجب العمل به قبل ورود النسخ . # السؤال الثاني : لم كرر قوله { مصدقا لما بين يديه } والجواب : ليس فيه ~~تكرار لأن في الأول : أن المسيح يصدق التوراة ، وفي الثاني : الإنجيل يصدق ~~التوراة . # السؤال الثالث : أنه تعالى وصف الإنجيل بصفات خمسة فقال : { فيه هدى ونور ~~ومصدقا لما بين يديه ms3320 من التوراة وهدى وموعظة للمتقين } وفيه مباحثات ثلاثة ~~: أحدها : ما الفرق بين هذه الصفات الخمسة : وثانيها : لم ذكر الهدى مرتين ~~؟ ، وثالثها : لم خصصه بكونه موعظة للمتقين ؟ # والجواب على الأول : أن الإنجيل هدى بمعنى أنه اشتمل على الدلائل الدالة ~~على التوحيد والتنزيه ، وبراءة الله تعالى عن الصاحبة والولد والمثل والضد ~~، وعلى النبوة وعلى المعاد ، فهذا هو المراد بكونه هدى ، وأما كونه نورا ، ~~فالمراد به كونه بيانا للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف ، وأما كونه ~~مصدقا لما بين يديه ، فيمكن حمله على كونه مبشرا بمبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم وبمقدمه وأما كونه هدى مرة أخرى فلأن اشتماله على البشارة بمجيء محمد ~~صلى الله عليه وسلم سبب لاهتداء الناس إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~ولما كان أشد وجوه المنازعة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى في ذلك لا ~~جرم أعاده الله تعالى مرة أخرى تنبيها على أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان هذى في هذه اللمسألة التي هي أشد ~~المسائل احتياجا إلى البيان والتقرير ، وأما كونه موعظة فلاشتمال الإنجيل ~~على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة وإنما خصها بالمتقين لأنهم ~~هم الذين ينتفعون بها ، كما في قوله { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) . # السأال الرابع : قوله في صفة الإنجيل { ومصدقا لما بين يديه } عطف على ~~ماذا ؟ # الجواب : أنه عطف على محل { فيه هدى } ومحله النصب على الحال ، والتقدير ~~: وآتيناه الإنجيل حال كونه هدى ونورا ومصدقا لما بين يديه . # PageV12P009 ! 7 < { وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه ومن لم يحكم ~~بمآ أنزل الله فأولائك هم الفاسقون } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 47 ) وليحكم أهل الإنجيل . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه } قرأ حمزة { ~~وليحكم } بكسر اللام وفتح الميم ، جعل اللام متعلقة بقوله { وقفينا على } ( ~~المائدة : 46 ) لأن إيتاء الإنجيل إنزال ذلك عليه ، فكان المعنى آتيناه ~~الإنجيل ليحكم ، وأما الباقون فقرؤا بجزم اللام والميم على سبيل الأمر ، ~~وفيه وجهان : الأول : أن يكون التقدير : وقلنا ليحكم أهل الإنجيل ، فيكون ~~هذا إخبارا ms3321 عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل ، ثم ~~حذف القول لأن ما قبله من قوله { وكتبنا * وقفينا } يدل عليه ، وحذف القول ~~كثير كقوله تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم } ( ~~الرعد : 23 ) أي يقولون سلام عليكم ، والثاني : أن يكون قوله { وليحكم } ~~ابتداء أمر للنصارى بالحكم في الإنجيل . # فإن قيل : كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن ؟ # قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن المراد ليحكم أهل الإنجيل بما ~~أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول ~~الأصم . والثاني : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ، مما لم يصر ~~منسوخا بالقرآن ، والثالث : المراد من قوله { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل ~~الله فيه } زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره مثل ما فعله اليهود من ~~إخفاء أحكام التوراة ، فالمعنى بقوله { وليحكم } أي وليقر أهل الإنجيل بما ~~أنزل الله فيه على الوجه الذي أنزله الله فيه من غير تحريف ولا تبديل . # ثم قال تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } واختلف ~~المفسرون ، فمنهم من جعل هذه الثلاثة ، أعني قوله ( الكافرون والظالمون ~~الفاسقون ) صفت لموصوف واحد . قال القفال : وليس في إفراد كل واحد من هذه ~~الثلاثة بلفظ ما يوجب القدح في المعنى ، بل هو كما يقال : من أطاع الله فهو ~~المؤمن ، من أطاع الله فهو البر ، من أطاع الله فهو المتقي ، لأن كل ذلك ~~صفات مختلفة حاصلة لموصوف واحد . وقال آخرون : الأول : في الجاحد ، والثاني ~~والثالث : في المقر التارك . وقال الأصم : الأول والثاني : في اليهود ، ~~والثالث : في النصارى . # ! 7 < { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا ~~عليه فاحكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولاكن ليبلوكم فى ~~مآ ءاتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 48 ) وأنزلنا ms3322 إليك الكتاب . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب } وهذا خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم ، فقوله { وأنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق } أي القرآن ، وقوله { مصدقا لما بين يديه من الكتاب } أي كل ~~كتاب نزل من السماء سوى القرآن . # وقوله { ومهيمنا عليه } فيه مسائل : PageV12P010 # المسألة الأولى : في المهيمن قولان : الأول : قال الخليل وأبو عبيدة : ~~يقال قد هيمن إذا كان رقيبا على الشيء وشاهدا عليه حافظا . قال حسان : # % فإن الكتاب مهيمن لنبينا % % والحق يعرفه ذوو الألبب % # والثاني : قالوا : الأصل في قولنا : آمن يؤمن فهو مؤمن ، أأمن يؤامن فهو ~~مؤامن بهمزتين ، ثم قبلت الأولى هاء كما في : هرقت وأرقت ، وهياك وإياك ، ~~وقبلت الثانية ياء فصار مهيمنا فلهذا قال المفسرون { ومهيمنا عليه } أي ~~أمينا على الكتب التي قبله . # المسألة الثانية : إنما كان القرآن مهيمنا على الكتب لأنه الكتاب الذي لا ~~يصير مسنوخا ألبتة ، ولا يتطرق إليه البتديل والتحريف على ما قال تعالى : { ~~إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) وإذا كان كذلك كانت ~~شهادة القرآن على أن التوراة والإنجيل والزبور حق صدق باقية أبدا ، فكانت ~~حقيقة هذه الكتب معلومة أبدا . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { ومهيمنا عليه } بفتح الميم ~~لأنه مشهود عليه من عند الله تعالى : بأن يصونه عن التحريف والتبديل لما ~~قررنا من الآيات ، ولقوله { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } ( ~~فصلت : 42 ) والمهيمن عليه هو الله تعالى . # ثم قال تعالى : { فاحكم بينهم بما أنزل الله } يعني فاحكم بين اليهود ~~بالقرآن والوحي الذي نزله الله تعالى عليك . # { ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { ولا تتبع } يريد ولا تنحرف ، ولذلك عداه بعن ، وكأنه ~~قيل : ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم . # المسألة الثانية : روي أن جماعة من اليهود قالوا : تعالوا نذهب إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه ، ثم دخلوا عليه وقالوا : يا محمد ~~قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم ، وإنا إن ms3323 اتبعناك اتبعك كل اليهود ، ~~وإن بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك ، فاقض لنا ونحن نؤمن بك ، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية . # المسألة الثالثة : تمسك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقال : لولا ~~جواز المعصية عليهم وإلا لما قال : { ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } ~~. # والجواب : أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي . وقيل : الخطاب له ~~والمراد غيره . PageV12P011 # ثم قال تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لفظ ( الشرعة : في اشتقاقه وجهان : الأول : معنى شرع ~~بين وأوضح . قال ابن لسكيت : لفظ الشرع مصدر : شرعت الإهاب ، إذا شققته ~~وسلخته . الثاني : شرع مأخوذ من الشروع في الشيء وهو الدخول فيه ، والشريعة ~~في كلام العرب المشرعة التي يشرعها الناس فيشربون منها ، فالشريعة فعلية ~~بمعنى المعفولة ، وهي الأشياء التي أوجب الله تعالى على المكلفين أن يشرعوا ~~فيها ، وأما المنهاج فهو الطريق الواضح ، يقال : نهجب لك الطريق وأنهجب ~~لغتان . # المسألة الثانية : احتج أكثر العلماء بهذه الآية على أن شرع من قبلنا لا ~~يلزمنا ، لأن قوله { لكل * جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } يدل على أنه يجب أن ~~يكون كل رسول مستقلا بشريعة خاصة ، وذلك ينفي كون أمة أحد الرسل مكلفة ~~بشريعة الرسول الآخر . # المسألة الثالثة : وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء ~~والرسل ، وآيات دالة على حصول التباين فيها . # أما النوع الأول : فقوله : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ( الشورى ~~: 13 ) إلى قوله { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } ( الشورى : 13 ) وقال ~~{ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) . # وأما النوع الثاني : فهو هذه الآية ، وطريق الجمع أن نقول : النوع الأول ~~من الآيات مصروف إلى ما يتعلق بأصول الدين ، والنوع الثاني مصروف إلى ما ~~يتعلق بفروع الدين . # المسألة الرابعة : الخطاب في قوله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } خطاب ~~للأمم الثلاث : أمة موسى ، وأمة عيسى ، وأمة محمد عليهم السلام ، بدليل أن ~~ذكر هؤلاء الثلاثة قد تقدم في قوله { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( ~~المائدة : 44 ) ثم ms3324 قال { وقفينا علىءاثارهم بعيسى ابن مريم } ( المائدة : ~~46 ) ثم قال { وأنزلنا إليك الكتاب } ( المائدة : 48 ) . # ثم قال : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } يعني شرائع مختلفة : للتوراة ~~شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة . # المسألة الخامسة : قال بعضهم : الشرعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد ، ~~والتكرير للتأكيد والمراد بهما الدين . وقال آخرون : بينهما فرق ، فالشرعة ~~عبارة عن مطلق الشريعة ، والطريقة عبارة عن مكارم الشريعة ، وهي المراد ~~بالمنهاج ، فالشريعة أول ، والطريقة رخر . وقال المبرد : الشريعة ابتداء ~~الطريقة ، والطريقة المنهاج المستمر ، وهذا تقرير ما قلناه . والله أعلم ~~بأسرار كلامه . # ثم قال تعالى : { ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } أي جماعة متفقة على ~~شريعة واحدة ، أو ذوي أمة واحدة ، أي دين واحد لا اختلاف فيه . قال الأصحاب ~~: هذا يدل على أن الكل بمشيئة الله تعالى والمعتزلة حملوه على مشيئة ~~الالجاء . # ثم قال تعلى : { ولاكن ليبلوكم * فيما * ءاتاكم } من الشرائع المختلفة ، ~~هل تعملون بها منقادين لله خاضعين لتكاليف الله ، أم تتبعون الشبه وتقصرون ~~في العمل . PageV12P012 # { فاستبقوا الخيرات } أي فابدروها وسابقوا نحوها . # { إلى الله مرجعكم جميعا } استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات . # { فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } فيخربكم بما لا تشكون معه من الجزاء ~~الفاصل بين محقكم ومبطلكم ، وموفيكم ومقصركم في العمل ، والمراد أن الأمر ~~سيؤول إلى ما يزول معه الكشوك ويحصل مع اليقين ، وذلك عند مجازاة المحسن ~~بإحسانه والمسيء بإساءته . # ! 7 < { وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ~~ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 49 ) وأن احكم بينهم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا * يتبع * أهواءهم } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : فإن قيل : قوله : { وأن احكم بينهم } معطوف على ماذا ؟ # قلنا : على { الكتاب } في قوله { وأنزلنا إليك الكتاب } ( المائدة : 48 ) ~~كأنه قيل : وأنزلنا إليك أن أحكم و { ءان } وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر ~~الأفعال ، ويجوز أن يكون معطوفا على قوله { بالحق } ( المائدة : 48 ms3325 ) أي ~~أنزلناه بالحق وبأن أحكم ، وقوله : { ولا تتبع أهواءهم } قد ذكرنا أن ~~اليهود اجتمعوا وأرادوا إيقاعه في تحريف دينه فعصمه الله تعالى عن ذلك . # المسألة الثانية : قالوا : هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله { فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم } ( المائدة : 42 ) . # المسألة الثالثة : أعيد ذكر الأمة بالحكم بعد ذكره في الآية الأولى إما ~~للتأكيد ، وءما لأنهما حكمان أمر بهما جميعا ، لأنهم احتكموا إليه في زنا ~~المحصن ، ثم احتكموا في قتيل كان فيهم . # ثم قال تعالى : { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } . # قال ابن عباس : يريد به يردوك إلى أنوائهم ، فإن كل من صرف من الحق إلى ~~الباطل فقد فتن ، ومنه قوله { وإن كادوا ليفتنونك } ( الإسرار : 73 ) ~~والفتنة ههنا في كلامهم التي تميل عن الحق وتلقى في الباطل وكان صلى الله ~~عليه وسلم يقول : ( أعوذ بك من فتنة المحيا ) قال هو أن يعدل عن الطريق . ~~قال أهل العلم : هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان جائزان على الرسول ، ~~لأن الله تعالى قال : { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } ~~والتعمد في مثل هذا غير جائز على الرسول ، فلم يبق إلا الخطأ والنسيان . # ثم قال تعالى : { فإن تولوا } أي فإن لم يقبلوا حكمك { فاعلم أنما يريد ~~الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } وفيه مسألتان : PageV12P013 # المسألة الأولى : المراد يبتليهم بجزاء بعض ذنوبهم في الدنيا ، وهو أن ~~يسلطك عليهم ، ويعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء ، وإنما خص الله تعالى بعض ~~الذنوب لأن القوم جوزوا في الدنيا ببعض ذنوبهم ، وكان مجازاتهم بالبعض ~~كافيا في إهلاكهم والتدمير عليهم ، والله أعلم . # المسألة الثانية : دلت الآية على أن الكل بإرادة الله تعالى ، لأنه لا ~~يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم إلا وقد أراد ذنوبهم ، وذلك يدل على أنه تعالى ~~مريد للخير والشر . # ثم قال تعالى : { وإن كثيرا من الناس لفاسقون } لمتمردون في الكفر معتدون ~~فيه ، يعني أن التولي عن حكم الله تعالى من التمرد العظيم ولاعتداء في ~~الكفر . # ! 7 < { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما ms3326 لقوم يوقنون } > 7 ~~@QB@ < # | المائدة : ( 50 ) أفحكم الجاهلية يبغون . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { أفحكم الجاهلية يبغون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { * تبغون } بالتاء على الخطاب ، والباقون ~~بالياء على المغايبة ، وقرأ المسلمي { لفاسقون أفحكم الجاهلية } برفع الحكم ~~على الابتداء ، وإيقاع { يبغون } خبرا وإسقاط الاراجع عنه لظهوره ، وقرأ ~~قتادة { تبرج الجاهلية } والمراد أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به ~~حكام بالجاهلية ، فأرادوا بشهيتهم أن يكون محمد خاتم النبييين حكما كأولئك ~~الحكام . # المسألة الثانية : في الآية وجهان : الأول : قال مقاتل : كانت بين قريظة ~~والنضير دماء قبل أن يبعث الله محمدا عليه الصلاة والسلام ، فلما بعث ~~تحاكموا إليه ، فقالت بنو قريظة : بنو النضير إخواننا ، أبونا واحد ، ~~وديننا واحد ، وكتابنا واحد ، فإن قتل بنو النضير منا قتيلا أعطونا سبعين ~~وسقا من تمر ، وإن قتلنا منهم واحدا أخذوا منا مائة وأربعين وسقا من تمر ، ~~وأروش جراحاتهم ، فاقض بيننا وبينهم ، فقال عليه السلام : فإني أحكم أن دم ~~القرظي وفاء من دم النضري ، ودم النضري وفاء من دم القرظي ، ليس لأحدهما ~~فضل على الآخر في دم ولا عقل ، ولا جراحة ، فغضب بنو النضير وقالوا : لا ~~نرضى بحكمك فإنك عدو لنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية { أفحكم الجاهلية ~~يبغون } يعني حكمهم الأول . وقيل : إنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ~~ألزموهم إياه ، وإذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به ، فمنعهم الله تعالى ~~منه بهذه الآية ، الثاني : أن المراد بهذه الآية أن يكون تعييرا لليهود ~~بأنهم أهل كتاب وعلم مع أنهم يبغون حكم الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح ~~الهوى . # ثم قال تعالى : { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } اللام في قوله { ~~لقوم يوقنون } للبيان كاللام في { هيت لك } ( يوسف : 23 ) أي هذا الخطاب ~~وهذا الاستفهام لقوم يوقنون ، فإنهم هم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من ~~الله حكما ، ولا أحسن منه بيانا . # PageV12P014 ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم ~~الظالمين } > 7 ! # < < # | المائدة ms3327 : ( 51 ) يا أيها الذين . . . . . # > > أعلم أنه تم الكلام عند قوله { أولياء } ثم ابتدا فقال { بعضهم ~~أولياء بعض } وروي أن عبادة بن الصامت جاء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فتبرأ عنده من موالاة اليهود ، فقال عبد الله بن أبي : لكني لا أتبرأ ~~منهم لأني أخاف الدوائر ، فنزلت هذه الآية ، ومعنى لا تتخذوهم أولياء : أي ~~لا تعتمدوا على الاستنصار بهم ، ولا تتوددوا إليهم . # ثم قال : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } قال ابن عباس : يريد كأنه مثلهم ~~، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانية المخالف في الدين ، ونظيره ~~قوله { ومن لم يطعمه فإنه منى } ( البقرة : 249 ) . # ثم قال : { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } روي عن أبي موسى الأشعري ~~أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن لي كاتبا نصرانيا ، فقال : ~~مالك قاتلك الله ، ألا اتخذت حنيفا ، أما سمعت قول الله تعالى : { يوقنون ~~ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } قلت : له فينه ولي ~~كتابته ، فقال : لا أكرمهم إذا أهانهم الله ، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ، ~~ولا أدينهم إذ أبعدهم الله ، قلت : لا يتم أمر البصرة إلا به ، فقال : مات ~~النصراني والسلام ، يعني هب أنه قد مات فما تصنع بعده ، فما تعمله بعد موته ~~فاعمله الآن واستغن عنه بغيره . # ! 7 < { فترى الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دآئرة فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على مآ أسروا ~~فىأنفسهم نادمين } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 52 ) فترى الذين في . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { فترى الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دائرة } # وأعلم أن المراد بقوله { الذين فى قلوبهم مرض } المنافقون : مثل عبد الله ~~بن أبي وأصحابه ، وقوله { يسارعون فيهم أي يسارعون في مودة اليهود ونصارى ~~نجران ، لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهماتهم ويقرضونهم ، ~~ويقول المنافقون : إنما نخالطهم لأنا نخشى أن تصيبنا دائرة . قل الواحدي ~~رحمه الله : الدائرة من دوائر الدهر كالدولة ، وهي التي تدور من قوم إلى ~~قوم ms3328 ، والدائرة هي التي تخشى ، كالهزيمة والحوادث الخوفة ، فالدوائر تدور ، ~~والدوائل تدول . قال الزجاج : أي نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فيدور الأمر كما كان قبل ذلك . # ثم قال تعالى : { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ~~ما أسروا في أنفسهم نادمين } . PageV12P015 # قال المفسرون ( عسى ) من الله واجب ، لأن الكريم إذا أطمع في خير فعله ، ~~فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له ، والمعنى : فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح لرسول الله على أعدائه وإظهار المسلمين على أعدائهم ، أو أمر من ~~عنده يقطع أصل اليهود أو يخرجهم عن بلادهم فيصبح المنافقون نادمين على ما ~~حدثوا به أنفسهم ، وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر الرسول ويقولون : لا نظن ~~أنه يتم له أمره ، والأظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه . وقيل : أو أمر ~~من عنده ، يعني أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين ~~وقتلهم فيندموا على فعالهم . # فإن قيل : شرط صحة التقسيم أن يكون ذلك بين قسمين متنافيين ، وقوله { عسى ~~الله أن يأتينى * بالفتح أو أمر من عنده } ليس كذلك ، لأن الاتيان بالفتح ~~داخل في قوله { أو أمر من عنده } . # قلنا : قوله { أو أمر من عنده } معناه أو أمر من عنده لا يكون للناس فيه ~~فعل ألبتة ، كبني النضير الذين طرح الله في قلوبهم الرعب فأعطوا بأيديهم من ~~غير محاربة ولا عسكر ثم قال تعالى : # ! 7 < { ويقول الذين ءامنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم ~~لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 53 ) ويقول الذين آمنوا . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر { يقول } بغير واو ، ~~وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والشام ، والباوقن بالواو ، وكذلك هي في ~~مصاحف أهل العراق . قال الواحدي رحمه الله : وحدف الواو ههن كإثباتها ، ~~وذلك لأن في الجملة المعطوفة ذكرا من المعطوف عليها ، فإن الموصوف بقوله { ~~يسارعون فيهم } ( المائدة : 52 ) هم الذين قال فيهم المؤمنون { أهاؤلاء ~~الذين أقسموا بالله } فلما حصل في كل واحدة من ms3329 الجملتين ذكر من الأخرى حصن ~~العطف بالواو وبغير الواو ، ونظيره قوله تعالى : { سيقولون ثلاثة رابعهم ~~كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم } لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر ما ~~تقدم أغنى ذلك عن ذكر الواو ، ثم قال : { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } ( ~~الكهف : 22 ) فأدخل الواو ، فدل ذلك على أن حذف الواو وذكرها جائز . وقال ~~صاحب ( الكشاف ) حذف الواو على تقدير أنه جواب قائل يقول : فماذا يقول ~~المؤمنون حينئذ ؟ فقيل : يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا . واختلفوا ~~في قراءة هذه الآية من وجه آخر ، فقرأ أبو عمروا { ويقول الذين ءامنوا } ~~نصبا على معنى : وعسى أن يقول الذين آمنوا ، وأما من رفع فإنه جعل الواو ~~لعطف جملة على جملة ، ويدل على قراءة الرفع قراءة من حذف الواو . # المسألة الثانية : الفائدة في أن المؤمنين يقولون هذا القول هو أنهم ~~يتعجبون من حال المنافقين عندما أظهروا الميل إلى موالاة اليهود والنصارى ، ~~وقالوا : إنهم يقسمون بالله جهد أيمانهم معنا ومن أنصارنا ، PageV12P016 ~~فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا محبين للاختلاط بهم والاعتضاد بهم ؟ # المسألة الثالثة : قوله { حبطت أعمالهم } يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين ~~، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ، والمعنى ذهب ما أظهروه من الإيمان ، ~~وبطل كل خير عملوه لأجل أنهم الآن أظهروا موالاة اليهود والنصارى ، فأصبحوا ~~خاسرين في الدنيا والآخرة ، فإنه لما بطلت أعمالهم بقيت عليهم المشقة في ~~الإتيان بتلك الأعمال ، ولم يحصل لهم شيء من ثمراتها ومنافعها ، بل استحقوا ~~اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم ذالك فضل الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم } . > 7 ~~! # < < # | المائدة : ( 54 ) يا أيها الذين . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر ونافع { يرتدد } بدالين ، والباقون بدال ~~واحدة مشددة ، والأول : لإظهار التضعيف ، والثاني : للإدغام . قال الزجاج : ~~إظهار الدالين هو الأصل لأن الثاني من المضاعف إذا سكن ظهر التضعيف ، نحو ms3330 ~~قوله { إن يمسسكم قرح } ( آل عمران : 140 ) ويجوز في اللغة : إن يمسكم . # المسألة الثانية : روى صاحب ( الكشاف ) أنه كان أهل الردة إحدى عشرة فرقة ~~: ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : # بنو مدلج : ورئيسهم ذو الحمار ، وهو الأسود العنسي ، وكان كاهنا ادعى ~~النبوة في اليمن واستولى على بلادها ، وأخرج عمال رسول الله ، فكتب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذبن جبل وسادات اليمن ، فأهلكه الله على يد ~~فيروز الديلمي بيته فقتله ، وأخبر رسول الله بقتله ليلة قتل ، فسر المسلمون ~~، وقبض رسول الله من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول . # وبنو حنيفة قوم مسيلمة ، ادعى النبوة وكتب إلى رسول الله : من مسيلمة ~~رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك ، ~~فأجابه الرسول : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب : أما بعد فإن الأرض ~~لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، فحاربه أبو بكر بجنود ~~المسلمين ، وقتل PageV12P017 على يدي وحشي قاتل حمزة ، وكان يقول : قتلت ~~خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام ، أراد في جاهليتي وفي إسلامي ~~. # وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد : ادعى النبوة ، فبعث إليه رسول الله خالدا ~~، فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه . # وسبع في عهد أبي بكر : فزارة قوم عيينة بن حصن ، وغطفان قوم قرة بن سلمة ~~القشيري ، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل ، وبنو يربوع قوم مالك بن ~~نويرة ، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر التي ادعت النبوة وزوجت نفسها ~~من مسيلمة الكذاب ، وكندة قوم الأشعث بن قيس ، وبنو بكر بن وائل بالبحرين ~~قوم الحطم بن زيد ، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر . وفرقة واحدة في عهد ~~عمر : غسان قوم جبلة بن الأيهم ، وذلك أن جبلة أسلم على يد عمر ، وكان يطوف ~~ذات يوم جارا رداءه ، فوطىء رجل طرف ردائه فغضب فلطمه ، فتظلم إلى عمر فقضى ~~له بالقصاص عليه ، إلا أن يعفو عنه ، فقال : أن أشتريها بألف ms3331 ، فأبى الرجل ~~، فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف ، فأبى الرجل إلا القصاص ، ~~فاستنظر عمر فأنظره عمر فهرب إلى الروم وارتد . # المسألة الثالثة : معنى الآية : يا أيها الذين آمنوا من يتول منكم الكفار ~~فيرتد عن دينه فليعلم أن الله تعالى يأتي بأقوام آخرين ينصرون هذا الدين ~~على أبلغ الوجوه . وقال الحسن رحمه الله : علم الله أن قوما يرجعون عن ~~الإسلام بعد موت نبيهم ، فأخبرهم أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه ، وعلى هذا ~~التقدير تكون هذه الآية إخبارا عن الغيب ، وقد وقع المخبر على وفقه فيكون ~~معجزا . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أن أولئك القوم من هم ؟ فقال علي بن أبي ~~طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريح : هم أبو بكر وأصحابه لأنهم هم الذين ~~قاتلوا أهل الردة . وقالت عائشة رضي الله عنها : مات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وارتدت العرب ، واشتهر النفاق / ونزل بأبي مالو نزل بالجبال ~~الراسيات لهضابها . وقال السدي : نزلت الآية في الأنصار لأنهم هم الذين ~~نصروا الرسول وأعانوه على إظهار الدين . وقال نجاهد : نزلت في أهل اليمن . ~~وروي مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية أشار إلى أبي ~~موسى الأشعري وقال : هم قوم هذا . وقال آخرون : هم الفرس لأنه روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما سئل عن هذه الآية ضرب بيده على عاتق سلمان وقال : ~~هذا وذووه ، ثم قال : ( لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء ~~فارس ) . وقال قوم : إنها نزلت في علي عليه السلام ، ويدل عليه وجهان : ~~الأول : أنه عليه السلام لما دفع الراية إلى علي عليه السلام يوم خيبر قال ~~: ( لأدفعن الراية غدا إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) ، وهذا ~~هو الصفة المذكورة في الآية . # والوجه الثاني : أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله { إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة وهم راكعون } ( ~~المائدة : 55 ) وهذه الآية في حق علي ، فكان الأولى جعل ما قبلها أيضا في ~~حقه ، فهذه جملة ms3332 الأقوال في هذه الآية . # ولنا في هذه الآية مقامات : # المقام الأول : أن هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية من ~~الروافض ، وتقرير مذهبهم PageV12P018 أن الذين أقرنا بخلافة أبي بكر ~~وإمامته كلهم كفروا وصاروا مرتدين ، لأنهم أنكروا النص الجلي على إمامة علي ~~عليه السلام فنقول : ( لو كان كذلك لجاء الله تعالى بقوم يحاربهم ويقهرهم ~~ويردهم ويبطل شوكتهم ، فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم ~~الآية أن يأتي الله بقوم يقهرهم ويبطل مذهبهم ، ولما لم يكن الأمر كذلك بل ~~الأمر بالضد فإن الروافض هم المقهورون الممنوعون عن إظهار مقالاتهم الباطلة ~~أبدا منذ كانوا علمنا فساد مقالتهم ومذهبهم ، وهذا كلام ظاهر لمن أنصف . # المقام الثاني : أنا ندعي أن هذه الآية يجب أن يقال : إنها نزلت في حق ~~أبي بكر رضي الله عنه والدليل عليه وجهان : الأول : أن هذه الآية مختصة ~~بمحاربة المرتدين ، وأبو بكر هو الذي تولى محاربة المرتدين على ما شرحنا ، ~~ولا يمكن أن يكون المراد هو الرسول عليه السلام لأنه لم يتفق له محاربة ~~المرتدين ، ولأنه تعالى قال { فسوف يأتى الله } وهذا للاستقبال لا للحال ، ~~فوجب أن يكون هؤلاء القوم غير موجودين في وقت نزول هذا الخطاب . # فإن قيل : هذا لازم عليكم لأن أبا بكر رضي الله عنه كان موجودا في ذلك ~~الوقت . # قلنا : الجواب من وجهين : الأول : أن القوم الذين قاتل بهم أبو بكر أهل ~~الردة ما كانوا موجودين في الحال ، والثاني : أن معنى الآية أن الله تعالى ~~قال : فسوف يأتي الله بقوم قادرين متمكنين من هذا الحراب ، وأبو بكر وإن ~~كان موجودا في ذلك الوقت إلا أنه ما كان مستقلا في ذلك الوقت بالحراب ~~والأمر والنهي ، فزال السؤال ، فثبت أنه لا يمكن أن يكون المراد هو الرسول ~~عليه الصلاة والسلام ، ولا يمكن أيضا أن يكون المراد هو علي عليه السلام ، ~~لأن عليا لم يتفق له قتال مع أهل الردة ، فكيف تحمل هذه الآية عليه . # فإن قالوا : بل كان قتاله مع أهل الردة لأن كل ms3333 من نازعه في الإمامة كان ~~مرتدا . # قلنا : هذا باطل من وجهين : الأول : أن اسم المرتد إنما يتناول من كان ~~تاركا للشرائع الإسلامية ، والقوم الذين نازعوا عليا ما كانوا كذلك في ~~الظاهر ، وما كان أحد يقول : إنه إنما يحاربهم لأجل أنهم خرجوا عن الإسلام ~~، وعلي عليه السلام لم يسمهم ألبتة بالمرتدين ، فهذا الذي يقوله هؤلاء ~~الروافض لعنهم الله بهت على جميع المسلمين وعلى علي أيضا . الثاني : أنه لو ~~كان كل من نازعه في الإمامة كان مرتدا لزم في أبي بكر وفي قومه أن يكونوا ~~مرتدين / ولو كان كذلك لوجب بحكم ظاهر الآية أن يأتي الله بقوم يقهرونهم ~~ويردونهم إلى الدين الصحيح ، ولما لم يوجد ذلك ألبتة علمنا أن منازعة علي ~~في الإمامة لا تكون ردة ، وإذا لم تكن ردة لم يمكن حمل الآية على علي ، ~~لأنها نازلة فيمن يحارب المرتدين ، ولا يمكن أيضا أن يقال : إنها نازلة في ~~أهل اليمن أو في أهل فارس ، لأنه لم يتفق لهم محاربة مع المرتدين ، وبتقدير ~~أن يقال : اتفقت لهم هذه المحاربة ولكنهم كانوا رعية وأتباعا وأذنابا ، ~~وكان الرئيس المطاع الأمر في تلك الواقعة هو أبو بكر ، ومعلوم أن حمل الآية ~~على من كان أصلا في هذه العبادة ورئيسا مطاعا فيها أولى من حملها على ~~الرعية والأتباع والأذناب ، فظهر بما ذكرنا من الدليل الظاهر أن هذه الآية ~~مختصة بأبي بكر . # والوجه الثاني في بيان أن هذه الآية مختصة بأبي بكر : هو أنا نقول : هب ~~أن عليا كان قد حارب PageV12P019 المرتدين ، ولكن محاربة أبي بكر مع ~~المرتدين كانت أعلى حالا وأكثر موقعا في الإسلام من محاربة علي مع من خالفه ~~في الإمامة ، وذلك لأنه علم بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم لما توفي ~~اضطربت الأعراب وتمردوا ، وأن أبا بكر هو الذي قهر مسيلمة وطليحة ، وهو ~~الذي حارب الطوائف السبعة المرتدين ، وهو الذي حارب مانعي الزكاة ، ولما ~~فعل ذلك استقر الإسلام وعظمت شوكته وانبسطت دولته . أما لما انتهى الأمر ~~إلى علي عليه السلام فكان الإسلام قد انبسط ms3334 في الشرق والغرب ، وصار ملوك ~~الدنيا مقهورين ، وصار الإسلام مستوليا على جميع الأديان والملل ، فثبت أن ~~محاربة أبي بكر رضي الله عنه أعظم تأثيرا في نصرة الإسلام وتقويته من ~~محاربة علي عليه السلام ، ومعلوم أن المقصود من هذه الآية تعظيم قوم يسعون ~~في تقوية الدين ونصرة الإسلام ، ولما كان أبو بكر هو المتولي لذلك وجب أن ~~يكون هو المراد بالآية . # المقام الثالث في هذه الآية : وهو أنا ندعي دلالة هذه الآية على صحة ~~إمامة أبي بكر ، وذلك لأنه لما ثبت بما ذكرنا أن هذه الآية مختصة به فنقول ~~: إنه تعالى وصف الذين أرادهم بهذه الآية بصفات : أولها : أنه يحبهم ~~ويحبونه . # فلما ثبت أن المراد بهذه الآية هو إبو بكر ثبت أن قوله { يحبهم ويحبونه } ~~وصف لأبي بكر ، ومن وصفه الله تعالى بذلك يمتنع أن يكون ظالما ، وذلك يدل ~~على أنه كان محقا في إمامته ، وثانيها : قوله { أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين } وهو صفة أبي بكر أيضا الدليل الذي ذكرناه ، ويؤكده ما روي في ~~الخبر المستفيض أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ارحم أمتي بأمتي أبو بكر ) ~~فكان موصوفا بالرحمة والشفقة على المؤمنين وبالشدة مع الكفار ، ألا ترى أن ~~في أول الأمر حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة وكان في غاية الضعف ~~كيف كان يذب عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكيف كان يلازمه ويخدمه ، وما ~~كان يبالي بأحد من جبابرة الكفار وشياطينهم ، وفي آخر الأمر أعني وقت ~~خلافته كيف لم يلتفت إلى قول أحد ، وأصر على أنه لا بد من المحاربة مع ~~مانعي الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده ، حتى جاء أكابر ~~الصحابة وتضرعوا إليه ومنعوه من الذهاب ، ثم لما بلغ بعث العسكر إليهم ~~انهزمة وجعل الله تعالى ذلك مبدأ لدولة الإسلام ، فكان قوله { أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين } لا يليق إلا به ، وثالثها : قوله { يجاهدون ~~فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } فهذا مشترك فيه بين أبي بكر وعلي ، ~~إلا أن ms3335 حظ أبي بكر فيه أتم وأكمل ، وذلك لأن مجاهدة أبي بكر مع الكفار كانت ~~في أول البعث ، وهناك الإسلام كان في غاية الضعف ، والكفر كان في غاية ~~القوة ، وكان يجاهد الكفار بمقدار قدرته / ويذب عن رسول الله بغاية وسعه ، ~~وأما علي عليه السلام فإنه إنما شرع في الجهاد يوم بدر وأحد ، وفي ذلك ~~الوقت كان الإسلام قويا وكانت العساكر مجتمعة ، فثبت أن جهاد أبي بكر كان ~~أكمل من جهاد علي من وجهين : الأول : أنه كان متقدما عليه في الزمان ، فكان ~~إفضل لقوله تعالى : { لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } ( الحديد ~~: 10 ) والثاني : أن جهاد أبي بكر كان في وقت ضعف الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ، وجهاد علي كان في وقت القوة ، ورابعها : قوله { ذالك فضل الله يؤتيه ~~من يشاء } وهذا لائق بأبي بكر لأنه متأكد بقوله تعالى : { ولا يأتل أولوا ~~الفضل منكم والسعة } ( النور : 22 ) وقد بينا أن هذه الآية في أبي بكر ، ~~ومما يدل على أن جميع هذه الصفات لأبي بكر أنا بينا بالدليل أن هذه الآية ~~لا بد وأن تكون في أبي بكر ، ومتى كان الأمر كذلك كانت هذه الصفات لا بد ~~وأن تكون PageV12P020 لأبي بكر ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بصحة إمامته ، إذ ~~لو كانت إمامته باطلة لما كانت هذه الصفات لائقة به . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنه كان موصوفا بهذه الصفات حال حياة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد وفاته لما شرع في الإمامة زالت هذه ~~الصفات وبطلت . # قلنا : هذا باطل قطعا لأنه تعالى قال : { فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه } فأثبت كونهم موصوفين بهذه الصفة حال إتيان الله بهم في المستقبل ~~، وذلك يدل على شهادة الله له بكونه موصوفا بهذه الصفات حال محاربته مع أهل ~~الردة ، وذلك هو حال إمامته ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على صحة ~~إمامته ، أما قول الروافض لعنهم الله : إن هذه الآية في حق علي رضي الله ~~عنه بدليل أنه صلى الله عليه ms3336 وسلم قال يوم خيبر : ( لأعطين الراية غدا رجلا ~~يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) وكان ذلك هو علي عليه السلام ، فنقول ~~: هذا الخبر من باب الآحاد ، وعندهم لا يجوز التمسك به في العمل ، فكيف ~~يجوز التمسك به في العلم ، وأيضا إن إثبات هذه الصفة لعلي لا يوجب انتفاءها ~~عن أبي بكر ، وبتقدير أن يدل على ذلك لكنه لا يدل على انتفاء ذلك المجموع ~~عن أبي بكر ، ومن جملة تلك الصفات كونه كرارا غير فرار ، فلما انتفى ذلك عن ~~أبي بكر لم يحصل مجموع تلك الصفات له ، فكفى هذا في العمل بدليل الخطاب ، ~~فأما انتفاء جميع تلك الصفات فلا دلالة في اللفظ عليه ، فهو تعالى إنما ~~أثبت هذه الصفة المذكورة في هذه الآية حال اشتغاله بمحاربة المرتدين بعد ~~ذلك فهب أن تلك الصفة ما كانت حاصلة في ذلك الوقت ، فلم يمنع ذلك من حصولها ~~في الزمان المستقبل ، ولأن ما ذكرناه تمسك بظاهر القرآن ، وما ذكروه تمسك ~~بالخبر المذكور المنقول بالآحاد ، ولأنه معارض بالأحاديث الدالة على كون ~~أبي بكر محبا لله ولرسوله . وكون الله محبا له وراضيا عنه . قال تعالى في ~~حق أبي بكر { ولسوف يرضى } ( الليل : 21 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( إن ~~الله يتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة ) وقال : ( ما صب الله شيئا في ~~صدري إلا وصبه في صدر أبي بكر ) وكل ذلك يدل على أنه كان يحب الله ورسوله ~~ويحبه الله ورسوله . # وأما الوجه الثاني : وهو قولهم : الآية التي بعد هذه الآية دالة على ~~إمامة علي فوجب أن تكون هذه الآية نازلة في علي ، فجوابنا : أنا لا نسلم ~~دلالة الآية التي بعد هذه الآية على إمامة على وسنذكر الكلام فيه إن شاء ~~الله تعالى ، فهذا ما في هذا الموضع من البحث والله أعلم . # أما قوله تعالى : { يحبهم ويحبونه } فتحقيق الكلام في المحبة ذكرناه في ~~سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { والذين ءامنوا أشد حبا لله } ( البقرة ~~: 165 ) فلا فائدة في الإعادة . وفيه دقيقة وهي أنه تعالى قدم محبته ms3337 لهم ~~على محبتهم له ، وهذا حق لأنه لولا أن الله أحبهم وإلا لما وفقهم حتى صاروا ~~محبين له . # ثم قال تعالى : { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } وهو كقوله { ~~أشداء على الكفار رحماء بينهم } ( الفتح : 29 ) قال صاحب ( الكشاف ) أذلة ~~جمع ذليل ، وأما ذلول فجمعه ذلل ، وليس المراد بكونهم أذلة هو أنهم مهانون ~~، بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب ، فإن من كان ذليلا عند ~~إنسان فإنه ألبتة لا يظهر شيئا من التكبر والترفع ، بل لا يظهر إلا الرفق ~~واللين فكذا ههنا ، فقوله { أعزة على الكافرين } أي يظهرون الغلطة والترفع ~~على الكافرين . وقيل : يعازونهم أي يغالبونهم من قولهم : عزه يعزه إذا غلبه ~~، كأنهم PageV12P021 مشدون عليهم بالقهر والغلبة . # فإن قيل : هلا قيل : أذلة للمؤمنين أعزة على الكافرين . # قلنا : فيه وجهان : أحدهما : أن يضمن الذل معنى الرحمة والشفقة ، كأنه ~~قيل : راحمين عليهم مشفقين عليهم على وجه التذلل والتواضع ، والثاني : أنه ~~تعالى ذكر كلمة { على } حتى يدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم ، فيفيد أن ~~كونهم أذلة ليس لأجل كونهم ذليلين في أنفسهم ، بل ذاك التذلل إنما كان لأجل ~~أنهم أرادوا أن يضموا إلى علو منصبهم فضيلة التواضع . وقرىء ( أذلة وأعزة ) ~~بالنصب على الحال . # ثم قال تعالى : { يجاهدون فى سبيل الله } أي لنصرة دين الله { ولا يخافون ~~لومة لائم } وفيه وجهان : الأول : أن تكون هذه الواو للحال ، فإن المنافقين ~~كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم ، فبين الله تعالى في هذه الآية أن من ~~كان قويا في الدين فإنه لا يخاف في نصرة دين الله بيده ولسانه لومة لائم . ~~الثاني : أن تكون هذه الواو للعطف ، والمعنى أن من شأنهم أن يجاهدوا في ~~سبيل الله لا لغرض آخر ، ومن شأنهم أنهم صلاب في نصرة الدين لا يبالون ~~بلومة اللائمين ، واللومة المرة الواحدة من اللوم ، والتنكير فيها وفي ~~اللائم مبالغة ، كأنه قيل : لا يخافون قط من لوم أحد من اللائمين . # ثم قال تعالى : { ذالك فضل الله يؤتيه من يشاء } فقوله { ذالك } إشارة ~~إلى ما تقدم ذكره من ms3338 وصف القوم بالمبة والذلة والعة والمجاهدة وانتفاء خوف ~~اللومة الواحدة ، فبين تعالى أن كل ذلك بفضله إحسانه ، وذلك صريح في أن ~~طاعات العباد مخلوقة لله تعالى ، والمعتزلة يحملون اللفظ على فعل الالطاف ، ~~وهو بعيد لأن فعل الألطاف عام في حق الكل ، فلا بد في التخصيص من فائدة ~~زائدة . # ثم قال تعالى : { والله واسع عليم } فالواسع إشارة إلى كمال القدرة ، ~~والعليم إشارة إلى كمال العلم ، ولما أخبر الله تعالى أنه سيجيء بأقوام هذا ~~شأنهم وصفتهم أكد ذلك بأنه كامل القدرة فلا يعجز عن هذا الموعود ، كامل ~~العلم فيمتنع دخول الخلف في أخباره ومواعيده . # ! 7 < { إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلواة ~~ويؤتون الزكواة وهم راكعون } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 55 ) إنما وليكم الله . . . . . # > > وجه النظم أنه تعالى لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار ~~أمر في هذه الآية بموالاة من يجب موالاته وقال : { إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين ءامنوا } أي المؤمنون الموصوفون بالصفات المذكورة ، وفي الآية مسائل ~~: # المسألة الأولى : في قوله { والذين ءامنوا } قولان : الأول : أن المراد ~~عامة المؤمنين ، وذلك لأن عبادة بن الصامت لما تبرأ من اليهود وقال : أنا ~~بريء إلى الله من حلف قريظة والنضير ، وأتولى الله ورسوله نزلت هذه الآية ~~يعلى وفق قوله . وروي أيضا أن عبدالله بن سلام قال : يا رسول الله إن قومنا ~~قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل ~~، فنزلت هذه الآية ، فقال PageV12P022 رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين ~~أولياء ، فعلى هذا : الآية عامة في حق كل المؤمنين ، فكل من كان مؤمنا فهو ~~ولي كل المؤمنين ، ونظيره قوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض } ( التوبة : 71 ) وعلى هذا فقوله { الذين يقيمون الصلواة ويؤتون ~~الزكواة } صفة لك المؤمنين ، والمراد بذكر هذه الصفلات تمييز عن المنافقين ~~لأنهم كانوا يدعون الإيمان ، إلا أنهم ما كانوا مداومين على الصلوات ~~والزكوات ، قال تعالى في صفة صلاتهم { ولا يأتون الصلواة إلا وهم كسالى } ( ~~التوبة : 54 ) وقال : { يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } ( النساء ~~: 142 ) وقال في ms3339 صفة زكاتهم { أشحة على الخير } ( الأحزاب : 19 ) وأما قوله ~~{ وهم راكعون } ففيه على هذا القول وجوه : الأول : قال أبو مسلم : المراد ~~من الركوع الخضوع ، يعني ( أنهم يصلون ويزكون وهم منقادون خاضعون لجميع ~~أوامر الله ونواهيه والثاني : أن يكون المراد : من شأنهم إقامة الصلاة ، ~~وخص الركوع بالذكر تشريفا له كما في قوله { واركعوا مع الراكعين } ( البقرة ~~: 43 ) والثالث : قال بعضهم : إن أصحابه كانوا عند نزول هذه الآية مختلفون ~~في هذه الصفات ، منهم من قد أتم الصلاة ، ومنهم من دفع المال إلى الفقير ، ~~ومنهم من كان بعد في الصلاة وكان راكعا ، فلما كانوا مختلفين في هذه الصفات ~~لا جرم ذكر الله تعالى كل هذه الصفات . # القول الثاني : أن المراد من هذه الآية شخص معين ، وعلى هذا ففيه أقوال : ~~روى عكرمة أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه . والثاني : روى عطاء ~~عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام . روي أن عبدالله بن ~~سلام قال : لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه على ~~محتاج وهو راكع ، فنحن نتولاه . وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : ~~صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما صلاة الظهر ، فسأل سائل في ~~المسجد فلم يعطه أحد ، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : اللهم أشهد أني ~~سألت في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فما أعطاني أحد شيئا ، وعلي عليه ~~السلام كان راكعا ، فأومأ إليهخ بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم ، فأقبل ~~السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( اللهم إن ~~أخي موسى سألك ) فقال : { رب اشرح لى صدرى } إلى قوله { وأشركه فى أمرى } ( ~~طه : 25 32 ) فأنزلت قرآنا ناطقا { سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا } ( ~~القصص : 35 ) اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل ~~لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري . قال أبو ذر : فوالله ما أتم رسول ~~الله هذه الكلمة حتى نزل ms3340 جبريل فقال : يا محمد إقرأ { إنما وليكم الله ~~ورسوله } إلى أخرها ، فهذا مجموع مع يتعلق بالروايات في هذه المسألة . # المسألة الثانية : قالت الشيعة : هذه الآية دالة على أن الإمام بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب ، وتقريره ، أن نقول : هذه ~~الآية دالة على أن المراد بهذه الآية إمام ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن ~~يكون ذلك الإمام هو علي بن أبي طالب . # بيان المقام الأول : أن الولي في اللغة قد جاء بمعنى الناصر والمحب ، كما ~~في قوله { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ( التوبة : 71 ) وجاء ~~بمعنى المتصرف . قال عليه الصلاة والسلام : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن ~~وليها ) فنقول : ههنا وجهان : الأول : أن لفظ الولي جاء بهذين المعنيين ولم ~~يعين الله مراده ، ولا منافاة بين المعنيين ، فوجب حمله عليهما ، فوجب ~~دلالة الآية على أن المؤمنين المذكورين في PageV12P023 الآية متصرفون في ~~الأمة . الثاني : أن نقول : الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى ~~الناصر ، فوجب أن يكون بمعنى المتصرف ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون ~~بمعنى الناصر ، لأن الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامة في كل المؤمنين ~~، بدليل أنه تعالى ذكر بكلمة { إنما } للحصر ، كقوله : { إنما الله إلاه ~~واحد } ( النساء : 171 ) والولاية المذكورة في هذه الآية ليست بمعنى النصرة ~~، وإذا لم تكن بمعنى النصرة كانت بمعنى التصرف ، لأنه ليس للولي معنى سوى ~~هذين ، فصار تقدير الآية : إنما المتصرف فيكم أيها المؤمنون هو الله ورسوله ~~والمؤمنون الموصوفون بالصفة الفلانية ، وهذا يقتضي أن المؤمنين الموصوفين ~~بالصفات المذكورة في هذه لآية متصرفون في جميع الأمة ، ولا معنى للإمام إلا ~~الإنسان الذي يكون متصرفا في كل الأمة ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية ~~على أن الشخص المذكور فيها يجب أن يكون إمام الأمة . # أما بيان المقام الثاني : وهو أنه لما ثبت ما ذكرنا وجب أن يكون ذلك ~~الإنسان هو علي بن أبي طالب ، وبيانه من وجوه : الأول : أن كل من أثبت بهذه ~~الآية إمامة شخص قال : إن ذلك ms3341 الشخص هو علي ، وقد ثبت بما قدمنا دلالة هذه ~~الآية على إمامة شخص ، فوجب أن يكون ذلك الشخص هو علي ، ضرورة أنه لا قائل ~~بالفرق . والثاني : تظاهرت الروايات على أن هذه الآية نزلت في حق علي ، ولا ~~يمكن المصير إلى قول من يقول : ءنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ، لأنها ~~لو نزلت في حقه لدلت على إمامته ، وأجمعت الأمة على أن هذه الآية لا تدل ~~على إمامته ، فبطل هذا القول ، والثالث : أن قوله { وهم راكعون } لا يجوز ~~جعله عطفا على ما تقدم ، لأن الصلاة قد تقدمت ، والصلاة مشتملة على الركوع ~~، فكانت إعادة ذكر الركوع تكرارا ، فوجب جعله حالا أي يؤتون الزكاة حال ~~كونهم ءاكعين ، وأجمعوا على أن إيتاء الزكاة حال الركوع لم يكن إلا في حق ~~علي ، فكانت الآية مخصوصة به ودالة على إمامته من الوجه الذي قررناه ، وهذا ~~حاصل استدلال القوم بهذه الآية على إمامة علي عليه السلام . # والجواب : أما حمل لفظ الولي على الناصر وعلى المتصرف معا فغير جائز ، ~~لما ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز حمل اللفظ المشترك على مفهومية معا . # أما الوجه الثاني : فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من لفظ الولي في ~~هذه الآية الناصر والمحب ، ونحن نقيم الدلالة على أن حمل لفظ الولي على هذا ~~المعنى أولى من حمله على معنى المتصرف . ثم نجيب عما قالوه فنقول : الذي ~~يدل على أن حمله على الناصر أولى وجوه : الأول : أن اللائق بما قبل هذه ~~الآية وبما بعدها ليس إلا هذا المعنى ، أما ما قبل هذه لآية فلأنه تعالى ~~قال : { يوقنون ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } ( ~~المائدة : 51 ) وليس المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أئمة متصرفين في ~~أرواحكم وأموالكم لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة ، بل المراد لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أحبابا وأنصارا ، ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم ، ثم لما بالغ ~~في النهي عن ذلك قال : إنما وليكم الله ورسوله والمؤمنون والموصوف ، ~~والظاهر أن الولاية المأمور بها ههنا هي المنهي عنها فيما ms3342 قبل ، ولما كانت ~~الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة كانت الولاية ~~المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة ، وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله ~~PageV12P024 { الغالبون ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ~~هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن ~~كنتم } ( المائدة : 57 ) فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار ~~أولياء ، ولا شك أن الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة ، فكذلك ~~الولاية في قوله { إنما وليكم الله } يجب أن تكون هي بمعنى النصرة ، وكل من ~~أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرها قطع بأن الولي في قوله { ~~إنما وليكم الله } ليس إلا بمعنى الناصر والمحب ، ولا يمكن أن يكون بمعنى ~~الإمام ، لأن ذلك يكون إلقاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد ~~، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط ، ويجب تنزيه كلام الله تعالى عنه . # الحجة الثانية : أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان ~~المؤمنون المذكورين في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية ، لأن علي بن ~~أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول ، والآية تقتضي ~~كون هؤلاء المؤمنون موصوفين بالولاية في الحال ، أما لو حملنا الولاية على ~~المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال ، فثبت أن حمل الولاية على ~~المحبة أولى من حملها على التصرف ، والذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع ~~المؤمنين من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء ~~المؤمنين ، فلا بد وأن تكون موالاة هؤلاء المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون ~~النفي والإثبات متواردين على شيء واحد ، ولما كانت الولاية بمعنى التصرف ~~غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها . # الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة ~~الجمع في سبعة مواضع وهي قوله { والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلواة ويؤتون ~~الزكواة وهم راكعون } وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظم ~~لكنه مجاز لا حقيقة ، والأصل حمل الكلام على الحقيقة . # الحجة الرابعة ms3343 : أنا قد بينا بالبرهان البين أن الآية المتقدمة وهي قوله ~~{ خاسرين يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه } ( المائدة : 54 ) إلى ~~آخر الآية من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر ، فلو دلت هذه الآية على ~~صحة إمامة علي بعد الرسول لزم التناقض بين الآيتين ، وذلك باطل ، فوجب ~~القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن عليا هو الإمام بعد الرسول . # الحجة الخامسة : أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء ~~الروافض ، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من ~~المحافل ، وليس للقوم أن يقولوا : إنه تركه للتقية لإنهم ينقلون عنه أنه ~~تمسك يوم الشورى بخبر الغدير ، وخبر المباهلة ، وجميع فضائله ومناقبه ، ولم ~~يتمسك ألبتة بهذه الآية في إثبات امامته ، وذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء ~~الروافض لعنهم الله . # الحجة السادسة : هب أنها دالة على إمامة علي ، لكنا توافقنا على أنها عند ~~نزولها ما دلت على حصول الإمامة في الحال : لأن عليا ما كان نافذ التصرف في ~~الأمة حال حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلم يبق إلا أن تحمل الآية ~~على أنها تدل على أن عليا سيصير إماما بعد ذلك ، ومتى قالوا ذلك فنحن نقول ~~بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان ، إذ ليس في الآية ما ~~يدل على تعيين الوقت ، فإن قالوا : الأمة في هذه الآية على قولين : منهم من ~~قال : إنها لا تدل على إمامة علي ، ومنهم من قال : ءنها تدل على إمامته ، ~~وكل من قال بذلك قال : إنها تدل على إمامته بعد الرسول من غير فصل ، فالقول ~~بدلالة الآية علىءمامة علي PageV12P025 لا على هذا الوجه ، قول ثالث ، وهو ~~باطل لأنا نجيب عنه فنقول : ومن الذين أخبركم أنه ما كان أحد في الأمة قال ~~هذا القول ، فإن من المحتمل ، بل من الظاهر أنه منذ استدل مستدل بهذه الآية ~~على إمامة علي ، فإن السائل يورد على ذلك لاستدلال هذا السؤال ، فكان ذكر ~~هذا الاحتمال وهذا السؤال مقرونا بذكر ms3344 هذا الاستدلال . # الحجة السابعة : أن قوله : { إنما وليكم الله ورسوله } لا شك أنه خطاب مع ~~الأمة ، وهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله ، وإنما ذكر ~~الله تعالى هذا الكلام تطييبا لقول المؤمنين وتعريفا لهم بأنه لا حاجة بهم ~~إلى اتخاذ الأحباب والأنصار من الكفار ، وذلك لأن من كان الله ورسوله ناصرا ~~له ومعينا له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة من اليهود والنصارى وإذا ~~كان كذلك كان المراد بقوله { إنما وليكم الله ورسوله } هو الولاية بمعنى ~~النصرة والمحبة ، ولا شك أن لفظ الولي مذكور مرة واحدة ، فلما أريد به ههنا ~~معنى النصرة امتنع أن يراد به معنى التصرف لما ثبت أنه لا يجوز استعمال ~~اللفظ المشترك في مفهوميه معاف . # الحجة الثامنة : أنه تعالى مدح المؤمنين في الآية المتقدمة بقوله { يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } ( المائدة : 54 ) فإذا ~~حملنا قوله { إنما وليكم الله ورسوله } على معنى المحبة والنصرة كان قوله { ~~إنما وليكم الله ورسوله } يفيد فائدة قوله { يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين } وقوله { يجاهدون فى سبيل الله } ( المائدة : ~~54 ) يفيد فائدة قوله { يقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة وهم راكعون } ( ~~المائدة : 55 ) فكانت هذه الآية مطابقة لما قبلها مؤكدة لمعناها فكان ذلك ~~أولى ، فثبت بهذه الوجوه أن الولاية المذكورة في هذه الآية يجب أن تكون ~~بمعنى النصرة لا بمعنى التصرف . # أما الوجه الذي عولوا عليه وهو أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، ~~والولاية بمعنى النصرة عامة ، فجوابه من وجهين : # الأول : لا نسلم أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، ولا نسلم أن ~~كلمة { إنما } للحصر ، والدليل عليه قوله { إنما مثل الحيواة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء } ( يونس : 24 ) ولا شك أن الحياة الدنيا لها أمثال أخرى ~~سوى هذا المثل ، وقال { إنما الحيواة الدنيا لعب ولهو } ( محمد : 36 ) ولا ~~شك أن اللعب واللهو قد يحصل في غيرها . الثاني : لا نسلم أن الولاية بمعنى ~~النصرة عامة في كل المؤمنين ، وبيانه أنه تعالى قسم المؤمنين قسمين ms3345 : ~~أحدهما : الذين جعلهم موليا عليهم وهم المخاطبون بقوله { إنما وليكم الله } ~~والثاني : الأولياء ، وهم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون ، فإذا فسرنا الولاية ههنا بمعنى النصرة كان المعنى أنه تعالى جعل ~~أحد القسمين أنصارا للقسم الثاني . ونصرة القسم الثاني غير حاصلة لجميع ~~المؤمنين ، ولو كان كذلك لزم في القسم الذي هم المنصورون أن يكونوا ناصرين ~~لأنفسهم ، وذلك محال ، فثبت أن نصرة أحد قسمي الأمة غير ثابتة لكل الأمة ، ~~بل مخصوصة بالقسم الثاني من الأمة ، فلم يلزم من كون الولاية المذكورة في ~~هذه الآية خاصة أن لا تكون بمعنى النصرة ، وهذا جواب حسن دقيق لا بد من ~~التأمل فيه . # وأما استدلالهم بأن الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع ، فقد بينا أن أكثر ~~المفسرين زعموا أنه في PageV12P026 حق الأمة ، والمراد أن الله تعالى أمر ~~المسلم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلمين ، ومنهم من يقول : إنها ~~نزلت في حق أبي بكر . # وأما استدلالهم بأن الآية مختصة بمن أدى الزكاة في الركوع ، وذلك هو علي ~~بن أبي طالب فنقول : هذا أيضا ضعيف من وجوه : الأول : أن الزكاة اسم للواجب ~~لا للمندوب بدليل قوله تعالى { وإذ أخذنا } ( البقرة : 43 ) فلو أنه أدى ~~الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن ~~أول أوقات الوجوب ، وذلك عند أكثر العلماء معصية ، وأنه لا يجوز إسناده إلى ~~علي عليه السلام ، وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أن ~~قوله { وإذ أخذنا } ظاهرة يدل على أن كل ما كان زكاة فهو واجب . الثاني : ~~هو أن اللائق بعلي عليه السلام أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون ~~في الصلاة ، والظاهر أن من كان كذلك فإنه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير ~~ولفهمه ، ولهذا قال تعالى : { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~* العالمون * خلق الله السماوات والارض } ( آل عمران : 191 ) ومن كان قبله ~~مستغرقا في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير . الثالث : أن دفع الخاتم ~~في الصلاة ms3346 للفقير ولم يكن له مال تجب الزكاة فيه ، ولذلك فإنهم يقولون : ~~إنه لما أعطى ثلاثة أقراص نزل فيه سورة { أهل * أتى } ( الإنسان : 1 ) وذلك ~~لا يمكن إلا إذا كان فقيرا ، فأما من كان له مال تجب فيه الزكاة يمتنع أن ~~يستحق المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص ، وإذا لم ~~يكن له مال تجب فيه الزكاة امتنع حمل قوله { ويؤتون الزكواة وهم راكعون } ~~عليه . # الوجه الخامس : هب أن المراد بهذه الآية هو علي بن أبي طالب لكنه لم يتم ~~الاستدلال بالآية إلا إذا تم أن المراد بالولي هو المتصرف لا الناصر والمحب ~~، وقد سبق الكلام فيه . # المسألة الثالثة : أعلم أن الذين يقولون : المراد من قوله { ويؤتون ~~الزكواة وهم راكعون } هو أنهم يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين احتجوا بالآية ~~على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة ، فإنه دفع الزكاة إلى السائل وهو في ~~الصلاة ، ولا شك أنه نوى إيتاء الزكاة وهو في الصلاة ، فدل ذلك على أن هذه ~~الأعمال لا تقطع الصلاة ، وبقي في الآية سؤالان . # السؤال الأول : المذكور في الآية هو الله تعالى ورسوله والمؤمنون ، فلم ~~لم يقل : إنما أولياؤكم ؟ # والجواب : أصل الكلام إنما وليكم الله ، فجعلت الولاية لله على طريق ~~الأصالة ، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله والمؤمنين على سبيل ~~التبع ، ولو قيل : إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في ~~الكلام أصل وتبع ، وفي قراءة عبد الله : إنما مولاكم الله . # السؤال الثاني : { الذين يقيمون } ما محله ؟ # الجواب : الرفع على البدل من { الذين كفروا } أو يقال : هم الذين يقيمون ~~، أو النصب على المدح ، والغرض من ذكره تمييز المؤمن المخلص عمن يدعي ~~الإيمان ويكون منافقا ، لأن ذلك الإخلاص إنما يعرف بكونه مواظبا على الصلاة ~~في حال الركوع ، أي في حال الخضوع والخشوع والإخبات لله تعالى . # PageV12P027 ! 7 < { ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 56 ) ومن يتول الله . . . . . # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : الحزب في اللغة أصحاب الرجل الذين ms3347 يكونون معه على رأيه ~~، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبهم ، وللمفسرين عبارات . قال الحسن : ~~جند الله ، وقال أبو روق : أولياء الله وقال أبو العالية : شيعة الله ، ~~وقال بعضهم : أنصار الله . وقال الأخفش : حزب الله الذين يدينون بدينه ~~ويطيعونه فينصرهم . # المسألة الثانية : قوله { فإن حزب الله هم الغالبون } جملة واقعة موقع ~~خبر المبتدأ ، والعائ ، غير مذكور لكونه معلوما ، والتقدير فهو غالب لكونه ~~من جند الله وأنصاره . # ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أوليآء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } ~~> 7 ! # < < # | المائدة : ( 57 ) يا أيها الذين . . . . . # > > أعلم أنه تعالى نهى في الآية المتقدمة عن اتخاذ اليهود والنصارى ~~أولياى وساق الكلام في تقريره ، ثم ذكر ههنا النهي العام عن موالاة جميع ~~الكفار وهو هذه الآية ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرون والكسائي { الكفار } بالجر عطفا على قوله ~~{ من الذين أوتوا الكتاب } ومن الكفار ، والباقون بالنصب عطفا على قوله { ~~الذين اتخذوا } بتقدير : ولا الكفار . # المسألة الثانية : قيل : كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث أظهر الإيمان ~~ثم نافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادونهما ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه ~~الآية . # المسألة الثالثة : هذه الآية تقتضي امتياز أهل الكتاب عن الكفار لأن ~~العطف يقتضي المغايرة ، وقوه { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب } ( ~~البينة : 1 ) صريح في كونهم كفارا ، وطريق التوفيق بينهما أن كفر المشركين ~~أعظم وأغلظ ، فنحن لهذا السبب نخصصهم باسم الكفر . والله أعلم . # المسألة الرابعة : معنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم إظهارهم ذلك باللسان ~~مع الإصرار على الكفر في القلب ، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة { وإذا ~~لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما ~~نحن } ( البقرة : 14 ) والمعنى أن القوم لما اتخذوا دينكم هزوا وسخرية فلا ~~تتخذوهم أولياء وأنصارا وأحبابا ، فإن ذلك الأمر الخارج عن العقل والمروءة ~~. # PageV12P028 ! 7 < { وإذا ناديتم إلى الصلواة اتخذوها هزوا ولعبا ذالك ~~بأنهم قوم لا يعقلون } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 58 ) وإذا ناديتم إلى . . . . . # > > لما حكى ms3348 في الآية الأولى عنهم أنهم اتخذوا دين المسلمين هزوا ولعبا ~~ذكر ههنا بعض ما يتخذونه من هذا الدين هزوا ولعبا فقال : { مؤمنين وإذا ~~ناديتم إلى الصلواة اتخذوها هزوا ولعبا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الضمير في قوله { اتخذوها } للصلاة أو المناداة . # قيل : كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن بالمدينة يقول : أشهد ~~أن محمدا رسول الله يقول : احرق الكاذب ، فدخلت خادمته بنار ذات ليلة ~~فتطايرت منها شرارة البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله . # وقيل : كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي للصلاة وقام ~~المسلمون إليها ، فقالت اليهود : قاموا لا قاموا ، صلوا لا صلوا على طريق ~~الاستهزاء ، فنزلت الآية . # وقيل : كان المنافقون يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس عنها ~~. # وقيل : قالوا يا محمد لقد أبدعت شيئا لم يسمع فيما مضى ، فإن كنت نبيا ~~فقد خالفت فيما أحدثت جميع الأنبياء ، فمن أين لك صياح كصياح العير ، فأنزل ~~الله هذه الآية . # المسألة الثانية : قالوا : دلت الآية على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا ~~بالمنام وحده . # المسألة الثالثة : قوله { هزوا ولعبا } أمران ، وذلك لأنهم عند إقامة ~~الصلاة يقولون : هذه الأعمال التي أتينا بها استهزاء بالمسلمين وسخرية منهم ~~، فإنهم يظنون أنا على دينهم مع أنا لسنا كذلك . ولما اعتقدوا أنه ليس فيها ~~فائدة ومنفعة في الدين والدنيا قالوا إنها لعب . # ثم قال تعالى : { ذالك بأنهم قوم لا يعقلون } أي لو كان لهم عقل كامل ~~لعلموا أن تعظيم الخالق المنعم وخدمته مقرونة بغاية التعظيم لا يكون هزوا ~~ولعبا ، بل هو أحسن أعمال العباد وأشرف أفعالهم ، ولذلك قال بعض الحكماء : ~~أشرف الحركات الصلاة ، وأنفع السكنات الصيام . # ! 7 < { قل يأهل الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن ءامنا بالله ومآ أنزل إلينا ~~ومآ أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 59 ) قل يا أهل . . . . . # > > أعلم أن وجه النظم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام ~~هزوا ولعبا قال لهم : ما الذين تنقمون من هذا الدين ، وما الذي تجدون فه ~~مما يوجب اتخاذه هزوا ولعبا ms3349 وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الحسن { هل تنقمون } بفتح القاف ، والفصيح كسرها . ~~يقال : نقمت الشيء ونقمته بكسر القاف وفتحها إذا أنكرته ، وللمفسرين عبارات ~~: هل تنقمون منا : هل تعيبون هل تنكرون ، هل PageV12P029 تكرهون . قال ~~بعضهم : سمي العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل . وقال آخرون : ~~الكراهة التي يتبعها سخط من الكاره تسمى نقمة ، لأنها تتبعها النقمة التي ~~هي العذاب فعلى القول الأول لفظ النقمة موضوع أولا للمكروه ، ثم سمي العذاب ~~نقمة لكونه مكروها ، وعلى القول الثاني لفظ النقمة موضوع للعذاب ، ثم سمي ~~المنكر والمكروه نقمة لأنه يتبعه العذاب . # المسألة الثانية : معنى الآية أنه يقول لأهل الكتاب : لم اتخذتم هذا ~~الدين هزوا ولعبا ، ثم قال على سبيل التعجب : هل تجدون في هذا الدين إلا ~~الإيمان بالله والإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان ~~بجميع الأنبياء الذين كانوا قبل محمدا يعني أن هذا ليس مما ينقم ، أما ~~الإيمان بالله فهو رأس جميع الطاعات ، وأما الإيمان بمحمد وبجميع الأنبياء ~~فهو الحق والصدق ؛ لأنه إذا كان الطريق إلى تصديق بعض الأنبياء في ادعاء ~~الرسالة والنبوة هو المعجز ، ثم رأينا أن المعجز حصل على يد محمد عليه ~~الصلاة والسلام وجب الإقرار بكونه رسولا ، فأما الإقرار بالبعض وإنكار ~~البعض فذلك كلام متناقض ، ومذهب باطل ، فثبت أن الذي نحن عليه هو الدين ~~الحق والطريق المستقيم ، فلم تنقموه عليناا قال ابن عباس : إن نفرا من ~~اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ، ~~فقال : أؤمن بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل إلى قوله ~~ونحن له مسلمون ، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا : والله ما نعلم أهل ~~دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم ، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية وما بعدها . # وأما قوله { وأن أكثركم فاسقون } فالقراءة العامة { ءان } بفتح الألف ، ~~وقرأ نعيم بن ميسرة { ءان } بالكسر ، وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : كيف ينقم اليهود على المسلمين مع كون أكثر ms3350 اليهود فاسقين ~~؟ # والجواب من وجوه : الأول : قوله { وأن أكثركم فاسقون } تخصيص لهم بالفسق ~~، فيدل على سبيل التعريض أنهم لم يتبعوهم على فسقهم ، فكان المعنى : وما ~~تنقمون منا إلا أن آمنا . وما فسقنا مثلكم ، الثاني : لما ذكر تعالى ما ~~ينقم اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل وليس ذلك ببما ينعم ذكر في ~~مقابله فسقهم ، وهو مما ينقم ، ومثل هذا حسن في الازدواج . يقول القائل : ~~هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر ، وأني غني وأنت فقير ، فيحسن ذلك ~~لإتمام المعنى على سبيل المقابلة . والثالث : أن يكون الواو بمعنى ( مع ) ~~أي وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله مع أن أكثركم فاسقون ، فإن أحد ~~الخصمين إذا كان موصوفا بالصفات الذميمة واكتسب الثاني شيئا كثيرا من ~~الصفات الحميدة كان اكتسابه للصفات الحميدة مع كون خصمه مكتسبا للصفات ~~الذميمة أشد تأثيرا في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم . والرابع : أن يكون ~~على تقدير حذف المضاف ، أي واعتقاد أنكم فاسقون . الخامس : أن يكون التقدير ~~: وما تنقمون منا إلا بأن آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون ، يعني بسبب فسقكم ~~نقمتم الإيمان علينا . السادس : يجوز أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل ~~محذوف كأنه قيل : وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم ، ولأجل أن ~~أكثركم فاسقون . # السؤال الثاني : اليهود كلهم فساق وكفار ، فلم خص الأكثر بوصف الفسق ؟ # والجواب من وجهين : الأول : يعني أن أكثركم إنما يقولون ما يقولون ، ~~ويفعلون ما يفعلون طلبا للرياسة والجاه وأخذ الرشوة والتقرب إلى الملوك ، ~~فأنتم في دينكم فساق لا عدول ، فإن الكافر والمبتدع قد PageV12P030 يكون ~~عدل دينه ، وقد يكون فاسق دينه ، ومعلوم أن كلهم ما كانوا كذلك فلذلك خص ~~أكثرهم بهذا الحكم ، والثاني : ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ~~ذلك . # ! 7 < { قل هل أنبئكم بشر من ذالك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه ~~وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولائك شر مكانا وأضل عن سوآء ~~السبيل } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 60 ) قل هل أنبئكم . . . . . # > > # فيه مسائل : # المساألة الأولى : قوله { من ذالك ms3351 } إشارة إلى المنقم ، ولا بد من حذف ~~المضاف ، وتقديره : بشر من أهل ذلك ؛ لأنه قال : { من لعنه الله } ولا يقال ~~الملعون شر من ذلك الدين ، بل يقال : إنه شر ممن له ذلك الدين . # فإن قيل : فهذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوما عليهم بالشر ، ~~ومعلوم أنه ليس كذلك . # قلنا : إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم ، فإنهم حكموا بأن ~~اعتقاد ذلك الدين شر ، فقيل لهم : هب أن الأمر كذلك ولكن لعنة الله وغضبه ~~ومسخ الصور شر من ذلك . # المسألة الثانية : { مثوبة } نصب على التمييز ، ووزنها مفعلة كقولك : ~~مقولة ومجوزة ، وهو بمعنى المصدر ، وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول ~~والميسور . # فإن قيل : المثوبة مختصة بالإحسان ، فكيف جاءت في الإساءة ؟ # قلنا : هذا على طريقة قوله { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل عمران : 21 ) وقول ~~الشاعر : # تحية بينهم ضرب وجيع # المسألة الثالثة : { من } في قوله { من لعنه الله } يحتمل وجهين : الأول ~~: أنه في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، فإنه لما قال : { قل هل ~~أنبئكم بشر من ذالك } فكأن قائلا قال : من ذلك ؟ فقيل : هو من لعنه الله ، ~~ونظيره قوله تعالى : { قل * أفأنبئكم بشر من ذالكم النار } ( الحج : 72 ) ~~كأنه قال : هو النار . الثاني : يجوز أن يكون في موضع خفض بدلا من ( شر ) ~~والمعنى أنبئكم بمن لعنه الله . # المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى ذكر من صفاتهم أنواعا : أولها : أنه ~~تعالى لعنهم ، وثانيها : أنه غضب عليهم ، وثالثها : أنه جعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت . قال أهل التفسير : عنى بالقردة أصحاب السبت ، ~~وبالخنازير كفار مائدة عيسى . وروي أيضا أن المسخين كانا في أصحاب السبت ~~لأن شبانهم مسخوا قردة ، ومشايخهم مسخوا خنازير . # المسألة الخامسة : ذكر صاحب ( الكشاف ) في قوله { وعبد الطاغوت } أنواعا ~~من القرآات : أحدها : قرأ PageV12P031 أبي : وعبدوا الطاغوت ، وثانيها : ~~قرأ ابن مسعود : ومن عبدوا ، وثالثها : وعابد الطاغوت عطفا على القردة ، ~~ورابعها : وعابدي ، وخامسها : وعباد ، وسادسها : وعبد ، وسابعها : وعبد ، ~~بوزن حطم ، وثامنها : وعبيد ، وتاسعها : وعبد بضمتين جميع عبيد ، وعاشرها : ~~وعبدة بوزن كفرة ، والحادي عشر : وعبد ، وأصله عبدة ms3352 ، فحذفت التاء للإضافة ~~، أو خهو كخدم في جمع خادم ، والثاني عشر : عبد ، والثالث عشر : عباد ، ~~والرابع عشر : وأعبد ، والخامس عشر : وعبد الطاغوت على البناء للمفعول ، ~~وحذف الراجع ، بمعنى وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم ، والسادس عشر : وعبد ~~الطاغوت ، بمعنى صار الطاغوت معبودا من دون الله تعالى ، كقولك : أمر إذا ~~صار أميرا ، والسابع عشر : قرأ حمزة : عبد الطاغزت بفتح العين وضم الباء ~~ونصب الدال وجر الطاغوت ، وعابوا هذه القراءة على حمزة ولحنوه ونسبوه إلى ~~ما لا يجوز ذكره ، وقال قوم : إنها ليست بلحن ولا خطأ ، وذكروا فيها وجوها ~~: الأول : أن العبد هو العبد إلا أنهم ضموا الباء للمبالغة ، كقولهم : رجل ~~حذر وفطن للبليغ في الحذر والفطنة ، فتأويل عبد الطاغوت أنه بلغ الغاية في ~~طاعة الشيطان ، وهذا أحسن الوجوه . الثاني : أن العبد ، والعبد لغتان ~~كقوللهم : سبع وسبع . والثالث : أن العبد جمعه عباد ، والعباد جمعه عبد / ~~كثمار وثمر . ثم استثلقوا ضمتين متواليتين فأبدلت الأولى بالفتحة . الرابع ~~: يحتمل أنه أراد أعبد الطاغوت ، فيكون مثل فلس وأفلس ، ثم حذفت الهمزة ~~ونقلت حركتها إلى العين . الخامس : يحتمل أنه أراد : وعبدة الطاغوت كما ~~قريء ، ثم حذف الهاء وضم الباء لئلا يشتبه بالفعل . # المسألة السادسة : قوله { وعبد الطاغوت } قال الفراء : تأويله وجعلل منهم ~~القردة ومن عبد الطاغوت ، فعلى هذا : الموصول محذوف . # المسألة السابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله . ~~قالوا : لأن تقدير الآية وجعل الله منهم من عبد الطاغوت ، وإنما يعقل معنى ~~هذا الجعل إذا كان هو الذي جعل فيهم تلك العبادة ، إذ لو كان جعل تلك ~~العبادة منهم لكان الله تعالى ما جعلهم عبدة الطاغوت ، بل كانوا هم الذين ~~جعلوا أنفسهم كذلك ، وذلك على خلاف الآية . قالت المعتزلة : معناه أنه ~~تعالى حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله { وجعلوا الملئكة الذين هم عباد ~~الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) والكلام فيه قد تقدم مرارا . # المسألة الثامنة : قيل : الطاغوت العجل ، وقيل : الطاغوت الأحبار ، وكل ~~من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده . # ثم قال تعالى : { أولئك شر مكانا } أي ms3353 أولئك الملعونون الممسوخون شر ~~مكانا من المؤمنين ، وفي لفظ المكان وجهان : الأول : قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : لأن مكانهم سقر ، ولا مكان أشد شرا منه . والثاني : أنه أضعف الشر ~~في اللفظ إلى المكان وهو في الحقيقة لأهله ، وهو من باب الكناية كقولهم : ~~فلان طويل النجاد كثير الرماد ، ويرجع حاصله إلى الإشارة إلى الشيء بذكر ~~لوازمه وتوابعه . # ثم قال : { وأضل عن سواء السبيل } أي عن قصد السبيل والدين الحق . قال ~~المفسرون : لما نزلت هذه الآية عبر المسلمون أهل الكتاب وقالوا : يا إخوان ~~القردة والخنازير ، فافتضحوا ونكسوا رؤوسهم . # PageV12P032 ! 7 < { وإذا جآءوكم قالوا ءامنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد ~~خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 61 ) وإذا جاؤوكم قالوا . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قالوا : نزلت هذه الآية في ناس من اليهود كانوا يدخلون ~~على الرسول عليه الصلاة والسلام ويظهرون له الإيمان نفاقا ، فأخبره الله عز ~~وجل بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا لم يتعلق بقلبهم شيء من دلائلك ~~وتقريراتك ونصائحك وتذكيراتك . # المسألة الثانية : الباء في قوله { دخلوا بالكفر وهم خرجوا به } يفيد ~~بقاء الكفر معهم حالتي الدخول والخروج من غير نقصان ولا تغيير فيه البتة ، ~~كما تقول : دخل زيد بثوبه وخرج به ، أي بقي ثوبه حال الخروج كما كان حال ~~الدخول . # المسألة الثالثة : ذكر عند الدخول كلمة { قد } فقال { وقد دخلوا بالكفر } ~~وذكر عند الخروج كلمة { هم } فقال : { وهم قد خرجوا به } قالوا : الفائدة ~~في ذكر كلمة ( قد ) تقريب الماضي من الحال ، والفائدة في ذكر كلمة ( هم ) ~~التأكيد في إضافة الكفر إليهم ، ونفى أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم ~~في ذلك فعل ، أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفرا د ~~فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر ، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار ~~أنفسهم . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إنه تعالى أضاف الكفر إليهم حالتي ~~الدخول والخروج على سبيل الذم ، وبالغ في تقرير تلك الاضافة بقوله { وهم قد ~~خرجوا به } فدل هذا على ms3354 أنه من العبد لا من الله . # والجواب : المعارضة بالعلم والداعي . # ثم قال تعالى : { والله أعلم بما كانوا يكتمون } والغرض منه المبالغة ~~فيما في قلوبهم من الجد والاجتهاد في المكر بالمسلمين والكيد بهم والبغض ~~والعداوة لهم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وترى كثيرا منهم يسارعون فى الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما ~~كانوا يعملون } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 62 ) وترى كثيرا منهم . . . . . # > > المسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة . قيل : الإثم الكذب ، والعدوان ~~الظلم . وقيل : الإثم ما يختص بهم ، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم ، وأما ~~أكل السحت فهو أخذ الرسوة ، وقد تقدم الاستقصاء في PageV12P033 تفسير السحت ~~، وفي الآية فوائد : # الفائدة الأولى : أنه تعالى قال : { وترى كثيرا منهم } والسبب أن كلهم ما ~~كان يفعل ذلك ، بل كان بعضهم يستحيي فيترك . # الفائدة الثانية : أن لفظ المسارعة إنما يستعملل في أكثر الأمر في الخير ~~. قال تعالى : { يسارعون فى الخيرات } ( آل عمران : 114 ) وقال تعالى : { ~~نسارع لهم فى الخيرات } ( المؤمنون : 56 ) فكان اللائق بهذا الموضع لفظ ~~العجلة ، إلا أنه تعالى ذكر لفظ المسارعة لفائدة ، وهي أنهم كانوا يقدمون ~~على هذه المنكرات كأنهم محقون فيه . # الفائدة الثالثة : لفظ الاثم يتناول جميع المعاصي والمنهيات ، فلما ذكر ~~الله تعالى بعده العدوان وأكل السحت دل هذا على أن هذين النوعين أعظم أنواع ~~المعصية والإثم ثم قال تعالى : # ! 7 < { لولا ينهاهم الربانيون والا حبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ~~لبئس ما كانوا يصنعون } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 63 ) لولا ينهاهم الربانيون . . . . . # > > # معنى { لولا } هاهنا التخصيص والتوبيخ ، وهو بمعنى هلا ، والكلام في ~~تفسير الربانيين والأحبار قد تقدم . قال الحسن : الربانيون علماء أهل ~~الإنجيل ، والأحبار علماء أهل التوراة . وقال غيره : كله في اليهود لأنه ~~متصل بذكرهم ، والمعنى أن الله تعالى استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما ~~نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي ، وذلك يدل على أن تارك النهي عن المنكر ~~بمنزلة مرتكبه ، لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد ، بل ~~نقول : إن ذم تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه ، لأنه تعالى ذم الفريقين ~~في هذه ms3355 الآية على لفظ واحد ، بل نقول : إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى ~~لأنه تعالى قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت { لبئس ما كانوا ~~يعملون } ( المائدة : 62 ) وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر { ~~لبئس ما كانوا يصنعون } والصنع أقوى من العمل لأن العمل إنما يسمى صناعة ~~إذا صار مستقرا راسخا متمكنا ، فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ ، وذنب ~~التاركين للنهي عن المنكر ذنبا راسخا ، والأمر في الحقيقة كذلك لأن المعصية ~~مرض الروح ، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه ، فإذا حصل هذا العلم وما ~~زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال ، فكما أن هناك ~~يحصل العلم بأن المرض صعب شديد لا يكاد يزول ، فكذلك العالم إذا أقدم على ~~المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة ، وعن ابن عباس : هي أشد ~~آية في القرآن ، وعن الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها والله أعلم ~~. # ! 7 < { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل ~~يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة كلمآ أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله ويسعون فى الا رض فسادا والله لا يحب المفسدين } . ~~> 7 @QB@ < # | المائدة : ( 64 ) وقالت اليهود يد . . . . . # > > # قوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ~~} . # اعلم أن في الآية مسائل : PageV12P034 # المسألة الأولى : في هذا الموضع إشكال وهو أن الله تعالى حكى عن اليهود ~~أنهم قالوا ذلك ، ولا شك في أن الله تعالى صادق في كل ما أخبر عنه ، ونرى ~~اليهود مطبقين متفقين على أنا لا نقول ذلك ولا نعتقده البتة ، وأيضا المذهب ~~الذي يحكى عن العقلاء لا بد وأن يكون معلوم البطلان بضرورة العقل ، والقول ~~بأن يد الله مغلولة قول باطل ببديهة العقل ، لأن قولنا ( الله ) اسم لموجود ~~قديم ، وقادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه ، وهذا الموجود يمتنع أن تكون ~~يده مغلولة وقدرته مقيدة وقاصرة ، وإلا ms3356 فكيف يمكنه مع اللقدرة الناقصة حفظ ~~العالم وتدبيره . # إذا ثبت هذا فنقول : حصل الاشكال الشديد في كيفية تصحيح هذا النقل وهذه ~~الرواية فنقول : عندنا فيه وجوه : الأول : لعل القوم إنما قالوا هذا على ~~سبيل الإلزام ، فإنهم لما سمعوا قاوله تعالى : { من ذا الذى يقرض الله قرضا ~~حسنا } ( البقرة : 245 ) قالوا : لو احتاج إلى القرض لكان فقيرا عاجزا ، ~~فلما حكموا بأن الإله الذي يستقرض شيئا من عباده فقير مغلول اليدين ، لا ~~جرم حكى الله عنهم هذا الكلام الثاني : لعل القوم لما رأوا أصحاب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في غاية الشدة والفقر والحاجة قالوا على سبيل السخرية ~~والاستهزاء : إن إله محمد فقير مغلول اليد ، فلما قالوا ذلك حكى الله عنهم ~~هذا الكلام الثالث : قال المفسرون : اليهود كانوا أكثر الناس مالا وثروة ، ~~فلما بعث الله محمدا وكذبوا به ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالت ~~اليهود : يد الله مغلولة ، أي مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل ، ~~والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة والمحنة يقول مثل هذه الألفاظ . الرابع : ~~لعله كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة ، وهو أنه تعالى مموجب لذاته ، وأن ~~حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد وسنن واحد ، وأنهه تعالى غير ~~قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه التي عليها تقع ، فعبروا عن عدم ~~الاقتدار على التغيير والتبديل بغل اليد . الخامس : قال بعضهم : المراد هو ~~قول اليهود : إن الله لا يعذبنا إلا بقدر الأيام التي عبدنا العجل فيها ، ~~إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم إلا في هذا القدر من الزمان ~~بهذه العبارة الفاسدة ، واستوجبوا اللعن بسبب فساد العبارة وعدم رعاية ~~الأدب ، وهذا قول الحسن فثبت أن هذه الحكاية صحيحة على كل هذه الوجوه والله ~~أعلم . # المسألة الثانية : غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن البخل والجود ، ومنه ~~قوله تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } ( ~~الإسراء : 29 ) قالوا : والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لدفع ~~المال ولإنفاقه ms3357 ، فأطلقوا اسم السبب على المسبب ، وأسندوا الجود والبخل إلى ~~اليد والبنان والكف والأنامل . فقيل للجواد : فياض الكف مبسوط اليد ، وبسط ~~البنان تره الأنامل . ويقال للبخيل : كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل . # فإن قيل : فلما كان قوله { يد الله مغلولة } المراد منه البخل وجب أن ~~يكون قوله { غلت أيديهم } المراد منه أيضا البخل لتصح المطابقة ، والبخل من ~~الصفات المذمومة التي نهى الله تعالى عنها ، فكيف يجوز أن يدعو عليهم بذلك ~~؟ # قلنا : قوله { يد الله مغلولة } عبارة عن عدم المكنة من البذل والإعطاء ، ~~ثم إن عدم المكنة من الاعطاء تارة يكون لأجلل البخل وتارة يكون لأجل الفقر ~~، وتارة يكون لأجل العجز ، فكذلك قوله { غلت أيديهم } دعاء PageV12P035 ~~عليهم بعدم القدرة والمكنة ؛ سواء حصل ذلك بسبب العجز أو الفقر أو البخل ، ~~وعلى هذا التقدير فإنه يزول الاشكال . # المسألة الثالثة : قوله { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } فيه وجهان : ~~الأول : أنه دعاء عليهم ، والمعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا ~~الدعاء كما علمنا الاسثناء في قوله { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~ءامنين } ( الفتح : 27 ) وكما علمنا الدعاء عللى المنافقين في قوله { ~~فزادهم الله مرضا } ( البقرة : 10 ) وعلى أبي لهب في قوله { تبت يدا أبى ~~لهب } ( المسد : 1 ) الثاني : أنه إخبار . قال الحسن : غلت أيديهم في نار ~~جهنم على الحقيقة ، أي شدت إلى أعناقهم جزاء لهم على هذا القول . # فإن قيل : فإذا كان هذا الغل إنما حكم به جزاء لهم على هذا القول ، فكان ~~ينبغي أن يقال : فغلت أيديهم . # قلنا : حذف العطف وإن كان مضمرا إلا أنه حذف لفائدة ، وهي أنه لما حذف ~~كان قوله { غلت أيديهم } كالكلام المبتدأ به ، وكون الكلام مبتدأ به يزيده ~~قوة ووثاقة ؛ لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء ~~بتقريره ، ونظير هذا الموضع في حذف فاء التعقيب قوله تعالى : { وإذ قال ~~موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا } ( البقرة : ~~67 ) ولم يقل : فقالوا أتتخذنا هزوا . وأما قوله { ولعنوا بما قالوا } قال ~~الحسن عذبوا ms3358 في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار . # ثم قال تعالى : { بل يداه مبسوطتان } . # واعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات ، فإن الآيات الكثيرة من القرآن ~~ناطقة بإثبات اليد ، فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد . قال تعالى ~~: { يد الله فوق أيديهم } ( الفتح : 10 ) وتارة بإثبات اليدين لله تعالى : ~~منها هذه الآية ، ومنها قوله تعالى لإبليس الملعون { ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدى } ( ص : 75 ) وتارة بإثبات الأيدي . قال تعالى : { أولم يروا أنا ~~خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } ( يس : 71 ) . # إذا عرفت هذا فنقول اختلفت الأمة في تفسير يد الله تعالى ، فقالت المجسمة ~~: إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : { لهم ~~أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ءاذان يسمعون بها قل ادعوا ~~شركاءكم ثم كيدون } ( الأعراف : 195 ) وجه الاستدلال أنه تعالى قدح في ~~إلهية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء ، فلو لم تحصل لله هذه ~~الأعضاء لزم القدح في كونه إلها ، ولما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له ~~قالوا وأيضا اسم اليد موضوع لهذا العضو ، فحمله على شيء آخر ترك للغة ، ~~وإنه لا يجوز . # واعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم ، ~~والدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة والسكون ، وهما محدثان ، وما لا ~~ينفك عن المحدث فهو محدث / ولأن كل جسم فهو متناه في المقدار ، وكل ما كان ~~متناهيا في المقدار فهو محدث ، ولأن كل جسم فهو مؤلف من الأجزاء ، وكل ما ~~كان كذلك كان قابلا للتركيب والانحلال ، وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما ~~يركبه ويؤلفه ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع ~~كونه تعالى جسما ، فيمتنع أن تكون يده عضوا جسمانيا . PageV12P036 # وأما جمهور الموحدين فلهم في لفظ اليد قولان : الأول : قول من يقول : ~~القرآن لما دل على إثباب اليد لله تعالى آمنا به ، والعقل لما دل على أنه ~~يمتنع أن تكون يد ms3359 الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والأبعاض ~~آمنا به ، فأما أن اليد ما هي وما حقيقتها فقد فوضنا معرفتها إلى الله ~~تعالى ، وهذا هو طريقة السلف . # وأما المتكلمون فقالوا : اليد تذكر في اللغة على وجوه : أحدها : الجارحة ~~وهو معلوم ، وثانيها : النعمة ، قوله : لفلان عندي يد أشكره عليها ، ~~وثالثها : القوة قال تعالى { أولى الايدى والابصار } ( ص: 45 ) فسروه بذوي ~~القوى والعقول ، وحكى سيبويه أنهم قالوا : لا يد لك بهذا ، والمعنى سلب ~~كمال القدرة ورابعها : الملك ، يقال : هذه الضيعة في يد فلان ، أي في ملكه ~~. قال تعالى : { الذى بيده عقدة النكاح } ( البقرة : 237 ) أي يملك ذلك ، ~~وخامسها : شدة العناية والاختصاص . قال تعالى : { لما خلقت بيدى } ( ص: 75 ~~) والمراد تخصيص آدم عليه السلام بهذا التشريف ، فإنه تعالى هو الخالق ~~لجميع المخلوقات . ويقال : يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمن له شيئا . # إذا عرفت هذا فنقول : اليد في حق الله يمتنع أن تكون بمعنى الجارحة ، ~~وأما سائر المعاني فكلها حاصلة . وههنا قول آخر ، وهو أن أبا الحسن الأشعري ~~رحمه الله زعم في بعض أقواله أن اليد صفة قائمة بذات الله تعالى ، وهي صفة ~~سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء قال : والذي يدل عليه أنه ~~تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه علة لكرامة آدم واصطفائه ، فلو كانت اليد ~~عبارة عن القدرة لامتنع كونه علة للاصطفاء ، لأن ذلك حاصل في جميع ~~المخلوقات ، فلا بد من إثبات صفة أخرى وراء القدرة يقع بها الخلق والتكوين ~~على سبيل الاصطفاء ، وأكثر العلماء زعموا أن اليد في حق الله تعالى عبارة ~~عن القدرة وعن النعمة . # فإن قيل : إن فسرتم اليد في حق الله تعالى بالقدرة فهذا مشكل ؛ لأن قدرة ~~الله تعالى واحدة ونص القرآن ناطق بإثبات اليدين تارة ، وبإثبات الأيدي ~~أخرى ، وإن فسرتموها بالنعمة فنص القرآن ناطق بإثبات اليدين ، ونعم الله ~~غير محدودة كما قال تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( إبراهيم : ~~34 ) ( النحل : 18 ) . # والجواب : إن اخترنا تفسير اليد بالقدرة كان الجواب عن الاشكال ms3360 المذكور ~~أن القوم جعلوا قولهم { يد الله مغلولة } كناية عن البخل ، فأجيبوا على وفق ~~كلامهم ، فقيل { بل يداه مبسوطتان } أي ليس الأمر على ما وصفتموه به من ~~البخل ، بل هو جواد على سبيل الكمال . فإن من أعطى بيده أعطى على أكمل ~~الوجوه ، وأما إن اخترنا تفسير اليد بالنعمة كان الجواب عن الاشكال المذكور ~~من وجهين : الأول : أنه نسبة بحسب الجنس ، ثم يدخل تحت كل واحد من الجنسين ~~أنواع لا نهاية لها ، فقيل : نعمتاه نعمة الدين ونعمة الدينا ، أو نعمة ~~الظاهر ونعمة الباطن ، أو نعمة النفع ونعمة الدفع ، أو نعمة الشدة ونعمة ~~الرخاء . الثاني : أن المراد بالنسبة المبالغة في وصف النعمة ، ألا ترى أن ~~قولهم ( لبيك ) معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة ، وكذلك ( سعديك ) معناه ~~مساعدة بعد مساعدة ، وليس المراد منه طاعتين ولا مساعدتين . فكذلك الآية : ~~المعنى فيها أن النعمة متظاهرة متتابعة ليست كما ادعى من أنها مقبوضة ~~ممتنعة . # ثم قال تعالى : { ينفق كيف يشاء } أي يرزق ويخلق كيف يشاء ، إن شاء قتر ، ~~وإن شاء وسع . وقال { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الارض ولاكن ينزل ~~بقدر ما يشاء } ( الشورى : 27 ) وقال { يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } ( ~~الرعد : 26 ) PageV12P037 وقال } قل اللهم مالك الملك } إلى قوله { * } قل ~~اللهم مالك الملك } إلى قوله { * } إلى قوله { وتعز من تشاء وتذل من تشاء ~~بيدك الخير } ( آل عمران : 26 ) . # واعلم أن هذه الآية رد على المعتزلة ، وذلك لأنهم قالوا : يجب على الله ~~تعالى إعطاء الثواب للمطيع ، ويجب عليه أن لا يعاقبه ، ويجب عليه أن لا ~~يدخل العاصي الجنة ، ويجب عليه عند بعضهم أن يعاقبه ، فهذا المنع والحجر ~~والقيد يجري مجرى الغل ، فهم في الحقيقة قائلون بأن يد الله مغلولة وأما ~~أهل السنة فهم القائلون بأن الملك ملكه ، وليس لأحد عليه استحقاق ، ولا ~~لأحد عليه اعتراض كما قال { قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم وأمه ومن فى الارض جميعا } ( المائدة : 17 ) فقوله سبحانه ~~: } بل يداه مبسوطتان ينفق كيف ms3361 يشاء } لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة ، ~~والحمد لله على الدين القويم والصراط المستقيم . # ثم قال تعالى : { * } بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } لا يستقيم إلا ~~على المذهب والمقالة ، والحمد لله على الدين القويم والصراط المستقيم . # ثم قال تعالى : { * } لا يستقيم إلا على المذهب والمقالة ، والحمد لله ~~على الدين القويم والصراط المستقيم . # ثم قال تعالى : { وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } ~~وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المراد بالكثير علماء اليهود ، يعني ازدادوا عند نزول ~~ما أنزل إليك من ربك من القرآن والحجج شدة في الكفر وغلوا في الانكار ، كما ~~يقال : ما زادتك موعظتي إلا شرا . وقيل : إقامتهم على الكفر زيادة منهم في ~~الكفر . # المسألة الثانية : قال أصحابنا : دلت الآية على أنه تعالى لا يراعي مصالح ~~الدين والدنيا لأنه تعالى لما علم أنهم يزدادون عند إنزال تلك الآيات كفرا ~~وضلالا ، فلو كانت أفعاله معللة برعاية المصالح للعباد لامتنع عليه إنزال ~~تلك الآيات ، فلما أنزلها علمنا أنه تعالى لا يراعي مصالح العباد ، ونظيره ~~قوله { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) . # فإن قالوا : علم الله تعالى من حالهم أنهم سواء أنزلها أو لم ينزلها ~~فإنهم يأتون بتلك الزيادة من الكفر ، فلهذا حسن منه تعالى إنزالها . # قلنا : فعلى هذا التقدير لم يكن ذلك الازدياد لأجل إنزال تلك الآيات ، ~~وهذا يقتضي أن تكون إضافة ازدياد اكفر إلى إنزال تلك الآيات باطلا ، وذلك ~~تكذيب لنص القرآن . # ثم قال تعالى : { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } . # واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بين أنهم إنما ينكرون ~~نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها لأجل الحسد ولأجل حب الجاه والتبع والمال ~~والسيادة . # ثم إنه تعالى بين أنهم لما رجحوا الدنيا على الآخرة لا جرم أن الله تعالى ~~كما حرمهم سعادة الدين ، فكذلك حرمهم سعادة الدينا ، لأن كل فريق منهم بقي ~~مصرا على مذهبه ومقالته ، يبالغ في نصرته ويطعن في كل ما سواه من المذاهب ~~والمقالات تعظيما لنفسه وترويجا لمذهبه ، فصار ذلك ms3362 سببا لوقوع الخصومة ~~الشديدة بين فرقهم وطوائفهم ، وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضا ~~ويغزو بعضهم بعضا ، وفي قوله { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء } قولان : ~~الأول : المراد منه ما بين اليهود والنصارى من العداوة لأنه جرى ذكرهم في ~~قوله { لا تتخذوا اليهود والنصارى } ( المائدة : 51 ) وهو قول الحسن ومجاهد ~~. الثاني : أن المراد وقوع العداوة PageV12P038 بين فرق اليهود ، فإن بعضهم ~~جبرية ، وبعضهم قدرية ، وبعضهم موحدة ، وبعضهم مشبهة ، وكذلك بين فرق ~~النصارى : كالملكانية والنسطورية واليعقوبية . # فإن قيل : فهذا المعنى حاصل بتمامه بين فرق المسلمين ، فكيف يمكن جعله ~~عيبا على اليهود والنصارى ؟ # قلنا : هذه البدع إنما حدثت بعد عصر الصحابة والتابعين ، أما في ذلك ~~الزمان فلم يك شيء من ذلك حاصلا ، فلا جرم حسن من الرسول ومن أصحابه جعل ~~ذلك عيبا على اليهود والنصارى . # ثم قال تعالى : { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله } . # وهذا شرح نوع آخر من أنواع المحن عن اليهود ، وهو أنهم كلما هموا بأمر من ~~الأمور رجعوا خائبين خاسرين مقهورين ملعونين كما قال تعالى : { ضربت عليهم ~~الذلة * أينما ثقفوا } ( آل عمران : 112 ) قال قتادة : لا تلقى اليهود ~~ببلدة إلا وجدتم من أذل الناس . # ثم قال تعالى : { ويسعون فى الارض فسادا } أي ليس يحصل في أمرهم قوة من ~~العزة والمنعة ، إلا أنهم يسعون في الأرض فسادا ، وذلك بأن يخدعوا ضعيفا ، ~~ويستخرجوا نوعا من المكر والكيد على سبيل الخفية . وقيل : إنهم لما خالفوا ~~حكم التوراة سلط عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي ، ثم ~~أفسدوا فسلط عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين . # ثم قال تعالى : { والله * لا يحب المفسدين } وذلك يدل على أن الساعي في ~~الأرض بالفساد ممقوت عند الله تعالى ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولو أن أهل الكتاب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولا ~~دخلناهم جنات النعيم } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 65 ) ولو أن أهل . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما بالغ في ذمهم وفي تهجين طريقتهم بين أنهم لو ~~آمنوا واتقوا لوجدوا سعادات الآخرة والدنيا ، أما سعادات الآخرة فهي محصورة ~~في نوعين ms3363 : أحدهما : رفع العقاب ، والثاني : إيصال الثواب ، أما رفع العقاب ~~فهو المراد بقوله { لكفرنا عنهم } وأما إيصال الثواب فهو المراد بقوله { ~~سيئاتهم ولادخلناهم جنات النعيم } . # فإن قيل : الإيمان وحده سبب مستقل باقتضاء تكفير السيآت وإعطاء الحسنات ، ~~فلم ضم إليه شرط التقوى ؟ PageV12P039 # قلنا : المراد كونه آتيا بالإيمان لغرض التقوى والطاعة ، لا لغرض آخر من ~~الأغراض العاجلة مثل ما يفعله المنافقون ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم لاكلوا ~~من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما يعملون } . > 7 ~~! # < < # | المائدة : ( 66 ) ولو أنهم أقاموا . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنهم لو آمنوا لفازوا ~~بسعادات الآخرة ، بين في هذه الآية أيضا أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات ~~الدنيا ووجدوا طيباتها وخيراتها ، وفي إقامة التوراة والإنجيل ثلاثة أوجه : ~~أحدها : أن يعملوا بما فيها من الوفاء بعهود الله فيها ، ومن الاقرار ~~باشتمالها في الدلائل الدالة على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، وثانيها : ~~إقامة التوراة إقامة أحكامها وحدودها كما يقال : أقام الصلاة إذا قام ~~بحقوقها ، ولا يقال لمن لم يوف بشرائطها : أنه أقامها . وثالثها : أقاموها ~~نصب أعينهم لئلا يزلوا في شيء من حدودها ، وهذه الوجوه كلها حسنة لكن الأول ~~أحسن . # وأما قوله تعالى : { وما أنزل إليهم } ففيه قولان : الأول : أنه القرآن ، ~~والثاني : أنه كتب سائر الأنبياء : مثل كتاب شعياء ومثل كتاب حيقوق ، وكتاب ~~دانيال ، فإن هذه الكتب مملوءة من البشارة بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام ~~. # وأما قوله تعالى : { لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } فاعلم أن اليهود ~~لما أصروا على تكذيب محمد عليه الصلاة والسلام أصابهم القحط والشدة ، ~~وبلغوا إلى حيث قالوا : { يد الله مغلولة } فالله تعالى بين أنهم لو تركوا ~~ذلك الكفر لانقلب الأمر وحصل الخصب والسعة ، وفي قوله { لاكلوا من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم } وجوه : الأول : أن المراد منه المبالفة في شرح السعة ~~والخصب ، لا أن هناك فوقا وتحتا ، والمعنى لأكلوا أكلا متصلا كثيرا ، وهو ~~كما تقول : فلان في الخير من ms3364 فرقه إلى قدمه ، تريد تكاثف الخير وكثرته عنده ~~. الثاني : أن الأكل من فوق نزول القطر ، ومن تحت الأرجل حصول النبات ، كما ~~قال تعالى في سورة الأعراف { ولو أن أهل القرىءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم ~~بركات من السماء والارض } ( الأعراف : 96 ) الثالث : الأكل من فوق كثرة ~~الأشجار المثمرة ، ومن تحت الأرجل الزروع المغلة ، والرابع : المراد أن ~~يرزقهم الجنان اليانعة الثمار ، فيجتنون ما تهدل من رؤوس الشجر ، ويلتقطون ~~ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم ، والخامس : يشبه أن يكون هذا إشارة إلى ~~ما جرى على اليهود من بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم ~~وإجلائهم عن أوطانهم . # ثم قال تعالى : { منهم أمة مقتصدة } معنى الاقتصاد في اللغة الاعتدال في ~~العمل من غير غلو ولا تقصير ، وأصله القصد ، وذلك لأن من عرف مطلوبه فإنه ~~يكون قاصدا له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب ، أما من لم ~~يعرف موضع مقصوده فإنه يكون متحيرا ، تارة يذهب يمينا وأخرى يسارا ، فلهذا ~~السبب جعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ، ثم في هذه الأمة ~~المقتصدة قولان : أحدهما : أن المراد منها الذين آمنوا من أهل الكتاب : ~~كعبدالله بن سلام من اليهود ، والنجاشي من النصارى ، فهم على القصد من ~~دينهم ، وعلى المنهج المستقيم منه ، ولم يميلوا إلى طرفي الافراط والتفريط ~~. والثاني : المراد منها الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولا في دينهم ~~، ولا يكون فيهم عناد PageV12P040 شديد ولا غلظة كاملة ، كما قال { ومن أهل ~~الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } ( آل عمران : 75 ) . # ثم قال تعالى : { وكثير منهم ساء ما يعملون } وفيه معنى التعجب كأنه قيل ~~: وكثير منهم ما أسوأ عملهم ، والمراد : منهم الأجلاف المذمومون المبغضون ~~الذين لا يؤثر فيهم الدليل ولا ينجع فيهم القول . # ! 7 < { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدى القوم الكافرين } . > 7 @QB@ ~~< # | المائدة : ( 67 ) يا أيها الرسول . . . . . # > > # قوله تعالى : { يعملون ياأيها الرسول بلغ ما أنزل ms3365 إليك من ربك } أمر ~~الرسول بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة الفاسقين ولا يخشى مكروههم ~~فقال { بلغ } أي واصبر على تبليغ ما أنزلته إليك من كشف أسرارهم وفضائح ~~أفعالهم ، فإن الله يعصمك من كيدهم ويصونك من مكرهم . وروى الحسن عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعا وعرفت أن ~~الناس يكذبوني واليهود والنصارى وقريش يخوفوني ، فلما أنزل الله هذه الآية ~~زال الخوف بالكلية ) وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أيام إقامته ~~بمكة يجاهر ببعض القرآن ويخفي بعضه إشفاقا على نفسه من تسرع المشركين إليه ~~وإلى أصحابه ، فلما أعز الله الإسلام وأيده بالمؤمنين قال له : { يعملون ~~ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } أي لا تراقبن أحدا ، ولا تترك ~~شيئا مما أنزل إليك خوفا من أن ينالك مكروه . # ثم قال تعالى : { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع { * رسالاته } في هذه الآية وفي الأنعام { حيث ~~يجعل } ( الأنعام : 124 ) على الجمع ، وفي الأعراف { الناس برسالاتي } ( ~~الأتراف : 144 ) على الواحد ، وقرأ حفص عن عاصم على الضد ، ففي المائدة ~~والأنعام على الواحد ، وفي الأعراف على الجمع ، وقرأ ابن كثير في الجميع ~~على الواحد ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم كله على الجمع . # حجة من جمع أن الرسل يبعثون بضروب من الرسالات وأحكام مختلفة في الشريعة ~~، وكل آية أنزلها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم فهي رسالة ، ~~فحسن لفظ الجمع ، وأما من أفرد فقال : القرآن كله رسالة واحدة ، وأيضا فإن ~~لفظ الواحد قد يدل على الكثرة وإن لم يجمع كقوله { وادعوا ثبورا كثيرا } ( ~~الفرقان : 14 ) فوقع الاسم الواحد على الجمع ، وكذا ههنا لفظ الرسالة وإن ~~كان واحدا إلا أن المراد هو الجمع . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إن قوله { وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته } معناه فإن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته ، فأي فائدة في هذا ~~الكلام ؟ # أجاب جمهور المفسرين بأن المراد : أنك ءن لم تلغ ms3366 واحدا منها كنت كمن لم ~~يبلغ شيئا منها ، وهذا الجواب عندي ضعيف ، لأن من أتى بالبعض وترك البعض لو ~~قيل : إنه ترك الكل لكان كذبا ولو قيل أيضا : إن مقدار الجرم في ترك البعض ~~مثل مقدار الجرم في ترك الكل فهو أيضا محال ممتنع ، فسقط هذا الجواب . ~~PageV12P041 # والأصح عندي أن يقال : إن هذا خرج على قانون قوله : # أنا أبو النجم وشعري شعري # ومعناه أن شعري قد بلغ في الكمال والفصاحة إلى حيث متى قيل فيه : إنه ~~شعري فقد انتهى مدحه إلى الغاية التي لا يمكن أن يزاد عليها ، فهذا الكلام ~~يفيد المبالغة التامة من هذا الوجه ، فكذا ههنا : فإن لم تبلغ تنبيها على ~~غاية التهديد والوعيد والله أعلم . # المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوها : الأول : أنها ~~نزلت في قصة الرجم والقصاص على ما تقدم في قصة اليهود . الثاني : نزلت في ~~عيب اليهود واستهزائهم بالدين والنيبي سكت عنهم ، فنزلت هذه الآية . الثالث ~~: لما نزلت آية التخيير ، وهو قوله { قديرا ياأيها النبى قل لازواجك } ( ~~الأحزاب : 28 ) فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدينا فنزلت . الرابع : ~~نزلت في أمر زيد وزينب بنت جحش . قالت عائشة رضي الله عنها : من زعم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد أعظم الفرية على الله ~~، والله تعالى يقول : { يعملون ياأيها الرسول بلغ } ولو كتم رسول الله شيئا ~~من الوحي لكتم قوله { وتخفى فى نفسك ما الله مبديه } ( الأحزاب : 37 ) ~~الخامس : نزلت في الجهاد ، فإن المنافقين كانوا يكرهونه ، فكان يمسك أحيانا ~~عن حثهم على الجهاد . السادس : لما نزل قوله تعالى : { ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } ( الأنعام : 108 ) سكت ~~الرسول عن عيب آلهتهم فنزلت الآية وقال { بلغ } يعني معايب آلهتهم ولا ~~تخفها عنهم ، والله يعصمك منهم . السابع : نزلت في حقوق المسلمين ، وذلك ~~لأنه قال في حجة الوداع لما بين الشرائع والمناسك ( هل بلغت ) قالوا نعم ، ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( اللهم فاشهد ) الثامن : روي أنه ms3367 صلى الله عليه ~~وسلم نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه عليها ، فأتاه أعرابي وهو نائم ~~فأخذ سيفه واخترطه وقال : يا محمد من يمنعك مني ؟ فقال ( الله ) فرعدت يد ~~الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ، فأنزل ~~الله هذه الآية وبين أنه يعصمه من الناس . التاسع : كان يهاب قريشا واليهود ~~والنصارى ، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بهذه الآية . العاشر : نزلت ~~الآية في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام ، ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده ~~وقال : ( من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ) ~~فلقيه عمر رضي الله عنه فقال : هنيئا لك يا ابن طالب أصبحت مولاي ومولى كل ~~مؤمن ومؤمنة ، وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي . # واعلم أن هذه الروايات وإن كثرت إلا أن الأولى حمله على أنه تعالى آمنه ~~من مكر اليهود والنصارى ، وأمره بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم ، ~~وذلك لأن ما قبل هذه الآية بكثير وما بعدها بكثير لما كان كلاما مع اليهود ~~والنصارى امتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين على وجه تكون أجنبية عما ~~قبلها وما بعدها . # المسألة الرابعة : في قوله { والله يعصمك من الناس } سؤال ، وهو أنه كيف ~~يجمع بين ذلك وبين ما روي أنه عليه الصلاة والسلام شج وجهه يوم أحد وكسرت ~~رباعيته ؟ # والجواب من وجيهن : أحدهما : أن المراد بعصمه من القتل ، وفين التنبيه ~~على أنه يجب عليه أن PageV12P042 يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء ، ~~فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلاما وثانيها : أنها نزلت بعد يوم ~~أحد . # وأعلم أن المراد من { الناس } ههنا الكفار ، بدليل قوله تعالى : { إن ~~الله لا يهدى القوم الكافرين } # ومعناه أنه تعالى لا يمكنهم مما يريدون ، وعن أنس رضي الله عنه : كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرسه سعد وحذيفة حتى نزلت هذه الآية ، فأخرج ~~رأسه من قبة أدم وقال : ( انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس ms3368 ) ~~. # ! 7 < { قل يأهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ ~~أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ~~فلا تأس على القوم الكافرين } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 68 ) قل يا أهل . . . . . # > > وأعلم أنه تعالى لما أمره بالتبليغ سواء طاب للسامع أو ثقل عليه أمر ~~بأن يقول لأهل الكتاب هذا الكلام وإن كان مما يشق عليهم جدا فقال { قل ~~ياأهل * أهل الكتاب } من اليهود والنصارى { لستم على شىء } من الدين ولا في ~~أيديكم شيء من الحق والصواب ، كما تقول : هذا ليس بشيء إذا أردت تحقيره ~~وتصغير شأنه . # وقوله : { حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن ~~كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } # وهذا مذكور فيما قبل ، والتكرير للتأكيد . # ثم قال تعالى : { فلا تأس على القوم الكافرين } وفيه وجهان : الأول : لا ~~تأسف عليهم بسبب زيادة طغيانهم وكفرهم ، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك ~~ولا إلى المؤمنين . الثاني : لا تتأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم ، ~~فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك ، روى ابن عباس أنه جاء جماعة من اليهود ~~وقالوا : يا محمد ألست تقر أن التوراة حق من الله تعالى ؟ قال بلى ، قالوا ~~: فإنا مؤمنون بها ولا نؤمن بغيرها ، فنزلت هذه الآية . # ! 7 < { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من ءامن بالله ~~واليوم الا خر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 69 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة ، وبقي ههنا مسائل : ~~PageV12P043 # المسألة الأولى : ظاهر الأعراب يقتضي أن يقال : والصائبين ، وهكذا قرأ ~~أبي بن كعب وابن مسعود وابن كثير ، وللنحويين في علة القراءة المشهورة وجوه ~~: الأول : وهو مذهب الخليل وسيبويه ارتفع الصائبون بالابتداء علي نية ~~التأخير ، كأنه قيل : إن الذين رمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والصائبون كذلك ، ~~فحذف خبره ، والفائدة في عدم عطفهم على من قبلهم هو أن الصائبين أشد الفرق ms3369 ~~المذكورين في هذه الآية ضلالا ، فكأنه قيل : كل هؤلاء الفرق إن آمنوا ~~بالعمل الصالح قبل الله توبتهم وأنزل ذنبهم ، حتى الصائبون فإنهم إن آمنوا ~~كانوا أيضا كذلك . # الوجه الثاني : وهو قول الفراء أن كلمة { ءان } ضعيفة في العمل ههنا ، ~~وبيانه من وحوه : الأول : أن كلمة { ءان } إنما تعمل كلونها مشابهة للفعل ، ~~ومعلوم أن المشابهة بين الفعل وبين الحرف ضعيفة . الثاني : أنها وإن كانت ~~تعمل لكن إنما تعلم في اللاسم فقط ، أما الخبر فإنه بقي مرفوعا بكونه خبر ~~المبتدأ ، وليس لهذا الحرف في رفع الخبر تأثير ، وهذا مذهب الكوفيين ، وقد ~~بيناه بلادليل في سورة البقرة في تفسير قوله { إن الذين كفروا سواء عليهم ~~ءأنذرتهم } ( البقرة : 6 ) الثالث : أنها ءنما يظهر أثرها في بعض الأسماء ، ~~أما الأسماء التي لا يتغير حالها عند اختلاف العوامل فلا يظهر أثر هذا ~~الحرف فيها ، والأمر ههنا كذلك ، لأن الاسم ههنا هو قوله { الذين } وهذه ~~الكلمة لا يظهر فيها أثر الرفع والنصب والخفض . # إذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا كان اسم { ءان } بحيث لا يظهر فيه أثر ~~الإعراب ، فالذي يعطف عليه يجوز النصب على إعمال هذا الحرف ، والرفع على ~~إسقاط عمله ، فلا يجوز أن يقال : إن زيدا وعمرو قائمان لأن زيدا ظهر فيه ~~أثر الإعراب ، لكن إنما يجوز أن يقال : إن هؤلاء وإخوتك يكرموننا ، وإن هذا ~~نفسه شجاع ، وإن قطام وهند عندنا ، والسبب في جواز ذلك أن كلمة { ءان } ~~كانت في الأصل ضعيفة العمل ، وإذا صارت بحيث لا يظهر لها أثر في اسمها صارت ~~في غاية الضعف ، فجاز الرفع بمقتضى الحكم الثابت قبل دخول هذا الحرف عليه ، ~~وهو كونه مبتدأ ، فهذا تقرير قول الفراء ، وهو مذهب حسن وأولى من مذهب ~~البصريين ، لأن الذي قالواه يقتضي أن كلام الله على الترتيب الذي ورد عليه ~~ليس بصحيح ، وإنما تحصل الصحة عند تفكيل هذا النظم ، وأما على قول الفراء ~~فلا حاجة إليه ، فكان ذلك أولى . # المسألة الثانية : قال بعض النحويين : لا شك أن كلمة ( إن ) من العوامل ~~الداخلة على المبتدأ ms3370 والخبر ، وكون المبتدأ مبتدأ والخبر خبرا وصف حقيقي ~~ثابت حال دخول هذا الحرف وقبله ، وكونه مبتدأ يقتضي الرفع . # إذا ثبت هذا فنقول : المعطوف على اسم ( إن ) يجوز انتصابه بناء على إعمال ~~هذا الحرف ، ويجوز ارتفاعه أيضا لكونه في الحقيقة مبتدأ محدث عنه ومخبرا ~~عنه . # طعن صاحب ( الكشاف ) فيه وقال : إنما يجوز ارتفاعه على العطف على محل ( ~~إن واسمها ) بعد ذكر الخبر ، وتقول : إن زيدا منطلق وعمرا وعمرون بالنصب ~~على اللفظ ، والرفع على موضع ( إن ) واسمها ، لأن الخبر قد تقدم ، وأما قبل ~~ذلك الخبر فهو غير جائز ، لأنا لو رفعناه على محل ( إن واسمها ) لكان ~~العامل في خبرهما هو المبتدأ ، ولو كان كذلك لكان العامل في خبرهما هو ~~الابتداء / لأن الابتداء هو المؤثر في المبتدأ والخبر معا ، وحينئذ يلزم ~~الخبر المتأخر أن يكون مرفوعا بحرف ( إن ) وبمعنى الاتبداء فيجتمع على ~~المرفوع PageV12P044 الواحد رافعان مختلفان ، وأنه محال . # وأعلم أن هذا الكلام ضعيف ، وبيانه من وجوه : الأول : أن هذه الأشياء ~~التي تسميها االنحويون : رافعة وناصبة ليس معناها أنها كذلك لذواتها أو ~~لأعيانها ، فإن هذا لا يقوله عاقل ، بل المراد أنها معرفات بحسب الوضع ~~والاصطلاح لهذه الحركات ، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد غير ~~محال ، ألا ترى أن جميع أجزاء المحدثات دالة على وجود الله تعالى . # والوجه الثاني : في ضعف هذا الجواب أنه بناه على أن كلمة ( أن ) مؤثرة في ~~نصب الإسم ورفع الخبر ، والكوفيون ينكرون ذلك ويقولن : لا تأثير لهذا الحرف ~~في رفع الخبر ألبتة ، وقد أحكمنا هذه المسألة في سورة البقرة . # والوجه الثالث : وهو أن الأشياء الكثيرة إذا عطف بعضها على البعض فالخبر ~~الواحد لا يكون خبرا عنها ، لأن الخبر عن الشيء عبارة عن تعريف حاله وبيان ~~صفته ، ومن المحال أن يكون حال الشيء وصفته عين حال الآخر وصفته ، لامتناع ~~قيام الصفة الواحدة بالذوات المختلفة . # وإذا ثبت هذا ظهر أن الخبر وإن كان في اللفظ واحدا إلا أنه في التقدير ~~متعدد ، وهو لا محالة موجود بحسب التقدير والنية ، وإذا حصل التعدد في ms3371 ~~الحقيقة لم يمتنع كون البعض مرتفعا بالحرف والبعض بالابتداء ، وبهذا ~~التقدير لم يلزم اجتماع الرافعين على مرفوع واحد . والذي يحقق ذلك أنه سلم ~~أن بعد ذكر الاسم وخبره جاز الرفع والنصب في المعطوف عليه ، ولا شك أن هذا ~~المعطوف إنما جاز ذلك فيه لأنا نضمر له خبرا ، وحكمنا بأن ذلك الخبر المضمر ~~مرتفع بالاتبداء . # وإذا ثبت هذا فنقول : إن قبل ذكر الخبر إذ عطفنا اسما على حكم صريح العقل ~~أنه لا بد من الحكم بتقدير الخبر ، وذلك إنما يحصل بإضمار الأخبار الكثيرة ~~، وعلى هذا التقدير يسقط ما ذكر من الالتزام والله أعلم . # المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بين أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم ~~يؤمنوا ، بين أن هذا الحكم عام في الكل ، وأنه لا يحصل لأحد فضيلة ولا ~~منقبة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ، وذلك لأن الإنسان له ~~قوتان : القوة النظرية ، والقوة العملية ، أما كمال القوة النظرية فليس إلا ~~بأن يعرف الحق ، وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير ، وأعظم ~~المعارف شرفا معرفة أشرف الموجودات وهو الله سبحانه وتعالى ، وكمال معرفته ~~إنما يحصل بكونه قادرا على الحشر والنشر ، فلا جرم كان أفضل المعارف هو ~~الإيمان بالله واليوم لآخر ، وأفضل الخيرات في الأعمال أمران : المواظبة ~~على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود ، والسعي في إيصال النفع إلى الخلق كما ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ) ثم ~~بين تعالى أن كل من أتى بهذا الإيمان وبهذا العمل فإنه يرد القيامة من غير ~~خوف ولا حزن . والفائدة في ذكرهما أن الخوف يتعلق بالمستقبل ، والحزن ~~بالماضي ، فقال { لا خوف عليهم } بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة { ولا ~~هم يحزنون } بسبب ما فاتهم من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أمورا أعظم أشرف ~~وأطيب مما كانت لهم حاصلة في الدنيا ، ومن كان كذلك فإنه لا يحزن طيبات ~~الدنيا . PageV12P045 # فإن قيل : كيف يمكن خلو المكلف الذي لا يكون معصوما عن أهوال القيامة ؟ # والجواب من وجيهن : الأول : أنه تعالى ms3372 شرط ذلك بالعمل الصالح ، ولا يكون ~~آتيا بالعمل الصالح إلا إذا كان تاركا لجميع المعاصي ، والثاني : أنه إن ~~حصل خوف فذلك عارض قليل لا يعتد به . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : أنه تعالى شرط عدم الخوف وعدم الحزن ~~بالإيمان والعمل الصالح / والمشروط بشيء عدم عند عدم الشرط ، فلزم أن من لم ~~يأت مع الإيمان بالعمل الصالح فإنه يحصل له الخوف والحزن ، وذلك يمنع من ~~العفو عن صاحب الكبيرة . # والجواب : أن صاحب الكبيرة لا يقطع بأن الله يعفو عنه لا محالة ، فكان ~~الخوف والحزن حاصلا قبل إظهار العفو . # المسألة الخامسة : أنه تعالى قال في أول الآية { إن الذين ءامنوا } ثم ~~قال في آخر الآية { من ءامن بالله } وفي هذا التكرير فائدتان ، الأولى : أن ~~المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون ، فالفائدة في هذا التكرير إخراجهم عن ~~وعد عدم الخوف وعدم الحزن . # الفائدة الثانية : أنه تعالى أطلق لفظ الإيمان ، والإيمان يدخل تحته ~~أقسام ، وأشرفها الإيمان بالله واليوم لآخر ، فكانت الفائدة في الإعادة ~~التنبيه على أن هذين القسمين أشرف أقسام الإيمان ، وقد ذكرنا وجوها كثيرة ~~في قوله { ذلك بأن الذين كفروا } وكلها صالحة لهذا الموضع . # المسألة السادسة : لراجع إلى اسم { ءان } محذوف ، والتقدير : من آمن منهم ~~، إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوما ، والله أعلم . # ! 7 < { لقد أخذنا ميثاق بنىإسراءيل وأرسلنآ إليهم رسلا كلما جآءهم رسول ~~بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 70 ) لقد أخذنا ميثاق . . . . . # > > أعلم أن المقصود بيان عتو بني إسرائيل وشدة تمردهم عن الوفاء بعهد ~~الله ، وهو متعلق بما افتتح الله به السورة ، وهو قوله { أوفوا بالعقود } ( ~~المائدة : 1 ) فقال { لقد أخذنا ميثاق بنى إسراءيل } يعني خلقنا الدلائل ~~وخلقنا العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال ، وأرسلنا إليهم رسلا بتعريف ~~الشرائع والأحكام . وقوله { كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم } ~~PageV12P046 جملة شرطية وقعت صفة لقوله { رسلا } والراجع محذوف ، والتقدير ~~: كلما جاءهم رسول منهم بما لا تهوى أنفسهم ، أي بما يخالف أهواءهم وما ~~يضاد شهواتهم من مشاق التكليف . # وههنا سؤالات : # الأول : أي جواب ms3373 الشرط ؟ فإن قوله { فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } لا يصلح ~~أن يكون جوابا لهذا الشرط ، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين . # والجواب : أن جواب الشرط محذوف ، وإنما جاز حدفه لأن الكلام المذكور دليل ~~عليه ، والتقدير : كلما جاءهم رسول ناصبوه ، ثم ءنه قيل : فكيف ناصبوه ؟ ~~فقيل : فريقا كذبوا وفريقا يقتلون . وقوله : الرسول الواحد لا يكون فريقين ~~. فنقول : إن قوله { كلما جاءهم رسول } يدل على كثرة الرسل ، فلا جرم جعلهم ~~فريقين . # السؤال الثاني : لم ذكر أحد الفعلين ماضيا ، والآخر مضارعا ؟ # والجواب : أنه تعالى بين أنهم كيف كانوا يكذبون عيسى وموسى في كل مقام ، ~~وكيف كانوا يتمردون على أوامره وتكاليفه ، وأنه عليه السلام إنما توفى في ~~التيه في قول بعضهم لشؤم تمردهم عن قبول قوله في مقاتلة الجبارين . # وأما القتل فهو ما اتفق لهم في حق زكريا ويحيى عليهما السلام ، وكانوا قد ~~قصدوا أيضا قتل عيسى وءن كان الله منعهم عن مرادهم وهم يزعمون أنهم قتلوه ، ~~فذكر التكذيب بلفظ الماضي هنا إشارة إلى معاملتهم مع موسى عليه السلام ، ~~لأنه قد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة ، وذكر القتل بلفظ المضارع إشارة ~~إلى معاملتهم مع زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام لكون ذلك الزمان قريبا ~~فكان كالحاضر . # السؤال الثالث : ما الفائدة في تقديم المفعول في قوله تعالى : { فريقا ~~كذبوا وفريقا يقتلون } . # والجواب : قد عرفت أن التقديم إنما يكون لشدة العناية ، فالتكذيب والقتل ~~وإن كانا منكرين إلا أن تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقتلهم أقبح ، ~~فكان التقديم لهذه الفائدة . # ! 7 < { وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا ~~وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 71 ) وحسبوا ألا تكون . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وحسبوا * أن لا * تكونن * فتنة } في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرون { أن لا * تكون فتنة } ~~برفع نون ( تكون ) والباقون بالنصب ، وذكر الواحدي لهذا تقريرا حسنا فقال : ~~الأفعال على ثلاثة أضرب : فعل يدل علي ثبات الشيء واستقراره PageV12P047 ~~نحو : العلم والتيقن والتبين ، فما كان مثل هذا يقع ms3374 بعده ( أن ) الثقيلة ~~ولم يقع بعده ( أن ) الخفيفة الناصبة للفعل ، وذلك لأن النثقيلة تدل على ~~ثبات الشيء ، واستقراره ، فإذا كان العلم يدل على الاستقرار والثبات و ( إن ~~) الثقيلة تفيد هذا المعنى حصلت بينهما موافقة ومجانسة ، ومثاله من القرآن ~~قوله تعالى : { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } ( النور : 25 ) { ألم ~~يعلموا أن * لله * هو يقبل التوبة عن عباده } ( التوبة : 104 ) { ألم يعلم ~~بأن الله يرى } ( العلق : 14 ) والباء زائدة . # والضرب الثاني : فعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار ، نحو : أطمع وأخاف ~~وأرجو ، فهذا لا يستعمل فيه إلا الخفيفة الناصبة للفعل ، قال تعالى : { ~~والذين * أطمع أن يغفر لى خطيئتى } ( الشعراء : 82 ) { تخافون أن يتخطفكم ~~الناس } ( الأنفال : 26 ) { فخشينا أن يرهقهما } ( الكهف : 80 ) . # والضرب الثالث : فعل يحذو مرة إلى هذا القبيل ومرة أخرى إلى ذلك القبيل ~~نحو : حسب وأخواتها ، فتارة تستعمل بمعنى أطمع وأرجو فيما لا يكون ثابتا ~~ومستقرا ، وتارة بمعنى العلم فيما يكو مستقرا . # إذا عرفت هذا فنقول : يمكن إجراء الحسبان ههنا بحيث يفيد الثبات ~~والاستقرار ، لأن القوم كانوا جازمين بأنهم لا يقعون بسبب ذلك التكذيب ~~والقتل في الفتنة والعذاب ، ويمكن إجراؤه بحيث لا يفيد هذا الثبات من حيث ~~إنهم كانوا يكذبون ويقتلون بسبب حفظ الجاه والتبع ، فكانوا بقلوبهم عارفين ~~بأن ذلك خطأ ومعصية ، وإذا كان اللفظ محتملا لكل واحد من هذين المعنيين لا ~~جرم ظهر الوجه صحة كل واحدة من هاتين القراءتين ، فمن رفع قوله { أن لا * ~~تكون } كان المعنى : أنه لا تكون ، ثم خففت المشددة وجعلت ( لا ) عوضا من ~~حدف الضمير ، فلو قلت : علمت أن يقول : بالرفع لم يحسن حتى تأتي بما يكون ~~عوضا من حذف الضمير : نحو السين وسوف وقد ، كقوله { علم إن } ( المزمل : 20 ~~) ووجه النصب ظاهر . # ثم قال الواحدي : وكلا الوجهين قد جاء به القرآن ، فمثل قراءة من نصب ~~وأوقع بعده الخفيفة قوله { الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن ~~يسبقونا } ( العنكبوت : 4 ) { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم } ( ~~الجاثية : 21 ) { الم * أحسب الناس أن يتركوا } ( العنكبوت ms3375 : 1 ، 2 ) ومثل ~~قراءة من رفع { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } ( الزخرف : 80 ) { ~~أيحسبون أنما نمدهم به } ( المؤمنون : 55 ) { أيحسب الإنسان ألن نجمع } ( ~~القيامة : 3 ) فهذه مخففة من الثقيلة لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها ( لن ~~) ومثل المذهبين في الظن قوله { تظن أن يفعل } ( القيامة : 25 ) { إن ظنا ~~أن يقيما } ( البقرة : 230 ) ومن الرفع قوله : { وأنا ظننا أن لن تقول ~~الإنس والجن } ( الجن : 5 ) { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا } ~~( الجن : 7 ) فأن ههنا الخفيفة من الشديدة كقوله { علم أن سيكون } ( المزمل ~~: 20 ) لأن ( أن ) الناصبة للفعل لا تجتمع مع لن ، لأن ( لن ) تفيد التأكيد ~~، و ( أن ) الناصبة تفيد عدم الثبات كما قررناه . # المسألة الثانية : أن باب حسب من الأفعال التي لا بد لها من مفعولين ، ~~إلا أن قوله { أن لا * تكون فتنة } جملة قامت مقام مفعولي حسب لأن معناه : ~~وحسبوا الفتنة غير نامزلة بهم . # المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في ( الفتنة ) وجوها ، وهي محصورة في ~~عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، ثم عذاب الدنيا أقسام : منها القحط ، ومنه ~~الوباء ، ومنها القتل ، ومنها العداوة ، ومنها البغضاء فيما بينهم ، ومنها ~~الادبار والنحوسة ، وكل ذلك قد وقع بهم ، وكل واحد من المفسرين حمل الفتنة ~~على واحد من هذه الوجوه . PageV12P048 # وأعلم أن حسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين : الأول : أنهم كانوا ~~يعتقدون أن النسخ ممتنع على شرع موسى عليه السلام ، وكانوا يعتقدون أن ~~الواجب عليهم في كل رسول جاء بشرع آخر أنه يجب عليهم تكذيبه وقتله ، ~~والثاني : أنهم وإن اعتقدوا في أنفسهم كونهم مخطئين في ذلك التكذيب والقتل ~~إلا أنهم كانوا يقولن : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وكانوا يعتقدون أن نبوة ~~أسلافهم وآبائهم تدفع عنهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب . # ثم قال تعالى : { فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم ~~والله بصير بما يعملون } . # فيه مسائل : # المسألة الأولى : الآية دالة على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق ~~حصل مرتين . # واختلف المفسرون في المراد بهاتين ms3376 على وجوه : الأول : المراد أنهم عموا ~~وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ، ثم تاب الله على بعضهم حيث ~~وفق بعضهم للإيمان به ، ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان ممحمد عليه الصلاة ~~والسلام فأن أنكرلوا نبوته ورسالته ، وإنما قال { كثير منهم } لأن أكثر ~~اليهود وإن أصروا على الكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام إلا أن جمعا منهم ~~آمنوا به : مثل عبد الله بن سلام وأصحابه . الثاني : عموا وصموا حين عبدوا ~~العجل ، ثم تابوا عنه فتاب الله عليهم ، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت ، ~~وهو طلبهم رؤية الله جهرة ونزول الملائكة : الثالث : قال القفال رحمه الله ~~تعالى : ذكر الله تعالى في سورة بني إسرائيل ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه ~~الآية فقال { وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب لتفسدن فى الارض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس ~~شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا * ثم رددنا لكم الكرة عليهم ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } ( الإسراء : 4 6 ) فهذا في ~~معنى { فعموا وصموا } ثم قال { فإذا جاء وعد الاخرة * ليسوءوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا } ( الإسراء : ~~7 ) فهذا في معنى قوله { ثم عموا وصموا كثير منهم } الرابع : أن قوله { ~~فعموا وصموا } إنما كان برسول أرسل إليهم مثل داود وسليمان وغيرهما فآمنوا ~~به فتاب الله عليهم ، ثم وقعت فترة فعموا وصموا مرة أخرى . # المسألة الثانية : قريء . { وصموا ثم } بالضم على تقدير : عماهم الله ~~وصمهم الله ، أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم ، كما تقول نزكته إذا ضربته ~~بالنزك ، وهو رمح قصير / وركبته إذا ضربته بركبتك . # المسألة الثالثة : في قوله { ثم عموا وصموا كثير منهم } وجوه : الأول : ~~على مذهب من يقول من العرب ( أكلوني البراغيث ) والثاني : أن يكون { كثير ~~منهم } بدلا عن الضمير في قوله { ثم عموا وصموا } والإبدال كثير في القرآن ~~قال تعالى : { الذى أحسن كل شىء خلقه } ( السجدة : 7 ) وقال : { ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه ms3377 سبيلا } ( آل عمران : 97 ) وهذا الإبدال ~~هاهنا في غاية الحسن ، لأنه لو قال : عموا وصموا لأوهم ذلك أن كلهم صاروا ~~كذلك ، فلما قال { كثير منهم } دل على أن ذلك حاصل للأكثر لا للكل . الثالث ~~: أن قوله { كثير منهم } خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هم كثير منهم . # المسألة الرابعة : لا شك أن المراد بهذا العمى والصمم الجهل والكفر ، ~~فنقول : إن فاعل هذا الجهل PageV12P049 هو الله تعالى أو العبد ، والأول : ~~يبطل قوله المعتزلة ، والثاني : باطل لأن الإنسان لا يختار البتة تحصيل ~~الجهل والكفر لنفسه . # فإن قالوا : إنما اختاروا ذلك لأنهم ظنوا أنه علم . # قلنا : حاصل هذا أنهم إنما اختاروا هذا الجهل لسبق جهل آخر ، إلا أن ~~الجهالات لا تتسلسل بل لا بد من انتهائها إلى الجهل الأول ، ولا يجوز أن ~~يكون فاعله هو العبد لما ذكرناه ، فوجب أن يكون فاعله هو الله تعالى . # ثم قال تعالى : { والله بصير بما يعملون } أي من قتل الأنبياء وتكذيب ~~الرسل ، والمقصود منه التهديد . # ! 7 < { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح ~~يابنىإسراءيل اعبدوا الله ربى وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 72 ) لقد كفر الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال ~~المسيح يابنى * بنى إسراءيل * اعبدوا الله ربى وربكم } . # اعلم أنه تعالى لما استقصى الكلام مع اليهود شرع هاهنا في الكلام مع ~~النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم ، وهذا ~~هو قول اليعقوبية لأنهم يقولون : إن مريم ولدت إلها ، ولعل معنى هذا المذهب ~~أنهم يقولون : إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى ، ثم حكلى ~~تعالى عن المسيح أنه قال . وهذا تنبيه على ما هو الحجة القاطعة على فساد ~~قول النصارى ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يفرق بين نفسه وبين غيره ~~في أن دلائل الحدوث ظاهرة عليه . # ثم قال تعالى : { إنه من يشرك بالله ms3378 فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه * ~~يعلمه وما للظالمين من أنصار } ومعناه ظاهر . واحتج أصحابنا على أن عقاب ~~الفساق لا يكون مخلدا ، قالوا : وذلك لأنه تعالى جعل أعظم أنواع الوعيد ~~والتهديد في حق المشركين هو أن الله حرم عليهم الجنة وجعل مأواهم النار ، ~~وأنه ليس لهم ناصر ينصرهم ولا شافع يشفع لهم ، فلو كان حال الفساق من ~~المؤمنين كذلك لما بقي لتهديد المشركين على شركهم بهذا الوعيد فائدة . # ! 7 < { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إلاه إلا إلاه ~~واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } . > 7 ~~@QB@ < # | المائدة : ( 73 ) لقد كفر الذين . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } وفيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : { ثلاثة } كسرت بالإضافة ، ولا يجوز نصبها لأن معناه : ~~واحد ثلاثة . أما إذا قلت : رابع ثلاثة فههنا يجوز الجر والنصب ، لأن معناه ~~الذي صير الثلاثة أربعة بكونه فيهم . PageV12P050 # المسألة الثانية : في تفسير قول النصارى { ثالث ثلاثة } طريقان : الأول : ~~قول بعض المفسرين ، وهو أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة ، ~~والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح { قلت للناس اتخذونى وأمى إلاهين من دون ~~الله قال } ( المائدة : 116 ) فقوله { ثالث ثلاثة } أي أحد ثلاثة آلهة ، أو ~~واحد من ثلاثة آلهة ، والدليل على أن المراد ذلك قوله تعالى في الرد عليهم ~~{ وما من إلاه إلا إلاه واحد } وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار ، إلا أنه ~~حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم ، قال الواحدي ولا يكفر من يقول : ~~إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة ، فإنه ما من شيئين إلا ~~والله ثالثهما بالعلم ، لقوله تعالى : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم } ( المجادلة : 7 ) . # والطريق الثاني : أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون : جوهر واحد ~~، ثلاثة أقانيم أب ، وابن ، وروح القدس ، وهذه الثلاثة إله واحد ، كما أن ~~الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة ، وعنوا بالأب الذات ms3379 ، وبالابن ~~الكلمة ، وبالروح الحياة ، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة ، وقالوا : إن ~~الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى عيسى اختلاط الماء بالخمر ، ~~واختلاط الماء باللبن ، وزعموا أن الأب إلهة ، والابن إله ، والروح إله ، ~~والكل إله واحد . # واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل ، فإن الثلاثة لا تكون واحدا ، ~~والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا ~~من مقالة النصارى . # ثم قال تعالى : { وما من إلاه إلا إلاه واحد } في { من } قولان : أحدهما ~~: أنها صلة زائدة والتقدير : وما إله إلا إله واحد ، والثاني : أنها تفيد ~~معنى الاستغراق ، والتقدير : وما في الوجود من هذه الحقيقة إلا فرد واحد . # ثم قال تعالى : { وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم } قال الزجاج : معناه : ليمسن الذين أقاموا على هذا الدين ؛ لأن كثيرا ~~منهم تابوا عن النصرانية . ثم قال تعالى : # ! 7 < { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 74 ) أفلا يتوبون إلى . . . . . # > > قال الفراء : هذا أمر في لفظ الاستفهام كقوله { فهل أنتم منتهون } ( ~~المائدة : 91 ) في آية تحريم الخمر . # ! 7 < { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ~~كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الا يات ثم انظر أنى يؤفكون } . > 7 ~~@QB@ < # | المائدة : ( 75 ) ما المسيح ابن . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة } أي ما هو إلا رسول من جنس الرسلل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من ~~الله كما أتوا بأمثالها ، فإن كان الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى ~~على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى وفلق على يد موسى ، وإن كان ~~PageV12P051 خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى { وأمه صديقة ~~} وفي فسير ذلك وجوه : أحدها : أنها صدقت بآيات ربها وبكل ما أخبر عنه ~~ولدها . قال تعالى في صفتها { وصدقت بكلمات ربها وكتبه } ( التحريم : 12 ) ~~وثانيها : أنه تعالى قال : { فأرسلنا إليها روحنا ms3380 فتمثل لها بشرا سويا } ( ~~مريم : 17 ) فلما كلمها جبريل وصدقته وقع عليها اسم الصديقة ، وثالثها : أن ~~المراد بكونها صديقة غاية بعدها عن المعاصي وشدة جدها واجتهادها في إقامة ~~مراسم العبودية ، فإن الكامل في هذه الصفة يسمى صديقا قال تعالى : { فأولئك ~~مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } ( النساء : 69 ) . # ثم قال تعالى : { كانا يأكلان الطعام } . # واعلم أن المقصود من ذلك : الاستدلال على فساد قول النصارى ، وبيانه من ~~وجوه : الأول : أن كل من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن ، وكل من كان ~~كذلك كان مخلوقا لا إلها ، والثاني : أنهما كانا محتاجين ، لأنهما كانا ~~محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة ، والإله هو الذي يكون غنيا عن جميع الأشياء ~~، فكيف يعقل أن يكون إلها . الثالث : قال بعضهم : إن قوله { كانا يأكلان ~~الطعام } كناية عن الحدث لأن من أكل الطعام فإنه لا بد وأن يحدث ، وهذا ~~عندي ضعيف من وجوه : الأول : أنه ليس كل من أكل أحدث ، فإن أهل الجنة ~~يأكلون ولا يحدثون . الثاني : أن الأكل عبارة عن الحاجة إلى الطعام ، وهذه ~~الحاجة من أقوى الدلائل على أنه ليس بإله ، فأي حاجة بنا إلى جعله كناية عن ~~شيء آخر . الثالث : أن الإله هو القادر على الخلق والايجاد ، فلو كان إلها ~~لقدر على دفع ألم الجوع عن نفسه بغير الطعام والشراب ، فما لم يقدر على دفع ~~الضرر عن نفسه كيف يعقل أن يكون إلها للعالمين ، وبالجملة ففساد قول ~~النصارى أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل . # ثم قال تعالى : { انظر كيف نبين لهم الايات ثم انظر أنى يؤفكون } يقال : ~~أفكه يأفكه إفكا إذا صرفه ، والإفك الكذب لأنه صرف عن الحق ، وكل مصروف عن ~~الشيء مأفوك عنه ، وقد أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر ، ومعنى قوله { أنى ~~يؤفكون } أنى يصرفون عن الحق ، قال أصحابنا : الآية دلت على أنهم مصروفون ~~عن تأمل الحق ، والإنسان يمتنع أن يصرف نفسه عن الحق والصدق إلى الباطل ~~والجهل والكذب ، لأن العاقل لا يختار لنفسه ذلك ، فعلمنا أن الله ms3381 سبحانه ~~وتعالى هو الذي صرفهم عن ذلك . ثم قال تعالى : # ! 7 < { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو ~~السميع العليم } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 76 ) قل أتعبدون من . . . . . # > > # وهذاا دليل آخر على فساد قول النصارى ، وهو يحتمل أنواعا من الحجة : أن ~~اليهود كانوا يعادونه ويقصدونه بالسوء ، فما قدر على الاضرار بهم ، وكان ~~أنصاره وصحابته يحبونه فما قدر على إيصال نفع من منافع الدنيا إليهم ، ~~والعاجز عن الاضرار والنفع كيف يعقل أن يكون إلها . الثاني : أن مذهب ~~النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ، ولما عطش وطلب الماء منهم صبوا ~~الخل في منخريه ، ومن كان في الضعف هكذا كيف يعقل أن يكون إلها . الثالث : ~~أن إله العالم يجب أن يكون غنيا عن كل ما سواه ، ويكون كل ما سواه محتاجا ~~إليه ، فلو كان عيسى كذلك لامتنع كونه مشغولا بعبادة الله تعالى ، لأن ~~الإله لا يعبد شيئا ، إنما العبد هو الذي يبعد الإله ، ولما عرف بالتواتر ~~كونه كان مواظبا على الطاعات والعبادات علمنا أنه إنما كان يفعلها لكونه ~~محتاجا في تحصيل المنافع ودفع المضار إلى غيره ، ومن كان كذلك كيف يقدر على ~~إيصال المنافع إلى العباد ودفع المضار PageV12P052 عنهم ، وإذا كان كذلك ~~كان عبدا كسائر العبيد ، وهذا هو عين الدليل الذي حكاه الله تعالى عن ~~إبراهيم علليه السلام حيث قال لأبيه { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) . # ثم قال تعالى : { والله هو السميع العليم } والمراد منه التهديد يعني ~~سميع بكفرهم عليم بضمائرهم . # ! 7 < { قل يأهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهوآء قوم ~~قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 77 ) قل يا أهل . . . . . # > > # قوله تعالى : { قل ياأهل * أهل الكتاب * لا تغلوا فى دينكم غير الحق } . # اعلم أنه تعالى لما تكلم أولا على أباطيل النصارى وأقام الدليل القاهر ~~على بطلانها وفسادها ، فعند ذلك خاطب مجموع الفريقين بهذا الخطاب فقال { قل ~~ياأهل الكتاب لا ms3382 تغلوا فى دينكم غير الحق } والغلو نقيض التقصير . ومعناه ~~الخروج عن الحد ، وذلك لأن الحق بين طرفي الافراط والتفريط ، ودين الله بين ~~الغلو والتقصير . وقوله { غير الحق } صفة المصدر ، أي لا تغلوا في دينكم ~~غلوا غير الحق ، أي غلوا باطلا ، لأن الغلو في الدين نوعان : غلو حق ، وهو ~~أن يبالغ في تقريره وتأكيده ، وغلو باطل وهو أن يتكلف في تقرير الشبه ~~وإخفاء الدلائل ، وذلك الغلو هو أن اليهود لعنهم الله نسبوه إلى الزنا . ~~وإلى أنه كذاب ، والنصارى ادعوا فيه الإلهية . # ثم قال تعالى : { ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : الأهواء هاهنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون ~~الحجة . قال الشعبي : ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه . قال : { ~~بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } ( ص: 26 ) { واتبع هواه فتردى } ~~( طه : 16 ) { وما ينطق عن الهوى } ( النجم : 3 ) { أفرأيت من اتخذ إلاهه ~~هواه } ( الجاثية : 23 ) قال أبو عبيدة : لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع ~~الشر . لا يقال : فلان يهوى الخير ، إنما يقال : يريد الخير ويحبه . وقال ~~بعضهم : الهوى إله يعبد من دون الله . وقيل : سمي الهوى هوى لأنه يهوي ~~بصاحبه في النار ، وأنشد في ذم الهوى : # إن الهوى لهو الهوان بعينه # فإذا هويت فقد لقيت هوانا وقال رجل لابن عباس : الحمد لله الذي جعل هواي ~~على هواك ، فقال ابن عباس : كل هوى ضلالة . # المسألة الثانية : أنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال ، فبين أنهم ~~كانوا ضالين من قبل ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم ، ثم ذكر أنهم استمروا ~~على تلك الحالة حتى أنهم الآن ضالون كما كانوا ، ولا نجد حالة أقرب إلى ~~العبد من الله والقرب من عقاب الله تعالى من هذه الحالة . نعوذ بالله منها ~~، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ضلوا وأضلوا ، ثم ضلوا بسبب اعتقادهم في ذلك ~~الاضلال أنه إرشاد إلى الحق ، ويحتمل أن يكون المراد بالضلال الأول الضلال ~~عن الدين ، وبالضلال الثاني ms3383 الضلال عن طريق الجنة . # واعلم أنه تعالى لما خاطب أهل الكتاب بهذا الخطاب وصف أسلافهم فقال تعالى ~~: # PageV12P053 ! 7 < { لعن الذين كفروا من بنىإسراءيل على لسان داوود وعيسى ~~ابن مريم ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 78 ) لعن الذين كفروا . . . . . # > > # { لعن الذين كفروا من بنى إسراءيل على لسان * داوود * وعيسى ابن مريم } . # قال أكثر المفسرين : يعني أصحاب السبت ، وأصحاب المائدة . أما أصحاب ~~السبت فهو أن قوم داود ، وهم أهل ( ايلة ) لما اعتدوا في السبت بأخذ ~~الحيتان على ما ذكر الله تعالى هذه القصة في سورة الأعراد قال داود : اللهم ~~العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة ، وأما أصحاب المائدة فإنهم لما أكلوا من ~~المائدة ولم يؤمنوا قال عيسى : اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا ~~خنازير ، وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي . قال بعض العلماء : ~~إن اليهود كانوا يفتخرون بأنا من أولاد الأنبياء ، فذكر الله تعالى هذه ~~الآية لتدل على أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء . وقيلل : أن داود وعيسى ~~عليهما السلام بشرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولعنا من يكذبه وهو قول ~~الأصم . # ثم قال تعالى : { ذالك بما عصوا وكانوا يعتدون } والمعنى أن ذلك اللعن ~~كان بسبب أنهم يعصون ويبالغون في ذلك العصيان . # ! 7 < { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 79 ) كانوا لا يتناهون . . . . . # > > ثم أنه تعالى فسر المعصية والاعتداء بقوله # { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } وللتناهي هاهنا معنيان : أحدهما : ~~وهو الذي عليه الجمهور أنه تفاعل من النهي ، أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضا ، ~~روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من رضي عمل قوم فهو ~~منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم ) . # والمعنى الثاني في التناهي : أنه بمعنى الانتهاء . يقال : انتهى عن الأمر ~~، وتناهى عنه إذا كف عنه . # ثم قال تعالى : { لبئس ما كانوا يفعلون } اللام في { لبئس } لام القسم ، ~~كأنه قال : أقسم لبئس ما كانوا يفعلون ، وهو ارتكاب المعاصي والعدوان ، ~~وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ms3384 . # فإن قيل : الانتهاء عن الشيء بعد أن صار مفعولا غير ممكن فلم ذمهم عليه ؟ ~~PageV12P054 # قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن يكون المراد لا يتناهون عن ~~معاودة منكر فعلوه الثاني : لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته ~~وأدواته . الثالث : لا يتناهون عن الاصرار على منكر فعلوه . # ! 7 < { ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن ~~سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 80 ) ترى كثيرا منهم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا } . # اعلم أنه تعالى لما وصف أسلافهم بما تقدم وصف الحاضرين منهم بأنهم يتولون ~~الكفار وعبدة الأوثان ، والمراد منهم كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا ~~المشركين على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذكرنا في قوله تعاللى : { ~~ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا } ( النساء : 51 ) . # ثم قال تعالى : { لبئس * مال * قدمت لهم أنفسهم } أي بئس ما قدموا من ~~العمل لمعادهم في دار الآخرة . # وقوله تعالى : { أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون } محل { ءان } ~~رفع تقول : بئس رجلا زيد ، ورفعه كرفع زيد ، وفي زيد وجهان : الأول : أن ~~يكون مبتدأ ، ويكون ( بئس ) وما عملت فيه خبره ، والثاني : أن يكون خبر ~~مبتدأ محذوف ، كأنه لما قال : بئس رجلا قتل : ما هو ؟ فقال : زيد ، أي هو ~~زيد . # ! 7 < { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوهم أوليآء ~~ولاكن كثيرا منهم فاسقون } . # < < # | المائدة : ( 81 ) ولو كانوا يؤمنون . . . . . # > > ثم قال تعالى : { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم أولياء ولاكن كثيرا منهم فاسقون } والمعنى : لو كانوا يؤمنون بالله ~~والنبي وهو موسى عليه السلام ، فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير ~~دين موسى عليه السلام ، بل مرادهم الرياسة والجاه فيسعون في تحصيله بأي ~~طريق قدروا عليه ، فلهذا وصفهم الله تعالى بالفسق فقال : { ولاكن كثيرا ~~منهم فاسقون } وفيه وجه آخر ذكره القفال ، وهو أن يكون المعنى : ولو كان ~~هؤلاء المتولون من المشركين يؤمنون بالله وبمحمد صلى الله ms3385 عليه وسلم ما ~~اتخذهم هؤلاء اليهود أولياء ، وهذا الوجه حسن في الكلام ما يدفعه . > 7 ! # ! 7 < { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن ~~أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى ذالك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون } > 7 ! # قوله تعالى : { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا إنا نصارى } . < < # | المائدة : ( 82 ) لتجدن أشد الناس . . . . . # > > # أعلم أنه تعالى لما ذكر من أحوال أهل الكتاب من اليهود والصنارى ما كذره ~~ذكر في هذه الآية أن اليهود في غاية العدواة مع المسلمين ، ولذلك جعلهم ~~قرناء للمشركين في شدة العدواة ، بل نبه على أنهم أشد في العدواة من ~~المشركين من جهة أنه قدم ذكرهم على ذكر المشركين . ولعمري أنهم كذلك . وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله ~~} وذكر الله تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين ~~منهم . PageV12P055 # وههنا مسألتان : # الأولى : قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي : المراد به النجاشي ~~وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول صلى الله عليه وسلم آمنوا به ، ولم ~~يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين . وقال آخرون : مذهب اليهود أنه ~~جيب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان ، فإن قدروا ~~على القتل فذاك ، وإلا فبغصب المال أو بالسرقة أو بنوع من المكر والكيد ~~والحيلة ، وأما النصارى فليس مذهبهم ذاك بل الإيذاء في دينهم حرام ، فهذا ~~هو وجه التفاوت : # المسألة الثانية : المقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف أمر اليهود على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، واللام في قوله { * } وذكر الله تعالى أن ~~النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم . # وههنا مسألتان : # الأولى : قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي : المراد به النجاشي ~~وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول صلى الله عليه وسلم آمنوا به ، ولم ~~يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين . وقال آخرون : مذهب ms3386 اليهود أنه ~~جيب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان ، فإن قدروا ~~على القتل فذاك ، وإلا فبغصب المال أو بالسرقة أو بنوع من المكر والكيد ~~والحيلة ، وأما النصارى فليس مذهبهم ذاك بل الإيذاء في دينهم حرام ، فهذا ~~هو وجه التفاوت : # المسألة الثانية : المقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف أمر اليهود على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، واللام في قوله { لتجدن } لام القسم ، ~~والتقدير : قسما إنك تجد اليهود والمشركين أشد الناس عدواة مع المؤمنين ، ~~وقد شرحت لك أن هذا التمرد والمعصية عادة قديمة لهم ، ففرغ خاطرك عنهم ولا ~~تبال بمكرهم وكيدهم . # ثم ذكر تعالى سبب هذا التفاوت فقال : { ذالك بأن منهم قسيسين ورهبانا ~~وأنهم لا يستكبرون } وفي الآية مسألتان : # الأولى : علة هذا التفاوت أن اليهود مخصوصن بالحرص الشديد على الدنيا ~~والدليل عليه قوله تعالى : { ولتجدنهم أحرص الناس على حيواة ومن الذين ~~أشركوا } ( البقرة : 96 ) فقرنهم في الحرص بالمشركين المنكرين للمعاد ، ~~والحرص معدن الأخرلاق الذميمة لأن من كان حريصا على الدنيا طرح دينه في طلب ~~الدنيا وأقدم على كل محظور ومنكر بطلب الدنيا ، فلا جرم تشتد عداوته مع كل ~~من نال مالا أو جاها ، وأما النصارى فإنهم في أكثر الأمر معرضون عن الدنيا ~~مقبلون على العبادة وترك طلب الرياسة والتكبر والترفع / وكل من كان كذلك ~~فإنه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم ولا يخاصمهم بل يكون لين العريكة في طلب ~~الحق سهل الانقياد له ، فهذا هو الفرق بين هذين الفريقين في هذا الباب ، ~~وهو المراد بقوله تعالى : { ذالك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون } . # وههنا دقيقة نافعة في طلب الدين وهو أن كفر النصارى أغلظ من كفر اليهود ~~لأن النصارى ينازعون في الإلهيات وفي النبوات ، واليهود لا ينازعون إلا في ~~النبوات ، ولا شك في أن الأول أغلظ ، ثم إن النصارى مع غلظ كفرهم لما لم ~~يشتد حرصهم على طلب الدنيا بل كان في قلبهم شيء من الميل إلى الآخرة شرفهم ~~الله بقوله { ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين ms3387 قالوا إنا نصارى } ~~وأما اليهود مع أن كفرهم أخف في جنب كفر النصارى طردهم وخصهم الله بمزيد ~~اللعن وما ذاك إلا بسبب حرصهم على الدنيا ، وذلك ينبهك على صحة قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) . # المسألة الثانية : القس والقسيس اسم لرئيس النصارى ، والجمع القسيسون . ~~وقال عروة بن الزبير : صنعت النصارى الإنجيل وأدخلت فيه م ليس منه وبقي ~~واحد من علمائهم على الحق والدين ، وكان سمه قسيسا ، فمن كان على هديه ~~ودينه فهو قسيس . قال قطرب : القس والقسيس العالم بلغة الروم ، وهذا مما ~~وقع الوفاق فيه بين اللغتين ، وأما الرهبان فهو جمع راهب كركبان وراكب ، ~~وفرسان وفارس ، وقال بعضهم : لرهبان واحد ، وجمعه رهابين كقربان وقرابين ، ~~وأصله من الرهبة بمعنى المخافة . PageV12P056 # فإن قيل : كيف مدحهم الله تعالى بذلك مع قوله { ورهبانية ابتدعوها } ( ~~الحديد : 27 ) وقوله عليه لصلاة والسلام : ( لا رهبانية في الإسلام ) . # قلنا : إن ذلك صار ممدوحا في مقابلة طريقة اليهود في القساوة والغلظة ، ~~ولا يلزم من هذا القدر كونه ممدوحا على الإطلاق . # ! 7 < { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترىأعينهم تفيض من الدمع مما ~~عرفوا من الحق يقولون ربنآ ءامنا فاكتبنا مع الشاهدين } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 83 ) وإذا سمعوا ما . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع } الضمير في قوله { سمعوا } يرجع إلى القسيسين والرهبان الذين آمنوا ~~منهم { وما أنزل } يعني القرآن إلى الرسول يعني محمدا عليه الصلاة والسلام ~~قال ابن عباس : يريد النجاشي وأصحابه ، وذلك لأن جعفر الطيار قرأ عليهم ~~سورة مريم ، فأخذ النجاشي تبنة من الأرض وقال : والله ما زاد على ما قال في ~~الإنجيل مثل هذا ، وما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من لقراءة ، وأما قوله { ~~ترى أعينهم تفيض من الدمع } ففيه وجهان : الأول : المراد أن أعينهم تمتلىء ~~من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلىء الإناء وغيره حتى يطلع ما فيه من ~~جوانبه . الثاني : أن يكون المراد المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم ~~كأنها تفيض بأنفسها . # وأما ms3388 قوله تعالى : { مما عرفوا من الحق } أي مما نزل على محمد وهو الحق . # فإن قيل : أي فرق بين ( من ) وبين ( من ) في قوله { مما عرفوا من الحق } ~~. # قلنا : الأولى : لابتداء الغاية ، والتقدير : أن فيض الدمع إنما ابتدىء ~~من معرفة الحق ، وكان من أجله وبسببه ، والثانية : للتبغيض ، يعني أنهم ~~عرفوا بعض الحق وهو القرآن فأبكاهم الله ، فكيف لو عرفوا كله . # وأما قوله تعالى : { يقولون ربنا ءامنا } أي بما سمعنا وشهدنا أنه حق { ~~فاكتبنا مع الشاهدين } وفيه وجهان : الأول : يريد أمة محمد عليه الصلاة ~~والسلام الذين يشهدون بالحق ، وهو مأخوذ من قوله تعالى : { وكذالك جعلناكم ~~أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ( البقرة : 143 ) والثاني : أي مع كل ~~من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك . وأما قوله تعالى : # ! 7 < { وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا ~~مع القوم الصالحين } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 84 ) وما لنا لا . . . . . # > > PageV12P057 # ففيه مسألتان : # الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) محل { لا نؤمن } النصب على الحال بمعنى غير ~~مؤمنين ، كقولك قائما ، والواو في قوله { ونطمع } واو الحال . # فإن قيل : فما العامل في الحال الأولى والثانية . # قلنا : العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل ، كأنه قيل : أي شيء ~~حصل لنا حال كوننا غير مؤمنين ، وفي الثاني معنى هذا الفعل ولكن مقيدا ~~بالحال الأولى ، لأنك لو أزلته وقلت : وما لنا نطمع لم يكن كلاما ، ويجوز ~~أن يكون { ونطمع } حالا من { لا نؤمن } على أنهم أنكروا على أنفسهم أنهم لا ~~يوحدون الله ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين ، وأن يكون معطوفا على قوله ~~{ لا نؤمن } على معنى : وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة ~~الصالحين . # المسألة الثانية : تقدير الآية : ويدخلنا ربنا مع القوم الصالحين جنته ~~ودار رضوانه ، قال تعالى : { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } ( الحج : 59 ) إلا ~~أنه حسن الحذف لكونه معلوما . ثم قال تعالى : # ! 7 < { فأثابهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيها ~~وذالك جزآء المحسنين * والذين كفروا وكذبوا ms3389 بأاياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } ~~> 7 ! # < < # | المائدة : ( 85 ) فأثابهم الله بما . . . . . # > > وفي مسائل : # المسألة الأولى : ظاهر الآية يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بمجرد ~~القول لأنه تعالى قال : { فأثابهم الله بما قالوا } وذلك غير ممكن لأن مجرد ~~القول لا يفيد الثواب . # وأجابوا عنه من وجهين : الأول : أنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم ~~فيما قالوا ، وهو المعرفة ، وذلك هو قوله { مما عرفوا من الحق } ( المائدة ~~: 83 ) فلما حصلت المعرفة والإخلاص وكمال الانقياد ثم انضاف إليه القول لا ~~جرم كمل الإيمان . الثاني : روى عطء عن ابن عباس أنه قال قوله { بما قالوا ~~} يريد بما سألوا ، يعني قولهم { فاكتبنا مع الشاهدين } ( المائدة : 83 ) . # المسألة الثانية : الآية دالة على أن المؤمن الفاسق لا يبقى مخلدا في ~~النار ، وبيانه من وجهين : الأول : أنه تعالى قال : { وذالك جزاء المحسنين ~~} وهذا الإحسان لا بد وأن يكون هو الذي تقدم ذكره من المعرفة وهو قوله { ~~مما عرفوا من الحق } ( المائدة : 83 ) ومن الاقرار به ، وهو قوله { فأثابهم ~~الله بما قالوا } وإذ كان كذلك ، فهذه الآية دالة على أن هذه المعرفة ، ~~وهذا الاقرار يوجب أن يحصل له هذا الثواب ، وصاحب الكبيرة له هذه المعرفة ~~وهذا الاقرار ، فوجب أن يحصل له هذا الثواب ، فأما أن ينقل من الجنة إلى ~~النار وهو باطل بالإجماع ، أو يقال : يعاقب على ذنبه ثم ينقل إلى الجنة ~~وذلك هو المطلوب . # الثاني : هو أنه تعالى قال : { والذين كفروا وكذبوا بئاياتنا أولائك ~~أصحاب الجحيم } < < # | المائدة : ( 86 ) والذين كفروا وكذبوا . . . . . # > > فقوله { أولائك أصحاب الجحيم } يفيد الحصر ، أي أولئك أصحاب الجحيم ~~لا غيرهم ، والمصاحب للشيء هو الملازم له الذي لا ينفك عنه ، فهذا يقتضي ~~تخصيص هذا الدوام بالكفار ، فصارت هذه الآية من هذين الوجهين من أقوى ~~الدلائل على أن الخلود في النار لا يحصل للمؤمن الفاسق . # PageV12P058 ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 87 ) يا أيها الذين . . . . . # > > أعلم أن الله تعالى لما استقصى ms3390 في المناظرة مع اليهود والنصارى عاد ~~بعده إلى بيان الأحكام وذكر جملة منها . # النوع الأول : ما يتعلق بحل المطاعم والمشارب واللذات فقال : { الجحيم ~~ياأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس ، وتميل إليها ~~القلوب ، وفي الآية قولان : الأول : روي أنه صلى الله عليه وسلم وصف يوم ~~القيامة لأصحابه في بيات عثمان بن مظعون وبالغ وأشبع الكلام في الإنذار ~~والتحذير ، فعزموا على أن يرفضوا الدنيا ويحرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة ~~والمشارب اللذيذة ، وأن يصوموا النهار ويقوموا الليل ، وأن لا يناموا على ~~الفرش ، ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض ، فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك ، فقالوا لهم ( إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقا ~~فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر آكل اللحم ~~والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) وبهذا الكلام ظهر وجه النظم ~~بين هذه الآية وبين ما قبلها ، وذلك لأنه تعالى مدح النصارى بأن منهم ~~قسيسين ورهبانا ، وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ولذاتها ، فلما مدحهم ~~أوهم ذلك المدح ترغيب المسلمين في مثل تلك الطريقة ، فذكر تعالى عقيب هذه ~~الآية إزالة لذلك الوهم ، ليظهر للمسلمين أنهم ليسوا مأمورين بذلك . # فإن قيل : ما الحكمة في هذا النهي ، فإن من المعلوم أن حب الدنيا مستول ~~على الطبع والقلوب ، فإذا توسع الإنسان في اللذات والطيبات اشتد ميله إليها ~~وعظمت رغبته فيه ، وكلما كانت تلك النعم أكثر وأدوم كان ذلك الميل أقوى ~~وأعظم ، وكلما ازداد الميل قوة ورغبة ازداد حرصه في طلب الدنيا واستغراقه ~~في تحصيلها ، وذلك يمنعه عن الاستغراق في معرفة الله وفي طاعته ويمنعه عن ~~طلب سعادات الآخرة ، وأما إذا أعرض عن لذات الدنيا وطيباتها ، فكلم كان ذلك ~~الإعراض أتم وأدوم كان ذلك الميل أضعف والرغبة أقل ، وحينئذ تتفرغ النفس ~~لطلب معرفة الله تعالى والاستغراق في خدمته ، وإذا كان الأمر كذلك فما ~~الحكمة في نهي الله تعالى عن الرهبانية ؟ # والجواب : عنه من وجوه : الأول ms3391 : أن الرهبانية المفرطة والاحتراز التام ~~عن الطيبات واللذات مما يوقع الضعف في الأعضاء الرئيسية التي هي القلب ~~والدماغ ، وإذا وقع الضعف فيهما اختلت الفكرة وتشوش العقل . ولا شك أن أكمل ~~السعادت وأعظم القربات إنما هو معرفة الله تعالى ، فإذا كانت الرهبانية ~~الشديد PageV12P059 مما يوقع الخلل في ذلك بالطريق الذي بيناه لا جرم وقع ~~النهي عنها . والثاني : وهو أن حاصل ما كذرتم أن اشتغال النفس بطلب اللذات ~~الحسية يمنعها عن الاستكمال بالسعادات العقلية ، وهذا ملسم لكن في حق ~~النفوس الضعيفة ، أما النفوس المتسعلية الكاملة فإنها لا يكون استعمالها في ~~الأعمال لحسية مانعا لها من الاستكمال بالسعادات العقلية ، فإنا نشاهد ~~النفوس قد تكنن ضعيفة بحيث متى اشتغلت بمهم امتنع عليها الاشتغال بمهم آخر ~~، وكلما كانت النفس أقوى كانت هذه الحالة أكمل ، وإذا كان كذلك كانت ~~الرهبانية الخالصة دليلا على نوع من الضعف والقصور ، وإنما الكمال في ~~الوفاء بلجهتين والاستكمال في الناس . الثالث : وهو أن من استوفى اللذات ~~الحسية ، كان غرضه منها الاستعانة بها على استيفاء اللذات العقلية فإن ~~ريضته ومجاهدته أتم من رياضة من أعرض عن للذات الحسية / لأن صرف حصة النفس ~~إلى جانب الطاعة أشق وأشد من الاعراض عن حصة النفس بالكلية ، فكان الكمال ~~في هذا أتم . الربع : وهو أن الرهبانية التامة توجب خراب الدنيا وانقطاع ~~الحرث والنسل . وأما ترك الرهبانية مع المواظبة على المعرفة والمحبة ~~والطاعات فإنه يفيد عمارة الدنيا والآخرة ، فكانت هذه الحالة أكمل ، فهذا ~~جملة الكلام في هذا الوجه . # القول الثاني : في تفسير هذه الآية ما ذكره القفال ، وهو أنه تعالى قال ~~في أول السورة { أوفوا بالعقود } فبين أنه كما لا يجوز استحلال المحرم كذلك ~~لا يجوز تحريم المحلل ، وكانت العرب تحرم من الطيبات ما لم يحرمه الله ~~تعالى ، وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وقد حكى الله تعالى ذلك في ~~هذه السورة وفي سورة الأنعام ، وكانوا يحللون الميتة والدم وغيرهما ، فأمر ~~الله تعالى أن لا يحرموا ما أحل الله ولا يحللوا ما حرمه الله تعالى حتى ~~يدخلوا تحت ms3392 قوله { يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود أحلت } ( المائدة : 1 ~~) . # المسألة الثانية : قوله { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } يحتمل وجوها ~~: أحدها : لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله تعالى لكم ، وثانيها : لا تظهروا ~~باللسان تحريم ما أحله الله لكم ، وثالثها : لا تجتنبوا عنها اجتنابا شبيه ~~لاجتناب من المحرمات ، فهذه الوجوه الثلاثة محمولة على الإعتقاد والقول ~~والعمل ، ورابعها : لا تحرموا على غيركم بالفتوى وخامسها : لا تلتزموا ~~تحريمها بنذر أو يمين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { علما ياأيها النبى ~~لم تحرم ما أحل الله لك } ( التحريم : 1 ) وسادسها : أن يخلط المغصوب ~~بالمملوك خلطا لا يمكنه التمييز ، وحينئذ يحرم الكل ، فذلك الخلط سبب ~~لتحريم ما كن حلالا له ، وكذلك القول فيما إذا خلط النجس بالطاهر ، والآية ~~محتملة لكل هذه الوجوه ، ولا يبعد حملها على الكل والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله { ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } ( البقرة ~~: 190 ) فيه وجوه : الأول : أنه تعالى جعل تحريم الطيبات اعتداء وظلما فنهى ~~عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها ، والثاني : أنه لما أباح الطيبات ~~حرم الإسراف فيها بقوله تعالى : { ولا تعتدوا } ونظيره قوله تعالى { كلوا ~~واشربوا * ولا } ( الأعراف : 31 ) الثالث : يعني لما أحل لكم الطيبت ~~فاكتفوا بهذه المحللات ولا تتعدوها إلى ما حرم عليكم . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذىأنتم به مؤمنون ~~} > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 88 ) وكلوا مما رزقكم . . . . . # > > PageV12P060 # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله { وكلوا } صيغة أمر ، وظاهرها للوجوب لا أن المراد ~~ههنا الإباحة والتحليل . واحتج أصحاب الشافعي به في أن التطوع لا يلزم ~~بالشروع ، وقالوا : ظاهر هذه الآية يقتضي إباحة الأكل على الاطلاق فيتناول ~~ما بعد الشروع في الصوم ، غايته أن خص في بعض الصور إلا أن العام حجة في ~~غير محل التخصيص . # المسألة الثانية : قوله { حلالا طيبا } يحتمل أن يكون متعلقا بالأكل ، ~~وأن يكون متعلقا بالمأكول ، فعلى الأول يكون التقدير : كلوا حلالا طيبا مما ~~رزقكم الله ، وعلى التقدير الثاني : كلوا من الرزق الذي يكون حلالا طيبا ، ~~أما ms3393 على التقدير الأول فإنه حجة المعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالا ، ~~وذلك لأن الآية على هذا التقدير دالة على الاذن في أكل كل ما رزق الله ~~تعالى وإنما يأذن الله تعالى في أكل الحلال ، فيلزم أن يكون كل ما كان رزقا ~~كان حلالا ، وأما على التقدير الثاني فإنه حجة لأصحابنا على الرزق قد يكون ~~حراما لأنه تعالى خصص إذن الأكل بالرزق الذي يكون حلالا طيبا ولولا أن ~~الرزق قد لا يكون حلالا وإلا لم يكن لهذا التخصيص والتقييد فائدة . # المسألة الثالثة : لم يقل تعالى : كلوا ما رزقكم ، لكن قال { كلوا مما ~~رزقكم * لله } وكلمة ( من ) للتبعيض ، فكأنه قال : اقتصروا في الأكل على ~~البعض وأصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات لأنه إرشاد إلى ترك لإسراف كما ~~قال : { ولا تسرفوا } ( الأنعام : 141 ) ( الأعراف : 31 ) . # المسألة الرابعة : { وكلوا مما رزقكم الله } يدل على أنه تعالى قد تكفل ~~برزق كل أحد . فإنه لو لم يتكفل برزقه لم قال { كلوا مما رزقكم الله } وإذا ~~تكفل الله برزقه وجب أن لا يبالغ في الطلب وأن يعول على وعد الله تعالى ~~وإحسانه ، فإنه أكرم من أن يخلف الوعد ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( ~~ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ) أما قوله { واتقوا الله } فهو تأكيد ~~للتوصية بما أمر به ، زاده توكيدا بقوله تعالى : { أنتم به مؤمنون } لأن ~~الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه . # ! 7 < { لا يؤاخذكم الله باللغو فىأيمانكم ولاكن يؤاخذكم بما عقدتم الا ~~يمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو ~~تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذالك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ~~واحفظوا أيمانكم كذالك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تشكرون } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 89 ) لا يؤاخذكم الله . . . . . # > > النوع الثاني : من الأحكام المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى : { لا ~~يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم } . # قد ذكرنا أنه تعالى بين في هذا الموضع أنواعا من الشرائع والأحكام . بقي ~~أن يقال : أي مناسبة بين ms3394 هذا الحكم وبين ما قبله حتى يحسن ذكره عقيبه ؟ ~~فنقول : قد ذكرنا أن سبب نزول الآية الأولى أن قوما من الصحابة حرموا على ~~أنفسهم المطاعم والملابس واختاروا الرهبانية وحلفوا على ذلك فلما نهاهم ~~الله تعالى عنها قالوا : يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا أنزل الله هذه ~~الآية . PageV12P061 # واعلم أن الكلام في أن يمين اللغو ما هو قد سبق على الاستقصاء في سورة ~~البقرة في تفسير قوله { يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولاكن يؤاخذكم بما ~~كسبت قلوبكم } ( البقرة : 225 ) فلا وجه للاعادة . # ثم قال تعالى : { ولاكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم { عقدتم } ~~بتشديد القاف بغير ألف ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { عقدتم } ~~بتخفيف القاف بغير ألف ، وقرأ ابن عامر عاقدتم بالألف والتخفيف . قال ~~الواحدي : يقال عقد فلان اليمين والعهد والحبل عقدا إذا وكده وأحكمه ، ومثل ~~ذلك أيضا عقد بالتشديد إذا وكد ، ومثله أيضا عاقد بالألف . # إذا عرفت هذا فنقول : أما من قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير ، ~~يقال : عقد زيد يمينه ، وعقدوا أيمانهم ، وأما من قرأ بالتشديد فاعلم أن ~~أبا عبيدة زيف هذه القراءة وقال : التشديد للتكرير مرة بعد مرة فالقراءة ~~بالتشديد توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة لأنها لم تتكرر . # وأجاب الواحدي رحمه الله عنه من وجهين : الأول : أن بعضهم قال : عقد ~~بالتخفيف والتشديد واحد في المعنى . الثاني : هب أنها تفيد التكرير كما في ~~قوله { وغلقت الابواب } ( يوسف : 23 ) إلا أن هذا التكرير يحصل بأن يعقدها ~~بقلبه ولسانه ، ومتى جمع بين القلب واللسان فقد حصل التكرير أما لو عقد ~~اليمين بأحدهما دون الآخر لم يكن معقدا ، وأما من قرأ بالألف فإنه من ~~المفاعلة التي تختص بالواحد مثل عافاه الله وطارقت النعل وعاقبت اللص فتكون ~~هذه القراءة كقراءة من خفف . # المسألة الثانية : ( ما ) مع الفعل بمنزلة المصدر ، والتقدير : ولكن ~~يؤاخذكم بعقدكم أو بتعقيدكم أو بمعاقدتكم الأيمان . # المسألة الثالثة : في الآية محذوف ، والتقدير : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~إذا ms3395 حنثتم ، فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوما عندهم أو بنكث ما عقدتم ، ~~فحذف المضاف . وأما كيفية استدلال الشافعي بهذه الآية على أن اليمين الغموس ~~توجب الكفارة فقد ذكرناها في سورة البقرة . # ثم قال تعالى : { فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم أو تحرير رقبة } . PageV12P062 # واعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة ~~على التخيير / فإن عجز عنها جميعا فالواجب شيء آخر ، وهو الصوم . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : معنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإتيان بكل واحد ~~من هذه الثلاثة ، ولا يجوز له تركها جميعا ، ومتى أتى بأي واحد شاء من هذه ~~الثلاثة ، فإنه يخرج عن العهدة ، فإذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو ~~الواجب المخير ، ومن الفقهاء من قال : الواحد لا بعينه ، وهذا الكلام يحتمل ~~وجهين : الأول : أن يقال : الواجب عليه يأن يدخل في الوجود واحدا من هذه ~~الثلاثة لا بعينه . وهذامحال في العقول لأن الشيء الذي لا يكون معينا في ~~نفسه يكون ممتنع الوجود لذاته ، وما كان كذلك فإنه لا يراد به التكليف ، ~~الثاني : أن يقال : الواجب عليه واحد معين في نفسه وفي علم الله تعالى ، ~~إلا أنه مجهول العين عند الفاعل ، وذلك أيضا محال لأن كون ذلك الشيء واجبا ~~بعينه في علم الله تعالى هو أنه لا يجوز تركه بحال ، وأجمعت الأمة على أنه ~~يجوز له تركه بتقدير الإتيان بغيره ، والجمع بين هذين القولين جمع بين ~~النفي والإثبات وهو محال ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه . # المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله نصيب كل مسكين مد ، وهو ثلثا من ~~، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم ، وقال ~~أبو حنيفة رحمه الله الواجب نصف صاع من الحنطة ، وصاع من غير الحنطة . # حجة الشافعي أنه تعالى لم يذكر في الاطعام قوله { من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم } وهذا الوسط إما أن يكون المراد منه ما كان متوسطا في العرف ، أو ~~ما كان متوسطا في ms3396 الشرع ، فإن كان المراد ما كان متوسطا في العرف فثلثا من ~~الحنطة إذاجعل دقيقا أو جعل خبزا فإنه يصير قريبا من المن ، وذلك كاف في ~~قوت اليوم الواحد ظاهرا ، وإن كان المراد ما كان متوسطا في الشرع فلم يرد ~~في الشرع له مقدار إلا في موضع واحد ، وهو ما روي في خبر المفطر في نهار ~~رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بإطعام ستين مسكينا من غير ذكر ~~مقدار ، فقال الرجل : ما أجد فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه خمسة ~~عشر صاعا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أطعم هذا ، وذلك يدل على ~~تقدير طعام المسكين بربع الصاع ، وهو مد ، ولا يلزم كفارة الحلف لأنها شرعت ~~بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل ، فكان قدرها معتبرا بصدقة ~~الفطر ، وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد . # وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى قال : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } ~~والأوسط هو الأعدل والذي ذكره الشافعي رحمه الله هو أدنى ما يكفي ، فأما ~~الأعدل فيكون بإدام ، وهكذا روي عن ابن عباس رحمهما الله : مد معه إدامه ، ~~والإدام يبلغ قيمته قيمة مد آخر أو يزيد في الأغلب . # أجاب الشافعي رحمه الله بأن قوله { من أوسط ما تطعمون أهليكم } يحتمل أن ~~يكون المراد التوسط في القدر ، فإن الإنسان ربما كان قليل الأكل جدا يكفيه ~~الرغيف الواحد ، وربما كان كثير الأكل فلا يكفيه المنوان ، إلا أن المتوسط ~~الغالب أنه يكفيه من الخبز ما يقرب من المن ، ويحتمل أن يكون المراد التوسط ~~في القيمة لا يكون غالبا كالسكر ، ولا يكون خسيس الثمن كالنخالة والذرة ، ~~والأوسط هو الحنطة والتمر والزبيب PageV12P063 والخبز ، ويحتمل أن يكون ~~المراد الأوسط في الطيب واللذاذة ، ولما كان اللفظ محتملا لكل واحد من ~~الأمرين فنقول : يجب حمل اللفظ على ما ذكرناه لوجيهين : الأول : أن الإدام ~~غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام . ~~الثاني : أن هذا القدر واجب بيقين ، والباقي مشكوك فيه لأن اللفظ لا ms3397 دلالة ~~فيه عليه فأوجبنا اليقين وطرحنا الشك والله أعلم . # المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : الواجب تمليك الطعام . وقال ~~أبو حنيفة رحمه الله : إذا غدى أو عشى عشرة مساكين جاز . # حجة الشافعي : أن الواجب في هذه الكفارة أحد الأمور الثلاثة ، إما ~~الاطعام ، أو الكسوة ، أو الاعتاق ، ثم أجمعنا على أن الواجب في الكسوة ~~التمليك ، فوجب أن يكون الواجب في الاطعام هو التمليك . # حجة أبي حنيفة : أن الآية دلت على أن الواجب هو الاطعام ، والعغدية ~~والتعشية هما إطعام بدليل قوله تعالى : { ويطعمون الطعام على حبه } ( ~~الإنسان : 8 ) وقال : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } وإطعام الأهل يكون ~~بالتمكين لا بالتمليك ، ويقال في العرف : فلان يطعم الفقراء إذا كان يقدم ~~الطعام إليهم ويمكنهم من أكله . وإذا ثبت أنه أمر بالاطعام وجب أن يكون ~~كافيا . # أجاب الشافعي رضي الله عنه : أن الواجب إما المد أو الأزيد ، والتغدية ~~والتعشية قد تكون أقل من ذلك فلا يخرج عن العهدة إلا باليقين والله أعلم . # المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجزئه إلا طعام عشرة وقال ~~أبو حنيفة رحمه الله لو أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام جاز . # حجة الشافعي رحمه الله : أن مدار هذا الباب على التعبد الذي لا يعقل ~~معناه ، وما كان كذلك فإنه يجب الاعتماد فيه على مورد النص . # المسألة الخامسة : الكسوة في اللغة معناها اللباس ، وهو كل ما يكتسى به ، ~~فأما التي تجزى في الكفارة فهو أقل ما يقع عليه اسم الكسوة إزار أو رداء أو ~~قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة ثوب واحد لكل مسكين ، وهو قول ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وهو مذهب الشافعي رحمه الله . # المسألة السادسة : المراد بالرقبة الجملة ، وقيل الأصل في هذا المجاز أن ~~الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل ، فإذا أطلق حل ذلك الحبل ~~فسمي الاطلاق من الرقبة فك الرقبة ، ثم جرى ذلك على العتق ، ومذهب أهل ~~الظاهر أن جميت الرقبات تجزيه . وقال الشافعي رحمه الله : الرقبة المجزية ~~في الكفارة كل رقبة سليمة من عيب ms3398 يمنع من العمل ، صغيرة كانت أو كبيرة ، ~~ذكرا أو أنثى ، بعد أن تكون مؤمنة ، ولا يجوز إعتاق الكافرة في شيء من ~~الكفارات ، ولا إعتاق المكاتب ، ولا شرء القريب ، وهذه المسائل قد ذكرناها ~~في آية الظهار . # المسألة السابعة : لقائل أن يقول : أي فائدة لتقديم الاطعام على العتق مع ~~أن العتق أفضل لا محالة . # قلنا له وجوه : أحدها : أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت ~~على التخيير لا على الترتيب لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة ~~بالأغلظ ، وثانيها : قدم الاطعام لأنه أسهل لكون الطعام أعم PageV12P064 ~~وجودا ، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في ~~التكاليف ، وثالثها : أن الاطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام ، ~~ولا يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر ، أما العبد فإنه يجب على ~~مولاه إطعامه وكسوته . # ثم قال تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله : إذا كان عنده قوته وقوت عياله ~~يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالاطعام ، وإن ~~لم يكن عنده هذا القدر جاز له الصيام وعند أبي حنيفة رحمه الله ، يجوز له ~~الصيام إذا كان عنده من المال ما لا يجب فيه الزكاة ، فجعل من لا زكاة عليه ~~عادما . # حجة الشافعي رحمه الله ، أنه تعالى علق جواز الصيام على عدم وجدان هذه ~~الثلاثة ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط ، فعند عدم وجدان هذه ~~الثلاثة وجب أن لا يجوز الصوم ، تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقت ~~عياله يوما وليلة لأن ذلك كالأمر المضطر إليه ، وقد رأينا في الشرع أنه متى ~~وقع التعارض في حق النفس وحق الغير كان تقديم حق النفس واجبا / فوجب أن ~~تبقى الآية معمولا بها في غير هذه الصورة . # المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله في أصح قوليه : أنه يصوم ثلاثة ~~أيام إن شاء متتابعة وإن شاء متفرقة . # وقال أبو حنيفة : يجب التتابع . # حجة الشافعي : أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام ms3399 ، والآتي بصوم ثلاثة أيام ~~على التفرق آت بصوم ثلاثة أيام ، فوجب أن يخرج عن العهدة . # حجة أبي حنيفة رحمه الله ، ما روي في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود : فصوم ~~ثلاثة أيام متتابعات ، وقراءتهما لا تختلف عن روايتهما . # والجواب أن القراءة الشاذة مردودة لأنها لو كانت قرآنا لنقلت نقلا ~~متواترا ، إذ لو جوزنا في القرآن أن لا ينقل على التواتر لزم طعن الروافض ~~والملاحدة في القرآن وذلك باطل ، فعلمنا أن القراءة الشاذة مردودة ، فلا ~~تصلح لأن تكون حجة . وأيضا نقل في قراءة أبي بن كعب أنه قرأ ( فعدة من أيام ~~أخر متتابعات ) مع أن التتابع هناك ما كان شرطا ، وأجابوا عنه بأنه روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له علي أيام من رمضان أفأقضيها ~~متفرقات ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( أرأيت لو كان عليك دين فقضيت ~~الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك قال بلى ، قال فالله أحق أن يعفو وأن يصفح ) ~~. # قلنا : فهذا الحديث وإن وقع جوابا عن هذا السؤال في صوم رمضان إلا أن ~~لفظه عام ، وتعليله عام في جميع الصيامات ، وقد ثبت في الأصول أن العبرة ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فكان ذلك من أقوى الدلائل على جواز التفريق ~~ههنا أيضا . # المسألة الثالثة : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأه سواء عين إحدى ~~الثلاثتين لإحدى اليمينين أو لا والدليل عليه أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة ~~أيام عليه ، وقد أتى بها ، فوجب أن يخرج عن العهدة . PageV12P065 # ثم قال تعالى : { ذالك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } قوله { ذالك } إشارة ~~إلى ما تقدم ذكره من الطعام والكسوة وتحرير الرقبة ، أي ذلك المذكور كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم وخنثتم لأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف ، إلا أنه حذف ~~ذكر الحنث لكونه معلوما ، كما قال : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر } ( البقرة : 184 ) أي فأفطر . # احتج الشافعي بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز فقال : الآية دلت ~~على أن كل واحد من الأشياء الثلاثة كفارة لليمين عند ms3400 وجود الحلف ، فإذا ~~أداها بعد الحلف قبل الحنث فقد أدى الكفارة عن ذلك اليمين ، وإذا كان كذلك ~~وجب أن يخرج عن العهدة . قال : وقوله { إذا حلفتم } فيه دقيقة وهي التنبيه ~~على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز ، وأما بعد اليمين وقبل الحنث ~~فإنه يجوز . # ثم قال تعالى : { واحفظوا أيمانكم } وفيه وجهان : الأول : المراد منه ~~قللوا الأيمان ولا تكثروا منها قال كثير : # % قليل الألا يا حافظ ليمينه % % وإن سبقت منه الألية برت % # فدل قوله ( وإن سبقت منه الألية ) على أن قوله ( حافظ ليمينه ) وصف منه ~~له بأنه لا يحلف . الثاني : واحفظوا أيمانكم إذا حلفتم عن الحنث لئلا ~~تحتاجوا إلى التفكير ، واللفظ محتمل للوجهين ، إلا أن على هذا التقدير يكون ~~مخصوصا بقوله عليه السلام : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه ) . # ثم قال : تعالى : { كذالك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تشكرون } والمعنى ~~ظاهر ، والكلام في لفظ لعل تقدم مرارا . # ! 7 < { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والا نصاب والا زلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 90 ) يا أيها الذين . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع ، ~~ووجه اتصاله بما قبله أنه تعالى قال فيما تقدم { لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم } إلى قوله { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } ( المائدة : 87 ، ~~88 ) ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر لا جرم أنه تعالى ~~بين أنهما غير داخلين في المحللات ، بل في المحرمات . # واعلم أنا قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الخمر والميسر وذكرنا معنى ~~الأنصاب والأزلام في أول هذه السورة عند قوله } وما ذبح على النصب وأن ~~تستقسموا بالأزلام } ( المائدة : 3 ) فمن أراد الاستقصاء فعليه بهذه ~~المواضع . # وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان : الأول : سميت الخمر خمرا لأنها خامرت العقل ~~، أي خالطته فسترته ، والثاني : قال ابن الأعرابي : تركت فاختمرت ، أي تغير ~~ريحها ، والميسر هو قمارهم في الجزور ، والأنصاب هي آلهتهم التي ms3401 نصبوها ~~يعبدونها ، والأزلام سهام مكتوب عليها خير وشر . # واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين : الأول : قوله { * } ~~وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام } ( المائدة : 3 ) فمن أراد ~~الاستقصاء فعليه بهذه المواضع . # وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان : الأول : سميت الخمر خمرا لأنها خامرت العقل ~~، أي خالطته فسترته ، والثاني : قال ابن الأعرابي : تركت فاختمرت ، أي تغير ~~ريحها ، والميسر هو قمارهم في الجزور ، والأنصاب هي آلهتهم التي نصبوها ~~يعبدونها ، والأزلام سهام مكتوب عليها خير وشر . # واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين : الأول : قوله { * } ( ~~المائدة : 3 ) فمن أراد الاستقصاء فعليه بهذه المواضع . # وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان : الأول : سميت الخمر خمرا لأنها خامرت العقل ~~، أي خالطته فسترته ، والثاني : قال ابن الأعرابي : تركت فاختمرت ، أي تغير ~~ريحها ، والميسر هو قمارهم في الجزور ، والأنصاب هي آلهتهم التي نصبوها ~~يعبدونها ، والأزلام سهام مكتوب عليها خير وشر . # واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين : الأول : قوله { رجس } ~~والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل . يقال : رجس الرجل رجسا ورجس إذا عمل ~~عملا قبيحا ، وأصله من الرجس بفتح الراء ، PageV12P066 وهو شدة الصوت . ~~يقال : سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد فكان الرجس هو العمل الذي يكون ~~قوي الدرجة كامل الرتبة في القبح . # الوصف الثاني : قوله { من عمل الشيطان } وهذا أيضا مكمل لكونه رجسا لأن ~~الشيطان نجس خبيث لأنه كافر والكافر نجس لقوله { إنما المشركون نجس } ( ~~التوبة : 28 ) والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث لقوله { الخبيثات للخبيثين } ~~( النور : 26 ) وأيضا كل ما أضيف إلى الشيطان فالمراد من تلك الإضافة ~~المبالغة في كمال قبحه . قال تعالى : { فوكزه موسى فقضى عليه قال هاذا من ~~عمل الشيطان } ( القصص : 15 ) ثم إنه تعالى لما وصف هذه الأربعة بهذين ~~الوصفين قال { فاجتنبوه } أي كونوا جانبا منه ، والهاء عائدة إلى ماذا فيه ~~وجهان : الأول : أنها عائدة إلى الرجس ، والرجس واقع على الأربعة المذكورة ~~، فكان الأمر بالاجتناب متناولا للكل . الثاني : أنها عائدة إلى المضاف ~~المحذوف ، كأنه قيل : إنما شأن الخمر والميسر ms3402 أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك ، ~~ولذلك قال : { رجس من عمل الشيطان } . # واعلم أنه تعالى لما أمر باجتناب هذه الأشياء ذكر فيها نوعين من المفسدة ~~: فالأول : ما يتعلق بالدنيا وهو قوله : # ! 7 < { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء فى الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلواة فهل أنتم منتهون } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 91 ) إنما يريد الشيطان . . . . . # > > واعلم أنا نشرح وجه العداوة والبغضاء أولا في الخمر ثم في الميسر : # أما الخمر فاعلم أن الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها مع جماعة ويكون ~~غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم ، فكان ~~غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى ~~الضد لأن الخمر يزيل العقل ، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير ~~مدافعة العقل ، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب ، وتلك ~~المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش ، وذلك يورث أشد ~~العداوة والبغضاء ، فالشيطان يسول أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة ~~والمحبة ، وبالآخرة انقلب الأمر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء . # وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الأجحاف بأرباب الأموال ، ~~لأن من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما ~~صار غالبا فيه ، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من ~~المال ، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده ، ولا شك أنه بعد ذلك يبقى ~~فقيرا مسكينا ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له فظهر من ~~هذا الوجه أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين ~~الناس ، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج ~~والمرج والفتن ، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم . PageV12P067 # فإن قيل : لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام ثم أفردهما في آخر ~~الآية . # قلنا : لأن هذه الآية خطاب مع المؤمنين بدليل أنه تعالى قال : { تشكرون ~~يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } ( المائدة : 90 ) والمقصود نهيهم ~~عن ms3403 الخمر والميسر وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة ، فلما ~~كان المقصود من هذه الآية النهي عن الخمر والميسر وإنما ضم الأنصاب ~~والأزلام إلى الخمر والميسر تأكيدا لقبح الخمر والميسر ، لا جرم أفردهما في ~~آخر الآية بالذكر . # أما النوع الثاني : من المفاسد الموجودة في الخمر والميسر : المفاسد ~~المتعلقة بالدين ، وهو قوله تعالى : { ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلواة } ~~فنقول : أما أن شرب الخمر يمنع عن ذكر الله فظاهر ، لأن شرب الخمور يورث ~~الطرب واللذة الجسمانية ، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ~~ذكر الله تعالى ، وأما أن الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة فكذلك ، لأنه ~~إن كان غالبا صار استغراقه في لذة الغلبة مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه ~~، ولا شك أن هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة . # فإن قيل : الآية صريحة في أن علة تحريم الخمر هي هذه المعاني ، ثم إن هذه ~~المعاني كانت حاصلة قبل تحريم الخمر مع أن التحريم ما كان حاصلا وهذا يقدح ~~في صحة هذا التعليل : # قلنا : هذا هو أحد الدلائل على أن تخلف الحكم عن العلة المنصوصة لا يقدح ~~في كونها علة . # ولما بين تعالى اشتمال شرب الخمر واللعب بالميسر على هذه المفاسد العظيمة ~~في الدين . # قال تعالى : { فهل أنتم منتهون } روي أنه لما نزل قوله تعالى : { حديثا ~~يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى } ( النساء : 43 ) قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا / فلما ~~نزلت هذه الآية قال عمر : انتهينا يا رب . # واعلم أن هذا وإن كان استفهاما في الظاهر إلا أن المراد منه هو النهي في ~~الحقيقة ، وإنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها ~~للمخاطب ، فلما استفهم بعد ذلك عن تركها لم يقدر المخاطب إلا على الاقرار ~~بالترك ، فكأنه قيل له : أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما قد ظهر فصار قوله ~~{ فهل أنتم منتهون } جاريا مجرى تنصيص الله تعالى على وجوب ms3404 الانتهاء مقرونا ~~بإقرار الملكف بوجوب الانتهاء . # واعلم أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر من وجوه : أحدها : تصدير ~~الجملة بإنما ، وذلك لأن هذه الكلمة للحصر ، فكأنه تعالى قال : للا رجس ولا ~~شيء من عمل الشيطان إلا هذه الأربعة وثانيها : أنه تعالى قرن الخمر والميسر ~~بعبادة الأوثان ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( شارب الخمر كعابد الوثن ~~) وثالثها : أنه تعالى أمر بالاجتناب ، وظاهر الأمر للوجوب ، ورابعها : أنه ~~قال : { لعلكم تفلحون } جعل الاجتناب من الفلاح ، وإذا كان الاجتناب فلاحا ~~كان الارتكاب خيبة ، وخامسها : أنه شرح أنواع المفاسد المتولدة منها في ~~الدنيا والدين ، وهي وقوع التعادي والتباغض بين الخلق وحصول الاعراض عن ذكر ~~الله تعالى وعن الصلاة . وسادسها : قوله { فهل أنتم منتهون } وهو من أبلغ ~~ما ينتهي به كأنه قيل : قد تلي عليكم ما فيها من أنواع المفاسد والقبائح ~~فهل أنتم منتهون مع هذه الصوارف ؟ أم أنتم على ما كنتم عليه حين لم توعظوا ~~بهذه المواعظ . وسابعها : أنه تعالى قال بعد ذلك . # PageV12P068 ! 7 < { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 92 ) وأطيعوا الله وأطيعوا . . . . . # > > # { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا } فظاهره أن المراد وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول فيما تقدم ذكره من أمرهما بالاجتناب عن الخمر والميسر ، ~~وقوله { واحذروا } أي احذروا عن مخالفتها في هذه التكاليف . وثامنها : قوله ~~: # { فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين } وهذا تهديد عظيم ~~ووعيد شديد في حق من خالف في هذا التكليف وأعرض فيه عن حكم الله ، وبيانه ، ~~يعني أنكم إن توليتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ ~~والاعذار والانذار ، فأما ما وراء ذلك من عقاب من خالف هذا التكليف وأعرض ~~عنه فذاك إلى الله تعالى ، ولا شك أنه تهديد شديد ، فصار كل واحد من هذه ~~الوجوه الصمانية دليلا قاهرا وبرهانا باهرا في تحريم الخمر . # واعلم أن من أنصف وترك الاعتساف علم أن هذه الآية نص صريح في أن كل مسكر ~~حرام ، وذلك لأنه تعالى لما ms3405 ذكر قوله { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلواة } ( ~~المائدة : 91 ) قال بعده { فهل أنتم منتهون } فرتب النهي عن شرب الخمر على ~~كون الخمر مشتملة على تلك المفاسد ، ومن المعلوم في بدائه العقول أن تلك ~~المفاسد إنما تولدت من كونها مؤثرة في السكر وهذا يفيد القطع بأن علة قوله ~~{ فهل أنتم منتهون } هي كون الخمر مؤثرا في الاسكار ، وإذا ثبت هذا وجب ~~القطع بأن كل مسكر حرام ، ومن أحاط عقله بهذا التقدير وبقي مصرا على قوله ~~فليس لعناده علاج ، والله أعلم . # ! 7 < { ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما ~~اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله ~~يحب المحسنين } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 93 ) ليس على الذين . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : روي أنه لما نزلت آية تحريم الخمر قالت الصحابة : إن ~~إخواننا كانوا قد شربوا الخمر يوم أحد ثم قتلوا فكيف حالهم ، فنزلت هذه ~~الآية والمعنى : لا إثم عليهم في ذلك لأنهم شربوها حال ما كانت محللة ، ~~وهذه الآية مشابهة لقوله تعالى في نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة { ~~وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) أي إنكم حين استقبلتم بيت ~~المقدس فقد استقبلتموه بأمري فلا أضيع ذلك ، كما قال : { فاستجاب لهم ربهم ~~أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر * وأنثى } ( آل عمران : 195 ) . ~~PageV12P069 # المسألة الثانية : الطعام في الأغلب من اللغة خلاف الشراب ، فكذلك يجب أن ~~يكون الطعم خلاف الشرب ، إلا أن اسم الطعام قد يقع على المشروبات ، كما قال ~~تعالى : { ومن لم يطعمه فإنه منى } ( البقرة : 249 ) وعلى هذا يجوز أن يكون ~~قوله { جناح فيما طعموا } أي شربوا الخمر ، ويجوز أن يكون معنى الطعم راجعا ~~إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب ، وقد تقول العرب : تطعم تطعم أي ذق حتى تشتهي ~~وإذا كان معنى الكلمة راجعا إلى الذوق صلح للمأكول والمشروب معا . # المسألة الثالثة : زعم بعض الجهال أنه تعالى لما بين في الخمر ms3406 أنها محرمة ~~عندما تكون موقعة للعداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة ، بين في ~~هذه الآية أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد ، ~~بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى ، والاحسان إلى الخلق . قالوا ~~: ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم ، لأنه لو ~~كان المراد ذلك لقال : ما كان جناح على الذين طعموا ، كما ذكر مثل ذلك في ~~آية تحويل القبلة فقال { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) ~~ولكنه لم يقل ذلك ، بل قال : { ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح ~~} إلى قوله { ليس على الذين ءامنوا } ولا شك أن إذا للمستقبل لا للماضي . # واعلم أن هذا القول مردود بإجماع كل الأمة وقولهم : إن كلمة إذا للمستقبل ~~لا للماضي . # قجوابه ما روى أبو بكر الأصم : أنه لما نزل تحريم الخمر ، قال أبو بكر : ~~يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار وكيف ~~بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها ، ~~فأنزل الله هذه الآيات ، وعلى هذا التقدير فالحل قد ثبت في الزمان المستقبل ~~عن وقت نزول هذه الآية لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص . # المسألة الرابعة : أنه تعالى شرط لنفي الجناح حصول التقوى والايمان مرتين ~~وفي المرة الثالثة حصول التقوى والاحسان واختلفوا في تفسير هذه المراتب ~~الثلاث على وجوه : الأول : عمل الاتقاء ، والثاني : دوام الاتقاء والثبات ~~عليه ، والثالث : اتقاء ظلم العباد مع ضم الاحسان إليه . # القول الثاني : أن الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول هذه الآية ، ~~والثاني : اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية . الثالث : اتقاء ما يحدث ~~تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم ، القول الثالث : اتقاء الكفر ثم ~~الكبائر ثم الصغائر ، القول الرابع : ما ذكره القفال رحمه الله تعالى قال : ~~التقوى الأولى عبارة عن الاتقاء من القدح في صحة النسخ وذلك لأن اليهود ~~يقولون النسخ يدل على البداء فأوجب على المؤمنين عند ms3407 سماع تحريم الخمر بعد ~~أن كانت مباحة أن يتقوا عن هذه الشبهة الفاسدة والتقوى اللثانية الإتيان ~~بالعمل المطابق لهذه الآية وهي الاحتراز عن شرب الخمر والتقوى الثالثة ~~عبارة عن المداومة على التقوى المذكورة في الأولى والثانية ثم يضم إلى هذه ~~التقوى الإحسان إلى الخلق . # والقول الخامس : أن المقصود من هذا التكرير التأكيد والمبالغة في الحث ~~على الايمان والتقوى . فإن قيل : لم شرط رفع الجناح عن تناول المطعومات ~~بشرط الايمان والتقوى مع أن المعلوم أن من لم يؤمن ومن لم يتق ثم تناول ~~شيئا من المباحات فإنه لا جناح عليه في ذلك التناول ، بل عليه جناح في ترك ~~الإيمان وفي ترك التقوى ، إلا أن ذلك لا تعلق له بتناول ذلك المباح فذكر ~~هذا الشرط في هذا المعرض غير جائز . PageV12P070 # قلنا : ليس هذا للاشتراط بل لبيان أن أولئك الأقوام الذين نزلت فيهم هذه ~~الآية كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمدا لأحوالهم في الايمان والتقوى ~~والاحسان ، ومثاله أن يقال لك : هل على زيد فيما فعل جناح ، وقد علمت أن ~~ذلك الأمر مباح فتقول : ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم وكان ~~مؤمنا محسنا تريد أن زيدا إن بقي مؤمنا محسنا فإنه غير مؤاخذ بما فعل . # ثم قال تعالى : { والله يحب المحسنين } والمعنى أنه تعالى لما جعل ~~الاحسان شرطا في نفي الجناح بين أن تأثير الإحسان ليس في نفي الجناح فقط ، ~~بل وفي أن يحبه الله ، ولا شك أن هذه الدرجة أشرف الدرجات وأعلى المقامات ، ~~وقد تقدم تفسير محبة الله تعالى لعباده . # ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشىء من الصيد تناله أيديكم ~~ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذالك فله عذاب أليم } . ~~> 7 @QB@ < # | المائدة : ( 94 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { المحسنين ياأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشىء من ~~الصيد تناله أيديكم ورماحكم } # اعلم أن هذا نوع آخر من الأحكام ، ووجه النظم أنه تعالى كما قال : { لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ( المائدة : 87 ) ثم استثنى الخمر ms3408 والميسر ~~عن ذلك ، فكذلك استثنى هذا النوع من الصيد عن المحلالات ، وبين دخوله في ~~المحرمات . # وهاهنا مسائل : # المسألة الأولى : اللام في قوله { ليبلونكم الله } لام القسم ، لأن اللام ~~والنون قد يكونان جوابا للقسم ، وإذا ترك القسم جيء بهما دليلا على القسم . # المسألة الثانية : الواو في قوله { ليبلونكم } مفتوحة لالتقاء الساكنين . # المسألة الثالثة : ليبلونكم أي ليختبرن طاعتكم من ممعصيتكم أي ليعاملنكم ~~معاملة المختبر . # المسألة الرابعة : قال مقاتل بن حيان : ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون ~~عام الحديبية حتى كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم ، فيقدرون على أخذها ~~بالأيدي ، وصيدها بالرماح ، وما رأوا مثل ذلك قط ، فنهاهم الله عنها ابتلاء ~~. قال الواحدي : الذي تناله الأيدي من الصيد ، الفراخ والبيض وصغار الوحش ، ~~والذي تناله الرماح الكبار ، وقال بلعضهم : هذا غير جائز ، لأن الصيد اسم ~~للمتوحش الممتنع دون ما لم يمتنع . # المسألة الخامسة : معنى التقليل والتصغير في قوله { بشىء من الصيد } أن ~~يعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي كون التكليف فيها صعبا شاقا ، ~~كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال ، وإنما هو ابتلاء سهل ، فإن الله تعالى ~~امتحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بصيد البركما امتحن بني إسرائيل بصيد ~~البحر ، وهو صيد السمك . PageV12P071 # المسألة السادسة : من في قوله { من الصيد } للتبعيض من وجهين : أحدهما : ~~المراد صيد البر دون البحر . والثاني : صيد الاحرام دون صيد الاحلال ، وقال ~~الزجاج : يحتمل أن تكون للتبيين كقوله { فاجتنبوا الرجس من الاوثان } ( ~~الحج : 30 ) . # المسألة السابعة : أراد بالصيد المفعول ، بدليل قوله تعالى : { تناله ~~أيديكم ورماحكم } والصيد إذا كان بمعنى المصدر يكون حدثا ، وإنما يوصف بنيل ~~اليد والرماح ما كان عينا . # ثم قال تعالى : { ليعلم الله من يخافه بالغيب } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن هذا مجاز لأنه تعالى عالم لم يزل ولا يزال واختلفوا ~~في معناه فقيل نعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم وقيل ليظهر المعلوم وهو خوف ~~الخائف وقيل هذا على حذف المضاف والتقدير : ليعلم أولياء الله من يخافه ~~بالغيب . # المسألة الثانية : قوله { بالغيب } فيه وجهان : الأول : من يخافه حال ~~إيمانه ms3409 بالغيب كما ذكر ذلك في أول كتابه وهو قوله { يؤمنون بالغيب } ( ~~البقرة : 3 ) الثاني : من يخاف بالغيب أي يخافه بإخلاص وتحقيق ولا يختلف ~~الحال بسبب حضور أحد أو غيبته كما في حق المنافقين الذين إذا لقوا الذين ~~آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم . # المسألة الثالثة : الباء في قوله { بالغيب } في محل النصب بالحال والمعنى ~~من يخافه حال كونه غائبا عن رؤيته ومثل هذا قوله { من خشى الرحمان بالغيب } ~~( ق : 33 ) { ويخشون ربهم * بالغيب } ( الأنبياء : 49 ) وأما معنى الغيب ~~فقد ذكرناه في قوله { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) . # ثم قال تعالى : { فمن اعتدى بعد ذالك فله عذاب أليم } والمراد عذاب ~~الآخرة والتعزيز في الدنيا قال ابن عباس : هذا العذاب هو أن يضرب بطنه ~~وظهره ضربا وجيعا وينزع ثيابه . قال القفال : وهذا جائز لأن اسم العذاب قد ~~يقع على الضرب كما سمى جلد الزانيين عذابا فقال { وليشهد عذابهما طائفة } ( ~~النور : 2 ) وقال { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } ( النساء : 25 ~~) وقال حاكيا عن سليمان في الهدهد : { لاعذبنه عذابا شديدا } ( النمل : 21 ~~) . # ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزآء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ~~أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذالك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ~~ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 95 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { أليم ياأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المراد بالصيد قولان . الأول : أنه الذي توحش سواء كان ~~مأكولا أو لم يكن ، فعلى هذا المحرم إذا قتل سبعا لا يؤكل لحمه ضمن ولا يجب ~~به قيمة شاة ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال PageV12P072 زفر : يجب ~~بالغا ما بلغ . # والقول الثاني : أن الصيد هو ما يؤكل لحمه ، فعلى هذا لا يجب الضمان ~~البتة في قتل السبع ، وهو قول الشافعي رحمه الله وسلم أبو ms3410 حنيفة رحمه الله ~~أنه لا يجب الضمان في قتل الفواسق الخمس وفي قتل الذئب حجة الشافعي رحمه ~~الله القرآن والخبر ، أما القرآن فهو أن الذي يحرم أكله ليس بصيد ، فوجب أن ~~لا يضمن ، إنما قلنا إنه ليس بصيد لأن الصيد ما يحل أكله لقوله تعالى بعد ~~هذه الآية { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد ~~البر ما دمتم حرما } ( المائدة : 96 ) فهذا يقتضي حل صيد البحر بالكلية ، ~~وحل صيد البر خارج وقت الاحرام ، فثبت أن الصيد ما يحل أكله والسبع لا يحل ~~أكله ، فوجب أن لا يكون صيدا ، وإذا ثبت أنه ليس بصيد وجب أن لا يكون ~~مضمونا ، لأن الأصل عدم الضمان ، تركنا العمل به في ضمان الصيد بحكم هذه ~~الآية ، فبقي فيما ليس بصيد على وفق اوصل ، وأما الخبر فهو الحديث المشهور ~~وهو قوله عليه السلام : ( خمس فواسق لا جناح على المحرم أن يقتلهن في الحل ~~والحرم الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب العقور ) وفي رواية أخرى : ~~والسبح الضاري ، والاستدلال به من وجوه : أحدها : أن قوله : والسبع الضاري ~~نص في المسألة ، وثانيها : أنه عليه السلام وصفها بكونها فواسق ثم حكى بحل ~~قتلها ، والحكم المذكور عقيب الوصف المناسب مشعر بكون الحكم معلالا بذلك ~~الوصف ، وهذا يدل على أن كونها فواسق علة لحل قتلها ، ولا معنى لكونها ~~فواسق إلا كونها مؤذية ، وصفة الايذاء في السباع أقوى فوجب جوا ( قتلها ، ~~وثالثها : أن الشارع خصها بإباحة القتل ، وإنما خصها بهذا الحكم لاختصاصها ~~بمزيد الايذاء ، وصفة الايذاء في السباع أتم ، فوجب القول بجواز قتلها . ~~وإذا ثبت جواز قتلها وجب أن لا تكون مضمونة لما بيناه في الدليل الأول . # حجة أبي حنيفة رحمه الله : أن السبع صيد فيدخل تحت قوله { لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم } وإنما قلنا إنه صيد لقول الشاعر : # ليث تربى ربية فاصطيدا # ولقول علي عليه السلام : # % فصيد الملوك أرانب وثعالب % % وإذا ركبت فصيدي الأبطال % # والجواب : قد بينا بدلالة الآية أن ما يحرم أكله ليس بصيد ، وذلك لا ~~يعارضه شعر ms3411 مجهول ، وأما شعر علي عليه السلام فغير وارد ، لأن عندنا الثعلب ~~حلال . # المسألة الثانية : حرم جمع حرام ، وفيه ثلاثة أقوال : الأول : قيل حرم أي ~~محرمون بالحج ، وقيل : وقد دخلتم الحرم ، وقيل : هما مرادان بالآية ، وهل ~~يدخل فيه المحرم بالعمرة فيه خلاف . # اللمسألة الثالثة : قوله { لا تقتلوا } يفيد المنع من القتل ابتداء ، ~~والمنع منه تسببا ، فليس له أن يتعرض إلى الصيد ما دام محرما لا بالسلاح ~~ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ، ~~وأما الحلال فله أن يتصيد في الحل وليس له أن يتصيد في الحرم ، وإذا قلنا { ~~وأنتم حرم } يتناول الأمرين أعني من كان محرما ومن كان داخلا في الحرم كانت ~~الآية دالة على كل هذه الأحكام . PageV12P073 # ثم قال تعالى : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي فجزاء بالتنوين ؛ ومثل بالرفع ~~والمعنى فعليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد فمثل مرفوع لأنه صفة لقوله { ~~فجزاء } قال ولا ينبغي إضافة جزاء إلى المثل . ألا ترى أنه ليس عليه جزاء ~~مثل ما قتل ، في الحقيقة إنما عليه جزاء الملقتول لا جزاء مثلل المقتول ~~الذي لم يقتله وقوله تعالى : { من النعم } يجوز أن يكون صفة للنكرة التي هي ~~جزاء ؛ والمعنى فجزاء من النعم مثل ما قتل ، وأما سائر القراء فهم قرؤا { ~~فجزاء مثل } على إضافة الجزاء إلى المثل وقالوا : إنه وإن كان الواجب عليه ~~جزاء المقتول لا جزاء مثله فإنهم يقولون : أنا أكرم مثلك يريدون أنا أكرمك ~~ونظيره قوله { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) والتقدير : ليس هو كشيء ، ~~وقال : { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به فى الناس كمن ~~مثله في الظلمات } ( الأنعام : 122 ) والتقدير : كمن هو في الظلمات وفيه ~~وجه آخر وهو أن يكون المعنى فجزاء مثل ما قتل من النعم كقولك خاتم فضة أي ~~خاتم من فضة . # المسألة الثانية : قال سعيد بن جبير : المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه ~~شيء وهو ms3412 قول داود وقال جمهور الفقهاء : يلزمه الضمان سواء قتل عمدا أو خطأ ~~حجة داود أن قوله تعالى : { ومن قتله منكم متعمدا } مذكور في معرض الشرط ، ~~وعند عدم الشرط يلزم عدم المشروط فوجب أن لا يجب الجزاء عند فقدان العمدية ~~قال : والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال في آخر الآية { ومن عاد فينتقم الله ~~منه } والانتقام إنما يكون في العمد دون الخطأ وقوله { ومن عاد } المراد ~~منه ومن عاد إلى ما تقدم ذكره ، وهذا يقتضي أن الذي تقدم ذكره من القتل ~~الموجب للجزاء هو العمد لا الخطأ وحجة الجمهور قوله تعالى : { وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما } ( المائدة : 96 ) ولما كان ذلك حرامال بالاحرام ~~صار فعله محظورا بالاحرام فلا يسقط حكمه بالخطأ والجهل كما في حلق الرأس ~~وكما في ضمان مال المسلم فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يتبدل ذلك ~~بكونه خطأ أو عمدا فكذا هاهنا وأيضا يحتجون بقوله عليه السلام في الضبع كبش ~~إذا قتله المحرم ، وقول الصحابة في الظبي شاة ، وليس فيه ذكر العمد . # أجاب داود بأن نص القرآن خير من خبر الواحد وقول الصحابي والقياس . # المسألة الثالثة : ظاهر الآية يدل على أنه يجب أن يكون جزاء الصيد مثل ~~المقتول ، إلا أنهم اختلفوا في المثل ، فقال الشافعي ومحمد بن الحسن : ~~الصيد ضربان : منه ما له مثل ، ومنه ما لا مثل له ، فما له مثل يضمن بمثله ~~من النعم ، وما لا مثل له يضمن بالقيمة . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : المثل ~~الواجب هو القيمة . # وحجة الشافعي : القرآن ، والخبر ، والإجماع ، والقياس ، أما القرآن فقوله ~~تعالى : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } والاستدلال به ~~من وجوه أربعة : الأول : أن جماعة من القراء قرؤا { فجزاء } بالتنوين ، ~~ومعناه : فجزاء من النعم مماثل لما قتل / فمن قال إنه مثله في القيمة فقد ~~خالف النص ، وثانيها : أن قوما آخرين قرؤا { فجزاء مثل ما قتل } بالإضافة ، ~~والتقدير : فجزاء ما قتل من النعم ، أي فجزاء مثل ما قتل يجب أن يكون من ms3413 ~~النعم ، فمن لم يوجبه فقد خالف النص ، ثالثها : قراءة ابن مسعود { فجزاؤه * ~~مثل ما قتل من النعم } وذلك صريح فيما قلناه : ورابعها : أن قوله تعالى : { ~~يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة } صريح في أن ذلك الجزاء الذي يحكم ~~به ذوا عدل منهم ، يجب أن يكون هديا بالغ الكعبة . PageV12P074 # فإن قيل : إنه يشري بتلك القيمة هذا الهدى . # قلنا : النص صريح في أن ذلك الشيء الذي يحكم به ذوا عدل يجب أن يكون هديا ~~وأنتم تقولون : الواجب هو القيمة ، ثم إنه يكون بالخيار إن شاء اشترى بها ~~هديا يهدي إلى الكعبة ، وإن شاء لم يفعل ، فكان ذلك على خلاف النص ، وأما ~~الخبر : فما روى جابر بن عبد ا أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الضبع ، أصيد هو ؟ فقال نعم ، وفيه كبش إذا أخذه المحرم ، وهذا نص صريح . ~~وأما الاجماع : فهو أن الشافعي رحمه الله قال : تظاهرت الروايات عن علي ~~وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر في بلدان مختلفة وأزمان ~~شتى : أنهم حكموا في جزاء الصيد بالمثل من النعم ، فحكموا في النعامة ببدنة ~~، وفي حمار الوحش ببقرة ، وفي الضبع بكبش ، وفي الغزال بعنز ، وفي الظبي ~~بشاة ، وفي الأرنب بجفرة ، وفي رواية بعناق ، وفي الضب بسخلة ، وفي اليربوع ~~بجفرة وهذا يدل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبها بالصيد من النعم لا ~~بالقيمة ولا حكموا بالقيمة لاختلف باختلاف الأسعار والظبي هو الغزال الكبير ~~الذكر والغزال هو الأنثى واليربوع هو الفأرة الكبيرة تكون في الصحراء ، ~~والجفرة الأنثى من أولاد المعز إذا انفصلت عن أمها والذكر جفر والعنق ~~الأنثى من أولاد المعز إذا قويت قبل تمام الحول . وأما القياس فهو أن ~~المقصود من الضمان جزاء الهالك ولا شك أن المماثلة كلما كانت أتم كان ~~الجزاء أتم فكان الايجب أولى . حجة أبي حنيفة رحمه الله تعالى : لا نزاع أن ~~الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل فإنه يضمن بالقيمة فكان المراد بالمثل في ~~قوله { فجزاء مثل ما قتل ms3414 من النعم } هو القيمة في هذه الصورة ، فوجب أن ~~يكون في سائر الصور كذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على المعنى ~~الواحد . # والجواب : أن حقيقة المماثلة أمر معلوم والشارع أوجب رعاية المماثلة فوجب ~~رعايتها بأقصى الامكان فإن أمكنت رعايتها في الصورة وجب ذلك وإن لم يكن ~~رعايتها إلا بالقيمة وجب الاكتفاء بها للضرورة . # المسألة الرابعة : جماعة محرمون قتلوا صيدا . قال الشافعي رحمه الله : لا ~~يجب عليهم إلا جزاء وحدا ، وهو قول أحمد وإسحاق ، وقال أبو حنيفة ومالك ~~والثوري رحمهم الله : يجب على كل واحد منهم جزاء واحد . حجة الشافعي رحمه ~~الله : أن الآية دلت على وجوب المثل ، ومثل الواحد واحد وأكد هذا بما روي ~~عن عمر رضي الله عنه أنه قال بمثل قولنا : حجة أبي حنيفة رحمه الله أن كل ~~واحد منهم قاتل فوجب أن يجب على كل وحد منهم جزاء كامل ، بيان الأول أن ~~جماعة لو حلف كل واحد منهم أن لا يقتل صيدا فقتلوا صيدا واحدا لزم كل واحد ~~منهم كفارة ، وكذلك القصاص المتعلق بالقتل يجب على جماعة يقتلون واحدا ، ~~وإذا ثبت أن كل واحد منهم قاتل وجب أن يجب على كل واحد منهم جزاء كامل ~~لقوله تعالى : { ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } فقوله { ~~ومن قتله منكم متعمدا } صيغة عموم فيتناول كل القاتلين . أجاب الشافعي رحمه ~~الله : بأن القتل شيء واحد فيمتنع حصوله بتمامه بأكثر من قاعل واحد فإذا ~~اجتمعوا حصل بمجموع أفعالهم قتل واحد وإذا كان كذلك امتنع كون كل واحد منهم ~~قاتلا في الحقيقة وإذا ثبت أن كل واحد منهم ليس بقاتل لم يدخل تحت هذه لآية ~~وأما قتل الجماعة بالواحد فذاك ثبت على سبيل التعبد وكذ القول في إيجاب ~~الكفارات المتعددة . # المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : المحرم إذا دل غيره على صيد ، ~~فقتله المدلول عليه لم PageV12P075 يضمن الدال الجزاء ، وقال أبو حنيفة ~~رحمه الله : يضمن حجة الشفعي أو وجوب الجزاء معلق بالقتل في هذه الآية ~~والدلالة ليست ms3415 بقتل فوجب أن لا يجب الضمان ولأنه بدل المتلف فلا يجب ~~بالدالة ككفارة القتل والدية ، وكالدلالة على مال المسلم . حجة أبي حنيفة ~~رحمه الله أنه سئل عمر عن هذه المسألة فشاور عبد الرحمن بن عوف فأجمعا على ~~أن عليه الجزاء وعن ابن عباس أنه أوجب الجزاء على الدال ، أجاب الشافعي ~~رحمه الله : بأن نص القرآن خير من أثر بعض الصحابة . # المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : إن جرح ظبيا فنقص من قيمته ~~العشر فعليه عشر قيمة الشاة ، وقال داود لا يضمن ألبتة سوى القتل ، وقال ~~المزني عليه شاة . حجة داود أن الآية دالة على أن شرط وجوب الجزاء هو القتل ~~، فإذا لم يوجد القتل : وجب أن لا يجب الجزاء ألبتة ، وجوابه أن المعلق على ~~القتل ، وجوب مثل المقتول ، وعندنا أن هذا لا يجب عند عدم القتل فسقط قوله ~~. # المسألة السابعة : إذا رمى من الحل والصيد في الحل ، فمر في السهم طائفة ~~من الحرم ، قال الشافعي رحمه الله : يحرم وعليه والجزاء ، وقال أبو حنيفة : ~~لا يحرم . حجة الشافعي : أن سبب الذبح مركب من أجزاء ، بعضها مباح وبعضها ~~محرم ، وهو المرور في الحرم ، وما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام ~~الحلال ، لا سيما في الذبح الذي الأصل فيه الحرمة . وحجة أبي حنيفة رضي ~~الله عنه : أن قوله تعالى : { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } نهى له عن ~~الاصطياد حال كونه في الحرم ، فلما لم يوجد واحد من هذين الأمرين وجب أن لا ~~تحصل الحرمة . # المسألة الثامنة : الحلال إذا اصطاد صيدا وأدخله الحرم لزمه الارسال وإن ~~ذبحه حرم ولزمه الجزاء وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقا الشافعي رحمه ~~الله ، وقال اشفعي رحمه الله يحل ، وليس عليه ضمان . حجة الشافعي : قوله ~~تعالى : { أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم ~~حرم } ( المائدة : 1 ) وحجة أبي حنيفة قوله تعالى : { لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم } نهى عن قتل الصيد حال كونه محرما ، وهذا يتناول الصيد الذي ~~اصطاده في الحل ، والذي اصطاده في ms3416 الحرم . # المسألة التاسعة : إذا قتل المحرم صيدا وأدى جزاءه ، ثم قتل صيدا آخر ~~لزمة جزاء آخر ، وقال داود : لا يجب حجة الجمهور : أن قوله تعالى : { ومن ~~قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } ظاهره يقتضي أن علة وجوب ~~الجزاء هو القتل ، فوجب أن يتكرر الحكم عند تكرر العلة . # فإن قيل : إذا قال الرجل لنسائه ، من دخل منكن الدار فهي طالق ، فدخلت ~~واحدة مرتين لم يقع إلا طلاق واحد . # قلنا : الفرق أن القتل علة لوجوب الجزاء ، فيلزم تكرر الحكم عند تكرر ~~العلة . أما ههنا : دخول الدار شرط لوقوع الطلاق ، فلم يلزم تكرر الحكم عند ~~تكرر الشرط . حجة داود : قوله تعالى : { ومن عاد فينتقم الله منه } جعل ~~جزاء العائد الانتقام لا الكفارة . # المسألة العاشرة : قال الشافعي رحمه الله : إذا أصاب صيدا أعور أو مكسور ~~اليد أو الرجل فداه بمثله ، والصحيح أحب إلي ، وعلى هذا الكبير أولى من ~~الصغير ، ويفدى الذكر بالذكر ، والأنثى بالأنثى ، والأولى أن PageV12P076 ~~لا بغير ، لأن نص القرآن إيجاب المثل ، والأنثى وإن كانت أفضل من الذكر من ~~حيث إنها تلد ، فالذكر أفضل من الأنثى لأن لحمه أيب وصورته أحسن . # ثم قال تعالى : { يحكم به ذوا عدل منكم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : يريد يحكم في جزاء الصيد رجلان صالحان ~~ذوا عدل منكم أي من أهل ملتكم ودينكم فقيهان عدلان فينظران إلى أشبه ~~الأشباه به من النعم فيحكمان به / واحتج به من نصر قول أبي حنيفة رحمه الله ~~في إيجاب القيمة ، فقال : التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد ، وأما ~~الخلقة والصورة ، فظاهرة مشاهدة لا يحتاج فيها إلى الاجتهاد . # وجوابه : أن وجوه المشهابهة بين النعم وبين الصيد مختلفة وكثيرة ، فلا بد ~~من الاجتهاد في تمييز الأقوى من الأضعف ، والذي يدل على صحة ما ذكرنا أنه ~~قال ميمون بن مهران : جاء أعرابي إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقال : إني ~~أصبت من الصيد كذا وكذا ، فسأل أبو بكر رضي الله عنه أبي بن كعب ، فقال ~~الأعرابي : أتيتك أسألك ، وأنت ms3417 تسأل غيرك ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ~~وما أنكرت من ذلك ، قال الله تعالى : { يحكم به ذوا عدل منكم } فشاورت ~~صاحبي ، فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به ، وعن قبيضة بن جابر : أنه حين كان ~~محرما ضرب ظبيا فمات ، فسأل عمر بن الخطاب رضي لله عنه ، وكان بجنبه عبد ~~الرحمن بن عوف ، فقال عمر لعبد الرحمن : ما ترى ؟ قال : عليه شاة . قال : ~~وأنا أرى ذلك ، فقال : إذهب قاهد شاة . قال قبيصة : فخرجت إلى صاحبي وقلت ~~له إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره . قال : ففاجأني عمر ~~وعلاني بالدرة ، وقال : أتقتل في الحرم وتسفه الحكم ، قال الله تعالى : { ~~يحكم به ذوا عدل منكم } فأنا عمر ، وهذا عبد الرحمن بن عوف . # المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : الذي له مثل ضربان فما حكمت ~~فيه الصحابة بحكم لا يعدل عنه إلى غيره ، لأنه شاهدوا التنزيل ، وحضروا ~~التأويل ، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين ، فينظر إلى ~~الأجناس الثلاثة من الأنعام فكل ما كان أقرب شبها به يوجبانه وقال مالك : ~~يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة ، وفيما لم تحكم به حجة الشافعي رحمه ~~الله الآية دلت على أنه يجب أن يحكم به ذوا عدل ، فإذا حكم به إثنان من ~~الصحابة ، فقد دخل تحت الآية ، ثم ذاك أولى لما ذكرنا أنهم شاهدوا التنزيل ~~، وحضروا التأويل . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : يجوز أن يكون القاتل أحد ~~العدلين إذا كان أخطأ فيه ، فإن تعمد لا يجوز ، لأنه يفسق به ، وقال مالك : ~~لا يجوز كما في تقويم المتلفات . حجة الشافعي رحمه الله : أنه تعالى أوجب ~~أن يحكم به ذوا عدل ، وإذا صدر عنه القتل خطأ كان عدلا ، فإذا حكم به هو ~~وغيره فقد حكم به ذوا عدل ، وأيضا روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبيا ، ~~فسأل عمر عنه ، فقال عمر : احكمد فقال : أنت عدل يا أمير المؤمنين فاحكم ، ~~فقال عمر رضي الله عنه : إنما أمرتك أن تحكم وما أمرتك أن تزكيني ms3418 ، فقال : ~~أرى فيه جديا جمع الماء والشجر ، فقال : افعل ما ترى ، وعلى هذا التقدير ~~قال أصحابنا : يجوز أن يكونا قاتلين . # المسألة الرابعة : لو حكم عدلان بمثل ، وحكم عدلان رخران بمثل آخر ، فيه ~~وجهان : أحدهما : PageV12P077 يتخير ، والثاني : يأخذ بالأغلظ . # المسألة الخامسة : قال بعض مثبتي القياس : دلت الآية على أن العمل ~~بالقياس والاجتهاد جائز لأنه تعالى فوض تعيين المثل إلى اجتهاد الناس ~~وظنونهم وهذا ضعيف لأنه لا شك أن الشارع تعبدنا بالعمل بالظن في صور كثيرة ~~. منها : الاجتهاد في القبلة ، ومنها : العمل بشهادة الشاهدين ومنها : ~~العمل بتقويم المقومين في قيم المتلفات وأروش الجنايات ، ومنها : العمل ~~بتحكيم الحكام في تعيين مثل المصيد المقتول ، كما في هذه الآية ، ومنها : ~~عمل العامي بالفتوى . ومنها : العمل بالظن في مصالح الدنيا . إلا أنا نقول ~~: إن ادعيتم أن تشبيه صورة شرعية بصورة شرعية في الحكم الشرعي هو عين هذه ~~المسائل التي عددناها فذلك باطل في بديهة العقل ، وإن سلمتم المغايرة لم ~~يلزم ، من كون الظن حجة في تلك الصور ، كونه حجة في مسألة القياس ، إلا إذا ~~قسنا هذه المسألة على تلك المسائل وذلك يقتضي إثبات القياس بالقياس / وهو ~~باطل . وأيضا فالفرق ظاهر بين البابين ، لأن في جميع الصور المذكورة الحكم ~~إنما ثبت في حق شخص واحد في زمان واحد في واقعة واحدة . وأما الحكم الثابت ~~بالقياس فإنه شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والتنصيص على ~~أحكام الأشخاص الجزئية متعذر . وأما التنصيص على الأحكام الكلية والشرائع ~~العامة الباقية إلى آخر الدهر غير متعذر . وأما التنصيص عى الأحكام الكلية ~~والشرائع العامة الباقية إلى آخر الدهر غير متعذر ، فظهر الفرق والله أعلم ~~. # ثم قال تعالى : { هديا بالغ الكعبة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الآية وجهان : الأول : أن المعنى يحكمان به هديا ~~يساق إلى الكعبة فينحر هناك ، وهذا يؤكد قول من أوجب المثل من طريق الخلقة ~~لأنه تعالى لم يقل يحكمان به شيئا يشتري به هدي وإنما قال يحكمان به هديا ~~وهذا صريح في أنهما يحكمان بالهدي لا ms3419 غير . الثاني : أن يكون المعنى يحكمان ~~به شيئا يشتري به ما يكون هديا ، وهذا بعيد عن ظاهر اللفظ ، والحق هو الأول ~~. وقوله { هديا } نصب على الحال من الكناية في قوله { به } والتقدير يحكم ~~بذلك المثل شاة أو بقرة أو بدنة فالضمير في قوله { به } عائد إلى المثل ~~والهدي حال منه ، وعند التفظن لهذين الاعتبارين فمن الذي يرتاب في أو ~~الواجب هو المثل من طريق الخلقة والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله { بالغ الكعبة } صفة لقوله { هديا } لأن إضافته ~~غير حقيقية ، تقديره بالغا الكعبة لكن التنوين قد حذف استخفافا ومثله { ~~عارض ممطرنا } ( الأحقاف : 24 ) . # المسألة الثالثة : سميت الكعبة كعبة لارتفاعها وتربعها ، والعرب تسمي كل ~~بيت مربع كعبة والكعبة إنما أريد بها كل الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان ~~في الكعبة ولا عندها ملازقا لها ونظير هذه الآية قوله { ثم محلها إلى البيت ~~العتيق } ( الحج : 33 ) . # المسألة الرابعة : معنى بلوغه الكعبة ، أن يذبح بالحرم فإن دفع مثل الصيد ~~المقتول إلى الفقراء حيا لم يجز بل يجب عليه ذبحه في الحرم ، وإذا ذبحه في ~~الحرم . قال الشافعي رحمه الله : يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضا . ~~وقال أبو حنيفة رحمه الله : له أن يتصدق به حيث شاء ، وسلم الشافعي أن له ~~أن يصوم حيث شاء ، لأنه لا منفعة فيه لمساكين الحرم . PageV12P078 # حجة الشافعي : أن نفس الذبح إيلام ، فلا يجوز أن يكون قربة ، بل القربة ~~هي إيصال اللحم إلى الفقراء ، فقوله : { هديا بالغ الكعبة } يوجب إيصال تلك ~~الهدية إلى أهل الحرم والكعبة . # وحجة أبي حنيفة رحمه الله : أنها لما وصلت إلى الكعبة فقد صارت هديا بالغ ~~الكعبة ، فوجب أن يخرج عن العهدة . # ثم قال تعالى : { أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذالك صياما } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر { أو كفارة طعام } على إضافة ~~الكفارة إلى الطعام ، والباقون { أو كفارة } بالرفع والتنوين طعام بالرفع ~~من غير التنوين ، أما وجه القراءة الأولى : فهي أنه تعالى لما خير المكلف ~~بين ثلاثة أشياء : الهدي ، والصيام ms3420 ، والطعام ، حسنت الإضافة ، فكأنه قيل ~~كفارة طعام لا كفارة هدي ، ولا كفارة صيام ، فاستقامت الإضافة لكون الكفارة ~~من هذه الأشياء ، وأما وجه قراءة من قرأ { أو كفارة } بالتنوين ، فهو أنه ~~عطف على قوله { فجزاء } و { طعام مساكين } عطف بيان ، لأن الطعام هو ~~الكفارة ولم تضف الكفارة إلى الطعام ، لأن الكفارة ليست للطعام ، وإنما ~~الكفارة لقتل الصيد . # المسألة الثانية : قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة رحمهم الله : كلمة { أو ~~} في هذه الآية للتخيير ، وقال أحمد وزفر : إنها للترتيب . # حجة الأولين أن كلمة ( أو ) في أصل اللغة للتخيير ، والقول بأنها للترتيب ~~ترك للظاهر . # حجة الباقين : أن كلمة ( أو ) قد تجيء لا لمعنى للتخيير ، كما في قوله ~~تعالى : { أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } ( المائدة ~~: 33 ) فإن المراد منه تخصيص كل واحد من هذه الأحكام بحالة معينة ، فثبت أن ~~هذا اللفظ يحتمل الترتيب ، فنقول : والدليل دل على أن المراد هو الترتيب ، ~~لأن الواجب ههنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله { ليذوق وبال أمره * ومن ~~عاد * فينتقم الله منه } والتخيير ينافي التغليظ . # والجواب : أن إخراج المثل ليس أقوى عقوبة من إخراج الطعام ، فالتخيير لا ~~يقدح في القدر الحاصل من العقوبة في إيجاب المثل . # المسألة الثالثة : إذا قتل صيدا له مثل قال الشافعي رحمه الله : هو مخير ~~بين ثلاثة أشياء : إن شاء أخرج المثل ، وإن شاء قوم المثل بدراهم ، ويشتري ~~بها طعاما ويتصدق به ، وإن شاء صام ، وأما الصيد الذي لا مثل له ، فهو مخير ~~فيه بين شيئين ، بين أن يقوم الصيد بالدراهم ويشتري بتلك الدراهم طعاما ~~ويتصدق به ، وبين أن يصوم ، فعلى ما ذكرنا الصيد الذي له مثل إنما يشتري ~~الطعام بقمية مثله . وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله : إنما يشتري الطعام ~~بقيمته : حجة الشافعي أن المثل من النعم هو الجزاء والطعام بناء عليه فيعدل ~~به كما يعدل عن الصوم بالطعام ، وأيضا تقويم مثل الصيد أدخل في الضبط من ~~تقويم نفس الصيد ، وحجة أبي حنيفة رحمه الله : أن مثل المتلف إذا ms3421 وجب اعتبر ~~بالمتلف لا بغيره ما أمكن ، والطعام إنما وجب مثلا للمتلف فوجب أن يقدر به ~~. # المسألة الرابعة : اختلفوا في موضع التقويم : فقال أكثر الفقهاء : إنما ~~يقوم في المكان الذي قتل الصيد فيه . وقال الشعبي : يقوم بمكة بثمن مكة ~~لأنه يكفر بها . PageV12P079 # المسألة الخامسة : قال الفراء : العدل ما عادل الشيء من غير جنسه ، ~~والعدل المثل ، تقول عندي عدل غلامك أو شاتك إذا كان عندك غلام يعدل غلاما ~~أو شاة تعدل شاة ، أما إذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين فقلت عدل . ~~وقال أبو الهيثم : العدل المثل ، والعدل القيمة ، والعدل اسم حمل معدول ~~بحمل آخر مسوى به ، والعدل تقويمك الشيء بالشيء من غير جنسه . وقال الزجاج ~~وابن الأعرابي : العدل والعدل سواء وقوله { صياما } نصب على التمييز ، كنا ~~تقول عندي رطلان عسلا ، وملء بيت قتا ، والأصل فيه إدخال حرف من فيه ، فإن ~~لم يذكر نصبته . تقول : رطلان من العسل وعدل ذلك من الصيام . # المسألة السادسة : مذهب الشافعي رضي الله عنه : أنه يصوم لكل مد يوما وهو ~~قول عطاء ومذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه يصوم لكل نصف صاع يوما ، والأصل في ~~هذه المسألة أنهما توافقا على أن الصوم مقدر بطعام يوم ، إلا أن طعام اليوم ~~عند الشافعي مقدر بالمد ، وعند أبي حنيفة رحمه الله مقدر بنصف صاع على ما ~~ذكرناه في كفارة اليمين . # المسألة السابعة : زعم جمهور الفقهاء أن الخيار في تعيين أحد هذه الثلاثة ~~إلى قاتل الصيد . وقال محمد بن الحسن رحمه الله إلى الحكمين : حجة الجمهور ~~أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الثلاثة على التخيير ، فوجب أن يكون ~~قاتل الصيد مخيرا بين أيها شاء ، وحجة محمد رحمه الله أنه تعالى جعل الخياة ~~إلى الحكمين فقال { يحكم به ذوا عدل منكم هديا } أي كذا وكذا . # وجوابنا : أن تأويل الآة { فجزاء مثل ما قتل من النعم أو كفارة طعام ~~مساكين أو عدل ذالك صياما } وأما الاذي يحكم به ذوا عدل فهو تعيين المثل ، ~~إما في القيمة أو في الخلقة ms3422 . # ثم قال تعالى : { ليذوق وبال أمره } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : الوبال في اللغة : عبارة عما فيه من الثقل والمكروه . ~~يقال : مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة ، وماء وبيل إذا لم يستمر ، أو الطعام ~~الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا ينهضم ، قال تعالى : { فأخذناه أخذا وبيلا ~~} ( المزمل : 16 ) أي ثقيلا . # المسألة الثانية : إنما سمى الله تعالى ذلك وبالا لأنه خيره بين ثلاثة ~~أشياء : اثنان منها توجب تنقيص المال ، وهو ثقيل على الطبع ، وهما الجزاء ~~بالمثل والاطعام ، والثالث : يوجب إيلام البدن وهو الصوم ، وذلك أيضا ثقيل ~~على الطبع ، والمعنى : أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التي ~~كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم وفي حال ~~الإحرام . # ثم قال تعالى : { عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ~~ذو انتقام } # وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية وجهان : الأول : عفا الله عما مضى في الجاهلية ~~وعما سلف قبل التحريم في الإسلام . # القول الثاني : وهو قول من لا يوجب الجزاء إلا في المرة الأولى ، أما في ~~المرة الثانية فإنه لا يوجب الجزاء عليه ويقول إنه أعظم من أن يكفره التصدق ~~بالجزاء ، فعلى هذا المراد : عفا الله عمال سلف في المرة الأولى بسبب أداء ~~الجزاء ، ومن عاد إليه مرة ثانية فلا كفارة لجرمه بل ينتقم الله منه . وحجة ~~هذا القول : أن PageV12P080 الفاء في وقله { فينتقم الله منه } فاء الجزاء ~~، والجزاء هو الكافي ، فهذا يقتضي أن هذا الانتقام كاف في هذا الذنب ، ~~وكونه كافيا يمنع من وجوب شيء آخر ، وذلك يقتضي أن لا يجب الجزاء عليه . # المسألة الثانية : قال سيبويه في قوله { ومن عاد فينتقم الله منه } وفي ~~قوله { ومن كفر فأمتعه قليلا } ( البقرة : 126 ) وفي قوله { فمن يؤمن بربه ~~فلا يخاف } ( الجن : 13 ) إن في هذه الآيات إضمارا مقدرا والتقدير : ومن ~~عاد فهو ينتقم الله منه ، ومن كفر فأنا أمتعه ، ومن يؤمن بربه فهو لا يخاف ~~، وبالجملة فلا بد من إضمار مبتدأ يصير ذلك ms3423 الفعل خبرا عنه ، والدليل عليه ~~: أن الفعل يصير بنفسه جزاء ، فلا حاجة إلى إدخال حرف الجزاء عليه فيصير ~~إدخال حرف الفاء على الفعل لغوا أما إذا أضمرنا المبتدأ احتجنا إلى إدخال ~~حرف الفاء عليه ليرتبط بالشرط فلا تصير الفاء لغوا والله أعلم . # ! 7 < { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد ~~البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذىإليه تحشرون } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 96 ) أحل لكم صيد . . . . . # > > # قوله تعالى : { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : المراد بالصيد المصيد ، وجملة ما يصاد من البحر ثلاثة ~~أجناس ، الحيتان وجميع أنواعها حلال ، والضفادع وجميع أنواعها حرام ، ~~واختلفوا فيما سوى هذين . فقال أبو حنيفة رحمه الله إنه حرام . وقال ابن ~~أبي ليلى والأكثرون إنه حلال ، وتمسكوا فيه بعموم هذه الآية ، والمراد ~~بالبحر جميع المياه والأنهار . # المسألة الثانية : أنه تعالى عطف طعام البحر على صيده والعطف يقتضي ~~المغايرة وذكروا فيه وجوها : # الأول : وهو الأحسن ما ذكره أبو بكر الصديق رضي الله عنه : أن الصيد ما ~~صيد بالحيلة حال حياته والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من ~~غير معالجة في أخذه هذا هو الأصح مما قيل في هذا الموضع . # والوجه الثاني : أن صيد البحر هو الطري ، وأما طعام البحر فهو الذي جعل ~~مملحا ، لأنه لما صار عتيقا سقط اسم الصيد عنه ، وهو قول سعيد بن جبير ~~وسعيد بن المسيب ومقاتل والنخعي وهو ضعيف لأن الذي صار مالحا فقد كان طريا ~~وصيدا في أول الأمر فيلزم التكرار . والثالث : أن الاصطياد قد يكون للأكل ~~وقد يكون لغيره مثل اصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ ، واصطياد بعض الحيوانات ~~البحرية لأجل عظامها وأسنانها فقد حصل التغاير بين الاصطياد من البحر وبين ~~الأكل من طعام البحر والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : السمكة الطافية في البحر ~~محللة . وقال أبو حنيفة رحمه الله محرمة : حجة الشافعي القرآن والخبر ، أما ~~القرآن فهو أنه يمكن أكله فيكون طعاما فوجب أن يحل لقوله تعالى ms3424 : { أحل لكم ~~صيد البحر وطعامه } وأما الخبر فقوله عليه السلام في البحر : ( هو الطهور ~~ماؤه الحل ميتته ) . PageV12P081 # المسألة الرابعة : قوله { * للسيارة } يعني أحل لكم صيد البحر للمقيم ~~والمسافر ، فالطري للمقيم ، والمالح للمسافر . # المسألة الخامسة : في انتصاب قوله { أرساها متاعا لكم } وجهان : الأول : ~~قال الزجاج انتصب لكونه مصدرا مؤكدا إلا أنه لما قيل : { أحل لكم } كان ~~دليلا على أنه منعم به ، كما أنه لما قيل { حرمت عليكم أمهاتكم } ( النساء ~~: 23 ) كان دليلا على أنه كتب عليهم ذلك فقال { كتاب الله عليكم } ( النساء ~~: 24 ) الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) انتصب لكونه مفعولا له ، أي أحل لكم ~~تمتيعا لكم . # ثم قال تعالى : { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } . # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع ~~من هذه السورة من قوله { غير محلى الصيد وأنتم حرم } ( المائدة : 1 ) إلى ~~قوله { وإذا حللتم فاصطادوا } ( المائدة : 2 ) ومن ثوله { لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم } ( المائدة : 95 ) إلى قوله { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ~~} . # المسألة الثانية : صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء ، أما الذي لا ~~يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك ~~كله صيد البر ، فعلى هذا السلحفاة ، والسرطان ، والضفدع ، وطير الماء ، كل ~~ذلك من صيد البر ، ويجب على قاتله الجزاء . # المسألة الثالثة : اتفق المسلمون على أن المحرم عليه الصيد ، واختلفوا في ~~الصيد الذي يصيده الحلال هل يحل للمحرم فيه أربعة أقوال : الأول : وهو قول ~~علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس ، وذكره الثوري وإسحاق أنه ~~يحرم عليه بكل حال ، وعولوا فيه على قوله { وحرم عليكم صيد البر ما دمتم ~~حرما } وذلك لأن صيد البر يدخل فيه ما اصطاده المحرم وما اصطاده الحلال ، ~~وكل ذلك صيد البر ، وروى أبو داود في ( سننه ) عن حميد الطويل عن إسحاق بن ~~عبدالله بن الحرث عن أبيه قال : كان الحرث خليفة عثمان على الطائف فصنع ~~لعثمان طعاما وصنع فيه ms3425 الحجل واليعاقيل ولحوم الوحش فبعث إلى علي بن أبي ~~طالب عليه السلام فجاءه الرسول فجاء فقالوا له كل فقال علي : أطعمونا قوتا ~~حلالا فإنا حرم ، ثم قال علي عليه السلام أنشد الله من كان ههنا من أجع ~~أتعلمون أن رسول الله أهدى إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله ~~فقالوا نعم . # والقول الثاني : أن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا ~~يصطاد له ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، والحجة فيه ما روى أبو داود في ( ~~سننه ) عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( صيد البر ~~لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ) . # والقول الثالث : أنه إذا صيد للمحرم بغير إعانته وإشارته حل له وهو قول ~~أبي حنيفة رحمه الله ، روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في ~~أصحاب محرمين له فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فقال : ( هل أشرتم ~~هل أعنتم فقالوا لا . فقال : هل بقي من لحمه شيء أوجب الإباحة عند عدم ~~الإشارة والاعانة من غير تفصيل . PageV12P082 # واعلم أن هذين القولين مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، ~~والثاني في غاية الضعف . # ثم قال تعالى : { واتقوا الله الذى إليه تحشرون } والمقصود منه التهديد ~~ليكون المرء مواظبا على الطاعة محترزا عن المعصية . # ! 7 < { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى ~~والقلائد ذالك لتعلموا أن الله يعلم ما فى السماوات وما فى الا رض وأن الله ~~بكل شىء عليم } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 97 ) جعل الله الكعبة . . . . . # > > # قوله تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدى والقلائد } . # اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أن الله تعالى حرم في الآية ~~المتقدمة الاصطياد على المحرم ، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش ~~والطير ، فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول ~~الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { قيما } بغير ألف ، ومعناه المبالغة في ~~كونه ms3426 قائما بإصلاح مهمات الناس كقوله تعالى : { دينا قيما } ( الأنعام : ~~161 ) والباقون بالألف ، وقد استقصينا ذلك في سورة النساء . # المسألة الثانية : { جعل } فيه قولان : الأول : أنه بين وحكم ، الثاني : ~~أنه صير ، فالأول بالأمر والتعريف ، والثاني بخلق الدواعي في قلوب الناس ~~لتعظيمه والتقرب إليه . # المسألة الثالثة : سميت الكعبة كعبة لارتفاعها ، يقال للجارية إذا نتأ ~~ثديها وخرج كاعب وكعاب ، وكعب الإنسان يسمى كعبا لنتوه من الساق ، فالكعبة ~~لما ارتفع ذكرها في الدنيا واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الاسم ، ولذلك ~~فإنهم يقولون لمن عظم أمره فلان علا كعبه . # المسألة الرابعة : قوله { قياما للناس } أصله قوام لأنه من قام يقوم ، ~~وهو ما يستقيم به الأمر ويصلح ، ثم ذكروا ههنا في كون الكعبة سببا لقوام ~~مصالح الناس وجوها : الأول : أن أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق ~~عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون إليه طول السنة ، فإن مكة بلدة ضيقة لا ضرع ~~فيها ولا زرع ، وقلما يوجد فيها ما يحتاجون إلي ، فالله تعالى جعل الكعبة ~~معظمة في القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها ، فيسافرون إليها من ~~كل فج عميق لأجل التجارة ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات ، فصار ذلك سببا ~~لاسباغ النعم على أهل مكة . الثاني : أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا ~~في الحرم ، فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل ~~قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له ، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم ~~التجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولهذا قال تعالى : { أو لم * يروا أنا جعلنا ~~حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم } ( العنكبوت : 67 ) الثالث : أن أهل مكة ~~صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد ~~يتقرب إليهم ويعظمهم . الرابع : أنه تعالى جعل الكعبة قواما للناس في دينهم ~~بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة ، وجعل تلك المناسك ~~سببا لحط الخطيآت ، ورفع الدرجات وكثرة الكرامات . PageV12P083 # واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه ، وذلك لأن قوام ~~المعيشة ms3427 إما بكثرة المنافع وهو الوجه الأول الذي ذكرناه ، وإما بدفع المضار ~~وهو الوجه الثاني ، وءما بحصول الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث ، وإما ~~بحصول الدين وهو الوجه الرابع ، فلما كانت الكعبة سببا لحصول هذه الأقسام ~~الأربعة ، وثبت أن قوام المعيشة ليس إلا بهذه الأربعة ثبت أن الكعبة سبب ~~لقوام الناس . # المسألة الخامسة : المراد بقوله { قياما للناس } أي لبعض الناس وهم العرب ~~، وإنما حسن هذا المجاز لأن أهل كل بلد إذا قالوا الناس فعلوا كذا وصنعوا ~~كذا فإنهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على ~~وفق عادتهم . # المسألة السادسة : اعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء ~~سببا لقيام الناس وقوامهم . الأول : الكعبة وقد بيثنا معنى كونها سببا ~~لقيام الناس ، وأما الثاني : فهو الشهر الحرام ومعنى كونه سببا لقيام الناس ~~هو أن العرب كان يقتل بعضهم بعضا في سائر الأشهر ، ويغير بعضهم على بعض ، ~~فإذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا ~~آمنين على أنفسهم وأموالهم وكانوا يحصلون في الشهر الحرام من الأقوات ما ~~كان يكفيهم طول السنة ، فلولا حرمة الشهر الحرام لهلكوا وتفانوا من الجوع ~~والشدة فكان الشهر الحرام سببا لقوام معيشتهم في الدنيا أيضا . فهو سبب ~~لاكتساب الثواب العظيم بسبب إقامة مناسك الحج . # واعلم أنه تعالى أراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة إلا أنه عبر ~~عنها بلفظ الواحد لأنه ذهب به مذهب الجنس . وأما الثالث : فهو الهدي وهو ~~إنما كان سببا لقيام الناس ، لأن الهدي ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق ~~لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكا للمهدي وقواما لمعيشة الفقراء . وأما ~~الرابع : فهو القلائد ، والوجه في كونها قياما للناس أن من قصد البيت في ~~الشهر الحرام لم يتعرض له أحد ، ومن قصده من غير الشهر الحرلاام ومعه هدي ، ~~وقد قلده وقلد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد ، حتى أن الواحد من ~~العرب يلقى الهدي مقلدا ، ويموت من الجوع فلا يتعرض له البتة ، ولم يتعرض ~~لها صاحبها ms3428 أيضا ، وكل ذلك إنما كان لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم ~~البيت الحرام ، فكل من قصده أو تقرب إليه صار آمنا من جميع الآفات ~~والمخافات ، فلما ذكر الله تعالى أنه جعل الكعبة البيت الحرام قياما للناسي ~~ذكر بعده هذه الثلاثة ، وهي الشهر الحرام والهدي والقلائد ، لأن هذه ~~الثلاثة إنما صارت سببا لقوام المعيشة لانتسابها إلى البيت الحرام ، فكان ~~ذلك دليلا على عظمة هذا البيت وغاية شرفه . # ثم قال تعالى : { ذالك لتعلموا أن الله يعلم ما فى * السماوات وما في ~~الارض * وأن الله بكل شىء عليم } . # والمعنى : أنه تعالى لما علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص الشديد ~~على القتل والغارة وعلم أنه لو دامت بهم هذه الحالة لعجزوا عن تحصيل ما ~~يحتاجون إليه من منافع المعيشة ، ولأدى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلية ، ~~دبر في ذلك تدبيرا لطيفا ، وهو يأنه ألقى في قلوبهم اعتقادا قويا في تعظيم ~~البيت الحرام وتعظيم مناسكه ، فصار ذلك سببا لحصول الأمن في البلد الحرام ، ~~وفي الشهر الحرام ، فلما حصل الأمن في هذا المكان وفي هذا الزمان ، قدروا ~~على تحصيل ما يحتاجون إليه في هذا الزمان ، وفي هذا المكان ، فاستقامت ~~مصالح معاشهم ، ومن المعلوم أن مثل هذا التدبير لا يمكن إلا إذا كان تعالى ~~في الأزل PageV12P084 عالما بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات حتى يعلم ~~أن الشر غالب على طباعهم ، وأن ذلك يفضي بهم إلى الفناء وانقطاع النسل ، ~~وأنه لا يمكن دفع ذلك إلا بهذا الطريق اللطيف ، وهو إلقاء تعظيم الكعبة في ~~قلوبهم حتى يصير ذلك سببا لحصول الأمان في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، ~~فحينئذ تستقيم مصالح معاشهم في ذلك المكان ، وفي ذلك الزمان ، وهذا هو ~~بعينه الدليل الذي تمسك به المتكلمون على كونه تعالى عالما ، فإنهم يقولون ~~إن أفعاله محكمة متقنة مطابقة للمصالح ، وكل من كان كذلك كان عالما ، ومن ~~المعلوم أن إلقاء تعظيم الكعبة في قلوب العرب لأجل أن يصير ذلك سببا لحصول ~~الأمن في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، ليصير ذلك سبب ms3429 اقتدارهم على ~~تحصيل مصالح المعيشة ، فعل في غاية الاتقان والاحكام ، فيكون ذلك دليلا ~~قاهرا وبرهانا باهرا ، على أن صانع العالم سبحانه وتعالى عالم بجميع ~~المعلومات / فلا جرم قال ذلك { لتعلموا } أي ذلك التدبير اللطيف لأجل أن ~~تتفكروا فيه ، فتعلموا أنه تدبير لطيف وفعل محكم متقن ، فتعلموا { أن الله ~~يعلم ما فى * السماوات وما في الارض } ثم إذا عرفتم ذلك ، عرفتم أن علمه ~~سبحانه وتعالى صفة قديمة أزلية واجبة الوجود ، وما كان كذلك ، امتنع أن ~~يكون مخصوصا بالبعض دون البعض ، فوجب كونه متعلقا بجميع المعلومات ، وإذا ~~كان كذلك ، كان الله سبحانه عالما بجميع المعلومات ، فلذلك قال : { وأن ~~الله بكل شىء عليم } فما أحسن هذا الترتيب في هذا التقدير والحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . # ! 7 < { اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | المائدة : ( 98 ) اعلموا أن الله . . . . . # > > لما ذكر الله تعالى أنواع رحمته بعباده ، ذكر بعده أنه شديد العقاب ، ~~لأن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف كما قال عليه الصلاة والسلام : ( لو ~~وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ) ثم ذكر عقيبه ما يدل على الرحمة وهو كونه ~~غفورا رحيما وذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب ، لأنه تعالى ذكر فيما قبل ~~أنواع رحمته وكرمه ، ثم ذكر أنه شديد العقاب ثم ذكر عقيبه وصفين من أوصاف ~~الرحمة وهو كونه غفورا رحيما ، وهذا تنبيه على دقيقة وهي أن ابتداء الخلق ~~والإيجاد كان لأجل الرحمة ، والظاهر أن الختم لا يكون إلا على الرحمة . ثم ~~قال تعالى : # ! 7 < { ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } . > ~~7 ! # < < # | المائدة : ( 99 ) ما على الرسول . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما قدم الترهيب والترغيب بقوله { أن الله شديد ~~العقاب وأن الله غفور رحيم } ( المائدة : 98 ) أتبعه بالتكليف بقوله { ما ~~على الرسول إلا البلاغ } يعني أنه كان مكلفا بالتبليغ فلما بلغ خرج عن ~~العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنا عالم بما تبدون PageV12P085 وبما تكتمون ~~، فإن خالفتم فاعلموا أن الله شديد ms3430 العقاب ، وإن أطعتم فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم . # ! 7 < { قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله ~~ياأولى الا لباب لعلكم تفلحون } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 100 ) قل لا يستوي . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { قل لا يستوى الخبيث والطيب } . # اعلم أنه تعالى لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله { اعلموا أن ~~الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم } ( المائدة : 98 ) ثم أتبعه بالتكليف ~~بقوله { ما على الرسول إلا البلاغ } ( المائدة : 99 ) ثم أتبعه بالترغيب في ~~الطاعة والتنفير عن المعصية بقوله { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ( ~~المائدة : 99 ) أتبعه بنوع آخر من الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية ~~فقال : { قل لا يستوى الخبيث والطيب } وذلك لأن الخبيث والطيب قسمان : ~~أحدهما : الذي يكون جسمانيا ، وهو ظاهر لكل أحد ، والثاني : الذي يكون ~~روحانيا ، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية ، وأطيب الطيبات ~~الروحانية معرفة الله تعالى وطاعة الله تعالى ، وذلك لأن الجسم الذي يلتصق ~~به شيء من النجاسات يصير مستقذرا عند أرباب الطباع السليمة ، فكذلك الأرواح ~~العارفة بالله تعالى المواظبة على خدمة الله تعالى ، فإنها تصير مشرقة ~~بأنوار المعارف الإلهية مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة ، وكما ~~أن الخبيث والطبيب في عالم الجسمانيات لا يستويان ، فكذلك في عالم ~~الروحانيات لا يستويان ، بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشد ، لأن ~~مضرة خبث الخبيث الجسماني شيء قليل ، ومنفعته طيبة مختصرة ، وأما خبث ~~الخبيث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة أبدية ، وطيب الطيب الروحاني فمنفتعه ~~عظيمة دائمة أبدية ، وهو القرب من جوار رب العالمين ، والانخراط في زمرة ~~الملائكة المقربين ، والمرافقة من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين ، ~~فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية . # ثم قال تعالى : { ولو أعجبك كثرة الخبيث } يعني أن الذي يكون خبيثا في ~~عالم الرحانيات ، قد يكون طيبا في عالم الجسمانيات ، ويكون كثير المقدار ، ~~وعظيم اللذة ، إلا أنه مع كثرة مقداره ولذاذة متناوله وقرب وجدانه ، سبب ~~للحرمان من السعادات الباقية الأبدية السرمدية ، التي إليها الإشارة بقوله ~~{ والباقيات الصالحات خير عند ربك } ( الكهف ms3431 : 46 ) وإذا كان الأمر كذلك ~~فالخبيث ولو أعجبك كثرته ، يمتنع أن يكون مساويا للطيب الذي هو المعرفة ~~والمحبة والطاعة والابتهاج بالسعادات الروحانية والكرامات الربانية . # ولما ذكر تعالى هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة ، والتحذيرات من المعصية ~~، أتبعها بوجه آخر يؤكدها ، فقال تعالى : { فاتقوا الله ياأولى * أولى * ~~الالباب لعلكم تفلحون } أي فاتقوا الله بعد هذه البيانات الجلية ، ~~والتعريفات القوية ، ولا تقدموا على مخالفته لعلكم تصيرون فائزين بالمطالب ~~الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم وإن ~~تسألوا عنها حين ينزل القرءان تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم } . > ~~7 @QB@ < # | المائدة : ( 101 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { تفلحون يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم } في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أنه تعالى ~~لما قال : { ما على الرسول إلا البلاغ } ( المائدة : 99 ) صار التقدير كأنه ~~قال ، ما بلغه الرسول إليكم فخذوه ، وكونوا منقادين له ، وما لم يبلغه ~~الرسول إليك PageV12P086 فلا تسألوا عنه ، ولا تخوضوا فيه ، فإنكم أن خضتم ~~فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما ~~يثقل عليكم ويشق عليكم . الثاني : أنه تعالى لما قال : { ما على الرسول إلا ~~البلاغ } وهذا ادعاء منه للرسالة ، ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور ~~المعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكيا عنهم { وقالوا لن نؤمن ~~لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسرار : 90 ) إلى قوله { قل سبحان ~~ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } ( الإسرار : 93 ) والمعنى إني رسول أمرت ~~بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام اليكم ، والله تعالى قد أقام الدلالة على ~~صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات ، فبعد ذلك طلب ~~الزيادة من باب التحكم وذلك ليس في وسعي ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم مثل ~~أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا ، ثم إن ~~المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى ms3432 الله عليه وسلم بهذه ~~المعجزات ، وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ~~ينبغي أن يطلبوا ذلك فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم . # الوجه الثالث : أن هذا متصل بقوله : { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ~~( المائدة : 99 ) فاتركوا الأمور على ظواهرنا ولا تسألوا عن أحوال مخيفة إن ~~تبد لكم تسؤكم . # المسألة الثانية : أشياء جمع شيء وأنها غير متصرفة وللنحويين في سبب ~~امتناع الصرف وجوه الأول : قال الخليل وسيبويه : قولنا شيء جمعه في الأصل ~~شيآء على وزن فعلاء فاستثقلوا اجتماع الهمزتين في آخره ، فنقلوا الهمزة ~~الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجاءت لفعاء ، وذلك يوجب منع ~~الصرف لثلاثة أوجه ، واحد منها مذكور ، وإثنان خطرا ببالي . # أما الأول : وهو المذكور فهو أن الكلمة لما كانت في الأصل على وزن فعلاء ~~، مثل حمراء ، لا جرم لم تنصرف كما لم ينصرف حمراء ، والثاني : ى نها لما ~~كانت في الأصل شيآء ثم جعلت أشياء كان ذلك تشبيها بالمعدول كما في عامر ~~وعمر ، وزافر وزفر ، والعدل أحد أسباب منع الصرف . الثالث : وهو إنا لما ~~قطعنا الحرف الأخير منه وجعلناه أوله ، والكلمة من حيث إنها قطع منها الحرف ~~الأخير صارت كنصف الكلمة ، ونصف الكلمة لا يقبل الاعراب ، ومن حيث إن ذلك ~~الحرف الذي قطعناه منها ما حذفناه بالكلية ، بل ألصقناه بأولها ، كانت ~~الكلمة كأنها باقية بتمامها ، فلا جرم منعناه بعض وجوه الاعراب دون البعض ، ~~تنبيها على هذه الحالة ، فهذا ما خطر بالبال في هذا المقام . # الوجه الثاني : في بيان السبب في منع الصرف ما ذكره الأخفش والفراء : وهو ~~أن أشياء وزنه أفعلاء ، كقوله أصدقاء وأصفياء ، ثم إنهم استثقلوا اجتماع ~~الياء والهمزتين فقدموا الهمزة ، فلما كان أشياء في الأصل أشيياء على وزن ~~أصدقاء وأفعلاء / وكان ذلك مما لا يجري فيه الصرف ، فكذا ههنا . # الوجه الثالث : ما ذكره الكسائي : وهو أن أشياء على وزن أفعال ، إلا أنهم ~~لم يصرفوه لكونه شبيها في الظاهر بحمراء وصفراء ، وألزمه الزجاج أن لا ~~ينصرف أسماء وأبناء ، وعندي ms3433 أن سؤال الزجاج ليس بشيء ، لأن للكسائي أن يقول ~~: القياس يقتضي ذلك في أبناء وأسماء ، إلا أنه ترك العمل به للنص ، لأن ~~النص أقوى من القياس ، ولم يوجد النص في لفظ أشياء فوجب الجري فيه على ~~القياس ، ولأن المحققين من النحويين اتفقوا على أن العلل النحوية لا توجب ~~الاطراد ، ألا ترى أنا إذا قلنا الفاعلية توجب الرفع ، لزمنا أن نحكم ~~PageV12P087 بحصول الرفع في جميع المواضع ، كقولنا جاءني هؤلاء وضربني هذا ~~بل نقول : القياس ذلك فيعمل به ، إلا إذا عارضه نص فكذا القول فيما أورده ~~الزجاج على الكسائي . # المسألة الثالثة : روى أنس أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأكثروا ~~المسألة ، فقام على المنبر فقال : ( سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت ~~في مقامي هذا إلا حدثتكم به ) فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في ~~نسبه ، فقال يا نبي الله من أبي فقال : ( أبوك حذافة بن قيس ) وقال سراقة ~~بن مالك ويروي عكاشة بن محصن يا رسول الله : الحج علين في كل عام فأعرض عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة ، فقال عليه الصلاة ~~والسلام : ( ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ~~لتركتم ، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم ~~بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء ~~فاجتنبوه ) وقام آخر فقال : يا رسول الله أين أبي فقال ( في النار ) ولما ~~اشتد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم قام عمر وقال : رضينا بالله ربا ~~وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا فأنزل الله تعالى هذه الآية . # وأعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها ~~وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف ~~عليه فيه ، ألا ترى أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول عليه ~~الصلاة والسلام بغير أبيه فيفتضح ، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ms3434 ~~ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه : ( ءن أعظم المسلمين في المسلمين ~~جرما من كان سببا لتحريم حلال إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عام ~~) وكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوه ، وما حرم ~~فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله ~~تعالى ، ثم يتلو هذه الآية وقال أبو ثعلبة الخشني : ءن الله فرض فرائض فلا ~~تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وعفا عن ~~أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها . # ثم قال تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن } وفيه وجوه ~~: الأول : أنه بين بالآية الأولى أن تلك الأشياء التي سألوا عنها أن أبديت ~~لهم ساءتهم ثم بين بهذه الآية أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، فكان حاصل ~~الكلام أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم ، وإن أبديت لهم ساءتهم ، فيلزم من ~~مجموع المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم . والوجه ~~الثاني : في تأويل الآية أن السؤال على قسمين . أحدهما : السؤال عن شيء لم ~~يجز ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه ، فهذا السؤال منهى عنه بقوله { ~~لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } . # والنوع الثاني من السؤال : السؤال عن شيء نزل به لقرآن لكن السامع لم ~~يفهمه كما ينبغي فههنا PageV12P088 السؤال واجب ، وهو المراد بقوله { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن } والفائدة في ذكر هذا القسم أنه لما ~~منع في الآية الأولى من السؤال أوهم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه فذكر ~~ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم . # فإن قيل قوله { وإن تسألوا عنها } هذا الضمير عائد إلى الأشياء المذكورة ~~في قوله { لا تسألوا عن أشياء } فكيف يعقل في { أشياء } بأعيانها أن يكون ~~السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا . # قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعا ~~قبل نزول القرآن بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها ms3435 ، والثاني : أنهما وإن ~~كانا نوعين مختلفين ، إلا أنهما في كون كل واحد منهما مسؤولا عنه شيء واحد ~~، فلهذا حسن اتحاد الضمير وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين . # الوجه الثالث في تأويل الآية : إن قوله { لا تسألوا عن أشياء } دل على ~~سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، فقوله { وإن تسألوا عنها } أي وإن تسألوا عن تلك ~~السؤالات حين ينزل القرآن لكم أن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا ، والحاصل ~~أن المراد من هذه الآية أنه يجب السؤال أولا ، وأنه هل يجوز السؤال عن كذا ~~وكذا أم لا . # ثم قال تعالى : { عفا الله عنها } وفيه وجوه : الأول : عفا الله عما سلف ~~من مسائلكم وإغضابكم للرسول بسببها ، فلا تعودوا إلى مثلها . الثاني : ى نه ~~تعالى ذكر أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم ، فقال { ~~عفا الله عنها } يعني عما ظهر عند تلك السؤالات مما يسؤكم ويثقل ويشق في ~~التكليف عليكم . الثالث : في الآية تقديم وتأخير ، والتقدير : لا تسألوا عن ~~أشياء عفا الله عنها في الآية { إن تبد لكم تسؤكم } وهذا ضعيف لأن الكلام ~~إذا اسقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير ، وعلى ~~هذا الوجه فقوله { عفا الله عنها } أي أمسك عنها وكف عن ذكرها ولم يكلف ~~فيها بشيء ، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : ( عفوت لكم عن صدقة الخيل ، ~~والرقيق ) أي خففت عنكم بإسقاطها . # ثم قال تعالى : { والله غفور حليم } وهذه الآية تدل على أن المراد من ~~قوله عفا الله عنها ما كذرناه في الوجه الأول . ثم قال تعالى : # ! 7 < قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 102 ) قد سألها قوم . . . . . # > > قال المفسرون : يعني قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وقوم موسى ~~قالوا : { } > 7 ! # قال المفسرون : يعني قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وقوم موسى قالوا : ~~{ أرنا الله جهرة } ( النساء : 153 ) فصار ذلك وبالا عليهم ، وبنو إسرائيل ~~{ قالوا لنبى لهم ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله } قال تعالى : فما كتب ~~عليهم القتال تولوا ms3436 إلا قليلا منهم } و { * } و { قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا ونحن أحق بالملك منه } ( البقرة : 246 247 ) فسألوها ثم كفروا بها ، ~~وقوم عيسى سألوا عن أشياء فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم ذلك فإن قيل : إنه ~~تعالى قال : أولا : { لا تسألوا عن أشياء } ( المائدة : 101 ) ثم قال ههنا ~~: { قد سألها قوم من قبلكم } وكان الأولى أن يقول : قد سأل عنها قوم فما ~~السبب في ذلك . PageV12P089 # قلنا الجواب من وجهين : الأول : أن السؤال عن الشيء عبارة عن السؤال عن ~~حالة من أحواله ، وصفة من صفاته ، وسؤال الشيء عبارة عن طلب ذلك الشيء في ~~نفسه ، يقال : سألته درهما أي طلبت منه الدرهم ويقال : سألته عن الدرهم أي ~~سألته عن صفة الدرهم وعن نعته ، فالمتقدمون إنما سألوا من الله إخراج ~~الناقة من الصخرة ، وإنزال المائدة من السماء ، فهم سألوا نفس الشيء ، وأما ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فهم ما سألوا ذلك ، وإنما سألوا عن أحوال ~~الأشياء وصفاتها ، فلما اختلف السؤالان في النوع ، اختلفت العبارة أيضا إلا ~~أن كلا القسمين يشتركان في وصف واحد ، وهو أنه خوض في الفضول ، وشروع فيما ~~لا حاجة إليه ، وفيه خطر المفسدة ، والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه ~~خطر المفسدة ، يجب على العاقل الاحتراز عنه ، فبين تعالى أن قوم محمد عليه ~~السلام في السؤال عن أحوال الأشياء مشابهون لأولئك المتقدمين في سؤال تلك ~~الأشياء في كون كل واحد منهما فضولا وخوضا فيما لا فائدة فيه . # الوجه الثاني : في الجواب أن الهاء في قوله { قد سألها } غير عائدة إلى ~~الأشياء التي سألوا عنها ، بل عائدة إلى سؤالاتهم عن تلك الأشياء ، ~~والتقدير : قد سأل تلك السؤالات الفاسدة التي ذكرتموها قوم من قبلكم ، فلما ~~أجيبوا عنها أصبحوا بها كافرين . # ! 7 < { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ولاكن الذين ~~كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 103 ) ما جعل الله . . . . . # > > # قوله تعالى : { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ms3437 } في ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : أعلم أنه تعالى لما منع الناس من البحث عن أمور ما ~~كلفوا بالبحث عنها كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها ، ولما كان ~~الكفار يحرمون على أنفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات وإن كانوا في غاية ~~الاحتياج إلى الانتفاع بها ، بين تعالى أن ذلك باطل فقال : { ما جعل الله ~~من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } . # المسألة الثانية : أعلم أنه يقال : فعل وعمل وطفق وجعل وأنشأ وأقبل ، ~~وبعضها أعم من بعض ، وأكثرها عموما فعل ، لأنه واقع على أعمال الجوارح ~~وأعمال القلوب ، أما إنه واقع على أعمال الجوارح فظاهر ، وأما إنه واقع على ~~أعمال القلوب ، فدليل عليه قوله تعالى : { لو شآء الله ما عبدنا من دونه من ~~شىء نحن ولا ءاباؤنا } إلى قوله { كذلك فعل الذين من قبلهم } ( النحل : 35 ~~) وأما عمل فإنه أخص من فعل ، لأنه لا يقع إلا على أعمال الجوارح ، ولا يقع ~~على الهم والعزم والقصد ، والدليل عليه قوله عليه السلام : ( نية المؤمن ~~خير من عمله ) جعل النية خيرا من العمل ، فلو كانت النية عملا ، لزم كون ~~النية خيرا من نفسها ، وأما جعل فله وجوه : أحدها : الحكم ومنه قوله { ~~وجعلوا الملئكة الذين * عم * عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) وثانيها ~~: الخلق ، ومنه قوله : { وجعل الظلمات والنور } ( الانعام : 1 ) . وثالثها ~~: بمعنى التصيير PageV12P090 ومه قوله { إنا جعلناه قرءانا عربيا } ( ~~الزخرف : 3 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله { ما جعل الله } أي ما حكم الله بذلك ولا شرع ~~ولا أمر به . # المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أشياء : أولها : البحيرة : ~~وهي فعلية من البحر وهو الشق ، يقال : بحر ناقته إذا شق أذنها ، وهي بمعنى ~~المفعول ، قال أبو عبيدة والزجاج : الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، وكان آخرها ~~ذكرا شقوا أذن الناقة وامتنعوا من ركوبها وذبحها وسبوها لآلهتهم ، ولا يجز ~~لها وبر ، ولا يحمل على ظهرها ، ولا تطرد من ماء ، ولا تمنع عن مرعى ، ولا ~~ينتفع بها وإذا لقيها المعبي لم يركبها تحريجا . # وأما السائبة : فهي فاعلة من ساب ms3438 إذا جرى على وجه الأرض يقال : ساب الماء ~~وسابت الحية ، فالسائبة هي التيتركت حتى تسيب إلى حيث شاءت ، وهي المسيبة ~~كعيشة راضية بمعنى مرضية ، وذكروا فيها وجوها : أحدها : ما ذكره أبو عبيدة ~~، وهو أن الرجل كان إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذرا أو شكر نعمة سيب ~~بعيرا ، فكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها ، وثانيها : قال الفراء ~~: إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث ، سيبت فلم تركب ولم تحلب ولم يجز ~~لها وبر ، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف ، وثالثها : قال ابن عباس : ~~السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق لها ، وكان الرجل يسيب من ماله ما ~~يشاء ، فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل ~~، ورابعها : السائبة هو العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ~~ميراث . # أما الوصيلة : فقال المفسرون : إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ~~ذكرا فهو لآلهتهم ، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاها ، فلم يذبحوا ~~الذكر لآلهتهم ، فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها وصلت بغيرها / ويجوز أن ~~تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها ، وأما الحام فيقال : حماه يحميه إذا ~~حفظه وفيه وجوه : أحدها : الفحل إذا ركب ولد ولده . قيل : حمى ظهره أي حفظه ~~عن الركوب فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت ~~فحينئذ تأكله الرجال والنساء . وثانيها : إذا نتجت الناقة عشرة أبطن قالوا ~~حمت ظهرها حكاه أبو مسلم . وثالثها : الحامهو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر ~~سنين فيخلى ، وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها ، وهو قول السدي . # فإن قيل : إذا جاز إعتاق العبيد هذه البهائم من الذبح والاتعاب والايلام ~~. # قلنا : الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته ، فإذا تمرد عن طاعة ~~الله تعالى عوقت بضرب الرق عليه ، فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة الله ~~تعالى ، فكان ذلك عبادة مستحسنة ، وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع ~~المكلفين ، فتركها وإهمالها يقتضي فوات منفعة على مالكها من غير أن يحصل في ms3439 ~~مقابلتها فائدة ، فظهر الفرق ، وأيضا الإنسان إذا كان عبدا فأعتق قدر على ~~تحصيل مصالح نفسه ، وأما البهيمة إذا أعتقت وتركت لم تقدر على رعاية مصالح ~~نفسها فوقعت في أنواع من المحنة أشد وأشق مما كانت فيها حال ما كانت مملوكة ~~فظهر الفرق . # ثم قال تعالى : { ولاكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا ~~يعقلون } PageV12P091 # قال المفسرون : إن عمرو بن لحي الخزاعي كان قد ملك مكة وكان أول من غير ~~دين إسماعيل ، فاتخذ الأصنام ، ونصب الأوثان ، وشرع البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فلقد رأيته في النار ~~يؤذي أهل النار بريح قصبه ) والقصب المعا وجمعه الاقصاب ، ويروي يجر قصبه ~~في النار . قال ابن عباس : قوله { ولاكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ~~} يريد عمرو بن لحي وأصحابه يقولون على الله هذه الأكاذيب والأباطيب في ~~تحريمهم هذه الأنعام ، والمعنى أن الرؤساء يفترون على الله على الكذب ، ~~فأما الأتباع والعوام فأكثرهم لا يعقلون ، فلا جرم يفترون على الله هذه ~~الأكاذيب من أولئك الرؤساء ثم قال تعالى : # ! 7 < { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ~~ما وجدنا عليه ءاباءنآ أولو كان ءاباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 104 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > والمعنى معلوم وهو رد على أصحاب التقليد وقد استقصينا الكلام فيه في ~~مواضع كثيرة . # وأعلم أن الواو في قوله { وإذا قيل لهم } واو الحال قد دخلت عليها همزة ~~الإنكار ، وتقديره أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون . # وأعلم أن الاقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي ، وإنما يكون عالما مهتديا ~~إذا بنى قوله على الحجة والدليل ، فإذا لم يكن كذلك لم يكن عالما مهتديا ، ~~فوجب أن لا يجوز الاقتداء به . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون * ياأيها الذين ءامنوا ~~شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو ءاخران ~~من غيركم إن ms3440 أنتم ضربتم فى الا رض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد ~~الصلواة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا ~~نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الا ثمين } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 105 - 106 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم } # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : لما بين أنواع التكاليف والشرائع والأحكام ثم قال : { ~~ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ( المائدة : 99 ~~) إلى قوله { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } ( المائدة : 104 ) فكأنه تعالى قال : إن ~~هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الاعذار والانذار والترغيب ~~والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل بقوا مصرين على جهلهم مجدين على جهالاتهم ~~وضلالتهم ، فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم ، بل كونوا منقادين ~~لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه ، فلا يضركم ضلالتهم PageV12P092 ~~وجهالتهم ، فلهذا قال : { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم } . # المسألة الثانية : قوله { عليك * أنفسكم } أي احفظوا من ملابسة المعاصي ~~والاصرار على الذنوب قال النحويون عليك وعندك ودونك من جملة أسماء الأفعال ~~. تقول العرب : عليك وعندك ودونك ، فيعدونها إلى المفعول ويقيمونها مقام ~~الفعل ، وينصبون بها ، فيقال : عليك زيدا كأنه قيل : خذ زيدا فقد علاك ، أي ~~أشرف عليك ، وعندك زيدا ، أي حضرك فخذه ودونك ، أي قرب منك فخذه ، فهذه ~~الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها ونقل صاحب ( ~~الكشاف ) { عليكم أنفسكم } بالرفع عن نافع . # المسألة الثالثة : ذكروا في سبب النزول وجوها : أحدها : ما روى الكلبي عن ~~أبي صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبل من أهل الكتاب ~~الجزية ولم يقبل من العرب إلا الإسلام أو السيف ، عير المنافقون المؤمنين ~~بقبول الجزية من بعض الكفار دون البعض ، فنزلت هذه الآية أي لا يضركم ملامة ~~اللائمين إذا كنتم على الهدى ، وثانيها : أن المؤمنين ms3441 كان يشتد عليهم بقاء ~~الكفار في كفرهم وضلالتهم . فقيل لهم : عليكم أنفسكم ، وما كلفتم من ~~إصلاحها والمشي بها في طريق الهدى لا يضركم ضلال الضالين ولا جهل الجاهلين ~~، وثالثها : أنهم كانوا يغتمون لعشائرهم لما ماتوا على الكفر فنهوا عن ذلك ~~، والأقرب عندي أنه لما حكى عن بعضهم أنه إذا قيل لهم : { تعالوا إلى ما ~~أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا } ( المائدة : ~~104 ) ذكر تعالى هذه الآية ، والمقصود منها بيان أنه لا ينبغي للمؤمنين أن ~~يتشبهوا بهم في هذه الطريقة الفاسدة ، بل ينبغي أن يكونوا مصرين على دينهم ~~، وأن يعلموا أنه لا يضرهم جهل أولئك الجاهلين إذا كانوا راسخين في دينهم ~~ثابتين فيه . # المسألة الرابعة : فإن قيل : ظاهر هذه الآية يوهم أن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر غير واجب . # قلنا الجواب عنه من وجوه : الأول : وهو الذي عليه أكثر الناس ، إن الآية ~~لا تدل على ذلك بل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذا بذنوب العاصي ، فأما ~~وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بالدلائل ، خطب الصديق رضي ~~الله عنه فقال : إنكم تقرؤن هذه الآية { يهتدون يأيها الذين ءامنوا عليكم ~~أنفسكم } وتضعونها غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~: ( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب ) . # والوجه الثاني في تأول الآية : ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا ~~قوله { عليكم أنفسكم } يكون هذا في آخر الزمان : قال ابن مسعود لما قرئت ~~عليه هذه الآية ليس هذا بزمانها ، ما دامت قلوبكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ~~ولم يذق بعضكم بأس بعض ، فأمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء ~~وألبستم شيعا ووكل كل امرىء ونفسه ، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية ، وهذا ~~القول عندي ضعيف ، لأن قوله { ذلك بأن الذين كفروا } خطاب عام ، وهو أيضا ~~خطاب مع الحاضرين فكيف يخرج الحاضر ويخص الغائب . # والوجه الثالث في تأويل الآية : مال ذهب إليه عبد الله بن المبارك قال : ~~هذه أوكد آية في ms3442 وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه قال : { عليكم ~~أنفسكم } يعني عليكم أهل دينكم ولا يشركم من ضل من الكفار ، وهذا كقوله { ~~فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) يعني أهل دينكم فقوله { عليكم أنفسكم } ~~يعني بأن يعظ PageV12P093 بعضكم بعضا ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات ، وينفره ~~عن القبائح والسيئات ، والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله { عليكم أنفسكم } ~~معناه احفظوا أنفسكم فكان ذلك أمرا بأننحفظ أنفسنا فإن لم يكن ذلك الحفظ ~~إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك واجبا . # والوجه الرابع : أن الآية مخصوصة بالكفار الذين علم أنه لا ينفعهم الوعظ ~~، ولا يتركون الكفر ، بسبب الأمر بالمعروف ، فهاهنا لا يجب على الإنسان أن ~~يأمرهم بالمعروف ، والذي يؤكد هذا القول ما ذكرنا في سبب النزول أن الآية ~~نازلة في المنافقين ، حيث عيروا المسلمين بأخذ الجزية من أهل الكتاب دون ~~المشركين . # الوجه الخامس : أن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله ، فهاهنا عليه نفسه لا ~~تضره ضلالة من ضل ولا جهالة من جهل ، وكان ابن شبرمة يقول : من فر من اثنين ~~فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر . # الوجه السادس : لا يضركم إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ~~ضلال من ضل فلم يقبل ذلك . # الوجه السابع : { عليكم أنفسكم } من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر ~~بالمعروف عند القدرة ، فإنلم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك ~~فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم فلا يضركم ضلال غيركم . # والوجه الثامن : أنه تعالى قال لرسوله { فقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا ~~نفسك } ( النساء : 84 ) وذلك لا يدل على سقوط الأمر بالمعروف عن الرسول ~~فكذا هاهنا . # المسألة الخامسة : قريء لا يضركم بفتح الراء مجزوما على جواب قوله { ~~عليكم أنفسكم } وقريء بضم الراء ، وفيه وجهان : أحدهما : على وجه الخبر أي ~~ليس يضركم من ضل ، والثاني : أن حقها الفتح على الجواب ولكن ضمت الراء ~~اتباعا لضمة الضاد . # ثم قال تعالى : { إلى الله مرجعكم جميعا ms3443 } يريد مصيركم ومصير من خالفكم { ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } يعني يجازيكم بأعمالكم . ! 7 < { يا أيها الذين ~~آمنوا شهداة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } > 7 ! # قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية } . # اعلم أنه تعالى لما أمر بحفظ النفس في قوله { عليكم أنفسكم } أمر بحفظ ~~المال في قوله { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اتفقوا على أن سبب نزول هذه الآية تميما الداري وأخاه ~~عديا كان نصرانيين خرجا PageV12P094 إلى الشام ومعهما بديل عمرو بن العاص ~~وكان مسلما مهاجرا ، خرجوا للتجارة فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا ~~فيه نسخة جميع ما معه وألقاه فيما بين الأقمشة ولم يخبر صاحبه بذلك ، ثم ~~أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله ، ومات بديل فأخذا ~~من متاعه إناء من فضة منقوشا بالذهب ثلثمائة مثقال ، ودفعا باقي المتاع إلى ~~أهله لما قدما ، ففتشوا فوجدوا الصحيفة ، وفيها ذكر الإناء ، فقالوا لتميم ~~وعدي : أين الإناء ؟ فقالا لا ندري ، والذي دفع إلينا دفعناه إليكم ، ~~فرفعوا الواقعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية . # المسألة الثانية : قوله { شهادة بينكم } يعني شهادة ما بينكم وما بينكم ~~كناية عن التنازع والتشاجر ، وإنما أضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود ~~إنما يحتاج إليهم عند وقوع التنازع ، وحذف ما من قوله { شهادة بينكم } جائز ~~لظهوره ، ونظيره قوله { هذا فراق بيني وبينك } [ الكهف : 78 ] أي ما بيني ~~وبينك ، وقوله { لقد تقطع بينكم } [ الأنعام : 94 ] في قراءة من نصب ، ~~وقوله { إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية } يعني الشهادة المحتاج إليها عند ~~حضور الموت ، وحين الوصية بدل من قوله { إذا حضر أحدكم } لأن زمان حضور ~~الموت هو زمان حضور الوصية ، فعرف ذلك الرمان بهذين الأمرين الواقعين فيه ، ~~كما يقال ائتني إذا زالت الشمس حين صلاة الظهر . والمراد بحضور الموت ~~مشارفته وظهور أمارات وقوعه ، كقوله { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ~~ترك خيرا الوصية } [ البقرة : 180 ] قالوا ms3444 وقوله [ إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية ] دليل على وجوب الوصية ، لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت غير زمان ~~الوصية ، وهذا إنما يكون إذا كانا متلازمين ، وإنما تحصل هذه الملازمة عند ~~وجوب الوصية . # ثم قال تعالى { اثنان ذو عدل منكم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية حذف ، والمراد أن يشهد ذوا عدل منكم ، وتقدير ~~الآية : شهادة ما بينكم عند الموت الموصوف ، هي أن يشهد اثنان ذو عدل منكم ~~، وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلوما . # المسألة الثانية : اختلف المفسرون في قوله { منكم } على قولين : الأول ~~وهو قول عامة المفسرين أن المراد : اثنان ذوا عدل منكم يا معشر المؤمنين ، ~~أي من أهل دينكم وملتكم ، وقوله { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في ~~الأرض } يعني أو شهادة آخرين من غير أهل دينكم وملتكم إذا كنتم في السفر ، ~~فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر ، وهذا قول ابن عباس ، ~~وأبي موسى الأشعري ، وسعيد بن PageV12P095 جبير ، وسعيد بن المسيب ، وشريح ~~ومجاهد وابن سيرين وابن جريج . قالوا : إذا كان الإنسان في الغربة ، ولم ~~يجد مسلما يشهده على وصيته ، جاز له أن يشهد اليهودي أو النصراني أو ~~المجوسي أو عابد الوثن أو أي كافر كان وشهادتهم مقبولة ، ولا يجوز شهادة ~~الكافرين على المسلمين إلا في هذه الصورة . قال الشعبي رحمه الله : مرض رجل ~~من المسلمين في الغربة ، فلم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته ، فأشهد ~~رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان واليا ~~عليها ، فأخبراه بالواقعة وقدما تركته ووصيته . فقال أبو موسى : هذا أمر لم ~~يكن بعد الذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، ثم حلفهما في مسجد ~~الكوفة بعد العصر بالله أنهما ما كذبا ولا بدلا وأجاز شهادتهما . ثم إن ~~القائلين بهذا القول ، منهم من قال هذا الحكم بقي محكما ومنهم من قال صار ~~منسوخا . # القول الثاني ، وهو قول الحسن والزهري الفقهاؤ : أن قوله { ذوا عدل منكم ~~} أي من أقاربكم وقوله { أو آخران من غيركم } أي من الأجانب { إن ms3445 أنتم ~~ضربتم في الأرض } أي أن توقع الموت في السفر ، ولم يكن معهم أحد من أقاربكم ~~، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية . وجعل الأقارب أولا لأنهم أعلم بأحوال ~~الميت وهم به أشفق ، وبورثته أرحم وأرأف . واحتج الذاهبون إلى القول الأول ~~على صحة قولهم بوجوه : # الحجة الأولى : أنه تعالى قال في أول الآية { يا أيها الذين آمنوا } فعمم ~~بهذا الخطاب جميع المؤمنين ، فلما قال بعده { أو آخران من غيركم } كان ~~المراد أو آخران من جميع المؤمنين لا محالة . # الحجة الثانية : أنه تعالى قال { أو لآخران من غيركم إن أنتم ضربتم في ~~الأرض } وهذا يدل على أن جواز الاستشهاد بهذين الآخرين مشروط بكون المستشهد ~~في السفر ، فلو كان هذان الشاهدان مسلمين ، لما كان جواز الاستشهاد بهما ~~مشروطا بالسفر ، لأن استشهاد المسلم جائز في السفر والحضر . # الحجة الثالثة : الآية دالة على وجوب الحلف على هذين الشاهدين من بعد ~~الصلاة ، وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه الحلف ، فعلمنا ~~أن هذين الشاهدين ليسا من المسلمين . # الحجة الرابعة : أن سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من شهادة النصاريين على ~~بديل وكان مسلما . # الحجة الخامسة : ما روينا أن أبا موسى الأشعري قضى بشهادة اليهوديين بعد ~~أن حلفهما ، وما أنكر عليه أحد من الصحابة ، فكان ذلك إجماعا . # الحجة السادسة : إنا إنما نجيز إشهاد الكافرين إذا لم نجد أحدا من ~~المسلمينن والضرورات قد تبيح المحذورات ، ألا ترى أنه تعالى أجاز التيمم ~~والقصر في الصلاة ، والافطار في رمضان ، وأكل الميتة في حال الضرورة ، ~~والضرورة حاصلة في هذه المسألة ، لأن المسلم إذا قرب أجله في الغربة ولم ~~يجد مسلما يشهده على نفسه ولم تكن شهادة الكفار مقبولة ، فإنه يضيع أكثر ~~مهماته ، فإنه ربما وجبت عليه زكوات وكفارات وما أداها ، وربما كان عنده ~~ودائع أو ديون كانت في ذمته . وكما تجوز شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال ~~النساء ، كالحيض والحبل والولادة والاستهلال لأجل أنه لا يمكن وقوف الرجال ~~على هذه الاحوال ، فاكتفينا فيها بشهادة النساء لأجل الضرورة ، فكذا ههنا . ~~وأما قول من ms3446 يقول بأن هذا الحكم صار منسوخا فبعيد ، لاتفاق أكثر الأمة على ~~أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن ، وليس فيها منسوخ ، واحتج ~~القائلون بالقول الثاني بقوله { وأشهدوا ذوي عدك منكم } [ الطلاق : 2 ] ~~والكافر لا يكون عدلا . PageV12P096 # أجاب الأولون عنه : لم لا يجوز ان يكون المراد بالعدل من كان عدلا في ~~الاحتراز عن الكذب ، لا بد من كان عدلا في الدين والاعتقاد ، والدليل عليه ~~: أنا أجمعنا على قبول شهادة أهل الأهواء والبدع ، مع أنهم ليسوا عدولا في ~~مذاهبهم ، ولكنهم لما كانوا عدولا في الاحتراز عن الكذب قبلنا شهادتهم ، ~~فكذا ههنا سلمنا أن الكافر ليس بعدل ، إلا أن قوله { وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~} عام ، وقول في هذه الآية { اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ~~ضربتم في الأرض } خاص فإنه أوجب شهادة العدل الذي يكون منا في الحضر ، ~~واكتفى بشهادة من لا يكون منا في السفر ، فهذه الآية خاصة ، والآية التي ~~ذكرتموها عامة ، والخاص مقدم على العام ، لا سيما إذا كان الخاص متأخرا في ~~النزول ، ولا شك أن سورة المائدة متأخرة ، فكان تقديم هذه الآية الخاصة على ~~الآية العامة التي ذكرتموها واجبا بالاتفاق والله أعلم . # ثم قال تعالى { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابكم مصيبة ~~الموت } # وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله { أو آخران } عطف على قوله { اثنان } والتقدير : ~~شهادة بينكم أن يشهد اثنان منكم أو آخران من غيركم . # المسألة الثانية : قوله { إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابكم مصيبة الموت } ~~المقصود منه بيان أن جواز الاستشهاد بآخرين من غيرهم مشروط بما إذا كان ~~المستشهد مسافرا ضاربا في الأرض وحضرت علامات نزول الموت به . # ثم قال تعالى { وتحسبونهما من بعد الصلاة } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : تحسبونهما ، أي توقفونهما كما يقول الرجل : مر بي فلان ~~على فرس فحبس علي دابته أي أوقفها وحبست الرجل في الطريق أكلمه أي أوقفته . # فإن قيل : ما موقع تحبسونهما ؟ # قلنا : هو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن حصلت الريبة فيهما فقيل ms3447 ~~تحبسونهما . # المسألة الثانية : قوله { من بعد الصلاة } فيه أقوال : الأول : قال ابن ~~عباس من بعد صلاة أهل دينهما ، والثاني : قال عامة المفسرين من بعد صلاة ~~العصر . # فإن قيل : كيف عرف أن المراد هو صلاة العصر ، مع أن المذكور هو الصلاة ~~المطلقة ؟ # قلنا : إنما عرف هذا التعيين بوجوه : أحدها : أن هذا الوقت كان معروفا ~~عندهم بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ ، ~~وثانيها : ما روي أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلاة العصر ، ودعا بعدي وتميم ، فاستحلفهما عند المنبر ، فصار فعل الرسول ~~دليلا على التقييد ؛ وثالثها : أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ~~ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب ، وأهل الكتاب يصلون لطلوع ~~الشمس وغروبها . # والقول الثالث : قال الحسن : المراد بعد الظهر أو بعد العصر ، لأن أهل ~~الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما . PageV12P097 # القول الرابع : أن المراد بعد أداء الصلاة أي صلاة كانت من التحليف بعد ~~إقامة الصلاة هو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فكان احتراز الحالف ~~عن الكذب في ذلك الوقت أتم وأكمل ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : الأيمان تغلظ في الدماء ~~والطلاق والعتاق ، والمال إذا بلغ مائتي درهم في الزمان والمكان ، فيحلف ~~بعد العصر بمكة بين الركن والمقام ، وبالمدينة عند المنبر ، وفي بيت المقدس ~~عند الصخرة ، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد . وقال أبو حنيفة رحمه الله ~~: يحلف من غير أن يختص الحلف بزمان أو مكان ، وهذا على خلاف الآية ، ولأن ~~المقصود منه التهويل والتعظيم . ولا شك أن الذي ذكره الشافعي رضي الله عنه ~~أقوى . # ثم قال تعالى { فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا ~~قربى } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الفاء في قوله { فيقسمان بالله } للجزاء يعني : ~~تحسبونهما فيقدمان لأجل ذلك الحبس على القسم . قوله { وإن ارتبتم } اعتراض ~~بين القسم والمقسم عليه . والمعنى : إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما ~~فحلفوهما ، وبهذا يحتج من يقول الآية نازلة في إشهاد الكفار ، لأن تحليف ~~الشاهد المسلم غير مشروع ms3448 ، ومن قال الآية نازلة في حق المسلم قال إنها ~~منسوخة ، وعن علي عليه السلام أنه كان يحلف الشاهد والراوي عند التهمة . # المسألة الثالثة : قوله { لا نشتري به ثمنا } يعني يقسمان بالله أنا لا ~~نبيع عهد الله بشيء من الدنيا قائلين لا نشتري به ثمنا ، وهو كقوله { إن ~~الذين يشرون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [ آل عمران : 77 ] أي لا نأخذ ~~ولا نستبدل ، ومن باع شيئا فقد اشترى ثمنه ، وقوله { ولو كان ذا قربى } أي ~~لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا ، ولو كان ذلك الشيء حبوة ذي قربى أو نفسه ~~، وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بسببهم أعظم ، وهو ~~كقوله { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين أو ~~الأقربين } [ النساء : 135 ] . # ثم قال تعالى : { ولا نكتم شهادة الله } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : هذا عطف على قوله { لا نشتري به ثمنا } يعني أنهما ~~يقسمان حال ما يقولان لا نشتري به ثمنا ولا نكتم شهادة الله أي الشهادة ~~التي أمر الله بحفضها وإظهارها . # المسألة الثانية : نقل عن الشعبي أنه وقف على قوله { شهادة } ثم ابتدأ ~~الله بالمد على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه ، وروي عنه بغير مد ~~على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول الله لقد كان كذا ، والمعنى تالله . # ثم قال تعالى { إنا إذا لمن الآثمين } يعني إذا كتمناها كنا من الآثمين . ~~PageV12P098 ! 7 < { فإن عثر على أنهما استحقآ إثما فآخران يقومان مقامهما ~~من الذين استحق عليهم الا وليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ~~وما اعتدينآ إنا إذا لمن الظالمين } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 107 ) فإن عثر على . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { فإن عثر على أنهما استحقا إثما } قال الليث رحمه الله : ~~عثر الرجل يعثر عثورا إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره . وأعثرت فلانا ~~على أمري أي أطلعته عليه ، وعثر الرجل يعثر عثرة إذا وقع على شيء ، قال أهل ~~اللغة : وأصل عثر بمعنى اطلع من العثرة التي هي الوقوع وذلك لأن العاثر ~~إنما ms3449 يعثر بشيء كان لا يراه ، فلما عثر به اطلع عليه ونظر ما هو ، فقيل لكل ~~من اطلع على أمر كان خفيا عليه قد عثر عليه ، وأعثر غيره إذا أطلعه عليه ، ~~ومنه قوله تعالى : { وكذالك أعثرنا عليهم } ( الكهف : 21 ) أي اطلعنا ، ~~ومعنى الآية فإن حصل العثور والوقوف على أنهما أتيا بخيانة واستحقا الإثم ~~بسبب اليمين الكاذبة . # ثم قال تعالى : { فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الاوليان } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن معنى الآية فإن عثر بعدما حلف الوصيان على ~~أنهما استحقا إثما أي حنثا في اليمين بكذب في قول أو خيانة في ممال قام في ~~اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة ~~الذميين وكذبهما وتبديلهما وما اعتدينا في ذلك وما كذبنا . وروي أنه لما ~~نزلت الآية الأولى صلى رسولل الله صلى الله عليه وسلم العصر ودعا بتميم ~~وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنه لم يوجد منال ~~خيانة في هذا المال ولما حلفا خلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما ~~وكتما الإناء مدة ثم ظهروا واخلفوا فقيل : وجد بمكة . # وقيل : لما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا ~~كنا قد اشتريناه منه فقالوا ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئا فقلتما لا ؟ ~~فقالا لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نعثر فكتمنا فرفعوا القصة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأننزل الله تعالى : { فإن عثر } الآية فقام عمرو بن ~~العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر فدفع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم الإناء إليهما وإلى أولياء الميت . وكان تميم الداري ~~يقول بعدما أسلم : صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى ، ~~وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فلما ~~أسلم أخبر بذلك وقال : حلفت كاذبا وأنا وصاحبي بعنا الإناء بألف وقسمنا ~~الثمن . ثم دفع خمسمائة درهم من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع ~~الألف ms3450 إلى موالي الميت . # المسألة الثانية : قوله { فآخران يقومان مقامهما } أي مقام الشاهدين ~~اللذين هما من غير ملتهما وقوله { من الذين استحق عليهم الاوليان } المراد ~~به موالي الميت ، وقد أكثر الناس في أنه لم وصف موالي الميت بهذا الوصف ، ~~والأصح عندي فيه وجه واحد ، وهو أنهم إنما وصفوا بذلك لأنه لما أخذ مالهم ~~فقد استحق PageV12P099 عليهم مالهم فإن من أخذ مال غيره فقد حاول أن يكون ~~تعلقه بذلك المال مستعليا على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد ~~استحق عليه ذلك المال . # المسألة الثالثة : أما قوله { * الأليان } ففيه وجوه : الأول : أن يكون ~~خبر المبتدأ محذوف والتقدير : هما الأليان وذلك لأنه لما قال { إثما فآخران ~~يقومان مقامهما } فكأنه قيل : ومن هما فقيل الأوليان : والثاني : أن يكون ~~بدلا من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقوم الأوليان ، والثالث : أجاز ~~الأخفش أن يكون قوله { الاوليان } صفة لقوله { فآخران } وذلك لأن النكرة ~~إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة ، كقوله تعالى { كمشكاة ~~فيها مصباح } ( النور : 35 ) فمصباح نكرة قم قال { المصباح } ثم قال في { ~~زجاجة } ثم قال { الزجاجة } ، وهذا مثل قولك رأيت رجلا ، ثم يقول إنسان من ~~الرجل ، فصار بالعود إلى ذكره معرفة . الرابع : يجوز أن يكون قوله { ~~الاوليان } بدلا من قوله آخران ، وإبدال المعرفة من النكرة كثير . # المسألة الرابعة : إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين : الأول : معنى ~~الأوليان الأقربان إلى الميت . الثاني : يجوز أن يكون المعنى الأوليان ~~باليمين ، والسبب فيه أن الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الإناء الفضة ~~فانتقل اليمين إلى موالي الميت ، لأن الوصيين قد ادعيا أن مورثهما باع ~~الإناء وهما أنكرا ذلك ، فكان اليمين حقا لهما ، وهذا كما أن إنسانا أقر ~~لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولا لأنه ~~صار مدعى عليه أنه قد استوفاه . # المسألة الخامسة : القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء ~~، والأليان تثنية الأولى ، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي ~~بكر الأولين بالجمع ، وهو نعت ms3451 لجميع الورثة المذكورين في قوله { من الذين ~~استحق عليهم } وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم ~~الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر ، ألا ترى أنه قد تقدم { تعملون يأيها ~~الذين ءامنوا شهادة بينكم } ( المائدة : 106 ) وكذلك { اثنان ذوا عدل } ( ~~المائدة : 106 ) ذكرا في اللفظ قبل قوله { يأيها الذين ءامنوا شهادة } وقرأ ~~حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية ، ووجهه أن الوصيين ~~اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصاية ~~ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي ~~خان في مالهم الأوليان ، وقرأ الحسن الأولان ، ووجهه ظاهر مما تقدم . # ثم قال تعالى : { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ~~إنا إذا لمن الظالمين } . # والمعنى ظاهر أي وما اعتدينا في طلب هذا المال ، وفي نسبتهم إلى الخيانة ~~. وقوله { إنا إذا لمن الظالمين } أي إنا إذا حلفنا موقنين بالكذب معتقدين ~~الزور والباطل . # ! 7 < { ذالك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ أو يخافوا أن ترد أيمان ~~بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين } . > 7 ~~@QB@ < # | المائدة : ( 108 ) ذلك أدنى أن . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ذالك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ~~ترد أيمان بعد أيمانهم } . # والمعنى ذلك الحكم الذي ذكرناه والطريق الذي شرعناه أقرب إلى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجهها ، وأن يأتوا بالشهادة لا على وجهها ، ولكنهم يخافون أن ~~يحلفوا على ما ذكروه لخوفهم من أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم ، ~~فيظهر كذبهم ويفتضحون فيما بين الناس . PageV12P100 # ثم قال تعالى : { واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين } # والمعنى اتقوا الله أن تخونوا في اومانات واسمعوا مواقظ الله أي اعملوا ~~بها وأطيعوا الله فيها والله لا يهدي القوم الفاسقين ، وهو تهديد ووعيد لمن ~~خالف حكم الله وأوامره فهذا هو القول في تفسير هذه الآية التي اتفق ~~المفسرون على أنها في غاية الصعوبة إعرابا ونظما وحكما ، وروى الواحدي رحمه ~~الله في ( البسيط ) عن ms3452 عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : هذه الآية ~~أعضل ما في هذه السورة من الأحكام . والحكم الذي ذكرناه في هذه الآية منسوخ ~~عند أكثر الفقهاء والله أعلم بأسرار كلامه . # ! 7 < { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم قالوا لا علم لنآ إنك أنت ~~علام الغيوب } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 109 ) يوم يجمع الله . . . . . # > > # قوله تعالى : { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } # اعلم أن عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعا ~~كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام ، أتبعها إما بالإلهيات ، وءما بشرح ~~أحوال الأنبياء ، أو بشرح أحوال القيامة ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم ذكره من ~~التكاليف والشرائع فلا جرم لما ذكر فيما تقدم أنواعا كثيرة من الشرائع ~~أتبعها بوصف أحوال القيامة أولا ، ثم ذكر أحوال عيسى . أما وصف أحوال ~~القيامة فهو قوله { يوم يجمع الله الرسل } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : أحدهما : أنها متصلة بما قبلها ~~وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : قال الزجاج تقديره : واتقوا الله ~~يوم يجمع الله الرسل ، ولا يجوز أن ينصب على الظرف لهذا الفعل لأنهم لم ~~يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم ، ولكن على المفعول له . الثاني : قال القفال ~~رحمه الله : يجوز أن يكون التقدير : والله لا يهدي القوم الفاسقين يوم يجمع ~~الله الرسل ، أي لا يهديهم إلى الجنة كما قال { ولا ليهديهم طريقا * إلا ~~طريق جهنم } ( النساء : 168 / 169 ) . # والقول الثاني : أنها منقطعة عما قبلها ، وعلى هذا التقدير ففيه أيضا ~~وجهان : الأول : أن التقدير : اذكر يوم يجمع الله الرسل . والثاني : أن ~~يكون التقدير : يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) قوله ماذا منتصب بأجبتم انتصاب ~~مصدره على معنى أي أجابه أجبتم إجابة إنكار أم إجابة إقرار . ولو أريد ~~الجواب لقيل بماذا أجبتم . فإن قيل : وأي فائدة في هذا السؤال ؟ قلنا : ~~توبيخ قومهم كما أن قوله { وإذا * الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت } ( ~~التكوير : 8 ، 9 ) المقصود منه توبيخ من فعل ذلك الفعل . # المسألة الثالثة ms3453 : ظاهر قوله تعالى : { قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب } يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم . والجمع بين هذا وبين قوله ~~تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( ~~النساء : 41 ) PageV12P101 مشكل . وأيضا قوله تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) ~~فإذا كانت أمتنا تشهد لسائر الناس فالأنبياء أولى بأن يشهدوا لأممهم بذلك . # والجواب عنه من وجوه : الأول : قال جمع من المفسرين إن للقيامة زلازل ~~وأهوالا بحيث تزول القلوب عن مواضعها عند مشاهدتها . فالأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام عند مشاهدة تلك الأهوال ينسون أكثر الأمور ، فهنالك يقولون ~~لا علم لنا ، فإذا عادت قلوبهم إليهم فعند ذلك يشهدون للأمم . وهذا الجواب ~~وإن ذهب إليه جمع عظيم من الأكابر فهو عندي ضعيف ، لأنه تعالى قال في صفة ~~أهل الثواب { لا يحزنهم الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ) وقال أيضا { ~~وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة } ( عبس : 38 ، 39 ) بل إنه تعالى قال : ~~{ إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ءامن بالله واليوم ~~الاخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا } ( البقرة : 62 ) فكيف يكون حال ~~الأنبياء والرسل أقل من ذلك ، ومعلوم أنهم لو خافوا لكانوا أقل منزلة من ~~هؤلاء الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يخافون ألبتة . والوجه الثاني : ~~أن المراد منه المبالغة في تحقيق فضيحتهم كمن يقول لغيره ما تقول في فلان ؟ ~~فيقول : أنت أعلم به مني ، كأنه قيل : لا يحتاج فيه إلى الشهادة لظهوره ، ~~وهذا أيضا ليس بقوي لأن السؤال إنما وقع عن كل الأمة وكل الأمة ما كانوا ~~كافرين حتى تردي الرسل بالنفي تبكيتهم وفضيحتهم . # والوجه الثالث : في الجواب وهو الأصح وهو الذي اختاره ابن عباس أنهم إنما ~~قالوا لا علم لنا لأنك تعلم ما أطهروا وما أضمروا ونحن لا نعلم إلا ما ~~أظهروا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا . فلهذا المعنى نفوا العلم عن أنفسهم لأن ~~علمهم عند الله كلا علم . # والوجه الرابع : في الجواب أنهم ms3454 قالوا : لا علم لنا ، إلا أن علمنا ~~جوابهم لنا وقت حياتنا ، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا . والجزاء ~~والثواب إنما يحصلان على الخاتمة وذلك غير معلوم لنا . فلهذا المعنى قالوا ~~لا علم لنا وقوله { إنك أنت علام الغيوب } يشهد بصحة هذين الجوابين . # الوجه الخامس : وهو الذي خطر ببالي وقت الكتابة ، أنه قد ثبت في علم ~~الأصول أن العلم غير والظن غير والحاصل عند كل أحد من حال الغير إنما هو ~~الظن لا العلم ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( نحن نحكم بالظاهر والله ~~يتولى السرائر ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( إنكم لتختصمون لدي ولعل ~~بعضكم ألحن بحجته فمن حكمت له بغير حقه فكأنما قطعت له قطعة من النار ) أو ~~لفظ هذا معناه . فالأنبياء قالوا : لا علام لنا ألبتة بأحوالهم ، إنما ~~الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن ، والظن كان معتبرا في الدنيا ، لأن ~~الأحكام في الدنيا كانت مبنية على الظن ، وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى ~~الظن لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء ، وبواطن الأمور . ~~فلهذا السبب قالوا { لا علم لنا إلا ما علمتنا } ولم يذكروا ألبتة ما معهم ~~من الظن لأن الظن لا عبرة به في القيامة . # الوجه السادس : أنهم لما علموا أنه سبحانه وتعالى عالم لا يجهل ، حكيم لا ~~يسفه ، عادل لا يظلم ، علموا أن قولهم لا يفيد خيرا ، ولا يدفع شرا فرأوا ~~أن الأدب في السكوت ، وفي تفويض الأمر إلى عدل الحي القيوم الذي لا يموت . ~~PageV12P102 # المسألة الرابعة : قريء { علام الغيوب } بالنصب . قال صاحب ( الكشاف ) ~~والتقدير أن الكلام قد تم بقوله { إنك أنت } أي أنت الموصوف بأوصافك ~~المعروفة ، من العلم وغيره . ثم نصب { علام الغيوب } على الاختصاص ، أو على ~~النداء ، أو وصفا لاسم إن . # المسألة الخامسة : دلت على جواز إطلاق لفظ العلام عليه ، كما جاز إطلاق ~~لفظ الخلاق عليه . أما العلامة فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقها في ~~حقه ولعل السبب ما فيه من لفظ التأنيث . # ! 7 < { إذ قال الله ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك ms3455 وعلى والدتك إذ ~~أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذنى وتبرىء الا كمه والا برص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى وإذ كففت ~~بنىإسراءيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هاذا إلا سحر ~~مبين } . > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 110 ) إذ قال الله . . . . . # > > # قوله تعالى : { إذ قال الله ياعيسى * عيسى ابن مريم * اذكر نعمتى عليك ~~وعلى والدتك } في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل { ماذا ~~أجبتم } ( المائدة : 109 ) توبيخ من تمرد من أممهم وأشد الأمم افتقارا إلى ~~التوبيخ والملاملا النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه السلام لأن ~~طعن سائر الأمم كان مقصورا على الأنبياء وطعن هؤلاء الملاعين تعدى إلى جلال ~~الله وكبريائه حيث وصفوه بما لا يليق بعاقل أن يصف الإله به ، وهو اتخاذ ~~الزوجة والولد فلا جرم ذكر الله تعالى أنه يعدد أنواع نعمه على عيسى بحضرة ~~الرسل واحدة فواحدة والمقصود منه توبيخ النصارى وتقريعهم على سوء مقالتهم ~~فإن كل واحدة من تلك النعم المعدودة على عيسى تدل على أنه عبد وليس بإله . ~~والفائدة في هذه الحكاية تنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول هذه الآية ~~على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم . # المسألة الثانية : موضع { إذ } يجوز أن يكون رفعا بالابتداء على معنى ذاك ~~إذ بقال الله ، ويجوز أن يكون المعنى اذكر إذ قال الله . # المسألة الثالثة : خرج قوله { إذا * قال الله } على لفظ الماضي دون ~~المستقبل وفيه وجوه : # الأول : الدلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت وكل آت قريب ~~ويقال : الجيش قد أتى ، إذا قرب إتيانهم . قال الله تعالى : { أتى أمر الله ~~} ( النحل : 1 ) الثاني : أنه ورد على حكاية الحال ونظيره قول الرجل لصاحبه ~~كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا فيها كذا إذ صاح صائح فتركتني وأجبته . ~~ونظيره من القرآن قوله تعالى : { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت } ( سبأ ms3456 : 51 ) ~~{ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملئكة } ( الأنفال : 50 ) { ولو ترى إذ ~~الظالمون موقوفون عند ربهم } ( سبأ : 31 ) والوجه في كل هذه الآيات ما ~~ذكرناه ، من أنه خرج على سبيل الحكاية عن الحال . # المسألة الرابعة : { وءاتينا عيسى ابن مريم } يجوز أن يكون { عيسى } في ~~محل الرفع لأنه منادى مفرد وصف بمضاف ويجوز أن يكون في محل النصب لأنه في ~~نية الإضافة ثم جعل الابن توكيدا وكل ما كان مثل هذا PageV12P103 جاز فيه ~~وجهان نحو يا زيد بن عمرو ، ويا زيد بن عمرو ، وأنشد النحويون : # يا حكم بن المنذر بن الجارود # برفع الأول ونصبه على ما بيناه . # المسألة الخامسة : قوله { نعمتى عليك } أراد الجمع كقوله { وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها } ( النحل : 18 ) وإنما جاز ذلك لأن مضاف يصلح للجنس . # واعلم أن الله تعالى فسر نعمته عليه بأمور : أولها : قوله { إذا * أيدتك ~~بروح القدس } وفيه وجهان : الأول : روح القدس هو جبريل عليه السلام ، الروح ~~جبريل والقدس هو الله تعالى / كأنه أضافه إلى نفسه تعظيما له . الثاني : أن ~~الأرواح مختلفة بالماهية فمنها طاهرة نورانية ومنها خبيثة ظلمانية ، ومنها ~~مشرقة ، ومنها كدرة ، ومنها خيرة ، ومنها نذلة ولهذا قال عليه الصلاة ~~والسلام : ( الأرواح جنود مجندة ) فالله تعالى خص عيسى بالروح الطاهرة ~~النورانية المشرقة العلوية الخيرة . ولقائل أن يقول : لما دلت هذه الآية ~~على أن تأييد عيسى إنما حصل من جبريل أو بسبب روحه المختص به ، قدح هذا في ~~دلالة المعجزات على صدق الرسل لأنا قبل العلم بعصمة جبريل نجوز أنه أعان ~~عيسى عليه السلام على ذلك ، على سبيل إغواء الخلق وإضلالهم فما لم تعرف ~~عصمة جبريل لا يندفع هذا وما لم تعرف نبوة عيسى عليه السلام لا تعرف عصمة ~~جبريل ، فيلزم الدور وجوابه : ما ثبت من أصلنا أن الخالق ليس إلا الله وبه ~~يندفع هذا السؤال . # وثانيها : قوله تعالى : { تكلم الناس فى المهد وكهلا } أما كلام عيسى في ~~المهد فهو قوله { إنى * ءاتانى الكتاب وجعلنى } ( مريم : 30 ) وقوله { تكلم ~~الناس فى المهد وكهلا ms3457 } في موضع الحال . والمعنى : يكلمهم طفلا وكهلا من ~~غير أن يتفاوت كلامه في هذين الوقتين وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له وما ~~حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده . # وثالثها : قوله تعالى : { وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } # وفي { الكتاب } قولان : أحدهما : المراد به الكتابة وهي الخط . والثاني : ~~المراد منه جنس الكتب . فإن الإنسان يتعلم أولا كتبا سهلة مختصرة ، ثم ~~يترقى منها إلى الكتب الشريفة . وأما { الحكمة } فهي عبارة عن العلوم ~~النظرية ، والعلوم العملية . ثم ذكر بعده { التوراة والإنجيل } وفيه وجهان ~~: الأول : أنهما خصا بالذكر بعد ذكر الكتب على سبيل التشريف كقوله { حافظوا ~~على الصلوات والصلواة الوسطى } ( البقرة : 238 ) وقوله { وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } ( الأحزاب : 7 ) والثاني : وهو الأقوى أن ~~الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية ، لا يحصل إلا لمن صار بانيا في أصناف ~~العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء . فقوله { ~~والتوراة والإنجيل } إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . PageV12P104 # ورابعها : قوله تعالى : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ ~~فيها فتكون طيرا بإذنى } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع { فتكون } والباقون { عليهم طيرا } بغير ألف ~~وطير جمع طائر كضأن وضائن وركب وراكب . # المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر ههنا { فتنفخ فيها } وذكر في آل عمران { ~~فأنفخ فيه } ( آل عمران : 49 ) . # والجواب : أن قوله { كهيئة الطير } أي هيئة مثل هيئة الطير فقوله { فتنفخ ~~فيها } الضمير للكاف ، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ~~ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء . # إذا عرفت هذا فنقول : الكاف تؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي ~~هي مثل هيئة الطير وتذكر بحسب الظاهر . وإذا كان كذلك جاز أن يقع الضمير ~~عنها تارة على وجه التذكير وأخرى على وجه التأنيث . # المسألة الثالثة : أنه تعالى اعتبر الأذن في خلق الطين كهيئة الطير ، وفي ~~صيرورته ذلك الشيء طيرا . وإنما أعاد قوله { بإذنى } تأكيدا لكون ذلك واقعا ms3458 ~~بقدرة الله تعالى وتخليقه لا بقدرة عيسى وإيجاده . # وخامسها : قوله تعالى : { وتبرىء الاكمه والابرص بإذنى } وإبراء الأكمه ~~والأبرص معروف وقال الخليلي الأكه من ولد أعمى والأعمى من ولد بصيرا ثم عمي ~~. # وسادسها : قوله تعالى : { وإذ تخرج الموتى بإذنى } أي وإذ تخرج الموتى من ~~قبورهم أحياء باذني أي بفعلي ذلك عند دعائك ، وعند قولك للميت أخرج بإذن ~~الله من قبرك ، وذكر الإذن في هذه الأفاعيل إنما هو على معنى إضافة حقيقة ~~الفعل إلى الله تعالى كقوله { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ( آل ~~عمران : 145 ) أي إلا بخلق الله الموت فيها . # وسابعها : قوله تعالى : { وإذ كففت بنى إسراءيل عنك إذ جئتهم بالبينات } ~~وفيه مسألتان : PageV12P105 # المسألة الأولى : قوله { إذ جئتهم بالبينات } يحتمل أن يكون المراد منه ~~هذه البينات التي تقدم ذكرها وعلى هذا التقدير فالألف وللام للعهد . ويحتمل ~~أن يكون المراد منه جنس البينات . # المسألة الثانية : روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أظهر هذه المعجزات ~~العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله تعالى منهم حيث رفعه إلى السماء . # ثم قال تعالى : { فقال الذين كفروا منهم إن هاذا إلا سحر مبين } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { ساحر } بالألف وكذلك في يونس وهود ~~والصف ، وقرأ ابن عامر وعاصم في يونس بالألف فقط والباقون { ساحر } فمن قرأ ~~{ ساحر } أشار إلى الرجل ومن قرأ { ساحر } أشار به إلى ما جاء به . وكلاهما ~~حسن لأن كل واحد منهما قد تقدم ذكره . قال الواحدي رحمه الله : والاختيار { ~~ساحر } لجواز وعوعه على الحدث والشخص ، أما وقوعه على الحدث فظاهر وأما ~~وقوعه على الشخص ، فتقول : هذا سحر وتريد به ذو سحر كما قال تعالى : { ~~ولاكن البر من ءامن } ( البقرة : 177 ) أي ذا البر قال الشاعر : # فإنما هي إقبال وإدبار # المسألة الثانية : فإن قيل : إنه تعالى شرع ههنا في تعديد نعمه على عيسى ~~عليه السلام وقول الكفار في حقه { إن هاذا إلا سحر مبين } ليس من النعم ، ~~فكيف ذكره ههنا ؟ # والجواب : أن من الأمثال المشهورة أن كل ذي ms3459 نعمة محسود وطعن الكفار في ~~عيسى عليه السلام بهذا الكلام ، يدل على أن نعم الله في حقه كانت عظيمة ~~فحسن ذكره عند تعديد النعم للوجه الذي ذكرناه . # ! 7 < { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ءامنوا بى وبرسولى قالوا ءامنا واشهد ~~بأننا مسلمون } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 111 ) وإذ أوحيت إلى . . . . . # > > # وثامنها : قوله تعالى : { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ءامنوا بى وبرسولى ~~} وقد تقدم تفسير الوحي . فمن قال إنهم كانوا أنبياء قال ذلك الوحي هو ~~الوحي الذي يوحى إلى الأنبياء . ومن قال إنهم ما كانوا أنبياء قال المراد ~~بذلك الوحي الإلهام والالقاء في القلب كما في قوله تعالى : { وأوحينا إلى ~~أم موسى أن أرضعيه } ( القصص : 7 ) وقوله { وأوحى ربك إلى النحل } ( النحل ~~: 68 ) وإنما ذكر هذا في معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإنسان مقبول القول ~~عند الناس محبوبا في قلوبهم من أعظم نعم الله على الإنسان . وذكر تعالى أنه ~~لما ألقى ذلك الوحي في قلوبهم ، آمنوا وأسلموا وإنما قدم ذكر الإيمان على ~~الإسلام ، لأن الإيمان صفة القلب والإسلام عبارة عن الإنقياد والخضوع في ~~الظاهر ، يعني رمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم . # فإن قيل : إنه تعالى قال في أول الآية { اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك } ( ~~المائدة : 110 ) ثم إن جميع ما ذكره تعالى من النعم مختص بعيسى عليه السلام ~~، وليس لأمه بشيء منها تعلق . # قلنا : كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على ~~سبيل الضمن والتبع للأم . ولذلك قال تعالى : { الفاسقين يوم يجمع الله ~~الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب إذ قال الله ~~ياعيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك } ( المائدة : 110 ) كان يلبس الشعر ويأكل ~~الشجر ، ولا يدخر شيئا لغد ويقول مع كل يوم رزقه ، ومن لم يكن له بيت فيخرب ~~، ولا ولد فيموت ، أينما أمسى بات . # PageV12P106 ! 7 < { إذ قال الحواريون ياعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ~~ينزل علينا مآئدة من السمآء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 112 ) إذ قال الحواريون . . . . . # > > # فيه مسائل ms3460 : # المسألة الأولى : في قوله { إذ قال } وجهان : الأول : أوحيت إلى ~~الحواريين إذ قال الحواريون الثاني : اذكر إذ قال الحواريون . # المسألة الثانية : { هل يستطيع ربك } قرأ الكسائي { هل * تستطيع } بالتاء ~~{ ربك } بالنصب وبإدغام اللام في التاء ، وسبب الادغام أن اللام قريب ~~المخرج من التاء لأنهما من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا وبحسب قرب الحرف ~~من الحرف يحسن الإدغام ، وهذه القراءة مروية عن علي وابن عباس . وعن عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت : كانوا أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع وإنما ~~قالوا هل تستطيع أن تسأل ربك . وعن معاذ بن جبل : أقرأني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { هل * تستطيع } بالتاء { ربك } بالنصب والباقون يستطيع ~~بالياء ربك برفع الباء وبالإظهار فأما القراءة الأولى فمعناها : هل تسطيع ~~سؤال ربك ؟ قالوا وهذه القراءة أولى من الثانية لأن هذه القراءة توجب شكهم ~~في استطاعة عيسى ، والثانية توجب شكهم في استطاعة الله ، ولا شك أن الأولى ~~أولى ، وأما القراءة الثانية ففيها إشكال ، وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم { ~~قالوا ءامنا واشهد بأننا مسلمون } ( المائدة : 111 ) وبعد الإيمان كيف يجوز ~~أن يقال إنهم بقوا شاكين في اقتدار الله تعالى على ذلك . # والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى ما وصفهم بالإيمان والإسلام بل ~~حكى عنهم ادعاءهم لهما ثم أتبع ذلك بقوله حكاية عنهم { هل يستطيع ربك أن ~~ينزل علينا مائدة من السماء } فدل ذلك على أنهم كانوا شاكين متوقفين فإن ~~هذا القول لا يصدر عمن كان كاملا في الإيمان وقالوا : ونعلم أن قد صدقتنا ~~وهذا يدل على مرض في القلب وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم { اتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين } يدل على أنهم ما كانوا كاملين في الإيمان . # والوجه الثاني : في الجواب أنهم كانوا مؤمنين إلا أنهم طلبوا هذه الآية ~~ليحصل لهم مزيد الطمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام { ولاكن ليطمئن قلبى ~~} ( البقرة : 260 ) فإن مشاهدة مثل هذه الآية لا شك أنها تورث الطمأنينة ~~ولهذا السبب قالوا وتطمئن قلوبنا . # والوجه الثالث : في الجواب أن المراد ms3461 من هذا الكلام استفهام أن ذلك هل هو ~~جائز في الحكمة أم لا وذلك لأن أفعال الله تعالى لما كانت موقوفة على رعاية ~~وجوه الحكمة ففي الموضع الذي لا يحصل فيه شيء من وجوه الحكمة يكون الفعل ~~ممتنعا فإن المنافي من جهة الحكمة كالمنافي من جهة القدرة ، وهذا الجواب ~~PageV12P107 يتمشى على قول المعتزلة ، وأما على قولنا فهو محمول على أن ~~الله تعالى هل قضى بذلك وهل علم وقوعه فإنه إن لم يقض به ولم يعلم وقوعه ~~كان ذلك محالا غير مقدرو لأن خلاف المعلوم غير مقدور . # الوجه الرابع : قال السدي : { هل يستطيع ربك } أي هل يطيعك ربك إن سألته ~~، وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة . # الوجه الخامس : لعل المراد بالرب : هو جبريل عليه السلام ، لأنه كان ~~يربيه ويخصه بأنواع الإعانة ، ولذلك قال تعالى في أول الآية { إذ أيدتك ~~بروح القدس } ( المائدة : 110 ) يعني أنك تدعي أنه يريبك ويخصك بأنواع ~~الكرامة ، فهل يقدر على إنزال مائدة من السماء عليك . # والوجه السادس : أنه ليس المقصود من هذا السؤال كونهم شاكين فيه بل ~~المقصود تقرير أن ذلك في غاية الظهور كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول هل يقدر ~~السلطان على إشباع هذا ويكون غرضه منه أن ذلك أمر جلي واضح / لا يجوز لعاقل ~~أن يشك فيه ، فكذا ههنا . # المسألة الثالثة : قال الزجاج : المائدة فاعلة من ماد يميد ، إذا تحرك ~~فكأنها تميد بما عليها وقال ابن الأنباري سميت مائدة لأنها عطية من قول ~~العرب : ماد فلان فلانا يميده ميدا إذا أحسن إليه ، فالمائدة على هذا القول ~~، فاعلة من الميد بمعنى معطية ، وقال أبو عبيدة : المائدة فاعلة بمعنى ~~مفعولة مثل عيشة راضية ، وأصلها مميدة ميد بها صاحبها ، أي أعطيها وتفضل ~~عليه بها ، والعرب تقول مادني فلان يميدني إذا أحسن إليه . # ثم قال تعالى : { قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين } وفيه وجهان : الأول : ~~قال عيسى اتقوا الله في تعيين المعجزة ، فإنه جار مجرى التعنت والتحكم ، ~~وهذا من العبد في حضرة الرب جرم عظيم ، ولأنه ms3462 أيضا اقتراح معجزة بعد تقدم ~~معجزات كثيرة ، وهو جرم عظيم . الثاني : أنه أمرهم بالتقوى لتصير التقوى ~~سببا لحصول هذا المطلوب ، كما قال : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب } ( الطلاق : 2 ، 3 ) وقال : { رحيم يئأيها الذين ءامنوا ~~اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } ( المائدة : 35 ) وقوله : { إن كنتم ~~مؤمنين } يعني إن كنتم مؤمنين بكونه سبحانه وتعالى قادرا على إنزال المائدة ~~فاتقوا الله لتصير تقواكم وسيلة إلى حصول هذا المطلوب . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون ~~عليها من الشاهدين } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 113 ) قالوا نريد أن . . . . . # > > # والمعنى كأنهم لما طلبوا ذلك قال عليس لهم : إنه قد تقدمت المعجزات ~~الكثيرة فاتقوا الله في طلب PageV12P108 هذه المعجزة بعد تقدم تلك المعجزات ~~القاهرة ، فأجابوا وقالوا إنا لا نطلب هذه المائدة لمجرد أن تكون معجزة بل ~~لمجموع أمور كثيرة : أحدها : أنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلبنا ولا ~~نجد طعاما آخر ، وثانيها : أنا وإن علمنا قدرة الله تعالى بالدليل ، ولكنا ~~إذا شاهدنا نزول هذه المائدة ازداد اليقين وقيت الطمأنينة ، وثالثها : أنا ~~وإن علمنا قدرة الله تعالى بالدليل ، ولكنا إذا شاهدنا نزول هذه المائدة ~~ازداد اليقين وقويت الطمأنينة ، وثالثها : أنا وءن علمنا بسائر المعجزات ~~صدقك ، ولكن إذا شاهدنا هذه المعجزة ازداد اليقين والعرفان وتأكدت ~~الطمأنينة . ورابعها : أن جميع تلك المعجزات التي أوردتها كانت معجزات ~~أرضية ، وهذه معجزة سماوية وهي أعجب وأعظم ، فإذا شاهدناها كنا عليها من ~~الشاهدين ، نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل ، ونكون عليها ~~من الشاهدي لله بكمال القدرة ولك بالنبوة . ثم قال تعالى : # ! 7 < { قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء تكون ~~لنا عيدا لاولنا وءاخرنا وءاية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين } > 7 @QB@ < # | المائدة : ( 114 ) قال عيسى ابن . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أما الكلام في { اللهم } فقد تقدم بالاستقصاء في سورة ~~آل عمران في قوله } قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ms3463 } ( آل عمران : ~~26 ) فقوله : { * } قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء } ( آل عمران : ~~26 ) فقوله : { * } ( آل عمران : 26 ) فقوله : { اللهم } نداء ، وقوله { ~~ربنا } نداء ثان وأما قوله { تكون لنا } صفة للمائدة وليس بجواب للأمر ، ~~وفي قراءة عبد الله { تكن } لأنه جعله جواب الأمر . قال الفراء : وما كان ~~من نكرة قد وقع عليها أمر جاز في الفعل بعده الجزم والرفع ، ومثاله قوله ~~تعالى : { فهب لى من لدنك وليا * يرثنى } ( مريم : 5 6 ) بالجزم والرفع { ~~فأرسله معى ردءا يصدقنى } ( القصص : 34 ) بالجزم والرفع ، وأما قوله { عيدا ~~لاولنا وءاخرنا } أي نتخذ اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيدا نعظمه نحن ومن ~~يأتي بعدنا ، ونزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدا ، والعيد في اللغة اسم ~~لما عاد إليك في وقت معلوم ، واشتقاقه من عاد يعود فأصله هو العود ، فسمي ~~العيد عيدا لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ، وقوله { قال عيسى } أي دلالة على ~~توحيدك وصحة نبوة رسولك { وارزقنا } أي وارزقنا طعاما نأكله وأنت خير ~~الرازقين . # المسألة الثانية : تأمل في هذا الترتيب فإن الحواريين لما سألوا المائدة ~~ذكروا في طلبها أغراضا ، فقدموا ذكر الأكل فقالوا { نريد أن نأكل منها } ( ~~المائدة : 113 ) وأخروا الأغراض الدينية الروحانية ، فأما عيسى فإنه لما ~~طلب المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال ~~{ وارزقنا } وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح في كون بعضها روحانية ~~وبعضها جسمانية ، ثم إن عيسى عليه السلام لشدة صفاء دينه وإشراق روحه لما ~~ذكر الزرق بقوله { وارزقنا } لم يقف عليه بل انتقل من الرزق إلى الرزاق ~~فقال { وأنت خير الرازقين } فقوله { ربنا } ابتداء منه بذكر الحق سبحانه ~~وتعالى ، وقوله { أنزل علينا } انتقال من الذات إلى الصفات ، وقوله { تكون ~~لنا عيدا لاولنا } إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة ، ~~بل من حيث إنها صادرة عن المنعم وقوله { الشاهدين قال عيسى } إشارة إلى كون ~~هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال وقوله { وارزقنا } إشارة إلى ~~حصة النفس وكل ذلك نزول من حضرة ms3464 الجلال . فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف ~~نازلا إلى الأدون فالأدون . ثم قال : { وأنت خير الرازقين } وهو عروج مرة ~~أخرى من الخلق إلى الخالق ومن غير الله إلى الله ومن الأخس إلى الأشرف ، ~~وعند ذلك تلوح لك شمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية الإلهية ~~ونزولها اللهم اجعلنا من أهله . PageV12P109 # المسألة الثالثة : في قراءة زيد { يكون لنا * عيدا لاولنا وءاخرنا } ~~والتأنيث بمعنى الآية . ثم قال تعالى : # ! 7 < { قال الله إنى منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإنىأعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 115 ) قال الله إني . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم ونافع { منزلها } بالتشديد ، ~~والباقون بالتخفيف وهما لغتان نزل وأنزل وقيل : بالتشديد أي منزلها مرة بعد ~~أخرى ، وبالتخفيف مرة واحدة . # المسألة الثانية : { فمن يكفر بعد منكم } أي بعد إنزال المائدة { فإنى ~~أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين } قال ابن عباس : يعني مسخهم خنازير ~~وقيل : قردة وقيل : جنسا من العذاب لا يعذب به غيرهم . قال الزجاج : ويجوز ~~أن يكون ذلك العذاب معجلا لهم في الدنيا ، ويجوز أن يكون مؤخرا إلى الآخرة ~~، وقوله { من العالمين } يعني عالمي زمانهم . # المسألة الثالثة : قيل : إنهم سألوا عيسى عليه السلام هذا السؤال عند ~~نزولهم في مفازة على غير ماء ولا طعام ولذلك قالا نريد أن نأكل منها . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أن عيسى عليه السلام هل سأل المائدة لنفسه ~~أو سألها لقومه وإن كان قد أضافها إلى فنسه في الظاهر وكلاهما محتمل والله ~~أعلم . # المسألة الخامسة : اختلفوا في أنه هل نزلت المائدة . فقال الحسن ومجاهد : ~~ما نزلت واحتجوا عليه بوجهين : الأول : أن القوم لما سمعوا قوله { أعذبه ~~عذابا * أحدا من العالمين } استغفروا وقالوا لا نريدها . الثاني : أنه وصف ~~المائدة بكونها عيدا لأولهم وآخرهم فلو نزلت لبقي ذلك العيد إلى يوم ~~القيامة . وقال الجمهور الأعظم من المفسرين : أنها نزلت لأنه تعالى قال { ~~إنى منزلها عليكم } وهذا وعد بالإنزال جزما من غير تعليق على شرط ، فوجب ~~حصول هذا النزول . # والجواب عن الأول ms3465 : أن قوله { فمن يكفر بعد منكم فإنى أعذبه } شرط وجزاء ~~لا تعلق له بقوله { إنى منزلها عليكم } # والجواب عن الثاني : أن يوم نزولها كان عيدا لهم ولمن بعدهم ممن كان على ~~شرعهم . # المسألة السادسة : روي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفا ، ~~ثم قال : اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وأخرى ~~تحتها ، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عليه السلام وقال : ~~اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة ، وقال ~~لهم PageV12P110 ليقم أحسنكم عملا يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل ~~منها . فقال شمعون رأس الحواريين : أنت أولى بذلك ، فقام عيسى وتوضأ وصلى ~~وبكى ثم كشف المنديل . وقال : بسم الله خير الرازقين ، فإذا سمكة مشوية بلا ~~شوك ولا فلوس تسيل دسما . وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل ، وحولها من ألوان ~~البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل ~~، وعلى الثالث سمن ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد ، فقال شمعون : يا ~~روح الله : أمن طعام الدينا أمن طعام الآخرة ؟ فقال : ليس منهما ولكنه شيء ~~اخترعه الله بالقدرة العالية كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزيدكم من ~~فضله ، فقال الحواريون : يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال ~~يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ، ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية ، ~~ثم طارت المائدة ثم عصوا من بعدها ، فمسخوا قردة وخنازير . # ! 7 < { وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أءنت قلت للناس اتخذونى وأمى ~~إلاهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لىأن أقول ما ليس لى بحق إن كنت ~~قلته فقد علمته تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام الغيوب } ~~> 7 ! # < < # | المائدة : ( 116 ) وإذ قال الله . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا معطوف على قوله { إذ قال الله ياعيسى * عيسى ابن ~~مريم * اذكر نعمتى عليك } ( المائدة : 110 ) وعلى هذا القول فهذا الكلام ~~إنما يذكره لعيسى يوم القيامة ms3466 ، ومنهم من قال : إنه تعالى قال هذا الكلام ~~لعيسى عليه السلام حين رفعه إليه وتعلق بظاهر قوله { وإذ قال الله } وإذ ~~تستعمل للماضي ، والقول الأول أصح ، لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله { ~~هاذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } ( المائدة : 119 ) والمراد به يوم القيامة ~~، وأما التمسك بكلمة إذ فقد سبق الجواب عنه . # المسألة الثانية : في قوله { قلت للناس اتخذونى وأمى إلاهين من دون الله ~~قال } سؤالان : أحدهما : أن الاستفهام كيف يليق بعلام الغيوب . وثانيهما : ~~أنه كان عالما بأن عيسى عليه السلام لم يقل ذلك فلم خاطبه به ؟ فإن قلتم ~~الغرض منه توبيخ النصارى وتقريعهم فنقول : إن أحدا من النصارى لم يذهب إلى ~~القول بإلهية عيسى ومريم مع القول ينفي إلهية الله تعالى فكيف يجوز أن ينسب ~~هذا القول إليهم مع أن أحدا منهم لم يقل به . # والجواب : عن السؤال الأول أنه استفهام على سبيل الإنكار . # والجواب : عن السؤال الثاني أن الإله هو الخالق والنصارى يعتقدون أن خالق ~~المعجزات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى عليه السلام ومريم والله ~~تعالى ما خلقها ألبتة وإذا كان كذلك فالنصارى قد قالوا إن خالق تلك ~~المعجزات هو عيسى ومريم والله تعالى ليس خالقها ، فصح أنهم أثبتوا في حق ~~بعض PageV12P111 الأشياء كون عيسى ومريم إلهين له مع أن الله تعالى ليس ~~إلها له فصح بهذ التأويل هذه الحكاية والرواية . # ثم قال تعالى : { قال سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق } أما ~~قوله { سبحانك } فقد فسرناه في قوله { سبحانك لا علم لنا } ( البقرة : 32 ) ~~. # وأعلم أن الله تعالى لما سأل عيسى أنك هل قلت كذا لم يقل عيسى بأني قلت ~~أو ما قلت بل قال ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ، وهذا ليس بحق ينتج ~~أنه ما يكون لي أن أقول هذا الكلام لأن هذا يجري مجرى دعوى الطهارة ~~والنزاهة ، والمقام مقام الخضوع والتواضع ، ولم يقل بأني قلته بل فوض ذلك ~~إلى عمله المحيط بالكل . # فقال : { إن كنت ms3467 قلته فقد علمته } وهذا مبالغة في الأدب وفي إظهار الذل ~~والمسكنة في حضرة الجلال وتفويض الأمور بالكلية إلى الحق سبحانه . # ثم قال تعالى : { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المفسرون ذكروا فيه عبارات تعلم ما أخفي ولا أعلم ما ~~تخفي وقيل : تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك ، وقيل : تعلم ما في غيبي ولا ~~أعلم ما في غيبك ، وقيل : تعلم ما كان مني في الدنيا ولا أعلم ما كان منك ~~في الآخرة ، وقيل : تعلم ما أقول وأفعل ، ولا أعلم ما تقول وتفعل . # المسألة الثانية : تمسكت المجسمة بهذه الآية وقالوا : النفس هو الشخص ~~وذلك يقتضي كونه تعالى جسما . # والجواب من وجهين : الأول : أن النفس عبارة عن الذات ، يقال نفس الشيى ~~وذاته بمعنى واحد / والثاني : أن المراد تعلم معلومي ولا أعلم معلومك ولكنه ~~ذكر هذا الكلام على طريق المطابقة والمشاكلة وهو من فصيح الكلام . # ثم قال تعالى : { إنك أنت علام الغيوب } وهذا تأكيد للجملتين المتقدمتين ~~أعني قوله { إن كنت قلته فقد علمته } وقوله { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما ~~فى نفسك } # ! 7 < { ما قلت لهم إلا مآ أمرتنى به أن اعبدوا الله ربى وربكم وكنت ~~عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل ~~شىء شهيد } > 7 ! # < < # | المائدة : ( 117 ) ما قلت لهم . . . . . # > > ثم قال تعالى حكاية عن عيسى { ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به أن اعبدوا ~~الله ربى وربكم } أن مفسرة والمفسر هو الهاء في به الراجع إلى القول ~~المأمور به والمعنى ما قلت لهم إلا قولا أمرتني به إلا أنه وضع القول موضع ~~الأمر ، نزولا على موجب الأدب الحسن ، لئلا يجعل نفسه وربه أمرين معا ، ودل ~~على PageV12P112 الأصل بذكر أن المفسرة . # ثم قال تعالى : { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } أي كنت أشهد على ما ~~يفعلون ما دمت مقيما فيهم . # { فلما توفيتنى } والمراد منه ، وفاة الرفع إلى السماء ، من قوله { إني ~~متوفيك ورافعك إلى } ( آل عمران : 55 ms3468 ) . # { كنت أنت الرقيب عليهم } قال الزجاج : الحافظ عليهم المراقب لأحوالهم . # { وأنت على كل شىء شهيد } يعني أنت الشهيد لي حين كنت فيهم وأنت الشهيد ~~عليهم بعد مفارقتي لهم ، فالشهيد الشاهد ويجوز حمله على الرؤية ، ويجوز ~~حمله على العلم ، ويجوز حمله على الكلام بمعنى الشهادة فالشهيد من أسماء ~~الصفات الحقيقية على جميع التقديرات ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } . ~~> 7 ! # < < # | المائدة : ( 118 ) إن تعذبهم فإنهم . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : معنى الآية ظاهر ، وفيه سؤال : وهو أنه كيف جاز لعيسى ~~عليه السلام أن يقول { وإن تغفر لهم } والله لا يغفر الشرك . # والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى لما قال لعيسى عليه السلام : { ~~قلت للناس اتخذونى وأمى إلاهين من دون الله قال } ( المائدة : 116 ) علم أن ~~قوما من النصارى حكوا هذا اللكلام عنه ، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون ~~كافرا بل يكون مذنبا حيث كذب في هذه الحكاية وغفران الذنب جائز ، فلهذا ~~المعنى : طلب المغفرة من الله تعالى ، والثاني : أنه يجوز على مذهبنا من ~~الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل الزهاد والعباد النار ، لأن ~~الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه ، فذكر عيسى هذا الكرم ومقصوده منه تفويض ~~الأمور كلها إلى الله ، وترك التعرض والاعتراض بالكلية ، ولذلك ختم الكلام ~~بقوله { فإنك أنت العزيز الحكيم } يعني أنت قادر على ما تريد ، حكيم في كل ~~ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك ، فمن أنا والخوض في أحوال الربوبية ، وقوله ~~إن الله لا يغفر الشرك فنقول : غفرانه جائز عندنا ، وعند جمهور البصريين من ~~المعتزلة قالوا : لأن العقاب حق الله على المذنب وفي إسقاطه منفعة للمذنب ، ~~وليس في إسقاطه على الله مضرة ، فوجب أن يكون حسنا بل دل الدليل السمعي في ~~شرعنا على أنه لا يقع ، فلعل هذا الدليل السمعي ما كان موجودا في شرع عيسى ~~عليه السلام . # الوجه الثالث : في الجواب أن القوم قالوا هذا الكفر فعيسى عليه السلام ~~جوز أن يكون بعضهم قد تاب عنه ms3469 ، فقال : { ءان } علمت أن أولئك المعذبين ~~ماتوا على الكفر فلك أن تعذبهم بسبب أنهم عبادك ، وأنت قد حكمت على كل من ~~كفر ممن عبادك بالعقوبة ، وإن تغفر لهم علمت أنهم تابوا عن الكفر ، وأنت ~~حكمت على من تاب عن الكفر بالمغفرة . # الوجه الرابع : أنا ذكرنا أن من الناس من قال : إن قول الله تعالى لعيسى ~~{ أءنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلاهين من دون الله قال } ( المائدة : 116 ) ~~إنما كان عند رفعه إلى السماء لا في يوم القيامة ، وعلى هذا القول فالجواب ~~سهل PageV12P113 لأن قوله { إن تعذبهم فإنهم عبادك } يعني ان توفيتهم على ~~هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك ، وان أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة ~~الكفر إلى نور الايمان ، وغفرت لهم ما سلف منهم فلك أيضا ذاك على هذا ~~التقدير فلا إشكال . # المسألة الثانية : احتج بعض الأصحاب بهذه الآية على شفاعة محمد صلى الله ~~عليه وسلم في حق الفساق قالوا : لأن قول عيسى عليه السلام { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك } ليس في حق أهل الثواب لأن التعذيب لا يليق بهم ، وليس أيضا ~~في حق الكفار لأن قوله { وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } لا يليق ~~بهم فدل على أن ذلك ليس إلا في حق الفساق من أهل الايمان ، وإذا ثبت شفاعة ~~الفساق في حق عيسى عليه السلام ثبت في حق محمد صلى الله عليه وسلم بطريق ~~الأولى لأنه لا قائل بالفصل . # المسألة الثالثة : روى الواحدي رحمه الله أن في مصحف عبد الله ( وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت الغفور الرحيم سمعت شيخي ووالدي رحمه الله يقول { العزيز ~~الحكيم } هاهنا أولى من الغفور الرحيم ، لأن كونة غفورا رحيما يشبه الحالة ~~الموجبة للمغفرة والرحمة لكل محتاج ، وأنا العزة والحكمة فهما لا يوجبان ~~المغفرة ، فإن كونه عزيزا يقتضي أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد / وأنه لا ~~اعتراض عليه لأحد فإذا كان عزيزا متعاليا عن جميع جهات الاستحقاق ، ثم حكم ~~بالمغفرة كان الكرم هاهنا أتم مما إذا كان كونه غفورا رحيما يوجب المغفرة ~~والرحمة ، فكانت ms3470 عبارته رحمه الله أن يقول : عز عن الكل . ثم حكم بالرحمة ~~فكان هذا أكمل . وقال قوم آخرون : إنه لو قال : فإنك أنت الغفور الرحيم ، ~~أشعر ذلك بكونه شفيعا لهم ، فلما قال : { فإنك أنت العزيز الحكيم } دل ذلك ~~على أن غرضه تفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى ، وترك التعرض لهذا الباب ~~من جميع الوجوه . # ! 7 < { قال الله هاذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجرى من تحتها ~~الا نهار خالدين فيهآ أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذالك الفوز العظيم } . ~~> 7 @QB@ < # | المائدة : ( 119 ) قال الله هذا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { قال الله هاذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أجمعوا على أن المراد بهذا اليوم يوم القيامة ، والمعنى ~~أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة ، والدليل على أن المراد ما ذكرنا : ~~أن صدق الكفار في القيامة لا ينفعهم ، ألا ترى أن إبليس قال : { إن الله * ~~وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم } ( إبراهيم : 22 ) فلم ينفعه هذا الصدق ، ~~وهذا الكلام تصديق من الله تعالى لعيسى في قوله { ما قلت لهم إلا ما أمرتنى ~~به } ( المائدة : 117 ) . # المسألة الثانية : قرأ جمهور القراء { يوم } بالرفع ، وقرأ نافع بالنصب ، ~~واختاره أبو عبيدة . فمن قرأ بالرفع ، قال الزجاج : التقدير هذا اليوم يوم ~~منفعة الصادقين ، وأما النصب ففيه وجوه : الأول : على أنه ظرف لقال ~~والتقدير : قال الله هذا القول لعيسى يوم ينفع . الثاني : أن يكون التقدير ~~: هذا الصدق واقع يوم ينفع PageV12P114 الصادقين صدقهم ، ويجوز أن تجعل ~~ظروف الزمان أخبارا عن الأحداث بهذا التأويل كقولك : القتال يوم السبت ، ~~والحج يوم عرفة ، أي واقع في ذلك اليوم ، والثالث : قال الفراء : { يوم } ~~أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في يومئذ . قال البصريون هذا خطأ ~~لأن الظرف إنما يبنى إذا أضيف إلى المبنى كقول النابغة . # على حين عاتبت المشيب على الصبا # بنى ( حين ) لإضافته إلى المبنى وهو الفعل الماضي وكذلك قوله { يوم لا ~~تملك } ( الإنفطار : 19 ) بني لإضافته إلى ( لا ) وهي مبنية ، أما هنا ~~فالإضافة إلى معرب لأن ms3471 ينفع فعل مستقبل ، والفعل المستقبل معرب فالإضافة ~~إليه لا توجب البناء والله أعلم . # ثم قال تعالى : { لهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا رضى ~~الله عنهم ورضوا عنه ذالك الفوز العظيم } . # اعلم أنه تعالى لما أخبر أن صدق الصادقين في الدنيا ينفعهم في القيامة ، ~~شرح كيفية ذلك النفع وهو الثواب ، وحقيقة الثواب : أنها منفعة خالصة دائمة ~~مقرونة بالتعظيم . فقوله { لهم جنات تجرى من تحتها الانهار } إشارة إلى ~~المنفعة الخالصة عن الغموم والهموم ، وقوله { خالدين فيها أبدا } إشارة إلى ~~الدوام واعتبر هذه الدقيقة ، فإنه أينما ذكر الثواب قال : { خالدين فيها ~~أبدا } وأينما ذكر عقاب الفساق من أهل الايمان ذكر لفظ الخلود ولم يذكر معه ~~التأبيد ، وأما قوله تعالى : { رضي * الله عنهم ورضوا عنه ذالك الفوز ~~العظيم } فهو إشارة إلى التعظيم . هذا ظاهر قول المتكلمين ، وأما عند أصحاب ~~الأرواح المشرقة بأنوار جلال الله تعالى ، فتحت قوله { رضى الله عنهم ورضوا ~~عنه } أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها جعلنا الله من أهلها ، وقوله { ~~ذالك الفوز } الجمهور على أن قوله { يفعل ذالك } عائد إلى جملة ما تقدم من ~~قوله { لهم جنات تجري } إلى قوله { ورضوا عنه } وعندي أنه يحتمل أن يكون ~~ذلك مختصا بقوله { رضى الله عنهم ورضوا عنه } فإنه ثبت عند أرباب الألباب ~~أن جملة الجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود ~~، وكيف والجنة مرغوب الشهوة / والرضوان صفة الحق وأي مناسبة بينهما ، وهذا ~~الكلام يشمئز منه طبع المتكلم الظاهري ، ولكن كل ميسر لما خلق له ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { لله ملك السماوات والا رض وما فيهن وهو على كل شىء قدير } . > 7 ~~! # < < # | المائدة : ( 120 ) لله ملك السماوات . . . . . # > > قيل : إن هذا جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل : من يعطيهم ذلك الفوز ~~العظيم ؟ فقيل : الذي له ملك السماوات والأرض . وفي هذه الخاتمة الشريفة ~~أسرار كثيرة ونحن نذكر القليل منها . فالأول : أنه تعالى قال : { لله ملك * ~~السماوات والارض * وما فيهن } ولم يقل ومن فيهن فغلب غير العقلاء ، والسبب ~~فيه التنبيه ms3472 على أن كل المخلوقات مسخرون في قبضة قهره وقدرته وقضائه وقدره ~~، وهم في ذلك التسخير كالجمادات التي لا قدرة لها وكالبهائم التي لا عقل ~~لها ، فعلم الكل بالنسبة إلى علمه كلا علم ، وقدرة الكل بالنسبة إلى قدرته ~~كلا قدرة . والثاني : أن مفتتح السورة كان بذكر العهد المنعقد بين الربوبية ~~والعبودية فقال : { عليم يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } ( المائدة : 1 ~~) وكمال حال المؤمن في أن يشرع في العبودية وينتهي إلى الفناء المحض عن ~~نفسه بالكلية . فالأول هو الشريعة وهو البداية والآخر هو الحقيقة وهو ~~النهاية . فمفتتح السورة من الشريعة ومختتمها بذكر كبرياء الله وجلاله ~~وعزته وقدرته وعلوه ، وذلك هو الوصول إلى مقام الحقيقة فما أحسن ~~PageV12P115 المناسبة بين ذلك المفتتح ، وهذا المختتما والثالث : أن السورة ~~اشتملت على أنواع كثيرة من العلوم . فمنها : بيان الشرائع والأحكام ~~والتكاليف . ومنها المناظرة مع اليهود في إنكارهم شريعة محمد عليه الصلاة ~~والسلام ، ومنها المناظرة مع النصارى في قولهم بالتثليث فختم السورة بهذه ~~النكتة الوافية بإثبات كل هذه المطالب . فإنه قال : { لله ملك * السماوات ~~والارض * وما فيهن } ومعناه أن كل ما سوى الحق سبحانه فانه ممكن لذاته ~~موجود بإيجاده تعالى . وإذا كان الأمر كذلك كان مالكا لجميع الممكنات ~~والكائنات موجدا لجميع الأرواح والأجساد ، وإذا ثبت هذا لزم منه ثبوت كل ~~المطالب المذكورة في هذه السورة . وأما حسن التكليف كيف شاء وأراد ، فذاك ~~ثابت ، لأنه سبحانه لما كان مالكا للكل ، كان لله أن يتصرف في الكل بالأمر ~~والنهي والثواب والعقاب كيف شاء وأراد . فصح القول بالتكليف على أي وجه ~~أراده الحق سبحانه وتعالى . وأما الرد على اليهود فلأنه سبحانه لما كان ~~مالك الملك فله بحكم المالكية أن ينسخ شرع موسى ويضع شرع محمد عليهما ~~الصلاة والسلام وأما الرد على النصارى فلأن عيسى ومريم داخلان فيما سوى ~~الله لأنا بينا أن الموجد إما أن يكون هو الله تعالى أو غيره ، وعيسى ومريم ~~لا شك في كونهما داخلين في هذا القسم . فإذا دلنا على أن كل ما سوى الله ~~تعالى ممكن ms3473 لذاته موجود بإيجاد الله كائن بتكوين الله كان عيسى ومريم ~~عليهما السلام كذلك . ولا معنى للعبودية إلا ذلك . فثبت كونهما عبدين ~~مخلوقين فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية التي جعلها الله خاتمة ~~لهذه السورة برهان قاطع في صحة جميع العلوم التي اشتملت هذه السورة عليها . ~~والله أعلم بأسرار كلامه . # PageV12P116 < # > 1 ( سورة الأنعام ) 1 < # > # مكية إلا الآيات : 20 و 23 و 91 و 93 و 114 و 141 و 151 و 152 و 153 # فمدنية ، وآياتها 165 نزلت بعد سورة الحجر # قال ابن عباس رضي الله عنه : إنها مكية نزلت جملة واحدة ، فامتلأ منها ~~الوادي ، وشيعها سبعون ألف ملك ، ونزلت الملائكة فملؤوا ما بين الأخشبين ، ~~فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم الكتاب وكتبوها من ليلتهم إلا ست آيات ~~فانها مدنيات { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } ( الأنعام : 151 ) إلى ~~آخر الآيات الثلاث وقوله { وما قدروا الله حق قدره } ( الأنعام : 91 ) ~~الآية وقوله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ( الأنعام : 93 ) وعن ~~أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما نزل علي سورة من القرآن ~~جملة غير سورة الأنعام ، وما اجتمعت الشياطين لسورة من القرآن جمعها لها ، ~~وقد بعث بها إلي مع جبريل مع خمسين ملكا أو خمسين ألف ملك يزفونها ويحفونها ~~حتى أقروها في صدري كما أقر الماء في الحوض ، ولقد أعزني الله وإياكم بها ~~عزا لا يذلنا بعده أبدا ، فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه ) ~~وعن ابن المنكدر : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال : ( لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق ) . # قال الأصليون : هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة . أحدهما : أنها نزلت ~~دفعة واحدة ، والثاني : أنها شيعها سبعون ألفا من الملائكة ، والسبب فيه ~~أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب ~~المبطلين والملحدين ، وذلك يدل على أن علم الأصول في غاية الجلالة والرفعة ~~، وأيضا فإنزال ما يدل على الأحكام قد تكون المصلحة ms3474 أن ينزله الله تعالى ~~قدر حاجتهم ، وبحسب الحوادث والنوازل . وأما ما يدل على علم الأصول فقد ~~أنزله الله تعالى جملة واحدة ، وذلك يدل على أن تعلم علم الأصول واجب على ~~الفور لا على التراخي . # PageV12P117 ! 7 < { الحمد لله الذى خلق السماوات والا رض وجعل الظلمات ~~والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 1 ) الحمد لله الذي . . . . . # > > # اعلم أن الكلام المستقصى في قوله { الحمد لله } قد سبق في تفسير سورة ~~الفاتحة ، ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الفوائد ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الفرق بين المدح والحمد والشكر . # اعلم أن المدح أعم من الحمد ، والحمد أعم من الشكر . # أما بيان أن المح أعم من الحمد ، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل ، ~~ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل اللعاقل على أنواع فضائله ، فكذلك قد يمدح ~~اللؤلؤ لحسن شكله ولطافة خلقته ، ويمدح الياقوت على نهاية صفائه وصقالتها ~~فيقال : ما أحسنه وما أصفاه ، وأما الحمد : فانه لا يحصل إلا للفاعل ~~المختار على ما يصدر منه من الإنعام والإحسان ، فثبت أن المدح أعم من الحمد ~~. # وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر ، فون الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ~~ما صدر عنه من الإنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلا إليك أو إلى غيرك ، وأما ~~الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحصل عندك . فثبت بما ذكرنا ~~أن المدح أعم من الحمد ، وهو أعم من الشكر . # إذا عرفت هذا فنقول : إنما لم يقل المدح لله ونا بينا أن المدح كما يحصل ~~للفاعل المختار ، فقد يحصل لغيره . أما الحمد فانه لا يحصل إلا للفاعل ~~المختار . فكان قوله { الحمد لله } تصريحا بأن المؤثر في وجود هذا العالم ~~فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة وليس علة موجبة له إيجاب العلة لمعلولها ~~، ولا شك أن هذه الفائدة عظيمة في الدين وإنما لم يقل الشكر لله ، لأنا ~~بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمة بسبب انعام صدر منه ووصل إليك ، وهذا مشعر ~~بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل ms3475 إليه من النعمة فحينئذ يكون المطلوب ~~الأصلي به وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة ، فأما إذا قال : الحمد لله ، ~~فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه تعالى ~~أوصل النعمة إليه ، فيكون الاخلاص أكمل ، واستغراق القلب في مشاهدة نور ~~الحق أتم ، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت . # المسألة الثانية : الحمد : لفظ مفرد محلى بالألف واللام فيفيد أصل ~~الماهية . PageV12P118 # إذا ثبت هذا فنقول : قوله { الحمد لله } يفيد أن هذه الماهية لله ، وذلك ~~يمنع من ثبوت الحمد لغير الله ، فهذا يقتضي أن جميع أقسام الحمد والثناء ~~والتعظيم ليس إلا لله سبحانه . # فإن قيل : إن شكر المنعم واجب ، مثل شكر الأستاذ على تعليمه ، وشكر ~~السلطان على عدله ، وشكر المحسن على إحسانه ، كما قال عليه الصلاة والسلام ~~: ( من لم يشكر الناس لم يشكر الله ) . # قلنا : المحمود والمشكور في الحقيقة ليس إلا الله ، وبيانه من وجوه : ~~الأول : صدور الاحسان من العبد يتوقف على حصول داعية الاحسان في قلب العبد ~~، وحصول تلك الداعية في القلب ليس من العبد ، وإلا لافتقر في حصولها إلى ~~داعية أخرى ولزم التسلسل ، بل حصولها ليس إلا من الله سبحانه فتلك الداعية ~~عند حصولها يجب الفعل ، وعند زوالها يمتنع الفعل فيكون المحسن في الحقيقة ~~ليس إلا الله ، فيكون المستحق لكل حمد في الحقيقة هو الله تعالى . وثانيها ~~: أن كل من أحسن من المخلوقين إلى الغير ، فإنه إنما يقدم على ذلك الإحسان ~~إما لجلب منفعة أو دفع مضرة ، أما جلب المنفعة : فانه يطمع بواسطة ذلك ~~الإحسان بما يصير سببا لحصول السرور في قلبه أو مكافأة بقليل أو كثير في ~~الدنيا أو وجدان ثواب في الآخرة . وأما دفع المضرة ، فهو أن الإنسان إذا ~~رأى حيوانا في ضر أو بلية فإنه يرق قلبه عليه ، وتلك الرقة ألم مخصوص يحصل ~~في القلب عند مشاهدة وقوع ذلك الحيوان في تلك المضرة فإذا حاول إنقاذ ذلك ~~الحيوان من تلك المضرة زالت تلك الرقة عن القلب وصار فارغ القلب طيب الوقت ~~/ فذلك الإحسان كأنه ms3476 سبب أفاد تخليص القلب عن ألم الرقة الحسية ، فثبت أن ~~كل ما سوى الحق فإنه يستفيد بفعل الإحسان إما جلب منفعة أو دفع مضرة ، أما ~~الحق سبحانه وتعالى ، فإنه يحسن ولا يستفيد منه جلب منفعة ولا دفع ممضرة ، ~~وكان المحسن الحقيقي ليس إلا الله تعالى ، فبهذا السبب كان المستحق لكل ~~أقسام الحمد هو الله ، فقال : { الحمد لله } وثالثها : أن كل إحسان يقدم ~~عليه أحد من الخلق فالانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله ، ألا ترى ~~أنه لولا أن الله تعالى خلق أنواع النعمة وإلا لم يقدر الإنسان على إيصال ~~تلك الحنطة والفواكه إلى الغير ، وأيضا فلولا أنه سبحانه أعطى الإنسان ~~الحواس الخمس التي بها يمكنه الانتفاع بتلك النعم وإلا لعجز عن الانتفاع ~~بها . ولولا أنه سبحانه أعطاه المزاج الصحي والبنية السليمة وإلا لما أمكنه ~~الانتفاع بها ، فثبت أن كل إحسان يصدر عن محسن سوى الله تعالى ، فإن ~~الانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله تعالى . وعند هذا يظهر أنه لا ~~محسن في الحقيقة إلا الله ، ولا مستحق للحمد إلا الله . فلهذا قال : { ~~الحمد لله } ورابعها : أن الانتفاع بجميع النعم لا يمكن إلا بعد وجود ~~المنتفع بعد كونه حيا قادرا عالما ، ونعمة الوجود والحياة والقدرة والعلم ~~ليست إلا من الله سبحانه والتربية الأصلية والأرزاق المختلفة لا تحصل إلا ~~من الله سبحانه من أول الطفولية إلى آخر العمر . ثم إذا تأمل الإنسان في ~~آثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان ووصل إلى ما ألأدع الله تعالى في أعضائه ~~من أنواع المنافع والمصالح علم أنها بحر لا ساحل له ، كما قال تعالى : { ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) فبتقدير : أن نسلم أن ~~العبد يمكنه أن ينعم على الغير إلا أن نعم العبد كالقطرة ، ونعم الله لا ~~نهاية لها أولا وآخرا وظاهرا وباطنا فلهذا السبب كان المستحق للحمد المطلق ~~والثناء المطلق ليس إلا الله سبحانه فلهذا قال : { الحمد لله } . # المسألة الثالثة : إنما قال : { الحمد لله } ولم يقل : أحمد الله ، لوجوه ~~: أحدها ms3477 : أن الحمد صفة القلب PageV12P119 وربما احتاج الإنسان إلى أن يذكر ~~هذه اللفظة حال كونه غافلا بقلبه عن استحضار معنى الحمد والثناء ، فلو قال ~~في ذلك الوقت أحمد الله ، كان كاذبا واستحق عليه الذم والعقاب ، حيث أخبر ~~عن دعوى شيء مع أنه ما كان موجودا . أما إذا قال : الحمد لله ، فمعناه : أن ~~ماهية الحمد وحقيقته مسلمة لله تعالى . وهذا الكلام حق وصدق سواء كان معنى ~~الحمد والثناء حاضرا في قلبه أو لم يكن ، وكان تكلمه بهذا الكلام عبادة ~~شريفة وطاعة رفيعة فظهر الفرق بين هذين اللفظين . وثانيها : روي أنه تعالى ~~أوحى إلى داود عليه السلام يأمره بالشكر ، فقال داود : يا رب وكيف أشكرك ؟ ~~وشكري لك لا يحصل إلا أن توفقني لشكرك وذلك التوفيق نعمة زائدة وإنها توجب ~~الشكر لي أيضا وذلك يجر إلى ما لا نهاية له ولا طاقة لي بفعل ما لا نهاية ~~له . فأوحى الله تعالى إلى داود : لما عرفت عجزك عن شكري فقد شكرتني . # إذا عرفت هذا فنقول : لو قال العبد أحمد الله كان دعوى أنه أتى بالحمد ~~والشكر فيتوجه عليه ذلك السؤال . أنما لو قال : الحمد لله فليس فيه ادعاء ~~أن العبد أتى بالحمد والثناء ، بل ليس فيه إلا أنه سبحانه مستحق للحمد ~~والثناء سواء قدر على الإتيان بذلك الحمد أو لم يقدر عليه فظهر التفاوت بين ~~هذني اللفظين من هذا الوجه ، وثالثها : أنه لو قال أحمد الله كان ذلك مشعرا ~~بأنه ذكر حمد نفسه ولم يذكر حمد غيره . أما إذا قال : الحمد لله ، فقد دخل ~~فيه حمده وحمد غيره من أول خلق العالم إلى آخر استقرار المكلفين في درجات ~~الجنان ودركات النيران ، كما قال تعالى : { دعواهم فيها سبحانك اللهم ~~وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) فكان هذا الكلام أفضل وأكمل . # المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الكلمة مذكورة في أول سور خمسة . أولها : ~~الفاتحة ، فقال : { الحمد لله رب العالمين } ( الفاتحة : 2 ) وثانيها : في ~~يأول هذه السورة ، فقال : { الحمد لله الذى خلق * السماوات والارض } ( ~~الأنعام : 1 ) والأول أعم لأن ms3478 العالم عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى ، ~~فقوله } الحمد لله رب العالمين } يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى . أما ~~قوله { * } الحمد لله رب العالمين } يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى . ~~أما قوله { * } يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى . أما قوله { الحمد لله ~~الذى خلق * السماوات والارض } لا يدخل فيه إلا خلق السموات والأرض والظلمات ~~والنور ، ولا يدخل فيه سائر الكائنات والمبدعات ، فكان التحميد المذكور في ~~أول هذه السورة كأنه قسم من الأقسام الداخلة تحت التحميد المذكور في سورة ~~الفاتحة وتفصيل لتلك الجملة . وثالثها : سورة الكهف ، فقال : { الحمد لله ~~الذى أنزل على عبده الكتاب } ( الكهف : 1 ) وذلك أيضا تحميد مخصوص بنوع خاص ~~من النعمة وهو نعمة العلم والمعرفة والهداية والقرآن ، وبالجملة النعم ~~الحاصلة بواسطة بعثة الرسل ، ورابعها : سورة سبأ وهي قوله { الحمد لله الذى ~~له ما فى * السماوات وما في الارض } ( سبأ : 1 ) وهو أيضا قسم من الأقسام ~~الداخلة تحت قوله { الحمد لله رب العالمين } وخامسها : سورة فاطر ، فقال : ~~{ الحمد لله فاطر * السماوات والارض } ( فاطر : 1 ) وظاهر أيضا أنه قسم من ~~الأقسام الداخلة تحت قوله { الحمد لله رب العالمين } فظهر أن الكلام الكلي ~~التام هو التحميد المذكور في أول الفاتحة وهو قوله { الحمد لله رب العالمين ~~} وذلك لأن كل موجود فهو إما واجب الوجود لذاته ، وإما ممكن الوجود لذاته . ~~وواجب الوجود لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى وما سواه ممكن وكل ممكن ~~فلا يمكن دخوله في الوجود إلا بإيجاد الله تعالى وتكوينه والوجود نعمة ~~فالإيجاد إنعام وتربية ، فلهذا السبب قال : { الحمد لله رب العالمين } وأنه ~~تعالى المربي لكل ما سواه والمحسن إلى كل ما سواه . فذلك الكلام هو الكلام ~~الكلي الوافي PageV12P120 بالمقصود . أما التحميدات المذكورة في أوائل هذه ~~السور فكان كل واحد منها قسم من أقسام ذلك التحميد ونوع من أنواعه . # فإن قيل : ما الفرق بين الخالق وبين الفاطر والرب ؟ وأيضا لم قال ههنا { ~~خلق * السماوات والارض } بصيغة فعل الماضي ؟ وقال في سورة فاطر { الحمد لله ~~فاطر ms3479 * السماوات والارض } بصيغة اسم الفاعل . # فنقول في الجواب عن الأول : الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الحق ~~سبحانه عبارة عن علمه النافذ في جميع الكليات والجزئيات الواصل إلى جميع ~~ذوات الكائنات والممكنات وأما كونه فاطرا فهو عبارة عن الإيجاد والابداع ، ~~فكونه تعالى خالقا إشارة إلى صفة العلم ، وكونه فاطرا إشارة إلى صفة القدرة ~~، وكونه تعالى ربا ومربيا مشتمل على الأمرين ، فكان ذلك أكمل . # والجواب عن الثاني : أن الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الله تعالى ~~عبارة عن علمه بالمعلومات ، والعمل بالشيء سصح تقدمه على وجود المعلوم . ~~ألا ترى أنه يمكننا أن نعلم الشيء قبل دهوله في الوجود . أما إيجاد الشيء ، ~~فإنه لا يحصل إلا حال وجود الأثر بناء على مذهبنا أن القدرة إنما تؤثر في ~~وجود المقدور حال وجود المقدور . فلهذا السبب قال : { خلق * السماوات } ~~والمراد أنه كان عالما بها قبل وجودها ، وقال : { فاطر * السماوات والارض } ~~والمراد أنه تعالى إنما يكون فاطرا لها وموجدا لها عند وجودها . # المسألة الخامسة : في قوله { الحمد لله } قولان : الأول : المراد منه ~~احمدوا الله تعالى ، وإنما جاء على صيغة الخبر لفوائد : إحداها : أن قوله { ~~الحمد لله } يفيد تعليم اللفظ والمعنى ، ولو قال : احمدوا لم يحصل مجموع ~~هاتين الفائدتين . وثانيها : أنه يفيد أنه تعالى مستحق الحمد سواء حمده ~~حامد أو لم يحمده . وثالثها : أن المقصود منه ذكر الحجة فذكره بصيغة الخبر ~~أولى . # والقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين معناه قولوا الحمد لله . قالوا : ~~والدليل على أن المراد منه تعليم العباد أنه تعالى قال في أثناء السورة { ~~إياك نعبد وإياك نستعين } وهذا الكلام لا يليق ذكره إلا بالعباد . والمقصود ~~أنه سبحانه لما أمر بالحمد وقد تقرر في العقول أن الحمد لا يحسن إلا على ~~الإنعام ، فحينئذ يصير هذا الأمر حاملا للمكلف على أن يتفكر في أقسام نعم ~~الله تعالى عليه . ثم إن تلك النعم يستدل بذكرها على مقصودين شريفين : ~~أحدهما : أن هذه النعم قد حدثت بعد أن كانت معدومة فلا بد لها من محدث ~~ومحصل ms3480 وليس ذلك هو العبد لأن كل أحد يريد تحصيل جميع أنواع النعم لنفسه ، ~~فلو كان حصول النعم للعبد بواسطة قدرة العبد واختياره ، لوجب أن يكون كل ~~واحد واصلأ إلى جميع أقسام النعم إذ لا أحد إلا وهو يريد تحصيل كل النعم ~~لنفسه ، ولما ثبت أنه لا بد لحدوث هذه النعم من محدث وثبت أن ذلك المحدث ~~ليس هو العبد ، فوجب الاقرار بمحدث قاهر قادر ، وهو الله سبحانه وتعالى . # والنوع الثاني : من مقاصد هذه الكلمة أن القلوب مجبولة على حب من أحسن ~~إليها وبغض من أساء إليها فإذا أمر الله تعالى العبد بالتحميد ، وكان الأمر ~~بالتحميد مما يحمله على تذكر أنواع نعم الله تعالى ، صار ذلك التكليف حاملا ~~للعبد على تذكر أنواع نعم الله عليه ، ولما كانت تلك النعم كثيرة خارجة عن ~~الحد والاحصاء ، صار تذكر تلك النعم موجبة رسوخ حب الله تعالى في قلب العبد ~~. فثبت أن تذكيرالنعم يفيد PageV12P121 هاتين الفائدتين الشريفتين . ~~إحداهما : الاستدلال بحدوثها عن الاقرار بوجود الله تعالى . وثانيهما : أن ~~الشعور بكونها نعما يوجب ظهور حب الله في القلب ، ولا مقصود من جميع ~~العبادات إلا هذان الأمران . فلهذا السبب وقع الابتداء في هذا الكتاب ~~الكريم بهذه الكلمة ، فقال : { الحمد لله رب العالمين } . # واعلم أن هذه الكلمة بحر لا ساحل له ، لأن العالم اسم لكل ما سوى الله ~~تعالى ، وما سوى الله إما جسم أو حال فيه أو لا جسم ولا حال فيه ، وهو ~~الأرواح . ثم الأجسام إما فلكية ، وءما عنصرية . أما الفلكيات فأولها العرش ~~المجيد ، ثم الكرسي الرفيع . ويجب على العاقل أن يعرف أن العرش ما هو ، وأن ~~الكرسي ما هو ، وأن يعرف صفاتهما وأحوالهما ، ثم يتأمل أن اللوح المحفوظ ، ~~والقلم والرفرف ، والبيت المعمور ، وسدرة المنتهى ما هي ، وأن يعرف حقائقها ~~، ثم يتفكر في طبقات السموات وكيفية اتساعها وأجرامها وأبعادها ، ثم يتأمل ~~في الكواكب الثابتة والسيارة ، ثم يتأمل في عالم العناصر الأربعة والمواليد ~~الثلاثة وهي المعادن والنبات والحيوان ، ثم يتأمل في كيفية حكمة الله تعالى ~~في خلقه الأشياء ms3481 الحقيرة والضعيفة كالبق والبعوض ، ثم ينتقل منها إلى معرفة ~~أجناس الأعراض وأنواعها القريبة والبعيدة ، وكيفية المنافع الحاصلة من كل ~~نوع من أنواعها ، ثم ينتقل منها إلى تعرف مراتب الأرواح السفلية والعلوية ~~والعرشية والفلكية ، ومراتب الأرواح المقدسة عن علائق الأجسام المشار إليها ~~بقوله { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ( الأنبياء : 19 ) فإذا استحضر ~~مجموع هذه الأشياء بقدر القدرة والطاقة ، فقد حضر في عقله ذرة من معرفة ~~العالم ، وهو كل ما سوى الله تعالى . ثم عند هذا يعرف أن كل ما حصل لها من ~~الوجود وكمالات الوجود في ذواتها من صفاتها وأحوالها وعلائقها ، فمن إيجاد ~~الحق ومن جوده ووجوده ، فعند هذا يعرف من معنى قوله { الحمد لله رب ~~العالمين } ذرة ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلام لا آخر له والله أعلم . # المسألة السادسة : إنا وإن ذكرنا أن قوله { الحمد لله رب العالمين } أجري ~~مجرى قوله قولوا : الحمد لله رب العالمين فإنما ذكرناه لأن قوله في أثناء ~~السورة { إياك نعبد وإياك نستعين } لا يليق إلا بالعبد فلهذا السبب افتقرنا ~~هناك إلى هذا الاضمار . أما هذه السورة وهي قوله { الحمد لله الذى خلق * ~~السماوات والارض } فلا يبعد أن يكون المراد منه ثناء الله تعالى به على ~~نفسه . # وإذا ثبت هذا فنقول : إن هذا يدل من بعض الوجوه ، على أنه تعالى منزه عن ~~الشبيه في اللذات والصفات والأفعال وذلك لأن قوله { الحمد لله } جار مجرى ~~مدح النفس وذلك قبيح في الشاهد ، فلما أمرنا بذلك دل هذا على أنه لا يمكن ~~قياس الحق على الخلق ، فكما أن هذا قبيح من الخلق مع أنه لا يقبح من الحق ، ~~فكذلك ليس كل ما يقبح من الخلق وجب أن يقبح من الحق . وبهذا الطريق وجب أن ~~يبطل كلمات المعتزلة في أن ما قبح منا وجب أن يقبح من الله . # إذا عرفت بهذا الطريق أن أفعاله لا تشبه أفعال الخلق ، فكذلك صفاته لا ~~تشبه صفات الخلق ، وذاته لا تشبه ذوات الخلق ، وعند هذا يحصل التنزيه ~~المطلق والتقديس الكامل عن كونه ms3482 تعالى مشابها لغيره في الذات والصفات ~~والأفعال ، فهو الله سبحانه واحد في ذاته ، لا شريك له في صفاته ، ولا نظير ~~له واحد في أفعاله لا شبيه له تعالى وتقدس والله أعلم . PageV12P122 # أما قوله سبحانه { الذى خلق * السماوات والارض } ففيه مسألتان : الأولى : ~~في السؤالات المتوجهة على هذه الآية وهي ثلاثة : # السؤال الأول : أن قوله { الحمد لله الذى خلق * السماوات والارض } جار ~~مجرى ما يقال : جاءني الرجل الفقيه . فإن هذا يدل على وجود رجل آخر ليس ~~بفقيه ، وإلا لم يكن إلى ذكر هذه الصفة حاجة كذا ههنا قوله { الحمد لله ~~الذى خلق * السماوات والارض } يوهم أن هناك إلها لم يخلق السموات والأرض ، ~~وإلا فأي فائدة في هذه الصفة ؟ # والجواب : أنا بينا أن قوله ( الله ) جار مجرى اسم العلم . فإذا ذكر ~~الوصف لاسم العلم لم يكن المقصود من ذكر الصوف التمييز ، بل تعريف كون ذلك ~~المعنى المسمى ، موصوفا بتلك الصفة . مثاله إذا قلنا الرجل العالم ، فقولنا ~~: الرجل اسم الماهية ، والماهية تتناول الأشخاص المذكورين الكثيرين . فكان ~~المقصود ههنا من ذكر الوصف تمييز هذا الرجل بهذا الاعتبار عن سائر الرجال ~~بهذه الصفة . أما إذا قلنا : زيد العالم ، فلفظ زيد اسم علم ، وهو لا يفيد ~~إلا هذه الذات المعينة ، لأن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات . فإذا ~~وصفناه بالعلمية امتنع أن يكون المقصود منه تمييز ذلك الشخص عن غيره ، بل ~~المقصود منه تعريف كون ذلك المسمى موصوفا بهذه الصفة . ولما كان لفظ ( الله ~~) من باب أسماء الأعلام ، لا جرم كان الأمر على ما ذكرناه والله أعلم . # السؤال الثاني : لم قدم ذكر السماء على الأرض ، مع أن ظاهر التنزيل يدل ~~على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء ؟ والجواب : السماء كالدائرة ، ~~والأرض كالمركز ، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس ، فإن حصول ~~المركز لا يوجب تعين الدائرة لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية ~~لها ، فلما كانت السماء متقدمة على الأرض بهذا الاعتبار وجب تقديم ذكر ~~السماء على الأرض بهذا الاعتبار . # السؤال الثالث : لم ذكر السماء بصيغة ms3483 الجمع والأرض بصيغة الواحد مع أن ~~الأرضين أيضا كثيرة بدليل قوله تعالى { ومن الارض مثلهن } ( الطلاق : 12 ) ~~. # والجواب : أن السماء جارية مجرى الفاعل والأرض مجرى القابل . فلو كانت ~~المساء واحدة لتشابه الأثر ، وذلك يخل بمصالح هذا العالم . أما لو كانت ~~كثيرة اختلفت الاتصالات الكوكبية فحصل بسببها الفصول الأربعة ، وسائر ~~الأحوال المختلفة ، وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم . أما الأرض ~~فهي قابلة للأثر والقابل الواحد كاف في القبول ، وأما دلالة الآية المذكورة ~~على تعدد الأرضين فقد بينا في تفسير تلك الآية كيفية الحال فيها والله أعلم ~~. # المسألة الثانية : اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر الدلالة على وجود ~~الصانع . وتقريره أن أجرام السموات والأرض تقدرت في أمور مخصوصة بمقادير ~~مخصوصة ، وذلك لا يمكن حصوله إلا بتخصيص الفاعل المختار . أما بيان المقام ~~الأول فمن وجوه : الأول : أن كل فلك مخصوص اختص بمقدار معين مع جواز أن ~~يكون الذي كان حاصلا مقدارا أزيد منه أو أنقص منه . والثاني : أن كل فلك ~~بمقدار مركب من PageV12P123 أحزاء ، والجزء الداخل كان يمكن وقوعه خارجا ~~وبالعكس . فوقوع كل واحد منها في حيزه الخاص أمر جائز . والثالث : أن ~~الحركة والسكون جائزان على كل الأجسام بدليل أن الطبيعة الجسمية واحدة . ~~ولوازم الأمور الواحدة بالحركة دون السكون اختصاص بأمر ممكن . والرابع : أن ~~كل حركة ، فإنه يمكن وقوعها أسرع مما وقع وأبطأ مما وقع ، فاختصاص تلك ~~الحركة المعينة بذلك القدر المعين من السرعة والبطء اختصاص بأمر ممكن . ~~والخامس : أن كل حركة ، وقعت متوجهة إلى جهة ، فإنه يمكن وقوعها متوجهة إلى ~~سائر الجهات . فاختصاصها بالوقوع على ذلك الوجه الخاص اختصاص بأمر ممكن . ~~والسادس : أن كل فلك فإنه يوجد جسم آخر إما أعلى منه وإما أسفل منه ، وقد ~~كان وقوعه على خلاف ذلك الترتيب أمرا ممكنا ، بدليل أن الأجسام لما كانت ~~متساوية في الطبيعة الجسمية ، فكل ما صح على بعضها صح على كلها ، فكان ~~اختصاصه بذلك الحيز والترتيب أمرا ممكنا . والسابع : وهو أن لحركة كل فلك ~~أولا ، لأن وجو ، حركة لا أول ms3484 لها محال . لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة ~~إلى حالة . وهذا الانتقال يقتضي كونها مسبوقة بالغير . والأول ينافي ~~المسبوقية بالغير ، والجمع بينهما محال . فثبت أن لكل حركة أولا ، واختصاص ~~ابتداء حدوثه بذلك الوقت ، دون ما قبله وما بعده اختصاص بأمر ممكن . ~~والثامن : هو أن الأجسام ، لما كانت متساوية في تمام الماهية كان اتصاف ~~بعضها بالفلكية وبعضها بالعنصرية دون العكس ، اختصاصا بأمر ممكن . والتاسع ~~: وهو أن حركاتها فعل لفاعل مختار ، ومتى كان كذلك فلها أول . بيان المقام ~~الأول أن المؤثر فيها لو كان علة موجبة بالذات لزم من دوام تلك العلة دوام ~~آثارها ، فيلزم من دوام تلك العلة ، دوام كل واحد من الأجزاء المتقومة في ~~هذه الحركة . ولما كان ذلك محالا ثبت أن المؤثر فهيا ليس علة موجبة بالذات ~~، بل فاعلا مختارا . وإذا كان كذلك ، وجب كون ذلك الفاعل متقدما على هذه ~~الحركات ، وذلك يوجب أن يكون لها بداية . العاشر : أنه ثبت بالدليل أنه حصل ~~خارج العالم خلاء لا نهاية له بدليل أنا نعلم بالضرورة أنا لو فرضنا أنفسنا ~~واقفين على طرف الفلك الأعلى فإنا نميز بين الجهة التي تلي قدامنا وبين ~~الجهة التي تلي خلفنا ، وثبوت هذا الامتياز معلوم بالضرورة . وإذا كان كذلك ~~ثبت أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له ، وإذا كان كذلك فحصول هذا ~~العالم في هذا الحيز الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر مكن ، فثبت بهذه ~~الوجوه العشرة : أن أجرام السموات والأرضين مختلفة بصفات وأحوال ، فكان ~~يجوز في العقل حضول أضدادها ومقابلاتها ، فوجب أن لا يحصل هذا الاختصاص ~~الخاص إلا لمرجح ومقدر وإلا فقد ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ~~وهو محال . # وإذا ثبت هذا فنقول : إنه لا معنى للخلق إلا التقدير . فلما دل العقل على ~~حصول التقدير من هذه الوجوه العشرة ، وجب حصول الخلق من هذه الوجوه العشرة ~~. فلهذا المعنى . قال : { الحمد لله الذى خلق * السماوات والارض } والله ~~أعلم ، ومن الناس من قال المقصود من ذكر السموات والأرض والظلمات والنور ~~التنبيه على ms3485 ما فيها من المنافع . # واعلم أن منافع السموات أكثر من أن تحيط بجزء من أجزائها المجلدات ، وذلك ~~لأن السموات بالنسبة إلى مواليد هذا العالم جارية مجرى الأب والأرض بالنسبة ~~إليها جارية مجرى الأم فالعلل الفاعلة سماوية PageV12P124 والعلل القابلة ~~أرضية وبها يتم أمر المواليد الثلاثة . والاستقصاء في شرح ذلك لا سبيل له . # أما قوله { وجعل الظلمات والنور } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : لفظ { جعل } يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث ~~وأنشأ كقوله تعالى : { وجعل الظلمات والنور } وإلى مفعولين إذا كان بمعنى ~~صير كقوله { وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) ~~والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير ، وفي الجعل معنى ~~التضمين والتصيير كإنشاء شيء من شيء ، وتصيير شيء شيئا ، ومنه : قوله تعالى ~~: { وجعل منها زوجها } ( الأعراف : 189 ) وقوله { وجعلنا لهم أزواجا } ( ~~الرعد : 38 ) وقوله { أجعل الالهة * إليها * واحدا } ( ص : 5 ) وإنما حسن ~~لفظ الجعل ههنا لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كأنه كل واحد منهما إنما ~~تولد من الآخر . # المسألة الثانية : في لفظ { الظلمات والنور } قولان : الأول : أن المراد ~~منهما الأمران المحسوسان بحس البصر والذي يقوي ذلك أن اللفظ حقيقة فيهما . ~~وأيضا هذان الأمران إذا جعلا مقرونين بذكر السموات والأرض ، فإنه لا يفهم ~~منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان والثاني : نقل الواحدي عن ابن عباس ~~أنه قال { وجعل الظلمات والنور } أي ظلمة الشرلاك والنفاق والكفر والنور ~~يريد نور الإسلام والإيمان والنبوة واليقين . ونقل عن الحسن أنه قال : يعني ~~الكفر والإيمان ، ولا تفاوت بين هذين القولين ، فكان قول الحسن كالتلخيص ~~لقول ابن عباس . ولقائل أن يقول حمل اللفظ على الوجه الأول أولى ، لما ~~ذكرنا أن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ، ولأن الظلمات والنور إذا كان ذكرهما ~~مقرونا بالسموات والأرض لم يفهم منه إلا ما ذكرناه . قال الواحدي : والأولى ~~حمل اللفظ عليهما معا . وأقول هذا مشكل لأنه حمل اللفظ على مجازه ، واللفظ ~~الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن حمله على حقيقته ومجازه معا . # المسألة الثالثة : إنما قدم ذكر الظلمات على ms3486 ذكر النور لأجل أن الظلمة ~~عبارة عن عدم النور عن الجسم الذي من شأنه قبول النور ، وليست عبارة عن ~~كيفية وجودية مضادة للنور ، والدليل عليه أنه إذا جلس إنسان بقرب السراج ، ~~وجلس إنسان آخر بالبعد منه ، فإن البعيد يرى القريب ويرى ذلك الهواء صافيا ~~مضيئا ، وأما القريب فإنه لا يرى البعيد ويرى ذلك الهواء مظلما ، فلو كانت ~~الظلمة كيفية وجودية لكانت حاصلة بالنسبة إلى هذين الشخصين المذكورين ، ~~وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الظلمة ليست كيفية وجودية . # وإذ ثبت هذا فنقول : عدم المحدثات متقدم على وجودها ، فالظلمة متقدمة في ~~التقدير والتحقق على النور ، فوجب تقديمها في اللفظ ، ومما يقوي ذلك ما ~~يروى في الأخبار الإلهية أنه تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من ~~نوره . # المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : لم ذكر الظلمات بصيغة الجمع ، والنور ~~بصيغة الواحد ؟ فنقول : أما من حمل الظلمات على الكفر والنور على الإيمان / ~~فكلامه ههنا ظاهر ، لأن الحق واحد والباطل كثير ، وأما من حملها على ~~الكيفية المحسوسة ، فالجواب : أن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة ~~القوية ، ثم إنها تقبل التناقص قليلا قليلا ، وتلك المراتب كثيرة . فلهذا ~~السبب عبر عن الظلمات بصيغة الجمع . PageV12P125 # أما قوله تعالى : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } # فأعلم أن العدل هو التسوية . يقول : عدل الشيء بالشيء إذا سواه به ، ~~ومعنى { يعدلون } يشركون به غيره . # فإن قيل : على أي شيء عطف قوله { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } # قلنا : يحتمل أن يكون معطوفا على قوله { الحمد لله } على معنى أن الله ~~حقيق بالحمد على كل ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة { ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون } فيكفرون بنعمته ، ويحتمل أن يكون معطوفاف على قوله { خلق * ~~السماوات والارض } على معنى أن خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها ~~أحد سواه ، ثم إنهم يعدلون به جمادا لا يقدر على شيء أصلا . # فإن قيل : فما معنى ثم ؟ # قلنا : الفائدة فيه استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته والله أعلم ~~. # ! 7 < { هو الذى ms3487 خلقكم من طين ثم قضىأجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون ~~} > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 2 ) هو الذي خلقكم . . . . . # > > اعلم أن هذا الكلام يحتمل أن يكون المراد منه ذكر دليل آخر من دلائل ~~إثبات الصانع تعالى ، ويحتمل أن لا يكون المراد منه ذكر الدليل على صحة ~~المعاد وصحة الحشر . # أما الوجه الأول : فتقريره : أن الله تعالى لما استدل بخلقه السموات ~~والأرض وتعاقب الظلمات والنور على وجود الصانع الحكيم أتبعه بالاتسدلال ~~بخلقه الإنسان ، على إثبات هذا المطلوب فقال : { هو الذى خلقكم من طين } ~~والمشهور أن المراد منه أنه تعالى خلقهم من آدم وآدم كان مخلوقا من طين . ~~فهلذا السبب قال : { هو الذى خلقكم من طين } وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن ~~الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث ، وهما يتوالدان من الدم ، والدم إنما ~~يتولد من الأغذية ، والأغذية إما يحوانية وإمانباتية ، فإن كانت حيوانية ~~كان الحال في كيفية تولد ذلك الحيوان كالحال في كيفية تولد الإنسان ، فبقي ~~أن تكون نباتية ، فثبت أن الإنسان مخلوق من الأغذية النباتية ، ولا شك أنها ~~متولدة من الطين ، فثبت أن كل إنسان متولد من الطين . وهذا الوجه عندي أقرب ~~إلى الصواب . # إذا عرفت هذا فنقول : هنا الطين قد تولدت النطفة منه بهذا الطريق المذكور ~~، ثم تولد من النطفة أنواع الأعضاء المختلفة في الصفة والصورة واللون ~~والشكل مثل القلب والدماغ والكبد ، وأنواع الأعضاء البسيطة كالعظام ~~والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها ، وتولد الصفات المختلفة في المادة ~~المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم وذلك هو المطلوب . ~~PageV12P126 # وأما الوجه الثاني : وهو أن يكون المقصود من هذا الكلام تقرير أمر المعاد ~~، فنقول لما ثبت أن تخليق بدن الإنسان إنما حصل ، لأن الفاعل الحكيم ~~والمقدر الرحيم ، رتب حلقة هذه الأعضاء على هذه الصفات المختلفة بحكمته ~~وقدرته ، وتلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادرا على ~~إعادتها وإعادة الحياة فيها ، وذلك يدل على صحة القول بالمعاد . # وأما قوله تعالى : { ثم قضى أجلا } ففيه مباحث : # المبحث الأول : لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم ms3488 والأمر . قال تعالى : ~~دوقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } ( الأسرار : 23 ) وبمعنى الخبر والاعلام . ~~قال تعالى : { * } ( الأسرار : 23 ) وبمعنى الخبر والاعلام . قال تعالى : { ~~وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب } ( الإسرار : 4 ) وبمعنى صفة الفعل إذا ~~تم . قال تعالى : { فقضاهن سبع * تعجل فى يومين } ( فصلت : 12 ) ومنه قولهم ~~قضى فلان حاجة فلان . وأما الأجل فهو في اللغة عبارة عن الوقت المضروب ~~لانقضاء الأمد ، وأجل الإنسان هو الوقت المضروب لانقضاء عمره ، وأجل الدين ~~محله لانقضاء التأخير فيه وأصله من التأخير يقال أجل الشيء يأجل أجولا ، ~~وهو آجل إذا تأخر والآجل نقيض العاجل . # إذا عرفت هذا فقوله { ثم قضى أجلا } معناه أنه تعالى خصص موت كل واحد ~~بوقت معين وذلك التخصيص عبارة عن تعلق مشيئته بإيقاع ذلك الموت دي ذلك ~~الوقت . ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ثم إنكم بعد ذالك } ( المؤمنون : ~~15 ) . # وأما قوله تعالى : { أجلا وأجل مسمى عنده } # فاعلم أن صريح هذه الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان . واختلف المفسرون ~~في تفسيرهما على وجوه : الأول : قال أبو مسلم قوله { ثم * لهم أجلا } ~~المراد منه آجال الماضين من الخلق وقوله { وأجل مسمى عنده } المراد منه ~~آجال الباقين من الخلق فهو خص هذا الأجل . الثاني : بكونه مسمى عنده ، لأن ~~الماضين لما ماتوا صارت آجالهم معلومة ، أما الباقون فهم بعد لم يموتوا فلم ~~تصر آجالهم معلومة ، فلهذا المعنى قال : { وأجل مسمى عنده } والثاني : أن ~~الأجل الأول هو أجل الموت والأجل المسمى عند الله هو أجل القيامة ، لأن مدة ~~حياتهم في الآخرة لا آخرة لها ولا انقضاء ولا يعلم أحد كيفية الحال في هذا ~~الأجل إلا الله سبحانه وتعالى . والثالث : الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى ~~أن يموت . والثاني : ما بين الموت والبعث وهو البرزخ . والرابع : أن الأول ~~: هو النوم والثاني : الموت . والخامس : أو الأجل الأول مقدار ما انقضى من ~~عمر كل أحد ، والأجل الثاني : مقدار ما بقي من عمر كل أحد . والسادس : وهو ~~قول حكماء الإسلام أن لكل إنسان أجلين : أحدهما : الآجال الطبيعية ms3489 . ~~والثاني : الآجال الاخترامية . أما الآجال الطبيعية : فهي التي لو بقي ذلك ~~المزاج مصونا من العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه إلى الوقت الفلاني ، ~~وأما الآجال الاخترامية : فهي التي تحصل بسبب من الأسباب الخارجية : كالغرق ~~والحرق ولدغ الحشرات وغيرها من الأمور المعضلة ، وقوله { مسمى عنده } أي ~~معلوم عنده أو مذكور اسمه في اللوح المحفوظ ، ومعنى عنده شيبه بما يقول ~~الرجل في المسألة عندي أن الأمر كذا وكذا أي هذا اعتقادي وقولي . # فإن قيل : المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفا وجب تأخيره فلم جاز تقديمه ~~في قوله { وأجل مسمى عنده } PageV12P127 # قلنا : لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة كقوله { ولعبد مؤمن خير من مشرك } ~~( البقرة : 221 ) . # وأما قوله { ثم أنتم تمترون } فنقول : المرية والامتراء هو الشك . # وأعلم أنا إن قلنا المقصود من ذكر هذا الكلام الاستدلال على وجود الصانع ~~كان معناه أن بعد ظهور مثل هذه الحجة الباهرة أنتم تمترون في صحة التوحيد ، ~~وإن كان المقصود تصحيح القول بالمعاد فكذلك والله أعلم . # ! 7 < { وهو الله فى السماوات وفى الا رض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما ~~تكسبون } > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 3 ) وهو الله في . . . . . # > > واعلم أنا إن قلنا : إن المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدليل على ~~وجود الصانع القادر المختار . # قلنا : المقصود من هذه الآية بيان كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، ~~فإن الآيتين المتقدمتين يدلان على كمال القدرة ، وهذه الآية تدل على كمال ~~العلم وحينئذ يكمل العلم بالصفات المعتبرة في حصول الإلهية ، وإن قلنا : ~~المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدلالة على صحة المعاد ، فالمقصود من هذه ~~الآية تكميل ذلك البيان ، وذلك لأن منكري المعاد إنما أنكروه لأمرين أحدهما ~~: أنهم يعتقدون أن المؤثر في حدوث بدن الإنسان هو امتزاج الطبائع وينكرون ~~أن يكون المؤثر فيه قادرا مختارا . والثاني : أنهم يسلمون ذلك إلا أنهم ~~يقولون إنه غير عالم بالجزئيات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ، ولا ~~تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرون ثم إنه تعالى أثبت بالآيتين ~~المتقدمتين كونه تعالى قادرا ومختارا لا علة موجبة ، وأثبا بهذه ms3490 الآية كونه ~~تعالى عالما بجميع المعلومات ، وحينئذ تبطل جميع الشبهات التي عليها مدار ~~القول بإنكار المعاد ، وصحة الحشر والنشر فهذا هو الكلام في نظم الآية ~~وههنا مسائل : # المسألة الأولى : القائلون بأن الله تعالى مختص بالمكان تمسكوا بهذه ~~الآية وهو قوله { وهو الله فى * السماوات } وذلك يدل على أن الإله مستقر في ~~السماء قالوا : ويتأكد هذا أيضا بقوله تعالى : { من فى السماء أن يخسف بكم ~~} ( الملك : 16 ) قالوا : ولا يلزمنا أن يقال فيلزم أن يكون في الأرض لقوله ~~تعالى في هذه الآية { وهو الله فى * السماوات * وفى الارض } وذلك يقتضي ~~حصوله تعالى في المكانين معا وهو محال لأنا نقول أجمعنا على أنه ليس بموجود ~~في الأرض ، ولا يلزم من ترك العمل بأحد الظاهرين ترك العمل بالظاهر الآخر ~~من غير دليل ، فوجب أن يبقى ظاهر قوله { وهو الله فى * السماوات } على ذلك ~~الظاهر ، ولأن من القراء من وقف عند قوله { وهو الله فى * السماوات } ثم ~~يبتدىء فيقول { وفى الارض يعلم سركم } والمعنى أنه سبحانه يعلم سرائركم ~~الموجودة في الأرض فيكون قوله { فى الارض } صلة لقوله { سركم } هذا تمام ~~الكلام . # وأعلم أنا نقيم الدلالة أولا على أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره ، ~~وذلك من وجوه : الأول : أنه تعالى قال في هذه السورة { قل لمن ما فى * ~~السماوات والارض * قل لله } ( الأنعام : 12 ) فبين بهذه الآية أن كل ~~PageV12P128 ما في السموات والأرض فهو ملك لله تعالى ومملوك له ، فلو كان ~~الله أحد الأشيء الموجودة في السموات لزم كونه ملكا لنفسه ، وذلك محال ، ~~ونظير هذه الآية قوله في سورة طه { له ما في السماوات وما في الارض * وما ~~بينهما } ( طه : 6 ) فإن قالوا قوله { قل لمن ما فى * السماء والارض } هذا ~~يقتضي أن كل ما في السموات فهو لله إلا أن كلمة ما مختصة بمن لا يعقل فلا ~~يدخل فيها ذات الله تعالى . # قلنا : لا نسلم والدليل عليه قوله { والسماء وما بناها * والارض وما ~~طحاها * ونفس وما سواها } ( الشمس : 5 7 ) ونظيره { ولا ms3491 أنتم عابدون ما ~~أعبد } ( الكافرون : 3 ) ولا شك أن المراد بكلمة ما ههنا هو الله سبحانه . ~~والثاني : أن قوله { وهو الله فى * السماوات } إما أن يكون المراد منه أنه ~~موجود في جميع السموات ، أو المراد أنه موجود في سماء واحدة . والثاني : ~~ترك للظاهر والأول : على قسمين لأنه ءما أن يكون الحاصل منه تعالى في أحد ~~السموات عين ما حصل منه في سائر السموات أو غيره ، والأول : يقتضي حصول ~~المتحيز الواحد في مكانين وهو باطل ببديهة العقل . والثاني : يقتضي كونه ~~تعالى مركبا من الأجزاء والأبعاض وهو محال . والثالث : أنه لو كان موجودا ~~في المسوات لكان محدودا متنايها وكل ما كان كذلك كان قبوله للزيادة ~~والنقصان ممكنا ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين لتخصيص مخصص ~~وتقدير مقدر وكل ما كان كذلز فهو محدث . والرابع : أنه لو كان في السموات ~~فهل يقدر على خلق عالم آخر فوق السموات أو لا يقدر ، والثاني : يوجب تعجيزه ~~والأول : يقتضي أنه تعالى لو فعل ذلك لحصل تحت هذا العالم ، والقوم ينكرون ~~كونه تحت العالم والخامس : أنه تعالى قال : { وهو معكم * أينما * كنتم } ( ~~الحديد : 4 ) وقال : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق : 16 ) وقال : { ~~وهو الذى فى السماء إلاه وفى الارض إلاه } ( الزخرف : 84 ) وقال { فأينما ~~تولوا فثم وجه الله } ( البقرة : 115 ) وكل ذلك يبطل القول بالمكان والجهة ~~صلى الله عليه وسلم تعالى ، فثبت بهذه الدلائل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام ~~على ظاهره فوجب التأويل وهو من وجوه : الأول : أن قوله { وهو الله فى * ~~السماوات * وفى الارض } يعني وهو الله في تدبير السموات والأرض كما يقال : ~~فلان في أمر كذا أي في تدبيره وإصلاح مهماته ، ونظيره قوله تعالى : { وهو ~~الذى فى السماء إلاه وفى الارض إلاه } والثاني : أن قوله { وهو الله } كلام ~~تام ، ثم ابتدأ وقال : { في السماوات * وفى الارض * يعمل * سركم وجهركم } ~~والمعنى إله سبحانه وتعالى يعلم في السموات سرائر الملائكة ، وفي الأرض ~~يعلم سرائر الإنس والجن . والثالث : أن يكون الكلام على التقديم ms3492 والتأخير ~~والتقدير : وهو الله يعلم في السموات وفي الأرض سركم وجهركم ، ومما يقوي ~~هذه التأويلات أن قولنا : وهو الله نظير قولنا هو الفاضل العالم ، وكلمة هو ~~إنما تذكر ههنا لإفادة الحصر ، وهذه الفائدة إنما تحصل إذا جعلنا لفظ الله ~~اسما مشتقا فأما لو جعلناه اسم علم شخص قائم مقام التعيين لم يصح إدخال هذه ~~اللفظة عليه ، وإذا جعلنا قولنا : الله لفظا مفيدا صار معناه وهو المعبود ~~في السماء وفي الأرض ، وعلى هذا التقدير يزول السؤال والله أعلم . # المسألة الثانية : المراد بالسر صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف ، ~~والمراد بالجهر أعمال الجوارح ، وإنما قدم ذكر السر على ذكر الجهر لأن ~~المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي ، فالداعية التي هي من باب السر ~~هي المؤثرة في أعمال الجوارح المسماة بالجهر ، وقد ثبت أن العلم بالعلة علة ~~للعلم بالمعلول ، والعلة متقدمة على المعلول ، والمتقدم بالذات يجب تقديمه ~~بحسب اللفظ . PageV12P129 # المسألة الثالثة : قوله { ويعلم ما تكسبون } فيه سؤال : وهو أن الأفعال ~~إما أفعال القلوب وهي المسماة بالسر ، وإما أعمال الجوارح وهي المسماة ~~بالجهر . فالأفعال لا تخرج عن السر والجهر فكان قوله { ويعلم ما تكسبون } ~~يقتضي عطف الشيء على نفسه ، وأنه فاسد . # والجواب : يجب حمل قوله { ما تكسبون } على ما يستحقه الإنسان على فعله من ~~ثواب وعقاب والحاصل أنه محمول على المكتسب كما يقال : هذا المال كسب فلان ~~أي مكتسبه ، ولا يجوز حمله على نفس الكسب ، وإلا لزم عطف الشيء على نفسه ~~على ما ذكرتموه في السؤال . # المسألة الرابعة : الآية تدل عى كون الإنسان مكتسبا للفعل والكسب هو ~~الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضر / ولهذا السبب لا يوصف فعل الله ~~بأنه كسب لكونه تعالى منزها عن جلب النفع ودفع الضرر والله أعلم . # ! 7 < { وما تأتيهم من ءاية من ءايات ربهم إلا كانوا عنها معرضين } > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 4 ) وما تأتيهم من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما تكلم ، أولا : في التوحيد ، وثانيا : في المعاد ، ~~وثالثا : فيما يقرر هذين المطلوبين ذكر بعده ما يتعلق بتقرير النبوة ms3493 وبدأ ~~فيه بأن بين كون هؤلاء الكفار معرضين عن تأمل الدلائل ، غير ملتفتين إليها ~~وهذه الآية تدل على أن التقليد باطل . والتأمل في الدلائل واجب . ولولا ذلك ~~لما ذم الله المعرضين عن الدلائل . قال الواحدي رحمه الله : من في قوله { ~~من ءاية } لاستغراق الجنس الذي يقع في النفي كقولك ما أتاني من أحد ~~والثانية وهي قوله { من ءاية من } للتبعيض والمعنى وما يظهر لهم دليل قط من ~~الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار إلا كانوا عنه معرضين . # ! 7 < { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزءون } > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 5 ) فقد كذبوا بالحق . . . . . # > > أعلم أنه تعالى رتب أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب ، فالمرتبة ~~الأولى : كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل والتفكر في البينات ، والمرتبة ~~الثانية : كونهم مكذبين بها وهذه المرتبة أزيد مما قبلها ، لأن المعرض عن ~~الشيء قد لا يكون مكذبا به ، بل يكون غافلا عنه غير متعرض له ، فإذا صار ~~مكذبا به فقد زاد على الأعراض ، والمرتبة الثالثة : كونهم مستهزئين بها لأن ~~المكذب بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه به إلى حد الاستهزاء ، فإذا بلغ إلى هذا ~~الحد فقد بلغ الغاية القصوى في الانكار ، فبين تعالى أن أولئك الكفار وصلوا ~~إلى هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب . واختلفوا في المراد بالحق فقيل ~~إنه المعجزات : قال ابن مسعود : انشق القمر بمكة وانفلق فلقتين فذهبت فلقة ~~وبقيت فلقة ، وقيل إنه القرآن ، وقيل : إنه محمد صلى الله عليه وسلم وقيل ~~إنه الشرع الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم والأحكام التي جاء بها محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقيل إنه الوعد والوعيد ، الذي يرغبهم به تارة ويحذرهم ~~بسببه أخرى ، والأولى دخول الكل فيه . PageV12P130 # وأما قوله تعالى : { فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به } المراد منه الوعيد ~~والزجر عن ذلك الاستهزاء ، فيجب أن يكون المراد بالأنباء الأنباء لا نفس ~~الأنباء بل العذاب الذي أبنأ الله تعالى به ونظيره قوله تعالى : { للعالمين ~~ولتعلمن نبأه بعد حين } ( ص : 88 ) والحكيم إذا توعد ms3494 فربما قال ستعرف نبأ ~~هذا الأمر إذ نزل بك ما تحذره ، وإنما كان كذلك لأن الغرض بالخبر الذي هو ~~الوعيد حصول العلم بالعقاب الذي ينزل فنفس العقاب إذا نزل يحقق ذلك الخبر ، ~~حتى تزول عنه الشبهة . ثم المراد من هذ العذاب يحتمل أن يكون عذاب الدنيا ، ~~وهو الذي ظهر يوم بدر ويحتمل أن يكون عذاب الآخرة . # ! 7 < { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فى الا رض ما لم نمكن ~~لكم وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا وجعلنا الا نهار تجرى من تحتهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين } > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 6 ) ألم يروا كم . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى لما منعهم عن ذلك الإعراض والتكذيب والاستهزاء ~~بالتهديد والوعيد أتبعه بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة في هذا الباب ~~فوعظهم بسائر القرون الماضية ، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب ~~وفرعون وغيرهم . # فإن قيل : ما القرن ؟ قلنا قال الواحدي : القرن القوم المقترنون في زمان ~~من الدهر فالمدة التي يجتمع فيها قوم ثم يفترقون بالموت فهي قرن ، لأن ~~الذين يأتون بعدهم أقوام آخرون اقترنوا فهم قرن آخر ، والدليل عليه قوله ~~عليه السلام : ( خير القرون قرني ) واشتقاقه من الأقران ، ولما كان أعمار ~~الناس في الأكثر الستين والسبعين والثمانين لا جرم قال بعضهم : القرن هو ~~الستون ، وقال آخرون : هو السبعون ، وقال قوم هو الثمانون والأقرب أنه غير ~~مقدر بزمان معين لا يقع فيه زيادة ولا نقصان ، بل المراد أهل كل عصر فإذا ~~انقضى منهم الأكثر قيل قد انقضى القرن . # واعلم أن الله تعالى وصف القرون الماضية بثلاثة أنواع من الصفات : # الصفة الأولى : قوله { مكناهم فى الارض ما لم نمكن لكم } قال صاحب ( ~~الكشاف ) مكن له في الأرض جعل له مكانا ونحوه في أرض له ومنه قوله تعالى : ~~{ إنا مكنا له فى الارض } ( الكهف : 84 ) { أو لم * نمكن لهم } ( القصص : ~~57 ) وأما مكنته في الأرض ، فمعناه أثبته فيها ومنه قوله تعالى : { ولقد ~~مكناهم فيما إن مكناكم فيه } ( الأحقاف : 26 ) ولتقارب المعنيين جمع الله ~~بينهما ms3495 في قوله { مكناهم فى الارض ما لم نمكن لكم } والمعنى لم نعط أهل مكة ~~مثل ما أعطينا عادا وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال ~~والاستظهار بأسباب الدنيا . # والصفة الثانية : قوله : { وأرسلنا السماء عليهم مدرارا } يريد الغيث ~~والمطر ، فالسماء معناه المطر ههنا ، والمدرار الكثير الدر وأصله من قولهم ~~در اللبن إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير فالمدرار يصلح أن PageV12P131 ~~يكون من نعت السحاب ، ويجوز أن يكون من نعت المطر يقال سحاب مدرار إذا ~~تتابع أمطاره . ومفعال يجيء في نعت يراد المبالغة فيه . قال مقاتل { مدرارا ~~} متتابعا مرة بعد أخرى ويستوي في المدرار المذكر والمؤنث . # والصفة الثالثة : قوله { وجعلنا الانهار تجرى من تحتهم } والمراد منه ~~كثرة البساتين . # واعلم أن المقصود من هذه الأوصاف أنهم وجدوا من منافع الدنيا أكثر مما ~~وجده أهل مكة ، ثم بين تعالى أنهم مع مزيد العز في الدنيا بهذه الوجوه ومع ~~كثرة العدد والبسطة في المال والجسم جرى عليهم عند الكفر ما سمعتم وهذا ~~المعنى يوجب الاعتبار والانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة بقي هاهنا ~~سؤالات : # السؤال الأول : ليس في هذا الكرم إلا أنهم هلكوا إلا أن هذا الهلاك غير ~~مختص بهم بل الأنبياء والمؤمنون كلهم أيضا قد هلكوا فكيف يحسن إيراد هذا ~~الكلام في معرض الزجر عن الكفر مع أنه مشترك فيه بين الكافر وبين غيره . # والجواب : ليس المقصود مننه الزجر بمجرد الموت والهلاك ، بل المقصود أنهم ~~باعوا الدين بالدنيا ففاتهم وبقوا في العذاب الشديد بسبب الحرمان عن الدين ~~. وهذا المعنى غير مشترك فيه بين الكافر والمؤمن . # السؤال الثاني : كيف قال { ألم يروا } مع أن القوم ما كانوا مقرين بصدق ~~محمد عليه السلام فيما يخبر عنه وهم أيضا ما شاهدوا وقائع الأمم السالفة . # والجواب : أن أقاصيص المتقدمين مشهورة بين الخلق فيبعد أن يقال إنهم ما ~~سمعوا هذه الحكايات ولمجرد سماعها يكفي في الاعتبار . # والسؤال الثالث : ما الفائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم . # والجواب : أن الفائدة هي التنبيه على أنه تعالى لا يتعاظمه ms3496 أن يهلكهم ~~ويخلي بلادهم منهم ، فإنه قادر على أن ينشىء مكانهم قوما آخرين يعمر بهم ~~بلادهم كقوله { ولا يخاف عقباها } ( الشمس : 15 ) والله أعلم . # ! 7 < { ولو نزلنا عليك كتابا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا ~~إن هاذآ إلا سحر مبين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 7 ) ولو نزلنا عليك . . . . . # > > # اعلم أن الذين يتمردون عن قبولل دعوة الأنبياء طوائف كثيرة ، فالطائفة ~~الأولى الذين بالغوا في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها إلى أن استغرقوا ~~فيها واغتنموا وجدانها ، فصار ذلك مانعا لهم عن قبول دعوة الأنبياء ، وهم ~~الذين ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة وبين أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب ~~الكفر باق ، وليس من العقل تحممل العقاب الدائم لأجل اللذات المنقرضة ~~الخسيسة ، والطائفة الثانية الذين يحملون معجزات PageV12P132 الأنبياء ~~عليهم السلام ، على أنها من باب السحر لا من باب المعجزة ، هؤلاء الذين ~~ذكرهم الله تعالى في هذه الآية وهاهنا مسائل : # المسألة الأولى : بين الله تعالى في هذه الآية أن هؤلاء الكفار لو أنهم ~~شاهدوا نزول كتاب من السماء دفعة واحدة عليك يا محمد لم يؤمنوا به ، بل ~~حملوه على أنه سحر ومخرقة ، والمراد من قوله { فى قرطاس } أنه لو نزل ~~الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة ، فرأوه ولمسوه وشاهدوه عيانا لطعنوا فيه ~~وقالوا إنه سحر . # فإن قيل : ظهور الكتاب ونزوله من السماء هل هو من باب المعجزات أم لا ، ~~فإن لم يكن من باب المعجزات لم يكن إنكارهم لدلالته على النبوة منكرا ، ولا ~~يجوز أن يقال : أنه من باب المعجزات لأن الملك يقدر على إنزاله من السماء ، ~~وقبل الايمان بصدق الأنبياء والرسل لم تكن عصمة الملائكة معلومة ، وقبل ~~الإيمان بالرسل ، لا شك أنا نجوز أن يكون نزول ذلك الكتاب من السماء من قبل ~~بعض الجن والشياطين ، أو من قبل بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم ، وإذا ~~كان هذا التجويز قائما فقد خرج نزول الكتاب من السماء عن كونه دليلا على ~~الصدق . # قلنا : ليس المقصود ما ذكرتم ، بل المقصود أنهم إذا رأوه بقوا شاكين فيه ~~، وقالوا : إنما ms3497 سكرت أبصارنا ، فإذا لمسوه بأيديهم فقد يقوى الادراك ~~البصري بالادراك اللمسي ، وبلغ الغاية في الظهور والقوة ، ثم هؤلاء يبقون ~~شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود أم لا ، وذلك يدل على أنهم ~~بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة ، فهذا هو المقصود من الآية لا ما ذكرتم ~~والله أعلم . # المسألة الثانية : قال القاضي : دلت هذه الآية على أنه لا يجوز من الله ~~تعالى أن يمنع العبد لطفا . علم أنه لو فعله لآمن عنده لأنه بين أنه إنما ~~لا ينزل هذا الكتاب من حيث إنه لو أنزله لقالوا هذا القول ، ولا يجوز أن ~~يخبر بذلك إلا والمعلوم أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله لا محالة فثبت بهذا ~~وجوب اللطف ، ولقائل أن يقول : أن قوله لو أنزل الله عليهم هذا الكتاب ~~لقالوا هذا القول لا يدل على أنه تعلى ينزله عليهم ، لو لم يقولوا هذا ~~القول إلا على سبيل دليل الخطاب ، وهو عنده ليس بحجة ، وأيضا فليس كل مما ~~فعله الله وجب عليه ذلك ، وهذه الآية إن دلت فإنما تدل على الوقوع لا على ~~وجوب الوقوع والله أعلم . # ! 7 < { وقالوا لولاأنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الا مر ثم لا ~~ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 8 ) وقالوا لولا أنزل . . . . . # > > اعلم أن هذا النوع الثالث من شبه منكري النبوات فإنهم يقولون : لو ~~بعث الله إلى الخلق رسولا لوجب أن يكون ذلك الرسول واحدا من الملائكة فإنهم ~~إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر ، وقدرتهم أشد ، ومهابتهم ~~أعظم ، وامتيازهم عن الخلق أكمل ، والشبهات والشكوك في نبوتهم ورسالتهم أقل ~~. PageV12P133 والحكيم إذا أراد تحصيل مهم فكل شيء كان أشد إفضاء إلى تحصيل ~~ذلك المطلوب كان أولى . فلما كان وقوع الشبهات في نبوة الملائكة أقل ، وجب ~~لو بعث الله رسولا إلى الخلق أن يكون ذلك الرسول من الملائكة هذا هو المراد ~~من قوله تعالى : { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } . # واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة ms3498 من وجهين : أما الأول : فقوله { ولو ~~أنزلنا ملكا لقضى الامر } ومعنى القضاء الإتمام والإلزام . وقد ذكرنا معاني ~~القضاء في سورة البقرة . ثم هاهنا وجوه : الأول : أن إنزال الملك على البشر ~~آية باهرة ، فبتقدير إنزال الملك على هؤلاء اللكفار فربما لم يؤمنوا كما ~~قال : { ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة } إلى قوله { ما كانوا ليؤمنوا إلا ~~أن يشاء الله } ( الأنعام : 111 ) وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب ~~الاستئصال ، فإن سنة الله جارية بأن عند ظهور الآية الباهرة إن لم يؤمنوا ~~جاءهم عذاب الاستئصال ، فهاهنا ما أنزل الله تعالى الملك إليهم لئلا ~~يستحقوا هذا العذاب والوجه الثاني : أنهم إذا شاهدوا الملك رهقت أرواحهم من ~~هول ما يشهدون ، وتقريره : أن الآدمي إذا رأى الملك فإما أن يراه على صورته ~~الأصلية أو على صورة البشر . فإن كان الأول لم يبق الآدمي حيا ، ألا ترى أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى جبريل عليه السلام على صورته الأصلية ~~غشي عليه ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون المرئي شخصا على صورة البشر ، وذلك ~~لا يتفاوت الحال فيه سواء كان هو في نفسه ملكا أو بشرا . ألا ترى أن جميع ~~الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم ، وأضياف لوط ، ~~وكالذين تسوروا المحراب ، وكجبريل حيث تمثل لمريم بشرا سويا . والوجه ~~الثالث : أن إنزال الملك آية باهرة جارية مجرى الالجاء ، وإزالة الاختيار ، ~~وذلك مخل بصحة التكليف . الوجه الرابع : أن إنزال الملك وإن كان يدفع ~~الشبهات المذكورة إلا أنه يقوي الشبهات من وجه آخر ، وذلك لأن أي معجزة ~~ظهرت عليه قالوا هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك ، ولو حصل لنا مثل ما حصل ~~لك من القدرة والقوة والعلم لفعلنا مثل ما فعلته أنت ، فعلمنا أن إنزال ~~الملك وإن كان يدفع الشبهة من الوجوه المذكورة لكنه يقوي الشبهة من هذه ~~الوجوه . # وأما قوله { ثم لا ينظرون } فالفائدة في كلمة { ثم } التنبيه على أن عدم ~~الانظار أشد من قضاء الأمر ، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة . وأما ~~الثاني : فقوله { ولو جعلناه ms3499 ملكا لجعلناه رجلا } < < # | الأنعام : ( 9 ) ولو جعلناه ملكا . . . . . # > > أي لجعلناه في صورة البشر . والحكمة فيه أمور : أحدها : أن الجنس إلى ~~الجنس أميل . وثانيها : أن البشر لا يطيق رؤية الملك ، وثالثها : ان طاعات ~~الملائكة قوية فيستحقرون طاعة البشر ، وربما لا يعذرونهم في الاقدام على ~~المعاصي . ورابعها : أن النبوة فضل من الله فيختص بها من يشاء من عباده ، ~~سواء كان ملكا أو بشرا . # ثم قال : { وللبسنا عليهم ما يلبسون } قال الواحدي : يقال لبست الأمر على ~~القوم ألبسه لبسا إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلا ، وأصله من التستر بالثوب ، ~~ومنه لبس الثوب لأنه يفيد ستر النفس والمعنى أنا إذا جعلنا الملك في صورة ~~البشر فهم يظنون كون ذلك الملك بشرا فيعود سؤالهم أنا لا نرضى برسالة هذا ~~الشخص . وتحقيق الكلام أن الله لو فعل ذلك لصار فعل الله نظيرا لفعلهم في ~~التلبيس ، وإنما كان ذلك تلبيسا لأن الناس يظنون أنه بشر مع أنه ليس كذلك ، ~~وإنما كان فعلهم تلبيسا لأنهم يقولون للقومهم إنه بشر مثلكم والبشر لا يكون ~~رسولا من عند الله تعالى . # PageV12P134 ! 7 < { ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ~~ما كانوا به يستهزءون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 10 ) ولقد استهزئ برسل . . . . . # > > اعلم أن بعض الأقوام الذين كانوا يقولون إن رسول الله يجب أن يكون ~~ملكا من الملائكة كانوا يقولون هذا الكلام على سبيل الاستهزاء ، وكان يضيق ~~قلب الرسول عند سماعه فذكر ذلك ليصير سببا للتخفيف عن القلب لأن أحدا ما ~~يخفف عن القلب المشاركة في سبب المحنة والغم . فكأنه قيل له إن هذه الأنواع ~~الكثيرة من سوء الأدب التي يعاملونك بها قد كانت موجودة في سائر القرون مع ~~أنبيائهم ، فلست أنت فريدا في هذا الطريق . وقوله { فحاق بالذين سخروا منهم ~~} الآية ونظيره قوله { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } ( فاطر : 43 ) ~~وفي تفسيره وجوه كثيرة لأهل اللغة وهي بأسرها متقاربة . قال النضر : وجب ~~عليهم . قال الليث ( الحيق ) ما حاق بالإنسان من مكر أو سوء يعمله فنزل ذلك ~~به ، يقول أحاق الله بهم ms3500 مكرهم وحاق بهم مكرهم ، وقال الفراء ( حاق بهم ) ~~عالد عليهم ، وقيل ( حاق بهم ) حل بهم ذلك . وقال الزجاج ( حاق ) أي أحاط . ~~قال الأزهري : فسر الزجاج ( حاق ) بمعنى أحاط وكان مأخذخ من الحوق وهو ما ~~استدار بالكمرة . وفي الآية بحث آخر وهو أن لفظة ( ما ) في قوله { ما كانوا ~~به } فيها قولان : الأول : أن المراد به القرآن والشرع وهو ما جاء به محمد ~~عليه السلام . وعلى هذا التقدير فتصير هذه الآية من باب حذف المضاف ، ~~والتقدير فحاق بهم عقاب ما كانوا به يستهزؤن . # والقول الثاني : أن المراد به أنهم كانوا يستهزؤن بالعذاب الذي كان ~~يخوفهم الرسول بنزوله وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى هذا الإضمار . # ! 7 < { قل سيروا فى الا رض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 11 ) قل سيروا في . . . . . # > > اعلم أنه تعالى كما صبر رسوله بالآية الأولى ، فكذلك حذر القوم بهذه ~~الآية ، وقال لرسوله قل لهم لا تغتروا بما وجدتم من الدنيا وطيباتها ووصلتم ~~إليه من لذاتها وشهواتها ، بل سيروا في الأرض لتعرفوا صحة ما أخبركم الرسول ~~عنه من نزول العذاب على الذين كذبوا الرسل في الأزمنة السالفة ، فإنكم عند ~~السير في الأرض والسفر في البلاد لا بد وأن تشاهدوا تلك الآثار ، فيكمل ~~الاعتبار ، ويقوى الاستبصار . # فإن قيل : ما الفرق بين قوله { الارض فانظروا } ( آل عمران : 137 ) وبين ~~قوله { ثم انظروا } . # قلنا : قوله { فانظروا } يدل على أنه تعالى جعل النظر سببا عن السير ، ~~فكأنه قيل : سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين . PageV12P135 # وأما قوله { سيروا فى الارض ثم انظروا } فمعناه إباحة السير في الأرض ~~للتجارة وغيرها من المنافع ، وإيجاب النظر في آثار الهالكين ، ثم نبه الله ~~تعالى على هذا الفرق بكلمة { ثم } لتباعد ما بين الواجب والمباح . والله ~~أعلم . # ! 7 < { قل لمن ما فى السماوات والا رض قل لله كتب على نفسه الرحمة ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } . ~~> 7 ! # < < # | الأنعام : ( 12 ) قل لمن ما . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى ms3501 : اعلم أن المقصود من تقرير هذه الآية تقرير إثبات الصانع ~~، وتقرير المعاد وتقرير النبوة وبيانه أن أحوال العالم العلوي والسفلي يدل ~~على أن جميع هذه الأجسام موصوفة بصفات كان يجوز عليها اتصافها بأضدادها ~~ومقابلاتها ، ومتى كان كذلك ، فاختصاص كل جزء من الأجزاء الجسمانية بصفته ~~المعينة لا بد وأن يكون لأجل أن الصانع الحكيم القادر المختار خصه بتلك ~~الصفة المعينة ، فهذا يدل على أن العالم مع كل ما فيه مملوك لله تعالى . # وإذا ثبت هذا ، ثبت كونه قادرا على الاعادة والحشر والنشر ، لأن التركيب ~~الأول إنما حصل لكونه تعالى قادرا على كل الممكنات ، عالما بكل المعلومات ، ~~وهذه القدرة والعلم يمتنع زوالهما ، فوجب صحة الاعادة ثانيا . وأيضا ثبت ~~أنه تعالى ملك مطاع ، والملك المطاع من له الأمر والنهي على عبيده ، ولا بد ~~من مبلغ ، وذلك يدل على أن بعثة الأنبياء والرسل من الله تعالى إلى الخلق ~~غير ممتنع . فثبت أن هذه الآية وافية بإثبات هذه المطالب الثلاثة . ولما ~~سبق ذكر هذه المسائل الثلاثة ، ذكر الله بعدها هذه الآية لتكون مقررة ~~لمجموع تلك المطالب من الوجه الذي شرحناه والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { قل لمن ما فى * السماوات والارض } سؤال ~~. وقوله { قل لله } جواب فقد أمره الله تعالى بالسؤال أولا ثم بالجواب ~~ثانيا . وهذا ، إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب قد بلغ في الظهور إلى ~~حيث لا يقدر على إنكاره منكر ، ولا يقدر على دفعه دافع . ولما بينا أن آثار ~~الحدوث والإمكان ظاهرة في ذوات جميع الأجسام وفي جميع صفاتها ، لا جرم كان ~~الاعتراف بأنها بأسرها ملك لله تعالى وملك له ومحل تصرفه وقدرته لا جرم ~~أمره بالسؤال أولا ثم بالجواب ثانيا ، ليدل ذلك على أن الاقرار بهذا المعنى ~~مما لا سبيل إلى دفعه البتة . وأيضا فالقوم كانوا معترفين بأن كل العالم ~~ملك لله ، وملكه وتحت تصرفه وقهره وقدرته بهذا المعنى كما قال : { ولئن ~~سألتهم من خلق * السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) ثم إنه ~~PageV12P136 تعالى لما بين بهذا الطريق كممال ms3502 إلاهيته وقدرته ونفاذ تصرفه ~~في عالم المخلوقات بالكلية ، أردفه بكمال رحمته وإحسانه إلى الخلق فقال : { ~~كتب على نفسه الرحمة } فكأنه تعالى قال : إنه لم يرض من نفسه بأن لا ينعم ~~ولا بأن يعد بالإنعام ، بل أبدا ينعم وأبدا يعد في المستقبل بالإنعام ومع ~~ذلك فقد كتب على نفسه ذلك وأوجبه إيجاب الفضل والكرم . واختلفوا في المراد ~~بهذه الرحمة فقال بعضهم : تلك الرحمة هي أنه تعالى يمهلهم مدة عمرهم ويرفع ~~عنهم عذاب الاستئصال ولا يعالجلهم بالعقوبة في الدنيا . وقيل إن المراد أنه ~~كتب على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدقهم وقبل ~~شريعتهم . # واعلم أنه جاءت الأخبار الكثيرة في سعة رحمة الله تعالى ، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : ( لما فرغ الله من الخلق كتب كتابا أن رحمتي سبقت ~~غضبي ) . # فإن قيل : الرحمة هي إرادة الخير ، والغضب هو إرادة الانتقام ، وظاهر هذا ~~الخبر يقتضي كون إحدى الإرادتين سابقة على الأخرى ، والمسبوق بالغير محدث ، ~~فهذا يقتضي كون إرادة الله تعالى محدثة . # قلنا : المراد بهذا السبق سبق الكثرة لا سبق الزمان . وعن سلمان أنه ~~تعالى لما خلق السماء والأرض خلق مائة رحمة ، كل رحمة ملء ما بين السماء ~~والأرض ، فعنده تسع وتسعون رحمة ، وقسم رحمة واحدة بين الخلائق ، فبها ~~يتعاطفون ويتراحمون ، فإذا كان آخر الأمر قصرها على المتقين . # أما قوله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } ففيه أبحاث : الأول : ( اللام ) ~~في قوله { ليجمعنكم } لام قسم مضمر ، والتقدير : والله ليجمعنكم . # البحث الثاني : اختلفوا في أن هذا الكلام مبتدأ أو متعلق بما قبله . فقال ~~بعضهم أنه كلام مبتدأ ، وذلك لأنه تعالى بين كمال إلهيته بقوله { قل لمن ما ~~فى * السماوات والارض * قل لله } ثم بين تعالى أنه يرحمهم في الدنيا ~~بالامهال ودفع عذاب الاستئصال ، وبين أنه يجمعهم إلى يوم القيامة ، فقوله { ~~كتب على نفسه الرحمة } أنه يمهلهم وقوله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } أنه ~~لا يمهلهم بل يحشرهم ويحاسبهم على كل ما فعلوا . # والقول الثاني : أنع متعلق بما قبله والتقدير : كتب ربكم على نفسه ms3503 الرحمة ~~. وكتب ربكم على نفسه ليجمعنكم إلى يوم القيامة . # وقيل : أنه لما قال : { كتب ربكم على نفسه الرحمة } فكأنه قيل : وما تلك ~~الرحمة ؟ فقيل : إنه تعالى { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } وذلك لأنه لولا ~~خوف العذاب يوم الققيامة لحصل الهرج والمرج ولارتفع الضبط وكثر الخبط ، ~~فصار التهديد بيوم القيامة من أعظم أسباب الرحمة في الدنيا ، فكان قوله { ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة } كالتفسير لقوله { كتب ربكم على نفسه الرحمة } . # البحث الثالث : أن قوله { قل لمن ما فى * السماوات والارض * قل لله } ~~كلام ورد على لفظ الغيبة . وقوله { ليجمعنكم إلى يوم القيامة } كلام ورد ~~على سبيل المخاطبة . والمقصود منه التأكيد في التهديد ، كأنه قيل : لما ~~علمتم أن كل ما في السماوات والأرض لله وملكه ، وقد علمتم أن الملك الحكيم ~~لا يهمل أمر رعيته ولا PageV12P137 يجوز في حكمته أن يسوي بين المطيع ~~والعاصي وبين المشتغل بالخدمة والمعرض عنها ، فهلا علمتم أنه يقيم القيامة ~~ويحضر الخلائق ويحاسبهم في الكل ؟ # البحث الرابع : ان كلمة { إلى } في قوله { إلى يوم القيامة } فيها أقوال ~~: الأول : أنها صلة والتقدير : ليجمعنكم يوم القيامة . وقيل : { إلى } ~~بمعنى في أي ليجمعنكم في يوم القيامة . # وقيل : فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة ، لأن الجمع يكون ~~إلى المكان لا إلى الزمان . وقيل : ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرنا بعد قرن ~~إلى يوم القيامة . # أما قوله { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ففيه أبحاث : الأول : في ~~هذه الآية قولان : الأول : أن قوله { الذين } موضعه نصب على البدل من ~~الضمير في قوله { ليجمعنكم } والمعنى ليجعن هؤلاء المشركين الذين خسروا ~~أنفسهم وهو قول الأخفش . والثاني : وهو قول الزجاج ، أن قوله { الذين خسروا ~~أنفسهم } رفع بالابتداء ، وقوله { فهم لا يؤمنون } خبره ، لأن قوله { ~~ليجمعنكم } مشتمل على الكل ، على الذين خسروا أنفسهم وعلى غيرهم ( والفاء ) ~~في قوله { فهم } يفيد معنى الشرط والجزاء ، كقولهم : الذي يكرمني فله درهم ~~، لأن الدرهم وجب بالاكرام فكان الاكرام شرطا والدرهم جزاء . # فإن قيل : ظاهر اللفظ يدل على أن خسرانهم سبب لعدم إيمانهم ms3504 ، والأمر على ~~العكس . # قلنا : هذا يدل على أن سبق القضاء بالخسران والخذلان ، هو الذي حملهم على ~~الامتناع من الايمان ، وذلك عين مذهب أهل السنة . # ! 7 < { وله ما سكن فى اليل والنهار وهو السميع العليم * قل أغير الله ~~أتخذ وليا فاطر السماوات والا رض وهو يطعم ولا يطعم قل إنىأمرت أن أكون أول ~~من أسلم ولا تكونن من المشركين * قل إنىأخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم * } ~~> 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 13 - 15 ) وله ما سكن . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن أحسن ما قيل في نظم هذه الآية ما ذكره أبو مسلم ~~رحمه الله تعالى ، فقال : ذكر في الآية الأولى السموات والأرض ، إذ لا مكان ~~سواهما ، وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار إذ لا زمان سواهما ، فالزمان ~~والمكان ظرفان للمحدثات ، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات ، ومالك ~~للزمان والزمانيات ؛ وهذا بيان في غاية الجلالة . PageV12P138 # وأقول ههنا دقيقة أخرى ، وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات ، ~~ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات ، وذلك لأن المكان والمكانيات أقرب إلى ~~العقول والأفكار من الزمان والزمانيات ، لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة ~~، والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه فالأظهر مترقيا إلى الأخفى فالأخفى ، ~~فهذا ما يتعلق بوجه النظم . # المسألة الثانية : قوله { وله ما سكن في الليل والنهار } يفيد الحصر ~~والتقدير : هذه الأشياء له لا لغيره . وهذا هو الحق لأن كل موجود إما واجب ~~لذاته ، وإما ممكن لذاته ، فالواجب لذاته ليس إلا الواحد ، وما سوى ذلك ~~الواحد ممكن . والممكن لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، وكل ما حصل ~~بإيجاده وتكوينه كان ملكا له ، فثبت أن ما سوى ذلك الموجود الواجب لذاته ~~فهو ملكه ومالكه فلهذا السبب قال { وله ما سكن في الليل والنهار } . # المسألة الثالثة : في تفسير هذا السكون قولان : الأول : أن المراد منه ~~الشيء الذي سكن بعد أن تحرك ، فعلى هذا ، المراد كل ما استقر في الليل ~~والنهار من الدواب وجملة الحيوانات في البر والبحر ، وعلى هذا التقدير ~~قالوا في الآية محذوف والتقدير : وله ما سكن وتحرك ms3505 في الليل والنهار كقوله ~~تعالى { سرابيل تقيكم الحر } [ النحل : 81 ] أراد الحر والبرد فاكتفى بذكر ~~أحدهما عن الآخر لأنه يعرف ذلك بالقرينة المذكورة ، كذلك هنا حذف ذكر ~~الحركة ، لأن ذكر السكون يدل عليه . # والقول الثاني : أنه ليس المراد من هذا السكون ما هو ضد الحركة ، بل ~~المراد منه السكون بمعنى الحلول كما يقال : فلان يسكن بلد كذا إذا كان محله ~~فيه ، ومنه قوله تعالى { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم } [ إبراهيم : ~~45 ] وعلى هذا التقدير ، كان المراد وله كل ما حصل في الليل والنهار . ~~والتقدير : كل ما في الوقت والزمان سواء كان متحركا أو ساكنا ، وهذا ~~التفسير أولى وأكمل . والسبب فيه أن كل ما دخل تحت الليل والنهار حصل في ~~الزمان فقد صدق عليه أن انقضى الماضي وسيجيء المستقبل ، وذلك مشعر بالتغير ~~وهو الحدوث ، والحدوث ينافي الأزلية والدوام ، فكل ما مر به الوقت ودخل تحت ~~الزمان فهو محدث ، وكل حادث فلا بد له من محدث ، وفاعل ذلك الفعل يجب أن ~~يكون متقدما عليه ، والمتقدم على الزمان يجب أن يكون مقدما على الوقت ~~والزمان ، فلا تجري عليه الأوقات ولا تمر به الساعات ولا يصدق عليه أن كان ~~وسيكون . # واعلم أنه تعالى لما بين فيما سبق أنه مالك للمكان وجملة المكانيات ومالك ~~للزمان وجملة الزمانيات ، بين أنه سميع عليم ، يسمع نداء المحتاجين ويعلم ~~حاجات المضطرين . والمقصود منه الرد على من يقول الإله تعالى موجب بالذات ، ~~فنبه على أنه وإن كان مالكا لكل المحدثات ، لكنه فاعل مختار يسمع ويرى ~~ويعلم السر وأخفى . ولما قرر هذه المعاني قال { قل أغير الله أتخذ وليا } . # واعلم انه فرق بين أن يقال { أغير الله أتخذ وليا } وبين أن يقال : أتخذ ~~غير الله وليا . لأن الانكار إنما حصل على اتخاذ غير الله وليا ، لا على ~~اتخاذ الولي ، وقد عرفت أنهم يقدمون الأهم فالأهم الذي هم بشأنه أعني فكان ~~قوله { قل أغير الله أتخذ وليا } أولى من العبارة الثانية ، ونظيره قوله ~~تعالى { أفغير الله تأمروني أعبد } [ الزمر : 64 ] وقوله ms3506 تعالى { الله أذن ~~لكم } [ يونس : 59 ] . PageV12P139 # ثم قال { فاطر السموات والأرض } وقرئ فاطر السموات بالجر صفة لله وبالرفع ~~على إضمار هو والنصب على المدح . وقرأ الزهري فطر السموات وعن ابن عباي : ~~ما عرفت فاطر السموات حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : ~~أنا فطرتها أي ابتدأتها . وقال ابن الأنباري : أصل الفطر شق الشيء عند ~~ابتدائه ، فقوله { فاطر السموات والأرض } يريد خالقهما ومنشئهما بالتركيب ~~الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضم الأشياء إلى بعض ، فلما كان ~~الشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح ، وفي حال أخرى شق إفساد . ففاطر السموات ~~من الاصلاح لا غير . وقوله { هل ترى من فطور } [ الملك : 3 ] و { إذا ~~السماء انفطرت } [ الانفطار : 1 ] من الإفساد ، وأصلهما واحد . # ثم قال تعالى { وهو يطعم ولا يطعم } أي وهو الرزاق لغيره ولا يرزقه أحد . # فإن قيل : كيف فسرت الاطعام بالرزق ، وقد قال تعالى { ما أريد منهم من ~~رزق وما أريد أن يطعمون } { الذاريات : 57 } والعطف يوجب المغايرة ؟ # قلنا : لا شك في حصول المغايرة بينهما ، إلا أنه قد يحسن جعل أحدهما ~~كناية عن الآخر لشدة ما بينهما من المقاربة ~ . والمقصود من الآية : أن ~~المنافع كلها من عنده ، ولا يجوز عليه الانتفاع . وقرئ { ولا يطعم } بفتح ~~الياء ، وروى ابن المأمون عن يعقوب { وهو يطعم ولا يطعم } على بناء الأول ~~للمفعول والثاني للفاعل ، وعلى هذا التقدير : فالضمير عائد إلى المذكور في ~~قوله { أغير الله } وقرأ الأشهب { وهو يطعم ولا يطعم } على بنائهما للفاعل ~~، وفسر بأن معناه : وهو يطعم ولا يستطعم . وحكى الأزهري : أطعمت بمعنى ~~استطعمت . ويجوز أن يكون المعنى : وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى على حسب ~~المصالح كقوله : وهو يعطي ويمنع ، ويبسط ويقدر ، ويغني ويفقر . # واعلم أن المذكور في صدر الآية هو المنع من اتخاذ غير الله تعالى وليا . ~~واحتج عليه بأنه فاطر السموات والأرض وبأنه يطعم ولا يطعم . ومتى كان الأمر ~~كذلك امتنع اتخاذ غيره وليا . أما بيان أنه فاطر السموات والأرض ، فلأنا ~~بينا أن ما سوى ms3507 الواحد ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يقع موجودا إلا ~~بإيجاد غيره ، فنتج أن ما سوى الله فهو حاصل بإيجاده وتكوينه . فثبت أنه ~~سبحانه هو الفاطر لكل ما سواه من الموجودات وأما بيان أنه يطعم ولا يطعم ~~فظاهره ؛ لأن الاطعام عبارة عن إيصال المنافع ، وعدم الاستطعام عبارة عن ~~عدم الانتفاع . ولما كان واجبا لذاته كان لا محالة غنيا ومتعاليا عن ~~الانتفاع بشيء آخر . فثبت بالبرهان صحة أنه تعالى فاطر السموات والأرض ، ~~وصحة أن يطعم ولا يطعم ، وإذا ثبت هذا امتنع في العقل اتخاذ غيره وليا ، ~~لأن ما سواه محتاج في ذاته وفي جميع صفاته وفي جميع ما تحت يده . والحق ~~سبحانه هو الغني لذاته ، الجواد لذاته . وترك الغني الجواد ، والذهاب إلى ~~الفقير المحتاج ممنوع عنه في صريح العقل . # وإذا عرفت هذا فنقول : قد سبق في هذا الكتاب بيان أن الولي معناه الأصلي ~~في اللغة : هو القريب . وقد ذكرنا وجوه الاشتقاقات فيه . فقوله { قل أغير ~~الله أتخذ وليا } يمنع من القرب من غير الله تعالى . فهذا يقتضي تنزيه ~~القلب عن الالتفات إلى غير الله تعالى ، وقطع العلائق عن كل ما سوى الله ~~تعالى . # ثم قال تعالى { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } والسبب أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سابق أمته في الإسلام PageV12P140 لقوله { وبذلك أمرت وأنا ~~أول المسلمين } [ الأنعام : 163 ] ولقول موسى { سبحانك تبت إليك وأنا أول ~~المؤمنين } [ الأعراف : 143 ] # ثم قال : { ولا تكونن من المشركين } ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك ~~. ثم إنه تعالى لما بين كون رسوله مأمورا بالإسلام ثم عقبه بكونه منهيا عن ~~الشرك قال بعده { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } والمقصود أني إن ~~خالفته في هذا الأمر والنهي صرت مستحقا للعذاب العظيم . # فإن قيل : قوله { قل إني أخاف غن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } يدل على أنه ~~عليه السلام كان يخاف على نفسه من الكفر والعصيان ، ولولا أن ذلك جائز عليه ~~لما كان خائفا . # والجواب : أن الآية لا تدل على أنه خاف ms3508 على نفسه ، بل الآية تدل على أنه ~~لو صدر عنه الكفر والمعصية فإنه يخاف . وهذا القدر لا يدل على حصول الخوف ، ~~ومثاله قولنا : إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، وهذا يدل على ~~أن الخمسة زوج ، ولا على كونها منقسمة بمتساويين والله أعلم . # وقوله تعالى { إني أخاف } قرأ ابن كثير ونافع { إني } بفتح الياء . وقرأ ~~أبو عمرو والباقون بالإرسال . ! 7 < { من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك ~~الفوز المبين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 16 ) من يصرف عنه . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه قرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي { يصرف } ~~بفتح الياء وكسر الراء . وفاعل الصرف على هذه القراءة والضمير العائد إلى ~~ربي من قوله { إنى أخاف إن عصيت ربى } ( الأنعام : 15 ) والتقدير : من يصرف ~~هو عنه يومئذ العذاب . وحجة هذه القراءة قوله { فقد رحمه } فلما كان هذا ~~فعلا مسندا إلى ضمير اسم الله تعالى وجب أن يكون الأمر في تلك اللفظة ~~الأخرى على هذا الوجه ليتفق الفعلان ، وعلى هذا التقدير : صرف العذاب مسندا ~~إلى الله تعالى ، وتكون الرحمة بعد ذلك مسندة إلى الله تعالى ، وأما ~~الباقون فإنهم قرؤا { من يصرف عنه } على فعل ما لم يسم فاعله ، والتقدير من ~~يصرف عنه عذاب يومئذ وإنما حسن ذلك لأنه تعالى أضاف الغذاب إلى اليوم في ~~قوله { عذاب يوم عظيم } ( الإنعام : 15 ) فلذلك أضاف الصرف إليه . والتقدير ~~: من يصرف عنه عذاب ذلك اليوم . # المسألة الثانية : ظاهر الآية يقتضي كون ذلك اليوم مصروفا وذلك محال ، بل ~~المراد عذاب ذلك اليوم ، وحسن هذا الحذف لكونه معلوما . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الطاعة لا توجب الثواب ، والمعصية لا ~~توجب العقاب لأنه تعالى قال : { من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه } أي كل من صرف ~~الله عنه العذاب في ذلك اليوم فقد رحمه . وهذا إنما يحسن لو كان ذلك الصرف ~~واقعا على سبيل التفضل أما لو كان واجبا مستحقا لم يحسن أن يقال فيه إنه ~~رحمه ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب العبد ، فإذا ms3509 لم يضربه لا يقال إنه ~~رحمه . أما إذا حسن منه أن PageV12P141 يضربه ولم يضربه فإنه يقال إنه رحمه ~~، فهذه الآية تدل على أن كل عقاب انصرف وكل ثواب حصل ، فهو ابتداء فضل ~~وإحسان من الله تعالى وهو موافق لما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: ) والذي نفسي بيده ما من الناس أحد يدخل الجنة بعمله ، قالوا ولا أنت يا ~~رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) ووضع يده فوق رأسه ، ~~وطول بها صوته . # المسألة الرابعة : قال القاضي : الآية تدل على أن من لم يعاقب في الآخرة ~~ممن يصرف عنه العقاب ، فلا بد من أن يثاب وذلك يبطل قول من يقول : إن فيمن ~~يصرف عنه العقاب من المكلفين من لا يثاب ، لكنه يتفضل عليه . # فإن قيل : أليس من لم يعاقبه الله تعالى ويتفضل عليه فقد حصل له الفوز ~~المبين وذلك يبطل دلالة الآية على قولكم ؟ # قلنا : هذا الذي ذكرتموه مدفوع من وجوه : الأول : أن التفضل يكون ~~كالابتداء من قبل الله تعالى ، وليس يكون ذلك مطلوبا من الفعل والفوز هو ~~الظفر بالمطلوب ، فلا بد وأن يفيد أمرا مطلوبا . والثاني : أن الفوز المبين ~~لا يجوز حمله على التفضل بل يجب حمله على ما يقتضي مبالغة في عظم النعمة ، ~~وذلك لا يكون إلا ثوابا . والثالث : أن الآية معطوفة على قوله { إنى أخاف ~~إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } ( الأنعام : 15 ) والمقابل للعذاب هو الثواب ، ~~فيجب حمل هذه الرحمة على الثواب . # واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف جدا وضعفه ظاهر فلا حاجة فيه إلى الاستقصاء ~~والله أعلم . # ! 7 < { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على ~~كل شىء قدير } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 17 ) وإن يمسسك الله . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا دليل آخر في بيان أنه لا يجوز للعاقل أن ~~يتخذ غير الله وليا ، وتقريره أن الضر اسم للألم والحزن والخوف وما يفضي ~~إليها أو إلى أحدها . والنفع اسم للذة والسرور وما يفضي ms3510 إليهما أو إلى ~~أحدهما . والخير اسم للقدر المشترك بين دفع الضر وبين حصول النفع فإذا كان ~~الأمر كذلك فقد ثبت الحصر في أن الإنسان إما أن يكون في الضر أو في الخير ~~لأن زوال الضر خير سواء حصل فيه اللذة أو لم تحصل . وإذا ثبت هذا الحصر فقد ~~بين الله تعالى أن المضار قليلها وكثيرها لا يندفع إلا بالله ، والخيرات لا ~~يحصل قليلها وكثيرها إلا بالله . والدليل على أن الأمر كذلك ، أن الموجود ~~إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته أما الواجب لذاته فواحد فيكون كل ما سواه ~~ممكنا لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب PageV12P142 لذاته ، ~~وكل ما سوى الحق فهو إنما حصل بإيجاد الحق وتكوينه فثبت أن اندفاع جميع ~~المضار لا يحصل إلا به ، وحصول جميع الخيرات والمنافع لا يكون إلا به ، ~~فثبت بهذا البرهان العقلي البين صحة ما دلت الآية عليه . # فإن قيل : قد نرى أن الإنسان بدفع المضار عن نفسه بماله وبأعوانه وأنصاره ~~، وقد يحصل الخير له بكسب نفسه وبإعانة غيره ، وذلك يقدح في عموم الآية . ~~وأيضا فرأس المضار هو الكفر فوجب أن يقال إنه لم يندفع إلا بإعانة الله ~~تعالى . ورأس الخيرات هو الإيمان ، فوجب أن يقال أنه لم يحصل إلا بإيجاد ~~الله تعالى ، ولو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يستحق الإنسان بفعل الكفر ~~عقابا ولا يفعل الإيمان ثوابا . وأيضا فإنا نرى أن الإنسان ينتفع بأكل ~~الدواء ويتضرر بتناول السموم ، وكل ذلك يقدح في ظاهر الآية . # والجواب عن الأول : أن كل فعل يصدر عن الإنسان فإنما يصدر عنه إذا دعاه ~~الداعي إليه لأن الفعل بدون الداعي محال ، وحصول تلك الداعية ليس إلا من ~~الله تعالى . وعلى هذا التقدير فيكون الكل من الله تعالى وهكذا القول في كل ~~ما ذكرتموه من السؤالات . # المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر إمساس الضر وإمساس الخير ، إلا أنه ميز ~~الأول عن الثاني بوجيهين : الأول : أنه تعالى قدم ذكر إمساس الضر على ذكر ~~إمساس الخير ، وذلك تنبيه على أن جميع المضار ms3511 لا بد وأن يحصل عقبيها الخير ~~والسلامة . والثاني : أنه قال في إمساس الضر { فلا كاشف له إلا هو } وذكر ~~في إمساس الخير { فهو على كل شىء قدير } فذكر في الخير كونه قادرا على جميع ~~الأشياء وذلك يدل على أن إرادة الله تعالى لايصال الخيرات غالبة على إرادته ~~لايصال المضار . وهذه الشبهات بأسرها دالة على أن إرادة الله تعالى جانب ~~الرحمة غالب ، كما قال : ( سبقت رحمتي غضبي ) . # ! 7 < { وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 18 ) وهو القاهر فوق . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن صفات الكماب محصورة في القدرة والعلم فإن قالوا ~~: كيف أهملتم وجوب الوجود . # قلنا : ذلك عين الذات لا صفة قائمة بالذات لأن الصفة القائمة بالذات ~~مفتقرة إلى الذات والمفتقر إلى الذات مفتقر إلى الغير فيكون ممكنا لذاته ~~واجبا بغيره فيلزم حصول وجوب قبل الوجوب وذلك محال فثبت أنه عين الذات ، ~~وثبت أن الصفات التي هي الكمالات حقيقتها هي القدرة والعلم فقوله { وهو ~~القاهر فوق عباده } إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله { وهو الحكيم الخبير } ~~إشارة إلى كمال العلم . وقوله { وهو القاهر } يفيد الحصر ومعناه أنه لا ~~موصوف بكمال القدرة وكمال العلم إلا الحق سبحانه وعند هذا يظهر أنه لا كامل ~~إلا هو ، وكل من سواه فهو ناقص . # إذا عرفت هذا فنقول : أما دلالة كونه قاهرا على القدرة فلأنا بينا أن ما ~~عدا الحق سبحانه ممكن بالوجود لذاته ، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على ~~عدمه ولا عدمه على وجوده إلا بترجيحه وتكوينه وإيجاده وإبداعه فيكون في ~~الحقيقة هو الذي قهر الممكنات تارة في طرف ترجيح الوجود على العدم ، وتارة ~~في طرف ترجيح العدم على الوجود ويدخل في هذا الباب كونه قاهرا لهم بالموت ~~والفقر والاذلال ويدخل فيه PageV12P143 كل ما ذكره الله تعالى في قوله { قل ~~اللهم مالك الملك } ( آل عمران : 26 ) إلى آخر الآية . وأما كونه حكيما ، ~~فلا يمكن حمله ههنا على العلم لأن الخبير إشارة إلى العلم فيلزم التكرار ~~أنه لا يجوز ، فوجب حمله على كونه ms3512 محكما في أفعاله بمعنى أن أفعاله تكون ~~محكمة متقنة آمنة من وجوه الخلل والفساد والخبير هو العالم بالشيء المروي . ~~قال الواحدي : وتأويله أنه العالم بما يصح أن يخبر به قال : والخبر علمك ~~بالشيء تقول : لي به خبر أي علم وأصله من الخبر لأنه طريق من طرق العلم . # المسألة الثانية : المشبهة استدلوا بهذه الآية على أنه تعالى موجود في ~~الجهة التي هي فوق العالم وهو مردود ويدل عليه وجوه : الأول : أنه لو كان ~~موجودا فوق العالم لكان إما أن يكون في الصغر بحيث لا يتميز جانب منه من ~~جانب وإما أن يكون ذاهبا في الأقطار متمددا في الجهات . والأول : يقتضي أن ~~يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد فلو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون إله ~~العالم بعض الذرات المخلوطة بالهباآت الواقعة في كوة البيت وذلك لا يقوله ~~عاقل ، وإن كان الثاني كان متبعضا متجزئا ، وذلك على الله محال . والثاني : ~~أنه إما أن يكون غير متناه من كل الجهات وحينئذ يصح عليه الزيادة والنقصان ~~. وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بمقداره المعين لتخصيص مخصص ، فيكون محدثا ~~أو يكون متناهيا من بعض الجوانب دون البعض ، فيكون الجانب الموصوف بكونه ~~متناهيا غير الجانب الموصوف بكونه غير متناه وذلك يوجب القسمة والتجزئة . ~~والثالث : إما أن يفسر المكان بالسطح الحاوي أو بالبعد والخلاء . فإن كان ~~الأول : فنقول أجسام العالم متناهية فخارج العالم لا خلا ولا ملا ولا مكان ~~ولا حيث ولا جهة ، فيمتنع حصول ذات الله تعالى فيه . وإن كان الثاني فنقول ~~الخلاء متساوي الأجزاء في حقيقته وإذا كان كذلك ، فلو صح حصول الله في جزء ~~من أجزاء ذلك الخاء لصح حصوله في سائر الأجزاء ، ولو كان كذلك لكان حصوله ~~فيه بتخصيص مخصص ، وكل ما كان واقعا بالفاعل المختار فهو محدث ، فحصول ذاته ~~في الجزء محدث . وذاته لا تنفك عن ذلك الحصول وما لا ينفك عن المحدث فهو ~~محدث ، فيلزم كون ذاته محدثة ومفتقر إلى الموجد ويكون موجده قبله فيكون ذات ~~الله تعالى قد كانت ms3513 موجودة قبل وجود الخلاء والجهة والحيث والحيز . # وإذا ثبت هذا : فبعد الحيز والجهة والخلاء وجب أن تبقى ذات الله تعالى ~~كما كانت وإلا فقد وقع التغيير في ذات الله تعالى وذلك محال . # وإذا ثبت هذا وجب القول بكونه منزها عن الأحياز والجهات في جميع الأوقات ~~. والخامس : أنه ثبت أن العالم كرة . # وإذا ثبت هذا فالذي يكون فوق رؤوس أهل الري يكون تحت أقدام قوم آخرين . # وإذا ثبت هذا ، فإما أن يقال : إنه تعالى فوق أقوام بأعيانهم . أو يقال : ~~إنه تعالى فوق الكل . والأول : باطل ، لأن كونه فوقا لبعضهم يوجب كونه تحتا ~~لآخرين ، وذلك باطل . والثاني : يوجب كونه تعالى محيطا بكرة الفلك فيصير ~~حاصل الأمر إلى أن إله العالم هو فلك محيط بجميع الأفلاك وذلك لا يقوله ~~مسلم . والسادس : هو أن لفظ الفوقية في هذه الآية مسبوق بلفظ وملحوق بلفظ ~~آخر . أما أنها مسبوقة فلأنها مسبوقة بلفظ القاهر ، PageV12P144 والقاهر ~~مشعر بكمال القدرة وتمام المكنة . وأما أنها ملحوقة بلفظ فلأنها ملحوقة ~~بقوله { عباده } وهذا اللفظ مشعر بالمملوكية والمقدورية ، فوجب حمل تلك ~~الفوقية على فوقية القدرة لا على فوقية الجهة . # فإن قيل : ما ذكرتموه على الضد من قولكم إن قوله { وهو القاهر فوق عباده ~~} دل على كمال القدرة . فلو حملنا لفظ الفوق على فوقية القدرة لزم التكرار ~~، فوجب حمله على فوقية المكان والجهة . # قلنا : ليس الأمر كما ذكرتم لأنه قد تكون الذات موصوفة بكونها قاهرة ~~للبعض دون البعض وقوله { فوق عباده } دل على أن ذلك القهر والقدرة عام في ~~حق الكل . والسابع : وهو أنه تعالى لما ذكر هذه الآية ردا على من يتخذ غير ~~الله وليا ، والتقدير : كأنه قال إنه تعالى فوق كل عباده ، ومتى كان الأمر ~~كذلك امتنع اتخاذ غير الله وليا . وهذه النتيجة إنما يحسن ترتيبها على تلك ~~الفوقيات كان المراد من تلك الفوقية ، الفوقية بالقدرة والقوة . أما لو كان ~~المراد منها الفوقية بالجهة فإن ذلك لا يفيد هذا المقصود لأنه لا يلزم من ~~مجرد كونه حاصلا في جهة فوق أن ms3514 يكون التويل عليه في كل الأمور مفيدا وأن ~~يكون الرجوع إليه في كل المطالب لازما . أما إذا حملنا ذلك على فوقية ~~القدرة حسن ترتيب هذه النتيجة عليه فظهر بمجموع ما ذكرنا أن المراد ما ~~ذكرناه ، لا ما ذكره أهل التشبيه والله أعلم . # ! 7 < { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هاذا ~~القرءان لا نذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا ~~أشهد قل إنما هو إلاه واحد وإننى برىء مما تشركون } > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 19 ) قل أي شيء . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة ~~الله تعالى . ثم بين أن شهادة الله حاصلة إلا أن الآية لم تدل على أن تلك ~~الشهادة حصلت في إثبات أي المطالب فنقول : يمكن أن يكون المراد حصول شهادة ~~الله في ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويمكن أن يكون المراد حصول ~~هذه الشهادة في ثبوت وحدانية الله تعالى . # أما الاحتمال الأول : فقد روى ابن عباس أن رؤساء أهل مكة قالوا يا محمد ~~ما وجد الله غيرك رسولا وما نرى أحدا يصدقك وقد سألنا اليهود والنصارى عنك ~~فزعموا أنه لا ذكر لك عندهم بالنبوة فأرنا من يشهد لك بالنبوة ، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية وقال قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة من الله حتى يعترفوا ~~بالنبوة ، فإن أكبر الأشياء شهادة هو الله سبحانه وتعالى فإذا اعترفوا بذلك ~~فقل إن الله شهيد لي بالنبوة لأنه أوحي إلي هذا القرآن وهذا القرآن معجز ، ~~لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء وقد عجزتم عن معارضته فإذا كان معجزا ، كان ~~إظهار الله إياه على وفق دعواي شهادة من الله على كوني صادقا في دعواي . ~~والحاصل : أنهم طلبوا شاهدا PageV12P145 مقبول القول يشهد على نبوته فبين ~~تعالى أن أكبر الأشياء شهادة هو لله ، ثم بين أنه شهد له بالنبوة وهو ~~المراد من قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } فهذا تقرير واضح . # وأما ms3515 الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في وحدانية ~~الله تعالى . # فاعلم أن هذا الكلام يجب أن يكون مسبوقا بمقدمة ، وهي أنا نقول : المطالب ~~على أقسام ثلاثة : منها ما يمتنع إثباته بالدلائل السمعية فإن كل ما يتوقف ~~صحة السمع على صحته امتنع إثباته بالسمع ، وإلا لزم الدور . ومنها ما يمتنع ~~إثباته بالعقل وهو كل شيء يصح وجوده ويصح عدمه عقلا ، فلا امتناع في أحد ~~الطرفين أصلا ، فالقطع على أحد الطرفين يعينه لا يمكن إلا بالدليل السمعي ، ~~ومنها ما يمكن إثباته بالعقل والسمع معا ، وهو كل أمر عقلي لا يتوقف على ~~العلم به ، فلا جرم أمكن إثباته بالدلائل السمعية . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله { قل الله * شهيدا بينى وبينكم } في إثبات ~~الوحدانية والبراءة عن الشركاء والاضداد والأنداد والأمثال والأشباه . # ثم قال : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } أي إن القول بالتوحيد هو ~~الحق الواجب ، وأن القول بالشرك باطل مردود . # المسألة الثانية : نقل عن جهم أنه ينكر كونه تعالى شيئا . # واعلم أنه لا ينازع في كونه تعالى ذاتا موجودا وحقيقة إلا أنه ينكر ~~تسميته اعالى بكونه شيئا ، فيكون هذا خلافا في مجرد العبارة . واحتج ~~الجمهور على تسمية الله تعالى بالشيء بهذه الآية وتقريره أنه قال أي ~~الأشياء أكبر شهادة ثم ذكر في الجواب عن هذا السؤال قوله { قل الله } وهذا ~~يوجب كونه تعالى شيئا ، كما أنه لو قال : أي الناس أصدق ، فلو قيل : جبريل ~~، كان هذا الجواب خطأ لأن جبريل ليس من الناس فكذا ههنا . # فإن قيل : قوله { قل الله شهيد بينى وبينكم } كلام تام مستقبل بنفسه لا ~~تعلق له بما قبله لأن قوله { الله } مبتدأ ، وقوله { شهيد بينى وبينكم } ~~خبره / وهو جملة تامة مستقلة بنفسها لا تعلق لها بما قبلها . # قلنا الجواب في وجهين : الأول : أن نقول قوله { قل أى شىء أكبر شهادة } ~~لا شك أنه سؤال ولا بد له من جواب : إما مذكور ، وإما محذوف . # فإن قلنا : الجواب محذوف فنقول : هذا على خلاف الدليل ، وأيضا فبتقدير ms3516 أن ~~يكون الجواب محذوفا ، إلا أن ذلك المحذوف لا بد وأن يكون أمرا يدل المذكور ~~عليه ويكون لائقا بذلك الموضع . # والجواب اللائق بقوله { أى شىء أكبر شهادة } هو أن يقال : هو الله ، ثم ~~يقال بعده { الله شهيد بينى وبينكم } وعلى هذا التقدير فيصح الاستدلال بهذه ~~الآية أيضا على أنه تعالى يسمى باسم الشيء فهذا تمام تقرير هذا الدليل . ~~PageV12P146 # وفي المسألة دليل رخر وهو قوله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص ~~: 88 ) والمراد بوجهه ذاته ، فهذا يدل على أنه تعالى استثنى ذات نفسه من ~~قوله { كل شىء } والمستثنى يجب أن يكون داخلا تحت المستثنى منه ، فهذا يدل ~~على أنه تعالى يسمى باسم الشيء . واحتج جهم على فساد هذا الاسم بوجوه : ~~الأول : قوله تعالى : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) والمراد ليس مثل ~~مثله شيء وذات كل شيء مثل مثل نفسه فهذا تصريح بأن الله تعالى لا يسمى باسم ~~الشيء ولا يقال الكاف زائدة ، والتقدير : ليس مثله شيء لأن جعل كلمة من ~~كلمات القرآن عبثا باطلا لا يليق بأهل الدين المصير إليه إلا عند الضرورة ~~الشديدة . والثاني : قوله تعالى : دالله خالق كل شيء } ( الرعد : 16 ) ولو ~~كان تعالى مسمى بالشيء لزم كونه خالقا لنفسه وهو محال ، لا يقال : هذا عام ~~دخله التخصيص لأنا نقول : إدخال التخصيص إنما يجوز في صورة نادرة شاذة لا ~~يؤبه بها ولا يلتفت إليها ، فيجري وجودها مجرى عدمها ، فيطلق لفظ الكل على ~~الأكثر تنبيها على أن البقية جارية مجرى العدم ومن المعلوم أن الباري تعالى ~~لو كان مسمى باسم الشيء لكان هو تعالى أعظم الأشياء وأشرفها ، وإطلاق لفظ ~~الكل مع أن يكون هذا القسم خارجا عنه يكون محض كذب ولا يكون من باب التخصيص ~~. الثالث : التمسك بقوله { * } ( الرعد : 16 ) ولو كان تعالى مسمى بالشيء ~~لزم كونه خالقا لنفسه وهو محال ، لا يقال : هذا عام دخله التخصيص لأنا نقول ~~: إدخال التخصيص إنما يجوز في صورة نادرة شاذة لا يؤبه بها ولا يلتفت إليها ~~، فيجري وجودها مجرى عدمها ، فيطلق لفظ ms3517 الكل على الأكثر تنبيها على أن ~~البقية جارية مجرى العدم ومن المعلوم أن الباري تعالى لو كان مسمى باسم ~~الشيء لكان هو تعالى أعظم الأشياء وأشرفها ، وإطلاق لفظ الكل مع أن يكون ~~هذا القسم خارجا عنه يكون محض كذب ولا يكون من باب التخصيص . الثالث : ~~التمسك بقوله { والله * الاسماء الحسنى فادعوه بها } ( الأعراف : 180 ) ~~والاسم إنما يحسن لحسن مسماه وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال نعت من ~~نعوت الجلال ولفظ الشيء أعم الأشياء فيكون مسماه حاصلا في أحسن الأشياء وفي ~~أرذلها ومتى كان كذلك لم يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال ولا ~~نعتا من نعوت الجلال فوجب أن لا يجوز دعوة الله تعالى بهذا الاسم لأن هذا ~~الاسم لما لم يكن من الأسماء الحسنى والله تعالى أمر بأن يدعى الأسماء ~~الحسنى وجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا الاسم وكل من منع من دعاء الله ~~بهذا الاسم قال : إن هذا اللفظ ليس اسما من أسماء الله تعالى ألبتة . ~~الرابع : أن اسم الشيء يتناول المعدوم ، فوجب أن لا يجوز إطلاقه على الله ~~تعالى بيان الأول : قوله تعالى : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا } ( ~~الكهف : 23 ) سمى الشيء الذي سيفعله غدا باسم الشيء في الحال والذي سيفعله ~~غداف يكون معدوما في الحال فدل ذلك على أن اسم الشيء يقع على المعدوم . # وإذا ثبت هذا فقولنا : إنه شيء لا يفيد امتياز ذاته عن سائر الذوات بصفة ~~معلومة ولا بخاصة متميزة ولا يفيد كونه موجودا فيكون هذا لفظا لا يفيد ~~فائدة في حق الله تعالى ألبتة ، فكان عبثا مطلقا ، فوجب أو لا يجوز إطلاقه ~~على الله تعالى . # والجواب عن هذه الوجوه أن يقال : لما تعارضت الدلائل . # فنقول : لفظ الشيء أعم الألفاظ ، ومتى صدق الخاص صدق العام ، فمتى صدق ~~فيه كونه ذاتا وحقيقة وجب أن يصدق عليه كونه شيئا وذلك هو المطلوب والله ~~أعلم . # أما قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } فالمراد أنه تعالى أوحى ~~إلي ms3518 هذا القرآن لأنذركم به ، وهو خطاب لأهل مكة ، وقوله دومن بلغ ذ عطف على ~~المخاطبين من أهل مكة أي لأنذركم به ، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب ~~والعجم ، وقيل من الثقلين ، وقيل : من بلغه إلى يوم القيامة ، وعن سعيد بن ~~جبير : من بلغه القرآن ، فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا ~~التفسير فيحصل في الآية حذف ، والتقدير : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~، ومن بلغه هذا القرآن إلا أن هذا العائد محذوف لدلالة الكلام عليه ، ~~PageV12P147 كما يقال الذي رأيت زيد ، والذي ضربت عمرو . وفي تفسير قوله { ~~ومن بلغ } قول آخر ، وهو أن يكون قوله { ومن بلغ } أي ومن احتلم وبلغ حد ~~التكليف ، وعند هذا لا يحتاج إلى إضمار العائد إلا أن الجمهور على القول ~~الأول . # أما قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى ~~هاذا القرءان لانذركم به ومن بلغ أئنكم } فنقول : فيه بحثان . # البحث الأول : قرأ ابن كثير : ( أينكم ) بهمزة وكسرة بعدها خفيفة مشبهة ~~ياء ساكنة بلا مدة ، وأبو عمرو وقالون عن نافع كذلك إلا أنه يمد والباقون ~~بهمزتين بلا مد . # والبحث الثاني : أن هذا استفهام معناه الجحد والانكار . قال لفراء : ولم ~~يقل آخر لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كما قال : { والله * ~~الاسماء الحسنى } ( الأعراف : 180 ) وقال : { فما بال القرون الاولى } ( طه ~~: 51 ) ولم يقل الأول ولا الأولين وكل ذلك صواب . # ثم قال تعالى : { قل لا أشهد قل إنما هو إلاه واحد وإننى برىء مما تشركون ~~} # واعلم أن هذا الكلام دال على إيجاب التوحيد والبراءة عن الشرك من ثلاثة ~~أوجه : أولها : قوله { قل لا أشهد } أي لا أشهد بما تذكرونه من إثبات ~~الشركاء . وثانيها : قوله { قل إنما هو إلاه واحد } وكلمة { إنما } تفيد ~~الحصر ، ولفظ الواحد صريح في التوحيد ونفي الشركاء . وثالثها : قوله { إننى ~~* برىء مما تشركون } وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء فثبت دلالة هذه ~~الآية على إجاب التوحيد بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد . قال العلماء ~~: المستحب ms3519 لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويتبرأ من كل دين سوى دين ~~الإسلام . ونص الشافعي رحمه الله على استحباب ضم التبري إلى الشهادة لقوله ~~{ وإننى برىء مما تشركون } عقيب التصريح بالتوحيد . # ! 7 < { الذين ءاتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم الذين خسروا ~~أنفسهم فهم لا يؤمنون } > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 20 ) الذين آتيناهم الكتاب . . . . . # > > اعلم أنا روينا في الآية الأولى أن الكفار سألوا اليهود والنصارى عن ~~صفة محمد عليه الصلاة والسلام فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على نبوته ، ~~فبين الله تعالى في الآية الأولى أن شهادة الله على صحة نبوته كافية في ~~ثبوتها وتحققها ، ثم بين في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم أنا لا نعرف ~~محمدا عليه الصلاة والسلام ، لأنهم يعرفونه بالنبوة والرسالة كما يعرفون ~~أبناءهم لما روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر ~~لعبد الله بن سلام : أنزل الله على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة ، فقال ~~يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد مني ~~يا بني لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله تعالى . ~~PageV12P148 # وأعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون علمهم بنبوة محمد عليه السلام مثل ~~علمهم بأبنائهم وفيه سؤال وهو أن يقال : المكتوب في التوراة والإنجيل مجرد ~~أنه سيخرج نبي في آخر الزمان يدعو الخلق إلى الدين الحق ، أو المكتوب فيه ~~هذا المعنى مع تعين الزمان والمكان والنسب والصفة والحلية والشكل ، فإن كان ~~الأول فذلك القدر لا يدل على أن ذلك الشخص هو محمد عليه السلام ، فكيف يصح ~~أن يقال : علمهم بنوته مثل علمهم بنبوة أبنائهم ، وإن كان الثاني وجب أن ~~كيون جميع اليهود والنصارى عالمين بالضرورة من التوراة والإنجيل بكون محمد ~~عليه الصلاة والسلام نبيا من عند الله تعالى ، والكذب على الجمع العظيم لا ~~يجوز لأنا نعلم بالضرورة أن التوراة والإنجيل حال ظهور الرسول عليه الصلاة ~~والسلام أو يقال : إنه ما بقيت هذه التفاصيل في التوراة والإنجيل في وقت ~~ظهوره ms3520 لأجل أن التحريف قد تطرق إليهما قبل ذلك ، والأول باطل لان إخفاء مثل ~~هذه التفاصيل التامة في كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب ممتنع ، والثاني ~~أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير لم يكن يهود ذلك الزمان ، ونصارى ذلك ~~الزمان عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم علمهم بنبوة أبنائهم ، وحينئذ ~~يسقط هذا الكلام . # والجواب عن الأول : أن يقال المراد ب { الذين ءاتيناهم الكتاب } اليهود ~~والنصارى ، وهم كانوا أهلا للنظر والاستدلال ، وكانوا قد شاهدوا ظهور ~~المعجزات على الرسول عليه الصلاة والسلام ، فعرفوا بواسطة تلك المعجزات ~~كونه رسولا من عند الله ، والمقصود من تشبيه إحدى المعرفتين بالمعرفة ~~الثانية هذا القدر الذي ذكرناه . # أما قوله { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ففيه قولان : الأول : أن ~~قوله دالذين } صفة للذين الأولى ، فيكون عاملهما واحدا ويكون المقصود وعيد ~~المعاندين الذين يعرفون ويجحدون . والثاني : أن قوله الذين خسروا أنفسهم ~~ابتداء . وقوله { * } صفة للذين الأولى ، فيكون عاملهما واحدا ويكون ~~المقصود وعيد المعاندين الذين يعرفون ويجحدون . والثاني : أن قوله الذين ~~خسروا أنفسهم ابتداء . وقوله { فهم لا يؤمنون } خبره ، وفي قوله { الذين ~~خسروا } وجهان : الأول : أنهم خسروا أنفسهم بمعنى الهلاك الدائم الذي حصل ~~لهم بسبب الكفر والثاني : جاء في التفسير أنه ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله ~~منزلة في الجنة ، فمن كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله ~~بأن ورث منزلة غيره . # ! 7 < { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بأاياته إنه لا يفلح ~~الظالمون * ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركآؤكم الذين كنتم ~~تزعمون } > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 21 - 22 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بين ~~في هذه الآية سبب ذلك الخسران ، وهو أمران : أحدهما : أن يفترى على الله ~~كذبا ، وهذا الافتراء يحتمل وجوها : الأول : أن كفرا PageV12P149 مكة كانوا ~~يقولون هذه الأصنام شركاء الله ، والله سبحانه وتعالى أمرهم بعبادتها ~~والتقرب إليها ، وكانوا أيضا يقولون الملائكة بنات الله ، ثم نسبوا إلى ~~الله ms3521 تحريم البحائر والسوائب . وثانيها : أن اليهود والنصارى كانوا يقولون ~~: حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ ~~والتغيير ، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي ، وثالثها : ما ذكره الله تعالى في ~~قوله { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها } ( ~~الأعراف : 28 ) ورابعها : أن اليهود كانوا يقولون { نحن أبناء الله وأحباؤه ~~} ( المائدة : 18 ) وكانوا يقولون { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( ~~البقرة : 80 ) وخامسها : أن بعض الجهال منهم كان يقول : إن الله فقير ونحن ~~أغنياء ، وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها ألى الله كثيرة ، وكلها ~~افتراء منهم على الله . # والنوع الثاني : من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات الله ، والمراد منه ~~قدحهم في معجزات محمد صلى الله عليه وسلم ، وطعنهم فيها وإنكارهم كون ~~القرآن معجزة قاهرة بينة ، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذين الأمرين قال : { ~~إنه لا يفلح الظالمون } أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل ~~يبقون في الحرمان والخذلان . # وأما قوله { ويوم نحشرهم جميعا } ففي ناصب قوله { ويوم } أقوال : الأول : ~~أنه محذوف وتقديره { ويوم نحشرهم } كان كيت وكيت ، فترك ليبقى على الابهام ~~الذي هو أدخل في التخويف ، والثاني : التقدير اذكر يوم نحشرهم ، والثالث : ~~أنه معطوف على محذوف كأنه قيل لا يفلح الظالمون أبدا ويوم نحشرهم . # وأما قوله { ثم نقول للذين أشركوا أين * شركاؤهم * الذين كنتم تزعمون } ~~فالمقصود منه التقريع والتبكيت لا السؤال ، ويحتمل أن يكون معناه أين نفس ~~الشركاء ، ويحتمل أن يكون المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم ، وعلى كلا ~~الوجهين : لا يكون الكلام إلا توبيخا وتقريعا في نفوسهم أن الذي كانوا ~~يظنونه مأيوس عنه ، وصار ذلك تنبيها لهم في دار الدنيا على فساد هذه ~~الطريقة ، والعائد على الموصول من قوله { الذين كنتم تزعمون } محذوف ، ~~والتقدير : الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء ، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال ~~عليه ، قال ابن عباس : وكل زعم في كتاب الله كذب . # ! 7 < { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين * انظر ~~كيف كذبوا على أنفسهم وضل ms3522 عنهم ما كانوا يفترون } > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 23 - 24 ) ثم لم تكن . . . . . # > > # أعلم أن ههنا مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحفص عن عاسم { ثم لم تكن فتنتهم } بالتاء ~~المنقطة من فوق وفتنتهم بالرفع ، وقرأ حمزة والكسائي { ثم لم * يكن } ~~بالياء وفتنتهم بالنصب ، وأما القراءة بالتاء المنقطة من فوق ونصب الفتنة ، ~~فههنا قوله أن قالوا : في محل الرفع لسكونه اسم تكن ، وإنما أنث لتأنيث ~~الخبر كقوله من كانت أمك PageV12P150 أو لأن ما قالوا : فتنة في المعنى ، ~~ويجوز تأويل إلا أن قالوا لا مقالتهم وأما القراءة بالياء المنقطة من تحت ، ~~ونصب فتنتهم ، فههنا قوله أن قالوا : في محل الرفع لكونه اسم يكن ، وفتنتهم ~~هو الخبر . قال الواحدي : الاختيار قراءة من جعل أن قالوا الاسم دون الخبر ~~لأن أن إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر ، فكما أن ~~المظهر والمضمر ، إذا اجتمعا كان جعل المضمر اسما أولى من جعله خبرا ، فكذا ~~ههنا تقول كنت القائم ، فجعلت المضمر اسما والمظهر خبرا فكذا ههنا ، ونقول ~~قراءة حمزة والكسائي : والله ربنا بنصب قوله ربنا لوجيهن : أحدهما : بإضمار ~~أعني وأذكر ، والثاني : على النداء ، أي والله يا ربنا ، والباقون بكسر ~~الباء على أنه صفة لله تعالى . # المسألة الثانية : قال الزجاج : تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه ~~إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك ، وذلك أن الله تعالى بين كون ~~المشركين مفتونين بشركهم متهالكين على حبه ، فاعلم في هذه الآية أنه لم يكن ~~افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه ، إلا أن تبرؤا منه وتباعدوا عنه ، فحلفوا ~~أنهم ما كانوا مشركين : ومثاله أن ترى إنسانا يحب عاريا مذموم الطريقة فإذا ~~وقع في محنة بسببه تبرأ منه ، فيقال له ما كانت محبتك لفلان ، إلا أن ~~انتفيت منه فالمراد بالفتنة ههنا افتتانهم بالأوثان ، ويتأكد هذا الوجه بما ~~روى عطاء عن ابن عباس : أنه قال { ثم لم تكن فتنتهم } معناه شركهم في ~~الدنيا ، وهذا القول راجع إلى حذف المضاف لأن المعنى ثم لم تكن عاقبة ~~فتنتهم إلا البراءة ، ومثله ms3523 قولك ما كانت محبتك لفلان ، إلا أن فررت منه ~~وتركته . # المسألة الثالثة : ظاهر الآية يقتضي : أنهم حلفوا في القيامة على أنهم ما ~~كانوا مشركين ، وهذا يقتضي إقدامهم على الكذب يوم القيامة ، وللناس فيه ~~قولان : الأول : وهو قول أبي علي الجبائي ، والقاضي : أن أهل القيامة لا ~~يجوز إقدامهم على الكذب واحتجا عليه بوجوه : الأول : أن أهل القيامة يرعفون ~~الله تعالى بالاضطرار ، إذ لو عرفون بالاستدلال لصار موقف القيامة دار ~~التكليف ، وذلك باطل ، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار ، وجب أن ~~يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم يعلمون أنهم لو راموا ~~فعل القبيح لمنعهم الله منه لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى ~~لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح ، وأنه لا يجوز ، فثبت أن أهل القيامة ~~يعلمون الله بالاضطرار ، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك ~~القبيح ، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : ءنه لا يجوز منهم فعل القبيح ، إذ كانوا ~~عقلاء إلا أنا نقول : لم لا يجوز أن يقال : إنه وقع منهم هذا الكذب لأنهم ~~لما عاينوا أهوال القيامة اضطربت عقولهم ، فقالوا : هذا القول الكذب عند ~~اختلال عقولهم ، أو يقال : إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا . # والجواب عن الأول : أنه تعالى لا يجوز أن يحشرهم : ويورد عليهم التوبيخ ~~بقوله { أين * شركاؤهم } ( الأنعام : 22 ) ثم يحكي عنهم ما يجري مجرى ~~الاعتذار مع أنهم غير عقلاء ، لأن هذا لا يليق بحكمة الله تعالى ، وأيضا ~~فالمكلفون لا بد وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة ، ليعلموا أنهم بما يعاملهم ~~الله به غير مظلومين . # والجواب عن الثاني : أن النسيان : لما كانوا عليه في دار الدنيا مع كمال ~~العقل بعيد لأن العاقل لا PageV12P151 يجوز أن ينسى مثل هذه الأحوال ، وءن ~~بعد العهد ، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور ولولا أن الأمر كذلك ~~لجوزنا أن يكون العاقل قد مارس الولايات العظيمة دهرا طويلا ، ومع ذلك فقد ~~نسيه ms3524 ، ومعلوم أن تجويزه يوجب السفسطة . # الحجة الثانية : أن القوم الذين أقدموا على ذلك الكذب إما أن يقال : إنهم ~~ما كانوا عقلاء أو كانوا عقلاء ، فإن قلنا إنهم ما كانوا عقلاء فهذا باطل ~~لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تمهيد العذر ~~، وإن قلنا إنهم كانوا عقلاء فهم يعلمون أن لله تعالى عالم بأحوالهم ، مطلع ~~على أفعالهم ويعلمون أن تجويز الكذب على الله محال ، وأنهم لا يستفيدون ~~بذلك الكذب إلا زيادة المقت والغضب وإذا كان الأمر كذلك امتنع إقدامهم في ~~مثل هذه الحالة على الكذب . # الحجة الثالثة : أنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب ~~لكانوا قد أقدموا على هذين النوعين من القبح والذنب وذلك يوجب العقاب ، ~~فتصير الدار الآخرة دار التكليف ، وقد أجمعوا على أنه ليس الأمر كذلك ، ~~وأما إن قيل إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب ، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقابا ~~وذما ، فهذا يقتضي حصول الاذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب ، ~~وأنه باطل ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح ~~والكذب . # وإذا ثبت هذا : فعند ذلك قالوا يحمل قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } ~~أي ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا ، وذلك لأن القوم كانوا يعتقدون في ~~أنفسهم أنهم كانوا موحدين متباعدين من الشرك . # فإن قيل : فعلى هذا التقدير : يكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم ~~أخبروا بأنهم كانوا غير مشركين عد أنفسهم ، فلماذا قال الله تعالى { انظر ~~كيف كذبوا على أنفسهم } ولنا أنه ليس تحت قوله { انظر كيف كذبوا على أنفسهم ~~} أنهم كذبوا فيما تقدم ذكره من قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } حتى ~~يلزمنا هذا السؤال بل يجوز أن يكون المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في ~~دار الدنيا في أمور كانوا يخبرون عنها كقولهم : إنهم على صواب وإن ما هم ~~عليه ليس بشرك والكذب يصح عليهم في دار الدنيا ، وإنما ينفى ذلك عنهم في ~~الآخرة ، والحاصل أن المقصود من قوله تعالى : { انظر كيف ms3525 كذبوا على أنفسهم ~~} اختلاف الحالين ، وأنهم في دار الدنيا كانوا يكذبون ولا يحترزون عنه ~~وأنهم في الآخرة يحترزون عن الكذب ولكن حيث لا ينفعهم الصدق فلتعلق أحد ~~الأمرين بالآخر أظهر الله تعالى للرسول ذلك وبين أن القوم لأجل شركهم كيف ~~يكون حالهم في الآخرة عند الاعتذار مع أنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون على ~~أنفسهم ويزعمون أنهم على صواب . هذا جملة كلام القاضي في تقرير القول الذي ~~اختاره أبو علي الجبائي . # والقول الثاني : وهو قول جمهور المفسرين أن الكفار يكذبون في هذا القول ~~قالوا : والدليل على أن الكفار قد يكذبون في القيامة وجوه : الأول : أنه ~~تعالى حكى عنهم أنهم يقولون { ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } ( ~~المؤمنون : 107 ) مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله { ولو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه } ( الإنعام : 28 ) والثاني : قوله تعالى : { يوم يبعثهم الله جميعا ~~فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شىء ألا إنهم هم الكاذبون } ( ~~المجادلة : 18 ) بعد قوله { ويحلفون على الكذب } ( المجادلة : 14 ) فشبه ~~كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا . والثالث : قوله تعالى حكاية عنهم { قال ~~قائل منهم كم لبثتم قالوا * لبثنا يوما أو بعض يوم } ( الكهف : 19 ) وكل ~~PageV12P152 ذلك يدل على إقدامهم في بعض الأوقات على الكذب . والرابع : ~~قوله حكاية عنهم { ونادوا يامالك * مالك * ليقض علينا ربك } ( الزخرف : 77 ~~) وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص . والخامس : أنه تعالى في هذه ~~الآية حكى عنهم { أنهم قالوا * والله ربنا ما كنا مشركين } وحمل هذا على أن ~~المراد ما كنا مشركين في ظنوننا وعقائدنا مخالفة للظاهر . ثم حمل قوله بعد ~~ذلك { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم ~~الآية ، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا وهو ~~في غاية البعد . أما قوله إما أن يكونوا قد كذبوا حال كمال العقل أو حال ~~نقصان العقل فنقول : لا يبعد أي يقال إنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة ، ~~وشاهدوا موجبات الخوف الشديد اختلت عقولهم ms3526 فذكروا هذا الكلام في ذلك الوقت ~~وقوله : كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عنهم ما ذكروه في حال اضطراب ~~العقول ، فهذا يوجب الخوف الشديد عند سماع هذا الكلام حال كونهم في الدنيا ~~ولا مقصود من تنزيل هذه الآيات إلا ذلك . وأما قوله ثانيا المكلفون لا بد ~~أن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول : اختلال عقولهم ساعة واحدة حال ما ~~يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمال عقولهم في سائر الأوقات . فهذا تمام ~~الكلام في هذه المسألة والله أعلم . # أما قوله تعالى : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } فالمراد إنكارهم كونهم ~~مشركين ، وقوله { وضل عنهم } عطف على قوله { كذبوا } تقديره : وكيف ضل عنهم ~~ما كانوا يفترون بعبادته من الأصنام فلم تغن عنهم شيئا وذلك أنهم كانوا ~~يرجون شفاعتها ونصرتها لهم . # ! 7 < { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ~~وفىءاذانهم وقرا وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها حتى إذا جآءوك يجادلونك ~~يقول الذين كفروا إن هاذآ إلا أساطير الا ولين } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 25 ) ومنهم من يستمع . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس ~~عن إيمان بعضهم فقال { ومنهم من يستمع إليك } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو ~~سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعقبة وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ~~وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر وأبو جهل واستمعوا إلى حديث الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، فقالوا للنضر ما يقول محمد فقال : لا أدري ما يقول لكني ~~أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدثكم به عن أخبار ~~القرون الأولى وقال أبو سفيان إني لا أرى بعض ما يقول حقا فقال أبو جهل كلا ~~فأنزل الله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه } والأكنة جمع كنان وهو ما وقى شيئا وستره ، مثل عنان وأعنة ، ~~والفعل منه كننت وأكننت . وأما قوله { أن يفقهوه } فقال الزجاج : موضع { ~~ءان } نصب ms3527 على أنه مفعول له والمعنى وجعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن ~~يفقهوه فلما حذفت ( اللام ) نصبت الكراهة ، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها ~~إلى ( أن ) وقوله { وجعلنا على قلوبهم } قال PageV12P153 ابن السكيت : ~~الوقر الثقل في الأذن . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يصرف عن ~~الإيمان ، ويمنع منه ويحول بين الرجل وبينه ، وذلك لأن هذه الآية تدل على ~~أنه جعل القلب في الكنان الذي يمنعه عن الإيمان ، وذلك هو المطلوب . قالت ~~المعتزلة : لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ويدل عليه وجوه : الأول : ~~أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار لا ليكون حجة ~~للكفار على الرسول ، ولو كان المراد من هذه الآية أنه تعالى منع الكفار عن ~~الإيمان لكان لهم أن يقولوا للرسول لما حكم الله تعالى بأنه منعنا من ~~الإيمان فلم يذمنا على ترك الإيمان ، ولم يدعونا إلى فعل الإيمان ؟ الثاني ~~: أنه تعالى لو منعهم من الإيمان ثم دعاهم إليه لكان ذلك تكليفا للعاجز وهو ~~منفي بصريح العقل وبقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة ~~: 286 ) الثالث : أنه تعالى حكى صريح هذا الكلام عن الكفار في معرض الذم ~~فقال تعالى : { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر } ( ~~فصلت : 5 ) وقال في آية أخرى { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم } ( ~~البقرة : 88 ) وإذا كان قد حكى الله تعالى هذا المذهب عنهم فلي معرض الذم ~~لهم امتنع أن يذكره هاهنا في معرض التقريع والتوبيخ ، وإلا لزم التناقض . ~~والرابع : أنه لا نزاع أن القوم كانوا يفهمون ويسمعون ويعقلون . والخامس أن ~~هذه الآية وردت في معرض الذم لهم على ترك الإيمان ولو كان هذا الصد والمنع ~~من قبل الله تعالى لما كانوا مذمومين بل كانوا معذورين . والسادس : أن قوله ~~{ حتى إذا * لكرهون * يجادلونك } يدل على أنهم كانوا يفقهون ويميزون الحق ~~من الباطل ، وعند هذا قالوا لا بد من التأويل وهو من وجوه : الأول : قال ~~الجبائي إن القوم كانوا يستمعون لقراءة الرسول صلى الله ms3528 عليه وسلم ليتوسلوا ~~بسماع قراءته إلى معرفة مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه فعند ذلك كان ~~الله سبحانه وتعالى يلقي على قلوبهم النوم / وهو المراد من الأكنة ، ويثقل ~~أسماعهم عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النوم ، وهو المراد من قوله { ~~وجعلنا على قلوبهم } والثاني : أن الإنسان الذي علم الله منه أنه لا يؤمن ~~وأنه يموت على الكفر فإنه تعالى يسم قلبه بعلامة مخصوصة يستدل الملائكة ~~برؤيتها على أنه لا يؤمن ، فصارت تلك العلامة دلالة على أنهم لا يؤمنون . # وإذا ثبت هذا فنقول : لا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان والغطاء المانع ~~، مع أن تلك العلامة في نفسها ليست مانعة عن الإيمان . # والتأويل الثالث : أنهم لما أصروا على الكفر وعاندوا وصمموا عليه ، فصار ~~عدولهم عن الإيمان والحالة هذه كالكنان المانع عن الإيمان ، فذكر الله ~~تعالى الكنان كناية عن هذا المعنى . # والتأويل الرابع : أنه تعالى لما منعهم الالطاف التي إنما تصلح أن تفعل ~~بمن قد اهتدى فأخلاهم منها ، وفوض أمرهم إلى أنفسهم لسوء صنيعهم لم يبعد أن ~~يضيف ذلك إلى نفسه فيقول { وجعلنا على قلوبهم أكنة } . # والتأويل الخامس : أن يكون هذا الكلام ورد حكاية لما كانوا يذكرونه من ~~قولهم { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر } ( فصلت : ~~5 ) . # والجواب عن الوجوه التي تمسكوا بها في بيان أنه لا يمكن حمل الكنان ~~والوقر على أن الله تعالى منعهم عن الإيمان ، وهو أن نقول : بل البرهان ~~العقلي الساطع قائم على صحة هذا المعنى ، وذلك لأن العبد PageV12P154 الذي ~~أتى بالكفر إن لم يقدر على الإتيان بالإيمان ، فقد صح قولنا إنه تعالى هو ~~الذي حمله على الكفر وصده عن الإيمان . وأما إن قلنا : إن القادر على الكفر ~~كان قادرا على الإيمان فنقول : يمتنع صيرورة تلك القدرة مصدرا للكفر دون ~~الإيمان ، إلا عند انضمام تلك الداعية ، وقد عرفت في هذا الكتاب أن مجموع ~~القدرة مع الداعي يوجب الفعل ، فيكون الكفر على هذا التقدير من الله تعالى ~~، وتكون تلك الداعية الجارة إلى الكفر كنانا للقلب عن الإيمان ، ووقرا ms3529 ~~للسمع عن استماع دلائل الإيمان ، فثبت بما ذكرنا أن البرهان العقلي مطابق ~~لما دل عليه ظاهر هذه الآية . # وإذا ثبت بالدليل العقلي صحة ما دل عليه ظاهرة هذه الآية ، وجب حمل هذه ~~الآية عليه عملا بالبرهان وبظاهر القرآن ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : أنه تعالى قال : { ومنهم من يستمع إليك } فذكره بصيغة ~~الإفراد ثم قال : { على قلوبهم } فذكره بصيغة الجمع . وإنما حسن ذلك لأن ~~صيغة ( من ) واحد في اللفظ جمع في المعنى . # وأما قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم } قال بان ~~عباس : وإن يروا كل دليل وحجة لا يؤمنوا بها لأجل أن الله تعالى جعل على ~~قلوبهم أكنة ، وهذه الآية تدل على فساد التأويل الأول الذي نقلناه عن ~~الجبائي ، ولأنه لو كان المراد من قوله تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة } ~~إلقاء النوم على قلوب الكفار لئلا يمكنهم التوسل بسماع صوته على وجدان ~~مكانه لما كان قوله { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم } لائقا بهذا ~~الكلام ، وأيضا لو كان المراد ما ذكره الجبائي لكان يجب أن يقال : وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة أن يسمعوه ، لأن المقصود الذي ذكره الجبائي إنما يحصل ~~بالمنع من سماع صوت الرسول عليه السلام أما المنع من نفس كلامه ومن فهم ~~مقصوده ، فلا تعلق له بما ذكره الجبائي فظهر سقوط قوله . والله أعلم . # أما قوله تعالى : { حتى إذا * لكرهون * يجادلونك } فاعلم أن هذا الكلام ~~جملة أخرى مرتبة على ما قبلها و { حتى } في هذا الموضع هي التي يقع بعدها ~~الجمل ، والجملة هي قوله { إذا لكرهون * يجادلونك } يقول الذين كفروا / ~~ويجادلونك في موضع الحال وقوله { يقول الذين كفروا } تفسير لقوله { ~~يجادلونك } والمعنى أنه بلغ بتكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك ، ~~وفسر مجادلتهم بأنهم يقولون { إن هاذا إلا أساطير الاولين } قال الواحدي : ~~وأصل الأساطير من السطر ، وهو أن يجعل شيئا ممتدا مؤلفا ومنه سطر الكتاب ~~وسطر من شجر مغروس . قال ابن السكيت : يقال سطر وسطر ، فمن قال سطر فجمعه ~~في القليل أسطر والكثير سطور ، ومن قال سطر ms3530 فجمعه أسطار ، والأساطير جمع ~~الجمع ، وقال الجبائي : واحد الأساطير أسطور وأسطورة وأسطير وأسطيرة ، وقال ~~الزجاج : واحد الأساطير أسطورة مثل أحاديث وأحدوثة . وقال أبو زيد : ~~الأساطير من الجمع الذي لا واحد له مثل عباديد ثم قال الجمهور : أساطير ~~الأولين ما سطره الأولون . قال ابن عباس : معناه أحاديث الأولين التي كانوا ~~يسطرونها أي يكتبونها . فأما قول من فسر الأساطير بالترهات ، فهو معنى وليس ~~مفسرا . ولما كانت أساطير الأولين مثل حديث رستم واسفنديار كلاما لا فائدة ~~فيه لا جرم فسرت أساطير الأولين بالترهات . # المسألة الرابعة : اعلم أنه كان مقصود القوم من ذكر قولهم { إن هاذا إلا ~~أساطير الاولين } القدح في كون القرآن معجزا فكأنهم قالوا : إن هذا الكلام ~~من جنس سائر الحكايات المكتوبة ، والقصص المذكورة PageV12P155 للأولين ، ~~وإذا كان هذا من جنس تلك الكتب المشتملة على حكايات الأولين وأقاصيص ~~الأقدمين لمل يكن معجزا خارقا للعادة . وأجاب القاضي عنه بأن قال : هذا ~~السؤال مدفوع لأنه يلزم أن يقال لو كان في مقدوركم معارضته لوجب أن تأتوا ~~بتلك المعارضة وحيث لم يقدروا عليها ظهر أنها معجزة . ولقائل أن يقول : كان ~~للقوم أن يقولوا نحن وإن كنا أرباب هذا اللسان العربي إلا أنا لا نعرف ~~كيفية تصنيف الكتب وتأليفها ولسنا أهلا لذلك . ولا يلزم من عجزنا عن ~~التصنيف كون القرآن معجزا أنا بينا أنه من جنس سائر الكتب المشتملة عللى ~~أخبار الأولين وأقاصيص الأقدمين . # واعلم أن الجواب عن هذا السؤال سيأتي في الآية المذكورة بعد ذلك . # ! 7 < { وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } . ~~> 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 26 ) وهم ينهون عنه . . . . . # > > # في الآية مسائل : # اللمسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين أنهم طعنوا في كون القرآن ~~معجزا بأن قالوا : إنه من جنس أساطير الأولين وأقاصيص الأقدمين ؛ بين في ~~هذه الآية أنهم ينهون عنه وينأون عنه ، وقد سبق ذكر القرآن وذكر محمد عليه ~~السلام ، فالضمير في قوله { عنه } محتمل أن يكون عائدا إلى القرآن وأن يكون ~~عائدا إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، فلهذا السبب اختلف ms3531 المفسرون فقال ~~بعضهم : { وهم ينهون عنه وينأون عنه } أي عن القرآن وتدبره والاستماع له . ~~وقال آخرون : بل المراد ينهون عن الرسول . # واعلم أن النهي عن الرسول عليه السلام محال بل لا بد وأن يكون المراد ~~النهي عن فعل يتعلق به عليه الصلاة والسلام ، وهو غير مذكور فلا جرم حصل ~~فيه قولان : منهم من قال المراد أنهم ينهون عن التصديق بنبوته والإقرار ~~برسالته . وقال عطاء ومقاتل : نزلت في أبي طالب كان ينهى قريشا عن إيذاء ~~النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم يتباعد عنه ولا يتبعه على دينه . # والقول الأول : أشبه لوجهين : الأول : أن جميع الآيات المتقدمة على هذه ~~الآية تقتضي ذم طريقتهم ، فكذلك قوله { وهم ينهون عنه } ينبغي أن يكون ~~محمولا على أمر مذموم ، فلو حملناه على أن أبا طالب كان ينى عن إيذائه ، ~~لما حصل هذا النظم . والثاني : أنه تعالى قال بعد ذلك { وإن يهلكون إلا ~~أنفسهم } يعني به ما تقدم ذكره . ولا يليق ذلك بأن يكون المراد من قوله { ~~وهم ينهون عنه } النهي عن أذيته ، لأن ذلك حسن لا يوجب الهلاك . # فإن قيل : إن قوله { وإن يهلكون إلا أنفسهم } يرجع إلى قوله { وينأون عنه ~~} لا إلى قوله { ينهون عنه } لأن المراد بذلك أنهم يبعدون عنه مفارقة دينه ~~، وترك الموافقة له وذلك ذم فلا يصح ما رجحتم به هذا القول . PageV12P156 # قلنا : إن ظاهر قوله { وإن يهلكون إلا أنفسهم } يرجع إلى كل ما تقدم ذكره ~~لأنه بمنزلة أن يقال : إن فلانا يبعد عن الشيء الفلاني وينفر عنه ولا يضر ~~بذلك إلا نفسه ، فلا يكون هذا الضرر متعلقا بأحد الأمرين دون الآخر . # المسألة الثانية : اعلم أن أولئك الكفار كانوا يعاملون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بنوعين من القبيح . الأول : إنهم كانوا ينهون الناس عن قبول ~~دينه والاقرار بنبوته . والثاني : كانوا ينأون عنه ، والنأي البعد يقال : ~~نأى ينأى إذا بعد . ثم قال : { وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } قال ابن ~~عباس ، أي وما يهلكون إلا أنفسهم بسبب تماديهم في الكفر وغلوهم فيه وما ms3532 ~~يشعرون أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبونها إلى النار بما يرتكبون من الكفر ~~والمعصية ، والله أعلم . # ! 7 < { ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بأايات ~~ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 27 - 28 ) ولو ترى إذ . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة من ينهى عن متابعة الرسول عليه الصلاة ~~والسلام ، وينأى عن طاعته بأنهم يهلكون أنفسهم شرح كيفية ذلك الهلاك بهذه ~~الآية وفيها مسائل : # المسألة الأولى : قوله { ولو ترى } يقتضي لله جوابا وقد حذف تفخيما للأمر ~~وتظيما للشأن ، وجاز حذفه لعلم المخاطب به وأشباهه كثيرة في القرآن والشعر ~~. ولو قدرت الجواب ، كان التقدير : لرأيت سوء منقلبهم أو لرأيت سوء حالهم ~~وحذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره ، ألا ترى : أنك لو ~~قلت لغلامك ، والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب ، ذهب بفكره إلى أنواع ~~المكروه ، من الضرب ، والقتل ، والكسر ، وعظم الخوف ولم يدر أي الأقسام ~~تبغي . ولو قلت : والله لئن قمت إليك لأضربنك فأتيت بالجواب ، لعلم أنك لم ~~تبلغ شيئا غير الضرب ولا يخطر بباله نوع من المكروه سواه ، فثبت أن حذف ~~الجواب أقوى تأثيرا في حصول الخوف . ومنهم من قال جواب { لو } مذكور من بعض ~~الوجوه والتقدير ولو ترى إذ وقفوا على النار ينوحون ويقولون يا ليتنا نرد ~~ولا نكذب . # المسألة الثانية : قوله { وقفوا } يقال وقفته وقفا ، ووقفته وقوفا كما ~~يقال رجعته رجوعا . قال الزجاج : ومعنى { وقفوا على النار } يحتمل ثلاثة ~~أوجه : الأول : يجوز أن يكون قد وقفوا عندها وهم يعاينونها فهم موقوفون على ~~أن يدخلوا النار . والثاني : يجوز أن يكونوا وقفوا عليها وهي تحتهم ، بمعنى ~~أنهم وقفوا فوق النار على الصراط ، وهو جسر فوق جهنم . والثالث : معناه ~~عرفوا حقيقتها تعريفا من قولك وقفت فلانا على كلام فلان ؛ أي علمته معناه ~~وعرفته ، وفيه وجه رابع : وهم أنهم يكونون في جوف النار ، وتكون ~~PageV12P157 النار محيطة بهم ، ويكونون غائصين فيها ms3533 وعلى هذا التقدير فقد ~~أقيم ( على ) مقام ( في ) وإنما صح على هذا التقدير ، أن يقال : وقفوا على ~~النار ، لأن النار دركات وطبقات ، وبعضها فوق بعض فيصح هناك معنى الاستعلاء ~~. # فإن قيل : فلماذا قال { ولو ترى } ؟ وذلك يؤذن بالاستقبال ثم قال بعده ~~إذط وقفوا وكلمة { إذ } للماضي ثم قال بعده ، فقالوا وهو يدل على الماضي . # قلنا : أن كلمة ( إذ تقام مقام ( إذا ) إذا أراد المتكلم المبالغة في ~~التكرير والتوكيد ، وإزالة الشبهة لأن الماضي قد وقع واستقر ، فالتعبير عن ~~المستقبل باللفظ الموضوع للماضي ، يفيد المبالغة من هذا الاعتبار . # المسألة الثالثة : قال الزجاج : الامالة في النار حسنة جيدة ، لأن ما بعد ~~الألف مكسور وهو حرف الراء ، كأنه تكرر في اللسان فصارت الكسرة فيه ~~كالكسرتين . # أما قوله تعالى : { فقالوا ياليتنا ياليتنا نرد ولا نكذب بئايات ربنا ~~ونكون من المؤمنين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله { لنا أو نرد } يدل على أنهم قد تمنوا أن يردوا ~~إلى الدنيا . فأما قوله { ولا نكذب بئايات ربنا ونكون من المؤمنين } ففيه ~~قولان : أحدهما : أنه داخل في التمني والتقدير أنهم تمنوا أن يردوا إلى ~~الدنيا ولا يكونوا مكذبين وأن يكونوا مؤمنين . # فإن قالوا هذا باطل لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم كاذبين بقوله في آخر ~~الآية { وإنهم لكاذبون } والمتمني لا يوصف بكونه كاذبا . # قلنا : لا نسلم أن المتمني لا يوصف بكونه كاذبا لأن من أظهر التمني / فقد ~~أخبر ضمنا كونه مريدا لذلك الشيء فلم يبعد تكذيبه فيه ، ومثاله أن يقول ~~الرجل : ليت الله يرزقني مالا فأحسن إليك ، فهذا تمن في حكم الوعد ، فلو ~~رزق مالا ولم يحسن إلى صاحبه لقيل إنه كذب في وعده . # القول الثاني : أن التمني تم عند قوله { لنا أو نرد } وأما قوله { ولا ~~نكذب بئايات ربنا ونكون من المؤمنين } فهذا الكلام مبتدأ وقوله تعالى في ~~آخر الآية { وإنهم لكاذبون } عائد إليه وتقدير الكلام يا ليتنا نرد ، ثم ~~قالوا ولو رددنا لم نكذب بالدين وكنا من المؤمنين ، ثم إنه تعالى كذبهم ~~وبين أنهم لو ردوا لكذبوا ولأعرضوا عن ms3534 الإيمان . # المسألة الثانية : قرأ ابن عامر نرد ونكذب بالرفع في الثلاثة ، فحصل من ~~هذا أنهم اتفقوا على الرفع في قوله { نرد } وذلك لأنه داخلة في التمني لا ~~محالة ، فأما الذين رفعوا قوله { ولا نكذب * ونكون } ففيه وجهان : الأول : ~~أن يكون معطوفا على قوله { نرد } فتكون الثلاثة داخل في التمني ، فعلى هذا ~~قد تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين . # والوجه الثاني : أن يقطع ولا نكذب وما بعده عن الأول ، فيكون البقدير : ~~يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ، فهم ضمنوا أنهم ~~لا يكذبون بتقدير حصول الرد . والمعنى يا ليتنا نرد PageV12P158 ونحن لا ~~نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد أي قد عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبدا ~~. قال سيبويه : وهو مثل قولك دعني ولا أعود ، فههنا المطلوب بالسؤال تركه . ~~فأما أنه لا يعود فغير داخل في الطلب ، فكذا هنا قوله { لنا أو نرد } ~~الداخل في هذا التمني الرد ، فأما ترك التكذيب وفعل الإيمان فغير داخل في ~~التمني ، بل هو حاصل سواء حصل الرد أو لم يحصل ، وهذان الوجهان ذكرهما ~~الزجاج والنحويون قالوا : الوجه الثاني أقوى ، وهو أن يكون الرد داخلا في ~~التمني ، ويكون ما بعده إخبارا محضا . واحتجوا عليه بأن الله كذبهم في ~~الآية الثانية فقال : { وإنهم لكاذبون } والمتمني لا يجوز تكذيبه ، وهذا ~~اختيار أبي عمرو . وقد احتج على صحة قوله بهذه الحجة ، إلا أنا قد أجبنا عن ~~هذه الحجة ، وذكرنا أنها ليست قوية ، وأما من قرأ { ولا نكذب * ونكون } ~~بالنصب ففيه وجوه : الأول : بإضمار ( أن ) على جواب التمني ، والتقدير : يا ~~ليتنا نرد وأن لا نكذب . والثاني : أن تكون الواو مبدلة من الفاء ، ~~والتقدير : يا ليتنات نرد فلا نكذب ، فتكون الواو ههنا بمنزلة الفاء في ~~قولن { لو أن لى كرة فأكون من المحسنين } ( الزمر : 58 ) ويتأكد هذا الوجه ~~بما روي أن ابن مسعود كان يقرأ { فلا * نكذب } بالفاء على النصب ، والثالث ~~: أن يكون معناه الحال ، والتقدير : يا ليتنا نرد غير مكذبين ، كما تقول ms3535 ~~العرب لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا تأكل السمك شاربا للبن . # واعلم أن على هذه القراءة تكون الأمور الثلاثة داخلة في التمني . وأما أن ~~المتمن كيف يجوز تكذيبه فقد سبق تقريره . وأما قراءة ابن عامر وهي أنه كان ~~يرفع { ولا نكذب } وينصب { ونكون } فالتقدير : أنه يجعل قوله { ولا نكذب } ~~داخلا في التمني ، بمعنى أنا إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين والله ~~أعلم . # المسألة الثالثة : قوله { فقالوا ياليتنا ياليتنا نرد ولا نكذب } لا شبهة ~~في أن المراد تمني ردهم إلى حالة التكليف لأن لفظ الرد إذا استعمل في ~~المستقبل من حال إلى حال ، فالمفهوم منه الرد إلى الحالة الأولى . والظاهر ~~أن من صدر منه تقصير ثم عاين الشدائد والأحوال بسبب ذلك التقصير أنه يتمنى ~~الرد إلى الحالة الأولى ، ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات . ومعلوم أن ~~الكفار قصروا في دار الدنيا فهم يتمنون العود إلى الدنيا لتدارك تلك ~~التقصيرات ، وذلك التدارك لا يحصل بالعود إلى الدينا فقط ، ولا بترك ~~التكذيب ، و لا بعمل الإيمان بل إنما يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور ~~الثلاثة فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني . # فإن قيل : كيف يحسن منهم تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد يحصل لا ألبتة ~~. # والجواب من وجوه : الأول : لعلهم لم يعلموا أن الرد لا يحصل . والثاني : ~~أنهم وإن علموا أن ذلك لا يحصل ؛ إلا أن هذا العلم لا يمنع من حصول إرادة ~~الرد كقوله تعالى : { يريدون أن يخرجوا من النار } ( المائدة : 37 ) وكقوله ~~{ أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } ( الأعراف : 50 ) فلما صح ~~أن يريدوا هذه الأشياء مع العلم بأنها لا تحصل ، فبأن يتمنوه أقرب ، لأن ~~باب التمني أوسع ، لأنه يصح أن يتمنى ما لا يصح أن يريد من الأمور الثلاثة ~~الماضية . # ثم قال تعالى : { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : معنى { بل } ههنا رد كلامهم ، والتقدير : أنهم ما تمنوا ~~العود إلى الدينا ، وترك التكذيب ، وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في ms3536 ~~الإيمان ، بل لأجل خوفهم من العقاب الذي شاهدوه PageV12P159 وعاينوه . وهذا ~~يدل على أن الرغبة في الإيمان والطاعة لا تنفع إلا إذا كانت تلك الرغبة ~~رغبة فيه ، لكونه إيمانا وطاعة ، فأما الرغبة فيه لطلب الثواب ، والخوف من ~~العقاب فغير مفيد . # المسألة الثانية : المراد من الآية : أنه طهر لهم في الآخرة ما أخفوه في ~~الدنيا . وقد اختلفوا في ذلك الذي أخفوه على وجوه : الأول : قال أبو روق : ~~إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون { والله ربنا ما ~~كنا مشركين } فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر ، فذلك حين بدا لهم ما ~~كانوا يخفون من قبل . قال الواحدي : وعلى هذا القول أهل التفسير . الثاني : ~~قال المبرد : بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها ، وذلك لأن كفرهم ~~ما كان باديا ظاهرا لهم ، لأن مضار كفرهم كانت خفية ، فلما ظهرت يوم ~~القيامة لا جرم قال الله تعالى : { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } ~~الثالث : قال الزجاج : بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء عنهم من أمر البعث ~~والنشور . قال والدليل على صحة هذا القول أنه تعالى ذكر عقيبه { وقالوا إن ~~هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن } ( الأنعام : 29 ) وهذا قول الحسن . الرابع ~~: قال بعضهم : هذه الآية في المنافقين ، وقد كانوا يسرون الكفر ويظهرون ~~الإسلام ، وبدا لهم يوم القيامة ، وظهر بأن عرف غيرهم أنهم كانوا من قبل ~~منافقين . الخامس : قيل بدا لهم ما كان علماؤهم يخفون من جحد نبوة الرسول ~~ونعته وصفته في الكتب والبشارة به ، وما كانوا يحرفونه من التوراة مما يدل ~~على ذلك . # واعلم أن اللفظ محتمل لوجوه كثيرة . والمقصود منها بأسرها أنه ظهرت ~~فضيحتهم في الآخرة وانهتكت أستارهم . وهو معنى قوله تعالى : { لقادر يوم ~~تبلى السرائر } ( الطارق : 9 ) . # ثم قال تعالى : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } والمعنى أنه تعالى لو ~~ردهم لم يحصل منهم ترك التكذيب وفعل الإيمان ، بل كانوا يستمرون على ~~طريقتهم الأولى في الكفر التكذيب . # فإن قيل : إن أهل القيامة قد عرفوا الله بالضرورة ، وشاهدوا أنواع العقاب ~~والعذاب فلو ms3537 ردهم الله تعالى إلى الدنيا فمع هذه الأحوال كيف يمكن أن يقال ~~: إنهم يعودون إلى الكفر بالله وإلى معصية الله . # قلنا : قال القاضي : تقرير الآية { ولو ردوا } إلى حالة التكليف ، وإنما ~~يحصل الرد إلى هذه الحالة لو لم يحصل في القيامة معرفة الله بالضرورة / ولم ~~يحصل هناك مشاهدة الأهوال وعذاب جهنم ، فهذا الشرط يكون مضمرا لا محالة في ~~الآية إلا أنا نقول هذا الجواب ضعيف ، لأن المقصود من الآية بيان غلوهم في ~~الاصرار على الكفر وعدم الرغبة في الإيمان ، ولو قدرنا عدم معرفة الله ~~تعالى في القيامة ، وعدم مشاهدة أهوال القيامة لم يكن في إصرار القوم على ~~كفرهم الأول مزيد تعجب ، لأن إصرارهم على الكفر يجري مجرى إصرار سائر ~~الكفار على الكفر في الدنيا ، فعلمنا أن الشرط الذي ذكره القاضي لا يمكن ~~اعتباره ألبتة . # إذا عرفت هذا فنقول : قال الواحدي : هذه الآية من الأدلة الظاهرة على ~~فساد قول المعتزلة ، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في ~~الأزل بالشرك ، وذلك القضاء السابق فيهم ، وإلا فالعاقل لا يرتاب فيما شاهد ~~، ثم قال تعالى : { وإنهم لكاذبون } وفيه سؤال وهو أن يقال : إنه لم يتقدم ~~ذكر خبر حتى يصرف هذا التكذيب إليه . PageV12P160 # والجواب : أنا بينا أن منهم من قال الداخل في التمني هو مجرد قوله { لنا ~~أو نرد } أما الباقي فهو إخبار ، ومنهم من قال بل الكل داخل في التمني ، ~~لأن إدخال التكذيب في التمني أيضا جائز ، لأن التمني يدل على الاخبار على ~~سبيل الضمن والصيرورة ، كقول القائل ليت زيدا جاءنا فكنا نأكل ونشرب ونتحدث ~~فكذا ههنا . والله أعلم . # ! 7 < { وقالوا إن هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 29 ) وقالوا إن هي . . . . . # > > اعلم أنه حصل في الآية قولان : الأول : أنه تعالى ذكر في الآية ~~الأولى ، أنه بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل فبين في هذه الآية أن ذلك الذي ~~يخفونه هو أمر المعاد والحشر والنشر ، وذلك لأنهم كانوا ينكرونه ويخفون ~~صحته ويقولون ما لنا إلا هذه ms3538 الحياة الدنيوية ، وليس بعد هذه الحياة لا ~~ثواب ولا عقاب . والثاني : أن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~ولأنكروا الحشر والنشر ، وقالوا : { إن هى إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين } . # ! 7 < { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هاذا بالحق قالوا بلى وربنا ~~قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 30 ) ولو ترى إذ . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية الأولى إنكارهم ~~للحشر والنشر والبعث والقيامة بين في هذه الآية كيفية حالهم في القيامة ، ~~فقال { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } واعلم أن جماعة من المشبهة تمسكوا بهذه ~~الآية ، وقالوا ظاهر هذه الآية يدل على أن أهل القيامة يقفون عند الله ~~وبالقرب منه ، وذلك يدل على كونه تعالى بحث يحضر في مكان تارة ويغيب عنه ~~تارة أخرى . # واعلم أن هذا خطأ وذلك لأن ظاهر الآية ، يدل على كونهم وافقين على الله ~~تعالى ، كما يقف أحدنا على الأرض ، وذلك يدل على كونه مستعليا على ذات الله ~~تعالى وأنه بالاتفاق باطل ، فوجب المصير إلى التأويل وهو من وجوه : # التأويل الأول : هو أن يكون المراد { ولو ترى إذ وقفوا على } ما وعدهم ~~ربهم من عذاب الكافرين وثواب المؤمنين وعلى ما أخبرهم به من أمر الآخر . # التأويل الثاني : أن المراد من هذا الوقوف المعرفة ، كما يقول الرجل ~~لغيره وفقت على كلامك أي عرفته . # التأويل الثالث : أن يكون المراد أنهم وقفوا لأجل السؤال فخرج الكلام ~~مخرج ما جرت به العادة ، PageV12P161 من وقوف العبد بين يدي سيده والمقصود ~~منه التعبير عن المقصود بالألفاظ الفصيحة البليغة . # المسألة الثانية : المقصود من هذه الآية أنه تعالى حكى عنهم في الآية ~~الأولى ، أنهم ينكرون القيامة والبعث في الدينا ، ثم بين أنهم في الآخرة ~~يقرون به فيكون المعنى أن حالهم في هذا الإنكار سيؤل إلى الإقرار وذلك ~~لأنهم شاهدوا القيامة والثواب والعقاب ، قال الله تعالى : { أليس هاذا ~~بالحق } . # فإن قيل : هذا الكلام يدل على أنه تعالى يقول لهم أليس هذا بالحق ms3539 ؟ وهو ~~كالمناقض لقوله تعالى : { ولا يكلمهم الله } ( البقرة : 174 ) والجواب أن ~~يحمل قوله { ولا يكلمهم } أي لا يكلمهم بالكلام الطيب النافع ، وعلى هذا ~~التقدير يزول التناقض ثم إنه تعالى بين أنه إذا قال لهم أليس هذا بالحق ؟ ~~قالوا بلى وربنا المقصود أنهم يعترفوتن بكونه حقا مع القسم واليمين . ثم ~~إنه تعالى يقول لهم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وخص لفظ الذوق لأنهم في ~~كل حال يجدونه وجدان الذائق في قوة الاحساس وقوله { بما كنتم تكفرون } أي ~~بسبب كفركم . واعلم أنه تعالى ما ذكر هذا الكلام احتجاجا على صحة القول ~~بالحشر والنشر لأن ذلك الدليل قد تقدم ذكره في أول السورة في قوله { هو ~~الذى خلقكم من طين ثم قضى أجلا } ( الأنعام : 2 ) على ما قررناه وفسرناه ، ~~بل المقصود من هذه الآية الردع والزجر عن هذا المذهب والقول . # ! 7 < { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة قالوا ~~ياحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا سآء ما ~~يزرون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 31 ) قد خسر الذين . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حالة أخرى من أحوال ~~منكري البعث والقيامة وهي أمران : أحدهما : حصول الخسران . والثاني : حمل ~~الأوزار العظيمة . # أما النوع الأول : وهو حصول الخسران فتقريره أنه تعالى بعث جوهر النفس ~~الناطقة القدسية الجسماني وأعطاه هذه الآلات الجسمانية والأدوات الجسدانية ~~وأعطاه العقل والتفكر أجل أن يتوصل باستعمال هذه الآلات والأدوات إلى تحصيل ~~المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة التي يعظم منافعها بعد الموت فإذا ~~استعمل الإنسان هذه الآلات والأدوات والقوة العقلية والقوة الفكرية في ~~تحصيل هذه اللذات الدائرة والسعادات المنقطعة ثم انتهى الإنسان إلى آخر ~~عمره فقد خسر خسرانا مبينا لأن رأس المال قد فنى والربح الذي ظن أنه هو ~~المطلوب فنى أيضا وانقطع فلم يبق في يده لا من رأس المال أثر ولا من الربح ~~شيء . فكان هذا هو الخسران المبين . وهذا الخسران إنما يحصل لمن كان منكرا ~~للبعث والقيامة وكان يعتقد ms3540 أن منتهى السعادات ونهاية الكمالات هو هذه ~~السعادات العاجلة الفانية . أما من كان مؤمنا بالبعث والقيامة فإنه لا يغتر ~~PageV12P162 بهذه السعادات الجسمانية ولا يكتفي بهذه الخيرات العاجلة بل ~~يسعى في إعداد الزاد ليوم المعاد فلم يحصل له الخسران فثبت بما ذكرنا أن ~~الذين كذبوا بلقاء الله وأنكروا البعث والقيامة قد خسروا خسرانا مبينا ~~وأنهم عند الوصول إلى موقف القيامة يتحسرون على تفريطهم في تحصيل الزاد ~~ليوم المعاد . # والنوع الثاني من وجوه : خسرانهم أنهم يحملون أوزارهم على ظهورهم . ~~وتقرير الكلام فيه أن كمال السعادة في الاقبال على الله تعالى والاشتغال ~~بعبوديته والاجتهاد في حبه وخدمته وأيضا في الانقطاع عن الدنيا وترك محبتها ~~وفي قطع العلاقة بين القلب وبينها ، فمن كان منكرا للبعث والقيامة ، فإنه ~~لا يسعى في إعداد الزاد لموقف القيامة ، ولا يسعى في قطع العلاقة بين القلب ~~وبين الدنيا ، فإذا مات بقي كالغريب في عالم الروحانيات ، وكالمنقطع عن ~~أحبابه وأقاربه الذين كانوا في عالم الجسمانيات فيحصل له الحسرات العظيمة ~~بسبب فقدان الزاد وعدم الاهتداء إلى المخالطة بأهل ذلك العالم ويحصل له ~~الآلام العظيمة بسبب الانقطاع عن لذات هذا العالم والامتناع عن الاستسعاد ~~بخيرات هذا العالم . فالأول : هو المراد من قوله { قالوا يأبانا * ياحسرتنا ~~على ما فرطنا فيها } والثاني : هو المراد من قوله { وهم يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم } فهذا تقرير المقصود من هذه الآية . # المسألة الثانية : المراد من الخسران فوت الثواب العظيم وحصول العقاب ~~العظيم { والذين كذبوا * بلقاء الله } المراد منه الذين أنكروا البعث ~~والقيامة ، وقد بالغنا في شرح هذه الكلمة عند قوله { الذين يظنون أنهم ~~ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) وإنما حسنت هذه الكناية أن موقف القيامة ~~موقف لا حكم فيه لأحد إلا لله تعالى ، ولا قدرة لأحد على النفع والضر ~~والرفع والخفض إلا لله . وقوله { حتى إذا جاءتهم * الله بغتة } اعلم أن ~~كلمة ( حتى ) غاية لقوله { كذبوا } لا لقوله { قد خسر } لأن خسرانهم لا ~~غاية له ومعنى ( حتى ) ههنا أن منتهى تكذيبهم الحسرة يوم القيامة / والمعنى ~~أنهم كذبوا إلى أن ms3541 ظهرت الساعة بغتة . # فإن قيل : إنما يتحسرون عند موتهم . # قلنا : لما كان الموت وقوعا في أحوال الآخرة ومقدماتها جعل من جنس الساعة ~~وسمي باسمها ولذلك قال عليه السلام : ( من مات فقد قامت قيامته ) والمراد ~~بالساعة القيامة ، وفي تسمية يوم القيامة بهذا الاسم وجوه : الأول : أن يوم ~~القيامة يسمى الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل : ما هي إلا ساعة الحساب . ~~الثاني : الساعة هي الوقت الذي تقوم القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الناس في ~~ساعة لا يعلمها أحد إلا الله تعالى . ألا ترى أنه تعالى قال : { بغتة } ~~والبغت والبغتة هو الفجأة والمعنى : أن الساعة لا تجيء إلا دفعة لأنه لا ~~يعلم أحد متى يكون مجيئها ، وفي أي وقت يكون حدوثها وقوله { بغتة } انتصابه ~~على الحال بمعنى : باغتة أو على المصدر كأنه قيل : بغتتهم الساعة بغتة . ثم ~~قال تعالى : { قالوا يأبانا } قال الزجاج : معنى دعاء الحسرة تنبيه للناس ~~على ما سيحصل لهم من الحسرة والعرب تعبر عن تعظيم أمثال هذه الأمور بهذه ~~اللفظة كقوله تعالى : { خامدون ياحسرة على العباد } ( يس : 30 ) و { نفس ~~ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } ( الزمر : 56 ) { قالت ياويلتا ءألد } ( ~~هود : 72 ) وهذا أبلغ من أن يقال : الحسرة علينا في تفريطنا ومثله { فلما ~~دخلوا على يوسف } ( يوسف : 84 ) تأويله يا أيها الناس تنبهوا على ما وقع بي ~~من الأسف فوقع النداء على غير المنادى في الحقيقة . وقال سيبويه : إنك إذا ~~قلت يا عجباه فكأنك قلت يا عجب احضر وتعال فإن هذا زمانك . PageV12P163 # إذا عرفت هذا فنقول : حصل للنداء ههنا تأويلان : أحدهما : أن النداء ~~للحسرة ، والمراد منه تنبيه المخاطبين وهو قول الزجاج . والثاني : أن ~~المنادى هو نفس الحسرة على معنى : أن هذا وقتك فاحضري وهو قول سيبويه وقوله ~~{ على ما فرطنا فيها } فيه بحثان . # البحث الأول : قال أبو عبيدة يقال : فرطت في الشيء أي ضيعته فقوله { ~~فرطنا } أي تركنا وضيعنا وقال الزجاج : فرطنا أي قدمنا العجز جعله من قولهم ~~فرط فلان إذا سبق وتقدم ، وفرط الشيء إذا قدمه . قال ms3542 الواحدي : فالتفريط ~~عنده تقديم التقصير . # والبحث الثاني : أن الضمير في قوله { فيها } إلى ماذا يعود فيه وجوه : ~~الأول : قال ابن عباس في الدنيا والسؤال عليه أنه لم يجر للدنيا ذكر فكيف ~~يمكن عود هذا الضمير إليها . وجوابه : أن العقل دل على أن موضع التقصير ليس ~~إلا الدنيا ، فحسن عود الضمير إليها لهذا المعنى . الثاني : قال الحسن ~~المراد يا حسرتنا على ما فرطنا في الساعة ، والمعنى : على ما فرطنا في ~~إعداد الزاد للساعة وتحصيل الأهبة لها . والثالث : أن تعود الكناية إلى ~~معنى ما في قوله { ما فرطنا } أي حسرتنا على الأعمال والطاعات التي فرطنا ~~فيها . والرابع : قال محمد بن جرير الطبري : الكناية تعود إلى الصفقة لأنه ~~تعالى لما ذكر الخسران دل ذلك على حصول الصفقة والمبايعة . # ثم قال تعالى : { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } فاعلم أن المراد من ~~قولهم يا حسرتنا على ما فرطنا فيها إشارة إلى أنهم لم يحصلوا لأنفسهم ما به ~~يستحقون الثواب ، وقوله { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } إشارة إلى أنهم ~~حصلوا لأنفسهم ما به استحقوا العذاب العظيم ، ولا شك أن ذلك نهاية الخسران ~~. قال ابن عباس : الأوزار الآثام والخطايا قال أهل اللغة الوزر الثقل وأصله ~~من الحمل يقال وزرت الشيء أي حملته أزره وزرا ، ثم قيل للذنوب أوزار لأنها ~~تثقل ظهر من عملها ، وقوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( فاطر : 18 ) أي لا ~~تحمل نفس حاملة . قال أبو عبيدة : يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع ~~أحمل وزرك وأوزار الحرب أثقالها من السلاح ووزير السلطان الذي يزر عنه ~~أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية أي يحمل . قال الزجاج : وهم يحملون ~~أوزارهم أي يحملون ثقل ذنوبهم ، واختلفوا في كيفية حملهم الأوزار فقال ~~المفسرون : إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة ~~وأطيبها ريحا ويقول : أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت ~~اليوم فذلك قوله { يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفدا } ( مريم : 85 ) ~~قالوا ركبانا وأن الكافر إذا خرج من قبره ms3543 استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة ~~وأخبثها ريحا فيقول : أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك ~~اليوم فذلك قوله { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } وهذا قول قتادة والسدي ~~. وقال الزجاج : الثقل كما يذكر في المنقول ، فقد يذكر أيضا في الحال ~~والصفة يقال : ثقل على خطاب فلان ، والمعنى كرهته فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ~~ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم . وقال آخرون : معنى قوله { وهم يحملون ~~أوزارهم } أي لا تزايلهم أوزارهم كما تقول شخصل نصب عيني أي ذكرك ملازم لي ~~. # ثم قال تعالى : { ألا ساء ما يزرون } والمعنى بئس الشيء الذي يزرونه أي ~~يحملونه والاستقصاء في تفسير هذا اللفظ مذكور في سورة النساء في قوله { ~~وساء سبيلا } ( سورة النساء : 22 ) . # PageV12P164 ! 7 < { وما الحيواة الدنيآ إلا لعب ولهو وللدار الا خرة خير ~~للذين يتقون أفلا تعقلون } > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 32 ) وما الحياة الدنيا . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المنكرين للبعث والقيامة بعظم رغبتهم في الدنيا ~~وتحصيل لذاتها ، فذكر الله تعالى هذه الآية تنبيها على خساستها وركاكتها . # واعلم أن نفس هذه الحياة لا يمكن ذمها لأن هذه الحياة العاجلة لا يصح ~~اكتساب السعادات الأخروية إلا فيها ، فلهذا السبب حصل في تفسير هذه الآية ~~قولان : # القول الأول : أن المراد منه حياة الكافر . قال ابن عباس : يريد حياة أهل ~~الشرك والنفاق ، والسبب في وصف حياة هؤلاء بهذه الصفة أن حياة المؤمن يحصل ~~فيها أعمال صالحة فلا تكون لعبا ولهوا . # والقول الثاني : ى ن هذا عام في حياة المؤمن والكافر ، والمراد منه ~~اللذات الحاصلة في هذه الحياة والطيبات المطلوبة في هذه الحياة ، وإنما ~~سماها باللعب واللهو ، لأن الإنسان حال اشتغاله باللعب واللهو يلتذ به ، ثم ~~عند انقراضه وانقضائه لا يبقى منه إلا الندامة ، فكذلك هذه الحياة لا يبقى ~~عند انقراضها إلا الحسرة والندامة . # واعلم أن تسمية هذه الحياة باللعب واللهو فيه وجوه : الأول : أن مدة ~~اللهو واللعب قليلة سريعة الإنقضاء والزوال ، ومدة هذه الحياة كذلك . ~~الثاني : أن اللعب واللهو لا بد وأن ينساقا في أكثر ms3544 الأمر إلى شيء من ~~المكارة ولذات الدنيا كذلك . الثالث : أن اللعب واللهو ، إنما يحصل عند ~~الاغترار بظواهر الأمور ، وأما عند التأمل التام والكشف عن حقائق الأمور ، ~~لا يبقى اللعب واللهو أصلا ، وكذلك اللهو واللعب ، فإنهما لا يصلحان إلا ~~للصبيان والجهال المغفلين ، أما العقلاء والحصفاء ، فقلما يحصل لهم خوض في ~~اللعب واللهو ، فكذلك الالتذاذ بطيبات الدنيا والانتفاع بخيراتها لا يحصل ، ~~إلا للمغفلين الجاهلين بحقائق الأمور ، وأما الحكماء المحققون ، فإنهم ~~يعلمون أن كل هذه الخيرات غرور ، وليس لها في نفس الأمر حقيقة معتبرة . ~~الرابع : أن اللعب واللهو ليس لهما عاقبة محمودة ، فثبت بمجموع هذه الوجوه ~~أن اللذات والأحوال الدنيوية لعب ولهو وليس لهما حقيقة معتبرة . ولما بين ~~تعالى ذلك قال بعده { وللدار الاخرة خير للذين يتقون } وصد الآخرة بكونها ~~خيرا ، ويدل على أن الأمر كذلك حصول التفات بين أحوال الدنيا وأحوال الآخرة ~~في أمور أحدها : أن خيرات الدنيا خسيسة وخيرات الآخرة شريفة بيان أن الأمر ~~كذلك وجوه : الأول : أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوتين ، وهو في ~~نهاية الخساسة ، بدليل أن الحيوانات الخسيسة تشارك الإنسان فيه ، بل ربما ~~كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل من أمر الإنسان ، فإن الجمل أكثر أكلا ، ~~والديك والعصفور أكثر وقاعا ، والذئب أقوى على الفساد والتمزيق ، والعقرب ~~أقوى على الايلام ، ومما يدل على خساستها أنها لو كانت شريفة لكان الإكثار ~~منها يوجب زيادة الشرف ، فكان يجب أن يكون الإنسان PageV12P165 الذي وقف كل ~~عمره على الأكل والوقاع أشرف الناس ، وأعلاهم درجة ، ومعلوم بالبديهة أنه ~~ليس الأمر كذلك بل مثل هذا الإنسان يكون ممقوتا مستقذرا مستحقرا يوصف بأنه ~~بهيمة أو كلب أو أخس ، ومما يدل على ذلك أن الناس لا يفتخرون بهذه الأحوال ~~بل يخفونها ، ولذلك كان العقلاء عند الاشتغال بالوقاع يختفون ولا يقدمون ~~على هذه الأفعال بمحضر من الناس وذلك يدل على أن هذه الأفعال لا توجب الشرف ~~بل النقص ، ومما يدل على ذلك أيضا أن الناس إذا شتم بعضهم بعضا لا يذكرون ~~فيه إلا الألفاظ الدالة على الوقاع ms3545 ، ولولا أن تلك اللذة من جنس النقصانات ~~، وإلا لما كان الأمر كذلك / ومما يدل عليه أن هذه اللذات ترجع حقيقتها إلى ~~دفع الآلام ، ولذلك فإن كل من كان أشد جوعا وأقوى حاجة كان التذاذه بهذه ~~الأشياء أكمل له وأقوى ، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه لا حقيقة لهذه اللذات ~~في نفس الأمر . ومما يدل عليه أيضا أن هذه اللذات سريعة الاستحالة سريعة ~~الزوال سريعة الانقضاء . فثبت بهذه الوجوه الكثيرة خساسة هذه اللذات . وأما ~~السعادات الروحانية فإنها سعادات شريفة عالية باقية مقدسة ، ولذلك فإن جميع ~~الخلق إذا تخيلوا في الإنسان كثرة العلم وشدة الانقباض عن اللذات الجسمانية ~~، فإنهم بالطبع يعظمونه ويخدمونه ويعدون أنفسهم عبيداف لذلك الإنسان ~~وأشقياء بالنسبة إليه ، وذلك يدل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات ~~الجسمانية ، وكمال مرتبة اللذات الروحانية . # الوجه الثاني : في بيان أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا ، وهو أن ~~نقول : هب أن هذين النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة ، إلا أن الوصول إلى ~~الخيرات الموعودة في عد القيامة معلوم قطعا . وأما الوصول إلى الخبرات ~~الموعودة في غد الدنيا فغير معلوم بل ولا مظنون ، فكم من سلطان قاهر في ~~بكرة اليوم صار تحت التراب في آخر ذلك اليوم ، وكم من أمير كبير أصبح في ~~الملك والإمارة ، ثم أمسى أسيرا حقيرا ، وهذا التفاوت أيضا يوجب المباينة ~~بين النوعين . # الوجه الثالث : هب أنه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يوما آخر في الدنيا ، ~~إلا أنه لا يدري هل يمكنه الانتفاع بما جمعه من الأموال والطيبات واللذات ~~أم لا ؟ أما كل ما جمعه من موجبات السعادات ، فإنه يعلم قطعا أنه ينتفع به ~~في الدار الآخرة . # الوجه الرابع : هب أنه ينتفع بها إلا أن انتفاعه بخيرات الدنيا لا يكون ~~خاليا عن شوائب المكروهات ، وممازجة المحرمات الخوفات . ولذلك قيل : من طلب ~~ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق . فقيل : وما هو يا رسول الله ؟ قال : ( ~~سرور يوم بتمامه ) . # الوجه الخامس : هب أنه ينتفع بتلك الأموال والطيبات في الغد ، إلا أن تلك ~~المنافع منقرضة ms3546 ذاهبة باطلة ، وكلما كانت تلك المنافع أقوى وألذ وأكمل ~~وأفضل كانت الأحزان الحاصلة عند انقراضها وانقضائها أقوى وأكمل كما قال ~~الشاعر المتنبي : # أشد الغم عندي في سرور # تيقن عنه صاحبه انتقالا PageV12P166 فثبت بما ذكرنا أن سعادات الدنيا ~~وخيراتها موصوفة بهذه العيوب العظيمة ، والنقصانات الكاملة وسعادات الآخرة ~~مبرأة عنها ، فوجب القطع بأن الآخرة أكمل وأفضل وأبقى وأتقى وأحرى وأولى . # المسألة الثانية : قرأ ابن عامر { ولدار الاخرة } بإضافة الدار إلى ~~الآخرة ، والباقون { وللدار الاخرة } على جعل الآخرة نعتا للدار . أما وجه ~~قراءة ابن عامر فهو أن الصفة في الحقيقة مغايرة للموصوف فصحت الإضافة من ~~هذا الوجه ، ونظيره قولهم بارحة الأولى ، ويوم الخميس وحق اليقين ، وعند ~~البصرين لا تجوز هذه الإضافة ، قالوا لأن الصفة نفس الموصوف ، وإضافة الشيء ~~إلى نفسه ممتنعة . # واعلم أن هذا بناء على أن الصفة نفس الموصوف وهو مشكل لأنه يعقل تصور ~~الموصوف منفكا عن الصفة ، ولو كان الموصوف عين الصفة لكان ذلك محالا ، ~~ولقولهم وجه دقيق يمكن تقريره ، إلا أنه لا يليق بهذا المكان ، ثم إن ~~البصريين ذكروا في تصحيح قراءة ابن عامر وجها رخر ، فقالوا لم يجعل الآخرة ~~صفة للدار ، لكنه جعلها صفة للساعة ، فكأنه قال : ولدار الساعة الآخرة . # فإن قيل : فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم تكون قد أقيمت الآخرة التي هي ~~الصفة مقام الموصوف الذي هو الساعة وذلك قبيح . قلنا لا يقبح ذلك إذا كانت ~~الصفة قد استعملت استعمال الأسماء ولفظ الآخرة قد استعمل الأسماء ، والدليل ~~عليه : قوله { وللاخرة خير لك من الاولى } ( الضحى : 4 ) وأما قراءة العامة ~~فهي ظاهرة لأنها تقتضي جعل الآخرة صفة للدار وذلك هو الحقيقة ومتى أمكن ~~إجراء الكلام على حقيقته فلا حاجة إلى العدول عنه والله أعلم . # المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد بالدار الآخرة على وجوه . قال ابن ~~عباس : هي الجنة ، وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي . وقال الحسن : ~~المراد نفس الآخرة خير . وقال الأصم : التمسك بعمل الآخرة خير . وقال آخرون ~~: نعيم الآخرة من نعيم الدنيا ، من حيث إنها باقية دائمة مصونة ms3547 عن الشوائب ~~آمنة من الانقضاء والانقراض . # ثم قال تعالى : { للذين يتقون } فبين أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان ~~من المتقين من المعاصي والكبائر . فأما الكافر والفاسق فلاا لأن الدنيا ~~بالنسبة إليه خير من الآخرة على ما قال عليه السلام : ( الدنيا سجن المؤمن ~~وجنة الكافر ) . # ثم قال : { أفلا تعقلون } قرأ نافع وابن عامر { أفلا تعقلون } بالتاء ~~ههنا وفي سورة الأعراف ويوسف ويس . وقرأ حفص عن عاصم في { يس } بالياء ~~والباقي بالتاء . وقرأ عاصم في وراية يحيى في يوسف بالتاء والباقي بالياء . ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية الأعش والبرجمي ~~جميع ذلك بالياء . قال الواحدي : من قرأ بالياء معناه : أفلا يعقلون الذين ~~يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار ؟ فيعملون لما ينالون به ~~الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك ، ومن ~~قرأ بالتاء ، فالمعنى : قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون أن ذلك خير ؟ ~~والله أعلم . PageV12P167 # ! 7 < { قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولاكن الظالمين ~~بأايات الله يجحدون } > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 33 ) قد نعلم إنه . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن طوائف الكفار كانوا فرقا كثيرين ، فمنهم من ~~ينكر نبوته لأنه كان ينكر رسالة البشر ويقول يجب أن يكون رسول الله من جنس ~~الملائكة وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة شبهة هؤلاء وأجاب عنها . ومنهم ~~من يقول : إن محمدا يخبرنا بالحشر والنشر بعد الموت وذلك محال . وكانوا ~~يستدلون بامتناع الحشر والنشر على الطعن في رسالته . وقد ذكر الله تعالى ~~ذلك وأجاب عنه بالوجوه الكثيرة التي تقدم ذكرها ومنهم من كان يشافهه ~~بالسفاهة وذكر ما لا ينبغي من القول وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية ~~. واختلفوا في أن ذلك المحزن ما هو ؟ فقيل كانوا يقولن إنه ساحر وشاعر ~~وكاهن ومجنون وهو قول الحسن . وقيل : إنهم كانوا يصرحون بأنهم لا يؤمنون به ~~ولا يقبلون دينه وشريعته . وقيل : كانوا ينسبونه إلى الكذب والافتعال . # المسألة الثانية : قرأ نافع { ليحزنك ms3548 } بضم الياء وكسر الزاي والباقون ~~بفتح الياء وضم الزاي وهما لغتان يقال حزنني كذا وأحزنني . # المسألة الثالثة : قرأ نافع والكسائي { فإنهم لا يكذبونك } خفيفة ~~والباقون يكذبونك مشددة وفي هاتين القراءتين قولان : الأول : ى ن بينهما ~~فرقا ظاهرا ثم ذكروا في تقرير الفرق وجيهن : أحدهما : كان الكسائي يقرأ ~~بالتخفيف ، ويحتج بأن العرب تقول كذبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب وإلى صنعه ~~الأباطيل من القول وأكذبته إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب وإن لم يكن ذلك ~~بافتعاله وصنعه . قال الزجاج : معنى كذبته قلت له كذبت ومعنى أكذبته أن ~~الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى ~~به على سبيل الافتعال والقصد فكأن القوم كانوا يعتقدون أن محمدا عليه ~~السلام ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويح بل تخيل صحة تلك النبوة وتلك ~~الرسالة ، إلا أن ذلك الذي تخيله فهو في نفسه باطل . والفرق الثاني قال أبو ~~علي : يجوز أن يكون معنى { لا يكذبونك } أي لا يصادفونك كاذبا لأنهم ~~يعرفونك بالصدق والأمانة كما يقال أحمدت الرجل إذا أصبته محمودا فأحببته ~~وأحسنت محمدته إذا صادفته على هذه الأحوال . # والقول الثاني : أنه لا فرق بين هاتين القراءتين : قال أبو علي : يجوز أن ~~يكون معنى القراءتين واحدا لأن معنى التفعيل النسبة إلى الكذب بأن يقول له ~~كذبت كما تقول ذنبته وفسقته وخطأته أي قلت له فعلت هذه الأشياء وسقيته ~~ورعيته أي قلت له سقاك الله ورعاك وقد جاء في هذا المعنى أفعلته قالوا ~~أسقيته أي قلت له سقاك الله . قال ذو الرمة : PageV12P168 # وأسقيه حتى كاد مما أبثه # تكلمني أحجاره وملاعبه # أي أنسبه إلى السقيا بأن أقول سقاك الله فعلى هذا التقدير يكون معنى ~~القراءتين واحدا ، إلا إن فعلت إذا أرادوا أن يسبوه إلى أمر أكثر من أفعلت ~~. # المسألة الرابعة : ظاهر هذه الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ولكنهم يجحدون بآيات الله واختلفوا في كيفية الجمع بين هذين ~~الأمرين على وجوه : # الوجه الأول : أن ms3549 القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه ~~في العلانية ويجحدون القرآن والنبوة . ثم ذكروا لتصحيح هذا الوجه روايات : ~~إحداها : أن الحرث بن عامر من قريش قال يا محمد والله ما كذبتنا قط ولكنا ~~إن اتبعناك نتخطف من أرضنا فنحن لا نؤمن بك لهذا السبب . وثانيها : روي أن ~~الأخنس بن شريق قال لأبي جهل : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم ~~كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا / فقال له والله إن محمدا لصادق وما كذب قط ~~؟ ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجاجة والنبوة ، فماذا يكون ~~لسائر قريش فنزلت هذه الآية . # إذا عرفت هذا فنقول : معنى الآية على هذا التقدير أن القوم لا يكذبونك ~~بقلوبهم ولكنهم يجحدون نبوتك بألسنتهم وظاهر قولهم وهذا غير مستبعد ونظيره ~~قوله تعالى في قصة موسى { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } ( ~~النمل : 14 ) . # الوجه الثاني : في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك أنت كذاب لأنهم جربوك ~~الدهر الطويل والزمان المديد وما وجدوا منك كذبا ألبتة وسموك بالأمين فلا ~~يقولون فيك إنك كاذب ولكن جحدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن ~~محمدا عرض له نوع خبل ونقصان فلأجله تخيل من نفسه كونه رسولا من عند الله ، ~~وبهذا التقدير : لا ينسبونه إلى الكذب أو لأنهم قالوا : إنه ما كذب في سائر ~~الأمور ، بل هو أمين في كلها إلا في هذا الوجه الواحد . # الوجه الثالث : في التأويل : أنه لما ظهرت المعجزات القاهرة على وفق ~~دعواه ، ثم إن القوم أصروا على التكذيب فالله تعالى قال له إن القوم ما ~~كذبوك ، وإنما كذبوني ، ونظيره أن رجلا إذا أهان عبدا لرجل آخر ، فقال هذا ~~الآخر : أيها العبد إنه ما أهانك ، وءنما أهانني : وليس المقصود منه نفي ~~الإهانة عنه بل المقصود تعظيم الأمر وتفخيم الشأن . وتقريره : أن إهانة ذلك ~~العبد جارية مجرى إهانته ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) . # والوجه الرابع : في التأويل وهو كلام خطر بالبال ، هو أن يقال المراد من ms3550 ~~قوله { فإنهم لا يكذبونك } أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة ~~المعجزة على الصدق مطلقا ، وهو المراد من قوله { ولاكن الظالمين بئايات ~~الله يجحدون } والمراد أنهم يقولون في كل معجزة إنها سحر وينكرون دلالة ~~المعجزة على الصدق على الإطلاق فكان التقدير : إنهم لا يكذبونك على التعيين ~~بل القوم يكذبون جميع الأنبياء والرسل ، والله أعلم . # PageV12P169 ! 7 < { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا ~~حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جآءك من نبإ المرسلين } > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 34 ) ولقد كذبت رسل . . . . . # > > في الآية مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى أزال الحزن عن قلب رسوله في الآية ~~الأولى بأن بين أن تكذيبه يجري مجرى تكذيب الله تعالى فذكر في هذه الآية ~~طريقا آخر في إزالة الحزن عن قلبه وذلك بأن بين أن سائر الأمم عاملوا ~~أنبياءهم بمثل هذه المعاملة ، وأن أولئك الأنبياء صبروا على تكذيبهم ~~وإيذائهم حتى أتاهم النصر والفتح والظفر فأنت أولى بالتزام هذه الطريقة ~~لأنك مبعوث إلى جميع العالمين ، فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا . ثم أكد ~~وقوى تعالى هذا الوعد بقوله ولا مبدل لكلمات الله يعني أن وعد الله إياك ~~بالنصر حق وصدق ، ولا يمكن تطرق الخلف والتبديل إليه ونظيره قوله تعالى ) { ~~ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين } ( الصفات : 171 ) وقوله { كتب الله ~~لاغلبن أنا ورسلى } ( المجادلة : 21 ) وبالجملة فالخلف في كلام الله تعالى ~~محال وقوله { ولقد جاءك من نبإ المرسلين } أي خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم ~~ودمرنا قومهم . قال الأخفش : { من } ههنا صلة ، كما تقول أصابنا من مطر . ~~وقال غيره : لا يجوز ذلك لأنها لا تزاد في الواجب ، وإنما تزاد مع النفي ~~كما تقول : ما أتاني من أحد ، وهي ههنا للتبعيض ، فإن الواصل إلى الرسول ~~عليه السلام قصص بعض الأنبياء لا قصص كلهم كما قال تعالى : { منهم من قصصنا ~~عليك ومنهم من لم نقصص عليك } ( غافر : 78 ) وفاعل : ( جاء ) مضمر أضمر ~~لدلالة المذكور عليه ، وتقديره : ولقد جاءك نبأ من نبأ المرسلين . # المسألة الثاني : قوله تعالى ms3551 : دولا مبدل لكلمات الله } يدل على قولنا في ~~خلق الأفعال لأن كل ما أخبر الله عن وقوعه ، فذلك الخبر ممتنع التغير ، ~~وإذا امتنع تطرق التغير إلى ذلك الخبر امتنع تطرق التغير إلى المخبر عنه . ~~فإذا أخبر الله عن بعضهم بأنه يموت على الكفر كان ترك الكفر منه محالا . ~~فكان تكليفه بالإيمان تكليفا بما لا يطاق . ولله أعلم . # ! 7 < { * } يدل على قولنا في خلق الأفعال لأن كل ما أخبر الله عن وقوعه ~~، فذلك الخبر ممتنع التغير ، وإذا امتنع تطرق التغير إلى ذلك الخبر امتنع ~~تطرق التغير إلى المخبر عنه . فإذا أخبر الله عن بعضهم بأنه يموت على الكفر ~~كان ترك الكفر منه محالا . فكان تكليفه بالإيمان تكليفا بما لا يطاق . ولله ~~أعلم . # ! 7 < { وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى الا رض أو ~~سلما فى السمآء فتأتيهم بأاية ولو شآء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من ~~الجاهلين } > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 35 ) وإن كان كبر . . . . . # > > PageV12P170 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الحرث بن عامر ~~بن نوفل بن عبد مناف أتى النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قريش ، فقالوا ~~: يا محمد ائتنا من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل فانا نصدق بك فأبى ~~الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك عليه ~~، فنزلت هذه الآية ، والمعنى : وإن كان كبر عليك إعراضهم عن الإيمان بك ، ~~وصحة القرآن ، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فافعل ~~. # فالجواب محذوف وحسن هذا الحذف لأنه معلوم في النفوس . والنفق سرب في ~~الأرض له مخلص إلى مكان رخر ، ومنه نافقاء اليربوع لأن اليربوع يثقب الأرض ~~إلى العقر ، ثم يصعد من ذلك العقر إلى وجه الأرض من جانب آخر ، فكأنه ينفق ~~الأرض نفقا ، أي يجعل له منفذا من جانب آخر . ومنه أيضا سمي المنافق منافقا ~~لأنه يضمر غير ما يظهر كالنافقاء الذي يتخذه اليربوع وأما السلم فهو ms3552 مشتق ~~من السلامة ، وهو الشيء الذي يسلمك إلى مصعدك ، والمقصود من هذا الكلام أن ~~يقطع الرسول طعمه عن إيمانهم ، وأن لا يتأذى بسبب إعراضهم عن الإيمان ~~وإقبالهم على الكفر . # المسألة الثانية : قوله تعالى : دلو شاء الله لجمعهم على الهدى } تقديره ~~: ولو شاء الله هداهم لجمعهم على الهدى وحيثما جمعهم على الهدى ، وجب أن ~~يقال : إنه ما شاء هداهم ، وذلك يدل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من ~~الكافر بل يريد إبقاءه على الكفر ، والذي يقرب هذا الظاهر أن قدرة الكافر ~~على الكفر إما أن تكون صالحة للإيمان ، أو غير صالحة له ، فإن لم تكن صالحة ~~له فالقدرة على الكفر مستلزمة للكفر ، وغير صالحة للإيمان ، فخالق هذه ~~القدرة يكون قد أراد هذا الكفر منه لا محالة ، وأما إن كانت هذه القدرة ، ~~كما أنها صلحت للكفر فهي أيضا صالحة للإيمان ، فلما ساتوت نسبة القدرة إلى ~~الطرفين امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر ، إلا لداعية مرجحة ، وحصول تلك ~~الداعية ليس من العبد ، وإلا وقع التسلسل ، فثبت أن خالق تلك الداعية هو ~~الله تعالى ، وثبت أن مجموع القدرة مع الداعية الحاصلة موجب للفعل ، فثبت ~~أن خالق مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية المستلزمة لذلك الكفر مريد لذلك ~~الكفر ، وغير مريد لذلك الإيمان . فهذا البرهان اليقيني قوي ظاهر بهذه ~~الآية ، ولا بيان أقوى من أن يتطابق البرهان مع ظاهر القرآن . قالت ~~المعتزلة : المراد لولو شاء الله أن يلجئهم إلى الإيمان لجمعهم علي . قال ~~القاضي : والالجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حالولوا غير الإيمان لمنعهم منه ، ~~وحينئذ يمتنعون من فعل شيء غير الإيمان . ومثاله : أن أحدنا لو حصل بحضرة ~~السلطان وحضر هناك من حشمه الجمع العظيم ، وهذا الرجل علم أنه لو هم بقتل ~~السلطان لقتلوه في الحال ، فإن هذا العلم يصير مانعا له من قصد قتلك ذلك ~~السلطان ، ويكون ذلك سببا لكونه ملجأ إلى ترك ذلك الفعل فكذا ههنا . # إذا عرفت الالجاء فنقول : إنه تعالى إنما ترك فعل هذا الالجاء لأن ذلك ~~يزيل تكليفهم فيكون ما ms3553 يقع منهم كأن لم يقع ، وإنما أراد تعالى أن ينتفعوا ~~مبا يختارونه من قبل أنفسهم من جهة الوصلة إلى الثواب ، وذلك لا يكون إلا ~~اختيارا . # والجواب : أنه تعالى أراد منهم الاقدام على الإيمان حال كون الداعي إلى ~~الإيمان وإلى الكفر على PageV12P171 السوية أو حال حصول هذا الرجحان . ~~والأول : تكليف ما لا يطاق ، لأن الأمر بتحصيل الرجحان حال حصول الاستواء ، ~~تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال ، وإن كان الثاني : فالطرف الراجح يكون ~~واجب الوقوع ، والطرف المرجوح يكون ممتنع الوقوع ، وكل هذه الأقسام تنافي ~~ما ذكروه من المكنة والاختيار ، فسقط قولهم بالكلية . والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله تعالى في آخر الآية { * } تقديره : ولو شاء الله ~~هداهم لجمعهم على الهدى وحيثما جمعهم على الهدى ، وجب أن يقال : إنه ما شاء ~~هداهم ، وذلك يدل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر بل يريد إبقاءه ~~على الكفر ، والذي يقرب هذا الظاهر أن قدرة الكافر على الكفر إما أن تكون ~~صالحة للإيمان ، أو غير صالحة له ، فإن لم تكن صالحة له فالقدرة على الكفر ~~مستلزمة للكفر ، وغير صالحة للإيمان ، فخالق هذه القدرة يكون قد أراد هذا ~~الكفر منه لا محالة ، وأما إن كانت هذه القدرة ، كما أنها صلحت للكفر فهي ~~أيضا صالحة للإيمان ، فلما ساتوت نسبة القدرة إلى الطرفين امتنع رجحان أحد ~~الطرفين على الآخر ، إلا لداعية مرجحة ، وحصول تلك الداعية ليس من العبد ، ~~وإلا وقع التسلسل ، فثبت أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى ، وثبت أن ~~مجموع القدرة مع الداعية الحاصلة موجب للفعل ، فثبت أن خالق مجموع تلك ~~القدرة مع تلك الداعية المستلزمة لذلك الكفر مريد لذلك الكفر ، وغير مريد ~~لذلك الإيمان . فهذا البرهان اليقيني قوي ظاهر بهذه الآية ، ولا بيان أقوى ~~من أن يتطابق البرهان مع ظاهر القرآن . قالت المعتزلة : المراد لولو شاء ~~الله أن يلجئهم إلى الإيمان لجمعهم علي . قال القاضي : والالجاء هو أن ~~يعلمهم أنهم لو حالولوا غير الإيمان لمنعهم منه ، وحينئذ يمتنعون من فعل ~~شيء غير الإيمان . ومثاله : أن أحدنا ms3554 لو حصل بحضرة السلطان وحضر هناك من ~~حشمه الجمع العظيم ، وهذا الرجل علم أنه لو هم بقتل السلطان لقتلوه في ~~الحال ، فإن هذا العلم يصير مانعا له من قصد قتلك ذلك السلطان ، ويكون ذلك ~~سببا لكونه ملجأ إلى ترك ذلك الفعل فكذا ههنا . # إذا عرفت الالجاء فنقول : إنه تعالى إنما ترك فعل هذا الالجاء لأن ذلك ~~يزيل تكليفهم فيكون ما يقع منهم كأن لم يقع ، وإنما أراد تعالى أن ينتفعوا ~~مبا يختارونه من قبل أنفسهم من جهة الوصلة إلى الثواب ، وذلك لا يكون إلا ~~اختيارا . # والجواب : أنه تعالى أراد منهم الاقدام على الإيمان حال كون الداعي إلى ~~الإيمان وإلى الكفر على السوية أو حال حصول هذا الرجحان . والأول : تكليف ~~ما لا يطاق ، لأن الأمر بتحصيل الرجحان حال حصول الاستواء ، تكليف بالجمع ~~بين النقيضين وهو محال ، وإن كان الثاني : فالطرف الراجح يكون واجب الوقوع ~~، والطرف المرجوح يكون ممتنع الوقوع ، وكل هذه الأقسام تنافي ما ذكروه من ~~المكنة والاختيار ، فسقط قولهم بالكلية . والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله تعالى في آخر الآية { فلا تكونن من الجاهلين } ~~نهي له عن هذه الحالة ، وهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة كما ~~أن قوله { ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب : 48 ) لا يدل على أنه ~~صلى الله عليه وسلم أطاعهم وقبل دينهم ، والمقصود أنه لا ينبغي أن يشتد ~~تحسرك على تكذيبهم ، ولا يجوز أن تجزع من إعراضهم عنك فإنك لو فعلت ذلك قرب ~~حالك من حال الجاهل ، والمقصود من تغليظ الخطاب التبعيد والزجر له عن مثل ~~هذه الحالة . والله أعلم . # ! 7 < { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون } ~~. > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 36 ) إنما يستجيب الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بين السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان ولا ~~يتركون الكفر فقال : { إنما يستجيب الذين يسمعون } يعني أن الذين تحرص على ~~أن يصدقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون ، وإنما يستجيب من يسمع ، كقوله { ~~إنك لا تسمع الموتى } ( النمل : 80 ) قال علي بن عيسى : الفرق بين ms3555 يستجيب ~~ويجيب ، أن يستجيب في قبوله لما دعي إليه ، وليس كذلك يجيب لأنه قد يجيب ~~بالمخالفة كقول القائل : أتوافق في هذا المذهب أم تخالف ؟ فيقول المجيب : ~~أخالف . # وأما قوله { والموتى يبعثهم الله } ففيه قولان : الأول : أنه مثل لقدرته ~~على إلجائهم إلى الاستجابة والمراد : أنه تعالى هو القادر على أن يبعث ~~الموتى من القبور يوم القيامة ثم إليه يرجعون للجزاء ، فكذلك ههنا أنه ~~تعالى هو القادر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر ~~عليه . # والقول الثاني : أن المعنى : وهؤلاء الموتى يعني الكفرة يبعثهم الله ثم ~~إليه يرجعون ، فحينئذ يسمعون وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى استمعاهم ، وقريء { ~~يرجعون } بفتح الياء . وأقول : لا شك أن الجسد الخالي عن الروح يظهر منه ~~النتن والصديد والقيح وأنواع العفونات ، وأصلح أحواله أن يدفن تحت التراب ، ~~وأيضا الروح الخالية عن العقل يكون صاحبها مجنونا يستوجب القيد والحبس ~~والعقل بالنسبة إلى الروح كالروح بالنسبة إلى الجسد ، وأيضا العقل بدون ~~معرفة الله تعالى وصفاته وطاعته كالضائع الباطل ، فنسبة التوحيد والمعرفة ~~إلى العقل كنسبة العقل إلى الروح ، ونسبة الروح إلى الجسد فمعرفة الله ~~ومحبته روح روح الروح فالنفس الخالية عن هذه المعرفة تكون بصفة الأموات ، ~~فلهذا السبب وصف الله أولئك الكفار المصرين بأنهم الموتى . والله أعلم . ~~PageV12P172 # ! 7 < { وقالوا لولا نزل عليه ءاية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل ~~ءاية ولاكن أكثرهم لا يعلمون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 37 ) وقالوا لولا نزل . . . . . # > > اعلم أن هذا النوع الرابع من شبهات منكري نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، وذلك لأنهم قالوال : لو كان رسولا من عند الله فهلا أنزل عليه آية ~~قاهرة ومعجزة باهرة ا # ويروى أن بعض الملحدة طعن فقال : لو كان محمد صلى الله عليه وسلم قد أتى ~~بآية معجزة لما صح أن يقول أولئك الكفار { لولا نزل عليه ءاية } ولما قال : ~~{ وقالوا لولا نزل عليه ءاية من ربه } . # والجواب عنه : أن القرآن معجزة قاهرة وبينة باهرة ، بدليل أنه صلى الله ~~عليه وسلم تحداهم به فعجزا ms3556 عن معارضته ، وذلك يدل على كونه معجزا . # بقي أن يقال : فإذا كان الأمر كذلك فكيف قالوا { لولا نزل عليه ءاية من ~~ربه } . # فنقول : الجواب عنه من وجوه : # الوجه الأول : لعل القوم طعنوا في كون القرآن معجزا على سبيل اللجاج ~~والعناد ، وقالوا : إنه من جنس الكتب ، والكتاب لا يكون من جنس المعجزات ، ~~كما في التوراة والزبور والإنجيل ، ولأجل هذه الشبهة طلبوا المعجزة . # والوجه الثاني : أنهم طلبوا معجزات قاهرة من جنس معجزات سائر الأنبياء ~~مثل فلق البحر واظلال الجبل وإحياء الموتى . # والوجه الثالث : أنهم طلبوا مزيد الآيات والمعجزات على سبيل التعنت ~~واللجاج مثل إنزال الملائكة وإسقاط السماء كسفا وسائر ما حكاه عن الكافرين ~~. # والوجه الرابع : أن يكون المراد ما حكاه الله تعالى عن بعضهم في قوله { ~~اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) فكل هذه الوجوه مما يحتملها لفظ الآية . # ثم إنه تعالى أجاب عن سؤالهم { قل إن الله قادر على أن ينزل ءاية } يعني ~~أنه تعالى قادر على إيجاد ما طلبتموه وتحصيل ما اقترحتموه { ولاكن أكثرهم ~~لا يعلمون } واختلفوا في تفسير هذه الكلمة على وجوه : # الوجه الأول : أن يكون المراد أنه تعالى لما أنزل آية باهرة ومعجزة قاهرة ~~وهي القرآن كان طلب الزيادة جاريا مجرى التحكم والتعنت الباطل ، والله ~~سبحانه له الحكم والأمر فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ، فإن فاعليته لا تكون ~~إلا بحسب محض المشيئة على قول أهل السنة أو على وفق المصلحة على قول ~~المعتزلة ، وعلى التقديرين : فإنها لا تكون على وفق اقتراحات الناس ~~ومطالباتهم ، فإن شاء أجابهم إليها ، وإن شاء لم يجبهم إليها . # والوجه الثاني : هو أنه لما ظهرت المعجزة القاهرة والدلالة الباهرة ~~الكافية لم يبق لهم عذر ولا علة ، فبعد ذلك لو أجابهم الله تعالى في ذلك ~~الاقتراح فلعلهم يقترحون اقتراحا ثانيا ، وثالثا ، ورابعا ، وهكذا إلى ما ~~PageV12P173 لا غاية له ، وذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة ~~، فوجب في أول ms3557 الأمر سد هذا الباب والاكتفاء بما سبق من المعجزة القاهرة ~~والدلالة الباهرة . # والوجه الثالث : أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من المعجزات القاهرة ، فلو ~~لم يؤمنوا عند ظهورها لاستحقوا عذاب الاستئصال ، فاقتضت رحمة الله صونهم عن ~~هذا البلاء فما أعطاهم هذا المطلوب رحمة منه تعالى عليهم ، وإن كان لا ~~يعلمون كيفية هذه الرحمة ، فلهذا المعنى قال : { ولاكن أكثرهم لا يعلمون } ~~. # والوجه الرابع : أنه تعالى علم منهم أنهم إنما يطلبون هذه المعجزات لا ~~لطلب الفائدة بل لأجل العناد والتعصب وعلم أنه تعالى لو أعطاهم مطلوبهم فهم ~~لا يؤمنون / فلهذا السبب ما أعطاهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنه لا فائدة في ~~ذلك ، فالمراد من قوله { ولاكن أكثرهم لا يعلمون } هو أن القوم لا يعلمون ~~أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل التعنت والتعصب فإن الله تعالى لا يعطيهم ~~مطلوبهم ولو كانوا عالمين عاقلين لطلبوا ذلك على سبيل طلب الفائدة ، وحينئذ ~~كان الله تعالى يعطيهم ذلك المطلوب على أكمل الوجوه . والله أعلم . # ! 7 < { وما من دآبة فى الا رض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما ~~فرطنا فى الكتاب من شىء ثم إلى ربهم يحشرون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 38 ) وما من دابة . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في تقرير وجه النظم ، فنقول فيه وجهان : الأول : أنه ~~تعالى بين في الآية الأولى أنه لو كان إنزال سائر المعجزات مصلحة لهم ~~لفعلها ولأظهرها إلا أنه لما لم يكن إظهارها مصلحة للمكلفين ، لا جرم ما ~~أظهرها . وهذا الجواب إنما يتم إطا ثبت أنه تعالى يراعي مصالح المكلفين ~~ويتفضل عليهم بذلك فبين أن الأمر كذلك ، وقرره بأن قال : { وما من دابة فى ~~الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } في وصلو فضل الله وعنايته ~~ورحمته وإحسانه إليهم ، وذلك كالأمر المشاهد المحسوس فإذا كانت آثار عنايته ~~واصلة إلى جميع الحيوانات ؛ فلو كان في إظهار هذه المعجزات القاهرة مصلحة ~~للمكلفين لفعلها ولأظهرها ولامتنع أن يبخل بها مع ما ظهر أنه لم يبخل على ~~شيء من الحيوانات بمصالحها ومنافعها وذلك يدل ms3558 على أنه تعالى إنما لم يظهر ~~تلك المعجزات ، لأن إظهارها يخل بمصالح المكلفين . فهذا هو وجه النظم ~~والمناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها والله أعلم . # الوجه الثاني في كيفية النظم : قال القاضي : إنه تعالى لما قدم ذكر ~~الكفار وبين أنهم يرجعون إلى الله ويحشرون بين أيضا بعده بقوله { وما من ~~دابة فى الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } في أنهم ~~PageV12P174 يحشرون ، والمقصود : بيان أن الحشر والبعث كما هو حاصل في حق ~~الناس فهو أيضا حاصل في حق البهائم . # المسألة الثانية : الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير فجميع ~~ما خلق الله تعالى من الحيوانات ، فإنه لا يخلو عن هاتين الصفتين ، إما أن ~~يدب ، وإما أن يطير . وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : من الحيوان ما لا يدخل في هذين القسمين مثل حيتان البحر ، ~~وسائر ما يسبح في الماء ويعيش فيه . # والجواب : لا يبعد أن يوصف بأنها دابة من حيث إنها تدب في الماء أو هي ~~كالطير ، لأنها تسبح في الماء ، كما أن الطير يسبح في الهواء ، إلا أن ~~وصفها بالدبيب أقرب إلى اللغة من وصفها بالطيران . # السؤال الثاني : ما الفائدة في تقييد الدابة بكونها في الأرض ؟ # والجواب من وجهين : الأول : أنه خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء ~~احتجاجا بالأظهر لأن ما في السماء وإن كان مخلوقا مثلنا فغير ظاهر ، ~~والثاني : أن المقصود من ذكر هذا الكلام أن عناية الله تعالى لما كانت ~~حاصلة في هذه الحيوانات فلو كان إظهار المعجزات القاهرة مصلحة لما منع الله ~~من إظهارها . وهذا المقصود إنما يتم بذكر من كان أدون مرتبة من الإنسان لا ~~بذكر من كان أعلى حالا منه ، فلهذا المعنى قيد الدابة بكونها في الأرض . # السؤال الثالث : ما الفائدة في قوله { يطير بجناحيه } ؟ مع أن كل طائر ~~إنما يطير بجناحيه . # والجواب فيه من وجوه : الأول : أن هذا الوصف إنما ذكر للتأكيد كقوله نعجة ~~أنثى وكما يقال : كلمته بفي ومشيت إليه برجلي . الثاني : أنه قد يقول ms3559 الرجل ~~لعبده طر في حاجتي والمراد الإسراع وعلى هذا التقدير : فقد يحصل الطيران لا ~~بالجناح . قال الحماسي : # طاروا إليه زرافات ووحدانا # ذكر الجناح ليمتحض هذا الكلام في الطير . والثالث : أنه تعالى قال في صفة ~~الملائكة { جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع } ( فاطر : 1 ) ~~فذكر ههنا قوله { ولا طائر يطير بجناحيه } ليخرج عنه الملائكة فإنا بينا أن ~~المقصود من هذا الكلام إنما يتم بذكر من كان أدون حالا من الإنسان لا بذكر ~~من كان أعلى حالا منه . # السؤال الرابع : كيف قال : { إلا أمم } مع إفراد الدابة والطائر ؟ # والجواب : لما كان قوله { وما من دابة ولا طائر } دالا على معنى ~~الاستغراق ومغنيا عن أن يقول : وما من دواب ولا طيور لا جرم حمل قوله { إلا ~~أمم } على المعنى . # السؤال الخامس : قوله { إلا أمم أمثالكم } قال الفراء : يقال إن كل صنف ~~من البهائم أمة وجاء في الحديث : ( لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت ~~بقتلها ) فجعل الكلاب أمة . # إذا ثبت هذا فنقول : الآية دلت على أن هذه الدواب والطيور أمثالنا ، وليس ~~فيها ما يدل على أن هذه PageV12P175 المماثلة في أي المعاني حصلت ولا يمكن ~~أن يقال : المراد حصول الممائلة من كل الوجوه وإلا لكان يجب كونها أمثالا ~~لنا في الصورة والخلقة وذلك باطل فظهر أنه لا دلالة على أن تلك المماثلة ~~حصلت في أي الأحوال والأمور فبينوا ذلك . # والجواب : اختلف الناس في تعيين الأمر الذي حكم الله تعالى فيه بالمماثلة ~~بين البشر وبين الدواب والطيور وذكروا فيه أقوالا : # القول الأول : نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يريد ، ~~يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني . وإلى هذا القول ذهب طائفة عظيمة ~~من المفسرين وقالوا : إن هذه الحيوانات تعرف الله وتحمده وتوحده وتسبحه ~~واحتجوا عليه بقوله تعالى : { وأن * ممن * شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء ~~: 44 ) وبقوله في صفة الحيوانات { كل قد علم صلاته وتسبيحه } ( النور : 41 ~~) وبما أنه تعالى خاطب النمل وخاطب الهدهد ، وقد استقصينا في تقرير هذا ~~القول وتحقيقه في هذه ms3560 الآيات . # وعن أبي الدرداء أنه قال : أبهمت عقول البهائم عن كل شيء إلا عن أربعة ~~أشياء : معرفة الإلاه ، وطلب الرزق ، ومعرفة الذكر والأنثى ، وتهيوء كل ~~واحد منهما لصاحبه . # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قتل عصفورا عبثا جاء ~~يوم القيامة يعج إلى الله يقول يا رب إن هذا قتلني عبثا لم ينتفع بي ولم ~~يدعني آكل من خشاش الأرض ) . # والقول الثاني : المراد إلا أمم أمثالكم في كونها أمما وجماعات وكونها ~~مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا ، ويأنس بعضها ببعض ، ويتوالد بعضها من بعض ~~كالإنس إلا أن للسائل أن يقول حمل الآية على هذا الوجه لا يفيد فائدة ~~معتبرة لأن كون الحيوانات بهذه الصفة أمر معلوم لكل أحد فلا فائدة في ~~الاخبار عنها . # القول الثالث : المراد أنها أمثالنا في أن دبرها الله تعالى وخلقها وتكفل ~~برزقها وهذا يقرب من القول الثاني في أنه يجري مجرى الاخبار عما علم حصوله ~~بالضرورة . # القول الرابع : أراد تعالى أنها أمثالنا في أنها تحشر يوم القيامة يوصل ~~إليها حقوقها ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يقص ~~للجماء من القرناء ) . # القول السادس : ما اخترناه في نظم الآية ، وهو أن الكفار طلبوا من النبي ~~صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة الظاهرة ، فبين تعالى أن ~~عنايته وصلت إلى جميع الحيوانات كما وصلت إلى الإنسان . ومن بلغت رحمته ~~وفضله إلى حيث لا يبخل به على البهائم كان بأن لا يبخل به على البهائم كان ~~بأن لا يبخل به على الإنسان أولى ، فدل منع الله من إظهار تلك المعجزات ~~القاهرة على أنه لا مصلحة لأولئك السائلين في إظهارها ، وأن إظهارها على ~~وفق سؤالهم واقتراحهم يوجب عود الضرر العظيم إليهم . PageV12P176 # القول السابع : ما رواه أبو سليمان الخطابي عن سفيان بن عيينة ، أنه لما ~~قرأ هذه الآية قال : ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم ، فمنهم ~~من يقدم إقدام الأسد ، ومنهم من يعدو عدو الذئب ، ومنهم من ينبح نباح الكلب ~~، ومنهم من ms3561 يتطوس كفعل الطاوس ، ومنهم من يشبه الخنزير فإنه لو ألقي إليه ~~الطعام الطيب تركه وإذا قام الرجل عن رجيعه ولغ فيه . فكذلك نجد من ~~الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها / فإن أخطأت مرة واحدة ~~حفظها ، ولم يجلس مجلسا إلا رواه عنه . # ثم قال : فاعلم يا أخي إنك إنما تعاشر البهائم والسباع ، فبالغ في الحذار ~~والاحتراز ، فهذا جملة ما قيل في هذا الموضع . # المسألة الثالثة : ذهب القائلون بالتناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت ~~سعيدة مطيعة لله تعالى موصوفة مخالطة عالم الملائكة ، وأما إن كانت شقية ~~جاهلة عاصية فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات ، وكلما كانت تلك الأرواح أكثر ~~شقاوة واستحقاقا للعذاب نقلت إلى بدن حيوان أخس وأكثر شقاء وتعبا ، واحتجوا ~~على صحة قولهم بهذه الآية فقالوا : صريح هذه الآية يدل على أنه لا دابة ولا ~~طائر إلا وهي أمثالنا ، ولفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات ~~الذاتية أما الصفات العرضية المفارقة ، فالمساواة فيها غير معتبرة في حصول ~~المماثلة . ثم إن القائلين بهذا القول زادوا عليه ، وقالوا : قد ثبت هذا أن ~~أرواح جميع الحيوانات عارفة بربها وعارفة بما يحصل لها من السعادة والشقاوة ~~، وأن الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولا من جنسها ، واحتجوا عليه بأنه ~~ثبت بهذه الآية أن الدواب والطوير أمم . ثم إنه تعالى قال : { وإن من أمة ~~إلا خلا فيها نذير } ( فاطر : 24 ) وذلك تصريح بأن لكل طائفة من هذه ~~الحيوانات رسولا أرسله الله إليها . ثم أكدوا ذلك بقصة الهدهد ، وقصة النمل ~~، وسائر القصص المذكورة في القرآن . # واعلم أن القوم بالتناسخ قد أبطلناه بالدلائل الجيدة في علم الأصول ، ~~وأما هذه الآية فقد ذكرنا ما يكفي في صدق حصول المماثلة في بعض الأمرة ~~المذكورة ، فلا حاجة إلى إثبات ما ذكره أهل التناسخ . والله أعلم . # ثم قال تعالى : { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } وفي المراد بالكتاب قولان ~~: # القول الأول : المراد منه الكتاب المحفوظ في العرش وعالم السماوات ~~المشتمل على جميع أحوال المخلوقات على التفصيل ms3562 التام ، كما قال عليه السلام ~~: ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) . # والقول الثاني : أن المراد منه القرآن ، وهذا أظهر لأن الألف واللام إذا ~~دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق ، والمعهود السابق من ~~الكتاب عند المسلمين هو القرآن ، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه ~~الآية القرآن . # إذا ثبت هذا فلقائل أن يقول : كميف قال تعالى : { ما فرطنا فى الكتاب من ~~شىء } مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب وتفاصيل علم الحساب ، ولا تفاصيل ~~كثير من المباحث والعلوم ، وليس فيه أيضا تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في ~~علم الأصول والفروع ؟ PageV12P177 # والجواب : أن قوله { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } يجب أن يكون مخصوصا ~~ببيان الأشياء التي يجب معرفتها ، ولإحاطة بها وبيانه من وجهين : الأول : ~~أن لفظ التفريط لا يستعمل نفيا وإثباتا إلا فيما يجب أن يبين لأن أحدا لا ~~ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه ، وإنما يذكر هذا ~~اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه . الثاني : أن جميع آيات القرآن أو ~~الكثير منها دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال ~~هذا الكتاب بيان الدين ومعرفة الله ومعرفة أحكام الله ، وإذا كان هذا ~~التقييد معلوما من كل القرآن كان المطلق ههنا محمولا على ذلك المقيد . أما ~~قوله إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع . # فنقول : أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه لأن الدلائل الأصلية مذكورة ~~فيه على أبلغ الوجوه : فأما روايات المذاهب وتفاصيل الأقاويل ، فلا حاجة ~~إليها ، وأما تفاصيل علم الفروع فنقول : للعلماء ههنا قولان : الأول : أنهم ~~قالوا أن القرآن دل على أن الاجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة فكل ~~ما دل عليه أحد الأصول الثلاثة / كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن ، ~~وذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى أمثلة ثلاثة : # المثال الأول : روي أن ابن مسعود كان يقول : مالي لا ألعن من لعنه الله ~~في كتابه يعني الواشمة ، والمستوشمة ، والواصلة ، والمستوصلة ، وروي ms3563 أن ~~أمرأة قرأت جميع القرآن ، ثم أتته فقالت : يا بان أم عبد ، تلوت البارحة ما ~~بين الدفتين ، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة ، فقال : لو تلوتيه ~~لوجدتيه ، قال الله تعالى : { وما ءاتاكم الرسول فخذوه } ( الحشر : 7 ) وإن ~~مما أتانا به رسول الله أنه قال : لعن الله الواشمة والمستوشمة ) وأقول : ~~يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك لأنه تعالى قال في ~~سورة النساء : { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا * لعنه الله } ( النساء : 117 ~~، 118 ) فحكم عليه باللعن ، ثم عدد بعده قبائح أفعاله وذكر من جملتها قوله ~~{ ولامرنهم * العالمون * خلق الله } ( النساء : 119 ) وظاهر هذه الآية ~~يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن . # المثال الثاني : ذكر أن الشافعي رحمه الله كان جالسا في المسجد الحرام ~~فقال : ( لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى ) فقال رجل ~~: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور ؟ فقال : ( لا شيء عليه ) فقال : أين ~~هذا في كتاب الله ؟ فقال : قال الله تعالى : { وما ءاتاكم الرسول فخذوه } ~~ثم ذكر إسنادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدي ) ثم ذكر إسنادا إلى عمر رضي الله عنه أنه قال : ~~للمحرم قتل الزنبور . قال الواحدي : فأجابه من كتاب الله مستنبطا بثلاث ~~درجات ، وأقول : ههنا طريق آخر أقرب منه ، وهو أن الأصل في أموال المسلمين ~~العصمة . قال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) ~~وقال : { ولا يسئلكم أموالكم } ( محمد : 36 ) وقال : { لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ( النساء : 29 ) فنهى عن ~~أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل ~~الحرمة ، وهذه العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء ، ~~وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة . # وأما الطريق الذي ذكره الشافعي : فهو تمسك بالعموم على أربع درجات : ~~أولها : التمسك بعموم قوله PageV12P178 { وما ءاتاكم الرسول فخذوه } ( ~~الحشر : 7 ) وأحد الأمور الداخلة ms3564 تحت هذا أمر النبي عليه السلام بمتابعة ~~الخلفاء الراشدين ، وثانيها : التسمك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام : ( ~~عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) ، وثالثها : بيان أن عمر رضي ~~الله عنه كان من الخلفاء الراشدين ، ورابعها : الرواية عن عمر أنه لم يوجب ~~في هذه المسألة شيئا ، فثبت أن الطريق الذي ذكرناه أقرب . # المثال الثالث : قال الواحدي : روي في حديث العسيف الزاني أن أباه قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم : اقض بيننا بكتاب الله فقال عليه السلام : ( ~~والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ) ثم قضى بالجلد والتغريب على ~~العسيف ، وبالرجم على المرأة إن اعترفت . قال الواحدي : وليس للجلد ~~والتغريب ذكر في نص الكتاب ، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهو عين كتاب الله . # وأقول : هذا المثال حق ، لأنه تعالى قال : { لتبين للناس ما * أنزل إليهم ~~} ( النحل : 44 ) وكل ما بينه الرسول عليه السلام كان داخلا تحت هذه الآية ~~، فثبت بهذه الأمثلة أن القرآن لما دل على أن الإجماع حجة ، وأن خبر الواحد ~~حجة ، وأن القياس حجة / فكل حكم ثبت بطريق من هذه الطرق الثلاثة ، كان في ~~الحقيقة ثابتا بالقرآن ، فعند هذا يصح قوله تعالى : { وما * فرطنا فى ~~الكتاب من شىء } هذا تقرير هذا القول ، وهو الذي ذهب إلى نصرته جمهور ~~الفقهاء . ولقائل أن يقول : حاصل هذه الوجه أن القرآن لما دل على خبر ~~الواحد والقياس حجة ، فكل حكم ثبت بأحد هذين الأصلين كان في الحقيقة قد ثبت ~~بالقرآن إلا أنا نقول : حمل قوله { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } على هذا ~~الوجه لا يجوز لأن قوله { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } ذكر في معرض تعظيم ~~هذا الكتاب والمبالغة دي مدحه والثناء عليه ، ولو حملنا هذه الآية على هذا ~~المعنى لم يحصل منه ما يوجب التعظيم ، وذلك لأنا لو فرضنا أن الله تعالى ~~قال : اعملوا بالإجماع وخبر الواحد والقياس ، كان المعنى الذي ذكروه حاصلا ~~من هذا اللفظ والمعنى الذي يمكن تحصيله من هذا اللفظ ms3565 القليل لا يمكن جعله ~~واجبا لمدح القرآن والثناء عليه لسبب اشتمال القرآن عليه ، لأن هذا إنما ~~يوجب المدح العظيم والثناء التام لو لم يمكن تحصيله بطريق آخر أشد اختصارا ~~منه ، فأما لما بينا أن هذا القسم المقصود يمكن حمله وتحصيله باللفظ ~~المختصر الذي ذكرناه علمنا أنه لا يمكن ذكره في تعظيم القرآن ، فثبت أن هذه ~~الآية مذكورة في معرض تعظيم القرآن ، وثبت أن المعنى الذي ذكروه لا يفيد ~~تعظيم القرآن ، فوجب أن يقال ، إنه لا يجوز حمل هذه الآية على هذا المعنى ، ~~فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا القول . # والقول الثاني : في تفسير هذه الآية قول من يقول : القرآن واف ببيان جميع ~~الأحكام وتقريره أن الأصل براءة الذمة في حق جميع التكليف ، وشغل الذمة لا ~~بد فيه من دليل منفصل والتنصيص على أقسام ما لم يرد فيه التكليف ممتنع ، ~~لأن الأقسام التي لم يرد التكليف فيها غير متناهية ، والتنصيص على ما لا ~~نهاية له محال بل التنصيص إنما يمكن على المتناهي مثلا لله تعالى ألف تكليف ~~على العباد وذكره في القرآن وأمر محمدا عليه السلام بتبليغ ذلك الألف تكليف ~~آخر ، ثم أكد هذه الآية بقوله { اليوم أكملت لكم دينكم } ( المائدة : 3 ) ~~وبقوله : { ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين } ( الانعام : 59 ) فهذا ~~تقرير مذهب هؤلاء ، والاستقصاء فيه إنما يليق بأصول الفقه ، والله أعلم . ~~PageV12P179 # ولنرجع الآن إلى التفسير ، فنقول : قوله { من شىء } قال الواحدي { من } ~~زائدة كقوله : ما جاء لي من أحد . وتقريره ما تركنا في الكتاب شيئا لم ~~نبينه . وأقول : كلمة { من } للتبعيض فكان المعنى ما فرطنا في الكتاب بعض ~~شيء يحتاج المكلف إليه ، وهذا هو نهاية المبالغة في أنه تعالى ما ترك شيئا ~~مما يحتاج الملكف إلى معرفته في هذا الكتاب . # وأما قوله { ثم إلى ربهم يحشرون } فالمعنى أنه تعالى يحشر الدواب والطيور ~~يوم القيامة . ويتأكد هذا بقوله تعالى : { وإذا الوحوش حشرت } ( التكوير : ~~5 ) وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يقتص للجماء ms3566 من القرناء ~~) وللعقلاء فيه قولان : # القول الأول : أنه تعالى يحشر البهائم والطيور لإيصال الأعواض إليها وهو ~~قول المعتزلة . وذلك لأن إيصال الآلام إليها من سبق جناية لا يحسن إلا ~~للعوض ، ولما كان إيصال العوض إليها واجبا ، فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك ~~الأعواض إليها . # والقول الثاني : قول أصحابنا أن الإيجاب على الله محال ، بل الله تعالى ~~يحشرها بمجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية . واحتجوا على أن القول ~~بوجوب العوض على الله تعالى محال باطل بأمور : # الحجة الأولى : أن الوجوب عبارة عن كونه مستلزما للذم عند الترك وكونه ~~تعالى مستلزما للذم محال / لأنه تعالى كامل لذاته والكامل لذاته لا يعقل ~~كونه مستلزما للذم بسبب أمر منفصل ، لأن ما بالذات لا يبطل عنه عروض أمر من ~~الخارج . # والحجة الثانية : أنه تعالى مالك لكل المحدثات ، والمالك يحسن تصرفه في ~~ملك نفسه من غير حاجة إلى العوض . # والحجة الثالثة : أنه لو حسن إيصال الضرر إلى الغير لأجل العوض ، لوجب أن ~~يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لأجل التزام العوض من غير رضاه وذلك باطل ~~، فثبت أن القول بالعوض باطل . والله أعلم . # إذا عرفت هذا : فلنذكر بعض التفاريع التي ذكرها القاضي في هذا الكتاب . # الفرع الأول : قال القاضي : كل حيوان استحق العوض على الله تعالى بما ~~لحقه من الآلام ، وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا ، فإنه يجب على ~~الله حشره عقلا في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض والذي لا يكون كذلك فإنه لا ~~يجب حشره عقلا ، إلا أنه تعالى أخبر أنه يحشر الكل ، فمن حيث السمع يقطع ~~بذلك . وإنما قلنا أن في الحيوانات من لا يستحق العوض ألبتة ، لأنها ربما ~~بقيت مدة حياتها مصونة عن الآلام ثم إنه تعالى يميتها من غير إيلام أصلا . ~~فإنه لم يثبت بالدليل أن الموت لا بد وأن يحصل معه شيء من الإيلام ، وعلى ~~هذا التقدير فإنه لا يستحق العوض ألبتة . # الفرع الثاني : كل حيوان أذن الله تعالى في ذبحه فالعوض على الله . وهي ~~أقسام : منها ما أذن في ذبحها ms3567 لأجل الأكل ومنها ما أذن في ذبحها لأجل كونها ~~مؤذية ، مثل السباع العادية والحشرات المؤذية ، ومنها آلمها بالأمراض ، ~~ومنها ما أذن الله في حمل الأحمال الثقيلة عليها واستعمالها في الأفعال ~~الشاقة وأما إذا ظلمها الناس فذلك العوض على ذلك الظالم وإذا ظلم بعضها ~~بعضا فذلك العوض على ذلك الظالم . PageV12P180 # فإن قيل : إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه على وجه التذكية فعلى من العوض ؟ # أجاب بأن ذلك ظلم والعوض على الذابح ، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة . # الفرع الثالث : المراد من العوض منافع عظيم بلغت في الجلالة والرفعة إلى ~~حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك ~~المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فإنها كانت ترضى به ، فهذا هو العوض ~~الذي لأجله يحسن الإيلام والأضرار . # الفرع الرابع : مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة أن العوض منقطع . قال ~~القاضي : وهو قول أكثر المفسرين ، لأنهم قالوا إنه تعالى بعد توفير العوض ~~عليها يجعلها ترابا ، وعند هذا يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا . قال أبو ~~القاسم البخلي : يجب أن يكون العوض دائما واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن ~~من الواحد منا أن يلتزم عملا شاقا والأجرة منقطعة ، فعلمنا أن إيصال الألم ~~إلى الغير غير مشروط بدوام الأجرة . واحتج البخلي على قوله ، بأن قال : إنه ~~لا يمكن قطع ذلكالعوض إلا بإماتة تلك البهيمة ، وإماتتها توجب الألم وذلك ~~الألم يوجب عوضا آخر ، وهكذا إلى ما لا آخر له . # والجواب عنه : أنه لم يثبت بالدليل أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع ~~الإيلام . والله أعلم . # الفرع الخامس : أن البهيمة إذا استحقت على بهيمة أخرى عوضا ، فإن كانت ~~البهيمة الظالمة قد استحقت عوضا على الله تعالى فإنه ينقل ذلك العوض إلى ~~المظلوم . وإن لم يكن الأمر كذلك فالله تعالى يكمل ذلك العوض ، فهذا مختصر ~~من أحكام الأعواض على قول المعتزلة . والله أعلم . # ! 7 < { والذين كذبوا بأاياتنا صم وبكم فى الظلمات من يشإ الله يضلله ومن ~~يشأ يجعله ms3568 على صراط مستقيم } > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 39 ) والذين كذبوا بآياتنا . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : في وجه النظم قولان : الأول : أنه تعالى بين من حال ~~الكفار أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث كأن قلوبهم قد صارت ميتة عن قبول ~~الإيمان بقوله { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله } ( الأنعام ~~: 36 ) فذكر هذه الآية تقريرا لذلك المعنى الثاني أنه تعالى لما ذكر في ~~قوله { وما من دابة فى الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } ( ~~الأنعام : 38 ) في كونها دالة على كونها تحت تدبير مدبر قديم وتحت تقدير ~~مقدر حكيم ، وفي أن عناية الله محيطة بهم ، ورحمته واصلة إليهم ، قال بعده ~~والمكذبون لهذه الدلائل والمنكرون لهذه العجائب صم لا يسمعون كلاما ألبتة ، ~~بكم لا ينطقون بالحق ، خائضون في ظلمات الكفر ، غافلون عن تأمل هذه الدلائل ~~. PageV12P181 # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال ليس إلا ~~من الله تعالى . وتقريره أنه تعالى وصفهم بكونهم صما وبكما وبكونهم في ~~الظلمات وهو إشارة إلى كونهم عميا فهو بعينه نظير قوله في سورة البقرة { صم ~~بكم عمى } ( البقرة : 18 ) . # ثم قال تعالى : { من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } وهو ~~صريح في أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى . قالت المعتزلة : الجواب ~~عن هذا من وجوه : # الوجه الأول : قال الجبائي معناه أنه تعالى يجعلهم صما وبكما يوم القيامة ~~عند الحشر . ويكونون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم في الآخرة صما وبكما في ~~الظلمات ، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن طريقها ويصيرهم إلى النار ، وأكد ~~القاضي هذا القول بأنه تعالى بين في سائر الآيات أنه يحشرهم يوم القيامة ~~على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم . # والوجه الثاني : قال الجبائي أيضا ويحتمل أنهم كذلك في الدنيا ، فيكون ~~توسعا من حيث جعلوا بتكذيبهم بآيات الله تعالى في الظلمات لا يهتدون إلى ~~منافع الدين ، كالصم والبكم الذين لا يهتدون إلى منافع الدنيا . فشبههم من ~~هذا الوجه بهم ، وأجرى عليهم مثل صفاتهم على سبيل التشبيه . # والوجه الثالث ms3569 : قال الكعبي قوله { صم وبكم } محمول على الشتم والإهانة ، ~~لا على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة . وأما قوله تعالى : { من يشإ الله ~~يضلله } فقال الكعبي : ليس هذا على سبيل المجاز لأنه تعالى وإن أجمل القول ~~فيه ههنا ، فقد فصله في سائر الآيات وهو قوله { ويضل الله الظالمين } ( ~~إبراهيم : 27 ) وقوله { وما يضل به إلا الفاسقين } ( البقرة : 26 ) وقوله { ~~والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) وقوله { يهدى به الله من اتبع ~~رضوانه } ( المائدة : 16 ) وقوله { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت } ~~( إبراهيم : 27 ) وقوله { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم } ( العنكبوت : 69 ) ~~فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال وإن كانت مجملة في هذه الآية ، ~~إلا أنها مخصصة مفصلة في سائر الآيات ، فيجب حمل هذا المجمل على تلك ~~المفصلات ، ثم إن المعتزلة ذكروا تأويل هذه الآية على سبيل التفصيل من وجوه ~~: الأول : أن المراد من قوله { الظلمات من يشإ الله يضلله } محمول على منع ~~الألطاف فصاروا عندها كالصم والبكم . والثاني : { من يشإ الله يضلله } يوم ~~القيامة عن طريق الجنة وعن وجدان الثواب / ومن يشأ أن يهديه إلى الجنة ~~يجعله على صراط مستقيم ، وهو الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة . # وقد ثبت بالدليل أنه تعالى لا يشاء هذا الاضلال إلا لمن يستحق عقوبة كما ~~لا يشاء الهدى إلا للمؤمنين . # وأعلم أن هذه الوجوه التي تكلفها هؤلاء الأقوام إنما يحسن المصير إليها ~~لو ثبت في العقل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره . وأما لما ثبت ~~بالدليل العقلي القاطع أنه لا يمكن حمل هذا الكلام إلا على ظاهره كان ~~العدول إلى هذه الوجوه المتكلفة بعيدا جدا ، وقد دللنا على أن الفعل لا ~~يحصل إلا عند حصول الداعي ، وبينا أن خالق ذلك الداعي هو الله ، وبينا أن ~~عند حصوله يجب الفعل ، فهذه المقدمات الثلاثة توجب القطع بأن الكفر ~~والإيمان من الله ، وبتخليقه وتقديره وتكوينه ، ومتى ثبت بهذا البرهان ~~القاطع صحة هذا الظاهر ، كان الذهاب إلى هذه التكلفات فاسدا قطعا ، وأيضا ~~فقد تتبعنا هذه الوجوه بالابطال ms3570 والنقض في PageV12P182 تفسير قوله { ختم ~~الله على قلوبهم } ( البقرة : 7 ) وفي سائر الآيات ، فلا حاجة إلى الإعادة ~~، وأقربها أن هذا الاضلال والهداية معلقان بالمشيئة ، وعلى ما قالوه : فهو ~~أمر واجب على الله تعالى يجب عليه أن يفعله شاء أم أبى والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله : { والذين كفروا بئاياتنا } اختلفوا في المراد ~~بتلك الآيات ، فمنهم من قال : القرآن ومحمد ، ومنهم من قال : يتناول جميع ~~الدلائل والحجج ، وهذا هو الأصح . والله أعلم . # ! 7 < { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون ~~إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شآء وتنسون ما ~~تشركون } > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 40 - 41 ) قل أرأيتكم إن . . . . . # > > # أعلم أنه تعالى لما بين غاية جهل أولئك الكفار بين من حالهم أيضا أنهم ~~إذا نزلت بهم بلية أو محنة يفرزعون إلى الله تعالى ويلجأون إليه ولا ~~يتمردون عن طاعته ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الفراء للعرب في ( أرأيت ) لغتان : إحداهما : رؤية ~~العين ، فإذا قلت للرجل رأيتك كان المراد : أهل رأيت نفسك ؟ ثم يثنى ويجمع ~~. فنقول : أرأيتكما أرأيتكم ، والمعنى الثاني : أن تقول أرأيتك ، وتريد : ~~أخبرني ، وإذا أردت هذا المعنى تركت التاء مفتوحة على كل حال تقول : أرأيتك ~~أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن . # إذا عرفت هذا فنقول : مذهب البصريين : أن الضمير الثاني وهو الكاف في ~~قولك : أرأيتك لا محل له من الاعراب ، والدليل قوله تعالى : { قال أرءيتك ~~هاذا الذى كرمت } ( الإسرار : 62 ) ويقال أيضا : أرأيتك زيدا ما شأنه ، ولو ~~جعلت الكاف محلا لكنت كأنك تقول : أرأيت نفسك زيدا ما شأنه ، وذلك كلام ~~فاسد ، فثبت أن الكاف لا محل له من الاعراب ، بل هو حرف لأجل الخطاب ، وقال ~~الفراء : لو كانت الكاف توكيدا لوقعت التثنية والجمع على التاء ، كما يقعان ~~عليها عند عدم الكاف ، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع ، ووقعت علامة الجمع ~~على الكاف ، دل ذلك على أن الكاف غير مذكور للتوكيد . ألا ترى أن الكاف لو ~~سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة : أرأيت ، فثبت بهذا انصراف ms3571 الفعل إلى الكاف ، ~~وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها . # أجاب الواحد عنه : بأن هذه الحجة تبطل بكاف ذلك وأولئك ، فإن علامة الجمع ~~تقع عليها مع أنها حرف للخطاب ، مجرد عن الاسمية ، والله أعلم . # المسألة الثانية : قرأ نافع { أرأيتكم } وأشباه ذلك بتخفيف الهمزة في كل ~~القرآن ، والكسائي ترك الهمزة في كل القرآن ، والباقون بالهمزة . أما تخفيف ~~الهمزة ، فالمراد جعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي . وأما مذهب ~~الكسائي فحسن ، وبه قرأ عيسى بن عمر وهو PageV12P183 كثير في الشعر ، وقد ~~تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة للتخفيف كما قالوا : وسله ، وكما أنشد ~~أحمد بن يحيى : # وإن لم أقاتل فالبسوني برقعا # بحذف الهمزة . أراد فألبسوني بإثبات الهمزة . وأما الذين قرأوا بتخفيف ~~الهمزة فالسبب أن الهمزة عين الفعل والله أعلم . # المسألة الثالثة : معنى الآية أن الله تعالى قال لمحمد عليه السلام : قل ~~يا محمد لهؤلاء الكفار إن أتاكم عذاب الله في الدنيا وأتاكم العذاب عند ~~قيام الساعة ، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء والضر أو ترجعون فيه ~~إلى الله تعالى ؟ ولما كان من المعلوم بالضرورة أنهم إنما يرجعون إلى الله ~~تعالى في دفع البلاء والمحنة لا إلى الأصنام والأوثان ، لا جرم قال { تدعون ~~إن كنتم صادقين بل إياه تدعون } يعني أنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية ~~والمحنة إلا إلى الله تعالى . # ثم قال : { فيكشف ما تدعون إليه } أي فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم ~~وتنسون ما تشركون به ، وفيه وجوه : الأول : قال ابن عباس : المراد تتركون ~~الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع . الثاني : قال الزجاج : ~~يجوز أن يكون المعنى أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم ، وهذا قول ~~الحسن لأنه قال : يعرضون إعراض الناسي ، ونظيره قوله تعالى : { حتى إذا ~~كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم ~~الموج من كل مكان } ( يونس : 22 ) ولا يذكرون الأوثان . # المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يجيب الدعاء إن شاء ~~وقد لا يجيبه ، لأنه ms3572 تعالى قال : { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء } ولقائل أن ~~يقول : إن قوله { ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) يفيد الجزم بحصول ~~الإجابة ، فكيف الطريق إلى الجمع بين الآيتين . # والجواب أن نقول : تارة يجزم تعالى بالإجابة وتارة لا يجزم ، إما بحسب ~~محض المشيئة كما هو قول أصحابنا ، أو بحسب رعاية المصلحة كما هو قول ~~المعتزلة ، ولما كان كلا الأمرين حاصلا لا جرم وردت الآيتان على هذين ~~الوجهين . # المسألة الخامسة : حاصل هذا الكلام كأنه تعالى يقول لبدة الأوثان : إذا ~~كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله تعالى لا إلى الأصنام والأثان ، فلم ~~تقدمون على عبادة الأصنام التي لا تنتفعون بعبادتها ألبتة ؟ وهذا الكلام ~~إنما يفيد لو كان ذكر الحجة والدليل مقبولا . أما لو كان ذلك مردودا وكان ~~الواجب هو محض التقليد ، كان هذا الكلام ساقطا ، فثبت أن هذه الآية أقوى ~~الدلائل على أن أصل الدين هو الحجة والدليل . والله أعلم . PageV12P184 # ! 7 < { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأسآء والضرآء لعلهم ~~يتضرعون * فلولاإذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولاكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ~~ما كانوا يعملون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 42 - 43 ) ولقد أرسلنا إلى . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الكفار عند نزول الشدائد يرجعون ~~إلى الله تعالى ، ثم بين في هذه الآية أنهم لا يرجعون إلى الله عند كل ما ~~كان من جنس الشدائد ، بل قد يبقون مصرين على الكفر منجمدين عليه غير راجعين ~~إلى الله تعالى ، وذلك يدل على مذهبنا من أن الله تعالى إذا لم يهده لم ~~يهتد ، سواء شاهد الآيات الهائلة ، أو لم يشاهدها ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في الآية محذوف والتقدير : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ~~رسلا فخالفوهم فأخذناهم بالبأساء والضراء ، وحسن الحذف لكونه مفهوما من ~~الكلام المذكور . وقال الحسن ( البأساء ) شدة الفقر من البؤس ( والضراء ) ~~الأمراض والأوجاع . # ثم قال : { لعلهم يتضرعون } والمعنى : إنما أرسلنا الرسل إليهم وإنما ~~سلطنا البأساء والضراء عليهم لأجل أن يتضرعوا . ومعنى التضرع التخشع وهو ~~عبارة عن الانقياد وترك التمرد ، وأصله ms3573 من الضراعة وهي الذلة ، يقال ضرع ~~الرجل يضرع ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف ، والمعنى أنه تعالى أعلم نبيه أنه ~~قد أرسل قبله إلى أقوال بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم ~~وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا ، والمقصود منه التسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم . # فإن قيل : أليس قوله { بل إياه تدعون } يدل على أنهم تضرعوا ؟ وههنا يقول ~~: قست قلوبهم ولم يتضرعوا . # قلنا : أولئك أقوام ، وهؤلاء أقوام آخرون . أو نقول أولئك تضرعوا لطلب ~~إزالة البلية ولم يتضرعوا على سبيل الاخلاص لله تعالى فلهذا الفرق حسن ~~النفس والاثبات . # ثم قال تعالى : { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } معناه نفي التضرع . ~~والتقدير فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا . وذكر كلمة ( لولا ) يفيد أنه ما كان ~~لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوتهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها ~~الشيطان لهم والله أعلم . # المسألة الثانية : احتج الجبائي بقوله { لعلهم يتضرعون } فقال : هذا يدل ~~على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم ، وإنما سلط البأساء والضراء عليهم ، ~~لإرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد الإيمان والطاعة ~~من الكل . # والجواب : أن كلمة ( لعل ) تفيد الترجي والتمني ؛ وذلك في حق الله تعالى ~~محال وأنتم حملتموه على PageV12P185 إرادة هذا المطلوب ، ونحن نحمله على ~~أنه تعالى عاملهم معاملة لو صدرت عن غير الله تعالى لكان المقصود منه هذا ~~المعنى ، فإما تعليل حكم الله تعالى ومشيئته فذلك محال على ما ثبت بالدليل ~~. ثم نقول إن دلت هذه الآية على قولكم من هذا الوجه فإنها تدل على ضد قولكم ~~من وجه آخر ، وذلك لأنها تدل على أنهم لم يتضرعوا لقسوة قلوبهم ولأجل أن ~~الشيطان زين لهم أعمالهم . # فنقول : تلك القسوة إن حصلت بفعلهم احتاجوا في إيجادها إلى سبب آخر ولزم ~~التسلسل ، وإن حصلت بفعل الله فالقول قولنا ، وأيضا هب أن الكفار إنما ~~أقدموا على هذا الفعل القبيح بسبب تزيين الشيطان ، إلا أن نقول : ولم بقي ~~الشيطان مصرا على هذا الفعل القبيح ؟ فإن كان ذلك لأجل شيطان آخر تسلسل إلى ms3574 ~~غير النهاية ، وإن بطلت هذه المقادير انتهت بالآخرة إلى أن كل أحد إنما ~~يقدم تارة على الخير وأخرى على الشر ، لأجل الدواعي التي تحصل في قلبه ، ثم ~~ثبت أن تلك الدواعي لا تحصل إلا بإيجاد الله تعالى فحينئذ يصح قولنا ويفسد ~~بالكلية قولهم ، والله أعلم . # ! 7 < { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء حتى إذا فرحوا ~~بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين * قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على ~~قلوبكم من إلاه غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الا يات ثم هم يصدفون } . ~~> 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 44 - 46 ) فلما نسوا ما . . . . . # > > # واعلم أن هذا الكلام من تمام القصة الأولى فبين الله تعالى أنه أخذهم ~~أولا بالبأساء والضراء لكي لا يتضرعوا ، ثم بين في هذه الآية أنهم لما نسوا ~~ما ذكروا به من البأساء والضراء فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، ونقلناهم من ~~البأساء والضراء غلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء ، والمقصود أنه ~~تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة فلم ينتفعوا به ، فنقلهم ~~من تلك الحالة إلى ضدها وهو فتح أبواب الخيرات عليهم وتسهيل موجبات المسرات ~~والسعادات لديهم فلم ينتفعوا به أيضا . وهذا كما يفعله الأب المشفق بولده ~~يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلبا لصلاحه . حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير ~~والنعم ، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا اقدام على ~~اعتذار وتوبة ، فلا جرم أخذناهم بغتة . # واعلم أن قوله { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } معناه فتحنا عليهم أبواب كل ~~شيء كان مغلقا عنهم من الخير ، { حتى إذا فرحوا } أي حتى إذا ظنوا أن الذي ~~نزل بهم من البأساء ما كان على سبيل الانتقام من الله ، ولما فتح الله ~~عليهم أبواب الخيرات ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ، فعند ذلك ظهر أن قلوبهم قست ~~وماتت ، في هذه الآية مكر بالقوم ورب الكعبة ، وقال صلى الله عليه وسلم < < ~~إذا رأيت الله يعطي على المعاصي فإن ذلك ms3575 استدراج من الله تعالى > > ثم قرأ ~~هذه الآية . قال أهل المعاني : وإنما أخذوا في حال الرخاء والراحة ليمون ~~أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال السلامة والعافية وقوله { فإذا هم مبلسون ~~} أي أيسون من كل خير . قال PageV12P186 الفراء : المبلس الذي انقطع رجاؤه ~~، ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس . وقال الزجاج : المبلس ~~الشديد الحسرة الحزين ، والابلاس في اللغة يكون بمعنى اليأس من النجاة عند ~~ورود الهلكة ، ويكون بمعنى انقطاع الحجة ، ويكون بمعنى الحيرة بما يرد على ~~النفس من البلية . وهذه المعاني متقاربة . # ثم قال تعالى { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } الدابر التابع للشيء من ~~خلفه كالولد للوالد يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا إذا كان ~~آخرهم . قالل أمية بن أبي الصلت : # % فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم % % فما استطاعوا له صرفا ولا انتصرا % # وقال أبو عبيدة : دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم . وقال الأصمعي الدابر ~~الأصل يقال قطع الله دابره أي أذهب الله أصله . وقوله { والحمد لله رب ~~العالمين } فيه وجوه : الأول : معناه أنه تعالى حمد نفسه على أن قطع دابرهم ~~واستأصل شأفتهم لأن ذلك كان جاريا مجرى النعمة العظيمة على أولئك الرسل في ~~إزالة شرهم عن أولئك الأنبياء . والثاني : أنه تعالى لما علم قسوة قلوبهم ~~لزم أن يقال : إنه كلما ازدادت مدة حياتهم ازدادت أنواع كفرهم ومعاصيهم ، ~~فكانوا يستوجبون به مزيد العقاب والعذاب . فكان افناؤهم واماتتهم في تلك ~~الحالة موجبا أن يصيروا مستوجبين لتلك الزيادات من العقاب . فكان ذلك جاريا ~~مجرى الإنعام عليهم . والثالث : أن يكون هذا الحمد والثناء إنما حصل على ~~وجود انعام الله عليهم في أن كلفهم وأزال العذر والعلة عنهم ودبرهم بكل ~~الوجوه الممكنة في التدبير الحسن ، وذلك بأن أخذهم أولا بالبأساء والضراء ، ~~ثم نقلهم إلا الآلاء والنعماء ، وأمهلهم وبعث الأنبياء والرسل إليهم ، فلما ~~لم يزدادوا إلا انهماكا في الغي والكفر ، افناهم الله وطهر وجه الأرض من ~~شرهم ، فكان قوله { الحمد لله رب العالمين } على تلك النعم الكثيرة ~~المتقدمة . # قوله تعالى { قل أرأيتم إن أخذ الله ms3576 سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من ~~إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون } # < < # | الإسراء : ( 101 ) ولقد آتينا موسى . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من هذا الكلام ذكر ما يدل على وجود ~~الصانع الحكيم المختار ، وتقريره أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر ~~والقلب فالأذن محل القوة السامعة والعين محل القوة الباصرة ، والقلب محل ~~الحياة والعقل والعلم . فلو زالت هذه الصفات عن هذه الأعضاء اختل أمر ~~الإنسان وبطلت مصالحه في الدنيا وفي الدين . ومن المعلوم بالضرورة أن ~~القادر على تحصيل هذه القوى فيها PageV12P187 وصونها عن الآفات والمخافات ~~ليس إلا الله . وإذا كان الأمر كذلك ، كان المنعم بهذه النعم العالية ~~والخيرات الرفيعة هو الله سبحانه وتعالى فوجب أن يقال المستحق للتعظيم ~~والثناء والعبودية ليس إلا الله تعالى وذلك يدل على أن عبادة الأصنام طريقة ~~باطلة فاسدة . # المسألة الثانية : ذكروا في قوله { وختم على قلوبكم } وجوها : الأول : ~~قال ابن عباس : معناه وطبع على قلوبهم فلم يعقلوا الهدى . الثاني : معناه ~~وأزال عقولكم حتى تصيروا كالمجانين . والثالث : المراد بهذا الختم الاماتة ~~أي يميت قلوبكم . # المسألة الثالثة : قوله { من إلاه غير الله } { من } رفع بالابتداء وخبره ~~{ إله } و { غير } صفة له وقوله { يأتيكم به } هذه الهاء تعود على معنى ~~الفعل . والتقدير : من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم . # المسألة الرابعة : روي عن نافع { به انظر } بضم الهاء وهو على لغة من ~~يقرأ { فخسفنا به وبداره الارض } ( القصص : 81 ) فحذف الواو لالتقاء ~~الساكنين فصار { به انظر } والباقون بكسر الهاء . وقرأ حمزة والكسائي { ~~يصدفون } باشمام الزاي والباقون بالصاد أي يعرضون عنه . يقال : صدف عنه أي ~~أعرض والمراد من تصريف الآيات إيرادها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحث ~~يكون كل واحد منها يقوي ما قبل في الايصال إلى المطلوب فذكر تعالى أن مع ~~هذه المبالغة في التفهيم والتقرير والإيضاح والكشف ، انظر يا محمد أنهم كيف ~~يصدفون ويعرضون . # المسألة الخامسة : قال الكعبي : دلت هذه الآية على أنه تعالى مكنهم من ~~الفهم ، ولم ms3577 يخلق فيهم الاعراض والصد ولو كان تعالى هو الخالق لما فيهم من ~~الكفر لم يكن لهذا الكلام معنى . واحتج أصحابنا بعين هذه الآية وقالوا : ~~إنه تعالى بين أنه بالغ في إظهار هذه الدلالة وفي تقريرها وتنقيجها وإزالة ~~جهات الشبهات عنها ، ثم إنهم مع هذه المبالغة القاطعة للعذر ما زادوا إلا ~~تماديا في الكفر والغي والعناد ، وذلك يدل على أن الهدى والضلال لا يحصلان ~~إلا بهداية الله وإلا بإضلاله فثبت أن هذه الآية دلالتها على قولنا أقوى من ~~دلالتها على قولهم والله أعلم . # ! 7 < { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم ~~الظالمون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 47 ) قل أرأيتكم إن . . . . . # > > اعلم أن الدليل المتقدم كان مختصا بأخذ السمع والبصر والقلب وهذا عام ~~في جميع أنواع العذاب ، والمعنى : أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا ~~الله سبحانه ، ولا محصل لخير من الخيرات إلا الله سبحانه ، فوجب أن يكون هو ~~المعبود بجميع أنواع العبادات لا غيره . # فإن قيل : ما المراد بقوله { بغتة أو جهرة } قلنا العذاب الذي يجيئهم إما ~~أن يجيئهم من غير سبق علامة تدلهم على مجيء ذلك العذاب أو مع سبق هذه ~~العلامة . فالأول : هو البغتة . والثاني : هو الجهرة . والأول PageV12P188 ~~سماه الله تعالى بالبغتة ، لأنه فاجأهم بها وسمى الثاني جهرة ، لأن نفس ~~العذاب وقع بهم وقد عرفوه حتى لو أمكنهم الاحتراز عنه لتحرزوا منه . # وعن الحسن أنه قال : { بغتة أو جهرة } معناه ليلا أو نهارا . وقال القاضي ~~: يجب حمل هذا الكلام على ما تقدم ذكره لأنه لو جاءهم ذلك العذاب ليلا وقد ~~عاينوا مقدمته ، لم يكن بغتة ولو جاءهم نهارا وهم لا يشعرون بمقدمته لم يكن ~~جهرة . فأما إذا حملناه على الوجه الذي تقدم ذكره ، استقام الكلام . # فإن قيل : فما المراد بقوله { هل يهلك إلا القوم الظالمون } مع علمكم بأن ~~العذاب إذا نزل لم يحصل فيه التمييز . # قلنا : إن الهلاك وإن عم الأبرار والأشرار في الظاهر ، إلا أن الهلاك في ~~الحقيقة مختص بالظالمين الشريرين ، لأن الأخيار ms3578 يستوجبون بسبب نزول تلك ~~المضار بهم أنواعا عظيمة من الثواب والدرجات الرفيعة عند الله تعالى ، فذاك ~~وإن كان بلاء في الظاهر ، إلا أنه يوجب سعادات عظيمة ؟ # أما الظالمون فإذا نزل البلاء بهم فقد خسروا الدنيا والآخرة معا ، فلذلك ~~وصفهم الله تعالى بكونهم هالكين وذلك تنبيه على أن المؤمن التقي النقي هو ~~السعيد ، سواء كان في البلاء أو في الآلاء والنعماء وأن الفاسق الكافر هو ~~الشقي ، كيف دارت قضيته واختلفت أحواله ، والله أعلم . # ! 7 < { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن ءامن وأصلح فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون * والذين كذبوا بأاياتنا يمسهم العذاب بما كانوا ~~يفسقون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 48 - 49 ) وما نرسل المرسلين . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار فيما تقدم أنهم قالوا { لولا نزل عليه ءاية ~~من ربه } ( الأنعام : 37 ) وذكر الله تعلى في جوابهم ما تقدم من الوجوه ~~الكثيرة ثم ذكر هذه الآية والمقصود منها أن الأنبياء والرسل بعثوا مبشرين ~~ومنذرين ولا قدرة لهم على إظهار الآيات وإنزال المعجزات ، بل ذاك مفوض إلى ~~مشيئة الله تعالى وكلمته وحكمته فقال : { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين } مبشرين بالثواب على الطاعات ، ومنذرين بالعقاب على المعاصي ، فمن ~~قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو عمل القلب والاصلاح الذي هو عمل الجسد { ~~فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كذبوا * بئاياتنا يمسهم العذاب } ~~ومعنى المس في اللغة التقاء الشيئين من غير فصل . قال القاضي : إنه تعالى ~~علل عذاب الكفار بكونهم فاسقين ، وهذا يقتضي أن يكون كل فاسق كذلك ، فيقال ~~له هذا معارض بما أنه خص الذين كذبوا بآيات الله بهذا الوعيد وهذا يدل على ~~أن من لم يكن مكذبا بآيات الله أن يلحقه الوعيد أصلا . وأيضا فهذا يقتضي ~~كون هذا الوعيد معللا بفسقهم فلم قلتم أن فسق من عرف الله وأقر بالتوحيد ~~والنبوة والمعاد ، مساو لفسق من أنكر هذه الأشياء ؟ والله أعلم . # PageV12P189 ! 7 < { قل لا أقول لكم عندى خزآئن الله ولاأعلم الغيب ~~ولاأقول لكم إنى ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلى قل ms3579 هل يستوى الا عمى والبصير ~~أفلا تتفكرون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 50 ) قل لا أقول . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا من بقية الكلام على قوله { لولا نزل عليه ~~ءاية من ربه } ( الأنعام : 37 ) فقال الله تعالى قل لهؤلاء الأقوام ، إنما ~~بعثت مبشرا ومنذرا ، وليس لي أن أتحكم على الله تعالى وأمره الله تعالى أن ~~ينفي عن نفسه أمورا ثلاثة ، أولها : قوله { لا أقول لكم عندى خزائن الله } ~~فاعلم أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولا من عند الله ، فاطلب من الله ~~حتى يوسع علينا منافع الدنيا وخيراتها ، ويفتح علينا أبواب سعادتها . فقال ~~تعالى قل لهم إني لا أقول لكم عندي خزائن الله ، فهو تعالى يؤتي الملك من ~~يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير لا بيدي والخزائن جمع خزانة ، ~~وهو اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه ، بحيث لا تناله ~~الأيدي . وثانيها : قوله { ولا أعلم الغيب } ومعناه أن القوم كانوا يقولون ~~له إن كنت رسولا من عند الله فلا بد وأن تخبرنا عما يقع في المستقبل من ~~المصالح والمضار ، حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح ، ولدفع تلك المضار . فقال ~~تعالى : قل إني لا أعلم الغيب فكيف تطلبون مني هذه المطالب ؟ # والحاصل أنهم كانوا في المقام الأول يطلبون منه الأموال الكثيرة والخيرات ~~الواسعة ، وفي المقام الثاني كانوا يطلبون منه الاخبار عن الغيوب ، ~~ليتوسلوا بمعرفة تلك الغيوب إلى الفوز بالمنافع والاجتناب عن المضار ~~والمفاسد . وثالثها : قوله { ولا أقول لكم إنى ملك } ومعناه أن الوقم كانوا ~~يقولون { مال * هاذا * الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق } ( الفرقان : ~~7 ) ويتزوج ويخالط الناس . فقال تعالى : قل لهم إني لست من الملائكة . # واعلم أن الناس اختلفوا في أنه ما الفائدة في ذكر نفي هذه الأحوال ~~الثلاثة ؟ # فالقول الأول : أن المراد منه أن يظهر الرسول من نفسه الواضع لله والخضوع ~~له والاعتراف بعبوديته ، حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح ~~عليه السلام . # والقول الثاني : أن القوم كانوا يقترحون منه إظهار المعجزات ms3580 القاهرة ~~القوية ، كقولهم { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( ~~الإسراء : 90 ) إلى آخر الآية فقال تعالى في آخر الآية { قل سبحان ربى هل ~~كنت إلا بشرا رسولا } ( الإسراء : 93 ) يعني لا أدعي إلا الرسالة والنبوة ، ~~وأما هذه الأمور التي طلبتموها ، فلا يكن تحصيلها إلا بقدرة الله ، فكان ~~المقصود من هذا الكلام إظهار العجز والضعف وأنه لا يستقل بتحصيل هذه ~~المعجزات التي طلبوها منه . PageV12P190 # والقول الثالث : أن المراد من قوله { لا أقول لكم عندى خزائن الله } ~~معناه إني لا أدعي كوني موصوفا بالقدرة اللائقة بالإله تعالى . وقوله { ولا ~~أعلم الغيب } أي ولا أدعي كوني موصوفا بعلم الله تعالى . وبمجموع هذين ~~الكلامين حصل أنه لا يدعي الإلهية . # ثم قال : { ولا أقول لكم إنى ملك } وذلك لأنه ليس بعد الإلهية درجة أعلى ~~حالا من الملائكة ، فصار حاصل الكلام كأنه يقول لا أدعي الإلهية ولا أدعي ~~الملكية ولكني أدعي الرسالة ، وهذا منصب لا يمتنع حصوله للبشر ، فكيف ~~أطبقتم على استنكار قولي ودفع دعواي ؟ # المسألة الثانية : قال الجبائي : الآية دالة على أن الملك أفضل من ~~الأنبياء ، لأن معنى الكلام لا أدعي منزلة فوق منزلتي ولولا أن الملك أفضل ~~وإلا لم يصح ذلك . قال القاضي : إن كان الغرض بما نفى طريقة التواضع ؛ ~~فالأقرب أن يدل ذلك على أن الملك أفضل ، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال ~~لا يقوى عليها إلا الملائكة ، لم يدل على كونهم أفضل . # المسألة الثالثة : قوله { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ظاهره يدل على أنه ~~لا يعمل إلا بالوحي وهو يدل على حكمين . # الحكم الأول # أن هذا النص يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم من تلقاء نفسه ~~في شيء من الأحكام وأنه ما كان يجتهد بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي ، ~~ويتأكد هذا بقوله { وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى } ( النجم : 3 ~~/ 4 ) . # الحكم الثاني # إن نفاة القياس قالوا : ثبت بهذا النص أنه عليه السلام ما كان يعمل إلا ~~بالوحي ms3581 النازل عليه فوجب أن لا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي ~~النازل عليه ، لقوله تعالى : { فاتبعوه } ( سبأ : 20 ) وذلك ينفي جواز ~~العمل بالقياس ، ثم أكد هذا الكلام بقوله { قل هل يستوى الاعمى والبصير } ~~وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى والعمل بمقتضى نزول الوحي ~~يجري مجرى عمل البصير . # ثم قال : { أفلا تتفكرون } والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل ~~أن يعرف الفرق بين هذين البابين وأن لا يكون غافلا عن معرفته ، والله أعلم ~~. # ! 7 < { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ~~ولا شفيع لعلهم يتقون } > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 51 ) وأنذر به الذين . . . . . # > > PageV12P191 # اعلم أنه تعالى لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين ، أمر الرسول في هذه ~~الآية بالانذار فقال : { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : ( الإنذار ) الاعلام بموضع المخافة وقوله { به } قال ~~ابن عباس والزجاج بالقرآن . والدليل عليه قوله تعالى قبل هذه الآية { إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلى } ( الأنعام : 50 ) وقال الضحاك { وأنذر به } أي ~~بالله ، والأول أولى ، لأن الانذار والتخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا ~~بذات الله تعالى . # وأما قوله { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } ففيه أقوال : الأول : ~~أنهم الكافرون الذين تقدم ذكرهم ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم ~~من عذاب الآخرة ، وقد كان بعضهم يتأثر من ذلك التخويف ، ويقع في قلبه أنه ~~ربما كان الذي يقوله محمد حقا ، فثبت أن هذا الكلام لائق بهؤلاء ، لا يجوز ~~حمله على المؤمنين لأن المؤمنين يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم ، والعلم خلاف ~~الخوف والظن . ولقائل أن يقول : إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون ، لأنهم ~~وإن تيقنوا الحشر فلم يتيقنوا العذاب الذي يخاف منه ، لتجويزهم أن يموت ~~أحدهم على الإيمان والعمل الصالح وتجويز أن لا يموتوا على هذه الحالة ، ~~فلهذا السبب كانوا خائفين من الحشر ، بسبب أنهم كانوا مجوزين لحصول العذاب ~~وخائفين منه . # والقول الثاني : أن المراد منه المؤمنون لأنهم هم الذين يقرون بصحة ms3582 الحشر ~~والنشر والبعث والقيامة فهم الذين يخافون من عذاب ذلك اليوم . # والقول الثالث : أنه يتناول الكل لأن لا عاقل إلا وهو يخاف الحشر ، سواء ~~قطع بحصوله أو كان شاكا فيه لأنه بالاتفاق غير معلوم البطلان بالضرورة فكان ~~هذا الخوف قائما في حق الكل ولأنه عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل ، وكان ~~مأمورا بالتبليغ إلى الكل ، وخص في هذه الآية الذين يخافون الحشر ، لأن ~~انتفاعهم بذلك الانذار أكمل ، بسبب أن خوفهم يحملهم على إعداد الزاد ليوم ~~المعاد . # المسألة الثانية : المجسمة تمسكوا بقوله تعالى : { أن يحشروا إلى ربهم } ~~وهذا يقتضي كون الله تعالى مختصا بمكان وجهة لأن كلمة ( إلى ) لانتهاء ~~الغاية . # والجواب : المراد إلى المكان الذي جعله ربهم لاجتماعهم وللقضاء عليهم . # المسألة الثالثة : قوله { ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع } قال الزجاج : ~~موضع { ليس } نصب على الحال كأنه قيل : متخلين من ولي ولا شفيع ، والعامل ~~فيه يخافون . ثم ههنا بحث : وذلك لأنه إن كان المراد من { الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم } الكفار ، فالكلام ظاهر ، لأنهم ليس لهم عند الله شفعاء ، ~~وذلك لأن اليهود والنصارى كانوا يقولون : { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( ~~المائدة : 18 ) والله كذبهم فيه وذكر أيضا في آية أخرى فقال { ما للظالمين ~~من حميم ولا شفيع يطاع } ( غافر : 18 ) وقال أيضا { فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين } ( المدثر : 48 ) وإن كان المراد المسلمين ، فنقول : قوله { ليس ~~لهم من دونه ولى ولا شفيع } لا ينافي مذهبنا في إثبات الشفاعة للمؤمنين لأن ~~شفاعة الملائكة والرسل للمؤمنين ، إنما تكون بإذن الله تعالى لقوله { من ذا ~~الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) فلما كانت تلك الشفاعة بإذن ~~الله / كانت في الحقيقة من الله تعالى . PageV12P192 # المسألة الرابعة : قوله { لعلهم يتقون } قال ابن عباس : معناه وأنذرهم ~~لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي . قالت المعتزلة : وهذا ~~يدل على أنه تعالى أراد من الكفار التقوى والطاعة ، والكلام على هذا النوع ~~من الاستدلال قد سبق مرارا . # ! 7 < { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ما ms3583 عليك ~~من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء فتطردهم فتكون من الظالمين } . ~~> 7 ! # < < # | الأنعام : ( 52 ) ولا تطرد الذين . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال : مر الملأ من قريش ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ~~ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء عن قومك ؟ أفنحن نكون تبعا ~~لهؤلاء ؟ أطردهم عن نفسك ، فلعلك إن طردتهم اتبعناك ، فقال عليه السلام : ( ~~ما أنا بطارد المؤمنين ) فقالوا فأقمهم عنا إذا جئنا ، فإذا أقمنا فأقعدهم ~~معك إن شئت ، فقال ( نعم ) طمعا في إيمانهم . وروي أن عمر قال له : لو فعلت ~~حتى ننظر إلى ماذا يصيرون ، ثم ألحوا وقالوا للرسول عليه السلام : أكتب لنا ~~بذلك كتابا فدعا بالصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت هذه الآية ، فرمى الصحيفة ، ~~واعتذر عمر عن مقالته ، فقال سلمان وخباب : فينا نزلت ، فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته ، وكان يقوم عنا ~~إذا أراد القيام ، فنزل قوله { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } ( الكهف : ~~28 ) فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال : ( الحمد لله الذي لم يمتني ~~حتى أمرني أن اصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات ) . # المسألة الثانية : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه ~~الآية من وجوه : الأول : أنه عليه السلام طردهم والله تعالى نهاه عن ذلك ~~الطرد ، فكان ذلك الطرد ذنبا . والثاني : أنه تعالى قال : { فتطردهم فتكون ~~من الظالمين } وقد ثبت أنه طردهم ، فيلزم أن يقال : إنه كان من الظالمين . ~~والثالث : أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال : { وما أنا بطارد ~~الذين ءامنوا } ( هود : 29 ) ثم إنه تعالى أمر محمدا عليه السلام بمتابعة ~~الأنبياء عليهم السلام في جميع الأعمال الحسنة ، حيث قال : { أولئك الذين ~~هدى الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) فبهذا الطريق وجب على محمد عليه ~~السلام أن لا يطردهم ، فلما طردهم كان ذلك ذنبا . والرابع : أنه تعالى ذكر ~~هذه الآية ms3584 في سورة الكهف ، فزاد فيها فقال : { تريد زينة الحيواة } ( الكهف ~~: 28 ) ثم إنه تعالى نهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا في آية أخرى ~~فقال { ترضى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيواة ~~الدنيا } ( طه : 131 ) فلما نهى عن الالتفات إلى زينة الدنيا ، ثم ذكر في ~~تلك الآية أنه يريد زينة الحياة الدنيا كان ذلك ذنبا . الخامس : نقل أن ~~أولئك الفقراء كلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~PageV12P193 هذه الواقعة فكان عليه السلانم يقول ( مرحبا بمن عاتبني ربي ~~فيهم ) أو لفظ هذا معناه ، وذلك يدل أيضا على الذنب . # والجواب عن الأول : أنه عليه السلام ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم ~~والاستنكاف من فقرهم وإنما عين لجلوسهم وقتا معينا سوى الوقت الذي كان يحضر ~~فيه أكابر قريش فكان غرضه منه التلطف في إدخالهم في الإسلام ولعله عليه ~~السلام كان يقول هؤلاء الفقراء من المسلمين لا يفوتهم بسبب هذه المعاملة ~~أمر مهم في الدنيا وفي الدين ، وهؤلاء الكفار فإنه يفوتهم الدين والإسلام ~~فكان ترجيح هذا الجانب أولى فأقصى ما يقال إن هذا الاجتهاد وقع خطأ إلا أن ~~الخطأ في الاجتهاد مغفور . وأما قوله ثانيا : إن طردهم يوجب كونه عليه ~~السلام من الظالمين . # فجوابه : أن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، والمعنى أو أولئك ~~الضعفاء الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول عليه السلام فإذا طردهم ~~عن ذلك المجلس كان ذلك ظلمأ ، إلا أنه من باب ترك الأولى والأفضل لا من باب ~~ترك الواجبات وكذا الجواب عن سائر الوجوه فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك ~~الأفضل والأكمل والأولى والأحرى ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر { بالغداة والعشى } بالواو وضم الغين وفي ~~سورة الكهف مثله والباقون بالألف وفتح الغين . قال أبو علي الفارسي الوجه ~~قراءة العامة بالغدة لأنها تستعمل نكرة فأمكن تعريفها بإدخال لام التعريف ~~عليها . فأما ( غدوة ) فمعرفة وهو علم صيغ له ، وإذا كان كذلك ، فوجب أن ~~يمتنع إدخال لام التعريف عليه ، كما يمتنع ms3585 إدخاله على سائر المعارف . وكتبة ~~هذه الكلمة بالواو في المصحف لا تدل على قولهم ، ألا ترى أنهم كتبوا ( ~~الصلوة ) بالواو وهي ألف فكذا ههنا . قال سيبويه ( غدوة وبكرة ) جعل كل ~~واحد منهما اسما للجنس كما جعلوا أم حبين اسما لدابة معروفة . قال وزعم ~~يونس عن أبي عمرو أنك إذا قلت لقيته يوما من الأيام غدوة أو بكرة وأنت تريد ~~المعرفة لم تنون . فهذه الأشياء تقوي قراءة العامة ، وأما وجه قراءة ابن ~~عامر فهو أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز أن يقال أتيتك اليوم غدوة ~~وبكرة فجعلهما بمنزلة ضحوة ، والله أعلم . # المسألة الرابعة : في قوله { يدعون ربهم بالغداة والعشى } قولان : الأول ~~: أن المراد من الدعاء الصلاة ، يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة ، وهي ~~صلاة الصبح وصلاة العصر وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد . # وقيل : المراد من الغداة والعشى طرفا النهار ، وذكر هذين القسمين تنبيها ~~على كونهم مواظبين على الصلوات الخمس . # والقول الثاني : المراد من الدعاء الذكر قال إبراهيم : الدعاء ههنا هو ~~الذكر والمعنى يذكرون ربهم طرفي النهار . # المسألة الخامسة : المجسمة تمسكوا في إثبات الأعضاء لله تعالى بقوله { ~~يريدون وجهه } وسائر الآيات المناسبة له مثل قوله { ويبقى وجه ربك } ( ~~الرحمن : 27 ) . # وجوابه أن قوله { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) يقتضي الوجدانية ~~التامة ، وذلك ينافي التركيب من الأعضاء PageV12P194 والأجزاء ، فثبت أنه ~~لا بد من التأويل ، وهو من وجهين : الأول : قوله { يريدون وجهه } المعنى ~~يريدونه إلا أنهم يذكرون لفظ الوجه للتعظيم ، كما يقال هذا وجه الرأي وهذا ~~وجه الدليل ، والثاني : أن من أحب ذاتا أحب أن يرى وجهه ، فرؤية الوجه من ~~لوازم المحبة ، فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا وتمام ~~هذا الكلام تقدم في قوله { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ~~} ( البقرة : 115 ) . # ثم قال تعالى : { ما عليك من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شىء } ~~اختلفوا في أن الضمير في قوله { حسابهم } وفي قوله { عليهم } إلى ماذا يعود ~~؟ # والقول الأول : أنه عائد إلى المشركين ، والمعنى ms3586 ما عليك من حساب ~~المشركين من شيء ولا حسابك على المشركين وإنما الله هو الذي يدبر عبيده كما ~~يشاء وأراد . والغرض من هذا الكلام أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحمل هذا ~~الاقتراح من هؤلاء الكفار ، فلعلهم يدخلون في الإسلام ويتخلصون من عقاب ~~الكفر ، فقال تعالى : لا تكن في قيد أنهم يتقون الكفر أم لا فإن الله تعالى ~~هو الهادي والمدبر . # القول الثاني : أن الضمير عائد إلى الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، ~~وهم الفقراء ، وذلك أشبه بالظاهر . والدليل عليه أن الكناية في قوله { ~~فتطردهم فتكون من الظالمين } عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء / فوجب أن ~~يكون سائر الكنايات عائدة إليهم ، وعلى هذا التقدير فذكروا في قوله { ما ~~عليك من حسابهم من شىء } قولين : أحدهما : أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك ~~الفقراء وقالوا يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون ~~بهذا السبب مأكولا وملبوسا عندك ، وإلا فهم فارغون عن دينك ، فقال الله ~~تعالى إن كان الأمر كما يقولون ، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر وإن كان لهم ~~باطن غير مرضي عند الله ، فحسابهم عليه لازم لهم ، لا يتعدى إليك ، كما أن ~~حسابك عليك لا يتعدى إليهم ، كقوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الأنعام : ~~164 ) . # فإن قيل : أما كفى قوله { ما عليك من حسابهم من شىء } حتى ضم إليه قوله { ~~وما من حسابك عليهم من شىء } # قلنا : جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة قصد بهما معنى واحد وهو المعنى ~~في قوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان ~~جميعا ، كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه . # القول الثاني : ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم ، ولا حساب ~~رزقك عليهم ، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى ، فدعهم يكونوا عندك ولا ~~تطردهم . # وأعلم أن هذه القصة شبيهة بقصة نوح عليه السلام إذ قال له قومه { أنؤمن ~~لك واتبعك الارذلون } ( الشعراء : 111 ) فأجابهم نوح عليه السلام و { قال ~~وما علمى بما كانوا يعملون * إن حسابهم ms3587 إلا على ربى لو تشعرون } ( الشعراء ~~: 112 ، 113 ) وعنوا بقولهم { الارذلون } الحاكة والمحترفين بالحرف الخسيسة ~~، فكذلك ههنا . وقوله { فتطردهم } جواب النفي ومعناه ، ما عليك من حسابهم ~~من شيء فتطردهم ، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب ~~تطردهم ، وقوله { فتكون من الظالمين } يجوز أن يكون عطفا على PageV12P195 ~~قوله { فتطردهم } على وجه التسبب لأن كونه ظالما معلوم طردهم ومسبب له . ~~وأما قوله { فتكون من الظالمين } ففيه قولان : الأول : { فتكون من الظالمين ~~} لنفسك بهذا الطرد ، الثاني : أن تكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا ~~مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلما لهم ، والله أعلم . # ! 7 < { وكذالك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهاؤلاء من الله عليهم من بيننآ ~~أليس الله بأعلم بالشاكرين } > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 53 ) وكذلك فتنا بعضهم . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : أعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أن كل واحد مبتلى ~~بصاحبه ، فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على ~~كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى قبوله فقالوا : لو دخلنا في الإسلام ~~لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية ، ~~فكان ذلك يشق عليهم . ونظيره قوله تعالى : { الذكر عليه من بيننا بل } ( ~~القمر : 25 ) { لو كان خيرا ما سبقونا إليه } ( الأحقاف : 11 ) وأما فقراء ~~الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب ~~والسعة ، فكانوا يقولون كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء مع أنا بقينا في هذه ~~الشدة والضيق والقلة . # فقال تعالى : { وكذالك فتنا بعضهم ببعض } فأحد الفريقين يرى الآخر متقدما ~~عليه في المناصب الدينية والفريق الآخر يرى الفريق الأول متقدما عليه في ~~المناصب الدنيوية ، فكانوا يقولون أهذا هو الذي فضله الله علينا ، وأما ~~المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله تعالى فهو حق وصدق وحكمة ~~وصواب ولا اعتراض عليه ، إما بحكم المالكية على ما هو قول أصحابنا أو بحسب ~~المصلحة على ما هو قول المعتزلة ، فكانوا صابرين في وقت البلاء ، شاكرين في ~~وقت الآلاء والنعماء وهم الذين قال الله تعالى ف حقهم { أليس ms3588 الله بأعلم ~~بالشاكرين } . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من ~~وجهين : الأول : أن قوله { وكذالك فتنا بعضهم ببعض } تصريح بأن إلقاء تلك ~~الفتنة من الله تعالى ، والمراد من تلك الفتنة ليس إلا اعتراضهم على الله ~~في أن جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدين والاعتراض على الله كفر وذلك يدل ~~على أنه تعالى هو الخالق للكفر . والثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا ~~{ أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } والمراد من قوله { من الله عليهم } هو ~~أنه عليهم بالإيمان بالله ومتابعة الرسول ، وذلك يدل على أنم هذه المعاني ~~إنما تحصل من الله تعالى لأنه لو كان الموجد للإيمان هو العبد ، فالله ما ~~من عليه بهذا الإيمان ، بل العبد هو الذي من على نفسه بهذا الإيمان ، فصارت ~~هذه الآية دليلا على قولنا في هذه المسألة من هذين PageV12P196 الوجهين : ~~أجاب الجبائي عنه ، بأن الفتنة في التكليف ما يوجب التشديد ، وإنما فعلنا ~~ذلك ليقولوا أهؤلاء ؟ أي ليقول بعضهم لبعض استفهاما لا إنكارا { أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا } بالإيمان ؟ وأجاب الكعبي عنه بأن قال : { وكذالك ~~فتنا بعضهم ببعض } ليصبروا أو ليشكروا ، فكان عاقبة أمرهم أن قالوا { ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } على ميثاق قوله { فالتقطه ءال فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) والجواب عن الوجهين أنه عدول عن الظاهر من ~~غير دليل لا سيما والدليل العقلي قائم على صحة هذا الظاهر ، وذلك لأنه لما ~~كانت مشاهدة هذه الأحوال توجب الأنفة ، والأنفة توجب العصيان والاصرار على ~~الكفر ، وموجب الموجب موجب ، كان الالزام واردا ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : في كيفية افتتان البعض بالبعض وجوه : الأول : أن الغنى ~~والفقر كانا سببين لحصول هذا الافتتان كما ذكرنا في قصة نوح عليه السلام ، ~~وكما قال في قصة قوم صالح { وقال الذين * استكبروا إنا بالذىءامنتم به ~~كافرون } ( الاعراف : 76 ) والثاني : ابتلاء الشريف بالوضيع . والثالث : ~~ابتلاء الذكي بالأبله . وبالجملة فصفات الكمال مختلفة متفاوتة ، ولا تجتمع ~~في إنسان واحد ألبتة ، بل هي موزعة على الخلق وصفات ms3589 الكمال محبوبة لذاتها ، ~~فكل أحد يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفات الكمال . # فأما من عرف سر الله تعالى في القضاء والقدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن ~~التعرض للخلق ، وعاش عيشا طيبا في الدنيا والآخرة ، والله أعلم . # المسألة الرابعة : قال هشام بن الحكم : إنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا ~~عند حدوثها ، واحتج بهذه الآية ، لأن الافتتان هو الاختبار والامتحان ، ~~وذلك لا يصح إلا لطلب العلم وجوابه قد مر غير مرة . # PageV12P197 ! 7 < { وإذا جآءك الذين يؤمنون بأاياتنا فقل سلام عليكم كتب ~~ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح ~~فأنه غفور رحيم } . > 7 ! # / < < # | الأنعام : ( 54 ) وإذا جاءك الذين . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في قوله { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا } ~~فقال بعضهم هو على إطلاقه في كل من هذه صفته . وقال آخرون : بل نزل في أهل ~~الصفة الذين سأل المشركون الرسول عليه السلام طردهم وإبعادهم ، فأكرمهم ~~الله بهذا الإكرام . وذلك لأنه تعالى نهى الرسول عليه السلام أولا عن طردهم ~~، ثم أمره بأن يكرمهم بهذا النوع من الإكرام . قال عكرمة : كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام ويقول : ( الحمد لله الذي جعل في ~~أمتي من أمرني أن أبدأه بالسلام ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عمر ~~لما اعتذر من مقالته واستغفر الله منها . وقال للرسول عليه السلام ، ما ~~أردت بذلك إلا الخير نزلت هذه الآية . وقال بعضهم : بل نزلت في قوم أقدموا ~~على ذنوب ، ثم جاؤه صلى الله عليه وسلم مظهرين للندامة والأسف ، فنزلت هذه ~~الآية فيهم والأقرب من هذه الأقاويل أن تحمل هذه الآية على عمومها ، فكل من ~~آمن بالله دخل تحت هذا التشريف . # ولي ههنا إشكال ، وهو : أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة ~~واحدة ، وإذا / كان الأمر كذلك ، فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من آيات ~~السورة أن سبب نزولها هو الأمر الفلاني بعينه ؟ # المسألة الثانية : قوله : { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا } مشتمل ms3590 على ~~أسرار عالية ، وذلك لأن ما سوى الله تعالى فهو آيات وجود الله تعالى ، ~~وآيات صفات جلاله وإكرامه وكبريائه ، وآيات وحدانيته ، وما سوى الله فلا ~~نهاية له ، وما لا نهاية له فلا سبيل للعقل في الوقوف عليه على التفصيل ~~التام ، إلا أن الممكن هو أن يطلع على بعض الآيات ويتوسل بمعرفتها إلى ~~معرفة الله تعالى ثم يؤمن بالبقية على سبيل الإجمال ثم إنه يكون مدة حياته ~~كالسائح في تلك القفار ، وكالسابح في تلك البحار . ولما كان لا نهاية لها ~~فكذلك لا نهاية لترقي العبد في معارج تلك الآيات ، وهذا مشرع جملي لا نهاية ~~لتفاصيله . ثم إن العبد إذا صار موصوفا بهذه الصفة PageV13P003 فعند هذا ~~أمر الله محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم { سلام عليكم } فيكون هذا ~~التسليم بشارة لحصول السلامة . وقوله : { كتب ربكم على نفسه الرحمة } بشارة ~~لحصول الرحمة عقيب تلك السلامة . أما السلامة فالنجاة من بحر عالم الظلمات ~~ومركز الجسمانيات ومعدن الآفات والمخالفات وموضع التغييرات والتبديلات ، ~~وأما الكرامات فبالوصول إلى الباقيات الصالحات والمجردات المقدسات ، ~~والوصول إلى فسحة عالم الأنوار والترقي إلى معارج سرادقات الجلال . # المسألة الثالثة : ذكر الزجاج عن المبرد . أن السلامة في اللغة أربعة ~~أشياء ، فمنها سلمت سلاما وهو معنى الدعاء ، ومنها أنه اسم من أسماء الله ~~تعالى ، ومنها الإسلام ، ومنها اسم للشجر العظيم ، أحسبه سمي بذلك لسلامته ~~من الآفات ، وهو أيضا اسم للحجارة الصلبة ، وذلك أيضا لسلامتها من الرخاوة ~~. ثم قال الزجاج : قوله : { سلام عليكم } السلام ههنا يحتمل تأويلين : ~~أحدهما : أن يكون مصدر سلمت تسليما وسلاما مثل السراح من التسريح ، ومعنى ~~سلمت عليه سلاما ، دعوت له بأن يسلم من الآفات في دينه ونفسه . فالسلام ~~بمعنى التسليم ، والثاني : أن يكون السلام جمع السلامة ، فمعنى قولك السلام ~~عليكم / السلامة عليكم . وقال أبو بكر بن الأنباري : قال قوم السلام هو ~~الله تعالى فمعنى السلام عليكم يعني الله عليكم أي على حفظكم وهذا بعيد في ~~هذه الآية لتنكير السلام في قوله { فقل سلام عليكم } ولو كان معرفا لصح هذا ms3591 ~~الوجه . وأقول كتبت فصولا مشبعة كاملة في قولنا سلام عليكم وكتبتها في سورة ~~التوبة ، وهي أجنبية عن هذا الموضع فإذا نقلته إلى هذا الموضع كمل البحث ~~والله أعلم . # أما قوله { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ففيه مسائل : # / المسألة الأولى : قوله كتب كذا على فلان يفيد الإيجاب . ولكمة ( على ) ~~أيضا تفيد الإيجاب ومجموعهما مبالغة في الإيجاب . فهذا يقتضي كونه سبحانه ~~راحما لعباده رحيما بهم على سبيل الوجوب واختلف العقلاء في سبب ذلك الوجوب ~~فقال أصحابنا : له سبحانه أن يتصرف في عبيده كيف شاء وأراد ، إلا أنه أوجب ~~الرحمة على نفسه على سبيل الفضل والكرم . وقالت المعتزلة : إن كونه عالما ~~بقبح القبائح وعالما بكونه غنيا عنها ، يمنعه من الإقدام على القبائح ولو ~~فعله كان ظلما ، والظلم قبيح ، والقبيح منه محال . وهذه المسألة من المسائل ~~الجلية في علم الأصول . # المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أنه لا يمتنع تسمية ذات الله تعالى ~~بالنفس وأيضا قوله تعالى : { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } ( ~~المائدة : 116 ) يدل عليه ، والنفس ههنا بمعنى الذات والحقيقة ، وأما بمعنى ~~الجسم والدم فالله سبحانه وتعالى مقدس عنه . لأنه لو كان جسما لكان مركبا ~~والمركب ممكن وأيضا أنه أحد ، والأحد لا يكون مركبا ، وما لا يكون مركبا لا ~~يكون جسما وأيضا أنه غني كما قال { والله الغنى } والغني لا يكون مركبا وما ~~لا يكون مركبا لا يكون جسما وأيضا الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فلو ~~كان جسما لحصل له مثل ، وذلك باطل لقوله { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) ~~فأما الدلائل العقلية فكثيرة ظاهرة باهرة قوية جلية والحمد لله عليه . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة قوله : { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ~~ينافي أن يقال : إنه تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذبه عليه أبد ~~الآباد ، وينافي أن يقال : إنه يمنعه عن الإيمان ، ثم يأمره حال ذلك المنع ~~PageV13P004 بالإيمان ، ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان . وجواب أصحابنا : ~~أنه ضار نافع محيي مميت ، فهو تعالى فعل تلك الرحمة البالغة وفعل هذا القهر ms3592 ~~البالغ ولا منافاة بين الأمرين . # المسألة الرابعة : من الناس من قال : إنه تعالى لما أمر الرسول بأن يقول ~~لهم : { سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } كان هذا من قول الله تعالى ~~ومن كلامه ، فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قال لهم في الدنيا : { سلام ~~عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } وتحقيق هذا الكلام أنه تعالى وعد أقواما ~~بأنه يقول لهم بعد الموت { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) ثم إن ~~أقواما أفنوا أعمارهم في العبودية حتى صاروا في حياتهم الدنيوية كأنهم ~~انتقلوا إلى عالم القيامة ، لا جرم صار التسليم الموعود به بعد الموت في حق ~~هؤلاء حال كونهم في الدنيا ، ومنهم من قال : لا ، بل هذا كلام الرسول عليه ~~الصلاة والسلام . وقوله : وعلى التقديرين فهو درجة عالية . # ثم قال تعالى : { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا لا يتناول التوبة من الكفر ، لأن هذا ~~الكلام خطاب مع الذين / وصفهم بقوله : { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا } ~~فثبت أن المراد منه توبة المسلم عن المعصية / والمراد من قوله { بجهالة } ~~ليس هو الخطأ والغلط ، لأن ذلك لا حاجة به إلى التوبة ، بل المراد منه ، أن ~~تقدم على المعصية بسبب الشهوة ، فكان المراد منه بيان أن المسلم إذا أقدم ~~على الذنب مع العلم بكونه ذنبا ثم تاب منه توبة حقيقية فإن الله تعالى يقبل ~~توبته . # المسألة الثانية : قرأ نافع { أنه من عمل منكم } بفتح الألف { فأنه غفور ~~} بكسر الألف ، وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح فيهما ، والباقون بالكسر فيهما ~~. أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة ، كأنه قيل : كتب ربكم على نفسه أنه ~~من عمل منكم . وأما فتح الثانية فعلى أن يجعله بدلا من الأولى كقوله { ~~أيعدكم أنكم إذا مت م وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون } ( المؤمنون : 85 ) ~~وقوله { كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله } ( الحج : 4 ) وقوله { ألم ~~يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم } ( التوبة : 63 ) قال ms3593 ~~أبو علي الفارسي : من فتح الأولى فقد جعلها بدلا من الرحمة ، وأما التي بعد ~~الفاء فعلى أنه أضمر له خبرا تقديره ، فله أنه غفور رحيم ، أي فله غفرانه ، ~~أو أضمر مبتدأ يكون ( أن ) خبره كأنه قيل : فأمره أنه غفور رحيم . وأما من ~~كسرهما جميعا فلأنه لما قال { كتب ربكم على نفسه الرحمة } فقد تم هذا ~~الكلام ، ثم ابتدأ وقال { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده ~~وأصلح فأنه غفور رحيم } فدخلت الفاء جوابا للجزاء ، وكسرت إن لأنها دخلت ~~على مبتدأ وخبر كأنك قلت فهو غفور رحيم . إلا أن الكلام بأن أوكد هذا قول ~~الزجاج . وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر ، لأنه أبدل الأولى من ~~الرحمة ، واستأنف ما بعد الفاء . والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله : { من عمل منكم سوءا بجهالة } قال الحسن : كل من ~~عمل معصية فهو جاهل ، ثم اختلفوا فقيل : إنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب ~~وما استحقه من العقاب ، وقيل : إنه وإن علم أن عاقبة ذلك الفعل مذمومة ، ~~إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل ، ومن آثر القليل على ~~الكثير قيل في العرف إنه جاهل . PageV13P005 # وحاصل الكلام أنه وإن لم يكن جاهلا إلا أنه لما فعل ما يليق بالجهال أطلق ~~عليه لفظ الجاهل ، وقيل نزلت هذه الآية في عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ~~ما اقترحوه ، ولم يعلم بأنها مفسدة ونظير هذه الآية قوله : { إنما التوبة ~~على الله للذين يعملون السوء بجهالة } ( النساء : 17 ) . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ثم تاب من بعده وأصلح } فقوله { تاب } ~~إشارة إلى الندم على الماضي وقوله { وأصلح } إشارة إلى كونه آتيا بالأعمال ~~الصالحة في الزمان المستقبل . ثم قال : { فأنه غفور رحيم } فهو غفور بسبب ~~إزالة العقاب ، رحيم بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة . والله ~~أعلم . # ! 7 < { وكذلك نفصل الا يات ولتستبين سبيل المجرمين * قل إنى نهيت أن ~~أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهوآءكم قد ضللت إذا ومآ أنا من ~~المهتدين * قل إنى ms3594 على بينة من ربى وكذبتم به ما عندى ما تستعجلون به إن ~~الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 55 - 57 ) وكذلك نفصل الآيات . . . . . # > > # / قوله تعالى : { وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين } . # المراد كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد والنبوة ~~والقضاء والقدر ، فكذلك نميز ونفصل لك دلائلنا وحججنا في تقرير كل حق ينكره ~~أهل الباطل وقوله : { ولتستبين سبيل المجرمين } عطف على المعنى كأنه قيل ~~ليظهر الحق وليستبين ، وحسن هذا الحذف لكونه معلوما واختلف القراء في قوله ~~{ * ليستبين } فقرأ نافع { * لتستبين } بالتاء { * وسبيل } بالنصب والمعنى ~~لتستبين يا محمد سبيل هؤلاء المجرمين . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن ~~عاصم { * ليستبين } بالياء { من سبيل } بالرفع والباقون بالتاء { * وسبيل } ~~بالرفع على تأنيث سبيل . وأهل الحجاز يؤنثون السبيل ، وبنو تميم يذكرونه . ~~وقد نطق القرآن بهما فقال سبحانه { بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه ~~سبيلا } ( الأعراف : 146 ) وقال { ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا } ( ~~إبراهيم : 3 ) . # فإن قيل : لم قال { ولتستبين سبيل المجرمين } ولم يذكر سبيل المؤمنين . # قلنا : ذكر أحد القسمين يدل على الثاني . كقوله { سرابيل * القتلى الحر } ~~( النحل : 81 ) ولم يذكر البرد . وأيضا فالضدان إذا كانا بحيث لا يحصل ~~بينهما واسطة ، فمتى بانت خاصية أحد القسمين بانت خاصية القسم الآخر والحق ~~والباطل لا واسطة بينهما ، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة ~~المحقين أيضا لا محالة . # قوله تعالى : { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع ~~أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا } . PageV13P006 # اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ~~ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين ، ذكر في هذه الآية أنه تعالى نهى عن ~~سلوك سبيلهم . فقال : { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله * ~~وبين * إن الذين * عليهم من شىء فتطردهم فتكون من الظالمين * وكذالك فتنا ~~بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين * وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا ms3595 فقل سلام عليكم كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور ~~رحيم * وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين * قل إنى نهيت أن أعبد ~~الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم } ثم قال : { قد ضللت إذا وما ~~أنا من المهتدين } أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من المهتدين في ~~شيء . والمقصود كأنه يقول لهم أنتم كذلك . ولما نفى أن يكون الهوى متبعا / ~~على ما يجب اتباعه بقوله : { قل إنى على بينة من ربى } أي في أنه لا معبود ~~سواه . وكذبتم أنتم حيث أشركتم به غيره . # واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا ~~الشرك . والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب . فقال ~~تعالى قل يا محمد : { ما عندى ما تستعجلون به } يعني قولهم { اللهم إن كان ~~هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( ~~الأنفال : 32 ) والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذي أراد ~~إنزاله فيه . ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره . ثم قال : { إن الحكم إلا ~~لله } وهذا مطلق يتناول الكل . والمراد ههنا إن الحكم إلا لله فقط في تأخير ~~عذابهم { يقضى * الحق } أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل ~~{ وهو خير الفاصلين } أي القاضين ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بقوله : { إن الحكم إلا لله } على أنه لا ~~يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله به ، فيمتنع منه فعل الكفر ~~إلا إذا قضى الله به وحكم به . وكذلك في جميع الأفعال . والدليل عليه أنه ~~تعالى قال : { إن الحكم إلا لله } وهذا يفيد الحصر ، بمعنى أنه لا حكم إلا ~~لله . واحتج المعتزلة بقوله : { يقضى * الحق } ومعناه أن كل ما قضى به فهو ~~الحق . وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر . ولا المعصية من العاصي لأن ~~ذلك ليس الحق . والله أعلم . # المسألة الثانية : قرأ ابن ms3596 كثير ونافع وعاصم { يقص الحق } بالصاد من ~~القصص ، يعني أن كل ما أنبأ الله به وأمر به فهو من أقاصيص الحق ، كقوله : ~~{ نحن نقص عليك أحسن القصص } ( يوسف : 3 ) وقرأ الباقون { يقض * الحق } ~~والمكتوب في المصاحف ( يقض ) بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء ~~الساكنين كما كتبوا { سندع الزبانية } ( العلق : 18 ) فما تغن النذر } ~~وقوله : { * } وقوله : { يقضى * الحق } قال الزجاج : فيه وجهان : جائز أن ~~يكون { الحق } صفة المصدر والتقدير : يقض القضاء الحق . ويجوز أن يكون { ~~يقض * الحق } يصنع الحق ، لأن كل شيء صنعه الله فهو حق . وعلى هذا التقدير ~~{ الحق } يكون مفعولا به وقضى / بمعنى صنع . قال الهذلي : # % وعليهما مسرودتان قضاهما % % داود أو صنع السوابغ تبع % # أي صنعهما داود واحتج أبو عمرو على هذه القراءة بقوله : { وهو خير ~~الفاصلين } قال والفصل يكون في القضاء ، لا في القصص . PageV13P007 # أجاب أبو علي الفارسي فقال القصص ههنا بمعنى القول . وقد جاء الفصل في ~~القول قال تعالى : { إنه لقول فصل } وقال : { الر كتاب أحكمت ءاياته } ( ~~هود : 1 ) وقال : { نفصل الآيات } ( الأعراف : 32 ) . # ! 7 < { قل لو أن عندى ما تستعجلون به لقضى الا مر بينى وبينكم والله ~~أعلم بالظالمين * وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ما فى البر ~~والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى ظلمات الا رض ولا رطب ولا ~~يابس إلا فى كتاب مبين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 58 - 59 ) قل لو أن . . . . . # > > # قوله تعالى : { قل لو أن عندى ما تستعجلون به لقضى الامر بينى وبينكم ~~والله أعلم بالظالمين } . # اعلم أن المعنى { لو أن عندى } أي في قدرتي وإمكاني { ما تستعجلون به } ~~من العذاب { لقضى الامر بينى وبينكم } لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي ، واقتصاصا ~~من تكذيبكم به . ولتخلصت سريعا { والله أعلم بالظالمين } وبما يجب في ~~الحكمة من وقت عقابهم ومقداره ، والمعنى : إني لا أعلم وقت عقوبة الظالمين ~~. والله تعالى يعلم ذلك فهو يؤخره إلى وقته ، والله أعلم . # قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما فى البر ~~والبحر ms3597 وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا } . # اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى { والله أعلم بالظالمين } يعني أنه ~~سبحانه هو العالم بكل شيء فهو يعجل ما تعجيله أصلح ويؤخر ما تأخيره أصلح . ~~وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : المفاتح جمع مفتح . ومفتح ، والمفتح بالكسر المفتاح ~~الذي يفتح به والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء ~~فهو مفتح ، قال الفراء في قوله تعالى : { ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة } ( ~~القصص : 76 ) يعني خزائنه فلفظ المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ~~ويمكن أن يراد / منه الخزائن ، أما على التقدير الأول . فقد جعل للغيب ~~مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن ~~المستوثق منها بالأغلاق والأقفال فالعالم بتلك المفاتيح وكيفية استعمالها ~~في فتح تلك الأغلاق والأقفال يمكنه أن يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في تلك ~~الخزائن فكذلك ههنا الحق سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات عبر عن هذا ~~المعنى بالعبارة المذكورة وقرىء { * مفاتيح } وأما على التقدير الثاني ~~فالمعنى وعنده خزائن الغيب . فعلى التقدير الأول يكون المراد العلم بالغيب ~~، وعلى التقدير الثاني المراد منه القدرة على كل الممكنات في قوله : { ~~برازقين وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ( الحجر : ~~21 ) وللحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع على أصولهم فإنهم قالوا : ~~ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم PageV13P008 بالمعلول وأن العلم بالمعلول لا ~~يكون علة للعلم بالعلة . قالوا : وإذا ثبت هذا فنقول : الموجود إما أن يكون ~~واجبا لذاته ، وإما أن يكون ممكنا لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الله ~~سبحانه وتعالى . وكل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا ~~بتأثير الواجب لذاته وكل ما سوى الحق سبحانه فهو موجود بإيجاده كائن ~~بتكوينه واقع بإيقاعه . إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط ~~كثيرة على الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا . إذا ثبت هذا فنقول : علمه ~~بذاته يوجب عمله بالأثر الأول الصادر منه ، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب ~~عمله بالأثر الثاني ms3598 لأن الأثر الأول علة قريبة للأثر الثاني . وقد ذكرنا أن ~~العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبهذا علم الغيب ليس إلا علم الحق بذاته ~~المخصوصة ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالآثار الصادرة عنه على ترتيبها ~~المعتبر / ولما كان علمه بذاته لم يحصل إلا لذاته لا جرم صح أن يقال : { ~~وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } فهذا هو طريقة هؤلاء الفرقة الذين ~~فسروا هذه الآية بناء على هذه الطريقة . # ثم اعلم أن ههنا دقيقة أخرى ، وهي : أن القضايا العقلية المحضة يصعب ~~تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين ~~تعودوا الإعراض عن قضايا الحس والخيال وألفوا استحضار المعقولات المجردة ، ~~ومثل هذا الإنسان يكون كالنادر وقوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا ~~هو } قضية عقلية محضة مجردة فالإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه ~~القضية نادر جدا . والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق . فههنا طريق ~~آخر وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة ، فإذا أراد إيصالها إلى ~~عقل كل أحد ذكر لها مثالا من الأمور المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية ~~الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوما لكل أحد ، ~~والأمر في هذه الآية ورد على هذا القانون ، لأنه قال أولا : { وعنده مفاتح ~~الغيب لا يعلمها إلا هو } ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد بجزئي محسوس ~~فقال : { ويعلم ما فى البر والبحر } وذلك لأن أحد أقسام معلومات الله هو ~~جميع دواب البر ، والبحر ، والحس ، والخيال قد وقف على عظمة أحوال البر ~~والبحر ، فذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظمة ذلك المعقول . # وفيه دقيقة أخرى وهي : إنه تعالى قدم ذكر البر ، لأن الإنسان قد شاهد ~~أحوال البر ، وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، ~~وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن . وأما البحر فإحاطة العقل ~~بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر وطولها ~~وعرضها أعظم وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب . فإذا استحضر ~~الخيال صورة ms3599 البحر والبر على هذه الوجوه . ثم عرف أن مجموعها قسم حقير من ~~الأقسام الداخلة تحت قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } فيصير ~~هذا المثال المحسوس مقويا ومكملا للعظمة الحاصلة تحت قوله : { وعنده مفاتح ~~الغيب لا يعلمها إلا هو } ثم إنه تعالى كما كشف عن عظمة قوله { وعنده مفاتح ~~الغيب } بذكر البر والبحر كشف عن عظمة البر والبحر بقوله : { وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها } وذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في وجه الأرض من المدن ~~والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، ثم يستحضركم فيها من النجم والشجر ثم ~~يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة إلا والحق سبحانه يعلمها ثم يتجاوز من هذا ~~المثال إلى مثال آخر أشد هيئة منه وهو قوله : { ولا حبة فى ظلمات الارض } ~~وذلك لأن الحبة في غاية الغصر وظلمات الأرض موضع يبقى أكبر الأجسام وأعظمها ~~PageV13P009 مخفيا فيها فإذا سمع أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظمات ~~الأرض على اتساعها وعظمتها لا تخرج عن علم الله تعالى البتة ، صارت هذه ~~الأمثلة منبهة على عظمة عظيمة وجلالة عالية من المعنى المشار إليه بقوله : ~~{ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } بحيث تتحير العقول فيها وتتقاصر ~~الأفكار والألباب عن الوصول إلى مباديها ، ثم إنه تعالى لما قوى أمر ذلك ~~المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة فبعد ذكرها عاد إلى ذكر ~~تلك القضية العقلية المحضة المجردة بعبارة أخرى فقال : { ولا رطب ولا يابس ~~إلا فى كتاب مبين } وهو عين المذكور في قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو } فهذا ما عقلناه في تفسير هذه الآية الشريفة العالية . ومن ~~الله التوفيق . # المسألة الثانية : المتكلمون قالوا إنه تعالى فاعل العالم بجواهره ~~وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان ، ومن كان كذلك كان عالما بها فوجب كونه ~~تعالى عالما بها والحكماء قالوا : إنه تعالى مبدأ لجميع الممكنات ، والعلم ~~بالمبدأ يوجب العلم بالأثر فوجب كونه تعالى عالما بكلها : # واعلم أن هذا الكلام من أدل الدلائل على كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات ~~الزمانية وذلك / لأنه ms3600 لما ثبت أنه تعالى مبدأ لكل ما سواه وجب كونه مبدأ ~~لهذه الجزئيات بالأثر . فوجب كونه تعالى عالما بهذه التغيرات والزمانيات من ~~حيث إنها متغيرة وزمانية وذلك هو المطلوب . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ~~يدل على كونه تعالى منزها عن الضد والند وتقريره : أن قوله : { وعنده مفاتح ~~الغيب } يفيد الحصر ، أي عنده لا عند غيره . ولو حصل وجود آخر واجب الوجود ~~لكان مفاتح الغيب حاصلة أيضا عند ذلك الآخر ، وحينئذ يبطل الحصر . وأيضا ~~فكما أن لفظ الآية يدل على هذا التوحيد ، فكذلك البرهان العقلي يساعد عليه ~~. وتقريره : أن المبدأ لحصول العلم بالآثار والنتائج والصنائع هو العلم ~~بالمؤثر والمؤثر الأول في كل الممكنات هو الحق سبحانه . فالمفتح الأول ~~للعلم بجميع المعلومات هو العلم به سبحانه لكن العلم به ليس إلا له لأن ما ~~سواه أثر والعلم بالأثر لا يفيد العلم بالمؤثر . فظهر بهذا البرهان أن ~~مفاتح الغيب ليست إلا عند الحق سبحانه . والله أعلم . # المسألة الرابعة : قرىء { الارض ولا رطب ولا يابس } بالرفع وفيه وجهان : ~~الأول : أن يكون عطفا على محل من ورقة وأن يكون رفعا على الابتداء وخبره { ~~إلا فى كتاب مبين } كقولك : لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار . # المسألة الخامسة : قوله : { إلا فى كتاب مبين } فيه قولان : الأول : أن ~~ذلك الكتاب المبين هو علم الله تعالى لا غير . وهذا هو الصواب . والثاني : ~~قال الزجاج : يجوز أن يكون الله جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من ~~قبل أن يخلق الخلق كما قال عز وجل : { ما أصاب من مصيبة فى الارض ولا فى ~~أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها } ( الحديد : 22 ) وفائدة هذا الكتاب ~~أمور : أحدها : أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف ~~الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات وأنه لا يغيب عنه مما في ~~السموات والأرض شيء . فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين ~~باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة ms3601 هذا العالم فيجدونه ~~موافقا له . وثانيها : يجوز أن يقال إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة ~~تنبيها للمكلفين على أمر الحساب وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في ~~الدنيا شيء : لأنه إذا كان PageV13P010 لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ~~ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل الأحول المشتملة على الثواب والعقاب أولى ~~. وثالثها : أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ~~ذلك العلم ، وإلا لزم الجهل . فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب ~~على التفصيل التام امتنع أيضا تغييرها وإلا لزم الكذب فتصير كتبة جملة ~~الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تاما وسببا كاملا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر ~~وتأخر / ما تقدم كما قال صلوات الله عليه : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة ) والله أعلم . # ! 7 < { وهو الذى يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ~~ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 60 ) وهو الذي يتوفاكم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين كمال علمه بالآية الأولى بين كمال قدرته بهذه ~~الآية وهو كونه قادرا على نقل الذوات من الموت إلى الحياة ومن النوم إلى ~~اليقظة واستقلاله بحفظها في جميع الأحوال وتدبيرها على أحسن الوجوه حالة ~~النوم واليقظة . # فأما قوله : { وهو الذى يتوفاكم } فالمعنى أنه تعالى ينيمكم فيتوفى ~~أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز كما قال جل جلاله { الله ~~يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ~~ويرسل الاخرى إلى أجل } ( الزمر : 42 ) ، فالله جل جلاله يقبض الأرواح عن ~~التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت ، وههنا بحث : وهو أن النائم لا شك أنه حي ~~ومتى كان حيا لم تكن روحه مقبوضة البتة ، وإذا كان كذلك لم يصح أن يقال إن ~~الله توفاه فلا بد ههنا من تأويل وهو أن حال النوم تغور الأرواح الحساسة من ~~الظاهر في الباطن فصارت الحواس الظاهرة معطلة عن أعمالها ، فعند النوم صار ~~ظاهر الجسد ms3602 معطلا عن بعض الأعمال ، وعند الموت صارت جملة البدن معطلة عن كل ~~الأعمال ، فحصل بين النوم وبين الموت مشابهة من هذا الاعتبار ، فصح إطلاق ~~لفظ الوفاة والموت على النوم من هذا الوجه . ثم قال : { ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار } يريد ما كسبتم من العمل بالنهار قال تعالى : { وما علمتم من ~~الجوارح } والمراد منها الكواسب من الطير والسباع واحدتها جارحة . قال ~~تعالى : { والذين * اجترحوا } أي اكتسبوا . وبالجملة فالمراد منه أعمال ~~الجوارح . # ثم قال تعالى : { بالنهار ثم يبعثكم فيه } أي يرد إليكم أرواحكم في ~~النهار ، والبعث ههنا اليقظة . ثم قال : { ليقضي * أجل مسمى } أي أعماركم ~~المكتوبة ، وهي قوله : { وأجل مسمى عنده } والمعنى يبعثكم من نومكم إلى أن ~~تبلغوا آجالكم ، ومعنى القضاء فصل الأمر على سبيل التمام ، ومعنى قضاء ~~الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت . PageV13P011 # / واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه ينيمهم أولا ثم يوقظهم ثانيا كان ذلك ~~جاريا مجرى الإحياء بعد الإماتة ، لا جرم استدل بذلك على صحة البعث ~~والقيامة . فقال : { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون } في ~~ليلكم ونهاركم وفي جميع أحوالكم وأعمالكم . # ! 7 < { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جآء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا وهم لا يفرطون * ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم ~~وهو أسرع الحاسبين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 61 - 62 ) وهو القاهر فوق . . . . . # > > # اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال ~~حكمته . وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه ~~الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر ~~والقدرة ، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله ~~تعالى : { يد الله فوق أيديهم } ( الفتح : 10 ) ومما يؤكد أن المراد ذلك أن ~~قوله : { وهو القاهر فوق عباده } مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه ~~الفوقية ، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية ~~بالجهة ، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون ms3603 مقهورا . وتقرير هذا ~~القهر من وجوه : الأول : إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد ، والثاني : أنه ~~قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم ~~إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى . فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم ~~إلا بإعدامه في الممكنات . والثالث : أنه قهار لكل ضده بضده فيقهر النور ~~بالظلمة والظلمة بالنور ، والنهار بالليل والليل بالنهار . وتمام تقريره في ~~قوله : { قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~وتعز من تشاء وتذل من تشاء } ( آل عمران : 26 ) . # وإذا عرفت منهج الكلام . فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد ، ~~فالفوق ضده التحت ، والماضي ضده المستقبل ، والنور ضده الظلمة ، والحياة ~~ضدها الموت ، والقدرة ضدها العجز . وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن ~~حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان ، وحصول هذه ~~الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبرا قادرا قاهرا منزها عن الضد والند ~~، مقدسا عن الشبيه والشكل . كما قال : { وهو القاهر فوق عباده } والرابع : ~~أن هذا / البدن مؤلف من الطبائع الأربع . وهي متنافرة متباغضة متباعدة ~~بالطبع والخاصة فاجتماعها لا بد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك ~~القاسر هو النفس الإنسانية ، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق ~~النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج ، والقاهر لهذه ~~الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع ، والسابق على حصول الاجتماع ~~مغاير للمتأخر عن حصول الاجتماع . فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على ~~الاجتماع ليس إلا الله تعالى ، كما قال : { وهو القاهر فوق عباده } وأيضا ~~فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن ، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر ~~نظيف ، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة . ثم إنه سبحانه جمع بينهما ~~PageV13P012 على سبيل القهر والقدرة ، وجعل كل واحد منهما مستكملا بصاحبه ~~منتفعا بالآخر . فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد والتفرق ، والبدن ~~يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية ، والمعارف الإلهية ، فهذا ~~الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى ms3604 لهذه الطبائع ، كما قال { ~~وهو القاهر فوق عباده } وأيضا فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة ~~على فعل الضدين ، ومكنة من الطرفين إلا أنه يمتنع رجحان الفعل على الترك ~~تارة والترك على الفعل أخرى إلا عند حصول الداعية الجازمة الخالية عن ~~المعارض . فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان إقدام الفاعل ~~على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله ~~يجري مجرى القهر فكان قاهرا لعباده من هذه الجهة ، وإذا تأملت هذه الأبواب ~~علمت أن الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها ~~مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى ، كما قال : { وهو القاهر ~~فوق عباده } . # وأما قوله تعالى : { ويرسل عليكم حفظة } فالمراد أن من جملة قهره لعباده ~~إرسال الحفظة عليهم وهؤلاء الحفظة هم المشار إليهم بقوله تعالى : { له ~~معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ( الرعد : 11 ) وقوله : ~~{ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق: 18 ) وقوله : { وإن عليكم ~~لحافظين * كراما كاتبين } ( الانفطار : 10 ، 11 ) واتفقوا على أن المقصود ~~من حضور هؤلاء الحفظة ضبط الأعمال . ثم اختلفوا فمنهم من يقول : إنهم ~~يكتبون الطاعات والمعاصي والمباحات بأسرها بدليل قوله تعالى : { ما لهاذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن مع كل إنسان ملكين : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، ~~فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين ، وإذا تكلم بسيئة قال من على ~~اليمين لمن على اليسار انتظره لعله يتوب منها ، فإن لم يتب كتب عليه . ~~والقول الأول : أقوى لأن قوله تعالى : { ويرسل عليكم حفظة } يفيد حفظة الكل ~~من غير تخصيص . # / والبحث الثاني : أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على ~~الأقوال والأفعال ، أما على صفات القلوب وهي العلم والجهل فليس في هذه ~~الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها . أما في الأقوال ، فلقوله تعالى : { ما ~~يلفظ من * قوله * إلا لديه رقيب عتيد } وأما ms3605 في الأعمال فلقوله تعالى : { ~~وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون } ( الانفطار : 10 ، ~~11 ، 12 ) فأما الإيمان والكفر والإخلاص والإشراك فلم يدل الدليل على اطلاع ~~الملائكة عليها . # البحث الثالث : ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكلين على بني آدم وجوها : ~~الأول : أن المكلف إذا علم أن الملائكة موكلون به يحصون عليه أعماله ~~ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك أزجر ~~له عن القبائح . الثاني : يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن ~~تلك الصحائف يوم القيامة لأن وزن الأعمال غير ممكن ، أما وزن الصحائف فممكن ~~. الثالث : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد . ويجب علينا الإيمان بكل ما ~~ورد به الشرع سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل ، فهذا حاصل ما قاله أهل ~~الشريعة وأما أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه : # الوجه الأول : قال المتأخرون منهم : { وهو القاهر فوق عباده } ومن جملة ~~ذلك القهر أنه خلط الطبائع المتضادة ومزج بين العناصر المتنافرة ، فلما حصل ~~بينها امتزاج استعد ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج PageV13P013 لقبول النفس ~~المدبرة والقوى الحسية والحركية والنطقية فقالوا المراد من قوله : { ويرسل ~~عليكم حفظة } تلك النفوس والقوى ، فإنها هى التي تحفظ تلك الطبائع المقهورة ~~على امتزاجاتها . # والوجه الثاني : وهو قول بعض القدماء أن هذه النفوس البشرية والأرواح ~~الإنسانية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها ، فبعضها خيرة وبعضها شريرة ~~وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والدناءة وغيرها من ~~الصفات ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب الشفيق ~~والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظاتها ومناماتها تارة على سبيل ~~الرؤيا / وأخرى على سبيل الإلهامات فالأرواح الشريرة لها مبادىء من عالم ~~الأفلاك ، وكذا الأرواح الخيرة وتلك المبادىء تسمى في مصطلحهم بالطباع ~~التام يعني تلك الأرواح الفلكية في تلك الطبائع والأخلاق تامة كاملة ، وهذه ~~الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من ~~علته ولأصحاب الطلسمات والعزائم الروحانية في هذا الباب كلام كثير . # والقول ms3606 الثالث : النفس المتعلقة بهذا الجسد . لا شك في أن النفوس ~~المفارقة عن الأجساد / لما كانت مساوية لهذه في الطبيعة والماهية فتلك ~~النفوس المفارقة تميل إلى هذه النفس بسبب ما بينهما من المشاكلة والموافقة ~~وهي أيضا تتعلق بوجه ما بهذا البدن وتصير معاونة لهذه النفس على مقتضيات ~~طبيعتها فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الذي جاءت الشريعة الحقة به ليس ~~للفلاسفة أن يمتنعوا عنها لأن كلهم قد أقروا بما يقرب منه وإذا كان الأمر ~~كذلك كان إصرار الجهال منهم على التكذيب باطلا والله أعلم . # أما قوله تعالى : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } فهنا بحثان : # البحث الأول : أنه تعالى قال : { الله يتوفى الانفس حين موتها } ( الزمر ~~: 42 ) وقال : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) فهذا النصان ~~يدلان على أن توفي الأرواح ليس إلا من الله تعالى . ثم قال : { قل يتوفاكم ~~ملك الموت } ( السجدة : 11 ) وهذا يقتضي أن الوفاة لا تحصل إلا من ملك ~~الموت . ثم قال في هذه الآية : { توفته رسلنا } فهذه النصوص الثلاثة ~~كالمتناقضة . # والجواب : أن التوفي في الحقيقة يحصل بقدرة الله تعالى ، وهو في عالم ~~الظاهر مفوض إلى ملك الموت ، وهو الرئيس المطلق في هذا الباب ، وله أعوان ~~وخدم وأنصار ، فحسنت إضافة التوفي إلى هذه الثلاثة بحسب الاعتبارات الثلاثة ~~والله أعلم . # البحث الثاني : من الناس من قال : هؤلاء الرسل الذين بهم تحصل الوفاة ، ~~وهم أعيان أولئك الحفظة فهم في مدة الحياة يحفظونهم من أمر الله ، وعند ~~مجيء الموت يتوفونهم ، والأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون ~~أمر الوفاة ، ولا دلالة في لفظ الآية تدل على الفرق ، إلا أن الذي مال إليه ~~الأكثرون هو القول الثاني ، وأيضا فقد ثبت بالمقاييس العقلية أن الملائكة ~~الذين هم معادن الرحمة والخير والراحة مغايرون للذين هم أصول الحزن والغم ~~فطائفة من الملائكة هم المسمون بالروحانيين لإفادتهم الروح والراحة ~~والريحان ، وبعضهم يسمون بالكروبيين لكونهم مبادىء الكرب والغم والأحزان . # البحث الثالث : الظاهر من قوله تعالى : { قل يتوفاكم ملك الموت } أنه ملك ~~واحد هو PageV13P014 رئيس الملائكة ms3607 الموكلين بقبض الأرواح ، والمراد ~~بالحفظة المذكورين في هذه الآية : أتباعه ، وأشياعه عن مجاهد : جعل الأرض ~~مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله ، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم ~~في كل يوم مرتين ، وجاء في الأخبار من صفات ملك الموت ومن كيفية موته عند ~~فناء الدنيا وانقضائها أحوال عجيبة . # والبحث الرابع : قرأ حمزة : توفاه بالألف ممالة والباقون بالتاء ، فالأول ~~لتقديم الفعل ، / ولأن الجمع قد يذكر ، والثاني على تأنيث الجمع . # أما قوله تعالى : { وهم لا يفرطون } أي لا يقصرون فيما أمرهم الله تعالى ~~به ، وهذا يدل على أن الملائكة الموكلين بقبض الأرواح لا يقصرون فيما أمروا ~~به . وقوله في صفة ملائكة النار : { لا يعصون الله ما أمرهم } يدل على أن ~~ملائكة العذاب لا يقصرون في تلك التكاليف ، وكل من أثبت عصمة الملائكة في ~~هذه الأحوال أثبت عصمتهم على الإطلاق ، فدلت هذه الآية على ثبوت عصمة ~~الملائكة على الإطلاق . أما قوله تعالى : { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } ~~ففيه مباحث : الأول : قيل المردودون هم الملائكة يعني كما يموت بنو آدم ~~يموت أيضا أولئك الملائكة . وقيل : بل المردودون البشر ، يعني أنهم بعد ~~موتهم يردون إلى الله . واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن الإنسان ~~ليس عبارة عن مجرد هذه البنية ، لأن صريح هذه الآية يدل على حصول الموت ~~للعبد ويدل على أنه بعد الموت يرد إلى الله ، والميت مع كونه ميتا لا يمكن ~~أن يرد إلى الله لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة ، لكونه تعالى متعاليا عن ~~المكان والجهة ، بل يجب أن يكون ذلك الرد مفسرا بكونه منقادا لحكم الله ~~مطيعا لقضاء الله ، وما لم يكن حيا لم يصح هذا المعنى فيه ، فثبت أنه حصل ~~ههنا موت وحياة أما الموت ، فنصيب البدن : فبقي أن تكون الحياة نصيبا للنفس ~~والروح ولما قال تعالى : { ثم ردوا إلى الله } وثبت أن المرد وهو النفس ~~والروح ، ثبت أن الإنسان ليس إلا النفس والروح ، وهو المطلوب . # واعلم أن قوله : { ثم ردوا إلى الله } مشعر بكون الروح ms3608 موجودة قبل البدن ~~، لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال : إنما يكون لو أنها كانت موجودة ~~قبل التعلق بالبدن ، ونظيره قوله تعالى : { ارجعى إلى ربك } ( الفجر : 28 ) ~~وقوله : { إليه مرجعكم جميعا } ( يونس : 4 ) ونقل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ) وحجة الفلاسفة ~~على إثبات أن النفوس البشرية غير موجودة قبل وجود البدن حجة ضعيفة بينا ~~ضعفها في ( الكتب العقلية ) . # البحث الثاني : كلمة ( إلى ) تفيد انتهاء الغاية فقوله إلى الله يشعر ~~بإثبات المكان والجهة لله تعالى وذلك باطل فوجب حمله على أنهم ردوا إلى حيث ~~لا مالك ولا حاكم سواه . # البحث الثالث : أنه تعالى سمى نفسه في هذه الآية باسمين : أحدهما المولى ~~، وقد عرفت أن لفظ المولى ، ولفظ الولي مشتقان من الولي : أي القرب ، وهو ~~سبحانه القريب البعيد الظاهر الباطن لقوله تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد } وقوله : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ( المجادلة : 7 ~~) وأيضا المعتق يسمى بالمولى ، وذلك كالمشعر بأنه أعتقهم من العذاب ، وهو ~~المراد من قوله : ( سبقت / رحمتي غضبي ) وأيضا أضاف نفسه إلى العبد فقال : ~~{ مولاهم الحق } وما أضافهم إلى نفسه وذلك نهاية الرحمة ، PageV13P015 ~~وأيضا قال : مولاهم الحق ، والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات ~~الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب كما قال : { أفرأيت من اتخذ ~~إلاهه هواه } ( الجاثية : 23 ) فلما مات الإنسان تخلص من تصرفات الموالي ~~الباطلة ، وانتقل إلى تصرفات المولى الحق . # والاسم الثاني الحق : واختلفوا هل هو من أسماء الله تعالى ، فقيل : الحق ~~مصدر . وهو نقيض الباطل ، وأسماء المصادر لا تجري على الفاعلين إلا مجازا ~~كقولنا فلان عدل ورجاء وغياث وكرم وفضل ، ويمكن أن يقال : الحق هو الموجود ~~وأحق الأشياء بالموجودية هو الله سبحانه لكونه واجبا لذاته ، فكان أحق ~~الأشياء بكونه حقا هو هو ، واعلم أنه قرىء الحق بالنصب على المدح كقولك ~~الحمد لله الحق . # أما قوله : { ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { ألا له الحكم } معناه ms3609 أنه لا حكم إلا لله . ~~ويتأكد ذلك بقوله : { إن الحكم إلا لله ، وذلك يوجب أنه لا حكم لأحد على ~~شيء إلا الله ، وذلك يوجب أن الخير والشر كله يحكم الله وقضائه ، فلولا أن ~~الله حكم للسعيد بالسعادة والشقي بالشقاوة ، وإلا لما حصل ذلك . # المسألة الثانية : قال أصحابنا هذه الآية تدل على أن الطاعة لا توجب ~~الثواب والمعصية لا توجب العقاب ، إذ لو ثبت ذلك لثبت للمطيع على الله حكم ~~، وهو أخذ الثواب ، وذلك ينافي ما دلت الآية عليه أنه لا حكم إلا لله . # المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على حدوث كلام الله تعالى . ~~قال لو كان كلامه قديما لوجب أن يكون متكلما بالمحاسبة . الآن : وقبل خلقه ~~، وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم وأصحابنا عارضوه بالعلم ، ~~فإنه تعالى كان قبل الخلق عالما بأنه سيوجد ، وبعد وجوده صار عالما بأنه ~~قبل ذلك وجد ، فلم يلزم منه تغير العلم ، فلم لا يجوز مثله في الكلام . ~~والله أعلم . # المسألة الرابعة : اختلفوا في كيفية هذا الحساب ، فمنهم من قال : إنه ~~تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة ، لا يشغله كلام عن كلام ، ومنهم من ~~قال بل يأمر الملائكة حتى أن كل واحد من الملائكة يحاسب واحدا من العباد ، ~~لأنه تعالى لو حاسب الكفار بنفسه لتكلم معهم ، وذلك باطل لقوله تعالى في ~~صفة الكفار ، { ولا يكلمهم } ( آل عمران : 77 ) ، وأما الحكماء فلهم كلام ~~في تفسير هذا الحساب ، وهو أنه إنما يتخلص بتقديم مقدمتين . # فالمقدمة الأولى : أن كثرة الأفعال وتكررها توجب حدوث الملكات الراسخة ~~القوية الثابتة والاستقراء التام يكشف ع ن صحة ما ذكرناه . ألا ترى أن كل ~~من كانت مواظبته على عمل من / الأعمال أكثر كان رسوخ الملكة التامة على ذلك ~~العمل منه فيه أقوى . # المقدمة الثانية : إنه لما كان تكرر العمل يوجب حصول الملائكة الراسخة ، ~~وجب أن يكون لكل واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة ، بل كان يجب ~~أن يكون لكل جزء من أجزاء العمل الواحد أثر بوجه ما في ms3610 حصول تلك الملكة ، ~~والعقلاء ضربوا لهذا الباب أمثلة . PageV13P016 # المثال الأول : أنا لو فرضنا سفينة عظيمة بحيث لو ألقي فيها مائة ألف من ~~فإنها تغوص في الماء بقدر شبر واحد ، فلو لم يلق فيها إلا حبة واحدة من ~~الحنطة ، فهذا القدر من إلقاء الجم الثقيل في تلك السفينة يوجب غوصها في ~~الماء بمقدار قليل ، وإن قلت وبلغت في القلة إلى حيث لا يدركها الحس ولا ~~يضبطها الخيال . # المثال الثاني : أنه ثبت عند الحكماء أن البسائط أشكالها الطبيعية كرات ~~فسطح الماء يجب أن يكون كرة والقسى المشابهة من الدوائر المحيطة بالمركز ~~الواحد متفاوتة ، فإن تحدب القوس الحاصل من الدائرة العظمى يكون أقل من ~~تحدب القوس المشابهة للأولى من الدائرة الصغرى وإذا كان الأمر كذلك فالكوز ~~إذا ملىء من الماء ، ووضع تحت الجبل كانت حدبة سطح ذلك الماء أعظم من حدبته ~~عندما يوضع الكوز فوق الجبل ، ومتى كانت الحدبة أعظم وأكثر كان احتمال ~~الماء بالكوز أكثر ، فهذا يوجب أن احتمال الكوز للماء حال كونه تحت الجبل ~~أكثر من احتماله للماء حال كونه فوق الجبل ، إلا أن هذا القدر من التفاوت ~~بحيث لا يفي بإدراكه الحس والخيال لكونه في غاية القلة . # والمثال الثالث : إن الإنسانين اللذين يقف أحدهما بالقرب من الآخر ، فإن ~~رجليهما يكونان أقرب إلى مركز العالم من رأسيهما ، لأن الأجرام الثقيلة ~~تنزل من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ، إلا أن ذلك القدر من التفاوت لا يفي ~~بإدراكه الحس والخيال . # فإذا عرفت هذه الأمثلة : وعرفت أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات فنقول ~~: لا فعل من أفعال الخير والشر بقليل ولا كثير ، إلا ويفيد حصول أثر في ~~النفس . إما في السعادة ، وإما في الشقاوة ، وعند هذا ينكشف بهذا البرهان ~~القاطع صحة قوله تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 ، 8 ) ولما ثبت أن الأفعال توجب حصول الملكات ~~والأفعال الصادرة من اليد ، فهي المؤثرة في حصول الملكة المخصوصة / وكذلك ~~الأفعال الصادرة من الرجل ، فلا جرم تكون الأيدي ms3611 والأرجل شاهدة يوم القيامة ~~على الإنسان ، بمعنى أن تلك الآثار النفسانية ، إنما حصلت في جواهر النفوس ~~بواسطة هذه الأفعال الصادرة عن هذه الجوارح ، فكان صدور تلك / الأفعال من ~~تلك الجارحة المخصوصة جاريا مجرى الشهادة لحصول تلك الآثار المخصوصة في ~~جوهر النفس ، وأما الحساب : فالمقصود منه معرفة ما بقي من الدخل والخرج ، ~~ولما بينا أن لكل ذرة من أعمال الخير والشر أثرا في حصول هيئة من هذه ~~الهيئات في جوهر النفس ، إما من الهيئات الزاكية الطاهرة أو من الهيئات ~~المذمومة الخسيسة ، ولا شك أن تلك الأعمال كانت مختلفة . فلا جرم كان بعضها ~~يتعارض بالبعض ، وبعد حصول تلك المعارضات بقي في النفس قدر مخصوص من الخلق ~~الحميد ، وقدر آخر من الخلق الذميم ، فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك الخلق ~~الحميد ، ومقدار ذلك الخلق الذميم ، وذلك الظهور إنما يحصل في الآن الذي لا ~~ينقسم ، وهو الآن الذي فيه ينقطع تعلق النفس من البدن ، فعبر عن هذه الحالة ~~بسرعة الحساب ، فهذه أقوال ذكرت في تطبيق الحكمة النبوية على الحكمة ~~الفلسفية ، والله العالم بحقائق الأمور . # PageV13P017 ! 7 < { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا ~~وخفية لئن أنجانا من هاذه لنكونن من الشاكرين * قل الله ينجيكم منها ومن كل ~~كرب ثم أنتم تشركون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 63 - 64 ) قل من ينجيكم . . . . . # > > # اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال القدرة الإلهية ، وكمال ~~الرحمة والفضل والإحسان . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { قل من ينجيكم } بالتشديد في ~~الكلمتين ، والباقون بالتخفيف . قال الواحدي : والتشديد والتخفيف لغتان ~~منقولتان من نجا ، فن شئت نقلت بالهمزة ، وإن شئت نقلت بتضعيف العين : مثل ~~: أفرحته وفرحته ، وأغرمته وغرمته ، وفي القرآن { فأنجيناه والذين معه } ( ~~الأعراف : 72 ) وفي آية أخرى { ونجينا الذين ءامنوا } ( فصلت : 18 ) ولما ~~جاء التنزيل باللغتين معا ظهر استواء القراءتين في الحسن ، غير أن الاختيار ~~التشديد ، لأن ذلك من الله كان غير مرة ، وأيضا قرأ عاصم في رواية أبي بكر ~~خفية بكسر الخاء والباقون بالضم ، وهما لغتان ، وعلى ms3612 هذا الاختلاف في سورة ~~الأعراف ، وعن الأخفش في خفية وخفية أنهما لغتان ، وأيضا الخفية من الإخفاء ~~، / والخيفة من الرهب ، وأيضا ( { لئن أنجيتنا } من هذه . قرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي { لئن أنجانا } على المغايبة ، والباقون { لئن أنجيتنا } على ~~الخطاب ، فأما الأولون : وهم الذين قرؤا على المغايبة ، فقد اختلفوا . قرأ ~~عاصم بالتفخيم ، والباقون بالأمالة ، وحجة من قرأ على المغايبة أن ما قبل ~~هذا اللفظ ، وما بعده مذكور بلفظ المغايبة ، فأما ما قبله فقوله : { تدعونه ~~} وأما ما بعده فقوله : { قل الله ينجيكم منها } وأيضا فالقراءة بلفظ ~~الخطاب توجب الإضمار ، والتقدير : يقولون لئن أنجيتنا ، والإضمار خلاف ~~الأصل . وحجة من قرأ على المخاطبة قوله تعالى في آية أخرى : { لئن أنجيتنا ~~من هاذه لنكونن من الشاكرين } . # المسألة الثانية : { ظلمات البر والبحر } مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما . ~~يقال : لليوم الشديد يوم مظلم . ويوم ذو كواكب أي اشتدت ظلمته حتى عادت ~~كالليل ، وحقيقة الكلام فيه أنه يشتد الأمر عليه ، ويشتبه عليه كيفية ~~الخروج ، ويظلم عليه طريق الخلاص ، ومنهم من حمله على حقيقته فقال : أما ~~ظلمات البحر فهي أن تجتمع ظلمة الليل ، وظلمة البحر وظلمة السحاب ، ويضاف ~~الرياح الصعبة والأمواج الهائلة إليها ، فلم يعرفوا كيفية الخلاص وعظم ~~الخوف ، وأما ظلمات البر فهي ظلمة الليل وظلمة السحاب والخوف الشديد من ~~هجوم الأعداء ، والخوف الشديد من عدم الاهتداء إلى طريق الصواب ، والمقصود ~~أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان إلا إلى ~~الله تعالى ، وهذا الرجوع يحصل ظاهرا وباطنا ، لأن الإنسان في هذه الحالة ~~يعظم إخلاصه في حضرة الله تعالى ، وينقطع رجاؤه عن كل ما سوى الله تعالى ، ~~وهو المراد من قوله : { تضرعا وخفية } فبين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة ~~السليمة والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا PageV13P018 إلى ~~الله ، ولا تعويل إلا على فضل الله ، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل ~~الأحوال والأوقات ، لكنه ليس كذلك ، فإن الإنسان بعد الفوز بالسلامة ~~والنجاة . يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ، ويقدم على الشرك ، ومن ~~المفسرين من يقول : المقصود ms3613 من هذه الآية الطعن في إلهية الأصنام والأوثان ~~، وأنا أقول : التعلق بشيء مما سوى الله في طريق العبودية يقرب من أن يكون ~~تعلقا بالوثن / فإن أهل التحقيق يسمونه بالشرك الخفي ، ولفظ الآية يدل على ~~أن عند حصول هذه الشدائد يأتي الإنسان بأمور : أحدها : الدعاء . وثانيها : ~~التضرع . وثالثها : الإخلاص بالقلب ، وهو المراد من قوله : { وخفية } ~~ورابعها : التزام الاشتغال بالشكر ، وهو المراد من قوله : { لئن أنجيتنا من ~~هاذه لنكونن من الشاكرين } ثم بين تعالى أنه ينجيهم من تلك المخاوف ، ومن ~~سائر موجبات الخوف والكرب . ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك ، ونظير هذه ~~الآية قوله : / { ضل من تدعون إلا إياه } وقوله ) { وظنوا أنهم أحيط بهم ~~دعوا الله مخلصين } وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك . إذا شاهدوا الأمر ~~الهائل أخصلوا ، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا به . # ! 7 < { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ~~أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الا يات لعلهم يفقهون } ~~. > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 65 ) قل هو القادر . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد وهو ممزوج بنوع ~~من التخويف فبين كونه تعالى قادرا على إيصال العذاب إليهم من هذه الطرق ~~المختلفة ، وأما إرسال العذاب عليهم تارة من فوقهم ، وتارة من تحت أرجلهم ~~ففيه قولان : الأول : حمل اللفظ على حقيقته فنقول : العذاب النازل عليهم من ~~فوق مثل المطر النازل عليهم من فوق ، كما في قصة نوح والصاعقة النازلة ~~عليهم من فوق . وكذا الصيحة النازلة عليهم من فوق . كما حصب قوم لوط ، وكما ~~رمى أصحاب الفيل ، وأما العذاب الذي ظهر من تحت أرجلهم . فمثل الرجفة ، ~~ومثل خسف قارون . وقيل : هو حبس المطر والنبات وبالجملة فهذه الآية تتناول ~~جميع أنواع العذاب التي يمكن نزولها من فوق ، وظهورها من أسفل . # القول الثاني : أن يحمل هذا اللفظ على مجازه . قال ابن عباس : في رواية ~~عن عكرمة عذابا من فوقكم أي من الأمراء ، ومن تحت أرجلكم من العبيد والسفلة ms3614 ~~. أما قوله : { أو يلبسكم شيعا } فاعلم أن الشيع جمع الشيعة ، وكل قوم ~~اجتمعوا على أمر فهم شيعة والجمع شيع وأشياع . قال تعالى : { كما فعل ~~بأشياعهم من قبل } ( سبأ : 54 ) وأصله من الشيع وهو التبع ، ومعنى الشيعة ~~الذين يتبع بعضهم بعضا . قال الزجاج قوله : { يلبسكم شيعا } PageV13P019 ~~يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق ، فيجعلكم فرقا ولا تكونون فرقة واحدة ~~، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضا وهو معنى قوله : { ويذيق بعضكم بأس ~~بعض } عن ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية ~~شق ذلك على الرسول عليه / الصلاة والسلام وقال : ( ما بقاء أمتي إن عوملوا ~~بذلك ) فقال له جبريل : إنما أنا عبد مثلك فادع ربك لأمتك ، فسأل ربه أن لا ~~يفعل بهم ذلك . فقال جبريل : إن الله قد أمنهم من خصلتين أن لا يبعث عليهم ~~عذابا من فوقهم كما بعثه على قوم نوح ولوط ، ولا من تحت أرجلهم كما خسف ~~بقارون ولم يجرهم من أن يلبسهم شيعا بالأهواء المختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض ~~بالسيف . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن أمتي ستفترق على ثنتين ~~وسبعين فرقة الناجية فرقة ) وفي رواية أخرى كلهم في الجنة إلا الزنادقة . # المسألة الثانية : ظاهر قوله : { أو يلبسكم شيعا } هو أنه تعالى يحملهم ~~على الأهواء المختلفة والمذاهب المتنافية . وظاهر أن الحق منها ليس إلا ~~الواحد ، وما سواه فهو باطل فهذا يقتضي أنه تعالى قد يحمل المكلف على ~~الإعتقاد الباطل وقوله : { ويذيق بعضكم بأس بعض } لا شك أن أكثرها ظلم ~~ومعصية ، فهذا يدل على كونه تعالى خالقا للخير والشر ، أجاب الخصم عنه بأن ~~الآية تدل على أن الله تعالى قادر عليه وعندنا الله قادر على القبيح . إنما ~~النزاع في أنه تعالى هل يفعل ذلك أم لا ؟ # والجواب : أن وجه التمسك بالآية شيء آخر فإنه قال : { هو القادر } على ~~ذلك وهذا يفيد الحصر فوجب أن يكون غير الله غير قادر على ذلك وهذا الاختلاف ~~بين الناس حاصل وثبت بمقتضى الحصر المذكور أن لا يكون ذلك ms3615 صادرا عن غير ~~الله فوجب أن يكون صادرا عن الله وذلك يفيد المطلوب . # المسألة الثالثة : قالت المقلدة والحشوية : هذه الآية من أدل الدلائل على ~~المنع من النظر والاستدلال ، وذلك لأن فتح تلك الأبواب يفيد وقوع الاختلاف ~~والمنازعة في الأديان وتفرق الخلق إلى المذاهب والأديان وذلك مذموم بحكم ~~هذه الآية / والمفضي إلى المذموم مذموم ، فوجب أن يكون فتح باب النظر ~~والاستدلال في الدين مذموما وجوابه سهل والله أعلم . # ثم قال تعالى في آخر الآية : { انظر كيف نصرف الايات * لعلم * يفقهون } ~~قال القاضي : هذا يدل على أنه تعالى أراد بتصريف هذه الآيات وتقرير هذه ~~البينات ، أن يفهم الكل تلك الدلائل ويفقه الكل تلك البينات . وجوابنا : بل ~~ظاهر الآية يدل على أنه تعالى ما صرف هذه الآيات إلا لمن فقه وفهم ، فأما ~~من أعرض وتمرد فهو تعالى ما صرف هذه الآيات لهم والله أعلم . # ! 7 < { وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل * لكل نبإ مستقر وسوف ~~تعلمون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 66 - 67 ) وكذب به قومك . . . . . # > > # /الضمير في قوله : { وكذب به } إلى ماذا يرجع فيه أقوال : الأول : أنه ~~راجع إلى العذاب المذكور في الآية السابقة { وهو الحق } أي لا بد وأن ينزل ~~بهم . الثاني : الضمير في ( به ) للقرآن وهو الحق أي في كونه كتابا ~~PageV13P020 منزلا من عند الله . الثالث : يعود إلى تصريف الآيات وهو الحق ~~لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات ، ثم قال : { قل لست عليكم بوكيل } أي ~~لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل . إنما ~~أنا منذر والله هو المجازي لكم بأعمالكم قال ابن عباس والمفسرون : نسختها ~~آية القتال وهو بعيد ، ثم قال تعالى : { لكل نبإ مستقر } والمستقر يجوز أن ~~يكون موضع الاستقرار ، ويجوز أن يكون نفس الاستقرار لأن ما زاد على الثلاثي ~~كان المصدر منه على زنة اسم المفعول نحو المدخل والمخرج ، بمعنى الإدخال ~~والإخراج ، والمعنى : أن لكل خبر يخبره الله تعالى وقتا أو مكانا يحصل فيه ~~من غير خلف ولا تأخير وإن جعلت المستقر بمعنى الاستقرار ms3616 ، كان المعنى لكل ~~وعد ووعيد من الله تعالى استقرار ولا بد أن يعلموا أن الأمر كما أخبر الله ~~تعالى عنه عند ظهوره ونزوله . وهذا الذي خوف الكفار به ، يجوز أن يكون ~~المراد منه عذاب الآخرة ، ويجوز أن يكون المراد منه استيلاء المسلمين على ~~الكفار بالحرب والقتل والقهر في الدنيا . # ! 7 < { وإذا رأيت الذين يخوضون فىءاياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث ~~غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } . > 7 ! # قوله تعالى : { وإذا رأيت الذين يخوضون فىءاياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا ~~فى حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد } . # < < # | الأنعام : ( 68 ) وإذا رأيت الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى : { وكذب به قومك وهو الحق قل ~~لست عليكم بوكيل } فبين به أن الذين يكذبون بهذا الدين فإنه لا يجب على ~~الرسول أن يلازمهم وأن يكون حفيظا عليهم ثم بين في هذه الآية أن أولئك ~~المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذبيهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول ~~فإنه يجب الاحتراز عن مقارنتهم وترك مجالستهم ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وإذا رأيت } قيل إنه خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد غيره ، / وقيل : الخطاب لغيره أي إذا رأيت أيها السامع الذين ~~يخوضون في آياتنا . ونقل الواحدي أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين ~~وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ، فشتموا واستهزؤوا فأمرهم ~~أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . ولفظ الخوض في اللغة عبارة عن ~~المفاوضة على وجه العبث واللعب ، قال تعالى حكاية عن الكفار : { وكنا نخوض ~~مع الخائضين } وإذا سئل الرجل عن قوم فقال : تركتهم يخوضون أفاد ذلك أنهم ~~شرعوا في كلمات لا ينبغي ذكرها ومن الحشوية من تمسك بهذه الآية في النهي عن ~~الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته . قال : لأن ذلك خوض في آيات ~~الله ، والخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية ، والجواب عنه : أنا ~~نقلنا عن المفسرين أن المراد من ( الخوض ) الشروع في آيات الله تعالى على ms3617 ~~سبيل الطعن والاستهزاء . وبينا أيضا أن لفظ ( الخوض ) وضع في أصل اللغة ~~لهذا المعنى فسقط هذا الاستدلال والله أعلم . # المسألة الثانية : قرأ ابن عامر { ينسينك } بالتشديد وفعل وأفعل يجريان ~~مجرى واحد كما بينا ذلك في PageV13P021 مواضع . وفي التنزيل { فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا } ( الطارق : 17 ) والاختيار قراءة العامة لقوله ~~تعالى : { وما أنسانيه إلا الشيطان } ( الكهف : 63 ) ومعنى الآية : إن نسيت ~~وقعدت فلا تقعد بعد الذكرى ، وقم إذا ذكرت . والذكرى اسم للتذكرة قاله ~~الليث . وقال الفراء : الذكرى يكون بمعنى الذكر ، وقوله : { مع القوم ~~الظالمين } يعني مع المشركين . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فأعرض عنهم } وهذا الإعراض يحتمل أن ~~يحصل بالقيام عنهم ويحتمل بغيره . فلما قال بعد ذلك { فلا تقعد بعد الذكرى ~~} صار ذلك دليلا على أن المراد أن يعرض عنهم بالقيام من عندهم وههنا سؤالات ~~: # السؤال الأول : هل يجوز هذا الإعراض بطريق آخر سوى القيام عنهم ؟ والجواب ~~: الذين يتمسكوا بظواهر الألفاظ ويزعمون وجوب إجرائها على ظواهرها لا ~~يجوزون ذلك ، والذين يقولون المعنى هو المعتبر جوزوا ذلك قالوا : لأن ~~المطلوب إظهار الإنكار ، فكل طريق أفاد هذا المقصود فإنه يجوز المصير إليه ~~. # السؤال الثاني : لو خاف الرسول من القيام عنهم ، هل يجب عليه القيام مع ~~ذلك ؟ # الجواب : كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه ذلك سواء ظهر أثر الخوف أو ~~لم يظهر فإنا إن جوزنا منه ترك الواجب بسبب الخوف ، سقط الاعتماد عن ~~التكاليف التي بلغها إلينا أما غير الرسول فإنه عند شدة الخوف قد يسقط عنه ~~الفرض / لأنه إقدامه على الترك لا يفضي إلى المحذور المذكور . # / المسألة الرابعة : قوله : { وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى } ~~يفيد أن التكليف ساقط عن الناسي قال الجبائي : إذا كان عدم العلم بالشيء ~~يوجب سقوط التكليف ، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف . ~~وهذا يدل على أن تكليف مالا يطاق لا يقع ، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل ~~الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لما كانت حاصلة قبل الفعل . فوجب أن ~~لا يكون ms3618 الكافر قادرا على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان . ~~واعلم أن هذه الكلمات كثر ذكرها في هذا الكتاب مع الجواب فلا نطول الكلام ~~بذكر الجواب . والله أعلم . # ! 7 < { وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء ولاكن ذكرى لعلهم يتقون * ~~وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحيواة الدنيا وذكر به أن تبسل ~~نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ ~~منهآ أولائك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 69 - 70 ) وما على الذين . . . . . # > > # قال ابن عباس : قال المسلمون لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن ~~وخاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا PageV13P022 على أن نجلس في المسجد الحرام ~~وأن نطوف بالبيت ، فنزلت هذه الآية وحصلت الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا ~~معهم ويذكرونهم ويفهمونهم . قال ومعنى الآية : { وما على الذين يتقون } ~~الشرك والكبائر والفواحش { من حسابهم } من آثامهم { من شىء ولاكن ذكرى } ~~قال الزجاج : قوله { ذكرى } يجوز أن يكون في موضع رفع ، وأن يكون في موضع ~~نصب . أما كونه في موضع رفع فمن وجهين : الأول : ولكن عليكم ذكرى أي أن ~~تذكروهم وجائز أن يكون ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى ، فعلى الوجه الأولى ~~الذكرى بمعنى التذكير ، وعلى الوجه الثاني الذكرى تكون بمعنى الذكر وأما ~~كونه في موضع النصب ، فالتقدير ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون . والمعنى لعل ذلك ~~الذكرى يمنعهم من الخوض في ذلك الفضول . # قوله تعالى : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحيواة الدنيا ~~وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع وإن } . # اعلم أن هؤلاء هم المذكورون بقوله : { الذين يخوضون فىءاياتنا } ومعنى { ~~ذرهم } أعرض عنهم وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال بعده : { ~~وذكر به } ونظيره قوله تعالى : { أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم فأعرض ~~عنهم } والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا يترك إنذارهم وتخويفهم . # واعلم أنه تعالى أمر الرسول بأن يترك من كان ms3619 موصوفا بصفتين : # الصفة الأولى : أن يكون من صفتهم أنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وفي ~~تفسيره وجوه : الأول : المراد أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو ~~دين الإسلام لعبا ولهوا حيث سخروا به واستهزؤوا به . الثاني : اتخذوا ما هو ~~لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها دينا لهم . الثالث : أن الكفار كانوا ~~يحكمون في دين الله بمجرد التشهي والتمني ، مثل تحريم السوائب والبحائر وما ~~كانوا يحتاطون في أمر الدين البتة ، ويكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر الله ~~تعالى عنهم أنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا . والرابع : قال ابن عباس جعل ~~الله لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله تعالى . ثم إن ~~الناس أكثرهم من المشركين ، وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لهوا ولعبا غير ~~المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله تعالى . والخامس : وهو الأقرب ، ~~أن المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على أنه حق ~~وصدق وصواب . فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة ~~وغلبة الخصم وجمع الأموال فهم نصروا الدين للدنيا ، وقد حكم الله على ~~الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب ولهو . فالمراد من قوله : { وذر الذين ~~اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه . وإذا ~~تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الحالة ~~. والله أعلم . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { وغرتهم الحيواة الدنيا } وهذا يؤكد الوجه ~~الخامس الذي ذكرناه كأنه تعالى يقول إنما اتخذوا دينهم لعبا ولهوا لأجل ~~أنهم غرتهم الحياة الدنيا . فلأجل استيلاء حب الدنيا على قلوبهم أعرضوا عن ~~حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا . # إذا عرفت هذا ، فقوله : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } معناه ~~أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم في نظرك وزنا { وذكر ~~به } واختلفوا في أن الضمير في قوله : { به } إلى ماذا يعود ؟ PageV13P023 ~~قيل : وذكر بالقرآن وقيل إه تعالى قال : { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ~~ولهوا } / والمراد الدين الذي يجب عليهم أن يتدينوا ms3620 به ويعتقدوا صحته . ~~فقوله : { وذكر به } أي بذلك الدين لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكور . ~~والدين أقرب المذكور ، فوجب عود الضمير إليه . أما قوله { أن تبسل نفس بما ~~كسبت } فقال صاحب ( الكشاف ) : أصل الإبسال المنع ومنه ، هذا عليك بسل أي ~~حرام محظور ، والباسل الشجاع لامتناعه من خصمه ، أو لأنه شديد البسور ، ~~يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه ، وإذا زاد قالوا بسل ، والعابس منقبض الوجه ~~. # إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : { تبسل نفس بما كسبت } أي ترتهن في ~~جهنم بما كسبت في الدنيا . وقال الحسن ومجاهد : تسلم للمهلكة أي تمنع عن ~~مرادها وتخذل . وقال قتادة : تحبس في جهنم ، وعن ابن عباس { تبسل } تفضح و ~~{ أبسلوا } فضحوا ، ومعنى الآية وذكرهم بالقرآن ، ومقتضى الدين مخافة ~~احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون فيتقون . ثم قال تعالى : ~~{ ليس لها } أي ليس للنفس { من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا ~~يؤخذ منها } أي وإن تفذ كل فداء ، والعدل الفدية لا يؤخذ ذلك العدل وتلك ~~الفدية منها . قال صاحب ( الكشاف ) : فاعل يؤخذ ليس هو قوله : { عدل } لأن ~~العدل ههنا مصدر ، فلا يسند إليه الأخذ . وأما في قوله : { ولا يؤخذ منها ~~عدل } فبمعنى المفدى به ، فصح إسناده إليه . فنقول : الأخذ بمعنى القبول ~~وارد . قال تعالى : { ويأخذ الصدقات } أي يقبلها . وإذا ثبت هذا فيحمل ~~الأخذ ههنا على القبول ، ويزول السؤال . والله أعلم . # والمقصود من هذه الآية : بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة ، فلا ~~ولي يتولى دفع ذلك المحذور ، ولا شفيع يشفع فيها ، ولا فدية تقبل ليحصل ~~الخلاص بسبب قبولها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع . ~~فإذا كانت وجوه الخلاص هي هذه الثلاثة في الدنيا ، وثبت أنها لا تفيد في ~~الآخرة البتة ، وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الارتهان والانغلاق ~~والاستسلام ، فليس لها البتة دافع من عذاب الله تعالى ، وإذا تصور المرء ~~كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي ms3621 الله تعالى . ثم ~~إنه تعالى بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين ، فقال { لهم شراب من ~~حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون } وذلك هو النهاية في صفة الإيلام . ~~والله أعلم . # ! 7 < { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ~~بعد إذ هدانا الله كالذى استهوته الشياطين فى الا رض حيران له أصحاب يدعونه ~~إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين * وأن ~~أقيموا الصلواة واتقوه وهو الذىإليه تحشرون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 71 - 72 ) قل أندعو من . . . . . # > > PageV13P024 # اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام وهي مؤكدة لقوله ~~تعالى قبل ذلك : { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } فقال : { ~~قل أندعوا من دون الله } أي أنعبد من دون الله النافع الضار ما لا يقدر على ~~نفعنا ولا على ضرنا ، ونرد على أعقابنا راجعين إلى الشرك بعد أن أنقدنا ~~الله منه وهدانا للإسلام ؟ ويقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل أنه رجع ~~إلى خلف ، ورجع على عقبيه ورجع القهقرى ، والسبب فيه أن الأصل في الإنسان ~~هو الجهل ، ثم إذا ترقى وتكامل حصل له العلم . قال تعالى : { والله أخرجكم ~~من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة } ( ~~النحل : 78 ) فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى فكأنه رجع إلى أول مرة ~~، فلهذا السبب يقال : فلان رد على عقبيه . # وأما قوله : { كالذى استهوته الشياطين فى الارض } فاعلم أنه تعالى وصف ~~هذا الإنسان بثلاثة أنواع من الصفات : # الصفة الأولى : قوله : { استهوته الشياطين } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ حمزة { * استهواه } بألف ممالة على التذكير ~~والباقون بالتاء ، لأن الجمع يصلح أن يذكر على معنى الجمع ، ويصلح أن يؤنث ~~على معنى الجماعة . # المسألة الثانية : اختلفوا في اشتقاق { كالذى استهوته } على قولين : # القول الأول : أنه مشتق من الهوى في الأرض ، وهو النزول من الموضع العالي ~~إلى الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض ، فشبه الله تعالى حال هذا الضال ~~به وهو ms3622 قوله : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء } ولا شك أن حال هذا ~~الإنسان عند هويه من المكان العالي إلى الوهدة العميقة المظلمة يكون في ~~غاية الاضطراب والضعف والدهشة . # والقول الثاني : أنه مشتق من اتباع الهوى والميل ، فإن من كان كذلك فإنه ~~ربما بلغ / النهاية في الحيرة ، والقول الأول أولى ، لأنه أكمل في الدلالة ~~على الدهشة والضعف . # الصفة الثانية : قوله : { حيران } قال الأصمعي : يقال حار يحار حيرة ~~وحيرا ، وزاد الفراء حيرانا وحيرورة ، ومعنى الحيرة هي التردد في الأمر ~~بحيث لا يهتدي إلى مخرجه . ومنه يقال : الماء يتحير في الغيم أي يتردد ، ~~وتحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء . واعلم أن هذا المثل في ~~غاية الحسن ، وذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي ~~إليها مع الاستدارة على نفسه ، لأن الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل ~~ينزل على الاستدارة ، وذلك يوجب كمال التردد والتحير ، وأيضا فعند نزوله لا ~~يعرف أنه يسقط على موضع يزداد بلاؤه بسبب سقوطه عليه أو يقل ، فإذا اعتبرت ~~مجموع هذه الأحوال علمت أنك لا تجد مثالا للمتحير المتردد الخائف أحسن ولا ~~أكمل من هذا المثال . # الصفة الثالثة : قوله تعالى : { له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا } قالوا ~~: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كان ~~يدعو أباه إلى الكفر وأبوه كان يدعوه إلى الإيمان ويأمره بأن يرجع من طريق ~~الجهالة إلى الهداية ومن ظلمة الكفر إلى نور الإيمان . وقيل : المراد أن ~~لذلك الكافر الضال أصحابا يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى ~~وهذا بعيد . والقول الصحيح هو الأول . PageV13P025 # ثم قال تعالى : { قل إن هدى الله هو الهدى } يعني هو الهدى الكامل النافع ~~الشريف كما إذا قلت علم زيد هو العلم وملك عمرو هو الملك كان معناه ما ~~ذكرناه من تقرير أمر الكمال والشرف . # ثم قال تعالى : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } واعلم أن قوله : { إن هدى ~~الله هو الهدى } دخل فيه جميع أقسام المأمورات والاحتراز عن ms3623 كل المنهيات ، ~~وتقرير الكلام أن كل ما تعلق أمر الله به ، فإما أن يكون من باب الأفعال ، ~~وإما أن يكون من باب التروك . # أما القسم الأول : فإما أن يكون من باب أعمال القلوب وإما أن يكون من باب ~~أفعال الجوارح ، ورئيس أعمال القلوب الإيمان بالله والإسلام له ، ورئيس ~~أعمال الجوارح الصلاة ، وأما الذي يكون من باب التروك فهو التقوى وهو عبارة ~~عن الاتقاء عن كل ما لا ينبغي ، والله سبحانه لما بين أولا أن الهدى النافع ~~هو هدى الله ، أردف ذلك الكلام الكلي بذكر أشرف أقسامه على الترتيب وهو ~~الإسلام الذي هو رئيس الطاعات الروحانية ، والصلاة التي هي رئيسة الطاعات ~~الجسمانية ، والتقوى التي هي رئيسة لباب التروك والاحتراز عن كل ما لا ~~ينبغي ، ثم بين منافع هذه الأعمال فقال : { وهو الذى إليه تحشرون } يعني أن ~~منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر والبعث والقيامة . # / فإن قيل : كيف حسن عطف قوله : { وأن أقيموا الصلواة } على قوله : { ~~وأمرنا لنسلم لرب العالمين } ؟ # قلنا : ذكر الزجاج فيه وجهين : الأول : أن يكون التقدير ، وأمرنا فقيل ~~لنا أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة . # فإن قيل : هب أن المراد ما ذكرتم ، لكن ما الحكمة في العدول عن هذا اللفظ ~~الظاهر والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى ~~معناه إلا بالتأويل ؟ # قلنا : وذلك لأن الكافر ما دام يبقى على كفره ، كان كالغائب الأجنبي فلا ~~جرم يخاطب بخطاب الغائبين ، فيقال له : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } وإذا ~~أسلم وآمن ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضر ، فلا جرم يخاطب بخطاب ~~الحاضرين ، ويقال له : { وأن أقيموا الصلواة واتقوه وهو الذى إليه تحشرون } ~~فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب التنبيه على الفرق بين حالتي الكفر ~~والإيمان ، وتقريره أن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر . والله أعلم . # ! 7 < { وهو الذى خلق السماوات والا رض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله ~~الحق وله الملك يوم ينفخ فى الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير } ~~. > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 73 ) وهو الذي خلق ms3624 . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام ~~، ذكر ههنا ما يدل على أنه لا PageV13P026 معبود إلا الله وحده وهو هذه ~~الآية ، وذكر فيها أنواعا كثيرة من الدلائل . أولها : قوله { وهو الذى خلق ~~* السماوات والارض بالحق } أما كونه خالقا للسموات والأرض ، فقد شرحنا في ~~قوله : { الحمد لله الذى خلق * السماوات والارض } وأما أنه تعالى خلقهما ~~بالحق فهو نظير لقوله تعالى في سورة آل عمران { ربنا ما خلقت هذا باطلا } ( ~~آل عمران : 191 ) وقوله : { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين } ( ~~الأنبياء : 16 ) { ما خلقناهما إلا بالحق } ( الدخان : 39 ) وفيه قولان . # القول الأول : وهو قول أهل السنة أنه تعالى مالك لجميع المحدثات مالك لكل ~~الكائنات وتصرف للمالك في ملكه حسن وصواب على الإطلاق ، فكان ذلك التصرف ~~حسنا على الإطلاق وحقا على الإطلاق . # / والقول الثاني : وهو قول المعتزلة أن معنى كونه حقا أنه واقع على وفق ~~مصالح المكلفين مطابق لمنافعهم . قال القاضي : ويدخل في هذه الآية أنه خلق ~~المكلف أولا حتى يمكنه الانتفاع بخلق السموات والأرض ، ولحكماء الإسلام في ~~هذا الباب طريقة أخرى ، وهي أنه يقال : أودع في هذه الأجرام العظيمة قوى ~~وخواص يصدر بسببها عنها آثار وحركات مطابقة لمصالح هذا العالم ومنافعه . ~~وثانيها : قوله : { ويوم يقول كن فيكون } في تأويل هذه الآية قولان . الأول ~~: التقدير وهو الذي خلق السموات والأرض وخلق يوم يقول كن فيكون ، والمراد ~~من هذا اليوم يوم القيامة ، والمعنى أنه تعالى هو الخالق للدنيا ولكل ما ~~فيها من الأفلاك والطبائع والعناصر والخالق ليوم القيامة والبعث ولرد ~~الأرواح إلى الأجساد على سبيل كن فيكون . # والوجه الثاني : في التأويل أن نقول قوله : { الحق } مبتدأ و { يوم يقول ~~* كن فيكون } ظرف دال على الخبر ، والتقدير : قوله : { الحق } واقع { يوم ~~يقول * كن فيكون } كقولك يوم الجمعة القتال ، ومعناه القتال واقع يوم ~~الجمعة . والمراد من كون قوله حقا في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يقضي إلا ~~بالحق والصدق ، لأن أقضيته منزهة عن الجور والعبث . وثالثها : قوله : { وله ~~الملك يوم ms3625 ينفخ فى الصور } فقوله : { وله الملك } يفيد الحصر ، والمعنى : ~~أنه لا ملك في يوم ينفخ في الصور إلا الحق سبحانه وتعالى ، فالمراد بالكلام ~~الثاني تقريرا لحكم الحق المبرأ عن العبث والباطل ، والمراد بهذا الكلام ~~تقرير القدرة التامة الكاملة التي لا دافع لها ولا معارض . # فإن قال قائل : قول الله حق في كل وقت ، وقدرته كاملة في كل وقت ، فما ~~الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين ؟ # قلنا : لأن هذا اليوم هو اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع ولا ضر ، ~~فكان الأمر كما قال سبحانه : { والامر يومئذ لله } فلهذا السبب حسن هذا ~~التخصيص ، ورابعها : قوله : { عالم الغيب والشهادة } تقديره ، وهو عالم ~~الغيب والشهادة . # واعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب الكامل أنه سبحانه ما ذكر أحوال البعث في ~~القيامة إلا وقرر فيه أصلين : أحدهما : كونه قادرا على كل الممكنات ، ~~والثاني : كونه عالما بكل المعلومات لأن بتقدير أن لا يكون قادرا على كل ~~الممكنات لم يقدر على البعث والحشر ورد الأرواح إلى الأجساد وبتقدير أن لا ~~يكون عالما بجميع الجزئيات لم يصح ذلك أيضا منه لأنه ربما اشتبه عليه ~~المطيع بالعاصي . والمؤمن بالكافر ، والصديق بالزنديق ، فلا يحصل المقصود ~~الأصلي من البعث والقيامة . أما إذا ثبت بالدليل حصول هاتين PageV13P027 ~~الصفتين كمل الغرض والمقصود ، فقوله : { وله الملك يوم ينفخ فى الصور } / ~~يدل على كمال القدرة ، وقوله : { عالم الغيب والشهادة } يدل على كمال العلم ~~فلا جرم لزم من مجموعهما أن يكون قوله حقا ، وأن يكون حكمه صدقا ، وأن تكون ~~قضاياه مبرأة عن الجور والعبث والباطل . # ثم قال : { وهو الحكيم الخبير } والمراد من كونه حكيما أن يكون مصيبا في ~~أفعاله ، ومن كونه خبيرا ، كونه عالما بحقائقها من غير اشتباه ومن غير ~~التباس . والله أعلم . # المسألة الثانية : قد ذكرنا في كثير من هذا الكتاب أنه ليس المراد بقوله ~~: { كن فيكون } خطابا وأمرا لأن ذلك الأمر إن كان للمعدوم فهو محال ، وإن ~~كان للموجود فهو أمر بأن يصير الموجود موجودا وهو محال ، بل المراد منه ~~التنبيه على ms3626 نفاذ قدرته ومشيئته في تكوين الكائنات وإيجاد الموجودات . # المسألة الثالثة : قوله : { يوم ينفخ فى الصور } ولا شبهة أن المراد منه ~~يوم الحشر ، ولاشبهة عند أهل الإسلام أن الله سبحانه خلق قرنا ينفخ فيه ملك ~~من الملائكة وذلك القرن يسمى بالصور على ما ذكر الله تعالى هذا المعنى في ~~مواضع من الكتاب الكريم ولكنهم اختلفوا في المراد بالصور في هذه الآية على ~~قولين : # القول الأول : أن المراد منه ذلك القرن الذي ينفخ فيه وصفته مذكورة في ~~سائر السور . # والقول الثاني : إن الصور جمع صورة والنفخ في الصور عبارة عن النفخ في ~~صور الموتى ، وقال أبو عبيدة : الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة . قال الواحدي ~~رحمه الله : أخبرني أبو الفضل العروضي عن الأزهري عن المنذري عن أبي الهيثم ~~: أنه قال ادعى قوم أن الصور جمع الصورة كما أن الصوف جمع الصوفة والثوم ~~جمع الثومة ، وروى ذلك عن أبي عبيدة قال أبو الهيثم ، وهذا خطأ فاحش لأن ~~الله تعالى قال : { وصوركم فأحسن صوركم } ( غافر : 64 ) وقال : { ونفخ فى ~~الصور } ( يس : 51 ، الزمر : 68 ) فمن قرأ ونفخ في الصور ، وقرأ { فأحسن ~~صوركم } فقد افترى الكذب ، وبدل كتاب الله ، وكان أبو عبيدة صاحب أخبار ~~وغرائب ، ولم يكن له معرفة بالنحو ، قال الفراء : كل جمع على لفظ الواحد ~~المذكر سبق جمعه واحده ، فواحده بزيادة هاء فيه ، وذلك مثل الصوف والوبر ~~والشعر والقطن والعشب فكل واحد من هذه الأسماء اسم لجميع جنسه ، وإذا أفردت ~~واحدته زيدت فيها هاء لأن جمع هذا الباب سبق واحده ، ولو أن الصوفة كانت ~~سابقة للصوف لقالوا صوفة وصوف وبسرة وبسر كما قالوا غرفة وغرف ، وزلفة وزلف ~~، وأما الصور القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال واحدته صورة وإنما تجمع صورة ~~الإنسان صورا لأن واحدته سبقت جمعه ، قال الأزهري : قد أحسن أبو الهيثم في ~~هذا الكلام ، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه ، وأقول : ومما يقوي هذا الوجه ~~أنه لو كان / المراد نفخ الروح في تلك الصور لأضاف تعالى ذلك النفخ إلى ~~نفسه ms3627 لأن نفخ الأرواح في الصور يضيفه الله إلى نفسه ، كما قال : { فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحى } ( الحجر : 29 ) وقال : { فنفخنا فيها من روحنا } ~~وقال : { ثم خلقنا النطفة علقة } وأما نفح الصور بمعنى النفخ في القرن ، ~~فإنه تعالى يضيفه لا إلى نفسه كما قال : { فإذا نقر فى الناقور } ( المدثر ~~: 8 ) وقال : { ونفخ فى الصور فصعق من فى * السماوات * ومن فى الارض * ثم ~~نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ( الزمر : 68 ) فهذا تمام القول في هذا ~~البحث ، والله أعلم بالصواب . # PageV13P028 ! 7 < { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة ~~إنىأراك وقومك فى ضلال مبين } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 74 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه كثيرا يحتج على مشركي العرب بأحوال ~~إبراهيم عليه السلام وذلك لأنه يعترف بفضله جميع الطوائف والملل فالمشركون ~~كانوا معترفين بفضله مقرين بأنهم من أولاده واليهود والنصارى والمسلمون ~~كلهم معظمون له معترفون بجلالة قدره . فلا جرم ذكر الله حكاية حاله في معرض ~~الاحتجاج على المشركين . # واعلم أن هذا المنصب العظيم وهو اعتراف أكثر أهل العلم بفضله وعلو مرتبته ~~لم يتفق لأحد كما اتفق للخليل عليه السلام ، والسبب فيه أنه حصل بين الرب ~~وبين العبد معاهدة . كما قال : { أوفوا * بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ~~) فإبراهيم وفى بعهد العبودية ، والله تعالى شهد بذلك على سبيل الإجمال ~~تارة وعلى سبيل التفصيل أخرى . أما الإجمال ففي آيتين إحداهما قوله : { ~~وإذا * ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } ( البقرة : 124 ) وهذا شهادة من ~~الله تعالى بأنه تمم عهد العبودية . والثانية قوله تعالى : { إذ قال له ربه ~~أسلم قال أسلمت لرب العالمين } ( البقرة : 131 ) وأما التفصيل : فهو أنه ~~عليه السلام ناظر في إثبات التوحيد وإبطال القول بالشركاء والأنداد في ~~مقامات كثيرة . # فالمقام الأول : في هذا الباب مناظراته مع أبيه حيث قال له : { لابيه ~~ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) . # والمقام الثاني : مناظرته مع قومه وهو قوله : { فلما جن عليه اليل } ( ~~الأنعام : 76 ) . # / والمقام ms3628 الثالث : مناظرته مع ملك زمانه ، فقال : { ربي الذى يحى ويميت ~~} . # والمقام الرابع : مناظرته مع الكفارة بالفعل ، وهو قوله تعالى : { فجعلهم ~~جذاذا إلا كبيرا لهم } ( الأنبياء : 58 ) ثم إن القوم قالوا : { حرقوه ~~وانصروا ءالهتكم } ( الأنبياء : 68 ) ثم إنه عليه السلام بعد هذه الواقعة ~~بذل ولده فقال : { إنى أرى * فى المنام أنى أذبحك } ( الصافات : 102 ) فعند ~~هذا ثبت أن إبراهيم عليه السلام كان من الفتيان ، لأنه سلم قلبه للعرفان ~~ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان ، ثم إنه عليه ~~السلام سأل ربه فقال : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } ( الشعراء : 84 ) ~~فوجب في كرم الله تعالى أنه يجيب دعاءه ويحقق مطلوبه في هذا السؤال ، فلا ~~جرم أجاب دعاءه ، وقبل نداءه وجعله مقبولا لجميع الفرق والطوائف إلى قيام ~~القيامة ، ولما كان العرب معترفين بفضله لا جرم جعل الله تعالى مناظرته مع ~~قومه حجة على مشركي العرب . # المسألة الثانية : اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكا ~~يساويه في الوجوب والقدرة والعلم والحكمة ، لكن الثنوية يثبتون إلهين ، ~~أحدهما حكيم يفعل الخير ، والثاني سفيه يفعل الشر ، وأما الاشتغال ~~PageV13P029 بعبادة غير الله . ففي الذاهبين إليه كثرة . فمنهم عبدة ~~الكواكب ، وهم فريقان منهم من يقول إنه سبحانه خلق هذه الكواكب ، وفوض ~~تدبير هذا العالم السفلي إليها ، فهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم ، ~~قالوا : فيجب علينا أن نعبد هذه الكواكب ، ثم إن هذه الأفلاك والكواكب تعبد ~~الله وتطبعه ، ومنهم قوم غلاة ينكرون الصانع ، ويقولون هذه الأفلاك ~~والكواكب أجسام واجبة الوجود لذواتها ويمتنع عليها العدم والفناء ، وهي ~~المدبرة لأحوال هذا العالم الأسفل / وهؤلاء هم الدهرية الخالصة ، وممن يعبد ~~غير الله النصارى الذين يعبدون المسيح ومنهم أيضا عبدة الأصنام . # واعلم أن هنا بحثا لا بد منه وهو أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأصنام ، ~~والدليل عليه أن أقدم الأنبياء الذين وصل إلينا تواريخهم على سبيل التفصيل ~~هو نوح عليه السلام ، وهو إنما جاء بالرد على عبدة الأصنام كما قال تعالى ~~حكاية عن قومه أنهم قالوا : { لا ms3629 تذرن * ودا * سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ~~} ( نوح : 23 ) وذلك يدل على أن دين عبدة الأصنام قد كان موجودا قبل نوح ~~عليه السلام وقد بقي ذلك الدين إلى هذا الزمان فإن أكثر سكان أطراف الأرض ~~مستمرون على هذا الدين والمذهب الذي هذا شأنه يمتنع أن يكون معلوم البطلان ~~في بديهة العقل ، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو ~~الذي خلقني وخلق السماء والأرض علم ضروري ، والعلم الضروري يمتنع إطباق ~~الخلق الكثير على إنكاره ، فظهر أنه ليس دين عبدة الأصنام كون الصنم / ~~خالقا للسماء والأرض ، بل لا بد وأن يكون لهم فيه تأويل ، والعلماء ذكروا ~~فيه وجوها كثيرة وقد ذكرنا هذا البحث في أول سورة البقرة ، ولا بأس بأن ~~نعيده ههنا تكثيرا للفوائد . # فالتأويل الأول : وهو الأقوى أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم ~~الأسفل مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب ، فإن بحسب قرب الشمس وبعدها من سمت ~~الرأس تحدث الفصول الأربعة ، وبسبب حدوث الفصول الأربعة تحدث الأحوال ~~المختلفة في هذا العالم ، ثم إن الناس ترصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ~~ارتباط السعادات والنحوسات بكيفية وقوعها في طوالع الناس على أحوال مختلفة ~~فلما اعتقدوا ذلك غلب على ظنون أكثر الخلق أن مبدأ حدوث الحوادث في هذا ~~العالم هو الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية فلما اعتقدوا ذلك بالغوا ~~في تعظيمها ثم منهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها ومنهم من اعتقد ~~حدوثها وكونها مخلوقة للإله الأكبر ، إلا أنهم قالوا إنها وإن كانت مخلوقة ~~للإله الأكبر ، إلا أنها هي المدبرة لأحوال هذا العالم وهؤلاء هم الذين ~~أثبتوا الوسائط بين الإله الأكبر ، وبين أحوال هذا العالم . وعلى كلا ~~التقديرين فالقوم اشتغلوا بعبادتها وتعظيمها ثم إنهم لما رأوا أن هذه ~~الكواكب قد تغيب عن الأبصار في أكثر الأوقات اتخذوا لكل كوكب صنما من ~~الجوهر المنسوب إليه واتخذوا صنم الشمس من الذهب وزينوه بالأحجار المنسوبة ~~إلى الشمس وهي الياقوت والألماس واتخذوا صنم القمر من الفضة وعلى هذا ~~القياس ثم أقبلوا على عبادة هذه الأصنام وغرضهم من ms3630 عبادة هذه الأصنام هو ~~عبادة تلك الكواكب والتقرب إليها وعند هذا البحث يظهر أن المقصود الأصلي من ~~عبادة هذه الأصنام هو عبادة الكواكب . وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فلهم ~~ههنا مقامان : أحدهما : إقامة الدلائل على أن هذه الكواكب لا تأثير لها ~~البتة في أحوال هذا العالم كما قال الله تعالى : { ألا له الخلق والامر } ( ~~الأعراف : 54 ) بعد أن بين في الكواكب أنها مسخرة . والثاني : أنها بتقدير ~~أنها تفعل شيئا ويصدر عنها تأثيرات في هذا العالم إلا أن دلائل الحدوث ~~حاصلة فيها فوجب كونها مخلوقة PageV13P030 والاشتغال بعبادة الأصل أولى من ~~الاشتغال بعبادة الفرع ، والدليل على أن حاصل دين عبدة الأصنام ما ذكرناه ~~أنه تعالى لما حكى عن الخليل صلوات الله عليه أنه قال لأبيه آزر أتتخذ ~~أصناما آلهة ؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين فأفتى بهذا الكلام أن عبادة ~~الأصنام جهل ، ثم لما اشتغل بذكر الدليل أقام الدليل على أن الكواكب والقمر ~~والشمس لا يصلح شيء منها للإلهية وهذا يدل على أن دين عبدة الأصنام حاصله ~~يرجع إلى القول بإلهية هذه الكواكب وإلا لصارت هذه الآية متنافية متنافرة . ~~وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا طريق إلى إبطال القول بعبادة الأصنام إلا بإبطال ~~كون الشمس والقمر / وسائر الكواكب آلهة لهذا العالم مدبرة له . # الوجه الثاني : في شرح حقيقة مذهب عبدة الأصنام ما ذكره أبو معشر جعفر بن ~~محمد المنجم البلخي رحمه الله فقال في بعض كتبه : إن كثيرا من أهل الصين ~~والهند كانوا يثبتون الإله والملائكة إلا أنهم يعتقدون أنه تعالى جسم وذو ~~صورة كأحسن ما يكون من الصور وللملائكة أيضا صور حسنة إلا أنهم كلهم ~~محتجبون عنا بالسموات ، فلا جرم اتخذوا صورا وتماثيل أنيقة المنظر حسنة ~~الرؤيا والهيكل فيتخذون صورة في غاية الحسن ويقولون إنها هيكل الإله ، ~~وصورة أخرى دون الصورة الأولى ويجعلونها على صورة الملائكة ، ثم يواظبون ~~على عبادتها قاصدين بتلك العبادة طلب الزلفى من الله تعالى ومن الملائكة ، ~~فإن صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد ms3631 أن الله تعالى جسم ~~وفي مكان . # الوجه الثالث : في هذا الباب أن القوم يعتقدون أن الله تعالى فوض تدبير ~~كل واحد من الأقاليم إلى ملك بعينه . وفوض تدبير كل قسم من أقسام ملك ~~العالم إلى روح سماوي بعينه فيقولون مدبر البحار ملك ، ومدبر الجبال ملك ~~آخر ، ومدبر الغيوم والأمطار ملك ، ومدبر الأرزاق ملك ، ومدبر الحروب ~~والمقاتلات ملك آخر ، فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا لكل واحد من أولئك الملائكة ~~صنما مخصوصا وهيكلا مخصوصا ويطلبون من كل صنم ما يليق بذلك الروح الفلكي من ~~الآثار والتدبيرات ، وللقوم تأويلات أخرى سوى هذه الثلاثة ذكرناها في أول ~~سورة البقرة ، ولنكتف ههنا بهذا القدر من البيان والله أعلم . # المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية يدل على أن اسم والد إبراهيم هو آزر ، ~~ومنهم من قال اسمه تارح . قال الزجاج : لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح ~~، ومن الملحدة من جعل هذا طعنا في القرآن . وقال هذا النسب خطأ وليس بصواب ~~، وللعلماء ههنا مقامان : # المقام الأول : أن اسم والد إبراهيم عليه السلام هو آزر ، وأما قولهم ~~أجمع النسابون على أن اسمه كان تارح . فنقول هذا ضعيف لأن ذلك الإجماع إنما ~~حصل لأن بعضهم يقلد بعضا ، وبالآخرة يرجع ذلك الإجماع إلى قول الواحد ~~والاثنين مثل قول وهب وكعب وغيرهما ، وربما تعلقوا بما يجدونه من أخبار ~~اليهود والنصارى ، ولا عبرة بذلك في مقابلة صريح القرآن . # المقام الثاني : سلمنا أن اسمه كان تارح ثم لنا ههنا وجوه : # الوجه الأول : لعل والد إبراهيم كان مسمى بهذين الاسمين ، فيحتمل أن يقال ~~إن اسمه الأصلي كان آزر وجعل تارح لقباله ، فاشتهر هذا اللقب وخفي الاسم . ~~فالله تعالى ذكره بالاسم ، / ويحتمل أن يكون بالعكس ، وهو أن تارح كان اسما ~~أصليا وآزر كان لقبا غالبا . فذكره الله تعالى بهذا اللقب الغالب . ~~PageV13P031 # الوجه الثاني : أن يكون لفظة آزر صفة مخصوصة في لغتم ، فقيل إن آزر اسم ~~ذم في لغتهم وهو المخطىء كأنه قيل ، وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطىء كأنه ~~عابه بزيغه وكفره وانحرافه عن الحق ، وقيل آزر ms3632 هو الشيخ الهرم بالخوارزمية ~~، وهو أيضا فارسية أصلية . # واعلم أن هذين الوجهين إنما يجوز المصير إليهما عند من يقول بجواز اشتمال ~~القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب . # والوجه الثالث : أن آزر كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم ، وإنما سماه ~~الله بهذا الاسم لوجهين : أحدهما : أنه جعل نفسه مختصا بعبادته ومن بالغ في ~~محبة أحد فقد يجعل اسم المحبوب اسما للمحب . قال الله تعالى : { يوم ندعوا ~~كل أناس بإمامهم } ( الإسراء : 71 ) وثانيها : أن يكون المراد عابد آزر ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . # الوجه الرابع : أن والد إبراهيم عليه السلام كان تارح وآزر كان عماله / ~~والعم قد يطلق عليه اسم الأب ، كما حكى الله تعالى عن أولاد يعقوب أنهم ~~قالوا : { نعبد إلاهك وإلاه آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ( البقرة : ~~133 ) ومعلوم أن إسماعيل كان عما ليعقوب . وقد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا ~~ههنا . واعلم أن هذه التكلفات إنما يجب المصير إليها لو دل دليل باهر على ~~أن والد إبراهيم ما كان اسمه آزر وهذا الدليل لم يوجد البتة ، فأي حاجة ~~تحملنا على هذه التأويلات ، والدليل القوي على صحة أن الأمر على ما يدل ~~عليه ظاهر هذه الآية ، أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا في غاية الحرص ~~على تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام وإظهار بغضه ، فلو كان هذا النسب ~~كذبا لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه وحيث لم يكذبوه علمنا أن هذا النسب ~~صحيح والله أعلم . # المسألة الرابعة : قالت الشيعة : إن أحدا من آباء الرسول عليه الصلاة ~~والسلام وأجداده ما كان كافرا وأنكروا أن يقال أن والد إبراهيم كان كافرا ~~وذكروا أن آزر كان عم إبراهيم عليه السلام . وما كان والدا له واحتجوا على ~~قولهم بوجوه : # الحجة الأولى : أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا ويدل عليه وجوه : منها ~~قوله تعالى : { الذى يراك حين تقوم * وتقلبك فى الساجدين } ( الشعراء : 218 ~~/ 219 ) . # قيل معناه : إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير : فالآية ~~دالة على أن جميع آباء محمد عليه السلام كانوا ms3633 مسلمين . وحينئذ يجب القطع ~~بأن والد إبراهيم عليه السلام كان مسلما . # فإن قيل : قوله : { وتقلبك فى الساجدين } يحتمل وجوها أخر : أحدها : إنه ~~لما نسخ فرض / قيام الليل طاف الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الليلة على ~~بيوت الصحابة لينظر ماذا يصنعون لشدة حرصه على ما يظهر منهم من الطاعات ~~فوجدها كبيوت الزنانير لكثرة ما سمع من أصوات قراءتهم وتسبيحهم وتهليلهم . ~~فالمراد من قوله : { وتقلبك فى الساجدين } طوافه صلوات الله عليه تلك ~~الليلة على الساجدين . وثانيها : المراد أنه عليه السلام كان يصلي بالجماعة ~~فتقلبه في الساجدين معناه : كونه فيما بينهم ومختلطا بهم حال القيام ~~والركوع والسجود . وثالثها : أن يكون المراد أنه ما يخفى حالك على الله ~~كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في الاشتغال بأمور الدين . ورابعها : المراد ~~تقلب بصره فيمن يصلي خلفه ، والدليل عليه PageV13P032 قوله عليه السلام : ( ~~أتموا الركوع والسجود فإني أراكم من وراء ظهري ) فهذه الوجوه الأربعة مما ~~يحتملها ظاهر الآية ، فسقط ما ذكرتم . # والجواب : لفظ الآية محتمل للكل ، فليس حمل الآية على البعض أولى من ~~حملها على الباقي . فوجب أن نحملها على الكل وحينئذ يحصل المقصود ، ومما ~~يدل أيضا على أن أحدا من آباء محمد عليه السلام ما كان من المشركين قوله ~~عليه السلام : ( لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ) وقال ~~تعالى : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) وذلك يوجب أن يقال : إن ~~أحدا من أجداده ما كان من المشركين . # إذا ثبت هذا فنقول : ثبت بما ذكرنا أن والد إبراهيم عليه السلام ما كان ~~مشركا ، وثبت أن آزر كان مشركا . فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان إنسانا ~~آخر غير آزر . # الحجة الثانية : على أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام . أن هذه ~~الآية دالة على أن إبراهيم عليه السلام شافه آزر بالغلظة والجفاء . ومشافهة ~~الأب بالجفاء لا تجوز ، وهذا يدل على أن آزر ما كان والد إبراهيم ، إنما ~~قلنا : إن إبراهيم شافه آزر بالغلظة والجفاء في هذه الآية لوجهين : الأول : ~~أنه قرىء { وإذ قال إبراهيم لابيه ms3634 ءازر } بضم آزر وهذا يكون محمولا على ~~النداء ونداء الأب بالاسم الأصلي من أعظم أنواع الجفاء . الثاني : أنه قال ~~لآزر : { إنى أراك وقومك فى ضلال مبين } ( الأنعام : 74 ) وهذا من أعظم ~~أنواع الجفاء والإيذاء . فثبت أنه عليه السلام شافه آزر بالجفاء ، وإنما ~~قلنا : أن مشافهة الأب بالجفاء لا تجوز لوجوه : الأول : قوله تعالى : { ~~وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) وهذا ~~عام في حق الأب الكافر والمسلم ، قال تعالى : { فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما } ( الإسراء : 23 ) وهذا أيضا عام . والثاني : أنه تعالى لما بعث ~~موسى عليه السلام إلى فرعون أمره بالرفق معه فقال { فقولا له قولا لينا ~~لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) والسبب فيه أن يصير ذلك رعاية لحق تربية ~~فرعون . فههنا الوالد أولى بالرفق . الثالث : أن الدعوة مع الرفق أكثر ~~تأثيرا في القلب ، أما التغليظ فإنه يوجب / التنفير والبعد عن القبول . ~~ولهذا المعنى قال تعالى لمحمد عليه السلام : { وجادلهم بالتى هى أحسن } ( ~~النحل : 125 ) فكيف يليق بإبراهيم عليه السلام مثل هذه الخشونة مع أبيه في ~~الدعوة ؟ الرابع : أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام الحلم ، فقال : { ~~إن إبراهيم لحليم أواه } وكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع الآب ؟ ~~فثبت بهذه الوجوه أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام بل كان عما له ، ~~فأما والده فهو تارح والعم قد يسمى بالأب على ما ذكرنا أن أولاد يعقوب سموا ~~إسماعيل بكونه أبا ليعقوب مع أنه كان عما له . وقال عليه السلام : ( ردوا ~~علي أبي ) يعني العم العباس وأيضا يحتمل أن آزر كان والد أم إبراهيم عليه ~~السلام وهذا قد يقال له الأب . والدليل عليه قوله تعالى : { ومن ذريته * ~~داوود * وسليمان } ( الأنعام : 84 ) إلى قوله : { عيسى } فجعل عيسى من ذرية ~~إبراهيم مع أن إبراهيم عليه السلام كان جدا لعيسى من قبل الأم . وأما ~~أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول الله كان كافرا وذكروا أن نص الكتاب في هذه ~~الآية تدل على أن آزر كان كافرا ms3635 وكان والد إبراهيم عليه السلام . وأيضا ~~قوله تعالى : { وما كان استغفار إبراهيم لابيه } إلى قوله : { فلما تبين له ~~أنه عدو لله تبرأ منه } ( التوبة : 114 ) وذلك يدل على قولنا ، وأما قوله { ~~وتقلبك فى الساجدين } قلنا : قد بينا أن هذه الآية تحتمل سائر الوجوه قوله ~~PageV13P033 تحمل هذه الآية على الكل ، قلنا هذا محال لأن حمل اللفظ ~~المشترك على جميع معانيه لا يجوز ، وأيضا حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معا ~~لا يجوز ، وأما قوله عليه السلام : ( لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى ~~أرحام الطاهرات ) فذلك محمول على أنه ما وقع في نسبه ما كان سفاحا ، أما ~~قوله التغليظ مع الأب لا يليق بإبراهيم عليه السلام . قلنا : لعله أصر على ~~كفره فلأجل الإصرار استحق ذلك التغليط . والله أعلم . # المسألة الخامسة : قرىء { ءازر } بالنصب وهو عطف بيان لقوله : { لابيه } ~~وبالضم على النداء ، وسألني واحد فقال : قرىء { ءازر } بهاتين القراءتين ، ~~وأما قوله : { وإذ قال موسى * لاخيه هارون } قرىء { هارون } بالنصب وما ~~قرىء البتة بالضم فما الفرق ؟ قلت القراءة بالضم محمولة على النداء والنداء ~~بالاسم استخفاف بالمنادى . وذلك لائق بقصة إبراهيم عليه السلام لأنه كان ~~مصرا على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجرا له عن ذلك القبيح ، وأما قصة ~~موسى عليه السلام فقد كان موسى عليه السلام يستخلف هرون على قومه فما كان ~~الاستخفاف لائقا بذلك الموضع ، فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة . # المسألة السادسة : اختلف الناس في تفسير لفظ ( الإله ) والأصح أنه هو ~~المعبود ، وهذه الآية تدل على هذا القول لأنهم ما أثبتوا للأصنام إلا كونها ~~معبودة ، ولأجل هذا قال إبراهيم لأبيه : { وإذ قال إبراهيم } وذلك يدل على ~~أن تفسير لفظ ( الإله ) هو المعبود . # / المسألة السابعة : اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ~~ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين : الأول : أن قوله : ~~{ وإذ قال إبراهيم } يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة ؛ إلا أن ~~القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى : { لو كان ms3636 ~~فيهما الهة إلا الله لفسدتا } والثاني : أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة ~~على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافيا ، فلما لم يكن الواحد كافيا دل ~~ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها البتة . # المسألة الثامنة : احتج بعضهم بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى ~~ووجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع . قال لأن إبراهيم عليه ~~السلام حكم عليهم بالضلال ، ولولا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال . ~~لأن ذلك المذهب كان متقدما على دعوة إبراهيم . ولقائل أن يقول : إنه كان ~~ضلالا بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم عليه السلام . # ! 7 < { وكذلك نرىإبراهيم ملكوت السماوات والا رض وليكون من الموقنين } . ~~> 7 ! # < < # | الأنعام : ( 75 ) وكذلك نري إبراهيم . . . . . # > > المسألة الأولى : ( الكاف ) في كذلك للتشبيه ، وذلك إشارة إلى غائب ~~جرى ذكره والمذكور ههنا فيما قبل هو أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام ~~، وهو قوله : { إنى أراك وقومك فى ضلال مبين } والمعنى : ومثل ما أريناه من ~~قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات والأرض . وههنا دقيقة عقلية ، وهي أن ~~نور جلال الله PageV13P034 تعالى لائح غير منقطع ولا زائل البتة ، والأرواح ~~البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب ، وذلك الحجاب ليس ~~إلا الاشتغال بغير الله تعالى ، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك ~~الحجاب يحصل هذا التجلي فقول إبراهيم عليه السلام : { وإذ قال إبراهيم } ~~إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى ، لأن كل ما سوى الله فهو ~~حجاب عن الله تعالى ، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السموات ~~بالتمام ، فقوله : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت * السماوات } معناه : وبعد ~~زوال الاشتغال بغير الله حصل له نور تجلى جلال الله تعالى ، فكان قوله : { ~~وكذالك } منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول هذه الإراءة قد حصلت فيما تقدم من ~~الزمان ، فكان الأولى / أن يقال : وكذلك أرينا إبراهيم ملكوت السموات ~~والأرض ، فلم عدل عن هذه اللفظة إلى قوله { وكذلك نرى } . # قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن ms3637 يكون تقدير الآية ، وكذلك كنا ~~نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، فيكون هذا على سبيل الحكاية عن الماضي ~~. والمعنى أنه تعالى لما حكى عنه أنه شافه أباه الكلام الخشن تعصبا للدين ~~الحق . فكأنه قيل : وكيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ العظيم في قوة الدين ، ~~فأجيب بأنا كنا نريه ملكوت السموات والأرض من وقت طفوليته لأجل أن يصير من ~~الموقنين زمان بلوغه . # الوجه الثاني في الجواب : وهو أعلى وأشرف مما تقدم ، وهو أنا نقول : إنه ~~ليس المقصود من إراءة الله إبراهيم ملكوت السموات والأرض هو مجرد أن يرى ~~إبراهيم هذا الملكوت ، بل المقصود أن يراها فيتوسل بها إلى معرفة جلال الله ~~تعالى وقدسه وعلوه وعظمته . ومعلوم أن مخلوقات الله وإن كانت متناهية في ~~الذوات وفي الصفات ، إلا أن جهات دلالاتها على الذوات والصفات غير متناهية ~~. وسمعت الشيخ الإمام الوالد عمر ضياء الدين رحمه الله تعالى قال : سمعت ~~الشيخ أبا القاسم الأنصاري يقول : سمعت إمام الحرمين يقول : معلومات الله ~~تعالى غير متناهية ، ومعلوماته في كل واحد من تلك المعلومات أيضا غير ~~متناهية ، وذلك لأن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على ~~البدل ، ويمكن إنصافه بصفات لا نهاية لها على البدل ، وكل تلك الأحوال ~~التقديرية دالة على حكمة الله تعالى وقدرته أيضا ، وإذا كان الجوهر الفرد ~~والجزء الذي لا يتجزأ كذلك ؛ فكيف القول في كل ملكوت الله تعالى ، فثبت أن ~~دلالة ملك الله تعالى ، وملكوته على نعوت جلاله وسمات عظمته وعزته غير ~~متناهية ، وحصول المعلومات التي لا نهاية لها دفعة واحدة في عقول الخلق ~~محال ، فإذن لا طريق إلى تحصيل تلك المعارف إلا بأن يحصل بعضها عقيب البعض ~~لا إلى نهاية ولا إلى آخر في المستقبل ، فلهذا السبب والله أعلم لم يقل ، ~~وكذلك أريناه ملكوت السموات والأرض ، بل قال : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت * ~~والارض } وهذا هو المراد من قول المحققين السفر إلى الله له نهاية ، وأما ~~السفر في الله فإنه لا نهاية له والله أعلم . # المسألة الثالثة : { * الملكوت } هو الملك ، و ( التاء ms3638 ) للمبالغة ~~كالرغبوت من الرغبة والرهبوت من الرهبة . # واعلم أن في تفسيره هذه الإراءة قولين : الأول : أن الله أراه الملكوت ~~بالعين ، قالوا إن الله تعالى شق له السموات حتى رأى العرش والكرسي وإلى ~~حيث ينتهي إليه فوقية العالم الجسماني ، / وشق له الأرض إلى حيث ينتهي إلى ~~السطح الآخر من العالم الجسماني ، ورأى ما في السموات من العجائب والبدائع ~~، ورأى ما في باطن الأرض من العجائب والبدائع . وعن ابن عباس أنه قال : لما ~~أسرى بإبراهيم إلى السماء ورأى ما في PageV13P035 السموات وما في الأرض ~~فأبصر عبدا على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك ، فقال الله تعالى له : ~~كف عن عبادي فهم بين حالين إما أن أجعل منهم ذرية طيبة أو يتوبون فأغفر لهم ~~أو النار من ورائهم ، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه : الأول : أن أهل ~~السماء هم الملائكة المقربون وهم لا يعصون الله ، فلا يليق أن يقال : إنه ~~لما رفع إلى السماء أبصر عبدا على فاحشة . الثاني : أن الأنبياء لا يدعون ~~بهلاك المذنب إلا عن أمر الله تعالى ، وإذا أذن الله تعالى فيه لم يجز أن ~~يمنعه من إجابة دعائه . الثالث : أن ذلك الدعاء إما أن يكون صوابا أو خطأ ~~فإن كان صوابا فلم رده في المرة الثانية ، وإن كان خطأ فلم قبله في المرة ~~الأولى . ثم قال : وأخبار الآحاد إذا وردت على خلاف دلائل العقول وجب ~~التوقف فيها . # والقول الثاني : أن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة والعقل ، لا بالبصر ~~الظاهر والحس الظاهر . واحتج القائلون بهذا القول بوجوه : # الحجة الأولى : أن ملكوت السموات عبارة عن ملك السماء ، والملك عبارة عن ~~القدرة ، وقدرة الله لا ترى ، وإنما تعرف بالعقل ، وهذا كلام قاطع ، إلا أن ~~يقال المراد بملكوت السموات والأرض نفس السموات والأرض ، إلا أن على هذا ~~التقدير يضيع لفظ الملكوت ولا يحصل منه فائدة . # والحجة الثانية : أنه تعالى ذكر هذه الإراءة في أول الآية على سبيل ~~الإجمال وهو قوله : { مبين وكذلك نرى إبراهيم } ثم فسرها بعد ذلك بقوله : { ~~فلما جن عليه ms3639 اليل رأى كوكبا } ( الأنعام : 76 ) فجرى ذكر هذا الاستدلال ~~كالشرح والتفسير لتلك الإراءة فوجب أن يقال إن تلك الإراءة كانت عبارة عن ~~هذا الاستدلال . # والحجة الثالثة : أنه تعالى قال في آخر الآية : { وتلك حجتنا ءاتيناها ~~إبراهيم على قومه } والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه لأنهم كانوا ~~غائبين عنها وكانوا يكذبون إبراهيم فيها وما كان يجوز لهم تصديق إبراهيم في ~~تلك الدعوى إلا بدليل منفصل ومعجزة باهرة ، وإنما كانت الحجة التي أوردها ~~إبراهيم على قومه في الاستدلال بالنجوم من الطريق الذي نطق به القرآن . فإن ~~تلك الأدلة كانت ظاهرة لهم كما أنها كانت ظاهرة لإبراهيم . # والحجة الرابعة : أن إراءة جميع العالم تفيد العلم الضروري بأن للعالم ~~إلها قادرا على كل / الممكنات . ومثل هذه الحالة لا يحصل للإنسان بسببها ~~استحقاق المدح والتعظيم . ألا ترى أن الكفار في الآخرة يعرفون الله تعالى ~~بالضرورة وليس لهم في تلك المعرفة مدح ولا ثواب . وأما الاستدلال بصفات ~~المخلوقات على وجود الصانع وقدرته وحكمته فذاك هو الذي يفيد المدح والتعظيم ~~. # والحجة الخامسة : أنه تعالى كما قال في حق إبراهيم عليه السلام { وكذلك ~~نرى إبراهيم ملكوت * السماوات والارض } فكذلك قال في حق هذه الأمة : { ~~سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } ( فصلت : 53 ) فكما كانت هذه ~~الإراءة بالبصيرة الباطنة لا بالبصر الظاهر فكذلك في حق إبراهيم لا يبعد أن ~~يكون الأمر كذلك . # الحجة السادسة : أنه عليه السلام لما تمم الاستدلال بالنجم والقمر والشمس ~~قال بعده : { إنى وجهت وجهى للذى فطر * السماوات والارض } ( الأنعام : 79 ) ~~PageV13P036 فحكم على السموات والأرض بكونها مخلوقة لأجل الدليل الذي ذكره ~~في النجم والقمر والشمس . وذلك الدليل لو لم يكن عاما في كل السموات والأرض ~~لكان الحكم العام بناء على دليل خاص وأنه خطأ ، فثبت أن ذلك الدليل كان ~~عاما فكان ذكر النجم والقمر والشمس كالمثال لإراءة الملكوت . فوجب أن يكون ~~المراد من إراءة الملكوت تعريف كيفية دلالتها بحسب تغيرها وإمكانها وحدوثها ~~على وجود الإله العالم القادر الحكيم فتكون هذه الإراءة بالقلب لا بالعين . # الحجة ms3640 السابعة : أن اليقين عبارة عن العلم المستفاد بالتأمل إذا كان ~~مسبوقا بالشك وقوله تعالى : { وليكون من الموقنين } كالغرض من تلك الإراءة ~~فيصير تقدير الآية نرى إبراهيم ملكوت السوات والأرض لأجل أن يصير من ~~الموقنين . فلما كان اليقين هو العلم المستفاد من الدليل ، وجب أن تكون تلك ~~الإراءة عبارة عن الاستدلال . # الحجة الثامنة : أن جميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته ~~باعتبار واحد وهو أنها محدثة ممكنة وكل محدث ممكن فهو محتاج إلى الصانع . ~~وإذا عرف الإنسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال عى الصانع ~~وكأنه بمعرفة هاتين المقدمتين قد طالع جميع الملكوت بعين عقله وسمع بأذن ~~عقله شهادتها بالاحتياج والافتقار وهذه الرؤية رؤية باقية غير زائلة البتة ~~. ثم إنها غير شاملة عن الله تعالى بل هي شاغلة للقلب والروح بالله . أما ~~رؤية العين فالإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على ~~سبيل الكمال . ألا ترى أن من نظر إلى صحيفة مكتوبة فإنه لا يرى من تلك ~~الصحيفة رؤية كاملة تامة إلا حرفا واحدا فإن حدق نظره إلى حرف آخر وشغل ~~بصره به صار محروما عن إدراك الحرف الأول ، أو عن إبصاره . فثبت أن رؤية ~~الأشياء / الكثيرة دفعة واحدة غير ممكنة . وبتقدير أن تكون ممكنة هي غير ~~باقية وبتقدير أن تكون باقية هي شاغلة عن الله تعالى . ألا ترى أنه تعالى ~~مدح محمدا عليه الصلاة والسلام في ترك هذه الرؤية فقال : { ما زاغ البصر ~~وما طغى } ( النجم : 17 ) فثبت بجملة هذه الدلائل أن تلك الإراءة كانت ~~إراءة بحسب بصيرة العقل ، لا بحسب البصر الظاهر . # فإن قيل : فرؤية القلب على هذا التفسير حاصلة لجميع الموحدين فأي فضيلة ~~تحصل لإبراهيم بسببها . # قلنا : جميع الموحدين وإن كانوا يعرفون أصل هذا الدليل إلا أن الاطلاع ~~على آثار حكمة الله تعالى في كل واحد من مخلوقات هذا العالم بحسب أجناسها ~~وأنواعها وأصنافها وأشخاصها وأحوالها مما لا يحصل إلا للأكابر من الأنبياء ~~عليهم السلام . ولهذا المعنى كان رسولنا عليه الصلاة ms3641 والسلام يقول في دعائه ~~: ( اللهم أرنا الأشياء كما هي ) فزال هذا الإشكال . والله أعلم . # المسألة الرابعة : اختلفوا في ( الواو ) في قوله : { وليكون من الموقنين ~~} وذكروا فيه وجوها : الأول : الواو زائدة والتقدير : نرى إبراهيم ملكوت ~~السموات والأرض ليستدل بها ليكون من الموقنين . الثاني : أن يكون هذا كلاما ~~مستأنفا لبيان علة الإراءة والتقدير وليكون من الموقنين نريه ملكوت السموات ~~والأرض . الثالث : أن الإراءة قد تحصل وتصير سببا لمزيد الضلال كما في حق ~~فرعون قال تعالى : { ولقد أريناه ءاياتنا كلها فكذب وأبى } ( طه : 56 ) وقد ~~تصير سببا لمزيد الهداية واليقين . فلما احتملت الإراءة هذين الاحتمالين ~~قال PageV13P037 تعالى في حق إبراهيم عليه السلام : إنا أريناه هذه الآيات ~~ليراها ولأجل أن يكون من الموقنين لا من الجاحدين والله أعلم . # المسألة الخامسة : اليقين عبارة عن علم يحصل بعد زوال الشبهة بسبب التأمل ~~ولهذا المعنى لا يوصف علم الله تعالى بكونه يقينا لأن علمه غير مسبوق ~~بالشبهة وغير مستفاد من الفكر والتأمل . واعلم أن الإنسان في أول ما يستدل ~~فإنه لا ينفك قلبه عن شك وشبهة من بعض الوجوه فإذا كثرت الدلائل وتوافقت ~~وتطابقت صارت سببا لحصول اليقين وذلك لوجوه : الأول : أنه يحصل لكل واحد من ~~تلك الدلائل نوع تأثر وقوة فلا تزال القوة تتزايد حتى ننتهي إلى الجزم . ~~الثاني : أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة فكثرة الاستدلال بالدلائل ~~المختلفة على المدلول الواحد جار مجرى تكرار الدرس الواحد ، فكما أن كثرة ~~التكرار تفيد الحفظ المتأكد الذي لا يزول عن القلب ، فكذا ههنا . الثالث : ~~أن القلب عند الاستدلال كان مظلما جدا فإذا حصل فيه الإعتقاد المستفاد من ~~الدليل الأول امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة سائر الصفات الحاصلة في القلب ~~، فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور والظلمة ، فإذا حصل ~~الاستدلال / الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى ، فيصير الإشراق واللمعان ~~أتم . وكما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر نورها في أول الأمر وهو الصبح ~~. فكذلك الاستدلال الأول يكون كالصبح ، ثم كما أن الصبح لا يزال يتزايد ~~بسبب تزايد ms3642 قرب الشمس من سمت الرأس ، فإذا وصلت إلى سمت الرأس حصل النور ~~التام ، فكذلك العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات الله تعالى أكثر كان ~~شروق نور المعرفة والتوحيد أجلى . إلا أن الفرق بين شمس العلم وبين شمس ~~العالم أن شمس العالم الجسماني لها في الارتقاء والتصاعد حد معين لا يمكن ~~أن يزاد عليه في الصعود ، وأما شمس المعرفة والعقل والتوحيد ، فلا نهاية ~~لتصاعدها ولا غاية لازديادها فقوله : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت * السماوات ~~والارض } إشارة إلى مراتب الدلائل والبينات ، وقوله : { وليكون من الموقنين ~~} إشارة إلى درجات أنوار التجلي وشروق شمس المعرفة والتوحيد . والله أعلم . # ! 7 < { فلما جن عليه اليل رأى كوكبا قال هاذا ربى فلمآ أفل قال لاأحب ~~الا فلين * فلمآ رأى القمر بازغا قال هاذا ربى فلمآ أفل قال لئن لم يهدنى ~~ربى لاكونن من القوم الضآلين * فلما رأى الشمس بازغة قال هاذا ربى هاذآ ~~أكبر فلمآ أفلت قال ياقوم إنى برىء مما تشركون * إنى وجهت وجهى للذى فطر ~~السماوات والا رض حنيفا ومآ أنا من المشركين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 76 - 79 ) فلما جن عليه . . . . . # > > PageV13P038 # في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : { فلما جن عليه اليل } عطف على ~~قوله : { قال إبراهيم لابيه ءازر } وقوله : { وكذلك نرى } جملة وقعت ~~اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه . # المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : يقال جن عليه الليل وأجنه ~~الليل ، ويقال : لكل / ما سترته جن وأجن ، ويقال أيضا جنه الليل ، ولكن ~~الاختيار جن عليه الليل ، وأجنه الليل . هذا قول جميع أهل اللغة ، ومعنى { ~~جن } ستر ومنه الجنة والجن والجنون والجان والجنين والمجن والجنن والمجن ، ~~وهو المقبور . والمجنة كل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار ، وقال بعض ~~النحويين : { جن عليه اليل } إذا أظلم عليه الليل . ولهذا دخلت ( على ) ~~عليه كما تقول في أظلم . فأما جنه فستره من غير تضمين معنى { أظلم } . # المسألة الثالثة : اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى ~~رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه ، فأمر ذلك ms3643 الملك بذبح ~~كل غلام يولد ، فحبلت أم إبراهيم به وماأظهرت حبلها للناس ، فلما جاءها ~~الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر ، فجاء جبريل ~~عليه السلام ووضع أصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه وكان يتعهده جبريل عليه ~~السلام ، فكانت الأم تأتيه أحيانا وترضعه وبقي على هذه الصفة حتى كبر وعقل ~~وعرف أن له ربا ، فسأل الأم فقال لها : من ربي ؟ فقالت أنا ، فقال : ومن ~~ربك ؟ قالت أبوك ، فقال للأب : ومن ربك ؟ فقال : ملك البلد . فعرف إبراهيم ~~عليه السلام جهلهما بربهما فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئا يستدل به على ~~وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي هو أضوأ النجوم في السماء . فقال : هذا ~~ربي إلى آخر القصة . ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال : إن ~~هذا كان بعد البلوغ وجريان قلم التكليف عليه ، ومنهم من قال : إن هذا كان ~~قبل البلوغ . واتفق أكثر المحققين على فساد القول الأول واحتجوا عليه بوجوه ~~: # الحجة الأولى : أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز ~~بالإجماع على الأنبياء . # الحجة الثانية : أن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة ~~بالدليل . والدليل على صحة ما ذكرناه أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه ~~الواقعة لأبيه آزر : { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إنى ~~} ( الأنعام : 74 ) . # الحجة الثالثة : أنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة ~~الأصنام بالرفق حيث قال : { لابيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) وحكى في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى ~~التوحيد وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش . ومن المعلوم أن ~~من دعا غيره إلى الله تعالى فإنه يقدم الرفق على العنف واللين على الغلظ ~~ولا يخوض في التعنيف والتغليظ إلا بعد المدة المديدة واليأس التام . فدل ~~هذا على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه إلى التوحيد / مرارا ~~وأطوارا ، ولا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه ms3644 بعد فراغه من مهم نفسه . فثبت ~~أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن عرف الله بمدة . # الحجة الرابعة : أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه الله ملكوت ~~السموات والأرض حتى رأى من فوق العرش والكرسي وما تحتهما إلى ما تحت الثرى ~~، ومن كان منصبه في الدين كذلك ، وعلمه بالله كذلك ، كيف يليق به أن يعتقد ~~إلهية الكواكب ؟ PageV13P039 # الحجة الخامسة : أن دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من خمسة عشر وجها ~~وأكثر ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقل العقلاء نصيبا من العقل والفهم ~~أن يقول بربوبية الكواكب فضلا عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء ؟ # الحجة السادسة : أنه تعالى قال في صفة إبراهيم عليه السلام : { إذ جاء ~~ربه بقلب سليم } ( الصافات : 84 ) وأقل مراتب القلب السليم أن يكون سليما ~~عن الكفر ، وأيضا مدحه فقال : { ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين } ( الأنبياء : 51 ) أي آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة . ~~وقوله : { وكنا به عالمين } أي بطهارته وكماله ونظيره قوله تعالى : { الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) . # الحجة السابعة : قوله : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت * السماوات والارض * ~~وليكون من الموقنين } أي وليكون بسبب تلك الإراءة من الموقنين . # ثم قال بعده : { فلما جن عليه اليل } والفاء تقتضي الترتيب ، فثبت أن هذه ~~الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه . # الحجة الثامنة : أن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه ~~السلام مع قومه ، والدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال : { وتلك ~~حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } ولم يقل على نفسه ، فعلم أن هذه ~~المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد . لا لأجل ~~أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه . # الحجة التاسعة : أن القوم يقولون إن إبراهيم عليه السلام إنما اشتغل ~~بالنظر في الكواكب والقمر والشمس حال ما كان في الغار ، وهذا باطل . لأنه ~~لو كان الأمر كذلك ، فكيف يقول { إلاه واحد وإننى برىء مما تشركون } مع أنه ~~ما كان في الغار ms3645 لا قوم ولا صنم . # الحجة العاشرة : قال تعالى : { وحاجه قومه قال أتحاجونى فى الله } وكيف ~~يحاجونه وهم بعد ما رأوه وهو ما رآهم ، وهذا يدل على أنه عليه السلام إنما ~~اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون ~~الأصنام ودعوه إلى عبادتها فذكر قوله : { لا أحب الافلين } ردا عليهم ~~وتنبيها لهم على فساد قولهم . # / الحجة الحادية عشر : أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم : { وكيف أخاف ما ~~أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله } وهذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه ~~بالأصنام ، كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له : { إن نقول إلا ~~اعتراك بعض ءالهتنا بسوء } ( هود : 54 ) ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق ~~بالغار . # الحجة الثانية عشرة : أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار ، ولا شك أن ~~الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم ، ثم غربت ، فكان ينبغي أن يستدل ~~بغروبها السابق على أنها لا تصلح للآلهية ، وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية ~~الشمس للإلهية بطل ذلك أيضا في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا : ~~إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه . أما إذا قلنا ~~المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم ، PageV13P040 فهذا السؤال غير وارد ~~لأنه يمكن أن يقال أنه إنما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم ، ~~ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده وعلى هذا التقدير ، ~~فالسؤال غير وارد ، فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال إن ~~إبراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم : هذا ربي . وإذا بطل هذا بقي ههنا ~~احتمالان : الأول : أن يقال هذا كلام إبراهيم عليه السلام بعد البلوغ ولكن ~~ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة . الأول : ~~أن يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي ، على سبيل الأخبار ، بل ~~الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وآلههم ، ~~فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع ~~إليه ms3646 فيبطله ، ومثاله : أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم ، فيقول ~~: الجسم قديم ؟ فإذا كان كذلك ، فلم نراه ونشاهده مركبا متغيرا ؟ فهو إنما ~~قال الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه ، فكذا ههنا قال : ~~{ هاذا ربى } والمقصود منه حكاية قول الخصم ، ثم ذكر غقيبه ما يدل على ~~فساده وهو قوله : { لا أحب الافلين } وهذا الوجه هو المتعمد في الجواب ، ~~والدليل عليه : أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى : ~~{ وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } . # والوجه الثاني في التأويل : أن نقول قوله : { هاذا ربى } معناه هذا ربي ~~في زعمكم واعتقادكم ونظيره أن يقول الموحد للمجسم على سبيل الاستهزاء : أن ~~إلهه جسم محدود أي في زعمه واعتقاده قال تعالى : { وانظر إلى إلاهك الذى ~~ظلت عليه عاكفا } ( طه : 97 ) وقال تعالى : { ويوم يناديهم فيقول أين ~~شركائى } ( القصص : 62 ) وكان صلوات الله تعالى عليه يقول : ( يا إله ~~الآلهة ) . والمراد أنه تعالى إله الآلهة في زعمهم وقال : { ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) أي عند نفسك . # والوجه الثالث في الجواب : أن المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار إلا ~~أنه أسقط / حرف الاستفهام استغناء عنه لدلالة الكلام عليه . # والوجه الرابع : أن يكون القول مضمرا فيه ، والتقدير : قال يقولون هذا ~~ربي . وإضمار القول كثير ، كقوله تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ~~البيت وإسماعيل ربنا } ( البقرة : 127 ) أي يقولون ربنا وقوله : { والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم * إلى * ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر ~~: 3 ) أي يقولون ما نعبدهم ، فكذا ههنا التقدير : إن إبراهيم عليه السلام ~~قال لقومه : يقولون هذا ربي . أي هذا هو الذي يدبرني ويربيني . # والوجه الخامس : أن يكون إبراهيم ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء كما ~~يقال لذليل ساد قوما هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء . # الوجه السادس : أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يبطل قولهم بربوبية ~~الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم ~~عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة ms3647 إلى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا ~~إليه ، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة . وذلك بأن ذكر كلاما ~~يوهم كونه مساعدا لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب مع أن قلبه صلوات الله ~~عليه كان مطمئنا بالإيمان ، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على ~~إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله وتمام التقرير أنه لما يجد إلى الدعوة ~~طريقا سوى هذا الطريق ، وكان عليه السلام مأمورا بالدعوة إلى الله كان ~~بمنزلة المكره على كلمة الكفر / ومعلوم أن عند الإكراه يجوز PageV13P041 ~~إجراء كلمة الكفر على اللسان قال تعالى : { إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان } ( النحل : 106 ) فإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة بقاء شخص واحد ~~فبأن يجوز إظهار كلمة الكفر لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر والعقاب ~~المؤبد كان ذلك أولى وأيضا المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق ~~الأجر العظيم ، ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة ~~انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال . حتى لو ~~صلى وترك القتال أثم ولو ترك الصلاة وقاتل استحق الثواب ، بل نقول : أن من ~~كان في الصلاة فرأى طفلا أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة ~~لإنقاذ ذلك الطفل أو ذلك الأعمى عن ذلك البلاء . فكذا ههنا أن إبراهيم عليه ~~السلام تكلم بهذه الكلمة ليظهر من نفسه موافقة القوم حتى إذا أورد عليهم ~~الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم لذلك الدليل أتم وانتفاعهم باستماعه أكمل ~~، ومما يقوي هذا الوجه : أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر وهو ~~قوله : { فنظر نظرة فى النجوم * فقال إنى سقيم * فتولوا عنه مدبرين } ( ~~الصافات : 88 90 ) وذلك لأنهم كانوا يستدلون بعلم النجم على حصول الحوادث ~~المستقبلة فوافقهم إبراهيم / على هذا الطريق في الظاهر مع أنه كان بريئا ~~عنه في الباطن ، ومقصوده أن يتوسل بهذا الطريق إلى كسر الأصنام ، فإذا جازت ~~الموافقة في الظاهر ههنا . مع أنه كان بريئا عنه في الباطن ، فلم لا ms3648 يجوز ~~أن يكون في مسألتنا كذلك ؟ وأيضا المتكلمون قالوا : إنه يصح من الله تعالى ~~إظهار خوارق العادات على يد من يدعى الإلهية لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل ~~على كذبه فلا يحصل فيه التلبيس بسبب ظهور تلك الخوارق على يده ، ولكن لا ~~يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوة لأنه يوجب التلبيس فكذا ههنا . وقوله : ~~{ هاذا ربى } لا يوجب الضلال ، لأن دلائل بطلانه جلية وفي إظهاره هذه ~~الكلمة منفعة عظيمة وهي استدراجهم لقبول الدليل فكان جائزا والله أعلم . # الوجه السابع : أن القوم لما دعوه إلى عبادة النجوم فكانوا في تلك ~~المناظرة إلى أن طلع النجم الدري فقال إبراهيم عليه السلام { هاذا ربى } أي ~~هذا هو الرب الذي تدعونني إليه ثم سكت زمانا حتى أفل ثم قال : { لا أحب ~~الافلين } فهذا تمام تقرير هذه الأجوبة على الاحتمال الأول وهو أنه صلوات ~~الله عليه ذكر هذا الكلام بعد البلوغ . # أما الاحتمال الثاني : وهو أنه ذكره قبل البلوغ وعند القرب منه فتقريره ~~أنه تعالى كان قد خص إبراهيم بالعقل الكامل والقريحة الصافية ، فخطر بباله ~~قبل بلوغه إثبات الصانع سبحانه فتفكر فرأى النجم ، فقال : { هاذا ربى } ~~فلما شاهد حركته قال : { لا أحب الافلين } ثم إنه تعالى أكمل بلوغه في ~~أثناء هذا البحث فقال في الحال : { إنى برىء مما تشركون } فهذا الاحتمال لا ~~بأس به ، وإن كان الاحتمال الأول أولى بالقبول لما ذكرنا من الدلائل ~~الكثيرة ، على أن هذه المناظرة إنما جرت لإبراهيم عليه السلام وقت اشتغاله ~~بدعوة القوم إلى التوحيد والله أعلم . # المسألة الرابعة : قرأ أبو عمرو وورش عن نافع { * رئى } بفتح الراء وكسر ~~الهمزة حيث كان ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسرهما فإذا كان بعد الألف ~~كاف أو هاء نحو : رآك ورآها فحينئذ يكسرها حمزة والكسائي ويفتحها ابن عامر ~~. وروى يحيى عن أبي بكر عن عاصم مثل حمزة والكسائي فإذا تلته ألف وصل نحو : ~~رأى الشمس ، ورأى القمر . فإن حمزة ويحيى عن أبي بكر ونصر عن الكسائي ~~يكسرون الراء ويفتحون PageV13P042 الهمزة والباقون يقرؤن ms3649 جميع ذلك بفتح ~~الراء والهمزة / واتفقوا في رأوك ، ورأوه أنه بالفتح . قال الواحدي : أما ~~من فتح الراء والهمزة فعلته واضحة وهي ترك الألف على الأصل نحو : رعى ورمى ~~. وأما من فتح الراء وكسر الهمزة فإنه أمال الهمزة نحو الكسر ليميل الألف ~~التي في رأى نحو الياء ترك الراء مفتوحة على الأصل . وأما من كسرهما جيمعا ~~فلأجل أن تصير حركة الراء مشابهة لحركة الهمزة ، والواحدي طول في هذا الباب ~~في ( كتاب البسيط ) فليرجع إليه . والله أعلم . # / المسألة الخامسة : القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم عليه السلام ولد ~~في الغار وتركته أمه وكان جبريل عليه السلام يربيه كل ذلك محتمل في الجملة ~~. وقال القاضي : كل ما يجري مجرى المعجزات فإنه لا يجوز لأن تقديم المعجز ~~على وقت الدعوى غير جائز عندهم ، وهذا هو المسمى بالإرهاص إلا إذا حضر في ~~ذلك الزمان رسول من الله فتجعل تلك الخوارق معجزة لذلك النبي . وأما عند ~~أصحابنا فالإرهاص جائز فزالت الشبهة والله أعلم . # المسألة السادسة : أن إبراهيم عليه السلام استدل بأفول الكوكب على أنه لا ~~يجوز أن يكون ربا له وخالقا له . ويجب علينا ههنا أن نبحث عن أمرين : ~~أحدهما : أن الأفول ما هو ؟ والثاني : أن الأفول كيف يدل على عدم ربوبية ~~الكوكب ؟ فنقول : الأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره . # وإذا عرفت هذا فلسائل أن يسأل ، فيقول : الأفول إنما يدل على الحدوث من ~~حيث إنه حركة وعلى هذا التقدير ، فيكون الطلوع أيضا دليلا على الحدوث ، فلم ~~ترك إبراهيم عليه السلام الاستدلال على حدوثها بالطلوع وعول في إثبات هذا ~~المطلوب على الأفول ؟ # والجواب : لا شك أن الطلوع والغروب يشتركان في الدلالة على الحدوث إلا أن ~~الدليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى الله لا بد وأن ~~يكون ظاهرا جليا بحيث يشترك في فهمه الذكي والغبي والعاقل . ودلالة الحركة ~~على الحدوث وإن كانت يقينية إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق ~~. أما دلالة الأفول فإنها دلالة ظاهرة يعرفها كل أحد ، فإن ms3650 الكوكب يزول ~~سلطانه وقت الأفول فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتم . وأيضا قال بعض ~~المحققين : الهوى في خطرة الإمكان أفول ، وأحسن الكلام ما يحصل فيه حصة ~~الخواص وحصة الأوساط وحصة العوام ، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان ، وكل ~~ممكن محتاج ، والمحتاج : لا يكون مقطوع الحاجة ، فلا بد من الانتهاء إلى من ~~يكون منزها عن الإمكان حتى تنقطع الحاجات بسبب وجوده كما قال : { الاوفى ~~وأن إلى ربك المنتهى } ( النجم : 42 ) وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول ~~مطلق الحركة ، فكل متحرك محدث ، وكل محدث فهو محتاج إلى القديم القادر . ~~فلا يكون الآفل إلها بل الأله هو الذي احتاج إليه ذلك الآفل . وأما العوام ~~فإنهم يفهمون من الأفول الغروب وهم يشاهدون أن كل كوكب يقرب من الأفول ~~والغروب فإنه يزول نوره وينتقص ضوءه ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن يكون ~~كذلك لا يصلح للإلهية ، فهذه الكلمة الواحدة أعني قوله : { لا أحب الافلين ~~} كلمة مشتملة على نصيب المقربين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، فكانت أكمل ~~الدلائل وأفضل البراهين . # / وفيه دقيقة أخرى : وهو أنه عليه السلام إنما كان يناظرهم وهم كانوا ~~منجمين . ومذهب أهل النجوم أن PageV13P043 الكوكب إذا كان في الربع الشرقي ~~ويكون صاعدا إلى وسط السماء كان قويا عظيما التأثير . أما إذا كان غريبا ~~وقريبا من الأفول فإنه يكون ضعيف التأثير قليل القوة . فنبه بهذه الدقيقة ~~على أن الإله هو الذي لا تتغير قدرته إلى العجز وكماله إلى النقصان ، ~~ومذهبكم أن الكوكب حال كونه في الربع الغربي ، يكون ضعيف القوة ، ناقص ~~التأثير ، عاجزا عن التدبير ، وذلك يدل على القدح في إلهيته ، فظهر على قول ~~المنجمين أن للأفول مزيد خاصية في كونه موجبا للقدح في إلهيته والله أعلم . # أما المقام الثاني : وهو بيان أن كوكب الكوكب آفلا يمنع من ربوبيته . ~~فلقائل أيضا أن يقول : أقصى ما في الباب أن يكون أفوله دالا على حدوثه إلا ~~أن حدوثه لا يمنع من كونه ربا لإبراهيم ومعبودا له ، ألا ترى أن المنجمين ~~وأصحاب الوسايط يقولون أن الإله الأكبر خلق الكواكب ms3651 وأبدعها وأحدثها ، ثم ~~أن هذه الكواكب تخلق النبات والحيوان في هذا العالم الأسفل ، فثبت أن أفول ~~الكواكب وإن دل على حدوثها إلا أنه لا يمنع من كونها أربابا للإنسان وآلهة ~~لهذا العالم . والجواب : لنا ههنا مقامان : # المقام الأول : أن يكون المراد من الرب والإله الموجود الذي عنده تنقطع ~~الحاجات ، ومتى ثبت بأفول الكواكب حدوثها ، وثبت في بداهة العقول أن كل ما ~~كان محدثا ، فإنه يكون في وجوده محتاجا إلى الغير . وجب القطع باحتياج هذه ~~الكواكب في وجودها إلى غيرها ، ومتى ثبت هذا المعنى امتنع كونها أربابا ~~وآلهة . بمعنى أنه تنقطع الحاجات عند وجودها ، فثبت أن كونها آفلة يوجب ~~القدح في كونها أربابا وآلهة بهذا التفسير . # المقام الثاني : أن يكون المراد من الرب والإله . من يكون خالقا لنا ~~وموجدا لذواتنا وصفاتنا . فنقول : أفول الكواكب يدل على كونها عاجزة عن ~~الخلق والإيجاد وعلى أنه لا يجوز عبادتها وبيانه من وجوه : الأول : أن ~~أفولها يدل على حدوثها . وحدوثها يدل على افتقارها إلى فاعل قديم قادر ويجب ~~أن تكون قادرية ذلك القادر أزلية . وإلا لافتقرت قادريته إلى قادر آخر ، ~~ولزم التسلسل وهو محال ، فثبت أن قادريته أزلية . # وإذا ثبت هذا فنقول : الشيء الذي هو مقدور له إنما صح كونه مقدورا له ~~باعتبار إمكانه والإمكان واحد في كل الممكنات . فثبت أن ما لأجله صار بعض ~~الممكنات مقدورا لله تعالى فهو حاصل في كل الممكنات ، فوجب في كل الممكنات ~~أن تكون مقدروة لله تعالى . # / وإذا ثبت هذا امتنع وقوع شيء من الممكنات بغيره على ما بينا صحة هذه ~~المقامات بالدلائل اليقينة في علم الأصول . # فالحاصل أنه ثبت بالدليل أن كون الكواكب آفلة يدل على كونها محدثة ، وإن ~~كان لا يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة ، وأيضا فكونها في نفسها ~~محدثة يوجب القول بامتناع كونها قادرة على الإيجاد والإبداع ، وإن كان لا ~~يثبت هذا المعنى إلا بواسطة مقدمات كثيرة . ودلائل القرآن إنما يذكر فيها ~~أصول المقدمات ، فأما التفريع والتفصيل ، فذاك إنما يليق بعلم الجدل . فلما ~~ذكر ms3652 الله تعالى هاتين المقدمتين على سبيل الرمز لا جرم اكتفى بذكرهما في ~~بيان أن الكواكب لا قدرة لها على الإيجاد والإبداع ، فلهذا السبب استدل ~~إبراهيم عليه السلام بأفولها على امتناع كونها أربابا وآلهة لحوادث هذا ~~العالم . PageV13P044 # الوجه الثاني : أن أفول الكواكب يدل على حدوثها وحدوثها يدل على افتقارها ~~في وجودها إلى القادر المختار ، فيكون ذلك الفاعل هو الخالق للأفلاك ~~والكواكب ، ومن كان قادرا على خلق الكواكب والأفلاك من دون واسطة أي شيء ~~كان فبأن يكون قادرا على خلق الإنسان أولى لأن القادر على خلق الشيء الأعظم ~~لا بد وأن يكون قادرا على خلق الشيء الأضعف ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : ~~{ لخلق * السماوات والارض * أكبر من خلق الناس } ( غافر : 57 ) وبقوله : { ~~أوليس الذى خلق * السماوات والارض * بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو ~~الخلاق العليم } فثبت بهذا الطريق أن الإله الأكبر يجب أن يكون قادرا على ~~خلق البشر ، وعلى تدبير العالم الأسفل بدون واسطة الأجرام الفلكية وإذا كان ~~الأمر كذلك كان الاشتغال بعبادة الإله الأكبر أولى من الاشتغال بعبادة ~~الشمس والنجوم والقمر . # الوجه الثالث : أنه لو صح كون بعض الكواكب موجدة وخالقة ، لبقي هذا ~~الاحتمال في الكل وحينئذ لا يعرف الإنسان أن خالقه هذا الكوكب . أو ذلك ~~الآخر أو مجموع الكواكب فيبقى شاكا في معرفة خالقه . أما لو عرفنا الكل ~~وأسندنا الخلق والإيجاد والتدبير إلى خالق الكل فحينئذ يمكننا معرفة الخالق ~~والموجد ويمكننا الاشتغال بعبادته وشكره ، فثبت بهذه الوجوه أن أفول ~~الكواكب كما يدل على امتناع كونها قديمة فكذلك يدل على امتناع كونها آلهة ~~لهذا العالم وأربابا للحيوان والإنسان . والله أعلم . فهذا تمام الكلام في ~~تقرير هذا الدليل . # فإن قيل : لا شك أن تلك الليلة كانت مسبوقة بنهار وليل ، وكان أفول ~~الكواكب والقمر والشمس حاصلا في الليل السابق والنهار السابق وبهذا التقرير ~~لا يبقى للأفول الحاصل في تلك الليلة مزيد فائدة . # / والجواب أنا بينا أنه صلوات الله عليه إنما أورد هذا الدليل على ~~الأقوام الذين كان يدعوهم من عبادة النجوم إلى التوحيد ms3653 . فلا يبعد أن يقال ~~أنه عليه السلام كان جالسا مع أولئك الأقوام ليلة من الليالي وزجرهم عن ~~عبادة الكواكب فبينما هو في تقرير ذلك الكلام إذ وقع بصره على كوكب مضيء . ~~فلما أفل قال إبراهيم عليه السلام لو كان هذا الكوكب إلها لما انتقل من ~~الصعود إلى الأفول ومن القوة إلى الضعف . ثم في أثناء ذلك الكلام طلع القمر ~~وأفل . فأعاد عليهم ذلك الكلام ، وكذا القول في الشمس ، فهذا جملة ما ~~يحضرنا في تقرير دليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه . # المسألة السادسة : تفلسف الغزالي في بعض كتبه وحمل الكوكب على النفس ~~الناطقة الحيوانية التي لكل كوكب ، والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك ~~، والشمس على العقل المجرد الذي لكل ذلك ، وكان أبو علي بن سيناء يفسر ~~الأفول بالإمكان ، فزعم الغزالي أن المراد بأفولها إمكانها في نفسها ، وزعم ~~أن المراد من قوله : { لا أحب الافلين } أن هذه الأشياء بأسرها ممكنة ~~الوجود لذواتها ، وكل ممكن فلا بد له من مؤثر ، ولا بد له من الانتهاء إلى ~~واجب الوجود . # واعلم أن هذا الكلام لا بأس به . إلا أنه يبعد حمل لفظ الآية عليه ، ومن ~~الناس من حمل الكوكب على الحس والقمر على الخيال والوهم ، والشمس على العقل ~~، والمراد أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية ، ومدبر العالم ~~مستول عليها قاهر لها والله أعلم . # المسألة السابعة : دل قوله : { لا أحب الافلين } على أحكام : PageV13P045 # الحكم الأول # هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسما لكان غائبا عنا ~~أبدا فكان آفلا أبدا ، وأيضا يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء ~~تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى ، وإلا لحصل معنى الأفول . # الحكم الثاني # هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلا للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية ~~، وإلا لكان متغيرا ، وحينئذ يحصل معنى الأفول ، وذلك محال . # الحكم الثالث # تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنيا على الدليل لا على التقليد ~~، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة البتة . # / الحكم ms3654 الرابع # تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية ، وإلا ~~لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال . # الحكم الخامس # تدل على هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا ~~بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته ، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما ~~عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة والله أعلم . # أما قوله تعالى : { فلما رأى القمر بازغا قال هاذا ربى فلما أفل قال لئن ~~لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين } . # ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : يقال : بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع ، وبزغت الشمس ~~إذا بدأ منها طلوع . ونجوم بوازغ . قال الأزهري : كأنه مأخوذ في البزغ وهو ~~الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقا ، ومعنى الآية أنه اعتبر في القمر مثل ما ~~اعتبر في الكوكب . # المسألة الثانية : دل قوله : { لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين ~~} على أن الهداية ليست إلا من الله تعالى . ولا يمكن حمل لفظ الهداية على ~~التمكن وإزاحة الأغدار ونصب الدلائل . لأن كل ذلك كان حاصلا ، فالهداية ~~التي كان يطلبها بعد حصول تلك الأشياء لا بد وأن تكون زائدة عليها . # واعلم أن كون إبراهيم عليه السلام على مذهبنا أظهر من أن يشتبه على ~~العاقل لأنه في هذه الآية أضاف الهداية إلى الله تعالى ، وكذا في قوله : { ~~الذى خلقنى فهو يهدين } وكذا في قوله : { واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام } . ~~PageV13P046 # أما قوله : { فلما رأى الشمس بازغة قال هاذا ربى هاذا أكبر } ففيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : إنما قال في الشمس هذا مع أنها مؤنثة ، ولم يقل هذه ~~لوجوه : أحدها : أن الشمس بمعنى الضياء والنور ، فحمل اللفظ على التأويل ~~فذكر . وثانيها : أن الشمس لم يحصل فيها علامة التأنيث ، فلما أشبه لفظها ~~لفظ المذكر وكان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين ، ~~وثالثها : أراد هذا الطالع أو هذا الذي أراه ، ورابعها : المقصود منه رعاية ~~الأدب ، وهو ترك التأنيث عند ذكر اللفظ الدال على الربوبية . # / المسألة الثانية : قوله : { هاذا أكبر } المراد منه أكبر الكواكب جرما ~~وأقواها ms3655 قوة ، فكان أولى بالآلهية . # فإن قيل : لما كان الأفول حاصلا في الشمس والأفول يمنع من صفة الربوبية ، ~~وإذا ثبت امتناع صفة الربوبية للشمس كان امتناع حصولها للقمر ولسائر ~~الكواكب أولى . وبهذا الطريق يظهر أن ذكر هذا الكلام في الشمس يغني عن ذكره ~~في القمر والكواكب . فلم لم يقتصر على ذكر الشمس رعاية للإيجاز والاختصار ؟ # قلنا : إن الأخذ من الأدون فالأدون ، مترقيا إلى الأعلى فالأعلى ، له نوع ~~تأثير في التقرير والبيان والتأكيد لا يحصل من غيره ، فكان ذكره على هذا ~~الوجه أولى . # أما قوله : { قال ياءادم * قوم * إنى برىء مما تشركون } فالمعنى أنه لما ~~ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للربوبية والإلهية ، لا جرم تبرأ من ~~الشرك . # ولقائل أن يقول : هب أنه ثبت بالدليل أن الكواكب والشمس والقمر لا تصلح ~~للربوبية والإلهية لكن لا يلزم من هذا القدر نفي الشريك مطلقا وإثبات ~~التوحيد ، فلم فرع على قيام الدليل على كون هذه الكواكب غير صالحة للربوبية ~~الجزم بإثبات التوحيد مطلقا . # والجواب : أن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في ~~هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشياء ليست أربابا ولا آلهة ~~، وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق . # أما قوله : { إنى وجهت وجهى } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : فتح الياء من { وجهى } نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ، ~~والباقون تركوا هذا الفتح . # المسألة الثانية : هذا الكلام لا يمكن حمله على ظاهره . بل المراد وجهت ~~عبادتي وطاعتي ، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعا لغيره منقادا لأمره ~~، فإنه يتوجه بوجهه إليه ، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة . # وأما قوله : { للذى فطر * السماوات والارض } ففيه دقيقة : وهي أنه لم يقل ~~وجهت وجهي إلى الذي فطر السموات والأرض . بل ترك هذا اللفظ وذكر قوله : { ~~وجهت وجهى للذى } والمعنى : أن توجيه وجه القلب ليس إليه ، لأنه متعال عن ~~الحيز والجهة ، بل توجيه وجه القلب إلى خدمته وطاعته لأجل عبوديته ، فترك ~~كلمة ( إلى ) هنا والاكتفاء بحرف ms3656 اللام دليل ظاهر على كون المعبود / ~~متعاليا عن الحيز والجهة ، ومعنى فطر أخرجهما PageV13P047 إلى الوجود ، ~~وأصله من الشق ، يقال : تفطر الشجر بالورق والورد إذا أظهرهما ، وأما ~~الحنيف فهو المائل قال أبو العالية : الحنيف الذي يستقبل البيت في صلاته ، ~~وقيل إنه العادل عن كل معبود دون الله تعالى . # ! 7 < { وحآجه قومه قال أتحاجونى فى الله وقد هدانى ولا أخاف ما تشركون ~~به إلا أن يشآء ربى شيئا وسع ربى كل شىء علما أفلا تتذكرون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 80 ) وحاجه قومه قال . . . . . # > > اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم الحجة المذكورة ، فالقوم ~~أوردوا عليه حججا على صحة أقوالهم ، منها أنهم تمسكوا بالتقليد كقولهم : { ~~إنا وجدنا * ءابائنا * على أمة } ( الزخرف : 23 ) وكقولهم للرسول عليه ~~السلام : { أجعل الالهة إلاها واحدا إن هاذا لشىء عجاب } ( ص: 5 ) ومنها : ~~أنهم خوفوه بأنك لما طعنت في إلهية هذه الأصنام وقعت من جهة هذه الأصنام في ~~الآفات والبليات ، ونظيره ما حكاه الله تعالى في قصة قوم هود : { إن نقول ~~إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء } ( هود : 54 ) فذكروا هذا الجنس من الكلام مع ~~إبراهيم عليه السلام . # فأجاب الله عن حجتهم بقوله : { قال أتحاجونى فى الله وقد هدانى } ، يعني ~~لما ثبت بالدليل الموجب للهداية واليقين صحة قولي ، فكيف يلتفت إلى حجتكم ~~العليلة ، وكلماتكم الباطلة . # وأجاب عن حجتهم الثانية وهي : أنهم خوفوه بالأصنام بقوله : { ولا أخاف ما ~~تشركون به } لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ، والأصنام ~~جمادات لا تقدر ولا قدرة لها على النفع والضر ، فكيف يحصل الخوف منها ؟ # فإن قيل : لا شك أن للطلسمات آثارا مخصوصة ، فلم لا يجوز أن يحصل الخوف ~~منها من هذه الجهة ؟ # قلنا : الطلسم يرجع حاصله إلى تأثيرات الكواكب ، وقد دللنا على أن قوى ~~الكواكب على التأثيرات إنما يحصل من خلق الله تعالى فيكون الرجاء والخوف في ~~الحقيقة ليس إلا من الله تعالى . # وأما قوله : { إلا أن يشاء ربى } ففيه وجوه : أحدها : إلا أن أذنب فيشاء ~~إنزال العقوبة بي . / وثانيها : إلا أن يشاء ms3657 أن يبتليني بمحن الدنيا فيقطع ~~عني بعض عادات نعمه . وثالثها : إلا أن يشاء ربي فأخاف ما تشركون به بأن ~~يحييها ويمكنها من ضري ونفعي ويقدرها على إيصال الخير والشر إلي ، واللفظ ~~يحتمل كل هذه الوجوه ، وحاصل الأمر أنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل ~~عمره شيء من المكاره ، والحمقى من الناس يحملون ذلك على أنه إنما حدث ذلك ~~المكروه بسبب أنه طعن في إلهية الأصنام ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك حتى ~~لو أنه حدث به شيء من المكاره لم يحمل على هذا السبب . PageV13P048 # ثم قال عليه السلام : { وسع ربى كل شىء علما } يعني أنه علام الغيوب فلا ~~يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة ، فبتقدير : أن يحدث من مكاره الدنيا فذاك ~~، لأنه تعالى عرف وجه الصلاح والخير فيه لا لأجل أنه عقوبة على الطعن في ~~إلهية الأصنام . # ثم قال : { أفلا تتذكرون } والمعنى : أفلا تتذكرون أن نفي الشركاء ~~والأضداد والأنداد عن الله تعالى لا يوجب حلول العقاب ونزول العذاب ، ~~والسعي في إثبات التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العقاب . والله أعلم . # المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر { أتحاجونى } خفيفة النون على حذف ~~أحد النونين والباقون على التشديد على الإدغام . وأما قوله : { وقد هدانى } ~~قرأ نافع وابن عامر { هدانى } بإثبات الياء على الأصل والباقون بحذفها ~~للتخفيف . # المسألة الثالثة : أن إبراهيم عليه السلام حاجهم في الله وهو قوله : { لا ~~أحب الافلين } والقوم أيضا حاجوه في الله ، وهو قوله تعالى خبرا عنهم : { ~~وحاجه قومه قال أتحاجونى فى الله } فحصل لنا من هذه الآية أن المحاجة في ~~الله تارة تكون موجبة للمدح العظيم والثناء البالغ / وهي المحاجة التي ~~ذكرها إبراهيم عليه السلام ، وذلك المدح والثناء هو قوله تعالى : { وتلك ~~حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } وتارة تكون موجبة للذم وهو قوله : { قال ~~أتحاجونى فى الله } ولا فرق بين هذين البابين إلا أن المحاجة في تقرير ~~الدين الحق توجب أعظم أنواح المدح والثناء ، والمحاجة في تقرير الدين ~~الباطل توجب أعظم أنواع الذم والزجر . # وإذا ثبت هذا الأصل صار هذا ms3658 قانونا معتبرا ، فكل موضع جاء في القرآن ~~والأخبار يدل على تهجين أمر المحاجة والمناظرة فهو محمول على تقرير الدين ~~الباطل ، وكل موضع جاء يدل على مدحه فهو محمول على تقرير الدين الحق ~~والمذهب الصدق . والله أعلم . # ! 7 < { وكيف أخاف مآ أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به ~~عليكم سلطانا فأى الفريقين أحق بالا من إن كنتم تعلمون * الذين ءامنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم أولائك لهم الا من وهم مهتدون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 81 - 82 ) وكيف أخاف ما . . . . . # > > # اعلم أن هذا من بقية الجواب عن الكلام الأول ، والتقدير : وكيف أخاف ~~الأصنام التي لا قدرة لها على النفع والضر ، وأنتم لا تخافون من الشرك الذي ~~هو أعظم الذنوب . وقوله : { ما لم ينزل به عليكم سلطانا } فيه PageV13P049 ~~وجهان : الأول : أن قوله : { ما لم ينزل به عليكم سلطانا } كناية عن امتناع ~~وجود الحجة والسلطان في مثل هذه القصة . ونظيره قوله تعالى : { ومن يدع مع ~~الله إلها ءاخر لا برهان له به } ( المؤمنون : 117 ) والمراد منه امتناع ~~حصول البرهان فيه ، والثاني : أنه لا يمتنع عقلا أن يؤمر باتخاذ تلك ~~التماثيل والصور قبلة للدعاء والصلاة فقوله : { ما لم ينزل به سلطانا } ~~معناه : عدم ورود الأمر به . وحاصل هذا الكلام : مالكم تنكرون على الأمن في ~~موضع الأمن ، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف ؟ ولم يقل : فأينا ~~أحق بالأمن أنا أم أنتم ؟ احترازا من تزكية نفسه فعدل عنه إلى قوله : { فأى ~~الفريقين } يعني فريقي المشركين والموحدين . ثم استأنف الجواب عن السؤال ~~بقوله : { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } وهذا من تمام كلام ~~إبراهيم في المحاجة ، والمعنى : أن الذين حصل لهم الأمن المطلق هم الذين ~~يكونون مستجمعين لهذن الوصفين : أولهما : الإيمان وهو كمال القوة النظرية . ~~وثانيهما : { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } وهو كمال القوة العملية . # ثم قال : { أولئك لهم الامن وهم مهتدون } اعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه ~~الآية من وجه والمعتزلة يتمسكون بها من وجه آخر . أما وجه تمسك أصحابنا فهو ~~أن نقول إنه تعالى شرط ms3659 في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم ، ولو كان ترك ~~الظلم أحد أجزاء مسمى الإيمان لكان هذا التقييد عبثا ، فثبت أن الفاسق مؤمن ~~وبطل به قول المعتزلة ، وأما وجه تمسك المعتزلة بها فهو أنه تعالى شرط في ~~حصول الأمن حصول الأمرين ، الإيمان وعدم الظلم ، فوجب أن لا يحصل الأمن ~~للفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له . # / وأجاب أصحابنا عنه من وجهين : # الوجه الأول : أن قوله : { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } المراد من الظلم ~~الشرك ، لقوله تعالى حكاية عن لقمان إذ قال لابنه : { يعظه يابنى لا تشرك ~~بالله إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) فالمراد ههنا الذين آمنوا بالله ~~ولم يثبتوا لله شريكا في المعبودية . # والدليل على أن هذا هو المراد أن هذه القصة من أولها إلى آخرها إنما وردت ~~في نفي الشركاء والأضداد والأنداد ، وليس فيها ذكر الطاعات والعبادات ، ~~فوجب حمل الظلم ههنا على ذلك . # الوجه الثاني : في الجواب : أن وعيد الفاسق من أهل الصلاة يحتمل أن يعذبه ~~الله ، ويحتمل أن يعفو عنه ، وعلى كلا التقديرين : فالأمن زائل والخوف حاصل ~~، فلم يلزم من عدم الأمن القطع بحصول العذاب ؟ والله أعلم . # ! 7 < { وتلك حجتنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشآء إن ربك ~~حكيم عليم } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 83 ) وتلك حجتنا آتيناها . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وتلك } إشارة إلى كلام تقدم وفيه وجوه : الأول ~~: أنه إشارة إلى قوله : { لا أحب الافلين } PageV13P050 والثاني : أنه ~~إشارة إلى أن القوم قالوا له : أما تخاف أن تخبلك آلهتنا لأجل أنك شتمتهم . ~~فقال لهم : أفلا تخافون أنتم حيث أقدمتهم على الشرك بالله وسويتم في ~~العبادة بين خالق العالم ومدبره وبين الخشب المنحوت والصنم المعمول ؟ ~~والثالث : أن المراد هو الكل . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وتلك } مبتدأ وقوله : { حجتنا } خبره ~~وقوله : { إبراهيم على } صفة لذلك الخبر . # المسألة الثانية : قوله : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم } يدل على أن ~~تلك الحجة إنما حصلت في عقل إبراهيم عليه السلام بإيتاء الله وبإظهاره تلك ~~الحجة في عقله ، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر ms3660 لا يحصلان إلا بخلق الله ~~تعالى . ويتأكد هذا أيضا بقوله : { نرفع درجات من نشاء } فإن المراد أنه ~~تعالى رفع درجات إبراهيم بسبب أنه تعالى آتاه تلك الحجة ، ولو كان حصول ~~العلم بتلك الحجة إنما كان من قبل إبراهيم لا من قبل الله تعالى لكان ~~إبراهيم عليه السلام هو الذي رفع درجات نفسه / وحينئذ كان قوله : { نرفع ~~درجات من نشاء } باطلا . فثبت أن هذا صريح قولنا في مسألة الهدى والضلال . # المسألة الثالثة : هذه الآية من أدل الدلائل على فساد قول الحشوية في ~~الطعن في النظر وتقرير الحجة وذكر الدليل . لأنه تعالى أثبت لإبراهيم عليه ~~السلام حصول الرفعة والفوز بالدرجات العالية ، لأجل أنه ذكر الحجة في ~~التوحيد وقررها وذب عنها وذلك يدل على أنه لا مرتبة بعد النبوة والرسالة ~~أعلى وأشرف من هذه المرتبة . # المسألة الرابعة : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { درجات } بالتنوين من غير ~~إضافة والباقون بالإضافة ، فالقراءة الأولى معناها : نرفع من نشاء درجات ~~كثيرة ، فيكون ( من ) في موضع النصب . قال ابن مقسم : هذه القراءة أدل على ~~تفضيل بعضهم على بعض في المنزلة والرفعة . وقال أبو عمرو : الإضافة تدل على ~~الدرجة الواحدة وعلى الدرجات الكثيرة والتنوين لا يدل إلا على الدرجات ~~الكثيرة . # المسألة الخامسة : اختلفوا في تلك الدرجات . قيل : درجات أعماله في ~~الآخرة ، وقيل : تلك الحجج درجات رفيعة ، لأنها توجب الثواب العظيم . وقيل ~~: نرفع من نشاء في الدنيا بالنبوة والحكمة ، وفي الآخرة بالجنة والثواب . ~~وقيل : نرفع درجات من نشاء بالعلم . واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على ~~أن كمال السعادة في الصفات الروحانية وفي البعد عن الصفات الجسمانية . # والدليل عليه : أنه تعالى قال : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه ~~} . # ثم قال بعده : { نرفع درجات من نشاء } وذلك يدل على أن الموجب لحصول هذه ~~الرفعة هو إيتاء تلك الحجة ، وهذا يقتضي أن وقوف النفس على حقيقة تلك الحجة ~~وإطلاعها على إشراقها اقتضت ارتفاع الروح من حضيض العالم الجسماني ، إلى ~~أعالي العالم الروحاني ، وذلك يدل على أنه لا رفعة ولا سعادة إلا في ms3661 ~~الروحانيات . والله أعلم . # وأما معنى { حكيم عليم } فالمعنى أنه إنما يرفع درجات من يشاء بمقتضى ~~الحكمة والعلم ، لا بموجب الشهوة والمجازفة . فإن أفعال الله منزهة عن ~~العبث والفساد والباطل . # PageV13P051 ! 7 < { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من ~~قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين ~~* وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا ~~وكلا فضلنا على العالمين * ومن ءابائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم ~~وهديناهم إلى صراط مستقيم * ذالك هدى الله يهدى به من يشآء من عباده ولو ~~أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 84 - 88 ) ووهبنا له إسحاق . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه ~~أظهر حجة الله تعالى في التوحيد ونصرها وذب عنها عدد وجوه نعمه وإحسانه ~~عليه . فأولها : قوله : { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم } والمراد إنا نحن ~~آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها وأوقفنا عقله على حقيقتها . وذكر نفسه ~~باللفظ الدال على العظمة وهو كناية الجمع على وفق ما يقوله عظماء الملوك . ~~فعلنا ، وقلنا ، وذكرنا . ولما ذكر نفسه تعالى ههنا باللفظ الدال على ~~العظمة وجب أن تكون تلك العظمة عظمة كاملة رفيعة شريفة ، وذلك يدل على أن ~~إيتاء الله تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم ، ومن أجل ~~مراتب العطايا والمواهب . وثانيها : أنه تعالى خصه بالرفعة والاتصال إلى ~~الدرجات العالية الرفيعة . وهي قوله : { نرفع درجات من نشاء } وثالثها : ~~أنه جعله عزيزا في الدنيا ، وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء ~~والرسل من نسله ، ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة ، ~~لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك ، ~~والمقصود من هذه الآيات تعديد أنواع نعم الله على إبراهيم عليه السلام جزاء ~~على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد ، فقال : { ووهبنا له إسحاق } لصلبه { ~~ويعقوب } بعده من إسحق . # فإن قالوا : لم لم يذكر إسماعيل عليه السلام مع إسحق ، بل أخر ذكره عنه ~~بدرجات ms3662 ؟ قلنا : لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل ، وهم بأسرهم ~~أولاد إسحق ويعقوب . وأما إسماعيل فإنه / ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء ~~إلا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يجوز ذكر محمد عليه الصلاة والسلام في ~~هذا المقام ، لأنه تعالى أمر محمدا عليه الصلاة والسلام أن يحتج على العرب ~~في نفي الشرك بالله بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على PageV13P052 ~~التوحيد رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا ، ومن النعم العظيمة في ~~الدنيا أن آتاه الله أولادا كانوا أنبياء وملوكا ، فإذا كان المحتج بهذه ~~الحجة هو محمد عليه الصلاة والسلام امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض ، ~~فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحق . # وأما قوله : { ونوحا هدينا من قبل } فالمراد أنه سبحانه جعل إبراهيم في ~~أشرف الأنساب ، وذلك لأنه رزقه أولادا مثل إسحق ، ويعقوب . وجعل أنبياء بني ~~إسرائيل من نسلهما ، وأخرجه من أصلاب آباء طاهرين مثل نوح . وإدريس ، وشيث ~~. فالمقصود بيان كرامة إبراهيم عليه السلام بحسب الأولاد وبحسب الآباء . # أما قوله : { ومن ذريته * داوود * وسليمان } فقيل المراد ومن ذرية نوح ، ~~ويدل عليه وجوه : الأول : أن نوحا أقرب المذكورين وعود الضمير إلى الأقرب ~~واجب . الثاني : أنه تعالى ذكر في جملتهم لوطا وهو كان ابن أخ إبراهيم وما ~~كان من ذريته / بل كان من ذرية نوح عليه السلام ، وكان رسولا في زمان ~~إبراهيم . الثالث : أن ولد الإنسان لا يقال أنه ذريته ، فعلى هذا إسماعيل ~~عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم ، بل هو من ذرية نوح عليه السلام . ~~الرابع : قيل إن يونس عليه السلام ما كان من ذرية إبراهيم عليه السلام ، ~~وكان من ذرية نوح عليه السلام . # والقول الثاني : أن الضمير عائد إلى إبراهيم عليه السلام ، والتقدير : ~~ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان . واحتج القائلون بهذا القول : بأن إبراهيم ~~هو المقصود بالذكر في هذه الآيات وإنما ذكر الله تعالى نوحا لأن كون ~~إبراهيم عليه السلام من أولاده أحد موجبات رفعة إبراهيم . # واعلم أنه تعالى ذكر أولا أربعة من الأنبياء ، وهم : نوح ms3663 ، وإبراهيم ، ~~وإسحق ، ويعقوب . ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر من الأنبياء : داود ، وسليمان ~~، وأيوب ، ويوسف ، وموسى ، وهرون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، ~~وإسمعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوطا ، والمجموع ثمانية عشر . # فإن قيل : رعاية الترتيب واجبة ، والترتيب إما أن يعتبر بحسب الفضل ~~والدرجة وإما أن يعتبر بحسب الزمان والمدة ، والترتيب بحسب هذين النوعين ~~غير معتبر في هذه الآية فما السبب فيه ؟ # قلنا : الحق أن حرف الواو لا يوجب الترتيب ، وأحد الدلائل على صحة هذا ~~المطلوب هذه الآية فإن حرف الواو حاصل ههنا مع أنه لا يفيد الترتيب البتة ، ~~لا بحسب الشرف ولا بحسب الزمان / وأقول عندي فيه وجه من وجوه الترتيب ، ~~وذلك لأنه تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الإكرام والفضل . # فمن المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق : الملك والسلطان والقدرة ، والله ~~تعالى قد أعطى داود وسليمان من هذا الباب نصيبا عظيما . # والمرتبة الثانية : البلاء الشديد والمحنة العظيمة ، وقد خص الله أيوب ~~بهذه المرتبة والخاصية . # والمرتبة الثالثة : من كان مستجمعا لهاتين الحالتين ، وهو يوسف عليه ~~السلام ، فإنه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر ، ثم وصل إلى الملك ~~في آخر الأمر . # والمرتبة الرابعة : من فضائل الأنبياء عليهم السلام وخواصهم قوة المعجزات ~~وكثرة البراهين والمهابة PageV13P053 العظيمة والصولة الشديدة وتخصيص الله ~~تعالى إياهم بالتقريب العظيم والتكريم التام ، وذلك كان في حق موسى وهرون . # والمرتبة الخامسة : الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا ، وترك مخالطة الخلق ~~، وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم ~~من الصالحين . # والمرتبة السادسة : الأنبياء الذين لم يبق لهم فيما بين الخلق أتباع ~~وأشياع ، وهم إسماعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوط . فإذا اعتبرنا هذا الوجه ~~الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام بحسب ~~هذا الوجه الذي شرحناه . # المسألة الثانية : قال تعالى : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا } ~~اختلفوا في أنه تعالى إلى ماذا هداهم ؟ وكذا الكلام في قوله : { ونوحا ~~هدينا من قبل } وكذا قوله في آخر الآية : { ذالك هدى الله يهدى به من يشاء ms3664 ~~من عباده } . # قال بعض المحققين : المراد من هذه الهداية الثواب العظيم ، وهي الهداية ~~إلى طريق الجنة ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر هذه الهداية قال بعدها : { وكذلك ~~نجزى المحسنين } وذلك يدل على أن تلك الهداية كانت جزاء المحسنين على ~~إحسانهم وجزاء المحسن على إحسانه لا يكون إلا الثواب ، فثبت أن المراد من ~~هذه الهداية هو الهداية إلى الجنة . فأما الإرشاد إلى الدين وتحصيل المعرفة ~~في قلبه ، فإنه لا يكون جزاء له على عمله ، وأيضا لا يبعد أن يقال : المراد ~~من هذه الهداية هو الهداية إلى الدين والمعرفة ، وإنما ذلك كان جزاء على ~~الإحسان الصادر منهم / لأنهم اجتهدوا في طلب الحق ، فالله تعالى جازاهم على ~~حسن طلبهم بإيصالهم إلى الحق ، كما قال : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم } ~~( العنكبوت : 69 ) . # والقول الثالث : أن المراد من هذه الهداية : الإرشاد إلى النبوة والرسالة ~~، لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك . # / فإن قالوا : لو كان الأمر كذلك لكان قوله : { وهارون وكذلك نجزى ~~المحسنين } يقتضي أن تكون الرسالة جزاء على عمل ، وذلك عندكم باطل . # قلنا : يحمل قوله : { وكذلك نجزى المحسنين } على الجزاء الذي هو الثواب ~~والكرامة ، فيزول الإشكال . والله أعلم . # المسألة الثالثة : احتج القائلون بأن الأنبياء عليهم السلام أفضل من ~~الملائكة بقوله تعالى بعد ذكر هؤلاء عليهم السلام : { وكلا فضلنا على ~~العالمين } وذلك لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى ، فيدخل في لفظ ~~العالم الملائكة ، فقوله تعالى : { وكلا فضلنا على العالمين } يقتضي كونهم ~~أفضل من كل العالمين . وذلك يقتضي كونهم أفضل من الملائكة ، ومن الأحكام ~~المستنبطة من هذه الآية : أن الأنبياء عليهم السلام يجب أن يكونوا أفضل من ~~كل الأولياء ، لأن عموم قوله تعالى : { وكلا فضلنا على العالمين } يوجب ذلك ~~. قال بعضهم : { وكلا فضلنا على العالمين } معناه فضلناه على عالمي زمانهم ~~. قال القاضي : ويمكن أن يقال المراد : وكلا من الأنبياء يفضلون على كل من ~~سواهم من العالمين . ثم الكلام بعد ذلك في PageV13P054 أن أي الأنبياء أفضل ~~من بعض ، كلام واقع في نوع آخر لا تعلق به بالأول ms3665 والله أعلم . # المسألة الرابعة : قرأ حمزة والكسائي { * واللسيع } بتشديد اللام وسكون ~~الياء ، والباقون { إسماعيل واليسع } بلام واحدة . قال الزجاج : يقال فيه ~~الليسع واليسع بتشديد اللام وتخفيفها . # المسألة الخامسة : الآية تدل على أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، لأن الله تعالى جعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أنه لا ينتسب ~~إلى إبراهيم إلا بالأم ، فكذلك الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وإن انتسبا إلى رسول الله بالأم وجب كونهما من ذريته ، ويقال : ~~إن أبا جعفر الباقر استدل بهذه الآية عند الحجاج بن يوسف . # المسألة السادسة : قوله تعالى : { ومن ءابائهم وذرياتهم وإخوانهم } يفيد ~~أحكاما كثيرة : الأول : أنه تعالى ذكر الآباء والذريات والأخوان ، فالآباء ~~هم الأصول ، والذريات هم الفروع ، والأخوان فروع الأصول ، وذلك يدل على أنه ~~تعالى خص كل من تعلق بهؤلاء الأنبياء بنوع من الشرف والكرامة ، والثاني : ~~أنه تعالى قال : { ومن ءابائهم } وكلمة ( من ) للتبعيض . # فإن قلنا : المراد من تلك الهداية الهداية إلى الثواب والجنة والهداية ~~إلى الإيمان والمعرفة ، فهذه الكلمة تدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء ~~الأنبياء من كان غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة . أما لو قلنا : المراد بهذه ~~الهداية النبوة لم يفد ذلك . الثالث : أنا إذا فسرنا هذه الهداية بالنبوة ~~كان / قوله : { ومن ءابائهم وذرياتهم وإخوانهم } كالدلالة على أن شرط كون ~~الإنسان رسولا من عند الله أن يكون رجلا ، وأن المرأة لا يجوز أن تكون ~~رسولا من عند الله تعالى ، وقوله تعالى بعد ذلك : { واجتبيناهم } يفيد ~~النبوة ، لأن الاجتباء إذا ذكر في حق الأنبياء عليهم السلام لا يليق به إلا ~~الحمل على النبوة والرسالة . # ثم قال تعالى : { ذالك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده } واعلم أنه ~~يجب أن يكون المراد من هذا الهدى هو معرفة التوحيد وتنزيه الله تعالى عن ~~الشرك / لأنه قال بعده : { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ( ~~الأنعام : 88 ) وذلك يدل على أن المراد من ذلك الهدي ما يكون جاريا مجرى ~~الأمر ms3666 المضاد للشرك . # وإذا ثبت أن المراد بهذا الهدى معرفة الله بوحدانيته . ثم إنه تعالى صرح ~~بأن ذلك الهدى من الله تعالى ، ثبت أن الإيمان لا يحصل إلا بخلق الله تعالى ~~، ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بنفي الشرك فقال : { ولو أشركوا } والمعنى أن ~~هؤلاء الأنبياء لو أشركوا لحبط عنهم طاعاتهم وعباداتهم . والمقصود منه ~~تقرير التوحيد وإبطال طريقة الشرك . وأما الكلام في حقيقة الإحباط فقد ~~ذكرناه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة . والله ~~أعلم . # ! 7 < { أولائك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها ~~هاؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 89 ) أولئك الذين آتيناهم . . . . . # > > PageV13P055 # اعلم أن قوله : { أولائك } إشارة إلى الذين مضى ذكرهم قبل ذلك وهم ~~الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله تعالى قبل ذلك ، ثم ذكر تعالى أنه ~~آتاهم الكتاب والحكم والنبوة . # واعلم أن العطف يوجب المغايرة ، فهذه الألفاظ الثلاثة لا بد وأن تدل على ~~أمور ثلاثة متغايرة . # واعلم أن الحكام على الخلق ثلاث طوائف : أحدها : الذين يحكمون على بواطن ~~الناس وعلى أرواحهم ، وهم العلماء . وثانيها : الذين يحكمون على ظواهر ~~الخلق ، وهم السلاطين يحكمون على الناس بالقهر والسلطنة ، وثالثها : ~~الأنبياء ، وهم الذين أعطاهم الله تعالى من العلوم والمعارف ما لأجله بها ~~يقدرون على التصرف في بواطن الخلق وأرواحهم ، وأيضا أعطاهم من القدرة ~~والمكنة ما لأجله / يقدرون على التصرف في ظواهر الخلق ، ولما استجمعوا هذين ~~الوصفين لا جرم كانوا هم الحكام على الإطلاق . # إذا عرفت هذه المقدمة فقوله : { الكتاب من } إشارة إلى أنه تعالى أعطاهم ~~العلم الكثير وقوله : { والحكم } إشارة إلى أنه تعالى جعلهم حكاما على ~~الناس نافذي الحكم فيهم بحسب الظاهر . وقوله : { والنبوة } إشارة إلى ~~المرتبة الثالثة ، وهي الدرجة العالية الرفيعة الشريفة التي يتفرع على ~~حصولها حصول المرتبتين المقدمتين المذكورتين ، وللناس في هذه الألفاظ ~~الثلاثة تفسيرات كثيرة ، والمختار عندنا ما ذكرناه . # واعلم أن قوله : { الكتاب من } يحتمل أن يكون المراد من هذا الإيتاء ~~الابتداء بالوحي والتنزيل عليه كما في صحف إبراهيم وتوراة ms3667 موسى ، وإنجيل ~~عيسى عليه السلام ، وقرآن محمد صلى الله عليه وسلم . ويحتمل أن يكون المراد ~~منه أن يؤتيه الله تعالى فهما تاما لما في الكتاب وعلما محيطا بحقائقه ~~وأسراره ، وهذا هو الأولى . لأن الأنبياء الثمانية عشر المذكورين ما أنزل ~~الله تعالى على كل واحد منهم كتابا إلهيا على التعيين والتخصيص . # ثم قال تعالى : { فإن يكفر بها هؤلاء } والمرادفان يكفر بهذا التوحيد ~~والطعن في الشرك كفار قريش { فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك القوم من هم ؟ على وجوه ، فقيل : هم ~~أهل المدينة وهم الأنصار ، وقيل : المهاجرون والأنصار ، وقال الحسن : هم ~~الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدم ذكرهم وهو اختيار الزجاج . قال الزجاج : ~~والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده } وقال أبو رجاء : يعني الملائكة وهو بعيد لأن اسم القوم قلما يقع ~~على غير بني آدم ، وقال مجاهد هم الفرس ، وقال ابن زيد : كل من لم يكفر فهو ~~منهم سواء كان ملكا أو نبيا أو من الصحابة أو من التابعين . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين ~~} يدل على أنه إنما خلقهم للإيمان . وأما غيرهم فهو تعالى ما خلقهم للإيمان ~~، لأنه تعالى لو خلق الكل للإيمان كان البيان والتمكين وفعل الألطاف مشتركا ~~فيه بين المؤمن وغير المؤمن ، وحينئذ لا يبقى لقوله : { فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين } معنى . # وأجاب الكعبي عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى زاد المؤمنين عند إيمانهم ~~وبعده من ألطافه وفوائده وشريف أحكامه ما لا يحصيه إلا الله ، وذكر في ~~الجواب وجها ثانيا / فقال : / وبتقدير : أن يسوى لكان بعضهم إذا قصر ولم ~~ينتفع صح أن يقال بحسب الظاهر أن لم يحصل له نعم الله كالوالد الذي يسوي ~~بين الولدين في PageV13P056 العطية ، فإنه يصح أن يقال : إنه أعطى أحدهما ~~دون الآخر إذا كان ذلك الآخر ضيعه وأفسده . # واعلم أن الجواب الأول ضعيف ، لأن الألطاف الداعية إلى الإيمان مشتركة ~~فيما بين الكافر ms3668 والمؤمن ؛ والتخصيص عند المعتزلة غير جائز ، والثاني : ~~أيضا فاسد . لأن الوالد لما سوى بين الولدين في العطية ، ثم إن أحدهما ضيع ~~نصيبه ، فأي عاقل يجوز أن يقال أن الأب ما أنعم عليه ، وما أعطاه شيئا . # المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أنه تعالى سينصر نبيه ويقوي دينه ، ~~ويجعله مستعليا على كل من عاداه ، قاهرا لكل من نازعه ، وقد وقع هذا الذي ~~أخبر الله تعالى عنه في هذا الموضع ، فكان هذا جاريا مجرى الأخبار عن الغيب ~~، فيكون معجزا . والله أعلم . # ! 7 < { أولائك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن ~~هو إلا ذكرى للعالمين } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 90 ) أولئك الذين هدى . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : لا شبهة في أن قوله : { أولئك الذين هدى الله } هم ~~الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء ، ولا شك في أن قوله : { فبهداهم اقتده } أمر ~~لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وإنما الكلام في تعيين الشيء الذي أمر الله ~~محمدا أن يقتدي فيه بهم ، فمن الناس من قال : المراد أنه يقتدي بهم في ~~الأمر الذي أجمعوا عليه ، وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به ~~في الذات والصفات والأفعال وسائر العقليات ، وقال آخرون : المراد الاقتداء ~~بهم في جميع الأخلاق الحميدة والصفات الرفيعة الكاملة من الصبر على أذى ~~السفهاء والعفو عنهم ، وقال آخرون : المراد الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما ~~خصه الدليل ، وبهذا التقدير كانت هذه الآية دليلا على أن شرع من قبلنا ~~يلزمنا ، وقال آخرون : إنه تعالى إنما ذكر الأنبياء في الآية المتقدمة ~~ليبين أنهم كانوا محترزين عن الشرك مجاهدين بإبطاله بدليل أنه ختم الآية ~~بقوله : { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } ( الأنعام : 88 ) ثم أكد ~~/ إصرارهم على التوحيد وإنكارهم للشرك بقوله : { فإن يكفر بها هؤلاء فقد ~~وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين } . # ثم قال في هذه الآية : { أولئك الذين هدى الله } أي هداهم إلى إبطال ~~الشرك وإثبات التوحيد { فبهداهم اقتده } أي اقتد بهم في نفس الشرك وإثبات ~~التوحيد وتحمل سفاهات الجهال في هذا ms3669 الباب . وقال آخرون : اللفظ مطلق فهو ~~محمول على الكل إلا ما خصه الدليل المنفصل . قال القاضي : يبعد حمل هذه ~~الآية على أمر الرسول بمتابعة الأنبياء عليهم السلام المتقدمين في شرائعهم ~~لوجوه : أحدها : أن شرائعهم مختلفة متناقضة فلا يصح مع تناقضها أن يكون ~~مأمورا بالاقتداء بهم في تلك الأحكام المتناقضة . وثانيها : أن الهدى عبارة ~~عن الدليل دون نفس العمل . PageV13P057 # وإذا ثبت هذا فنقول : دليل ثبات شرعهم كان مخصوصا بتلك الأوقات لا في غير ~~ذلك الأوقات . فكان الاقتداء بهم في ذلك الهدى هو أن يعلم وجوب تلك الأفعال ~~في تلك الأوقات فقط ، وكيف يستدل بذلك على اتباعهم في شرائعهم في كل ~~الأوقات ؟ وثالثها : أن كونه عليه الصلاة والسلام متبعا لهم في شرائعهم ~~يوجب أن يكون منصبه أقل من منصبهم وذلك باطل بالإجماع ، فثبت بهذه الوجوه ~~أنه لا يمكن حمل هذه الآية على وجوب الاقتداء بهم في شرائعهم . # والجواب عن الأول : أن قوله : { فبهداهم اقتده } يتناول الكل . فأما ما ~~ذكرتم من كون بعض الأحكام متناقضة بحسب شرائعهم . فنقول : ذلك العام يجب ~~تخصيصه في هذه الصورة فيبقى فيما عداها حجة . # وعن الثاني : أنه عليه الصلاة والسلام لو كان مأمورا بأن يستدل بالدليل ~~الذي استدل به الأنبياء المتقدمون لم يكن ذلك متابعة ، لأن المسلمين لما ~~استدلوا بحدوث العالم على وجود الصانع لا يقال : إنهم متبعون لليهود ~~والنصارى في هذا الباب ، وذلك لأن المستدل بالدليل يكون أصيلا في ذلك الحكم ~~، ولا تعلق له بمن قبله البتة ، والاقتداء والاتباع لا يحصل إلا إذا كان ~~فعل الأول سببا لوجوب الفعل على الثاني ، وبهذا التقرير يسقط السؤال . # وعن الثالث : أنه تعالى أمر الرسول بالاقتداء بجميعهم في جميع الصفات ~~الحميدة والأخلاق الشريفة ، وذلك لا يوجب كونه أقل مرتبة منهم ، بل يوجب ~~كونه أعلى مرتبة من الكل على ما سيجيء تقريره بعد ذلك إن شاء الله تعالى / ~~فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا . # المسألة الثانية : احتج العلماء بهذه الآية على أن رسولنا صلى الله عليه ms3670 ~~وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم السلام ، وتقريره : هو أنا بينا أن خصال ~~الكمال ، وصفات الشرف كانت مفرقة فيهم / بأجمعهم ، فداود وسليمان كانا من ~~أصحاب الشكر على النعمة ، وأيوب كان من أصحاب الصبر على البلاء ويوسف كان ~~مستجمعا لهاتين الحالتين . وموسى عليه السلام كان صاحب الشريعة القوية ~~القاهرة والمعجزات الظاهرة ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، كانوا ~~أصحاب الزهد ، وإسماعيل كان صاحب الصدق ، ويونس صاحب التضرع ، فثبت إنه ~~تعالى إنما ذكر كل واحد من هؤلاء الأنبياء لأن الغالب عليه كان خصلة معينة ~~من خصال المدح والشرف ، ثم أنه تعالى لما ذكر الكل أمر محمدا عليه الصلاة ~~والسلام بأن يقتدي بهم بأسرهم ، فكان التقدير كأنه تعالى أمر محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أن يجمع من خصال العبودية والطاعة كل الصفات التي كانت ~~مفرقة فيهم بأجمعهم ولما أمره الله تعالى بذلك ، امتنع أن يقال : إنه قصر ~~في تحصيلها ، فثبت أنه حصلها ، ومتى كان الأمر كذلك ، ثبت أنه اجتمع فيه من ~~فصال الخير ما كان متفرقا فبهم بإسرهم ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يقال ~~: إنه أفضل منهم بكليتهم . والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال الواحدي : قوله : { هدى الله } دليل على أنهم ~~مخصوصون بالهدى ، لأنه لو هدى جميع المكلفين لم يكن لقوله : { أولئك الذين ~~هدى الله } فائدة تخصيص . # المسألة الرابعة : قال الواحدي : الاقتداء في اللغة إتيان الثاني بمثل ~~فعل الأول لأجل أنه فعله . روى اللحياني عن الكسائي أنه قال : يقال لي بك ~~قدوة وقدوة . PageV13P058 # المسألة الخامسة : قال الواحدي : قرأ ابن عامر { اقتده } بكسر الدال وبشم ~~الهاء للكسر من غير بلوغ ياء ، والباقون { اقتده } ساكنة الهاء ، غير أن ~~حمزة والكسائي يحذفانها في الوصل ويثبتانها في الوقف ، والباقون يثبتونها ~~في الوصل والوقف . # والحاصل : أنه حصل الإجماع على إثباتها في الوقف . قال الواحدي : الوجه ~~الإثبات في الوقف والحذف في الوصل ، لأن هذه الهاء هاء وقعت في السكت ~~بمنزلة همزة الوصل في الابتداء ، وذلك لأن الهاء للوقف ، كما أن همزة الوصل ~~للابتداء بالساكن ، فكما لا تثبت الهمزة حال الوصل ، كذلك ms3671 ينبغي أن لا تثبت ~~الهاء إلا أن هؤلاء الذين أثبتوا راموا موافقة المصحف ، فإن الهاء ثابتة في ~~الخط فكرهوا مخالفة الخط في حالتي الوقف والوصل فأثبتوا . وأما قراءة ابن ~~عامر : فقال أبو بكر ومجاهد : هذا غلط ، لأن هذه الهاء هاء وقف ، فلا تعرب ~~في حال من الأحوال ، وإنما تذكر ليظهر بها حركة ما قبلها . قال أبو علي ~~الفارسي : ليس بغلط ، ووجهها أن تجعل الهاء كناية عن المصدر ، والتقدير : ~~فبهداهم اقتد الاقتداء ، فيضمر الاقتداء لدلالة الفعل عليه ، وقياسه إذا ~~وقف أن تسكن الهاء ، لأن هاء الضمير تسكن في الوقف ، كما تقول : اشتره . ~~والله أعلم . # أما قوله تعالى : { قل لا أسألكم عليه أجرا } فالمراد به أنه تعالى لما ~~أمره بالاقتداء بهدى الأنبياء / عليهم السلام المتقدمين ، وكان من جملة ~~هداهم ترك طلب الأجر في إيصال الدين وإبلاغ الشريعة . لا جرم اقتدى بهم في ~~ذلك ، فقال : { لا أسئلكم عليه أجرا } ولا أطلب منكم مالا ولا جعلا { إن هو ~~} يعني القرإن { إلا ذكرى للعالمين } يريد كونه مشتملا على كل ما يحتاجون ~~إليه في معاشهم ومعادهم وقوله : { إن هو إلا ذكرى للعالمين } يدل على أنه ~~صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كل أهل الدنيا لا إلى قوم دون قوم . والله ~~أعلم . # ! 7 < { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شىء قل ~~من أنزل الكتاب الذى جآء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها ~~وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم قل الله ثم ذرهم فى ~~خوضهم يلعبون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 91 ) وما قدروا الله . . . . . # > > اعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن مدار أمر القرآن على إثبات التوحيد ~~والنبوة والمعاد . وأنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه ذكر دليل ~~التوحيد ، وإبطال الشرك ، وقرر تعالى ذلك الدليل بالوجوه الواضحة شرع بعده ~~في تقرير أمر النبوة ، فقال : { وما قدروا الله حق قدره } حيث أنكروا ~~النبوة والرسالة ، فهذا بيان وجه نظم هذه الآيات وأنه في غاية الحسن . وفي ~~الآية مسائل ms3672 : PageV13P059 # المسألة الأولى : في تفسير قوله تعالى : { ما قدروا الله حق قدره } وجوه ~~: قال ابن عباس : ما عظموا الله حق تعظيمه . وروى عنه أيضا أنه قال معناه : ~~ما آمنوا إن الله على كل شيء قدير . وقال أبو العالية : ما وصفوه حق صفته . ~~وقال الأخفش : ما عرفوه حق معرفته ، وحقق الواحدي رحمه الله ذلك ، فقال ~~يقال : قدر الشيء إذا سبره وحرره ، وأراد أن يعلم مقداره يقدره بالضم قدرا ~~ومنه قوله عليه السلام : ( وإن غم عليكم فاقدروا له ) أي فاطلبوا أن تعرفوه ~~هذا أصله في اللغة ، ثم قال يقال لمن عرف شيئا هو يقدر قدره ، وإذا لم ~~يعرفه بصفاته أنه لا يقدر قدره ، فقوله : { وما قدروا الله حق قدره } صحيح ~~في كل المعاني المذكورة . # / المسألة الثانية : أنه تعالى لما حكى عنهم { أنهم مانعتهم * قدروا الله ~~حق قدره } بين السبب فيه ، وذلك هو قولهم ما أنزل الله علي بشر من شيء . # واعلم أن كل من أنكر النبوة والرسالة فهو في الحقيقة ما عرف الله حق ~~معرفته ، وتقريره من وجوه : الأول : أن منكر البعثة والرسالة إما أن يقول : ~~إنه تعالى ما كلف أحدا من الخلق تكليفا أصلا ، أو يقول : إنه تعالى كلفهم ~~التكاليف ، والأول باطل ، لأن ذلك يقتضي أنه تعالى أباح لهم جميع المنكرات ~~والقبائح نحو شتم الله ، ووصفه بما لا يليق به ، والاستخفاف بالأنبياء ~~والرسل وأهل الدين ، والإعراض عن شكر النعم ، ومقابلة الإنعام بالإساءة . ~~ومعلوم أن كل ذلك باطل . وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر ~~والنواهي ، فههنا لا بد من مبلغ وشارع ومبين ، وما ذاك إلا الرسول . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : العقل كاف في إيجاب الواجبات واجتناب ~~المقبحات ؟ # قلنا : هب أن الأمر كما قلتم . إلا أنه لا يمتنع تأكيد التعريف العقلي ~~بالتعريفات المشروعة على ألسنة الأنبياء والرسل عليهم السلام . فثبت أن كل ~~من منع البعثة والرسالة فقد طعن في حكمة الله تعالى . وكان ذلك جهلا بصفة ~~الإلهية ، وحينئذ يصدق في حقه قوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره } . # الوجه ms3673 الثاني : في تقرير هذا المعنى أن من الناس من يقول إنه يمتنع بعثة ~~الأنبياء والرسل ، لأنه يمتنع إظهار المعجزة على وفق دعواه تصديقا له ، ~~والقائلون بهذا القول لهم مقامان : # المقام الأول : أن يقولوا إنه ليس في الإمكان خرق العادات ولا إيجاد شيء ~~على خلاف ما جرت به العادة . # والمقام الثاني : الذين يسلمون إمكان ذلك . إلا أنهم يقولون إن بتقدير ~~حصول هذه الأفعال الخارقة للعادات لا دلالة لها على صدق مدعي الرسالة ، ~~وكلا الوجهين يوجب القدح في كمال قدرة الله تعالى . # أما المقام الأول : فهو أنه ثبت أن الأجسام متماثلة . وثبت أن ما يحتمله ~~الشيء وجب أن يحتمله مثله ، وإذا كان كذلك كان جرم الشمس والقمر قابلا ~~للتمزق والتفرق . # فإن قلنا : إن الإله غير قادر عليه كان ذلك وصفا له بالعجز ونقصان القدرة ~~، وحينئذ يصدق في حق هذا القائل : أنه ما قدر الله حق قدره . # وإن قلنا : إنه تعالى قادر عليه ، فحينئذ لا يمتنع عقلا انشقاق القمر ، ~~ولا حصول سائر المعجزات . PageV13P060 # / وأما المقام الثاني : وهو أن حدوث هذه الأفعال الخارقة للعادة عند دعوى ~~مدعي النبوة تدل على صدقهم ، فهذا أيضا ظاهر على ما مقرر في كتب الأصول . ~~فثبت أن كل من أنكر إمكان البعثة والرسالة ، فقد وصف الله بالعجز ونقصان ~~القدرة ، وكل من قال ذلك فهو ما قدر الله حق قدره . # والوجه الثالث : أنه لما ثبت حدوث العالم ، فنقول : حدوثه يدل على أن إله ~~العالم قادر عالم حكيم ، وأن الخلق كلهم عبيده وهو مالك لهم على الإطلاق ، ~~وملك لهم على الإطلاق ، والملك المطاع يجب أن يكون له أمر ونهي وتكليف على ~~عباده ، وأن يكون له وعد على الطاعة ، ووعيد على المعصية ، وذلك لا يتم ولا ~~يكمل إلا بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، فكل من أنكر ذلك فقد طعن في كونه ~~تعالى ملكا مطاعا ، ومن اعتقد ذلك فهو ما قدر الله حق قدره ، فثبت أن كل من ~~قال ما أنزل الله علي بشر من شيء فهو ما قدر الله حق قدره . # المسألة الثالثة ms3674 : في هذه الآية بحث صعب ، وهو أن يقال : هؤلاء الذين حكى ~~الله عنهم أنهم قالوا : { أنزل الله ولا * على * بشر من شىء } إما أن يقال ~~: إنهم كفار قريش أو يقال إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، فإن كان ~~الأول ، فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله تعالى : { قل من أنزل الكتاب الذى جاء ~~به موسى } وذلك لأن كفار قريش والبراهمة كما ينكرون رسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فكذلك ينكرون رسالة سائر الأنبياء ، فكيف يحسن إيراد هذا الإلزام ~~عليهم ، وأما إن كان الثاني وهو أن قائل هذا القول قوم من اليهود والنصارى ~~، فهذا أيضا صعب مشكل ، لأنهم لا يقولون هذا القول ، وكيف يقولونه مع أن ~~مذهبهم أن التوراة كتاب أنزله الله على موسى ، والإنجيل : كتاب أنزله الله ~~على عيسى ؛ وأيضا فهذه السورة مكية ، والمناظرات التي وقعت بين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وبين اليهود والنصارى كلها مدنية ، فكيف يمكن حمل هذه ~~الآية عليها ، فهذا تقرير الإشكال القائم في هذه الآية . واعلم أن الناس ~~اختلفوا فيه على قولين : # فالقول الأول : إن هذه الآية نزلت في حق اليهود وهو القول المشهور عند ~~الجمهور . قال ابن عباس : إن مالك بن الصيف كان من أحبار اليهود ورؤسائهم ، ~~وكان رجلا سمينا فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد ~~فيها إن الله يبغض الحبر السمين وأنت الحبر السمين وقد سمنت من الأشياء ~~التي تطعمك اليهود ) فضحك القوم ، فغضب مالك بن الصيف ، ثم التفت إلى عمر ~~فقال : ما أنزل الله على بشر من شيء . فقال له قومه : ويلك ما هذا الذي ~~بلغنا عنك ؟ فقال : إنه أغضبني ، / ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه عن ~~رياستهم ، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف ، فهذا هو الرواية المشهورة في سبب ~~نزول هذه الآية ، وفيها سؤالات : # السؤال الأول : اللفظ وإن كان مطلقا بحسب أصل اللغة إلا أنه قد يتقيد ~~بحسب العرف . ألا ترى أن المرأة ms3675 إذا أرادت أن تخرج من الدار فغضب الزوج ، ~~وقال : إن خرجت من الدار فأنت طالق ، فإن كثيرا من الفقهاء . قالوا : اللفظ ~~وإن كان مطلقا إلا أنه بحسب العرف يتقيد لتلك المرة فكذا ههنا قوله : { ما ~~أنزل الله على بشر من شىء } وإن كان مطلقا بحسب أصل اللغة / إلا أنه بحسب ~~العرف يتقيد بتلك الواقعة فكان قوله : { ما أنزل الله على بشر من شىء } ~~مراده منه أنه ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض الحبر السمين ، ~~PageV13P061 وإذا صار هذا المطلق محمولا على هذا المقيد لم يكن قوله : { من ~~أنزل الكتاب الذى جاء به موسى } مبطلا لكلامه ، فهذا أحد السؤالات : # السؤال الثاني : أن مالك بن الصيف كان مفتخرا بكونه يهوديا متظاهرا بذلك ~~ومع هذا المذهب البتة أن يقول : ما أنزل الله على بشر من شيء إلا على سبيل ~~الغضب المدهش للعقل أو على سبيل لا يمكنه طغيان اللسان ، ومثل هذا الكلام ~~لا يليق بالله سبحانه وتعالى إنزال القرآن الباقي على وجه الدهر في إبطاله ~~. # والسؤال الثالث : أن الأكثرين اتفقوا على أن هذه السورة مكية وأنها أنزلت ~~دفعة واحدة ، ومناظرات اليهود مع الرسول عليه الصلاة والسلام كانت مدنية ، ~~فكيف يمكن حمل هذه الآية على تلك المناظرة ؟ وأيضا لما نزلت السورة دفعة ~~واحدة ، فكيف يمكن أن يقال : هذه الآية المعينة إنما نزلت في الواقعة ~~الفلانية ؟ فهذه هي السؤالات الواردة على هذا القول ، والأقرب عندي أن يقال ~~: لعل مالك بن الصيف لما تأذى من هذا الكلام طعن في نبوة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام وقال : ما أنزل الله عليك شيئا البتة ، ولست رسولا من قبل ~~الله البتة ، فعند هذا الكلام نزلت هذه الآية ، والمقصود منها أنك لما سلمت ~~أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام ، فعند هذا لا يمكنك ~~الإصرار على أنه تعالى ما أنزل علي شيئا لأني بشر وموسى بشر أيضا ، فلما ~~سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل على بشر امتنع عليك أن تقطع وتجزم ~~بأنه ما أنزل الله ms3676 علي شيئا ، فكان المقصود من هذه الآية بيان أن الذي ~~ادعاه محمد عليه الصلاة والسلام ليس من قبيل الممتنعات ، وأنه ليس للخصم ~~اليهودي أن يصر على إنكاره ، بل أقصى ما في الباب أن يطالبه بالمعجز فإن ~~أتى به فهو المقصود ، وإلا فلا فإما أن يصر اليهودي على أنه تعالى ما أنزل ~~على محمد شيئا البتة مع أنه معترف بأن الله تعالى أنزل الكتاب على موسى ، ~~فذاك / محض الجهالة والتقليد ، وبهذا التقدير يظهر الجواب عن السؤالين ~~الأولين . # فأما السؤال الثالث : وهو قوله : هذه السورة مكية ونزلت دفعة واحدة وكل ~~واحد من هذين الوجهين يمنع من القول بأن سبب نزول هذه الآية مناظرة اليهودي ~~. # قلنا : القائلون بهذا القول قالوا : السورة كلها مكية ونزلت دفعة واحدة ~~إلا هذه الآية ، فإنها نزلت بالمدينة في هذه الواقعة ، فهذا منتهى الكلام ~~في تقرير هذا الوجه . # والقول الثاني : أن قائل هذا القول أعني ما أنزل الله على بشر من شيء قوم ~~من كفار قريش فهذا القول قد ذكره بعضهم . # بقي أن يقال : كفار قريش ينكرون نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام ، فكيف ~~يمكن إلزام نبوة موسى عليهم ؟ وأيضا فما بعد هذه الآية لا يليق بكفار قريش ~~، وإنما يليق باليهود وهو قوله : { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ~~وعلمتم * وما * لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم } ( الأنعام : 91 ) فمن المعلوم ~~بالضرورة أن هذه الأحوال لا تليق إلا باليهود ، وهو قول من يقول : إن أول ~~الآية خطاب مع الكفار ، وآخرها خطاب مع اليهود فاسد ، لأنه يوجب تفكيك نظم ~~الآية وفساد تركيبها ، وذلك لا يليق بأحسن الكلام فضلا عن كلام رب العالمين ~~، فهذا تقرير الإشكال على هذا القول . PageV13P062 # أما السؤال الأول : فيمكن دفعه بأن كفار قريش كانوا مختلطين باليهود ~~والنصارى وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات ~~القاهرة على يد موسى عليه السلام مثل انقلاب العصا ثعبانا ، وفلق البحر ~~وإظلال الجبل وغيرها والكفار كانوا يطعنون في نبوة محمد عليه الصلاة ~~والسلام بسبب أنهم كانوا يطلبون منه أمثال هذه المعجزات وكانوا ms3677 يقولون لو ~~جئتنا بأمثال هذه المعجزات لآمنا بك / فكان مجموع هذه الكلمات جاريا مجرى ~~ما يوجب عليهم الاعتراف بنبوة موسى عليه السلام ، وإذا كان الأمر كذلك لم ~~يبعد إيراد نبوة موسى عليه السلام إلزاما عليهم في قولهم : { ما أنزل الله ~~على بشر من شىء } . # وأما السؤال الثاني : فجوابه : أن كفار قريش واليهود والنصارى ، لما ~~كانوا متشاركين في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لم يبعد أن يكون ~~الكلام الواحد واردا على سبيل أن يكون بعضه خطابا مع كفار مكة وبقيته يكون ~~خطابا مع اليهود والنصارى ، فهذا ما يحضرنا في هذا البحث الصعب ، وبالله ~~التوفيق . # المسألة الرابعة : مذهب كثير من المحققين أن عقول الخلق لا تصل إلى كنه ~~معرفة الله تعالى / البتة ، ثم إن الكثير من أهل هذا المذهب يحتجون على ~~صحته بقوله تعالى : { وما قدروا الله حق قدره } أي وما عرفوا الله حق ~~معرفته ، وهذا الاستدلال بعيد ، لأنه تعالى ذكر هذه اللفظة في القرآن في ~~ثلاثة مواضع ، وكلها وردت في حق الكفار فههنا ورد في حق اليهود أو كفار مكة ~~، وكذا القول في الموضعين الآخرين ، وحينئذ لا يبقى في هذا الاستدلال فائدة ~~. والله أعلم . # المسألة الخامسة : في هذه الآية أحكام . # الحكم الأول # أن النكرة في موضع النفي تفيد العموم ، والدليل عليه هذه الآية فإن قوله ~~: { ما أنزل الله على بشر من شىء } نكرة في موضع النفي ، فلو لم تفد العموم ~~لما كان قوله تعالى : { قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى } إبطالا له ، ~~ونقضا عليه ، ولو لم يكن كذلك لفسد هذا الاستدلال ، ولما كان ذلك باطلا ، ~~ثبت أن النكرة في موضع النفي تعم . والله أعلم . # الحكم الثاني # النقض يقدح في صحة الكلام ، وذلك لأنه تعالى نقض قولهم : { ما أنزل الله ~~على بشر من شىء } بقوله : { قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى } فلو لم ~~يدل النقض على فساد الكلام لما كانت حجة الله مفيدة لهذا المطلوب . # واعلم أن قول من يقول : إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون ms3678 النقص ~~مبطلا ضعيف ، إذ لو كان الأمر كذلك لسقطت حجة الله في هذه الآية لأن ~~اليهودي كان يقول معجزات موسى أظهر ، وأبهر من معجزاتك ، فلم يلزم من إثبات ~~النبوة هناك إثباتها هنا ، ولو كان الفرق مقبولا لسقطت هذه الحجة ، وحيث لا ~~يجوز القول بسقوطها علمنا أن النقض على الإطلاق مبطل والله أعلم . ~~PageV13P063 # الحكم الثالث # تفلسف الغزالي فزعم أن هذه الآية مبنية على الشكل الثاني من الأشكال ~~المنطقية ، وذلك لأن حاصله يرجع إلى أن موسى أنزل الله تعالى عليه شيئا ~~وأحد من البشر ما أنزل الله عليه شيئا ينتج من الشكل الثاني : أن موسى ما ~~كان من البشر ، وهذا خلف محال ، وليست هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ، ولا ~~بحسب صحة المقدمة الأولى ، فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية ~~، وهي قولهم : ما أنزل الله على بشر من شيء ، فوجب القول بكونها كاذبة ، ~~فثبت أن دلالة هذه الآية على المطلوب ، إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل ~~الثاني من الأشكال المنطقية ، وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف . والله أعلم ~~. # / واعلم أنه تعالى لما قال : { قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى } وصف ~~بعده كتاب موسى بالصفات . # فالصفة الأولى : كونه نورا وهدى للناس . # واعلم أنه تعالى سماه نورا تشبيها له بالنور الذي به يبين الطريق . # فإن قالوا : فعلى هذا التفسير لا يبقى بين كونه نورا وبين كونه هدى للناس ~~فرق ، وعطف أحدهما على الآخر يوجب التغاير . # قلنا : النور له صفتان : إحداهما : كونه في نفسه ظاهرا جليا ، والثانية : ~~كونه بحيث يكون سببا لظهور غيره / فالمراد من كونه نورا وهدى هذان الأمران ~~. # واعلم أنه تعالى وصف القرآن أيضا بهذين الوصفين في آية أخرى ، فقال : { ~~ولاكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا } . # الصفة الثانية : قوله : { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأول : قرأ أبو عمرو وابن كثير { * يجعلونه } على لفظ الغيبة ، ~~وكذلك يبدونها ويخفون لأجل أنهم غائبون ويدل عليه قوله تعالى : { للعالمين ~~وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما ms3679 أنزل الله على بشر من شىء } فلما وردت ~~هذه الألفاظ على لفظ المغايبة ، فكذلك القول في البواقي ، ومن قرأ بالتاء ~~على الخطاب ، فالتقدير : قل لهم تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ، ~~والدليل عليه قوله تعالى : { وعلمتم ما لم تعلموا } فجاء على الخطاب ، ~~فكذلك ماقبله . # المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : قوله : { تجعلونه قراطيس } أي ~~يجعلونه ذات قراطيس . أي يودعونه إياها . # فإن قيل : إن كل كتاب فلا بد وأن يودع في القراطيس ، فإذا كان الأمر كذلك ~~في كل الكتب ، فما السبب ، في أن حكى الله تعالى هذا المعنى في معرض الذم ~~لهم . # قلنا : الذم لم يقع على هذا المعنى فقط ، بل المراد أنهم لما جعلوه ~~قراطيس ، وفرقوه وبعضوه ، لا جرم قدروا على إبداء البعض ، وإخفاء البعض ، ~~وهو الذي فيه صفة محمد عليه الصلاة والسلام . PageV13P064 # فإن قيل : كيف يقدرون على ذلك مع أن التوراة كتاب وصل إلى أهل المشرق ~~والمغرب ، وعرفه أكثر أهل العلم وحفظوه ، ومثل هذا الكتاب لا يمكن إدخال ~~الزيادة والنقصان فيه ، والدليل عليه أن الرجل في هذا الزمان لو أراد إدخال ~~الزيادة والنقصان في القرآن لم يقدر عليه ، فكذا القول في التوراة . # / قلنا : قد ذكرنا في سورة البقرة أن المراد من التحريف تفسير آيات ~~التوراة بالوجوه الباطلة الفاسدة كما يفعله المبطلون في زماننا هذا بآيات ~~القرآن . # فإن قيل : هب أنه حصل في التوراة آيات دالة على نبوة محمد عليه الصلاة ~~والسلام . إلا أنها قليلة ، والقوم ما كانوا يخفون من التوراة إلا تلك ~~الآيات ، فلم قال : ويخفون كثيرا . # قلنا : القوم كما يخفون الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ~~، فكذلك يخفون الآيات المشتملة على الأحكام ، ألا ترى أنهم حاولوا على ~~إخفاء الآية المشتملة على رجم الزاني المحصن . # الصفة الثالثة : قوله : { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم } ~~والمراد أن التوراة كانت مشتملة على البشارة بمقدم محمد واليهود قبل مقدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرؤن تلك الآيات وما كانوا يفهمون ~~معانيها ، فلما بعث الله محمدا ظهر أن المراد ms3680 من تلك الآيات هو مبعثه صلى ~~الله عليه وسلم ، فهذا هو المراد من قوله : { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ~~ءاباؤكم } . # واعلم أنه تعالى لما وصف التوراة بهذه الصفات الثلاث ، قال : { قل الله } ~~والمعنى أنه تعالى قال في أول الآية : { قل من أنزل الكتاب } الذي صفته كذا ~~وكذا فقال بعده : { قل الله } والمعنى أن العقل السليم والطبع المستقيم ~~يشهد بأن الكتاب الموصوف بالصفات المذكورة المؤيد قول صاحبه بالمعجزات ~~القاهرة الباهرة مثل معجزات موسى عليه السلام لا يكون إلا من الله تعالى ، ~~فلما صار هذا المعنى ظاهرا بسبب ظهور الحجة القاطعة ، لا جرم قال تعالى ~~لمحمد قل المنزل لهذا الكتاب هو الله تعالى ، ونظيره قوله : { قل أى شىء ~~أكبر شهادة قل الله } وأيضا إن الرجل الذي حاول إقامة الدلالة على وجود ~~الصانع يقول من الذي أحدث الحياة بعد عدمها / ومن الذي أحدث العقل بعد ~~الجهالة ، ومن الذي أودع في الحدقة القوة الباصرة ، وفي الصماخ القوة ~~السامعة ، ثم إن ذلك القائل نفسه يقول { الله } والمقصود أنه بلغت هذه ~~الدلالة والبينة إلى حيث يجب على كل عاقل أن يعترف بها فسواء أقر الخصم به ~~أو لم يقر فالمقصود حاصل فكذا ههنا . # ثم قال تعالى بعده : { ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في الأعذار ~~والأنذار وهذا المبلغ العظيم فحينئذ لم يبق عليك من أمرهم شيء البتة ، ~~ونظيره قوله تعالى : { إن عليك إلا البلاغ } . # المسألة الثانية : قال بعضهم هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا بعيد لأن ~~قوله { ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون } مذكور لأجل التهديد ، وذلك لا ينافي حصول ~~المقاتلة ، فلم يكن ورود الآية / الدالة على وجوب المقاتلة ، رافعا لشيء من ~~مدلولات هذه الآية ، فلم يحصل النسخ فيه . والله أعلم . # PageV13P065 ! 7 < { وهاذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه ولتنذر ~~أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالا خرة يؤمنون به وهم على صلاتهم ~~يحافظون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 92 ) وهذا كتاب أنزلناه . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أبطل ms3681 بالدليل قول من قال : ما أنزل الله على بشر ~~من شيء ، ذكر بعده أن القرآن كتاب الله ، أنزله الله تعالى على محمد عليه ~~الصلاة والسلام . # واعلم أن قوله : { وهاذا } إشارة إلى القرآن وأخبر عنه بأنه كتاب وتفسير ~~الكتاب قد تقدم في أول سورة البقرة ثم وصفه بصفات كثيرة . # الصفة الأولى : قوله : { أنزلناه } والمقصود أن يعلم أنه من عند الله ~~تعالى لا من عند الرسول لأنه لا يبعد أن يخص الله محمدا عليه الصلاة ~~والسلام بعلوم كثيرة يتمكن بسببها من تركيب ألفاظ القرآن على هذه الصفة من ~~الفصاحة فبين تعالى أنه ليس الأمر على هذه الصفة ، وأنه تعالى هو الذي تولى ~~إنزاله بالوحي على لسان جبريل عليه السلام . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { مبارك } قال أهل المعاني كتاب مبارك أي ~~كثير خيره دائم بركته ومنفعته ، يبشر بالثواب والمغفرة ويزجر عن القبيح ~~والمعصية ، وأقول : العلوم إما نظرية ، وإما عملية أما العلوم النظرية ، ~~فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ، ولا ترى ~~هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب وأما العلوم العملية ، ~~فالمطلوب ، إما أعمال الجوارح وإما أعمال القلوب ، وهو المسمى بطهارة ~~الأخلاق وتزكية النفس ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب ، ثم ~~قد جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه والمتمسك به يحصل له عز الدنيا ~~وسعادة الآخرة . # يقول مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي : وأنا قد نقلت أنواعا من ~~العلوم النقلية والعقلية ، فلم يحصل لي بسبب شيء من العلوم من أنواع ~~السعادات في الدين والدنيا مثل ما حصل بسبب خدمة هذا العلم . # / الصفة الثالثة : قوله : { مصدق الذى بين يديه } فالمراد كونه مصدقا لما ~~قبله من الكتب والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن الموجود في سائر الكتب الإلهية ~~إما علم الأصول ، وإما علم الفروع . # أما علوم الأصول : فيمتنع وقوع التفاوت فيه بسبب اختلاف الأزمنة والأمكنة ~~، فوجب القطع بأن المذكور في القرآن موافق ومطابق لما في التوراة والزبور ~~والإنجيل وسائر الكتب الإلهية . # وأما علم الفروع : فقد ms3682 كانت الكتب الإلهية المتقدمة على القرآن مشتملة ~~على البشارة بمقدم محمد عليه الصلاة والسلام ، وإذا كان الأمر كذلك فقد حصل ~~في تلك الكتب أن التكاليف الموجودة فيها ، إنما PageV13P066 تبقى إلى وقت ~~ظهور محمد عليه الصلاة والسلام ، وأما بعد ظهور شرعه فإنها تصير منسوخة ، ~~فثبت أن تلك الكتب دلت على ثبوت تلك الأحكام على هذا الوجه ، والقرآن مطابق ~~لهذا المعنى وموافق ، فثبت كون القرآن مصدقا لكل الكتب الإلهية في جملة علم ~~الأصول والفروع . # الصفة الرابعة : قوله تعالى : { ولتنذر أم القرى ومن حولها } وههنا أبحاث ~~: # البحث الأول : اتفقوا على أن ههنا محذوفا ، والتقدير : ولتنذر أهل أم ~~القرى . واتفقوا على أن أم القرى هي مكة ، واختلفوا في السبب الذي لأجله ~~سميت مكة بهذا الاسم . فقال ابن عباس : سميت بذلك ، لأن الأرضين دحيت من ~~تحتها ومن حولها ، وقال أبو بكر الأصم : سميت بذلك لأنها قبل أهل الدنيا ، ~~فصارت هي كالأصل وسائر البلاد والقرى تابعة لها ، وأيضا من أصول عبادات أهل ~~الدنيا الحج ، وهو إنما يحصل في تلك البلدة ، فلهذا السبب يجتمع الخلق ~~إليها كما يجتمع الأولاد إلى الأم / وأيضا فلما كان أهل الدنيا يجتمعون ~~هناك بسبب الحج ، لا جرم يحصل هناك أنواع من التجارات والمنافع ما لا يحصل ~~في سائر البلاد ، ولا شك أن الكسب والتجارة من أصول المعيشة ، فلهذا السبب ~~سميت مكة أم القرى . وقيل : إنما سميت مكة أم القرى لأن الكعبة أول بيت وضع ~~للناس ، وقيل أيضا : إن مكة أول بلدة سكنت في الأرض . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { ومن حولها } دخل فيه سائر البلدان والقرى ~~. # والبحث الثاني : زعمت طائفة من اليهود أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان ~~رسولا إلى العرب فقط . واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية وقالوا إنه تعالى ~~بين أنه إنما أنزل عليه هذا القرآن ليبلغه إلى أهل مكة وإلى القرى المحيطة ~~بها ، والمراد منها جزيرة العرب ، ولو كان مبعوثا إلى كل العالمين لكان ~~التقييد بقوله : { لتنذر أم القرى ومن حولها } باطلا . # والجواب : أن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا ms3683 يدل على انتفاء الحكم فيما ~~سواها إلا بدلالة / المفهوم وهي ضعيفة ، لا سيما وقد ثبت بالتواتر الظاهر ، ~~المقطوع به من دين محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان يدعي كونه رسولا إلى ~~كل العالمين ، وأيضا قوله : { ومن حولها } يتناول جميع البلاد والقرى ~~المحيطة بها ، وبهذا التقدير : فيدخل فيه جمع بلاد العالم ، والله أعلم . # البحث الثالث : قرأ عاصم في رواية أبي بكر { لينذر } بالياء جعل الكتاب ~~هو المنذر ، لأن فيه إنذارا ، ألا ترى أنه قال : { تحرك به } أي بالكتاب ، ~~وقال : { وأنذر به } وقال : { إنما أنذركم بالوحى } فلا يمتنع إسناد ~~الإنذار إليه على سبيل الاتساع ، وأما الباقون : فإنهم قرؤا { ولتنذر } ~~بالتاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ، لأن المأمور والموصوف بالإنذار هو ~~. قال تعالى : { إنما أنت منذر } وقال : { وأنذر * الذين يخافون } . # ثم قال تعالى : { والذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به } وظاهر هذا يقتضي أن ~~الإيمان بالآخرة جار مجرى السبب للإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم . ~~والعلماء ذكروا في تقرير هذه السببية وجوها : الأول : أن الذي يؤمن بالآخرة ~~هو الذي يؤمن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب ، ومن كان كذلك فإنه يعظم ~~رغبته في تحصيل الثواب ، ورهبته عن حلول العقاب ، ويبالغ في النظر والتأمل ~~في دلائل التوحيد والنبوة ، فيصل إلى العلم والإيمان . والثاني : أن دين ~~محمد عليه الصلاة والسلام مبني على الإيمان بالبعث والقيامة ، وليس لأحد من ~~الأنبياء PageV13P067 مبالغة في تقرير هذه القاعدة مثل ما في شريعة محمد ~~عليه الصلاة والسلام ، فلهذا السبب كان الإيمان بنبوة محمد عليه الصلاة ~~والسلام وبصحة الآخرة أمرين متلازمين ، والثالث : يحتمل أن يكون المراد من ~~هذا الكلام التنبيه على إخراج أهل مكة من قبول هذا الدين ، لأن الحامل على ~~تحمل مشقة النظر والاستدلال ، وترك رياسة الدنيا ، وترك الحقد والحسد ليس ~~إلا الرغبة في الثواب ، والرهبة عن العقاب . وكفار مكة لما لم يعتقدوا في ~~البعث والقيامة ، امتنع منهم ترك الحسد وترك الرياسة ، فلا جرم يبعد قبولهم ~~لهذا الدين واعترافهم بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام . # ثم قال : { وهم على صلاتهم يحافظون } والمراد أن الإيمان ms3684 بالآخرة كما ~~يحمل الرجل على الإيمان بالنبوة ، فكذلك يحمله على المحافظة على الصلوات ، ~~وليس لقائل أن يقول : الإيمان بالآخرة يحمل على كل الطاعات ، فما الفائدة ~~في تخصيص الصلاة بالذكر ؟ لأنا نقول : المقصود منه التنبيه على أن الصلاة ~~أشرف العبادات بعد الإيمان بالله وأعظمها خطرا ، ألا ترى أنه لم يقع اسم ~~الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة كما قال تعالى : { وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم } ( البقرة : 143 ) أي صلاتكم ، ولم يقع اسم الكفر ~~على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة . قال عليه الصلاة / والسلام : ( من ~~ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ) فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف ، لا ~~جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام . والله أعلم . # ! 7 < { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه ~~شىء ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله ولو ترىإذ الظالمون فى غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم ~~تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ءاياته تستكبرون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 93 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما شرح كون القرآن كتابا نازلا من عند الله وبين ما ~~فيه من صفات الجلالة والشرف والرفعة ، ذكر عقيبه ما يدل على وعيد من ادعى ~~النبوة والرسالة على سبيل الكذب والافتراء فقال : { ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى عظم وعيد من ذكر أحد الأشياء الثلاثة : ~~فأولها : أن يفتري على الله كذبا . قال المفسرون : نزل هذا في مسيلمة ~~الكذاب صاحب اليمامة ، وفي الأسود العنسي صاحب صنعاء ، فإنهما كانا يدعيان ~~النبوة والرسالة من عند الله على سبيل الكذب والافتراء ، وكان مسيلمة يقول ~~: محمد رسول قريش ، وأنا رسول بني حنيفة . قال القاضي : الذي يفتري على ~~الله الكذب PageV13P068 يدخل فيه من يدعي الرسالة كذبا ، ولكن لا يقتصر ~~عليه ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فكل من نسب إلى الله تعالى ~~ما هو برىء منه ، إما في ms3685 الذات ، وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلا ~~تحت هذا الوعيد . قال : والافتراء على الله في صفاته ، كالمجسمة ، وفي عدله ~~كالمجبرة ، لأن هؤلاء قد ظلموا أعظم أنواع الظلم بأن افتروا على الله الكذب ~~، وأقول : أما قوله : المجسمة قد افتروا على الله الكذب ، فهو حق . وأما ~~قوله : إن هذا افتراء على الله في صفاته ، فليس بصحيح . / لأن كون الذات ~~جسما ومتحيزا ليس بصفة ، بل هو نفس الذات المخصوصة ، فمن زعم أن إله العالم ~~ليس بجسم ، كان معناه أنه يقول : جميع الأجسام والمتحيزات محدثة ، ولها ~~بأسرها خالق هو موجود ليس بمتحيز ، والمجسم ينفي هذه الذات ، فكان الخلاف ~~بين الموحد والمجسم ليس في الصفة بل في نفس الذات ، لأن الموحد يثبت هذه ~~الذات والمجسم ينفيها ، فثبت أن هذا الخلاف لم يقع في الصفة ، بل في الذات ~~. وأما قول : المجبرة قد افتروا على الله تعالى في صفاته ، فليس بصحيح ، ~~لأنه يقال له المجبرة ما زادوا على قولهم الممكن لا بد له من مرجح ، فإن ~~كذبوا في هذه القضية ، فكيف يمكنهم أن يعرفوا وجود الإله ؟ وإن صدقوا في ~~ذلك لزمهم الإقرار بتوقيف صدور الفعل على حصول الداعي بتخليق الله تعالى ، ~~وذلك عين ما نسميه بالجبر ، فثبت أن الذي وصفه بكونه افتراء على الله باطل ~~، بل المفتري على الله من يقول الممكن لا يتوقف رجحان أحد طرفيه على الآخر ~~على حصول المرجح . فإن من قال هذا الكلام لزمه نفي الصانع بالكلية ، بل ~~يلزمه نفي الآثار والمؤثرات بالكلية . # والنوع الثاني : من الأشياء التي وصفها الله تعالى بكونها افتراء قوله : ~~{ أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء } والفرق بين هذا القول وبين ما قبله ، ~~أن في الأول كان يدعي أنه أوحى إليه وما كان يكذب بنزول الوحي على محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، وأما في هذا القول ، فقد أثبت الوحي لنفسه ونفاه عن محمد ~~عليه الصلاة والسلام ، وكان هذا جمعا بين نوعين عظيمين من الكذب ، وهو ~~إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود . # والنوع الثالث ms3686 : قوله : { سأنزل مثل ما أنزل الله } قال المفسرون : ~~المراد ما قاله النضر بن الحرث وهو قوله : { لو نشاء لقلنا مثل هاذا } ~~وقوله في القرآن : إنه من أساطير الأولين ، وكل أحد يمكنه الإتيان بمثله ، ~~وحاصله : أن هذا القائل يدعي معارضة القرآن . وروى أيضا أن عبد الله بن سعد ~~بن أبي سرح كان يكتب الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام ، فلما نزل قوله : { ~~ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون : 12 ) أملاء الرسول عليه ~~السلام ، فلما انتهى إلى قوله : { ثم خلقنا النطفة علقة } عجب عبد الله منه ~~فقال : فتبارك الله أحسن الخالقينا فقال الرسول هكذا أنزلت الآية ، فسكت ~~عبد الله وقال : إن كان محمد صادقا ، فقد أوحى إلي ، وإن كان كاذبا فقد ~~عارضته ، فهذا هو المراد من قوله : { سأنزل مثل ما أنزل } . # أما قوله تعالى : { ولو ترى إذ الظالمون فى غمرات الموت } فاعلم أن أول ~~الآية وهو قوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } يفيد التخويف ~~العظيم على سبيل الإجمال وقوله بعد ذلك : { ولو ترى إذ الظالمون فى غمرات ~~الموت } كالتفصيل لذلك المجمل ، والمراد بالظالمين الذين ذكرهم ، وغمرات ~~الموت جمع غمرة وهي شدة الموت ، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه ، ومنه غمرة ~~الماء ، وغمرة الحرب ، ويقال غمره الشيء إذا علاه وغطاه . وقال الزجاج : ~~يقال لكل من كان في شيء كثير قد غمره ذلك . وغمره الدين إذا كثر ~~PageV13P069 عليه هذا هو الأصل ، ثم يقال للشدائد والمكاره : الغمرات ، ~~وجواب ( لو ) محذوف ، أي لرأيت أمرا عظيما ، والملائكة باسطو أيديهم قال ~~ابن عباس : ملائكة العذاب باسطو أيديهم يضربونهم ويعذبونهم ، كما يقال بسط ~~إليه يده بالمكروه أخرجوا أنفسكم . ههنا محذوف ، والتقدير : يقولون أخرجوا ~~أنفسكم ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية سؤال : وهو أنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم ~~من أجسادهم فما الفائدة في هذا الكلام ؟ # فنقول : في تفسير هذه الكلمة وجوه : # الوجه الأول : ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة ~~فأدخلوا جهنم فغمرات الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد ~~والتعذيبات ، والملائكة ms3687 باسطو أيديهم عليهم بالعذاب يبكتونهم ، ويقولون لهم ~~أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب الشديد إن قدرتم . # الوجه الثاني : أن يكون المعنى : ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت عند ~~نزول الموت بهم في الدنيا والملائكة باسطو أيديهم لقبض أرواحهم يقولون لهم ~~أخرجوا أنفسكم من هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام . # والوجه الثالث : أن قوله : { أخرجوا أنفسكم } أي أخرجوها إلينا من ~~أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال ~~وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ~~ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ، ويقول له : أخرج إلي ما لي عليك الساعة ~~ولا أبرح من مكاني حتى أنزعه من أحداقك . # والوجه الرابع : أن هذه اللفظة كناية عن شدة حالهم وأنهم بلغوا في البلاء ~~والشدة إلى حيث تولى بنفسه إزهاق روحه . # والوجه الخامس : أن قوله : { أخرجوا أنفسكم } ليس بأمر ، بل هو وعيد ~~وتقريع ، كقول القائل : امض الآن لترى ما يحل بك . قال المفسرون : إن نفس ~~المؤمن تنشط في الخروج للقاء ربه ونفس الكافر تكره ذلك فيشق عليها الخروج ، ~~لأنها تصير إلى أشد العذاب ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ~~أراد لقاء الله أراد الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ) وذلك / ~~عند نزع الروح ، فهؤلاء الكفار تكرههم الملائكة على نزع الروح : # المسألة الثانية : الذين قالوا إن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل ~~وغير هذا الجسد احتجوا عليه بهذه الآية ، وقالوا : لا شك أن قوله : { ~~أخرجوا أنفسكم } معناه : أخرجوا أنفسكم عن أجسادكم ، وهذا يدل على أن النفس ~~مغايرة للأجساد إلا أنا لو حملنا الآية على الوجهين الأولين من التأويلات ~~الخمسة المذكورة ، لم يتم هذا الاستدلال . # ثم قال تعالى : { اليوم تجزون عذاب الهون } قال الزجاج : عذاب الهون أي ~~العذاب الذي يقع به الهوان الشديد . قال تعالى : { أيمسكه على هون أم يدسه ~~فى التراب } ( النحل : 59 ) والمراد منه أنه تعالى جمع هناك بين الإيلام ~~وبين الإهانة ، فإن الثواب شرطه أن يكون ms3688 منفعة مقرونة بالتعظيم ، فكذلك ~~العقاب شرطه أن PageV13P070 يكون مضرة مقرونة بالإهانة . قال بعضهم : الهون ~~هو الهوان ، والهون هو الرفق والدعة . قال تعالى : { وعباد الرحمان الذين ~~يمشون على الارض هونا } ( الفرقان : 63 ) وقوله : { بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن ءاياته تستكبرون } ( الأنعام : 93 ) وذلك يدل أن ~~هذا العذاب الشديد إنما حصل بسبب مجموع الأمرين الافتراء على الله ، ~~والتكبر على آيات الله . وأقول : هذان النوعان من الآفات والبلاء ترى أكثر ~~المتوسمين بالعلم متوغلين فيه مواظبين عليه نعوذ بالله منه ومن آثاره ~~ونتائجه . وذكر الواحدي : أن المراد بقوله : { وكنتم عن ءاياته تستكبرون } ~~أي لا تصلون له قال عليه السلام : ( من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برىء ~~من الكبر ) . # ! 7 < { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركآء لقد تقطع بينكم ~~وضل عنكم ما كنتم تزعمون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 94 ) ولقد جئتمونا فرادى . . . . . # > > اعلم أن قوله : { ولقد جئتمونا فرادى } يحتمل وجهين : الأول : أن ~~يكون هذا معطوفا على قول الملائكة { أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون ~~بما كنتم تقولون } فبين تعالى أنهم كما يقولون ذلك على وجه التوبيخ ، كذلك ~~يقولون حكاية عن الله تعالى : { ولقد جئتمونا فرادى } فيكون الكلام أجمع ~~حكاية عنهم وأنهم يوردون ذلك على هؤلاء الكفار ، وعلى هذا التقدير ، / ~~فيحتمل أن يكون قائل هذا القول الملائكة الموكلين بقبض أرواحهم ، ويحتمل أن ~~يكون القائل هم الملائكة الموكلون بعقابهم . # والقول الثاني : أن قائل هذا القول هو الله تعالى ومنشأ هذا الاختلاف إن ~~الله تعالى هل يتكلم مع الكفار أو لا ؟ فقوله تعالى في صفة الكفار : { ولا ~~يكلمهم } يوجب أن لا يتكلم معهم وقوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } ( الحجر ~~: 92 ) وقوله : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } ( الأعراف : ~~6 ) يقتضي أن أن يكون تعالى يتكلم معهم ، فلهذا السبب وقع هذا الاختلاف ، ~~والقول الأول أقوى ، لأن هذه الآية معطوفة على ما قبلها ، والعطف يوجب ~~التشريك . # المسألة الثانية : { فرادى } لفظ جمع وفي واحده ms3689 قولان . قال ابن قتيبة : ~~فرادى جمع فردان ، مثل سكارى وسكران ، وكسالى وكسلان . وقال غيره فرادى : ~~جمع فريد ، مثل ردافى ورديف . وقال الفراء : فرادى جمع واحده فرد وفردة ~~وفريد وفردان . # إذا عرفت هذا فقوله : { ولقد جئتمونا فرادى } المراد منه التقريع ~~والتوبيخ ، وذلك لأنهم صرفوا جدهم وجهدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين : ~~أحدهما : تحصيل المال والجاه . والثاني : أنهم عبدوا الأصنام لاعتقادهم ~~أنها تكون شفعاء لهم عند الله ، ثم إنهم لما وردوا محفل القيامة لم يبق ~~معهم شيء من تلك الأموال ولم يجدوا من تلك الأصنام شفاعة لهم عند الله ~~تعالى فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا وعولوا عليه ، بخلاف أهل ~~الإيمان فإنهم صرفوا عمرهم إلى تحصيل المعارف الحقة والأعمال الصالحة ، ~~وتلك PageV13P071 المعارف والأعمال الصالحة بقيت معهم في قبورهم وحضرت معهم ~~في مشهد القيامة ، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى ، بل حضروا مع الزاد ليوم ~~المعاد : # ثم قال تعالى : { لقد تقطع بينكم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ نافع وحفص عن عاصم والكسائي { بينكم } بالنصب ، ~~والباقون بالرفع قال الزجاج : الرفع أجود ، ومعناه ، لقد تقطع وصلكم ، ~~والنصب جائز والمعنى : لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم . قال أبو علي ~~: هذا الاسم يستعمل على ضربين : أحدهما : أن يكون اسما منصرفا كالافتراق ، ~~والأجود أن يكون ظرفا والمرفوع في قراءة من قرأ { بينكم } هو الذي كان ظرفا ~~ثم استعمل اسما ، والدليل على جواز كونه اسما قوله تعالى : { ومن بيننا ~~وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) و { هاذا فراق بينى وبينك } ( الكهف : 78 ) فلما ~~استعمل اسما في هذه المواضع جاز أن يسند إليه الفعل الذي هو { تقطع } في ~~قول من رفع . قال : ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفا أنه لا ~~يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتسع فيه أو يكون الذي هو مصدر . والقسم ~~الثاني باطل / وإلا لصار تقدير الآية : لقد / تقطع افتراقكم وهذا ضد المراد ~~، لأن المراد من الآية لقد تقطع وصلكم وما كنتم سالفون عليه . # فإن قيل : كيف جاز أن يكون بمعنى ms3690 الوصل مع أن أصله الافتراق والتباين ؟ # قلنا : هذا اللفظ إنما يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ومواصلة ~~من بعض الوجوه ، كقولهم بيني وبينه شركة ، وبيني وبينه رحم ، فلهذا السبب ~~حسن استعمال هذا اللفظ في معنى الوصلة فقوله : { لقد تقطع بينكم } معناه ~~لقد تقطع وصلكم . أما من قرأ { لقد تقطع بينكم } بالنصب فوجهه أنه أضمر ~~الفاعل والتقدير : لقد تقطع وصلكم بينكم وقال سيبويه : إنهم قالوا إذا كان ~~غدا فأتني والتقدير : إذا كان الرجاء أو البلاء غدا فأتني ، فأضمر لدلالة ~~الحال . فكذا ههنا . وقال ابن الأنباري : التقدير : لقد تقطع ما بينكم . ~~فحذفت لوضوح معناها . # المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية مشتملة على قانون شريف في معرفة ~~أحوال القيامة فأولها : أن النفس الإنسانية إنما تعلقت بهذا الجسد آلة له ~~في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة فإذا فارقت النفس الجسد ولم يحصل ~~هذين المطلوبين البتة عظمت حسراته وقويت آفاته حيث وجد مثل هذه الآلة ~~الشريفة التي يمكن اكتساب السعادة الأبدية بها ، ثم إنه ضيعها وأبطلها ولم ~~ينتفع بها البتة ، وهذا هو المراد من قوله : { ولقد جئتمونا فرادى كما ~~خلقناكم أول مرة } وثانيها : أن هذه النفس مع أنها لم تكتسب بهذه الآلة ~~الجسدانية سعادة روحانية ، وكمالا روحانيا ، فقد عملت عملا آخر أردأ من ~~الأول ، وذلك لأنها طول العمر كانت في الرغبة في تحصيل الماء والجاه وفي ~~تقوية العشق عليها ، وتأكيد المحبة ، وفي تحصيلها . والإنسان في الحقيقة ~~متوجه من العالم الجسماني إلى العالم الروحاني ، فهذا المسكين قلب القضية ~~وعكس القضية وأخذ يتوجه من المقصد الروحاني إلى العالم الجسماني ونسي مقصده ~~واغتر باللذات الجسمانية ، فلما مات انقلبت القضية شاء أم أبى توجه من ~~العالم الجسماني إلى العالم الروحاني ، فبقيت الأموال التي اكتسبها وأفنى ~~عمره في تحصيلها وراء ظهره والشيء الذي يبقى وراء ظهر الإنسان لا يمكنه أن ~~ينتفع به ، وربما بقي PageV13P072 منقطع المنفعة معوج الرقبة معوج الرأس ~~بسبب التفاته إليها مع الهجز عن الانتفاع بها ، وذلك يوجب نهاية الخيبة ~~والغم والحسرة وهو المراد من قوله : { وتركتم ما ms3691 خولناكم وراء ظهوركم } ~~وهذا يدل على أن كل مال يكتسبه الإنسان ولم يصرفه في مصارف الخيرات فصفته ~~هذه التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، أما إذا صرفها إلى الجهات ~~الموجبة للتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فما ترك تلك الأموال وراء ~~ظهره ولكنه قدمها تلقاء وجهه ، كما قال تعالى : { وما تقدموا لانفسكم من ~~خير تجدوه عند الله } ( البقرة : 110 ) وثالثها : أن أولئك المساكين أتعبوا ~~أنفسهم في نصرة الأديان الباطلة ، والمذاهب الفاسدة / وظنوا أنهم ينتفعون ~~بها عند الورود في محفل القيامة ، فإذا وردوه وشاهدوا ما في تلك المذاهب من ~~العذاب الشديد والعقاب الدائم حصلت فيه جهات كثيرة من العذاب . منها عذاب ~~الحسرة والندامة : وهو أنه كيف أنفق ماله في تحمل العناء الشديد والبلاء ~~العظيم في تحصيل ما لم يحصل له منه إلا العذاب والعناء ، ومنها عذاب الخجلة ~~: وهو أنه ظهر له أن كل ما كان يعتقده في دار الدنيا كان محض الجهالة وصريح ~~الضلالة ، ومنها حصول اليأس الشديد مع الطمع العظيم ، ولا شك أن مجموع هذه ~~الأحوال يوجب العذاب الشديد والآلام العظيمة الروحانية ، وهو المراد من ~~قوله : { وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء } ورابعها : ~~أنه لما بدا له أنه فاته الأمر الذي به يقدر على اكتساب الخيرات ، وحصل ~~عنده الأمر الذي يوجب حصول المضرات ، فإذن بقي له رجاء في التدارك من بعض ~~الوجوه فههنا يحف ذلك الألم ويضعف ذلك الحزن . أما إذا حصل الجزم واليقين ~~بأن التدارك ممتنع ، وجبر ذلك النقصان متعذر فههنا يعظم الحزن ويقوى البلاء ~~جدا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { لقد تقطع بينكم } والمعنى أن الوصلة ~~الحاصلة بين النفس والجسد قد تقطعت ولا سبيل إلى تحصيلها مرة أخرى . وعند ~~الوقوف على حقائق هذه المراتب يظهر أنه لا بيان فوق هذا البيان في شرح ~~أحوال هؤلاء الضالين . # ! 7 < { إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من ~~الحى ذالكم الله فأنى تؤفكون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 95 ) إن الله فالق . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة ms3692 الأولى : اعلم أنه تعالى لما تكلم في التوحيد ثم أردفه بتقرير ~~أمر النبوة ، ثم تكلم في بعض تفاريع هذا الأصل ، عاد ههنا إلى ذكر الدلائل ~~الدالة على وجود الصانع ، وكمال علمه وحكمته وقدرته تنبيها على أن المقصود ~~الأصلي من جميع المباحث العقلية والنقلية ، وكل المطالب الحكمية إنما هو ~~معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله . وفي قوله : { فالق الحب والنوى } قولان ~~: PageV13P073 # القول الأول : وهو مروي عن ابن عباس وقول الضحاك ومقاتل : { فالق الحب ~~والنوى } أي خالق الحب والنوى . قال الواحدي : ذهبوا بفالق مذهب فاطر ، ~~وأقول : الفطر هو الشق ، / وكذلك الفلق ، فالشيء قبل أن دخل في الوجود كان ~~معدوما محضا ونفيا صرفا ، والعقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ~~ولا انفلاق ولا انشقاق ، فإذا أخرجه المبدع الموجد من العدم إلى الوجود ، ~~فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم وفلقه . وأخرج ذلك المحدث من ذلك ~~الشق . فبهذا التأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد والمحدث والمبدع . # والقول الثاني : وهو قول الأكثرين : أن الفلق هو الشق ، والحب هو الذي ~~يكون مقصودا بذاته مثل حبة الحنطة والشعير وسائر الأنواع ، والنوى هو الشيء ~~الموجود في داخل الثمرة مثل نوى الخوخ والتمر وغيرهما . # إذا عرفت هذا فنقول : إنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ، ثم ~~مر به قدر من المدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقا ~~ومن أسفلها شقا آخر . أما الشق الذي يظهر في أعلى الحبة والنواة فإنه يخرج ~~منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء ، وأما الشق الذي يظهر في أسفل تلك الحبة ~~فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة ، وتصير ~~تلك الحبة والنواة سببا لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة ~~في الأرض . # ثم إن ههنا عجائب : فإحداها : أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضي الهوى ~~في عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة في الهواء ؟ وإن كانت تقتضي ~~الصعود في الهواء ، فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة في الأرض ؟ فلما تولد ~~منها هاتان الشجرتان مع ms3693 أن الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين ~~مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى ، علمنا أن ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية ، بل ~~بمقتضى الإيجاد والإبداع والتكوين والاختراع . وثانيها : أن باطن الأرض جرم ~~كثيف صلب لا تنفذ المسلة القوية فيه ولا يغوص السكين الحاد القوي فيه ، ثم ~~إنا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقة واللطافة بحيث لو دلكها الإنسان ~~بأصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء ، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ ~~في تلك الأرض الصلبة والغوص في بواطن تلك الأجرام الكثيفة ، فحصول هذه ~~القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التي هي في غاية اللطافة لا بد وأن ~~يكون بتقدير العزيز الحكيم . وثالثها : أنه يتولد من تلك النواة شجرة ويحصل ~~في تلك الشجرة طبائع مختلفة ، فإن قشر الخشبة له طبيعة مخصوصة ، وفي داخل ~~ذلك القشر جرم الخشبة وفي وسط تلك الخشبة جسم رخو ضعيف يشبه العهن المنفوش ~~، ثم إنه يتولد من ساق الشجرة أغصانها ويتولد على الأغصان الأوراق أولا ، ~~ثم الأزهار والأنوار ثانيا ، ثم الفاكهة ثالثا ، ثم قد يحصل للفاكهة أربعة ~~أنواع من القشر : مثل الجوز ، فإن قشره على الأعلى هو ذلك الأخضر ، وتحت ~~ذلك القشر الذي / يشبه الخشب ، وتحته ذلك القشر الذي هو كالغشاء الرقيق ~~المحيط باللب / وتحته ذلك اللب ، وذلك اللب مشتمل على جرم كثيف هو أيضا ~~كالقشر ، وعلى جرم لطيف وهو الدهن ، وهو المقصود الأصلي ، فتولد هذه ~~الأجسام المختلفة في طبائعها وصفاتها وألوانها وأشكالها وطعومها مع تساوي ~~تأثيرات الطبائع والنجوم والفصول الأربعة والطبائع الأربع ، يدل على أنها ~~إنما حدثت بتدبير الحكيم الرحيم المختار القادر لا بتدبير الطبائع والعناصر ~~. ورابعها : أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة ، ~~فالأترنج قشره حار يابس ، ولحمه بارد رطب ، PageV13P074 وحماضه بارد يابس ، ~~وبذره حار يابس ، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس ، وماؤه ولحمه حار رطب ~~، فتولد هذه الطبائع المضادة والخواص المتنافرة عن الحبة الواحدة لا بد وأن ~~يكون بإيجاد الفاعل المختار . وخامسها : أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة ~~فبعضها يكون اللب في الداخل والقشر في ms3694 الخارج كما في الجوز واللوز وبعضها ~~يكون الفاكهة المطلوبة في الخارج ، وتكون الخشبة في الداخل كالخوخ والمشمس ~~، وبعضها يكون النواة لها لب كما في نوى المشمش والخوخ ، وبعضها لا لب له ، ~~كما في نوى التمر وبعض الفواكه لا يكون له من الداخل والخارج قشر ، بل يكون ~~كله مطلوبا كالتين ، فهذه أحوال مختلفة في هذه الفواكه وأيضا هذه الحبوب ~~مختلفة في الأشكال والصور فشكل الحنطة كأنه نصف دائرة ، وشكل الشعير كأنه ~~مخروطان اتصلا بقاعدتيهما ، وشكل العدس كأنه دائرة ، وشكل الحمص على وجه ~~آخر ، فهذه الأشكال المختلفة ، لا بد وأن تكون لأسرار وحكم علم الخالق أن ~~تركيبها لا يكمل إلا على ذلك الشكل ، وأيضا فقد أودع الخالق تعالى في كل ~~نوع من أنواع الحبوب خاصية أخرى ومنفعة أخرى وأيضا فقد تكون الثمرة الواحدة ~~غذاء لحيوان وسما لحيوان آخر ، فاختلاف هذه الصفات والأشكال والأحوال مع ~~اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب يدل على أن كلها إنما حصلت بتخليق الفاعل ~~المختار الحكيم . وسادسها : أنك إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت ~~خطا واحدا مستقيما في وسطها ، كأنه بالنسبة إلى تلك الورقة كالنخاع بالنسبة ~~إلى بدن الإنسان ، وكما أنه ينفصل من النخاع أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في بدن ~~الإنسان . ثم لا يزال ينفصل عن كل شعبة شعب أخر ، ولا تزال تستدق حتى تخرج ~~عن الحس والأبصار بسبب الصغر ، فكذلك في تلك الورقة قد ينفصل عن ذلك الخط ~~الكبير الوسطاني خطوط منفصلة ، وعن كل واحد منها خطوط مختلفة أخرى أدق من ~~الأولى ، ولا يزال يبقى على هذا المنهج حتى تخرج تلك الخطوط عن الحس والبصر ~~والخالق تعالى إنما فعل ذلك حتى أن القوى الجاذبة المركوزة في جرم تلك ~~الورقة تقوى على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة ، فلما ~~وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك / الورقة الواحدة علمت أن عنايته في ~~تخليق جملة تلك الشجرة أكمل ، وعرفت أن عنايته في تكوين جملة النبات أكمل . # ثم إذا عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان ms3695 علمت أن ~~عنايته بتخليق الحيوان أكمل ، ولما علمت أن المقصود من تخليق جملة ~~الحيوانات هو الإنسان علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل ، ثم إنه تعالى ~~إنما خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب ~~جسده والمقصود من تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة ، كما قال ~~تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } . ( الذاريات : 56 ) # فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة ، ~~واعرف كيفية خلقة تلك العروق والأوتار فيها ، ثم انتقل من مرتبة إلى ما ~~فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح ~~البشرية ، فحينئذ ينفتح عليك باب من المكاشفات لا آخر لها ، ويظهر لك أن ~~أنواع نعم الله في حقك غير متناهية / كما قال : { وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقة تلك الورقة من ~~الحبة والنواة ، فهذا كلام مختصر في تفسير قوله : { إن الله فالق الحب ~~والنوى } ومتى وقف الإنسان عليه أمكنه تفريقها وتشعيبها إلى ما لا آخر له ، ~~ونسأل الله التوفيق والهداية . PageV13P075 # المسألة الثانية : أما قوله تعالى : { يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من ~~الحى } ففيه مباحث : الأول : أن { الحى } اسم لما يكون موصوفا بالحياة ، و ~~{ الميت } اسم لما كان خاليا عن صفة الحياة فيه ، وعلى هذا التقدير : ~~النبات لا يكون حيا . # إذا عرفت هذا فللناس في تفسير هذا { الحى } و { الميت } قولان : الأول : ~~حمل هذين اللفظين على الحقيقة . قال ابن عباس : يخرج من النطفة بشرا حيا ، ~~ثم يخرج من البشر الحي نطفة ميتة ، وكذلك يخرج من البيضة فروجة حية ، ثم ~~يخرج من الدجاجة بيضة ميتة ، والمقصود منه أن الحي والميت متضادان متنافيان ~~، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية . أما حصول ~~الضد من الضد ، فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية ، بل لا بد وأن يكون ~~بتقدير المقدر الحكيم ، والمدبر العليم . # والقول الثاني : أن يحمل { الحى } و { الميت } على ما ذكرناه ، وعلى ~~الوجوه المجازية أيضا ms3696 ، وفيه وجوه : الأول : قال الزجاج : يخرج النبات الغض ~~الطري الخضر من الحب اليابس ويخرج اليابس من النبات الحي النامي . الثاني : ~~قال ابن عباس : يخرج المؤمن من الكافر ، كما في حق إبراهيم ، والكافر من ~~المؤمن / كما في حق ولد نوح ، والعاصي من المطيع ، وبالعكس . الثالث : قد ~~يصير بعض ما يقطع عليه بأنه يوجب المضرة سببا للنفع العظيم ، وبالعكس . ~~ذكروا في الطب أن إنسانا سقوه الأفيون الكثير في الشراب لأجل أن يموت ، ~~فلما تناوله وظن القوم أنه سيموت في الحال رفعوه من موضعه ووضعوه في بيت ~~مظلم فخرجت حية عظيمة فلدغته فصارت تلك اللدغة سببا لاندفاع ضرر ذلك ~~الأفيون منه ، فإن الأفيون يقتل بقوة برده ، وسم الأفعى يقتل بقوة حره ~~فصارت تلك اللدغة سببا لاندفاع ضرر الأفيون ، فههنا تولد عما يعتقد فيه ~~كونه أعظم موجبات الشر أعظم الخيرات ، وقد يكون بالعكس من ذلك ، وكل هذه ~~الأحوال المختلفة والأفعال المتدافعة تدل على أن لهذا العالم مدبرا حكيما ~~ما أهمل مصالح الخلق وما تركهم سدى ، وتحت هذه المباحث مباحث عالية شريفة . # البحث الثاني : من مباحث هذه الآية قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ~~{ الميت } مشددة في الكلمتين والباقون بالتخفيف في الكلمتين ، وكذلك كل هذا ~~الجنس في القرآن . # البحث الثالث : أن لقائل أن يقول : إنه قال أولا : { يخرج الحى من الميت ~~} ثم قال : { ومخرج الميت من الحى } وعطف الاسم على الفعل قبيح ، فما السبب ~~في اختيار ذلك ؟ # قلنا : قوله : { ومخرج الميت من الحى } معطوف على قوله : { فالق الحب ~~والنوى } وقوله : { يخرج الحى من الميت } كالبيان والتفسير لقوله : { فالق ~~الحب والنوى } لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر النامي من جنس إخراج ~~الحي من الميت ، لأن النامي في حكم الحيوان . ألا ترى إلى قوله { يخرج الحى ~~من الميت } وفيه وجه آخر ، وهو أن لفظ الفعل يدل على أن ذلك الفاعل يعتني ~~بذلك الفعل في كل حين وأوان . وأما لفظ الاسم فإنه لا يفيد التجدد ~~والاعتناء به ساعة فساعة ، وضرب الشيخ عبد القاهر الجرجاني لهذا مثلا في ms3697 ~~كتاب ( دلائل الإعجاز ) فقال : قوله : { هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء } إنما ذكره بلفظ الفعل وهو قوله : { يرزقكم } لأن صيغة الفعل تفيد ~~أنه تعالى يرزقهم حالا فحالا وساعة فساعة . PageV13P076 وأما الاسم فمثاله ~~قوله تعالى : { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } ( الكهف : 18 ) فقوله : { ~~باسط } يفيد البقاء على تلك الحالة الواحدة . # إذا ثبت هدا فنقول : الحي أشرف من الميت ، فوجب أن يكون الاعتناء بإخراج ~~الحي من الميت أكثر من الاعتناء بإخراج الميت من الحي ، فلهذا المعنى وقع ~~التعبير عن القسم الأول بصيغة الفعل ، وعن الثاني بصيغة الاسم ؛ تنبيها على ~~أن الاعتناء بإيجاد الحي من الميت أكثر وأكمل من الاعتناء بإيجاد الميت من ~~الحي . والله أعلم بمراده . # ثم قال تعالى في آخر الآية : { ذالكم الله فأنى تؤفكون } وفيه مسألتان : # / المسألة الأولى : قال بعضهم معناه : ذلكم الله المدبر الخالق النافع ~~الضار المحيي المميت { فأنى تؤفكون } في إثبات القول بعبادة الأصنام ، ~~والثاني : أن المراد أنكم لما شاهدتم أنه تعالى يخرج الحي من الميت ، ومخرج ~~الميت من الحي ، ثم شاهدتم أنه أخرج البدن الحي من النطفة الميتة مرة واحدة ~~، فكيف تستبعدون أن يخرج البدن الحي من ميت التراب الرميم مرة أخرى ؟ ~~والمقصود الإنكار على تكذيبهم بالحشر والنشر ، وأيضا الضدان متساويان في ~~النسبة فكما لا يمتنع الانقلاب من أحد الضدين إلى الآخر ، وجب أن لا يمتنع ~~الانقلاب من الثاني إلى الأول ، فكما لا يمتنع حصول الموت بعد الحياة . وجب ~~أيضا أن لا يمتنع حصول الحياة بعد الموت ، وعلى كلا التقديرين فيخرج منه ~~جواز القول بالبعث والحشر والنشر . # المسألة الثانية : تمسك الصاحب بن عباد بقوله : { فأنى تؤفكون } على أن ~~فعل العبد ليس مخلوقا لله تعالى . قال : لأنه تعالى لو خلق الأفك فيه ، ~~فكيف يليق به أن يقول مع ذلك : { فأنى تؤفكون } . # والجواب عنه : أن القدرة بالنسبة إلى الضدين على السوية ، فإن ترجح أحد ~~الطرفين على الآخر لا لمرجح ، فحينئذ لا يكون هذا الرجحان من العبد ، بل ~~يكون محض الاتفاق ، فكيف يحسن أن يقال له : { فأنى تؤفكون } وأن ms3698 توقف ذلك ~~المرجح على حصول مرجح ، وهي الداعية الجاذبة إلى الفعل ، فحصول تلك الداعية ~~يكون من الله تعالى ، وعند حصولها يجب الفعل ، وحينئذ يلزمكم كل ما ~~ألزمتموه علينا . والله أعلم . # ! 7 < { فالق الإصباح وجعل اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذالك تقدير ~~العزيز العليم } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 96 ) فالق الإصباح وجعل . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته ، ~~فالنوع المتقدم كان مأخوذا من دلالة أحوال النبات والحيوان ، والنوع ~~المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية ، وذلك لأن فلق ظلمة الليل ~~بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر ، ولأن ~~من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعا من ~~الأحوال الأرضية ، وتقرير الحجة من وجوه : الأول : أن نقول : الصبح صبحان . ~~PageV13P077 # / فالصبح الأول : هو الصبح المستطيل كذنب السرحان ، ثم تعقبه ظلمة خالصة ~~، ثم يطلع بعده الصبح المستطير في جميع الأفق فنقول : أما الصبح الأول : ~~وهو المستطيل الذي يحصل عقيبه ظلمة خالصة فهو من أقوى الدلائل على قدرة ~~الله وحكمته ، وذلك لأنا نقول : إن ذلك النور إما أن يقال : إنه حصل من ~~تأثير قرص الشمس أو ليس الأمر كذلك ، والأول باطل ، وذلك لأن مركز الشمس ~~إذا وصل إلى دائرة نصف الليل فأهل الموضع الذي تكون تلك الدائرة أفقا لهم ~~قد طلعت الشمس من مشرقهم ، وفي ذلك الموضع أيضا نصف كرة الأرض ، وذلك يقتضي ~~أنه حصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتنا ، وذلك الضوء يكون منتشرا مستطيرا ~~في جميع أجزاء الجو ، ويجب أن يكون ذلك الضوء في كل ساعة إلى القوة ~~والزيادة والكمال ، والصبح الأول لو كان أثر قرص الشمس لامتنع كونه خطا ~~مستطيلا ، بل يجب أن يكون مستطيرا في جميع الأفق منتشرا فيه بالكلية ، وأن ~~يكون متزايدا متكاملا بحسب كل حين ولحظة ، ولما لم يكن الأمر كذلك بل علمنا ~~أن الصبح الأول يبدو كالخيط الأبيض الصاعد حتى تشبهه العرب بذنب السرحان ، ~~ثم إنه يحصل عقيبه ظلمة خالصة ، ثم يحصل الصبح المستطير بعد ms3699 ذلك علمنا أن ~~ذلك الصبح المستطيل ليس من تأثير قرص الشمس ، ولا من جنس نوره ، فوجب أن ~~يكون ذلك حاصلا بتخليق الله تعالى ابتداء تنبيها على أن الأنوار ليس لها ~~وجود إلا بتخليقه ، وإن الظلمات لا ثبات لها إلا بتقديره كما قال في أول ~~هذه السورة { وجعل الظلمات والنور } . # والوجه الثاني : في تقرير هذا الدليل أنا لما بحثنا وتأملنا علمنا أن ~~الشمس والقمر وسائر الكواكب لا تقع أضواؤها إلى على الجرم المقابل لها . ~~فأما الذي لا يكون مقابلا لها فيمتنع وقوع أضوائها عليه ، وهذه مقدمة متفق ~~عليها بين الفلاسفة وبين الرياضيين الباحثين عن أحوال الضوء المضيء ، ولهم ~~في تقريرها وجوه نفيسة . # إذا عرفت هذا نقول : الشمس عند طلوع الصبح غير مرتفعة من الأفق فلا يكون ~~جرم الشمس مقابلا لجزء من أجزاء وجه الأرض ، فيمتنع وقوع ضوء الشمس على وجه ~~الأرض ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ضوء الصبح من تأثير قرص الشمس ، فوجب ~~أن يكون ذلك بتخليق الفاعل المختار . # فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : الشمس حين كونها تحت الأرض توجب إضاءة ~~ذلك الهواء المقابل له ، ثم ذلك الهواء مقابل للهواء الواقف فوق الأرض ، ~~فيصيره ضوء الهواء الواقف تحت الأرض سببا لضوء الهواء الواقف فوق الأرض ، ~~ثم لا يزال يسري ذلك الضوء من هواء إلى هواء / آخر ملاصق له حتى يصل إلى ~~الهواء المحيط بنا هذا هو الوجه الذي عول عليه أبو علي بن الهيثم في تقرير ~~هذا المعنى في كتابه الذي سماه ( بالمناظر الكثة ) . # والجواب : أن هذا العذر باطل من وجهين : الأول : أن الهواء جرم شفاف عديم ~~اللون ، وما كان كذلك فإنه لا يقبل النور ، واللون في ذاته وجوهره ، وهذا ~~متفق عليه بين الفلاسفة . واحتجوا عليه بأنه لو استقر النور على سطحه لوقف ~~البصر على سطحه . ولو كان كذلك لما نفذ البصر فيما وراءه ، ولصار إبصاره ~~مانعا عن إبصار ما وراءه ، فحيث لم يكن كذلك علمنا أنه لم يقبل اللون ~~والنور في ذاته وجوهره ، وما كان كذلك امتنع ms3700 أن ينعكس النور منه إلى غيره ، ~~فامتنع أن يصير ضوءه سببا لضوء هواء آخر مقابل له . PageV13P078 # فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : إنه حصل في الأفق أجزاء كثيفة من ~~الأبخرة والأدخة ؟ وهي لكثافتها تقبل النور عن قرص الشمس . ثم إن بحصول ~~الضوء فيها يصير سببا لحصول الضوء في الهواء المقابل لها ، فنقول : لو كان ~~السبب ما ذكرتم لكان كلما كانت الأبخرة والأدخنة في الأفق أكثر ، وجب أن ~~يكون ضوء الصباح أقوى لكنه ليس الأمر كذلك ، بل على العكس منه فبطل هذا ~~العذر . # الوجه الثاني : في إبطال هذا الكلام الذي ذكره ابن الهيثم أن الدائرة ~~التي هي دائرة الأفق لنا ، فهي بعينها دائرة نصف النهار لقوم آخرين ، فإذا ~~كان كذلك ، فالدائرة التي هي نصف النهار في بلدنا ، وجب كونها دائرة الأفق ~~لأولئك الأقوام . # إذا ثبت هذا فنقول : إذا وصل مركز الشمس إلى دائرة نصف الليل وتجاوز عنها ~~، فالشمس قد طلعت على أولئك الأقوام ، واستنار نصف العام هناك ، والربع من ~~الفلك الذي هو ربع شرقي لأهل بلدنا فهو بعينه ربع غربي بالنسبة إلى تلك ~~البلدة وإذا كان كذلك فالشمس إذا تجاوز مركزها عن دائرة نصف الليل قد صار ~~جرمها محاذيا لهواء الربع الشرقي لأهل بلدنا . فلو كان الهواء يقبل كيفية ~~النور من الشمس لوجب أن يحصل الضوء والنور في هواء الربع الشرقي من بلدنا ~~بعد نصف الليل . وأن يصير هواء الربع الشرقي في غاية الإضاءة والإنارة بعد ~~نصف الليل ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الهواء لا يقبل كيفية النور ~~في ذاته . وإذا بطل هذا بطل العذر الذي ذكره ابن الهيثم فقد ذكرنا برهانين ~~دقيقين عقليين محضين على أن خالق الضوء والظلمة هو الله تعالى لا قرص الشمس ~~والله أعلم . # والوجه الثالث : هب أن النور الحاصل في العالم إنما كان بتأثير الشمس . ~~إلا أنا نقول : / الأجسام متماثلة في تمام الماهية ومتى كان الأمر كذلك كان ~~حصول هذه الخاصية لقرص الشمس يجب أن يكون بتخليق الفاعل المختار . أما بيان ~~المقام الأول ms3701 : فهو أن الأجسام متماثلة في كونها أجساما ومتحيزة . فلو حصل ~~الاختلاف بينها لكان ذلك الاختلاف واقعا في مفهوم مغاير لمفهوم الجسمية ~~ضرورة أن ما به المشاركة مغاير لما به المخالفة فنقول : ذلك الأمر إما أن ~~يكون محلا للجسمية أو حالا فيها أو لا محلا لها ولا حالا فيها . والأول : ~~باطل لأنه يقتضي كون الجسم صفة قائمة بذات أخرى وذلك محال لأن ذلك المحل إن ~~كان متحيزا ومختصا بحيز كان محل الجسم غير الجسم وهو محال ، وإن لم يكن ~~كذلك كان الحاصل في الحيز حالا في محل لا تعلق له بشيء من الأحياز والجهات ~~، وذلك مدفوع في بديهة العقل . والثاني : أيضا باطل لأن على هذا التقدير : ~~الذوات هي الأجسام وما به قد حصلت المخالفة هو الصفات وكل ما يصح على الشيء ~~صح على مثله فلما كانت الذوات متماثلة في تمام الماهية وجب أن يصح على كل ~~واحد منها ما يصح على الآخر وهو المطلوب . والثالث : وهو القول بأن ما به ~~حصلت المخالفة ليس محلا للجسم ولا حالا فيه ، وفساد هذا القسم ظاهر . فثبت ~~بهذا البرهان أن الأجسام متماثلة . # وإذا ثبت هذا فنقول : كل ما يصح على أحد المثلين فإنه يصح أيضا على المثل ~~الثاني . وإذا استوت الأجسام بأسرها في قبول جميع الصفات على البدل كان ~~اختصاص جسم الشمس لهذه الإضاءة وهذه الإنارة لا بد وأن يكون بتخصيص الفاعل ~~المختار . وإذا ثبت هذا كان فالق الإصباح في الحقيقة هو الله تعالى وذلك هو ~~المطلوب ، والله أعلم . PageV13P079 # الوجه الرابع : في تقرير هذا المطلوب أن الظلمة شبيهة بالعدم . بل ~~البرهان القاطع قد دل على أنه مفهوم عدمي والنور محض الوجود . فإذا أظلم ~~الليل حصل الخوف والفزع في قلب الكل فاستولى النوم عليهم وصاروا كالأموات ~~وسكنت المتحركات وتعطلت التأثيرات ورفعت التفعيلات فإذا وصل نور الصباح إلى ~~هذا العالم فكأنه نفخ في الصور مادة الحياة وقوة الإدراك فضعف النوم ~~وابتدأت اليقظة بالظهور . وكلما كان نور الصباح أقوى وأكمل كان ظهور قوة ~~الحس والحركة في الحيوانات أكمل ms3702 . ومعلوم أن أعظم نعم الله على الخلق هو ~~قوة الحياة والحس والحركة ولما كان النور هو السبب الأصلي لحصول هذه ~~الأحوال كان تأثير قدرة الله تعالى في تخليق النور من أعظم أقسام النعم ~~وأجل أنواع الفضل والكرم . # إذا عرفت هذا فكونه سبحانه فالقا للأصباح في كونه دليلا على كمال قدرة ~~الله تعالى أجل أقسام الدلائل ، وفي كونه فضلا ورحمة وإحسانا من الله تعالى ~~على الخلق أجل الأقسام وأشرف الأنواع / فهذا ما حضرنا في تقرير دلالة قوله ~~تعالى : { فالق الإصباح } على وجود الصانع القادر المختار الحكم . والله ~~أعلم . # ولنختم هذه الدلائل بخاتمة شريفة فنقول : إنه تعالى فالق ظلمة العدم ~~بصباح التكوين والإيجاد وفالق ظلمة الجمادية بصباح الحياة والعقل والرشاد ، ~~وفالق ظلمة الجهالة بصباح العقل والإدراك ، وفالق ظلمات العالم الجسماني ~~بتخليص النفس القدسية إلى صبحة عالم الأفلاك ، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم ~~الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات . # المسألة الثالثة : في تفسير { الإصباح } وجوه : الأول : قال الليث : ~~الصبح والصباح هما أول النهار وهو الإصباح أيضا . قال تعالى : { فالق ~~الإصباح } يعني الصبح . قال الشاعر : # % أفنى رياحا وبنى رياح % % تناسخ الإمساء والإصباح % # والقول الثاني : أن { الإصباح } مصدر سمي به الصبح . # فإن قيل : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح وليس الأمر كذلك فإن ~~الحق أنه تعالى فلق الظلمة بالصبح فكيف الوجه فيه ؟ فنقول فيه وجوه : الأول ~~: أن يكون المراد فالق ظلمة الإصباح ، وذلك لأن الأفق من الجانب الشمالي ~~والغربي والجنوبي مملوء من الظلمة والنور . وإنما ظهر في الجانب الشرقي ~~فكأن الأفق كان بحرا مملوءا من الظلمة . ثم إنه تعالى شق ذلك البحر المظلم ~~بأن أجرى جدولا من النور فيه ، والحاصل أن المراد فالق ظلمة الإصباح بنور ~~الإصباح ولما كان المراد معلوما حسن الحذف . والثاني : أنه تعالى كما يشق ~~بحر الظلمة عن نور الصبح فكذلك يشق نور الصبح عن بياض النهار فقوله : { ~~فالق الإصباح } أي فالق الإصباح ببياض النهار . والثالث : أن ظهور النور في ~~الصباح أنما كان لأجل أن الله تعالى فلق ms3703 تلك الظلمة فقوله : { فالق الإصباح ~~} أي مظهر الإصباح إلا أنه لما كان المقتضى لذلك الإظهار هو ذلك الفلق لا ~~جرم ذكر اسم السبب والمراد منه المسبب . الرابع : قال بعضهم : الفالق هو ~~الخالق فكان المعنى خالق الإصباح وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم ~~. # أما قوله تعالى : { وجاعل * فالق الإصباح } فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه ~~الآية ثلاثة أنواع من الدلائل الفلكية PageV13P080 على التوحيد . فأولها : ~~ظهور الصباح وقد فسرناه بمقدار الفهم . وثانيها : قوله { وجاعل * فالق ~~الإصباح } وفيه مباحث : # المبحث الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن ~~إليه استئناسا به واسترواحا إليه من زوج أو حبيب ، ومنه قيل : للنار سكن ~~لأنه يستأنس بها ألا تراهم سموها / المؤنسة . ثم إن الليل يطمئن إليه ~~الإنسان لأنه أتعب نفسه بالنهار واحتاج إلى زمان يستريح فيه وذلك هو الليل ~~. # فإن قيل : أليس أن الخلق يبقون في الجنة في أهنأ عيش ، وألذ زمان مع أنه ~~ليس هناك ليل ؟ فعلمنا أن وجود الليل والنهار ليس من ضروريات اللذة والخير ~~في الحياة قلنا : كلامنا في أن الليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم ~~، أما في الدار الآخرة فهذه العادات غير باقية فيه فظهر الفرق . # المبحث الثاني : قرأ عاصم والكسائي { وجعل اليل } على صيغة الفعل ، ~~والباقون جاعل على صيغة اسم الفاعل حجة من قرأ باسم الفاعل أن المذكور قبله ~~اسم الفاعل ، وهو قوله : { فالق الحب * فالق الإصباح } وجاعل أيضا اسم ~~الفاعل . ويجب كون المعطوف مشاركا للمعطوف عليه ، وحجة من قرأ بصيغة الفعل ~~أن قوله : { والشمس والقمر } منصوبان ولا بد لهذا النصب من عامل ، وما ذاك ~~إلا أن يقدر قوله : { وجعل } بمعنى وجاعل الشمس والقمر حسبانا وذلك يفيد ~~المطلوب . # وأما قوله تعالى : { والشمس والقمر حسبانا } ففيه مباحث : # المبحث الأول : معناه أنه قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين كما ذكره في ~~سورة يونس في قوله : { هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ~~لتعلموا عدد السنين والحساب } ( يونس : 5 ) وقال في سورة الرحمن : { الشمس ~~والقمر بحسبان } ( الرحمن : 5 ms3704 ) وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى قدر حركة ~~الشمس مخصوصة بمقدار من السرعة والبطء بحيث تتم الدورة في سنة ، وقدر حركة ~~القمر بحيث يتم الدورة في شهر ، وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في ~~الفصول الأربعة ، وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار ، وحصول الغلات ~~، ولو قدرنا كونها أسرع أو أبطأ مما وقع ، لاختلت هذه المصالح فهذا هو ~~المراد من قوله : { والشمس والقمر حسبانا } . # المبحث الثاني : في الحسبان قولان : الأول : وهو قول أبي الهيثم أنه جمع ~~حساب مثل ركاب وركبان وشهاب وشهبان . والثاني : أن الحسبان مصدر كالرجحان ~~والنقصان . وقال صاحب ( الكشاف ) : الحسبان بالضم مصدر حسب ، كما أن ~~الحسبان بالكسر مصدر حسب ، ونظيره الكفران والغفران والشكران . # إذا عرفت هذا فنقول : معنى جعل الشمس والقمر حسبانا جعلهما على حساب . ~~لأن حساب الأوقات لا يعلم إلا بدورهما وسيرهما . # المبحث الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) : { والشمس والقمر } قرئا بالحركات ~~الثلاث ، فالنصب / على إضمار فعل دل عليه قوله : { جاعل * اليل } أي وجعل ~~الشمس والقمر حسبانا ، والجر عطف على لفظ الليل ، والرفع على الابتداء ، ~~والخبر محذوف تقديره ، والشمس والقمر مجعولان حسبانا : أي محسوبان . # ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { ذالك تقدير العزيز العليم } والعزيز ~~إشارة إلى كمال قدرته والعليم إشارة PageV13P081 إلى كمال علمه ، ومعناه أن ~~تقدير إجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيئاتها المحدودة ، وحركاتها ~~المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطء والسرعة لا يمكن تحصيله إلا بقدرة ~~كاملة متعلقة بجميع الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات ~~والجزئيات ، وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة ، ~~وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار . والله أعلم . # ! 7 < { وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر قد ~~فصلنا الا يات لقوم يعلمون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 97 ) وهو الذي جعل . . . . . # > > هذا هو النوع الثالث من الدلائل الدالة على كمال القدرة والرحمة ~~والحكمة ، وهو أنه تعالى خلق هذه النجوم لمنافع العباد وهي من وجوه : # الوجه الأول : أنه تعالى خلقها لتهتدي الخلق بها إلى الطرق والمسالك في ~~ظلمات البر والبحر حيث لا يرون ms3705 شمسا ولا قمرا لأن عند ذلك يهتدون بها إلى ~~المسالك والطرق التي يريدون المرور فيها . # الوجه الثاني : وهو أن الناس يستدلون بأحوال حركة الشمس على معرفة أوقات ~~الصلاة ، وإنما يستدلون بحركة الشمس في النهار على القبلة ، ويستدلون ~~بأحوال الكواكب في الليالي على معرفة القبلة . # الوجه الثالث : أنه تعالى ذكر في غير هذه السورة كون هذه الكواكب زينة ~~للسماء ، فقال { تبارك الذى جعل فى السماء بروجا } ( الفرقان : 61 ) وقال ~~تعالى : { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } ( الصافات : 6 ) وقال : ~~{ والسماء ذات البروج } ( البروج : 1 ) . # الوجه الرابع : أنه تعالى ذكر في منافعها كونها رجوما للشياطين . # / الوجه الخامس : يمكن أن يقال : لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر أي في ~~ظلمات التعطيل والتشبيه ، فإن المعطل ينفي كونه فاعلا مختارا ، والمشبه ~~يثبت كونه تعالى جسما مختصا بالمكان فهو تعالى خلق هذه النجوم ليهتدى بها ~~في هذين النوعين من الظلمات ، أما الاهتداء بها في ظلمات بر التعطيل ، فذلك ~~لأنا نشاهد هذه الكواكب مختلفة في صفات كثيرة فبعضها سيارة وبعضها ثابتة ، ~~والثوابت بعضها في المنطقة وبعضها في القطبين ، وأيضا الثوابت لامعة ~~والسيارة غير لامعة ، وأيضا بعضها كبيرة درية عظيمة الضوء ، وبعضها صغيرة ~~خفية قليلة الضوء ، وأيضا قدروا مقاديرها على سبع مراتب . # إذا عرفت هذا فنقول : قد دللنا على أن الأجسام متماثلة ، وبينا أنه متى ~~كان الأمر كذلك كان اختصاص كل واحد منها بصفة معينة دليلا على أن ذلك ليس ~~إلا بتقدير الفاعل المختار فهذا وجه الاهتداء بها في ظلمات بر التعطيل . ~~وأما وجه الاهتداء بها في ظلمات بحر التشبيه فلأنا نقول إنه لا عيب يقدح في ~~إلهية هذه PageV13P082 الكواكب إلا أنها أجسام فتكون مؤلفة من الأجزاء ~~والأبعاض ، وأيضا إنها متناهية ومحدودة ، وأيضا إنها متغيرة ومتحركة ~~ومنتقلة من حال إلى حال فهذه الأشياء إن لم تكن عيوبا في الإلهية امتنع ~~الطعن في إلهيتها ، وإن كانت عيوبا في الإلهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها ~~فوجب الجزم بأن إله العالم والسماء والأرض منزه عن الجسمية والأعضاء ~~والأبعاض والحد والنهاية والمكان ms3706 والجهة ، فهذا بيان الاهتداء بهذه الكواكب ~~في بر التعطيل وبحر التشبيه ، وهذا وإن كان عدولا عن حقيقة اللفظ إلى مجازه ~~إلا أنه قريب مناسب لعظمة كتاب الله تعالى . # الوجه السادس : في منافع هذه الكواكب ما ذكره الله تعالى في قوله : { ~~ويتفكرون فى خلق * السماوات والارض * ربنا ما خلقت هذا باطلا } ( آل عمران ~~: 191 ) فنبه على سبيل الإجمال على أن في وجود كل واحد منها حكمة عالية ~~ومنفعة شريفة ، وليس كل ما لا يحيط عقلنا به على التفصيل وجب نفيه فمن أراد ~~أن يقدر حكمة الله تعالى في ملكه وملكوته بمكيال خياله ومقياس قياسه فقد ضل ~~ضلالا مبينا ، ثم إنه تعالى لما ذكر الاستدلال بأحوال هذه النجوم . قال : { ~~قد فصلنا الايات لقوم يعلمون } وفيه وجوه : الأول : المراد أن هذه النجوم ~~كما يمكن أن يستدل بها على الطرقات في ظلمات البر والبحر / فكذلك يمكن أن ~~يستدل بها على معرفة الصانع الحكيم ، وكمال قدرته وعلمه . الثاني : أن يكون ~~المراد من العلم ههنا العقل فقوله : { قد فصلنا الايات لقوم يعلمون } نظير ~~قوله تعالى في سورة البقرة : { إن في خلق * السماوات والارض } ( البقرة : ~~164 ) إلى قوله : { لآيات لقوم يعقلون } وفي آل عمران في قوله : { إن في ~~خلق * السماوات والارض * واختلاف اليل والنهار لايات لاولى الالباب } ( آل ~~عمران : 190 ) والثالث : أن يكون المراد من قوله : / { لقوم يعلمون } لقوم ~~يتفكرون ويتأملون ويستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى ~~الغائب . # ! 7 < { وهو الذىأنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الا يات ~~لقوم يفقهون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 98 ) وهو الذي أنشأكم . . . . . # > > هذا نوع رابع من دلائل وجود الإله وكمال قدرته وعلمه ، وهو الاستدلال ~~بأحوال الإنسان فنقول لا شبهة في أن النفس الواحدة هي آدم عليه السلام وهي ~~نفس واحدة . وحواء مخلوقة من ضلع من أضلاعه . فصار كل الناس من نفس واحدة ~~وهي آدم . # فإن قيل : فما القول في عيسى ؟ # قلنا : هو أيضا مخلوق من مريم التي هي مخلوقة من أبويها . # فإن قالوا : أليس أن القرآن قد دل على ms3707 أنه مخلوق من الكلمة أو من الروح ~~المنفوخ فيها فكيف يصح ذلك ؟ # قلنا : كلمة ( من ) تفيد ابتداء الغاية ولا نزاع أن ابتداء تكون عيسى ~~عليه السلام كان من مريم وهذا PageV13P083 القدر كاف في صحة هذا اللفظ . ~~قال القاضي : فرق بين قوله : { أنشأكم } وبين قوله : { خلقكم } لأن أنشأكم ~~يفيد أنه خلقكم لا ابتداء . ولكن على وجه النمو والشنوء لا من مظهر من ~~الأبوين ، كما يقال : في النبات إنه تعالى أنشأه بمعنى النمو والزيادة إلى ~~وقت الانتهاء . وأما قوله : { فمستقر ومستودع } ففيه مباحث : # البحث الأول : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { فمستقر } بكسر القاف والباقون ~~بفتحها قال أبو علي الفارسي . قال سيبويه ، يقال : قر في مكانه واستقر فمن ~~كسر القاف كان المستقر بمعنى القار وإذا كان كذلك وجب أن يكون خبره المضمر ~~( منكم ) أي منكم مستقر . ومن فتح القاف فليس على أنه مفعول به لأن استقر ~~لا يتعدى فلا يكون له مفعول به فيكون اسم مكان فالمستقر بمنزلة المقر . ~~وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون خبره المضمر ( منكم ) بل يكون خبره ( لكم ) ~~فيكون التقدير لكم مقر وأما المستودع فإن استودع فعل يتعدى إلى مفعولين ~~تقول استودعت زيدا ألفا وأودعت مثله ، فالمستودع يجوز أن يكون اسما للإنسان ~~الذي استودع ذلك المكان ويجوز أن يكون المكان نفسه . # / إذا عرفت هذا فنقول : من قرأ مستقرا بفتح القاف جعل المستودع مكانا ~~ليكون مثل المعطوف عليه والتقدير فلكم مكان استقرار ومكان استيداع ومن قرأ ~~{ فمستقر } بالكسر ، فالمعنى : منكم مستقر ومنكم مستودع ، والتقدير : منكم ~~من استقر ومنكم من استودع . والله أعلم . # المبحث الثاني : الفرق بين المستقر والمستودع أن المستقر أقرب إلى النبات ~~من المستودع فالشيء الذي حصل في موضع ولا يكون على شرف الزوال يسمى مستقرا ~~فيه ، وأما إذا حصل فيه وكان على شرف الزوال يسمى مستودعا لأن المستودع في ~~معرض أن يسترد في كل حين وأوان . # إذا عرفت هذا فنقول : كثر اختلاف المفسرين في تفسير هذين اللفظين على ~~أقوال : فالأول : وهو المنقول عن ابن عباس في أكثر ms3708 الروايات أن المستقر هو ~~الأرحام والمستودع الأصلاب قال كريب : كتب جرير إلى ابن عباس يسأله عن هذه ~~الآية فأجاب المستودع الصلب والمستقر الرحم ثم قرأ : { ونقر فى الارحام ما ~~نشاء } ( الحج : 5 ) ومما يدل أيضا على قوة هذا القول أن النطفة الواحدة لا ~~تبقى في صلب الأب زمانا طويلا والجنين يبقى في رحم الأم زمانا طويلا ، ولما ~~كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في ~~الرحم أولى . # والقول الثاني : أن المستقر صلب الأب والمستودع رحم الأم ، لأن النطفة ~~حصلت في صلب الأب لا من قبل الغير وهي حصلت في رحم الأم بفعل الغير ، فحصول ~~تلك النطفة في الرحم من قبل الرجل مشبه بالوديعة لأن قوله { فمستقر ومستودع ~~} يقتضي كون المستقر متقدما على المستودع وحصول النطفة في صلب الأب مقدم ~~على حصولها في رحم الأم / فوجب أن يكون المستقر ما في أصلاب الآباء ، ~~والمستودع ما في أرحام الأمهات . # والقول الثالث : وهو قول الحسن المستقر حاله بعد الموت لأنه إن كان سعيدا ~~فقد استقرت تلك السعادة ، وإن كان شقيا فقد استقرت تلك الشقاوة ولا تبديل ~~في أحوال الإنسان بعد الموت وأما قبل الموت فالأحوال متبدلة . فالكافر قد ~~ينقلب مؤمنا والزنديق قد ينقلب صديقا ، فهذه الأحوال لكونها على شرف الزوال ~~والفناء لا يبعد تشبيهها بالوديعة التي تكون مشرفة على الزوال والذهاب . ~~PageV13P084 # والقول الرابع : وهو قول الأصم . إن المستقر من خلق من النفس الأولى ودخل ~~الدنيا واستقر فيها ، والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق . # والقول الخامس : للأصم أيضا المستقر من استقر في قرار الدنيا والمستودع ~~من في القبور حتى يبعث . وعن قتادة على العكس منه فقال مستقر في القبر ~~ومستودع في الدنيا . # القول السادس : قول أبي مسلم الأصبهاني أن التقدير هو الذي أنشأكم من نفس ~~واحدة / فمنكم مستقر ذكر ومنكم مستودع أنثى إلا أنه تعالى عبر عن الذكر ~~بالمستقر لأن النطفة إنما تتولد في صلبه وإنما تستقر هناك وعبر عن الأنثى ~~بالمستودع لأن رحمها شبيهة بالمستودع لتلك ms3709 النطفة . والله أعلم . # المبحث الثالث : مقصود الكلام أن الناس إنما تولدوا من شخص واحد وهو آدم ~~عليه السلام ، ثم اختلفوا في المستقر والمستودع بحسب الوجوه المذكورة فنقول ~~: الأشخاص الإنسانية متساوية في الجسمية ومختلفة في الصفات التي باعتبارها ~~حصل التفاوت في المستقر والمستودع والاختلاف في تلك الصفات لا بد له من سبب ~~ومؤثر وليس السبب هو الجسمية ولوازمها وإلا لامتنع حصول التفاوت في الصفات ~~، فوجب أن يكون السبب هو الفاعل المختار الحكيم ونظير هذه الآية في الدلالة ~~قوله تعالى : { واختلاف ألسنتكم وألوانكم } . # ثم قال تعالى : { قد فصلنا الايات لقوم يفقهون } والمراد من هذا التفصيل ~~أنه بين هذه الدلائل على وجه الفصل للبعض عن البعض . ألا ترى أنه تعالى ~~تمسك أولا بتكوين النبات والشجر من الحب والنوى ، ثم ذكر بعده التمسك ~~بالدلائل الفلكية من ثلاثة وجوه ، ثم ذكر بعده التمسك بأحوال تكوين الإنسان ~~فقد ميز تعالى بعض هذه الدلائل عن بعض ، وفصل بعضها عن بعض لقوم يفقهون ، ~~وفيه أبحاث : الأول : قوله : { لقوم يفقهون } ظاهره مشعر بأنه تعالى قد ~~يفعل الفعل لغرض وحكمة . # وجواب أهل السنة : أن اللام لام العاقبة ، أو يكون ذلك محمولا على ~~التشبيه بحال من يفعل الفعل لغرض . والثاني : أن هذه الآية تدل على أنه ~~تعالى أراد من جميع الخلق الفقه ، والفهم والإيمان . وما أراد بأحد منهم ~~الكفر . وهذا قول المعتزلة . # وجواب أهل السنة : أن المراد منه كأنه تعالى يقول : إنما فصلت هذا البيان ~~لمن عرف وفقه وفهم ، وهم المؤمنون لا غير . والثالث : أنه تعالى ختم الآية ~~السابقة ، وهي الآية التي استدل فيها بأحوال النجوم بقوله : { يعلمون } ~~وختم آخر هذه الآية بقوله : { يفقهون } والفرق أن إنشاء الإنس من واحدة ، ~~وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا ، فكان ذكر الفقه ههنا ~~لأجل أن الفقه يفيد مزيد فطنة وقوة وذكاء وفهم . والله أعلم . # PageV13P085 ! 7 < { وهو الذىأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به نبات كل شىء ~~فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية ~~وجنات من أعناب والزيتون ms3710 والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذآ ~~أثمر وينعه إن فى ذالكم لا يات لقوم يؤمنون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 99 ) وهو الذي أنزل . . . . . # > > اعلم أن هذا النوع الخامس من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله ~~تعالى وعلمه وحكمته ورحمته ووجوه إحسانه إلى خلقه . # واعلم أن هذه الدلائل كما أنها دلائل فهي أيضا نعم بالغة ، وإحسانات ~~كاملة ، والكلام إذا كان دليلا من بعض الوجوه ، وكان إنعاما وأحسانا من ~~سائر الوجوه . كان تأثيره في القلب عظيما ، وعند هذا يظهر أن المشتغل بدعوة ~~الخلق إلى طريق الحق لا ينبغي أن يعدل عن هذه الطريقة . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ظاهر قوله تعالى : { وهو الذى أنزل من السماء ماء } ~~يقتضي نزول المطر من السماء ، وعند هذا اختلف الناس ، فقال أبو علي الجبائي ~~في ( تفسيره ) : إنه تعالى ينزل الماء من السماء إلى السحاب ، ومن السحاب ~~إلى الأرض . قال لأن ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء ، والعدول عن ~~الظاهر إلى التأويل ، إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ ~~على ظاهره غير ممكن ، وفي هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من ~~السماء ، فوجب إجراء اللفظ على ظاهره . # وأما قول من يقول : إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض . ثم تصعد ~~وترتفع إلى الهواء ، فينعقد الغيم منها ويتقاطر ، وذلك هو المطر ، فقد احتج ~~الجبائي على فساده من وجوه : الأول : أن البرد قد يوجد في وقت الحر ، بل في ~~صميم الصيف ، ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد ، وذلك يبطل قولهم . # / ولقائل أن يقول : إن القوم يجيبون عنه فيقولون : لا شك أن البخار أجزاء ~~مائية وطبيعتها البرد ، ففي وقت الصيف يستولي الحر على ظاهر السحاب ، فيهرب ~~البرد إلى باطنه ، فيقوى البرد هناك بسبب الاجتماع ، فيحدث البرد ، وأما في ~~وقت برد الهواء يستولي البرد على ظاهر السحاب ، فلا يقوى البرد في باطنه ، ~~فلا جرم لا ينعقد جمدا بل ينزل ماء ، هذا ما قالوه . ويمكن أن يجاب عنه بأن ~~الطبقة العالية من الهواء ms3711 باردة جدا عندكم ، فإذا كان اليوم يوما باردا ~~شديد البرد في صميم الشتاء ، فتلك الطبقة باردة جدا ، والهواء المحيط ~~بالأرض أيضا بارد جدا ، فوجب أن يشتد البرد ، وأن لا يحدث المطر في الشتاء ~~البتة ، وحيث شاهدنا أنه قد يحدث فسد قولكم ، والله أعلم . # الحجة الثانية : مما ذكره الجبائي أنه قال : إن البخارات إذا ارتفعت ~~وتصاعدت تفرقت وإذا تفرقت لم PageV13P086 يتولد منها قطرات الماء ، بل ~~البخار إنما يجتمع إذا اتصل بسقف متصل أملس كسقوف الحمامات المزججة . أما ~~إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء كثير ، فإذا تصاعدت البخارات في الهواء ، ~~وليس فوقها سطح أملس متصل به تلك البخارات ، وجب أن لا يحصل منها شيء من ~~الماء . ولقائل أن يقول : القوم يجيبون عنه : بأن هذه البخارات إذا تصاعدت ~~وتفرقت ، فإذا وصلت عند صعودها وتفرقها إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت ~~، والبرد يوجب الثقل والنزول ، فبسبب قوة ذلك البرد عادت من الصعود إلى ~~النزول ، والعالم كروي الشكل ، فلما رجعت من الصعود إلى النزول ، فقد رجعت ~~من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ، فتلك الذرات بهذا السبب تلاصقت وتواصلت ، ~~فحصل من اتصال بعض تلك الذرات بعض قطرات الأمطار . # الحجة الثالثة : ما ذكره الجبائي قال : لو كان تولد المطر من صعود ~~البخارات ، فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار ، فوجب أن يدوم هناك نزول ~~المطر ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا فساد قولهم . قال : فثبت بهذه ~~الوجوه ، أنه ليس تولد المطر من بخار الأرض ، ثم قال : والقوم إنما احتاجوا ~~إلى هذا القول ، لأنهم اعتقدوا أن الأجسام قديمة ، وإذا كانت قديمة امتنع ~~دخول الزيادة والنقصان فيها ، وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك ~~الذرات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى ، فلهذا السبب احتالوا في تكوين ~~كل شيء عن مادة معينة ، وأما المسلمون . فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة ، ~~وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد ، فعند هذا ~~لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات ، فثبت أن ظاهر القرآن يدل في هذه الآية ~~على ms3712 أن الماء إنما ينزل من السماء ، ولا دليل على امتناع هذا الظاهر ، فوجب ~~القول بحمله على ظاهره ، ومما يؤكد ما قلناه : أن جميع الآيات ناطقة بنزول ~~المطر من السماء . قال تعالى : / { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ( ~~الفرقان : 48 ) وقال : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } ( الأنفال ~~: 11 ) وقال : { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } ( النور : 43 ) ~~فثبت أن الحق ، أنه تعالى ينزل المطر من السماء بمعنى أنه يخلق هذه الأجسام ~~في السماء . ثم ينزلها إلى السحاب . ثم من السحاب إلى الأرض . # والقول الثاني : المراد إنزال المطر من جانب السماء ماء . # والقول الثالث : أنزل من السحاب ماء وسمى الله تعالى السحاب سماء ، لأن ~~العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت ، فهذا ما قيل في هذا الباب . # المسألة الثانية : نقل الواحدي في ( البسيط ) عن ابن عباس : يريد بالماء ~~ههنا المطر ولا ينزل نقطة من المطر إلا ومعها ملك ، والفلاسفة يحملون ذلك ~~الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول ، فأما أن ~~يكون معه ملك من ملائكة السموات ، فالقول به مشكل والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله : { فأخرجنا به نبات كل شىء } فيه أبحاث : # البحث الأول : ظاهر قوله : { فأخرجنا به نبات كل شىء } يدل على أنه تعالى ~~إنما أخرج النبات بواسطة الماء ، وذلك يوجب القول بالطبع والمتكلمون ~~ينكرونه ، وقد بالغنا في تحقيق هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله ~~تعالى : { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } فلا فائدة ~~في الإعادة . PageV13P087 # البحث الثاني : قال الفراء : قوله : { فأخرجنا به نبات كل شىء } ظاهره ~~يقتضي أن يكون لكل شيء نبات . وليس الأمر كذلك ، فكان المراد فأخرجنا به ~~نبات كل شيء له نبات ، فإذا كان كذلك ، فالذي لا نبات له لا يكون داخلا فيه ~~. # البحث الثالث : قوله : { فأخرجنا به } بعد قوله : { أنزل } يسمى التفاتا ~~. ويعد ذلك من الفصاحة . # واعلم أن أصحاب العربية ادعوا أن ذلك يعد من الفصاحة . وما بينوا أنه من ~~أي الوجوه يعد من هذا ms3713 الباب ؟ وأما نحن فقد أطنبنا فيه في تفسير قوله تعالى ~~: { حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح طيبة } ( يونس : 22 ) فلا فائدة ~~في الإعادة . # والبحث الرابع : قوله : { فأخرجنا } صيغة الجمع . والله واحد فرد لا شريك ~~له ، إلا أن الملك العظيم إذا كنى عن نفسه ، فإنما يكنى بصيغة الجمع ، ~~فكذلك ههنا . ونظيره قوله : { إنا أنزلناه إنا أرسلنا نوحا * إنا نحن نزلنا ~~الذكر } . # أما قوله : { فأخرجنا منه خضرا } فقال الزجاج : معنى خضر ، كمعنى أخضر / ~~يقال أخضر / فهو أخضر وخضر ، مثل أعور فهو أعور وعور . وقال الليث : الخضر ~~في كتاب الله هو الزرع وفي الكلام كل نبات من الخضر ، وأقول إنه تعالى حصر ~~النبت في الآية المتقدمة في قسمين : حيث قال : { إن الله فالق الحب والنوى ~~} فالذي ينبت من الحب هو الزرع ، والذي ينبت من النوى هو الشجر فاعتبر هذه ~~القسمة أيضا في هذه الآية فابتدأ بذكر الزرع ، وهو المراد بقوله : { ~~فأخرجنا منه خضرا } وهو الزرع ، كما رويناه عن الليث . وقال ابن عباس : ~~يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز ، والمراد من هذا الخضر العود ~~الأخضر الذي يخرج أولا ويكون السنبل في أعلاه وقوله : { نخرج منه حبا ~~متراكبا } يعني يخرج من ذلك الخضر حبا متراكبا بعضه على بعض في سنبلة واحدة ~~، وذلك لأن الأصل هو ذلك العود الأخضر وتكون السنبلة مركبة عليه من فوقه ~~وتكون الحبات متراكبة بعضها فوق بعض ، ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة ~~كأنها الأبر ، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات ~~المتراكبة . # ولما ذكر ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى ، وهو القسم ~~الثاني فقال : { ومن النخل من طلعها قنوان دانية } وههنا مباحث : # البحث الأول : أنه تعالى قدم ذكر الزرع على ذكر النخل ، وهذا يدل على أن ~~الزرع أفضل من النخل . وهذا البحث قد أفرد الجاحظ فيه تصنيفا مطولا . # البحث الثاني : روى الواحدي عن أبي عبيدة أنه قال : أطلعت النخل إذا ~~أخرجت طلعها وطلعها كيزانها قبل أن ينشق عن الأغريض ، والأغريض يسمى طلعا ms3714 ~~أيضا . قال والطلع أول ما يرى من عذق النخلة ، الواحدة طلعة . وأما { قنوان ~~} فقال الزجاج : القنوان جمع قنو . مثل صنوان وصنو . وإذا ثنيت القنو قلت ~~قنوان بكسر النون ، فجاء هذا الجمع على لفظ الاثنين والإعراب في النون ~~للجمع . # إذا عرفت تفسير اللفظ فنقول : قوله : { قنوان دانية } قال ابن عباس : ~~يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية ممن يجتنيها . وروى عنه أيضا ~~أنه قال : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض قال الزجاج : ولم PageV13P088 ~~يقل ومنها قنوان بعيدة لأن ذكر أحد القسمين يدل على الثاني كما قال : { ~~سرابيل تقيكم الحر } ( النحل : 81 ) ولم يقل سرابيل تقيكم البرد ، لأن ذكر ~~أحد الضدين يدل على الثاني ، فكذا ههنا وقيل أيضا : ذكر الدانية في القريبة ~~، وترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأكثر . # والبحث الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) { قنوان } رفع بالابتداء { ومن ~~النخل } خبره { ومن * طلعها } بدل منه كأنه قيل : وحاصلة من طلع النخل ~~قنوان ، ويجوز أن يكون الخبر محذوفا لدلالة / أخرجنا عليه تقديره ، ومخرجه ~~من طلع النخل قنوان . ومن قرأ يخرج منه { حب } كان { طلعها قنوان } عنده ~~معطوفا على قوله : { حب } وقرىء { قنوان } بضم القاف وبفتحها على أنه اسم ~~جمع كركب لأن فعلان ليس من باب التكسير . # ثم قال تعالى : { وجنات من أعناب والزيتون والرمان } وفيه أبحاث : # البحث الأول : قرأ عاصم : { جنات } بضم التاء ، وهي قراءة علي رضي الله ~~عنه : والباقون { جنات } بكسر التاء . أما القراءة الأولى فلها وجهان : ~~الأول : أن يراد ، وثم وجنات من أعناب أي مع النخل والثاني : أن يعطف على { ~~قنوان } على معنى وحاصلة أو ومخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب وأما ~~القراءة بالنصب فوجهها العطف على قوله : { نبات كل شىء } والتقدير : ~~وأخرجنا به جنات من أعناب ، وكذلك قوله : { والزيتون والرمان } ( الأنعام : ~~141 ) قال صاحب ( الكشاف ) : والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص كقوله تعالى : ~~{ والمقيمين الصلواة } ( النساء : 162 ) لفضل هذين الصنفين . # والبحث الثاني : قال الفراء : قوله : { والزيتون والرمان } يريد شجر ~~الزيتون ، وشجر الرمان كما قال : { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) يريد ~~أهلها ms3715 . # البحث الثالث : اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أنواع من الأشجار . النخل ~~والعنب والزيتون والرمان ، وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء ، ~~وثمار الأشجار فواكه ، والغذاء مقدم على الفاكهة ، وإنما قدم النخل على ~~سائر الفواكه لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب ولأن الحكماء ~~بينوا أن بينه وبين الحيوان مشابهة في خواص كثيرة بحيث لا توجد تلك ~~المشابهة في سائر أنواع النبات ، ولهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام : ( ~~أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من بقية طينة آدم ) وإنما ذكر العنب عقيب ~~النخل لأن العنب أشرف أنواع الفواكه ، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير ~~منتفعا به إلى آخر الحال فأول ما يظهر على الشجر يظهر خيوط خضر دقيقة حامضة ~~الطعم لذيذة المطعم ، وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه ، ثم بعده يظهر الحصرم ، ~~وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى ، وقد يتخذ الحصرم أشربة لطيفة المذاق نافعة ~~لأصحاب الصفراء ، وقد يتخذ الطبيخ منه ، فكأنه ألذ الطبائخ الحامضة . ثم ~~إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها ، ويمكن ادخار العنب المعلق سنة أو ~~أقل أو أكثر ، وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة ثم يبقى منه أربعة أنواع ~~من المتناولات ، وهي الزبيب والدبس والخمر والخل ، ومنافع هذه الأربعة لا ~~يمكن ذكرها إلى في المجلدات ، والخمر ، وإن كان الشرع قد حرمها ، ولكنه ~~تعالى قال في صفتها : { ومنافع للناس } ثم قال : { وإثمهما أكبر من نفعهما ~~} فأحسن ما في العنب عجمه . والأطباء يتخذون منه جوارشنات عظيمة النفع ~~للمعدة الضعيفة الرطبة ، فثبت أن العنب كأنه سلطان الفواكه ، وأما الزيتون ~~/ فهو أيضا PageV13P089 كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو ، وينفصل أيضا ~~عنه دهن كثير عظيم النفع في الأكل وفي سائر وجوه الاستعمال . وأما الرمان ~~فحاله عجيب جدا ، وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسام : قشره وشحمه وعجمه ~~وماؤه . # أما الأقسام الثلاثة الأول وهي : القشر والشحم والعجم ، فكلها باردة ~~يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات ، وأما ماء الرمان ، ~~فبالضد من هذه الصفات . فإنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى ms3716 الاعتدال ~~وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة ، وفيه تقوية للمزاج الضعيف ، وهو غذاء من ~~وجه ودواء من وجه ، فإذا تأملت في الرمان وجدت الأقسام الثلاثة موصوفة ~~بالكثافة التامة الأرضية ، ووجدت القسم الرابع وهو ماء الرمان موصوفا ~~باللطافة والاعتدال فكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين المتغايرين ، فكانت ~~دلالة القدرة والرحمة فيه أكمل وأتم . # واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات ، فلهذا السبب ذكر ~~الله تعالى هذه الأقسام الأربعة التي هي أشرف أنواع النبات ، واكتفي بذكرها ~~تنبيها على البواقي ، ولما ذكرها قال تعالى : { مشتبها وغير متشابه } وفيه ~~مباحث : الأول : في تفسير { مشتبها } وجوه : الأول : أن هذه الفواكه قد ~~تكون متشابهة في اللون والشكل ، مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذة ، وقد ~~تكون مختلفة في اللون والشكل ، مع أنها تكون متشابهة في الطعم واللذة ، فإن ~~الأعناب والرمان قد تكون متشابهة في الصورة واللون والشكل . ثم إنها تكون ~~مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس . الثاني : أن أكثر الفواكه يكون ما ~~فيها من القشر والعجم متشابها في الطعم والخاصية . وأما ما فيها من اللحم ~~والرطوبة فإنه يكون مختلفا في الطعم ، والثالث : قال قتادة : أوراق الأشجار ~~تكون قريبة من التشابه . أما ثمارها فتكون مختلفة ، ومنهم من يقول : ~~الأشجار متشابهة والثمار مختلفة ، والرابع : أقول إنك قد تأخذ العنقود من ~~العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة منها بقيت ~~على أول حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة . وعلى هذا التقدير : فبعض حبات ~~ذلك العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه . # والبحث الثاني : يقال : اشتبه الشيآن وتشابها كقولك استويا وتساويا ، ~~والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا ، وقرىء { متشابها وغير متشابه } . # والبحث الثالث : إنما قال مشتبها ولم يقل مشتبهين إما اكتفاء بوصف أحدهما ~~، أو على تقدير : والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك كقوله : # % رماني بأمر كنت منه ووالدي % % بريا ومن أجل الطوى رماني % # / ثم قال تعالى : { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } وفيه مباحث : # البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي { ثمره } بضم الثاء والميم ، وقرأ أبو ~~عمرو { ثمره } بضم الثاء وسكون الميم ms3717 والباقون بفتح الثاء والميم . أما ~~قراءة حمزة والكسائي : فلها وجهان : # الوجه الأول : وهو الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثمر كما قالوا : خشبة ~~وخشب . قال تعالى : { كأنهم خشب مسندة } ( المنافقون : 4 ) وكذلك أكمة وأكم ~~. ثم يخففون فيقولون أكم . قال الشاعر : PageV13P090 # % ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # والوجه الثاني : أن يكون جمع ثمرة على ثمار . ثم جمع ثمارا على ثمر فيكون ~~ثمر جمع الجمع ، وأما قراءة أبي عمرو فوجهها أن تخفيف ثمر ثمر كقولهم : رسل ~~ورسل . وأما قراءة الباقين فوجهها : أن الثمر جمع ثمرة ، مثل بقرة وبقر ، ~~وشجرة وشجر ، وخرزة وخرز . # والبحث الثاني : قال الواحدي : الينع النضج . قال أبو عبيدة : يقال ينع ~~يينع ، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل . وقال الليث : ينعت الثمرة ~~بالكسر ، وأينعت فهي تينع وتونع إيناعا وينعا بفتح الياء ، وينعا بضم الياء ~~، والنعت يانع ومونع . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { وينعه } بضم الياء ، ~~وقرأ ابن محيصن { * ويانعه } . # والبحث الثالث : قوله : { متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر } أمر بالنظر ~~في حال الثمر في أول حدوثها . وقوله : { وينعه } أمر بالنظر في حالها عند ~~تمامها وكمالها ، وهذا هو موضع الاستدلال والحجة التي هي تمام المقصود من ~~هذه الآية . ذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد في أول حدوثها على صفات ~~مخصوصة ، وعند تمامها وكمالها لا تبقى على حالاتها الأولى ، بل تنتقل إلى ~~أحوال مضادة للأحوال السابقة ، مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ~~ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة ، وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة ~~بالحلاوة ، وربما كانت في أول الأمر باردة بحسب الطبيعة ، فتصير في آخر ~~الأمر حارة بحسب الطبيعة ، فحصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب ، ~~وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك ، لأن نسبة هذه ~~الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب ~~المتشابهة لا يمكن أن تكون أسبابا لحدوث الحوادث المختلفة ، ولما بطل إسناد ~~حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر ~~المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة ms3718 والحكمة ~~. ولما نبه الله سبحانه على ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال : { إن ~~فى ذالكم لايات لقوم يؤمنون } قال القاضي : المراد لمن يطلب الإيمان بالله ~~تعالى / لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن ، ويحتمل أن يكون / وجه تخصيص ~~المؤمنين بالذكر أنهم الذين انتفعوا به دون غيرهم كما تقدم تقريره في قوله ~~{ هدى للمتقين } . # ولقائل أن يقول : بل المراد منه أن دلالة هذا الدليل على إثبات الإله ~~القادر المختار ظاهرة قوية جلية ، فكأن قائلا قال : لم وقع الاختلاف بين ~~الخلق في هذه المسألة مع وجود مثل هذه الدلالة الجلية الظاهرة القوية ؟ ~~فأجيب عنه بأن قوة الدليل لا تفيد ولا تنفع إلا إذا قدر الله للعبد حصول ~~الإيمان ، فكأنه قيل : هذه الدلالة على قوتها وظهورها دلالة لمن سبق قضاء ~~الله في حقه بالإيمان ، فأما من سبق قضاء الله له بالكفر لم ينتفع بهذه ~~الدلالة البتة أصلا ، فكان المقصود من هذا التخصيص التنبيه على ما ذكرناه . ~~والله أعلم . # PageV13P091 ! 7 < { وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات ~~بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 100 ) وجعلوا لله شركاء . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر هذه البراهين الخمسة من دلائل ~~العالم الأسفل والعالم الأعلى على ثبوت الإلهية ، وكمال القدرة والرحمة . ~~ذكر بعد ذلك أن من الناس من أثبت لله شركاء ، واعلم أن هذه المسألة قد تقدم ~~ذكرها إلا أن المذكور ههنا غير ما تقدم ذكره وذلك لأن الذين أثبتوا الشريك ~~لله فرق وطوائف . # فالطائفة الأولى : عبدة الأصنام فهم يقولون الأصنام شركاء لله في ~~العبودية ، ولكنهم معترفون بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق والإيجاد ~~والتكوين . # والطائفة الثانية : من المشركين الذين يقولون ، مدبر هذا العالم هو ~~الكواكب ، وهؤلاء فريقان منهم من يقول : إنها واجبة الوجود لذاتها ، ومنهم ~~من يقول : إنها ممكنة الوجود لذواتها محدثة ، وخالقها هو الله تعالى ، إلا ~~أنه سبحانه فوض تدبير هذا العالم الأسفل إليها وهؤلاء هم الذين حكى الله ~~عنهم أن الخليل صلى ms3719 الله عليه وسلم ناظرهم بقوله : { لا أحب الافلين } وشرح ~~هذا الدليل قد مضى . # والطائفة الثالثة : من المشركين الذين قالوا لجملة هذا العالم بما فيه من ~~السموات والأرضين إلهان : / أحدهما فاعل الخير . والثاني فاعل الشر ، ~~والمقصود من هذه الآية حكاية مذهب هؤلاء فهذا تقرير نظم الآية والتنبيه على ~~ما فيها من الفوائد . فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال قوله تعالى ~~: { وجعلوا لله شركاء الجن } نزلت في الزنادقة الذين قالوا إن الله وإبليس ~~أخوان فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والخيرات ، وإبليس خالق ~~السباع والحيات والعقارب والشرور . # واعلم أن هذا القول الذي ذكره ابن عباس أحسن الوجوه المذكورة في هذه ~~الآية وذلك لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة مغايرة لما سبق ذكره ~~في الآيات المتقدمة ، قال ابن عباس : والذي يقوي هذا الوجه قوله تعالى : { ~~وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } ( الصافات : 158 ) وإنما وصف بكونه من الجن ~~لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، والملائكة والروحانيون لا يرون بالعيون ~~فصارت كأنها مستترة من العيون ، فبهذا التأويل أطلق لفظ الجن عليها ، وأقول ~~: هذا مذهب المجوس ، وإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة ، لأن المجوس ~~يلقبون بالزنادقة ، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله ~~مسمى بالزند والمنسوب إليه يسمى زندي . ثم عرب فقيل زنديق . ثم جمع فقيل ~~زنادقة . PageV13P092 # واعلم أن المجوس قالوا : كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان ~~وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن ، وهو المسمى بإبليس في شرعنا ، ثم ~~اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ، ولهم في كيفية حدوثه أقوال ~~عجيبة ، والأقلون منهم قالوا : إنه قديم أزلي ، وعلى القولين فقد اتفقوا ~~على أنه شريك لله في تدبير هذا العالم فخيرات هذا العالم من الله تعالى ~~وشروره من إبليس فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما . # فإن قيل : فعلى هذا التقدير : القوم أثبتوا لله شريكا واحدا وهو إبليس ، ~~فكيف حكى الله عنهم أنهم أثبتوا لله شركاء ؟ # والجواب : أنهم ms3720 يقولون عسكر الله هم الملائكة ، وعسكر إبليس هم الشياطين ~~والملائكة فيهم كثرة عظيمة ، وهم أرواح طاهرة مقدسة وهم يلهمون تلك الأرواح ~~البشرية بالخيرات والطاعات . والشياطين أيضا فيهم كثرة عظيمة وهي تلقي ~~الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشرية ، والله مع عسكره من الملائكة يحاربون ~~إبليس مع عسكره من الشياطين . فلهذا السبب حكى الله تعالى عنهم أنهم أثبتوا ~~لله شركاء من الجن فهذا تفصيل هذا القول . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وخلقهم } إشارة إلى الدليل القاطع الدال ~~على فساد كون إبليس شريكا لله تعالى في ملكه ، وتقريره من وجهين : الأول : ~~أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم / معترفون بأن إبليس ليس بقديم بل هو ~~محدث . # إذا ثبت هذا فنقول : إن كل محدث فله خالق وموجد ، وما ذاك إلا الله ~~سبحانه وتعالى فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق إبليس هو الله تعالى ، ~~ولما كان إبليس أصلا لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح ، والمجوس ~~سلموا أن خالقه هو الله تعالى ، فحينئذ قد سلموا أن إله العالم هو الخالق ~~لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد ، وإذا كان كذلك امتنع عليهم أن ~~يقولوا لا بد من إلهين يكون أحدهما فاعلا للخيرات ، والثاني يكون فاعلا ~~للشرور لأن بهذا الطريق ثبت أن إله الخير هو بعينه الخالق لهذا الذي هو ~~الشر الأعظم فقوله تعالى : { وخلقهم } إشارة إلى أن تعالى هو الخالق لهؤلاء ~~الشياطين على مذهب المجوس ، وإذا كان خالقا لهم فقد اعترفوا بكون إله الخير ~~فاعلا لأعظم الشرور ، وإذا اعترفوا بذلك وسقط قولهم : لا بد للخيرات من إله ~~، وللشرور من إله آخر . # والوجه الثاني : في استنباط الحجة من قوله : { وخلقهم } ما بينا في هذا ~~الكتاب وفي كتاب ( الأربعين في أصول الدين ) أن ما سوى الواحد ممكن لذاته ~~وكل ممكن لذاته فهو محدث ، ينتج أن ما سوى الواحد الأحد الحق فهو محدث ، ~~فيلزم القطع بأن إبليس وجميع جنوده يكونون موصوفين بالحدوث . وحصول الوجود ~~بعدم العدم ، وحينئذ يعود الإلزام المذكور على ما قررناه ، فهذا تقرير ~~المقصود الأصلي من هذه الآية وبالله التوفيق ms3721 . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { وجعلوا لله شركاء الجن } معناه : ~~وجعلوا الجن شركاء لله . # فإن قيل : فما الفائدة في التقديم ؟ PageV13P093 # قلنا : قال سيبويه : إنهم يقدمون الأهم الذي هم بشأنه أعنى ، فالفائدة في ~~هذا التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك سواء كان ملكا أو جنيا أو إنسيا أو ~~غير ذلك . فهذا هو السبب في تقديم اسم الله على الشركاء . # إذا عرفت هذا فنقول : قرىء { الجن } بالنصب والرفع والجر ، أما وجه النصب ~~فالمشهور أنه بدل من قوله : { شركاء } قال بعض المحققين : هذا ضعيف لأن ~~البدل ما يقوم مقام المبدل ، فلو قيل : وجعلوا لله الجن لم يكن كلاما ~~مفهوما بل الأولى جعله عطف بيان . أما وجه القراءة بالرفع فهو أنه لما قيل ~~: { وجعلوا لله شركاء } فهذا الكلام لو وقع الاقتصار عليه لصح أن يراد به ~~الجن والأنس والحجر والوثن فكأنه قيل ومن أولئك الشركاء ؟ فقيل : الجن . ~~وأما وجه القراءة بالجر فعلى الإضافة التي هي للتبيين . # / المسألة الثالثة : اختلفوا في تفسير هذه الشركة على ثلاثة أوجه : ~~فالأول : ما ذكرناه من أن المراد منه حكاية قول من يثبت للعالم إلهين ~~أحدهما فاعل الخير والثاني فاعل الشر . # والقول الثاني : أن الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله وهؤلاء ~~يقولون المراد من الجن الملائكة ، وإنما حسن إطلاق هذا الاسم عليهم ، لأن ~~لفظ الجن مشتق من الاستتار ، والملائكة مستترون عن الأعين ، وكان يجب على ~~هذا القائل أن يبين أنه كيف يلزم من قولهم الملائكة بنات الله ؟ قولهم بجعل ~~الملائكة شركاء لله حتى يتم انطباق لفظ الآية على هذا المعنى ، ولعله يقال ~~: إن هؤلاء كانوا يقولون الملائكة مع أنها بنات الله فهي مدبرة لأحوال هذا ~~العالم وحينئذ يحصل الشرك . # والقول الثالث : وهو قول الحسن وطائفة من المفسرين أن المراد : أن الجن ~~دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام ، وإلى القول بالشرك / فقبلوا من الجن هذا ~~القول وأطاعوهم ، فصاروا من هذا الوجه قائلين : يكون الجن شركاء لله تعالى ~~. وأقول : الحق هو القول الأول . والقولان الأخيران ضعيفان جدا . أما تفسير ~~هذا الشرك بقول العرب الملائكة ms3722 بنات الله ، فهذا باطل من وجوه : # الوجه الأول : أن هذا المذهب قد حكاه الله تعالى بقوله : { وخرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم } ( الأنعام : 100 ) فالقول بإثبات البنات لله ليس إلا ~~قول من يقول الملائكة بنات الله ، فلو فسرنا قوله : { وجعلوا لله شركاء ~~الجن } بهذا المعنى يلزم منه التكرار في الموضع الواحد من غير فائدة ، وأنه ~~لا يجوز . # الوجه الثاني : في إبطال هذا التفسير أن العرب قالوا : الملائكة بنات ~~الله ، وإثبات الولد لله غير ، وإثبات الشريك له غير ، والدليل على الفرق ~~بين الأمرين أنه تعالى ميز بينهما في قوله : { لم يلد ولم يولد * ولم يكن ~~له كفوا أحد } ( الإخلاص : 3 ، 4 ) ولو كان أحدهما عين الآخر لكان هذا ~~التفصيل في هذه السورة عبثا . # الوجه الثالث : أن القائلين بيزدان وأهرمن يصرحون بإثبات شريك لإله ~~العالم في تدبير هذا العالم ، فصرف اللفظ عنه وحمله على إثبات البنات صرف ~~للفظ عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز . # وأما القول الثاني : وهو قول من يقول المراد من هذه الشركة : أن الكفار ~~قبلوا قول الجن في عبادة الأصنام ، فهذا في غاية البعد لأن الداعي إلى ~~القول بالشرك لا يجوز تسميته بكونه شريكا لله لا بحسب حقيقة اللفظ ولا بحسب ~~مجازه ، وأيضا فلو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لزم وقوع التكرير من غير ~~فائدة ، لأن PageV13P094 الرد على عبدة الأصنام وعلى عبدة الكواكب قد سبق ~~على سبيل الاستقصاء ، فثبت سقوط هذين القولين ، وظهر أن الحق هو القول الذي ~~نصرناه وقويناه . # وأما قوله تعالى : { وخلقهم } ففيه بحثان : # / البحث الأول : اختلفوا في أن الضمير في قوله : { خلقهم } إلى ماذا يعود ~~؟ على قولين : # فالقول الأول : إنه عاد إلى { الجن } والمعنى أنهم قالوا الجن شركاء الله ~~، ثم إن هؤلاء القوم اعترفوا بأن إهرمن محدث ، ثم إن في المجوس من يقول إنه ~~تعالى تفكر في مملكة نفسه واستعظمها فحصل نوع من العجب ، فتولد الشيطان عن ~~ذلك العجب ، ومنهم من يقول شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان ، فهؤلاء ms3723 ~~معترفون بأن إهرمن محدث ، وأن محدثه هو الله تعالى فقوله تعالى : { وخلقهم ~~} إشارة إلى هذا المعنى ، ومتى ثبت أن هذا الشيطان مخلوق لله تعالى امتنع ~~جعله شريكا لله في تدبير العالم ، لأن الخالق أقوى وأكمل من المخلوق ، وجعل ~~الضعيف الناقص شريكا للقوي الكامل محال في العقول . # والقول الثاني : أن الضمير عائد إلى الجاعلين ، وهم الذين أثبتوا الشركة ~~بين الله تعالى وبين الجن ، وهذا القول عندي ضعيف لوجهين : أحدهما : أنا ~~إذا حملناه على ما ذكرناه صار ذلك اللفظ الواحد دليلا قاطعا تاما كاملا في ~~إبطال ذلك المذهب ، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يظهر منه فائدة وثانيهما ~~: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورات واجب ، وأقرب المذكورات في هذه الآية ~~هو الجن ، فوجب أن يكون الضمير عائدا إليه . # البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { وخلقهم } أي اختلاقهم للأفك ~~. يعني : وجعلوا الله خلقهم حيث نسبوا ذبائحهم إلى الله في قولهم : { والله ~~أمرنا بها } . # ثم قال : { وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } وفيه مباحث : # البحث الأول : أقول إنه تعالى حكى عن قوم أنهم أثبتوا إبليس شريكا لله ~~تعالى . ثم بعد ذلك حكى عن أقوام آخرين أنهم أثبتوا لله بنين وبنات . أما ~~الذين أثبتوا البنين فهم النصارى وقوم من اليهود وأما الذين أثبتوا البنات ~~فهم العرب الذين يقولون الملائكة بنات الله وقوله : { بغير علم } كالتنبيه ~~على ما هو الدليل القاطع في فساد هذا القول وفيه وجوه . # الحجة الأولى : أن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته ، فولده إما أن ~~يكون واجب الوجود لذاته أو لا يكون ، فإن كان واجب الوجود لذاته كان مستقلا ~~بنفسه قائما بذاته لا تعلق له في وجوده بالآخر ، ومن كان كذلك لم يكن والد ~~له البتة لأن الولد مشعر بالفرعية والحاجة وأما إن كان ذلك الولد ممكن ~~الوجود لذاته فحينئذ يكون وجوده بإيجاد واجب الوجود لذاته ، ومن كان كذلك ~~فيكون عبدا له ولا ولدا له ، فثبت أن من عرف أن الإله ما هو ، امتنع منه أن ~~يثبت له البنات والبنين . # / الحجة ms3724 الثانية : أن الولد يحتاج إليه أن يقوم مقامه بعد فنائه ، وهذا ~~إنما يعقل في حق من يفنى ، أما من تقدس عن ذلك لم يعقل الولد في حقه . # الحجة الثالثة : أن الولد مشعر بكونه متولدا عن جزء من أجزاء الوالد ، ~~وذلك إنما يعقل في حق من PageV13P095 يكون مركبا ويمكن انفصال بعض أجزائه ~~عنه ، وذلك في حق الواحد الفرد الواجب لذاته محال ، فحاصل الكلام أن من علم ~~أن الإله ما حقيقته استحال أن يقول له ولد فكان قوله : { وخرقوا له بنين ~~وبنات بغير علم } إشارة إلى هذه الدقيقة . # البحث الثاني : قرأ نافع { وخرقوا } مشددة الراء . والباقون { * خرقوا } ~~خفيفة الراء . قال الواحدي : الاختيار التخفيف ، لأنها أكثر والتشديد ~~للمبالغة والتكثير . # البحث الثالث : قال الفراء : معنى { * خرقوا } افتعلوا وافتروا . قال : ~~وخرقوا واخترقوا وخلقوا واختلقوا ، وافتروا واحد . وقال الليث : يقال : ~~تخرق الكذب وتخلقه ، وحكى صاحب ( الكشاف ) : أنه سئل الحسن عن هذه الكلمة ~~فقال : كلمة عربية كانت تقولها . كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم ~~يقول له بعضهم قد خرقها ، والله أعلم . ثم قال : ويجوز أن يكون من خرق ~~الثوب إذا شقه . أي شقوا له بنين وبنات . # ثم إنه تعالى ختم الآية فقال : { علم سبحانه وتعالى عما يصفون } فقوله ~~سبحانه تنزيه لله عن كل ما لا يليق به . وأما قوله : { وتعالى } فلا شك أنه ~~لا يفيد العلو في المكان ، لأن المقصود ههنا تنزيه الله تعالى عن هذه ~~الأقوال الفاسدة ، والعلو في المكان لا يفيد هذا المعنى . فثبت أن المراد ~~ههنا التعالي عن كل اعتقاد باطل . وقول فاسد . # فإن قالوا : فعلى هذا التقدير لا يبقى بين قوله : ( سبحانه ) وبين قوله : ~~( وتعالى ) فرق . # قلنا : بل يبقى بينهما فرق ظاهر ، فإن المراد بقوله سبحانه أن هذا القائل ~~يسبحه وينزهه عما لا يليق به والمراد بقوله : { وتعالى } كونه في ذاته ~~متعاليا متقدسا عن هذه الصفات سواء سبحه مسبح أو لم يسبحه ، فالتسبيح يرجع ~~إلى أقوال المسبحين ، والتعالي يرجع إلى صفته الذاتية التي حصلت له لذاته ~~لا لغيره . # ! 7 < { بديع السماوات ms3725 والا رض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل ~~شىء وهو بكل شىء عليم } . > 7 ! # / < < # | الأنعام : ( 101 ) بديع السماوات والأرض . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين فساد قول طوائف أهل الدنيا من المشركين . شرع ~~في إقامة الدلائل على فساد قول من يثبت له الولد فقال : { بديع * السماوات ~~والارض } . # واعلم أن تفسير قوله : { بديع * السماوات والارض } قد تقدم في سورة ~~البقرة إلا أنا نشير ههنا إلى ما هو المقصود الأصلي من هذه الآية . فنقول : ~~الإبداع عبارة عن تكوين الشيء من غير سبق مثال ، ولذلك فإن من أتى في فن من ~~الفنون بطريقة لم يسبقه غيره فيها ، يقال : إنه أبدع فيه . PageV13P096 # إذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى سلم للنصارى أن عيسى حدث من غير أب ~~ولا نطفة بل أنه إنما حدث ودخل في الوجود . لأن الله تعالى أخرجه إلى ~~الوجود من غير سبق الأب . # إذا عرفت هذا فنقول : المقصود من الآية أن يقال إنكم إما أن تريدوا بكونه ~~والدا لله تعالى أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم نطفة ووالد . وإما ~~أن تريدوا بكونه ولد الله تعالى كما هو المألوف المعهود من كون الإنسان ~~ولدا لأبيه ، وإما أن تريدوا بكونه ولدا لله مفهوما ثالثا مغايرا لهذين ~~المفهومين . # أما الاحتمال الأول : فباطل ، وذلك لأنه تعالى وإن كان يحدث الحوادث في ~~مثل هذا العالم الأسفل بناء على أسباب معلومة ووسايط مخصوصة إلا أن النصارى ~~يسلمون أن العالم الأسفل محدث ، وإذا كان الأمر كذلك . لزمهم الاعتراف بأنه ~~تعالى خلق السموات والأرض من غير سابقة مادة ولا مدة ، وإذا كان الأمر كذلك ~~. وجب أن يكون إحداثه للسموات والأرض إبداعا فلو لزم من مجرد كونه مبدعا ~~لإحداث عيسى عليه السلام كونه والدا له لزم من كونه مبدعا للسموات والأرض ~~كونه والدا لهما . ومعلوم أن ذلك باطل بالاتفاق ، فثبت أن مجرد كونه مبدعا ~~لعيسى عليه السلام لا يقتضي كونه والدا له ، فهذا هو المراد من قوله : { ~~بديع * السماوات والارض } وإنما ذكر السموات والأرض فقط ms3726 ولم يذكر ما فيهما ~~لأن حدوث ما في السموات والأرض ليس على سبيل الإبداع ، أما حدوث ذات ~~السموات والأرض فقد كان على سبيل الإبداع ، فكان المقصود من الإلزام حاصلا ~~بذكر السموات والأرض . لا بذكر ما في السموات والأرض ، فهذا إبطال الوجه ~~الأول . # وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون مراد القوم من الولادة هو الأمر ~~المعتاد المعروف من الولادة في الحيوانات ، فهذا أيضا باطل ويدل عليه وجوه ~~: # الوجه الأول : أن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة وشهوة ، ~~وينفصل عنه / جزء ويحتبس ذلك الجزء في باطن تلك الصاحبة ، وهذه الأحوال ~~إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ~~والحد والنهاية والشهوة واللذة ، وكل ذلك على خالق العالم محال . وهذا هو ~~المراد من قوله أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة . # والوجه الثاني : أن تحصيل الولد بهذا الطريق إنما يصح في حق من لا يكون ~~قادرا على الخلق والإيجاد والتكوين دفعة واحدة فلما أراد الولد وعجز عن ~~تكوينه دفعة واحدة عدل إلى تحصيله بالطريق المعتاد . أما من كان خالقا لكل ~~الممكنات قادرا على كل المحدثات ، فإذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون ، ~~ومن كان هذا الذي ذكرنا صفته ونعته ، امتنع منه إحداث شخص بطريق الولادة ~~وهذا هو المراد من قوله : { وخلق كل شىء } . # والوجه الثالث : وهو أن هذا الولد إما أن يكون قديما أو محدثا ، لا جائز ~~أن يكون قديما لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لذاته . وما كان واجب ~~الوجود لذاته كان غنيا عن غيره فامتنع كونه ولدا لغيره . فبقي أنه لو كان ~~ولدا لوجب كونه حادثا ، فنقول إنه تعالى عالم بجميع المعلومات فإما أن يعلم ~~أن له في تحصيل الولد كمالا ونفعا أو يعلم أنه ليس الأمر كذلك ، فإن كان ~~الأول فلا وقت يفرض أن الله تعالى خلق هذا الولد PageV13P097 فيه إلا ~~والداعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلا قبل ذلك ، ومتى كان الداعي إلى ~~إيجاده حاصلا قبله وجب حصول الولد قبل ms3727 ذلك ، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزليا ~~وهو محال ، وإن كان الثاني فقد ثبت أنه تعالى عالم بأنه ليس له في تحصيل ~~الولد كمال حال ولا ازدياد مرتبة في الإلهية ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن ~~لا يحدثه البتة في وقت من الأوقات ، وهذا هو المراد من قوله : { وهو بكل ~~شىء عليم } وفيه وجه آخر وهو أن يقال الولد المعتاد إنما يحدث بقضاء الشهوة ~~، وقضاء الشهوة يوجب اللذة ، واللذة مطلوبة لذاتها ، فلو صحت اللذة على ~~الله تعالى مع أنها مطلوبة لذاتها ، وجب أن يقال إنه لا وقت إلا وعلم الله ~~بتحصيل تلك اللذة يدعوه إلى تحصيلها قبل ذلك الوقت لأنه تعالى لما كان ~~عالما بكل المعلومات وجب أن يكون هذا المعنى معلوما ، وإذا كان الأمر كذلك ~~، وجب أن يحصل تلك اللذة في الأزل ، فلزم كون الولد أزليا ، وقد بينا أنه ~~محال فثبت أن كونه تعالى عالما بكل المعلومات مع كونه تعالى أزليا يمنع من ~~صحة الولد عليه ، وهذا هو المراد من قوله : { وهو بكل شىء عليم } فثبت بما ~~ذكرنا أنه لا يمكن إثبات الولد لله تعالى بناء على هذين الاحتمالين ~~المعلومين ، فأما إثبات الولد لله تعالى بناء على احتمال ثالث فذلك باطل . ~~لأنه غير متصور ولا مفهوم عند العقل ، فكان القول بإثبات الولادة بناء على ~~ذلك الاحتمال الذي هو غير متصور خوضا في محض الجهالة وأنه باطل ، فهذا هو ~~المقصود من هذه الآية / ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يذكروا في ~~هذه المسألة كلاما يساويه في القوة والكمال لعجزوا عنه ، فالحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . # ! 7 < { ذالكم الله ربكم لاإلاه إلا هو خالق كل شىء فاعبدوه وهو على كل ~~شىء وكيل } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 102 ) ذلكم الله ربكم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على وجود الإله القادر المختار الحكيم ~~الرحيم وبين فساد قول من ذهب إلى الإشراك بالله ، وفصل مذاهبهم على أحسن ~~الوجوه وبين فساد كل واحد منها بالدلائل اللائقة به . ثم ms3728 حكى مذهب من أثبت ~~لله البنين والبنات ، وبين بالدلائل القاطعة فساد القول بها فعند هذا ثبت ~~أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والضد والند ، ومنزه عن ~~الأولاد والبنين والبنات ، فعند هذا صرح بالنتيجة فقال : ذلكم الله ربكم لا ~~إله إلا هو خالق كل ما سواه فاعبدوه ولا تعبدوا غيره أحدا فإنه هو المصلح ~~لمهمات جميع العباد ، وهو الذي يسمع دعاءهم ويرى ذلهم وخضوعهم ، ويعلم ~~حاجتهم ، وهو الوكيل لكل أحد على حصول مهماته ، ومن تأمل في هذا النظم ~~والترتيب في تقرير الدعوة إلى التوحيد والتنزيه ، وإظهار فساد الشرك ، علم ~~أنه لا طريق أوضح ولا أصلح منه . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : ( ذلكم ) إشارة إلى الموصوف بما ~~تقدم من الصفات وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة ، وهي : { الله ربكم لا ~~إلاه إلا هو خالق كل شىء } أي ذلك الجامع لهذه الصفات PageV13P098 فاعبدوه ~~، على معنى أن من حصلت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة فاعبدوه ، ولا ~~تعبدوا أحدا سواء . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى بين في هذه السورة بالدلائل الكثيرة ~~افتقار الخلق إلى خالق وموجد ، ومحدث ، ومبدع ، ومدبر ، ولم يذكر دليلا ~~منفصلا يدل على نفي الشركاء ، والأضداد والأنداد ، ثم إنه اتبع الدلائل ~~الدالة على وجود الصانع بأن نقل قول من أثبت لله شريكا ، فهذا القدر يكون ~~أوجب الجزم بالتشريك من الجن ، ثم أبطله ، ثم إنه تعالى بعد ذلك أتى ~~بالتوحيد المحض حيث قال : { ذالكم الله ربكم لا إلاه إلا هو خالق كل شىء ~~فاعبدوه } وعند هذا يتوجه السؤال وهو أن حاصل ما تقدم إقامة الدليل على ~~وجود الخالق ، وتزييف دليل من أثبت لله شريكا ، فهذا / القدر كيف أوجب ~~الجزم بالتوحيد المحض ؟ فنقول : للعلماء في إثبات التوحيد طرق كثيرة ، ومن ~~جملتها هذه الطريقة . وتقريرها من وجوه : الأول : قال المتقدمون الصانع ~~الواحد كاف وما زاد على الواحد فالقول فيه متكافىء ، فوجب القول بالتوحيد ~~أما قولنا : الصانع الواحد كاف فلأن الإله القادر على كل المقدورات العالم ~~بكل المعلومات ms3729 كاف في كونه إلها للعالم ، ومدبرا له . وأما أن الزائد على ~~الواحد ، فالقول فيه متكافىء ، فلأن الزائد على الواحد لم يدل الدليل على ~~ثبوته ، فلم يكن إثبات عدد أولى من إثبات عدد آخر ، فيلزم إما إثبات آلهة ~~لا نهاية لها ، وهو محال ، أو إثبات عدد معين مع أنه ليس ذلك العدد أولى من ~~سائر الأعداد ، وهو أيضا محال ، وإذا كان القسمان باطلين لم يبق إلا القول ~~بالتوحيد . # الوجه الثاني : في تقرير هذه الطريقة أن الإله القادر على كل الممكنات ~~العالم بكل المعلومات كاف في تدبير العالم ، فلو قدرنا إلها ثانيا لكان ذلك ~~الثاني إما أن يكون فاعلا وموجودا لشيء من حوادث هذا العالم أو لا يكون ، ~~والأول باطل ، لأنه لما كان كل واحد منهما قادرا على جميع الممكنات فكل فعل ~~يفعله أحدهما صار كونه فاعلا لذلك الفعل مانعا للآخر عن تحصيل مقدوره ، ~~وذلك يوجب كون كل واحد منهما سببا لعجز الآخر وهو محال . وإن كان الثاني لا ~~يفعل فعلا ولا يوجد شيئا كان ناقصا معطلا ، وذلك لا يصلح للإلهية . # والوجه الثالث : في تقرير هذه الطريقة أن نقول : إن هذا الإله الواحد لا ~~بد وأن يكون كاملا في صفات الإلهية ، فلو فرضنا إلها ثانيا لكان ذلك الثاني ~~إما أن يكون مشاركا للأول في جميع صفات الكمال أو لا يكون ، فإن كان مشاركا ~~للأول في جميع صفات الكمال فلا بد وأن يكون متميزا عن الأول بأمر ما ، إذ ~~لو لم يحصل الامتياز بأمر من الأمور لم يحصل التعدد والإثنينية ، وإذا حصل ~~الامتياز بأمر ما فذلك الأمر المميز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون ~~. فإن كان من صفات الكمال مع أنه حصل الامتياز به لم يكن جميع صفات الكمال ~~مشتركا فيه بينهما ، وإن لم يكن ذلك المميز من صفات الكمال ، فالموصوف به ~~يكون موصوفا بصفة ليست من صفات الكمال ، وذلك نفصان ، فثبت بهذه الوجوه ~~الثلاثة أن الإله الواحد كاف في تدبير العالم والإيجاد ، وأن الزائد يجب ~~نفيه فهذه الطريقة هي ms3730 التي ذكرها الله تعالى ههنا في تقرير التوحيد . وأما ~~التمسك بدليل التمانع فقد ذكرناه في سورة البقرة . # المسألة الثالثة : تمسك أصحابنا بقوله : { خالق كل شىء } على أنه تعالى ~~هو الخالق لأعمال العباد قالوا : أعمال العباد أشياء ، والله تعالى خالق كل ~~شيء بحكم هذه الآية فوجب كونه تعالى خالقا لها / واعلم أنا PageV13P099 ~~أطنبنا الكلام في هذا الدليل في كتاب ( الجبر والقدر ) ، ونكتفي ههنا من ~~تلك الكلمات بنكت قليلة . قالت المعتزلة : هذا اللفظ وإن كان عاما إلا أنه ~~حصل مع هذه الآية وجوه تدل على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم . ~~فأحدهما : أنه تعالى قال : { خالق كل شىء فاعبدوه } فلو دخلت أعمال العباد ~~تحت قوله : { خالق كل شىء } لصار تقدير الآية : أنا خلقت أعمالكم فافعلوها ~~بأعيانها أنتم مرة أخرى . ومعلوم أن ذلك فاسد . وثانيها : أنه تعالى إنما ~~ذكر قوله : { خالق كل شىء } في معرض المدح والثناء على نفسه ، فلو دخل تحته ~~أعمال العباد لخرج عن كونه مدحا وثناء لأنه لا يليق به سبحانه أن يتمدح ~~بخلق الزنا واللواط والسرقة والكفر . وثالثها : أنه تعالى قال بعد هذه ~~الآية : { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها } ، وهذا ~~تصريح بكون العبد مستقلا بالفعل والترك ، وأنه لا مانع له البتة من الفعل ~~والترك ، وذلك يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى إذ لو كان مخلوقا ~~لله تعالى لما كان العبد مستقلا به ، لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع منه ~~الدفع ، وإذا لم يوجده الله تعالى امتنع منه التحصيل . فلما دلت هذه الآية ~~على كون العبد مستقلا بالفعل والترك وثبت أن كونه كذلك يمنع أن يقال فعل ~~العبد مخلوق لله تعالى ، ثبت أن ذكر قوله : { فمن أبصر فلنفسه ومن عمى ~~فعليها } يوجب تخصيص ذلك العموم . ورابعها : أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله ~~: { وجعلوا لله شركاء الجن } وقد بينا أن المراد منه رواية مذهب المجوس في ~~إثبات إلهين للعالم . أحدهما يفعل اللذات والخيرات ، والآخر يفعل الآلام ~~والآفات فقوله بعد ذلك : { لا ms3731 إلاه إلا هو خالق كل شىء } يجب أن يكون ~~محمولا على إبطال ذلك المذهب ، وذلك إنما يكون إذا قلنا إنه تعالى هو ~~الخالق لكل ما في هذا العالم من السباع والحشرات والأمراض والآلام ، فإذا ~~حملنا قوله : { خالق كل شىء } على هذا الوجه لم يدخل تحت أعمال العباد . ~~قالوا : فثبت أن هذه الدلائل الأربعة توجب خروج أعمال العباد عن عموم قوله ~~تعالى : { خالق كل شىء } . # والجواب : أنا نقول الدليل العقلي القاطع قد ساعد على صحة ظاهر هذه الآية ~~. وتقريره أن الفعل موقوف على الداعي وخالق الداعي هو الله تعالى ، ومجموع ~~القدرة مع الداعي يوجب الفعل وذلك يقتضي كونه تعالى خالقا لأفعال العباد / ~~وإذا تأكد هذا الظاهر بهذا البرهان العقلي القاطع زالت الشكوك والشبهات . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { خالق كل شىء فاعبدوه } يدل على ترتيب ~~الأمر بالعبادة على كونه تعالى خالقا لكل الأشياء بفاء التعقيب وترتيب ~~الحكم على الوصف بحرف الفاء مشعر بالسببية ، فهذا يقتضي أن يكون كونه تعالى ~~خالقا للأشياء هو الموجب لكونه معبودا على الإطلاق ، والإله / هو المستحق ~~للمعبودية ، فهذا يشعر بصحة ما يذكره بعض أصحابنا من أن الإله عبارة عن ~~القادر على الخلق والإبداع والإيجاد والاختراع . # المسألة الخامسة : احتج كثير من المعتزلة بقوله : { خالق كل شىء } على ~~نفي الصفات ، وعلى كون القرآن مخلوقا . أما نفي الصفات فلأنهم قالوا : لو ~~كان تعالى عالما بالعلم قادرا بالقدرة ، لكان ذلك العلم والقدرة إما أن ~~يقال : إنهما قديمان . أو محدثان ، والأول باطل . لأن عموم قوله : { خالق ~~كل شىء } يقتضي كونه خالقا لكل الأشياء أدخلنا التخصيص في PageV13P100 هذا ~~العموم بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقا لنفسه ، فوجب أن ~~يبقى على عمومه فيما سواه ، والقول بإثبات الصفات القديمة يقتضي مزيد ~~التخصيص في هذا العموم ، وأنه لا يجوز . والثاني : وهو القول بحدوث علم ~~الله وقدرته . فهو باطل بالإجماع ، ولأنه يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم ~~والقدرة إلى سبق علم آخر وقدرة أخرى ، وأن ذلك محال . وأما تمسكهم بهذه ~~الآية على كون القرآن مخلوقا . فقالوا ms3732 : القرآن شيء وكل شيء فهو مخلوق لله ~~تعالى بحكم هذا العموم . فلزم كون القرآن مخلوقا لله تعالى أقصى ما في هذا ~~الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في ذات الله تعالى ، إلا أن العام ~~المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، ولذلك فإن دخول هذا التخصيص في هذا ~~العموم لم يمنع أهل السنة من التمسك به في إثبات أن أفعال العباد مخلوقة ~~لله تعالى . # وجواب أصحابنا عنه : أنا نخصص هذا العموم بالدلائل الدالة على كونه تعالى ~~عالما بالعلم قادرا بالقدرة ، وبالدلائل الدالة على أن كلام الله تعالى ~~قديم . # المسألة السادسة : قوله تعالى : { وهو على كل شىء وكيل } المراد منه أن ~~يحصل للعبد كمال التوحيد وتقريره ، وهو أن العبد وإن كان يعتقد أنه لا إله ~~إلا هو ، وأنه لا مدبر إلا الله تعالى ، إلا أن هذا العالم عالم الأسباب . # وسمعت الشيخ الإمام الزاهد الوالد رحمه الله يقول : لولا الأسباب لما ~~ارتاب مرتاب . وإذا كان الأمر كذلك فقد يعلق الرجل القلب بالأسباب الظاهرة ~~، فتارة يعتمد على الأمير ، وتارة يرجع في تحصيل مهماته إلى الوزير ، ~~فحينئذ لا ينال إلا الحرمان ولا يجد إلا تكثير الأحزان ، والحق تعالى قال : ~~{ وهو على كل شىء وكيل } والمقصود أن يعلم الرجل أنه لا حافظ إلا الله ، ~~ولا مصلح للمهمات إلا الله ، فحينئذ ينقطع طمعه عن كل ما سواه ، ولا يرجع ~~في مهم من المهمات إلا إليه . # المسألة الرابعة : أنه قال قبل هذه الآية بقليل { وخلق كل شىء } وقال ~~ههنا { خالق كل شىء } وهذا كالتكرار . # / والجواب من وجوه : الأول : أن قوله : { وخلق كل شىء } إشارة إلى الماضي ~~. # أما قوله : { خالق كل شىء } فهو اسم الفاعل ، وهو يتناول الأوقات كلها ، ~~والثاني : وهو التحقيق أنه تعالى ذكر هناك قوله : { وخلق كل شىء } ليجعله ~~مقدمة في بيان نفي الأولاد ، وههنا ذكر قوله : { خالق كل شىء } ليجعله ~~مقدمة في بيان أنه لا معبود إلا هو ، والحاصل أن هذه المقدمة مقدمة توجب ~~أحكاما كثيرة ونتائج مختلفة ، فهو تعالى يذكرها مرة بعد مرة ، ليفرع عليها ms3733 ~~في كل موضع ما يليق بها من النتيجة . # المسألة الثامنة : لقائل أن يقول : الإله هو الذي يستحق أن يكون معبودا ، ~~فقوله : { لا إلاه إلا هو } معناه لا يستحق العبادة إلا هو ، فما الفائدة ~~في قوله بعد ذلك { فاعبدوه } فإن هذا يوهم التكرير . # والجواب : قوله : { لا إلاه إلا هو } أي لا يستحق العبادة إلا هو ، وقوله ~~: { فاعبدوه } أي لا تعبدوا غيره . # المسألة التاسعة : القوم كانوا معترفين بوجود الله تعالى كما قال : { ~~ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) وما ~~أطلقوا لفظ الله على أحد سوى الله سبحانه ، كما قال تعالى : { هل تعلم له ~~سميا } ( مريم : 65 ) فقال : { ذالك * الله ربكم } ( إبراهيم : 34 ) أي ~~الشيء الموصوف بالصفات التي تقدم ذكرها هو الله تعالى ، ثم قال بعده : { ~~ربكم } يعني الذي يربيكم ويحسن إليكم بأصناف التربية ووجوه الإحسان ، وهي ~~أقسام PageV13P101 بلغت في الكثرة إلى حيث يعجز العقل عن ضبطها ، كما قال : ~~{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } . # ثم قال : { لا إلاه إلا هو } يعني أنكم لما عرفتم وجود الإله المحسن ~~المتفضل المتكرم فاعلموا أنه لا إله سواه ولا معبود سواه . # ثم قال : { خالق كل شىء } يعني إنما صح قولنا : لا إله سواه ، لأنه لا ~~خالق للخلق سواه ، ولا مدبر للعالم إلا هو . فهذا الترتيب ترتيب مناسب مفيد ~~. # ! 7 < { لا تدركه الا بصار وهو يدرك الا بصار وهو اللطيف الخبير } . > 7 ~~! # < < # | الأنعام : ( 103 ) لا تدركه الأبصار . . . . . # > > في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى تجوز رؤيته ~~والمؤمنين يرونه يوم القيامة من وجوه : الأول : في تقرير هذا المطلوب أن ~~نقول : هذه الآية تدل على أنه تعالى تجوز رؤيته . # / وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة . # أما المقام الأول : فتقريره : أنه تعالى تمدح بقوله : { لا تدركه الابصار ~~} وذلك مما يساعد الخصم عليه ، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في ~~نفي الرؤية . # وإذا ثبت هذا فنقول : لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله ~~: { لا ms3734 تدركه الابصار } ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته . والعلوم والقدرة ~~والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ، ولا مدح لشيء منها في ~~كونها بحيث لا تصح رؤيتها ، فثبت أن قوله : { لا تدركه الابصار } يفيد ~~المدح ، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية ، وهذا يدل على أن ~~قوله تعالى : { لا تدركه الابصار } يفيد كونه تعالى جائز الرؤية ، وتمام ~~التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته ، فحينئذ لا يلزم ~~من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء . أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ، ثم إنه ~~قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على ~~المدح والعظمة . فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ~~ذاته . # وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، والدليل عليه ~~أن القائل قائلان : قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه ، وقائل ~~قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته . فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا ~~يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلا . فثبت ~~بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وثبت أنه ~~متى كان الأمر كذلك ، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه ، فثبت بما ذكرنا دلالة ~~هذه الآية على حصول الرؤية وهذا استدلال لطيف من هذه الآية . PageV13P102 # الوجه الثاني : أن نقول المراد بالأبصار في قوله : { لا تدركه الابصار } ~~ليس هو نفس الإبصار فإن البصر لا يدرك شيئا البتة في موضع من المواضع . بل ~~المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله { لا تدركه الابصار } هو ~~أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله : { وهو يدرك الابصار } ~~المراد منه وهو يدرك المبصرين ، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى ~~يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله : { وهو يدرك الابصار } ~~يقتضي كونه تعالى مبصرا لنفسه ، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية ~~في ms3735 ذاته ، وكان تعالى يرى نفسه . وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه ~~، قال : إن المؤمنين يرونه يوم القيامة فصارت هذه الآية دالة على أنه جائز ~~الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، وإن أردنا أن نزيد هذا ~~الاستدلال اختصارا قلنا : قوله تعالى : { وهو يدرك الابصار } المراد منه ~~إما نفس البصر أو المبصر ، وعلى / التقديرين : فيلزم كونه تعالى مبصرا ~~لأبصار نفسه ، وكونه مبصرا لذات نفسه . وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون ~~يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق . # الوجه الثالث : في الاستدلال بالآية أن لفظ { الابصار } صيغة جمع دخل ~~عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله : { لا تدركه الابصار } يفيد ~~أنه لا يراه جميع الأبصار / فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب . # إذا عرفت هذا فنقول : تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في ~~بعض أفراد المجموع ، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيدا ما ضربه كل الناس ~~فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم . # فإذا قيل : إن محمدا صلى الله عليه وسلم ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن ~~به بعض الناس ، وكذا قوله : { لا تدركه الابصار } معناه : أنه لا تدركه ~~جميع الأبصار ، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار . أقصى ما في الباب أن ~~يقال : هذا تمسك بدليل الخطاب . فنقول : هب أنه كذلك إلا أنه دليل صحيح لأن ~~بتقدير أن لا يحصل الإدراك لأحد البتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث ~~هو مجموع عبثا ، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب . # الوجه الرابع : في التمسك بهذه الآية ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان ~~يقول : إن الله تعالى لا يرى بالعين ، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله ~~تعالى يوم القيامة ، واحتج عليه بهذه الآية فقال : دلت هذه الآية على تخصيص ~~نفي إدراك الله تعالى بالبصر ، وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في ~~غيره بخلافه ، فوجب أن يكون إدراك الله بغير البصر جائزا في الجملة ، ولما ~~ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن ms3736 لا تصلح لذلك ثبت أن يقال : إنه تعالى ~~يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه ، فهذه وجوه ~~أربعة مستنبطة من هذه الآية يمكن العويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون ~~الله في القيامة . # المسألة الثانية : في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية . # اعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين : الأول : أنهم قالوا : الإدراك ~~بالبصر عبارة عن الرؤية ، بدليل أن قائلا لو قال أدركته ببصري وما رأيته ، ~~أو قال رأيته وما أدركته ببصري فإنه يكون كلامه متناقضا ، فثبت أن الإدراك ~~بالبصر عبارة عن الرؤية . PageV13P103 # إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : { لا تدركه الابصار } يقتضي أنه لا ~~يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال ، والدليل على صحة هذا العموم وجهان ~~: الأول : يصح استثناء جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال : لا تدركه ~~الأبصار إلا بصر فلان ، وإلا في الحالة الفلانية والاستثناء / يخرج من ~~الكلام ما لولاه لوجب دخوله . فثبت أن عموم هذه الآية يفيد عموم النفي عن ~~كل الأشخاص في جميع الأحوال . وذلك يدل على أن أحدا لا يرى الله تعالى في ~~شيء من الأحوال . # الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية تفيد العموم أن عائشة رضي الله عنها ~~لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى به ليلة ~~المعراج تمسكت في نصرة مذهب نفسها بهذه الآية ، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة ~~للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال ، ولا شك ~~أنها كانت من أشد الناس علما بلغة العرب . فثبت أن هذه الآية دالة على ~~النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص وذلك يفيد المطلوب . # الوجه الثاني : في تقرير استدلال المعتزلة بهذه الآية أنهم قالوا : إن ما ~~قبل هذه الآية إلى هذا الموضع مشتمل على المدح والثناء ، وقوله بعد ذلك : { ~~وهو يدرك الابصار } أيضا مدح وثناء فوجب أن يكون قوله : { لا تدركه الابصار ~~} مدحا وثناء ، وإلا لزم أن يقال : إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما ms3737 هو ~~مدح وثناء ، وذلك يوجب الركاكة وهي غير لائقة بكلام الله . # إذا ثبت هذا فنقول : كل ما كان عدمه مدحا ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ~~ثبوته نقصا في حق الله تعالى ، والنقص على الله تعالى محال ، لقوله : { لا ~~تأخذه سنة ولا نوم } ( البقرة : 255 ) وقوله : { ليس كمثله شىء } ( الشورى ~~: 11 ) وقوله : { لم يلد ولم يولد } ( الإخلاص : 3 ) إلى غير ذلك . فوجب أن ~~يقال كونه تعالى مرئيا محال . # واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى تمدح ~~بنفي الظلم عن نفسه في قوله : { وما الله يريد ظلما للعالمين } ( آل عمران ~~: 108 ) وقوله : { وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ) مع أنه تعالى قادر ~~على الظلم عندهم ، فذكروا هذا القيد دفعا لهذا النقض عن كلامهم . فهذا غاية ~~تقرير كلامهم في هذا الباب . # والجواب عن الوجه الأول من وجوه : الأول : لا نسلم أن إدراك البصر عبارة ~~عن الرؤية والدليل عليه : أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق ~~والوصول قال تعالى : { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } ( الشعراء : 61 ) أي ~~لملحقون وقال : { حتى إذا أدركه الغرق } ( يونس : 90 ) أي لحقه ، ويقال : ~~أدرك فلان فلانا ، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم ، وأدركت الثمرة أي نضجت . ~~فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء . # إذا عرفت هذا فنقول : المرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع ~~حدوده وجوانبه ونهاياته . صار كأن ذلك الإبصار أحاط به فتسمى هذه الرؤية ~~إدراكا ، أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئي لم تسم تلك الرؤية إدراكا . ~~فالحاصل أن الرؤية جنس تحتها نوعان : رؤية مع الإحاطة . ورؤية لا مع ~~الإحاطة . والرؤية مع الإحاطة هي المسماة بالإدراك فنفي الإدراك يفيد نفي ~~نوع واحد من / نوعي الرؤية ، ونفي النوع لا يوجب نفي الجنس . فلم يلزم من ~~نفي الإدراك عن الله تعالى نفي الرؤية عن الله تعالى ، فهذا وجه حسن مقبول ~~في الاعتراض على كلام الخصم . PageV13P104 # قلنا : هذا بعيد لأن الإدراك أخص من الرؤية وإثبات الأخص يوجب إثبات ms3738 ~~الأعم . وأما نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم . فثبت أن البيان الذي ذكرناه ~~يبطل كلامكم ولا يبطل كلامنا . # الوجه الثاني : في الاعتراض أن نقول : هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن ~~الرؤية ، لكن لم قلتم أن قوله لا تدركه الأبصار يفيد عموم النفي عن كل ~~الأشخاص وعن كل الأحوال وفي كل الأوقات ؟ وأما الاستدلال بصحة الاستثناء ~~على عموم النفي فمعارض بصحة الاستثناء عن جمع القلة مع أنها لا تفيد عموم ~~النفي بل نسلم أنه يفيد العموم إلا أن نفي العموم غير ، وعموم النفي غير ، ~~وقد دللنا على أن هذا اللفظ لا يفيد إلا نفي العموم ، وبينا أن نفي العموم ~~يوجب ثبوت الخصوص ، وهذا هو الذي قررناه في وجه الاستدلال . وأما قوله إن ~~عائشة رضي الله عنها تمسكت بهذه الآية في نفي الرؤية فنقول : معرفة مفردات ~~اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة ، فأما كيفية الاستدلال بالدليل فلا يرجع ~~فيه إلى التقليد ، وبالجملة فالدليل العقلي دل على أن قوله : { لا تدركه ~~الابصار } يفيد نفي العموم . وثبت بصريح العقل أن نفي العموم مغاير لعموم ~~النفي ومقصودهم إنما يتم لو دلت الآية على عموم النفي ، فسقط كلامهم . # الوجه الثالث : أن نقول صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على ~~المعهود السابق أيضا ، وإذا كان كذلك فقوله : { لا تدركه الابصار } يفيد أن ~~الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه ، ونحن نقول بموجبه فإن هذه الأبصار ~~وهذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا ~~تدرك الله تعالى ، وإنما تدرك الله تعالى إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها ~~فلم قلتم أن عند حصول هذه التغيرات لا تدرك الله ؟ # الوجه الرابع : سلمنا أن الأبصار البتة لا تدرك الله تعالى فلم لا يجوز ~~حصول إدراك الله تعالى بحاسة سادسة مغايرة لهذه الحواس كما كان ضرار بن ~~عمرو يقول به ؟ وعلى هذا التقدير فلا يبقى في التمسك بهذه الآية فائدة . # الوجه الخامس : هب أن هذه الآية عامة إلا أن الآيات الدالة على إثبات ~~رؤية الله ms3739 تعالى خاصة والخاص مقدم على العام ، وحينئذ ينتقل الكلام من هذا ~~المقام إلى بيان أن تلك الآيات هل / تدل على حصول رؤية الله تعالى أم لا ؟ # الوجه السادس : أن نقول بموجب الآية فنقول : سلمنا أن الأبصار لا تدرك ~~الله تعالى ، فلم قلتم إن المبصرين لا يدركون الله تعالى ؟ فهذا مجموع ~~الأسئلة على الوجه الأول ، وأما الوجه الثاني فقد بينا أنه يمتنع حصول ~~التمدح بنفي الرؤية لو كان تعالى في ذاته بحيث تمتنع رؤيته ، بل إنما يحصل ~~التمدح لو كان بحيث تصح رؤيته ، ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته ، ~~وبهذا الطريق يسقط كلامهم بالكلية ، ثم نقول : إن النفي يمتنع أن يكون سببا ~~لحصول المدح والثناء ، وذلك لأن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجبا ~~للمدح والثناء والعلم به ضروري ، بل إذا كان النفي دليلا على حصول صفة ~~ثابتة من صفات المدح والثناء . قيل : بأن ذلك النفي يوجب المدح . ومثاله أن ~~قوله : { لا تأخذه سنة ولا نوم } لا يفيد المدح نظرا إلى هذا النفي . فإن ~~الجماد لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري تعالى يدل على ~~كونه PageV13P105 تعالى عالما بجميع المعلومات أبدا من غير تبدل ولا زوال ~~وكذلك قوله : { وهو يطعم ولا يطعم } ( الأنعام : 14 ) يدل على كونه قائما ~~بنفسه غنيا في ذاته لأن الجماد أيضا لا يأكل ولا يطعم . # إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { لا تدركه الابصار } يمتنع أن يفيد المدح ~~والثناء إلا إذا دل على معنى موجود يفيد المدح والثناء ، وذلك هو الذي ~~قلناه ، فإنه يفيد كونه تعالى قادرا على حجب الأبصار ومنعها عن إدراكه ~~ورؤيته . وبهذا التقرير فإن الكلام ينقلب عليهم حجة فسقط استدلال المعتزلة ~~بهذه الآية من كل الوجوه . # المسألة الثالثة : اعلم أن القاضي ذكر في ( تفسيره ) وجوها أخرى تدل على ~~نفي الرؤية وهي في الحقيقة خارجة عن التمسك بهذه الآية ومنفصلة عن علم ~~التفسير وخوض في علم الأصول ، ولما فعل القاضي ذلك فنحن ننقلها ونجيب عنها ~~ثم نذكر لأصحابنا وجوها دالة ms3740 على صحة الرؤية . أما القاضي فقد تمسك بوجوه ~~عقلية أولها : أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضرا وكانت الشرائط ~~المعتبرة حاصلة وهي أن لا يحصل القرب القريب ولا البعد البعيد ولا يحصل ~~الحجاب ويكون المرئي مقابلا أو في حكم المقابل فإنه يجب حصول الرؤية ، إذ ~~لو جاز مع حصول هذه الأمور أن لا تحصل الرؤية جاز أن يكون بحضرتنا بوقات ~~وطبلات ولا نسمعها ولا نراها وذلك يوجب السفسطة . # قالوا إذا ثبت هذا فنقول : إن انتفاء القرب القريب والبعد البعيد والحجاب ~~وحصول المقابلة في حق الله تعالى ممتنع ، فلو صحت رؤيته لوجب أن يكون ~~المقتضي لحصول تلك الرؤية هو سلامة الحاسة وكون المرئي تصح رؤيته . وهذان ~~المعنيان حاصلان في هذا الوقت . فلو كان بحيث تصح رؤيته لوجب أن تحصل رؤيته ~~في هذا الوقت . وحيث لم تحصل هذه الرؤية علمنا أنه ممتنع الرؤية . # / والحجة الثانية : أن كل ما كان مرئيا كان مقابلا أو في حكم المقابل ~~والله تعالى ليس كذلك ، فوجب أن تمتنع رؤيته . # والحجة الثالثة : قال القاضي : ويقال لهم كيف يراه أهل الجنة دون أهل ~~النار ؟ إما أن يقرب منهم أو يقابلهم فيكون حالهم معه بخلاف أهل النار وهذا ~~يوجب أنه جسم يجوز عليه القرب والبعد والحجاب . # والحجة الرابعة : قال القاضي : إن قلتم إن أهل الجنة يرونه في كل حال حتى ~~عند الجماع وغيره فهو باطل ، أو يرونه في حال دون حال وهذا أيضا باطل ، لأن ~~ذلك يوجب أنه تعالى مرة يقرب وأخرى يبعد . وأيضا فرؤيته أعظم اللذات ، وإذا ~~كان كذلك وجب أن يكونوا مشتهين لتلك الرؤية أبدا . فإذا لم يروه في بعض ~~الأوقات وقعوا في الغم والحزن وذلك لا يليق بصفات أهل الجنة . فهذا مجموع ~~ما ذكره في ( كتاب التفسير ) . واعلم أن هذه الوجوه في غاية الضعف . # أما الوجه الأول : فيقال له هب أن رؤية الأجسام والأعراض عند حصول سلامة ~~الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط واجبة ، فلم قلتم إنه يلزم منه أن ~~يكون رؤية الله تعالى عند سلامة ms3741 الحاسة وعند كون المرئي بحيث يصح رؤيته ~~واجبة ؟ ألم تعلموا أن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات ، ولا يلزم من ثبوت ~~حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه ، والعجب من هؤلاء المعتزلة أن ~~أولهم وآخرهم PageV13P106 عولوا على هذا الدليل وهم يدعون الفطنة التامة ~~والكياسة الشديدة ولم يتنبه أحد منهم لهذا السؤال ولم يخطر بباله ركاكة هذا ~~الكلام . # وأما الوجه الثاني : فيقال له إن النزاع بيننا وبينك وقع في أن الموجود ~~الذي لا يكون مختصا بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا ؟ فإما أن تدعوا أن ~~العلم بامتناع رؤية هذا الموجود الموصوف بهذه الصفة علم بديهي أو تقولوا ~~أنه علم استدلالي ، والأول باطل لأنه لو كان العلم به بديهيا لما وقع ~~الخلاف فيه بين العقلاء . وأيضا فبتقدير أن يكون هذا العلم بديهيا كان ~~الاشتغال بذكر الدليل عبثا فاتركوا الاستدلال واكتفوا بادعاء البديهة . وإن ~~كان الثاني فنقول : قولكم المرئي يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل ~~إعادة لعين الدعوى ، لأن حاصل الكلام أنكم قلتم : الدليل على أن ما لا يكون ~~مقابلا ولا في حكم المقابل لا تجوز رؤيته ، أن كل ما كان مرئيا فإنه يجب أن ~~يكون مقابلا أو في حكم المقابل ، ومعلوم أنه لا فائدة في هذا الكلام إلا ~~إعادة الدعوى . # وأما الوجه الثالث : فيقال له لم لا يجوز أن يقال إن أهل الجنة يرونه ~~وأهل النار لا يرونه ؟ لا لأجل القرب والبعد كما ذكرت ، بل لأنه تعالى يخلق ~~الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها / في عيون أهل النار فلو رجعت في ~~إبطال هذا الكلام إلى أن تجويزه يفضي إلى تجويز أن يكون بحضرتنا بوقات ~~وطبلات ولا نراها ولا نسمعها ، كان هذا رجوعا إلى الطريقة الأولى ، وقد سبق ~~جوابها . # وأما الوجه الرابع : فيقال لم لا يجوز أن يقال : إن المؤمنين يرون الله ~~تعالى في حال دون حال . أما قوله فهذا يقتضي أن يقال : إنه تعالى مرة يقرب ~~ومرة يبعد ، فيقال هذا عود إلى أن الإبصار لا يحصل إلا ms3742 عند الشرائط ~~المذكورة ، وهو عود إلى الطريق الأول ، وقد سبق جوابه ، وقوله ثانيا : ~~الرؤية أعظم اللذات ، فيقال له إنها وإن كانت كذلك إلا أنه لا يبعد أن يقال ~~إنهم يشتهونها في حال دون حال ، بدليل أن سائر لذات الجنة ومنافعها طيبة ~~ولذيذة ثم إنها تحصل في حال دون حال فكذا ههنا . فهذا تمام الكلام في ~~الجواب عن الوجوه التي ذكرها في هذا الباب . # المسألة الرابعة : في تقرير الوجوه الدالة على أن المؤمنين يرون الله ~~تعالى ونحن بعدها هنا عدا ، ونحيل تقريرها إلى المواضع اللائقة بها . ~~فالأول : أن موسى عليه السلام طلب الرؤية من الله تعالى ، وذلك يدل على ~~جواز رؤية الله تعالى . والثاني : أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل ~~حيث قال : { فإن استقر مكانه فسوف ترانى } ( الأعراف : 143 ) واستقرار ~~الجبل جائز والمعلق على الجائز جائز ، وهذان الدليلان سيأتي تقريرهما إن ~~شاء الله تعالى في سورة الأعراف . # الحجة الثالثة : التمسك بقوله : { لا تدركه الابصار } من الوجوه المذكورة ~~. # الحجة الرابعة : التمسك بقوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : ~~26 ) وزيادة وتقريره قد ذكرناه في سورة يونس . # الحجة الخامسة : التمسك بقوله تعالى : { فمن كان يرجو لقاء ربه } ( الكهف ~~: 110 ) وكذا القول في جميع الآيات المشتملة على اللقاء وتقريره قد مر في ~~هذا التفسير مرارا وأطوارا . PageV13P107 # الحجة السادسة : التمسك بقوله تعالى : { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا ~~كبيرا } ( الأنسان : 20 ) فإن إحدى القراآت في هذه الآية : { ملكا } بفتح ~~الميم وكسر اللام ، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى . ~~وعندي التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها . # الحجة السابعة : التمسك بقوله تعالى : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ~~} ( المطففين : 15 ) وتخصيص الكفار بالحجب يدل على أن المؤمنين لا يكونون ~~محجوبين عن رؤية الله عز وجل . # الحجة الثامنة : التمسك بقوله تعالى : { ولقد رءاه نزلة أخرى * عند سدرة ~~المنتهى } ( النجم : 13 ، 14 ) وتقرير هذه الحجة سيأتي في تفسير سورة النجم ~~. # الحجة التاسعة : أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله تعالى على ~~أكمل الوجوه ms3743 ، وأكمل / طرق المعرفة هو الرؤية . فوجب أن تكون رؤية الله ~~تعالى مطلوبة لكل أحد ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى : { ~~ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم } ( فصلت : 31 ) . # الحجة العاشرة : قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت ~~لهم جنات الفردوس نزلا } ( الكهف : 107 ) دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل ~~جميع جنات الفردوس نزلا للمؤمنين ، والاقتصار فيها على النزل لا يجوز ، بل ~~لا بد وأن يحصل عقيب النزل تشريف أعظم حالا من ذلك النزل ، وما ذاك إلا ~~الرؤية . # الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ~~} ( القيامة : 22 ، 23 ) وتقرير كل واحد من هذه الوجوه سيأتي في الموضع ~~اللائق به من هذا الكتاب . وأما الأخبار فكثيرة منها الحديث المشهور وهو ~~قوله عليه السلام : ( سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في ~~رؤيته ) واعلم أن التشبيه وقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح ~~لا في تشبيه المرئي بالمرئي ، ومنها ما اتفق الجمهور عليه من أنه صلى الله ~~عليه وسلم قرأ قوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) ~~فقال الحسنى هي الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه الله ، ومنها أن الصحابة ~~رضي الله عنهم اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى الله ليلة ~~المعراج ، ولم يكفر بعضهم بعضا بهذا السبب ؟ وما نسبه إلى البدعة والضلالة ~~، وذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلا في رؤية الله ~~تعالى ، فهذا جملة الكلام في سمعيات مسألة الرؤية . # المسألة الخامسة : دل قوله تعالى : { وهو يدرك الابصار } على أنه تعالى ~~يرى الأشياء ويبصرها ويدركها . وذلك لأنه إما أن يكون المراد من الأبصار ~~عين الأبصار . أو المراد منه المبصرين ، فإن كان الأول وجب الحكم بكونه ~~تعالى رائيا لرؤية الرائين ولأبصار المبصرين ، وكل من قال ذلك قال إنه ~~تعالى يرى جميع المرئيات والمبصرات . وإن كان الثاني وجب الحكم بكونه تعالى ~~رائيا للمبصرين ، فعلى كلا التقديرين تدل هذه الآية على كونه تعالى مبصرا ~~للمبصرات رائيا للمرئيات ms3744 . # المسألة السادسة : قوله تعالى : { وهو يدرك الابصار } يفيد الحصر معناه ~~أنه تعالى هو يدرك الأبصار ولا يدركها غير الله تعالى ، والمعنى أن الأمر ~~الذي به يصير الحي رائيا للمرئيات ومبصرا للمبصرات ومدركا للمدركات ، أمر ~~عجيب وماهية شريفة ، لا يحيط العقل بكنهها . ومع ذلك فإن الله تعالى مدرك ~~لحقيقتها PageV13P108 مطلع على ماهيتها ، فيكون المعنى من قوله : { لا ~~تدركه الابصار } هو أن شيئا من القوى المدركة لا تحيط بحقيقته ، وأن عقلا ~~من العقول لا يقف على كنه صمديته ، فكلت الأبصار عن إدراكه ، وارتدعت ~~العقول عن الوصول إلى ميادين عزته ، / وكما أن شيئا لا يحيط به ، فعلمه ~~محيط بالكل ، وإدراكه متناول للكل ، فهذا كيفية نظم هذه الآية . # المسألة السابعة : قوله : { وهو اللطيف الخبير } اللطافة ضد الكثافة ، ~~والمراد منه الرقة ، وذلك في حق الله ممتنع ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ~~، وهو من وجوه : # الوجه الأول : المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء ~~الدقيقة ، والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا الله ~~تعالى . # الوجه الثاني : أنه سبحانه لطيف في الإنعام والرأفة والرحمة . # والوجه الثالث : أنه لطيف بعباده ، حيث يثني عليهم عند الطاعة ، ويأمرهم ~~بالتوبة عند المعصية ، ولا يقطع عنهم سواد رحمته سواء كانوا مطيعين أو ~~كانوا عصاة . # الوجه الرابع : أنه لطيف بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم ، وينعم عليهم بما ~~هو فوق استحقاقهم . وأما الخبير : فهو من الخبر وهو العلم ، والمعنى أنه ~~لطيف بعباده مع كونه عالما بما هم عليه من ارتكاب المعاصي والإقدام على ~~القبائح ، وقال صاحب ( الكشاف ) { اللطيف } معناه : أنه يلطف عن أن تدركه ~~الأبصار { الخبير } بكل لطيف ، فهو يدرك الأبصار ، ولا يلطف شيء عن إدراكه ~~، وهذا وجه حسن . # ! 7 < { قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها ومآ أنا ~~عليكم بحفيظ } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 104 ) قد جاءكم بصائر . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قرر هذه البيانات الظاهرة ، ~~والدلائل القاهرة في هذه المطالب العالية الشريفة الإلهية . عاد إلى تقرير ~~أمر الدعوى والتبليغ والرسالة ms3745 فقال : { قد جاءكم بصائر من ربكم } والبصائر ~~جمع البصيرة ، وكما أن البصر اسم للإدراك التام الكامل الحاصل بالعين التي ~~في الرأس ، فالبصيرة اسم للإدراك التام الحاصل في القلب . قال تعالى : { بل ~~الإنسان على نفسه بصيرة } ( القيامة : 14 ) أي له من نفسه معرفة تامة ، ~~وأراد بقوله : { قد جاءكم بصائر من ربكم } الآيات المتقدمة ، وهي في أنفسها ~~ليست بصائر إلا أنها لقوتها وجلالتها توجب البصائر لمن عرفها ، ووقف على ~~حقائقها ، فلما كانت هذه الآيات أسبابا لحصول البصائر . سميت هذه الآيات ~~أنفسها بالبصائر ، والمقصود من هذه الآية بيان ما يتعلق بالرسول وما لا ~~يتعلق به . # / أما القسم الأول : وهو الذي يتعلق بالرسول ، فهو الدعوة إلى الدين الحق ~~، وتبليغ الدلالة والبينات PageV13P109 فيها ، وهو أنه عليه السلام ما قصر ~~في تبليغها وإيضاحها وإزالة الشبهات عنها ، وهو المراد من قوله : { قد ~~جاءكم بصائر من ربكم } . # وأما القسم الثاني : وهو الذي لا يتعلق بالرسول ، فإقدامهم على الإيمان ~~وترك الكفر ، فإن هذا لا يتعلق بالرسول ، بل يتعلق باختيارهم ، ونفعه وضره ~~عائد إليهم ، والمعنى من أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر ، وإياها نفع ، ومن ~~عمي عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر بالعمى { وما أنا عليكم بحفيظ } احفظ ~~أعمالكم وأجازيكم عليها . إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم . # المسألة الثانية : في أحكام هذه الآية ، وهي أربعة ذكرها القاضي : فالأول ~~: الغرض بهذه البصائر أن ينتفع بها اختيارا استحق بها الثواب لا أن يحمل ~~عليها أو يلجأ إليها ، لأن ذلك يبطل هذا الغرض . والثاني : أنه تعالى إنما ~~دلنا وبين لنا منافع ، وأغراض المنافع تعود إلينا لا لمنافع تعود إلى الله ~~تعالى . والثالث : أن المرء بعدوله عن النظر والتدبر يضر بنفسه ، ولم يؤت ~~إلا من قبله لا من قبل ربه . والرابع : أنه متمكن من الأمرين ، فلذلك قال : ~~{ فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها } قال : وفيه إبطال قول المجبرة في ~~المخلوق ، وفي أنه تعالى يكلف بلا قدرة . # واعلم أنه متى شرعت المعتزلة في الحكمة والفلسفة والأمر والنهي ، فلا ~~طريق فيه إلا معارضته بسؤال الداعي فإنه ms3746 يهدم كل ما يذكرونه . # المسألة الثالثة : المراد من الإبصار ههنا العلم ، ومن العمي الجهل ، ~~ونظيره قوله تعال : { فإنها لا تعمى الابصار ولاكن تعمى القلوب التى فى ~~الصدور } ( الحج : 46 ) . # المسألة الرابعة : قال المفسرون قوله : { فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها ~~} معناه لا آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم والوكيل . قالوا : وهذا إنما ~~كان قبل الأمر بالقتال ، فلما أمر بالقتال صار حفيظا عليهم ، ومنهم من يقول ~~آية القتال ناسخة لهذه الآية ، وهو بعيد فكأن هؤلاء المفسرين مشغوفون ~~بتكثير النسخ من غير حاجة إليه ، والحق ما تقرره أصحاب أصول الفقه إن الأصل ~~عدم النسخ ، فوجب السعي في تقليله بقدر الإمكان . # ! 7 < { وكذالك نصرف الا يات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون } . > 7 ~~! # < < # | الأنعام : ( 105 ) وكذلك نصرف الآيات . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الإلهيات إلى هذا الموضع شرع من ~~هذا الموضع في إثبات / النبوات فبدأ تعالى بحكاية شبهات المنكرين لنبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم . # فالشبهة الأولى : قولهم يا محمد إن هذا القرآن الذي جئتنا به كلام ~~تستفيده من مدارسة العلماء ومباحثة الفضلاء ، وتنظمه من عند نفسك ، ثم ~~تقرأه علينا ، وتزعم أنه وحي نزل عليك من الله تعالى ، ثم إنه تعالى ~~PageV13P110 أجاب عنه بالوجوه الكثيرة ، فهذا تقرير النظم ، وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المراد من قوله : { وكذالك نصرف الايات } يعني ~~أنه تعالى يأتي بها متواترة حالا بعد حال ، ثم قال : { وليقولوا درست } ~~وفيه مباحث : # البحث الأول : حكى الواحدي : في قوله درس الكتاب قولين : الأول : قال ~~الأصمعي أصله من قولهم : درس الطعام إذا داسه ، يدرسه دراسا والدراس الدياس ~~بلغة أهل الشام قال : ودرس الكلام من هذا أي يدرسه فيخف على لسانه . ~~والثاني : قال أبو الهيثم درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه ~~، من قولهم درست الثوب أدرسه درسا فهو مدروس ودريس ، أي أخلقته ، ومنه قيل ~~للثوب الخلق دريس لأنه قد لان ، والدراسة الرياضة ، ومنه درست السورة حتى ~~حفظتها ، ثم قال الواحدي : وهذا القول قريب مما قاله الأصمعي بل هو نفسه ms3747 ~~لأن المعنى يعود فيه إلى الدليل والتليين . # البحث الثاني : قرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست بالألف ونصب التاء ، وهو ~~قراءة ابن عباس ومجاهد وتفسيرها قرأت على اليهود وقرؤا عليك ، وجرت بينك ~~وبينهم مدارسة ومذاكرة ، ويقوى هذه القراءة قوله تعالى : { وقال الذين ~~كفروا إن هاذا إلا إفك افتراه وأعانه } ( الفرقان : 4 ) وقرأ ابن عامر { ~~درست } أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا قديمة قد درست وانمحت ، ومضت من ~~الدرس الذي هو تعفى الأثر وإمحاء الرسم ، قال الأزهري من قرأ { درست } ~~فمعناه تقادمت أي هذا الذي تتلوه علينا قد تقادم وتطاول وهو من قولهم درس ~~الأثر يدرس دروسا . # واعلم أن صاحب ( الكشاف ) روى ههنا قراآت أخرى : فإحداها : { درست } بضم ~~الراء مبالغة في { درست } أي اشتد دروسها . وثانيها : { درست } على البناء ~~للمفعول بمعنى قدمت وعفت . وثالثها : { * دارست } وفسروها بدارست اليهود ~~محمدا . ورابعها : { * درس } أي درس محمد . وخامسها : { * دارسات } على ~~معنى هي دارسات أي قديمات أو ذات درس كعيشة راضية . # البحث الثالث : ( الواو ) في قوله : { الايات وليقولوا } عطف على مضمر ~~والتقدير وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة وليقولوا فحذف المعطوف عليه ~~لوضوح معناه . # / البحث الرابع : اعلم أنه تعالى قال : { وكذالك نصرف الايات } ثم ذكر ~~الوجه الذي لأجله صرف هذه الآيات وهو أمران : أحدهما قوله تعالى : { ~~وليقولوا } والثاني قوله : { درست ولنبينه لقوم يعلمون } أما هذا الوجه ~~الثاني فلا إشكال فيه لأنه تعالى بين أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه ~~البيان والفهم والعلم . وإنما الكلام في الوجه الأول وهو قوله : { وليقولوا ~~} لأن قولهم للرسول دارست كفر منهم بالقرآن والرسول ، وعند هذا الكلام عاد ~~بحث مسألة الجبر والقدر . فأما أصحابنا فإنهم أجروا الكلام على ظاهره ~~فقالوا معناه إنا ذكرنا هذه الدلائل حالا بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزداد ~~كفرا على كفر ، وتثبيتا لبعضهم فيزداد إيمانا على إيمان ، ونظيره قوله ~~تعالى : { مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ( البقرة : 26 ) وقوله : { ~~وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) وأما ~~المعتزلة فقد تحيروا . قال الجبائي ms3748 والقاضي : وليس فيه إلا أحد وجهين : ~~الأول : أن يحمل هذا الإثبات على النفي ، والتقدير : وكذلك نصرف ~~PageV13P111 الآيات لئلا يقولوا درست . ونظيره قوله تعالى : { يبين الله ~~لكم أن تضلوا } ومعناه : لئلا تضلوا . والثاني : أن تحمل هذه اللام على لام ~~العاقبة . والتقدير : أن عاقبة أمرهم عند تصريفنا هذه الآيات أن يقولوا هذا ~~القول مستندين إلى اختيارهم ، عادلين عما يلزم من النظر في هذه الدلائل . ~~هذا غاية كلام القوم في هذا الباب . # ولقائل أن يقول : أما الجواب الأول فضعيف من وجهين : الأول : أن حمل ~~الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وتغيير له ، وفتح هذا الباب يوجب أن لا ~~يبقى وثوق لا بنفيه ولا بإثباته ، وذلك يخرجه عن كونه حجة وأنه باطل . ~~والثاني : أن بتقدير أن يجوز هذا النوع من التصرف في الجملة ، إلا أنه غير ~~لائق البتة بهذا الموضع ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظهر آيات ~~القرآن نجما نجما ، والكفار كانوا يقولون : إن محمدا يضم هذه الآيات بعضها ~~إلى بعض ويتفكر فيها ويصلحها آية فآية ثم يظهرها ، ولو كان هذا بوحي نازل ~~إليه من السماء ، فلم لايأتي بهذا القرآن دفعة واحدة ؟ كما أن موسى عليه ~~السلام أتى بالتوراة دفعة واحدة . # إذا عرفت هذا فنقول : إن تصريف هذه الآيات حالا فحالا هي التي أوقعت ~~الشبهة للقوم في أن محمدا صلى الله عليه وسلم ، إنما يأتي بهذا القرآن على ~~سبيل المدارسة مع التفكر والمذاكرة مع أقوام آخرين وعلى ما يقول الجبائي ~~والقاضي فإنه يقتضي أن يكون تصريف هذه الآيات حالا بعد حال يوجب أن يمتنعوا ~~من القول بأن محمدا عليه الصلاة والسلام إنما أتى بهذا القرآن على سبيل ~~المدارسة والمذاكرة . فثبت أن الجواب الذي ذكره إنما يصح لو جعلنا تصريف ~~الآيات علة لأن يمتنعوا من ذلك القول ، مع أنا بينا أن تصريف الآيات ، هو ~~الموجب لذلك القول فسقط هذا الكلام . # / وأما الجواب الثاني : وهو حمل اللام على لام العاقبة ، فهو أيضا بعيد ~~لأن حمل هذه اللام على لام العاقبة مجاز ، وحمله على ms3749 لام الغرض حقيقة ، ~~والحقيقة أقوى من المجاز فلو قلنا : ( اللام ) في قوله : { وليقولوا درست } ~~لام العاقبة في قوله : { ولنبينه لقوم يعلمون } للحقيقة فقد حصل تقديم ~~المجاز على الحقيقة في الذكر وأنه لا يجوز . فثبت بما ذكرنا ضعف هذين ~~الجوابين وأن الحق ما ذكرنا أن المراد منه عين المذكور في قوله تعالى : { ~~يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ومما يؤكد هذا التأويل قوله : { ولنبينه ~~لقوم يعلمون } يعني أنا ما بيناه إلا لهؤلاء ، فأما الذين لا يعلمون فما ~~بينا هذه الآيات لهم ، ولما دل هذا على أنه تعالى ما جعله بيانا إلا ~~للمؤمنين ثبت أنه جعله ضلالا للكافرين وذلك ما قلنا . والله أعلم . # ! 7 < { اتبع مآ أوحى إليك من ربك لاإلاه إلا هو وأعرض عن المشركين * ولو ~~شآء الله مآ أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل } . > 7 ~~@QB@ < # | الأنعام : ( 106 - 107 ) اتبع ما أوحي . . . . . # > > # قوله تعالى : { اتبع ما أوحى إليك من ربك لا إلاه إلا هو وأعرض عن ~~المشركين } . # اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم ينسبونه في إظهار هذا القرآن إلى ~~الافتراء أو إلى أنه يدارس أقواما ويستفيد هذه العلوم منهم ثم ينظمها قرآنا ~~ويدعي أنه نزل عليه من الله تعالى ، أتبعه بقوله : { اتبع ما أوحى إليك من ~~ربك } PageV13P112 لئلا يصير ذلك القول سببا لفتوره في تبليغ الدعوة ~~والرسالة ، والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي حصل بسبب سماع تلك ~~الشبهة ، ونبه بقوله : { لا إلاه إلا هو } على أنه تعالى لما كان واحدا في ~~الإلهية فإنه يجب طاعته ، ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين ~~وزيغ الزائغين . # وأما قوله : { وأعرض عن المشركين } فقيل : المراد ترك المقابلة ، فلذلك ~~قالوا إنه منسوخ ، وهذا ضعيف لأن الأمر بترك المقابلة في الحال لا يفيد ~~الأمر بتركها دائما ، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب التزام النسخ . وقيل ~~المراد ترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه ، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى ~~الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغليظ . # قوله تعالى : { ولو ms3750 شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت ~~عليهم بوكيل } . # / < < # | الأنعام : ( 108 ) ولا تسبوا الذين . . . . . # > > اعلم أن هذا الكلام أيضا متعلق بقولهم للرسول عليه السلام إنما جمعت ~~هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم ، فكأنه تعالى يقول له لا تلتفت إلى ~~سفاهات هألاء الكفار ، ولا يثقلن عليك كفرهم ، فإني لو أردت إزالة الكفر ~~عنهم لقدرت ، ولكني تركتهم مع كفرهم ، فلا ينبغي أن تشغل قلبك بكلماتهم . # واعلم أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى : { ولو شاء الله ما أشركوا } ~~والمعنى : ولو شاء الله أن لا يشركوا ما أشركوا ، وحيث لم يحصل الجزاء ~~علمنا أنه لم يحصل الشرط ، فعلمنا أن مشيئة الله تعالى بعدم إشراكهم غير ~~حاصلة . قالت المعتزلة : ثبت بالدليل أنه تعالى أراد من الكل الإيمان ، وما ~~شاء من أحد الكفر والشرك ، وهذه الآية تقتضي أنه تعالى ما شاء من الكل ~~الإيمان ، فوجب التوفيق بين الدليلين فيحمل مشيئة الله تعالى لإيمانهم على ~~مشيئة الإيمان الاختياري الموجب للثواب والثناء ويحمل عدم مشيئته لإيمانهم ~~على الإيمان الحاصل بالقهر والجبر وللإلجاء . يعني أنه تعالى ما شاء منهم ~~أن يحملهم على الإيمان على سبيل القهر والإلجاء ، لأن ذلك يبطل التكليف ~~ويخرج الإنسان عن استحقاق الثواب . هذا ما عول القوم عليه في هذا الباب ، ~~وهو في غاية الضعف ويدل عليه وجوه : الأول : لا شك أنه تعالى هو الذي أقدر ~~الكافر على الكفر فقدرة الكفر إن لم تصلح للإيمان فخالق تلك القدرة لا شك ~~أنه كان مريدا للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان لم يترجح جانب الكفر على ~~جانب الإيمان إلا عند حصول داع يدعوه إلى الإيمان ، وإلا لزم رجحان أحد ~~طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال ، ومجموع القدرة مع الداعي إلى ~~الكفر يوجب الكفر ، وإذا كان خالق القدرة والداعي هو الله تعالى ، وثبت أن ~~مجموعهما يوجب الكفر . ثبت أنه تعالى قد أراد الكفر من الكافر . الثاني : ~~في تقرير هذا الكلام أن نقول : إنه تعالى كان عالما بعدم الإيمان من الكافر ~~، ووجود الإيمان مع العلم بعدم الإيمان ms3751 متضادان ومع وجود أحد الضدين كان ~~حصول الضد الثاني محالا / والمحال مع العلم بكونه محالا غير مراد ، فامتنع ~~أن يقال إنه تعالى يريد الإيمان من الكافر . الثالث : هب أن الإيمان ~~الاختياري أفضل وأنفع من الإيمان الحاصل بالجبر والقهر إلا أنه تعالى لما ~~علم أن ذلك الأنفع لا يحصل البتة ، فقد كان يجب في حكمته ورحمته أن يحلق ~~فيه الإيمان على سبيل الإلجاء ، لأن هذا الإيمان وإن كان لا يوجب الثواب ~~العظيم ، فأقل ما فيه أن يخلصه من العقاب العظيم ، فترك إيجاد هذا الإيمان ~~فيه على سبيل الإلجاء يوجب وقوعه في أشد العذاب ، وذلك لا يليق بالرحمة ~~والإحسان ومثاله أن من كان له ولد عزيز وكان هذا الأب في غاية الشفقة وكان ~~هذا الولد واقفا على طرف البحر فيقول الوالد له : غص في / قعر هذا البحر ~~PageV13P113 لتستخرج اللآلي العظيمة الرفيعة العالية منه ، وعلم الوالد ~~قطعا أنه إذا غاص في البحر هلك وغرق ، فهذا الأب إن كان ناظرا في حقه مشفقا ~~عليه وجب عليه أن يمنعه من الغوص في قعر البحر ويقول له : اترك طلب تلك ~~اللآلي فإنك لا تحدها وتهلك ، ولكن الأولى لك أن تكتفي بالرزق القليل مع ~~السلامة ، فأما أن يأمره بالغوص في قعر البحر مع اليقين التام بأنه لا ~~يستفيد منه إلا الهلاك فهذا يدل على عدم الرحمة وعلى السعي في الإهلاك فكذا ~~ههنا والله أعلم . # واعلم أنه تعالى لما بين أنه لا قدرة لأحد على إزالة الكفر عنهم ختم ~~الكلام بما يكمل معه تبصير الرسول عليه السلام ، وذلك أنه تعالى بين له قدر ~~ما جعل إليه فذكر أنه تعالى ما جعله عليهم حفيظا ولا وكيلا على سبيل المنع ~~لهم ، وإنما فوض إليه البلاغ بالأمر والنهي في العمل والعلم وفي البيان ~~بذكر الدلائل والتنبيه عليها فإن انقادوا للقبول فنفعه عائد إليه ، وإلا ~~فضرره عائد عليهم وعلى التقديرين فلا يخرج صلى الله عليه وسلم من الرسالة ~~والنبوة والتبليغ . # ! 7 < { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ms3752 علم ~~كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } . ~~> 7 ! # اعلم أن هذا الكلام أيضا متعلق بقولهم للرسول عليه السلام : إنما جمعت ~~هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم ، فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين إذا ~~سمعوا ذلك الكلام من الكفار غضبوا وشتموا آلهتهم على سبيل المعارضة ، فنهى ~~الله تعالى عن هذا العمل ، لأنك متى شتمت آلهتهم غضبوا فربما ذكروا الله ~~تعالى بما لا ينبغي من القول ، فلأجل الاحتراز عن هذا المحذور وجب الاحتراز ~~عن ذلك المقال ، وبالجملة فهو تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم ~~يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب ~~المشاتمة والسفاهة وذلك لا يليق بالعقلاء ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في سبب نزول الآية وجوها : الأول : قال ابن عباس ~~: لما نزل { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( الأنبياء : 98 ) قال ~~المشركون : لئن لم تنته عن سب آلهتنا وشتمها لنهجون إلهك فنزلت هذه الآية ، ~~أقول : لي ههنا إشكالان : الأول : أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت ~~دفعة واحدة فكيف يمكن أن يقال : إن سبب نزول هذه الآية كذا وكذا . الثاني : ~~أن / الكفار كانوا مقرين بالإله تعالى وكانوا يقولون : إنما حسنت عبادة ~~الأصنام لتصير شفعاء لهم عند الله تعالى ، وإذا كان كذلك ، فكيف يعقل ~~إقدامهم على شتم الله تعالى وسبه . PageV13P114 # والقول الثاني : في سبب نزول هذه الآية . قال السدي : لما قربت وفاة أبي ~~طالب قالت قريش : ندخل عليه ونطلب منه أن ينهى ابن أخيه عنا فإنا نستحي أن ~~نقتله بعد موته فتقول العرب : كان يمنعه فلما مات قتلوه . فانطلق أبو سفيان ~~وأبو جهل والنضر الحرث مع جماعة إليه وقالوا له : أنت كبيرنا وخاطبوه بما ~~أرادوا . فدعا محمدا عليه الصلاة والسلام وقال : هؤلاء قومك وبنو عمك ~~يطلبون منك أن تتركهم على دينهم ، وأن يتركوك على دينك فقال عليه الصلاة ~~والسلام : ( قولوا لا إله إلا الله ) فأبوا فقال أبو طالب : قل غير ms3753 هذه ~~الكلمة فإن قومك يكرهونها . فقال عليه الصلاة والسلام : ( ما أنا بالذي ~~أقول غيرها حتى تأتوني بالشمس فتضعوها في يدي فقالوا له اترك شتم آلهتنا ~~وإلا شتمناك ، ومن يأمرك بذلك فذلك قوله تعالى : { فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم } . # واعلم أنا قد دللنا على أن القوم كانوا مقرين بوجود الإله تعالى فاستحال ~~إقدامهم على شتم الإله بل ههنا احتمالات : أحدها : أنه ربما كان بعضهم ~~قائلا بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي بهذا النوع من السفاهة . وثانيها : ~~أن الصحابة متى شتموا الأصنام فهم كانوا يشتمون الرسول عليه الصلاة والسلام ~~فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى شتم الله تعالى كما في قوله : { إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) وكقوله : { إن الذين يؤذون ~~الله } ( الأحزاب : 57 ) وثالثها : أنه ربما كان في جهالهم من كان يعتقد أن ~~شيطانا يحمله على ادعاء النبوة والرسالة ، ثم إنه لجهله كان يسمي ذلك ~~الشيطان بأنه إله محمد عليه الصلاة والسلام فكان يشتم إله محمد بناء على ~~هذا التأويل . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إن شتم الأصنام من أصول الطاعات ، ~~فكيف يحسن من الله تعالى أن ينهى عنها . # والجواب : أن هذا الشتم ، وإن كان طاعة . إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم ~~وجود منكر عظيم / وجب الاحتراز منه ، والأمر ههنا كذلك ، لأن هذا الشتم كان ~~يستلزم إقدامهم على شتم الله وشتم رسوله ، وعلى فتح باب السفاهة ، وعلى ~~تنفيرهم عن قبول الدين ، وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم ، فلكونه مستلزما ~~لهذه المنكرات ، وقع النهي عنه . # المسألة الثالثة : قرأ الحسن : { فيسبوا الله عدوا } بضم العين وتشديد ~~الواو ، ويقال : عدا فلان عدوا وعدوا وعدوانا وعدا . أي ظلم ظلما جاوز ~~القدر . قال الزجاج : وعدوا منصوب على المصدر ، لأن المعنى فيعدوا عدوا . ~~قال : ويجوز أن يكون بإرادة اللام ، والمعنى : فينسبوا الله للظلم . # / المسألة الرابعة : قال الجبائي : دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن ~~يفعل بالكفار ما يزدادون به بعدا عن الحق ونفورا . إذ لو جاز أن يفعله لجاز ~~أن يأمر به ، وكان لا ms3754 ينهى عما ذكرنا ، وكان لا يأمر بالرفق بهم عند الدعاء ~~. كقوله لموسى وهرون : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : ~~44 ) وذلك يبين بطلان مذهب المجبرة . # المسألة الخامسة : قالوا هذه الآية تدل على أن الأمر بالمعروف قد يقبح ~~إذا أدى إلى ارتكاب منكر ، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر ، ~~وغلبة الظن قائمة مقام العلم في هذا الباب وفيه تأديب لمن PageV13P115 يدعو ~~إلى الدين ، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب ، لأن وصف الأوثان ~~بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها ، فلا حاجة مع ذلك ~~إلى شتمها . # وأما قوله تعالى : { كذلك زينا لكل أمة عملهم } فاحتج أصحابنا بهذا على ~~أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر ، وللمؤمن الإيمان ، وللعاصي المعصية ، ~~وللمطيع الطاعة . قا الكعبي : حمل الآية على هذا المعنى محال ، لأنه تعالى ~~هو الذي يقول : { الشيطان سول لهم } ( محمد : 25 ) ويقول : { والذين كفروا ~~أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ( البقرة : 257 ) ثم إن ~~القوم ذكروا في الجواب وجوها : الأول : قال الجبائي : المراد زينا لكل أمة ~~تقدمت ما أمرناهم به من قبول الحق والكعبي أيضا ذكر عين هذا الجواب فقال : ~~المراد أنه تعالى زين لهم ما ينبغي أن يعملوا وهم لا ينتهون . الثاني : قال ~~آخرون : المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار سوء عملهم ، أي خليناهم وشأنهم ~~وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم . والثالث : أمهلنا الشيطان حتى زين لهم ~~، والرابع : زيناه في زعمهم وقولهم : إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا . هذا ~~مجموع التأويلات المذكورة في هذه الآية والكل ضعيف وذلك لأن الدليل العقلي ~~القاطع دل على صحة ما أشعر به ظاهر هذا النص ، وذلك لأنا بينا غير مرة أن ~~صدور الفعل عن العبد يتوقف على حصول الداعي . وبينا أن تلك الداعية لا بد ~~وأن تكون بخلق الله تعالى ، ولا معنى لتلك الداعية إلا علمه واعتقاده أو ~~ظنه باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد ، ومصلحة راجحة ، وإذا كانت تلك ~~الداعية حصلت بفعل ms3755 الله تعالى ، وتلك الداعية لا معنى لها إلا كونه معتقدا ~~لاشتمال ذلك الفعل على النفع الزائد ، والمصلحة الراجحة . # ثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل ، ولا قول ولا حركة ولا سكون ، إلا ~~إذا زين الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده ، وأيضا الإنسان لا ~~يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفرا وجهلا ، والعلم بذلك ضروري ~~بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيمانا وعلما وصدقا وحقا فلولا سابقة الجهل ~~الأول لما اختار هذا الجهل . الثاني : ثم إنا ننقل الكلام إلى أنه لم اختار ~~ذلك / الجهل السابق ، فإن كان ذلك لسابقة جهل آخر فقد لزم أن يستمر ذلك إلى ~~ما لا نهاية له من الجهالات وذلك محال ، ولما كان ذلك باطلا وجب انتهاء تلك ~~الجهالات إلى جهل أول يخلقه الله تعالى فيه ابتداء / وهو بسبب ذلك الجهل ظن ~~في الكفر كونه إيمانا وحقا وعلما وصدقا ، فثبت أنه يستحيل من الكافر اختيار ~~الجهل والكفر إلا إذا زين الله تعالى ذلك الجهل في قلبه ، فثبت بهذين ~~البرهانين القاطعين القطعيين أن الذي يدل عليه ظاهر هذه الآية هو الحق الذي ~~لا محيد عنه ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد بطلت التأويلات المذكورة بأسرها ، ~~لأن المصير إلى التأويل إنما يكون عند تعذر حمل الكلام على ظاهره . أما لما ~~قام الدليل على أنه لا يمكن العدول عن الظاهر ، فقد سقطت هذه التكليفات ~~بأسرها والله أعلم . وأيضا فقوله تعالى : { كذلك زينا لكل أمة عملهم } بعد ~~قوله : { فيسبوا الله عدوا بغير علم } مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر ~~إنما كان بتزيين الله تعالى . فأما أن يحمل ذلك على أنه تعالى زين الأعمال ~~الصالحة في قلوب الأمم ، فهذا كلام منقطع عما قبله ، وأيضا فقوله : { كذلك ~~زينا لكل أمة عملهم } يتناول الأمم الكافرة والمؤمنة ، فتخصيص هذا الكلام ~~بالأمة المؤمنة ترك لظاهر العموم ، وأما سائر التأويلات ، فقد ذكرها صاحب ( ~~الكشاف ) : وسقوطها لا يخفى ، والله أعلم . # أما قوله تعالى : { ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } ~~فالمقصود منه أن أمرهم مفوض ms3756 إلى PageV13P116 الله تعالى ، وإن الله تعالى ~~عالم بأحوالهم . مطلع على ضمائرهم . ورجوعهم يوم القيامة إلى الله فيجازي ~~كل أحد بمقتضى عمله إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . # ! 7 < { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم ءاية ليؤمنن بها قل إنما ~~الا يات عند الله وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 109 ) وأقسموا بالله جهد . . . . . # > > اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار شبهة توجب الطعن في نبوته ، وهي قولهم ~~إن هذا القرآن إنما جئتنا به لأنك تدارس العلماء ، وتباحث الأقوام الذين ~~عرفوا التوارة والإنجيل . ثم تجمع هذه السور وهذه الآيات بهذا الطريق . ثم ~~إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بما سبق ، وهذه الآية مشتملة على شبهة أخرى ~~وهي قولهم له إن هذا القرآن كيفما كان أمره ، فليس من جنس المعجزات البتة ، ~~ولو / أنك يا محمد جئتنا بمعجزة قاهرة وبينة ظاهرة لآمنا بك ، وحلفوا على ~~ذلك وبالغوا في تأكيد ذلك الحلف ، فالمقصود من هذه الآية تقرير هذه الشبهة ~~. وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين ~~موضوعة لتوكيد الخبر الذي يخبر به الإنسان : إما مثبتا للشيء ، وإما نافيا ~~. ولما كان الخبر يدخله الصدق والكذب احتاج المخبر إلى طريق به يتوسل إلى ~~ترجيح جانب الصدق على جانب الكذب ، وذلك هو الحلف ولما كانت الحاجة إلى ذكر ~~الحلف ، إنما تحصل عند انقسام الناس عند سماع ذلك الخبر إلى مصدق به ومكذب ~~به . سموا الحلف بالقسم ، وبنوا تلك الصيغة على أفعل فقالوا : أقسم فلان ~~يقسم إقساما : وأرادوا أنه أكد القسم الذي اختاره وأحال الصدق إلى القسم ~~الذي اختاره بواسطة الحلف واليمين . # المسألة الثانية : ذكروا في سبب النزول وجوها : الأول : قالوا لما نزل ~~قوله تعالى : { إن نشأ ننزل عليهم من السماء ءاية فظلت أعناقهم لها خاضعين ~~} ( الشعراء : 4 ) أقسم المشركون بالله لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها فنزلت ~~هذه الآية . الثاني : قال محمد بن كعب القرظي : إن المشركين قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم : تخبرنا أن موسى ضرب الحجر بالعصا فانفجر ms3757 الماء ، وأن ~~عيسى أحيا الميت ، وأن صالحا أخرج الناقة من الجبل ، فأتنا أيضا أنت بآية ~~لنصدقك فقال عليه الصلاة والسلام : ( ما الذي تحبون ) فقالوا : أن تجعل لنا ~~الصفا ذهبا ، وحلفوا لئن فعل ليتبعونه أجمعون ، فقام عليه الصلاة والسلام ~~يدعو ، فجاءه جبريل عليه السلام فقال : إن شئت كان ذلك ، ولئن كان فلم ~~يصدقوا عنده ، ليعذبنهم ، وإن تركوا تاب على بعضهم . فقال صلى الله عليه ~~وسلم : ( بل يتوب على بعضهم ) فأنزل الله تعالى هذه الآية . # المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير قوله : { جهد أيمانهم } وجوها : قال ~~الكلبي ومقاتل : إذا حلف الرجل PageV13P117 بالله فهو جهد يمينه . وقال ~~الزجاج : بالغوا في الأيمان وقوله : { لئن جاءتهم ءاية } اختلفوا في المراد ~~بهذه الآية . فقيل : ما روينا من جعل الصفا ذهبا ، وقيل : هي الأشياء ~~المذكورة في قوله تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ~~ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم ~~بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين الذين كذبوا أنبياءهم ~~فالمشركون طلبوا مثلها . # وقوله : { قل إنما الايات عند الله } ذكروا في تفسير لفظة { عند } وجوها ~~، فيحتمل أن يكون المعنى أنه تعالى هو المختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات ~~دون غيره لأن المعجزات الدالة على النبوات شرطها أن لا يقدر على تحصيلها ~~أحد إلا الله سبحانه وتعالى ؛ ويحتمل أن يكون المراد / بالعندية أن العلم ~~بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إقدام هؤلاء الكفار على الإيمان أم لا ليس ~~إلا عند الله ؟ ولفظ العندية بهذا المعنى كما في قوله : { وعنده مفاتح ~~الغيب } ويحتمل أن يكون المراد أنها وإن كانت في الحال معدومة ؛ إلا أنه ~~تعالى متى شاء إحداثها أحدثها ، فهي جارية مجرى الأشياء الموضوعة عند الله ~~يظهرها متى شاء ، وليس لكم أن تتحكموا في طلبها ولفظ { عند } بهذا المعنى ~~هنا كما في قوله : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه } ( الحجر : 21 ) . # ثم قال تعالى : { وما يشعركم } قال أبو علي ( ما ) استفهام وفاعل يشعركم ~~ضمير ( ما ) والمعنى : وما يدريكم إيمانهم ؟ فحذف المفعول ms3758 ، وحذف المفعول ~~كثير . والتقدير : وما يدريكم إيمانهم ، أي بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات ~~فهم لا يؤمنون . وقوله : { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو { أنها } بكسر الهمزة على الاستئناف وهي القراءة الجيدة . والتقدير : ~~أن الكلام تم عند قوله : { وما يشعركم } أي وما يشعركم ما يكون منهم ثم ~~ابتدأ فقال : { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } قال سيبويه : سألت الخليل عن ~~القراءة بفتح الهمزة في أن وقلت لم لا يجوز أن يكون التقدير ما يدريك أنه ~~لا يفعل ؟ فقال الخليل : إنه لا يحسن ذلك ههنا لأنه لو قال : { وما يشعركم ~~أنها } بالفتح لصار ذلك عذرا لهم ، هذا كلام الخليل . وتفسيره إنما يظهر ~~بالمثال فإذا اتخذت ضيافة وطلبت من رئيس البلد أن يحضر فلم يحضر ، فقيل لك ~~لو ذهبت أنت بنفسك إليه لحضر ، فإذا قلت : وما يشعركم أني لو ذهبت إليه ~~لحضر كان المعنى : أني لو ذهبت إليه بنفسي فإنه لا يحضر أيضا فكذا ههنا ~~قوله : { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } معناه أنها إذا جاءت آمنوا ~~. وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذرا للكفار في طلب الآيات ، ~~والمقصود من الآية دفع حجتهم في طلب الآيات ، فهذا تقرير كلام الخليل وقرأ ~~الباقون من القراء { أنها } بالفتح وفي تفسيره وجوه : الأول : قال الخليل : ~~{ ءان } بمعنى لعل تقول العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا أي لعلك ، ~~فكأنه تعالى قال لعلها إذا جاءت لا يؤمنون قال الواحدي : { ءان } بمعنى لعل ~~كثير في كلامهم قال الشاعر : # % أريني جوادا مات هولا لأنني % % أرى ما تريني أو بخيلا مخلدا % # وقال آخر : # % هل أنتم عاجلون بنا لأنا % % نرى العرصات أو أثر الخيام % # وقال عدي بن حاتم : PageV13P118 # % أعاذل ما يدريك أن منيتي % % إلى ساعة في اليوم أوفي ضحى الغد % # وقال الواحدي : وفسر علي لعل منيتي روى صاحب ( الكشاف ) أيضا في هذا ~~المعنى قول امرىء القيس : # % عوجا على الطلل المحيل لأننا % % نبكي الديار كما بكى ابن خذام % # / قال صاحب ( الكشاف ) ويقوي هذا الوجه قراءة أبي ms3759 { أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون } . # الوجه الثاني : في هذه القراءة أن تجعل { لا } صلة ومثله { ما منعك ألا ~~تسجد } ( الأعراف : 12 ) معناه أن تسجد وكذلك قوله : { وحرام على قرية ~~أهلكناها أنهم لا يرجعون } ( الأنبياء : 95 ) أي يرجعون فكذا ههنا التقدير ~~وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون والمعنى : أنها لو جاءت لم يؤمنوا قال ~~الزجاج ، وهذا الوجه ضعيف لأن ما كان لغوا يكون لغوا على جميع التقديرات ~~ومن قرأ { أنها } بالكسر فكلمة { لا } في هذه القراءة ليست بلغو فثبت أنه ~~لا يجوز جعل هذا اللفظ لغوا . قال أبو علي الفارسي : لم لا يجوز أن يكون ~~لغوا على أحد التقديرين ويكون مفيدا على التقدير الثاني ؟ واختلف القراء ~~أيضا في قوله : { لا يؤمنون } فقرأ بعضهم بالياء وهو الوجه لأن قوله : { ~~وأقسموا بالله } إنما يراد به قوم مخصوصون ، والدليل عليه قوله تعالى بعد ~~هذه الآية : { ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة } وليس كل الناس بهذا الوصف ، ~~والمعنى وما يشعركم أيها المؤمنون لعلهم إذا جاءتهم الآية التي اقترحوها لم ~~يؤمنوا فالوجه الياء وقرأ حمزة وابن عامر بالتاء وهو على الانصراف من ~~الغيبة إلى الخطاب ، والمراد بالمخاطبين في { تؤمنون } هم الغائبون ~~المقسمون الذين أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون ، وذهب مجاهد وابن زيد إلى ~~أن الخطاب في قوله : { وما يشعركم } للكفار الذين أقسموا . قال مجاهد : وما ~~يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت ، وهذا يقوي قراءة من قرأ { تؤمنون } بالتاء . ~~على ما ذكرناأولا : الخطاب في قوله : { وما يشعركم } للكفار الذين أقسموا . ~~وعلى ما ذكرنا ثانيا : الخطاب في قوله : { وما يشعركم } للمؤمنين ، وذلك ~~لأنهم تمنوا نزول الآية ليؤمن المشركون وهو الوجه كأنه قيل للمؤمنين تتمنون ~~ذلك وما يدريكم أنهم يؤمنون ؟ # المسألة الرابعة : حاصل الكلام أن القوم طلبوا من الرسول معجزات قوية ~~وحلفوا أنها لو ظهرت لآمنوا ، فبين الله تعالى أنهم وإن حلفوا على ذلك ، ~~إلا أنه تعالى عالم بأنها لو ظهرت لم يؤمنوا ، وإذا كان الأمر كذلك لم يجب ~~في الحكمة إجابتهم إلى هذا المطلوب . قال الجبائي والقاضي : هذه الآية ms3760 تدل ~~على أحكام كثيرة متعلقة بنصرة الاعتزال . # الحكم الأول # أنها تدل على أنه لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده لفعله لا محالة ، إذ ~~لو جاز أن لا يفعله لم يكن لهذا الجواب فائدة ، لأنه إذا كان تعالى لا ~~يجيبهم إلى مطلوبهم سواء آمنوا أو لم يؤمنوا لم يكن تعليق ترك الإجابة ~~بأنهم لا يؤمنون عنده منتظما مستقيما ، فهذه الآية تدل على أنه تعالى يجب ~~عليه أن يفعل كل ما هو في مقدوره من الألطاف والحكمة . PageV13P119 # / الحكم الثاني # أن هذا الكلام إنما يستقيم لو كان لإظهار هذه المعجزات أثر في حملهم على ~~الإيمان ، وعلى قول المجبرة ذلك باطل ، لأن عندهم الإيمان إنما يحصل بخلق ~~الله تعالى ، فإذا خلقه حصل ، وإذا لم يخلقه لم يحصل ، فلم يكن لفعل ~~الإلطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات . # وأقول هذا الذي قاله القاضي غير لازم . أما الأول : فلأن القوم قالوا : ~~لو جئتنا يا محمد بآية لآمنا بك ، فهذا الكلام في الحقيقة مشتمل على ~~مقدمتين : إحداهما : أنك لو جئتنا بهذه المعجزات لآمنا بك . والثانية : أنه ~~متى كان الأمر كذلك وجب عليك أن تأتينا بها ، والله تعالى كذبهم في المقام ~~الأول ، وبين أنه تعالى وإن أظهرها لهم فهم لا يؤمنون ، ولم يتعرض البتة ~~للمقام الثاني ، ولكنه في الحقيقة باق . # فإن لقائل أن يقول : هب أنهم لا يؤمنون عند إظهار تلك المعجزات ، فلم لم ~~يجب على الله تعالى إظهارها ؟ اللهم إلا إذا ثبت قبل هذا البحث أن اللطف ~~واجب على الله تعالى ، فحينئذ يحصل هذا المطلوب من هذه الآية ، إلا أن ~~القاضي جعل هذه الآية دليلا على وجوب اللطف ، فثبت أن كلامه ضعيف . # وأما البحث الثاني : وهو قوله : إذا كان الكل بخلق الله تعالى لم يكن ~~لهذه الألطاف أثر فيه ، فنقول : الذي نقول به أن المؤثر في الفعل هو مجموع ~~القدرة مع الداعي والعلم بحصول هذا اللطف أحد أجزاء الداعي وعلى هذا ~~التقدير . فيكون لهذا اللطف أثر في حصول الفعل . # ! 7 < { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ms3761 به أول مرة ونذرهم فى ~~طغيانهم يعمهون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 110 ) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم . . . . . # > > هذا أيضا من الآيات الدالة على قولنا : إن الكفر والإيمان بقضاء الله ~~وقدره ، والتقلب والقلب واحد ، وهو تحويل الشيء عن وجهه ، ومعنى تقليب ~~الأفئدة والأبصار : هو أنه إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها وعرفوا ~~كيفية دلالتها على صدق الرسول ، إلا أنه تعالى إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ~~ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات ، والمقصود من ~~هذه الآية تقرير ما ذكرناه في الآية الأولى من أن تلك الآيات القاهرة لو ~~جاءتهم لما آمنوا بها ولما انتفعوا بظهورها البتة . # / أجاب الجبائي عنه بأن قال : المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على ~~لهب النار وجمرها لنعذبهم كما لم يأمنوا به أول مرة في دار الدنيا . # وأجاب الكعبي عنه : بأن المراد من قوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } ~~بأنا لا نفعل بهم ما نفعله بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا ~~أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم . # وأجاب القاضي : بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات التي قد ~~ظهرت ، فلا تجدهم يؤمنون بها آخرا كما لم يؤمنوا بها أولا . # واعلم أن كل هذه الوجوه في غاية الضعف ، وليس لأحد أن يعيبنا ، فيقول : ~~إنكم تكررون هذه الوجوه في كل موضع ، فإنا نقول : إن هؤلاء المعتزلة لهم ~~وجوه معدودة في تأويلات آيات الجزاء ، فهم يكررونها في كل آية ، فنحن أيضا ~~نكرر الجواب عنها في كل آية ، فنقول : قد بينا أن القدرة الأصلية صالحة ~~للضدين وللطرفين على السوية . فإذا لم ينضم على تلك القدرة داعية مرجحة ~~امتنع حصول الرجحان ، فإذا انضمت PageV13P120 الداعية المرجحة إما إلى جانب ~~الفعل أو إلى جانب الترك ظهر الرجحان ، وتلك الداعية ليست إلا من الله ~~تعالى قطعا للتسلسل . وقد ظهر صحة هذه المقدمات بالدلائل القاطعة اليقينية ~~التي لا يشك فيها العاقل . وهذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : ( ~~قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ) فالقلب كالموقوف ~~بين داعية الفعل وبين داعية الترك ms3762 ، فإن حصل في القلب داعي الفعل ترجح جانب ~~الفعل ، وإن حصل فيه داعي الترك ترجح جانب الترك ، وهاتان الداعيتان لما ~~كانتا لا تحصلان إلا بإيجاد الله وتخليقه وتكوينه ، عبر عنهما بأصبعي ~~الرحمن ، والسبب في حسن هذه الاستعارة أن الشيء الذي يحصل بين أصبعي ~~الإنسان يكون كامل القدرة عليه . فإن شاء أمسكه وإن شاء أسقطه ، فههنا أيضا ~~كذلك القلب واقف بين هاتين الداعيتين ، وهاتان الداعيتان حاصلتان بخلق الله ~~تعالى ، والقلب مسخر لهاتين الداعيتين ، فلهذا السبب حسنت هذه الاستعارة ، ~~وكان عليه الصلاة والسلام يقول : ( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على ~~دينك ) والمراد من قوله مقلب القلوب أن الله تعالى يقلبه تارة من داعي ~~الخير إلى داعي الشر وبالعكس . # إذا عرفت هذه القاعدة فقوله تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } محمول ~~على هذا المعنى الظاهر الجلي الذي يشهد بصحته كل طبع سليم وعقل مستقيم ، ~~فلا حاجة البتة إلى ما ذكروه من التأويلات المستكرهة . وإنما قدم الله ~~تعالى ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار ، لأن موضع الدواعي والصوارف هو ~~القلب . فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى ، وإذا ~~حصلت الصوارف في القلب انصرف / البصر عنه ، فهو وإن كان يبصره في الظاهر . ~~إلا أنه لا يصير ذلك الإبصار سببا للوقوف على الفوائد المطلوبة . وهذا هو ~~المراد من قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفىءاذانهم وقرا } فلما كان المعدن هو القلب ، وأما السمع والبصر ~~فهما آلتان للقلب ، كانا لا محالة تابعين لأحوال القلب . فلهذا السبب وقع ~~الابتداء بذكر تقليب القلوب في هذه الآية ، ثم أتبعه بذكر تقليب البصر ، ~~وفي الآية الأخرى وقع الابتداء بذكر تحصيل الكنان في القلب ثم أتبعه بذكر ~~السمع ، فهذا هو الكلام القوي العقلي البرهاني الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ~~، فكيف يحسن مع ذلك حمل هذا اللفظ على التكلفات التي ذكروها ؟ ولنرجع إلى ~~ما يليق بتلك الكلمات الضعيفة فنقول : أما الوجه الذي ذكره الجبائي فمدفوع ~~لأن الله تعالى قال : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } ثم عطف ms3763 عليه فقال { ~~ونذرهم فى طغيانهم يعمهون } ولا شك أن قوله : { ونذرهم } إنما يحصل في ~~الدنيا ، فلو قلنا : المراد من قوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } إنما ~~يحصل في الآخرة ، كان هذا سوأ للنظم في كلام الله تعالى حيث قدم المؤخر ~~وأخر المقدم من غير فائدة ، وأما الوجه الذي ذكره الكعبي فضعيف أيضا لأنه ~~إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر ، فهو ~~الذي أوقع نفسه ذلك ذلك الحرمان والخدلان فكيف تحسن إضافته إلى الله تعالى ~~في قوله تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } . # وأما الوجه الثاني الذي ذكره القاضي فبعيد أيضا لأن المراد من قوله : { ~~ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } تقليب القلب من حالة إلى حالة ونقله من صفة إلى ~~صفة . وعلى ما يقوله القاضي فليس الأمر كذلك بل القلب باق على حالة واحدة ~~إلا أنه تعالى أدخل التقليب والتبديل في الدلائل ، فثبت أن الوجوه التي ~~ذكروها فاسدة باطلة بالكلية . PageV13P121 # أما قوله تعالى : { كما لم يؤمنوا به أول مرة } فقال الواحدي فيه وجهان : # الوجه الأول : دخلت الكاف على محذوف تقديره فلا يؤمنون بهذه الآيات كما ~~لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره من ~~الآيات ، والتقدير فلا يؤمنون في المرة الثانية من ظهور الآيات كما لم ~~يؤمنوا به في المرة الأولى ، وأما الكناية في { به } فيجوز أن تكون عائدة ~~إلى القرآن أو إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، أو إلى ما طلبوا من الآيات . # الوجه الثاني : قال بعضهم : الكاف في قوله : { كما لم يؤمنوا به } بمعنى ~~الجزاء ، ومعنى الآية ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على تركهم الإيمان ~~في المرة الأولى ، يعني كما لم يؤمنوا به أول مرة ، فكذلك نقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم في المرة الثانية ، وعلى هذا الوجه فليس في الآية محذوف ولا حاجة ~~فيها إلى الإضمار . # / وأما قوله تعالى : { ونذرهم فى طغيانهم يعمهون } فالجبائي قال : { ~~ونذرهم } أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم من ذلك بمعاجلة الهلاك ~~وغيره ، لكنا نمهلهم فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم ، وهو يوجب ms3764 ~~تأكيد الحجة عليهم ، وقال أصحابنا : معناه إنا نقلب أفئدتهم من الحق إلى ~~الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان وفي ذلك الضلال والعمه . # ولقائل أن يقول للجبائي : إنك تقول إن إله العالم ما أراد بعبيده إلا ~~الخير والرحمة ، فلم ترك هذا المسكين حتى عمه في طغيانه ؟ ولم لا يخلصه عنه ~~على سبيل الإلجاء والقهر ؟ أقصى ما في الباب أنه إن فعل به ذلك لم يكن ~~مستحقا للثواب فيفوته الاستحقاق فقط ، ولكن يسلم من العقاب ، أما إذا تركه ~~في ذلك العمه مع علمه بأنه يموت عليه ، فإنه لا يحصل استحقاق الثواب . ~~ويحصل له العقاب العظيم الدائم / فالمفسدة الحاصلة عند خلق الإيمان فيه على ~~سبيل الإلجاء مفسدة واحدة وهي فوت استحقاق الثواب ، أما المفسدة الحاصلة ~~عند إبقائه على ذلك العمه والطغيان حتى يموت عليه فهي فوت استحقاق الثواب ~~مع استحقاق العقاب الشديد ، والرحيم المحسن الناظر لعباده لا بد وأن يرجح ~~الجانب الذي هو أكثر صلاحا وأقل فسادا ، فعلمنا أن إبقاء ذلك الكافر في ذلك ~~العمه والطغيان يقدح في أنه لا يريد به إلا الخير والإحسان . # ! 7 < { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل ~~شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولاكن أكثرهم يجهلون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 111 ) ولو أننا نزلنا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية تفصيل ما ذكره على سبيل الإجمال ~~بقوله : { وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } فبين أنه تعالى لو أعطاهم ~~ما طلبوه من إنزال الملائكة وإحياء الموتى حتى كلموهم بل لو زاد في ~~PageV13P122 ذلك ما لا يبلغه اقتراحهم بأن يحشر عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : المستهزئون بالقرآن كانوا خمسة : الوليد ~~بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل السهمي ، والأسود بن عبد يغوث الزهري ~~، والأسود بن المطلب ، والحرث بن حنظلة ، ثم إنهم أتوا الرسول صلى الله ~~عليه وسلم في رهط من أهل مكة ، وقالوا له أرنا الملائكة / يشهدوا بأنك رسول ~~الله أو ms3765 ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقوله أم باطل ؟ أو ائتنا ~~بالله والملائكة قبيلا أي كفيلا على ما تدعيه ، فنزلت هذه الآية ، وقد ~~ذكرنا مرارا أنهم لما اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة كان القول ~~بأن هذه الآية نزلت في الواقعة الفلانية مشكلا صعبا ، فأما على الوجه الذي ~~قررناه وهو أن المقصود منه جواب ما ذكره بعضهم وهو أنهم أقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لو جاءتهم آية لآمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فذكر الله تعالى ~~هذا الكلام بيانا لكذبهم ، وأنه لا فائدة في إنزال الآيات بعد الآيات ~~وإظهار المعجزات بعد المعجزات ، بل المعجزة الواحدة لا بد منها ليتميز ~~الصادق عن الكاذب ، فأما الزيادة عليها فتحكم محض ولا حاجة إليه وإلا فلهم ~~أن يطلبوا بعد ظهور المعجزة الثانية ثالثة ، وبعد الثالثة رابعة ، ويلزم أن ~~لا تستقر الحجة وأن لا ينتهي الأمر إلى مقطع ومفصل ، وذلك يوجب سد باب ~~النبوات . # المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر { قبلا } ههنا وفي الكهف بكسر ~~القاف وفتح الباء ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالضم فيهما في السورتين ، ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ههنا وفي الكهف بالكسر ، قال الواحدي : قال أبو ~~زيد يقال لقيت فلانا قبلا ومقابلة وقبلا وقبلا وقبيلا كله واحد . وهو ~~المواجهة . قال الواحدي : فعلى قول أبي زيد المعنى في القراءتين واحد وإن ~~اختلف اللفظان ، ومن الناس من أثبت بين اللفظين تفاوتا في المعنى ، فقال ~~أما من قرأ { قبلا } بكسر القاف وفتح الباء ، فقال أبو عبيدة والفراء ~~والزجاج : معناه عيانا ، يقال لقيته قبلا أي معاينة ، وروي عن أبي ذر قال : ~~قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : أكان آدم نبيا ؟ قال : ( نعم كان نبيا كلمه ~~الله تعالى قبلا ) وأما من قرأ { قبلا } فله ثلاثة أوجه . أحدها : أن يكون ~~جمع قبيل الذي يراد به الكفيل ، يقال قبلت بالرجل أقبل قبالة أي كلفت به . ~~ويكون المعنى لو حشر عليهم كل شيء وكفلوا بصحة ما يقول لما آمنوا ، وموضع ~~الإعجاز فيه أن الأشياء المحشورة منها ما ينطق ms3766 ومنها ما لا ينطق ، فإذا ~~أنطق الله الكل وأطبقوا على قبول هذه الكفالة كان ذلك من أعظم المعجزات . ~~وثانيها : أن يكون { قبلا } جمع قبيل بمعنى الصنف والمعنى : وحشرنا عليهم ~~كل شيء قبيلا قبيلا ، وموضع الإعجاز فيه هو حشرها بعد موتها ، ثم إنها على ~~اختلاف طبائعها تكون مجتمعة في موقف واحد . وثالثها : أن يكون { قبلا } ~~بمعنى قبلا أي مواجهة ومعاينة كما فسره أبو زيد . # أما قوله تعالى : { ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : المراد من الآية أنه تعالى لو أظهر جميع تلك الأشياء ~~العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار فإنهم لا يؤمنون إلا أن يشاء الله إيمانهم . ~~قال أصحابنا : فلما لم يؤمنوا دل ذلك الدليل على / أنه تعالى ما شاء منهم ~~الإيمان ، وهذا نص في المسألة . قالت المعتزلة : دل الدليل على أنه تعالى ~~أراد الإيمان من جميع الكفار ، والجبائي ذكر الوجوه المشهورة التي لهم في ~~هذه المسألة . أولها : أنه تعالى لو لم يرد منهم الإيمان لما وجب عليهم ~~الإيمان كما لو لم يأمرهم لم يجب عليهم . وثانيها : لو أراد الكفر من ~~الكافر لكان الكافر PageV13P123 مطيعا لله بفعل الكفر ، لأنه لا معنى ~~للطاعة إلا بفعل المراد ، وثالثها : لو جاز من الله أن يريد الكفر لجاز أن ~~يأمر به ، ورابعها : لو جاز أن يريد منهم الكفر لجاز أنه يأمرنا بأن نريد ~~منهم الكفر . قالوا : فثبت بهذه الدلائل أنه تعالى ما شاء إلا الإيمان منهم ~~وظاهره هذه الآية يقتضي أنه تعالى ما شاء الإيمان منهم ، والتناقض بين ~~الدلائل ممتنع فوجب التوفيق ، وطريقه أن نقول إنه تعالى شاء من الكل ~~الإيمان الذي يفعلونه على سبيل الاختيار وأنه تعالى ما شاء منهم الإيمان ~~الحاصل على سبيل الإلجاء والقهر وبهذا الطريق زال الإشكال . # واعلم أن هذا الكلام أيضا ضعيف من وجوه : الأول : أن الإيمان الذي سموه ~~بالإيمان الاختياري إن عنوا به أن قدرته صالحة للإيمان والكفر على السوية ، ~~ثم إنه يصدر عنها الإيمان دون الكفر لا لداعية مرجحة ولا لإرادة مميزة ، ~~فهذا قول برجحان ms3767 أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال ، وأيضا ~~فبتقدير أن يكون ذلك معقولا في الجملة إلا أن حصول ذلك الإيمان لا يكون منه ~~، بل يكون حادثا لا لسبب ولا مؤثر أصلا لأن الحاصل هناك ليس إلا القدرة وهي ~~بالنسبة إلى الضدين على السوية ، ولم يصدر من هذا القدر تخصيص لأحد الطرفين ~~على الآخر بالوقوع والرجحان ، ثم إن أحد الطرفين قد حصل بنفسه فهذا لا يكون ~~صادرا منه بل يكون صادرا لا عن سبب البتة ، وذلك يبطل القول بالفعل والفاعل ~~والتأثير والمؤثر أصلا ، ولا يقوله عاقل ، وإما أن يكون هذا الذي سموه ~~بالإيمان الاختياري هو أن قدرته وإن كانت صالحة للضدين إلا أنها لا تصير ~~مصدرا للإيمان إلا إذا انضم إلى تلك القدرة حصول داعية الإيمان كان هذا ~~قولا بأن مصدر الإيمان هو مجموع القدرة مع الداعي ، وذلك المجموع موجب ~~للإيمان ، فذلك هو عين ما يسمونه بالجبر وأنتم تنكرونه . فثبت أن هذا الذي ~~سموه بالإيمان الاختياري لم يحصل منه معنى معقول مفهوم ، وقد عرفت أن هذا ~~الكلام في غاية القوة . # والوجه الثاني : سلمنا أن الإيمان الاختياري مميز عن الإيمان الحاصل ~~بتكوين الله تعالى إلا أنا نقول قوله تعالى : { ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملئكة } وكذا وكذا ما كانوا ليؤمنوا ، معناه : ما كانوا ليؤمنوا إيمانا ~~اختياريا بدليل أن عند ظهور هذه الأشياء لا يبعد أن يؤمنوا إيمانا على سبيل ~~الإلجاء والقهر . فثبت أن قوله : { ما كانوا ليؤمنوا } المراد : ما كانوا ~~ليؤمنوا على سبيل الاختيار ، ثم استثنى / عنه فقال : { إلا أن يشاء الله } ~~والمستثنى يجب أن يكون من جنس المستثنى عنه . والإيمان الحاصل بالإلجاء ~~والقهر ليس من جنس الإيمان الاختياري . فثبت أنه لا يجوز أن يقال المراد ~~بقولنا إلا أن يشاء الله ، الإيمان الاضطراري بل يجب أن يكون المراد منه ~~الإيمان الاختياري ، وحينئذ يتوجه دليل أصحابنا ويسقط عنه سؤال المعتزلة ~~بالكلية . # المسألة الثانية : قال الجبائي قوله تعالى : { إلا أن يشاء الله } يدل ~~على حدوث مشيئة الله تعالى ، لأنها لو كانت قديمة لم ms3768 يجز أن يقال ذلك ، كما ~~لا يقال لا يذهب زيد إلى البصرة إلا أن يوحد الله تعالى / وتقريره ، أنا ~~إذا قلنا : لا يكون كذلك إلا أن يشاء الله فهذا يقتضي تعليق حدوث هذا ~~الجزاء على حصول المشيئة فلو كانت المشيئة قديمة لكان الشرط قديما ، ويلزم ~~من حصول الشرط حصول المشروط ، فيلزم كون الجزاء قديما . والحس دل على أنه ~~محدث فوجب كون الشرط حادثا ، وإذا كان الشرط هو المشيئة لزم القول بكون ~~المشيئة حادثة . هذا تقرير هذا الكلام . # والجواب : أن المشيئة وإن كانت قديمة إلا أن تعلقها بإحداث ذلك المحدث في ~~الحال إضافة حادثة PageV13P124 وهذا القدر يكفي لصحة هذ الكلام ، ثم أنه ~~تعالى ختم هذه الآية بقوله : { ولاكن أكثرهم يجهلون } قال أصحابنا : المراد ~~، يجهلون بأن الكل من الله وبقضائه وقدره . وقال المعتزلة : المراد ، أنهم ~~جهلوا أنهم يبقون كفارا عند ظهور الآيات التي طلبوها والمعجزات التي ~~اقترحوها وكان أكثرهم يظنون ذلك . # ! 7 < { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 112 ) وكذلك جعلنا لكل . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وكذالك } منسوق على شيء وفي تعيين ذلك الشيء ~~قولان : الأول : أنه منسوق على قوله : { وكذالك * زينا لكل أمة عملهم } أي ~~كما فعلنا ذلك { كذالك * جعلنا لكل نبى عدوا } الثاني : معناه : جعلنا لك ~~عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء فيكون قوله : { كذالك } عطفا / على ~~معنى ما تقدم من الكلام ، لأن ما تقدم يدل على أنه تعالى جعل له أعداء . # المسألة الثانية : ظاهر قوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا } أنه ~~تعالى هو الذي جعل أولئك الأعداء أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شك ~~أن تلك العداوة معصية وكفر . فهذا يقتضي أن خالق الخير والشر والطاعة ~~والمعصية والإيمان والكفر هو الله تعالى ، أجاب الجبائي عنه : بأن المراد ~~بهذا الجعل الحكم والبيان ، فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل : أنه كفره ، ~~وإذا أخبر عن عدالته قيل ms3769 : أنه عدله ، فكذا ههنا أنه تعالى لما بين للرسول ~~عليه الصلاة والسلام كونهم أعداء له لا جرم قال إنه جعلهم أعداء له ، وأجاب ~~أبو بكر الأصم عنه : بأنه تعالى لما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى ~~العالمين وخصه بتلك المعجزة حسدوه ، وصار ذلك الحسد سببا للعداوة القوية ، ~~فلهذا التأويل قال إنه تعالى جعلهم أعداء له ونظيره قول المتنبي : # % فأنت الذي صيرتهم لي حسدا % وأجاب الكعبي عنه : بأنه تعالى أمر ~~الأنبياء بعدواتهم وأعلمهم كونهم أعداء لهم ، وذلك يقتضي صيرورتهم أعداء ~~للأنبياء . لأن العداوة لا تحصل إلا من الجانبين ، فلهذا الوجه جاز أن يقال ~~إنه تعالى جهلهم أعداء للأنبياء عليهم السلام . واعلم أن هذه الأجوبة ضعيفة ~~جدا لما بينا أن الأفعال مستندة إلى الدواعي ، وهي حادثة من قبل الله تعالى ~~، ومتى كان الأمر كذلك . فقد صح مذهبنا . ثم ههنا بحث آخر : وهو أن العداوة ~~والصداقة يمتنع أن تحصل باختيار الإنسان ، فإن الرجل قد يبلغ PageV13P125 ~~في عداوة غيره إلى حيث لا يقدر البتة على إزالة تلك الحالة عن قلبه ، بل قد ~~لا يقدر على إخفاء آثار تلك العداوة ، ولو أتى بكل تكلف وحيلة لعجز عنه ، ~~ولو كان حصول العداوة والصداقة في القلب باختيار الإنسان لوجب أن يكون ~~الإنسان متمكنا من قلب العداوة بالصداقة وبالضد وكيف لا نقول ذلك والشعراء ~~عرفوا أن ذلك خارج عن الوسع ؟ قال المتنبي : # % يراد من القلب نسيانكم % % وتأبى الطباع على الناقل % # والعاشق الذي يشتد عشقه قد يحتال بجميع الحيل في إزالة عشقه ولا يقدر ~~عليه ، ولو كان حصول ذلك الحب والبغض باختياره لما عجز عن إزالته . # المسألة الثالثة : النصب في قوله : { شياطين } فيه وجهان : الأول : أنه ~~منصوب على البدل من قوله : { عدوا } والثاني : أن يكون قوله { عدوا } ~~منصوبا على أنه مفعول ثان ، والتقدير : وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن ~~أعداء الأنبياء . # / المسألة الرابعة : اختلفوا في معنى شياطين الإنس والجن على قولين : ~~الأول : أن المعنى مردة الإنس والجن ، والشيطان ؛ كل عات متمرد من الإنس ~~والجن ، وهذا قول ابن عباس في ms3770 رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة وهؤلاء ~~قالوا : إن من الجن شياطين ، ومن الإنس شياطين ، وإن الشيطان من الجن إذا ~~أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس ، وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ~~ليفتنه ، والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر ~~: ( هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس ؟ ) قال قلت : وهل للإنس من ~~شياطين ؟ قال : ( نعم هم شر من شياطين الجن ) . # والقول الثاني : أن الجميع من ولد إبليس إلا أنه جعل ولده قسمين ، فأرسل ~~أحد القسمين إلى وسوسة الإنس . والقسم الثاني إلى وسوسة الجن ، فالفريقان ~~شياطين الإنس والجن ، ومن الناس من قال : القول الأول أولى لأن المقصود من ~~الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين ، ومنهم من ~~يقول : القول الثاني أولى ، لأن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس ~~والجن . والإضافة تقتضي المغايرة ، وعلى هذا التقدير : فالشياطين نوع مغاير ~~للجن وهم أولاد إبليس . # المسألة الخامسة : قال الزجاج وابن الأنباري : قوله : { عدوا } بمعنى ~~أعداء وأنشد ابن الأنباري : # % إذا أنا لم أنفع صديقي بوده % % فإن عدوي لن يضرهمو بغضي % # أراد أعدائي ، فأدى الواحد عن الجمع ، وله نظائر في القرآن . ومنها قوله ~~: { ضيف إبراهيم المكرمين } ( الذاريات : 24 ) جعل المكرمين وهو جمع نعتا ~~للضيف وهو واحد ، وثانيها : قوله : { والنخل باسقات لها طلع } ( ق: 10 ) ~~وثالثها : قوله : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } ( النور : ~~31 ) ورابعها : قوله : { إن الإنسان * لفى * خسر * إلا الذين ءامنوا } ( ~~العصر : 2 ) وخامسها : قوله : { كل الطعام كان حلا لبنى إسراءيل } ( آل ~~عمران : 93 ) أكد المفرد بما يؤكد الجمع به ، ولقائل أن يقول لا حاجة إلى ~~هذا التكلف ، فإن التقدير : وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوا واحدا ، ~~إذ لا يجب لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد . PageV13P126 # أما قوله تعالى : { يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } فالمراد أن ~~أولئك الشياطين يوسوس بعضهم بعضا . # واعلم أنه لا يجب أن تكون كل معصية تصدر عن إنسان فإنها تكون بسبب وسوسة ms3771 ~~شيطان ، وإلا لزم دخول التسلسل أو الدور في هؤلاء الشياطين ، فوجب الاعتراف ~~بانتهاء هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول ، ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة ~~شيطان آخر . # / إذا ثبت هذا الأصل فنقول : إن أولئك الشياطين كما أنهم يلقون الوساوس ~~إلى الإنس والجن فقد يوسوس بعضهم بعضا . وللناس فيه مذاهب . منهم من قال ~~الأرواح إما فلكية وإما أرضية ، والأرواح الأرضية منها طيبة طاهرة خيرة ~~آمرة بالطاعة والأفعال الحسنة ، وهم الملائكة الأرضية . ومنها خبيثة قذرة ~~شريرة ، آمرة بالقبائح والمعاصي ، وهم الشياطين . ثم إن تلك الأرواح الطيبة ~~كما أنها تأمر الناس بالطاعات والخيرات ، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضا ~~بالطاعات . والأرواح الخبيثة كما أنها تأمر الناس بالقبائح والمنكرات ، ~~فكذلك قد يأمر بعضهم بعضا بتلك القبائح والزيادة فيها . وما لم يحصل نوع من ~~أنواع المناسبة بين النفوس البشرية ، وبين تلك الأرواح لم يحصل ذلك ~~الانضمام ، فالنفوس البشرية ، إذا كانت طاهرة نقية عن الصفات الذميمة كانت ~~من جنس الأرواح الطاهرة فتنضم إليها ، وإذا كانت خبيثة موصوفة بالصفات ~~الذميمة كانت من جنس الأرواح الخبيثة فتنضم إليها . ثم إن صفات الطهارة ~~كثيرة . وصفات الخبث والنقصان كثيرة ، وبحسب كل نوع منها طوائف من البشر ~~وطوائف من الأرواح الأرضية بحسب تلك المجانسة والمشابهة والمشاكلة ينضم ~~الجنس إلى جنسه / فإن كان ذلك في أفعال الخير كان الحامل عليها ملكا وكان ~~تقوية ذلك الخاطر إلهاما ، وإن كان في باب الشر كان الحامل عليها شيطانا ، ~~وكان تقوية ذلك الخاطر وسوسة . # إذا عرفت هذا الأصل فنقول : إنه تعالى عبر عن هذه الحالة المذكورة بقوله ~~: { يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } فيجب علينا تفسير ألفاظ ثلاثة : ~~الأول : الوحي وهو عبارة عن الإيماء والقول السريع . والثاني : الزخرف وهو ~~الذي يكون باطنه باطلا ، وظاهره مزينا ظاهرا ، يقال : فلان يزخرف كلامه إذا ~~زينه بالباطل والكذب ، وكل شيء حسن مموه فهو مزخرف . # واعلم أن تحقيق الكلام فيه إن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور كونه ~~مشتملا على خير راجح ونفع زائد ، فإنه لا يرغب فيه ، ولذلك سمي ms3772 الفاعل ~~المختار مختارا لكونه طالبا للخير والنفع ، ثم إن كان هذا الإعتقاد مطابقا ~~للمعتقد ، فهو الحق والصدق والإلهام وإن كان صادرا من الملك ، وإن لم يكن ~~معتقدا مطابقا للمعتقد ، فحينئذ يكون ظاهره مزينا ، لأنه في اعتقاده سبب ~~للنفع الزائد والصلاح الراجح ، ويكون باطنه فاسدا باطلا . لأن هذا الإعتقاد ~~غير مطابق للمعتقد فكان مزخرفا . فهذا تحقيق هذا الكلام . والثالث : قوله { ~~غرورا } قال الواحدي : { غرورا } منصوب على المصدر ، وهذا المصدر محمول على ~~المعنى . لأن معنى إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور ، فكأنه قال / يغرون ~~غرورا ، وتحقيق القول فيه أن المغرور هو الذي يعتقد في الشيء كونه مطابقا ~~للمنفعة والمصلحة مع أنه في نفسه ليس كذلك ، فالغرور إما أن يكون عبارة عن ~~عين هذا الجهل أو عن حالة متولدة عن هذا الجهل . فظهر بما ذكرنا أن تأثير ~~هذه الأرواح الخبيثة بعضها في PageV13P127 بعض لا يمكن أن يعبر عنه بعبارة ~~أكمل ولا أقوى دلالة على تمام المقصود من قوله : { يوحى بعضهم إلى بعض زخرف ~~القول غرورا } . # ثم قال تعالى : { ولو شاء ربك ما فعلوه } وأصحابنا يحتجون به على أن ~~الكفر والإيمان بإرادة الله تعالى . والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء ، ~~وقد سبق تقرير هذه المسألة على الاستقصاء ، فلا فائدة في الإعادة . # ثم قال تعالى : { فذرهم وما يفترون } قال ابن عباس : معناه يريد ما زين ~~لهم إبليس وغرهم به قال القاضي : هذا القول يتضمن التحذير الشديد من الكفر ~~والترغيب الكامل في الإيمان ، ويقتضي زوال الغم عن قلب الرسول من حيث يتصور ~~ما أعد الله للقوم على كفرهم من أنواع العذاب وما أعد له من منازل الثواب ~~بسبب صبره على سفاهتهم ولطفه بهم . # ! 7 < { ولتصغىإليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالا خرة وليرضوه وليقترفوا ما ~~هم مقترفون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 113 ) ولتصغى إليه أفئدة . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الصغو في اللغة معناه : الميل . يقال في ~~المستمع إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت أنه يصغي ، ويقال : أصغى الإناء ~~إذا أماله حتى انصب بعضه في البعض ، ويقال للقمر ms3773 إذا مال إلى الغروب صغا ~~وأصغى . فقوله : { ولتصغى } أي ولتميل . # المسألة الثانية : ( اللام ) { ولتصغى } لا بد له من متعلق . فقال ~~أصحابنا : التقدير : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من شياطين الجن والإنس ، ومن ~~صفته أنه يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، وإنما فعلنا ذلك لتصغى ~~إليه أفئدة الذين لا يؤمنون أي وإنما أوجدنا العداوة في قلب الشياطين الذين ~~من صفتهم ما ذكرناه ليكون كلامهم المزخرف مقبولا عند هؤلاء الكفار ، قالوا ~~: وإذا حملنا الآية على هذا الوجه يظهر أنه تعالى يريد الكفر من الكافر أما ~~المعتزلة فقد أجابوا عنه من ثلاثة أوجه . # / الوجه الأول : وهو الذي ذكره الجبائي قال : إن هذا الكلام خرج مخرج ~~الأمر ومعناه الزجر ، كقوله تعالى : { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ~~} وكذلك قوله : { وليرضوه وليقترفوا } ( الأنعام : 113 ) وتقدير الكلام ~~كأنه قال للرسول : فذرهم وما يفترون ثم قال لهم على سبيل التهديد ولتصغى ~~إليه أفئدتهم وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون . # والوجه الثاني : وهو الذي اختاره الكعبي أن هذه اللام لام العاقبة أي ~~ستؤل عاقبة أمرهم إلى هذه الأحوال . قال القاضي : ويبعد أن يقال : هذه ~~العاقبة تحصل في الآخرة ، لأن الإلجاء حاصل في الآخرة ، فلا يجوز أن تميل ~~قلوب الكفار إلى قبول المذهب الباطل ، ولا أن يرضوه ولا أن يقترفوا الذنب ، ~~بل يجب أن تحمل على أن عاقبة أمرهم تؤل إلى أن يقبلوا الأباطيل ويرضوا بها ~~ويعملوا بها . PageV13P128 # والوجه الثالث : وهو الذي اختاره أبو مسلم . قال : ( اللام ) في قوله : { ~~ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة } متعلق بقوله : { يوحى بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا } والتقدير أن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول ~~ليغروا بذلك { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة وليرضوه ~~وليقترفوا } الذنوب ويكون المراد أن مقصود الشياطين من ذلك الإيحاء هو ~~مجموع هذه المعاني . فهذا جملة ما ذكروه في هذا الباب . # أما الوجه الأول : وهو الذي عول عليه الحبائي فضعيف من وجوه ذكرها القاضي ~~. فأحدها : أن ( الواو ) في قوله : { ولتصغى } تقتضي تعلقه بما قبله فحمله ~~على ms3774 الابتداء بعيد . وثانيها : أن ( اللام ) في قوله : { ولتصغى } لام كي ~~فيبعد أن يقال : إنها لام الأمر ويقرب ذلك من أن يكون تحريفا لكلام الله ~~تعالى وأن لا يجوز . # وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال : هذه اللام لام العاقبة فهو ضعيف ، ~~لأنهم أجمعوا على أن هذا مجاز وحمله على ( كي ) حقيقة فكان قولنا أولى . # وأما الوجه الثالث : وهو الذي ذكره أبو مسلم فهو أحسن الوجوه المذكورة في ~~هذا الباب : لأنا نقول : إن قوله : { يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ~~} يقتضي أن يكون الغرض من ذلك الإيحاء هو التغرير . وإذا عطفنا عليه قوله : ~~{ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون } فهذا أيضا عين التغرير لا معنى ~~التغرير ، إلا أنه يستميله إلى ما يكون باطنه قبيحا . وظاهره حسنا ، وقوله ~~: { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون } عين هذه الاستمالة فلو عطفنا لزم ~~أن يكون المعطوف عين المعطوف عليه وأنه لا يجوز ، أما إذا قلنا : تقدير ~~الكلام وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من شأنه أن يوحي / زخرف القول لأجل ~~التغرير وإنما جعلنا مثل هذا الشخص عدوا للنبي لتصغى إليه أفئدة الكفار ، ~~فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة ذلك النبي ، وحينئذ لا يلزم على هذا ~~التقدير عطف الشيء على نفسه . فثبت أن ما ذكرناه أولى . # المسألة الثالثة : زعم أصحابنا أن البنية ليست مشروطا للحياة ، فالحي هو ~~الجزء الذي قامت به الحياة ، والعالم هو الجزء الذي قام به العلم ، وقالت ~~المعتزلة : الحي والعالم هو الجملة ( لا ) ذلك الجزء . # إذا عرفت هذا فنقول : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم ، لأنه قال ~~تعالى : { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون } فجعل الموصوف بالميل ~~والرغبة هو القلب ، لا جملة الحي ، وذلك يدل على قولنا . # المسألة الرابعة : الذين قالوا الإنسان شيء مغاير للبدن اختلفوا . منهم ~~من قال : المتعلق الأول هو القلب ، وبواسطته تتعلق النفس بسائر الأعضاء ~~كالدماغ والكبد . ومنهم من قال : القلب متعلق النفس الحيوانية ، والدماغ ~~متعلق النفس الناطقة ، والكبد متعلق النفس الطبيعية ، والأولون تعلقوا بهذه ~~الآية ، فإنه تعالى جعل محل ms3775 الصغو الذي هو عبارة عن الميل والإرادة ؛ القلب ~~، وذلك يدل على أن المتعلق بالنفس القلب . # المسألة الخامسة : الكناية في قوله : { ولتصغى إليه أفئدة } عائدة إلى ~~زخرف القول ، وكذلك في قوله : { وليرضوه } . # وأما قوله : { وليقترفوا ما هم مقترفون } فاعلم أن الاقتراف هو الاكتساب ~~، يقال في المثل : الاعتراف PageV13P129 يزيل الاقتراف ، كما يقال : التوبة ~~تمحو الحوبة . وقال الزجاج : { * ليقترفوا } أي ليختلفوا وليكذبوا ، والأول ~~أصح . # ! 7 < { أفغير الله أبتغى حكما وهو الذىأنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين ~~ءاتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } . > ~~7 ! # < < # | الأنعام : ( 114 ) أفغير الله أبتغي . . . . . # > > فيه مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله ~~جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ، أجاب عنه بأنه لا فائدة في إظهار ~~تلك الآيات ، لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم . ثم إنه تعالى ~~بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل ، فكان ما يطلبونه ~~طلبا للزيادة . وذلك مما لا يجب الالتفات إليه ، وإنما قلنا : إن الدليل ~~الدال على نبوته قد حصل لوجهين : # الوجه الأول : أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل ~~المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة ، وقد عجز الخلق عن ~~معارضته . فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل عى أنه تعالى قد حكم بنبوته ، ~~فقوله : { مقترفون أفغير الله أبتغى حكما } يعني قل يا محمد : إنكم تتحكمون ~~في طلب سائر المعجزات ، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكما ؟ فإن كل ~~أحد يقول إن ذلك غير جائز . ثم قل : إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني ~~بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز . # والوجه الثاني : من الأمور الدالة على نبوته ؛ اشتمال التوراة والإنجيل ~~على الآيات الدالة على أن محمدا عليه الصلاة والسلام رسول حق ، وعلى أن ~~القرآن كتاب حق من عند الله تعالى ، وهو المراد من قوله : { والذين ~~ءاتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق } ( الأنعام : 114 ) ~~وبالجملة فالوجهان ms3776 مذكوران في قوله تعالى : { قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب } ( الرعد : 43 ) . # أما قوله تعالى في آخر الآية : { فلا تكونن من الممترين } ففيه وجوه : ~~الأول : أن هذا من باب التهييج والإلهاب كقوله : { ولا تكونن من المشركين } ~~والثاني : التقدير { فلا تكونن من الممترين } في أن أهل الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق . والثالث : يجوز أن يكون قوله : { فلا تكونن } خطابا ~~لكل واحد والمعنى أنه لما ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيها أحد . ~~الرابع : قيل هذا الخطاب وإن كان في الظاهر للرسول إلا أن المراد منه أمته ~~. # المسألة الثانية : قوله : { والذين ءاتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ~~ربك بالحق } قرأ ابن عامر وحفص { منزل } بالتشديد والباقون بالتخفيف ، ~~والفرق بين التنزيل والإنزال قد ذكرناه مرارا . PageV13P130 # المسألة الثالثة : قال الواحدي : { أفغير الله أبتغى حكما } الحكم ~~والحاكم واحد عند أهل اللغة ، غير أن بعض أهل التأويل قال الحكم أكمل من ~~الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم . وأما الحكم فهو الذي لا يحكم إلا بالحق ~~والمعنى أنه تعالى حكم حق لا يحكم إلا بالحق . فلما أظهر المعجز الواحد وهو ~~القرآن فقد حكم بصحة هذه النبوة ، ولا مرتبة فوق حكمه فوجب القطع بصحة هذه ~~النبوة . فأما / أنه هل يظهر سائر المعجزات أم لا ؟ فلا تأثير له في هذا ~~الباب بعد أن ثبت أنه تعالى حكم بصحة هذه النبوة بواسطة إظهار المعجز ~~الواحد . # ! 7 < { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم } . ~~> 7 ! # < < # | الأنعام : ( 115 ) وتمت كلمة ربك . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : { وتمت كلمت ربك } بغير ألف ~~على الواحد ، والباقون { كلمات } على الجمع ، قال أهل المعاني ، الكلمة ~~والكمات ، معناهما ما جاء من وعد ووعيد وثواب وعقاب ، فلا تبديل فيه ولا ~~تغيير له كما قال : { ما يبدل القول لدى } ( ق: 29 ) فمن قرأ { كلمات } ~~بالجمع قال : لأن معناها الجمع فوجب أن يجمع في اللفظ ، ومن قرأ على الوحدة ~~فلأنهم قالوا : الكلمة ، قد يراد بها الكلمات الكثيرة ms3777 إذا كانت مضبوطة ~~بضابط واحد ، كقولهم : قال زهير في كلمته : يعني قصيدته ، وقال قس في كلمته ~~، أي خطبته ، فكذلك مجموع القرآن كلمة واحدة في كونه حقا وصدقا ومعجزا . # المسألة الثانية : أن تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى بين في الآية ~~السابقة أن القرآن معجز ، فذكر في هذه الآية أنه تمت كلمة ربك ، والمراد ~~بالكلمة القرآن أي تم القرآن في كونه معجزا دالا على صدق محمد عليه السلام ~~، وقوله : { صدقا وعدلا } أي تمت تماما صدقا وعدلا ، وقال أبو علي الفارسي ~~: { صدقا وعدلا } مصدران ينصبان على الحال من الكلمة تقديره صادقة عادلة ، ~~فهذا وجه تعلق هذه الآية بما قبلها . # المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية تدل على أن كلمة ا لله تعالى موصوفة ~~بصفات كثيرة . # فالصفة الأولى : كونها تامة وإليه الإشارة بقوله : { وتمت كلمت ربك } وفي ~~تفسير هذا التمام وجوه : الأول : ما ذكرنا أنها كافية وافية بكونها معجزة ~~دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، والثاني : أنها كافية في بيان ما ~~يحتاج المكلفون إليه إلى قيام القيامة عملا وعلما ، والثالث : أن حكم الله ~~تعالى هو الذي حصل في الأزل ، ولا يحدث بعد ذلك شيء ، فذلك الذي حصل في ~~الأزل هو التمام ، والزيادة عليه ممتنعة ، وهذا الوجه هو المراد من قوله ~~صلى الله عليه وسلم : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) . # / الصفة الثانية : من صفات كلمة الله كونها صدقا ، والدليل عليه أن الكذب ~~نقص والنقص على الله محال ، ولا يجوز إثبات أن الكذب على الله محال ~~بالدلائل السمعية ، لأن صحة الدلائل السمعية موقوفة على أن الكذب على الله ~~محال ، فلو أثبتنا امتناع الكذب على الله بالدلائل السمعية لزم الدور وهو ~~باطل . واعلم PageV13P131 أن هذا الكلام كما يدل على أن الخلف في وعد الله ~~تعالى محال . فهو أيضا يدل على أن الخلف في وعيده محال بخلاف ما قاله ~~الواحدي في تفسير قوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها } إن الخلق في وعيد الله جائز ، وذلك لأن وعد الله ms3778 ووعيده كلمة الله ، ~~فلما دلت هذه الآية على أن كلمة الله يجب كونها موصوفة بالصدق على أن الخلف ~~كما أنه ممتنع في الوعد فكذلك ممتنع في الوعيد . # الصفة الثالثة : من صفات كلمات الله كونها عدلا وفيه وجهان : الأول : أن ~~كل ما حصل في القرآن نوعان ، الخبر والتكليف . أما الخبر فالمراد كل ما ~~أخبر الله عن وجوده أو عن عدمه ويدخل فيه الخبر عن وجود ذات الله تعالى وعن ~~حصول صفاته أعني كونه تعالى عالما قادرا سميعا بصيرا ، ويدخل فيه الأخبار ~~عن صفات التقديس والتنزيه كقوله : { لم يلد ولم يولد } ( الإخلاص : 3 ) ~~وكقوله : { لا تأخذ * سنة ولا نوم } ( البقرة : 255 ) ويدخل فيه الخبر عن ~~أقسام أفعال الله وكيفية تدبيره لملكوت السموات والأرض وعالمي الأرواح ~~والأجسام / ويدخل فيه كل أمر عن أحكام الله تعالى في الوعد والوعيد والثواب ~~والعقاب ، ويدخل فيه الخبر عن أحوال المتقدمين ، والخبر عن الغيوب ~~المستقبلة ، فكل هذه الأقسام داخلة تحت الخبر ، وأما التكليف فيدخل فيه كل ~~أمر ونهي توجه منه سبحانه على عبده سواء كان ذلك العبد ملكا أو بشر أو جنيا ~~أو شيطانا وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء عليهم السلام ~~المتقدمين ، أو في شرائع الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة ~~والنار والعرش وما وراءه مما لا يعلم أحوالهم إلا الله تعالى . # وإذا عرفت انحصار مباحث القرآن في هذين القسمين فنقول : قال تعالى : { ~~وتمت كلمة ربك صدقا } إن كان من باب الخبر { وعدلا } إن كان من باب ~~التكاليف ، وهذا ضبط في غاية الحسن . # والقول الثاني : في تفسير قوله : { وعدلا } أن كل ما أخبر الله تعالى عنه ~~من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد وأن يكون واقعا ، وهو بعد ~~وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بصفة الظلمية . # الصفة الرابعة : من صفات كلمة الله قوله : { لا مبدل لكلماته } وفيه وجوه ~~: الأول : أنا بينا أن المراد من قوله : { وتمت كلمت ربك } أنها تامة في ~~كونها معجزة دالة على صدق محمد ms3779 صلى الله عليه وسلم . # / ثم قال : { لا مبدل لكلماته } والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبهات ~~في كونها دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام إلا أن تلك الشبهات لا ~~تأثير لها في هذه الدلائل التي لا تقبل التبديل البتة لأن تلك الدلالة ~~ظاهرة باقية جلية قوية لا تزول بسبب ترهات الكفار وشبهات أولئك الجهال . # والوجه الثاني : أن يكون المراد أنها تبقى مصونة عن التحريف والتغيير كما ~~قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) . # والوجه الثالث : أن يكون المراد أنها مصونة عن التناقض كما قال : { ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) . # والوجه الرابع : أن يكون المراد أن أحكام الله تعالى لا تقبل التبديل ~~والزوال لأنها أزلية والأزلي لا يزول . # واعلم أن هذا الوجه أحد الأصول القوية في إثبات الجبر ، لأنه تعالى لما ~~حكم على زيد بالسعادة وعلى PageV13P132 عمرو بالشقاوة ، ثم قال : { لا مبدل ~~لكلماته * الله } يلزم امتناع أن ينقلب السعيد شقيا وأن ينقلب الشقي سعيدا ~~، فالسعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه . # ! 7 < { وإن تطع أكثر من فى الا رض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا ~~الظن وإن هم إلا يخرصون * إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 116 - 117 ) وإن تطع أكثر . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات الكفار ثم بين بالدليل صحة نبوة محمد ~~عليه الصلاة والسلام بين أن بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن يلتفت ~~العاقل إلى كلمات الجهال ، ولا ينبغي أن يتشوش بسبب كلماتهم الفاسدة فقال : ~~{ وإن تطع أكثر من فى الارض يضلوك عن سبيل الله } وهذا يدل على أن أكثر أهل ~~الأرض كانوا ضلالا ، لأن الإضلال لا بد وأن يكون مسبوقا بالضلال . واعلم أن ~~حصول هذا الضلال والإضلال لا يخرج عن أحد أمور ثلاثة : أولها : المباحث ~~المتعلقة بالإلهيات فإن الحق فيها واحد ، وأما الباطل ففيه كثرة ، ومنها ~~القول بالشرك أما كما ms3780 تقوله الزنادقة / وهو الذى أخبر الله عنه في قوله : { ~~وجعلوا لله شركاء الجن } وإما كما يقوله عبدة الكواكب . وإما كما يقوله ~~عبدة الأصنام ، وثانيها : المباحث المتعلقة بالنبوات . إما كما يقوله من ~~ينكر النبوة مطلقا أو كما يقوله من ينكر النشر . أو كما يقوله من ينكر نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم . ويدخل في هذا الباب المباحث المتعلقة بالمعاد . ~~وثالثها : المباحث المتعلقة بالأحكام ، وهي كثيرة ، فإن الكفار كانوا ~~يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة ، فقال تعالى : { وإن تطع ~~أكثر من فى الارض } فيما يعتقدونه من الحكم على الباطل بأنه حق ، وعلى الحق ~~بأنه باطل يضلوك عن سبيل الله ، أي عن الطريق والمنهج الصدق . # ثم قال : { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المراد أن هؤلاء الكفار الذين ينازعونك في دينك ومذهبك ~~غير قاطعين بصحة مذاهبهم ، بل لا يتبعون إلا الظن وهم خراصون كذابون في ~~ادعاء القطع وكثير من المفسرين يقولون : المراد من ذلك الظن رجوعهم في ~~إثبات مذاهبهم إلى تقليد أسلافهم لا إلى تعليل أصلا . # المسألة الثانية : تمسك نفاة القياس بهذه الآية . فقالوا رأينا أن الله ~~تعالى بالغ في ذم الكفار في كثير من آيات القرآن بسبب كونهم متبعين للظن ، ~~والشيء الذي يجعله الله تعالى موجبا لذم الكفار لا بد وأن يكون في أقصى ~~مراتب الذم ، والعمل بالقياس يوجب اتباع الظن ، فوجب كونه مذموما محرما ، ~~لا يقال لما ورد الدليل القاطع بكونه حجة كان العمل به عملا بدليل مقطوع لا ~~بدليل مظنون . لأنا نقول هذا مدفوع من وجوه : الأول : أن ذلك الدليل القاطع ~~إما أن يكون عقليا ، وإما أن يكون سمعيا ، والأول باطل لأن العقل لا مجال ~~له PageV13P133 في أن العمل بالقياس جائز أو غير جائز ، لا سيما عند من ~~ينكر تحسين العقل وتقبيحه . والثاني : أيضا باطل لأن الدليل السمعي إنما ~~يكون قاطعا لو كان متواترا وكانت ألفاظه غير محتملة لوجه آخر سوى هذا ~~المعنى الواحد ، ولو حصل مثل هذا الدليل لعلم الناس بالضرورة كون القياس ms3781 ~~حجة ، ولارتفع الخلاف فيه بين الأمة ، فحيث لم يوجد ذلك علمنا أن الدليل ~~القاطع على صحة القياس مفقود . الثاني : هب أنه وجد الدليل القاطع على أن ~~القياس حجة ، إلا أن مع ذلك لا يتم العمل بالقياس إلا مع اتباع الظن وبيانه ~~أن التمسك بالقياس مبني على مقامين : الأول : أن الحكم في محل الوفاق معلل ~~بكذا . والثاني : أن ذلك المعنى حاصل في محل الخلاف ، فهذان المقامان إن ~~كانا معلومين على سبيل القطع واليقين فهذا ما لا خلاف فيه بين العقلاء في ~~صحته وإن كان مجموعهما أو كان أحدهما ظنيا فحينئذ لا يتم العمل / بهذا ~~القياس إلا بمتابعة الظن / وحينئذ يندرج تحت النص الدال على أن متابعة ~~الظنم مذمومة . # والجواب : لم لا يجوز أن يقال : الظن عبارة عن الإعتقاد الراجح إذا لم ~~يستند إلى أمارة وهو مثل اعتقاد الكفار أما إذا كان الإعتقاد الراجح مستندا ~~إلى أمارة ، فهذا الإعتقاد لا يسمى ظنا . وبهذا الطريق سقط هذا الاستدلال . # ثم قال تعالى : { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } ~~وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في تفسيره قولان : الأول : أن يكون المراد أنك بعد ما ~~عرفت أن الحق ما هو ، وأن الباطل ما هو ، فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم ~~إلى خالقهم ، لأنه تعالى عالم بأن المهتدي من هو ؟ والضال من هو ؟ فيجازي ~~كل واحد بما يليق بعمله . والثاني : أن يكون المراد أن هؤلاء الكفار وإن ~~أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون ، والله تعالى عالم ~~بأحوال قلوبهم وبواطنهم ، ومطلع على كونهم متحيرين في سبيل الضلال تائهين ~~في أودية الجهل . # المسألة الثانية : قوله : { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله } فيه قولان ~~: الأول : قال بعضهم { أعلم } ههنا بمعنى يعلم والتقدير : إن ربك يعلم من ~~يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . # فإن قيل : فهذا يوجب وقوع التفاوت في علم الله تعالى وهو محال . # قلنا : لا شك أن حصول التفاوت في علم الله تعالى محال . إلا أن المقصود ~~من هذا اللفظ ms3782 أن العناية بإظهار هداية المهتدين فوق العناية بإظهار ضلال ~~الضالين ، ونظيره قوله تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها ~~} فذكر الإحسان مرتين والإسارة مرة واحدة . والثاني : أن موضع { من } رفع ~~بالابتداء ولفظها لفظ الاستفهام ، والمعنى إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن ~~سبيله { قال } وهذا مثل قوله تعالى : { لنعلم أي الحزبين أحصى وهذا قول : ~~المبرد والزجاج والكسائي والفراء . # ! 7 < { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } . > 7 @QB@ ~~< # | الأنعام : ( 118 ) فكلوا مما ذكر . . . . . # > > # في الآية مباحث نذكرها في معرض السؤال والجواب . PageV13P134 # السؤال الأول : ( الفاء ) في قوله : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ~~يقتضي تعلقا بما تقدم ، فما ذلك الشيء ؟ # والجواب : قوله : { فكلوا } مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحللون ~~الحرام ويحرمون الحلال ، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين : إنكم تزعمون ~~أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن / تأكلوه مما قتلتموه أنتم . فقال ~~الله للمسلمين إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وهو ~~المذكى ببسم الله . # السؤال الثاني : القوم كانوا يبيحون أكل ما ذبح على اسم الله ولا ينازعون ~~فيه ، وإنما النزاع في أنهم أيضا كانوا يبيحون أكل الميتة ، والمسلمون ~~كانوا يحرمونها ، وإذا كان كذلك كان ورود الأمر بإباحة ما ذكر اسم الله ~~عليه عبثا لأنه يقتضي إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف ~~فيه . # والجواب : فيه وجهان : الأول : لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ~~ويبيحون أكل الميتة ، فالله تعالى رد عليهم في الأمرين ، فحكم بحل المذكاة ~~بقوله : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } وبتحريم الميتة بقوله : { ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } الثاني : أن نحمل قوله : { فكلوا مما ~~ذكر اسم الله عليه } على أن المراد اجعلوا أكلكم مقصورا على ما ذكر اسم ~~الله عليه ، فيكون المعنى على هذا الوجه تحريم أكل الميتة فقط . # السؤال الثالث : قوله : { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } صيغة الأمر ، ~~وهي للإباحة . وهذه الإباحة حاصلة في حق المؤمن وغير المؤمن ، وكلمة { ءان ~~} في قوله : { إن ms3783 كنتم بآياته مؤمنين } تفيد الاشتراط . # والجواب : التقدير ليكن أكلكم مقصورا على ما ذكر اسم الله عليه إن كنتم ~~بآياته مؤمنين والمراد أنه لو حكم بإباحة أكل الميتة لقدح ذلك في كونه ~~مؤمنا . # ! 7 < { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو ~~أعلم بالمعتدين } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 119 ) وما لكم ألا . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وحفص عن عاصم { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } ~~بالفتح في الحرفين ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالضم في الحرفين ، ~~وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم / { فصل } بالفتح { وحرم } بالضم ، ~~فمن قرأ بالفتح في الحرفين فقد احتج بوجهين : الأول : أنه تمسك في فتح قوله ~~: { فصل } بقوله : { قد فصلنا الآيات } وفي فتح قوله : { حرم } بقوله : { ~~أتل ما حرم ربكم } . # والوجه الثاني : التمسك بقوله : { مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم } فيجب أن يكون PageV13P135 الفعل مسندا إلى الفاعل لتقدم ذكر ~~اسم الله تعالى ، وأما الذين قرؤا بالضم في الحرفين فحجتهم قوله : { حرمت ~~عليكم الميتة والدم } وقوله : { حرمات } تفصيل لما أجمل في هذه الآية ، ~~فلما وجب في التفصيل أن يقال : { حرمت عليكم الميتة } بفعل ما لم يسم فاعله ~~وجب في الإجمال كذلك وهو قوله : { ما حرم عليكم } ولما ثبت وجوب { حرم } ~~بضم الحاء فكذلك يجب { فصل } بضم الفاء لأن هذا المفصل هو ذلك المحرم ~~المجمل بعينه . وأيضا فإنه تعالى قال : { وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا ~~} وقوله : { مفصلا } يدل على فصل . وأما من قرأ { فصل } بالفتح وحرم بالضم ~~فحجته في قوله : { فصل } قوله : { قد فصلنا الآيات } وفي قوله : { حرم } ~~قوله : { حرمت عليكم الميتة } . # المسألة الثانية : قوله : { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } أكثر المفسرين ~~قالوا : المراد منه قوله تعالى في أول سورة المائدة : { حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير } وفيه إشكال : وهو أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة ~~مدنية ، وهي ms3784 آخر ما أنزل الله بالمدينة . وقوله : { وقد فصل } يقتضي أن ~~يكون ذلك المفصل مقدما على هذا المجمل ، والمدني متأخر عن المكي ، والمتأخر ~~يمتنع كونه متقدما . بل الأولى أن يقال المراد قوله بعد هذه الآية : { قل ~~لا أجد * فيما * أوحى إليك * محرما على طاعم } يطعمه . وهذه الآية وإن كانت ~~مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن هذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون ~~هو المراد والله أعلم . وقوله : { إلا ما اضطررتم إليه } أي دعتكم الضرورة ~~إلى أكله بسبب شدة المجاعة . # ثم قال : { وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليضلون } بفتح الياء وكذلك في ~~يونس { ربنا ليضلوا } وفي إبراهيم { ليضلوا } وفي الحج { ثانى عطفه ليضل } ~~وفي لقمان { لهو الحديث ليضل } وفي الزمر { أندادا ليضل } وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي جميع ذلك بضم الياء . وقرأ نافع وابن عامر ههنا وفي يونس بفتح ~~الياء ، وفي سائر المواضع بالضم ، فمن قرأ بالفتح أشار إلى كونه ضالا ، ومن ~~قرأ بالضم أشار إلى كونه مضلا . قال : وهذا أقوى في الذم لأن كل مضل فإنه ~~يجب كونه ضالا ، وقد يكون ضالا ولا يكون مضلا ، فالمضل أكثر استحقاقا للذم ~~من الضال . # المسألة الثانية : المراد من قوله : { ليضلون } قيل إنه عمرو بن لحي ، ~~فمن دونه من المشركين . لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر ~~والسوائب وأكل الميتة . وقوله : { بغير علم } يريد أن / عمرو بن لحي أقدم ~~على هذه المذاهب عن الجهالة الصرفة والضلالة المحضة . وقال الزجاج : المراد ~~منه الذين يحللون الميتة ويناظرونكم في إحلالها ، ويحتجون عليها بقولهم لما ~~حل ما تذبحونه أنتم فبأن يحل ما يذبحه الله أولى . وكذلك كل ما يضلون فيه ~~من عبادة الأوثان والطعن في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام فإنما يتبعون ~~فيه الهوى والشهوة ، ولا بصيرة عندهم ولا علم . # المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد ~~حرام ، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة ، والآية دلت على أن ذلك ~~حرام . # ثم قال تعالى ms3785 : { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } والمراد منه أنه هو العالم ~~بما في قلوبهم وضمائرهم من PageV13P136 التعدي وطلب نصرة الباطل والسعي في ~~إخفاء الحق ، وإذا كان عالما بأحوالهم وكان قادرا على مجازاتهم فهو تعالى ~~يجازيهم عليها ، والمقصود من هذه الكلمة التهديد والتخويف . والله أعلم . # ! 7 < { وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا ~~يقترفون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 120 ) وذروا ظاهر الإثم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أنه فصل المحرمات أتبعه بما يوجب تركها ~~بالكلية بقوله : { وذروا ظاهر الإثم وباطنه } والمراد من الإثم ما يوجب ~~الإثم ، وذكروا في ظاهر الإثم وباطنه وجهين : الأول : أن { ظاهر الإثم } ~~الإعلان بالزنا { وباطنه } الاستسرار به . قال الضحاك : كان أهل الجاهلية ~~يرون الزنا حلالا ما كان سرا ، فحرم الله تعالى بهذه الآية السر منه ~~والعلانية . الثاني : أن هذا النهي عام في جميع المحرمات وهو الأصح ، لأن ~~تخصيص اللفظ العام بصورة معينة من غير دليل غير جائز ، ثم قيل : المراد ما ~~أعلنتم وما أسررتم ، وقيل : ما عملتم وما نويتم . وقال ابن الأنباري : يريد ~~وذروا الإثم من جميع جهاته كما تقول : ما أخذت من هذا المال قليلا ولا ~~كثيرا ، تريد ما أخذت منه بوجه من الوجوه ، وقال آخرون : معنى الآية النهي ~~عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج من كونه إثما بسبب إخفائه وكتمانه ، ويمكن أن ~~يقال : المراد من قوله : { وذروا ظاهر الإثم } النهي عن الإقدام على الإثم ~~، ثم قال : { وباطنه } ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله ~~لا خوف الناس . وقال آخرون : { ظاهر الإثم } أفعال الجوارح { وباطنه } ~~أفعال القلوب من الكبر والحسد والعجب وإرادة السوء للمسلمين ، ويدخل فيه ~~الإعتقاد والعزم والنظر والظن والتمني واللوم على الخيرات ، وبهذا / يظهر ~~فساد قول من يقول : إن ما يوجد في القلب لا يؤاخذ به إذا لم يقترن به عمل ~~فإنه تعالى نهى عن كل هذه الأقسام بهذه الآية . # ثم قال تعالى : { إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون } ~~ومعنى الاقتراف قد تقدم ذكره . وظاهر النص ms3786 يدل على أنه لا بد وأن يعاقب ~~المذنب ، إلا أن المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب ، وأصحابنا ~~زادوا شرطا ثانيا ، وهو أنه تعالى قد يعفو عن المذنب فيترك عقابه كما قال ~~الله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( ~~النساء : 48 ) . # ! 7 < { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 121 ) ولا تأكلوا مما . . . . . # > > PageV13P137 # اعلم أنه تعالى لما بين أنه يحل أكل ما ذبح على اسم الله ، ذكر بعده ~~تحريم ما لم يذكر عليه اسم الله ، ويدخل فيه الميتة ، ويدخل فيه ما ذبح على ~~ذكر الأصنام ، والمقصود منه إبطال ما ذكره المشركون . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : نقل عن عطاء أنه قال : كل ما لم يذكر عليه اسم الله من ~~طعام أو شراب ، فهو حرام ، تمسكا بعموم هذه الآية . وأما سائر الفقهاء ~~فإنهم أجمعوا على تخصيص هذا العموم بالذبح ، ثم اختلفوا فقال مالك : كل ذبح ~~لم يذكر عليه اسم الله فهو حرام ، سواء ترك ذلك الذكر عمدا أو نسيانا . وهو ~~قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين . وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : إن ~~ترك الذكر عمدا حرم ، وإن ترك نسيانا حل . وقال الشافعي رحمه الله تعالى : ~~يحل متروك التسمية سواء ترك عمدا أو خطأ إذا كان الذابح أهلا للذبح ، وقد ~~ذكرنا هذه المسألة على الاستقصاء في تفسير قوله : { إلا ما ذكيتم } ( ~~المائدة : 3 ) فلا فائدة في الإعادة ، قال الشافعي رحمه الله تعالى : هذا ~~النهي مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب ، ويدل عليه وجوه : أحدها : قوله ~~تعالى : { وإنه لفسق } وأجمع المسلمون على أنه لا يفسق أكل ذبيحة المسلم ~~الذي ترك التسمية . وثانيها : قوله تعالى : { وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم } ( الأنعام : 121 ) وهذه المناظرة إنما كانت في مسألة ~~الميتة ، روي أن ناسا من المشركين قالوا للمسلمين : ما يقتله الصقر والكلب ~~تأكلونه ، وما يقتله الله فلا تأكلونه . وعن ms3787 ابن عباس أنهم قالوا : / ~~تأكلون ما تقتلونه ولا تأكلون ما يقتله الله ، فهذه المناظرة مخصوصة بأكل ~~الميتة ، وثالثها : قوله تعالى : { وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } وهذا مخصوص ~~بما ذبح على اسم النصب ، يعني لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم ~~إلهية الأوثان ، فقد رضيتم بإلهيتها وذلك يوجب الشرك . قال الشافعي رحمه ~~الله تعالى : فأول الآية وإن كان عاما بحسب الصيغة ، إلا أن آخرها لما حصلت ~~فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم هو هذا الخصوص ، ~~ومما يؤكد هذا المعنى هو أنه تعالى قال : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه وإنه لفسق } فقد صار هذا النهي مخصوصا بما إذا كان هذا الأمر ~~فسقا ، ثم طلبنا في كتاب الله تعالى أنه متى يصير فسقا ؟ فرأينا هذا الفسق ~~مفسرا في آية أخرى ، وهو قوله : { قل لا أجد * فيما * أوحى إليك * محرما ~~على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو ~~فسقا أهل } ( الأنعام : 145 ) فصار الفسق في هذه الآية مفسرا بما أهل به ~~لغير الله ، وإذا كان كذلك كان قوله : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه وإنه لفسق } مخصوصا بما أهل به لغير الله . # والمقام الثاني : أن نترك التمسك بهذه المخصصات ، لكن نقول لم قلتم إنه ~~لم يوجد ذكر الله ههنا ؟ والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : ( ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم يقل ) ، ويحمل هذا الذكر ~~على ذكر القلب . # والمقام الثالث : وهو أن نقول : هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة إلا أن ~~سائر الدلائل المذكورة في هذه المسألة توجب الحل / ومتى تعارضت وجب أن يكون ~~الراجح هو الحل ، لأن الأصل في المأكولات الحل ، وأيضا يدل عليه جميع ~~العمومات المقتضية لحل الأكل والانتفاع كقوله تعالى : { خلق لكم ما فى ~~الارض جميعا } ( البقرة : 29 ) وقوله : { كلوا واشربوا } ( البقرة : 60 ) ~~لأنه مستطاب بحسب الحس فوجب أن يحل لقوله تعالى : { أحل لكم الطيبات } ( ~~المائدة ms3788 : 4 ) ولأنه مال لأن الطبع يميل إليه ، فوجب أن لا يحرم لما روي عن ~~PageV13P138 النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن إضاعة المال ، فهذا تقرير ~~الكلام في هذه المسألة ومع ذلك فنقول : الأولى بالمسلم أن يحترز عنه لأن ~~ظاهر هذا النص قوي . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { وإنه لفسق } إلى ماذا يعود ؟ فيه ~~قولان : الأول : أن قوله { لا تأكلوا } يدل على الأكل ، لأن الفعل يدل على ~~المصدر ، فهذا الضمير عائد إلى هذا المصدر . والثاني : كأنه جعل ما لم يذكر ~~اسم الله عليه في نفسه فسقا ، على سبيل المبالغة . # وأما قوله : { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } ففيه قولان ~~: الأول : أن المراد من الشياطين ههنا إبليس وجنوده ، وسوسوا إلى أوليائهم ~~من المشركين ليجادلوا محمدا صلى الله عليه وسلم / وأصحابه في أكل الميتة . ~~والثاني : قال عكرمة : وإن الشياطين ، يعني مردة المجوس ، ليوحون إلى ~~أوليائهم من مشركي قريش ، وذلك لأنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من ~~أهل فارس ، فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة ، أن محمدا وأصحابه يزعمون ~~أنهم يتبعون أمر الله ، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال وما يذبحه الله حرام ~~. فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . # ثم قال : { وإن أطعتموهم } يعني في استحلال الميتة { إنكم لمشركون } قال ~~الزجاج : وفيه دليل على أن كل من أهل شيئا مما حرم الله تعالى ، أو حرم ~~شيئا مما أحل الله تعالى فهو مشرك ، وإنما سمي مشركا لأنه أثبت حاكما سوى ~~الله تعالى ، وهذا هو الشرك . # المسألة الثالثة : قال الكعبي : الآية حجة على أن الإيمان اسم لجميع ~~الطاعات وإن كان معناه في اللغة التصديق ، كما جعل تعالى الشرك اسما لكل ما ~~كان مخالفا لله تعالى ، وإن كان في اللغة مختصا بمن يعتقد أن لله شريكا ، ~~بدليل أنه تعالى سمى طاعة المؤمنين للمشركين في إباحة الميتة شركا . # ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من الشرك ههنا اعتقاد أن ~~الله تعالى شريكا في الحكم والتكليف ms3789 ؟ وبهذا التقدير يرجع معنى هذا الشرك ~~إلى الإعتقاد فقط . # ! 7 < { أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به فى الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون } . > 7 ~~! # < < # | الأنعام : ( 122 ) أو من كان . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المشركين ~~يجادلون المؤمنين في دين الله ذكر مثلا يدل على حال المؤمن المهتدي ، وعلى ~~حال الكافر الضال ، فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتا ، فجعل حيا ~~بعد ذلك وأعطى نورا يهتدى به في مصالحه ، وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات ~~منغمس فيها لا خلاص له منها ، فيكون متحيرا على الدوام . PageV13P139 # ثم قال تعالى : { كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون } وعند هذا عادت ~~مسألة الجبر والقدر / فقال أصحابنا : ذلك المزين هو الله تعالى ، ودليله ما ~~سبق ذكره من أن الفعل يتوقف على حصول الداعي وحصوله لا بد وأن يكون بخلق ~~الله تعالى ، والداعي عبارة عن علم أو اعتقاد أو ظن باشتمال ذلك الفعل على ~~نفع زائد وصلاح راجح ، فهذا الداعي لا معنى له إلا هذا التزيين ، فإذا كان ~~موجد هذا الداعي هو الله تعالى كان المزين لا محالة هو الله تعالى ، وقالت ~~المعتزلة : ذلك المزين هو الشيطان ، وحكوا عن الحسن أنه قال : زينه لهم ~~والله الشيطان . واعلم أن هذا في غاية الضعف لوجوه : الأول : الدليل القاطع ~~الذي ذكرناه . والثاني : أن هذا المثل مذكور ليميز الله حال المسلم من ~~الكافر فيدخل فيه الشيطان . فإن كان إقدام ذلك الشيطان على ذلك الكفر ~~لشيطان آخر ، لزم الذهاب إلى مزين آخر غير النهاية . وإلا فلا بد من مزين ~~آخر سوى الشيطان . الثالث : أنه تعالى صرح بأن ذلك المزين ليس إلا هو فيما ~~قبل هذه الآية وما بعدها ، أما قبلها فقوله : { ولا تسبوا الذين يدعون من ~~دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم } وأما بعد ~~هذه الآية فقوله : { وكذالك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ms3790 } . # المسألة الثانية : قوله : { أو من كان ميتا فأحييناه } قرأ نافع { ميتا } ~~مشددا ، والباقون مخففا قال أهل اللغة : الميت مخففا تخفيف ميت ، ومعناهما ~~واحد ثقل أو خفف . # المسألة الثالثة : قال أهل المعاني : قد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله ~~: { أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون } ( النحل : 21 ) وأيضا في ~~قوله : { لينذر من كان حيا } ( يس : 70 ) وفي قوله : { إنك لا تسمع الموتى ~~} ( النمل : 80 ) وفي قوله : { وما يستوى الاعمى والبصير * وما يستوى ~~الاحياء ولا الاموات } ( فاطر : 19 و 22 ) فلما جعل الكفر موتا والكافر ~~ميتا ، جعل الهدى حياة والمهتدي حيا ، وإنما جعل الكفر موتا لأنه جهل ، ~~والجهل يوجب الحيرة والوقفة ، فهو كالموت الذي يوجب السكون ، وأيضا الميت ~~لا يهتدي إلى شيء ، والجاهل كذلك ، والهدى علم وبصر ، والعلم والبصر سبب ~~لحصول الرشد والفوز بالنجاة ، وقوله : { وجعلنا له نورا يمشي به فى الناس } ~~عطف على قوله { فأحييناه } فوجب أن يكون هذا النور مغايرا لتلك الحياة ~~والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى أن الأرواح البشرية لها أربع ~~مراتب في المعرفة . فأولها : كونها مستعدة لقبول هذه المعارف وذلك ~~الاستعداد الأصلي يختلف في الأرواح ، فربما كانت الروح موصوفة باستعداد ~~كامل قوي شريف ، وربما كان ذلك الاستعداد قليلا ضعيفا / ويكون صاحبه بليدا ~~ناقصا . # والمرتبة الثانية : أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية ، وهي المسماة ~~بالعقل . # والمرتبة الثالثة : أن يحاول ذلك الإنسان تركيب تلك البديهيات : ويتوصل ~~بتركيبها إلى / تعرف المجهولات الكسبية ، إلا أن تلك المعارف ربما لا تكون ~~حاضرة بالفعل ، ولكنها تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها ، ~~يقدر عليه . # والمرتبة الرابعة : أن تكون تلك المعارف القدسية والجلايا الروحانية ~~حاضرة بالفعل ، ويكون جوهر ذلك الروح مشرقا بتلك المعارف مستضيئا بها ~~مستكملا بظهورها فيه . # إذا عرفت هذا فنقول : PageV13P140 # المرتبة الأولى : وهي حصول الاستعداد فقط ، هي المسماة بالموت . # والمرتبة الثانية : وهي أن تحصل العلوم البديهية الكلية فيه فهي المشار ~~إليها بقوله : { فأحييناه } . # والمرتبة الثالثة : وهي تركيب البديهيات حتى يتوصل بتركيباتها إلى تعرف ~~المجهولات النظرية ، فهي المراد من قوله تعالى ms3791 : { وجعلنا له نورا } . # والمرتبة الرابعة : وهي قوله : { يمشي به فى الناس } إشارة إلى كونه ~~مستحضرا لتلك الجلايا القدسية ناظرا إليها ، وعند هذا تتم درجات سعادات ~~النفس الإنسانية ، ويمكن أن يقال أيضا الحياة عبارة عن الاستعداد القائم ~~بجوهر الروح ، والنور عبارة عن إيصال نور الوحي والتنزيل به . فإنه لا بد ~~في الإبصار من أمرين : من سلامة الحاسة ، ومن طلوع الشمس ، فكذلك البصيرة ~~لا بد فيها من أمرين : من سلامة حاسة العقل ، ومن طلوع نور الوحي والتنزيل ~~، فلهذا السبب قال المفسرون : المراد بهذا النور ، القرآن . ومنهم من قال : ~~هو نور الدين ، ومنهم من قال : هو نور الحكمة ، والأقوال بأسرها متقاربة ، ~~والتحقيق ما ذكرناه . وأما مثل الكافر { فهو * كمن * في الظلمات ليس بخارج ~~منها } وفي قوله : { ليس بخارج منها } دقيقة عقلية ، وهي أن الشيء إذا دام ~~حصوله مع الشيء صار كالأمر الذاتي والصفة اللازمة له . فإذا دام كون الكافر ~~في ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت تلك الظلمات كالصفة الذاتية اللازمة ~~له يعسر إزالتها عنه ، نعوذ بالله من هذه الحالة . وأيضا الواقف في الظلمات ~~يبقى متحيرا لا يهتدي إلى وجه صلاحه فيستولي عليه الخوف والفزع ، والعجز ~~والوقوف . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أن هذين المثلين المذكورين هل هما مخصوصان ~~بإنسانين معينين أو عامان في كل مؤمن وكافر . فيه قولان : الأول : أنه خاص ~~بإنسانين على التعيين ، ثم فيه وجوه : الأول : قال ابن عباس : إن أبا جهل ~~رمى النبي صلى الله عليه وسلم بفرث وحمزة يومئذ لم يؤمن ، فأخبر حمزة بذلك ~~عند قدومه من صيد له والقوس بيده ، فعمد إلى أبي جهل وتوخاه بالقوس ، وجعل ~~يضرب رأسه ، فقال له أبو جهل : أما ترى ما جاء به ؟ سفه عقولنا ، وسب ~~آلهتنا ، فقال / حمزة : أنتم أسفه الناس ، تعبدون الحجارة من دون الله ، ~~أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، فنزلت ~~هذه الآية . # والرواية الثانية : قال مقاتل : نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبي جهل وذلك أنه قال : زاحمنا بنو ms3792 عبد مناف في الشرف ، حتى إذا صرنا ~~كفرسى رهان ، قالوا منا نبي يوحى إليه . والله لا نؤمن به ، إلا أن يأتينا ~~وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية . # والرواية الثالثة : قال عكرمة والكلبي : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل . # والرواية الرابعة : قال الضحاك : نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل . # والقول الثاني : إن هذه الآية عامة في حق جميع المؤمنين والكافرين ، وهذا ~~هو الحق ، لأن المعنى إذا كان حاصلا في الكل ، كان التخصيص محض التحكم ، ~~وأيضا قد ذكرنا أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة / فالقول بأن سبب نزول هذه ~~الآية المعينة ، كذا وكذا مشكل ، إلا إذا قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : إن مراد الله تعالى من هذه الآية العامة ، فلان بعينه . PageV13P141 # المسألة الخامسة : هذه الآية من أقوى الدلائل أيضا على أن الكفر والإيمان ~~من الله تعالى ، لأن قوله : { فأحييناه } وقوله : { وجعلنا له نورا يمشي به ~~فى الناس } قد بينا أنه كناية عن المعرفة والهدى ، وذلك يدل على أن كل هذه ~~الأمور إنما تحصل من الله تعالى وبإذنه ، والدلائل العقلية ساعدت على صحته ~~، وهو دليل الداعي على ما لخصناه ، وأيضا أن عاقلا لا يختار الجهل والكفر ~~لنفسه ، فمن المحال أن يختار الإنسان جعل نفسه جاهلا كافرا ، فلما قصد ~~تحصيل الإيمان والمعرفة ، ولم يحصل ذلك ، وإنما حصل ضده وهو الكفر والجهل ، ~~علمنا أن ذلك حصل بإيجاد غيره . # فإن قالوا إنما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل أنه علم . # قلنا : فحاصل هذا الكلام أنه إنما اختار هذا الجهل لسابقة جهل آخر ، فإن ~~كان الكلام في ذلك الجهل السابق كما في المسبوق لزم الذهاب إلى غير النهاية ~~، وإلا فوجب الانتهاء إلى جهل يحصل فيه لإيجاده وتكوينه ، وهو المطلوب . # ! 7 < { وكذالك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون ~~إلا بأنفسهم وما يشعرون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 123 ) وكذلك جعلنا في . . . . . # > > # / المسألة الأولى : ( الكاف ) في قوله : { وكذالك } يوجب التشبيه ، وفيه ~~قولان : الأول : وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها ، كذلك جعلنا في ~~كل ms3793 قرية أكابر مجرميها . الثاني : أنه معطوف على ماقبله ، أي كما زينا ~~للكافرين أعمالهم ، كذلك جعلنا . # المسألة الثانية : الأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم ، والآية على التقديم ~~والتأخير تقديره : جعلنا مجرميها أكابر ، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة ، ~~فإنه لا يتم المعنى ، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل ، لأنك إذا ~~قلت : جعلت زيدا ، وسكت ، لم يفد الكلام حتى تقول رئيسا أو ذليلا أو ما ~~أشبه ذلك ، لاقتضاء الجعل مفعولين ، ولأنك إذا أضفت الأكابر ، فقد أضفت ~~الصفة إلى الموصوف ، وذلك لا يجوز عند البصريين . # المسألة الثالثة : صار تقدير الآية : جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر ~~ليمكروا فيها ، وذلك يقتضي أنه تعالى إنما جعلهم بهذه الصفة ، لأنه أراد ~~منهم أن يمكروا بالناس ، فهذا أيضا يدل على أن الخير والشر بإرادة الله ~~تعالى . # أجاب الجبائي عنه : بأن حمل هذه اللام على لام العاقبة . وذكر غيره أنه ~~تعالى لما لم يمنعهم عن المكر صار شبيها بما إذا أراد ذلك ، فجاء الكلام ~~على سبيل التشبيه ، وهذا السؤال مع جوابه قد تكرر مرارا خارجة عن الحد ~~والحصر . PageV13P142 # المسألة الرابعة : قال الزجاج : إنما جعل المجرمين أكابر ، لأنهم لأجل ~~رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم ، ولأن ~~كثرة المال وقوة الجاه تحمل الإنسان على المبالغة في حفظهما ، وذلك الحفظ ~~لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من الغدر والمكر ، والكذب ، والغيبة ، ~~والنميمة ، والإيمان الكاذبة ، ولو لم يكن للمال والجاه عيب سوى أن الله ~~تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه ، لكفى ~~ذلك دليلا على خساسة المال والجاه . # ثم قال تعالى : { وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } والمراد منه ما ~~ذكره الله تعالى في آية أخرى ، وهي قوله : { ولا يحيق المكر السيىء إلا ~~بأهله } وقد ذكرنا حقيقة ذلك في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { ~~الله يستهزىء بهم } قالت المعتزلة : لا شك أن قوله : { وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون } مذكور في معرض التهديد والزجر ، فلو كان ما قبل هذه ms3794 ~~الآية يدل على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فكيف يليق بالرحيم ~~الكريم الحكيم الحليم أن يريد منهم المكر ، ويخلق فيهم المكر ، ثم يهددهم ~~عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه ؟ واعلم أن معارضة هذا الكلام / بالوجوه ~~المشهورة قد ذكرناها مرارا . # ! 7 < { وإذا جآءتهم ءاية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتى رسل الله ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد ~~بما كانوا يمكرون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 124 ) وإذا جاءتهم آية . . . . . # > > اعلم أنه تعالى حكى عن مكر هؤلاء الكفار وحسدهم أنهم متى ظهرت لهم ~~معجزة قاهرة تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : لن نؤمن حتى ~~يحصل لنا مثل هذا المنصب من عند الله ، وهذا يدل على نهاية حسدهم ، وأنهم ~~إنما بقوا مصرين على الكفر لا لطلب الحجة والدلائل ، بل لنهاية الحسد . قال ~~المفسرون : قال الوليد بن المغيرة : والله لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أحق ~~بها من محمد ، فإني أكثر منه مالا وولدا ، فنزلت هذه الآية . وقال الضحاك : ~~أراد كل واحد منهم أن يخص بالوحي والرسالة ، كما أخبر الله تعالى عنهم في ~~قوله : { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة } فظاهر الآية التي نحن ~~في تفسيرها يدل على ذلك أيضا لأنه تعالى قال : { وإذا جاءتهم ءاية قالوا لن ~~نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } وهذا يدل على أن جماعة منهم كانوا ~~يقولون هذا الكلام . وأيضا فما قبل هذه الآية يدل على ذلك أيضا ، وهو قوله ~~: { وكذالك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها } ثم ذكر عقيب تلك ~~الآية أنهم قالوا : { لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } وظاهره يدل ~~على أن المكر المذكور في الآية الأولى هو هذا الكلام الخبيث . PageV13P143 # وأما قوله تعالى : { لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } ففيه قولان ~~: # القول الأول : وهو المشهور ، أراد القوم أن تحصل لهم النبوة والرسالة ، ~~كما حصلت لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وأن يكونوا متبوعين لا ms3795 تابعين ، ~~ومخدومين لا خادمين . # والقول الثاني : وهو قول الحسن ، ومنقول عن ابن عباس : أن المعنى ، وإذا ~~جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع النبي . قالوا : { لن نؤمن حتى * تؤتى ~~* مثل ما أوتى رسل الله } وهو قول مشركي العرب { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ~~من الارض ينبوعا } إلى قوله : { حتى تنزل علينا كتابا نقرءه } / من الله ~~إلى أبي جهل ، وإلى فلان وفلان كتابا على حدة ، وعلى هذا التقدير : فالقوم ~~ما طلبوا النبوة ، وإنما طلبوا أن تأتيهم آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل ~~معجزات الأنبياء المتقدمين كي تدل على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام . ~~قال المحققون : والقول الأول أقوى وأولى ، لأن قوله : { الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته } لا يليق إلا بالقول الأول ، ولمن ينصر القول الثاني أن يقول : ~~إنهم لما اقترحوا تلك الآيات القاهرة ، فلو أجابهم الله إليها وأظهر تلك ~~المعجزات على وفق التماسهم ، لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة ، وحينئذ ~~يصلح أن يكون قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } جوابا على هذا الكلام . # وأما قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فالمعنى أن للرسالة موضعا ~~مخصوصا لا يصلح وضعها إلا فيه ، فمن كان مخصوصا موصوفا بتلك الصفات التي ~~لأجلها يصلح وضع الرسالة فيه كان رسولا وإلا فلا ، والعالم بتلك الصفات ليس ~~إلا الله تعالى . # واعلم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة ، فقال بعضهم : النفوس والأرواح ~~متساوية في تمام الماهية ، فحصول النبوة والرسالة لبعضها دون البعض تشريف ~~من الله وإحسان وتفضل . وقال آخرون : بل النفوس البشرية مختلفة بجواهرها ~~وماهياتها ، فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية ~~مستعلية منورة . وبعضها خسيسة كدرة محبة للجسمانيات ، فالنفس ما لم تكن من ~~القسم الأول ، لم تصلح لقبول الوحي والرسالة . ثم إن القسم الأول يقع ~~الاختلاف فيه بالزيادة والنقصان والقوة والضعف إلى مراتب لا نهاية لها ، ~~فلا جرم كانت مراتب الرسل مختلفة ، فمنهم من حصلت له المعجزات القوية ~~والتبع القليل ، ومنهم من حصلت له معجزة واحدة أو اثنتان وحصل له تبع عظيم ~~، ومنهم من كان الرفق ms3796 غالبا عليه ، ومنهم من كان التشديد غالبا عليه ، وهذا ~~النوع من البحث فيه استقصاء ، ولا يليق ذكره بهذا الموضع وقوله تعالى : { ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته } فيه تنبيه على دقيقة أخرى . وهي : أن أقل ما ~~لا بد منه في حصول النبوة والرسالة البراءة عن المكر والغدر ، والغل والحسد ~~. وقوله : { لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله } عين المكر والغدر ~~والحسد ، فكيف يعقل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات ؟ ثم بين تعالى ~~أنهم لكونهم موصوفين بهذه الصفات الذميمة سيبصيبهم صغار عند الله وعذاب ~~شديد وتقريره أن الثواب لا يتم إلا بأمرين ، التعظيم والمنفعة ، والعقاب ~~أيضا إنما يتم بأمرين : الإهانة والضرر . والله تعالى توعدهم بمجموع هذين ~~الأمرين ، في هذه الآية ، أما الإهابة فقوله : { سيصيب الذين أجرموا صغار ~~عند الله وعذاب شديد } ( الأنعام : 124 ) وإنما قدم ذكر الصغار على ذكر ~~الضرر ، لأن القوم إنما تمردوا عن طاعة / محمد عليه الصلاة والسلام طلبا ~~للعز والكرامة ، فالله تعالى بين أنه يقابلهم بضد مطلوبهم ، فأول ما يوصل ~~إليهم إنما يوصل الصغار والذل والهوان ، وفي قوله : { صغار عند الله } ~~PageV13P144 وجوه : الأول : أن يكون المراد أن هذا الصغار إنما يحصل في ~~الآخرة ، حيث لا حاكم ينفذ حكمه سواه . والثاني : أنهم يصيبهم صغار بحكم ~~الله وإيجابه في در الدنيا ، فلما كان ذلك الصغار هذا حاله ، جاز أن يضاف ~~إلى عند الله . الثالث : أن يكون المراد { سيصيب الذين أجرموا صغار } ثم ~~استأنف . وقال : { عند الله } أي معدلهم ذلك ، والمقصود منه التأكيد ، ~~الرابع : أن يكون المراد صغار من عند الله ، وعلى هذا التقدير : فلا بد من ~~إضمار كلمة ( من ) وأما بيان الضرر والعذاب ، فهو قوله : { وعذاب شديد } ~~فحصل بهذا الكلام أنه تعالى أعد لهم الخزي العظيم والعذاب الشديد ، ثم بين ~~أن ذلك إنما يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم . # ! 7 < { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السمآء كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون } . > 7 ! # < < # | الأنعام ms3797 : ( 125 ) فمن يرد الله . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من ~~الله تعالى . # واعلم أن هذه الآية كما أن لفظها يدل على قولنا ، فلفظها أيضا يدل على ~~الدليل القاطع العقلي الذي في هذه المسألة ، وبيانه أن العبد قادر على ~~الإيمان وقادر على الفكر ، فقدرته بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على ~~السوية ، فيمتنع صدور الإيمان عنه بدلا من الكفر أو الكفر بدلا من الإيمان ~~، إلا إذا حصل في القلب داعية إليه ، وقد بينا ذلك مرارا كثيرة في هذا ~~الكتاب ، وتلك الداعية لا معنى لها إلا علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك ~~الفعل مشتملا على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة ، فإنه إذا حصل هذا المعنى في ~~القلب دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشيء ، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أن ظن ~~بكون ذلك الفعل مشتملا على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى / تركه ، ~~وبينا بالدليل أن حصول هذه الدواعي لا بد وأن يكون من الله تعالى ، وأن ~~مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل . # إذا ثبت هذا فنقول : يستحيل أن يصدر الإيمان عن العبد إلاإذا خلق الله في ~~قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة زائد المصلحة ، وإذا حصل في القلب هذا ~~الإعتقاد مال القلب ، وحصل في النفس رغبة شديدة في تحصيله ، وهذا هو انشراح ~~الصدر للإيمان . فأما إذا حصل في القلب اعتقاد أن الإيمان بمحمد مثلا سبب ~~مفسدة عظيمة في الدين والدنيا ، ويوجب المضار الكثيرة فعند هذا يترتب على ~~حصول هذا الإعتقاد نفرة شديدة عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا ~~هو المراد من أنه تعالى يجعل صدره ضيقا حرجا ، فصار تقدير الآية : أن من ~~أراد الله تعالى منه الإيمان قوى دواعيه إلى الإيمان ، ومن أراد الله منه ~~الكفر PageV13P145 قوى صوارفه عن الإيمان ، وقوى دواعيه إلى الكفر . ولما ~~ثبت بالدليل العقلي أن الأمر كذلك ، ثبت أن لفظ القرآن مشتمل على هذه ~~الدلائل العقلية ، وإذا انطبق قاطع البرهان على صريح لفظ القرآن ، فليس ~~وراءه ms3798 بيان ولا برهان . قالت المعتزلة : لنا في هذه الآية مقامان : # المقام الأول : بيان أنه لا دلالة في هذه الآية على قولكم . # المقام الثاني : مقام التأويل المطابق لمذهبنا وقولنا . # أما المقام الأول : فتقريره من وجوه : # الوجه الأول : أن هذه الآية ليس فيها أنه تعالى أضل قوما أو يضلهم ، لأنه ~~ليس فيها أكثر من أنه متى أراد أن يهدي إنسانا فعل به كيت وكيت ، وإذا أراد ~~إضلاله فعل به كيت وكيت ، وليس في الآية أنه تعالى يريد ذلك أو لا يريده . ~~والدليل عليه أنه تعالى قال : { لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن ~~كنا فاعلين } ( الأنبياء : 17 ) فبين تعالى أنه يفعل اللهو لو أراده ، ولا ~~خلاف أنه تعالى لا يريد ذلك ولا يفعله . # الوجه الثاني : أنه تعالى لم يقل : ومن يرد أن يضله عن الإسلام ، بل قال ~~: { ومن يرد أن يضله } فلم قلتم أن المراد ؟ ومن يرد أن يضله عن الإيمان . # والوجه الثالث : أنه تعالى بين في آخر الآية أنه إنما يفعل هذا الفعل ~~بهذا الكافر جزاء على كفره ، وأنه ليس ذلك على سبيل الابتداء ، فقال : { ~~كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ( الأنعام : 125 ) . # الوجه الرابع : أن قوله : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } فهذا ~~يشعر بأن جعل الصدر ضيقا حرجا يتقدم حصوله على حصول الضلالة / وأن لحصول ~~ذلك المتقدم أثرا في حصول / الضلال وذلك باطل بالإجماع . أما عندنا : فلا ~~نقول به . وأما عندكم : فلأن المقتضى لحصول الجهل والضلال هو أن الله تعالى ~~يخلقه فيه لقدرته . فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن هذه الآية لا تدل على ~~قولكم . # أما المقام الثاني : وهو أن تفسير هذه الآية على وجه يليق بقولنا ، ~~فتقريره من وجوه : الأول : وهو الذي اختاره الجبائي ، ونصره القاضي ، فنقول ~~: تقدير الآية : ومن يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة ، يشرح ~~صدره للإسلام حتى يثبت عليه ، ولا يزول عنه ، وتفسير هذا الشرح هو أنه ~~تعالى يفعل به ألطافا تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات ms3799 عليه ، وفي هذا ~~النوع ألطاف لا يمكن فعلها بالمؤمن ، إلا بعد أن يصير مؤمنا ، وهي بعد أن ~~يصير الرجل مؤمنا يدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى : { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } ( التغابن : 11 ) وبقوله : { ~~والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ( العنكبوت : 69 ) فإذا آمن عبد وأراد ~~الله ثباته فحينئذ يشرح صدره ، أي يفعل به الألطاف التي تقتضي ثباته على ~~الإيمان ودوامه عليه . فأما إذا كفر وعاند ، وأراد الله تعالى أن يضله عن ~~طريق الجنة ، فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج . ثم سأل الجبائي نفسه ~~وقال : كيف يصح ذلك ونجد الكفار طيبي النفوس لا غم لهم البتة ولا حزن ؟ # وأجاب عنه : بأنه تعالى لم يخبر بأنه يفعل بهم ذلك في كل وقت فلا يمتنع ~~كونهم في بعض الأوقات طيبي القلوب . وسأل القاضي نفسه على هذا الجواب سؤالا ~~آخر فقال : فيجب أن تقطعوا في كل كافر بأنه PageV13P146 يجد من نفسه ذلك ~~الضيق والحرج في بعض الأوقات . # وأجاب عنه بأن قال : وكذلك نقول ودفع ذلك لا يمكن خصوصا عند ورود أدلة ~~الله تعالى وعند ظهور نصرة الله للمؤمنين ، وعند ظهور الذلة والصغار فيهم ، ~~هذا غاية تقرير هذا الجواب . # والوجه الثاني : في التأويل قالوا لم لا يجوز أن يقال : المراد فمن يرد ~~الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام ؟ أي يشرح صدره للإسلام في ذلك ~~الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة ، لأنه لما رأى أن بسبب الإيمان وجد هذه ~~الدرجة العالية ، والمرتبة الشريفة يزداد رغبة في الإيمان ، ويحصل في قلبه ~~مزيد انشراح وميل إليه ، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ، ففي ~~ذلك الوقت يضيق صدره ، ويحرج صدره بسبب الحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان ~~من الجنة والدخول في النار . قالوا : فهذا وجه قريب واللفظ محتمل له ، فوجب ~~حمل اللفظ عليه . # والوجه الثالث : في التأويل أن يقال : حصل في الكلام تقديم وتأخير ، ~~فيكون المعنى من شرح صدر نفسه بالإيمان فقد أراد الله أن يهديه أي يخصه ms3800 ~~بالألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان ، أو يهديه بمعنى أنه يهديه إلى ~~طريق الجنة ، ومن جعل صدره ضيقا حرجا عن الإيمان ، / فقد أراد الله أن يضله ~~عن طريق الجنة ، أو يضله بمعنى أنه يحرمه عن الألطاف الداعية إلى الثبات ~~على الإيمان ، فهذا هو مجموع كلامهم في هذا الباب . # والجواب عما قالوه أولا : من أن الله تعالى لم يقل في هذه الآية أنه يضله ~~، بل المذكور فيه أنه لو أراد أن يضله لفعل كذا وكذا . # فنقول : قوله تعالى في آخر الآية : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون } تصريح بأنه يفعل بهم ذلك الإضلال لأن حرف ( الكاف ) في قوله : { ~~كذالك } يفيد التشبيه ، والتقدير : وكما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره ، ~~فكذلك نجعل الرجس على قلوب الذين لا يؤمنون . # والجواب عما قالوه ثانيا وهو قوله : ومن يرد الله أن يضله عن الدين . # فنقول : إن قوله في آخر الآية : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون } تصريح بأن المراد من قوله : { ومن يرد أن يضله } هو أنه يضله عن ~~الدين . # والجواب عما قالوه ثالثا : من أن قوله : { كذالك يجعل الله الرجس على ~~الذين لا يؤمنون } يدل على أنه تعالى إنما يلقي ذلك الضيق والحرج في صدورهم ~~جزاء على كفرهم . # فنقول : لا نسلم أن المراد ذلك ، بل المراد كذلك يجعل الله الرجس على ~~قلوب الذين قضي عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وإذا حملنا هذه الآية على هذا ~~الوجه ، سقط ما ذكروه . # والجواب عما قالوه رابعا : من أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون ضيق الصدر ~~وحرجه شيئا متقدما على الضلال وموجبا له . # فنقول : الأمر كذلك ، لأنه تعالى إذا خلق في قلبه اعتقادا بأن الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب الذم في الدنيا والعقوبة في الآخرة ، فهذا ~~الإعتقاد يوجب إعراض النفس ونفور القلب عن قبول ذلك الإيمان ويحصل في ذلك ~~القلب نفرة ونبوة عن قبول ذلك الإيمان وهذه الحالة شبيهة بالضيق الشديد ، ~~لأن الطريق إذا كان ضيقا PageV13P147 لم يقدر الداخل على أن يدخل فيه ms3801 ، ~~فكذلك القلب إذا حصل فيه هذا الإعتقاد امتنع دخول الإيمان فيه ، فلأجل حصول ~~هذه المشابهة من هذا الوجه ، أطلق لفظ الضيق والحرج عليه ، فقد سقط هذا ~~الكلام . # وأما الوجه الأول : من التأويلات الثلاثة التي ذكروها . # فالجواب عنه : أن حاصل ذلك الكلام يرجع إلى تفصيل الضيق والحرج باستيلاء ~~الغم والحزن على قلب الكافر ، وهذا بعيد ، لأنه تعالى ميز الكافر عن المؤمن ~~بهذا الضيق والحرج ، فلو / كان المراد منه حصول الغم والحزن في قلب الكافر ~~، لوجب أن يكون ما يحصل في قلب الكافر من الغموم والهموم والأحزان أزيد مما ~~يحصل في قلب المؤمن زيادة يعرفها كل أحد ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، بل ~~الأمر في حزن الكافر والمؤمن على السوية ، بل الحزم والبلاء في حق المؤمن ~~أكثر . قال تعالى : { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة } وقال عليه السلام : ( خص البلاء بالأنبياء ~~ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل ) . # وأما الوجه الثاني : من التأويلات الثلاثة فهو أيضا مدفوع ، لأنه يرجع ~~حاصله إلى إيضاح الواضحات لأن كل أحد يعلم بالضرورة أن كل من هداه الله ~~تعالى إلى الجنة بسبب الإيمان فإنه يفرح بسبب تلك الهداية وينشرح صدره ~~للإيمان مزيد انشراح في ذلك الوقت . وكذلك القول في قوله : { ومن يرد أن ~~يضله } ( الزخرف : 33 ) المراد من يضله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ~~ذلك الوقت فإن حصول هذا المعنى معلوم بالضرورة ، فحمل الآية عليه إخراج ~~لهذه الآية من الفائدة . # وأما الوجه الثالث : من الوجوه الثلاثة ، فهو يقتضي تفكيك نظم الآية ، ~~وذلك لأن الآية تقتضي أن يحصل انشراح الصدر من قبل الله أولا ، ثم يترتب ~~عليه حصول الهداية والإيمان ، وأنتم عكستم القضية فقلتم العبد يجعل نفسه ~~أولا منشرح الصدر ، ثم إن الله تعالى بعد ذلك يهديه بمعنى أنه يخصه بمزيد ~~الألطاف الداعية له إلى الثبات على الإيمان ، والدلائل اللفظية إنما يمكن ~~التمسك بها إذا أبقينا ما فيها من التركيبات والترتيبات فأما إذا أبطلناها ~~وأزلناها لم يمكن التمسك بشيء منها ms3802 أصلا ، وفتح هذا الباب يوجب أن لا يمكن ~~التمسك بشيء من الآيات ، وإنه طعن في القرآن وإخراج له عن كونه حجة ، فهذا ~~هو الكلام الفصل في هذه السؤالات ، ثم إنا نختم الكلام في هذه المسألة بهذه ~~الخاتمة القاهرة ، وهي أنا بينا أن فعل الإيمان يتوقف على أن يحصل في القلب ~~داعية جازمة إلى فعل الإيمان وفاعل تلك الداعية هو الله تعالى ، وكذلك ~~القول في جانب الكفر ولفظ الآية منطبق على هذا المعنى ، لأن تقدير الآية ~~فمن يرد الله أن يهديه قوى في قلبه ما يدعوه إلى الإيمان ومن يرد أن يضله ~~ألقى في قلبه ما يصرفه عن الإيمان ويدعوه إلى الكفر / وقد ثبت بالبرهان ~~العقلي أن الأمر يجب أن يكون كذلك ، وعلى هذا التقدير : فجميع ما ذكرتموه ~~من السؤالات ساقط ، والله تعالى أعلم بالصواب . # المسألة الثالثة : في تفسير ألفاظ الآية ، أما شرح الصدر ففي تفسير وجهان ~~: # الوجه الأول : قال الليث : يقال شرح الله صدره فانشرح أي وسع صدره لقبول ~~ذلك الأمر فتوسع . وأقول : إن الليث فسر شرح الصدر بتوسيع الصدر ، ولا شك ~~أنه ليس المراد منه أن / يوسع صدره على سبيل PageV13P148 الحقيقة ، لأنه لا ~~شبهة أن ذلك محال ، بل لا بد من تفسير توسيع الصدر فنقول : تحقيقه ما ~~ذكرناه فيما تقدم ولا بأس بإعادته ، فنقول إذا اعتقد الإنسان في عمل من ~~الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إليه ، وقويت رغبته في حصوله ~~وحصل في القلب استعداد شديد لتحصيله ، فتسمى هذه الحالة بسعة النفس ، وإذا ~~اعتقد في عمل من الأعمال أن شره زائد وضرره راجح عظمت النفرة عنه وحصل في ~~الطبع نفرة ونبوة عن قبوله ، ومعلوم أن الطريق إذا كان ضيقا لم يتمكن ~~الداخل من الدخول فيه ، وإذا كان واسعا قدر الداخل على الدخول فيه فإذا حصل ~~اعتقاد أن الأمر الفلاني زائد النفع والخير وحصل الميل إليه ، فقد حصل ذلك ~~الميل في ذلك القلب ، فقيل : اتسع الصدر له وإذا حصل اعتقاد أنه زائد الضرر ~~والمفسدة لم يحصل في القلب ms3803 ميل إليه فقيل إنه ضيق فقد صار الصدر شبيها ~~بالطريق الضيق الذي لا يمكن الدخول فيه ، فهذا تحقيق الكلام في سعة الصدر ~~وضيقه . # والوجه الثاني : في تفسير الشرح يقال : شرح فلان أمره إذا أظهره وأوضحه ~~وشرح المسألة إذا كانت مشكلة فبينها . # واعلم أن لفظ الشرح غير مختص بالجانب الحق ، لأنه وارد في الإسلام في ~~قوله : { أفمن شرح الله صدره للإسلام } ( الزمر : 22 ) وفي الكفر في قوله : ~~{ ولاكن من شرح بالكفر صدرا } ( النحل : 106 ) قال المفسرون : لما نزلت هذه ~~الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل له : كيف يشرح الله صدره ؟ ~~فقال عليه السلام : ( يقذف فيه نورا حتى ينفسح وينشرح ) فقيل له وهل لذلك ~~من أمارة يعرف بها ؟ فقال عليه السلام : ( الإنابة إلى دار الخلود والتجافي ~~عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) وأقول هذا الحديث من أدل ~~الدلائل على صحة ما ذكرناه في تفسير شرح الله الصدر ، وتقريره أن الإنسان ~~إذا تصور أن الاشتغال بعمل الآخرة زائد النفع والخير ، وأن الاشتغال بعمل ~~الدنيا زائد الضرر والشر ، فإذا حصل الجزم بذلك إما بالبرهان أو بالتجربة ~~أو التقليد لا بد وأن يترتب على حصول هذا الإعتقاد حصول الرغبة في الآخرة ، ~~وهو المراد من الإنابة إلى دار الخلود والنفرة عن دار الدنيا ، وهو المراد ~~من التجافي عن دار الغرور ، وأما الاستعداد للموت قبل نزول الموت فهو مشتمل ~~على الأمرين ، أعني النفرة عن الدنيا والرغبة في الآخرة . # إذا عرفت هذا فنقول : الداعي إلى الفعل لا بد وأن يحصل قبل حصول الفعل ، ~~وشرح الصدر للإيمان عبارة عن حصول الداعي إلى الإيمان ، فلهذا المعنى أشعر ~~ظاهر هذه الآية بأن شرح الصدر متقدم على حصول الإسلام ، وكذا القول في جانب ~~الكفر . # أما قوله : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } ففيه مباحث : # / البحث الأول : قرأ ابن كثير { ضيقا } ساكنة الياء وكذا في كل القرآن ، ~~والباقون مشددة الياء مكسورة ، فيحتمل أن يكون المشدد والمخفف بمعنى واحد ، ~~كسيد وسيد ، وهين وهين ولين ولين ، وميت وميت ms3804 ، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ~~{ حرجا } بكسر الراء ، والباقون بفتحها قال الفراء : وهو في كسره ونصبه ~~بمنزلة الوجل والوجل ، والقرد والقرد ، والدنف والدنف . قال الزجاج : الحرج ~~في اللغة أضيق الضيق ومعناه : أنه ضيق جدا / فمن قال : أنه رجل حرج الصدر ~~بفتح الراء فمعناه : ذو حرج في صدره ، ومن قال : حرج جعله فاعلا ، وكذلك ~~رجل دنف ذو دنف ، ودنف نعت . PageV13P149 # البحث الثاني : قال بعضهم : الحرج ، بكسر الراء الضيق ، والحرج بالفتح ~~جمع حرجة ، وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية . وحكى ~~الواحدي في هذا الباب حكايتين : إحداهما : روى عن عبيد بن عمير عن ابن عباس ~~أنه قرأ هذه الآية وقال : هل ههنا أحد من بني بكر . قال رجل : نعم . قال : ~~ما الحرجة فيكم . قال : الوادي الكثير الشجر المشتبك الذي لا طريق فيه . ~~فقال ابن عباس : كذلك قلب الكافر . والثانية : روى الواحدي عن أبي الصلت ~~الثقفي قال : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية ، ثم قال : ائتوني ~~برجل من كنانة جعلوه راعيا فأتوا به ، فقال له عمر : يا فتى ما الحرجة فيكم ~~. قال : الحرجة فينا الشجرة تحدق بها الأشجار فلا يصل إليها راعية ولا ~~وحشية . فقال عمر : كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير . # أما قوله تعالى : { كأنما يصعد فى السماء } ففيه بحثان : # البحث الأول : قرأ ابن كثير { يصعد } ساكنة الصاد وقرأ أبو بكر عن عاصم { ~~* يصاعد } بالألف وتشديد الصاد بمعنى يتصاعد ، والباقون { إليه يصعد } ~~بتشديد الصاد والعين بغير ألف ، أما قراءة ابن كثير { يصعد } فهي من الصعود ~~، والمعنى : أنه في نفوره عن الإسلام وثقله عليه بمنزلة من تكلف الصعود إلى ~~السماء ، فكما أن ذلك التكليف ثقيل على القلب ، فكذلك الإيمان ثقيل على قلب ~~الكافر وأما قراءة أبي بكر { * يصاعد } فهو مثل يتصاعد . وأما قراءة ~~الباقين { إليه يصعد } فهي بمعنى يتصعد ، فأدغمت التاء في الصاد ومعنى ~~يتصعد يتكلف ما يثقل عليه . # البحث الثاني : في كيفية هذا التشبيه وجهان : الأول : كما أن الإنسان إذا ~~كلف الصعود إلى السماء ms3805 ثقل ذلك التكليف عليه ، وعظم وصعب عليه ، وقويت ~~نفرته عنه ، فكذلك الكافر يثقل عليه الإيمان وتعظم نفرته عنه . والثاني : ~~أن يكون التقدير أن قلبه ينبو عن الإسلام ويتباعد عن قبول الإيمان ، فشبه ~~ذلك البعد ببعد من يصعد من الأرض إلى السماء . # / أما قوله : { كذالك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ففيه بحثان ~~: # البحث الأول : الكاف في قوله : { كذالك } يفيد التشبيه بشيء ، وفيه وجهان ~~: الأول : التقدير أن يجعل الله الرجس عليهم كجعله ضيق الصدر في قلوبهم . ~~والثاني : قال الزجاج التقدير : مثل ما قصصنا عليك ، يجعل الله الرجس . # البحث الثاني : اختلفوا في تفسير { الرجس } فقال ابن عباس : هو الشيطان ~~يسلطه الله عليهم وقال مجاهد : { الرجس } مالا خير فيه . وقال عطاء : { ~~الرجس } العذاب . وقال الزجاج : { الرجس } اللعنة في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة . # ولنختم تفسير هذه الآية بما روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال تذاكرنا ~~في أمر القدرية عند ابن عمر . فقال : لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا ، ~~منهم نبينا صلى الله عليه وسلم . فإذا كان يوم القيامة نادى مناد ، وقد جمع ~~الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله ، فتقوم القدرية وقد أورد القاضي هذا ~~الحديث في تفسيره . وقال : هذا الحديث من أقوى ما يدل على أن القدرية هم ~~الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله تعالى قضاء وقدرا PageV13P150 وخلقا ، ~~لأن الذين يقولون هذا القول ، هم خصماء الله ، لأنهم يقولون لله أي ذنب لنا ~~حتى تعاقبنا ، وأنت الذي خلقته فينا وإرادته منا ، وقضيته علينا ، ولم ~~تخلقنا إلا له ، وما يسرت لنا غيره ، فهؤلاء لا بد وأن يكونوا خصماء الله ~~بسبب هذه الحجة أما الذين قالوا : إن الله مكن وأزاح العلة ، وإنما أتى ~~العبد من قبل نفسه ، فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة / فلا ~~يكونون خصماء الله ، بل يكونون منقادين لله هذا كلام القاضي وهو عجيب جدا ~~وذلك لأنه يقال له يبعد منك أنك ما عرفت من مذاهب خصومك أنه ليس للعبد على ~~الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه ، وأن ms3806 كل ما يفعله الرب في العبد فهو ~~حكمة وصواب ، وليس للعبد على الرب اعتراض ولا مناظرة ، فكيف يصير الإنسان ~~الذي هذا دينه واعتقاده خصما لله تعالى . أما الذين يكونون خصماء لله فهم ~~المعتزلة وتقريره من وجوه : الأول : أنه يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ، ~~ويقول : لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولا عن الربوبية وصرت من ~~جملة السفهاء ، فهذا الذي مذهبه واعتقاده ذلك هو الخصم لله تعالى . والثاني ~~: أن من واظب على الكفر سبعين سنة ، ثم إنه في آخر زمن حياته قال : لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله عن القلب ، ثم مات ، ثم إن رب العالمين أعطاه ~~النعم الفائقة والدرجات الزائدة ألف ألف سنة ، ثم أراد أن يقطع تلك النعم ~~عنه لحظة واحدة ، فذلك العبد يقول : أيها الإله إياك ، ثم إياك أن تترك ذلك ~~لحظة واحدة ، فإنك إن تركته لحظة واحدة صرت معزولا عن الإلهية / والحاصل : ~~أن إقدام ذلك العبد على ذلك الإيمان لحظة واحدة أوجب على الإله إيصال تلك ~~النعم مدة لا آخر لها ، ولا طريق له البتة إلى الخلاص عن هذه العهدة ، فهذا ~~هو الخصومة . أما من يقول إنه لا حق لأحد من الملائكة والأنبياء على الله ~~تعالى . وكل ما يوصل إليهم من الثواب فهو تفضل وإحسان من الله تعالى ، فهذا ~~لا يكون خصما . # والوجه الثالث : في تقرير هذه الخصومة ما حكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري ~~لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله ~~عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن يوما من الأيام عقد الجبائي مجلس التذكير وحضر ~~عنده عالم من الناس ، وذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس ، وجلس في بعض ~~الجوانب مختفيا عن الجبائي ، وقال لبعض من حضر هناك من العجائز إني أعلمك ~~مسألة فاذكريها لهذا الشيخ قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد كان في ~~غاية الدين والزهد ، والثاني كان في غاية الكفر والفسق ، والثالث كان صبيا ~~لم يبلغ ، فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن ms3807 أحوالهم . فقال ~~الجبائي : أما الزاهد ، ففي درجات الجنة ، وأما الكافر ، ففي دركات النار ، ~~وأما الصبي ، فمن أهل السلامة . قال قولي له : لو أن الصبي أراد أن يذهب ~~إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد هل يمكن منه . فقال ~~الجبائي : لا لأن الله يقول له إنما وصل إلى تلك الدرجات العالية بسبب أنه ~~أتعب نفسه في العلم والعمل . وأنت فليس معك ذاك فقال أبو الحسن : قولي له ~~لو أن الصبي حينئذ يقول : يا رب العالمين ليس الذنب لي ، لأنك أمتني قبل ~~البلوغ ولو أمهلتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد والدين . فقال ~~الجبائي : يقول الله له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوحب النار ، ~~فقبل أن تصل إلى تلك الحالة راعيت مصلحتك وأمتك حتى تنجو من العقاب ، فقال ~~أبو الحسن : قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من ~~النار ، فقال : يا رب العالمين ، ويا أحكم الحاكمين ، ويا أرحم PageV13P151 ~~الراحمين ، كما علمت من ذلك الأخ الصغير أنه لو بلغ كفر علمت مني ذلك ، فلم ~~راعيت مصلحته وما راعيت مصلحتي ؟ قال الراوي : فلما وصل الكلام إلى هذا ~~الموضع انقطع الجبائي . فلما نظر رأى أبا الحسن ، فعلم أن هذه المسألة منه ~~، لا من العجوز ، ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار أو أكثر من ~~بعد الجبائي فأراد أن يجيب عن هذا السؤال ، فقال : نحن لا نرضى في حق هؤلاء ~~الأخوة الثلاثة بهذا الجواب الذي ذكرتم ، بل لنا ههنا جوابان آخران سوى ما ~~ذكرتم ، ثم قال : وهو مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها / وهي أنه هل يجب ~~على الله أن يكلف العبد أم لا ؟ فقال البصريون : التكليف محض التفضل ~~والإحسان ، وهو غير واجب على الله تعالى . وقال البغداديون : إنه واجب / ~~على الله تعالى . قال : فإن فرعنا على قول البصريين ، فلله تعالى أن يقول ~~لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد ، وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من ~~كوني متفضلا على أخيك الزاهد بهذا الفضل ms3808 أن أكون متفضلا عليك بمثله . وأما ~~إن فرعنا على قول البغداديين . فالجواب أن يقال : إن إطالة عمر أخيك وتوجيه ~~التكليف عليه كان إحسانا في حقه ، ولم يلزم منه عود مفسدة إلى الغير فلا ~~جرم فعلته وأما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك كان يلزم منه عود مفسدة إلى ~~غيرك ، فلهذا السبب ما فعلت ذلك في حقك فظهر الفرق . هذا تلخيص كلام أبي ~~الحسين البصري سعيا منه في تخليص شيخه المتقدم عن سؤال الأشعري ، بل سعيا ~~منه في تخليص إلهه عن سؤال العبد ، وأقول قبل الخوض في الجواب عن كلام أبي ~~الحسين : صحة هذه المناظرة الدقيقة بين العبد وبين الله ، إنما لزمت على ~~قول المعتزلة . وأما على قول أصحابنا رحمهم الله فلا مناظرة البتة بين ~~العبد وبين الرب ، وليس للعبد أن يقول لربه ، لم فعلت كذا ؟ أو ما فعلت كذا ~~. فثبت أن خصماء الله هم المعتزلة ، لا أهل السنة ، وذلك يقوي غرضنا ويحصل ~~مقصودنا ، ثم نقول : # أما الجواب الأول : وهو أن إطالة العمر وتوجيه التكليف تفضل ، فيجوز أن ~~يخص به بعضا دون بعض . فنقول : هذا الكلام مدفوع ، لأنه تعالى لما أوصل ~~التفضل إلى أحدهما ، فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح من الله تعالى ، ~~لأن الإيصال إلى هذا الثاني ، ليس فعلا شاقا على الله تعالى ، ولا يوجب ~~دخول نقصان في ملكه بوجه من الوجوه ، وهذا الثاني يحتاج إلى ذلك التفضل ~~ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد . ألا ترى أن من منع غيره من النظر في ~~مرآته المنصوبة على الجدار لعامة الناس قبح ذلك منه ، لأنه منع من النفع من ~~غير اندفاع ضرر إليه ، ولا وصول نفع إليه فإن كان حكم العقل بالتحسين ~~والتقبيح مقبولا ، فليكن مقبولا ههنا ، وإن لم يكن مقبولا لم يكن مقبولا ~~البتة في شيء من المواضع ، وتبطل كلية مذهبكم . فثبت أن هذا الجواب فاسد . # وأما الجواب الثاني : فهو أيضا فاسد ، وذلك لأن قولنا تكليفه يتضمن مفسدة ~~ليس معناه أن هذا التكليف يوجب لذاته حصول تلك المفسدة ، وإلا لزم أن تحصل ms3809 ~~هذه المفسدة أبدا في حق الكل وأنه باطل ، بل معناه : أن الله تعالى علم أنه ~~إذا كلف هذا الشخص ، فإن إنسانا آخر يختار من قبل نفسه فعلا قبيحا ، فإن ~~اقتضى هذا القدر أن يترك الله تكليفه ، فكذلك قد علم من ذلك الكافر أنه إذا ~~كلفه فإنه يختار الكفر عند ذلك التكليف ، فوجب أن يترك تكليفه ، وذلك يوجب ~~قبح تكليف من علم الله من حاله أنه يكفر ، وإن لم يجب ههنا لم يجب هنالك ، ~~وأما القول بأنه يجب عليه تعالى ترك التكليف إذا علم أن غيره يختار فعلا ~~قبيحا عند PageV13P152 ذلك التكليف ، ولا يجب عليه تركه / إذا علم تعالى أن ~~ذلك الشخص يختار القبيح عند ذلك التكليف ، فهذا محض التحكم . فثبت أن ~~الجواب الذي استخرجه أبو الحسين بلطيف فكره ، ودقيق نظره بعد أربعة أدوار ~~ضعيف ، وظهر أن خصماء الله هم المعتزلة ، لا أصحابنا ، والله أعلم . # ! 7 < { وهاذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون } . > 7 ~~@QB@ < # | الأنعام : ( 126 ) وهذا صراط ربك . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وهاذا } إشارة إلى مذكور تقدم ذكره . وفيه ~~قولان : الأول : وهو الأقوى عندي أنه إشارة إلى ما ذكره وقرره في الآية ~~المتقدمة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من الله تعالى ، ~~فوجب كون الفعل من الله تعالى ، وذلك يوجب التوحيد المحض وهو كونه تعالى ~~مبدئا لجميع الكائنات والممكنات ، وإنما سماه صراطا لأن العلم به يؤدي إلى ~~العلم بالتوحيد الحق ، وإنما وصفه بكونه مستقيما لأن قول المعتزلة غير ~~مستقيم ، وذلك لأن رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر إما أن يتوقف على ~~المرجح أو لا يتوقف ، فإن توقف على المرجح لزم أن يقال الفعل لا يصدر عن ~~القادر إلا عند انضمام الداعي إليه ، وحينئذ يتم قولنا ويكون الكل بقضاء ~~الله وقدره ويبطل قول المعتزلة ، وإما أن لا يتوقف رجحان أحد طرفي الممكن ~~على الآخر على مرجح وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات ، ~~وحينئذ يلزم نفي الصنع والصانع وإبطال القول بالفعل والفاعل ms3810 والتأثير ~~والمؤثر . فأما القول بأن هذا الرجحان يحتاج إلى المؤثر في بعض الصور دون ~~البعض كما يقوله هؤلاء المعتزلة فهو معوج غير مستقيم ، إنما المستقيم هو ~~الحكم بثبوت الحاجة على الإطلاق ، وذلك يوجب عين مذهبنا . فهذا القول هو ~~المختار عندي في تفسير هذه الآية . # القول الثاني : أن قوله : { وهاذا صراط ربك مستقيما } إشارة إلى كل ما ~~سبق ذكره في كل القرآن قال ابن عباس : يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ~~ربك مستقيما وقال ابن مسعود يعني القرآن . والقول الأول أولى . لأن عود ~~الإشارة إلى أقرب المذكورات أولى . # وإذا ثبت هذا فنقول : لما أمر الله تعالى بمتابعة ما في الآية المتقدمة ~~وجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات لأنه تعالى إذا ذكر شيئا وبالغ ~~في الأمر بالتمسك به والرجوع إليه والتعويل عليه وجب أن يكون من المحكمات . ~~فثبت أن الآية المتقدمة من المحكمات وأنه يجب إجراؤها / على ظاهرها ويحرم ~~التصرف فيها بالتأويل . # المسألة الثانية : قال الواحدي : انتصب مستقيما على الحال ، والعامل فيه ~~معنى ( هذا ) وذلك لأن ( ذا ) يتضمن معنى الإشارة ، كقولك : هذا زيد قائما ~~معناه أشير إليه في حال قيامه ، وإذا كان العامل في الحال PageV13P153 معنى ~~الفعل لا الفعل ، لم يجز تقديم الحال عليه لا يجوز قائما هذا زيد ، ويجوز ~~ضاحكا جاء زيد . # أما قوله : { قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون } . # فنقول : أما تفصيل الآيات فمعناه ذكرها فصلا فصلا بحيث لا يختلط واحد ~~منها بالآخر ، والله تعالى قد بين صحة القول بالقضاء والقدر في آيات كثيرة ~~من هذه السورة متوالية متعاقبة ، بطرق كثيرة ووجوه مختلفة . وأما قوله : { ~~لقوم يذكرون } فالذي أظنه والعلم عند الله أنه تعالى إنما جعل مقطع هذه ~~الآية هذه اللفظة لأنه تقرر في عقل كل واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح ~~على الآخر إلا لمرجح ، فكأنه تعالى يقول للمعتزلي : أيها المعتزلي تذكر ما ~~تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر ، إلا لمرجح ، حتى ~~تزول الشبهة عن قلبك بالكلية في مسألة القضاء ms3811 والقدر . # ! 7 < { لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 127 ) لهم دار السلام . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين عظيم نعمه في الصراط المستقيم وبين أنه تعالى ~~معد مهيىء لمن يكون من المذكورين بين الفائدة الشريفة التي تحصل من التمسك ~~بذلك الصراط المستقيم ، فقال : { لهم دار السلام عند ربهم } وفي هذه الآية ~~تشريفات . # النوع الأول : قوله : { لهم دار السلام } وهذا يوجب الحصر ، فمعناه : لهم ~~دار السلام لا لغيرهم ، وفي قوله : { دار السلام } قولان : # القول الأول : أن السلام من أسماء الله تعالى ، فدار السلام هي الدار ~~المضافة إلى الله تعالى ، كما قيل للكعبة بيت الله تعالى وللخليفة عبد الله ~~. # والقول الثاني : أن السلام صفة الدار ، ثم فيه وجهان : الأول : المعنى ~~دار السلامة ، والعرب تلحق هذه الهاء في كثير من المصادر وتحذفها يقولون ~~ضلال وضلالة ، وسفاه وسفاهة ، ولذاذ ولذاذة ، ورضاع ورضاعة . الثاني : أن ~~السلام جمع السلامة ، وإنما سميت الجنة بهذا الاسم لأن / أنواع السلامة ~~حاصلة فيها بأسرها . # إذا عرفت هذين القولين : فالقائلون بالقول الأول قالوا به لأنه أولى ، ~~لأن إضافة الدار إلى الله تعالى نهاية في تشريفها وتعظيمها وإكبار قدرها ، ~~فكان ذكر هذه الإضافة مبالغة في تعظيم الأمر والقائلون بالقول الثاني رجحوا ~~قولهم من وجهين : الأول : أن وصف الدار بكونها دار السلامة أدخل في الترغيب ~~من إضافة الدار إلى الله تعالى ، والثاني : أن وصف الله تعالى بأنه السلام ~~في الأصل مجاز ، وإنما وصف بذلك لأنه PageV13P154 تعالى ذو السلام ، فإذا ~~أمكن حمل الكلام على حقيقته كان أولى . # النوع الثاني : من الفوائد المذكورة في هذه الآية قوله : { عند ربهم } ~~وفي تفسيره وجوه : # الوجه الأول : المراد أنه معد عنده تعالى كما تكون الحقوق معدة مهيأة ~~حاضرة ، ونظيره قوله تعالى : { جزاؤهم عند ربهم } وذلك نهاية في بيان ~~وصولهم إليها ، وكونهم على ثقة من ذلك . # الوجه الثاني : وهو الأقرب إلى التحقيق أن قوله : { عند ربهم } يشعر بأن ~~ذلك الأمر المدخر موصوف بالقرب من الله تعالى ، وهذا القرب لا يكون بالمكان ~~والجهة ، فوجب كونه ms3812 بالشرف والعلو والرتبة ، وذلك يدل على أن ذلك الشيء بلغ ~~في الكمال والرفعة إلى حيث لا يعرف كنهه إلا الله تعالى ، ونظيره قوله ~~تعالى : { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين } ( السجدة : 17 ) . # الوجه الثالث : أنه قال في صفة الملائكة : { ومن عنده لا يستكبرون } وقال ~~في صفة المؤمنين في الدنيا أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي وقال أيضا أنا ~~عند ظن عبدي بي وقال في صفتهم يوم القيامة : { فى مقعد صدق عند مليك مقتدر ~~} ( القمر : 55 ) وقال في دارهم : { لهم دار السلام عند ربهم } وقال في ~~ثوابهم : { جزاؤهم عند ربهم } ( البينة : 8 ) وذلك يدل على أن حصول كمال ~~صفة العبودية بواسطة صفة العندية . # النوع الثالث : من التشريفات المذكورة في هذه الآية قوله : { وهو وليهم } ~~والولي معناه القريب ، فقوله : { عند ربهم } يدل على قربهم من الله تعالى ، ~~وقوله : { وهو وليهم } يدل على قرب الله منهم ، ولا نرى في العقل درجة ~~للعبد أعلى من هذه الدرجة ، وأيضا فقوله : { وهو وليهم } يفيد الحصر ، أي ~~لا ولي لهم إلا هو ، وكيف وهذا التشريف إنما حصل على التوحيد المذكور في ~~قوله : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا } فهؤلاء الأقوام قد عرفوا من هذه الآية أن المدبر والمقدر ~~ليس إلا هو / وأن النافع والضار ليس إلا هو ، وأن المسعد والمشقي ليس إلا ~~هو ، وأنه لا مبدىء للكائنات والممكنات إلا هو ، فلما عرفوا هذا انقطعوا عن ~~كل ما سواه ، فما كان رجوعهم إلا إليه ، وما كان توكلهم إلا عليه ، وما كان ~~أنسهم إلا به ، / وما كان خضوعهم إلا له ، فلما صاروا بالكلية ، لا جرم قال ~~تعالى : { وهو وليهم } وهذا إخبار بأنه تعالى متكفل بجميع مصالحهم في الدين ~~والدنيا ، ويدخل فيها الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة وإيصال الخيرات ودفع ~~الآفات والبليات . # ثم قال تعالى : { بما كانوا يعملون } وإنما ذكر ذلك لئلا ينقطع المرء عن ~~العمل ، فإن العمل لا بد منه ، وتحقيق القول فيه : أن بين النفس والبدن ~~تعلقا ms3813 شديدا ، فكما أن الهيآت النفسانية قد تنزل من النفس إلى البدن ، مثل ~~ما إذا تصور أمرا مغضبا ظهر الأثر عليه في البدن ، فيسخن البدن ويحمى ، ~~فكذلك الهيآت البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس ، فإذا واظب الإنسان على ~~أعمال البر والخير ظهرت الآثار المناسبة لها في جوهر النفس ، وذلك يدل على ~~أن السالك لا بد له من العمل ، وأنه لا سبيل له إلى تركه البتة . # PageV13P155 ! 7 < { ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس ~~وقال أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا الذىأجلت لنا ~~قال النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله إن ربك حكيم عليم } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 128 ) ويوم يحشرهم جميعا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتمسك بالصراط المستقيم ، بين بعده ~~حال من يكون بالضد من ذلك لتكون قصة أهل الجنة مردفة بقصة أهل النار ، ~~وليكون الوعيد مذكورا بعد الوعد ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { ويوم يحشرهم } منصوب بمحذوف ، أي واذكر يوم نحشرهم ، ~~أو يوم نحشرهم قلنا يا معشر الجن ، أو يوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن ، كان ~~ما لا يوصف لفظاعته . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { ويوم يحشرهم } إلى ماذا يعود ؟ فيه ~~قولان : الأول : يعودإلى المعلوم ، لا إلى المذكور ، وهو الثقلان ، وجميع ~~المكلفين الذين علم أن الله يبعثهم . والثاني : أنه عائد إلى الشياطين ~~الذين تقدم ذكرهم في قوله : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن ~~يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } ( الأنعام : 112 ) . # / المسألة الثالثة : في الآية محذوف والتقدير : يوم نحشرهم جميعا فنقول : ~~يا معشر الجن ، فيكون هذا القائل هو الله تعالى ، كما أنه الحاشر لجميعهم ، ~~وهذا القول منه تعالى بعد الحشر لا يكون إلا تبكيتا وبيانا لجهة أنهم وإن ~~تمردوا في الدنيا فينتهي حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد ~~والاعتراف بالجرم . وقال الزجاج : التقدير فيقال لهم يا معشر الجن ، لأنه ~~يبعد أن يتكلم الله تعالى بنفسه مع الكفار ، بدليل قوله تعالى في صفة ~~الكفار : { ولا يكلمهم الله يوم القيامة } ( البقرة ms3814 : 174 ) . # أما قوله تعالى : { قد استكثرتم من الإنس } فنقول : هذا لا بد فيه من ~~التأويل . لأن الجن لا يقدرون على الاستكثار من نفس الإنس ، لأن القادر على ~~الجسم وعلى الأحياء والفعل ليس إلا الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد قد ~~استكثرتم من الدعاء إلى الضلال مع مصادفة القبول . # أما قوله : { وقال أولياؤهم من الإنس } فالأقرب أن فيه حذفا ، فكما قال ~~للجن تبكيتا ، فكذلك قال للإنس توبيخا . لأنه حصل من الجن الدعاء ، ومن ~~الإنس القبول ، والمشاركة حاصلة بين الفريقين ، فلما بكت تعالى كلا ~~الفريقين حكى ههنا جواب الإنس ، وهو قولهم : ربنا استمتع بعضنا ببعض فوصفوا ~~أنفسهم بالتوفر على منافع الدنيا ، والاستمتاع بلذاتها إلى أن بلغوا هذا ~~المبلغ الذي عنده أيقنوا بسوء عاقبتهم . ثم PageV13P156 ههنا قولان : الأول ~~: أن قولهم استمتع بعضنا ببعض ، المراد منه أنه استمتع الجن بالإنس والإنس ~~بالجن ، وعلى هذا القول ففي المراد بذلك الاستمتاع قولان : # القول الأول : أن معنى هذا الاستمتاع هو أن الرجل كان إذا سافر فأمسى ~~بأرض قفر وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه ، فيبيت ~~آمنا في نفسه ، فهذا استمتاع الإنس بالجن ، وأما استمتاع الجن بالإنس فهو ~~أن الإنسي إذا عاذ بالجني ، كان ذلك تعظيما منهم للجن ، وذلك الجني يقول : ~~قد سدت الجن والإنس ، لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه ، وهذا ~~قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج واحتجوا على صحته بقوله تعالى : { وأنه ~~كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } ( الجن : 6 ) . # والوجه الثاني : في تفسير هذا الاستمتاع أن الإنس كانوا يطيعون الجن ~~وينقادون لحكمهم فصار الجن كالرؤساء / والإنس كالأتباع والخادمين المطيعين ~~المنقادين الذين لا يخالفون رئيسهم ومخدومهم في قليل ولا كثير ، ولا شك أن ~~هذا الرئيس قد انتفع بهذا الخادم ، فهذا استمتاع الجن بالإنس . وأما ~~استمتاع الإنس بالجن ، فهو أن الجن كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات ~~واللذات والطيبات ويسهلون تلك الأمور عليهم ، وهذا القول اختيار الزجاج . ~~قال : وهذا أولى من الوجه المتقدم ، والدليل عليه قوله تعالى ms3815 : { قد ~~استكثرتم من الإنس } ومن كان يقول من الإنس أعوذ بسيد هذا الوادي ، قليل . # / والقول الثاني : أن قوله تعالى : { ربنا استمتع بعضنا ببعض } هو كلام ~~الإنس خاصة ، لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر لا يكاد يظهر ~~. أما استمتاع بعض الإنس ببعض ، فهو أمر ظاهر . فوجب حمل الكلام عليه ، ~~وأيضا قوله تعالى : { وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض } ~~كلام الإنس الذين هم أولياء الجن ، فوجب أن يكون المراد من استمتاع بعضهم ~~ببعض استمتاع بعض أولئك القوم ببعض . # ثم قال تعالى حكاية عنهم : { وبلغنا أجلنا الذى أجلت لنا } فالمعنى : أن ~~ذلك الاستمتاع كان حاصلا إلى أجل معين ووقت محدود ، ثم جاءت الخيبة والحسرة ~~والندامة من حيث لا تنفع ، واختلفوا في أن ذلك الأجل أي الأوقات ؟ فقال ~~بعضهم : هو وقت الموت . وقال آخرون : هو وقت التخلية والتمكين . وقال قوم : ~~المراد وقت المحاسبة في القيامة ، والذين قالوا بالقول الأول قالوا إنه يدل ~~على أن كل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله ، لأنهم أقروا أنا بلغنا ~~أجلنا الذي أجلت لنا ، وفيهم المقتول وغير المقتول . # ثم قال تعالى : { قال النار مثواكم } المثوى : المقام والمقر والمصير ، ~~ثم لا يبعد أن يكون للإنسان مقام ومقر ثم يموت ويتخلص بالموت عن ذلك المثوى ~~، فبين تعالى أن ذلك المقام والمثوى مخلد مؤبد وهو قوله : { خالدين فيها } ~~. # ثم قال تعالى : { إلا ما شاء الله } وفيه وجوه : الأول : أن المراد منه ~~استثناء أوقات المحاسبة ، لأن في تلك الأحوال ليسوا بخالدين في النار : ~~الثاني : المراد ، الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب ~~الزمهرير . وروي أنهم يدخلون واديا فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك ~~البرد إلى حر الجحيم . الثالث : PageV13P157 قال ابن عباس : استثنى الله ~~تعالى قوما سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وسلم . ~~وعلى هذا القول يجب أن تكون ( ما ) بمعنى ( من ) قال الزجاج : والقول الأول ~~أولى . لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة ، لأن قوله : { ويوم ~~يحشرهم جميعا ms3816 } هو يوم القيامة . # ثم قال تعالى : { خالدين فيها } منذ يبعثون { إلا ما شاء الله } من مقدار ~~حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم . الرابع : قال أبو مسلم : هذا ~~الاستثناء غير راجع إلى الخلود ، وإنما هو راجع إلى الأجل المؤجل لهم ، ~~فكأنهم قالوا : وبلغنا الأجل الذي أجلت لنا ، أي الذي سميته لنا إلا من ~~أهلكته قبل الأجل المسمى . كقوله تعالى : { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من ~~قرن } ( الأنعام : 6 ) وكما فعل في قوم نوح وعاد وثمود ممن أهلكه الله ~~تعالى قبل الأجل الذي لو آمنوا ، لبقوا إلى الوصول إليه فتلخيص الكلام / أن ~~يقولوا : استمتع بعضنا ببعض ، وبلغنا ما سميت لنا من الأجل إلا من شئت أن ~~تخترمه فاخترمته قبل ذلك بكفره وضلاله . # واعلم أن هذا الوجه وإن كان محتملا إلا أنه ترك لظاهر ترتيب ألفاظ هذه ~~الآية . ولما أمكن إجراء الآية على ظاهرها فلا حاجة إلى هذا التكلف . # ثم قال : { إن ربك حكيم عليم } أي فيما يفعله من ثواب وعقاب وسائر وجوه ~~المجازاة / وكأنه تعالى يقول : إنما حكمت لهؤلاء الكفار بعذاب الأبد لعلمي ~~أنهم يستحقون ذلك . والله أعلم . # المسألة الرابعة : قال أبو علي الفارسي : قوله : { النار مثواكم } المثوى ~~اسم للمصدر دون المكان لأن قوله : { خالدين فيها } حال واسم الموضع لا يعمل ~~عمل الفعل فقوله : { النار مثواكم } معناه : النار أهل أن تقيموا فيها ~~خالدين . # ! 7 < { وكذالك نولى بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 129 ) وكذلك نولي بعض . . . . . # > > المسألة الأولى : في الآية فوائد : # الفائدة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى ~~بعضا بين أن ذلك إنما يحصل بتقديره وقضائه ، فقال : { وكذالك نولى بعض ~~الظالمين بعضا } والدليل على أن الأمر كذلك . أن القدرة صالحة للطرفين أعني ~~العداوة والصداقة ، فلولا حصول الداعية إلى الصداقة لما حصلت الصداقة ، ~~وتلك الداعية لا تحصل إلا بخلق الله تعالى قطعا للتسلسل . فثبت بهذا ~~البرهان أنه تعالى هو الذي يولي بعض الظالمين بعضا . وبهذا التقرير تصير ~~هذه الآية دليلا لنا في مسألة ms3817 الجبر والقدر . # الفائدة الثانية : أنه تعالى لما بين في أهل الجنة أن لهم دار السلام ، ~~بين أنه تعالى وليهم بمعنى الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة ، فكذلك لما ~~بين حال أهل النار ذكر أن مقرهم ومثواهم النار ، ثم بين أن أولياءهم من ~~يشبههم في الظلم والخزي والنكال وهذه مناسبة حسنة لطيفة . PageV13P158 # الفائدة الثالثة : كاف التشبيه في قوله : { وكذالك نولى } تقتضي شيئا ~~تقدم ذكره ، والتقدير : كأنه قال كما أنزلت بالجن والإنس الذين تقدم ذكرهم ~~العذاب الأليم الدائم الذي لا مخلص منه { كذالك * نولى بعض الظالمين بعضا } ~~. # الفائدة الرابعة : { وكذالك نولى بعض الظالمين بعضا } لأن الجنسية علة ~~الضم ، فالأرواح / الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها في الخبث ، وكذا القول في ~~الأرواح الطاهرة ، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله في النصرة والمعونة ~~والتقوية . والله أعلم . # المسألة الثانية : الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين ، فالله ~~تعالى يسلط عليهم ظالما مثلهم فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم ~~فليتركوا الظلم . وأيضا الآية تدل على أنه لا بد في الخلق من أمير وحاكم ، ~~لأنه تعالى إذا كان لا يخلي أهل الظلم من أمير ظالم ، فبأن لا يخلي أهل ~~الصلاح من أمير يحملهم على زيادة الصلاح كان أولى . قال علي رضي الله عنه : ~~لا يصلح للناس إلا أمير عادل أو جائر ، فأنكروا قوله : أو جائر فقال : نعم ~~يؤمن السبيل ، ويمكن من إقامة الصلوات ، وحج البيت . وروي أن أبا ذر سأل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة ، فقال له : ( إنك ضعيف وإنها أمانة وهي ~~في القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ) وعن مالك ~~بن دينار : جاء في بعض كتب الله تعالى أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك ~~ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة لا ~~تشغلوا أنفسكم بسب الملوك لكن توبوا إلى أعطفهم عليكم . # أما قوله { بما كانوا يكسبون } فالمعنى نولي بعض الظالمين بعضا بسبب كون ~~ذلك البعض مكتسبا للظلم ، والمراد منه ما بينا أن الجنسية علة للضم ms3818 . # ! 7 < { يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقآء يومكم هاذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحيواة الدنيا ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 130 ) يا معشر الجن . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية من بقية ما يذكره الله تعالى في توبيخ الكفار يوم ~~القيامة ، وبين تعالى أنه لا يكون لهم إلى الجحود سبيل ، فيشهدون على ~~أنفسهم بأنهم كانوا كافرين ، وإنهم لم يعذبوا إلا بالحجة . وفي الآية مسائل ~~: # المسألة الأولى : قال أهل اللغة : المعشر . كل جماعة أمرهم واحد ، ويحصل ~~بينهم معاشرة / ومخالطة ، والجمع : المعاشر . وقوله : { رسل منكم } اختلفوا ~~هل كان من الجن رسول أم لا ؟ فقال الضحاك : PageV13P159 أرسل من الجن رسل ~~كالإنس وتلا هذه الآية وتلا قوله : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } ( ~~فاطر : 24 ) ويمكن أن يحتج الضحاك بوجه آخر وهو قوله تعالى : { ولو جعلناه ~~ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) قال المفسرون : السبب فيه أن استئناس ~~الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك ، فوجب في حكمة الله تعالى أن ~~يجعل رسول الإنس من الإنس ليكمل هذا الاستئناس . # إذا ثبت هذا المعنى ، فهذا السبب حاصل في الجن ، فوجب أن يكون رسول الجن ~~من الجن . # والقول الثاني : وهو قول الأكثرين : أنه ما كان من الجن رسول البتة ، ~~وإنما كان الرسل من الأنس . وما رأيت في تقرير هذا القول حجة إلا ادعاء ~~الإجماع ، وهو بعيد لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف ، ويمكن أن ~~يستدل فيه بقوله تعالى : { إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبراهيم وءال ~~عمران على العالمين } ( آل عمران : 33 ) وأجمعوا على أن المراد بهذا ~~الاصطفاء إنما هو النبوة ، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء القوم فقط ، فأما ~~تمسك الضحاك بظاهر هذه الآية ، فالكلام عليه من وجوه : الأول : أنه تعالى ~~قال : { يكسبون يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } فهذا يقتضي أن رسل ~~الجن والإنس تكون بعضا من أبعاض هذا المجموع ، وإذا كان الرسل من الإنس كان ~~الرسل بعضا من أبعاض ذلك المجموع ، فكان هذا القدر كافيا ms3819 في حمل اللفظ على ~~ظاهره ، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن . الثاني : لا يبعد ~~أن يقال : إن الرسل كانوا من الأنس إلا أنه تعالى كان يلقي الداعية في قلوب ~~قوم من الجن حتى يسمعوا كلام الرسل ويأتوا قومهم من الجن ويخبرونهم بما ~~سمعوه من الرسل وينذرونهم به ، كما قال تعالى : { وإذ صرفنا إليك نفرا من ~~الجن } ( الأحفاق : 29 ) فأولئك الجن كانوا رسل الرسل ، فكانوا رسلا لله ~~تعالى ، والدليل عليه : أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه . فقال : { إذ ~~أرسلنا إليهم اثنين } ( يس : 14 ) وتحقيق القول فيه أنه تعالى إنما بكت ~~الكفار بهذه الآية لأنه تعالى أزال العذر وأزاح العلة ، بسبب أنه أرسل ~~الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين ، فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا ~~الطريق ، فقد حصل ماهو المقصود من إزاحة العذر وإزالة العلة ، فكان المقصود ~~حاصلا . # الوجه الثالث : في الجواب قال الواحدي : قوله تعالى : { رسل منكم } أراد ~~من أحدكم وهو الأنس وهو كقوله : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ( الرحمن : ~~22 ) أي من أحدهما وهو الملح الذي ليس بعذب . # واعلم أن الوجهين الأولين لا حاجة معهما إلى ترك الظاهر . أما هذا الثالث ~~فإنه يوجب ترك الظاهر / ولا يجوز المصير إليه إلا بالدليل المنفصل . # / أما قوله : { يقصون عليكم ءاياتى } فالمراد منه التنبيه على الأدلة ~~بالتلاوة وبالتأويل { وينذرونكم لقاء يومكم هاذا } أي يخوفونكم عذاب هذا ~~اليوم فلم يجدوا عند ذلك إلا الاعتراف ، فلذلك قالوا : شهدنا على أنفسنا . # فإن قالوا : ما السبب في أنهم أقروا في هذه الآية بالكفر وجحدوه في قوله ~~: { والله ربنا ما كنا مشركين } . # قلنا : يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة ، فتارة يقرون ، وأخرى ~~يجحدون ، وذلك يدل على شدة PageV13P160 خوفهم واضطراب أحوالهم ، فإن من عظم ~~خوفه كثر الاضطراب في كلامه . # ثم قال تعالى : { وغرتهم الحيواة الدنيا } والمعنى أنهم لما أقروا على ~~أنفسهم بالكفر ، فكأنه تعالى يقول : وإنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم ~~غرتهم الحياة الدنيا . # ثم قال تعالى : { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } والمراد ms3820 أنهم ~~وإن بالغوا في عداوة الأنبياء والطعن في شرائعهم ومعجزاتهم ، إلا أن عاقبة ~~أمرهم أنهم أقروا على أنفسهم بالكفر ، ومن الناس من حمل قوله : { وشهدوا ~~على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } بأن تشهد عليهم الجوارح بالشرك والكفر ، ~~ومقصودهم دفع التكرار عن الآية ، وكيفما كان ، فالمقصود من شرح أحوالهم في ~~القيامة زجرهم في الدنيا عن الكفر والمعصية . # واعلم أن أصحابنا يتمسكون بقوله تعالى : { ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هاذا } على أنه لا يحصل الوجوب البتة قبل ~~ورود الشرع ، فإنه لو حصل الوجوب واستحقاق العقاب قبل ورود الشرع لم يكن ~~لهذا التعليل والذكر فائدة . # ! 7 < { ذالك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 131 ) ذلك أن لم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أنه ما عذب الكفار إلا بعد أن بعث إليهم ~~الأنبياء والرسل بين بهذه الآية أن هذا هو العدل والحق والواجب ، وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { ذالك } إشارة إلى ما ~~تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف ، ~~والتقدير : الأمر ذلك . # وأما قوله : { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم } ففيه وجوه : أحدها : أنه ~~تعليل ، والمعنى : / الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم ~~، وكلمة ( أن ) ههنا هي التي تنصب الأفعال ، وثانيها : يجوز أن تكون مخففة ~~من الثقيلة ، والمعنى لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم والضمير في قوله ~~لأنه ضمير الشأن والحديث والتقدير ، لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك ~~القرى بظلم . وثالثها : أن يجعل قوله : { أن لم يكن ربك } بدلا من قوله : { ~~ذالك } كقوله : { وقضينآ إليه ذلك الامر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } ( ~~الحجر : 66 ) . # وأما قوله : { بظلم } ففيه وجهان : الأول : أن يكون المعنى ، وما كان ربك ~~مهلك القرى بسبب ظلم أقدموا عليه . والثاني : أن يكون المراد . وما كان ربك ~~مهلك القرى ظلما عليهم ، وهو كقوله : { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم ~~وأهلها مصلحون } ( هود : 117 ) في سورة هود . فعلى الوجه ms3821 الأول يكون الظلم ~~فعلا للكفار ، وعلى الثاني يكون عائدا إلى فعل الله تعالى ، والوجه الأول ~~أليق بقولنا ، لأن القول الثاني يوهم أنه PageV13P161 تعالى لو أهلكهم قبل ~~بعثة الرسل كان ظالما ، وليس الأمر عندنا كذلك ، لأنه تعالى يحكم ما يشاء ، ~~ويفعل ما يريد ، ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله . وأما المعتزلة : ~~فهذا القول الثاني مطابق لمذهبهم موافق لمعتقدهم . وأما أصحابنا فمن فسر ~~الآية بهذا الوجه الثاني . قال : إنه تعالى لو فعل ذلك لم يكن ظالما لكنه ~~يكون في صورة الظالم فيما بينا ، فوصف بكونه ظالما مجازا ، وتمام الكلام في ~~هذين القولين مذكور في سورة هود عند قوله : { بظلم وأهلها مصلحون } . # وأما قوله : { وأهلها غافلون } فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل ~~المرء عما يوعظ به ، بل معناها أن لا يبين الله لهم كيفية الحال ، ولا أن ~~يزيل عذرهم وعلتهم . # واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في إثبات أنه لا يحصل الوجوب قبل ~~الشرع ، وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب البتة . قالوا : لأنها تدل على ~~أنه تعالى لا يعذب أحدا على أمر من الأمور إلا بعد البعثة للرسول . ~~والمعتزلة قالوا : إنها تدل من وجه آخر على أن الوجوب قد يتقرر قبل مجيء ~~الشرع ، لأنه تعالى قال : { أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } ~~فهذا الظلم إما أن يكون عائدا إلى العبد أو إلى الله تعالى ، فإن كان الأول ~~، فهذا يدل على إمكان أن يصدر منه الظلم قبل البعثة ، وإنما يكون الفعل ~~ظلما قبل البعثة ، لو كان قبيحا وذنبا قبل بعثة الرسل ، وذلك هو المطلوب ، ~~وإن كان الثاني فذلك يقتضي أن يكون هذا الفعل قبيحا من الله تعالى ، وذلك ~~لا يتم إلا مع الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه . # ! 7 < { ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون } . > 7 ! # / < < # | الأنعام : ( 132 ) ولكل درجات مما . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده { تعملون } بالتاء على الخطاب ، ~~والباقون بالياء على الغيبة . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال ms3822 أهل الثواب والدرجات ، ~~وأحوال أهل العقاب والدركات ذكر كلاما كليا ، فقال : { ولكل درجات مما ~~عملوا } وفي الآية قولان : # القول الأول : أن قوله : { ولكل درجات مما عملوا } عام في المطيع والعاصي ~~، والتقدير : # ولكل عامل عمل فله في عمله درجات ، فتارة يكون في درجة ناقصة ، وتارة ~~يترقى منها إلى درجة كاملة ، وأنه تعالى عالم بها على التفصيل التام ، فرتب ~~على كل درجة من تلك الدرجات ما يليق به من الجزاء ، إن خيرا فخير ، وإن شرا ~~فشر . # والقول الثاني : أن قوله : { ولكل درجات مما عملوا } مختص بأهل الطاعة ، ~~لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم . وقوله : { وما ربك بغافل عما تعملون } ~~مختص بأهل الكفر والمعصية والصواب هو الأول . # المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية تدل أيضا على صحة قولنا في مسألة ~~الجبر والقدر ، وذلك لأنه PageV13P162 تعالى حكم لكل واحد في وقت معين بحسب ~~فعل معين بدرجة معينة ، وعلم تلك الدرجة بعينها وأثبت تلك الدرجة المعينة ~~في اللوح المحفوظ وأشهد عليه زمر الملائكة المقربين ، فلو لم تحصل تلك ~~الدرجة لذلك الإنسان لبطل ذلك الحكم ، ولصار ذلك العلم جهلا ، ولصار ذلك ~~الإشهاد كذبا وكل ذلك محال . فثبت أن لكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل ~~عما تعملون ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة ، والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه . # ! 7 < { وربك الغنى ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشآء ~~كمآ أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين * إن ما توعدون لأت ومآ أنتم بمعجزين } . > ~~7 @QB@ < # | الأنعام : ( 133 - 134 ) وربك الغني ذو . . . . . # > > # في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات وعقاب ~~أصحاب المعاصي والمحرمات وذكر أن لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة ، بين ~~أن تخصيص المطيعين بالثواب ، والمذنبين بالعذاب ، ليس لأجل أنه محتاج إلى ~~طاعة المطيعين أو ينتقص بمعصية المذنبين . فإنه تعالى غني لذاته عن جميع ~~العالمين ، ومع كونه غنيا فإن رحمته عامة كاملة ، ولا سبيل إلى ms3823 ترتيب هذه ~~الأرواح البشرية والنفوس الإنسانية وإيصالها إلى درجات السعداء الأبرار ، ~~إلا بترتيب الترغيب في الطاعات والترهيب عن المحظورات فقال : { وربك الغنى ~~ذو الرحمة } ومن رحمته على الخلق ترتيب الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية ~~، فنفتقر ههنا إلى بيان أمرين : الأول : إلى بيان كونه تعالى غنيا . فنقول ~~: إنه تعالى غني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه ، لأنه لو ~~كان محتاجا لكان مستكملا بذلك الفعل ، والمستكمل بغيره ناقص بذاته ، وهو ~~على الله محال ، وأيضا فكل إيجاب أو سلب يفرض ، فإن كان ذاته كافية في ~~تحققه ، وجب دوام ذلك الإيجاب أو ذلك السلب بدوام ذاته . وإن لم تكن كافية ~~، فحينئذ يتوقف حصول تلك الحالة وعدمها على وجود سبب منفصل أو عدمه ، فذاته ~~لا تنفك عن ذلك الثبوت والعدم وهما موقوفان على وجود ذلك السبب المنفصل ~~وعدمه ، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء ، فيلزم كون ~~ذاته موقوفة على الغير ، والموقوف على الغير ممكن لذاته ، فالواجب لذاته ~~ممكن لذاته وهو محال . فثبت أنه تعالى غني على الإطلاق . # واعلم أن قوله : { وربك الغنى } يفيد الحصر ، معناه : أنه لا غني إلا هو ~~والأمر كذلك ، لأن واجب الوجود لذاته واحد ، وما سواه ممكن لذاته والممكن ~~لذاته محتاج ، فثبت أنه لا غني إلا هو . فثبت بهذا PageV13P163 البرهان ~~القاطع صحة قوله سبحانه : { وربك الغنى } وأما إثبات أنه { ذو الرحمة } ~~فالدليل عليه أنه لا شك في وجود خيرات وسعادات ولذات وراحات . إما بحسب ~~الأحوال الجسمانية ، وإما بحسب الأحوال الروحانية . فثبت بالبرهان الذي ~~ذكرناه أن كل ما سواه فهو ممكن لذاته ، وإنما يدخل في الوجود بإيجاده ~~وتكوينه وتخليقه . فثبت أن كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات ~~والكرامات والسعادات فهو من الحق سبحانه ، وبإيجاده وتكوينه . ثم إن ~~الاستقراء دل على أن الخير غالب على الشر فإن المريض وإن كان كثيرا فالصحيح ~~أكثر منه ، والجائع وإن كان كثيرا فالشبعان أكثر منه ، والأعمى وإن كان ~~كثيرا ، إلا أن البصير أكثر منه . فثبت أنه لا بد من الاعتراف ms3824 بحصول الرحمة ~~والراحة ، وثبت أن الخير أغلب من الشر والألم والآفة . وثبت أن مبدأ تلك ~~الراحات والخيرات بأسرها هو الله تعالى . فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو { ~~ذو الرحمة } . # / واعلم أن قوله : { وربك الغنى ذو الرحمة } يفيد الحصر ، فإن معناه : ~~أنه لا رحمة إلا منه ، والأمر كذلك لأن الموجود إما واجب لذاته أو ممكن ~~لذاته ، والواجب لذاته واحد فكل ما سواه فهو منه ، والرحمة داخلة فيما سواه ~~. فثبت أنه لا رحمة إلا من الحق ، فثبت بهذا البرهان صحة هذا الحصر فثبت ~~أنه لا غني إلا هو . فثبت أنه لا رحيم إلا هو . # فإن قال قائل : فكيف يمكننا إنكار رحمة الوالدين على الولد والمولى على ~~عبده ، وكذلك سائر أنواع الرحمة ؟ # فالجواب : أن كلها عند التحقيق من الله . ويدل عليه وجوه : الأول : لولا ~~أنه تعالى ألقى في قلب هذا الرحيم داعية الرحمة ، لما أقدم على الرحمة ، ~~فلما كان موجد تلك الداعية هو الله ، كان الرحيم هو الله . ألا ترى أن ~~الإنسان قد يكون شديد الغضب على إنسان قاسي القلب عليه ، ثم ينقلب رؤوفا ~~رحيما عطوفا فانقلابه من الحالة الأولى إلى الثانية ليس إلا بانقلاب تلك ~~الدواعي . فثبت أن مقلب القلوب هو الله تعالى بالبرهان قطعا للتسلسل ، ~~وبالقرآن وهو قوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } ( الأنعام : 110 ) فثبت ~~أنه لا رحمة إلا من الله . والثاني : هب أن ذلك الرحيم أعطى الطعام والثوب ~~والذهب ، ولكن لا صحة للمزاج والتمكن من الانتفاع بتلك الأشياء ، وإلا فكيف ~~الانتفاع ؟ فالذي أعطى صحة المزاج والقدرة والمكنة هو الرحيم في الحقيقة . ~~والثالث : أن كل من أعطى غيره شيئا فهو إنما يعطي لطلب عوض ، وهو إما ~~الثناء في الدنيا ، أو الثواب في الآخرة ، أو دفع الرقة الجنسية عن القلب ، ~~وهو تعالى يعطي لا لغرض أصلا ، فكان تعالى هو الرحيم الكريم . فثبت بهذه ~~البراهين اليقينية القطعية صحة قوله سبحانه وتعالى : { وربك الغنى ذو ~~الرحمة } بمعنى أنه لا غني ولا رحيم إلا هو . فإذا ثبت أنه غني عن الكل . ~~ثبت أنه لا يستكمل بطاعات ms3825 المطيعين ولا ينتقص بمعاصي المذنبين . وإذا ثبت ~~أنه ذو الرحمة ؛ ثبت أنه ما رتب العذاب على الذنوب ، ولا الثواب على ~~الطاعات ، إلا لأجل الرحمة والفضل والكرم والجود والإحسان ، كما قال في آية ~~أخرى : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) فهذا ~~البيان الإجمالي كاف في هذا الباب . وأما تفصيل تلك الحالة وشرحها على ~~البيان التام ، فمما لا يليق بهذا الموضع . # المسألة الثانية : أما المعتزلة فقالوا : هذه الآية إشارة إلى الدليل ~~الدال على كونه عادلا منزها عن فعل القبيح ، وعلى كونه رحيما محسنا بعباده ~~. أما المطلوب الأول فقال : تقريره أنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم ~~PageV13P164 بكونه غنيا عنه ، وكل من كان كذلك فإنه يتعالى عن فعل القبيح . # أما المقدمة الأولى ، فتقريرها إنما يتم بمجموع مقدمات ثلاثة . أولها : ~~أن في الحوادث / ما يكون قبيحا ، نحو : الظلم ، والسفه ، والكذب ، والغيبة ~~: وهذه المقدمة غير مذكورة في الآية لغاية ظهورها . وثانيها : كونه تعالى ~~عالما بالمعلومات ، وإليه الإشارة بقوله قبل هذه الآية : { وما ربك بغافل ~~عما يعملون } وثالثها : كونه تعالى غنيا عن الحاجات وإليه الإشارة بقوله : ~~{ وربك الغنى } وإذا ثبت مجموع هذه المقدمات الثلاثة ، ثبت أنه تعالى عالم ~~بقبح القبائح وعالم بكونه غنيا عنها ، فإذا ثبت هذا امتنع كونه فاعلا لها ، ~~لأن المقدم على فعل القبيح إنما يقدم عليه إما لجهله بكونه قبيحا ، وإما ~~لاحتياجه ، فإذا كان عالما بالكل امتنع كونه جاهلا بقبح القبائح . وإذا كان ~~غنيا عن الكل امتنع كونه محتاجا إلى فعل القبائح ، وذلك يدل على أنه تعالى ~~منزه عن فعل القبائح متعال عنها ، فحينئذ يقطع بأنه لا يظلم أحدا ، فلما ~~كلف عبيده الأفعال الشاقة وجب أن يثيبهم عليها ، ولما رتب العقاب والعذاب ~~على فعل المعاصي ، وجب أن يكون عادلا فيها ، فبهذا الطريق ثبت كونه تعالى ~~عادلا في الكل . # فإن قال قائل : هب أن بهذا الطريق انتفى الظلم عنه تعالى ، فما الفائدة ~~في التكليف ؟ # فالجواب : أن التكليف إحسان ورحمة على ما هو مقرر في ( كتب الكلام ) ~~فقوله : { وربك الغنى } إشارة إلى المقام ms3826 الأول وقوله : { ذو الرحمة } ~~إشارة إلى المقام الثاني . فهذا تقرير الدلائل التي استنبطها طوائف العقلاء ~~من هذه الآية على صحة قولهم . # واعلم يا أخي أن الكل لا يحاولون إلا التقديس والتعظيم ، وسمعت الشيخ ~~الإمام الوالد ضياء الدين عمر بن الحسين رحمه الله قال : سمعت الشيخ أبا ~~القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري ، يقول : نظر أهل السنة على تعظيم الله في ~~جانب القدرة ونفاذ المشيئة ، ونظر المعتزلة على تعظيم الله في جانب العدل ~~والبراءة عن فعل ما لا ينبغي ، فإذا تأملت علمت أن أحدا لم يصف الله إلا ~~بالتعظيم والإجلال والتقديس والتنزيه ، ولكن منهم من أخطأ ومنهم من أصاب ، ~~ورجاء الكل متعلق بهذه الكلمة وهي قوله : { وربك الغنى ذو الرحمة } . # ثم قال تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء } والمعنى أنه ~~تعالى لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة فقد كان يجوز أن يظن ظان أنه وإن كان ذا ~~الرحمة إلا أن لرحمته معدنا مخصوصا وموضعا معينا فبين تعالى أنه قادر على ~~وضع الرحمة في هذا الخلق ، وقادر على أن يخلق قوما آخرين ويضع رحمته فيهم ~~وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم والمقصود التنبيه على ~~أن تخصيص الرحمة بهؤلاء ليس لأجل أنه لا يمكنه إظهار رحمته إلا بخلق هؤلاء ~~. أما قوله : { إن يشأ يذهبكم } فالأقرب أن المراد به الإهلاك ويحتمل ~~الإماتة أيضا ويحتمل أن لا يبلغهم مبلغ التكليف / وأما قوله : { ويستخلف من ~~بعدكم } يعني من بعد إذهابكم . لأن الاستخلاف لا يكون إلا على طريق البدل ~~من فائت . وأما قوله : { ما يشاء } فالمراد منه خلق ثالث ورابع ، واختلفوا ~~فقال بعضهم : خلقا آخر من أمثال الجن والإنس يكونون أطوع ، وقال أبو مسلم : ~~بل المراد أنه قادر على أن يخلق خلقا ثالثا مخالفا للجن والإنس قال القاضي ~~: وهذا الوجه أقرب لأن القوم PageV13P165 يعلمون بالعادة أنه تعالى قادر ~~على إنشاء أمثال هذا الخلق فمتى حمل على خلق ثالث ورابع يكون أقوى في دلالة ~~القدرة ، فكأنه تعالى نبه على أن قدرته ليست مقصورة ms3827 على جنس دون جنس من ~~الخلق الذين يصلحون لرحمته العظيمة التي هي النواب ، فبين بهذا الطريق أنه ~~تعالى لرحمته لهؤلاء القوم الحاضرين أبقاهم وأمهلهم ولو شاء لأماتهم ~~وأفناهم وأبدل بهم سواهم . ثم بين تعالى علة قدرته على ذلك فقال : { كما ~~أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين } لأن المرء العاقل إذا تفكر علم أنه تعالى خلق ~~الإنسان من نطفة ليس فيها من صورته قليل ولا كثير ، فوجب أن يكون ذلك بمحض ~~القدرة والحكمة ، وإذا كان الأمر كذلك فكما قدر تعالى على تصوير هذه ~~الأجسام بهذه الصورة الخاصة ، فكذلك يقدر على تصويرهم بصورة مخالفة لها . ~~وقرأ القراء كلهم { ذرية } بضم الذال وقرأ زيد بن ثابت بكسر الذال . قال ~~الكسائي : هما لغتان . # ثم قال تعالى : { إنما توعدون * لأت } قال الحسن : أي من مجيء الساعة ، ~~لأنهم كانوا ينكرون القيامة ، وأقول فيه احتمال آخر : وهو أن الوعد مخصوص ~~بالأخبار عن الثواب ، وأما الوعيد فهو مخصوص بالأخبار عن العقاب فقوله : { ~~إنما توعدون * لأت } يعني كل ما تعلق بالوعد بالثواب فهو آت لا محالة ، ~~فتخصيص الوعد بهذا الجزم يدل على أن جانب الوعيد ليس كذلك ويقوي هذا الوجه ~~آخر الآية ، وهو أنه قال : { وما أنتم بمعجزين } يعني لا تخرجون عن قدرتنا ~~وحكمنا ، فالحاصل أنه لما ذكر الوعد جزم بكونه آتيا ، ولما ذكر الوعيد ، ما ~~زاد على قوله : { وما أنتم بمعجزين } وذلك يدل على أن جانب الرحمة والإحسان ~~غالب . # ! 7 < { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون من تكون له ~~عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 135 ) قل يا قوم . . . . . # > > # / اعلم أنه لما بين بقوله : { إنما توعدون * لأت } أمر رسوله من بعده أن ~~يهدد من ينكر البعث عن الكفار ، فقال { قل ياأهل * قوم * اعملوا على ~~مكانتكم } وفيه مباحث : # البحث الأول : قرأ أبو بكر عن عاصم { * مكاناتكم } بالألف ، على الجمع في ~~كل القرآن ، والباقون { على مكانتكم } قال الواحدي : والوجه الإفراد ، لأنه ~~مصدر ، والمصادر في أكثر الأمر مفردة ، وقد تجمع أيضا في بعض الأحوال ، إلا ~~أن الغالب ms3828 هو الأول . # البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : المكانة تكون مصدرا ، يقال : مكن ~~مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن ، وبمعنى المكان ، يقال : مكان ومكانة ، ومقام ~~ومقامة ، فقوله : { اعملوا على مكانتكم } يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم ~~وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ، ويحتمل أيضا أن يراد اعملوا على حالتكم التي ~~أنتم عليها يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة : على مكانتك يا فلان ، أي ~~اثبت على ما أنت عليه لا PageV13P166 تنحرف عنه { إنى عامل } أي أنا عامل ~~على مكانتي ، التي عليها ، والمعنى : اثبتوا على كفركم وعداوتكم ، فأني ~~ثابت على الإسلام ، وعلى مضارتكم { فسوف تعلمون } أيناله العاقبة المحمودة ~~، وطريقة هذا الأمر طريقة قوله : { اعملوا ما شئتم } وهي تفويض الأمر إليهم ~~على سبيل التهديد . # البحث الثالث : من في قوله : { فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } ذكر ~~الفراء في موضعه من الإعراب وجهين : الأول : أنه نصب لوقوع العلم عليه . ~~الثاني : أن يكون رفعا على معنى : تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار ، كقوله ~~تعالى : { لنعلم أي الحزبين } ( الكهف : 12 ) . # البحث الرابع : قوله : { فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } يوهم أن ~~الكافر ليست له عاقبة الدار ، وذلك مشكل . # قلنا : العاقبة ، تكون على الكافر ولا تكون له ، كما يقال : له الكثرة ~~ولهم الظفر ، وفي ضده يقال : عليكم الكثرة والظفر . # البحث الخامس : قرأ حمزة والكسائي { من يكون } بالياء وفي القصص أيضا ~~والباقون بالتاء في السورتين . قال الواحدي : العاقبة مصدر كالعافية ، ~~وتأنيثه غير حقيقي ، فمن أنث ، فكقوله : { فأخذتهم الصيحة } ( المؤمنون : ~~41 ) ومن ذكر فكقوله : { وأخذ الذين ظلموا الصيحة } ( هود : 67 ) وقال : { ~~قد جاءتكم موعظة من ربكم } ( يونس : 57 ) وفي آية أخرى : { فمن جاءه موعظة ~~من ربه } ( البقرة : 275 ) . # ثم قال تعالى : { إنه لا يفلح الظالمون } والغرض منه بيان أن قوله : { ~~اعملوا على مكانتكم } تهديد وتخويف لا أنه أمر وطلب ، ومعناه : أن هؤلاء ~~الكفار لا يفلحون ولا يفوزون بمطالبهم البتة . # ! 7 < { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والا نعام نصيبا فقالوا هاذا لله ~~بزعمهم وهاذا لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل ms3829 إلى الله وما كان لله فهو ~~يصل إلى شركآئهم سآء ما يحكمون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 136 ) وجعلوا لله مما . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين قبح طريقتهم في إنكارهم البعث ، والقيامة ذكر ~~عقيبه أنواعا من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيها على ضعف عقولهم ، وقلة ~~محصولهم ، وتنفيرا للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم ، فمن جملتها أنهم ~~يجعلون لله من حروثهم ، كالتمر والقمح ، ومن أنعامهم كالضأن والمعز والإبل ~~والبقر ، نصيبا ، فقالوا : { هاذا لله بزعمهم } يريد بكذبهم . # فإن قيل : أليس أن جميع الأشياء لله فكيف نسبوا إلى الكذب في قولهم : هذا ~~لله ؟ PageV13P167 # قلنا : إفرازهم النصيبين نصيبا لله ؛ ونصيبا للشيطان هو الكذب . قال ~~الزجاج : وتقدير الكلام جعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا ودل على هذا ~~المحذوف تفصيله القسمين فيما بعد ، وهو قوله : { هاذا لله بزعمهم وهاذا ~~لشركائنا } وجعل الأوثان شركاءهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ~~ينفقونها عليها . # ثم قال تعالى : { فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل ~~إلى شركائهم } وفي تفسيره وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم نصيبا ، وللأوثان نصيبا ، فما ~~كان للصنم أنفقوه عليه ، وما كان لله أطعموه الصبيان والمساكين ، ولا ~~يأكلون منه البتة . ثم إن سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا ~~: إن الله غني عن هذا ، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله أخذوه ~~وردوه إلى نصيب الصنم ، وقالوا : إنه فقير . الثاني : قال الحسن والسدي : ~~كان إذا هلك ما لأوثانهم أخذوا بدله مما لله ، ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله ~~عز وجل . الثالث : قال مجاهد : المعنى أنه إذا انفجر من سقي ما جعلوه ~~للشيطان في نصيب الله سدوه ، وإن كان على ضد ذلك تركوه . الرابع : قال ~~قتادة : إذا أصابهم القحط استعانوا بما لله ووفروا ما جعلوه لشركائهم . ~~الخامس : قال مقاتل : إن زكا ونما نصيب / الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا ~~نصيب الآلهة لها ، وقالوا لو شاء زكى نصيب نفسه وإن زكا نصيب الله ولم يزك ~~نصيب الآلهة ، قالوا ms3830 لا بد لآلهتنا من نفقة ، فأخذوا نصيب الله فأعطوه ~~السدنة ، فذلك قوله : { فما كان لشركائهم } يعني من نماء الحرث والأنعام { ~~فلا يصل إلى الله } يعني المساكين وإنما قال : { إلى الله } لأنهم كانوا ~~يفرزونه لله ويسمونه نصيب الله ، وما كان لله فهو يصل إليهم ، ثم إنه تعالى ~~ذم هذا الفعل { فقال * ساء ما يحكمون } وذكر العلماء في كيفية هذه الإساءة ~~وجوها كثيرة : الأول : أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانب ~~الله تعالى ، وهو سفه . الثاني : أنهم جعلوا بعض النصيب لله وجعلوا بعضه ~~لغيره مع أنه تعالى الخالق للجميع ، وهذا أيضا سفه . الثالث : أن ذلك الحكم ~~حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ، ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع ، فكان أيضا سفها . ~~الرابع : أنه لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز النصيب لكل حجر ومدر ، ~~الخامس : أنه لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ، ولا قدرة لها أيضا ~~على الانتفاع بذلك النصيب فكان إفراز النصيب لها عبثا ، فثبت بهذا الوجوه ~~أنه { ساء ما يحكمون } والمقصود من حكاية أمثال هذه المذاهب الفاسدة ، أن ~~يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه المذاهب / وأن يصير ذلك سببا لتحقيرهم ~~في أعين العقلاء ، وأن لا يلتفت إلى كلامهم أحد البتة . # ! 7 < { وكذالك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم ولو شآء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } . > 7 @QB@ ~~< # | الأنعام : ( 137 ) وكذلك زين لكثير . . . . . # > > PageV13P168 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة ، ~~ومذاهبهم الباطلة ، وقوله : { وكذالك } عطف على قوله : { وجعلوا لله مما ~~ذرأ من الحرث والانعام } أي كما فعلوا ذلك ، فكذلك زين لكثير منهم شركاؤهم ~~قتل الأولاد ، والمعنى : أن جعلهم لله نصيبا ، وللشركاء نصيبا ، نهاية في ~~الجهل بمعرفة الخالق المنعم ، وإقدامهم على قتل أولاد أنفسهم نهاية في ~~الجهالة والضلالة ، وذلك يفيد التنبيه على أن أحكام هؤلاء وأحوالهم يشاكل ~~بعضها بعضا في الركاكة والخساسة . # المسألة الثانية : كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفا من الفقر ~~أو من التزويج ، / وهو المراد ms3831 من هذه الآية . واختلفوا في المراد بالشركاء ~~، فقال مجاهد : شركاؤهم شياطينهم أمروهم بأن يئدوا أولادهم خشية العيلة ، ~~وسميت الشياطين شركاء ، لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى ، وأضيفت ~~الشركاء إليهم ، لأنهم اتخذوها كقوله تعالى : { أين شركاؤكم الذين كنتم ~~تزعمون } وقال الكلبي : كان لآلهتهم سدنة وخدام ، وهم الذين كانوا يزينون ~~للكفار قتل أولادهم ، وكان الرجل يقوم في الجاهلية فيحلف بالله لئن ولد له ~~كذا وكذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله ، وعلى ~~هذا القول : الشركاء هم السدنة ، سموا شركاء كما سميت الشياطين شركاء في ~~قول مجاهد . # المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر وحده { زين } بضم الزاء وكسر الياء ، ~~وبضم اللام من { قتل } و { أولادهم } بنصب الدال { شركائهم } بالخفض ~~والباقون { زين } بفتح الزاي والياء { قتل } بفتح اللام { أولادهم } بالجر ~~{ شركاؤهم } بالرفع . أما وجه قراءة ابن عامر فالتقدير : زين لكثير من ~~المشركين قتل شركائهم أولادهم ، إلا أنه فصل بين المضاف ، والمضاف إليه ~~بالمفعول به وهو الأولاد ، وهو مكروه في الشعر كما في قوله : # % فزججتها بمزجة % % زج القلوص أبي مزاده % # وإذا كان مستكرها في الشعر فكيف في القرآن الذي هو معجز في الفصاحة . ~~قالوا : والذي حمل ابن عامر على هذه القراءة أنه رأى في بعض المصاحف { ~~شركائهم } مكتوبا بالياء ، ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء ، لأجل أن الأولاد ~~شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب . وأما القراءة ~~المشهورة : فليس فيها إلا تقديم المفعول على الفاعل ، ونظيره قوله : { لا ~~ينفع نفسا إيمانها } ( الأنعام : 158 ) وقوله : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه } ~~( البقرة : 124 ) والسبب في تقديم المفعول هو أنهم يقدمون الأهم ، والذي هم ~~بشأنه أعنى وموضع التعجب ههنا إقدامهم على قتل أولادهم ، فلهذا السبب حصل ~~هذا التقدير . # ثم قال تعالى : { ليردوهم } والإرداء في اللغة الإهلاك ، وفي القرآن { إن ~~كدت لتردين } ( الصافات : 56 ) قال ابن عباس : ليردوهم في النار ، واللام ~~ههنا محمولة على لام العاقبة كما في قوله : { فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) { وليلبسوا عليهم دينهم } ( الأنعام : 137 ) أي ms3832 ~~ليخلطوا ، لأنهم كانوا على دين إسماعيل ، فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع ~~الفاسدة ، أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق . # ثم قال تعالى : { ولو شاء ربك ما فعلوه } قال أصحابنا : إنه يدل على أن ~~كل ما فعله المشركون فهو بمشيئة الله تعالى . قالت المعتزلة : إنه محمول ~~على مشيئة الإلجاء ، وقد سبق ذكره مرارا { فذرهم وما يفترون } ( الأنعام : ~~112 ) PageV13P169 وهذا على قانون قوله تعالى : { اعملوا ما شئتم } وقوله : ~~{ وما يفترون } يدل على أنهم كانوا يقولون : إن الله أمرهم بقتل أولادهم ، ~~فكانوا كاذبين في ذلك القول . # ! 7 < { وقالوا هاذه أنعام وحرث حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم وأنعام ~~حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افترآء عليه سيجزيهم بما ~~كانوا يفترون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 138 ) وقالوا هذه أنعام . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة ، وهي أنهم قسموا أنعامهم ~~أقساما : فأولها : إن قالوا : { هاذه أنعام وحرث حجر } فقوله : { حجر } فعل ~~بمعنى مفعول ، كالذبح والطحن ، ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد ~~والجمع ، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات ، وأصل الحجر المنع ، وسمى العقل ~~حجرا لمنعه عن القبائح ، وفلان في حجر القاضي : أي في منعه ، وقرأ الحسن ~~وقتادة { حجر } بضم الحاء وعن ابن عباس { حرج } وهو من الضيق ، وكانوا إذا ~~عينوا شيئا من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا : { لا يطعمها إلا من نشاء } ~~يعنون خدم الأوثان ، والرجال دون النساء . # والقسم الثاني : من أنعامهم الذي قالوا فيه : { وأنعام حرمت ظهورها } وهي ~~البحائر والسوائب والحوامي ، وقد مر تفسيره في سورة المائدة . # والقسم الثالث : { أنعام لا يذكرون اسم الله عليها } في الذبح ، وإنما ~~يذكرون عليها أسماء الأصنام ، وقيل لا يحجوم عليها ولا يلبون على ظهورها . # ثم قال : { افتراء عليه } فانتصابه على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد ~~، لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء . # ثم قال تعالى : { سيجزيهم بما كانوا يفترون } والمقصود منه الوعيد . # ! 7 < { وقالوا ما فى بطون هاذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ~~وإن يكن ميتة فهم فيه شركآء سيجزيهم وصفهم إنه ms3833 حكيم عليم } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 139 ) وقالوا ما في . . . . . # > > PageV13P170 # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : هذا نوع رابع من أنواع قضاياهم الفاسدة . كانوا يقولون ~~في أجنة البحائر والسوائب ما ولد منها حيا فهو خالص لذكور لا تأكل منها ~~الأناث ، وما ولد ميتا اشترك فيه الذكور والإناث . سيجزيهم وصفهم ، والمراد ~~منه الوعيد { إنه حكيم عليم } ليكون الزجر واقعا على حد الحكمة وبحسب ~~الاستحقاق . # المسألة الثانية : ذكر ابن الأنباري في تأنيث { خالصة } ثلاثة أقوال : ~~قولين للفراء وقولا للكسائي : أحدها : أن الهاء ليست للتأنيث . وإنما هي ~~للمبالغة في الوصف كما قالوا : راوية ، وعلامة ، ونسابة ، والداهية ، ~~والطاغية . كذلك يقول ؛ هو خالصة لي ، وخالص لي . هذا قول الكسائي . # والقول الثاني : أن { ما } في قوله : { ما فى بطون هاذه الانعام } عبارة ~~عن الأجنة ، وإذا كان عبارة عن مؤنث جاز تأنيثه على المعنى ، وتذكيره على ~~اللفظ ، كما في هذه الآية ، فإنه أنث خبره الذي هو { خالصة } لمعناه ، وذكر ~~في قوله : { ومحرم } على اللفظ . والثالث : أن يكون مصدرا والتقدير : ذو ~~خالصة كقولهم : عطاؤك عافية ، والمطر رحمة ، والرخص نعمة . # المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر { وأن * تكن } بالتاء و { ميتة } بالنصب ~~وقرأ ابن كثير { يكن } بالياء { ميتة } بالرفع ، وقرأ أبو بكر عن عاصم { ~~تكن } بالتاء { ميتة } بالنصب ، والباقون { يكن } بالياء { ميتة } بالنصب . ~~أما قراءة ابن عامر ، فوجهها أنه ألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل ~~مؤنثا في اللفظ وأما قراءة ابن كثير فوجهها أن قوله : { ميتة } اسم { يكن } ~~وخبره مضمر . والتقدير : وإن يكن لهم ميتة أو وإن يكن هناك ميتة . وذكر لأن ~~الميتة في معنى الميت . قال أبو علي : لم يلحق الفعل علامة التأنيث لما كان ~~الفاعل المسند إليه تأنيثه غير حقيقي ، ولا يحتاج الكون إلى خبر ، لأنه ~~بمعنى حدث ووقع . وأما قراءة عاصم { تكن } بالتاء { ميتة } بالنصب فالتقدير ~~وإن تكن المذكور ميته فأنث / الفعل لهذا السبب وأما قراءة الباقين { وإن ~~يكن } بالياء { ميتة } بالنصب . فتأويلها ، وإن يكن المذكور ميتة ذكروا ~~الفعل لأنه مسند إلى ضمير ما تقدم في قوله : { ما فى ms3834 بطون هاذه الانعام } ~~وهو مذكر ، وانتصب قوله { ميتة } لما كان الفعل مسندا إلى الضمير . # ! 7 < { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله ~~افترآء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 140 ) قد خسر الذين . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر فيما تقدم قتلهم أولادهم وتحريمهم ما ~~رزقهم الله . ثم إنه تعالى جمع هذين الأمرين في هذه الآية وبين ما لزمهم ~~على هذا الحكم ، وهو الخسران والسفاهة ، وعدم العلم ، وتحريم PageV13P171 ~~ما رزقهم الله ، والافتراء على الله ، والضلال وعدم الاهتداء ، فهذه أمور ~~سبعة وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم . # أما الأول : وهو الخسران ، وذلك لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد ~~، فإذا سعى في إبطاله ، فقد خسر خسرانا عظيما لا سيما ويستحق على ذلك ~~الإبطال الذم العظيم في الدنيا ، والعقاب العظيم في الآخرة . أما الذم في ~~الدنيا فلأن الناس يقولون قتل ولده خوفا من أن يأكل طعامه وليس في الدنيا ~~ذم أشد منه . وأما العقاب في الآخرة ، فلأن قرابة الولادة أعظم موجبات ~~المحبة فمع حصولها إذا أقدم على إلحاق أعظم المضار به كان ذلك أعظم أنواع ~~الذنوب ، فكان موجبا لأعظم أنواع العقاب . # والنوع الثاني : السفاهة وهي عبارة عن الخفة المذمومة ، وذلك لأن قتل ~~الولد إنما يكون للخوف من الفقر ، والفقر وإن كان ضررا إلا أن القتل أعظم ~~منه ضررا ، وأيضا فهذا القتل ناجز وذلك الفقر موهوم فالتزام أعظم المضار ~~على سبيل القطع حذرا من ضرر قليل موهوم ، لا شك أنه سفاهة . # والنوع الثالث : قوله : { بغير علم } فالمقصود أن هذه السفاهة إنما تولدت ~~من عدم العلم ولا شك أن الجهل أعظم المنكرات والقبائح . # / والنوع الرابع : تحريم ما أحل الله لهم ، وهو أيضا من أعظم أنواع ~~الحماقة ، لأنه يمنع نفسه تلك المنافع والطيبات ، ويستوجب بسبب ذلك المنع ~~أعظم أنواع العذاب والعقاب . # والنوع الخامس : الافتراء على الله ، ومعلوم أن الجراءة على الله ، ~~والافتراء عليه أعظم الذنوب وأكبر الكبائر . # والنوع السادس : الضلال عن الرشد ms3835 في مصالح الدين ومنافع الدنيا . # والنوع السابع : أنهم ما كانوا مهتدين ، والفائدة فيه أنه قد يضل الإنسان ~~عن الحق إلا أن يعود إلى الاهتداء ، فبين تعالى أنهم قد ضلوا ولم يحصل لهم ~~الاهتداء قط . فثبت أنه تعالى ذم الموصوفين بقتل الأولاد وتحريم ما أحله ~~الله تعالى لهم بهذه الصفات السبعة الموجبة لأعظم أنواع الذم ، وذلك نهاية ~~المبالغة . # ! 7 < { وهو الذىأنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا ~~أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وءاتوا ~~حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 141 ) وهو الذي أنشأ . . . . . # > > PageV13P172 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى جعل مدار هذا الكتاب الشريف على تقرير ~~التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر ، وأنه تعالى بالغ في تقرير ~~هذه الأصول ، وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء ، ثم انتقل ~~منه إلى تهجين طريقة من أنكر البعث والقيامة ، ثم أتبعه بحكاية أقوالهم ~~الركيكة ، وكلماتهم الفاسدة في مسائل أربعة . والمقصود التنبيه على ضعف ~~عقولهم ، وقلة محصولهم ، وتنفير الناس عن الالتفات إلى قولهم ، والاغترار ~~بشبهاتهم . فلما تمم هذه الأشياء عاد بعدها إلى ما هو المقصود الأصلي ، وهو ~~إقامة الدلائل على تقرير التوحيد فقال : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات } . # / واعلم أنه قد سبق ذكر هذا الدليل في هذه السورة ، وهو قوله : { وهو ~~الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه ~~حبا متراكبا ومن } ( الأنعام : 99 ) فالآية المتقدمة ذكر تعالى فيها خمسة ~~أنواع ، وهي : الزرع والنخل ، وجنات من أعناب والزيتون والرمان ، وفي هذه ~~الآية التي نحن في تفسيرها ذكر هذه الخمسة بأعيانها لكن على خلاف ذلك ~~الترتيب لأنه ذكر العنب ، ثم النخل ، ثم الزرع ، ثم الزيتون ثم الرمان . ~~وذكر في الآية المتقدمة { مشتبها وغير متشابه } وفي هذه الآية { متشابها ~~وغير متشابه } ثم ذكر في الآية المتقدمة { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ~~} فأمر تعالى هناك بالنظر في أحوالها والاستدلال بها على وجود الصانع ~~الحكيم ، وذكر في ms3836 هذه الآية { كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده ~~} فأذن في الانتفاع بها ، وأمر بصرف جزء منها إلى الفقراء ، فالذي حصل به ~~الامتياز بين الآيتين أن هناك أمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم . ~~وههنا أذن في الانتفاع بها ، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال بها على ~~الصانع الحكيم مقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الاستدلال بها ~~سعادة روحانية أبدية . والحاصل من الانتفاع بهذه سعادة جسمانية سريعة ~~الانقضاء ، والأول أولى بالتقديم ، فلهذا السبب قدم الله تعالى الأمر ~~بالاستدلال بها على الإذن بالانتفاع بها . # المسألة الثانية : قوله : { وهو الذى أنشأ } أي خلق ، يقال : نشأ الشيء ~~ينشأ نشأة ونشاءة إذا ظهر وارتفع والله ينشئه إنشاء أي يظهره ويرفعه وقوله ~~: { جنات معروشات } يقال عرشت الكرم أعرشه عرشا وعرشته تعريشا ، إذا عطفت ~~العيدان التي يرسل عليها قضبان الكرم ، والواحد عرش ، والجمع عروش ، ويقال ~~: عريش وجمعه عرش ، واعترش العنب العريش اعتراشا إذا علاه . # إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : { معروشات وغير معروشات } أقوال : الأول ~~: أن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم ، فإن بعض الأعناب يعرش وبعضها ~~لا يعرش ، بل يبقى على وجه الأرض منبسطا . والثاني : المعروشات العنب الذي ~~يجعل لها عروش ، وغير المعروشات كل ما ينبت منبسطا على وجه الأرض مثل القرع ~~والبطيخ . والثالث : المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه ~~فيمسكه / وهو الكرم وما يجري مجراه ، وغير المعروش هو القائم من الشجر ~~المستغني باستوائه وذهابه علوا لقوة ساقه عن التعريش . والرابع : المعروشات ~~ما يحصل في البساتين / والعمرانات مما يغرسه الناس واهتموا به فعرشوه { ~~وغير معروشات } مما أنبته الله تعالى وحشيا في البراري والجبال فهو غير ~~معروش وقوله : PageV13P173 { والنخل والزرع } فسر ابن عباس { الزرع } ههنا ~~بجميع الحبوب التي يقتات بها { مختلفا أكله } أي لكل شيء منها طعم غير طعم ~~الآخر { * والأكل } كل ما أكل ، وههنا المراد ثمر النخل والزرع ، ومضى ~~القول في { فى الاكل } عند قوله : { فأتت أكلها ضعفين } ( البقرة : 265 ) ~~وقوله : { مختلفا } نصب على الحال . أي أنشأه في ms3837 حال اختلاف أكله ، وهو قد ~~أنشأه من قبل ظهور أكله وأكل ثمره . # الجواب : أنه تعالى أنشأها حال اختلاف ثمرها وصدق هذا لا ينافي صدق أنه ~~تعالى أنشأها قبل ذلك أيضا . وأيضا نصب على الحال مع أنه يؤكل بعد ذلك ~~بزمان ، لأن اختلاف أكله مقدر كما تقول : مررت برجل معه صقر صائدا به غدا ، ~~أي مقدرا للصيد به غدا . وقرأ ابن كثير ونافع { أكله } بتخفيف الكاف ~~والباقون { أكله } في كل القرآن . وأما توحيد الضمير في قوله : { مختلفا ~~أكله } فالسبب فيه : أنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما من إعادته عليهما ~~جميعا كقوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : ~~11 ) والمعنى : إليهما وقوله : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ( التوبة : ~~62 ) . # وأما قوله : { متشابها وغير متشابه } فقد سبق تفسيره في الآية المتقدمة . # ثم قال تعالى : { كلوا من ثمره إذا أثمر } وفيه مباحث . # البحث الأول : أنه تعالى لما ذكر كيفية خلقه لهذه الأشياء ذكر ما هو ~~المقصود الأصلي من خلقها ، وهو انتفاع المكلفين بها ، فقال : { كلوا من ~~ثمره } واختلفوا ما الفائدة منه ؟ فقال بعضهم : الإباحة . وقال آخرون : بل ~~المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق ، لأنه تعالى لما أوجب الحق فيه ، ~~كان يجوز أن يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المساكين فيه ، بل هذا هو ~~الظاهر فأباح تعالى هذا الأكل ، وأخرج وجوب الحق فيه من أن يكون مانعا من ~~هذا التصرف . وقال بعضهم : بل أباح تعالى ذلك ليبين أن المقصد بخلق هذه ~~النعم . إما الأكل وإما التصدق ، وإنما قدم ذكر الأكل على التصدق ، لأن ~~رعاية النفس مقدمة على رعاية الغير . قال تعالى : { ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك } ( القصص : 77 ) . # البحث الثاني : تمسك بعضهم بقوله : { كلوا من ثمره إذا أثمر } بأن الأصل ~~في المنافع الإباحة والإطلاق ، لأن قوله : { كلوا } خطاب عام يتناول الكل ، ~~فصار هذا جاريا مجرى قوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض جميعا } وأيضا ~~يمكن التمسك به على أن الأصل عدم وجوب الصدقة ، وأن من ادعى ms3838 إيجابه كان هو ~~المحتاج إلى الدليل ، فيتمسك به في أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر ، ~~لا يلزمه قضاء ما مضى ، وفي أن الشارع في صوم النفل لا يجب عليه الإتمام . # / البحث الثالث : قوله : { كلوا من ثمره } يدل على أن صيغة الأمر قد ترد ~~في غير موضع الوجوب وفي غير موضع الندب ، وعند هذا قال بعضهم : الأصل في ~~الاستعمال الحقيقة ، فوجب جعل هذه الصيغة مفيدة لرفع الحجر ، فلهذا قالوا : ~~الأمر مقتضاه الإباحة ، إلا أنا نقول : نعلم بالضرورة من لغة العرب أن هذه ~~الصيغة تفيد ترجيح جانب الفعل ، وأن حملها على الإباحة لا يصار إليه إلا ~~بدليل منفصل . # أما قوله تعالى : { وهو الذى أنشأ جنات } ففيه أبحاث : # البحث الأول : قرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم { حصاده } بفتح الحاء ~~والباقون بكسر الحاء قال PageV13P174 الواحدي : قال جميع أهل اللغة يقال : ~~حصاد وحصاد ، وجداد وجداد ، وقطاف وقطاف ، وجذاذ وجذاذ ، وقال سيبويه جاؤا ~~بالمصادر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال ، وربما قالوا فيه فعال . # البحث الثاني : في تفسير قوله : { وهو الذى } ثلاثة أقوال . # القول الأول : قال ابن عباس في رواية عطاء يريد به العشر فيما سقت السماء ~~، ونصف العشر فيما سقي بالدواليب ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس ~~والضحاك . # فإن قالوا : كيف يؤدي الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل ؟ وأيضا هذه ~~السورة مكية ، وإيجاب الزكاة مدني . # قلنا : لما تعذر إجراء قوله : { وهو الذى } على ظاهره بالدليل الذي ذكرتم ~~. لا جرم حلمناه على تعلق حق الزكاة به في ذلك الوقت ، والمعنى : اعزموا ~~على إيتاء الحق يوم الحصاد ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء . # والجواب عن السؤال الثاني : لا نسلم أن الزكاة ما كانت واجبة في مكة ، بل ~~لا نزاع أن الآية المدنية وردت بإيجابها ، إلا أن ذلك لا يمنع أنها كانت ~~واجبة بمكة . وقيل أيضا : هذه الآية مدنية . # والقول الثاني : أن هذا حق في المال سوى الزكاة . وقال مجاهد : إذا حصدت ~~فحضرت المساكين فاطرح لهم منه ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه ms3839 ، وإذا ~~كربلته فاطرح لهم منه ، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته . # والقول الثالث : أن هذا كان قبل وجوب الزكاة ، فلما فرضت الزكاة نسخ هذا ~~، وهذا قول سعيد بن جبير ، والأصح هو القول الأول ، والدليل عليه أن قوله ~~تعالى : { وهو الذى } إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوما قبل ورود هذه ~~الآية لئلا تبقى هذه الآية مجملة . وقد قال عليه الصلاة / والسلام : ( ليس ~~في المال حق سوى الزكاة ) فوجب أن يكون المراد بهذا الحق حق الزكاة . # البحث الثالث : قوله تعالى : { وهو الذى أنشأ جنات } بعد ذكر الأنواع ~~الخمسة ، وهو العنب والنخل ، والزيتون ، والرمان ؛ يدل عى وجوب الزكاة في ~~الكل ، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار ، كما كان يقوله أبو حنيفة رحمه ~~الله . # فإن قالوا : لفظ الحصاد مخصوص بالزرع . فنقول : لفظ الحصد في أصل اللغة ~~غير مخصوص بالزرع ، والدليل عليه ، أن الحصد في اللغة عبارة عن القطع ، ~~وذلك يتناول الكل وأيضا الضمير في قوله حصاده يجب عوده إلى أقرب المذكورات ~~وذلك هو الزيتون والرمان ، فوجب أن يكون الضمير عائدا إليه . # البحث الرابع : قال أبو حنيفة رحمه الله : العشر واجب في القليل والكثير ~~. وقال الأكثرون إنه لا يجب إلا إذا بلغ خمسة أوسق . واحتج أبو حنيفة رحمه ~~الله بهذه الآية ، فقال : قوله : { وهو الذى أنشأ جنات } يقتضي ثبوت حق في ~~القليل والكثير ، فإذا كان ذلك الحق هو الزكاة وجب القول بوجوب الزكاة في ~~القليل والكثير . # أما قوله تعالى : { ولا تسرفوا } فاعلم أن لأهل اللغة في تفسير الإسراف ~~قولين : الأول : قال ابن الأعرابي : السرف تجاوز ما حد لك . الثاني : قال ~~شمر : سرف المال ، ما ذهب منه من غير منفعة . PageV13P175 # إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه أقوال : الأول : أن الإنسان إذا أعطى ~~كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف ، لأنه جاء في الخبر ، ( ابدأ ~~بنفسك ثم بمن تعول ) . وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة ~~فجذها ، ثم قسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئا فأنزل الله ms3840 ~~تعالى قوله : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير } أي ولا تعطوا كله . ~~والثاني : قال سعيد بن المسيب : { لا * تسرفوا } أي لا تمنعوا الصدقة / ~~وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد ، إلا أن الأول ~~مجاوزة في الإعطاء ، والثاني : مجاوزة في المنع . الثالث : قال مقاتل : ~~معناه : لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام ، وهذا أيضا من باب المجاوزة ~~، لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام ، فقد جاوز ما حد له . الرابع : ~~قال الزهري معناه : لا تنفقوا في معصية الله تعالى . قال مجاهد : لو كان ~~أبو قبيس ذهبا ، فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن مسرفا . ولو أنفق ~~درهما في معصية الله كان مسرفا . وهذا المعنى أراده حاتم الطائي حين قيل له ~~: لا خير في السرف . فقال لا سرف في الخير ، وهذا على القول الثاني في معنى ~~السرف ، فإن من أنفق / في معصية الله ، فقد أنفق فيما لا نفع فيه . # ثم قال تعالى : { إنه لا يحب المسرفين } والمقصود منه الزجر ، لأن كل ~~مكلف لا يحبه الله تعالى فهو من أهل النار ، والدليل عليه قوله تعالى : { ~~وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم } ( ~~المائدة : 18 ) فدل هذا على أن كل من أحبه الله فليس هو من أهل النار . ~~وذلك يفيد من بعض الوجوه أن من لم يحبه الله فهو من أهل النار . # ! 7 < { ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين * ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ~~قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم ~~إن كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله ~~بهاذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 142 - 144 ) ومن الأنعام حمولة . . . . . # > > PageV13P176 # اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية إنعامه على ms3841 عباده بالمنافع النباتية أتبعها ~~بذكر إنعامه عليهم بالمنافع الحيوانية . فقال : { ومن الانعام حمولة وفرشا ~~} وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ( الواو ) في قوله : { ومن الانعام حمولة وفرشا } توجب ~~العطف على ما تقدم / من قوله : { وهو الذى أنشأ جنات معروشات } والتقدير : ~~وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ، وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا ~~وكثر أقوالهم في تفسير الحمولة والفرش وأقربها إلى التحصيل وجهان : الأول : ~~أن الحمولة ما تحمل الأثقال والفرش ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه ~~وشعره للفرش . والثاني : الحمولة الكبار التي تصلح للحمل ، والفرش الصغار ~~كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض بسبب صغر أجرامها مثل ~~الفرش المفروش عليها . # ثم قال تعالى : { كلوا مما رزقكم الله } يريد ما أحلها لكم . قالت ~~المعتزلة : إنه تعالى أمر بأكل الرزق ، ومنع من أكل الحرام ، ينتج أن الرزق ~~ليس بحرام . # ثم قال : { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي في التحليل والتحريم من عند ~~أنفسكم كما فعله أهل الجاهلية { خطوات } جمع خطوة . وهي ما بين القدمين . ~~قال الزجاج : وفي { خطوات الشيطان } ثلاثة أوجه : بضم الطاء وفتحها ~~وبإسكانها ، ومعناه : طرق الشيطان . أي لا تسلكوا الطريق الذي يسوله لكم ~~الشيطان . # ثم قال تعالى : { إنه لكم عدو مبين } أي بين العداوة ، أخرج آدم من الجنة ~~، وهو القائل { لاحتنكن ذريته إلا قليلا } ( الإسراء : 62 ) . # ثم قال تعالى : { ثمانية أزواج } وفيه بحثان : # البحث الأول : في انتصاب قوله : { ثمانية } وجهان : الأول : قال الفراء : ~~انتصب ثمانية بالبدل من قوله : { حمولة وفرشا } والثاني : أن يكون التقدير ~~: كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج . # البحث الثاني : الواحد إذا كان وحده فهو فرد ، فإذا كان معه غيره من جنسه ~~سمي زوجا ، وهما زوجان بدليل قوله : { خلق الزوجين الذكر والانثى } ( النجم ~~: 45 ) وبدليل قوله : { ثمانية أزواج } ثم فسرها بقوله : { من الضأن اثنين ~~ومن المعز اثنين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } . # ثم قال : { ومن * الضأن اثنين } يعني الذكر والأنثى ، والضأن ذوات الصوف ~~من الغنم . قال الزجاج : وهي جمع ضائن وضائنة مثل تاجر وتاجرة . ويجمع ~~الضأن أيضا على ms3842 الضئين بكسر الضاد وفتحها وقوله : { ومن المعز اثنين } قرىء ~~{ ومن المعز } بفتح العين / والمعز ذوات الشعر من الغنم . ويقال للواحد : ~~ماعز . وللجمع : معزى . فمن قرأ { المعز } بفتح العين فهو جمع ماعز ، مثل ~~خادم وخدم وطالب وطلب ، وحارس وحرس . ومن قرأ بسكون العين فهو أيضا جمع ~~ماعز كصاحب وصحب ، وتاجر وتجر ، وراكب وركب . وأما انتصاب اثنين فلأن تقدير ~~الآية أنشأ ثمانية أزواج أنشأ من الضأن اثنين ومن المعز اثنين وقوله : { قل ~~ءآلذكرين حرم أم الانثيين } نصب الذكرين بقوله : / { حرم } والاستفهام يعمل ~~فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله . قال المفسرون : إن المشركين من أهل ~~الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام ، فاحتج الله تعالى على إبطال قولهم بأن ~~ذكر الضأن والمعز والإبل والبقر وذكر من كل واحد من هذه الأربعة زوجين ، ~~ذكرا وأنثى . PageV13P177 # ثم قال إن كان حرم منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراما وإن كان حرم ~~الأنثى ، وجب أن يكون كل إناثها حراما ، وقوله : { أما اشتملت عليه أرحام ~~الانثيين } تقديره : إن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين وجب تحريم ~~الأولاد كلها لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث ، هذا ما أطبق عليه ~~المفسرون في تفسير هذه الآية ، وهو عندي بعيد جدا ، لأن لقائل أن يقول : هب ~~أن هذه الأنواع الأربعة ، أعني : الضأن ، والمعز ، والإبل ، والبقر ، ~~محصورة في الذكور والإناث ، إلا أنه لا يجب أن تكون علة تحريم ما حكموا ~~بتحريمه محصورة في الذكورة والأنوثة ، بل علة تحريمها كونها بحيرة أو سائبة ~~أو وصيلة أو حاما أو سائر الاعتبارات ، كما أنا إذا قلنا : أنه تعالى حرم ~~ذبح بعض الحيوانات لأجل الأكل . فإذا قيل : إن ذلك الحيوان إن كان قد حرم ~~لكونه ذكرا وجب أن يحرم كل حيوان ذكر ، وإن كان قد حرم لكونه أنثى وجب أن ~~يحرم كل حيوان أنثى ، ولما لم يكن هذا الكلام لازما علينا ، فكذا هذا الوجه ~~الذي ذكره المفسرون في تفسير هذه الآية ، ويجب على العاقل أن يذكر في تفسير ~~كلام الله تعالى وجها صحيحا فأما ms3843 تفسيره بالوجوه الفاسدة فلا يجوز والأقرب ~~عندي فيه وجهان : أحدهما : أن يقال : إن هذا الكلام ما ورد على سبيل ~~الاستدلال على بطلان قولهم ، بل هو استفهام على سبيل الإنكار يعني أنكم لا ~~تقرون بنبوة نبي ، ولا تعرفون شريعة شارع ، فكيف تحكمون بأن هذا يحل وأن ~~ذلك يحرم ؟ وثانيهما : أن حكمهم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام مخصوص ~~بالإبل ، فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة ، فلما لم ~~تحكموا بهذه الأحكام في الأقسام الثلاثة ، وهي : الضأن والمعز والبقر ، ~~فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم على التعيين ؟ فهذا ما عندي في هذه الآية ~~والله أعلم بمراده . # ثم قال تعالى : { أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهاذا } والمراد هل شاهدتم ~~الله حرم هذا إن كنتم لا تؤمنون برسول ؟ وحاصل الكلام من هذه الآية : أنكم ~~لا تعترفون بنبوة أحد من الأنبياء ، فكيف تثبتون هذه الأحكام المختلفة ؟ ~~ولما بين ذلك قال : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير ~~علم } قال ابن عباس : يريد عمرو بن لحي ، لأنه هو الذي غير شريعة إسماعيل ، ~~والأقرب أن يكون هذا محمولا على كل من فعل ذلك ، لأن اللفظ عام والعلة ~~الموجبة لهذا الحكم عامة ، / فالتخصيص تحكم محض . قال المحققون : إذا ثبت ~~أن من افترى على الله الكذب في تحريم مباح استحق هذا الوعيد الشديد ، فمن ~~افترى على الله الكذب في مسائل التوحيد ومعرفة الذات والصفات والنبوات ~~والملائكة ومباحث المعاد كان وعيده أشد وأشق . قال القاضي : ودل ذلك على أن ~~الإضلال عن الدين مذموم ، لا يليق بالله ، لأنه تعالى إذا ذم الإضلال الذي ~~ليس فيه إلا تحريم المباح ، فالذي هو أعظم منه أولى بالذم . # وجوابه : أنه ليس كل ما كان مذموما منا كان مذموما من الله تعالى . ألا ~~ترى أن الجمع بين العبيد والإماء وتسليط الشهوة عليهم وتمكينهم من أسباب ~~الفجور مذموم منا وغير مذموم من الله تعالى فكذا ههنا . # ثم قال : { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } قال القاضي : لا يهديهم إلا ~~ثوابه وإلى زيادات الهدى ms3844 التي يختص المهتدي بها . وقال أصحابنا : المراد ~~منه الإخبار بأنه تعالى لا يهدي أولئك المشركين ، أي لا ينقلهم من ظلمات ~~الكفر إلى نور الإيمان ، والكلام في ترجيح أحذ القولين على الآخر معلوم . # PageV13P178 ! 7 < { قل لا أجد فى مآ أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا ~~أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم * وعلى الذين هادوا حرمنا ~~كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهمآ أو ~~الحوايآ أو ما اختلط بعظم ذالك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون * فإن كذبوك ~~فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 145 - 147 ) قل لا أجد . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من ~~المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب ، فقال : { قل لا أجد * فيما ~~* أوحى إلى } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة { إلا أن تكون } بالتار { ميتة } ~~بالنصب على تقدير : إلا أن تكون العين أو النفس أو الجثة ميتة . وقرأ ابن ~~عامر إلا أن تكون بالتاء { ميتة } بالرفع على معنى إلا أن تقع ميتة أو تحدث ~~ميتة والباقون { إلا أن يكون ميتة } أي إلا أن يكون المأكول ميتة ، أو إلا ~~أن يكون الموجود ميتة . # المسألة الثانية : لما بين الله تعالى أن التحريم والتحليل لا يثبت إلا ~~بالوحي . قال : { قل لا أجد * فيما * أوحى * إلا * محرما على طاعم يطعمه } ~~أي على آكل يأكله ، وذكر هذا ليظهر أن المراد منه هو بيان ما يحل ويحرم من ~~المأكولات . ثم ذكر أمورا أربعة . أولها : الميتة ، وثانيها : الدم المسفوح ~~، وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس ، ورابعها : الفسق وهو الذي أهل به لغير ~~الله ، فقوله تعالى : { قل لا أجد * فيما * أوحى إليك * محرما } إلا هذه ~~الأربعة مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة وذلك لأنه لما ثبت أنه ~~لا طريق إلى ms3845 معرفة المحرمات والمحللات إلا بالوحي ، وثبت أنه لا وحي من ~~الله تعالى إلا إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، وثبت أنه تعالى يأمره أن ~~يقول : إني لا أجد فيما أوحي إلي محرما من المحرمات إلا هذه الأربعة كان ~~هذا مبالغة في بيان أنه لا يحرم إلا هذه الأربعة . # واعلم أن هذه السورة مكية ، فبين تعالى في هذه السورة المكية أنه لا محرم ~~إلا هذه الأربعة ثم أكد ذلك بأن قال في سورة النحل : { إنما حرم عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فإن الله غفور رحيم } ( النحل : 115 ) PageV13P179 وكلمة { إنما } تفيد ~~الحصر فقد حصلت لنا آيتان مكيتان يدلان على حصر المحرمات في هذه الأربعة ، ~~فبين في سورة البقرة وهي مدنية أيضا أنه لا محرم إلا هذه الأربعة فقال : { ~~إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله } وكلمة { ~~إنما } تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة لتلك الآية المكية لأن ~~كلمة { إنما } تفيد الحصر ، فكلمة { إنما } في الآية المدنية مطابقة لقوله ~~: { قل لا أجد * فيما * أوحى إلى محرما } إلا كذا وكذا في الآية المكية ، ~~ثم ذكر تعالى في سورة المائدة قوله تعالى : { أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ~~ما يتلى عليكم } ( المائدة : 1 ) وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله : { ~~إلا ما يتلى عليكم } هو ما ذكره بعد هذه الآية بقليل ، وهو قوله : { حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم } وكل هذه الأشياء أقسام ~~الميتة وأنه تعالى إنما أعادها بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل ، ~~فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها / كانت مستقرة على هذا الحكم وعلى هذا ~~الحصر . # فإن قال قائل : فيلزمكم في التزام هذا الحصر تحليل النجاسات والمستقذرات ~~، ويلزم عليه أيضا تحليل الخمر ، وأيضا فيلزمكم تحليل المنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة مع أن الله تعالى حكم بتحريمها . # قلنا : هذا لا يلزمنا من وجوه : الأول : أنه ms3846 تعالى قال في هذه الآية : { ~~أو لحم خنزير فإنه رجس } ومعناه أنه تعالى إنما حرم لحم الخنزير لكونه نجسا ~~، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل . فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله ~~، وإذا كان هذا مذكورا في الآية كان السؤال ساقطا . والثاني : أنه تعالى ~~قال في آية أخرى : { ويحرم عليهم الخبئث } وذلك يقتضي تحريم كل الخبائث ، ~~والنجاسات خبائث ، فوجب القول بتحريمها . الثالث : أن الأمة مجمعة على حرمة ~~تناول النجاسات ، فهب أنا التزمنا تخصيص هذه السورة بدلالة النقل المتواتر ~~من دين محمد في باب النجاسات . فوجب أن يبقى ما سواها على وفق الأصل تمسكا ~~بعموم كتاب الله في الآية المكية والآية المدنية ، فهذا أصل مقرر كامل في ~~باب ما يحل وما يحرم من المطعومات ، وأما الخمر فالجواب عنه : أنها نجسة ~~فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله : { رجس } وتحت قوله : { ويحرم عليهم الخبئث ~~} وأيضا ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في ~~تحريمه ، وبقوله تعالى : { فاجتنبوه } وبقوله : { وإثمهما أكبر من نفعهما } ~~والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة . ~~وأما قوله ويلزم تحليل الموقوذة والمتردية والنطحية . # فالجواب عنه من وجوه : أولها : أنها ميتات . فكانت داخلة تحت هذه الآية . ~~وثانيها : أنا نخص عموم هذه الآية بتلك الآية ، وثالثها : أن نقول إنها إن ~~كانت ميتة دخلت تحت هذه الآية ، وإن لم تكن ميتة فنخصصها بتلك الآية . # فإن قال قائل : المحرمات من المطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية فما ~~وجهها ؟ # أجابوا عنه من وجوه : أحدها : أن المعنى لا أجد محرما مما كان أهل ~~الجاهلية يحرمه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما ذكر في هذه الآية ، ~~وثانيها : أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن تحريم غير ما نص ~~PageV13P180 عليه في هذه الآية ثم وجدت محرمات أخرى بعد ذلك . وثالثها : هب ~~أن اللفظ عام إلا أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز فنحن نخصص هذا ~~العموم بأخبار الآحاد . ورابعها : أن مقتضى هذه الآية أن ms3847 نقول إنه لا يجد ~~في القرآن ، ويجوز أن يحرم الله تعالى ما سوى هذه الأربعة على لسان رسوله ~~عليه الصلاة والسلام . ولقائل أن يقول : هذه الأجوبة ضعيفة . # / أما الجواب الأول : فضعيف لوجوه : أحدها : لا يجوز أن يكون المراد من ~~قوله : { قل لا أجد * فيما * أوحى إلى محرما } ما كان يحرمه أهل الجاهلية ~~من السوائب والبحائر وغيرها إذ لو كان المراد ذلك لما كانت الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما ذبح على النصب داخلة تحته ، ولو لم تكن هذه الأشياء داخلة ~~تحت قوله : { قل لا أجد * فيما * أوحى إلى محرما } لما حسن استثناؤها / ~~ولما رأينا أن هذه الأشياء مستثناة عن تلك الكلمة ، علمنا أنه ليس المراد ~~من تلك الكلمة ما ذكروه . وثانيها : أنه تعالى حكم بفساد قولهم في تحريم ~~تلك الأشياء ، ثم إنه تعالى في هذه الآية خصص المحرمات في هذه الأربعة ~~وتحليل تلك الأشياء التي حرمها أهل الجاهلية لا يمنع من تحليل غيرها ، فوجب ~~إبقاء هذه الآية على عمومها لأن تخصيصها يوجب ترك العمل بعمومها من غير ~~دليل ، وثالثها : أنه تعالى قال في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم } وذكر ~~هذه الأشياء الأربعة ، وكلمة { إنما } تفيد الحصر وهذه الآية في سورة ~~البقرة غير مسبوقة بحكاية أقوال أهل الجاهلية في تحريم البحائر والسوائب ~~فسقط هذا العذر . # وأما جوابهم الثاني : وهو أن المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرما ~~إلا هذه الأربعة . # فجوابه من وجوه : أولها : أن قوله تعالى في سورة البقرة : { إنما حرم ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله } ( البقرة : 173 ) ~~آية مدنية نزلت بعد استقرار الشريعة ، وكلمة { إنما } تفيد الحصر فدل هاتان ~~الآيتان على أن الحكم الثابت في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام من أولها ~~إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء ، وثانيها : أنه لما ثبت ~~بمقضتى هاتين الآيتين حصر المحرمات في هذه الاربعة كان هذا اعترافا بحل ما ~~سواها ، فالقول بتحريم شيء خامس يكون نسخا ، ولا شك أن مدار الشريعة على أن ~~الأصل ms3848 عدم النسخ ، لأنه لو كان احتمال طريان الناسخ معادلا لاحتمال بقاء ~~الحكم على ما كان ، فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من ~~الأحكام لاحتمال أن يقال : إنه وإن كان ثابتا إلا أنه زال ، ولما اتفق الكل ~~على أن الأصل عدم النسخ ، وأن القائل به والذاهب إليه هو المحتاج إلى ~~الدليل علمنا فساد هذا السؤال . # وأما جوابهم الثالث : وهو أنا نخصص عموم القرآن بخبر الواحد . فنقول : ~~ليس هذا من باب التخصيص ، بل هو صريح النسخ ، لأن قوله تعالى : { قل لا أجد ~~* فيما * أوحى * إلى محرما على طاعم يطعمه } مبالغة في أنه لا يحرم سوى هذه ~~الأربعة ، وقوله في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة } وكذا وكذا ، ~~تصريح بحصر المحرمات في هذه الأربعة ، لأن كلمة { إنما } تفيد الحصر ، ~~فالقول بأنه ليس الأمر كذلك يكون دفعا لهذا الذي ثبت بمقتضى هاتين الآيتين ~~أنه كان ثابتا في أول الشريعة بمكة ، / وفي آخرها بالمدينة ، ونسخ القرآن ~~بخبر الواحد لا يجوز . PageV13P181 # وأما جوابهم الرابع : فضعيف أيضا ، لأن قوله تعالى : { قل لا أجد * فيما ~~* أوحى إليك } يتناول كل ما كان وحيا ، سواء كان ذلك الوحي قرآنا أو غيره ، ~~وأيضا فقوله في سورة البقرة : { إنما حرم عليكم الميتة } يزيل هذا الاحتمال ~~. فثبت بالتقرير الذي ذكرنا قوة هذا الكلام ، وصحة هذا المذهب ، وهو الذي ~~كان يقول به مالك بن أنس رحمه الله ، ومن السؤالات الضعيفة أن كثيرا من ~~الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ما ~~استخبثه العرب فهو حرام ) وقد علم أن الذي يستخبثه العرب فهو غير مضبوط ، ~~فسيد العرب بل سيد العالمين محمد صلوات الله عليه ، لما رآهم يأكلون الضب ~~قال : ( يعافه طبعي ) ثم إن هذا الاستقذار ما صار سببا لتحريم الضب . وأما ~~سائر العرب فمنهم من لا يستقذر شيئا ، وقد يختلفون في بعض الأشياء ، ~~فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون ، فعلمنا أن أمر الاستقذار غير مضبوط ، بل ~~هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال ، فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك ms3849 ~~الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم ؟ # المسألة الثالثة : اعلم أنا قد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذه الأشياء ~~الأربعة في سورة البقرة على سبيل الاستقصاء ، فلا فائدة في الإعادة . ~~فأولها : الميتة ، ودخلها التخصيص في قوله عليه الصلاة والسلام : ( أحلت ~~لنا ميتتان السمك والجراد ) وثانيها : الدم المسفوح ، والسفح الصب . يقال : ~~سفح الدم سفحا ، وسفح هو سفوحا إذا سال . وأنشد أبو عبيدة لكثير : # % أقول ودمعي واكف عند رسمها % % عليك سلام الله والدمع يسفح % # قالن ابن عباس : يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء ، وما يخرج من الأوداج ~~عند الذبح ، وعلى هذا التقدير : فلا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما ، ولا ~~ما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل ، وسئل أو مجلز عما يتلطخ من اللحم ~~بالدم . وعن القدري : يرى فيها حمرة الدم ، فقال لا بأس به ، إنما نهى عن ~~الدم المسفوح . وثالثها : لحم الخنزير فإنه رجس . ورابعها : قوله : { أو ~~فسقا أهل لغير الله به } وهو منسوق على قوله : { إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا } فسمى ما أهل لغير الله به فسقا لتوغله في باب الفسق كما يقال : ~~فلان كرم وجود إذا كان كاملا فيهما ، ومنه قوله تعالى : { ولا تأكلوا مما ~~لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ( الأنعام : 121 ) . # وأما قوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } ~~فالمعنى أنه لما بين في هذه الأربعة أنها محرمة ، بين أن عند الاضطرار يزول ~~ذلك التحريم ، وهذه الآية قد استقصينا تفسيرها في سورة البقرة . وقوله عقيب ~~ذلك : { فإن ربك غفور رحيم } يدل على حصول الرخصة ، / ثم بين تعالى أنه حرم ~~على اليهود أشياء أخرى سوى هذه الأربعة ، وهي نوعان : الأول : أنه تعالى ~~حرم عليهم كل ذي ظفر . وفيه مباحث : # البحث الأول : قال الواحدي : في الظفر لغات ظفر بضم الفاء ، وهو أعلاها ~~وظفر بسكون الفاء ، وظفر بكسر الظاء وسكون الفاء ، وهي قراءة الحسن وظفر ~~بكسرهما وهي قراءة أبي السمال . # البحث الثاني : قال الواحدي : اختلفوا في كل ذي ظفر الذي حرمه ms3850 الله تعالى ~~على اليهود روي عن ابن عباس : أنه الإبل فقط . وفي رواية أخرى عن ابن عباس ~~: أنه الإبل والنعامة ، وهو قول مجاهد . وقال PageV13P182 عبد الله بن مسلم ~~: إنه كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب . ثم قال : { كذالك } قال ~~المفسرون . وقال : وسمى الحافر ظفرا على الاستعارة . وأقول : أماحمل الظفر ~~على الحافر فبعيد من وجهين : الأول : أن الحافر لا يكاد يسمى ظفرا . ~~والثاني : أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال إنه تعالى حرم عليهم كل ~~حيوان له حافر ، وذلك باطل لأن الآية تدل على أن الغنم والبقر مباحان لهم ~~من حصول الحافر لهما . # وإذا ثبت هذا فنقول : وجب حمل الظفر على المخالب والبراثن لأن المخالب ~~آلات الجوارح في الاصطياد والبراثن آلات السباع في الاصطياد ، وعلى هذا ~~التقدير : يدخل فيه أنواع السباع والكلاب والسنانير ، ويدخل فيه الطيور ~~التي تصطاد لأن هذه الصفة تعم هذه الأجناس . # إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر } ~~يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين : الأول : أن قوله : { وعلى الذين ~~هادوا حرمنا } كذا وكذا يفيد الحصر في اللغة . والثاني : أنه لو كانت هذه ~~الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبق لقوله ، { وعلى الذين هادوا حرمنا } فائدة ~~. فثبت أن تحريم السباع وذوي المخالب من الطير مختص باليهود ، فوجب أن لا ~~تكون محرمة على المسلمين ، فصارت هذه الآية دالة على هذه الحيوانات على ~~المسلمين / وعند هذا نقول : ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب ~~من السباع وذي مخلب من الطيور ضعيف لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله تعالى ~~، فوجب أن لا يكون مقبولا ، وعلى هذا التقدير : يقوى قول مالك في هذه ~~المسألة . # النوع الثاني : من الأشياء التي حرمها الله تعالى على اليهود خاصة ، قوله ~~تعالى : { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما } فبين تعالى أنه حرم على ~~اليهود شحوم البقر والغنم ، ثم في الآية قولان : الأول : إنه تعالى استثنى ~~عن هذا التحريم ثلاثة أنواع : أولها ms3851 : قوله : { إلا ما حملت ظهورهما } قال ~~ابن عباس : إلا ما علق بالظهر من الشحم ، فإني لم أحرمه وقال قتادة : إلا ~~ما علق بالظهر والجنب / من داخل بطونها ، وأقول ليس على الظهر والجنب شحم ~~إلا اللحم الأبيض السمين الملتصق باللحم الأحمر على هذا التقدير : فذلك ~~اللحم السمين الملتصق مسمم بالشحم ، وبهذا التقدير : لو حلف لا يأكل الشحم ~~، وجب أن يحنث بأكل ذلك اللحم السمين . # والاستثناء الثاني : قوله تعالى : { أو الحوايا } قال الواحدي : وهي ~~المباعر والمصارين ، واحدتها حاوية وحوية . قال ابن الأعرابي : هي الحوية ~~أو الحاوية ، وهي الدوارة التي في بطن الشاة . وقال ابن السكيت : يقال ~~حاوية وحوايا ، مثل رواية وروايا . # إذا عرفت هذا : فالمراد أن الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة ~~. # والاستثناء الثالث : قوله : { وما * اختلط بعظم } قالوا : إنه شحم الإلية ~~في قول جميع المفسرين . وقال ابن جريج : كل شحم في القائم والجنب والرأس ، ~~وفي العينين والأذنيين . يقول : إنه اختلط بعظم فهو حلال لهم ، وعلى هذا ~~التقدير : فالشحم الذي حرمه الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية . # القول الثاني : في الآية أن قوله : { أو الحوايا } غير معطوف على ~~المستثنى ، بل على المستثنى منه والتقدير : حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا ~~أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم قالوا : PageV13P183 ~~ودخلت كلمة ( أو ) كدخولها في قوله تعالى : { ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا ~~} ( الإنسان : 24 ) والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى ، فاعص هذا واعص هذا ، ~~فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا . # ثم قال تعالى : { ذالك جزيناهم ببغيهم } والمعنى : أنا إنما خصصناهم بهذا ~~التحريم جزاء على بغيهم ، وهو قتلهم الأنبياء ، وأخذهم الربا ، وأكلهم ~~أموال الناس بالباطل ، ونظيره قوله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا ~~عليهم طيبات أحلت لهم } ( النساء : 160 ) . # ثم قال تعالى : { وإنا لصادقون } أي في الأخبار عن بغيهم وفي الأخبار عن ~~تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم . قال القاضي : نفس التحريم لا يجوز أن ~~يكون عقوبة على جرم صدر عنهم ، لأن التكليف تعريض للثواب ، والتعريض للثواب ~~إحسان . فلم يجز أن ms3852 يكون التكليف جزاء على الجرم المتقدم . # فالجواب : أن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد استحقاق الثواب ، ~~ويمكن أيضا أن يكون للجرم المتقدم ، وكل واحد منهما غير مستبعد . # ثم قال تعالى : { فإن كذبوك } يعني إن كذبوك في ادعاء النبوة والرسالة ، ~~وكذبوك في تبليغ هذه الأحكام { فقل ربكم ذو رحمة واسعة } فلذلك لا يعجل ~~عليكم بالعقوبة { ولا يرد بأسه } أي عذابه إذا جاء الوقت { عن القوم ~~المجرمين } يعني الذين كذبوك فيما تقول . والله أعلم . # ! 7 < { سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ولا ىابآؤنا ولا حرمنا ~~من شىء كذالك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون * قل فلله الحجة ~~البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 148 - 149 ) سيقول الذين أشركوا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حكى عن أهل الجاهلية إقدامهم على الحكم في دين الله ~~بغير حجة ولا دليل ، حكى عنهم عذرهم في كل ما يقدمون عليه من الكفريات ، ~~فيقولون : لو شاء الله منا أن لا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر ، وحيث لم ~~يمنعنا عنه ، ثبت أنه مريد لذلك فإذا أراد الله ذلك منا امتنع منا تركه ~~فكنا معذورين فيه ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المعتزلة زعموا أن هذه الآية تدل على قولهم في ~~مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه : PageV13P184 # فالوجه الأول : أنه تعالى حكى عن الكفار صريح قول المجبرة وهو قولهم : لو ~~شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك ، وإنما حكى عنهم هذا القول في معرض الذم ~~والتقبيح ، فوجب كون هذا المذهب مذموما باطلا . # والوجه الثاني : أنه تعالى قال : { كذب } وفيه قراءتان بالتخفيف ~~وبالتثقيل . أما القراءة بالتخفيف فهي تصريح بأنهم قد كذبوا في ذلك القول ، ~~وذلك يدل على أن الذي تقوله المجبرة في هذه المسألة كذب . وأما القراءة ~~بالتشديد ، فلا يمكن حملها على أن القول استوجبوا الذم بسبب أنهم كذبوا أهل ~~المذاهب ، لأنا لو حملنا الآية عليه لكان هذا المعنى ضدا ms3853 لمعنى الذي يدل ~~عليه قراءة { كذب } بالتخفيف ، وحينئذ تصير إحدى القراءتين ضدا للقراءة ~~الأخرى ، وذلك يوجب دخول التناقض في كلام الله تعالى ، وإذا بطل ذلك وجب ~~حمله على أن المراد منه أن كل من كذب نبيا من الأنبياء في الزمان المتقدم ، ~~فإنه كذبه بهذا الطريق ، لأنه يقول الكل بمشيئة الله تعالى ، فهذا الذي / ~~أنا عليه من الكفر ، إنما حصل بمشيئة الله تعالى ، فلم يمنعني منه ، فهذا ~~طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء ، وفي دفع ~~دعوتهم عن أنفسهم ، فإذا حملنا الآية على هذا الوجه صارت القراءة بالتشديد ~~مؤكدة للقراءة بالتخفيف ويصير مجموع القراءتين دالا على إبطال قول المجبرة ~~. # الوجه الثالث : في دلالة الآية على قولنا قوله تعالى : { حتى ذاقوا بأسنا ~~} وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله تعالى في ذهابهم إلى هذا ~~المذهب . # المذهب الرابع : قوله تعالى : { قل هل عندكم من علم * وقالوا لنا } ولا ~~شك أنه استفهام على سبيل الأنكار ، وذلك يدل على أن القائلين بهذا القول ~~ليس لهم به علم ولا حجة ، وهذا يدل على فساد هذا المذهب ، لأن كل ما كان ~~حقا كان القول به علما . # الوجه الخامس : قوله تعالى : { إن يتبعون إلا الظن } مع أنه تعالى قال في ~~سائر الآيات : { إن الظن لا يغنى من الحق شيئا } . # والوجه السادس : قوله تعالى : { وإن هم إلا يخرصون } والخرص أقبح أنواع ~~الكذب ، وأيضا قال تعالى : { قتل الخرصون } . # والوجه السابع : قوله تعالى : { قل فلله الحجة البالغة } وتقريره : أنهم ~~احتجوا في دفع دعوة الأنبياء والرسل على أنفسهم بأن قالوا : كل ما حصل فهو ~~بمشيئة الله تعالى ، وإذا شاء الله منا ذلك ، فكيف يمكننا تركه ؟ وإذا كنا ~~عاجزين عن تركه ، فكيف يأمرنا بتركه ؟ وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل ~~على خلاف مشيئة الله تعالى ؟ فهذا هو حجة الكفار على الأنبياء ، فقال تعالى ~~: { قل فلله الحجة البالغة } وذلك من وجهين : # الوجه الأول : أنه تعالى أعطاكم عقولا كاملة ، وأفهاما وافية ، وآذانا ~~سامعة ، وعيونا باصرة ، وأقدركم على الخير والشر ، وأزال الأعذار ms3854 والموانع ~~بالكلية عنكم ، فإن شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات ، وإن شئتم إلى عمل المعاصي ~~والمنكرات ، وهذه القدرة والمكنة معلومة الثبوت بالضرورة ، وزوال الموانع ~~والعوائق معلوم الثبوت أيضا بالضرورة ، وإذا كان الأمر كذلك كان ادعاؤكم ~~أنكم عاجزون عن الإيمان والطاعة دعوى باطلة فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم على ~~الله حجة بالغة ا بل لله الحجة البالغة عليكم . PageV13P185 # والوجه الثاني : أنكم تقولون : لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة ~~الله تعالى ، لكنه قد غلبنا الله وقهرناه ، وأتينا بالفعل على مضادته ~~ومخالفته ، وذلك يوجب كونه عاجزا ضعيفا ، وذلك يقدح في كونه إلها . # / فأجاب تعالى عنه : بأن العجز والضعف إنما يلزم إذا لم أكن قادرا على ~~حملهم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء ، وأنا قادر على ذلك ~~وهو المراد من قوله : { ولو شآء لهداكم أجمعين } إلا أني لا أحملكم على ~~الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء ، لأن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة ~~من التكليف ، فثبت بهذا البيان أن الذي يقولونه من أنا لو أتينا بعمل على ~~خلاف مشيئة الله ، فإنه يلزم منه كونه تعالى عاجزا ضعيفا ، كلام باطل . ~~فهذا أقصى ما يمكن أن يذكر في تمسك المعتزلة بهذه الآية . # والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول : إنا بينا أن هذه السورة من أولها ~~إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا ، ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من ~~التأويلات . وأجبنا عنها بأجوبه واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة ~~. # وإذا ثبت هذا ، فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لوقع التناقض ~~الصريح في كتاب الله تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه . # إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكى عن القوم أنهم قالوا { لو شاء الله ما ~~أشركنا } ثم ذكر عقيبه { كذالك كذب الذين من قبلهم } فهذا يدل على أن القوم ~~قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره ، كان التكليف عبثا ، فكانت ~~دعوى الأنبياء باطلة ، ونبوتهم ورسالتهم باطلة ، ثم إنه تعالى بين أن ~~التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل ، وذلك لأنه إله ms3855 يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد ، ولا اعتراض عليه لأحد في فعله ، فهو تعالى يشاء الكفر من ~~الكافر ، ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالإيمان ، وورود الأمر على ~~خلاف الإرادة غير ممتنع . # فالحاصل : أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في ~~إبطال نبوة الأنبياء ، ثم إنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل ، فإنه ~~لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء ، وعلى هذا ~~الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية ، وجميع الوجوه التي ذكرتموها في ~~التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء ~~، فيكون الحاصل : أن هذا الاستدلال باطل ، وليس فيه البتة ما يدل على أن ~~القول بالمشية باطل . # فإن قالوا : هذا العذر إنما يستقيم إذ قرأنا قوله تعالى : { كذالك كذب } ~~بالتسديد . وأما إذا قرأناه بالتخفيف ، فإنه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول ~~فيه وجهان . الأول : أنا نمنع صحة هذه القراءة ، والدليل عليه أنا بينا أن ~~هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا : فلو كانت هذه الآية دالة ~~على قولهم ، لوقع التناقض ، ولخرج القرآن عن كونه كلاما لله تعالى ، ويندفع ~~هذا التناقض / بأن لا تقبل هذه القراءة ، فوجب المصير إليه . الثاني : ~~سلمنا صحة هذه القراءة لكنا نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت ~~مشيئة الله تعالى في كل أفعال العباد سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم ، ~~وإذا حملناه على هذا الوجه لم يبق للمعتزلة بهذه الآية تمسك البتة ، والحمد ~~لله الذي أعاننا على الخروج من هذه العهدة القوية ، ومما يقوي ما ذكرناه ~~PageV13P186 ما روي أن ابن عباس قيل له بعد ذهاب بصره ما تقول فيمن يقول : ~~لا قدر ، فقال إن كان في البيت أحد منهم أتيت عليه ويله أما يقرأ { إنا كل ~~شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) { إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا ~~وءاثارهم } ( يس : 12 ) وقال ابن عباس : أول ما خلق الله القلم ، قال له ~~اكتب القدر ، فجرى بما يكون إلى قيام الساعة ، وقال ms3856 صلوات الله عليه : ( ~~المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة ) . # المسألة الثانية : زعم سيبويه أن عطف الظاهر على المضمر المرفوع في الفعل ~~قبيح ، فلا يجوز أن يقال : قمت وزيد ، وذلك لأن المعطوف عليه أصل ، ~~والمعطوف فرع ، والمضمر ضعيف ، والمظهر قوي ، وجعل القوي فرعا للضعيف ، لا ~~يجوز . # إذا عرفت هذا الأصل فنقول : إن جاء الكلام في جانب الأثبات ، وجب تأكيد ~~الضمير فنقول : قمت أنا وزيد ، وإن جاء في جانب النفي قلت ما قمت ولا زيد . # إذا ثبت هذا فنقول قوله : { لو شاء الله ما أشركنا ولا ىاباؤنا } فعطف ~~قوله : { ولا ىاباؤنا } على الضمير في قوله : { ما أشركنا } إلا أنه تخلل ~~بينهما كلمة لا فلا جرم حسن هذا العطف . قال في جامع الأصفهاني : إن حرف ~~العطف يجب أن يكون متأخرا عن اللفظة المؤكدة للضمير حتى يحسن العطف ويندفع ~~المحذور المذكور من عطف القوي على الضعيف ، وهذا المقصود إنما يحصل إذا ~~قلنا : { ما أشركنا * نحن ولا ءاباؤنا } حتى تكون كلمة { لا } مقدمة على ~~حرف العطف . أما ههنا حرف العطف مقدم على كلمة { لا } وحينئذ يعود المحذور ~~المذكور . # فالجواب : أن كلمة { لا } لما أدخلت على قوله : { ءاباؤنا } كان ذلك ~~موجبا إضمار فعل هناك ، لأن صرف النفي إلى ذوات الآباء محال ، بل يجب صرف ~~هذا النفي إلى فعل يصدر منهم ، وذلك هو الإشراك ، فكان التقدير : ما أشركنا ~~ولا أشرك آباؤنا ، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا على قولهم الكل بمشيئة الله تعالى بقوله ~~: { فلو شاء لهداكم أجمعين } فكلمة ( لو ) في اللغة تفيد انتفاء الشيء ~~لانتفاء غيره ، فدل هذا على أنه تعالى ما شاء أن يهديهم ، وما هداهم أيضا . ~~وتقريره بحسب الدليل العقلي ، أن قدرة الكافر على الكفر إن لم تكن قدرة على ~~الإيمان . الله تعالى على هذا التقدير ما أقدره على الإيمان ، فلو شاء ~~الأيمان منه ، فقد شاء الفعل / من غير قدرة على الفعل ، وذلك محال ومشيئة ~~المحال محال ، وإن كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان توقف رجحان أحد ~~الطرفين على حصول الداعية ms3857 المرجحة . # فإن قلنا : أنه تعالى خلق تلك الداعية فقد حصلت الداعية المرجحة مع ~~القدرة ، ومجموعهما موجب للفعل ، فحيث لم يحصل الفعل علمنا أن تلك الداعية ~~لم تحصل ، وإذا لم تحصل امتنع منه فعل الإيمان ، وإذا امتنع ذلك منه ، ~~امتنع أن يريده الله منه ، لأن إرادة المحال محال ممتنع ، فثبت أن ظاهر ~~القرآن دل على أنه تعالى ما أراد الإيمان من الكافر ، والبرهان العقلي الذي ~~قررناه يدل عليه أيضا ، فبطل قولهم من كل الوجوه ، أوما قوله : تحمل هذه ~~الآية على مشيئة الإلجاء فنقول : هذا التأويل إنما يحسن المصير إليه لو ثبت ~~بالبرهان العقلي امتناع الحمل على ظاهر هذا الكلام ، أما لو قام البرهان ~~العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل PageV13P187 عليه هذا الظاهر ، فكيف يصار ~~إليه ؟ ثم نقول : هذا الدليل باطل من وجوه : الأول : أن هذا الكلام لا بد ~~فيه من إضمار ، فنحن نقول : التقدير : لو شاء الهداية لهداكم ، وأنتم ~~تقولون التقدير : لو شاء الهداية على سبيل الإلجار لهداكم ، فإضماركم أكثر ~~فكان قولكم مرجوحا . الثاني : أنه تعالى يريد من الكافر الإيمان الاختياري ~~، والإيمان الحاصل بالإلجاء غير الإيمان الحاصل بالاختيار ، وعلى هذا ~~التقدير يلزم كونه تعالى عاجزا عن تحصيل مراده ، لأن مراده هو الإيمان ~~الاختياري ، وأنه لا يقدر البتة على تحصيله ، فكان القول بالعجز لازما . ~~الثالث : أن هذا الكلام موقوف على الفرق بين الإيمان الحاصل بالاختيار ، ~~وبين الإيمان الحاصل بالإلجاء . أما الإيمان الحاصل بالاختيار . فإنه يمتنع ~~حصوله إلا عند حصول داعية جازمة ، وإرادة لازمة . فإن الداعية التي يترتب ~~عليها حصول الفعل ، إما أن تكون بحيث يجب ترتب الفعل عليها أو لا يجب . فإن ~~وجب فهي الداعية الضرورية ، وحينئذ لا يبقى بينها وبين الداعية الحاصلة ~~بالإلجاء فرق . وإن لم تجب ترتب الفعل عليها ، فحينئذ يمكن تخلف الفعل عنها ~~، فلنفرض تارة ذلك الفعل متخلفا عنها ، وتارة غير متخلف ، فامتياز أحد ~~الوقتين عن الآخر لا بد وأن يكون لمرجح زائد فالحاصل قبل ذلك ما كان تمام ~~الداعية ، وقد فرضناه كذلك ، وهذا خلف ، ثم عند ms3858 انضمام هذا القيد الزائد إن ~~وجب الفعل لم يبق بينه وبين الضرورية فرق ، وإن لم يجب افتقر إلى قيد زائد ~~ولزم التسلسل ، وهو محال . فثبت أن الفرق الذي ذكروه بين الداعية ~~الاختيارية وبين الداعية الضرورية وإن كان في الظاهر معتبرا ، إلا أنه عند ~~التحقيق والبحث لا يبقى له محصول . # ! 7 < { قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله حرم هاذا فإن شهدوا فلا ~~تشهد معهم ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالا خرة ~~وهم بربهم يعدلون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 150 ) قل هلم شهداءكم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أبطل على الكفار جميع أنواع حجهم بين أنه ليس لهم ~~على قولهم شهود البتة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : { هلم } كلمة دعوة إلى الشيء ، والمعنى : هاتوا شهداءكم ~~، وفيه قولان : الأول : أنه يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع ، والذكر ~~والأنثى . قال تعالى : { قل هلم شهداءكم الذين يشهدون } وقال : { والقائلين ~~لإخوانهم هلم إلينا } واللغة الثانية يقال للاثنين : هلما ، وللجمع : هلموا ~~، وللمرأة : هلمي ، وللاثنين : هلما ، وللجمع : هلمن . والأول أفصح . # المسألة الثانية : في أصل هذه الكلمة قولان : قال الخليل وسيبويه أنها ( ~~ها ) ضمت إليها ( لم ) أي جمع ، وتكون بمعنى ؛ أدن . يقال : لفلان لمة ، أي ~~دنو ، ثم جعلتا كالكلمة الواحدة ، والفائدة في قولنا : ( ها ) استعطاف ~~المأمور واستدعاء إقباله على الأمر ، إلا أنه لما كثر استعماله حذف عنه ~~الألف على سبيل التخفيف . كقولك : لم أبل ، ولم أر ، ولم تك ، وقال الفراء ~~: أصلها ( هل ) أم أرادوا ( بهل ) حرف الاستفهام . PageV13P188 وبقولنا : ( ~~أم ) أي أقصد ؟ والتقدير : هل قصد ؟ والمقصودمن هذا الاستفهام الأمر بالقصد ~~، كأنك تقول : أقصد ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يقال : كان الأصل أن قالوا : ~~هل لك في الطعام ، أم أي قصد ؟ ثم شاع في الكل كما أن كلمة ( تعالى ) كانت ~~مخصوصة بصورة معينة ، ثم عمت . # المسألة الثالثة : أنه تعالى نبه باستدعاء إقامة الشهداء من الكافرين ~~ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه ، ومعنى { هلم } أحضروا شهداءكم . # ثم قال : { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } تنبيها على كونهم كاذبين ، ثم ms3859 بين ~~تعالى أنه إن وقعت منهم تلك الشهادة فعن اتباع الهوى ، فأمر نبيه أن لا ~~يتبع أهواءهم ، ثم زاد في تقبيح ذلك بأنهم لا يؤمنون بالآخرة ، وكانوا ممن ~~ينكرون البعث والنشور ، وزاد في تقبيحهم بأنهم يعدلون بربهم / فيجعلون له ~~شركاء . والله أعلم . # ! 7 < { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين ~~إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ذالكم وصاكم ~~به لعلكم تعقلون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 151 ) قل تعالوا أتل . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين فساد ما يقول الكفار أن الله حرم علينا كذا ~~وكذا ، أردفه تعالى ببيان الأشياء التي حرمها عليهم ، وهي الاشياء المذكورة ~~في هذه الآية ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : ( تعال ) من الخاص الذي صار عاما ~~، وأصله أن يقوله من كان في مكان لمن هو أسفل منه ، ثم كثر وعم ، وما في ~~قوله : { ما حرم ربكم عليكم } منصوب ، وفي ناصبه وجهان : الأول : أنه منصوب ~~بقوله : { اتل } والتقدير : أتل الذي حرمه عليكم ، والثاني : أنه منصوب ~~بحرم ، والتقدير : أتل الأشياء التي حرم عليكم . # فإن قيل : قوله : { ءان * تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } كالتفصيل ~~لما أجمله في قوله : { ما حرم ربكم عليكم } وهذا باطل ، لأن ترك الشرك ~~والإحسان بالوالدين واجب ، لا محرم . # والجواب من وجوه : الأول : أن المراد من التحريم أن يجعل له حريما ~~PageV13P189 معينا ، وذلك بأن بينه بيانا مضبوطا معينا ، فقوله : { أتل ما ~~حرم ربكم عليكم } معناه : أتل عليكم ما بينه بيانا شافيا بحيث يجعل له ~~حريما معينا ، وعلى هذا التقرير فالسؤال زائل ، والثاني : أن الكلام تم ~~وانقطع عند قوله { أتل ما حرم ربكم } ثم ابتدأ فقال : { عليكم أن * لا * ~~تشركوا } كما يقال : عليكم السلام ، أو أن الكلام تم وانقطع عند قوله : { ~~أتل ما حرم ربكم عليكم } ثم ابتدأ فقال : { ألا تشركوا به شيئا } بمعنى ~~لئلا تشركوا ، والتقدير : أتل ما حرم ربكم عليكم لئلا تشركوا به ms3860 شيئا . ~~الثالث : أن تكون ( أن ) / في قوله : { أن لا * تشركوا } مفسرة بمعنى : أي ~~، وتقدير الآية : أتل ما حرم ربكم عليكم ، أي لا تشركوا ، أي ذلك التحريم ~~هو قوله : { لا * تشركوا به شيئا } . # فإن قيل : فقوله : { وبالوالدين إحسانا } معطوف على قوله : { أن لا * ~~تشركوا به شيئا } فوجب أن يكون قوله : { وبالوالدين إحسانا } مفسرا لقوله : ~~{ أتل ما حرم ربكم عليكم } فيلزم أن يكون الإحسان بالوالدين حراما ، وهو ~~باطل . # قلنا : لما أوجب الإحسان إليهما ، فقد حرم الإساءة إليهما . # المسألة الثانية : أنه تعالى أوجب في هذه الآية أمور خمسة : أولها : قوله ~~: { أن لا * تشركوا به شيئا } . # واعلم أنه تعالى قد شرح فرق المشركين في هذه السورة على أحسن الوجوه ، ~~وذلك لأن طائفة من المشركين يجعلون الأصنام شركاء لله تعالى ، وإليهم ~~الإشارة بقوله حكاية عن إبراهيم { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر أتتخذ أصناما ~~ءالهة إنى أراك وقومك فى ضلال مبين } ( الأنعام : 74 ) . # والطائفة الثانية : من المشركين عبدة الكواكب ، وهم الذين حكى الله عنهم ~~، أن إبراهيم عليه السلام أبطل قولهم بقوله : { لا أحب الافلين } ( الأنعام ~~: 76 ) . # والطائفة الثالثة : الذين حكى الله تعالى عنهم : { أنهم * جعلوا لله ~~شركاء * الجن } وهم القائلون بيزدان وأهرمن . # والطائفة الرابعة : الذين جعلوا لله بنين وبنات ، وأقام الدلائل على فساد ~~أقوال هؤلاء الطوائف والفرق ، فلما بين بالدليل فساد قول هؤلاء الطوائف . ~~قال ههنا : { ألا تشركوا به شيئا } . # النوع الثاني : من الأشياء التي أوجبها ههنا قوله : { وبالوالدين إحسانا ~~} وإنما ثنى بهذا التكليف ، لأن أعظم أنواع النعم على الإنسان نعمة الله ~~تعالى ، ويتلوها نعمة الوالدين ، لأن المؤثر الحقيقي في وجود الإنسان هو ~~الله سبحانه وفي الظاهر هو الأبوان ، ثم نعمهما على الإنسان عظيمة وهي نعمة ~~التربية والشفقة والحفظ عن الضياع والهلاك في وقت الصغر . # النوع الثالث : قوله : { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ~~} فأوجب بعد رعاية حقوق الأبوين رعاية حقوق الأولاد وقوله : { ولا تقتلوا ~~أولادكم من إملاق } أي من خوف الفقر وقد صرح بذكر الخوف في قوله : { ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق } والمراد ms3861 منه النهي عن الوأد ، إذ كانوا يدفنون ~~البنات أحياء ، بعضهم للغيرة ، وبعضهم خوف الفقر ، وهو السبب الغالب ، فبين ~~تعالى فساد هذه العلة بقوله : { نحن نرزقكم وإياهم } ، لأنه تعالى إذا كان ~~متكفلا برزق الوالد والولد ، فكما وجب على الوالدين تبقية النفس والاتكال ~~في رزقها على الله ، فكذلك القول في حال الولد ، قال شمر : أملق ، لازم ~~ومتعد . يقال : أملق الرجل ، فهو مملق ، إذا افتقر ، فهذا لازم ، وأملق / ~~الدهر ما عنده ، إذا أفسده ، والإملاق الفساد . PageV13P190 # والنوع الرابع : قوله : { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } قال ~~ابن عباس : كانوا يكرهون الزنا علانية ، ويفعلون ذلك سرا ، فنهاهم الله عن ~~الزنا علانية وسرا ، والأولى أن لا يخصص هذا النهي بنوع معين ، بل يجري على ~~عمومه في جميع الفواحش ظاهرها وباطنها لأن اللفظ عام . والمعنى الموجب لهذا ~~النهي وهو كونه فاحشة عام أيضا ومع عموم اللفظ والمعنى يكون التخصيص على ~~خلاف الدليل ، وفي قوله : { ما ظهر منها وما بطن } دقيقة ، وهي : أن ~~الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل ذلك ~~على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته ، ولكن لأجل الخوف من ~~مذمة الناس ، وذلك باطل ، لأن من كان مذمة الناس عنده أعظم وقعا من عقاب ~~الله ونحوه فإنه يخشى عليه من الكفر ، ومن ترك المعصية ظاهرا وباطنا ، دل ~~ذلك على أنه إنما تركها تعظيما لأمر الله تعالى وخوفا من عذابه ورغبة في ~~عبوديته . # والنوع الخامس : قوله : { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق } . # واعلم أن هذا داخل في جملة الفواحش إلا أنه تعالى أفرده بالذكر لفائدتين ~~: إحداهما : أن الإفراد بالذكر يدل على التعظيم والتفخيم ، كقوله : { ~~وملئكته * وجبريل وميكال } والثانية : أنه تعالى أراد أن يستثني منه ، ولا ~~يتأتى هذا الاستثناء في جملة الفواحش . # إذا عرفت هدا فنقول : قوله : { إلا بالحق } أي قتل النفس المحرمة قد يكون ~~حقا لجرم يصدر منها . والحديث أيضا موافق له وهو قوله عليه السلام : ( لا ~~يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر ms3862 بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل ~~نفس بغير حق ) والقرآن دل على سبب رابع ، وهو قوله تعالى : { إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا } ( ~~المائدة : 33 ) . # والحاصل : أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا بدليل منفصل ~~. ثم إنه تعالى لما بين أحوال هذه الأقسام الخمسة أتبعه باللفظ الذي يقرب ~~إلى القلب القبول / فقال : { ذالكم وصاكم به } لما في هذه اللفظة من اللطف ~~والرأفة ، وكل ذلك ليكون المكلف أقرب إلى القبول ، ثم أتبعه بقوله : { ~~لعلكم تعقلون } أي لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ، ومنافعها في الدين ~~والدنيا . # ! 7 < { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ~~ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذالكم وصاكم به لعلكم تذكرون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 152 ) ولا تقربوا مال . . . . . # > > PageV13P191 # اعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى خمسة أنواع من التكاليف ، وهي أمور ~~ظاهرة جلية لا حاجة فيها إلى الفكر والاجتهاد ، ثم ذكر تعالى في هذه الآية ~~أربعة أنواع من التكاليف ، وهي أمور خفية يحتاج المرء العاقل في معرفته ~~بمقدارها إلى التفكر ، والتأمل والاجتهاد . # فالنوع الأولى : من التكاليف المذكورة في هذه الآية قوله : { ولا تقربوا ~~مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده } . # واعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة : { فى الدنيا والاخرة ويسئلونك عن ~~اليتامى قل } ( البقرة : 220 ) والمعنى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بأن ~~يسعى في تنميته وتحصيل الربح به ورعاية وجوه الغبطة له ، ثم إن كان القيم ~~فقيرا محتاجا أخذ بالمعروف ، وإن كان غنيا فاحترز عنه كان أولى فقوله : { ~~إلا بالتى هى أحسن } معناه كمعنى قوله : { ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف } ( النساء : 6 ) . # وأما قوله : { حتى يبلغ أشده } فالمعنى احفظوا ماله حتى يبلغ أشده ، فإذا ~~بلغ أشده فادفعوا إليه ماله . وأما معنى الأشد وتفسيره : قال الليث : الأشد ~~. مبلغ الرجل الحكمة والمعرفة . قال الفراء : الأشد ms3863 . وأحدها شد في القياس ~~، ولم أسمع لها بواحد . وقال أبو الهيثم : واحدة الأشد شدة كما أن واحدة ~~الأنعم نعمة ، والشدة : القوة والجلادة ، والشديد الرجل القوي ، وفسروا ~~بلوغ الأشد في هذه الآية بالاحتلام بشرط أن يؤنس منه الرشد ، وقد استقصينا ~~في هذا الفصل في أول سورة النساء . # والنوع الثاني : قوله تعالى : { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } . # اعلم أن كل شيء بلغ تمام الكمال ، فقد وفى وتم . يقال : درهم واف ، وكيل ~~واف ، وأوفيته حقه ، ووفيته إذا أتممته ، وأوفى الكيل إذا أتمه ولم ينقص ~~منه شيئا وقوله : { والميزان } أي الوزن بالميزان وقوله : { بالقسط } أي ~~بالعدل لا بخس ولا نقصان . # فإن قيل : إيفاء الكيل والميزان ، هو عين القسط ، فما الفائدة في هذا ~~التكرير ؟ # قلنا : أمر الله المعطي بإيفاء ذي الحق حقه من غير نقصاه ، وأمر صاحب ~~الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة . # / واعلم أنه لما كان يجوز أن يتوهم الإنسان أنه يجب على التحقيق وذلك صعب ~~شديد في العدل أتبعه الله تعالى بما يزيل هذا التشديد فقال : { لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها } أي الواجب في إيفاء الكيل والوزن هذا القدر الممكن في ~~إيفاء الكيل والوزن . أما التحقيق فغير واجب . قال القاضي : إذا كان تعالى ~~قد خفف على المكلف هذا التخفيف مع أن ما هو التضييق مقدور له ، فكيف يتوهم ~~أنه تعالى يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه ؟ بل قالوا : يخلق ~~الكفر فيه ، ويريده منه ، ويحكم به عليه ، ويخلق فيه القدرة الموجبة لذلك ~~الكفر ، والداعية الموجبة له ، ثم ينهاه عنه فهو تعالى لما لم يجوز ذلك ~~القدر من التشديد والتضييق على العبد ، وهو إيفاء الكيل والوزن على سبيل ~~التحقيق ، فكيف يجوز أن يضيف على العبد مثل هذا التضييق والتشديد ؟ # واعلم أنا نعارض القاضي وشيوخه في هذا الموضع بمسألة العلم ومسألة الداعي ~~/ وحينئذ ينقطع ولا يبقى لهذا الكلام رواء ولا رونق . PageV13P192 # النوع الثالث : من التكاليف المذكورة في هذه الآية ، قوله تعالى : { وإذا ~~قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى } واعلم أن هذا أيضا من ms3864 الأمور الخفية التي ~~أوجب الله تعالى فيها أداء الأمانة ، والمفسرون حملوه على أداء الشهادة فقط ~~، والأمر والنهي فقط ، قال القاضي وليس الأمر كذلك بل يدخل فيه كل ما يتصل ~~بالقول ، فيدخل فيه ما يقول المرء في الدعوة إلى الدين وتقرير الدلائل عليه ~~بأن يذكر الدليل ملخصا عن الحشو والزيادة بألفاظ مفهومة معتادة ، قريبة من ~~الأفهام ، ويدخل فيه أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقعا على ~~وجه العدل من غير زيادة في الإيذاء والإيحاش ، ونقصان عن القدر الواجب ، ~~ويدخل فيه الحكايات التي يذكرها الرجل حتى لا يزيد فيها ولا ينقص عنها ، ~~ومن جملتها تبليغ الرسالات عن الناس ، فإنه يجب أن يؤديها من غير زيادة ولا ~~نقصان ، ويدخل فيه حكم الحاكم بالقول ، ثم إنه تعالى بين أنه يجب أن يسوي ~~فيه بين القريب والبعيد ، لأنه لما كان المقصود منه طلب رضوان الله تعالى ~~لم يختلف ذلك بالقريب والبعيد . # والنوع الرابع : من هذه التكاليف قوله تعالى : { وبعهد الله أوفوا } وهذا ~~من خفيات الأمور لأن الرجل قد يحلف مع نفسه ، فيكون ذلك الحلف خفيا ، ويكون ~~بره وحنثه أيضا خفيا ، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام قال : { ذالكم * وصاكم ~~به لعلكم تذكرون } . # فإن قيل : فما السبب في أن جعل خاتمة الآية الأولى بقوله : { لعلكم ~~تعقلون } وخاتمة هذه الآية بقوله : { لعلكم تذكرون } . # / قلنا : لأن التكاليف الخمسة المذكورة في الأولى أمور ظاهرة جلية ، فوجب ~~تعقلها وتفهمها وأما التكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية فأمور خفية ~~غامضة ، لا بد فيها من الاجتهاد والفكر حتى يقف على موضع الاعتدال ، فلهذا ~~السبب قال : { لعلكم تذكرون } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { تذكرون } ~~بالتخفيف والباقون { * تذكرن } بتشديد الذال في كل القرآن وهما بمعنى واحد ~~. # # PageV13P193 ! 7 < { وأن هاذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله ذالكم وصاكم به لعلكم تتقون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 153 ) وأن هذا صراطي . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى قرأ ابن عامر { تذكرون وأن هاذا } بفتح الألف وسكون النون ~~وقرأ حمزة والكسائي { وأن } بكسر الألف وتشديد النون ms3865 أما قراءة ابن عامر ~~فأصلها { وأنه * هاذا صراطي } والهاء ضمير الشأن والحديث وعلى هذا الشرط ~~تخفف . قال الأعشى : # % في فتية كسيوف الهند قد علموا % % أن هالك كل من يحفى وينتعل % # أي قد علموا أنه هالك ، وأما كسر { ءان } فالتقدير { أتل ما حرم } ( ~~الأنعام : 151 ) وأتل { إن هذا * صراطي } بمعنى أقول وقيل على الاستئناف . ~~وأما فتح أن فقال الفراء فتح { ءان } من وقوع أتل عليها يعني وأتل عليكم { ~~إن هذا * صراطي مستقيما } قال : وإن شئت جعلتها خفضا والتقدير { ذالكم ~~وصاكم به } وبأن هذا صراطي . قال أبو علي : من فتح { ءان } فقياس قول ~~سيبويه أنه حملها على قوله : { فاتبعوه } والتقدير لأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه كقوله : { وإن هاذه أمتكم أمة واحدة } ( المؤمنون : 52 ) وقال ~~سيبويه لأن هذه أمتكم ، وقال في قوله : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع ~~الله أحدا } ( الجن : 18 ) والمعنى ولأن المساجد لله . # المسألة الثانية : القراء أجمعوا على سكون الياء من { صراطي } غير ابن ~~عامر فإنه فتحها وقرأ ابن كثير وابن عامر { * سراطي } بالسين وحمزة بين ~~الصاد والزاي والباقون بالصاد صافية وكلها لغات قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ ~~الأعمش { وهاذا * صراطي } وفي مصحف عبد الله { وهاذا صراط * ربكم } وفي ~~مصحف أبي { وهاذا صراط ربك } . PageV14P003 # / المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بين في الآيتين المتقدمين ما وصى به ~~أجمل في آخره إجمالا يقتضي دخول ما تقدم فيه ، ودخول سائر الشريعة فيه فقال ~~: { وأن هاذا صراطي مستقيما } فدخل فيه كل ما بينه الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من دين الإسلام وهو المنهج القويم والصراط المستقيم ، فاتبعوا جملته ~~وتفصيله ولا تعدلوا عنه فتقعوا في الضلالات . وعن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه خط خطا ، ثم قال : هذا سبيل الرشد ثم خط عن يمينه وعن ~~شماله خطوطا ، ثم قال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ؟ ثم تلا ~~هذه الآية : { وأن هاذا صراطي مستقيما فاتبعوه } وعن ابن عباس هذه الآيات ~~محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب ، من عمل بهن دخل ms3866 الجنة ومن تركهن دخل ~~النار . # ثم قال : { ذالكم وصاكم به } أي بالكتاب { لعلكم تتقون } المعاصي ~~والضلالات . # المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أن كل ما كان حقا فهو واحد ، ولا ~~يلزم منه أن يقال : إن كل ما كان واحدا فهو حق ، فإذا كان الحق واحدا كان ~~كل ما سواه باطلا ، وما سوى الحق أشياء كثيرة ، فيجب الحكم بأن كل كثير ~~باطل ، ولكن لا يلزم أن يكون كل باطل كثيرا بعين ما قررناه في القضية ~~الأولى . # ! 7 < { ثم ءاتينا موسى الكتاب تماما على الذىأحسن وتفصيلا لكل شىء وهدى ~~ورحمة لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 154 ) ثم آتينا موسى . . . . . # > > اعلم أن قوله : { ثم ءاتينا } فيه وجوه : الأول : التقدير : ثم إني ~~أخبركم بعد تعديد المحرمات وغيرها من الأحكام ، إن آتينا موسى الكتاب ، ~~فذكرت كلمة ( ثم ) لتأخير الخبر عن الخبر ، لا لتأخير الواقعة ، ونظيره ~~قوله تعالى : { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } ( ~~الأعراف : 11 ) والثاني : أن التكاليف التسعة المذكورة في الآية المتقدمة ~~التكليف لا يجوز اختلافها بحسب اختلاف الشرائع بل هي أحكام واجبة الثبوت من ~~أول زمان التكليف إلى قيام القيامة . وأما الشرائع التي كانت التوبة مختصة ~~بها ، فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة ، فتقدير الآية أنه تعالى لما ~~ذكرها قال : ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديما وحديثا ، ثم بعد ذلك آتينا ~~موسى الكتاب . الثالث : أن / فيه حذفا تقديره : ثم قل يا محمد إنا آتينا ~~موسى ، فتقديره : اتل ما أوحى إليك ، ثم اتل عليهم خبر ما آتينا موسى . # أما قوله : { تماما على الذى أحسن } ففيه وجوه : الأول : معناه تماما ~~للكرامة والنعمة على الذي أحسن . أي على كل من كان محسنا صالحا ، ويدل عليه ~~قراءة عبد الله { على الذين * أحسنوا } والثاني : المراد تماما للنعمة ~~والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة بالتبليغ ، وفي كل ما أمر به والثالث ~~: تماما على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع ، من أحسن الشيء إذا أجاد ~~معرفته ، أي زيادة على علمه على وجه التتميم ، وقرأ ms3867 يحيى بن يعمر { على ~~الذى أحسن } أي على الذي هو أحسن بحذف المبتدأ كقراءة من قرأ { مثلا ما ~~بعوضة } ( البقرة : 26 ) PageV14P004 بالرفع وتقدير الآية : على الذي هو ~~أحسن دينا وأرضاه ، أو يقال المراد : آتينا موسى الكتاب تماما ، أي تاما ~~كاملا على أحسن ما تكون عليه الكتب ، أي على الوجه الذي هو أحسن وهو معنى ~~قول الكلبي : أتم له الكتاب على أحسنه ، ثم بين تعالى ما في التوراة من ~~النعم في الدين وهو تفصيل كل شيء ، والمراد به ما يختص بالدين فدخل في ذلك ~~بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وسلم دينه ، وشرعه ، وسائر الأدلة والأحكام ~~إلا ما نسخ منها ولذلك قال : { وهدى ورحمة } والهدى معروف وهو الدلالة ، ~~والرحمة هي النعمة { لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } أي لكي يؤمنوا بلقاء ربهم ، ~~والمراد به لقاء ما وعدهم الله به من ثواب وعقاب . # ! 7 < { وهاذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن ~~تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ~~* أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم فقد جآءكم بينة من ~~ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزى الذين يصدفون ~~عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 155 - 157 ) وهذا كتاب أنزلناه . . . . . # > > # / اعلم أن قوله : { وهاذا كتاب } لا شك أن المراد هو القرآن وفائدة وصفه ~~بأنه مبارك أنه ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ، أو المراد أنه ~~كثير الخير والنفع . # ثم قال : { فاتبعوه } والمراد ظاهر . # ثم قال : { واتقوا لعلكم ترحمون } أي لكي ترحموا . وفيه ثلاثة أقوال : ~~قيل اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة ، وقيل : اتقوا لترحموا ، أي ليكون ~~الغرض بالتقوى رحمة الله ، وقيل : اتقوا لترحموا جزاء على التقوى . # ثم قال تعالى : { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } ~~وفيه وجوه : # الوجه الأول : قال الكسائي والفراء ، والتقدير : أنزلناه لئلا تقولوا ، ~~ثم حذف الجار وحرف النفي ، كقوله : { يبين الله لكم أن تضلوا } ( النساء : ~~176 ) وقوله : { رواسى أن ms3868 تميد بكم } ( النحل : 15 ) أي لئلا . # والوجه الثاني : وهو قول البصريين معناه : أنزلناه كراهة أن تقولوا ولا ~~يجيزون إضمار ( لا ) فإنه لا يجوز أن يقال : جئت أن أكرمك بمعنى : أن لا ~~أكرمك ، وقد ذكرنا تحقيق هذه المسألة في آخر سورة النساء . PageV14P005 # والوجه الثالث : قال الفراء : يجوز أن يكون ( إن ) متعلقة باتقوا ، ~~والتأويل : واتقوا أن تقولوا إنما أنزل الكتاب . # البحث الثاني : قوله : { أن تقولوا } خطاب لأهل مكة ، والمعنى : كراهة أن ~~يقول أهل مكة أنزل الكتاب ، وهو التوراة والإنجيل على طائفتين من قبلنا ، ~~وهم اليهود والنصارى ، وإن كنا ( إن ) هي المحففة من الثقيلة ، واللام هي ~~الفارقة بينها وبين النافية ، والأصل وأنه كنا عن دراستهم لغافلين ، ~~والمراد بهذه الآيات إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد كي لا ~~يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا ~~غافلين عما فيهما ، فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم وقوله : { وإن كنا ~~عن دراستهم لغافلين } أي لا نعلم ما هي ، لأن كتابهم ما كان بلغتنا ، ومعنى ~~أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ، مفسر للأول في أن ~~معناه لئلا يقولوا ويحتجوا بذلك ، ثم بين تعالى قطع احتجاجهم بهذا ، وقال : ~~{ فقد جاءكم بينة من ربكم } وهو القرآن وما جاء به الرسول { وهدى ورحمة } . # فإن قيل : البينة والهدى واحد ، فما الفائدة في التكرير ؟ # / قلنا : القرآن بينة فيما يعلم سمعا وهو هدى فيما يعلم سمعا وعقلا ، ~~فلما اختلفت الفائدة صح هذا العطف ، وقد بينا أن معنى { رحمة } أي أنه نعمة ~~في الدين . # ثم قال تعالى : { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } والمراد تعظيم كفر من ~~كذب بآيات الله ، وصدف عنها ، أي منع عنها ، لأن الأول ضلال ، والثاني منع ~~عن الحق وإضلال . # ثم قال تعالى : { سنجزى الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب } وهو كقوله : ~~{ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب } . # ! 7 < { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك أو يأتى بعض ءايات ~~ربك يوم يأتى بعض ءايات ربك ms3869 لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو ~~كسبت فىإيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 158 ) هل ينظرون إلا . . . . . # > > قرأ حمزة والكسائي : { يأتيهم } بالياء وفي النحل مثله ، والباقون { ~~تأتيهم } بالتاء . # واعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أنزل الكتاب إزالة للعذر ، وإزاحة ~~للعلة ، وبين أنهم لا يؤمنون ألبتة وشرح أحوالا توجب اليأس عن دخولهم في ~~الإيمان فقال : { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } ونظير هذه الآية قوله ~~في سورة البقرة : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } ( ~~الأنعام : 158 ) ومعنى ينظرون ينتظرون وهل استفهام معناه النفي ، وتقدير ~~الآية : أنهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءهم أحد هذه الأمور الثلاثة ، ~~PageV14P006 وهي مجيء الملائكة ، أو مجيء الرب ، أو مجيء الآيات القاهرة من ~~الرب . # فإن قيل : قوله : { أو يأتى ربك } هل يدل على جواز المجيء والغيبة على ~~الله . # قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن هذا حكاية عنهم ، وهم كانوا ~~كفارا ، واعتقاد الكافر ليس بحجة ، والثاني : أن هذا مجاز . ونظيره قوله ~~تعالى : { فأتى الله بنيانهم } ( النحل : 26 ) وقوله : { إن الذين يؤذون ~~الله } ( الأحزاب : 57 ) والثالث : قيام الدلائل القاطعة على أن المجيء ~~والغيبة على الله تعالى محال ، وأقربها قول الخليل صوات الله عليه في الرد ~~على عبدة الكواكب { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) . # / فإن قيل : قوله : { أو يأتى ربك } لا يمكن حمله على إثبات أثر من آثار ~~قدرته ، لأن على هذا التقدير : يصير هذا عين قوله : { هل ينظرون إلا أن ~~تأتيهم } فوجب حمله على أن المراد منه إتيان الرب . # قلنا : الجواب المعتمد أن هذا حكاية مذهب الكفار ، فلا يكون حجة ، وقيل : ~~يأتي ربك بالعذاب ، أو يأتي بعض آيات ربك وهو المعجزات القاهرة . # ثم قال تعالى : { يوم يأتى بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~ءامنت من قبل } وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علامات القيامة ، عن ~~البراء بن عازب قال : كنا نتذاكر أمر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فقال : ما ms3870 تتذاكرون ؟ قلنا : نتذاكر الساعة قال : ( إنها ~~لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ، الدخان ، ودابة الأرض ، وخسفا بالمشرق ، ~~وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب ، والدجال . وطلوع الشمس من مغربها ، ~~ويأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى ، ونار تخرج من عدن ) وقوله : { لم تكن ءامنت ~~من قبل } صفة لقوله : { نفسا } وقوله : { أو كسبت فى إيمانها خيرا } صفة ~~ثانية معطوفة على الصفة الأولى ، والمعنى : أن أشراط الساعة إذا ظهرت ذهب ~~أوان التكليف عندها ، فلم ينفع الإيمان نفسا ما آمنت قبل ذلك ، وما كسبت في ~~إيمانها خيرا قبل ذلك . # ثم قال تعالى : { قل انتظروا إنا منتظرون } وعيد وتهديد . # ! 7 < { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شىء إنمآ أمرهم ~~إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 159 ) إن الذين فرقوا . . . . . # > > # قرأ حمزة والكسائي { * فارقوا } بالألف والباقون { الذين فرقوا } ومعنى ~~القراءتين عند التحقيق واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وأنكر ~~بعضا ، فقد فارقه في الحقيقة ، وفي الآية أقوال : # القول الأول : المراد سائر الملل . قال ابن عباس : يريد المشركين بعضهم ~~يعبدون الملائكة ويزعمون PageV14P007 أنهم بنات الله ، وبعضهم يعبدون ~~الأصنام ، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، فهذا معنى فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا ، أي فرقا وأحزابا في الضلالة . وقال مجاهد وقتادة : هم اليهود ~~والنصارى ، وذلك لأن النصارى تفرقوا فرقا ، وكفر بعضهم بعضا ، وكذلك اليهود ~~، وهم أهل / كتاب واحد ، واليهود تكفر النصارى . # والقول الثاني : أن المراد من الآية أخذوا ببعض وتركوا بعضا ، كما قال ~~تعالى : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } ( البلقرة : 85 ) وقال أيضا ~~: { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض } . # والقول الثالث : قال مجاهد : إن الذين فرقوا دينهم من هذه الأمة ، هم أهل ~~البدع والشبهات واعلم أن المراد من الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين ~~واحدة ، وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع وقوله : { لست منهم فى ~~شىء } فيه قولان : الأول : أنت منهم بريء وهم منك برآء وتأويله : إنك بعيد ~~عن أقوالهم ومذاهبهم ، والعقاب ms3871 اللازم على تلك الإباطيل مقصور عليهم ولا ~~يتعداهم . والثاني : لست من قتالهم في شيء . قال السدي : يقولون لم يؤمر ~~بقتالهم ، فلما أمر بقتالهم نسخ ، وهذا بعيد ، لأن المعنى لست من قتالهم في ~~هذا الوقت في شيء ، فورد الأمر بالقتال في وقت آخر لا يوجب النسخ . # ثم قال : { إنما أمرهم إلى الله } أي فيما يتصل بالأمهال والأنظار ، ~~والاستئصال والإهلاك { ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } والمراد الوعيد . # ! 7 < { من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء بالسيئة فلا يجزىإلا ~~مثلها وهم لا يظلمون } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 160 ) من جاء بالحسنة . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال بعضهم : الحسنة قول لا إله إلا الله ، والسيئة هي ~~الشرك ، وهذا بعيد بل يجب أن يكون محمولا على العموم إما تمسكا باللفظ وإما ~~لأجل أنه حكم مرتب على صف مناسب له فيقتضي كون الحكم معللا بذلك الوصف . ~~فوجب أن يعم لعموم العلة . # المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : حذفت الهاء من عشر والأمثال ~~جمع مثل ، والمثل مذكر لأنه أريد عشر حسنات أمثالها ، ثم حذفت الحسنات ~~وأقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها وحذف الموصوف كثير في الكلام ، ويقوي ~~هذا قراءة من قرأ عشر أمثالها بالرفع والتنوين . # المسألة الثالثة : مذهبنا أن الثواب تفضل من الله تعالى في الحقيقة ، ~~وعلى هذا التقدير فلا إشكال في الآية ، أما المعتزلة فهم فرقوا بين الثواب ~~والتفضل بأن الثواب هو المنفعة المستحقة / والتفضل هو المنفعة التي لا تكون ~~مستحقة ثم إنهم على تقريع مذاهبهم اختلفوا . فقال بعضهم : هذه العشرة تفضل ~~والثواب غيرها وهو قول الجبائي قال : لأنه لو كان الواحد ثوابا وكانت ~~التسعة تفضلا لزم أن يكون الثواب دون التفضل ، وذلك لا PageV14P008 يجوز ، ~~لأنه لو جاز أن يكون التفضل مساويا للثواب في الكثرة والشرف ، لم يبق في ~~التكليف فائدة أصلا فيصير عبثا وقبيحا ، ولما بطل ذلك علمنا أن الثواب يجب ~~أن يكون أعظم في القدر وفي التعظيم من التفضل . وقال آخرون : لا يبعد أن ~~يكون الواحد من هذه التسعة ثوابا ، وتكون التسعة الباقية تفضلا ms3872 ، إلا أن ~~ذلك الواحد يكون أوفر وأعظم وأعلى شأنا من التسعة الباقية . # المسألة الرابعة : قال بعضهم : التقدير بالعشرة ليس المراد منه التحديد ، ~~بل أراد الإضعاف مطلقا ، كقول القائل لئن أسديت إلي معروفا لإكافئنك بعشر ~~أمثاله ، وفي الوعيد يقال : لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشرا ، ولا يريد ~~التحديد فكذا ههنا . والدليل على أنه لا يمكن حمله على التحديد قوله تعالى ~~: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف } ( البقرة : 261 ) . # ثم قال تعالى : { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } أي الأجزاء ~~يساويها ويوازيها . روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن ~~الله تعالى قال الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو عفو فالويل لمن غلب ~~آحاده أعشاره ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله إذا هم عبدي بحسنة ~~فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا ~~تكتبوها وإن عملها فسيئة واحدة ) وقوله : { وهم لا يظلمون } أي لا ينقص من ~~ثواب طاعتهم ، ولا يزاد على عقاب سيئاتهم في الآية سؤالان : # السؤال الأول : كفر ساعة كيف يوجب عقاب الأبد على نهاية التغليظ . # جوابه : أنه كان الكافر على عزم أنه لو عاش أبدا لبقي على ذلك الإعتقاد ~~أبدا ، فلما كان ذلك العزم مؤبدا عوقب بعقاب الأبد خلاف المسلم المذنب ، ~~فإنه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب ، فلا جرم كانت عقوبته منقطعة . # السؤال الثاني : إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلا عن صيام ستين يوما ، ~~وهو في كفارة الظهار ، وتارة جعل بدلا عن صيام أيام قلائل ، وذلك يدل على ~~أن المساواة غير معتبرة . # جوابه : إن المساواة إنما تحصل بوضع الشرع وحكمه . # السؤال الثالث : إذا أحدث في رأس إنسان موضحتين : وجب فيه إرشان ، فإن ~~رفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة ، فههنا ازدادت الجناية . ~~وقل العقاب ، فالمساواة غير معتبرة . # / وجوابه : إن ذلك من تعبدات الشرع وتحكماته . # السؤال الرابع : أنه يجب في مقابلة تفويت أكثر كل ms3873 واحد من الأعضاء دية ~~كاملة ، ثم إذا قتله وفوت كل الأعضاء ، وجبت دية واحدة ، وذلك يمتنع القول ~~من رعاية المماثلة . # جوابه : أنه من باب تحكمات الشريعة . والله أعلم . # PageV14P009 ! 7 < { قل إننى هدانى ربىإلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } . > 7 ! # < < # | الأنعام : ( 161 ) قل إنني هداني . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما علم رسوله أنواع دلائل التوحيد ، والرد على ~~القائلين بالشركاء والأنداد والأضداد وبالغ في تقرير إثبات التوحيد ، والرد ~~على القائلين بالشركاء والأنداد والأضداد ، وبالغ في تقرير إثبات التوحيد ~~والنافين للقضاء والقدر ، ورد على أهل الجاهلية في أباطيلهم ، أمره أن يختم ~~الكلام بقوله : { إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم } وذلك يدل على أن ~~الهداية لا تحصل إلا بالله وانتصب دينا لوجهين : أحدهما : على البدل من محل ~~صراط لأن معناه هداني ربي صراطا مستقيما كما قال : { ويهديك صراطا مستقيما ~~} ( الفتح : 2 ) والثاني : أن يكون التقدير الزموا دينا ، وقوله : فيما قال ~~صاحب ( الكشاف ) القيم فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من القائم ، وقرأ ~~أهل الكوفة قيما مكسورة القاف خفيفة الياء قال الزجاج : هو مصدر بمعنى ~~القيام كالصغر والكبر والحول والشبع ، والتأويل دينا ذا قيم ووصف الدين ~~بهذا الوصف على سبيل المبالغة ، وقوله : { ملة إبراهيم حنيفا } فقوله : { ~~ملة } بدل من قوله : { دينا قيما } وحينفا منصوب على الحال من إبراهيم ، ~~والمعنى هداني ربي وعرفني ملة إبراهيم حال كونها موصوفة بالحنيفية ، ثم قال ~~في صفة إبراهيم : { وما كان من المشركين } والمقصود منه الرد على المشركين ~~. # ! 7 < { قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين * لا شريك له ~~وبذالك أمرت وأنا أول المسلمين } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 162 - 163 ) قل إن صلاتي . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى كما عرفه الدين المستقيم عرفه كيف يقوم به ويؤديه فقوله : ~~{ قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين } يدل على أنه يؤديه مع ~~الأخلاص وأكده بقوله : { لا شريك له } وهذا يدل على أنه لا يكفي في ~~العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل يجب أن يؤتى بها ms3874 مع تمام الإخلاص وهذا من ~~أقوى الدلائل على أن شرط صحة الصلاة أن يؤتى بها مقرونة بالأخلاص . # أما قوله : { ونسكى } فقيل المراد بالنسك الذبيحة بعينها ، يقول : من فعل ~~كذا فعليه نسك . أي دم يهريقه ، وجمع بين الصلاة والذبح ، كما في قوله : { ~~فصل لربك وانحر } ( الكوثر : 2 ) وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال : ~~النسك سبائك الفضة ، كل سبيكة منها نسيكة ، وقيل : للمتعبد ناسك ، لأنه خلص ~~نفسه من دنس الآثام ، وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث ، وعلى هذا التأويل ~~، فالنسك كل ما تقربت به إلى الله تعالى . إلا أن الغالب عليه في العرف ~~الذبح وقوله : { ومحياى ومماتى } أي حياتي وموتي لله . PageV14P010 # واعلم أنه تعالى قال : { إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين } ~~فأثبت كون الكل لله ، والمحيا والممات ليسا لله بمعنى أنه يؤتى بهما لطاعة ~~الله تعالى ، فإن ذلك محال ، بل معنى كونهما لله أنهما حاصلان بخلق الله ~~تعالى ، فكذلك أن يكون كون الصلاة والنسك لله مفسرا بكونهما واقعين بخلق ~~الله ، وذلك من أدل الدلائل على أن طاعات العبد مخلوقة لله تعالى . وقرأ ~~نافع { * محياي } ساكنة الياء ونصبها في مماتي ، وإسكان الياء في محياي شاذ ~~غير مستعمل ، لأن فيه جمعا بين ساكنين لا يلتقيان على هذا الحد في نثر ولا ~~نظم ، ومنهم من قال : إنه لغة لبعضهم ، وحاصل الكلام ، أنه تعالى أمر رسوله ~~أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله تعالى ~~، وتقديره وقضاءه وحكمه ، ثم نص على أنه لا شريك له في الخلق ، والتقدير : ~~ثم يقول وبذلك أمرت أي وبهذا التوحيد أمرت . # ثم يقول : { أمرت وأنا أول المسلمين } أي المستسلمين لقضاء الله وقدره ، ~~ومعلوم أنه ليس أولا لكل مسلم ، فيجب أن يكون المراد كونه أولا لمسلمي ~~زمانه . # ! 7 < { قل أغير الله أبغى ربا وهو رب كل شىء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } ~~. > 7 ! # / < < # | الأنعام : ( 164 ) قل أغير الله . . . . . # > > اعلم أنه تعالى ms3875 لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد المحض ، ~~وهو أن يقول : { إن صلاتى ونسكى } إلى قوله : { لا شريك له } أمره بأن يذكر ~~ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد ، وتقريره من وجهين : الأول : أن ~~أصناف المشركين أربعة ، لأن عبدة الأصنام أشركوا بالله ، وعبدة الكواكب ~~أشركوا بالله والقائلون : بيزدان ، وأهرمن . وهم الذين قال الله في حقهم : ~~{ وجعلوا لله شركاء الجن } أشركوا بالله والقائلون : بأن المسيح ابن الله ~~والملائكة بناته ، أشركوا أيضا بالله ، فهؤلاء هم فرق المشركين ، وكلهم ~~معترفون أن الله خالق الكل ، وذلك لأن عبدة الأصنام معترفون بأن الله ~~سبحانه هو الخالق للسموات والأرض ، ولكل ما في العالم من الموجودات ، وهو ~~الخالق للأصنام والأوثان بأسرها . وأما عبدة الكواكب فهم معترفون بأن الله ~~خالقها وموجدها . وأما القائلون بيزدان ، وهرمن فهم أيضا معترفون بأن ~~الشيطان محدث ، وأن محدثه هو الله سبحانه . وأما القائلون بالمسيح ~~والملائكة فهم معترفون بأن الله خالق الكل ، فثبت بما ذكرنا أن طوائف ~~المشركين أطبقوا واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء الشركاء . # إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يا محمد : { قل أغير الله أبغى ربا } ~~مع أن هؤلاء الذين اتخذوا ربا غير الله تعالى أقروا بأن الله خالق تلك ~~الأشياء ، وهل يدخل في العقل جعل المربوب شريكا للرب وجعل العبد شريكا ~~للمولى ، وجعل المخلوق شريكا للخالق ؟ ولما كان الأمر كذلك ، ثبت بهذا ~~الدليل أن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد ، ودين باطل . PageV14P011 # الوجه الثاني : في تقرير هذا الكلام أن الموجود ، إما واجب لذاته ، وإما ~~ممكن لذاته . وثبت أن الواجب لذاته واحد ، فثبت أن ما سواه ممكن لذاته ، ~~وثبت أن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، وإذا كان الأمر ~~كذلك كان تعالى ربا لكل شيء . # وإذا ثبت هذا فنقول : صريح العقل يشهد بأنه لا يجوز جعل المربوب شريكا ~~للرب وجعل المخلوق شريكا للخالق فهذا هو المراد من قوله : { قل أغير الله ~~أبغى ربا وهو رب كل شىء } ( الأنعام : 164 ) ثم إنه تعالى لما بين بهذا ms3876 ~~الدليل القاهر القاطع هذا التوحيد بين أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ~~ولا عقاب ، فقال : { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ( الأنعام : 164 ) ومعناه ~~أن إثم الجاني عليه ، لا على غيره { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الإسراء : ~~15 ) أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى ، ثم بين تعالى أن رجوع هؤلاء المشركين ~~إلى موضع لا حاكم فيه ولا آمر إلا الله تعالى ، فهو قوله : { ثم إلى ربكم ~~مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } ( الأنعام : 164 ) . # ! 7 < { وهو الذى جعلكم خلائف الا رض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم ~~فى مآ آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } . > 7 @QB@ < # | الأنعام : ( 165 ) وهو الذي جعلكم . . . . . # > > # اعلم أن في قوله : { جعلكم خلائف الارض } وجوها : أحدها : جعلهم خلائف ~~الأرض لأن محمدا عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين ، فخلفت أمته سائر الأمم ~~. وثانيها : جعلهم يخلف بعضهم بعضا . وثالثها : أنهم خلفاء الله في أرضه ~~يملكونها ويتصرفون فيها . # ثم قال : { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } في الشرف . والعقل ، والمال ، ~~والجاه ، والرزق ، وإظهار هذا التفاوت ليس لأجل العجز والجهل والبخل ، فإنه ~~تعالى متعال عن هذه الصفات ، وإنما هو لأجل الابتلاء والامتحان وهو المراد ~~من قوله : { ليبلوكم * فيما * ءاتاكم } ( المائدة : 48 ) وقد ذكرنا أن ~~حقيقة الابتلاء والامتحان على الله محال ، إلا أن المراد هو التكليف وهو ~~عمل لو صدر من الواحد منا لكان ذلك شبيها بالابتلاء والامتحان ، فسمى لهذا ~~الاسم لأجل هذه المشابهة ، ثم إن هذا المكلف إما أن يكون مقصرا فيما كلف به ~~، وإما أن يكون موفرا فيه ، فإن كان الأول كان نصيبه من التخويف والترهيب ، ~~وهو قوله : { إن ربك سريع العقاب } ( الأنعام : 165 ) ووصف العقاب بالسرعة ~~، لأن ما هو آت قريب ، وإن كان الثاني ، وهو أن يكون موفرا في تلك الطاعات ~~كان نصيبه من التشريف والترغيب هو قوله : { وإنه لغفور رحيم } أي يغفر ~~الذنوب ويستر العيوب في الدنيا بستر فضله وكرمه ورحمته ، وفي الآخرة بأن ~~يفيض عليه أنواع نعمه ، وهذا الكلام بلغ في شرح الأعذار ms3877 والإنذار والترغيب ~~والترهيب إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه ، وهذا آخر الكلام في تفسير سورة ~~الأنعام ، والحمد لله الملك العلام . # PageV14P012 < # > 1 ( سورة الأعراف ) 1 < # > # مكية إلا من آية : 163 إلى غاية آية 170 ، فمدنية # وآياتها 206 نزلت بعد ص # ! 7 < { المص* كتاب أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 1 - 2 ) المص # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس { المص } أنا الله أفصل ، وعنه أيضا : أنا ~~الله أعلم وأفصل : قال الواحدي : وعلى هذا التفسير فهذه الحروف واقعة في ~~موضع جمل ، والجمل إذا كانت ابتداء وخبرا فقط لا موضع لها من الإعراب ، ~~فقوله : أنا الله أعلم ، لا موضع لها من الأعراب ، فقوله : ( أنا ) مبتدأ ~~وخبره قوله : ( الله ) وقوله : ( أعلم ) خبر بعد خبر ، وإذا كان المعنى { ~~المص } أنا الله أعلم كان أعرابها كإعراب الشيء الذي هو تأويل لها ، وقال ~~السدي : { المص } على هجاء قولنا في أسماء الله تعالى أنه المصور . قال ~~القاضي : ليس هذا اللفظ على قولنا : أنا الله أفصل ، أولى من حمله على قوله ~~: أنا الله أصلح ، أنا الله أمتحن ، أنا الله الملك ، لأنه إن كانت العبرة ~~بحرف الصاد فهو / موجود في قولنا أنا الله أصلح ، وإن كانت العبرة بحرف ~~الميم ، فكما أنه موجود في العلم فهو أيضا موجود في الملك والامتحان ، فكان ~~حمل قولنا : { المص } على ذلك المعنى بعينه محض التحكم ، وأيضا فإن جاء ~~تفسير الألفاظ بناء على ما فيها من الحروف من غير أن تكون تلك اللفظة ~~موضوعة في اللغة لذلك المعنى ، انفتحت طريقة الباطنية في تفسير سائر ألفاظ ~~القرآن بما يشاكل هذا الطريق . وأما قول بعضهم : إنه من أسماء الله تعالى ~~فأبعد ، لأنه ليس جعله إسما لله تعالى ، أولى من جعله اسما لبعض رسله من ~~الملائكة ، أو الأنبياء ، لأن الاسم إنما يصير اسما للمسمى بواسطة الوضع ~~والاصطلاح ، وذلك مفقود ههنا ، بل الحق أن قوله : { المص } اسم لقب لهذه ~~السورة ، وأسماء الألقاب لا تفيد فائدة في PageV14P013 المسميات ، بل هي ~~قائمة مقام ms3878 الإشارات ، ولله تعالى أن يسمي هذه السورة بقوله : { المص } كما ~~أن الواحد منا إذا حدث له ولد فإنه يسميه بمحمد . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { المص } مبتدأ ، وقوله : { كتاب } خبره ، ~~وقوله : { أنزل إليك } صفة لذلك الخبر . أي السورة المسما بقولنا : { المص ~~* كتاب أنزل إليك } . # فإن قيل : الدليل الذي دل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هوأن ~~الله تعالى خصه بإنزال هذا القرآن عليه ، فما لم نعرف هذا المعنى لا يمكننا ~~أن نعرف نبوته ، وما لم نعرف نبوته ، لا يمكننا أن نحتج بقوله . فلو أثبتنا ~~كون هذه السورة نازلة عليه من عند الله بقوله : لزم الدور . # قلنا : نحن بمحض العقل نعلم أن هذه السورة كتاب أنزل إليه من عند الله . ~~والدليل عليه أنه عليه الصلاة والسلام ما تلمذ لأستاذ ، ولا تعلم من معلم ، ~~ولا طالع كتابا ولم يخالط العلماء والشعراء وأهل الأخبار ، وانقضى من عمره ~~أربعون سنة ، ولم يتفق له شيء من هذه الأحوال ، ثم بعد انقضاء الأربعين ظهر ~~عليه هذا الكتاب العزيز المشتمل على علوم الأولين والآخرين ، وصريح العقل ~~يشهد بأن هذا لا يكون إلا بطريق الوحي من عند الله تعالى . فثبت بهذا ~~الدليل العقلي أن { المص } كتاب أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من عند ~~ربه وإلهه . # المسألة الثانية : احتج القائلون بخلق القرآن بقوله : { كتاب أنزل إليك } ~~قالوا إنه تعالى وصفه بكونه منزلا ، والإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى ~~حال ، وذلك لا يليق بالقديم ، فدل على أنه محدث . # وجوابه : أن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو هذه الحروف ~~ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة . والله أعلم . # فإن قيل : فهب أن المراد منه الحروف ، إلا أن الحروف أعراض غير باقية ~~بدليل أنها متوالية ، / وكونها متوالية يشعر بعدم بقائها / وإذا كان كذلك ~~فالعرض الذي لا يبقى زمانين كيف يعقل وصفه بالنزول . # والجواب : أنه تعالى أحدث هذه الرقوم والنقوش في اللوح المحفوظ ، ثم إن ~~الملك يطالع تلك النقوش ، وينزل من السماء إلى الأرض ، ويعلم محمدا تلك ~~الحروف والكلمات ms3879 ، فكان المراد بكون تلك الحروف نازلة ، هو أن مبلغها نزل ~~من السماء إلى الأرض بها . # المسألة الثالثة : الذين أثبتوا لله مكانا تمسكوا بهذه الآية فقالوا : إن ~~كلمة ( من ) لابتداء الغاية ، وكلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية فقوله : { أنزل ~~إليك } يقتضي حصول مسافة مبدؤها هو الله تعالى وغايتها محمد ، وذلك يدل على ~~أنه تعالى مختص بجهة فوق ، لأن النزول هو الانتقال من فوق إلى أسفل . # وجوابه : لما ثبت بالدلائل القاهرة أن المكان والجهة على الله تعالى محال ~~وجب حمله على التأويل الذي ذكرناه ، وهو أن الملك انتقل به من العلو إلى ~~أسفل . # ثم قال تعالى : { فلا يكن فى صدرك حرج منه } وفي تفسير الحرج قولان : ~~الأول : الحرج الضيق ، والمعنى : لا يضيق صدرك بسبب أن يكذبوك في التبليغ . ~~والثاني : { فلا يكن فى صدرك حرج منه } أي شك PageV14P014 منه ، كقوله ~~تعالى : { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } ( يونس : 94 ) وسمي الشك حرجا ، ~~لأن الشاك ضيق الصدر حرج الصدر ، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسح القلب . # ثم قال تعالى : { لتنذر به } هذه ( اللام ) بماذا تتعلق ؟ فيه أقوال : ~~الأول : قال الفراء : إنه متعلق بقوله : { أنزل إليك } على التقديم ~~والتأخير ، والتقدير : كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه . # فإن قيل : فما فائدة هذا التقديم والتأخير ؟ # قلنا : لأن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال ~~الحرج عن الصدر ، فلهذا السبب أمره الله تعالى بإزالة الحرج عن الصدر ، ثم ~~أمره بعد ذلك بالإنذار والتبليغ . الثاني : قال ابن الأنباري : اللام ههنا ~~بمعنى : كي . والتقدير : فلا يكن في صدرك شك كي تنذر غيرك . الثالث : قال ~~صاحب ( النظم ) : اللام ههنا : بمعنى : أن . والتقدير : لا يضق صدرك ولا ~~يضعف عن أن تنذر به ، والعرب تضع هذه اللام في موضع ( أن ) قال تعالى : { ~~يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } ( التوبة : 32 ) وفي موضع أخر { ~~يريدون ليطفئوا } ( الصف : 8 ) وهما بمعنى واحد . والرابع : تقدير الكلام : ~~أن هذا الكتاب أنزله الله عليك ، وإذا علمت أنه تنزيل الله تعالى ms3880 ، فاعلم ~~أن عناية الله معك ، وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج ، لأن من كان الله ~~حافظا له وناصرا ، لم يخف أحدا ، وإذا زال الخوف / والضيق عن القلب ، ~~فاشتغل بالإنذار والتبليغ والتذكير اشتغال الرجال الأبطال ، ولا تبال بأحد ~~من أهل الزيغ والضلال والإبطال . # ثم قال : { وذكرى للمؤمنين } قال ابن عباس : يريد مواعظ للمصدقين . قال ~~الزجاج : وهو اسم في موضع المصدر . قال الليث : { الذكرى } اسم للتذكرة ، ~~وفي محل ذكرى من الإعراب وجوه قال الفراء : يجوز أن يكون في موضع نصب على ~~معنى : لتنذر به ولتذكر ، ويجوز أن يكون رفعا بالرد على قوله : { كتاب } ~~والتقدير : كتاب حق وذكرى ، ويجوز أيضا أن يكون التقدير ، وهو ذكرى ، ويجوز ~~أن يكون خفضا ، لأن معنى لتنذر به ، لأن تنذر به فهو في موضع خفض ، لأن ~~المعنى للإنذار والذكرى . # فإن قيل : لم قيد هذه الذكرى بالمؤمنين . # قلنا : هو نظير قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) والبحث ~~العقلي فيه أن النفوس البشرية على قسمين : نفوس بليدة جاهلة ، بعيدة عن ~~عالم الغيب ، غريقة في طلب اللذات الجسمانية ، والشهوات الجسدانية ونفوس ~~شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة بالحوادث الروحانية / فبعثة الأنبياء ~~والرسل في حق القسم الأول ، إنذار وتخويف ، فإنهم لما غرقوا في نوم الغفلة ~~ورقدة الجهالة ، احتاجوا إلى موقظ يوقظهم ، وإلى منبه ينبههم . وأما في حق ~~القسم الثاني فتذكير وتنبيه ، وذلك لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية ~~مستعدة للانجذاب إلى عالم القدس والاتصال بالحضرة الصمدية ، إلا أنه ربما ~~غشيها غواش من عالم الجسم ، فيعرض لها نوع ذهول وغفلة ، فإذا سمعت دعوة ~~الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تعالى ، تذكرت مركزها وأبصرت ~~منشأها ، واشتاقت إلى ما حصل هنالك من الروح والراحة والريحان ، فثبت أنه ~~تعالى إنما أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذارا في حق طائفة ، وذكرى في ~~حق طائفة أخرى . والله أعلم . # PageV14P015 ! 7 < { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أوليآء قليلا ما تذكرون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 3 ) اتبعوا ما أنزل . . . . . # > > اعلم أن أمر الرسالة إنما يتم ms3881 بالمرسل وهو الله سبحانه وتعالى ~~والمرسل وهو الرسول ، والمرسل إليه ، وهو الأمة ، فلما أمر في الآية الأولى ~~الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي ، وعزم / صحيح أمر المرسل إليه . وهم ~~الأمة بمتابعة الرسول . فقال : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال الحسن : يا ابن آدم ، أمرت باتباع كتاب الله وسنة ~~رسوله . # واعلم أن قوله : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } يتناول القرآن والسنة ~~. # فإن قيل : لماذا قال : { أنزل إليكم } وإنما أنزل على الرسول . # قلنا : إنه منزل على الكل بمعنى أنه خطاب للكل . # إذا عرفت هذا فنقول : هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس لا ~~يجوز لأن عموم القرآن منزل من عند الله تعالى . والله تعالى أوجب متابعته ، ~~فوجب العمل بعموم القرآن ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس ، وإلا لزم ~~التناقض . # فإن قالوا : لما ورد الأمر بالقياس في القرآن . وهو قوله : { فاعتبروا } ~~( الحشر : 2 ) كان العمل بالقياس عملا بما أنزل الله . # قلنا : هب أنه كذلك إلا أنا نقول : الآية الدالة على وجوب العمل بالقياس ~~إنما تدل على الحكم المثبت بالقياس ، لا ابتداء بل بواسطة ذلك القياس . ~~وأما عموم القرآن ، فإنه يدل على ثبوت ذلك الحكم ابتداء لا بواسطة ، ولما ~~وقع التعارض كان الذي دل عليه ما أنزله الله ابتداء أولى بالرعاية من الحكم ~~الذي دل عليه ما أنزله الله بواسطة شيء آخر ، فكان الترجيح من جانبنا . ~~والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولا تتبعوا من دونه أولياء } قالوا ~~معناه ولا تتولوا من دونه أولياء من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة ~~الأوثان والأهواء والبدع . ولقائل أن يقول : الآية تدل على أن المتبوع إما ~~أن يكون هو الشيء الذي أنزله الله تعالى أو غيره . # أما الأول : فهو الذي أمر الله باتباعه . # وأما الثاني : فهو الذي نهى الله عن اتباعه ، فكان المعنى أن كل ما يغاير ~~الحكم الذي أنزله الله تعالى فإنه لا يجوز إتباعه . # إذا ثبت هذا فنقول : إن نفاة القياس تمسكوا به في نفي ms3882 القياس . فقالوا ~~الآية تدل على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس ~~متابعة لغير ما أنزله الله تعالى ، فوجب أن لا يجوز . # فإن قالوا : لما دل قوله فاعتبروا على العمل بالقياس كان العمل بالقياس ~~عملا بما أنزله الله تعالى PageV14P016 أجيب عنه بأن العمل بالقياس ، لو ~~كان عملا بما أنزله الله تعالى ، لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافرا ~~لقوله تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( المائدة ~~: 44 ) وحيث أجمعت الأمة على عدم التكفير علمنا أن العمل بحكم القياس ليس ~~عملا بما أنزله الله تعالى ، وحينئذ يتم الدليل . # / وأجاب عنه مثبتو القياس : بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة ~~والإجماع دليل قاطع وما ذكرتموه تمسك بظاهر العموم ، وهو دليل مظنون ~~والقاطع أولى من المظنون . # وأجاب : الأولون بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله : { ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين } ( النساء : 115 ) وعموم قوله : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا ~~} ( البقرة : 143 ) وعموم قوله : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر } ( آل عمران : 110 ) وبعموم قوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( لا تجتمع أمتي على الضلالة ) وعلى هذا فإثبات كون الإجماع حجة ~~، فرع عن التمسك بالعمومات ، والفرع لا يكون أقوى من الأصل . # فأجاب مثبتو القياس : بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في أثبات ~~القياس قويت القوة وحصل الترجيح . والله أعلم . # المسألة الثالثة : الحشوية الذين ينكرون النظر العقلي والبراهين العقلية ~~، تمسكوا بهذه الآية وهو بعيد لأن العلم بكون القرآن حجة موقوف على صحة ~~التمسك بالدلائل العقلية ، فلو جعلنا القرآن طاعنا في صحة الدلائل العقلية ~~لزم التناقض وهو باطل . # المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر { قليلا ما * يتذكرون } ( النمل : 62 ) ~~بالياء تارة والتاء أخرى . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء وتخفيف ~~الذال ، والباقون بالتاء وتشديد الذال . قال الواحدي رحمه الله : تذكرون ~~أصله تتذكرون فأدغم تاء تفعل في الذال لأن التاء مهموسة ، والذال مجهورة ~~والمجهور أزيد صوتا من المهموس ، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد ، وما موصولة ~~بالفعل وهي معه بمنزلة المصدر ms3883 . فالمعنى : قليلا تذكركم ، وأما قراءة ابن ~~عامر { يتذكرون } بياء وتاء فوجهها أن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أي قليلا ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب ، وأما قراءة حمزة ~~والكسائي وحفص ، خفيفة الذال شديدة الكاف ، فقد حذفوا التاء التي أدغمها ~~الأولون ، وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة والله أعلم . قال صاحب ( ~~الكشاف ) : وقرأ مالك بن دينار ولا تبتغوا من الابتغاء من قوله تعالى : { ~~ومن يبتغ غير الإسلام دينا } ( آل عمران : 85 ) . # ! 7 < { وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون * فما كان ~~دعواهم إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 4 - 5 ) وكم من قرية . . . . . # > > PageV14P017 # / اعلم أنه تعالى لما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالإنذار والتبليغ ~~، وأمر القوم بالقبول والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة ~~والإعراض عنها من الوعيد ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الزجاج : موضع كم رفع بالابتداء وخبره أهلكناها . ~~قال : وهو أحسن من أن يكون في موضع نصب لأن قولك زيد ضربته أجود من قولك ~~زيدا ضربته ، والنصب جيد عربي أيضا كقوله تعالى : { إنا كل شىء خلقناه بقدر ~~} . # المسألة الثانية : قيل : في الآية محذوف والتقدير : وكم من أهل قرية ويدل ~~عليه وجوه : أحدها : قوله : { فجاءها بأسنا } والبأس لا يليق إلا بالأهل . ~~وثانيها : قوله : { أو هم قائلون } فعاد الضمير إلى أهل القرية . وثالثها : ~~أن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بإهلاكهم . ورابعها : أن معنى ~~البيات والقائلة لا يصح إلا فيهم . # فإن قيل : فلماذا قال أهلكناها ؟ أجابوا بأنه تعالى رد الكلام على اللفظ ~~دون المعنى كقوله تعالى : { وكأين من قرية عتت } ( الطلاق : 8 ) فرده على ~~اللفظ . ثم قال : { أعد الله لهم } ( الأحزاب : 25 ) فرده على المعنى دون ~~اللفظ ، ولهذا السبب قال الزجاج : ولو قال فجاءهم بأسنا لكان صوابا ، وقال ~~بعضهم : لا محذوف في الآية والمراد إهلاك نفس القرية لأن في إهلاكها بهدم ~~أو خسف أو غيرهما إهلاك من فيها ، ولأن على هذا التقدير يكون قوله : { ~~فجاءها بأسنا } محمولا ms3884 على ظاهره ولا حاجة فيه إلى التأويل . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : قوله : { وكم من قرية أهلكناها فجاءها ~~بأسنا } يقتضي أن يكون الإهلاك متقدما على مجيء البأس وليس الأمر كذلك ، ~~فإن مجيء البأس مقدم على الإهلاك والعلماء أجابوا عن هذا السؤال من وجوه : ~~الأول : المراد بقوله : { أهلكناها } أي حكمنا بهلاكها فجاءها بأسنا . ~~وثانيها : كم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كقوله تعالى : { يأيها ~~الذين ءامنوا إذا قمتم إلى } ( المائدة : 6 ) وثالثها : أنه لو قال وكم من ~~قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا لم يكن السؤال واردا فكذا ههنا لأنه تعالى ~~عبر عن ذلك الإهلاك بلفظ البأس . فإن قالوا : السؤال باق ، لأن الفاء في ~~قوله : { فجاءها بأسنا } فاء التعقيب ، وهو يوجب المغايرة . فنقول : الفاء ~~قد تجيء بمعنى التفسير كقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يقبل الله صلاة ~~أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه ) فالفاء في قوله فيغسل ~~للتفسير ، لأن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه . فكذلك ههنا ~~البأس جار مجرى التفسير ، لذلك الإهلاك ، لأن الإهلاك ، قد يكون بالموت ~~المعتاد ، وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم ، فكان ذكر البأس تفسيرا ~~لذلك الإهلاك . الرابع : قال الفراء : لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان ~~معا كما يقال : أعطيتني فأحسنت ، وما كان الإحسان بعد الإعطاء / ولا قبله ، ~~وإنما وقعا معا فكذا ههنا ، وقوله : { بياتا } قال الفراء يقال : بات الرجل ~~يبيت بيتا ، وربما قالوا بياتا قالوا : وسمي البيت لأنه يبات فيه . قال ~~صاحب ( الكشاف ) : قوله : { بياتا } مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين ~~وقوله : { أو هم قائلون } فيه بحثان : # البحث الأول : أنه حال معطوفة على قوله : { بياتا } كأنه قيل : فجاءها ~~بأسنا بائتين أو قائلين . قال الفراء : وفيه واو مضمرة ، والمعنى : ~~أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو وهم قائلون ، إلا أنهم استثقلوا الجمع بين ~~حرفي العطف ، ولو قيل : كان صوابا ، وقال الزجاج : أنه ليس بصواب لأن واو ~~الحال قريبة من واو العطف ، PageV14P018 فالجمع بينهما يوجب الجمع بين ~~المثلين وأنه لا يجوز ، ولو قلت : جاءني زيد راجلا وهو فارس لم ms3885 يحتج فيه ~~إلى واو العطف . # البحث الثاني : كلمة ( أو ) دخلت ههنا بمعنى أنهم جاءهم بأسنا مرة ليلا ~~ومرة نهارا ، وفي القيلولة قولان : قال الليث : القيلولة نومة نصف النهار . ~~وقال الأزهري : القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر ، ~~وإن لم يكن مع ذلك نوم ، والدليل عليه : إن الجنة لا نوم فيها والله تعالى ~~يقول : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } ( الفرقان : 24 ) ~~ومعنى الآية أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له ، أما ليلا وهم نائمون ، ~~أو نهارا وهم قائلون ، والمقصود : أنهم جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من ~~غير تقدم إمارة تدلهم على نزول ذلك العذاب ، فكأنه قيل : للكفار لا تغتروا ~~بأسباب الأمن والراحة والفراغ ، فإن عذاب الله إذا وقع ، وقع دفعة من غير ~~سبق إمارة فلا تغتروا بأحوالكم . # ثم قال تعالى : { فما كان دعواهم } قال أهل اللغة : الدعوى اسم يقوم مقام ~~الادعاء ، ومقام الدعاء . حكى سيبويه : اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ~~، ودعوى المسلمين . قال ابن عباس : فما كان تضرعهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن ~~قالوا أنا كنا ظالمين فأقروا على أنفسهم بالشرك . قال ابن الأنباري : فما ~~كان قولهم إذ جاءهم بأسنا إلا الاعتراف بالظلم والإقرار بالإسارة وقوله : { ~~إلا أن قالوا } الاختيار عند النحويين أن يكون موضع أن رفعا بكان ويكون ~~قوله : { دعواهم } نصبا كقوله : { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا } ( ~~النمل : 56 ) وقوله : { فكان عاقبتهما أنهما فى النار } ( الحشر : 17 ) ~~وقوله : { ما كان حجتهم إلا أن } ( الجاثية : 25 ) قال ويجوز أن يكون أيضا ~~على الضد من هذا بأن يكون الدعوى رفعا ، وإن قالوا نصبا كقوله تعالى : { ~~ليس البر أن تولوا } ( البقرة : 177 ) على قراءة من رفع البر ، والأصل في ~~هذا الباب أنه إذا حصل بعد كلمة كان معرفتان فأنت بالخيار في رفع أيهما شئت ~~، وفي نصب الآخر كقولك كان زيد أخاك وإن شئت كان زيدا أخوك . قال الزجاج : ~~إلا أن الاختيار إذا جعلنا قوله : { دعواهم } في موضع / رفع أن يقول : { ~~فما * كانت * دعواهم } فلما قال ms3886 : كان دل على أن الدعوى في موضع نصب ، ~~ويمكن أن يجاب عنه بأنه يجوز تذكير الدعوى ، وإن كانت رفعا فتقول : كان ~~دعواه باطلا ، وباطلة ، والله أعلم . # ! 7 < { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين * فلنقصن عليهم بعلم ~~وما كنا غآئبين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 6 - 7 ) فلنسألن الذين أرسل . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في تقرير وجه النظم وجهان : # الوجه الأول : أنه تعالى لما أمر الرسل في الآية المتقدمة بالتبليغ ، ~~وأمر الأمة بالقبول والمتابعة ، وذكر التهديد على ترك القبول والمتابعة ~~بذكر نزول العذاب في الدنيا ، أتبعه بنوع آخر من التهديد ، وهو أنه تعالى ~~PageV14P019 يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة . # الوجه الثاني : أنه تعالى لما قال : { فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا ~~أن قالوا إنا كنا ظالمين } ( الأعراف : 5 ) أتبعه بأنه لا يقع يوم القيامة ~~الاقتصار على ما يكون منهم من الاعتراف . بل ينضاف إليه أنه تعالى يسأل ~~الكل عن كيفية أعمالهم ، وبين أن هذا السؤل لا يختص بأهل العقاب . بل هو ~~عام في أهل العقاب وأهل الثواب . # المسألة الثانية : الذين أرسل إليهم . هم الأمة ، والمرسلون هم الرسل ، ~~فبين تعالى أنه يسأل هذين الفريقين ، ونظير هذه الآية قوله : { فوربك ~~لنسئلنهم أجمعين * عما كانوا يعملون } ( الحجر : 92 ) . # ولقائل أن يقول : المقصود من السؤال أن يخبر المسؤول عن كيفية أعماله ، ~~فلما أخبر الله عنهم في الآية المتقدمة أنهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين ، ~~فما الفائدة في ذكر هذا السؤال بعده ؟ وأيضا قال تعالى بعد هذه الآية : { ~~فلنقصن عليهم بعلم } فإذا كان يقصه عليهم بعلم ، فما معنى هذا السؤال . # والجواب : أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين ، سئلوا بعد ذلك عن ~~سبب ذلك الظلم والتقصير ، والمقصود منه التقريع والتوبيخ . # فإن قيل : فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ~~ألبتة ؟ # قلنا : لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة التحق التقصير ~~بكليته بالأمة ، فيتضاعف / إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع ~~موجبات التقصير ، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق ms3887 الكفار ، لما ثبت أن ~~كل التقصير كان منهم . # ثم قال تعالى : { فلنقصن عليهم بعلم } والمراد أنه تعالى يكرر ويبين ~~للقوم ما أعلنوه وأسروه من أعمالهم ، وأن يقص الوجوه التي لأجلها أقدموا ~~على تلك الأعمال ، ثم بين تعالى أنه إنما يصح منه أن يقص تلك الأحوال عليهم ~~لأنه ما كان غائبا عن أحوالهم بل كان عالما بها . وما خرج عن علمه شيء منها ~~، وذلك يدل على أن الإلهية لا تكمل إلا إذا كان عالما بجميع الجزئيات ، حتى ~~يمكنه أن يميز المطيع عن العاصي ، والمحسن عن المسيء ، فظهر أن كل من أنكر ~~كونه تعالى عالما بالجزئيات ، امتنع منه الاعتراف بكونه تعالى آمرا ناهيا ~~مثيبا معاقبا ، ولهذا السبب فإنه تعالى أينما ذكر أحوال البعث والقيامة بين ~~كونه عالما بجميع المعلومات . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فلنقصن عليهم بعلم } يدل على أنه تعالى ~~عالم بالعلم ، وأن قول من يقول : إنه لا علم لله قول باطل . # فإن قيل : كيف الجمع بين قوله : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن ~~المرسلين } وبين قوله : { فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان } ( الرحمن : ~~39 ) وقوله : { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } ( القصص : 78 ) . # قلنا فيه وجوه : أحدها : أن القوم لا يسألون عن الأعمال ، لأن الكتب ~~مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال / وعن ~~الصوارف التي صرفتم عنها . وثانيها : أن السؤال قد يكون لأجل الاسترشاد ~~والاستفادة ، وقد يكون لأجل التوبيخ والإهانة ، كقول القائل ألم أعطك وقوله ~~تعالى : { ألم أعهد إليكم يبنى * وإذ أخذ } ( يس : 60 ) قال الشاعر : ~~PageV14P020 # % ألستم خير من ركب المطايا % % # إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لا يسأل أحدا لأجل الاستفادة والاسترشاد ~~، ويسألهم لأجل توبيخ الكفار وإهانتهم ، ونظيره قوله تعالى : { وأقبل بعضهم ~~على بعض يتساءلون } ( الصافات : 27 ) ثم قال : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون } ( المؤمنون : 101 ) فإن الآية الأولى تدل على أن المسألة ~~الحاصلة بينهم إنما كانت على سبيل أن بعضهم يلوم بعضا ، والدليل عليه قول : ~~{ فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون } ( القلم : 30 ) وقوله : { فلا أنساب ms3888 ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون } ( القلم : 30 ) معناه أنه لا يسأل بعضهم بعضا ~~على سبيل الشفقة واللطف ، لأن النسب يوجب الميل والرحمة والإكرام . # والوجه الثالث : في الجواب : أن يوم القيامة يوم طويل ومواقفها كثيرة ، ~~فأخبر عن بعض الأوقات بحصول السؤال ، وعن بعضها بعدم السؤال . # / المسألة الرابعة : الآية تدل على أنه تعالى يحاسب كل عباده ، لأنهم لا ~~يخرجون عن أن يكونوا رسلا أو مرسلا إليهم ، ويبطل قول من يزعم أنه لا حساب ~~على الأنبياء والكفار . # المسألة الخامسة : الآية تدل على كونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ، ~~لأنه تعالى قال : { وما كنا غائبين } ولو كان تعالى على العرش لكان غائبا ~~عنا . # فإن قالوا : نحمله على أنه تعالى ما كان غائبا عنهم بالعلم والإحاطة . # قلنا : هذا تأويل والأصل في الكلام حمله على الحقيقة . # فإن قالوا : فأنتم لما قلتم أنه تعالى غير مختص بشيء من الأحياز والجهات ~~، فقد قلتم أيضا بكونه غائبا . # قلنا : هذا باطل لأن الغائب هو الذي يعقل أن يحضر بعد غيبة ، وذلك مشروط ~~بكونه مختصا بمكان وجهة ، فأما الذي لا يكون مختصا بمكان وجهة وكان ذلك ~~محالا في حقه ، امتنع وصفه بالغيبة والحضور ، فظهر الفرق والله أعلم . # ! 7 < { والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولائك هم المفلحون * ومن ~~خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } . > 7 ~~@QB@ < # | الأعراف : ( 8 - 9 ) والوزن يومئذ الحق . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن من جملة أحوال القيامة السؤال ~~والحساب ، بين في هذه الآية أن من جملة أحوال القيامة أيضا وزن الأعمال ، ~~وفي الآية مسائل : PageV14P021 # المسألة الأولى : { الوزن } مبتدأ و { يومئذ } ظرف له و { الحق } خبر ~~المبتدأ ، ويجوز أن يكون { يومئذ } الخبر و { الحق } صفة للوزن ، أي والوزن ~~الحق ، أي العدل يوم يسأل الله الأمم والرسل . # المسألة الثانية : في تفسير وزن الأعمال قولان : الأول : في الخبر أنه ~~تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها ~~وشرها ، ثم قال ابن عباس : أما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة ms3889 ، فتوضع في ~~كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته ، فذلك قوله : { فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون } الناجون قال وهذا كما قال في سورة الأنبياء : { ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا } ( الأنبياء : 47 ) وأما ~~كيفية وزن الأعمال على هذا القول ففيه وجوه : أحدهما : أن أعمال المؤمن ~~تتصور بصورة حسنة ، وأعمال الكافر بصورة قبيحة ، فتوزن تلك الصورة : كما ~~ذكره ابن عباس . والثاني : أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال ~~العباد مكتوبة ، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يوزن يوم القيامة ~~فقال : ( الصحف ) وهذا القول مذهب عامة المفسرين في هذه الآية ، وعن عبد ~~لله بن سلام ، أن ميزان رب العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش ~~إحدى كفتي الميزان على الجنة ، والأخرى على جهنم ، ولو وضعت السموات والأرض ~~في إحداهما لوسعتهن ، وجبريل آخذ بعموده ينظر إلى لسانه ، وعن عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأتى برجل ~~يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مد البصر ~~فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله يوضع في الأخرى فترجح ) ~~وعن الحسن : بينما الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم واضع رأسه في حجر ~~عائشة رضي الله عنها قد أغفى فسالت الدموع من عينها فقال : ( ما أصابك ما ~~أبكاك ؟ ) فقالت : ذكرت حشر الناس وهل يذكر أحد أحدا ، فقال لها : ( يحشرون ~~حفاة عراة غرلا ) { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } ( عبس : 37 ) لا يذكر ~~أحد أحدا عند الصحف ، وعند وزن الحسنات والسيئات ، وعن عبيد بن عمير يأتى ~~بالرجل العظيم الأكول الشروب فلا يكون له وزن بعوضة . # والقول الثاني : وهو قول مجاهد والضحاك والأعمش ، أن المراد من الميزان ~~العدل والقضاء وكثير من المتأخرين ذهبوا إلى هذا القول ، وقالوا حمل لفظ ~~الوزن على هذا المعنى سائغ في اللغة والدليل عليه فوجب المصير ms3890 إليه . وأما ~~بيان أن حمل لفظ الوزن على هذا المعنى جائز في اللغة ، فلأن العدل في الأخذ ~~والإعطاء ، لا يظهر إلا بالكيل والوزن في الدنيا فلم يبعد جعل الوزن كناية ~~عن العدل ، ومما يقوي ذلك أن الرجل إذا لم يكن له قدرة ولا قيمة عند غيره ~~يقال : إن فلانا لا يقيم لفلان وزنا قال تعالى : { فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا } ( الكهف : 105 ) ويقال أيضا فلان استخف بفلان ، ويقال هذا ~~الكلام في وزن هذا وفي وزانه / أي يعادله ويساويه مع أنه ليس هناك وزن في ~~الحقيقة قال الشاعر : # % قد كنت قبل لقائكم ذا قوة % % عندي لكل مخاصم ميزانه % # أراد عندي لكل مخاصم كلام يعادل كلامه فجعل الوزن مثلا للعدل . # إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن يكون المراد من هذه الآية هذا المعنى فقط ~~والدليل عليه أن / الميزان ، إنما يراد ليتوصل به إلى معرفة مقدار الشيء ، ~~ومقادير الثواب والعقاب لا يمكن إظهارها بالميزان ، لأن أعمال العباد أعراض ~~وهي قد فنيت وعدمت ، ووزن المعدوم محال ، وأيضا فبتقدير بقائها كان وزنها ~~محالا ، وأما PageV14P022 قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على ~~حسب مقادير الأعمال . فنقول : المكلف يوم القيامة ، إما أن يكون مقرا بأنه ~~تعالى عادل حكيم أو لا يكون مقرا بذلك فإن كان مقرا بذلك ، فحينئذ كفاه حكم ~~الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب وإن لم يكن مقرا ~~بذلك لم يعرف من رجحان كفة الحسنات على كفة السيئات أو بالعكس حصول الرجحان ~~لاحتمال أنه تعالى أظهر ذلك الرجحان لا على سبيل العدل والإنصاف . فثبت أن ~~هذا الوزن لا فائدة فيه ألبتة ، أجاب الأولون وقالوا إن جميع المكلفين ~~يعلمون يوم القيامة أنه تعالى منزه عن الظلم والجور ، والفائدة في وضع ذلك ~~الميزان أن يظهر ذلك الرجحان لأهل القيامة ، فإن كان ظهور الرجحان في طرف ~~الحسنات ، ازداد فرحه وسروره بسبب ظهور فضله وكمال درجته لأهل القيامة وإن ~~كان بالضد فيزداد غمه وحزنه وخوفه وفضيحته في موقف القيامة ، ثم اختلفوا في ~~كيفية ms3891 ذلك الرجحان ، فبعضهم قال يظهر هناك نور في رجحان الحسنات ، وظلمة في ~~رجحان السيئات ، وآخرون قالوا بل بظهور رجحان في الكفة . # المسألة الثالثة : الأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد ~~والدليل عليه قوله : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة } ( الأنبياء : 47 ~~) وقال في هذه الآية : { فمن ثقلت موازينه } وعلى هذا فلا يبعد أن يكون ~~لأفعال القلوب ميزان ، ولأفعال الجوارح ميزان ، ولما يتعلق بالقول ميزان ~~آخر . قال الزجاج : إنما جمع الله الموازين ههنا ، فقال : { فمن ثقلت ~~موازينه } ولم يقل ميزانه لوجهين : الأول : أن العرب قد توقع لفظ الجمع على ~~الواحد . فيقولون : خرج فلان إلى مكة على البغال . والثاني : أن المراد من ~~الموازين ههنا جمع موزون لا جمع ميزان وأراد بالموازين الأعمال الموزونة ~~ولقائل أن يقول هذان الوجهان يوجبان العدول عن ظاهر اللفظ ، وذلك إنما يصار ~~إليه عند تعذر حمل الكلام على ظاهره ولا مانع ههنا منه فوجب إجراء اللفظ ~~على حقيقته فكما لم يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات ~~موازين بهذه الصفة ، فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل . # وأما قوله تعالى : { ومن خفت موازينه فأولائك الذين خسروا أنفسهم بما ~~كانوا بآياتنا يظلمون } . # اعلم أن هذه الآية فيها مسائل : # المسألة الأولى : أنها تدل على أن أهل القيامة فريقان منهم من يزيد ~~حسناته على سيئاته ، ومنهم من يزيد سيئاته على حسناته ، فأما القسم الثالث ~~وهو الذي تكون حسناته وسيئاته متعادلة متساوية / فإنه غير موجود . # المسألة الثانية : قال أكثر المفسرين المراد من قوله : { ومن خفت موازينه ~~} الكافر والدليل عليه القرآن والخبر والأثر . أما القرآن فقوله تعالى : { ~~فأولائك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } ولا معنى لكون ~~الإنسان ظالما بآيات الله إلا كونه كافرا بها منكرا لها / فدل هذا على أن ~~المراد من هذه الآية أهل الكفر ، وأما الخبر فما روي أنه إذا خفت حسنات ~~المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجرته بطاقة كالأنملة فيلقيها ~~في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ms3892 ذلك العبد ~~المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك ~~فمن أنت ؟ فيقول : ( أنا نبيك محمد وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك ~~أحوج ما تكون إليها ) ، وهذا الخبر رواه الواحدي في ( البسيط ) ، وأما ~~جمهور العلماء فرووا ههنا PageV14P023 الخبر الذي ذكرناه من أنه تعالى يلقى ~~في كفة الحسنات الكتاب المشتمل على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله . قال القاضي : يجب أن يحمل هذا على أنه أتى بالشهادتين بحقهما ~~من العبادات ، لأنه لو لم يعتبر ذلك لكان من أتى بالشهادتين يعلم أن ~~المعاصي لا تضره ، وذلك إغراء بمعصية الله تعالى . # ولقائل أن يقول : العقل يدل على صحة ما دل عليه هذا الخبر ، وذلك أن ~~العمل كلما كان أشرف وأعلى درجة ، وجب أن يكون أكثر ثوابا ، ومعلوم أن ~~معرفة الله تعالى ومحبته أعلى شأنا ، وأعظم درجة من سائر الأعمال ، فوجب أن ~~يكون أوفى ثوابا ، وأعلى درجة من سائر الأعمال . وأما الأثر فلأن ابن عباس ~~وأكثر المفسرين حملوا هذه الآية على أهل الكفر . # وإذا ثبت هذا الأصل فنقول : إن المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضر مع ~~الإيمان تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنه تعالى حصر أهل موقف القيامة في قسمين ~~: أحدهما : الذين رجحت كفة حسناتهم وحكم عليهم بالفلاح . والثاني : الذين ~~رجحت كفة سيئاتهم ، وحكم عليهم بأنهم أهل الكفر الذين كانوا يظلمون بآيات ~~الله ، وذلك يدل على أن المؤمن لا يعاقب ألبتة . ونحن نقول في الجواب : ~~أقصى ما في الباب أنه تعالى لم يذكر هذا القسم الثالث في هذه الآية إلا أنه ~~تعالى ذكره في سائر الآيات فقال : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء ~~: 116 ) والمنطوق راجح على المفهوم ، فوجب المصير إلى إثباته ، وأيضا فقال ~~تعالى في هذا القسم : { فأولائك الذين خسروا أنفسهم } ونحن نسلم أن هذا لا ~~يليق إلا بالكافر وأما العاصي المؤمن فإنه يعذب أياما ثم يعفى عنه ، ويتخلص ~~إلى رحمة الله تعالى ، فهو في الحقيقة ما خسر نفسه بل فاز ms3893 برحمة الله أبد ~~الآباد من غير زوال وانقطاع . والله أعلم . # ! 7 < { ولقد مكناكم فى الا رض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون } ~~. > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 10 ) ولقد مكناكم في . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما أمر الخلق بمتابعة الأنبياء عليهم ~~السلام ، وبقبول دعوتهم ثم خوفهم بعذاب الدنيا ، وهو قوله : { وكم من قرية ~~أهلكناها } ( الأعراف : 4 ) ثم خوفهم بعذاب الآخرة من وجهين : أحدهما : ~~السؤال ؛ وهو قوله : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم } ( الأعراف : 6 ) والثاني ~~: بوزن الأعمال ، وهو قوله : { والوزن يومئذ الحق } ( الأعراف : 8 ) رغبهم ~~في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام في هذه الآية بطريق آخر وهو أنه كثرت ~~نعم الله عليهم ، وكثرة النعم توجب الطاعة ، فقال : { ولقد مكناكم فى الارض ~~وجعلنا لكم فيها معايش } فقوله : { مكناكم فى الارض } أي جعلنا لكم فيها ~~مكانا وقرارا ومكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها وجعلنا لكم فيها ~~معايش ، والمراد من المعايش : وجوه المنافع وهي على قسمين ، منها ما يحصل ~~بخلق الله تعالى ابتداء مثل خلق الثماء وغيرها ، ومنها ما يحصل بالاكتساب ~~وكلاهما في الحقيقة إنما حصل بفضل الله وإقداره وتمكينه ، فيكون الكل ~~إنعاما من الله تعالى ، وكثرة الانعام لا شك أنها توجب الطاعة والانقياد ، ~~ثم بين تعالى أنه مع هذا PageV14P024 الإفضال والانعام عالم بأنهم لا ~~يقومون بشكره كما ينبغي ، فقال : { قليلا ما تشكرون } وهذا يدل على أنهم قد ~~يشكرون والأمر كذلك ، وذلك لأن الإقرار بوجود الصانع كالأمر الضروري اللازم ~~لجبلة عقل كل عاقل ، ونعم الله على الإنسان كثيرة ، فلا إنسان إلا ويشكر ~~الله تعالى في بعض الأوقات على نعمه ، إنما التفاوت في أن بعضهم قد يكون ~~كثير الشكر ، وبعضهم يكون قليل الشكر . # المسألة الثانية : روى خارجة عن نافع أنه همز { * معائش } قال الزجاج : ~~جميع النحويين البصريين يزعمون أن همز { * معائش } خطأ ، وذكروا أنه إنما ~~يجوز جعل الياء همزة إذا كانت زائدة نحو صحيفة وصحائف ، فأما { فيها معايش ~~} فمن العيش ، والياء أصلية ، وقراءة نافع لا أعرف لها وجها ، إلا أن لفظة ~~هذه الياء التي ms3894 هي من نفس الكلمة أسكن في معيشة فصارت هذه الكلمة مشابهة ~~لقولنا صحيفة ، فجعل قوله : { * معائش } شبيها لقولنا صحائف فكما أدخلوا ~~الهمزة في قولنا : صحائف فكذا في قولنا معائش على سبيل التشبيه ، إلا أن ~~الفرق ما ذكرناه أن الياء في معيشة أصلية وفي صحيفة زائدة . # ! 7 < { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا ~~إلا إبليس لم يكن من الساجدين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 11 ) ولقد خلقناكم ثم . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى رغب الأمم في قبول دعوة الأنبياء عليهم ~~السلام بالتخويف أولا ثم بالترغيب ثانيا على ما بيناه ، والترغيب إنما كان ~~لأجل التنبيه على كثرة نعم الله تعالى على الخلق ، فبدأ في شرح تلك النعم ~~بقوله : { يظلمون ولقد مكناكم فى الارض وجعلنا لكم فيها معايش } ثم أتبعه ~~بذكر أنه خلق أبانا آدم وجعله مسجودا للملائكة ، والإنعام على الأب يجري ~~مجرى الإنعام على الابن فهذا هو وجه النظم في هذه الآيات ، ونظيره أنه ~~تعالى قال في أول سورة البقرة : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ~~( البقرة : 28 ) فمنع تعالى من المعصية بقوله : { كيف تكفرون بالله } وعلل ~~ذلك المنع بكثرة نعمه على الخلق ، وهو أنهم كانوا أمواتا فأحياهم ، ثم خلق ~~لهم ما في الأرض جميعا من المنافع ، ثم أتبع تلك المنفعة بأن جعل آدم خليفة ~~في الأرض مسجودا للملائكة ، والمقصود من الكل تقرير أن مع هذه النعم ~~العظيمة لا يليق بهم التمرد والجحود فكذا في هذه السورة ذكر تعالى عين هذا ~~المعنى بغير هذا الترتيب فهذا بيان وجه النظم على أحسن الوجوه : # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى ذكر قصة آدم عليه السلام مع قصة إبليس ~~في القرآن في سبعة مواضع : أولها : في سورة البقرة ، وثانيها : في هذه ~~السورة ، وثالثها : في سورة الحجر ، ورابعها : في سورة بني إسرائيل ، ~~وخامسها : في سورة الكهف ، وسادسها : في سورة طه ، وسابعها : في سورة ص . ~~PageV14P025 # إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية سؤال ، وهو أن قوله تعالى : { ولقد * ~~خلقناكم ثم صورناكم } يفيد أن المخاطب ms3895 بهذا الخطاب نحن . # ثم قال بعده : { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } وكلمة { ثم } تفيد ~~التراخي ، فظاهر الآية يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا ~~وتصويرنا ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، فلهذا السبب اختلف الناس في تفسير ~~هذه الآية على أربعة أقوال : الأول : أن قوله : { ولقد خلقناكم } أي / ~~خلقنا أباكم آدم وصورناكم ، أي صورنا آدم { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } ~~( الأعراف : 11 ) وهو قول الحسن ويوسف النخوي وهو المختار ، وذلك لأن أمر ~~الملائكة بالسجود لآدم تأخر عن خلق آدم وتصويره ، ولم يتأخر عن خلقنا ~~وتصويرنا أقصى ما في الباب أن يقال : كيف يحسن جعل خلقنا وتصويرنا كناية عن ~~خلق آدم وتصويره ؟ فنقول : إن آدم عليه السلام أصل البشر ، فوجب أن تحسن ~~هذه الكناية نظيرة قوله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور } ~~( البقرة : 63 ) أي ميثاق أسلافكم من بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام ~~، ويقال : قتلت بنو أسد فلانا ، وإنما قتله أحدهم . قال عليه السلام : ثم ~~أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل ، وإنما قتله أحدهم ، وقال تعالى مخاطبا ~~لليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم : { وإذا * وإذ أنجيناكم من ءال } ~~( الأعراف : 141 ) { وإذ قتلتم نفسا } ( البقرة : 72 ) والمراد من جميع هذه ~~الخطابات أسلافهم ، فكذا ههنا . الثاني : أن يكون المراد من قوله : { ~~خلقناكم } آدم { ثم صورناكم } ( الأعراف : 11 ) أي صورنا ذرية آدم عليه ~~السلام في ظهره ، ثم بعد ذلك قلنا للملائكة اسجدوا لآدم / وهذا قول مجاهد . ~~فذكر أنه تعالى خلق آدم أولا ، ثم أخرج أولاده من ظهره في صورة الذر ، ثم ~~بعد ذلك أمر الملائكة بالسجود لآدم . # الوجه الثالث : خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم ، فهذا العطف يفيد ترتيب خبر على خبر ، ولا يفيد ترتيب المخبر ~~على المخبر . # والوجه الرابع : أن الخلق في اللغة عبارة عن التقدير ، كما قررناه في هذا ~~الكتاب ، وتقدير الله عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته لتخصيص كل شيء ~~بمقداره المعين فقوله : { خلقناكم } إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث ms3896 ~~البشر في هذا العالم . وقوله : { صورناكم } إشارة إلى أنه تعالى أثبت في ~~اللوح المحفوظ صورة كل شيء كائن محدث إلى قيام الساعة على ما جاء في الخبز ~~أنه تعالى قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فخلق الله عبارة عن ~~حكمه ومشيئته ، والتصوير عبارة عن إثبات صور الأشياء في اللوح المحفوظ ، ثم ~~بعد هذين الأمرين أحدث الله تعالى آدم وأمر الملائكة بالسجود له وهذا ~~التأويل عندي أقرب من سائر الوجوه . # المسألة الثالثة : ذكرنا في سورة البقرة أن هذه السجدة فيها ثلاثة أقوال ~~: أحدها : أن المراد منها مجرد التعظيم لانفس السجدة . وثانيها : أن المراد ~~هو السجدة ، إلا أن المسجود له هو الله تعالى ، فآدم كان كالقبلة . وثالثها ~~: أن المسجود له هو آدم ، وأيضا ذكرنا أن الناس اختلفوا في أن الملائكة ~~الذين أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم هل هم ملائكة السموات والعرش أو ~~المراد ملائكة الأرض ، ففيه خلاف ، وهذه المباحث قد سبق ذكرها في سورة ~~البقرة . PageV14P026 # / المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى استثنى إبليس من ~~الملائكة ، فوجب كونه منهم وقد استقصينا أيضا هذه المسألة في سورة البقرة ، ~~وكان الحسن يقول : إبليس لم يكن من الملائكة لأنه خلق من نار والملائكة من ~~نور ، والملائكة لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ولا يعصون ، وليس كذلك ~~إبليس ، فقد عصى واستكبر ، والملائكة ليسوا من الجن ، وإبليس من الجن ، ~~والملائكة رسل الله ، وإبليس ليس كذلك ، وإبليس أول خليقة الجن وأبوهم ، ~~كما أن آدم صلى الله عليه وسلم أول خليقة الإنس وأبوهم . قال الحسن : ولما ~~كان إبليس مأمورا مع الملائكة استثناه الله تعالى ، وكان اسم إبليس شيئا ~~آخر ، فلما عصى الله تعالى سماه بذلك وكان مؤمنا عابدا في السماء حتى عصى ~~ربه فأهبط إلى الأرض . # ! 7 < { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين } . > 7 ! # قوله سبحانه وتعالى : { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين * قال ms3897 فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ~~فاخرج إنك من الصاغرين } . < < # | الأعراف : ( 12 - 13 ) قال ما منعك . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما أمر الملائكة ~~بالسجود . فإن ذلك الأمر قد تناول إبليس ، وظاهر هذا يدل على أن إبليس كان ~~من الملائكة ، إلا أن الدلائل التي ذكرناها تدل على أن الأمر ليس كذلك . ~~وأما الاستثناء فقد أجبنا عنه في سورة البقرة . # المسألة الثانية : ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى ، طلب من إبليس ما منعه من ~~ترك السجود ، وليس الأمر كذلك . فإن المقصود طلب ما منعه من السجود ، ولهذا ~~الإشكال حصل في الآية قولان : # القول الأول : وهو المشهور أن كلمة { لا } صلة زائدة ، والتقدير : ما ~~منعك أن تسجد ؟ ا وله نظائر في القرآن كقوله : { لا أقسم بيوم القيامة } ( ~~القيامة : 1 ) معناه : أقسم . وقوله : { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا ~~يرجعون } ( الحديد : 29 ) أي يرجعون . وقوله : { لئلا يعلم أهل الكتاب } أي ~~ليعلم أهل الكتاب . وهذا قول الكسائي ، والفراء ، والزجاج ، والأكثرين . # والقول الثاني : أن كلمة { لا } ههنا مفيدة وليست لغوا وهذا هو الصحيح ، ~~لأن الحكم / بأن كلمة من كتاب الله لغو لا فائدة فيها مشكل صعب ، وعلى هذا ~~القول ففي تأويل الآية وجهان : الأول : أن يكون التقدير : أي شيء منعك عن ~~ترك السجود ؟ ا ويكون هذا الاستفهام على سبيل الإنكار ومعناه : أنه ما منعك ~~عن ترك السجود ؟ ا كقول القائل لمن ضربه ظلما : ما الذي منعك من ضربي ، ~~أدينك ، أم عقلك ، أم حياؤك ؟ ا والمعنى : أنه لم يوجد أحد هذه الأمور ، ~~وما امتنعت من ضربي . الثاني : قال القاضي : ذكر الله المنع وأراد الداعي ~~فكأنه قال : ما دعاك إلى أن لا تسجد ؟ ا لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة ~~عظيمة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها . PageV14P027 # المسألة الثالثة : احتج العلماء بهذه الآية على أن صيغة الأمر تفيد ~~الوجوب ، فقالوا : إنه تعالى ذم إبليس بهذه الآية على ترك ما أمر به ولو لم ~~يفد الأمر الوجوب لما كان ms3898 مجرد ترك المأمور به موجبا للذم . # فإن قالوا : هب أن هذه الآية تدل على أن ذلك الأمر كان يفيد الوجوب ، ~~فلعل تلك الصيغة في ذلك الأمر كانت تفيد الوجوب . فلم قلتم إن جميع الصيغ ~~يجب أن تكون كذلك ؟ # قلنا : قوله تعالى : { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } يفيد تعليل ذلك الذم ~~بمجرد ترك الأمر ، لأن قوله : { إذ أمرتك } مذكور في معرض التعليل ، ~~والمذكور في قوله : { إذ أمرتك } هو الأمر من حيث أنه أمر لا كونه أمرا ~~مخصوصا في صورة مخصوصة ، وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون ترك الأمر من حيث أنه ~~أمر موجبا للذم ، وذلك يفيد أن كل أمر فإنه يقتضي الوجوب وهو المطلوب . # المسألة الرابعة : احتج من زعم أن الأمر يفيد الفور بهذه الآية قال : إنه ~~تعالى ذم إبليس على ترك السجود في الحال ، ولو كان الأمر لا يفيد الفور ~~لمااستوجب هذا الذم بترك السجود في الحال . # المسألة الخامسة : اعلم أن قوله تعالى : { ما منعك ألا تسجد } طلب الداعي ~~الذي دعاه إلى ترك السجود ، فحكى تعالى عن إبليس ذكر ذلك الداعي ، وهو أنه ~~قال : { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين } ومعناه : أن إبليس قال ~~إنما لم أسجد لآدم ، لأني خير منه ، ومن كان خيرا من غيره فإنه لا يجوز أمر ~~ذلك الأكمل بالسجود لذلك الأدونا ثم بين المقدمة الأولى وهو قوله : { أنا ~~خير منه } بأن قال : { خلقتني من نار وخلقته من طين } والنار أفضل من الطين ~~والمخلوق من الأفضل أفضل ، فوجب كون إبليس خيرا من آدم . أما بيان أن النار ~~أفضل من الطين ، فلأن النار مشرق علوي لطيف خفيف / حار يابس مجاور لجواهر ~~السموات ملاصق لها ، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن مجاورة ~~السموات ، وأيضا فالنار قوية التأثير والفعل ، والأرض ليس لها إلا القبول ~~والانفعال . والفعل أشرف من الانفعال ، وأيضا فالنار مناسبة للحرارة ~~الغريزية وهي مادة الحياة ، وأما الأرضية والبرد واليبس فهما مناسبان الموت ~~. والحياة أشرف من الموت ، وأيضا فنضج الثمار متعلق بالحرارة ms3899 ، وأيضا فسن ~~النمو من النبات لما كان وقت كمال الحرارة كان غاية كمال الحيوان حاصلا في ~~هذين الوقتين ، وأما وقت الشيخوخة ، فهو وقت البرد واليبس المناسب للأرضية ~~، لا جرم كان هذا الوقت أردأ أوقات عمر الإنسان ، فأما بيان أن المخلوق من ~~الأفضل أفضل فظاهر ، لأن شرف الأصول يوجب شرف الفروع . وأما بيان أن الأشرف ~~لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فلأنه قد تقرر في العقول أن من أمر أبا حنيفة ~~والشافعي وسائر أكابر الفقهاء بخدمة فقيه نازل الدرجة كان ذلك قبيحا في ~~العقول ، فهذا هو تقرير لشبهة إبليس . فنقول : هذه الشبهة مركبة من مقدمات ~~ثلاثة . أولها : أن النار أفضل من التراب ، فهذا قد تكلمنا فيه في سورة ~~البقرة . وأما المقدمة الثانية : وهي أن من كانت مادته أفضل فصورته أفضل ، ~~فهذا هو محل النزاع والبحث ، لأنه لما كانت الفضيلة عطية من الله ابتداء لم ~~يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة . ألا ترى أنه يخرج الكافر من المؤمن ~~والمؤمن من الكافر ، والنور من الظلمة والظلمة من النور ، وذلك يدل على أن ~~الفضيلة لا تحصل إلا بفضل الله تعالى لا بسبب فضيلة الأصل والجوهر . وأيضا ~~التكليف إنما يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل ، فالمعتبر بما ~~انتهى إليه لا بما خلق منه ، وأيضا فالفضل إنما يكون بالأعمال وما يتصل بها ~~لا بسبب المادة . ألا ترى أن الحبشي المؤمن مفضل على القرشي الكافر . ~~PageV14P028 # المسألة السادسة : احتج من قال : أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس ~~بأنه لو كان تخصيص عموم النص بالقياس جائزا لما استوجب إبليس هذا الذم ~~الشديد والتوبيخ العظيم ، ولما حصل ذلك دل على أن تخصيص عموم النص بالقياس ~~لا يجوز ، وبيان الملازمة أن قوله تعالى للملائكة : { اسجدوا لادم } ( ~~البقرة : 34 ) خطاب عام يتناول جميع الملائكة . ثم إن إبليس أخرج نفسه من ~~هذا العموم بالقياس . وهو أنه مخلوق من النار والنار أشرف من الطين ، ومن ~~كان أصله أشرف فهو أشرف ، فيلزم كون إبليس أشرف من آدم عليه السلام ، ومن ~~كان أشرف ms3900 من غيره ، فإنه لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون الأدنى . والدليل ~~عليه أن هذا الحكم ثابت في جميع النظائر ، ولا معنى للقياس إلا ذلك ، فثبت ~~أن إبليس ما عمل في هذه الواقعة شيئا إلا أنه خصص عموم قوله تعالى / ~~للملائكة : { اسجدوا لادم } بهذا القياس ، فلو كان تخصيص النص بالقياس ~~جائزا لوجب أن لا يستحق إبليس الذم على هذا العمل : وحيث استحق الذم الشديد ~~عليه ، علمنا أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز ، وأيضا ففي الآية دلالة على ~~صحة هذه المسألة من وجه آخر ، وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى ~~: { اهبط * منها فما يكون لك أن تتكبر فيها } فوصف تعالى إبليس بكونه ~~متكبرا بعد أن حكى عنه ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص ، وهذا يقتضي أن من ~~حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله / ولما دلت هذه الآية على أن ~~تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله ، ودلت هذه الآية على أن التكبر على ~~الله يوجب العقاب الشديد والإخراج من زمرة الأولياء والإدخال في زمرة ~~الملعونين ، ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز . وهذا هو المراد مما نقله ~~الواحدي في ( البسيط ) ، عن ابن عباس أنه قال : كانت الطاعة أولى بإبليس من ~~القياس ، فعصى ربه وقاس ، وأول من قاس إبليس ، فكفر بقياسه ، فمن قاس الدين ~~بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس . هذا جملة الألفاظ التي نقلها الواحدي في ~~( البسيط ) عن ابن عباس . # فإن قيل : القياس الذي يبطل النص بالكلية باطل . # أما القياس الذي يخصص النص في بعض الصور فلم قلتم أنه باطل ؟ وتقريره أنه ~~لو قبح أمر من كان مخلوقا من النار بالسجود لمن كان مخلوقا من الأرض ، لكان ~~قبح أمر من كان مخلوقا من النور المحض بالسجود لمن كان مخلوقا من الأرض ~~أولى وأقوى ، لأن النور أشرف من النار ، وهذا القياس يقتضي أن يقبح أمر أحد ~~من الملائكة بالسجود لآدم ، فهذا القياس يقتضي رفع مدلول النص بالكلية وأنه ~~باطل . # وأما القياس الذي يقتضي تخصيص مدلول النص العام ms3901 ، لم قلتم : إنه باطل ؟ ~~فهذا سؤال حسن أوردته على هذه الطريقة وما رأيت أحدا ذكر هذا السؤال ويمكن ~~أن يجاب عنه ، فيقال : إن كونه أشرف من غيره يقتضي قبح أمر من لا يرضى أن ~~يلجأ إلى خدمة الأدنى الأدون ، أما لو رضي ذلك الشريف بتلك الخدمة لم يقبح ~~، لأنه لا اعتراض عليه في أنه يسقط حق نفسه ، أما الملائكة فقد رضوا بذلك ، ~~فلا بأس به ، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق ، فوجب أن يقبح أمره ~~بذلك السجود ، فهذا قياس مناسب ، وأنه يوجب تخصيص النص ولا يوجب رفعه ~~بالكلية ولا إبطاله . فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا ، لما استوجب الذم ~~العظيم ، فلما استوجب استحقاق هذا الذم العظيم في حقه علمنا أن ذلك إنما ~~كان لأجل أن تخصيص النص بالقياس غير جائز . والله أعلم . PageV14P029 # / المسألة السابعة : قوله تعالى : { ما منعك أن * لا تسجدوا } لا شك أن ~~قائل هذا القول هو الله لأن قوله : { إذ أمرتك } لا يليق إلا بالله سبحانه ~~. # وأما قوله : { خلقتني من نار } فلا شك أن قائل هذا القول هو إبليس . # ! 7 < { قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين ~~} . > 7 ! # وأما قوله : { قال فاهبط منها } فلا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى ~~، ومثل هذه المناظرة بين الله سبحانه وبين إبليس مذكور في سورة { ص } على ~~سبيل الاستقصاء . # إذا ثبت هذا فنقول : إنه لم يتفق لأحد من أكابر الأنبياء عليهم السلام ~~مكالمة مع الله مثل ما اتفق لإبليس ، وقد عظم الله تشريف موسى بأن كلمه حيث ~~قال : { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } ( الأعراف : 143 ) وقال : { ~~وكلم الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) فإن كانت هذه المكالمة تفيد ~~الشرف العظيم فكيف حصلت على أعظم الوجوه لإبليس ؟ وإن لم توجب الشرف العظيم ~~، فكيف ذكره الله تعالى في معرض التشريف الكامل لموسى عليه السلام ؟ # والجواب : أن بعض العلماء قال : إنه تعالى قال لإبليس على لسان من يؤدي ~~إليه من الملائكة ما منعك من السجود ms3902 ؟ ولم يسلم أنه تعالى تكلم مع إبليس ~~بلا واسطة . قالوا : لأنه ثبت أن غير الأنبياء لا يخاطبهم الله تعالى إلا ~~بواسطة ، ومنهم من قال : إنه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة ، ولكن على وجه ~~الإهانة بدليل أنه تعالى قال له : { فاخرج إنك من الصاغرين } وتكلم مع موسى ~~ومع سائر الأنبياء عليهم السلام على سبيل الإكرام . ألا ترى أنه تعالى قال ~~لموسى : { وأنا اخترتك } ( طه : 13 ) وقال له { واصطنعتك لنفسى } ( طه : 41 ~~) وهذا نهاية الإكرام . # المسألة الثامنة : قوله تعالى : { فاهبط منها } قال ابن عباس : يريد من ~~الجنة ، وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم . وقال بعض المعتزلة : أنه إنما ~~أمر بالهبوط من السماء ، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في سورة ~~البقرة : { فما يكون لك أن تتكبر فيها } أي في السماء . قال ابن عباس : ~~يريد أن أهل السموات ملائكة متواضعون خاشعون فاخرج إنك من الصاغرين ، ~~والصغار الذلة . قال الزجاج : إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله تعالى ~~بالذلة والصغار تنبيها على صحة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم : ( من ~~تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله ) وقال بعضهم : لما أظهر الاستكبار ~~ألبس الصغار . والله أعلم . # ! 7 < { قال أنظرنى إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين * قال فبمآ ~~أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ~~وعن أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 14 - 17 ) قال أنظرني إلى . . . . . # > > # في الآية مسائل : PageV14P030 # المسألة الأولى : قوله تعالى : { قال أنظرنى إلى يوم يبعثون } يدل على ~~أنه طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين ~~يقوم الناس لرب العالمين . ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله تعالى ~~ذلك . بل قال إنك من المنظرين ثم ههنا قولان : الأول : أنه تعالى أنظره إلى ~~النفخة الأولى لأنه تعالى قال في آية أخرى : { إنك من المنظرين * إلى يوم ~~الوقت المعلوم } ( الحجر : 37 ، 38 ) والمراد منه اليوم الذي يموت فيه ~~الأحياء كلهم ، وقال آخرون : لم يوقت الله ms3903 له أجلا بل قال : { إنك من ~~المنظرين } وقوله في الأخرى : { إلى يوم الوقت المعلوم } المراد منه . ~~الوقت المعلوم في علم الله تعالى . قالوا : والدليل على صحة هذا القول أن ~~إبليس كان مكلفا والمكلف لا يجوز أن يعلم أن الله تعالى أخر أجله إلى الوقت ~~الفلاني لأن ذلك المكلف يعلم أنه متى تاب قبلت توبته فإذا علم أن وقت موته ~~هو الوقت الفلاني أقدم على المعصية بقلب فارغ ، فإذا قرب وقت أجله تاب عن ~~تلك المعاصي . فثبت أن تعريف وقت الموت بعينه يجري مجرى الإغراء بالقبيح ، ~~وذلك غير جائز على الله تعالى . # وأجاب الأولون : بأن تعريف الله عز وجل كونه من المنظرين إلى يوم القيامة ~~لا يقتضي إغراءه بالقبيح لأنه تعالى كان يعلم منه أنه يموت على أقبح أنواع ~~الكفر والفسق سواء أعلمه بوقت موته أو لم يعلمه بذلك ، فلم يكن ذلك الإعلام ~~موجبا إغراءه بالقبيح ، ومثاله أنه تعالى عرف أنبياءه أنهم يموتون على ~~الطهارة والعصمة ، ولم يكن ذلك موجبا إغراءهم بالقبيح لأجل أنه تعالى علم ~~منهم سواء عرفهم تلك الحالة أو لم يعرفهم هذه الحالة أنهم يموتون على ~~الطهارة والعصمة . فلما كان / لا يتفاوت حالهم بسبب هذا التعريف لا جرم ما ~~كان ذلك التعريف إغراء بالقبيح فكذا ههنا ، والله أعلم . # المسألة الثانية : قول إبليس : { فيما * أغويتنى } يدل على أنه أضاف ~~إغواءه إلى الله تعالى ، وقوله في آية أخرى : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين } ( ~~ص: 82 ) يدل على أنه أضاف إغواء العباد إلى نفسه . فالأول : يدل على كونه ~~على مذهب الجبر . والثاني : يدل على كونه على مذهب القدر ، وهذا يدل على ~~أنه كان متحيرا في هذه المسألة ، أو يقال : أنه كان يعتقد أن الإغوار لا ~~يحصل إلا بالمغوي فجعل نفسه مغويا لغيره من الغاوين ، ثم زعم أن المغوي له ~~هو الله تعالى قطعا للتسلسل ، واختلف الناس في تفسير هذه الكلمة ، أما ~~أصحابنا فقالوا : الإغواء إيقاع الغي في القلب ، والغي هو الإعتقاد الباطل ~~وذلك يدل على أنه كان يعتقد أن الحق والباطل إنما يقع ms3904 في القلب من الله ~~تعالى . أما المعتزلة فلهم ههنا مقامان : أحدهما : أن يفسروا الغي بما ~~ذكرناه . والثاني : أن يذكروا في تفسيره وجها آخر . # أما الوجه الأول : فلهم فيه أعذار . الأول : أن قالوا هذا قول إبليس فهب ~~أن إبليس اعتقد أن خالق الغي والجهل والكفر هو الله تعالى ، إلا أن قوله ~~ليس بحجة . الثاني : قالوا : إن الله تعالى لما أمر بالسجود لآدم فعند ذلك ~~ظهر غيه وكفره فجاز أن يضيف ذلك الغي إلى الله تعالى بهذا المعنى ، وقد ~~يقول القائل : لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضر بك عنده . الثالث : { ~~قال رب بمآ أغويتنى * لاقعدن لهم } والمعنى : إنك بما لعنتني بسبب آدم فإنا ~~لأجل هذه العداوة ألقى الوساوس في قلوبهم . الرابع : { رب بمآ أغويتنى } أي ~~خيبتني من جنتك عقوبة على عملي لأقعدن لهم . PageV14P031 # الوجه الثاني : في تفسير الإغواء الإهلاك ومنه قوله تعالى : { فسوق * ~~يلقون غيا } ( مريم : 59 ) أي هلاكا وويلا ، ومنه أيضا قولهم : غوى الفصيل ~~يغوي غوى إذا أكثر من اللبن حتى يفسد جوفه ، ويشارف الهلاك والعطب ، وفسروا ~~قوله : { إن كان الله يريد أن يغويكم } ( هود : 34 ) إن كان الله يريد أن ~~يهلككم بعنادكم . الحق ، فهذه جملة الوجوه المذكورة . # واعلم أنا لا نبالغ في بيان أن المراد من الإغواء في هذه الآية الإضلال ، ~~لأن حاصله يرجع إلى قول إبليس وأنه ليس بحجة ، إلا أنا نقيم البرهان ~~اليقيني على أن المغوي لإبليس هو الله تعالى ، وذلك لأن الغاوي لا بد له من ~~مغو ، كما أن المتحرك لا بد له من محرك ، والساكن لا بد له من مسكن ، ~~والمهتدي لا بد له من هاد . فلما كان إبليس غاويا فلا بد له من مغوي ، ~~والمغوي له إما أن يكون نفسه أو مخلوقا آخر أو الله تعالى ، والأول : باطل ~~. لأن العاقل لا يختار الغواية مع / العلم بكونها غواية . والثاني : باطل ~~وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور . والثالث : هو المقصود . والله أعلم . # المسألة الثالثة : الباء في قوله : { فبما أغويتنى } فيه وجوه : الأول : ~~إنه باء ms3905 القسم أي بإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم أي ، بقدرتك علي ~~ونفاذ سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة ، ~~بأن أزين لهم الباطل ، وما يكسبهم المآثم ، ولما كانت { * الباء } باء ~~القسم كانت { * اللام } جواب القسم { منكم وما } بتأويل المصدر و { أغويتنى ~~} صلتها . والثاني : أن قوله : { فبما أغويتنى } أي فبسبب إغوائك إياي ~~لأقعدن لهم ، والمراد إنك لما أغويتني فأنا أيضا أسعى في إغوائهم . الثالث ~~: قال بعضهم : { ما } في قوله : { فيما * أغويتنى } للاستفهام . كأنه قيل : ~~بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ وقال : { لاقعدن لهم } وفيه إشكال ، وهو أن إثبات ~~الألف إذا أدخل حرف الجر على ( ما ) الاستفهامية قليل . # المسألة الرابعة : قوله : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } لا خلاف بين ~~النحويين أن ( على ) محذوف والتقدير : لأقعدن لهم على صراطك المستقيم . قال ~~الزجاج : مثاله قولك ضرب زيد الظهر والبطن والمعنى على الظهر والبطن . ~~وإلقاء كلمة ( على ) جائز ، لأن الصراط ظرف في المعنى : فاحتمل ما يحتمله ~~لليوم والليلة ، في قولك آتيك غدا وفي غد . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } فيه أبحاث . # البحث الأول : المراد منه أنه يواظب على الإفساد مواطبة لا يفتر عنها ، ~~ولهذا المعنى ذكر القعود لأن من أراد أن يبالغ في تكميل أمر من الأمور قعد ~~حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود ومواظبته على الإفساد هي مواظبته ~~على الوسوسة حتى لا يفتر عنها . # والبحث الثاني : إن هذه الآية تدل على أنه كان عالما بالدين الحق والمنهج ~~الصحيح ، لأنه قال : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } وصراط الله المستقيم هو ~~دينه الحق . # البحث الثالث : الآية تدل على أن إبليس كان عالما بأن الذي هو عليه من ~~المذهب والاعتقاد هو محض الغواية والضلال ، لأنه لو لم يكن كذلك لما قال : ~~{ رب بمآ أغويتنى } وأيضا كان عالما بالدين الحق ، ولولا ذلك لما قال : { ~~لاقعدن لهم صراطك المستقيم } . PageV14P032 # وإذا ثبت هذا فكيف يمكن : أن يرضى إبليس بذلك المذهب مع علمه بكونه ضلالا ~~وغواية وبكونه مضادا للدين الحق ومنافيا للصراط المستقيم . فإن المرء ms3906 إنما ~~يعتقد الفاسد إذا غلب على ظنه كونه حقا ، فأما مع العلم بأنه باطل وضلال ~~وغواية يستحيل أن يختاره ويرضى به ويعتقده . # / واعلم أن من الناس من قال أن كفر إبليس كفر عناد لا كفر جهل لأنه متى ~~علم أن مذهبه ضلال وغواية ، فقد علم أن ضده هو الحق ، فكان إنكاره إنكارا ~~بمحض اللسان ، فكان ذلك كفر عناد ، ومنهم من قال لا . بل كفره كفر جهل ~~وقوله : { فبما أغويتنى } وقوله : { لاقعدن لهم * الصراط المستقيم } يريد ~~به في زعم الخصم ، وفي اعتقاده . والله أعلم . # المسألة الخامسة : احتج أصحابنا بهذه الآية في بيان أنه لا يجب على الله ~~رعاية مصالح العبد في دينه ولا في دنياه وتقريره أن إبليس استمهل الزمان ~~الطويل فأمهله الله تعالى ، ثم بين أنه إنما استمهله لإغواء الخلق وإضلالهم ~~وإلقاء الوساوس في قلوبهم ، وكان تعالى عالما بأن أكثر الخلق يطيعونه ~~ويقبلون وسوسته كما قال تعالى : { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين } ( سبأ : 20 ) فثبت بهذا أن إنظار إبليس ، وإمهاله هذه ~~المدة الطويلة يقتضي حصول المفاسد العظيمة والكفر الكبير ، فلو كان تعالى ~~مراعيا لمصالح العباد لامتنع أن يمهله ، وإن يمكنه من هذه المفاسد فحيث ~~أنظره وأمهله علمنا أنه لا يجب عليه شيء من رعاية المصالح أصلا ، ومما يقوي ~~ذلك أنه تعالى بعث الأنبياء دعاة إلى الخلق ، وعلم من حال إبليس أنه لا ~~يدعو إلا إلى الكفر والضلال ، ثم إنه تعالى أمات الأنبياء الذين هم الدعاة ~~للخلق ، وأبقى إبليس وسائر الشياطين الذين هم الدعاة للخلق إلى الكفر ~~والباطل ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك . قالت المعتزلة ~~: اختلف شيوخنا في هذه المسألة . فقال الجبائي : إنه لا يختلف الحال بسبب ~~وجوده وعدمه ، ولا يضل بقوله أحد إلا من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضا ~~، والدليل عليه قوله تعالى : { ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال ~~الجحيم } ( الصافات : 162 163 ) ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة . ~~وقال أبو هاشم يجوز أن ms3907 يضل به قوم ، ويكون خلقه جاريا مجرى خلق زيادة ~~الشهوة ، فإن هذه الزيادة من الشهوة لا توجب فعل القبيح إلا أن الامتناع ~~منها يصير أشق ، ولأجل تلك الزيادة من المشقة تحصل الزيادة في الثواب ، ~~فكذا ههنا بسبب إبقاء إبليس يصير الامتناع من القبائح أشد وأشق ، ولكنه لا ~~ينتهي إلى حد الإلجاء والإكراه . # والجواب : أما قول أبي علي فضعيف ، وذلك لأن الشيطان لا بد وأن يزين ~~القبائح في قلب الكافر ويحسنها إليه ، ويذكره ما في القبائح من أنواع ~~اللذات والطيبات ، ومن المعلوم أن حال الإنسان مع حصول هذا التذكير ~~والتزيين لا يكون مساويا لحاله عند عدم هذا التذكير ، وهذا التزيين والدليل ~~عليه العرف ، فإن الإنسان إذا حصل له جلساء يرغبونه في أمر من الأمور ~~ويحسنونه في عينه ويسهلون طريق الوصول إليه ويواظبون على دعوته إليه ، فإنه ~~لا يكون حاله في / الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التذكير ~~والتحسين والتزيين . والعلم به ضروري ، وأما قول أبي هاشم فضعيف أيضا لأنه ~~إذا صار حصول هذا التذكير والتزيين حاصلا للمرء على الإقدام على ذلك القبيح ~~كان ذلك سعيا في إلقائه في المفسدة ، وما ذكره من خلق الزيادة في الشهوة ، ~~فهو حجة أخرى لنا في أن الله تعالى لا يراعي المصلحة ، فكيف يمكنه أن يحتج ~~PageV14P033 به ؟ والذي يقرره غاية التقرير : أن لسبب حصول تلك الزيادة في ~~الشهوة يقع في الكفر وعقاب الأبد / ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أنه ~~يزداد ثوابه من الله تعالى بسبب زيادة تلك المشقة وحصول هذه الزيادة من ~~الثواب شيء لا حاجة إليه ألبتة ، إما دفع العقاب المؤبد فإليه أعظم الحاجات ~~، فلو كان إله العالم مراعيا لمصالح العباد لاستحال أن يهمل الأهم الأكمل ~~الأعظم لطلب الزيادة التي لا حاجة إليها ولا ضرورة ، فثبت فساد هذه المذاهب ~~وأنه لا يجب على الله تعالى شيء أصلا . والله أعلم بالصواب . # أما قوله تعالى : { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } ففيه مسائل : # المسألة ms3908 الأولى : في ذكر هذه الجهات الأربع قولان : # القول الأول : أن كل واحد منها مختص بنوع من الآفة في الدين . والقائلون ~~بهذا القول ذكروا وجوها : أحدها : { ثم لآتينهم من بين أيديهم } يعني ~~أشككهم في صحة البعث والقيامة { ومن خلفهم } ألقى إليهم أن الدنيا قديمة ~~أزلية . وثانيها : { ثم لآتينهم من بين أيديهم } والمعنى أفترهم عن الرغبة ~~في سعادات الآخرة { ومن خلفهم } يعني أقوى رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها ~~وأحسنها في أعينهم ، وعلى هذين الوجهين فالمراد من قوله : { بين أيديهم } ~~الآخرة لأنهم يردون عليها ويصلون إليها ، فهي بين أيديهم ، وإذا كانت ~~الآخرة بين أيديهم كانت الدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها . وثالثها : وهو قول ~~الحاكم والسدي { من بين أيديهم } يعني الدنيا { ومن خلفهم } الآخرة ، وإنما ~~فسرنا { بين أيديهم } بالدنيا ، لأنها بين يدي الإنسان يسعى فيها ويشاهدها ~~، وأما الآخرة فهي تأتي بعد ذلك . ورابعها : { من بين أيديهم } في تكذيب ~~الأنبياء والرسل الذين يكونون حاضرين { ومن خلفهم } في تكذيب من تقدم من ~~الأنبياء والرسل . # وأما قوله : { وعن أيمانهم وعن شمائلهم } ففيه وجوه : أحدها : { عن * ~~أيمانهم } في الكفر والبدعة { وعن شمائلهم } في أنواع المعاصي . وثانيها : ~~{ عن * أيمانهم } في الصرف عن الحق { وعن شمائلهم } في الترغيب في الباطل . ~~وثالثها : { عن * أيمانهم } يعني أفترهم عن الحسنات { وعن شمائلهم } أقوى ~~دواعيهم في السيئات . قال ابن الأنباري : وقول من قال ، الإيمان كناية عن ~~الحسنات / والشمائل عن السيئات . قول حسن ، لأن العرب تقول : اجعلني في ~~يمينك ولا تجعلني في شمالك ، يريد اجعلني من المقدمين عندك ولا تجعلني من ~~المؤخرين . وروى أبو عبيد عن الأصمعي أنه يقال : هو عندنا باليمين أي ~~بمنزلة حسنة ، وإذا خبثت منزلته قال : أنت عندي بالشمال ، فهذا تلخيص ما ~~ذكره المفسرون في تفسير هذه الجهات الأربع . أما حكماء الإسلام فقد ذكروا ~~فيها وجوها أخرى . أولها : وهو الأقوى الأشرف أن في البدن قوى أربعا ، هي ~~الموجبة لقوات السعادات الروحانية ، فإحداها : القوة الخالية التي يجتمع ~~فيها مثل المحسوسات وصورها . وهي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ ، وصور ~~المحسوسات إنما ترد عليها من ms3909 مقدمها ، وإليه الإشارة بقوله : { من بين ~~أيديهم } . # والقوة الثانية : القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام ~~المناسبة للمحسوسات ، وهي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ ، وإليها ~~الإشارة بقوله : { ومن خلفهم } . PageV14P034 # والقوة الثالثة : الشهوة وهي موضوعة في الكبد وهي من يمين البدن . # والقوة الرابعة : الغضب ، وهو موضوع في البطن الأيسر من القلب ، فهذه ~~القوى الأربع هي التي تتولد عنها أحوال توجب زوال السعادات الروحانية ~~والشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع / لم تقدر على ~~إلقاء الوسوسة ، فهذا هو السبب في تعيين هذه الجهات الأربع ، وهو وجه حقيقي ~~شريف . وثانيها : أن قوله : { لآتينهم من بين أيديهم } المراد منه الشبهات ~~المبنية على التشبيه . أما في الذات والصفات مثل شبه المجسمة . وأما ~~الأفعال : مثل شبه المعتزلة في التعديل والتخويف والتحسين والتقبيح { ومن ~~خلفهم } المراد منه الشبهات الناشئة عن التعطيل ، وإنما جعلنا قوله : { من ~~بين أيديهم } لشبهات التشبيه ، لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات وأحوالها ~~، فهي حاضرة بين يديه ، فيعتقد أن الغائب يجب أن يكون مساويا لهذا الشاهد ، ~~وإنما جعلنا قوله : { ومن خلفهم } كناية عن التعطيل ، لأن التشبيه عين ~~التعطيل ، فلما جعلنا قوله : { من بين أيديهم } كناية عن التشبيه وجب أن ~~نجعل قوله : { ومن خلفهم } كناية عن التعطيل . وأما قوله : { وعن أيمانهم } ~~فالمراد منه الترغيب في ترك المأمورات { وعن شمائلهم } الترغيب في فعل ~~المنهيات . وثالثها : نقل عن شقيق رحمه الله أنه قال : ما من صباح إلا ~~ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع ، من بين يدي ومن خلفي ، وعن يميني وعن ~~شمالي . أما من بين يدي فيقول : لا تخف فإن الله غفور رحيم . فاقرأ { وإنى ~~لغفار لمن تاب وامن وعمل صالحا } ( طه : 82 ) وأما من خلفي : فيخوفني من ~~وقوع أولادي في الفقر ، فاقرأ { وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها } ~~( هود : 6 ) وأما من قبل يميني : فيأتيني من قبل الثناء فاقرأ { والعاقبة ~~للمتقين } ( والقصص : 83 ) وأما من قبل شمالي : فيأتيني من قبل الشهوات ~~فاقرأ { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } ( سبأ : 54 ) . # / والقول ms3910 الثاني : في هذه الآية أنه تعالى حكى عن الشيطان ذكر هذه الوجوه ~~الأربعة ، والغرض منه أنه يبالغ في إلقاء الوسوسة ، ولا يقصر في وجه من ~~الوجوه الممكنة البتة . وتقدير الآية : ثم لآتينهم من جميع الجهات الممكنة ~~بجميع الاعتبارات الممكنة . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ~~إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام ) فقال له : تدع دين آبائك فعصاه ~~فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة ، فقال له : تدع ديارك وتتغرب فعصاه وهاجر ~~، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له : تقاتل فتقتل ، ويقسم مالك ، وتنكح ~~امرأتك ، فعصاه فقاتل ، وهذا الخبر يدل على أن الشيطان لا يترك جهة من جهات ~~الوسوسة إلا ويلقيها في القلب . # فإن قيل : فلم لم يذكر مع الجهات الأربع من فوقهم ومن تحتهم . # قلنا : أما في التحقيق فقد ذكرنا أن القوى التي يتولد منها ما يوجب تفويت ~~السعادات الروحانية ، فهي موضوعة في هذه الجوانب الأربعة من البدن . وأما ~~في الظاهر : فيروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على ~~البشر ، فقالوا : يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستوليا ~~عليه من هذه الجهات الأربع ، فأوحى الله تعالى إليهم أنه بقي للإنسان جهتان ~~: الفوق والتحت ، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع ، أو ~~وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة . والله أعلم . # المسألة الثانية : أنه قال : { من بين أيديهم ومن خلفهم } فذكر هاتين ~~الجهتين بكلمة { من } . PageV14P035 # ثم قال : { وعن أيمانهم وعن شمائلهم } فذكر هاتين الجهتين بكلمة { عن } ~~ولا بد في هذا الفرق من فائدة . فنقول : إذا قال القائل جلس عن يمينه ، ~~معناه أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين غير ملتصق به . قال تعالى : { عن ~~اليمين وعن الشمال قعيد } ( ق: 17 ) فبين أنه حضر على هاتين الجهتين ملكان ~~/ ولم يحضر في القدام والخلف ملكان ، والشيطان يتباعد عن الملك ، فلهذا ~~المعنى خص اليمين والشمال بكلمة { عن } لأجل أنها تفيد البعد والمباينة ، ~~وأيضا فقد ذكرنا أن المراد من ms3911 قوله : { من بين أيديهم ومن خلفهم } الخيال ، ~~والوهم ، والضرر الناشىء منهما هو حصول العقائد الباطلة ، وذلك هو حصول ~~الكفر ، وقوله : { وعن أيمانهم وعن شمائلهم } الشهوة ، والغضب ، والضرر ~~الناشىء منهما هو حصول الأعمال الشهوانية والغضبية ، وذلك هو المعصية ، ولا ~~شك أن الضرر الحاصل من الكفر لازم ، لأن عقابه دائم . أما الضرر الحاصل من ~~المعصية فسهل لأنه عقابه منقطع ، فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة { عن } ~~تنبيها على أن هذين القسمين في اللزوم والاتصال دون القسم الأول . والله ~~أعلم بمراده . # / المسألة الثالثة : قال القاضي : هذا القول من إبليس كالدلالة على بطلان ~~ما يقال : إنه يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه ، لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن ~~يذكره في باب المبالغة أحق . # ثم قال تعالى حكاية عن إبليس أنه قال : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } وفيه ~~سؤال : وهو أن هذا من باب الغيب فكيف عرف إبليس ذلك فلهذا السبب اختلف ~~العلماء فيه فقال بعضهم كان قد رآه في اللوح المحفوظ ، فقال له على سبيل ~~القطع واليقين . وقال آخرون : إنه قاله على سبيل الظن لأنه كان عازما على ~~المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات ، وعلم أنها أشياء يرغب فيها غلب ~~على ظنه أنهم يقبلون قوله فيها على سبيل الأكثر والأغلب ويؤكد هذا القول ~~بقوله تعالى : { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا } ( سبأ : 20 ~~) والعجب أن إبليس قال للحق سبحانه وتعالى : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } ~~فقال الحق ما يطابق ذلك { وقليل من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وفيه وجه ~~آخر . وهو أنه حصل للنفس تسع عشرة قوة ، وكلها تدعو النفس إلى اللذات ~~الجسمانية . والطيبات الشهوانية فخمسة منها هي الحواس الظاهرة ، وخمسة أخرى ~~هي الحواس الباطنة ، واثنان الشهوة والغضب ، وسبعة هي القوى الكامنة ، وهي ~~الجاذبة ، والماسكة ، والهاضمة ، والدافعة ، والغاذية ، والنامية ، ~~والمولدة فمجموعها تسعة عشر وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم وترغبها ~~في طلب اللذات البدنية ، وأما العقل فهو قوة واحدة ، وهي التي تدعو النفس ~~إلى عبادة الله تعالى وطلب السعادات الروحانية ولا شك أن استيلاء ms3912 تسع عشرة ~~قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة . لا سيما وتلك القوى التسعة عشر تكون ~~في أول الخلقة قوية ويكون العقل ضعيفا جدا وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة ~~مرجوحة فلما كان الأمر كذلك ، لزم القطع بأن أكثر الخلق يكونون طالبين لهذه ~~اللذات الجسمانية معرضين عن معرفة الحق ومحبته فلهذا السبب قال : { ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين } والله أعلم . # ! 7 < { قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم ~~أجمعين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 18 ) قال اخرج منها . . . . . # > > PageV14P036 # اعلم أن إبليس لما وعد بالإفساد الذي ذكره ، خاطبه الله تعالى بما يدل ~~على الزجر والإهانة فقال : { أخرج منها } من الجنة أو من السماء { * مذؤوما ~~} قال الليث : ذأمت الرجل فهو مذؤم أي محقور والذام الاحتقار ، وقال الفراء ~~: ذأمته إذا عبته يقولون في المثل لا تعدم الحسناء ذاما . وقال ابن / ~~الأنباري المذؤم المذموم قال ابن قتيبة مذؤما مذموما بأبلغ الذم قال أمية : # % وقال لإبليس رب العباد % % أن اخرج دحيرا لعينا ذؤما % # وقوله : { مذموما مدحورا } الدحر في اللغة الطرد والتبعيد ، يقال دحره ~~دحرا ودحورا إذا طرده وبعده ومنه قوله تعالى : { ويقذفون من كل جانب * ~~دحورا } ( الصافات : 8 ، 9 ) وقال أمية : # % وبإذنه سجدوا لآدم كلهم % % إلا لعينا خاطئا مدحورا % # وقوله : { لمن تبعك منهم } اللام فيه لام القسم ، وجوابه قوله : { لاملان ~~} قال صاحب ( الكشاف ) روى عصمة عن عاصم : { لمن تبعك } بكسر اللام بمعنى { ~~لمن تبعك منهم } هذا الوعيد وهو قوله : { لاملان جهنم منكم أجمعين } وقيل : ~~إن لأملأن في محل الابتداء { ولمن * تبعك } خبره قال أبو بكر الأنباري ~~الكناية في قوله : { لمن تبعك منهم } عائد على ولد آدم لأنه حين قال : { ~~ولقد خلقناكم } ( الأعراف : 11 ) كان مخاطبا لولد آدم فرجعت الكناية إليهم ~~. قال القاضي : دلت هذه الآية على أن التابع والمتبوع معنيان في أن جهنم ~~تملأ منهما ثم أن الكافر تبعه ، فكذلك الفاسق تبعه فيجب القطع بدخول الفاسق ~~النار ، وجوابه أن المذكور في الآية أنه تعالى يملأ جهنم ممن تبعه ، وليس ~~في الآية أن كل من تبعه فإنه ms3913 يدخل جهنم فسقط هذا الاستدلال ، ونقول هذه ~~الآية تدل على أن جميع أصحاب البدع والضلالات يدخلون جهنم لأن كلهم متابعون ~~لإبليس . والله أعلم . # ! 7 < { وياأادم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هاذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 19 ) ويا آدم اسكن . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل : أحدها : أن قوله : { اسكن } ~~أمر تعبد أو أمر إباحة وإطلاق من حيث إنه لا مشقة فيه . فلا يتعلق به ~~التكليف . وثانيها : أن زوج آدم هو حواء ، ويجب أن نذكر أنه تعالى كيف خلق ~~حواء ، وثالثها : أن تلك الجنة كانت جنة الخلد ، أو جنة من جنان السماء أو ~~جنة من جنان الأرض . ورابعها : أن قوله : { فكلا } أمر إباحة لا أمر تكليف ~~. وخامسها : أن قوله : { ولا تقربا } نهي تنزيه أو نهي تحريم . وسادسها : ~~أن قوله : { هاذه الشجرة } المراد شجرة واحدة بالشخص أو النوع . وسابعها : ~~أن تلك الشجرة أي شجرة كانت . وثامنها : أن ذلك الذنب / كان صغيرا أو كبيرا ~~. وتاسعها : أنه ما المراد من قوله : { فتكونا من الظالمين } وهل يلزم من ~~كونه ظالما بهذا القربان الدخول تحت قوله تعالى : { ألا لعنة الله على ~~الظالمين } ( هود : 18 ) ، وعاشرها : أن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم ~~عليه السلام أو بعدها ، فهذه المسائل العشرة قد سبق تفصيلها وتقريرها في ~~سورة البقرة فلا نعيدها ، والذي بقي علينا من هذه الآية حرف واحد ، ~~PageV14P037 وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة : { وكلا منها رغدا } ( ~~البقرة : 35 ) بالواو ، وقال ههنا : { فكلا } بالفاء فما السبب فيه ، ~~وجوابه من وجهين : الأول : أن الواو تفيد الجمع المطلق ، والفاء تفيد الجمع ~~على سبيل التعقيب ، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو ، ولا ~~منافاة بين النوع والجنس ، ففي سورة البقرة ذكر الجنس وفي سورة الأعراف ذكر ~~النوع . # ! 7 < { فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ~~ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين * ~~وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين * فدلاهما بغرور ms3914 فلما ذاقا الشجرة بدت لهما ~~سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن ~~تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطان لكما عدو مبين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 20 - 22 ) فوسوس لهما الشيطان . . . . . # > > # يقال : وسوس إذا تكلم كلاما خفيا يكرره ، وبه سمي صوت الحلي وسواسا وهو ~~فعل غيرمتعد كقولنا : ولولوت المرأة ، وقولنا : وعوع الذئب ، ورجل موسوس ~~بكسر الواو ولا يقال موسوس بالفتح ، ولكن موسوس له وموسوس إليه ، وهو الذي ~~يلقي إليه الوسوسة ، ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس إليه ألقاها ~~إليه ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : كيف وسوس إليه وآدم كان في الجنة وإبليس أخرج منها . # / والجواب : قال الحسن : كان يوسوس من الأرض إلى السماء وإلى الجنة ~~بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى له ، وقال أبو مسلم الأصفهاني : بل ~~كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض ، والذي يقوله ~~بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية ودخلت الحية في الجنة فتلك القصة ~~الركيكة مشهورة ، وقال آخرون : إن آدم وحواء ربما قربا من باب الجنة ، وكان ~~إبليس واقفا من خارج الجنة على بابها ، فيقرب . فيقرب أحدهما من الآخر ~~وتحصل الوسوسة هناك . # السؤال الثاني : أن آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه وبين إبليس من ~~العداوة فكيف قبل قوله . # والجواب : لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مرارا كثيرة ورغبه في أكل ~~الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلامه في ~~آدم عليه السلام . PageV14P038 # السؤال الثالث : لم قال : { فوسوس لهما الشيطان } . # والجواب : معنى وسوس له أي فعل الوسوسة لأجله والله أعلم . # أما قوله تعالى : { ليبدي لهما } في هذا اللام قولان : أحدهما : أنه لام ~~العاقبة كما في قوله : { فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص ~~: 8 ) وذلك لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما ، ولم يعلم أنهما إن ~~أكلا من الشجرة بدت عوراتها ، وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط . ~~الثاني : لا يبعد أيضا أن يقال : إنه لام الغرض ثم فيه ms3915 وجهان : أحدهما : أن ~~يجعل بدو العورة كناية عن سقوط الحرمة وزوال الجاه ، والمعنى : أن غرضه من ~~إلقاء تلك الوسوسة إلى آدم زوال حرمته وذهاب منصبه . والثاني : لعله رأى في ~~اللوح المحفوظ أو سمع من بعض الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته ، ~~وذلك يدل على نهاية الضرر وسقوط الحرمة ، فكان يوسوس إليه لحصول هذا الغرض ~~، وقوله : { ما } فيه مباحث : # البحث الأول : ما وري مأخوذ من المواراة يقال : واريته أي سترته . قال ~~تعالى : يواري سوأة أخيه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لما أخبره ~~بوفاة أبيه : ( اذهب فواره ) . # البحث الثاني : السوأة فرج الرجل والمرأة ، وذلك لأن ظهوره يسوء الإنسان ~~. قال ابن عباس رضي الله عنهما كأنهما قد ألبسا ثوبا يستر عورتهما ، فلما ~~عصيا زال عنهما ذلك الثوب فذلك قوله تعالى : { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما } ~~. # البحث الثالث : دلت هذه الآية على أن كشف العورة من المنكرات وإنه لم يزل ~~مستهجنا / في الطباع مستقبحا في العقول وقوله : { وقال ما نهاكما ربكما عن ~~هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } ( الأعراف : 20 ) ~~يمكن أن يكون هذا الكلام ذكره إبليس بحيث خاطب به آدم وحواء ، ويمكن أيضا ~~أن يكون وسوسة أوقعها في قلوبهما ، والأمران مرويات إلا أن الأغلب أنه كان ~~ذلك على سبيل المخاطبة بدليل قوله تعالى : { وقاسمهما إني لكما لمن ~~الناصحين } ومعنى الكلام أن إبليس قال لهما في الوسوسة : إلا أن تكون ملكين ~~وأراد به أن تكونا بمنزلة الملائكة إن أكلتما منها أو تكونا من الخالدين إن ~~أكلتما ، فرغبهما بأن أوهمهما أن من أكلها صار كذلك وإنه تعالى إنما نهاهما ~~عنها لكي لا يكونا بمنزلة الملائكة ولا يخلدا ، وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : كيف أطمع إبليس آدم في أن يكون ملكا عند الأكل من الشجرة ~~مع أنه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له معترفين بفضله . والجواب : من ~~وجوه : الأول : أن هذا المعنى أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم ~~هم ملائكة الأرض . أما ملائكة السموات وسكان العرش ms3916 والكرسي والملائكة ~~المقربون فما سجدوا ألبتة لآدم ، ولو كانوا سجدوا له لكان هذا التطميع ~~فاسدا مختلا . وثانيها : نقل الواحدي عن بعضهم أنه قال : إن آدم علم أن ~~الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة ، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه إبليس ~~أن يصير مثل الملك في البقاء ، وأقول : هذا الجواب ضعيف ، لأن على هذا ~~التقدير المطلوب من الملائكة هو الخلود وحينئذ لا يبقى فرق بين قوله : { ~~إلا أن تكونا ملكين } ( الأعراف : 20 ) وبين قوله : { أو تكونا من الخالدين ~~} ( الأعراف : 20 ) . PageV14P039 # والوجه الثاني : قال الواحدي : كان ابن عباس يقرأ ملكين ويقول : ما طمعا ~~في أن يكونا ملكين لكنهما استشرفا إلى أن يكونا ملكين ، وإنما أتاهما ~~الملعون من جهة الملك ، ويدل على هذا قوله : { هل أدلك على شجرة الخلد وملك ~~لا يبلى } ( طه : 20 ) وأقول هذا الجواب أيضا ضعيف ، وبيانه من وجهين : ~~الأول : هب أنه حصل الجواب على هذه القراءة : فهل يقول ابن عباس إن تلك ~~القراءة المشهورة باطلة . أو لا يقول ذلك ؟ والأول باطل ، لأن تلك القراءة ~~قراءة متواترة ، فكيف يمكن الطعن فيها ، وأما الثاني : فعلى هذا التقدير ~~الإشكال باق . لأن على تلك القراءة يكون بالتطميع قد وقع في أن يصير بواسطة ~~ذلك الأكل من جملة الملائكة وحينئذ يعود السؤال . # والوجه الثاني : أنه تعالى جعل سجود الملائكة والخلق له في أن يسكن الجنة ~~، وأن يأكل منها رغدا كيف شاء وأراد ، ولا مزيد في الملك على هذه الدرجة . # السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على أن درجة الملائكة أكمل وأفضل من ~~درجة النبوة . # والجواب من وجوه : الأول : أنا إذا قلنا إن هذه الواقعة كانت قبل النبوة ~~لم يدل على ذلك / ولأن آدم حين طلب الوصول إلى درجة الملائكة ما كان من ~~الأنبياء ، وعلى هذا التقدير فزال الاستدلال . والثاني : إن بتقدير ( أن ) ~~تكون هذه الواقعة وقعت في زمان النبوة فلعل آدم عليه السلام رغب في أن يصير ~~من الملائكة في القدرة والقوة والشدة أو في خلقة الذات بأن يصير جوهرا ~~نورانيا ، وفي أن يصير ms3917 من سكان العرش والكرسي ، وعلى هذا التقدير يسقط ~~الاستدلال . # السؤال الثالث : نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن في قوله : إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين وفي قوله : وقاسمهما قال عمر وقلت للحسن : فهل ~~صدقاه في ذلك . فقال الحسن معاذ الله لو صدقاه لكانا من الكافرين ووجه ~~السؤال : إنه كيف يلزم هذا التكفير بتقدير : أن يصدقا إبليس في ذلك القول . # والجواب : ذكروا في تقرير ذلك التكفير أنه عليه السلام لو صدق إبليس في ~~الخلود لكان ذلك يوجب إنكار البعث والقيامة / وأنه كفر . ولقائل أن يقول : ~~لا نسلم أنه يلزم من ذلك التصديق حصول الكفر ؟ وبيانه من وجهني : الأول : ~~أن لفظ الخلود محمول على طول المكث لا على الدوام ، وعلى هذا الوجه يندفع ~~ما ذكروه . # الوجه الثاني : هب أن الخلود مفسر بالدوام ، إلا أنا نسلم أن اعتقاد ~~الدوام يوجب الكفر وتقريره أن العلم بأنه تعالى هل يميت هذا المكلف أو لا ~~يميته ، علم لا يحصل إلا من دليل السمع فلعله تعالى ما بين في وقت آدم عليه ~~السلام أنه يميت الخلق ، ولما لم يوجد ذلك الدليل السمعي كان آدم عليه ~~السلام يجوز دوام البقاء ، فلهذا السبب رغب فيه ، وعلى هذا التقدير : ~~فالتكفير غير لازم . # السؤال الرابع : ثبت بما سبق أن آدم وحواء لو صدقا إبليس فيما قال لم ~~يلزم تكفيرهما ، فهل يقولون إنهما صدقاه فيه قطعا ؟ وإن لم يحصل القطع فهل ~~يقولون إنهما ظنا أن الأمر كما قال ؟ أو ينكرون هذا الظن أيضا . ~~PageV14P040 # والجواب : أن المحققين أنكروا حصول هذا التصديق قطعا وظنا ، بل الصواب ~~أنهما إنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة ، لا أنهما صدقاه علما أو ظنا كما ~~نجد أنفسنا عند الشهوة نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه ، وإن ~~لم نعتقد أن الأمر كما قال . # السؤال الخامس : قوله : { إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } هذا ~~الترغيب والتطميع وقع في مجموع الأمرين أو في أحدهما . # والجواب : قال بعضهم : الترغيب كان في مجموع الأمرين ، لأن أدخل ms3918 في ~~الترغيب . وقيل : بل هو على ظاهره على طريقة التخيير . # / ثم قال تعالى : { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } أي وأقسم لهما إني ~~لكما لمن الناصحين . # فإن قيل : المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك . تقول : قاسمت فلانا أي ~~حالفته ، وتقاسما تحالفا ومنه قوله تعالى : { تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ~~} ( النمل : 49 ) . # قلنا : فيه وجوه : الأول : التقدير أنه قال : أقسم لكما إني لكما لمن ~~الناصحين . وقالا له : أتقسم بالله إنك لمن الناصحين ؟ فجعل ذلك مقاسمة ~~بينهم . والثاني : أقسم لهما بالنصيحة ، وأقسما له بقبولها . الثالث : أنه ~~أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة ، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم . # إذا عرفت هذا فنقول : قال قتادة : حلف لهما بالله حتى خدعهما ، وقد يخدع ~~المؤمن بالله ، وقوله : { إني لكما لمن الناصحين } أي قال إبليس : إني خلقت ~~قبلكما ، وأنا أعلم أحوالا كثيرة من المصالح والمفاسد لا تعرفانها فامتثلا ~~قولي أرشدكما . # ثم قال تعالى : { فدلاهما بغرور } وذكر أبو منصور الأزهري لهذه الكلمة ~~أصلين : أحدهما : أصل الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا ~~يجد فيها ماء ، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه . فيقال : دلاه ~~إذا أطعمه . الثاني : { فدلاهما بغرور } أي أجرأهما إبليس على أكل الشجرة ~~بغرور ، والأصل فيه دللهما من الدل ، والدالة وهي الجرأة . # إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : { فدلاهما بغرور } أي غرهما باليمين ~~، وكان آدم يظن أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا . وعن ابن عمر رضي الله عنه : ~~أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه ، فكان عبيده يفعلون ذلك ~~طلبا للعتق . فقيل له : إنهم يخدعونك ، فقال : من خدعنا بالله انخدعنا له . # ثم قال تعالى : { فلما ذاقا الشجرة بدت } وذلك يدل على أنهما تناولا ~~اليسير قصدا إلى معرفة طعمه ، ولولا أنه تعالى ذكر في آية أخرى أنهما أكلا ~~منها ، لكان ما في هذه الآية لا يدل على الأكل ، لأن الذائق قد يكون ذائقا ~~من دون أكل . # ثم قال تعالى : { بدت لهما } أي ظهرت عوراتهما ، وزال النور عنهما { ~~سوءتهما وطفقا يخصفان } قال الزجاج ms3919 : معنى طفق : أخذ في الفعل { يخصفان } ~~أي يجعلان ورقة على ورقة . ومنه قيل للذي يرقع النعل خصاف ، وفيه دليل على ~~أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ، ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما ~~تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة { وناداهما ربهما } قال عطاء : بلغني أن ~~الله ناداهما أفرارا مني يا آدم . قال بل PageV14P041 حياء منك يا رب ما ~~ظننت أن أحدا يقسم باسمك كاذبا ، ثم ناداه ربه أما خلقتك بيدي ، أما نفخت ~~فيك من روحي ، أما أسجدت لك ملائكتي ، أما أسكنتك في جنتي في جواريا # / ثم قال : { وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } قال ابن عباس : بين ~~العداوة حيث أبى السجود وقال : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } ( الأعراف : ~~16 ) . # ! 7 < { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 23 ) قالا ربنا ظلمنا . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية مفسرة في سورة البقرة ، وقد ذكرنا هناك أن هذه ~~الآية تدل على صدور الذنب العظيم من آدم عليه السلام ، إلا أنا نقول : هذا ~~الذنب إنما صدر عنه قبل النبوة . وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل . # ! 7 < { قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الا رض مستقر ومتاع إلى حين * ~~قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 24 - 25 ) قال اهبطوا بعضكم . . . . . # > > # اعلم أن هذا الذي تقدم ذكره هو آدم ، وحواء ، وإبليس ، وإذا كان كذلك ~~فقوله : { اهبطوا } يجب أن يتناول هؤلاء الثلاثة { بعضكم لبعض عدو } يعني ~~العداوة ثابتة بين الجن والإنس لا تزول ألبتة . وقوله : { فيها تحيون } ~~الكناية عائدة إلى الأرض في قوله : { ولكم فى الارض } والمراد في الأرض ~~تعيشون وفيها تموتون ومنها تخرجون إلى البعث والقيامة . قرأ حمزة والكسائي ~~{ تخرجون } بفتح التاء وضم الراء ، وكذلك في الروم والزخرف والجاثية ، وقرأ ~~ابن عامر ههنا ، وفي الزخرف بفتح التاء ، وفي الروم والجاثية بضم التاء ، ~~والباقون جميع ذلك بضم التاء . # ! 7 < { يابنىآدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا ولباس ~~التقوى ذالك خير ذالك من آيات الله ms3920 لعلهم يذكرون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 26 ) يا بني آدم . . . . . # > > في نظم الآية وجهان : # / الوجه الأول : أنه تعالى لما بين أنه أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض ~~، وجعل الأرض لهما مستقرا بين بعده أنه تعالى أنزل كل ما يحتاجون إليه في ~~الدين والدنيا ، ومن جملتها اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا . ~~PageV14P042 # الوجه الثاني : أنه تعالى لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة أنه كان ~~يخصف الورق عليها ، أتبعه بأن بين أنه خلق اللباس للخلق ليستروا بها عورتهم ~~، ونبه به على المنة العظيمة على الخلق بسبب أنه أقدرهم على التستر . # فإن قيل : ما معنى إنزال اللباس ؟ # قلنا : إنه تعالى أنزل المطر ، وبالمطر تتكون الأشياء التي منها يحصل ~~اللباس ، فصار كأنه تعالى أنزل اللباس ، وتحقيق القول أن الأشياء التي تحدث ~~في الأرض لما كانت معلقة بالأمور النازلة من السماء صار كأنه تعالى أنزلها ~~من السماء . ومنه قوله تعالى : { وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج } ( ~~الزمر : 6 ) وقوله : { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } ( الحديد : 25 ) وأما ~~قوله : { وريشا } ففيه بحثان : # البحث الأول : الريش لباس الزينة ، استعير من ريش الطير لأنه لباسه ~~وزينته ، أي أنزلنا عليكم لباسين : لباسا يواري سوآتكم ، ولباسا يزينكم ، ~~لأن الزينة غرض صحيح كما قال : { لتركبوها وزينة } ( النحل : 8 ) وقال : { ~~ولكم فيها جمال } ( النحل : 6 ) . # البحث الثاني : روي عن عاصم رواية غير مشهورة { * ورياشا } وهو مروي أيضا ~~عن عثمان رضي الله عنه ، والباقون { سوءتكم وريشا } واختلفوا في الفرق بين ~~الريش والرياش فقيل : رياش جمع ريش ، وكذياب وذيب ، وقداح وقدح ، وشعاب ~~وشعب ، وقيل : هما واحد ، كلباس ولبس وجلال وجل ، روى ثعلب عن ابن الأعرابي ~~قال : كل شيء يعيش به الإنسان من متاع أو مال أو مأكول فهو ريش ورياش ، ~~وقال ابن السكيت : الرياش مختص بالثياب والأثاث ، والريش قد يطلق على سائر ~~الأموال وقوله تعالى : { ولباس التقوى } فيه بحثان : # البحث الأول : قرأ نافع وابن عامر والكسائي { ولباس } بالنصب عطفا على ~~قوله : { لباسا } والعامل فيه أنزلنا وعلى هذا التقدير فقوله : { ذالك } ~~مبتدأ وقوله : { خير } خبره ms3921 والباقون بالرفع وعلى هذا التقدير فقوله : { ~~ولباس التقوى } مبتدأ وقوله : { ذالك } صفة أو بدل أو عطف بيان وقوله خير ~~خبر لقوله : { ولباس التقوى } ومعنى قولنا صفة أن قوله : { ذالك } أشير به ~~إلى اللباس كأنه قيل ولباس التقوى المشار إليه خير . # البحث الثاني : اختلفوا في تفسير قوله : { ولباس التقوى } والضابط فيه أن ~~منهم من حمله على / نفس الملبوس ومنهم من حمله على غيره . # أما القول الأول : ففيه وجوه : أحدها : أن المراد أن اللباس الذي أنزله ~~الله تعالى ليواري سوآتكم هو لباس التقوى وعلى هذا التقدير فلباس التقوى هو ~~اللباس الأول وإنما أعاده الله لأجل أن يخبر عنه بأنه خير لأن جماعة من أهل ~~الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت فجرى هذا في ~~التكرير مجرى قول القائل : قد عرفتك الصدق في أبواب البر ، والصدق خير لك ~~من غيره . فيعيد ذكر الصدق ليخبر عنه بهذا المعنى . وثانيها : أن المراد من ~~لباس التقوى ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقي به في ~~الحروب . وثالثها : المراد من لباس التقوى الملبوسات المعدة لأجل إقامة ~~الصلوات . # والقول الثاني : أن يحمل قوله : { ولباس التقوى } على المجازات ثم ~~اختلفوا فقال قتادة والسدي وابن جريج : لباس التقوى الإيمان . وقال ابن ~~عباس : لباس التقوى العمل الصالح ، وقيل هو السمت الحسن ، PageV14P043 وقيل ~~هو العفاف والتوحيد ، لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عاريا من الثياب . ~~والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسيا ، وقال معبدهو الحياء . وقيل ~~هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخبات والعمل الصالح ، وإنما حملنا ~~لفظ اللباس على هذه المجازات لأن اللباس الذي يفيد التقوى ، ليس إلا هذه ~~الأشياء أما قوله : { ذالك خير } قال أبو علي الفارسي : معنى الآية { ولباس ~~التقوى * خير } ( الأعراف : 26 ) لصاحبه إذا أخذ به ، وأقرب له إلى الله ~~تعالى مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به . قال : وأضيف اللباس إلى ~~التقوى كما أضيف إلى الجوع في قوله : { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } ( ~~النحل : 112 ) وقوله : { ذالك من آيات ms3922 الله } معناه من آيات الله الدالة ~~على فضله ورحمته على عباده يعني إنزال اللباس عليهم { لعلهم يذكرون } ~~فيعرفون عظيم النعمة فيه . # ! 7 < { يابنىآدم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع ~~عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا ~~جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون } . > 7 ! # / < < # | الأعراف : ( 27 ) يا بني آدم . . . . . # > > اعلم أن المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن ~~يسمعها ، فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم وبين فيهاشدة عداوة الشيطان لآدم ~~وأولاده أتبعها بأن حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان فقال : { يذكرون ~~يابنى آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } وذلك لأن الشيطان ~~لما بلغ أثر كيده ولطف وسوسته وشدة اهتمامه إلى أن قدر على إلقاء آدم في ~~الزلة الموجبة لإخراجه من الجنة فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني ~~آدم أولى . فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان ~~فقال : { لا يفتننكم الشيطان } فيترتب عليه أن لا تدخلوا الجنة كما فتن ~~أبويكم ، فترتب عليه خروجهما منها وأصل الفتون عرض الذهب على النار وتخليصه ~~من الغش . ثم أتى في القرآن بمعنى المحنة وههنا بحثان : # البحث الأول : قال الكعبي : هذه الآية حجة على من نسب خروج آدم وحواء ~~وسائر وجوه المعاصي إلى الشيطان وذلك يدل على أنه تعالى بريء منها . فيقال ~~له لم قلتم أن كون هذا العمل منسوبا إلى الشيطان يمنع من كونه منسوبا إلى ~~الله تعالى ؟ ولم لا يجوز أن يقال إنه تعالى لما خلق القدرة والداعية ~~الموجبتين لذلك العمل ، كان منسوبا إلى الله تعالى ؟ ولما أجرى عادته بأنه ~~يخلق تلك الداعية بعد تزيين الشيطان ، وتحسينه تلك الأعمال عند ذلك الكافر ~~، كان منسوبا إلى الشيطان . # البحث الثاني : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما أخرج آدم وحواء من ~~الجنة ، عقوبة لهما على تلك الزلة ، وظاهر قوله : { إنى * جاعلك * فى الارض ~~خليفة } ( البقرة : 30 ) يدل على أنه تعالى خلقهما لخلافة الأرض وأنزلهما ~~من ms3923 الجنة إلى الأرض لهذا المقصود . فكيف الجمع بين الوجهين ؟ PageV14P044 # وجواب : أنه ربما قيل حصل لمجموع الأمري ، والله أعلم . # ثم قال : { ينزع عنهما لباسهما ليريهما } وفيه مباحث : # البحث الأول : { الجنة ينزع عنهما لباسهما } حال ، أي أخرجهما نازعا ~~لباسهما وأضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك لأن كان بسبب منه ، ~~فأسند إليه كما تقول أنت فعلت هذا ؟ لمن حصل منه ذلك الفعل بسبب . وإن لم ~~يباشره ، وكذلك لما كان نزع لباسهما بوسوسة الشيطان وغروره أسند إليه . # البحث الثاني : اللام في قوله : { ليريهما } لام العاقبة كما ذكرنا في ~~قوله : { ليبدي لهما } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يرى آدم سوأة حواء ~~وترى حواء سوأة آدم . # البحث الثالث : اختلفوا في اللباس الذي نزع منهما فقال بعضهم إنه النور ، ~~وبعضهم التقى ، وبعضهم اللباس الذي هو ثياب الجنة وهذا القول أقرب لأن ~~إطلاق اللباس يقتضيه والمقصود / من هذا الكلام ، تأكيد التحذير لبني آدم ، ~~لأنه لما بلغ تأثير وسوسة الشيطان في حق آدم مع جلالة قدره إلى هذا الحد ~~فكيف يكون حال آحاد الخلق ؟ ثم أكد تعالى هذا التحذير بقوله : { إنه يراكم ~~هو وقبيله من حيث لا ترونهم } وفيه مباحث : # البحث الأول : { إنه يراكم } يعني إبليس { هو وقبيله } أعاد الكناية ~~ليحسن العطف كقوله : { اسكن أنت وزوجك الجنة } ( البقرة : 35 ) . # البحث الثاني : قال أبو عبيدة عن أبي زيد : ( القبيل ) الجماعة يكونون من ~~الثلاثة فصاعدا من قوم شتي ، وجمعه قبل . والقبيلة : بنو أب واحد . وقال ~~ابن قتيبة ، قبيله أصحابه وجنده ، وقال الليث : { هو وقبيله } أي هو ومن ~~كان من نسله . # البحث الثالث : قال أصحابنا : إنهم يرون الأنس لأنه تعالى خلق في عيونهم ~~إدراكا والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس ، ~~وقالت المعتزلة : الوجه في أن الإنس لا يرون الجن ، رقة أجسام الجن ~~ولطافتها . والوجه في رؤية الجن للإنس ، كثافة أجسام الإنس ، والوجه في أن ~~يرى بعض الجن بعضا ، أن الله تعالى يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ، ولو ~~زاد الله في قوة ms3924 أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضا ، ولو أنه تعالى كثف ~~أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم ، فعلى هذا كون الإنس مبصرا ~~للجن موقوف عند المعتزلة إما على زيادة كثافة أجسام الجن ، أو على زيادة ~~قوة أبصار الإنس . # البحث الرابع : قوله تعالى : { من حيث لا ترونهم } يدل على أن الإنس لا ~~يرون الجن لأن قوله : { من حيث لا ترونهم } يتناول أوقات الاستقبال من غير ~~تخصيص ، قال بعض العلماء ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا ~~وأرادوا ، لوجب أن ترتفع الثقة عن معرفة الناس ، فلعل هذا الذي أشاهده ~~وأحكم عليه بأنه ولدي أو زوجتي جنى صور نفسه بصورة ولدي أو زوجتي وعلى هذا ~~التقدير فيرتفع الوثوق عن معرفة الأشخاص ، وأيضا فلو كانوا قادرين على ~~تخبيط الناس وإزالة العقل عنهم مع أنه تعالى بين العداوة الشديدة بينهم ~~وبين الإنس ، فلم لا يفعلون ذلك في حق أكثر البشر ؟ وفي حق العلماء ~~والأفاضل والزهاد ، لأن هذه العداوة بينهم وبين العلماء والزهاد أكثر وأقوى ~~، ولما لم يوجد شيء من ذلك ثبت أنه لا قدرة لهم على البشر بوجه من الوجوه . ~~ويتأكد هذا بقوله : { ما كان لى * عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لى } PageV14P045 ( إبراهيم : 22 ) قال مجاهد : قال إبليس اعطينا أربع خصال ~~: نرى ولا نرى ، ونخرج من تحت الثرى ، ويعود شيخنا فتى . # ثم قال تعالى : { إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } فقد احتج ~~أصحابنا بهذا النص على / أنه تعالى هو الذي سلط الشيطان الرجيم عليهم حتى ~~أضلهم وأغواهم ، قال الزجاج : ويتأكد هذا النص بقوله تعالى : { أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين } ( مريم : 83 ) قال القاضي : معنى قوله : { جعلنا ~~الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون } هو أنا حكمنا بأن الشيطان ولي لمن لا ~~يؤمن ، قال ومعنى قوله : { أرسلنا الشياطين على الكافرين } هو أنا خلينا ~~بينهم وبينهم ، كما يقال فيمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب على ~~الداخل ؛ إنه أرسل عليه كلبه . # والجواب : أن القائل إذا قال : إن فلانا جعل هذا الثوب ms3925 أبيض أو أسود ، لم ~~يفهم منه أنه حكم به ، بل يفهم منه أنه حصل السواد أو البياض فيه ، فكذلك ~~ههنا وجب حمل الجعل على التأثير والتحصيل ، لا على مجرد الحكم ، وأيضا فهب ~~أنه تعالى حكم بذلك ، لكن مخالفة حكم الله تعالى توجب كونه كاذبا وهو محال ~~، فالمفضي إلى المحال محال ، فكون العبد قادرا على خلاف ذلك ، وجب أن يكون ~~محالا . وأما قوله أن قوله تعالى : { أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } ~~أي خلينا بينهم وبين الكافرين فهو ضعيف أيضا ، ألا ترى أن أهل السوق يؤذي ~~بعضهم بعضا ، ويشتم بعضهم بعضا ، ثم إن زيدا وعمرا إذا لم يمنع بعضهم عن ~~البعض . لا يقال أنه أرسل بعضهم على البعض ، بل لفظ الإرسال إنما يصدق إذا ~~كان تسليط بعضهم على البعض بسبب من جهته ، فكذا ههنا . والله أعلم . # ! 7 < { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ ءاباءنا والله أمرنا بها قل ~~إن الله لا يأمر بالفحشآء أتقولون على الله ما لا تعلمون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 28 ) وإذا فعلوا فاحشة . . . . . # > > اعلم أن في الناس من حمل الفحشاء على ما كانوا يحرمونه من البحيرة ~~والسائبة وغيرهما ، وفيهم من حمله على أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة ~~الرجال والنساء ، والأولى أن يحكم بالتعميم ، والفحشاء عبارة عن كل معصية ~~كبيرة ، فيدخل فيه جميع الكبائر ، واعلم أنه ليس المراد منه أن القرم كانوا ~~يسلمون كون تلك الأفعال فواحش . ثم كانوا يزعمون أن الله أمرهم بها ، فإن ~~ذلك لا يقوله عاقل . بل المراد أن تلك الأشياء كانت في أنفسها فواحش ، ~~والقوم كانوا يعتقدون أنها طاعات ، وإن الله أمرهم بها ، ثم إنه تعالى حكى ~~عنهم أنهم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحش بأمرين . / أحدهما : ~~أنا وجدنا عليها آباءنا . والثاني : أن الله أمرنا بها . PageV14P046 # أما الحجة الأولى : فما ذكر الله عنها جوابا ، لأنها إشارة إلى محض ~~التقليد ، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة ، لأن التقليد حاصل في ~~الأديان المتناقضة ، فلو كان التقليد طريقا حقا للزم الحكم بكون كل واحد من ~~المتناقضين ms3926 حقا ومعلوم أنه باطل ، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرا جليا لكل ~~أحد لم يذكر الله تعالى الجواب عنه . # وأما الحجة الثانية : وهي قولهم : { والله أمرنا بها } فقد أجاب عنه ~~بقوله تعالى : { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } والمعنى أنه ثبت على لسان ~~الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة ، فكيف يمكن القول بأن الله ~~تعالى أمرنا بها ؟ وأقول للمعتزلة أن يحتجوا بهذه الآية على أن الشيء إنما ~~يقبح لوجه عائد إليه ، ثم إنه تعالى نهى عنه لكونه مشتملا على ذلك الوجه ، ~~لأن قوله تعالى : { إن الله لا يأمر بالفحشاء } إشارة إلى أنه لما كان ذلك ~~موصوفا في نفسه بكونه من الفحشاء امتنع أن يأمر الله به ، وهذا يقتضي أن ~~يكون كونه في نفسه من الفحشاء مغايرا لتعلق الأمر والنهب به ، وذلك يفيد ~~المطلوب . # وجوابه : يحتمل أنه لما ثبت بالاستقراء أنه تعالى لا يأمر إلا بما يكون ~~مصلحة للعباد ، ولا ينهي إلا عما يكون مفسده لهم ، فقد صح هذا التعليل لهذا ~~المعنى . والله أعلم . # ثم قال تعالى : { أتقولون على الله ما لا تعلمون } وفيه بحثان : # البحث الأول : المراد منه أن يقال : إنكم تقولون إن الله أمركم بهذه ~~الأفعال المخصوصة فعلمكم بأن الله أمركم بها حصل لأنكم سمعتم كلام الله ~~تعالى ابتداء من غير واسطة ، أو عرفتم ذلك بطريق الوحي إلى الأنبياء ؟ # أما الأول : فمعلوم الفساد بالضرورة . # وأما الثاني : فباطل على قولكم ، لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء على الإطلاق ~~، لأن هذه المناظرة وقعت مع كفار قريش ، وهم كانوا ينكرون أصل النبوة ، ~~وإذا كان الأمر كذلك ، فلا طريق لهم إلى تحصيل العلم بأحكام الله تعالى ، ~~فكان قولهم أن الله أمرنا بها قولا على الله تعالى بما لا يكون معلوما . ~~وإنه باطل . # البحث الثاني : نفاة القياس قالوا : الحكم المثبت بالقياس مظنون وغير ~~معلوم ، وما لا يكون معلوما لم يجز القول به لقوله تعالى في معرض الذم ~~والسخرية : { أتقولون على الله ما لا تعلمون } وجواب مثبتي القياس عن أمثال ~~هذه الدلالة قد ذكرناه مرارا . والله ms3927 أعلم . # ! 7 < { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له ~~الدين كما بدأكم تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا ~~الشياطين أوليآء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 29 - 30 ) قل أمر ربي . . . . . # > > PageV14P047 # اعلم أنه تعالى لما بين أمر الأمر بالفحشاء بين تعالى أنه يأمر بالقسط ~~والعدل ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { أمر ربي بالقسط } يدل على أن الشيء يكون في ~~نفسه قسطا لوجوه : عائدة إليه في ذاته ، ثم أنه تعالى يأمر به لكونه كذلك ~~في نفسه ، وذلك يدل أيضا على أن الحسن إنما يحسن لوجوه عائدة إليه ، وجوابه ~~ما سبق ذكره . # المسألة الثانية : قال عطاء ، والسدي { بالقسط } بالعدل وبما ظهر في ~~المعقول كونه حسنا صوابا . وقال ابن عباس : هو قول لا إله إلا الله ، ~~والدليل عليه قوله : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم ~~قائما بالقسط } ( آل عمران : 18 ) وذلك القسط ليس إلا شهادة أن لا إله إلا ~~الله . فثبت أن القسط ليس إلا قول لا إله إلا الله . # إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء . أولها : ~~أنه أمر بالقسط ، وهو قول : لا إله إلا الله . وهو يشتمل على معرفة الله ~~تعالى بذاته وأفعاله وأحكامه ، ثم على معرفة أنه واحد لا شريك له . وثانيها ~~: أنه أمر بالصلاة وهو قوله : { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } وفيه مباحث : # البحث الأول : أنه لقائل أن يقول : { أمر ربي بالقسط } خبر وقوله : { ~~وأقيموا وجوهكم } أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز . وجوابه التقدير : قل ~~أمر ربي بالقسط . وقل : أقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ~~. # البحث الثاني : في الآية قولان : أحدهما : المراد بقوله : { أقيموا } هو ~~استقبال القبلة . والثاني : أن المراد هو الإخلاص ، والسبب في ذكر هذين ~~القولين ، أن إقامة الوجه في العبادة قد / تكون باستقبال القبلة ، وقد تكون ~~بالإخلاص في تلك العبادة ، والأقرب هو الأول ، لأن الإخلاص مذكور من بعد ، ~~ولو حملناه على معنى الإخلاص ، صار ms3928 كأنه قال : وأخلصوا عند كل مسجد وادعوه ~~مخلصين له الدين ، وذلك لا يستقيم . # فإن قيل : يستقيم ذلك ، إذا علقت الإخلاص بالدعاء فقط . # قلنا : لما أمكن رجوعه إليهما جميعا ، لم يجز قصره على أحدهما ، خصوصا مع ~~قوله : { مخلصين له الدين } فإنه يعم كل ما يسمى دينا . # إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { عند كل مسجد } اختلفوا في أن المراد منه ~~زمان الصلاة أو مكانه والأقرب هو الأول ، لأنه الموضع الذي يمكن فيه إقامة ~~الوجه للقبلة ، فكأنه تعالى بين لنا أن لا نعتبر الأماكن ، بل نعتبر القبلة ~~، فكان المعنى : وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة وقال ابن ~~عباس : المراد إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ، ولا يقولن أحدكم ~~، لاأصلي إلا في مسجد قومي . # ولقائل أن يقول : حمل لفظ الآية على هذا بعيد ، لأن لفظ الآية يدل على ~~وجوب إقامة الوجه في كل مسجد ، ولا يدل على أنه لا يجوز له العدول من مسجد ~~إلى مسجد . # وأما قوله : { وادعوه مخلصين له الدين } فاعلم أنه تعالى لما أمر في ~~الآية الأولى بالتوجه إلى القبلة ، أمر بعده بالدعاء ، والأظهر عندي أن ~~المراد به أعمال الصلاة ، وسماها دعاء ، لأن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن ~~الدعاء ، ولأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر / وبين أنه يجب أن يؤتى ~~بذلك الدعاء مع PageV14P048 الإخلاص ، ونطيره قوله تعالى : { وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ( البينة : 5 ) ثم قال تعالى : { كما بدأكم ~~تعودون } وفيه قولان : # القول الأول : قال ابن عباس : { كما بدأكم } خلقكم مؤمنا أو كافرا { ~~تعودون } فبعث المؤمن مؤمنا ، والكافر كافرا ، فإن من خلقه الله في أول ~~الأمر للشقاوة ، أعمله بعمل أهل الشقاوة ، وكانت عاقبته الشقاوة ، وان خلقه ~~للسعادة أعمله بعمل أهل السعادة ، وكانت عاقبته السعادة . # والقول الثاني : قال الحسن ومجاهد : { كما بدأكم } خلقكم في الدنيا ولم ~~تكونوا شيئا ، كذلك تعودون أحياء ، فالقائلون بالقول الأول : احتجوا على ~~صحته بأنه تعالى ذكر عقيبه قوله : { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } ~~وهذا يجري مجرى التفسير لقوله ms3929 : { كما بدأكم تعودون } وذلك يوجب ما قلناه . ~~قال القاضي : هذا القول باطل ، لأن أحدا لا يقول إنه تعالى بدأنا مؤمنين أو ~~كافرين ، لأنه لا بد في الإيمان والكفر أن يكون طارئا وهذا السؤال ضعيف ، ~~لأن جوابه أن / يقال : كما بدأكم بالإيمان ، والكفر ، والسعادة ، والشقاوة ~~، فكذلك يكون الحال عليه يوم القيامة . واعلم أنه تعالى أمر في الآية أولا ~~بكلمة ( القسط ) وهي كلمة لا إله إلا الله ، ثم أمر بالصلاة ثانيا ، ثم بين ~~أن الفائدة في الإتيان بهذه الأعمال ، إنما تظهر في الدار الآخرة ، ونظيره ~~قوله عالى في ( طه ) لموسى عليه السلام : { إننى أنا الله لا إلاه إلا أنا ~~فاعبدنى وأقم الصلواة لذكرى * إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها } ( طه : 14 / ~~15 ) . # ثم قال تعالى : { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } وفيه بحثان : # البحث الأول : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله ~~تعالى . قالت المعتزلة : المراد فريقا هدى إلى الجنة والثواب ، وفريقا حق ~~عليهم الضلالة ، أي العذاب والصرف عن طريق الثواب . قال القاضي : لأن هذا ~~هو الذي يحق عليهم دون غيرهم ، إذ العبد لا يستحق ، لأن يضل عن الدين ، إذ ~~لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين ، كما أمرهم بإقامة ~~الحدود المستحقة ، وفي ذلك زوال الثقة بالنبوات . # واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين : الأول : أن قوله : { فريقا هدى } ~~إشارة إلى الماضي وعلى التأويل الذي يذكرونه يصير المعنى إلى أنه تعالى ~~سيهديهم في المستقبل ، ولو كان المراد أنه تعالى حكم في الماضي بأنه ~~سيهديهم إلى الجنة ، كان هذا عدولا عن الظاهر من غير حاجة ، لأنا بينا ~~بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى . ~~والثاني : نقول هب أن المراد من الهداية والضلال حكم الله تعالى بذلك ، إلا ~~أنه لما حصل هذا الحكم امتنع من العبد صدور غيره ، وإلا لزم انقلاب ذلك ~~الحكم كذبا ، والكذب على الله محال ، والمفضي إلى المحال محال ، فكان صدور ~~غير ذلك الفعل من العبد محالا ، وذلك يوجب فساد مذهب المعتزلة ms3930 من هذا الوجه ~~. والله أعلم . # البحث الثاني : انتصاب قوله : { وفريقا حق عليهم الضلالة } بفعل يفسره ما ~~بعده ، كأنه قيل : وخذل فريقا حق عليهم الضلالة ، ثم بين تعالى أن الذي ~~لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة ، هو أنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون ~~الله فقبلوا ما دعوهم إليه ، ولم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل . ~~PageV14P049 # فإن قيل : كيف يستقيم هذا التفصيل مع قولكم ، بأن الهدى والضلال إنما ~~يحصل بخلق الله تعالى ابتداء . فنقول : عندنا مجموع القدرة ، والداعي يوجب ~~الفعل ، والداعية التي دعتهم إلى ذلك الفعل / هي : أنهم اتخذوا الشيطان ~~أولياء من دون الله . # ثم قال تعالى : { ويحسبون أنهم مهتدون } قال ابن عباس : يريد ما بين لهم ~~عمرو بن لحي ، وهذا بعيد / بل هو محمول على عمومه ، فكل من شرع في باطل ، ~~فهو يستحق الذم والعذاب سواء حسب كونه حقا ، أو لم يحسب ذلك ، وهذا الآية ~~تدل على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في صحة الدين ، بل لا بد فيه من ~~الجزم والقطع واليقين ، لأنه تعالى عاب الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين ، ~~ولولا أن هذا الحسبان مذموم ، وإلا لما ذمهم بذلك . والله أعلم . # ! 7 < { يابنىءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه ~~لا يحب المسرفين * قل من حرم زينة الله التىأخرج لعباده والطيبات من الرزق ~~قل هى للذين ءامنوا فى الحيواة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات ~~لقوم يعلمون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 31 - 32 ) يا بني آدم . . . . . # > > # اعلم أن الله تعالى لما أمر بالقسط في الآية الأولى ، وكان من جملة القسط ~~أمر اللباس وأمر المأكول والمشروب ، لا جرم أتبعه بذكرهما ، وأيضا لما أمر ~~بإقامة الصلاة في قوله : { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد } ( الأعراف : 29 ) ~~وكان ستر العورة شرطا لصحة الصلاة . لا جرم أتبعه بذكر اللباس وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : أن أهل الجاهلية من قبائل العرب كانوا ~~يطوفون بالبيت عراة . الرجال بالنهار ، والنساء بالليل ، وكانوا إذا وصلوا ~~إلى مسجد منى ، طرحوا ثيابهم وأتوا المسجد عراة ms3931 . وقالوا : لا نطوف في ثياب ~~أصبنا فيها الذنوب ، ومنهم من يقول : نفعل ذلك تفاؤلا حتى نتعرى عن الذنوب ~~كما تعرينا عن الثياب ، وكانت المرأة منهم تتخذ سترا تعلقه على حقويها ، ~~لتستتر به عن الحمس ، وهم قريش ، فإنهم كانوا لا يفعلون ذلك ، وكانوا يصلون ~~في ثيابهم ، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتا ، ولا يأكلون دسما ، فقال ~~المسلمون : يا رسول الله فنحن أحق أن نفعل ذلك ، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية ، أي : ( البسوا ثيابكم وكلوا اللحم والدسم واشربوا ولا تسرفوا ) . # المسألة الثانية : المراد من الزينة لبس الثياب ، والدليل عليه . قوله ~~تعالى : { ولا يبدين زينتهن } ( النور : 31 ) / يعني الثياب ، وأيضا ~~فالزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ، ولذلك صار التزيين بأجود ~~الثياب في الجمع والأعياد سنة ، وأيضا أنه تعالى قال في الآية المتقدمة : { ~~قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءتكم وريشا } PageV14P050 فبين أن اللباس ~~الذي يواري السوأة من قبيل الرياش والزينة ، ثم إنه تعالى أمر بأخذ الزينة ~~في هذه الآية ، فوجب أن يكون المراد من هذه الزينة هو الذي تقدم ذكره في ~~تلك الآية فوجب حمل هذه الزينة على ستر العورة ، وأيضا فقد أجمع المفسرون ~~على أن المراد بالزينة ههنا لبس الثوب الذي يستر العورة ، وأيضا فقوله : { ~~خذوا زينتكم } أمر . والأمر للوجوب ، فثبت أن أخذ الزينة واجب ، وكل ما سوى ~~اللبس فغير واجب ، فوجب حمل الزينة على اللبس عملا بالنص بقدر الإمكان . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { خذوا زينتكم } أمر ، وظاهر الأمر للوجوب ، ~~فهذا يدل على وجوب ستر العورة عنه إقامة كل صلاة ، وههنا سؤالان : # السؤال الأول : إنه تعالى عطف عليه قوله : { وكلوا واشربوا } ولا شك أن ~~ذلك أمر إباحة فوجب أن يكون قوله : { خذوا زينتكم } أمر إباحة أيضا . # وجوابه : أنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه ، ~~وأيضا فالأكل والشرب قد يكونان واجبين أيضا في الحكم . # السؤال الثاني : أن هذه الآية نزلت في المنع من الطواف حال العري . # والجواب : أنا بينا في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ ، لا ms3932 بخصوص ~~السبب . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { خذوا زينتكم عند كل مسجد } يقتضي وجوب ~~اللبس التام عند كل صلاة لأن اللبس التام هو الزينة . ترك العمل به في ~~القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء ، إجماعا ، فبقي الباقي داخلا تحت اللفظ ~~، وإذا ثبت أن ستر العورة واجب في الصلاة / وجب أن تفسد الصلاة عند تركه ، ~~لأن تركه يوجب ترك المأمور به ، وترك المأمور به معصية ، والمعصية توجب ~~العقاب على ما شرحنا هذه الطريقة في الأصول . # المسألة الثالثة : تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في مسألة إزالة ~~النجاسة بماء الورد . فقالوا : أمرنا بالصلاة في قوله : { وأن أقيموا } ( ~~يونس : 87 ) والصلاة عبارة عن الدعاء ، وقد أتى بها ، والإتيان بالمأمور به ~~يوجب الخروج عن العهدة ، فمقتضى هذا الدليل أن لا تتوقف صحة الصلاة على ستر ~~العورة ، إلا أنا أوجبنا هذا المعنى عملا بقوله تعالى : { خذوا زينتكم عند ~~كل مسجد } ولبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى وجوه النظافة أخذ الزينة ~~، فوجب أن يكون كافيا / في صحة الصلاة . # وجوابنا : أن الألف واللام في قوله : { وأن أقيموا } ينصرفان إلى المعهود ~~السابق ، وذلك هو عمل الرسول صلى الله عليه وسلم ، لم قلتم أن الرسول عليه ~~الصلاة والسلام صلى في الثوب المغسول بماء الورد ؟ والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وكلوا واشربوا } فاعلم أنا ذكرنا أن أهل الجاهلية ~~كانوا لا يأكلون من الطعام في أيام حجهم إلا القليل ، وكانوا لا يأكلون ~~الدسم ، يعظمون بذلك حجهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان فساد تلك ~~الطريقة . # والقول الثاني : أنهم كانوا يقولون أن الله تعالى حرم عليهم شيئا مما في ~~بطون الأنعام فحرم عليهم البحيرة والسائبة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ~~بيانا لفساد قولهم في هذا الباب . PageV14P051 # واعلم أن قوله : { وكلوا واشربوا } مطلق يتناول الأوقات والأحوال ، ~~ويتناول جميع المطعومات والمشروبات ، فوجب أن يكون الأصل فيها هو الحل في ~~كل الأوقات ، وفي كل المطعومات والمشروبات إلا ما خصه الدليل المنفصل ، ~~والعقل أيضا مؤكد له ، لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة . # وأما قوله ms3933 تعالى : { ولا تسرفوا } ففيه قولان : # القول الأول : أن يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ، ولا يكثر ~~الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقدارا كثيرا يضره ولا يحتاج إليه . # والقول الثاني : وهو قول أبي بكر الأصم : أن المراد من الإسراف ، قولهم ~~بتحريم البحيرة والسائبة ، فإنهم أخرجوها عن ملكهم ، وتركوا الانتفاع بها ، ~~وأيضا أنهم حرموا على أنفسهم في وقت الحج أيضا أشياء أحلها الله تعالى لهم ~~، وذلك إسراف . # واعلم أن حمل لفظ الإسراف على الاستكثار ، مما لا ينبغي أولى من حمله على ~~المنع من لا يجوز وينبغي . # ثم قال تعالى : { إنه لا يحب المسرفين } وهذا نهاية التهديد ، لأن كل ما ~~لا يحبه الله تعالى بقي محروما عن الثواب ، لأن معنى محبة الله تعالى العبد ~~أيصاله الثواب إليه ، فعدم هذه المحبة عبارة عن عدم حصول الثواب ، ومتى لم ~~يحصل الثواب ، فقد حصل العقاب ، لانعقاد الإجماع على أنه ليس في الوجود ~~مكلف ، لا يثاب ولا يعاقب . # ثم قال تعالى : { قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : أن هذه الآية ظاهرها استفهام ، إلا أن المراد منه ~~تقرير الإنكار ، والمبالغة في تقرير ذلك الإنكار ، وفي الآية قولان : # القول الأول : أن المراد من الزينة في هذه الآية اللباس الذي تستر به ~~العورة ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وكثير من المفسرين . # والقول الثاني : أنه يتناول جميع أنواع الزينة ، فيدخل تحت الزينة جميع ~~أنواع التزيين ، ويدخل تحتها تنظيف البدن من جميع الوجوه ، ويدخل تحتها ~~المركوب ، ويدخل تحتها أيضا أنواع الحلي ، لأن كل ذلك زينة ، ولولا النص ~~الوارد في تحريم الذهب والفضة والإبريسم على الرجال لكان ذلك داخلا تحت هذا ~~العموم / ويدخل تحت الطيبات من الرزق ، كل ما يستلذ ويشتهي من أنواع ~~المأكولات والمشروبات ، ويدخل أيضا تحته التمتع بالنساء وبالطيب . وروي عن ~~عثمان بن مظعون : أنه أتى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال : غلبني حديث ~~النفس ، عزمت على أن أختصي ، فقال : ( مهلا يا عثمان إن خصاء أمتي الصيام ) ~~قال : فإن نفسي ms3934 تحدثني بالترهب . قال : ( إن ترهب أمتي القعود في المساجد ~~لانتظار الصلاة فقال : تحدثني نفسي بالسياحة ) . فقال : ( سياحة أمتي الغزو ~~والحج والعمرة ) فقال : إن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك ، فقال : ( الأولى ~~أن تكفي نفسك وعيالك وأن ترحم اليتيم والمسكين فتعطيه أفضل من ذلك ) فقال : ~~إن نفسي تحدثني أن أطلق خولة فقال : ( إن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله ~~) قال : فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها . قال : ( إن المسلم PageV14P052 إذا ~~غشى أهله أو ما ملكت يمينه فإن لم يصب من وقعته تلك ولدا كان له وصيف في ~~الجنة وإذا كان له ولد مات قبله أو بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة ~~وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كان له شفيعا ورحمة يوم القيامة ) قال : فإن ~~نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم قال : ( مهلا إني آكل اللحم إذا وجدته ولو ~~سألت الله أن يطعمنيه كل يوم فعله ) قال : فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب ~~. قال : ( مهلا فإن جبريل أمرني بالطيب غبا وقال لا تتركه يوم الجمعة ) ثم ~~قال : ( يا عثمان لا ترغب عن سنتي فإن من رغب عن سنتي ومات قبل أن يتوب ~~صرفت الملائكة وجهه عن حوضي ) . # واعلم أن هذا الحديث يدل على أن هذه الشريعة الكاملة تدل على أن جميع ~~أنواع الزينة مباح مأذون فيه ، إلا ما خصه الدليل ، فلهذا السبب أدخلنا ~~الكل تحت قوله : { قل من حرم زينة الله } . # المسألة الثانية : مقتضى هذه الآية أن كل ما تزين الإنسان به ، وجب أن ~~يكون حلالا ، وكذلك كل ما يستطاب وجب أن يكون حلالا ، فهذه الآية تقتضي حل ~~كل المنافع ، وهذا أصل معتبر في كل الشريعة ، لأن كل واقعة تقع ، فإما أن ~~يكون النفع فيها خالصا ، أو راجحا أو الضرر يكون / خالصا أو راجحا ، أو ~~يتساوى الضرر والنفع ، أو يرتفعا . أما القسمان الأخيران ، وهو أن يتعادل ~~الضرر والنفع ، أو لم يوجدا قط ففي هاتين الصورتين ، وجب الحكم ببقاء ما ~~كان على ما كان ، وإن كان النفع خالصا ms3935 ، وجب الإطلاق بمقتضى هذه الآية ، ~~وإن كان النفع راجحا والضرر مرجوحا يقابل المثل بالمثل ، ويبقى القدر ~~الزائد نفعا خالصا ، فيلتحق بالقسم الذي يكون النفع فيه خالصا ، وإن كان ~~الضرر خالصا ، كان تركه خالص النفع ، فيلتحق بالقسم المتقدم ، وإن كان ~~الضرر راجحا بقي القدر الزائد ضررا خالصا ، فكان تركه نفعا خالصا ، فبهذا ~~الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام التي لا نهاية لها في الحل والحرمة ~~، ثم إن وجدنا نصا خالصا في الواقعة ، قضينا في النفع بالحل ، وفي الضرر ~~بالحرمة ، وبهذا الطريق صار جميع الأحكام التي لا نهاية لها داخلا تحت النص ~~ثم قال نفاة القياس . فلو تعبدنا الله تعالى بالقياس ، لكان حكم ذلك القياس ~~. إما أن يكون موافقا لحكم هذا النص العام ، وحينئذ يكون ضائعا ، لأن هذا ~~النص مستقل به . وإن كان مخالفا كان ذلك القياس مخصصا لعموم هذا النص ، ~~فيكون مردودا لأن العمل بالنص أولى من العمل بالقياس . قالوا : وبهذا ~~الطريق يكون القرآن وحده وافيا ببيان كل أحكام الشريعة ، ولا حاجة معه إلى ~~طريق آخر ، فهذا تقرير قول من يقول : القرآن واف ببيان جميع الوقائع . ~~والله أعلم . # وأما قوله تعالى : { قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من } ~~ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : تفسير الآية هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة ~~لهم ، لأن المشركين شركاؤهم فيها خالصة يوم القيامة / لا يشركهم فيها أحد . # فإن قيل : هلا قيل للذين آمنوا ولغيرهم ؟ # قلنا : فهم منه التنبيه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة ، ~~وأن الكفرة تبع لهم ، كقوله تعالى : { ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار } ( البقرة : 126 ) والحاصل : أن ذلك تنبيه على أن هذه النعم ~~إنما تصفوا عن شوائب الرحمة يوم القيامة . أما في الدنيا . فإنها تكون ~~مكدرة مشوبة . PageV14P053 # المسألة الثانية : قرأ نافع { خالصة } بالرفع والباقون بالنصب ، قال ~~الزجاج : الرفع على أنه خبر بعد خبر ، كما تقول : زيد عاقل لبيب ، والمعنى ~~: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة . قال أبو ms3936 ~~علي : ويجوز أن يكون قوله : { خالصة } خبر المبتدأ وقوله : { للذين ءامنوا ~~} متعلقا بخالصة . والتقدير : هي خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا . ~~وأما القراءة بالنصب ، فعلى الحال . والمعنى : أنها ثابتة للذين آمنوا في ~~حال كونها خالصة لهم يوم القيامة . # / ثم قال تعالى : { كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } ومعنى تفصيل الآيات ~~قد سبق وقوله : { لقوم يعلمون } أي لقوم يمكنهم النظر به والاستدلال حتى ~~يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية ، والله أعلم . # ! 7 < { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير ~~الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 33 ) قل إنما حرم . . . . . # > > في الآية مسألتان : # المسألة الأولى : أسكن حمزة الياء من { ربى } والباقون فتحوها . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذي حرموه ~~ليس بحرام بين في هذه الآية أنواع المحرمات ، فحرم أولا الفواحش ، وثانيا ~~الإثم ، واختلفوا في الفرق بينهما على وجوه : الأول : أن الفواحش عبارة عن ~~الكبائر ، لأنه قد تفاحش قبحها أي تزايد والإثم عبارة عن الصغائر فكان معنى ~~الآية : أنه حرم الكبائر والصغائر ، وطعن القاضي فيه ، فقال هذا يقتضي أن ~~يقال : الزنا ، والسرقة ، والكفر ليس بإثم . وهو بعيد . # القول الثاني : أن الفاحشة اسم لا يجب فيه الحد ، والإثم اسم لما يجب فيه ~~الحد ، وهذا وإن كان مغايرا للأول إلا أنه قريب منه ، والسؤال فيه ما تقدم ~~. # والقول الثالث : أن الفاحشة اسم للكبيرة ، والإثم اسم لمطلق الذنب سواء ~~كان كبيرا أو صغيرا . والفائدة فيه : أنه تعالى لما حرم الكبيرة أردفها ~~بتحريم مطلق الذنب لئلا يتوهم أن التحريم مقصود على الكبيرة . وعلى هذا ~~القول اختيار القاضي . # والقول الرابع : أن الفاحشة وإن كانت بحسب أصل اللغة اسما لكل ما تفاحش ~~وتزايد في أمر من الأمور ، إلا أنه في العرف مخصوص بالزيادة . والدليل عليه ~~أنه تعالى قال في الزنا : { إنه كان فاحشة } ( النساء : 22 ) ولأن لفظ ~~الفاحشة إذا أطلق لم يفهم منه إلا ذلك ، وإذا ms3937 قيل فلان فحاش : فهم أنه يشتم ~~الناس بألفاط الوقاع ، فوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنا فقط . PageV14P054 # / إذا ثبت هذا فنقول : في قوله : { ما ظهر منها وما بطن } على هذا ~~التفسير وجهان : الأول : يريد سر الزنا ، وهو الذي يقع على سبيل العشق ~~والمحبة ، وما ظهر منها بأن يقع علانية . والثاني : أن يراد بما ظهر من ~~الزنا الملامسة والمعانقة { وما بطن } الدخول . وأما الإثم فيجب تخصيصه ~~بالخمر ، لأنه تعالى قال في صفة الخمر : { وإثمهما أكبر من نفعهما } ( ~~البقرة : 219 ) وبهذا التقدير : فإنه يظهر الفرق بين اللفظين . # النوع الثالث : من المحرمات قوله : { والبغى بغير الحق } فنقول : أما ~~الذين قالوا : المراد بالفواحش جميع الكبائر ، وبالإثم جميع الذنوب . قالوا ~~: إن البغي والشرك لا بد وأن يكونا داخلين تحت الفواحش وتحت الإثم ، إلا أن ~~الله تعالى خصهما بالذكر تنبيها على أنهما أقبح أنواع الذنوب ، كما في قوله ~~: { وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) وفي قوله : { وإذ أخذنا ~~من النبيين ميثاقهم } ( الأحزاب : 7 ) ومنك ومن نوح ، وأما الذين قالوا ~~الفاحشة مخصوصة بالزنا والإثم بالخمر ، قالوا : البغي والشرك على هذا ~~التقرير غير داخلين تحت الفواحش والإثم . فنقول : البغي لا يستعمل إلا في ~~الإقدام على الغير نفسا ، أو مالا ، أو عرضا ، وأيضا قد يراد بالبغي الخروج ~~على سلطان الوقت . # فإن قيل : البغي لا يكون إلا بغير الحق ، فما الفائدة في ذكر هذا الشرط . # قلنا أنه مثل قوله تعالى : { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق } ~~( الإسراء : 33 ) والمعنى : لا تقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر ، إلا ~~أن يكون لكم فيه حق ، فحينئذ يخرج من أن يكون بغيا . # والنوع الرابع : من المحرمات قوله تعالى : { وأن تشركوا بالله ما لم ينزل ~~به سلطانا } وفيه سؤال : وهو أن هذا يوهم أن في الشرك بالله ما قد أنزل به ~~سلطانا ، وجوابه : المراد منه أن الإقرار بالشيء الذي ليس على ثبوته حجة ، ~~ولا سلطان ممتنع ، فلما امتنع حصول الحجة والتنبيه على صحة القول بالشرك ، ~~فوجب أن يكون القول به باطلا على الإطلاق ، وهذه ms3938 الآية من أقوى الدلائل على ~~أن القول بالتقليد باطل . # والنوع الخامس : من المحرمات المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون } وقد سبق تفسير هذه الآية في هذه السورة عند ~~قوله : { إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون } ( ~~الأعراف : 28 ) وبقي في الآية سؤالان : # السؤال الأول : كلمة ( إنما ) تفيد الحصر ، فقوله : { إنما حرم ربي } كذا ~~وكذا يفيد الحصر ، والمحرمات غير محصورة في هذه الأشياء . # والجواب : إن قلنا الفاحشة محمولة على مطلق الكبائر ، والإثم على مطلق ~~الذنب دخل كل / الذنوب فيه ، وإن حملنا الفاحشة على الزنا ، والإثم على ~~الخمر . # قلنا : الجنايات محصورة في خمسة أنواع : أحدها : الجنايات على الأنساب ، ~~وهي إنما تحصل بالزنا ، وهي المراد بقوله : { إنما حرم ربي الفواحش } ~~وثانيها : الجنايات على العقول ، وهي شرب الخمر ، وإليها الإشارة بقوله : { ~~الإثم } وثالثها : الجنايات على الأعراض . ورابعها : الجنايات على النفوس ~~وعلى الأموال ، وإليهما الإشارة بقوله : { والبغى بغير الحق } وخامسها : ~~الجنايات على الأديان وهي من وجهين : أحدها : الطعن في توحيد الله تعالى ، ~~وإليه الإشارة بقوله : { وأن تشركوا بالله } PageV14P055 وثانيها : القول ~~في دين الله من غير معرفة ، وإليه الإشارة بقوله : { وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون } فلما كانت أصول الجنايات هي هذه الأشياء ، وكانت البواقي ~~كالفروع والتوابع ، لا جرم جعل تعالى ذكرها جاريا مجرى ذكر الكل ، فأدخل ~~فيها كلمة ( إنما ) المفيدة للحصر . # السؤال الثاني : الفاحشة والإثم هو الذي نهى الله عنه ، فصار تقدير الآية ~~: إنما حرم ربي المحرمات ، وهو كلام خال عن الفائدة . والجواب كون الفعل ~~فاحشة هو عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها يجب النهي عنه ، ~~وعلى هذا التقدير : فيسقط السؤال ، والله أعلم . # ! 7 < { ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } . ~~> 7 ! # < < # | الأعراف : ( 34 ) ولكل أمة أجل . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما بين الحلال والحرام وأحوال التكليف ، بين ~~أن لكل أحد أجلا معينا لا يتقدم ولا يتأخر ، وإذا جاء ذلك الأجل مات لا ~~محالة ms3939 ، والغرض منه التخويف ليتشدد المرء في القيام بالتكاليف كما ينبغي . # المسألة الثانية : اعلم أن الأجل ، هو الوقت الموقت المضروب لانقضاء ~~المهلة ، وفي هذه الآية قولان : # القول الأول : وهو قول ابن عباس ، والحسن ومقاتل أن المعنى أن الله تعالى ~~أمهل كل أمة كذبت رسولها إلى وقت معين ، وهو تعالى لا يعذبهم إلى أن ينظروا ~~ذلك الوقت الذي يصيرون فيه مستحقين لعذاب الاستئصال ، فإذا جاء ذلك الوقت ~~نزل ذلك العذاب لا محالة . # والقول الثاني : أن المراد بهذا الأجل العمر ، فإذا انقطع ذلك الأجل وكمل ~~امتنع وقوع التقديم والتأخير فيه ، والقول الأول : أولى ، لأنه تعالى قال : ~~{ ولكل أمة } ولم يقل ولكل أحد أجل / وعلى القول الثاني : إنما قال : { ~~ولكل أمة } ولم يقل لكل أحد لأن الأمة هي الجماعة في كل زمان ، ومعلوم من ~~حالها التقارب في الأجل ، لأن ذكر الأمة فيما يجري مجرى الوعيد أفحم ، ~~وأيضا فالقول الأول : يقتضي أن يكون لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول ~~عذاب الاستئصال عليهم وليس الأمر كذلك لأن أمتنا ليست كذلك . # المسألة الثالثة : إذا حملنا الآية على القول الثاني : لزم أن يكون لكل ~~أحد أجل ، لا يقع فيه التقديم والتأخير فيكون المقتول ميتا بأجله ، وليس ~~المراد منه أنه تعالى لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ، ولا أنقص ، ولا ~~يقدر على أن يميته في ذلك الوقت لأن هذايقتضي خروجه تعالى عن كونه قادرا ~~مختارا ، وصيرورته كالموجب لذاته ، وذلك في حق الله تعالى ممتنع بل المراد ~~أنه تعالى أخبر أن الأمر يقع على هذا الوجه . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } ~~المراد أنه لا يتأخر عن ذلك الأجل PageV14P056 المعين لا بساعة ولا بما هو ~~أقل من ساعة إلا أنه تعالى ذكر الساعة لأن هذا اللفظ أقل أسماء الأوقات . # فإن قيل : ما معنى قوله : { ولا يستقدمون } فإن عند حضور الأجل امتنع ~~عقلا وقوع ذلك الأجل في الوقت المتقدم عليه . # قلنا : يحمل قوله : { فإذا جاء أجلهم } على قرب حضور الأجل . تقول العرب ~~: جاء الشتاء ، إذا ms3940 قارب وقته ، ومع مقاربة الأجل يصح التقدم على ذلك تارة ~~والتأخر عنه أخرى . # ! 7 < { يابنىآدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم ءاياتى فمن اتقى ~~وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كذبوا بأاياتنا واستكبروا عنهآ ~~أولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 35 - 36 ) يا بني آدم . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين أحوال التكليف وبين أن لكل أحد أجلا معينا لا ~~يتقدم ولا يتأخر بين أنهم بعد الموت كانوا مطيعين فلا خوف عليهم ولا حزن ~~وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب وقوله : { إما يأتينكم } هي أن ~~الشرطية ضمت إليها ما مؤكدة لمعنى الشرط ولذلك لزمت فعلها النون / الثقيلة ~~وجزاء هذا الشرط هو الفاء وما بعده من الشرط والجزاء ، وهو قوله : { فمن ~~اتقى وأصلح } وإنما قال رسل وإن كان خطابا للرسول عليه الصلاة والسلام وهو ~~خاتم الأنبياء عليه وعليهم السلام لأنه تعالى أجرى الكلام على ما يقتضيه ~~سنته في الأمم وإنما قال : { منكم } لأن كون الرسول منهم أقطع لعذرهم وأبين ~~للحجة عليهم من جهات : أحدها : أن معرفتهم بأحواله وبطهارته تكون متقدمة . ~~وثانيها : أن معرفتهم بما يليق بقدرته تكون متقدمة فلا جرم لا يقع في ~~المعجزات التي تظهر عليه شك وشبهة في أنها حصلت بقدرة الله تعالى لا بقدرته ~~فلهذا السبب قال تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) ~~. وثالثها : ما يحصل من الألفة وسكون القلب إلى أبناء الجنس ، بخلاف ما لا ~~يكون من الجنس ، فإنه لا يحصل معه الألفة . # وأما قوله : { يقصون * عليم * ءاياتي } فقيل تلك الآيات هي القرآن . وقيل ~~الدلائل ، وقيل الأحكام والشرائع والأولى دخول الكل فيه ، لأن جميع هذه ~~الاشياء آيات الله تعالى لأن الرسل إذا جاؤا فلا بد وأن يذكروا جميع هذه ~~الأقسام ، ثم قسم تعالى حال الأمة فقال : { فمن اتقى وأصلح } وجمع هاتين ~~الحالتين مما يوجب الثواب لأن الملتقي هو الذي يتقي كل ما نهى الله تعالى ~~عنه ، ودخل في قوله : { وأصلح } أنه أتي بكل ما أمر به . # ثم قال تعالى في صفته ms3941 : { فلا خوف عليهم } أي بسبب الأحوال المستقبلة { ~~ولا هم يحزنون } أي بسبب الأحوال الماضية لأن الإنسان إذا جوز وصول المضرة ~~إليه في الزمان المستقبل خاف وإذا تفكر فعلم PageV14P057 أنه وصل إليه بعض ~~ما لا ينبغي في الزمان الماضي ، حصل الحزن في قلبه ، لهذا السبب والأولى في ~~نفي الحزن أن يكون المراد أن لا يحزن على ما فاته في الدنيا ، لأن حزنه على ~~عقاب الآخرة يجب أن يرتفع بما حصل له من زوال الخوف ، فيكون كالمعاد وحمله ~~على الفائدة الزائدة أولى فبين تعالى أن حاله في الآخرة تفارق حاله في ~~الدنيا ، فإنه في الآخرة لا يحصل في قلبه خوف ولا حزن ألبتة ، واختلف ~~العلماء في أن المؤمنين من أهل الطاعات هل يلحقهم خوف ، وحزن عند أهوال يوم ~~القيامة . فذهب بعضهم إلا أنه لا يلحقهم ذلك ، والدليل عليه هذه الآية ، ~~وأيضا قوله تعالى : { لا يحزنهم الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ) وذهب ~~بعضهم إلى أن يلحقهم ذلك الفزع لقوله تعالى : { يوم ترونها تذهل كل مرضعة ~~عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ( الحج ~~: 2 ) أي من شدة الخوف . # وأجاب : هؤلاء عن هذه الآية : بأن معناه أن أمرهم يؤل إلى الأمن والسرور ~~، كقول الطبيب للمريض : لا بأس عليك ، أي أمرك يؤل إلى العافية والسلامة ، ~~وإن كان في الوقت في بأس من / علته ، ثم بين تعالى أن الذين كذبوا بهذه ~~الآيات التي يجيء بها الرسل { واستكبروا } أن أنفوا من قبولها وتمردوا عن ~~التزامها { فأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } وقد تمسك أصحابنا بهذه ~~الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة / لا يبقى مخلدا في النار ، لأنه تعالى ~~بين أن المكذبين بآيات الله والمستكبرين عن قبولها ، هم الذين يبقون مخلدين ~~في النار ، وكلمة { هم } تفيد الحصر ، فذلك يقتضي أن من لا يكون موصوفا ~~بذلك التكذيب والاستكبار ، لا يبقى مخلدا في النار . والله أعلم . # ! 7 < { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بأاياته أولائك ينالهم ~~نصيبهم من الكتاب حتى إذا ms3942 جآءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون ~~من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } . > 7 ~~@QB@ < # | الأعراف : ( 37 ) فمن أظلم ممن . . . . . # > > # اعلم أن قوله تعالى : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بئاياته ~~} يرجع إلى قوله والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها وقوله : { فمن أظلم } ~~أي فمن أعظم ظلما ممن يقول على الله مالم يقله أو كذب ما قاله . والأول : ~~هو الحكم بوجود ما لم يوجد . والثاني : هو الحكم بإنكار ما وجد . والأول ~~دخل فيه قول من أثبت الشريك لله سواء كان ذلك الشريك عبارة عن الأصنام أو ~~عن الكواكب أو عن مذهب القائلين بيزدان وأهرمن . ويدخل فيه قول من أثبت ~~البنات والبنين لله تعالى ، ويدخل فيه قول من أضاف الأحكام الباطلة إلى ~~الله تعالى . والثاني : يدخل فيه قول من أنكر كون القرآن كتابا نازلا من ~~عند الله تعالى . وقول من أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . PageV14P058 # ثم قال تعالى : { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب } واختلفوا في المراد ~~بذلك النصيب على قولين : أحدهما : أن المراد منه العذاب ، والمعنى ينالهم ~~ذلك العذاب المعين الذي جعله نصيبا لهم في الكتاب ، ثم اختلفوا في ذلك ~~العذاب المعين . فقال بعضهم هو سواد الوجه وزرقة العين ، والدليل عليه قوله ~~تعالى : { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } ( الزمر : ~~60 ) وقال الزجاج : / هو المذكور في قوله تعالى : { فأنذرتكم نارا تلظى } ( ~~الليل : 14 ) وفي قوله : { يسلكه عذابا صعدا } ( الجن : 17 ) وفي قوله : { ~~إذ الاغلال فى أعناقهم والسلاسل } ( غافر : 71 ) فهذه الأشياء هي نصيبهم من ~~الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم . # والقول الثاني : أن المراد من هذا النصيب شيء سوى العذاب ، واختلعوا فيه ~~فقيل : هم اليهود والنصارى يجب لهم علينا إذا كانوا أهل ذمة لنا أن لا ~~تتعدى عليهم وأن ننصفهم وأن نذب عنهم فذلك هو معنى النصيب من الكتاب وقال ~~ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير : أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب . أي ~~ما سبق لهم في حكم الله ms3943 وفي مشيئته من الشقاوة والسعادة ، فإن قضى الله لهم ~~بالختم على الشقاوة ، أبقاهم على كفرهم ، وإن قضى لهم بالختم على السعادة ~~نقلهم إلى الإيمان والتوحيد ، وقال الربيع وابن زيد . يعني : ما كتب لهم من ~~الأرزاق والأعمال والأعمار ، فإذا فنيت وانقرضت وفرغوا منها { جاءتهم رسلنا ~~يتوفونهم } واعلم أن هذا الاختلاف إنما حصل ، لأنه تعالى قال : { أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب } ولفظ ( النصيب ) مجمل محتمل لكل الوجوه المذكورة ~~. وقال بعض المحققين : حمله على العمر والرزق أولى ، لأنه تعالى بين أنهم ~~وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم ، إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ~~ما كتب لهم من رزق وعمر تفضلا من الله تعالى ، لكي يصلحوا ويتوبوا ، وأيضا ~~فقوله : { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } يدل على أن مجيء الرسل للتوفي ، ~~كالغاية لحصول ذلك النصيب ، فوجب أن يكون حصول ذلك النصيب متقدما على حصول ~~الوفاة ، والمتقدم على حصول الوفاة ، ليس إلا العمر والرزق . # أما قوله : { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا * أينما * كنتم } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال الخليل وسيبويه : لا يجوز إمالة ( حتى ) و ( ألا ) ~~و ( أما ) وهذه ألفات ألزمت الفتح ، لأنها أواخر حروف جاءت لمعان يفصل ~~بينها وبين أواخر الأسماء التي فيها الألف ، نحو : حبلى وهدى . إلا أن { ~~حتى } كتبت بالياء لأنها على أربعة أحرف فأشبهت سكرى . وقال بعض النحويين : ~~لا يجوز إمالة { حتى } لأنها حرف لا يتصرف ، والإمالة ضرب من التصرف . # المسألة الثانية : قوله : { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } فيه قولان : # القول الأول : المراد هو قبض الأرواح ، لأن لفظ الوفاة يفيد هذا المعنى . ~~قال ابن عباس الموت قيامة الكافر ، فالملائكة يطالبونهم بهذه الأشياء عند ~~الموت على سبيل الزجر والتوبيخ والتهديد ، وهؤلاء الرسل هم ملك الموت ~~وأعوانه . # والقول الثاني : وهو قول الحسن ، وأحد قولي الزجاج أن هذا لا يكون في ~~الآخرة ومعنى قوله : { حتى إذا جاءتهم رسلنا } أي ملائكة العذاب { يتوفونهم ~~} أي يتوفون مدتهم عند حشرهم إلى / النار على معنى أنهم يستكملون عدتهم ، ~~حتى لا ينفلت منهم أحد . PageV14P059 # المسألة الثالثة ms3944 : قوله : { أينما * كنتم } معناه . أين الشركاء الذين ~~كنتم تدعونهم وتعبدونهم من دون الله : ولفظة ( ما ) وقعت موصولة بأين في خط ~~المصحف . قال صاحب ( الكشاف ) : وكان حقها أن تفصل ، لأنها موصولة بمعنى : ~~أين الآلهة الذين تدعون . # ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : { ضلوا عنا } أي بطلوا وذهبوا وشهدوا ~~على أنفسهم أنهم كانوا كافرين عند معاينة الموت . # واعلم أن على جميع الوجوه ، فالمقصود من الآية زجر الكفار عن الكفر ، لأن ~~التهويل يذكر هذه الأحوال مما يحمل العاقل على المبالغة في النظر ~~والاستدلال والتسدد في الاحتراز عن التقليد . # ! 7 < { قال ادخلوا فىأمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس فى النار كلما ~~دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لا ولاهم ربنا ~~هاؤلاء أضلونا فأاتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولاكن لا تعلمون * ~~وقالت أولاهم لا خراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 38 - 39 ) قال ادخلوا في . . . . . # > > # اعلم أن هذه الآية من بقية شرح أحوال الكفار وهو أنه تعالى يدخلهم النار ~~. # أما قوله تعالى : { قال ادخلوا } ففيه قولان : الأول : إن الله تعالى ~~يقول ذلك . والثاني : قال مقاتل : هو من كلام خازن النار ، وهذا الاختلاف ~~بناء على أنه تعالى هل يتكلم مع الكفار أم لا ، وقد ذكرنا هذه المسألة ~~بالاستقصاء . # / أما قوله تعالى : { ادخلوا فى أمم } ففيه وجهان : # الوجه الأول : التقدير : ادخلوا في النار مع أمم ، وعلى هذا القول ففي ~~الآية إضمار ومجاز أما الأضمار فلأنا أضمرنا فيها قولنا : في النار . وأما ~~المجاز ، فلأنا حملنا كلمة ( في ) على ( مع ) لأنا قلنا معنى قوله : { فى ~~أمم } أي مع أمم . # والوجه الثاني : أن لا يلتزم الإضمار ولا يلتزم المجاز ، والتقدير : ~~ادخلوا في أمم في النار ، ومعنى الدخول في الأمم ، الدخول فيما بينهم وقوله ~~: { قد خلت من قبلكم من الجن والإنس } أي تقدم زمانهم PageV14P060 زمانكم ، ~~وهذا يشعر بأنه تعالى لا يدخل الكفار بأجمعهم في النار دفعة واحدة ، بل ~~يدخل الفوج بعد الفوج ms3945 ، فيكون فيهم سابق ومسبوق ، ليصح هذا القول ، ويشاهد ~~الداخل من الأمة في النار من سبقها وقوله : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } ~~والمقصود أن أهل النار يلعن بعضهم بعضا فيتبرأ بعضهم من بعض ، كما قال ~~تعالى : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) ~~والمراد بقوله : { أختها } أي في الدين ، والمعنى : أن المشركين يلعنون ~~المشركين ، وكذلك اليهود ، تلعن اليهود ، والنصارى النصارى ، وكذا القول في ~~المجوس ، والصابئة وسائر أديان الضلالة . وقوله : { حتى إذا اداركوا فيها ~~جميعا } أي تداركوا ، بمعنى تلاحقوا ، واجتمعوا في النار ، وأدرك بعضهم ~~بعضا ، واستقر معه { قالت * أولاهم لاخراهم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في تفسير الأولى والأخرى قولان : الأول : قال مقاتل ~~أخراهم يعني آخرهم دخولا في النار ، لأولاهم دخولا فيها . والثاني : أخراهم ~~منزلة ، وهم الأتباع والسفلة ، لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء . # المسألة الثانية : ( اللام ) في قوله : { لاخراهم } لام أجل ، والمعنى : ~~لأجلهم ولإضلالهم إياهم { قالوا ربنا هؤلآء * أضلونا } ( الأعراف : 38 ) ~~وليس المراد أنهم ذكروا هذا القول لأولاهم ، لأنهم ما خاطبوا أولاهم ، ~~وإنما خاطبوا الله تعالى بهذا الكلام . # أما قوله تعالى : { ربنا هؤلاء أضلونا } فالمعنى : أن الأتباع يقولون إن ~~المتقدمين أضلونا ، واعلم أن هذا الإضلال يقع من المتقدمين للمتأخرين على ~~وجهين : أحدهما : بالدعوة إلى الباطل ، وتزيينه في أعينهم ، والسعي في ~~إخفاء الدلائل المبطلة لتلك الأباطيل . # والوجه الثاني : بأن يكون المتأخرون معظمين لأولئك المتقدمين ، فيقلدونهم ~~في تلك الأباطيل والأضاليل التي لفقوها ويتأسون بهم ، فيصير ذلك تشبيها ~~بإقدام أولئك المتقدمين على الإضلال . # / ثم حكى الله تعالى عن هؤلاء المتأخرين أنهم يدعون على أولئك المتقدمين ~~بمزيد العذاب وهو قوله : { قال ادخلوا فى أمم قد } وفي الضعف ، قولان : # القول الأول : قال أبو عبيدة ( الضعف ) هو مثل الشيء مرة واحدة . وقال ~~الشافعي رحمه الله : ما يقارب هذا ، فقال في رجل أوصى . فقال اعطوا فلانا ~~ضعف نصيب ولدي . قال : يعطي مثله مرتين . # والقول الثاني : قال الأزهري : ( الضعف ) في كلام العرب المثل إلى ما زاد ~~وليس بمقصور على المثلين ، وجائز في كلام العرب أن تقول : هذا ضعفه ، أي ms3946 ~~مثلاه وثلاثة أمثاله ، لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة ، والدليل عليه ~~: قوله تعالى : { فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا } ( سبأ : 37 ) ولم يرد ~~به مثلا ولا مثلين ، بل أولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله ، لقوله تعالى ~~: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ( الأنعام : 160 ) فثبت أن أقل الضعف ~~محصور وهو المثل وأكثره غير محصور إلى ما لا نهاية له . # وأما مسألة الشافعي رحمه الله : فاعلم أن التركة متعلقة بحقوق الورثة ، ~~إلا أنا لأجل الوصية صرفنا طائفة منها إلى الموصى له ، والقدر المتيقن في ~~الوصية هو المثل ، والباقي مشكوك ، فلا جرم أخذنا المتيقن وطرحنا المشكوك ، ~~فلهذا السبب حملنا الضعف في تلك المسألة على المثلين . PageV14P061 # أما قوله تعالى : { قال لكل ضعف ولاكن لا تعلمون } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ أبو بكر عن عاصم { يعلمون } بالياء على الكناية عن ~~الغائب ، والمعنى : ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر ، فيحمل ~~الكلام على كل ، لأنه وإن كان للمخاطبين فهو اسم ظاهر موضوع للغيبة ، فحمل ~~على اللفظ دون المعنى ، وأما الباقون فقرؤوا بالتاء على الخطاب والمعنى : ~~ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ، ما لكل فريق منكم من العذاب ، ويجوز ولكن ~~لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إن كان المراد من قوله : { لكل ضعف } ~~أي حصل لكل أحد من العذاب ضعف ما يستحقه ، فذلك غير جائز لأنه ظلم ، وإن لم ~~يكن المراد ذلك ، فما معنى كونه ضعفا ؟ # والجواب : أن عذاب الكفار يزيد ، فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر ~~إلى غير نهاية فكانت تلك الآلام متضاعفة متزايدة لا إلى آخر ، ثم بين تعالى ~~أن أخراهم كما خاطبت أولاهم ، فكذلك تجيب أولاهم أخراهم ، فقال : { وقالت ~~أولاهم لاخراهم فما كان لكم علينا من فضل } أي في ترك الكفر والضلال ، وإنا ~~متشاركون في استحقاق العذاب . # / ولقائل أن يقول : هذا منهم كذب ، لأنهم لكونهم رؤساء وسادة وقادة ، قد ~~دعوا إلى الكفر وبالغوا في الترغيب فيه ، فكانوا ضالين ومضلين ، وأما ~~الأتباع ms3947 والسفلة ، فهم وإن كانوا ضالين ، إلا أنهم ما كانوا مضلين ، فبطل ~~قولهم أنه لا فضل للأتباع على الرؤساء في ترك الضلال والكفر . # وجوابه : أن أقصى ما في الباب أن الكفار كذبوا في هذا القول يوم القيامة ~~، وعندنا أن ذلك جائز ، وقد قررناه في سورة الأنعام في قوله : { ثم لم تكن ~~فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) . # أما قوله : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } فهذا يحتمل أن يكون من ~~كلام القادة ، وإن يكون من قول الله تعالى لهم جميعا . # واعلم أن المقصود من هذا الكلام التخويف والزجر ، لأنه تعالى لما أخبر عن ~~الرؤساء والأتباع أن بعضهم يتبرأ عن بعض ، ويلعن بعضهم بعضا ، كان ذلك سببا ~~لوقوع الخوف الشديد في القلب . # ! 7 < { إن الذين كذبوا بأاياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب ~~السمآء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط وكذالك نجزى المجرمين ~~* لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذالك نجزى الظالمين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 40 - 41 ) إن الذين كذبوا . . . . . # > > PageV14P062 # اعلم أن المقصود منه إتمام الكلام في وعيد الكفار ، وذلك لأنه تعالى قال ~~في الآية المتقدمة { والذين كذبوا بئاياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } ( الأعراف : 36 ) ثم شرح تعالى في هذه الآية كيفية ~~ذلك الخلود في حق أولئك المكذبين المستكبرين بقوله : { كذبوا بئاياتنا } أي ~~بالدلائل الدالة على المسائل التي هى أصول الدين ، فالدهرية ينكرون دلائل ~~إثبات الذات والصفات ، والمشركون ينكرون دلائل التوحيد ، ومنكرو النبوات ~~يكذبون الدلائل الدالة على صحة النبوات / ومنكرو نبوة محمد ينكرون الدلائل ~~الدالة على نبوته ، ومنكرو المعاد ينكرون الدلائل الدالة على صحة المعاد ، ~~فقوله : { كذبوا بئاياتنا } يتناول الكل ، ومعنى الاستكبار طلب الترفع ~~بالباطل وهذا اللفظ في حق البشر يدل على الذم قال تعالى في صفة فرعون : { ~~واستكبر هو وجنوده فى الارض بغير الحق } . # أما قوله تعالى : { لا تفتح لهم أبواب السماء } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو { لا تفتح } بالتاء خفيفة ، وقرأ حمزة ~~والكسائي بالياء خفيفة والباقون بالتاء ms3948 مشددة . أما القراءة بالتشديد ~~فوجهها قوله تعالى : { فتحنا عليهم أبواب كل شىء } ( الأنعام : 44 ) { ~~ففتحنا أبواب السماء } ( القمر : 11 ) وأما قراءة حمزة والكسائي فوجهها أن ~~الفعل متقدم . # المسألة الثانية : في قوله : { لا تفتح لهم أبواب السماء } أقوال . قال ~~ابن عباس : يريد لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة ~~الله ، وهذا التأويل مأخوذ من قوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه } ( فاطر : 10 ) ومن قوله : { كلا إن كتاب الابرار لفى عليين ~~} ( المطففين : 18 ) وقال السدي وغيره : لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ، ~~وتفتح لأرواح المؤمنين ، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل : ~~أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها ، فيقال مرحبا بالنفس ~~الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ، ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء ~~السابعة ، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة ، فإنه لا تفتح لك ~~أبواب السماء . # والقول الثالث : أن الجنة في السماء فالمعنى : لا يؤذن لهم في الصعود إلى ~~السماء . ولا تطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة . # والقول الرابع : لا تنزل عليهم البركة والخير ، وهو مأخوذ من قوله : { ~~ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } ( القمر : 11 ) وأقول هذه الآية تدل على ~~أن الأرواح إنما تكون سعيدة أما بأن ينزل عليها من السماء أنواع الخيرات ، ~~وإما بأن يصعد أعمال تلك الأرواح إلى السموات وذلك يدل على أن السموات موضع ~~بهجة الأرواح ، وأماكن سعادتها ، ومنها تنزل الخيرات والبركات ، وإليها ~~تصعد الأرواح حال فوزها بكمال السعادات ، ولما كان الأمر كذلك كان قوله : { ~~لا تفتح لهم أبواب السماء } من أعظم أنواع الوعيد والتهديد . # أما قوله تعالى : { ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ( الولوج ) الدخول . والجمل مشهور ، و ( السم ) بفتح ~~السين وضمها ثقب الإبرة قرأ ابن سيرين { سم } بالضم ، وقال صاحب ( الكشاف ) ~~: يروي { سم } بالحركات الثلاث ، وكل ثقب / في البدن لطيف فهو ( سم ) وجمعه ~~سموم ، ومنه قيل : السم القاتل . لأنه ينفذ بلطفه في مسام البدن حتى يصل ~~إلى ms3949 PageV14P063 القلب ، و { الخياط } ما يخاط به . قال الفراء : ويقال ~~خياط ومخيط ، كما يقال إزار ومئزر ولحاف وملحف ، وقناع ومقنع ، وإنما خص ~~الجمل من بين سائر الحيوانات ، لأنه أكبر الحيوانات جسما عند العرب . قال ~~الشاعر : # % جسم الجمال وأحلام العصافير % % # فجسم الجمل أعظم الأجسام ، وثقب الإبرة أضيق المنافذ ، فكان ولوج الجمل ~~في تلك الثقبة الضيقة محالا ، فلما وقف الله تعالى دخولهم الجنة على حصول ~~هذا الشرط ، وكان هذا شرطا محالا ، وثبت في العقول أن الموقوف على المحال ~~محال ، وجب أن يكون دخولهم الجنة مأيوسا منه قطعا . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ ابن عباس { الجمل } بوزن ~~القمل ، وسعيد بن جبير { الجمل } بوزن النغر . وقرىء { الجمل } بوزن القفل ~~، و { الجمل } بوزن النصب ، و { الجمل } بوزن الحبل ، ومعناها : القلس ~~الغليظ ، لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أن الله تعالى أحسن تشبيها من أن يشبه بالجمل . يعني : أن الحبل مناسب ~~للخيط الذي يسلك في سم الإبرة ، والبعير لا يناسبه . إلا أنا ذكرنا الفائدة ~~فيه . # المسألة الثالثة : القائلون بالتناسخ احتجوا بهذه الآية ، فقالوا : إن ~~الأرواح التي كانت في أجساد البشر لما عصت وأذنبت ، فإنها بعد موت الأبدان ~~ترد من بدن إلى بدن ، ولا تزال تبقى في التعذيب حتى أنها تنتقل من بدن ~~الجمل إلى بدن الدودة التي تنفذ في سم الخياط ، فحينئذ تصير مطهرة عن تلك ~~الذنوب والمعاصي ، وحينئذ تدخل الجنة وتصل إلى السعادة . واعلم أن القول ~~بالتناسخ باطل وهذا الاستدلال ضعيف . والله أعلم . # ثم قال تعالى : { وكذالك نجزى المجرمين } أي ومثل هذا الذي وصفنا نجزي ~~المجرمين ، والمجرمون والله أعلم ههنا هم الكافرون ، لأن الذي تقدم ذكره من ~~صفتهم هو التكذيب بآيات الله ، والاستكبار عنها . # واعلم أنه تعالى لما بين من حالهم أنهم لا يدخلون الجنة ألبتة بين أيضا ~~أنهم يدخلون النار ، فقال { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : ( المهاد ) جمع مهد ، وهو الفراش . قال الأزهري : أصل ~~المهد في اللغة الفرش ، يقال للفراش مهاد لمواتاته ms3950 ، والغواشي جمع غاشية ، ~~وهي كل ما يغشاك ، أي يجللك ، وجهنم لا تنصرف لاجتماع التأنيث فيها ~~والتعريف ، وقيل اشتقاقها من الجهمة ، وهي الغلظ ، يقال : / رجل جهم الوجه ~~غليظه ، وسميت بهذا لغلظ أمرها في العذاب . قال المفسرون : المراد من هذه ~~الآية الأخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب ، فلهم منها غطاء ووطاء ، ~~وفراش ولحاف . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إن غواش ، على وزن فواعل ، فيكون غير ~~منصرف ، فكيف دخله التنوين ؟ وجوابه على مذهب الخليل وسيبويه إن هذا جمع ، ~~والجمع أثقل من الواحد ، وهو أيضا الجمع الأكبر الذي تتناهى الجموع إليه ، ~~فزاده ذلك ثقلا ، ثم وقعت الياء في آخره وهي ثقيلة ، فلما اجتمعت فيه هذه ~~الأشياء خففوها بحذف يائه ، فلما حذفت الياء نقص عن مثال فواعل ، وصار غواش ~~بوزن جناح ، فدخله PageV14P064 التنوين لنقصانه عن هذا المثال . # أما قوله : { وكذالك نجزى الظالمين } قال ابن عباس : يريد الذين أشركوا ~~بالله واتخذوا من دونه إلها وعلى هذا التقدير : فالظالمون ههنا هم الكافرون ~~. # ( 42 ) # ! 7 < { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولائك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون * ونزعنا ما فى صدورهم من غل تجرى من تحتهم الا ~~نهار وقالوا الحمد لله الذى هدانا لهاذا وما كنا لنهتدى لولاأن هدانا الله ~~لقد جآءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } ~~. > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 42 - 43 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما استوفى الكلام في الوعيد أتبعه بالوعد في هذه الآية ، ~~وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن أكثر أصحاب المعاني على أن قوله تعالى : { لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها } اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير { والذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } ( البقرة : 82 ~~) وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر ، لأنه من جنس هذا الكلام ~~، / لأنه لما ذكر عملهم الصالح ، ذكر أن ذلك العمل في وسعهم غير خارج عن ~~قدرتهم ، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل ~~السهل من غير ms3951 تحمل الصعب . وقال قوم : موضعه خبر عن ذلك المبتدأ والعائد ~~محذوف ، كأنه قيل : لا نكلف نفسا منهم إلا وسعها ، وإنما حذف العائد للعلم ~~به . # المسألة الثانية : معنى الوسع ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة ~~والسهولة لا في حال الضيق والشدة ، والدليل عليه : أن معاذ بن جبل قال في ~~هذه الآية إلا يسرها لا عسرها . وأما أقصى الطاقة يسمى جهدا لا وسعا ، وغلط ~~من ظن أن الوسع بذل المجهود . # المسألة الثالثة : قال الجبائي : هذا يدل على بطلان مذهب المجبرة في أن ~~الله تعالى كلف العبد بما لا يقدر عليه ، لأن الله تعالى كذبهم في ذلك ، ~~وإذا ثبت هذا الأصل بطل قولهم في خلق الأعمال ، لأنه لو كان خالق أعمال ~~العباد هو الله تعالى ، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق ، لأنه تعالى أن كلفه ~~بذلك الفعل حال ما خلقه فيه ، فذلك تكليفه بما لا يطاق ، لأنه أمر بتحصيل ~~الحاصل ، وذلك غير مقدور ، وإن كلفه به حال ما لم يخلق من ذلك الفعل فيه ~~كان ذلك أيضا تكليف ما لا يطاق ، لأن على هذا التقدير : لا قدرة للعبد على ~~تكوين PageV14P065 ذلك الفعل وتحصيله ، قالوا : وأيضا إذا ثبت هذا الأصل ~~ظهر أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لو كانت حاصلة مع الفعل ، والكافر لا قدرة ~~له على الإيمان مع أنه مأمور به . فكان هذا تكليف ما لا يطاق ، ولما دلت ~~هذه الآية على نفي التكليف بما لا يطاق ، ثبت فساد هذين الأصلين . # والجواب : أنا نقول وهذا الإشكال أيضا وارد عليكم ، لأنه تعالى يكلف ~~العبد بإيجاد الفعل ، حال استواء الدواعي إلى الفعل والترك ، أو حال رجحان ~~أحد الداعيين على الآخر والأول باطل ، لأن الإيجاد ترجيح لجانب الفعل ، ~~وحصول الترجيح حال حصول الاستواء محال ، والثاني باطل ، لأن حال حصول ~~الرجحان كان الحصول واجبا ، فإن وقع الأمر بالطرف الراجح كان أمرا بتحصيل ~~الحاصل ، وإن وقع بالطرف المرجوح كان أمراف بتحصيل المرجوح حال كونه مرجوحا ~~، فيكون أمرا بالجمع بين النقيضين وهو محال ، فكل ما تجعلونه جوابا عن هذا ms3952 ~~السؤال ، فهو جوابنا عن كلامكم . والله أعلم . # وأما قوله تعالى : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } فاعلم أن نزع الشيء ~~قلعه عن مكانه ، والغل العقد . قال أهل اللغة : وهو الذي يغل بلطفه إلى ~~صميم القلب ، أي يدخل ، ومنه الغلول وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة ~~، ويقال : انغل في الشيء ، وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافة ، كالحب / يدخل ~~في صميم الفؤاد . # إذا عرفت هذا فنقول : لهذه الآية تأويلان : # القول الأول : أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في ~~دار الدنيا ، ومعنى نزع الغل : تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ~~ترد على القلوب ، فإن الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس ~~في القلوب ، وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : إني ~~لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم { ~~ونزعنا ما فى صدورهم من غل } . # والقول الثاني : أن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال ~~والنقصان ، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة ~~لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة . قال صاحب ( الكشاف ) : هذا التأويل أولى من ~~الوجه الأول ، حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبري بعض أهل ~~النار من بعض ، ولعن بعضهم بعضا ، ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى ~~أيضا مفارقة لحال أهل النار . # فإن قالوا : كيف يعقل أن يشاهد الإنسان النعم العظيمة ، والدرجات العالية ~~، ويرى نفسه محروما عنها عاجزا عن تحصيلها ، ثم أنه لا يميل طبعه إليها ، ~~ولا يغتم بسبب الحرمان عنها ، فإن عقل ذلك ، فلم لا يعقل أيضا أن يعيدهم ~~الله تعالى ، ولا يخلق فيهم شهوة الأكل ، والشرب ؟ والوقاع ، ويغنيهم عنها ~~؟ # قلنا : الكل ممكن ، والله تعالى قادر عليه ، إلا أنه تعالى وعد بإزالة ~~الحقد والحسد عن القلوب ، وما وعد بإزالة شهوة الأكل والشرب عن النفوس ، ~~فظهر الفرق بين البابين . # ثم إنه تعالى قال : { تجرى من تحتهم الانهار } والمعنى : أنه تعالى كما ~~خلصهم من ms3953 ربقة الحقد والحسد والحرص على طلب الزيادة فقد أنعم عليهم بالذات ~~العظيمة ، وقوله : { تجرى من تحتهم الانهار } من رحمة الله وفضله وإحسانه ، ~~وأنواع المكاشفات والسعادات الروحانية . PageV14P066 # ثم حكى تعالى عن أهل الجنة أنهم قالوا : { الحمد لله الذى هدانا لهاذا } ~~وقال أصحابنا : معنى { هدانا الله } أنه أعطى القدرة ، وضم إليها الداعية ~~الجازمة ، وصير مجموع القدرة وتلك الداعية موجبا لحصول تلك الفضيلة . فإنه ~~لو أعطى القدرة ، وما خلق تلك الداعية لم يحصل الأثر ، ولو خلق الله ~~الداعية المعارضة أيضا لسائر الدواعي الصارفة ، لم يحصل الفعل أيضا . أما ~~لما خلق القدرة ، وخلق الداعية الجازمة ، وكان مجموع القدرة مع الداعية ~~المعينة موجبا للفعل كانت الهداية حاصلة في الحقيقة بتقدير / الله تعالى ، ~~وتخليقه وتكوينه . وقالت المعتزلة : التحميد إنما وقع على أنه تعالى أعطى ~~العقل ووضع الدلائل ، وأزال الموانع ، وعند هذا يرجع إلى مباحث الجبر ~~والقدر على سبيل التمام والكمال . # ثم قال تعالى : { وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر ( ما كنا ) بغير واو وكذلك هو في مصاحف ~~أهل الشام ، والباقون بالواو ، والوجه في قراءة ابن عامر أن قوله : { ما ~~كنا * لنهتدى لولا أن هدانا الله } جار مجرى التفسير لقوله : { هدانا لهاذا ~~} فلما كان أحدهما عين الآخر ، وجب حذف الحرف العاطف . # المسألة الثانية : قوله : { وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله } دليل ~~على أن المهتدي من هداه الله ، وإن لم يهده الله لم يهتد ، بل نقول : مذهب ~~المعتزلة أن كل ما فعله الله تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام ، ~~والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد ، فقد فعله في حق جميع الكفار والفساق ~~وإنما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر / والمحق والمبطل بسعي نفسه ، ~~واختيار نفسه فكان يجب عليه أن يحمد نفسه ، لأنه هو الذي حصل لنفسه الإيمان ~~، وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنان ، وخلصها من دركات النيران ، فلما ~~لم يحمد نفسه البتة ، وإنما حمد الله فقط . علمنا أن الهادي ليس إلا الله ~~سبحانه . # ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا : { لقد ms3954 جاءت رسل ربنا بالحق } وهذا من قول ~~أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا ، وقالوا : لقد جاءت رسل ربنا ~~بالحق . # ثم قال تعالى : { ونودوا أن تلكم الجنة } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : ذلك النداء إما أن يكون من الله تعالى ، أو أن يكون من ~~الملائكة ، والأولى أن يكون المنادي هو الله سبحانه . # المسألة الثانية : ذكر الزجاج في كلمة ( أن ) ههنا وجهين : الأول : أنها ~~مخففة من الثقيلة ، والتقدير : إنه والمضير للشأن ، والمعنى : نودوا بأنه ~~تلكم الجنة أي نودوا بهذا القول : والثاني : قال : وهو الأجود عندي أن تكون ~~( أن ) في معنى تفسير النداء ، والمعنى : ونودوا . أي تلكم الجنة ، والمعنى ~~: قيل لهم تلكم الجنة كقوله : { وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا } ( ص: ~~6 ) يعني أي امشوا . قال : إنما قال : ( تلكم ) لأنهم وعدوا بها في الدنيا ~~. فكأنه قيل : لهم هذه تلكم التي وعدتم بها وقوله : { أورثتموها } فيه ~~قولان : # القول الأول : وهو قول أهل المعاني أن معناه : صارت إليكم كما يصير ~~الميراث إلى أهله ، والإرث قد يستعمل في اللغة ، ولا يراد به زوال الملك عن ~~الميت إلى الحي كما يقال : هذا العمل / يورثك الشرف ، PageV14P067 ويورثك ~~العار أي يصيرك إليه ، ومنهم من يقول : إنهم أعطوا تلك المنازل من غير تعب ~~في الحال فصار شبيها بالميراث . # والقول الثاني : أن أهل الجنة يورثون منازل أهل النار . قال صلى الله ~~عليه وسلم : ( ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل فإذا دخل ~~أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى ~~منازلهم فيها فقيل لهم : هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل ~~الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم ) وقوله : { بما ~~كنتم تعملون } فيه مسائل : # المسألة الأولى : تعلق من قال العمل يوجب هذا الجزاء بهذه الآية . فإن ~~الباء في قوله : { بما كنتم تعملون } تدل على العلية ، وذلك يدل على أن ~~العمل يوجب هذا الجزاء ، وجوابنا : أنه علة للجزاء لكن بسبب أن الشرع جعله ~~علة له ، لا لأجل ms3955 أنه لذاته موجب لذلك الجزاء ، والدليل عليه أن نعم الله ~~على العبد لا نهاية لها ، فإذا أتى العبد بشيء من الطاعات وقعت هذه الطاعات ~~في مقابلة تلك النعم السالفة فيمتنع أن تصير موجبة للثواب المتأخر . # المسألة الثانية : طعن بعضهم فقال : هذه الآية تدل على أن العبد إنما ~~يدخل الجنة بعمله ، وقوله عليه السلام : ( لن يدخل أحد الجنة بعمله وإنما ~~يدخلها برحمة الله تعالى ) وبينهما تناقض ، وجواب ما ذكرنا : أن العمل لا ~~يوجب دخول الجنة لذاته ، وإنما يوجه لأجل أن الله تعالى بفضله جعله علامة ~~عليه ومعرفة له ، وأيضا لما كان الموفى للعمل الصالح هو الله تعالى كان ~~دخول الجنة في الحقيقة ليس إلا بفضل الله تعالى . # المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله تعالى : { ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون } خطاب عام في حق جميع المؤمنين ، وذلك يدل على ~~أن كل من دخل الجنة فإنما يدخلها بعمله ، وإذا كان الأمر كذلك امتنع قول من ~~يقول : أن الفساق يدخلون الجنة تفضلا من الله تعالى . # إذا ثبت هذا فنقول : وجب أن لا يخرج الفاسق من النار لأنه لو خرج لكان ~~إما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها . والثاني : باطل بالإجماع ، والأول : لا ~~يخلو إما أن يدخل الجنة على سبيل التفضل أو على سبيل الاستحقاق ، والأول ~~باطل ، لأنا بينا أن هذه الآية تدل على أن أحدا لا يدخل الجنة بالتفضل ، ~~والثاني : أيضا باطل لأنه لما دخل النار وجب أن يقال : إنه كان مستحقا ~~للعقاب فلو أدخل الجنة على سبيل الاستحقاق لزم كونه مستحقا للثواب ، وحينئذ ~~يلزم حصول الجمع بين استحقاق الثواب واستحقاق العقاب وهو محال لأن الثواب ~~منفعة دائمة خالصة عن شوائب الضرر والعقاب مضرة دائمة خالصة عن شوائب ~~المنفعة . والجمع بينهما محال . وإذا كان كذلك كان الجمع بين حصول ~~استحقاقهما محالا . # / والجواب : هذا بناء على أن استحقاق الثواب والعقاب لا يجتمعان . وقد ~~بالغنا في إبطال هذا الكلام في سورة البقرة . والله أعلم . # PageV14P068 ! 7 < { ونادىأصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ms3956 ~~ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة ~~الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالا خرة ~~كافرون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 44 - 45 ) ونادى أصحاب الجنة . . . . . # > > # أعلم أنه تعالى لما شرح وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان والطاعات أتبعه ~~بذكر المناظرات التي تدور بين الفريقين . وهي الأحوال التي ذكرها في هذه ~~الآية . # واعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله : { ونودوا أن تلكم ~~الجنة أورثتموها } دل ذلك على أنهم استقروا في الجنة في وقت هذا النداء ~~فلما قال بعده : { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } دل ذلك على أن هذا ~~النداء إنما حصل بعد الاستقرار ، قال ابن عباس : وجدنا ما وعدنا ربنا في ~~الدنيا من الثواب حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من العقاب حقا ؟ والغرض من ~~هذا السؤال إظهار أنه وصل إلى السعادات الكاملة وإيقاع الحزن في قلب العدو ~~وههنا سؤالات : # السؤال الأول : إذا كانت الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرضين ~~فمع هذا البعد الشديد كيف يصح هذا النداء ؟ # والجواب : هذا يصح على قولنا : لأنا عندنا البعد الشديد والقرب الشديد ~~ليس من موانع الإدراك ، والتزم القاضي ذلك وقال : إن في العلماء من يقول في ~~الصوت خاصية إن البعد فيه وحده لا يكون مانعا من السماع . # السؤال الثاني : هذا النداء يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من ~~البعض للبعض ؟ # / والجواب : أن قوله : { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } يفيد العموم . ~~والجمع ، إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد ، وكل فريق من أهل الجنة ~~ينادي من كان يعرفه من الكفار في الدنيا . # السؤال الثالث : ما معنى { ءان } في قوله : { أن قد وجدنا } . # والجواب : إنه يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة ، وأن تكون مفسرة كالتي ~~سبقت في قوله : { أن تلكم الجنة } ( الأعراف : 43 ) وكذلك في قوله : { أن ~~لعنة الله على الظالمين } . # السؤال الرابع : هلا قيل : { ما * وعدكم * ربكم حقا } ( الأعراف : 44 ) ~~كما قيل : { ما وعدنا ربنا } . # والجواب : قوله : { ما ms3957 وعدنا ربنا حقا } يدل على أنه تعالى خاطبهم بهذا ~~الوعد ، وكونهم مخاطبين من قبل الله تعالى بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف . ~~ومزيد التشريف لا ئق بحال المؤمنين ، أما الكافر فهو ليس PageV14P069 أهلا ~~لأن يخاطبه الله تعالى ، فلهذا السبب لم يذكر الله تعالى أنه خاطبهم بهذا ~~الخطاب بل ذكر تعالى أنه بين هذا الحكم . # أما قوله تعالى : { قالوا نعم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الآية تدل على أن الكفار يعترفون يوم القيامة بأن وعد ~~الله ووعيده حق وصدق ولا يمكن ذلك إلا إذا كانوا عارفين يوم القيامة بذات ~~الله وصفاته . # فإن قيل : لما كانوا عارفين بذاته وصفاته ، وثبت أن من صفاته أنه يقبل ~~التوبة عن عباده ، وعلموا بالضرورة أن عند قبول التوبة يتخلصون من العذاب ، ~~فلم لا يتوبون ليخلصوا أنفسهم من العذاب ؟ وليس لقائل أن يقول أنه تعالى ~~إنما يقبل التوبة في الدنيا لأن قوله تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن ~~عباده ويعفوا عن السيئات } ( الشورى : 25 ) عام في الأحوال كلها ، وأيضا ~~فالتوبة اعتراف بالذنب وإقرار بالذلة والمسكنة واللائق بالرحيم الحكيم ~~التجاوز عن هذه الحالة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة . # أجاب المتكلمون : بأن شدة اشتغالهم بتلك الآلام الشديدة يمنعهم عن ~~الإقدام على التوبة ولقائل أن يقول : إذا كانت تلك الآلام لا تمنعهم عن هذه ~~المناظرات ، فكيف تمنعهم عن التوبة التي بها يتخلصون عن تلك الآلام الشديدة ~~؟ # واعلم أن المعتزلة : الذين يقولون يجب على الله قبول التوبة لا خلاص لهم ~~عن هذا السؤال . أما أصحابنا لما قالوا أن ذلك غير واجب عقلا . قالوا لله ~~تعالى أن يقبل التوبة في الدنيا ، وأن لا يقبلها في الآخرة ، فزال السؤال . ~~والله أعلم . # المسألة الثانية : قال سيبويه : { نعم } عدة وتصديق ، وقال الذين شرحوا ~~كلامه معناه : إنه / يستعمل تارة عدة ، وتارة تصديقا ، وليس معناه : أنه ~~عدة وتصديق معا ألا ترى أنه إذا قال : أتعطيني ؟ وقال نعم كان عدة ولا ~~تصديق فيه ، وإذا قال : قد كان كذا وكذا . فقلت : نعم فقد صدقت ولا عدة فيه ~~، وأيضا إذا ms3958 استفهمت عن موجب كما يقال : أيقوم زيد ؟ قلت : نعم ولو كان ~~مكان الإيجاب نفيا لقلت : بلى ولم تقل نعم فلفظة نعم مختصة بالجواب عن ~~الإيجاب ، ولفظة بلى مختصة بالنفي كما في قوله تعالى : { ألست بربكم قالوا ~~بلى } ( الأعراف : 172 ) . # المسألة الثالثة : قرأ الكسائي { نعم } بكسر العين في كل القرآن . قال ~~أبو الحسن : هما لغتان قال أبو حاتم : الكسر ليس بمعروف ، واحتج الكسائي ~~بأنه روى عن عمر أنه سأل قوما عن شيء فقالوا : نعم . فقال عمر : أما النعم ~~فالإبل . قال أبو عبيدة : هذه الرواية عن عمر غير مشهورة . # أما قوله تعالى : { فأذن مؤذن بينهم } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : معنى التأذين في اللغة النداء والتصويت بالإعلام ، ~~والأذان للصلاة إعلام بها وبوقتها ، وقالوا في : { أذن مؤذن } نادى مناد ~~أسمع الفريقين . قال ابن عباس : وذلك المؤذن من الملائكة وهو صاحب الصور . # المسألة الثانية : قوله : { بينهم } يحتمل أن يكون ظرفا لقوله : { أذن } ~~والتقدير : أن المؤذن أوقع ذلك PageV14P070 الأذان بينهم ، وفي وسطهم ، ~~ويحتمل أن يكون صفة لقوله : { مؤذن } والتقدير : أن مؤذنا من بينهم أذن ~~بذلك الأذان ، والأول أولى والله أعلم . # أما قوله تعالى : { أن لعنة الله على الظالمين } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم { ءان } مخففة { لعنة } ~~بالرفع والباقون مشددة { لعنة } بالنصب . قال الواحدي رحمه الله : من شدد ~~فهو الأصل ، ومن خفف { ءان } فهي مخففة من الشديدة على إرادة إضمار القصة ~~والحديث تقديره أنه لعنه الله ، ومثله قوله تعالى : { دعواهم فيها سبحانك ~~اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) التقدير : أنه ، ولا تخفف أن إلا ~~ويكون معها إضمار الحديث والشأن . ويجوز أيضا أن تكون المخففة هي التي ~~للتفسير كأنها تفسير لما أذنوا به كما ذكرناه في قوله : { أن قد وجدنا } ~~وروى صاحب ( الكشاف ) أن الأعمش قرأ { أن لعنة الله } بكسر { ءان } على ~~إرادة القول ، أو على إجراء { أذن } مجرى ( قال ) . # المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية تدل على أن ذلك المؤذن ، أوقع لعنة ~~الله على من كان موصوفا بصفات أربعة . # الصفة الأولى : كونهم ظالمين ms3959 . لأنه قال : { أن لعنة الله على الظالمين } ~~قال أصحابنا المراد منه / المشركون ، وذلك لأن المناظرة المتقدمة إنما وقعت ~~بين أهل الجنة وبين الكفار ، بدليل أن قول أهل الجنة هل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا ؟ لا يليق ذكره إلا مع الكفار . # وإذا ثبت هذا فقول المؤذن بعده { أن لعنة الله على الظالمين } يجب أن ~~يكون منصرفا إليهم ، فثبت أن المراد بالظالمين ههنا ، المشركون / وأيضا أنه ~~وصف هؤلاء الظالمين بصفات ثلاثة . هي مختصة بالكفار وذلك يقوي ما ذكرناه ، ~~وقال القاضي المراد منه ، كل من كان ظالما سواء كان كافرا أو كان فاسقا ~~تمسكا بعموم اللفظ . # الصفة الثانية : قوله : { الذين يصدون عن سبيل الله } ومعناه : أنهم ~~يمنعون الناس من قبول الدين الحق ، تارة بالزجر والقهر ، وأخرى بسائر الحيل ~~. # والصفة الثالثة : قوله : { ويبغونها عوجا } والمراد منه إلقاء الشكوك ~~والشبهات في دلائل الدين الحق . # والصفة الرابعة : قوله : { وهم بالاخرة كافرون } واعلم أنه تعالى لما بين ~~أن تلك اللعنة إنما أوقعها ذلك المؤذن على الظالمين الموصوفين بهذه الصفات ~~الثلاثة ، كان ذلك تصريحا بأن تلك اللعنة ما وقعت إلا على الكافرين ، وذلك ~~يدل على فساد ما ذكره القاضي من أن ذلك اللعن يعم الفاسق والكافر . والله ~~أعلم . # ! 7 < { وبينهما حجاب وعلى الا عراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا ~~أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون * وإذا صرفت أبصارهم ~~تلقآء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 46 - 47 ) وبينهما حجاب وعلى . . . . . # > > PageV14P071 # اعلم أن قوله : { وبينهما حجاب } يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين ~~، وهذا الحجاب هو المشهور المذكور في قوله : { فضرب بينهم بسور له باب } ( ~~الحديد : 13 ) . # فإن قيل : وأي حاجة إلى ضرب هذا السور بين الجنة والنار ؟ وقد ثبت أن ~~الجنة فوق السموات / وأن الجحيم في أسفل السافلين . # قلنا : بعد إحداهما عن الأخرى لا يمنع أن يحصل بينهما سور وحجاب ، وأما ~~الأعراف فهو جمع عرف وهو كل مكان عال مرتفع ، ومنه عرف الفرس وعرف الديك ، ~~وكل مرتفع من الأرض عرف ms3960 ، وذلك لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه ~~. # إذا عرفت هذا فنقول : في تفسير لفظ الأعراف قولان : # القول الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أن المراد من الأعراف أعالي ذلك ~~السور المضروب بين الجنة والنار ، وهذا قول ابن عباس . وروي عنه أيضا أنه ~~قال : الأعراف شرف الصراط . # والقول الثاني : وهو قول الحسن وقول الزجاج : في أحد قوليه أن قوله : { ~~وعلى الاعراف } أي وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يعرفون كل أحد من أهل ~~الجنة والنار بسيماهم . فقيل للحسن : هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ؟ فضرب ~~على فخذيه ثم قال : هم قوم جعلهم الله تعالى على تعرف أهل الجنة وأهل النار ~~يميزون البعض من البعض ، والله لا أدري لعل بعضهم الآن معناا أما القائلون ~~بالقول الأول فقد اختلفوا في أن الذين هم على الأعراف من هم ؟ ولقد كثرت ~~الأقوال فيهم وهي محصورة في قولين : أحدهما : أن يقال إنهم الأشراف من أهل ~~الطاعة وأهل الثواب ، الثاني : أن يقال أنهم أقوام يكونون في الدرجة ~~السافلة من أهل الثواب أما على التقدير الأول ففيه وجوه : أحدها : قال أبو ~~مجلز . هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار ، فقيل له : يقول الله تعالى ~~: { وعلى الاعراف رجال } وتزعم أنهم ملائكة ؟ فقال الملائكة ذكور لا إناث . # ولقائل أن يقول : الوصف بالرجولية إنما يحسن في الموضع الذي يحصل في ~~مقابلة الرجل من يكون أنثى ولما امتنع كون الملك أنثى امتنع وصفهم ~~بالرجولية . وثانيها : قالوا إنهم الأنبياء عليهم السلام أجلسهم الله تعالى ~~على أعالي ذلك السور تمييزا لهم عن سائر أهل القيامة ، وإظهارا لشرفهم ، ~~وعلو مرتبتهم وأجلسهم على ذلك المكان العالي ليكونوا مشرفين على أهل الجنة ~~، وأهل النار مطلعين على أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم . وثالثها : قالوا ~~: إنهم هم الشهداء ، لأنه تعالى وصف أصحاب الأعراف بأنهم يعرفون كل واحد من ~~أهل الجنة وأهل النار ، ثم قال قوم : إنهم يعرفون أهل الجنة بكون وجوههم ~~ضاحكة مستبشرة ، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم ، وهذا الوجه باطل ، ~~لأنه تعالى خص أهل الأعراف بأنهم يعرفون كل ms3961 واحد من أهل الجنة وأهل النار ~~بسيماهم ، ولو كان المراد ما ذكروه لما بقي لأهل الأعراف / اختصاص بهذه ~~المعرفة ، لأن كل أحد من أهل الجنة ومن أهل النار يعرفون هذه الأحوال من ~~أهل الجنة ومن أهل النار ، ولما بطل هذا الوجه ثبت أن المراد بقوله : { ~~يعرفون كلا بسيماهم } هو أنهم كانوا يعرفون في الدنيا أهل الخير والإيمان ~~والصلاح ، وأهل الشر والكفر والفساد . وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على ~~أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل الكفر والمعصية / فهو تعالى يجلسهم على ~~الأعراف ، وهي الأمكنة العالية الرفيعة ليكونوا مطلعين على الكل ~~PageV14P072 يشهدون على كل أحد بما يليق به ، ويعرفون أن أهل الثواب وصلوا ~~إلى الدرجات ، وأهل العقاب إلى الدركات . # فإن قيل : هذه الوجوه الثلاثة باطلة ، لأنه تعالى قال في صفة أصحاب ~~الأعراف أنهم { لم يدخلوها وهم يطمعون } أي لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في ~~دخولها ، وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء ، والملائكة والشهداء . # أجاب الذاهبون إلى هذا الوجه بأن قالوا : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى ~~بين من صفات أصحاب الأعراف أن دخولهم الجنة يتأخر ، والسبب فيه أنه تعالى ~~ميزهم عن أهل الجنة وأهل النار ، وأجلسهم على تلك الشرفات العالية والأمكنة ~~المرتفعة ليشاهدوا أحوال أهل الجنة وأحوال أهل النار فيلحقهم السرور العظيم ~~بمشاهدة تلك الأحوال ، ثم إذا استقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في ~~النار ، فحينئذ ينقلهم الله تعالى إلى أمكنتهم العالية في الجنة ، فثبت أن ~~كونهم غير داخلين في الجنة لا يمنع من كمال شرفهم وعلو درجتهم . وأما قوله ~~: { وهم يطمعون } فالمراد من هذا الطمع اليقين . ألا ترى أنه تعالى قال ~~حكاية عن إبراهيم عليه السلام : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين ~~} ( الشعراء : 82 ) وذلك الطمع كان طمع يقين ، فكذا ههنا . فهذا تقرير قول ~~من يقول أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل الجنة . # والقول الثاني : وهو قول من يقول أصحاب الأعراف أقوام يكونون في الدرجة ~~النازلة من أهل الثواب والقائلون بهذا القول ذكروا وجوها : أحدها : أنهم ~~قوم تساوت حسناتهم ms3962 وسيئاتهم فلا جرم ما كانوا من أهل الجنة ولا من أهل ~~النار فأوقفهم الله تعالى على هذه الأعراف لكونها درجة متوسطة بين الجنة ~~وبين النار . ثم يدخلهم الله تعالى الجنة بفضله ورحمته وهم آخر قوم يدخلون ~~الجنة ، وهذا قول حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما واختيار الفراء ، وطعن ~~الجبائي والقاضي في هذا القول . واحتجوا على فساده بوجهين : الأول : أن ~~قالوا أن قوله تعالى : { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } ~~( الأعراف : 43 ) يدل على أن كل من دخل الجنة فإنه لا بد وأن يكون مستحقا ~~لدخولها ، وذلك يمنع من القول بوجود أقوام لا يستحقون الجنة / ولا النار ، ~~ثم إنهم يدخلون الجنة بمحض التفضل لا بسبب الاستحقاق . وثانيهما : إن كونهم ~~من أصحاب الأعراف يدل على أنه تعالى ميزهم من جميع أهل القيامة بأن أجلسهم ~~على الأماكن العالية المشرفة على أهل الجنة ، وأهل النار ، وذلك تشريف عظيم ~~، ومثل هذا التشريف لا يليق إلا بالإشراف ولا شك أن الذين تساوت حسناتهم ~~وسيئاتهم فدرجتهم قاصرة ، فلا يليق بهم ذلك التشريف . # والجواب عن الأول : أنه يحتمل أن يكون قوله : { ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها } خطاب مع قوم معينين ، فلم يلزم أن يكون لكل أهل الجنة كذلك . # والجواب عن الثاني : أنا لا نسلم أنه تعالى أجلسهم على تلك المواضع على ~~سبيل التخصيص بمزيد التشريف والإكرام ، وإنما أجلسهم عليها لأنها كالمرتبة ~~المتوسطة بين الجنة والنار ، وهل النزاع إلا في ذلك ؟ فثبت أن الحجة التي ~~عولوا عليها في إبطال هذا الوجه ضعيفة . # الوجه الثاني : من الوجوه المذكورة في تفسير أصحاب الأعراف . قالوا : ~~المراد من أصحاب الأعراف أقوام خرجوا إلى الغزو بغير إذن آبائهم فاستشهدوا ~~فحبسوا بين الجنة والنار . PageV14P073 # واعلم أن هذا القول داخل في القول الأول : لأن هؤلاء ، إنما صاروا من ~~أصحاب الأعراف لأن معصيتهم ساوت طاعتهم بإجهاد ، فهذا أحد الأمور الداخلة ~~تحت الوجه الأول . وبتقدير أن يصح ذلك الوجه . فلا معنى لتخصيص هذه الصورة ~~وقصر لفظ الآية عليها . # والوجه الثالث : قال عبد الله بن الحرث : إنهم ms3963 مساكين أهل الجنة . # والوجه الرابع : قال قوم أنهم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ~~ويسكنهم في الأعراف فهذا كله شرح قول من يقول : الأعراف عبارة عن الأمكنة ~~العالية على السور المضروب بين الجنة وبين النار . وأما الذين يقولون ~~الأعراف عبارة عن الرجال الذين يعرفون أهل الجنة وأهل النار ؛ فهذا القول ~~أيضا غير بعيد إلا أن هؤلاء الأقوام لا بد لهم من مكان عال يشرفون منه على ~~أهل الجنة ، وأهل النار . وحينئذ يعود هذا القول إلى القول الأول ، فهذه ~~تفاصيل أقوال الناس في هذا الباب . والله أعلم ، ثم إنه تعالى أخبر أن ~~أصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم واختلفوا في ~~المراد بقوله : { بسيماهم } على وجوه . # فالقول الأول : وهو قول ابن عباس : أن سيما الرجل المسلم من أهل الجنة ~~بياض وجهه ، كما قال تعالى : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } ( آل عمران : ~~106 ) وكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة ، وكون كل واحد منهم أغر محجلا من ~~آثار الوضوء ، وعلامة الكفار سواد وجوههم ، وكون وجوههم عليها غبرة ترهقها ~~قترة ، وكون عيونهم زرقا . # / ولقائل أن يقول : إنهم لما شاهدوا أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في ~~النار ، فأي حاجة إلى أن يستدل على كونهم من أهل الجنة بهذه العلامات ؟ لأن ~~هذا يجري مجرى الاستدلال على ما علم وجوده بالحس ، وذلك باطل . وأيضا فهذه ~~الآية تدل على أن أصحاب الأعراف مختصون بهذه المعرفة ، ولو حملناه على هذا ~~الوجه لم يبق هذا الاختصاص ، لأن هذه الأحوال أمور محسوسة ، فلا يختص ~~بمعرفتها شخص دون شخص . # والقول الثاني : في تفسير هذه الآية أن أصحاب الأعراف كانوا يعرفون ~~المؤمنين في الدنيا بظهور علامات الإيمان والطاعات عليهم ويعرفون الكافرين ~~في الدنيا أيضا بظهور علامات الكفر والفسق عليهم ، فإذا شاهدوا أولئك ~~الأقوام في محفل القيامة ميزوا البعض عن البعض بتلك العلامات التي شاهدوها ~~عليهم في الدنيا ، وهذا الوجه هو المختار . # أما قوله تعالى : { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم } فالمعنى إنهم إذا ~~نظروا إلى أهل الجنة سلموا على ms3964 أهلها ، وعند هذا تم كلام أهل الأعراف . # ثم قال : { لم يدخلوها وهم يطمعون } والمعنى أنه تعالى أخبر أن أهل ~~الأعراف لم يدخلوا الجنة ، ومع ذلك فهم يطمعون في دخولها ، ثم إن قلنا أن ~~أصحاب الأعراف هم الأشراف من أهل الجنة فقد ذكرنا أنه تعالى إنما أجلسهم ~~على الأعراف وأخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار ، ثم ~~إنه تعالى ينقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة كما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( إن أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون ~~الكوكب الدري في أفق السماء ، وأن أبا بكر وعمر منهم ) وتحقيق الكلام أن ~~أصحاب الأعراف هم أشراف أهل القيامة ، فعند وقوف أهل القيامة في الموقف ~~يجلس الله أهل الأعراف في PageV14P074 الاعراف ، وهي المواضع العالية ~~الشريفة فإذا أدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار نقلهم إلى الدرجات ~~العالية في الجنة ، فهم أبدا لا يجلسون إلا في الدرجات العالية . وأما إن ~~فسرنا أصحاب الأعراف بأنهم الذين يكونون في الدرجة النازلة من أهل النجاة ~~قلنا أنه تعالى يجلسهم في الأعراف وهم يطعمون من فضل الله وإحسانه أن ~~ينقلهم من تلك المواضع إلى الجنة . وأما قوله تعالى : { وإذا صرفت أبصارهم ~~تلقاء أصحاب النار } فقال الواحدي رحمه الله التلقاء جهة اللقاء ، وهي جهة ~~المقابلة ، ولذلك كان ظرفا من ظروف المكان يقال فلان تلقاءك كما يقال هو ~~حذاءك ، وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفا / ثم نقل الواحدي رحمه الله بإسناده ~~عن ثعلب عن الكوفيين والمبرد عن البصريين أنهما قالا : لم يأت من المصادر ~~على تفعال ( إلا ) حرفان تبيان وتلقاء ، فإذا تركت هذين استوى ذلك القياس ، ~~/ فقلت في كل مصدر تفعال بفتح التاء ، مثل تسيار وترسال . وقلت في كل اسم ~~تفعال بكسر التاء ، مثل تمثال وتقصار ، ومعنى الآية : أنه كلما وقعت أبصار ~~أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى في أن لا يجعلهم من ~~زمرتهم . والمقصود من جميع هذه الآيات التخويف ، حتى يقدم المرء على النظر ~~والاستدلال ، ولا يرضى بالتقليد ms3965 ليفوز بالدين الحق ، فيصل بسببه إلى الثواب ~~المذكور في هذه الآيات ، ويتخلص عن العقاب المذكور فيها . # ! 7 < { ونادى أصحاب الا عراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا مآ أغنى عنكم ~~جمعكم وما كنتم تستكبرون * أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ~~ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 48 - 49 ) ونادى أصحاب الأعراف . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين بقوله : { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ~~قالوا ربنا } ( الأعراف : 47 ) أتبعه أيضا بأن أصحاب الأعراف ينادون رجالا ~~من أهل النار ، واستغنى عن ذكر أهل النار لأجل أن الكلام المذكور لا يليق ~~إلا بهم ، وهو قولهم : { ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون } وذلك لا ~~يليق إلا بمن يبكت ويوبخ ، ولا يليق أيضا إلا بأكابرهم ، والمراد بالجمع ، ~~إما جمع المال ، وإما الاجتماع والكثرة { وما كنتم } والمراد : استكبارهم ~~عن قبول الحق ، واستكبارهم على الناس المحقين . وقرىء { * تستكثرون } من ~~الكثرة ، وهذا كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف بوقوع أولئك المخاطبين في ~~العقاب ، وعلى تبكيت عظيم يحصل لأولئك المخاطبين بسبب هذا الكلام ، ثم ~~زادوا على هذا التبكيت ، وهو قولهم : { تستكبرون أهاؤلاء الذين أقسمتم لا ~~ينالهم الله برحمة } فأشاروا إلى فريق من أهل الجنة ، كانوا يستضعفونهم ~~ويستقلون أحوالهم ، وربما هزؤوا بهم ، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم ، فإذا ~~رأى من كان يدعي التقدم حصول المنزلة العالية ، لمن كان مستضعفا عنده قلق ~~لذلك ، وعظمت حسرته وندامته على ما كان منه في نفسه . # وأما قوله تعالى : { ادخلوا الجنة } فقد اختلفوا فيه . فقيل هم أصحاب ~~الأعراف ، والله تعالى يقول لهم ذلك أو بعض الملائكة الذين يأمرهم الله ~~تعالى بهذا القول . وقيل : بل يقول بعضهم لبعض . / والمراد أنه PageV14P075 ~~تعالى يحث أصحاب الأعراف بالدخول في الجنة ، واللحوق بالمنزلة التي أعدها ~~الله تعالى لهم ، وعلى هذا التقدير فقوله : { أهاؤلاء الذين أقسمتم لا ~~ينالهم الله برحمة } من كلام أصحاب الأعراف . وقوله : { ادخلوا الجنة } من ~~كلام الله تعالى ، ولا بد ههنا من إضمار ، والتقدير : فقال الله لهم هذا ~~كما قال : { يريد أن يخرجكم من أرضكم ms3966 } ( الأعراف : 110 ) وانقطع ههنا كلام ~~الملأ . ثم قال فرعون : { فماذا تأمرون } ( الأعراف : 110 ) فاتصل كلامه ~~بكلامهم من غير إظهار فارق ، فكذا ههنا . # ! 7 < { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما ~~رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين * الذين اتخذوا دينهم لهوا ~~ولعبا وغرتهم الحيواة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هاذا وما ~~كانوا بأاياتنا يجحدون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 50 - 51 ) ونادى أصحاب النار . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين ما يقوله أصحاب الأعراف لأهل النار ، أتبعه بذكر ~~ما يقوله أهل النار لأهل الجنة . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما صار ~~أصحاب الأعراف إلى الجنة . طمع أهل النار بفرج بعد اليأس . فقالوا : يا رب ~~إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم ، فأمر الله الجنة ~~فتزحزحت ، ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم ~~فعرفوهم ، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم ، وقد ~~اسودت وجوههم وصاروا خلقا آخر ، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم ~~وقالوا : { أفيضوا علينا من الماء } وإنما طلبوا الماء خاصة لشدة ما في ~~بواطنهم من الاحتراق واللهيب بسبب شدة حر جهنم . وقوله : { أفيضوا } ~~كالدلالة على أن أهل الجنة أعلى مكانا من أهل النار . # فإن قيل : أسألوا مع الرجاء ، والجواز ، ومع اليأس ؟ # قلنا : ما حكيناه عن ابن عباس يدل على أنهم طلبوا الماء مع جواز الحصول . ~~وقال القاضي : بل مع اليأس ، لأنهم قد عرفوا دوام عقابهم وأنه لا يفتر عنهم ~~، ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما / يقال في المثل : الغريق يتعلق بالزبد ~~، وإن علم أنه لا يغيثه . وقوله : { أو مما رزقكم الله } قيل إنه الثمار ، ~~وقيل إنه الطعام ، وهذا الكلام يدل على حصول العطش الشديد ، والجوع الشديد ~~لهم ، عن أبي الدرداء أن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد ~~عذابهم ، فيستغيثون فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع . ثم يستغيثون ~~فيغاثون بطعام ذي غصة ، ثم يذكرون الشراب ويستغيثون ms3967 فيدفع إليهم الحميم ~~والصديد بكلاليب PageV14P076 الحديد فيقطع ما في بطونهم ، ويستغيثون إلى ~~أهل الجنة كما في هذه الآية فيقول أهل الجنة : إن الله حرمهما على الكافرين ~~، ويقولون لمالك : { ليقض علينا ربك } ( الزخرف : 77 ) فيجيبهم على ما قيل ~~بعد ألف عام ، ويقولون : { ربنا أخرجنا منها } ( المؤمنون : 107 ) فيجيبهم ~~{ اخسئوا فيها ولا تكلمون } ( المؤمنون : 108 ) فعند ذلك ييأسون من كل خير ~~، ويأخذون في الزفير والشهيق . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه ذكر في ~~صفة أهل الجنة أنهم يرون الله عز وجل كل جمعة ، ولمنزل كل واحد منهم ألف ~~باب ، فإذا رأوا الله تعالى ، دخل من كل باب ملك معه الهدايا الشريفة وقال ~~: إن نخل الجنة خشبها الزمرد ، وترابها الذهب الأحمر ، وسعفها حلل وكسوة ~~لأهل الجنة ، وثمرها أمثال القلال أو الدلاء ، أشد بياضا من الفضة وألين من ~~الزبد وأحلى من العسل ، لا عجم له ، فهذا صفة أهل الجنة ، وصفة أهل النار ، ~~ورأيت في بعض الكتب : أن قارئا قرأ قوله تعالى حكاية عن الكفار : { أفيضوا ~~علينا من الماء أو مما رزقكم الله } في تذكرة الأستاذ أبي علي الدقاق ، ~~فقال الأستاذ : هؤلاء كانت رغبتهم وشهوتهم في الدنيا في الشرب والأكل ، وفي ~~الآخرة بقوا على هذه الحالة ، وذلك يدل على أن الرجل يموت على ما عاش عليه ~~، ويحشر على ما مات عليه ، ثم بين تعالى أن هؤلاء الكفار لما طلبوا الماء ~~والطعام من أهل الجنة قال أهل الجنة { إن الله حرمهما على الكافرين } ولا ~~شك أن ذلك يفيد الخيبة التامة / ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الكفار بأنهم ~~اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ، وفيه وجهان : # الوجه الأول : أن الذي اعتقدوا فيه أنه دينهم ، تلاعبوا به ، وما كانوا ~~فيه مجدين . # والوجه الثاني : أنهم اتخذوا اللهو واللعب دينا لأنفسهم ، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما يريد المستهزئين المقتسمين . ثم قال : { وغرتهم الحيواة ~~الدنيا } وهو مجاز لأن الحياة الدنيا لا تغر في الحقيقة بل المراد أنه حصل ~~الغرور عند هذه الحياة الدنيا ، لأن الإنسان يطمع في طول العمر وحسن العيش ms3968 ~~وكثرة المال ، وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوبا عن طلب ~~الدين . غرقا في طلب الدنيا ، ثم لما وصف الله تعالى أولئك الكفار بهذه ~~الصفات قال : { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هاذا } وفي تفسير هذا ~~النسيان قولان : # القول الأول : أن النسيان هو الترك . والمعنى : نتركهم في عذابهم كما ~~تركوا العمل للقاء يومهم هذا ، وهذا قول الحسن ومجاهد والسدي والأكثرين . # / والقول الثاني : أن معنى ننساهم كما نسوا أي نعاملهم معاملة من نسي ~~نتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض بآياتنا ، وبالجملة فسمى الله ~~جزاء نسيانهم بالنسيان كما في قوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : ~~40 ) والمراد من هذا النسيان أنه لا يجيب دعاءهم ولا يرحمهم ، ثم بين تعالى ~~أن كل هذه التشديدات إنما كان لأنهم كانوا بآياتنا يجحدون وهذه الآية لطيفة ~~عجيبة . وذلك لأنه تعالى وصفهم بكونهم كانوا كافرين ثم بين من حالهم أنهم ~~اتخذوا دينهم لهوا أولا ، ثم لعبا ثانيا ، ثم غرتهم الحياة الدنيا ثالثا ، ~~ثم صار عاقبة هذه الأحوال والدرجات أنهم جحدوا بآيات الله ، وذلك يدل على ~~أن حب الدنيا مبدأ كل آفة كما قال عليه الصلاة والسلام : ( حب الدنيا رأس ~~كل خطيئة ) وقد يؤدي حب الدنيا إلى الكفر والضلال . # PageV14P077 ! 7 < { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 52 ) ولقد جئناهم بكتاب . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الجنة ، وأهل النار ، وأهل الأعراف ~~، ثم شرح الكلمات الدائرة بين هؤلاء الفرق الثلاث على وجه يصير سماع تلك ~~المناظرات حاملا للمكلف على الحذر والاحتراز وداعيا له إلى النظر ~~والاستدلال ، بين شرف هذا الكتاب الكريم ونهاية منفعته فقال : { ولقد ~~جئناهم بكتاب } وهو القرآن { فصلناه } أي ميزنا بعضه عن بعض ، تمييزا يهدي ~~إلى الرشد ويؤمن عن الغلط والخبط ، فأما قوله : { على علم } فالمراد أن ذلك ~~التفصيل والتمييز إنما حصل مع العلم التام بما في كل فصل من تلك الفصول من ~~الفوائد المتكاثرة ، والمنافع المتزايدة ، وقوله : { هدى ورحمة } قال ~~الزجاج : { هدى } في موضع نصب ms3969 أي فصلناه هاديا وذا رحمة وقوله : { لقوم ~~يؤمنون } يدل على أن القرآن جعل هدى لقوم مخصوصين ، والمراد أنهم هم الذين ~~اهتدوا به دون غيرهم فهو كقوله تعالى في أول سورة البقرة : { هدى للمتقين } ~~( البقرة : 2 ) واحتج أصحابنا بقوله : { فصلناه على علم } على أنه تعالى ~~عالم بالعلم ، خلافا لما يقوله المعتزلة من أنه ليس لله علم . والله أعلم . # ! 7 < { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذى ~~كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } . > 7 ! # / < < # | الأعراف : ( 53 ) هل ينظرون إلا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين إزاحة العلة بسبب إنزال هذا الكتاب المفصل ~~الموجب للهداية والرحمة ، بين بعده حال من كذب فقال : { هل ينظرون إلا ~~تأويله } والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع . # فإن قيل : كيف يتوقعون وينتظرون مع جحدهم له وإنكارهم ؟ # قلنا : لعل فيهم أقواما تشككوا وتوقفوا ، فلهذا السبب انتظروه وأيضا إنهم ~~وإن كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم ~~لا محالة ، وقوله : { إلا تأويله } قال الفراء الضمير في قوله : { تأويله } ~~للكتاب يريد عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب . ~~والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل وقد احتج بهذه الآية من ~~ذهب إلى قوله : { وما يعلم تأويله إلا الله } ( آل عمران : 7 ) أي ما يعلم ~~عاقبة الأمر فيه إلا الله وقوله : { يوم يأتى تأويله } يريد يوم القيامة ، ~~قال الزجاج : قوله : { يوم } نصب بقوله : { يقول } وأما قوله : { يقول ~~الذين نسوه من قبل } معناه أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه ، ~~ويجوز أن يكون معنى { نسوه } أي تركوا العمل به والإيمان ، به وهذا كما ~~ذكرنا في قوله : { كما نسوا لقاء يومهم هاذا } ( الأعراف : 51 ) ثم بين ~~تعالى أن هؤلاء الذين نسوا يوم القيامة يقولون : { قد جاءت رسل ربنا بالحق ~~} PageV14P078 والمراد أنهم أقروا بأن الذي جاءت به الرسل من ثبوت الحشر ms3970 ، ~~والنشر ، والبعث ، والقيامة ، والثواب ، والعقاب ، كل ذلك كان حقا ، وإنما ~~أقروا بحقيقة هذه الأشياء لأنهم شاهدوها وعاينوها ، وبين الله تعالى أنهم ~~لما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا : { هل لنا من * شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد ~~فنعمل غير الذى كنا نعمل } والمعنى إنه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه ~~من العذاب الشديد إلا أحد هذين الأمرين . وهو أن يشفع لنا شفيع فلأجل تلك ~~الشفاعة يزول هذا العذاب أو يردنا الله تعالى إلى الدنيا حتى نعمل غير ما ~~كنا نعمل يعني نوحد الله تعالى بدلا عن الكفر ونطيعه بدلا عن المعصية . # فإن قيل : أقالوا هذا الكلام مع الرجاء أو مع اليأس ؟ وجوابنا عنه مثل ما ~~ذكرناه في قوله : { أفيضوا علينا من الماء } ( الأعراف : 50 ) ثم بين تعالى ~~بقوله : { قد خسروا أنفسهم } أن الذين طلبوه ، لا يكون لأن ذلك المطلوب لو ~~حصل لما حكم الله عليهم بأنهم قد خسروا أنفسهم . # ثم قال : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } يريد أنهم لم ينتفعوا بالأصنام ~~التي عبدوها في الدنيا / ولم ينتفعوا بنصرة الأديان الباطلة التي بالغوا في ~~نصرتها ، قال الجبائي : هذه الآية تدل على حكيمن : # الحكم الأول # قال : الآية تدل على أنهم كانوا في حال التكليف قادرين على الإيمان ~~والتوبة فلذلك سألوا الرد ليؤمنوا ويتوبوا ولو كانوا في الدنيا غير قادرين ~~كما يقوله المجبرة لم يكن لهم في الرد فائدة ولا جاز أن يسألوا ذلك . # الحكم الثاني # أن الآية تدل على بطلان قول المجبرة والذين يزعمون أن أهل الآخرة مكلفون ~~لأنه لو كان كذلك لما سألوا الرد إلى حال وهم في الوقت على مثلها بل كانوا ~~يتوبون ويؤمنون في الحال / فبطل ما حكي عن النجار وطبقته من أن التكليف باق ~~على أهل الآخرة . # ! 7 < { إن ربكم الله الذى خلق السماوات والا رض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يغشى اليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات ~~بأمره ألا له الخلق والا مر تبارك الله رب العالمين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 54 ) إن ربكم الله ms3971 . . . . . # > > PageV14P079 # اعلم أنا بينا أن مدار أمر القرآن على تقدير هذه المسائل الأربع ، وهي ~~التوحيد والنبوة والمعاد والقضاء والقدر ، ولا شك أن مدار إثبات المعاد على ~~إثبات التوحيد والقدرة والعلم ، فلما بالغ الله تعالى في تقرير أمر المعاد ~~عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على التوحيد ، وكمال القدرة ، والعلم ، لتصير ~~تلك الدلائل مقررة لأصول التوحيد ، ومقررة أيضا لإثبات المعاد وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : حكى الواحدي عن الليث أنه قال : الأصل في الست والستة ~~سدس وسدسة أبدل السين تاء ، ولما كان مخرج الدال والتاء قريبا أدغم أحدهما ~~في الآخر واكتفى بالتاء ، عليه أنك تقول في تصغير ستة سديسة ، وكذلك ~~الأسداس وجميع تصرفاته يدل عليه . والله أعلم . # المسألة الثانية : { الخلق } التقدير على ما قررناه فخلق السموات والأرض ~~إشارة إلى تقدير حالة / من أحوالهما ، وذلك التقدير يحتمل وجوها كثيرة : ~~أولها : تقدير ذواتهما بمقدار معين مع أن العقل يقضي بأن الأزيد منه ~~والأنقص منه جائز ، فاختصاص كل واحد منهما بمقداره المعين لا بد وأن يكون ~~بتخصيص مخصص ، وذلك يدل على افتقار خلق السموات والأرض إلى الفاعل المختار ~~. وثانيها : أن كون هذه الأجسام متحركة في الأزل محال ، لأن الحركة انتقال ~~من حال إلى حال ، فالحركة يجب كونها مسبوقة بحالة أخرى ، والأزل ينافي ~~المسبوقية فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالا . # إذا ثبت هذا فنقول : هذه الأفلاك والكواكب إما أن يقال : أن ذواتها كانت ~~معدومة في الأزل ثم وجدت ، أو يقال : إنها وإن كانت موجودة لكنها كانت ~~واقفة ساكنة في الأزل ، ثم ابتدأت بالحركة ، وعلى التقديرين فتلك الحركات ~~ابتدأت بالحدوث والوجود في وقت معين مع جواز حصولها قبل ذلك الوقت وبعده ، ~~وإذا كان كذلك كان اختصاص ابتداء تلك الحركات بتلك الأوقات المعينة تقديرا ~~وخلقا ، ولا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر ومختار . وثالثها : أن ~~أجرام الأفلاك والكواكب والعناصر مركبة من أجزاء صغيرة ، ولا بد وأن يقال : ~~إن بعض تلك الأجزاء حصلت في داخل تلك الأجرام وبعضها حصلت على سطوحها ~~فاختصاص حصول كل واحدة من تلك الأجزاء ms3972 بحيزه المعين لا بد وأن يكون لتخصيص ~~المخصص القادر المختار . ورابعها : أن بعض الأفلاك أعلى من بعض ، وبعض ~~الكواكب حصل في المنطقة وبعضها في القطبين ، فاختصاص كل واحد منهما بموضعه ~~المعين لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص قادر مختار . وخامسها : أن كل واحد من ~~الأفلاك متحرك إلى جهة مخصوصة ، وحركة مختصة بمقدار معين مخصوص من البطء ~~والسرعة ، وذلك أيضا خلق وتقدير ويدل على وجود المخصص القادر . وسادسها : ~~أن كل واحد من الكواكب مختص بلون مخصوص مثل كمودة زحل ، ودرية المشتري ، ~~وحمرة المريخ ، وضياء الشمس ، وإشراق الزهرة ، وصفرة عطارد ، وزهور القمر ، ~~والأجسام متماثلة في تمام الماهية . فكان اختصاص كل واحد منها بلونه المعين ~~خلقا وتقديرا ودليلا على افتقارها إلى الفاعل المختار . وسابعها : أن ~~الأفلاك والعناصر مركبة من الأجزاء الصغيرة ، وواجب الوجود لا يكون أكثر من ~~واحد فهي ممكنة الوجود في ذواتها ، فكل ما كان ممكنا لذاته فهو محتاج إلى ~~المؤثر ، والحاجة إلى المؤثر لا تكون في حال البقاء ، وإلا لزم تكون الكائن ~~فتلك الحاجة لا تحصل إلا في زمان الحدوث / أو في زمان العدم . وعلى ~~التقديرين فيلزم كون هذه الأجزاء محدثة ومتى كانت محدثة كان حدوثها مختصا ~~بوقت معين وذلك خلق PageV14P080 وتقدير / ويدل على الحاجة إلى الصانع ~~القادر المختار . وثامنها : أن هذه الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما ~~محدثان ، وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث ، فهذه الأجسام محدثة ، وكل محدث ~~فقد حصل حدوثه في وقت معين ، وذلك خلق وتقدير ولا بد له من الصانع القادر ~~المختار . وتاسعها : أن الأجسام متماثلة فاختصاص بعضها بالصفات التي لأجلها ~~كانت سموات وكواكب ، والبعض الآخر بالصفات التي لأجلها كانت أرضا أو ماء أو ~~هواء أو نارا لا بد وأن يكون أمرا جائزا ، وذلك لا يحصل إلا بتقدير مقدر ~~وتخصيص مخصص وهو المطلوب . وعاشرها : أنه كما حصل الامتياز المذكور بين ~~الأفلاك والعناصر فقد حصل أيضا مثل هذا الامتياز بين الكواكب وبين الأفلاك ~~وبين العناصر ، بل حصل مثل هذا الامتياز بين كل واحد من الكواكب ، وذلك ms3973 يدل ~~على الافتقار إلى الفاعل القادر المختار . # واعلم أن الخلق عبارة عن التقدير ، فإذا دللنا على أن الأجسام متماثلة ~~وجب القطع بأن كل صفة حصلت لجسم معين ، فإن حصول تلك الصفة ممكن لسائر ~~الأجسام ، وإذا كان الأمر كذلك كان اختصاص ذلك الجسم المعين بتلك الصفة ~~المعينة خلقا وتقديرا فكان داخلا تحت قوله سبحانه { إن ربكم الله الذى خلق ~~* السماوات والارض } والله أعلم . # المسألة الثالثة : لسائل أن يسأل فيقول : كون هذه الأشياء مخلوقة في ستة ~~أيام لا يمكن جعله دليلا على إثبات الصانع ؟ وبيانه من وجوه : الأول : أن ~~وجه دلالة هذه المحدثات على وجود الصانع هو حدوثها أو إمكانها أو مجموعهما ~~فإما وقوع ذلك الحدوث في ستة أيام أو في يوم واحد فلا أثر له في ذلك ألبتة ~~. والثاني : أن العقل يدل على أن الحدوث على جميع الأحوال جائز ، وإذا كان ~~كذلك فحينئذ لا يمكن الجزم بأن هذا الحدوث وقع في ستة أيام إلا بأخبار مخبر ~~صادق ، وذلك موقوف على العلم بوجود الإله الفاعل المختار ، فلو جعلنا هذه ~~المقدمة مقدمة في إثبات الصانع لزم الدور . والثالث : أن حدوث السموات ~~والأرض دفعة واحدة أدل على كمال القدرة والعلم من حدوثها في ستة أيام . # إذا ثبت ما ذكرناه من الوجوه الثلاثة فنقول : ما الفائدة في ذكر أنه ~~تعالى إنما خلقها في ستة أيام في إثبات ذكر ما يدل على وجود الصانع ؟ ~~والرابع : أنه ما السبب في أنه اقتصر ههنا على ذكر السموات والأرض ، ولم ~~يذكر خلق سائر الأشياء ؟ # السؤال الخامس : اليوم إنما يمتاز عن الليلة بسبب طلوع الشمس وغروبها ~~فقبل خلق الشمس والقمر كيف يعقل حصول الأيام ؟ # / والسؤال السادس : أنه تعالى قال : { وما أمرنا إلا واحدة كلمح * البصر ~~} ( القمر : 50 ) وهذا كالمناقض لقوله : { خلق * السماوات والارض * في ستة ~~أيام } . # والسؤال السابع : أنه تعالى خلق السموات والأرض في مدة متراخية ، فما ~~الحكمة في تقييدها وضبطها بالأيام الستة ؟ فنقول : أما على مذهبنا فالأمر ~~في الكل سهل واضح ، لأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ms3974 ، ولا اعتراض ~~عليه في أمر من الأمور ، وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه . ثم نقول : # أما السؤال الأول : فجوابه أنه سبحانه ذكر في أول التوراة أنه خلق ~~السموات والأرض في ستة أيام ، PageV14P081 والعرب كانوا يخالطون اليهود ~~والظاهر أنهم سمعوا ذلك منهم فكأنه سبحانه يقول لا تشتغلوا بعبادة الأوثان ~~والأصنام فإن ربكم هو الذي سمعتم من عقلاء الناس أنه هو الذي خلق السموات ~~والأرض على غاية عظمتها ونهاية جلالتها في ستة أيام . # وأما السؤال الثالث : فجوابه أن المقصود منه أنه سبحانه وتعالى وإن كان ~~قادرا على إيجاد جميع الأشياء دفعة واحدة لكنه جعل لكل شيء حدا محدودا ~~ووقتا مقدرا / فلا يدخله في الوجود إلا على ذلك الوجه ، فهو وإن كان قادرا ~~على إيصال الثواب إلى المطيعين في الحال ، وعلى إيصال العقاب إلى المذنبين ~~في الحال ، إلا أنه يؤخرهما إلى أجل معلوم مقدر ، فهذا التأخير ليس لأجل ~~أنه تعالى أهمل العباد بل لما ذكرنا أنه خص كل شيء بوقت معين لسابق مشيئته ~~فلا يفتر عنه ، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة ق : { ولقد خلقنا * ~~السماوات والارض * وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب * فاصبر على ما ~~يقولون } ( ق: 38 ، 39 ) بعد أن قال قبل هذا : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن ~~هم أشد منهم بطشا فنقبوا فى البلاد هل من محيص * إن فى ذالك لذكرى لمن كان ~~له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } ( ق: 36 ، 37 ) فأخبرهم بأنه قد أهلك من ~~المشركين به والمكذبين لأنبيائه من كان أقوى بطشا من مشركي العرب ، إلا أنه ~~أمهل هؤلاء لما فيه من المصلحة ، كما خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام متصلة لا لأجل لغوب لحقه في الإمهال ، ولما بين بهذا الطريق أنه تعالى ~~إنما خلق العالم لا دفعة لكن قليلا قليلا قال بعده : { فاصبر على ما يقولون ~~} من الشرك والتكذيب ولا تستعجل لهم العذاب بل توكل على الله تعالى وفوض ~~الأمر إليه ، وهذا معنى ما يقوله المفسرون من أنه تعالى ms3975 إنما خلق العالم في ~~ستة أيام ليعلم عباده الرفق في الأمور والصبر فيها ولأجل أن لا يحمل المكلف ~~تأخر الثواب والعقاب على الإهمال والتعطيل . ومن العلماء من ذكر فيه وجهين ~~آخرين : # الوجه الأول : أن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة ثم انقطع طريق الإحداث فلعله ~~يخطر / ببال بعضهم أن ذاك إنما وقع على سبيل الاتفاق ، أما إذا حدثت ~~الأشياء على التعاقب والتواصل مع كونها مطابقة للمصلحة والحكمة ، كان ذلك ~~أقوى في الدلالة على كونها واقعة بإحداث محدث قديم حكيم ، وقادر عليم رحيم ~~. # الوجه الثاني : أنه قد ثبت بالدليل أنه تعالى يخلق العاقل أولا ثم يخلق ~~السموات والأرض بعده ، ثم إن ذلك العاقل إذا شاهد في كل ساعة وحين حدوث شيء ~~آخر على التعاقب والتوالي ، كان ذلك أقوى لعلمه وبصيرته ، لأنه يتكرر على ~~عقله ظهور هذا الدليل لحظة بعد لحظة ، فكان ذلك أقوى في إفادة اليقين . # وأما السؤال الرابع : فجوابه أن ذكر السموات والأرض في هذه الآية يشتمل ~~أيضا على ذكر ما بينهما ، والدليل عليه أنه تعالى ذكر سائر المخلوقات في ~~سائر الآيات فقال : { الله الذى خلق * السماوات والارض * وما بينهما فى ستة ~~أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع } وقال : { وتوكل ~~على الحى الذى لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا * الذى خلق * ~~السماوات والارض * وما بينهما } ( الفرقان : 58 ، 59 ) وقال : { ولقد خلقنا ~~* السماوات والارض * وما بينهما فى ستة أيام } ( ق: 38 ) . # وأما السؤال الخامس : فجوابه أن المراد أنه تعالى خلق السموات والأرض في ~~مقدار ستة أيام وهو كقوله : { لهم * رزقهم فيها بكرة وعشيا } والمراد على ~~مقدار البكرة والعشي في الدنيا لأنه لا ليل ثم ولا نهار . PageV14P082 # وأما السؤال السادس : فجوابه أن قوله : { وما أمرنا إلا واحدة كلمح ~~بالبصر } ( القمر : 50 ) محمول على إيجاد كل واحد من الذوات وعلى إعدام كل ~~واحد منها ، لأن إيجاد الذات الواحدة وإعدام الموجود الواحد لا يقبل ~~التفاوت فلا يمكن تحصيله إلا دفعة واحدة / وأما الإمهال والمدة فذاك ms3976 لا ~~يحصل إلا في المدة . # وأما السؤال السابع : وهو تقدير هذه المدة بستة أيام ، فهو غير وارد لأنه ~~تعالى لو أحدثه في مقدار آخر من الزمان لعاد ذلك السؤال ، وأيضا قال بعضهم ~~لعدد السبعة شرف عظيم ، وهو مذكور في تقرير أن ليلة القدر هي ليلة السابع ~~والعشرين ، وإذا ثبت هذا قالوا : فالأيام الستة في تخليق العالم واليوم ~~السابع في حصول كمال الملك والملكوت . وبهذا الطريق حصل الكمال في الأيام ~~السبعة انتهى . # المسألة الرابعة : في هذه الآية بشارة عظيمة للعقلاء لأنه قال : { إن ~~ربكم الله الذى خلق * السماوات والارض } والمعنى أن الذي يربيكم ويصلح ~~شأنكم ويوصل إليكم الخيرات ويدفع عنكم المكروهات / هو الذي بلغ كمال قدرته ~~وعلمه وحكمته ورحمته إلى حيث خلق هذه الأشياء العظيمة وأودع فيها أصناف ~~المنافع وأنواع الخيرات ، ومن كان له مرب موصوف بهذه الحكمة والقدرة ~~والرحمة ، فكيف يليق أن يرجع إلى غيره في طلب الخيرات أو يعول على غيره في ~~تحصيل السعادات ؟ ثم في الآية دقيقة أخرى فإنه لم يقل أنتم عبيده بل قال هو ~~ربكم ، ودقيقة أخرى وهي أنه تعالى لما نسب نفسه إلينا سمى نفسه في هذه ~~الحالة بالرب ، وهو مشعر بالتربية وكثرة الفضل والإحسان ، فكأنه يقول من ~~كان له مرب مع كثرة هذه الرحمة والفضل ، فكيف يليق به أن يشتغل بعبادة غيره ~~؟ # أما قوله تعالى : { ثم استوى على العرش } فاعلم أنه لا يمكن أن يكون ~~المراد منه كونه مستقرا على العرش ويدل على فساده وجوه عقلية ، ووجوه نقلية ~~. أما العقلية فأمور : أولها : أنه لو كان مستقرا على العرش لكان من الجانب ~~الذي يلي العرش متناهيا وإلا لزم كون العرش داخلا في ذاته وهو محال ، وكل ~~ما كان متناهيا فإن العقل يقضي بأنه لا يمنع أن يصير أزيد منه أو أنقص منه ~~بذرة والعلم بهذا الجواز ضروري ، فلو كان الباري تعالى متناهيا من بعض ~~الجوانب لكانت ذاته قابلة للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه ~~بذلك المقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر ، وكل ما ms3977 كان كذلك فهو محدث ، ~~فثبت أنه تعالى لو كان على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهيا ، ~~ولو كان كذلك لكان محدثا وهذا محال فكونه على العرش يجب أن يكون محالا . ~~وثانيها : لو كان في مكان وجهة لكان إما أن يكون غير متناه من كل الجهات ، ~~وإما أن يكون متناهيا في كل الجهات . وإما أن يكون متناهيا من بعض الجهات ~~دون البعض والكل باطل فالقول بكونه في المكان والحيز باطل قطعا . # بيان فساد القسم الأول : أنه يلزم أن تكون ذاته مخالطة لجميع الأجسام ~~السفلية والعلوية ، وأن تكون مخالطة للقاذورات والنجاسات ، وتعالى الله عنه ~~، وأيضا فعلى هذا التقدير : تكون السموات حالة في ذاته ، وتكون الأرض أيضا ~~حالة في ذاته . # إذا ثبت هذا فنقول : الشيء الذي هو محل السموات ، إما أن يكون هو عين ~~الشيء الذي هو محل الأرضين أو غيره ، فإن كان الأول لزم كون السموات ~~والأرضين حالتين في محل واحد من غير امتياز بين محليهما أصلا ، وكل حالين ~~حلا في محل واحد ، لم يكن أحدهما ممتازا عن الآخر ، فلزم أن يقال : ~~PageV14P083 السموات لا تمتاز عن الأرضين في الذات ، وذلك باطل ، وإن كان ~~الثاني : لزم أن تكون ذات الله تعالى مركبة من الأجزاء والأبعاض وهو محال . ~~والثالث : وهو أن ذات الله تعالى إذا كانت حاصلة في جميع الأحياز والجهات ، ~~فإما أن يقال : الشيء الذي حصل فوق هو / عين الشيء الذي حصل تحت ، فحينئذ ~~تكون الذات الواحدة قد حصلت دفعة واحدة في أحياز كثيرة ، وإن عقل ذلك فلم ~~لا يعقل أيضا حصول الجسم الواحد في أحياز كثيرة دفعة واحدة ؟ وهو محال في ~~بديهة العقل . وأما إن قيل : الشيء الذي حصل فوق غير الشيء الذي حصل تحت ، ~~فحينئذ يلزم حصول التركيب والتبعيض في ذات الله تعالى وهو محال . # وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : أنه تعالى متناه من كل الجهات . فنقول ~~: كل ما كان كذلك فهو قابل للزيادة والنقصان في بديهة العقل ، وكل ما كان ~~كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين ، لأجل تخصيص ms3978 مخصص ، وكل ما كان كذلك فهو ~~محدث ، وأيضا فإن جاز أن يكون الشيء المحدود من كل الجوانب قديما أزليا ~~فاعلا للعالم ، فلم لا يعقل أن يقال : خالق العالم هو الشمس ، أو القمر ، ~~أو كوكب آخر ، وذلك باطل باتفاق . # وأما القسم الثالث : وهو أن يقال : أنه متناه من بعض الجوانب ، وغير ~~متناه من سائر الجوانب ، فهذا أيضا باطل من وجوه : أحدها : أن الجانب الذي ~~صدق عليه كونه متناهيا غير ما صدق عليه كونه غير متناه ، وإلا لصدق ~~النقيضان معا وهو محال . وإذا حصل التغاير لزم كونه تعالى مركبا من الأجزاء ~~والأبعاض ، وثانيها : أن الجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه متناهيا ، ~~إما أن يكون مساويا للجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه غير متناه ، وإما ~~أن لا يكون كذلك ، والأول باطل ، لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ~~ما صح على واحد منها صح على الباقي ، وإذا كان كذلك : فالجانب للذي هو غير ~~متناه يمكن أن يصير متناهيا ، والجانب الذي هو متناه يمكن أن يصير غير ~~متناه ، ومتى كان الأمر كذلك كان النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفرق ~~والتمزق على ذاته ممكنا ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، وذلك على الإله ~~القديم محال ، فثبت أنه تعالى لو كان حاصلا في الحيز والجهة ، لكان إما أن ~~يكون غير متناه من كل الجهات . وإما أن يكون متناهيا من كل الجهات ، أو كان ~~متناهيا من بعض الجهات ، وغير متناه من سائر الجهات ، فثبت أن الأقسام ~~الثلاثة باطلة ، فوجب أن نقول القول بكونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة ~~محال . # والبرهان الثالث : لو كان الباري تعالى حاصلا في المكان والجهة ، لكان ~~الأمر المسمى بالجهة إما أن يكون موجودا مشارا إليه ، وإما أن لا يكون كذلك ~~، والقسمان باطلان ، فكان القول بكونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة باطلا . # أما بيان فساد القسم الأول : فلأنه لو كان المسمى بالحيز والجهة موجودا ~~مشارا إليه ، فحينئذ / يكون المسمى بالحيز والجهة بعدا وامتداد ، والحاصل ~~فيه أيضا يجب أن يكون له في نفسه بعد ms3979 وامتداد ، وإلا لامتنع حصوله فيه ، ~~وحينئذ يلزم تداخل البعدين ، وذلك محال للدلائل الكثيرة ، المشهورة في هذا ~~الباب ، وأيضا فيلزم من كون الباري تعالى قديما أزليا كون الحيز والجهة ~~أزليين ، وحينئذ يلزم أن يكون قد حصل في الأزل موجود قائم بنفسه سوى الله ~~تعالى ، وذلك بإجماع أكثر العقلاء باطل . PageV14P084 # وأما بيان فساد القسم الثاني : فهو من وجهين : أحدهما : أن العدم نفي محض ~~، وعدم صرف ، وما كان كذلك امتنع كونه ظرفا لغيره وجهة لغيره . وثانيهما : ~~أن كل ما كان حاصلا في جهة فجهته ممتازة في الحس عن جهة غيره ، فلو كانت ~~تلك الجهة عدما محضا لزم كون العدم المحض مشارا إليه بالحس ، وذلك باطل ، ~~فثبت أنه تعالى لو كان حاصلا في حيز وجهة لأفضى إلى أحد هذين القسمين ~~الباطين ، فوجب أن يكون القول به باطلا . # فإن قيل : فهذا أيضا وارد عليكم في قولكم : الجسم حاصل في الحيز والجهة . # فنقول : نحن على هذا الطريق لا نثبت للجسم حيزا ولا جهة أصلا ألبتة ، ~~بحيث تكون ذات الجسم نافدة فيه وسارية فيه ، بل المكان عبارة عن السطح ~~الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي ، وهذا المعنى ~~محال بالاتفاق في حق الله تعالى ، فسقط هذا السؤال . # البرهان الرابع : لو امتنع وجود الباري تعالى إلا بحيث يكون مختصا بالحيز ~~والجهة / لكانت ذات الباري مفتقرة في تحققها ووجودها إلى الغير ، وكل ما ~~كان كذلك فهو ممكن لذاته ينتج أنه لو امتنع وجود الباري إلا في الجهة ~~والحيز ، لزم كونه ممكنا لذاته ، ولما كان هذا محالا كان القول بوجوب حصوله ~~في الحيز محالا . # بيان المقام الأول : هو أنه لما امتنع حصول ذات الله تعالى ، إلا إذا كان ~~مختصا بالحيز والجهة . فنقول : لا شك أن الحيز والجهة أمر مغاير لذات الله ~~تعالى ، فحينئذ تكون ذات الله تعالى مفتقرة في تحققها إلى أمر يغايرها ، ~~وكل ما افتقر تحققه إلى ما يغايره ، كان ممكنا لذاته . والدليل عليه : أن ~~الواجب لذاته هو الذي لا يلزم من عدم غيره عدمه ، والمفتقر ms3980 إلى الغير هو ~~الذي يلزم من عدم غيره عدمه ، فلو كان الواجب لذاته مفتقرا إلى الغير لزم ~~أن يصدق عليه النقيضان ، وهو محال . فثبت أنه تعالى لو وجب حصوله في الحيز ~~لكان ممكنا لذاته ، لا واجبا لذاته ، وذلك محال . # والوجه الثاني : في تقرير هذه الحجة : هو أن الممكن محتاج إلى الحيز ~~والجهة . أما عند من يثبت الخلاء . فلا شك أن الحيز والجهة تتقرر مع عدم ~~التمكن ، وأما عند من ينفي الخلاء فلا ، لأنه وإن كان معتقدا أنه لا بد من ~~متمكن يحصل في الجهة ، إلا أنه لا يقول بأنه لابد لتلك الجهة من متمكن معين ~~، / بل أي شيء كان فقد كفى في كونه شاغلا لذلك الحيز . إذا ثبت هذا فلو كان ~~ذات الله تعالى مختصة بجهة وحيز لكانت ذاته مفتقرة إلى ذلك الحيز ، وكان ~~ذلك الحيز غنيا تحققه عن ذات الله تعالى . وحينئذ يلزم أن يقال : الحيز ~~واجب لذاته غني عن غيره وأن يقال ذات الله تعالى مفتقرة في ذاتها واجبة ~~بغيرها وذلك يقدح في قولنا : الإله تعالى واجب الوجود لذاته . # فإن قيل : الحيز والجهة ليس بأمر موجود حتى يقال ذات الله تعالى مفتقرة ~~إليه ومحتاجة إليه / # فنقول : هذا باطل قطعا لأن بتقدير أن يقال إن ذات الله تعالى مختصة بجهة ~~فوق فإنما نميز بحسب الحس بين تلك الجهة وبين سائر الجهات وما حصل فيه ~~الامتياز بحسب الحس كيف يعقل أن يقال إنه عدم محض ونفي صرف ؟ ولو جاز ذلك ~~لجاز مثله في كل المحسوسات وذلك يوجب حصول الشك في وجود كل PageV14P085 ~~المحسوسات ، وذلك لا يقوله عاقل . # البرهان الخامس : في تقرير أنه تعالى يمتنع كونه مختصا بالحيز والجهة . ~~نقول : الحيز والجهة لا معنى له إلا الفراغ المحض ، والخلاء الصرف ، وصريح ~~العقل يشهد أن هذا المفهوم مفهوم واحد لا اختلاف فيه ألبتة . وإذا كان ~~الأمر كذلك كانت الأحياز بأسرها متساوية في تمام الماهية . # وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان الإله تعالى مختصا بحيز ، لكان محدثا ، وهذا ~~محال ؛ فذاك محال . وبيان الملازمة ms3981 : أن الأحياز لما ثبت أنها بأسرها ~~متساوية ، فلو اختص ذات الله تعالى بحيز معين لكان اختصاصه به ، لأجل أن ~~مخصصا خصصه بذلك الحيز . وكل ما كان فعلا لفاعل مختار ، فهو محدث . فوجب أن ~~يكون اختصاص ذات الله بالحيز المعين محدثا ، فإذا كانت ذاته ممتنعة الخلو ~~عن الحصول في الحيز ، وثبت أن الحصول في الحيز محدث ، وبديهة العقل شاهدة ~~بأن ما لا يخلو عن المحدث فهو محدث ، لزم القطع بأنه لو كان حاصلا في الحيز ~~لكان محدثا ، ولما كان هذا محالا كان ذلك أيضا محالا . # فإن قالوا : الأحياز مختلفة بحسب أن بعضها علو وبعضها سفل ، فلم لا يجوز ~~أن يقال ذات الله تعالى مختصة بجهة علو ؟ فنقول : هذا باطل ، لأن كون بعض ~~تلك الجهات علو ، وبعضها سفلا ، أحوال لا تحصل ، إلا بالنسبة إلى وجود هذا ~~العالم ، فلما كان هذا العالم محدثا كان قبل حدوثه لا علو ولا سفل ولا يمين ~~ولا يسار ، بل ليس إلا الخلاء المحض ، وإذا كان الأمر كذلك ، فحينئذ يعود ~~الإلزام المذكور بتمامه ، وأيضا لو جاز القول بأن ذات الله تعالى مختصة ~~ببعض الأحياز على سبيل الوجوب ؟ فلم لا يعقل أيضا أن يقال : إن بعض الأجسام ~~اختص ببعض الأحياز على سبيل الوجوب ؟ وعلى ها التقدير ، فذلك اسم لا يكون ~~قابلا للحركة والسكون ، فلا يجري فيه / دليل حدوث الأجسام ، والقائل بهذا ~~القول ، لا يمكنه إقامة الدلالة على حدوث كل الأجسام بطريق الحركة والسكون ~~، والكرامية وافقونا على أن تجويز هذا يوجب الكفر . والله أعلم . # البرهان السادس : لو كان الباري تعالى حاصلا في الحيز والجهة لكان مشارا ~~إليه بحسب الحس وكل ما كان كذلك ، فإما أن لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه ~~وإما أن يقبل القسمة . # فإن قلنا : إنه تعالى يمكن أن يشار إليه بحسب الحس ، مع أنه لا يقبل ~~القسمة المقدارية ألبتة ، كان ذلك نقطة لا تنقسم ، وجوهرا فردا لا ينقسم ، ~~فكان ذلك في غاية الصغر والحقارة ، وهذا باطل بإجماع جميع العقلاء ، وذلك ~~لأن الذين ينكرون كونه تعالى في الجهة ms3982 ينكرون كونه تعالى كذلك ، والذين ~~يثبتون كونه تعالى في الجهة ينكرون كونه تعالى في الصغر والحقارة مثل الجزء ~~الذي لا يتجزأ ، فثبت أن هذا بإجماع العقلاء باطل ، وأيضا فلو جاز ذلك ، ~~فلم لا يعقل أن يقال : إله العالم جزء من ألف جزء من رأس إبرة ، أو ذرة ~~ملتصقة بذنب قملة ، أو نملة ؟ ومعلوم أن كل قول يفضي إلى مثل هذه الأشياء ، ~~فإن صريح العقل يوجب تنزيه الله تعالى عنه . # وأما القسم الثاني : وهو أنه يقبل القسمة ، فنقول : كل ما كان كذلك ، ~~فذاته مركبة وكل مركب فهو ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو مفتقر إلى ~~الموجد والمؤثر ، وذلك على الإله الواجب لذاته محال . PageV14P086 # البرهان السابع : أن نقول : كل ذات قائمة بنفسها مشارا إليها بحسب الحس ~~فهو منقسم وكل منقسم ممكن فكل ذات قائمة بنفسها مشار إليها بحسب الحس فهو ~~ممكن . فما لا يكون ممكنا لذاته بل كان واجبا لذاته امتنع كونه مشارا إليه ~~بحسب الحس . # أما المقدمة الأولى : فلأن كل ذات قائمة بالنفس مشار إليها بحسب الحس فلا ~~بد وأن يكون جانب يمينه مغايرا لجانب يساره وكل ماهو كذلك فهو منقسم . # وأما المقدمة الثانية : وهي أن كل منقسم ممكن فإنه يفتقر إلى كل واحد من ~~أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، وكل منقسم فهو مفتقر إلى غيره ، وكل ~~مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته . # واعلم أن المقدمة الأولى من مقدمات هذا الدليل إنما تتم بنفي الجوهر ~~الفرد . # البرهان الثامن : لو ثبت كونه تعالى في حيز لكان إما أن يكون أعظم من ~~العرش أو مساويا له أو أصغر منه فإن كان الأول كان منقسما لأن القدر الذي ~~منه يساوي العرش يكون مغايرا للقدر الذي يفضل على العرش وإن كان الثاني كان ~~منقسما لأن العرش منقسم والمساوي للمنقسم منقسم وإن كان الثالث ، فحينئذ ~~يلزم أن يكون العرش أعظم منه وذلك باطل بإجماع الأمة . أما عندنا / فظاهر ، ~~وأما عند الخصوم فلأنهم ينكرون كون غير الله تعالى أعظم من الله تعالى ، ~~فثبت أن هذا المذهب ms3983 باطل . # البرهان التاسع : لو كان الإله تعالى حاصلا في الحيز والجهة لكان إما أن ~~يكون متناهيا من كل الجوانب . وإما أن لا يكون كذلك والقسمان باطلان ، ~~فالقول بكونه حاصلا في الحيز والجهة باطل أيضا . أما بيان أنه لا يجوز أن ~~يكون متناهيا من كل الجهات ، فلأن على هذا التقدير يحصل فوقه أحياز خالية ، ~~وهو تعالى قادر على خلق الجسم في ذلك الحيز الخالي ، وعلى هذا التقدير لو ~~خلق هناك عالما آخر لحصل هو تعالى تحت العالم وذلك عند الخصم محال وأيضا ~~فقد كان يمكن أن يخلق من الجوانب الستة لتلك الذات أجساما أخرى ، وعلى هذا ~~التقدير فتحصل ذاته في وسط تلك الأجسام محصورة فيها ويحصل بينه وبين ~~الأجسام الاجتماع تارة والافتراق أخرى ، وكل ذلك على الله تعالى محال . # وأما القسم الثاني : وهو أن يكون غير متناه من بعض الجهات فهذا أيضا محال ~~، لأنه ثبت بالبرهان أنه يمتنع وجود بعد لا نهاية له ، وأيضا فعلى هذا ~~التقدير لا يمكن إقامة الدلالة على أن العالم متناه لأن كل دليل يذكر في ~~تناهي الأبعاد ، فإن ذلك الدليل ينتقض بذات الله تعالى فإنه على مذهب الخصم ~~بعد لا نهاية له ، وهو وإن كان لا يرضى بهذا اللفظ إلا أنه يساعد على ~~المعنى ، والمباحث العقلية مبنية على المعاني ، لا على المشاحة في الألفاظ ~~. # البرهان العاشر : لو كان الإله تعالى حاصلا في الحيز والجهة لكان كونه ~~تعالى هناك . إما أن يمنع من حصول جسم آخر هناك أو لا يمنع ، والقسمان ~~باطلان فبطل القول بكونه حاصلا في الحيز . # أما فساد القسم الأول : فلأنه لما كان كونه هناك مانعا من حصول جسم آخر ~~هناك . كان هو تعالى مساويا لسائر الأجسام في كونه حجما متحيزا ممتدا في ~~الحيز والجهة مانعا من حصول غيره في الحيز الذي هو فيه ، وإذا ثبت حصول ~~المساواة في ذلك المفهوم بينه وبين سائر الأجسام فإما أن يحصل بينه وبينها ~~مخالفة PageV14P087 من سائر الوجوه أو لا يحصل ، والأول باطل لوجهين : ~~الأول : أنه إذا حصلت المشاركة ms3984 بين ذاته تعالى وبين ذوات الأجسام من بعض ~~الوجوه ، والمخالفة من سائر الوجوه كان ما به المشاركة مغايرا لما به ~~المخالفة ، وحينئذ تكون ذات الباري تعالى مركبة من هذين الاعتبارين ، وقد ~~دللنا على أن كل مركب ممكن فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته هذا خلف . ~~والثاني : وهو أن ما به المشاركة وهو طبيعة البعد والامتداد . إما أن يكون ~~محلا لما به المخالفة . وإما أن يكون حالا فيه . وإما أن يقال : إنه لا محل ~~له ولا حالا فيه . أما الأول : وهو أن يكون محلا لما به / المخالفة ، فعلى ~~هذا التقدير طبيعة البعد والامتداد هي الجوهر القائم بنفسه ، والأمور التي ~~حصلت بها المخالفة أعراض وصفات ، وإذا كانت الذوات متساوية في تمام الماهية ~~فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على البواقي ، فعلى هذا التقدير كل ما صح ~~على جميع الأجسام ، وجب أن يصح على الباري تعالى وبالعكس ، ويلزم منه صحة ~~التفرق والتمزق والنمو والذبول والعفونة والفساد على ذات الله تعالى وكل ~~ذلك محال . # وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : ما به المخالفة محل وذات ، وما به ~~المشاركة حال وصفة فهذا محال ، لأن على هذا التقدير تكون طبيعة البعد ~~والامتداد صفة قائمة بمحل ، وذلك المحل إن كان له أيضا اختصاص بحيز وجهة ، ~~وجب افتقاره إلى محل آخر لا إلى نهاية ، وإن لم يكن كذلك فحينئذ يكون ~~موجودا مجردا لا تعلق له بالحيز والجهة والإشارة الحسية ألبتة ، وطبيعة ~~البعد والامتداد واجبة الاختصاص بالحيز والجهة والإشارة الحسية ، وحلول ما ~~هذا شأنه في ذلك المحل يوجب الجمع بين النقيضين وهو محال . # وأما القسم الثالث : وهو أن لا يكون أحدهما حالا في الآخر ولا محلا له . ~~فنقول : فعلى هذا التقدير يكون كل واحد منهما متباينا عن الآخر ، وعلى هذا ~~التقدير فتكون ذات الله تعالى مساوية لسائر الذوات الجسمانية في تمام ~~الماهية ، لأن ما به المخالفة بين ذاته وبين سائر الذوات ليست حالة في هذه ~~الذوات ، ولا محالا لها بل أمور أجنبية عنها فتكون ذات الله تعالى ms3985 مساوية ~~لذوات الأجسام في تمام الماهية ، وحينئذ يعود الإلزام المذكور ، فثبت أن ~~القول : بأن ذات الله تعالى مختصة بالحيز والجهة بحيث يمنع من حصول جسم آخر ~~في ذلك الحيز يفضي إلى هذه الأقسام الثاثلا الباطلة فوجب كونه باطلا . # وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن ذات الله تعالى وإن كانت مختصة ~~بالحيز والجهة ، إلا أنه لا يمنع من حصول جسم آخر في ذلك الحيز والجهة ، ~~فهذا أيضا محال لأنه يوجب كون ذاته مخالطة سارية في ذات ذلك الجسم الذي ~~يحصل في ذلك الجنب والحيز وذلك بالإجماع محال / ولأنه لو عقل ذلك فلم لا ~~يعقل حصول الأجسام الكثيرة في الحيز الواحد ؟ فثبت أنه تعالى لو كان حاصلا ~~في حيز لكان . إما أن يمنع حصول جسم آخر في ذلك الحيز أو لا يمنع ، وثبت ~~فساد القسمين ، فكان القول بحصوله تعالى في الحيز والجهة محالا باطلا . # البرهان الحادي عشر : على أنه يمتنع حصول ذات الله تعالى في الحيز والجهة ~~هو أن نقول : لو كان مختصا بحيز وجهة لكان . إما أن يكون بحيث يمكنه أن ~~يتحرك عن تلك الجهة أو لا يمكنه / ذلك ، والقسمان باطلان ، فبطل القول ~~بكونه حاصلا في الحيز . # أما القسم الأول : وهو أنه يمكنه أن يتحرك فنقول : هذه الذات لا تخلو عن ~~الحركة والسكون وهما PageV14P088 محدثان ، لأن على هذا التقدير السكون جائز ~~عليه والحركة جائزة عليه ، ومتى كان كذلك لم يكن المؤثر في تلك الحركة ولا ~~في ذلك السكون ذاته ، وإلا لامتنع طريان ضده والتقدير : هو تقدير أنه يمكنه ~~أن يتحرك وأن يسكن ، وإذا كان كذلك ان المؤثر في حصول تلك الحركة ، وذلك ~~السكون هو الفاعل المختار وكل ما كان فعلا لفاعل مختار فهو محدث ، فالحركة ~~والسكون محدثان وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث فيلزم أن تكون ذاته تعالى ~~محدثة وهو محال . # وأما القسم الثاني : وهو أنه يكون مختصا بحيز وجهة مع أنه لا يقدر أن ~~يتحرك عنه فهذا أيضا محال لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير يكون كالزمن ~~المقعد ms3986 العاجز ، وذلك نقص ، وهو على الله محال . والثاني : أنه لو لم يمتنع ~~فرض موجود حاصل في حيز معين بحيث يكون حصوله فيه واجب التقرر ممتنع الزوال ~~لم يبعد أيضا فرض أجسام أخرى مختصة بأحياز معينة بحيث يمتنع خروجها عن تلك ~~الأحياز ، وعلى هذا التقدير فلا يمكن إثبات حدوثها بدليل الحركة والسكون ، ~~والكرامية يساعدون على أنه كفر . والثالث : أنه تعالى لما كان حاصلا في ~~الحيز والجهة كان مساويا للأجسام في كونه متحيزا شاغلا للأحياز ، ثم نقيم ~~الدلالة المذكورة على أن المتحيزات لما كانت متساوية في صفة التحيز وجب ~~كونها متساوية في تمام الماهية ، لأنه لو خالف بعضها بعضا لكان ما به ~~المخالفة إما أن يكون حالا في المتحيز أو محلا له أو لا حالا ولا محلا ، ~~والأقسام الثلاثة باطلة على ما سبق . وإذا كانت متساوية في تمام الماهية ~~فكما أن الحركة صحيحة على هذه الأجسام وجب القول بصحتها على ذات الله تعالى ~~وحينئذ يتم الدليل . # الحجة الثانية عشرة : لو كان تعالى مختصا بحيز معين لكنا إذا فرضنا وصول ~~إنسان إلى طرف ذلك الشيء وحاول الدخول فيه . فإما أن يمكنه النفوذ والدخول ~~فيه أو لا يمكنه ذلك ، فإن كان الأول كان كالهواء اللطيف ، والماء اللطيف ، ~~وحينئذ يكون قابلا للتفرق والتمزق وإن كان الثاني كان صلبا كالحجر الصلد ~~الذي لا يمكنه النفوذ فيه ، فثبت أنه تعالى لو كان مختصا بمكان وحيز وجهة ~~لكان إما أن يكون رقيقا سهل التفرق والتمزق كالماء والهواء ، وإما أن يكون ~~صلبا جاسئا كالحجر الصلد ، وقد أجمع المسلمون على أن إثبات هاتين الصفتين ~~في حق الإله كفر وإلحاد في صفته ، وأيضا فبتقدير أن يكون مختصا بمكان وجهة ~~، لكان إما أن يكون نورانيا وظلمانيا ، وجمهور المشبهة يعتقدون أنه نور محض ~~، لاعتقادهم أن النور شريف والظلمة خسيسة ، إلا أن / الاستقراء العام دل ~~على أن الأشياء النورانية رقيقة لا تمنع النافذ من النفوذ فيها ، والدخول ~~فيما بين أجزائها ، وعلى هذا التقدير فإن ذلك الذي ينفذ فيه يمتزج به ويفرق ~~بين أجزائه ويكون ms3987 ذلك الشيء جاريا مجرى الهواء الذي يتصل تارة وينفصل أخرى ~~. ويجتمع تارة ويتمزق أخرى ، وذلك مما لا يليق بالمسلم أن يصف إله العالم ~~به ، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال أن خالق العالم هو بعض هذه الرياح ~~التي تهب ؟ أو يقال إنه بعض هذه الأنوار والأضواء التي تشرق على الجدران ؟ ~~والذين يقولون إنه لا يقبل التفرق والتمزق ولا يتمكن النافذ من النفوذ فإنه ~~يرجع حاصل كلامهم إلى أنه حصل فوق العالم جبل صلب شديد وإله هذا العالم هو ~~ذلك الجبل الصلب الواقف في الحيز العالي ، وأيضا فإن كان له طرف وحد ونهاية ~~فهل حصل لذلك الشيء عمق وثخن أو لم يحصل ؟ فإن كان الأول فحينئذ يكون ظاهره ~~غير باطنه وباطنه غير ظاهره ، فكان مؤلفا مركبا من الظاهر والباطن مع أن ~~باطنه غير ظاهره وظاهره غير باطنه ، وإن كان الثاني PageV14P089 فحينئذ ~~يكون ذاته سطحا رقيقا في غاية الرقة مثل قشرة الثوم بل أرق منه ألف ألف مرة ~~، والعاقل لا يرضى أن يجعل مثل هذا الشيء إله العالم ، فثبت أن كونه تعالى ~~في الحيز والجهة يفضي إلى فتح باب هذه الأقسام الباطلة الفاسدة . # الحجة الثالثة عشرة : العالم كرة ، وإذا كان الأمر كذلك امتنع أن يكون ~~إله العالم حاصلا في جهة فوق . # أما المقام الأول : فهو مستقصي في علم الهيئة إلا أنا نقول أنا إذا ~~اعتبرنا كسوفا قمريا حصل في أول الليل بالبلاد الغربية كان عين ذلك الكسوف ~~حاصلا في البلاد الشرقية في أول النهار ، فعلمنا أن أول الليل بالبلاد ~~الغربية هو بعينه أول النهار بالبلاد الشرقية ، وذلك لا يمكن إلا إذا كانت ~~الأرض مستديرة من المشرق إلى المغرب ، وأيضا إذا توجهنا إلى الجانب الشمالي ~~فكلما كان توغلنا أكثر ، كان ارتفاع القطب الشمالي أكثر وبمقدار ما يرتفع ~~القطب الشمالي ينخفض القطب الجنوبي وذلك يدل على أن الأرض مستديرة من ~~الشمال إلى الجنوب ، ومجموع هذين الاعتبارين يدل على أن الأرض كرة . # وإذا ثبت هذا فنقول : إذا فرضنا إنسانين وقف أحدهما على نقطة ms3988 المشرق ~~والأخر على نقطة المغرب صار أخمص قدميهما متقابلين ، والذي هو فوق بالنسبة ~~إلى أحدهما يكون تحت بالنسبة إلى الثاني ، فلو فرضنا أن إله العالم حصل في ~~الحيز الذي فوق بالنسبة إلى أحدهما ، فذلك الحيز بعينه هو تحت بالنسبة إلى ~~الثاني ، وبالعكس فثبت أنه تعالى لو حصل في حيز معين لكان ذلك الحيز تحتا / ~~بالنسبة إلى أقوام معينين ، وكونه تعالى تحت أهل الدنيا محال بالاتفاق ، ~~فوجب أن لا يكون حاصلا في حيز معين ، وأيضا فعلى هذا التقدير أنه كلما كان ~~فوق بالنسبة إلى أقوام كان تحت بالنسبة إلى أقوام آخرين ، وكان يمينا ~~بالنسبة إلى ثالث ، وشمالا بالنسبة إلى رابع ، وقدام الوجه بالنسبة إلى ~~خامس ، وخلق الرأس بالنسبة إلى سادس ، فإن كون الأرض كرة يوجب ذلك إلا أن ~~حصول هذه الأحوال بإجماع العقلاء محال في حق إله العالم إلا إذا قيل إنه ~~محيط بالأرض من جميع الجوانب فيكون هذا فلكا محيطا بالأرض وحاصله يرجع إلى ~~أن إله العالم هو بعض الأفلاك المحيطة بهذا العالم ، وذلك لا يقوله مسلم ، ~~والله أعلم . # الحجة الرابعة عشرة : لو كان إله العالم فوق العرش لكان إما أن يكون ~~مماسا للعرش ، أو مباينا له ببعد متناه أو ببعد غير متناه ، والأقسام ~~الثلاثة باطلة ، فالقول بكونه فرق العرش باطل . # أما بيان فساد القسم الأول : فهو أن بتقدير أن يصير مماسا للعرش كان ~~الطرف الأسفل منه مماسا للعرش ، فهل يبقى فوق ذلك الطرف منه شيء غير مماس ~~للعرش أو لم يبق ؟ فإن كان الأول فالشيء الذي منه صار مماسا لطرف العرش غير ~~ما هو منه غير مماس لطرف العرش ، فيلزم أن يكون ذات الله تعالى مركبا من ~~الأجزاء والأبعاض فتكون ذاته في الحقيقة مركبة من سطوح متلاقية موضوعة ~~بعضها فوق بعض ، وذلك هو القول بكونه جسما مركبا من الأجزاء والأبعاض وذلك ~~محال ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون ذات الله تعالى سطحا رقيقا لا ثخن له ~~أصلا ، ثم يعود التقسيم فيه ، وهو أنه إن حصل له تمدد في اليمين والشمال ms3989 ~~والقدام والخلف كان مركبا من الأجزاء والأبعاض / وإن لم يكن له تمدد ولا ~~ذهاب في الأحياز بحسب الجهات الستة كان ذرة من الذرات وجزءا لا يتجزأ ~~مخلوطا بالهباآت ، وذلك لا يقوله عاقل . PageV14P090 # وأما القسم الثاني : وهو أن يقال بينه وبين العالم بعد متناه ، فهذا أيضا ~~محال ، لأن على هذا التقدير لا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه إلى الجهة ~~التي فيها حصلت ذات الله تعالى إلى أن يصير العالم مماسا له ، وحينئذ يعود ~~المحال المذكور في القسم الأول . # وأما القسم الثالث : وهو أن يقال أنه تعالى مباين للعالم بينونة غير ~~متناهية ، فهذا أظهر فسادا من كل الأقسام لأنه تعالى لما كان مباينا للعالم ~~كانت البينونة بينه تعالى وبين غيره محدودة بطرفين وهما ذات الله تعالى ~~وذات العالم ، ومحصورا بين هذين الحاصرين ، والبعد المحصور بين الحاصرين ~~والمحدود بين الحدين والطرفين يمتنع كونه بعدا غير متناه . # فإن قيل : أليس أنه تعالى متقدم على العالم من الأزل إلى الأبد ، فتقدمه ~~على العالم محصور بين / حاصرين ومحدود بين حدين وطرفين أحدهما : الأزل ، ~~والثاني : أول وجود العالم ولم يلزم من كون هذا التقدم محصورا بين حاصرين ~~أن يكون لهذا التقدم أول وبداية ، فكذا ههنا ، وهذا هو الذي عول عليه محمد ~~بن الهيثم في دفع هذا الإشكال عن هذا القسم . # والجواب : أن هذا هو محض المغالطة ، لأنه ليس الأزل عبارة عن وقت معين ~~وزمان معين حتى يقال إنه تعالى متقدم على العالم من ذلك الوقت إلى الوقت ~~الذي هو أول العالم ، فإن كل وقت معين يفرض من ذلك الوقت إلى الوقت الآخر ~~يكون محدودا بين حدين ومحصورا بين حاصرين ، وذلك لا يعقل فيه أن يكون غير ~~متناه . بل الأزل عبارة عن نفي الأولية من غير أن يشار به إلى وقت معين ~~ألبتة . # إذا عرفت هذا فنقول : إما أن نقول أنه تعالى مختص بجهة معينة ، وحاصل في ~~حيز معين وإما أن لا نقول ذلك ، فإن قلنا بالأول كان البعد الحاصل بين ذينك ~~الطرفين محدودا بين ذينك الحدين ms3990 والبعد المحصور بين الحاصرين لا يعقل كونه ~~غير متناه ، لأن كونه غير متناه عبارة عن عدم الحد والقطع والطرف ، وكونه ~~محصورا بين الحاصرين معناه إثبات الحد والقطع والطرف والجمع بينهما يوجب ~~الجمع بين النقيضين ، وهو محال . ونظيره ما ذكرناه أنا متى عينا قبل العالم ~~وقتا معينا كان البعد بينه وبين الوقت الذي حصل فيه أول العالم بعدا ~~متناهيا لا محالة . وأما إن قلنا بالقسم الثاني : وهو أنه تعالى غير مختص ~~بحيز معين وغير حاصل في جهة معينة ، فهذا عبارة عن نفي كونه في الجهة . لأن ~~كون الذات المعينة حاصلة لا في جهة معينة في نفسها قول محال ، ونظير هذا ~~قول من يقول الأزل ليس عبارة عن وقت معين بل إشارة إلى نفي الأولية والحدوث ~~، فظهر أن هذا الذي قاله ابن الهيثم تخييل خال عن التحصيل . # الحجة الخامسة عشرة : إنه ثبت في العلوم العقلية أن المكان : إما السطح ~~الباطن من الجسم الحاوي . وإما البعد المجرد والفضاء الممتد ، وليس يعقل في ~~المكان قسم ثالث . # إذا عرفت هذا فنقول : إن كان المكان هو الأول . فنقول : ثبت أن أجسام ~~العالم متناهية ، فخارج العالم الجسماني لا خلاء ولا ملاء ولا مكان ولا جهة ~~، فيمتنع أن يحصل الإله في مكان خارج العالم ، وإن كان المكان هو الثاني ، ~~فنقول طبيعة البعد طبيعة واحدة متشابهة في تمام الماهية ، فلو حصل الإله في ~~حيز لكان ممكن الحصول في سائر الأحياز ، وحينئذ يصح عليه الحركة والسكون ~~وكل ما كان كذلك كان محدثا PageV14P091 بالدلائل المشهورة المذكورة في علم ~~الأصول ، وهي مقبولة عند جمهور المتكلمين ، فيلزم كون الإله محدثا ، وهو ~~محال . فثبت أن القول بأنه تعاى حاصل في الحيز والجهة / قول باطل على كل ~~الاعتبارات . # فإن قالوا : الأحياز مختلفة بحسب أن بعضها علو وبعضها سفل / فلم لا يجوز ~~أن يقال ذات الله تعالى مختصة بجهة علو ؟ فنقول : هذا باطل ، لأن كون بعض ~~تلك الجهات علو ، وبعضها سفلا ، أحوال لا تحصل ، إلا بالنسبة إلى وجود هذا ~~العالم ، فلما كان هذا العالم محدثا كان ms3991 قبل حدوثه لا علو ولا سفل ولا يمين ~~ولا يسار ، بل ليس إلا الخلاء المحض ، وإذا كان الأمر كذلك ، فحينئذ يعود ~~الإلزام المذكور بتمامه ، وأيضا لو جاز القول بأن ذات الله تعالى مختصة ~~ببعض الأحياز على سبيل الوجوب ؟ فلم لا يعقل أيضا أن يقال : إن بعض الأجسام ~~اختص ببعض الأحياز على سبيل الوجوب ؟ وعلى ها التقدير ، فذلك اسم لا يكون ~~قابلا للحركة والسكون ، فلا يجري فيه / دليل حدوث الأجسام ، والقائل بهذا ~~القول ، لا يمكنه إقامة الدلالة على حدوث كل الأجسام بطريق الحركة والسكون ~~، والكرامية وافقونا على أن تجويز هذا يوجب الكفر . والله أعلم . # البرهان السادس : لو كان الباري تعالى حاصلا في الحيز والجهة لكان مشارا ~~إليه بحسب الحس وكل ما كان كذلك ، فإما أن لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه ~~وإما أن يقبل القسمة . # فإن قلنا : إنه تعالى يمكن أن يشار إليه بحسب الحس ، مع أنه لا يقبل ~~القسمة المقدارية ألبتة ، كان ذلك نقطة لا تنقسم ، وجوهرا فردا لا ينقسم ، ~~فكان ذلك في غاية الصغر والحقارة ، وهذا باطل بإجماع جميع العقلاء ، وذلك ~~لأن الذين ينكرون كونه تعالى في الجهة ينكرون كونه تعالى كذلك ، والذين ~~يثبتون كونه تعالى في الجهة ينكرون كونه تعالى في الصغر والحقارة مثل الجزء ~~الذي لا يتجزأ ، فثبت أن هذا بإجماع العقلاء باطل ، وأيضا فلو جاز ذلك ، ~~فلم لا يعقل أن يقال : إله العالم جزء من ألف جزء من رأس إبرة ، أو ذرة ~~ملتصقة بذنب قملة ، أو نملة ؟ ومعلوم أن كل قول يفضي إلى مثل هذه الأشياء ، ~~فإن صريح العقل يوجب تنزيه الله تعالى عنه . # وأما القسم الثاني : وهو أنه يقبل القسمة ، فنقول : كل ما كان كذلك ، ~~فذاته مركبة وكل مركب فهو ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فهو مفتقر إلى ~~الموجد والمؤثر ، وذلك على الإله الواجب لذاته محال . # البرهان السابع : أن نقول : كل ذات قائمة بنفسها مشارا إليها بحسب الحس ~~فهو منقسم وكل منقسم ممكن فكل ذات قائمة بنفسها مشار إليها بحسب الحس فهو ~~ممكن . فما لا ms3992 يكون ممكنا لذاته بل كان واجبا لذاته امتنع كونه مشارا إليه ~~بحسب الحس . # أما المقدمة الأولى : فلأن كل ذات قائمة بالنفس مشار إليها بحسب الحس فلا ~~بد وأن يكون جانب يمينه مغايرا لجانب يساره وكل ماهو كذلك فهو منقسم . # وأما المقدمة الثانية : وهي أن كل منقسم ممكن فإنه يفتقر إلى كل واحد من ~~أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، وكل منقسم فهو مفتقر إلى غيره ، وكل ~~مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته . # واعلم أن المقدمة الأولى من مقدمات هذا الدليل إنما تتم بنفي الجوهر ~~الفرد . # البرهان الثامن : لو ثبت كونه تعالى في حيز لكان إما أن يكون أعظم من ~~العرش أو مساويا له أو أصغر منه فإن كان الأول كان منقسما لأن القدر الذي ~~منه يساوي العرش يكون مغايرا للقدر الذي يفضل على العرش وإن كان الثاني كان ~~منقسما لأن العرش منقسم والمساوي للمنقسم منقسم وإن كان الثالث ، فحينئذ ~~يلزم أن يكون العرش أعظم منه وذلك باطل بإجماع الأمة . أما عندنا / فظاهر ، ~~وأما عند الخصوم فلأنهم ينكرون كون غير الله تعالى أعظم من الله تعالى ، ~~فثبت أن هذا المذهب باطل . # البرهان التاسع : لو كان الإله تعالى حاصلا في الحيز والجهة لكان إما أن ~~يكون متناهيا من كل الجوانب . وإما أن لا يكون كذلك والقسمان باطلان ، ~~فالقول بكونه حاصلا في الحيز والجهة باطل أيضا . أما بيان أنه لا يجوز أن ~~يكون متناهيا من كل الجهات ، فلأن على هذا التقدير يحصل فوقه أحياز خالية / ~~وهو تعالى قادر على خلق الجسم في ذلك الحيز الخالي ، وعلى هذا التقدير لو ~~خلق هناك عالما آخر لحصل هو تعالى تحت العالم وذلك عند الخصم محال وأيضا ~~فقد كان يمكن أن يخلق من الجوانب الستة لتلك الذات أجساما أخرى ، وعلى هذا ~~التقدير فتحصل ذاته في وسط تلك الأجسام محصورة فيها ويحصل بينه وبين ~~الأجسام الاجتماع تارة والافتراق أخرى ، وكل ذلك على الله تعالى محال . # وأما القسم الثاني : وهو أن يكون غير متناه من بعض الجهات فهذا أيضا ms3993 محال ~~، لأنه ثبت بالبرهان أنه يمتنع وجود بعد لا نهاية له ، وأيضا فعلى هذا ~~التقدير لا يمكن إقامة الدلالة على أن العالم متناه لأن كل دليل يذكر في ~~تناهي الأبعاد ، فإن ذلك الدليل ينتقض بذات الله تعالى فإنه على مذهب الخصم ~~بعد لا نهاية له ، وهو وإن كان لا يرضى بهذا اللفظ إلا أنه يساعد على ~~المعنى ، والمباحث العقلية مبنية على المعاني ، لا على المشاحة في الألفاظ ~~. # البرهان العاشر : لو كان الإله تعالى حاصلا في الحيز والجهة لكان كونه ~~تعالى هناك . إما أن يمنع من حصول جسم آخر هناك أو لا يمنع ، والقسمان ~~باطلان فبطل القول بكونه حاصلا في الحيز . # أما فساد القسم الأول : فلأنه لما كان كونه هناك مانعا من حصول جسم آخر ~~هناك . كان هو تعالى مساويا لسائر الأجسام في كونه حجما متحيزا ممتدا في ~~الحيز والجهة مانعا من حصول غيره في الحيز الذي هو فيه ، وإذا ثبت حصول ~~المساواة في ذلك المفهوم بينه وبين سائر الأجسام فإما أن يحصل بينه وبينها ~~مخالفة من سائر الوجوه أو لا يحصل ، والأول باطل لوجهين : الأول : أنه إذا ~~حصلت المشاركة بين ذاته تعالى وبين ذوات الأجسام من بعض الوجوه ، والمخالفة ~~من سائر الوجوه كان ما به المشاركة مغايرا لما به المخالفة ، وحينئذ تكون ~~ذات الباري تعالى مركبة من هذين الاعتبارين ، وقد دللنا على أن كل مركب ~~ممكن فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته هذا خلف . والثاني : وهو أن ما ~~به المشاركة وهو طبيعة البعد والامتداد . إما أن يكون محلا لما به المخالفة ~~. وإما أن يكون حالا فيه . وإما أن يقال : إنه لا محل له ولا حالا فيه . ~~أما الأول : وهو أن يكون محلا لما به / المخالفة ، فعلى هذا التقدير طبيعة ~~البعد والامتداد هي الجوهر القائم بنفسه ، والأمور التي حصلت بها المخالفة ~~أعراض وصفات ، وإذا كانت الذوات متساوية في تمام الماهية فكل ما صح على ~~بعضها وجب أن يصح على البواقي ، فعلى هذا التقدير كل ما صح على جميع ~~الأجسام ، وجب أن ms3994 يصح على الباري تعالى وبالعكس ، ويلزم منه صحة التفرق ~~والتمزق والنمو والذبول والعفونة والفساد على ذات الله تعالى وكل ذلك محال ~~. # وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : ما به المخالفة محل وذات ، وما به ~~المشاركة حال وصفة فهذا محال ، لأن على هذا التقدير تكون طبيعة البعد ~~والامتداد صفة قائمة بمحل ، وذلك المحل إن كان له أيضا اختصاص بحيز وجهة ، ~~وجب افتقاره إلى محل آخر لا إلى نهاية ، وإن لم يكن كذلك فحينئذ يكون ~~موجودا مجردا لا تعلق له بالحيز والجهة والإشارة الحسية ألبتة ، وطبيعة ~~البعد والامتداد واجبة الاختصاص بالحيز والجهة والإشارة الحسية ، وحلول ما ~~هذا شأنه في ذلك المحل يوجب الجمع بين النقيضين وهو محال . # وأما القسم الثالث : وهو أن لا يكون أحدهما حالا في الآخر ولا محلا له . ~~فنقول : فعلى هذا التقدير يكون كل واحد منهما متباينا عن الآخر ، وعلى هذا ~~التقدير فتكون ذات الله تعالى مساوية لسائر الذوات الجسمانية في تمام ~~الماهية ، لأن ما به المخالفة بين ذاته وبين سائر الذوات ليست حالة في هذه ~~الذوات ، ولا محالا لها بل أمور أجنبية عنها فتكون ذات الله تعالى مساوية ~~لذوات الأجسام في تمام الماهية / وحينئذ يعود الإلزام المذكور ، فثبت أن ~~القول : بأن ذات الله تعالى مختصة بالحيز والجهة بحيث يمنع من حصول جسم آخر ~~في ذلك الحيز يفضي إلى هذه الأقسام الثاثلا الباطلة فوجب كونه باطلا . # وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن ذات الله تعالى وإن كانت مختصة ~~بالحيز والجهة ، إلا أنه لا يمنع من حصول جسم آخر في ذلك الحيز والجهة ، ~~فهذا أيضا محال لأنه يوجب كون ذاته مخالطة سارية في ذات ذلك الجسم الذي ~~يحصل في ذلك الجنب والحيز وذلك بالإجماع محال ، ولأنه لو عقل ذلك فلم لا ~~يعقل حصول الأجسام الكثيرة في الحيز الواحد ؟ فثبت أنه تعالى لو كان حاصلا ~~في حيز لكان . إما أن يمنع حصول جسم آخر في ذلك الحيز أو لا يمنع ، وثبت ~~فساد القسمين ، فكان القول بحصوله تعالى في الحيز والجهة ms3995 محالا باطلا . # البرهان الحادي عشر : على أنه يمتنع حصول ذات الله تعالى في الحيز والجهة ~~هو أن نقول : لو كان مختصا بحيز وجهة لكان . إما أن يكون بحيث يمكنه أن ~~يتحرك عن تلك الجهة أو لا يمكنه / ذلك ، والقسمان باطلان ، فبطل القول ~~بكونه حاصلا في الحيز . # أما القسم الأول : وهو أنه يمكنه أن يتحرك فنقول : هذه الذات لا تخلو عن ~~الحركة والسكون وهما محدثان ، لأن على هذا التقدير السكون جائز عليه ~~والحركة جائزة عليه ، ومتى كان كذلك لم يكن المؤثر في تلك الحركة ولا في ~~ذلك السكون ذاته ، وإلا لامتنع طريان ضده والتقدير : هو تقدير أنه يمكنه أن ~~يتحرك وأن يسكن ، وإذا كان كذلك ان المؤثر في حصول تلك الحركة ، وذلك ~~السكون هو الفاعل المختار وكل ما كان فعلا لفاعل مختار فهو محدث ، فالحركة ~~والسكون محدثان وما لا يخلو عن المحدث فهو محدث فيلزم أن تكون ذاته تعالى ~~محدثة وهو محال . # وأما القسم الثاني : وهو أنه يكون مختصا بحيز وجهة مع أنه لا يقدر أن ~~يتحرك عنه فهذا أيضا محال لوجهين : الأول : أن على هذا التقدير يكون كالزمن ~~المقعد العاجز ، وذلك نقص ، وهو على الله محال . والثاني : أنه لو لم يمتنع ~~فرض موجود حاصل في حيز معين بحيث يكون حصوله فيه واجب التقرر ممتنع الزوال ~~لم يبعد أيضا فرض أجسام أخرى مختصة بأحياز معينة بحيث يمتنع خروجها عن تلك ~~الأحياز ، وعلى هذا التقدير فلا يمكن إثبات حدوثها بدليل الحركة والسكون ، ~~والكرامية يساعدون على أنه كفر . والثالث : أنه تعالى لما كان حاصلا في ~~الحيز والجهة كان مساويا للأجسام في كونه متحيزا شاغلا للأحياز ، ثم نقيم ~~الدلالة المذكورة على أن المتحيزات لما كانت متساوية في صفة التحيز وجب ~~كونها متساوية في تمام الماهية ، لأنه لو خالف بعضها بعضا لكان ما به ~~المخالفة إما أن يكون حالا في المتحيز أو محلا له أو لا حالا ولا محلا ، ~~والأقسام الثلاثة باطلة على ما سبق . وإذا كانت متساوية في تمام الماهية ~~فكما أن الحركة صحيحة ms3996 على هذه الأجسام وجب القول بصحتها على ذات الله تعالى ~~وحينئذ يتم الدليل . # الحجة الثانية عشرة : لو كان تعالى مختصا بحيز معين لكنا إذا فرضنا وصول ~~إنسان إلى طرف ذلك الشيء وحاول الدخول فيه . فإما أن يمكنه النفوذ والدخول ~~فيه أو لا يمكنه ذلك ، فإن كان الأول كان كالهواء اللطيف ، والماء اللطيف ، ~~وحينئذ يكون قابلا للتفرق والتمزق وإن كان الثاني كان صلبا كالحجر الصلد ~~الذي لا يمكنه النفوذ فيه ، فثبت أنه تعالى لو كان مختصا بمكان وحيز وجهة ~~لكان إما أن يكون رقيقا سهل التفرق والتمزق كالماء والهواء ، وإما أن يكون ~~صلبا جاسئا كالحجر الصلد ، وقد أجمع المسلمون على أن إثبات هاتين الصفتين ~~في حق الإله كفر وإلحاد في صفته ، وأيضا فبتقدير أن يكون مختصا بمكان وجهة ~~، لكان إما أن يكون نورانيا وظلمانيا ، وجمهور المشبهة يعتقدون أنه نور محض ~~، لاعتقادهم أن النور شريف والظلمة خسيسة / إلا أن / الاستقراء العام دل ~~على أن الأشياء النورانية رقيقة لا تمنع النافذ من النفوذ فيها ، والدخول ~~فيما بين أجزائها ، وعلى هذا التقدير فإن ذلك الذي ينفذ فيه يمتزج به ويفرق ~~بين أجزائه ويكون ذلك الشيء جاريا مجرى الهواء الذي يتصل تارة وينفصل أخرى ~~. ويجتمع تارة ويتمزق أخرى ، وذلك مما لا يليق بالمسلم أن يصف إله العالم ~~به ، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال أن خالق العالم هو بعض هذه الرياح ~~التي تهب ؟ أو يقال إنه بعض هذه الأنوار والأضواء التي تشرق على الجدران ؟ ~~والذين يقولون إنه لا يقبل التفرق والتمزق ولا يتمكن النافذ من النفوذ فإنه ~~يرجع حاصل كلامهم إلى أنه حصل فوق العالم جبل صلب شديد وإله هذا العالم هو ~~ذلك الجبل الصلب الواقف في الحيز العالي ، وأيضا فإن كان له طرف وحد ونهاية ~~فهل حصل لذلك الشيء عمق وثخن أو لم يحصل ؟ فإن كان الأول فحينئذ يكون ظاهره ~~غير باطنه وباطنه غير ظاهره ، فكان مؤلفا مركبا من الظاهر والباطن مع أن ~~باطنه غير ظاهره وظاهره غير باطنه ، وإن كان الثاني ms3997 فحينئذ يكون ذاته سطحا ~~رقيقا في غاية الرقة مثل قشرة الثوم بل أرق منه ألف ألف مرة ، والعاقل لا ~~يرضى أن يجعل مثل هذا الشيء إله العالم ، فثبت أن كونه تعالى في الحيز ~~والجهة يفضي إلى فتح باب هذه الأقسام الباطلة الفاسدة . # الحجة الثالثة عشرة : العالم كرة ، وإذا كان الأمر كذلك امتنع أن يكون ~~إله العالم حاصلا في جهة فوق . # أما المقام الأول : فهو مستقصي في علم الهيئة إلا أنا نقول أنا إذا ~~اعتبرنا كسوفا قمريا حصل في أول الليل بالبلاد الغربية كان عين ذلك الكسوف ~~حاصلا في البلاد الشرقية في أول النهار ، فعلمنا أن أول الليل بالبلاد ~~الغربية هو بعينه أول النهار بالبلاد الشرقية ، وذلك لا يمكن إلا إذا كانت ~~الأرض مستديرة من المشرق إلى المغرب ، وأيضا إذا توجهنا إلى الجانب الشمالي ~~فكلما كان توغلنا أكثر ، كان ارتفاع القطب الشمالي أكثر وبمقدار ما يرتفع ~~القطب الشمالي ينخفض القطب الجنوبي وذلك يدل على أن الأرض مستديرة من ~~الشمال إلى الجنوب ، ومجموع هذين الاعتبارين يدل على أن الأرض كرة . # وإذا ثبت هذا فنقول : إذا فرضنا إنسانين وقف أحدهما على نقطة المشرق ~~والأخر على نقطة المغرب صار أخمص قدميهما متقابلين ، والذي هو فوق بالنسبة ~~إلى أحدهما يكون تحت بالنسبة إلى الثاني ، فلو فرضنا أن إله العالم حصل في ~~الحيز الذي فوق بالنسبة إلى أحدهما ، فذلك الحيز بعينه هو تحت بالنسبة إلى ~~الثاني ، وبالعكس فثبت أنه تعالى لو حصل في حيز معين لكان ذلك الحيز تحتا / ~~بالنسبة إلى أقوام معينين ، وكونه تعالى تحت أهل الدنيا محال بالاتفاق ، ~~فوجب أن لا يكون حاصلا في حيز معين ، وأيضا فعلى هذا التقدير أنه كلما كان ~~فوق بالنسبة إلى أقوام كان تحت بالنسبة إلى أقوام آخرين ، وكان يمينا ~~بالنسبة إلى ثالث ، وشمالا بالنسبة إلى رابع ، وقدام الوجه بالنسبة إلى ~~خامس ، وخلق الرأس بالنسبة إلى سادس ، فإن كون الأرض كرة يوجب ذلك إلا أن ~~حصول هذه الأحوال بإجماع العقلاء محال في حق إله العالم إلا إذا قيل إنه ms3998 ~~محيط بالأرض من جميع الجوانب فيكون هذا فلكا محيطا بالأرض وحاصله يرجع إلى ~~أن إله العالم هو بعض الأفلاك المحيطة بهذا العالم ، وذلك لا يقوله مسلم ، ~~والله أعلم . # الحجة الرابعة عشرة : لو كان إله العالم فوق العرش لكان إما أن يكون ~~مماسا للعرش ، أو مباينا له ببعد متناه أو ببعد غير متناه ، والأقسام ~~الثلاثة باطلة ، فالقول بكونه فرق العرش باطل . # أما بيان فساد القسم الأول : فهو أن بتقدير أن يصير مماسا للعرش كان ~~الطرف الأسفل منه مماسا للعرش ، فهل يبقى فوق ذلك الطرف منه شيء غير مماس ~~للعرش أو لم يبق ؟ فإن كان الأول فالشيء الذي منه صار مماسا لطرف العرش غير ~~ما هو منه غير مماس لطرف العرش ، فيلزم أن يكون ذات الله تعالى مركبا من ~~الأجزاء والأبعاض فتكون ذاته في الحقيقة مركبة من سطوح متلاقية موضوعة ~~بعضها فوق بعض ، وذلك هو القول بكونه جسما مركبا من الأجزاء والأبعاض وذلك ~~محال ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون ذات الله تعالى سطحا رقيقا لا ثخن له ~~أصلا ، ثم يعود التقسيم فيه ، وهو أنه إن حصل له تمدد في اليمين والشمال ~~والقدام والخلف كان مركبا من الأجزاء والأبعاض ، وإن لم يكن له تمدد ولا ~~ذهاب في الأحياز بحسب الجهات الستة كان ذرة من الذرات وجزءا لا يتجزأ ~~مخلوطا بالهباآت ، وذلك لا يقوله عاقل . # وأما القسم الثاني : وهو أن يقال بينه وبين العالم بعد متناه ، فهذا أيضا ~~محال ، لأن على هذا التقدير لا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه إلى الجهة ~~التي فيها حصلت ذات الله تعالى إلى أن يصير العالم مماسا له ، وحينئذ يعود ~~المحال المذكور في القسم الأول . # وأما القسم الثالث : وهو أن يقال أنه تعالى مباين للعالم بينونة غير ~~متناهية ، فهذا أظهر فسادا من كل الأقسام لأنه تعالى لما كان مباينا للعالم ~~كانت البينونة بينه تعالى وبين غيره محدودة بطرفين وهما ذات الله تعالى ~~وذات العالم ، ومحصورا بين هذين الحاصرين ، والبعد المحصور بين الحاصرين ~~والمحدود بين الحدين والطرفين يمتنع كونه ms3999 بعدا غير متناه . # فإن قيل : أليس أنه تعالى متقدم على العالم من الأزل إلى الأبد ، فتقدمه ~~على العالم محصور بين / حاصرين ومحدود بين حدين وطرفين أحدهما : الأزل ، ~~والثاني : أول وجود العالم ولم يلزم من كون هذا التقدم محصورا بين حاصرين ~~أن يكون لهذا التقدم أول وبداية ، فكذا ههنا ، وهذا هو الذي عول عليه محمد ~~بن الهيثم في دفع هذا الإشكال عن هذا القسم . # والجواب : أن هذا هو محض المغالطة ، لأنه ليس الأزل عبارة عن وقت معين ~~وزمان معين حتى يقال إنه تعالى متقدم على العالم من ذلك الوقت إلى الوقت ~~الذي هو أول العالم ، فإن كل وقت معين يفرض من ذلك الوقت إلى الوقت الآخر ~~يكون محدودا بين حدين ومحصورا بين حاصرين ، وذلك لا يعقل فيه أن يكون غير ~~متناه . بل الأزل عبارة عن نفي الأولية من غير أن يشار به إلى وقت معين ~~ألبتة . # إذا عرفت هذا فنقول : إما أن نقول أنه تعالى مختص بجهة معينة ، وحاصل في ~~حيز معين وإما أن لا نقول ذلك ، فإن قلنا بالأول كان البعد الحاصل بين ذينك ~~الطرفين محدودا بين ذينك الحدين والبعد المحصور بين الحاصرين لا يعقل كونه ~~غير متناه ، لأن كونه غير متناه عبارة عن عدم الحد والقطع والطرف ، وكونه ~~محصورا بين الحاصرين معناه إثبات الحد والقطع والطرف والجمع بينهما يوجب ~~الجمع بين النقيضين ، وهو محال . ونظيره ما ذكرناه أنا متى عينا قبل العالم ~~وقتا معينا كان البعد بينه وبين الوقت الذي حصل فيه أول العالم بعدا ~~متناهيا لا محالة . وأما إن قلنا بالقسم الثاني : وهو أنه تعالى غير مختص ~~بحيز معين وغير حاصل في جهة معينة ، فهذا عبارة عن نفي كونه في الجهة . لأن ~~كون الذات المعينة حاصلة لا في جهة معينة في نفسها قول محال ، ونظير هذا ~~قول من يقول الأزل ليس عبارة عن وقت معين بل إشارة إلى نفي الأولية والحدوث ~~، فظهر أن هذا الذي قاله ابن الهيثم تخييل خال عن التحصيل . # الحجة الخامسة عشرة : إنه ثبت في ms4000 العلوم العقلية أن المكان : إما السطح ~~الباطن من الجسم الحاوي . وإما البعد المجرد والفضاء الممتد ، وليس يعقل في ~~المكان قسم ثالث . # إذا عرفت هذا فنقول : إن كان المكان هو الأول . فنقول : ثبت أن أجسام ~~العالم متناهية ، فخارج العالم الجسماني لا خلاء ولا ملاء ولا مكان ولا جهة ~~، فيمتنع أن يحصل الإله في مكان خارج العالم / وإن كان المكان هو الثاني ، ~~فنقول طبيعة البعد طبيعة واحدة متشابهة في تمام الماهية ، فلو حصل الإله في ~~حيز لكان ممكن الحصول في سائر الأحياز ، وحينئذ يصح عليه الحركة والسكون ~~وكل ما كان كذلك كان محدثا بالدلائل المشهورة المذكورة في علم الأصول ، وهي ~~مقبولة عند جمهور المتكلمين ، فيلزم كون الإله محدثا ، وهو محال . فثبت أن ~~القول بأنه تعاى حاصل في الحيز والجهة / قول باطل على كل الاعتبارات . # الحجة السادسة عشرة : وهي حجة استقرائية اعتبارية لطيفة جدا ، وهي أنا ~~رأينا أن الشيء كلما كان حصول معنى الجسمية فيه أقوى وأثبت ، كانت القوة ~~الفاعلية فيه أضعف وأنقص ، وكلما كان حصول معنى الجسمية فيه أقل وأضعف ، ~~كان حصول القوة الفاعلية أقوى وأكمل ، وتقريره أن نقول وجدنا الأرض أكثف ~~الأجسام وأقواها حجمية ، فلا جرم لم يحصل فيها إلا خاصة قبول الأثر فقط ، ~~فأما أن يكون للأرض الخالصة تأثير في غيره فقليل جدا . وأما الماء فهو أقل ~~كثافة وحجمية من الأرض ، فلا جرم حصلت فيه قوة مؤثرة ، فإن الماء الجاري ~~بطبعه إذا اختلط بالأرض أثر فيها أنواعا من التأثيرات . وأما الهواء ، فإنه ~~أقل حجمية وكثافة من الماء ، فلا جرم كان أقوى على التأثير من الماء ، ~~فلذلك قال بعضهم أن الحياة لا تكمل إلا بالنفس ، وزعموا أنه لا معنى للروح ~~إلا الهواء المستنشق . وأما النار ، فإنها أقل كثافة من الهواء ، فلا جرم ~~كانت أقوى الأجسام العنصرية على التأثير فبقوة الحرارة يحصل الطبخ والنضج ، ~~وتكون المواليد الثلاثة أعني المعادن والنبات والحيوان . وأما الأفلاك ، ~~فإنها ألطف من الأجرام العنصرية ، فلا جرم كانت هي المستولية على مزاج ~~الأجرام العنصرية بعضها البعض ، وتوليد الأنواع والأصناف ms4001 المختلفة من تلك ~~التمزيجات ، فهذا الاستقراء المطرد يدل على أن الشيء كلما كان أكثر حجمية ~~وجرمية وجسمية كان أقل قوة وتأثيرا وكلما كان أقوى قوة وتأثيرا كان أقل ~~حجمية وجرمية وجسمية ، وإذا كان الأمر كذلك أفاد هذا الاستقراء ظنا قويا ~~أنه حيث حصل كمال القوة والقدرة على الإحداث والإبداع لم يحصل هناك ألبتة ~~معنى الحجمية والجرمية والاختصاص بالحيز والجهة ، وهذا وإن كان بحثا ~~استقرائيا إلا أنه عند التأمل التام شديد المناسبة للقطع بكونه تعالى منزها ~~عن الجسمية والموضع والحيز . وبالله التوفيق . فهذه جملة الوجوه العقلية في ~~بيان كونه تعالى منزها عن الاختصاص بالحيز والجهة . # أما الدلائل السمعية فكثيرة : أولها : قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ( ~~الإخلاص : 1 ) فوصفه بكونه أحدا والأحد مبالغة في كونه واحدا . والذي ~~يمتلىء منه العرش ويفضل عن العرش يكون مركبا من أجزاء كثيرة جدا فوق أجزاء ~~العرش ، وذلك ينافي كونه أحدا ورأيت جماعة من الكرامية عند هذا الإلزام ~~يقولون أنه تعالى ذات واحدة ، ومع كونها واحدة حصلت في كل هذه الأحياز دفعة ~~واحدة . قالوا : فلأجل أنه حصل دفعة واحدة في جميع الأحياز امتلأ العرش منه ~~. فقلت حاصل هذا الكلام يرجع إلى أنه يجوز حصول الذات الشاغلة للحيز والجهة ~~في أحياز كثيرة دفعة واحدة / والعقلاء اتفقوا على أن العلم بفساد ذلك من ~~أجل العلوم لضرورية ، وأيضا فإن جوزتم ذلك فلم لا تجوزون أن يقال : إن جميع ~~العالم من العرش إلى ما تحت الثرى جوهر واحد وموجود واحد إلا أن ذلك الجزء ~~الذي لا يتجزأ حصل في جملة هذه الأحياز ، فيظن أنها أشياء كثيرة ، ومعلوم ~~أن من جوزه ، فقد التزم منكرا من القول عظيما . # فإن قالوا : إنما عرفنا ههنا حصول التغاير بين هذه الذوات لأن بعضها يفنى ~~مع بقاء الباقي . وذلك يوجب التغاير ، وأيضا فنرى بعضها متحركا ، وبعضها ~~ساكنا والمتحرك غير الساكن ، فوجب القول بالتغاير ، وهذه المعاني غير حاصلة ~~في ذات الله / فظهر الفرق ، فنقول : أما قولك بأنا نشاهد أن هذا الجزء يبقى ~~مع أنه PageV14P092 يفنى ذلك الجزء ms4002 الآخر ، وذلك يوجب التغاير . فنقول : لا ~~نسلم أنه فني شيء من الأجزاء بل نقول لم لا يجوز أن يقال أن جميع أجزاء ~~العالم جزء واحد فقط ؟ ثم إنه حصل ههنا وهناك ، وأيضا حصل موصوفا بالسواد ~~والبياض وجميع الألوان والطعوم ، فالذي يفنى إنما هو حصوله هناك ، فأما أن ~~يقال إنه فني في نفسه ، فهذا غير مسلم ، وأما قوله : نرى بعض الأجسام ~~متحركا وبعضها ساكنا ، وذلك يوجب التغاير ، لأن الحركة والسكون لا يجتمعان ~~. فنقول : إذا حكمنا بأن الحركة والسكون لا يجتمعان لاعتقادنا أن الجسم ~~الواحد لا يحصل دفعة واحدة في حيزين ، فإذا رأينا أن الساكن بقي هنا ، وأن ~~المتحرك ليس هنا قضينا أن المتحرك غير الساكن . وأما بتقدير أن يجوز كون ~~الذات الواحدة حاصلة في حيزين دفعة واحدة ، ل يمتنع كون الذات الواحدة ~~متحركة ساكنة معا ، لأن أقصى ما في الباب أن بسبب السكون بقي هنا ، وبسبب ~~الحركة حصل في الحيز الآخر ، إلا أنا لما جوزنا أن تحصل الذات الواحدة دفعة ~~واحدة في حيزين معا لم يبعد أن تكون الذات الساكنة هي عين الذات المتحركة ، ~~فثبت أنه لو جاز أن يقال إنه تعالى في ذاته واحد لا يقبل القسمة ، ثم مع ~~ذلك يمتلىء العرش منه ، لم يبعد أيضا أن يقال : العرش في نفسه جوهر فرد ~~وجزء لا يتجزأ ، ومع ذلك فقد حصل في كل تلك الأحياز ، وحصل منه كل العرش ~~ومعلوم أن تجويزه يفضي إلى فتح باب الجهالات . وثانيها : أنه تعالى قال : { ~~ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ( الحاقة : 17 ) فلو كان إله العالم في ~~العرش ، لكان حامل العرش حاملا للإله ، فوجب أن يكون الإله محمولا حاملا ، ~~ومحفوظا حافظا ، وذلك لا يقوله عاقل . وثالثها : أنه تعالى قال : { والله ~~الغنى } ( محمد : 38 ) حكم بكونه غنيا على الإطلاق ، وذلك يوجب كونه تعالى ~~غنيا عن المكان والجهة . ورابعها : أن فرعون لما طلب حقيقة الإله تعالى من ~~موسى عليه السلام ولم يزد موسى عليه السلام على ذكر صفة الخلاقية ثلاث مرات ~~، فإنه لما قال : { وما رب ms4003 العالمين } ( الشعراء : 23 ) ففي المرة الأولى ~~قال : { رب * السماوات والارض * وما بينهما إن كنتم موقنين } ( الدخان : 7 ~~) وفي الثانية قال : { ربكم ورب ءابائكم الاولين } ( الشعراء : 26 ) وفي ~~المرة الثالثة : { قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } ( ~~الشعراء : 28 ) وكل ذلك إشارة إلى الخلاقية ، وأما فرعون لعنه الله فإنه ~~قال : { فرعون ياهامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الاسباب * أسباب * السماوات * ~~فأطلع إلى إلاه موسى } ( غافر : 36 ، 37 ) فطلب الإله في السماء ، فعلمنا ~~أن وصف الإله بالخلاقية ، وعدم وصفه بالمكان والجهة دين موسى ، وسائر جميع ~~الأنبياء ، وجميع وصفه تعالى بكونه في السماء دين فرعون وإخوانه من الكفرة ~~. وخامسها : أنه تعالى قال في هذه الآية : { إن ربكم الله الذى خلق * ~~السماوات والارض * في ستة أيام ثم استوى على العرش } وكلمة ( ثم ) للتراخي ~~وهذا يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد تخليق السموات والأرض ، ~~فإن كان المراد من الاستواء الاستقرار ، لزم أن يقال : إنه ما كان مستقرا ~~على العرش ، بل كان معوجا مضطربا ، ثم استوى عليه بعد ذلك ، وذلك يوجب وصفه ~~بصفات سائر الأجسام من الاضطراب والحركة تارة ، والسكون أخرى ، وذلك لا ~~يقوله عاقل . وسادسها : هو أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه إنما ~~طعن في إلهية الكوكب والقمر والشمس بكونها آفلة غاربة فلو كان إله العالم ~~جسما / لكان أبدا غاربا آفلا . وكان منتقلا من الاضطراب والاعوجاج إلى ~~الاستواء والسكون والاستقرار ، فكل ما جعله إبراهيم عليه السلام طعنا في ~~إلهية الشمس والكوكب والقمر يكون حاصلا في إله العالم ، فكيف يمكن الاعتراف ~~بإلهيته . وسابعها : أنه تعالى ذكر قبل قوله : { ثم استوى على العرش } شيئا ~~وبعده شيئا آخر . أما الذي ذكره قبل هذه الكلمة فهو قوله : { إن ربكم الله ~~الذى خلق * السماوات والارض } PageV14P093 وقد بينا أن خلق السموات والأرض ~~يدل على وجود الصانع وقدرته وحكمته من وجوه كثيرة . وأما الذي ذكره بعد هذه ~~الكلمة فأشياء : أولها : قوله : { يغشى * إن ربكم الله الذى } وذلك أحد ~~الدلائل الدالة على وجود الله ، وعلى قدرته ms4004 وحكمته . وثانيها : قوله : { ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } وهو أيضا من الدلائل الدالة على ~~الوجود والقدرة والعلم . وثالثها : قوله : { ألا له الخلق والامر } وهو ~~أيضا إشارة إلى كمال قدرته وحكمته . # إذا ثبت هذا فنقول : أول الآية إشارة إلى ذكر ما يدل على الوجود والقدرة ~~والعلم ، وآخرها يدل أيضا على هذا المطلوب ، وإذ كان الأمر كذلك فقوله : { ~~ثم استوى على العرش } وجب أن يكون أيضا دليلا على كمال القدرة والعلم ، ~~لأنه لو لم يدل عليه بل كان المراد كونه مستقرا على العرش كان ذلك كلاما ~~أجنبيا عما قبله وعما بعده ، فإن كونه تعالى مستقرا على العرش لا يمكن جعله ~~دليلا على كماله في القدرة والحكمة وليس أيضا من صفات المدح والثناء ، لأنه ~~تعالى قادر على أن يجلس / جميع أعداد البق والبعوض على العرش وعلى ما فوق ~~العرش ، فثبت أن كونه جالسا على العرش ليس من دلائل إثبات الصفات والذات ~~ولا من صفات المدح والثناء ، فلو كان المراد من قوله : { ثم استوى على ~~العرش } كونه جالسا على العرش لكان ذلك كلاما أجنبيا عما قبله وعما بعده ، ~~وهذا يوجب نهاية الركاكة ، فثبت أن المراد منه ليس ذلك ، بل المراد منه ~~كمال قدرته في تدابير الملك والملكوت حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ~~ولما بعدها وهو المطلوب . وثامنها : أن السماء عبارة عن كل ما ارتفع وسما ~~وعلا ، والدليل عليه أنه تعالى سمى السحاب سماء حيث قال : { وينزل عليكم من ~~السماء ماء ليطهركم به } ( الأنفال : 11 ) وإذا كان الأمر كذلك ، فكل ماله ~~ارتفاع وعلو وسمو كان سماء ، فلو كان إله العالم موجودا فوق العرش ، لكان ~~ذات الإله تعالى سماء لساكني العرش . فثبت أنه تعالى لو كان فوق العرش لكان ~~سماء والله تعالى حكم بكونه خالقا لكل السموات في آيات كثيرة منها هذه ~~الآية وهو قوله : { إن ربكم الله الذى خلق * السماوات والارض } فلو كان فوق ~~العرش سماء لسكان أهل العرش لكان خالقا لنفسه وذلك محال . # وإذا ثبت هذا فنقول : قوله : { الذى خلق * السماوات والارض ms4005 } آية محكمة ~~دالة على أن قوله : { ثم استوى على العرش } من المتشابهات التي يجب تأويلها ~~، وهذه نكتة لطيفة ، ونظير هذا أنه تعالى قال في أول سورة الأنعام : { وهو ~~الله فى * السماوات } ( الأنعام : 3 ) ثم قال بعده بقليل : { قل لمن ما فى ~~* السماوات والارض * قل لله } ( الأنعام : 12 ) فدلت هذه الآية المتأخرة ~~على أن كل ما في السموات ، فهو ملك لله فلو كان الله في السموات لزم كونه ~~ملكا لنفسه ، وذلك محال فكذا ههنا ، فثبت بمجموع هذه الدلائل العقلية ~~والنقلية أنه لا يمكن حمل قوله : { ثم استوى على العرش } على الجلوس ~~والاستقرار وشغل المكان والحيز / وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهبان : ~~الأول : أن نقطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل ~~الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى الله ، وهو الذي قررناه في تفسير قوله ~~: { وما يعلم تأويله إلا الله والرسخون في العلم يقولون ءامنا به } ( آل ~~عمران : 7 ) وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه . # والقول الثاني : أن نخوض في تأويله على التفصيل ، وفيه قولان ملخصان : ~~الأول : ما ذكره القفال رحمة الله عليه فقال : { العرش } في كلامهم هو ~~السرير الذي يجلس عليه الملوك ، ثم جعل العرش كناية عن PageV14P094 نفس ~~الملك ، يقال : ثل عرشه أي انتفض ملكه وفسد . وإذا استقام له ملكه واطرد ~~أمره وحكمه قالوا : استوى على عرشه ، واستقر على سرير ملكه ، هذا ما قاله ~~القفال . وأقول : إن الذي قاله حق وصدق وصواب ، ونظيره قولهم للرجل الطويل ~~: فلان طويل النجاد وللرجل الذي يكثر / الضيافة كثير الرماد ، وللرجل الشيخ ~~فلان اشتعل رأسه شيبا ، وليس المراد في شيء من هذه الألفاظ إجراؤها على ~~ظواهرها ، إنما المراد منها تعريف المقصود على سبيل الكناية فكذا ههنا يذكر ~~الاستواء على العرش ، والمراد نفاذ القدرة وجريان المشيئة ، ثم قال القفال ~~رحمه الله تعالى : والله تعالى لما دل على ذاته وعلى صفاته وكيفية تدبيره ~~العالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم ورؤسائهم استقر في قلوبهم عظمة الله ~~وكمال جلاله ، إلا أن كل ms4006 ذلك مشروط بنفي التشبيه ، فإذا قال : إنه عالم ~~فهموا منه أنه لا يخفى عليه تعالى شيء ، ثم علموا بعقولهم أنه لم يحصل ذلك ~~العلم بفكرة ولا روية ولا باستعمال حاسة ، وإذا قال : قادر علموا منه أنه ~~متمكن من إيجاد الكائنات ، وتكوين الممكنات ، ثم علموا بعقولهم أنه غني في ~~ذلك الإيجاد ، والتكوين عن الآلات والأدوات ، وسبق المادة والمدة والفكرة ~~والروية ، وهكذا القول في كل صفاته ، وإذا أخبر أن له بيتا يجب على عباده ~~حجة فهموا منه أنه نصب لهم موضعا يقصدونه لمسألة ربهم وطلب حوائجهم كما ~~يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب ، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه ~~، وإنه لم يجعل ذلك البيت مسكنا لنفسه ، ولم ينتفع به في دفع الحر والبرد ~~بعينه عن نفسه ، فإذا أمرهم بتحميده وتمجيده فهموا منه أنه أمرهم بنهاية ~~تعظيمه ، ثم علموا بعقولهم أنه لا يفرح بذلك التحميد والتعظيم ولا يغتم ~~بتركه والإعراض عنه . # إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض كما ~~أراد وشاء من غير منازع ولا مدافع ، ثم أخبر بعده أنه استوى على العرش ، أي ~~حصل له تدبير المخلوقات على ما شاء وأراد ، فكان قوله : { ثم استوى على ~~العرش } أي بعد أن خلقها استوى على عرش الملك والجلال . ثم قال القفال : ~~والدليل على أن هذا هو المراد قوله في سورة يونس : { إن ربكم الله الذى خلق ~~* السماوات والارض * فى ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الامر } ( يونس : ~~3 ) فقوله : { يدبر الامر } جرى مجرى التفسير لقوله : { استوى على العرش } ~~وقال في هذه الآية التي نحن في تفسيرها : { ثم استوى على العرش يغشى إن ~~ربكم الله الذى خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على } وهذا يدل ~~على أن قوله : { ثم استوى على العرش } إشارة إلى ما ذكرناه . # فإن قيل : فإذا حملتم قوله : { ثم استوى على العرش } على أن المراد : ~~استوى على الملك ، وجب أن يقال : الله لم يكن مستويا قبل خلق السموات ~~والأرض . # قلنا : إنه تعالى إنما كان قبل ms4007 خلق العوالم قادرا على تخليقها وتكوينها . ~~وما كان مكونا ولا موجودا لها بأعيانها بالفعل ، لأن إحياء زيد ، وإماتة ~~عمرو ، وإطعام هذا وإرواء ذلك لا يحصل / إلا عند هذه الأحوال ، فإذا فسرنا ~~العرش بالملك والملك بهذه الأحوال ، صح أن يقال : إنه تعالى إنما استوى على ~~ملكه بعد خلق السموات والأرض بمعنى أنه إنما ظهر تصرفه في هذه الأشياء ~~وتدبيره لها بعد خلق السموات والأرض ، وهذا جواب حق صحيح في هذا الموضع . ~~PageV14P095 # والوجه الثاني : في الجواب أن يقال : استوى بمعنى . استولى ، وهذا الوجه ~~قد أطلنا في شرحه في سورة طه فلا نعيده هنا . # والوجه الثالث : أن نفسر العرش بالملك ونفسر استوى بمعنى : علا واستعلى ~~على الملك فيكون المعنى : أنه تعالى استعلى على الملك بمعنى أن قدرته نفذت ~~في ترتيب الملك والملكوت ، واعلم أنه تعالى ذكر قوله : { استوى على العرش } ~~في سور سبع . إحداها : ههنا . وثانيها : في يونس . وثالثها : في الرعد . ~~ورابعها : في طه . وخامسها : في الفرقان . وسادسها : في السجدة . وسابعها : ~~في الحديد ، وقد ذكرنا في كل موضع فوائد كثيرة ، فمن ضم تلك الفوائد بعضها ~~إلى بعض كثرت وبلغت مبلغا كثيرا وافيا بإزالة شبه التشبيه عن القلب والخاطر ~~. # أما قوله : { إن ربكم الله الذى خلق } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية ~~حفص { يغشى } بتخفيف الغين وفي الرعد هكذا ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ~~برواية أبي بكر بالتشديد ، وفي الرعد هكذا . قال الواحدي رحمه الله : ~~الإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء ، وقد جاء التنزيل بالتشديد والتخفيف ~~، فمن التشديد قوله تعالى : { فغشاها ما غشى } ( النجم : 54 ) ومن اللغة ~~الثانية قوله : { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } ( يس : 9 ) والمفعول الثاني ~~محذوف على معنى فأغشيناهم العمى وفقد الرؤية . # المسألة الثانية : قوله : { إن ربكم الله الذى خلق } يحتمل أن يكون ~~المراد يلحق الليل بالنهار ، وأن يكون المراد النهار بالليل ، واللفظ ~~يحتملهما معا وليس فيه تغيير ، والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس { وهو ~~الذى مد } بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار أي ms4008 يدرك النهار الليل ويطلبه ~~قال القفال رحمه الله : أنه سبحانه لما أخبر عباده باستوائه على العرش عن ~~استمرار أصعب المخلوقات على وفق مشيئته ، أراهم ذلك عيانا فيما يشاهدونه ~~منها ليضم العيان إلى الخبر ، وتزول الشبه عن كل الجهات ، فقال : { يغشى * ~~وهو الذى } لأنه تعالى أخبر في هذا الكتاب الكريم بما في تعاقب الليل ~~والنهار من المنافع العظيمة ، والفوائد الجليلة ، فإن بتعاقبهما يتم أمر ~~الحياة ، وتكمل المنفعة والمصلحة . # المسألة الثالثة : قوله : { يطلبه حثيثا } قال الليث : الحث : الإعجال ، ~~يقال : حثثت فلانا فأحتث ، فهو حثيث ومحثوث ، أي مجد سريع . # / واعلم أنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة والشدة ، وذلك هو الحق ، لأن ~~تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم ، وتلك الحركة أشد ~~الحركات سرعة ، وأكملها شدة ، حتى أن الباحثين عن أحوال الموجودات . قالوا ~~: الإنسان إذا كان في العدو الشديد الكامل ، فإلى أن يرفع رجله ويضعها ~~يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل ، وإذا كان الأمر كذلك كانت تلك الحركة ~~في غاية الشدة والسرعة ، فلهذا السبب قال تعالى : { يطلبه حثيثا } ونظير ~~هذه الآية قوله سبحانه : { لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا اليل سابق ~~النهار وكل فى فلك يسبحون } ( يس : 40 ) فشبه ذلك السير وتلك الحركة ~~بالسباحة في الماء ، والمقصود : التنبيه على سرعتها وسهولتها وكمال إيصالها ~~. PageV14P096 # ثم قال تعالى : { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { والشمس والقمر والنجوم مسخرات } بالرفع ~~على معنى الابتداء والباقون بالنصب على معنى وجعل الشمس والقمر ، قال ~~الواحدي والنصب هو الوجه لقوله تعالى : { واسجدوا لله الذى خلقهن } ( فصلت ~~: 37 ) فكما صرح في هذه الآية أنه سخر الشمس والقمر كذلك يجب أن يحمل على ~~أنه خلقها في قوله : { إن ربكم الله الذى خلق * السماوات والارض * والشمس ~~والقمر والنجوم } وهذا النصف على الحال أي خلق هذه الأشياء حال كونها ~~موصوفة بهذه الصفات والآثار والأفعال وحجة ابن عامر قوله تعالى : { وسخر ~~لكم ما فى * السماوات وما في الارض } ( الجاثية : 13 ) ومن جملة ما في ~~السماء الشمس والقمر ms4009 فلما أخبر أنه تعالى سخرها حسن الأخبار عنها بأنها ~~مسخرة كما أنك إذا قلت ضربت زيدا استقام أن تقول زيد مضروب . # المسألة الثانية : في هذه الآية لطائف : فالأولى : أن الشمس لها نوعان من ~~الحركة : # أحد النوعين : حركتها بحسب ذاتها وهي إنما تتم في سنة كاملة وبسبب هذه ~~الحركة تحصل السنة . # والنوع الثاني : حركتها بسبب حركة الفلك الأعظم وهذه الحركة تتم في اليوم ~~بليلة . # إذا عرفت هذا فنقول : الليل والنهار لا يحصل بسبب حركة الشمس وإنما يحصل ~~بسبب حركة السماء الأقصى التي يقال لها العرش فهذا السبب لما ذكر العرش ~~بقوله : { ثم استوى على العرش } ربط به قوله : { وهو الذى مد } تنبيها على ~~أن سبب حصول الليل والنهار هو حركة الفلك الأقصى لا حركة الشمس والقمر وهذه ~~دقيقة عجيبة . والثانية : أنه تعالى لما شرح كيفية تخليق السموات . قال : { ~~فقضاهن سبع * سماوات * فى يومين وأوحى فى كل سماء أمرها } ( فصلت : 12 ) ~~فدلت تلك الآية على أنه سبحانه خص كل ذلك بلطيفة نورانية ربانية من عالم ~~الأمر . # / ثم قال بعده : { ألا له الخلق والامر } وهو إشارة إلى أن كل ما سوى ~~الله تعالى أما من عالم الخالق أو من عالم الأمر ، أما الذي هو من عالم ~~الخلق ، فالخلق عبارة عن التقدير ، وكل ما كان جسما أو جسمانيا كان مخصوصا ~~بمقدار معين ، فكان من عالم الخلق ، وكل ما كان بريئا عن الحجمية والمقدار ~~كان من عالم الأرواح ومن عالم الأمر ، فدل على أنه سبحانه خص كل واحد من ~~أجرام الأفلاك والكواكب التي هي من عالم الخلق بملك من الملائكة ، وهم من ~~عالم الأمر والأحاديث الصحيحة مطابقة لذلك ، وهي ما روي في الأخبار أن لله ~~ملائكة يحركون الشمس والقمر عند الطلوع وعند الغروب ، وكذا القول في سائر ~~الكواكب ، وأيضا قوله سبحانه : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ( ~~الحاقة : 17 ) إشارة إلى أن الملائكة الذين يقومون بحفظ العرش ثمانية ، ثم ~~إذا دققت النظر علمت أن عالم الخلق في تسخير الله وعالم الأمر في تدبير ~~الله واستيلاء ms4010 الروحانيات على الجسمانيات بتقدير الله فلهذا المعنى قال : { ~~ألا له الخلق والامر } . # ثم قال بعده : { تبارك الله رب العالمين } والبركة لها تفسيران : أحدهما ~~: البقاء والثبات والثاني : كثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة وكلا ~~التفسيرين لا يليق إلا بالحق سبحانه ، فإن حملته على الثبات والدوام ، ~~فالثابت والدائم هو الله تعالى لأنه الموجود الواجب لذاته العالم لذاته ~~القائم بذاته الغني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه ، فهو ~~سبحانه مقطع الحاجات ومنهى الافتقارات وهو غني عن كل ما سواه PageV14P097 ~~في جميع الأمور وأيضا إن فسرنا البركة بكثرة الآثار الفاضلة فالكل بهذا ~~التفسير من الله تعالى / لأن الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته ~~والواجب لذاته ليس إلا هو ، وكل ما سواه ممكن ، وكل ممكن فلا يوجد إلا ~~بإيجاد الواجب لذاته وكل الخيرات منه وكل الكمالات فائضة من وجوده وإحسانه ~~، فلا خير إلا منه ولا إحسان إلا من فيضه ، ولا رحمة إلا وهي حاصلة منه ، ~~فلما كان الخلق والأمر ليس إلا منه ، لا جرم كان الثناء المذكور بقوله : { ~~فتبارك الله رب العالمين } ( غافر : 64 ) لا يليق إلا بكبريائه وكمال فضله ~~ونهاية جوده ورحمته . # المسألة الثالثة : كون الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه يحتمل ~~وجوها : أحدها : أنا قد دللنا في هذا الكتاب العالي الدرجة أن الأجسام ~~متماثلة ومتى كان كذلك ، كان اختصاص جسم الشمس بذلك النور المخصوص والضوء ~~الباهر والتسخير الشديد والتأثير القاهر والتدبيرات العجيبة في العالم ~~العلوي والسفلي ، لا بد وأن يكون لأجل أن الفاعل الحكيم والمقدر العليم خص ~~ذلك الجسم بهذه الصفات وهذه الأحوال ، فجسم كل واحد من الكواكب والنيرات ~~كالمسخر في قبول تلك القوى والخواص ، عن قدرة المدبر الحكيم ، الرحيم ~~العليم . وثانيها : أن يقال / إن لكل واحد من أجرام الشمس والقمر والكواكب ~~، سيرا خاصا بطيئا من المغرب إلى المشرق وسيرا آخر سريعا بسبب حركة الفلك ~~الأعظم ، فالحق سبحانه خص جرم الفلك الأعظم بقوة سارية في أجرام سائر ~~الأفلاك باعتبارها صارت مستولية عليها ، قادرة على تحريكها على سبيل القهر ~~من المشرق ms4011 إلى المغرب فأجرام الأفلاك والكواكب صارت كالمسخرة لهذا القهر ~~والقسر ولفظ الآية مشعر بذلك لأنه لما ذكر العرش بقوله : { ثم استوى على ~~العرش } رتب عليه حكمين : أحدهما : قوله : { وهو الذى مد } تنبيها على أن ~~حدوث الليل والنهار إنما يحصل بحركة العرش . والثاني : قوله : { والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره } تنبيها على أن الفلك الأعظم الذي هو العرش ~~يحرك الأفلاك والكواكب على خلاف طبعها من المشرق إلى المغرب وأنه تعالى ~~أودع في جرم العرش قوة قاهرة باعتبارها قوى على قهر جميع الأفلاك والكواكب ~~وتحريكها على خلاف مقتضى طبائعها ، فهذه أبحاث معقولة ولفظ القرآن مشعر بها ~~والعلم عند الله . وثانيها : أن أجسام العالم على ثلاثة أقسام ، منها ما هي ~~متحركة إلى الوسط وهي الثقال . ومنها ما هي متحركة عن الوسط ، وهي الخفاف ، ~~ومنها ما هي متحركة عن الوسط ، وهي الأجرام الفلكية الكوكبية ، فإنها ~~مستديرة حول الوسط فكون الأفلاك والكواكب مستديرة حول مركز الأرض لا عنه ~~ولا إليه ، لا يكون إلا بتسخير الله وتدبيره ، حيث خص كل واحد من هذه ~~الأجسام بخاصة معينة وصفة معينة وقوة مخصوصة فلهذا السبب قال : { والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره } ورابعها : أن الثوابت تتحرك في كل ستة ~~وثلاثين ألف سنة دورة واحدة ، فهذه الحركة تكون في غاية البطء . ثم ههنا ~~دقيقة أخرى وهي أن كل كوكب من الكواكب الثابتة ، كان أقرب إلى المنطقة كانت ~~حركته أسرع ، وكل ما كان أقرب إلى القطب كانت حركته أبطأ ، فالكواكب التي ~~تكون في غاية القرب من القطب . مثل كوكب الجدي وهو الذي تقول العوام إنه هو ~~القطب ، يدور في دائرة في غاية الصغر ، وهو إنما يتمم تلك الدائرة الصغيرة ~~جدا في مدة ستة وثلاثين ألف سنة . فإذا تأملت علمت أن تلك الحركة بلغت في ~~البطء إلى حيث لا توجد حركة في العالم تشاركها في البطء ، فذلك الكوكب اختص ~~بأبطأ حركات هذا العالم وجرم الفلك الأعظم اختص بأسرع حركات العالم ، وفيما ~~بين هاتين الدرجتين درجات لا نهاية لها في البطء والسرعة ، وكل واحد من ms4012 ~~الكواكب والدوائر والحوامل والممثلات يختص بنوع من تلك الحركات ، وأيضا ~~فلكل واحد من تلك الكواكب مدارات PageV14P098 مخصوصة / فأسرعها هو المنطقة ~~وكل ما كان أقرب إليه فهو أسرع حركة مما هو أبعد منه ، ثم إنه سبحانه رتب ~~مجموع هذه الحركات على اختلاف درجاتها وتفاوت مراتبها سببا لحصول المصالح ~~في هذا العالم . كما قال في أول سورة / البقرة : { ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات } ( البقرة : 29 ) أي سواهن على وفق مصالح هذا العالم ، ~~وهو بكل شيء عليم ، أي هو عالم بجميع المعلومات . فيعلم أنه كيف ينبغي ~~ترتيبها وتسويتها حتى تحصل مصالح هذا العالم ، فهذا أيضا نوع عجيب في تسخير ~~الله تعالى هذه الأفلاك والكواكب ، فتكون داخلة تحت قوله : { والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرات بأمره } وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال إنك أكثرت في ~~تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم ، وذلك على خلاف المعتادا فيقال ~~لهذا المسكين : إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته ، ~~وتقريره من وجوه : الأول : أن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم ~~والقدرة والحكمة بأحوال السموات والأرض ، وتعاقب الليل والنهار ، وكيفية ~~أحوال الضياء والظلام ، وأحوال الشمس والقمر والنجوم ، وذكر هذه الأمور في ~~أكثر السور وكررها وأعادها مرة بعد أخرى ، فلو لم يكن البحث عنها ، والتأمل ~~في أحوالها جائزا لما ملأ الله كتابه منها . والثاني : أنه تعالى قال : { ~~أولم ينظروا * إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج } ( ~~ق: 6 ) فهو تعالى حث على التأمل في أنه كيف بناها ولا معنى لعلم الهيئة إلا ~~التأمل في أنه كيف بناها وكيف خلق كل واحد منها . والثالث : أنه تعالى قال ~~: { لخلق * السماوات والارض * أكبر من خلق الناس ولاكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } ( غافر : 57 ) فبين أن عجائب الخلقة وبدائع الفطرة في أجرام ~~السموات أكثر وأعظم وأكمل مما في أبدان الناس ، ثم أنه تعالى رغب في التأمل ~~في أبدان الناس بقوله : { وفى أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 21 ) فما ~~كان أعلى شأنا وأعظم برهانا منها ms4013 أولى بأن يجب التأمل في أحوالها ومعرفة ما ~~أودع الله فيها من العجائب والغرائب . والرابع : أنه تعالى مدح المتفكرين ~~في خلق السموات والأرض فقال : { ويتفكرون فى خلق * السماوات والارض * ربنا ~~ما خلقت هذا باطلا } ( آل عمران : 191 ) ولو كان ذلك ممنوعا منه لما فعل . ~~والخامس : أن من صنف كتابا شريفا مشتملا على دقائق العلوم العقلية والنقلية ~~بحيث لا يساويه كتاب في تلك الدقائق ، فالمعتقدون في شرفه وفضيلته فريقان : ~~منهم من يعتقد كونه كذلك على سبيل الجملة من غير أن يقف على ما فيه من ~~الدقائق واللطائف على سبيل التفصيل والتعيين ، ومنهم من وقف على تلك ~~الدقائق على سبيل التفصيل والتعيين ، واعتقاد الطائفة الأولى وإن بلغ إلى ~~أقصى الدرجات في القوة والكمال إلا أن اعتقاد الطائفة الثانية يكون أكمل ~~وأقوى وأوفى . وأيضا فكل من كان وقوفه على دقائق ذلك الكتاب ولطائفه أكثر ~~كان اعتقاده في عظمة ذلك المصنف وجلالته أكمل . # إذا ثبت هذا فنقول : من الناس من اعتقد أن جملة هذا العالم محدث وكل محدث ~~فله محدث ، / فحصل له بهذا الطريق إثبات الصانع تعالى وصار من زمرة ~~المستدلين ، ومنهم من ضم إلى تلك الدرجة البحث عن أحوال العالم العلوي ~~والعالم السفلي على سبيل التفصيل فيظهر له في كل نوع من أنواع هذا العالم ~~حكمة بالغة وأسرار عجيبة ، فيصير ذلك جاريا مجرى البراهين المتواترة ~~والدلائل المتوالية على عقله ، فلا يزال ينتقل كل لحظة ولمحة من برهان إلى ~~برهان آخر ، ومن دليل إلى دليل آخر / فلكثرة الدلائل وتواليها أثر عظيم في ~~تقوية اليقين وإزالة الشبهات . فإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه تعالى إنما ~~أنزل هذا الكتاب لهذه PageV14P099 الفوائد والأسرار لا لتكثير النحو الغريب ~~والاشتقاقات الخالية عن الفوائد والحكايات الفاسدة ، ونسأل الله العون ~~والعصمة . # المسألة الرابعة : الأمر المذكور في قوله : { مسخرات بأمره } قد فسرناه ~~بما سبق ذكره ، وأما المفسرون فلهم فيه وجوه : أحدها : المراد نفاذ إرادته ~~لأن الغرض من هذه الآية تبيين عظمته وقدرته ، وليس المراد من هذا الأمر ~~الكلام ، ونظيره في قوله تعالى ms4014 : { فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) وقوله : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه ~~أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) ومنهم من حمل هذا الأمر على الأمر ~~الثاني الذي هو الكلام ، وقال : إنه تعالى أمر هذه الأجرام بالسير الدائم ~~والحركة المستمرة . # المسألة الخامسة : أن الشمس والقمر من النجوم فذكرهما ثم عطف على ذكرهما ~~ذكر النجوم والسبب في إفرادهما بالذكر أنه تعالى جعلهما سببا لعمارة هذا ~~العالم ، والاستقصاء في تقريره لا يليق بهذا الموضع ، فالشمس سلطان النهار ~~، والقمر سلطان الليل ، والشمس تأثيرها في التسخين والقمر تأثيره في ~~الترطيب ، وتولد المواليد الثلاثة أعني المعادن والنبات والحيوان لا يتم ~~ولا يكمل إلا بتأثير الحرارة في الرطوبة . ثم إنه تعالى خص كل كوكب بخاصة ~~عجيبة وتدبير غريب لا يعرفه بتمامه إلا الله تعالى ، وجعله معينا لهما في ~~تلك التأثيرات والمباحث المستقصاة في علم الهيئة تدل على أن الشمس كالسلطان ~~، والقمر كالنائب ، وسائر الكواكب كالخدم ، فلهذا السبب بدأ الله سبحانه ~~بذكر الشمس وثنى القمر ثم أتبعه بذكر سائر النجوم . # أما قوله تعالى : { ألا له الخلق والامر } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا موجد ولا مؤثر إلا ~~الله سبحانه والدليل عليه أن كل من أوجد شيئا وأثر في حدوث شيء . فقد قدر ~~على تخصيص ذلك الفعل بذلك الوقت فكان خالقا ، ثم الآية دلت على أنه لا خالق ~~إلا الله لأنه قال : { ألا له الخلق والامر } وهذا يفيد الحصر بمعنى أنه لا ~~خالق إلا الله ، وذلك يدل على أن كل أمر يصدر عن فلك أو ملك أو جني أو إنسي ~~، فخالق / ذلك الأمر في الحقيقة هو الله سبحانه لا غير . وإذا ثبت هذا ~~الأصل تفرعت عليه مسائل : إحداها : أنه لا إله إلا الله إذ لو حصل إلهان ~~لكان الإله الثاني خالقا ومدبرا ، وذلك يناقض مدلول هذه الآية في تخصص ~~الخلق بهذا الواحد . وثانيها : أنه لا تأثير للكواكب في أحوال هذا العالم ، ~~وإلا لحصل خالق سوى الله ، وذلك ms4015 ضد مدلول هذه الآية . وثالثها : أن القول ~~بإثبات الطبائع ، وإثبات العقول والنفوس على ما يقوله الفلاسفة وأصحاب ~~الطلسمات باطل ، وإلا لحصل خالق غير الله . ورابعها : خالق أعمال العباد هو ~~الله ، وإلا لحصل خالق غير الله . وخامسها : القول بأن العلم يوجب العالمية ~~والقدرة توجب القادرية باطل . وإلا لحصل مؤثر غير الله ، ومقدر غير الله ، ~~وخالق غير الله ، وإنه باطل . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن كلام الله قديم . ~~قالوا : إنه تعالى ميز بين الخلق وبين الأمر ، ولو كان الأمر مخلوقا لما صح ~~هذا التمييز . أجاب الجبائي : عنه بأنه لا يلزم من أفراد الأمر بالذكر عقيب ~~الخلق أن لا يكون الأمر داخلا في الخلق فإنه تعالى قال : { تلك ءايات ~~الكتاب وقرءان مبين } ( الحجر : 1 ) وآيات الكتاب داخلة في القرآن وقال : { ~~إن الله يأمر بالعدل والإحسان } ( النحل : 90 ) مع أن الإحسان داخل في ~~العدل وقال : { من كان عدوا لله وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : ~~98 ) وهما داخلان تحت الملائكة . PageV14P100 وقال الكعبي : إن مدار هذه ~~الحجة على أن المعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه ، فإن صح هذا الكلام ~~بطل مذهبكم لأنه تعالى قال : { قل ياأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا ~~الذى } ( الأعراف : 158 ) فعطف الكلمات على الله فوجب أن تكون الكلمات غير ~~الله وكل ما كان غير الله فهو محدث مخلوق ، فوجب كون كلمات الله محدثة ~~مخلوقة . وقال القاضي : أطبق المفسرون على أنه ليس المراد بهذا الأمر كلام ~~التنزيل ، بل المراد به نفاذ إرادة الله تعالى لأن الغرض بالآية تعظيم ~~قدرته ، وقال آخرون : لا يبعد أن يقال : الأمر وإن كان داخلا تحت الخلق إلا ~~أن الأمر بخصوص كونه أمرا يدل على نوع آخر من الكمال والجلال فقوله : { له ~~الخلق والامر } معناه : له الخلق والإيجاد في المرتبة الأولى ، ثم بعد ~~الإيجاد والتكوين فله الأمر والتكليف في المرتبة الثانية ، ألا ترى أنه لو ~~قال له الخلق وله التكليف وله الثواب والعقاب ، كان ذلك حسنا مفيدا مع أن ~~الثواب والعقاب داخلان تحت الخلق ms4016 فكذا ههنا . وقال آخرون : معنى قوله : { ~~ألا له الخلق والامر } هو أنه إن شاء خلق وإن شاء لم يخلق فكذا قوله : { ~~والامر } يجب أن يكون معناه : أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر ، وإذا كان ~~حصول الأمر متعلقا بمشيئته لزم أن يكون ذلك الأمر مخلوقا كما أنه لما كان ~~حصول المخلوق متعلقا بمشيئته كان مخلوقا ، أما لو كان أمر الله قديما لم ~~يكن / ذلك الأمر بحسب مشيئته ، بل كان من لوازم ذاته . فحينئذ لا يصدق عليه ~~أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر ، وذلك ينفي ظاهر الآية . # والجواب : أنه لو كان الأمر داخلا تحت الخلق كان إفراد الأمر بالذكر ~~تكريرا محضا ، والأصل عدمه . أقصى ما في الباب أنا تحملنا ذلك في صور لأجل ~~الضرورة ، إلا أن الأصل عدم التكرير . والله أعلم . # المسألة الثالثة : هذه الآية تدل على أنه ليس لأحد أن يلزم غيره شيئا إلا ~~الله سبحانه . # وإذا ثبت هذا فنقول : فعل الطاعة لا يوجب الثواب ، وفعل المعصية لا يوجب ~~العقاب ، وأيصال الألم لا يوجب العوض وبالجملة فلا يجب على الله لأحد من ~~العبيد شيء ألبتة ، إذ لو كان فعل الطاعة يوجب الثواب لتوجه على الله من ~~العبد مطالبة ملزمة وإلزام جازم ، وذلك ينافي قوله : { ألا له الخلق والامر ~~} . # المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على أن القبيح لا يجوز أن يقبح لوجه ~~عائد إليه ، وأن الحسن لا يجوز أن يحسن لوجه عائد إليه لأن قوله : { ألا له ~~الخلق والامر } يفيد أنه تعالى له أن يأمر بما شاء كيف شاء ، ولو كان ~~القبيح يقبح لوجه عائد إليه لما صح من الله أن يأمر إلا بما حصل منه ذلك ~~الوجه ، ولا أن ينهي إلا عما فيه وجه القبح فلم يكن متمكنا من الأمر والنهي ~~كما شاء وأراد مع أن الآية تقتضي هذا المعنى . # المسألة الخامسة : دلت هذه الآية على أنه سبحانه قادر على خلق عوالم سوى ~~هذا العالم كيف شاء وأراد وتقريره : إنه قال : { إن ربكم الله الذى خلق * ~~السماوات ms4017 والارض * والشمس والقمر والنجوم } والخلق إذا أطلق أريد به الجسم ~~المقدر أو ما يظهر تقديره في الجسم المقدر . ثم بين في آية أخرى أنه أوحي ~~في كل سماء أمرها وبين في هذه الآية أنه تعالى خصص كل واحد من الشمس والقمر ~~والنجوم بأمره ، وذلك يدل على أن ما حدث بتأثير قدرة الله تعالى فتميز ~~الأمر والخلق ، ثم قال بعد هذا التفصيل والبيان { ألا له الخلق والامر } ~~يعني له القدرة على الخلق وعلى الأمر على الإطلاق / فوجب أن يكون قادرا على ~~إيجاد هذه الأشياء وعلى تكوينها كيف شاء وأراد ، فلو أراد خلق ألف عالم بما ~~فيه من العرش والكرسي والشمس والقمر والنجوم PageV14P101 في أقل من لحظة ~~ولمحة لقدر عليه لأن هذه الماهيات ممكنة والحق قادر على كل الممكنات ولهذا ~~قال المعري في قصيدة طويلة له : # % يأيها الناس كم لله من فلك % % تجري النجوم به والشمس والقمر % # / ثم قال في أثناء هذه القصيدة : # % هنا على الله ماضينا وغابرنا % % فما لنا في نواحي غيره خطر % # المسألة السادسة : قال قوم : { الخلق } صفة من صفات الله وهو غير المخلوق ~~، واحتجوا عليه بالآية والمعقول . أما الآية فقوله تعالى : { ألا له الخلق ~~والامر } قالوا : وعند أهل السنة { الامر } لله لا بمعنى كونه مخلوقا له ، ~~بل بمعنى كونه صفة له فكذلك يجب أن يكون { الخلق } لله لا بمعنى كونه ~~مخلوقا له بل بمعنى كونه صفة له ، وهذا يدل على أن الخلق صفة قائمة بذات ~~الله تعالى . وأما المعقول فهو أنا إذا قلنا : لم حدث هذا الشيء ولم وجد ~~بعد أن لم يكن ؟ فنقول : في جوابه لأنه تعالى خلقه وأوجده فحينئذ يكون هذا ~~التعليل صحيحا ، فلو كان كونه تعالى خالقا له نفس حصول ذلك المخلوق لكان ~~قوله أنه إنما حدث لأنه تعالى خلقه وأوجده جاريا مجرى قوله : أنه إنما حدث ~~لنفسه ولذاته لا لشيء آخر ، وذلك محال باطل ، لأن صدق هذا المعنى ينفي كونه ~~مخلوقا من قبل الله تعالى . فثبت أن كونه تعالى خالقا للمخلوق مغايرا لذات ~~ذلك المخلوق ms4018 ، وذلك يدل على أن الخلق غير المخلوق وجوابه : لو كان الخلق ~~غير المخلوق لكان أن كان قديما لزم من قدمه قدم المخلوق ، وإن كان حادثا ~~افتقر إلى خلق آخر ولزم التسلسل وهو محال . # المسألة السابعة : ظاهر الآية يقتضي أنه كما لا خلق إلا لله ، فكذلك لا ~~أمر إلا لله ، وهذا يتأكد بقوله تعالى : { إن الحكم إلا لله } ( الأنعام : ~~57 ) وقوله : { فالحكم لله العلى الكبير } ( غافر : 12 ) وقوله : { لله ~~الامر من قبل ومن بعد } ( الروم : 4 ) إلا أنه مشكل بالآية والخبر . أما ~~الآية فقوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ( النور : 63 ) وأما ~~الخبر فقوله عليه السلام : ( إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ) . # والجواب : أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن أمر الله قد ~~حصل ، فيكون الموجب في الحقيقة هو أمر الله لا أمر غيره . والله أعلم . # المسألة الثامنة : قوله : { ألا له الخلق والامر } يدل على أن لله أمرا ~~ونهيا على عباده ، وأن له تكليفا على عباده ، والخلاف مع نفاة التكليف . ~~واحتجوا عليه بوجوه : أولها : أن المكلف به إن كان معلوم الوقوع كان واجب ~~الوقوع . فكان الأمر به أمرا بتحصيل الحاصل وأنه محال ، وإن كان معلوم ~~اللاوقوع كان ممتنع الوقوع ، فكان الأمر به أمرا بما يمتنع وقوعه وهو محال ~~، وثانيها : أنه تعالى إن خلق الداعي إلى فعله ، كان واجب الوقوع ، فلا ~~فائدة في الأمر ، وإن لم يخلق الداعي إليه كان ممتنع الوقوع ، فلا فائدة في ~~الأمر به . وثالثها : أن أمر الكافر والفاسق لا يفيد إلا الضرر المحض ، ~~لأنه لما علم الله أنه لا يؤمن ولا يطيع ، امتنع أن يصدر عنه الإيمان ~~والطاعة ، إلا إذا / صار علم الله جهلا ، والعبد لا قدرة له على تجهيل الله ~~، وإذا تعذر اللازم تعذر الملزوم . فوجب أن يقال : لا قدرة للكافر والفاسق ~~على الإيمان والطاعة أصلا ، وإذا كان كذلك لم يحصل من الأمر به إلا مجرد ~~استحقاق العقاب / فيكون هذا الأمر والتكليف إضرارا محضا من غير فائدة ~~PageV14P102 ألبتة ، وهو لا يليق ms4019 بالرحيم الحكيم ، ورابعها : أن الأمر ~~والتكليف إن لم يكن لفائدة فهو عبث ، وإن كان لفائدة عائدة إلى المعبود فهو ~~محتاج وليس باله ، وإن كان لفائدة عائدة إلى العابد . فجميع الفوائد منحصرة ~~في تحصيل النفع ، ودفع الضرر ، والله تعالى قادر على تحصيلها بالتمام ~~والكمال من غير واسطة التكليف ، فكان توسيط التكليف إضرارا محضا من غير ~~فائدة ، وأنه لا يجوز . # واعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنه يحسن منه أن يأمر عباده ، وأن ~~يكلفهم بما شاء . واحتج عليه بقوله : { ألا له الخلق والامر } يعني لما كان ~~الخلق منه ثبت أنه هو الخالق لكل العبيد ، وإذا كان خالقا لهم كان مالكا ~~لهم ، وإذا كان مالكا لهم حسن منه أن يأمرهم وينهاهم ، لأن ذلك تصرف من ~~المالك في ملك نفسه ، وذلك مستحسن ، فقوله سبحانه : { ألا له الخلق والامر ~~} يجري مجرى الدليل القاطع على أنه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بما ~~شاء كيف شاء . # المسألة التاسعة : دلت الآية على أنه يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده ~~بما شاء بمجرد كونه خالقا لهم لا كما يقوله المعتزلة من كون ذلك الفعل ~~صلاحا ، ولا كما يقولونه أيضا من حيث العوض والثواب ، لأنه تعالى ذكر أن ~~الخلق له أولا ، ثم ذكر الأمر بعده ، وذلك يدل على أن حسن الأمر معلل بكونه ~~خالقا لهم موجدا لهم ، وإذا كانت العلة في حسن الأمر والتكليف ، هذا القدر ~~سقط اعتبار الحسن ، والقبح ، والثواب ، والعقاب في اعتبار حسن الأمر ~~والتكليف . # المسألة العاشرة : دلت هذه الآية على أنه تعالى متكلم آمر ناه مخبر ~~مستخبر ، وكان من حق هذه المسألة تقدمها على سائر المسائل ، إلا أنها إنما ~~خطرت بالبال في هذا الوقت ، والدليل عليه قوله تعالى : { ألا له الخلق ~~والامر } فدل ذلك على أن له الأمر ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له النهي ، ~~والخبر ، والاستخبار ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . # المسألة الحادية عشرة : أنه تعالى بين كونه تعالى خالقا للسموات ، والأرض ~~، والشمس ، والقمر ، والنجوم . # ثم قال : { ألا له الخلق والامر ms4020 } أي لا خالق إلا هو . # ولقائل أن يقول : لا يلزم من كونه تعالى خالقا لهذه الأشياء أن يقال : لا ~~خالق على الإطلاق إلا هو ، فلم رتب على إثبات كونه خالق لتلك الأشياء إثبات ~~أنه لا خالق إلا هو على الإطلاق ؟ / فنقول : الحق أنه متى ثبت كونه تعالى ~~خالقا لبعض الأشياء ، وجب كونه خالقا لكل الممكنات ، وتقريره : أن افتقار ~~المخلوق إلى الخالق لإمكانه ، والإمكان واحد في كل الممكنات ، وهذا الإمكان ~~إما أن يكون علة للحاجة إلى مؤثر متعين ، أو إلى مؤثر غير متعين . والثاني ~~باطل ، لأن كل ما كان موجودا في الخارج ، فهو متعين في نفسه ، فيلزم منه أن ~~ما لا يكون متعينا في نفسه لم يكن موجودا في الخارج . وما لا وجود له في ~~الخارج امتنع أن يكون علة لوجود غيره في الخارج ، فثبت أن الإمكان علة ~~للحاجة إلى موجد ومعين ، فوجب أن يكون جميع الممكنات محتاجا إلى ذلك المعين ~~. فثبت أن الذي يكون مأثرا في وجود شيء واحد ، هو المؤثر في وجود كل ~~الممكنات . PageV14P103 # أما قوله تعالى : { تبارك الله رب العالمين } فاعلم أنه سبحانه لما بين ~~كونه خالقا للسموات ، والأرض ، والعرش ، والليل ، والنهار ، والشمس ، ~~والقمر ، والنجوم وبين كون الكل مسخرا في قدرته وقهره ومشيئته ، وبين أن له ~~الحكم والأمر والنهي والتكليف ، بين أنه يستحق الثناء والتقديس والتنزيه ، ~~فقال : { تبارك الله رب العالمين } وقد تقدم تفسير { تبارك } فلا نعيده . # واعلم أنه تعالى بدأ في أول الآية : رب السموات والأرضين / وسائر الأشياء ~~المذكورة ، ثم ختم الآية بقوله : { تبارك الله رب العالمين } والعالم كل ~~موجود سوى الله تعالى ، فبين كونه ربا وإلها وموجودا ومحدثا لكل ما سواه ، ~~ومع كونه كذلك فهو رب ومرب ومحسن ومتفضل ، وهذا آخر الكلام في شرح هذه ~~الآية . # ! 7 < { ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين * ولا تفسدوا فى الا ~~رض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين } . > 7 ~~@QB@ < # | الأعراف : ( 55 - 56 ) ادعوا ربكم تضرعا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على ms4021 كمال القدرة والحكمة والرحمة ~~، وعند هذا تم التكليف المتوجه إلى تحصيل المعارف النفسانية ، والعلوم ~~الحقيقية ، أتبعه بذكر الأعمال اللائقة بتلك المعارف وهو الاشتغال بالدعاء ~~والتضرع ، فإن الدعاء مخ العبادة ، فقال : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وفي ~~الآية مسائل : # / المسألة الأولى : قوله : { ادعوا ربكم } فيه قولان : قال بعضهم : { ~~اعبدوا } وقال آخرون : هو الدعاء ، ومن قال بالأول عقل من الدعاء أنه طلب ~~الخير من الله تعالى ، وهذه صفة العبادة ، لأنه يفعل تقربا ، وطلبا ~~للمجازاة لأنه تعالى عطف عليه قوله : { وادعوه خوفا وطمعا } ( الأعراف : 56 ~~) والمعطوف ينبغي أن يكون مغايرا للمعطوف عليه . والقول الثاني هو الأظهر ، ~~لأن الدعاء مغاير للعبادة في المعنى . # إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في الدعاء ، فمنهم من أنكره . واحتج ~~على صحة قوله بأشياء : الأول : أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع كان ~~واجب الوقوع لامتناع وقوع التغيير في علم الله تعالى ، وما كان واجب الوقوع ~~لم يكن في طلبه فائدة ، وإن كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع فلا فائدة ~~أيضا في طلبه . الثاني : أنه تعالى إن كان قد أراد في الأزل إحداث ذلك ~~المطلوب ، فهو حاصل سواء حصل هذا الدعاء أو لم يحصل ، وإن كان قد أراد في ~~الأزل أن لا يعطيه فهو ممتنع الوقوع فلا فائدة في الطلب ، وإن قلنا أنه ما ~~أراد في الأزل إحداث ذلك الشيء لا وجوده ولا عدمه ، ثم إنه عند ذلك الدعاء ~~، صار مريدا له لزم وقوع التغير في ذات الله وفي صفاته ، وهو محال . لأن ~~على هذا التقدير : يصير إقدام العبد على الدعاء علة لحدوث صفة في ذات الله ~~تعالى ، فيكون العبد متصرفا في صفة الله بالتبديل والتغيير ، وهو محال . ~~والثالث : أن المطلوب بالدعاء إن اقتضت الحكمة والمصلحة إعطاءه ، فهو تعالى ~~يعطيه من غير هذا الدعاء PageV14P104 لأنه منزه عن أن يكون بخيلا وأن اقتضت ~~الحكمة منعه ، فهو لا يعطيه سواء أقدم العبد على الدعاء أو لم يقدم عليه . ~~والرابع : أن الدعاء غير الأمر ، ولا تفاوت بين البابين إلا كون الداعي أقل ~~رتبة ms4022 ، وكون الآمر أعلى رتبة وإقدام العبد على أمر الله سوء أدب ، وإنه لا ~~يجوز . الخامس : الدعاء يشبه ما إذا أقدم العبد على إرشاد ربه وإلهه إلى ~~فعل الأصلح والأصوب ، وذلك سوء أدب أو أنه ينبه الإله على شيء ما كان ~~منتبها له ، وذلك كفر وأنه تعالى قصر في الإحسان والفضل فأنت بهذا تحمله ~~على الإقدام على الإحسان والفضل ، وذلك جهل . السادس : إن الإقدام على ~~الدعاء يدل على كونه غير راض بالقضاء إذ لو رضي بما قضاه الله عليه لترك ~~تصرف نفسه ، ولما طلب من الله شيئا على التعيين وترك الرضا بالقضاء أمر من ~~المنكرات . السابع : كثيرا ما يظن العبد بشيء كونه نافعا وخيرا ، ثم أنه ~~عند دخوله في الوجود يصير سببا للآفات الكثيرة والمفاسد العظيمة ، وإذا كان ~~كذلك كان طلب الشيء المعين من الله غير جائز ، بل الأولى طلب ما هو المصلحة ~~والخير ، وذلك حاصل من الله تعالى سواء طلبه العبد بالدعاء أو لم يطلبه . ~~فلم يبق في الدعاء فائدة . الثامن : أن الدعاء عبارة عن / توجه القلب إلى ~~طلب شيء من الله تعالى ، وتوجه القلب إلى طلب ذلك الشيء المعين يمنع القلب ~~من الاستغراق في معرفة الله تعالى ، وفي محبته / وفي عبوديته ، وهذه مقامات ~~عالية شريفة ، وما يمنع من حصول المقامات العالية الشريفة كان مذموما . ~~التاسع : روي أنه عليه الصلاة والسلام . قال حاكيا عن الله سبحانه : ( من ~~شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ) وذلك يدل على أن ~~الأولى ترك الدعاء . العاشر : إن علم الحق محيط بحاجة العبد ، والعبد إذا ~~علم أن مولاه عالم باحتياجه ، فسكت ولم يذكر تلك الحاجة كان ذلك أدخل في ~~الأدب ، وفي تعظيم المولى مما إذا أخذ يشرح كيفية تلك الحالة ، ويطلب ما ~~يدفع تلك الحاجة ، وإذا كان الحال على هذا الوجه في الشاهد ، وجب اعتبار ~~مثله في حق الله سبحانه ، ولذلك يقال أن الخليل عليه السلام لما وضع في ~~المنجنيق ليرمى إلى النار . قال جبريل عليه السلام ادع ربك . فقال الخليل ~~عليه السلام ms4023 : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، فهذه الوجوه هي المذكورة في هذا ~~الباب . # واعلم أن الدعاء نوع من أنواع العبادة والأسئلة المذكورة واردة في جميع ~~أنواع العبادات ، فإنه يقال أن كان هذا الإنسان سعيدا في علم الله فلا حاجة ~~إلى الطاعات والعبادات ، وإن كان شقيا في علمه فلا فائدة في تلك العبادات ، ~~وأيضا يقال وجب أن لا يقدم الإنسان على أكل الخبز وشرب الماء لأنه أن كان ~~هذا الإنسان شبعان في علم الله تعالى فلا حاجة إلى أكل الخبز ، وإن كان ~~جائعا فلا فائدة في أكل الخبز ، وكما أن هذا الكلام باطل ههنا ، فكذا فيما ~~ذكروه ، بل نقول الدعاء يفيد معرفة ذلة العبودية ويفيد معرفة عزة الربوبية ~~، وهذا هو المقصود الأشرف الأعلى من جميع العبادات وبيانه أن الداعي لا ~~يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه كونه محتاجا إلى ذلك المطلوب وكونه ~~عاجزا عن تحصيله وعرف من ربه وإلهه أنه يسمع دعاءه ، ويعلم حاجته وهو قادر ~~على دفع تلك الحاجة وهو رحيم تقتضي رحمته إزالة تلك الحاجة ، وإذا كان كذلك ~~فهو لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف كونه موصوفا بالحاجة وبالعجز وعرف كون ~~الإله سبحانه موصوفا بكمال العلم والقدرة والرحمة ، فلا مقصود من جميع ~~التكاليف إلا معرفة ذل العبودية وعز الربوبية ، فإذا كان الدعاء مستجمعا ~~لهذين المقامين لا جرم كان الدعاء أعظم أنواع العبادات . وقوله تعالى : { ~~ادعوا ربكم تضرعا وخفية } إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه لأن التضرع لا يحصل ~~إلا من الناقص في حضرة الكامل فما لم يعتقد PageV14P105 العبد نقصان نفسه ~~وكمال مولاه في العلم والقدرة والرحمة لم يقدم على التضرع ، فثبت أن ~~المقصود من الدعاء ما ذكرناه ، فثبت أن لفظ القرآن دليل عليه والذي يقوي ما ~~ذكرناه ما روي أنه عليه السلام قال : ( ما من شيء أكرم على الله من الدعاء ~~والدعاء هو العبادة ) ثم قرأ : { إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم ~~داخرين } ( غافر : 60 ) في حقائق الدعاء مذكور في سورة البقرة في تفسير ~~قوله : { وإذا سألك ms4024 عبادي عني فإني قريب } ( البقرة : 186 ) والله أعلم . # المسألة الثانية : في تقرير شرائط الدعاء . # اعلم أن المقصود من الدعاء أن يصير العبد مشاهدا لحاجة نفسه ولعجز نفسه ~~ومشاهدا لكون مولاه موصوفا بكمال العلم والقدرة والرحمة ، فكل هذه المعاني ~~دخلت تحت قوله : { ادعوا ربكم تضرعا } ثم إذا حصلت هذه الأحوال على سبيل ~~الخلوص ، فلا بد من صونها عن الرياء المبطل لحقيقة الإخلاص ، وهو المراد من ~~قوله تعالى : { وخفية } والمقصود من ذكر التضرع تحقيق الحالة الأصلية ~~المطلوبة من الدعاء والمقصود من ذكر الإخفاء صون ذلك الأخلاص عن شوائب ~~الرياء ، وإذا عرفت هذا المعنى ظهر لك أن قوله سبحانه : { تضرعا وخفية } ~~مشتمل على كل ما يراد تحقيقه وتحصيله في شرائط الدعاء / وأنه لا يزيد عليه ~~البتة بوجه من الوجوه ، وأما تفصيل الكلام في تلك الشرائط ، فقد بالغ في ~~شرحها الشيخ سليمان الحليمي رحمة الله عليه في كتاب المنهاج فليطلب من هناك ~~. # المسألة الثالثة : ( التضرع ) التذلل والتخشع ، وهو إظهار ذل النفس من ~~قولهم : ضرع فلان لفلان ، وتضرع له إذا أظهر الذل له في معرض السؤال ( ~~والخفية ) ضد العلانية . يقال : أخفيت الشيء إذا سترته ، ويقال : { * خفية ~~} أيضا بالكسر ، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر عنه { * خفية } بكسر ~~الخاء ههنا وفي الأنعام ، والباقون بالضم ، وهما لغتان : # واعلم أن الإخفاء معتبر في الدعاء ، ويدل على وجوه : الأول : هذه الآية ~~فإنها تدل على أنه تعالى أمر بالدعاء مقرونا باللإخفاء ، وظاهر الأمر ~~للوجوب ، فإن لم يحصل الوجوب ، فلا أقل من كونه ندبا . # ثم قال تعالى بعده : { وخفية إنه لا يحب المعتدين } والأظهر أن المراد ~~أنه لا يحب المعتدين في ترك هذين الأمرين المذكورين ، وهما التضرع والإخفاء ~~، فإن الله لا يحبه ومحبة الله تعالى عبارة عن الثواب ، فكان المعنى أن من ~~ترك في الدعاء التضرع والإخفاء ، فإن الله لا يثيبه ألبتة ، ولا يحسن إليه ~~، ومن كان كذلك كان من أهل العقاب لا محالة ، فظهر أن قوله تعالى : { إنه ~~لا يحب المعتدين } كالتهديد الشديد على ترك التضرع والإخفاء في الدعاء ms4025 . # الحجة الثانية : أنه تعالى أثنى على زكريا فقال : { إذ نادى ربه نداء ~~خفيا } ( مريم : 3 ) أي أخفاه عن العباد وأخلصه لله وانقطه به إليه . # / الحجة الثالثة : ما روى أبو موسى الأشعري ، أنهم كانوا في غزاة فأشرفوا ~~على واد فجعلوا يكبرون ويهللون رافعي أصواتهم فقال عليه السلام : ( ارفقوا ~~على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وإنه لمعكم ~~) . PageV14P106 # الحجة الرابعة : قوله عليه السلام : ( دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في ~~العلانية ) وعنه عليه السلام : ( خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي ) وعن ~~الحسن أنه كان يقول : إن الرجل كان يجمع القرآن وما يشعر به جاره ، يفقه ~~الكثير وما يشعر به الناس ، ويصلي الصلاة الطويلة في ليله وعنده الزائرون ~~وما يشعرون به ولقد أدركنا أقواما كانوا يبالغون في إخفاء الأعمال ، ولقد ~~كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع صوتهم إلا همسا ، لأن الله تعالى ~~قال : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } وذكر الله عبده زكريا فقال : { إذ نادى ~~ربه نداء خفيا } . # الحجة الخامسة : المعقول وهو أن النفس شديدة الميل عظيمة الرغبة في ~~الرياء والسمعة ، فإذا رفع صوته في الدعاء امتزج الرياء بذلك الدعاء فلا ~~يبقى فيه فائدة ألبتة . فكان الأولى إخفاء الدعاء ليبقى مصونا عن الرياء ~~وههنا مسائل عظم اختلاف أرباب الطريقة فيها ، وهي : أنه هل الأولى إخفاء ~~العبادات أم إظهارها ؟ فقال بعضهم الأولى إخفاؤها صونا لها عن الرياء وقال ~~أخرون : الأولى إظهارها ليرغب الغير في الاقتداء به في أداء تلك العبادات . ~~وتوسط الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذي فقال : إن كان خائفا على نفسه من ~~الرياء الأولى الإخفاء صونا لعمله عن البطلان ، وإن كان قد بلغ في الصفاء ~~وقوة اليقين إلى حيث صار آمنا عن شائبة الرياء كان الأولى في حقه الإظهار ~~لتحصل فائدة الاقتداء . # المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة رحمه الله ، إخفاء التأمين أفضل . وقال ~~الشافعي رحمه الله ، إعلانه أفضل ، واحتج أبو حنيفة على صحة قوله ، قال : ~~في قوله : ( آمين ) وجهان : أحدهما : أنه دعاء . والثاني : أنه من أسماء ms4026 ~~الله ، فإن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله تعالى : { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ~~وإن كان اسما من أسماء الله تعالى وجب إخفاؤه لقوله تعالى : { واذكر ربك في ~~نفسك تضرعا وخيفة } ( الأعراف : 205 ) فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من ~~الندبية ونحن بهذا القول نقول : # أما قوله تعالى : { إنه لا يحب المعتدين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أجمع المسلمون على أن المحبة صفة من صفات الله تعالى ، ~~لأن القرآن نطق بإثباتها في آيات كثيرة . واتفقوا على أنه ليس معناها شهوة ~~النفس وميل الطبع وطلب التلذذ بالشيء ، لأن كل ذلك في حق الله تعالى محال ~~بالاتفاق ، واختلفوا في تفسير المحبة في حق الله تعالى على ثلاثة أقوال : # / فالقول الأول : أنها عبارة عن أيصال الله الثواب والخير والرحمة إلى ~~العبد . # والقول الثاني : أنها عبارة عن كونه تعالى مريدا لإيصال الثواب والخير ~~إلى العبد . وهذا الاختلاف بناء على مسألة أخرى وهي : أنه تعالى هل هو ~~موصوف بصفة الإرادة أم لا ؟ قال الكعبي وأبو الحسين : إنه تعالى غير موصوف ~~بالإرادة ألبتة ، فكونه تعالى مريدا لأفعال نفسه أنه موجد لها وفاعل لها ، ~~وكونه تعالى مريدا لأفعال غيره كونه آمرا بها ولا يجوز كونه تعالى موصوفا ~~بصفة الإرادة . وأما أصحابنا ومعتزلة البصرة فقد أثبتوا كونه تعالى موصوفا ~~بصفة المريدية . # إذا عرفت هذا فمن نفي الإرادة في حق الله تعالى فسر محبة الله بمجرد ~~إيصال الثواب إلى العبد ومن أثبت الإرادة لله تعالى فسر محبة الله بإرادته ~~لإيصال الثواب إليه . PageV14P107 # والقول الثالث : أنه لا يبعد أن تكون محبة الله تعالى للعبد صفة وراء ~~كونه تعالى مريدا لإيصال الثواب إليه ، وذلك لأنا نجد في الشاهد أن الأب ~~يحب ابنه فيترتب على تلك المحبة إرادة إيصال الخير إلى ذلك الابن فكانت هذه ~~الإرادة أثرا من آثار تلك المحبة وثمرة من ثمراتها وفائدة من فوائدها . ~~أقصى ما في الباب أن يقال : إن هذه المحبة في الشاهد عبارة عن الشهوة وميل ~~الطبع ورغبة النفس وذلك في حق الله تعالى محال ، إلا أنا نقول : لم ms4027 لا يجوز ~~أن يقال محبة الله تعالى صفة أخرى ، سوى الشهوة وميل الطبع يترتب عليها ~~إرادة إيصال الخير والثواب إلى العبد ؟ أقصى ما في الباب ، أنا لا نعرف أن ~~تلك المحبة ما هي وكيف هي ؟ ا إلا أن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ~~ذلك الشيء . ألا ترى أن أهل السنة يثبتون كونه تعالى مرئيا ، ثم يقولون إن ~~تلك الرؤية مخالفة لرؤية الأجسام والألوان ، بل هي رؤية بلا كيف ، فلم لا ~~يقولون ههنا أيضا أن محبة الله للعبد محبة منزهة عن ميل الطبع وشهوة النفس ~~بل هي محبة بلا كيف ؟ فثبت أن جزم المتكلمين بأنه لا معنى لمحبة الله إلا ~~إرادة إيصال الثواب ليس لهم على هذا الحصر دليل قاطع . بل أقصى ما في الباب ~~أن يقال لا دليل على إثبات صفة أخرى سوى الإرادة فوجب نفيها ، لكنا بينا في ~~كتاب نهاية العقول أن هذه الطريقة ضعيفة ساقطة . # المسألة الثانية : قوله : { إنه لا يحب المعتدين } أي المجاوزين ما أمروا ~~به . قال الكلبي وابن جريج : من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء . # المسألة الثالثة : اعلم أن كل من خالف أمر الله تعالى ونهيه ، فقد اعتدى ~~وتعدى . فيدخل تحت قوله : { إنه لا يحب المعتدين } وقد بينا أن من لا يحبه ~~الله فإنه يعذبه ، فظاهر هذه الآية يقتضي أن كل من خالف أمر الله ونهيه ، ~~فإنه يكون معاقبا ، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية على القطع بوعيد / الفساق ~~، وقالوا لا يجوز أن يقال المراد منه الاعتداء في رفع الصوت بالدعاء وبيانه ~~من وجهين : الأول : أن لفظ { المعتدين } لفظ عام دخله الألف واللام ، فيفيد ~~الاستغراق غايته أنه إنما ورد في هذه الصورة لكنه ثبت أن العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب . الثاني : أن رفع الصوت بالدعاء ليس من المحرمات بل ~~غايته أن يقال الأولى تركه / وإذا لم يكن من المحرمات لم يدخل تحت هذا ~~الوعيد . # والجواب المستقصى ما ذكرناه في سورة البقرة أن التمسك بهذه العمومات لا ~~يفيد القطع بالوعيد . # ثم قال تعالى : { ولا تفسدوا فى ms4028 الارض بعد إصلاحها } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } معناه ولا ~~تفسدوا شيئا في الأرض ، فيدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل وبقطع ~~الأعضاء ، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة ووجوه الحيل ، وإفساد الأديان ~~بالكفر والبدعة ، وإفساد الأنساب بسبب الإقدام على الزنا واللواطة وسبب ~~القذف ، وإفساد العقول بسبب شرب المكسرات ، وذلك لأن المصالح المعتبرة في ~~الدنيا هي هذه الخمسة : النفوس والأموال والأنساب والأديان والعقول . فقوله ~~: { ولا تفسدوا } منع عن إدخال ماهية الإفساد في الوجود ، والمنع من إدخال ~~الماهية في الوجود يقتضي المنع من جميع أنواعه وأصنافه ، فيتناول المنع من ~~الإفساد في هذه الأقسام الخمسة ، وأما قوله : { بعد إصلاحها } فيحتمل أن ~~يكون المراد بعد أن أصلح خلقتها على الوجه المطابق لمنافع الخلق والموافق ~~لمصالح المكلفين ، ويحتمل أن يكون المراد بعد إصلاح الأرض بسبب إرسال ~~PageV14P108 الأنبياء وإنزال الكتب كأنه تعالى قال : لما أصلحت مصالح الأرض ~~بسبب إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع فكونوا منقادين لها ، ولا ~~تقدموا على تكذيب الرسل وإنكار الكتب والتمرد عن قبول الشرائع ، فإن ذلك ~~يقتضي وقوع الهرج والمرج في الأرض ، فيحصل الإفساد بعد الإصلاح ، وذلك ~~مستكره في بداهة العقول . # المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار الحرمة والمنع ~~على الإطلاق . # إذا ثبت هذا فنقول : إن وجدنا نصا خاصا دل على جواز الإقدام على بعض ~~المضار قضينا به تقديما للخاص على العام وإلا بقي على التحريم الذي دل عليه ~~هذا النص . # واعلم أنا كنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { قل من حرم زينة الله ~~التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق } ( الأعراف : 32 ) أن هذه الآية تدل ~~على أن الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل ، ثم بينا أنه لما كان ~~الأمر كذلك دخل تحت تلك الآية جميع أحكام الله تعالى ، فكذلك في هذه الآية ~~أنها تدل / على أن الأصل في المضار والآلام ، الحرمة . # وإذا ثبت هذا كان جميع أحكام الله تعالى داخلا تحت عموم هذه الآية ، ~~وجميع ما ذكرناه من المباحث واللطائف في ms4029 تلك الآية فهي موجودة في هذه الآية ~~، فتلك الآية دالة على أن الأصل في المنافع الحل ، وهذه الآية دالة على أن ~~الأصل في جميع المضار الحرمة ، وكل واحدة من هاتين الآيتين مطابقة للأخرى ~~مؤكدة لمدلولها مقررة لمعناها ، وتدل على أن أحكام جميع الوقائع داخلة تحت ~~هذه العمومات ، وأيضا هذه الآية دالة على أن كل عقد وقع التراضي عليه بين ~~الخصمين ، فإنه انعقد وصح وثبت ، لأن رفعه بعد ثبوته يكون إفسادا بعد ~~الإصلاح ، والنص دل على أنه لا يجوز . # إذا ثبت هذا فنقول : أن مدلول هذه الآية من هذا الوجه متأكد بعموم قوله : ~~{ أوفوا بالعقود } ( المائدة : 1 ) وبعموم قوله تعالى : { لم تقولون ما لا ~~تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ( الصف : 2 ، 3 ) ~~وتحت قوله : { والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } ( المؤمنون : 8 المعارج ~~: 32 ) وتحت سائر العمومات الواردة في وجوب الوفاء بالعهود والعقود . # إذا ثبت هذا فنقول : إن وجدنا نصا دالا على أن بعض العقود التي وقع ~~التراضي به من الجانبين غير صحيح ، قضينا فيه بالبطلان تقديما للخاص على ~~العام / وإلا حكمنا فيه بالصحة رعاية لمدلول هذه العمومات . وبهذا الطريق ~~البين الواضح ثبن أن القرآن واف ببيان جميع أحكام الشريعة من أولها إلى ~~آخرها . # ثم قال تعالى : { وادعوه خوفا وطمعا } وفيه سؤالات : # السؤال الأول : قال في أول الآية : { أدعو * ربكم } ثم قال : { ولا ~~تفسدوا } ثم قال : { وادعوه } وهذا يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو باطل . # والجواب : أن الذين قالوا في تفسير قوله : { ادعوا ربكم تضرعا } أي ~~اعبدوه إنما قالوا ذلك خوفا من هذا الإشكال . PageV14P109 # فإن قلنا بهذا التفسير فقد زال السؤال ، وإن قلنا المراد من قوله : { ~~ادعوا ربكم تضرعا } هو الدعاء كان الجواب أن قوله : { ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية } يدل على أن الدعاء لا بد وأن يكون مقرونا بالتضرع وبالإخفاء ، ثم ~~بين في قوله { وادعوه خوفا وطمعا } أن فائدة الدعاء هو أحد هذين الأمرين ، ~~فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء ، والآية الثانية في بيان فائدة ms4030 ~~الدعاء ومنفعته . # السؤال الثاني : أن المتكلمين اتفقوا على أن من عبد ودعا لأجل الخوف من ~~العقاب والطمع / في الثواب لم تصح عبادته ، وذلك لأن المتكلمين فريقان : ~~منهم من قال التكاليف إنما وردت بمقتضى الألهية والعبودية ، فكونه إلها لنا ~~وكوننا عبيدا له يقتضي أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء كيف شاء ، فلا ~~يعتبر منه كونه في نفسه صلاحا وحسنا ، وهذا قول أهل السنة . ومنهم من قال : ~~التكليف إنما وردت لكونها في أنفسها مصالح ؛ وهذا هو قول المعتزلة . # إذا عرفت هذا فنقول : أما على القول الأول : فوجه وجوب بعض الأعمال ، ~~وحرمة بعضها مجرد أمر الله بما أوجبه . ونهيه عما حرمه ، فمن أتى بهذه ~~العبادات صحت . أما من أتى بها خوفا من العقاب ، أو طمعا في الثواب ، وجب ~~أن لا يصح ، لأنه ما أتى بها لأجل وجه وجوبها ، وأما على القول الثاني : ~~فوجه وجوبها هو كونها في أنفسها مصالح ، فمن أتى بها للخوف من العقاب ، أو ~~للطمع في الثواب فلم يأت بها لوجه وجوبها ، فوجب أن لا تصح ، فثبت أن على ~~كلا المذهبين من أتى بالدعاء وسائر العبادات لأجل الخوف من العقاب ، والطمع ~~في الثواب ، وجب أن لا يصح . # إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر قوله : { وادعوه خوفا وطمعا } يقتضي أنه تعالى ~~أمر المكلف بأن يأتي بالدعاء لهذا الغرض ، وقد ثبت بالدليل فساده ، فكيف ~~طريق التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين ما ذكرناه من المعقول . # والجواب : ليس المراد من الآية ما ظننتم ، بل المراد : وادعوه مع الخوف ~~من وقوع التقصير ، في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ذلك الدعاء ، ومع الطمع ~~في حصول تلك الشرائط بأسرها ، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل ؟ # السؤال الثالث : هل تدل هذه الآية على أن الداعي لا بد وأن تحصل في قلبه ~~هذا الخوف والطمع ؟ # والجواب : أن العبد لا يمكنه أن يقطع بكونه آتيا بجميع الشرائط المعتبرة ~~في قبول الدعاء ، ولأجل هذا المعنى يحصل الخوف ، وأيضا لا يقطع بأن تلك ~~الشرائط مفقودة ، فوجب كونه طامعا في قبولها فلا جرم ms4031 . # قلنا : بأن الداعي لا يكون داعيا إلا إذا كان كذلك فقوله : { خوفا وطمعا ~~} أي أن تكونوا جامعين في نفوسكم بين الخوف والرجاء في كل أعمالكم ، ولا ~~تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم فقد أديتم حق ربكم . ويتأكد هذا بقوله : { يؤتون ~~ما ءاتوا وقلوبهم وجلة } ( المؤمنون : 60 ) . # ثم قال تعالى : { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن الرحمة عبارة عن إيصال الخير والنعمة أو ~~عن إرادة / إيصال الخير والنعمة ، فعلى التقدير الأول تكون الرحمة من صفات ~~الأفعال / وعلى هذا التقدير الثاني تكون من صفات الذات ، وقد استقصينا هذه ~~المسألة في تفسير { بسم الله الرحمان الرحيم } ( الفاتحة : 1 النمل : 30 ) ~~. PageV14P110 # المسألة الثانية : قال بعض أصحابنا : ليس لله في حق الكافر رحمة ولا نعمة ~~. واحتجوا بهذه الآية ، وبيانه : أن هذه الآية تدل على أن كل ما كان رحمة ~~فهي قريبة من المحسنين ، فيلزم أن يكون كل ما لا يكون قريبا من المحسنين ، ~~أن لا يكون رحمة ، والذي حصل في حق الكافر غير قريب من المحسنين ، فوجب أن ~~لا يكون رحمة من الله ولا نعمة منه . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : الآية تدل على أن رحمة الله قريب من ~~المحسنين ، فلما كان كل هذه الماهية حصل للمحسنين وجب أن لا يحصل منها نصيب ~~لغير المحسنين ، فوجب أن لا يحصل شيء من رحمة الله في حق الكافرين ، والعفو ~~عن العذاب رحمة ، والتخلص من النار بعد الدخول فيها رحمة ، فوجب أن لا يحصل ~~ذلك لمن لم يكن من المحسنين ، والعصاة وأصحاب الكبائر ليسوا محسنين ، فوجب ~~أن لا يحصل لهم العفو عن العقاب ، وأن لا يحصل لهم الخلاص من النار . # الجواب : أن من آمن بالله وأقر بالتوحيد والنبوة ، فقد أحسن بدليل أن ~~الصبي إذا بلغ وقت الضحوة ، وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل ~~الوصول إلى الظهر فقد أجمعت الأمة على أنه دخل تحت قوله : { للذين أحسنوا ~~الحسنى } ( يونس : 26 ) ومعلوم أن هذا الشخص لم يأت بشيء من الطاعات سوى ~~المعرفة والإقرار ، لأنه لما ms4032 بلغ بعد الصبح لم تجب عليه صلاة الصبح ، ولما ~~مات قبل الظهر لم تجب عليه صلاة الظهر ، وظاهره أن سائر العبادات لم تجب ~~عليه . فثبت أنه محسن ، وثبت أنه لم يصدر منه إلا المعرفة والإقرار ، فوجب ~~كون هذا القدر إحسانا ، فيكون فاعله محسنا . # إذا ثبت هذا فنقول : كل من حصل له الإقرار والمعرفة كان من المحسنين ، ~~ودلت هذه الآية على أن رحمة الله قريب من المحسنين ، فوجب بحكم هذه الآية ~~أن تصل إلى صاحب الكبيرة من أهل الصلاة رحمة الله ، وحينئذ تنقلب هذه الآية ~~حجة عليهم . # فإن قالوا : المحسنون هم الذين أتوا بجميع وجوه الإحسان . فنقول : هذا ~~باطل ، لأن المحسن من صدر عنه مسمى الإحسان وليس من شرط كونه محسنا أن يكون ~~آتيا بكل وجوه الإحسان كما أن العالم هو الذي له العلم وليس من شرطه أن ~~يحصل جميع أنواع العلم . فثبت بهذا أن السؤال الذي ذكروه ساقط وأن الحق ما ~~ذهبنا إليه . # المسألة الرابعة : لقائل أن يقول مقتضى علم الأعراب أن يقال : إن رحمة ~~الله قريبة من المحسنين فما السبب في حذف علامة التأنيث ؟ وذكروا في الجواب ~~عنه وجوها : الأول : أن الرحمة تأنيثها / ليس بحقيقي وما كان كذلك فإنه ~~يجوز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة . الثاني : قال الزجاج : إنما قال ~~: { قريب } لأن الرحمة والغفران والعفو والإنعام بمعنى واحد فقوله : { ولا ~~تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } بمعنى إنعام الله قريب وثواب الله قريب ~~فأجرى حكم أحد اللفظين على الآخر . الثالث : قال النضر بن شميل : الرحمة ~~مصدر ومن حق المصادر التذكير كقوله : { فمن جاءه موعظة } ( البقرة : 275 ) ~~فهذا راجع إلى قول الزجاج لأن الموعظة أريد بها الوعظ ، فلذلك ذكره قال ~~الشاعر : # % إن السماحة والمروءة ضمنا % % قبرا بمرو على الطريق الواضح % % ~~PageV14P111 # قيل : أراد بالسماحة السخاء وبالمروءة الكرم . والرابع : أن يكون التأويل ~~إن رحمة الله ذات مكان قريب من المحسنين كما قالوا : حائض ولابن تامر أي ~~ذات حيض ولبن وتمر . قال الواحدي : أخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري ~~عن الحراني عن ابن ms4033 السكيت قال : تقول العرب : هو قريب مني وهما قريب مني ~~وهم قريب مني وهي قريب مني ، لأنه في تأويل هو في مكان قريب مني وقد يجوز ~~أيضا قريبة وبعيدة تنبيها على معنى قربت وبعدت بنفسها . # المسألة الخامسة : تفسير هذا القرب هو أن الإنسان يزداد في كل لحظة قربا ~~من الآخرة ، وبعدا من الدنيا ، فإن الدنيا كالماضي ، والآخرة كالمستقبل ، ~~والأنسان في كل ساعة ولحظة ولمحة يزداد بعدا عن الماضي ، وقربا من المستقبل ~~. ولذلك قال الشاعر : # % فلا زال ما تهواه أقرب من غد % % ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس % # ولما ثبت أن الدنيا تزداد بعدا في كل ساعة ، وأن الآخرة تزداد قربا في كل ~~ساعة ، وثبت أن رحمة الله إنما تحصل بعد الموت ، لا جرم ذكر الله تعالى : { ~~ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } بناء على هذا التأويل . # ! 7 < { وهو الذى يرسل الرياح بشرى بين يدى رحمته حتى إذآ أقلت سحابا ~~ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات كذالك ~~نخرج الموتى لعلكم تذكرون * والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا ~~يخرج إلا نكدا كذالك نصرف الآيات لقوم يشكرون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 57 - 58 ) وهو الذي يرسل . . . . . # > > # /اعلم أن في كيفية النظم وجهين : الأول : أنه تعالى لما ذكر دلائل ~~الإلهية . وكمال العلم ، والقدرة من العالم العلوي ، وهو السموات والشمس ~~والقمر والنجوم ، أتبعه بذكر الدلائل من بعض أحوال العالم السفلي . واعلم ~~أن أحوال هذا العالم محصورة في أمور أربعة : الآثار العلوية ، والمعادن ، ~~والنبات ، والحيوان ، ومن جملة الآثار العلوية الرياح ، والسحاب ، والأمطار ~~ويترتب على نزول الأمطار أحوال النبات ، وذلك هو المذكور في هذه الآية . # الوجه الثاني : في تقرير النظم أنه تعالى لما أقام الدلالة في الآية ~~الأولى على وجود الإله القادر العالم الحكيم الرحيم ، أقام الدلالة في هذه ~~الآية على صحة القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة ليحصل بمعرفة ~~PageV14P112 هاتين الآيتين كل ما يحتاج إليه في معرفة المبدأ والمعاد ، وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ms4034 { الريح } على لفظ الواحد ~~والباقون { الرياح } على لفظ الجمع ، فمن قرأ { الرياح } بالجمع حسن وصفها ~~بقوله : { بشرا } فإنه وصف الجمع بالجمع ، ومن قرأ { الريح } واحدة قرأ { ~~بشرا } جمعا لأنه أراد بالريح الكثرة كقولهم كثير الدرهم والدينار والشاة ~~والبعير وكقوله : { إن الإنسان * لفى * خسر } ( العصر : 2 ) ثم قال : { إلا ~~الذين ءامنوا } ( العصر : 3 التين : 6 ) فلما كان المراد بالريح الجمع ~~وصفها بالجمع وأما قوله : { نشرا } ( المرسلات : 3 ) ففيه قراآت : إحداها : ~~قراءة الأكثرين { نشرا } بضم النون والشين ، وهو جمع نشور مثل رسل ورسول ، ~~والنشور بمعنى المنشر كالركوب بمعنى المركوب ، فكان المعنى رياح منشرة أي ~~مفرقة من كل جانب والنشر التفريق ، ومنه نشر الثوب ، ونشر الخشبة بالمنشار ~~. وقال الفراء : النشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشر السحاب واحدها ~~نشور وأصله من النشر ، وهو الرائحة الطيبة ومنه قول امرىء القيس ونشر العطر ~~. # والقراءة الثانية : قرأ ابن عامر { نشرا } بضم النون وإسكان الشين ، فخف ~~العين كما يقال كتب ورسل . # والقراءة الثالثة : قرأ حمزة { نشرا } بفتح النون وإسكان الشين والنشر ~~مصدر نشرت الثوب / ضد طويته ويراد بالمصدر ههنا المفعول . والرياح كأنها ~~كانت مطوية ، فأرسلها الله تعالى منشورة بعد انطوائها ، فقوله : { نشرا } ~~مصدر هو حال من الرياح والتقدير : أرسل الرياح منشرات ، ويجوز أيضا أن يكون ~~النشر هنا بمعنى الحياة من قولهم أنشر الله الميت فنشر . قال الأعشى : # يا عجبا للميت الناشر # فإذا حملته على ذلك وهو الوجه . كان المصدر مرادا به الفاعل كما تقول : ~~أتاني ركضا أي راكضا ، ويجوز أيضا أن يقال : أن أرسل ونشر متقاربان ، فكأنه ~~قيل : وهو الذي ينشر الرياح نشرا . # والقراءة الرابعة : حكى صاحب ( الكشاف ) عن مسروق { نشرا } بمعنى منشورات ~~. فعل بمعنى مفعول كنقض وحسب ومنه قولهم : ضم نشره . # والقراءة الخامسة : قراءة عاصم { بشرا } بالباء المنقطة بالمنطقة الواحدة ~~من تحت جمع بشيرا على بشر من قوله تعالى : { يرسل الرياح مبشرات } أي تبشر ~~بالمطر والرحمة / وروى صاحب ( الكشاف ) { بشرا } بضم الشين وتخفيفه و { ~~بشرا } بفتح الباء وسكون الشين مصدر من بشره بمعنى بشره أي باشرات ms4035 وبشرى . # المسألة الثانية : اعلم أن قوله : { وهو الذى يرسل الرياح } معطوف على ~~قوله : { إن ربكم الله الذى خلق * السماوات والارض } ( الأعراف : 54 ) ثم ~~نقول : حد الريح أنه هواء متحرك . فنقول : كون هذا الهواء متحركا ليس لذاته ~~ولا للوازم ذاته ، وإلا لدامت الحركة بدوام ذاته فلا بد وأن يكون لتحريك ~~الفاعل المختار وهو الله جل جلاله . قالت الفلاسفة : ههنا سبب آخر وهو أنه ~~يرتفع من الأرض أجزاء أرضية لطيفة تسخنه تسخينا قويا شديدا فبسبب تلك ~~السخونة الشديدة ترتفع وتتصاعد ، فإذا وصلت إلى القرب من الفلك كان الهواء ~~الملتصق بمقعر الفلك متحركا على استدارة الفلك بالحركة المستديرة التي حصلت ~~لتلك الطبقة من الهواء فيمنع هذه الأدخنة من PageV14P113 الصعود بل يردها ~~عن سمت حركتها ، فحينئذ ترجع تلك الأدخنة وتتفرق في الجوانب ، وبسبب ذلك ~~التفرق تحصل الرياح ، ثم كلما كانت تلك الأدخنة أكثر ، وكان صعودها أقوى ~~كان رجوعها أيضا أشد حركة فكانت الرياح أقوى وأشد . هذا حاصل ما ذكروه ، ~~وهو باطل ، ويدل على بطلانه وجوه : الأول : أن صعود الأجزاء الأرضية إنما ~~يكون لأجل شدة تسخينها ، ولا شك أن ذلك التسخن عرض لأن الأرض باردة يابسة ~~بالطبع ، فإذا كانت تلك الأجزاء الأرضية متصعدة جدا كانت سريعة الانفعال ، ~~فإذا تصاعدت ، ووصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء امتنع بقاء الحرارة فيها ~~بل تبرد جدا ، وإذا بردت امتنع بلوغها في الصعود إلى الطبقة الهوائية ~~المتحركة بحركة الفلك ، فبطل ما ذكروه . # / الوجه الثاني : هب أن تلك الأجزاء الدخانية صعدت إلى الطبقة الهوائية ~~المتحركة بحركة الفلك لكنها لما رجعت ، وجب أن تنزل على الاستقامة ، لأن ~~الأرض جسم ثقيل ، والثقيل إنما يتحرك بالاستقامة والرياح ليست كذلك ، فإنها ~~تتحرك يمنة ويسرة . # الوجه الثالث : وهو أن حركة تلك الأجزاء الأرضية النازلة لا تكون حركة ~~قاهرة ، فإن الرياح إذا أحضرت الغبار الكثير ، ثم عاد ذلك الغبار ، ونزل ~~على السطوح لم يحس أحد بنزولها ، وترى هذه الرياح تقلع الأشجاء وتهدم ~~الجبال وتموج البحار . # والوجه الرابع : أنه لو كان الأمر على ما قالوه ، لكانت الرياح كلما ms4036 كانت ~~أشد ، وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر ، لكنه ليس الأمر ~~كذلك لأن الرياح قد يعظم عصوفها وهبوبها في وجه البحر ، مع أن الحس يشهد ~~أنه ليس في ذلك الهواء المتحرك العاصف شيء من الغبار والكدرة فبطل . ما ~~قالوه ، وبطل بهذا الوجه العلة التي ذكروها في حركة الرياح . قال المنجمون ~~: إن قوى الكواكب هي التي تحرك هذه الرياح وتوجب هبوبها ، وذلك أيضا بعيد ~~لأن الموجب لهبوب الرياح إن كان طبيعة الكواكب وجب دوام الرياح بدوام تلك ~~الطبيعة ، وإن كان الموجب هو طبيعة الكوكب بشرط حصوله في البرج المعين ~~والدرجة المعينة وجب أن يتحرك هواء كل العالم ، وليس كذلك ، وأيضا قد بينا ~~أن الأجسام متماثلة باختصاص الكوكب المعين والبرج المعين فالطبيعة التي ~~لأجلها اقتضت ذلك الأثر الخاص ، لا بد وأن تكون بتخصيص الفاعل المختار . ~~فثبت بهذا البرهان الذي ذكرناه أن محرك الرياح هو الله سبحانه وتعالى . ~~وثبت بالدليل العقلي صحة قوله وهو : { الذى يرسل الرياح } . # المسألة الثالثة : قوله : { بشرا بين يدى رحمته } ( النمل : 63 ) فيه ~~فائدتان : إحداهما : أن قوله : { نشرا } أي منشرة متفرقة ، فجزء من أجزاء ~~الريح يذهب يمنة ، وجزء آخر يذهب يسرة ، وكذا القول في سائر الأجزاء ، فإن ~~كل واحد منها يذهب إلى جانب آخر فنقول : لا شك أن طبيعة الهواء طبيعة واحدة ~~ونسبة الأفلاك والأنجم والطبائع إلى كل واحد من الأجزاء التي لا تتجزأ من ~~تلك الريح نسبة واحدة / فاختصاص بعض أجزاء الريح بالذهاب يمنة والجزء الآخر ~~بالذهاب يسرة وجب أن لا يكون ذلك إلا بتخصيص الفاعل المختار . # والفائدة الثانية : في الآية أن قوله : { بين يدى رحمته } أي بين يدي ~~المطر الذي هو رحمته والسبب في حسن هذا المجاز أن اليدين يستعملهما العرب ~~في معنى التقدمة على سبيل المجاز يقال : إن الفتن تحدث PageV14P114 بين يدي ~~الساعة ، يريدون قبيلها ، والسبب في حسن هذا المجاز ، أن يدي الإنسان ~~متقدماته / فكل ما كان يتقدم شيئا يطلق عليه لفظ اليدين على سبيل المجاز ~~لأجل هذه المشابهة . فلما كانت الرياح تتقدم المطر ms4037 ، لا جرم عبر عنه بهذا ~~اللفظ . # فإن قيل : فقد نجد المطر ولا تتقدمه الرياح . فنقول : ليس في الآية إن ~~هذا التقدم حاصل في كل الأحوال ، فلم يتوجه السؤال ، وأيضا فيجوز أن تتقدمه ~~هذه الرياح وإن كنا لا نشعر بها . # ثم قال تعالى : { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } يقال : أقل فلان الشيء إذا ~~حمله قال صاحب ( الكشاف ) : واشتقاق الإقلال من القلة ، لأن من يرفع شيئا ~~فإنه يرى ما يرفعه قليلا ، وقوله : { سحابا ثقالا } أي بالماء جمع سحابة ، ~~والمعنى حتى إذا حملت هذه الرياح سحابا ثقالا بما فيها من الماء والمعنى أن ~~السحاب الكثيف المستطير للمياه العظيمة إنما يبقى معلقا في الهواء لأنه ~~تعالى دبر بحكمته أن يحرك الرياح تحريكا شديدا ، فلأجل الحركات الشديدة ~~التي في تلك الرياح تحصل فوائد : إحداها : أن أجزاء السحاب ينضم بعضها إلى ~~البعض ويتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر . وثانيها : أن بسبب تلك ~~الحركات الشديدة التي في تلك الرياح يمنة ويسرة يمتنع على تلك الأجزاء ~~المائية النزول ، فلا جرم يبقى متعلقا في الهواء . وثالثها : أن بسبب حركات ~~تلك الرياح ينساق السحاب من موضع إلى موضع آخر وهو الموضع الذي علم الله ~~تعالى احتياجهم إلى نزول الأمطار وانتفاعهم بها . ورابعها : أن حركات ~~الرياح تارة تكون جامعة لأجزاء السحاب موجبة لانضمام بعضها إلى البعض حتى ~~ينعقد السحاب الغليظ ، وتارة تكون مفرقة لأجزاء السحاب مبطلة لها . وخامسها ~~: أن هذه الرياح تارة تكون مقوية للزروع والأشجار مكملة لما فيها من النشو ~~والنماء وهي الرياح اللواقح ، وتارة تكون مبطلة لها كما تكون في الخريف . ~~وسادسها : أن هذه الرياح تارة تكون طيبة لذيذة موافقة للأبدان ، وتارة تكون ~~مهلكة إما بسبب ما فيها من الحر الشديد كما في السموم أو بسبب ما فيها من ~~البرد الشديد كما في الرياح الباردة المهلكة جدا . وسابعها : أن هذه الرياح ~~تارة تكون شرقية ، وتارة تكون غربية وشمالية وجنوبية . وهذا ضبط ذكره بعض ~~الناس وإلا فالرياح تهب من كل جانب من جوانب العالم ولا ضبط لها ، ولا ~~اختصاص لجانب من ms4038 جوانب العالم بها . وثامنها : أن هذه الرياح تارة تصعد من ~~قعر الأرض فإن من ركب البحر يشاهد أن البحر يحصل غليان شديد فيه بسبب تولد ~~الرياح في قعر البحر إلى ما فوق البحر ، وحينئذ يعظم هبوب الرياح في وجه ~~البحر ، وتارة ينزل الريح من جهة فوق فاختلاف الرياح بسبب هذه المعاني أيضا ~~عجيب ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما : الرياح ثمان : أربع منها : عذاب ، وهو ~~القاصف ، والعاصف ، والصرصر ، والعقيم ، وأربعة منها رحمة : الناشرات ، ~~والمبشرات ، والمرسلات ، والذاريات ، / وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ~~نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور ) والجنوب من ريح الجنة ، وعن كعب : لو ~~حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر الأرض ، وعن السدي : أنه ~~تعالى يرسل الرياح فيأتي بالسحاب ثم إنه تعالى يبسطه في السماء كيف يشاء ثم ~~يفتح أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ثم يمطر السحاب بعد ذلك ، ورحمته ~~هو المطر . # إذا عرفت هذا فنقول : اختلاف الرياح في الصفات المذكورة / مع أن طبيعة ~~الهواء واحدة ، وتأثيرات الطبائع والأنجم والأفلاك واحدة ، يدل على أن هذه ~~الأحوال . لم تحصل إلا بتدبير الفاعل المختار سبحانه وتعالى . PageV14P115 # ثم قال تعالى : { سقناه لبلد ميت } والمعنى أنا نسوق ذلك السحاب إلى بلد ~~ميت لم ينزل فيه غيث ولم ينبت فيه خضرة . # فإن قيل : السحاب إن كان مذكرا يجب أن يقول : حتى إذا أقلت سحابا ثقيلا ، ~~وإن كان مؤنثا يجب أن يقول سقناه فكيف التوفيق ؟ ا # والجواب : أن السحاب لفظه مذكر وهو جمع سحابة . فكان ورود الكناية عنه ~~على سبيل التذكير جائزا ، نظرا إلى اللفظ ، وعلى سبيل التأنيث أيضا جائزا ، ~~نظرا إلى كونه جمعا ، أما ( اللام ) في قوله : { سقناه لبلد } ففيه قولان : ~~قال بعضهم هذه ( اللام ) بمعنى إلى يقال هديته للدين وإلى الدين . وقال ~~آخرون : هذه ( اللام ) بمعنى من أجل ، والتقدير سقناه لأجل بلد ميت ليس فيه ~~حيا يسقيه . وأما البلد فكل موضع من الأرض عامر أو غير عامر ، خال أو مسكون ~~فهو بلد والطائفة منه بلدة والجميع البلاد والفلاة تسمى بلدة ms4039 . قال الأعشى ~~: # % وبلدة مثل ظهر الترس موحشة % % للجن بالليل في حافاتها زجل % # ثم قال تعالى : { فأنزلنا به الماء } اختلفوا في أن الضمير في قوله : { ~~به } إلى ماذا يعود ؟ قال الزجاج وابن الأنباري : جائز أن يكون فأنزلنا ~~بالبلد الماء ، وجائز أن يكون فأنزلنا بالسحاب الماء ، لأن السحاب آلة ~~لإنزال الماء . # ثم قال : { فأخرجنا به من كل الثمرات } الكناية عائدة إلى الماء ، لأن ~~إخراج الثمرات كان بالماء . قال الزجاج : وجائز أن يكون التقدير فأخرجنا ~~بالبلد من كل الثمرات ، لأن البلد ليس يخص به هنا بلد دون بلد ، وعلى القول ~~الأول ، فالله تعالى إنما يخلق الثمرات بواسطة الماء . وقال أكثر المتكلمين ~~: إن الثمار غير متولدة من الماء ، بل الله تعالى أجرى عادته بخلق النبات ~~ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب ، وقال جمهور الحكماء : لا يمتنع أن يقال ~~إنه تعالى أودع في الماء قوة طبيعية ، ثم إن تلك القوة الطبيعية توجب حدوث ~~الأحوال المخصوصة عند امتزاج / الماء بالتراب وحدوث الطبائع المخصوصة . ~~والمتكلمون احتجوا على فساد هذا القول ، بأن طبيعة الماء والتراب واحدة . ~~ثم إنا نرى أنه يتولد في النبات الواحد أحوال مختلفة مثل العنب فإن قشره ~~بارد يابس ، ولحمه وماؤه حار رطب ، وعجمه بارد يابس ، فتولد الأجسام ~~الموصوفة بالصفات المختلفة من الماء والتراب ، يدل على أنها إنما حدثت ~~بأحداث الفاعل المختار لا بالطبع والخاصة . # ثم قال تعالى : { كذالك نخرج الموتى } وفيه قولان : الأول : أن المراد هو ~~أنه تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال الأمطار ، فكذلك يحيي الموتى ~~بواسطة مطر ينزله على تلك الأجسام الرميمة . وروي أنه تعالى يمطر على أجساد ~~الموتى فيما بين النفختين مطرا كالمني أربعين يوما ، وإنهم ينبتون عند ذلك ~~ويصيرون أحياء . قال مجاهد : إذا أراد الله أن يبعثهم أمطر السماء عليهم ~~حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن النور والثمر ، ثم يرسل الأرواح ~~فتعود كل روح إلى جسدها . # والقول الثاني : أن التشبيه إنما وقع بأصل الأحياء بعد أن كان ميتا ، ~~والمعنى : أنه تعالى كما أحيا هذا البلد بعد خرابه ، فأنبت فيه ms4040 الشجر وجعل ~~فيه الثمر ، فكذلك يحيي الموتى بعد أن كانوا أمواتا ، لأن من يقدر على ~~إحداث الجسم ، وخلق الرطوبة والطعم فيه ، فهو أيضا يكون قادرا على إحداث ~~الحياة في بدن الميت ، والمقصود منه إقامة الدلالة على أن البعث والقيامة ~~حق . PageV14P116 # واعلم أن الذاهبين إلى القول الأول إن اعتقدوا أنه لا يمكن بعث الأجساد ~~إلا بأن يمطر على تلك الأجساد البالية مطرا على صفة المني / فقد أبعد ، ~~ولأن الذي يقدر على أن يحدث في ماء المطر الصفات التي باعتبارها صار المني ~~منيا ابتداء ، فلم لا يقدر على خلق الحياة والجسم ابتداء ؟ وأيضا فهب أن ~~ذلك المطر ينزل إلا أن أجزاء الأموات غير مختلطة ، فبعضها يكون بالمشرق ، ~~وبعضها يكون بالمغرب ، فمن أين ينفع إنزال ذلك المطر في توليد تلك الأجساد ~~؟ # فإن قالوا : إنه تعالى بقدرته وبحكمته يخرج تلك الأجزاء المتفرقة فلم لم ~~يقولوا إنه بقدرته وحكمته يخلق الحياة في تلك الأجزاء ابتداء من غير واسطة ~~ذلك المطر ؟ وإن اعتقدوا أنه تعالى قادر على إحياء الأموات ابتداء ، إلا ~~أنه تعالى إنما يحييهم على هذا الوجه كما أنه قادر على خلق الأشخاص في ~~الدنيا ابتداء ، إلا أنه أجرى عادته بأنه لا يخلقهم إلا من الأبوين فهذا ~~جائز . # ثم قال تعالى : { لعلكم تذكرون } والمعنى : أنكم لما شاهدتم أن هذه الأرض ~~كانت مزينة وقت الربيع والصيف بالأزهار والثمار ، ثم صارت عند الشتاء ميتة ~~عارية عن تلك الزينة ، ثم إنه تعالى أحياها مرة أخرى ، فالقادر على إحيائها ~~بعد موتها يجب كونه أيضا قادرا على إحياء الأجساد بعد موتها ، فقوله : { ~~لعلكم تذكرون } المراد منه تذكر أنه لما لم يمتنع هذا المعنى في إحدى ~~الصورتين وجب أن لا يمتنع في الصورة الأخرى . # / ثم قال تعالى : { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج ~~إلا نكدا } . # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : # القول الأول : وهو المشهور أن هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر ~~بالأرض الخيرة والأرض السبخة ، وشبه نزول القرآن بنزول المطر ، فشبه المؤمن ~~بالأرض ms4041 الخيرة التي نزل عليها المطر فيحصل فيها أنواع الأزهار والثمار ، ~~وأما الأرض السبخة فهي وإن نزل المطر عليها لم يحصل فيها من النبات إلا ~~النزر القليل ، فكذلك الروح الطاهرة النقية عن شوائب الجهل والأخلاق ~~الذميمة إذا اتصل به نور القرآن ظهرت فيه أنواع من الطاعات والمعارف ~~والأخلاق الحميدة ، والروح الخبيثة الكدرة وإن اتصل به نور القرآن لم يظهر ~~فيه من المعارف والأخلاق الحميدة إلا القليل . # والقول الثاني : أنه ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر ، وإنما ~~المراد أن الأرض السبخة يقل نفعها وثمرتها ، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل ~~أمرها بل يتعب نفسه في إصلاحها طمعا منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة . ~~فمن طلب هذا النفع اليسير بالمشقة العظيمة ، فلأن يطلب النفع العظيم ~~الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لا بد من تحملها في أداء الطاعات ~~، كان ذلك أولى . # المسألة الثانية : هذه الآية دالة على أن السعيد لا ينقلب شقيا وبالعكس ، ~~وذلك لأنها دلت على أن الأرواح قسمان : منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة ~~نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ومنها ما تكون في ~~أصل جوهرها غليظة كدرة بطيئة القبول للمعارف الحقيقية ، والأخلاق الفاضلة ، ~~كما أن الأراضي منها ما تكون سبخة فاسدة ، وكما أنه لا يمكن أن يتولد في ~~الأراضي السبخة تلك الأزهار PageV14P117 والثمار التي تتولد في الأرض ~~الخيرة ، فكذلك لا يمكن أن يظهر في النفس البليدة والكدرة الغليطة من ~~المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة مثل ما يظهر في النفس الطاهرة الصافية ، ~~ومما يقوي هذا الكلام أنا نرى النفوس مختلفة في هذه الصفات فبعضها مجبولة ~~على حب عالم الصفاء والإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانية كما قال تعالى : ~~{ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق } ( المائدة : 83 ) ومنها قاسية شديدة القسوة والنفرة عن قبول هذه ~~المعاني كما قال : { فهى كالحجارة أو أشد قسوة } ( البقرة : 74 ) ومنها ما ~~تكون شديدة الميل إلى قضاء الشهوة متباعدة عن أحوال ms4042 الغضب ، ومنها ما تكون ~~شديدة الميل إلى إمضاء الغضب ، وتكون متباعدة عن أعمال الشهوة بل نقول : من ~~النفوس ما تكون عظيمة الرغبة في المال دون / الجاه ، ومنهم من يكون بالعكس ~~، والراغبون في طلب المال منهم من يكون عظيم الرغبة في العقار وتفضل رغبته ~~في النقود ، ومنهم من تعظم رغبته في تحصيل النقود ولا يرغب في الضياع ~~والعقار ، وإذا تأملت في هذا النوع من الاعتبار تيقنت أن أحوال النفوس ~~مختلفة في هذه الأحوال اختلافا جوهريا ذاتيا لا يمكن إزالته ولا تبديله ، ~~وإذا كان كذلك امتنع من النفس الغليظة الجاهلة المائلة بالطبع إلى أفعال ~~الفجور أن تصير نفسا مشرقة بالمعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة ، ولما ثبت ~~هذا كان تكليف هذه النفس بتلك المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة جاريا ~~مجرى تكليف ما لا يطاق . فثبت بهذا البيان : أن السعيد من سعد في بطن أمه ، ~~والشقي من شقي في بطن أمه ، وأن النفس الطاهرة يخرج نباتها من المعارف ~~اليقينية والأخلاق الفاضلة بإذن ربها ، والنفس الخبيثة لا يخرج نباتها إلا ~~نكدا قليل الفائدة والخير ، كثير الفضول والشر . # والوجه الثاني : من الاستدلال بهذه الآية في هذه المسألة قوله تعالى : { ~~بإذن ربه } وذلك يدل على أن كل ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون إلا ~~بتوفيق الله تعالى . # المسألة الثالثة : قرىء { يخرج نباته } أي يخرجه البلد وينبته . # أما قوله تعالى : { والذى خبث } قال الفراء : يقال : خبث الشيء يخبث خبثا ~~وخباثة . وقوله : { إلا نكدا } النكد : العسر الممتنع من إعطاء الخير على ~~جهة البخل . وقال الليث : النكد : الشؤم واللؤم وقلة العطاء ، ورجل أنكد ~~ونكد قال : # % وأعط ما أعطيته طيبا % % لا خير في المنكود والناكد % # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { والذى خبث } صفة للبلد ومعناه والبلد ~~الخبيث لا يخرج نباته إلا نكدا ، فحذف المضاف الذي هو النبات ، وأقيم ~~المضاف إليه الذي هو الراجح إلى ذلك البلد مقامه ، إلا أنه كان مجرورا ~~بارزا فانقلب مرفوعا مستكنا لوقوعه موقع الفاعل ، أو يقدر ونبات الذي خبث ، ~~وقرىء { نكدا } بفتح الكاف على المصدر أي ذا ms4043 نكد . # ثم قال تعالى : { كذالك نصرف الآيات لقوم يشكرون } قرىء { يصرف } أي ~~يصرفها الله ، وإنما ختم هذه الآية بقوله : { لقوم يشكرون } لأن الذي سبق ~~ذكره هو أنه تعالى يحرك الرياح اللطيفة النافعة ويجعلها سببا لنزول المطر ~~الذي هو الرحمة ويجعل تلك الرياح والأمطار سببا لحدوث أنواع النبات النافعة ~~اللطيفة اللذيدة ، فهذا من أحد الوجهين ذكر الدليل الدال على وجود الصانع ~~وعلمه وقدرته وحكمته ، ومن الوجه الثاني تنبيه PageV14P118 على إيصال هذه ~~النعمة العظيمة إلى العباد ، فلا جرم كانت من حيث إنها دلائل على وجود ~~الصانع وصفاته آيات ومن حيث أنها نعم يجب شكرها ، / فلا جرم قال : { نصرف ~~الآيات لقوم يشكرون } وإنما خص كونها آيات بالقوم الشاكرين لأنهم هم ~~المنتفعون بها ، فهو كقوله : { هدى للمتقين } . # ! 7 < { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه ~~غيره إنىأخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال ~~مبين * قال ياقوم ليس بى ضلالة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم رسالات ~~ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 59 - 62 ) لقد أرسلنا نوحا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة ، وبينات ~~قاهرة ، وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ، وفيه فوائد ~~: أحدها : التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات ليس من ~~خواص قوم محمد عليه الصلاة والسلام بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في ~~جميع الأمم السالفة ، والمصيبة إذا عمت خفت . فكان ذكر قصصهم وحكاية ~~إصرارهم على الجهل والعناد يفيد تسلية الرسول عليه السلام وتخفيف ذلك على ~~قلبه . وثانيها : أنه تعالى يحكي في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين ~~كان إلى الكفر واللعن في الدنيا والخسارة في الآخرة وعاقبة أمر المحقين إلى ~~الدولة في الدنيا والسعادة في الآخرة ، وذلك يقوي قلوب المحقين ويكسر قلوب ~~المبطلين . وثالثها : التنبيه على أنه تعالى وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ~~ولكنه لا يهملهم بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه ms4044 . ورابعها : بيان أن هذه ~~القصص دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، لأنه عليه السلام كان أميا ~~وما طالع كتابا ولا تلمذ أستاذا ، فإذا ذكر هذه القصص على الوجه من غير ~~تحريف ولا خطأ ، دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحي من الله ، وذلك يدل على ~~صحة نبوته . # / ولقائل أن يقول : الأخبار عن الغيوب الماضية لا يدل على المعجز ، ~~لاحتمال أن يقال إن إبليس شاهد هذه الوقائع فألقاها إليه ، أما الأخبار عن ~~الغيوب المستقبلة فإنه معجز لأن علم الغيب ليس إلا لله سبحانه وتعالى . # واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصة آدم عليه السلام ، وقد سبق ذكرها ~~. PageV14P119 # والقصة الثانية : قصة نوح عليه السلام وهي المذكورة في هذه الآية وهو نوح ~~بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وأخنوخ اسم إدريس النبي عليه السلام ، وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { لقد أرسلنآ } جواب قسم ~~محذوف . # فإن قالوا : ما السبب في أنهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد ، ~~وذكر هذه اللام بدون قد نادر كقوله : # % حلفت لها بالله حلفة فاجر * لناموا % % # قلنا : إنما كان كذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة ~~المقسم عليها التي هي جوابها . فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى ( قد ~~) عند استماع المخاطب كلمة القسم . # المسألة الثانية : قرأ الكسائي { غيره } بكسر الراء على أنه نعت للإله ~~على اللفظ والباقون بالرفع على أنه صفة للإله على الموضع . لأن تقدير ~~الكلام ما لكم إله غيره ، وقال أبو علي : وجه من قرأ بالرفع قوله : { وما ~~من إلاه إلا الله } ( آل عمران : 62 ) فكما أن قوله : { إلا الله } بدل من ~~قوله : { ما من * إله } كذلك قوله : { غيره } يكون بدلا من قوله : { من إله ~~} فيكون { غير } رفعا بالاستثناء ، وقال صاحب الكشاف : قرىء { غير } ~~الحركات الثلاث ، وذكر وجه الرفع والجر كما تقدم ، قال وأما النصب فعلى ~~الاستثناء بمعنى ما لكم من إله إلا إياه كقولك ما في الدار من أحد إلا زيدا ~~وغير زيد . # المسألة الثالثة : قال الواحدي ms4045 : في الكلام حذف ، وهو خبر { ما } لأنك ~~إذا جعلت { غيره } صفة لقوله : { إله } لم يبق لهذا المنفي خبر ، والكلام ~~لا يستقل بالصفة والموصوف ، لأنك إذا قلت زيد العاقل وسكت ، لم يفد ما لم ~~تذكر خبره . ويكون التقدير ما لكم من إله غيره في الوجود ، أقول : اتفق ~~النحويون على أن قولنا لا إله إلا الله لا بد فيه من إضمار ، والتقدير : لا ~~إله في الوجود أو لا إله لنا إلا الله ولم يذكروا على هذا الكلام حجة ، ~~فإنا نقول لم لا يجوز أن يقال دخل حرف النفي على هذه الحقيقة ؟ وعلى هذه ~~الماهية ، فيكون المعنى أنه لا تحقق لحقيقة الإلهية إلا في حق الله ، وإذا ~~حملنا الكلام على هذا المعنى استغنينا عن الإضمار الذي ذكروه . # فإن قالوا : صرف النفي إلى الماهية لا يمكن لأن الحقائق لا يمكن نفيها ، ~~فلا يمكن أن يقال / لا سواد بمعنى ارتفاع هذه الماهية ، وإنما الممكن أن ~~يقال إن تلك الحقائق غير موجودة ولا حاصلة ، وحينئذ يجب إضمار الخبر . # فنقول : هذا الكلام بناء على أن الماهية لا يمكن انتفاؤها وارتفاعها ، ~~ولك باطل قطعا . إذ لو كان الأمر كذلك لوجب امتناع ارتفاع الوجود لأن ~~الوجود أيضا حقيقة من الحقائق وماهية فلم لا يمكن ارتفاع سائر الماهيات ؟ # فإن قالوا : إذا قلنا لا رجل ، وعنينا به نفي كونه موجودا ، فهذا النفي ~~لم ينصرف إلى ماهية الوجود ، وإنما انصرف إلى كون ماهية الرجل موصوفة ~~بالوجود . # فنقول : تلك الموصوفية يستحيل أن تكون أمرا زائدا على الماهية وعلى ~~الوجود ، إذ لو كانت PageV14P120 الموصوفية ماهية ، والوجود ماهية أخرى ، ~~لكانت تلك الماهية موصوفة أيضا بالوجود ، والكلام فيه كما فيما قبله ، ~~فيلزم التسلسل ، ويلزم أن لا يكون الموجود الواحد موجودا واحدا ، بل ~~موجودات غير متناهية وهو محال . ثم نقول موصوفية الماهية بالوجود إما أن ~~يكون أمرا مغايرا للماهية والوجود ، وإما أن لا يكون كذلك . فإن لم يكن ~~أمرا مغايرا لها فحينئذ يكون لذلك المغاير ماهية ووجود ، وماهيته لا تقبل ~~الارتفاع ، وحينئذ يعود السؤال المذكور . فثبت بما ms4046 ذكرنا أن الماهية أن لم ~~تقبل النفي والرفع ، امتنع صرف حرف النفي إلى شيء من المفهومات ، فإن كانت ~~الماهية قابلة للنفي والرفع ، فحينئذ يمكن صرف كلمة ( لا ) في قولنا لا إله ~~إلا الله إلى هذه الحقيقة ، وحينئذ لا يحتاج إلى التزام الحذف والإضمار ~~الذي يذكره النحويون ، فهذا كلام عقلي صرف ، وقع في هذا البحث الذي ذكره ~~النحويون . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { لقد أرسلنآ } فيه قولان : قال ابن عباس ~~: بعثنا . وقال آخرون : معنى الإرسال أنه تعالى حمله رسالة يؤديها ، ~~فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث ، فيكون البعث كالتابع لا أنه ~~الأصل ، وهذا البحث بناء على مسألة أصولية ، وهي أنه هل من شرط إرسال ~~الرسول إلى قوم ، أن يعرفهم على لسانه أحكاما لا سبيل لهم إلى معرفتها ~~بعقولهم ، أوليس ذلك بشرط ؟ بل يكون الغرض من بعثة الرسل مجرد تأكيد ما في ~~العقول ، وهذا الخلاف إنما يليق بتفاريع المعتزلة ، ولا يليق بتفاريع ~~مذاهبنا وأصولنا . # المسألة الخامسة : في الآية فوائد : # الفائدة الأولى : إنه تعالى حكى عن نوح في هذه الآية ثلاثة أشياء : أحدها ~~: إنه عليه السلام أمرهم بعبادة الله تعالى . والثاني : إنه حكم أن لا إله ~~غير الله ، والمقصود من الكلام الأول إثبات التكليف ، والمقصود من الكلام ~~الثاني الإقرار بالتوحيد . # / ثم قال عقيبه : { إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ولا شك أن المراد منه ~~إما عذاب يوم القيامة ، وعلى هذا التقدير : فهو قد خوفهم بيوم القيامة ، ~~وهذا هو الدعوى الثالثة ، أو عذاب يوم الطوفان ، وعلى هذا التقدير : فقد ~~ادعى الوحي والنبوة من عند الله / والحاصل أنه تعالى حكى عنه أنه ذكر هذه ~~الدعاوى الثلاثة ، ولم يذكر على صحة واحد منها دليلا ولا حجة ، فإن كان قد ~~أمرهم بالإنذار بها على سبيل التقليد ، فهذا باطل ، لما أن القول بالتقليد ~~باطل . وأيضا فالله تعالى قد ملأ القرآن من ذم التقليد ، فكيف يليق بالرسول ~~المعصوم الدعوة إلى التقليد ؟ وإن كان قد أمرهم بالإقرار بها مع ذكر الدليل ~~، فهذا الدليل غير مذكور . # واعلم أنه تعالى ذكر في ms4047 أول سورة البقرة دلائل التوحيد والنبوة ، وصحة ~~المعاد ، وذلك تنبيه منه تعالى على أن أحدا من الأنبياء لا يدعو أحدا إلى ~~هذه الأصول إلا بذكر الحجة والدليل . أقصى ما في الباب أنه تعالى ما حكى عن ~~نوح تلك الدلائل في هذا المقام إلا أن تلك الدلائل لما كانت معلومة لم يكن ~~إلى ذكرها حاجة في هذا المقام ، فترك الله تعالى ذكر الدلائل لهذا السبب . # الفائدة الثانية : أنه عليه السلام ذكر أولا قوله : { اعبدوا الله } ~~وثانيا قوله : { ما لكم من إلاه غيره } والثاني كالعلة للأول ، لأنه إذا لم ~~يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف ~~حاصلا من الله ، ونهاية الإنعام توجب نهاية التعظيم ، فإنما وجبت عبادة ~~الله لأجل العلم بأنه لا إله إلا الله ، PageV14P121 ويتفرع على هذا البحث ~~مسألة وهي : أنا قبل العلم بأن لا إله واحد أو أكثر من واحد لا نعلم أن ~~المنعم علينا بوجوه النعم الحاصلة عندنا هو هذا أم ذاك ؟ وإذا جهلنا ذلك ~~فقد جهلنا من كان هو المنعم في حقنا . وحينئذ لا يحسن عبادته ، فعلى هذا ~~القول كان العلم بالتوحيد شرطا للعلم بحسن العبادة . # الفائدة الثالثة : في هذه الآية أن ظاهر هذه الآية يدل على أنه الإله هو ~~الذي يستحق العبادة لأن قوله : { اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره } إثبات ~~ونفي ، فيجب أن يتواردا على مفهوم واحد حتى يستقيم الكلام ، فكان المعنى ~~أعبدوا الله ما لكم من معبود غيره ، حتى يتطابق النفي والإثبات ، ثم ثبت ~~بالدليل أن الإله ليس هو المعبود وإلا لوجب كون الأصنام آلهة ، وأن لا يكون ~~الإله إلها في الأزل لأجل أنه في الأزل غير معبود ، فوجب حمل لفظ الإله على ~~أنه المستحق للعبادة . # واعلم أنهم اختلفوا في معنى قوله : { إنى أخاف عليكم } هل هو اليقين ، أو ~~الخوف بمعنى الظن والشك . قال قوم : المراد منه الجزم واليقين ، لأنه كان ~~جازما بأن العذاب ينزل بهم إما في الدنيا وإما في / الآخرة إن لم يقبلوا ~~ذلك ms4048 الدين . وقال آخرون : بل المراد منه الشك وتقريره من وجوه : الأول : ~~إنه إنما قال : { إنى أخاف عليكم } لأنه جوز أن يؤمنوا كما جوز أن يستمروا ~~على كفرهم ، ومع هذا التجويز لا يكون قاطعا بنزول العذاب ، فوجب أن يذكره ~~بلفظ الخوف . والثاني : أن حصول العقاب على الكفر والمعصية أمر لا يعرف إلا ~~بالسمع ولعل الله تعالى ما بين له كيفية هذه المسألة فلا جرم بقي متوقفا ~~مجوزا أنه تعالى هل يعاقبهم على ذلك الكفر أم لا ؟ والثالث : يحتمل أن يكون ~~المراد من الخوف الحذر كما قال في الملائكة : { يخافون ربهم } ( النحل : 50 ~~) أي يحذرون المعاصي خوفا من العقاب . الرابع : إنه بتقدير أن يكون قاطعا ~~بنزول أصل العذاب لكنه ما كان عارفا بمقدار ذلك العذاب ، وهو أنه عظيم جدا ~~أو متوسط ، فكان هذا الشك راجعا إلى وصف العقاب ، وهو كونه عظيما أم لا ، ~~لا في أصل حصوله . # ثم إنه تعالى حكى ما ذكره في قومه ، فقال : { قال الملا من قومه إنا ~~لنراك في ضلال مبين } وقال المفسرون : { الملا } الكبراء والسادات الذين ~~جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء ، والدليل عليه أن قوله { من قومه } يقتضي أن ~~ذلك الملأ بعض قومه / وذلك البعض لا بد وأن يكونوا موصوفين بصفة لأجلها ~~استحقوا هذا الوصف ، وذلك بأن يكونوا هم الذين يملؤن صدور المجالس ، ~~وتمتلىء القلوب من هيبتهم ، وتمتلىء الأبصار من رؤيتهم ، وتتوجه العيون في ~~المحافل إليهم ، وهذه الصفات لا تحصل إلا في الرؤساء ، وذلك يدل على أن ~~المراد من الملأ الرؤساء والأكابر . وقوله : { إنا لنراك } هذه الرؤية لا ~~بد وأن تكون بمعنى الإعتقاد والظن دون المشاهدة والرؤية . وقوله : { فى ~~ضلال مبين } أي في خطأ ظاهر وضلال بين ، ولا بد وأن يكون مرادهم نسبة نوح ~~إلى الضلال في المسائل الأربع التي بينا أن نوحا عليه السلام ذكرها ، وهي ~~التكليف والتوحيد والنبوة والمعاد ، ولما ذكروا هذا الكلام . أجاب نوح عليه ~~السلام بقوله : { قال ياقوم ليس بى ضلالة } . # فإن قالوا : إن القوم قالوا : { إنا لنراك في ضلال مبين } . # فجوابه أن يقال ms4049 : ليس بي ضلال ، فلم ترك هذا الكلام ، وقال : ليس بي ~~ضلالة ؟ # قلت : لأن قوله : { ليس بى ضلالة } أي ليس بي نوع من أنواع الضلالة ألبتة ~~، فكان هذا أبلغ في عموم السلب ، ثم إنه عليه السلام لما نفي عن نفسه العيب ~~الذي وصفوه به ، ووصف نفسه بأشرف الصفات PageV14P122 وأجلها ، وهو كونه ~~رسولا إلى الخلق من رب العالمين . ذكر ما هو المقصود من الرسالة ، وهو ~~أمران : الأول : تبليغ الرسالة . والثاني : تقرير النصيحة . فقال : { ~~أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو { أبلغكم } بالتخفيف ، من أبلغ ، ~~والباقون بالتشديد . قال الواحدي : وكلا الوجهين جاء في التنزيل ، فالتخفيف ~~قوله : { فإن تولوا فقد أبلغتكم } ( هود : 57 ) والتشديد { فما بلغت رسالته ~~} ( المائدة : 67 ) . # المسألة الثانية : الفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ ~~الرسالة معناه : أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه ، وأما ~~النصيحة : فهو أنه يرغبه في الطاعة ، ويحذره عن المعصية ، ويسعى في تقرير ~~ذلك الترغيب والترهيب لأبلغ وجوه ، وقوله : { رسالات ربى } يدل على أنه ~~تعالى حمله أنواعا كثيرة من الرسالة . وهي أقسام التكاليف من الأوامر ~~والنواهي ، وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ، ومقادير الحدود ~~والزواجر في الدنيا ، وقوله : { وأنصح لكم } قال الفراء : لا تكاد العرب ~~تقول : نصحتك ، إنما تقول : نصحت لك ، ويجوز أيضا نصحتك . قال النابغة : # % نصحت بني عوف فلم يتقبلوا % % رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي % # وحقيقة النصح الإرسال إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه ، ~~والمعنى : أني أبلغ إليكم تكاليف الله ، ثم أرشدكم إلى الأصوب الأصلح ، ~~وأدعوكم إلى ما دعاني ، وأحب إليكم ما أحبه لنفسي . # ثم قال : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } وفيه وجوه : الأول : واعلم أنكم ~~إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان . الثاني : واعلم أنه يعاقبكم في الآخرة ~~عقابا شديدا خارجا عما تتصوره عقولكم . الثالث : يجوز أن يكون المراد : ~~واعلم من توحيد الله وصفات جلاله ما لا تعلمون . ويكون المقصود من ذكر هذا ~~الكلام : حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم . # ! 7 < { أو ms4050 عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ~~ولعلكم ترحمون * فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا ~~بأاياتنآ إنهم كانوا قوما عمين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 63 - 64 ) أوعجبتم أن جاءكم . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ~~ولتتقوا } يدل على أن مراد / القوم من قولهم لنوح عليه السلام : { إنا ~~لنراك في ضلال مبين } هو أنهم نسبوه في ادعاء النبوة إلى الضلال ، وذلك من ~~وجوه : أحدها : أنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه ، لأجل أنهم ~~اعتقدوا أن المقصود من PageV14P123 الإرسال هو التكليف . والتكليف لا منفعة ~~فيه للمعبود لكونه متعاليا عن النفع والضرر ، ولا منفعة فيه للعابد ، لأنه ~~في الحال يوجب المضرة العظيمة ، وكل ما يرجى فيه من الثواب ودفع العقاب ، ~~فالله قادر على تحصيله بدون واسطة التكليف ، فيكون التكليف عبثا ، والله ~~متعال عن العبث ، وإذا بطل التكليف بطل القول بالنبوة . وثانيها : أنهم وإن ~~جوزوا التكليف إلا أنهم قالوا : ما علم حسنه بالعقل فعلناه ، وما علم قبحه ~~تركناه ، وما لا نعلم فيه لا حسنه ولا قبحه ، فإن كنا مضطرين إليه فعلناه ، ~~لعلمنا أنه متعال عن أن يكلف عبده ما لا طاقة له به ، وإن لم نكن مضطرين ~~إليه تركناه للحذر عن خطر العقاب ، ولما كان رسول العقل كافيا فلا حاجة إلى ~~بعثة رسول آخر . وثالثها : أن بتقدير : أنه لا بد من الرسول ؛ فإن إرسال ~~الملائكة أولى ، لأن مهابتهم أشد ، وطهاراتهم أكمل ، واستغناءهم عن المأكول ~~والمشروب أظهر ، وبعدهم عن الكذب والباطل أعظم . ورابعها : أن بتقدير : أن ~~يبعث رسولا من البشر ، فلعل القوم اعتقدوا أن من كان فقيرا ، ولم يكن له ~~تبع ورياسة فإنه لا يليق به منصب الرسالة ، ولعلهم اعتقدوا أن الذي ظن نوح ~~عليه السلام أنه من باب الوحي ، فهو من جنس الجنون والعته وتخييلات الشيطان ~~، فهذا هو الإشارة إلى مجامع الوجوه التي لأجلها أنكر الكفار رسالة رجل ~~معين ، فلهذه الأسباب حكموا على نوح بالضلالة ، ثم أن نوحا عليه الصلام ~~أزال ms4051 تعجبهم وقال : إنه تعالى خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عبيده ~~ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها ، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير ~~واسطة ، لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء ، وهو ينافي التكليف ، ولا يجوز أن ~~يكون ذلك الرسول واحدا من الملائكة لما ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير ~~قوله تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) فبقي أن ~~يكون أيصال تلك التكاليف إلى الخلق بواسطة إنسان ، وذلك الإنسان إنما ~~يبلغهم تلك التكاليف لأجل أن ينذرهم ويحذرهم ، ومتى أنذرهم اتقوا مخالفة ~~تكليف الله ، ومتى اتقوا مخالفة تكليف الله استوجبوا رحمة الله ، فهذا هو ~~المراد من قوله : { لينذركم ولتتقوا * لعلكم ترحمون } ( الأعراف : 63 ) . # إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية . # أما قوله : { * أوعجبتم } فالهمزة للإنكار ، والواو للعطف ، والمعطوف ~~عليه محذوف ، كأنه قيل : أكذبتم وعجبتم أن جاءكم ؟ أي عجبتم أن جاءكم ذكر . ~~وذكروا في تفسير هذا الذكر وجوها . قال الحسن : إنه الوحي الذي جاءهم به . ~~وقال آخرون : المراد بهذا الذكر المعجز ، ثم ذلك المعجز يحتمل / وجهين : ~~أحدهما : أنه تعالى كان قد أنزل عليه كتابا ، وكان ذلك الكتاب معجزا ، ~~فسماه الله تعالى ذكرا ، كما سمي القرآن بهذا الاسم ، وجعله معجزة لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم . والثاني : أن ذلك المعجز كان شيئا آخر سوى الكتاب . ~~وقوله : { القرءان على رجل } قال الفراء : { على } ههنا بمعنى مع ما تقول : ~~جاء بالخبر على وجهه ومع وجهه ، كلاهما جائز . وقال ابن قتيبة : أي على ~~لسان رجل منكم ، كما قال { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك } ( آل عمران : ~~194 ) أي على لسان رسلك . وقال آخرون : { ذكر من ربكم } منزل على رجل ، ~~وقوله : { منكم } أي تعرفون نسبه فهو منكم نسبا ، وذلك لأن كونه منهم يزيل ~~التعجب ، لأن المرء بمن هو من جنسه أعرف ، وبطهارة أحواله أعلم ، وبما ~~يقتضي السكون إليه أبصر ، ثم بين تعالى ما لأجله يبعث الرسول ، فقال : { ~~لينذركم } وما لأجله ينذر ، فقال : { ولتتقوا } وما لأجله يتقون ، فقال : { ~~ولعلكم ترحمون } وهذا الترتيب في غاية الحسن ms4052 ، فإن المقصود من البعثة ~~الإنذار ، والمقصود من الإنذار . التقوى عن كل ما لا ينبغي ، والمقصود من ~~التقوى ، الفوز بالرحمة في PageV14P124 دار الآخرة . قال الجبائي والكعبي ~~والقاضي : هذه الآية دالة على أنه تعالى أراد من الذين بعث الرسل إليهم ، ~~التقوى والفوز بالرحمة ، وذلك يبطل قول من يقول : إنه تعالى أراد من بعضهم ~~الكفر والعناد ، وخلقهم لأجل العذاب والنار . # وجواب أصحابنا أن نقول : إن لم يتوقف الفعل على الداعي لزم رجحان الممكن ~~لا لمرجح ، وإن توقف لزم الجبر ، ومتى لزم ذلك وجب القطع ، فإنه تعالى أراد ~~الكفر من الكافر ، وذلك يبطل مذهبكم . ثم بين تعالى أنهم مع لك كذبوه في ~~ادعاء النبوة وتبليغ التكاليف من الله وأصروا على ذلك التكذيب ، ثم إنه ~~تعالى أنجاه في الفلك وأنجى من كان معه من المؤمنين وأغرق الكفار والمكذبين ~~. وبين العلة في ذلك فقال : { إنهم كانوا قوما عمين } قال ابن عباس : عميت ~~قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد ، قال أهل اللغة : يقال رجل عم في ~~البصيرة وأعمى في البصر { فعميت عليهم الانباء يومئذ } ( القصص : 66 ) وقال ~~: { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها } ( الأنعام : ~~104 ) قال زهير : # % وأعلم ما في اليوم والأمس قبله % % ولكنني عن علم ما في غد عمي % # قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { عامين } والفرق بين العمي والعامي أن العمي ~~يدل على عمي ثابت . والعامي على عمي حادث ، ولا شك أن عماهم كان ثابتا ~~راسخا ، والدليل عليه قوله تعالى في آية أخرى : { وأوحى إلى نوح أنه لن ~~يؤمن من قومك إلا من قد ءامن } ( هود : 36 ) . # ! 7 < { وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره ~~أفلا تتقون * قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك ~~من الكاذبين * قال ياقوم ليس بى سفاهة ولكنى رسول من رب العالمين * أبلغكم ~~رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين * أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل ~~منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم ms4053 نوح وزادكم فى الخلق بسطة ~~فاذكروا ءالآء الله لعلكم تفلحون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 65 - 69 ) وإلى عاد أخاهم . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو القصة الثانية ، وهي قصة هود مع قومه . PageV14P125 # أما قوله : { وإلى عاد أخاهم هودا } ففيه أبحاث : # البحث الأول : انتصب قوله : { أخاهم } بقوله : { أرسلنا } في أول الكلام ~~والتقدير { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } { وأرسلنا * إلى * عاد أخاهم هودا } ~~. # البحث الثاني : اتفقوا على أن هودا ما كان أخا لهم في الدين . واختلفوا ~~في أنه . هل كان أخا قرابة قريبة أم لا ؟ قال الكلبي : إنه كان واحدا من ~~تلك القبيلة ، وقال آخرون : إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من جنس ~~الملائكة فكفي هذا القدر في تسمية هذه الأخوة ، والمعنى أنا بعثنا إلى عاد ~~واحدا من جنسهم وهو البشر ليكون ألفهم والأنس بكلامه وأفعاله أكمل . وما ~~بعثنا إليهم شخصا من غير جنسهم مثل ملك أو جني . # / البحث الثالث : أخاهم : أي صاحبهم ورسولهم ، والعرب تسمي صاحب القوم أخ ~~القوم ، ومنه قوله تعالى : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } ( الأعراف : 38 ) ~~أي صاحبتها وشبيهتها . وقال عليه السلام : ( إن أخا صداء قد أذن وإنما يقيم ~~من أذن ) يريد صاحبهم . # البحث الرابع : قالوا نسب هود هذا : هود بن شالخ ، بن أرفخشد ، بن سام . ~~بن نوح . وأما عاد فهم قوم كانوا باليمن بالأحقاف ، قال ابن إسحق : ~~والأحقاف ، الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت . # البحث الخامس : اعلم أن ألفاظ هذه القصة موافقة للألفاظ المذكورة في قصة ~~نوح عليه السلام إلا في أشياء : الأول : في قصة نوح عليه السلام : { فقال ~~ياقوم * قوم * اعبدوا الله } ( الأعراف : 59 ) وفي قصة هود : { قال ياءادم ~~* قوم * اعبدوا الله } والفرق أن نوحا عليه السلام كان مواظبا على دعواهم ~~وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة . وأما هود فما كانت مبالغته ~~إلى هذا الحد فلا جرم جاء ( فاء التعقيب ) في كلام نوح دون كلام هود . ~~والثاني : أن في قصة نوح { اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره إنى أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم } ( الأعراف : 59 ms4054 ) وقال في هذه القصة : { اعبدوا الله ما ~~لكم من إلاه غيره أفلا تتقون } والفرق بين الصورتين أن قبل نوح عليه السلام ~~لم يظهر في العالم مثل تلك الواقعة العظيمة وهي الطوفان العظيم ، فلا جرم ~~أخبر نوح عن تلك الواقعة فقال : { إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } وأما ~~واقعة هود عليه السلام فقد كانت مسبوقة بواقعة نوح وكان عند الناس علم بتلك ~~الواقعة قريبا ، فلا جرم اكتفى هود بقوله : { أفلا تتقون } والمعنى تعرفون ~~أن قوم نوح لما لم يتقوا الله ولم يطيعوه نزل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر ~~خبره في الدنيا فكان قوله : { أفلا تتقون } إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة ~~المتقدمة المشهورة في الدنيا . # والفرق الثالث : قال تعالى في قصة نوح : { قال الملا من قومه } وقال في ~~قصة هود : { قال الملا الذين كفروا من قومه } والفرق أنه كان في أشراف قوم ~~هود من آمن به ، منهم مرثد بن سعد ، أسلم وكان يكتم إيمانه فأريدت التفرقة ~~بالوصف ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن . # والفرق الرابع : أنه تعالى حكى عن قوم نوح أنهم قالوا : { إنا لنراك في ~~ضلال مبين } وحكى عن قوم هود أنهم قالوا : { إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك ~~من الكاذبين } والفرق بين الصورتين أن نوحا عليه السلام كان يخوف الكفار ~~بالطوفان العام وكان أيضا مشتغلا بإعداد السفينة وكان يحتاج إلى أن يتعب ~~نفسه في إعداد السفينة ، فعند هذا ، القوم قالوا : { إنا لنراك في ضلال ~~مبين } ( الأعراف : 60 ) ولم يظهر شيء من العلامات التي تدل على ~~PageV14P126 ظهور الماء في تلك المفازة . أما هود عليه السلام فما ذكر شيئا ~~/ إلا أنه زيف عبادة الأوثان ونسب من اشتغل بعبادتها إلى السفاهة وقلة ~~العقل . فلما ذكر هود هذا الكلام في أسلافهم قابلوه بمثله ونسبوه إلى ~~السفاهة ثم قالوا : { وإنا لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة واختلفوا ~~في تفسير هذا الظن فقال بعضهم : المراد منه القطع والجزم ، وورود الظن بهذا ~~المعنى في القرآن كثير . قال تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( ~~البقرة : 46 ) وقال ms4055 الحسن والزجاج : كان تكذيبهم إياه على الظن لا على ~~اليقين فكفروا به ظانين لا متيقنين ، وهذا يدل على أن حصول الشك والتجويز ~~في أصول الدين يوجب الكفر . # والفرق الخامس : بين القصتين أن نوحا عليه السلام . قال : { أبلغكم ~~رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } ( الأعراف : 62 ) وأما ~~هود عليه السلام فقال : { أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين } فنوح ~~عليه السلام . قال : { أنصح لكم } وهو صيغة الفعل وهود عليه السلام قال : { ~~وأنا لكم ناصح } وهو صيغة اسم الفاعل ونوح عليه السلام . قال : { وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون } وهود عليه السلام لم يقل ذلك ، ولكنه زاد فيه كونه ~~أمينا ، والفرق بين الصورتين أن الشيخ عبد القاهر النحوي ذكر في كتاب دلائل ~~الإعجاز أن صيغة الفعل تدل على التجدد ساعة فساعة ، وأما صيغة اسم الفاعل ~~فإنها دالة على الثبات والاستمرار على ذلك الفعل . # وإذا ثبت هذا فنقول : إن القوم كانوا يبالغون في السفاحة على نوح عليه ~~السلام ، ثم إنه في اليوم الثاني كان يعود إليهم ويدعوهم إلى الله ، وقد ~~ذكر الله تعالى عنه ذلك فقال : { رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا } ( نوح : 5 ~~) فلما كان من عادة نوح عليه السلام العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم ~~وفي كل ساعة لا جرم ذكره بصيغة الفعل ، فقال : { وأنصح لكم } وأما هود عليه ~~السلام فقوله : { وأنا لما * ناصح } يدل على كونه مثبتا في تلك النصيحة ~~مستقرا فيها . أما ليس فيها إعلام بأنه سيعود إلى ذكرها حالا فحالا ويوما ~~فيوما ، وأما الفرق الآخر في هذه الآية وهو أن نوحا عليه السلام قال : { ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون } وهودا وصف نفسه بكونه أمينا . فالفرق أن نوحا ~~عليه السلام كان أعلى شأنا وأعظم منصبا في النبوة من هود ، فلم يبعد أن ~~يقال : إن نوحا كان يعلم من أسرار حكم الله وحكمته ما لم يصل إليه هود ، ~~فلهذا السبب أمسك هود لسانه عن ذكر تلك الكلمة ، واقتصر على أن وصف نفسه ~~بكونه ms4056 أمينا : ومقصود منه أمور : أحدها : الرد عليهم في قولهم : { وإنا ~~لنظنك من الكاذبين } وثانيها : أن مدار أمر الرسالة والتبليغ عن الله على ~~الأمانة فوصف نفسه بكونه أمينا تقريرا للرسالة والنبوة . وثالثها : كأنه ~~قال لهم : كنت قبل هذه الدعوى أمينا فيكم ، ما وجدتم مني غدرا ولا مكرا ولا ~~كذبا ، واعترفتم لي بكوني أمينا فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب ؟ # / واعلم أن الأمين هو الثقة ، وهو فعيل من أمن يأمن أمنا فهو آمن وأمين ~~بمعنى واحد . # واعلم أن القوم لما قالوا له : { إنا لنراك في سفاهة } فهو لم يقابل ~~سفاهتهم بالسفاهة بل قابلها بالحلم والإغضاء ولم يزد على قوله : { ليس بى ~~سفاهة } وذلك يدل على أن ترك الانتقام أولى كما قال : { وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) . # أما قوله : { ولكني رسول من رب العالمين } فهو مدح للنفس بأعظم صفات ~~المدح . وإنما فعل ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام القوم بذلك ، وذلك يدل على ~~أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز . PageV14P127 # والفرق السادس : بين القصتين أن نوحا عليه السلام قال : { عجبتم أن جاءكم ~~ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون } ( الأعراف : 63 ~~) وفي قصة هود أعاد هذا الكلام بعينه إلا أنه حذف منه قوله : { ولتتقوا ~~ولعلكم ترحمون } والسبب فيه أنه لما ظهر في القصة الأولى أن فائدة الإنذار ~~هي حصول التقوى الموجبة للرحمة لم يكن إلى إعادته في هذه القصة حاجة ، وأما ~~بعد هذه الكلمة فكله من خواص قصة هود عليه السلام وهو قوله تعالى حكاية عن ~~هود عليه السلام : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } ( الأعراف : ~~69 ) . # واعلم أن الكلام في الخلفاء والخلائف والخليفة قد مضى في مواضع ، ~~والمقصود منه أن تذكر النعم العظيمة يوجب الرغبة والمحبة وزوال النفرة ~~والعداوة ، وقد ذكر هود عليه السلام ههنا نوعين من الأنعام : الأول : أنه ~~تعالى جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح ، وذلك بأن أورثهم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم وما يتصل بها من المنافع والمصالح . والثاني : قوله : { وزادكم فى ms4057 ~~الخلق بسطة } وفيه مباحث : # البحث الأول : { الخلق } في اللغة عبارة عن التقدير ، فهذا اللفظ إنما ~~ينطلق على الشيء الذي له مقدار وجثة وحجمية ، فكان المراد حصول الزيادة في ~~أجسامهم ، ومنهم من حمل هذا اللفظ على الزيادة في القوة ، وذلك لأن القوى ~~والقدر متفاوتة ، فبعضها أعظم وبعضها أضعف . # إذا عرفت هذا فنقول : لفظ الآية يدل على حصول الزيادة واعتداد تلك ~~الزيادة ، فليس في اللفظ ألبتة ما يدل عليه إلا أن العقل يدل على أن تلك ~~الزيادة يجب أن تكون زيادة عظيمة واقعة على خلاف المعتاد ، وإلا لم يكن ~~لتخصيصها بالذكر في معرض الأنعام فائدة . قال الكلبي : كان أطولهم مائة ~~ذراع وأقصرهم ستين ذراعا ، وقال آخرون : تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يدا ~~إنسان إذا رفعهما ، ففضلوا على أهل زمانهم بهذا القدر ، وقال قوم يحتمل أن ~~يكون المراد من قوله : / { وزادكم فى الخلق بسطة } كونهم من قبيلة واحدة ~~متشاركين في القوة والشدة والجلادة ، وكون بعضهم محبا للباقين ناصرا لهم ~~وزوال العداوة والخصومة من بينهم ، فإنه تعالى لما خصهم بهذه الأنواع من ~~الفضائل والمناقب فقد قرر لهم حصولها ، فصح أن يقال : { وزادكم فى الخلق ~~بسطة } ولما ذكر هود هذين النوعين من النعمة قال : { فاذكروا ءالآء الله } ~~وفيه بحثان : # البحث الأول : لا بد في الآية من إضمار ، والتقدير : واذكروا آلاء الله ~~واعملوا عملا يليق بتلك الإنعامان لعلكم تفلحون . وإنما أضمرنا العمل لأن ~~الصلاح الذي هو الظفر بالثواب لا يحصل بمجرد التذكر بل لا بد له من العمل ، ~~واستدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرة بهذه الآية وقالوا : إنه تعالى ~~رتب حصول الصلاح على مجرد التذكر ، فوجب أن يكون مجرد التذكر كافيا في حصول ~~الصلاح . وجوابه ما تقدم من أن سائر الآيات ناطقة بأنه لا بد من العمل . ~~والله أعلم . # البحث الثاني : قال ابن عباس : { الله لعلكم } أي نعم الله عليكم . قال ~~الواحدي : واحد الآلاء إلى وألو وإلى . قال الأعشى : # % ف أبيض لا يرهب الهزال ولا % % يقطع رحما ولا يخون إلي % # قال نظير الآلاء الآناء ، واحدها ms4058 : أنا وإني وإني ، وزاد صاحب ( الكشاف ) ~~في الأمثلة فقال : ضلع وأضلاع ، وعنب وأعناب . # PageV14P128 ! 7 < { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد ~~ءاباؤنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين * قال قد وقع عليكم من ربكم ~~رجس وغضب أتجادلونني فىأسمآء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم ما نزل الله بها من ~~سلطان فانتظروا إنى معكم من المنتظرين * فأنجيناه والذين معه برحمة منا ~~وقطعنا دابر الذين كذبوا بأاياتنا وما كانوا مؤمنين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 70 - 72 ) قالوا أجئتنا لنعبد . . . . . # > > # /اعلم أن هودا عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام ~~بالدليل القاطع ، وذلك لأنه بين أن نعم الله عليهم كثيرة عظيمة ، وصريح ~~العقل يدل على أنه ليس للأصنام شيء من النعم على الخلق لأنها جمادات ، ~~والجماد لا قدرة له على شيء أصلا ، وظاهر أن العبادة نهاية التعظيم . ~~ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام . وذلك يدل على أنه ~~يجب عليهم أن يعبدوا الله ، وأن لا يعبدوا شيئا من الأصنام ، ومقصود الله ~~تعالى من ذكر أقسام إنعامه على العبيد ، هذه الحجة التي ذكرها . ثم أن هودا ~~عليه السلام لما ذكر هذه الحجة اليقينية لم يكن من القوم جواب عن هذه الحجة ~~التي ذكرها إلا التمسك بطريقة التقليد . فقالوا : { قالوا أجئتنا لنعبد ~~الله وحده ونذر ما كان يعبد } ثم قالوا : { فأتنا بما تعدنا } وذلك لأنه ~~عليه السلام قال : { اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره أفلا تتقون } ( ~~المؤمنون : 32 ) فقوله : { أفلا تتقون } مشعر بالتهديد والتخويف بالوعيد . ~~فلهذا المعنى قالوا : { فأتنا بما تعدنا } وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا ~~يعتقدون كونه كاذبا بدليل أنهم قالوا له : { وإنا لنظنك من الكاذبين } ( ~~الأعراف : 66 ) فلما اعتقدوا كونه كاذبا قالوا له : { فأتنا بما تعدنا } ~~والغرض أنه إذا لم يأتهم بذلك العذاب ظهر للقوم كونه كاذبا ، وإنما قالوا ~~ذلك لأنهم ظنوا أن الوعد لا يجوز أن يتأخر ، فلا جرم استعجلوه على هذا الحد ~~. # ثم حكى الله تعالى عن هود عليه السلام أنه قال عند هذا الكلام : { قد وقع ms4059 ~~عليكم من ربكم رجس وغضب } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا الذي أخبر الله عنه بأنه وقع لا يجوز أن يكون هو ~~العذاب ، لأن العذاب ما كان حاصلا في ذلك الوقت . وقد اختلفوا فيه . قال ~~القاضي : تفسير هذه الآية على قولنا ظاهر ، إلا أنا نقول : معناه أنه تعالى ~~أحدث إرادة في ذلك الوقت ، لأن بعد كفرهم وتكذيبهم حدثت هذه الإرادة . ~~واعلم أن هذا القول عندنا باطل ، بل عندنا في الآية وجوه من التأويلات : ~~أحدها : أنه تعالى أخبره في ذلك الوقت بنزول PageV14P129 العذاب عليهم ، ~~فلما حدث الإعلام في ذلك الوقت ، لا جرم قال هود في ذلك الوقت : { وقع ~~عليكم من ربكم رجس وغضب } وثانيها : أنه جعل التوقع الذي لا بد من نزوله ~~بمنزلة الواقع . ونظيره قولك لمن طلب منك شيئا ، قد كان ذلك بمعنى أنه ~~سيكون ، ونظيره قوله تعالى : { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) بمعنى : سيأتي ~~أمر الله . وثالثها : أنا نحمل قوله : { وقع } على معنى وجد وحصل ، والمعنى ~~: إرادة إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل إلى الأبد ، لأن قولنا : حصل لا ~~إشعار له بالحدوث بعد ما لم يكن . # المسألة الثانية : الرجس لا يمكن أن يكون المراد منه العذاب لأن المراد ~~من الغضب / العذاب ، فلو حملنا الرجس عليه لزم التكرير / وأيضا الرجس ضد ~~التزكية والتطهير . قال تعالى : { تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) ~~وقال في صفة أهل البيت : { ويطهركم تطهيرا } ( الأحزاب : 33 ) والمراد ~~التطهر من العقائد الباطلة والأفعال المذمومة ، وإذا كان كذلك ، وجب أن ~~يكون الرجس عبارة عن العقائد الباطلة والأفعال المذمومة . # إذا ثبت هذا فقوله : { قد وقع عليكم من ربكم رجس } يدل على أنه تعالى ~~خصهم بالعقائد المذمومة والصفات القبيحة ، وذلك يدل على أن الخير والشر من ~~الله تعالى ، قال القفال : يجوز أن يكون الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين ~~على القلوب كقوله تعالى : { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ( التوبة : 125 ) أي ~~قد وقع عليكم من الله رين على قلوبكم عقوبة منه لكم بالخذلان لألفكم الكفر ~~وتماديكم في الغي . # واعلم أنا قد دللنا على ms4060 أن هذه الآية تدل على أن كفرهم من الله ، فهذا ~~الذي قاله القفال أن كان المراد منه ذلك . فقد جاء بالوفاق . إلا أنه شديد ~~النفرة عن هذا المذهب وأكثر تأويل الآيات الدالة على هذا المذهب تدل على ~~أنه لا يقول بهذا القول وإن كان المراد منه الجواب عما شرحناه ، فهو ضعيف ~~لأنه ليس فيه ما يوجب رفع الدليل الذي ذكرناه ، والله أعلم . # وحاصل الكلام في الآية : أن القوم لما أصروا على التقليد وعدم الانقياد ~~للدليل زادهم الله كفرا ، وهو المراد من قوله : { قد وقع عليكم من ربكم رجس ~~} ثم خصهم بمزيد الغضب ، وهو قوله : { وغضب } . # ثم قال : { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها ~~من سلطان } والمراد منه : الاستفهام على سبيل الإنكار ، وذلك لأنهم كانوا ~~يسمون الأصنام بالآلهة ، مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ، وسموا واحدا منها ~~بالعزى مشتقا من العز ، والله ما أعطاه عزا أصلا ، وسموا آخر منها باللات ، ~~وليس له من الإلهية شيء . وقوله : { ما نزل الله بها من سلطان } عبارة عن ~~خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة ، ثم إنه عليه السلام ذكر لهم وعيدا مجددا ~~فقال : { فانتظروا } ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام { إني معكم من ~~المنتظرين } . # ثم إنه تعالى أخبر عن عاقبة هذه الواقعة فقال : { فأنجيناه والذين معه ~~برحمة منا } إذ كانوا مستحقين للرحمة بسبب إيمانهم ، وقطعنا دابر الذين ~~كذبوا بالآيات التي جعلناها معجزة لهود ، والمراد أنه تعالى أنزل عليهم ~~عذاب الاستئصال الذي هو الريح ، وقد بين الله كيفيته في غير هذا الموضع ، ~~وقطع الدابر : هو الاستئصال ، فدل بهذا اللفظ أنه تعالى ما أبقى منهم أحدا ~~، ودابر الشيء آخره . PageV14P130 # / فإن قيل : لما أخبر عنهم بأنهم كانوا مكذبين بآيات الله لزم القطع ~~بأنهم ما كانوا مؤمنين ، فما الفائدة في قوله بعد ذلك : { وما كانوا مؤمنين ~~} . # قلنا : معناه أنهم مكذبون ، وعلم الله منهم أنهم لو بقوا لم يؤمنوا أيضا ~~، ولو علم تعالى أنهم سيؤمنون لأبقاهم . # ! 7 < { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما ms4061 لكم من إلاه ~~غيره قد جآءتكم بينة من ربكم هاذه ناقة الله لكم ءاية فذروها تأكل فىأرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم * واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد ~~عاد وبوأكم فى الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا ~~ءالآء الله ولا تعثوا فى الا رض مفسدين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 73 - 74 ) وإلى ثمود أخاهم . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو القصة الثالثة ، وهو قصة صالح . # أما قوله : { وإلى ثمود } فالمعنى { ولقد أرسلنا نوحا } ( الأعراف : 59 ) ~~{ إلى عاد أخاهم هودا } ( الأعراف : 65 ) { إلى ثمود أخاهم صالحا } ( هود : ~~61 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو عمرو بن العلاء : سميت ثمودا لقلة مائها من ~~الثمد ، وهو الماء القليل ، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام . وإلى ~~وادي القرى ، وقيل سميت ثمود لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عاد بن إرم ~~بن سام بن نوع عليه السلام . # المسألة الثانية : قرىء { وإلى ثمود } يمنع التصرف بتأويل القبيلة { وإلى ~~ثمود } بالصرف بتأويل الحي أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر ، وقد ~~ورد القرآن بهما صريحا . قال تعالى : { ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا ~~لثمود } ( هود : 68 ) . # / واعلم أنه تعالى حكى عنه أنه أمرهم بعبادة الله ونهاهم عن عبادة غير ~~الله كما ذكره من قبله من الأنبياء . # ثم قال : { قد جاءتكم بينة من ربكم } وهذه الزيادة مذكورة في هذه القصة ، ~~وهي تدل على أن كل من كان قبله من الأنبياء كانوا يذكرون الدلائل على صحة ~~التوحيد والنبوة ، لأن التقليد وحده لو كان كافيا لكانت PageV14P131 تلك ~~البينة ههنا لغوا ، ثم بين أن تلك البينة هي الناقة فقال : { هذه ناقة الله ~~لكم آية } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا أنه تعالى لما أهلك عادا قام ثمود مقامهم ، وطال ~~عمرهم وكثر تنعمهم ، ثم عصوا الله ، وعبدوا الأصنام ، فبعث الله إليهم ~~صالحا وكان منهم ، فطالبوه بالمعجزة . فقال : ما تريدون . فقالوا : تخرج ~~معنا في عيدنا ، ونخرج أصنامنا وتسأل إلهك ونسأل أصنامنا ، فإذا ظهر أثر ~~دعائك اتبعناك ، وإن ظهر أثر دعائنا اتبعتنا ms4062 ، فخرج معهم فسألون أن يخرج ~~لهم ناقة كبيرة من صخرة معينة ، فأخذ مواثيقهم أنه إن فعل ذلك آمنوا فقبلوا ~~، فصلى ركعتين ودعا الله فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض الحامل ، ثم انفرجت ~~وخرجت الناقة من وسطها ، وكانت في غاية الكبر وكان الماء عندهم قليلا ~~فجعلوا ذلك الماء بالكلية شربا لها في يوم ، وفي اليوم الثاني شربا لكل ~~القوم قال السدي : وكانت الناقة في اليوم التي تشرب فيه الماء تمر بين ~~الجبلين فتعلوهما ثم تأتي فتشرب فتحلب ما يكفي الكل ، وكأنها كانت تصب ~~اللبن صبا ، وفي اليوم الذي يشربون الماء فيه لا تأتيهم وكان معها فصيل لها ~~. فقال لهم صالح : يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه ، فذبح ~~تسعة نفر منهم أبناءهم ، ثم ولد العاشر فأبى أن يذبحه أبوه ، فنبت نباتا ~~سريعا ، ولما كبر الغلام جلس مع قوم يصيبون من الشراب ، فأرادوا ماء ~~يمزجونه به ، وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء ، واشتد ذلك عليهم ، ~~فقال الغلام : هل لكم في أن أعقر هذه الناقة ؟ فشد عليها ، فلما بصرت به ~~شدت عليه ، فهرب منها إلى خلف صخرة فأحاشوها عليه ، فلما مرت به تناولها ~~فعثرها فسقطت . فذلك قوله : { فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } وأظهروا حينئذ ~~كفرهم وعتوا من أمر ربهم / فقال لهم صالح : إن آية العذابأن تصبحوا غدا ~~حمرا ، واليوم الثاني صفرا ، واليوم الثالث سودا ، فلما صبحهم العذاب ~~تحنطوا واستعدوا . # إذا عرفت هذا فنقول : اختلف العلماء في وجه كون الناقة إية . فقال بعضهم ~~: إنها كانت آية بسبب خروجها بكمالها من الصخرة . قال القاضي : هذا إن صح ~~فهو معجز من جهات : أحدها : خروجها من الجبل ، والثانية : كونها لا من ذكر ~~وأنثى ، والثالثة : كمال خلقها من غير تدريج . # والقول الثاني : أنها إنما كانت آية لأجل أن لها شرب يوم ، ولجميع ثمود ~~شرب يوم ، واستيفاء ناقة شرب أمة من الأمم عجيب ، وكانت مع ذلك تأتي بما ~~يليق بذلك الماء من / الكلأ والحشيش . # والقول الثاني : أن وجه الإعجاز فيها أنهم كانوا في يوم شربها يحلبون ~~منها القدر ms4063 الذي يقوم لهم مقام الماء في يوم شربهم . وقال الحسن : بالعكس ~~من ذلك ، فقال إنها لم تحلب قطرة لبن قط ، وهذا الكلام مناف لما تقدم . # والقول الرابع : أن وجه الإعجاز فيها أن يوم مجيئها إلى الماء كان جميع ~~الحيوانات تمتنع من الورود على الماء ، وفي يوم امتناعها كانت الحيوانات ~~تأتي . # واعلم أن القرآن قد دل على أن فيها آية ، فأما ذكر أنها كانت آية من أي ~~الوجوه فهو غير مذكور والعلم حاصل بأنها كانت معجزة من وجه ما لا محالة . ~~والله أعلم . PageV14P132 # المسألة الثانية : قوله : { هذه ناقة الله لكم آية } فقوله : { آية } نصب ~~على الحال أي أشير إليها في حال كونها آية ، ولفظة ( هذه ) تتضمن معنى ~~الإشارة ، و { آية } في معنى دالة . فلهذا جاز أن تكون حالا . # فإن قيل : تلك الناقة كانت آية لكل أحد ، فلماذا خص أولئك الأقواك بها ؟ ~~فقال : { هذه ناقة الله لكم آية } . # قلنا : فيه وجوه : أحدها : أنهم عاينوها وغيرهم أخبروا عنها ، وليس الخبر ~~كالمعاينة . وثانيها : لعله يثبت سائر المعجزات ، إلا أن القوم التمسوا منه ~~هذه المعجزة نفسها على سبيل الاقتراح ، فأظهرها الله تعالى لهم ، فلهذا ~~المعنى حسن هذا التخصيص . # فإن قيل : ما الفائدة في تخصيص تلك الناقة بأنها ناقة الله ؟ # قلنا : فيه وجوه : قيل أضافها إلى الله تشريفا وتخصيصا كقوله : بيت الله ~~، وقيل : لأنه خلقها بلا واسطة ، وقيل : لأنها لا مالك لها غير الله . وقيل ~~: لأنها حجة الله على القوم . # ثم قال : { فذروها تأكل في أرض الله } أي الأرض أرض الله ، والناقة ناقة ~~الله ، فذروها تأكل في أرض ربها ، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات ~~من إنباتكم ، ولا تمسوها بسوء ولا تضربوها ولا تطردوها ولا تقربوا منها ~~شيئا من أنواع الأذى . عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يا علي ~~أشقى الأولين عاقر ناقة صالح وأشقى الآخرين قاتلك ) . # ثم قال تعالى : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } قيل إنه تعالى لما ~~أهلك عادا عمر ثمود بلادها ، وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعمارا ms4064 طوالا ~~. # ثم قال : { وبوأكم في الأرض } أنزلكم ، والمبوأ : المنزل من الأرض ، أي ~~في أرض الحجر بين الحجاز والشام . # / ثم قال : { تتخذون من سهولها قصورا } أي تبوؤن القصور من سهولة الأرض ، ~~فإن القصور إنما تبنى من الطين واللبن والآجر ، وهذه الأشياء إنما تتخذ من ~~سهولة الأرض { وتنحتون من الجبال بيوتا } ( الشعراء : 149 ) يريد تنحتون ~~بيوتا من الجبال تسقفونها . # فإن قالوا : علام انتصب بيوتا ؟ # قلنا : على الحال كما يقال : خط هذا الثوب قميصا وأبر هذه القصبة قلما ، ~~وهي من الحال المقدرة ، لأن الجبل لا يكون بيتا في حال النحت ، ولا الثوب ~~والقصبة قميصا ، وقلما في حال الخياطة والبري . وقيل : كانوا يسكنون السهول ~~في الصيف والجبال في الشتاء ، وهذا يدل على أنهم كانوا متنعمين مترفهين . # ثم قال : { فاذكروا آلاء الله } يعني قد ذكرت لكم بعض أقسام ما آتاكم ~~الله من النعم / وذكر الكل طويل . فاذكروا أنتم بعقولكم ما فيها { ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين } قيل المراد منه : النهي عن عقر الناقة ، والأولى ~~أن يحمل على ظاهره وهو المنع عن كل أنواع الفساد . # PageV14P133 ! 7 < { قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا ~~لمن ءامن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بمآ أرسل به مؤمنون ~~* قال الذين استكبروا إنا بالذىءامنتم به كافرون * فعقروا الناقة وعتوا عن ~~أمر ربهم وقالوا ياصاح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين * فأخذتهم ~~الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ~~ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 75 - 79 ) قال الملأ الذين . . . . . # > > # /اعلم أنا ذكرنا أن الملأ عبارة عن القوم الذين تمتلىء القلوب من هيبتهم ~~، ومعنى الآية قال الملأ وهم الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا ، يريد ~~المساكين الذين آمنوا به ، وقوله : { لمن آمن منهم } بدل من قوله : { للذين ~~استضعفوا } لأنهم المؤمنون . واعلم أنه وصف أولئك الكفار بكونهم مستكبرين ، ~~ووصف أولئك المؤمنين بكونهم مستضعفين ، وكونهم مستكبرين فعل استوجبوا به ~~الذم ، وكون المؤمنين مستضعفين معناه : أن غيرهم يستضعفهم ويستحقرهم ، وهذا ~~ليس ms4065 فعلا صادرا عنهم بل عن غيرهم ، فهو لا يكون صفة ذم في حقهم ، بل الذم ~~عائد إلى الذين يستحقرونهم ويستضعفونهم . ثم حكى تعالى أن هؤلاء المستكبرين ~~سألوا المستضعفين عن حال صالح فقال المتضعفون نحن موقنون مصدقون بما جاء به ~~صالح . وقال المستكبرون : بل نحن كافرون بما جاء به صالح ، وهذه الآية من ~~أعظم ما يحتج به في بيان أن الفقر خير من الغنى ، وذلك لأن الاستكبار إنما ~~يتولد من كثرة المال والجاه ، والاستضعاف إنما يحصل من قلتهما ، فبين تعالى ~~أن كثرة المال والجاه حملهم على التمرد ، والإباء ، والإنكار ، والكفر . ~~وقلة المال والجاه حملهم على الإيمان ، والتصديق والانقياد ، وذلك يدل على ~~أن الفقر خير من الغنى . # ثم قال تعالى : { فعقروا الناقة } قال الأزهري : العقر عند العرب ، كشف ~~عرقوب البعير ، ولما كان العقر سببا للنحر أطلق العقر على النحر إطلاقا ~~لاسم السبب على المسبب . واعلم أنه أسند العقر إلى جميعهم ، لأنه كان ~~برضاهم مع أنه ما باشره إلا بعضهم ، وقد يقال للقبيلة العظيمة : أنتم فعلتم ~~كذا مع أنه ما فعله إلا واحد منهم . # ثم قال : { وعتوا عن أمر ربهم } يقال : عتا يعتو عتوا ، إذا استكبر . ~~ومنه يقال : جبار عات قال مجاهد : PageV14P134 العتو الغلو في الباطل وفي ~~قوله : { عن أمر ربهم } وجهان : الأول : معناه استكبروا عن امتثال أمر ربهم ~~وذلك الأمر هو الذي أوصله الله إليهم على لسان صالح عليه السلام وهو قوله : ~~{ فذروها تأكل في أرض الله } ( الأعراف : 83 ) الثاني : أن يكون المعنى ~~وصدر عتوهم عن أمر ربهم ، فكان أمر ربهم بتركها صار سببا في إقدامهم على ~~ذلك العتو ، كما يقال : الممنوع متبوع { وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن ~~كنت من المرسلين } وإنما قالوا ذلك ، لأنهم كانوا مكذبين له في كل ما أخبر ~~عنه من الوعد والوعيد . # ثم قال تعالى : { فأخذتهم الرجفة } قال الفراء والزجاج : هي الزلزلة ~~الشديدة . قال تعالى : { يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا ~~} ( المزمل : 14 ) قال الليث : يقال رجف الشيء يرجف رجفا ورجفانا ، كرجفان ~~البعير تحت ms4066 الرحل ، وكما يرجف الشجر إذا أرجفته الريح . # ثم قال : { فأصبحوا في دارهم جاثمين } يعني في بلدهم ولذلك وحد الدار ، ~~كما يقال : دار الحرب / ومررت بدار البزازين ، وجمع في آية أخرى فقال : { ~~في ديارهم } ( هود : 94 ) لأنه أراد بالدار ما لكل واحد منهم من منزله ~~الخاص به . وقوله : { جاثمين } قال أبو عبيدة : الجثوم للناس والطير ، ~~بمنزلة البروك للإبل ، فجثوم الطير هو وقوعه لاطئا بالأرض في حال سكونه ~~بالليل ، والمعنى : أنهم أصبحوا جاثمين خامدين لا يتحركون موتى ، يقال : ~~الناس جثم . أي قعود لا حراك بهم ولا يحسون بشيء ، ومنه المجثمة التي جاء ~~النهي عنها ، وهي البهيمة التي تربط لترمى ، فثبت أن الجثوم عبارة عن ~~السكون والخمود ، ثم اختلفوا ، فمنهم من قال : لما سمعوا الصيحة العظيمة ~~تقطعت قلوبهم وماتوا جاثمين على الركب ، وقيل بل سقطوا على وجوههم ، وقيل ~~وصلت الصاعقة إليهم فاحترقوا وصاروا كالرماد . وقيل : بل عند نزول العذاب ~~عليهم سقط بعضهم على بعض ، والكل متقارب . وههنا سؤالات : # السؤال الأول : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : { يا صالح ائتنا بما ~~تعدنا إن كنت من المرسلين } قال تعالى : { فأخذتهم الرجفة } والفاء للتعقيب ~~وهذا يدل على أن الرجفة أخذتهم عقيب ما ذكروا ذلك الكلام وليس الأمر كذلك ، ~~لأنه تعالى قال في آية أخرى : { فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد ~~غير مكذوب } ( هود : 65 ) . # والجواب : أن الذي يحصل عقيب الشيء بمدة قليلة قد يقال فيه أنه حصل عقيبه ~~فزال السؤال . # السؤال الثاني : طعن قوم من الملحدين في هذه الآيات بأن ألفاظ القرآن قد ~~اختلفت في حكاية هذه الواقعة ، وهي الرجفة والطاغية والصيحة ، وزعموا أن ~~ذلك يوجب التناقض . # والجواب : قال أبو مسلم : الطاغية . اسم لكل ما تجاوز حده سواء كان ~~حيوانا أو غير حيوان وألحق الهاء به للمبالغة ، فالمسلمون يسمون الملك ~~العاتي بالطاغية والطاغوت . وقال تعالى : { إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ~~} ( العلق : 6 ، 7 ) ويقال : طغى طغيانا وهو طاغ وطاغية . وقال تعالى : { ~~كذبت ثمود بطغواها } ( الشمس : 11 ) وقال في غير الحيوان : { إنا لما ms4067 طغا ~~الماء } ( الحاقة : 11 ) أي غلب وتجاوز عن الحد ، وأما الرجفة ، فهي ~~الزلزلة في الأرض ، وهي حركة خارجة عن المعتاد ، فلم يبعد إطلاق اسم ~~الطاغية عليها ، وأما الصيحة ، فالغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة ~~العظيمة الهائلة . وأما الصاعقة ، فالغالب أنها الزلزلة وكذلك الزجرة قال ~~تعالى : { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } ( النازعات : 13 ، 14 ) ~~فبطل ما قاله الطاعن . PageV14P135 # السؤال الثالث : أن القوم قد شاهدوا خروج الناقة عن الصخرة وذلك معجزة ~~قاهرة تقرب حال المكلفين عند مشاهدة هذه المعجزة من الإلجاء ، وأيضا شاهدوا ~~أن الماء الذي كان شربا لكل أولئك الأقوام في أحد اليومين ، كان شربا لتلك ~~الناقة الواحدة في اليوم الثاني ، وذلك أيضا معجزة قاهرة ، ثم إن القوم لما ~~نحروها ، وكان صالح عليه السلام قد توعدهم بالعذاب الشديد إن / نحروها ، ~~فلما شاهدوا بعد إقدامهم على نحرها آثار العذاب ، وهو ما يروى أنهم احمروا ~~في اليوم الأول ، ثم اصفروا في اليوم الثاني ، ثم اسودوا في اليوم الثالث ، ~~فمع مشاهدة تلك المعجزات القاهرة في أول الأمر ، ثم شاهدوا نزول العذاب ~~الشديد في آخر الأمر ، هل يحتمل أن يبقى العاقل مع هذه الأحوال مصرا على ~~كفره غير تائب منه ؟ # والجواب الأول أن يقال : إنهم قبل أن شاهدوا تلك العلامات كانوا يكذبون ~~صالحا في نزول العذاب ، فلما شاهدوا العلامات خرجوا عند ذلك عن حد التكليف ~~، وخرجوا عن أن تكون توبتهم مقبولة . # ثم قال تعالى : { فتولى عنهم } وفيه قولان : الأول : أنه تولى عنهم بعد ~~أن ماتوا ، والدليل عليه أنه تعالى قال : { فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى ~~عنهم } والفاء تدل على التعقيب ، فدل على أنه حصل هذا التولي بعد جثومهم . ~~والثاني : أنه عليه السلام تولى عنهم قبل موتهم ، بدليل : أنه خاطب القوم . ~~وقال : { يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين } ~~وذلك يدل على كونهم أحياء من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه قال لهم : { يا قوم ~~} والأموات لا يوصفون بالقوم ، لأن اشتقاق لفظ القوم من الاستقلال بالقيام ~~، وذلك في حق الميت ms4068 مفقود . والثاني : أن هذه الكلمات خطاب مع أولئك وخطاب ~~الميت لا يجوز . والثالث : أنه قال : { ولكن لا تحبون الناصحين } فيجب أن ~~يكونوا بحيث يصح حصول المحبة فيهم ، ويمكن أن يجاب عنه فنقول : قد يقول ~~الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه ، فلم يقبل تلك النصيحة حتى ألقى نفسه ~~في الهلاك ، يا أخي منذ كم نصحتك ، فلم تقبل وكم منعتك فلم تمتنع ، فكذا ~~ههنا ، والفائدة في ذكر هذا الكلام إما لأن يسمعه بعض الأحياء فيعتبر به ~~وينزجر عن مثل تلك الطريقة . وإما لأجل أنه احترق قلبه بسبب تلك الواقعة . ~~فإذا ذكر ذلك الكلام فرجت تلك القضية عن قلبه . وقيل : يخف عليه أثر تلك ~~المصيبة ، وذكروا جوابا آخر ، وهو : أن صالحا عليه السلام خاطبهم بعد كونهم ~~جاثمين ، كما أن نبينا عليه الصلاة والسلام خاطب قتلى بدر . فقيل : تتكلم ~~مع هؤلاء الجيف . فقال : ( ما أنتم بأسمع منهم لكنهم لا يقدرون على الجواب ~~) . # ! 7 < { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين } . > 7 ! # / < < # | الأعراف : ( 80 ) ولوطا إذ قال . . . . . # > > اعلم أن هذا هو القصة الرابعة . قال النحويون : إنما صرف لوط ونوح ~~لخفته ، فإنه مركب من ثلاثة أحرف ، وهو ساكن الوسط { أتأتون الفاحشة } ~~أتفعلون السيئة المتمادية في القبح ؟ وفي قوله : { ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين } وفيه بحثان : PageV14P136 # البحث الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : { من } الأولى زائدة لتوكيد النفي ، ~~وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض . # فإن قيل : كيف يجوز أن يقال : { ما سبقكم بها من أحد العالمين } مع أن ~~الشهوة داعية إلى ذلك العمل أبدا ؟ # والجواب : أنا نرى كثيرا من الناس يستقذر ذلك العمل ، فإذا جاز في الكثير ~~منهم استقذاره لم يبعد أيضا انقضاء كثير من الإعصار بحيث لا يقدم أحد من ~~أهل تلك الإعصاء عليه ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يقال : لعلهم بكليتهم أقبلوا ~~على ذلك العمل ، والإقبال بالكلية على ذلك العمل مما لم يوجد في الإعصار ~~السابقة . قال الحسن : كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم ، وكانوا لا ينكحون ~~إلا الغرباء . وقال ms4069 عطاء عن ابن عباس : استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض ~~. # البحث الثاني : قوله : { ما سبقكم } يجوز أن يكون مستأنفا في التوبيخ لهم ~~، ويجوز أن يكون صفة الفاحشة ، كقوله تعالى : { وآية لهم الليل نسلخ منه ~~النهار } ( يس : 37 ) وقال الشاعر : # % ولقد أمر على اللئيم يسبني % % # ! 7 < { إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء بل أنتم قوم مسرفون } . > ~~7 ! # < < # | الأعراف : ( 81 ) إنكم لتأتون الرجال . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وحفص عن عاصم { إنكم } بكسر الألف ومذهب نافع ~~أن يكتفي بالاستفهام بالأولى من الثاني في كل القرآن . وقرأ ابن كثير { ~~أئنكم } بهمزة غير ممدودة وبين الثانية ، وقرأ أبو عمرو بهمزة ممدودة ~~بالتخفيف ، وبين الثانية . والباقون بهمزتين على الأصل . قال الواحدي : من ~~استفهم كان هذا استفهاما معناه الإنكار لقوله : { أتأتون الفاحشة } ( ~~الأعراف : 80 ) وكل واحد من الاستفهامين جملة مستقلة لا تحتاج في تمامها ~~إلى شيء . # المسألة الثانية : قوله : { شهوة } مصدر . قال أبو زيد شهي يشهي شهوة ~~وانتصابها على المصدر ، لأن قوله : { أتأتون الرجال } معناه أتشتهون شهوة ؟ ~~وإن شئت قلت إنها مصدر وقع موقع الحال . # / المسألة الثالثة : في بيان الوجوه الموجبة لقبح هذا العمل . # اعلم أن قبح هذا العمل كالأمر المقرر في الطباع ، فلا حاجة فيه إلى تعديد ~~الوجوه على التفصيل ثم نقول موجبات القبح فيه كثيرة : أولها : أن أكثر ~~الناس يحترزون عن حصول الولد ، لأن حصوله يحمل الإنسان على طلب المال ~~وإتعاب النفس في الكسب ، إلا أنه تعالى جعل الوقاع سببا لحصول اللذة ~~العظيمة ، حتى أن الإنسان بطلب تلك اللذة يقدم على الوقاع ، وحينئذ يحصل ~~الولد شاء أم أبى ، وبهذا الطريق يبقى النسل ولا ينقطع النوع ، فوضع اللذة ~~في الوقاع ، كشبه الإنسان الذي وضع الفخ لبعض الحيوانات ، فإنه لا بد وأن ~~PageV14P137 يضع في ذلك الفخ شيئا يشتهيه ذلك الحيوان حتى يصير سببا لوقوعه ~~في ذلك الفخ ، فوضع اللذة في الوقاع يشبه وضع الشيء الذي يشتهيه الحيوان في ~~الفخ ، والمقصود منه إبقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع . # إذا ثبت هذا فنقول : لو ms4070 تمكن الإنسان من تحصيل تلك اللذة بطريق لا تفضي ~~إلى الولد ، لم تحصل الحكمة المطلوبة ، ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل ، وذلك ~~على خلاف حكم الله ، فوجب الحكم بتحريمه قطعا ، حتى تحصل تلك اللذة بالطريق ~~المفضي إلى الولد . # والوجه الثاني : وهو أن الذكورة مظنة الفعل ، والأنوثة مظنة الانفعال ، ~~فإذا صار الذكر منفعلا ، والأنثى فاعلا ، كان ذلك على خلاف مقتضى الطبيعة ، ~~وعلى عكس الحكمة الإلهية . # والوجه الثالث : الاشتغال بمحض الشهوة تشبه بالبهيمة ، وإذا كان الاشتغال ~~بالشهوة يفيد فائدة أخرى سوى قضاء الشهوة ، فليكن قضاء الشهوة من المرأة ~~يفيد فائدة أخرى سوى قضاء الشهوة ، وهو حصول الولد وإبقاء النوع الإنساني ~~الذي هو أشرف الأنواع . فأما قضاء الشهوة من الذكر فإنه لا يفيد إلا مجرد ~~قضاء الشهوة ، فكان ذلك تشبها بالبهائم ، وخروجا عن الغريزة الإنسانية ، ~~فكان في غاية القبح . # والوجه الرابع : هب أن الفاعل يلتذ بذلك العمل ، إلا أنه يبقى في إيجاب ~~العار العظيم ، والعيب الكامل بالمفعول على وجه لا يزول ذلك العيب عنه أبدا ~~لدهر ، والعاقل لا يرضى لأجل لذة خسيسة منقضية في الحال ، إيجاب العيب ~~الدائم الباقي بالغير . # والوجه الخامس : أنه عمل يوجب استحكام العداوة بين الفاعل والمفعول ، ~~وربما يؤدي ذلك إلى إقدام المفعول على قتل الفاعل لأجل أنه ينفر طبعه عند ~~رؤيته ، أو على إيجاب إنكائه بكل طريق يقدر عليه . أما حصول هذا العمل بين ~~الرجل والمرأة ، فإنه يوجب استحكام الألفة والمودة وحصول المصالح الكبيرة ، ~~كما قال تعالى : { خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ~~ورحمة } ( الروم : 21 ) . # / والوجه السادس : أنه تعالى أودع في الرحم قوة شديدة الجذب للمني / فإذا ~~واقع الرجل المرأة قوي الجذب ، فلم يبق شيء من المني في المجاري إلا وينفصل ~~. أما إذا واقع الرجل فلم يحصل في ذلك العضو المعين من المفعول قوة جاذبة ~~للمني ، وحينئذ لا يكمل الجذب ، فيبقى شيء من أجزأ المني في تلك المجاري ، ~~ولا ينفصل ، ويعفن ويفسد ويتولد منه الأورام الشديدة والأسقام العظيمة وهذه ~~فائدة لا يمكن معرفتها إلا بالقوانين ms4071 الطبية ، فهذه هي الوجوه الموجبة لقبح ~~هذا العمل ورأيت بعض من كان ضعيفا في الدين يقول : إنه تعالى قال : { ~~والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( ~~المؤمنون : 5 المعارج : 29 ) وذلك يقتضي حل وطء المملوك مطلقا سواء كان ~~ذكرا أو أنثى قال : ولا يمكن أن يقال أنا نخصص هذا العموم بقوله تعالى : { ~~أتأتون الذكران من العالمين } ( الشعراء : 165 ) وقوله : { أتأتون الفاحشة ~~ما سبقكم بها من أحد من العالمين } ( الأعراف : 80 ) قال لأن هاتين الآيتين ~~كل واحد منهما أعم من الأخرى من وجه ، وأخص من وجه ، وذلك لأن المملوك قد ~~يكون ذكرا ، وقد يكون أنثى ، وأيضا الذكر قد يكون مملوكا ، وقد لا يكون ~~مملوكا ، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن تخصيص إحداهما بالأخرى أولى من العكس ~~، والترجيح من هذا الجانب ، لأن قوله : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم } شرع محمد ، وقصة لوط ، شرع سائر الأنبياء ، PageV14P138 وشرع ~~محمد عليه الصلاة والسلام أولى من شرع من تقدمه من الأنبياء ، وأيضا الأصل ~~في المنافع والملاذ الحل ، وأيضا الملك مطلق للتصرف . فقل له الاستدلال ~~إنما يقبل في موضع الاحتمال ، وقد ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد حرمة ~~هذا العمل ، والمبالغة في المنع منه ، والاستدلال إذا وقع في مقابلة النقل ~~المتواتر ، كان باطلا . # ثم قال تعالى حكاية عن لوط أنه قال لهم : { بل أنتم قوم مسرفون } والمعنى ~~كأنه قال لهم : أنتم مسرفون في كل الأعمال ، فلا يبعد منكم أيضا إقدامكم ~~على هذا الإسراف . # ! 7 < { وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 82 ) وما كان جواب . . . . . # > > والمراد منه أخرجوا لوطا وأتباعه ، لأنه تعالى في غير هذه السورة قال ~~: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا } ( النمل : 56 ) ولأن الظاهر ~~أنهم إنما سعوا في إخراج من نهاهم عن العمل الذي يشتهونه ويريدونه ، وذلك ~~الناهي ليس إلا لوطا وقومه ، وفي قوله : { يتطهرون } وجوه : الأول : / أن ~~ذلك العمل تصرف في موضع النجاسة ، فمن تركه فقد تطهر ms4072 . والثاني : أن البعد ~~عن الإثم يسمى طهارة فقوله : { يتطهرون } أي يتباعدون عن المعاصي والآثام . ~~الثالث : أنهم إنما قالوا : { أناس يتطهرون } على سبيل السخرية بهم وتطهرهم ~~من الفواحش ، كما يقول الشيطان من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : ابعدوا ~~عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد . # ! 7 < { فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين * وأمطرنا عليهم ~~مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 83 - 84 ) فأنجيناه وأهله إلا . . . . . # > > # اعلم أن قوله { فأنجيناه وأهله } يحتمل أن يكون المراد من أهله أنصاره ~~وأتباعه الذين قبلوا دينه ويحتمل أن يكون المراد المتصلين به بالنسب . قال ~~ابن عباس : المراد ابنتاه . وقوله : { إلا امرأته } أي زوجته . يقال : ~~امرأة الرجل بمعنى زوجته . ويقال : رجل المرأة بمعنى زوجها لأن الزوج ~~بمنزلة المالك لها ، وليست المرأة بمنزلة المالك للرجل ، فإذا أضيفت إلى ~~الرجل بالاسم العام ، عرفت الزوجية . وملك النكاح ، والرجل إذا أضيف إلى ~~المرأة بالاسم العام ، تعرف الزوجية . وقوله : { كانت من الغابرين } يقال : ~~غبر الشيء PageV14P139 يغبر غبورا ، إذا مكث وبقي . قال الهذلي : # % فغبرت بعدهم بعيش ناصب % % وأخال أني لاحق مستتبع % # يعني بقيت فمعنى الآية : أنها كانت من الغابرين عن النجاة . أي من الذين ~~بقوا عنها ولم يدركوا النجاة . يقال فلان غبر هذا الأمر . أي لم يدركه ، ~~ويجوز أن يكون المراد أنها لم تسر مع لوط وأهله ، بل تخلفت عنه وبقيت في ~~ذلك الموضع الذي هو موضع العذاب . # ثم قال : { وأمطرنا عليهم مطرا } يقال : مطرت السماء وأمطرت ، والأول ~~أفصح ، وأمطرهم ، مطرا وعذابا ، وكذلك أمطر عليهم ، والمراد أنه تعالى أمطر ~~عليهم حجارة من السماء بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى : { وأمطرنا عليهم ~~حجارة من سجيل } ( الحجر : 74 ) . # ثم قال : { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : ظاهر هذا اللفظ وإن كان مخصوصا بالرسول عليه السلام إلا ~~أن المراد سائر المكلفين ليعتبروا بذلك فينزجروا . # فإن قيل : كيف يعتبرون بذلك ، وقد آمنوا من عذاب الاستئصال ؟ # / قلنا : إن عذاب الآخرة أعظم وأدون من ذلك ، فعند سماع هذه القصة يذكرون ~~عذاب الآخرة ms4073 مؤنبة على عذاب الاستئصال ، ويكون ذلك زجرا وتحذيرا . # المسألة الثانية : مذهب الشافعي رضي الله عنه : أن اللواطة توجب الحد . ~~وقال أبو حنيفة : لا توجبه . وللشافعي رحمه الله : أن يحتج بهذه الآية من ~~وجوه : الأول : أنه ثبت في شريعة لوط عليه السلام رجم اللوطي ، والأصل في ~~الثابت البقاء ، إلا أن يظهر طريان الناسخ ، ولم يظهر في شرع محمد عليه ~~الصلاة والسلام ناسخ هذا الحكم ، فوجب القول ببقائه . الثاني : قوله تعالى ~~: { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) قد بينا في ~~تفسير هذه الآية أنها تدل على أن شرع من قبلنا حجة علينا . والثالث : أنه ~~تعالى قال : { فانظر كيف كان عاقبة المجرمين } والظاهر أن المراد من هذه ~~العاقبة ما سبق ذكره وهو إنزال الحجر عليهم . ومن المجرمين ، الذين يعملون ~~عمل قوم لوط ، لأن ذلك هو المذكور السابق فينصرف إليه ، فصار تقدير الآية : ~~فانظر كيف أمطر الله الحجارة على من يعمل ذلك العمل المخصوص ، وذكر الحكم ~~عقيب الوصف المناسب ، يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، فهذه الآية ~~تقتضي كون هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص ، وإذا ظهرت ~~العلة ، وجب أن يحصل هذا الحكم أينما حصلت هذه العلة . # ! 7 < { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه ~~غيره قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ولا تفسدوا فى الا رض بعد إصلاحها ذالكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } ~~. > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 85 ) وإلى مدين أخاهم . . . . . # > > PageV14P140 # اعلم أن هذا هو القصة الخامسة ، وقد ذكرنا أن التقدير : { وأرسلنا * إلى ~~* مدين أخاهم شعيبا } وذكرنا أن هذه الأخوة كانت في النسب لا في الدين ، ~~وذكرنا الوجوه فيه ، واختلفوا في مدين . فقيل : أنه اسم البلد ، وقيل : إنه ~~اسم القبيلة بسبب أنهم أولاد مدين بن إبراهيم عليه السلام ، ومدين صار / ~~اسما للقبيلة ، كما يقال : بكر وتميم . وشعيب من أولاده ، وهو : شعيب بن ~~نويب بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن . # واعلم أنه تعالى حكى عن شعيب أنه أمر ms4074 قومه في هذه الآية بأشياء : الأول : ~~أنه أمرهم بعبادة الله ونهاهم عن عبادة غير الله ، وهذا أصل معتبر في شرائع ~~جميع الأنبياء . فقال : { اعبدوا الله * مالكم * من إلاه غيره } والثاني : ~~أنه ادعى النبوة فقال : { قد جاءتكم بينة من ربكم } ويجب أن يكون المراد من ~~البينة ههنا المعجزة ، لأنه لا بد لمدعي النبوة منها ، وإلا لكان متنبئا لا ~~نبيا ، فهذه الآية دلت على أنه حصلت له معجزة دالة على صدقه . فأما أن تلك ~~المعجزة من أي الأنواع كانت فليس في القرآن دلالة عليه ، كما لم يحصل في ~~القرآن الدلالة على كثير من معجزات رسولنا . قال صاحب ( الكشاف ) : ومن ~~معجزات شعيب : أنه دفع إلى موسى عصاه ، وتلك العصا حاربت التنين ، وأيضا ~~قال لموسى : أن هذه الأغنام تلد أولادا فيها سواد وبياض ، وقد وهبتها منك ، ~~فكان الأمر كما أخبر عنه . ثم قال : وهذه الأحوال كانت معجزات لشعيب عليه ~~السلام ، لأن موسى في ذلك الوقت ما ادعى الرسالة . # واعلم أن هذا الكلام بناء على أصل مختلف بين أصحابنا ، وبين المعتزلة . ~~وذلك لأن عندنا أن الذي يصير نبيا ورسولا بعد ذلك ، يجوز أن يظهر الله عليه ~~أنواع المعجزات قبل إيصال الوحي ، ويسمى ذلك إرهاصا للنبوة ، فهذا الإرهاص ~~عندنا جائز ، وعند المعتزلة غير جائز ، فالأحوال التي حكاها صاحب ( الكشاف ~~) هي عندنا إرهاصات لموسى عليه السلام ، وعند المعتزلة معجزات لشعيب لما أن ~~الإرهاص عندهم غير جائز ، والثالث : أنه قال : { فأوفوا الكيل والميزان } . # واعلم أن عادة الأنبياء عليهم السلام إذا رأوا قومهم مقبلين على نوع من ~~أنواع المفاسد إقبالا أكثر من إقبالهم على سائر أنواع المفاسد بدأوا يمنعهم ~~عن ذلك النوع ، وكان قوم شعيب مشغوفين بالبخس والتطفيف ، فلهذا السبب بدأ ~~بذكر هذه الواقعة فقال : { فأوفوا الكيل والميزان } وههنا سؤالان : # السؤال الأول : الفاء في قوله : { فأوفوا } توجب أن تكون للأمر بإيفاء ~~الكيل كالمعلول والنتيجة عما سبق ذكره وهو قوله : { قد جاءتكم بينة من ربكم ~~} فكيف الوجه فيه ؟ # والجواب : كأنه يقول البخس والتطفيف عبارة عن الخيانة بالشيء القليل . ~~وهو أمر ms4075 مستقبح في العقول ، ومع ذلك قد جاءت البينة والشريعة الموجبة ~~للحرمة ، فلم يبق لكم فيه عذر { فأوفوا الكيل } . # / السؤال الثاني : كيف قال الكيل والميزان ، ولم يقل المكيال والميزان ~~كما في سورة هود ؟ # والجواب : أراد بالكيل آلة الكيل ، وهو المكيال ، أو يسمى ما يكال به ~~بالكيل ، كما يقال العيش لما PageV14P141 يعاش به . والرابع : قوله : { ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم } والمراد أنه لما منع قومه من البخس في الكيل والوزن ~~منعهم بعد ذلك من البخس والتنقيص بجميع الوجوه / ويدخل فيه المنع من الغصب ~~والسرقة ، وأخذ الرشوة ، وقطع الطريق . وانتزاع الأموال بطريق الحيل . ~~والخامس : قوله : { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } وذلك لأنه لما كان ~~أخذ أموال الناس بغير رضاها يوجب المنازعة والخصومة ، وهما يوجبان الفساد ، ~~لا جرم قال بعده : { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } وقد سبق تفسير هذه ~~الكلمة ، وذكروا فيه وجوها فقيل : { ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } بأن ~~تقدموا على البخس في الكيل والوزن ، لأن ذلك يتبعه الفساد . وقيل : أراد به ~~المنع من كل ما كان فسادا حملا للفظ على عمومه . وقيل : قوله : { ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم } منع من مفاسد الدنيا وقوله : { ولا تفسدوا فى الارض ~~} منع من مفاسد الدين حتى تكون الآية جامعة للنهي عن مفاسد الدنيا والدين ، ~~واختلفوا في معنى { بعد إصلاحها } قيل : بعد أن صلحت الأرض بمجيء النبي بعد ~~أن كانت فاسدة بخلوها منه ، فنهاهم عن الفساد ، وقد صارت صالحة . وقيل : ~~المراد أن لا تفسدوا بعد أن أصلحها الله بتكثير النعم فيهم ، وحاصل هذه ~~التكاليف الخمسة يرجع إلى أصلين التعظيم لأمر الله ، ويدخل فيه الإقرار ~~بالتوحيد والنبوة ، والشفقة على خلق الله ، ويدخل فيه ترك البخس ، وترك ~~الإفساد ، وحاصلها يرجع إلى ترك الإيذاء ، كأنه تعالى يقول : إيصال النفع ~~إلى الكل متعذر . وأما كف الشر عن الكل فممكن ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه ~~الخمسة . قال : { ذالكم } وهو إشارة إلى هذه الخمسة ، والمعنى : خير لكم في ~~الآخرة إن كنتم مؤمنين بالآخرة ، والمراد : أترك البخس وترك الإفساد خير ~~لكم في ms4076 طلب المال في المعنى لأن الناس إذا علموا منكم الوفاء والصدق ~~والأمانة ، رغبوا في المعاملات معكم ، فكثرت أموالكم { إن كنتم مؤمنين } أي ~~إن كنتم مصدقين لي في قولي . # ! 7 < { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من ءامن به ~~وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة ~~المفسدين } . > 7 ! # / < < # | الأعراف : ( 86 ) ولا تقعدوا بكل . . . . . # > > اعلم أن شعيبا عليه السلام ضم إلى ما تقدم ذكره من التكاليف الخمسة ~~أشياء . الأول : أنه منعهم من أن يقعدوا على طرق الدين ومناهج الحق ، لأجل ~~أن يمنعوا الناس عن قبوله وفي قوله : { ولا تقعدوا بكل صراط } قولان : ~~الأول : يحمل الصراط على الطريق الذي يسلكه الناس . روي أنهم كانوا يجلسون ~~على PageV14P142 الطرقات ويخوفون من آمن بشعيب عليه السلام . والثاني : أن ~~يحمل الصراط على مناهج الدين ، قال صاحب ( الكشاف ) : { ولا تقعدوا بكل ~~صراط } أي ولا تقتدوا بالشيطان في قوله : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } ( ~~الأعراف : 16 ) قال والمراد بالصراط كل ما كان من مناهج الدين ، والدليل ~~على أن المراد بالصراط ذلك قوله : { وتصدون عن سبيل الله } وقوله : { بكل ~~صراط } يقال قعد له بمكان كذا وعلى مكان كذا ، وفي مكان كذا ، وهذه الحروف ~~تتعاقب في هذه المواضع لتقارب معانيها ، فإنك إذا قلت قعد بمكان كذا ، ~~فالباء للإلصاق ، وهو قد التصق بذلك المكان . # وأما قوله : { توعدون } فمحله ومحل ما عطف عليه النصب على الحال ، ~~والتقدير : ولا تقعدوا موعدين ولا صادين عن سبيل الله ولا أن تبغوا عوجا في ~~سبيل الله ، والحاصل : أنه نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال ~~بأحد هذه الأمور الثلاثة . واعلم أنه تعالى لما عطف بعض هذه الثلاثة على ~~البعض . وجب حصول المغايرة بينها فقوله : { توعدون } يحصل بذلك إنزال ~~المضار بهم وأما الصد ، فقد يكون بالإيعاد بالمضار ، وقد يكون بالوعد ~~بالمنافع بما لو تركه ، وقد يكون بأن لا يمكنه من الذهاب إلى الرسول ليسمع ~~كلامه . # أما قوله : { وتبغونها عوجا } فالمراد إلقاء الشكوك والشبهات والمراد من ~~الآية أن شعيبا منع القوم من ms4077 أن يمنعوا الناس من قبول الدين الحق بأحد هذه ~~الطرق الثلاثة . وإذا تأملت علمت أن أحدا لا يمكنه منع غيره من قبول مذهب ~~أو مقالة إلا بأحد هذه الطرق الثلاثة . # ثم قال : { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } والمقصود منه أنهم إذا تذكروا ~~كثرة إنعام الله عليهم فالظاهر أن ذلك يحملهم على الطاعة والبعد عن المعصية ~~، قال الزجاج : وهذا الكلام يحتمل ثلاثة أوجه ، كثر عددكم بعد القلة ، ~~وكثركم بالغني بعد الفقر ، وكثركم بالقدرة بعد الضعف ، ووجه / ذلك أنهم إذا ~~كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل ، في أنه لا يحصل من وجودهم قوة ~~وشوكة . فأما تكثير عددهم بعد القلة ؛ فهو أن مدين بن إبراهيم تزوج رئيا ~~بنت لوط ، فولدت حتى كثر عددهم . # ثم قال بعده : { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } والمعنى تذكروا عاقبة ~~المفسدين وما لحقهم من الخزي والنكال ، ليصير ذلك زاجرا لكم عن العصيان ~~والفساد ، فقوله : { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } المقصود منه أنهم إذا ~~تذكروا نعم الله عليهم انقادوا وأطاعوا ، وقوله : { وانظروا كيف كان عاقبة ~~المفسدين } المقصود منه أنهم إذا عرفوا أن عاقبة المفسدين المتمردين ليست ~~إلا الخزي والنكال ، احترزوا عن الفساد والعصيان وأطاعوا ، فكان المقصود من ~~هذين الكلامين حملهم على الطاعة بطريق الترغيب أولا والترهيب ثانيا . # ثم قال : { وإن كان طائفة منكم ءامنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا ~~فاصبروا } < < # | الأعراف : ( 87 ) وإن كان طائفة . . . . . # > > والمقصود منه تسلية قلوب المؤمنين وزجر من لم يؤمن / لأن قوله : { ~~فاصبروا } تهديد ، وكذلك قوله : { حتى يحكم الله بيننا } والمراد إعلاء ~~درجات المؤمنين ، وإظهار هوان الكافرين ، وهذه الحالة قد تظهر في الدنيا ~~فإن لم تظهر في الدنيا فلا بد من ظهورها في الآخرة . PageV14P143 # ثم قال : { وهو خير الحاكمين } يعني أنه حاكم منزه عن الجور والميل ~~والحيف ، فلا بد وأن يخص المؤمن التقي بالدرجات العالية ، والكافر الشقي ~~بأنواع العقوبات ، ونظيره قوله : { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين فى الارض } ( ص: 28 ) . # ! 7 < { قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ياشعيب والذين ءامنوا ~~معك ms4078 من قريتنآ أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين * قد افترينا على ~~الله كذبا إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنآ أن نعود ~~فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا ~~افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 88 - 89 ) قال الملأ الذين . . . . . # > > # / اعلم أن شعيبا لما قرر تلك الكلمات قال : { الذين استكبروا } وأنفوا من ~~تصديقه وقبول قوله لا بد من أحد أمرين : إما أن ونخرجك ونخرج أتباعك من هذه ~~القرية . وإما أن تعود إلى ملتنا ، والإشكال فيه أن يقال : إن قولهم : { أو ~~لتعودن فى ملتنا } يدل على أنه عليه السلام كان على ملتهم التي هي الكفر ، ~~فهذا يقتضي أنه عليه السلام كان كافرا قبل ذلك ، وذلك في غاية الفساد ، ~~وقوله : { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا فى ملتكم } يدل أيضا على هذا ~~المعنى . # والجواب من وجوه : الأول : أن أتباع شعيب كانوا قبل دخولهم في دينه كفارا ~~فخاطبوا شعيبا بخطاب أتباعه وأجروا عليه أحكامهم . الثاني : أن رؤساءهم ~~قالوا ذلك على وجه التلبيس على العوام يوهمون أنه كان منهم ، وأن شعيبا ذكر ~~جوابه على وفق ذلك الإيهام . الثالث : أن شعيبا في أول أمره كان يخفي دينه ~~ومذهبه ، فتوهموا أنه كان على دين قومه . الرابع : لا يبعد أن يقال : إن ~~شعيبا كان على شريعتهم ، ثم إنه تعالى نسخ تلك الشريعة بالوحي الذي أوحاه ~~إليه . الخامس : المراد من قوله : { أو لتعودن فى ملتنا } أي لتصيرن إلى ~~ملتنا فوقع العود بمعنى الابتداء . تقول العرب : قد عاد إلي من فلان مكروه ~~، يريدون قد صار إلي منه المكروه ابتداء . قال الشاعر : # % فإن تكن الأيام أحسن مدة % % إلى فقد عادت لهن ذنوب % # أراد فقد صارت لهن ذنوب ، ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان ، ثم ~~إنه تعالى بين أن القوم لما قالوا ذلك . أجاب شعيب عليه السلام عن كلامهم ~~بوجهين : الأول : قوله : { ولو كنا * كارهين } الهمزة PageV14P144 ~~للاستفهام ، والواو واو ms4079 الحال . تقديره : أتعيدوننا في ملتكم في حال ~~كراهتنا ، ومع كوننا كارهين : الثاني : قوله : { قد افترينا على الله كذبا ~~إن عدنا فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } والجواب الأول يجري مجرى الرمز ~~في أنه لا يعود إلى ملتهم ، وهذا الجواب الثاني تصريح بأنه لا يفعل ذلك ~~فقال : إنه إن فعلنا ذلك فقد افترينا على الله . وأصل الباب في النبوة ~~والرسالة صدق اللهجة ، والبراءة عن الكذب ، فالعود في ملتكم يبطل النبوة ، ~~ويزيل الرسالة . وقوله : { إذ نجانا الله منها } فيه وجوه : الأول : معنى { ~~إذ نجانا الله منها } علمنا قبحه وفساده ، ونصب الأدلة على أنه باطل . ~~الثاني : أن المراد أن الله نجى قومه من تلك الملة ، إلا أنه نظم نفسه في ~~جملتهم ، وإن كان بريئا منه إجراء الكلام على حكم التغليب . والثالث : أن ~~القوم أوهموا أنه كان على ملتهم ، أو اعتقدوا أنه كان كذلك . فقوله : { بعد ~~إذ نجانا الله منها } أي حسب معتقدكم وزعمكم . # / أما قوله : { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن * عبد الله } . # فاعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية على أنه تعالى قد يشاء الكفر ، ~~والمعتزلة يتمسكون بها على أنه تعالى لا يشاء إلا الخير والصلاح . أما وجه ~~استدلال أصحابنا بهذه ، فمن وجهين : الأول : قوله : { إن عدنا فى ملتكم بعد ~~إذ نجانا الله منها } يدل على أن المنجي من الكفر هو الله تعالى ، ولو كان ~~الإيمان يحصل بخلق العبد ، لكانت النجاة من الكفر تحصل للإنسان من نفسه ، ~~لا من الله تعالى ، وذلك على خلاف مقتضى قوله : { بعد إذ نجانا الله منها } ~~الثاني : أن معنى الآية أنه ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء الله أن ~~يعيدنا إلى تلك الملة ، ولما كانت تلك الملة كفرا ، كان هذا تجويزا من شعيب ~~عليه السلام أن يعيدهم إلى الكفر ، فكاد هذا يكون تصريحا من شعيب بأنه ~~تعالى قد شاء رد المسلم إلى الكفر ، وذلك غير مذهبنا . قال الواحدي : ولم ~~تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر . ألا ترى إلى قول ~~الخليل عليه ms4080 السلام : { واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام } ( إبراهيم : 35 ) ~~وكثيرا ما كان محمد عليه الصلاة والسلام يقول : ( يا مقلب القلوب والأبصار ~~ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك ) وقال يوسف : { توفنى مسلما } ( يوسف : 101 ) ~~أجابت المعتزلة عنه من وجوه : الأول : أن قوله ليس لنا أن نعود إلى تلك ~~الملة إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إليها قضية شرطية ، وليس فيها بيان أنه ~~تعالى شاء ذلك أو ما شاء . والثاني : أن هذا مذكور على طريق التبعيد ، كما ~~يقال : لا أفعل ذلك إلا إذا ابيض القار ، وشاب الغراب : فعلق شعيب عليه ~~السلام عوده إلى ملتهم على مشيئته . ومن المعلوم أنه لا يكون نفيا لذلك ~~أصلا ، فهو على طريق التبعيد ، لا على وجه الشرط . الثالث : أن قوله : { ~~إلا أن يشاء الله } ليس فيه بيان أن الذي شاءه الله ما هو ، فنحن نحمله على ~~أن المراد إلا أن يشاء الله ربنا بأن يظهر هذا الكفر من أنفسنا إذا ~~أكرهتمونا عليه بالقتل ، وذلك لأن عند الإكراه على إظهار الكفر بالقتل يجوز ~~إظهاره ، وما كان جائزا كان مرادا لله تعالى ، وكون الضمير أفضل من الإظهار ~~، لا يخرج ذلك الإظهار من أن يكون مراد الله تعالى ، كما أن المسح على ~~الخفين مراد الله تعالى وإن كان غسل الرجلين أفضل . الرابع : أن قوله : { ~~لنخرجنك ياشعيب * شعيب } ( الأعراف : 88 ) المراد الإخراج عن القرية ، ~~فيحمل قوله : { وما يكون لنا أن نعود فيها } أي القرية ، لأنه تعالى قد كان ~~حرم عليه إذا أخرجوه عن القرية ، أن يعود فيها إلا بإذن الله ومشيئته . ~~الخامس : أن نقول يجب حمل المشيئة ههنا على الأمر ، لأن قوله : { وما كان ~~لنا أن * نعود فيها إلا أن يشاء الله } معناه : أنه إذا شاء كان لنا أن ~~نعود فيها . وقوله : { لنا أن نعود فيها } أي يكون ذلك العود جائزا ، ~~PageV14P145 والمشيئة عند أهل السنة لا يوجب جواز الفعل ، فإنه تعالى يشاء ~~الكفر من الكافر عندهم ، ولا يجوز له فعله ، إنما الذي يوجب / الجواز هو ~~الأمر . فثبت أن المراد من المشيئة ههنا الأمر ms4081 ، فكان التقدير : إلا أن ~~يأمر الله بعودنا في ملتكم فإنا نعود إليها ، والشريعة التي صارت منسوخة ، ~~لا يبعد أن يأمر الله بالعمل بها مرة أخرى ، وعلى هذا التقدير يسقط ~~استدلالكم . # والوجه السادس : للقوم في الجواب ما ذكره الجبائي ، فقال : المراد من ~~الملة الشريعة التي يجوز اختلاف العبادة فيها بالأوقات ، كالصلاة والصيام ~~وغيرهما ، فقال شعيب : { وما يكون لنا أن نعود فيها ملتكم } ولما دخل في ~~ذلك كل ما هم عليه ، وكان من الجائز أن يكون بعض تلك الأحكام والشرائع ~~باقيا غير منسوخ ، لا جرم قال : { إلا أن يشاء الله } والمعنى : إلا أن ~~يشاء الله إبقاء بعضها فيدلنا عليه ، فحينئذ نعود إليها . فهذا الاستثناء ~~عائد إلى الأحكام التي يجوز دخول النسخ والتغيير فيها ، وغير عائد إلى ما ~~لا يقبل التغير ألبتة . فهذه أسئلة القوم على هذه الطريقة وهي جيدة ، وفي ~~الآيات الدالة على صحة مذهبنا كثرة ، ولا يلزم من ضعف استدلال أصحابنا بهذه ~~الآية دخول الضعف في المذهب . وأما المعتزل فقد تمسكوا بهذه الآية على صحة ~~قولهم من وجهين : # الوجه الأول : لما قالوا ظاهر قوله : { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن ~~يشاء الله ربنا } يقتضي أنه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن نعود ~~إليها ، وذلك يقتضي أن كل ما شاء الله وجوده ، كان فعله جائزا مأذونا فيه ، ~~ولم يكن حراما . قالوا : وهذا عين مذهبنا أن كل ما أراد الله حصوله ، كان ~~حسنا مأذونا فيه ، وما كان حراما ممنوعا منه لم يكن مرادا لله تعالى . # والوجه الثاني : لهم أن قالوا : إن قوله : { لنخرجنك * أو لتعودن فى ~~ملتنا } لا وجه للفصل بين هذين القسمين على قول الخصم ، لأن على قولهم ~~خروجهم من القرية بخلق الله وعودهم إلى تلك الملة أيضا بخلق الله ، وإذا ~~كان حصول القسمين بخلق الله ، لم يبق للفرق بين القسمين فائدة . # واعلم أنه لما تعارض استدلال الفريقين بهذه الآية وجب الرجوع إلى سائر ~~الآيات في هذا الباب . # أما قوله : { وسع ربنا كل شيء علما } ففيه مسائل : # المسألة ms4082 الأولى : في تعلق هذا الكلام بالكلام الأول وجوه : قال القاضي : ~~قد نقلنا عن أبي علي الجبائي أن قول شعيب : { إلا أن يشاء الله ربنا } ~~معناه : إلا أن يخلق المصلحة في تلك العبادات ، فحينئذ يكلفنا بها ، ~~والعالم بالمصالح ليس إلا من وسع علمه كل شيء ، فلذلك أتبعه بهذا القول . ~~وقال أصحابنا : وجه تعلق هذا الكلام بما قبله ، هو أن القوم لما قالوا ~~لشعيب : إما أن تخرج من قريتنا وإما أن تعود إلى ملتنا ، فقال شعيب : { وسع ~~ربى كل شىء علما } فربما كان في علمه حصول قسم ثالث ، وهو أن نبقى في هذه ~~القرية من غير أن نعود إلى ملتكم بل يجعلكم مقهورين تحت / أمرنا ذليلين ~~خاضعين تحت حكمنا ، وهذا الوجه أولى مما قاله القاضي ، لأن قوله : { على ~~الله توكلنا } لائق بهذا الوجه ، لا بما قاله القاضي . # المسألة الثانية : قوله : { وسع ربنا كل شيء علما } يدل على أنه تعالى ~~كان عالما في الأزل بجميع الأشياء ، لأن قوله : { واسع } فعل ماض ، فيتناول ~~كل ماض . وإذا ثبت أنه كان في الأزل عالما بجميع PageV14P146 المعلومات . ~~وثبت أن تغير معلومات الله تعالى محال ، لزم أنه ثبتت الأحكام وجفت الأقلام ~~والسعيد من سعد في علم الله ، والشقي من شقي في علم الله . # المسألة الثالثة : قوله : { وسع ربنا كل شيء علما } يدل على أنه علم ~~الماضي ، والحال والمستقبل وعلم المعدوم أنه لو كان كيف كان يكون ، فهذه ~~أقسام أربعة ، ثم كل واحد من هذه الأقسام الأربعة يقع على أربعة أوجه . أما ~~الماضي : فإنه علم أنه لما كان ماضيا ، فإنه كيف كان . وعلم أنه لو لم يكن ~~ماضيا ، بل كان حاضرا ، فإنه كيف يكون وعلم أنه لو كان مستقبلا كيف يكون . ~~وعلم أنه لو كان عدما محضا كيف يكون ، فهذه أقسام أربعة بحسب الماضي ، ~~واعتبر هذه الأقسام الأربعة بحسب الحال ، وبحسب المستقبل ، وبحسب المعدوم ~~المحض ، فيكون المجموع ستة عشر ، ثم اعتبر هذه الأقسام الستة عشر بحسب كل ~~واحد من الذوات والألوان والطعوم والروائح ، وكذا القول في سائر المفردات ~~من ms4083 أنواع الأعراض وأجناسها ، فحينئذ يلوح لعقلك من قوله : { وسع ربنا كل ~~شيء علما } بحر لا ينتهي مجموع عقول العقلاء إلى أول خطوة من خطوات ساحله . # المسألة الرابعة : قال الواحدي : قوله : { وسع ربنا كل شيء علما } منصوب ~~على التمييز . # واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ختم كلامه بأمرين : الأول : بالتوكل على ~~الله . فقال : { على الله توكلنا } فهذا يفيد الحصر ، أي عليه توكلنا لا ~~على غيره ، وكأنه في هذا المقام عزل الأسباب ، وارتقى عنها إلى مسبب ~~الأسباب . والثاني : الدعاء . فقال : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } ~~قال ابن عباس والحسن وقتادة ، والسدي : احكم واقض . وقال الفراء : أهل عمان ~~يسمون القاضي الفاتح والفتاح لأنه يفتح مواضع الحق ، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قال : ما كنت أدري قوله : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } ~~حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها : تعال أفاتحك أي أحاكمك . قال الزجاج : ~~وجائز أن يكون قوله : { افتح بيننا وبين قومنا بالحق } أي أظهر أمرنا حتى ~~ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف ، والمراد منه : أن ينزل عليهم عذابا يدل ~~على كونهم مبطلين ، وعلى كون شعيب وقومه محقين ، وعلى هذا الوجه يراد به ~~الكشف والتبيين . # ثم قال : { وأنت خير الفاتحين } والمراد منه الثناء على الله . واحتج ~~أصحابنا بهذا اللفظ على أنه / هو الذي يخلق الإيمان من العبد ، وذلك لأن ~~الإيمان أشرف المحدثات ، ولو فسرنا لفتح بالكشف والتبيين ، فلا شك أن ~~الإيمان كذلك . # إذا ثبت هذا فنقول : لو كان الموجد للإيمان هو العبد ، لكان خير الفاتحين ~~هو العبد ، وذلك ينفي كونه تعالى خير الفاتحين . # ! 7 < { وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا ~~لخاسرون * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن ~~لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين * فتولى عنهم وقال ~~ياقوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف ءاسى على قوم كافرين } . > 7 ~~@QB@ < # | الأعراف : ( 90 - 93 ) وقال الملأ الذين . . . . . # > > PageV14P147 # اعلم أنه تعالى بين عظم ضلالتهم بتكذيب شعيب . ثم بين أنهم لم يقتصروا ~~على ms4084 ذلك ، حتى أضلوا غيرهم ، ولاموهم على متابعته فقالوا : { لئن اتبعتم ~~شعيبا إنكم إذا لخاسرون } واختلفوا فقال بعضهم : خاسرون في الدين . وقال ~~آخرون : خاسرون في الدنيا ، لأنه يمنعكم من أخذ الزيادة من أموال الناس ، ~~وعند هذا المقال كمل حالهم في الضلال أولا وفي الإضلال ثانيا ، فاستحقوا ~~الإهلاك فلهذا قال تعالى : { فأخذتهم الرجفة } وهي الزلزلة الشديدة المهلكة ~~، فإذا انضاف إليها الجزاء الشديد المخوف على ما ذكره الله تعالى من قصة ~~الظلمة ، كان الهلاك أعظم ، لأنه أحاط بهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ~~{ فأصبحوا في دارهم } أي في مساكنهم { جاثمين } أي خامدين ساكنين بلا حياة ~~وقد سبق الاستقصاء في تفسير هذه الألفاظ . # ثم قال تعالى : { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } وفيه بحثان : # / البحث الأول : في قوله : { كأن لم يغنوا فيها } قولان : أحدهما : يقال ~~غني القوم في دارهم إذا طال مقامهم فيها . والثاني : المنازل التي كان بها ~~أهلوها واحدها مغني . قال الشاعر : # % ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة % % في ظل ملك ثابت الأوتاد % # أراد أقاموا فيها ، وعلى هذا الوجه كان قوله : { كأن لم يغنوا فيها } كأن ~~لم يقيموا بها ولم ينزلوا فيها . # والقول الثاني : قال الزجاج : كأن لم يغنوا فيها ، كأن لم يعيشوا فيها ~~مستغنين ، يقال غني الرجل يغنى إذا استغنى ، وهو من الغني الذي هو ضد الفقر ~~. # وإذا عرفت هذا فنقول : على التفسيرين شبه الله حال هؤلاء المكذبين بحال ~~من لم يكن قط في تلك الديار . قال الشاعر : # % كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا % % أنيس ولم يسمر بمكة سامر % # % بلى نحن كنا أهلها فأبادنا % % صروف الليالي والجدود العواثر % # البحث الثاني : قوله : { الذين كذبوا شعيبا } كأن لم يغنوا فيها الذين ~~يدل على أن ذلك العذاب كان مختصا بأولئك المكذبين ، وذلك يدل على أشياء : ~~أحدها : أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار ، وليس ذلك أثر الكواكب ~~والطبيعة ، وإلا لحصل في أتباع شعيب ، كما حصل في حق الكفار . والثاني : ~~يدل PageV14P148 على أن ذلك الفاعل المختار ، عالم بجميع الجزئيات ، حتى ~~يمكنه التمييز بين ms4085 المطيع والعاصي . وثالثها : يدل على المعجز العظيم في حق ~~شعيب ، لأن العذاب النازل من السماء لما وقع على قوم دون قوم مع كونهم ~~مجتمعين في بلدة واحدة ، كان ذلك من أعظم المعجزات . # ثم قال تعالى : { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } وإنما كرر قوله ~~: { الذين كذبوا شعيبا } لتعظيم المذلة لهم وتفظيع ما يستحقون من الجزاء ~~على جهلهم / والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم ، فيقول الرجل لغيره ~~: أخوك الذي ظلمنا ، أخوك الذي أخذ أموالنا ، أخوك الذي هتك أعراضنا ، ~~وأيضا أن القوم لما قالوا : { لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون } بين ~~تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه هم الخاسرون . # ثم قال تعالى : { فتولى عنهم } واختلفوا في أنه تولى بعد نزول العذاب بهم ~~أو قبل ذلك ، وقد سبق ذكر هذه المسألة . قال الكلبي : خرج من بين أظهرهم ، ~~ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بينهم . # ثم قال : { فكيف ءاسى على قوم كافرين } الأسى شدة الحزن . قال العجاج : # % وانحلبت عيناه من فرط الأسى % % # إذا عرفت هذا فنقول : في الآية قولان : # القول الأول : أنه اشتد حزنه على قومه ، لأنهم كانوا كثيرين ، وكان يتوقع ~~منهم الاستجابة للإيمان ، فلما أن نزل بهم ذلك الهلاك العظيم ، حصل في قلبه ~~من جهة الوصلة والقرابة والمجاورة وطول الألفة . ثم عزى نفسه وقال : { فكيف ~~ءاسى على قوم كافرين } لأنهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على ~~الكفر . # والقول الثاني : أن المراد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير ~~مما حل بكم ، فلم تسمعوا قولي ، ولم تقبلوا نصيحتي { فكيف ءاسى * عليكم } ~~يعني أنهم ليسوا مستحقين بأن يأسى الإنسان عليهم . قال صاحب ( الكشاف ) : ~~وقرأ يحيى بن وثاب { فكيف } بكسر الهمزة . # ! 7 < { ومآ أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأسآء والضرآء ~~لعلهم يضرعون * ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس ءاباءنا ~~الضرآء والسرآء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 94 - 95 ) وما أرسلنا في . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما عرفنا أحوال هؤلاء الأنبياء ، وأحوال ما جرى على ~~أممهم ms4086 ، كان من الجائز أن يظن PageV14P149 أنه تعالى ما أنزل عذاب ~~الاستئصال ، إلا في زمن هؤلاء الأنبياء فقط ، فبين في هذه الآية أن هذا ~~الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم ، وبين العلة التي بها يفعل ذلك : قال ~~تعالى : { كافرين وما أرسلنا فى قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بالبأساء ~~والضراء } وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين إليهم يبعث الرسل ، ~~ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة ، لأنها مجتمع الأقوام وقوله : { من نبى } فيه ~~حذف وإضمار ، والتقدير : من نبي فكذب أو كذبه أهلها ، إلا أخذنا أهلها ~~بالبأساء والضراء . قال الزجاج : البأساء كل ما نالهم من الشدة في أحوالهم ~~، والضراء ما نالهم من الأمراض . وقيل على العكس ، ثم بين تعالى أنه يفعل ~~ذلك لكي يضرعوا ، معناه : يتضرعوا ، والتضرع هو الخضوع والانقياد لله تعالى ~~، ولما علمت أن قوله : { لعلهم } لا يمكن حمله على الشك في حق الله تعالى ، ~~وجب حمله على أن / المراد أنه تعالى فعل هذا الفعل لكي يتضرعوا . قالت ~~المعتزلة : وهذا يدل على أنه تعالى أراد من كل المكلفين الإيمان والطاعة . ~~وقال أصحابنا : لما ثبت بالدليل أن تعليل أفعال الله وأحكامه محال وجب حمل ~~الآية على أنه تعالى فعل ، ما لو فعله غيره لكان ذلك شبيها بالعلة والغرض ، ~~ثم بين تعالى أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد ، وإنما يدبرهم ~~بما يكون إلى الإيمان أقرب فقال : { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة } ( ~~الأعراف : 95 ) لأن ورود النعمة في البدن والمال بعد البأساء والضراء ، ~~يدعو إلى الانقياد والاشتغال بالشكر ، ومعنى الحسنة والسيئة ههنا الشدة ~~والرخاء . قال أهل اللغة : { السيئة } كل ما يسوء صاحبه ، و { الحسنة } ما ~~يستحسنه الطبع والعقل ، والمعنى : أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي ~~بالشدة تارة ، وبالرخاء أخرى . وقوله : { حتى عفوا } قال الكسائي : يقال : ~~قد عفا الشعر وغيره ، إذا كثر ، يعفو فهو عاف . ومنه قوله تعالى : { حتى ~~عفوا } يعني كثروا ومنه ما ورد في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام ، أمر أن ~~تحف الشوارب ، وتعفى اللحى يعني توفر وتكثر وقوله ms4087 : { وقالوا قد مس ءاباءنا ~~الضراء والسراء } فالمعنى : أنهم متى نالهم شدة قالوا : ليس هذا بسبب ما ~~نحن عليه من الدين والعمل وتلك عادة الدهر ، ولم يكن ما مسنا من البأساء ~~والضراء عقوبة من الله وهذه الحكاية تدل على أنهم لم ينتفعوا بما دبرهم ~~الله عليه من رخاء بعد شدة ، وأمن بعد خوف ، بل عدلوا إلى أن هذه عادة ~~الزمان في أهله ، فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد ، ومرة يحصل لهم الرخاء ~~والراحة ، فبين تعالى أنه أزال عذرهم وأزاح علتهم ، فلم ينقادوا ولم ~~ينتفعوا بذلك الإمهال ، وقوله : { فأخذناهم بغتة } والمعنى : أنهم لما ~~تمردوا على التقديرين ، أخذهم الله بغتة أينما كانوا ، ليكون ذلك أعظم في ~~الحسرة . وقوله : { وهم لا يشعرون } أي يرون العذاب والحكمة في حكاية هذا ~~المعنى أن يحصل الاعتبار لمن سمع هذه القصة وعرفها . # ! 7 < { ولو أن أهل القرىءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء ~~والا رض ولاكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون * أفأمن أهل القرى أن ~~يأتيهم بأسنا بياتا وهم نآئمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم ~~يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } . > 7 ~~@QB@ < # | الأعراف : ( 96 - 99 ) ولو أن أهل . . . . . # > > PageV14P150 # اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى إن الذين عصوا وتمردوا أخذهم ~~الله بغتة ، بين في هذه الآية أنهم لو أطاعوا لفتح الله عليهم أبواب ~~الخيرات فقال : { ولو أن أهل القرىءامنوا } أي آمنوا بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر { واتقوا } ما نهى الله عنه وحرمه { لفتحنا عليهم بركات ~~من السماء والارض } بركات السماء بالمطر ، وبركات الأرض بالنبات والثمار ، ~~وكثرة المواشي والأنعام ، وحصول الأمن والسلامة ، وذلك لأن السماء تجري ~~مجرى الأب ، والأرض تجري مجرى الأم ، ومنها يحصل جميع المنافع والخيرات ~~بخلق الله تعالى وتدبيره . وقوله : { ولاكن كذبوا } يعني الرسل { فأخذناهم ~~} بالجدوبة والقحط { بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعصية . # ثم إنه تعالى أعاد التهديد بعذاب الاستئصال فقال : { أفأمن أهل القرى } ~~وهو استفهام بمعنى الإنكار عليهم ، والمقصود أنه تعالى خوفهم بنزول ذلك ~~العذاب عليهم ms4088 في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة ، وهو حال النوم ~~بالليل ، وحال الضحى بالنهار ؛ لأنه الوقت الذي يغلب على المرء التشاغل ~~باللذات فيه . وقوله : { وهم يلعبون } يحتمل التشاغل بأمور الدنيا ، فهي ~~لعب ولهو ، ويحتمل خوضهم في كفرهم ، لأن ذلك كاللعب في أنه لا يضر ولا ينفع ~~. قرأ أكثر القراء { أو أمن } بفتح الواو ، وهو حرف العطف دخلت عليه همزة ~~الاستفهام ، كما دخل في قوله : { أثم إذا ما وقع } ( يونس : 51 ) وقوله : { ~~أو * كلما * عاهدوا } ( البقرة : 100 ) وهذه القراءة أشبه بما قبله وبعده ، ~~لأن قبله { أفأمن أهل القرى } وما بعده { أفأمنوا مكر الله } ( الأعراف : ~~99 ) { أو لم * يهد للذين يرثون الارض } ( الأعراف : 100 ) وقرأ ابن عامر { ~~أو أمن } ساكنة الواو ، واستعمل على ضربين : أحدهما : أن تكون بمعنى أحد ~~الشيئين ، كقوله : زيد أو عمرو جاء ، والمعنى أحدهما جاء . # والضرب الثاني : أن تكون للاضراب عما قبلها ، كقولك : أنا أخرج أو أقيم ، ~~أضربت عن الخروج ، وأثبت الإقامة ، كأنك قلت : لا بل أقيم . فوجه هذه ~~القراءة أنه جعل ( أو ) للاضراب لا على أنه أبطل الأول ، وهو { الم * تنزيل ~~الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون } ( السجدة : 1 ، 2 ) فكان / ~~المعنى من هذه الآية استواء هذه الضروب من العذاب ، وإن شئت جعلت ( أو ) ~~ههنا التي لأحد الشيئين ، ويكون المعنى : أفأمنوا إحدى هذه العقوبات ، ~~وقوله : { ضحى } الضحى صدر النهار ، وأصله الظهور من قولهم : ضحا للشمس إذا ~~ظهر لها . # ثم قال تعالى : { أفأمنوا مكر الله } وقد سبق تفسير المكر في اللغة ، ~~ومعنى المكر في حق الله تعالى في سورة آل عمران عند قوله : { ومكروا ومكر ~~الله } ( آل عمران : 54 ) ويدل قوله : { أفأمنوا مكر الله } أن المراد أن ~~يأتيهم عذابه من حيث لا يشعرون . قاله على وجه التحذير ، وسمي هذا العذاب ~~مكرا توسعا / لأن الواحد منا إذا أراد المكر بصاحبه ، فإنه يوقعه في البلاء ~~من حيث لا يشعر به ، فسمي العذاب مكرا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون ، وبين ~~أنه لا يأمن من نزول عذاب الله ms4089 على هذا الوجه { إلا القوم الخاسرون } وهم ~~الذين لغفلتهم وجهلهم لا يعرفون ربهم ، فلا يخافونه ، ومن هذه سبيله ، فهو ~~أخسر الخاسرين في الدنيا والآخرة ، لأنه أوقع نفسه في الدنيا في الضرر ، ~~وفي الآخرة في أشد العذاب . # PageV14P151 ! 7 < { أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ أن لو نشآء ~~أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 100 ) أولم يهد للذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم من الآيات حال الكفار الذين أهلكهم ~~الله بالاستئصال مجملا ومفصلا أتبعه ببيان أن الغرض من ذكر هذه القصص حصول ~~العبرة لجميع المكلفين في مصالح أديانهم وطاعاتهم ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلف القراء فقرأ بعضهم { أولم يهد } بالياء المعجمة ~~من تحتها ، وبعضهم بالنون ، قال الزجاج : إذا قرىء بالياء المعجمة من تحت ~~كان قوله : { أن لو نشاء } مرفوعا بأنه فاعله / بمعنى أو لم يهد للذين ~~يخلفون أولئك المتقدمين ويرثون أرضهم وديارهم ، وهذا الشأن وهو أنا لو نشاء ~~أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين ~~، إذا قرىء بالنون فهو منصوب ، كأنه قيل . أولم نهد للوارثين هذا الشأن . ~~بمعنى أو لم نبين لهم أن قريشا أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم ؟ # المسألة الثانية : المعنى أو لم نبين للذين نبعثهم في الأرض بعد إهلاكنا ~~من كان قبلهم فيها فنهلكهم بعدهم ؟ وهو معنى لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ، أي ~~عقاب ذنوبهم ، وقوله : { ونطبع على قلوبهم } أي إن لم نهلكهم بالعقاب نطبع ~~على قلوبهم { فهم لا يسمعون } أي لا يقبلون ، ولا يتعظون ، ولا ينزجرون . ~~وإنما قلنا : إن المراد إما الإهلاك . وإما الطبع على القلب ، لأن الإهلاك ~~لا يجتمع مع الطبع على القلب ، فإنه إذا أهلكه يستحيل أن يطبع على قلبه . # المسألة الثالثة : استدل أصحابنا على أنه تعالى قد يمنع العبد عن الإيمان ~~بقوله : { ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون } والطبع والختم والرين والكنان ~~والغشاوة والصد والمنع واحد على ما قررناه في آيات كثيرة . قال الجبائي : ~~المراد من هذا الطبع أنه تعالى يسم قلوب الكفار ms4090 بسمات وعلامات تعرف ~~الملائكة بها أن أصحابها لا يؤمنون ، وتلك العلامة غير مانعة من الإيمان . ~~وقال الكعبي : إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك ~~الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله تعالى : { فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ~~( نوح : 6 ) . # واعلم أن البحث عن حقيقة الطبع والختم قد مر مرارا كثيرة فلا فائدة في ~~الإعادة . PageV14P152 # المسألة الرابعة : قوله : { ونطبع } هل هو منقطع عما قبله أو معطوف على ~~ما قبله . فيه قولان : # القول الأول : أنه منقطع عن الذي قبله ، لأن قوله : { * أصبنا } ماض ~~وقوله : { بذنوبهم ونطبع } مستقبل وهذا العطف ليس بمستحسن ، بل هو منقطع ~~عما قبله ، والتقدير : ونحن نطبع على قلوبهم . # والقول الثاني : أنه معطوف على ما قبله . قال صاحب ( الكشاف ) : هو معطوف ~~على ما دل عليه معنى { أو لم * يهد } كأنه قيل يغفلون عن الهداية ، ونطبع ~~على قلوبهم أو معطوف على قوله : { يرثون الارض } ثم قال : ولا يجوز أن يكون ~~معطوفا على { أصبناهم } لأنهم كانوا كفارا وكل كافر فهو مطبوع على قلبه ، ~~فقوله بعد ذلك : { ونطبع على قلوبهم } يجري مجرى تحصيل الحاصل . وهو محال ، ~~هذا تقرير قول صاحب ( الكشاف ) على أقوى الوجوه وهو ضعيف ، لأن كونه مطبوعا ~~عليه إنما يحصل حال استمراره وثباته عليه ، فهو يكفر أولا ، ثم يصير مطبوعا ~~عليه في الكفر ، فلم يكن هذا منافيا لصحة العطف . # / ثم قال تعالى : { تلك القرى نقص عليك من أنبائها } < < # | الأعراف : ( 101 ) تلك القرى نقص . . . . . # > > قوله : { تلك } مبتدأ { * والقرى } صفة و { نحن نقص عليك } خبر / ~~والمراد بتلك القرى قرى الأقوام الخمسة الذين وصفهم فيما سبق ، وهم : قوم ~~نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، نقص عليك من أخبارها كيف أهلكت . وأما ~~أخبار غير هؤلاء الأقوام ، فلم نقصها عليك ، وإنما خص الله أنباء هذه القرى ~~لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم فتوهموا أنهم على الحق ، فذكرها ~~الله تعالى تنبيها لقوم محمد عليه الصلاة والسلام عن الاحتراز من مثل تلك ~~الأعمال . # ثم عزاه الله تعالى بقوله : { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } يريد ~~الأنبياء ms4091 الذين أرسلوا إليهم وقوله : { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ~~} فيه قولان : الأول : قال ابن عباس والسدي : فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا ~~عند إرسال الرسل بما كذبوا به يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم ، ~~فآمنوا كرها ، وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب . الثاني : قال الزجاج : { ~~فما كانوا ليؤمنوا } بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به قبل رؤية تلك المعجزات ~~. الثالث : ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم إلى دار التكليف ~~ليؤمنواب ما كذبوا به من قبل إهلاكهم ، ونظيره قوله : { ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه } ( الإنعام : 28 ) الرابع : قبل مجيء الرسول كانوا مصرين على ~~الكفر ، فهؤلاء ما كانوا ليؤمنوا بعد مجيء الرسل أيضا . الخامس : ليؤمنوا ~~في الزمان المستقبل . # ثم إنه تعالى بين السبب في عدم هذا القبول فقال : { كذلك يطبع الله على ~~قلوب الكافرين } قال الزجاج : والكاف في { كذالك } نصب ، والمعنى : مثل ذلك ~~الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية ، يطبع على قلوب الكافرين الذين ~~كتب الله عليهم أن لا يؤمنوا أبدا . والله أعلم بحقائق الأمور . # ! 7 < { وما وجدنا لاكثرهم من عهد وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 102 ) وما وجدنا لأكثرهم . . . . . # > > فيه أقوال : الأول : قال ابن عباس : يريد الوفاء بالعهد الذي عاهدهم ~~الله وهم في صلب آدم ، حيث قال : PageV14P153 { ألست بربكم قالوا بلى } ( ~~الأعراف : 172 ) فلما أخذ الله منهم هذا العهد وأقروا به ، ثم خالفوا ذلك ، ~~صار كأنه ما كان لهم عهد ، فلهذا قال : { وما وجدنا لاكثرهم من عهد } ~~والثاني : قال ابن مسعود : العهد هنا الإيمان ، والدليل عليه قوله تعالى : ~~{ إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا } ( مريم : 87 ) يعني آمن وقال لا إله إلا ~~الله والثالث : أن العهد عبارة عن وضع الأدلة الدالة على صحة التوحيد ~~والنبوة ، وعلى هذا التقدير فالمراد / ما وجدنا لأكثرهم من الوفاء بالعهد . # ثم قال : { وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } أي وإن الشأن والحديث وجدنا ~~أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة ، صارفين عن الدين . # ! 7 < { ثم بعثنا من بعدهم موسى بأاياتنآ إلى فرعون وملإيه فظلموا بها ms4092 ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 103 ) ثم بعثنا من . . . . . # > > اعلم أن هذا هو القصة السادسة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه ~~السورة ، وذكر في هذه القصة من الشرح والتفصيل ما لم يذكر في سائر القصص ، ~~لأجل أن معجزات موسى كانت أقوى من معجزات سائر الأنبياء ، وجهل قومه كان ~~أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام . # واعلم أن الكناية في قوله : { من بعدهم } يجوز أن تعود إلى الأنبياء ~~الذين جرى ذكرهم ، ويجوز أن تعود إلى الأمم الذين تقدم ذكرهم بإهلاكهم ~~وقوله : { بئاياتنا } فيه مباحث . # البحث الأول : هذه الآية تدل على أن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها ~~يمتاز عن غيره ، إذ لو لم يكن مختصا بهذه الآية لم يكن قبول قوله أولى من ~~قبول قول غيره . # والبحث الثاني : هذه الآية تدل على أنه تعالى آتاه آيات كثيرة ، ومعجزات ~~كثيرة . # والبحث الثالث : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أول آياته العصا ثم اليد ~~، ضرب بالعصا باب فرعون ، ففزع منها فشاب رأسه ، فاستحيا فخضب بالسواد ، ~~فهو أول من خضب . قال : وآخر الآيات الطمس . قال : وللعصا فوائد كثيرة منها ~~ما هو مذكور في القرآن كقوله : { قال هى عصاى أتوكؤا عليها وأهش بها على ~~غنمى ولى فيها مأرب } ( طه : 18 ) وذكر الله من تلك المآرب في القرآن قوله ~~: { اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } ( البقرة : 60 ) وذكر ~~ابن عباس أشياء أخرى منها : أنه كان يضرب الأرض بها فتنبت ، ومنها : أنه ~~كانت تحارب اللصوص والسباع التي كانت تقصد غنمه ، ومنها : أنها كانت تشتعل ~~في الليل كاشتعال الشمعة ، ومنها : أنها كانت تصير كالحبل الطويل فينزح به ~~الماء من البئر العميقة . PageV14P154 # واعلم أن الفوائد المذكورة في القرآن معلومة ، فأما الأمور التي هي غير ~~مذكورة في القرآن / فكل ما ورد به خبر صحيح فهو مقبول . وما لا فلا ، وقوله ~~أنه كان يضرب بها الأرض فتخرج النبات ضعيف ، لأن القرآن يدل على أن موسى ~~عليه السلام ، كان يفزع إلى العصا في الماء الخارج ms4093 من الحجر ، وما كان يفزع ~~إليها في طلب الطعام . # أما قوله : { فظلموا بها } أي فظلموا بالآيات التي جاءتهم ، لأن الظلم ~~وضع الشيء في غير موضعه . فلما كانت تلك الآيات قاهرة ظاهرة ، ثم إنهم ~~كفروا بها فوضعوا الإنكار في موضع الإقرار والكفر في موضع الإيمان ، كان ~~ذلك ظلما منهم على تلك الآيات . # ثم قال : { فانظر } أي بعين عقلك { كيف كان عاقبة المفسدين } وكيف فعلنا ~~بهم . # ! 7 < { وقال موسى يافرعون إنى رسول من رب العالمين * حقيق على أن لا ~~أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معى بنىإسراءيل * قال ~~إن كنت جئت بأاية فأت بهآ إن كنت من الصادقين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 104 - 106 ) وقال موسى يا . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه كان يقال لملوك مصر : الفراعنة ، كما يقال ~~لملوك فارس : الأكاسرة ، فكأنه قال : يا ملك مصر ، وكان اسمه قايوس ، وقيل ~~: الوليد بن مصعب بن الريان . # المسألة الثانية : قوله : { إنى رسول من رب العالمين } فيه إشارة إلى ما ~~يدل على وجود الإله تعالى . فإن قوله : { رب العالمين } يدل على أن العالم ~~موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه ، وإله يوجده ويخلقه . # ثم قال : { حقيق * على أن * لا أقول على الله إلا الحق } والمعنى أن ~~الرسول لا يقول إلا الحق ، فصار نظم الكلام . كأنه قال : أنا رسول الله ، ~~ورسول الله لا يقول إلا الحق ، ينتج أني لا أقول إلا الحق ، ولما كانت ~~المقدمة الأولى خفية ، وكانت المقدمة الثانية جلية ظاهرة ، ذكر ما يدل على ~~صحة المقدمة الأولى ، وهو قوله : { قد جئتكم ببينة من ربكم } وهي المعجزة ~~الظاهرة القاهرة . ولما قرر رسالة نفسه فرع عليه تبليغ الحكم ، وهو قوله : ~~{ فأرسل معى بنى إسراءيل } ولما سمع فرعون هذا / الكلام قال : { قال إن كنت ~~جئت بئاية فأت بها إن كنت من } واعلم أن دليل موسى عليه السلام كان مبنيا ~~على مقدمات : إحداها : أن لهذا العالم إلها PageV14P155 قادرا عالما حكيما ~~. والثانية : أنه أرسله إليهم بدليل أنه أظهر المعجز على وفق دعواه ، ومتى ms4094 ~~كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون رسولا حقا . والثالثة : أنه متى كان الأمر ~~كذلك كان كل ما يبلغه من الله إليهم ، فهو حق وصدق . ثم إن فرعون ما نازعه ~~في شيء من هذه المقدمات إلا في طلب المعجزة ، وهذا يوهم أنه كان مساعدا على ~~صحة سائر المقدمات ، وقد ذكرنا في سورة طه أن العلماء اختلفوا في أن فرعون ~~هل كان عارفا بربه أم لا ؟ ولمجيب أن يجيب ، فيقول : إن ظهور المعجزة يدل ~~أولا على وجود الإله القادر المختار ، وثانيا : على أن الإله جعله قائما ~~مقام تصديق ذلك الرسول ، فلعل فرعون كان جاهلا بوجود الإله القادر المختار ~~، وطلب منه إظهار تلك البينة حتى أنه إن أظهرها وأتى بها كان ذلك دليلا على ~~وجود الإله أولا ، وعلى صحة نبوته ثانيا ، وعلى هذا التقدير : لا يلزم من ~~اقتصار فرعون على طلب البينة ، كونه مقرا بوجود الإله الفاعل المختار . # المسألة الثالثة : قرأ نافع { حقيق * على } مشدد الياء والباقون بسكون ~~الياء والتخفيف . أما قراءة نافع { * فحقيق } يجوز أن يكون بمعنى فاعل . ~~قال الليث : حق الشيء معناه وجب ، ويحق عليك أن تفعل كذا ، وحقيق علي أن ~~أفعله ، بمعنى فاعل . والمعنى : واجب علي ترك القول على الله إلا بالحق ، ~~ويجوز أن يكون بمعنى مفعول ، وضع فعيل في موضع مفعول . تقول العرب : حق علي ~~أن أفعل كذا وإني لمحقوق على أن أفعل خيرا ، أي حق علي ذلك بمعنى استحق . # إذا عرفت هذا فنقول : حجة نافع في تشديد الياء أن حق يتعدى بعلي . قال ~~تعالى : { طاغين فحق علينا قول ربنا } وقال : { فحق عليها القول } فحقيق ~~يجوز أن يكون موصولا بحرف على من هذا الوجه ، وأيضا فإن قوله : { حقيق } ~~بمعنى واجب ، فكما أن وجب يتعدى بعلي ، كذلك حقيق إن أريد به وجب ، يتعدى ~~بعلي . وأما قراءة العامة { حقيق * على } بسكون الياء . ففيه وجوه : الأول ~~: أن العرب تجعل الباء في موضع ( علي ) تقول : رميت على القوس وبالقوس ، ~~وجئت على حال حسنة ، وبحال حسنة . قال الأخفش : وهذا كما قال : { ولا ~~تقعدوا بكل ms4095 صراط توعدون } ( الأعراف : 86 ) فكما وقعت الباء في قوله : { ~~بكل صراط } موضع ( علي ) كذلك وقعت كلمة ( علي ) موقع الباء في قوله : { ~~حقيق * على أن * لا أقول } يؤكد هذا الوجه قراءة عبدالله { حقيق * بأن * لا ~~أقول } وعلى هذه القراءة فالتقدير : أنا حقيق بأن لا أقول ، وعلى قراءة ~~نافع يرتفع بالابتداء ، وخبره { أن لا أقول } الثاني : أن الحق هو الثابت ~~الدائم ، والحقيق مبالغة فيه ، وكان المعنى : أنا ثابت مستمر على أن لا ~~أقول إلا الحق . الثالث : الحقيق ههنا / بمعنى المحقوق ، وهو من قولك : ~~حققت الرجل إذا ما تحققته وعرفته على يقين ، ولفظة { على } ههنا هي التي ~~تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية ، كقوله تعالى : { فطرة الله التى فطر الناس ~~عليها } ( الروم : 30 ) وتقول : جاءت فلان على هيئته وعادته ، وعرفته ~~وتحققته على كذا وكذا من الصفات ، فمعنى الآية : أني لم أعرف ولم أتحقق إلا ~~على قول الحق . والله أعلم . # أما قوله : { فأرسل معى بنى إسراءيل } أي أطلق عنهم وخلهم ، وكان فرعون ~~قد استخدمهم في الأعمال الشاقة ، مثل ضرب اللبن ونقل التراب ، فعند هذا ~~الكلام قال فرعون : { قال إن كنت جئت بئاية فأت بها إن كنت من } وفيه بحثان ~~: # البحث الأول : أن لقائل أن يقول : كيف قال له { فأت بها } بعد قوله : { ~~قال إن كنت جئت } . PageV14P156 # وجوابه : إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فاتني بها وأحضرها عندي ، ليصح ~~دعواك ويثبت صدقك . # والبحث الثاني : أن قوله : { قال إن كنت جئت بئاية فأت بها إن كنت من } ~~جزاء وقع بين شرطين ، فكيف حكمه ؟ وجوابه أن نظيره قوله : إن دخلت الدار ~~فأنت طالق إن كلمت زيدا . وههنا المؤخر في اللفظ يكون متقدما في المعنى ، ~~وقد سبق تقرير هذا المعنى فيما تقدم . # ! 7 < { فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هى بيضآء ~~للناظرين * قال الملأ من قوم فرعون إن هاذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم فماذا تأمرون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 107 - 110 ) فألقى عصاه فإذا . . . . . # > > # اعلم أن فرعون لما طالب موسى عليه السلام بإقامة البينة ms4096 على صحة نبوته ~~بين الله تعالى أن معجزته كانت قلب العصا ثعبانا ، وإظهار اليد البيضاء ، ~~والكلام في هذه الآية يقع على وجوه : الأول : أن جماعة الطبيعيين ينكرون ~~إمكان انقلاب العصا ثعبانا . وقالوا : الدليل على امتناعه أن تجويز انقلاب ~~العصا ثعبانا يوجب ارتفاع الوثوق عن العلوم الضرورية وذلك باطل ، وما يفضي ~~إلى الباطل فهو باطل . إنما قلنا : إن تجويزه يوجب ارتفاع الوثوق على ~~العلوم الضرورية ، وذلك لأنا لو جوزنا أن يتولد الثعبان العظيم من العصا ~~الصغيرة لجوزنا أيضا أن يتولد الإنسان الشاب القوي عن التبنة / الواحدة ~~والحية الواحدة من الشعير ، ولو جوز ذلك لجوزناه في هذا الإنسان الذي ~~نشاهده الآن أنه إنما حدث الآن دفعة واحدة لا من الأبوين ، ولجوزنا في زيد ~~الذي نشاهده الآن أنه ليس هو زيد الذي شاهدناه بالأمس ، بل هو شخص آخر حدث ~~الآن دفعة واحدة ، ومعلوم أن من فتح على نفسه أبواب هذه التجويزات فإن ~~جمهور العقلاء يحكمون عليه بالخبل والعته والجنون ، ولأن لو جوزنا ذلك ~~لجوزنا أن يقال : إن الجبال انقلبت ذهبا ومياه البحار انقلبت دما ، ولجوزنا ~~في التراث الذي كان في مزبلة البيت أنه انقلب دقيقا ، وفي الدقيق الذي كان ~~في البيت أنه نقلب ترابا . وتجويز أمثال هذه الأشياء مما يبطل العلوم ~~الضرورية ويوجب دخول الإنسان في السفسطة ، وذلك باطل قطعا . فما يفضي إليه ~~كان أيضا باطلا . # فإن قال قائل : تجويز أمثال هذه الأشياء مختص بزمان دعوة الأنبياء ، وهذا ~~لزمان ليس كذلك . فقد حصل الأمان في هذا الزمان عن تجويز هذه الأحوال . # فالجواب عنه من وجوه : الأول : أن هذا التجويز إذا كان قائما في الجملة ~~كان تخصيص هذا التجويز بزمان دون زمان مما لا يعرف إلا بدليل غامض . فكان ~~يلزم أن يكون الجاهل بذلك الدليل الغامض جاهلا باختصاص ذلك التجويز بذلك ~~الزمان المعين . فكان يلزم من جمهور العقلاء الذين لا يعرفون ذلك الدليل ~~PageV14P157 الغامض أن يجوزوا كل ما ذكرناه من الجهات وأن لا يكونوا قاطعين ~~بامتناع وقوعها ، وحيث نراهم قاطعين بامتناع وقوعها علمنا أن ms4097 ما ذكرتموه ~~فاسد . والثاني : أنا لو جوزنا أمثال هذه الأحوال في زمان دعوة النبوة فإنه ~~يبطل أيضا به القول بصحة النبوة ، فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعبانا ، ~~جاز في الشخص الذي شاهدناه أنه ليس هو الشخص الأول ، بل الله أعدم الشخص ~~الأول دفعة واحدة ، وأوجد شخصا آخر يساويه في جميع الصفات . وعلى هذا ~~التقدير فلا يمكننا أن نعلم أن هذا الذي نراه الآن هو الذي رأيناه بالأمس . ~~وحينئذ يلزم وقوع الشك في الذين رأوا موسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام أن ~~ذلك الشخص هل هو الذي رأوه بالأمس أم لا ؟ ومعلوم أن تجويزه يوجب القدح في ~~النبوة والرسالة . والثالث : وهو أن هذا الزمان وإن لم لكن زمان جواز ~~المعجزات إلا أنه زمان جواز الكرامات عندكم . فيلزمكم تجويزه ، فهذا جملة ~~الكلام في هذا المقام . # واعلم أن القول بتجويز انقلاب العادات عن مجاريها صعب مشكل ، والعقلاء ~~اضطربوا فيه وحصل لأهل العلم فيه ثلاثة أقوال : # القول الأول : قول من يجوز ذلك على الإطلاق وهو قول أصحابنا ، وذلك لأنهم ~~جوزوا / تولد الإنسان وسائر أنواع الحيوان والنبات دفعة واحدة من غير سابقة ~~مادة ولا مدة ولا أصل ولا تربية . وجوزوا في الجوهر الفرد أن يكون حيا ~~عالما قادرا عاقلا قاهرا من غير حصول بنية ولا مزاج ولا رطوبة ولا تركيب ، ~~وجوزوا في الأعمى الذي يكون بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقعة التي ~~تكون بأقصى المشرق ، مع أن الإنسان الذي يكون سليم البصر لا يرى الشمس ~~الطالعة في ضياء النهار ، فهذا هو قول أصحابنا . # والقول الثاني : قول الفلاسفة الطبيعيين وهو أن ذلك ممتنع على الإطلاق ، ~~وزعموا أنه لا يجوز حدوث هذه الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه ~~المخصوص والطريق المعين . وقالوا : وبهذا الطريق دفعنا عن أنفسنا التزام ~~الجهالات التي ذكرناها والمحالات التي شرحناها ، واعلم أنهم وإن زعموا أن ~~ذلك غير لازم لهم ، إلا أنهم في الحقيقة يلزمهم ذلك لزوما لا دافع له ، ~~وتقريره أن هذه الحوادث التي تحدث في عالمنا هذا إما أن ms4098 تحدث لا لمؤثر أو ~~لمؤثر ، وعلى التقديرين : فالقول الذي ذكرناه لازم أما على القول بأنها ~~تحدث لا عن مؤثر ، فهذا القول باطل في صريح العقل ، إلا أن مع تجويزه ~~فالإلزام المذكور لازم لأنا إذا جوزنا حدوث الأشياء لا عن مؤثر ولا عن موجد ~~، فكيف يكون الأمان من تجويز حدوث إنسان لا عن الأبوين ، ومن تجويز انقلاب ~~الجبل ذهبا والبحر دما ؟ فإن تجويز حدوث بعض الأشياء لا عن مؤثر ليس أبعد ~~عند العقل من تجويز حدوث سائر الأشياء لا عن مؤثر ، فثبت على هذا التقدير ~~أن الإلزام المذكور لازم . أما على التقدير الثاني وهو إثبات مؤثر ومدبر ~~لهذا العالم فذلك المؤثر إما أن يكون موجبا بالذات وأما أن يكون فاعلا ~~بالاختيار . أما على التقدير الأول فالإلزامات المذكورة لازمة ، وتقريره : ~~أنه إذا كان مؤثرا ومرجحه موجبا بالذات وجب الجزم بأن اختصاص كل وقت معين ~~بالحادث المعين الذي حدث فيه إنما كان لأجل أنه بحسب اختلاف الأشكال ~~الفلكية تختلف حوادث هذا العالم إذ لو لم يعتبر هذا المعنى لامتنع أن تكون ~~العلة القديمة الدائمة سببا لحدوث المعلول الحادث المتغير . # وءذا ثبت هذا فنقول : كيف الأمان من أن يحدث في الفلك شكل غريب يقتضي ~~حدوث إنسان دفعة واحدة لا عن الأبوين وانتقال مادة الجبل من الصورة الجبلية ~~إلى الصورة الذهبية أو للصورة الحيوانية ؟ وحينئذ PageV14P158 تعود جميع ~~الإلزامات المذكورة . وأما على التقدير الثاني وهو أن يكون مؤثر العالم ~~ومرجحه فاعلا مختارا ، فلا شك أن جميع الأشياء المذكورة محتملة لأنه لا ~~يمتنع أن يقال أن ذلك الفاعل المختار يخلق بإرادته إنسانا دفعة واحدة لا عن ~~الأبوين وانتقال مادة الجبل ذهبا والبحر دما ، فثبت أن الأشياء التي ~~ألزموها علينا واردة على جميع التقديرات وعلى جميع الفرق وأنه لا دافع لها ~~ألبتة . # / والقول الثالث : وهو قول المعتزلة فإنهم يجوزون انخراق العادات ~~وانقلابها عن مجاريها في بعض الصور دون بعض ، فأكثر شيوخهم يجوزون حدوث ~~الإنسان دفعة واحدة لا عن الأبوين ، ويجوزون انقلاب الماء نارا وبالعكس ، ~~ويجوزون حدوث الزرع لا ms4099 عن سابقة بذر . ثم قالوا إنه لا يجوز أن يكون الجوهر ~~الفرد موصوفا بالعلم والقدرة والحياة ، بل صحة هذه الأشياء مشروطة بحصول ~~بنية مخصوصة ومزاج مخصوص ، وزعموا أن عند كون الحاسة سليمة وكون المرئي ~~حاضرا وعدم القرب القريب والبعد البعيد يجب حصول الإدراك وعند فقدان أحد ~~هذه الشروط يمتنع حصول الإدراك ، وبالجملة فالمعتزلة في بعض الصور لا ~~يعتبرون مجاري العادات ويزعمون أن انقلابها ممكن وانخراقها جائز ، وفي سائر ~~الصور يزعمون أنها واجبة ويمتنع زوالها وانقلابها ، وليس لهم بين الناس ~~قانون مضبوط ولا ضابط معلوم ، فلا جرم كان قولهم أدخل الأقاويل في الفساد . # إذا عرفت هذه التفاصيل فنقول : ذوات الأجسام متماثلة في تمام الماهية وكل ~~ما صح على الشيء صح على مثله / فوجب أن يصح على كل جسم ما صح على غيره ، ~~فإذا صح على بعض الأجسام صفة من الصفات وجب أن يصح على كلها مثل تلك الصفة ~~، وإذا كان كذلك كان جسم العصا قابلا للصفات التي باعتبارها تصير ثعبانا ، ~~وإذا كان كذلك كان انقلاب العصا ثعبانا أمرا ممكنا لذاته ، وثبت أنه تعالى ~~قادر على جميع الممكنات ، فلزم القطع بكونه تعالى قادرا على قلب العصا ~~ثعبانا ، وذلك هو المطلوب ، وهذا الدليل موقوف على إثبات مقدمات ثلاث : ~~إثبات أن الأجسام متماثلة في تمام الذات ، وإثبات أن حكم الشيء حكم مثله ، ~~وإثبات أنه تعالى قادر على كل الممكنات ومتى قامت الدلالة على صحة هذه ~~المقدمات الثلاثة فقد حصل المطلوب التام والله أعلم . قوله : : { فإذا هى } ~~أي العصا وهي مؤنثة ، والثعبان الحية الضخمة الذكر في قول جميع أهل اللغة . ~~فأما مقدارها فغير مذكور في القرآن ، ونقل عن المفسرين في صفتها أشياء ، ~~فعن ابن عباس : إنها ملأت ثمانين ذراعا ثم شدت على فرعون لتبتلعه فوثب ~~فرعون عن سريره هاربا وأحدث ، وانهزم الناس ومات منهم خمسة وعشرون ألفا . ~~وقيل : كان بين لحييها أربعون ذراعا ووضع لحيها الأسفل على الأرض ، والأعلى ~~على سور القصر ، وصاح فرعون يا موسى خذها . فأنا أومن بك ، فلما أخذها موسى ~~عادت عصا ms4100 كما كانت ، وفي وصف ذلك الثعبان بكونه مبينا وجوه : الأول : تمييز ~~ذلك عما جاءت به السحرة من التمويه الذي يلتبس على من لا يعرف سببه ، وبذلك ~~تتميز معجزات الأنبياء من الحيل والتمويهات . والثاني : في المراد أنهم ~~شاهدوا كونه حية لم يشتبه الأمر عليهم فيه . الثالث : المراد أن ذلك ~~الثعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي الكاذب . # / وأما قوله : { ونزع يده } فالنزع في اللغة عبارة عن إخراج الشيء عن ~~مكانه فقوله : { ونزع يده } أي أخرجها من جيبه أو من جناحه ، بدليل قوله ~~تعالى : { وأدخل يدك فى جيبك } وقوله : { واضمم يدك إلى جناحك } ~~PageV14P159 وقوله : { فإذا هى بيضاء للناظرين } قال ابن عباس : وكان لها ~~نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض . # واعلم أنه لما كان البياض كالعيب بين الله تعالى في غير هذه الآية أنه ~~كان من غير سوء . # فإن قيل : بم يتعلق قوله : { للناظرين } . # قلنا : يتعلق بقوله : { بيضاء } والمعنى : فإذا هي بيضاء للنظارة ، ولا ~~تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجتمع ~~الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب . وبقي ههنا مباحث : فأولها : ~~أن انقلاب العصا ثعبانا ، من كم وجه يدل على المعجز ؟ والثاني : أن هذا ~~المعجز كان أعظم أم اليد البيضاء ؟ وقد استقصينا الكلام في هذين المطلوبين ~~في سورة طه . والثالث : أن المعجز الواحد كان كافيا ، فالجمع بينهما كان ~~عبثا . # وجوابه : أن كثرة الدلائل توجب القوة في اليقين وزوال الشك ، ومن ~~الملحدين من قال : المراد بالثعبان وباليد البيضاء شيء واحد ، وهو أن حجة ~~موسى عليه السلام كانت قوية ظاهرة قاهرة ، فتلك الحجة من حيث إنها أبطلت ~~أقوال المخالفين ، وأظهرت فسادها ، كانت كالثعبان العظيم الذي يتلقف حجج ~~المبطلين ، ومن حيث كانت ظاهرة في نفسها ، وصفت باليد البيضاء ، كما يقال ~~في العرف : لفلان يد بيضاء في العلم الفلاني . أي قوة كاملة ، ومرتبة ظاهرة ~~. واعلم أن حمل هذين المعجزين على هذا الوجه يجري مجرى دفع التواتر وتكذيب ~~الله ورسوله . ولما بينا أن انقلاب العصا حية أمر ممكن ms4101 في نفسه ، فأي حامل ~~يحملنا على المصير إلى هذا التأويل ؟ ولما ذكر الله تعالى أن موسى عليه ~~السلام أظهر هذين النوعين من المعجزات . حكى عن قوم فرعون أنهم قالوا : { ~~إن هاذا لساحر عليم } وذلك لأن السحر كان غالبا في ذلك الزمان / ولا شك أن ~~مراتب السحرة كانت متفاضلة متفاوتة ، ولا شك أنه يحصل فيهم من يكون غاية في ~~ذلك العلم ونهاية فيه . فالقوم زعموا أن موسى عليه السلام . لكونه في ~~النهاية من علم السحر ، أتى بتلك الصفة ، ثم ذكروا أنه إنما أتى بذلك السحر ~~لكونه طالبا للملك والرياسة . # فإن قيل : قوله : { إن هاذا لساحر عليم } حكاه الله تعالى في سورة ~~الشعراء أنه قاله فرعون لقومه ، وحكى ههنا أن قوم فرعون قالوه ، فكيف الجمع ~~بينهما ؟ وجوابه من وجهين : الأول : لا يمتنع أنه قد قاله هو وقالوه هم ، ~~فحكى الله تعالى قوله ثم ، وقولهم ههنا . والثاني : لعل فرعون قاله ابتداء ~~/ فتلقنه الملأ منه فقالوه لغيره أو قالوه عنه لسائر الناس على طريق ~~التبليغ ، فإن الملوك إذا رأوا رأيا ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة ، ~~فكذا ههنا . # وأما قوله : { فماذا تأمرون } فقد ذكر الزجاج فيه ثلاثة أوجه : الأول : ~~أن كلام الملأ من قوم فرعون تم عند قوله : { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ~~} ثم عند هذا الكلام قال فرعون مجيبا لهم : { فماذا تأمرون } واحتجوا على ~~صحة هذا القول بوجهين : أحدهما : أن قوله : { فماذا تأمرون } خطاب للجمع لا ~~للواحد ، فيجب أن يكون هذا كلام فرعون للقوم . أما لو جعلناه كلام القوم مع ~~فرعون لكانوا قد خاطبوه بخطاب الواحد لا بخطاب الجمع . وأجيب عنه : بأنه ~~يجوز أن يكونوا خاطبوه بخطاب الجمع تفخيما لشأنه ، لأن العظيم إنما يكنى ~~عنه بكناية الجمع كما في قوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ~~) { إنا أرسلنا نوحا } PageV14P160 ( نوح : 1 ) { إنا أنزلناه فى ليلة ~~القدر } ( القدر : 1 ) . # والحجة الثانية : أنه تعالى لما ذكر قوله : { فماذا تأمرون } قال بعده : ~~{ قالوا أرجه } ولا شك أن هذا كلام القوم ، وجعله جوابا عن قولهم : { فماذا ms4102 ~~تأمرون } فوجب أن يكون القائل لقوله : { فماذا تأمرون } غير الذي قالوا ~~أرجه ، وذلك يدل على أن قوله : { فماذا تأمرون } كلام لغير الملأ من قوم ~~فرعون . وأجيب عنه : بأنه لا يبعد أن القوم قالوا : { إن هاذا لساحر عليم } ~~ثم قالوا لفرعون ولأكابر خدمه { فماذا تأمرون } ثم أتبعوه بقولهم : { أرجه ~~وأخاه } فإن الخدم والأتباع يفوضون الأمر والنهي إلى المخدوم والمتبوع أولا ~~، ثم يذكرون ما حضر في خواطرهم من المصلحة . # والقول الثاني : أن قوله : { فماذا تأمرون } من بقية كلام القوم ، ~~واحتجوا عليه بوجهين : الأول : أنه منسوق على كلام القوم من غير فاصل ، ~~فوجب أن يكون ذلك من بقية كلامهم . والثاني : أن الرتبة معتبرة في الأمر ، ~~فوجب أن يكون قوله : { فماذا تأمرون } خطابا من الأدنى مع الأعلى ، وذلك ~~يوجب أن يكون هذا من بقية كلام فرعون معه . # وأجيب عن هذا الثاني : بأن الرئيس المخدوم قد يقول للجمع الحاضر عنده من ~~رهطه ورعيته ماذا تأمرون ؟ ويكون غرضه منه تطييب قلوبهم وإدخال السرور في ~~صدورهم وأن يظهر من نفسه كونه معظما لهم ومعتقدا فيهم ، ثم إن القائلين بأن ~~هذا من بقية كلام قوم فرعون ذكروا وجهين : أحدهما : أن المخاطب بهذا الخطاب ~~هو فرعون وحده ، فإنه يقال للرئيس المطاع ما ترون في هذه الواقعة ؛ أي ما ~~ترى أنت وحدك ، والمقصود أنك وحدك قائم مقام الجماعة . والغرض منه التنبيه ~~على كماله ورفعة شأنه وحاله . والثاني : أن يكون المخاطب بهذا الخطاب هو ~~فرعون وأكابر دولته وعظماء حضرته ، لأنهم هم المستقلون بالأمر والنهي ، ~~والله أعلم . # ! 7 < { قالوا أرجه وأخاه وأرسل فى المدآئن حاشرين * يأتوك بكل ساحر عليم ~~* وجآء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم ~~وإنكم لمن المقربين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 111 - 114 ) قالوا أرجه وأخاه . . . . . # > > # اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع والكسائي { أرجه } بغير همز وكسر الهاء ~~والإشباع ، وقرأ عاصم وحمزة { أرجه } بغير الهمز وسكون الهاء . وقرأ ابن ~~كثير وابن عامر وأبو عمر { * وأرجئه } بالهمز وضم الهاء ، ثم أن ابن كثير ~~PageV14P161 أشبع ms4103 الهاء على أصله والباقون لا يشبعون . قال الواحدي : رحمه ~~الله { قالوا أرجه } مهموز وغير مهموز لغتان يقال أرجأت الأمر وأرجيته إذا ~~أخرته ، ومنه قوله تعالى : { وءاخرون مرجون } ( التوبة : 106 ) { بها من ~~تشاء } ( الأجزاب : 51 ) قرىء في الآيتين باللغتين ، وأما قراءة عاصم وحمزة ~~بغير الهمز ، وسكون الهاء . فقال الفراء : هي لغة العرب يقفون على الهاء ~~المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها وأنشد . # % فيصلح اليوم ويفسده غدا % % # قال وكذلك يفعلون بهاء التأنيث فيقولون : هذه طلحة قد أقبلت ، وأنشد . # % لما رأى أن لا دعه ولا شبع % % # ثم قال الواحدي : ولا وجه لهذا عند البصريين في القياس . وقال الزجاج : ~~هذا شعر لا نعرف قائله ، ولو قاله شاعر مذكور لقيل له أخطأت . # المسألة الثانية : في تفسير قوله : { أرجه } قولان : الأول : الإرجاء ~~التأخير فقوله : { أرجه } أي أخره . ومعنى أخره : أي أخر أمره ولا تعجل في ~~أمره بحكم ، فتصير عجلتك حجة عليك ، والمقصود أنهم حاولوا معارضة معجزته ~~بسحرهم ، ليكون ذلك أقوى في إبطال قول موسى عليه السلام . # والقول الثاني : وهو قول الكلبي وقتادة { أرجه } احبسه . قال المحققون ~~هذا القول ضعيف لوجهين : الأول : أن الإرجاء في اللغة هو التأخير لا الحبس ~~، والثاني : أن فرعون ما كان قادرا / على حبس موسى بعد ما شاهد حال العصا . # أما قوله : { وأرسل فى المدائن حاشرين } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك ~~الزمان وإلا لم يصح قوله : { وأرسل فى المدائن حاشرين * يأتوك بكل ساحر ~~عليم } ويدل على أن في طباع الخلق معرفة المعارفة ، وإنها إذا أمكنت فلا ~~نبوة ، وإذا تعذرت فقد صحت النبوة ، وأما بيان أن السحر ما هو وهل له حقيقة ~~أم لا بل هو محض التمويه ، فقد سبق الاستقصاء فيه ، في سورة البقرة . # المسألة الثانية : نقل الواحدي عن أبي القاسم الزجاجي : أنه قال ختلف ~~أصحابنا في المدينة على ثلاثة أقوال : # القول الأول : أنها فعيلة لأنها مأخوذة من قولهم مدن بالمكان يمدن مدونا ~~إذا أقام به ، وهذا القائل يستدل بإطباق القراء على ms4104 همز المدائن ، وهي ~~فعائل كصحائف وصحيفة وسفائن وسفينة والياء إذا كانت زائدة في الواحد همزت ~~في الجمع كقبائل وقبيلة ، وإذا كانت من نفس الكلمة لم تهمز في الجمع نحو ~~معايش ومعيشة . # والقول الثاني : أنها مفعلة ، وعلى هذا الوجه ، فمعنى المدينة المملوكة ~~من دانه يدينه ، فقولنا مدينة من دان ، مثل معيشة من عاش ، وجمعها مداين ~~على مفاعل . كمعايش ، غير مهموز ، ويكون اسما لمكان والأرض التي دانهم ~~السلطان فيها أي ساسهم وقهرهم . PageV14P162 # والقول الثالث : قال المبرد مدينة أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه ، ~~فاستثقلوا حركة الضمة على الياء فسكنوها ونقلوا حركتها إلى ما قبلها / ~~واجتمع ساكنان الواو المزيدة التي هي واو المفعول ، والياء التي هي من نفس ~~الكلمة ، فحذفت الواو لأنها زائدة ، وحذف الزائد أولى من حذف الحرف الأصلي ~~، ثم كسروا الدال لتسلم الياء ، فلا تنقلب واوا لانضمام ما قبلها فيختلط ~~ذوات الواو بذوات الياء ، وهكذا القول في المبيع والمخيط والمكيل ، ثم قال ~~الواحدي : والصحيح أنها فعيلة لاجتماع القراء على همز المدائن . # المسألة الثالثة : { وأرسل فى المدائن حاشرين } يريد وأرسل في مدائن صعيد ~~مصر رجالا يحشروا إليك ما فيها من السحرة . قال ابن عباس : وكان رؤساء ~~السحرة بأقصى مدائن الصعيد ، ونقل القاضي عن ابن عباس ، أنهم كانوا سبعين ~~ساحرا سوى رئيسهم ، وكان الذي يعلمهم رجلا مجوسيا من أهل نينوى بلدة يونس ~~عليه السلام ، وهي قرية بالموصل . وأقول هذا النقل مشكل ، لأن المجوس أتباع ~~زرادشت ، وزرادشت إنما جاء بعد مجيء موسى عليه السلام . # أما قوله : { يأتوك بكل ساحر عليم } ففيه مسائل : # / المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي بكل سحار ، والباقون بكل ساحر ، ~~فمن قرأ سحار فحجته أنه قد وصف بعليم ، ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه ~~به ، فحسن لذلك أن يذكر بالاسم الدال على المبالغة في السحر ، ومن قرأ ساحر ~~فحجته قوله : { وألقى السحرة } ( الأعراف : 120 ) { لعلنا نتبع السحرة } ( ~~الشعراء : 40 ) والسحرة جمع ساحر مثل كتبه وكاتب وفجرة وفاجر . واحتجوا ~~أيضا بقوله : { سحروا أعين الناس } ( الأعراف : 116 ) واسم الفاعل من سحروا ~~ساحر ms4105 . # المسألة الثانية : الباء في قوله : { بكل ساحر } يحتمل أن تكون بمعنى مع ~~، ويحتمل أن تكون باء التعدية . والله أعلم . # المسألة الثالثة : هذه الآية تدل على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك ~~الزمان ، وهذا يدل على صحة ما يقوله المتكلمون ، من أنه تعالى يجعل معجزة ~~كل نبي من جنس ما كان غالبا على أهل ذلك الزمان فلما كان السحر غالبا على ~~أهل زمان موسى عليه السلام كانت معجزته شبيهة بالسحر وإن كان مخالفا للسحر ~~في الحقيقة ، ولما كان الطب غالبا على أهل زمان عيسى عليه السلام كانت ~~معجزته من جنس الطب ، ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد عليه ~~الصلاة والسلام لا جرم كانت معجزته من جنس الفصاحة . # ثم قال تعالى : { وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لاجرا إن كنا نحن ~~الغالبين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع ، وابن كثير ، وحفص ، عن عاصم ، أن لنا لأجرا ~~بكسر الألف على الخبر والباقون على الاستفهام ، ثم اختلفوا ، فقرأ أبو عمرو ~~بهمزة ممدودة على أصله والباقون بهمزتين قال الواحدي رحمه الله : الاستفهام ~~أحسن في هذا الموضع ، لأنهم أرادوا أن يعلموا هل لهم أجر أم لا ؟ ويقطعون ~~على أن لهم الأجر ويقوي ذلك إجماعهم في سورة الشعراء على الهمز للاستفهام ~~وحجة نافع وابن كثير على أنهما أرادا همزة الاستفهام ، ولكنهما حذفا ذلك من ~~اللفظ وقد تحذف همزة الاستفهام من اللفظ ، وإن كانت باقية في المعنى كقوله ~~تعالى : { وتلك نعمة تمنها على } ( الشعراء : 22 ) فإنه يذهب كثير من الناس ~~إلى أن معناه PageV14P163 أو تلك بالاستفهام ، وكما في قوله : { هاذا ربى } ~~( الأنعام : 77 ، 78 ) والتقدير . أهذا ربي . وقيل : أيضا المراد أن السحرة ~~أثبتوا لأنفسهم أجرا عظيما ، لأنهم قالوا : لا بد لنا من أجر ، والتنكير ~~للتعظيم . كقول العرب : إن له لإبلا ، وإن له لغنما ، يقصدون الكثرة . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : هلا قيل : { وجاء السحرة فرعون قالوا ~~) . # وجوابه : هو على تقدير : سائل سأل : ما قالوا إذ جاؤه . # فأجيب بقوله : { قالوا أئن لنا لأجرا } أي جعلا على الغلبة ms4106 . # / فإن قيل : قوله : { وإنكم لمن المقربين } معطوف ، وما المعطوف عليه ؟ # وجوابه : أنه معطوف على محذوف ، سد مسده حرف الإيجاب ، كأنه قال إيجابا ~~لقولهم : إن لنا لأجرا ، نعم إن لكم لأجرا ، وإنكم لمن المقربين . أراد أني ~~لا أقتصر بكم على الثواب ، بل أزيدكم عليه ، وتلك الزيادة إني أجعلكم من ~~المقربين عندي . قال المتكلمون : وهذا يدل على أن الثواب إنما يعظم موقعه ~~إذا كان مقرونا بالتعظيم ، والدليل عليه أن فرعون لما وعدهم بالأجر قرن به ~~ما يدل على التعظيم ، وهو حصول القربة . # المسألة الثالثة : الآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان ~~عبدا ذليلا مهينا عاجزا ، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع ~~موسى عليه السلام ، وتدل أيضا على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب ~~الأعيان ، وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون ، لأنهم لو ~~قدروا على قلب الأعيان ، فلم لم يقبلوا التراب ذهبا ، ولم لم ينقلوا ملك ~~فرعون إلى أنفسهم ولم لم يجعلوا أنفسهم ملوك العالم ورؤساء الدنيا ، ~~والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق ، وأن لا يغتر بكلمات ~~أهل الأباطيل والأكاذيب . والله أعلم . # ! 7 < { قالوا ياموسى إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون نحن الملقين * قال ألقوا ~~فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجآءو بسحر عظيم * وأوحينآ إلى ~~موسى أن ألق عصاك فإذا هى تلقف ما يأفكون * فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ~~* فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 115 - 119 ) قالوا يا موسى . . . . . # > > # في الآية مسائل : PageV14P164 # المسألة الأولى : قال الفراء والكسائي : في باب ( أما . وإما ) إذا كنت ~~آمرا أو ناهيا أو مخبرا فهي مفتوحة . وإذا كانت مشترطا أو شاكا أو مخيرا ~~فهي مكسورة . تقول في المفتوحة أما الله فاعبدوه . وأما الخمر فلا تشربوها ~~. وأما زيد فقد خرج . # / وأما النوع الثاني : فتقول : إذا كنت مشترطا ، إما تعطين زيدا فإنه ~~يشكرك ، قال الله تعالى : { فإما تثقفنهم فى الحرب فشرد } ( الأنفال : 57 ) ~~وتقول في الشك لا أدري من قام إما زيد وإما عمرو ، وتقول في ms4107 التخيير ، لي ~~بالكوفة دار فإما أن أسكنها ، وإما أن أبيعها والفرق بين ، إما إذا أتت ~~للشك وبين أو ، أنك إذا قلت جاءت زيد أو عمرو فقد يجوز أن تكون قد بنيت ~~كلامك على اليقين ثم أدركك الشك فقلت أو عمرو . فصار الشك فيهما جميعا . ~~فأول الإسمين في ( أو ) يجوز أن يكون بحيث يحسن السكوت عليه ثم يعرض الشك ~~فتستدرك بالاسم الآخر ، ألا ترى أنك تقول : قام أخوك وتسكت ، ثم تشك فتقول ~~: أو أبوك ، وإذا ذكرت إما فإنما تبني كلامك من أول الأمر على الشك وليس ~~يجوز أن تقول ضربت إما عبد الله وتسكت وأما دخول { ءان } في قوله : { إما ~~أن تلقى } وسقوطها من قوله : { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } ( التوبة : ~~106 ) فقال الفراء : أدخل { ءان } في { أما } في هذه الآية لأنها في موضع ~~أمر بالاختيار وهي في موضع نصب ، كقول القائل : اختر ذا أو ذا ، كأنهم ~~قالوا اختر أن تلقي أو نلقي وقوله : { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } ليس ~~فيه أمر بالتخيير . ألا ترى أن الأمر لا يصلح ههنا ، فلذلك لم يكن فيه ( أن ~~) والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { إما أن تلقى } يريد عصاه { وإما أن نكون نحن ~~الملقين } أي ما معنا من الحبال والعصي فمفعول الإلقاء محذوف وفي الآية ~~دقيقة أخرى وهي أن القوم راعوا حسن الأدب حيث قدموا موسى عليه السلام في ~~الذكر وقال أهل التصوف إنهم لما راعوا هذا الأدب لا جرم رزقهم الله تعالى ~~الإيمان ببركة رعاية هذا الأدب ثم ذكروا ما يدل على رغبتهم في أن يكون ~~ابتداء الإلقاء من جانبهم وهو قولهم : { وإما أن نكون نحن الملقين } لأنهم ~~ذكروا الضمير المتصل وأكدوه بالضمير المنفصل وجعلوا الخبر معرفة لا نكرة . # واعلم أن القوم لما راعوا الأدب أولا وأظهروا ما يدل عى رغبتهم في ~~الابتداء بالإلقاء قال موسى عليه السلام : ألقوا ما أنتم ملقون وفيه سؤال : ~~وهو أن إلقاءهم حبالهم وعصيهم معارضة للمعجزة بالسحر وذلك كفر . والأمر ~~بالكفر كفر ، وحيث كان كذلك فكيف يجوز لموسى عليه ms4108 السلام أن يقول ألقوا ؟ # والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام إنما أمرهم بشرط ~~أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقا . فإذا لم يكن كذلك فلا أمر هناك . كقول ~~القائل منا لغيره اسقني الماء من الجرة فهذا الكلام إنما يكون أمرا بشرط ~~حصول الماء في الجرة ، فأما إذا لم يكن فيها ماء فلا أمر ألبتة كذلك ههنا . ~~الثاني : أن القوم إنما جاؤوا لإلقاء تلك الحبال والعصي ، وعلم موسى عليه ~~السلام أنهم / لا بد وأن يفعلوا ذلك وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير ~~/ فعند ذلك أذن لهم في التقديم ازدراء لشأنهم ، وقلة مبالاة بهم ، وثقة بما ~~وعده الله تعالى به من التأييد والقوة ، وأن المعجزة لا يغلبها سحر أبدا . ~~الثالث : أنه عليه الصلاة والسلام كان يريد إبطال ما أتوا به من السحر ، ~~وإبطاله ما كان يمكن إلا بإقدامهم على إظهاره ، فأذن لهم في الإتيان بذلك ~~السحر ليمكنه الإقدام على إبطاله . ومثاله أن من يريد سماع شبهة ملحد ليجيب ~~عنها ويكشف عن ضعفها وسقوطها ؛ يقول له هات ، وقل ، واذكرها ، وبالغ في ~~تقريرها ، ومراده منه أنه إذا أجاب عنها بعد هذه المبالغة PageV14P165 فإنه ~~يظهر لكل أحد ضعفها وسقوطها ، فكذا ههنا . والله أعلم . # ثم قال تعالى : { فلما ألقوا سحروا أعين الناس } واحتج به القائلون بأن ~~السحر محض التمويه . قال القاضي : لو كان السحر حقا ، لكانوا قد سحروا ~~قلوبهم لا أعينهم ؟ فثبت أن المراد أنهم تخيلوا أحوالا عجيبة مع أن الأمر ~~في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوه . قال الواحدي : بل المراد سحروا أعين ~~الناس ، أي قلبوها عن صحة أدراكها بسبب تلك التمويهات ، وقيل إنهم أتوا ~~بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق ، وجعلوا الزئبق في دواخل تلك ~~العصي ، فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض وكانت كثيرة ~~جدا ، فالناس تخيلوا أنها تتحرك وتلتوي باختيارها وقدرتها . # وأما قوله : { واسترهبوهم } فالمعنى : أن العوام خافوا من حركات تلك ~~الحبال والعصي . قال المبرد : { * استرهبوهم } أرهبوهم ، والسين زائدة . ~~قال الزجاج : استدعوا رهبة الناس حتى ms4109 رهبهم الناس ، وذلك بأن بعثوا جماعة ~~ينادون عند إلقاء ذلك : أيها الناس احذروا ، فهذا هو الاسترهاب . وروى عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما : أنه خيل إلى موسى عليه السلام أن حبالهم وعصيهم ~~حيات مثل عصا موسى ، فأوحى الله عز وجل إليه { موسى أن ألق عصاك } قال ~~المحققون : إن هذا غير جائز ، لأنه عليه السلام لما كان نبيا من عند الله ~~تعالى كان على ثقة ويقين من أن القوم لم يغالبوه ، وهو عالم بأن ما أتوا به ~~على وجه المعارضة فهو من باب السحر والباطل ، ومع هذا الجزم فإنه يمتنع ~~حصول الخوف . # فإن قيل : أليس أنه تعالى قال : { فأوجس فى نفسه خيفة موسى } ( طه : 67 ) ~~. # قلنا : ليس في الآية أن هذه الخيفة إنما حصلت لأجل هذا السبب ، بل لعله ~~عليه السلام خاف من وقوع التأخير في ظهور حجة موسى عليه السلام على سحرهم . # ثم إنه تعالى قال في صفة سحرهم : { وجاءو بسحر عظيم } روي أن السحرة ~~قالوا قد علمنا / سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمرا من السماء ~~، فإنه لا طاقة لنا به . وروي أنهم كانوا ثمانين ألفا . وقيل : سبعين ألفا ~~. وقيل : بضعة وثلاثين ألفا . واختلفت الروايات ، فمن مقل ومن مكثر ، وليس ~~في الآية ما يدل على المقدار والكيفية والعدد . # ثم قال تعالى : { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك } يحتمل أن يكون المراد ~~من هذا الوحي حقيقة الوحي . وروى الواحدي عن ابن عباس : أنه قال : يريد ~~وألهمنا موسى أن { ألق عصاك } . # ثم قال : { فإذا هى تلقف ما يأفكون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : فيه حذف وإضمار والتقدير { فألقاها فإذا هى * تلقف } . # المسألة الثانية : قرأ حفص عن عاصم { تلقف } ساكنة اللام خفيف القاف ، ~~والباقون بتشديد القاف مفتوحة اللام . وروي عن ابن كثير { تلقف } بتشديد ~~القاف . وعلى هذا الخلاف في طه والشعراء . أما من خفف فقال ابن السكيت : ~~اللقف مصدر لقفت الشيء ألقفه لقفا إذا أخذته ، فأكلته أو ابتلعته ، ورجل ~~لقف سريع الأخذ ، وقال اللحياني : ومثله ثقف يثقف ثقا وثقيف كلقيف ms4110 بين ~~الثقافة واللقافة / وأما القراءة بالتشديد فهو من تلقف يتلقف ، وأما قراءة ~~بن كثير فأصلها تتلقف أدغم إحدى التاءين في الأخرى . PageV14P166 # المسألة الثالثة : قال المفسرون : لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة ~~حتى سدت الأفق ثم فتحت فكها فكان ما بين فكيها ثمانين ذراعا وابتلعت ما ~~ألقوا من حبالهم وعصيهم ، فلما أخذها موسى صارت عصا كما كانت من غير تفاوت ~~في الحجم والمقدار أصلا . واعلم أن هذا مما يدل على وجود الإله القادر ~~المختار وعلى المعجز العظيم لموسى عليه السلام ، وذلك لأن ذلك الثعبان ~~العظيم لما ابتلعت تلك الحبال والعصي مع كثرتها ثم صارت عصا كما كانت . ~~فهذا يدل على أنه تعالى أعدم أجسام تلك الحبال والعصي ، أو على أنه تعالى ~~فرق بين تلك الأجزاء وجعلها ذرات غير محسوسة وأذهبها في الهواء بحيث لا يحس ~~بذهابها وتفرقها وعلى كلا التقديرين ، فلا يقدر على هذه الحالة أحد إلا ~~الله سبحانه وتعالى . # المسألة الرابعة : قوله : { ما يأفكون } فيه وجهان : الأول : معنى الإفك ~~في اللغة قلب الشيء عن وجهه ، ومنه قيل للكذب إفك لأنه مقلوب عن وجهه . قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : { ما يأفكون } يريد يكذبون ، والمعنى : أن العصا ~~تلقف ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه وعلى هذ التقدير ~~فلفظة { ما } موصوله والثاني : أن يكون { ما } مصدرية ، والتقدير : فإذا هي ~~تلقف إفكهم تسمية للمأفوك بالإفك . # / ثم قال تعالى : { فوقع الحق } قال مجاهد والحسن : ظهر . وقال الفراء : ~~فتبين الحق من السحر . قال أهل المعاني : الوقوع : ظهور الشيء بوجوده نازلا ~~إلى مستقره ، وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا لوكان ما صنع موسى سحرا ~~لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد ، فلما فقدت ؛ ثبت أن ذلك إنما حصل بخلق الله ~~سبحانه وتعالى وتقديره ، لا لأجل السحر ، فهذا هو الذي لأجله تميز المعجز ~~عن السحر . قال القاضي قوله : { فوقع الحق } يفيد قوة الثبوت والظهور بحيث ~~لا يصح فيه البطلان كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعا . # فإن قيل : قوله : { فوقع الحق } يدل على ms4111 قوة هذا الظهور ، فكان قوله : { ~~وبطل ما كانوا يعملون } تكريرا من غير فائدة ا # قلنا : المراد أن مع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك ~~الحبال والعصي ، فعند ذلك ظهرت الغلبة ، فلهذا قال تعالى : { فغلبوا هنالك ~~} لأنه لا غلبة أظهر من ذلك { وانقلبوا صاغرين } لأنه لا ذل ولا صغار أعظم ~~في حق المبطل من ظهور بطلان قوله وحجته ، على وجه لا يمكن فيه حيلة ولا ~~شبهة أصلا قال الواحدي : لفظة { ما } في قوله : { وبطل ما كانوا يعملون } ~~يجوز أن تكون بمعنى ( الذي ) فيكون المعنى بطل الحبال والعصي الذي عملوا به ~~السحر أي زال وذهب بفقدانها ويجوز أن تكون بمعنى المصدر . كأنه قيل بطل ~~عملهم ، والله أعلم . # ! 7 < { وألقى السحرة ساجدين * قالوا ءامنا برب العالمين * رب موسى ~~وهارون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 120 - 122 ) وألقي السحرة ساجدين # > > # في الآية مسائل : PageV14P167 # المسألة الأولى : قال المفسرون : إن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة ~~بعير ، فلما ابتلعها ثعبان موسى عليه السلام وصارت عصا كما كانت قال بعض ~~السحرة لبعض هذا خارج عن السحر ، بلهو أمر إلهي ، فاستدلوا به على أن موسى ~~عليه السلام نبي صادق من عند الله تعالى ، قال المتكلمون : وهذه الآية من ~~أعظم الدلائل على فضيلة العلم ، وذلك لأن أولئك الأقوام كانوا عالمين ~~بحقيقة السحر واقفين على منتهاه ، فلما كانوا كذلك ووجدوا معجزة موسى عليه ~~السلام خارجة عن حد السحر ، علموا أنه من المعجزات الإلهية ، لا من جنس ~~التمويهات البشرية . ولو أنهم ما كانوا كاملين في علم السحر لما قدروا على ~~ذلك الاستدلال ، لأنهم كانوا يقولون : لعله أكمل / منا في علم السحر ، فقدر ~~على ما عجزنا عنه ، فثبت أنهم كانوا كاملين في علم السحر . فلأجل كمالهم في ~~ذلك العلم انتقلوا من الكفر إلى الإيمان . فإذا كان حال علم السحر كذلك ، ~~فما ظنك بكمال حال الإنسان في علم التوحيد . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بقوله تعالى : { وألقى السحرة ساجدين } ~~قالوا : دلت هذه الآية على أن غيرهم ألقاهم ساجدين ، وما ذاك إلا الله رب ~~العالمين ms4112 . فهذا يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى . قال مقاتل : ألقاهم ~~الله تعالى ساجدين . وقال المعتزلة : الجواب عنه من وجوه : الأول : أنهم ~~لما شاهدوا الآيات العظيمة والمعجزات القاهرة . لم يتمالكوا أن وقعوا ~~ساجدين ؛ فصار كأن ملقيا ألقاهم . الثاني : قال الأخفش : من سرعة ما سجدوا ~~صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين . الثالث : ~~أنه ليس في الآية أنه ألقاهم ملق إلى السجود ، إلا أنا نقول : إن ذلك ~~الملقي هو أنفسهم . # والجواب : أن خالق تلك الداعية في قلوبهم هو الله تعالى ، وإلا لافتقروا ~~في خلق تلك الداعية الجازمة إلى داعية أخرى ولزم التسلسل وهو محال . ثم أن ~~أصل تلك القدرة مع تلك الداعية الجازمة تصير موجبة للفعل . وخالق ذلك ~~الموجب هو الله تعالى فكان ذلك الفعل والأثر مسندا إلى الله تعالى ، والله ~~أعلم . # المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر أولا أنهم صاروا ساجدين ، ثم ذكر بعده ~~أنهم قالوا : { برب العالمين رب } فما الفائدة فيه مع أن الأيمان يجب أن ~~يكون متقدما على السجود ؟ وجوابه من وجوه : الأول : أنهم لما ظفروا ~~بالمعرفة سجدوا لله تعالى في الحال ، وجعلوا ذلك السجود شكرا لله تعالى على ~~الفوز بالمعرفة والإيمان ، وعلامة أيضا على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان ~~، وإظهار الخضوع والتذلل لله تعالى فكأنهم جعلوا ذلك السجود الواحد علامة ~~على هذه الأمور الثلاثة على سبيل الجمع . # الوجه الثاني : لا يبعد أنهم عند الذهاب إلى السجود قالوا : { برب ~~العالمين رب } وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والوجه الصحيح هو الأول . # المسألة الرابعة : احتج أهل التعليم بهذه الآية فقالوا : الدليل على أن ~~معرفة الله لا تحصل إلا بقول النبي إن أولئك السحرة لما قالوا : { برب ~~العالمين رب } لم يتم إيمانهم فلما قالوا : { رب موسى وهارون } تم إيمانهم ~~وذلك يدل على قولنا . # وأجاب العلماء عنه : بأنهم لما قالوا : { برب العالمين رب } قال لهم ~~فرعون إياي تعنون فلما قالوا : / { رب موسى } قال إياي تعنون لأني أنا الذي ~~ربيت موسى فلما قالوا : { وهارون } زالت الشبهة ، وعرف الكل أنهم كفروا ms4113 ~~بفرعون وآمنوا بإله السماء / وقيل إنما خصهما بالذكر بعد دخولهما في جملة ~~العالمين لأن التقدير آمنا PageV14P168 برب العالمين ، وهو الذي دعا إلى ~~الإيمان به موسى وهرون . وقيل : خصهما بالذكر تفضيلا وتشريفا كقوله : { ~~وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) . # ! 7 < { قال فرعون ءامنتم به قبل أن ءاذن لكم إن هاذا لمكر مكرتموه فى ~~المدينة لتخرجوا منهآ أهلها فسوف تعلمون * لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ثم لأصلبنكم أجمعين * قالوا إنآ إلى ربنا منقلبون * وما تنقم منآ إلا أن ~~ءامنا بأايات ربنا لما جآءتنا ربنآ أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين } . > 7 ~~@QB@ < # | الأعراف : ( 123 - 126 ) قال فرعون آمنتم . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية حفص { أمنتم } بهمزة واحدة على لفظ ~~الخبر وكذلك في طه { والشعراء } وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي ~~{ أءمنتم } بهمزتين في جميع القرآن وقرأ الباقون بهمزة واحدة ممدودة في ~~جميع على الاستفهام . قال الفراء : أما قراءة حفص { أمنتم } بلفظ الخبر من ~~غير مد ، فالوجه فيها أنه يخبرهم بإيمانهم على وجه التقريع لهم والإنكار ~~عليهم ، وأما القراءة بالهمزتين فأصله { أءمنتم } على وزن أفعلتم . # المسألة الثانية : اعلم أن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالسحر أقر بنبوة ~~موسى عليه السلام عند اجتماع الخلق العظيم . خاف أن يصير ذلك حجة قوية عند ~~قومه على صحة نبوة موسى عليه السلام فألقى في الحال نوعين من الشبهة إلى ~~إسماع العوام ، لتصير تلك الشبهة مانعة للقوم من اعتقاد صحة نبوة موسى عليه ~~السلام . # / فالشبهة الأولى : قوله : { إن هاذا لمكر مكرتموه فى المدينة } والمعنى ~~: أن إيمان هؤلاء بموسى عليه السلام ليس لقوة الدليل ، بل لأجل أنهم ~~تواطئوا مع موسى أنه إذا كان كذا وكذا فنحن نؤمن بك ونقر بنبوتك ، فهذا ~~الإيمان إنما حصل بهذا الطريق . # والشبهة الثانية : أن غرض موسى والسحرة فيما تواطئوا عليه إخراج القوم من ~~المدينة وإبطال ملكهم ، ومعلوم عند جميع العقلاء أن مفارقة الوطن والنعمة ~~المألوفة من أصعب الأمور فجمع فرعون اللعين بين الشبهتين اللتين لا يوجد ~~أقوى منهما في ms4114 هذا الباب . وروى محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس ~~وابن مسعود وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم : أن موسى وأمير السحرة ~~التقيا فقال موسى عليه PageV14P169 السلام : أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي ~~وتشهد أن ما جئت به الحق ؟ قال الساحر : لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر ، ~~فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ، وفرعون ينظر إليهما ويسمع قولهما ، فهذا هو ~~قول فرعون { إن هاذا لمكر مكرتموه } واعلم أن هذا يحتمل أنه كان قد حصل ، ~~ويحتمل أيضا أن فرعون ألقى هذا الكلام في البين ، ليصير صارفا للعوام عن ~~التصديق بنبوة موسى عليه السلام . قال القاضي : وقوله : { قبل أن ءاذن لكم ~~} دليل على مناقضة فرعون في ادعاء الإلهية ، لأنه لو كان إلها لما جاز أن ~~يأذن لهم في أن يؤمنوا به مع أنه يدعوهم إلى إلهية غيره ، ثم قال : وذلك من ~~خذلان الله تعالى الذي يظهر على المبطلين . # أما قوله : { فسوف تعلمون } لا شبهة في أنه ابتداء وعيد ، ثم إنه لم ~~يقتصر على هذا الوعيد المجمل ، بل فسره فقال : { لاقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف ثم لاصلبنكم أجمعين } وقطع اليد والرجل من خلاف معروف المعنى ، وهو أن ~~يقطعهما من جهتين مختلفتين ، أما من اليد اليمنى والرجل اليسرى ، أو من ~~اليد اليسرى والرجل اليمنى ، وأما الصلب فمعروف . فتوعدهم بهذين الأمرين ~~العظيمين ، واختلفوا في أنه هل وقع ذلك منه ؟ وليس في الآية ما يدل على أحد ~~الأمرين . واحتج بعضهم على وقوعه بوجوه : الأول : أنه تعالى حكى عن الملأ ~~من قوم فرعون أنهم قالوا له : { أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الارض } ( ~~الأعراف : 127 ) ولو أنه ترك أولئك السحرة وقومه أحياء وما قتلهم ، لذكرهم ~~أيضا ولحذرهم عن الإفساد الحاصل من جهتهم . ويمكن أن يجاب عنه بأنهم دخلوا ~~تحت قومه فلا وجه لأفرادهم بالذكر . والثاني : أن قوله تعالى حكاية عنهم { ~~ربنا أفرغ علينا صبرا } يدل على أنه كان قد نزل بهم بلاء شديد عظيم ، حتى ~~طلبوا من الله تعالى أن يصبرهم عليه . ويمكن أن يجاب عنه بأنهم ms4115 طلبوا من ~~الله تعالى الصبر على الإيمان وعدم الالتفات إلى وعيده . الثالث : ما نقل ~~عن ابن عباس رضي الله عنه أنه فعل ذلك وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وهذا ~~هو الأظهر / مبالغة منه في تحذير القوم عن قبول دين موسى عليه السلام . ~~وقال آخرون : إنه لم يقع من فرعون ذلك ، بل استجاب الله تعالى لهم الدعاء ~~في قولهم : { وتوفنا مسلمين } لأنهم سألوه تعالى أن يكون توفيهم من جهته لا ~~بهذا القتل والقطع وهذا الاستدلال قريب . # ثم حكى تعالى عن القوم ما لا يجوز أن يقع من المؤمن عند هذا الوعيد أحسن ~~منه ، وهو قولهم لفرعون : { وما تنقم منا إلا أن ءامنا بئايات ربنا لما ~~جاءتنا } فبينوا أن الذي كان منهم لا يوجب الوعيد ولا إنزال النقمة بهم ، ~~بل يقتضي خلاف ذلك ، وهو أن يتأسى بهم في الإقرار بالحق والاحتراز عن ~~الباطل عند ظهور الحجة والدليل . يقال : نقمت أنقم إذا بالغت في كراهية ~~الشيء ، وقد مر عند قوله : { قل ياأهل * أهل الكتاب * هل تنقمون منا } ( ~~المائدة : 59 ) قال ابن عباس : يريد ما أتينا بذنب تعذبنا عليه إلا أن آمنا ~~بآيات ربنا . والمراد : ما أتى به موسى عليه السلام من المعجزات القاهرة ~~التي لا يقدر على مثلها إلا الله تعالى . # ثم قالوا : { ربنا أفرغ علينا صبرا } معنى الإفراغ في اللغة الصب . يقال ~~: درهم مفرغ إذا كان مصبوبا في قالبه وليس بمضروب ، وأصله من إفراغ الإناء ~~وهو PageV14P170 صب ما فيه حتى يخلو الإناء وهو من الفراغ ، فاستعمل في ~~الصبر على التشبيه بحال إفراغ الإلأناء . قال مجاهد : المعنى صب علينا ~~الصبر عند الصلب والقطع ، وفي الآية فوائد : # الفائدة الأولى : { أفرغ علينا صبرا } أكمل من قوله : أنزل علينا صبرا ، ~~لأنا ذكرنا أن إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية ، فكأنهم طلبوا من الله ~~كل الصبر لا بعضه . # والفائدة الثانية : أن قوله { صبرا } مذكور بصيغة التنكير ، وذلك يدل على ~~الكمال والتمام ، أي صبرا كاملا تاما كقوله تعالى : { ولتجدنهم أحرص الناس ~~على حيواة } ( البقرة : 96 ) أي على ms4116 حياة كاملة تامة . # والفائدة الثالثة : إن ذلك الصبر من قبلهم ومن أعمالهم ، ثم إنهم طلبوه ~~من الله تعالى ، وذلك يدل على أن فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله وقضائه ~~. قال القاضي : إنما سألوه تعالى الألطاف التي تدعوهم إلى الثبات والصبر ، ~~وذلك معلوم في الأدعية . # والجواب : هذا عدول عن الظاهر ، ثم الدليل يأباه ، وذلك لأن الفعل لا ~~يحصل إلا عند حصول الداعية الجازمة وحصولها ليس إلا من قبل الله عز وجل ، ~~فيكون الكل من الله تعالى . # وأما قوله : { وتوفنا مسلمين } فمعناه توفنا على الدين الحق الذي جاء به ~~موسى عليه السلام وفيه مسألتان : # / المسألة الأولى : احتج أصحابنا على أن الإيمان والإسلام لا يحصل إلا ~~بخلق الله تعالى ، ووجه الاستدلال به ظاهر . والمعتزلة يحملونه على فعل ~~الألطاف والكلام عليه معلوم مما سبق . # المسألة الثانية : احتج القاضي بهذه الآية على أن الإيمان والإسلام واحد ~~. فقال إنهم قالوا أولا { منا إلا أن } ثم قالوا ثانيا : { وتوفنا مسلمين } ~~فوجب أن يكون هذا الإسلام هو ذاك الإيمان ، وذلك يدل على أن أحدهما هو ~~الآخر . والله أعلم . # ! 7 < { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الا رض ~~ويذرك وءالهتك قال سنقتل أبنآءهم ونستحيى نسآءهم وإنا فوقهم قاهرون * قال ~~موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده ~~والعاقبة للمتقين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 127 - 128 ) وقال الملأ من . . . . . # > > # اعلم أن بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض فرعون لموسى ولا أخذه ولا حبسه ، ~~بل خلى سبيله فقال قومه له : { أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الارض } . # واعلم أن فرعون كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف ، فلهذا السبب لم يتعرض ~~له إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك ، فحملوه على أخذه وحبسه . وقوله : { ليفسدوا ~~فى الارض } أي يفسدوا على الناس دينهم الذي كانوا عليه ، وإذا أفسدوا عليهم ~~أديانهم توسلوا بذلك إلى أخذ الملك . PageV14P171 # أما قوله : { ويذرك } فالقراءة المشهورة فيه { ويذرك } بالنصب . وذكر ~~صاحب ( الكشاف ) : فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون قوله : { ويذرك } عطفا ~~على ms4117 قوله : { ليفسدوا } لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم ، كان ذلك مؤديا إلى ~~تركه وترك آلهته ، فكأنه تركهم لذلك . وثانيها : أنه جواب للاستفهام بالواو ~~، وكما يجاب بالفاء مثل قول الحطيئة : # % ألم أك جاركم ويكون بيني % % وبينكم المودة والآخاء ؟ % # والتقدير : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض فيذرك وآلهتك . قال الزجاج ~~: والمعنى / أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك موسى ؟ وثالثها : النصب بإضمار ~~أن تقديره : أتذر موسى وقومه ليفسدوا وأن يذرك وآلهتك ؟ قال صاحب ( الكشاف ~~) : وقرىء { ويذرك وءالهتك } بالرفع عطفا على { أتذر } بمعنى أتذره ويذرك ؟ ~~أي انطلق له ، وذلك يكون مستأنفا أو حالا على معنى أتذره هو يذرك وإلهتك ؟ ~~وقرأ الحسن { ويذرك } بالجزم ، وقرأ أنس { * ونذرك } بالنون والنصب ، أي ~~يصرفنا عن عبادتك فنذرها . # وأما قوله : { ويذرك وءالهتك } قال أبو بكر الأنباري : كان ابن عمر ينكر ~~قراءة العامة ، ويقرأ إلاهتك أي عبادتك ، ويقول إن فرعون كان يعبد ولا يعبد ~~، قال ابن عباس : أما قراءة العامة { وءالهتك } فالمراد جمع إله ، وعلى هذا ~~التقدير : فقد اختلفوا فيه . فقيل إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناما صغارا ~~، وأمرهم بعبادتها . وقال : { أنا ربكم الاعلى } ورب هذه الأصنام ، فذلك ~~قوله : { أنا ربكم الاعلى } وقال الحسن : كان فرعون يعبد الأصنام . وأقول : ~~الذي يخطر ببالي إن فرعون إن قلنا : إنه ما كان كامل العقل لم يجز في حكمة ~~الله تعالى إرسال الرسول إليه ، وإن كان عاقلا لم يجز أن يعتقد في نفسه ~~كونه خالقا للسموات والأرض ، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن ~~يعتقدوا فيه ذلك لأن فساده معلوم بضرورة العقل . بل الأقرب أن يقال إنه كان ~~دهريا ينكر وجود الصانع ، وكان يقول مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب ، ~~وأما المجدي في هذا العلم للخلق ، ولتلك الطائفة والمربي لهم فهو نفسه ، ~~فقوله : { أنا ربكم الاعلى } أي مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم . وقوله ~~: { ما علمت * بكم من * إلاه غيرى } ( القصص : 38 ) أي لا أعلم لكم أحدا ~~يجب عليكم عبادته إلا أنا ، وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال إنه كان قد ms4118 ~~اتخذ أصناما على صور الكواكب ، ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة ~~الكواكب وعلى هذا التقدير : فلا امتناع في حمل قوله تعالى : { ويذرك ~~وءالهتك } على ظاهره ، فهذا ما عندي في هذا الباب . والله أعلم . # واعلم أن على جميع الوجوه والاحتمالات فالقوم أرادوا بذكر هذا الكلام حمل ~~فرعون على أخذ موسى عليه السلام ، وحبسه ، وإنزال أنواع العذاب به ، فعند ~~هذا لم يذكر فرعون ما هو حقيقة الحال وهو كونه خائفا من موسى عليه السلام . ~~ولكنه قال : { سنقتل أبناءهم ونستحيى نساءهم وإنا فوقهم قاهرون } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير { سنقتل } بفتح النون والتخفيف ، ~~والباقون بضم النون والتشديد على التكثير . يعني أبناء بني إسرائيل ومن آمن ~~بموسى عليه السلام . # المسألة الثانية : أن موسى عليه السلام إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط ~~والشيعة فنحن / نسعى في تقليل PageV14P172 رهطه وشيعته ، وذلك بأن نقتل ~~أبناء بني إسرائيل ونستحيي نساءهم . ثم بين أنه قادر على ذلك بقوله : { ~~وإنا فوقهم قاهرون } والمقصود منه ترك موسى وقومه ، لا من عجز وخوف ، ولو ~~أراد به البطش لقدر عليه ، كأنه يوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه ~~لعدم التفاته إليه ولعدم خوفه منه . واختلف المفسرون ، فمنهم من قال : كان ~~يفعل ذلك كما فعله ابتداء عند ولادة موسى ، ومنهم من قال بل منع منه واتفق ~~المفسرون على أن هذا التهديد وقع في غير الزمان الأول ثم حكى تعالى عن موسى ~~عليه السلام أنه قال لقومه : { استعينوا بالله واصبروا } وهذا يدل على أن ~~الذي قاله الملأ لفرعون ، والذي قال فرعون لهم قد عرفه موسى عليه السلام ~~ووصل إليه ، فعند ذل فال لقومه { استعينوا بالله واصبروا إن الارض لله ~~يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين } فههنا أمرهم بشيئين وبشرهم ~~بشيئين . أما الذان أمر موسى عليه السلام بهما ؛ فالأول : الاستعانة بالله ~~تعالى . والثاني : الصبر على بلاء الله . وإنما أمرهم أولا بالاستعانة ~~بالله وذلك لأن من عرف أنه لا مدبر في العالم إلا الله تعالى انشرح صدره ~~بنور معرفة الله تعالى ms4119 وحينئذ يسهل عليه أنواع البلاء ، ولأنه يرى عند نزول ~~البلاء أنه إنما حصل بقضاء ا تعالى وتقديره . واستعداده بمشاهدة قضاء الله ~~، خفف عليه أنواع البلاء ، وأما الذان بشر بهما ؛ فالأول : قوله : { إن ~~الارض لله يورثها من يشاء من عباده } وهذا إطماع من موسى عليه السلام قومه ~~في أن يورثهم الله تعالى أرض فرعون بعد إهلاكه ، وذلك معنى الإرث ، وهو جعل ~~الشيء للخلف بعد السلف . والثاني : قوله : { والعاقبة للمتقين } فقيل : ~~المراد أمر الآخرة فقط ، وقيل : المراد أمر الدنيا فقط وهو : الفتح ، ~~والظفر ، والنصر على الأعداء ، وقيل المراد مجموع الأمرين ، وقوله : { ~~للمتقين } إشارة إلى أن كل من اتقى الله تعالى وخافه فالله يعينه في الدنيا ~~والآخرة . # ! 7 < { قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن ~~يهلك عدوكم ويستخلفكم فى الا رض فينظر كيف تعملون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 129 ) قالوا أوذينا من . . . . . # > > اعلم أن قوم موسى عليه السلام ، لما سمعوا ما ذكره فرعون من التهديد ~~والوعيد خافوا وفزعوا ، وقالوا قد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما ~~جئتنا وذلك ، لأن بني إسرائيل كانوا قبل / مجيء موسى عليه السلام مستضعفين ~~في يد فرعون اللعين ، فكان يأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال الشاقة ~~ويمنعهم من الترفه والتنعم ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ، فلما بعث الله ~~تعالى موسى عليه السلام قوي رجاؤهم في زوال تلك المضار والمتاعب ، فلما ~~سمعوا أن فرعون أعاد التهديد مرة ثانية عظم خوفهم وحزنهم ، فقالوا هذا ~~الكلام . # فإن قيل : أليس هذا القول يدل على أنهم كرهوا مجيء موسى عليه السلام وذلك ~~يوجب كفرهم ؟ PageV14P173 # والجواب : أن موسى عليه السلام لما جاء ، وعدهم بزوال تلك المضار فظنوا ~~أنها تزول على الفور . فلما رأوا أنها ما زالت ، رجعوا إليه في معرفة كيفية ~~ذلك الوعد فبين موسى عليه السلام أن الوعد بإزالتها لا يوجب الوعد بإزالتها ~~في الحال ، وبين لهم أنه تعالى سينجز لهم ذلك الوعد في الوقت الذي قدره له ~~، والحاصل أن هذا ما كان بنفرة عن مجيء موسى عليه ms4120 السلام بالرسالة ، بل ~~استكشافا لكيفية ذلك الوعد . والله أعلم . # واعلم أن القوم لما ذكروا ذلك قال موسى عليه السلام : { عسى ربكم } قال ~~سيبويه : { عسى } طمع وإشفاق . قال الزجاج : وما يطمع الله تعالى فيه فهو ~~واجب . # ولقائل أن يقول : هذا ضعيف لأن لفظ { عسى } ههنا ليس كلام الله تعالى بل ~~هو حكاية عن كلام موسى عليه السلام ، إلا أنا نقول مثل هذا الكلام إذا صدر ~~عن رسول ظهرت حجة نبوته عليه الصلاة والسلام بالمعجزات الباهرة أفاد قوة ~~النفس وأزال ما خامرها من الانكسار والضعف فقوى موسى عليه السلام قلوبهم ~~بهذا القول وحقق عندهم الوعد ليتمسكوا بالصبر ويتركوا الجزع المذموم ثم بين ~~بقوله : { فينظر كيف تعملون } ما يجري مجرى الحث لهم على التمسك بطاعة الله ~~تعالى . # واعلم أن النظر قد يراد به النظر الذي يفيد العلم . وهو على الله محال ، ~~وقد يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته . وهو أيضا على الله ~~محال ، وقد يراد به الانتظار . وهو أيضا على الله محال ، وقد يراد به ~~الرؤية ، ويجب حمل اللفظ ههنا عليها . قال الزجاج : أي يرى ذلك بوقوع ذلك ~~منكم لأن الله تعالى لا يجازيهم على ما يعلمه منهم ، وإنما يجازيهم على ما ~~يقع منهم . # فإن قيل : إذا حملتم هذا النظر على الرؤية لزم الإشكال ، لأن الفاء في ~~قوله : { فينظر } للتعقيب فيلزم أن تكون رؤية الله تعالى لتلك الأعمال ~~متأخرة عن حصول تلك الأعمال ، وذلك يوجب حدوث صفة الله تعالى . # قلنا : تعلق رؤية الله تعالى بذلك الشيء نسبة حادثة والنسب والإضافات لا ~~وجود لها في / الأعيان فلم يلزم حدوث الصفة الحقيقية في ذات الله تعالى . ~~والله أعلم . # ! 7 < { ولقد أخذنآ ءال فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون * ~~فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هاذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ألاإنما طائرهم عند الله ولاكن أكثرهم لا يعلمون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 130 - 131 ) ولقد أخذنا آل . . . . . # > > PageV14P174 # اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه : { عسى ربكم ~~أن يهلك ms4121 عدوكم } ( الأعراف : 129 ) لا جرم بدأ ههنا بذكر ما أنزله بفرعون ~~وبقومه من المحن حالا بعد حال ، إلى أن وصل الأمر إلى الهلاك تنبيها ~~للمكلفين على الزجر عن الكفر والتمسك بتكذيب الرسل ، خوفا من نزول هذه ~~المحن بهم . فقال : { ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : السنين جميع السنة قال أبو علي الفارسي : السنة على ~~معنيين : أحدهما : يراد بها الحول والعام والآخر يراد بها الجدب وهو خلاف ~~الخصب فمما أريد به الجدب هذه الآية وقوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم ~~اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف ) وقول عمر رضي الله عنه : إنا لا نقع في ~~عام السنة ، فلما كانت السنة يعني بها الجدب ، اشتقوا منها كما يشتق من ~~الجدب . ويقال : أسنتوا ، كما يقال أجدبوا . قال الشاعر : # % ورجال مكة مسنتون عجاف % % قال أبو زيد : بعض العرب تقول ، هذه سنين ~~ورأيت سنينا ، فتعرب النون . ونحوه . قال الفراء : ومنه قول الشاعر : # % دعاني من نجد فإن سنينه % % لعبن بنا وشيبننا مردا % # قال الزجاج : السنين في كلام العرب الجدوب ، يقال مستهم السنة ومعناه : ~~جدب السنة . وشدة السنة . # إذا عرفت هذا فنقول : قال المفسرون : { ولقد أخذنا ءال فرعون } يريد ~~الجوع والقحط عاما بعد عام ، فالسنون لأهل البوادي { ونقص من الثمرات } ~~لأهل القرى . # ثم قال تعالى : { لعلهم يذكرون } وفيه مسألتان : # / المسألة الأولى : ظاهر الآية أنه تعالى إنما أنزل عليهم هذه المضار ~~لأجل أن يرجعوا عن طريقة التمرد والعناد إلى الانقياد والعبودية ، وذلك لأن ~~أحوال الشدة ترقق القلب وترغب فيما عند الله ، والدليل عليه قوله تعالى : { ~~وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه } ( ا ) سراء : 67 ) وقوله : ~~{ وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } ( فصلت : 51 ) . # المسألة الثانية : قال القاضي : هذه الآية تدل على أنه تعالى فعل ذلك ~~إرادة منه أن يتذكروا ، لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر . # أجاب الواحدي عنه : بأنه قد جاء لفظ الابتلاء والاختبار في القرآن ، لا ~~بمعنى أنه تعالى يمتحنهم ، لأن ذلك على الله تعالى محال ، بل ms4122 بمعنى أنه ~~تعالى عاملهم معاملة تشبه الابتلاء والامتحان ، فكذا ههنا . والله أعلم . # ثم بين تعالى أنهم عند نزول تلك المحن عليهم يقدمون على ما يزيد في كفرهم ~~ومعصيتهم فقال : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هاذه } قال ابن عباس : ~~يريد بالحسنة العشب والخصب والثمار والمواشي والسعة في الرزق والعافية ~~والسلامة { وقالوا لنا * هاذه } أي نحن مستحقون على العادة التي جرت من ~~كثرة نعمنا وسعة أرزاقنا ، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروه عليه ويقوموا ~~بحق النعمة فيه . وقوله : { وإن تصبهم سيئة } PageV14P175 يريد القحط ~~والجدب والمرض والضر والبلاء { يطيروا بموسى ومن معه } أي يتشاءموا به . ~~ويقولوا إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه ، والتطير التشاؤم في قول ~~جميع المفسرين وقوله : { يطيروا } هو في الأصل يتطيروا ، أدغمت التاء في ~~الطاء ، لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا وقوله : { ألا ~~إنما طائرهم عند الله } في الطائر قولان : # القول الأول : قال ابن عباس : يريد شؤمهم عند الله تعالى أي من قبل الله ~~أي إنما جاءهم الشر بقضاء الله وحكمه ، فالطائر ههنا الشؤم . ومثله قوله ~~تعالى في قصة ثمود : { قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله } قال ~~الفراء : وقد تشاءمت اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فقالوا ~~غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا ، قال الأزهري : وقيل للشؤم طائر وطير ~~وطيرة ، لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها ، والتطير ببارحها ، ~~ونعيق غربانها ، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها ، فسموا الشؤم طيرا وطائرا ~~وطيرة لتشاؤمهم بها . # ثم أعلم الله تعالى على لسان رسوله أن طيرتهم باطلة ، فقال : { لا } وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل ، ولا يتطير . وأصل الفأل الكلمة الحسنة ، ~~وكانت العرب مذهبها في الفأل والطيرة واحد ، فأثبت النبي صلى الله عليه ~~وسلم الفأل وأبطل الطيرة قال محمد الرازي رحمه الله : / ولا بد من ذكر فرق ~~بين البابين . والأقرب أن يقال : إن الأرواح الإنسانية أصفى وأقوى من ~~الأرواح البهيمية والطيرية . فالكلمة التي تجري على لسان الإنسان يمكن ~~الاستدلال بها بخلاف طيران الطير ، وحركات ms4123 البهائم ، فإن أرواحها ضعيفة ، ~~فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال . # القول الثاني : في تفسير الطائر قال أبو عبيدة : { بموسى ومن معه ألا ~~إنما طائرهم عند الله } أي حظهم . وهو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه قال : إنما طائرهم ما قضي عليهم وقدر لهم والعرب تقول : أطرت المال ~~وطيرته بين القوم فطار لكل منهم سهمه . أي حصل له ذلك السهم . # واعلم أن على كلا القولين ، المعنى : أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو ~~بقضاء الله تعالى وبتقديره { ولاكن أكثرهم لا يعلمون } أن الكل من الله ~~تعالى ، وذلك لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب المحسوسة ويقطونها ~~عن قضاء الله تعالى وتقديره ، والحق أن الكل من الله ، لأن كل موجود ، فهو ~~إما واجب الوجود لذاته أو ممكن لذاته ، والواجب واحد وما سواه ممكن لذاته ، ~~والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذته ، وبهذا الطريق يكون الكل من ~~الله فإسنادها إلى غير الله يكون جهلا بكمال الله تعالى . # ! 7 < { وقالوا مهما تأتنا به من ءاية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين * ~~فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ءايات مفصلات ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 132 - 133 ) وقالوا مهما تأتنا . . . . . # > > PageV14P176 # اعلم أنه تعالى حكى عنهم في الآية الأولى أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا ~~العالم لا إلى قضاء الله تعالى وقدره ، فحكى عنهم في هذه الآية نوعا آخر من ~~أنواع الجهالة والضلالة ، وهو أنهم لم يميزوا بين المعجزات وبين السحر ، ~~وجعلوا جملة الآيات مثل انقلاب العصا حية من باب السحر منهم . وقالوا لموسى ~~: إنا لا نقبل شيئا منها ألبتة . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في كلمة { مهما } قولان : الأول : أن أصلها ( ماما ) ~~الأولى هي ( ما ) الجزاء ، والثانية هي التي تزاد توكيدا للجزاء ، كما تزاد ~~في سائر حروف الجزاء ، كقولهم : إما ومما وكيفما قال الله تعالى : { فإما ~~تثقفنهم } ( الأنفال : 59 ) وهو كقولك : إن تثقفنهم ، ثم أبدلوا من ألف ( ~~ما ) الأولى ( ها ) كراهة / لتكرار اللفظ ، فصار ( مهما ) هذا ms4124 قول الخليل ~~والبصريين . والثاني : وهو قول الكسائي الأصل ( مه ) التي بمعنى الكف ، أي ~~أكفف دخلت على ( ما ) التي للجزاء كأنهم قالوا أكفف ما تأتنا به من آية فهو ~~كذا وكذا . # المسألة الثانية : قال ابن عباس : أن القوم لما قالوا لموسى : مهما ~~أتيتنا بآية من ربك ، فهي عندنا من باب السحر ، ونحن لا نؤمن بها ألبتة ، ~~وكان موسى عليه السلام رجلا حديدا ، فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله له ، ~~فأرسل عليهم الطوفان الدائم ليلا ونهارا سبتا إلى سبت ، حتى كان الرجل منهم ~~لا يرى شمسا ولا قمرا ولا يستطيع الخروج من داره وجاءهم الغرق ، فصرخوا إلى ~~فرعون واستغاثوا به ، فأرسل إلى موسى عليه السلام وقال : اكشف عنا العذاب ~~فقد صارت مصر بحرا واحدا ، فإن كشفت هذا العذاب آمنا بك ، فأزال ا لله عنهم ~~المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض ، وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط . ~~فقالوا : هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر . فلا والله لا نؤمن بك ~~ولا نرسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد ، فأرسل الله عليهم الجراد ، فأكل ~~النبات وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس ، ووقع بعضها على ~~بعض في الأرض ذراعا ، فأكلت النبات ، فصرخ أهل مصر ، فدعا موسى عليه السلام ~~فأرسل الله تعالى ريحا فاحتملت الجراد فألقته في البحر ، فنظر أهل مصر إلى ~~أن بقية من كلئهم وزرعهم تكفيهم . فقالوا : هذا الذي بقي يكفينا ولا نؤمن ~~بك . فأرسل الله بعد ذلك عليهم القمل ، سبتا إلى سبت ، فلم يبق في أرضهم ~~عود أخضر إلا أكلته ، فصاحوا وسأل موسى عليه السلام ربه ، فأرسل الله عليها ~~ريحا حارة فأحرقتها ، واحتملتها الريح فألقتها في البحر ، فلم يؤمنوا ، ~~فأرسل الله عليهم الضفادع بعد ذلك فخرج من البحر مثل الليل الدامس ووقع في ~~الثياب والأطعمة ، فكان الرجل منهم يسقط وعلى رأسه ذراع من الضفادع ، ~~فصرخوا إلى موسى عليه السلام ، وحلفوا بإلهه لئن رفعت عنا هذا العذاب ~~لنؤمنن بك ، فدعا الله تعالى فأمات الضفادع ، وأرسل عليها المطر فاحتملها ~~إلى ms4125 البحر ، ثم أظهروا الكفر والفساد ، فأرسل الله عليهم الدم فجرت أنهارهم ~~دما فلم يقدروا على الماء العذب ، وبنو إسرائيل يجدون الماء العذب الطيب ~~حتى بلغ منهم الجهد ، فصرخوا وركب فرعون وأشراف قومه إلى أنهار بني إسرائيل ~~فجعل يدخل الرجل منهم النهر فإذا اغترف صار في يده دما ومكثوا سبعة أيام في ~~ذل لا يشربون إلا الدم . فقال فرعون : { لئن كشفت عنا الرجز } ( الأعراف : ~~134 ) إلى آخر الآية ، فهذا هو القول المرضي عند أكثر المفسرين ، وقد وقع ~~في أكثرها اختلافات . أما الطوفان ، فقال الزجاج : الطوفان من كل شيء ما ~~كان كثيرا محيطا مطبقا بالقوم كلهم ، كالغرق الذي يشمل المدن الكثيرة ، / ~~فإنه يقال له طوفان ، وكذلك القتل الذريع طوفان ، والموت الجارف طوفان . ~~وقال الأخفش : هو فعلان من PageV14P177 الطوف ، لأنه يطوف بالشيء حتى يعم . ~~قال : وواحده في القياس طوفانه . وقال المبرد : الطوفان مصدر مثل ( الرجحان ~~والنقصان ) فلا حاجة إلى أن يطلب له واحدا . # إذا عرفت هدا فنقول : الأكثرون على أن هذا الطوفان هو المطر الكثير على ~~ما رويناه عن ابن عباس ، وقد روى عطاء عنه أنه قال : الطوفان هو الموت ، ~~وروى الواحدي رحمه الله بإسناده خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: ( الطوفان هو الموت ) . وهذا القول مشكل لأنهم لو أميتوا لم يكن لإرسال ~~سائر أنواع العذاب عليهم فائدة ، بل لو صح هذا الخبر لوجب حمل لفظ الموت ~~على حصول أسباب الموت ، مثل المطر الشديد والسيل العظيم وغيرهما ، وأما ~~الجراد ، فهو معروف والواحدة جرادة ، ونبت مجرود قد أكل الجراد ورقه . وقال ~~اللحياني : أرض جردة ومجرودة قد لحسها الجراد ، وإذا أصاب الجراد الزرع قيل ~~جرد الزرع وأصل هذا كله من الجرد ، وهو أخذك الشيء عن الشيء على سبيل النحت ~~والسحق ، ومنه يقال للثوب الذي قد ذهب وبره جرد وأرض جردة لا نبات فيها ، ~~وأما القمل ، فقد اختلفوا فيه . فقيل هو الدبى الصغار الذي لا أجنحة له ، ~~وهي بنات الجراد ، وعن سعيد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه موسى ~~عليه السلام ms4126 بعصاه فصار قملا . فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم ~~وحواجبهم ، ولزم جلودهم كأنه الجدري ، فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فرفع ~~عنهم ، فقالوا : قد تيقنا الآن أنك ساحر عليم . وعزة فرعون لا نؤمن بك أبدا ~~، وقرأ الحسن { والقمل } بفتح القاف ، وسكون الميم . يريد القمل المعروف . ~~وأما الدم فما ذكرناه . ونقل صاحب ( الكشاف ) أنه قيل : سلط الله عليهم ~~الرعاف . وروي أن موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة ~~يريهم هذه الآيات . # وأما قوله تعالى : { مفصلات فاستكبروا } ففيه وجوه : أحدها : { مفصلات } ~~أي مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها ~~غيره ، وثانيها : { مفصلات } أي فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه ~~أحوالهم وينظر أيقبلون الحجة ؟ والدليل : أو يستمرون على الخلاف والتقليد . ~~قال المفسرون : كان العذاب يبقى عليهم من السبت إلى السبت ، وبين العذاب ~~إلى العذاب شهر ، فهذا معنى قوله : { مفصلات فاستكبروا } قال الزجاج : ~~وقوله : { ءايات } منصوبة على الحال . وقوله : { فاستكبروا } يريد عن عبادة ~~الله { وكانوا قوما مجرمين } مصرين على الجرم والذنب . ونقل أيضا أن هذه ~~الأنواع المذكورة من العذاب كانت عند وقوعها مختصة بقوم فرعون ، وكان بنو ~~إسرائيل منها في أمان وفراغ ، ولا شك أن كل واحد منها فهو في نفسه معجز ، ~~واختصاصه بالقبطي دون الإسرائيلي معجز آخر . # / فإن قال قائل لما علم الله تعالى من حال أولئك الأقوام أنهم لا يؤمنون ~~بتلك المعجزات ، فما الفائدة في تواليها وإظهار الكثير منها ؟ وأيضا فقوم ~~محمد صلى الله عليه وسلم طلبوا المعجزات فما أجيبوا فما الفرق . # والجواب : أما على قول أصحابنا فيفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأما ~~على قول المعتزلة في رعاية الصلاح ، فلعله علم من قوم موسى أن بعضهم كان ~~يؤمن عند ظهور تلك المعجزات الزائدة ، وعلم من قوم محمد صلى الله عليه وسلم ~~أن أحدا منهم لا يزداد بعد ظهور تلك المعجزات الظاهرة إلا كفرا وعنادا ، ~~فظهر الفرق . والله أعلم . # PageV14P178 ! 7 < { ولما وقع عليهم الرجز قالوا ياموسى ادع لنا ربك بما ms4127 ~~عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنىإسراءيل * فلما ~~كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 134 - 135 ) ولما وقع عليهم . . . . . # > > # اعلم أنا ذكرنا معنى الرجز عند قوله : { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من ~~السماء } ( البقرة : 59 ) في سورة البقرة وهو اسم للعذاب ، ثم إنهم اختلفوا ~~في المراد بهذا الرجز فقال بعضهم : إنه عبارة عن الأنواع الخمسة المذكورة ~~من العذاب الذي كان نازلا بهم . وقال سعيد بن جبير { الرجز } معناه : ~~الطاعون وهو العذاب الذي أصابهم فمات به من القبط سبعون ألف إنسان في يوم ~~واحد ، فتركوا غير مدفونين ، واعلم أن القول الأول أقوى لأن لفظ { الرجز } ~~لفظ مفرد محلي بالألف واللام فينصرف إلى المعهود السابق ، وههنا المعهود ~~السابق هو الأنواع الخمسة التي تقدم ذكرها ، وأما غيرها فمشكوك فيه ، فحمل ~~اللفظ على المعلوم أولى من حمله على المشكوك فيه . # إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى بين ما كانوا عليه من المناقضة القبيحة ، ~~لأنهم تارة يكذبون موسى عليه السلام ، وأخرى عند الشدائد يفزعون إليه نزع ~~الأمة إلى نبيها ويسألونه أن يسأل ربه رفع ذلك العذاب عنهم ، وذلك يقتضي ~~أنهم سلموا إليه كونه نبيا مجاب الدعوة ، ثم بعد زوال تلك الشدائد يعودون ~~إلى تكذيبه والطعن فيه ، وأنه إنما يصل إلى مطالبة بسحره ، فمن هذا الوجه ~~يظهر / أنهم يناقضون أنفسهم في هذه الأقاويل . # وأما قوله تعالى حكاية عنهم : { ادع لنا ربك بما عهد عندك } فقال صاحب ( ~~الكشاف ) : ما في قوله : { بما عهد عندك } مصدرية والمعنى : بعهده عندك وهو ~~النبوة ، وفي هذه الباء وجهان : # الوجه الأول : أنها متعلقة بقوله : { ادع لنا ربك } والتقدير { ادع لنا } ~~متوسلا إليه بعهده عندك . # والوجه الثاني : في هذه الباء أن تكون قسما وجوابها قوله : { لنؤمنن لك } ~~أي أقسمنا بعهد الله عندك { لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك } وقوله : { ~~ولنرسلن معك بنى إسراءيل } كانوا قد أخذوا بني إسرائيل بالكد الشديد فوعدوا ~~موسى عليه السلام على دعائه بكشف العذاب عنهم الإيمان به والنخلية عن ms4128 بني ~~إسرائيل وإرسالهم معه يذهب بهم أين شاء . وقوله : { فلما كشفنا عنهم الرجز ~~إلى أجل هم بالغوه } المعنى أنا ما أزلنا عنهم العذاب مطلقا ، وما كشفنا ~~عنهم الرجز في جميع الوقائع ، بل إنما أزلنا عنهم العذاب إلى أجل معين ، ~~وعند ذلك الأجل لا نزيل عنهم العذاب بل نهلكهم به وقوله : { إذا هم ينكثون ~~} هو جواب لما يعني فلما كشفنا عنهم فاجؤا النكث وبادروه ولم يؤخروه كما ~~كشفنا عنهم نكثوا . # PageV14P179 ! 7 < { فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا ~~بأاياتنا وكانوا عنها غافلين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 136 ) فانتقمنا منهم فأغرقناهم . . . . . # > > واعلم أن المعنى أنه تعالى ، لما كشف عنهم العذاب من قبل مرات وكرات ~~ولم يمتنعوا عن كفرهم وجهلهم ، ثم بلغوا الأجل المؤقت انتقم منهم بأن ~~أهلكهم بالغرق ، والانتقام في اللغة سلب النعمة بالعذاب ، واليم البحر ، ~~قال صاحب ( الكشاف ) : اليم البحر الذي لا يدرك قعره ، وقيل : هو لجة البحر ~~ومعظم مائه ، واشتقاقه من التيمم ، لأن المستقين به يقصدونه وبين تعالى ~~بقوله : { فانتقمنا منهم فأغرقناهم } أن ذلك الانتقام هو لذلك التكذيب . ~~وقوله : { وكانوا * عنا * غافلين } اختلفوا في الكناية في عنها فقيل أنها ~~عائدة إلى النقمة التي دل عليها قوله : { انتقمنا } والمعنى وكانوا عن ~~النقمة قبل حلولها غافلين ، وقيل الكناية عائدة إلى الآيات وهو اختيار ~~الزجاج . قال : لأنهم كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم . # فإن قيل : الغفلة ليست من فعل الإنسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد ~~على الغفلة . # / قلنا : المراد بالغفلة هنا الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها ، ~~فهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها . # فإن قيل : أليس قد ضموا إلى التكذيب والغفلة معاصي كثيرة ؟ فكيف يكون ~~الانتقام لهذين دون غيرهما . # قلنا : ليس في الآية بيان أنه تعالى انتقم منهم لهذين معا دلالة على نفي ~~ما عداه ، والآية تدل على أن الواجب في الآيات النظر فيها ، ولذلك ذمهم بأن ~~غفلوا عنها ، وذلك يدل على أن التقليد طريق مذموم . # ! 7 < { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الا رض ومغاربها التى ~~باركنا فيها وتمت كلمت ربك ms4129 الحسنى على بنىإسرءيل بما صبروا ودمرنا ما كان ~~يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 137 ) وأورثنا القوم الذين . . . . . # > > اعلم أن موسى عليه السلام كان قد ذكر لبني إسرائيل قوله : { عسى ربكم ~~أن يهلك عدوكم ويستخلفكم فى الارض } ( الأعراف : 129 ) فههنا لما بين تعالى ~~إهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة ، بين ما فعله بالمؤمنين من الخيرات ، ~~وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم فقال : { وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الارض ومغاربها } PageV14P180 والمراد من ذلك الاستضعاف أنه ~~كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال ~~الشاقة ، واختلفوا في معنى مشارق الأرض ومغاربها ، فبعضهم حمله على مشارق ~~أرض الشام . ومصر ومغاربها ، لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون لعنه الله ~~وأيضا قوله : { التى باركنا فيها } المراد باركنا فيها بالخصب وسعة الأرزاق ~~وذلك لا يليق إلا بأرض الشام . # والقول الثاني : المراد جملة الأرض وذلك لأنه خرج من جملة بني إسرائيل ~~داود وسليمان قد ملك الأرض ، وهذا يدل على أن الأرض ههنا اسم الجنس . وقوله ~~: { وتمت كلمت ربك الحسنى على بنى إسرءيل } قيل المراد من { وأورثنا القوم ~~} قوله : { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الارض } إلى قوله : { ما ~~كانوا يحذرون } ( القصص : 6 ) والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة ، ومعنى تمت ~~على بني إسرائيل ، مضت عليهم واستمرت ، من قولهم تم عليك الأمر إذا مضى ~~عليك . وقيل : معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوهم ~~واستخلافهم في الأرض ، وإنما كان الإنجاز تماما للكلام لأن الوعد بالشيء ~~يبقى كالشيء المعلق . فإذا حصل الموعود به فقد تم لك الوعد وكمل وقوله : { ~~بما صبروا } أي إنما حصل ذلك التمام بسبب صبرهم ، وحسبك به حاثا على الصبر ~~، ودالا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه ، ومن قابله بالصبر ~~وانتظار النصر ضمن الله له الفرج ، وقرأ عاصم في رواية { وتمت * كلمات * ~~ربك الحسنى } ونظيره { من ءايات ربه الكبرى } ( النجم : 18 ) وقوله : { ~~ودمرنا } قال الليث : الدمار الهلاك التام . يقال : دمر القوم يدمرون دمارا ~~أي ms4130 هلكوا ، وقوله : { ما كان يصنع فرعون وقومه } قال ابن عباس يريد الصانع ~~{ وما كانوا يعرشون } قال الزجاج : يقال عرش يعرش ويعرش إذا بني ، قيل : ~~وما كانوا يعرشون من الجنات ، ومنه قوله تعالى : { جنات معروشات } ( ~~الأنعام : 141 ) وقيل : { وما كانوا يعرشون } يرفعون من الأبنية المشيدة في ~~السماء ، كصرح هامان وفرعون . وقرىء يعرشون بالكسر والضم ، وذكر اليزيدي أن ~~الكسر أفصح ، قال صاحب ( الكشاف ) : وبلغني أنه قرأ بعض الناس { * يغرسون } ~~من غرس الأشجار وما أحسبه إلا تصحيفا منه ، وهذا آخر ما ذكره الله تعالى من ~~قصة فرعون وقومه وتكذيبهم بآيات الله تعالى . # ! 7 < { وجاوزنا ببنىإسرءيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ~~قالوا ياموسى اجعل لنآ إلاها كما لهم ءالهة قال إنكم قوم تجهلون * إن ~~هاؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 138 - 139 ) وجاوزنا ببني إسرائيل . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين أنواع نعمه على بني إسرائيل بأن أهلك عدوهم ~~وأورثهم أرضهم وديارهم أتبع ذلك بالنعمة العظمى ، وهي أن جاوز بهم البحر مع ~~السلامة ، ولما بين تعالى في سائر السور كيف سيرهم في البحر مع السلامة ، ~~وذلك بأن فلق البحر عند ضرب موسى البحر بالعصا وجعله يبسا بين أن بني ~~إسرائيل لما شاهدوا قوما يعكفون على عبادة أصنامهم ، جهلوا وارتدوا وقالوا ~~: / لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، ولا PageV14P181 شك أن القوم لما ~~شاهدوا المعجزات الباهرة التي أظهرها الله تعالى لموسى على فرعون ، ثم ~~شاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده ، وخص بني إسرائيل بأنواع السلامة ~~والكرامة ثم إنهم بعد هذه المواقف والمقامات يذكرون هذا الكلام الفاسد ~~الباطل كانوا في نهاية الجهل وغاية الخلاف . # أما قوله تعالى : { يعلمون وجاوزنا ببنى إسراءيل البحر } يقال : جاوز ~~الوادي . إذا قطعه وخلفه وراءه وجاوز بغيره ، عبر به وقرىء { * جوزنا } ~~بمعنى : أجزنا . يقال : أجاز المكان وجوزه بمعنى : جازه { البحر فأتوا على ~~قوم يعكفون على أصنام لهم } قال الزجاج : يواظبون عليها ويلازمونها . يقال ~~: لكل من لزم شيئا وواظب عليه ، عكف يعكف ويعكف ، ومن هذا قيل ms4131 لملازم ~~المسجد متعكف . وقال قتادة : كان أولئك القوم من لخم ، وكانوا نزولا بالريف ~~. قال ابن جريج : كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول بيان قصة العجل . # ثم حكى تعالى عنهم أنهم { قالوا يأبانا * موسى * اجعل لنا إلاها كما لهم ~~ءالهة } واعلم أن من المستحيل أن يقول العاقل لموسى : اجعل لنا إلها كما ~~لهم آلهة وخالقا ومدبرا ، لأن الذي يحصل بجعل موسى وتقديره : لا يمكن أن ~~يكون خالقا للعالم ومدبرا له ، ومن شك في ذلك لم يكن كامل العقل والأقرب ~~أنهم طلبوا من موسى عليه السلام أن يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون ~~بعبادتها إلى الله تعالى ، وهذا القول هو الذي حكاه الله تعالى عن عبدة ~~الأوثان حيث قالوا : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ~~) . # إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول : لم كان هذا القول كفرا ؟ فنقول : أجمع كل ~~الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير الله تعالى كفر ، سواء اعتقد في ~~ذلك الغير كونه إلها للعالم ، أو اعتقدوا فيه أن عبادته تقربهم إلى الله ~~تعالى لأن العبادة نهاية التعظيم ، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر ~~عنه نهاية الأنعام والأكرام . # فإن قيل : فهذا القول صدر من كل بني إسرائيل أو من بعضهم ؟ # قلنا : بل من بعضهم ، لأنه كان مع موسى عليه السلام السبعون المختارون ~~وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل . # ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه أجابهم فقال : { إنكم قوم ~~تجهلون } وتقرير هذا الجهل ما ذكر أن العبادة غاية التعظيم ، فلا تليق إلا ~~بمن يصدر عنه غاية الإنعام ، وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة ~~والعقل ، وخلق الأشياء المنتفع بها ، والقادر على هذه الآشياء ليس إلا الله ~~تعالى ، فوجب أن لا تليق العبادة إلا به . # / فإن قالوا : إذا كان مرادهم بعبادة تلك الأصنام التقرب بها إلى تعظيم ~~الله تعالى / فما الوجه في قبح هذه العبادة ؟ # قلنا : فعلى هذا التقدير : لم يتخذوها آلهة أصلا وإنما جعلوها كالقبلة ، ~~وذلك ينافي قولهم { اجعل لنا إلاها كما ms4132 لهم ءالهة } واعلم أن { ما } في ~~قوله : { كما لهم ءالهة } يجوز أن تكون مصدرية أي كما ثبت لهم آلهة ، ويجوز ~~أن تكون موصولة ، وفي قولهم : { لهم } ضمير يعود إليه ، و { ءالهة } بدل من ~~ذلك الضمير تقديره : كالذي هو لهم آلهة . # ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال : { إن هؤلاء متبر ما هم فيه } ~~قال الليث : التبار الهلاك . يقال : تبر الشيء يتبر تبارا والتتبير الإهلاك ~~، ومنه قوله تعالى : { تبرنا تتبيرا } ويقال للذهب PageV14P182 المنكسر ~~المتفتت : التبر فقوله : { متبر ما هم فيه } أي مهلك مدمر ، وقوله : { ~~وباطل ما كانوا يعملون } قيل : البطلان عدم الشيء ، إما بعدم ذاته أو بعدم ~~فائدته ومقصوده ، والمراد من بطلان عملهم : أنه لا يعود عليهم من ذلك العمل ~~نفع ولا دفع ضرر ، وتحقيق القول في هذا الباب أن المقصود من العبادة أن ~~تصير المواظبة على تلك الأعمال سببا لاستحكام ذكر الله تعالى في القلب حتى ~~تصير تلك الروح سعيدة بحصول تلك المعرفة فيها . فإذا اشتغل الإنسان بعبادة ~~غير الله تعالى ، تعلق قلبه بغير الله ويصير ذلك التعلق سببا لأعراض القلب ~~عن ذكر الله تعالى ؛ وإذا ظهر هذا التحقيق ظهر أن الاشتغال بعبادة غير الله ~~متبر وباطل ، وضائع وسعى في تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه ، لأنا بينا أن ~~المقصود من العبادة رسوخ معرفة الله تعالى في القلب ، والاشتغال بعبادة غير ~~الله يزيل معرفة الله عن القلب ، فكان هذا ضدا للغرض ونقيضا للمطلوب والله ~~أعلم . # ! 7 < { قال أغير الله أبغيكم إلاها وهو فضلكم على العالمين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 140 ) قال أغير الله . . . . . # > > اعلم أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنهم لما قالوا له : { اجعل ~~لنا إلاها كما لهم ءالهة } فهو عليه السلام ذكر في الجواب وجوها : أولها : ~~أنه حكم عليهم بالجهل فقال : { إنكم قوم تجهلون } وثانيها : أنه قال : { إن ~~هؤلاء متبر ما هم فيه } أي سبب للخسران والهلاك . وثالثها : أنه قال : { ~~وباطل ما كانوا يعملون } أي هذا العمل الشاق لا يفيدهم نفعا في الدنيا ~~والدين . ورابعها : ما ذكره في ms4133 هذه الآية من التعجب منهم على وجه يوجب ~~الإنكار والتوبيخ فقال : { أغير الله أبغيكم إلاها وهو فضلكم على العالمين ~~} والمعنى : أن الإله ليس شيئا يطلب ويلتمس ويتخذ ، بل الإله هو الله الذي ~~يكون / قادرا على الأنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة وجميع النعم ، وهو المراد ~~من قوله : { وهو فضلكم على العالمين } فهذا الموجود هو الإله الذي يجب على ~~الخلق عبادته ، فكيف يجوز العدول عن عبادته إلى عبادة غيره . قال الواحدي ~~رحمه الله : يقال : بغيت فلانا شيئا وبغيت له . قال تعالى : { يبغونكم ~~الفتنة } ( التوبة : 47 ) أي يبغون لكم ، وفي انتصاب قوله : { إلاها } ~~وجهان : أحدهما : الحال كأنه قيل : أطلب لكم غير الله معبودا ، ونصب { غير ~~} في هذا الوجه على المفعول به . الثاني : أن ينصب { إلاها } على المفعول ~~به { وغير } على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول : أبغيكم ~~إلها غير الله . وقوله : { وهو فضلكم على العالمين } فيه قولان : الأول : ~~المراد أنه تعالى فضلهم على عالمي زمانهم . الثاني : أنه تعالى خصهم بتلك ~~الآيات القاهرة ولم يحصل مثلها لأحد من العالمين ، وإن كان غيرهم فضلهم ~~بسائر الخصال ، ومثاله : رجل تعلم علما واحدا وآخر تعلم علوما كثيرة سوى ~~ذلك العلم ، فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك الواحد ~~، إلا أن صاحب العلوم الكثيرة مفضل على صاحب العلم الواحد في الحقيقة . # ! 7 < { وإذ أنجيناكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبنآءكم ~~ويستحيون نسآءكم وفي ذالكم بلاء من ربكم عظيم } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 141 ) وإذ أنجيناكم من . . . . . # > > PageV14P183 # واعلم أن هذه الآية مفسرة في سورة البقرة ، والفائدة في ذكرها في هذا ~~الموضع أنه ، تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة ، فكيف يليق ~~بكم الاشتغال بعبادة غير الله تعالى . والله أعلم . # ! 7 < { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ~~ليلة وقال موسى لاخيه هارون اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } ~~. > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 142 ) وواعدنا موسى ثلاثين . . . . . # > > في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو : { وعدنا } بغير ألف ، والباقون { ~~واعدنا } بالألف على ms4134 المفاعلة ، وقد مر بيان هذه القراءة في سورة البقرة . # المسألة الثانية : اعلم أنه روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو ~~بمصر : أن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما ~~يذرون ، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب ، فهذه الآية في بيان كيفية ~~نزول التوراة ، واعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة : { وإذ واعدنا موسى ~~أربعين ليلة } وذكر تفصيل تلك الأربعين في هذه الآية . # فإن قيل : وما الحكمة ههنا في ذكر الثلاثين ثم إتمامها بعشر ؟ وأيضا ~~فقوله : { فتم ميقات ربه أربعين ليلة } كلام عار عن الفائدة ، لأن كل أحد ~~يعلم أن الثلاثين مع العشر يكون أربعين . # قلنا : أما الجواب عن السؤال الأول فهو من وجوه : # الوجه الأول : أنه تعالى أمر موسى عليه السلام بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ~~ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم ~~من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأوحى الله تعالى إليه أما علمت أن ~~خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها ~~عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب . # والوجه الثاني : في فائدة هذا التفضيل أن الله أمره أن يصوم ثلاثين يوما ~~وأن يعمل فيها ما يقربه إلى الله تعالى ، ثم أنزلت التوراة عليه في العشر ~~البواقي ، وكلمه أيضا فيه . فهذا هو الفائدة في تفصيل الأربعين إلى ~~الثلاثين وإلى العشرة . # والوجه الثالث : ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني في سورة طه ما دل على أن ~~موسى عليه السلام بادر إلى ميقات ربه قبل قومه ، والدليل عليه قوله تعالى : ~~{ وما أعجلك عن قومك ياموسى * موسى * قال هم أولاء على أثرى } PageV14P184 ~~فجائز أن يكون موسى أتى الطور عند تمام الثلاثين ، فلما أعلمه الله تعالى ~~خبر قومه مع السامري ، رجع إلى قومه قبل تمام ما وعده الله تعالى ، ثم عاد ~~إلى الميقات في عشرة أخرى ، فتم أربعون ليلة . # والوجه الرابع : قال بعضهم لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى عليه ms4135 ~~السلام وحده ، والوعد الثاني حضر المختارون معه ليسمعوا كلام الله تعالى ، ~~فصار الوعد مختلفا لاختلاف حال الحاضرين . والله أعلم . # والجواب عن السؤال الثاني : أنه تعالى إنما قال : { أربعين ليلة } إزالة ~~التوهم أن ذلك العشر من الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين ، ~~كأنه كان عشرين ، ثم أتمة بعشر ، فصار ثلاثين ، فأزال هذا الإيهام . # / أما قوله تعالى : { فتم ميقات ربه أربعين ليلة } ففيه بحثان : # البحث الأول : الفرق بين الميقات وبين الوقت ، أن الميقات ما قدر فيه عمل ~~من الأعمال ، والوقت وقت للشيء قدرة مقدر أولا . # والبحث الثاني : قوله : { أربعين ليلة } نصب على الحال أي تم بالغا هذا ~~العدد . # وأما قوله : { وقال موسى لاخيه هارون } فقوله : { هارون } عطف بيان لأخيه ~~وقرىء بالضم على النداء { اخلفنى فى قومى } كن خليفتي فيهم { وأصلح } وكن ~~مصلحا أو { وأصلح } ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل ومن دعاك منهم إلى ~~الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه . # فإن قيل : إن هرون كان شريك موسى عليه السلام في النبوة ، فكيف جعله ~~خليفة لنفسه ، فإن شريك الإنسان أعلى حالا من خليفته ورد الإنسان من المنصب ~~الأعلى إلى الأدون يكون إهانة . # قلنا الأمر وإن كان كما ذكرتم ، إلا أنه كان موسى عليه السلام هو الأصل ~~في تلك النبوة . # فإن قيل : لما كان هرون نبيا والنبي لا يفعل إلا الأصلاح ، فكيف وصاه ~~بالإصلاح . # قلنا : المقصود من هذا الأمر التأكيد كقوله : { ولاكن ليطمئن قلبى } ( ~~البقرة : 260 ) والله أعلم . # ! 7 < { ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرنىأنظر إليك قال لن ~~ترانى ولاكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول ~~المؤمنين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 143 ) ولما جاء موسى . . . . . # > > PageV14P185 # اعلم أنه تعالى بين الفائدة التي لأجلها حضر موسى عليه السلام الميقات ~~وهي أن كلمه ربه ، وفي الآية مسائل شريفة عالية من العلوم الإلهية . # / المسألة الأولى : دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس ~~مختلفون ms4136 في كلام الله تعالى فمنهم من قال : كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة ~~المنتظمة ، ومنهم من قال : كلامه صفة حقيقة مغايرة للحروف والأصوات . أما ~~القائلون بالقول الأول فالعقلاء المحصلون ، انفقوا على أنه يجب كونه حادثا ~~كائنا بعد أن لم يكن . وزعمت الحنابلة والحشوية أن الكلام المركب من الحروف ~~والأصوات قديم ، وهذا القول أخس من أن يلتفت العاقل إليه ، وذلك أني قلت ~~يوما إنه تعالى إما أن يتكلم بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب ~~والتوالي ، والأول : باطل لأن هذه الكلمات المسموعة المفهومة إنما تكون ~~مفهومة إذا كانت حروفها متوالية فأما إذا كان حروفها توجد دفعة واحدة فذاك ~~لا يكون مفيدا ألبتة ، والثاني : يوجب كونها حادثة ، لأن الحروف إذا كانت ~~متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأول ، فالأول حادث لأن كل ما ثبت عدمه ~~امتنع قدمه ، والثاني حادث ، لأن كل ما كان وجوده متأخرا عن وجوده غيره فهو ~~حادث ، فثبت أنه بتقدير أن يكون كلام الله تعالى عبارة عن مجرد الحروف ~~والأصوات محدث . # إذا ثبت هذا فنقول للناس ههنا مذهبان : الأول : أن محل تلك الحروف ~~والأصوات الحادثة هو ذات الله تعالى ، وهو قول الكرامية . الثاني : أن ~~محلها جسم مباين لذات الله تعالى كالشجرة وغير ، وهو قول المعتزلة . # أما القول الثاني : وهو أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف ~~والأصوات ، فهذا قول أكثر أهل السنة والجماعة . وتلك الصفة قديمة أزلية . ~~والقائلون بهذا القول اختلفوا في الشيء الذي سمعه موسى عليه السلام . فقالت ~~الأشعرية : إن موسى عليه السلام سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية قالوا : ~~وكما لا يتعذر رؤية ذاته ، مع أن ذاته ليست جسما ولا عرضا ، فكذلك لا يبعد ~~سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفا ولا صوتا . وقال أبو منصور الماتريدي ~~: الذي سمعه موسى عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة ، ~~فأما الصفة الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت فداك ما سمعه موسى عليه السلام ~~ألبتة ، فهذا تفصيل مذاهب الناس في سماع كلام الله تعالى . # المسألة الثانية : اختلفوا في أنه تعالى ms4137 كلم موسى وحده أو كلمه مع أقوام ~~آخرين وظاهر الآية يدل على الأول . لأن قوله تعالى : { وكلمه ربه } يدل على ~~تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف والتخصيص بالذكر يدا على نفي الحكم ~~عما عداه ، وقال القاضي : بل السبعون المختارون للميقات سمعوا أيضا كلام ~~الله تعالى . قال : لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى / عليه السلام ~~عما يجري هناك ، وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكلام وأيضا فإن تكليم ~~الله تعالى موسى عليه السلام على هذا الوجه معجز ، وقد تقدمت نبوة موسى ~~عليه السلام لا بد من ظهور هذا المعنى لغيره . # المسألة الثالثة : قال أصحابنا هذه الآية تدل على أنه سبحانه يجوز أن يرى ~~وتقريره من أربعة أوجه . الأول : أن الآية دالة على أن موسى عليه السلام ~~سأل الرؤية / ولا شك أن موسى عليه السلام يكون عارفا بما يجب ويجوز ويمتنع ~~على الله تعالى ، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها ، وحيث ~~سألها ؛ PageV14P186 علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى . قال القاضي : ~~الذي قاله المحصلون من العلماء في ذلك أقوال أربعة : أحدها : ما قاله الحسن ~~وغيره : أن موسى عليه السلام ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله تعالى ، ~~قال ومع الجهل بهذا المعنى قد يكون المرء عارفا بربه وبعدله وتوحيده ، فلم ~~يبعد أن يكون العلم بامتناع الرؤية وجوازها موقوفا على السمع . وثانيها : ~~أن موسى عليه السلام سأل الرؤية على لسان قومه ، فقد كانوا جاهلين بذلك ~~يكررون المسألة عليه يقولون : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ( البقرة : ~~55 ) فسأل موسى الرؤية لا لنفسه ، فلما ورد المنع ظهر أن ذلك لا سبيل إليه ~~، وهذه طريقة أبي علي وأبي هاشم . وثالثها : أن موسى عليه السلام سأل ربه ~~من عنده معرفة باهرة باضطرار وأهل هذا التأويل مختلفون ، فمنهم من يقول سأل ~~ربه المعرفة الضرورية . ومنهم من يقول : بل سأله إظهار الآيات الباهرة التي ~~عندها تزول الخواطر والوساوس عن معرفته ، وإن كانت من فعله ، كما نقوله في ~~معرفة أهل الآخرة ، وهو ms4138 الذي اختاره أبو القاسم الكعبي . ورابعها : المقصود ~~من هذا السؤال أن يذكر تعالى من الدلائل السمعية ما يدل على امتناع رؤيته ~~حتى يتأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي . وتعاضد الدلائل أمر مطلوب ~~للعقلاء ، وهو الذي ذكره أو بكر الأصم فهذا مجموع أقوال المعتزلة في تأويل ~~هذه الآية . قال أصحابنا أما الوجه الأول ، فضعيف ويدل عليه وجوه : الأول : ~~إجماع العقلاء على أن موسى عليه السلام ما كان في العلم بالله أقل منزلة ~~ومرتبة من أراذل المعتزلة ، فلما كان كلهم عالمين بامتناع الرؤية على الله ~~تعالى وفرضنا أن موسى عليه السلام لم يعرف ذلك ، كانت معرفته بالله أقل ~~درجة من معرفة كل واحد من أراذل المعتزلة ، وذلك باطل بإجماع المسلمين . ~~الثاني : أن المعتزلة يدعون العلم الضروري ، بأن كل ما كان مرئيا ، فإنه ~~يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل . فإما أن يقال إن موسى عليه السلام ~~حصل له هذا العلم أو لم يحصل له هذا العلم . فإن كان الأول كان تجويزه ~~لكونه تعالى مرئيا ، يوجب تجويز كونه تعالى حاصلا في الحيز والجهة ، وتجويز ~~هذا المعنى على الله تعالى يوجب الكفر عند المعتزلة ، فيلزمهم كون / موسى ~~عليه السلام كافرا ، وذلك لا يقوله عاقل . وإن كان الثاني فنقول : لما كان ~~العلم بأن كل مرئي يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل علما بديهيا ~~ضروريا ، ثم فرضنا أن هذا العلم ما كان حاصلا لموسى عليه السلام ، لزم أن ~~يقال إن موسى عليه السلام لم يحصل فيه جميع العلوم الضرورية ، ومن كان كذلك ~~فهو مجنون ، فيلزمهم الحكم بأنه عليه السلام ، ما كان كامل العقل بل كان ~~مجنونا وذلك كفر بإجماع الأمة ، فثبت أن القول بأن موسى عليه السلام ، ما ~~كان عالما بامتناع الرؤية مع فرض أنه تعالى ممتنع الرؤية يوجب أحد هذين ~~القسمين الباطلين ، فكان القول به باطلا والله أعلم . # وأما التأويل الثاني : وهو أنه عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لا ~~لنفسه ، فهو أيضا فاسد ويدل عليه وجوه : الأول : أنه لو كان الأمر كذلك ms4139 ~~لقال موسى : أرهم ينظروا إليك ، ولقال الله تعالى : لن يروني ، فلما لم يكن ~~كذلك ، بطل هذا التأويل . والثاني : أنه لو كان هذا السؤال طلبا للمحال ، ~~لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا : { اجعل لنا إلاها كما لهم ءالهة } ( ~~الأعراف : 138 ) منعهم عنه بقوله : { إنكم قوم تجهلون } ( الأعراف : 138 ) ~~والثالث : أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا ~~تجوز رؤيته / وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال ، فأما أن لا يذكر ~~شيئا من تلك الدلائل ألبتة ، مع أن ذكرها كان فرضا مضيقا ، كان هذا نسبة ~~لترك الواجب إلى موسى عليه السلام ، وأنه لا يجوز . والرابع : أن أولئك ~~الأقوام الذين طلبوا الرؤية ، إما أن يكونوا قد آمنوا PageV14P187 بنبوة ~~موسى عليه السلام . أو ما آمنوا بها ، فإن كان الأول كفاهم في الامتناع عن ~~ذلك السؤال الباطل ، مجرد قول موسى عليه السلام ، فلا حاجة إلى هذا السؤال ~~الذي ذكره موسى عليه السلام ، وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم ~~يقولون له لا نسلم أن الله منع من الرؤية ، بل هذا قول افتريته على الله ~~تعالى ، فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول موسى عليه السلام ~~{ أرنى أنظر إليك } . # وأما التأويل الثالث : فبعيد أيضا ويدل عليه وجوه : الأول : أن على هذا ~~التقدير يكون معنى الآية أرني أمرا أنظر إلى أمرك ، ثم حذف المفعول والمضاف ~~، إلا أن سياق الآية يدل على بطلان هذا ، وهو قوله : { أنظر إليك قال لن ~~ترانى } ( الأعراف : 143 ) فسوف تراني { فلما تجلى ربه للجبل } ولا يجوز أن ~~يحمل جميع هذا على حذف المضاف . الثاني : أنه تعالى أراه من الآية ما لا ~~غاية بعدها كالعصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ~~وإظلال الجبل ، فكيف يمكن بعد هذه الأحوال طلب آية ظاهرة قاهرة . والثالث : ~~أنه عليه السلام كان يتكلم مع الله بلا واسطة . ففي هذه الحالة كيف يليق به ~~أن يقول : أظهر لي آية قاهرة ظاهرة تدل على أنك موجود ؟ ومعلوم أن هذا ~~الكلام في ms4140 غاية الفساد . الرابع : أنه لو كان المطلوب آية تدل على وجوده ، ~~لأعطاه تلك الآية كما أعطاه سائر الآيات / ولكان لا معنى لمنعه عن ذلك ، ~~فثبت أن هذا القول فاسد . وأما التأويل الرابع وهو أن يقال : المقصود منه ~~إظهار آية سمعية تقوي ما دل العقل عليه ، فهو أيضا بعيد ، لأنه لو كان ~~المراد ذلك ، لكان الواجب أن يقول : أريد يا إلهي أن يقوى امتناع رؤيتك ~~بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل ، وحيث لم يقل ذلك بل طلب الرؤية . علمنا ~~أن هذه التأويلات بأسرها فاسدة . # الحجة الثانية : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على أنه تعالى ~~جائز الرؤية وذلك لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال : لا أرى ألا ترى ~~أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان ناولني هذا لآكله ، فإنه يقول له ~~هذا لا يؤكل ، ولا يقول له لا تأكل . ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة ، ~~لقال له : لا تأكلها أي هذا مما يؤكل ، ولكنك لا تأكله . فلما قال تعالى : ~~{ لن ترانى } ولم يقل لا أرى ، علمنا أن هذا يدل على أنه تعالى في ذاته ~~جائز الرؤية . # الحجة الثالثة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية ، أنه تعالى علق رؤيته ~~على أمر جائز ، والمعلق على الجائز جائز ، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة ~~. إنما قلنا : إنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز ، لأنه تعالى علق رؤيته ~~على استقرار الجبل ، بدليل قوله تعالى : { فإن استقر مكانه فسوف ترانى } ~~واستقرار الجبل أمر جائز الوجود في نفسه . فثبت أنه تعالى علق رؤيته على ~~أمر جائز الوجود في نفسه . # إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها ، لأنه لما كان ذلك ~~الشرط أمرا جائز الوجود ، لم يلزم من فرض وقوعه محال ، فبتقدير حصول ذلك ~~الشرط ، إما أن يترتب عليه الجزاء الذي هو حصول الرؤية أو لا يترتب ، فإن ~~ترتب عليه حصول الرؤية لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول ، وإن لم يترتب ~~عليه حصول الرؤية قدح هذا في ms4141 صحة قوله ، إنه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية ~~، وذلك باطل . # فإن قيل : إنه تعالى علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته / ~~واستقرار الجبل حال حركته محال . فثبت أن حصول الرؤية معلق على شرط ممتنع ~~الحصول ، لا على شرط جائز الحصول ، فلم يلزم PageV14P188 صحة ما قلتموه ؟ ~~والدليل على أن الشرط هو استقرار الجبل حال حركته أن الجبل إما أن يقال : ~~إنه حال ما جعل استقراره شرطا لحصول الرؤية كان ساكنا أو متحركا ، فإن كان ~~الأول ، لزم حصول الرؤية بمقتضى الاشتراط ، وحيث لم تحصل علمنا أن الجبل في ~~ذلك الوقت ما كان مستقرا ، ولما لم يكن مستقرا كان متحركا . فثبت أن الجبل ~~حال ما جعل استقراره شرطا لحصول الرؤية ، كان متحركا لا ساكنا . فثبت أن ~~الشرط هو كون الجبل مستقرا حال كونه ساكنا / فثبت أن الشرط الذي علق الله ~~تعالى على حصوله حصول الرؤية ، هو كون الجبل مستقرا حال كونه متحركا ، وأنه ~~شرط محال . # والجواب : هو أن اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث ~~أنه متحرك أو ساكن ، وكونه ممتنع الخلو عن الحركة والسكون لا يمنع اعتبار ~~حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن ألا ترى أن الشيء لو أخذته بشرط كونه موجودا ~~كان واجب الوجود ، ولو أخذته بشرط كونه معدوما كان واجب العدم ، فلو أخذته ~~من حيث هو هو قطع النظر عن كونه موجودا أو كونه معدوما كان ممكن الوجود . ~~فكذا ههنا الذي جعل شرطا في اللفظ هو استقرار الجبل ، وهذا القدر ممكن ~~الوجود فثبت أن القدر الذي جعل شرطا أمر ممكن الوجود جائز الحصول ، وهذا ~~القدر يكفي لبناء المطلوب عليه . والله أعلم . # الحجة الرابعة : من الوجوه المستنبطة من هذه الآية في إثبات جواز الرؤية ~~قوله تعالى : { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } وهذا التجلي هو الرؤية ، ~~ويدل عليه وجهان : الأول : إن العلم بالشيء يجلي لذلك الشيء ، وأبصار الشيء ~~أيضا يجلي لذلك الشيء . إلا أن الأبصار في كونه مجليا أكمل من العلم به ~~وحمل اللفظ ms4142 على المفهوم الأكمل أولى . الثاني : أن المقصود من ذكر هذه ~~الآية تقرير أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى بدليل أن الجبل مع عظمته ~~لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه ولولا أن المراد من التجلي ما ~~ذكرناه وإلا لم يحصل هذا المقصود . فثبت أن قوله تعالى : { فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا } هو أن الجبل لما رأى الله تعالى اندكت أجزاؤه ، ومتى كان ~~الأمر كذلك ثبت أنه تعالى جائز الرؤية أقصى ما في الباب أن يقال : الجبل ~~جماد والجماد يمتنع أن يرى شيئا ، إلا أنا نقول : لا يمتنع أن يقال : إنه ~~تعالى خلق في ذات الجبل الحياة والعقل والفهم ، ثم خلق فيه رؤية متعلقة ~~بذات الله تعالى ، والدليل عليه أنه تعالى قال : { فضلا ياجبال أوبى معه ~~والطير } ( سبأ : 10 ) وكونه مخاطبا بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل ~~فيه فكذا ههنا ، فثبت بهذه الوجوه الأربعة دلالة هذه الآية على أنه تعالى ~~جائز الرؤية . أمنا المعتزلة فقالوا : إنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية ~~أنه تعالى تمتنع رؤيته فوجب صرف هذه الظواهر إلى التأويلات . أما دلائلهم ~~العقلية فقد بينا في الكتب العقلية ضعفها وسقوطها ، فلا حاجة هنا إلى ذكرها ~~. وأما دلائلهم السمعية فأقوى ما لهم في هذا الباب التمسك بقوله تعالى : { ~~لا تدركه الابصار } ( الأنعام : 103 ) قد سبق في سورة الأنعام ما في هذه ~~الآية من المباحث الدقيقة واللطائف العميقة . واعلم أن القوم تمسكوا بهذه ~~الآية على عدم الرؤية من وجوه : الأول : التمسك بقوله تعالى : { لن ترانى } ~~وتقرير الاستدلال أن يقال : إن هذه الآية تدل على أن موسى عليه السلام لا ~~يرى الله ألبتة لا في الدنيا ولا في القيامة ، ومتى ثبت هذا ثبت أن أحدا لا ~~يراه ألبتة / ومتى ثبت هذا ثبت أنه تعالى يمتنع أن يرى ، فهذه مقدمات ثلاثة ~~. # أما المقدمة الأولى : فتقريرها من وجوه : الأول : ما نقل عن أهل اللغة أن ~~كلمة ( لن ) للتأبيد . قال PageV14P189 الواحدي رحمه الله : هذه دعوى باطلة ~~على أهل اللغة ، وليس يشهد بصحته كتاب معتبر ، ولا ms4143 نقل صحيح . وقال أصحابنا ~~: الدليل على فساده قوله تعالى في صفة اليهود { ولن يتمنوه أبدا } ( البقرة ~~: 95 ) مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة . والثاني : أن قوله : { لن ترانى ~~} يتناول الأوقات كلها بدليل صحة استثناء أي وقت أريد من هذه الكلمة ، ~~ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ وهذا أيضا ضعيف ، لأن ~~تأثير الاستثناء في صرف الصحة لا في صرف الوجوب على ما هو مقرر في أصول ~~الفقه . الثالث : أن قوله لن أفعل كذا ، يفيد تأكيد النفي ، ومعناه أن فعله ~~ينافي حالته كقوله تعالى : { لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } ( الحج : 73 ~~) وهذا يدل على أن الرؤية منافية للإلهية ، والجواب : أن { لن } لتأكيد نفي ~~ما وقع السؤال عنه ، والسؤال إنما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال . فكان ~~قوله : { لن ترانى } نفيا لذلك المطلوب ، فأما أن يفيد النفي الدائم فلا . ~~فهذه جملة الكلام في تقرير هذه المسألة . # أما المقدمة الثانية : فقالوا : القائل اثنان : قائل يقول : إن المؤمنين ~~يرون الله وموسى أيضا يراه ، وقائل ينفي الرؤية عن الكل ، أما القول ~~بإثباته لغير موسى ونفيه عن موسى فهو قول خارق للإجماع وهو باطل . # وأما المقدمة الثالثة : فهي أن كل من نفي الوقوع نفي الصحة ، فالقول ~~بثبوت الصحة مع نفي الوقوع قول على خلاف الإجماع وهو باطل . واعلم أن بناء ~~هذه الدلالة على صحة المقدمة الأولى ، فلما ثبت ضعفها سقط هذا الاستدلال ~~بالكلية . # الحجة الثانية للقوم : أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه خر صعقا ، ~~ولو كانت الرؤية جائزة . فلم خر عند سؤالها صعقا ؟ # والحجة الثالثة : أنه عليه السلام لما أفاق قال سبحانك ، وهذه الكلمة ~~للتنزيه ، فوجب أن يكون المراد منه تنزيه الله تعالى عما تقدم ذكره ، والذي ~~تقدم ذكره هو رؤية الله تعالى ، فكان قوله : { سبحانك } تنزيها له عن ~~الرؤية . فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه الله تعالى . وتنزيه الله إنما ~~يكون عن النقائص والآفات ، فوجب كون الرؤية من النقائص والآفات ، وذلك على ~~الله محال . فثبت أن الرؤية على الله ممتنعة . # والحجة ms4144 الرابعة : قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال : { تبت ~~إليك } ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه ، ولولا أنه ذنب ينافي صحة ~~الإسلام لما قال : { وأنا أول المؤمنين } . # / واعلم أن أصحابنا قالوا : الرؤية كانت جائزة ، إلا أنه عليه السلام ~~سألها بغير الإذن وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فكانت التوبة توبة عن ~~هذا المعنى لا عما ذكروه ، فهذا جملة الكلام في هذه الآية . والله أعلم ~~بالصواب . # المسألة الرابعة : في البحث عن هذه الآية . نقل عن ابن عباس أنه قال : ~~جاء موسى عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل ~~الجبل ، وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتابا وقربه نجيا ، فلما سمع ~~موسى صرير القلم عظم شوقه ، فقال : { رب أرنى أنظر إليك } قال صاحب ( ~~الكشاف ) : ثاني مفعولي { أرنى } محذوف ، أي { أرنى } نفسك { أنظر إليك } ~~وفي لفظ الآية سؤالات : # السؤال الأول : النظر : إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها وهي ~~تقليب الحدقة السليمة إلى PageV14P190 جانب المرئي التماسا لرؤيته ، وعلى ~~التقدير الأول : يكون المعنى أرني حتى أراك ، وهذا فاسد ، وعلى التقدير ~~الثاني : يكون المعنى أرني حتى أقلب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد لوجهين : ~~أحدهما : أنه يقتضي إثبات الجهة لله تعالى . والثاني : أن تقليب الحدقة إلى ~~جهة المرئي مقدمة للرؤية فجعله كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد . # والجواب : أن قوله : { أرنى } معناه اجعلني متمكنا من رؤيتك حتى أنظر ~~إليك وأراك . # السؤال الثاني : كيف قال : { لن ترانى } ولم يقل لن تنظر إلي ، حتى يكون ~~مطابقا لقوله : { أنظر إليك } . # والجواب : أن النظر لما كان مقدمة للرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر ~~الذي لا رؤية معه . # والسؤال الثالث : كيف اتصل الاستدراك في قوله : { ولاكن انظر إلى الجبل } ~~بما قبله ؟ # والجواب : المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحدا لا يقوى على رؤية الله ~~تعالى إلا إذا قواه الله تعالى بمعونته وتأييده ، ألا ترى أنه لما ظهر أثر ~~التجلي والرؤية للجبل اندك وتفرق ، فهذا من هذا الوجه يدل على تعظيم أمر ~~الرؤية ms4145 . # أما قوله : { فلما تجلى ربه للجبل } فقال الزجاج : { تجلى } أي ظهر وبان ~~، ومنه يقال جلوت العروس إذا أبرزتها ، وجلوت المرآة والسيف إذا أزلت ما ~~عليهما من الصدأ ، وقوله : { جعله دكا } قال الزجاج : يجوز { دكا } ~~بالتنوين و { دكاء } بغير تنوين أي جعله مدقوقا مع الأرض يقال : دككت الشيء ~~إذا دققته أدكه دكا ، والدكاء والدكاوات : الروابي التي تكون مع الأرض ~~ناشزة . فعلى هذا ، الدك مصدر ، والدكاء اسم . ثم روى الواحدي بإسناده عن ~~الأخفش في قوله : { جعله دكا } أنه قال : دكه دكا مصدر مؤكد ، ويجوز جعله ~~ذا دك . قال ومن قرأ { دكاء } ممدودا أراد جعله دكاء أي أرضا مرتفعة ، وهو ~~/ موافق لما روي عن ابن عباس أنه قال : جعله ترابا . وقوله : { وخر موسى ~~صعقا } قال الليث : الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان ، والصعقة الغشية . يقال ~~: صعق الرجل وصعق ، فمن قال صعق فهو صعق . ومن قال صعق فهو مصعوق . ويقال ~~أيضا : صعق إذا مات ، ومنه قوله تعالى : { فصعق من فى * السماوات * ومن فى ~~الارض } ( الزمر : 68 ) فسروه بالموت . ومنه قوله : { يومهم الذى فيه ~~يصعقون } أي يموتون . قال صاحب ( الكشاف ) : صعق أصله من الصاعقة ، ويقال ~~لها : الصاقعة من صقعه إذا ضربه على رأسه . # إذا عرفت هذا فنقول : فسر ابن عباس قوله تعالى : { وخر موسى صعقا } ~~بالغشي ، وفسره قتادة بالموت ، والأول أقوى ، لقوله تعالى : { فلما أفاق } ~~قال الزجاج : ولا يكاد يقال للميت : قد أفاق من موته ، ولكن يقال للذي يغشى ~~عليه : أنه أفاق من غشيه ، لأن الله تعالى قال في الذين ماتوا : { ثم ~~بعثناكم من بعد موتكم } ( البقرة : 56 ) . # أما قوله : { قال سبحانك } أي تنزيها لك عن أن يسألك غيرك شيئا بغير إذنك ~~، { تبت إليك } وفيه وجهان : الأول : { تبت إليك } من سؤال الرؤية في ~~الدنيا . الثاني : { تبت إليك } من سؤال الرؤية بغير إذنك { وأنا أول ~~المؤمنين } بأنك لا ترى في الدنيا ، أو يقال : { وأنا أول المؤمنين } بأنه ~~لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك . # PageV14P191 ! 7 < { قال ياموسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ~~فخذ مآ ءاتيتك وكن من ms4146 الشاكرين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 144 ) قال يا موسى . . . . . # > > اعلم أن موسى عليه السلام لما طلب الرؤية ومنعه الله منها ، عدد الله ~~عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه ، وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له ~~إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا ، فلا يضيق ~~صدرك بسبب منع الرؤية ، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل ~~بشكرها . والمقصود تسلية موسى عليه السلام عن منع الرؤية ، وهذا أيضا أحد ~~ما يدل على أن الرؤيا جائزة على الله تعالى ، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها ~~لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة . # / واعلم أن الاصطفاء استخلاص الصفوة فقوله : { اصطفيتك } أي اتخذتك صفوة ~~على الناس قال ابن عباس : يريد فضلتك على الناس ، ولما ذكر أنه تعالى ~~اصطفاه ذكر الأمر الذي به حصل هذا الاصطفاء فقال : { برسالاتي وبكلامي } ~~قرأ ابن كثير ونافع { * برسالتي } على الواحد والباقون { الناس برسالاتي } ~~على الجمع ، وذلك أنه تعالى أوحى إليه مرة بعد أخرى ، ومن قرأ { * برسالتي ~~} فلأن الرسالة تجري مجرى المصدر ، فيجوز إفرادها في موضع الجمع ، وإنما ~~قال : { إنى اصطفيتك على الناس } ولم يقل على الخلق ، لأن الملائكة قد تسمع ~~كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى عليه السلام . # فإن قيل : كيف اصطفاه على الناس برسالاته مع أن كثيرا من الناس قد ساواه ~~في الرسالة ؟ # قلنا : إنه تعالى بين أنه خصه من دون الناس بمجموع الأمرين ، وهو الرسالة ~~مع الكلام بغير واسطة ، وهذا المجوع ، ما حصل لغيره ، فثبت أنه إنما حصل ~~التخصيص ههنا لأنه سمع ذلك الكلام بغير واسطة ، وإنما كان الكلام بغير ~~واسطة سببا لمزيد الشرف بناء على العرف الظاهر ، لأن من سمع كلام الملك ~~العظيم من فلق فيه كان أعلى حالا وأشرف مرتبة ممن سمعه بواسطة الحجاب ~~والنواب ، ولما ذكر هذين النوعين من النعمة العظيمة . قال : { فخذ ما ~~ءاتيتك وكن من الشاكرين } يعني فخذ هذه النعمة ، ولا يضيق قلبك بسبب منعك ~~الرؤية ، واشتغل بشكر الفوز بهذه النعمة والاشتغال بشكرها إنما يكون ms4147 ~~بالقيام بلوازمها علما وعملا . والله أعلم . # ! 7 < { وكتبنا له فى الا لواح من كل شىء موعظة وتفصيلا لكل شىء فخذها ~~بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 145 ) وكتبنا له في . . . . . # > > PageV14P192 # اعلم أنه تعالى لما بين أنه خص موسى عليه السلام بالرسالة ذكر في هذه ~~الآية تفصيل تلك الرسالة فقال : { وكتبنا له فى الالواح } نقل صاحب ( ~~الكشاف ) عن بعضهم : أن موسى خر صعقا يوم عرفة . وأعطاه الله تعالى التوراة ~~يوم النحر ، وذكروا في عدد الألواح ، وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ~~ألواح . وقيل : سبعة . وقيل إنها كانت من زمردة جاء بها جبريل عليه السلام ~~. وقيل من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء . وقال الحسن : كانت من خشب نزلت من ~~السماء . وقال وهب : كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى عليه السلام ، ~~وأما كيفية الكتابة . فقال ابن جريج كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر ~~واستمد من نهر النور . # / واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح ، وعلى كيفية ~~تلك الكتابة ، فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي ، وجب القول به وإلا ~~وجب السكوت عنه . # وأما قوله : من كل شيء } فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم ، بل المراد من ~~كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح ~~. # وأما قوله : { * } فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم ، بل المراد من كل ما ~~يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح . # وأما قوله : { موعظة وتفصيلا لكل شىء } فهو كالبيان للجملة التي قدمها ~~بقوله : { من كل شىء } وذلك لأنه تعالى قسمه إلى ضربين : أحدهما : { موعظة ~~} والأخر { تفصيلا } لما يجب أن يعلم من الأحكام ، فيدخل في الموعظة كل ما ~~ذكره الله تعالى من الأمور التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية ~~، وذلك بذكر الوعد والوعيد ، ولما قرر ذلك أولا أتبعه بشرح أقسام الأحكام ~~وتفصيل الحلال والحرام ، فقال : { وتفصيلا لكل شىء } ولما شرح ذلك ، قال ~~لموسى : { فخذها بقوة } أي بعزيمة قوية ms4148 ونية صادقة ، ثم أمره الله تعالى أن ~~يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها ، وظاهر ذلك أن بين التكليفين فرقا ، ليكون ~~في هذا التفصيل فائدة ، ولذلك قال بعض المفسرين : إن التكليف كان على موسى ~~عليه السلام أشد ، لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره ، وقال بعضهم : بل ~~خصه من حيث كلفه البلاغ والأداء . وإن كان مشاركا لقومه فيما عداه ، وفي ~~قوله : { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } . # سؤال : وهو أنه تعالى لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأمورا به ~~، وظاهر قوله { يأخذوا بأحسنها } يقتضي أن فيه ما لبس بأحسن ، وإنه لا يجوز ~~لهم الأخذ به ، وذلك متناقض وذكر العلماء في الجواب عنه وجوها : الأول : أن ~~تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن ، كالقصاص ، والعفو ، ~~والانتصار ، والصبر ، أي فمرهم أن يحملوا أنفسهم على الأخذ بما هو أدخل في ~~الحسن ، وأكثر للثواب كقوله : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم } ( الزمر : 55 ~~) وقوله : { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ( الزمر : 18 ) . # فإن قالوا : فلما أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن ، فقد منع من الأخذ بذلك ~~الحسن ، وذلك يقدح في كونه حسنا فنقول يحمل أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن ~~على الندب حتى يزول هذا التناقض . # الوجه الثاني : في الجواب قال قطرب { يأخذوا بأحسنها } أي بحسنها وكلها ~~حسن لقوله تعالى : { ولذكر الله أكبر } ( العنكبوت : 45 ) وقول الفرزدق : # % بيتا دعائمه أعز وأطول % % # الوجه الثالث : قال بعضهم : الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، ~~وأحسن هذه الثلاثة الواجبات والمندوبات . PageV14P193 # / وأما قوله : { سأوريكم دار الفاسقين } ففيه وجهان : الأول : أن المراد ~~التهديد والوعيد على مخالفة أمر الله تعالى ، وعلى هذا التقدير : فيه وجهان ~~: الأول : قال ابن عباس والحسن ومجاهد دار الفاسقين هي جهنم ، أي فليكن ذكر ~~جهنم حاضرا في خاطركم لتحذروا أن تكونوا منهم . والثاني : قال قتادة : ~~سأدخلكم الشام وأريكم منازل الكافرين الذين كانوا متوطنين فيها من الجبابرة ~~والعمالقة لتعتبروا بها وما صاروا إليه من النكال . وقال الكلبي : { دار ~~الفاسقين } هي المساكن التي كانوا يمرون عليها إذا سافروا ، من منازل ms4149 عاد ~~وثمود والقرون الذين أهلكهم الله تعالى . # والقول الثاني : أن المراد الوعد والبشارة بأنه تعالى سيورثهم أرض ~~أعدائهم وديارهم . والله أعلم . # PageV14P194 ! 7 < { سأصرف عن ءاياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ~~وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا ذالك بأنهم كذبوا بأاياتنا وكانوا عنها غافلين ~~} . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 146 ) سأصرف عن آياتي . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله : { ~~سأوريكم دار الفاسقين } ( الأعراف : 145 ) ذكر في هذه الآية ما يعاملهم به ~~فقال : { سأصرف عن ءاياتي الذين يتكبرون في الارض } واحتج أصحابنا بهذه ~~الآية على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه وذلك ظاهر ، وقالت ~~المعتزلة : لا يمكن حمل الآية على ما ذكرتموه ويدل عليه وجوه : # الوجه الأول : قال الجبائي لا يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى يصرفهم ~~عن الإيمان بآياته لأن قوله : { سأصرف } يتناول المستقبل وقد بين تعالى ~~أنهم كفروا فكذبوا من قبل هذا الصرف ، لأنه تعالى وصفهم بكونهم متكبرين في ~~الأرض بغير الحق وبأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ، وإن يروا ~~سبيل الغي يتخذوه سبيلا ، فثبت أن الآية دالة على أن الكفر قد حصل لهم في ~~الزمان الماضي ، فهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر بالله . # الوجه الثاني : أن قوله : { سأصرف عن ءاياتي الذين يتكبرون في الارض } ~~مذكور على وجه العقوبة على التكبر والكفر ، فلو كان المراد من هذا الصرف هو ~~كفرهم ، لكان معناه أنه تعالى / خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على ~~الكفر ، ومعلوم أن العقوبة على الكفر بمثل ذلك الفعل المعاقب عليه لا يجوز ~~، فثبت أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر . PageV15P003 # الوجه الثالث : أنه لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه فكيف يمكن أن يقول مع ~~ذلك { فما لهم لا يؤمنون } ( الانشقاق : 20 ) ، { فما لهم عن التذكرة ~~معرضين } ( المدثر : 49 } ، { * } ، { وما منع الناس أن يؤمنوا } ( الإسراء ~~: 94 ، الكهف : 55 ) فثبت ms4150 أن حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن فوجب حملها ~~على وجوه أخرى . # فالوجه الأول : قال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني : إن هذا الكلام تمام لما ~~وعد الله موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه ، ومعنى صرفهم إهلاكهم فلا ~~يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الإيمان به ، وهو ~~شبيه بقوله : { بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله ~~يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى عليه ~~السلام من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة . # والوجه الثاني : في التأويل ما ذكره الجبائي فقال : سأصرف هؤلاء ~~المتكبرين على نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدين للأنبياء ~~والمؤمنين ، وإنما يصرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم ، وذلك ~~يجري مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله . # والوجه الثالث : أن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق ~~الإيمان . فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك ~~الآيات ، فحينئذ يصرفهم الله عنها . # والوجه الرابع : أن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك ~~الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها ، فإذا علم الله ذلك ~~منه ، صح من الله تعالى أن يصرفه عنه . # والوجه الخامس : نقل عن الحسن أنه قال : إن من الكفار من يبالغ في كفره ~~وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه ، فالمراد من قوله : { سأصرف ~~عن ءاياتي } هؤلاء . فهذا جملة ما قيل في هذا الباب ، وظهر أن هذه الآية ~~ليس فيها دلالة قوية على صحة ما يقول به في مسألة خلق الأعمال . والله أعلم ~~. # المسألة الثانية : معنى يتكبرون : أنهم يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم من ~~الحق ما ليس لغيرهم وهذه الصفة أعني التكبر لا تكون إلا لله تعالى ، لأنه ~~هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد فلا جرم يستحق كونه متكبرا ، وقال ~~بعضهم : التكبر : إظهار كبر النفس على غيرها ms4151 . وصفة التكبر صفة ذم في جميع ~~العباد ، وصفة مدح في الله جل جلاله ، لأنه يستحق إظهار ذلك على من سواه ~~لأن ذلك في حقه حق . وفي حق غيره باطل . # / واعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية قوله : { بغير الحق } لأن إظهار ~~الكبر على الغير قد يكون بالحق ، فإن للمحق أن يتكبر على المبطل ، وفي ~~الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة . # أما قوله تعالى : { وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا } ففيه مباحث : # البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي : { الرشد } بفتح الراء والشين والباقون ~~بضم الراء وسكون الشين . وفرق أبو عمرو بينهما فقال : { الرشد } بضم الراء ~~الصلاح لقوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا } ( النساء : 6 ) ~~PageV15P004 أي صلاحا ، و { الرشد } بفتحهما الاستقامة في الدين . قال ~~تعالى : { مما علمت رشدا } ( الكهف : 66 ) وقال الكسائي هما لغتان بمعنى ~~واحد ، مثل الحزن والحزن ، والسقم والقسم ، وقيل : { الرشد } بالضم الاسم ، ~~وبالفتحتين المصدر . # البحث الثاني : { سبيل الرشد } عبارة عن سبيل الهدى والدين الحق والصواب ~~في العلم والعمل و { سبيل الغى } ما يكون مضادا لذلك ، ثم بين تعالى أن هذا ~~الصرف إنما كان لأمرين : أحدهما : كونهم مكذبين بآيات الله . والثاني : ~~كونهم غافلين عنها ، والمراد أنهم واظبوا على الإعراض عنها حتى صاروا ~~بمنزلة الغافل عنها . والله أعلم . # ! 7 < { والذين كذبوا بأاياتنا ولقآء الا خرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ~~ما كانوا يعملون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 147 ) والذين كذبوا بآياتنا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر ما لأجله صرف المتكبرين عن آياته بقوله : { ~~ذالك بأنهم كذبوا بئاياتنا وكانوا عنها غافلين } ( الأعراف : 146 ) بين حال ~~أولئك المكذبين ، فقد كان يجوز أن يظن أنهم يختلفون في باب العقاب لأن فيهم ~~من يعمل بعض أعمال البر ، فبين تعالى حال جميعهم سواء كان متكبرا أو ~~متواضعا أو كان قليل الإحسان ، أو كان كثير الإحسان ، فقال : { والذين ~~كذبوا بئاياتنا ولقاء الاخرة } يعني بذلك جحدهم للميعاد وجرأتهم على ~~المعاصي ، فبين تعالى أن أعمالهم محبطة ، والكلام في حقيقة الإحباط قد تقدم ~~في سورة البقرة على الاستقصاء فلا فائدة في الإعادة ms4152 . # ثم قال تعالى : { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } وفيه حذف والتقدير : هل ~~يجزون إلا بما كانوا يعملون ؟ أو على ما كانوا يعملون . واحتج أصحابنا بهذه ~~الآية على فساد قول أبي هاشم في أن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد أن لا ~~يفعل الواجب ، وإن لم يصدر منه فعل عند ذلك الواجب قالوا : هذه الآية تدل ~~على أنه لا جزاء إلا على العمل ، وليس ترك الواجب بعمل ، فوجب أن لا يجازي ~~/ عليه ، فثبت أن الجزاء إنما حصل على فعل ضده . وأجاب أبو هاشم : بأني لا ~~أسمي ذلك العقاب جزاء فسقط الاستدلال . # وأجاب أصحابنا عن هذا الجواب : بأن الجزاء إنما سمي جزاء لأنه يجزي ويكفي ~~في المنع من المنهي ، وفي الحث على المأمور به فإن ترتب العقاب على مجرد ~~ترك الواجب كان ذلك العقاب كافيا في الزجر عن ذلك الترك فكان جزاء ، فثبت ~~أنه لا سبيل إلى الامتناع من تسميته جزاء . والله أعلم . # ! 7 < { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه ~~لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 148 ) واتخذ قوم موسى . . . . . # > > PageV15P005 # اعلم أن المراد من هذه الآية قصة اتخاذ السامري العجل ، وفيها مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : { حليهم } بكسر الحاء واللام ~~وتشديد الياء للاتباع كدلي . والباقون : { حليهم } بضم الحاء وكسر اللام ~~وتشديد الياء جمع حلي كثدي وثدي ، وقرأ بعضهم : { من حليهم } على التوحيد ، ~~والحلي اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة . # المسألة الثانية : قيل : إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ~~ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا حلي القبط لذلك اليوم ، فلما أغرق الله ~~القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل ، فجمع السامري تلك الحلي وكان ~~رجلا مطاعا فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم ~~إلاها يعبدونه ، فصاغ السامري عجلا . ثم اختلف الناس ، فقال قوم كان قد أخذ ~~كفا من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب ~~لحما ودما ms4153 وظهر منه الخوار مرة واحدة . فقال السامري : هذا إلاهكم وإلاه ~~موسى وقال أكثر المفسرين من المعتزلة : إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوفا ~~ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص ، وكان قد وضع ذلك التمثال على مهب ~~الرياح ، فكانت الريح تدخل في جوف الأنابيب ويظهر منه صوف مخصوص يشبه خوار ~~العجل ، وقال آخرون : إنه جعل ذلك التمثال أجوب ، وجعل تحته في الموضع الذي ~~نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس فسمعوا الصوت من جوفه ~~كالخوار . قال صاحب هذا القول والناس قد يفعلون الآن في هذه التصاوير التي ~~يجرون فيها الماء على سبيل الفوارات ما يشبه ذلك ، فبهذا الطريق وغيره أظهر ~~الصوت من ذلك التمثال ، ثم ألقى إلى الناس / أن هذا العجل إلاههم وإلاه ~~موسى . بقي في لفظ الآية سؤالات : # السؤال الأول : لم قيل : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا } ~~والمتخذ هو السامري وحده ؟ . # والجواب : فيه وجهان : الأول : أن الله نسب الفعل إليهم ، لأن رجلا منهم ~~باشره كما يقال : بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا ، والقائل والفاعل واحد . ~~والثاني : أنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به ، فكأنهم اجتمعوا عليه . # السؤال الثاني : لم قال : { من حليهم } ولم يكن الحلي لهم ، وإنما حصل في ~~أيديهم على سبيل العارية ؟ . # والجواب : أنه تعالى لما أهلك قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم ، ~~وصارت ملكا لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى : { كم تركوا من جنات وعيون ~~} ( الدخان : 25 ) ، { وكنوز ومقام كريم } ( الشعراء : 58 ) ، { ونعمة ~~كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما ءاخرين } ( الدخان : 27 / 28 ) . # السؤال الثالث : هؤلاء الذين عبدوا العجل هم كل قوم موسى أو بعضهم ؟ . # والجواب : أن قوله تعالى : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا } ~~يفيد العموم . قال الحسن : PageV15P006 كلهم عبدوا العجل غير هارون . واحتج ~~عليه بوجهين : الأول : عموم هذه الآية ، والثاني : قول موسى عليه السلام في ~~هذه القصة { رب اغفر لى ولاخى } قال خص نفسه وأخاه بالدعاء ، وذلك يدل على ~~من كان مغايرا لهما ما ms4154 كان أهلا للدعاء ولو بقوا على الإيمان لما كان الأمر ~~كذلك ، وقال آخرون : بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه فإن ~~ذلك الكفر إنما وقع في قوم مخصوصين / والدليل عليه قوله تعالى : { ومن قوم ~~موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } ( الأعراف : 181 ) . # السؤال الرابع : هل انقلب ذلك التمثال لحما ودما على ما قاله بعضهم أو ~~بقي ذهبا كما كان قبل ذلك ؟ . # والجواب : الذاهبون إلى الاحتمال الأول احتجوا على صحة قولهم بوجهين : ~~الأول : قوله تعالى : { عجلا جسدا له خوار } والجسد اسم للجسم الذي يكون من ~~اللحم والدم ، ومنهم من نازع في ذلك وقال بل الجسد اسم لكل جسم كثيف ، سواء ~~كان من اللحم والدم أو لم يكن كذلك . # والحجة الثانية : أنه تعالى أثبت له خوارا ، وذلك إنما يتأتى في الحيوان ~~. وأجيب عنه : بأن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لم يبعد إطلاق لفظ الخوار ~~عليه ، وقرأ علي رضي الله عنه : ( جؤار ) بالجيم والهمزة ، من جأر إذا صاح ~~فهذا ما قيل في هذا الباب . # / واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا المذهب والمقالة احتج على فساد كون ~~ذلك العجل إلاها بقوله : { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه ~~وكانوا ظالمين } وتقرير هذا الدليل أن هذا العجل لا يمكنه أن يكلمهم ولا ~~يمكنه أن يهديهم إلى الصواب والرشد ، وكل من كان كذلك كان إما جمادا وإما ~~حيوانا عاجزا ، وعلى التقديرين فإنه لا يصلح للإلاهية ، واحتج أصحابنا بهذه ~~الآية على أن من لا يكون متكلما ولا هاديا إلى السبيل لم يكن إلاها لأن ~~الإلاه هو الذي له الأمر والنهي ، وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلما ، فمن ~~لا يكون متكلما لم يصح منه الأمر والنهي ، والعجل عاجز عن الأمر والنهي فلم ~~يكن إلاها . وقالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن شرط كونه إلاها أن يكون ~~هاديا إلى الصدق والصواب ، فمن كان مضلا عنه وجب أن لا يكون إلاها . # فإن قيل : فهذا يوجب أنه لو صح أن يتكلم ويهدي ، يجوز ms4155 أن يتخذ إلاها ، ~~وإلا فإن كان إثبات ذلك كنفيه في أنه لا يجوز أن يتخذ إلها فلا فائدة فيما ~~ذكرتم . # والجواب من وجهين : الأول : لا يبعد أن يكون ذلك شرطا لحصول الإلهية ، ~~فيلزم من عدمه عدم الإلهية وإن كان لا يلزم من حصوله حصول الإلهية . الثاني ~~: أن كل من قدر على أن يكلمهم وعلى أن يهديهم إلى الخير والشر فهو إلاه ، ~~والخلق لا يقدرون على الهداية ، إنما يقدرون على وصف الهداية ، فأما على ~~وضع الدلائل ونصبها فلا قادر عليه إلا الله سبحانه وتعالى . # واعلم أنه ختم الآية بقوله : { وكانوا ظالمين } أي كانوا ظالمين لأنفسهم ~~حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى واشتغلوا بعبادة العجل . والله أعلم . # PageV15P007 ! 7 < { ولما سقط فىأيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم ~~يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 149 ) ولما سقط في . . . . . # > > اعلم أنهم اتفقوا على أن المراد من قوله : { سقط فى أيديهم } أنه ~~اشتد ندمهم على عبادة العجل واختلفوا في الوجه الذي لأجله حسنت هذه ~~الاستعارة . # فالوجه الأول : قال الزجاج : معناه سقط الندم في أيديهم ، أي في قلوبهم ~~كما يقال حصل في يديه مكروه ، وإن كان من المحال حصول المكروه الواقع في ~~اليد ، إلا أنهم أطلقوا على المكروه الواقع في القلب والنفس كونه واقعا في ~~اليد ، فكذا ههنا . # / والوجه الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : إنما يقال لمن ندم سقط في يده ~~لأن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده غما ، فيصير ندمه مسقوطا فيها ، لأن ~~فاه قد وقع فيها . # والوجه الثالث : أن السقوط عبارة عن نزول الشيء من أعلى إلى أسفل ، ولهذا ~~قالوا سقط المطر ، ويقال : سقط من يدك شيء وأسقطت المرأة ، فمن أقدم على ~~عمل فهو إنما يقدم عليه لاعتقاده أن ذلك العمل خير وصواب ، وأن ذلك العمل ~~يورثه شرفا ورفعة ، فإذا بان له أن ذلك العمل كان باطلا فاسدا فكأنه قد ~~انحط من الأعلى إلى الأسفل وسقط من فوق إلى تحت ، فلهذا السبب يقال للرجل ~~إذا أخطأ : كان ذلك منه ms4156 سقطة ، شبهوا ذلك بالسقطة على الأرض ، فثبت أن ~~إطلاق لفظ السقوط على الحالة الحاصلة عند الندم جائز مستحسن ، بقي أن يقال ~~: فما الفائدة في ذكر اليد ؟ فنقول : اليد هي الآلة التي بها يقدر الإنسان ~~على الأخذ والضبط والحفظ ، فالنادم كأنه يتدارك الحالة التي لأجلها حصل له ~~الندم ويشتغل بتلافيها ، فكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث إن بعد حصول ذلك ~~الندم اشتغل بالتدارك والتلافي . # والوجه الرابع : حكى الواحدي عن بعضهم : أن هذا مأخوذ من السقيط وهو ما ~~يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج . يقال : منه سقطت الأرض كما يقال : من ~~الثلج ثلجت الأرض وثلجنا أي أصابها الثلج ، ومعنى سقط في يده أي وقع في يده ~~السقيط ، والسقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى ، فمن وقع في يده السقيط لم ~~يحصل منه على شيء قط فصار هذا مثلا لكل من خسر في عاقبته ولم يحصل من سعيه ~~على طائل ، وكانت الندامة آخر أمره . # والوجه الخامس : قال بعض العلماء : النادم إنما يقال له سقط في يده ، ~~لأنه يتحير في أمره ويعجز عن أعماله والآلة الأصلية في الأعمال في أكثر ~~الأمر هي اليد . والعاجز في حكم الساقط فلما قرن السقوط بالأيدي علم أن ~~السقوط في اليد إنما حصل بسبب العجز التام ويقال في العرف لمن لا يهتدي لما ~~يصنع ، ضلت يده ورجله . PageV15P008 # والوجه السادس : إن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده معتمدا ~~عليه وتارة يضعها تحت ذقنه ، وشطر من وجهه على هيئة لو نزعت يده لسقط على ~~وجهه فكانت اليد مسقوط فيها لتمكن السقوط فيها ويكون قوله سقط في أيديهم ~~بمعنى سقط على أيديهم ، كقوله : { ولاصلبنكم فى جذوع النخل } ( 71 ) أي ~~عليها ، والله أعلم . # ثم قال تعالى : { ورأوا أنهم قد ضلوا } أي قد تبينوا ضلالهم تبيينا كأنهم ~~أبصروه بعيونهم قال القاضي : يجب أن يكون المؤخر مقدما لأن الندم والتحير ~~إنما يقطعان بعد المعرفة فكأنه تعالى قال : / ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط ~~في أيديهم لما نالهم من عظيم الحسرة ، ويمكن أن ms4157 يقال إنه لا حاجة إلى هذا ~~التقديم والتأخير ، وذلك لأن الإنسان إذا صار شاكا في أن العمل الذي أقدم ~~عليه هل هو صواب أو خطأ ؟ فقد يندم عليه من حيث إن الإقدام على ما لا يعلم ~~كونه صوابا أو خطأ فاسدا أو باطلا غير جائز / فعند ظهور هذه الحالة يحصل ~~الندم ، ثم بعد ذلك يتكامل العلم ويظهر أنه كان خطأ وفاسدا وباطلا فثبت أن ~~على هذا التقدير لا حاجة إلى التزام التقديم والتأخير . ثم بين تعالى أنهم ~~عند ظهور هذا الندم وحصول العلم بأن الذي عملوه كان باطلا أظهروا الانقطاع ~~إلى الله تعالى ف { قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ~~} وهذا كلام من اعترف بعظيم ما أقدم عليه وندم على ما صدر منه ورغب إلى ربه ~~في إقالة عثرته ، ثم صدقوا على أنفسهم كونهم من الخاسرين إن لم يغفر الله ~~لهم ، وهذا الندم والاستغفار إنما حصل بعد رجوع موسى عليه السلام إليهم ، ~~وقرىء : ( لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا ) بالتاء { وربنا } بالنصب على ~~النداء ، وهذا كلام التائبين كما قال آدم وحواء عليهما السلام : { وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا } . # ! 7 < { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتمونى من ~~بعدىأعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن ~~القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى فلا تشمت بى الأعدآء ولا تجعلنى مع القوم ~~الظالمين * قال رب اغفر لى ولأخى وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين } . ~~> 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 150 - 151 ) ولما رجع موسى . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } ~~لا يمنع من أن يكون قد عرف PageV15P009 خبرهم من قبل في عبادة العجل ، / ~~ولا يوجب ذلك لجواز أن يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار كذلك ، فلهذا ~~السبب اختلفوا فيه فقال قوم : إنه عند هجومه عليهم عرف ذلك . وقال أبو مسلم ~~: بل كان عارفا بذلك من قبل ، وهذا أقرب ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن ~~قوله تعالى : { ولما ms4158 رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } يدل على أنه حال ما ~~كان راجعا كان غضبان أسفا ، وهو إنما كان راجعا إلى قومه قبل وصوله إليهم ، ~~فدل هذا على أنه عليه السلام قبل وصوله إليهم كان عالما بهذه الحالة . ~~الثاني : أنه تعالى ذكر في سورة طه أنه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات ~~. # المسألة الثانية : في الأسف قولان : الأول : أن الأسف الشديد الغضب ، وهو ~~قول أبي الدرداء وعطاء ، عن ابن عباس واختيار الزجاج . واحتجوا بقوله : { ~~فلما ءاسفونا انتقمنا منهم } ( الزخرف : 55 ) أي أغضبونا . والثاني : وهو ~~أيضا قول ابن عباس والحسن والسدي ، إن الآسف هو الحزين . وفي حديث عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت : إن أبا بكر رجل أسيف أي حزين . قال الواحدي : ~~والقولان متقاربان ، لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب ، فإذا جاءك ما ~~تكره ممن هو دونك غضبت ، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت . فتسمى إحدى هاتين ~~الحالتين حزنا والأخرى غضبا ، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل ~~عبادتهم العجل ، أسفا حزينا ، لأن الله تعالى فتنهم . وقد كان تعالى قال له ~~: { إنا قد * فتنا قومك من بعدك } ( طه : 85 ) . # أما بقوله : { بئسما خلفتمونى من بعدى } فمعناه بئسما قمتم مقامي وكنتم ~~خلفائي من بعدي وهذا الخطاب إنما يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو ~~لوجوه بني إسرائيل ، وهم : هارون عليه السلام والمؤمنون معه ، ويدل عليه ~~قوله : { اخلفنى فى قومى } ( الأعراف : 142 ) وعلى التقدير الأول يكون ~~المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله ، وعلى هذا التقدير ~~الثاني ، يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله ~~تعالى ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : أين ما يقتضيه ( بئس ) من الفاعل ، والمخصوص بالذم . # والجواب : الفاعل مضمر يفسره قوله : { ما * خلفتمونى } والمخصوص بالذم ~~محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم . # السؤال الثاني : أي معنى لقوله : { من بعدى } بعد قوله : { خلفتمونى } . # والجواب : معناه من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله تعالى ، ونفي الشركاء ~~عنه وإخلاص العبادة له أو من بعد ما ms4159 كانت أحمل بني إسرائيل على التوحيد ~~وأمنعهم من عبادة البقر حين قالوا : { اجعل لنا إلاها كما لهم ءالهة } ومن ~~حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلفين . # وأما قوله : { أعجلتم أمر ربكم } فمعنى العجلة التقدم بالشيء قبل وقته / ~~ولذلك صارت مذمومة / والسرعة غير مذمومة ، لأن معناها عمل الشيء في أول ~~أوقاته . هكذا قاله الواحدي . # ولقائل أن يقول : لو كانت العجلة مذمومة ، فلم قال موسى عليه السلام : { ~~وعجلت إليك رب لترضى } ( طه : 84 ) قال ابن عباس المعنى : { أعجلتم أمر ~~ربكم } يعني ميعاد ربكم فلم تصبروا له ؟ وقال الحسن : وعد ربكم الذي وعدكم ~~من الأربعين ، وذلك لأنهم قدروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة ، ~~فقد مات . PageV15P010 وقال عطاء : يريد أعجلتم سخط ربكم ؟ وقال الكلبي : ~~أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم ، ولما ذكر تعالى أن موسى رجع ~~غضبان ذكر بعده ما كان ذلك الغضب موجبا له ، وهو أمران : الأول : أنه قال : ~~{ وألقى } يريد التي فيها التوراة ، ولما كانت تلك الألواح أعظم معاجزه ، ~~ثم أنه ألقاها دل ذلك على شدة الغضب ، لأن المرء لا يقدم على مثل هذا العمل ~~إلا عند حصول الغضب المدهش . روي أن التوراة كانت سبعة أسباع ، فلما ألقى ~~الألواح تكسرت ، فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد . وكان فيما رفع ~~تفصيل كل شيء ، وفيما بقي الهدى والرحمة ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : ( يرحم الله أخي موسى ليس الخبر كالمعاينة لقد أخبره الله تعالى ~~بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه على ذلك متمسك بما في يده ) . # ولقائل أن يقول : ليس في القرآن إلا أنه ألقى الألواح فأما أنه ألقاها ~~بحيث تكسرت ، فهذا ليس في القرآن وأنه لجراءة عظيمة على كتاب الله ، ومثله ~~لا يليق بالأنبياء عليهم السلام . # والأمر الثاني : من الأمور المتولدة عن ذلك الغضب . # قوله تعالى : { ربكم وألقى الالواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه } وفي هذا ~~الموضع سؤال لمن يقدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام ذكرناه في سورة طه مع ~~الجواب الصحيح ms4160 ، وبالجملة فالطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون إنه أخذ برأس ~~أخيه يجره إليه على سبيل الإهانة والاستخفاف ، والمثبتون لعصمة الأنبياء ~~قالوا إنه جر رأس أخيه إلى نفسه ليساره ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة . # فإن قيل : فلماذا قال { ابن أم إن القوم استضعفونى } . # قلنا : الجواب عنه أن هرون عليه السلام خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن ~~موسى عليه السلام غضبان عليه كما أنه غضبان على عبدة العجل ، فقال له { ابن ~~أم إن القوم استضعفونى } وما أطاعوني في ترك عبادة العجل ، وقد نهيتهم ولم ~~يكن معي من الجمع ما أمنعهم بهم عن هذا العمل ، فلا تفعل بي ما تشمت أعدائي ~~به فهم أعداؤك فإن القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة لا ~~على الإكرام . # وأما قوله تعالى { ابن أم } فاعلم أنه قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو ~~بكر عن عاصم { ابن أم } / بكسر الميم ، وفي طه مثله على تقدير أمي فحذف ياء ~~الأضافة لأن مبنى النداء على الحذف وبقي الكسر على الميم ليدل على الإضافة ~~، كقوله : { فبشر عباد } والباقون بفتح الميم في السورتين ، وفيه قولان : ~~أحدهما : أنهما جعلا اسما واحدا وبنى لكثرة أصحاب هذين الحرفين فصار بمنزلة ~~اسم واحد نحو حضرموت وخمسة عشر . وثانيهما : أنه على حذف الألف المبدلة من ~~ياء الإضافة ، وأصله يا ابن أما كما قال الشاعر : # % يا ابنة عما لا تلومي واهجعي % % # وقوله : { إن القوم استضعفونى } أي لم يلتفتوا إلى كلامي وكادوا يقتلونني ~~، فلا تشمت بي الأعداء يعني أصحاب العجل ولا تجعلني مع القوم الظالمين ، ~~الذين عبدوا العجل أي لا تجعلني شريكا لهم في عقوبتك لهم على فعلهم ، فعند ~~هذا قال موسى عليه السلام : { رب اغفر لى } أي فيما أقدمت عليه من هذا ~~الغضب والحدة { ولاخى } في تركه التشديد العظيم على عبدة العجل { وأدخلنا ~~في رحمتك وأنت أرحم الرحمين } . PageV15P011 # واعلم أن تمام هذه السؤالات والجوابات في هذه القصة مذكور في سورة طه . ~~والله أعلم . # ! 7 < { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحيواة ~~الدنيا ms4161 وكذالك نجزى المفترين * والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها ~~وءامنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 152 - 153 ) إن الذين اتخذوا . . . . . # > > # اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حال من عبد العجل . # واعلم أن المفعول الثاني من مفعولي الاتخاذ محذوف ، والتقدير : اتخذوا ~~العجل إلها ومعبودا ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى : { فأخرج لهم عجلا ~~جسدا له خوار فقالوا هاذا إلاهكم وإلاه موسى } ( طه : 88 ) وللمفسرين في ~~هذه الآية طريقان : الأول : أن المراد بالذين اتخذوا العجل هم الذين باشروا ~~عبادة العجل ، وهم الذين قال فيهم : { سينالهم غضب من ربهم } وعلى هذا ~~التقدير ففيه سؤال ، وهو أن أولئك الأقوام تاب الله عليهم بسبب أنهم قتلوا ~~أنفسهم في معرض التوبة عن ذلك الذنب ، وإذا تاب الله / عليهم فكيف يمكن أن ~~يقال في حقهم أنه { سينالهم غضب من ربهم وذلة فى الحيواة الدنيا } . # والجواب عنه : أن ذلك الغضب إنما حصل في الدنيا لا في الآخرة ، وتفسير ~~ذلك الغضب هو أن الله تعالى أمرهم بقتل أنفسهم ، والمراد بقوله : { وذلة فى ~~الحيواة الدنيا } هو أنهم قد ضلوا فذلوا . # فإن قالوا : السين في قوله : { سينالهم } للاستقبال ، فكيف يحمل هذا على ~~حكم الدنيا ؟ # قلنا : هذا الكلام حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين ~~أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ، فأخبره في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب ~~من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ، فكان هذا الكلام سابقا على وقوعهم في ~~القتل وفي الذلة ، فصح هذا التأويل من هذا الاعتبار . # والطريق الثاني : أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في ~~زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا التقدير : ففي الآية وجهان : # الوجه الأول : أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل ذلك ~~في المناقب . يقولون للأبناء : فعلتم كذا وكذا ، وإنما فعل ذلك من مضى من ~~آبائهم ، فكذا ههنا وصف اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم باتخاذ العجل ، وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك ، ثم حكم عليهم بأنه { ~~سينالهم غضب ms4162 من ربهم } في الآخرة { وذلة فى الحيواة الدنيا } كما قال تعالى ~~في صفتهم : { ضربت عليهم الذلة * والمسكنة } ( لبقرة : 61 ) . # والوجه الثاني : أن يكون التقدير { إن الذين اتخذوا العجل } أي الذين ~~باشروا ذلك { سينالهم غضب } أي سينال أولادهم ، ثم حذف المضاف بدلالة ~~الكلام عليه . PageV15P012 # أما قوله تعالى : { وكذالك نجزى المفترين } فالمعنى أن كل مفتر في دين ~~الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا ، قال مالك بن أنس : ما من مبتدع ~~إلا ويجد فوق رأسه ذلة ، ثم قرأ هذه الآية ، وذلك لأن المبتدع مفتر في دين ~~الله . # أما قوله تعالى : { والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وءامنوا } ~~فهذا يفيد أن من عمل السيئات فلا بد وأن يتوب عنها أولا ، وذلك بأن يتركها ~~أولا ويرجع عنها ، ثم يؤمن بعد ذلك . وثانيا : يؤمن بالله تعالى ، ويصدق ~~بأنه لا إله غيره { إن ربك من بعدها لغفور رحيم } وهذه الآية تدل على أن ~~السيئات بأسرها مشتركة في أن التوبة منها توجب الغفران ، لأن قوله : { ~~والذين عملوا السيئات } يتناول الكل . والتقدير : أن من أتى بجميع السيئات ~~ثم تاب فإن الله يغفرها له ، وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين ~~، والله أعلم . # ! 7 < { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الا لواح وفى نسختها هدى ورحمة للذين ~~هم لربهم يرهبون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 154 ) ولما سكت عن . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين لنا ما كان منه مع الغضب بين في هذه الآية ما ~~كان منه عند سكوت الغضب . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { سكت عن موسى الغضب } أقوال : # القول الأول : أن هذا الكلام خرج على قانون الاستعارة كأن الغضب كان ~~يقويه على ما فعل ويقول له : قل لقومك كذا وكذا ، وألق الألواح وخذ برأس ~~أخيك إليك ، فلما زال الغضب ، صار كأنه سكت . # والقول الثاني : وهو قول عكرمة ، أن المعنى : سكت موسى عن الغضب وقلب كما ~~قالوا : أدخلت القلنسوة في رأسي ، والمعنى : أدخلت رأسي في القلنسوة . # القول الثالث : المراد بالسكوت السكون والزوال ، وعلى هذا جاز { سكت عن ms4163 ~~موسى الغضب } ولا يجوز صمت لأن { سكت } بمعنى سكن ، وأما صمت فمعناه سد فاه ~~عن الكلام ، وذلك لا يجوز في الغضب . # المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أنه عليه السلام لما عرف أن أخاه ~~هرون لم يقع منه تقصير وظهر له صحة عذره ، فعند ذلك سكن غضبه . وهو الوقت ~~الذي قال فيه : { رب اغفر لى ولاخى } ( الأعراف : 151 ) وكما دعا لأخيه ~~منبها بذلك على زوال غضبه ، لأن ذلك أول ما تقدم من أمارات غضبه على ما ~~فعله من الأمرين ، فجعل ضد ذينك الفعلين كالعلامة لسكون غضبه . # المسألة الثالثة : قوله : { أخذ الالواح } المراد منه الألواح المذكورة ~~في قوله تعالى : { وألقى الالواح } ( الأعراف : 15 ) وظاهر هذا يدل على أن ~~شيئا منها لم ينكسر ولم يبطل ، وأن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت ~~إلى السماء ليس الأمر كذلك وقوله : { وفى نسختها } النسخ عبارة عن النقل ~~والتحويل فإذا كتبت كتابا عن كتاب PageV15P013 حرفا بعد حرف . قلت : نسخت ~~ذلك الكتاب ، كأنك نقلت ما في الأصل / إلى الكتاب الثاني . قال ابن عباس : ~~لما ألقى موسى عليه السلام الألواح تكسرت فصام أربعين يوما ، فأعاد الله ~~تعالى الألواح وفيها عين ما في الأولى ، فعلى هذا قوله : { وفى نسختها } أي ~~وفيما نسخ منها . وأما إن قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها ~~بعد ما ألقاها ، ولا شك أنها كانت مكتوبة من اللوح المحفوظ فهي أيضا تكون ~~نسخا على هذا التقدير وقوله : { هدى ورحمة } أي { هدى } من الضلالة { ورحمة ~~} من العذاب { للذين هم لربهم يرهبون } يريد الخائفين من ربهم . # فإن قيل : التقدير للذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله : { ~~لربهم } . # قلنا فيه وجوه : الأول : أن تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفا فدخلت ~~اللام للتقوية ، ونظيره قوله : { للرؤيا تعبرون } ( يوسف : 43 ) الثاني : ~~أنها لام الأجل والمعنى : للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ولا سمعة . ~~الثالث : أنه قد يزاد حرف الجر في المفعول ، وإن كان الفعل متعديا كقولك ~~قرأت في السورة وقرأت السورة ، وألقى يده وألقى ms4164 بيده ، وفي القرآن { ألم ~~يعلم بأن الله يرى } ( العلق : 14 ) وفي موضع آخر { ويعلمون أن الله } فعلى ~~هذا قوله { لربهم } اللام صلة وتأكيد كقوله : { ردف لكم } وقد ذكرنا مثل ~~هذا في قوله : { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } ( آل عمران : 73 ) . # ! 7 < { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب ~~لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ إن هى إلا فتنتك ~~تضل بها من تشآء وتهدى من تشآء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 155 ) واختار موسى قومه . . . . . # > > في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : الاختيار : افتعال من لفظ الخير يقال : اختار الشيء إذا ~~أخذ خيره وخياره ، وأصل اختار : اختير ، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ~~ألفا نحو قال وباع ، ولهذا السبب استوى لفظ الفاعل والمفعول فقيل فيهما ، ~~مختار ، والأصل مختير ومختير فقلبت الياء فيهما ألفا فاستويا في / اللفظ . ~~وتحقيق الكلام فيه أن نقول : إن الأعضاء السليمة بحسب سلامتها الأصلية ~~صالحة للفعل والترك ، وصالحة للفعل ولضده ، وما دام يبقى على هذا الاستواء ~~امتنع أن يصير مصدرا لأحد الجانبين دون الثاني ، وإلا لزم رجحان الممكن من ~~غير مرجح ، وهو محال ، فإذا حكم الإنسان بأن له في الفعل نفعا زائدا وصلاحا ~~راجحا ، فقد حكم بأن ذلك الجانب خير له من ضده . فعند حصول هذا الإعتقاد في ~~القلب يصير الفعل راجحا على الترك ، فلولا الحكم بكون ذلك الطرف خيرا من ~~الطرف الآخر امتنع أن يصير فاعلا ، فلما كان صدور الفعل PageV15P014 عن ~~الحيوان موقوفا على حكمه بكون ذلك الفعل خيرا من تركه ، لا جرم سمى الفعل ~~الحيواني فعلا اختياريا . والله أعلم . # فإن قيل : إن الإنسان قد يقتل نفسه وقد يرمي نفسه من شاهق جبل مع أنه ~~يعلم أن ذلك ليس من الخيرات بل من الشرور . # فنقول : إن الإنسان لا يقدم على قتل نفسه إلا إذا اعتقد أنه بسبب ذلك ~~القتل يتخلص عن ضرر أعظم من ذلك القتل ، والضرر الأسهل بالنسبة إلى الضرر ~~الأعظم يكون ms4165 خيرا لا شرا . وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل . والله أعلم . # المسألة الثانية : قال جماعة النحويين : معناه واختار موسى من قومه سبعين ~~. فحذفت كلمة ( من ) ووصل الفعل فنسب ، يقال : اخترت من الرجال زيدا واخترت ~~الرجال زيدا ، وأنشدوا قول الفرزدق : # % ومنا الذي اختار الرجال سماحة % % وجودا إذا هب الرياح الزعازع % # قال أبو علي والأصل في هذا الباب أن من الأفعال ما يتعدى إلى المفعول ~~الثاني بحرف واحد ، ثم يتسع فيحذف حرف الجر فيتعدى الفعل إلى المفعول ~~الثاني ، من ذلك قولك اخترت من الرجال زيدا ثم يتسع فيقال اخترت الرجال ~~زيدا وقولك أستغفر الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر : # % أستغفر الله ذنبا لست أحصيه % % # ويقال أمرت زيدا بالخير وأمرت زيدا الخير قال الشاعر : # % أمرتك الخير فافعل ما أمرت به % % # والله أعلم . # وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير : واختار موسى قومه لميقاتنا ~~وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقا لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم ~~وقوله : { سبعين رجلا } عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكروه من ~~التكلفات . # المسألة الثالثة : ذكروا أن موسى عليه السلام اختار من قومه اثني عشر ~~سبطا من كل سبط ستة ، فصاروا اثنين وسبعين ، فقال ليتخلف منكم رجلان ~~فتشاجروا ، فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر / من خرج ، فقعد كالب ويوشع . ~~وروى أنه لم يجد إلا ستين شيخا ، فأوحى الله إليه أن يختار من الشبان عشرة ~~فاختارهم فأصبحوا شيوخا فأمرهم أن يصوموا ويتطهروا / ويطهروا ثيابهم ثم خرج ~~بهم إلى الميقات . # المسألة الرابعة : هذا الاختيار هل هو للخروج إلى الميقات الذي كلم الله ~~تعالى موسى فيه وسأل موسى من الله الرؤية أو هو للخروج إلى موضع آخر ؟ فيه ~~أقوال للمفسرين : # القول الأول : إنه لميقات الكلام والرؤية قالوا : إنه عليه السلام خرج ~~بهؤلاء السبعين إلى طور سيناء ، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من ~~الغمام ، حتى أحاط بالجبل كله ودنا موسى عليه السلام . ودخل فيه ، وقال ~~للقوم : ادنوا ، فدنوا ، حتى إذا دخلوا الغمام وقعوا سجدا ms4166 ، فسمعوه وهو ~~يكلم موسى يأمره وينهاه PageV15P015 افعل ولا تفعل . ثم انكشف الغمام ~~فأقبلوا إليه فطلبوا الرؤية وقالوا { سألوا موسى أكبر من ذالك فقالوا أرنا ~~الله جهرة فأخذتهم الصاعقة } ( البقرة : 55 ) وهي المراد من الرجفة ~~المذكورة في هذه الآية ، فقال موسى عليه السلام : { رب لو شئت أهلكتهم من ~~قبل وإياى أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } فالمراد منه قولهم : { أرنا الله ~~جهرة } . # والقول الثاني : أن المراد من هذا الميقات ميقات مغاير لميقات الكلام ~~وطلب الرؤية ، وعلى هذا القول فقد اختلفوا فيه على وجوه : أحدها : أن هؤلاء ~~السبعين وإن كانوا ما عبدوا العجل إلا أنهم ما فارقوا عبدة العجل عند ~~اشتغالهم بعبادة العجل . وثانيها : أنهم ما بالغوا في النهي عن عبادة العجل ~~. وثالثها : أنهم لما خرجوا إلى الميقات ليتوبوا دعوا ربهم وقالوا أعطنا ما ~~لم تعطه أحدا قبلنا ، ولا تعطيه أحدا بعدها ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك ~~الكلام فأخذتهم الرجفة . واحتج القائلون بهذا القول على صحة مذهبهم بأمور : ~~الأول : أنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها بذكر قصة ~~العجل ثم أتبعها بهذه القصة ، وظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة ~~للقصة المتقدمة التي لا ينكر أنه يمكن أن يكون هذا عودا إلى تتمة الكلام في ~~القصة الأولى إلا أن الأليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصة الواحدة في وضع ~~واحد . ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها ، فأما ما ذكر بعض القصة ، ~~ثم الانتقال منها إلى قصة أخرى ، ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية ~~الكلام في القصة الأولى ، فإنه يوجب نوعا من الخبط والاضطراب ، والأولى صون ~~كلام الله تعالى عنه . الثاني : أن في ميقات الكلام وطلب الرؤية لم يظهر ~~هناك منكر ، إلا أنهم { قالوا * أرنا الله جهرة } فلو كانت الرجفة المذكورة ~~في هذه الآية إنما حصلت بسبب ذلك القول لوجب أن يقال : أتهلكنا بما يقوله ~~السفهاء منا ؟ فلما لم يقل موسى كذلك بل قال : { أتهلكنا بما فعل السفهاء ~~منا } علمنا أن هذه الرجفة إنما حصلت بسبب إقدامهم على عبادة ms4167 العجل لا بسبب ~~إقدامهم على طلب الرؤية . الثالث : أن الله تعالى ذكر في ميقات الكلام ~~والرؤية أنه خر موسى صعقا وأنه جعل الجبل دكا ، وأما الميقات المذكور في ~~هذه الآية ، فإن الله تعالى ذكر أن القوم أخذتهم الرجفة ، ولم يذكر أن موسى ~~عليه السلام أخذته الرجفة ، وكيف يقال أخذته الرجفة ، وهو الذي قال لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي ؟ واختصاص كل واحد من هذين الميقاتين بهذه الأحكام ~~يفيد ظن أن أحدهما غير الآخر . واحتج القائلون بأن هذا الميقات هو ميقات ~~الكلام وطلب الرؤية بأن قالوا إنه تعالى قال في الآية الأولى : { ولما جاء ~~موسى لميقاتنا } ( الأعراف : 143 ) فدلت هذه الآية على أن لفظ الميقات ~~مخصوص بذلك الميقات ، فلما قال في هذه الآية : { واختار موسى قومه سبعين ~~رجلا لميقاتنا } وجب أن يكون المراد بهذا الميقات هو عين ذلك الميقات . # وجوابه : أن هذا الدليل ضعيف ، ولا شك أن الوجوه المذكورة في تقوية القول ~~الأول أقوى . والله أعلم . # والوجه الثالث : في تفسير هذا الميقات ما روي عن علي رضي الله عنه أنه ~~قال : إن موسى وهرون عليهما السلام انطلقا إلى سفح جبل ، فنام هرون فتوفاه ~~الله تعالى ، فلما رجع موسى عليه السلام قالوا إنه هو الذي قتل هرون ، ~~فاختار موسى قومه سبعين رجلا وذهبوا إلى هرون فأحياه الله تعالى وقال ما ~~قتلني أحد ، فأخذتهم الرجفة هنالك ، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب . والله ~~أعلم . PageV15P016 # المسألة الخامسة : اختلفوا في تلك الرجفة فقيل : إنها رجفة أوجبت الموت . ~~قال السدي : قال موسى يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم ولم ~~يبق معي منهم واحد ؟ فماذا أقول لبني إسرائيل وكيف يأمنوني على أحد منهم ~~بعد ذلك ؟ فأحياهم الله تعالى . فمعنى قوله : { لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياى } أن موسى عليه السلام خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين إذا عاد ~~إليهم ولم يصدقوا أنهم ماتوا ، فقال لربه : لو شئت أهلكتنا قبل خروجنا ~~للميقات ، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني . # والقول الثاني : أن ms4168 تلك الرجفة ما كانت موتا ، ولكن القوم لما رأوا تلك ~~الحالة المهيبة أخذتهم الرعدة ورجفوا حتى كادت تبين منهم مفاصلهم ، وتنقصم ~~ظهورهم ، وخاف موسى عليه السلام الموت ، فعند ذلك بكى ودعا فكشف الله عنهم ~~تلك الرجفة . # أما قوله : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } فقال أهل العلم : إنه لا ~~يجوز أن يظن موسى عليه السلام أن الله تعالى يهلك قوما بذنوب غيرهم ، فيجب ~~تأويل الآية ، وفيه بحثان : الأول : أنه / استفهام بمعنى الجحد ، وأراد أنك ~~لا تفعل ذلك . كما تقول : أتهين من يخدمك ؟ أي لا تفعل ذلك . الثاني : قال ~~المبرد : هو استفهام استعطاف ، أي لا تهلكنا . # وأما قوله : { إن هى إلا فتنتك } فقال الواحدي رحمه الله : الكناية في ~~قوله : { هى } عائدة إلى الفتنة كما تقول : إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند . ~~والمعنى : أن تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أضللت بها ~~قوما فافتتنوا ، وعصمت قوما عنها فثبتوا على الحق ، ثم أكد بيان أن الكل من ~~الله تعالى ، فقال : { تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } ثم قال الواحدي : ~~وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر . قالت ~~المعتزلة : لا تعلق للجبرية بهذه الآية لأنه تعالى لم يقل ؛ تضل بها من ~~تشاء من عبادك عن الدين ، ولأنه تعالى قال : { تضل بها } أي بالرجفة ، ~~ومعلوم أن الرجفة لا يضل الله بها ، فوجب حمل هذه الآية على التأويل . فأما ~~قوله : { إن هى إلا فتنتك } فالمعنى : امتحانك وشدة تعبدك ، لأنه لما أظهر ~~الرجفة كلفهم بالصبر عليها . # وأما قوله : { تضل بها من تشاء } ففيه وجوه : الأول : تهدي بهذا الامتحان ~~إلى الجنة والثواب بشرط أن يؤمن ذلك المكلف ويبقى على الإيمان ، وتعاقب من ~~تشاء بشرط أن لا يؤمن ، أو إن آمن لكن لا يصبر عليه . والثاني : أن يكون ~~المراد بالإضلال الإهلاك ، والتقدير : تهلك من تشاء بهذه الرجفة وتصرفها ~~عمن تشاء . والثالث : أنه لما كان هذا الامتحان كالسبب في هداية من اهتدى ، ~~وضلال من ضل ، جاز أن يضافا ms4169 إليه . # واعلم أن هذه التأويلات متسعة ، والدلائل العقلية دالة على أنه يجب أن ~~يكون المراد ما ذكرناه ، وتقريرها من وجوه : الأول : أن القدرة الصالحة ~~للإيمان والكفر لا يترجح تأثيرها في أحد الطرفين على تأثيرها في الطرف ~~الآخر ، إلا لأجل داعية مرجحة ، وخالق تلك الداعية هو الله تعالى ، وعند ~~حصول تلك الداعية يجب الفعل وإذا ثبتت هذه المقدمات ثبت أن الهداية من الله ~~تعالى وأن الإضلال من الله تعالى . الثاني : أن أحدا من العقلاء لا يريد ~~إلا الإيمان والحق والصدق ، فلو كان الأمر باختياره وقصده لوجب أن يكون كل ~~واحد مؤمنا محقا ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ثبت أن الكل من الله تعالى . ~~الثالث : أنه لو كان حصول الهداية والمعرفة بفعل العبد فما لم يتميز عنده ~~الإعتقاد الحق عن الإعتقاد الباطل ، امتنع أن يخص أحد PageV15P017 ~~الاعتقادين بالتحصيل والتكوين ، لكن علمه بأن هذا الإعتقاد هو الحق وأن ~~الآخر هو الباطل ، يقتضي كونه عالما بذلك المعتقد أولا كما هو عليه ، فيلزم ~~أن تكون القدرة على تحصيل الإعتقاد مشروطة بكون ذلك الإعتقاد الحق حاصلا ، ~~وذلك يقتضي كون الشيء مشروطا بنفسه وأنه محال ، فثبت أنه يمتنع أن / يكون ~~حصول الهداية والعلم بتخليق العبد ، وأما الكلام في إبطال تلك التأويلات ~~فقد سبق ذكره في هذا الكتاب غير مرة . والله أعلم . # ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال بعد ذلك : { أنت ولينا فاغفر ~~لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين } واعلم أن قوله : { أنت ولينا } يفيد الحصر ~~، ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت ، وهذا من تمام ما سبق ~~ذكره من قوله : { تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } وقوله : { فاغفر لنا ~~وارحمنا } المراد منه أن إقدامه على قوله : { إن هى إلا فتنتك } جراءة ~~عظيمة ، فطلب من الله غفرانها والتجاوز عنها وقوله : { وأنت خير الغافرين } ~~معناه أن كل من سواك فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلبا للثناء الجميل أو ~~للثواب الجزيل ، أو دفعا للربقة الخسيسة عن القلب ، وبالجملة فذلك الغفران ~~يكون لطلب نفع ms4170 أو لدفع ضرر ، أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض وغرض ، ~~بل لمحض الفضل والكرم ، فوجب القطع بكونه { خير الغافرين } والله أعلم . # ! 7 < { واكتب لنا فى هاذه الدنيا حسنة وفي الا خرة إنا هدنآ إليك قال ~~عذابىأصيب به من أشآء ورحمتى وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون ~~الزكواة والذين هم بأاياتنا يؤمنون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 156 ) واكتب لنا في . . . . . # > > اعلم أن هذا من بقية دعاء موسى صلى الله عليه وسلم عند مشاهدة الرجفة ~~. فقوله : { واكتب لنا فى هاذه الدنيا حسنة } معناه أنه قرر أولا أنه ~~الأولى له إلا الله تعالى وهو قوله : { أنت ولينا } ثم إن المتوقع من الولي ~~والناصر أمران : أحدهما : دفع الضرر . والثاني : تحصيل النفع ، ودفع الضرر ~~مقدم على تحصيل النفع ، فلهذا السبب بدأ بطلب دفع الضرر ، وهو قوله : { ~~فاغفر لنا وارحمنا } ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع وهو قوله : { واكتب لنا فى ~~هاذه الدنيا حسنة وفي الاخرة } وقوله : { واكتب } أي وجب لنا والكتابة تذكر ~~بمعنى الإيجاب وسؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه ~~الأمة حيث أخبر الله تعالى عنهم في قوله : { ومنهم من يقول ربنا ءاتنا فى ~~الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة } . # / واعلم أن كونه تعالى وليا للعبد يناسب أن يطلب العبد منه دفع المضار ~~وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وفضله وإلهيته ، وأيضا اشتغال العبد ~~بالتوبة والخضوع والخشوع يناسب طلب هذه الأشياء ، فذكر السبب الأول أولا ، ~~وهو كونه تعالى وليا له وفرع عليه طلب هذه الأشياء ، ثم ذكر بعده السبب ~~الثاني ، وهو اشتغال العبد بالتوبة والخضوع فقال : { إنا هدنا إليك } قال ~~المفسرون : { هدنا } أي تبنا ورجعنا إليك ، قال PageV15P018 الليث : ( ~~الهود ) التوبة ، وإنما ذكر هذا السبب أيضا لأن السبب الذي يقتضي حسن طلب ~~هذه الأشياء ليس إلا مجموع هذين الأمرين كونه إلها وربا ووليا ، وكوننا ~~عبيدا له تائبين خاضعين خاشعين ، فالأول : عهد عزة الربوبية . والثاني : ~~عهد ذلة العبودية ، فإذا حصلا واجتمعا فلا سبب أقوى منهما . ولما حكى الله ~~تعالى دعاء موسى عليه السلام ذكر بعده ما ms4171 كان جوابا لموسى عليه السلام ، ~~فقال تعالى قال : { عذابى أصيب به من أشاء } معناه إني أعذب من أشاء وليس ~~لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي ، ومن تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض ~~عليه ، وقرأ الحسن { من * أساء } من الإساءة ، واختار الشافعي هذه القراءة ~~وقوله : { ورحمتى وسعت كل شىء } فيه أقوال كثيرة . قيل المراد من قوله : { ~~ورحمتى وسعت كل شىء } هو أن رحمته في الدنيا عمت الكل ، وأما في الآخرة فهي ~~مختصة بالمؤمنين وإليه الإشارة بقوله : { فسأكتبها للذين يتقون } وقيل : ~~الوجود خير من العدم ، وعلى هذا التقدير فلا موجود إلا وقد وصل إليه رحمته ~~وأقل المراتب وجوده ، وقيل الخير مطلوب بالذات ، والشر مطلوب بالعرض وما ~~بالذات راجح غالب ، وما بالعرض مرجوح مغلوب ، وقال المعتزلة : الرحمة عبارة ~~عن إرادة الخير ، ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة واللذة والخير ~~لأنه إن كان منتفعا أو متمكنا من الانتفاع فهو برحمة الله من جهات كثيرة ~~وإن حصل هناك ألم فله الأعواض الكثيرة ، وهي من نعمة الله تعالى ورحمته ~~فلهذا السبب قال : { ورحمتى وسعت كل شىء } وقال أصحابنا قوله : { ورحمتى ~~وسعت كل شىء } من العام الذي أريد به الخاص ، كقوله : { وأوتيت من كل شىء } ~~. # أما قوله : { واكتب لنا فى هاذه الدنيا حسنة وفي الاخرة إنا } . # فاعلم أن جميع تكاليف الله محصورة في نوعين : الأول : التروك ، وهي ~~الأشياء التي يجب على الإنسان تركها ، والاحتراز عنها والاتقاء منها ، وهذا ~~النوع إليه الإشارة بقوله : { للذين يتقون } والثاني : الأفعال وتلك ~~التكاليف إما أن تكون متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه . # أما القسم الأول : فهو الزكاة وإليه الإشارة بقوله : { ويؤتون الزكواة } ~~. # / وأما القسم الثاني : فيدخل فيه ما يجب على الإنسان علما وعملا أما ~~العلم فالمعرفة ، وأما العمل فالإقرار باللسان والعمل بالأركان ويدخل فيها ~~الصلاة وإلى هذا المجموع الإشارة بقوله : { والذين هم بئاياتنا يؤمنون } ~~ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة : { هدى للمتقين * الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } ( البقرة : 2 / 3 ) . # ! 7 < { الذين يتبعون ms4172 الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى ~~التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والا غلال التى كانت عليهم فالذين ~~ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذىأنزل معه أولائك هم المفلحون } ~~. > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 157 ) الذين يتبعون الرسول . . . . . # > > PageV15P019 # اعلم أنه تعالى لما بين أن من صفة من تكتب له الرحمة في الدنيا والآخرة ~~التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بالآيات ، ضم إلى ذلك أن يكون من صفته اتباع ~~{ النبى الامى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل } واختلفوا في ~~ذلك فقال بعضهم : المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته ~~في التوراة ، إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق ، وقال ~~في قوله : { والإنجيل } أن المراد سيجدونه مكتوبا في الإنجيل ، لأن من ~~المحال أن يجدوه فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل ، وقال بعضهم : بل المراد من ~~لحق من بني إسرائيل أيام الرسول فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم ~~رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوا الرسول النبي الأمي . والقول الثاني أقرب ، لأن ~~اتباعه قبل أن بعث ووجد لا يمكن . فكأنه تعالى بين بهذه الآية أن هذه ~~الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل ~~في زمن موسى ، ومن هذه صفته في أيام الرسول إذا كان مع ذلك متبعا للنبي ~~الأمي في شرائعه . # إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى وصف محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الآية بصفات تسع . # / الصفة الأولى : كونه رسولا ، وقد اختص هذا اللفظ بحسب العرف بمن أرسله ~~الله إلى الخلق لتبليغ التكاليف . # الصفة الثانية : كونه نبيا ، وهو يدل على كونه رفيع القدر عند الله تعالى ~~. # الصفة الثالثة : كونه أميا . قال الزجاج : معنى { الامى } الذي هو على ~~صفة أمة العرب . قال عليه الصلاة والسلام : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا ~~نحسب ) فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون والنبي عليه الصلاة ~~والسلام كان كذلك ، فلهذا السبب وصفه بكونه ms4173 أميا . قال أهل التحقيق وكونه ~~أميا بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه : الأول : أنه عليه ~~الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوما مرة بعد أخرى من غير ~~تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها ~~فإنه لا بد وأن يزيد فيها وأن ينقص عنها بالقليل والكثير ، ثم إنه عليه ~~الصلاة والسلام مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ يتلو كتاب الله من غير ~~زيادة ولا نقصان ولا تغيير . فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } ( الأعلى : 6 ) والثاني : أنه لو كان يحسن ~~الخط والقراءة لصار متهما في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من ~~تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من ~~غير تعلم ولا مطالعة ، كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد من قوله : { وما ~~كنت * تتلوا منه * قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون } ( ~~العنكبوت : 48 ) الثالث : أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة ~~يتعلمون الخط بأدنى سعى ، فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم ، ثم إنه ~~تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل ~~إليه أحد من البشر / ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم ~~يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلا وفهما ، فكان الجمع بين ~~PageV15P020 هاتين الحالتين المتضادتين جاريا مجرى الجمع بين الضدين وذلك ~~من الأمور الخارقة للعادة وجار مجرى المعجزات . # الصفة الرابعة : قوله تعالى : { الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة ~~والإنجيل } وهدا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب في التوراة والإنجيل ، ~~لأن ذلك لو لم يكن مكتوبا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود ~~والنصارى عن قبول قوله ، لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم النفرات ، ~~والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله ، وينفر الناس عن قبول قوله : فلما ~~قال ذلك دل هذا على أن ذلك النعت ms4174 كان مذكورا في التوراة والإنجيل وذلك من ~~أعظم الدلائل على صحة نبوته . # / الصفة الخامسة : قوله : { يأمرهم بالمعروف } قال الزجاج : يجوز أن يكون ~~قوله : { يأمرهم بالمعروف } استئنافا ، ويجوز أن يكون المعنى { يجدونه ~~مكتوبا عندهم } أنه { يأمرهم بالمعروف } وأقول مجامع الأمر بالمعروف محصورة ~~في قوله عليه الصلاة والسلام : ( التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ) ~~وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته وإما ممكن الوجود لذاته . أما ~~الواجب لذاته فهو الله جل جلاله ، ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته ~~وإظهار الخضوع والخشوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفا بصفات الكمال ~~مبرأ عن النقائص والآفات منزها عن الأضداد والأنداد ، وأما الممكن لذاته ~~فإن لم يكن حيوانا ، فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأن الانتفاع مشروط ~~بالحياة ، ومع هذا فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث إنها ~~مخلوقة لله تعالى ، ومن حيث إن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلا ~~قاهرا وبرهانا باهرا على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام ~~. ومن حيث إن الله تعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسرارا عجيبة وحكما ~~خفية فيجب النظر إليها بعين الاحترام ، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس ~~الحيوان فإنه يجب إظهار الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه ، ويدخل ~~فيه بر الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أن قوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ) كلمة جامعة لجميع ~~جهات الأمر بالمعروف . # الصفة السادسة : قوله : { وينهاهم عن المنكر } والمراد منه أضداد الأمور ~~المذكورة وهي عبادة الأوثان ، والقول في صفات الله بغير علم ، والكفر بما ~~أنزل الله على النبيين ، وقطع الرحم ، وعقوق الوالدين . # الصفة السابعة : قوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات } من الناس من قال : ~~المراد بالطيبات الأشياء التي حكم الله بحلها وهذا بعيد لوجهين : الأول : ~~أن على هذا التقدير تصير الآية ويحل لهم المحللات وهذ محض التكرير . الثاني ~~: أن على هذا التقدير تخرج الآية عن الفائدة ، لأنا لا ندري أن الأشياء ~~التي أحلها الله ما هي ms4175 وكم هي ؟ بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات ~~الأشياء المستطابة بحسب الطبع وذلك لأن تناولها يفيد اللذة ، والأصل في ~~المنافع الحل فكانت هذه الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ~~ويستلذه الطبع الحل إلا لدليل منفصل . # الصفة الثامنة : قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبئث } قال عطاء عن ابن ~~عباس ، يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة إلى قوله : { ذالكم فسق ~~} وأقول : كل ما يستخبثه الطبع وتستقذره النفس كان تناوله سببا للألم ، ~~والأصل في المضار الحرمة ، فكان مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه ~~/ الحرمة إلا PageV15P021 لدليل منفصل . وعلى هذا الأصل : فرع الشافعي رحمه ~~الله تحريم بيع الكلب ، لأنه روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في كتاب الصحيحين أنه قال : ( الكلب خبيث ، وخبيث ثمنه ) وإذا ثبت أن ثمنه ~~خبيث وجب أن يكون حراما لقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبئث } وأيضا الخمر ~~محرمة لأنها رجس بدليل قوله : { إنما الخمر والميسر } ( المائدة : 90 ) إلى ~~قوله : { رجس } والرجس خبيث بدليل إطباق أهل اللغة عليه ، والخبيث حرام ~~لقوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبئث } . # الصفة التاسعة : قوله تعالى : { ويضع عنهم إصرهم والاغلال التى كانت ~~عليهم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده { * آصارهم } على الجمع ، والباقون { ~~عنهم إصرهم } على الواحد . قال أبو علي الفارسي : الإصر مصدر يقع على ~~الكثرة مع إفراد لفظه يدل على ذلك إضافته ، وهو مفرد إلى الكثرة ، كما قال ~~: { ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } ( البقرة : 20 ) ومن جمع ، أراد ~~ضروبا من العهود مختلفة ، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها كما في قوله ~~: { وتظنون بالله الظنونا } ( الأحزاب : 10 ) . # المسألة الثانية : الأصر الثقل الذي يأصر صاحبه ، أي يحبسه من الحراك ~~لثقله ، والمراد منه : أن شريعة موسى عليه السلام كانت شديدة . وقوله : { ~~والاغلال التى كانت عليهم } المراد منه : الشدائد التي كانت في عباداتهم ~~كقطع أثر البول ، وقتل النفس في التوبة ، وقطع الأعضار الخاطئة ، وتتبع ~~العروف من اللحم وجعلها الله أغلالا ، لأن التحريم يمنع من الفعل ، كما أن ms4176 ~~الغل يمنع عن الفعل ، وقيل : كانت بنو إسرائيل إذا قامت إلى الصلاة لبسوا ~~المسوح ، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم تواضعا لله تعالى ، فعلى هذا القول ~~الأغلال غير مستعارة . # واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار أن لا تكون مشروعة ، لأن ~~كل ما كان ضررا كان إصرا وغلا ، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية ، وهذا ~~نظير لقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا ضرر ولا ضرار ) في الإسلام ، ولقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ) وهو أصل كبير في ~~الشريعة . # واعلم أنه لما وصف محمدا عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات التسع . قال ~~بعده : { فالذين ءامنوا به } قال ابن عباس : يعني من اليهود { وعزروه } ~~يعني وقروه . قال صاحب ( الكشاف ) : أصل التعزير المنع ومنه التعزير وهو ~~الضرب ، دون الحد ، لأنه منع من معاودة القبيح . # ثم قال تعالى : { ونصروه } أي على عدوه { واتبعوا النور الذى أنزل معه } ~~وهو القرآن . وقيل الهدى والبيان والرسالة . وقيل الحق الذي بيانه في ~~القلوب كبيان النور . # فإن قيل : كيف يمكن حمل النور ههنا على القرآن ؟ والقرآن ما أنزل مع محمد ~~، وإنما أنزل مع جبريل . # / قلنا : معناه إنه أنزل مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن . # ثم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات { قال * أولئك هم المفلحون } أي هم ~~الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة . # PageV15P022 ! 7 < { قل ياأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا الذى له ~~ملك السماوات والا رض لاإلاه إلا هو يحى ويميت فأامنوا بالله ورسوله النبى ~~الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 158 ) قل يا أيها . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قال : { فسأكتبها للذين يتقون } ثم بين تعالى أن ~~من شرط حصول الرحمة لأولئك المتقين ، كونهم متبعين للرسول النبي الأمي ، ~~حقق في هذه الآية رسالته إلى الخلق بالكلية . فقال : { قل ياأهل * أيها ~~الناس * إنى رسول الله إليكم جميعا } وفي هذه الكلمة مسألتان : # المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن محمدا عليه الصلاة والسلام مبعوث ~~إلى جميع الخلق . وقال طائفة من اليهود يقال لهم ms4177 العيسوية وهم أتباع عيسى ~~الأصفهاني : أن محمدا رسول صادق مبعوث إلى العرب . وغير مبعوث إلى بني ~~إسرائيل . ودليلنا على إبطال قولهم ؛ هذه الآية . لأن قوله : { يذهبكم أيها ~~الناس } خطاب يتناول كل الناس . # ثم قال : { إنى رسول الله إليكم جميعا } وهذا يقتضي كونه مبعوثا إلى جميع ~~الناس ، وأيضا فما يعلم بالتواتر من دينه ، أنه كان يدعى أنه مبعوث إلى كل ~~العالمين . فأما أن يقال : إنه كان رسولا حقا أو ما كان كذلك ، فإن كان ~~رسولا حقا ، امتنع الكذب عليه . ووجب الجزم بكونه صادقا في كل ما يدعيه ، ~~فلما ثبت بالتواتر وبظاهر هذه الآية أنه كان يدعي كونه مبعوثا إلى جميع ~~الخلق ، وجب كونه صادقا في هذا القول ، وذلك يبطل قول من يقول : إنه كان ~~مبعوثا إلى العرب فقط ، لا إلى بني إسرائيل . # وأما قول القائل : إنه ما كان رسولا حقا ، فهذا يقتضي القدح في كونه ~~رسولا إلى العرب وإلى غيرهم ، فثبت أن القول بأنه رسول إلى بعض الخلق دون ~~بعض كلام باطل متناقض . # / إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { قل ياأيها الناس إنى رسول الله إليكم ~~جميعا } من الناس من قال إنه عام دخله التخصيص ومنهم من أنكر ذلك ، أما ~~الأولون فقالوا : إنه دخله التخصيص من وجهين : الأول : أنه رسول إلى الناس ~~إذاكانوا من جملة المكلفين فأما إذا لم يكونوا من جملة المكلفين لم يكن ~~رسولا إليهم ، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام قال : ( رفع القلم عن ثلاث عن ~~الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ) والثاني : ~~أنه رسول الله إلى كل من وصل إليه خبر وجوده وخبر معجزاته وشرائعه ، حتى ~~يمكنه عند ذلك متابعته ، أما لو قدرنا حصول قوم في طرف من أطراف العالم لم ~~يبلغهم خبر وجوده ولا خبر معجزاته ، فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته ~~ومن الناس من أنكر القول بدخول التخصيص في الآية من هذين الوجهين : # أما الأول : فتقريره أن قوله : { يذهبكم أيها الناس } خطاب وهذا الخطاب ~~لا يتناول إلا المكلفين وإذا كان كذلك فالناس ms4178 الذين دخلوا تحت قوله : { ~~يذهبكم أيها الناس } ليسوا إلا المكلفين من الناس ، وعلى هذا التقدير فلم ~~PageV15P023 يلزم أن يقال : إن قوله : { يذهبكم أيها الناس } عام دخله ~~التخصيص . # وأما الثاني : فلأنه يبعد جدا أن يقال : حصل في طرف من أطراف الأرض قوم ~~لم يبلغهم خبر ظهور محمد عليه الصلاة والسلام ، وخبر معجزاته وشرائعه ، ~~وإذا كان ذلك كالمستبعد لم يكن بنا حاجة إلى التزام هذا التخصيص . # المسألة الثانية : هذه الآية وإن دلت على أن محمدا عليه الصلاة والسلام ~~مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء عليهم السلام ~~ما كان مبعوثا إلى كل الخلق / بل يجب الرجوع في أنه هل كان في غيره من ~~الأنبياء من كان مبعوثا إلى كل الخلق أم لا ؟ إلى سائر الدلائل . فنقول : ~~تمسك جمع من العلماء في أن أحدا غيره ما كان مبعوثا إلى كل الخلق لقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ، أرسلت إلى الأحمر ~~والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، ونصرت على عدوي بالرعب يرعب مني ~~مسيرة شهر ، وأطعمت الغنيمة دون من قبلي . وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة ~~لأمتي ) . # ولقائل أن يقول : هذا الخبر لا يتناول دلالته على إثبات هذا المطلوب ، ~~لأنه لا يبعد أن يكون المراد مجموع هذه الخمسة من خواص رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، ولم يحصل لأحد سواه ولم يلزم من كون هذا المجموع من خواصه كون ~~واحد من آحاد هذا المجموع من خواصه ، وأيضا قيل إن آدم عليه السلام كان ~~مبعوثا إلى جميع أولاده ، وعلى هذا التقدير فقد كان مبعوثا إلى جميع الناس ~~، وأن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة ، كان مبعوثا إلى الذين كانوا ~~معه ، مع أن جميع / الناس في ذلك الزمان ما كان إلا ذلك القوم . # أما قوله تعالى : { الذى له ملك * السماوات والارض } فاعلم أنه تعالى لما ~~أمر رسوله بأن يقول للناس كلهم إني رسول الله إليكم أردفه بذكر ما يدل على ~~صحة هذه الدعوى . # واعلم أن هذه ms4179 الدعوى لا تتم ولا تظهر فائدتها إلا بتقرير أصول أربعة . # الأصل الأول : إثبات أن للعالم إلها حيا عالما قادرا . والذي يدل عليه ما ~~ذكره في قوله تعالى : { الذى له ملك * السماوات والارض } وذلك لأن أجسام ~~السموات والأرض ، تدل على افتقارها إلى الصانع الحي العالم القادر ، من ~~جهات كثيرة مذكورة في القرآن العظيم ، وشرحها وتقريرها مذكور في هذا ~~التفسير ، وإنما افتقرنا في حسن التكليف وبعثة الرسل إلى إثبات هذا الأصل ، ~~لأن بتقدير أن لا يحصل للعالم مؤثر يؤثر في وجوده ، أو إن حصل له مؤثر ، ~~لكن كان ذلك المؤثر موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار لم يكن القول ببعثة ~~الأنبياء والرسل عليهم السلام ممكنا . # والأصل الثاني : إثبات أن إله العالم واحد منزه عن الشريك والضد والند ، ~~وإليه الإشارة بقوله : { لا إلاه إلا هو } وإنما افتقرنا في حسن التكليف ~~وجواز بعثة الرسل إلى تقرير هذا الأصل ، لأن بتقدير أن يكون للعالم إلهان ، ~~وأرسل أحد الإلهين نبيا إلى الخلق فلعل هذا الإنسان الذي يدعوه الرسول إلى ~~عبادة هذا الإله ما كان مخلوقا له ، بل كان مخلوقا للإله الثاني ، وعلى هذا ~~التقدير فإنه يجب على هذا الإنسان عبادة هذا الإله وطاعته ، فكان بعثة ~~الرسول إليه ، وإيجاب الطاعة عليه ظلما وباطلا . أما إذا ثبت أن الإله واحد ~~، فحينئذ يكون جميع الخلق عبيدا له ، ويكون تكليفه في الكل نافذا وانقياد ~~الكل لأوامره ونواهيه لازما ، فثبت أن ما لم PageV15P024 يثبت كون الإله ~~تعالى واحدا لم يكن إرسال الرسل وإنزال الكتب المشتملة على التكليف جائزا . # والأصل الثالث : إثبات أنه تعالى قادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة ~~، لأن بتقدير أن لا يثبت ذلك ، كان الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية ~~عبثا ولغوا ، وإلى تقدير هذا الأصل الإشارة بقوله : { يحى ويميت } لأنه لما ~~أحيا أولا ، ثبت كونه قادرا على الإحياء ثانيا ، فيكون قادرا على الإعادة ~~والحشر والنشر ، وعلى هذا التقدير يكون الإحياء الأول إنعاما عظيما ، فلا ~~يبعد منه تعالى أن يطالبه بالعبودية ، ليكون قيامه بتلك الطاعة قائما مقام ~~الشكر عن الإحياء الأول ms4180 ، وأيضا لما دل الإحياء الأول على قدرته على ~~الإحياء الثاني ، فحينئذ يكون قادرا على إيصال الجزاء إليه . # واعلم أنه لما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة . ثبت أنه يصح من الله ~~تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف ، لأن على هذا التقدير الخلق ~~كلهم عبيده ولا مولى لهم سواه ، / وأيضا إنه منعم على الكل بأعظم النعم ، ~~وأيضا إنه قادر على إيصال الجزاء إليهم بعد موتهم ، وكل واحد من هذه ~~الأسباب الثلاثة سبب تام ، في أنه يحسن منه تكليف الخلق ، أما بحسب السبب ~~الأول ، فإنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ، وأما بحسب السبب ~~الثاني فلأنه يحسن من المنعم مطالبة المنعم عليه بالشكر والطاعة ، وأما ~~بحسب السبب الثالث فلأنه يحسن من القادر على إيصال الجزاء التام إلى المكلف ~~أن يكلفه بنوع من أنواع الطاعة ، فظهر أنه لما ثبتت الأصول الثلاثة ~~بالدلائل التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية ، فإنه يلزم الجزم بأنه يحسن ~~من الله إرسال الرسل ، ويجوز منه تعالى أن يخصهم بأنواع التكاليف ، فثبت أن ~~الآيات المذكورة دالة على أن للعالم إلها حيا عالما قادرا ، وعلى أن هذا ~~الإله واحد ، وعلى أنه يحسن منه إرسال الرسل وإنزال الكتب . # واعلم أنه تعالى لما أثبت هذه الأصول المذكورة بهذه الدلائل المذكورة في ~~هذه الآية ذكر بعده قوله : { قل ياأيها الناس } وهذا الترتيب في غاية الحسن ~~، وذلك لأنه لما بين أولا أن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام أمر ~~جائز ممكن ، أردفه بذكر أن محمدا رسول حق من عند الله لأن من حاول إثبات ~~مطلوب وجب عليه أن يبين جوازه أولا ، ثم حصوله ثانيا ، ثم إنه بدأ بقوله : ~~{ ما كان } لأنا بينا أن الإيمان بالله أصل ، والإيمان بالنبوة والرسالة ~~فرع عليه ، والأصل يجب تقديمه . فلهذا السبب بدأ بقوله : { ما كان } ثم ~~أتبعه بقوله : { ورسوله النبى الامى الذى يؤمن بالله وكلماته } . # واعلم أن هذا إشارة إلى ذكر المعجزات الدالة على كونه نبيا حقا ، وتقريره ~~: أن معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت على ms4181 نوعين : # النوع الأول : المعجزات التي ظهرت في ذاته المباركة ، وأجلها وأشرفها أنه ~~كان رجلا أميا لم يتعلم من أستاذ ، ولم يطالع كتابا ، ولم يتفق له مجالسة ~~أحد من العلماء ، لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء ، وما غاب رسول الله عن ~~مكة غيبة طويلة يمكن أن يقال إن في مدة تلك الغيبة تعلم العلوم الكثيرة ، ~~ثم إنه مع ذلك فتح الله عليه باب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن ~~المشتمل على علوم الأولين والآخرين ، فكان ظهور هذه العلوم العظيمة عليه ، ~~مع أنه كان رجلا أميا لم يلق أستاذا ولم يطالع كتابا من أعظم المعجزات ، ~~وإليه الإشارة بقوله : { النبى الامى } . PageV15P025 # والنوع الثاني : من معجزاته الأمور التي ظهرت من مخارج ذاته مثل انشقاق ~~القمر ، ونبوع الماء من بين أصابعه . وهي تسمى بكلمات الله تعالى ، ألا ترى ~~أن عيسى عليه السلام ، لما كان حدوثه أمرا غريبا مخالفا للمعتاد ، لا جرم ~~سماه الله تعالى كلمة . فكذلك المعجزات لما كانت أمورا غريبة خارقة للعادة ~~لم يبعد تسميتها بكلمات الله تعالى ، وهذا النوع هو المراد بقوله : { يؤمن ~~بالله وكلماته } / أي يؤمن بالله وبجميع المعجزات التي أظهرها الله عليه ، ~~فبهذا الطريق أقام الدليل على كونه نبيا صادقا من عند الله . # واعلم أنه لما ثبت بالدلائل القاهرة التي قررناها بنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، وجب أن يذكر عقيبه الطريق الذي به يمكن معرفة شرعه على التفصيل ~~، وما ذاك إلا بالرجوع إلى أقواله وأفعاله وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ~~واتبعوه } . # واعلم أن المتابعة تتناول المتابعة في القول وفي الفعل . أما المتابعة في ~~القول فهو أن يمتثل المكلف كل ما يقوله في طرق الأمر والنهي والترغيب ~~والترهيب . وأما المتابعة في الفعل فهي عبارة عن الإتيان بمثل ما أتى ~~المتبوع به سواء كان في طرف الفعل أو في طرف الترك ، فثبت أن لفظ { واتبعوه ~~} يتناول القسمين . وثبت أن ظاهر الأمر للوجوب فكان قوله تعالى : { واتبعوه ~~} دليلا على أنه يجب الانقياد له في كل أمر ونهي ، ويجب الاقتداء به في كل ~~ما فعله ms4182 إلا ما خصه الدليل ، وهو الأشياء التي ثبت بالدليل المنفصل أنها من ~~خواص الرسول صلى الله عليه وسلم . # فإن قيل : الشيء الذي أتي به الرسول يحتمل أنه أتى به على سبيل أن ذلك ~~كان واجبا عليه ، ويحتمل أيضا أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوبا ، ~~فبتقدير أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوبا ، فلو أتينا به على سبيل ~~أنه واجب علينا ، كان ذلك تركا لمتابعته ، ونقضا لمبايعته . والآية تدل على ~~وجوب متابعته ، فثبت أن إقدام الرسول على ذلك الفعل لا يدل على وجوبه علينا ~~. # قلنا : المتابعة في الفعل عبارة عن الإتيان بمثل الفعل الذي أتى به ~~المتبوع ، بدليل أن من أتى بفعل ثم إن غيره وافقه في ذلك الفعل ، قيل : إنه ~~تابعه عليه . ولو لم يأت به . قيل : إنه خالفه فيه . فلما كان الإتيان بمثل ~~فعل المتبوع متابعة ، ودلت الآية على وجوب المتابعة لزم أن يجب على الأمة ~~مثل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم . بقي ههنا أنا لا نعرف أنه عليه السلام ~~أتى بذلك على قصد الوجوب أو على قصد الندب . فنقول : حال الدواعي والعزائم ~~غير معلوم ، وحال الإتيان بالفعل الظاهر والعمل المحسوس معلوم ، فوجب أن لا ~~يلتفت إلى البحث عن حال العزائم والدواعي ، لكونها أمورا مخفية عنا ، وأن ~~نحكم بوجوب المتابعة في العمل الظاهر . لكونها من الأمور التي يمكن رعايتها ~~، فزالت هذه الشبهة ، وتقريره : أن هذه الآية دالة على أن الأصل في كل فعل ~~فعله الرسول أن يجب علينا لإتيان بمثله إلا إذا خصه الدليل . # إذا عرفت هذا فنقول : إنا إذا أردنا أن نحكم بوجوب عمل من الأعمال . # قلنا : إن هذا العمل فعله أفضل من تركه ، وإذا كان الأمر كذلك : فحينئذ ~~نعمل أن الرسول / قد أتى به في الجملة ، لأن العلم الضروري حاصل بأن الرسول ~~لا يجوز أن يواظب طول عمره على ترك الأفضل ، فعلمنا أنه عليه السلام قد أتى ~~بهذا الطريق الأفضل . وأما أنه هل أتى بالطرف الأحسن فهو مشكوك ، والمشكوك ~~لا يعارض ms4183 المعلوم ، فثبت أنه PageV15P026 عليه السلام أتى بالجانب الأفضل . ~~ومتى ثبت ذلك وجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى في هذه الآية : { واتبعوه } ~~فهذا أصل شريف ، وقانون كلي في معرفة الأحكام ، دال على النصوص لقوله تعالى ~~: { وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى } ( النجم : 3 ، 4 ) فوجب ~~علينا مثله لقوله تعالى : { واتبعوه } . # وأما قوله : { لعلكم تهتدون } ففيه بحثان : أحدهما : أن كلمة ( لعل ) ~~للترجي ، وذلك لا يليق بالله ، فلا بد من تأويله . والثاني : أن ظاهره ~~يقتضي أنه تعالى أراد من كل المكلفين الهداية والإيمان على قول المعتزلة ، ~~والكلام في تقرير هذين المقامين قد سبق في هذا الكتاب مرارا كثيرة ، فلا ~~فائدة في الإعادة . # ! 7 < { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 159 ) ومن قوم موسى . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما وصف الرسول ، وذكر أنه يجب على الخلق متابعته ، ~~ذكر أن من قوم موسى عليه السلام من اتبع الحق وهدى إليه ، وبين أنهم جماعة ~~، لأن لفظ الأمة ينبىء عن الكثرة ، واختلفوا في أن هذه الأمة متى حصلت ، ~~وفي أي زمان كانت ؟ فقيل هم اليهود الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة ~~والسلام ، وأسلموا مثل عبد الله بن سلام ، وابن صوريا والاعتراض عليه بأنهم ~~كانوا قليلين في العدد ، ولفظ الأمة يقتضي الكثرة ، يمكن الجواب عنه بأنه ~~لما كانوا مختلفين في الدين ، جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله تعالى ~~: { إن إبراهيم كان أمة } ( النحل : 120 ) وقيل : إنهم قوم مشوا على الدين ~~الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن ~~تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع ، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن ~~جاء المسيح فدخلوا في دينه ، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك ، وقال السدي ~~وجماعة من المفسرين : إن بني إسرائيل لما كفروا وقتلوا الأنبياء ، بقي سبط ~~في جملة الإثني عشر فما صنعوا وسألوا الله أن ينقذهم منهم ، ففتح الله لهم ~~نفقا في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين ثم هؤلاء ms4184 اختلفوا ، منهم ~~من قال : إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن ومنهم من قال إنهم الآن ~~على دين محمد صلى الله عليه وسلم يستقبلون الكعبة ، وتركوا السبت وتمسكوا ~~بالجمعة ، لا يتظالمون ولا يتحاسدون ولا يصل إليهم منا أحد ولا / إلينا ~~منهم أحد . وقال بعض المحققين : هذا القول ضعيف لأنه إما أن يقال : وصل ~~إليهم خبر محمد صلى الله عليه وسلم ، أو ما وصل إليهم هذا الخبر . # فإن قلنا : وصل خبره إليهم ، ثم إنهم أصروا على اليهودية فهم كفار ، فكيف ~~يجوز وصفهم بكونهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ؟ وإن قلنا بأنهم لم يصل ~~إليهم خبر محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذا بعيد ، لأنه لما وصل خبرهم إلينا ~~، مع أن الدواعي لا تتوفر على نقل أخبارهم ، فكيف يعقل أن لا يصل إليهم خبر ~~محمد عليه الصلاة والسلام مع أن الدنيا قد امتلأت من خبره وذكره ؟ # فإن قالوا : أليس إن يأجوج ومأجوج قد وصل خبرهم إلينا ولم يصل خبرنا ~~إليهم ؟ # قلنا : هذا ممنوع ، فمن أين عرف أنه لم يصل خبرنا إليهم ، فهذا جملة ما ~~قيل في هذا الباب . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { يهدون بالحق } أي يدعون الناس إلى الهداية ~~بالحق { وبه يعدلون } قال PageV15P027 الزجاج : العدل الحكم بالحق . يقال : ~~هو يقضي بالحق ويعدل ؛ وهو حكم عادل ، ومن ذلك قوله : { ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء } ( النساء : 129 ) وقوله : { وإذا قلتم فاعدلوا } ( ~~الأنعام : 152 ) . # ! 7 < { وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطا أمما وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه ~~قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس ~~مشربهم وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 160 ) وقطعناهم اثنتي عشرة . . . . . # > > اعلم أن المقصود من هذه الآية ، شرح نوعين من أحوال بني إسرائيل : ~~أحدهما : أنه تعالى جعلهم اثني عشر سبطا ، وقد تقدم هذا في سورة البقرة ، ~~أو المراد أنه تعالى فرق بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة ، لأنهم كانوا من ~~اثني عشر ms4185 رجلا من أولاد يعقوب ، فميزهم وفعل بهم ذلك لئلا يتحاسدوا فيقع ~~فيهم الهرج والمرج . وقوله : { وقطعناهم } أي صيرناهم قطعا أي فرقا وميزنا ~~بعضهم من بعض وقرىء { وقطعناهم } بالتخفيف وههنا سؤالان : # / السؤال الأول : مميز ما عدا العشرة مفرد ، فما وجه مجيئه مجموعا ، وهلا ~~قيل : اثني عشر سبطا ؟ # والجواب : المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة ، وكل قبيلة أسباط ، فوضع ~~أسباطا موضع قبيلة . # السؤال الثاني : قال : { اثنتى عشرة أسباطا } مع أن السبط مذكر لا مؤنث . # الجواب قال الفراء : إنما قال ذلك ، لأنه تعالى ذكر بعده { أمما } فذهب ~~التأنيث إلى الأمم . # ثم قال : ولو قال : اثني عشر لأجل أن السبط مذكر كان جائزا . وقال الزجاج ~~: المعنى { وقطعناهم اثنتى عشرة } فرقة { أسباطا } فقوله : { أسباطا } نعت ~~لموصوف محذوف ، وهو الفرقة . وقال أبو علي الفارسي : ليس قوله : { أسباطا } ~~تمييزا ، ولكنه بدل من قوله : { اثنتى عشرة } . # وأما قوله : { أمما } قال صاحب ( الكشاف ) : هو بدل من { اثنتى عشرة } ~~بمعنى : وقطعناهم أمما لأن كل سبط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد ، وكل ~~واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى ولا تكاد تأتلف . وقرىء { اثنتى عشرة } ~~بكسر الشين . # النوع الثاني : من شرح أحوال بني إسرائيل قوله تعالى : { وأوحينا إلى ~~موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر } وهذه القصة أيضا قد تقدم ذكرها ~~في سورة البقرة . قال الحسن : ما كان إلا حجرا اعترضه وإلا عصا أخذها . # واعلم أنهم كانوا ربما احتاجوا في التيه إلى ماء يشربونه ، فأمر الله ~~تعالى موسى عليه السلام أن يضرب PageV15P028 بعصاه الحجر . وكانوا يريدونه ~~مع أنفسهم فيأخذوا منه قدر الحاجة ، وقوله : { فانبجست } قال الواحدي : ~~فانبجس الماء وانبجاسه انفجاره . يقال : بجس الماء يبجس وانبجس وتبجس إذا ~~تفجر ، هذا قول أهل اللغة ، ثم قال : والانبجاس والانفجار سواء ، وعلى هذا ~~التقدير فلا تناقض بين الانبجاس المذكور ههنا وبين الانفجار المذكور في ~~سورة البقرة ، وقال آخرون : الانبجاس خروج الماء بقلة ، والانفجار خروجه ~~بكثرة ، وطريق الجمع : أن الماء ابتدأ بالخروج قليلا ، ثم صار كثيرا ، وهذا ~~الفرق مروي عن أبي عمرو بن العلاء ، ولما ms4186 ذكر تعالى أنه كيف كان يسقيهم ، ~~ذكر ثانيا أنه ظلل الغمام عليهم ، وثالثا : أنه أنزل عليهم المن والسلوى ، ~~ولا شك أن مجموع هذه الأحوال نعمة عظيمة من الله تعالى ، لأنه تعالى سهل ~~عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه ودفع عنهم مضار الشمس . # ثم قال : { كلوا من طيبات ما رزقناكم } والمراد أقصر أنفسهم على ذلك ~~المطعوم وترك غيره . # / ثم قال تعالى : { وما ظلمونا } وفيه حذف ، وذلك لأن هذا الكلام إنما ~~يحسن ذكره لو أنهم تعدوا ما أمرهم الله به ، وذلك إما بأن تقول إنهم ادخروا ~~مع أن الله منعهم منه ، أو أقدموا على الأكل في وقت منعهم الله عنه ، أو ~~لأنهم سألوا غير ذلك مع أن الله منعهم منه ، ومعلوم أن المكلف إذا ارتكب ~~المحظور فهو ظالم لنفسه ، فلذلك وصفهم الله تعالى به ونبه بقوله : { وما ~~ظلمونا ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } وذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية ~~فهو ما أضر إلا نفسه حيث سعى في صيرورة نفسه مستحقة للعقاب العظيم . # ! 7 < { وإذ قيل لهم اسكنوا هاذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة ~~وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا ~~منهم قولا غير الذى قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء بما كانوا يظلمون ~~} . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 161 - 162 ) وإذ قيل لهم . . . . . # > > # اعلم أن هذه لقصة أيضا مذكورة مع الشرح والبيان في سورة البقرة . # بقي أن يقال : إن ألفاظ هذه الآية تخالف ألفاظ الآية التي في سورة البقرة ~~من وجوه : الأول : في سورة البقرة { وإذ قلنا ادخلوا هاذه القرية } ( ~~البقرة : 58 ) وههنا قال : { وإذ قيل لهم اسكنوا هاذه القرية } والثاني : ~~أنه قال في سورة البقرة { فكلوا } بالفاء وههنا { وكلوا } بالواو . والثالث ~~: أنه قال في سورة البقرة { رغدا } وهذه الكلمة غير مذكورة في هذه السورة . ~~والرابع : أنه قال في سورة البقرة : { وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة } ~~وقال ههنا على التقديم والتأخير . والخامس : أنه قال في البقرة { نغفر لكم ~~خطاياكم } وقال ههنا : { نغفر لكم خطيئاتكم } والسادس : أنه قال في ms4187 سورة ~~البقرة : { وسنزيد المحسنين } وههنا حذف PageV15P029 حرف الواو . والسابع : ~~أنه قال في سورة البقرة : { فأنزلنا على الذين ظلموا } وقال ههنا : { ~~فأرسلنا عليهم } والثامن : أنه قال في سورة البقرة : { بما كانوا يفسقون } ~~وقال ههنا : { بما كانوا يظلمون } واعلم أن هذه الألفاظ متقاربة ولا منافاة ~~بينها البتة ، ويمكن ذكر فوائد هذه الألفاظ المختلفة . # أما الأول : وهو أنه قال في سورة البقرة : { ادخلوا هاذه القرية } وقال ~~ههنا : { اسكنوا } فالفرق أنه لا بد من دخول القرية أولا ، ثم سكونها ثانيا ~~. # وأما الثاني : فهو أنه تعالى قال في البقرة : { ادخلوا هاذه القرية فكلوا ~~} بالفاء . وقال ههنا : { اسكنوا هاذه القرية وكلوا } بالواو والفرق أن ~~الدخول حالة مخصوصة ، كما يوجد بعضها ينعدم . فإنه إنما يكون داخلا في أول ~~دخوله ، وأما ما بعد ذلك فيكون سكونا لا دخولا . # إذا ثبت هذا فنقول : الدخول حالة منقضية زائلة وليس لها استمرار . فلا ~~جرم يحسن ذكر فاء التعقيب بعده ، فلهذا قال : { ادخلوا هاذه القرية } وأما ~~السكون فحالة مستمرة باقية . فيكون الأكل حاصلا معه لا عقيبه فظهر الفرق . # وأما الثالث : وهو أنه ذكر في سورة البقرة { رغدا } وما ذكره هنا فالفرق ~~الأكل عقيب دخول القرية يكون ألذ ، لأن الحاجة إلى ذلك الأكل كانت أكمل ~~وأتم ، ولما كان ذلك الأكل ألذ لا جرم ذكر فيه قوله : { رغدا } وأما الأكل ~~حال سكون القرية ، فالظاهر أنه لا يكون في محل الحاجة الشديدة ما لم تكن ~~اللذة فيه متكاملة ، فلا جرم ترك قوله : { رغدا } فيه . # وأما الرابع : وهو قوله في سورة البقرة : { وادخلوا الباب سجدا وقولوا ~~حطة } وفي سورة الأعراف على العكس منه ، فالمراد التنبيه على أنه يحسن ~~تقديم كل واحد من هذين الذكرين على الآخر ، إلا أنه لما كان المقصود منهما ~~تعظيم الله تعالى ، وإظهار الخضوع والخشوع لم يتفاوت الحال بحسب التقديم ~~والتأخير . # وأما الخامس : وهو أنه قال في سورة البقرة : { خطاياكم } وقال ههنا : { ~~خطيئاتكم } فهو إشارة إلى أن هذه الذنوب سواء كانت قليلة أو كثيرة ، فهي ~~مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرع . # وأما السادس ms4188 : وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة : { وسنزيد } بالواو ~~وههنا حذف الواو فالفائدة في حذف الواو أنه استئناف ، والتقدير : كان قائلا ~~قال : وماذا حصل بعد الغفران ؟ فقيل له { سنزيد المحسنين } . # وأما السابع : وهو الفرق بين قوله : { أنزلنا } وبين قوله : { أرسلنا } ~~فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة ، والإرسال يشعر بها ، فكأنه تعالى بدأ ~~بإنزال العذاب القليل ، ثم جعله كثيرا ، وهو نظير ما ذكرناه في الفرق بين ~~قوله : { فانبجست } وبين قوله : { فانفجرت } . # / وأما الثامن : وهو الفرق بين قوله : { يظلمون } وبين قوله : { يفسقون } ~~فذلك لأنهم موصوفون بكونهم ظالمين ، لأجل أنهم ظلموا أنفسهم ، وبكونهم ~~فاسقين ، لأجل أنهم خرجوا عن طاعة الله تعالى ، فالفائدة في ذكر هذين ~~الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين ، فهذا ما خطر بالبال في ذكر فوائد ~~هذه الألفاظ المختلفة ، وتمام العلم بها عند الله تعالى . # PageV15P030 ! 7 < { وسئلهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر إذ يعدون فى ~~السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذالك ~~نبلوهم بما كانوا يفسقون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 163 ) واسألهم عن القرية . . . . . # > > اعلم أن هذه القصة أيضا مذكورة في سورة البقرة . وفيها مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { * واسألهم } المقصود تعرف هذه القصة من ~~قبلهم ، لأن هذه القصة قد صارت معلومة للرسول من قبل الله تعالى ، وإنما ~~المقصود من ذكر هذا السؤال أحد أشياء : الأول : أن المقصود من ذكر هذا ~~السؤال تقرير أنهم كانوا قد أقدموا على هذا الذنب القبيح والمعصية الفاحشة ~~تنبيها لهم على أن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبمعجزاته ~~ليس شيئا حدث في هذا الزمان ، بل هذا الكفر والإصرار كان حاصلا في أسلافهم ~~من الزمان القديم . # والفائدة الثانية : أن الإنسان قد يقول لغيره هل هذا الأمر كذا وكذا ؟ ~~ليعرف بذلك أنه محيط بتلك الواقعة ، وغير ذاهل عن دقائقها ، ولما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم رجلا أميا لم يتعلم علما ، ولم يطالع كتابا ، ثم أنه ~~يذكر هذه القصص على وجهها من غير تفاوت ولا زيادة ولا نقصان ، كان ذلك ~~جاريا ms4189 مجرى المعجز . # المسألة الثانية : الأكثرون على أن تلك القرية أيلة . وقيل : مدين . وقيل ~~طبرية ، والعرب تسمى المدينة قرية ، وعن أبي عمرو بن العلاء ما رأيت قرويين ~~أفصح من الحسن والحجاج يعني رجلين من أهل المدن ، وقوله : { التى كانت ~~حاضرة البحر } يعني قريبة من البحر وبقربه وعلى شاطئه والحضور نقيض الغيبة ~~كقوله تعالى : { ذالك لمن * يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } ( البقرة : 196 ~~) وقوله : { إذ يعدون فى السبت } يعني يجاوزون حد الله فيه ، وهو اصطيادهم ~~يوم السبت وقد نهوا عنه ، وقرىء { يعدون } بمعنى يعتدون أدغمت التاء في ~~الدال ونقلت حركتها إلى العين و { يعدون } من الأعداد وكانوا يعدون آلات ~~الصيد يوم السبت وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة و { السبت } ~~مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها فقوله : { إذ يعدون فى السبت } معناه ~~يعدون في تعظيم هذا اليوم ، وكذلك قوله : { يوم سبتهم } معناه : يوم ~~تعظيمهم أمر السبت ، ويدل عليه قوله : { ويوم لا يسبتون } ويؤكده أيضا ~~قراءة عمر بن عبد العزيز { يوم } وقرىء { ويوم لا يسبتون } بضم الباء ، ~~وقرأ على رضى الله عنه { لا يسبتون } بضم الياء من أسبتوا ، وعن الحسن { لا ~~يسبتون } على البناء للمفعول ، وقوله : { إذ تأتيهم حيتانهم } نصب بقوله : ~~{ يعدون } والمعنى : سلهم إذ عدوا في وقت الإتيان ، وقوله : { يوم سبتهم ~~شرعا } أي ظاهرة على الماء وشرع جمع شارع وشارعة وكل شيء دان من شيء فهو ~~شارع ، ودار شارعة أي دنت من الطريق ، ونجوم شارعة أي دنت من المغيب . وعلى ~~هذا فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها ، قال ابن عباس ومجاهد ~~: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به ، يوم الجمعة ، فتركوه واختاروا ~~السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد PageV15P031 فيه وأمروا بتعظيمه ، ~~فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر . فإذا انقضى ~~السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل . وذلك بلاء ابتلاهم الله به ، ~~فذلك معنى قوله : { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } وقوله : { كذالك نبلوهم } ~~أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم ، وذلك ms4190 يدل على أن من أطاع ~~الله تعالى خفف الله عنه أحوال الدنيا والآخرة ومن عصاه ابتلاه بأنواع ~~البلاء والمحن / واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجب عليه رعاية ~~الصلاح والأصلح لا في الدين ولا في الدنيا وذلك لأنه تعالى علم أن تكثير ~~الحيتان يوم السبت ربما يحملهم على المعصية والكفر ، فلو وجب عليه رعاية ~~الصلاح والأصلح ، لوجب أن لا يكثر هذه الحيتان في ذلك اليوم صونا لهم عن ذل ~~الكفر والمعصية . فلما فعل ذلك ولم يبال بكفرهم ومعصيتهم علمنا أن رعاية ~~الصلاح والأصلح غير واجبة على الله تعالى . # ! 7 < { وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا ~~الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون } . ~~> 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 164 - 165 ) وإذ قالت أمة . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { وإذ قالت } معطوف على قوله : { إذ يعدون } وحكمه حكمه ~~في الأعراب وقوله : { أمة منهم } أي جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ~~ركبوا الصعب والذلول في موعظة أولئك الصيادين حتى أيسوا من قبولهم لأقوام ~~آخرين ما كانوا يقلعون عن وعظهم . وقوله : { لم تعظون قوما الله مهلكهم } ~~أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم { أو معذبهم عذابا شديدا } لتماديهم في الشر ، ~~وإنما قالوا ذلك لعلمهم أن الوعظ لا ينفعهم وقوله : { قالوا معذرة إلى ربكم ~~} فيه بحثان : # البحث الأول : قرأ حفص عن عاصم { معذرة } بالنصب والباقون بالرفع ، أما ~~من نصب { معذرة } فقال الزجاج معناه : نعتذر معذرة ، وأما من رفع فالتقدير ~~: هذه معذرة أو قولنا معذرة وهي خبر لهذا المحذوف . # البحث الثاني : المعذرة مصدر كالعذر ، وقال أبو زيد : عذرته أعذره عذرا ~~ومعذرة ، ومعنى عذره في اللغة أي قام بعذره ، وقيل : عذره ، يقال : من ~~يعذرني أي يقوم بعذري ، وعذرت فلانا فيما صنع أي قمت بعذره ، فعلى هذا معنى ~~قوله : { معذرة إلى ربكم } أي قيام منا بعذر أنفسنا إلى الله تعالى ، فإنا ~~إذا طولنا بإقامة النهي عن المنكر . # قلنا ms4191 : قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ، وقال الأزهري : المعذرة اسم على ~~مفعلة من عذر يعذر وأقيم مقام الاعتذار . كأنهم قالوا : موعظتنا اعتذار إلى ~~ربنا . فأقيم الاسم مقام الاعتذار ، ويقال : اعتذر فلان اعتذارا وعذرا ~~ومعذرة من ذنبه فعذرته ، وقوله : { ولعلهم يتقون } أي وجائز عندنا أن ~~ينتفعوا بهذا الوعظ فيتقوا الله ويتركوا هذا الذنب . PageV15P032 # إذا عرفت هذا فنقول : في هذه الآية قولان : # القول الأول : أن أهل القرية منهم من صاد السمك وأقدم على ذلك الذنب ~~ومنهم من لم يفعل ذلك ، وهذا القسم الثاني صاروا قسمين : منهم من وعظ ~~الفرقة المذنبة ، وزجرهم عن ذلك الفعل ، ومنهم من سكت عن ذلك الوعظ ، ~~وأنكروا على الواعظين وقالوا لهم : لم تعظوهم ، مع العلم بأن / الله مهلكهم ~~أو معذبهم ؟ يعني : أنهم قد بلغوا في الإصرار على هذا الذنب إلى حد لا ~~يكادون يمنعون عنه ، فصار هذا الوعظ عديم الفائدة عديم الأثر ، فوجب تركه . # والقول الثاني : أن أهل القرية كانوا فرقتين : فرقة أقدمت على الذنب ، ~~وفرقة أحجموا عنه ووعظوا الأولين ، فلما اشتغلت هذه الفرقة بوعظ الفرقة ~~المذنبة المتعدية المقدمة على القبيح ، فعند ذلك قالت الفرقة المذنبة ~~للفرقة الواعظة { لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم } بزعمكم ؟ قال ~~الواحدي : والقول الأول أصح ، لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله : { معذرة ~~إلى ربكم } خطابا من الفرقة الناهية للفرقة المعتدية لقالوا : { ولعلكم * ~~تتقون } . # أما قوله : { فلما نسوا ما ذكروا به } يعني : أنهم لما تركوا ما ذكرهم به ~~الصالحون ترك الناسي لما ينساه ، أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا ~~الظالمين المقدمين على فعل المعصية . # واعلم أن لفظ الآية يدل على أن الفرقة المتعدية هلكت ، والفرقة الناهية ~~عن المنكر نجت . أما الذين قالوا : { لم تعظون } فقد اختلف المفسرون في ~~أنهم من أي الفريقين كانوا ؟ فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه توقف فيه ~~. ونقل عنه أيضا : هلكت الفرقتان ونجت الناهية ، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه ~~الآية بكى وقال : إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ، ونحن ~~نرى أشياء ننكرها ، ثم نسكت ms4192 ولا نقول شيئا . قال الحسن : الفرقة الساكتة ~~ناجية ، فعلى هذا نجت فرقتان وهلكت الثالثة . واحتجوا عليه بأنهم لما قالوا ~~: { لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم } دل ذلك على أنهم كانوا منكرين ~~عليهم أشد الإنكار ، وأنهم إنما تركوا وعظهم لأنه غلب على ظنهم أنهم لا ~~يلتفتون إلى ذلك الوعظ ولا ينتفعون به . # فإن قيل : إن ترك الوعظ معصية ، والنهي عنه أيضا معصية ، فوجب دخول هؤلاء ~~التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله : { وأخذنا الذين ظلموا } . # قلنا : هذا غير لازم ، لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية . فإذا ~~قام به البعض سقط عن الباقين ، ثم ذكر أنه تعالى أخذهم بعذاب بئيس ، ~~والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر ذكره . وقوله : { بعذاب بئيس } أي ~~شديد وفي هذه اللفظة قراآت : أحدها : { بئيس } بوزن فعيل . قال أبو علي : ~~وفيه وجهان : الأول : أن يكون فعيلا من بؤس يبؤس بأسا إذا اشتد . والآخر : ~~ما قاله أبو زيد ، وهو أنه من البؤس وهو الفقر يقال بئس الرجل يبأس بؤسا ~~وبأسا وبئيسا إذا افتقر فهو بائس ، أي فقير . فقوله : { بعذاب بئيس } أي ذي ~~بؤس . والقراءة الثانية { بئس } بوزن حذر . والثالثة : { * بيس } على قلب ~~الهمزة ياء ، كالذيب في ذئب ، والرابعة : { * بيئس } على فيعل . والخامسة : ~~{ * بيس } كوزن / ريس على قلب همزة بئيس ياء وإدغام الياء فيها . والسادسة ~~: { * بيس } على تخفيف بيس كهين في هين ، وهذه القراآت نقلها صاحب ( الكشاف ~~) . ثم بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب بهم تمردوا . # PageV15P033 ! 7 < { فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 166 ) فلما عتوا عن . . . . . # > > وفيه مباحث : # البحث الأول : العتو عبارة عن الإباء والعصيان ، وإذا عتوا عما نهوا عنه ~~فقد أطاعوا ، لأنهم أبوا عما نهوا عنه ، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك فلا بد ~~من إضمار ، والتقدير : فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه ، ثم حذف المضاف ، ~~وإذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكابا للمنهى . # البحث الثاني : من الناس من قال : إن قوله : { عنه قلنا لهم كونوا قردة } ~~ليس ms4193 من المقال ، بل المراد منه : أنه تعالى فعل ذلك . قال : وفيه دلالة على ~~أن قوله : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل : ~~40 ) هو بمعنى الفعل لا الكلام . وقال الزجاج : أمروا بأن يكونوا كذلك بقول ~~سمع فيكون أبلغ . # واعلم أن حمل هذا الكلام على هذا بعيد ، لأن المأمور بالفعل يجب أن يكون ~~قادرا عليه ، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة . # البحث الثالث : قال ابن عباس : أصبح القوم وهم قردة صاغرون ، فمكثوا كذلك ~~ثلاثا فرآهم الناس ثم هلكوا . ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن شباب ~~القوم صاروا قردة ، والشيوخ خنازير ، وهذا القول على خلاف الظاهر . ~~واختلفوا في أن الذين مسخوا هل بقوا قردة ؟ وهل هذه القردة من نسلهم أو ~~هلكوا ، وانقطع نسلهم ، ولا دلالة في الآية عليه ، والكلام في المسخ وما ~~فيه من المباحثات قد سبق بالاستقصاء في سورة البقرة . والله أعلم . # ! 7 < { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ~~إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 167 ) وإذ تأذن ربك . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما شرح ههنا بعض مصالح أعمال اليهود وقبائح أفعالهم ~~ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة ، قال ~~سيبويه : أذن أعلم . وأذن نادى وصاح للإعلام ومنه قوله تعالى : { فأذن مؤذن ~~بينهم } ( الأعراف : 44 ) وقوله : { تأذن } بمعنى أذن أي أعلم . ولفظة تفعل ~~، ههنا ليس معناه أنه أظهر شيئا ليس فيه ، بل معناه فعل فقوله : { تأذن } ~~بمعنى أذن كما في قوله : { سبحانه وتعالى عما يشركون } ( يونس : 18 ) معناه ~~علا وارتفع لا بمعنى أنه أظهر من نفسه العلو ، وإن لم يحصل ذلك فيه وأما ~~قوله { ليبعثن عليهم } ففيه بحثان : # البحث الأول : أن اللام في قوله : { ليبعثن } جواب القسم لأن قوله : { ~~وإذ تأذن } جار مجرى القسم في كونه جازما بذلك الخبر . # البحث الثاني : الضمير في قوله : { عليهم } يقتضي أن يكون راجعا إلى قوله ~~: { فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا ms4194 لهم كونوا قردة خاسئين } ( الأعراف : ~~166 ) PageV15P034 لكنه قد علم أن الذين مسخوا لم يستمر عليهم التكليف . ثم ~~اختلفوا فقال بعضهم : المراد نسلهم والذين بقوا منهم . وقال آخرون : بل ~~المراد سائر اليهود فإن أهل القرية كانوا بين صالح وبين متعد فمسخ المتعدي ~~وألحق الذل بالبقية ، وقال الأكثرون : هذه الآية في اليهود الذين أدركهم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته ، وهذا أقرب . لأن المقصود من ~~هذه الآية تخويف اليهود الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وزجرهم عن البقاء على اليهودية ، لأنهم إذا علموا بقاء الذل عليهم إلى يوم ~~القيامة انزجروا . # البحث الثالث : لا شبهة في أن المراد اليهود الذين ثبتوا على الكفر ~~واليهودية ، فأما الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فخارجون عن هذا ~~الحكم . # أما قوله : { إلى يوم القيامة } فهذا تنصيص على أن ذلك العذاب ممدود إلى ~~يوم القيامة وذلك يقتضي أن ذلك العذاب إنما يحصل في الدنيا ، وعند ذلك ~~اختلفوا فيه فقال بعضهم : هو أخذ الجزية . وقيل : الاستخفاف والإهانة ~~والإذلال لقوله تعالى : { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا } وقيل : القتل ~~والقتال . وقيل : الإخراج والإبعاد من الوطن ، وهذا القائل جعل هذه الآية ~~في أهل خيبر وبني قريظة والنضير ، وهذه الآية نزلت في اليهود على أنه لا ~~دولة ولا عز ، وأن الذل يلزمهم ، والصغار لا يفارقهم . ولما أخبر الله ~~تعالى في زمان محمد عن هذه الواقعة . ثم شاهدنا بأن الأمر كذلك كان هذا ~~أخبارا صدقا عن الغيب ، فكان معجزا ، والخبر المروي في أن أتباع الرجال هم ~~اليهود إن صح ، فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهودا ثم دانوا بإلهيته ، ~~فذكروا بالاسم الأول ولولا ذلك لكان في وقت اتباعهم الدجال قد خرجوا عن ~~الذلة والقهر ، وذلك خلاف هذه الآية . واحتج بعض العلماء / على لزوم الذل ~~والصغار لليهود بقوله تعالى : { ضربت عليهم الذلة * أينما ثقفوا * إلا بحبل ~~من الله } ( آل عمران : 112 ) إلا أن دلالتها ليست قوية لأن الاستثناء ~~المذكور في هذه الآية يمنع من القطع على لزوم الذل لهم ms4195 في كل الأحوال . أما ~~الآية التي نحن في تفسيرها لم يحصل فيها تقييد ولا استثناء ، فكانت دلالتها ~~على هذا المعنى قوية جدا . واختلفوا في أن الذين يلحقون هذا الذل بهؤلاء ~~اليهود من هم / فقال بعضهم : الرسول وأمته وقيل يحتمل دخول الولاة الظلمة ~~منهم ، وإن لم يؤمروا بالقيام بذلك إذا أذلوهم . وهذا القائل حمل قوله : { ~~ليبعثن } على نحو قوله : { أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } ( مريم : 83 ~~) فإذا جاز أن يكون المراد بالإرسال التخلية ، وترك المنع ، فكذلك البعثة ، ~~وهذا القائل . قال : المراد بختنصر وغيره إلى هذا اليوم ، ثم أنه تعالى ختم ~~الآية بقوله : { إن ربك لسريع العقاب } والمراد التحذير من عقابه في الآخرة ~~مع الذلة في الدنيا { وإنه لغفور رحيم } لمن تاب من الكفر واليهودية ، ودخل ~~في الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم . # ! 7 < { وقطعناهم في الا رض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذالك وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 168 ) وقطعناهم في الأرض . . . . . # > > PageV15P035 # واعلم أن قوله : { وقطعناهم } أحد ما يدل على أن الذي تقدم من قوله : { ~~ليبعثن عليهم } ( الأعراف : 167 ) المراد جملة اليهود ، ومعنى { * قطعناهم ~~} أي فرقناهم تفريقا شديدا . فلذلك قال بعده : { وقطعناهم في الارض أمما } ~~وظاهر ذلك أنه لا أرض مسكونة إلا ومنهم فيها أمة ، وهذا هو الغالب من حال ~~اليهود ، ومعنى قطعناهم ، فإنه قلما يوجد بلد إلا وفيه طائفة منهم . # ثم قال : { منهم الصالحون } قيل المراد القوم الذين كانوا في زمن موسى ~~عليه السلام لأنه كان فيهم أمة يهدون بالحق . وقال ابن عباس ومجاهد : يريد ~~الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وقوله : { ومنهم دون ذالك ~~} أي ومنهم قوم دون ذلك ، والمراد من أقام على اليهودية . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون قوله : { ومنهم دون ذالك } من يكون صالحا ~~إلا أن صلاحه كان دون صلاح الأولين لأن ذلك إلى الظاهر أقرب . # قلنا : أن قوله بعد ذلك : { لعلهم يرجعون } يدل على أن المراد بذلك من ~~ثبت على اليهودية وخرج من الصلاح . # / أما قوله : { وبلوناهم بالحسنات ms4196 والسيئات } أي عاملناهم معاملة المبتلى ~~المختبر بالحسنات ، وهي النعم والخصب والعافية ، والسيئات هي الجدب ~~والشدائد ، قال أهل المعاني : وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى ~~الطاعة ، أما النعم فلأجل الترغيب ، وأما النقم فلأجل الترهيب . وقوله : { ~~يرجعون } يريد كي يتوبوا . # ! 7 < { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هاذا الا دنى ويقولون ~~سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الا خرة خير للذين يتقون ~~أفلا تعقلون * والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلواة إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 169 - 170 ) فخلف من بعدهم . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { فخلف من بعدهم خلف } ظاهره أن الأول ممدوح . والثاني ~~مذموم ، وإذا كان كذلك ، فيجب أن يكون المراد : فخلف من بعد الصالحين منهم ~~الذين تقدم ذكرهم خلف . قال الزجاج : الخلف ما أخلف عليك مما أخذ منك ، ~~فلهذا السبب يقال للقرن الذي يجيء في إثر قرن خلف ، ويقال فيه أيضا خلف ، ~~وقال أحمد بن يحيى : الناس كلهم يقولون خلف صدق وخلف سوء ، وخلف للسوء لا ~~غير . وحاصل PageV15P036 الكلام : أن من أهل العربية من قال الخلف والخلف ~~قد يذكر في الصالح وفي الرديء ، ومنهم من يقول الخلف مخصوص بالذم قال لبيد ~~. # % وبقيت في خلف كجلد الأجرب % % # ومنهم من يقول : الخلف المستعمل في الذم مأخوذ من الخلف ، وهو الفساد ، ~~يقال للردىء من القول خلف ، ومنه المثل المشهور سكت ألفا ونطق خلفا ، وخلف ~~الشيء يخلف خلوفا وخلفا إذا فسد / وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته . وقوله : { ~~يأخذون عرض هاذا الادنى } قال أبو عبيدة جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء ، ~~يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وأما العرض بسكون الراء فما ~~خالف العين ، أعني الدراهم والدنانير وجمعه عروض ، فكان كل عرض عرضا وليس ~~كل عرض عرضا ، والمراد بقوله : { عرض هاذا الادنى } أي حطام هذا الشيء ~~الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها ، وفي قوله : { هاذا الادنى } تخسيس ~~وتحقير ، و { الادنى } إما من الدنو ms4197 بمعنى القرب لأنه عاجل قريب ، وإما من ~~دنو الحال وسقوطها وقلتها . والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام ~~على تحريف الكلام . ثم حكى تعالى عنهم أنهم يستحقرون ذلك الذنب ويقولون ~~سيغفر لنا . # ثم قال : { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } والمراد الأخبار عن إصرارهم على ~~الذنوب . وقال الحسن هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يستمتعون منها ~~. ثم بين تعالى قبح فعلهم فقال : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب } أي ~~التوراة { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } قيل المراد منعهم عن تحريف ~~الكتاب وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة ، وقيل : المراد أنهم قالوا سيغفر ~~لنا هذا الذنب مع الإصرار ، وذلك قول باطل . # فإن قيل : فهذا القول يدل على أن حكم التوراة هو أن صاحب الكبيرة لا يغفر ~~له . # قلنا : أنهم كانوا يقطعون بأن هذه الكبيرة مغفورة ، ونحن لا نقطع ~~بالغفران بل نرجو الغفران ، ونقول : إن بتقدير أن يعذب الله عليها فذلك ~~العذاب منقطع غير دائم . # ثم قال تعالى : { ودرسوا ما فيه } أي فهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد ~~قرؤه ودرسوه . # ثم قال : { والدار الاخرة خير للذين يتقون } من تلك الرشوة الخبيثة ~~المحقرة { أفلا يعقلون } . # أما قوله تعالى : { والذين يمسكون بالكتاب } يقال مسكت بالشيء وتمسكت به ~~واستمسكت به وامتسكت به ، وقرأ أبو بكر عن عاصم { يمسكون } مخففة والباقون ~~بالتشديد . أما حجة عاصم فقوله تعالى : { فإمساك بمعروف } ( البقرة : 229 ) ~~وقوله : { أمسك عليك زوجك } ( الأحزاب : 37 ) وقوله : { فكلوا مما أمسكن ~~عليكم } ( المائدة : 4 ) قال الواحدي : والتشديد أقوى ، لأن التشديد للكثرة ~~وههنا أريد به الكثرة ، ولأنه يقال : أمسكته ، وقلما يقال أمسكت به . # إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : { والذين يمسكون بالكتاب } قولان : # القول الأول : أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره { إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين } والمعنى : إنا لا نضيع أجرهم وهو كقوله : { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ( الكهف : 30 ) وهذا الوجه ~~حسن لأنه لما ذكر وعيد من ترك التمسك بالكتاب أردفه بوعد من تمسك به . ~~PageV15P037 # والقول الثاني ms4198 : أن يكون مجرورا عطفا على قوله : { الذين يتقون } ويكون ~~قوله : { إنا لا نضيع } / زيادة مذكورة لتأكيد ما قبله . # فإن قيل : التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة ، ومنها إقامة الصلاة فكيف ~~أفردت بالذكر ؟ # قلنا : إظهارا لعلو مرتبة الصلاة ، وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان . # ! 7 < { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا مآ ~~ءاتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 171 ) وإذ نتقنا الجبل . . . . . # > > قال أبو عبيدة : أصل النتق قلع الشيء من موضعه ، والرمي به . يقال : ~~نتق ما في الجراب إذا رمى به وصبه . وامرأة ناتق ومنتاق إذا كثر ولدها ~~لأنها ترمي بأولادها رميا فمعنى { نتقنا الجبل } أي قلعناه من أصله وجعلناه ~~فوقهم وقوله : { كأنه ظلة } قال ابن عباس : كأنه سقيفة والظلة كل ما أظلك ~~من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط ، والجمع ظلل وظلال ، وهذه القصة مذكورة ~~في سورة البقرة { وظنوا أنه واقع بهم } ( الأعراف : 171 ) قال المفسرون : ~~علموا وأيقنوا . وقال أهل المعاني : قوي في نفوسهم أنه واقع بهم إن خالفوه ~~، وهذا هو الأظهر في معنى الظن ، ومضى الكلام فيه عند قوله { الذين يظنون ~~أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) روى أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة ~~لغلظها وثقلها ، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم ، وكان فرسخا في ~~فرسخ ، وقيل لهم : إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم ، فلما نظروا إلى ~~الجبل خر كل واحد منهم ساجدا على حاجبه الأيسر ، وهو ينظر بعينه اليمنى ~~خوفا من سقوطه ، فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر وهو ينظر ~~بعينه اليمنى ، ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة . # ثم قال تعالى : { خذوا ما ءاتيناكم بقوة } أي وقلنا خذوا ما آتيناكم أو ~~قائلين : خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه { ~~واذكروا ما فيه } من الأوامر والنواهي ، أي واذكروا ما فيه من الثواب ~~والعقاب ، ويجوز أن يراد : خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة ، إن ~~كنتم تطيقونه كقوله : { إن استطعتم أن تنفذوا ms4199 من أقطار * السماوات والارض * ~~فانفذوا } ( الرحمن : 33 ) واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ~~لعلكم تتقون ما أنتم عليه . # ! 7 < { وإذ أخذ ربك من بنىءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هاذا غافلين ~~* أو تقولوا إنمآ أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون * وكذالك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 172 - 174 ) وإذ أخذ ربك . . . . . # > > PageV15P038 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع ~~توابعها على أقصى الوجوه ذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تقرير الحجة على ~~جميع المكلفين ، وفي تفسير هذه الآية قولان : الأول : وهو مذهب المفسرين ~~وأهل الأثر ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر رضي الله عنه سئل عن هذه ~~الآية فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال : ( إن الله ~~سبحانه وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة ~~وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء ~~للنار وبعمل أهل النار يعملون ) فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل ؟ فقال ~~عليه الصلاة والسلام : ( إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل ~~الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة وإذا خلق العبد ~~للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله ~~الله النار ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ( لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته ~~إلى يوم القيامة ) وقال مقاتل : ( إن الله مسح صفحة ظهر آدم سوداء كهيئة ~~الذر فقال يآدم هؤلاء ذريتك . # / ثم قال لهم : { ألست بربكم قالوا بلى } فقال للبيض هؤلاء في الجنة ~~برحمتي وهم أصحاب اليمين ، وقال للسود هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب ~~الشمال وأصحاب المشأمة ثم أعادهم ms4200 جميعا في صلب آدم ، فأهل القبول محبوسون ~~حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال ، وأرحام النساء . وقال تعالى ~~فيمن نقض العهد الأول { وما وجدنا لاكثرهم من عهد } ( الأعراف : 102 ) وهذا ~~القول قد ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ~~، والضحاك ، وعكرة ، والكلبي ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه أبصر آدم ~~في ذريته قوما لهم نور . فقال يا رب من هم ؟ فقال الأنبياء ، ورأى واحدا هو ~~أشدهم نورا فقال من هو ؟ قال داود ، قال فكم عمره قال سبعون سنة قال آدم : ~~هو قليل قد وهبته من عمري أربعين سنة ، وكان عمر آدم ألف سنة ، فلما تم عمر ~~آدم تسعمائه وستين سنة أتاه ملك الموت ليقبض روحه ، فقال بقي من أجلي ~~أربعون سنة ، فقال : ألست قد وهبته من ابنك داود ؟ فقال ما كنت لأجعل لأحد ~~من أجلي شيئا ، فعند ذلك كتب لكل نفس أجلها . أما المعتزلة : فقد أطبقوا ~~على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الوجه . واحتجوا على فساد هذا القول ~~بوجوه . # الحجة الأولى : لهم قالوا : قوله : { من بنىءادم من ظهورهم } لا شك أن ~~قوله : { من ظهورهم } يدل من قوله : { وإذ أخذ } فيكون المعنى : وإذ أخذ ~~ربك من ظهور بني آدم . وعلى هذا التقدير : فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ~~ظهر آدم شيئا . # الحجة الثانية : أنه لو كان المرا أنه تعالى أخرج من ظهر آدم شيئا من ~~الذرية لما قال : { من ظهورهم } بل كان يجب أن يقول : من ظهره ، لأن آدم ~~ليس له إلا ظهر واحد ، وكذلك قوله : { ذريتهم } لو كان آدم لقال ذريته . ~~PageV15P039 # الحجة الثالثة : أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا : { أو تقولوا ~~إنما أشرك ءاباؤنا } وهذا الكلام يليق بأولا آدم ، لأنه عليه السلام ما كان ~~مشركا . # الحجة الرابعة : أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل ، فلو أخذ الله ~~الميثاق من أولئك الذر لكانوا عقلاء ، ولو كانوا عقلاء وأعطوا ذلك الميثاق ~~حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت ms4201 أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في ~~هذا العالم ؛ لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فإنه لا يجوز مع ~~كونه عاقلا أن ينساها نسيانا كليا لا يتذكر منها شيئا لا بالقليل ولا ~~بالكثير ، وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ . فإنا نقول لو كانت أرواحنا ~~قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا ~~الجسد في جسد آخر ، وحيث لم نتذكر ذلك كان القول / بالتناسخ باطلا . فإذا ~~كان اعتمادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل وهذا الدليل بعينه ~~قائم في هذه المسألة ، وجب القول بمقتضاه ، فلو جاز أن يقال إنا في وقت ~~الميثاق أعطينا العهد والميثاق مع أنا في هذا الوقت لا نتذكر شيئا منه ، ~~فلم لا يجوز أيضا أن يقال إنا كنا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا ~~البدن لا نتذكر شيئا من تلك الأحوال . وبالجملة فلا فرق بين هذا القول وبين ~~مذهب أهل التناسخ فإن لم يبعد التزام هذا القول لم يبعد أيضا التزام مذهب ~~التناسخ . # الحجة الخامسة : أن جميع الخلق الذين خلقهم الله من أولاد آدم عدد عظيم ~~وكثرة كثيرة ، فالمجموع الحاصل من تلك الذرات يبلغ مبلغا عظيما في الحجمية ~~والمقدار وصلب آدم على صغره يبعد أن يتسع لذلك المجموع . # الحجة السادسة : أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم ، إذ لو لم ~~يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن يكون عاقلا فاهما مصنفا ~~للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة . وفتح هذا الباب يفضي إلى التزام ~~الجهالات . وإذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة ، فكل واحد من تلك الذرات ~~لا يمكن أن يكون عالما فاهما عاقلا ؛ إلا إذا حصلت له قدرة من البنية ~~واللحمية والدمية ، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى ~~الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا ، ~~فكيف يمكن أن يقال إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام ؟ # الحجة السابعة ms4202 : قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك ~~الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت ، أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في ~~دار الدنيا . والأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من ~~الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب والمدح والذم ولا يجوز أن يكون ~~المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لأنهم لما لم ~~يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير ذلك حجة عليهم في التمسك بالإيمان ~~؟ # الحجة الثامنة : قال الكعبي : إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم ~~والعلم من حال الأطفال ، ولما لم يكن توجيه التكليف على الطفل ، فكيف يمكن ~~توجيهه على أولئك الذوات ؟ # وأجاب الزجاج عنه فقال : لما لم يبعد أن يؤتى الله النمل العقل كما قال : ~~{ قالت نملة يأيها النمل } ( النمل : 18 ) وأن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح ~~كما قال : { وسخرنا مع * داوود * الجبال يسبحن } ( الأنبياء : 79 ) وكما ~~أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسول ، وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين ~~دعيت فكذا ههنا . PageV15P040 # الحجة التاسعة : أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول ~~والقدر أو ما كانوا / كذلك ، فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة وإنما ~~يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم ~~في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا / فلو افتقر التكليف في ~~الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ~~ميثاق آخر ولزم التسلسل وهو محال . وأما الثاني : وهو أن يقال إنهم في وقت ~~ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول ولا كاملي القدر ، فحينئذ يمتنع توجيه ~~الخطاب والتكليف عليهم . # الحجة العاشرة : قوله تعالى : { فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق ~~} ( الطارق : 5 ، 6 ) ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين ، لكانوا ~~موجودين قبل هذا الماء الدافق ولا معنى للإنسان إلا ذلك الشيء فحينئذ لا ~~يكون الإنسان مخلوقا من الماء الدافق وذلك رد لنص القرآن . # فإن قالوا ms4203 : لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى خلقه كامل العقل والفهم ~~والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته ؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في ~~رحم الأم وأخرجه إلى هذه الحياة . # قلنا : هذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقا على ~~سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقا على سبيل الإعادة . وأجمع المسلمون على ~~أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل . # الحجة الحادية عشرة : هي أن تلك الذرات إما أن يقال هي عين هؤلاء الناس ~~أو غيرهم والقول الثاني باطل بالإجماع ، بقي القول الأول . فنقول : إما أن ~~يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفة وعلقة ومضغة أو ما ~~بقوا كذلك والأول باطل ببديهة العقل . والثاني : يقتضي أن يقال الإنسان حصل ~~له الحياة أربع مرات : أولها وقت الميثاق ، وثانيها في الدنيا ، وثالثها في ~~القبر ، ورابعها في القيامة . وأنه حصل له الموت ثلاث مرات . موت بعد ~~الحياة الحاصلة في الميثاق الأول ، وموت في الدنيا ، وموت في القبر ، وهذا ~~العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى : { ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين } ( غافر : 11 ) . # الحجة الثانية عشرة : قوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ~~} ( المؤمنين : 12 ) فلو كان القول بهذا الذر صحيحا لكان ذلك الذر هو ~~الإنسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب ، وذلك باطل . لأن ذلك الذر ~~غير مخلوق من النطفة ، والعلقة ، والمضغة ، ونص الكتاب دليل على أن الإنسان ~~مخلوق من النطفة والعلقة ، وهو قوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ~~من طين } وقوله : { قتل الإنسان ما أكفره * من أى شىء خلقه * من نطفة خلقه ~~} ( عبس : 17 ، 18 ) فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف ~~. # / والقول الثاني : في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات ~~: أنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم وذلك الإخراج أنهم ~~كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات ، وجعلها علقة ، ثم مضغة ، ~~ثم جعلهم بشرا ms4204 سويا ، وخلقا كاملا ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من ~~دلائل وحدانيته ، وعجائب خلقه ، وغرائب صنعه . فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا ~~بلى ، وإن لم يكن هناك قول باللسان ، ولذلك نظائر منها قوله تعالى : { فقال ~~لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) ~~PageV15P041 ومنها قوله تعالى : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له ~~كن فيكون } ( النحل : 40 ) وقول العرب : # % قال الجدار للوتد لم تشقني % % قال سل من يدقني % # % فإن الذي ورايي % % ما خلاني ورايي % # وقال الشاعر : # % امتلأ الحوض وقال قطنى % % # فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام ، فوجب حمل الكلام عليه ~~، فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين ، وهذا القول الثاني لاطعن فيه ~~البتة ، وبتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافيا لصحة القول الأول : ~~إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا ؟ # فإن قال قائل : فما المختار عندكم فيه ؟ # قلنا : ههنا مقامان : أحدهما : أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذر ؟ ~~والثاني : أن بتقدير أن يصح القول به ، فهل يمكن جعله تفسير الألفاظ هذه ~~الآية ؟ # أما المقام الأول : فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ~~ذكرناها وقررناها ، ويمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع . # أما الوجه الأول : من الوجوه العقلية المذكورة ، وهو أنه لو صح القول ~~بأخذ هذا الميثاق لوجب أن نتذكره الآن . # قلنا : خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم ~~عقلية ضرورية . والعلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى ، وإذا كان كذلك صح ~~منه تعالى أن يخلقها . # فإن قالوا : فإذا جوزتم هذا ، فجوزوا أن يقال : إن قبل هذا البدن كنا في ~~أبدان أخرى على سبيل التناسخ وإن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدانا # قلنا : الفرق بين الأمرين ظاهر وذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى ، وبقينا ~~فيها سنين ودهورا ، امتنع في مجرى العادة نسيانها ، أما أخذ هذا الميثاق ~~إنما حصل في أسرع زمان ، وأقل وقت فلم / يبعد حصول النسيان فيه ، والفرق ~~الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق ms4205 ، لأن الإنسان إذا بقي على العمل الواحد سنين ~~كثيرة يمتنع أن ينساه ، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساه ، ~~فقد ظهر الفرق . # وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال : مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها ~~في ظهر آدم عليه السلام . قلنا : عندنا البنية ليست شرطا لحصول الحياة ، ~~والجوهر الفرد الذي لا يتجزأ ، قابل للحياة والعقل ، فإذا جعلنا كل واحد من ~~تلك الذرات جوهرا فردا ، فلم قلتم إن ظهر آدم عليه السلام لا يتسع لمجموعها ~~؟ إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا : الإنسان جوهر فرد . وجزء لا ~~يتجزأ في البدن . على ما هو مذهب بعض القدماء ، وأما إذا قلنا : الإنسان هو ~~النفس الناطقة ، وإنه جوهر غير متحيز ، ولا حال في المتحيز فالسؤال زائل . ~~PageV15P042 # وأما الوجه الثالث : وهو قوله فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك ~~الوقت أو في الحياة الدنيا ؟ # فجوابنا أن نقول : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضا أليس أن من ~~المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال ، وإنطاق الجوارح قالوا : لا ~~يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء لطف ؟ فكذا ههنا لا يبعد ~~أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق ~~لطف . وقيل أيضا إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة وبقية ~~الوجوه ضعيفة والكلام عليها سهل هين . # وأما المقام الثاني : وهو أن بتقدير أن يصح القول بأخد الميثاق من الذر . ~~فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية ؟ فنقول الوجوه الثلاثة المذكورة ~~أولا دافعة لذلك لأن قوله : { وإذ أخذ ربك من بنىءادم من ظهورهم } فقد بينا ~~أن المراد منه ، وإذا أخذ ربك من ظهور بني آدم ، وأيضا لو كانت هذه الذرية ~~مأخوذة من ظهر آدم لقال من ظهره ذريته ولم يقل من ظهورهم ذريتهم . أجاب ~~الناصرون لذلك القول : بأنه صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه والطعن في تفسير رسول الله غير ممكن . فنقول ~~: ظاهر الآية ms4206 يدل على أنه تعالى أخرج الذر من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على ~~أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان وذلك الفلان فلان آخر / ~~فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض ، وأما ~~أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم ، فليس في لفظ الآية ما يدل على ~~ثبوته وليس في الآية أيضا ما يدل على بطلانه ، إلا أن الخبر قد دل عليه ، ~~فثبت إخراج الذرية من ظهور / بني آدم بالقرآن ، وثبت إخراج الذرية من ظهر ~~آدم بالخبر ، وعلى هذا التقدير : فلا منافاه بين الأمرين ولا مدافعة ، فوجب ~~المصير إليهما معا . صونا للآية . والخبر عن الطعن بقدر الإمكان ، فهذا ~~منتهى الكلام في تقرير هذا المقام . # المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر وأبو عمر و { * ذرياتهم } بالألف ~~على الجمع والباقون { واتبعتهم ذريتهم } على الواحد . قال الواحدي : الذرية ~~تقع على الواحد والجمع . فمن أفرد فإنه قد استغنى عن جمعه وبوقوعه على ~~الجمع فصار كالبشر فإنه يقع على الواحد كقوله : { ما هاذا بشرا } وعلى ~~الجمع كقوله : { أبشر يهدوننا } ( التغابن : 6 ) وقوله : { إن أنتم إلا بشر ~~مثلنا } وكما لم يجمع بشر بتصحيح ولا تكسير كذلك لا يجمع الذرية ومن جمع ~~قال : إن الذرية وإن كان واحدا فلا إشكال في جواز الجمع فيه ، وإن كان ~~جميعا فجمعه أيضا حسن ، لأنك قد رأيت الجموع المكسرة قد جمعت . نحو الطرقات ~~والجدرات ، وهو اختيار يونس أما قوله تعالى : { وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى } فنقول : أما على قول من أثبت الميثاق الأول فكل هذه ~~الأشياء محمولة على ظواهرها ، وأما على قول من أنكره قال : إنها محمولة على ~~التمثيل ، والمعنى : أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته ، وشهدت بها ~~عقولهم ، فصار ذلك جاريا مجرى ما إذا أشهدهم على أنفسنا وإقرارنا بوحدانيته ~~، أما قوله : { شهدنا } ففيه قولان : # القول الأول : أنه من كلام الملائكة ، وذلك لأنهم لما قالوا { بلى } قال ~~الله للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا ، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله : ~~{ قالوا ms4207 بلى } لأن كلام الذرية قد انقطع ههنا وقوله : { أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هاذا غافلين } تقريره : أن الملائكة قالوا شهدنا عليهم ~~بالإقرار ، لئلا يقولوا ما PageV15P043 أقررنا ، فأسقط كلمة ( لا ) كما قال ~~: { وألقى فى الارض رواسى أن تميد بكم } ( النحل : 15 ) يريد لئلا تميد بكم ~~، هذا قول الكوفيين ، وعند البصريين تقريره : شهدنا كراهة أن يقولوا . # والقول الثاني : أن قوله : { شهدنا } من بقية كلام الذرية ، وعلى هذا ~~التقرير ، فقوله : { أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هاذا غافلين } متعلق ~~بقوله : { وأشهدهم على أنفسهم } والتقدير : وأشهدهم على أنفسهم ، بكذا وكذا ~~، لئلا يقولوا يوم القيامة { إنا كنا عن هاذا غافلين } أو كراهية أن يقولوا ~~ذلك وعلى هذا التقدير ، فلا يجوز الوقف عند قوله : { شهدنا } لأن قوله : { ~~أن يقولوا } متعلق بما قبله وهو قوله : { وأشهدهم } فلم يجز قطعه منه . ~~واختلف القراء في قوله : { أن يقولوا } أو تقولوا : فقرأ أبو عمرو بالياء ~~جميعا ، لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله : { من بنىءادم من ~~ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم * لئلا * يقولوا * وقرا * ربك من بنىءادم من ~~ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } وكلا ~~الوجهين حسن ، لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى . # / أما قوله : { أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من قبل } قال المفسرون : ~~المعنى أن المقصود من هذا الإشهاد أن لا يقول الكفار إنما أشركنا / لأن ~~آباءنا أشركوا ، فقلدناهم في ذلك الشرك ، وهو المراد من قوله : { أفتهلكنا ~~بما فعل المبطلون } والحاصل : أنه تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع عليهم ~~التمسك بهذا القدر . وأما الذين حملوا الآية على أن المراد منه مجرد نصب ~~الدلائل . قالوا : معنى الآية إنا نصبنا هذه الدلائل ، وأظهرناها للعقول ~~كراهة أن يقولوا يوم القيامة { إنا كنا عن هاذا غافلين } فما نبهنا عليه ~~منبه أو كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا ، لأن نصب ~~الأدلة على التوحيد قائم معهم ، فلا عذر لهم في الإعراض عنه ، والإقبال على ~~التقليد والاقتداء بالآباء . # ثم قال : { وكذلك نفصل الايات } والمعنى : أن ms4208 مثل ما فصلنا وبينا في هذه ~~الآية ، بينا سائر الآيات ليتدبروها فيرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل ، ~~وهو المراد من قوله : { ولعلهم يرجعون } وقيل : أي ما أخذ عليهم من الميثاق ~~في التوحيد ، وفي الآية قول ثالث ؛ وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل ~~الأبدان ، والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها ، وهذا العلم ليس ~~يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب ، وهذا البحث إنما ينكشف تمام الانكشاف ~~بأبحاث عقلية غامضة ، لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب . والله أعلم . # ! 7 < { واتل عليهم نبأ الذىءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان ~~فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولاكنه أخلد إلى الا رض واتبع هواه ~~فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذالك مثل القوم الذين ~~كذبوا بثاياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 175 - 176 ) واتل عليهم نبأ . . . . . # > > PageV15P044 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رحمهم الله : نزلت هذه ~~الآية في بلعم / بن باعوراء ، وذلك لأن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو ~~فيه ، وغزا أهله وكانوا كفارا ، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليه السلام ~~وقومه ، وكان مجاب الدعوة ، وعنده اسم الله الأعظم فامتنع منه ، فما زالوا ~~يطلبونه منه حتى دعا عليه فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه ~~بدعائه ، فقال موسى : يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه . فقال : بدعاء بلعم . ~~فقال : كما سمعت دعاءه علي ، فاسمع دعائي عليه ، ثم دعا موسى عليه أن ينزع ~~منه اسم الله الأعظم والإيمان ، فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة ~~. فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته . ويقال أيضا : إنه كان نبيا من ~~أنبياء الله ، فلما دعا عليه موسى انتزع الله منه الإيمان وصار كافرا . ~~وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم ، وأبو روق : نزلت هذه ~~الآية في أمية بن أبي الصلت ، وكان قد قرأ الكتب ، وعلم أن الله مرسل رسولا ~~في ذلك الوقت ، ورجا أن يكون هو ، فلما أرسل الله محمدا ms4209 عليه الصلاة ~~والسلام حسده ، ثم مات كافرا ، ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ~~الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( آمن شعره وكفر قلبه ) يريد أن ~~شعره كشعر المؤمنين ، وذلك أنه يوحد الله في شعره ، ويذكر دلائل توحيده من ~~خلق السموات والأرض ، وأحوال الآخرة ، والجنة والنار . وقيل : نزلت في أبي ~~عامر الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق كان يترهب في ~~الجاهلية ، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد ~~ضرار ، وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وسلم ، فمات هناك طريدا ~~وحيدا ، وهو قول سعيد بن المسيب . وقيل : نزلت في منافقي أهل الكتاب ، ~~كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الحسن والأصم وقيل : هو عام ~~فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه ، وهو قول قتادة ، وعكرمة ، وأبي مسلم . # فإن قال قائل : فهل يصح أن يقال : إن المذكور في هذه الآية كان نبيا ، ثم ~~صار كافرا ؟ # قلنا : هذا بعيد ، لأنه تعالى قال : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( ~~الأنعام : 124 ) وذلك يدل على أنه تعالى لا يشرف عبدا من عبيده بالرسالة ، ~~إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف ، والدرجات العالية ، ~~والمناقب العظيمة ، فمن كان هذا حاله ، فكيف يليق به الكفر ؟ # أما قوله تعالى : { واتل عليهم نبأ الذى } ففيه قولان : # القول الأول : ( آتيناه آياتنا ) يعني : علمناه حجج التوحيد ، وفهمناه ~~أدلته ، حتى صار عالما بها { فانسلخ منها } أي خرج من محبة الله إلى معصيته ~~، ومن رحمة الله إلى سخطه ، ومعنى انسلخ : خرج منها . يقال لكل من فارق ~~شيئا بالكلية انسلخ منه . # والقول الثاني : ما ذكره أبو مسلم رحمه الله ، فقال قوله : { واتل عليهم ~~} أي بيناها فلم يقبل / وعرى منها ، وسواء قولك : انسلخ ، وعرى ، وتباعد ، ~~وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة / وأقام على الكفر ، ونظيره قوله ~~تعالى : { يأيها الذين أوتوا الكتاب بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن ~~نطمس وجوها فنردها } ( النساء : 47 ) وقال في حق فرعون : { ولقد أريناه ~~ءاياتنا كلها ms4210 فكذب وأبى } ( طه : 56 ) وجائز أن يكون هذا الموصوف فرعون ، ~~فإنه تعالى أرسل إليه موسى وهارون ، فأعرض وأبى ، وكان عاديا ضالا متبعا ~~للشيطان . PageV15P045 # واعلم أن حاصل الفرق بين القولين : هو أن هذا الرجل في القول الأول ، كان ~~عالما بدين الله وتوحيده ، ثم خرج منه ، وعلى القول الثاني لما آتاه الله ~~الدلائل والبينات امتنع من قبولها ، والقول الأول أولى ، لأن قوله انسلخ ~~منها يدل على أنه كان فيها ثم خرج منها ، وأيضا فقد ثبت بالأخبار أن هذه ~~الآية إنما نزلت في إنسان كان عالما بدين الله تعالى ، ثم خرج منه إلى ~~الكفر والضلال . # أما قوله : { فأتبعه الشيطان } ففيه وجوه : الأول : أتبعه الشيطان كفار ~~الإنس وغواتهم ، أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعا له . والثاني : قال عبد ~~الله بن مسلم { فأتبعه الشيطان } أي أدركه . يقال : أتبعت القوم . أي ~~لحقتهم . قال أبو عبيدة : ويقال : أتبعت القوم ، مثال : أفعلت إذا كانوا قد ~~سبقوك فلحقتهم . ويقال : ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم . أي حتى أدركتهم . ~~وقوله { فكان من الغاوين } أي أطاع الشيطان فكان من الظالمين . قال أهل ~~المعاني : المقصود منه بيان أن من أوتي الهدى ، فانسلخ منه إلى الضلال ~~والهوى والعمى ، ومال إلى الدنيا ، حتى تلاعب به الشيطان كان منتهاه إلى ~~البوار والردى ، وخاب في الآخرة والأولى ، فذكر الله قصته ليحذر الناس عن ~~مثل حالته . وقوله : { ولو شئنا لرفعناه بها } قال أصحابنا معناه : ولو ~~شئنا رفعناه للعمل بها ، فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته ، ~~ولفظة { لو } تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فهذا يدل على أنه تعالى ~~قد لا يريد الإيمان ، وقد يريد الكفر . وقال المعتزلة : لفظ الآية يحتمل ~~وجوها أخرى سوى هذا الوجه . فالأول : قال الجبائي معناه : ولو شئنا لرفعناه ~~بأعماله ، بأن نكرمه ، ونزيل التكليف عنه ، قبل ذلك الكفر حتى نسلم له ~~الرفعة ، لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة ، فأبى أن يستمر على ~~الإيمان . الثاني : لو شئنا لرفعناه ، بأن نحول بينه وبين الكفر ، قهرا ~~وجبرا ، إلا أن ذلك ينافي التكليف . فلا جرم تركناه مع اختياره ms4211 . # والجواب عن الأول : أن حمل الرفعة على الأماتة بعيد ، وعن الثاني : أنه ~~تعالى إذا منعه منه قهرا ، لم يكن ذلك موجبا للثواب والرفعة . # ثم قال تعالى : { ولاكنه أخلد إلى الارض } قال أصحاب العربية : أصل ~~الإخلاد اللزوم على / الدوام ، وكأنه قيل : لزم الميل إلى الأرض ، ومنه ~~يقال : أخلد فلان بالمكان ، إذا لزم الإقامة به . قال مالك بن سويد : # % بأبناء حي من قبائل مالك % % وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا % # قال ابن عباس : { ولاكنه أخلد إلى الارض } يريد مال إلى الدنيا ، وقال ~~مقاتل : بالدنيا ، وقال الزجاج : سكن إلى الدنيا . قال الواحدي : فهؤلاء ~~فسروا الأرض في هذه الآية بالدنيا ، وذلك لأن الدنيا هي الأرض ، لأن ما ~~فيها من العقار والضياع وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان مستخرج ~~من الأرض ، وإنما يقوى ويكمل بها ، فالدنيا كلها هي الأرض ، فصح أن يعبر عن ~~الدنيا بالأرض ، ونقول : لو جاء الكلام على ظاهره لقيل لو شئنا لرفعناه ، ~~ولكنا لم نشأ ، إلا أن قوله : { ولاكنه أخلد إلى الارض } لما دل على هذا ~~المعنى لا جرم أقيم مقامه قوله : { واتبع هواه } معناه : أنه أعرض عن ~~التمسك بما آتاه الله من الآيات واتبع الهوى ، فلا جرم وقع في هاوية الردى ~~، وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم ، وذلك لأنه تعالى بعد أن خص ~~هذا PageV15P046 الرجل بآياته وبيناته ، وعلمه الاسم الأعظم ، وخصه ~~بالدعوات المستجابة ، لما اتبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب ، ~~وذلك يدل على أن كل من كانت نعم الله في حقه أكثر ، فإذا أعرض عن متابعة ~~الهدى وأقبل على متابعة الهوى ، كان بعده عن الله أعظم ، وإليه الإشارة ~~بقوله عليه الصلاة والسلام : ( من ازداد علما ، ولم يزدد هدى لم يزدد من ~~الله إلا بعدا ) أو لفظ هذا معناه . # ثم قال تعالى : { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } ~~قال الليث : اللهث هو أن الكلب إذا ناله الإعياء عند شدة العدو وعند شدة ~~الحر ، فإنه يدلع لسانه من العطش . # واعلم أن هذا التمثيل ما وقع ms4212 بجميع الكلاب ، وإنما وقع بالكلب اللاهث ، ~~وأخس الحيوانات هو الكلب ، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث ، فمن آتاه الله ~~العلم والدين فمال إلى الدنيا ، وأخلد إلى الأرض ، كان مشبها بأخس ~~الحيوانات ، وهو الكلب اللاهث ، وفي تقرير هذا التمثيل وجوه : الأول : أن ~~كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في حال ~~الإعياء ، وفي حال الراحة ، وفي حال العطش ، وفي حال الري ، فكان ذلك عادة ~~منه وطبيعة ، وهو مواظب عليه كعادته الأصلية ، وطبيعته الخسيسة ، لا لأجل ~~حاجة وضرورة ، فكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه عن التعرض لأوساخ ~~أموال الناس ، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا ، ويلقى نفسه فيها ، كانت حاله ~~كحال ذلك اللاهث ، حيث واظب على العمل الخسيس ، والفعل القبيح ، لمجرد نفسه ~~الخبيثة . وطبيعته الخسيسة ، لا لأجل الحاجة والضرورة . والثاني : أن الرجل ~~العالم إذا توسل / بعلمه إلى طلب الدنيا ، فذاك إنما يكون لأجل أنه يورد ~~عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها ، ولا شك أنه عند ذكر ~~تلك الكلمات ، وتقرير تلك العبارات يدلع لسانه ، ويخرجه لأجل ما تمكن في ~~قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا ، فكانت حالته شبيهة ~~بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبدا من غير حاجة ولا ضرورة ، بل بمجرد ~~الطبيعة الخسيسة والثالث : أن الكلب اللاهث لا يزال لهثة البتة ، فكذلك ~~الأنسان الحريص لا يزال حرصه البتة . # أما قوله تعالى : { إن تحمل عليه يلهث } فالمعنى أن هذا الكلب إن شد عليه ~~وهيج لهث وإن ترك أيضا لهث ، لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له ، ~~فكذلك هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال ، وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ~~ذلك الضلال والخسارة عادة أصلية وطبيعية ذاتية له . # فإن قيل : ما محل قوله : { إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } . # قلنا : النصب على الحال ، كأنه قيل كمثل الكلب ذليلا لاهثا في الأحوال ~~كلها . # ثم قال تعالى : { ذالك مثل القوم الذين كذبوا بثاياتنا } فعم بهذا ~~التمثيل جميع المكذبين بآيات الله ms4213 قال ابن عباس : يريد أهل مكة كانوا ~~يتمنون هاديا يهديهم وداعيا يدعوهم إلى طاعة الله ، ثم جاءهم من لا يشكون ~~في صدقه وديانته فكذبوه ، فحصل التمثيل بينهم وبين الكلب الذي إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث لأنهم لم يهتدوا لما تركوا ولم يهتدوا لما جاءهم الرسول ~~فبقوا على الضلال في كل الأحوال مثل هذا الكلب الذي بقي على اللهث في كل ~~الأحوال . PageV15P047 # ثم قال : { فاقصص القصص } يريد قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم { لعلهم ~~يتفكرون } يريد يتعظون . # ! 7 < { سآء مثلا القوم الذين كذبوا بأاياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون } . > ~~7 @QB@ < # | الأعراف : ( 177 ) ساء مثلا القوم . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما قال بعد تمثيلهم بالكلب { ذالك مثل القوم الذين كذبوا ~~بثاياتنا } وزجر بذلك عن الكفر والتكذيب أكده في باب الزجر بقوله تعالى : { ~~ساء مثلا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الليث : ساء يسوء فعل لازم ومتعد يقال : ساءت الشيء ~~يسوء فهو سيء إذا قبح وساءه يسوءه مساءة . قال النحويون : تقديره ساء مثلا ~~، مثل القوم انتصب مثلا على التمييز لأنك إذا قلت ساء جاز أن تذكر شيئا آخر ~~سوى مثلا ، فلما ذكرت نوعا ، فقد ميزته من سائر / الأنواع وقولك القوم ~~ارتفاعه من وجهين : أحدهما : أن يكون مبتدأ ويكون قولك ساء مثلا خبره ~~والثاني : أنك لما قلت ساء مثلا . قيل لك : من هو ؟ قلت القوم ، فيكون رفعه ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف . وقرأ الجحدري : ساء مثل القوم . # البحث الثاني : ظاهر قوله : { ساء مثلا } يقتضي كون ذلك المثل موصوفا ~~بالسوء ، وذلك غير جائز ، لأن هذا المثل ذكره الله تعالى ، فكيف يكون ~~موصوفا بالسوء ، وأيضا فهو يفيد الزجر عن الكفر والدعوة إلى الإيمان ، فكيف ~~يكون موصوفا بالسوء ، فوجب أن يكون الموصوف بالسوء ما أفاده المثل من ~~تكذيبهم بآيات الله تعالى وإعراضهم عنها ، حتى صاروا في التمثيل بذلك ~~بمنزلة الكلب اللاهث . # أما قوله تعالى : { وأنفسهم كانوا يظلمون } فإما أن يكون معطوفا على قوله ~~: { كذبوا } فيدخل حينئذ في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات ~~الله وظلم أنفسهم ، وإما أن ms4214 يكون كلاما منقطعا عن الصلة بمعنى وما ظلموا ~~إلا أنفسهم بالتكذيب ، وإما تقديم المفعول ، فهو للاختصاص كأنه قيل وخصوا ~~أنفسهم بالظلم وما تعدى أثر ذلك الظلم عنهم إلى غيرهم . # ! 7 < { من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولائك هم الخاسرون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 178 ) من يهد الله . . . . . # > > في الآية مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما وصف الضالين بالوصف المذكور وعرف ~~حالهم بالمثل المذكور بين في هذه الآية أن الهداية من الله ، وأن الضلال من ~~الله تعالى ، وعند هذه اضطربت المعتزلة ، وذكروا في التأويل وجوها كثيرة : ~~الأول : وهو الذي ذكره الجبائي وارتضاه القاضي أن المراد من يهده الله إلى ~~الجنة والثواب في الآخرة ، فهو المهتدي في الدنيا ، السالك طريقة الرشد ~~فيما كلف ، فبين الله تعالى أنه لا يهدي إلى الثواب في الآخرة إلا من هذا ~~وصفه ، ومن يضلله عن طريق الجنة { فأولئك هم الخاسرون } والثاني : ~~PageV15P048 قال بعضهم إن في الآية حذفا ، والتقدير : من يهده الله فقبل ~~وتمسك بهداه فهو المهتدي ، ومن يضلل بأن لم يقبل فهو الخاسر . الثالث : أن ~~يكون المراد من يهده الله بمعنى أن من وصفه الله بكونه مهتديا فهو المهتدي ~~، لأن ذلك كالمدح ومدح الله لا يحصل إلا في حق من كان موصوفا بذلك الوصف ~~الممدوح ، ومن يضلل أي ومن وصفه الله بكونه ضالا { فأولئك هم الخاسرون } ~~والرابع : أن يكون المراد من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى / فهو ~~المهتدي ومن يضلل عن ذلك لما تقدم منه من سوء اختياره ، فأخرج لهذا السبب ~~بتلك الألطاف من أن يؤثر فيه فهو من الخاسرين . # واعلم أنا بينا أن الدلائل العقلية القاطعة ، قد دلت على أن الهداية ~~والإضلال لا يكونان إلا من الله من وجوه : الأول : أن الفعل يتوقف على حصول ~~الداعي وحصول الداعي ليس إلا من الله فالفعل ليس إلا من الله . الثاني : أن ~~خلاف معلوم الله ممتنع الوقوع ، فمن علم الله منه الإيمان لم يقدر على ~~الكفر وبالضد . الثالث : أن كل أحد يقصد حصول الإيمان والمعرفة ، فإذا حصل ~~الكفر عقيبه ms4215 علمنا أنه ليس منه بل من غيره ، ثم نقول : # أما التأويل الأول : فضعيف لأنه حمل قوله : { من يهد الله } على الهداية ~~في الآخرة إلى الجنة وقوله : { فهو المهتدى } على الاهتداء إلى الحق في ~~الدنيا ، وذلك يوجب ركاكة في النظم ، بل يجب أن تكون الهداية والاهتداء ~~راجعين إلى شيء واحد ، حتى يكون الكلام حسن النظم . # وأما الثاني : فإنه التزام لإضمار زائد ، وهو خلاف اللفظ ، ولو جاز فتح ~~باب أمثال هذه الإضمارات لانقلب النفي إثباتا والإثبات نفيا ، ويخرج كلام ~~الله عز وجل من أن يكون حجة ، فإن لكل أحد أن يضمر في الآية ما يشاء ، ~~وحينئذ يخرج الكل عن الإفادة . # وأما الثالث : فضعيف لأن قول القائل فلان هدى فلانا لا يفيد في اللغة ~~البتة أنه وصفه بكونه مهتديا ، وقياس هذا على قوله فلان ضلل فلانا وكفره ، ~~قياس في اللغة وأنه في نهاية الفساد والرابع : أيضا باطل لأن كل ما في ~~مقدور الله تعالى من الألطاف ، فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار ، ~~فحمل الآية على هذا التأويل بعيد . والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { فهو المهتدى } ( الأعراف : 178 ) يجوز إثبات ~~الياء فيه على الأصل ، ويجوز حذفها طلبا للتخفيف كما قيل في بيت الكتاب : # % فطرت بمنصلي في يعملات % % دوامي الأيد يخبطن السريحا % # ومن أبياته أيضا : # % كخوف ريش حمامة نجدية % % مسحت بماء البين عطف الأثمد % # قال أبو الفتح الموصلي يريد كخواف محذوف الياء . # وأما قوله : { ومن يضلل } يريد ومن يضلله الله ويخذله { فأولئك هم ~~الخاسرون } أي خسروا الدنيا والآخرة . # PageV15P049 ! 7 < { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا ~~يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بهآ أولائك ~~كالأنعام بل هم أضل أولائك هم الغافلون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 179 ) ولقد ذرأنا لجهنم . . . . . # > > هذه الآية هي الحجة الثانية في هذا الموضع على صحة مذهبنا في مسألة ~~خلق الأفعال وإرادة الكائنات وتقريره من وجوه : الأول : أنه تعالى بين ~~باللفظ الصريح أنه خلق كثيرا من الجن والإنس لجهنم ، ولا مزيد على بيان ~~الله ms4216 . الثاني : أنه تعالى لما أخبر عنهم بأنهم من أهل النار ، فلو لم ~~يكونوا من أهل النار انقلب علم الله جهلا وخبره الصدق كذبا وكل ذلك محال ~~والمفضي إلى المحال محال ، فعدم دخولهم في النار محال ، ومن علم كون الشيء ~~محالا امتنع أن يريده ، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يريد أن لا يدخلهم في ~~النار ، بل يجب أن يريد أن يدخلهم في النار ، وذلك هو الذي دل عليه لفظ ~~الآية . الثالث : أن القار على الكفر إن لم يقدر على الإيمان ، فالذي خلق ~~فيه القدرة على الكفر ، فقد أراد أن يدخله في النار ، وإن كان قادرا على ~~الكفر وعلى الإيمان معا امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح ، وذلك ~~المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل ، وإن حصل من قبله تعالى ، فلما كان هو ~~الخالق للداعية الموجبة للظفر ، فقد خلقه للنار قطعا . الرابع : أنه تعالى ~~لو خلقه للجنة وأعانه على اكتساب تحصيل ما يوجب دخول الجنة ، ثم قدرنا أن ~~العبد سعى في تحصيل الكفر الموجب للدخول في النار ، فحينئذ حصل مراد العبد ~~، ولم يحصل مراد الله تعالى ، فيلزم كون العبد أقدر وأقوى من الله تعالى ، ~~وذلك لا يقوله عاقل والخامس : أن العاقل لا يريد الكفر والجهل الموجب ~~لاستحقاق النار ، وإنما يريد الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الثواب ~~والدخول في الجنة ، فلما حصل الكفر والجهل على خلاف قصد العبد وضد جهده ~~واجتهاده ، وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد ، بل يجب أن يكون حصوله من ~~قبل الله تعالى . # / فإن قالوا : العبد إنما سعى في تحصيل ذلك الإعتقاد الفاسد الباطل ، ~~لأنه اشتبه الأمر عليه وظن أنه هو الإعتقاد الحق الصحيح . # فنقول : فعلى هذا التقدير : إنما وقع في هذا الجهل لأجل ذلك الجهل ~~المتقدم ، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السابق لجهل آخر لزم التسلسل وهو ~~محال ، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر ، فقد توجه الإلزام ~~وتأكد الدليل والبرهان ، فثبت أن هذه البراهين العقلية ناطقة بصحة ما دل ~~عليه صريح ms4217 قوله سبحانه وتعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } ~~قالت المعتزلة : لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لأن كثيرا ~~من الآيات دالة على أنه أراد من الكل الطاعة . والعبادة والخير والصلاح . ~~قال تعالى : { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله } ( ~~الفتح : 8 ، 9 ) وقال : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ( ~~النساء : 64 ) وقال : { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا } ( الفرقان : 50 ) وقال ~~: { هو الذى ينزل على عبده ءايات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور } ( ~~الحديد : 9 ) وقال : { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } ~~( الحديد : 25 ) PageV15P050 وقال : { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } ( ~~إبراهيم : 10 ) وقال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : ~~56 ) وأمثال هذه الآيات كثيرة ، ونحن نعلم بالضرورة أنه لا يجوز وقوع ~~التناقض في القرآن ، فعلمنا أنه لا يمكن حمل قوله تعالى : { ولقد ذرأنا ~~لجهنم كثيرا من الجن والإنس } على ظاهره . # الوجه الثاني : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها } وهو تعالى إنما ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو ~~كانوا مخلوقين للنار ، ولما كانوا قادرين على الإيمان البتة وعلى هذا ~~التقدير فيقبح ذمهم على ترك الإيمان . # الوجه الثالث : وهو أنه تعالى لو خلقهم للنار لما كان له على أحد من ~~الكفار نعمة أصلا ، لأن منافع الدنيا بالقياس إلى العذاب الدائم ، كالقطرة ~~في البحر ، وكان كمن دفع إلى إنسان حلوا مسموما فإنه لا يكون منعما عليه ، ~~فكذا ههنا . ولما كان القرآن مملوأ من كثرة نعمة الله على كل الخلق ، علمنا ~~أن الأمر ليس كما ذكرتم . # الوجه الرابع : أن المدح والذم ، والثواب والعقاب ، والترغيب والترهيب ~~يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه . # الوجه الخامس : لو أنه تعالى خلقهم للنار ، لوجب أن يخلقهم ابتداء في ~~النار ، لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم . # الوجه السادس : أن قوله : { ولقد ذرأنا لجهنم } متروك الظاهر ، لأن جهنم ~~اسم لذلك الموضع / المعين ، ولا يجوز أن يكون الموضع ms4218 المعين مرادا منه ، ~~فثبت أنه لا بد وأن يقال : إن ما أراد الله تعالى بخلقهم منهم محذوف ، ~~فكأنه قال : ولقد ذرأنا لكي يكفروا فيدخلوا جهنم ، فصارت الآية على قولهم ~~متروكة الظاهر ، فيجب بناؤها على قوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون } لأن ظاهرها يصح دون حذف . # الوجه السابع : أنه إذا كان المراد أنه إذا ذرأهم لكي يكفروا فيصيروا إلى ~~جهنم ، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللام للعاقبة ، لكنهم يجعلونها ~~للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار ، ونحن قد قلناها على عاقبة حاصلة مع ~~استحقاق النار ، فكان قولنا أولى ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه ~~الآية على ظاهرها ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وتقريره : أنه لما كانت ~~عاقبة كثير من الجن والأنس ، هي الدخول في نار جهنم ، جائز ذكر هذه اللام ~~بمعنى العاقبة ، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشعر : أما القرآن فقوله ~~تعالى : { وكذالك نصرف الايات وليقولوا درست } ( الأنعام : 105 ) ومعلوم ~~أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك ، لكنهم لما قالوا ذلك ، حسن ورود هذا ~~اللفظ ، وأيضا قال تعالى : { ربنا إنك ءاتيت فرعون وملاه زينة وأموالا فى ~~الحيواة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك } ( يونس : 88 ) وأيضا قال تعالى : { ~~فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) وهم ما التقطوه ~~لهذا الغرض إلا أنه لما كانت عاقبة أمرهم ذلك ، حسن هذا اللفظ ، وأما الشعر ~~فأبيات قال : PageV15P051 # % وللموت تغدوا الوالدات سخالها % % كما لخراب الدهر تبنى المساكن % # وقال : # % أموالنا لذوي الميراث نجمعها % % ودورنا لخراب الدهر نبنيها % # وقال : # % له ملك ينادي كل يوم % % لدوا للموت وابنو للخراب % # وقال : # % وأم سماك فلا تجزعي % % فللموت ما تلد الوالدة % # هذا منتهى كلام القوم في الجواب . # واعلم أن المصير في التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل امتناع العقل حمل ~~هذا اللفظ على ظاهره ، وأما لما ثبت بالدليل أنه لا حق إلا ما دل عليه ظاهر ~~اللفظ ، كان المصير إلى التأويل في مثل هذا المقام عبثا . وأما الآيات التي ~~تمسكوا بها في إثبات مذهب المعتزلة ، فهي : معارضة ms4219 بالبحار الزاخرة ~~المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة ، ومن جملتها ما قبل هذه ~~الآية وهو قوله : { من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون } ~~( الأعراف : 178 ) وهو صريح مذهبنا ، وما بعد هذه الآية وهو قوله : { ~~والذين كذبوا بئاياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملى لهم إن * كيدى ~~متين } ( الأعراف : 182 ، 183 ) ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس ، ~~إلا ما يقوي قولنا ويشيد مذهبنا ، كان كلام / المعتزلة في وجوب تأويل هذه ~~الآية ضعيفا جدا . # أما قوله تعالى : { لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ~~ءاذان لا يسمعون بها } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في خلق الأعمال ~~فقالوا : لا شك أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة ~~بالدنيا ، ولا شك أنه كانت لهم أعين يبصرون بها المرئيات ، وآذان يسمعون ~~بها الكلمات ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية تقييدها بما يرجع إلى ~~الدين ، وهو أنهم ما كانوا يفقهون بقلوبهم ما يرجع إلى مصالح الدين ، وما ~~كانوا يبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين . # وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت أنه تعالى كلفهم بتحصيل الدين مع أن قلوبهم ~~وأبصارهم وأسماعهم ما كانت صالحة لذلك ، وهو يجري مجرى المنع عن الشيء ~~والصد عنه مع الأمر به ، وذلك هو المطلوب قالت المعتزلة لو كانوا كذلك ، ~~لقبح من الله تكليفهم ، لأن تكليف من لا قدرة له على العمل قبيح غير لائق ~~بالحكيم . فوجب حمل الآية على أن المراد منه أنهم بكثرة الإعراض عن الدلائل ~~وعدم الالتفات إليها صاروا مشبهين بمن لا يكون له قلب فاهم ولا عين باصرة ~~ولا أذن سامعة . # والجواب : أن الإنسان إذا تأكدت نفرته عن شيء ، صارت تلك النفرة المتأكدة ~~الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدال على صحة الشيء ، ومانعة عن إبصار ~~محاسنه وفضائله ، وهذه حالة وجدانية ضرورية يجدها كل عافل من نفسه . ولهذا ~~السبب قالوا في المثل المشهور حبك الشيء يعمي ويصم ms4220 . PageV15P052 # إذا ثبت هذا فنقول : إن أقواما من الكفار بلغوا في عداوة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام وفي بغضه وفي شدة النفرة عن قبول دينه والاعتراف برسالته ~~هذا المبلغ وأقوى منه ، والعلم الضروري حاصل بأن حصول البغض والحب في القلب ~~ليس باختيار الإنسان ، بل هو حاصل في القلب شاء الإنسان أم كره . # إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أن حصول هذه النفرة والعداوة في القلب ليس ~~باختيار العبد ، وثبت أنه متى حصلت هذه النفرة والعداوة في القلب ، فإن ~~الإنسان لا يمكنه مع تلك النفرة الراسخة والعداوة الشديدة تحصيل الفهم ~~والعلم ، وإذا ثبت هذا ثبت القول بالجبر لزوما لا محيص عنه . ونقل عن أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب خطبة في تقرير هذا المعنى وهو في غاية الحسن . ~~روى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب ( مناقب الشافعي ) رضي الله تعالى عنه عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه / خطب الناس فقال وأعجب ما في الإنسان ~~قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها ، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع ، وإن ~~هاج له الطمع أهلكه الحرص ، وإن أهلكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب ~~اشتد به الغيظ ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط ، وإن ناله الخوف شغله الحزن ~~وإن أصابته المصيبة قتله الجزع / وإن وجد مالا أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة ~~شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، فكل تقصير به مضر وكل إفراط ~~له مفسد وأقول : هذا الفصل في غاية الجلالة والشرف ، وهو كالمطلع على سر ~~مسألة القضاء والقدر ، لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب ، وكل حالة ~~من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها ، وإذا وقف الإنسان ~~على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر ، وذكر الشيخ الغزالي ~~رحمه الله في كتاب ( الأحياء ) فصلا في تقرير مذهب الجبر . # ثم قال فإن قيل : إني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت ، وإن شئت الترك ~~تركت ، فيكون فعلي حاصلا بي لا بغيري ثم قال : وهب أنك وجدت من نفسك ذلك ms4221 ~~إلا أنا نقول : وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئا شئته ، وإن شئت أن ~~لا تشاء لم تشأه ، ما أظنك أن تقول ذلك ، وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا ~~نهاية له : بل شئت أو لم تشأ فإنك تشاء ذلك الشيء ، وإذا شئته فشئت أو لم ~~تشأ فعلته ، فلا مشيئتك به ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك فالإنسان مضطر ~~في صورة مختار . # المسألة الثانية : احتج العلماء بقوله تعالى : { لهم قلوب لا يفقهون بها ~~} على أن محل العلم هو القلب ، لأنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في ~~معرض الذم ، وهذا إنما يصح لو كان محل الفهم والفقه هو القلب والله أعلم . # أما قوله : { أولئك كالانعام بل هم أضل } فتقريره أن الإنسان وسائر ~~الحيوانات متشاركة في قوى الطبيعة الغاذية والنامية والمولدة ، ومتشاركة ~~أيضا في منافع الحواس الخمس الباطنة والظاهرة وفي أحوال التخيل والتفكر ~~والتذكر ، وإنما حصل الامتياز بين الإنسان وبين سائر الحيوانات في القوة ~~العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ~~: فلما أعرض الكفار عن اعتبار أحوال العقل والفكر ومعرفة الحق والعمل ~~بالخير كانوا كالأنعام . # ثم قال : { بل هم أضل } لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل ~~، والإنسان أعطي القدرة PageV15P053 على تحصيلها ، ومن أعرض عن اكتساب ~~الفضائل العظيمة مع القدرة على تحصيلها كان أخص حالا ممن لم يكتسبها مع ~~العجز عنها . فلهذا السبب قال تعالى : { بل هم أضل } وقال حكيم الشعراء : # % الروح عند إله العرش مبدؤه % % وتربة الأرض أصل الجسم والبدن % # % قد ألف الملك الحنان بينهما % % ليصلحا لقبول الأمر والمحن % # % فالروح في غربة والجسم في وطن % % فاعرف ذمام الغريب النازح الوطن % # وقيل في تفسير قوله : { بل هم أضل } وجوه أخرى فقيل : لأن الأنعام مطيعة ~~لله تعالى والكافر غير مطيع ، وقال مقاتل : هم أخطأ طريقا من الأنعام ، لأن ~~الأنعام تعرف ربها وتذكره ، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه . وقال الزجاج ~~: { بل هم أضل } لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيل ms4222 منافعها ~~وتحترز عن مضارها ، وهؤلاء الكفار وأهل العناد أكثرهم يعلمون أنهم معاندون ~~ومع ذلك فيصرون عليه ، ويلقون أنفسهم في النار وفي العذاب ، وقيل إنها تفر ~~أبدا إلى أربابها ، ومن يقوم بمصالحها ، والكافر يهرب عن ربه وإلهه الذي ~~أنعم عليه بنعم لا حد لها . وقيل : لأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد ، فأما ~~إذا كان معها مرشد قلماتضل ، وهؤلاء الكفاء قد جاءهم الأنبياء وأنزل عليهم ~~الكتب وهم يزدادون في الضلال ثم إنه تعالى ختم الآية فقال : { أولئك هم ~~الغافلون } قال عطاء : عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب ~~. # ! 7 < { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون فىأسمائه ~~سيجزون ما كانوا يعملون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 180 ) ولله الأسماء الحسنى . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما وصف المخلوقين لجهنم بقوله : { أولئك هم الغافلون ~~} أمر بعده بذكر الله تعالى فقال : { ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها } ~~وهذا كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله . والمخلص ~~عن عذاب جهنم هو ذكر الله تعالى وأصحاب الذوق والمشاهدة يجدون من أرواحهم ~~أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله ، وأقبل على الدنيا وشهواتها ~~وقع في باب الحرص وزمهرير الحرمان ، ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن ~~طلب إلى طلب ، ومن ظلمة إلى ظلمة ، فإذا انفتح على قلبه باب ذكر الله ~~ومعرفة الله تخلص عن نيران الآفات وعن حسرات الخسارات ، واستشعر بمعرفة رب ~~الأرض والسموات وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { ولله الاسماء الحسنى } مذكور في سور ~~أربعة : أولها : هذه / السورة . وثانيها : في آخر سورة بني إسرائيل في قوله ~~: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان * أياما * تدعوا فله الاسماء الحسنى } ~~( الإسراء : 11 ) وثالثها : في أول طه وهو قوله : { الله لا إلاه إلا هو له ~~الاسماء الحسنى } ( طه : 8 ) ورابعها : في آخر الحشر وهو قوله : { هو الله ~~الخالق البارىء المصور له الاسماء الحسنى } ( الحشر : 24 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : { الاسماء } ألفاظ دالة على المعاني فهي إنما تحسن ~~بحسن معانيها ومفهوماتها ، ولا معنى ms4223 للحسن في حق الله تعالى إلا ذكر صفات ~~الكمال ونعوت الجلال ، وهي محصورة في نوعين : عدم PageV15P054 افتقاره إلى ~~غيره ، وثبوت افتقار غيره إليه . # واعلم أن لنا في تفسير أسماء الله كتابا كبيرا كثير الدقائق شريف الحقائق ~~سميناه ( بلوامع البينات في تفسير الأسماء والصفات ) ، من أراد الاستقصاء ~~فيه فليرجع إليه ، ونحن نذكر ههنا لمعا ونكتا منها . فنقول : إن أسماء الله ~~يمكن تقسيمها من وجوه كثيرة . # الوجه الأول : أن نقول : الاسم إما أن يكون اسما للذات ، أو لجزء من ~~أجزاء الذات ، أو لصفة خارجة عن الذات قائمة بها . أما اسم الذات فهو ~~المسمى بالاسم الأعظم ، وفي كشف الغطاء عما فيه من المباحثات أسرار . وأما ~~اسم جزء الذات فهو في حق الله تعالى محال ، لأن هذا إنما يفعل في الذات ~~المركبة من الأجزاء ، وكل ما كان كذلك فهو ممكن ، فواجب الوجود يمتنع أن ~~يكون له جزء . # وأما اسم الصفة فنقول : الصفة إما أن تكون حقيقية أو إضافية أو سلبية ، ~~أو ما يتركب عن هذه الثلاثة ، وهي أربعة ، لأنه إما أن يكون صفة حقيقية مع ~~إضافة أو مع سلب أو صفة سلبية مع إضافة أو مجموع صفة حقيقية وإضافة وسلبية ~~. أما الصفة الحقيقية العارية عن الإضافة فكقولنا موجود عند من يقول : ~~الوجود صفة ، أو قولنا واحد ، عند من يقول : الوحدة صفة ثانية ، وكقولنا حي ~~، فإن الحياة صفة حقيقية عارية عن النسب والإضافات ، وأما الصفة الإضافية ~~المحضة فكقولنا : مذكور ومعلوم ، وأما الصفة السلبية ، فكقولنا : القدوس ~~السلام . وأما الصفة الحقيقية مع الإضافة ، فكقولنا : عالم وقادر ، فإن ~~العلم صفة حقيقية ، وله تعلق بالمعلوم والقادر ، فإن القدرة صفة حقيقية ، ~~ولها تعلق بالمقدور ، وأما الصفة الحقيقية مع السلبية . فكقولنا : قديم ~~أزلي ، لأنه عبارة عن موجود لا أول له . وأما الصفة الإضافية مع السلبية ، ~~فكقولنا : أول . فإنه هو الذي سبق غيره وما سبقه غيره ، وأما الصفة ~~الحقيقية مع الإضافة والسلب / فكقولنا : حكيم ، فإنه هو الذي يعلم حقائق ~~الأشياء ، ولا يفعل ما لا يجوز فعله فصفة العلم صفة حقيقية ، وكون هذه ms4224 ~~الصفة متعلقة بالمعلومات ، نسب وإضافات ، وكونه غير فاعل لما لا ينبغي سلب ~~. # إذا عرفت هذا فنقول : السلوب ، غير متناهية ، والإضافات أيضا غير متناهية ~~، فكونه خالقا / للمخلوقات صفة إضافية ، وكونه محييا ومميتا إضافات مخصوصة ~~، وكونه رازقا أيضا إضافة أخرى مخصوصة . فيحصل بسبب هذين النوعين من ~~الاعتبارات أسماء لا نهاية لها لله تعالى ، لأن مقدوراته غير متناهية ، ~~ولما كان لا سبيل إلى معرفة كنه ذاته ، وإنما السبيل إلى معرفته بمعرفة ~~أفعاله فكل من كان وقوفه على أسرار حكمته في مخلوقاته أكثر ، كان علمه ~~بأسماء الله أكثر . ولما كان هذا بحرا لا ساحل له ولا نهاية له ، فكذلك لا ~~نهاية لمعرفة أسماء الله الحسنى . # النوع الثاني : في تقسيم أسماء الله ما قاله المتكلمون : وهو أن صفات ~~الله تعالى ثلاثة أنواع : ما يجب ، ويجوز ، ويستحيل على الله تعالى . ولله ~~تعالى بحسب كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أسماء مخصوصة . # والنوع الثالث : في تقسيم أسماء الله أن صفات الله تعالى إما أن تكون ~~ذاتية ، أو معنوية ، أو كانت من صفات الأفعال . PageV15P055 # والنوع الرابع : في تقسيم أسماء الله تعالى إما أن يجوز إطلاقها على غير ~~الله تعالى ، أو لا يجوز . أما القسم الأول : فهو كقولنا : الكريم الرحيم ~~العزيز اللطيف الكبير الخالق ، فإن هذه الألفاظ يجوز إطلاقها على العباد ، ~~وإن كان معناها في حق الله تعالى مغايرا لمعناها في حق العباد . وأما القسم ~~الثاني فهو كقولنا : الله الرحمن . أما القسم الأول : فإنها إذا قيدت بقيود ~~مخصوصة صارت بحيث لا يمكن إطلاقها إلا في حق الله تعالى كقولنا : يا أرحم ~~الراحمين ، ويا أكرم الأكرمين ، ويا خالق السموات والأرضين . # النوع الخامس : في تقسيم أسماء الله أن يقال : من أسماء الله ما يمكن ~~ذكره وحده ، كقولنا : يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم ، ومنها ما لا يكون ~~كذلك ، كقولنا : مميت وضار ، فإنه لا يجوز إفراده بالذكر ، بل يجب أن يقال ~~: يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع . # النوع السادس : في تقسيم أسماء الله تعالى أن يقال : أول ما ms4225 يعلم من صفات ~~الله تعالى كونه محدثا للأشياء مرجحا لوجودها على عدمها ، وذلك لأنا إنما ~~نعلم وجوده سبحانه بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه ، فإذا دل الدليل ~~على أن هذا العالم المحسوس ممكن الوجود والعدم لذاته ، قضى العقل بافتقاره ~~إلى مرجح يرجح وجوده على عدمه ، وذلك المرجح ليس إلا الله سبحانه ، فثبت أن ~~أول ما يعلم منه تعالى هو كونه مرجحا ومؤثرا ، ثم نقول ذلك المرجح إما أن ~~يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة والأول باطل ، وإلا لدام العالم ~~بدوامه ، وذلك باطل ، فبقي أنه إنما رجح على سبيل الصحة وكونه مرجحا على ~~سبيل الصحة ، ليس إلا كونه تعالى قادرا ، فثبت أن المعلوم منه بعد العلم ~~بكونه مرجحا ، هو كونه / قادرا . ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة ~~متقنة على كونه عالما ، ثم إنا إذا علمنا كونه تعالى قادرا عالما ، وعلمنا ~~أن العالم القادر يمتنع أن يكون إلا حيا ، علمنا من كونه قادرا عالما ، ~~كونه حيا . فظهر بهذا أنه ليس العلم بصفاته تعالى وبأسمائه واقعا في درجة ~~واحدة ، بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولله الاسماء الحسنى } يفيد الحصر ، ~~ومعناه أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله تعالى ، والبرهان العقلي قد يدل على ~~صحة هذا المعنى ، وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته ، وإما ممكن ~~لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الواحد وهو الله سبحانه ، وأما ما سوى ذلك ~~الواحد / فهو ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته ، فهو محتاج في ماهيته وفي وجوده ~~وفي جميع صفاته الحقيقية والإضافية والسلبية إلى تكوين الواجب لذاته ، ~~ولولاه لبقي على العدم المحض والسلب الصرف ، فالله سبحانه كامل لذاته ، ~~وكمال كل ما سواه فهو حاصل بجوده وإحسانه ، فكل كمال وجلال وشرف ، فهو له ~~سبحانه بذاته ولذاته وفي ذاته ، ولغيره على سبيل العارية ، والذي لغيره من ~~ذاته ، فهو الفقر والحاجة والنقصان والعدم ، فثبت بهذا البرهان البين أن ~~الأسماء الحسنى ليست إلا لله ، والصفات الحسنى ليست إلا لله ، وأن كل ما ~~سواه ms4226 ، فهو غرق في بحر الفناء والنقصان . # المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن أسماء الله ليست إلا لله ، ~~والصفات الحسنى ليست إلا لله ، فيجب كونها موصوفة بالحسن والكمال فهذا يفيد ~~أن كل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله ~~سبحانه ، وعند هذا نقل عن جهم بن صفوان أنه قال : لا أطلق على ذات الله ~~تعالى PageV15P056 اسم الشيء . قال : لأن اسم الشيء يقع على أخس الأشياء ~~وأكثرها حقارة وأبعدها عن درجات الشرف ، وإذا كان كذلك وجب القطع بأنه لا ~~يفيد في المسمى شرفا ورتبة وجلالة . # وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بمقتضى هذه الآية أن أسماء الله يجب أن تكون ~~دالة على الشرف والكمال ، وثبت أن اسم الشيء ليس كذلك فامتنع تسمية الله ~~بكونه شيئا . قال ومعاذ الله أن يكون هذا نزاعا في كونه في نفسه حقيقة ~~وذاتا وموجودا ، إنما النزاع وقع في محض اللفظ ، وهو أنه هل يصح تسميته ~~بهذا اللفظ أم لا ؟ فأما قولنا إنه منشىء الأشياء ، فهو اسم يفيد المدح ~~والجلال والشرف ، فكان إطلاق هذا الاسم على الله حقا ، ثم أكد هذه الحجة ~~بأنواع أخر من الدلائل . فالأول : قوله تعلى : { ليس * من شىء } ( الشورى : ~~11 ) معناه ليس مثل مثله شيء ، ولا شك أن عين الشيء مثل لمثل / نفسه . فلما ~~ثبت بالعقل أن كل شيء فهو مثل مثل نفسه ، ودل الدليل القرآني على أن مثل ~~مثل الله ليس بشيء ، كان هذا تصريحا بأنه تعالى غير مسمى باسم الشيء ، وليس ~~لقائل أن يقول ( الكاف ) في قوله : { ليس كمثله } حرف زائد لا فائدة فيه ، ~~لأن حمل كلام الله على اللغو والعبث وعدم الفائدة بعيد . # الحجة الثانية : قوله تعالى : { خالق كل شىء } ( الأنعام : 102 الرعد : ~~16 غافر : 62 ) ولو كان تعالى داخلا تحت اسم الشيء لزم كونه تعالى خالقا ~~لنفسه وهو محال . لا يقال هذا عام دخله التخصيص ، لأنا نقول هذا كلام لا بد ~~من البحث عنه فنقول : ثبت بحسب العرف المشهور أنهم يقيمون الأكثر مقام ms4227 الكل ~~، ويقيمون الشاذ النادر مقام العدم . # إذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا حصل الأكثر الأغلب وكان الغالب الشاذ الخارج ~~نادرا ، ألحقوا ذلك الأكثر بالكل ، وألحقوا ذلك النادر بالمعدوم ، وأطلقوا ~~لفظ الكل عليه ، وجعلوا ذلك الشاذ النادر من باب تخصيص العموم . # وإذا عرفت هذا فنقول : إن بتقدير أن يصدق على الله تعالى اسم الشيء كان ~~أعظم الأشياء هو الله تعالى ، وإدخال التخصيص في مثل هذا المسمى يكون من ~~باب الكذب ، فوجب أن يعتقد أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء حتى لا يلزمنا ~~هذا المحذور . # الحجة الثالثة : هذا الاسم ما ورد في كتاب الله ولا سنة رسوله ، وما ~~رأينا أحدا من السلف قال في دعائه ياشيء ، فوجب الامتناع منه ، والدليل على ~~أنه غير وارد في كتاب الله أن الآية التي يتوهم اشتمالها على هذا الاسم ~~قوله تعالى : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم } ( الأنعام ~~: 19 ) وقد بينا في سورة الأنعام أن هذه الآية لا تدل على المقصود ، فسقط ~~الكلام فيه . # فإن قال قائل : فقولنا : موجود ومذكور وذات ومعلوم ، ألفاظ لا تدل على ~~الشرف والجلال فوجب أن تقولوا إنه لا يجوز إطلاقها على الله تعالى . فنقول ~~: الحق في هذا الباب التفصيل ، وهو أنا نقول : ما المراد من قولك : إنه ~~تعالى شيء ، وذات ، وحقيقة ؟ إن عنيت أنه تعالى في نفسه ذات وحقيقة وثابت ~~وموجود وشيء ، فهو كذلك من غير شك ولا شبهة ، وإن عنيت به أنه هل يجوز أن ~~ينادى بهذه الألفاظ أم لا ؟ فنقول لا يجوز . لأنا رأينا السلف يقولون : يا ~~الله يا رحمن يا رحيم إلى سائر الأسماء الشريفة ، وما رأينا ولا سمعنا أن ~~أحدا يقول : يا ذات يا حقيقة يا مفهوم ويا معلوم ، فكان الامتناع عن مثل ~~هذه الألفاظ في معرض النداء PageV15P057 والدعاء واجبا لله تعالى . والله ~~أعلم . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها } يدل ~~على أنه تعالى حصلت له / أسماء حسنة ، وأنه يجب على الإنسان أن يدعو الله ~~بها ، وهذا يدل على أن ms4228 أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية . ومما يؤكد هذا أنه ~~يجوز أن يقال : يا جواد ، ولا يجوز أن يقال : يا سخي ، ولا أن يقال يا عاقل ~~يا طبيب يا فقيه . وذلك يدل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية . # المسألة الخامسة : دلت الآية على أن الاسم غير المسمى لأنها تدل على أن ~~أسماء الله كثيرة لأن لفظ الأسماء لفظ الجمع ، وهي تفيد الثلاثة فما فوقها ~~، فثبت أن أسماء الله كثيرة ولا شك أن الله واحد ، فلزم القطع بأن الاسم ~~غير المسمى وأيضا قوله : { ولله الاسماء الحسنى } يقتضي إضافة الأسماء إلى ~~الله ، وإضافة الشيء إلى نفسه محال . وأيضا فلو قيل : ولله الذوات لكان ~~باطلا . ولما قال : { ولله الاسماء } كان حقا وذلك يدل على أن الاسم غير ~~المسمى . # المسألة السادسة : قوله : { ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها } يدل على أن ~~الإنسان لا يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى ، وهذه الدعوة لا تتأتى إلا ~~إذا عرف معاني تلك الأسماء ، وعرف بالدليل أن له إلها وربا خالقا موصوفا ~~بتك الصفات الشريفة المقدسة ، فإذا عرف بالدليل ذلك فحينئذ يحسن أن يدعو ~~ربه بتلك الأسماء والصفات ، ثم إن لتلك الدعوة شرائط كثيرة مذكورة ~~بالاستقصاء في كتاب ( المنهاج ) لأبي عبد الله الحليمي ، وأحسن ما فيه أن ~~يكون مستحضرا لأمرين : أحدهما : عزة الربوبية . والثانية : ذلة العبودية . ~~فهناك يحسن ذلك الدعاء ويعظم موقع ذلك الذكر . فأما إذا لم يكن كذلك كان ~~قليل الفائدة ، وأنا أذكر لهذا المعنى مثالا ، وهو أن من أراد أن يقول في ~~تحريمة صلاته الله أكبر ، فإنه يجب أن يستحضر في النية جميع ما أمكنه من ~~معرفة آثار حكمة الله تعالى في تخليق نفسه وبدنه وقواه العقلية والحسية أو ~~الحركية ، ثم يتعدى من نفسه إلى استحضار آثار حكمة الله في تخليق جميع ~~الناس ، وجميع الحيوانات ، وجميع أصناف النبات والمعادن ، والآثار العلوية ~~من الرعد والبرق والصواعق التي توجد في كل أطراف العالم ، ثم يستحضر آثار ~~قدرة الله تعالى في تخليق الأرضين والجبال والبحار والمفاوز ، ثم يستحضر ~~آثار قدرة ms4229 الله تعالى في تخليق طبقات العناصر السفلية والعلوية ، ثم يستحضر ~~آثار قدرة الله تعالى في تخليق أطباق السموات على سعتها وعظمها ، وفي تخليق ~~أجرام النيرات من الثوابت والسيارات ، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في ~~تخليق الكرسي وسدرة المنتهى ، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق العرش العظيم ~~المحيط بكل هذه الموجودات ، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق الملائكة من ~~حملة العرش والكرسي وجنود عالم الروحانيات ، فلا يزال يستحضر من هذه ~~الدرجات والمراتب أقصى ما يصل إليه فهمه وعقله وذكره وخاطره وخياله ، ثم ~~عند استحضار جميع هذه الروحانيات / والجسمانيات على تفاوت درجاتها وتباين ~~منازلها ومراتبها ، ويقول الله أكبر ، ويشير بقوله الله إلى الموجود الذي ~~خلق هذه الأشياء وأخرجها من العدم إلى الوجود / ورتبها بما لها من الصفات ~~والنعوت ، وبقوله أكبر أي أنه لا يشبه لكبريائه وجبروته وعزه وعلوه وصمديته ~~هذه الأشياء بل هو أكبر من أن يقال : إنه أكبر من هذه الأشياء . فإذا عرفت ~~هذا المثال الواحد فقس الذكر الحاصل مع العرفان والشعور ، وعند هذا ينفتح ~~على عقلك نسمة من الأسرار المودعة تحت قوله : { والله * الاسماء الحسنى ~~فادعوه بها } . PageV15P058 # أما قوله تعالى : { وذروا الذين يلحدون فى أسمئه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة { يلحدون } ووافقه عاصم والكسائي في النحل . ~~قال الفراء : { يلحدون } و { يلحدون } لغتان : يقال : لحدت لحدا وألحدت ، ~~قال أهل اللغة : معنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد . قال ابن السكيت : ~~الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه . يقال : قد ألحد في الدين ~~ولحد ، وقال أبو عمرو من أهل اللغة : الإلحاد : العدل عن الاستقامة ~~والانحراف عنها . ومنه اللحد الذي يحفر في جانب القبر . قال الواحدي رحمه ~~الله : والأجود قراءة العامة لقوله تعالى : { ومن يرد فيه بإلحاد } ( الحج ~~: 25 ) والإلحاد أكثر في كلامهم لقولهم : ملحد ، ولا تكاد تسمع العرب ~~يقولون لاحد . # المسألة الثانية : قال المحققون : الإلحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة ~~أوجه : الأول : إطلاق أسماء الله المقدسة الطاهرة على غير الله ، مثل أن ~~الكفار كانوا يسمون الأوثان بآلهة ms4230 ، ومن ذلك أنهم سموا أصناما لهم باللات ~~والعزى والمناة ، واشتقاق اللات من الإله ، والعزى من العزيز ، واشتقاق ~~مناة من المنان . وكان مسيلمة الكذاب لقب نفسه بالرحمن . والثاني : أن ~~يسموا الله بما لا يجوز تسميته به ، مثل تسمية من سماه أبا للمسيح . وقول ~~جمهور النصارى : أب ، وابن ، وروح القدس ، ومثل أن الكرامية يطلقون لفظ ~~الجسم على الله سبحانه ويسمونه به ، ومثل أن المعتزلة قد يقولون في أثناء ~~كلامهم ، لو فعل تعالى كذا وكذا لكان سفيها مستحقا للذم ، وهذه الألفاظ ~~مشعرة بسوء الأدب . قال أصحابنا : وليس كل ما صح معناه جاز إطلاقه باللفظ ~~في حق الله ، فإنه ثبت بالدليل أنه سبحانه هو الخالق لجميع الأجسام ، ثم لا ~~يجوز أن يقال : يا خالق الديدان والقرود والقردان ، بل الواجب تنزيه الله ~~عن مثل هذه الأذكار ، وأن يقال : يا خالق الأرض والسموات يا مقيل العثرات ~~يا راحم العبرات إلى غيرها من الأذكار الجميلة الشريفة . والثالث : أن يذكر ~~العبد ربه بلفظ لا يعرف معناه ولا يتصور مسماه ، فإنه ربما كان مسماه أمرا ~~غير لائق بجلال / الله ، فهذه الأقسام الثلاثة هي الإلحاد في الأسماء . # فإن قال قائل : هل يلزم من ورود الأول في إطلاق لفظه على الله تعالى أن ~~يطلق عليه سائر الألفاظ المشتقة منه على الإطلاق ؟ # قلنا : الحق عندي أن ذلك غير لازم لا في حق الله تعالى ، ولا في حق ~~الملائكة والأنبياء وتقريره : أن لفظ ( علم ) ورد في حق الله تعالى في آيات ~~منها قوله : { وعلم ءادم الاسماء كلها } ( البقرة : 31 ) { وعلمك ما لم تكن ~~تعلم } ( النساء : 113 ) { علمناه * من لدنا علما } ( الكهف : 65 ) { ~~الرحمان * علم القرءان } ( الرحمن : 1 ، 2 ) ثم لا يجوز أن يقال في حق الله ~~تعالى يا معلم ، وأيضا ورد قوله : { يحبهم ويحبونه } ( المائدة : 54 ) ثم ~~لا يجوز عندي أن يقال يا محب . وأما في حق الأنبياء ، فقد ورد في حق آدم ~~عليه السلام : { وعصى * ءادم * ربه فغوى } ( طه : 121 ) ثم لا يجوز أن يقال ~~إن آدم كان عاصيا غاويا ، وورد في ms4231 حق موسى عليه السلام { إحداهما ياأبت ~~استجره } ( القصص : 26 ) ثم لا يجوز أن يقال إنه عليه السلام كان أجيرا / ~~والضابط أن هذه الألفاظ الموهمة يجب الاقتصار فيها على الوارد ، فأما ~~التوسع بإطلاق الألفاظ المشتقة منها فهي عندي ممنوعة غير جائزة . # ثم قال تعالى : { سيجزون ما كانوا يعملون } فهو تهديد ووعيد لمن ألحد في ~~أسماء الله . قالت المعتزلة : الآية قد دلت على إثبات العمل للعبد ، وعلى ~~أن الجزاء مفرع على عمله وفعله . # PageV15P059 ! 7 < { وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 181 ) وممن خلقنا أمة . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قال : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } ~~فأخبر أن كثيرا من الثقلين مخلوقون للنار أتبعه بقوله : { وممن خلقنا أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون } ليبين أيضا أن كثيرا منهم مخلوقان للجنة . واعلم ~~أنه تعالى ذكر في قصة موسى قوله : { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون } فلما أعاد الله تعالى هذا الكلام ههنا حمله أكثر المفسرين على أن ~~المراد منه قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، روى قتادة وابن جريج عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنها هذه الأمة وروى أيضا أنه عليه الصلاة والسلام قال ~~: ( هذه فيهم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها ) وعن الربيع بن أنس أنه قال : ~~قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال : ( إن من أمتي قوما على الحق ~~حتى ينزل عيسى بن مريم ) وقال ابن عباس يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام ~~المهاجرين والأنصار . قال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه لا يخلو زمان ~~البتة عمن يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه وأنهم لا يجتمعون في شيء من ~~الأزمنة على الباطل ، لأنه لا يخلو إما أن يكون المراد زمان وجود محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، / وهو الزمان الذي نزلت فيه هذه الآية . أو المراد أنه قد ~~حصل زمان من الأزمنة حصل فيه قوم بالصفة المذكورة ، أو المراد ما ذكرنا أنه ~~لا يخلو زمان من الأزمنة عن قوم موصوفين بهذه الصفة والأول باطل . لأنه ms4232 قد ~~كان ظاهرا لكل الناس أن محمدا وأصحابه على الحق ، فحمل الآية على هذا ~~المعنى يخرجه عن الفائدة ، والثاني باطل أيضا ، لأن كل أحد يعلم بالضرورة ~~أنه قد حصل زمان ما في الأزمنة الماضية حصل فيه جميع من المحقين ، فلم يبق ~~إلا القسم الثالث . وهو أدل على أنه ما خلا زمان عن قوم من المحقين وأن ~~إجماعهم حجة ، وعلى هذا التقدير فهذا يدل على أن إجماع سائر الأمم حجة . # ! 7 < { والذين كذبوا بأاياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملى لهم ~~إن كيدى متين } . > 7 ! # قوله تعالى : { والذين كذبوا بئاياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * ~~وأملى لهم إن * كيدى متين } . < < # | الأعراف : ( 182 - 183 ) والذين كذبوا بآياتنا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الأمة الهادية العادلة ، أعاد ذكر المكذبين ~~بآيات الله تعالى ، وما عليهم من الوعيد ، فقال : { والذين كذبوا بئاياتنا ~~} وهذا يتناول جميع المكذبين ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : المراد أهل ~~مكة ، وهو بعيد ، لأن صفة العموم يتناول الكل ، إلا ما دل الدليل على خروجه ~~منه . # وأما قوله : { سنستدرجهم } فالاستدراج الاستفعال من الدرجة بمعنى ~~الاستصعاد أو الاستنزال ، درجة بعد درجة ، ومنه درج الصبي إذا قارب بين ~~خطاه ، وأدرج الكتاب طواه شيئا بعد شيء ودرج القوم ، مات بعضهم عقيب بعضهم ~~، ويحتمل أن يكون هذا اللفظ مأخوذ من الدرج وهو لف الشيء وطيه جزأ فجزأ . # إذا عرفت هذا فالمعنى سنقربهم إلى ما يهلكهم ، ونضاعف عقابهم من حيث لا ~~يعلمون ما يراد بهم ، وذلك لأنهم كلما أتوا بجرم أو أقدموا على ذنب فتح ~~الله عليهم بابا من أبواب النعمة والخير في الدنيا ، فيزدادون بطرا ~~وانهماكا في الفساد وتماديا في الغي ، ويتدرجون في المعاصي بسبب ترادف تلك ~~النعم ، ثم PageV15P060 يأخذهم الله دفعة واحدة على غرتهم أغفل ما يكون ، ~~ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما حمل إليه كنوز كسرى : ( اللهم إني أعوذ بك ~~أن أكون مستدرجا فإني سمعتك تقول { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } . # / ثم قال تعالى : { وأملى لهم إن كيدى متين } الإملاء في اللغة ms4233 الإمهال ~~وإطالة المدة ونقيضه الإعجال والملى زمان طويل من الدهر ومنه قوله : { ~~واهجرنى مليا } ( مريم : 46 ) أي طويلا . ويقال ملوة وملوة وملاوة من الدهر ~~أي زمان طويل ، فمعنى { وأملى لهم } أي أمهلهم وأطيل لهم مدة عمرهم ~~ليتمادوا في المعاصي ولا أعاجلهم بالعقوبة على المعصية ليقلعوا عنها ~~بالتوبة والإنابة . وقوله : { إن كيدى متين } قال ابن عباس : يريد إن مكري ~~شديد ، والمتين من كل شيء هو القوي يقال متن متانة . # واعلم أن أصحابنا احتجوا في مسألة القضاء والقدر بهذه الألفاظ الثلاثة ، ~~وهي الاستدراج والإملاء والكيد المتين ، وكلها تدل على أنه تعالى أراد ~~بالعبد ما يسوقه إلى الكفر والبعد عن الله تعالى ، وذلك ضد ما يقوله ~~المعتزلة . # أجاب أبو علي الجبائي ، بأن المراد من الاستدراج ، أنه تعالى استدرجهم ~~إلى العقوبات حتى يقعوا فيها من حيث لا يعلون ، استدراجا لهم إلى ذلك حتى ~~يقعوا فيه بغتة ، وقد يجوز أن يكون هذا العذاب في الدنيا كالقتل والاستئصال ~~، ويجوز أن يكون عذاب الآخرة . قال وقد قال بعض المجبرة المراد : سنستدرجهم ~~إلى الكفر من حيث لا يعلمون . قال : وذلك فاسد ، لأن الله تعالى أخبر بتقدم ~~كفرهم ، فالذي يستدرجهم إليه فعل مستقبل ، لأن السين في قوله : { سنستدرجهم ~~} يفيد الاستقبال ، ولا يجب أن يكون المراد : أن يستدرجهم إلى كفر آخر ~~لجواز أن يميتهم قبل أن يوقعهم في كفر آخر ، فالمراد إذن : ما قلناه ، ~~ولأنه تعالى لا يعاقب الكافر بأن يخلق فيه كفرا آخر ، والكفر هو فعله ، ~~وإنما يعاقبه بفعل نفسه . # وأما قوله : { وأملى لهم } فمعناه : أني أبقيهم في الدنيا مع إصرارهم على ~~الكفر ، ولا أعاجلهم بالعقوبة لأنهم لا يفوتونني ولا يعجزونني ، وهذا معنى ~~قوله : { إن كيدى متين } لأن كيده هو عذابه / وسماه كيدا لنزوله بالعباد من ~~حيث لا يشعرون . # والجواب عنه من وجهين : الأول : أن قوله : { والذين كذبوا بئاياتنا ~~سنستدرجهم } معناه : ما ذكرنا أنهم كلما زادوا تماديا في الذنب والكفر ، ~~زادهم الله نعمة وخيرا في الدنيا ، فيصير فوزهم بلذات الدنيا سببا لتماديهم ~~في الإعراض عن ذكر الله وبعدا عن ms4234 الرجوع إلى طاعة الله ، هذه حالة نشاهدها ~~في بعض الناس ، وإذا كان هذا أمرا محسوسا مشاهدا فكيف يمكن إنكاره . الثاني ~~: هب أن المراد منه الاستدراج إلى العقاب ، إلا أن هذا أيضا يبطل القول ~~بأنه تعالى ما أراد بعبده إلا الخير والصلاح ، لأنه تعالى لما علم أن هذا ~~الاستدراج ، وهذا الإمهال مما قد يزيد به عتوا وكفرا وفسادا واستحقاق ~~العقاب الشديد ، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجبا لتلك / ~~الزيادات من العقوبة بل لكان يجب في حكمته ورعايته للمصالح أن لا يخلقه ~~ابتداء صونا له عن هذا العقاب ، أو أن يخلقه لكنه يميته قبل أن يصير في حد ~~التكليف ، أو أن لا يخلقه إلا في الجنة ، صونا له عن الوقوع في آفات الدنيا ~~وفي عقاب الآخرة ، فلما خلقه في الدنيا وألقاه في ورطة التكليف . وأطال ~~عمره ومكنه من المعاصي مع علمه بأن ذلك لا يفيد إلا مزيد الكفر والفسق ~~واستحقاق العقاب ، علمنا أنه ما خلقه إلا للعذاب وإلا للنار ، كما شرحه في ~~الآية المتقدمة ، وهي قوله : { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } ( ~~الأعراف : 179 ) PageV15P061 وأنا شديد التعجب من هؤلاء المعتزلة ، فإنهم ~~يرون القرآن كالبحر الذي لا ساحل له مملوأ من هذه الآيات والدلائل العقلية ~~القاهرة القاطعة مطابقة لها ، ثم إنهم يكتفون في تأويلات هذه الآيات بهذه ~~الوجوه الضعيفة والكلمات الواهية ، إلا أن علمي بأن ما أراده الله كائن ~~يزيل هذا التعجب . والله أعلم . # ! 7 < { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 184 ) أولم يتفكروا ما . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد المعرضين عن آياته ، الغافلين عن ~~التأمل في دلائله وبيناته ، عاد إلى الجواب عن شبهاتهم . فقال : { أو لم * ~~يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } والتفكر طلب المعنى بالقلب وذلك لأن فكرة ~~القلب هو المسمى بالنظر ، والتعقل في الشيء والتأمل فيه والتدبر له ، وكما ~~أن الرؤية بالبصر حالة مخصوصة من الانكشاف والجلاء ، ولها مقدمة وهي تقليب ~~الحدقة إلى جهة المرئي : طلبا لتحصيل تلك ms4235 الرؤية بالبصر ، فكذلك الرؤية ~~بالبصيرة ، وهي المسماة بالعلم واليقين ، حالة مخصوصة في الانكشاف والجلاء ~~، ولها مقدمة وهي تقليب حدقة العقل إلى الجوانب ، طلبا لذلك الانكشاف ~~والتجلي ، وذلك هو المسمى بنظر العقل وفكرته ، فقوله تعالى : { أولم ~~يتفكروا } أمر بالفكر والتأمل والتدبر والتروي لطلب معرفة الأشياء كما هي ~~عرفانا حقيقيا تاما ، وفي اللفظ محذوف . والتقدير : أولم يتفكروا فيعلموا ~~ما بصاحبهم من جنة ، والجنة حالة من الجنون ، كالجلسة والركبة ودخول ( من ) ~~في قوله : { من جنة } يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون . # واعلم أن بعض الجهال من أهل مكة كانوا ينسبونه إلى الجنون لوجهين : الأول ~~: أن فعله عليه السلام كان مخالفا لفعلهم ، وذلك لأنه عليه السلام كان ~~معرضا عن الدنيا مقبلا على الآخرة ، مشتغلا بالدعوة إلى الله ، فكان العمل ~~مخالفا لطريقتهم ، فاعتقدوا فيه أنه مجنون . قال الحسن وقتادة : أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قام ليلا على الصفا يدعو فخذا فخذا من قريش . فقال يا ~~بني فلان يا بني فلان ، / وكان يحذرهم بأس الله وعقابه ، فقال قائلهم : إن ~~صاحبكم هذا لمجنون ، واظب على الصياح طول هذه الليلة ، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية وحثهم على التفكر في أمر الرسول عليه السلام ، ليعلموا أنه إنما ~~دعا للإنذار لا لما نسبه إليه الجهال . الثاني : أنه عليه السلام كان يغشاه ~~حالة عجيبة عند نزول الوحي فيتغير وجهه ويصفر لونه ، وتعرض له حالة شبيهة ~~بالغشي ، فالجهال كانوا يقولون إنه جنون فالله تعالى بين في هذه الآية أنه ~~ليس به نوع من أنواع الجنون ، وذلك لأنه عليه السلام كان يدعوهم إلى الله ، ~~ويقيم الدلائل القاطعة والبينات الباهرة ، بألفاظ فصيحة بلغت في الفصاحة ~~إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضتها ، وكان حسن الخلق ، طيب العشرة ، ~~مرضي الطريقة نقي السيرة ، مواطبا على أعمال حسنة صار بسببها قدوة للعقلاء ~~العالمين ، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون ~~، وإذا ثبت هذا ظهر أن اجتهاده على الدعوة إلى الدين إنما كان لأنه نذير ~~مبين ، أرسله رب العالمين لترهيب ms4236 الكافرين ، وترغيب المؤمنين ، ولما كان ~~النظر في أمر النبوة مفرعا على تقرير دلائل التوحيد ، لا جرم ذكر عقيبه ما ~~يدل على التوحيد . # PageV15P062 ! 7 < { أولم ينظروا فى ملكوت السماوات والا رض وما خلق الله ~~من شىء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون } . > 7 @QB@ ~~< # | الأعراف : ( 185 ) أولم ينظروا في . . . . . # > > # فقال : { أولم ينظروا فى ملكوت * السماوات والارض } واعلم أن دلائل ملكوت ~~السموات والأرض على وجود الصانع الحكيم القديم كثيرة ، وقد فصلناها في هذا ~~الكتاب مرارا وأطوارا فلا فائدة في الإعادة . # ثم قال : { وما خلق الله من شىء } والمقصود التنبيه على أن الدلائل على ~~التوحيد غير مقصورة على السموات والأرض . بل كل ذرة من ذرات عالم الأجسام ~~والأرواح فهي برهان باهر ، ودليل قاهر على التوحيد ، ولنقرر هذا المعنى ~~بمثال . فنقول : إن الضوء إذا وقع على كوة البيت ظهر الذرات والهباآت ، ~~فلنفرض الكلام في ذرة واحدة من تلك الذرات فنقول : إنها تدل على الصانع ~~الحكيم من جهات غير متناهية ، وذلك لأنها مختصة بحيز معين من جملة الأحياز ~~التي لا نهاية لها في الخلاء الذي لا نهاية له ، وكل حيز من تلك الأحياز ~~الغير المتناهية ، فرضنا وقوع تلك الذرة فيه كان اختصاصها بذلك الحيز ~~المعين من الممكنات والجائزات ، والممكن لا بد له من مخصص ومرجح وذلك ~~المخصص إن كان جسما عاد السؤال فيه ، وإن لم يكن جسما فهو الله سبحانه ، ~~وأيضا فتلك / الذرة لا تخلو عن الحركة والسكون ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ~~، وكل محدث فإن حدوثه لا بد وأن يكون مختصا بوقت معين مع جواز حصوله قبل ~~ذلك وبعده ، فاختصاصه بذلك الوقت المعين الذي حدث فيه ، لا بد وأن يكون ~~بتخصيص مخصص قديم فإن كان ذلك المخصص جسما عاد السؤال فيه ، وإن لم يكن ~~جسما فهو الله سبحانه وتعالى ، وأيضا أن تلك الذرة مساوية لسائر الأجسام في ~~التحيز والحجمية . ومخالفة لها في اللون والشكل والطبع والطعم وسائر الصفات ~~. واختصاصها بكل تلك الصفات التي باعتبارها خالفت سائر الأجسام ، لا بد ms4237 وأن ~~يكون من الجائزات ، والجائز لا بد له من مرجح ، وذلك المرجح إن كان جسما ~~عاد البحث الأول فيه ، وإن لم يكن جسما فهو الله سبحانه ، فثبت أن تلك ~~الذرة دالة على وجود الصانع من جهات غير متناهية ، واعتبارات غير متناهية ، ~~وكذا القول في جميع أجزاء العالم الجسماني والروحاني ، مفرداته ومركباته ~~وسفلياته وعلوياته وعند هذا يظهر لك صدق ما قال الشاعر : # % وفي كل شيء له آية % % تدل على أنه واحد % # وإذا عرفت هذا فحينئذ ظهرت الفائدة لك من قوله تعالى : { وما خلق الله من ~~شىء } ولما نبه الله تعالى على هذه الأسرار العجيبة والدقائق اللطيفة ، ~~أردفه بما يوجب الترغيب الشديد في الإتيان بهذا النظر والتفكر فقال : { وأن ~~عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } ( الأعراف : 185 ) ولفظة { ءان } في قوله : { ~~وأن عسى } هي المخففة من الثقيلة تقديره : وأنه عسى ، والضمير ضمير الشأن ، ~~والمعنى : لعل آجالهم قربت فهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار ، وإذا كان ~~هذا الاحتمال قائما وجب على العاقل المسارعة إلى هذه الفكرة ، والمبادرة ~~إلى هذه الرؤية ، سعيا في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم ، ~~ولما ذكر تعالى هذه البيانات الجلية والدلائل العقلية قال : { فبأي حديث ~~بعده يؤمنون } ( الأعراف : 185 ) وذلك لأنهم إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن مع ~~ما فيه من هذه PageV15P063 التنبيهات الظاهرة والبينات الباهرة ، فكيف يرضى ~~منهم الإيمان بغيره . واعلم أن هذه الآية دالة على مطالب كثيرة . # المطلب الأول : أن التقليد غير جائز ولا بد من النظر والاستدلال ، ~~والدليل على أن الأمر كذلك قوله : { أولم يتفكروا } . # والمطلب الثاني : أن أمر النبوة متفرع على التوحيد ، والدليل عليه أنه ~~لما قال : { إن هو إلا نذير مبين } أتبعه بذكر ما يدل على التوحيد ، ولولا ~~أن الأمر كذلك ، لما كان إلى هذا الكلام حاجة . # والمطلب الثالث : تمسك الجبائي والقاضي بقوله تعالى : { فبأي حديث بعده ~~يؤمنون } على / أن القرآن ليس قديما قالوا : لأن الحديث ضد القديم ، وأيضا ~~فلفظ الحديث يفيد من جهة العادة حدوثه عن قرب ، ولذلك يقال : إن هذا الشيء ms4238 ~~حديث ، وليس بعتيق فيجعلون الحديث ضد العتيق الذي طال زمان وجوده ، ويقال : ~~في الكلام إنه حديث ، لأنه يحدث حالا بعد حال على الأسماع . # وجوابنا عنه : أنه محمول على الألفاظ من الكلمات ولا نزاع في حدوثها . # المطلب الرابع : أن النظر في ملكوت السموات والأرض لا يكون إلا بعد معرفة ~~أقسامها وتفصيل الكلام في شرح أقسامها ، أن يقال كل ما سوى الله تعالى ، ~~فهو إما أن يكون متحيزا أو حالا في المتحيز أو لا متحيزا ، ولا حالا في ~~المتحيز ، أما المتحيز فإما أن يكون بسيطا ، وإما أن يكون مركبا ، أما ~~البسائط فهي إما علوية وإما سفلية ، أما العلوية فهي الأفلاك والكواكب ، ~~ويندرج فيما ذكرناه العرش والكرسي ، ويدخل فيه أيضا الجنة والنار ، والبيت ~~المعمور ، والسقف المرفوع واستقص في تفصيل هذه الأقسام ، وأما السفلية فهي ~~: طبقات العناصر الأربعة ، ويدخل فيها البحار والجبال والمفاوز ، وأما ~~المركبات فهي أربعة الآثار العلوية والمعادن والنبات والحيوان ، واستقص في ~~تفصيل أنواع هذه الأجناس الأربعة ، وأما الحال في المتحيز وهي الأعراض ، ~~فيقرب أجناسها من أربعين جنسا ، ويدخل تحت كل جنس أنواع كثيرة ، ثم إذا ~~تأمل العاقل في عجائب أحكامها ولوازمها وآثارها ومؤثراتها فكأنه خاض في بحر ~~لا ساحل له . # وأما القسم الثالث : وهو أن الموجود لا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز ~~، فهو قسمان ، لأنه إما أن يكون متعلقا بأجسام بالتدبير والتحريك ، وهو ~~المسمى بالأرواح ، وإما أن لا يكون كذلك ، وهي الجواهر القدسية المبرأة عن ~~علائق الأجسام . أما القسم الأول فأعلاها وأشرفها الأرواح الثمانية المقدسة ~~الحاملة للعرش ، كما قال تعالى : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ( ~~الحاقة : 17 ) ويتلوها الأرواح المقدسة المشارة إليها بقوله سبحانه : { ~~وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم } ويتلوها سكان الكرسي ~~، وإليهم الإشارة بقوله : { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا } ( البقرة : 255 ) ويتلوها ~~الأرواح المقدسة في طبقات السموات السبع . وإليهم الأشارة بقوله : { ~~والصافات صفا * فالزجرات زجرا * فالتاليات ذكرا } ( الصافات : 1 3 ms4239 ) ومن ~~صفاتهم ، أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويسبحون الليل والنهار لا يفترون ، ~~لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . # واعلم أن هذا الذي ذكرناه وفصلناه من ملك الله وملكوته كالقطرة في البحر ~~فلعل الله سبحانه / له ألف PageV15P064 ألف عالم وراء هذا العالم ، وله في ~~كل واحد منها عرش أعظم من هذا العرش ، وكرسي أعلى من هذا الكرسي ، وسموات ~~أوسع من هذه السموات ، وكيف يمكن إحاطة عقل البشر بكمال ملك الله وملكوته ، ~~بعد أن سمع قوله : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } ( المدثر : 31 ) فإذا ~~استحضر الإنسان هذه الأقسام في عقله وأراد الخوض في معرفة أسرار حكمته ~~وإلهيته فهم قولهم : { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا } ( البقرة : 32 ) ~~ونعم ما قال أبو العلاء المعري : # % يا أيها الناس كم لله من فلك % % تجري النجوم به والشمس والقمر % # % هنا على الله ماضينا وغابرنا % % فما لنا في نواحي غيره خطر % # ! 7 < { من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم فى طغيانهم يعمهون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 186 ) من يضلل الله . . . . . # > > اعلم أنه تعالى عاد في هذه الآية مرة أخرى إلى نعت أحوال الضالين ~~المكذبين فقال : { من يضلل الله فلا هادي له } واعلم أن استدلال أصحابنا ~~بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله مثل ما سبق في الآية السالفة ، ~~وتأويلات المعتزلة ، وجوابنا عنها مثل ما تقدم فلا فائدة في الإعادة ، ~~وقوله : { ويذرهم فى طغيانهم } رفع بالاستئناف وهو مقطوع عما قبله ، وقرأ ~~أبو عمرو ( ويذرهم ) بالياء ورفع الراء لتقدم اسم الله سبحانه ، وقرأ حمزة ~~والكسائي بالياء والحزم ، ووجه ذلك فيما يقول سيبويه : إنه عطف على موضع ~~الفاء وما بعدها من قوله : { فلا هادي له } لأن موضع الفاء وما بعدها جزم ~~لجواب الشرط ، فحمل ( ويذرهم ) على موضع الذي هو جزم . # ! 7 < { يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها ~~لوقتهآ إلا هو ثقلت فى السماوات والا رض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك ~~حفى عنها قل إنما علمها عند الله ولاكن أكثر الناس لا ms4240 يعلمون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 187 ) يسألونك عن الساعة . . . . . # > > اعلم أن في نظم الآية وجهين : الأول : أنه تعالى لما تكلم في التوحيد ~~والنبوة والقضاء والقدر / أتبعه بالكلام في المعاد ، لما بينا أن المطالب ~~الكلية في القرآن ليست إلا هذه الأربعة . الثاني : أنه تعالى لما قال في ~~الآية المتقدمة { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } ( الأعراف : 185 ) ~~باعثا بذلك عن المثابرة إلى التوبة والإصلاح قال بعده : { يسئلونك عن ~~الساعة } ليتحقق في القلوب أن وقت الساعة مكتوم عن الخلق ، فيصير ذلك حاملا ~~للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الواجبات ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك السائل من هو ؟ قال ابن عباس : إن ~~قوما من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية ، ~~وقال الحسن وقتادة : إن قريشا قالوا : يا محمد بيننا وبينك قرابة ، ~~PageV15P065 فاذكر لنا متى الساعة ؟ # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : الساعة من الأسماء الغالبة ~~كالنجم للثريا وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة ، أو لأن حساب الخلق ~~يقضي فيها في ساعة واحدة فسمي بالساعة لهذا السبب أو لأنها على طولها كساعة ~~واحدة عند الخلق . # المسألة الثالثة : أيان معناه الاستفهام عن الوقت الذي يجيء ، وهو سؤال ~~عن الزمان وحاصل الكلام أن أيان بمعنى متى ، وفي اشتقاقه قولان : المشهور ~~أنه مأخوذ من الأين وأنكره ابن جني وقال : { أيان } سؤال عن الزمان ، وأين ~~سؤال عن المكان ، فكيف يكون أحدهما مأخوذا من الآخر . والثاني : وهو الذي ~~اختاره ابن جني أن اشتقاقه من أي فعلان منه ، لأن معناه أي وقت ولفظة أي ، ~~فعل من أويت إليه ، لأن البعض آو إلى مكان الكل متساندا إليه هكذا . قال ~~ابن جني : وقرأ السلمي إيان بكسر الهمز . # المسألة الرابعة : مرساها ( المرسي ) ههنا مصدر بمعنى الإرساء لقوله ~~تعالى : { بسم الله مجراها ومرساها } ( هود : 41 ) أي إجراؤها وإرساؤها ، ~~والإرساء الإثبات يقال رسى يرسوا ؛ إذا ثبت . قال تعالى : { والجبال أرساها ~~} ( النازعات : 32 ) فكان الرسو ليس اسما لمطلق الثبات ، بل هو اسم لثبات ~~الشيء إذا كان ثقيلا ومنه إرساء الجبل ms4241 ، وإرساء السفينة ، ولما كان أثقل ~~الأشياء على الخلق هو الساعة ، بدليل قوله : { ثقلت فى * السماوات والارض } ~~( الأعراف : 187 ) لا جرم سمى الله تعالى وقوعها وثبوتها بالإرساء . # ثم قال تعالى : { قل إنما علمها عند ربي } أي لا يعلم الوقت الذي فيه ~~يحصل قيام القيامة إلا الله سبحانه ونظيره قوله سبحانه : { إن الله عنده ~~علم الساعة } ( لقمان : 34 ) وقوله : { إن الساعة ءاتية * لا ريب فيها } ( ~~الحج : 7 ) وقوله : { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها } ( طه : 15 ) ولما سأل ~~جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : متى الساعة فقال عليه السلام : ~~( ليس المسؤول عنها بأعلم من السائل ) قال المحققون : والسبب في إخفاء ~~الساعة عن العباد ؟ أنهم إذا لم يعلموا متى تكون ، كانوا على حذر منها ، ~~فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة ، / وأزجر عن المعصية ، ثم إنه تعالى أكد هذا ~~المعنى فقال : { لا يجليها لوقتها } التجلية إظهار الشيء والتجلي ظهوره / ~~والمعنى : لا يظهرها في وقتها المعين { إلا هو } أي لا يقدر على إظهار ~~وقتها المعين بالإعلام والإخبار إلا هو . # ثم قال تعالى : { ثقلت فى * السماوات والارض } والمراد وصف الساعة بالثقل ~~ونظيره قوله تعالى : { ويذرون وراءهم يوما ثقيلا } ( الإنسان : 27 ) وأيضا ~~وصف الله تعالى زلزلة الساعة بالعظم فقال : { إن زلزلة الساعة شىء عظيم } ( ~~الحج : 1 ) ووصف عذابها بالشدة فقال : { وما هم بسكارى ولاكن عذاب الله ~~شديد } ( الحج : 2 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين في تفسير قوله : { ثقلت فى * السماوات ~~والارض } وجوه : قال الحسن : ثقل مجيئها على السموات والأرض ، لأجل أن عند ~~مجيئها شققت السموات وتكورت الشمس والقمر وانتثرت النجوم وثقلت على الأرض ~~لأجل أن في ذلك اليوم تبدل الأرض غير الأرض ، وتبطل الجبال والبحار ، وقال ~~أبو بكر الأصم : إن هذا اليوم ثقيل جدا على أهل السماء والأرض ، لأن فيه ~~فناءهم وهلاكهم وذلك ثقيل على القلوب . وقال قوم : إن هذا اليوم عظيم الثقل ~~على القلوب بسبب أن الخلق يعلمون أنهم يصيرون بعدها إلى البعث والحساب ~~والسؤال والخوف من الله في مثل هذا اليوم شديد . وقال السدي : PageV15P066 ~~{ ثقلت ms4242 } أي خفيت في السموات والأرض ولم يعلم أحد من الملائكة المقربين ~~والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها . وقال قوم : { ثقلت فى * ~~السماوات والارض } أي ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين على أهل السموات ~~والأرض ، وكما يقال في المحمول الذي يتعذر حمله أنه قد ثقل على حامله ، ~~فكذلك يقال في العلم الذي استأثر الله تعالى به أنه يثقل عليهم . # ثم قال : { لا تأتيكم إلا بغتة } وهذا أيضا تأكيد لما تقدم وتقرير لكونها ~~بحيث لا تجيء إلا بغتة فجأة على حين غفلة من الخلق . وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( إن الساعة تفجأ الناس ، فالرجل يصلح موضعه ، والرجل ~~يسقي ماشيته ، والرجل يقوم بسلعته في سوقه . والرجل يخفض ميزانه ويرفعه ( ~~وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفس محمد بيده ~~لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ~~ذلك ) . # ثم قال تعالى : { يسئلونك عن الساعة أيان } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الحفي وجوه : الأول : الحفي البار اللطيف قال ابن ~~الأعرابي : يقال حفى بي حفاوة وتحفى بي تحفيا ، والحفي الكلام واللقاء ~~الحسن ، ومنه قوله تعالى : { إنه كان بى حفيا } أي بارا لطيفا يجيب دعائي ~~إذا دعوته ، فعلى هذا التقدير يسألونك كأنك بار بهم لطيف العشرة معهم / ~~وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسدي ، ويؤيد هذا القول ما روي في تفسيره إن ~~قريشا قالت لمحمد عليه السلام : إن بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى ~~الساعة . فقال تعالى : { يسئلونك عن الساعة أيان } أي كأنك صديق لهم بار ~~بمعنى أنك لا تكون حفيا بهم ما داموا على كفرهم . # والقول الثاني : { حفى عنها } أي كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها ، ~~وعلى هذا القول { حفى } فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال ، ~~ومن أكثر السؤال والبحث عن الشيء علمه ، قال أبو عبيدة هو من قولهم تحفى في ~~المسألة ، أي استقصى . فقوله : { كأنك حفى عنها } أي كأنك أكثرت السؤال ~~عنها وبالغت في طلب علمها . قال صاحب ( الكشاف ) : هذا الترتيب يفيد ms4243 ~~المبالغة ومنه إحفاء الشارب ، وإحفاء البقل استئصاله ، وأحفى في المسألة ~~إذا ألحف ، وحفى بفلان وتحفى به بالغ في البر به ، وعلى هذا التقدير : ~~فالقولان الأولان متقاربان . # المسألة الثانية : في قوله : { عنها } وجهان : الأول : أن يكون فيه تقديم ~~وتأخير والتقدير : يسألونك عنها كأنك حفي بها ثم حذف قوله : ( بها ) لطول ~~الكلام ولأنه معلوم لا يحصل الالتباس بسبب حذفه . والثاني : أن يكون ~~التقدير : يسألونك كأنك حفي بهم لأن لفظ الحفي يجوز أن يعدى تارة بالباء ~~وأخرى بكلمة عن ويؤكد هذا الوجه بقراءة ابن مسعود { كأنك حفى * بها } . # المسألة الثالثة : قوله : { يسئلونك عن الساعة أيان مرساها } سؤال عن وقت ~~قيام الساعة وقوله ثانيا : { يسئلونك عن الساعة أيان } سؤال عن كنه ثقل ~~الساعة وشدتها ومهابتها ، فلم يلزم التكرار : # أجاب عن الأول بقوله : { إنما علمها عند ربي } . PageV15P067 # وأجاب عن الثاني بقوله : { إنما علمها عند الله } والفرق بين الصورتين أن ~~السؤال الأول كان واقعا عن وقت قيام الساعة . والسؤال الثاني كان واقعا عن ~~مقدار شدتها ومهابتها ، وأعظم أسماء الله مهابة وعظمة هو قوله عند السؤال ~~عن مقدار شدة القيامة الاسم الدال على غاية المهابة ، وهو قولنا الله ثم ~~إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله : { ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } وفيه وجوه ~~: أحدها : ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقته ~~المعين عن الخلق . # ! 7 < { قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شآء الله ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ~~} . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 188 ) قل لا أملك . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أن قوله : ~~{ لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا } أي أنا لا أدعي علم الغيب إن أنا إلا نذير ~~وبشير ، ونظيره قوله تعالى في سورة يونس : { ويقولون متى هاذا الوعد إن ~~كنتم صادقين * قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل ~~} ( يونس : 48 ، 49 ) الثاني : روي أن ms4244 أهل مكة قالوا : يا محمد ألا يخبرك ~~ربك بالرخص والغلاء حتى نشتري فنربح ، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض ~~الخصبة . فأنزل الله تعالى هذه الآية : الثالث : قال بعضهم : لما رجع عليه ~~الصلاة والسلام من غزوة بني المصطلق جاءت ريح في الطريق ففرت الدواب منها ، ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة بالمدينة وكان فيه غيظ ~~للمنافقين . وقال انظروا أي ناقتي ، فقال عبدالله بن أبي مع قومه ألا ~~تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته . فقال ~~عليه السلاة والسلام : ( إن ناسا من المنافقين . قالوا كيت وكيت وناقتي في ~~هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة ) فوجدها على ما قال ، فأنزل الله تعالى : ~~{ قل لا أملك لنفسى نفعا ولا * خيرا * إلا ما شاء الله } . # المسألة الثانية : اعلم أن القوم لما طالبوه بالإخبار عن الغيوب وطالبوه ~~بإعطاء الأموال الكثيرة والدولة العظيمة ذكر أن قدرته قاصرة وعلمه قليل ، ~~وبين أن كل من كان عبدا كان كذلك والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليسا إلا ~~لله تعالى ، فالعبد كيف يحصل له هذه القدرة ، وهذا العلم ؟ واحتج أصحابنا ~~في مسألة خلق الأعمال بقوله تعالى : { قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ~~ما شاء الله } والإيمان نفع والكفر ضر ، فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله ~~تعالى ، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بمشيئة الله سبحانه ~~، وتقريره ما ذكرناه مرارا أن القدرة على / الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان ~~، فخالق تلك القدرة يكون مريدا PageV15P068 للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان ~~، فخالق تلك القدرة يكون مريدا للكفر ، وإن كانت صالحة للإيمان امتنع صدور ~~الكفر عنها بدلا عن الإيمان إلا عند حدوث داعية جازمة ، فخالق تلك الداعية ~~الجازمة يكون مريدا للكفر ، فثبت أن على جميع التقادير : لا يملك العبد ~~لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله . # أجاب القاضي عنه بوجوه : الأول : أن ظاهر قوله : { قل لا أملك لنفسى نفعا ~~ولا ضرا إلا ما شاء الله } وإن كان عاما بحسب اللفظ إلا ms4245 أنا ذكرنا أن سبب ~~نزوله هو أن الكفار قالوا : يا محمد ألايخبرك ربك بوقت السعر الرخيص قبل أن ~~يغلو ، حتى نشتري الرخيص فنربح عليه عند الغلاء ، فيحمل اللفظ العام على ~~سبب نزوله ، والمراد بالنفع : تملك الأموال وغيرها ، والمراد بالضر وقت ~~القحط ، والأمراض وغيرها . الثاني : المراد لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ~~فيما يتصل بعلم الغيب ، والدليل على أن المراد ذلك قوله : { ولو كنت أعلم ~~الغيب لاستكثرت من الخير } الثالث : المراد : لا أملك لنفسي من الضر والنفع ~~إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه ، والمقصود من هذا الكلام ~~بيان أنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه . # واعلم أن هذه الوجوه بأسرها عدول عن ظاهر اللفظ ، وكيف يجوز المصير إليه ~~مع أنا أقمنا البرهان القاطع العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه ظاهر ~~لفظ هذه الآية ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : احتج الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم علمه بالغيب ~~بقوله : { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } واختلفوا في المراد من ~~هذا الخير . فقيل المراد منه : جلب منافع الدنيا وخيراتها ، ودفع آفاتها ~~ومضراتها ، ويدخل فيه ما يتصل بالخصب والجدب والأرباح والأكساب . وقيل : ~~المراد منه ما يتصل بأمر الدين ، يعني : لو كنت أعلم الغيب كنت أعلم أن ~~الدعوى إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في ذاك ، فكيف اشتغل بدعوة هذا ~~دون ذاك . وقيل : المراد منه : ما يتصل بالجواب عن السؤالات ، والتقدير : ~~لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير . # والجواب : عن هذه المسائل التي سألوه عنها مثل السؤال عن وقت قيام الساعة ~~وغيره . # أما قوله : { وما مسنى السوء } ففيه قولان : # القول الأول : قال الواحدي رحمه الله : تم الكلام عند قوله : { ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } ثم قال : { وما مسنى السوء } أي ليس بي ~~جنون ، وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله : / { ما بصاحبهم من ~~جنة } وهذا القول عندي بعيد جدا ويوجب تفكك نظم الآية . # والقول الثاني : إنه تمام الكلام ms4246 الأول ، والتقدير : ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من تحصيل الخير ، ولاحترزت عن الشر حتى صرت بحيث لا يمسني سوء . ~~ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر أن علم الغيب غير حاصل عندي ، ولما بين بما سبق ~~أنه لا يقدر إلا على ما أقدر الله عليه ، ولا يعلم إلا ما أعطاه الله العلم ~~به قال : { إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون } والنذير مبالغة في الإنذار ~~بالعقاب على فعل المعاصي وترك الواجبات ، والبشير مبالغة في البشارة ~~بالثواب على فعل الواجبات وترك المعاصي وقوله : { لقوم يؤمنون } فيه قولان ~~: أحدهما : أنه نذير وبشير للمؤمنين والكافرين إلاأنه ذكر إحدى الطائفتين ~~وترك ذكر الثانية لأن ذكر إحداهما ، يفيد ذكر الأخرى كقوله : { سرابيل ~~تقيكم الحر } ( النحل : 81 ) والثاني : أنه عليه الصلاة والسلام وإن كان ~~نذيرا وبشيرا للكل إلا أن المنتفع بتلك النذارة والبشارة هم المؤمنون . ~~فلهذا السبب خصهم الله بالذكر ، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير ~~قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) . PageV15P069 # ! 7 < { هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما ~~تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلمآ أثقلت دعوا الله ربهما لئن ءاتيتنا ~~صالحا لنكونن من الشاكرين * فلمآ ءاتاهما صالحا جعلا له شركآء فيمآ ءاتاهما ~~فتعالى الله عما يشركون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 189 - 190 ) هو الذي خلقكم . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى رجع في هذه الآية إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المروي عن ابن عباس { هو الذى خلقكم من نفس واحدة } وهي ~~نفس آدم { وخلق منها زوجها } أي حواء خلقها الله من ضلع آدم عليه السلام من ~~غير أذى { فلما تغشاها } آدم { حملت حملا خفيفا فلما أثقلت } أي ثقل الولد ~~في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل وقال : ما هذا يا حواء / إني أخاف أن ~~يكون كلبا أو بهيمة وما يدريك من أين يخرج ؟ أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك ~~؟ فخافت حواء ، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام ، فلم يزالا في هم من ذلك ، ثم ~~أتاها وقال : إن سألت ms4247 الله أن يجعله صالحا سويا مثلك ويسهل خروجه من بطنك ~~تسميه عبد الحرث ، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فذلك قوله : { فلما ~~ءاتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما ءاتاهما } أي لما آتاهما الله ولدا سويا ~~صالحا جعلا له شريكا أي جعل آدم وحواء له شريكا ، والمراد به الحرث هذا ~~تمام القصة . # واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى قال : { ~~فتعالى الله عما يشركون } وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة . ~~الثاني : أنه تعالى قال بعده : { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون } ( ~~الأعراف : 191 ) وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل ~~الأصنام شركاء لله تعالى ، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر . ~~الثالث : لو كان المراد إبليس لقال : أيشركون من لا يخلق شيئا ، ولم يقل ما ~~لا يخلق شيئا ، لأن العاقل إنما يذكر بصيغة ( من ) لا بصيغة ( ما ) الرابع ~~: أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس ، وكان عالما بجميع ~~الأسماء كما قال تعالى : { وعلم ءادم الاسماء كلها } فكان لا بد وأن يكون ~~قد علم أن اسم إبليس هو الحرث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع ~~علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث ؟ وكيف ضاقت عليه ~~الأسماء حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم ؟ الخامس : أن الواحد منا لو حصل له ~~ولد يرجو منه الخير والصلاح ، فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه ~~الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار . فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه ~~الكثير الذي حصل من قوله : { وعلم ءادم الاسماء كلها } ( البقرة : 31 ) ~~وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس ، ~~كيف لم يتنبه لهذا القدر وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب ~~على العاقل الاحتراز منها السادس : أن بتقدير أن آدم عليه السلام ، سماه ~~بعبد الحرث ، فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له ms4248 ، أو جعله ~~صفة له ، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحرث ومخلوق من PageV15P070 ~~قبله . فإن كان الأول لم يكن هذا شركا بالله لأن أسماء الأعلام والألقاب لا ~~تفيد في المسميات فائدة ، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك ، ~~وإن كان الثاني كان هذا قولا بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكا في ~~الخلق والإيجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم / وذلك لا يقوله عاقل ~~. فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت ~~إليه . # إذا عرفت هذا فنقول : في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه ~~المفاسد . # التأويل الأول : ما ذكره القفال فقال : إنه تعالى ذكر هذه القصة على ~~تمثيل ضرب المثل / وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم ~~، وقولهم بالشرك ، وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول : هو الذي خلق كل ~~واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية ، ~~فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل ، دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ~~ولدا صالحا سويا لنكونن من الشاكرين لالائك ونعمائك . فلما آتاهما الله ~~ولدا صالحا سويا ، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما ، لأنهم تارة ~~ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين ، وتارة إلى الكواكب ~~كما هو قول المنجمين ، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام ~~. # ثم قال تعالى : { فتعالى الله عما يشركون } أي تنزه الله عن ذلك الشرك ، ~~وهذا جواب في غاية الصحة والسداد . # التأويل الثاني : بأن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وهم آل قصي ، والمراد من قوله : { هو الذى خلقكم من ~~نفس } قصي { وجعل منها } جنس { منها زوجها } عربية قرشية ليسكن إليها ، ~~فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث ~~سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف ، وعبد العزى ، وعبد قصي ، وعبد اللات ، ~~وجعل الضمير في { يشركون } لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك . # التأويل الثالث ms4249 : أن نسلم أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم عليه السلام ~~وعلى هذا التقدير ففي دفع هذا الإشكال وجوه : الأول : أن المشركين كانوا ~~يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ، ويرجع في طلب الخير ودفع ~~الشر إليها ، فذكر تعالى قصة آدم وحواء عليهما السلام ، وحكى عنهما أنهما ~~قالا : { لئن ءاتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين } أي ذكرا أنه تعالى لو ~~آتاهما ولدا سويا صالحا لاشتغلوا بشكر تلك النعمة ، ثم قال : { فلما ~~ءاتاهما صالحا جعلا له شركاء } فقوله : { جعلا له شركاء } ورد بمعنى ~~الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد ، والتقرير : فلما آتاهما صالحا أجعلا ~~له شركاء فيما آتاهما ؟ ثم قال : { فتعالى الله عما يشركون } أي تعالى الله ~~عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام ، ~~ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام ، ثم يقال لذلك المنعم ~~: أن ذلك المنعم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك ، فيقول ذلك المنعم : فعلت ~~في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ، ثم إنه ~~يقابلني بالشر والإساءة والبغي ؟ على التبعيد فكذا ههنا . # الوجه الثاني : في الجواب أن نقول : أن هذه القصة من أولها إلى آخرها في ~~حق آدم وحواء / ولا إشكال في شيء من ألفاظها إلا قوله : { فلما ءاتاهما ~~صالحا جعلا له شركاء فيما ءاتاهما } فنقول : التقدير ، فلما آتاهما ~~PageV15P071 ولدا صالحا سويا جعلا له شركاء أي جعل أولادهما له شركاء على ~~حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وكذا فيما آتاهما ، أي فيما آتى ~~أولادهماونظيره قوله : { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) أي واسأل أهل القرية ~~. # فإن قيل : فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله : { جعلا له ~~شركاء } . # قلنا : لأن ولده قسمان ذكر وأنثى فقوله : { جعلا } المراد منه الذكر ~~والأنثى مرة عبر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين / ومرة عبر عنهما ~~بلفظ الجمع ، وهو قوله تعالى : { فتعالى الله عما يشركون } . # الوجه الثالث : في الجواب سلمنا أن الضمير في قوله : { جعلا له شركاء ~~فيما ءاتاهما } عائد إلى ms4250 آدم وحواء عليهما السلام ، إلا أنه قيل : إنه ~~تعالى لما آتاهما الولد الصالح عزما على أن يجعلاه وقفا على خدمة الله ~~وطاعته وعبوديته على الإطلاق . ثم بدا لهم في ذلك ، فتارة كانوا ينتفعون به ~~في مصالح الدنيا ومنافعها ، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته . وهذا ~~العمل وإن كان منا قربة وطاعة ، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ~~فلهذا قال تعالى : { فتعالى الله عما يشركون } والمراد من هذه الآية ما نقل ~~عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال حاكيا عن الله سبحانه : ( أنا أغنى ~~الأغنياء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه ) وعلى هذا ~~التقدير : فالإشكال زائل . # الوجه الرابع : في التأويل أن نقول : سلمنا صحة تلك القصة المذكورة ، إلا ~~أنا نقول : إنهم سموا بعبد الحرث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة ~~والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحرث ، وقد يسمى المنعم عليه عبدا ~~للمنعم . يقال في المثل : أنا عبد من تعلمت منه حرفا ، ورأيت بعض الأفاضل ~~كتب على عنوان : كتابة عبد وده فلان . قال الشاعر : # % وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا % % ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا % # فآدم وحواء عليهما السلام سميا ذلك الولد بعبد الحرث تنبيها على أنه إنما ~~سلم من الآفات ببركة دعائه ، وهذا لا يقدح في كونه عبد الله من جهة أنه ~~مملوكه ومخلوقه ، إلا أنا قد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فلما ~~حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم عليه السلام معاتبا في هذا العمل ~~بسبب الاشتراك الحاصل في مجرد لفظ العبد ، فهذا جملة ما نقوله في تأويل هذه ~~الآية . # المسألة الثانية : في تفسير ألفاظ الآية وفيها مباحث : # البحث الأول : قوله : { هو الذى خلقكم من نفس واحدة } المشهور أنها نفس ~~آدم وقوله : / { خلق * منها زوجها } المراد حواء . قالوا ومعنى كونها ~~مخلوقة من نفس آدم ، أنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاع آدم . قالوا : ~~والحكمة فيه أن الجنس إلى الجنس أميل ، والجنسية علة الضم ، وأقول هذا ~~الكلام مشكل لأنه تعالى لما ms4251 كان قادرا على أن يخلق آدم ابتداء فما الذي ~~حملنا على أن نقول أنه تعالى خلق حواء من جزء أجزاء آدم ؟ ولم لا نقول : ~~إنه تعالى خلق حواء أيضا ابتداء ؟ وأيضا الذي يقدر على خلق إنسان من عظم ~~واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء ، وأيضا الذي يقال : إن عدد أضلاع الجانب ~~الأيسر أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن فيه مؤاخذة تنبي عن خلاف الحس ~~والتشريح . بقي أن يقال : إذا لم نقل بذلك ، فما المراد من كلمة ~~PageV15P072 { من } في قوله : { وجعل منها زوجها } فنقول : قد ذكرنا أن ~~الإشارة إلى الشيء تارة تكون بحسب شخصه ، وأخرى بحسب نوعه قال عليه الصلاة ~~والسلام : ( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ) وليس المراد ذلك الفرد ~~المعين بل المراد ذلك النوع . وقال عليه الصلاة والسلام : ( في يوم عاشوراء ~~هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون ) والمراد خلق من النوع ~~الإنساني زوجة آدم ، والمقصود التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنسانا ~~مثله قوله : { فلما تغشاها } أي جامعها ، والغشيان إتيان الرجل المرأة وقد ~~غشاها وتغشاها إذا علاها ، وذلك لأنه إذا علاها فقد صار كالغاشية لها ، ~~ومثله يجللها ، وهو يشبه التغطي واللبس . قال تعالى : { هن لباس لكم وأنتم ~~لباس لهن } وقوله : { حملت حملا خفيفا } قالوا يريد النطفة والمني والحمل ~~بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر ، والحمل بكسر الحاء ما حمل على ~~ظهر أو على الدابة . وقوله : { فمرت به } أي استمرت بالماء والحمل على سبيل ~~الخفة ، والمراد أنها كانت تقوم وتقعد وتمشي من غير ثقل . قال صاحب ( ~~الكشاف ) : وقرأ يحيى بن يعمر { فمرت به } بالتخفيف وقرأ غيره { تحرك به } ~~من المرية . كقوله : { أفتمارونه } وفي قراءة أخرى { أفتمارونه } معناه وقع ~~في نفسها ظن الحمل وارتابت فيه { فلما أثقلت } أي صارت إلى حال الثقل ودنت ~~ولادتها { دعوا الله ربهما } يعني آدم وحواء { لئن ءاتيتنا صالحا } أي ولدا ~~سويا مثلنا { لنكونن من الشاكرين } لآلائك ونعمائك { فلما ءاتاهما } الله { ~~صالحا جعلا له شركاء فيما ms4252 ءاتاهما } والكلام في تفسيره قد مر بالاستقصاء ~~قرأ ابن كثير وابن عامر ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وعاصم ، في رواية ~~حفص { عنه * شركاء } بصيغة الجمع وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر { عنه } ~~بكسر الشين وتنوين الكاف ومعناه جعلا له نظراء ذوي شرك وهم الشركاء ، أو ~~يقال معناه أحدثا لله إشراكا في الولد ومن قرأ { لله شركاء } فحجته قوله : ~~{ أم جعلوا لله شركاء خلقوا } وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس لأن من ~~أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين ، هذا إذا حملنا هذه الآية على القصة ~~المشهورة ، أما إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل والله أعلم . # ! 7 < { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصرا ولا ~~أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سوآء عليكم أدعوتموهم أم ~~أنتم صامتون * إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا ~~لكم إن كنتم صادقين } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 191 - 194 ) أيشركون ما لا . . . . . # > > # اعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه ليس المراد بقوله : { فتعالى ~~الله عما يشركون } ما ذكره من قصة إبليس إذ لو كان المراد ذلك لكانت هذه ~~الآية أجنبية عنها بالكلية ، وكان ذلك غاية الفساد في النظم والترتيب ، بل ~~المراد ما ذكرناه في سائر الأجوبة من أن المقصود من الآية السابقة الرد على ~~عبدة الأوثان . وفي الآية مسائل : PageV15P073 # المسألة الأولى : المقصود من هذه الآية إقامة الحجة على أن الأوثان لا ~~تصلح للإلهية فقوله : { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون } معناه ~~أيعبدون ما لا يقدر على أن يخلق شيئا ؟ وهم يخلقون . أي وهم مخلوقون يعني ~~الأصنام . # فإن قيل : كيف وحد { يخلق } ثم جمع فقال : { وهم يخلقون } وأيضا فكيف ذكر ~~الواو والنون في جمع غير الناس ؟ # والجواب عن الأول : أن لفظ { ما } تقع على الواحد والاثنين والجمع ، فهذه ~~من صيغ الوحدان يحسب ظاهر لفظها . ومحتملة للجمع فالله تعالى اعتبر الجهتين ~~فوحد قوله : { يخلق } رعاية لحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله : { وهم يخلقون } ~~رعابة لجانب المعنى . # والجواب عن ms4253 الثاني : وهو أن الجمع بالواو والنون في غير من يعقل كيف يجوز ~~؟ فنقول : لما اعتقد عابدوها أنها تعقل وتميز فورد هذا اللفظ بناء على ما ~~يعتقدونه ويتصورونه ، ونظيره قوله تعالى : { وكل فى فلك يسبحون } ( ~~الأنبياء : 33 ) وقوله : { والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين } ( يوسف : 4 ) ~~وقوله : { نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم } ( النمل : 18 ) . # / المسألة الثانية : قوله : { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون } احتج ~~أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله ، قالوا : لأنه ~~تعالى طعن في إلهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئا وهذا الطعن إنما يتم لو ~~قلنا إن بتقدير أنها كانت خالقة لشيء لم يتوجه الطعن في إلهيتها ، وهذا ~~يقتضي أن كل من كان خالقا كان إلها ، فلو كان العبد خالقا لأفعال نفسه كان ~~إلها ولما كان ذلك باطلا ، علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه . # أما قوله تعالى : { ولا يستطيعون لهم نصرا } يريد أن الأصنام لا تنصر من ~~أطاعها ولا تنتصر ممن عصاها . والنصر : المعونة على العدو والمعنى أن ~~المعبود يجب أن يكون قادرا على إيصال النفع ودفع الضرر وهذه الأصنام ليست ~~كذلك . فكيف يليق بالعاقل عبادتها ؟ # ثم قال : { ولا أنفسهم ينصرون } أي ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من ~~أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه . # ثم قال : { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } واعلم أنه تعالى لما أثبت ~~بالآية المتقدمة أنه لا قدرة لهذه الأصنام على أمر من الأمور ، بين بهذه ~~الآية أنه لا علم لها بشيء من الأشياء ، والمعنى أن هذا المعبود الذي يعبده ~~المشركون معلوم من حاله أنه كما لا ينفع ولا يضر ، فكذا لا يصح فيه إذا دعى ~~إلى الخير الأتباع . ولا يفصل حال من يخاطبه ممن يسكت عنه ، ثم قوى هذا ~~الكلام بقوله : { سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } وهذا مثل قوله : { ~~سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم } ( البقرة : 6 ) وذكرنا ما فيه من ~~المباحث في تلك الآية إلا أن الفرق في تلك الآية عطف الفعل على الفعل ، ~~وههنا ms4254 عطف الاسم على الفعل ، لأن قوله : { أدعوتموهم } جملة فعلية : وقوله ~~: { أم أنتم صامتون } جملة إسمية . # واعلم أنه ثبت أن عطف الجملة الإسمية على الفعلية لا يجوز إلا لفائدة ~~وحكمة ، وتلك الفائدة هي أن PageV15P074 صيغة الفعل مشعرة بالتجدد والحدوث ~~حالا بعد حال ، وصيغة الاسم مشعرة بالدوام والثبات والاستمرار . # إذا عرفت هذا فنقول : إن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم وفي ~~معضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام ، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين ~~صامتين ، فقيل لهم لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم ~~وسكوتكم ، فهذا هو الفائدة في هذه اللفظة ، ثم أكد الله بيان أنها لا تصلح ~~للإلهية ، فقال : { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم } وفيه سؤال : ~~وهو أنه كيف يحسن وصفها بأنها عباد مع أنها جمادات ؟ وجوابه من وجوه : ~~الأول : أن المشركين لما / ادعوا أنها تضر وتنفع ، وجب أن يعتقدوا فيها ~~كونها عاقلة فاهمة ، فلا جرم وردت هذه الألفاظ على وفق معتقداتهم ، ولذلك ~~قال : { فادعوهم فليستجيبوا لكم } ولم يقل فادعوهم فليستجبن لكم وقال : { ~~إن الذين } ولم يقل التي . # والجواب الثاني : أن هذا اللغو أورد في معرض الاستهزاء بهم أي قصارى ~~أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء ، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم ~~عليكم ، فلم جعلتم أنفسكم عبيدا وجعلتموها آلهة وأربابا ؟ ثم أبطل أن ~~يكونوا عبادا أمثالكم . فقال : { ألهم أرجل يمشون بها } ( الأعراف : 195 ) ~~ثم أكد هذا البيان بقوله : { فادعوهم فليستجيبوا لكم } ومعنى هذا الدعاء ~~طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم واللام في قوله : { فليستجيبوا } لام ~~الأمر على معنى التعجيز والمعنى أنه لما ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على ~~الإجابة ظهر أنها لا تصلح للمعبودية ، ونظيره قول إبراهيم عليه السلام ~~لأبيه : { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) ~~وقوله : { إن كنتم صادقين } أي في ادعاء أنها آلهة ومستحقة للعبادة ، ولما ~~ثبت بهذه الدلائل الثلاثة اليقينية أنها لا تصلح للمعبودية ، وجب على ~~العاقل أن لا يلتفت إليها ، وأن ms4255 لا يشتغل إلا بعباده الإله القادر العالم ~~الحي الحكيم الضار النافع . # ! 7 < { ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون ~~بهآ أم لهم ءاذان يسمعون بها قل ادعوا شركآءكم ثم كيدون فلا تنظرون } . > 7 ~~! # < < # | الأعراف : ( 195 ) ألهم أرجل يمشون . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من الدليل في بيان أنه يقبح من الإنسان العاقل ~~أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام . وتقريره أنه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء ~~أربعة ، وهي الأرجل والأيدي والأعين والآذان ، ولا شك أن هذه الأعضاء إذا ~~حصل في كل واحدة منها ما يليق بها من القوى المحركة والمدركة تكون أفضل ~~منها إذا كانت خالية عن هذه القوى ، فالرجل القادرة على المشي واليد ~~القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة ، ~~والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة ~~الباصرة والسامعة ، وعن قوة الحياة ، وإذا ثبت هذا ظهر أن الإنسان أفضل ~~بكثير من هذه الأصنام ، بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى / فضل هذه الأصنام ~~البتة ، وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة ~~الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة البتة ، لا في جلب المنفعة ولا في دفع ~~المضرة . هذا هو الوجه في PageV15P075 تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله ~~تعالى في هذه الآية ، وقد تعلق بعض أغمار المشبهة وجها لهم بهذه الآية في ~~إثبات هذه الأعضاء لله تعالى . فقالوا : إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء ~~لهذه الأصنام دليلا على عدم إلهيتها ، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله ~~تعالى لكان عدمها دليلا على عدم الإلهية وذلك باطل ، فوجب القول بإثبات هذه ~~الأعضاء لله تعالى . والجواب عنه من وجهين : # الوجه الأول : أن المقصود من هذه الآية : بيان أن الإنسان أفضل وأكمل ~~حالا من الصنم ، لأن الإنسان له رجل ماشية ، ويد باطشة ، وعين باصرة ، وأذن ~~سامعة ، والصنم رجله غير ماشية ، ويده غير باطشة ، وعينه غير مبصرة ، وأذنه ~~غير سامعة ، وإذا كان كذلك كان الإنسان أفضل وأكمل ms4256 حالا من الصنم ، واشتغال ~~الأفضل الأكمل بعبادة الأخس الأدون جهل ، فهذا هو المقصود من ذكر هذا ~~الكلام ، لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال . # الوجه الثاني : في الجواب أن المقصود من ذكر هذا الكلام : تقرير الحجة ~~التي ذكرها قبل هذه الآية وهي قوله : { ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ~~ينصرون } ( الأعراف : 192 ) يعني كيف تحسن عبادة من لا يقدر على النفع ~~والضرر ، ثم قرر تعالى ذلك بأن هذه الأصنام لم يحصل لها أرجل ماشية ، وأيد ~~باطشة ، وأعين باصرة ، وآذان سامعة ، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن قادرة على ~~الإنفاع والإضرار ، فامتنع كونها آلهة . أما إله العالم تعالى وتقدس فهو ~~وإن كان متعاليا عن هذه الجوارح والأعضاء إلا أنه موصوف بكمال القدرة على ~~النفع والضرر وهو موصوف بكمال السمع والبصر فظهر الفرق بين البابين . # أما قوله تعالى : { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون } قال الحسن : إنهم كانوا ~~يخوفون الرسول عليه السلام بآلهتهم ، فقال تعالى : { قل ادعوا شركاءكم ثم ~~كيدون } ليظهر لكم أنه لا قدرة لها على إيصال المضار إلي بوجه من الوجوه ، ~~وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في { * كيدوني } والباقون حذفوها ومثله في قوله ~~: { كيدون فلا تنظرون } قال الواحدي ، والقول فيه أن الفواصل تشبه القوافي ~~، وقد حذفوا هذه الياآت إذا كانت في القوافي كقوله : # % يلمس الإحلاس في منزله % % بيديه كاليهودي الممل % # والذين أثبتوها فلأن الأصل هو الإثبات / ومعنى قوله : { فلا تنظرون } أي ~~لا تمهلوني واعجلوا في كيدي أنتم وشركائكم . # ! 7 < { إن وليى الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين * والذين تدعون ~~من دونه لا يستطيعون نصركم ولاأنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 196 - 198 ) إن وليي الله . . . . . # > > PageV15P076 # اعلم أنه لما بين في الآيات المتقدمة أن هذه الأصنام لا قدرة لها على ~~النفع والضر بين بهذه الآية أن الواجب على كل عاقل عبادة الله تعالى ، لأنه ~~هو الذي يتولى تحصيل منافع الدين ومنافع الدنيا أما تحصيل منافع الدين ، ~~فبسبب إنزال الكتاب ، وأما تحصيل ms4257 منافع الدنيا ، فهو المراد بقوله : { وهو ~~يتولى الصالحين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : قرأ القراء وليي بثلاث ياآت ، ~~الأولى ياء فعيل وهي ساكنة ، والثانية لام الفعل وهي كسورة ، قد أدغمت ~~الأولى فيها فصار ياء مشددة ، والثالثة ياء الإضافة ، وروي عن أبي عمرو : ~~ولي الله بياء مشددة ، ووجه ذلك أنه حذف الياء التي هي لام فعيل ، كما حذف ~~اللام من قولهم فاماليت به فاله ، ثم أدغمت ياى فعيل في ياء الإضافة ، فقيل ~~ولي الله وهذه الفتحة فتحة ياء الإضافة ، وأما الباقون فأجازوا اجتماع ثلاث ~~ياءات ، والله أعلم . # المسألة الثانية : أن وليي الله أي الذي يتولى حفظي ونصرتي هو الله الذي ~~أنزل الكتاب المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين ويتولى ~~الصالحين ينصرهم ، فلا تضرهم عداوة من عاداهم ، وفي ذلك يأمن المشركين من ~~أن يضره كيدهم . وسمعت أن عمر بن عبد العزيز ما كان يدخر لأولاده شيئا ، ~~فقيل له فيه فقال : ولدي إما أن يكون من الصالحين أو من المجرمين ، فإن كان ~~من الصالحين فوليه الله ومن كان الله له وليا فلا حاجة له إلى مالي ، وإن ~~كان من المجرمين فقد قال تعالى : { فلن أكون ظهيرا للمجرمين } ( القصص : 17 ~~) ومن رده الله لم أشتغل بإصلاح مهماته . # أما قوله : { والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ~~} ففيه قولان : # القول الأول : أن المراد منه وصف الأصنام بهذه الصفات . # / فإن قالوا : فهذه الأشياء قد صارت مذكورة في الآيات المتقدمة فما ~~الفائدة في تكريرها ؟ فنقول : قال الواحدي : إنما أعيد هذا المعنى لأن ~~الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من تجوز له ~~العبادة ، وبين من لا تجوز ، كأنه قيل : الإله المعبود يجب أن يكون بحيث ~~يتولى الصالحين ، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكن صالحة للإلهية . # والقول الثاني : أن هذه الأحوال المذكورة صفات لهؤلاء المشركين الذين ~~يدعون غير الله ، يعني أن الكفار كانوا يخوفون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه فقال تعالى : إنهم لا يقدرون ms4258 على شيء . بل إنهم قد بلغوا في ~~الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أعظم أنواع الحجة والبرهان لم ~~يسمعوا بعقولهم ذلك البتة . # فإن قيل : لم يتقدم ذكر المشركين ، وإنما تقدم ذكر الأصنام فكيف يصح ما ~~ذكر ؟ # قلنا : قد تقدم ذكرهم في قوله تعالى : { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون } ( ~~الأعراف : 195 ) أما قوله تعالى : { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ~~فإن حملنا هذه الصفات على الأصنام . قلنا : المراد من كونها ناظرة كونها ~~مقابلة بوجهها وجوه القوم من قولهم : جبلان متناظران أي متقابلان ، فإن ~~حملناها على المشركين فالمعنى : أنهم وإن كانوا ينظرون إلى الناس إلا أنهم ~~لشدة إعراضهم عن الحق لم ينتفعوا PageV15P077 بذلك النظر والرؤية / فصاروا ~~كأنهم عمي ، وهذه الآية تدل على أن النظر غير الرؤية ، لأنه تعالى أثبت ~~النظر ونفي الرؤية ، وذلك يدل على التغاير ، وأجيب عن هذا الاستدلال فقيل : ~~معناه تحسبهم أنهم ينظرون إليك مع أنهم في الحقيقة لا ينظرون ، أي تظن أنهم ~~ينظرونك مع أنهم لا يبصرونك ، والرؤية بمعنى الحسبان واردة قال تعالى : { ~~وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ( الحج : 2 ) . # ! 7 < { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 199 ) خذ العفو وأمر . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الله هو الذي يتولاه ، ~~وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار ، بين في هذه الآية ~~ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس فقال : { خذ العفو ~~وأمر بالعرف } قال أهل اللغة : العفو الفضل وما أتي من غير كلفة . # إذا عرفت هذا فنقول : الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم ، إما أن ~~يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها ، وإما أن لا يجوز . # / أما القسم الأول : فهو المراد بقوله : { خذ العفو } ويدخل فيه ترك ~~التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية ؛ ويدخل فيه أيضا التخلق مع الناس ~~بالخلق الطيب ، وترك الغلظة والفظاظة كما قال تعالى : { ولو كنت فظا غليظ ~~القلب لانفضوا من حولك } ( آل عمران : 159 ) ومن هذا الباب أن يدعو الخلق ~~إلى الدين الحق ms4259 بالرفق واللطف ، كما قال تعالى : { وجادلهم بالتى هى أحسن } ~~( النحل : 125 ) . # وأما القسم الثاني : وهو الذي لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه ، ~~فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف ، والعروف ، والعارفة ، والمعروف هو كل أمر ~~عرف أنه لا بد من الإتيان به ، وأن وجوده خير من عدمه ، وذلك لأن في هذا ~~القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال ~~، لكان ذلك سعيا في تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز ، ثم إنه إذا أمر ~~بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه ، فربما أقدم بعض الجاهلين على ~~السفاهة والإيذاء فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية : { وأعرض عن ~~الجاهلين } وقال في آية أخرى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان ~~: 72 ) وقال : { والذين هم عن اللغو معرضون } ( المؤمنون : 3 ) وقال في صفة ~~أهل الجنة : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } ( الواقعة : 25 ) وإذا ~~أحاط عقلك بهذا التقسيم ، علمت أن هذه الآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما ~~يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير . قال عكرمة : لما نزلت هذه الآية قال عليه ~~السلام : ( يا جبريل ما هذا ؟ قال يا محمد إن ربك يقول هو أن تصل من قطعك ~~وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ) قال أهل العلم : تفسير جبريل مطابق للفظ ~~الآية لأنك لو وصلت من قطعك ، فقد عفوت عنه ، وإذا آتيت من حرمك فقد آتيت ~~بالمعروف ، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين ، وقال جعفر الصادق ~~رضي الله عنه : وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ، ~~وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريق آخر فقالوا : { خذ العفو وأمر بالعرف } ~~أي ما عفا لك من أموالهم ، أي ما أتوك به عفوا فخذه ، ولا تسأل عما وراء ~~ذلك . قالوا : كان هذا قبل فريضة الصدقة فلما نزلت PageV15P078 آية وجوب ~~الزكاة صارت هذه الآية منسوخة إلا قوله : { وأمر بالعرف } أي بإظهار الدين ~~الحق ، وتقرير دلائله { وأعرض عن الجاهلين } أي المشركين قالوا : وهذا ~~منسوخ بآية السيف فعلى هذه الطريقة جميع الآية ms4260 منسوخة إلا قوله : { وأمر ~~بالعرف } . # واعلم أن تخصيص قوله : { خذ العفو } بما ذكره تقييد للمطلق من غير دليل ، ~~وأيضا فهذا الكلام إذا حملناه على أداء الزكاة لم يكن إيجاب الزكاة ~~بالمقادير المخصوصة منافيا لذلك ، لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم ~~أموال الناس ولا يشدد الأمر على المزكى فلم يكن إيجاب الزكاة سببا لصيرورة ~~هذه الآية منسوخة . # / وأما قوله : { وأعرض عن الجاهلين } فالمقصود منه أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بأن يصبر على سوء أخلاقهم / وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة ولا ~~أفعالهم الخسيسة بأمثالها ، وليس فيه دلالة على امتناعه من القتال ، لأنه ~~لا يمتنع أن يؤمر عليه السلام بالإعراض عن الجاهلين مع الأمر بقتال ~~المشركين فإنه ليس من المتناقض أن يقال الشارع لا يقابل سفاهتهم بمثلها ؟ ~~ولكن قاتلهم وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكنا فحينئذ لا حاجة إلى التزام ~~النسخ ، إلا أن الظاهرية من المفسرين مشغوفون بتكثير الناسخ والمنسوخ من ~~غير ضرورة ولا حاجة . # ! 7 < { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } . > 7 ~~! # < < # | الأعراف : ( 200 ) وإما ينزغنك من . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو زيد : لما نزل قوله تعالى : { وأعرض عن ~~الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) قال النبي صلى الله عليه وسلم : كيف يا رب ~~والغضب ؟ فنزل قوله : { وإما ينزغنك } . # المسألة الثانية : اعلم أن نزغ الشيطان ، عبارة عن وساوسه ونخسه في القلب ~~بما يسول للإنسان من المعاصي ، عن أبي زيد نزغت بين القوم إذا أفسدت ما ~~بينهم ، وقيل النزغ الازعاج ، وأكثر ما يكون عند الغضب ، وأصله الازعاج ~~بالحركة إلى الشر ، وتقرير الكلام أنه تعالى لما أمره بالعرف فعند ذلك ربما ~~يهيج سفيه ويظهر السفاهة فعند ذلك أمره تعالى بالسكوت عن مقابلته فقال : { ~~وأعرض عن الجاهلين } ولما كان من المعلوم أن عند إقدام السفيه على السفاهة ~~يهيج الغضب والغيظ ولا يبقى الإنسان على حالة السلامة وعند تلك الحالة يجد ~~الشيطان مجالا في حمل ذلك الإنسان على ما لا ينبغي ، لا جرم بين تعالى ما ~~يجري مجرى العلاج لهذا الغرض ms4261 فقال : { فاستعذ بالله } والكلام في تفسير ~~الاستعاذة قد سبق في أول الكتاب على الاستقصاء . # المسألة الثالثة : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقالوا : ~~لولا أنه يجوز من الرسول الإقدام على المعصية أو الذنب ، وإلا لم يقل له { ~~وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } والجواب عنه من وجوه : الأول : ~~أن حاصل هذا الكلام أنه تعالى قال له : إن حصل في قلبك من الشيطان نزغ ، ~~كما أنه تعالى قال : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) ولم يدل ذلك ~~على أنه أشرك . PageV15P079 وقال : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ~~( الأنبياء : 22 ) ولم يدل ذلك على أنه حصل فيهما آلهة . الثاني : هب أنا ~~سلمنا أن الشيطان يوسوس للرسول عليه السلام ، إلا أن هذا لا يقدح في عصمته ~~، إنما القادح / في عصمته لو قبل الرسول وسوسته ، والآية لا تدل على ذلك . ~~عن الشعبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من إنسان إلا ~~ومعه شيطان ) قالوا : وأنت يا رسول الله قال : وأنا ولكنه أسلم بعون الله ، ~~فلقد أتاني فأخذت بحلقه ، ولولا دعوة سليمان لأصبح في المسجد طريحا ، وهذا ~~كالدلالة على أن الشيطان يوسوس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى ~~: { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى ~~أمنيته } ( الحج : 52 ) الثالث : هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس . وأنه ~~عليه الصلاة والسلام يقبل أثر وسوسته ، إلا أنا نخص هذه الحالة بترك الأفضل ~~والأولى . قال عليه الصلاة والسلام : ( وإنه ليغان على قلبي وإني لا أستغفر ~~الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) . # المسألة الرابعة : الاستعاذة بالله عند هذه الحالة أن يتذكر المرء عظيم ~~نعم الله عليه وشديد عقابه فيدعوه كل واحد من هذين الأمرين إلى الإعراض عن ~~مقتضى الطبع والإقبال على أمر الشرع . # المسألة الخامسة : هذا الخطاب وإن خص الله به الرسول إلا أنه تأديب عام ~~لجميع المكلفين لأن الاستعاذة بالله على السبيل الذي ذكرناه لطف مانع من ~~تأثير وساوس الشيطان ، ولذلك قال تعالى : { فإذا ms4262 قرأت القرءان فاستعذ بالله ~~من الشيطان الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون ~~} ( النحل : 97 ، 98 ) إذا ثبت بالنص أن لهذه الاستعاذة أثرا في دفع نزع ~~الشيطان / وجبت المواظبة عليه في أكثر الأحوال . # المسألة السادسة : قوله : { إنه سميع عليم } يدل على أن الاستعاذة ~~باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة ، فكأنه تعالى ~~قال : اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع واستحضر معاني الاستعاذة بعقلك ~~وقلبك فإني عليم بما في ضميرك ، وفي الحقيقة القول اللساني بدون المعارف ~~القلبية عديم الفائدة والأثر . # ! 7 < { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ~~* وإخوانهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون } . > 7 @QB@ < # | الأعراف : ( 201 - 202 ) إن الذين اتقوا . . . . . # > > # في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قد ينزغه الشيطان وبين أن علاج هذه الحالة الاستعاذة بالله ~~، ثم بين في هذه الآية أن حال المتقين يزيد على حال الرسول في هذا الباب ، ~~لأن الرسول لا يحصل له من الشيطان إلا النزغ الذي هو كالابتداء في الوسوسة ~~، وجوز في المتقين ما يزيد عليه وهو أن يمسهم طائف من الشيطان ، وهذا المس ~~يكون لامحالة أبلغ من النزغ . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي { * طيف } بغير ألف ، ~~والباقون { مسهم طئف } بالألف . قال PageV15P080 الواحدي رحمه الله : ~~اختلفوا في الطيف فقيل إنه مصد ، وقال أبو زيد يقال : طاف يطوف طوفا وطوافا ~~إذا أقبل وأدبر . وأطاف يطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من ~~نواحيهم ، وطاف الخيال يطيف طيفا إذا ألم في المنام . قال ابن الأنباري : ~~وجائز أن يكون طيف أصله طيف . إلا أنهم استثقلوا التشديد ، فحذفوا إحدى ~~الياءين وأبقوا ياء ساكنة ، فعلى القول الأول هو مصدر ، وعلى ما قاله ابن ~~الأنباري هو من باب هين وهين وميت وميت ، ويشهد لصحة قول ابن الأنباري ~~قراءة سعيد بن جبير { إذا مسهم } بالتشديد . هذا هو الأصل في الطيف ، ثم ~~سمى الجنون ms4263 والغضب والوسوسة طيفا ، لأنه لمة من لمة الشيطان تشبه لمة ~~الخيال . قال الأزهري : الطيف في كلام العرب الجنون ، ثم قيل للغضب طيف ، ~~لأن الغضبان يشبه المجنون . وأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى الطيف ، مثل ~~العافية والعاقبة ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلة . قال ~~الفراء في هذه الآية : الطائف والطيف سواء ، وهو ما كان كالخيال الذي يلم ~~بالإنسان ، ومنهم من قال : الطيف كالخطرة والطائف كالخاطر . # المسألة الثالثة : اعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من ~~المغضوب عليه عملا من الأعمال ، ثم اعتقد في نفسه كونه قادرا ، واعتقد في ~~المغضوب عليه كونه عاجزا عن الدفع ، فعند حصول هذه الاعتقادات الثلاثة إذا ~~كان واقعا في ظلمات عالم الأجسام فيغتروا بظواهر الأمور ، فأما إذا انكشف ~~له نور من عالم الغيب زالت هذه الاعتقادات الثلاثة من جهات كثيرة . أما ~~الإعتقاد الأول : وهو استقباح ذلك الفعل من المغضوب عليه ، فإذا انكشف له ~~أنه إنما أقدم على ذلك العمل ، لأنه تعالى خلق فيه داعية جازمة راسخة ، ~~ومتى خلق الله فيه تلك الداعية امتنع منه أن لا يقدم على ذلك العمل ، فإذا ~~تجلى هذا المعنى زال الغضب ، وأيضا فقد يخطر ببال الإنسان أن الله تعالى ~~علم منه هذه الحالة ، ومتى كان كذلك فلا سبيل له إلى تركها ، فعند ذلك يفر ~~غضبه ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : ( من عرف سر الله في ~~القدر هانت عليه المصائب ) / وأما الإعتقاد الثاني والثالث : وهو اعتقاده ~~في نفسه كونه قادرا ، وكون المغضوب عليه عاجزا ، فهذان الاعتقادان أيضا ~~فاسدان من وجوه : أحدها : أنه يعتقد أنه كم أساء في العمل ، والله كان ~~قادرا عليه ، وهو كان أسيرا في قبضة قدرة الله تعالى ، ثم إنه تجاوز عنه . ~~وثانيها : أن المغضوب عليه كما أنه عاجز في يد الغضبان ، فكذلك الغضبان ~~عاجز بالنسبة إلى قدرة الله . وثالثها : أن يتذكر الغضبان ما أمره الله به ~~من ترك إمضاء الغضب والرجوع إلى ترك الإيذاء والإيحاش . ورابعها : أن يتذكر ~~أنه إذا أمضى الغضب وانتقم كان شريكا ms4264 للسباع المؤذية والحياة القاتلة / وإن ~~ترك الانتقام واختار العفو كان شريكا لأكابر الأنبياء والأولياء . وخامسها ~~: أن يتذكر أنه ربما انقلب ذلك الضعيف قويا قادرا عليه ، فحينئذ ينتقم منه ~~على أسوأ الوجوه ، أما إذا عفا كان ذلك إحسانا منه إليه ، وبالجملة فالمراد ~~من قوله تعالى : { اتقوا إذا مسهم طئف من الشيطان تذكروا } ما ذكرناه من ~~الاعتقادات الثلاثة ، والمراد من قوله : { تذكروا } ما ذكرناه من الوجوه ~~التي تفيد ضعف تلك الاعتقادات وقوله : { فإذا هم مبصرون } معناه أنه إذا ~~حضرت هذه التذكرات في عقولهم ، ففي الحال يزول مس طائف الشيطان ، ويحصل ~~الاستبصار والانكشاف والتجلي ويحصل الخلاص من وسوسة الشيطان . # المسألة الرابعة : قوله : { فإذا هم مبصرون } معنى { إذا } ههنا للمفاجأة ~~، كقولك خرجت فإذا زيد وإذا في قوله : { إذا مسهم } يستدعي جزاء ، كقولك ~~آتيك إذا احمر البسر . PageV15P081 # أما قوله تعالى : { وإخوانهم يمدونهم فى الغى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن الكناية في قوله : { وإخوانهم } إلى ماذا ~~تعود على قولين . # القول الأول : وهو الأظهر أن المعنى : وإخوان الشياطين يمدون الشياطين في ~~الغي ، وذلك لأن شياطين الأنس إخوان لشياطين الجن ، فشياطين الإنس يغوون ~~الناس ، فيكون ذلك إمدادا منهم لشياطين الجن على الإغواء والأضلال . # والقول الثاني : أن إخوان الشياطين هم الناس الذين ليسوا بمتقين ، فإن ~~الشياطين يكونون مددا لهم فيه ، والقولان مبنيان على أن لكل كافر أخا من ~~الشياطين . # المسألة الثانية : تفسير الإمداد تقوية تلك الوسوسة والإقامة عليها وشغل ~~النفس عن الوقوف على قبائحها ومعايبها . # المسألة الثالثة : قرأ نافع { يمدونهم } ( بضم الياء وكسر الميم من ~~الإمداد ، والباقون { يمدونهم } بفتح الياء وضم الميم ، وهما لغتان مد يمد ~~وأمد يمد ، وقيل مد معناه جذب ، وأمد معناه من الإمداد . / قال الواحدي ، ~~عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت ، كقوله : { أنما ~~نمدهم به من مال وبنين } ( المؤمنون : 55 ) { وأمددناهم بفاكهة } ( الطور : ~~22 ) وقوله : { أتمدونن بمال } ( النمل : 36 ) وما كان بخلافه فإنه يجيء ~~على مددت قال : { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } ( البقرة : 15 ) قراءة العامة ~~وهي فتح الياء ومن ms4265 ضم الياء استعمل ما هو الخير لضده كقوله : { فبشرهم ~~بعذاب أليم } ( الإنشقاق : 24 ) وقوله : { ثم لا يقصرون } ( الأعراف : 202 ~~) قال الليث : الإقصار الكف عن الشيء قال أبو زيد : أقصر فلان عن الشر يقصر ~~إقصارا إذا كف عنه وانتهى قال ابن عباس : ثم لا يقصرون عن الضلال والإضلال ~~، أما الغاوي ففي الضلال وأما المغوي ففي الإضلال . # ! 7 < { وإذا لم تأتهم بأاية قالوا لولا اجتبيتها قل إنمآ أتبع ما يوحى ~~إلى من ربى هاذا بصآئر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 203 ) وإذا لم تأتهم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى : لما بين في الآية الأولى أن شياطين الجن والأنس لا ~~يقصرون في الإغواء والإضلال بين في هذه الآية نوعا من أنواع الإغواء ~~والإضلال وهو أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت ~~كقوله : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : ~~90 ) ثم أعاد : أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأتيهم ، فعند ذلك قالوا : ~~{ لولا اجتبيتها } قال الفراء : تقول العرب اجتبيت الكلام واختلقته ~~وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك ، والمعنى لولا تقولتها وافتعلتها وجئت ~~بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون : { إن هاذا إلا إفك } ( سبأ : 43 ) أو ~~يقال هلا اقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقا في أن الله PageV15P082 ~~يقبل دعاءك ويجيب التماسك وعند هذا أمر رسوله أن يذكر الجواب الشافي ، وهو ~~قوله : { اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى } ومعناه ليس لي أن ~~أقترح على ربي في أمر من الأمور ، وإنما أنتظر الوحي فكل شيء أكرمني به ~~قلته ، وإلا فالواجب السكوت وترك الاقتراح ، ثم بين أن عدم الإتيان بتلك ~~المعجزات التي اقترحها لا يقدح في الغرض ، لأن ظهور القرآن على وفق دعواه ~~معجزة بالغة باهرة ، فإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح ~~النبوة ، فكان طلب الزيادة من باب التعنت ، فذكر في وصف القرآن ألفاظا ~~ثلاثة : أولها : قوله : { هاذا بصائر من ربكم } أصل البصيرة الأبصار ، ولما ~~كان القرآن سببا لبصائر العقول في ms4266 دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ، أطلق ~~عليه لفظ البصيرة ، تسمية للسبب باسم المسبب . وثانيها : قوله : { وهدى } ~~والفرق بين هذه المرتبة وما قبلها أن الناس في معارف / التوحيد والنبوة ~~والمعاد قسمان : أحدهما : الذين بلغوا في هذه المعارف إلى حيث صاروا ~~كالمشاهدين لها وهم أصحاب عين اليقين . والثاني : الذين ما بلغوا إلى ذلك ~~الحد إلا أنهم وصلوا إلى درجات المستدلين : وهم أصحاب علم اليقين ، فالقرآن ~~في حق الأولين وهم السابقون بصائر ، وفي حق القسم الثاني وهم المقتصدون هدى ~~، وفي حق عامة المؤمنين رحمة ، ولما كانت الفرق الثلاث من المؤمنين لا جرم ~~قال : { لقوم يؤمنون } . # ! 7 < { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } . > 7 ~~@QB@ < # | الأعراف : ( 204 ) وإذا قرئ القرآن . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما عظم شأن القرآن بقوله : { هاذا بصائر من ربكم } ( ~~الأعراف : 203 ) أردفه بقوله : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : الإنصات السكوت والاستماع ، يقال : نصت ، وأنصت ، ~~وانتصت ، بمعنى واحد . # المسألة الثانية : لا شك أن قوله : { فاستمعوا له وأنصتوا } أمره ، وظاهر ~~الأمر للوجوب ، فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبا ، وللناس فيه أقوال ~~. # القول الأول : وهو قول الحسن وقول أهل الظاهر أنا نجري هذه الآية على ~~عمومها ففي أي موضع قرأ الإنسان القرآن وجب على كل أحد استماعه والسكوت ، ~~فعلى هذا القول يجب الإنصات لعابري الطريق ، ومعلمي الصبيان . # والقول الثاني : أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة . قال أبو هريرة ~~رضي الله عنه : كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية ، وأمروا بالإنصات ~~، وقال قتادة : كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم ، كم صليتم وكم بقي ؟ ~~وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . # والقول الثالث : أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام . قال ~~ابن عباس قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه ~~وراءه رافعين أصواتهم ، فخلطوا عليه ، فنزلت هذه الآية وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه . PageV15P083 # والقول الرابع : أنها نزلت في السكوت عند الخطبة ، وهذا قول سعيد بن جبير ms4267 ~~ومجاهد وعطاء وهذا القول منقول عن الشافعي رحمه الله ، وكثير من الناس قد ~~استبعد هذا القول ، وقال اللفظ / عام وكيف يجوز قصره على هذه الصورة ~~الواحدة . وأقول هذا القول في غاية البعد لأن لفظة إذا تفيد الارتباط ، ولا ~~تفيد التكرار ، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت ~~طالق ، فدخلت الدار مرة واحدة طلقت طلقة واحدة ، فإذا دخلت الدار ثانيا لم ~~تطلق بالاتفاق لأن كلمة { إذا } لا تفيد التكرار . # إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا } ~~لا يفيد إلا وجوب الإنصات مرة واحدة ، فلما أوجبنا الاستماع عند قراءة ~~القرآن في الخطبة ، فقد وفينا بموجب اللفظ ولم يبق في اللفظ دلالة على ما ~~وراء هذه الصورة ، سلمنا أن اللفظ يفيد العموم إلا أنا نقول بموجب الآية ، ~~وذلك لأن عند الشافعي رحمه الله : يسكت الإمام ، وحينئذ يقرأ المأموم ~~الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة للإمام سكتتان ، فاغتنم ~~القراءة في أيهما شئت ، وهذا السؤال أورده الواحدي في ( البسيط ) . # ولقائل أن يقول : سكوت الإمام إما أن نقول : إنه من الواجبات أو ليس من ~~الواجبات والأول باطل بالإجماع والثاني يقتضي أن يجوز له أن لا يسكت . ~~فبتقدير : أن لا يسكت يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام ، وذلك ~~يفضي إلى ترك الاستماع ، وإلى ترك السكوت عند قراءة الإمام ، وذلك على خلاف ~~النص ، وأيضا فهذا السكوت ليس له حد محدود ومقدار مخصوص والسكتة للمأمومين ~~مختلفة بالثقل والخفة ، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في ~~مقدار سكوت الإمام ، وحينئذ يلزم المحذور المذكور ، وأيضا فالإمام إنما ~~يبقى ساكتا ليتمكن المأموم من إتمام القراءة ، وحينئذ ينقلب الإمام مأموما ~~، والمأموم إماما ، لأن الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم ، وذلك ~~غير جائز ، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الواحدي غير جائز ، وذكر الواحدي ~~سؤالا ثانيا على التمسك بالآية . فقال : إن الإنصات هو ترك الجهر والعرب ~~تسمي تارك الجهر منصتا ، وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع ms4268 أحدا . # ولقائل أن يقول : إنه تعالى أمره أولا بالاستماع واشتغاله بالقراءة يمنعه ~~من الاستماع ، لأن السماع غير ، والاستماع غير ، فالاستماع عبارة عن كونه ~~بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل ، قال تعالى لموسى عليه ~~السلام : { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى } طه : 13 ) والمراد ما ذكرناه ، ~~وإذا ثبت هذا وظهر أن الاشتغال بالقراءة مما يمنع من الاستماع علمنا أن ~~الأمر بالاستماع يفيد النهي عن القراءة . # السؤال الثالث : وهو المعتمد أن نقول : الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز ~~تخصيص عموم القرآن / بخبر الواحد فهب أن عموم قوله تعالى : { وإذا قرىء ~~القرءان فاستمعوا له وأنصتوا } يوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام ، إلا ~~أن قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ~~وقوله : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) أخص من ذلك العموم ، وثبت أن تخصيص ~~عموم القرآن بخبر الواحد لازم فوجب المصير إلى تخصيص عموم هذه الآية بهذا ~~الخبر ، وهذا السؤال حسن . # والسؤال الرابع : أن نقول : مذهب مالك وهو القول القديم للشافعي أنه لا ~~يجوز للمأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلوات الجهرية ، عملا بمقتضى هذا النص ، ~~ويجب عليه القراءة في الصلوات السرية ، لأن هذه الآية لا دلالة فيها على ~~هذه الحالة ، وهذا أيضا سؤال حسن ، وفي الآية قول خامس وهو أن قوله تعالى : ~~PageV15P084 { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا } خطاب مع الكفار في ~~ابتداء التبليغ وليس خطابا مع المسلمين ، وهذا قول حسن مناسب وتقريره أن ~~الله تعالى حكى قبل هذه الآية أن أقواما من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ~~ومعجزات مخصوصة ، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يأتيهم بها قالوا ~~لولا اجتبيتها ، فأمر الله رسوله أن يقول جوابا عن كلامهم إنه ليس لي أن ~~أقترح على ربي ، وليس لي إلا أن أنتظر الوحي ، ثم بين تعالى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة ~~النبوة ، لأن القرآن معجزة تامة كافية في إثبات النبوة وعبر الله تعالى عن ~~هذا المعنى بقوله : { هاذا بصائر من ربكم ms4269 وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } ( ~~الأعراف : 203 ) فلو قلنا إن قوله تعالى : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له ~~وأنصتوا } المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه الآية وبين ~~ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه ، وانقطع النظم ، وحصل فساد الترتيب ، وذلك ~~لا يليق بكلام الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد منه شيئا آخر سوى هذا ~~الوجه وتقريره أنه لما ادعى كون القرآن بصائر وهدى ورحمة ، من حيث إنه ~~معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، وكونه كذلك لا يظهر إلا ~~بشرط مخصوص ، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ القرآن على أولئك ~~الكفار استمعوا له وأنصتوا حتى يقفوا على فصاحته ، ويحيطوا بما فيه من ~~العلوم الكثيرة ، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزا دالا على صدق محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، فيستعينوا بهذا القرآن على طلب سائر المعجزات ، ويظهر لهم صدق ~~قوله في صفة القرآن : إنه بصائر وهدى ورحمة فثبت أنا إذا حملنا الآية على ~~هذا الوجه استقام النظم وحصل الترتيب الحسن المفيد ، ولو حملنا الآية على ~~منع المأموم من القراءة خلف الإمام فسد النظم واختل الترتيب ، فثبت أن حمله ~~على ما ذكرناه أولى ، وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله : { وإذا قرىء القرءان ~~فاستمعوا له } خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض ~~الاحتجاج / بكونه معجزا على صدق نبوته / وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه ~~الآية من كل الوجوه ، ومما يقوى أن حمل الآية على ما ذكرناه أولى ، وجوه : # الوجه الأول : أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا : { لا تسمعوا لهاذا ~~القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون } ( فصلت : 26 ) فلما حكى عنهم ذلك ناسب ~~أن يأمرهم بالاستماع والسكوت ، حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من ~~الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز . # والوجه الثاني : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : { هاذا بصائر من ربكم ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } فحكم تعالى بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على ~~سبيل القطع والجزم . # ثم قال : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ms4270 } ولو ~~كان المخاطبون بقوله : { فاستمعوا له وأنصتوا } هم المؤمنون لما قال : { ~~لعلكم ترحمون } لأنه جزم تعالى قبل هذه الآية بكون القرآن رحمة للمؤمنين ~~قطعا فكيف يقول بعده من غير فصل لعل استماع القرآن يكون رحمة للمؤمنين ؟ ~~أما إذا قلنا : إن المخاطبين بقوله : { فاستمعوا له وأنصتوا } هم الكافرون ~~، صح حينئذ قوله : { لعلكم ترحمون } لأن المعنى ؛ فاستمعوا له وأنصتوا ~~فلعلكم تطلعون على ما فيه من دلائل الإعجاز ، فتؤمنوا بالرسول فتصيروا ~~مرحومين ، فثبت أنا لو حملناه على ما قلناه حسن قوله : { لعلكم ترحمون } ~~ولو قلنا إن الخطاب خطاب مع المؤمنين لم يحسن ذكر لفظ ( لعل ) فيه . فثبت ~~أن حمل الآية على التأويل الذي ذكرناه أولى ، وحينئذ يسقط PageV15P085 ~~استدلال الخصم به من كل الوجوه ، لأنا بينا بالدليل أن هذا الخطاب ما ~~يتناول المؤمنين ، وإنما تناول الكفار في أول زمان تبليغ الوحي والدعوة . # ! 7 < { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والا ~~صال ولا تكن من الغافلين } . > 7 ! # < < # | الأعراف : ( 205 ) واذكر ربك في . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا ~~له وأنصتوا } ( الأعراف : 204 ) اعلم أن قارئا يقرأ القرآن بصوت عال حتى ~~يمكنهم استماع القرآن ، ومعلوم أن ذلك القارىء ليس إلا الرسول عليه السلام ~~، فكانت هذه الآية جارية مجرى أمر الله محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ ~~القرآن على القوم بصوت عال رفيع ، وإنما أمره بذلك ليحصل المقصود من تبليغ ~~الوحي والرسالة ، ثم إنه / تعالى أردف ذلك الأمر ، بأن أمره في هذه الآية ~~بأن يذكر ربه في نفسه ، والفائدة فيه : أن انتفاع الإنسان بالذكر إنما يكمل ~~إذا وقع الذكر بهذه الصفة ، لأنه بهذا الشرط أقرب إلى الأخلاص والتضرع . # المسألة الثانية : أنه تعالى أمر رسوله بالذكر مقيدا بقيود . # القيد الأول : { واذكر ربك في نفسك } والمراد بذكر الله في نفسه كونه ~~عارفا بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه مستحضرا لصفات الكمال والعز ~~والعلو والجلال والعظمة ، وذلك لأن الذكر باللسان إذا كان عاريا عن الذكر ~~بالقلب كان ms4271 عديم الفائدة . ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل إذا قال ~~: بعت واشتريت مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ ولا يفهم منها شيئا ، فإنه ~~لا ينعقد البيع والشراء ، فكذا ههنا ويتفرع على ما ذكرنا أحكام : # الحكم الأول # سمعت أن بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحدا من ~~المريدين بالخلوة والذكر ، أمره بالخلوة والتصفية أربعين يوما ، ثم عند ~~استكمال هذه المدة وحصول التصفية التامة ، يقرأ عليه الأسماء التسعة ~~والتسعين ، ويقول لذلك المريد اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء ، فكل ~~اسم وجدت قلبه عند سماعه قوي تأثره وعظم شوقه ، فاعرف أن الله إنما يفتح ~~أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه ، وهذا طريق ~~حسن لطيف في هذا الباب . # الحكم الثاني # قال المتكلمون : هذه الآية تدل على إثبات كلام النفس لأنه تعالى لما أمر ~~رسوله بأن يذكر ربه في نفسه وجب الاعتراف بحصول الذكر النفساني ولا معنى ~~لكلام النفس إلا ذلك . PageV15P086 # فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون المراد من الذكر النفساني العلم والمعرفة ~~؟ # قلنا : هذا باطل لأن الإنسان لا قدرة له على تحصيل العلم بالشيء ابتداء ~~لأنه إما أن يطلبه حال حصوله أو حال عدم حصوله . والأول باطل لأنه يقتضي ~~تحصيل الحاصل وهو محال . والثاني باطل لأن ما لا يكون متصورا ، كان الذهن ~~غافلا عنه والغافل عن الشيء يمتنع كونه طالبا له فثبت أنه لا قدرة للإنسان ~~على تحصيل التصورات ، فامتنع ورود الأمر به ، والآية دالة على ورود الأمر ~~بالذكر النفساني ، فوجب أن يكون الذكر النفساني معنى مغايرا للمعرفة والعلم ~~والتصور ، وذلك هو المطلوب . # / الحكم الثالث # أنه تعالى قال : { واذكر ربك في نفسك } ولم يقل : واذكر إلهك ولا سائر ~~الأسماء ، وإنما سماه في هذا المقام باسم كونه ربا ، وأضاف نفسه إليه ، وكل ~~ذلك يدل على نهاية الرحمة والتقريب والفضل والإحسان ، والمقصود منه ، أن ~~يصير العبد فرحا مبتهجا عند سماع هذا الاسم ، لأن لفظ الرب مشعر بالتربية ~~والفضل ، وعند سماع هذا الاسم يتذكر ms4272 العبد أقسام نعم الله عليه ، وبالحقيقة ~~لا يصل عقله إلى أقل أقسامها ، كما قال تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) فعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء ، ~~فإذا سمع بعد ذلك قوله : { تضرعا وخيفة } عظم الخوف ، وحينئذ تحصل في القلب ~~موجبات الرجاء وموجبات الخوف ، وعنده يكمل الإيمان على ما قال عليه السلام ~~: ( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ) إلا أن هنا دقيقة ، وهي أن سماع ~~لفظ الرب يوجب الرجاء وسماع لفظ التضرع والخيفة يوجب الخوف ، فلما وقع ~~الابتداء بما يوجب الرجاء ، علمنا أن جانب الرجاء أقوى . # القيد الثاني : من القيود المعتبرة في الذكر حصول التضرع ، وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى : { تضرعا } وهذا القيد معتبر ، ويدل عليه القرآن ، والمعقول . ~~أما القرآن فقوله في سورة الأنعام { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ~~تدعونه تضرعا وخفية } ( الأنعام : 63 ) وأما المعقول : فلأن كمال حال ~~الإنسان إنما يحصل بانكشاف أمرين : أحدهما : عزة الربوبية ، وهذا المقصود ، ~~إنما يتم بقوله : { واذكر ربك في نفسك } الثاني : بمشاهدة ذلة العبودية ~~وذلك إنما يكمل بقوله : { تضرعا } فالانتقال من الذكر إلى التضرع يشبه ~~النزول من المعراج ، والانتقال من التضرع إلى الذكر يشبه الصعود ، وبهما ~~يتم معراج الأرواح القدسية وههنا بحث وهو أن معرفة الله من لوازمها التضرع ~~، والخوف ، والذكر القلبي يمتنع انفكاكه عن التضرع والخوف ، فما الفائدة في ~~اعتبار هذا التضرع والخوف ؟ وأجيب عنه بأن المعرفة لا يلزمها التضرع والخوف ~~على الإطلاق ، لأنه ربما استحكم في عقل الإنسان أنه تعالى لا يعاقب أحدا ~~لأن ذلك العقاب إيذاء للغير ، ولا فائدة للحق فيه . وإذا كان كذلك لا يعذب ~~فإذا اعتقد هذا ، لم يكمل التضرع والخوف . فلهذا السبب نص الله تعالى على ~~أنه لا بد منه وأجيب عنه بأن الخوف على قسمين : الأول : خوف العقاب ، وهو ~~مقام المبتدين . والثاني : خوف الجلال وهو مقام المحققين ، وهذا الخوف ~~ممتنع الزوال وكل من كان أعرف بجلال الله كان هذا الخوف في قلبه أكمل ، ~~وأجيب عن هذا الجواب بأن لأصحاب المكاشفات مقامين : مكاشفة ms4273 الجمال ، ~~ومكاشفة / الجلال ، فإذا كشفوا بالجمال عاشوا ، وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا ~~، ولا بد في مقام الذكر من رعاية الجانبين . PageV15P087 # القيد الثالث : قوله : { وخيفة } وفي قراءة أخرى { وخفية } وقال الزجاج : ~~أصلها ( خوفة ) فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، أقول هذا الخوف يقع على ~~وجوه : أحدها : خوف التقصير في الأعمال . وثانيها : خوف الخاتمة . ~~والمحققون خوفهم من السابقة ، لأنه إنما يظهر في الخاتمة ما سبق الحكم به ~~في الفاتحة ، ولذلك كان عليه السلام يقول : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة ) . وثالثها : خوف أني كيف أقابل نعمة الله التي لا حصر لها ولا حد ~~بطاعاتي الناقصة وأذكاري القاصرة ؟ وكان الشيخ أبو بكر الواسطي يقول : ~~الشكر شرك ، فسألوني عن هذه الكلمة فقلت : لعل المراد والله أعلم أن من ~~حاول مقابلة وجوه إحسان الله بشكره فقد أشرك . لأن على هذا التقدير يصير ~~كأن العبد يقول : منك النعمة ومني الشكر ، ولا شك أن هذا شرك ، فأما إذا ~~أتى بالشكر مع خوف التقصير ومع الاعتراف بالذل والخضوع ، فهناك يشم فيه ~~رائحة العبودية . # وأما القراءة الثانية : وهو قوله : { وخفية } فالإخفاء في حق المبتدين ~~يراد لصون الطاعات عن شوائب الرياء والسمعة ، وفي حق المنتهين المقربين ~~منشؤه الغيرة ، وذلك لأن المحبة إذا استكملت أوجبت الغيرة ، فإذا كمل هذا ~~التوغل وحصل الفناء ، وقع الذكر في حين الإخفاء بناء على قوله عليه السلام ~~: ( من عرف الله كل لسانه ) . # القيد الرابع : قوله : { ودون الجهر من القول } والمراد منه أن يقع ذلك ~~الذكر بحيث يكون متوسطا بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى : { ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذالك سبيلا } ( الإسراء : 110 ) وقال عن ~~زكريا عليه السلام : { إذ نادى ربه نداء خفيا } ( مريم : 3 ) قال ابن عباس ~~: وتفسير قوله : { ودون الجهر من القول } المعنى أن يذكر ربه على وجه يسمع ~~نفسه ، فإن المراد حصول الذكر اللساني ، والذكر اللساني إذا كان بحيث يسمع ~~نفسه ، فإنه يتأثر الخيال من ذلك الذكر ، وتأثر الخيال يوجب قوة في الذكر ~~القلبي الروحاني ، ولا يزال يتقوى كل ms4274 واحد من هذه الأركان الثلاثة ، وتنعكس ~~أنوار هذه الأذكار من بعضها إلى بعض ، وتصير هذه الانعكاسات سببا لمزيد ~~القوة والجلاء والانكشاف والترقي من حضيض ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار ~~مدبر النور والظلام . # والقيد الخامس : قوله : { بالغدو والاصال } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : في لفظ ( الغدو ) قولان : # القول الأول : أنه مصدر يقال غدوت أغدو غدوا غدوا ، ومنه قوله تعالى : { ~~غدوها شهر } ( سبأ : 12 ) / أي غدوها للسير ، ثم سمى وقت الغدو غدوا ، كما ~~يقال : دنا الصباح أي وقته ، ودنا المساء أي وقته . # القول الثاني : أن يكون الغدو جمع غدوة ، قال الليث : الغدو جمع مثل ~~الغدوات وواحد الغدوات غدوة ، وأما { * الآصال } فقال الفراء : واحدها أصل ~~وواحد الأصل الأصيل . قال يقال جئناهم مؤصلين أي عند الآصال ، ويقال الأصيل ~~مأخوذ من الأصل واليوم بليلته ، إنما يبتدأ بالشروع من أول الليل وآخر نهار ~~كل يوم متصل بأول ليل اليوم الثاني ، فسمى آخر النهار أصيلا ، لكونه ملاصقا ~~لما هو الأصل لليوم الثاني . # المسألة الثانية : خص الغدو والآصال بهذا الذكر ، والحكمة فيه أن عند ~~الغدوة انقلب الإنسان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة ~~، والعالم انقلب من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور PageV15P088 الذي ~~هو طبيعة وجودية . وأما عند الآصال فالأمر بالضد لأن الإنسان ينقلب فيه من ~~الحياة إلى الموت ، والعالم ينقلب فيه من النور الخالص إلى الظلمة الخالصة ~~، وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوي القاهر ولا ~~يقدر على مثل هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الغير ~~المتناهية ، فلهذه الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين الوقتين بالأمر ~~بالذكر . ومن الناس من قال : ذكر هذين الوقتين والمراد مداومة الذكر ~~والمواظبة عليه بقدر الإمكان . عن ابن عباس أنه قال في قوله : { الالباب ~~الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } ( الأعراف : 191 ) لو حصل ~~لابن آدم حالة رابعة سوى هذه الأحوال لأمر الله بالذكر عندها والمراد منه ~~أنه تعالى أمر بالذكر على الدوام . # والقيد السادس : قوله تعالى : { ولا تكن من الغافلين } والمعنى ms4275 أن قوله : ~~{ بالغدو والاصال } دل على أنه يجب أن يكون الذكر حاصلا في كل الأوقات ~~وقوله : { ولا تكن من الغافلين } يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون ~~دائما ، وأن لا يغفل الإنسان لحظة واحدة عن استحضار جلال الله وكبريائه ~~بقدر الطاقة البشرية والقوة الإنسانية ، وتحقيق القول ، أن بين الروح وبين ~~البدن علاقة عجيبة ، لأن كل أثر حصل في جوهر الروح نزل منه أثر إلى البدن ، ~~وكل حالة حصلت في البدن صعدت منها نتائج إلى الروح ، ألا ترى أن الإنسان ~~إذا تخيل الشيء الحامض ضرس سنه ، وإذا تخيل حالة مكروهة وغضب سخن بدنه ، ~~فهذه آثار تنزل من الروح إلى البدن ، وأيضا إذا واظب الإنسان على عمل من ~~الأعمال وكرر مرات وكرات حصلت ملكة قوية راسخة في جوهر النفس فهذه آثار ~~صعدت من البدن إلى النفس . # إذا عرفت هذا فنقول : إذا حضر الذكر اللساني بحيث يسمع نفسه / حصل أثر من ~~ذلك الذكر / اللساني في الخيال ، ثم يصعد من ذلك الأثر الخيالي مزيد أنوار ~~وجلايا إلى جوهر الروح ، ثم تنعكس من تلك الإشراقات الروحانية آثار زائدة ~~إلى اللسان ومنه إلى الخيال ، ثم مرة أخرى إلى العقل ، ولا يزال تنعكس هذه ~~الأنوار من هذه المرايا بعضها إلى بعض ، ويتقوى بعضها بعض ويستكمل بعضها ~~ببعض ، ولما كان لا نهاية لتزايد أنوار المراتب ، لا جرم لا نهاية لسفر ~~العارفين في هذه المقامات العالية القدسية وذلك بحر لا ساحل له ، ومطلوب لا ~~نهاية له . # واعلم أن قوله تعالى : { واذكر ربك في نفسك } وإن كان ظاهره خطابا مع ~~النبي عليه السلام ، إلا أنه عام في حق كل المكلفين ولكل أحد درجة مخصوصة ~~ومرتبة معينة بحسب استعداد جوهر نفسه الناطقة كما قال في صفة الملائكة : { ~~وما منا إلا له مقام معلوم } ( الصافات : 164 ) . # ! 7 < { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون } . ~~> 7 ! # < < # | الأعراف : ( 206 ) إن الذين عند . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لما رغب الله رسوله في الذكر وفي المواظبة عليه ذكر ~~عقيبه ما يقوي ms4276 دواعيه في ذلك فقال : { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن ~~عبادته } والمعنى : أن الملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم PageV15P089 ~~وعصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والغضب ، وحوادث الحقد والحسد ، لما ~~كانوا مواظبين على العبودية والسجود والخضوع والخشوع ، فالإنسان مع كونه ~~مبتلى بظلمات عالم الجسمانيات ومستعدا للذات البشرية والبواعث الإنسانية ~~أولى بالمواظبة على الطاعة ، ولهذا السبب قال عيسى عليه السلام : { وجعلنى ~~مباركا أين ما كنت وأوصانى } ( مرين : 31 ) وقال لمحمد عليه السلام : { ~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ) . # المسألة الثانية : المشبهة تمسكوا بقوله : { إن الذين عند ربك } وقالوا ~~لفظ { عند } مشعر بالمكان والجهة . # وجوابه أنا ذكرنا البراهين الكثيرة العقلية والنقلية في هذه السورة عند ~~تفسير قوله : { ثم استوى على العرش } ( الأعراف : 54 يونس : 3 ) على أنه ~~يمتنع كونه تعالى حاصلا في المكان والجهة . # وإذا ثبت هذا فنقول : وجب المصير إلى التأويل في هذه الآية وبيانه من ~~وجوه : # / الوجه الأول : أنه تعالى قال : { وهو معكم } ولا شك أن هذه المعية ~~بالفضل والرحمة لا بالجهة فكذا ههنا ، وأيضا جاء في الأخبار الربانية أنه ~~تعالى قال : ( أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي ) ولا خلاف أن هذه العندية ~~ليست لأجل المكان والجهة ، فكذا ههنا . # والوجه الثاني : إن المراد القرب بالشرف . يقال : للوزير قربة عظيمة من ~~الأمير ، وليس المراد منه القرب بالجهة ، لأن البواب والفراش يكون أقرب إلى ~~الملك في الجهة والحيز والمكان من الوزير ، فعلمنا أن القرب المعتبر هو ~~القرب بالشرف لا القرب بالجهة . # والوجه الثالث : أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله من حيث إنه ~~أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح ~~والطاعات والكرامات . # والوجه الرابع : إنما قال تعالى في صفة الملائكة : { الذين عند ربك } ~~لأنهم رسل الله إلى الخلق كما يقال : إن عند الخليفة جيشا عظيما ، وإن ~~كانوا متفرقين في البلد ، فكذا ههنا . والله أعلم . # المسألة الثانية : تمسك أبو بكر الأصم رحمه الله بهذه الآية في إثبات أن ~~الملائكة أفضل من البشر ، لأنه تعالى لما أمر رسوله بالعبادة والذكر ms4277 قال : ~~{ إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته } والمعنى فأنت أولى وأحق ~~بالعبادة ، وهذا الكلام إنما يصح لو كانت الملائكة أفضل منه . # المسألة الرابعة : ذكر من طاعاتهم أولا كونهم يسبحون ، وقد عرفت أن ~~التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى من كل سوء ، وذلك يرجع إلى المعارف ~~والعلوم ، ثم لما ذكر التسبيح أردفه بذكر السجود ، وذلك يرجع إلى أعمال ~~الجوارح ، وهذا الترتيب يدل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ~~، ويتفرع عليها أعمال الجوارح . وأيضا قوله : { وله يسجدون } يفيد الحصر ~~ومعناه : أنهم لا يسجدون لغير الله . # فإن قيل : فكيف الجمع بينه وبين قوله تعالى : { فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون } ( الحجر : 30 ص : 73 ) والمراد أنهم سجدوا لآدم ؟ # والجواب : قال الشيخ الغزالي : الذين سجدوا لآدم ملائكة الأرض . فأما ~~عظماء ملائكة السموات فلا . PageV15P090 وقيل أيضا : إن قوله : { وله ~~يسجدون } يفيدون أنهم ما سجدوا لغير الله ، فهذا يفيد العموم . وقوله : ~~فسجدوا لآدم خاص ، والخاص مقدم على العام . # / واعلم أن الآيات الدالة على كون الملائكة مستغرقين في العبودية كثيرة ، ~~كقوله تعالى حكاية عنهم : { وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون } ( ~~الصافات : 165 ، 166 ) وقوله : { وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون ~~بحمد ربهم } ( الزمر : 75 ) والله أعلم . # PageV15P091 < # > 1 ( سورة الأنفال ) 1 < # > # مدنية إلا من آية : 30 إلى غاية 36 فمكية # وآياتها 75 نزلت بعد البقرة # ! 7 < { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ~~ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 1 ) يسألونك عن الأنفال . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { ويسئلونك عن * الانفال } يقتضي البحث عن خمسة أشياء ، ~~السائل والمسؤول وحقيقة النفل ، وكون ذلك السؤال عن أي الأحكام كان ، وإن ~~المفسرين بأي شيء فسروا الأنفال . # أما البحث الأول : فهو أن السائلين من كانوا ؟ فنقول إن قوله : { يسألونك ~~عن الانفال } إخبار عمن لم يسبق ذكرهم وحسن ذلك ههنا ، لأن حالة النزول كان ~~السائل عن هذا السؤال معلوما معينا فانصرف هذا اللفظ إليهم ، ولا شك أنهم ~~كانوا أقواما لهم تعلق بالغنائم والأنفال وهم أقوام ms4278 من الصحابة . # / وأما البحث الثاني : وهو أن المسؤول من كان ؟ فلا شك أنه هو النبي صلى ~~الله عليه وسلم . # وأما البحث الثالث : وهو أن الأنفال ما هي فنقول : قال الزهري : النفل ~~والنافلة ما كان زيادة على الأصل ، وسميت الغنائم أنفالا ، لأن المسلمين ~~فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم ، وصلاة التطوع نافلة ~~لأنها زيادة على الفرض الذي هو الأصل . وقال تعالى : { ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب نافلة } ( الأنبياء : 72 ) أي زيادة على ما سأل . # وأما البحث الرابع : وهو أن السؤال عن أي أحكام الأنفال كان ؟ فنقول : ~~فيه وجهان : الأول : لفظ السؤال ، وإن كان مبهما إلا أن تعيين الجواب يدل ~~على أن السؤال كان واقعا عن ذلك المعين ، ونظيره PageV15P092 قوله تعالى : ~~{ ويسئلونك عن المحيض } ( البقرة : 222 ) { فى الدنيا والاخرة } ( البقرة : ~~220 ) فعلم منه أنه سؤال عن حكم من أحكام المحيض واليتامى ، وذلك الحكم غير ~~معين ، إلا أن الجواب كان معينا لأنه تعالى قال في المحيض : { قل هو أذى ~~فاعتزلوا النساء في المحيض } ( البقرة : 222 ) فدل هذا الجواب على أن ذلك ~~السؤال كان سؤالا عن مخالطة النساء في المحيض . وقال في اليتامى : { قل ~~إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم } ( البقرة : 220 ) فدل هذا الجواب ~~المعين على أن ذلك السؤال المعين كان واقعا عن التصرف في مالهم ومخالطتهم ~~في المواكلة . وأيضا قال تعالى : { ويسئلونك عن الروح } ( الإسراء : 85 ) ~~وليس فيه ما يدل على أن ذلك السؤال عن أي الأحكام إلا أنه تعالى قال في ~~الجواب : { قل الروح من أمر ربى } فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان عن ~~كون الروح محدثا أو قديما ، فكذا ههنا لما قال في جواب السؤال عن الأنفال : ~~{ قل الانفال لله والرسول } دل هذا على أنهم سألوه عن الأنفال كيف مصرفها ~~ومن المستحق لها . # والقول الثاني : أن قوله : { يسألونك عن الانفال } أي من الأنفال ، ~~والمراد من هذا السؤال : الاستعطاء على ما روي في الخبر ، أنهم كانوا ~~يقولون يا رسول الله أعطني كذا أعطني كذا ، ولا يبعد ms4279 إقامة عن مقام من هذا ~~قول عكرمة . وقرأ عبد الله { يسألونك الانفال } . # والبحث الخامس : وهو شرح أقوال المفسرين في المراد بالأنفال . فنقول : إن ~~الأنفال التي سألوا عنها يقتضي أن يكون قد وقع بينهم التنازع والتنافس فيها ~~، ويدل عليه وجوه : الأول : أن قوله : { قل الانفال لله والرسول } يدل على ~~أن المقصود من ذكر منع القوم عن المخاصمة والمنازعة . وثانيها : قوله : { ~~فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } يدل على أنهم إنما سألوا عن ذلك بعد أن ~~وقعت الخصومة بينهم . وثالثها : أن قوله : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم ~~مؤمنين } يدل على ذلك . # إذا عرفت هذا فنقول : يحتمل أن يكون المراد من هذه الأنفال الغنائم ، وهي ~~الأموال المأخوذة من الكفار قهرا ؛ ويحتمل أن يكون المراد غيرها . # / أما الأول : ففيه وجوه : أحدها : أنه صلى الله عليه وسلم قسم ما غنموه ~~يوم بدر على من حضر وعلى أقوام لم يحضروا أيضا ، وهم ثلاثة من المهاجرين ~~وخمسة من الأنصار ، فأما المهاجرون فأحدهم عثمان فإنه عليه السلام تركه على ~~ابنته لأنها كانت مريضة ، وطلحة وسعيد بن زيد . فإنه عليه السلام كان قد ~~بعثهما للتجسس عن خبر العير وخرجا في طريق الشام ، وأما الخمسة من الأنصار ~~، فأحدهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، خلفه النبي صلى الله عليه وسلم ~~على المدينة ، وعاصم خلفه على العالية ، والحرث بن حاطب : رده من الروحاء ~~إلى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه ، والحرث بن الصمة أصابته علة بالروحاء ، ~~وخوات بن جبير ، فهؤلاء لم يحضروا ، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في ~~تلك الغنائم بسهم ، فوقه من غيرهم فيه منازعة . فنزلت هذه الآية بسببها ، ~~وثانيها : روى أن يوم بدر الشبان قتلوا وأسروا والأشياخ وقفوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في المصاف ، فقال الشبان : الغنائم لنا لأنا قتلنا ~~وهزمنا ، وقال الأشياخ : كنا ردأ لكم ولو انهزمتهم لانحزتم إلينا ، فلا ~~تذهبوا بالغنائم دوننا ، فوقعت المخاصمة بهذا السبب . فنزلت الآية . ~~وثالثها : قال الزجاج : الأنفال الغنائم . وإنما سألوا عنها لأنها كانت ~~حراما على من كان قبلهم ms4280 ، وهذا الوجه ضعيف لأن على هذا التقدير يكون ~~المقصود من هذا السؤال طلب حكم الله تعالى فقط ، وقد بينا بالدليل أن هذا ~~السؤال كان مسبوقا بالمنازعة والمخاصمة . PageV15P093 # وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد من الأنفال شيئا سوى الغنائم ~~، فعلى هذا التقدير في تفسير الأنفال أيضا وجوه : أحدها : قال ابن عباس في ~~بعض الروايات : المراد من الأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير ~~قتال ، من دابة أو عبد أو متاع ، فهو إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه ~~حيث يشاء ، وثانيها : الأنفال الخمس الذي يجعله الله لأهل الخمس ، وهو قول ~~مجاهد ، قال : فالقوم إنما سألوا عن الخمس . فنزلت الآية ، وثالثها : أن ~~الأنفال هي السلب وهو الذي يدفع إلى الغازي زائدا على سهمه من الغنم ، ~~ترغيبا له في القتال ، كما إذا قال الإمام : ( من قتل قتيلا فله سلبه ) أو ~~قال لسرية ما أصبتم فهو لكم ، أو يقول فلكم نصفه أو ثلثه أو ربعه ، ولا ~~يخمس النفل ، وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال : قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به ~~سعد بن العاصي وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فقلت إن الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف . ~~فقال : ( ليس هذا لي ولا لك أطرحه في الموضع الذي وضعت فيه الغنائم ) ~~فطرحته وبي ما يعلمه الله من قتل أخي وأخذ سلبي ، فما جاوزت إلا قليلا حتى ~~جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال فقال : يا سعد ~~( إنك سألتني السيف وليس لي وإنه قد / صار لي فخذه ) قال القاضي : وكل هذه ~~الوجوه تحتمله الآية ، وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض . وإن صح في ~~الأخبار ما يدل على التعين قضى به ، وإلا فالكل محتمل ، وكما أن كل واحد ~~منها جائز ، فكذلك إرادة الجميع جائزة فإنه لا تناقض بينها ، والأقرب أن ~~يكون المراد بذلك ماله عليه السلام أن ينفل غيره من جملة الغنيمة قبل ~~حصولها وبعد ms4281 حصولها ، لأنه يسوغ له تحريضا على الجهاد وتقوية للنفوس كنحو ~~ما كان ينفل واحدا في ابتداء المحاربة . ليبالغ في الحرب . أو عند الرجعة . ~~أو يعطيه سلب القاتل / أو يرضخ لبعض الحاضرين ، وينفله من الخمس الذي كان ~~عليه السلام يختص به . وعلى هذا التقدير فيكون قوله : { قل الانفال لله ~~والرسول } المراد الأمر الزائد على ما كان مستحقا للمجاهدين . # أما قوله تعالى : { قل الانفال لله والرسول } ففيه بحثان : # البحث الأول : المراد منه أن حكمها مختص بالله والرسول يأمره الله ~~بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ، وليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد . # البحث الثاني : قال مجاهد وعكرمة والسدي : إنها منسوخة بقوله فإن لله ~~خمسه وللرسول ، وذلك لأن قوله : { قل الانفال لله والرسول } يقتضي أن تكون ~~الغنائم كلها للرسول ، فنسخها الله بآيات الخمس وهو قول ابن عباس في بعض ~~الروايات ، وأجيب عنه من وجوه : الأول : أن قوله : { قل الانفال لله ~~والرسول } معناه أن الحكم فيها لله وللرسول . وهذا المعنى باق فلا يمكن أن ~~يصير منسوخا ، ثم إنه تعالى حكم بأن يكون أربعة أخماسها ملكا للغانمين . ~~الثاني : أن آية الخمس . تدل على كون الغنيمة ملكا للغانمين ، والأنفال ~~ههنا مفسرة لا بالغنائم ، بل بالسلب . وإنما ينفله الرسول عليه السلام لبعض ~~الناس لمصلحة من المصالح . # ثم قال تعالى : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } وفيه بحثان : # البحث الأول : معناه فاتقوا عقاب الله ولا تقدموا على معصية الله ، ~~واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأحوال . وارضوا بما حكم به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . # البحث الثاني : في قوله : { وأصلحوا ذات بينكم } أي وأصلحوا ذات بينكم من ~~الأقوال ، ولما كانت PageV15P094 الأقوال واقعة في البين ، قيل لها ذات ~~البين ، كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور . # ثم قال : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } والمعنى أنه تعالى ~~نهاهم عن مخالفة حكم الرسول بقوله : { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ثم ~~أكد ذلك بأن أمرهم بطاعة الرسول بقوله : { وأطيعوا الله ورسوله } ثم بالغ ~~في هذا التأكيد فقال ms4282 : { إن كنتم مؤمنين } والمراد أن الإيمان الذي دعاكم ~~الرسول إليه ورغبتم فيه لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة ، فاحذروا ~~الخروج عنها ، واحتج من قال : ترك الطاعة يوجب زوال الإيمان بهذه الآية ، ~~وتقريره أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، وههنا ~~الإيمان معلق على الطاعة بكلمة { ءان } فيلزم عدم الإيمان عند عدم الطاعة ~~وتمام هذه المسألة مذكور في قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ~~} ( النساء : 31 ) والله أعلم . # ! 7 < { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~ءاياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلواة ومما ~~رزقناهم ينفقون * أولائك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق ~~كريم } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 2 - 4 ) إنما المؤمنون الذين . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما قال : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } واقتضى ~~ذلك كون الإيمان مستلزما للطاعة ، شرح ذلك في هذه الآية مزيد شرح وتفصيل ، ~~وبين أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول هذه الطاعات فقال : { إنما المؤمنون ~~} الآية . واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول ~~أمور خمسة : الأول : قوله : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } قال ~~الواحدي يقال : وجل يوجل وجلا ، فهو وجل ، وأوجل إذا خاف . قال الشاعر : # % لعمرك ما أدري وإني لأوجل % % على أينا تعدو المنية أول % # والمراد أن المؤمن إنما يكون مؤمنا إذا كان خائفا من الله ، ونظيره قوله ~~تعالى : { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } ( الزمر : 23 ) وقوله : { ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون } ( المؤمنون : 57 ) وقوله : { الذين هم فى ~~صلاتهم خاشعون } ( المؤمنون : 2 ) وقال أصحاب الحقائق : الخوف على قسمين : ~~خوف العقاب ، وخوف العظمة والجلال . أما خوف العقاب فهو للعصاة . وأما خوف ~~الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين ، سواء كان ملكا مقربا ~~أو نبيا مرسلا ، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات / وما سواه من ~~الموجودات فمحتاجون إليه ، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه ~~، وليست تلك الهيبة ms4283 من العقاب ، بل مجرد علمه بكونه غنيا عنه ، وكونه ~~محتاجا إليه يوجب تلك المهابة ، وذلك الخوف . PageV15P095 # إذا عرفت هذا فنقول : إن كان المراد من الوجل القسم الأول ، فذلك لا يحصل ~~من مجرد ذكر الله ، وإنما يحصل من ذكر عقاب الله . وهذا هو اللائق بهذا ~~الموضع ، لأن المقصود من هذه الآية إلزام أصحاب بدر طاعة الله وطاعة الرسول ~~في قسمة الأنفال ، وأما إن كان المراد من الوجل القسم الثاني ، فذلك لازم ~~من مجرد ذكر الله ، ولا حاجة في الآية إلى الإضمار . # فإن قيل : إنه تعالى قال ههنا { وجلت قلوبهم } وقال في آية أخرى : { ~~الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله } ( الرعد : 28 ) فكيف الجمع بينهما ~~؟ وأيضا قال في آية أخرى : { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } ( ~~الزمر : 23 ) قلنا : الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين ، وشرح الصدر ~~بمعرفة التوحيد ، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة ، ولا منافاة بين هاتين ~~الحالتين ، بل نقول : هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة ، وهي قوله تعالى : ~~{ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } ~~( الزمر : 23 ) والمعنى : تقشعر الجلود من خوف عذاب الله ، ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم عند رجاء ثواب الله . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله } وهو ~~قكلوه : { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هاذه إيمانا } ( ~~التوبة : 124 ) ثم فيه مسائل : # المسألة الأولى : زيادة الإيمان الذي هو التصديق على وجهين : # الوجه الأول : وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي رحمه ~~الله : أن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان أزيد إيمانا ، لأن عند ~~حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين ، وإليه الإشارة بقوله ~~عليه السلام : ( لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح ) يريد أن ~~معرفته بالله أقوى . # ولقائل أن يقول : المراد من هذه الزيادة : إما قوة الدليل أو كثرة ~~الدلائل . أما قوة الدليل فباطل ، وذلك لأن كل دليل فهو مركب لا محالة من ~~مقدمات ، وتلك المقدمات ms4284 إما أن يكون مجزوما بها جزما مانعا من النقيض أو لا ~~يكون فإن كان الجزم المانع من النقيض حاصلا في كل المقدمات ، امتنع كون بعض ~~الدلائل أقوى من بعض على هذا التفسير ، لأن الجزم المانع من النقيض لا يقبل ~~التفاوت ، وأما إن كان الجزم المانع من النقيض غير حاصل إما في الكل أو في ~~البعض فذلك لا يكون دليلا ، بل أمارة ، والنتيجة الحاصلة منها لا تكون علما ~~بل ظنا ، فثبت بما ذكرنا أن حصول التفاوت في / الدلائل بسبب القوة محال ، ~~وأما حصول التفاوت بسبب كثرة الدلائل فالأمر كذلك ، لأن الجزم الحاصل بسبب ~~الدليل الواحد ، إن كان مانعا من النقيض فيمتنع أن يصير أقوى عند اجتماع ~~الدلائل الكثيرة ، وإن كان غير مانع من النقيض لم يكن دليلا ، بل كان أمارة ~~ولم تكن النتيجة معلومة بل مظنونة ، فثبت أن هذا التأويل ضعيف . # واعلم أنه يمكن أن يقال : المراد من هذه الزيادة الدوام وعدم الدوام ، ~~وذلك لأن بعض المستدلين لا يكون مستحضرا للدليل والمدلول إلا لحظة واحدة ، ~~ومنهم من يكون مداوما لتلك الحالة وبين هذين الطرفين أوساط مختلفة ، ومراتب ~~متفاوتة ، وهو المراد من الزيادة . # والوجه الثاني : من زيادة التصديق أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند ~~الله ، ولما كانت التكاليف متوالية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~متعاقبة ، فعند حدوث كل تكليف كانوا يزيدون تصديقا وإقرارا ، ومن المعلوم ~~أن من صدق إنسانا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء ~~واحد . وقوله : { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } PageV15P096 معناه ~~: أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد فكان ذلك زيادة في الإيمان ~~والتصديق ، وفي الآية وجه ثالث : وهو أن كمال قدرة الله وحكمته ، إنما تعرف ~~بواسطة آثار حكمة الله في مخلوقاته ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلما وقف عقل ~~الإنسان على آثار حكمة الله في تخليق شيء آخر ، انتقل منه إلى طلب حكمة في ~~تخليق شيء آخر ، فقد انتقل من مرتبة إلى مرتبة أخرى أعلى منها وأشرف ms4285 وأكمل ~~، ولما كانت هذه المراتب لا نهاية لها ، لا جرم لا نهاية لمراتب التجلي ~~والكشف والمعرفة . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقصان أم لا ~~؟ أما الذين قالوا : الإيمان عبارة عن مجموع الإعتقاد والإقرار والعمل ، ~~فقد احتجوا بهذه الآية من وجهين : الأول : أن قوله : { زادتهم إيمانا } يدل ~~على أن الإيمان يقبل الزيادة ، ولو كان الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار ~~لما قبل الزيادة . والثاني : أنه تعالى لما ذكر هذه الأمور الخمسة . قال : ~~في الموصوفين بها { أولئك هم المؤمنون حقا } وذلك يدل على أن كل تلك الخصال ~~داخل في مسمى الإيمان . وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، ~~وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ) واحتجوا بهذه ~~الآية على أن الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة . قالوا : لأن الآية ~~صريحة في أن الإيمان يقبل الزيادة / والمعرفة والإقرار لا يقبلان التفاوت ، ~~فوجب أن يكون الإيمان عبارة عن مجموع الإقرار والاعتقاد والعمل ، حتى أن ~~بسبب دخول التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان ، / وهذا الاستدلال ~~ضعيف ، لما بينا أن التفاوت بالدوام وعدم الدوام حاصل في الإعتقاد والإقرار ~~، وهذا القدر يكفي في حصول التفاوت في الإيمان ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله } ظاهره ~~مشعر بأن تلك الآيات هي المؤثرة في حصول الزيادة في الإيمان ، وليس الأمر ~~كذلك ، لأن نفس تلك الآيات لا توجب الزيادة ، بل إن كان ولا بد فالموجب هو ~~سماع تلك الآيات أو معرفة تلك الآيات توجب زيادة في المعرفة والتصديق والله ~~أعلم . # الصفة الثالثة : للمؤمنين قوله تعالى : { وعلى ربهم يتوكلون } واعلم أن ~~صفة المؤمنين أن يكونوا واثقين بالصدق في وعده ووعيده ، وأن يقولوا صدق ~~الله ورسوله ، وأن لا يكون قولهم كقول المنافقين { ما وعدنا الله ورسوله ~~إلا غرورا } ( الأحزاب : 12 ) ثم نقول : هذا الكلام يفيد الحصر ، ومعناه : ~~أنهم لا يتوكلون إلا على ربهم ، وهذه الحالة مرتبة ms4286 عالية ودرجة شريفة ، وهي ~~: أن الإنسان بحيث يصير لا يبقي له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله . # واعلم أن هذه الصفات الثلاثة مرتبة على أحسن جهات الترتيب ، فإن المرتبة ~~الأولى هي : الوجل من عقاب الله . # والمرتبة الثانية : هي الانقياد لمقامات التكاليف لله . # والمرتبة الثالثة : هي الانقطاع بالكلية عما سوى الله ، والاعتماد ~~بالكلية على فضل الله ، بل الغنى بالكلية عما سوى الله تعالى . # والصفة الرابعة والخامسة : قوله : { الذين يقيمون الصلواة ومما رزقناهم ~~ينفقون } واعلم أن المراتب PageV15P097 الثلاثة المتقدمة أحوال معتبرة في ~~القلوب والبواطن ، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر ورأس الطاعات ~~المعتبرة في الظاهر ، ورئيسها بذل النفس في الصلاة ، وبذل المال في مرضاة ~~الله ، ويدخل فيه الزكوات والصدقات والصلاة ، والإنفاق في الجهاد ، ~~والإنفاق على المساجد والقناطر ، قالت المعتزلة : إنه تعالى مدح من ينفق ما ~~رزقه الله ، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز الإنفاق من الحرام ، وذلك يدل ~~على أن الحرام لا يكون رزقا ، وقد سبق ذكر هذا الكلام مرارا . # واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذه الصفات الخمس : أثبت للموصوفين بها ~~أمورا ثلاثة : الأول : قوله : { أولئك هم المؤمنون حقا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { حقا } بماذا يتصل . فيه قولان : أحدهما : ~~بقوله : { هم المؤمنون } أي هم المؤمنون بالحقيقة . والثاني : أنه تم ~~الكلام عند قوله : { أولئك هم المؤمنون } ثم ابتدأ وقال : { حقا لهم درجات ~~} . # / المسألة الثانية : ذكروا في انتصاب { حقا } وجوها : الأول : قال الفراء ~~: التقدير : أخبركم بذلك حقا ، أي أخبارا حقا ، ونظيره قوله : { أولئك هم ~~الكافرون حقا } ( النساء : 151 ) والثاني : قال سيبويه : إنه مصدر مؤكد ~~لفعل محذوف يدل عليه الكلام ، والتقدير : وإن الذي فعلوه كان حقا صدقا . ~~الثالث : قال الزجاج . التقدير : أولئك هم المؤمنون أحق ذلك حقا . # المسألة الثالثة : اتفقوا على أنه يجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن ، ~~واختلفوا في أنه هل يجوز للرجل أن يقول أنا مؤمن حقا أم لا ؟ فقال أصحاب ~~الشافعي : الأولى أن يقول الرجل : أنا مؤمن إن شاء الله ، ولا يقول أنا ~~مؤمن حقا . وقال أصحاب ms4287 أبي حنيفة رحمه الله : الأولى أن يقول أنا مؤمن حقا ~~، ولا يجوز أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، أما الذين قالوا إنه يقول : ~~أنا مؤمن إن شاء الله / فلهم فيه مقامان : # المقام الأول : أن يكون ذلك لأجل حصول الشك في حصول الإيمان . # المقام الثاني : أن لا يكون الأمر كذلك . أما المقام الأول ، فتقريره : ~~أن الإيمان عند الشافعي رضي الله عنه عبارة عن مجموع الإعتقاد والإقرار ~~والعمل . ولا شك أن كون الإنسان آتيا بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه ، ~~والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية ، فالإنسان وإن ~~كان جازما بحصول الإعتقاد والإقرار ، إلا أنه لما كان شاكا في حصول العمل ~~كان هذا القدر يوجب كونه شاكا في حصول الإيمان ، وأما عند أبي حنيفة رحمه ~~الله ، فلما كان الإيمان اسما للاعتقاد والقول ، وكان العمل خارجا عن مسمى ~~الإيمان ، لم يلزم من الشك في حصول الأعمال الشك في الإيمان . فثبت أن من ~~قال إن الإيمان عبارة عن مجموع الأمور الثلاثة يلزمه وقوع الشك في الإيمان ~~، ومن قال العمل خارج عن مسمى الإيمان يلزمه نفي الشك عن الإيمان ، وعند ~~هذا ظهر أن الخلاف ليس إلا في اللفظ فقط . وأما المقام الثاني : وهو أن ~~نقول : إن قوله : أنا مؤمن إن شاء الله ليس لأجل الشك ، فيه وجوه : الأول : ~~أن كون الرجل مؤمنا أشرف صفاته وأعرف نعوته وأحواله ، فإذا قال أنا مؤمن ، ~~فكأنه مدح نفسه بأعظم المدائح . فوجب أن يقول : إن شاء الله ليصير هذا سببا ~~لحصول الانكسار في القلب وزوال العجب . روي أن أبا حنيفة رحمه الله ، قال ~~لقتادة : لم تستثني في إيمانك . قال اتباعا لإبراهيم عليه السلام في قوله : ~~{ والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) PageV15P098 ~~فقال أبو حنيفة رحمه الله : هلا اقتديت به في قوله : { أولم تؤمن قال بلى } ~~( البقرة : 260 ) وأقول : كان لقتادة أن يجيب ، ويقول : إنه بعد أن قال : { ~~بلى } قال : { ولاكن ليطمئن قلبى } فطلب مزيد الطمأنينة ، وهذا يدل على أنه ~~لا بد ms4288 من قول إن شاء الله . الثاني : / أنه تعالى ذكر في هذه الآية أن ~~الرجل لا يكون مؤمنا إلا إذا كان موصوفا بالصفات الخمسة ، وهي الخوف من ~~الله ، والإخلاص في دين الله ، والتوكل على الله ، والإتيان بالصلاة ~~والزكاة لوجه الله تعالى . وذكر في أول الآية ما يدل على الحصر ، وهو قوله ~~: { إنما المؤمنون الذين } هم كذا وكذا . وذكر في آخر الآية قوله : { أولئك ~~هم المؤمنون حقا } وهذا أيضا يفيد الحصر ، فلما دلت هذه الآية على هذا ~~المعنى ، ثم إن الإنسان لا يمكنه القطع على نفسه بحصول هذه الصفات الخمس ، ~~لا جرم كان الأولى أن يقول : إن شاء الله . روى أن الحسن سأله رجل وقال : ~~أمؤمن أنت ؟ فقال : الإيمان إيمانان ، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فأنا مؤمن ، وإن كنت تسألني عن قوله : ~~{ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } فوالله لا أدري أمنهم ~~أنا أم لا ؟ الثالث : أن القرآن العظيم دل على أن كل من كان مؤمنا ، كان من ~~أهل الجنة فالقطع بكونه مؤمنا يوجب القطع بكونه من أهل الجنة ، وذلك لا ~~سبيل إليه ، فكذا هذا . ونقل عن الثوري أنه قال : من زعم أنه مؤمن بالله ~~حقا ، ثم لم يشهد بأنه من أهل الجنة ، فقد آمن بنصف الآية . والمقصود أنه ~~كما لا سبيل إلى القطع بأنه من أهل الجنة ، فكذلك لا سبيل إلى القطع بأنه ~~مؤمن . الرابع : أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب وعن المعرفة ، وعلى ~~هذا فالرجل إنما يكون مؤمنا في الحقيقة عند ما يكون هذا التصديق وهذه ~~المعرفة حاصلة في القلب حاضرة في الخاطر ، فأما عند زوال هذا المعنى ، فهو ~~إنما يكون مؤمنا بحسب حكم الله ، أما في نفس الأمر فلا . # إذا عرفت هذا لم يبعد أن يكون المراد بقوله إن شاء الله عائدا إلى ~~استدامة مسمى الإيمان واستحضار معناه أبدا دائما من غير حصول ذهول وغفلة ~~عنه / وهذا المعنى محتمل . الخامس : أن أصحاب الموافاة يقولون : شرط كونه ~~مؤمنا في الحال حصول الموافاة ms4289 على الإيمان ، وهذا الشرط لا يحصل إلا عند ~~الموت ، ويكون مجهولا ، والموقوف على المجهول مجهول . فلهذا السبب حسن أن ~~يقال : أنا مؤمن إن شاء الله . السادس : أن يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ~~عند الموت ، والمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة والعاقبة ، فإن الرجل ~~وإن كان مؤمنا في الحال ، إلا أن بتقدير أن لا يبقى ذلك الإيمان في العاقبة ~~؛ كان وجوده كعدمه ، ولم تحصل فائدة أصلا ، فكان المقصود من ذكر هذا ~~الاستثناء هذا المعنى . السابع : أن ذكر هذه الكلمة لا ينافي حصول الجزم ~~والقطع ، ألا ترى أنه تعالى قال : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين } ( الفتح : 27 ) وهو تعالى منزه ~~عن الشك والريب . فثبت أنه تعالى إنما ذكر ذلك تعليما منه لعباده ، هذا ~~المعنى ، فكذا / ههنا الأولى ذكر هذه الكلمة الدالة على تفويض الأمور إلى ~~الله ، حتى يحصل ببركة هذه الكلمة دوام الإيمان . الثامن : أن جماعة من ~~السلف ذكروا هذه الكلمة ، ورأينا لهم ما يقويه في كتاب الله وهو قوله تعالى ~~: { أولئك هم المؤمنون حقا } وهم المؤمنون في علم الله وفي حكمه ، وذلك يدل ~~على وجود جمع يكونون مؤمنين ، وعلى وجود جمع لا يكونون كذلك . فالمؤمن يقول ~~: إن شاء الله حتى يجعله الله ببركة هذه الكلمة من القسم الأول لا من القسم ~~الثاني . أما القائلون : أنه لا يجوز ذكر هذه الكلمة فقد احتجوا على صحة ~~قولهم بوجوه : الأول : أن المتحرك يجوز أن يقول : أنا متحرك ولا يجوز أن ~~يقول أنا PageV15P099 متحرك إن شاء الله ، وكذا القول في القائم والقاعد ، ~~فكذا ههنا وجب أن يكون المؤمن مؤمنا ، ولا يجوز أن يقول : أنا مؤمن إن شاء ~~الله ، وكما أن خروج الجسم عن كونه متحركا في المستقبل لا يمنع من الحكم ~~عليه بكونه متحركا حال قيام الحركة به فكذلك احتمال زوال الإيمان في ~~المستقبل ، لا يقدح في كونه مؤمنا في الحال . الثاني : أنه تعالى قال : { ~~أولئك هم المؤمنون حقا } فقد حكم تعالى عليهم بكونهم مؤمنين حقا ms4290 فكان قوله ~~إن شاء الله يوجب الشك فيما قطع الله عليه بالحصول وذلك لا يجوز . # والجواب عن الأول : أن الفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمنا ، وبين وصفه ~~بكونه متحركا ، حاصل من الوجوه الكثيرة التي ذكرناها ، وعند حصول الفرق ~~يتعذر الجمع ، وعن الثاني أنه تعالى حكم على الموصوفين بالصفات المذكورة ~~بكونهم مؤمنين حقا ، وذلك الشرط مشكوك فيه ، والشك في الشرط يوجب الشك في ~~المشروط . فهذا يقوي عين مذهبنا . والله أعلم . # الحكم الثاني # من الأحكام التي أثبتها الله تعالى للموصوفين بالصفات الخمسة قوله تعالى ~~: { لهم درجات عند ربهم } والمعنى : لهم مراتب بعضها أعلى من بعض . # واعلم أن الصفات المذكورة قسمان : الثلاثة الأول : هي الصفات القلبية ~~والأحوال الروحانية ، وهي الخوف والإخلاص والتوكل . والاثنتان الأخيرتان ~~هما الأعمال الظاهرة والأخلاق . ولا شك أن لهذه الأعمال والأخلاق تأثيرات ~~في تصفية القلب ، وفي تنويره بالمعارف الإلهية . ولا شك أن المؤثر كلما كان ~~أقوى كانت الآثار أقوى وبالضد ، فلما كانت هذه الأخلاق والأعمال لها درجات ~~ومراتب . كانت المعارف أيضا لها درجات ومراتب ، وذلك هو المراد من قوله : { ~~لهم درجات عند ربهم } والثواب الحاصل في الجنة أيضا مقدر بمقدار هذه ~~الأحوال . فثبت أن مراتب السعادات / الروحانية قبل الموت وبعد الموت ، ~~ومراتب السعادات الحاصلة في الجنة كثيرة ومختلفة ، فلهذا المعنى قال : { ~~لهم درجات عند ربهم } . # فإن قيل : أليس أن المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل وحرمانه ~~عنها ، فإنه يتألم قلبه ، ويتنغص عيشه . وذلك مخل بكون الثواب رزقا كريما ؟ # والجواب : أن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به تمنعه من حصول الحقد ~~والحسد ، وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم . # الحكم الثالث والرابع # أن قوله : { ومغفرة ورزق كريم } المراد من المغفرة أن يتجاوز الله عن ~~سيئاتهم ومن الرزق الكريم نعيم الجنة . قال المتكلمون : أما كونه رزقا ~~كريما فهو إشارة إلى كون تلك المنافع خالصة دائمة مقرونة بالأكرام والتعظيم ~~، ومجموع ذلك هو حد الثواب . وقال العارفون : المراد من المغفرة إزالة ~~الظلمات الحاصلة بسبب الاشتغال بغير الله ، ومن الرزق الكريم ms4291 الأنوار ~~الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفة الله ومحبته . قال الواحدي : قال أهل ~~اللغة : الكريم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن ، والكريم المحمود فيما يحتاج ~~إليه ، والله تعالى موصوف بأنه كريم والقرآن موصوف بأنه كريم . قال تعالى : ~~{ إنى ألقى إلى كتاب كريم } ( النمل : 29 ) وقال : { من كل زوج كريم } ( ~~الشعراء : 7 لقمان : 10 ) وقال : { وندخلكم مدخلا كريما } ( النساء : 31 ) ~~وقال : { وقل لهما قولا كريما } ( الإسراء : 23 ) PageV15P100 فالرزق ~~الكريم هو الشريف الفاضل الحسن . وقال هشام بن عروة : يعني ما أعد الله لهم ~~في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب وهناء العيش ، وأقول يجب ههنا أن نبين أن ~~اللذات الروحانية أكمل من اللذات الجسمانية ، وقد ذكرنا هذا المعنى في هذا ~~الكتاب في مواضع كثيرة وعند هذا يظهر أن الرزق الكريم هو اللذات الروحانية ~~وهي معرفة الله ومحبته والاستغراق في عبوديته . # فإن قال قائل : ظاهر الآية يدل على أن الموصوف بالأمور الخمسة محكوم عليه ~~بالنجاة من العقاب وبالفوز بالثواب ، وذلك يقتضي أن لا تكليف على العبد ~~فيما سوى هذه الخمسة وذلك باطل بإجماع المسلمين ، لأنه لا بد من الصوم ~~والحج وأداء سائر الواجبات . # قلنا : إنه تعالى بدأ بقوله : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } وجميع التكاليف داخل ~~تحت هذين الكلامين ، إلا أنه تعالى خص من الصفات الباطنة التوكل بالذكر على ~~التعيين ، ومن الأعمال الظاهرة الصلاة والزكاة على التعيين ، تنبيها على أن ~~أشرف الأحوال الباطنة ، التوكل وأشرف الأعمال الظاهرة ، الصلاة والزكاة . # ! 7 < { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكرهون * ~~يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } . > 7 ~~@QB@ < # | الأنفال : ( 5 - 6 ) كما أخرجك ربك . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { كما أخرجك ربك } يقتضي تشبيه شيء بهذا ~~الإخراج وذكروا فيه وجوها : الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ~~كثرة المشركين يوم بدر وقلة المسلمين قال : ( من قتل قتيلا فله سلبه ومن ~~أسر أسيرا فله كذا وكذا ms4292 ) ليرغبهم في القتال ، فلما انهزم المشركون قال سعد ~~بن عبادة : يا رسول الله إن جماعة من أصحابك وقومك فدوك بأنفسهم ، ولم ~~يتأخروا عن القتال جبنا ولا بخلا ببذل مهجهم ولكنهم أشفقوا عليك من أن ~~تغتال فمتى أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء فأنزل ~~الله تعالى : { يسألونك عن الانفال قل الانفال لله والرسول } يصنع فيها ما ~~يشاء ، فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهية وأيضا حين ~~خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القتال يوم بدر كانوا كارهين لتلك ~~المقاتلة على ما سنشرح حالة تلك الكراهية ، فلما قال تعالى : { قل الانفال ~~لله والرسول } كان التقدير أنهم رضوا بهذا الحكم في الأنفال وإن كانوا ~~كارهين له كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى القتال وإن كانوا كارهين له ~~وهذا الوجه أحسن الوجوه المذكورة هنا . الثاني : أن يكون التقدير ثبت الحكم ~~بأن الأنفال لله ، وإن كرهوه كما ثبت حكم الله بإخراجك إلى القتال وإن ~~كرهوه . الثالث : لما قال : { أولئك هم المؤمنون حقا } كان التقدير : أن ~~الحكم بكونهم مؤمنين حق ، كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك للقتال حق . ~~الرابع : قال الكسائي : ( الكاف ) متعلق بما بعده ، وهو قوله : { يجادلونك ~~في الحق } والتقدير { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } PageV15P101 على كره ~~فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه . والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { من بيتك } يريد بيته بالمدينة أو المدينة ~~نفسها ، لأنها موضع هجرته / وسكناه بالحق ، أي إخراجا متلبسا بالحكمة ~~والصواب { وإن فريقا من المؤمنين لكرهون } في محل الحال ، أي أخرجك في حال ~~كراهيتهم . روي أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها أموال كثيرة ومعها أربعون ~~راكبا منهم أبو سفيان ، وعمرو بن العاص ، وأقوام آخرون ، فأخبر جبريل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير ~~، وقلة القوم ، فلما أزمعوا وخرجوا ، بلغ أهل مكة خبر خروجهم ، فنادى أبو ~~جهل فوق الكعبة : يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلولا إن ms4293 أخذ محمد ~~عيركم لن تفلحوا أبدا ، وقد رأت أخت العباس بن عبد المطلب رؤيا ، فقالت ~~لأخيها : إني رأيت عجبا رأيت كأن ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ، ~~ثم حلق بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة . فحدث ~~بها العباس . فقال أبو جهل : ما ترضى رجالهم بالنبوة حتى ادعى نساؤهم ~~النبوة ا فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير ، وفي المثل السائر لا في ~~العير ولا في النفير فقيل له : العير أخذت طريق الساحل ونجت ، فارجع إلى ~~مكة بالناس . فقال : لا والله لا يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزور ونشرب ~~الخمور ، وتغني القينات والمعازف ببدر فتتسامع جميع العرب بخروجنا ، وإن ~~محمدا لم يصب العير فمضى إلى بدر بالقوم . وبدر كانت العرب تجتمع فيه ~~لسوقهم يوما في السنة / فنزل جبريل وقال : يا محمد إن الله وعدكم إحدى ~~الطائفتين ، إما العير وإما النفير من قريش ، واستشار النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه فقال : ( ما تقولون إن القوم خرجوا من مكة على كل صعب وذلول . ~~فالعير أحب إليكم أم النفير ؟ قالوا بل العير أحب إلينا من لقاء العدو . ~~فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن العير قد مضت على ساحل ~~البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو ، ~~فقام عند غضب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر فأحسنا ، ثم قام سعد ~~بن عبادة فقال امض إلى ما أمرك الله به فإنا معك حيثما أردت . فوالله لو ~~سرت إلى عدن لما تخلف عنك رجل من الأنصار . ثم قال المقداد بن عمرو : يا ~~رسول الله امض إلى ما أمرك الله به ، فإنا معك حيثما أردت ، لا نقول لك كما ~~قالت بنو إسرائيل لموسى : { اذهب أنت * وربك فقاتلا إنا هاهنا * قاعدون } ( ~~المائدة : 24 ) ولكنا نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما ~~دامت منا عين تطرف . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( سيروا ms4294 ~~على بركة الله والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ) ، ولما فرغ رسول الله من ~~بدر ، قال بعضهم : عليك بالعير . فناداه العباس وهو في وثاقه ، لا يصلح ، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لم ؟ قال : لأن الله وعدك إحدى الطائفتين ~~، وقد أعطاك ما وعدك . # / إذا عرفت هذه القصة فنقول : كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لا لكلهم ~~، بدليل قوله تعالى : { وإن فريقا من المؤمنين لكرهون } والحق الذي جادلوا ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى النفير لإيثارهم العير . وقوله : { ~~بعد ما تبين } المراد منه : إعلام رسول الله بأنهم ينصرون . وجدالهم قولهم ~~: ما كان خروجنا إلا للعير ، وهلا قلت لنا ؟ لنستعد ونتأهب للقتال ، وذلك ~~لأنهم كانوا يكرهون القتال ، ثم إنه تعالى شبه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم ~~بحال من يجر إلى القتل ويساق إلى الموت ، وهو شاهد لأسبابه ناظر إلى ~~موجباته ، وبالجملة فقوله : { وهم ينظرون } كناية عن الجزم والقطع . ومنه ~~قوله عليه السلام : ( من نفى ابنه وهو ينطر إليه ) أي يعلم أنه ابنه . ~~وقوله تعالى : { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } ( النبأ : 40 ) أي يعلم . ~~PageV15P102 # واعلم أنه كان خوفهم لأمور : أحدها : قلة العدد . وثانيها : أنهم كانوا ~~رجالة . روي أنه ما كان فيهم إلا فارسان . وثالثها : قلة السلاح . # المسألة الثالثة : روي أنه صلى الله عليه وسلم إنما خرج من بيته باختيار ~~نفسه ، ثم إنه تعالى أضاف ذلك الخروج إلى نفسه فقال : { كما أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق } وهذا يدل على أن فعل العبد بخلق الله تعالى إما ابتداء أو ~~بواسطة القدرة والداعية اللذين مجموعهما يوجب الفعل كما هو قولنا . قال ~~القاضي معناه : أنه حصل ذلك الخروج بأمر الله تعالى وإلزامه ، فأضيف إليه . # قلنا : لا شك أن ما ذكرتموه مجاز ، والأصل حمل الكلام على حقيقته . # ! 7 < { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ~~ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 7 - 8 ) وإذ يعدكم الله . . . . . # > > # اعلم ms4295 أن قوله : { إذ } منصوب بإضمار اذكر أنها لكم بدل من إحدى الطائفتين ~~. قال الفراء / والزجاج : ومثله قوله تعالى : { هل * ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة } ( الزخرف : 66 ) { وأن } في موضع نصب كما نصب الساعة ، وقوله ~~أيضا : { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن } ( الفتح : 25 ) { ~~حميم ءان } في موضع رفع بلولا . والطائفتان : العير والنفير : وغير ذات ~~الشوكة . العير . لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا والشوكة كانت في ~~النفير لعددهم وعدتهم . والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك ، ويقال شوك ~~القنا لسنانها ، ومنه قولهم شاكي السلاح . أي تتمنون أن يكون لكم العير ~~لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدة ، ولا تريدون الطائفة الأخرى ولكن ~~الله أراد التوجه إلى الطائفة الأخرى ليحق الحق بكلماته ، وفيه سؤالات : # السؤال الأول : أليس أن قوله : { يريد الله أن * يحق الحق بكلماته } ثم ~~قوله بعد ذلك : { ليحق الحق } تكرير محض ؟ # والجواب : ليس ههنا تكرير لأن المراد بالأول سبب ما وعد به في هذه ~~الواقعة من النصر والظفر بالأعداء ، والمراد بالثاني تقوية القرآن والدين ~~ونصرة هذه الشريعة ، لأن الذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببا ~~لعزة الدين وقوته ، ولهذا السبب قرنه بقوله : { ويبطل الباطل } الذي هو ~~الشرك ، ولك في مقابلة { الحق } الذي هو الدين والإيمان . # السؤال الثاني : الحق حق لذاته ، والباطل باطل لذاته ، وما ثبت للشيء ~~لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل وفعل فاعل فما المراد من تحقيق الحق ~~وإبطال الباطل ؟ PageV15P103 # والجواب : المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل ، بإظهار كون ذلك الحق حقا ~~، وإظهار كون ذلك الباطل باطلا ، وذلك تارة يكون بإظهار الدلائل والبينات ، ~~وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤوساء الباطل . # واعلم أن أصحابنا تمسكوا في مسألة خلق الأفعال بقوله تعالى : { ليحق الحق ~~} قالوا وجب حمله على أنه يوجد الحق ويكونه ، والحق ليس إلا الدين ~~والاعتقاد ، فدل هذا على أن الإعتقاد الحق لا يحصل إلا بتكوين الله تعالى . ~~قالوا : ولا يمكن حمل تحقيق الحق على إظهار آثاره لأن ذلك الظهور حصل بفعل ~~العباد ، فامتنع ms4296 أيضا إضافة ذلك الإظهار إلى الله تعالى ، ولا يمكن أن يقال ~~المراد من إظهاره وضع الدلائل عليها ، لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى ~~الكافر وإلى المسلم . وقبل هذه الواقعة ، وبعدها فلا يحصل لتخصيص هذه ~~الواقعة بهذا المعنى فائدة أصلا . # واعلم أن المعتزلة أيضا تمسكوا بعين هذه الآية على صحة مذهبهم . فقالوا ~~هذه الآية تدل على أنه / لا يريد تحقيق الباطل وإبطال الحق البتة ، بل إنه ~~تعالى أبدا يريد تحقيق الحق وإبطال الباطل ، وذلك يبطل قول من يقول إنه لا ~~باطل ولا كفر إلا والله تعالى مريد له . # وأجاب أصحابنا بأنه ثبت في أصول الفقه أن المفرد المحلى بالألف واللام ~~ينصرف إلى المعهود السابق فهذه الآية دلت على أنه تعالى أراد تحقيق الحق ~~وإبطال الباطل في هذه الصورة ، فلم قلتم إن الأمر كذلك في جميع الصور ؟ بل ~~قد بينا بالدليل أن هذه الآية تدل على صحة قولنا . # أما قوله : { ويقطع دابر الكافرين } فالدابر الآخر فاعل من دبر إذا أدبر ~~، ومنه دابرة الطائر وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال ، والمراد أنكم تريدون ~~العير للفوز بالمال ، والله تعالى يريد أن تتوجهوا إلى النفير ، لما فيه من ~~إعلاء الدين الحق واستئصال الكافرين . # ! 7 < { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ~~* وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن ~~الله عزيز حكيم } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 9 - 10 ) إذ تستغيثون ربكم . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه يحق الحق ويبطل الباطل ، بين ~~أنه تعالى نصرهم عند الاستغاثة ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : يجوز أن يكون العامل في { إذ } هو قوله : { ويبطل ~~الباطل } فتكون الآية متصلة بما قبلها ، ويجوز أن تكون الآية مستأنفة على ~~تقدير واذكروا إذ تستغيثون . # المسألة الثانية : في قوله : { إذ تستغيثون } قولان : # القول الأول : أن هذه الاستغاثة كانت من الرسول عليه السلام . قال ابن ~~عباس : حدثني عمر بن الخطاب قال : لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى المشركين ms4297 وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلثمائة PageV15P104 ونيف ~~، استقبل القبلة ومد يده وهو يقول : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن ~~تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ) ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه ورده أبو ~~بكر ثم التزمه ثم قال : كفاك يا نبي الله مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما ~~وعدك ، فنزلت هذه الآية ولما اصطفت / القوم قال أبو جهل : اللهم أولانا ~~بالحق فانصره ورفع رسول الله يده بالدعاء المذكور . # القول الثاني : أن هذه الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين لأن الوجه الذي ~~لأجله أقدم الرسول على الاستغاثة كان حاصلا فيهم ، بل خوفهم كان أشد من خوف ~~الرسول ، فالأقرب أنه دعا عليه السلام وتضرع على ما روي ، والقوم كانوا ~~يؤمنون على دعائه تابعين له في الدعاء في أنفسهم فنقل دعاء رسول الله لأنه ~~رفع بذلك الدعاء صوته ، ولم ينقل دعاء القوم ، فهذا هو طريق الجمع بين ~~الروايات المختلفة في هذا الباب . # المسألة الثالثة : قوله : { إذ تستغيثون } أي تطلبون الإغاثة يقول الواقع ~~في بلية أغثني أي فرج عني . # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم الاستغاثة بين أنه تعالى إجابهم . وقال : { ~~أني ممدكم بألف من الملئكة مردفين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { أني ممدكم } أصله بأني ممدكم ، فحذف الجار ~~وسلط عليه استجاب ، فنصب محله ، وعن أبي عمرو : أنه قرأ { أني ممدكم } ~~بالكسر على إرادة القول أو على إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من ~~القول . # المسألة الثانية : قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم { مردفين } بفتح الدال ~~والباقون بكسرها . قال الفراء : { مردفين } أي متتابعين يأتي بعضهم في أثر ~~بعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب و { مردفين } أي فعل بهم ذلك ، ومعناه ~~أنه تعالى أردف المسلمين وأيدهم بهم . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن الملائكة هل قاتلوا يوم بدر ؟ فقال قوم ~~نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر ، ~~وميكائيل في خمسمائة على الميسرة ، وفيها علي بن أبي طالب في صورة الرجال ~~عليهم ثيابهم بيض وقاتلوا . وقيل قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا ms4298 يوم الأحزاب ~~ويوم حنين ، وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود : من أين كان الصوت الذي كنا ~~نسمع ولا نرى شخصا قال هو من الملائكة فقال أبو جهل : هم غلبونا لا أنتم ، ~~وروى أن رجلا من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ~~ضربة بالصوت فوقه فنظر إلى المشرك وقد خر مستلقيا وقد شق وجهه فحدث ~~الأنصاري رسول الله فقال صدقت . ذاك من مدد السماء ، وقال آخرون : لم ~~يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين / وإلا فملك واحد كاف ~~في إهلاك الدنيا كلها فإن جبريل أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط وأهلك ~~بلاد ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة ، والكلام في كيفية هذا الإمداد مذكور في ~~سورة آل عمران بالاستقصاء / والذي يدل على صحة أن الملائكة ما نزلوا للقتال ~~قوله تعالى : { وما جعله الله إلا بشرى } قال الفراء : الضمير عائد إلى ~~الأرداف والتقدير : ما جعل الله الأرداف إلا بشرى . وقال الزجاج : ما جعل ~~الله المردفين إلا بشرى ، وهذا أولى لأن الأمداد بالملائكة حصل بالبشرى . ~~قال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر في العريش قاعدا ~~يدعو ، وكان أبو بكر قاعدا عن يمينه ليس معه غيره ، فخفق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من نفسه نعسا ، ثم ضرب PageV15P105 بيمينه على فخذ أبي بكر ~~وقال : ( أبشر بنصر الله ولقد رأيت في منامي جبريل يقدم الخيل ) وهذا يدل ~~على أنه لا غرض من إنزالهم إلا حصول هذه البشرى ، وذلك ينفي إقدامهم على ~~القتال . # ثم قال تعالى : { وما النصر إلا من عند الله } والمقصود التنبيه على أن ~~الملائكة وإن كانوا قد نزلوا في موافقة المؤمنين ، إلا أن الواجب على ~~المؤمن أن لا يعتمد على ذلك بل يجب أن يكون اعتماده على إغاثة الله ونصره ~~وهدايته وكفايته لأجل أن الله هو العزيز الغالب الذي لا يغلب ، والقاهر ~~الذي لا يقهر ، والحكيم فيما ينزل من النصرة فيضعها في موضعها . # ! 7 < { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم ms4299 من السمآء مآء ليطهركم به ~~ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الا قدام * إذ يوحى ربك ~~إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ءامنوا سألقى في قلوب الذين كفروا ~~الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان * ذالك بأنهم شآقوا الله ~~ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 11 - 13 ) إذ يغشيكم النعاس . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الزجاج : { إذ } موضعها نصب على معنى { وما جعله ~~الله إلا بشرى } ( آل عمران : 126 ) / في ذلك الوقت . ويجوز أيضا أن يكون ~~التقدير : اذكروا إذ يغشيكم النعاس أمنة . # المسألة الثانية : في { * يغشاكم } ثلاث قراآت : الأولى : قرأ نافع بضم ~~الياء ، وسكون الغين ، وتخفيف الشين { يغشيكم النعاس } بالنصب . الثانية : ~~{ * يغشاكم } بالألف وفتح الياء وسكون العين { يغشيكم النعاس } بالرفع وهي ~~قراءة أبي عمرو وابن كثير . الثالثة : قرأ الباقون { يغشيكم } بتشديد الشين ~~وضم الياء من التغشية { النعاس } بالنصب ، أي يلبسكم النوم . قال الواحدي : ~~القراءة الأولى من أغشى ، والثانية من غشي ، والثالثة من غشي فمن قرأ { * ~~يغشاكم } فحجته قوله : { الغم أمنة نعاسا } يعني : فكما أسند الفعل هناك ~~إلى النعاس والأمنة التي هي سبب النعاس كذلك في هذه الآية ومن قرأ { يغشيكم ~~} أو { يغشيكم } فالمعنى واحد وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى : { ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون } ( يس : 9 ) وقال : { فغشاها ما غشى } ( النجم : ~~54 ) وقال : { كأنما أغشيت وجوههم } وعلى هذا فالفعل مسند إلى الله . # المسألة الثالثة : أنه تعالى لما ذكر أنه استجاب دعاءهم ووعدهم بالنصر ~~فقال : { وما النصر إلا من عند الله } ذكر عقيبه وجوه النصر وهي ستة أنواع ~~: الأول : قوله : { إذ * يغشيكم النعاس أمنة منه } أي من قبل الله ، ~~PageV15P106 واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى ~~فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لا بد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه ~~وجوها : أحدها : أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله ~~فإنه لا يؤخذه النوم ، وإذا نام الخائفون أمنوا ، فصار حصول النوم ms4300 لهم في ~~وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن . وثانيها : أنهم خافوا ~~من جهات كثيرة . أحدها : قلة المسلمين وكثرة الكفار . وثانيها : الأهبة ~~والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين . وثالثها : العطش الشديد فلولا ~~حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما ~~تم الظفر . # والوجه الثالث : في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم ، أنهم ما ناموا ~~نوما غرقا يتمكن العدو من معاقصتهم بل كان ذلك نعاسا يحصل لهم زوال الأعياء ~~والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه ~~. # والوجه الرابع : أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم ، وحصول ~~النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة . فلهذا السبب قيل : ~~إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز . # فإن قيل : فإن كان الأمر كما ذكرتم فلو خافوا بعد ذلك النعاس ؟ # قلنا : لأن المعلوم أن الله تعالى يجعل جند الإسلام مظفرا منصورا وذلك لا ~~يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين . # فإن قيل : إذا قرىء { يغشيكم } بالتخفيف والتشديد ونصب { النعاس } ~~فالمضير لله عز وجل { * وأمنة } / مفعول له . أما إذا قرىء { يغشيكم النعاس ~~} فكيف يمكن جعل قوله : { ءامنة } مفعولا له ، مع أن المفعول له يجب أن ~~يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل ؟ # قلنا : قوله : { * يغشاكم } وإن كان في الظاهر مسندا إلى النعاس ، إلا ~~أنه في الحقيقة مسند إلى الله تعالى ، فصح هذا التعليل نظرا إلى المعنى . ~~قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { كانت ءامنة } بسكون الميم ، ونظير أمن أمنة ~~، حي حياة ، ونظير أمن أمنة ، رحم رحمة . قال ابن عباس : النعاس في القتال ~~أمنة من الله ، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان . # النوع الثاني : من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله ~~تعالى : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان } ~~ولا شبهة أن المراد منه المطر ، وفي الخبر أن القوم سبقوا إلى موضع الماء ، ~~واستولوا عليه ، وطمعوا لهذا السبب أن تكون لهم الغلبة ، وعطش المؤمنون ~~وخافوا ، وأعوزهم الماء للشرب والطهارة ، وأكثرهم احتلموا ms4301 وأجنبوا ، وانضاف ~~إلى ذلك أن ذلك الموضع كان رملا تغوص فيه الأرجل ويرتفع منه الغبار الكثير ~~، وكان الخوف حاصلا في قلوبهم ، بسبب كثرة العدو وسبب كثرة آلاتهم وأدواتهم ~~، فلما أنزل الله تعالى ذلك المطر صار ذلك دليلا على حصول النصرة والظفر ، ~~وعظمت النعمة به من جهات : أحدها : زوال العطش ، فقد روي أنهم حفروا موضعا ~~في الرمل ، فصار كالحوض الكبير ، واجتمع فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا ~~وتزودوا . وثانيها : أنهم اغتسلوا من ذلك الماء ، وزالت الجنابة عنهم ، وقد ~~علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبا ، ويغتم إذا لم يتمكن ~~من الاغتسال ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جرم عد تعالى وتقدس تمكينهم من ~~الطهارة من جملة نعمه . PageV15P107 وثالثها : أنهم لما عطشوا ولم يجدوا ~~الماء ثم ناموا واحتلموا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إن المطر نزل فزالت ~~عنهم تلك البلية والمحنة وحصل المقصود . وفي هذه الحالة ما قد يستدل به على ~~زوال العسر وحصول اليسر والمسرة . # أما قوله : { ويذهب عنكم رجز الشيطان } ففيه وجوه : الأول : أن المراد ~~منه الاحتلام لأن ذلك من وساوس الشيطان . الثاني : أن الكفار لما نزلوا على ~~الماء ، وسوس الشيطان إليهم وخوفهم من الهلاك ، فلما نزل المطر زالت تلك ~~الوسوسة ، روى أنهم لما ناموا واحتلم أكثرهم ، تمثل لهم إبليس وقال أنتم ~~تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة ، وقد عطشتم ولو كنتم على ~~الحق لما غلبوكم على الماء فأنزل الله تعالى المطر حتى جرى الوادي واتخذ ~~المسلمون حياضا واغتسلوا وتلبد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام . الثالث : أن ~~المراد من رجز الشيطان سائر ما يدعو الشيطان إليه من معصية وفساد . # / فإن قيل : فأي هذه الوجوه الثلاثة أولى ؟ # قلنا : قوله : { ليطهركم } معناه ليزيل الجنابة عنكم ، فلو حملنا قوله : ~~{ ويذهب عنكم رجز الشيطان } على الجنابة لزم منه التكرير وأنه خلاف الأصل ، ~~ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد من قوله : { ليطهركم } حصول الطهارة ~~الشرعية . والمراد من قوله : { ويذهب عنكم رجز الشيطان } إزالة جوهر المني ~~عن أعضائهم فإنه شيء مستخبث ms4302 ، ثم تقول : حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى ~~من حمله على إزالة الوسوسة وذلك لأن تأثير الماء في إزالة العين عن العضو ~~تأثير حقيقي أما تأثيره في إزالة الوسوسة عن القلب فتأثير مجازي وحمل اللفظ ~~على الحقيقة أولى من حمله على المجاز ، واعلم أنا إذا حملنا الآية على هذا ~~الوجه لزم القطع بأن المني رجز الشيطان / وذلك يوجب الحكم بكونه نجسا مطلقا ~~لقوله تعالى : { والرجز فاهجر } ( المدثر : 5 ) . # النوع الثالث : من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وليربط ~~على قلوبكم } والمراد أن بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوف ~~والفزع عنهم ، ومعنى الربط في اللغة الشد ، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى : ~~{ ورابطوا } ( آل عمران : 200 ) ويقال لكل من صبر على أمر ، ربط قلبه عليه ~~كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب يقال : رجل رابط أي حابس . قال الواحدي : ويشبه ~~أن يكون { على } ههنا صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما وقع من تفسيره ~~يشبه أن لا يكون صلة لأن كلمة { على } تفيد الاستعلاء . فالمعنى أن القلوب ~~امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها . # والنوع الرابع : من النعم المذكورة ههنا قوله تعالى : { ويثبت به الاقدام ~~} وذكروا فيه وجوها : أحدها : أن ذلك المطر لبد ذلك الرمل وصيره بحيث لا ~~تغوص أرجلهم فيه ، فقدروا على المشي عليه كيف أرادوا ، ولولا هذا المطر لما ~~قدروا عليه ، وعلى هذا التقدير ، فالضمير في قوله : { به } عائد إلى المطر ~~. وثانيها : أن المراد أن ربط قلوبهم أوجب ثبات أقدامهم ، لأن من كان قلبه ~~ضعيفا فر ولم يقف ، فلما قوى الله تعالى قلوبهم لا جرم ثبت أقدامهم ، وعلى ~~هذا التقدير فالضمير في قوله : { به } عائد إلى الربط . وثالثها : روى أنه ~~لما نزل المطر حصل للكافرين ضد ما حصل للمؤمنين ، وذلك لأن الموضع الذي نزل ~~الكفار فيه كان موضع التراب والوحل ، فلما نزل المطر عظم الوحل ، فصار ذلك ~~مانعا لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله : { ويثبت به الاقدام } يدل دلالة ~~المفهوم على أن حال الأعداء كانت ms4303 بخلاف ذلك . PageV15P108 # النوع الخامس : من النعم المذكورة ههنا قوله : { إذ يوحى ربك إلى الملئكة ~~أني معكم } وفيه بحثان : الأول : قال الزجاج : { إذ } في موضع نصب ، ~~والتقدير : وليربط على قلوبكم ويثبت به / الأقدام حال ما يوحي إلى الملائكة ~~بكذا وكذا ، ويجوز أيضا أن يكون على تقدير اذكروا . الثاني : قوله : { إنى ~~معكم } فيه وجهان : الأول : أن يكون المراد أنه تعالى أوحى إلى الملائكة ~~بأنه تعالى معهم أي مع الملائكة حال ما أرسلهم ردأ للمسلمين . والثاني : أن ~~يكون المراد أنه تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم وثبتوهم ~~، وهذا الثاني أولى لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما ~~كانوا يخافون الكفار ، وإنما الخائف هم المسلمون . # ثم قال : { فثبتوا الذين ءامنوا } واختلفوا في كيفية هذا التثبيت على ~~وجوه : الأول : أنهم عرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله ناصر ~~المؤمنين والرسول عرف المؤمنين ذلك ، فهذا هو التثبيت والثاني : أن الشيطان ~~كما يمكنه إلقاء الوسوسة إلى الإنسان ، فكذلك الملك يمكنه إلقاء الإلهام ~~إليه فهذا هو التثبيت في هذا الباب . والثالث : أن الملائكة كانوا يتشبهون ~~بصور رجال من معارفهم وكانوا يمدونهم بالنصر والفتح والظفر . # والنوع السادس : من النعم المذكورة في هذه الآية قوله : { سألقى في قلوب ~~الذين كفروا الرعب } وهذا من النعم الجليلة ، وذلك لأن أمر النفس هو القلب ~~فلما بين الله تعالى أنه ربط قلوب المؤمنين بمعنى أنه قواها وأزال الخوف ~~عنها ذكر أنه ألقى الرعب والخوف في قلوب الكافرين فكان ذلك من أعظم نعم ~~الله تعالى على المؤمنين . # أما قوله تعالى : { فاضربوا فوق الاعناق } ففيه وجهان : الأول : أنه أمر ~~للملائكة متصل بقوله تعالى : { فثبتوا } وقيل : بل أمر للمؤمنين وهذا هو ~~الأصح لما بينا أنه تعالى ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة / ~~واعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في حق المسلمين جميع موجبات النصر والظفر ~~، فعند هذا أمرهم بمحاربتهم ، وفي قوله : { فاضربوا فوق الاعناق } قولان : ~~الأول : أن ما فوق العنق هو الرأس ، فكان هذا أمرا بإزالة الرأس عن الجسد . ~~والثاني : أن ms4304 قوله : { فاضربوا فوق الاعناق } أي فاضربوا الأعناق . # ثم قال : { واضربوا منهم كل بنان } يعني الأطراف من اليدين والرجلين ، ثم ~~اختلفوا فمنهم من قال المراد أن يضربوهم كما شاؤوا ، لأن ما فوق العنق هو ~~الرأس ، وهو أشرف الأعضاء ، والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء ، فذكر الأشرف ~~والأخس تنبيها على كل الأعضاء ، ومنهم من قال : بل المراد إما القتل ، وهو ~~ضرب ما فوق الأعناق أو قطع البنان ، لأن الأصابع هي الآلات في أخذ السيوف ~~والرماح وسائر الأسلحة ، فإذا قطع بنانهم عجزوا عن المحاربة . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه الكثيرة من النعم على المسلمين . قال ~~: { ذالك بأنهم شاقوا الله ورسوله } والمعنى : أنه تعالى ألقاهم في الخزي ~~والنكال من هذه الوجوه الكثيرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله . قال الزجاج : ~~{ شاقوا } جانبوا ، وصاروا في شق غير شق المؤمنين ، والشق الجانب { وشاقوا ~~* الله } مجاز ، والمعنى : شاقوا أولياء الله ، ودين الله . # ثم قال : { ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } يعني أن هذا ~~الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء قليل مما أعده الله لهم من العقاب في ~~القيامة ، والمقصود منه الزجر عن الكفر والتهديد عليه . # PageV15P109 ! 7 < { ذالكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار } . > 7 @QB@ ~~< # | الأنفال : ( 14 ) ذلكم فذوقوه وأن . . . . . # > > # وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال الزجاج : { ذالكم } رفع لكونه خبر لمبتدأ محذوف ، ~~والتقدير : الأمر ذلكم فذوقوه ، ولا يجوز أن يكون { ذالكم } ابتداء ، وقوله ~~: { فذوقوه } خبر ، لأن ما بعد الفاء لا يكون خبرا للمبتدأ ، إلا أن يكون ~~المبتدأ اسما موصولا أو نكرة موصوفة ، نحو : الذي يأتيني فله درهم ، وكل ~~رجل في الدار فمكرم . أما أن يقال : زيد فمنطلق ، فلا يجوز إلا أن نجعل ~~زيدا خبرا لمبتدأ محذوف ، والتقدير : هذا زيد فمنطلق ، أي فهو منطلق . # المسألة الثانية : أنه تعالى لما بين أن من يشاقق الله ورسوله فإن الله ~~شديد العقاب ، بين من بعد ذلك صفة عقابه ، وأنه قد يكون معجلا في الدنيا ، ~~وقد يكون مؤجلا في الآخرة ، ونبه بقوله : { ذالكم فذوقوه } وهو المعجل من ~~القتل والأسر على أن ms4305 ذلك يسير بالإضافة إلى المؤجل لهم في الآخرة ، فلذلك ~~سماه ذوقا ، لأن الذوق لا يكون إلا تعرف طعم اليسير ليعرف به حال الكثير ، ~~فعاجل ما حصل لهم من الآلام في الدنيا كالذوق القليل بالنسبة إلى الأمر ~~العظيم المعد لهم في الآخرة ، وقوله : { فذوقوه } يدل على أن الذوق يحصل ~~بطريق آخر سوى إدراك الطعوم المخصوصة ، وهي كقوله تعالى : { ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) وكان عليه السلام يقول : ( أبيت عند ربي ~~يطعمني ويسقيني ) فهذا يدل على إثبات الذوق والأكل والشرب بطريق روحاني ~~مغاير للطريق الجسماني . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد ~~بآء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 15 - 16 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الأزهري : أصل الزحف للصبي ، وهو أن يزحف على أسته ~~قبل أن يقوم ، وشبه بزحف الصبي مشي الطائفتين اللتين تذهب كل واحدة منهما ~~إلى صاحبتها للقتال ، فيمشي كل فئة مشيا رويدا إلى الفئة الأخرى قبل ~~التداني للضراب . قال ثعلب : الزحف المشي قليلا قليلا إلى الشيء ، ومنه ~~الزحاف في الشعر يسقط مما بين حرفين . حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر . ~~PageV15P110 # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { إذا لقيتم الذين كفروا زحفا } أي متزاحفين ~~نصب على الحال ، ويجوز أن يكون حالا للكفار ، ويجوز أن يكون حالا للمخاطبين ~~وهم المؤمنون ، والزحف مصدر موصوف به كالعدل والرضا ، ولذلك لم يجمع ، ~~والمعنى : إذا ذهبتم إليهم للقتال ، فلا تنهزموا ، ومعنى { فلا تولوهم ~~الادبار } أي لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم . ثم إنه تعالى لما نهى عن هذا ~~الانهزام بين أن هذا الانهزام محرم إلا في حالتين : إحداهما : أن يكون ~~متحرفا للقتال ، والمراد منه أن يخيل إلى عدوه أنه منهزم . ثم ينعطف عليه ، ~~وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها ، يقال : تحرف وانحرف إذا زال عن جهة ~~الاستواء . والثانية : قوله : { أو متحيزا إلى فئة } قال أبو عبيدة : ~~التحيز التنحي وفيه لغتان : التحيز ms4306 والتحوز . قال الواحدي : وأصل هذا الحوز ~~، وهو الجمع . يقال : حزته فانحاز وتحوز وتحيز إذا انضم واجتمع ، ثم سمى ~~التنحي تحيزا ، لأن المتنحى عن جانب ينفصل عنه ويميل إلى غيره . # إذا عرفت هذا فنقول : الفئة الجماعة ، فإذا كان هذا المتحيز كالمنفرد ، ~~وفي الكفار كثرة ، وغلب على ظن ذلك المنفرد أنه إن ثبت قتل من غير فائدة ، ~~وإن تحيز إلى جمع كان راجيا للخلاص ، وطامعا في العدو بالكثرة ، فربما وجب ~~عليه التحيز إلى هذه الفئة فضلا عن أن يكون ذلك جائزا / والحاصل أن ~~الانهزام من العدو حرام إلا في هاتين الحالتين . # ثم إنه تعالى قال : { ومن يولهم يومئذ دبره } إلا في هاتين الحالتين ، ~~فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير . # المسألة الثانية : احتج القاضي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق من أهل ~~الصلاة ، وذلك لأن الآية دلت على أن من انهزم إلا في هاتين الحالتين استوجب ~~غضب الله ونار جهنم . قال وليس للمرجئة أن يحملوا هذه الآية على الكفار دون ~~أهل الصلاة ، كصنعهم في سائر آيات الوعيد ، لأن هذا الوعيد مختص بأهل ~~الصلاة . # واعلم أن هذه المسألة قد ذكرناها على الاستقصاء في سورة البقرة ، وذكرنا ~~أن الاستدلال بهذه الظواهر لا يفيد إلا الظن ، وقد ذكرنا أيضا أنها معارضة ~~بعمومات الوعد ، وذكرنا أن الترجيح بجانب عمومات الوعد من الوجوه الكثيرة ، ~~فلا فائدة في الإعادة . # المسألة الثالثة : اختلف المفسرون في أن هذا الحكم هل هو مختص بيوم بدر ~~أو هو حاصل على الإطلاق ، فنقل عن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك ~~أن هذا الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر ، قالوا : والسبب في اختصاص يوم ~~بدر بهذا الحكم أمور : أحدها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاضرا ~~يوم بدر ومع حضوره لا يعد غيره فيه ، أما لأجل أنه لا يساوي به سائر الفئات ~~. بل هو أشرف وأعلى من الكل ، وأما لأجل أن الله تعالى وعده بالنصر والظفر ~~فلم يكن لهم التحيز إلى فئة أخرى . وثانيها : أنه تعالى شدد الأمر على ms4307 أهل ~~بدر ، لأنه كان أول الجهاد ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه ، لزم منه الخلل ~~العظيم ، فلهذا وجب عليهم التشدد والمبالغة ، ولهذا السبب منع الله في ذلك ~~اليوم من أخذ الفداء من الأسرى . # والقول الثاني : أن الحكم المذكور في هذه الآية كان عاما في جميع الحروب ~~، بدليل أن قوله تعالى : PageV15P111 { النار يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا } عام فيتناول جميع السور ، أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة ~~بدر ، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . # المسألة الرابعة : اختلفوا في أن جواز التحيز إلى فئة هل يحظر إذا كان ~~العسكر عظيما أو إنما يثبت إذا كان في العسكر خفة ؟ قال بعضهم : إذا عظم ~~العسكر فليس لهم هذا التحيز . وقال بعضهم : بل الكل سواء ، وهذا أليق ~~بالظاهر لأنه لم يفصل . # ! 7 < { فلم تقتلوهم ولاكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولاكن الله رمى ~~وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم } . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 17 ) فلم تقتلوهم ولكن . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال مجاهد : اختلفوا يوم بدر . فقال : هذا أنا قتلت . ~~وقال الآخر أنا قتلت فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني أن هذه الكسرة ~~الكبيرة لم تحصل منكم ، وإنما حصلت بمعونة الله روي أنه لما طلعت قريش قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه قريش ، قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون ~~رسولك ( اللهم إني أسألك ما وعدتني ) فنزل جبريل وقال : خذ قبضة من تراب ~~فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان قال لعلي أعطني قبضة من التراب من حصباء ~~الوادي ، فرمى بها في وجوههم ، وقال شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلا شغل ~~بعينه فانهزموا . قال صاحب ( الكشاف ) والفاء في قوله : { فلم تقتلوهم } ~~جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ~~. # ثم قال : { وما رميت إذ رميت ولاكن الله رمى } يعني أن القبضة من الحصباء ~~التي رميتها ، فأنت ما رميتها في الحقيقة ، لأن رميك لا يبلغ أثره إلا ما ~~يبلغه رمي سائر البشر ، ولكن الله رماها حيث نفذ ms4308 أجزاء ذلك التراب وأوصلها ~~إلى عيونهم ، فصورة الرمية صدرت من الرسول عليه الصلاة والسلام وأثرها إنما ~~صدر من الله ، فلهذا المعنى صح فيه النفي والإثبات . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة ~~لله عالى ، وجه الاستدلال أنه تعالى قال : { فلم تقتلوهم ولاكن الله قتلهم ~~} ومن المعلوم أنهم جرحوا ، فدل هذا على أن حدوث تلك الأفعال إنما حصل من ~~الله . وأيضا قوله : { وما رميت إذ رميت } أثبت كونه عليه السلام راميا ، ~~ونفى عنه كونه راميا ، فوجب حمله على أنه رماه كسبا وما رماه خلقا . # فأن قيل : أما قوله : { فلم تقتلوهم ولاكن الله قتلهم } فيه وجوه : الأول ~~: أن قتل الكفار إنما تيسر بمعونة الله ونصره وتأييده ، فصحت هذه الإضافة . ~~الثاني : أن الجرح كان إليهم ، وإخراج الروح كان إلى الله تعالى ، والتقدير ~~: فلم تميتوهم ولكن الله أماتهم . PageV15P112 # / وأما قوله : { وما رميت * إذا * رميت ولاكن الله رمى } قال القاضي فيه ~~أشياء : منها أن الرمية الواحدة لا توجب وصول التراب إلى عيونهم ، وكان ~~إيصال أجزاء التراب إلى عيونهم ليس إلا بإيصال الله تعالى ، ومنها أن ~~التراب الذي رماه كان قليلا ، فيمتنع وصول ذلك القدر إلى عيون الكل ، فدل ~~هذا على أنه تعالى ضم إليها أشياء أخر من أجزاء التراب وأوصلها إلى عيونهم ~~، ومنها أن عند رميته ألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم ، فكان المراد من ~~قوله : { ولاكن الله رمى } هو أنه تعالى رمى قلوبهم بذلك الرعب . # والجواب : أن كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر ، والأصل في الكلام الحقيقة . # فإن قالوا : الدلائل العقلية تمنع من القول بأن فعل العبد مخلوق لله ~~تعالى . فنقول : هيهات فإن الدلائل العقلية في جانبنا والبراهين النقلية ~~قائمة على صحة قولنا ، فلا يمكنكم أن تعدلوا عن الظاهر إلى المجاز . والله ~~أعلم . # المسألة الثالثة : قرىء { ولاكن الله قتلهم ولاكن الله رمى } بتخفيف ولكن ~~ورفع ما بعده . # المسألة الرابعة : في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال : الأول : وهو قول ~~أكثر المفسرين أنها نزلت في يوم بدر . والمراد أنه عليه السلام ms4309 أخذ قبضة من ~~الحصباء / ورمى بها وجوه القوم وقال شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلا ودخل ~~في عينيه ومنخريه منها شيء ، فكانت تلك الرمية سببا للهزيمة ، وفيه نزلت ~~هذه الآية . والثاني : أنها نزلت يوم خيبر روي أنه عليه السلام أخذ قوسا ~~وهو على باب خيبر . فرمى سهما . فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق ، وهو ~~على فرسه ، فنزلت { وما رميت إذ رميت ولاكن الله رمى } والثالث : أنها نزلت ~~في يوم أحد في قتل أبي بن خلف ، وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعظم رميم وقال يا محمد من يحيى هذا وهو رميم ؟ فقال عليه السلام يحييه ~~الله ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار فأسر يوم بدر ، فلما افتدى . قال ~~لرسول الله إن عندي فرسا أعتلفها كل يوم فرقا من ذرة ، كي أقتلك عليها . ~~فقال صلى الله عليه وسلم : ( بل أنا أقتلك إن شاء الله ) فلما كان يوم أحد ~~أقبل أبي يركض على ذلك الفرس حتى دنا من الرسول عليه الصلاة والسلام فاعترض ~~له رجال من المسلمين ليقتلوه . فقال عليه السلام : ( استأخروا ) ورماه ~~بحربة فكسر ضلعا من أضلاعه ، فحمل فمات ببعض الطريق ففي ذلك نزلت الآية ~~والأصح أن هذه الآية نزلت في يوم بدر ، وإلا لدخل في أثناء القصة كلام ~~أجنبي عنها ، وذلك لا يليق بل لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع ، لأن ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . # أما قوله تعالى : { وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا } فهذا معطوف على قوله ~~: { ولاكن الله رمى } / والمراد من هذا البلاء الأنعام ، أي ينعم عليهم ~~نعمة عظيمة بالنصرة والغنيمة والأجر والثواب ، قال القاضي : ولولا أن ~~المفسرين اتفقوا على حمل الابتلاء ههنا على النعمة ، وإلا لكان يحتمل ~~المحنة بالتكليف فيما بعده من الجهاد ، حتى يقال : إن الذي فعله تعالى يوم ~~بدر ، كان السبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات . # ثم إنه تعالى ختم هذا بقوله : { إن الله سميع عليم } أي سميع لكلامكم ~~عليم بأحوال قلوبكم ، وهذا يجري ms4310 مجرى التحذير والترهيب ، لئلا يغتر العبد ~~بظواهر الأمور ، ويعلم أن الخالق تعالى مطلع على كل ما في الضمائر والقلوب ~~. PageV15P113 # ! 7 < { ذالكم وأن الله موهن كيد الكافرين * إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح ~~وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت ~~وأن الله مع المؤمنين } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 18 - 19 ) ذلكم وأن الله . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { موهن } بتشديد الهاء من ~~التوهين { كيد } بالنصب ، وقرأ حفص عن عاصم { موهن كيد } بالإضافة ، ~~والباقون { موهن } بالتخفيف { كيد } بالنصب ، ومثله قوله : { كاشفات ضره } ~~( الزمر : 38 ) بالتنوين وبالإضافة . # المسألة الثانية : الكلام في ذلك ومحله من الإعراب كما في قوله : { ذالكم ~~فذوقوه } ( الأنفال : 14 ) . # المسألة الثالثة : توهين الله تعالى كيدهم . يكون بأشياء بإطلاع المؤمنين ~~على عوراتهم ، وإلقاء الرعب في قلوبهم ، وتفريق كلمتهم ، ونقض ما أبرموا ~~بسبب اختلاف عزائمهم . قال ابن عباس ينبىء رسول الله ويقول : إني قد أوهنت ~~كيد عدومك حتى قتلت خيارهم وأسرت أشرافهم . # أما قوله تعالى : { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } فيه قولان : # القول الأول : وهو قول الحسن ومجاهد والسدي أنه خطاب للكفار ، روي أن أبا ~~جهل قال يوم بدر : اللهم انصر أفضل الدينين وأحقه بالنصر ، وروي أنه قال : ~~اللهم أينا كان أقطع / للرحم وأفجر ، فأهلكه الغداة ، وقال السدي : إن ~~المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا أستار الكعبة وقالوا اللهم انصر ~~أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين ، فأنزل الله هذه ~~الآية ، والمعنى : إن تستفتحوا أي تستنصروا لأهدى الفئتين وأكرم الحزبين ، ~~فقد جاءكم النصر . وقال آخرون : أن تستقضوا فقد جاءكم القضاء . # والقول الثاني : أنه خطاب للمؤمنين ، روي أنه عليه السلام لما رأى ~~المشركين وكثرة عددهم استغاث بالله ، وكذلك الصحابة وطلب ما وعده الله به ~~من إحدى الطائفتين وتضرع إلى الله فقال : { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } ~~والمراد أنه طلب النصرة التي تقدم بها الوعد ، فقد جاءكم الفتح ، أي حصل ما ~~وعدتم به فاشكروا الله والزموا طاعته . قال القاضي : وهذا القول ms4311 أولى لأن ~~قوله : { فقد جاءكم الفتح } لا يليق إلا بالمؤمنين ، أما لو حملنا الفتح ~~على البيات والحكم والقضاء ، لم يمتنع أن يراد به الكفار . # أما قوله : { وإن تنتهوا فهو خير لكم } فتفسير هذه الآية ، يتفرع على ما ~~ذكرنا من أن قوله : { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } خطاب للكفار أو ~~للمؤمنين . # فإن قلنا : إن ذلك خطاب للكفار ، كان تأويل هذه الآية إن تنتهوا عن قتال ~~الرسول وعداوته وتكذيبه فهو خير لكم ، أما في الدين فبالخلاص من العقاب ~~والفوز بالثواب . وأما في الدنيا فبالخلاص من القتل والأسر والنهب . ~~PageV15P114 # ثم قال : { وإن تعودوا } أي إلى القتال { نعد } أي نسلطهم عليكم ، فقد ~~شاهدتم ذلك يوم بدر وعرفتم تأثير نصرة الله للمؤمنين عليكم { ولن تغنى عنكم ~~فئتكم } أي كثرة الجموع كما لم يغن ذلك يوم بدر . وأما إن قلنا إن ذلك خطاب ~~للمؤمنين كان تأويل هذه الآية وإن تنتهوا عن المنازعة في أمر الأنفال ~~وتنتهوا عن طلب الفداء على الأسرى فقد كان وقع منهم نزاع يوم بدر في هذه ~~الآشياء حتى عاتبهم الله بقوله : { لولا كتاب من الله سبق } ( الأنفال : 68 ~~) فقال تعالى : { ءان * تنتهوا } عن مثله { فهو خير لكم وإن تعودوا } إلى ~~تلك المنازعات { نعد } إلى ترك نصرتكم لأن الوعد بنصرتكم مشروط بشرط ~~استمراركم على الطاعة وترك المخالفة / ثم لا تنفعكم الفئة والكثرة ، فإن ~~الله لا يكون إلا مع المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب . # واعلم أن أكثر المفسرين حملوا قوله : { إن تستفتحوا } على أنه خطاب ~~للكفار ، واحتجوا بقوله تعالى : { وإن تعودوا نعد } فظنوا أن ذلك لا يليق ~~إلا بالقتال ، وقد بينا أن ذلك يحتمل الحمل على ما ذكرناه من أحوال ~~المؤمنين ، فسقط هذا الترجيح . # / وأما قوله : { وأن الله مع } فقرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم { ~~الارض وأن الله } بفتح الألف في أن والباقون بكسرها . أما الفتح فقيل : على ~~تقدير ، ولأن الله مع المؤمنين ، وقيل هو معطوف على قوله : { إن الله * ~~موهن كيد الكافرين } وأما الكسر فعلى الابتداء . والله أعلم . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا ms4312 أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم ~~تسمعون * ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند ~~الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 20 - 23 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما خاطب المؤمنين بقوله : { ءان * تنتهوا فهو خير لكم ~~وإن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا } ( الأنفال : 19 ) أتبعه ~~بتأديبهم فقال : { المؤمنين يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا ~~تولوا عنه وأنتم تسمعون } ولم يبين أنهم ماذا يسمعون إلا أن الكلام من أول ~~السورة إلى هنا لما كان واقعا في الجهاد علم أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه ~~إلى الجهاد ، ثم إن الجهاد اشتمل على أمرين : أحدهما : المخاطرة بالنفس . ~~والثاني : الفوز بالأموال ، ولما كانت المخاطرة بالنفس شاقة شديدة على كل ~~أحد ، وكان ترك المال بعد القدرة على أخذه شاقا شديدا ، لا جرم بالغ الله ~~تعالى في التأديب في هذا الباب فقال : { أطيعوا الله ورسوله } في الإجابة ~~إلى الجهاد ، وفي الإجابة إلى تركه المال إذا أمره الله بتركه والمقصود ~~تقرير ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى : { قل الانفال لله والرسول } ( ~~الأنفال : 1 ) . # فإن قيل : فلم قال ولا تولوا عنه فجعل الكناية واحدة مع أنه تقدم ذكر ~~الله ورسوله . PageV15P115 # قلنا : إنه تعالى أمر بطاعة الله وبطاعة رسوله . ثم قال : { ولا تولوا } ~~لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته ~~في الجهاد . # ثم قال مؤكدا لذلك : { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } ~~والمعنى : أن الإنسان / لا يمكنه أن يقبل التكليف وأن يلتزمه إلا بعد أن ~~يسمعه ، فجعل السماع كناية عن القبول . ومنه قولهم سمع الله لمن حمده ، ~~والمعنى : ولا تكونوا كالذين يقولون بألسنتهم أنا قبلنا تكاليف الله تعالى ~~، ثم إنهم بقلوبهم لا يقبلونها . وهو صفة للمنافقين كما أخبر الله عنهم ~~بقوله : { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم } ( البقرة : 14 ) . # ثم ms4313 قال تعالى : { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون } ~~واختلفوا في الدواب . فقيل : شبههم بالدواب لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بما ~~يقولون . ويقال لهم : ولذلك وصفهم بالصم والبكم وبأنهم لا يعقلون . وقيل : ~~بل هم من الدواب لأنه اسم لما دب على الأرض ولم يذكره في معرض التشبيه ، بل ~~وصفهم بصفة تليق بهم على طريقة الذم ، كما يقال لمن لا يفهم الكلام ، هو ~~شبح وجسد وطلل على جهة الذم . # ثم قال : { ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ~~} والمعنى أن كل ما كان حاصلا فإنه يجب أن يعلمه الله فعدم علم الله بوجوده ~~من لوازم عدمه ، فلا جرم حسن التعبير عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده ~~، وتقرير الكلام لو حصل فيهم خير ، لأسمعهم الله الحجج والمواعظ سماع تعليم ~~وتفهيم ، ولو أسمعهم بعد أن علم أنه لا خير فيهم لم ينتفعوا بها ، ولتولوا ~~وهم معرضون . قيل : إن الكفار سألوا الرسول عليه السلام أن يحيي لهم قصي بن ~~كلاب وغيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوته / فبين تعالى أنه لو علم فيهم ~~خيرا ، وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ، ولكنه ~~تعالى علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت ، ~~وأنه لم أسمعهم الله كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه ، وفي هذه ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى حكم عليهم بالتولي عن الدلائل وبالإعراض عن ~~الحق وأنهم لا يقبلونه البتة ، ولا ينتفعون به البتة . فنقول : وجب أن يكون ~~صدور الإيمان منهم محالا ، لأنه لو صدر الإيمان ، لكان إما أن يوجد ذلك ~~الإيمان مع بقاء هذا الخبر صدقا أو مع انقلابه كذبا والأول محال ، لأن وجود ~~الإيمان مع الأخبار بعدم الإيمان جمع بين النقيضين وهو محال . والثاني محال ~~، لأن انقلاب خبر الله الصدق كذبا محال . لا سيما في الزمان الماضي المنقضي ~~، وهكذا القول في انقلاب علم الله جهلا ، وتقريره سبق مرارا . # المسألة الثانية : النحويون يقولون : كلمة { لو } وضعت للدلالة على ms4314 ~~انتفاء الشيء لأجل انتفاء غيره ، فإذا قلت : لو جئتني لأكرمتك ، أفاد أنه ~~ما حصل المجيء ، وما حصل الإكرام . ومن / الفقهاء من قال : إنه لا يفيد إلا ~~الاستلزام ، فأما الانتفاء لأجل انتفاء الغير ، فلا يفيده هذا اللفظ ~~والدليل عليه الآية والخبر ، أما الآية ، فهي هذه الآية ، وتقريره : أن ~~كلمة { لو } لو أفادت ما ذكروه لكان قوله : { ولو علم الله فيهم خيرا ~~لاسمعهم } يقتضي أنه تعالى ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم . ثم قال : { ولو ~~أسمعهم لتولوا } فيكون معناه : أنه ما أسمعهم وأنهم ما تولوا لكن عدم ~~التولي خير من الخيرات ، فأول الكلام يقتضي نفي الخير ، وآخره يقتضي حصول ~~الخير ، وذلك متناقض . فثبت أن القول بأن كلمة { لو } تفيد انتفاء الشيء ~~لانتفاء غيره يوجب هذا التناقض ، فوجب أن PageV15P116 لا يصار إليه . وأما ~~الخبر فقوله عليه السلام : ( نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ) فلو ~~كانت لفظة ( لو ) تفيد ما ذكروه لصار المعنى أنه خاف الله وعصاه ، وذلك ~~متناقض . فثبت أن كلمة { لو } لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، وإنما ~~تفيد مجرد الاستلزام . # واعلم أن هذا الدليل أحسن إلا أنه على خلاف قول جمهور الأدباء . # المسألة الثالثة : أن معلومات الله تعالى على أربعة أقسام : أحدها : جملة ~~الموجودات . والثاني : جملة المعدومات . والثالث : أن كل واحد من الموجودات ~~لو كان معدوما فكيف يكون حاله . الرابع : أن كل واحد من المعدومات لو كان ~~موجودا كيف يكون حاله ، والقسمان الأولان علم بالواقع ، والقسمان الثانيان ~~عم بالمقدر الذي هو غير واقع ، فقوله : { ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم } ~~من القسم الثاني وهو العلم بالمقدرات ، وليس من أقسام العلم بالواقعات ~~ونظيره قوله تعالى حكاية عن المنافقين : { لئن أخرجتم لنخرجن معكم وإن ~~قوتلتم لننصرنكم } وقال تعالى : { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا ~~لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبار } ( الحشر : 11 ، 12 ) فعلم تعالى ~~في المعدوم أنه لو كان موجودا كيف يكون حاله ، وأيضا قوله : { ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) فأخبر عن المعدوم أنه لو ms4315 كان ~~موجودا كيف يكون حاله . # ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ~~واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون } . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 24 ) يا أيها الذين . . . . . # > > في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : قال أبو عبيد والزجاج { استجيبوا } معناه أجيبوا ~~وأنشد قول الشاعر : # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # المسألة الثانية : أكثر الفقهاء على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وتمسكوا بهذه ~~الآية على صحة قولهم من وجهين : # الوجه الأول : أن كل من أمره الله بفعل فقد دعاه إلى ذلك الفعل وهذه ~~الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعاه الله إليه . # فإن قيل : قوله : { استجيبوا لله } أمر . فلم قلتم : إنه يدل على الوجوب ~~؟ وهل النزاع إلا فيه ، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثبات أن الأمر للوجوب ~~بناء على أن هذا الأمر يفيد الوجوب ، وهو يقتضي إثبات الشيء بنفسه وهو محال ~~. # والجواب : أن من المعلوم بالضرورة أن كل ما أمر الله به فهو مرغب فيه ~~مندوب إليه ، فلو حملنا قوله : { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } على هذا ~~المعنى كان هذا جاريا مجرى إيضاح الواضحات وأنه عبث ، PageV15P117 فوجب ~~حمله على فائدة زائدة ، وهي الوجوب صونا لهذا النص عن التعطيل ، ويتأكد هذا ~~بأن قوله تعالى بعد ذلك { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ~~تحشرون } جار مجرى التهديد والوعيد ، وذلك لا يليق إلا بالإيجاب . # الوجه الثاني : في الاستدلال بهذه الآية على ثبوت هذا المطلوب . ما روى ~~أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على باب أبي بن كعب ~~فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال : ( ما منعك عن إجابتي ) ~~قال كنت أصلي قال : ( ألم تخبر فيما أوحى إلي استجيبوا لله وللرسول ) فقال ~~: لا جرم لا تدعوني إلا أجيبك ، والاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما دعاه فلم يجبه لامه على ترك الإجابة ، وتمسك في تقرير ذلك اللوم بهذه ~~الآية فلولا دلالة هذه الآية على الوجوب ms4316 ، وإلا لما صح ذلك الاستدلال وقول ~~من يقول مسألة أن الأمر يفيد الوجوب ، مسألة قطعية ، فلا يجوز التمسك فيها ~~بخبر الواحد ضعيف ، لأنا لا نسلم أن مسألة الأمر يفيد الوجوب مسألة قطعية ، ~~بل هي عندنا مسألة ظنية ، لأن المقصود منها العمل ، والدلائل الظنية كافية ~~في المطالب العملية . # فإن قالوا : إنه تعالى ما أمر بالإجابة على الإطلاق بل بشرط خاص وهو قوله ~~: { إذا دعاكم لما يحييكم } فلم قلتم إن هذا الشرط حاصل في جميع الأوامر ؟ # قلنا : قصة أبي بن كعب تدل على أن هذا الحكم عام وغير مخصوص بشرط معين ، ~~وأيضا فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة . لأن إحياء الحي محال . ~~فوجب حمله على شيء آخر وهو الفوز / بالثواب ، وكل ما دعا الله إليه ورغب ~~فيه فهو مشتمل على ثواب ، فكان هذا الحكم عاما في جميع الأوامر وذلك يفيد ~~المطلوب . # المسألة الثالثة : ذكروا في قوله : { إذا دعاكم لما يحييكم } وجوها : ~~الأول : قال السدي : هو الإيمان والإسلام وفيه الحياة لأن الإيمان حياة ~~القلب والكفر موته ، يدل عليه قوله تعالى : { يخرج الحى من الميت } ( الروم ~~: 19 ) قيل المؤمن من الكافر . الثاني : قال قتادة : يعني القرآن أي أجيبوه ~~إلى ما في القرآن ففيه الحياة والنجاة والعصمة ، وإنما سمي القرآن بالحياة ~~لأن القرآن سبب العلم . والعلم حياة ، فجاز أن يسمى سبب الحياة بالحياة . ~~الثالث : قال الأكثرون : { لما يحييكم } هو الجهاد / ثم في سبب تسمية ~~الجهاد بالحياة وجوه : أحدها : هو أن وهن أحد العدوين حياة للعدو الثاني . ~~فأمر المسلمين إنما يقوى ويعظم بسبب الجهاد مع الكفار . وثانيها : أن ~~الجهاد سبب لحصول الشهادة وهي توجب الحياة الدائمة قال تعالى : { ولا تحسبن ~~الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } ( آل عمران : ~~169 ) وثالثها : أن الجهاد قد يفضي إلى القتل ، والقتل يوصل إلى الدار ~~الآخرة ، والدار الآخرة معدن الحياة . قال تعالى : { وإن الدار الاخرة لهى ~~الحيوان } ( العنكبوت : 64 ) أي الحياة الدائمة . # والقول الرابع : { لما يحييكم } أي لكل حق وصواب ، وعلى هذا التقدير ~~فيدخل ms4317 فيه القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة . والمراد من ~~قوله : { لما يحييكم } الحياة الطيبة الدائمة قال تعالى : { يعملون من عمل ~~} ( النحل : 97 ) . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ~~} يختلف تفسيره بحسب اختلاف PageV15P118 الناس في الجبر والقدر . أما ~~القائلون بالجبر ، فقال الواحدي حكاية عن ابن عباس والضحاك : يحول بين ~~المرء الكافر وطاعته ، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته ، فالسعيد من أسعده ~~الله ، والشقي من أضله الله . والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ، فإذا ~~أراد الكافر أن يؤمن والله تعالى لا يريد إيمانه يحول بينه وبين قلبه . ~~وإذا أراد المؤمن أن يكفر والله لا يريد كفره حال بينه وبين قلبه . قلت : ~~وقد دللنا بالبراهين العقلية على صحة أن الأمر كذلك وذلك لأن الأحوال ~~القلبية إما العقائد وإما الإرادات والدواعي . أما العقائد : فهي إما العلم ~~، وإما الجهل . أما العلم فيمتنع أن يقصد الفاعل إلى تحصيله إلا إذا علم ~~كونه علما ولا يعلم ذلك إلا إذا علم كون ذلك الإعتقاد مطابقا للمعلوم ولا ~~يعلم ذلك إلا إذا سبق علمه بالمعلوم وذلك يوجب توقف الشيء على نفسه وأما ~~الجهل فالإنسان البتة لا يختاره ولا يريده إلا إذا ظن أن ذلك الإعتقاد علم ~~، ولا يحصل له هذا الظن / إلا بسبق جهل آخر ، وذلك أيضا يوجب توقف الشيء ~~على نفسه ، وأما الدواعي والإرادات فحصولها إن لم يكن بفاعل يلزم الحدوث لا ~~عن محدث ، وإن كان بفاعل فذلك الفاعل إما العبد وإما الله تعالى ، والأول ~~باطل ، وإلا لزم توقف ذلك القصد على قصد آخر وهو محال ، فتعين أن يكون فاعل ~~الاعتقادات والإرادات والدواعي هو الله تعالى ، فنص القرآن دل على أن أحوال ~~القلوب من الله ، والدلائل العقلية دلت على ذلك ، فثبت أن الحق ما ذكرناه . ~~أما القائلون بالقدر فقالوا : لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ~~ذكرتم ، وبيانه من وجوه : # الوجه الأول : قال الجبائي : إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز ~~، وأمر العاجز سفه ، ولو جاز ذلك لجاز أن ms4318 يأمرنا الله بصعود السماء ، وقد ~~أجمعوا على أن الزمن لا يؤمر بالصلاة قائما ، فكيف يجوز ذلك على الله تعالى ~~؟ وقد قال تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) وقال ~~في المظاهر : { فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا } ( المجادلة : 4 ) فأسقط ~~فرض الصوم عمن لا يستطيعه . # الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر بالاستجابة لله وللرسول . وذكر هذا ~~الكلام في معرض الذكر والتحذير عن ترك الإجابة ، ولو كان المراد ما ذكرتم ~~لكان ذلك عذرا قويا في ترك الإجابة ، ولا يكون زجرا عن ترك الإجابة . # الوجه الثالث : أنه تعالى أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار ، لا ~~ليكون حجة للكفار على الرسول ، ولو كان المعنى ما ذكرتم لصارت هذه الآية من ~~أقوى الدلائل للكفار على الرسول ولقالوا إنه تعالى لما منعنا من الإيمان ~~فكيف يأمرنا به ؟ فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل ~~الجبر ، قالوا ونحن نذكر في الآية وجوها : الأول : أن الله تعالى يحول بين ~~المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت ، يعني بذلك أن تبادروا في الاستجابة ~~فيما ألزمتكم من الجهاد وغيره قبل أن يأتيكم الموت الذي لا بد منه ويحول ~~بينكم وبين الطاعة والتوبة . قال القاضي : ولذلك قال تعالى عقيبه ما يدل ~~عليه وهو قوله : { وأنه إليه تحشرون } والمقصود من هذه الآية الحث على ~~الطاعة قبل نزول الموت الذي يمنع منها . الثاني : أن المراد أنه تعالى يحول ~~بين المرء وبين ما يتمناه ويريده بقلبه ، فإن الأجل يحول دون الأمل ، فكأنه ~~قال : بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من ~~توقع طول البقاء ، فإن ذلك غير موثوق به ، وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على ~~الأماني الحاصلة في القلب لأن تسمية الشيء باسم ظرفه جائزة كقولهم ، سال ~~PageV15P119 الوادي . الثالث : أن المؤمنين كانوا خائفين من القتال يوم بدر ~~، فكأنه قيل لهم ، سارعوا إلى الطاعة ولا تتمنعوا عنها / بسبب ما تجدون في ~~قلوبكم من الضعف والجبن ، فإن الله تعالى يغير تلك الأحوال فيبدل الضعف ms4319 ~~بالقوة ، والجبن بالشجاعة ، لأنه تعالى مقلب القلوب . الرابع : قال مجاهد : ~~المراد من القلب ههنا العقل فكان المعنى أنه يحول بين المرء وقلبه . ~~والمعنى فبادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون ، فإنكم لا تؤمنون زوال العقول ~~التي عند ارتفاعها يبطل التكليف . وجعل القلب كناية عن العقل جائز ، كما ~~قال تعالى : { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب } ( ق: 37 ) أي لمن كان له ~~عقل . الخامس : قال الحسن معناه ، أن الله حائل بين المرء وقلبه ، والمعنى ~~أن قربه تعالى من عبده أشد من قرب قلب العبد منه ، والمقصود منه التنبيه ~~على أنه تعالى لا يخفى عليه شيء مما في باطن العبد ومما في ضميره ، ونظيره ~~قوله تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق: 16 ) فهذه جملة الوجوه ~~المذكورة في هذا الباب لأصحاب الجبر والقدر . # ثم قال تعالى : { وأنه إليه تحشرون } أي واعلموا أنكم إليه تحشرون أي إلى ~~الله ولا تتركون مهملين معطلين ، وفيه ترغيب شديد في العمل وتحذير عن الكسل ~~والغفلة . # ! 7 < { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة واعلموا أن الله ~~شديد العقاب } . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 25 ) واتقوا فتنة لا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى كما حذر الإنسان أن يحال بينه وبين قلبه ، فكذلك حذره ~~من الفتن ، والمعنى : واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على الظالمين خاصة ~~بل تتعدى إليكم جميعا وتصل إلى الصالح والطالح . عن الحسن : نزلت في علي ~~وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة . قال الزبير : نزلت فينا وقرأناها ~~زمانا وما ظننا أنا أهلها فإذا نحن المعنيون بها ، وعن السدي : نزلت في أهل ~~بدر اقتتلوا يوم الجمل ، وروي أن الزبير كان يسامر النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوما إذ أقبل علي رضي الله عنه ، فضحك إليه الزبير فقال رسول الله : ( ~~كيف حبك لعلي ، فقال يارسول الله أحبه كحبي لولدي أو أشد فقال : ( كيف أنت ~~إذا سرت إليه تقاتله ) . # فإن قيل : كيف جاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر ؟ # قلنا : فيه وجهان : الأول : أن جواب الأمر جاء بلفظ النهي ، ومتى ms4320 كان ~~كذلك حسن إدخال النون المؤكدة في ذلك النهي ، كقولك انزل عن الدابة لا ~~تطرحك أو لا تطرحنك ، وكقوله تعالى : { نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده } ( النمل : 18 ) الثاني : أن التقدير : واتقوا فتنة ~~/ تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ، إلا أنه جيء بصيغة النهي مبالغة في نفي ~~اختصاص الفتنة بالظالمين كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص . وقيل لها لا ~~تصيبي الذين ظلموا خاصة ، والمراد منه : المبالغة في عدم الاختصاص على سبيل ~~الاستعارة . # ثم قال تعالى : { واعلموا أن الله شديد العقاب } والمراد منه : الحث على ~~لزوم الاستقامة خوفا من عقاب الله . # فإن قيل : حاصل الكلام في الآية أنه تعالى يخوفهم من عذاب لو نزل لعم ~~المذنب وغيره ، وكيف يليق PageV15P120 برحمة الرحيم الحكيم أن يوصل الفتنة ~~والعذاب إلى من لم يذنب ؟ # قلنا : إنه تعالى قد ينزل الموت والفقر والعمى والزمانة بعبده ابتداء ، ~~إما لأنه يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكية ، أو لأنه تعالى علم اشتمال ذلك ~~على نوع من أنواع الصلاح على اختلاف المذهبين ، وإذا جاز ذلك لأحد هذين ~~الوجهين فكذا ههنا . والله أعلم . # ! 7 < { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون فى الا رض تخافون أن يتخطفكم ~~الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون } . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 26 ) واذكروا إذ أنتم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أمرهم بطاعة الله وطاعة الرسول ، ثم أمرهم باتقاء ~~المعصية ، أكد ذلك التكليف بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى بين أنهم كانوا ~~قبل ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية القلة والذلة ، وبعد ظهوره ~~صاروا في غاية العزة والرفعة ، وذلك يوجب عليهم الطاعة وترك المخالفة . أما ~~بيان الأحوال التي كانوا عليها قبل ظهور محمد فمن وجوه : أولها : أنهم ~~كانوا قليلين في العدد . وثانيها : أنهم كانوا مستضعفين ، والمراد أن غيرهم ~~يستضعفهم ، والمراد من هذا الاستضعاف أنهم كانوا يخافون أن يتخطفهم الناس . ~~والمعنى : أنهم كانوا إذا خرجوا من بلدهم خافوا أن يتخطفهم العرب ، لأنهم ~~كانوا يخافون من مشركي العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم ، ثم بين تعالى ~~أنهم ms4321 بعد أن كانوا كذلك قلبت تلك الأحوال بالسعادات والخيرات ، فأولها : ~~أنه آواهم والمراد منه أنه تعالى نقلهم إلى المدينة ، فصاروا آمنين من شر ~~الكفار ، وثانيها : قوله : { وأيدكم بنصره } والمراد منه وجوه النصر في يوم ~~بدر ، وثالثها : قوله : { ورزقكم من الطيبات } وهو أنه تعالى / أحل لهم ~~الغنائم بعد أن كانت محرمة على من كان قبل هذه الأمة . # ثم قال : { لعلكم تشكرون } أي نقلناكم من الشدة إلى الرخاء ، ومن البلاء ~~إلى النعماء والآلاء ، حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة ، فكيف يليق بكم أن ~~تشتغلوا بالمنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال ؟ # ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~وأنتم تعلمون * واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم ~~} . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 27 - 28 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه رزقهم من الطيبات ، فههنا منعهم من الخيانة ، ~~وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في المراد بتلك الخيانة على أقوال : الأول : ~~قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى قريظة لما حاصرهم ، وكان أهله وولد فيهم . فقالوا يا أبا ~~لبابة ما PageV15P121 ترى لنا أننزل على حكم سعد بن معاد فينا ؟ فأشار أبو ~~لبابة إلى حلقه ، أي أنه الذبح فلا تفعلوا ، فكان ذلك منه خيانة لله ورسوله ~~. الثاني : قال السدي : كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فيشقونه ويلقونه إلى المشركين ، فنهاهم الله عن ذلك . الثالث : قال ابن زيد ~~: نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون ، يظهرون الإيمان ويسرون الكفر . ~~الرابع : عن جابر بن عبد الله : أن أبا سفيان خرج من مكة ، فعلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم خروجه وعزم على الذهاب إليه ، فكتب إليه رجل من المنافقين ~~أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم ، فأنزل الله هذه الآية . الخامس : قال الزهري ~~والكلبي : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة لما هم النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالخروج إليها ، حكاه الأصم . والسادس : قال القاضي : ~~الأقرب أن خيانة الله غير ms4322 خيانة رسوله ، وخيانة الرسول غير خيانة الأمانة ، ~~لأن العطف يقتضي المغايرة . # إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم ، وجعل ذلك ~~خيانة له ، لأنه خيانة لعطيته وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمها ، فمن خانها ~~فقد خان الرسول ، وهذه الغنيمة قد جعلها الرسول أمانة في أيدي الغانمين ~~وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئا فصارت وديعة ، والوديعة / أمانة ~~في يد المودع ، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة الناس ، إذ الخيانة ضد ~~الأمانة ، قال : ويحتمل أن يريد بالأمانة كل ما تعبد به ، وعلى هذا التقدير ~~: فيدخل فيه الغنيمة وغيرها ، فكان معنى الآية : إيجاب أداء التكاليف ~~بأسرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال . وأما الوجوه ~~المذكورة في سبب نزول الآية ، فهي داخلة فيها ، لكن لا يجب قصر الآية عليها ~~، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : معنى الخون النقص . كما أن معنى ~~الوفاء التمام . ومنه تخونه إذا انتقصه ، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء ~~. لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه . # المسألة الثالثة : في قوله : { وتخونوا أماناتكم } وجوه : الأول : ~~التقدير { ولا * تخونوا * أماناتكم } والدليل عليه ما روي في حرف عبد الله ~~{ ولا * تخونوا * أماناتكم } الثاني : التقدير : لا تخونوا الله والرسول ، ~~فإنكم إن فعلتم ذلك فقد خنتم أماناتكم ، والعرب قد تذكر الجواب تارة بالفاء ~~، وأخرى بالواو ، ومنهم من أنكر ذلك . # وأما قوله تعالى : { وأنتم تعلمون } فيه وجوه : الأول : وأنتم تعلمون ~~أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو . الثاني : وأنتم ~~علماء تعلمون قبح القبيح ، وحسن الحسن ، ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام ~~على الخيانة هو حب الأموال والأولاد . نبه تعالى على أنه يجب على العاقل أن ~~يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب . فقال : { إنما أموالكم وأولادكم ~~فتنة } لأنها تشغل القلب بالدنيا / وتصير حجابا عن خدمة المولى . # ثم قال : { وأن الله عنده أجر عظيم } تنبيها على أن سعادات الآخرة خير من ~~سعادات الدنيا لأنها ms4323 أعظم في الشرف ، وأعظم في الفوز ، وأعظم في المدة ، ~~لأنها تبقى بقاء لا نهاية له ، فهذا هو المراد من وصف الله الأجر الذي عنده ~~بالعظم . ويمكن أن يتمسك بهذه الآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل أفضل من ~~الاشتغال بالنكاح لأن الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند الله ، ~~والاشتغال بالنكاح يفيد الولد ويوجب الحاجة إلى PageV15P122 المال ، وذلك ~~فتنة ، ومعلوم أن ما أفضى إلى الأجر العظيم عند الله ، فالاشتغال به خير ~~مما أفضى إلى الفتنة . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم ~~سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 29 ) يا أيها الذين . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما حذر عن الفتنة بالأموال والأولاد ، رغب في ~~التقوى التي توجب ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد . وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : إدخال الشرط في الحكم إنما يحسن في حق ~~من كان جاهلا بعواقب الأمور ، وذلك لا يليق بالله تعالى . # والجواب : أن قولنا إن كان كذا كان كذا ، لا يفيد إلا كون الشرط مستلزما ~~للجزاء ، فأما أن وقوع الشرط مشكوك فيه أو معلوم فذلك غير مستفاد من هذا ~~اللفظ ، سلمنا أنه يفيد هذا الشك إلا أنه تعالى يعامل العباد في الجزاء ~~معاملة الشاك ، وعليه يخرج قوله تعالى : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ~~منكم والصابرين } ( محمد : 31 ) . # المسألة الثانية : هذه القضية الشرطية شرطها شيء واحد وهو تقوى الله ~~تعالى ، وذلك يتناول اتقاء الله في جميع الكبائر . وإنما خصصنا هذا ~~بالكبائر لأنه تعالى ذكر في الجزاء تكفير السيئات ، والجزاء يجب أن يكون ~~مغايرا للشرط ، فحملنا التقوى على تقوى الكبائر وحملنا السيئات على الصغائر ~~ليظهر الفرق بين الشرط والجزاء ، وأما الجزاء المرتب على هذا الشرط فأمور ~~ثلاثة : الأول : قوله : { يجعل لكم فرقانا } والمعنى أنه تعالى يفرق بينكم ~~وبين الكفار . ولما كان اللفظ مطلقا وجب حمله على جميع الفروق الحاصلة بين ~~المؤمنين وبين الكفار فنقول : هذا الفرقان إما أن يعتبر في أحوال الدنيا أو ~~في أحوال الآخرة . أما في أحوال ms4324 الدنيا فإما أن يعتبر في أحوال القلوب وهي ~~الأحوال الباطنة أو في الأحوال الظاهرة ، أما في أحوال القلوب فأمور : ~~أحدها : أنه تعالى يخص المؤمنين بالهداية والمعرفة . وثانيها : أنه يخص ~~قلوبهم وصدورهم بالانشراح كما قال : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه } ( الزمر : 22 ) وثالثها : أنه يزيل الغل والحقد والحسد عن ~~قلوبهم ويزيل المكر والخداع عن صدورهم ، مع أن المنافق والكافر يكون قلبه ~~مملوءا من هذه الأحوال الخسيسة والأخلاق الذميمة ، والسبب في حصول هذه ~~الأمور أن القلب إذا صار مشرقا بطاعة / الله تعالى زالت عنه كل هذه الظلمات ~~لأن معرفة الله نور ، وهذه الأخلاق ظلمات ، وإذا ظهر النور فلا بد من زوال ~~الظلمة . وأما في الأحوال الظاهرة ، فإن الله تعالى يخص المسلمين بالعلو ~~والفتح والنصر والظفر ، كما قال : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ( ~~المنافقين : 8 ) وكما قال : { ليظهره على الدين كله } ( التوبة : 33 ) وأمر ~~الفاسق والكافر بالعكس من ذلك . وأما في أحوال الآخرة ، فالثواب والمنافع ~~الدائمة والتعظيم من الله والملائكة وكل هذه الأحوال داخلة في الفرقان . ~~PageV15P123 # والنوع الثاني : من الأجزية المرتبة على التقوى قوله : { ويكفر عنكم ~~سيئاتكم } فنقول : إن حملنا قوله : { إن تتقوا الله } على الاتقاء من الكفر ~~، كان المراد بقوله : { ويكفر عنكم سيئاتكم } جميع السيئات التي وجدت قبل ~~الكفر ، وإن حملناه على الاتقاء عن الكبائر ، كان المراد من هذا تكفير ~~الصغائر . # والنوع الثالث : قوله : { ويغفر لكم } واعلم أن المراد من تكفير السيئات ~~سترها في الدنيا ومن المغفرة إزالتها في القيامة لئلا يلزم التكرار . ثم ~~قال : { والله ذو الفضل العظيم } ومن كان كذلك فإنه إذا وعد بشيء وفى به / ~~وإنما قلنا : إن أفضال الله أعظم من أفضال غيره لوجوه : الأول : أن كل ما ~~سوى الحق سبحانه فإنه لا يتفضل ولا يحسن إلا إذا حصلت في قلبه داعية ~~الإفضال والإحسان ، وتلك الداعية حادثة فلا تحصل إلا بتخليق الله تعالى ، ~~وعند هذا ينكشف أن المتفضل ليس إلا الله الذي خلق تلك الداعية الموجبة لذلك ~~الفعل . الثاني : أن كل من تفضل يستفيد ms4325 به نوعا من أنواع الكمال إما عوضا ~~من المال أو عوضا من المدح والثناء ، وإما عوضا من نوع آخر وهو دفع الألم ~~الحاصل في القلب بسبب الرقة الجنسية والله تعالى يعطي ويتفضل ولا يطلب به ~~شيئا من الأعواض لأنه كامل لذاته ، وما كان حاصلا للشيء لذاته امتنع أن ~~يستفيده من غيره . الثالث : أن كل من تفضل على الغير فإن المتفضل عليه يصير ~~ممنونا عليه من ذلك المتفضل ، وذلك منفر ، أما الحق سبحانه وتعالى فهو ~~الموجد لذات كل أحد بجميع صفاته ، فلا يحصل الاستنكاف من قبول إحسانه . ~~الرابع : أن كل من تفضل على غيره فإنه لا ينتفع المتفضل عليه بذلك التفضل ~~إلا إذا حصلت له عين باصرة وأذن سامعة ومعدة هاضمة . حتى ينتفع بذلك ~~الإحسان ، وعند هذا ينكشف أن المتفضل هو الله في الحقيقة فثبت بهذه ~~البراهين صحة قوله : { والله ذو الفضل العظيم } . # ! 7 < { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ~~ويمكر الله والله خير الماكرين } . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 30 ) وإذ يمكر بك . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقوله : { واذكروا إذ ~~أنتم قليل } ( الأنفال : 26 ) فكذلك ذكر رسوله نعمه عليه وهو دفع كيد ~~المشركين ومكر الماكرين عنه ، وهذه السورة مدنية . قال ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة وغيرهم من المفسرين : إن مشركي قريش تآمروا في دار الندوة ودخل ~~عليهم إبليس في صورة شيخ ، وذكر أنه من أهل نجد . فقال بعضهم : قيدوه نتربص ~~به ريب المنون ، فقال إبليس : لا مصلحة فيه ، لأنه يغضب له قومه فتسفك له ~~الدماء . وقال بعضهم أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم ، فقال إبليس : لا ~~مصلحة فيه لأنه يجمع طائفة على نفسه ويقاتلكم بهم . وقال أبو جهل : الرأي ~~أن نجمع من كل قبيلة رجلا فيضربوه بأسيافهم ضربة واحدة فإذا قتلوه تفرق دمه ~~في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على محاربة قريش كلها ، فيرضون بأخذ الدية ، ~~فقال إبليس : هذا هو الرأي الصواب ، فأوحى الله تعالى إلى نبيه بذلك وأذن ~~له في الخروج إلى المدينة وأمره ms4326 أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في ~~الهجرة ، وأمر عليا أن يبيت في مضجعه ، وقال له : تسج PageV15P124 ببردتي ~~فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه وباتوا مترصدين ، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه ~~فأبصروا عليا فبهتوا وخيب الله سعيهم . وقوله : { ليثبتوك } قال ابن عباس : ~~ليوثقوك ويشدوك وكل من شد فقد أثبت ، لأنه لا يقدر على الحركة ولهذا يقال ~~لمن اشتدت به علة أو جراحه تمنعه من الحركة . فقد أثبت فلان فهو مثبت ، ~~وقيل ليسجنوك ، وقيل ليحبسوك ، وقيل ليثبتوك في بيت فحذف المحل لوضوح معناه ~~، وقرأ بعضهم { ليثبتوك } بالتشديد وقرأ النخعى { ليثبتوك } من البيات ~~وقوله : { أو يقتلوك } وهو الذي حكيناه عن أبي جهل لعنه الله { أو يخرجوك } ~~أي من مكة ، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام الثلاثة قال : { ويمكرون ويمكر ~~الله والله خير الماكرين } وقد ذكرنا في سورة آل عمران في تفسير قوله : { ~~ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } ( آل عمران : 54 ) تفسير المكر في ~~حق الله تعالى ، والحاصل أنهم احتالوا على إبطال أمر محمد والله تعالى نصره ~~وقواه ، فضاع فعلهم وظهر صنع الله تعالى . قال القاضي : القصة التي ذكرها ~~ابن عباس موافقة للقرآن إلا ما فيها من حديث إبليس ، فإنه زعم أنه كانت ~~صورته موافقة لصورة الإنس وذلك باطل ، لأن ذلك التصوير إما أن يكون من فعل ~~الله أو من فعل إبليس ، والأول باطل لأنه لا يجوز من الله تعالى أن يفعل ~~ذلك ليفتن الكفار في المكر ، والثاني أيضا باطل ، لأنه لا يليق بحكمة الله ~~تعالى أن يقدر إبليس على تغيير صورة نفسه . # واعلم أن هذا النزاع عجيب ، فإنه لما لم يبعد من الله تعالى أن يقدر ~~إبليس على أنواع الوساوس فكيف يبعد منه أن يقدره على تغيير صورة نفسه ؟ # فإن قيل : كيف قال : { والله خير الماكرين } ولا خير في مكرهم . # / قلنا : فيه وجوه : أحدها : أن يكون المراد أقوى الماكرين فوضع { خير } ~~موضع أقوى وأشد ، لينبه بذلك على أن كل مكر فهو يبطل في مقابلة فعل الله ~~تعالى . وثانيها : أن يكون ms4327 المراد خير الماكرين لو قدر في مكرهم ما يكون ~~خيرا وحسنا . وثالثها : أن يكون المراد من قوله : { خير الماكرين } ليس هو ~~التفضيل ، بل المراد أنه في نفسه خير كما يقال : الثريد خير من الله تعالى ~~. # ! 7 < { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هاذآ ~~إن هاذآ إلا أساطير الأولين * وإذ قالوا اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم * وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون * وما لهم ألا يعذبهم الله وهم ~~يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أوليآءه إن أوليآؤه إلا المتقون ولاكن ~~أكثرهم لا يعلمون } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 31 - 34 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . # > > PageV15P125 # اعلم أنه تعالى لما حكى مكرهم في ذات محمد . حكى مكرهم في دين محمد ، روى ~~أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجرا ، واشترى أحاديث كليلة ودمنة ، ~~وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم ، فيقرأ عليهم أساطير الأولين ~~، وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين ، فهذا هو المراد من ~~قوله : { قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هاذا إن هاذا إلا أساطير ~~الاولين } وههنا موضع بحث ، وذلك لأن الاعتماد في كون القرآن معجزا عن أنه ~~صلى الله عليه وسلم تحدى العرب / بالمعارضة ، فلم يأتوا بها ، وهذا إشارة ~~إلى أنهم أتوا بتلك المعارضة ، وذلك يوجب سقوط الدليل المعول عليه . # والجواب : أن كلمة { لو } تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره . فقوله : { لو ~~نشاء لقلنا مثل هاذا } يدل على أنه ما شاء ذلك القول ، وما قال . فثبت أن ~~النضر بن الحرث أقر أنه ما أتى بالمعارضة ، وإنما أخبر أنه لو شاءها لأتى ~~بها ، وهذا ضعيف . لأن المقصود إنما يحصل لو أتى بالمعارضة ، أما مجرد هذا ~~القول فلا فائدة فيه . # والشبهة الثانية : لهم قولهم : { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } أي بنوع آخر من العذاب ~~أشد من ذلك وأشق ms4328 منه علينا . # فإن قيل : هذا الكلام يوجب الإشكال من وجهين : الأول : أن قوله { اللهم ~~إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ~~أليم } حكاه الله عن الكفار ، وكان هذا كلام الكفار وهو من جنس نظم القرآن ~~فقد حصلت المعارضة في هذا القدر ، وأيضا حكى عنهم أنهم قالوا في سورة بني ~~إسرائيل : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : ~~90 ) وذلك أيضا كلام الكفار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ومعارضته ~~، وذلك يدل على حصول المعارضة . الثاني : أن كفار قريش كانوا معترفين بوجود ~~الإله وقدرته وحكمته وكانوا قد سمعوا التهديد الكثير من محمد عليه الصلاة ~~والسلام في نزول العذاب ، فلو كان نزول القرآن معجزا لعرفوا كونه معجزا ~~لأنهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، ولو عرفوا ذلك لكان أقل الأحوال أن يصيروا ~~شاكين في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، ولو كانوا كذلك لما أقدموا عى ~~قولهم : { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~} لأن المتوقف الشاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة ، وحيث أتوا بهذه ~~المبالغة ، علمنا أنه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة . # والجواب عن الأول : أن الإتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول ~~المعارضة / لأن هذا المقدار كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة ، ~~وهذا الجواب لا يتمشى إلا إذا قلنا التحدي ما وقع بجميع السور ، وإنما وقع ~~بالسورة الطويلة التي يظهر فيها قوة الكلام . # والجواب عن الثاني : هب أنه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجز إلا ~~أنه لما كان معجزا في نفسه ، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا ~~يتفاوت الحال فيه . # المسألة الثانية : قوله : { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك } قال ~~الزجاج : القراءة بنصب { الحق } على خبر { كان } ودخلت { هو } للفصل ولا ~~موضع لها ، وهي بمنزلة ( ما ) المؤكدة ودخلت / ليعلم أن قوله : { الحق } ~~ليس بصفة لهذا وأنه خبر . قال ms4329 : ويجوز هو الحق رفعا ولا أعلم أحدا قرأ بها ~~ولا خلاف بين النحويين في إجازتها ، ولكن القراءة سنة ، وروى صاحب ( الكشاف ~~) عن الأعمش أنه قرأ بها . PageV15P126 # واعلم أنه تعالى لما حكى هاتين الشبهتين لم يذكر الجواب عن الشبهة الأولى ~~، وهو قوله : { لو نشاء لقلنا مثل هاذا } ولكنه ذكر الجواب عن الشبهة ~~الثانية ، وهو قوله : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن تقرير وجه الجواب أن الكفار لما بالغوا وقالوا ~~: اللهم إن كان محمد محقا فأمطر علينا حجارة من السماء ، ذكر تعالى أن ~~محمدا وإن كان محقا في قوله إلا أنه مع ذلك لا يمطر الحجارة على أعدائه ، ~~وعلى منكري نبوته ، لسببين : الأول : أن محمدا عليه الصلاة والسلام ما دام ~~يكون حاضرا معهم ، فإنه تعالى لا يفعل بهم ذلك تعظيما له ، وهذا أيضا عادة ~~الله مع جميع الأنبياء المتقدمين ، فإنه لم يعذب أهل قرية إلا بعد أن يخرج ~~رسولهم منها ، كما كان في حق هود وصالح ولوط . # فإن قيل : لما كان حضوره فيهم مانعا من نزول العذاب عليهم ، فكيف قال : { ~~قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } ( التوبة : 14 ) . # قلنا : المراد من الأول عذاب الاستئصال ، ومن الثاني : العذاب الحاصل ~~بالمحاربة والمقاتلة . # والسبب الثاني : قوله : { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } وفي تفسيره ~~وجوه : الأول : وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون ، ~~فاللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد بعضهم كما يقال : قتل أهل المحلة رجلا ، ~~وأقدم أهل البلدة الفلانية على الفساد ، والمراد بعضهم . الثاني : وما كان ~~الله معذب هؤلاء الكفار ، وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ~~ويستغفرونه ، فوصفوا بصفة أولادهم وذراريهم . الثالث : قال قتادة والسدي : ~~{ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } أي لو استغفروا لم يعذبوا ، فكان ~~المطلوب من ذكر هذا الكلام استدعاء الاستغفار منهم . أي لو اشتغلوا ~~بالاستغفار لما عذبهم الله . ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الاستغفار ههنا بمعنى ~~الإسلام والمعنى : أنه كان معهم قوم كان في ms4330 علم الله أن يسلموا . منهم أبو ~~سفيان بن حرب . وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب . والحرث بن هشام . ~~وحكيم بن حزام . وعدد كثير ، والمعنى { وما كان الله معذبهم وأنت فيهم } مع ~~أن في علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان . قال أهل المعاني : دلت ~~هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب . قال ابن عباس : كان ~~فيهم أمانان نبي الله / والاستغفار ، أما النبي فقد مضى ، وأما الاستغفار ~~فهو باق إلى يوم القيامة ، ثم قال : { وما لهم ألا يعذبهم الله } واعلم أنه ~~تعالى بين في الآية الأولى أنه لا يعذبهم ما دام رسول الله فيهم ، وذكر في ~~هذه الآية أنه يعذبهم فكان المعنى أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم ثم ~~اختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم : لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر ، ~~وقيل بل يوم فتح مكة ، وقال ابن عباس : هذا العذاب هو عذاب الآخرة ، ~~والعذاب الذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا ، ثم بين تعالى ما لأجله يعذبهم ، ~~فقال : { وهم يصدون عن المسجد الحرام } وقد ظهرت الأخبار أنهم كيف صدوا عنه ~~عام الحديبية ، ونبه على أنهم يصدون لادعائهم أنهم أولياؤه ، ثم بين بطلان ~~هذه الدعوى بقوله : { وما كانوا * أولياؤه * إن أولياؤه إلا المتقون } ~~الذين يتحرزون عن المنكرات ، كالذي كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء ~~والتصدية ، والمقصود بيان أن من كانت هذه حاله لم يكن وليا للمسجد الحرام ، ~~فهم إذن أهل لأن يقتلوا بالسيف ويحاربوا ، فقتلهم الله يوم بدر ، وأعز ~~الإسلام بذلك على ما تقدم شرحه . # PageV15P127 ! 7 < { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون } . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 35 ) وما كان صلاتهم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قال في حق الكفار أنهم ما كانوا أولياء البيت ~~الحرام . وقال : { إن أولياؤه إلا المتقون } ( الأنفال : 34 ) بين بعده ما ~~به خرجوا من أن يكونوا أولياء البيت ، وهو أن صلاتهم عند البيت وتقربهم ~~وعبادتهم إنما كان بالمكاء والتصدية . قال صاحب ( الكشاف ) : المكاء فعال ~~بوزن النغاء والرغاء ms4331 من مكا يمكو إذا صفر ، والمكاء الصفير . ومنه المكاء ~~وهو طائر يألف الريف ، وجمعه المكاكي سمى بذلك لكثرة مكانه . وأما التصدية ~~فهي التصفيق . يقال : صدى يصدي تصدية إذا صفق بيديه ، وفي أصلها قولان : ~~الأول : أنها من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من جبل . الثاني : قال أبو ~~عبيدة : أصلها تصددة ، فأبدلت الياء من الدال . ومنه قوله تعالى : { إذا ~~قومك منه يصدون } ( الزخرف : 57 ) أي يعجزون ، وأنكر بعضهم هذا الكلام ، ~~والأزهري صحح قول أبي عبيدة . وقال : صدى أصله صدى ، فكثرت الدالات الدالة ~~فقلبت إحداهن ياء . # إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : كانت قريش يطوفون بالبيت عراة ~~يصفرون ويصفقون / وقال مجاهد : كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الطواف ويستهزؤون به ويصفرون ويخلطون عليه طوافه وصلاته ، وقال مقاتل : كان ~~إذا صلى الرسول في المسجد يقومون عن يمينه ويساره بالتصفير والتصفيق ~~ليخلطوا عليه صلاته . فعلى قول ابن عباس : كان المكاء والتصدية نوع عبادة ~~لهم ، وعلى قول مجاهد ومقاتل ، كان إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم . ~~والأول أقرب لقوله تعالى : { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } . # فإن قيل : المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف يجوز استثناؤهما ~~عن الصلاة ؟ # قلنا : فيه وجوه : الأول : أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس ~~الصلاة ، فخرج هذا الاستثناء على حسب معتقدهم . الثاني : أن هذا كقولك وددت ~~الأمير فجعل جفائي صلتي . أي أقام الجفاء مقام الصلة فكذا ههنا . الثالث : ~~الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له ، كما تقول العرب ، ~~ما لفلان عيب إلا السخاء . يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له . # ثم قال تعالى : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي عذاب السيف يوم بدر ~~، وقيل : يقال لهم في الآخرة : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } . # ! 7 < { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ~~ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون * ليميز الله ~~الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله ms4332 فى جهنم ~~أولائك هم الخاسرون } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 36 - 37 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > PageV15P128 # اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية ، أتبعها ~~بشرح أحوالهم في الطاعات المالية . قال مقاتل والكلبي : نزلت في المطعمين ~~يوم بدر ، وكانوا اثني عشر رجلا من كبار قريش . وقال سعيد بن جبير ومجاهد : ~~نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد يوم أحد ، وكان قد استأجر ~~ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب ، وأنفق عليهم / أربعين أوقية ~~والأوقية اثنان وأربعون مثقالا ، هكذا قاله صاحب ( الكشاف ) . ثم بين تعالى ~~أنهم إنما ينفقون هذا المال ليصدوا عن سبيل الله ، أي كان غرضهم في الإنفاق ~~الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله ، وإن لم يكن عندهم كذلك . # ثم قال : { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة } يعني : أنه سيقع هذا الإنفاق ~~ويكون عاقبته الحسرة ، لأنه يذهب المال ولا يحصل المقصود ، بل يصيرون ~~مغلوبين في آخر الأمر كما قال تعالى : { كتب الله لاغلبن أنا ورسلى } ( ~~المجادلة : 21 ) وقوله : { والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } ففيه بحثان : # البحث الأول : أنه لم يقل : وإلى جهنم يحشرون ، لأنه كان فيهم من أسلم ، ~~بل ذكر أن الذين بقوا على الكفر يكونون كذلك . # البحث الثاني : أن ظاهر قوله : { إلى جهنم يحشرون } يفيد أنه لا يكون ~~حشرهم إلا إلى جهنم ، لأن تقديم الخبر يفيد الحصر . # واعلم أن المقصود من هذا الكلام أنهم لا يستفيدون من بذلهم أموالهم في ~~تلك الانفاقات إلا الحسرة والخيبة في الدنيا ، والعذاب الشديد في الآخرة ، ~~وذلك يوجب الزجر العظيم عن ذلك الإنفاق ، ثم قال : { ليميز الله الخبيث من ~~الطيب } وفيه قولان : # القول الأول : ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من ~~المؤمنين فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا وهو عبارة عن ~~الجمع والضم حتى يتراكموا كقوله تعالى : { كادوا يكونون عليه لبدا } ( الجن ~~: 19 ) يعني لفرط ازدحامهم فقوله : { أولائك } إشارة إلى الفريق الخبيث . # والقول الثاني : المراد بالخبيث نفقة الكافر على عداوة محمد ، وبالطيب ~~نفقة المؤمن في جهاد الكفار ms4333 ، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام فيضم تعالى تلك الأمور الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في ~~جهنم ويعذبهم بها كقوله تعالى : { فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } ( ~~التوبة : 35 ) واللام في قوله : { ليميز الله الخبيث } على القول الأول ~~متعلق بقوله : { يحشرون } والمعنى أنهم يحشرون ليميز الله الفريق الخبيث من ~~الفريق الطيب ، وعلى القول الثاني متعلق بقوله : { ثم تكون عليهم حسرة } ثم ~~قال : { أولائك هم الخاسرون } وهو إشارة إلى الذين كفروا . # ! 7 < { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت ~~سنت الا ولين } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 38 ) قل للذين كفروا . . . . . # > > PageV15P129 # / اعلم أنه تعالى لما بين صلاتهم في عباداتهم البدنية ، وعباداتهم ~~المالية ، أرشدهم إلى طريق الصواب وقال : { قل للذين كفروا إن ينتهوا } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : { قل للذين كفروا } أي قل لأجلهم ~~هذا القول ، وهو : { إن ينتهوا يغفر لهم } ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل : ~~إن تنتهوا يغفر وقال ابن مسعود هكذا . # المسألة الثانية : المعنى : أن هؤلاء الكفاء إن انتهوا عن الكفر وعداوة ~~الرسول ، ودخلوا الإسلام والتزموا شرائعه غفر الله لهم ما قد سلف من كفرهم ~~وعداوتهم للرسول وإن عادوا إليه وإصروا عليه فقد مضت سنة الأولين . وفيه ~~وجوه : الأول : المراد فقد مضت سنة الأولين منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم ~~بدر . الثاني : فقد مضت سنة الأولين الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم ~~الذين قد مروا فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا . الثالث : أن معناه أن ~~الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي ~~وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين وهي قوله : { كتب الله لاغلبن أنا ورسلى } ~~( المجادلة : 21 ) { ولقد سبقت كلمتنا } ( الصافات : 171 ) ولقد كتبنا في ~~الزبور من بعد الذكر { أن الارض يرثها عبادى الصالحون } ( الأنبياء : 105 ) ~~. # المسألة الثالثة : اختلف الفقهاء في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا ؟ ~~والصحيح أنها مقبولة لوجوه : الأول : هذه الآية ، فإن قوله : { قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر ms4334 لهم ما قد سلف } يتناول جميع أنواع الكفر . # فإن قيل : الزنديق لا يعلم من حاله أنه هل انتهى من زنذقته أم لا ؟ # قلنا : أحكام الشرع مبنية على الظواهر ، كما قال عليه السلام : ( نحن ~~نحكم بالظاهر ) فلما رجع وجب قبول قوله فيه . الثاني : لا شك أنه مكلف ~~بالرجوع ولا طريق له إليه إلا بهذه التوبة فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا ~~يطاق . الثالث : قوله تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن ~~السيئات } ( الشورى : 25 ) . # المسألة الرابعة : احتج أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على أن الكفار ليسوا ~~مخاطبين بفروع الشرائع ، قالوا لأنهم لو كانوا مخاطبين بها ، لكان إما أن ~~يكونوا مخاطبين بها مع الكفر أو بعد زوال الكفر . والأول باطل بالإجماع ، ~~والثاني باطل ؛ لأن هذه الآية تدل على أن الكافر بعد الإسلام لا يؤاخذ بشيء ~~مما مر عليه في زمان الكفر وإيجاب قضاء تلك العبادات ينافي ظاهره هذه الآية ~~. # المسألة الخامسة : احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن المرتد ~~إذا أسلم لم يلزمه قضاء / العبادات التي تركها في حالة الردة وقبلها ، ووجه ~~الدلالة ظاهر . # المسألة السادسة : قال عليه السلام : ( الإسلام يجب ما قبله ) فإذا أسلم ~~الكافر لم يلزمه قضاء شيء من العبادات البدنية والمالية وما كان له من ~~جناية على نفس أو مال فهو معفو عنه وهو ساعة إسلامه كيوم ولدته أمه . وقال ~~يحيى بن معاذ الرازي في هذه الآية أن توحيد ساعة يهدم كفر سبعين سنة ، ~~وتوحيد سبعين سنة كيف لا يقوى على هدم ذنب ساعة ؟ ا # PageV15P130 ! 7 < { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن ~~انتهوا فإن الله بما يعملون بصير * وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم ~~المولى ونعم النصير } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 39 - 40 ) وقاتلوهم حتى لا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين أن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن كفرهم حصل لهم ~~الغفران ، وإن عادوا فهم متوعدون بسنة الأولين ، أتبعه بأن أمر بقتالهم إذا ~~أصروا فقال : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } قال عروة ms4335 بن الزبير : كان ~~المؤمنون في مبدأ الدعوة يفتنون عن دين الله ، فافتتن من المسلمين بعضهم ~~وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشة ، وفتنة ~~ثانية وهو أنه لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة ~~، توامرت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكة عن دينهم ، فأصاب المؤمنين جهد شديد ~~، فهذا هو المراد من الفتنة ، فأمر الله تعالى بقتالهم حتى تزول هذه الفتنة ~~. وفيه وجه آخر ، وهو أن مبالغة الناس في حبهم أديانهم أشد من مبالغتهم في ~~حبهم أرواحهم ، فالكافر أبدا يسعى بأعظم وجوه السعي في إيذاء المؤمنين وفي ~~إلقاء الشبهات في قلوبهم وفي إلقائهم في وجوه المحنة والمشقة ، وإذا وقعت ~~المقاتلة زال الكفر والمشقة ، وخلص الإسلام وزالت تلك الفتن بالكلية . قال ~~القاضي : إنه تعالى أمر بقتالهم ثم بين العلة التي بها أوجب قتالهم ، فقال ~~: { حتى لا تكون فتنة } ويخلص الدين الذي هو دين الله من سائر الأديان ، ~~وإنما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكلية . إذا عرفت هذا فنقول : إما ~~أن يكون المراد من الآية { وقاتلوهم } لأجل أن يحصل هذا المعنى أو يكون ~~المراد { وقاتلوهم } لغرض أن يحصل هذا المعنى فإن كان المراد من الآية هو ~~الأول وجب أن يحصل هذا المعنى من القتال فوجب أن يكون المراد / { ويكون ~~الدين كله لله } في أرض مكة وما حواليها ، لأن المقصود حصل هنا ، قال عليه ~~السلام : ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ) ولا يمكن حمله على جميع البلاد ~~، إذ لوكان ذلك مرادا لما بقي الكفر فيها مع حصول القتال الذي أمر الله به ~~، وأما إذا كان المراد من الآية هو الثاني ، وهو قوله : قاتلوهم لغرض أن ~~يكون الدين كله لله ، فعلى هذا التقدير لم يمتنع حمله على إزالة الكفر عن ~~جميع العالم لأنه ليس كل ما كان غرضا للإنسان ، فإنه يحصل ، فكان المراد ~~الأمر بالقتال لحصول هذا الغرض سواء حصل في نفس الأمر أو لم يحصل . # ثم قال : { فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير } والمعنى { فإن ms4336 انتهوا ~~} عن الكفر وسائر المعاصي بالتوبة والإيمان { فإن الله بما يعملون بصير } ~~عالم لا يخفى عليه شيء يوصل إليهم ثوابهم { وإن تولوا } يعني عن التوبة ~~والإيمان { فاعلموا أن الله مولاكم } أي وليكم الذي يحفظكم ويرفع البلاء ~~عنكم ، ثم بين أنه تعالى { نعم المولى ونعم النصير } وكل ما كان في حماية ~~هذا المولى وفي حفظه وكفايته ، كان آمنا من الآفات مصونا عن المخوفات . # ! 7 < { واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه وللرسول ولذى القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم ءامنتم بالله ومآ أنزلنا على عبدنا ~~يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شىء قدير } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 41 ) واعلموا أنما غنمتم . . . . . # > > PageV15P131 # اعلم أنه تعالى لما أمر بالمقاتلة في قوله : { وقاتلوهم } وكان من ~~المعلوم أن عند المقاتلة قد تحصل الغنيمة ، لا جرم ذكر الله تعالى حكم ~~الغنيمة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : الغنم : الفوز بالشيء ، يقال : غنم يغنم غنما فهو غانم ~~، والغنيمة في الشريعة ما دخلت في أيدي المسلمين من أموال المشركين على ~~سبيل القهر بالخيل والركاب . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : { ما } في قوله : { ما * غنمتم ~~من شىء } موصولة وقوله : { من شىء } يعني أي شيء كان حتى الخيط والمخيط { ~~فأن لله } خبر مبتدأ محذوف تقديره : فحق أو فواجب / أن لله خمسه ، وروى ~~النخعي عن ابن عمر { فأن لله خمسه } بالكسر ، وتقديره : على قراءة النخعي ~~فلله خمسه والمشهور آكد وأثبت للإيجاب ، كأنه قيل : فلا بد من إثبات الخمس ~~فيه ، ولا سبيل إلى الإخلال به ، وذلك لأنه إذا حذف الخبر واحتمل وجوها ~~كثيرة من المقدرات كقولك ثابت : واجب ، حق ، لازم ، كان أقوى لإيجابه من ~~النص على واحد ، وقرىء { خمسه } بالسكون . # المسألة الثالثة : في كيفية قسمة الغنائم . # اعلم أن هذه الآية تقتضي أن يؤخذ خمسها ، وفي كيفية قسمة ذلك الخمس قولان ~~: # القول الأول : وهو المشهور أن ذلك الخمس يخمس ، فسهم لرسول الله ، وسهم ~~لذوي قرباه من بني هاشم وبني المطلب ، دون بني عبد شمس وبني نوفل ، لما روي ~~عن عثمان وجبير بن ms4337 مطعم أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هؤلاء ~~إخوتك بنو هاشم لا ينكر فضلهم لكونك منهم أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم ~~وحرمتنا ، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة ، فقال عليه السلام : ( إنهم لم ~~يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين ~~أصابعه ) وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل ، وأما بعد وفاة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعند الشافعي رحمه الله : أنه يقسم على خمسة ~~أسهم ، سهم لرسول الله ، يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين ، ~~كعدة الغزاة من الكراع والسلاح ، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم ~~يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، والباقي للفرق الثلاثة وهم : اليتامى ، ~~والمساكين ، وابن السبيل . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن بعد وفاة الرسول ~~عليه الصلاة والسلام سهمه ساقط بسبب موته ، وكذلك سهم ذوي القربى ، وإنما ~~يعطون لفقرهم ، فهو أسوة سائر الفقراء ، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على ~~اليتامى والمساكين وابن السبيل . وقال مالك : الأمر في الخمس مفوض إلى رأي ~~الإمام إن رأى قسمته على هؤلاء فعل ، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض ، فله ~~ذلك . PageV15P132 # واعلم أن ظاهر الآية مطابق لقول الشافعي رحمه الله وصريح فيه ، فلا يجوز ~~العدول عنه إلا لدليل منفصل أقوى منها ، وكيف وقد قال في آخر الآية : { ~~وقال موسى ياقوم إن } يعني : إن كنتم آمنتم بالله فاحكموا بهذه القسمة ، ~~وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة ، لم يحصل الإيمان بالله . # والقول الثاني : وهو قول أبي العالية : إن خمس الغنيمة يقسم على ستة ~~أقسام ، فواحد منها لله ، وواحد لرسول الله ، والثالث لذوي القربى ، ~~والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل قالوا : والدليل عليه أنه ~~تعالى جعل خمس الغنيمة لله / ثم للطوائف الخمسة ، ثم القائلون بهذا القول / ~~منهم من قال : يصرف سهم الله إلى الرسول ، ومنهم من قال : يصرف إلى عمارة ~~الكعبة . وقال بعضهم : إنه عليه السلام كان يضرب يده في هذا الخمس ، فما ~~قبض عليه من شيء جعله للكعبة ، وهو الذي سمى ms4338 لله تعالى . # والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه : بأن قوله : { لله } ليس المقصود منه ~~أثبات نصيب لله . فإن الأشياء كلها ملك لله ، وملكه وإنما المقصود منه ~~افتتاح الكلام بذكر الله على سبيل التعظيم ، كما في قوله : { قل الانفال ~~لله والرسول } واحتج القفال على صحة هذا القول بما روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، أنه قال لهم في غنائم خيبر : ( مالي مما أفاء الله عليكم ~~إلا الخمس والخمس مردود فيكم ) فقوله : مالي إلا الخمس يدل على أن سهم الله ~~وسهم الرسول واحد ، وعلى الإضمام سهمه السدس لا الخمس ، وإن قلنا : إن ~~السهمين يكونان للرسول . صار سهمه أزيد من الخمس ، وكلا القولين ينافي ظاهر ~~قوله : ( مالي إلا الخمس ) هذا هو الكلام في قسمة خمس الغنيمة ، وأما ~~الباقي وهو أربعة أخماس الغنيمة فهي للغانمين . لأنهم الذين حازوه واكتسبوه ~~كما يكتسب الكلأ بالاحتشاش ، والطير بالاصطياد ، والفقهاء استنبطوا من هذه ~~الآية مسائل كثيرة مذكورة في كتب الفقه . # المسألة الرابعة : دلت الآية على أنه يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب ، ~~كما هو قول الشافعي رحمه الله ، والدليل عليه : أن قوله : { فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } يقتضي ثبوت الملك ~~لهؤلاء في الغنيمة ، وإذا حصل الملك لهم فيه ، وجب جواز القسمة لأنه لا ~~معنى للقسمة على هذا التقدير إلا صرف الملك إلى المالك ، وذلك جائز ~~بالاتفاق . # المسألة الخامسة : اختلفوا في ذوي القربى . قيل : هم بنو هاشم . وقال ~~الشافعي رحمه الله : هم بنو هاشم وبنو المطلب . واحتج بالخبر الذي رويناه . ~~وقيل : آل علي ، وجعفر ، وعقيل ، وآل عباس ، وولد الحرث بن عبد المطلب ، ~~وهو قول أبي حنيفة . # المسألة السادسة : حكى صاحب ( الكشاف ) عن الكلبي : أن هذه الآية نزلت ~~ببدر . وقال الواقدي رحمه الله : كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر ~~بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة . # ثم قال تعالى : { وقال موسى ياقوم إن } والمعنى اعلموا أن خمس الغنيمة ~~مصروف إلى هذه الوجوه الخمسة فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا ms4339 بالأخماس الأربعة ~~{ واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه } يعني : إن كنتم آمنتم بالله ~~وبالمنزل على عبدنا يوم الفرقان ، يوم بدر . والجمعان : الفريقان من ~~المسلمين والكافرين ، والمراد منه ما أنزل عليه من الآيات ، والملائكة ، ~~والفتح في ذلك اليوم { والله على كل شيء قدير } أي يقدر على نصركم وأنتم ~~قليلون ذليلون والله أعلم . # PageV15P133 ! 7 < { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب ~~أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولاكن ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة وإن الله لسميع عليم } . ~~> 7 ! # < < # | الأنفال : ( 42 ) إذ أنتم بالعدوة . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } قولان : أحدهما : ~~أنه متعلق بمضمر معناه واذكروا إذ أنتم كذا وكذا ، كما قال تعالى : { ~~واذكروا إذ أنتم قليل } ( الأنفال : 26 ) والثاني : أن يكون قوله : { إذ } ~~بدلا عن يوم الفرقان . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { بالعدوة } بكسر العين ~~في الحرفين . والباقون بالضم ، وهما لغتان . قال ابن السكيت : عدوة الوادي ~~وعدوته جانبه ، والجمع عدى ، وعدي . قال الأخفش : الكسر كلام العرب لم يسمع ~~عنهم غير ذلك . وقال أحمد بن يحيى : الضم في العدوة أكثر اللغتين . وحكى ~~صاحب ( الكشاف ) : الضم والفتح والكسر . قال : وقرىء بهن و { * بالعدية } ~~على قلب الواو ياء ، لأن بينها وبين الكسر حاجزا غير حصين ، كما في الفتية ~~. وأما { الحيواة الدنيا } فتأنيث الأدنى وضده { القصوى } وهو تأنيث الأقصى ~~، وكل شيء تنحى عن شيء ، فقد قصا ، والأقصى والقصوى كالأكبر والكبرى . # فإن قيل : كلتاهما فعلى من باب الواو ، فلم جاءت إحداهما بالياء والثانية ~~بالواو ؟ # قلنا : القياس قلب الواو ياء ، كالعليا . وأما القصوى ، فقد جاء شاذا ، ~~وأكثر استعماله على أصله . # المسألة الثالثة : المراد بالعدوة الدنيا ، ما يلي جانب المدينة ، ~~وبالقصوى ، ما يلي جانب مكة وكان الماء في العدوة التي نزل بها المشركون ، ~~وكان استظهارهم من هذا الوجه أشد { والركب } العير التي خرجوا لها كانت في ~~موضع { أسفل منكم } إلى ساحر البحر { ولو تواعدتم } أنتم وأهل ms4340 / مكة على ~~القتال ، لخالف بعضكم بعضا لقلتكم وكثرتهم { ولاكن ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا } أي أنه يثبتكم الله ، وينصركم ، ليقضي أمرا كان مفعولا ، واجبا أن ~~يخرج إلى الفعل وقوله : { ليهلك من هلك } بدل من قوله : { ليقضي } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : لا شك أن عسكر الرسول عليه السلام في أول الأمر كانوا ~~في غاية الخوف والضعف بسبب القلة وعدم الأهبة ، ونزلوا بعيدين عن الماء ، ~~وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضا رملية تغوص فيها أرجلهم . وأما الكفار ، ~~فكانوا في غاية القوة بسبب الكثرة في العدد ، وبسبب حصول الآلات والأدوات ، ~~لأنهم كانوا قريبين من الماء ، ولأن الأرض التي نزلوا فيها كانت صالحة ~~للمشي ، ولأن العير كانوا خلف ظهورهم ، وكانوا يتوقعون مجيء المدد من العير ~~إليهم ساعة فساعة ، ثم إنه تعالى قلب القصة وعكس القضية ، وجعل الغلبة ~~للمسلمين ، والدمار على الكافرين فصار ذلك من أعظم المعجزات وأقوى البينات ~~PageV15P134 على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، فيما أخبر عن ربه من وعد ~~النصر والفتح والظفر . فقوله : { ليهلك من هلك عن بينة } إشارة إلى هذا ~~المعنى ، وهو أن الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة ، ~~والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة ، والمراد من ~~البينة هذه المعجزة . # المسألة الثانية : اللام في قوله : { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } وفي ~~قوله : { ليهلك من هلك عن بينة } لام الغرض ، وظاهره يقتضي تعليل أفعال ~~الله وأحكامه بالأغراض والمصالح / إلا أنا نصرف هذا الكلام عن ظاهره ~~بالدلائل العقلية المشهورة . # المسألة الثالثة : قوله : { ليهلك من هلك عن بينة } ظاهره يقتضي أنه ~~تعالى أراد من الكل العلم والمعرفة والخير والصلاح ، وذلك يقدح في قول ~~أصحابنا : أنه تعالى أراد الكفر من الكافر ، لكنا نترك هذا الظاهر بالدلائل ~~المعلومة . # المسألة الرابعة : قوله : { ويحيى من حى عن بينة } قرأ نافع وأبو بكر عن ~~عاصم والبزي عن ابن كثير ونصير عن الكسائي { من } بإظهار الياءين وأبو عمرو ~~، وابن كثير برواية القواس ، وابن عامر وحفص عن عاصم والكسائي بياء مشددة ~~على الإدغام . فأما الإدغام فللزوم ms4341 الحركة في الثاني ، فجرى مجرى رد لأنه ~~في المصحف مكتوب بياء واحدة . وأما الإظهار فلامتناع الإدغام في مضارعه من ~~( يحيى ) فجرى على مشاكلته ، وأجاز بعض الكوفيين الإدغام في { ولا يحيى } . # ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { وإن الله لسميع عليم } أي يسمع دعاءكم ~~ويعلم حاجتكم وضعفكم ، فأصلح مهمكم . # ! 7 < { إذ يريكهم الله فى منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم فى الا مر ولاكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور } . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 43 ) إذ يريكهم الله . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التي أنعم الله بها على أهل بدر ، ~~وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : { إذ يريكهم الله } منصوب بإضمار اذكر ، أو هو بدل ثان ~~من يوم الفرقان أو متعلق بقوله : { لسميع عليم } أي يعلم المصالح إذ يقللهم ~~في أعينكم . # المسألة الثانية : قال مجاهد : أرى الله النبي عليه السلام كفار قريش في ~~منامه قليلا فأخبر بذلك أصحابه . فقالوا : رؤيا النبي حق ، القوم قليل ، ~~فصار ذلك سببا لجراءتهم وقوة قلوبهم . # فإن قيل : رؤية الكثير قليلا غلط ، فكيف يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك ~~؟ PageV15P135 # قلنا : مذهبنا أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضا لعله تعالى ~~أراه البعض دون البعض فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنهم قليلون . وعن ~~الحسن : هذه الأراءة كانت في اليقظة . قال : والمراد من المنام العين التي ~~هو موضع النوم . # ثم قال تعالى : { ولو أراكهم كثيرا } لذكرته للقوم ولو سمعوا ذلك لفشلوا ~~ولتنازعوا ، ومعنى التنازع في الأمر ، الاختلاف الذي يحاول به كل واحد نزع ~~صاحبه عما هو عليه ، والمعنى : لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم { ولاكن الله ~~سلم } أي سلمكم من المخالفة فيما بينكم . وقيل : سلم الله لهم أمرهم حتى ~~أظهرهم على عدوهم ، وقيل سلمهم من الهزيمة يوم بدر والأظهر أن المراد ، ~~ولكن الله سلمكم من التنازع { إنه عليم بذات الصدور } يعلم ما يحصل فيها من ~~الجراءة والجبن والصبر والجزع . # ! 7 < { وإذ يريكموهم إذ التقيتم فىأعينكم قليلا ويقللكم فىأعينهم ليقضى ~~الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور } . > 7 ms4342 ! # / < < # | الأنفال : ( 44 ) وإذ يريكموهم إذ . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من النعم التي أظهرها الله للمسلمين يوم ~~بدر ، والمراد أن القليل الذي حصل في النوم تأكد ذلك بحصوله في اليقظة . ~~قال صاحب ( الكشاف ) : { وإذ يريكموهم } الضميران مفعولان يعني إذ يبصركم ~~أياهم ، و { قليلا } نصب على الحال . # واعلم أنه تعالى قلل عدد المشركين في أعين المؤمنين ، وقلل أيضا عدد ~~المؤمنين في أعين المشركين . والحكمة في التقليل الأول ، تصديق رؤيا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ، وأيضا لتقوى قلوبهم وتزداد جراءتهم عليهم ، والحكمة ~~في التقليل . الثاني : أن المشركين لما استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في ~~الاستعداد والتأهب والحذر ، فصار ذلك سببا لاستيلاء المؤمنين عليهم . # فإن قيل : كيف يجوز أن يريهم الكثير قليلا ؟ # قلنا : أما على ما قلنا فذاك جائز ، لأن الله تعالى خلق الإدراك في حق ~~البعض دون البعض . وأما المعتزلة فقالوا : لعل العين منعت من إدراك الكل ، ~~أو لعل الكثير منهم كانوا في غاية البعد فما حصلت رؤيتهم . # ثم قال : { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } . # فإن قيل : ذكر هذا الكلام في الآية المتقدمة ، فكان ذكره ههنا محض ~~التكرار . # قلنا : المقصود من ذكره في الآية المتقدمة هو أنه تعالى فعل تلك الأفعال ~~ليحصل استيلاء المؤمنين على المشركين على وجه يكون معجزة دالة على صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . والمقصود من ذكره ههنا ، ليس هو ذلك المعنى ، ~~بل المقصود أنه تعالى ذكر ههنا أنه قلل عدد المؤمنين في أعين المشركين ، ~~فبين ههنا أنه إنما فعل ذلك ليصير ذلك سببا لئلا يبالغ الكفار في تحصيل ~~الاستعداد والحذر ، فيصير ذلك سببا لانكسارهم . # ثم قال : { وإلى الله ترجع الامور } والغرض منه التنبيه على أن أحوال ~~الدنيا غير مقصودة لذواتها ، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زادا ليوم ~~المعاد . # PageV15P136 ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا ~~الله كثيرا لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين * ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم ~~بطرا ورئآء الناس ويصدون ms4343 عن سبيل الله والله بما يعملون محيط } . > 7 @QB@ ~~< # | الأنفال : ( 45 - 47 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع نعمه على الرسول وعلى المؤمنين يوم بدر ~~علمهم إذا التقوا بالفئة وهي الجماعة من المحاربين نوعين من الأدب : الأول ~~: الثبات وهو أن يوطنوا أنفسهم على اللقاء ولا يحدثوها بالتولي . والثاني : ~~أن يذكروا الله كثيرا ، وفي تفسير هذا الذكر قولان : # القول الأول : أن يكونوا بقلوبهم ذاكرين الله وبألسنتهم ذاكرين الله . ~~قال ابن عباس : أمر الله أولياءه بذكره في أشد أحوالهم ، تنبيها على أن ~~الإنسان لا يجوز أن يخلى قلبه ولسانه عن ذكر الله ، ولو أن رجلا أقبل من ~~المغرب إلى المشرق ينفق الأموال سخاء ، والآخر من المشرق إلى المغرب يضرب ~~بسيفه في سبيل الله ، كان الذاكر لله أعظم أجرا . # والقول الثاني : أن المراد من هذا الذكر الدعاء بالنصر والظفر ، لأن ذلك ~~لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى . # ثم قال : { لعلكم تفلحون } وذلك لأن مقاتلة الكافر إن كانت لأجل طاعة ~~الله تعالى كان ذلك جاريا مجرى بذل الروح في طلب مرضاة الله تعالى ، وهذا ~~هو أعظم مقامات العبودية ، فإن غلب الخصم فاز بالثواب والغنيمة ، وإن صار ~~مغلوبا فاز بالشهادة والدرجات العالية ، أما إن كانت المقاتلة لا لله بل ~~لأجل الثناء في الدنيا وطلب المال لم يكن ذلك وسيلة إلى الفلاح والنجاح . # فإن قيل : فهذه الآية توجب الثبات على كل حال ، وهذا يوهم أنها ناسخة ~~لآية التحرف والتحيز . # قلنا : هذه الآية توجب الثبات في الجملة ، والمراد من الثبات الجد في ~~المحاربة . وآية التحرف والتحيز لا تقدح في حصول الثبات في المحاربة بل كان ~~الثبات في هذا المقصود ، لا يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز . # ثم قال تعالى مؤكدا لذلك : { وأطيعوا الله ورسوله } في سائر ما يأمر به ، ~~لأن الجهاد لا ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات . # ثم قال : { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } وفيه مسائل : PageV15P137 # / المسألة الأولى : بين تعالى أن النزاع يوجب أمرين : أحدهما : أنه يوجب ~~حصول الفشل والضعف . والثاني : قوله : { وتذهب ريحكم } وفيه ms4344 قولان : الأول ~~: المراد بالريح الدولة ، شبهت الدولة وقت نفاذها وتمشية أمرها بالريح ~~وهبوبها . يقال : هبت رياح فلان ، إذا دانت له الدولة ونفد أمره . الثاني : ~~أنه لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله ، وفي الحديث ( نصرت بالصبا ، ~~وأهلكت عاد بالدبور ) والقول الأول أقوى ، لأنه تعالى جعل تنازعهم مؤثرا في ~~ذهاب الريح ، ومعلوم أن اختلافهم لا يؤثر في هبوب الصبا . قال مجاهد : { ~~وتذهب ريحكم } أي نصرتكم ، وذهبت ريح أصحاب محمد حين تنازعوا يوم أحد . # المسألة الثانية : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : القول بالقياس ~~يفضي إلى المنازعة ، والمنازعة محرمة ، فهذه الآية توجب أن يكون العمل ~~بالقياس حراما ، بيان الملازمة المشاهدة ، فإنا نرى أن الدنيا صارت مملوءة ~~من الاختلافات بسبب القياسات ، وبيان أن المنازعة محرمة . قوله : { ولا ~~تنازعوا } وأيضا القائلون بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس تمسكوا بهذه ~~الآية . وقالوا : قوله تعالى : { وأطيعوا الله ورسوله } صريح في وجوب طاعة ~~الله ورسوله في كل ما نص عليه ، ثم أتبعه بأن قال : { ولا تنازعوا فتفشلوا ~~} ومعلوم أن من تمسك بالقياس المخصص بالنص فقد ترك طاعة الله وطاعة رسوله . ~~وتمسك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل ، وكل ذلك حرام ، ومثبتو القياس ~~أجابوا عن الأول ؛ بأنه ليس كل قياس يوجب المنازعة . # ثم قال تعالى : { واصبروا إن الله مع الصابرين } والمقصود أن كمال أمر ~~الجهاد مبني على الصبر ، فأمرهم بالصبر . كما قال في آية أخرى : { اصبروا ~~وصابروا ورابطوا } ( آل عمران : 200 ) وبين أنه تعالى مع الصابرين ، ولا ~~شبهة أن المراد بهذه المعية النصرة والمعونة . # ثم قال : { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون ~~عن سبيل الله } قال المفسرون : المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير ، ~~فلما وردوا الجحفة بعث الحقاف الكناني كان صديقا لأبي جهل إليه بهدايا مع ~~ابن له ، فلما أتاه قال : إن أبي ينعمك صباحا ويقول لك إن شئت أن أمدك ~~بالرجال أمددتك ، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي فعلت ، فقال أبو ~~جهل : قل لأبيك جزاك الله والرحم خيرا ms4345 ، إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد ~~فوالله ما لنا بالله من طاقة ، وإن كنا نقاتل الناس ، فوالله إن بنا على ~~الناس لقوة ، والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور ~~وتعزف علينا فيها القيان ، فإن بدرا موسم من مواسم العرب ، / وسوق من ~~أسواقهم حتى تسمع العرب بهذه الواقعة . قال المفسرون : فوردوا بدرا وشربوا ~~كؤوس المنايا مكان الخمر ، وناحت عليهم النوائح مكان القيان . # واعلم أنه تعالى وصفهم بثلاثة أشياء : الأول : البطر قال الزجاج : البطر ~~الطغيان في النعمة . والتحقيق أن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن ~~صرفها إلى مرضاته وعرف أنها من الله تعالى فذاك هو الشكر . وأما إن توسل ~~بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أهل الزمان فذاك هو البطر . ~~والثاني : قوله : { ورئاء الناس } والرئاء عبارة عن القصد إلى إظهار الجميل ~~مع أن باطنه يكون قبيحا ، والفرق بينه وبين النفاق أن النفاق إظهار الإيمان ~~مع إبطان الكفر ، والرئاء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية . روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم لما رآهم في موقف بدر قال : ( اللهم أن قريشا أقبلت بفخرها ~~وخيلائها لمعارضة دينك ومحاربة رسولك ) والثالث : قوله : { ويصدون عن سبيل ~~الله } PageV15P138 فعل مضارع وعطف الفعل على الاسم غير حسن . وذكر الواحدي ~~فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن يكون قوله : { ويصدون عن سبيل الله } بمنزلة ~~صادين . والثاني : أن يكون قوله : { بطرا ورئاء } بمنزلة يبطرون ويراؤن ، ~~وأقول : إن شيئا من هذه الوجوه لا يشفي الغليل ، لأنه تارة يقيم الفعل مقام ~~الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل ، ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها ~~، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر ، ~~وعن الثالث بالفعل . وأقول : إن الشيخ عبد القاهر الجرجاني ، ذكر أن الاسم ~~يدل على التمكين والاستمرار والفعل على التجدد والحدوث ، قال ومثاله في ~~الاسم قوله تعالى : { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } ( الكهف : 18 ) وذلك ~~يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة ، ومثال الفعل قوله تعالى : { قل من ~~يرزقكم من السماء والارض } ( يونس ms4346 : 31 ) وذلك يدل على أنه تعالى يوصل ~~الرزق إليهم ساعة فساعة ، هذا ما ذكره الشيخ عبد القاهر . # إذا عرفت هذا فنقول : إن أبا جهل ورهطه وشيعته كانوا مجبولين على البطر ~~والمفاخرة والعجب / وأما صدهم عن سبيل الله فإنما حصل في الزمان الذي ادعى ~~محمد عليه الصلاة والسلام النبوة . ولهذا السبب ذكر البطر والرئاء بصيغة ~~الاسم ، وذكر الصد عن سبيل الله بصيغة الفعل والله أعلم . # وحاصل الكلام : أنه تعالى أمرهم عند لقاء العدو بالثبات والاشتغال بذكر ~~الله ، ومنعهم من أن يكون الحامل لهم على ذلك الثبات ؛ البطر والرئاء ، بل ~~أوجب عليهم أن يكون الحامل لهم عليه طلب عبودية الله . # واعلم أن حاصل القرآن من أوله إلى آخره دعوة الخلق من الاشتغال بالخلق ، ~~وأمرهم بالعناء في طريق عبودية الحق ، والمعصية مع الانكسار أقرب إلى ~~الإخلاص من الطاعة مع الافتخار ، ثم / ختم هذه الآية بقوله : { والله بما ~~تعملون * محيط } والمقصود أن الإنسان ربما أظهر من نفسه أن الحامل له ~~والداعي إلى الفعل المخصوص طلب مرضاة الله تعالى مع أنه لا يكون الأمر كذلك ~~في الحقيقة ، فبين تعالى كونه عالما بما في دواخل القلوب ، وذلك كالتهديد ~~والزجر عن الرئاء والتصنع . # ! 7 < { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برىء منكم إنيأرى ~~ما لا ترون إنيأخاف الله والله شديد العقاب } . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 48 ) وإذ زين لهم . . . . . # > > اعلم أن هذا من جملة النعم التي خص أهل بدر بها وفيه مسائل : # المسألة الأولى : العامل في { إذ } فيه وجوه : قيل : تقديره اذكر إذ زين ~~لهم ، وقيل : هو عطف على ما تقدم من تذكير النعم ، وتقديره : واذكروا إذ ~~يريكموهم وإذ زين ، وقيل : هو عطف على قوله : خرجوا بطرا ورئاء PageV15P139 ~~الناس . وتقديره : لا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورثاء الناس وإذ ~~زين لهم الشيطان أعمالهم . # المسألة الثانية : في كيفية هذا التزيين وجهان : الأول : أن الشيطان زين ~~بوسوسته من غير أن يتحول في صورة ms4347 الإنسان ، وهو قول الحسن والأصم . والثاني ~~: أنه ظهر في صورة الإنسان . قالوا : إن المشركين حين أرادوا المسير إلى ~~بدر خافوا من بني بكر بن كنانة ، لأنهم كانوا قتلوا منهم واحدا ، فلم ~~يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم ، فتصور لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم ~~وهو من بني بكر بن كنانة وكان من أشرافهم في جند من الشياطين ، ومعه راية ، ~~وقال : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم مجيركم من بني كنانة ، ~~فلما رأى إبليس نزول الملائكة نكص على عقيبه . وقيل : كانت يده في يد الحرث ~~بن هشام ، فلما نكص قال له الحرث : أتخذ لنا في هذه الحال ؟ فقال : إني أرى ~~ما لا ترونا ودفع في صدر الحرث وانهزموا . وفي هذه القصة سؤالات : # السؤال الأول : ما الفائدة في تغيير صورة إبليس إلى صورة سراقة ؟ # والجواب فيه معجزة عظيمة للرسول عليه السلام وذلك لأن كفار قريش لما ~~رجعوا إلى مكة / قالوا هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال : والله ما ~~شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم . فعند ذلك تبين للقوم أن ذلك الشخص ما ~~كان سراقة بل كان شيطانا . # فإن قيل : فإذا حضر إبليس لمحاربة المؤمنين . ومعلوم أنه في غاية القوة ، ~~فلم لم يهزموا جيوش المسلمين ؟ # قلنا : لأنه رأى في جيش المسلمين جبريل مع ألف من الملائكة ، فلهذا السبب ~~خاف وفر . # فإن قيل : فعلى هذا الطريق وجب أن ينهزم جميع جيوش المسلمين لأنه يتشبه ~~بصورة البشر ويحضر ويعين جمع الكفار ويهزم جموع المسلمين ، والحاصل : أنه ~~إن قدر على هذا المعنى فلم لا يفعل ذلك في سائر وقائع المسلمين ؟ وإن لم ~~يقدر عليه فكيف أضفتم إليه هذا العمل في واقعة بدر ؟ # الجواب : لعله تعالى إنما غير صورته إلى صورة البشر في تلك الواقعة أما ~~في سائر الوقائع فلا يفعل ذلك التغيير . # السؤال الثاني : أنه تعالى لما غير صورته إلى صورة البشر فما بقي شيطانا ~~بل صار بشرا . # الجواب أن الإنسان إنما كان إنسانا بجوهر نفسه الناطقة ، ونفوس الشياطين ~~مخالفة لنفوس البشر ms4348 فلم يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة ، وهذا الباب ~~أحد الدلائل السمعية على أن الإنسان ليس إنسانا بحسب بنيته الظاهرة وصورته ~~المخصوصة . # السؤال الثالث : ما معنى قول الشيطان { لا غالب لكم اليوم من الناس } وما ~~الفائدة في هذا الكلام مع أنهم كانوا كثيرين غالبين ؟ # والجواب : أنهم وإن كانوا كثيرين في العدد إلا أنهم كانوا يشاهدون أن ~~دولة محمد عليه الصلاة والسلام كل يوم في الترقي والتزايد ، ولأن محمدا ~~كلما أخبر عن شيء فقد وقع فكانوا لهذا السبب خائفين جدا من قوم محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، فذكر إبليس هذا الكلام إزالة للخوف عن قلوبهم / ويحتمل أن ~~يكون المراد أنه كان يؤمنهم من شر بني بكر بن كنانة خصوصا وقد تصور بصورة ~~زعيم منهم ، وقال : { إنى * جار لكم } والمعنى : إني إذا كنت وقومي ظهيرا ~~لكم فلا يغلبكم أحد من الناس ومعنى الجار ههنا : الدافع عن صاحبه أنواع ~~الضرر كما PageV15P140 يدفع الجار عن جاره ، والعرب تقول : أنا جار لك من ~~فلان أي حافظ من مضرته فلا يصل إليك مكروه منه . # ثم قال تعالى : { فلما تراءت الفئتان } أي التقى الجمعان بحيث رأت كل ~~واحدة الأخرى نكص على عقيبه ، والنكوص الأحجام عن الشيء ، والمعنى : رجع ~~وقال : إني أرى مالا ترون ، وفيه / وجوه : الأول : أنه روحاني ، فرأى ~~الملائكة فخافهم . قيل : رأى جبريل يمشي بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام ~~. وقيل : رأى ألفا من الملائكة مردفين . الثاني : أنه رأى أثر النصرة ~~والظفر في حق النبي عليه الصلاة والسلام ، فعلم أنه لو وقف لنزلت عليه بلية ~~. # ثم قال : { إنى أخاف الله } قال قتادة صدق في قوله : { إني أرى ما لا ~~ترون } وكذب في قوله : { إنى أخاف الله } وقيل لما رأى الملائكة ينزلون من ~~السماء خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر فقال : ما قال إشفاقا على ~~نفسه . # أما قوله : { والله شديد العقاب } فيجوز أن يكون من بقية كلام إبليس ، ~~ويجوز أن ينقطع كلامه عند قوله أخاف الله . # ثم قال تعالى بعده : { والله شديد العقاب } . # ! 7 ms4349 < { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هاؤلاء دينهم ومن ~~يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم } . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 49 ) إذ يقول المنافقون . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إنما لم تدخل الواو في قوله : { إذ يقول } ودخلت في ~~قوله : { وإذ زين لهم } ( الأنفال : 48 ) لأن قوله : { وإذ زين } عطف على ~~هذا التزيين على حالهم وخروجهم بطرا ورئاء ، وأما هنا وهو قوله : { إذ يقول ~~المنافقون } فليس فيه عطف لهذا الكلام على ما قبله بل هو كلام مبتدأ منقطع ~~عما قبله ، وعامل الإعراب في { إذ } فيه وجهان : الأول : التقدير والله ~~شديد العقاب إذ يقول المنافقون والثاني : اذكروا إذ يقول المنافقون . # المسألة الثانية : أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج ، وأما الذين ~~في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم في قلوبهم ولم ~~يهاجروا . ثم إن قريشا لما خرجوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه ، وإن كان في قلة ~~أقمنا في قومنا . قال محمد بن إسحاق : ثم قتل هؤلاء جميعا مع المشركين يوم ~~بدر . وقوله : { غر هؤلاء دينهم } قال ابن عباس : معناه أنه خرج بثلثمائة ~~وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل ، / وما ذاك إلا أنهم اعتمدوا على دينهم . وقيل ~~المراد : إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم ، رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت ~~ويثابون على هذا القتل . # ثم قال تعالى : { ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم } أي ومن يسلم ~~أمره إلى الله ويثق بفضله PageV15P141 ويعول على إحسان الله ، فإن الله ~~حافظه وناصره ، لأنه عزيز لا يغلبه شيء ، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه ، ~~والرحمة والثواب إلى أوليائه : # ! 7 < { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ~~وذوقوا عذاب الحريق * ذالك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد } . ~~> 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 50 - 51 ) ولو ترى إذ . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار شرح أحوال موتهم ، والعذاب ~~الذي يصل إليهم في ذلك الوقت ، وفي الآية مسائل ms4350 : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده { إذ } بالتاء على تأنيث لفظ ~~الملائكة والجمع ، والباقون بالياء على المعنى . # المسألة الثانية : جواب { عليهم لو } محذوف . والتقدير : لرأيت منظرا ~~هائلا ، وأمرا فظيعا ، وعذابا شديدا . # المسألة الثالثة : { ولو ترى } ولو عاينت وشاهدت ، لأن لو ترد المضارع ~~إلى الماضي كما ترد إن الماضي إلى المضارع . # المسألة الرابعة : الملائكة رفعها بالفعل ، ويضربون حال منهم ، ويجوز أن ~~يكون في قوله : { يتوفى } ضمير لله تعالى ، والملائكة مرفوعة بالابتداء ، ~~ويضربون خبر . # المسألة الخامسة : قال الواحدي : معنى يتوفى الذين كفروا يقبضون أرواحهم ~~على استيفائها وهذا يدل على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد ، وأنه هو ~~الروح فقط ؛ لأن قوله : { يتوفى الذين كفروا } يدل على أنه استوفى الذات ~~الكافرة ، وذلك يدل على أن الذات الكافرة هي التي استوفيت / من هذا الجسد ، ~~وهذا برهان ظاهر على أن الإنسان شيء مغاير لهذا الجسد ، وقوله : { يضربون ~~وجوههم وأدبارهم } قال ابن عباس : كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى ~~المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف ، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم ، فلا جرم قابلهم ~~الله بمثله في وقت نزع الروح ، وأقول فيه معنى آخر ألطف منه ، وهو أن روح ~~الكافر إذا خرج من جسده فهو معرض عن عالم الدنيا مقبل على الآخرة ، وهو ~~لكفره لا يشاهد في عالم الآخرة إلا الظلمات ، وهو لشدة حبه للجسمانيات ، ~~ومفارقته لها لا ينال من مباعدته عنها إلا الآلام والحسرات ، فسبب مفارقته ~~لعالم الدنيا تحصل له الآلام بعد الآلام والحسرات ، وبسبب إقباله على ~~الآخرة مع عدم النور والمعرفة ، ينتقل من ظلمات إلى ظلمات ، فهاتان الجهتان ~~هما المراد من قوله : { يضربون وجوههم وأدبارهم } . # ثم قال تعالى : { وذوقوا عذاب الحريق } وفيه إضمار ، والتقدير : ونقول ~~ذوقوا عذاب الحريق ونظيره في القرآن كثير قال تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم ~~القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا } ( البقرة : 127 ) أي ويقولان ~~ربنا ، وكذا قوله تعالى : { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا * رؤوسهم * عند ~~ربهم ربنا أبصرنا } ( السجدة : 12 ) أي يقولون ربنا . قال ابن عباس : قول ~~الملائكة لهم : { وذوقوا عذاب الحريق } إنما صح ms4351 لأنه كان مع الملائكة ~~PageV15P142 مقامع ، وكلما ضربوا بها التهبت النار في الأجزاء والأبعاض ، ~~فذاك قوله : { وذوقوا عذاب الحريق } قال الواحدي : والصحيح أن هذا تقوله ~~الملائكة لهم في الآخرة . وأقول : أما العذاب الجسماني فحق وصدق . وأما ~~الروحاني فحق أيضا لدلالة العقل عليه ، وذلك لأنا بينا أن الجاهل إذا فارق ~~الدنيا حصل له الحزن الشديد بسبب مفارقة الدنيا المحبوبة ، والخوف الشديد ~~بسبب تراكم الظلمات عليه في عالم الخوف والحزن . والخوف والحزن كلاهما ~~يوجبان الحرقة الروحانية ، والنار الروحانية . # ثم قال تعالى : { ذالك بما قدمت أيديكم } قيل هذا إخبار عن قول الملائكة ~~، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : يجوز أن يقال ذلك مبتدأ ، وخبره قوله : { ~~بما قدمت أيديكم } ويجوز أن يكون محل ذلك نصبا ، والتقدير : فعلنا ذلك بما ~~قدمت أيديكم . # المسألة الثانية : المراد من قوله : { ذالك } هذا أي هذا العذاب الذي هو ~~عذاب الحريق ، حصل بسبب ما قدمت أيديكم ، وذكرنا في قوله : { الم * ذالك ~~الكتاب } أن معناه هذا الكتاب وهذا المعنى جائز . # المسألة الثالثة : ظاهر قوله : { ذالك بما قدمت } يقتضي أن فاعل هذا ~~الفعل هو اليد ، وذلك / ممتنع من وجوه : أحدها : أن هذا العذاب إنما وصل ~~إليهم بسبب كفرهم ، ومحل الكفر هو القلب لا اليد . وثانيها : أن اليد ليست ~~محلا للمعرفة والعلم ، فلا يتوجه التكليف عليها ، فلا يمكن إيصا العذاب ~~إليها ، فوجب حمل اليد ههنا على القدرة ، وسبب هذا المجازان اليد آلة العمل ~~والقدرة هي المؤثرة في العمل ، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة . # واعلم أن التحقيق أن الإنسان جوهر واحد وهو الفعل وهو الدراك وهو المؤمن ~~وهو الكافر وهو المطيع والعاصي ، وهذه الأعضاء آلات له وأدوات له في الفعل ~~فأضيف الفعل في الظاهر إلى الآلة ، وهو في الحقيقة مضاف إلى جوهر ذات ~~الإنسان . # المسألة الرابعة : قوله : { بما قدمت أيديكم } يقتضي أن ذلك العقاب ~~كالأمر المتولد من الفعل الذي صدر عنه ، وقد عرفت أن العقاب إنما يتولد من ~~العقائد الباطلة التي يكتبها الإنسان ، ومن الملكات الراسخة التي يكتسبها ~~الإنسان ، فكان هذا الكلام مطابقا للمعقول ms4352 . # ثم قال تعالى : { وأن الله ليس بظلام للعبيد } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في محل أن وجهان : أحدهما : النصب بنزع الخافض يعني بأن ~~الله : والثاني : أنك إن جعلت قوله : { ذالك } في موضع رفع جعلت أن في موضع ~~رفع أيضا ، بمعنى وذلك أن الله قال الكسائي ولو كسرت ألف أن على الابتداء ~~كان صوابا ، وعلى هذا التقدير : يكون هذا كلاما مبتدأ منقطعا عما قبله . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : لو كان تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ~~ثم يعذبه عليه لكان ظالما ، وأيضا قوله تعالى : { ذالك بما قدمت أيديكم وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد } يدل على أنه تعالى إنما لم يكن ظالما بهذا العذاب ~~، لأنه قدم ما استوجب عليه هذا العذاب ، وذلك يدل على أنه لو لم يصدر منه ~~ذلك التقديم لكان الله تعالى ظالما في هذا العذاب ، فلو كان الموجد للكفر ~~والمعصية هو الله لا العبد لوجب كون الله ظالما ، وأيضا تدل هذه الآية على ~~كونه قادرا على الظلم ، إذ لو لم يصح منه لما كان في التمدح بنفيه فائدة . ~~PageV15P143 # واعلم أن هذه المسألة قد سبق ذكرها على الاستقصاء في سورة آل عمران ، فلا ~~فائدة في الإعادة . والله أعلم . # ! 7 < { كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله ~~بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب * ذالك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم * كدأب ءال فرعون والذين ~~من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنآ ءال فرعون وكل كانوا ~~ظالمين } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 52 - 54 ) كدأب آل فرعون . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما بين ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلا ~~وآجلا كما شرحناه أتبعه بأن بين أن هذه طريقته وسنته في الكل . فقال : { ~~كدأب ءال فرعون } والمعنى : عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم . ~~فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإغراق وأصل الدأب في اللغة ~~إدامة العمل يقال : فلان يدأب في كذا ، أي يداوم عليه ms4353 ويواظب ويتعب نفسه ، ~~ثم سميت العادة دأبا لأن الإنسان مداوم على عادته ومواظب عليها . # ثم قال تعالى { إن الله قوى شديد العقاب } والغرض منه التنبيه على أن لهم ~~عذابا مدخرا سوى ما نزل بهم من العذاب العاجل ، ثم ذكر ما يجري مجرى العلة ~~في العقاب الذي أنزله بهم ، فقال : { ذالك بأن الله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { لم يك } أكثر النحويين يقولون إنما حذفت النون ~~. لأنها لم تشبه الغنة المحضة ، فأشبهت حروف اللين ووقعت طرفا ، فحذفت ~~تشبيها بها كما تقول لم يدع ولم يرم ولم يل وقال الواحدي : وهذا ينتقض ~~بقولهم لم يزن ولم يخن فلم يسمع حذف النون ههنا . # وأجاب علي بن عيسى عنه . فقال إن كان ويكون أم الأفعال من أجل أن كل فعل ~~قد حصل / فيه معنى كان فقولنا ضرب معناه كان ضرب ويضرب معناه يكون ضرب ، ~~وهكذا القول في الكل فثبت أن هذه الكلمة أم الأفعال . فاحتيج إلى استعمالها ~~في أكثر الأوقات ، فاحتملت هذا الحذف بخلاف قولنا لم يخن ولم يزن ، فإنه لا ~~حاجة إلى ذكرها كثيرا فظهر الفرق . والله أعلم . # المسألة الثانية : قال القاضي : معنى الآية أنه تعالى أنعم عليهم بالعقل ~~والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السبل والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ~~ويعدلوا عن الكفر ، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى PageV15P144 الفسق والكفر ، ~~فقد غيروا نعمة الله تعالى على أنفسهم ، فلا جرم استحقوا تبديل النعم ~~بالنقم والمنح بالمحن قال : وهذا من أوكد ما يدل على أنه تعالى لا يبتدىء ~~أحدا بالعذاب والمضرة ، والذي يفعله لا يكون الأجزاء على معاص سلفت ، ولو ~~كان تعالى خلقهم وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنار كما يقوله القوم ، لما ~~صح ذلك ، قال أصحابنا : ظاهر الآية مشعر بما قاله القاضي الإمام إلا أنا لو ~~حملنا الآية عليه لزم أن يكون صفة الله تعالى معللة بفعل الإنسان ، وذلك ~~لأن حكم الله بذلك التغيير وإرادته لما كان لا يحصل إلا عند إتيان الأنسان ~~بذلك الفعل ms4354 ، فلو لم يصدر عند ذلك الفعل لم يحصل لله تعالى ذلك الحكم وتلك ~~الإرادة ، فحينئذ يكون فعل الإنسان مؤثرا في حدوث صفة في ذات الله تعالى ، ~~ويكون الإنسان مغيرا صفة الله ومؤثرا فيها ، وذلك محال في بديهة العقل ، ~~فثبت أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره ، بل الحق أن صفة الله غالبة ~~على صفات المحدثات ، فلولا حكمه وقضاؤه أولا لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء ~~من الأفعال والأقوال . # المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر مرة أخرى قوله تعالى : { كدأب ءال فرعون ~~} ذكروا فيه وجوها كثيرة : الأول : أن الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل ~~للكلام الأول ، لأن الكلام الأول فيه ذكر أخذهم ، وفي الثاني ذكر إغراقهم ~~وذلك تفصيل . والثاني : أنه أريد بالأول ما نزل بهم من العقوبة في حال ~~الموت ، وبالثاني ما ينزل بهم في القبر في الآخرة . الثالث : أن الكلام ~~الأول هو قوله : { كفروا بئايات الله } والكلام الثاني هو قوله : { كذبوا ~~بآيات ربهم } فالأول إشارة إلى أنهم أنكروا الدلائل الإلهية ، والثاني ~~إشارة إلى أنه سبحانه رباهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة ، فأنكروا دلائل ~~التربية والإحسان مع كثرتها وتواليها عليهم ، فكان الأثر اللازم من الأول ~~هو الأخذ والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق ، وذلك يدل على أن ~~لكفران النعمة أثرا عظيما في حصول الهلاك والبوار ، ثم ختم تعالى الكلام ~~بقوله : { وكل كانوا ظالمين } والمراد منه أنهم كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر ~~والمعصية ، وظالمي سائر الناس بسبب الإيذاء والإيحاش ، وأن الله تعالى / ~~إنما هلكهم بسبب ظلمهم ، وأقول في هذا المقام اللهم أهلك الظالمين وطهر وجه ~~الأرض منهم فقد عظمت فتنتهم وكثر شرهم ، ولا يقدر أحد على دفعهم إلا أنت ، ~~فادفع يا قهار يا جبار يا منتقم . # ! 7 < { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عاهدت ~~منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 55 - 56 ) إن شر الدواب . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما وصف كل الكفار بقوله : { وكل كانوا ظالمين } أفرد ~~بعضهم بمزية في الشر والعناد . فقال ms4355 : { إن شر الدواب عند الله } أي في ~~حكمه وعلمه من حصلت له صفتان : PageV15P145 # الصفة الأولى : الكافر الذي يكون مستمرا على كفره مصرا عليه لا يتغير عنه ~~البتة . # الصفة الثانية : أن يكون ناقضا للعهد على الدوام فقوله : { الذين عاهدت ~~منهم } بدل من قوله : { الذين كفروا } أي الذين عاهدت من الذين كفروا وهم ~~شر الدواب وقوله : { منهم } لتبعيض فإن المعاهدة إنما تكون مع أشرافهم ~~وقوله : { ثم ينقضون عهدهم في كل مرة } قال أهل المعاني إنما عطف المستقبل ~~على الماضي ، لبيان أن من شأنهم نقض العهد مرة بعد مرة . قال ابن عباس : هم ~~قريظة فإنهم نقضوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا عليه المشركين ~~بالسلاح في يوم بدر ، ثم قالوا : أخطأنا فعاهدهم مرة أخرى فنقضوه أيضا يوم ~~الخندق ، وقوله : { وهم لا يتقون } معناه أن عادة من رجع إلى عقل وحزم أن ~~يتقي نقض العهد حتى يسكن الناس إلى قوله ويثقوا بكلامه ، فبين تعالى أن من ~~جمع بين الكفر الدائم وبين نقض العهد على هذا الوجه كان شر الدواب . # ! 7 < { فإما تثقفنهم فى الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون * وإما ~~تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء إن الله لا يحب الخائنين * ولا ~~يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 57 - 59 ) فإما تثقفنهم في . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى تارة يرشد رسوله إلى الرفق واللطف في آيات كثيرة . منها ~~قوله : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) ومنها قوله : ~~{ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الامر } ( آل عمران : 159 ) وتارة يرشد ~~إلى التغليظ / والتشديد كما في هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الذين ~~ينقضون عهدهم في كل مرة ، بين ما يجب أن يعاملوا به فقال : { فإما تثقفنهم ~~فى الحرب } قال الليث : ثقفنا فلانا في موضع كذا ، أي أخذناه وظفرنا به ، ~~والتشريد عبارة عن التفريق مع الاضطراب . يقال : شرد يشرد شرودا ، وشرده ~~تشريدا ، فمعنى الآية أنك إن ظفرت في الحرب بهؤلاء الكفار الذين ينقضون ~~العهد فافعل بهم فعلا يفرق ms4356 بهم من خلفهم . قال عطاء : تثخن فيهم القتل حتى ~~يخافك غيرهم ، وقيل : نكل بهم تنكيلا يشرد غيرهم من ناقضي العهد { لعلهم ~~يذكرون } أي لعل من خلفهم يذكرون ذلك النكال فيمنعهم ذلك عن نقض العهد ، ~~وقرأ ابن مسعود فشرذ بالذال المنقطة من فوق بمعنى ففرق وكأنه مقلوب شذر ، ~~وقرأ أبو حيوة من خلفهم ، والمعنى : فشرد تشريدا متلبسا بهم من خلفهم لأن ~~أحد العسكرين إذا كسروا الثاني ، فالكاسرون يعدون خلف المكسرين فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يشردهم في ذلك الوقت . # وأما قوله : { وإما تخافن من قوم خيانة } يعني من قوم معاهدين خيانة ~~ونكثا بأمارات ظاهرة { فانبذ إليهم } فاطرح إليهم العهد على طريق مستو ظاهر ~~، وذلك أن تظهر لهم نبذ العهد وتخبرهم أخبارا مكشوفا بينا أنك قطعت ما بينك ~~وبينهم ، ولاتبادرهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد ، فيكون ذلك خيانة منك ~~{ إن الله لا يحب الخائنين } في العهود وحاصل الكلام في هذه الآية أنه ~~تعالى أمره بنبذ من ينقض العهد على أقبح الوجوه وأمره أن يتباعد على أقصى ~~الوجوه من كل ما يوهم نكث العهد ونقضه . قال أهل العلم : آثار نقض العهد ~~إذا ظهرت ، فإما أن تظهر ظهورا محتملا أو ظهورا مقطوعا به ، فإن كان الأول ~~وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية ، وذلك لأن قريظة عاهدوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم ~~على رسول الله فحصل لرسول الله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على ~~الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب ، أما إذا ظهر نقض ~~العهد ظهورا مقطوعا به فههنا لا حاجة PageV15P146 إلى نبذ العهد كما فعل ~~رسول الله بأهل مكة فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم من ذمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران ، وذلك على أربعة ~~فراسخ من مكة . والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب . # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ms4357 بين ما يفعل الرسول في حق من يجده ~~في الحرب ويتمكن منه وذكر أيضا ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد ، ~~بين أيضا حال من وفاته في يوم بدر وغيره ، لئلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان ~~فيهم من بلغ في أذية الرسول عليه الصلاة والسلام مبلغا عظيما فقال : { لا ~~تحسبن الذين كفروا * سبقوا } والمعنى : أنهم لما سبقوا فقد فاتوك ولم تقدر ~~على إنزال ما يستحقونه بهم ، ثم ههنا قولان : الأول : أن المراد ولا تحسبن ~~أنهم انفلتوا منك ، فإن الله يظفرك بعيرهم . والثاني : لا تحسبن أنهم لما ~~تخلصوا من الأسر والقتل أنهم قد تخلصوا من عقاب الله ومن عذاب الآخرة { ~~إنهم لا يعجزون } أي أنهم بهذا السبق لا يعجزون الله من الانتقام منهم ~~والمقصود تسلية الرسول فيمن فاته ولم يتمكن من التشفي والانتقام منه . # المسألة الثانية : قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ( لا يحسبن ) بالياء ~~المنقطة من تحت ، وفي تصحيحه ثلاثة أوجه : الأول : قال الزجاج : ولا يحسبن ~~الذين كفروا أن يسبقونا ، لأنها في حرف ابن مسعود أنهم سبقونا فإذا كان ~~الأمر كذلك فهي بمنزلة قولك حسبت أن أقوم ، وحسبت أقوم وحذف أن كثير في ~~القرآن قال تعالى : { قل أفغير الله تأمرونى أعبد } ( الزمر : 64 ) والمعنى ~~: أن أعبد . الثاني : أن نضمر فاعلا للحسبان ونجعل الذين كفروا المفعول ~~الأول ، والتقدير : ولا يحسبن أحد الذين كفروا . والثالث : قال أبو علي : ~~ويجوز أيضا أن يضمر المفعول الأول ، والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا ~~أنفسهم سبقوا أو إياهم سبقوا ، وأما أكثر القراء فقرؤا { ولا تحسبن } ~~بالتاء المنقطة من فوق على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والذين كفروا ~~المفعول الأول وسبقوا المفعول الثاني وموضعه نصب والمعنى : ولا تحسبن الذين ~~كفروا سابقين . # المسألة الثالثة : أكثر القراء على كسر { ءان } في قوله : { إنهم لا } ~~وهو الوجه لأنه ابتداء كلام غير متصل بالأول كقوله : { الكاذبين أم حسب ~~الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } وتم الكلام ثم قال : { ساء ما يحكمون } ~~فكما أن قوله : { ساء ما يحكمون } منقطع من ms4358 الجملة التي قبلها ، كذلك قوله ~~: { إنهم لا يعجزون } وقرأ ابن عامر { أنهم } بفتح الألف ، وجعله متعلقا ~~بالجملة الأولى ، وفيه وجهان : الأول : التقدير لا تحسبنهم سبقوا ، لأنهم ~~لا يفوتون فهم يجزون على كفرهم . الثاني : قال أبو عبيد : يجعل { لا } صلة ~~، والتقدير : لا تحسبن أنهم يعجزون . # PageV15P147 ! 7 < { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون ~~به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا ~~من شىء فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 60 ) وأعدوا لهم ما . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أوجب على رسوله أن يشرد من صدر منه نقض العهد ، ~~وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النقض ، أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء ~~الكفار . قيل : إنه لما اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بدر أن ~~قصدوا الكفار بلا آلة ولا عدة أمرهم الله أن لا يعودوا لمثله وأن يعدوا ~~للكفار ما يمكنهم من آلة وعدة وقوة ، والمراد بالقوة ههنا : ما يكون سببا ~~لحصول القوة وذكروا فيه وجوها : الأول : المراد من القوة أنواع الأسلحة . ~~الثاني : روي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر وقال : ( ~~ألا إن القوة الرمي ) قالها ثلاثا . الثالث : قال بعضهم : القوة هي الحصون ~~. الرابع : قال أصحاب المعاني الأولى أن يقال : هذا عام في كل ما يتقوى به ~~على حرب العدو ، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة . وقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( القوة هي الرمي ) لا ينفي كون غير الرمي معتبرا ، ~~كما أن قوله عليه الصلاة والسلام : ( الحج عرفة ) و ( الندم توبة ) لا ينفي ~~اعتبار غيره ، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا ههنا ، ~~وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية ~~والرمي فريضة ، إلا أنه من فروض الكفايات . وقوله : { ومن رباط الخيل ) ~~الرباط المرابطة أو جمع ربيط ، كفصال وفصيل ، ولا شك أن ربط الخيل من أقوى ~~آلات الجهاد . روي أن رجلا قال لابن ms4359 سيرين : إن فلانا أوصى بثلث ماله ~~للحصون . فقال ابن سيرين : يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزى عليها ~~، فقال الرجل إنما أوصى للحصون ، فقال هي الخيل ألم تسمع قول الشاعر : # % ولقد علمت على تجنبي الردى % % إن الحصون الخيل لا مدر القرى % # قال عكرمة : ومن رباط الخيل الأناث وهو قول الفراء ، ووجه هذا القول أن ~~العرب تسمي الخيل إذا ربطت في الأفنية وعلفت ربطا واحدها ربيط ، ويجمع ربط ~~على رباط وهو جمع الجمع ، / فمعنى الرباط ههنا ، الخيل المربوط في سبيل ~~الله ، وفسر بالإناث لأنها أولى ما يربط لتناسلها ونمائها بأولادها ، ~~فارتباطها أولى من ارتباط الفحول ، هذا ما ذكره الواحدي . # ولقائل أن يقول : بل حمل هذا اللفظ على الفحول أولى ، لأن المقصود من ~~رباط الخيل المحاربة عليها ، ولا شك أن الفحول أقوى على الكر والفر والعدو ~~، فكانت المحاربة عليها أسهل ، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها ، ولما وقع ~~التعارض بين هذين الوجهين وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي ، وهو كونه خيلا ~~مربوطا ، سواء كان من الفحول أو من الإناث ، ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر ~~بإعداد هذه الأشياء . فقال : { ترهبون به عدو الله وعدوكم } وذلك أن الكفار ~~إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له PageV15P148 مستكملين ~~لجميع الأسلحة والآلات خافوهم ، وذلك الخوف يفيد أمورا كثيرة : أولها : ~~أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام . وثانيها : أنه إذا اشتد خوفهم فربما ~~التزموا من عند أنفسهم جزية . وثالثها : أنه ربما صار ذلك داعيا لهم إلى ~~الإيمان . ورابعها : أنهم لا يعينون سائر الكفار . وخامسها : أن يصير ذلك ~~سببا لمزيد الزينة في دار الإسلام . # ثم قال تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن } والمراد أن تكثير ~~آلات الجهاد وأدواتها كما يرهب الأعداء الذين نعلم كونهم أعداء / كذلك يرهب ~~الأعداء الذين لا نعلم أنهم أعداء ، ثم فيه وجوه : الأول : وهو الأصح أنهم ~~هم المنافقون ، والمعنى : أن تكثير أسباب الغزو كما يوجب رهبة الكفار فكذلك ~~يوجب رهبة المنافقين . # فإن قيل : المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكرتموه ms4360 الإرهاب ؟ # قلنا : هذا الإرهاب من وجهين : الأول : أنهم إذا شاهدوا قوة المسلمين ~~وكثرة آلاتهم وأدواتهم انقطع عنهم طمعهم من أن يصيروا مغلوبين ، وذلك ~~يحملهم على أن يتركوا الكفر في قلوبهم وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الإيمان ~~، والثاني : أن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات ويحتال في إلقاء ~~الإفساد والتفريق فيما بين المسلمين ، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية ~~القوة خافهم وترك هذه الأفعال المذمومة . # والقول الثاني : في هذا الباب ما رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى قال : ~~المراد كفار الجن . روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : { وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة ومن } فقال إنهم الجن . ثم قال : ( إن الشيطان لا يخبل أحدا ~~في دار فيها فرس عتيق ) وقال الحسن : صهيل الفرس يرهب الجن ، وهذا القول ~~مشكل ، لأن تكثير آلات الجهاد لا يعقل تأثيره في إرهاب الجن . # والقول الثالث : أن المسلم كما يعاديه الكافر ، فكذلك قد يعاديه المسلم ~~أيضا ، فإذا كان قوي / الحال كثير السلاح ، فكما يخافه أعداؤه من الكفار ، ~~فكذلك يخافه كل من يعاديه مسلما كان أو كافرا . # ثم إنه تعالى قال : { وما تنفقوا من شىء فى سبيل الله } وهو عام في ~~الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات { يوف إليكم } قال ابن عباس : يوف لكم أجره ، ~~أي لا يضيع في الآخرة أجره ، ويعجل الله عوضه في الدنيا { وأنتم لا تظلمون ~~} أي لا تنقصون من الثواب ، ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوله تعالى ~~: { اتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } ( الكهف : 33 ) . # ! 7 < { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم ~~} . > 7 ! # < < # | الأنفال : ( 61 ) وإن جنحوا للسلم . . . . . # > > واعلم أنه لما بين ما يرهب به العدو من القوة والاستظهار ، بين بعده ~~أنهم عند الإرهاب إذا جنحوا أي مالوا إلى الصلح ، فالحكم قبول الصلح . قال ~~النضر : جنح الرجل إلى فلان ، وأجنح له إذا تابعه وخضع له ، والمعنى : إن ~~مالوا إلى الصلح فمل إليه وأنث الهاء في لها ، لأنه قصد بها قصد الفعلة ~~والجنحة كقوله : { إن ms4361 ربك من بعدها لغفور رحيم } أراد من بعد فعلتهم . قال ~~صاحب ( الكشاف ) : السلم تؤنث PageV15P149 تأنيث نقيضها وهي الحرب . قال ~~الشاعر : # % السلم تأخذ منها ما رضيت به % % والحرب تكفيك من أنفاسها جرع % # وقرأ أبو بكر عن عاصم للسلم بكسر السين ، والباقون بالفتح وهما لغتان . ~~قال قتادة هذه الآية منسوخة بقوله : { اقتلوا * المشركين حيث وجدتموهم } ( ~~التوبة : 5 ) وقوله : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } ( التوبة : 29 ) ~~وقال بعضهم الآية غير منسوخة لكنها تضمنت الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه ~~، فإذا رأى مصالحتهم فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة ، وإن كانت القوة ~~للمشركين جاز مهادنتهم للمسلمين عشر سنين ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه هادن أهل مكة عشر سنين ، ثم إنهم ~~نقضوا العهد قبل كمال المدة . # أما قوله تعالى : { وتوكل على الله } فالمعنى فوض الأمر فيما عقدته معهم ~~إلى الله ليكون عونا لك على السلامة ، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد ~~وعدلوا عن الوفاء ، ولذلك قال : { إنه هو السميع العليم } تنبيها بذلك على ~~الزجر عن نقض الصلح ، لأنه عالم بما يضمره العباد ، وسامع لما / يقولون . ~~قال مجاهد الآية نزلت في قريظة والنضير . وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها ~~على ظاهر عمومها . والله أعلم . # ! 7 < { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذىأيدك بنصره ~~وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الا رض جميعا مآ ألفت بين ~~قلوبهم ولاكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 62 - 63 ) وإن يريدوا أن . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما أمر في الآية المتقدمة بالصلح ، ذكر في هذه الآية ~~حكما من أحكام الصلح وهو أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة ، وجب قبول ذلك ~~الصلح ، لأن الحكم يبنى على الظاهر لأن الصلح لا يكون أقوى حالا من الإيمان ~~، فلما بنينا أمر الإيمان عن الظاهر لا على الباطن ، فههنا أولى ولذلك قال ~~: { وإن يريدوا } المراد من تقدم ذكره في قوله : { وإن جنحوا للسلم } . # فإن قيل : أليس قال : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ ms4362 إليهم } أي أظهر ~~نقض ذلك العهد ، وهذا يناقض ما ذكره في هذه الآية ؟ # قلنا : قوله : { وإما تخافن من قوم خيانة } محمول على ما إذا تأكد ذلك ~~الخوف بأمارات قوية دالة عليها ، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل في ~~قلوبهم نوع نفاق وتزوير ، إلا أنه لم تظهر أمارات تدل على كونهم قاصدين ~~للشر وإثارة الفتنة ، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسألة وترك ~~المنازعة ، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك . قال : { فإن حسبك الله } أي فالله ~~يكفيك ، وهو حسبك وسواء قولك هذا يكفيني ، وهذا حسبي . هو الذي أيدك بنصره ~~. قال المفسرون : يرد قواك وأعانك بنصره يوم بدر ، وأقول هذا التقييد خطأ ~~لأن أمر النبي عليه السلام من أول حياته إلى آخر وقت وفاته ، ساعة فساعة . ~~كان أمرا إلهيا وتدبيرا PageV15P150 علويا ، وما كان لكسب الخلق فيه مدخل ، ~~ثم قال : { وبالمؤمنين } قال ابن عباس : يعني الأنصار . # فإن قيل : لما قال : { هو الذى أيدك بنصره } فأي حاجة مع نصره إلى ~~المؤمنين ، حتى قال : { وبالمؤمنين } . # / قلنا : التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين : أحدهما : ما يحصل من ~~غير واسطة أسباب معلومة معتادة . والثاني : ما يحصل بواسطة أسباب معلومة ~~معتادة . فالأول : هو المراد من قوله أيدك بنصره ، والثاني : هو المراد من ~~قوله : { وبالمؤمنين } ثم إنه تعالى بين أنه كيف أيده بالمؤمنين . فقال : { ~~وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولاكن الله ~~ألف بينهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى قوم أنفتهم شديدة ~~وحميتهم عظيمة حتى لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلته حتى يدركوا ~~ثأره ، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه ، ~~واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصارا ، وعادوا أعوانا . وقيل هم الأوس والخزرج ~~، فإن الخصومة كانت بينهم شديدة والمحاربة دائمة ، ثم زالت الضغائن ، وحصلت ~~الألفة والمحبة ، فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية ~~والمخالصة التامة مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى ، وصارت تلك ms4363 معجزة ~~ظاهرة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من ~~العقائد والإرادات والكرامات كلها من خلق الله تعالى ، وذلك لأن تلك الألفة ~~والمودة والمحبة الشديدة إنما حصلت بسبب الإيمان ومتابعة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام . فلو كان الإيمان فعلا للعبد لا فعلا لله تعالى ، لكانت ~~المحبة المرتبة عليه فعلا للعبد لا فعلا لله تعالى / وذلك على خلاف صريح ~~الآية . قال القاضي : لولا ألطاف الله تعالى ساعة فساعة ، لما حصلت هذه ~~الأحوال ، فأضيفت تلك المخالصة إلى الله تعالى على هذا التأويل ، ونظيره ~~أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه ، لأجل أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب ~~وتربيته ، فكذا ههنا . # والجواب : كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر وحمل للكلام على المجاز ، وأيضا ~~كل هذه الألطاف كانت حاصلة في حق الكفار ، مثل حصولها في حق المؤمنين ، فلو ~~لم يحصل هناك شيء سوى الألطاف لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذه المعاني فائدة ، ~~وأيضا فالبرهان العقلي مقو لظاهر هذه الآية ، وذلك لأن القلب يصح أن يصير ~~موصوفا بالرغبة بدلا عن النفرة وبالعكس ، فرجحان أحد الطرفين على الآخر لا ~~بد له من مرجح ، فإن كان ذلك المرجح هو العبد عاد التقسيم ، وإن كان هو ~~الله تعالى ، فهو المقصود ، فعلم أن صريح هذه الآية متأكد بصريح البرهان ~~العقلي فلا حاجة إلى ما ذكره القاضي في هذا الباب . # المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن القوم كانوا قبل شروعهم في ~~الإسلام ومتابعة الرسول / في الخصومة الدائمة والمحاربة الشديدة يقتل بعضهم ~~بعضا ويغير بعضهم على البعض ، فلما آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر . زالت ~~الخصومات ، وارتفعت الخشونات ، وحصلت المودة التامة والمحبة الشديدة . # واعلم أن التحقيق في هذا الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير ~~وكمال ، فالمحبة حالة معللة بهذا التصور المخصوص ، فمتى كان هذا التصور ~~حاصلا كانت المحبة حاصلة ، ومتى حصل PageV15P151 تصوير الشر والبغضاء : ~~كانت النفرة حاصلة ، ثم إن الخيرات والكمالات على قسمين : أحدهما : الخيرات ~~والكمالات الباقية ms4364 الدائمة ، المبرأة عن جهات التغيير والتبديل ، وذلك هو ~~الكمالات الروحانية والسعادات الإلهية . والثاني : وهو الكمالات المتبدلة ~~المتغيرة ، وهي الكمالات الجسمانية والسعادات البدنية ، فإنها سريعة ~~التغيير والتبدل ، كالزئبق ينتقل من حال إلى حال ، فالإنسان يتصور أن له في ~~صحبة زيد مالا عظيما فيحبه ، ثم يخطر بباله أن ذلك المال لا يحصل فيبغضه ، ~~ولذلك قيل إن العاشق والمعشوق ربما حصلت الرغبة والنفرة بينهما في اليوم ~~الواحد مرارا لأن المعشوق إنما يريد العاشق لماله ، والعاشق إنما يريد ~~المعشوق لأجل اللذة الجسمانية ، وهذان الأمران مستعدان للتغير والانتقال ، ~~فلا جرم كانت المحبة الحاصلة بينهما والعداوة الحاصلة بينهما غير باقيتين ~~بل كانتا سريعتي لزوال والانتقال . # إذا عرفت هذا فنقول : الموجب للمحبة والمودة ، إن كان طلب الخيرات ~~الدنيوية والسعادات الجسمانية كانت تلك المحبة سريعة الزوال والانتقال ، ~~لأجل أن المحبة تابعة لتصور الكمال ، وتصور الكمال تابع لحصول ذلك الكمال ، ~~فإذا كان ذلك الكمال سريع الزوال والانتقال ، كانت معلولاته سريعة التبدل ~~والزوال ، وأما إن كان الموجب للمحبة تصور الكمالات الباقية المقدسة عن ~~التغير والزوال ، كانت تلك المحبة أيضا باقية آمنة من التغير ، لأن حال ~~المعلول في البقاء والتبدل تبع لحالة العلة ، وهذا هو المراد من قوله تعالى ~~: { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : العرب كانوا قبل مقدم الرسول طالبين للمال والجاه ~~والمفاخرة ، وكانت محبتهم معللة بهذه العلة ، فلا جرم كانت تلك المحبة ~~سريعة الزوال ، وكانوا بأدنى سبب يقعون في الحروب والفتن ، فلما جاء الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى عبادة الله تعالى والإعراض عن الدنيا ~~والإقبال على الآخرة ، زالت الخصومة والخشونة عنهم . وعادوا إخوانا ~~متوافقين ، ثم بعد وفاته عليه السلام لما انفتحت عليهم أبواب الدنيا ~~وتوجهوا إلى طلبها عادوا إلى محاربة بعضهم بعضا / ومقاتلة بعضهم مع بعض ، ~~فهذا هو السبب الحقيقي في هذا الباب ثم إنه تعالى ختم هذه الآية / بقوله : ~~{ إنه عزيز حكيم } أي قادر قاهر ، يمكنه التصرف في القلوب . ويقلبها من ~~العداوة إلى الصداقة ، ومن النفرة إلى الرغبة ، حكيم ms4365 بفعل ما يفعله على وجه ~~الإحكام والإتقان . أو مطابقا للمصلحة والصواب على اختلاف القولين في الجبر ~~والقدر . # ! 7 < { ياأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين * ياأيها النبى ~~حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 64 - 65 ) يا أيها النبي . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء . وعده بالنصر والظفر ~~في هذه الآية مطلقا على PageV15P152 جميع التقديرات وعلى هذا الوجه لا يلزم ~~حصول التكرار ، لأن المعنى في الآية الأولى ، إن أرادوا خداعك كفاك الله ~~أمرهم . والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا ~~وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال والمراد بقوله : { ومن ~~اتبعك من المؤمنين } الأنصار وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، نزلت في إسلام ~~عمر ، قال سعيد بن جبير أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون ~~رجلا وست نسوة ، ثم أسلم عمر ، فنزلت هذه الآية . قال المفسرون : فعلى هذا ~~القول هذه الآية مكية ، كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، وفي الآية قولان : الأول : التقدير ، الله كافيك وكافي أتباعك من ~~المؤمنين . قال الفراء : الكاف في حسبك خفض و { من } في موضع نصب والمعنى : ~~يكفيك الله ويكفي من اتبعك ، قال الشاعر : # % إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا % % فحسبك والضحاك سيف مهند % # قال وليس بكثير من كلامهم أن يقولوا حسبك وأخاك ، بل المعتاد أن يقال ~~حسبك وحسب أخيك . والثاني : أن يكون المعنى كفاك الله وكفاك أتباعك من ~~المؤمنين . قال الفراء وهذا أحسن الوجهين ، أي ويمكن أن ينصر القول الأول ~~بأن من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله أو ينقص بسبب نصرة غير الله ، ~~وأيضا إسناد الحكم إلى المجموع يوهم أن الواحد من ذلك المجموع لا يكفي في ~~حصول ذلك المهم . وتعالى الله عنه ويمكن أن يجاب عنه بأن الكل من الله ، ~~إلا أن / من أنواع النصرة ms4366 ما لا يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة ، ~~ومنها ما يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة . فلهذا الفرق اعتبر ~~نصرة المؤمنين ، ثم بين أنه تعالى وإن كان يكفيك بنصره وبنصر المؤمنين ، ~~فليس من الواجب أن تتكل على ذلك إلا بشرط أن تحرض المؤمنين على القتال فإنه ~~تعالى إنما يكفيك بالكفاية بشرط أن يحصل منهم بذل النفس والمال في المجاهدة ~~. فقال : { المؤمنين ياأيها النبى حرض المؤمنين على القتال } والتحريض في ~~اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء ، وذكر الزجاج في اشتقاقه وجها آخر ~~بعيدا ، فقال : التحريض في اللغة أن يحث الإنسان غيره على شيء حثا يعلم منه ~~أنه إن تخلف عنه كان حارضا ، والحارض الذي قارب الهلاك ، أشار بهذا إلى أن ~~المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي صلى الله عليه وسلم ، كانوا ~~حارضين ، أي هالكين . فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض . # ثم قال : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } وليس المراد منه ~~الخبر بل المراد الأمر كأنه قال : { إن يكن منكم عشرون } فليصبروا ~~وليجتهدوا في القتال حتى { يغلبوا مائتين } والذي يدل على أنه ليس المراد ~~من هذا الكلام الخبر وجوه : الأول : لو كان المراد منه الخبر ، لزم أن يقال ~~: إنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين ، ومعلوم أنه باطل . ~~الثاني : أنه قال { الئان خفف الله عنكم } ( الأنفال : 66 ) والنسخ أليق ~~بالأمر منه بالخبر . الثالث : قوله من بعد : { والله مع الصابرين } ( ~~الأنفال : 66 ) وذلك ترغيبا في الثبات على الجهاد ، فثبت أن المراد من هذا ~~الكلام هو الأمر وإن كان واردا بلفظ الخبر ، وهو كقوله تعالى : { والوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين كاملين } ( البقرة : 233 ) { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~} ( البقرة : 228 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون } يدل على أنه تعالى ~~ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابرا قاهرا على ذلك ، وإنما يحصل هذا ~~الشرط عند حصول أشياء ؛ منها : أن يكون شديد الأعضاء قويا جلدا ، ومنها : ~~أن يكون قوي القلب شجاعا غير جبان ، ومنها : أن ms4367 يكون غير منحرف إلا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة ، فإن الله استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة ~~فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة . # واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى : { حسبك الله ومن ~~اتبعك من المؤمنين } فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف ~~سهلا لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه . # المسألة الثانية : قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن ~~يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا } حاصله وجوب ثبات الواحد في ~~مقابلة العشرة ، فما الفائدة في العدول عن هذه اللفظة PageV15P153 الوجيزة ~~إلى تلك الكلمات الطويلة ؟ # وجوابه أن هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة ، وكان رسول الله يبعث ~~السرايا ، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين وما كانت ~~تزيد على المائة ، فلهذا المعنى ذكر الله هذين العددين . # المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن كثير وابن عامر { ءان * تكن } بالتاء ، ~~وكذلك الذي بعده { وأن * تكن * منكم مائة صابرة } وقرأ أبو عمرو الأول ~~بالياء والثاني بالتاء والباقون بالياء فيهما . # المسألة الرابعة : أنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة ، وهو قوله : { ~~بأنهم قوم لا يفقهون } وتقرير هذا الكلام من وجوه : # الوجه الأول : أن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد ، فإن غاية السعادة ~~والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية . ومن كان هذا معتقده فإنه يشح ~~بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال ، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة ~~وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ~~ولا يلتفت إليها ولا يقيم لها وزنا ، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح ~~، ومتى كان الأمر كذلك ، كان الواحد من هذا الباب يقاوم العدد الكثير من ~~الباب الأول . # الوجه الثاني : أن الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم ، والمسلمون ~~يستعينون بربهم بالدعاء والتضرع ، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق ~~وأولى . # الوجه الثالث : وهو وجه لا يعرفه إلا ms4368 أصحاب الرياضات والمكاشفات ، وهو أن ~~كل قلب اختص بالعلم والمعرفة كان صاحبه مهيبا عند الخلق ، ولذلك إذا حضر ~~الرجل العالم عند عالم من الناس الأقوياء الجهال الأشداء ، فإن أولئك ~~الأقوياء الأشداء الجهال يهابون ذلك العالم ويحترمونه ويخدمونه ، بل نقول : ~~إن السباع القوية إذا رأت الآدمي هابته وانحرفت عنه ، وما ذاك إلا أن ~~الآدمي بسبب ما فيه من نور العقل يكون مهيبا ، وأيضا الرجل الحكيم إذا ~~استولى على قلبه نور معرفة الله تعالى ، فإنه تقوى أعضاؤه وتشتد جوارحه ، ~~وربما قوي عند ظهور التجلي في قلبه على أعمال يعجز عنها قبل ذلك الوقت . # إذا عرفت هذا فالمؤمن إذا أقدم على الجهاد فكأنه بذل نفسه وماله في طلب ~~رضوان الله . فكان في هذه الحالة كالمشاهد لنور جلال الله فيقوى قلبه وتكمل ~~روحه ويقدر على ما لا يقدر غيره عليه ، فهذه أحوال من باب المكاشفات تدل ~~على أن المؤمن يجب أن يكون أقوى قوة من الكافر / فإن لم يحصل فذاك لأن ظهور ~~هذا التجلي لا يحصل إلا نادرا وللفرد بعد الفرد . والله أعلم . # ! 7 < { اأان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين ~~} . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 66 ) الآن خفف الله . . . . . # > > PageV15P154 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث العشرة إلى وجه ~~المائة ، بعث حمزة في ثلاثين راكبا قبل بدر إلى قوم فلقيهم أبو جهل في ~~ثلثمائة راكب وأرادوا قتالهم ، فمنعهم حمزة وبعث رسول الله عبد الله بن ~~أنيس إلى خالد بن صفوان الهذلي وكان في جماعة ، فابتدر عبد الله وقال : يا ~~رسول الله صفه لي ، فقال : ( إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك ~~قشعريرة وقد بلغني أنه جمع لي فاخرج إليه واقتله ) قال : فخرجت نحوه فلما ~~دنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي : من الرجل ؟ قلت له من العرب سمعت بك ~~وبجمعك ؟ ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى الرسول صلى ms4369 ~~الله عليه وسلم وذكرت أني قتلته . فأعطاني عصا وقال : ( أمسكها فإنها آية ~~بيني وبينك يوم القيامة ) ثم إن هذا التكليف شق على المسلمين فأزاله الله ~~عنهم بهذه الآية قال عطاء عن ابن عباس : لما نزل التكليف الأول ضج ~~المهاجرون ، وقالوا : يا رب نحن جياع وعدونا شباع ، ونحن في غربة وعدونا في ~~أهليهم ، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا وأولادنا وعدونا ليس كذلك ، ~~وقال الأنصار : شغلنا بعدونا وواسينا إخواننا ، فنزل التخفيف ، وقال عكرمة ~~: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة ، والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون ~~قليلين ، فلما كثروا خفف الله تعالى عنهم ، ولهذا قال ابن عباس : أيما رجل ~~فر من ثلاثة فلم يفر ، فإن فر من اثنين فقد فر ، والحاصل أن الجمهور ادعوا ~~أن قوله : { الئان خفف الله عنكم } ناسخ للآية المتقدمة وأنكر أبو مسلم ~~الأصفهاني هذا النسخ ، وتقرير قوله أن يقال : إنه تعالى قال في الآية ~~الأولى : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } فهب أنا نحمل هذا ~~الخبر على الأمر إلا أن هذا الأمر / كان مشروطا بكون العشرين قادرين على ~~الصبر في مقابلة المائتين ، وقوله : { الئان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا } يدل على أن ذلك الشرط غير حاصل في حق هؤلاء ، فصار حاصل الكلام أن ~~الآية الأولى دلت على ثبوت حكم عند شرط مخصوص ، وهذه الآية دلت على أن ذلك ~~الشرط مفقود في حق هذه الجماعة ، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم ، وعلى هذا ~~التقدير لم يحصل النسخ البتة . # فإن قالوا : قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } معناه : ~~ليكن العشرون الصابرون في مقابلة المائتين ، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم ~~. # قلنا : لم لا يجوز أن يقال إن المراد من الآية إن حصل عشرون صابرون في ~~مقابلة المائتين ، فليشتغلوا بجهادهم ؟ والحاصل أن لفظ الآية ورد على صورة ~~الخبر خالفنا هذا الظاهر وحملناه على الأمر ، أما في رعاية الشرط فقد ~~تركناه على ظاهره ، وتقديره إن حصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة ~~المائتين فليشتغلوا بمقاومتهم ، وعلى هذا التقدير ms4370 فلا نسخ . # فإن قالوا : قوله : { الئان خفف الله عنكم } مشعر بأن هذاالتكليف كان ~~متوجها عليهم قبل هذا التكليف . # قلنا : لا نسلم أن لفظ التخفيف يدل على حصول التثقيل قبله ، لأن عادة ~~العرب الرخصة بمثل هذا الكلام ، كقوله تعالى عند الرخصة للحر في نكاح الأمة ~~{ يريد الله أن يخفف عنكم } ( النساء : 28 ) وليس هناك نسخ وإنما هو إطلاق ~~نكاح الأمة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر / فكذا ههنا . وتحقيق القول أن ~~هؤلاء العشرين كانوا في محل أن يقال إن ذلك الشرط حاصل فيهم ، فكان ذلك ~~التكليف لازما عليهم ، فلما بين الله أن ذلك الشرط غير حاصل وأنه تعالى علم ~~أن فيهم ضعفاء لا يقدرون على ذلك فقد تخلصوا عن ذلك PageV15P155 الخوف ، ~~فصح أن يقال خفف الله عنكم ، ومما يدل على عدم النسخ أنه تعالى ذكر هذه ~~الآية مقارنة للآية الأولى ، وجعل الناسخ مقارنا للمنسوخ لا يجوز . # فإن قالوا : العبرة في الناسخ والمنسوخ بالنزول دون التلاوة فإنها قد ~~تتقدم وقد تتأخر ، ألا ترى أن في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ . # قلنا : لما كان كون الناسخ مقارنا للمنسوخ غير جائز في الوجود ، وجب أن ~~لا يكون جائزا في الذكر ، اللهم إلا لدليل قاهر وأنتم ما ذكرتم ذلك ، وأما ~~قوله في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ فنقول : إن أبا مسلم ينكر كل ~~أنواع النسخ في القرآن فكيف يمكن إلزام هذا الكلام عليه ؟ فهذا تقرير قول ~~أبي مسلم . وأقول : إن ثبت إجماع الأمة على الإطلاق قبل أبي مسلم على حصول ~~هذا النسخ فلا كلام عليه ، فإن لم يحصل هذا الإجماع القاطع فنقول : قول أبي ~~مسلم صحيح حسن . # المسألة الثانية : احتج هشام على قوله إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات ~~إلا عند وقوعها بقوله : / { الئان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } قال : ~~فإن معنى الآية : الآن علم الله أن فيكم ضعفا وهذا يقتضي أن علمه بضعفهم ما ~~حصل إلا في هذا الوقت . والمتكلمون أجابوا بأن معنى الآية : أنه تعالى قبل ~~حدوث الشيء لا يعلمه ms4371 حاصلا واقعا ، بل يعلم منه أنه سيحدث ، أما عند حدوثه ~~ووقوعه فإن يعلمه حادثا واقعا ، فقوله : { الئان خفف الله عنكم وعلم أن ~~فيكم ضعفا } معنا : أن الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله ، وقبل ذلك فقد كان ~~الحاصل هو العلم بأنه سيقع أو سيحدث . # المسألة الثالثة : قرأ عاصم وحمزة { علم إن * فيكم ضعفا } بفتح الضاد وفي ~~الروم مثله ، والباقون فيهما بالضم ، وهما لغتان صحيحتان ، الضعف والضعف ~~كالمكث والمكث . وخالف حفص عاصما في هذا الحرف وقرأهما بالضم وقال : ما ~~خالفت عاصما في شيء من القرآن إلا في هذا الحرف . # المسألة الرابعة : الذي استقر حكم التكليف عليه بمقتضى هذه الآية أن كل ~~مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء مشركين ، عبدا كان أو حرا فالهزيمة عليه محرمة ما ~~دام معه سلاح يقاتل به ، فإن لم يبق معه سلاح فله أن ينهزم ، وإن قاتله ~~ثلاثة حلت له الهزيمة والصبر أحسن . روى الواحدي في ( البسيط ) أنه وقف جيش ~~موتة وهم ثلاثة آلاف وأمراؤهم على التعاقب زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي ~~طالب ثم عبد الله بن رواحة في مقابلة مائتي ألف من المشركين ، مائة ألف من ~~الروم ومائة ألف من المستعربة وهم لخم وجذام . # المسألة الخامسة : قوله : { بإذن الله } فيه بيان أنه لا تقع الغلبة إلا ~~بإذن الله . والإذن ههنا هو الإرادة . وذلك يدل على قولنا في مسألة خلق ~~الأفعال وإرادة الكائنات . # واعلم أنه تعالى ختم الآية بقوله : { والله مع الصابرين } والمراد ما ~~ذكره في الآية الأولى من قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ~~} ( الأنفال : 65 ) فبين في آخر هذه الآية أن الله مع الصابرين والمقصود أن ~~العشرين لو صبروا ووقفوا فإن نصرتي معهم وتوفيقي مقارن لهم ، وذلك يدل على ~~صحة مذهب أبي مسلم وهو أن ذلك الحكم ما صار منسوخا بل هو ثابت كما كان ، ~~فإن العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين بقي ذلك الحكم ، وإن لم يقدروا ~~على مصابرتهم فالحكم المذكور ههنا زائل . # PageV15P156 ! 7 < { ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن ms4372 في الا رض ~~تريدون عرض الدنيا والله يريد الا خرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله ~~سبق لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله ~~إن الله غفور رحيم } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 67 - 69 ) ما كان لنبي . . . . . # > > # واعلم أن المقصود من هذه الآية تعليم حكم آخر من أحكام الغزو والجهاد في ~~حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمر { وتكون } بالتاء والباقون بالياء ، أما ~~قراءة أبي عمرو بالتاء فعلى لفظ الأسرى ، لأن الأسرى وإن كان المراد به ~~التذكير للرجال فهو مؤنث اللفظ ، وأما القراءة بالياء فلأن الفعل متقدم ، ~~والأسرى مذكرون في المعنى ، وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وكل واحد من ~~هذه الثلاثة إذا انفرد أوجب تذكير الفعل كقولك جاء الرجال وحضر قبيلتك وحضر ~~القاضي امرأة . فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى . وقال صاحب ( ~~الكشاف ) : قرىء للنبي صلى الله عليه وسلم على التعريف و { أسارى } و { ~~يثخن } بالتشديد . # المسألة الثانية : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيرا ~~فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب فاستشار أبا بكر فيهم فقال : قومك وأهلك ~~استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك ، فقام ~~عمر وقال : كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم . فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن ~~الله أغناك عن الفداء . فمكن عليا من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان ~~ينسب له فنضرب أعناقهم . فقال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله ليلين قلوب ~~رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من ~~الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال { فمن تبعنى فإنه منى ومن ~~عصانى فإنك غفور رحيم } ( إبراهيم : 36 ) ومثل عيسى في قوله : { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ( المائدة : 118 ) ~~ومثلك يا عمر مثل نوح { وقال نوح رب تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( ~~نوح : 26 ) ومثل موسى حيث قال : { ربنا اطمس ms4373 على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~} ( يونس : 88 ) ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر . روي ~~أنه قال لعمر يا أبا حفص وذلك أول ما كناه ، تأمرني أن أقتل العباس ، فجعل ~~عمر يقول : ويل لعمر ثكلته أمه ، وروي أن عبد الله بن رواحة أشار بأن تضرم ~~عليهم نار كثيرة الحطب فقال له العباس قطعت رحمك . وروي / أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( لا تخرجوا أحدا منهم إلا بفداء أو بضرب العنق ) فقال ابن ~~مسعود : إلا سهيل بن بيضاء ، فإني سمعته يذكر الإسلام . فسكت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واشتد خوفي . ثم قال من بعد : ( إلا سهيل بن بيضاء ) وعن ~~عبيدة السلماني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقوم : ( إن شئتم ~~قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم ) فقالوا : بل نأخذ ~~الفداء فاستشهدوا بأحد . وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس ~~أربعين أوقية ، وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون ~~درهما أو ستة دنانير . PageV15P157 وروي أنهم أخذوا الفداء نزلت هذه الآية ~~فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال ~~: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت / فقال أبكي ~~على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ~~لشجرة قريبة منه ولو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ ~~. هذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية . # المسألة الثالثة : تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه ~~الآية من وجوه : # الوجه الأول : أن قوله تعالى : { ما كان لنبى أن يكون له أسرى } صريح في ~~أن هذا المعنى منهي عنه ، وممنوع من قبل الله تعالى . ثم إن هذا المعنى قد ~~حصل ، ويدل عليه وجهان : الأول : قوله تعالى بعد هذه الآية : { رحيم ياأيها ~~النبى قل لمن فى أيديكم من الاسرى } ( الأنفال : 70 ) الثاني : أن الرواية ~~التي ذكرناها قد دلت على أنه عليه الصلاة والسلام ms4374 ما قتل أولئك الكفار ، بل ~~أسرهم ، فكان الذنب لازما من هذا الوجه . # الوجه الثاني : أنه تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وجميع قومه يوم ~~بدر بقتل الكفار وهو قوله : { فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان } ~~( الأنفال : 12 ) وظاهر الأمر للوجوب ، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر ~~معصية . # الوجه الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء ، وكان أخذ ~~الفداء معصية ، ويدل عليه وجهان : الأول : قوله تعالى : { تريدون عرض ~~الدنيا والله يريد الاخرة } وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا ~~ههنا هو أخذ الفداء . والثاني : قوله تعالى : { لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } وأجمعوا على أن المراد بقوله : { أخذتم } ذلك ~~الفداء . # الوجه الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بكيا ، وصرح الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء ، وذلك يدل على ~~أنه ذنب . # الوجه الخامس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن العذاب قرب نزوله ~~ولو نزل لما نجا منه إلا عمر ) وذلك يدل على الذنب ، فهذه جملة وجوه تمسك ~~القوم بهذه الآية . # / والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولا : أن قوله : { ما كان لنبى أن يكون ~~له أسرى حتى يثخن في الارض } يدل على أنه كان الأسر مشروعا ، ولكن بشرط سبق ~~الأثخان في الأرض ، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد ، ولا شك أن ~~الصحابة قتلوا يوم بدر خلقا عظيما ، وليس من شرط الأثخان في الأرض قتل جميع ~~الناس . ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة ، والآية تدل على أن بعد ~~الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان ~~جائزا بحكم هذه الآية ، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ~~ذنبا ومعصية ؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى : { حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق فإما منا بعد وإما فداء } ( محمد : 4 ) . # فإن قالوا : فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزا ~~والإتيان بالجائز المشروع ms4375 لا يليق ترتيب لعقاب عليه ، فلم ذكر الله بعده ما ~~يدل على العقاب ؟ فنقول : الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطا بضابط ~~معلوم معين ، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب ~~الكافرين ، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين ، وبلوغ القتل إلى هذا الحد ~~المعين لا شك أنه يكون مفوضا إلى PageV15P158 الاجتهاد ، فلعله غلب على ظن ~~الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول ~~هذا المقصود ، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعا في الاجتهاد في ~~صورة ليس فيها نص ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين . فحسن ترتيب العقاب على ~~ذكر هذا الكلام لهذا السبب ، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنبا ولا معصية . # والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانيا أن نقول : إن ظاهر قوله تعالى : { ~~فاضربوا فوق الاعناق } أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين ~~على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان مأمورا أن يباشر قتل الكفار بنفسه ، ~~وإذا كان هذا الخطاب مختصا بالصحابة ، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على ~~الأسر ، كان الذنب صادرا منهم لا من الرسول صلى الله عليه وسلم . ونقل أن ~~الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعا عظيما والكفار فروا ذهب الصحابة ~~خلفهم وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام ، ولم يعلم الرسول بإقدامهم ~~على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته ، وهو عليه السلام ما أسر وما ~~أمر بالأسر ، فزال هذا السؤال . # فإن قالوا : هب أن الأمر كذلك ، لكنهم لما حملوا الأسارى إلى حضرته فلم ~~لم يأمر بقتلهم امتثالا لقوله تعالى : { فاضربوا فوق الاعناق } . # قلنا : إن قوله : { فاضربوا } تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار ~~بالحرب ، فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناولا له . والدليل ~~القاطع عليه أنه عليه الصلاة والسلام استشار / الصحابة في أنه بماذا ~~يعاملهم ؟ ولو كان ذلك النص متناولا لتلك الحالة ، لكان مع قيام النص ~~القاطع تاركا لحكمه وطالبا ذلك الحكم من مشاورة الصحابة ، وذلك محال ، ~~وأيضا ms4376 فقوله : { فاضربوا فوق الاعناق } أمر ، والأمر لا يفيد إلا المرة ~~الواحدة ، وثبت بالإجماع أن هذا المعنى كان واجبا حال المحاربة فوجب أن ~~يبقى عديم الدلالة على ما وراء وقت المحاربة ، وهذا الجواب شاف . # والجواب عما ذكروه ثالثا ، وهو قولهم : إنه عليه الصلاة والسلام حكم بأخذ ~~الفداء ، وأخذ الفداء محرم . فنقول : لا نسلم أن أخذ الفداء محرم . # وأما قوله : { تريدون عرض الدنيا والله يريد الاخرة } فنقول هذا لا يدل ~~على قولكم ، وبيانه من وجهين : الأول : أن المراد من هذه الآية حصول العتاب ~~على الأسر لغرض أخذ الفداء ، وذلك لا يدل على أن أخذ الفداء محرم مطلقا . ~~الثاني : أن أبا بكر رضي الله عنه قال الأولى : أن نأخذ الفداء لتقوى ~~العسكر به على الجهاد ، وذلك يدل على أنهم إنما طلبوا ذلك الفداء للتقوى به ~~على الدين ، وهذه الآية تدل على ذم من طلب الفداء لمحض عرض الدنيا ولا تعلق ~~لأحد البابين بالثاني . وهذان الجوابان بعينهما هما الجوابان عن تمسكهم ~~بقوله تعالى : { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } . # والجواب عما ذكروه رابعا : أن بكاء الرسول عليه الصلاة والسلام يحتمل أن ~~يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف أمر الله في القتل ، واشتغل بالأسر ~~استوجب العذاب ، فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام خوفا من نزول العذاب ~~عليهم ، ويحتمل أيضا ما ذكرناه أنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في أن القتل ~~الذي حصل هل بلغ مبلغ الإثخان الذي أمره الله به في قوله : { حتى يثخن في ~~الارض } ووقع الخطأ في ذلك الاجتهاد ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، ~~فأقدم على البكاء لأجل هذا المعنى . PageV15P159 # والجواب عما ذكروه خامسا : أن ذلك العذاب إنما نزل بسبب أن أولئك الأقوام ~~خالفوا أمر الله بالقتل ، وأقدموا على الأسر حال ما وجب عليهم الاشتغال ~~بالقتل ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة . والله أعلم . # المسألة الرابعة : في شرح الألفاظ المشكلة في هذه الآية . # أما قوله : { ما كان لنبى أن * تكون له * أسرى } فلقائل أن يقول : كيف ~~حسن إدخال لفظة كان على ms4377 لفظة تكون في هذه الآية . # والجواب : قوله { ما كان } معناه النفي والتنزيه ، أي ما يجب وما ينبغي ~~أن يكون له المعنى المذكور ونظيره ما كان لله أن يتخذ من ولد قال أبو عبيدة ~~. يقول : لم يكن لنبي ذلك ، فلا يكون لك ، وأما / من قرأ { ما كان للنبى } ~~فمعناه : أن هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي ، وهو محمد عليه ~~الصلاة والسلام . قال الزجاج : { أسرى } جمع ، و { أسارى } جمع الجمع . قال ~~ولا أعلم أحدا قرأ { أسارى } وهي جائزة كما نقلنا عن صاحب ( الكشاف ) : أنه ~~نقل أن بعضهم قرأ به وقوله : { حتى يثخن في الارض } فيه بحثان : # البحث الأول : قال الواحدي : الإثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته ، ~~يقال : قد أثخنه المرض إذا اشتد قوة المرض عليه ، وكذلك أثخنه الجراح ، ~~والثخانة الغلظة فكل شيء غليظ ، فهو ثخين . فقوله : { حتى يثخن في الارض } ~~معناه حتى يقوى ويشتد ويغلب ويبالغ ويقهر ، ثم إن كثيرا من المفسرين . ~~قالوا المراد منه : أن يبالغ في قتل أعدائه . قالوا وإنما حملنا اللفظ عليه ~~لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل . قال الشاعر : # % لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى % % حتى يراق على جوانبه الدم % # ولأن كثرة القتل توجب قوة الرعب وشدة المهابة ، وذلك يمنع من الجراءة ، ~~ومن الإقدام على ما لا ينبغي ، فلهذا السبب أمر الله تعالى بذلك . # البحث الثاني : أن كلمة { حتى } لانتهاء الغاية . فقوله : { ما كان لنبى ~~أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض } يدل على أن بعد حصول الإثخان في الأرض ~~له أن يقدم على الأسر . # أما قوله : { تريدون عرض الدنيا } فالمراد الفداء ، وإنما سمى منافع ~~الدنيا ومتاعها عرضا ، لأنه لا ثبات له ولا دوام ، فكأنه يعرض ثم يزول ، ~~ولذلك سمى المتكلمون الأعراض أعراضا ، لأنه لا ثبات لها كثبات الأجسام ~~لأنها تطرأ على الأجسام ، وتزول عنها مع كون الأجسام باقية ، ثم قال : { ~~والله يريد الاخرة } يعني أنه تعالى لا يريد ما يفضي إلى السعادات الدنيوية ~~التي تعرض وتزول وإنما يريد ما يفضي إلى ms4378 السعادات الأخروية الباقية الدائمة ~~المصونة عن التبديل والزوال . واحتج الجبائي والقاضي بهذه الآية على فساد ~~قول من يقول : لا كائن من العبد إلا والله يريده لأن هذا الأسر وقع منهم ~~على هذا الوجه ، ونص الله على أنه لا يريده بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب ~~الآخرة وهو الطاعة دون ما يكون فيه عصيان . # وأجاب أهل السنة عنه بأن قالوا : إنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأسر ~~منهم طاعة ، وعملا جائزا مأذونا . ولا يلزم من نفي إرادة كون هذا الأسر ~~طاعة ، نفي كونه مراد الوجود ، وأما الحكماء فإنهم يقولون الشيء مراد ~~بالعرض مكروه بالذات . PageV15P160 # ثم قال : { والله عزيز حكيم } والمراد أنكم إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم ~~عدوكم لأن الله عزيز لا يقهر / ولا يغلب حكيم في تدبير مصالح العالم . قال ~~ابن عباس : هذا الحكم إنما كان يوم بدر ، لأن المسلمين كانوا قليلين ، فلما ~~كثروا وقوي سلطانهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى { حتى إذا أثخنتموهم ~~فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها } ( محمد : 4 ) ~~وأقول إن هذا الكلام يوهم أن قوله : { فإما منا بعد وإما فداء } يزيد على ~~حكم الآية التي نحن في تفسيرها ، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين ~~متوافقتان ، فإن كلتاهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان ، ثم بعده ~~أخذ الفداء . # ثم قال تعالى : { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } . # واعلم أنه كثر أقاويل الناس في تفسير هذا الكتاب السابق . ونحن نذكرها ~~ونذكر ما فيها من المباحث : # فالقول الأول : وهو قول سعيد بن جبير وقتادة لولا كتاب من الله سبق يا ~~محمد بحل الغنائم لك ولأمتك ، لمسكم العذاب . وهو مشكل لأن تحليل الغنائم ~~والفداء هل كان حاصلا في ذلك الوقت ، أو ما كان حاصلا في ذلك الوقت ؟ فإن ~~كان التحليل والإذن حاصلا في ذلك الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم ، لأن ما ~~كان مأذونا فيه من قبل لم يحصل العقاب على فعله ، وإن قلنا : إن الإذن ما ~~كان ms4379 حاصلا في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراما في ذلك الوقت أقصى ما في الباب ~~أنه كان في علم الله أنه سيحكم بحله بعد ذلك إلا أن هذا لا يقدح في كونه ~~حراما في ذلك الوقت . # فإن قالوا : إن كونه بحيث سيصير حلالا بعد ذلك يوجب تخفيف العقاب . # قلنا : فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه ، وذلك يمنع من ~~التخويف بسبب ذلك العقاب . # القول الثاني : قال محمد بن إسحاق : { لولا كتاب من الله سبق } إني لا ~~أعذب إلا بعد النهي لعذبتكم فيما صنعتم ، وأنه تعالى ما نهاهم عن أخذ ~~الفداء ، وهذا أيضا ضعيف لأنا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شرعي ~~يوجب حرمة ذلك الفداء ، فهل حصل دليل عقلي يقتضي حرمته أم لا ؟ فإن قلنا ~~حصل ، فيكون الله تعالى قد بين تحريمه بواسطة ذلك الدليل العقلي ، ولا يمكن ~~أن يقال إنه تعالى لم يبين تلك الحرمة ، وإن قلنا : إنه ليس في العقل ولا ~~في الشرع ما يقتضي المنع ، فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلا ، وإلا لكان ~~ذلك تكليف ما لا يطاق ، وإذا لم يكن المنع حاصلا كان الإذن حاصلا ، وإذا ~~كان الإذن حاصلا ، فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله ؟ # القول الثالث : قال قوم قد سبق حكم الله بأنه لا يعذب أحدا ممن شهد بدرا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا أيضا مشكل لأنه يقتضي أن يقال : إنهم ~~ما منعوا عن الكفر والمعاصي والزنا / والخمر وما هددوا بترتيب العقاب على ~~هذه القبائح ، وذلك يوجب سقوط التكاليف عنهم ولا يقوله عاقل . وأيضا فلو ~~صار كذلك ، فكيف آخذهم الله تعالى في ذلك الموضع بعينه في تلك الواقعة ~~بعينها ، وكيف وجه عليهم هذا العقاب القوي ؟ # والقول الرابع : لولا كتاب من الله سبق في أن من أتى ذنبا بجهالة ، فإنه ~~لا يؤاخذه به لمسهم العذاب ، وهذا من جنس ما سبق . # واعلم أن الناس قد أكثروا فيه ، والمعتمد في هذا الباب أن نقول : أما على ~~قولنا : فنقول : يجوز أن PageV15P161 يعفو الله عن ms4380 الكبائر . فقوله : { ~~لولا كتاب من الله سبق } معناه لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه ~~الواقعة لمسهم عذاب عظيم ، وهذا هو المراد من قوله : { كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة } ( الأنعام : 54 ) ومن قوله : ( سبقت رحمتى غضبي ) وأما على قول ~~المعتزلة فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر ، فكان معناه { لولا كتاب من الله ~~سبق } في أن من احترز عن الكبائر صارت صغائره مغفورة وإلا لمسهم عذاب عظيم ~~، وهذا الحكم وإن كان ثابتا في حق جميع المسلمين ، إلا أن طاعات أهل بدر ~~كانت عظيمة وهو قبولهم الإسلام ، وانقيادهم لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال : إن ~~الثواب الذي استحقوه على هذه الطاعات كان أزيد من العقاب الذي استحقوه على ~~هذا الذنب ، فلا جرم صار هذا الذنب مغفورا ، ولو قدرنا صدور هذا الذنب من ~~سائر المسلمين لما صار مغفورا ، فبسبب هذا القدر من التفاوت حصل لأهل بدر ~~هذا الاختصاص . # ثم قال تعالى : { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } روى أنهم أمسكوا عن ~~الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها / فنزلت هذه الآية . وقيل هو إباحة الفداء ~~. # فإن قيل : ما معنى الفاء في قوله : { فكلوا } . # قلنا التقدير : قد أبحت لكم الغنائم { فكلوا مما غنمتم حلالا } نصب على ~~الحال من المغنوم أو صفة للمصدر ، أي أكلا حلالا { واتقوا الله إن الله ~~غفور رحيم } والمعنى : واتقوا الله فلا تقدموا على المعاصي بعد ذلك ، ~~واعلموا أن الله غفور ما أقدمتم عليه في الماضي من الزلة ، رحيم ما أتيتم ~~من الجرم والمعصية ، فقوله : { واتقوا الله } إشارة إلى لمستقبل . وقوله : ~~{ إن الله غفور رحيم } إشارة إلى الحالة الماضية . # ! 7 < { ياأيها النبى قل لمن فىأيديكم من الا سرى إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم * وإن يريدوا ~~خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 70 - 71 ) يا أيها النبي . . . . . # > > # اعلم أن الرسول لما أخذ الفداء من ms4381 الأسارى وشق عليهم أخذ أموالهم منهم ، ~~ذكر الله هذه الآية استمالة لهم فقال : { رحيم ياأيها النبى قل لمن فى ~~أيديكم من الاسرى } قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في العباس ، وعقيل ~~بن أبي طالب ، ونوفل بن الحرث ، كان العباس أسيرا يوم بدر ومعه عشرون أوقية ~~من الذهب أخرجها ليطعم الناس ، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل ~~بدر فلم تبلغه التوبة حتى أسر ، فقال العباس : كنت مسلما إلا أنهم أكرهوني ~~، فقال عليه السلام : ( إن يكن ما تذكره حقا فالله يجزيك ) فأما ظاهر أمرك ~~فقد كان علينا . قال العباس : فكلمت رسول الله أن يرد ذلك الذهب علي ، فقال ~~: ( أما شيء خرجت لتستعين به علينا فلا ) قال : وكلفني الرسول فداء ابن أخي ~~عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية ، وفداء نوفل بن PageV15P162 الحرث ، فقال ~~العباس : تركتني يا محمد أتكفف قريشا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: ( أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها : لا ~~أدري ما يصيبني ، فإن حدث بي حادث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل ) ~~فقال العباس : وما يدريك ؟ قال : ( أخبرني به ربي ) قال العباس : فأنا أشهد ~~أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله ، والله لم يطلع عليه أحد ~~إلا الله ، ولقد دفعته إليها في سواد الليل ، ولقد كنت مرتابا في أمرك ، ~~فأما إذ أخبرتني بذلك فلا ريب . قال العباس : فأبدلني الله خيرا من ذلك ، ~~لي الآن عشرون عبدا ، وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا ، وأعطاني زمزم ، وما ~~أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من ربي . وروي أنه ~~قدم على رسول الله مال البحرين ثمانون ألفا ، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى ~~حتى فرقه ، وأمر العباس أن يأخذ منه ، فأخذ ما قدر على حمله ، وكان يقول : ~~هذا خير مما أخذ مني ، وأنا أرجو المغفرة . واختلف المفسرون في أن الآية ~~نازلة في العباس خاصة ، أو في جملة الأسارى . قال قوم : إنها في العباس ~~خاصة ، وقال آخرون ms4382 : إنها نزلت في الكل ، وهذا أولى ، لأن ظاهر الآية يقتضي ~~العموم من ستة أوجه : أحدها : قوله : { قل لمن فى أيديكم } وثانيها : قوله ~~: { من الاسرى } وثالثها : قوله : { في قلوبكم } / ورابعها : قوله : { ~~يؤتكم خيرا } وخامسها : قوله : { مما أخذ منكم } وسادسها : قوله : { ويغفر ~~لكم } فلما دلت هذه الألفاظ الستة على العموم ، فما الموجب للتخصيص ؟ أقصى ~~ما في الباب أن يقال : سبب نزول الآية هو العباس ، إلا أن العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب . # أما قوله : { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : يجب أن يكون المراد من هذا الخير : الإيمان والعزم على ~~طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف ، والتوبة عن الكفر وعن جميع ~~المعاصي ، ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول ، والتوبة عن محاربته . # المسألة الثانية : احتج هشام بن الحكم على قوله : إنه تعالى لا يعلم ~~الشيء إلا عند حدوثه بهذه الآية ، لأن قوله : { إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا } فعل كذا وكذا شرط وجزاء ، والشرط هو حصول هذا العلم ، والشرط ~~والجزاء لا يصح وجودهما إلا في المستقبل / وذلك يوجب حدوث علم الله تعالى . # والجواب : أن ظاهر اللفظ وإن كان يقتضي ما ذكره هشام ، إلا أنه لما دل ~~الدليل على أن علم الله يمتنع أن يكون محدثا وجب أن يقال : ذكر العلم وأراد ~~به المعلوم من حيث إنه يدل حصول العلم على حصول المعلوم . # أما قوله : { يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ الحسن { مما أخذ منكم } على ~~البناء للفاعل . # المسألة الثانية : للمفسرين في هذا الخير أقوال : # القول الأول : المراد : الخلف مما أخذ منهم في الدنيا . قال القاضي : ~~لأنه تعالى عطف عليه أمر الآخرة بقوله : { ويغفر لكم } فما تقدم يجب أن ~~يكون المراد منه منافع الدنيا . # ولقائل أن يقول : إن قوله : { ويغفر لكم } المراد منه إزالة العقاب ، ~~وعلى هذا التقدير : لم يبعد أن PageV15P163 يكون المراد من هذا الخير ~~المذكور أيضا الثواب والتفضل في الآخرة . # والقول الثاني : المراد من هذا الخير ثواب الآخرة ms4383 ، فإن قوله : { ويغفر ~~لكم } المراد منه في الآخرة ، فالخير الذي تقدمه يجب أيضا أن يكون في ~~الدنيا . # والقول الثالث : أنه محمول على الكل . # فإن قيل : إذا حملتم الخير على خيرات الدنيا ، فهل تقولون إن كل من أخلص ~~من الأسارى قد آتاه الله خيرا مما أخذ منه ؟ # / قلنا : هكذا يجب أن يكون بحكم الآية ، إلا أنا لا نعلم من المخلص بقلبه ~~. حتى يتوجه علينا فيه السؤال ، ولا نعلم أيضا من الذي آتاه الله علما ، ~~وقد علمنا أن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر . # ثم قال : { والله غفور رحيم } وهو تأكيد لما مضى ذكره من قوله : { ويغفر ~~لكم } والمعنى : كيف لا يفي بوعده المغفرة وأنه غفور رحيم ؟ # أما قوله : { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في تفسير هذه الخيانة وجوه : الأول : أن المراد منه ~~الخيانة في الدين وهو الكفر ، يعني إن كفروا بك فقد خانوا الله من قبل . ~~الثاني : أن المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء . الثالث : روي أنه ~~عليه السلام لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته وإلى ~~معاهدة المشركين ، وهذا هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر ، فقال تعالى ~~: { وإن يريدوا خيانتك } أي نكث هذا العهد فقد خانوا الله من قبل ، والمراد ~~أنهم كانوا يقولون { لئن أنجيتنا من هاذه لنكونن من الشاكرين } ( يونس : 22 ~~) { ولئن * صالحا لنكونن من الشاكرين * فلما } ( الأعراف : 189 ) ثم إذا ~~وصلوا إلى النعمة وتخلصوا من البلية نكثوا العهد ونقضوا الميثاق ، ولا يمنع ~~دخول الكل فيه ، وإن كان الأظهر هو هذا الأخير . # ثم قال تعالى : { فأمكن منهم } قال الأزهري : يقال أمكنني الأمر يمكنني ~~فهو ممكن ومفعول الإمكان محذوف ، والمعنى : فأمكن المؤمنين منهم ، والمعنى ~~أنهم خانوا الله بما أقدموا عليه من محاربة الرسول يوم بدر فأمكن الله منهم ~~قتلا وأسرا ، وذلك نهاية الإمكان والطفر . فنبه الله بذلك على أنهم قد ~~ذاقوا وبال ما فعلوه ثم ، فإن عادوا كان التمكين منهم ثابتا حاصلا ms4384 ، وفيه ~~بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يتمكن من كل من يخونه وينقض عهده . # ثم قال : { والله عليم } أي ببواطنهم وضمائرهم { حكيم } يجازيهم بأعمالهم ~~. # ! 7 < { إن الذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله ~~والذين ءاووا ونصروا أولائك بعضهم أوليآء بعض والذين ءامنوا ولم يهاجروا ما ~~لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر ~~إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير * والذين كفروا ~~بعضهم أوليآء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة فى الا رض وفساد كبير * والذين ~~ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولائك هم ~~المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم * والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا ~~معكم فأولائك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله ~~بكل شىء عليم } . > 7 @QB@ < # | الأنفال : ( 72 - 75 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > PageV15P164 # اعلم أنه تعالى قسم المؤمنين في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~أربعة أقسام ، وذكر حكم كل واحد منهم ، وتقرير هذه القسمة أنه عليه السلام ~~ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين ، ثم انتقل من مكة إلى المدينة ~~، فحين هاجر من مكة إلى المدينة صار المؤمنون على قسمين منهم من وافقه في ~~تلك الهجرة ، ومنهم من لم يوافقه فيها بل بقي هناك . # أما القسم الأول : فهم المهاجرون الأولون ، وقد وصفهم بقول : { إن الذين ~~ءامنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله } وإنما قلنا إن ~~المراد منهم المهاجرون الأولون لأنه تعالى قال في آخر الآية : { والذين ~~ءامنوا من بعد وهاجروا } وإذا ثبت هذا ظهر أن هؤلاء موصوفون بهذه الصفات ~~الأربعة : أولها : أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر / ~~وقبلوا جميع التكاليف التي بلغها محمد صلى الله عليه وسلم ولم يتمردوا ، ~~فقوله : { إن الذين } يفيد هذا المعنى . # والصفة الثانية : قوله : { وهاجروا } يعني : فارقوا الأوطان ، وتركوا ~~الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله ، ومعلوم أن هذه الحالة حالة شديدة ، ~~قال تعالى : { أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } ( النساء ms4385 : 66 ) جعل ~~مفارقة الأوطان معادلة لقتل النفس ، فهؤلاء في المرتبة الأولى تركوا ~~الأديان القديمة لطلب مرضاة الله تعالى ، وفي المرتبة الثانية تركوا ~~الأقارب والخلان والأوطان والجيران لمرضاة الله تعالى . # والصفة الثالثة : قوله : { وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله } أما ~~المجاهدة بالمال فلأنهم لما فارقوا الأوطان فقد ضاعت دورهم ومساكنهم ~~وضياعهم ومزارعهم ، وبقيت في أيدي الأعداء ، وأيضا فقد احتاجوا إلى الإنفاق ~~الكثير بسبب تلك العزيمة ، وأيضا كانوا ينفقون أموالهم على تلك الغزوات ، ~~وأما المجاهدة بالنفس فلأنهم كانوا أقدموا على محاربة بدر من غير آلة ولا ~~أهبة ولا عدة مع الأعداء الموصوفين بالكثرة والشدة ، وذلك يدل على أنهم ~~أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أنفسهم في سبيل الله . PageV15P165 # وأما الصفة الرابعة : فهي أنهم كانوا أول الناس إقداما على هذه الأفعال ~~والتزاما لهذه الأحوال ، ولهذه السابقة أثر عظيم في تقوية الدين . قال ~~تعالى : { لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا } ( الحديد : 10 ) وقال : { والسابقون ~~الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا ~~عنه } ( التوبة : 100 ) وإنما كان السبق موجبا للفضيلة ، لأن إقدامهم على ~~هذه الأفعال يوجب اقتداء غيرهم بهم ، فيصير ذلك سببا للقوة أو الكمال ، ~~ولهذا المعنى قال تعالى : { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } ( ~~المائدة : 32 ) وقال عليه السلام : ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة ) ومن عادة الناس أن دواعيهم تقوى بما يرون من أمثالهم ~~في أحوال الدين والدنيا ، كما أن المحن تخف على قلوبهم بالمشاركة فيها ، ~~فثبت أن حصول هذه الصفات الأربعة للمهاجرين الأولين يدل على غاية الفضيلة ~~ونهاية المنقبة ، وأن ذلك يوجب الاعتراف بكونهم رؤساء المسلمين وسادة لهم . # وأما القسم الثاني : من المؤمنين الموجودين في زمان محمد صلى الله عليه ~~وسلم فهم الأنصار ، وذلك لأنه عليه السلام لما هاجر إليهم مع طائفة من ~~أصحابه ، فلولا أنهم آووا ونصروا وبذلوا النفس والمال في خدمة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms4386 وإصلاح مهمات أصحابه لما تم المقصود البتة ، / ويجب أن ~~يكون حال المهاجرين أعلى في الفضيلة من حال الأنصار لوجوه : أولها : أنهم ~~هم السابقون في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل وعنوان المناقب : وثانيها : ~~أنهم تحملوا العناء والمشقة دهرا دهيرا ، وزمانا مديدا من كفار قريش وصبروا ~~عليه ، وهذه الحال ما حصلت للأنصار . وثالثها : أنهم تحملوا المضار الناشئة ~~من مفارقة الأوطان والأهل والجيران ، ولم يحصل ذلك للأنصار . ورابعها : أن ~~فتح الباب في قبول الدين والشريعة من الرسول عليه السلام إنما حصل من ~~المهاجرين ، والأنصار اقتدوا بهم وتشبهوا بهم ، وقد ذكرنا أنه عليه السلام ~~قال : ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) فوجب ~~أن يكون المقتدى أقل مرتبة من المقتدى به ، فجملة هذه الأحوال توجب تقديم ~~المهاجرين الأولين على الأنصار في الفضل والدرجة والمنقبة ، فلهذا السبب ~~أينما ذكر الله هذين الفريقين قدم المهاجرين على الأنصار وعلى هذا الترتيب ~~ورد ذكرهما في هذه الآية . # واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذين القسمين في هذه الآية قال : { أولئك ~~بعضهم أولياء بعض } واختلفوا في المراد بهذه الولاية ، فنقل الواحدي عن ابن ~~عباس والمفسرين كلهم ، أن المراد هو الولاية في الميراث . وقالوا جعل الله ~~تعالى سبب الإرث الهجرة والنصرة دون القرابة . وكان القريب الذي آمن ولم ~~يهاجر لم يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر ، واعلم أن لفظ الولاية غير ~~مشعر بهذا المعنى ، لأن هذا اللفظ مشع بالقرب على ما قررناه في مواضع من ~~هذا الكتاب . ويقال : ( السلطان ولي من لا ولي له ) ولا يفيد الإرث وقال ~~تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ( يونس : 62 ) ~~ولا يفيد الإرث بل الولاية تفيد القرب فيمكن حمله على غير الإرث ، وهو كون ~~بعضهم معظما للبعض مهتما بشأنه مخصوصا بمعاونته ومناصرته ، والمقصود أن ~~يكونوا يدا واحدة على الأعداء ، وأن يكون حب كل واحد لغيره جاريا مجرى حبسه ~~لنفسه ، وإذا كان اللفظ محتملا لهذا المعنى كان حمله على الإرث بعيدا عن ms4387 ~~دلالة اللفظ ، لا سيما وهم يقولون إن ذلك الحكم صار منسوخا بقوله تعالى في ~~آخر الآية : { وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض } وأي حاجة تحملنا على ~~PageV15P166 حمل اللفظ على معنى لا إشعار لذلك اللفظ به ، ثم الحكم بأنه ~~صار منسوخا بآية أخرى مذكورة معه ، هذا في غاية البعد ، اللهم إلا إذا حصل ~~إجماع المفسرين على أن المراد ذلك / فحينئذ يجب المصير إليه إلا أن دعوى ~~الإجماع بعيد . # القسم الثالث : من أقسام مؤمني زمان الرسول عليه السلام وهم المؤمنون ~~الذين ما وافقوا الرسول في الهجرة وبقوا في مكة وهم المعنيون بقول : { ~~والذين ءاووا ونصروا أولئك } فبين تعالى حكمهم / من وجهين : الأول : قوله : ~~{ مالكم * من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الولاية المنفية في هذه الصورة ، هي الولاية ~~المثبتة في القسم الذي تقدم ، فمن حمل تلك الولاية على الإرث ، زعم أن ~~الولاية المنفية ههنا هي الإرث ، ومن حمل تلك الولاية على سائر الاعتبارات ~~المذكورة ، فكذا ههنا . واحتج الذاهبون ، إلى أن المراد من هذه الولاية ~~الإرث ، بأن قالوا : لا يجوز أن يكون المراد منها الولاية بمعنى النصرة ~~والدليل عليه أنه تعالى عطف عليه قوله : { وإن استنصروكم فى الدين فعليكم ~~النصر } ولا شك أن ذلك عبارة عن الموالاة في الدين والمعطوف مغاير للمعطوف ~~عليه ، فوجب أن يكون المراد بالولاية المذكورة أمرا مغايرا لمعنى النصرة ~~وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنا حملنا تلك الولاية على التعظيم والإكرام وهو ~~أمر مغاير للنصرة ، ألا ترى أن الإنسان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض ~~المهمات وقد ينصر عبده وأمته بمعنى الإعانة مع أنه لا يواليه بمعنى التعظيم ~~والإجلال فسقط هذا الدليل . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { حتى يهاجروا } . # واعلم أن قوله تعالى : { مالكم * من ولايتهم من شىء } يوهم أنهم لما لم ~~يهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سقطت ولايتهم مطلقا ، فأزال الله ~~تعالى هذا الوهم بقوله : { مالكم * من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا } يعني ~~أنهم لو هاجروا لعادت تلك الولاية وحصلت ، والمقصود منه الحمل ms4388 على المهاجرة ~~والترغيب فيها ، لأن المسلم متى سمع أن الله تعالى يقول : إن قطع المهاجرة ~~انقطعت الولاية بينه وبين المسلمين ولو هاجر حصلت تلك الولاية وعادت على ~~أكمل الوجوه ، فلا شك أن هذا يصير مرغبا له في الهجرة ، والمقصود من ~~المهاجرة كثرة المسلمين واجتماعهم وإعانة بعضهم لبعض ، وحصول الألفة الشوكة ~~وعدم التفرقة . # المسألة الثالثة : قرأ حمزة { من ولايتهم } بكسر الواو ، والباقون بالفتح ~~. قال الزجاج : من فتح جعلها من النصرة والنسب . وقال : والولاية التي ~~بمنزلة الإمارة مكسورة للفصل بين المعنيين وقد يجوز كسر الولاية لأن في ~~تولي بعض القوم بعضا جنسا من الصناعة كالقصارة والخياطة فهي مكسورة . وقال ~~أبو علي الفارسي : الفتح أجود ، لأن الولاية ههنا من الدين والكسر في ~~السلطان . # والحكم الثاني : من أحكام هذا القسم الثالث ، قوله تعالى : { وإن ~~استنصروكم فى الدين فعليكم النصر } . # واعلم أنه تعالى لما بين الحكم في قطع الولاية بين تلك الطائفة من ~~المؤمنين ، بين أنه ليس المراد منه المقاطعة التامة كما في حق الكفار بل ~~هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا لم استنصروكم فانصروهم / ولا تخذلوهم . ~~روي أنه لما نزل قوله تعالى : { مالكم * من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا } ~~قام الزبير وقال : فهل PageV15P167 نعينهم على أمر إن استعانوا بنا ؟ فنزل ~~{ وإن استنصروكم فى الدين فعليكم النصر } # ثم قال تعالى : { إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } والمعنى أنه لا يجوز ~~لكم نصرهم عليهم إذ الميثاق مانع من ذلك . # ثم قال تعالى : { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا الترتيب الذي اعتبره الله في هذه الآية في ~~غاية الحسن لأنه ذكر ههنا أقساما ثلاثة : فالأول : المؤمنون من المهاجرين ~~والأنصار وهم أفضل الناس وبين أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضا . # والقسم الثاني : المؤمنون الذين لم يهاجروا فهؤلاء بسبب إيمانهم لهم فضل ~~وكرامة وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة فوجب أن يكون حكمهم حكما متوسطا ~~بين الإجلال والإذلال وذلك هو أن الولاية المثبتة للقسم الأول ، تكون منفية ~~عن هذا القسم ، إلا أنهم يكونون بحيث ms4389 لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم ~~نصروهم وأعانوهم . فهذا الحكم متوسط بين الإجلال والإذلال . وأما الكفار ~~فليس لهم البتة ما يوجب شيئا من أسباب الفضيلة . فوجب كون المسلمين منقطعين ~~عنهم من كل الوجوه فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصلة بوجه من الوجوه ، فظهر ~~أن هذا التريب في غاية الحسن . # المسألة الثانية : قال بعض العلماء : قوله : { والذين كفروا بعضهم أولياء ~~بعض } يدل على أن الكفار في الموارثة مع اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة ، ~~فالمجوسي يرث الوثني ، والنصراني يرث المجوسي ، لأن الله تعالى قال : { ~~والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } . # واعلم أن هذا الكلام إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الإرث وقد سبق ~~القول فيه ، بل الحق أن يقال : إن كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود ~~فلما ظهرت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تناصروا وتعاونوا على إيذائه ~~ومحاربته ، فكان المراد من الآية ذلك . وتمام التحقيق فيه أن الجنسية علة ~~الضم وشبيه الشيء منجذب إليه ، والمشركون واليهود والنصارى لما اشتركوا في ~~عداوة محمد صلى الله عليه وسلم صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض ~~وقرب بعضهم من بعض وذلك يدل على أنهم ما أقدموا على تلك العداوة لأجل الدين ~~، لأن كل واحد منهم كان في نهاية الإنكار لدين صاحبه ، بل كان ذلك من أدل ~~الدلائل على أن تلك العداوة لمحض الحسد والبغي والعناد . # ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحكام قال : { إلا تفعلوه تكن فتنة فى الارض ~~وفساد كبير } والمعنى : إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التفاصيل ~~المذكورة المتقدمة تحصل فتنة في الأرض / ومفسدة عظيمة ، وبيان هذه الفتنة ~~والفساد من وجوه : الأول : أن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف ~~المسلمين وقلة عددهم ، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم ، فربما صارت تلك ~~المخالطة سببا لالتحاق المسلم بالكفار . الثاني : أن المسلمين لو كانوا ~~متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم ، فيصير ذلك سببا لجراءة الكفار عليهم . ~~الثالث : أنه إذا كان جمع المسلمين كل يوم في الزيادة في العدة والعدة ، ~~صار ذلك سببا لمزيد ms4390 رغبتهم فيما هم فيه ورغبة المخالف في الالتحاق بهم . ~~PageV15P168 # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا القسم الثالث ، عاد إلى ذكر القسم الأول ~~والثاني مرة أخرى فقال : { والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~والذين ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا * فلم * مغفرة ورزق كريم } . # واعلم أن هذا ليس بتكرار وذلك لأنه تعالى ذكرهم أولا ليبين حكمهم وهو ~~ولاية بعضهم بعضا ، ثم إنه تعالى ذكرهم ههنا لبيان تعظيم شأنهم وعلو درجتهم ~~، وبيانه من وجهين : الأول : أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم وذلك ~~يدل على الشرف التعظيم . والثاني : وهو أنه تعالى أثنى عليهم ههنا من ثلاثة ~~أوجه : أولها : قوله : { أولئك هم المؤمنون حقا } فقوله : { أولئك هم ~~المؤمنون } يفيد الحصر وقوله : { حقا } يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم ~~محقين محققين في طريق الدين ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن من لم يكن محقا ~~في دينه لم يتحمل ترك الأديان السالفة / ولم يفارق الأهل والوطن ولم يبذل ~~النفس والمال ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين المتسابقين . وثانيها : ~~قوله : { لهم مغفرة } وتنكير لفظ المغفرة يدل على الكمال كما أن التنكير في ~~قوله : { ولتجدنهم أحرص الناس على حيواة } ( البقرة : 96 ) يدل على كمال ~~تلك الحياة ، والمعنى : لهم مغفرة تامة كاملة عن جميع الذنوب والتبعات . ~~وثالثها : قوله : { ورزق كريم } والمراد منه الثواب الرفيع الشريف . ~~والحاصل : أنه تعالى شرح حالهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فقد ~~وصفهم بقوله : { أولئك هم المؤمنون حقا } وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع ~~العقاب ، وإما جلب الثواب ، أما دفع العقاب فهو المراد بقوله : { لهم مغفرة ~~} وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله : { ورزق كريم } وهذه السعادات العالية ~~إنما حصلت لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية ، فتركوا الأهل والوطن وبذلوا ~~النفس والمال ، وذلك تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا ~~بالإعراض عن هذه الجسمانيات . # القسم الرابع : من مؤمني زمان محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين لم ~~يوافقوا الرسول في الهجرة إلا أنهم بعد ذلك هاجروا إليه ، وهو المراد من ~~قوله تعالى ms4391 : { والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } ~~وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : اختلفوا في المراد من قوله تعالى : { من بعد } نقل ~~الواحدي عن ابن عباس : بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية ، وقيل بعد نزول ~~هذه الآية ، وقيل : بعد يوم بدر ، والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد ~~الهجرة الأولى ، وهؤلاء هم التابعون بإحسان كما قال : { والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه } ( التوبة : 100 ) . # المسألة الثانية : الأصح أن الهجرة انقطعت بفتح مكة لأن عنده صارت مكة ~~بلد الإسلام وقال الحسن : الهجرة غير منقطعة أبدا ، وأما قوله عليه السلام ~~: ( لا هجرة بعد الفتح ) فالمراد الهجرة المخصوصة ، فإنها انقطعت بالفتح ~~وبقوة الإسلام . أما لو اتفق في بعض الأزمان كون المؤمنين في بلد وفى عددهم ~~قلة ، ويحصل للكفار بسبب كونهم معهم شوكة وإن هاجر المسلمون من تلك البلدة ~~وانتقلوا إلى بلدة أخرى ضعفت شوكة الكفار ، فههنا تلزمهم الهجرة على ما ~~قاله الحسن ، لأنه قد حصل فيهم مثل العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة . # المسألة الثالثة : قوله : { فأولئك منكم } يدل على أن مرتبة هؤلاء دون ~~مرتبة المهاجرين السابقين لأنه PageV15P169 ألحق هؤلاء بهم وجعلهم منهم في ~~معرض التشريف ، ولولا كون القسم الأول أشرف وإلا لما صح هذا المعنى . فهذا ~~شرح هذه الأقسام الأربعة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية . # ثم قال تعالى : { وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : الذين قالوا المراد من قوله تعالى : { أولئك بعضهم ~~أولياء بعض } ولاية الميراث قالوا هذه الآية ناسخة له ، فإنه تعالى بين أن ~~الإرث كان بسبب النصرة والهجرة ، والآن قد صار ذلك منسوخا فلا يحصل الإرث ~~إلا بسبب القرابة وقوله : { فى كتاب الله } المراد منه السهام المذكورة في ~~سورة النساء ، وأما الذين فسروا تلك الآية بالنصرة والمحبة والتعظيم قالوا ~~: إن تلك الولاية لما كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في ~~هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة ، إلا ما خصه الدليل ، ~~فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة ms4392 هذا الوهم ، وهذا أولى ، لأن تكثير ~~النسخ من غير ضرورة ولا حاجة لا يجوز . # المسألة الثانية : تمسك محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنهم في كتابه إلى أبي جعفر المنصور بهذه الآية في أن ~~الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب فقال : قوله ~~تعالى : { وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض } يدل على ثبوت الولاية وليس في ~~الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية ، فوجب حمله على الكل إلا ما خصه ~~الدليل ، وحينئذ يندرج فيه الإمامة ، ولا يجوز أن يقال : إن أبا بكر كان من ~~أولي الأرحام لما نقل أنه عليه / السلام أعطاه سورة براءة ليبلغها إلى ~~القوم ، ثم بعث عليا خلفه وأمر بأن يكون المبلغ هو علي ، وقال : ( لا ~~يؤديها إلا رجل مني ) وذلك يدل على أن أبا بكر ما كان منه ، فهذا هو وجه ~~الاستدلال بهذه الآية . # والجواب : إن صحت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامة ، لأنه كان أقرب ~~إلى رسول الله من علي . وبهذا الوجه أجاب أبو جعفر المنصور عنه . # المسألة الثالثة : تمسك أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية ، في توريث ~~ذوي الأرحام ، وأجاب أصحابنا عنه بأن قوله : { وأولوا الارحام بعضهم أولى ~~ببعض } مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية ، فلما قال : { فى كتاب ~~الله } كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه ، فصارت هذه الأولوية ~~مقيدة بالأحكام التي بينها الله في كتابه ، وتلك الأحكام ليست إلا ميراث ~~العصبات . فوجب أن يكون المراد من هذا المجمل هو ذلك فقط فلا يتعدى إلى ~~توريث ذوي الأرحام . # ثم قال في ختم السورة : { أن الله بكل شىء عليم } والمراد أن هذه الأحكام ~~التي ذكرتها وفصلتها كلها حكمة وصواب وصلاح ، وليس فيها شيء من العبث ~~والباطل ، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب . ونظيره أن ~~الملائكة لما قالوا : { أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء } قال مجيبا لهم : ~~{ إني أعلم ما لا تعلمون } ( البقرة : 30 ms4393 ) يعني لما علمتم كوني عالما بكل ~~المعلومات ، فاعلموا أن حكمي يكون منزها عن الغلط كذا ههنا . والله أعلم . # تم تفسير هذه السورة ولله الحمد والشكر ، كما هو أهله ومستحقه . يوم ~~الأحد في رمضان سنة إحدى PageV15P170 وستمائة في قرية يقال لها بغدان . ~~ونسأل الله الخلاص من الأهوال وشدة الزمان ، وكيد أهل البغي والخذلان ، إنه ~~الملك الديان . وصلاته وسلامه على حبيب الرحمن ، محمد المصطفى صاحب ~~المعجزات والبرهان . # PageV15P171 < # > 1 ( سورة التوبة ) 1 < # > # مدنية إلا الآيتين الأخيرتين فمكيتان # وآياتها 129 نزلت بعد المائدة # سورة التوبة # مائة وثلاثة وثلاثون وقيل عشرون وتسع آيات مدنية # / قال صاحب ( الكشاف ) : لها عدة أسماء : براءة ، والتوبة ؛ والمقشقشة ، ~~والمبعثرة ، والمشردة ، والمخزية ، والفاضحة ، والمثيرة ، والحافرة ، ~~والمنكلة ، والمدمدمة ، وسورة العذاب . قال لأن فيها التوبة على المؤمنين ، ~~وهي تقشقش من النفاق أي تبرىء منه ، وتبعثر عن أسرار المنافقين ، وتبحث ~~عنها ، وتثيرها . وتحفر عنها ، وتفضحهم ، وتنكل بهم ، وتشردهم وتخزيهم ، ~~وتدمدم عليهم . وعن حذيفة : إنكم تسمونها سورة التوبة ، والله ما تركت أحدا ~~إلا نالت منه . وعن ابن عباس في هذه السورة قال : إنها الفاضحة ما زالت ~~تنزل فيهم وتنال منهم حتى خشينا أن لا تدع أحدا ، وسورة الأنفال نزلت في ~~بدر ، وسورة الحشر نزلت في بني النضير . # فإن قيل : ما السبب في إسقاط التسمية من أولها ؟ # قلنا : ذكروا فيه وجوها : # الوجه الأول : روي عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان ، ما حملكم على ~~أن عمدتم إلى سورة براءة وهي من المئين ، وإلى سورة الأنفال وهي من المثاني ~~، فقرنتم بينهما وما فصلتم ببسم الله الرحمن الرحيم ؟ فقال : كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم كلما نزلت عليه سورة يقول : ( ضعوها في موضع / كذا ) وكانت ~~براءة من آخر القرآن نزولا . فتوفي صلى الله عليه وسلم ولم يبين موضعها ، ~~وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقرن بينهما . قال القاضي يبعد أن يقال : إنه ~~عليه السلام لم يبين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال ، لأن القرآن مرتب ~~من قبل الله تعالى ومن قبل رسوله على الوجه الذي نقل ، ولو جوزنا في ms4394 بعض ~~السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي ، لجوزنا مثله في سائر ~~السور وفي آيات السور الواحدة ، وتجويزه يطرف ما يقوله الإمامية من تجويز ~~الزيادة والنقصان في القرآن . وذلك يخرجه من كونه حجة ، بل الصحيح أنه عليه ~~السلام أمر بوضع هذه السورة ، بعد سورة الأنفال وحيا ، وأنه عليه السلام ~~حذف بسم الله الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحيا . # الوجه الثاني : في هذا الباب ما يروى عن أبي بن كعب أنه قال : إنما ~~توهموا ذلك ، لأن في الأنفال ذكر العهود ، وفي براءة نبذ العهود . فوضعت ~~إحداهما بجنب الأخرى والسؤال المذكور عائد ههنا ، لأن هذا الوجه إنما يتم ~~إذا قلنا إنهم إنما وضعوا هذه السورة بعد الأنفال من قبل أنفسهم لهذه العلة ~~. PageV15P172 # والوجه الثالث : أن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة التوبة ~~سورة واحدة أم سورتان ؟ فقال بعضهم : هما سورة واحدة لأن كلتيهما نزلت في ~~القتال ومجموعهما هذه السورة السابعة من الطوال وهي سبع ، وما بعدها المئون ~~. وهذا قول ظاهر لأنهما معا ومائتان وست آيات ، فهما بمنزلة سورة واحدة . ~~ومنهم من قال هما سورتان ، فلما ظهر الاختلاف بين الصحابة في هذا الباب ~~تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول هما سورتان ، وما كتبوا بسم الله ~~الرحمن الرحيم بينهما تنبيها على قول من يقول هما سورة واحدة ، وعلى هذا ~~القول لا يلزمنا تجويز مذهب الإمامية ، وذلك لأنه لما وقع الاشتباه في هذا ~~المعنى بين الصحابة لم يقطعوا بأحد القولين ، وعملوا عملا يدل على أن هذا ~~الاشتباه كان حاصلا ، فلما لم يتسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم ~~كانوا مشددين في ضبط القرآن عن التحريف والتغيير ، وذلك يبطل قول الإمامية ~~. # الوجه الرابع : في هذا الباب : أنه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب أن ~~يوالي المؤمنون بعضهم بعضا وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية ، ثم إنه ~~تعالى صرح بهذا المعنى في قوله : { براءة من الله ورسوله } ( التوبة : 1 ) ~~فلما كان هذا عين ذلك الكلام وتأكيدا له وتقريرا له ، لزم ms4395 وقوع الفاصل ~~بينهما ، فكان إيقاع الفصل بينهما تنبيها على كونهما سورتين متغايرتين ، ~~وترك كتب بسم الله الرحمن الرحيم بينهما تنبيها على أن هذا المعنى هو عين ~~ذلك المعنى . # الوجه الخامس : قال ابن عباس : سألت عليا رضي الله عنه : لم لم يكتب بسم ~~الله الرحمن الرحيم بينهما ؟ قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان ، وهذه ~~السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود / وليس فيها أمان . ويروى أن سفيان بن ~~عيينة ذكر هذا المعنى ، وأكده بقوله تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام لست مؤمنا } ( النساء : 94 ) فقيل له : أليس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كتب إلى أهل الحرب بسم الله الرحمن الرحيم . فإجاب عنه : بأن ذلك ~~ابتداء منه بدعوتهم إلى الله ، ولم ينبذ إليهم عهدهم . ألا تراه قال في آخر ~~الكتاب : ( والسلام على من اتبع الهدى ) وأما في هذه السورة فقد اشتملت على ~~المقاتلة ونبذ العهود فظهر الفرق . # والوجه السادس : قال أصحابنا : لعل الله تعالى لما علم من بعض الناس أنهم ~~يتنازعون في كون بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن ، أمر بأن لا تكتب ههنا ~~، تنبيها على كونها آية من أول كل سورة ، وأنها لما لم تكن آية من هذه ~~السورة ، لا جرم لم تكتب ، وذلك يدل على أنها لما كتبت في أول سائر السور ~~وجب كونها آية من كل سورة . # ! 7 < { برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا فى ~~الا رض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزى الكافرين } . ~~> 7 @QB@ < # | التوبة : ( 1 - 2 ) براءة من الله . . . . . # > > PageV15P173 # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : معنى البراءة انقطاع العصمة . يقال : برئت من فلان أبرأ ~~براءة ، أي انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة ، ومن هنا يقال برئت من ~~الدين ، وفي رفع قوله : { براءة } قولان : الأول : أنه خبر مبتدأ محذوف أي ~~هذه براءة . قال الفراء : ونظيره قولك إذا نظرت إلى رجل جميل ، جميل والله ~~، أي هذا جميل والله ، وقوله : { من } لابتداء الغاية ، والمعنى : هذه ~~براءة واصلة من الله ورسوله إلى ms4396 الذين عاهدتم ، كما تقول كتاب من فلان إلى ~~فلان . الثاني : أن يكون قوله : { براءة } مبتدأ وقوله : { من الله ورسوله ~~} صفتها وقوله : { إلى الذين عاهدتم } هو الخبر كما تقول رجل من بني تميم ~~في الدار . # فإن قالوا : ما السبب في أن نسب البراءة إلى الله ورسوله ، ونسب المعاهدة ~~إلى المشركين ؟ # قلنا قد أذن الله في معاهدة المشركين ، فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعاهدهم ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ إليهم ~~، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك ، وقيل اعلموا أن الله ورسوله قد برئا ~~مما عاهدتم من المشركين . # المسألة الثالثة : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة ~~تبوك وتخلف النافقون وأرجفوا بالأراجيف ، جعل المشركون ينقضون العهد ، فنبذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد إليهم . # / فإن قيل : كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وسلم العهد ؟ # قلنا : لا يجوز أن ينقض العهد إلا على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يظهر له ~~منهم خيانة مستورة ويخاف ضررهم فينبذ العهد إليهم ، حتى يستووا في معرفة ~~نقض العهد لقوله : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } ( ~~الأنفال : 58 ) وقال أيضا : { الذين ينقضون * عهدهم في كل مرة } ( الأنفال ~~: 56 ) والثاني : أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد أن يقرهم على العهد ~~فيما ذكر من المدة إلى أن يأمر الله تعالى بقطعه . فلما أمره الله تعالى ~~بقطع العهد بينهم قطع لأجل الشرط . والثالث : أن يكون مؤجلا فتنقضي المدة ~~وينقضي العهد ويكون الغرض من إظهار هذه البراءة أن يظهر لهم أنه لا يعود ~~إلى العهد ، وأنه على عزم المحاربة والمقاتلة ، فأما فيما وراء هذه الأحوال ~~الثلاثة لا يجوز نقض العهد البتة ، لأنه يجري مجرى الغدر وخلف القول ، ~~والله ورسوله منه بريئان ، ولهذا المعنى قال الله تعالى : { إلا الذين ~~عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم } ( التوبة : 4 ) وقيل : إن أكثر المشركين نقضوا ~~العهد إلا أناسا منهم ms4397 وهم بنو ضمرة وبنو كنانة . # المسألة الثالثة : روي أن فتح مكة كان سنة ثمان وكان الأمير فيها عتاب بن ~~أسيد ، ونزول هذه السورة سنة تسع ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ~~بكر رضي الله عنه سنة تسع أن يكون على الموسم ، فلما نزلت هذه السورة أمر ~~عليا أن يذهب إلى أهل الموسم ليقرأها عليهم . فقيل له لو بعثت بها إلى أبي ~~بكر ، فقال : لا يؤدي عني إلا رجل مني ، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء ، ~~فوقف وقال : هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم / فلما لحقه قال : ~~أمير أو مأمور ؟ قال : مأمور ، ثم ساروا ، فلما كان قبل التروية خطب أبو ~~بكر وحدثهم عن مناسكهم ، وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : يا ~~أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، فقالوا بماذا فقرأ عليهم ~~PageV15P174 ثلاثين أو أربعين آية ، وعن مجاهد ثلاث عشرة آية ، ثم قال : ~~أمرت بأربع أن لا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت ~~عريان ، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة ، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده . ~~فقالوا عند ذلك يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه ~~ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف ، واختلفوا في السبب ~~الذي لأجله أمر عليا بقراءة هذه السورة عليهم وتبليغ هذه الرسالة إليهم ، ~~فقالوا السبب فيه أن عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من ~~الأقارب فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما نعرف فينا من نقض ~~العهود فربما لم يقبلوا ، فأزيحت علتهم بتولية ذلك عليا رضي الله عنه ، ~~وقيل لما خص أبا بكر رضي الله عنه بتوليته أمير الموسم خص عليا بهذا ~~التبليغ تطييبا للقلوب ورعاية للجوانب ، / وقيل قرر أبا بكر علي الموسم ~~وبعث عليا خلفه لتبليغ هذه الرسالة ، حتى يصلي على خلف أبي بكر ويكون ذلك ~~جاريا مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر ، والله أعلم . # وقرر الجاحظ ms4398 هذا المعنى فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ~~أميرا على الحاج وولاه الموسم وبعث عليا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة ~~فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع وكان ~~أبو بكر الرافع بالموسم والسابق لهم والآمر لهم ، ولم يكن ذلك لعلي رضي ~~الله عنه . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يبلغ عني إلا رجل مني ) ~~فهذا لا يدل على تفضيل علي على أبي بكر ، ولكنه عامل العرب بما يتعارفونه ~~فيما بينهم ، وكان السيد الكبير منهم إذا عقد لقوم حلفا أو عاهد عهدا لم ~~يحل ذلك العهد والعقد إلا هو أو رجل من أقاربه القريبين منه كأخ أو عم . ~~فلهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول . # وأما قوله : { فسيحوا فى الارض أربعة أشهر } ففيه أبحاث : الأول : أصل ~~السياحة الضرب في الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة ~~مع الإقلال من الطعام والشراب . يقال للصائم سائح لأنه يشبه السائح لتركه ~~المطعم والمشرب . قال المفسرون : { فسيحوا فى الارض } يعني اذهبوا فيها كيف ~~شئتم وليس ذلك من باب الأمر ، بل المقصود الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول ~~الأمان وإزالة الخوف ، يعني أنتم آمنون من القتل والقتال في هذه المدة . # البحث الثاني : قال المفسرون : هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر ، ~~فمن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة ، ومن كانت مدته أقل ~~من أربعة أشهر رفعه إلى الأربعة والمقصود من هذا الإعلام أمور : الأول : أن ~~يتفكروا لأنفسهم ويحتاطوا في هذا الأمر ، ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه ~~المدة إلا أحد أمور ثلاثة : إما الإسلام أو قبول الجزية أو السيف ، فيصير ~~ذلك حاملا لهم على قبول الإسلام ظاهرا . والثاني : لئلا ينسب المسلمون إلى ~~نكث العهد ، والثالث : أراد الله أن يعم جميع المشركين بالجهاد ، فعم الكل ~~بالبراءة وأجلهم أربعة أشهر ، وذلك لقوة الإسلام وتخويف الكفار ، ولا يصح ~~ذلك إلا بنقض العهود . والرابع : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج ms4399 في ~~السنة الآتية ، فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يشاهد العراة . # البحث الثالث : قال ابن الأنباري : قوله : { فسيحوا } القول فيه مضمر ~~والتقدير : فقل لهم سيحوا أو يكون هذا رجوعا من الغيبة إلى الحضور كقوله : ~~{ وسقاهم ربهم شرابا طهورا * إن هاذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا } ( ~~الإنسان : 21 / 22 ) . # البحث الرابع : اختلفوا في هذه الأشهر الأربعة ، وعن الزهري أن براءة ~~نزلت في شوال ، / وهي أربعة PageV15P175 أشهر : شوال ، وذو القعدة ، وذو ~~الحجة ، والمحرم ، وقيل هي عشرون من ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وربيع ~~الأول ، وعشر من ربيع الآخر ، وإنما سميت حرما لأنه كان يحرم فيها القتل ~~والقتال ، فهذه الأشهر الحرم لما حرم القتل والقتال فيها كانت حرما ، وقيل ~~إنما سميت حرما لأن أحد أقسام هذه المدة من الأشهر الحرم لأن عشرين من ذي ~~الحجة مع المحرم من الأشهر الحرم . وقيل : ابتداء تلك المدة كان من عشر ذي ~~القعدة إلى عشر من ربيع الأول ، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت ~~بسبب النسيء الذي كان فيهم ، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة وهي حجة ~~الوداع ، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام : ( ألا إن الزمان قد ~~استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ) . # وأما قوله : { واعلموا أنكم غير معجزي الله } فقيل : اعلموا أن هذا ~~الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب . وقيل تقديره : فسيحوا ~~عالمين أنكم لا تعجزون الله في حال . والمقصود : أني أمهلتكم وأطلقت لكم ~~فافعلوا كل ما أمكنكم فعله من إعداد الآلات والأدوات ، فإنكم لا تعجزون ~~الله بل الله يعجزكم ويقهركم . وقيل : اعملوا أن هذا الإمهال لأجل أنه لا ~~يخاف الفوت ، لأنكم حيث كنتم فأنتم في ملك الله وسلطانه ، وقوله : { وأن ~~الله مخزى الكافرين } قال ابن عباس : بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة . ~~وقال الزجاج : هذا ضمان من الله عز وجل لنصرة المؤمنين على الكافرين ~~والإخزاء والإذلال مع إظهار الفضيحة والعار ، والخزي النكال الفاضح . # ! 7 < { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الا كبر أن الله ms4400 برىء ~~من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير ~~معجزى الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 3 ) وأذان من الله . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } ( ~~التوبة : 1 ) جملة تامة ، مخصوصة بالمشركين ، وقوله : { وأذان من الله ~~ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر } جملة أخرى تامة معطوفة / على الجملة ~~الأولى وهي عامة في حق جميع الناس ، لأن ذلك مما يجب أن يعرفه المؤمن ~~والمشرك من حيث كان الحكم المتعلق بذلك يلزمهما جميعا ، فيجب على المؤمنين ~~أن يعرفوا الوقت الذي يكون فيه القتال من الوقت الذي يحرم فيه ، فأمر الله ~~تعالى بهذا الإعلام يوم الحج الأكبر ، وهو الجمع الأعظم ليصل ذلك الخبر إلى ~~الكل ويشتهر . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الأذان الأعلام . قال الأزهري : يقال آذنته أوذنه ~~إيذانا ، فالأذان اسم يقوم مقام الإيذان ، وهو المصدر الحقيقي ، ومنه أذان ~~الصلاة . وقوله : { من الله ورسوله إلى الناس } أي أذان صادر من الله ~~ورسوله ، واصل إلى الناس ، كقولك : إعلام صادر من فلان إلى فلان . # المسألة الثانية : اختلفوا في يوم الحج الأكبر . فقال ابن عباس في رواية ~~عكرمة إنه يوم عرفة ، وهو قول PageV15P176 عمر وسعيد بن المسيب وابن الزبير ~~وعطاء وطاوس ومجاهد ، وإحدى الروايتين عن علي : ورواية عن المسور بن مخرمة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو أنه ، قال : خطب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عشية عرفة . فقال : أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر . وقال ابن ~~عباس : في رواية عطاء : يوم الحج الأكبر يوم النحر ، وهو قول الشعبي ~~والنخعي والسدي وأحد الروايتين عن علي ، وقول المغيرة بن شعبة وسعيد بن ~~جبير . والقول الثالث ما رواه ابن جريج عن مجاهد أنه قال : يوم الحج الأكبر ~~أيام منى كلها ، وهو مذهب سفيان الثوري ، وكان يقول يوم الحج الأكبر أيامه ~~كلها ، ويقول يوم صفين ، ويوم الجمل يراد به الحين والزمان ، لأن كل حرب من ~~هذه الحروب دامت أياما كثيرة . حجة من قال يوم ms4401 عرفة قوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( الحج عرفة ) ولأن أعظم أعمال الحج هو الوقوف بعرفة ، لأن من ~~أدركه ، فقد أدرك الحج ، ومن فاته فقد فاته الحج . وذلك إنما يحصل في هذا ~~اليوم . وحجة من قال إنه يوم النحر ، هي أن أعمال الحج إنما تتم في هذا ~~اليوم ، وهي الطواف والنحر والحلق والرمي ، وعن علي رضي الله عنه أن رجلا ~~أخذ بلجام دابته فقال : ما الحج الأكبر . قال : يومك هذا ، خل عن دابتي ، ~~وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقف يوم النحر عند الجمرات ~~في حجة الوداع . فقال هذا يوم الحج الأكبر ، وأما قول من قال المراد مجموع ~~تلك الأيام ، فبعيد لأنه يقتضي تفسي اليوم بالأيام الكثيرة ، وهو خلاف ~~الظاهر . # فإن قيل : لم سمي ذلك بالحج الأكبر ؟ # قلنا فيه وجوه : الأول : أن هذا هو الحج الأكبر ، لأن العمر تسمى الحج ~~الأصغر . الثاني : / أنه جعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر لأنه معظم ~~واجباته ، لأنه إذا فات الحج ، وكذلك إن أريد به يوم النحر ، لأن ما يفعل ~~فيه معظم أفعال الحج الأكبر . الثالث : قال الحسن : سمي ذلك اليوم بيوم ~~الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه ، وموافقته لأعياد أهل الكتاب ~~، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده ، فعظم ذلك اليوم في قلب كل مؤمن وكافر . طعن ~~الأصم في هذا الوجه وقال : عيد الكفار فيه سخط ، وهذا الطعن ضعيف ، لأن ~~المراد أن ذلك اليوم يو استعظمه جميع الطوائف ، وكان من وصفه بالأكبر أولئك ~~. والرابع : سمي بذلك لأن المسلمين والمشركين حجوا في تلك السنة . والخامس ~~: الأكبر الوقوف بعرفة ، والأصغر النحر ، وهو قول عطاء ومجاهد . السادس : ~~الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد ، وهو منقول عن مجاهد . ثم إنه تعالى ~~بين أن ذلك الأذان بأي شيء كان ؟ فقال : { أن الله برىء من المشركين ورسوله ~~} وفيه مباحث : # البحث اللأول : لقائل أن يقول : لا فرق بين قوله : { براءة من الله ~~ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } وبين قوله { أن الله برىء من ~~المشركين ورسوله } فما الفائدة في هذا التكرير ms4402 ؟ # والجواب عنه من وجوه : # الوجه الأول : أن المقصود من الكلام الأول الإخبار بثبوت البراءة ، ~~والمقصود من هذا الكلام إعلام جميع الناس بما حصل وثبت . # والوجه الثاني : أن المراد من الكلام الأول البراءة من العهد ، ومن ~~الكلام الثاني البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد ، ~~والذي يدل على حصول هذا الفرق أن في البراءة الأولى برىء إليهم ، وفي ~~الثانية : برىء منهم ، والمقصود أنه تعالى أمر في آخر سورة الأنفال ~~المسلمين بأن يوالي بعضهم PageV15P177 بعضا ، ونبه به على أنه يجب عليهم أن ~~لا يوالوا الكفار وأن يتبرؤا منهم ، فههنا بين أنه تعالى كما يتولى ~~المؤمنين فهو يتبرأ عن المشركين ويذمهم ويلعنهم ، وكذلك الرسول ، ولذلك ~~أتبعه بذكر التوبة المزيلة للبراءة . # والوجه الثالث : في الفرق أنه تعالى في الكلام الأول ، أظهر البراءة عن ~~المشركين الذين عاهدوا ونقضوا العهد . وفي هذه الآية أظهر البراءة عن ~~المشركين من غير أن وصفهم بوصف معين ، تنبيها على أن الموجب لهذه البراءة ~~كفرهم وشركهم . # البحث الثاني : قوله : { أن الله برىء من المشركين } فيه حذف والتقدير : ~~{ وأذان من الله ورسوله } بأن الله بريء من المشركين إلا أنه حذف الباء ~~لدلالة الكلام عليه . # / واعلم أن في رفع قوله : { ورسوله } وجوها : الأول : أنه رفع بالابتداء ~~وخبره مضمر ، والتقدير ورسوله أيضا بريء والخبر عن الله دل على الخبر عن ~~الرسول . والثاني : أنه عطف على المنوي في بريء فإن التقدير بريء هو ورسوله ~~من المشركين . الثالث : أن قوله : { إن الله } رفع بالابتداء وقوله : { ~~برىء } خبره وقوله : { ورسوله } عطف على المبتدأ الأول . قال صاحب ( الكشاف ~~) : وقد قرىء بالنصب عطفا على اسم أن لأن الواو بمعنى مع ، أي برىء مع ~~رسوله منهم ، وقرىء بالجر على الجوار وقيل على القسم والتقدير أن الله بريء ~~من المشركين وحق رسوله . # ثم قال تعالى : { فإن تبتم } أي عن الشرك { فهو خير لكم } وذلك ترغيب من ~~الله في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لكون الله ورسوله موصوفين ~~بالبراءة منه { وإن توليتم } أي أعرضتم عن التوبة عن الشرك { فاعلموا أنكم ms4403 ~~غير معجزى الله } وذلك وعيد عظيم ، لأن هذا الكلام يدل على كونه تعالى ~~قادرا على إنزال أشد العذاب بهم . # ثم قال : { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } في الآخرة لكي لا يظن أن عذاب ~~الدنيا لما فات وزال ، فقد تخلص عن العذاب ، بل العذاب الشديد معد له يوم ~~القيامة ولفظ البشارة ورد ههنا على سبيل استهزاء كما يقال : تحيتهم الضرب ~~وإكرامهم الشتم . # ! 7 < { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا ~~عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 4 ) إلا الذين عاهدتم . . . . . # > > هذا الاستثناء إلى أي شيء عاد ؟ فيه وجهان : الأول : قال الزجاج : ~~إنه عائد إلى قوله : { براءة } والتقدير { براءة من الله ورسوله } إلى ~~المشركين المعاهدين إلا من الذين لم ينقضوا العهد . والثاني : قال صاحب ( ~~الكشاف ) ، وجهه أن يكون مستثنى من قوله : { فسيحوا فى الارض } لأن الكلام ~~خطاب للمسلمين ، والتقدير : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم منهم ثم ~~لم ينقصوكم فأتموا إليهم عهدهم . # واعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين : أحدهما : قوله : { ثم لم ينقصوكم } ~~والثاني : قوله : { ولم يظاهروا عليكم أحدا } والأقرب أن يكون المراد من ~~الأول أن يقدموا على المحاربة بأنفسهم ، ومن الثاني : / أن يهيجوا أقواما ~~آخرين وينصروهم ويرغبوهم في الحرب . ثم قال : { فأتموا إليهم عهدهم } ~~والمعنى أن الذين ما غادروا من هذين الوجهين ، فأتموا إليهم عهدهم ، ولا ~~تجعلوا الوافين كالغادرين . وقوله : { فأتموا إليهم عهدهم } أي أدوه إليهم ~~تاما كاملا . قال ابن عباس : بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم ~~إليهم عهدهم { إن الله يحب المتقين } PageV15P178 يعني أن قضية التقوى أن ~~لا يسوى بين القبيلتين أو يكون المراد أن هذه الطائفة لما أنفوا النكث ونقض ~~العهد ، استحقوا من الله أن يصان عهدهم أيضا عن النقض والنكث . روى أنه عدت ~~بنو بكر على بن خزاعة في حال غيبة رسول الله وظاهرتهم قريش بالسلاح ، حتى ~~وقد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله فأنشده : # % لا هم إني ناشد محمدا % % حلف أبينا وأبيك ms4404 ألا تلدا % # % إن قريشا أخلفوك الموعدا % % ونقضوا ذمامك المؤكدا % # % هم بيتونا بالحطيم هجدا % % وقتلونا ركعا وسجدا % # فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا نصرت إن لم أنصركم ) وقرىء { لم } ~~بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم . # ! 7 < { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ~~واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلواة وءاتوا الزكواة ~~فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم } . > 7 ! # قوله تعالى : { المتقين فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلواة ~~وءاتوا } . # < < # | التوبة : ( 5 ) فإذا انسلخ الأشهر . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الليث : يقال سلخت الشهر إذا خرجت منه ، وكشف أبو ~~الهيثم عن هذا المعنى فقال : يقال أهللنا هلال شهر كذا ، أي دخلنا فيه ~~ولبسناه ، فنحن نزداد كل ليلة إلى مضي نصفه لباسا منه ، ثم نسلخه عن أنفسنا ~~بعد تكامل النصف منه جزءا فجزءا ، حتى نسلخه عن أنفسنا وأنشد : # % إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله % % كفى قائلا سلخي الشهور وإهلالي % # / وأقول تمام البيان فيه أن الزمان محيط بالشيء وظرف له ، كماأن المكان ~~محيط به وظرف له ومكان الشيء عبارة عن السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس ~~للسطح الظاهر ومن الجسم المحوي فإذا انسلخ الشيء من جلده فقد انفصل من ~~السطح الباطن من ذلك الجلد وذلك السطح ، وهو مكانه في الحقيقة فكذلك إذا تم ~~الشهر فقد انفصل عن إحاطة ذلك الشهر به ، ودخل في شهر آخر ، والسلخ اسم ~~لانفصال الشيء عن مكانه المعين ، فجعل أيضا اسما لانفصاله عن زمانه المعين ~~، لما بين المكان والزمان من المناسبة التامة الشديدة . وأما الأشهر الحرم ~~فقد فسرناها في قوله : { فسيحوا فى الارض أربعة أشهر } ( التوبة : 2 ) وهي ~~يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر ، والمراد من كونها حرما ، أن الله حرم ~~القتل والقتال فيها . ثم إنه تعالى عند انقضاء هذه الأشهر الحرم أذن في ~~أربعة أشياء : أولها : قوله : { واقتلوهم حيث وجدتموهم } ( النساء : 89 ) ~~وذلك أمر بقتلهم على الإطلاق ، في أي وقت ، وأي مكان ms4405 . وثانيها : قوله : { ~~وخذوهم } أي بالأسر ، والأخيذ الأسير . PageV15P179 وثالثها : قوله : { ~~واحصروهم } معنى الحصر المنع من الخروج من محيط . قال ابن عباس : يريد إن ~~تحصنوا فاحصروهم . وقال الفراء : حصرهم أن يمنعوا من البيت الحرام . ~~ورابعها : قوله تعالى : { واقعدوا لهم كل مرصد } والمرصد الموضع الذي يرقب ~~فيه العدو من قولهم : رصدت فلانا أرصده إذا ترقبته ، قال المفسرون : المعنى ~~اقعدوا لهم على كل طريق يأخذون فيه إلى البيت أو إلى الصحراء أو إلى ~~التجارة ، قال الأخفش في الكلام محذوف والتقدير : اقعدوا لهم على كل مرصد . # ثم قال تعالى : { فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~} وفيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية على أن تارك الصلاة ~~يقتل ، قال لأنه تعالى أباح دماء الكفار مطلقا بجميع الطرق ، ثم حرمها عند ~~مجموع هذه الثلاثة ، وهي التوبة عن الكفر ، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، ~~فعندما لم يوجد هذا المجموع ، وجب أن يبقى إباحة الدم على الأصل . # فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون المراد الإقرار بهما واعتقاد وجوبهما ؟ ~~والدليل عليه أن تارك الزكاة لا يقتل . # أجابوا عنه : بأن ما ذكرتم عدول عن الظاهر ، وأما في تارك الزكاة فقد ~~دخله التخصيص . # فإن قالوا : لم كان حمل التخصيص أولى من حمل الكلام على اعتقاد وجوب ~~الصلاة والزكاة ؟ # قلنا : لأنه ثبت في أصول الفقه أنه مهما وقع التعارض بين المجاز وبين ~~التخصيص ، فالتخصيص أولى بالحمل . # / المسألة الثانية : نقل عن أب بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقول : ~~في مانعي الزكاة لا أفرق بين ما جمع الله ، ولعل مراده كان هذه الآية ، ~~لأنه تعالى لم يأمر بتخلية سبيلهم إلا لمن تاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ، ~~فأوجب مقاتلة أهل الردة لما امتنعوا من الزكاة وهذا بين إن جحدوا وجوبها ~~أما إن أقروا بوجوبها وامتنعوا من الدفع إليه خاصة ، فمن الجائز أنه كان ~~يذهب إلى وجوب مقاتلتهم من حيث امتنعوا من دفع الزكاة إلى الإمام . وقد كان ~~مذهبه أن ذلك معلوم من دين الرسول عليه السلام كما يعلم سائر ms4406 الشرائع ~~الظاهرة . # المسألة الثالثة : قد تكلمنا في حقيقة التوبة في سورة البقرة في قوله : { ~~فتلقىءادم من ربه كلمات فتاب عليه } ( البقرة : 37 ) روى الحسن أن أسيرا ~~نادى بحيث يسمع الرسول أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثا ، فقال عليه ~~السلام : عرف الحق لأهله فأرسلوه . # المسألة الرابعة : قوله : { فخلوا سبيلهم } قيل إلى البيت الحرام ، وقيل ~~إلى التصرف في مهماتهم { إن الله غفور رحيم } لمن تاب وآمن . وفيه لطيفة ~~وهو أنه تعالى ضيق عليهم جميع الخيرات وألقاهم في جميع الآفات ، ثم بين ~~أنهم لو تابوا عن الكفر وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فقد تخلصوا عن كل تلك ~~الآفات في الدنيا ، فنرجو من فضل الله أن يكون الأمر كذلك يوم القيامة أيضا ~~فالتوبة عبارة عن تطهير القوة النظرية عن الجهل ، والصلاة والزكاة عبارة عن ~~تطهير القوة العملية عما لا ينبغي وذلك يدل على أن كمال السعادة منوط بهذا ~~المعنى . # PageV15P180 ! 7 < { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ~~الله ثم أبلغه مأمنه ذالك بأنهم قوم لا يعلمون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 6 ) وإن أحد من . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في تقرير وجه النظم نقل عن ابن عباس أنه قال : إن رجلا ~~من المشركين قال لعلي بن أبي طالب إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا ~~الأجل لسماع كلام الله أو لحاجة أخرى فهل نقتل ، فقال علي : ( لا ) إن الله ~~تعالى قال : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } أي فأمنه حتى يسمع كلام ~~الله ، وتقرير هذا الكلام : أن نقول : إنه تعالى لما أوجب بعد انسلاخ ~~الأشهر / الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله تعالى قد قامت عليهم ~~وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات كفى في إزاحة عذرهم ~~وعلتهم ، وذلك يقتضي أن أحدا من المشركين لو طلب الدليل والحجة لا يلتفت ~~إليه ، بل يطالب إما بالإسلام وإما بالقتل ، فلما كان هذا الكلام واقعا في ~~القلب لا جرم ذكر الله هذه الآية إزالة لهذه الشبهة ، والمقصود منه بيان أن ms4407 ~~الكافر إذا جاء طالبا للحجة والدليل أو جاء طالبا لاستماع القرآن ، فإنه ~~يجب إمهاله ويحرم قتله ويجب إيصاله إلى مأمنه ، وهذا يدل على أن المقصود من ~~شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد ، ويدل أيضا على أن النظر في دين ~~الله أعلى المقامات وأعلى الدرجات ، فإن الكافر الذي صار دمه مهدرا لما ~~أظهر من نفسه كونه طالبا للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ، ووجب على ~~الرسول أن يبلغه مأمنه . # المسألة الثانية : أحد مرتفع بفعل مضمر يفسره الظاهر ، وتقديره : وإن ~~استجارك أحد ، ولا يجوز أن يرتفع بالابتداء لأن إن من عوامل الفعل لا يدخل ~~على غيره . # فإن قيل : لما كان التقدير ما ذكرتم فما الحكمة في ترك هذا الترتيب ~~الحقيقي ؟ # قلنا : الحكمة فيه ما ذكره سيبويه ، وهو أنهم يقدمون الأهم والذي هم ~~بشأنه ، أعني وقد بينا ههنا أن ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم المشركين ، فقدم ~~ذكره ليدل ذلك على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار ، قال الزجاج : المعنى ~~إن طلب منك أحد منهم أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن كلام الله يسمعه ~~الكافر والمؤمن والزنديق والصديق والذي يسمعه جمهور الخلق ليس إلا هذه ~~الحروف والأصوات ، فدل ذلك على أن كلام الله ليس إلا هذه الحروف والأصوات ، ~~ثم من المعلوم بالضرورة أن الحروف والأصوات لا تكون قديمة ، لأن تكلم الله ~~بهذه الحروف إما أن يكون معا أو على الترتيب ، فإن تكلم بها معا لم يحصل ~~منه هذا الكلام المنتظم ، لأن الكلام لا يحصل منتظما إلا عند دخول هذه ~~الحروف في الوجود على التعاقب ، فلو حصلت معا لا متعاقبة لما حصل الانتظام ~~، فلم يحصل الكلام . وأما إن حصلت متعاقبة ، لزم أن ينقضي المتقدم ويحدث ~~المتأخر ، PageV15P181 وذلك يوجب الحدوث ، فدل هذا عن أن كلام الله محدث . ~~قالوا : فإن قلتم إن كلام الله شيء مغاير لهذه الحروف والأصوات ؛ فهذا باطل ~~لأن الرسول ما كان يشير بقوله كلام الله إلا هذه الحروف والأصوات ، وأما ~~الحشوية ms4408 والحمقى من الناس ، فقالوا ثبت بهذه الآية أن كلام الله ليس إلا ~~هذه الحروف والأصوات ، وثبت أن كلام الله قديم ، فوجب القول بقدم الحروف ~~والأصوات . # / واعلم أن الأستاذ أبا بكر بن فورك زعم أنا إذا سمعنا هذه الحروف ~~والأصوات فقد سمعنا مع ذلك كلام الله تعالى وأما سائر الأصحاب فقد أنكروا ~~عليه هذا القول ، وذلك لأن ذلك الكلام القديم إما أن يكون نفس هذه الحروف ~~والأصوات / وإما أن يكون شيئا آخر مغايرا لها . والأول : هو قول الرعاع ~~والحشوية وذلك لا يليق بالعقلاء . # وأما الثاني : فباطل لأنا على هذا التقدير لما سمعنا هذه الحروف والأصوات ~~، فقد سمعنا شيئا آخر يخالف ماهية هذه الحروف والأصوات ، لكنا نعلم ~~بالضرورة أن عند سماع هذه الحروف والأصوات لم نسمع شيئا آخر سواها ولم ندرك ~~بحاسة السمع أمرا آخر مغايرا لها فسقط هذا الكلام . # والجواب الصحيح عن كلام المعتزلة أن نقول : هذا الذي نسمعه ليس عين كلام ~~الله على مذهبكم ، لأن كلام الله ليس إلا الحروف والأصوات التي خلقها أولا ~~، بل تلك الحروف والأصوات انقضت وهذه التي نسمعها حروف وأصوات فعلها ~~الإنسان ، فما ألزمتموه علينا فهو لازم عليكم . # واعلم أن أبا علي الجبائي لقوة هذا الإلزام ارتكب مذهبا عجيبا فقال : ~~كلام الله شيء مغاير للحروف والأصوات وهو باق مع قراءة كل قارىء ، وقد أطبق ~~المعتزلة على سقوط هذا المذهب والله أعلم . # المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في ~~الدين وأنه لا بد من النظر والاستدلال ، وذلك لأنه لو كان التقليد كافيا ، ~~لوجب أن لا يمهل هذا الكافر ، بل يقال له إما أن تؤمن ، وإما أن نقتلك فلما ~~لم يقل له ذلك ، بل أمهلناه وأزلنا الخوف عنه ووجب علينا أن نبلغه مأمنه ~~علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن التقليد في الدين غير كاف ، بل لا بد من ~~الحجة والدليل فأمهلناه وأخرناه ليحصل له مهلة النظر والاستدلال . # إذا ثبت هذا فنقول : ليس في الآية ما يدل على أن مقدار هذه المهلة ms4409 كم ~~يكون ولعله لا يعرف مقداره إلا بالعرف ، فمتى ظهر على المشرك علامات كونه ~~طالبا للحق باحثا عن وجه الاستدلال أمهل وترك ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن ~~الحق دافعا للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه والله أعلم . # المسألة الخامسة : المذكور في هذه الآية كونه طالبا لسماع القرآن فنقول : ~~ويلتحق به كونه طالبا لسماع الدلائل ، وكونه طالبا للجواب عن الشبهات ، ~~والدليل عليه أنه تعالى علل وجوب تلك الإجارة بكونه غير عالم لأنه قال ذلك ~~بأنهم قوم لا يعلمون وكان المعنى فأجره ، لكونه طالبا للعلم مسترشدا للحق ~~وكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته . # / المسألة السادسة : في قوله : { حتى يسمع كلام الله } وجوه : قيل : أراد ~~سماع جميع القرآن ، لأن تمام الدليل والبينات فيه ، وقيل : أراد سماع سورة ~~براءة ، لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين ، وقيل : PageV15P182 ~~أراد سماع كل الدلائل . وإنما خص القرآن بالذكر ، لأنه الكتاب الجاري لمعظم ~~الدلائل . وقوله : { ثم أبلغه مأمنه } معناه أوصله إلى ديار قومه التي ~~يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم ثم بعد ذلك يجوز قتالهم وقتلهم . # المسألة السابعة : قال الفقهاء : والكافر الحربي إذا دخل دار الإسلام كان ~~مغنوما مع ماله ، إلا أن يدخل مستجيرا لغرض شرعي كاستماع كلام الله رجا ~~الإسلام ، أو دخل لتجارة . فإن دخل بأمان صبي أو مجنون فأمانهما شبهة أمان ~~، فيجب تبليغه مأمنه . وهو أن يبلغ محروسا في نفسه وماله إلى مكانه الذي هو ~~مأمن له ، ومن دخل منهم دار الإسلام رسولا فالرسالة أمان ، ومن دخل ليأخذ ~~مالا في دار الإسلام ولماله أمان فأمان له والله أعلم . # ! 7 < { كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند ~~المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين } . > 7 ~~! # < < # | التوبة : ( 7 ) كيف يكون للمشركين . . . . . # > > قوله : { كيف } استفهام بمعنى الإنكار كما تقول : كيف يسبقني مثلك ، ~~أي لا ينبغي أن يسبقني وفي الآية محذوف وتقديره : كيف يكون للمشركين عهد مع ~~إضمار الغدر فيما وقع من العهد إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام ، لأجل ms4410 ~~أنهم ما نكثوا وما نقضوا قيل : إنهم بنو كنانة وبنو ضمرة فتربصوا أمرهم ولا ~~تقتلوهم فما استقاموا لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله { إن الله يحب ~~المتقين } يعني من اتقى الله يوفي بعهده لمن عاهد والله أعلم . # ! 7 < { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم ~~بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون * اشتروا بأايات الله ثمنا قليلا ~~فصدوا عن سبيله إنهم سآء ما كانوا يعملون * لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة ~~وأولائك هم المعتدون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 8 - 10 ) كيف وإن يظهروا . . . . . # > > اعلم أن قوله : { كيف } تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد ، ~~وحذف الفعل كونه معلوما أي كيف يكون عهدهم وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم بعد ~~ما سبق لهم من تأكيد الإيمان والمواثيق لم ينظروا إلى حلف ولا عهد { ولم * ~~يتلو عليكم } هذا هو المعنى ، ولا بد من تفسير الألفاظ المذكورة في الآية ~~يقال : PageV15P183 ظهرت على فلان إذا علوته ، وظهرت على السطح إذا صرت ~~فوقه . قال الليث : الظهور الظفر بالشيء . وأظهر الله المسلمين على ~~المشركين أي أعلاهم عليهم ومنه قوله تعالى : { فأصبحوا ظاهرين } ( الصف : ~~14 ) وقوله : { ليظهره على الدين كله } ( التوبة : 33 ) أي ليعليه ، وتحقيق ~~القول فيه أن من غلب غيره حصلت له صفة كمال ، ومن كان كذلك أظهر نفسه ومن ~~صار مغلوبا صار كالناقص ، والناقص لا يظهر نفسه ويخفي نقصانه فصار الظهور ~~كناية للغلبة لكونه من لوازمها فقوله : { إن يظهروا عليكم } يريد أن يقدروا ~~عليكم وقوله : { لا يرقبوا فيكم } قال الليث : رقب الإنسان يرقبه رقبة ~~ورقوبا وهو أن ينتظره ورقيب القوم حارسهم وقوله : { ولم ترقب قولى } ( طه : ~~94 ) أي لم تحفظه ، أما الأول ففيه أقوال : الأول : أنه العهد قال الشاعر : # % وجدناهم كاذبا الهم % % وذو الال والعهد لا يكذب % # يعني العهد الثاني . قال الفراء : الال القرابة . قال حسان : # % لعمرك أن الك من قريش % % كال السقب من رأل النعام % # يعني القرابة والثالث الأل الحلف . قال أوس بن حجر : # % لولا بنو مالك والأل مرقبه % % ومالك فيهم الآلاء والشرف % # يعني ms4411 الحلف . والرابع : الأل هو الله عز وجل ، وعن أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه أنه لما سمع هذيان مسيلمة قال : إن هذا الكلام لم يخرج من إل ، ~~وطعن الزجاج في هذا القول وقال : أسماء الله معلومة من الأخبار والقرآن ولم ~~يسمع أحد يقول : يا إل . الخامس : قال الزجاج : حقيقة الإل عندي على ما ~~توجبه اللغة تحديد الشديد ، فمن ذلك الألة الحربة . وأذن مؤللة ، فالإل ~~يخرج في جميع / ما فسر من العهد والقرابة . السادس : قال الأزهري : أيل من ~~أسماء الله عز وجل بالعبرانية ، فجائز أن يكون عرب . فقيل إل . السابع : ~~قال بعضهم : الإل مأخوذ من قولهم إل يؤل ألا ، إذا صفا ولمع ومنه الآل ~~للمعانه ، وأذن مؤللة شبيهة بالحربة في تحديدها وله أليل أي أنين يرفه به ~~صوته ، ورفعت المرأة أليلها إذا ولولت ، فالعهد سمى إلا ، لظهوره وصفائه من ~~شوائب الغدر ، أو لأن القوم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه . # أما قوله : { ولا ذمة } فالذمة العهد ، وجمعها ذمم وذمام ، كل أمر لزمك ، ~~وكان بحيث لو ضيعته لزمتك مذمة ، وقال أبو عبد الله الذمة ما يتذمم منه ، ~~يعني ما يجتنب فيه الذم يقال : تذمم فلان ، أي ألقى على نفسه الذم ، ونظيره ~~تحوب ، وتأثم وتحرج . # أما قوله : { يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم } أي يقولون بألسنتهم كلاما ~~حلوا طيبا / والذي في قلوبهم بخلاف ذلك ، فإنهم لا يضمرون إلا الشر ~~والإيذاء إن قدروا عليه { وأكثرهم فاسقون } وفيه سؤالان : # السؤال الأول : الموصوفين بهذه الصفة كفار . والكفر أقبح وأخبث من الفسق ~~، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم . # السؤال الثاني : أن الكفار كلهم فاسقون ، فلا يبقى لقوله : { وأكثرهم ~~فاسقون } فائدة . # والجواب عن الأول : أن الكافر قد يكون عدلا في دينه ، وقد يكون فاسقا ~~خبيث النفس في دينه ، PageV15P184 فالمراد ههنا أن هؤلاء الكفار الذين من ~~عادتهم نقض العهود { أكثرهم * فاسقون } في دينهم وعند أقوامهم ، وذلك يوجب ~~المبالغة في الذم . # والجواب عن الثاني : عين ما تقدم ، لأن الكافر قد يكون محترزا عن الكذب ، ~~ونقض العهد والمكر والخديعة ، وقد ms4412 يكون موصوفا بذلك ، ومثل هذا الشخص يكون ~~مذموما عند جميع الناس وفي جميع الأديان ، فالمراد بقوله : { وأكثرهم ~~فاسقون } أن أكثرهم موصوفون بهذه الصفات المذمومة ، وأيضا قال ابن عباس : ~~لا يبعد أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم وتاب ، فلهذا السبب قال : { ~~وأكثرهم فاسقون } حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك الذين دخلوا في الإسلام . # أما قوله : { اشتروا بئايات الله ثمنا قليلا عن سبيله } ففيه قولان : ~~الأول : المراد منه المشركون . قال مجاهد : أطعم أبو سفيان بن حرب حلفاءه ، ~~وترك حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فنقضوا العهد الذي كان بينهم بسبب تلك ~~الأكلة . الثاني : لا يبعد أن تكون طائفة من اليهود أعانوا / المشركين على ~~نقض تلك العهود ، فكان المراد من هذه الآية ذم أولئك اليهود ، وهذا اللفظ ~~في القرآن كالأمر المختص باليهود ويقوى هذا الوجه بما أن الله تعالى أعاد ~~قوله : { لا يرقبون فى مؤمن إلا ولا ذمة } ( التوبة : 10 ) ولو كان المراد ~~منه المشركين لكان هذا تكرارا محضا ، ولو كان المراد منه اليهود لم يكن هذا ~~تكرارا ، فكان ذلك أولى . # ثم قال : { وأولئك هم المعتدون } ( التوبة : 10 ) يعني يعتدون ما حده ~~الله في دينه وما يوجبه العقد والعهد ، وفي ذلك نهاية الذم . والله أعلم . # ( 11 ) # ! 7 < { فإن تابوا وأقاموا الصلواة وءااتوا الزكواة فإخوانكم في الدين ~~ونفصل الا يات لقوم يعلمون } . > 7 ! # ( 12 ) # ! 7 < { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة ~~الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 11 - 12 ) فإن تابوا وأقاموا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين حال من لا يرقب في الله إلا ولا ذمة ، وينقض ~~العهد وينطوي على النفاق ويتعدى ما حد له ، بين من بعد أنهم إن أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة كيف حكمهم ، فجمع ذلك الشيء بقوله : { فإخوانكم فى ~~الدين } وهو يفيد جملة أحكام الإيمان ، ولو شرح لطال . # فإن قيل : المعلق على PageV15P185 الشيء بكلمة { ءان } عدم عند عدم ذلك ~~الشيء ، فهذا يقتضي أنه متى لم توجد هذه الثلاثة لا يحصل الأخوة في ms4413 الدين ، ~~وهو مشكل لأنه ربما كان فقيرا ، أو إن كان غنيا ، لكن قبل انقضاء الحول لا ~~تلزمه الزكاة . # قلنا : قد بينا في تفسير قوله تعالى : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } ~~( النساء : 31 ) أن المعلق على الشيء بكلمة { ءان } لا يلزم من عدمه عدم ~~ذلك الشيء ، فزال هذا السؤال ، ومن الناس من قال المعلق على الشيء بكلمة { ~~ءان } عدم عند عدم ذلك الشيء ، فههنا قال المواخاة بالإسلام بين المسلمين ~~موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعا ، فإن الله تعالى شرطها في إثبات ~~المواخاة ، ومن لم يكن أهلا لوجوب الزكاة عليه ، وجب عليه أن يقر بحكمها ، ~~فإذا أقر بهذا الحكم دخل في الشرط الذي به تجب الأخوة ، وكان / ابن مسعود ~~يقول رحم الله أبا بكر ما أفقهه في الدين ، أراد به ما ذكره أبو بكر في حق ~~مانعي الزكاة ، وهو قوله والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما بقي في ~~قوله : { فإخوانكم فى الدين } بحثان : الأول : قوله : { فإخوانكم } قال ~~الفراء معناه ، فهم إخوانكم بإضمار المبتدأ كقوله تعالى : { ادعوهم لابائهم ~~هو أقسط عند } ( الأحزاب : 5 ) أي فهم إخوانكم . الثاني : قال أبو حاتم قال ~~أهل البصرة أجمعون الأخوة في النسب والأخوان في الصداقة ، وهذا غلط يقال ~~للأصدقاء ، وغير الأصدقاء أخوة وأخوان . قال الله تعالى : { إنما المؤمنون ~~إخوة } ( الحجرات : 10 ) ولم يعن النسب . وقال تعالى : { أو بيوت إخوانكم } ~~( النور : 61 ) وهذا في النسب . قال ابن عباس : حرمت هذه الآية دماء أهل ~~القبلة . # ثم قال : { ونفصل الايات لقوم يعلمون } قال صاحب ( الكشاف ) : وهذا ~~اعتراض وقع بين الكلامين ، والمقصود الحث والتحريض على تأمل ما فصل من ~~أحكام المشركين المعاهدين ، وعلى المحافظة عليها . # ثم قال : { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم } يقال نكث ~~فلان عهده إذا نقضه بعد أحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه ، ومنه قوله ~~تعالى : { من بعد قوة أنكاثا } ( النحل : 92 ) والأيمان جمع يمين بمعنى ~~الحلف والقسم . وقيل : للحلف يمين ، وهو اسم اليد لأنهم كانوا يبسطون ~~أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا ms4414 . وقيل : سمي القسم يمينا ليمين البر فيه . ~~فقوله : { وإن نكثوا أيمانهم } أي نقضوا عهودهم . وفيه قولان : الأول : هو ~~قول الأكثرين إن المراد نكثهم لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثاني ~~: أن المراد حمل العهد على الإسلام بعد الإيمان ، فيكون المراد ردتهم بعد ~~الإيمان ، ولذلك قرأ بعضهم { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم } والأول أولى ~~للقراءة المشهورة ، ولأن الآية وردت في ناقضي العهد لأنه تعالى صنفهم صنفين ~~، فإذا ميز منهم من تاب لم يبق إلا من أقام على نقض العهد . وقوله : { ~~وطعنوا فى دينكم } يقال طعنه بالرمح يطعنه / وطعن بالقول السيء يطعن . قال ~~الليث : وبعضهم يقول : يطعن بالرمح ، ويطعن بالقول : فيفرق بينهما ، ~~والمعنى أنهم عابوا دينكم ، وقدحوا فيه . # ثم قال : { فقاتلوا أئمة الكفر } أي متى فعلوا ذلك فافعلوا هذا ، وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { أئمة الكفر } بهمزة ~~واحدة غير ممدودة وتليين الثانية والباقون بهمزتين على التحقيق . قال ~~الزجاج : الأصل في الأئمة أأمة ، لأنها جمع إمام ، مثل مثال وأمثلة ، لكن ~~الميمين إذا اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية ، وألقيت حركتها على الهمزة ، ~~فصارت أأمة ، فأبدلت من المكسورة الياء لكراهة اجتماع الهمزتين في كلمة ~~واحدة . هذا هو / الاختيار عند جميع النحويين . # إذا عرفت هذا فنقول : قال صاحب ( الكشاف ) : لفظة ( أئمة ) همزة بعدها ~~همزة بين بين ، والمراد بين مخرج الهمزة والياء . أما بتحقيق الهمزتين ~~فقراءة مشهورة . وإن لم تكن مقبولة عند البصريين . وأما التصريح بالياء ~~فليس بقراءة ، ولا يجوز أن يكون قراءة ، ومن صرح بها فهو لاحن محرف . ~~PageV15P186 # المسألة الثانية : قوله : { فقاتلوا أئمة الكفر } معناه قاتلوا الكفار ~~بأسرهم ، إلا أنه تعالى خص الأئمة والسادة منهم الذكر ، لأنهم هم الذين ~~يحرضون الأتباع على هذه الأعمال الباطلة . # المسألة الثالثة : قال الزجاج : هذه الآية توجب قتل الذمي إذا أظهر الطعن ~~في الإسلام ، لأن عهده مشروط بأن لا يطعن ، فإن طعن فقد نكث ونقض عهدهم . # ثم قال تعالى : { إنهم لا أيمان لهم } قرأ ابن عامر { لا أيمان لهم } ~~بكسر الألف ولها وجهان : أحدها ms4415 : لا أمان لهم ، أي لا تؤمنوهم . فيكون ~~مصدرا من الإيمان الذي هو ضد الإخافة ، والثاني : أنهم كفرة لا إيمان لهم ، ~~أي لا تصديق ولا دين لهم ، والباقون بفتح الهمزة وهو جمع يمين ، ومعناه لا ~~أيمان لهم على الحقيقة . وأيمانهم ليست بأيمان ، وبه تمسك أبو حنيفة رحمه ~~الله في أن يمين الكافر لا يكون يمينا ، وعند الشافعي رحمه الله يمينهم ~~يمين ، ومعنى هذه الآية عنده : أنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ~~ليست بأيمان . والدليل على أن أيمانهم أيمان ، أنه تعالى وصفها بالنكث في ~~قوله : { وإن نكثوا أيمانهم } ولو لم يكن منعقدا لما صح وصفها بالنكث . # ثم قال تعالى : { لعلهم ينتهون } وهو متعلق بقوله : { فقاتلوا أئمة الكفر ~~} أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعدما وجد منهم ما وجد من العظائم أن تكون ~~المقاتلة سببا في انتهائهم عما هم عليه من الكفر ، وهذا من غاية كرم الله ~~وفضله على الإحسان . # ( 13 ) # ! 7 < { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم ~~أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 13 ) ألا تقاتلون قوما . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما قال : { قاتلوا * أئمة الكفر } ( التوبة : 12 ) أتبعه ~~بذكر السبب الذي يبعثهم على مقاتلتهم فقال : { ألا تقاتلون قوما نكثوا } . # / واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أسباب كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد ~~، فكيف بها حال الاجتماع : أحدها : نكثهم العهد ، وكل المفسرين حمله على ~~نقض العهد . قال ابن عباس والسدي والكلبي : نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم ~~بعد عهد الحديبية ، وأعانوا بني بكر على خزاعة وهذه الآية تدل على أن قتال ~~الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجرا لغيرهم ، وثانيها : ~~قوله : { وهموا بإخراج الرسول } فإن هذا من أوكد ما يجب القتال لأجله . ~~واختلفوا فيه فقال بعضهم : المراد إخراجه من مكة حين هاجر . وقال بعضهم : ~~بل المراد من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده ~~بالقتل . وقال آخرون : بل هموا بإخراجه من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى ms4416 ~~الخروج وهو نقض العهد ، وإعانة أعدائه ، فأضيف الإخراج إليهم توسعا لما وقع ~~منهم من الأمور الداعية إليه . وقوله : { وهموا بإخراج الرسول } إما ~~PageV15P187 بالفعل وإما بالعزم عليه ، وإن لم يوجد ذلك الفعل بتمامه ، ~~وثالثها : قوله : { وهم * بدءوكم أول مرة } يعني بالقتال يوم بدر ، لأنهم ~~حين سلم العير قالوا : لا ننصرف حتى نستأصل محمدا ومن معه . # والقول الثاني : أراد أنهم قاتلوا حلفاء خزاعة فبدؤا بنقض العهد ، وهذا ~~قول الأكثرين ، وإنما قال : { * بدؤكم } تنبيها على أن البادىء أظلم ، ولما ~~شرح تعالى هذه الموجبات الثلاثة زاد فيها ، فقال : { مرة أتخشونهم فالله ~~أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } وهذا الكلام يقوي داعية القتال من وجوه : ~~الأول : أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوي هذه الداعية ، والثاني ~~: أنك إذا قلت للرجل : أتخشى خصمك كان ذلك تحريكا منه لأن يستنكف أن ينسب ~~إلى كونه خائفا من خصمه ، والثالث : أن قوله : { فالله أحق أن تخشوه } يفيد ~~ذلك كأنه قيل : إن كنت تخشى أحدا فالله أحق أن تخشاه لكونه في غاية القدرة ~~والكبرياء والجلالة ، والضرر المتوقع منهم غايته القتل . أما المتوقع من ~~الله فالعقاب الشديد في القيامة ، والذم اللازم في الدنيا ، والرابع : أن ~~قوله : { إن كنتم مؤمنين } معناه : أنكم إن كنتم مؤمنين بالإيمان وجب عليكم ~~أن تقدموا على هذه المقاتلة ، ومعناه أنكم إن لم تقدموا عليها وجب أن لا ~~تكونوا مؤمنين فثبت أن هذا كلام مشتمل على سبعة أنواع من الأمور التي ~~تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد . # بقي في الآية أبحاث : # البحث الأول : حكى الواحدي عن أهل المعاني أنهم قالوا : إذا قلت لا تفعل ~~كذا ، فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده ، وإذا قلت ألست تفعل فإنما تقول ~~ذلك في فعل تحقق وجوده ، والفرق بينهما أن لا ينفي بها المستقبل ، فإذا ~~دخلت عليها الألف صار تحضيضا على فعل ما يستقبل ، وليس إنما تستعمل لنفي ~~الحال . فإذا دخلت عليها الألف صار لتحقيق الحال . # / البحث الثاني : نقل عن ابن عباس أنه قال : قوله تعالى : { ألا تقاتلون ~~قوما } ترغيب في ms4417 فتح مكة وقوله : { قوما نكثوا أيمانهم } أي عهدهم ، يعني ~~قريشا حين أعانوا بني الديل بن بكر على خزاعة خلفاء الرسول عليه الصلاة ~~والسلام / فأمر الله رسوله أن يسير إليهم فينصر خزاعة ، ففعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذلك ، وأمر الناس أن يتجهزوا إلى مكة وأبو سفيان عند هرقل ~~بالروم ، فرجع وقدم المدينة ودخل على فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يستجير بها فأبت ، وقالت ذلك لابنيها الحسن والحسين فأبيا ، فخاطب أبا بكر ~~فأبى ، ثم خاطب عمر فتشدد ، ثم خاطب عليا فلم يجبه ، فاستجار بالعباس وكان ~~مصافيا له فأجاره ، وأجاره الرسول لإجارته وخلى سبيله . فقال العباس : يا ~~رسول الله إن أبا سفيان فيه أبهة فاجعل له شيئا ، فقال من دخل دار أبي ~~سفيان فهو آمن ، فعاد إلى مكة ونادى من دخل داري فهو آمن فقاموا إليه ~~وضربوه ضربا شديدا وحصل الفتح عند ذلك ، فهذا ما قاله ابن عباس . وقال ~~الحسن : لا يجوز أن يكون المراد منه ذلك ، لأن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة ~~بسنة ، وتمييز حق هذا الباب من باطله لا يعرف إلا بالأخبار . # البحث الثالث : قال أبو بكر الأصم : دلت هذه الآية على أنهم كرهوا هذا ~~القتال لقوله تعالى : { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } ( البقرة : 216 ) ~~فآمنهم الله تعالى بهذه الآيات . قال القاضي : إنه تعالى قد يحث على فعل ~~الواجب من لا يكون كارها له ولا مقصرا فيه ، فإن أراد أن مثل هذا التحريض ~~علي الجهاد لا ينفع إلا PageV15P188 وهناك كره للقتال لم يصح أيضا ، لأنه ~~يجوز أن يحث الله تعالى بهذا الجنس على الجهاد لكي لا يحصل الكره الذي لولا ~~هذا التحريض كان يقع . # البحث الرابع : دلت هذه الآية على أن المؤمن ينبغي أن يخشى ربه ، وأن لا ~~يخشى أحدا سواه . # # PageV15P189 ! 7 < { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ~~ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشآء والله ~~عليم حكيم } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 14 - 15 ) قاتلوهم يعذبهم الله . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ms4418 قال في الآية الأولى : { ألا تقاتلون قوما } ذكر ~~عقيبه سبعة أشياء كل واحد منها يوجب إقدامهم على القتال . ثم إنه تعالى في ~~هذه الآية أعاد الأمر بالقتال وذكر في ذلك القتال خمسة أنواع من الفوائد ، ~~كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف بها إذا اجتمعت ؟ فأولها : قوله : ~~{ يعذبهم الله بأيديكم } وفيه مباحث : # البحث الأول : أنه تعالى سمى ذلك عذابا وهو حق فإنه تعالى يعذب الكافرين ~~فإن شاء عجله في الدنيا وإن شاء أخره إلى الآخرة . # البحث الثاني : أن المراد من هذا التعذيب القتل تارة والأسر أخرى واغتنام ~~الأموال ثالثا ، فيدخل فيه كل ما ذكرناه . # فإن قالوا : أليس أنه تعالى قال : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ( ~~الأنفال : 33 ) فكيف قال ههنا : { يعذبهم الله بأيديكم } . # قلنا : المراد من قوله : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } عذاب ~~الاستئصال ، والمراد من قوله : { يعذبهم الله بأيديكم } عذاب القتل والحرب ~~، والفرق بين البابين أن عذاب الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب وإن كان ~~في حقه سببا لمزيد الثواب ، أما عذاب القتل فالظاهر أنه يبقى مقصورا على ~~المذنب . # البحث الثالث : احتج أصحابنا على قولهم بأن فعل العبد مخلوق لله تعالى ~~بقوله : { يعذبهم الله بأيديكم } فإن المراد من هذا التعذيب القتل والأسر ~~وظاهر النص يدل على أن ذلك القتل والأسر فعل الله تعالى ، إلا أنه تعالى ~~يدخله في الوجود على أيدي العباد ، وهو صريح قولنا ومذهبنا . أجاب الجبائي ~~عنه فقال : لو جاز أن يقال إنه تعالى يعذب الكفار بأيدي المؤمنين لجاز أن ~~يقال : إنه / يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين ، ولجاز أن يقال إنه يكذب ~~أنبياءه على ألسنة الكفار ويلعن المؤمنين على ألسنتهم ، لأنه تعالى خالق ~~لذلك ، فلما لم يجز PageV16P003 ذلك عند المجبرة ، علم أنه تعالى لم يخلق ~~أعمال العباد وإنما نسب ما ذكرناه إلى نفسه على سبيل التوسع من حيث إنه حصل ~~بأمره وألطافه ، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير ، وأجاب أصحابنا ~~عنه فقالوا : أما الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك إلا أنا لا نقوله ~~باللسان ، كما ms4419 أنا نعلم أنه تعالى هو الخالق لجميع الأجسام . ثم إنا لا ~~نقول يا خالق الأبوال والعذرات ، ويا مكون الخنافس والديدان ، فكذا ههنا . ~~وأيضا أنا توافقنا على أن الزنا واللواط وسائر القبائح إنما حصلت بأقدار ~~الله تعالى وتيسيره ، ثم لا يجوز أن يقال : يا مسهل الزنا واللواط ، ويا ~~دافع الموانع عنها ، فكذا هنا ، أما قوله إن المراد إذن الأقدار فنقول هذا ~~صرف للكلام عن ظاهره ، وذلك لا يجوز إلا لدليل قاهر ، والدليل القاهر من ~~جانبنا ههنا ، فإن الفعل لا يصدر إلا عند الداعية الحاصلة ، وحصول تلك ~~الداعية ليس إلا من الله تعالى . وثانيها : قوله تعالى : { ويخزهم } معناه ~~: ما ينزل بهم من الذل والهوان حيث شاهدوا أنفسهم مقهورين في أيدي المؤمنين ~~ذليلين مهينين . قال الواحدي : قوله : { ويخزهم } أي بعد قتلكم إياهم ، ~~وهذا يدل على أن هذا الإخزاء إنما وقع بهم في الآخرة ، وهذا ضعيف لما بينا ~~أن الإخزاء واقع في الدنيا . وثالثها : قوله تعالى : { وينصركم عليهم } ~~والمعنى أنه لما حصل الخزي لهم / بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر ~~للمسلمين بسبب كونهم قاهرين . # فإن قالوا : لما كان حصول ذلك الخزي مستلزما لحصول هذا النصر ، كان ~~إفراده بالذكر عبثا . فنقول : ليس الأمل كذلك ، لأنه من المحتمل أن يحصل ~~الخزي لهم من جهة المؤمنين ، إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة بسبب آخر فلما ~~قال : { وينصركم عليهم } دل على أنهم ينتفعون بهذا النصر والفتح والظفر . ~~ورابعها : قوله : { ويشف صدور قوم مؤمنين } وقد ذكرنا أن خزاعة أسلموا ، ~~فأعانت قريش بني بكر عليهم حتى نكلوا بهم ، فشفى الله صدورهم من بني بكر ، ~~ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه ، ثم مكنه الله منه على أحسن الوجوه ~~فإنه يعظم سروره به ، ويصير ذلك سببا لقوة النفس ، وثبات العزيمة . وخامسها ~~: قوله : { ويذهب غيظ قلوبهم } . # ولقائل أن يقول : قوله : { ويشف صدور قوم مؤمنين } معناه أنه يشفي من ألم ~~الغيظ . وهذا هو عين إذهاب الغيظ ، فكان قوله : { ويذهب غيظ قلوبهم } تكرار ~~. # والجواب : أنه تعالى وعدهم بحصول هذا الفتح فكانوا في زحمة ms4420 الانتظار ، ~~كما قيل الانتظار الموت الأحمر ، فشفى صدورهم من زحمة الانتظار ، وعلى هذا ~~الوجه يظهر الفرق بين قوله : { ويشف صدور قوم مؤمنين } وبين قوله : { ويذهب ~~غيظ قلوبهم } فهذه هي المنافع الخمسة التي ذكرها الله تعالى في هذا القتال ~~، وكلها ترجع إلى تسكين الدواعي الناشئة من القوة الغضبية ، وهي التشفي ~~ودرك الثأر وإزالة الغيظ ، ولم يذكر تعالى فيها وجدان الأموال والفوز ~~بالمطاعم والمشارب . وذلك لأن العرب قوم جبلوا على الحمية والأنفة ، فرغبهم ~~في هذه المعاني لكنها لائقة بطباعهم ، بقي ههنا مباحث : # البحث الأول : أن هذه الأوصاف مناسبة لفتح مكة ، لأن ذلك جرى في تلك ~~الواقعة مشاكل لهذه الأحوال ، ولهذا المعنى جاز أن يقال : الآية واردة فيه ~~. # البحث الثاني : الآية دالة على المعجزة لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه ~~الأحوال ، وقد وقعت موافقة لهذه الأخبار فيكون ذلك إخبارا عن الغيب ، ~~والأخبار عن الغيب معجز . PageV16P004 # البحث الثالث : هذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم الله تعالى ~~إيمانا حقيقيا . لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة من الغضب ، ومن ~~الحمية لأجل الدين ، ومن الرغبة الشديدة في علو دين الإسلام ، وهذه الأحوال ~~لا تحصل إلا في قلوب المؤمنين . # واعلم أن وصف الله لهم بذلك لا ينفي كونهم موصوفين بالرحمة والرأفة ، ~~فإنه تعالى قال في صفتهم { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } ( ~~المائدة : 54 ) وقال أيضا : { أشداء على الكفار رحماء بينهم } ( الفتح : ~~290 ) . # ثم قال : { ويتوب الله على من يشاء } قال الفراء والزجاج : هذا مذكور على ~~سبيل الاستئناف ولا يمكن أن يكون جوابا لقوله : { قاتلوهم } لأن قوله : { ~~ويتوب الله على من يشاء } لا يمكن جعله جزاء لمقاتلتهم مع الكفار . قالوا ~~ونظيره : { فإن يشإ الله يختم على قلبك } ( الشورى : 24 ) وتم الكلام ههنا ~~، ثم استأنف فقال : { ويمح الله الباطل } ( الشورى : 24 ) ومن الناس من قال ~~يمكن جعل هذه التوبة جزاء لتلك المقاتلة ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه ~~تعالى لما أمرهم بالمقاتلة ، فربما شق ذلك على بعضهم على ما ذهب إليه الأصم ~~، فإذا أقدموا على المقاتلة ms4421 صار ذلك العمل جاريا مجرى التوبة عن تلك ~~الكراهية . الثاني : أن حصول النصرة والظفر إنعام عظيم ، والعبد إذا شاهد ~~توالي نعم الله لم يبعد أن يصير ذلك داعيا له إلى التوبة من جميع الذنوب ، ~~الثالث : أنه إذا حصل النصر والظفر والفتح وكثرت الأموال والنعم وكانت ~~لذاته تطلب بالطريق الحرام / فإن عند حصول المال والجاه يمكن تحصيلها بطريق ~~حلال ، فيصير كثرة المال والجاه داعيا إلى التوبة من هذه الوجوه . الرابع : ~~قال بعضهم إن النفس شديدة الميل إلى الدنيا ولذاتها ، فإذا انفتحت أبواب ~~الدنيا على الإنسان وأراد الله به خير عرف أن لذاتها حقيرة يسيرة ، فحينئذ ~~تصير الدنيا حقيرة في عينه ، فيصير ذلك سببا لانقباض النفس عن الدنيا ، ~~وهذا هو أحد الوجوه المذكورة في تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه ~~السلام : { هب لى * ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } يعني أن بعد حصول هذا ~~الملك لا يبقى للنفس اشتغال بطلب الدنيا ، ثم يعرف أن عند حصول هذا الملك ~~الذي هو أعظم الممالك لا حاصل للدنيا ولا فائدة في لذاتها وشهواتها ، ~~فحينئذ يعرض القلب عن الدنيا ولا يقيم لها وزنا ، فثبت أن حصول المقاتلة ~~يفضي إلى المنافع الخمسة المذكورة وتلك المنافع حصولها يوجب التوبة ، فكانت ~~التوبة متعلقة بتلك المقاتلة ، وإنما قال : { على من يشاء } لأن وجدان ~~الدنيا وانفتاح أبوابها على الإنسان قد يصير سببا لانقباض القلب عن الدنيا ~~وذلك في حق من أراد به الخير ، وقد يصير سببا لاستغراق الإنسان فيها ~~وتهالكه عليها وانقطاعه بسببها عن سبيل الله ، فلما اختلف الأمر على الوجه ~~الذي ذكرناه قال : { ويتوب الله على من يشاء } . # ثم قال : { والله عليم } أي بكل ما يعمل ويفعل في ملكه وملكوته { حكيم } ~~مصيب في أحكامه وأفعاله . # ! 7 < { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا ~~من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون } . > 7 ~~@QB@ < # | التوبة : ( 16 ) أم حسبتم أن . . . . . # > > PageV16P005 # اعلم أن الآيات المتقدمة كانت مرغبة في الجهاد ، والمقصود من هذه الآية ~~مزيد ms4422 بيان في الترغيب ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الفراء : قوله : { أم } من الاستفهام الذي يتوسط ~~الكلام ، ولو أريد به الابتداء لكان بالألف أو بها . # المسألة الثانية : قال أبو عبيدة : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو ~~وليجة وأصله من الولوج فالداخل الذي يكون في القوم وليس منهم وليجة ، ~~فالوليجة فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل . قال الواحدي : يقال هو وليجتي وهم ~~وليجتي للواحد والجمع . # المسألة الثالثة : المقصود من الآية بيان أن المكلف في هذه الواقعة لا ~~يتخلص عن العقاب إلا عند حصول أمرين : الأول : أن يعلم الله الذين جاهدوا ~~منكم ، وذكر العلم والمراد منه المعلوم ، والمراد أن يصدر الجهاد عنهم إلا ~~أنه إنما كان وجود الشيء يلزمه معلوم الوجود عند الله ، لا جرم جعل علم ~~الله بوجوده كناية عن وجوده ، واحتج هشام بن الحكم بهذه الآية على أنه ~~تعالى لا يعلم الشيء إلا حال وجوده . # / واعلم أن ظاهر الآية وإن كان يوهم ما ذكره إلا أن المقصود ما بيناه . ~~والثاني : قوله : { ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } ~~والمقصود من ذكر هذا الشرط أن المجاهد قد يجاهد ولا يكون مخلصا بل يكون ~~منافقا ، باطنه خلاف ظاهره ، وهو الذي يتخذ الوليجة من دون الله ورسوله ~~والمؤمنين ، فبين تعالى أنه لا يتركهم إلا إذا أتوا بالجهاد مع الإخلاص ~~خاليا عن النفاق والرياء والتودد إلى الكفار وإبطال ما يخالف طريقة الدين . ~~والمقصود بيان أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس القتال فقط ، بل الغرض أن ~~يؤتى به انقيادا لأمر الله عز وجل ولحكمه وتكليفه ، ليظهر به بذل النفس ~~والمال في طلب رضوان الله تعالى فحينئذ يحصل به الانتفاع ، وأما الإقدام ~~على القتال لسائر الأغراض فذاك مما لا يفيد أصلا . # ثم قال : { والله خبير بما تعملون } أي عالم بنياتهم وأغراضهم مطلع عليها ~~لا يخفى عليه منها شيء ، فيجب على الإنسان أن يبالغ في أمر النية ورعاية ~~القلب . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الله لا يرضى أن يكون الباطن ms4423 ~~خلاف الظاهر ، وإنما يريد الله من خلقه الاستقامة كما قال : { إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا } ( فصلت : 30 الأحقاف : 130 ) قال : ولما فرض ~~القتال تبين المنافق من غيره وتميز من يوالي المؤمنين ممن يعاديهم . # ! 7 < { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شهدين على أنفسهم بالكفر ~~أولائك حبطت أعمالهم وفى النار هم خالدون * إنما يعمر مساجد الله من ءامن ~~بالله واليوم الا خر وأقام الصلواة وءاتى الزكواة ولم يخش إلا الله فعسى ~~أولائك أن يكونوا من المهتدين } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 17 - 18 ) ما كان للمشركين . . . . . # > > PageV16P006 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى بدأ السورة بذكر البراءة عن الكفار ~~وبالغ في إيجاب ذلك وذكر من أنواع فضائحهم وقبائهم ما يوجب تلك البراءة ، ~~ثم إنه تعالى حكى عنهم شبها احتجوا بها / في أن هذه البراءة غير جائزة وأنه ~~يجب أن تكون المخالطة والمناصرة حاصلة ، فأولها ما ذكره في هذه الآية ، ~~وذلك أنهم موصوفون بصفات حميدة وخصال مرضية . وهي توجب مخالطتهم ومعاونتهم ~~ومناصرتهم ، ومن جملة تلك الصفات كونهم عامرين للمسجد الحرام . قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : لما أسر العباس يوم بدر ، أقبل عليه المسلمون فعيروه ~~بكفره بالله وقطيعة الرحم ، وأغلظ له علي . وقال : ألكم محاسن . فقال : ~~نعمر المسجد الحرام . ونحجب الكعبة . ونسقي الحاج . ونفك العاني ، فأنزل ~~الله تعالى ردا على العباس { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } . # المسألة الثانية : عمارة المساجد قسمان : إما بلزومها وكثرة إتيانها يقال ~~: فلان يعمر مجلس فلان إذا كثر غشيانه إياه ، وإما بالعمارة المعروفة في ~~البناء ، فإن كان المراد هو الثاني ، كان المعنى أنه ليس للكافر أن يقدم ~~على مرمة المساجد . وإنما لم يجز له ذلك لأن المسجد موضع العبادة فيجب أن ~~يكون معظما والكافر يهينه ولا يعظمه ، وأيضا الكافر نجس في الحكم ، لقوله ~~تعالى : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) وتطهير المساجد واجب لقوله ~~تعالى : { أن طهرا بيتى للطائفين } ( البقرة : 125 ) وأيضا الكافر لا يحترز ~~من النجاسات ، فدخوله في المسجد تلويث للمسجد ، وذلك قد يؤدي إلى ms4424 فساد ~~عبادة المسلمين . وأيضا إقدامه على مرمة المسجد يجري مجرى الأنعام على ~~المسلمين ، ولا يجوز أن يصير الكافر صاحب المنة على المسلمين . # المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { أن يعمروا * مساجد الله } ~~على الواحد ، والباقون { مساجد الله } على الجمع حجة ابن كثير وأبي عمرو . ~~وقوله : عمارة المسجد الحرام . وحجة من قرأ على لفظ الجمع وجوه : الأول : ~~أن يراد المسجد الحرام . وإنما قيل : مساجد . لأنه قبلة المساجد كلها ~~وإمامها ، فعامره كعامر جميع المساجد . والثاني : أن يقال : { ما كان ~~للمشركين أن يعمروا مساجد الله } معناه : ما كان للمشركين أن يعمروا شيئا ~~من مساجد الله ، وإذا كان الأمر كذلك ، فأولى أن لا يمكنوا من عمارة المسجد ~~الحرام الذي هو أشرف المساجد وأعظمها . الثالث : قال الفراء : العرب قد ~~يضعون الواحد مكان الجمع والجمع مكان الواحد . أما وضع الواحد مكان الجمع ~~ففي قولهم فلان كثير الدرهم . وأما وضع الجمع مكان الواحد . ففي قولهم فلان ~~يجالس الملوك مع أنه لا يجلس إلا مع ملك واحد . الرابع : أن المسجد موضع ~~السجود ، فكل بقعة من المسجد الحرام فهي مسجد . # المسألة الرابعة : قال الواحدي : ذلت على أن الكفار ممنوعون من عمارة ~~مسجد من مساجد المسلمين ، ولو أوصى بها لم تقبل وصيته ويمنع عن دخول ~~المساجد ، وإن دخل بغير إذن / مسلم استحق التعزير ، وإن دخل بإذن لم يعزر ، ~~والأولى تعظيم المساجد ، ومنعهم منها ، وقد أنزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقد ثقيف PageV16P007 في المسجد / وهم كفار . وشد ثمامة بن أثال ~~الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام وهو كافر . # أما قوله تعالى : { شهدين على أنفسهم بالكفر } قال الزجاج : قوله : { ~~شاهدين } حال والمعنى ما كان لهم أن يعمروا المساجد حال كونهم شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر ، وذكروا في تفسير هذه الشهادة وجوها : الأول : وهو الأصح ~~أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب القرآن وإنكار نبوة محمد عليه ~~الصلاة والسلام ، وكل ذلك كفر ، فمن يشهد على نفسه بكل هذه الأشياء فقد شهد ~~على نفسه بما هو كفر في نفس الأمر ، وليس ms4425 المراد أنهم شهدوا على أنفسهم ~~بأنهم كافرين الثاني : قال السدي : شهادتهم على أنفسهم بالكفر ، هو أن ~~النصراني إذا قيل له من أنت . فيقول : نصراني . واليهودي يقول يهودي وعابد ~~الوثن يقول : أنا عابد الوثن ، وهذا الوجه إنما يتقرر بما ذكرناه في الوجه ~~الأول . الثالث : أن الغلاة منهم كانوا يقولون كفرنا بدين محمد وبالقرآن ~~فلعل المراد ذلك . الرابع : أنهم كانوا يطوفون عراة يقولون لا نطوف عليها ~~بثياب عصينا الله فيها ، وكلما طافوا شوطا سجدوا للأصنام ، فهذا هو شهادتهم ~~على أنفسهم بالشرك . الخامس : أنهم كانوا يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريك ~~هو لك تملكه وما ملك . السادس : نقل عن ابن عباس : أنه قال : المراد أنهم ~~يشهدون على الرسول بالكفر . قال : وإنما جاز هذا التفسير لقوله تعالى : { ~~لقد جاءكم رسول من أنفسكم } قال القاضي : هذا الوجه عدول عن الحقيقة ، ~~وإنما يجوز المصير إليه لو تعذر إجراء اللفظ على حقيقته . أما لما بينا أن ~~ذلك جائز لم يجز المصير إلى هذا المجاز . وأقول : لو قرأ أحد من السلف { ~~شهدين على أنفسهم بالكفر } من قولك : زيد نفيس وعمرو أنفس منه ، لصح هذا ~~الوجه من عدول فيه عن الظاهر . # ثم قال : { أولئك حبطت أعمالهم } والمراد منه : ما هو الفصل الحق في هذا ~~الكتاب ، وهو أنه إن كان قد صدر عنهم عمل من أعمال البر ، مثل إكرام ~~الوالدين ، وبناء الرباطات ، وإطعام الجائع ، وإكرام الضيف فكل ذلك باطل ، ~~لأن عقاب كفرهم زائد على ثواب هذه الاشياء فلا يبقى لشيء منها أثر في ~~استحقاق الثواب والتعظيم مع الكفر . وأما الكلام في الأحباط فقد تقدم في ~~هذا الكتاب مرارا فلا نعيده . # ثم قال : { وفى النار هم خالدون } وهو إشارة إلى كونهم مخلدين في النار . ~~واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الفاسق من أهل الصلاة لا يبقى مخلدا في ~~النار من وجهين : الأول : أن قوله : { وفى النار هم خالدون } يفيد الحصر ، ~~أي هم فيها خالدون لا غيرهم ، ولما كان هذا الكلام وارد في حق الكفار ، ثبت ~~أن الخلود لا يحصل إلا ms4426 للكافر . الثاني : أنه تعالى جعل الخلود في النار ~~جزاء للكفار على كفرهم ، ولو كان هذا الحكم ثابتا لغير الله لما صح تهديد ~~الكافر به ، ثم إنه تعالى لما بين أن الكافر ليس له أن يشتغل بعمارة المسجد ~~، بين أن المشتغل بهذا العمل يجب أن يكون موصوفا بصفات أربعة : # الصفة الأولى : قوله : { إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله واليوم ~~الاخر } وإنما قلنا إنه لا بد من الإيمان بالله لأن المسجد عبارة عن الموضع ~~الذي يعبد الله فيه ، فما لم يكن مؤمنا بالله ، امتنع أن يبني موضعا يعبد ~~الله فيه ، وإنما قلنا إنه لا بد من أن يكون مؤمنا بالله واليوم الآخر لأن ~~الاشتغال بعبادة الله تعالى إنما تفيد في القيامة ، فمن أنكر القيامة لم ~~يعبد الله ، ومن لم يعبد الله لم يبن بناء لعبادة الله تعالى . # فإن قيل : لم لم يذكر الإيمان برسول الله ؟ PageV16P008 # قلنا فيه وجوه : الأول : أن المشركين كانوا يقولون : إن محمدا إنما ادعى ~~رسالة الله طلبا للرياسة والملك / فههنا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر ، ~~وترك النبوة كأنه يقول مطلوبي من تبليغ الرسالة ليس إلا الإيمان بالمبدأ ~~والمعاد ، فذكر المقصود الأصلي وحذف ذكر النبوة تنبيها للكفار على أنه لا ~~مطلوب له من الرسالة إلا هذا القدر . الثاني : أنه لما ذكر الصلاة ، ~~والصلاة لا تتم إلا بالأذان والإقامة والتشهد ، وهذه الأشياء مشتملة على ~~ذكر النبوة كان ذلك كافيا . الثالث : أنه ذكر الصلاة ، والمفرد المحلى ~~بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق ، ثم المعهود السابق من الصلاة من ~~المسلمين ليس إلا الأعمال التي كان أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان ~~ذكر الصلاة دليلا على النبوة من هذا الوجه . # الصفة الثانية : قوله : { ليس البر } والسبب فيه أن المقصود الأعظم من ~~بناء المساجد إقامة الصلوات ، فالإنسان ما لم يكن مقرا بوجوب الصلوات امتنع ~~أن يقدم على بناء المساجد . # الصفة الثالثة : قوله : { ليس البر } . # واعلم أن اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد كأنه يدل ~~على أن المراد من عمارة المسجد ms4427 الحضور فيه ، وذلك لأن الإنسان إذا كان ~~مقيما للصلاة فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد به ، وإذا كان مؤتيا ~~للزكاة فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين لطلب أخذ الزكاة فتحصل ~~عمارة المسجد به . وأما إذا حملنا العمارة على مصالح البناء فإيتاء الزكاة ~~معتبر في هذا / الباب أيضا لأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد نافلة ، ~~والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لا يشتغل بالنافلة والظاهر أن الإنسان ما لم ~~يكن مؤديا للزكاة لم يشتغل ببناء المساجد . # والصفة الرابعة : قوله : { ولم يخش إلا الله } وفيه وجوه : الأول : أن ~~أبا بكر رضي الله عنه بني في أول الإسلام على باب داره مسجدا وكان يصلي فيه ~~ويقرأ القرآن والكفار يؤذونه بسببه ، فيحتمل أن يكون المراد هو تلك الحالة ~~، يعني إنا وإن خاف الناس من بناء المسجد إلا أنه لا يلتفت إليهم ولا ~~يخشاهم ولكنه يبني المسجد للخوف من الله تعالى . الثاني : يحتمل أن يكون ~~المراد منه أن يبني المسجد لا لأجل الرياء والسمعة وأن يقال إن فلانا يبني ~~مسجدا ، ولكنه يبنيه لمجرد طلب رضوان الله تعالى ولمجرد تقوية دين الله . # فإن قيل : كيف قال : { ولم يخش إلا الله } والمؤمن قد يخاف الظلمة ~~والمفسدين ؟ # قلنا : المراد من هذه الخشية الخوف والتقوى في باب الدين ، وأن لا يختار ~~على رضا الله رضا غيره . # اعلم أنه تعالى قال : { إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله } أي من كان ~~موصوفا بهذه الصفات الأربعة وكلما { إنما } تفيد الحصر وفيه تنبيه على أن ~~المسجد يجب صونه عن غير العبادة فيدخل فيه فضول الحديث وإصلاح مهمات الدنيا ~~. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون ~~المساجد يقعدون فيها حلقا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم ، فليس لله ~~بهم حاجة ) وفي الحديث ( الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة ~~الحشيش ) قال عليه الصلاة والسلام : قال الله تعالى : ( إن بيوتي في الأرض ~~المساجد وإن زواري فيها عمارها طوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني ms4428 في بيتي ~~فحق على المزور أن يكرم زائره ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( من ألف ~~المسجد ألفه الله تعالى ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( إذا رأيتم الرجل ~~يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من ~~أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة PageV16P009 وحملة العرش يستغفرون له ~~ما دام في المسجد ضوؤه ) وهذه الأحاديث نقلها صاحب ( الكشاف ) . # ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأوصاف قال : { فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين } وفيه وجوه : الأول : قال المفسرون : { عسى } من الله واجب لكونه ~~متعاليا عن الشك والتردد . الثاني : قال أبو مسلم : { عسى } ههنا راجع إلى ~~العباد وهو يفيد الرجاء فكان المعنى إن الذين يأتون بهذه الطاعات إنما ~~يأتون بها على رجاء الفوز بالاهتداء لقوله تعالى : { يدعون ربهم خوفا وطمعا ~~} والتحقيق فيه أن العبد عند الإتيان بهذه الأعمال لا يقطع على الفوز ~~بالثواب ، لأنه يجوز على نفسه أنه قد أخل بقيد / من القيود المعتبرة في ~~حصول القبول . والثالث : وهو أحسن الوجوه ما ذكره صاحب ( الكشاف ) وهو أن ~~المراد منه تبعيد المشركين عن مواقف الاهتداء ، وحسم أطماعهم في الانتفاع ~~بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها ، فإنه تعالى بين أن الذين آمنوا ~~وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع وضموا إليها الخشية من الله ، فهؤلاء صار ~~حصول الاهتداء لهم دائرا بين لعل وعسى فما بال هؤلاء المشركين يقطعون بأنهم ~~مهتدون ويجزمون بفوزهم بالخير من عند الله تعالى وفي هذا الكلام ونحوه لطف ~~بالمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء . # ! 7 < { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم ~~الا خر وجاهد فى سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدى القوم ~~الظالمين } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 19 ) أجعلتم سقاية الحاج . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكر المفسرون أقوالا في نزول الآية . قال ابن عباس في ~~بعض الروايات عنه أن عليا لما أغلظ الكلام للعباس ، قال العباس : إن كنتم ~~سبقتمونا بالإسلام ، والهجرة ، والجهاد فلقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي ~~الحاج فنزلت هذه الآية ، وقيل إن المشركين قالوا لليهود ms4429 ، نحن سقاة الحاج ~~وعمار المسجد الحرام ، فنحن أفضل أم محمد وأصحابه ؟ فقالت اليهود لهم أنتم ~~أفضل . وقيل : إن عليا عليه السلام قال للعباس رضي الله عنه بعد إسلامه : ~~يا عمي ألا تهاجرون ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ~~ألست في أفضل من الهجرة ؟ أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام . فلما ~~نزلت هذه الآية قال : ما أراني إلا تارك سقايتنا . فقال عليه الصلاة ~~والسلام : ( أقيموا على سقياتكم فإن لكم فيها خيرا ) وقيل افتخر طلحة بن ~~شيبة والعباس وعلي ، فقال طلحة : أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه ، ولو أردت بت ~~فيه . قال العباس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها . قال علي : أنا صاحب ~~الجهاد . فأنزل الله تعالى هذه الآية . قال المصنف رضي الله عنه : حاصل ~~الكلام أنه يحتمل أن يقال : هذه الآية مفاضلة جرت بين المسلمين ويحتمل أنها ~~جرت بين المسلمين والكافرين . أما الذين قالوا إنها جرت بين المسلمين فقد ~~احتجوا بقوله تعالى بعد هذه الآية في حق المؤمنين المهاجرين : { أولئك أعظم ~~درجة * عند الله } وهذا يقتضي أيضا أن يكون للمرجوح أيضا / درجة عند الله ، ~~وهذا يقتضي أيضا أن يكون للمرجوح أيضا درجة عند الله ، وذلك لا يليق إلا ~~بالمؤمن وسنجيب عن هذا الكلام إذا انتهينا إليه . وإما الذين قالوا : ~~PageV16P010 إنها جرت بين المسلمين والكافرين ، فقد احتجوا على صحة قولهم ~~بقوله تعالى : { كمن ءامن بالله } وبين من آمن بالله وهذا هو الأقرب عندي . ~~وتقرير الكلام أن نقول : إنا قد نقلنا في تفسير قوله تعالى : { إنما يعمر ~~مساجد الله من ءامن بالله } أن العباس احتج على فضائل نفسه ، بأنه عمر ~~المسجد الحرام وسقي الحاج . فأجاب الله عنه بوجهين : # الوجه الأول : ما بين في الآية الأولى أن عمارة المسجد ، إنما توجب ~~الفضيلة إذا كانت صادرة عن المؤمن ، أما إذا كانت صادرة عن الكافر فلا ~~فائدة فيها البتة . # والوجه الثاني : من الجواب كل ما ذكره في هذه الآية ، وهو أن يقال : هب ~~أنا سلمنا أن عمارة المسجد الحرام وسقي الحاج ، يوجب نوعا من ms4430 أنواع الفضيلة ~~، إلا أنها بالنسبة إلى الإيمان بالله ، والجهاد قليل جدا . فكان ذكر هذه ~~الأعمال في مقابلة الإيمان بالله والجهاد خطأ ، لأنه يقتضي مقابلة الشيء ~~الشريف الرفيع جدا بالشيء الحقير التافه جدا ، وأنه باطل ، فهذا هو الوجه ~~في تخريج هذه الآية ، وبهذا الطريق يحصل النظم الصحيح لهذه الآية بما قبلها ~~. # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : السقاية والعمارة مصدران من سقى ~~وعمر كالصيانة والوقاية . # واعلم أن السقاية والعمارة فعل ، قوله : { من ءامن بالله } إشارة إلى ~~الفاعل ، فظاهر اللفظ يقتضي تشبيه الفعل بالفاعل ، والصفة بالذات وأنه محال ~~، فلا بد من التأويل وهو من وجهين : الأول : أن نقول التقدير أجعلتم أهل ~~سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كم آمن بالله ؟ ويقويه قراءة عبد الله بن ~~الزبير { بعبده ليلا من المسجد الحرام } والثاني : أن نقول التقدير أجعلتم ~~سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله ؟ ونظيره قوله تعالى : { ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم } ( البقرة : 177 ) إلى قوله : { ولاكن البر من ءامن بالله } ~~. # المسألة الثالثة : قال الحسن رحمه الله تعالى : كانت السقاية بنبيذ ~~الزبيب ، وعن عمر أنه وجد نبيذ السقاية من الزبيب شديدا فكسر منه بالماء ~~ثلاثا ، وقال إذا اشتد عليكم فاكسروا منه بالماء وأما عمارة المسجد الحرام ~~فالمراد تجهيزه وتحسين صورة جدرانه ، ولما ذكر تعالى وصف الفريقين قال : { ~~لا يستوون } ولكن لما كان نفي المساواة بينهما لا يفيد أن الراجح من هو ؟ ~~نبه على الراجح بقوله : { والله لا يهدى القوم الظالمين } فبين أن الكافرين ~~ظالمون لأنفسهم فإنهم خلقوا للإيمان وهم / رضوا بالكفر وكانوا ظالمين ، لأن ~~الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه . وأيضا ظلموا المسجد الحرام ، فإنه ~~تعالى خلقه ليكون موضعا لعبادة الله تعالى ، فجعلوه موضعا لعبادة الأوثان ، ~~فكان هذا ظلما . # ! 7 < { الذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ~~أعظم درجة عند الله وأولائك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ~~وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيهآ أبدا إن الله عنده أجر عظيم } . > ~~7 @QB@ < # | التوبة : ( 20 - 22 ) الذين آمنوا وهاجروا . . . . . # > > PageV16P011 # اعلم أنه تعالى ms4431 ذكر ترجيح الإيمان والجهاد على السقاية وعمارة المسجد ~~الحرام ، على طريق الرمز ثم أتبعه بذكر هذا الترجيح على سبيل التصريح في ~~هذه الآية ، فقال : إن من كان موصوفا بهذه الصفات الأربعة كان أعظم درجة ~~عند الله ممن اتصف بالسقاية والعمارة . وتلك الصفات الأربعة هي هذه : ~~فأولها الإيمان ، وثانيها الهجرة ، وثالثها الجهاد في سبيل الله بالمال . ~~ورابعها الجهاد بالنفس ، وإنما قلنا إن الموصوفين بهذه الصفات الأربعة في ~~غاية الجلالة والرفعة لأن الإنسان ليس له إلا مجموع أمور ثلاثة : الروح ، ~~والبدن ، والمال . أما الروح فلما زال عنه الكفر وحصل فيه الإيمان ، فقد ~~وصل إلى مراتب السعادات اللائقة بها . وأما البدن والمال فبسبب الهجرة وقعا ~~في النقصان ، وبسبب الاشتغال بالجهاد صارا معرضين للهلاك والبطلان . ولا شك ~~أن النفس والمال محبوب الإنسان ، والإنسان لا يعرض عن محبوبه إلا للفوز ~~بمحبوب أكمل من الأول ، فلولا أن طلب الرضوان أتم عندهم من النفس والمال ، ~~وإلا لما رجحوا جانب الآخرة على جانب النفس والمال ولما رضوا بإهدار النفس ~~والمال لطلب مرضاة الله تعالى . فثبت أن عند حصول الصفات الأربعة صار ~~الإنسان واصلا إلى آخر درجات البشرية وأول مراتب درجات / الملائكة ، وأي ~~مناسبة بين هذه الدرجة وبين الأقدام على السقاية والعمارة لمجرد الاقتداء ~~بالآباء والأسلاف ولطلب الرياسة والسمعة ؟ فثبت بهذا البرهان اليقين صحة ~~قوله تعالى : { الذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون } ( التوبة : 20 ) . # واعلم أنه تعالى لم يقل أعظم درجة من المشتغلين بالسقاية والعمارة لأنه ~~لو عين ذكرهم لأوهم أن فضيلتهم إنما حصلت بالنسبة إليهم ، ولما ترك ذكر ~~المرجوح ، دل ذلك على أنهم أفضل من كل من سواهم على الإطلاق ، لأنه لا يعقل ~~حصول سعادة وفضيلة للأنسان أعلى وأكمل من هذا الصفات . # واعلم أن قوله : { عند الله } يدل على أن المراد من كون العبد عند الله ~~الاستغراق في عبوديته وطاعته ، وليس المراد منه العندية بحسب الجهة والمكان ~~، وعند هذا يلوح أن الملائكة كما حصلت لهم منقبة العندية في ms4432 قوله : { ومن ~~عنده لا يستكبرون عن عبادته } ( الأنبياء : 19 ) فكذلك الأرواح القدسية ~~البشرية إذا تطهرت عن دنس الأوصاف البدنية والقاذورات الجسدانية ، أشرقت ~~بأنوار الجلالة وتجلى فيها أضواء عالم الكمال وترقت من العبدية إلى العندية ~~، بل كأنه لا كمال في العبدية إلا مشاهدة حقيقة العندية ، ولذلك قال : { ~~سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } . # فإن قيل : لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت بين المسلمين والكافرين ، فكيف ~~قال في وصفهم أولئك أعظم درجة مع أنه ليس للكفار درجة ؟ # قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون ~~لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله ، ونظيره قوله : { قل الله * خير أما ~~يشركون } ( النمل : 59 ) وقوله : { أذالك خير نزلا أم شجرة الزقوم } ( ~~الصافات : 62 ) الثاني : أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم ~~يكن موصوفا بهذه PageV16P012 الصفات ، تنبيها على أنهم لما كانوا أفضل من ~~المؤمنين الذين ما كانوا موصوفين بهذه الصفات فبأن لا يقاسوا إلى الكفار ~~أولى . الثالث : أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على ~~السقاية والعمارة والمراد منه ترجيح تلك الأعمال على هذه الأعمال ، ولا شك ~~أن السقاية والعمارة من أعمال الخير ، وإنما بطل إيجابهما للثواب في حق ~~الكفار لأن قيام الكفر الذي هو أعظم الجنايات يمنع ظهور ذلك الأثر . # واعلم أنه تعالى لما بين أن الموصوفين بالإيمان والهجرة أعظم درجة عند ~~الله بين تعالى أنهم هم الفائزون وهذا للحصر ، والمعنى أنهم هم الفائزون ~~بالدرجة العالية الشريفة المقدسة التي وقعت الإشارة إليها بقوله تعالى : { ~~عند ربهم } وهي درجة العندية ، وذلك لأن من آمن بالله وعرفه فقل أن يبقى ~~قلبه ملتفتا إلى الدنيا ، ثم عند هذا يحتال إلى إزالة هذه العقدة عن جوهر ~~الروح ، وإزالة / حب الدنيا لا يتم له إلا بالتفريق بين النفس وبين لذات ~~الدنيا ، فإذا دام ذلك التفريق وانتقص تعلقه بحب الدنيا ، فهذا التفريق ~~والنقص يحصلان بالهجرة . ثم إنه بعده لا بد من استحقار الدنيا والوقوف على ~~معايبها وصيرورتها في عين العاقل بحيث ms4433 يوجب على نفسه تركها ورفضها ، وذلك ~~إنما يتم بالجهاد لأنه تعريض النفس والمال للهلاك والبوار ، ولولا أنه ~~استحقر الدنيا وإلا لما فعل ذلك ، وعند هذا يتم ما قاله بعض المحققين وهو ~~أن العرفان مبتدأ من تفريق ونقص وترك ورفض ، ثم عند حصول هذه الحالة يصير ~~القلب مشتغلا بالنظر إلى صفات الجلال والإكرام ، وفي مشاهدتها يحصل بذل ~~النفس والمال ، فيصير الإنسان شهيدا مشاهدا لعالم الجلال مكاشفا بنور ~~الجلالة مشهودا له بقوله تعالى : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا } وعند هذا يحصل الانتهاء إلى حضرة ~~الأحد الصمد ، وهو المراد من قوله : { عند ربهم } وهنا يحق الوقوف في ~~الوصول . # ثم قال تعالى : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ~~* خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم } . # واعلم أن هذه الإشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية وأنه تعالى ~~ابتدأ فيها بالأشرف فالأشرف ، نازلا إلى الأدون فالأدون ، ونحن نفسرها تارة ~~على طريق المتكلمين وأخرى على طريقة العارفين . # أما الأول فنقول : فالمرتبة الأولى منها وهي أعلاها وأشرفها كون تلك ~~البشارة حاصلة من ربهم بالرحمة والرضوان ، وهذا هو التعظيم والإجلال من قبل ~~الله . وقوله : { وجنات لهم } إشارة إلى حصول المنافع العظيمة وقوله : { ~~فيها نعيم } إشارة إلى كون المنافع خالصة عن المكدرات لأن النعيم مبالغة في ~~النعمة ، ولا معنى للمبالغة في النعمة إلا خلوها عن ممازجة الكدورات وقوله ~~: { مقيم } عبارة عن كونها دائمة غير منقطعة . ثم إنه تعالى عبر عن دوامها ~~بثلاث عبارات : أولها : { مقيم } وثانيها : قوله : { خالدين فيها } وثالثها ~~: قوله : { أبدا } فحصل من مجموع ما ذكرنا أنه تعالى يبشر هؤلاء المؤمنين ~~المهاجرين المجاهدين بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، وذلك هو حد ~~الثواب . وفائدة تخصيص هؤلاء المؤمنين بكون هذا الثواب كامل الدرجة عالي ~~الرتبة بحسب كل واحد من هذه القيود الأربعة . ومن المتكلمين من قال قوله : ~~{ يبشرهم ربهم برحمة منه } المراد منه خيرات الدنيا وقوله : { ورضوان * لهم ~~} المراد منه كونه تعالى راضيا عنهم حال كونهم في ms4434 الحياة الدنيا وقوله : { ~~وجنات } المراد منه المنافع وقوله : { لهم فيها نعيم } المراد منه كون تلك ~~النعم PageV16P013 خالصة عن المكدرات ، لأن النعيم مبالغة في النعمة / ~~وقوله : { مقيم * خالدين فيها أبدا } المراد منه الإجلال والتعظيم الذي يجب ~~حصوله في الثواب . # وأما تفسير هذه الآية على طريقة العارفين المحبين المشتاقين فنقول : ~~المرتبة الأولى من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله : { يبشرهم ربهم } . # واعلم أن الفرح بالنعمة يقع على قسمين : أحدهما : أن يفرح بالنعمة لأنها ~~نعمة . والثاني : أن يفرح بها لا من حيث هي بل من حيث إن المنعم خصه بها ~~وشرفه . وإن عجز ذهنك عن الوصول إلى الفرق بين القسمين فتأمل فيما إذا كان ~~العبد واقفا في حضرة السلطان الأعظم وسائر العبيد كانوا واقفين في خدمته ، ~~فإذا رمى ذلك السلطان تفاحة إلى أحد أولئك العبيد عظم فرحه بها فذلك الفرح ~~العظيم ما حصل بسبب حصول تلك التفاحة ، بل بسبب أن ذلك السلطان خصه بذلك ~~الأكرام ، فكذلك ههنا . قوله : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان } منهم من ~~كان فرحهم بسبب الفوز بتلك الرحمة ، ومنهم من لم يفرح بالفوز بتلك الرحمة ، ~~وإنما فرح لأن مولاه خصه بتلك الرحمة وحينئذ يكون فرحه لا بالرحمة بل بمن ~~أعطى الرحمة ، ثم إن هذا المقام يحصل فيه أيضا درجات فمنهم من يكون فرحه ~~بالراحم لأنه رحم ، ومنهم من يتوغل في الخلوص فينسى الرحمة ولا يكون فرحه ~~إلا بالمولى لأنه هو المقصد ، وذلك لأن العبد ما دام مشغولا بالحق من حيث ~~أنه راحم فهو غير مستغرق في الحق ، بل تارة مع الحق وتارة مع الخلق ، فإذا ~~تم الأمر انقطع عن الخلق وغرق في بحر نور الحق وغفل عن المحبة والمحنة ، ~~والنقمة والنعمة ، والبلاء والآلاء ، والمحققون وقفوا عند قوله : { يبشرهم ~~ربهم } فكان ابتهاجهم بهذا وسرورهم به وتعويلهم عليه ورجوعهم إليه ومنهم من ~~لم يصل إلى تلك الدرجة العالية فلا تقنع نفسه إلا بمجموع قوله : { يبشرهم ~~ربهم برحمة منه } فلا يعرف أن الاستبشار بسماع قول ربهم ، بل إنما يستبشر ~~بمجموع كونه مبشرا بالرحمة ms4435 ، والمرتبة الثانية هي أن يكون استبشاره بالرحمة ~~وههذ المرتبة هي النازلة عند المحققين . واللطيفة الثانية من لطائف هذه ~~الآية هي أنه تعالى قال : { يبشرهم ربهم } وهي مشتملة على أنواع من الرحمة ~~والكرامة . أولها : أن البشارة لا تكون إلا بالرحمة والإحسان . والثاني : ~~أن بشارة كل أحد يجب أن تكون لائقة بحاله ، فلما كان المبشر ههنا هو أكرم ~~الأكرمين ، وجب أن تكون البشرة بخيرات تعجز العقول عن وصفها وتتقاصر ~~الأفهام عن نعتها . والثالث : أنه تعالى سمى نفسه ههنا بالرب وهو مشتق من ~~التربية كأنه قال : الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها ولا حصر ~~لها يبشركم بخيرات عالية وسعادات كاملة . والرابع : أنه تعالى قال : { ربهم ~~} فأضاف نفسه إليهم ، وما أضافهم إلى نفسه . والخامس : أنه تعالى قدم ذكرهم ~~على ذكر نفسه فقال : { يبشرهم ربهم } والسادس : أن البشارة هي الأخبار عن ~~حدوث / شيء ما كان معلوم الوقوع ، أما لو كان معلوم الوقوع لم يكن بشارة ، ~~ألا ترى أن الفقهاء قالوا : لو أن رجلا قال من يبشرني من عبيدي بقدوم ولدي ~~فهو حر ، فأول من أخبر بذلك الخبر يعتق ، والذين يخبرون بعده لا يعتقون . ~~وإذا كان الأمر كذلك فقوله : { يبشرهم } لا بد أن يكون إخبارا عن حصول ~~مرتبة من مراتب السعادات ما عرفوها قبل ذلك ، وجميع لذات الجنة وخيراتها ~~وطيباتها قد عرفوه في الدنيا من القرآن ، والإخبار عن حصول بشارة فلا بد ~~وأن تكون هذه البشارة بشارة عن سعادات لا تصل العقول إلى وصفها البتة . ~~رزقنا الله تعالى الوصول إليها بفضله وكرمه . PageV16P014 # واعلم أنه تعالى لما قال : { يبشرهم ربهم } بين الشيء الذي به يبشرهم وهو ~~أمور : أولها : قوله : { برحمة منه } وثانيها : قوله : { ورضوان } وأنا أظن ~~والعلم عند الله أن المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله : { ارجعى إلى ~~ربك راضية مرضية } ( الفجر : 28 ) والرحمة كون العبد راضيا بقضاء الله وذلك ~~لأن من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي والمنعم لا على النعمة ~~والبلاء ، ومن كان نظره على المبلي والمنعم لم يتغير ms4436 حاله ، لأن المبلي ~~والمنعم منزه عن التغير . # فالحاصل أن حاله يجب أن يكون منزها عن التغير ، أما من كان طالبا لمحض ~~النفس كان أبدا في التغير من الفرح إلى الحزن ، ومن السرور إلى الغم ، ومن ~~الصحة إلى الجراحة ، ومن اللذة إلى الألم ، فثبت أن الرحمة التامة لا تحصل ~~إلا عند ما يصير العبد راضيا بقضاء الله فقوله : { يبشرهم ربهم برحمة منه } ~~هو أنه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة ، ويجعله راضيا بقضائه . ~~ثم إنه تعالى يصير راضيا . وهو قوله : { ورضوان } وعند هذا تصير هاتان ~~الحالتان هما المذكورتان في قوله : { راضية مرضية } وهذه هي الجنة ~~الروحانية النورانية العقلية القدسية الإلهية . ثم إنه تعالى بعد أن ذكر ~~هذه الجنة العالية المقدسة ذكر الجنة الجسمانية ، وهي قوله : { وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا } وقد سبق شرح هذه المراتب ، ولما ذكر ~~هذه الأحوال قال : { إن الله عنده أجر عظيم } والمقصود شرح تعظيم هذه ~~الأحوال ، ولنختم هذا الفصل ببيان أن أصحابنا يقولون إن الخلود يدل على طول ~~المكث ، ولا يدل على التأبيد ، واحتجوا على قولهم في هذا الباب بهذه الآية ~~، وهي قوله تعالى : { خالدين فيها أبدا } ولو كان الخلود يفيد التأبيد ، ~~لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكرارا وأنه لا يجوز . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ءابآءكم وإخوانكم أوليآء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولائك هم الظالمون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 23 ) يا أيها الذين . . . . . # > > اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أن يكون جوابا عن شبهة أخرى ذكروها ~~في أن البراءة من الكفار غير ممكنة وتلك الشبهة إن قالوا إن الرجل المسلم ~~قد يكون أبوه كافرا والرجل الكافر قد يكون أبوه أو أخوه مسلما ، وحصول ~~المقاصعة التامة بين الرجل وأبيه وأخيه كالمتعذر الممتنع ، وإذا كان الأمر ~~كذلك كانت تلك البراءة التي أمر الله بها ، كالشاق الممتنع المتعذر ، فذكر ~~الله تعالى هذه الآية ليزل هذه الشبهة . ونقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال ~~: لما أمر المؤمنون بالهجرة قبل فتح ms4437 مكة فمن لم يهاجر لم يقبل الله إيمانه ~~حتى يجانب الآباء والأقارب إن كانوا كفارا ، قال المصنف رضي الله عنه : هذا ~~مشكل ، لأن الصحيح أن هذه السورة إنما نزلت بعد فتح مكة ، فكيف يمكن حمل ~~هذه الآية على ما ذكروه ؟ والأقرب عندي أن يكون محمولا على ما ذكرته ، وهو ~~أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتبري عن المشركين وبالغ في إيجابه ، قالوا ~~كيف تمكن هذه المقاطعة التامة بين الرجل وبين أبيه وأمه وأخيه ، فذكر الله ~~تعالى : أن الانقطاع عن الآباء والأولاد PageV16P015 والأخوان واجب بسبب ~~الكفر وهو قوله : { إن استحبوا الكفر على الإيمان } والاستحباب طلب المحبة ~~يقال : استحب له ، بمعنى أحبه ، كأنه طلب محبته . ثم إنه تعالى بعد أن نهى ~~عن مخالطتهم ، وكان لفظ النهي ، يحتمل أن يكون نهي تنزيه وأن يكون نهي ~~تحريم ، ذكر ما يزيل الشبهة فقال : { ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } ~~قال ابن عباس : يريد مشركا مثلهم لأنه رضي بشركهم ، والرضا بالكفر كفر ، ~~كما أن الرضا بالفسق فسق . قال القاضي : هذا النهي لا يمنع من أن يتبرأ ~~المرء من أبيه في الدنيا ، كما لا يمنع من قضاء دين الكافر ومن استعماله في ~~أعماله . # ! 7 < { قل إن كان ءاباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونهآ أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين ~~} . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 24 ) قل إن كان . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية هي تقرير الجواب الذي ذكره في الآية الأولى ، وذلك ~~لأن جماعة من المؤمنين قالوا يا رسول الله ، كيف يمكن البراءة منهم بالكلية ~~؟ وأن هذه البراءة توجب انقطاعنا عن آبائنا وإخواننا وعشيرتنا وذهاب ~~تجارتنا ، وهلاك أموالنا وخراب ديارنا ، وإبقاءنا ضائعين . فبين تعالى أنه ~~يجب تحمل جميع هذه المضار الدنيوية ليبقى الدين سليما ، وذكر أنه إن كانت ~~رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن ~~المجاهدة في سبيل الله ، فتربصوا بما تحبون حتى يأتي الله بأمره ، أي ~~بعقوبة عاجلة ms4438 أو آجلة ، والمقصود منه الوعيد . # ثم قال : { والله لا يهدى القوم الفاسقين } أي الخارجين عن طاعته إلى ~~معصيته وهذا أيضا تهديد ، وهذه الآية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين ~~مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين جميع مهمات الدنيا ، وجب على المسلم ترجيح ~~الدين على الدنيا . قال الواحدي : قوله : { وعشيرتكم } عشيرة الرجل أهله ~~الأدنون ، وهم الذين يعاشرونه ، وقرأ أبو بكر عن عاصم { * وعشيراتكم } ~~بالجمع والباقون على الواحد . أما من قرأ بالجمع ، فذلك لأن كل واحد من ~~المخاطبين له عشيرة ، فإذا جمعت قلت : عشيراتكم . ومن أفرد قال العشيرة ~~واقعة على الجمع واستغنى عن جمعها ، ويقوي ذلك أن الأخفش قال : لا تكاد ~~العرب تجمع عشيرة على عشيرات إنما يجمعونها على عشائر ، وقوله : { وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها } الاقتراف الاكتساب . # واعلم أنه تعالى ذكر الأمور الداعية إلى مخالطة الكفار ، وهى أمور أربعة ~~: أولها : مخالطة الأقارب ، وذكر منهم أربعة أصناف على التفصيل وهم الآباء ~~والأبناء والأخوان والأزواج ، ثم ذكر البقية بلفظ واحد يتناول الكل ، وهي ~~لفظ العشيرة . وثانيها : الميل إلى إمساك الأموال المكتسبة . وثالثها : ~~الرغبة في تحصيل PageV16P016 الأموال بالتجارة . ورابعها : الرغبة في ~~المساكن ، ولا شك أن هذا الترتيب ترتيب حسن ، فإن أعظم الأسباب الداعية إلى ~~المخالطة القرابة . ثم إنه يتوصل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال الحاصلة ~~. ثم إنه يتوصل بالمخالطة إلى اكتساب الأموال التي هي غير حاصلة ، وفي آخر ~~المراتب الرغبة في البناء في الأوطان والدور التي بنيت لأجل السكنى ، فذكر ~~تعالى هذه الأشياء على هذا الترتيب الواجب ، وبين بالآخرة أن رعاية الدين ~~خير من رعاية جملة هذه الأمور . # ! 7 < { لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم ~~تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا ~~وذالك جزآء الكافرين * ثم يتوب الله من بعد ذالك على من يشآء والله غفور ~~رحيم } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 25 - 27 ) لقد نصركم الله . . . . . # > > # وفي هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى ms4439 : اعلم أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض ~~عن مخالطة الآباء والأبناء والأخوان والعشائر وعن الأموال والتجارات ~~والمساكن ، رعاية لمصالح الدين ، ولما علم الله تعالى أن هذا يشق جدا على ~~النفوس والقلوب ، ذكر ما يدل على أن من ترك الدنيا لأجل الدين فإنه يوصله ~~إلى مطلوبه من الدنيا أيضا ، وضرب تعالى لهذا مثلا ، وذلك أن عسكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في واقعة حنين كانوا في غاية الكثرة والقوة ، فلما ~~أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين ، ثم في حال الانهزام لما تضرعوا إلى الله ~~قواهم حتى هزموا عسكر الكفار ، وذلك يدل على أن الإنسان متى اعتمد على ~~الدنيا فاته الدين والدنيا ، ومتى أطاع الله ورجح الدين على الدنيا آتاه ~~الله الدين والدنيا على أحسن الوجوه ، فكان ذكر هذا تسلية لأولئك الذين ~~أمرهم الله بمقاطعة الآباء والأبناء والأموال والمساكن ، لأجل مصلحة الدين ~~وتصبيرا لهم عليها ، ووعدا لهم على سبيل الرمز بأنهم إن فعلوا ذلك فالله ~~تعالى يوصلهم إلى أقاربهم وأموالهم ومساكنهم على أحسن الوجوه ، هذا تقرير ~~النظم وهو في غاية الحسن . # المسألة الثانية : قال الواحدي : النصر : المعونة على العدو خاصة ، ~~والمواطن جمع موطن ، وهو / كل موضع أقام به الإنسان لأمر ، فعلى هذا : ~~مواطن الحرب مقاماتها مواقفها . وامتناعها من الصرف لأنه جمع PageV16P017 ~~على صيغة لم يأت عليها واحد ، والمواطن الكثيرة غزوات رسول الله . ويقال : ~~إنها ثمانون موطنا ، فأعلمهم الله تعالى بأنه هو الذي نصر المؤمنين ، ومن ~~نصره الله فلا غالب له . # ثم قال : { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم } أي واذكروا يوم حنين من جملة ~~تلك المواطن حال ما أعجبتكم كثرتكم . # المسألة الثالثة : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، وقد بقيت ~~أيام من شهر رمضان ، خرج متوجها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف . واختلفوا في ~~عدد عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عطاء عن ابن عباس : كانوا ستة ~~عشر ألفا ، وقال قتادة : كانوا اثني عشر ألفا عشرة آلاف الذين حضروا مكة ، ~~وألفان من الطلقاء . وقال الكلبي : كانوا عشرة ms4440 آلاف . وبالجملة فكانوا عددا ~~كثيرين ، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف ، فلما التلقوا قال رجل من المسلمين ~~: لن نغلب اليوم من قلة ، فهذه الكلمة ساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهي المراد من قوله : { إذ أعجبتكم كثرتكم } وقيل إنه قالها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وقيل قالها أبو بكر . وإسناد هذه الكلمة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعيد ، لأنه كان في أكثر الأحوال متوكلا على الله منقطع ~~القلب عن الدنيا وأسبابها . # ثم قال تعالى : { فلم تغن عنكم شيئا } ومعنى الإغناء إعطاء ما يدفع ~~الحاجة فقوله : { فلم تغن عنكم شيئا } أي لم تعطكم شيئا يدفع حاجتكم . ~~والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى أعلمهم أنهم لا يغلبون بكثرتهم / ~~وإنما يغلبون بنصر الله ، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين ، وقوله : { ~~وضاقت عليكم الارض بما رحبت } يقال رحب يرحب رحبا ورحابة ، فقوله : { بما ~~رحبت } أي برحبها ، ومعناه مع رحبها ( فما ) ههنا مع الفعل بمنزلة المصدر ، ~~والمعنى : أنكم لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا فيها ~~موضعا يصلح لفراركم عن عدوكم . قال البراء بن عازب : كانت هوازن رماة فلما ~~حملنا عليهم انكشفوا وكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام وانكشف ~~المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبق معه إلا العباس بن عبد ~~المطلب وأبو سفيان بن الحرث . قال البراء : والذي إله إلا هو ما ولى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دبره قط ، قال : ورأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب ، ~~والعباس آخذ بلجام دابته وهو يقول : ( أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد ~~المطلب ) وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي ، وكانت بغلته شهباء ، ثم ~~قال للعباس : ناد المهاجرين والأنصار ، وكان العباس رجلا صيتا ، فجعل ينادي ~~يا عباد الله يا أصحاب الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، فجاء / المسلمون ~~حين سمعوا صوته عنقا واحدا ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده كفا ~~من الحصى فرماهم بها وقال : ( شاهت الوجوه ) فما زال أمرهم مدبرا ، وحدهم ~~كليلا حتى هزمهم الله تعالى ms4441 ، ولم يبق منهم يومئذ أحد إلا وقد امتلأت عيناه ~~من ذلك التراب ، فذلك قوله : { ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين } . # واعلم أنه تعالى لما بين أن الكثرة لا تنفع ، وأن الذي أوجب النصر ما كان ~~إلا من الله ذكر أمورا ثلاثة : أحدها : إنزال السكينة والسكينة ما يسكن ~~إليه القلب والنفس ، ويوجب الأمنة والطمأنينة ، وأظن وجه الاستعارة فيه أن ~~الإنسان إذا خاف فر وفؤاده متحرك ، وإذا أمن سكن وثبت ، فلما كان الأمن ~~موجبا للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن الأمن . # واعلم أن قوله تعالى : { ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } ~~يدل على أن الفعل موقوف على حصول الداعي ، ويدل على أن حصول الداعي ليس إلا ~~من قبل الله تعالى . PageV16P018 # أما بيان الأول : فهو أن حال انهزام القوم لم تحصل داعية السكون والثبات ~~في قلوبهم ، فلا جرم لم يحصل السكون والثبات ، بل فر القوم وانهزموا . ولما ~~حصلت السكينة التي هي عبارة عن داعية السكون والثبات رجعوا إلى رسول الله ~~عليه الصلاة والسلام ، وثبتوا عنده وسكنوا فدل هذا على أن حصول الفعل موقوف ~~على حصول الداعية . # وأما بيان الثاني : وهو أن حصول تلك الداعية من الله تعالى فهو صريح . # قوله تعالى : { ثم أنزل الله سكينته على رسوله } والعقل أيضا دل عليه ، ~~وهو أنه لو كان حصول ذلك الداعي في القلب من جهة العبد ، لتوقف على حصول ~~داع آخر ولزم التسلسل ، وهو محال . # ثم قال تعالى : { وأنزل جنودا لم تروها } واعلم أن هذا هو الأمر الثاني ~~الذي فعله الله في ذلك اليوم ، ولا خلاف أن المراد إنزال الملائكة ، وليس ~~في الظاهر ما يدل على عدة الملائكة كما هو مذكور في قصة بدر ، وقال سعيد بن ~~جبير : أمد الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة . ولعله إنما ذكر هذا العدد ~~قياسا على يوم بدر ، وقال سعيد بن المسيب : حدثني رجل كان في المشركين يوم ~~حنين قال : لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم ، فلما انتهينا إلى صاحب ~~البغلة الشهباء ، تلقانا رجال بيض الوجوه حسان ms4442 ، فقالوا شاهت الوجوه ارجعوا ~~فرجعنا فركبوا أكتافنا ، وأيضا اختلفوا أن الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم ؟ ~~والرواية التي نقلناها عن سعيد بن المسيب تدل على أنهم قاتلوا ومنهم من قال ~~إن الملائكة ما قاتلوا إلا يوم بدر . وأما فائدة نزولهم في هذا اليوم فهو ~~إلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين . # / ثم قال تعالى : { وعذب الذين كفروا } وهذا هو الأمر الثالث الذي فعله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم ، والمراد من هذا التعذيب قتلهم ~~وأسرهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم . واحتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد ~~خلق الله ، لأن المراد من التعذيب ليس إلا الأخذ والأسر . وهو تعالى نسب ~~تلك الأشياء إلى نفسه وقد بينا أن قوله : { ثم أنزل الله سكينته على رسوله ~~} يدل على ذلك فصار مجموع هذين الكلامين دليلا بينا ثابتا ، وفي هذه ~~المسألة قالت المعتزلة : إنما نسب تعالى ذلك الفعل إلى نفسه لأنه حصل بأمره ~~، وقد سبق جوابه غير مرة . # ثم قال : { وذالك جزاء الكافرين } والمراد أن ذلك التعذيب هو جزاء ~~الكافرين ، واعلم أن أهل الحقيقة تمسكوا في مسألة الجلد مع التعزيز بقوله : ~~{ الزانية والزانى فاجلدوا } قالوا الفاء تدل على كون الجلد جزاء ، والجزاء ~~اسم للكافي ، وكون الجلد كافيا يمنع كون غيره مشروعا معه . فنقول : في ~~الجواب عنه الجزاء ليس اسما للكافي ، وذلك باعتبار أنه تعالى سمى هذا ~~التعذيب جزاء ، مع أن المسلمين أجمعوا على أن العقوبة الدائمة في القيامة ~~مدخرة لهم ، فدلت هذه الآية على أن الجزاء ليس اسما لما يقع به الكفاية . # ثم قال الله تعالى : { ثم يتوب الله من بعد ذالك على من يشاء } يعني أن ~~مع كل ما جرى عليهم من الخذلان فإن الله تعالى قد يتوب عليهم . قال أصحابنا ~~: إنه تعالى قد يتوب على بعضهم بأن يزيل عن قلبه الكفر ويخلق فيه الإسلام . ~~قال القاضي : معناه فإنهم بعد أن جرى عليهم ما جرى ، إذا أسلموا وتابوا فإن ~~الله تعالى يقبل توبتهم ، وهذا ضعيف لأن قوله تعالى : { ثم يتوب الله } ~~ظاهره يدل ms4443 على أن تلك التوبة إنما حصلت PageV16P019 لهم من قبل الله تعالى ~~وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة البقرة في قوله : { فتاب عليه } ~~ثم قال : { والله غفور رحيم } أي غفور لمن تاب ، رحيم لمن آمن وعمل صالحا . ~~والله أعلم . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هاذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء إن الله ~~عليم حكيم } . > 7 ! # / < < # | التوبة : ( 28 ) يا أيها الذين . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذه هي الشبهة الثالثة التي وقعت في قلوب القوم ~~، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما أمر عليا أن يقرأ على مشركي مكة ، أول ~~سورة براءة وينبذ إليهم عهدهم وأن الله برىء من المشركين ورسوله ، قال أناس ~~يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات ، ~~فنزلت هذه الآية لدفع هذه الشبهة ، وأجاب الله تعالى عنها بقوله : { وإن ~~خفتم عيلة } ( التوبة : 28 ) أي فقرا وحاجة { فسوف يغنيكم الله من فضله } ~~فهذا وجه النظم وهو حسن موافق . # المسألة الثانية : قال الأكثرون لفظ المشركين يتناول عبدة الأوثان . وقال ~~قوم : بل يتناول جميع الكفار وقد سبقت هذه المسألة ، وصححنا هذا القول ~~بالدلائل الكثيرة ، والذي يفيد ههنا التمسك بقوله : { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 116 ) ومعلوم أنه باطل . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : النجس مصدر نجس نجسا وقذر قذرا ~~، ومعناه ذو نجس . وقال الليث : النجس الشيء القذر من الناس ومن كل شيء ، ~~ورجل نجس ، وقوم أنجاس ، ولغة أخرى رجل نجس وقوم نجس وفلان نجس ورجل نجس ~~وامرأة نجس . واختلفوا في تفسير كون المشرك نجسا نقل صاحب ( الكشاف ) عن ~~ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير ، وعن الحسن من صافح مشركا ~~توضأ ، وهذا هو قول الهادي من أئمة الزيدية ، وأما الفقهاء فقد اتفقوا على ~~طهارة أبدانهم . # واعلم أن ظاهر القرآن يدل على كونهم أنجاسا فلا يرجع عنه إلا بدليل منفصل ~~، ولا يمكن ms4444 ادعاء الإجماع فيه لما بينا أن الاختلاف فيه حاصل . واحتج ~~القاضي على طهارتهم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم ، ~~وأيضا لو كان جسمه نجسا لم يبدل ذلك بسبب الإسلام . والقائلون بالقول الأول ~~أجابوا عنه : بأن القرآن أقوى من خبر الواحد ، وأيضا فبتقدير صحة الخبر وجب ~~أن يعتقد أن حل الشرب من أوانيهم كان متقدما على نزول هذه الآية وبيانه من ~~وجهين : الأول : أن هذه السورة من آخر ما نزل من القرآن وأيضا كانت ~~المخالطة مع الكفار جائزة فحرمها الله تعالى ، وكانت المعاهدات معهم حاصلة ~~فأزالها الله ، فلا يبعد أن يقال أيضا الشرب من أوانيهم كان جائزا فحرمه ~~الله تعالى . الثاني : أن الأصل حل الشرب من أي إناء كان ، فلو PageV16P020 ~~قلنا : إنه حرم بحكم الآية ثم حل بحكم الخبر فقد حصل نسخان . أما إذا قلنا ~~: إنه كان حلالا بحكم الأصل ، والرسول شرب من آنيتهم بحكم الأصل ، ثم جاء ~~التحريم بحكم هذه الآية لم يحصل النسخ إلا مرة واحدة ، فوجب أن يكون هذا ~~أولى . أما قول القاضي : لو كان الكافر نجس الجسم لما تبدلت النجاسة ~~بالطهارة بسبب الإسلام . فجوابه أنه قياس في معارضة النص الصريح ، وأيضا أن ~~أصحاب هذا المذهب / يقولون إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الاغتسال إزالة ~~للنجاسة الحاصلة بحكم الكفر ، فهذا تقرير هذا القول ، وأما جمهور الفقهاء ~~فإنهم حكموا بكون الكافر طاهرا في جسمه ، ثم اختلفوا في تأويل هذه الآية ~~على وجوه : الأول : قال ابن عباس وقتادة : معناه أنهم لا يغتسلون من ~~الجنابة ولا يتوضؤن من الحدث . الثاني : المراد أنهم بمنزلة الشيء النجس في ~~وجوب النفرة عنه ، الثالث : أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة ~~الملتصقة بالشيء . # واعلم أن كل هذه الوجوه عدول عن الظاهر بغير دليل . # المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم : أعضاء المحدث ~~نجسة نجاسة حكمية وبنوا عليه أن الماء المستعمل في الوضوء والجنابة نجس . ~~ثم روى أبو يوسف رحمه الله تعالى أنه نجس نجاسة خفيفة ، وروى الحسن ms4445 بن زياد ~~: أنه نجس نجاسة غليظة ، وروى محمد بن الحسن أن ذلك الماء طاهر . # واعلم أن قوله تعالى : { إنما المشركون نجس } يدل على فساد هذا القول ، ~~لأن كلمة ( إنما ) للحصر ، وهذا يقتضي أن لا نجس إلا المشرك ، فالقول بأن ~~أعضاء المحدث نجسة مخالف لهذا النص ، والعجب أن هذا النص صريح في أن المشرك ~~نجس وفي أن المؤمن ليس بنجس ، ثم إن قوما ما قلبوا القضية وقالوا المشرك ~~طاهر والمؤمن حال كونه محدثا أو جنبا نجس ، وزعموا أن المياه التي استعملها ~~المشركون في أعضائهم بقيت طاهرة مطهرة : والمياه التي يستعملها أكابر ~~الأنبياء في أعضائهم نجسة نجاسة غليظة ، وهذا من العجائب ، ومما يؤكد القول ~~بطهارة أعضاء المسلم قوله عليه السلام : ( المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا ) ~~فصار هذا الخبر مطابقا للقرآن ، ثم الاعتبارات الحكمية طابقت القرآن ، ~~والأخبار في هذا الباب ، لأن المسلمين أجمعوا على أن إنسانا لو حمل محدثا ~~في صلاته لم تبطل صلاته ، ولو كانت يده رطبة . فوصلت إلى يد محدث لم تنجس ~~يده . ولو عرق المحدث ووصلت تلك النداوة إلى ثوبه لم ينجس ذلك الثوب ، ~~فالقرآن والخبر والإجماع تطابقت على القول بطهارة أعضاء المحدث فكيف يمكن ~~مخالفته ، وشبهة المخالف أن الوضوء يسمى طهارة والطهارة لا تكون إلا بعد ~~سبق النجاسة ، وهذا ضعيف لأن الطهارة قد تستعمل في إزالة الأوزار والآثام ، ~~قال الله تعالى في صفة أهل البيت { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا } ( الأحزاب : 33 ) وليست هذه الطهارة إلا عن الآثام ~~والأوزار . وقال في صفة مريم : { إن الله اصطفاك وطهرك } والمراد تطهيرها ~~عن التهمة الفاسدة . # وإذا ثبت هذا فنقول : جاءت الأخبار الصحيحة في أن الوضوء تطهير الأعضاء ~~عن الآثام / والأوزار ، فلما فسر الشارع كون الوضوء طهارة بهذا المعنى ، ~~فما الذي حملنا على مخالفته ، والذهاب إلى شيء يبطل القرآن والأخبار ~~والأحكام الإجماعية . # المسألة الخامسة : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : الكفار يمنعون من ~~المسجد الحرام خاصة ، PageV16P021 وعند مالك : يمنعون من كل المساجد ، وعند ~~أبي حنيفة رحمه الله ms4446 : لا يمنعون من المسجد الحرام ولا من سائر المساجد ، ~~والآية بمنطوقها تبطل قول أبي حنيفة رحمه الله ، وبمفهومها تبطل قول مالك ، ~~أو نقول الأصل عدم المنع ، وخالفناه في المسجد الحرام لهذا النص الصريح ~~القاطع ، فوجب أن يبقى في غيره على وفق الأصل . # المسألة السادسة : اختلفوا في أن المراد من المسجد الحرام هل هو نفس ~~المسجد أو المراد منه جميع الحرم ؟ والأقرب هو هذا الثاني . والدليل عليه ~~قوله تعالى : { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } وذلك لأن موضع ~~التجارات ليس هو عين المسجد ، فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من ~~المسجد خاصة لما خافوا بسبب هذا المنع من العيلة ، وإنما يخافون العيلة إذا ~~منعوا من حضور الأسواق والمواسم ، وهذا استدلال حسن من الآية ، ويتأكد هذا ~~القول بقوله سبحانه وتعالى : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الاقصى } ( الإسراء : 1 ) مع أنهم أجمعوا على أنه إنما ~~رفع الرسول عليه الصلاة والسلام من بيت أم هانىء وأيضا يتأكد هذا بما روي ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ) ~~. # واعلم أن أصحابنا قالوا : الحرم حرام على المشركين ولو كان الإمام بمكة ، ~~فجاء رسول المشركين فليخرج إلى الحل لاستماع الرسالة ، وإن دخل مشرك الحرم ~~متواريا فمرض فيه أخرجناه مريضا ، وإن مات ودفن ولم يعلم نبشناه وأخرجنا ~~عظامه إذا أمكن . # المسألة السابعة : لا شبهة في أن المراد بقوله : { بعد عامهم هاذا } ~~السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين ، وهي السنة التاسعة من ~~الهجرة . # ثم قال تعالى : { وإن خفتم عيلة } والعيلة الفقر . يقال : عال الرجل يعيل ~~عيلة إذا افتقر ، والمعنى : إن خفتم فقرا بسبب منع الكفار { فسوف يغنيكم ~~الله من فضله } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : ذكروا في تفسير هذا الفضل وجوها : الأول : قال مقاتل : ~~أسلم أهل جدة وصنعاء وحنين ، وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله الحاجة إلى ~~مبايعة الكفار . والثاني : قال الحسن : جعل الله ما يوجد من الجزية بدلا من ~~ذلك . وقيل : أغناهم ms4447 بالفيء . الثالث : قال عكرمة : أنزل الله عليهم المطر ~~، وكثر خيرهم . # / المسألة الثانية : قوله : { فسوق * يغنيكم الله من فضله } إخبار عن غيب ~~في المستقبل على سبيل الجزم في حادثة عظيمة ، وقد وقع الأمر مطابقا لذلك ~~الخبر فكان معجزة . # ثم قال تعالى : { إن شاء } ولسائل أن يسأل فيقول : الغرض بهذا الخبر ~~إزالة الخوف بالعيلة ، وهذا الشرط يمنع من إفادة هذا المقصود ، وجوابه من ~~وجوه الأول : أن لا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب ، فيكون الإنسان ~~أبدا متضرعا إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات . الثاني : أن ~~المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب ، كما في قوله : { لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين } الثالث : أن المقصود التنبيه على أن ~~حصول هذا المعنى لا يكون في كل الأوقات وفي جميع الأمور ، لأن إبراهيم عليه ~~السلام قال في دعائه : { وارزق أهله من الثمرات } ( البقرة : 126 ) وكلمة ( ~~من ) تفيد التبعيض . فقوله تعالى في هذه الآية : { إن شاء } المراد منه ذلك ~~التبعيض . PageV16P022 # ثم قال : { إن الله عليم حكيم } أي عليم بأحوالكم ، وحكيم لا يعطي ولا ~~يمنع إلا عن حكمة وصواب ، والله أعلم . # ! 7 < { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الا خر ولا يحرمون ما ~~حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 29 ) قاتلوا الذين لا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المشركين في إظهار البراءة عن عهدهم ، ~~وفي إظهار البراءة عنهم في أنفسهم ، وفي وجوب مقاتلتهم ، وفي تبعيدهم عن ~~المسجد الحرام ، وأورد الإشكالات التي ذكروها ، وأجاب عنها بالجوابات ~~الصحيحة ذكر بعده حكم أهل الكتاب ، وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية ، ~~فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط ، ويكونون عند ذلك من أهل الذمة والعهد ~~، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر أن أهل الكتاب إذا كانوا موصوفين ~~بصفات أربعة ، وجبت مقاتلتهم إلى أن يسلموا ، أو إلى أن يعطوا الجزية . # / فالصفة الأولى : أنهم لا يؤمنون بالله . واعلم أن ms4448 القوم يقولون : نحن ~~نؤمن بالله ، إلا أن التحقيق أن أكثر اليهود مشبهة ، والمشبه يزعم أن لا ~~موجود إلا الجسم وما يحل فيه . فأما الموجود الذي لا يكون جسما ولا حالا ~~فيه فهو منكر له ، وما ثبت بالدلائل أن الإله موجود ليس بجسم ولا حالا في ~~جسم ، فحينئذ يكون المشبه منكرا لوجود الإله . فثبت أن اليهود منكرون لوجود ~~الإله . # فإن قيل : فاليهود قسمان : منهم مشبهة ، ومنهم موحدة ، كما أن المسلمين ~~كذلك فهب أن المشبهة منهم منكرون لوجود الإله ، فما قولكم في موحدة اليهود ~~؟ # قلنا : أولئك لا يكونون داخلين تحت هذه الآية ، ولكن إيجاب الجزية عليهم ~~بأن يقال : لما ثبت وجوب الجزية على بعضهم وجب القول به في حق الكل ضرورة ~~أنه لا قائل بالفرق . وأما النصارى : فهم يقولون : بالأب والابن وروح القدس ~~؛ والحلول والاتحاد ، وكل ذلك ينافي الإلهية . # فإن قيل : حاصل الكلام : أن كل من نازع في صفة من صفات الله ، كان منكرا ~~لوجود الله تعالى ، وحينئذ يلزم أن تقولوا : إن أكثر المتكلمين منكرون ~~لوجود الله تعالى ، لأن أكثرهم مختلفون في صفات الله تعالى . ألا ترى أن ~~أهل السنة اختلفوا اختلافا شديدا في هذا الباب ، فالأشعري أثبت البقاء صفة ~~، والقاضي أنكره ، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة ، والباقون أنكروه ، ~~والقاضي أثبت إدراك الطعوم ، وإدراك الروائح ، وإدراك الحرارة والبرودة ، ~~وهي التي تسمى في حق البشر بإدراك الشم والذوق واللمس ، والأستاذ أبو إسحق ~~أنكره ، وأثبت القاضي للصفات السبع أحوالا سبعة معللة بتلك الصفات ، ونفاة ~~الأحوال أنكروه ، وعبد الله بن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمرا ~~ولا نهيا ولا خبرا ، ثم صار ذلك في الإنزال ، والباقون أنكروه ، وقوم من ~~قدماء الأصحاب أثبتوا لله خمس كلمات ، في الأمر ، والنهي ، والخبر ، ~~والاستخبار ، والنداء ، PageV16P023 والمشهور أن كلام الله تعالى واحد ، ~~واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور أم لا ؟ فثبت بهذا حصول الاختلاف ~~بين أصحابنا في صفات الله تعالى من هذه الوجوه الكثيرة ، وأما اختلافات ~~المعتزلة وسائر الفرق في صفات الله ms4449 تعالى ، فأكثر من أن يمكن ذكره في موضع ~~واحد . # إذا ثبت هذا فنقول : إما أن يكون الاختلاف في الصفات موجبا إنكار الذات ~~أو لا يوجب ذلك ؟ فإن أوجبه لزم في أكثر فرق المسلمين أن يقال : إنهم ~~أنكروا الإله ، وإن لم يوجب ذلك لم يلزم من ذهاب بعض اليهود وذهاب النصارى ~~إلى الحلول والاتحاد كونهم منكرين للإيمان بالله ، وأيضا فمذهب النصارى أن ~~أقنوم الكلمة حل في عيسى ، وحشوية المسلمين يقولون : إن من قرأ / كلام الله ~~فالذي يقرؤه هو عين كلام تعالى / وكلام الله تعالى مع أنه صفة الله يدخل في ~~لسان هذا القارىء وفي لسان جميع القراء ، وإذا كتب كلام الله في جسم فقد حل ~~كلام الله تعالى في ذلك الجسم فالنصارى إنما أثبتوا الحلول والاتحاد في حق ~~عيسى . وأما هؤلاء الحمقى فأثبتوا كلمة الله في كل إنسان قرأ القرآن ، وفي ~~كل جسم كتب فيه القرآن ، فإن صح في حق النصارى أنهم لا يؤمنون بالله بهذا ~~السبب ، وجب أن يصح في حق هؤلاء الحروفية والحلولية أنهم لا يؤمنون بالله ، ~~فهذا تقرير هذا السؤال . # والجواب : أن الدليل دل على أن من قال إن الإله جسم فهو منكر للإله تعالى ~~، وذلك لأن إله العالم موجود ليس بجسم ولا حال في الجسم ، فإذا أنكر المجسم ~~هذا الموجود فقد أنكر ذات الإله تعالى ، فالخلاف بين المجسم والموحد ليس في ~~الصفة ، بل في الذات ، فصح في المجسم أنه لا يؤمن بالله أما المسائل التي ~~حكيتموها فهي اختلافات في الصفة ، فظهر الفرق . وأما إلزام مذهب الحلولية ~~والحروفية ، فنحن نكفرهم قطعا ، فإنه تعالى كفر النصارى بسبب أنهم اعتقدوا ~~حلول كلمة { الله } في عيسى وهؤلاء اعتقدوا حلول كلمة { الله } في ألسنة ~~جميع من قرأ القرآن ، وفي جميع الأجسام التي كتب فيها القرآن ، فإذا كان ~~القول بالحلول في حق الذات الواحدة يوجب التكفير ، فلأن يكون القول بالحلول ~~في حق جميع الأشخاص والأجسام موجبا للقول بالتكفير كان أولى . # والصفة الثانية : من صفاتهم أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر . # واعلم أن المنقول عن ms4450 اليهود والنصارى : إنكار البعث الجسماني ، فكأنهم ~~يميلون إلى البعث الروحاني . # واعلم أنا بينا في هذا الكتاب أنواع السعادات والشقاوات الروحانية ، ~~ودللنا على صحة القول بها وبينا دلالة الآيات الكثيرة عليها ، إلا أنا مع ~~ذلك نثبت السعادات والشقاوات الجسمانية ، ونعترف بأن الله يجعل أهل الجنة ، ~~بحيث يأكلون ويشربون ، وبالجواري يتمتعون ، ولا شك أن من أنكر الحشر والبعث ~~الجسماني ، فقد أنكر صريح القرآن ، ولما كان اليهود والنصارى منكرين لهذا ~~المعنى ، ثبت كونهم منكرين لليوم الآخر . # الصفة الثالثة : من صفاتهم قوله تعالى : { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ~~} وفيه وجهان : الأول : أنهم لا يحرمون ما حرم في القرآن وسنة الرسول . ~~والثاني : قال أبو روق : لا يعلمون بما في التوراة والإنجيل ، بل حرفوهما ~~وأتوا بأحكام كثيرة من قبل أنفسهم . PageV16P024 # الصفة الرابعة : قوله : { ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب } ~~يقال : فلان يدين بكذا ، إذا اتخذه دينا فهو معتقده ، فقوله : { ولا يدينون ~~دين الحق } أي لا يعتقدون في صحة دين / الإسلام الذي هو الدين الحق ، ولما ~~ذكر تعالى هذه الصفات الأربعة قال : { من الذين أوتوا الكتاب } فبين بهذا ~~أن المراد من الموصوفين بهذه الصفات الأربعة من كان من أهل الكتاب ، ~~والمقصود تمييزهم من المشركين في الحكم ، لأن الواجب في المشركين القتال أو ~~الإسلام ، والواجب في أهل الكتاب القتال أو الإسلام أو الجزية . # ثم قال تعالى : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : الجزية هي ما يعطي المعاهد على عهده ، ~~وهي فعلة من جزى يجزى إذا قضى ما عليه ، واختلفوا في قوله : { عن يد } قال ~~صاحب ( الكشاف ) قوله : { عن يد } إما أن يراد به يد المعطي أو يد الآخذ ، ~~فإن كان المراد به المعطي ، ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون المراد { عن يد ~~} مؤاتية غير ممتنعة ، لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد ~~، ولذلك يقال : أعطى يده إذا انقاد وأطاع ، ألا ترى إلى قولهم نزع يده عن ~~الطاعة ، كما يقال : خلع ربقة الطاعة من عنقه . وثانيهما : أن ms4451 يكون المراد ~~حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا غير نسيئة ولا مبعوثا على يد أحد ، بل على يد ~~المعطي إلى يد الآخذ . وأما إذا كان المراد يد الآخذ ففيه أيضا وجهان : ~~الأول : أن يكون المراد حتى يعطوا الجزية عن يد قاهرة مستولية للمسلمين ~~عليهم كما تقول : اليد في هذا لفلان . وثانيهما : أن يكون المراد عن إنعام ~~عليهم ، لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم عليهم نعمة عظيمة . # وأما قوله : { وهم صاغرون } فالمعنى أن الجزية تؤخذ منهم على الصغار ~~والذل والهوان بأن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب ، ويسلمها وهو قائم ~~والمتسلم جالس . ويؤخذ بلحيته ، فيقال له : أد الجزية وإن كان يؤديها ويزج ~~في قفاه ، فهذا معنى الصغار . وقيل : معنى الصغار ههنا هو نفس إعطاء الجزية ~~، وللفقهاء أحكام كثيرة من توابع الذل والصغار مذكورة في كتب الفقه . # الحكم الأول # استدللت بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي والوجه في تقريره أن ~~قوله : { قاتلوهم } يقتضي إيجاب مقاتلتهم ، وذلك مشتمل على إباحة قتلهم ~~وعلى عدم وجوب القصاص بسبب قتلهم ، فلما قال : { حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون } علمنا أن مجموع هذه الأحكام قد انتهت عند إعطاء الجزية ، ~~ويكفي في انتهاء المجموع ارتفاع أحد أجزائه ، فإذا ارتفع وجوب قتله وإباحة ~~دمه ، فقد ارتفع ذلك المجموع ، ولا حاجة في ارتفاع المجموع إلى ارتفاع جميع ~~أجزاء المجموع . # / إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { قاتلوا * طائفة من أهل الكتاب } يدل على ~~عدم وجوب القصاص بقتلهم وقوله : { حتى يعطوا الجزية } لا يوجب ارتفاع ذلك ~~الحكم ، لأنه كفى في انتهاء ذلك المجموع انتهاء أحد أجزائه وهو وجوب قتلهم ~~، فوجب أن يبقى بعد أداء الجزية عدم وجوب القصاص كما كان . PageV16P025 # الحكم الثاني # الكفار فريقان ، فريق عبدة الأوثان وعبدة ما استحسنوا ، فهؤلاء لا يقرون ~~على دينهم بأخذ الجزية ، ويجب قتالهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ، وفريق ~~هم أهل الكتاب ، وهم اليهود والنصارى والسامرة والصابئون ، وهذان الصنفان ~~سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا ، والمجوس أيضا سبيلهم سبيل أهل ms4452 ~~الكتاب ، لقوله عليه السلام : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) وروى أنه صلى ~~الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ، فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا ~~الجزية ويعاهدوا المسلمين على أداء الجزية ، وإنما قلنا إنه لا تؤخذ الجزية ~~إلا من أهل الكتاب ، لأنه تعالى لما ذكر الصفات الأربعة ، وهي قوله تعالى : ~~{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من } قيدهم بكونهم من أهل الكتاب وهو قوله : { ~~من الذين أوتوا الكتاب } وإثبات ذلك الحكم في غيرهم يقتضي إلغاء هذا القيد ~~المنصوص عليه وأنه لا يجوز . # الحكم الثالث # في قدر الجزية . قال أنس : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل ~~محتلم دينارا ، وقسم عمر على الفقراء من أهل الذمة اثني عشر درهما ، وعلى ~~الأوساط أربعة وعشرين ، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين . قال أصحابنا : ~~وأقل الجزية دينار ، ولا يزاد على الدينار إلا بالتراضي ، فإذا رضوا ~~والتزموا الزيادة ضربنا على المتوسط دينارين ، وعلى الغني أربعة دنانير ، ~~والدليل على ما ذكرنا : أن الأصل تحريم أخذ مال المكلف إلا أن قوله : { حتى ~~يعطوا الجزية } يدل على أخذ شيء ، فهذا الذي قلناه هو القدر الأقل ، فيجوز ~~أخذه والزائد عليه لم يدل عليه لفظ الجزية والأصل فيه الحرمة ، فوجب أن ~~يبقى عليها . # الحكم الرابع # تؤخذ الجزية عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى في أول السنة ، وعند الشافعي ~~رحمه الله تعالى في آخرها . # / الحكم الخامس # تسقط الجزية بالإسلام والموت عند أبي حنيفة رحمه الله ، لقوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( ليس على المسلم جزية ) وعند الشافعي رحمه الله لا تسقط ~~. # الحكم السادس # قال أصحابنا : هؤلاء إنما أقروا على دينهم الباطل بأخذ الجزية حرمة ~~لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل وأيضا مكناهم من ~~أيديهم ، فربما يتفكرون فيعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ، ~~فأمهلوا لهذا المعنى . والله أعلم . وبقي ههنا سؤالان : # السؤال الأول : كان ابن الراوندي يطعن في القرآن ويقول : إنه ذكر في ~~تعظيم كفر النصارى ms4453 . قوله : { تكاد * السماوات * يتفطرن منه وتنشق الارض ~~وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمان ولدا * وما ينبغى للرحمان أن يتخذ ولدا ~~} ( مريم : 90 92 ) PageV16P026 فبين أن إظهارهم لهذا القول بلغ إلى هذا ~~الحد ، ثم إنه لما أخذ منهم دينارا واحدا قررهم عليه وما منعهم منه . # والجواب : ليس المقصود من أخذ الجزية تقريره على الكفر ، بل المقصود منها ~~حقن دمه وإمهاله مدة ، رجاء أنه ربما وقف في هذه المدة على محاسن الإسلام ~~وقوة دلائله ، فينتقل من الكفر إلى الإيمان . # السؤال الثاني : هل يكفي في حقن الدم دفع الجزية أم لا ؟ # والجواب : أنه لابد معه من إلحاق الذل والصغار للكفر والسبب فيه أن طبع ~~العاقل ينفر عن تحمل الذل والصغار ، فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عز ~~الإسلام ويسمع دلائل صحته ، ويشاهد الذل والصغار في الكفر ، فالظاهر أنه ~~يحمله ذلك على الانتقال إلى الإسلام ، فهذا هو المقصود من شرع الجزية . # ! 7 < { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذالك ~~قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون } . ~~> 7 ! # / < < # | التوبة : ( 30 ) وقالت اليهود عزير . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكم في الآية المتقدمة على اليهود ~~والنصارى بأنهم لا يؤمنون بالله ، شرح ذلك في هذه الآية وذلك بأن نقل عنهم ~~أنهم أثبتوا لله ابنا ، ومن جوز ذلك في حق الإله فهو في الحقيقة قد أنكر ~~الإله ، وأيضا بين تعالى أنهم بمنزلة المشركين في الشرك ، وإن كانت طرق ~~القول بالشرك مختلفة ، إذ لا فرق بين من يعبد الصنم وبين من يعبد المسيح ~~وغيره لأنه لا معنى للشرك إلا أن يتخذ الإنسان مع الله معبودا ، فإذا حصل ~~هذا المعنى فقد حصل الشرك ، بل إنا لو تأملنا لعلمنا أن كفر عابد الوثن أخف ~~من كفر النصارى ، لأن عابد الوثن لا يقول إن هذا الوثن خالق العالم وإله ~~العالم ، بل يجريه مجرى الشيء الذي يتوسل به إلى طاعة الله . أما النصارى ~~فإنهم يثبتون الحلول والاتحاد وذلك كفر قبيح ms4454 جدا ، فثبت أنه لا فرق بين ~~هؤلاء الحلولية وبين سائر المشركين ، وأنهم إنما خصهم بقبول الجزية منهم ، ~~لأنهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى ، وادعى أنهم يعملون بالتوراة ~~والإنجيل ، فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين وتعظيم كتابيهما وتعظيم ~~أسلاف هؤلاء اليهود والنصارى بسبب أنهم كانوا على الدين الحق ، حكم الله ~~تعالى بقبول الجزية منهم ، وإلا ففي الحقيقة لا فرق بينهم وبين المشركين . # المسألة الثانية : في قوله : { وقالت اليهود * عزيز * ابن الله } أقوال : ~~الأول : قال عبيد بن عمير : إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه ~~فنحاص بن عازوراء . الثاني : قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة : ~~أتى جماعة من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم : سلام بن ~~مشكم ، والنعمان بن أوفى ، ومالك بن PageV16P027 الصيف ، وقالوا : كيف ~~نتبعك وقد تركت قبلتنا ، ولا تزعم أن عزيرا ابن الله ، فنزلت هذه الآية . ~~وعلى هذين القولين فالقائلون بهذا المذهب بعض اليهود إلا أن الله نسب ذلك ~~القول إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد ، ~~يقال فلان يركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحدا منها ، وفلان يجالس ~~السلاطين ولعله لا يجالس إلا واحدا . # والقول الثالث : لعل هذا المذهب كان فاشيا فيهم ثم انقطع ، فحكى الله ذلك ~~عنهم ، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك ، فإن حكاية الله عنهم أصدق . والسبب ~~الذي لأجله قالوا هذا القول ما رواه ابن عباس أن اليهود أضاعوا التوراة ~~وعملوا بغير الحق ، فأنساهم الله تعالى التوراة ونسخها من صدورهم فتضرع ~~عزير إلى الله وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه ، فأنذر قومه به ، ~~فلما جربوه وجدوه صادقا فيه ، فقالوا ما تيسر هذا لعزير إلا أنه ابن الله ، ~~وقال الكلبي : قتل بختنصر علماءهم فلم يبق / فيهم أحد يعرف التوراة . وقال ~~السدي : العمالقة قتلوهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة ، فهذا ما قيل في ~~هذا الباب . وأما حكاية الله عن النصارى أنهم يقولون : المسيح ابن الله ، ~~فهي ظاهرة لكن فيها إشكال قوي ، وهي أنا نقطع ms4455 أن المسيح صلوات الله عليه ~~وأصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس إلا الأبوة والبنوة ، فإن هذا أفحش ~~أنواع الكفر ، فكيف يليق بأكابر الأنبياء عليهم السلام ؟ وإذا كان الأمر ~~كذلك فكيف يعقل إطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر ، ومن الذي ~~وضع هذا المذهب الفاسد ، وكيف قدر على نسبته إلى المسيح عليه السلام ؟ فقال ~~المفسرون في الجواب عن هذا السؤال : أن أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام ~~كانوا على الحق بعد رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود ، وكان في ~~اليهود رجل شجاع يقال له بولس قتل جمعا من أصحاب عيسى ، ثم قال لليهود إن ~~كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ~~ودخلنا النار ، وإني أحتال فأضلهم ، فعوقب فرسه وأظهر الندامة مما كان يصنع ~~ووضع على رأسه التراب وقال : نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر ، ~~وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه ~~وأحبوه ، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلا اسمه نسطور ، وعلمه أن ~~عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة ، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت ~~، وقال : ما كان عيسى إنسانا ولا جسما ولكنه الله ، وعلم رجلا آخر يقال له ~~يعقوب ذلك ، ثم دعا رجلا يقال له ملكا فقال له : إن الإله لم يزل ولا يزال ~~عيسى ، ثم دعا لهؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم أنت خليفتي فادع الناس ~~إلى إنجيلك ، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني ، وإني غدا أذبح نفس ~~لمرضاة عيسى ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ، ثم دعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة ~~الناس إلى قوله ومذهبه ، فهذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى ~~، هذا ما حكاه الواحدي رحمه الله تعالى ، والأقرب عندي أن يقال لعله ورد ~~لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف ، كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم ~~على سبيل التشريف ، ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم ~~الفاسد في أحد الطرفين بغلو ms4456 فاسد في الطرف الثاني ، فبالغوا وفسروا لفظ ~~الابن بالبنوة الحقيقية . والجهال ، قبلوا ذلك ، وفشا هذا المذهب الفاسد في ~~أتباع عيسى عليه السلام ، والله أعلم بحقيقة الحال . # المسألة الثالثة : قرأ عاصم والكسائي وعبد الوارث عن أبي عمرو { عزير } ~~بالتنوين والباقون بغير PageV16P028 التنوين . قال الزجاج : الوجه إثبات ~~التنوين . فقوله : { عزير } مبتدأ وقوله : { ابن الله } خبره ، وإذا كان ~~كذلك فلا بد من التنوين في حال السعة لأن عزيرا ينصرف سواء كان أعجميا أو ~~عربيا ، وسبب كونه منصرفا أمران : أحدهما : أنه اسم خفيف فينصرف ، وإن كان ~~أعجميا كهود ولوط / والثاني : أنه على صيغة التصغير وأن الأسماء الأعجمية ~~لا تصغر ، وأما الذين تركوا التنوين فلهم فيه ثلاثة أوجه : # الوجه الأول : أنه أعجمي ومعرفة ، فوجب أن لا ينصرف . # الوجه الثاني : أن قوله : { ابن } صفة والخبر محذوف . والتقدير : عزير ~~ابن الله معبودنا ، وطعن عبد القاهر الجرجاني في هذا الوجه في كتاب ( دلائل ~~الإعجاز ) ، وقال الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف التكذيب ~~إلى الخبر ، وصار ذلك الوصف مسلما . فلما كان المقصود بالإنكار هو قولهم ~~عزير ابن الله معبودنا ، لتوجه الإنكار إلى كونه معبودا لهم ، وحصل كونه ~~ابنا لله ، ومعلوم أن ذلك كفر ، وهذا الطعن عندي ضعيف . أما قوله إن من ~~أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر ، توجه الإنكار إلى ~~الخبر فهذا مسلم . وأما قوله : ويكون ذلك تسليما لذلك الوصف فهذا ممنوع ، ~~لأنه لا يلزم من كونه مكذبا لذلك الخبر بالتكذيب أن يدل على أن ما سواه لا ~~يكذبه بل يصدقه ، وهذا بناء على دليل الخطاب وهو ضعيف لا سيما في مثل هذا ~~المقام . # الوجه الثالث : قال الفراء : نون التنوين ساكنة من عزير ، والباء في قوله ~~: { ابن الله } ساكنة فحصل ههنا التقاء الساكنين ، فحذف نون التنوين ~~للتخفيف ، وأنشد الفراء : # % فألفيته غير مستعتب % % ولا ذاكر الله إلا قليلا % # واعلم أنه لما حكى عنهم بهذه الحكاية قال : { ذالك قولهم بأفواههم } . # ولقائل أن يقول : إن كل قول إنما يقال بالفم . فما معنى تخصيصهم لهذا ms4457 ~~القول بهذه الصفة . # والجواب من وجوه : الأول : أن يراد به قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ ~~يفوهون به فارغ من معنى معتبر لحقه ، والحاصل أنهم قالوا باللسان قولا ، ~~ولكن لم يحصل عند العقل من ذلك القول أثر ، لأن إثبات الولد للإله مع أنه ~~منزه عن الحاجة والشهوة والمضاجعة والمباضعة قول باطل ، ليس عند العقل منه ~~أثر . ونظيره قوله تعالى : { يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم } ( آل ~~عمران : 167 ) والثاني : أن الإنسان قد يختار مذهبا إما على سبيل الكناية ~~وإما على سبيل الرمز والتعريض ، فإذا صرح به وذكره بلسانه ، فذلك هو الغاية ~~في اختياره لذلك المذهب ، والنهاية في كونه ذاهبا إليه قائلا به . والمراد ~~ههنا أنهم يصرحون بهذا المذهب ولا يخفونه البتة . والثالث : أن المراد أنهم ~~دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت هذه المقالة في الأفواة والألسنة ، ~~والمراد منه مبالغتهم في دعوة الخلق إلى المذهب . # / ثم قال تعالى : { يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في تفسير هذه الآية وجوه : الأول : أن المراد أن هذا ~~القول من اليهود والنصارى يضاهي قول المشركين الملائكة بنات الله . الثاني ~~: أن الضمير للنصارى أي قولهم المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن ~~الله لأنهم أقدم منهم . الثالث : أن هذا القول من النصارى يضاهي قول ~~قدمائهم ، يعني PageV16P029 أنه كفر قديم ، فهو غير مستحدث . # المسألة الثانية : المضاهاة : المشابهة . قال الفراء يقال ضاهيته ضهيا ~~ومضاهاة ، هذا قول أكثر أهل اللغة في المضاهاة . وقال شمر : المضاهاة : ~~المتابعة ، يقال : فلان يضاهي فلانا أي يتابعه . # المسألة الثالثة : قرأ عاصم { * يضاهؤن } بالهمزة وبكسر الهاء ، والباقون ~~بغير همزة وضم الهاء ، يقال ضاهيته وضاهأته لغتان مثل أرجيت وأرجأت . وقال ~~أحمد بن يحيى لم يتابع عاصما أحد على الهمزة . # ثم قال تعالى : { قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون } أي هم أحقاء بأن يقال لهم ~~هذا القول تعجبا من بشاعة قولهم كما يقال القوم ركبوا سبعا ، قاتلهم الله ~~ما أعجب فعلهما أنى يؤفكون الأفك الصرف يقال أفك الرجل عن الخير ms4458 ، أي قلب ~~وصرف ، ورجل مأفوك أي مصروف عن الخير . فقوله تعالى : { أنى يؤفكون } معناه ~~كيف يصدون ويصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل ، حتى يجعلوا لله ولدا ! وهذا ~~التعجب إنما هو راجع إلى الخلق ، والله تعالى لا يتعجب من شيء ، ولكن هذا ~~الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم ، والله تعالى عجب نبيه من تركهم الحق ~~وإصرارهم على الباطل . # ! 7 < { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ~~ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلاها واحدا لا إلاه إلا هو سبحانه عما يشركون } . > ~~7 ! # < < # | التوبة : ( 31 ) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم . . . . . # > > واعلم أنه تعالى وصف اليهود والنصارى بضرب آخر من الشرك بقوله : { ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم * أربابا من دون الله } وفي ~~الآية مسائل : # / المسألة الأولى : قال أبو عبيدة : الأحبار : الفقهاء ، واختلفوا في ~~واحده ، فبعضهم يقول حبر وبعضهم يقول حبر . وقال الأصمعي : لا أدري أهو ~~الحبر أو الحبر ؟ وكان أبو الهيثم يقول واحد الأحبار حبر بالفتح لا غير ، ~~وينكر الكسر ، وكان الليث وابن السكيت يقولان حبر وحبر للعالم ذميا كان أو ~~مسلما ، بعد أن يكون من أهل الكتاب . وقال أهل المعاني الحبر العالم الذي ~~بصناعته يحبر المعاني ، ويحسن البيان عنها . والراهب الذي تمكنت الرهبة ~~والخشية في قلبه وظهرت آثار الرهبة على وجهه ولباسه . وفي عرف الاستعمال ، ~~صار الأحبار مختصا بعلماء اليهود من ولد هرون ، والرهبان بعلماء النصارى ~~أصحاب الصوامع . # المسألة الثانية : الأكثرون من المفسرين قالوا : ليس المراد من الأرباب ~~أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم ، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ~~ونواهيهم ، نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانيا فانتهى إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وهو يقرأ سورة براءة ، فوصل إلى هذه الآية ، قال : فقلت : لسنا ~~نعبدهم فقال : ( أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله ~~فتستحلونه ) فقلت : بلى قال : ( فتلك عبادتهم ) وقال الربيع : قلت لأبي ~~العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل ؟ فقال : إنهم ربما وجدوا في ~~كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار PageV16P030 والرهبان ، فكانوا يأخذون ~~بأقوالهم ms4459 وما كانوا يقبلون حكم كتاب الله تعالى . قال شيخنا ومولانا خاتمة ~~المحققين والمجتهدين رضي الله عنه : قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء ، ~~قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل ، وكانت مذاهبهم ~~بخلاف تلك الآيات ، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وبقوا ينظرون ~~إلي كالمتعجب ، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن ~~سلفنا وردت على خلافها ، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق ~~الأكثرين من أهل الدنيا . # فإن قيل : إنه تعالى لما كفرهم بسبب أنهم أطاعوا الأحبار والرهبان ~~فالفاسق يطيع الشيطان فوجب الحكم بكفره ، كما هو قول الخوارج . # والجواب : أن الفاسق ، وإن كان يقبل دعوة الشيطان إلا أنه لا يعظمه لكن ~~يلعنه ، ويستخف به . أما أولئك الأتباع كانوا يقبلون قول الأحبار والرهبان ~~ويعظمونهم ، فظهر الفرق . # والقول الثاني : في تفسير هذه الربوبية أن الجهال والحشوية إذا بالغوا في ~~تعظيم شيخهم وقدوتهم ، فقد يميل طبعهم إلى القول بالحلول والاتحاد ، وذلك ~~الشيخ إذا كان طالبا للدنيا بعيدا عن الدين ، فقد يلقى إليهم أن الأمر كما ~~يقولون ويعتقدون ، وشاهدت بعض المزورين ممن كان / بعيدا عن الدين كان يأمر ~~أتباعه وأصحابه بأن يسجدوا له ، وكان يقول لهم أنتم عبيدي ، فكان يلقي ~~إليهم من حديث الحلول والاتحاد أشياء ، ولو خلا ببعض الحمقى من أتباعه ، ~~فربما ادعى الإلهية ، فإذا كان مشاهدا في هذه الأمة ، فكيف يبعد ثبوته في ~~الأمم السالفة ؟ وحاصل الكلام أن تلك الربوبية يحتمل أن يكون المراد منها ~~أنهم أطاعوهم فيما كانوا مخالفين فيه لحكم الله ، وأن يكون المراد منها ~~أنهم قبلوا أنواع الكفر / فكفروا بالله ، فصار ذلك جاريا مجرى أنهم اتخذوهم ~~أربابا من دون الله ، ويحتمل أنهم أثبتوا في حقهم الحلول والاتحاد . وكل ~~هذه الوجوه الأربعة مشاهد وواقع في هذه الأمة . # ثم قال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا إلاها واحدا } ومعناه ظاهر ، وهو ~~أن التوراة والإنجيل والكتب الإلهية ناطقة بذلك . # ثم قال : { لا إلاه إلا هو سبحانه عما يشركون } أي سبحانه من أن ms4460 يكون له ~~شريك في الأمر والتكليف ، وأن يكون له شريك في كونه مسجودا ومعبودا ، وأن ~~يكون له شريك في وجوب نهاية التعظيم والإجلال . # ! 7 < { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ~~ولو كره الكافرون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 32 ) يريدون أن يطفئوا . . . . . # > > اعلم أن المقصود منه بيان نوع ثالث من الأفعال القبيحة الصادرة عن ~~رؤساء اليهود والنصارى ، وهو سعيهم في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة شرعه وقوة دينه ، والمراد من النور ~~: الدلائل الدالة على صحة نبوته ، وهي أمور كثيرة جدا . أحدها : المعجزات ~~القاهرة التي ظهرت على PageV16P031 يده ، فإن المعجز إما أن يكون دليلا على ~~الصدق أو لا يكون ، فإن كان دليلا على الصدق ، فحيث ظهر المعجز لا بد من ~~حصول الصدق ، فوجب كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقا ، وإن لم يدل على ~~الصدق قدح ذلك في نبوة موسى وعيسى عليهما السلام . وثانيها : القرآن العظيم ~~الذي ظهر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم مع أنه من أول عمره إلى آخره ما ~~تعلم وما طالع وما استفاد وما نظر في كتاب ، وذلك من أعظم المعجزات . ~~وثالثها : أن / حاصل شريعته تعظيم الله والثناء عليه ، والانقياد لطاعته ~~وصرف النفس عن حب الدنيا ، والترغيب في سعادات الآخرة . والعقل يدل على أنه ~~لا طريق إلى الله إلا من هذا الوجه . ورابعها : أن شرعه كان خاليا عن جميع ~~العيوب ، فليس فيه إثبات ما لا يليق بالله ، وليس فيه دعوة إلى غير الله ، ~~وقد ملك البلاد العظيمة ، وما غير طريقته في استحقار الدنيا ، وعدم ~~الالتفات إليها ، ولو كان مقصوده طلب الدنيا لما بقي الأمر كذلك ، فهذه ~~الأحوال دلائل نيرة وبراهين قاهرة في صحة قوله ، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة ~~وشبهاتهم السخيفة ، وأنواع كيدهم ومكرهم ، أرادوا إبطال هذه الدلائل ، فكان ~~هذا جاريا مجرى من يريد إبطال نور الشمس بسبب أن ينفخ فيها ، وكما أن ذلك ~~باطل وعمل ضائع ، فكذا ههنا ، فهذا هو المراد من قوله : { يريدون ms4461 أن يطفئوا ~~نور الله بأفواههم } ثم إنه تعالى وعد محمدا صلى الله عليه وسلم مزيد ~~النصرة والقوة وإعلاء الدرجة وكمال الرتبة فقال : { ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون } . # فإن قيل : كيف جاز أبى الله إلا كذا ، ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدا ؟ # قلنا : أجرى { أبى } مجرى لم يرد ، والتقدير : ما أراد الله إلا ذلك ، ~~إلا أن الإباء يفيد زيادة عدم الإرادة وهي المنع والامتناع ، والدليل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ( وإن أرادوا ظلمنا أبينا ) فامتدح بذلك ، ولا ~~يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم ، لأن ذلك يصح من القوي والضعيف ، ويقال : ~~فلان أبى الضيم ، والمعنى ما ذكرناه ، وإنما سمى الدلائل بالنور لأن النور ~~يهدي إلى الصواب . فكذلك الدلائل تهدي إلى الصواب في الأديان . # ! 7 < { هو الذيأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 33 ) هو الذي أرسل . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأعداء أنهم يحاولون إبطال أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم وبين تعالى أنه يأبى ذلك الإبطال وأنه يتم أمره ، بين كيفية ~~ذلك الإتمام فقال : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } . # / واعلم أن كمال حال الأنبياء صلوات الله عليهم لا تحصل إلا بمجموع أمور ~~: أولها : كثرة الدلائل والمعجزات ، وهو المراد من قوله : { أرسل رسوله ~~بالهدى } وثانيها : كون دينه مشتملا على أمور يظهر لكل أحد كونها موصوفة ~~بالصواب والصلاح ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدنيا والآخرة ، وهو ~~المراد من قوله : { ودين الحق } وثالثها : صيرورة دينه مستعليا على سائر ~~الأديان غالبا عليها غالبا لأضدادها قاهرا PageV16P032 لمنكريها ، وهو ~~المراد من قوله : { ليظهره على الدين كله } . # واعلم أن ظهور الشيء على غيره قد يكون بالحجة ، وقد يكون بالكثرة والوفور ~~، وقد يكون بالغلبة والاستيلاء ، ومعلوم أنه تعالى بشر بذلك ، ولا يجوز أن ~~يبشر إلا بأمر مستقبل غير حاصل ، وظهور هذا الدين بالحجة مقرر معلوم ، ~~فالواجب حمله على الظهور بالغلبة . # فإن قيل : ظاهر قوله : { ليظهره على الدين كله } يقتضي كونه غالبا لكل ~~الأديان ms4462 ، وليس الأمر كذلك ، فإن الإسلام لم يصر غالبا لسائر الأديان في ~~أرض الهند والصين والروم ، وسائر أراضي الكفرة . # قلنا أجابوا عنه من وجوه : # الوجه الأول : أنه لا دين بخلاف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون وظهروا ~~عليهم في بعض المواضع ، وإن لم يكن كذلك في جميع مواضعهم ، فقهروا اليهود ~~وأخرجوهم من بلاد العرب ، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ~~ناحية الروم والغرب ، وغلبوا المجوس على ملكهم ، وغلبوا عباد الأصنام على ~~كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند ، وكذلك سائر الأديان . فثبت أن الذي ~~أخبر الله عنه في هذه الآية قد وقع وحصل وكان ذلك إخبارا عن الغيب فكان ~~معجزا . # الوجه الثاني : في الجواب أن نقول : روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه ~~قال : هذا وعد من الله بأنه تعالى يجعل الإسلام عاليا على جميع الأديان . ~~وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى ، وقال السدي : ذلك عند خروج المهدي ، ~~لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدى الخراج . # الوجه الثالث : المراد : ليظهر الإسلام على الدين كله في جزيرة العرب ، ~~وقد حصل ذلك فإنه تعالى ما أبقى فيها أحدا من الكفار . # الوجه الرابع : أن المراد من قوله : { ليظهره على الدين كله } أن يوقفه ~~على جميع شرائع الدين ويطلعه عليها بالكلية حتى لا يخفى عليه منها شيء . # الوجه الخامس : أن المراد من قوله : { ليظهره على الدين كله } بالحجة ~~والبيان إلا أن هذا ضعيف ؛ لأن هذا وعد بأنه تعالى سيفعله . والتقوية ~~بالحجة والبيان كانت حاصلة من أول الأمر ، ويمكن أن يجاب عنه بأن في مبدأ ~~الأمر كثرت الشبهات بسبب ضعف المؤمنين / واستيلاء الكفار ، ومنع الكفار ~~سائر الناس من التأمل في تلك الدلائل . أما بعد قوة دولة الإسلام عجزت ~~الكفار فضعفت الشبهات ، فقوي ظهور دلائل الإسلام ، فكان المراد من تلك ~~البشارة هذه الزيادة . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الا حبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ms4463 أليم * يوم يحمى عليها فى نار جهنم ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هاذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 34 - 35 ) يا أيها الذين . . . . . # > > PageV16P033 # اعلم أنه تعالى لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء ~~الربوبية والترفع على الخلق ، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ ~~أموال الناس ، تنبيها على أن المقصود من إظهار تلك الربوبية والتجبر والفخر ~~، أخذ أموال الناس بالباطل ، ولعمري من تأمل أحوال أهل الناموس والتزوير في ~~زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وفي شرح أحوالهم ، فترى ~~الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات ~~وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى ~~الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : قد عرفت أن الأحبار من اليهود ، والرهبان من النصارى ~~بحسب العرف ، فالله تعالى حكى عن كثير منهم أنهم ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ، وفيه أبحاث : # البحث الأول : أنه تعالى قيد ذلك بقوله : { كثيرا } ليدل بذلك على أن هذه ~~الطريقة طريقة / بعضهم لا طريقة الكل ، فإن العالم لا يخلو عن الحق وإطباق ~~الكل على الباطل كالممتنع هذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل ~~لا يحصل ، فكذلك سائر الأمم . # البحث الثاني : أنه تعالى عبر عن أخذ الأموال بالأكل وهو قوله : { ~~ليأكلون } والسبب في هذه الاستعارة ، أن المقصود الأعظم من جمع الأموال هو ~~الأكل ، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده ، أو يقال من أكل شيئا فقد ضمنه ~~إلى نفسه ومنعه من الوصول إلى غيره ، ومن جمع المال فقد ضم تلك الأموال إلى ~~نفسه ، ومنعها من الوصول إلى غيره ، فلما حصلت المشابهة بين الأكل وبين ~~الأخذ من هذا الوجه ، سمى الأخذ بالأكل . أو يقال : إن من أخذ أموال الناس ~~، فإذا طولب بردها ، قال أكلتها وما بقيت ، فلا أقدر على ردها ، فلهذا ~~السبب سمى الأخذ بالأكل . # البحث الثالث : أنه قال : { ليأكلون أموال الناس ms4464 بالباطل } وقد اختلفوا ~~في تفسير هذا الباطل على وجوه : الأول : أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف ~~الأحكام والمسامحة في الشرائع . والثاني : أنهم كانوا يدعون عند الحشرات ~~والعوام منهم ، أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم ~~وطاعتهم ، وبذل الأموال في طلب مرضاتهم والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب ~~. الثالث : التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، فأولئك الأحبار والرهبان ، كانوا يذكرون في تأويلها وجوها فاسدة ، ~~ويحملونها على محامل باطلة ، وكانوا يطيبون قلوب عوامهم بهذا السبب ، ~~ويأخذون الرشوة . والرابع : أنهم كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو ~~الذي هم عليه . فإذا قرروا ذلك قالوا وتقوية الدين الحق واجب . ثم قالوا : ~~ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقواما عظماء أصحاب الأموال ~~الكثيرة والجمع العظيم ، فبهذا الطريق يحملون العوام على أن يبذلوا في ~~خدمتهم نفوسهم وأموالهم ، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس ~~، وهي بأسرها حاضرة في زماننا / وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ ~~أموال العوام والحمقى من الخلق . PageV16P034 # ثم قال : { ويصدون عن سبيل الله } لأنهم كانوا يقتلون على متابعتهم ~~ويمنعون عن متابعة الأخيار من الخلق والعلماء في الزمان ، وفي زمان محمد ~~عليه الصلاة والسلام كانوا يبالغون في المنع عن متابعته بجميع وجوه المكر ~~والخداع . # قال المصنف رضي الله عنه : غاية مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه ، ~~فبين تعالى في صفة الأحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين ، فالمال ~~هو المراد بقوله : { ليأكلون أموال الناس بالباطل } وأما الجاه فهو المراد ~~بقوله : { ويصدون عن سبيل الله } فإنهم لو أقروا بأن محمدا على الحق لزمهم ~~/ متابعته ، وحينئذ فكان يبطل حكمهم وتزول حرمتهم فلأجل الخوف من هذا ~~المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه المكر والخديعة ، وفي منع ~~الخلق من قبول دينه الحق والإتباع لمنهجه الصحيح . # ثم قال : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم ~~بعذاب أليم ms4465 } . # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { والذين } احتمالات ثلاثة : لأنه يحتمل أن ~~يكون المراد بقوله : { الذين } أولئك الأحبار والرهبان ، ويحتمل أن يكون ~~المراد كلاما مبتدأ على ما قال بعضهم المراد منه مانعو الزكاة من المسلمين ~~، ويحتمل أن يكون المراد منه كل من كنز المال ولم يخرج منه الحقوق الواجبة ~~سواء كان من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين ، فلا شك أن اللفظ محتمل ~~لكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة ، وروي عن زيد بن وهب قال : مررت بأبي ذر ~~فقلت يا أبا ذر ما أنزلك هذه البلاد ؟ فقال : كنت بالشام فقرأت { والذين ~~يكنزون الذهب والفضة } فقال معاوية : هذه الآية نزلت في أهل الكتاب فقلت : ~~إنها فيهم وفينا ، فصار ذلك سببا للوحشة بيني وبينه ، فكتب إلى عثمان أن ~~أقبل إلي ، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني ، كأنهم لم يروني من قبل ، ~~فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي تنح قريبا إني والله لن أدع ما كنت أقول . وعن ~~الأحنف ، قال : لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول : بشر الكافرين برضف ~~يحمى عليه في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى تخرج من نغض كتفه حتى ~~يرفض بدنه ، وتوضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه ، فلما سمع القوم ~~ذلك تركوه فاتبعته وقلت : ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم : فقال ما ~~عسى أن يصنع في قريش . # قال مولانا رضي الله عنه : إن كان المراد تخصيص هذا الوعيد بمن سبق ذكرهم ~~وهم أهل الكتاب ، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال ~~الناس بقوله : { ليأكلون أموال الناس بالباطل } ووصفهم أيضا بالبخل الشديد ~~والامتناع عن إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم بقوله : { والذين يكنزون ~~الذهب والفضة } وإن كان المراد مانعي الزكاة من المؤمنين ، كان التقدير أنه ~~تعالى وصف قبح طريقتهم في الحرص على أخذ أموال الناس بالباطل ، ثم ندب ~~المسلمين إلى إخراج الحقوق الواجبة من أموالهم ، وبين ما في تركه من الوعيد ~~الشديد ، وإن كان المراد الكل ، كان التقدير أنه ms4466 تعالى وصفهم بالحرص على ~~أخذ أموال الناس بالباطل ، ثم أردفه بوعيد كل من امتنع عن إخراج الحقوق ~~الواجبة من ماله . تنبيها على أنه لما PageV16P035 كان حال من أمسك مال ~~نفسه بالباطل كذلك / فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والتزوير ~~والمكر . # المسألة الثانية : أصل الكنز في كلام العرب هو الجمع ، وكل شيء جمع بعضه ~~إلى بعض فهو مكنوز / يقال : هذا جسم مكتنز الأجزاء إذا كان مجتمع الأجزاء ، ~~واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم فقال الأكثرون : هو ~~المال الذي لم تؤد زكاته ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أديت ~~زكاته فليس بكنز . وقال ابن عمر : كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت ~~سبع أرضين ، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض ، وقال جابر : ~~إذا أخرجت الصدقة من تلك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز . وقال ابن عباس : في ~~قوله : { ولا ينفقونها في سبيل الله } يريد الذين لا يؤدون زكاة أموالهم . ~~قال القاضي : تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه ، بل الواجب أن ~~يقال : الكنز هو المال الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه عنه ، ولا فرق بين ~~الزكاة وبين ما يجب من الكفارات ، وبين ما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة ، ~~وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل أو العيال وضمان ~~المتلفات وأروش الجنايات فيجب في كل هذه الأقسام أن يكون داخلا في الوعيد . # والقول الثاني : أن المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم ، سواء أديت ~~زكاته أو لم تؤد . واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بأمور : ~~الأول : عموم قوله تعالى : { لها ما كسبت } فإن ذلك يدل على أن كل ما ~~اكتسبه الإنسان فهو حقه . وكذا قوله تعالى : { ولا يسئلكم أموالكم } ( محمد ~~: 36 ) وقوله عليه الصلاة والسلام : ( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) ~~وقوله عليه السلام : ( كل امرىء أحق بكسبه ) وقوله عليه السلام : ( ما أدى ~~زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا ، وما بلغ ms4467 أن يزكى ولم يزك فهو كنز ) وإن ~~كان ظاهرا . الثاني : أنه كان في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام جماعة ~~كعثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وكان عليه السلام يعدهم من أكابر المؤمنين . ~~الثالث : أنه عليه السلام ندب إلى إخراج الثلث أو أقل في المرض ، ولو كان ~~جمع المال محرما لكان عليه السلام أقر المريض بالتصدق بكله ، بل كان يأمر ~~الصحيح في حال صحته بذلك . واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بوجوه : الأول ~~: عموم هذه الآية ، ولا شك أن ظاهرها دليل على المنع من جمع المال ، ~~فالمصير إلى أن الجمع مباح بعد إخراج الزكاة ترك لظاهر هذه الآية ، فلا ~~يصار إليه إلا بدليل منفصل . والثاني : ما روى سالم بن الجعد أنه لما نزلت ~~هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تبا للذهب تبا للفضة ، ~~قالها ثلاثا ، فقالوا له أي مال نتخذ ؟ قال : لسانا ذاكرا ، وقلبا خاشعا ، ~~وزوجة تعين أحدكم على دينه . وقال عليه السلام : ( من برك صفراء أو بيضاء ~~كوى بها ، وتوفى رجل فوجد في مئزره دينار . فقال / عليه السلام : ( كية ) ~~وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة والسلام : ( كيتان ) ~~والثالث : ما روي عن الصحابة في هذا الباب فقال علي : كل مال زاد على أربعة ~~آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد ، وعن أبي هريرة كل صفراء أو بيضاء ~~أوكى عليها صاحبها فهي كنز . وعن أبي الدرداء أنه كان إذا رأى أن العسير ~~تقدم بالمال صعد على موضع مرتفع ويقول جاءت القطار تحمل النار وبشر ~~الكنازين بكى في الجباه والجنوب والظهور والبطون . والرابع : أنه تعالى ~~إنما خلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات ، فإذا حصل للإنسان قدر ما ~~يدفع به حاجته ثم جمع الأموال الزائدة عليه فهو لا ينتفع بها لكونها زائدة ~~على قدر حاجته PageV16P036 ومنعها من الغير الذي يمكنه أن يدفع حاجته بها ، ~~فكان هذا الإنسان بهذا المنع مانعا من ظهور حكمته ومانعا من وصول إحسان ~~الله إلى عبيده . # واعلم أن الطريق الحق أن يقال الأولى ms4468 أن لا يجمع الرجل الطالب للدين ~~المال الكثير ، إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع ، فالأول محمول على ~~التقوى والثاني على ظاهر الفتوى / أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب ~~المال الكثير فبوجوه : # الوجه الأول : أن الإنسان إذا أحب شيئا فكلما كان وصوله إليه أكثر ~~والتذاذه بوجدانه أكثر ، كان حبه له أشد وميله أقوى . فالإنسان إذا كان ~~فقيرا فكأنه لم يذق لذة الانتفاع بالمال وكأنه غافل عن تلك اللذة ، فإذا ~~ملك القليل من المال وجد بقدره اللذة ، فصار ميله أشد ، فكلما صارت أمواله ~~أزيد ، كان التذاذه به أكثر وكان حرصه في طلبه وميله إلى تحصيله أشد ، فثبت ~~أن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب ، فالحرص متعب للروح والنفس ~~والقلب وضرره شديد ، فوجب على العاقل أن يحترز عن الإضرار بالنفس . وأيضا ~~قد بينا أنه كلما كان المال أكثر كان الحرص أشد ، فلو قدرنا أنه كان ينتهي ~~طلب المال إلى حد ينقطع عنده الطلب ويزول الحرص ، لقد كان الأنسان يسعى في ~~الوصول إلى ذلك الحد . أما لما ثبت بالدليل أنه كلما كان تملك الأموال أكثر ~~كان الضرر الناشىء من الحرص أكبر ، وأنه لا نهاية لهذا الضرر ولهذا الطلب ، ~~فوجب على الإنسان أن يتركه في أول الأمر كما قال : # % رأى الأمر يفضي إلى آخر % % فيصير آخره أولا % # والوجه الثاني : أن كسب المال شاق شديد ، وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب ~~، فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل ، وأخرى في تعب الحفظ ، ثم ~~إنه لا ينتفع بها إلا بالقليل وبالآخر يتركها مع الحسرات والزفرات ، وذلك ~~هو الخسران المبين . # والوجه الثالث : أن كثرة المال والجاه ثورت الطغيان ، كما قال تعالى : { ~~إن الإنسان * ليطغى * أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) والطغيان يمنع من ~~وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن ، ويوقعه في الخسران والخذلان . # الوجه الرابع : أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعي في تنقيص المال ، ولو كان ~~تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه . # فإن قيل : لم قال عليه السلام : ( اليد العليا خير من ms4469 اليد السفلى ) . # قلنا : اليد العليا إنما أفادته صفة الخيرية ، لأنه أعطى ذلك القليل ، ~~فبسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليلة حصلت له الخيرية ، وبسبب أنه ~~حصل للفقير تلك الزيادة القليل حصلت المرجوحية . # المسألة الثالثة : جاءت الأخبار الكثيرة في وعيد مانعي الزكاة ، أما منع ~~زكاة النقود فقوله في هذه الآية : { يوم يحمى عليها فى نار جهنم } وأما منع ~~زكاة المواشي فما روي في الحديث أنه تعالى يعذب أصحاب المواشي إذا لم يؤدوا ~~زكاتها بأن يسوق إليه تلك المواشي كأعظم ما تكون في أجسامها فتمر على ~~أربابها PageV16P037 فتطؤهم بأظلافها وتنطحهم بقرونها كلما نفدت أخراها ~~عادت إليهم أولاها فلا يزال كذلك حتى يفرغ الناس من الحساب . # المسألة الرابعة : الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي ، والدليل عليه ~~قوله تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم } . # فإن قيل : هذا الوعيد إنما يتناول الرجال لا النساء . # قلنا : نتكلم في الرجل الذي اتخذ الحلي لنسائه ، وأيضا ترتيب هذا الوعيد ~~على جمع الذهب والفضة حكم مرتب على وصف يناسبه ، وهو أن جمع ذلك المال ~~يمنعه من صرفه إلى المحتاجين مع أنه لا حاجة إليه ، إذ لو احتاج إلى إنفاقه ~~لما قدر على جمعه ، وإقدام غير المحتاج على منع المال من المحتاج يناسب أن ~~يمنع منه ، فثبت أن هذا الوعيد مرتب على وصف يناسبه ، والحكم المذكور عقيب ~~وصف يناسبه يجب كونه معللا به ، فثبت أن هذا الوعيد لذلك الجمع ، فأينما ~~حصل ذلك الوصف وجب أن يحصل معه ذلك الوعيد ، وأيضا أن العمومات الواردة في ~~إيجاب الزكاة موجودة في الحلي المباح قال عليه السلام : ( هاتوا ربع عشر ~~أموالكم ) وقال : ( في الرقة ربع العشر ) وقال : ( يا علي عليك زكاة ، فإذا ~~ملكت عشرين مثقالا ، فأخرج نصف مثقال ) وقال : ( ليس في المال حق سوى ~~الزكاة وقال لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) فهذه الآية مع جميع هذه ~~الأخبار توجب الزكاة في الحلي المباح ، ثم نقول ولم يوجد لهذا الدليل معارض ~~من الكتاب ، وهو ظاهر ms4470 لأنه ليس في القرآن ما يدل على أنه زكاة في الحلي ~~المباح ، ولم يوجد في الأخبار أيضا معارض إلا أن / أصحابنا نقلوا فيه خبرا ~~، وهو قوله عليه السلام : ( لا زكاة في الحلي المباح ) إلا أن أبا عيسى ~~الترمذي قال : لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلي خبر صحيح ، ~~وأيضا بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللآلىء لأنه قال : لا زكاة في ~~الحلي ، ولفظ الحلي مفرد محلى بالألف واللام ، وقد دللنا على أنه لو كان ~~هناك معهود سابق ، وجب انصرافه إليه والمعهود في القرآن في لفظ الحلي ~~اللآلىء . قال تعالى : { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } ( النحل : 14 ) ~~وإذا كان كذلك انصرف لفظ الحلي إلى اللآلىء ، فسقطت دلالته ، وأيضا ~~الاحتياط في القول بوجوب الزكاة ، وأيضا لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس ، ~~لأن النص خير من القياس . فثبت أن الحق ما ذكرناه . # المسألة الخامسة : أنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة . # ثم قال : { ولا ينفقونها } وفيه وجهان : الأول : أن الضمير عائد إلى ~~المعنى من وجوه : أحدها : أن كل واحد منهما جملة وآنية دنانير ودراهم ، فهو ~~كقوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ( الحجرات : 9 ) ~~وثانيها : أن يكون التقدير ، ولا ينفقون الكنوز . وثالثها : قال الزجاج : ~~التقدير : ولا ينفقون تلك الأموال . # الوجه الثاني : أن يكون الضمير عائدا إلى اللفظ وفيه وجوه : أحدها : أن ~~يكون التقدير ولا ينفقون الفضة ، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث ~~إنهما معا يشتركان في ثمنية الأشياء ، وفي كونهما جوهرين شريفين ، وفي ~~كونهما مقصودين بالكنز ، فلما كانا متشاركين في أكثر الصفات كان ذكر أحدهما ~~مغنيا عن ذكر الآخر . وثانيها : أن ذكر أحدهما قد يغني عن الآخر كقوله ~~تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } PageV16P038 ( الجمعة : ~~11 ) جعل الضمير للتجارة . وقال : { ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به ~~بريئا } ( النساء : 112 ) فجعل الضمير للإثم . وثالثها : أن يكون التقدير : ~~ولا ينفقونها والذهب كذلك كما أن معنى قوله : # % وإني وقيار بها لغريب % % # أي وقيا كذلك . # فإن قيل ms4471 : ما السبب في أن خصا بالذكر من بين سائر الأموال ؟ # قلنا : لأنهما الأصل المعتبر في الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز . # واعلم أنه تعالى لما ذكر الذين يكنزون الذهب والفضة . قال : { فبشرهم ~~بعذاب أليم } أي فأخبرهم على سبيل التهكم لأن الذين يكنزون الذهب والفضة ~~إنما يكنزونهما ليتوسلوا بهما إلى تحصيل الفرج يوم الحاجة . فقيل هذا هو ~~الفرج كما يقال تحيتهم ليس إلا الضرب وإكرامهم ليس / إلا الشتم ، وأيضا ~~فالبشارة عن الخير الذي يؤثر في القلب ، فيتغير بسببه لون بشرة الوجه ، ~~وهذا يتناول ما إذا تغيرت البشرة بسبب الفرح أو بسبب الغم . # ثم قال تعالى : { يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم } هذا ما كنزتم لأنفسكم ، وفي قراءة أبي { * وبطونهم } وفيه سؤالات ~~: # السؤال الأول : لا يقال أحميت على الحديد ، بل يقال : أحميت الحديد فما ~~الفائدة في قوله : { أليم يوم يحمى عليها } . # والجواب : ليس المراد أن تلك الأموال تحمى على النار ، بل المراد أن ~~النار تحمى على تلك الأموال التي هي الذهب والفضة ، أي يوقد عليها نار ذات ~~حمى وحر شديد ، وهو مأخوذ من قوله : { نار حامية } ولو قيل يوم تحمى لم يفد ~~هذه الفائدة . # فإن قالوا : لما كان المراد يوم تحمى النار عليها ، فلم ذكر الفعل ؟ # فلنا : لأن النار تأنيثها لفظي ، والفعل غير مسند في الظاهر إليه ، بل ~~إلى قوله : { عليها } فلا جرم حسن التذكير والتأنيث وعن ابن عامر أنه قرأ { ~~* تحمى } بالتاء . # السؤال الثاني : ما الناصب لقوله : { لاي يوم } . # الجواب : التقدير فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها . # السؤال الثالث : لم خصت هذه الأعضاء ؟ # والجواب لوجوه : أحدها : أن المقصود من كسب الأموال حصول فرح في القلب ~~يظهر أثره في الوجوه ، وحصول شبع ينتفخ بسببه الجنبان ، ولبس ثياب فاخرة ~~يطرحونها على ظهورهم ، فلما طلبوا تزين هذه الأعضاء الثلاثة ، لا جرم حصل ~~الكي على الجباه والجنوب والظهور . وثانيها : أن هذه الأعضاء الثلاثة مجوفة ~~، قد حصل في داخلها آلات ضعيفة يعظم تألمها بسبب وصول أدنى أثر إليها بخلاف ~~سائر الأعضاء . وثالثها ms4472 : قال أبو بكر الوراق : خصت هذه المواضع بالذكر لأن ~~صاحب المال إذا رأى الفقير بجنبه تباعد PageV16P039 عنه وولى ظهره . ~~ورابعها : أن المعنى أنهم يكوون على الجهات الأربع ، إما من مقدمه فعلى ~~الجبهة ، وإما من خلفه فعلى الظهور ، وإما من يمينه ويساره فعلى الجنبين . ~~وخامسها : أن ألطف أعضاء الإنسان جبينه والعضو المتوسط في اللطافة والصلابة ~~جنبه ، والعضو الذي هو أصلب أعضاء الإنسان ظهره ، فبين تعالى أن هذه ~~الأقسام الثلاثة من أعضائه تصير مغمورة في الكي ، والغرض منه التنبيه على ~~أن ذلك الكي يحصل في تلك الأعضاء . وسادسها : أن كمال حال بدن الإنسان في ~~جماله وقوته . أما الجمال فمحله الوجه ، وأعز الأعضاء في الوجه الجبهة ، ~~فإذا وقع الكي / في الجبهة ، فقد زال الجمال بالكلية ، وأما القوة فمحلها ~~الظهر والجنبان ، فإذا حصل الكي عليها فقد زالت القوة عن البدن ، فالحاصل : ~~أن حصول الكي في هذه الأعضاء الثلاثة يوجب زوال الجمال وزوال القوة ، ~~والإنسان إنما طلب المال لحصول الجمال ولحصول القوة . # السؤال الرابع : الذي يجعل كيا على بدن الإنسان هو كل ذلك المال أو القدر ~~الواجب من الزكاة . # والجواب : مقتضى الآية : الكل لأنه لما يخرج منه لم يكن الحق منه جزءا ~~معينا ، بل لا جزء إلا والحق متعلق به ، فوجب أن يعذبه الله بكل الأجزاء . # ثم إنه تعالى قال : { هاذا ما كنزتم لانفسكم } والتقدير : فيقال لهم : ~~هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا والغرض منه تعظيم الوعيد ، لأنهم إذا عاينوا ~~ما يعذبون به من درهم أو من دينار أو من صفيحة معمولة منهما أو من أحدهما ~~جوزوا فيه أن يكون عن الحق الذي منعه وجوزوا خلاف ذلك ، فعظم الله تبكيتهم ~~بأن يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم لم تأثروا به رضا ربكم ولا قصدتم ~~بالإنفاق منه نفع أنفسكم والخلاص به من عقاب ربكم فصرتم كأنكم ادخرتموه ~~ليجعل عقابا لكم على ما تشاهدونه ، ثم يقول تعالى : { فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون } ومعناه لم تصرفوه لمنافع دينكم ودنياكم على ما أمركم الله به { ~~فذوقوا } وبال ذلك به لا بغيره ms4473 . # ! 7 < { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السماوات والا رض منهآ أربعة حرم ذالك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع المتقين } . ~~> 7 ! # < < # | التوبة : ( 36 ) إن عدة الشهور . . . . . # > > اعلم أن هذا شرح النوع الثالث من قبائح أعمال اليهود والنصارى ~~والمشركين ، وهو إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام الله ، وذلك لأنه ~~تعالى لما حكم في كل وقت بحكم خاص ، فإذا غيروا تلك الأحكام بسبب النسىء ~~فحينئذ كان ذلك سعيا منهم في تغيير حكم السنة بحسب أهوائهم وآرائهم فكان ~~ذلك زيادة في كفرهم وحسرتهم ، وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أن السنة عند العرب ؛ عبارة عن اثني عشر شهرا من ~~الشهور القمرية ، والدليل عليه هذه الآية وأيضا قوله تعالى : { هو الذى جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب } ( يونس : ~~5 ) فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين والحساب ، وذلك إنما يصح إذا ~~كانت السنة PageV16P040 معلقة بسير القمر ، وأيضا قال تعالى : { يسئلونك عن ~~الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج } ( البقرة : 189 ) وعند سائر الطوائف : ~~عبارة عن المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة ، والسنة القمرية أقل من ~~السنة الشمسية بمقدار معلوم ، وبسبب ذلك النقصان تنتقل الشهور القمرية من ~~فصل إلى فصل ، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة ، وفي الصيف أخرى ، وكان يشق ~~الأمر عليهم بهذا السبب ، وأيضا إذا حضروا الحج حضروا للتجارة ، فربما كان ~~ذلك الوقت غير موافق لحضور التجارات من الأطراف ، وكان يخل أسباب تجاراتهم ~~بهذا السبب ، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم ~~الزيجات ، واعتبروا السنة الشمسية ، وعند ذلك بقي زمان الحج مختصا بوقت ~~واحد معين موافق لمصلحتهم وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم ، فهذا النسىء وإن ~~كان سببا لحصول المصالح الدنيوية ، إلا أنه لزم منه تغير حكم الله تعالى ، ~~لأنه تعالى لما خص الحج بأشهر معلومة على التعيين ، وكان بسبب ذلك النسىء ، ~~يقع في سائر الشهور تغير حكم الله ms4474 وتكليفه . فالحاصل : أنهم لرعاية مصالحهم ~~في الدنيا سعوا في تغيير أحكام الله وإبطال تكليفه ، فلهذا المعنى استوجبوا ~~الذم العظيم في هذه الآية . # واعلم أن السنة الشمسية لما كانت زائدة على السنة القمرية جمعوا تلك ~~الزيادة ، فإذا بلغ مقدارها إلى شهر جعلوا تلك السنة ثلاثة عشر شهرا ، ~~فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وقال : إن حكم الله أن تكون السنة اثني عشر ~~شهرا لا أقل ولا أزيد ، وتحكمهم على بعض السنين ، أنه صار ثلاثة عشر شهرا ~~حكم واقع على خلاف حكم الله تعالى ، ويوجب تغيير تكاليف الله تعالى ، وكل ~~ذلك على خلاف الدين . # واعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية ، ~~وهذا حكم تورثوه عن إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام . فأما عند ~~اليهود والنصارى ، فليس كذلك . ثم إن بعض العرب تعلم صفة الكبيسة من اليهود ~~والنصارى ، فأظهر ذلك في بلاد العرب . # المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : لا يجوز أن يتعلق قوله في كتاب ~~الله بقوله : { عدة } لأنه يقتضي الفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو ~~قوله : { الله اثنا عشر شهرا } وأنه لا يجوز . وأقول في إعراب هذه الآية ~~وجوه : الأول : أن نقول قوله : { عدة الشهور } مبتدأ وقوله : / { اثنا عشر ~~شهرا } خبر . وقوله : { عند الله } في كتاب الله { يوم خلق * السماوات ~~والارض } ظروف أبدل البعض من البعض ، والتقدير : إن عدة الشهور اثنا عشر ~~شهرا عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض . والفائدة في ذكر هذه ~~الإبدالات المتوالية تقرير أن ذلك العدد واجب متقرر في علم الله ، وفي كتاب ~~الله من أول ما خلق الله تعالى العالم . الثاني : أن يكون قوله تعالى : { ~~فى كتاب الله } متعلقا بمحذوف يكون صفة للخبر . تقديره : اثنا عشر شهرا ~~مثبتة في كتاب الله ، ثم لا يجوز أن يكون المراد بهذا الكتاب كتاب من الكتب ~~، لأنه متعلق بقوله : { يوم خلق * السماوات والارض * منها أربعة حرم } ~~وأسماء الأعيان لا تتعلق بالظروف ، فلا تقول : غلامك يوم الجمعة ، بل ~~الكتاب ههنا مصدر . والتقدير : إن عدة ms4475 الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتاب الله ، أي في حكمه الواقع يوم خلق السموات . والثالث : أن يكون الكتاب ~~اسما . وقوله : { يوم خلق * السماوات } متعلق بفعل محذوف . والتقدير : إن ~~عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا مكتوبا في كتاب الله كتبه يوم خلق ~~السموات والأرض . PageV16P041 # المسألة الثالثة : في تفسير أحكام الآية : { إن عدة الشهور عند الله } أي ~~في علمه { اثنا عشر شهرا في كتاب الله } وفي تفسير كتاب الله وجوه : الأول ~~: قال ابن عباس : إن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على ~~التفصيل ، وهو الأصل للكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء عليهم ~~السلام . الثاني : قال بعضهم : المراد من الكتاب القرآن ، وقد ذكرنا آيات ~~تدل على أن السنة المعتبرة في دين محمد صلى الله عليه وسلم هي السنة ~~القمرية وإذا كان كذلك كان هذا الحكم مكتوبا في القرآن . الثالث : قال أبو ~~مسلم : { فى كتاب الله } أي فيما أوجبه وحكم به ، والكتاب في هذا الموضع هو ~~الحكم والإيجاب ، كقوله تعالى : { كتب عليكم القتال } ( البقرة : 216 ) { ~~كتب عليكم القصاص } ( البقرة : 178 ) { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ( ~~الأنعام : 54 ) قال القاضي : هذا الوجه بعيد ، لأنه تعالى جعل الكتاب في ~~هذه الآية كالظرف ، وإذا حمل الكتاب على الحساب لم يستقم ذلك إلا على طريق ~~المجاز ، ويمكن أن يجاب عنه : بأنه وإن كان مجازا ، إلا أنه مجاز متعارف . ~~يقال : إن الأمر كذا وكذا في حساب فلان وفي حكمه . # وأما قوله : { يوم خلق * السماوات والارض } فقد ذكرنا في المسألة الثانية ~~وجوها فيما يتعلق به والأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث ، وهو أن يكون ~~المراد أنه كتب هذا الحكم وحكم به يوم خلق السموات والأرض ، والمقصود بيان ~~أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم ، وذلك يدل على المبالغة ~~والتأكيد . # / وأما قوله : { منها أربعة حرم } فقد أجمعوا على أن هذه الأربعة ثلاثة ~~منها سرد ، وهي ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وواحد فرد ، وهو رجب ، ~~ومعنى الحرم : أن المعصية فيها أشد عقابا ، والطاعة ms4476 فيها أكثر ثوابا ، ~~والعرب كانوا يعظمونها جدا حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له . # فإن قيل : أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة ، فما السبب في هذا التمييز ؟ ~~. # قلنا : إن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع ، فإن أمثلته كثيرة . ألا ~~ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة ، وميز يوم ~~الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة ، وميز يوم عرفة عن سائر الأيام ~~بتلك العبادة المخصوصة ، وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو ~~وجوب الصوم . وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها . وميز بعض الليالي ~~عن سائرها وهي ليلة القدر / وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلعة ~~الرسالة . وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة ، فأي استبعاد في تخصيص بعض ~~الأشهر بمزيد الحرمة ، ثم نقول : لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن وقوع ~~الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيرا في طهارة النفس ، ووقوع المعاصي فيها ~~أقوى تأثيرا في خبث النفس ، وهذا غير مستبعد عند الحكماء ، ألا ترى أن فيهم ~~من صنف كتبا في الأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعوات ، وذكروا أن تلك ~~الأوقات المعينة حصلت فيها أسباب توجب ذلك . وسئل النبي عليه الصلاة ~~والسلام : أي الصيام أفضل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( أفضله بعد صيام ~~شهر رمضان صيام شهر الله المحرم ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( من صام ~~يوما من أشهر الله الحرم كان له بكل يوم ثلاثون يوما ) وكثير من الفقهاء ~~غلظوا الدية على القاتل بسبب وقوع القتل في هذه الاشهر ، وفيه فائدة أخرى : ~~وهي أن الطباع مجبولة على الظلم والفساد وامتناعهم من هذه القبائح على ~~الإطلاق شاق عليهم ، فالله سبحانه وتعالى خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم ~~والاحترام ، وخص بعض الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام ، حتى أن PageV16P042 ~~الإنسان ربما امتنع في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة من القبائح والمنكرات ، ~~وذلك يوجب أنواعا من الفضائل والفوائد : أحدها : أن ترك تلك القبائح في تلك ~~الأوقات أمر مطلوب ، لأنه يقل القبائح . وثانيها : أنه لما تركها في تلك ~~الأوقات فربما صار ms4477 تركه لها في تلك الأوقات سببا لميل طبعه إلى الإعراض ~~عنها مطلقا . وثالثها : أن الإنسان إذا أتى بالطاعات في تلك الأوقات وأعرض ~~عن المعاصي فيها ، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في القبائح والمعاصي صار ~~شروعه فيها سببا لبطلان ما تحمله من العناء والمشقة في أداء تلك الطاعات في ~~تلك الأوقات ، والظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بذلك فيصير ذلك سببا ~~لاجتنابه عن المعاصي بالكلية ، فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأوقات وبعض / ~~البقاع بمزيد التعظيم والاحترام . # ثم قال تعالى : { ذالك الدين القيم } وفيه بحثان : # البحث الأول : أن قوله : { ذالك } إشارة إلى قوله : { إن عدة الشهور عند ~~الله اثنا عشر شهرا } لا أزيد ولا أنقص أو إلى قوله : { منها أربعة حرم } ~~وعندي أن الأول أولى ، لأن الكفار سلموا أن أربعة منها حرم ، إلا أنهم بسبب ~~الكبسة ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهرا ، وكانوا يغيرون مواقع الشهور ، ~~والمقصود من هذه الآية الرد على هؤلاء ، فوجب حمل اللفظ عليه . # البحث الثاني : في تفسير لفظ الدين وجوه : الأول : أن الدين قد يراد به ~~الحساب . يقال : الكيس من دان نفسه أي حاسبها ، والقيم معناه المستقيم . ~~فتفسير الآية على هذا التقدير ، ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدل ~~المستوفى . الثاني : قال الحسن : ذلك الذين القيم الذي لا يبدل ولا يغير ، ~~فالقيم ههنا بمعنى القائم الذي لا يبدل ولا يغير ، الدائم الذي لا يزول ، ~~وهو الدين الذي فطر الناس عليه . الثالث : قال بعضهم : المراد أن هذا ~~التعبد هو الدين اللازم في الإسلام . وقال القاضي : حمل لفظ الدين على ~~العبادة أولى من حمله على الحساب ، لأنه مجاز فيه ، ويمكن أن يقال : الأصل ~~في لفظ الدين الانقياد . يقال : يا من دانت له الرقاب ، أي انقادت ، ~~فالحساب يسمى دينا ، لأنه يوجب الانقياد ، والعدة تسمى دينا ، فلم يكن حمل ~~هذا اللفظ على التعبد أولى من حمله على الحساب . قال أهل العلم : الواجب ~~على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال ~~زكواتهم وسائر أحكامهم السنة العربية بالأهلة ، ولا ms4478 يجوز لهم اعتبار السنة ~~العجمية والرومية . # ثم قال تعالى : { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } وفيه بحثان : # البحث الأول : الضمير في قوله : { فيهن } فيه قولان : الأول : وهو قول ~~ابن عباس : أن المراد : فلا تظلموا في الشهور الإثني عشر أنفسكم ، والمقصود ~~منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقا في جميع العمر . والثاني : وهو ~~قول الأكثرين : أن الضمير في قوله : { فيهن } عائد إلى الأربعة الحرم . ~~قالوا : والسبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثرا في زيادة الثواب على ~~الطاعات والعقاب على المحظورات ، والدليل على أن هذا القول أولى وجوه : ~~الأول : أن الضمير في قوله : { فيهن } عائد إلى المذكور السابق . فوجب عوده ~~إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله : { منها أربعة حرم } الثاني : أن ~~الله تعالى خص هذه الأشهر بمزيد الاحترام في آية أخرى وهو قوله : { الحج ~~أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } ~~PageV16P043 فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضا ، إلا أنه تعالى أكد ~~في المنع منها في هذه الأيام تنبيها على زيادتها في الشرف . / الثالث : قال ~~الفراء : الأولى رجوعها إلى الأربعة ، لأن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى ~~العشرة { فيهن } فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها : والأصل فيه أن جمع القلة ~~يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة ، ويكنى عن جمع الكثرة ، كما يكنى عن ~~واحدة مؤنثة ، كما قال حسان بن ثابت : # % لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى % % وأسيافنا يقطرن من نجدة دما % # قال : يلمعن ويقطرن ، لأن الأسياف والجفنات جمع قلة ، ولو جمع جمع الكثرة ~~لقال : تلمع وتقطر ، هذا هو الاختيار ، ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر ~~كقول النابغة : # % ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم % % بهن فلول من قراع الكتائب % # فقال بهن والسيوف جمع كثرة . # البحث الثاني : في تفسير هذا الظلم أقوال : الأول : المراد منه النسىء ~~الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه إلى ~~شهر آخر ، ويغيرون تكاليف الله تعالى . والثاني : أنه نهى عن المقاتلة في ~~هذه الأشهر . والثالث : أنه ms4479 نهى عن جميع المعاصي بسبب ما ذكرنا أن لهذه ~~الأشهر مزيد أثر في تعظيم الثواب والعقاب ، والأقرب عندي حمله على المنع من ~~النسىء ، لأن الله تعالى ذكره عقيب الآية . # ثم قال : { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } وفيه مباحث : # البحث الأول : قال الفراء : { كافة } أي جميعا ، والكافة لا تكون مذكرة ~~ولا مجموعة على عدد الرجال فنقول : كافين ، أو كافات للنساء ولكنها { كافة ~~} بالهاء والتوحيد ، لأنها وإن كانت على لفظ فاعلة فإنها في ترتيب مصدر مثل ~~الخاصة والعامة ، ولذلك لم تدخل العرب فيها الألف واللام ، لأنها في مذهب ~~قولك قاموا معا ، وقاموا جميعا . وقال الزجاج : كافة منصوب على الحال ، ولا ~~يجوز أن يثنى ولا يجمع ، كما أنك إذا قلت : قاتلوهم عامة ، لم تثن ولم تجمع ~~، وكذلك خاصة . # البحث الثاني : في قوله : { كافة } قولان : الأول : أن يكون المراد ~~قاتلوهم بأجمعهم مجتمعين على قتالهم ، كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة ، ~~يريد تعاونوا وتناصروا على ذلك ولا تتخاذلوا ولا تتقاطعوا وكونوا عباد الله ~~مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء . والثاني : قال ابن عباس : قاتلوهم ~~بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال ، كما أنهم يستحلون قتال جميعكم ، ~~والقول الأول أقرب حتى يصح قياس أحد الجانبين على الآخر . # البحث الثالث : ظاهر قوله : { قاتلوا * المشركين كافة } إباحة قتالهم في ~~جميع الأشهر / ومن الناس من يقول : المقاتلة مع الكفار محرمة ، بدليل قوله ~~: { منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم } أي فلا / تظلموا فيهن أنفسكم ~~باستحلال القتال والغارة فيهن ، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في ~~تفسير قوله : { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه } ( البقرة : 217 ) . ~~PageV16P044 # ثم قال : { واعلموا أن الله مع المتقين } يريد مع أوليائه الذين يخشونه ~~في أداء الطاعات والاجتناب عن المحرمات . قال الزجاج : تأويله أنه ضامن لهم ~~النصر . # ! 7 < { إنما النسىء زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء ~~أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 37 ) إنما النسيء زيادة . . . . . # > > # وفي ms4480 الآية مسائل : # المسألة الأولى : في { النسىء } قولان : # القول الأول : أنه التأخير . قال أبو زيد : نسأت الإبل عن الحوض أنسأها ~~نسأ إذا أخرتها وأنسأته إنساء إذا أخرته عنه ، والاسم النسيئة والنسء ، ~~ومنه : أنسأ الله فلانا أجله ، ونسأ في أجله قال أبو علي الفارسي : النسىء ~~مصدر كالنذير والنكير ، ويحتمل أيضا أن يكون نسىء بمعنى منسوء كقتيل : ~~بمعنى مقتول ، إلا أنه لا يمكن أن يكون المراد منه ههنا المفعول ، لأنه إن ~~حمل على ذلك كان معناه : إنما المؤخر زيادة في الكفر ، والمؤخر الشهر ، ~~فيلزم كون الشهر كفرا ، وذلك باطل ، بل المراد من النسيء ههنا المصدر بمعنى ~~الإنساء ، وهو التأخير . وكان النسىء في الشهور عبارة عن تأخير حرمة شهر ~~إلى شهر آخر ، ليست له تلك الحرمة . وروي عن ابن كثير من طريق شبل : النسء ~~بوزن النفع وهو المصدر الحقيقي ، كقولهم : نسأت ، أي أخرت وروي عنه أيضا : ~~النسىء مخففة الياء ، ولعله لغة في النسء بالهمزة مثل : أرجيت وأرجأت . ~~وروي عنه : النسي مشدد الياء بغير همزة وهذا على التخفيف القياسي . # والقول الثاني : قال قطرب : النسىء أصله من الزيادة يقال : نسأل في الأجل ~~وأنسأ إذا زاد فيه ، وكذلك قيل للبن النسء لزيادة الماء فيه ، ونسأت المرأة ~~حبلت ، جعل زيادة الولد فيها كزيادة / الماء في اللبن ، وقيل للناقة : ~~نسأتها ، أي زجرتها ليزداد سيرها وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسىء قال ~~الواحدي : الصحيح القول الأول ، وهو أن أصل النسىء التأخير ، ونسأت المرأة ~~إذا حبلت لتأخر حيضها ، ونسأت الناقة أي أخرتها عن غيرها ، لئلا يصير ~~اختلاط بعضها ببعض مانعا من حسن المسير ، ونسأت اللبن إذا أخرته حتى كثر ~~الماء فيه . # إذا عرفت هذين القولين فنقول : إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على ~~السنة القمرية ، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء ، وكان يشق ~~عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات ، لأن سائر الناس من ~~سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة ، فعلموا أن ~~PageV16P045 بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا ms4481 ، ~~فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية ، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على ~~السنة القمرية بمقدار معين ، احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك ~~الكبيسة أمران : أحدهما : أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرا ~~بسبب اجتماع تلك الزيادات . والثاني : أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور ~~القمرية إلى غيره ، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في ~~المحرم وبعده في صفر ، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى ~~إلى ذي الحجة ، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران : أحدهما : الزيادة في عدة ~~الشهور . والثاني : تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر وقد بينا أن لفظ ~~النسىء يفيد التأخير عند الأكثرين ، ويفيد الزيادة عند الباقين ، وعلى ~~التقديرين فإنه منطبق على هذين الأمرين . # والحاصل من هذا الكلام : أن بناء العبادات على السنة القمرية يخل مصالح ~~الدنيا ، وبناؤها على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا والله تعالى ~~أمرهم من وقت إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ببناء الأمر على رعاية السنة ~~القمرية ، فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة القمرية / واعتبروا السنة ~~الشمسية رعاية لمصالح الدنيا ، وأوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم ، ~~فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سببا لزيادة كفرهم ، وإنما كان ذلك سببا ~~لزيادة الكفر ، لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم ، ثم ~~إنهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوه في غير هذه الأشهر ، وذكروا لأتباعهم أن هذا ~~الذي عملناه هو الواجب ، وأن إيقاعه في الشهور القمرية غير واجب ، فكان هذا ~~إنكارا منهم لحكم الله مع العلم به وتمردا عن طاعته ، وذلك يوجب الكفر ~~بإجماع المسلمين . فثبت أن عملهم في ذلك النسىء يوجب زيادة في الكفر ، وأما ~~الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادة الحاصلة بسبب تلك الكبائس فمذكور في ~~الزيجات ، وأما المفسرون فإنهم ذكروا في سبب / هذا التأخير وجها آخر فقالوا ~~: إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة ، وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان ~~إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ، وكان العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم ~~أن يمكثوا ثلاثة أشهر ms4482 متوالية لا يغزون فيها وقالوا : إن توالت ثلاثة أشهر ~~حرم لا نصيب فيها شيئا لنهلكن ، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر ~~فيحرمونه ويستحلون المحرم . قال الواحدي : وأكثر العلماء على أن هذا ~~التأخير ما كان يختص بشهر واحد ، بل كان ذلك حاصلا في كل الشهور ، وهذا ~~القول عندنا هو الصحيح على ما قررناه . واتفقوا أنه عليه السلام لما أراد ~~أن يحج في سنة حجة الوداع عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الأمر ، فقال ~~عليه السلام : ( ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض ~~السنة إثنا عشر شرا ) وأراد أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { زيادة فى الكفر } معناه : أنه تعالى ~~حكى عنهم أنواعا كثيرة من الكفر ، فلما ضموا إليها هذا العمل ونحن قد دللنا ~~على أن هذا العمل كفر . كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المذكورة سالفا ~~من الكفر زيادة في الكفر . احتج الجبائي بهذه الآية على فساد قول من يقول : ~~الإيمان مجرد الإعتقاد والإقرار ، قال : لأنه تعالى بين أن هذا العمل زيادة ~~في الكفر والزيادة على الكفر يجب أن تكون إتماما ، فكان ترك هذا التأخير ~~إيمانا ، وظاهر أن هذا الترك ليس بمعرفة ولا بإقرار . فثبت أن غير المعرفة ~~والإقرار قد يكون إيمانا قال المصنف رضي الله عنه : هذا الاستدلال ضعيف ، ~~لأنا بينا أنه تعالى لما أوجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة مثلا من ~~الأشهر القمرية ، فإذا اعتبرنا السنة الشمسية ، فربما وقع الحج PageV16P046 ~~في المحرم مرة وفي صفر أخرى . فقولهم : بأن هذا الحج صحيح يجزى ، وأنه لا ~~يجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة إن كان منهم بحكم علم بالضرورة كونه ~~من دين إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ، فكان هذا كفرا بسبب عدم العلم ~~وبسبب عدم الإقرار . # أما قوله تعالى : { يضل به الذين كفروا } فهذا قراءة العامة وهي حسنة ~~لإسناد الضلال إلى الذين كفروا لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم فقد حسن ~~إسناد الضلال إليهم ، وإن كانوا مضلين لغيرهم حسن ms4483 أيضا ، لأن المضل لغيره ~~ضال في نفسه لامحال . وقراءة أهل الكوفة { يضل } بضم الياء وفتح الضاد ، ~~ومعناه : أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور ، فأسند ~~الفعل إلى المفعول كقوله في هذه الآية : { زين لهم سوء أعمالهم } أي زين ~~لهم ذلك حاملوهم عليه . وقرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم { يضل به ~~الذين كفروا } بضم الياء وكسر الضاد وله ثلاثة أوجه : / أحدها : يضل الله ~~به الذين كفروا . والثاني : يضل الشيطان به الذين كفروا . والثالث : وهو ~~أقواها يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأقوالهم ، وإنما كان هذا ~~الوجه أقوى لأنه لم يجر ذكر الله ولا ذكر الشيطان . # واعلم أن الكناية في قوله : { يضل به } يعود إلى النسىء . وقوله : { ~~يحلونه عاما ويحرمونه عاما } فالضمير عائد إلى النسىء . والمعنى : يحلون ~~ذلك الإنساء عاما ويحرمونه عاما . قال الواحدي : يحلون التأخير عاما وهو ~~العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم ، ويحرمون التأخير عاما آخر وهو ~~العام الذي يدعون المحرم على تحريمه . قال رضي الله عنه هذا التأويل إنما ~~يصح إذا فسرنا النسىء بأنهم كانوا يؤخرون المحرم في بعض السنين ، وذلك يوجب ~~أن ينقلب الشهر المحرم إلى الحل وبالعكس ، إلا أن هذا إنما يصلح لو حملنا ~~النسىء على المفعول وهو المنسوء المؤخر ، وقد ذكرنا أنه مشكل لأنه يقتضي أن ~~يكون الشهر المؤخر كفرا وأنه غير جائز إلا إذا قلنا إن المراد من النسىء ~~المنسوء وهو المفعول ، وحملنا قوله : { إنما النسىء } زيادة في الكفر على ~~أن المراد العمل الذي به يصير النسىء سببا في زيادة الكفر ، وبسبب هذا ~~الإضمار يقوى هذا التأويل . # أما قوله : { ليواطئوا عدة ما حرم الله } قال أهل اللغة يقال : واطأت ~~فلانا على كذا إذا وافقته عليه . قال المبرد : يقال : تواطأ القوم على كذا ~~إذا اجتمعوا عليه ، كان كل واحد يطأ حيث يطأ صاحبه والإيطاء في الشعر من ~~هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين على لفظ واحد ، ومعنى واحد . قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : أنهم ما أحلوا شهرا من ms4484 الحرام إلا حرموا مكانه شهرا ~~من الحلال ، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام ، ~~لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة ، مطابقة لما ذكره الله تعالى ، هذا ~~هو المراد من المواطأة . ولما بين تعالى كون هذا العمل كفرا ومنكرا قال : { ~~زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين } قال ابن عباس والحسن : ~~يريد زين لهم الشيطان هذا العمل والله لا يرشد كل كفار أثيم . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الا رض أرضيتم بالحيواة الدنيا من الا خرة فما متاع الحياة ~~الدنيا فى الا خرة إلا قليل } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 38 ) يا أيها الذين . . . . . # > > PageV16P047 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفاء وفضائحهم ، ~~عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم وقال : { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل ~~لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الارض } وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر ~~في الآيات السابقة أسبابا كثيرة موجبة لقتالهم ، وذكر منافع كثيرة تحصل من ~~مقاتلتهم كقوله : { يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم } ( التوبة : ~~14 ) وذكر أقوالهم المنكرة وأعمالهم القبيحة في الدين والدنيا ، وعند هذا ~~لا يبقى للإنسان مانع من قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة . فبين ~~تعالى أن هذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة ~~كالقطرة في البحر ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل وسفه . # المسألة الثانية : المروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك ، ~~وذلك لأنه عليه السلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الروم ، ~~وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر وطابت ثمار المدينة وأينعت ، واستعظموا غزو ~~الروم وهابوه ، فنزلت هذه الآية . قال المحققون : وإنما استثقل الناس ذلك ~~لوجوه : أحدها : شدة الزمان في الصيف والقحط . وثانيها : بعد المسافة ~~والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات ~~. وثالثها : إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت . ورابعها : شدة الحر في ~~ذلك ms4485 الوقت . وخامسها : مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت ~~تثاقل الناس عن ذلك الغزو . والله أعلم . # المسألة الثالثة : يقال : استنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون ~~نفرا ونفورا ، إذا حثهم ودعاهم إليه ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~( إذا استنفرتم فانفروا ) وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب ، واسم ذلك ~~القوم الذين يخرجون النفير ، ومنه قولهم : فلان لا في العير ولا في النفير ~~. وقوله : { اثاقلتم إلى الارض } أصله تثاقلتم ، وبه قرأ الأعمش ومعناه : ~~تباطأتم ونظيره قوله : { * ادارأتم } وقوله : { قالوا اطيرنا بك } قال صاحب ~~( الكشاف ) : وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بالى ، والمعنى ملتم إلى ~~الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه ، ونظيره { أخلد إلى الارض ~~واتبع هواه } ( الأعراف : 176 ) وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم ~~والبقاء فيها ، وقوله : { مالكم * إذا قيل لكم } ( التوبة : 38 ) وإن كان ~~في الظاهر استفهاما إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار . # ثم قال تعالى : { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل ~~الله اثاقلتم } والمعنى كأنه قيل قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى ~~القتال ، وقد شرحنا المنافع العظيمة التي / تحصل عند القتال ، وبينا أنواع ~~فضائحهم وقبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم ، فتركتم جميع هذه الأمور ~~، أليس أن معبودكم يأمركم بمقاتلتهم وتعلمون أن طاعة المعبود توجب الثواب ~~العظيم في الآخرة ؟ فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة ، لأجل ~~المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا ؟ والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة ~~قليل ، إن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفات والبليات ومنقطعة عن ~~قريب لا محالة / ومنافع PageV16P048 الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات ~~، ودائمة أبدية سرمدية وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس . # المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية تدل على وجوب الجهاد في كل حال لأنه ~~تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر ، ولو لم يكن الجهاد واجبا لما ~~كان هذا التثاقل منكرا ، وليس لقائل أن يقول الجهاد إنما يجب في الوقت الذي ~~يخاف هجوم الكفار فيه ms4486 ، لأنه عليه السلام ما كان يخاف هجوم الروم عليه ، ~~ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم ، ومنافع الجهاد مستقصاة في سورة آل عمران ، ~~وأيضا هو واجب على الكفاية ، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين . # المسألة الخامسة : لقائل أن يقول إن قوله : { ذلك بأن الذين كفروا } خطاب ~~مع كل المؤمنين . # ثم قال : { مالكم * إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الارض } ~~وهذا يدل على أن كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف ، وذلك التثاقل ~~معصية ، وهذا يدل على إطباق كل الأمة على المعصية وذلك يقدح في أن إجماع ~~الأمة حجة . # الجواب : أن خطاب الكل لإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن ، وفي سائر ~~أنواع الكلام كقوله : # % إياك أعني واسمعي يا جاره % % # ! 7 < { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه ~~شيئا والله على كل شىء قدير } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 39 ) إلا تنفروا يعذبكم . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما رغبهم في الآية الأولى في الجهاد ~~بناء على الترغيب في / ثواب الآخرة ، رغبهم في هذه الآية في الجهاد بناء ~~على أنواع أخر من الأمور المقوية للدواعي ، وهي ثلاثة أنواع : الأول : قوله ~~تعالى : { يعذبكم عذابا أليما } . # ع واعلم أن يحتمل أن يكون المراد منه عذاب الدنيا ، وأن يكون المراد منه ~~عذاب الآخرة . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : استنفر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم القوم فتثاقلوا ، فأمسك الله عنهم المطر . وقال الحسن : الله ~~أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم . وقيل المراد منه عذاب الآخرة إذ الأليم ~~لا يليق إلا به . وقيل إنه تهديد بكل الأقسام ، وهي عذاب الدنيا وعذاب ~~الآخرة ، وقطع منافع الدنيا ومنافع الآخرة . الثاني : قوله : { ويستبدل ~~قوما غيركم } والمراد تنبيههم على أنه تعالى متكفل بنصره على أعدائه ، فإن ~~سارعوا معه إلى الخروج حصلت النصرة بهم ، وإن تخلفوا وقعت النصرة بغيرهم ، ~~وحصل العتبى لهم لئلا يتوهموا أن غلبة أعداء الدين وعز الإسلام لا يحصل إلا ~~بهم ، وليس في النص دلالة على أن ذلك المعنى منهم ، ونظيره ms4487 قوله تعالى : ~~PageV16P049 { خاسرين يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه } ( المائدة : 54 ) ثم اختلف المفسرون . فقال ابن ~~عباس : هم التابعون وقال سعيد بن جبير : هم أبناء فارس . وقال أبو روق : هم ~~أهل اليمن ، وهذه الوجوه ليست تفسيرا للآية ، لأن الآية ليس فيها إشعار بها ~~، بل حمل ذلك الكلام المطلق على صورة معينة شاهدوها . قال الأصم : معناه أن ~~يخرجه من بين أظهركم ، وهي المدينة . قال القاضي : هذا ضعيف لأن اللفظ لا ~~دلالة فيه على أنه عليه السلام ينقل من المدينة إلى غيرها ، فلا يمتنع أن ~~يظهر الله في المدينة أقواما يعينونه على الغزو ، ولا يمتنع أن يعينه ~~بأقوام من الملائكة أيضا حال كونه هناك ، والثالث : قوله : { ولا تضروه ~~شيئا } والكناية في قول الحسن : راجعة إلى الله تعالى ، أي لا تضروا الله ~~لأنه غني عن العالمين ، وفي قول الباقين يعود إلى الرسول ، أي لا تضروا ~~الرسول لأن الله عصمه من الناس ، ولأنه تعالى لا يخذله إن تثاقلتم عنه . # ثم قال : { والله على كل شيء قدير } وهو تنبيه على شدة الزجر من حيث إنه ~~تعالى قادر لا يجوز عليه العجز ، فإذا توعد بالعقاب فعل . # المسألة الثانية : قال الحسن وعكرمة : هذه الآية منسوخة بقوله : { وما ~~كان المؤمنون لينفروا كافة } قال المحققون : إن هذه الآية خطاب لمن ~~استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا ، وعلى هذا التقدير فلا ~~نسخ . قال الجبائي : هذه الآية تدل على وعيد أهل الصلاة حيث بين أن ~~المؤمنين إن لم ينفروا يعذبهم عذابا إليما وهو عذاب النار ، فإن ترك الجهاد ~~لا يكون إلا من المؤمنين ، فبطل بذل قول المرجئة إن أهل الصلاة لا وعيد لهم ~~، وإذا ثبت الوعيد لهم في ترك الجهاد / فكذا في غيره ، لأنه لا قائل بالفرق ~~، واعلم أن مسألة الوعيد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة . # المسألة الثالثة : قال القاضي : هذه الآية دالة على وجوب الجهاد ، سواء ~~كان مع الرسول أو لا معه ، لأنه تعالى قال : { ياأيها الذين ءامنوا ما ms4488 لكم ~~إذا قيل لكم انفروا } ولم ينص على أن ذلك القائل هو الرسول . # فإن قالوا : يجب أن يكون المراد هو الرسول لقوله تعالى : { ويستبدل قوما ~~غيركم } ( التوبة : 39 ) ولقوله : { ولا تضروه شيئا } ( التوبة : 39 ) إذ ~~لا يمكن أن يكون المراد بذلك إلا الرسول . # قلنا : خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها على ما قررنا في أصول الفقه ~~. # ! 7 < { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ ~~هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه ~~وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا ~~والله عزيز حكيم } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 40 ) إلا تنصروه فقد . . . . . # > > PageV16P050 # اعلم أن هذا ذكر طريق آخر في ترغيبهم في الجهاد ، وذلك لأنه تعالى ذكر في ~~الآية الأولى أنهم إن لم ينفروا باستنفاره ، ولم يشتغلوا بنصرته فإن الله ~~ينصره بدليل أن الله نصره وقواه ، حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ، فههنا ~~أولى ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : كيف يكون قوله : { فقد نصره الله } ~~جوابا للشرط ؟ # وجوابه أن التقدير إلا تنصروه ، فسينصره من نصره حين ما لم يكن معه إلا ~~رجل واحد ، ولا أقل من الواحد . والمعنى أنه ينصره الآن كما نصره في ذلك ~~الوقت . # المسألة الثانية : قوله : { إذ أخرجه الذين كفروا } يعني قد نصره الله في ~~الوقت الذي أخرجه الذين كفروا من مكة وقوله : { ثاني اثنين } نصب على الحال ~~، أي في الحال التي كان فيها { ثاني اثنين } وتفسير قوله : { ثاني اثنين } ~~سبق في قوله : { ثالث ثلاثة } وتحقيق القول أنه إذا حضر اثنان فكل / واحد ~~منهما يكون ثانيا في ذينك الاثنين للآخر . فلهدا السبب قالوا : يقال فلان ~~ثاني اثنين ، أي هو أحدهما . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { ثاني اثنين } ~~بالسكون و { إذ هما } بدل من قوله : { إذ أخرجه } والغار ثقب عظيم في الجبل ~~، وكان ذلك الجبل يقال له ثور ، في يمين مكة على مسيرة ساعة ، مكث رسول ~~الله صلى الله ms4489 عليه وسلم فيه مع أبي بكر ثلاثا . وقوله : { إذ يقول : بدل ~~ثان . # المسألة الثالثة : ذكروا أن قريشا ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل { وإذ يمكر بك الذين كفروا } ( الأنفال ~~: 30 ) فأمره الله تعالى أن يخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى الغار ، ~~والمراد من قوله : { أخرجه الذين كفروا } هو أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخروج ~~. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أول الليل إلى الغار ، وأمر ~~عليا أن يضطجع على فراشه ليمنعهم السواد من طلبه ، حتى يبلغ هو وصاحبه إلى ~~ما أمر الله به ، فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر الغار أولا ، يلتمس ما ~~في الغار ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ، مالك ؟ فقال : بأبي أنت ~~وأمي ، الغيران مأوى السباع والهوام ، فإن كان فيه شيء كان بي لا بك ، وكان ~~في الغار جحر ، فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول ، فلما طلب ~~المشركون الأثر وقربوا ، بكى أبو بكر خوفا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال عليه السلام : ( لا تحزن إن الله معنا ) فقال أبو بكر : إن الله ~~لمعنا ، فقال الرسول : ( نعم ) فجعل يمسح الدموع عن خده . ويروى عن الحسن ~~أنه كان إذا ذكر بكاء أبي بكر بكى ، وإذا ذكر مسحه الدموع مسح هو الدموع عن ~~خده . وقيل : لما طلع المشركون فوق الغار أشفق أبو بكر على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال : إن تصب اليوم ذهب دين الله . فقال رسول الله : ( ما ~~ظنك باثنين الله ثالثهما ) وقيل لما دخل الغار وضع أبو بكر ثمامة على باب ~~الغار ، وبعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أعم أبصارهم ) فجعلوا يترددون حول الغار ~~ولا يرون أحدا . # المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه من وجوه ~~: الأول : أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من ~~أن يقدموا على ms4490 قتله ، فلولا أنه عليه السلام كان قاطعا على باطن أبي بكر ، ~~بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين ، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك ~~الموضع ، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره ، لخافه من أن يدل أعداءه ~~عليه ، وأيضا لخافه من أن يقدم على PageV16P051 قتله . فلما استخلصه لنفسه ~~في تلك الحالة ، دل على أنه عليه السلام كان قاطعا بأن باطنه على وفق ظاهره ~~. الثاني : وهو أن الهجرة كانت بإذن الله تعالى ، وكان في خدمة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جماعة من المخلصين ، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول ~~الله أقرب / من أبي بكر ، فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في ~~تلك الواقعة الصعبة الهائلة ، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة ، ~~وتخصيص الله إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين . الثالث : أن ~~كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما هو فما سبق ~~رسول الله كغيره ، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف ~~الشديد الذي لم يبق معه أحد ، وذلك يوجب الفضل العظيم . الرابع : أنه تعالى ~~سماه { ثاني اثنين } فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار ، ~~والعلماء أثبتوا أنه رضي الله عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية ، ~~فإنه صلى الله عليه وسلم لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن ~~أبو بكر ، ثم ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة ~~آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، والكل آمنوا على يديه ، ثم ~~إنه جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام قلائل ، فكان هو ~~رضي الله عنه { ثاني اثنين } في الدعوة إلى الله وأيضا كلما وقف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في غزوة ، كان أبو بكر رضي الله عنه يقف في خدمته ولا ~~يفارقه ، فكان ثاني اثنين في مجلسه ، ولما مرض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قام مقامه في إمامة ms4491 الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين ، ولما توفي دفن ~~بجنبه ، فكان ثاني اثنين هناك أيضا ، وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا ~~الوجه وقال : كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله تعالى رابعا ~~لكل ثلاث في قوله : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم } ( المجادلة : 7 ) ثم إن هذا الحكم عام في حق الكافر والمؤمن ، ~~فلما لم يكن هذا المعنى من الله تعالى دالا على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل ~~من النبي على فضيلة الإنسان كان أولى . # والجواب : أن هذا تعسف بارد ، لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم ~~والتدبير ، وكونه مطلعا على ضمير كل أحد ، أما ههنا فالمراد بقوله تعالى : ~~{ ثاني اثنين } تخصيصه بهذه الصفة في معرض التعظيم وأيضا قد دللنا بالوجوه ~~الثلاثة المتقدمة على أن كونه معه في هذا الموضع دليل قاطع على أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان قاطعا بأن باطنه كظاهره ، فأين أحد الجانبين من الآخر ؟ # والوجه الخامس : من التمسك بهذه الآية ما جاء في الأخبار أن أبا بكر رضي ~~الله عنه لما حزن قال عليه الصلاة والسلام ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ~~ولا شك أن هذا منصب علي ، ودرجة رفيعة . # واعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا : وحق خمسة سادسهم ~~جبريل ، وأرادوا به أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعليا ، وفاطمة ، ~~والحسن والحسين ، كانوا قد احتجبوا تحت / عباءة يوم المباهلة ، فجاء جبريل ~~وجعل نفسه سادسا لهم / فذكروا للشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى أن ~~القوم هكذا يقولون ، فقال رحمه الله : لكم ما هو خير منه بقوله : ( ما ظنك ~~باثنين الله ثالثهما ) ومن المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل وأكمل . # والوجه السادس : أنه تعالى وصف أبا بكر بكونه صاحبا للرسول وذلك يدل على ~~كمال الفضل . قال الحسين بن فضيل البجلي : من أنكر أن يكون أبو بكر صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافرا ، لأن الأمة مجمعة على أن المراد ~~من { إذ يقول لصاحبه ms4492 } هو أبو بكر ، وذلك يدل على أن الله تعالى وصفه بكونه ~~صاحبا له ، اعترضوا وقالوا : إن الله تعالى وصف الكافر بكونه صاحبا للمؤمن ~~، وهو قوله : { قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب } ( ~~الكهف : 37 ) . PageV16P052 # والجواب : أن هناك وإن وصفه بكونه صاحبا له ذكرا إلا أنه أردفه بما يدل ~~على الإهانة والإذلال ، وهو قوله : { أكفرت } أما ههنا فبعد أن وصفه بكونه ~~صاحبا له ، ذكر ما يدل على الإجلال والتعظيم وهو قوله : { لا تحزن إن الله ~~معنا } فأي مناسبة بين البابين لولا فرط العداوة ؟ # والوجه السابع : في دلالة هذه الآية على فضل أبي بكر . قوله : { لا تحزن ~~إن الله معنا } ولا شك أن المراد من هذه المعية ، المعية بالحفظ والنصرة ~~والحراسة والمعونة ، وبالجملة فالرسول عليه الصلاة والسلام شرك بين نفسه ~~وبين أبي بكر في هذه المعية ، فإن حملوا هذه المعية على وجه فاسد ، لزمهم ~~إدخال الرسول فيه ، وإن حملوها على محمل رفيع شريف ، لزمهم إدخال أبي بكر ~~فيه ، ونقول بعبارة أخرى ، دلت الآية على أن أبا بكر كان الله معه ، وكل من ~~كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين ، لقوله تعالى : { إن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون } ( النحل : 128 ) والمراد منه الحصر ، ~~والمعنى : إن الله مع الذين اتقوا لا مع غيرهم ، وذلك يدل على أن أبا بكر ~~من المتقين المحسنين . # والوجه الثامن : في تقرير هذا المطلوب أن قوله : { إن الله معنا } يدل ~~على كونه ثاني اثنين في الشرف الحاصل من هذه المعية ، كما كان ثاني اثنين ~~إذ هما في الغار ، وذلك منصب في غاية الشرف . # والوجه التاسع : أن قوله : { لا تحزن } نهى عن الحزن مطلقا ، والنهي يوجب ~~الدوام والتكرار ، وذلك يقتضي أن لا يحزن أبو بكر بعد ذلك البتة ، قبل ~~الموت وعند الموت وبعد الموت . # والوجه العاشر : قوله : { فأنزل الله سكينته عليه } ومن قال الضمير في ~~قوله : { عليه } عائدا إلى الرسول فهذا باطل لوجوه : # الوجه الأول : أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكورات ~~المتقدمة ms4493 في هذه الآية هو أبو بكر ، لأنه تعالى قال : { إذ يقول لصاحبه } ~~والتقدير : إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر / لا تحزن ، وعلى هذا التقدير : ~~فأقرب المذكورات السابقة هو أبو بكر ، فوجب عود الضمير إليه . # والوجه الثاني : أن الحزن والخوف كان حاصلا لأبي بكر لا للرسول عليه ~~الصلاة والسلام ، فإنه عليه السلام كان آمنا ساكن القلب بما وعده الله أن ~~ينصره على قريش . فلما قال لأبي بكر لا تحزن صار آمنا ، فصرف السكينة إلى ~~أبي بكر ليصير ذلك سببا لزوال خوفه ، أولى من صرفها إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ، مع أنه قبل ذلك ساكن القلب قوي النفس . # والوجه الثالث : أنه لو كان المراد إنزال السكينة على الرسول لوجب أن ~~يقال : إن الرسول كان قبل ذلك خائفا ، ولو كان الأمر كذلك لما أمكنه أن ~~يقول لأبي بكر : { لا تحزن إن الله معنا } فمن كان خائفا كيف يمكنه أن يزيل ~~الخوف عن قلب غيره ؟ ولو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يقال : فأنزل الله ~~سكينته عليه ، فقال لصاحبه لا تحزن ، ولما لم يكن كذلك ، بل ذكر أولا أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال لصاحبه لا تحزن ، ثم ذكر بفاء التعقيب نزول ~~السكينة ، وهو قوله : { فأنزل الله سكينته عليه } علمنا أن نزول هذه ~~السكينة مسبوق بحصول السكينة في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومتى كان ~~الأمر كذلك وجب أن تكون هذه السكينة نازلة PageV16P053 على قلب أبي بكر . # فإن قيل : وجب أن يكون قوله : { فأنزل الله سكينته عليه } ( التوبة : 40 ~~) المراد منه أنه أنزل سكينته على قلب الرسول ، والدليل عليه أنه عطف عليه ~~قوله : { وأيده بجنود لم تروها } وهذا لا يليق إلا بالرسول ، والمعطوف يجب ~~كونه مشاركا للمعطوف عليه ، فلما كان هذا المعطوف عائدا إلى الرسول وجب في ~~المعطوف عليه أن يكون عائدا إلى الرسول . # قلنا : هذا ضعيف ، لأن قوله : { وأيده بجنود لم تروها } إشارة إلى قصة ~~بدر وهو معطوف على قوله : { فقد نصره الله } وتقدير الآية إلا تنصروه فقد ~~نصره الله في واقعة ms4494 الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله ~~سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها في واقعة بدر ، وإذا كان الأمر كذلك فقد ~~سقط هذا السؤال . # الوجه الحادي عشر : من الوجوه الدالة على فضل أبي بكر من هذه الآية إطباق ~~الكل على أن أبا بكر هو الذي اشترى الراحلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلى أن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان كانا ~~يأتيانهما بالطعام . روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لقد كنت أنا ~~وصاحبي في الغار بضعة عشر يوما وليس لنا طعام إلا التمر ) وذكروا أن جبريل ~~أتاه وهو جائع فقال هذه أسماء قد أتت بحيس ، ففرح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بذلك وأخبر به أبا بكر . ولما أمر الله رسوله بالخروج إلى المدينة ~~أظهره لأبي بكر ، فأمر ابنه عبد الرحمن أن يشتري / جملين ورحلين وكسوتين ، ~~ويفصل أحدهما للرسول عليه الصلاة والسلام . فلما قربا من المدينة وصل الخبر ~~إلى الأنصار فخرجوا مسرعين ، فخاف أبو بكر أنهم لا يعرفون الرسول عليه ~~الصلاة والسلام فألبس رسول الله ثوبه ، ليعرفوا أن الرسول هو هو ، فلما ~~دنوا خروا له سجدا فقال لهم : ( اسجدوا لربكم وأكرموا أخا لكم ) ثم أناخت ~~ناقته بباب أبي أيوب روينا هذه الروايات من تفسيرأبي بكر الأصم . # الوجه الثاني عشر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة ما ~~كان معه إلا أبو بكر ، والأنصار ما رأوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أحدا إلا أبا بكر ، وذلك يدل على أنه كان يصطفيه لنفسه من بين أصحابه في ~~السفر والحضر ، وأن أصحابنا زادوا عليه وقالوا : لما لم يحضر معه في ذلك ~~السفر أحد إلا أبو بكر ، فلو قدرنا أنه توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره إلا أبو بكر وأن لا يكون وصيه على أمته ~~إلا أبو بكر ، وأن لا يبلغ ما حدث من الوحي والتنزيل في ذلك الطريق إلى ms4495 ~~أمته إلا أبو بكر ، وكل ذلك يدل على الفضائل العالية والدرجات الرفيعة لأبي ~~بكر . # واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر ~~من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين : فالأول : قالوا ~~إنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر : ( لا تحزن ) فذلك الحزن إن كان حقا ~~فكيف نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه ؟ وإن كان خطأ ، لزم أن يكون أبو ~~بكر مذنبا وعاصيا في ذلك الحزن ، والثاني : قالوا يحتمل أن يقال : إنه ~~استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه ، ~~وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه ، فأخذه مع نفسه دفعا لهذا الشر . والثالث : ~~وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر عليا بأن يضطجع على فراشه ~~، ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل تلك ~~الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول الله تعريض PageV16P054 ~~النفس للفداء ، فهذا العمل من علي ، أعلى وأعظم من كون أبي بكر صاحبا ~~للرسول ، فهذه جملة ما ذكروه في ذلك الباب . # والجواب عن الأول : أن أبا علي الجبائي لما حكى عنهم تلك الشبهة ، قال : ~~فيقال لهم يجب في قوله تعالى لموسى عليه السلام : { لا تخف إنك أنت الاعلى ~~} ( طه : 68 ) أن يدل على أنه كان عاصيا في خوفه ، وذلك طعن في الأنبياء ، ~~ويجب في قوله تعالى في إبراهيم ، حيث قالت الملائكة له : { لا تخف } في قصة ~~العجل المشوي مثل ذلك ، وفي قولهم للوط : { لا تخف ولا تحزن إنا منجوك ~~وأهلك } ( العنكبوت : 33 ) مثل ذلك . # / فإذا قالوا : إن ذلك الخوف إنما حصل بمقتضى البشرية ، وإنما ذكر الله ~~تعالى ذلك في قوله : { لا تخف } ليفيد الأمن ، وفراغ القلب . # قلنا لهم في هذه المسألة كذلك . # فإن قالوا : أليس إنه تعالى قال : { والله يعصمك من الناس } ( المائدة : ~~67 ) فكيف خاف مع سماع هذه الآية ؟ فنقول : هذه الآية إنما نزلت في المدينة ~~، وهذه الواقعة سابقة على نزولها ، وأيضا ms4496 فهب أنه كان آمنا على عدم القتل ، ~~ولكنه ما كان آمنا من الضرب ، والجرح والإيلام الشديد . والعجب منهم ، فإنا ~~لو قدرنا أن أبا بكر ما كان خائفا ، لقالوا إنه فرح بسبب وقوع الرسول في ~~البلاء ، ولما خاف وبكى قالوا : هذا السؤال الركيك ، وذلك يدل على أنهم لا ~~يطلبون الحق ، وإنما مقصودهم محض الطعنا # والجواب عن الثاني : أن الذي قالوه أخس من شبهات السوفسطائية ، فإن أبا ~~بكر لو كان قاصدا له ، لصالح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار ، وقال لهم ~~نحن ههنا ، ولقال ابنه وابنته عبد الرحمن وأسماء للكفار نحن نعرف مكان محمد ~~فندلكم عليه ، فنسأل الله العصمة من عصبية تحمل الإنسان على مثل هذا الكلام ~~الركيك . # والجواب عن الثالث من وجوه : الأول : أنا لا ننكر أن اضطجاع علي بن أبي ~~طالب في تلك الليلة المظلمة على فراش رسول الله طاعة عظيمة ومنصب رفيع ، ~~إلا أنا ندعي أن أبا بكر بمصاحبته كان حاضرا في خدمة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ، وعلي كان غائبا ، والحاضر أعلى حالا من الغائب . الثاني : أن عليا ~~ما تحمل المحنة إلا في تلك الليلة ، أما بعدها لما عرفوا أن محمدا غاب ~~تركوه ، ولم يتعرضوا له . أما أبو بكر ، فإنه بسبب كونه مع محمد عليه ~~الصلاة والسلام ثلاثة أيام في الغار كان في أشد أسباب المحنة ، فكان بلاؤه ~~أشد . الثالث : أن أبا بكر رضي الله عنه كان مشهورا فيما بين الناس بأنه ~~يرغب الناس في دين محمد عليه الصلاة والسلام ويدعوهم إليه ، وشاهدوا منه ~~أنه دعا جمعا من أكابر الصحابة رضي الله عنهم إلى ذلك الدين ، وأنهم إنما ~~قبلوا ذلك الدين بسبب دعوته ، وكان يخاصم الكفار بقدر الإمكان ، وكان يذب ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالنفس والمال . وأما علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه ، فإنه كان في ذلك الوقت صغير السن ، وما ظهر منه دعوة لا بالدليل ~~والحجة ، ولا جهاد بالسيف والسنان ، لأن محاربته مع الكفار إنما ظهرت بعد ~~انتقالهم إلى المدينة بمدة مديدة ، فحال الهجرة ms4497 ما ظهر منه شيء من هذه ~~الأحوال ، وإذا كان كذلك كان غضب الكفار على أبي بكر لا محالة أشد من غضبهم ~~على علي ، ولهذا السبب ، فإنهم لما عرفوا أن المضطجع على ذلك الفراش ~~PageV16P055 هو علي / لم يتعرضوا له ألبتة ، ولم يقصدوه بضرب ولا ألم ، ~~فعلمنا أن خوف أبي بكر على نفسه في خدمة محمد صلى الله عليه وسلم أشد من ~~خوف علي كرم الله وجهه / فكانت تلك الدرجة أفضل وأكمل . هذا ما نقوله في ~~هذا الباب على سبيل الاختصار . # أما قوله تعالى : { وأيده بجنود لم تروها } فاعلم أن تقدير الآية أن يقال ~~: { إلا تنصروه } فلا بد له ذلك بدليل صورتين . # الصورة الأولى : أنه قد نصره في واقعة الهجرة { إذ أخرجه الذين كفروا ~~ثاني اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل } . # والصورة الثانية : واقعة بدر ، وهي المراد من قوله : { وأيده بجنود لم ~~تروها } لأنه تعالى أنزل الملائكة يوم بدر ، وأيد رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بهم ، فقوله : { وأيده بجنود لم تروها } معطوف على قوله : { فقد نصره الله ~~إذ أخرجه الذين كفروا } . # ثم قال تعالى : { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا } ~~والمعنى أنه تعالى جعل يوم بدر كلمة الشرك سافلة دنيئة حقيرة ، وكلمة الله ~~هي العليا ، وهي قوله لا إله إلا الله . قال الواحدي : والاختيار في قوله : ~~{ وكلمة الله } الرفع ، وهي قراءة العامة على الاستئناف ، قال الفراء ، ~~ويجوز { كلمة * الله } بالنصب ، ولا أحب هذه القراءة لأنه لو نصبها لكان ~~الأجود أن يقال : وكلمة الله العليا ، ألا ترى أنك تقول أعتق أبوك غلامك ، ~~ولا تقول أعتق غلامه أبوك . # ثم قال : { والله عزيز حكيم } أي قاهر غالب لا يفعل إلا الصواب . # ! 7 < { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله ~~ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 41 ) انفروا خفافا وثقالا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما توعد من لا ينفر مع الرسول ، وضرب له من الأمثال ~~ما وصفنا ، أتبعه بهذا الأمر الجزم . فقال ms4498 : { انفروا خفافا وثقالا } ~~والمراد انفروا سواء كنتم على الصفة التي يخف عليكم الجهاد أو على الصفة ~~التي يثقل ، وهذا الوصف يدخل تحته أقسام كثيرة . والمفسرون ذكروها . فالأول ~~: { خفافا } في النفور لنشاطكم له { وثقالا } عنه لمشتقه عليكم . الثاني : ~~{ خفافا } لقلة عيالكم { وثقالا } / لكثرتها . الثالث : { خفافا } من ~~السلاح { وثقالا } منه . الرابع : ركبانا ومشاة . الخامس : شبانا وشيوخا . ~~السادس : مهازيل وسمانا . السابع : صحاحا ومراضا والصحيح ما ذكرنا إذ الكل ~~داخل فيه لأن الوصف المذكور وصف كلي ، يدخل فيه كل هذه الجزئيات . # فإن قيل : أتقولون إن هذا الأمر يتناول جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ~~؟ PageV16P056 # قلنا : ظاهره يقتضي ذلك عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : أعلي أن أنفر ، قال : ( ما أنت إلا خفيف أو ثقيل ) فرجع إلى ~~أهله ولبس سلاحه ووقف بين يديه ، فنزل قوله تعالى : { ليس على الاعمى حرج } ~~( الفتح : 17 النور : 61 ) وقال مجاهد : إن أبا أيوب شهد بدرا مع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ، ولم يتخلف عن غزوات المسلمين ، ويقول : قال الله : { ~~انفروا خفافا وثقالا } فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا . وعن صفوان بن عمرو ~~قال : كنت واليا على حمص ، فلقيت شيخا قد سقط حاجباه ، من أهل دمشق على ~~راحلته يريد الغزو ، قلت يا عم أنت معذور عند الله ، فرفع حاجبيه وقال : يا ~~ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا ، ألا إن من أحبه ابتلاه . وعن الزهري ~~: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له إنك عليل صاحب ~~ضرر ، فقال : استنفر الله الخفيف والثقيل ، فإن عجزت عن الجهاد كثرت السواد ~~وحفظت المتاع . وقيل للمقداد بن الأسود وهو يريد الغزو : أنت معذور ، فقال ~~: أنزل الله علينا في سورة براءة { انفروا خفافا وثقالا } . # واعلم أن القائلين بهذا القول الذي قررناه يقولون : هذه الآية صارت ~~منسوخة بقوله تعالى : { ليس على الاعمى حرج } ( الفتح : 17 النور : 61 ) ~~وقال عطاء الخراساني : منسوخة بقوله : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ( ~~التوبة : 122 ) . # ولقائل أن يقول : اتفقوا على أن هذه الآية نزلت ms4499 في غزوة تبوك ، واتفقوا ~~على أنه عليه الصلاة والسلام خلف النساء وخلف من الرجال أقواما ، وذلك يدل ~~على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ، لكنه من فروض الكفايات ، فمن أمره ~~الرسول بأن يخرج ، لزمه ذلك خفافا وثقالا ، ومن أمره بأن يبقى هناك ، لزمه ~~أن يبقى ويترك النفر . وعلى هذا التقدير : فلا حاجة إلى التزام النسخ . # ثم قال تعالى : { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فى سبيل الله } وفيه قولان : # القول الأول : أن هذا يدل على أن الجهاد إنما يجب على من له المال والنفس ~~، فدل على أن من لم يكن له نفس سليمة صالحة للجهاد ، ولا مال يتقوى به على ~~تحصيل آلات الجهاد لا يجب عليه الجهاد . # والقول الثاني : أن الجهاد يجب بالنفس إذا انفرد وقوي عليه ، وبالمال إذا ~~ضعف عن الجهاد بنفسه ، فيلزم على هذا القول أن من عجز أن ينيب عنه نفرا ~~بنفقة من عنده فيكون مجاهدا / بماله لما تعذر عليه بنفسه ، وقد ذهب إلى هذا ~~القول كثير من العلماء . # ثم قال تعالى : { ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } . # فإن قيل : كيف يصح أن يقال : الجهاد خير من القعود عنه ، ولا خير في ~~القعود عنه . # قلنا : الجواب عنه من وجهين : # الوجه الأول : أن لفظ { خير } يستعمل في معنيين : أحدهما : بمعنى هذا خير ~~من ذاك . والثاني : بمعنى أنه في نفسه خير كقوله : { إنى لما أنزلت إلى من ~~خير فقير } ( القصص : 24 ) وقوله : { وإنه لحب الخير لشديد } ( العاديات : ~~8 ) ويقال : الثريد خير من الله ، أي هو خير في نفسه ، وقد حصل من الله ~~تعالى ، فقوله : { ذالكم خير لكم } المراد هذا الثاني ، وعلى هذا الوجه ~~يسقط السؤال . # الوجه الثاني : سلمنا أن المراد كونه خيرا من غيره ، إلا أن التقدير : أن ~~ما يستفاد بالجهاد من نعيم الآخرة خير مما يستفيده القاعد عنه من الراحة ~~والدعة والتنعم بهما ، ولذلك قال تعالى : { إن كنتم تعلمون } PageV16P057 ~~لأن ما يحصل من الخيرات في الآخرة على الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ، ولا ~~يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن القول ms4500 بالقيامة حق ، وأن القول ~~بالثواب والعقاب حق وصدق . # ! 7 < { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولاكن بعدت عليهم الشقة ~~وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم ~~لكاذبون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 42 ) لو كان عرضا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بالغ في ترغيبهم في الجهاد في سبيل الله ، وكان ~~قد ذكر قوله : { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الارض } عاد إلى تقرير كونهم متثاقلين ، وبين أن أقواما ، ~~مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد ، تخلفوا في غزوة تبوك ، وبين ~~أنه { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : العرض ما عرض لك من منافع الدنيا ، يقال : الدنيا عرض ~~حاضر يأكل منه البر والفاجر . قال الزجاج : فيه محذوف والتقدير : لو كان ~~المدعو إليه سفرا قاصدا ، فحذف / اسم { كان } لدلالة ما تقدم عليه . وقوله ~~: { وسفرا قاصدا } قال الزجاج : أي سهلا قريبا . وإنما قيل لمثل هذا قاصدا ~~، لأن المتوسط ، بين الإفراط ، والتفريط ، يقال له : مقتصد . قال تعالى : { ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد } ( فاطر : 32 ) وتحقيقه أن المتوسط بين ~~الكثرة والقلة يقصده كل أحد ، فسمي قاصدا ، وتفسير القاصد : ذو قصد ، ~~كقولهم لابن وتامر ورابح . قوله : { ولاكن بعدت عليهم الشقة } قال الليث : ~~الشقة بعد مسيره إلى أرض بعيدة . يقال : شقة شاقة ، والمعنى : بعدت عليهم ~~الشاقة البعيدة ، والسبب في هذا الاسم أنه شق على الإنسان سلوكها . ونقل ~~صاحب ( الكشاف ) عن عيسى بن عمر : أنه قرأ { بعدت عليهم الشقة } بكسر العين ~~والشين . # المسألة الثانية : هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة ~~تبوك ، ومعنى الكلام أنه لو كانت المنافع قريبة والسفر قريبا لاتبعوك طمعا ~~منهم في الفوز بتلك المنافع ، ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز ~~بالغنيمة ، بسبب أنهم كانوا يستعظمون غزو الروم ، فلهذا السبب تخلفوا . ثم ~~أخبر الله تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم { يحلفون بالله * لو استطعنا ~~لخرجنا معكم } إما عند ما يعاتبهم بسبب التخلف ، وإما ابتداء ms4501 على طريقة ~~إقامة العذر في التخلف ، ثم بين تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب ~~والنفاق . وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك ، ولهذا قال عليه ~~الصلاة والسلام : ( اليمين الغموس تدع الديار بلاقع ) . # ثم قال : { والله يعلم إنهم لكاذبون } في قولهم ما كنا نستطيع الخروج ، ~~فإنهم كانوا مستطيعين الخروج . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن قوله : { انفروا خفافا وثقالا } إنما ~~يتناول من كان قادرا متمكنا ، إذ عدم الاستطاعة عذر في التخلف . ~~PageV16P058 # المسألة الرابعة : استدل أبو علي الجبائي بهذه الآية على بطلان أن ~~الاستطاعة مع الفعل ، فقال : لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من يخرج إلى ~~القتال لم يكن مستطيعا إلى القتال ، ولو كان الأمر كذلك لكانوا صادقين في ~~قولهم : ما كنا نستطيع ذلك ، ولما كذبهم الله تعالى في هذا القول ، علمنا ~~أن الاستطاعة قبل الفعل . واستدل الكعبي بهذا الوجه أيضا له ، وسأل نفسه لا ~~يجوز أن يكون المراد به : ما كان لهم زاد ولا راحلة ، وما أرادوا به نفس ~~القدرة . # وأجاب : إن كان من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج ، فمن لا استطاعة له ~~أولى بالعذر . وأيضا الظاهر من الاستطاعة قوة البدن دون وجود المال / وإذا ~~أريد به المال ، فإنما يراد لأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن ، ~~فلا معنى لترك الحقيقة من غير ضرورة . # وأجاب أصحابنا : بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم على ~~الفعل ، إلا بوقت / واحد ، فأما أن تتقدم عليه بأوقات كثيرة فذلك ممتنع ، ~~فإن الإنسان الجالس في المكان لا يكون قادرا في هذا الزمان أن يفعل فعلا في ~~مكان بعيد عنه ، بل إنما يقدر على أن يفعل فعلا في المكان الملاصق لمكانه . ~~فإذا ثبت أن القدرة عند القوم لا تتقدم الفعل إلا بزمان واحد ، فالقوم ~~الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا قادرين على أصول ~~المعتزلة ، فيلزمهم من هذه الآية ما ألزموه علينا ، وعند هذا يجب علينا ~~وعليهم ، أن نحمل الاستطاعة على الزاد والراحلة . وحينئذ يسقط الاستدلال ms4502 . # المسألة الخامسة : قالوا الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر عنهم أنهم ~~سيحلفون ، وهذا إخبار عن غيب يقع في المستقبل ، والأمر لما وقع كما أخبر ، ~~كان هذا إخبارا عن الغيب ، فكان معجزا . والله أعلم . # ! 7 < { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين { . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 43 ) عفا الله عنك . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بين بقوله : { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ~~} أنه تخلف قوم من ذلك الغزو ، وليس فيه بيان أن ذلك التخلف ، كان بإذن ~~الرسول أم لا ؟ فلما قال بعده : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } دل هذا ، على ~~أن فيهم من تخلف بإذنه وفيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول من ~~وجهين : الأول : أنه تعالى قال : { عفا الله عنك } والعفو يستدعي سابقة ~~الذنب . والثاني : أنه تعالى قال : { لم أذنت لهم } وهذا استفهام بمعنى ~~الإنكار ، فدل هذا على أن ذلك الإذن كان معصية وذنبا . قال قتادة وعمرو بن ~~ميمون : اثنان فعلهما الرسول ، لم يؤمر بشيء فيهما ، إذنه للمنافقين ، ~~وأخذه الفداء من الأسارى ، فعاتبه الله كما تسمعون . # والجواب عن الأول : لا نسلم أن قوله : { عفا الله عنك } يوجب الذنب ، ولم ~~لا يجوز أن يقال : إن ذلك يدل على مبالغة الله في تعظيمه وتوقيره ، كما ~~يقول الرجل لغيره إذا كان معظما عنده ، عفا الله عنك . ما صنعت في أمري ~~ورضي الله عنك ، ما جوابك عن كلامي ؟ وعافاك الله ما عرفت حقي فلا يكون ~~غرضة من هذا الكلام ، إلا مزيد التبجيل والتعظيم . وقال علي بن الجهم : ~~فيما يخاطب به المتوكل وقد أمر بنفيه : PageV16P059 # % / عفا الله عنك ألا حرمة % % تعود بعفوك إن أبعدا % # % ألم تر عبدا عدا طوره % % ومولى عفا ورشيدا هدى % # % أقلني أقالك من لم يزل % % يقيك ويصرف عنك الردى % # والجواب عن الثاني أن نقول : لا يجوز أن يقال : المراد بقوله { لم * ~~عرفها لهم } الإنكار . لأنا نقول : إما أن يكون صدر عن الرسول ذنب في هذه ~~الواقعة أو لم يصدر عنه ذنب ، فإن ms4503 قلنا : إنه ما صدر عنه ذنب ، امتنع على ~~هذا التقدير أن يكون قوله : { لم أذنت لهم } إنكار عليه ، وإن قلنا : إنه ~~كان قد صدر عنه ذنب ، فقوله : { عفا الله عنك } يدل على حصول العفو عنه ، ~~وبعد حصول العفو عنه يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه ، فثبت أنه على جميع ~~التقادير يمتنع أن يقال : إن قوله : { لم أذنت لهم } يدل على كون الرسول ~~مذنبا ، وهذا جواب شاف قاطع . وعند هذا ، يحمل قوله : { لم أذنت لهم } على ~~ترك الأولى والأكمل ، لا سيما وهذه الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ~~ومصالح الدنيا . # المسألة الثانية : من الناس من قال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم ، كان ~~يحكم بمقتضى الاجتهاد في بعض الوقائع . واحتج عليه بأن قوله : { فاعتبروا ~~ياأولى * أولى * الابصار } ( الحشر : 2 ) أمر لأولي الأبصار بالاعتبار ~~والاجتهاد ، والرسول كان سيدا لهم ، فكان داخلا تحت هذا الأمر ، ثم أكدوا ~~ذلك بهذه الآية فقالوا : إما أن يقال إنه تعالى أذن له في ذلك الإذن أو ~~منعه عنه ، أو ما أذن له فيه وما منعه عنه والأول باطل ، وإلا امتنع أن ~~يقول له لم أذنت لهم . والثاني باطل أيضا ، لأن على هذا التقدير يلزم أن ~~يقال إنه حكم بغير ما أنزل الله فيلزم دخوله تحت قوله : { ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) { أولئك هم الظالمون } ( ~~المائدة : 45 ) { أولئك هم الفاسقون } ( المائدة : 47 ) وذلك باطل بصريح ~~القول . فلم يبق إلا القسم الثالث ، وهو أنه عليه الصلاة والسلام أذن في ~~تلك الواقعة من تلقاء نفسه ، فإما أن يكون ذلك مبنيا على الاجتهاد أو ما ~~كان كذلك ، والثاني باطل ، لأنه حكم بمجرد التشهي وهو باطل لقوله تعالى : { ~~فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلواة واتبعوا الشهوات } ( مريم : 59 ) فلم يبق ~~إلا أنه عليه الصلاة والسلام أذن في تلك الواقعة ، بناء على الاجتهاد ، ~~وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يحكم بمقتضى الاجتهاد . # فإن قيل : فهذا بأن يدل على أنه لا يجوز له الحكم بالاجتهاد أولى ms4504 ، لأنه ~~تعالى منعه من هذا الحكم بقوله : { لم أذنت لهم } . # قلنا : إنه تعالى ما منعه من ذلك الإذن مطلقا لأنه قال : { حتى يتبين لك ~~الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } والحكم الممدود إلى غاية بكلمة حتى يجب ~~انتهاؤه عند حصول تلك الغاية ، فهذا يدل على صحة قولنا . # / فإن قالوا : فلم لا يجوز أن يكون المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق ~~الوحي ؟ # قلنا : ما ذكرتموه محتمل إلا أن على التقدير الذي ذكرتم ، يصير تكليفه ، ~~أن لا يحكم البتة ، وأن يصبر حتى ينزل الوحي ويظهر النص ، فلما ترك ذلك ، ~~كان ذلك كبيرة ، وعلى التقدير الذي ذكرنا كان ذلك الخطأ خطأ واقعا في ~~الاجتهاد ، فدخل تحت قوله : ( ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ) ، فكان حمل ~~الكلام عليه أولى . # المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على وجوب الاحتراز عن العجلة ، ووجوب ~~التثبت والتأني وترك PageV16P060 الاغترار بظواهر الأمور والمبالغة في ~~التفحص ، حتى يمكنه أن يعامل كل فريق بما يستحقه من التقريب أو الإبعاد . # المسألة الرابعة : قال قتادة : عاتبه الله كما تسمعون في هذه الآية ، ثم ~~رخص له في سورة النور فقال : { فإذا استذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ~~} ( النور : 62 ) . # المسألة الخامسة : قال أبو مسلم الأصفهاني : قوله : { لم أذنت لهم } ليس ~~فيه ما يدل على أن ذلك الإذن فيما ذا ؟ ا فيحتمل أن بعضهم استأذن في القعود ~~فأذن له ، ويحتمل أن بعضهم استأذن في الخروج فأذن له ، مع أنه ما كان ~~خروجهم معه صوابا ، لأجل أنهم كانوا عيونا للمنافقين على المسلمين ، فكانوا ~~يثيرون الفتن ويبغون الغوائل . فلهذا السبب ، ما كان في خروجهم مع الرسول ~~مصلحة . قال القاضي : هذا بعيد لأن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك على وجه ~~الذم للمتخلفين والمدح للمبادرين ، وأيضا ما بعد هذه الآية يدل على ذم ~~القاعدين وبيان حالهم . # ! 7 < { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الا خر أن يجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين * إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون ~~بالله واليوم الا خر وارتابت قلوبهم فهم فى ريبهم يترددون * ولو أرادوا ms4505 ~~الخروج لأعدوا له عدة ولاكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 44 - 46 ) لا يستأذنك الذين . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : قوله : { لا يستأذنك } أي بعد غزوة تبوك ~~، وقال الباقون : هذا لا يجوز ، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها وردت في ~~قصة تبوك ، والمقصود من هذا الكلام تمييز المؤمنين عن المنافقين ، فإن ~~المؤمنين متى أمروا بالخروج إلى الجهاد تبادروا إليه ولم يتوقفوا ، ~~والمنافقون يتوقفون ويتبلدون ويأتون بالعلل والأعذار . وهذا المقصود حاصل ~~سواء عبر عنه بلفظ المستقبل أو الماضي ، والمقصود أنه تعالى جعل علامة ~~النفاق في ذلك لوقت الاستئذان ، والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر ~~أن يجاهدوا } فيه محذوف ، والتقدير : في أن يجاهدوا . إلا أنه حسن الحذف ~~لظهوره ، ثم ههنا قولان : # القول الأول : إجراء هذا الكلام على ظاهره من غير إضمار آخر ، وعلى هذا ~~التقدير فالمعنى أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا ، ~~وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون لا نستأذن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الجهاد ، فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد أخرى ، فأي فائدة في ~~الاستئذان ؟ وكانوا بحيث لو أمرهم PageV16P061 الرسول بالقعود لشق عليهم ~~ذلك ، ألا ترى أن علي بن أبي طالب لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن قال له الرسول : ( أنت مني ~~بمنزلة هرون من موسى ) . # القول الثاني : أنه لا بد ههنا من إضمار آخر ، قالوا لأن ترك استئذان ~~الإمام في الجهاد غير جائز ، وهؤلاء ذمهم الله في ترك هذا الاستئذان ، فثبت ~~أنه لا بد من الإضمار ، والتقدير : لا يستأذنك هؤلاء في أن لا يجاهدوا ، ~~إلا أنه حذف حرف النفي ، ونظير قوله : { يبين الله لكم أن تضلوا } ( النساء ~~: 176 ) والذي دل على هذا المحذوف أن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن ~~حصول هذا الذم إنما كان على الاستئذان في القعود والله أعلم . # ثم قال تعالى ms4506 : { إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر ~~وارتابت قلوبهم فهم فى ريبهم يترددون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : بين أن هذا الانتقال لا يصدر إلا عند عدم الإيمان بالله ~~واليوم الآخر / ثم لما كان عدم الإيمان قد يكون بسبب الشك فيه ، وقد يكون ~~بسبب الجزم والقطع بعدمه ، بين تعالى أن عدم إيمان هؤلاء إنما كان بسبب ~~الشك والريب ، وهذا يدل على أن الشاك المرتاب غير مؤمن بالله . وههنا ~~سؤالان : # السؤال الأول : أن العلم إذا كان استدلاليا كان وقوع الشك في الدليل يوجب ~~وقوع الشك في المدلول ، ووقع الشك في مقدمة واحدة من مقدمات الدليل يكفي في ~~حصول الشك في صحة الدليل ، فهذا يقتضي أن الرجل المؤمن إذا وقع له سؤال ~~وإشكال في مقدمة من مقدمات دليله أن يصير شاكا في المدلول ، وهذا يقتضي أن ~~يخرج المؤمن عن إيمانه في كل لحظة ، بسبب أنه خطر بباله سؤال وإشكال ، ~~ومعلوم أن ذلك باطل ، فثبت أن بناء الإيمان ليس على الدليل بل على التقليد ~~. فصارت هذه الآية دالة على أن الأصل في الإيمان هو التقليد من هذا الوجه . # والجواب : أن المسلم وإن عرض له الشك في صحة بعض مقدمات دليل واحد إلا أن ~~سائر الدلائل سليمة عنده من الطعن ، فلهذا السبب بقي إيمانه دائما مستمرا . # السؤال الثاني : أليس أن أصحابكم يقولون : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى ، ~~وذلك يقتضي حصول الشك ؟ # والجواب : أنا استقصينا في تحقيق هذه المسألة في سورة الأنفال ، في تفسير ~~قوله : { أولئك هم المؤمنون حقا } ( الأنفال : 74 ) . # المسألة الثانية : قالت الكرامية : الإيمان هو مجرد الإقرار مع أنه تعالى ~~شهد عليهم في هذه الآية بأنهم ليسوا مؤمنين . # المسألة الثالثة : قوله : { وارتابت قلوبهم } يدل على أن محل الريب هو ~~القلب فقط ، ومتى كان محل الريب هو القلب كان محل المعرفة ، والإيمان أيضا ~~هو القلب ، لأن محل أحد الضدين يجب أن يكون هو محلا للضد الآخر ، ولهذا ~~السبب قال تعالى : { أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان } ( المجادلة : 22 ) وإذا ~~كان محل المعرفة والكفر القلب ms4507 ، كان المثاب والمعاقب في الحقيقة هو القلب ~~والبواقي تكون تبعا له . # المسألة الرابعة : قوله : { فهم فى ريبهم يترددون } معناه أن الشاك ~~المرتاب يبقى مترددا بين النفي PageV16P062 والإثبات ، غير حاكم بأحد ~~القسمين ولا جازم بأحد النقيضين . وتقريره : أن الإعتقاد إما أن يكون جازما ~~أو لا يكون ، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقا ، فإن كان ~~غير يقين فهو العلم ، وإلا فهو اعتقاد المقلد . وإن كان غير جازم ، فإن كان ~~أحد الطرفين راجحا فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم . وإن اعتدل الطرفان ~~فهو الريب والشك ، وحينئذ يبقى الإنسان مترددا بين الطرفين . # / ثم قال تعالى : { ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة } قرىء { * عدته } ~~وقرىء أيضا { إن عدة } بكسر العين بغير إضافة وبإضافة ، قال ابن عباس : ~~يريد من الزاد والماء والراحلة ، لأن سفرهم بعيد وفي زمان شديد ، وتركهم ~~العدة دليل على أنهم أرادوا التخلف . وقال آخرون : هذا إشارة إلى أنهم ~~كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدة . # ثم قال تعالى : { ولاكن كره الله انبعاثهم فثبطهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الانبعاث : الانطلاق في الأمر ، يقال بعثت البعير ~~فانبعث وبعثته لأمر كذا فانبعث ، وبعثه لأمر كذا أي نفذه فيه ، والتثبيط رد ~~الإنسان على الفعل الذي هم به ، والمعنى : أنه تعالى كره خروجهم مع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فصرفهم عنه . # فإن قيل : إن خروجهم مع الرسول إما أن يقال إنه كان مفسدة وإما أن يقال ~~إنه كان مصلحة . # فإن قلنا : إنه كان مفسدة ، فلم عاتب الرسول في إذنه إياهم في القعود ؟ ~~وإن قلنا : إنه كان مصلحة ، فلم قال إنه تعالى كره انبعاثهم وخروجهم ؟ # والجواب الصحيح : أن خروجهم مع الرسول ما كان مصلحة ، بدليل أنه تعالى ~~صرح بعد هذه الآية وشرح تلك المفاسد وهو قوله : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم ~~إلا خبالا } ( التوبة : 47 ) بقي أن يقال فلما كان الأصوب الأصلح أن لا ~~يخرجوا ، فلم عاتب الرسول في الإذن ؟ فنقول : قد حكينا عن أبي مسلم أنه قال ~~: ليس في قوله { لم أذنت لهم } أنه ms4508 عليه الصلاة والسلام كان قد أذن لهم في ~~القعود ، بل يحتمل أن يقال إنهم استأذنوه في الخروج معه فأذن لهم ، وعلى ~~هذا التقدير فإنه يسقط السؤال ، قال أبو مسلم والدليل على صحة ما قلنا إن ~~هذه الآية دلت على أن خروجهم معه كان مفسدة ، فوجب حمل ذلك العتاب على أنه ~~عليه الصلاة والسلام أذن لهم في الخروج معه ، وتأكد ذلك بسائر الآيات / ~~منها قوله تعالى : { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن ~~تخرجوا معى أبدا } ( التوبة : 83 ) ومنها قوله تعالى : { سيقول المخلفون ~~إذا انطلقتم } ( الفتح : 15 ) إلى قوله : { قل لن تتبعونا } فهذا دفع هذا ~~السؤال على طريقة أبي مسلم . # والوجه الثاني : من الجواب أن نسلم أن العتاب في قوله : { لم أذنت لهم } ~~إنما توجه لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهم في القعود ، فنقول : ذلك ~~العتاب ما كان لأجل أن ذلك القعود كان مفسدة ، بل لأجل أن إذنه عليه الصلاة ~~والسلام بذلك القعود كان مفسدة وبيانه من وجوه : الأول : أنه عليه الصلاة ~~والسلام أذن قبل إتمام التفحص وإكمال التأمل والتدبر ، ولهذا السبب قال ~~تعالى : { لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } والثاني ~~: أن بتقدير أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يأذن لهم في القعود ؛ فهم ~~كانوا يقعدون من تلقاء أنفسهم ، وكان يصير ذلك القعود / علامة على نفاقهم ، ~~وإذا ظهر نفاقهم احترز المسلمون منهم ولم PageV16P063 يغتروا بقولهم ، فلما ~~أذن الرسول في القعود بقي نفاقهم مخفيا وفاتت تلك المصالح . والثالث : أنهم ~~لما استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب عليهم وقال : { اقعدوا مع ~~القاعدين } على سبيل الزجر كما حكاه الله في آخر هذه الآية وهو قوله : { ~~وقيل اقعدوا مع القاعدين } ثم إنهم اغتنموا هذه اللفظة وقالوا : قد أذن لنا ~~فقال تعالى : { لم أذنت لهم } أي لم ذكرت عندهم هذا اللفظ الذي أمكنهم أن ~~يتوسلوا به إلى تحصيل غرضهم ؟ الرابع : أن الذين يقولون الاجتهاد غير جائز ~~على الأنبياء عليهم السلام قالوا : إنه إنما أذن بمقتضى الاجتهاد ، وذلك ms4509 ~~غير جائز ، لأنهم لما تمكنوا من الوحي وكان الإقدام على الاجتهاد مع التمكن ~~من الوحي جاريا مجرى الإقدام على الاجتهاد مع حصول النص ، فكما أن هذا غير ~~جائز فكذا ذاك . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة البصرية : الآية دالة على أنه تعالى كما ~~هو موصوف بصفة المريدية هو موصوف بصفة الكارهية ، بدليل قوله تعالى : { ~~ولاكن كره الله انبعاثهم } قال أصحابنا : معنى { كره الله } أراد عدم ذلك ~~الشيء . قال البصرية : العدم لا يصلح أن يكون متعلقا ، وذلك لأن الإرادة ~~عبارة عن صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر ، والعدم نفي محض ، ~~وأيضا فالعدم المستمر لا تعلق للإرادة بالعدم به ، لأن تحصيل الحاصل محال ، ~~وجعل العدم عدما محال ، فثبت أن تعلق الإرادة بالعدم محال ، فامتنع القول ~~بأن المراد من الكراهة إرادة العدم . # أجاب أصحابنا : بأنا نفسر الكراهة في حق الله بإرادة ضد ذلك الشيء ، فهو ~~تعالى أراد منهم السكون ، فوقع التعبير عن هذه الإرادة بكونه تعالى كارها ~~لخروجهم مع الرسول . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله تعالى : { ~~فثبطهم } أي فكسلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث ، وحاصل الكلام فيه لا يتم إلا ~~إذا صرحنا بالحق ، وهو أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي إليه ، فإذا ~~صارت الداعية فاترة مرجوحة امتنع صدور الفعل عنه ، ثم إن صيرورة تلك ~~الداعية جازمة أو فاترة ، إن كانت من العبد لزم التسلسل ، وإن كانت من الله ~~؛ فحينئذ لزم المقصود . لأن تقوية الداعية ليست إلا من الله ، ومتى حصلت ~~تلك التقوية لزم حصول الفعل ، وحينئذ يصح قولنا في مسألة القضاء والقدر . ~~ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { وقيل اقعدوا مع القاعدين } وفيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : المقصود منه التنبيه على ذمهم وإلحاقهم بالنساء ~~والصبيان والعاجزين الذين شأنهم القعود في البيوت / وهم القاعدون والخالفون ~~والخوالف على ما ذكره في قوله : { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } . # / المسألة الثانية : اختلفوا في أن هذا القول ممن كان ؟ فيحتمل أن يكون ~~القائل بذلك هو الشيطان على سبيل الوسوسة ، ويحتمل أن يكون بعضهم قال ذلك ms4510 ~~لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف ، لأن من يتولى الفساد يحب التكثر ~~بأشكاله ، ويحتمل أن يكون القائل هو الرسول صلى الله عليه وسلم لما أذن لهم ~~في التخلف فعاتبه الله ، ويحتمل أن يكون القائل هو الله سبحانه لأنه قد كره ~~خروجهم للإفساد ، وكان المراد إذا كنتم مفسدين فقد كره الله انبعاثكم على ~~هذا الوجه فأمركم بالقعود عن هذا الخروج المخصوص . # PageV16P064 ! 7 < { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم ~~يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 47 ) لو خرجوا فيكم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية أنواع المفاسد الحاصلة من خروجهم ~~وهي ثلاثة : الأول : قوله : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : الخبال والشر والفساد في كل شيء ، ومنه يسمى العته ~~بالخبل ، والمعتوه بالمخبول ، وللمفسرين عبارات قال الكلبي : إلا شرا ، ~~وقال يمان : إلا مكرا ، وقيل : إلا غيا ، وقال الضحاك : إلا غدرا ، وقيل : ~~الخبال الاضطراب في الرأي ، وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لقوم أخرين ، ~~ليختلفوا وتفترق كلمتهم . # المسألة الثانية : قال بعض النحويين قوله : { إلا خبالا } من الاستثناء ~~المنقطع وهو أن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، كقولك : ما زادوكم ~~خيرا إلا خبالا ، وههنا المستثنى منه غير مذكور وإذا لم يذكر وقع الاستثناء ~~من الأعم . والعام هو الشيء ، فكان الاستثناء متصلا ، والتقدير : ما زادوكم ~~شيئا إلا خبالا . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : إنه تعالى بين في الآية الأولى أنه ~~كره انبعاثهم ، وبين في هذه الآية أنه إنما كره ذلك الانبعاث لكونه مشتملا ~~على هذا الخبال والشر والفتنة ، وذلك يدل على أنه تعالى يكره الشر والفتنة ~~والفساد على الإطلاق ، ولا يرضى إلا بالخير ، ولا يريد إلا الطاعة . # النوع الثاني : من المفاسد الناشئة من خروجهم قوله تعالى : { ولاوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة } وفي الإيضاح قولان نقلهما الواحدي . # / القول الأول : وهو قول أكثر أهل اللغة ، أن الأيضاع حمل البعير على ~~العدو ، ولا يجوز أن يقال : أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيرا حثيثا . يقال : ~~وضع البعير إذا عدا ms4511 وأوضعه الراكب إذا حمله عليه . قال الفراء : العرب تقول ~~: وضعت الناقة ، وأوضع الراكب ، وربما قالوا للراكب وضع . # والقول الثاني : وهو قول الأخفش وأبي عبيد أنه يجوز أن يقال : أوضع الرجل ~~إذا سار بنفسه سيرا حثيثا من غير أن يراد أنه وضع ناقته ، روى أبو عبيد أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر ~~وقال لبيد : # % أرانا موضعين لحكم غيب % % ونسخو بالطعام وبالشراب % # أراد مسرعين ، ولا يجوز أن يكون يريد موضعين الإبل لأنه لم يرد السير في ~~الطريق ، وقال عمر بن أبي ربيعة : # % تبالهن بالعدوان لما عرفنني % % وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا % # قال الواحدي : والآية تشهد لقول الأخفش وأبي عبيد . PageV16P065 # واعلم أن على القولين : فالمراد من الآية السعي بين المسلمين بالتضريب ~~والنمائم ، فإن اعتبرنا القول الأول كان المعنى : ولأوضعوا ركائبهم بينكم ، ~~والمراد الإسراع بالنمائم ، لأن الراكب أسرع من الماشي ، وإن اعتبرنا القول ~~الثاني كان المراد أنهم يسرعون في هذا التضريب . # المسألة الرابعة : نقل صاحب ( الكشاف ) عن ابن الزبير أنه قرأ { * ~~ولأوقصوا } من وقصت الناقة وقصا إذا أسرعت وأوقصتها ، وقرىء ولأرفضوا . # فإن قيل : كيف كتب في المصحف { ولا } بزيادة الألف ؟ # أجاب صاحب ( الكشاف ) بأن الفتحة كانت ألفا قبل الخط العربي والخط العربي ~~اخترع قريبا من نزول القرآن وقد بقي في ذلك الألف أثر في الطباع ، فكتبوا ~~صورة الهمزة ألفا وفتحتها ألفا أخرى ونحوه { أولا } . # المسألة الخامسة : قوله : { ولاوضعوا خلالكم } أي فيما بينكم ، ومنه قوله ~~: { وفجرنا خلالهما نهرا } ( الكهف : 33 ) وقوله : { فجاسوا خلال الديار } ~~( الإسراء : 5 ) وأصله من الخلل ، وهو الفرجة بين الشيئين وجمعه خلال ، ~~ومنه قوله : { فترى الودق يخرج من خلاله } ( النور : 43 ) وقرىء من { * ~~خلله } وهي مخارج مصب القطر ، وقال الأصمعي : تخللت القوم إذا دخلت بين ~~خللهم وخلالهم . ويقال : جلسنا خلال بيوت الحي وخلال دورهم أي جلسنا بين ~~البيوت ووسط الدور . # / إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { خبالا ولاوضعوا خلالكم } أي بالنميمة ~~والإفساد وقوله : { يبغونكم الفتنة } أي يبغون لكم ، وقال الأصمعي : ابغني ~~كذا أي اطلبه ms4512 لي ، ومعنى ابغني وابغ لي ، سواء ، وإذا قال ابغني ، فمعناه : ~~أعني على ما بغيته ، ومعنى { الفتنة } ههنا افتراق الكلمة وظهور التشويش . # واعلم أن حاصل الكلام هو أنهم لو خرجوا فيهم ما زادوهم إلا خبالا ، ~~والخبال هو الإفساد الذي يوجب اختلاف الرأي وهو من أعظم الأمور التي يجب ~~الاحتراز عنها في الحروب لأن عند حصول الاختلاف في الرأي يحصل الانهزام ~~والانكسار على أسهل الوجوه . ثم بين تعالى أنهم لا يقتصرون على ذلك بل ~~يمشون بين الأكابر بالنميمة فيكون الإفساد أكثر ، وهو المراد بقوله : { ~~ولاوضعوا خلالكم } . # فأما قوله : { وفيكم سماعون لهم } ففيه قولان : الأول : المراد : فيكم ~~عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم ، وهذا قول مجاهد وابن زيد . والثاني ~~: قال قتادة : فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم ، فإذا ألقوا إليهم أنواعا ~~من الكلمات الموجبة لضعف القلب قبلوها وفتروا بسببها عن القيام بأمر الجهاد ~~كما ينبغي . # فإن قيل : كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم ونيتهم في الجهاد ؟ # قلنا : لا يمتنع فيمن قرب عهده بالإسلام أن يؤثر قول المنافقين فيهم ولا ~~يمتنع كون بعض الناس مجبولين على الجبن والفشل وضعف القلب ، فيؤثر قولهم ~~فيهم ، ولا يمتنع أن يكون بعض المسلمين من أقارب رؤساء المنافقين فينظرون ~~إليهم بعين الإجلال والتعظيم ، فلهذا السبب يؤثر قول هؤلاء الأكابر من ~~المنافقين فيهم ، ولا يمتنع أيضا أن يقال : المنافقون على قسمين : منهم من ~~يقتصر على النفاق ولا يسعى في الأرض بالفساد ، ثم إن الفريق الثاني من ~~المنافقين يحملونهم على السعي بالفساد بسبب إلقاء الشبهات والأراجيف إليهم ~~. PageV16P066 # ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : { والله عليم بالظالمين } الذين ظلموا ~~أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم ، وظلموا غيرهم بسبب أنهم سعوا في إلقاء غيرهم ~~في وجوه الآفات والمخالفات . والله أعلم . # ! 7 < { لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جآء الحق وظهر ~~أمر الله وهم كارهون * ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى ألا فى الفتنة ~~سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 48 - 49 ) لقد ابتغوا الفتنة . . . . . # > > # اعلم أن المذكور ms4513 في هذه الآية نوع آخر من مكر المنافقين وخبث باطنه فقال ~~: { لقد ابتغوا الفتنة من قبل } أي من قبل واقعة تبوك . قال ابن جريج : هو ~~أن اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتكوا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد ~~حين انصرف عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ، وقيل : طلبوا صد أصحابك ~~عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنك ، ومعنى الفتنة هو الاختلاف ~~الموجب للفرقة بعد الألفة ، وهو الذي طلبه المنافقون للمسلمين وسلمهم الله ~~منه ، وقوله : { وقلبوا لك الامور } تقليب الأمر تصريفه وترديده لأجل ~~التدبر والتأمل فيه ، يعني اجتهدوا في الحيلة عليك والكيد بك . يقال : في ~~الرجل المتصرف في وجوه الحيل فلان حول قلب ، أي يتقلب في وجوه الحيل . # ثم قال تعالى : { حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون } والمعنى : أن ~~هؤلاء المنافقين كانوا مواظبين على وجه الكيد والمكر وإثارة الفتنة وتنفير ~~الناس عن قبول الدين حتى جاء الحق الذي كان في حكم المذاهب ، والمراد منه ~~القرآن ودعوة محمد ، وظهر أمر الله الذي كان كالمستور والمراد بأمر الله ~~الأسباب التي أظهرها الله تعالى وجعلها مؤثرة في قوة شرع محمد عليه الصلاة ~~والسلام ، وهم لها كارهون أي وهم لمجيء هذا الحق وظهور أمر الله كارهون ، ~~وفيه تنبيه على أنه لا أثر لمكرهم وكيدهم ومبالغتهم في إثارة الشر ، فإنهم ~~منذ كانوا في طلب هذا المكر والكيد ، والله تعالى رده في نحرهم وقلب مرادهم ~~وأتى بضد مقصودهم ، فلما كان الأمر كذلك في الماضي ، فهذا يكون في المستقبل ~~. # ثم قال تعالى : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى } يريد ائذن لي في ~~القعود ولاتفتني بسبب الأمر بالخروج ، وذكروا فيه وجوها : الأول : لا تفتني ~~أي لا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي ، فإنك إن منعتني من ~~القعود وقعدت بغير إذنك وقعت في الإثم ، وعلى هذا التقدير فيحتمل أن يكونوا ~~ذكروه على سبيل السخرية ، وإن يكونوا ms4514 أيضا ذكروه على سبيل الجد ، وإن كان ~~ذلك المنافق منافقا كان يغلب على ظنه كون محمد عليه السلام صادقا ، وإن كان ~~غير قاطع بذلك . والثاني : لا تفتني أي لا تلقني في الهلاك فإن الزمان زمان ~~شدة الحر ولا طاقة لي بها . والثالث : لا تفتني فإني إن خرجت معك هلك مالي ~~وعيالي . والرابع : قال الجد بن قيس : قد علمت الأنصار أني مغرم / بالنساء ~~فلا تفتني ببنات الأصفر ، يعني نساء الروم ، ولكني أعينك بمال PageV16P067 ~~فاتركني ، وقرىء { ولا تفتنى } من أفتنة { ألا فى الفتنة سقطوا } والمعنى ~~أنهم يحترزون عن الوقوع في الفتنة ، وهم في الحال ما وقعوا إلا في الفتنة ، ~~فإن أعظم أنواع الفتنة الكفر بالله ورسوله ، والتمرد عن قبول التكليف . ~~وأيضا فهم يبقون خالفين عن المسلمين ، خائفين من أن يفضحهم الله ، وينزل ~~آيات في شرح نفاقهم وفي مصحف أبي { سقط } لأن لفظ من موحد اللفظ مجموع ~~المعنى . قال أهل المعاني : وفيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض ما ، فإنه ~~تعالى يبطل عليه ذلك الغرض ، ألا ترى أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا ~~يقعوا في الفتنة ، فالله تعالى بين أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون . # ثم قال تعالى : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } قيل : إنها تحيط بهم يوم ~~القيامة . وقيل إن أسباب تلك الإحاطة حاصلة في الحال ، فكأنهم في وسطها . ~~وقال الحكماء الإسلامية : إنهم كانوا محرومين من نور معرفة الله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وما كانوا يعتقدون لأنفسهم كمالا وسعادة سوى ~~الدنيا وما فيها من المال والجاه ، ثم إنهم اشتهروا بين الناس بالنفاق ~~والطعن في الدين . وقصد الرسول بكل سوء ، وكانوا يشاهدون أن دولة الإسلام ~~أبدا في الترقي والاستعلاء والتزايد ، وكانوا في أشد الخوف على أنفسهم ، ~~وأولادهم وأموالهم والحاصل أنهم كانوا محرومين عن كل السعادات الروحانية ، ~~فكانوا في أشد الخوف ، بسبب الأحوال العاجلة ، والخوف الشديد مع الجهل ~~الشديد ، أعظم أنواع العقوبات الروحانية ، فعبر الله تعالى عن تلك الأحوال ~~بقوله : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } . # ! 7 < { إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا ms4515 قد أخذنا أمرنا من قبل ~~ويتولوا وهم فرحون * قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 50 - 51 ) إن تصبك حسنة . . . . . # > > # اعلم أن هذا نوع آخر من كيد المنافقين ومن حبث بواطنهم ، والمعنى : إن ~~تصبك في بعض الغزوات حسنة سواء كان ظفرا ، أو كان غنيمة ، أو كان انقيادا ~~لبعض ملوك الأطراف ، يسؤهم ذلك ، وإن تصبك مصيبة من نكبة وشدة ومصيبة ~~ومكروه يفرحوا به ، ويقولوا قد أخذنا أمرنا الذي نحن مشهورون به ، وهو ~~الحذر والتيقظ والعمل بالحزم ، من قبل أي قبل ما وقع وتولوا عن / مقام ~~التحدث بذلك ، والاجتماع له إلى أهاليهم ، وهم فرحون مسرورون ، ونقل عن ابن ~~عباس أن الحسنة في يوم بدر ، والمصيبة في يوم أحد ، فإن ثبت بخبر أن هذا هو ~~المراد وجب المصير إليه ، وإلا فالواجب حمله على كل حسنة ، وعلى كل مصيبة ، ~~إذ المعلوم من حال المنافقين أنهم في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ~~ذكره الله ههنا . # ثم قال تعالى : { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } وفيه أقوال : # القول الأول : أن المعنى أنه لن يصيبنا خير ولا شر ، ولا خوف ولا رجاء ، ~~ولا شدة ولا رخاء ، إلا وهو PageV16P068 مقدرعلينا مكتوب عند الله ، وكونه ~~مكتوبا عند الله يدل على كونه معلوما عند الله مقضيا به عند الله ، فإن ما ~~سواه ممكن ، والممكن لا يترجح إلا بترجيح الواجب ، والممكنات بأسرها منتهية ~~إلى قضائه وقدره . # واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في أن قضاء الله شامل لكل المحدثات ~~وأن تغير الشيء عما قضى الله به محال ، وتقرير هذا الكلام من وجوه : أحدها ~~: أن الموجود إما واجب وإما ممكن ، والممكن يمتنع أن يترجح أحد طرفيه على ~~الآخر لنفسه ، فوجب انتهاؤه إلى ترجيح الواجب لذاته ، وما سواه فواجب ~~بإيجاده وتأثيره وتكوينه . ولهذا المعنى قال النبي عليه السلام : ( جف ~~القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) وثانيها : أن الله تعالى لما كتب جميع ~~الأحوال في اللوح المحفوظ فقد علمها وحكم ms4516 بها ، فلو وقع الأمر بخلافها لزم ~~انقلاب العلم جهلا والحكم الصدق كذبا ، وكل ذلك محال ، وقد أطنبنا في شرح ~~هذه المناظرة في تفسير قوله تعالى : { إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) . # فإن قيل : إنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام تسلية للرسول في فرحهم بحزنه ~~ومكارهه فأي تعلق لهذا المذهب بذلك ؟ # قلنا : السبب فيه قوله صلى الله عليه وسلم : ( من علم سر الله في القدر ~~هانت عليه المصائب ) فإنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع ، ~~زالت المنازعة عن النفس وحصل الرضا به . # القول الثاني : في تفسير هذه الآية أن يكون المعنى { لن يصيبنا إلا ما ~~كتب الله لنا } أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدو والاستيلاء عليهم ، ~~والمقصود أن يظهر للمنافقين أن أحوال الرسول والمسلمين وإن كانت مختلفة في ~~السرور والغم ، إلا أن في العاقبة الدولة لهم والفتح والنصر والظفر من ~~جانبهم ، فيكون ذلك اغتياظا للمنافقين وردا عليهم في ذلك الفرح . # والقول الثالث : قال الزجاج : المعنى إذا صرنا مغلوبين صرنا مستحقين ~~للأجر العظيم ، / والثواب الكثير ، وإن صرنا غالبين ، صرنا مستحقين للثواب ~~في الآخرة ، وفزنا بالمال الكثير والثناء الجميل في الدنيا ، وإذا كان ~~الأمر كذلك ، صارت تلك المصائب والمحزنات في جنب هذا الفوز بهذه الدرجات ~~العالية متحملة / وهذه الأقوال وإن كانت حسنة ، إلا أن الحق الصحيح هو ~~الأول . # ثم قال تعالى : { هو مولانا } والمراد به ما يقوله أصحابنا أنه سبحانه ~~يحسن منه التصرف في العالم كيف شاء ، وأراد لأجل أنه مالك لهم وخالق لهم ، ~~ولأنه لا اعتراض عليه في شيء من أفعاله ، فهذا الكلام ينطبق على ما تقدم ، ~~ولذا قلنا إنه تعالى وإن أوصل إلى بعض عبيده أنواعا من المصائب فإنه يجب ~~الرضا بها لأنه تعالى مولاهم وهم عبيده ، فحسن منه تعالى تلك التصرفات ، ~~بمجرد كونه مولى لهم ، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله . # ثم قال تعالى : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } معناه أنه وإن لم يجب ~~عليه لأحد من ms4517 العبيد شيء من الأشياء ولا أمر من الأمور إلا أنه مع هذا عظيم ~~الرحمة كثير الفضل والإحسان ، فوجب أن لا يتوكل المؤمن في الأصل إلا عليه ، ~~وأن يقطع طمعه إلا من فضله ورحمته ، لأن قوله : { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } يفيد الحصر ، وهذا كالتنبيه على أن حال المنافقين بالضد من ذلك ~~وأنهم لا يتوكلون إلا على الأساب الدنيوية واللذات العاجلة الفانية . # PageV16P069 ! 7 < { قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم ~~أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون } . > 7 ~~! # < < # | التوبة : ( 52 ) قل هل تربصون . . . . . # > > اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين ، ~~وذلك لأن المسلم إذا ذهب إلى الغزو ، فإن صار مغلوبا مقتولا فاز بالاسم ~~الحسن في الدنيا والثواب العظيم الذي أعده الله للشهداء في الآخرة ، وإن ~~صار غالبا فاز في الدنيا بالمال الحلال والاسم الجميل ، وهي الرجولية ~~والشوكة والقوة ، وفي الآخرة بالثواب العظيم . وأما المنافق إذا قعد في ~~بيته فهو في الحال في بيته مذموما منسوبا إلى الجبن والفشل وضعف القلب ~~والقناعة بالأمور الخسيسة من الدنيا على وجه يشاركه فيها النسوان والصبيان ~~والعاجزون من النساء ، ثم يكونون أبدا خائفين على أنفسهم وأولادهم وأموالهم ~~، وفي الآخرة إن ماتوا فقد انتقلوا إلى العذاب الدائم في القيامة ، وإن أذن ~~الله في قتلهم / وقعوا في القتل والأسر والنهب ، وانتقلوا من الدنيا إلى ~~عذاب النار ، فالمنافق لا يتربص بالمؤمن إلا إحدى الحالتين المذكورتين ، ~~وكل واحدة منهما في غاية الجلالة والرفعة والشرف ، والمسلم يتربص بالمنافق ~~إحدى الحالتين المذكورتين ، أعني البقاء في الدنيا مع الخزي والذل والهوان ~~، ثم الانتقال إلى عذاب القيامة والوقوع في القتل والنهب مع الخزي والذل ، ~~وكل واحدة من هاتين الحالتين في غاية الخساسة والدناءة ، ثم قال تعالى ~~للمنافقين : { فتربصوا } بنا إحدى الحالتين الشريفتين { إنا معكم متربصون } ~~وقوعكم في إحدى الحالتين الخسيستين النازلتين . قال الواحدي : يقال فلان ~~يتربص بفلان الدوائر ، وإذا كان ينتظر وقوع مكروه به ، وهذا قد سبق الكلام ~~فيه . وقال أهل المعاني : التربص ms4518 ، التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ، ولذلك ~~قيل : فلان يتربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين زيادة سعره ، والحسنى تأنيث ~~الأحسن . واختلفوا في تفسير قوله : { بعذاب من عنده أو بأيدينا } قيل : من ~~عند الله . أي بعذاب ينزله الله عليهم في الدنيا ، أو بأيدينا بأن يأذن لنا ~~في قتلكم . وقيل : بعذاب من عند الله ، يتناول عذاب الدنيا والآخرة ، أو ~~بأيدينا القتل . # فإن قيل : إذا كانوا منافقين لا يحل قتلهم مع إظهارهم الإيمان ، فكيف ~~يقول تعالى ذلك ؟ # قلنا قال الحسن : المراد بأيدينا إن ظهر نفاقكم ، لأن نفاقهم إذا ظهر ~~كانوا كسائر المشركين في كونهم حربا للمؤمنين ، وقوله : { فتربصوا } وإن ~~كان بصيغة الأمر ، إلا أن المراد منه التهديد ، كما في قوله : { ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم } والله أعلم . # ! 7 < { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين } . ~~> 7 @QB@ < # | التوبة : ( 53 ) قل أنفقوا طوعا . . . . . # > > PageV16P070 # اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن عاقبة هؤلاء المنافقين هي ~~العذاب في الدنيا وفي الآخرة ، بين أنهم وإن أتوا بشيء من أعمال البر فإنهم ~~لا ينتفعون به في الآخرة ، والمقصود بيان أن أسباب العذاب في الدنيا ~~والآخرة مجتمعة في حقهم ، وأن أسباب الراحة والخير زائلة عنهم في الدنيا ~~وفي الآخرة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { كرها } بضم الكاف ههنا ، وفي ~~النساء والأحقاف ، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم من المشقة ، وفي ~~النساء والتوبة بالفتح من الإكراه والباقون بفتح الكاف في جميع ذلك . فقيل ~~: هما لغتان . وقيل : بالضم المشقة وبالفتح ما أكرهت عليه . # / المسألة الثانية : قال ابن عباس : نزلت في الجد بن قيس حين قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ائذن لي في القعود وهذا ما لي أعينك به . # واعلم أن السبب وإن كان خاصا إلا أن الحكم عام ، فقوله : { أنفقوا طوعا ~~أو كرها } وإن كان لفظه لفظ أمر ، إلا أن معناه معنى الشرط والجزاء . ~~والمعنى : سواء أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يقبل ذلك منكم . # واعلم أن الخبر والأمر يتقاربان ms4519 ، فيحسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر ~~. أما إقامة الأمر مقام الخبر ، فكما ههنا ، وكما في قوله : { استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم } ( التوبة : 80 ) وفي قوله : { قل من كان فى الضلالة ~~فليمدد له الرحمان مدا } ( مريم : 75 ) وأما إقامة الخبر مقام الأمر ، ~~فكقوله : { والوالدات يرضعن أولادهن } ( البقرة : 233 ) } المطلقات يتربصن ~~بأنفسهن } ( البقرة : 288 ) وقال كثير : # % أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة % % لدينا ولا مقلية إن تقلت % # وقوله : { * } المطلقات يتربصن بأنفسهن } ( البقرة : 288 ) وقال كثير : # % أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة % % لدينا ولا مقلية إن تقلت % # وقوله : { * } ( البقرة : 288 ) وقال كثير : # % أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة % % لدينا ولا مقلية إن تقلت % # وقوله : { طوعا أو كرها } يريد طائعين أو كارهين . وفيه وجهان : الأول : ~~طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو مكرهين من قبل الله ورسوله ، وسمى ~~الإلزام إكراها لأنهم منافقون ، فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقا عليهم ~~كالإكراه ، والثاني : أن يكون التقدير : طائعين من غير إكراه من رؤسائكم ، ~~لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون الاتباع على الإنفاق لما يرون من ~~المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم . # ثم قال تعالى : { لن يتقبل منكم } يحتمل أن يكون المراد أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لا يتقبل تلك الأموال منهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنها لا ~~تصير مقبولة عند الله . # ثم قال تعالى : { إنكم كنتم قوما فاسقين } وهذا إشارة إلى أن عدم القبول ~~معلل بكونهم فاسقين . قال الجبائي : دلت الآية على أن الفسق يحبط الطاعات ، ~~لأنه تعالى بين أن نفقتهم لا تقبل البتة ، وعلل ذلك بكونهم فاسقين ، ومعنى ~~التقبل هو الثواب والمدح ، وإذا لم يتقبل ذلك كان معناه أنه لا ثواب ولا ~~مدح ، فلما علل ذلك بالفسق دل على أن الفسق يؤثر في إزالة هذا المعنى / ثم ~~إن الجبائي أكد ذلك بدليلهم المشهور في هذه المسألة ، وهو أن الفسق يوجب ~~الذم والعقاب الدائمين ، والطاعة توجب المدح والثواب الدائمين ، والجمع ~~بينهما محال . فكان الجمع بين حصول استحقاقهما محالا . # واعلم أنه كان الواجب عليه ms4520 أن لا يذكر هذا الاستدلال بعد ما أزال الله ~~هذه الشبهة على أبلغ الوجوه ، وهو قوله : { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم ~~إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله } فبين تعالى / بصريح هذا اللفظ أنه ~~PageV16P071 لا مؤثر في منع قبول هذه الأعمال إلا الكفر ، وعند هذا يصير ~~هذا الكلام من أوضح الدلائل على أن الفسق لا يحبط الطاعات ، لأنه تعالى لما ~~قال : { إنكم كنتم قوما فاسقين } فكأنه سأل سائل وقال : هذا الحكم معلل ~~بعموم كون تلك الأعمال فسقا ، أو بخصوص كون تلك الأعمال موصوفة بذلك الفسق ~~؟ فبين تعالى به ما أزال هذه الشبهة ، وهو أن عدم القبول غير معلل بعموم ~~كونه فسقا ، بل بخصوص وصفه وهو كون ذلك الفسق كفرا . فثبت أن هذا الاستدلال ~~باطل . # ! 7 < { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ~~ولا يأتون الصلواة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 54 ) وما منعهم أن . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : دل صريح هذه الآية على أنه لا تأثير للفسق من حيث إنه ~~فسق في هذا المنع ، وذلك صريح في بطلان قول المعتزلة على ما لخصناه وبيناه ~~. # المسألة الثانية : ظاهر اللفظ يدل على أن منع القبول بمجموع الأمور ~~الثلاثة ، وهي الكفر بالله ورسوله ، وعدم الإتيان بالصلاة إلا على وجه ~~الكسل ، والإنفاق على سبيل الكراهية . # ولقائل أن يقول : الكفر بالله سبب مستقل في المنع من القبول ، وعند حصول ~~السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر ، فكيف يمكن إسناد هذا الحكم إلى السببين ~~الباقيين ؟ # وجوابه : أن هذا الإشكال إنما يتوجه على قول المعتزلة ، حيث قالوا : إن ~~الكفر لكونه كفرا يؤثر في هذا الحكم ، أما عندنا فإن شيئا من الأفعال لا ~~يوجب ثوابا ولا عقابا البتة ، وإنما هي معرفات واجتماع المعرفات الكثيرة ~~على الشيء الواحد محال ، بل نقول : إن هذا من أقوى الدلائل اليقينية على أن ~~هذه الأفعال غير مؤثرة في هذه الأحكام لوجوه عائدة إليها ، والدليل عليه ~~أنه تعالى بين أنه حصلت هذه الأمور الثلاثة في حقهم ، فلو ms4521 كان كل واحد منها ~~موجبا تاما لهذا الحكم ، لزم أن يجتمع على الأثر الواحد أسباب مستقلة ، ~~وذلك محال ، لأن المعلول يستغنى بكل واحد منها عن كل واحد منها ، فيلزم ~~افتقاره إليها بأسرها حال استغنائه عنها بأسرها ، وذلك / محال ، فثبت أن ~~القول بكون هذه الأفعال مؤثرة في هذه الأحكام يفضي إلى هذا المحال ، فكان ~~القول به باطلا . # المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن شيئا من أعمال البر لا يكون ~~مقبولا عند الله مع الكفر بالله . # فإن قيل : فكيف الجمع بينه وبين قوله : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ~~. # قلنا : وجب أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب ، ودلت الآية على أن ~~الصلاة لازمة للكافر ، ولولا ذلك لما ذمهم الله تعالى على فعلهاعلى وجه ~~الكسل . PageV16P072 # فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال الموجب للذم ليس هو ترك الصلاة ؟ بل ~~الموجب للذم هو الإتيان بها على وجه الكسل جاريا مجرى سائر تصرفاتها من ~~قيام وقعود ، وكما لا يكون قعودهم على وجه الكسل مانعا من تقبل طاعتهم ، ~~فكذلك كان يجب في صلاتهم لو لم تجب عليهم . # المسألة الرابعة : مضى تفسير الكسالى في سورة النساء . قال صاحب ( الكشاف ~~) : { كسالى } بالضم والفتح جمع الكسلان : نحو سكارى وحيارى في سكران ~~وحيران . قال المفسرون : هذا الكسل معناه أنه إن كان في جماعة صلى ، وإن ~~كان وحده لم يصل . قال المصنف : إن هذا المعنى إنما أثر في منع قبول ~~الطاعات ، لأن هذا المعنى يدل على أنه لا يصلي طاعة لأمر الله وإنما يصلي ~~خوفا من مذمة الناس ، وهذا القدر لا يدل على الكفر . أما لما ذكره الله ~~تعالى بعد أن وصفهم بالكفر ، دل على أن الكسل إنما كان لأنهم يعتقدون أنه ~~غير واجب ، وذلك يوجب الكفر . # أما قوله : { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } فالمعنى : أنهم لا ينفقون لغرض ~~الطاعة ، بل رعاية للمصلحة الظاهرة ، وذلك أنهم كانوا يعدون الإنفاق مغرما ~~وضيعة بينهم ، وهذا يوجب أن تكون النفس طيبة عند أداء الزكاة والإنفاق في ~~سبيل الله ، لأن الله تعالى ms4522 ذم المنافقين بكراهتهم الإنفاق ، وهذا معنى ~~قوله عليه السلام : ( أدوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم ) فإن أداها وهو ~~كاره لذلك كان من علامات الكفر والنفاق . قال المصنف رضي الله عنه : حاصل ~~هذه المباحث يدل على أن روح الطاعات الإتيان بها لغرض العبودية والانقياد ~~في الطاعة ، فإن لم يؤت بها لهذا الغرض ، فلا فائدة فيه ، بل ربما صارت ~~وبالا على صاحبها . # المسألة الخامسة : { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم } قرأ حمزة والكسائي ~~{ ءان * يقبل } بالياء والباقون بالتاء على التأنيث . وجه الأولين : أن ~~النفقات في معنى الإنفاق ، كقوله : { فمن جاءه موعظة } ووجه من قرأ ~~بالتأنيث أن الفعل مسند إلى مؤنث . قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { نفقاتهم } ~~و { نفقاتهم } على الجمع والتوحيد . وقرأ السلمي { ءان * يقبل * منهم ~~نفقاتهم } على إسناد الفعل إلى الله عز وجل . # ! 7 < { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الحيواة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 55 ) فلا تعجبك أموالهم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قطع في الآية الأولى رجاء المنافقين عن جميع ~~منافع الآخرة ، بين أن الأشياء التي يظنونها من باب المنافع في الدنيا ، ~~فإنه تعالى جعلها أسباب تعظيمهم في الدنيا ، وأسباب اجتماع المحن والآفات ~~عليهم ، ومن تأمل في هذه الآيات عرف أنها مرتبة على أحسن الوجوه ، فإنه ~~تعالى لما بين قبائح أفعالهم وفضائح أعمالهم ، بين مالهم في الآخرة من ~~العذاب الشديد ومالهم في الدنيا من وجوه المحنة والبلية ، ثم بين بعد ذلك ~~أن ما يفعلونه من أعمال البر لا ينتفعون به يوم القيامة البتة . ثم بين في ~~هذه الآية أن ما يظنون أنه من منافع الدنيا فهو في الحقيقة سببب لعذابهم ~~وبلائهم وتشديد المحنة عليهم ، وعند هذا يظهر PageV16P073 أن النفاق جالب ~~لجميع الآفات في الدين والدنيا ، ومبطل لجميع الخيرات في الدين والدنيا ، ~~وإذا وقف الإنسان على هذا الترتيب عرف أنه لا يمكن ترتيب الكلام على وجه ~~أحسن من هذا . ومن الله التوفيق . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا الخطاب ، وإن كان في الظاهر مختصا بالرسول ms4523 عليه ~~السلام ، إلا أن المراد منه كل المؤمنين ، أي لا ينبغي أن تعجبوا بأموال ~~هؤلاء المنافقين والكافرين ، ولا بأولادهم ولا بسائر نعم الله عليهم ، ~~ونظيره قوله تعالى : { ولا تمدن عينيك } ( طه : 131 ) الآية . # المسألة الثانية : الإعجاب : السرور بالشيء مع نوع الافتخار به ، ومع ~~اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه ، وهذه الحالة تدل على استغراق النفس في ~~ذلك الشيء وانقطاعها عن الله ، فإنه لا يبعد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء ~~عن ذلك الإنسان ويجعله لغيره ، والإنسان متى كان متذكرا لهذا المعنى زال ~~إعجابه بالشيء ، ولذلك قال عليه السلام : ( ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع ~~وإعجاب المرء بنفسه ) وكان عليه السلام يقول : ( هلك المكثرون ) وقال عليه ~~السلام : ( مالك من مالك / إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت ~~فأمضيت ) وذكر عبيد بن عمير ، ورفعه إلى الرسول عليه السلام : ( من كثر ~~ماله اشتد حسابه ، ومن كثر بيعه كثرت شياطينه ، ومن ازداد من السلطان قربا ~~، ازداد من الله بعدا ) والأخبار المناسبة لهذا الباب كثيرة ، والمقصود ~~منها الزجر عن الارتكان إلى الدنيا ، والمنع من التهالك في حبها والافتخار ~~بها . قال بعض المحققين : الموجودات بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام : ~~الأول : الذي يكون أزليا أبديا ، وهو الله جل جلاله والثاني : الذي لا يكون ~~أزليا ولا أبديا وهو الدنيا . والثالث : الذي يكون أزليا ولا يكون أبديا ~~وهذا محال الوجود ، لأنه ثبت بالدليل أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه . والرابع ~~: الذي يكون أبديا ولا يكون أزليا وهو الآخرة وجميع المكلفين ، فإن الآخرة ~~لها أول ، لكن لا آخر لها ، وكذلك المكلف سواء كان مطيعا أو كان عاصيا ~~فلحياته أول ، ولا آخر لها . # وإذا ثبت هذا ثبت أن المناسبة الحاصلة بين الإنسان المكلف وبني الآخرة ~~أشد من المناسبة بنيه وبين الدنيا ، ويظهر من هذا أنه خلق للآخرة لا للدنيا ~~، فينبغي أن لا يشتد عجبه بالدنيا ، وأن لا يميل قلبه إليها فإن المسكن ~~الأصلي له هو الآخرة لا الدنيا . # أما قوله : { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ms4524 الله } ففيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : قال النحويون : في الآية محذوف ، كأنه قيل : إنما يريد ~~الله أن يملي لهم فيها ليعذبهم ، ويجوز أيضا أن يكون هذا اللام بمعنى ( أن ~~) كقوله : { يريد الله ليبين لكم } ( النساء : 26 ) أي أن يبين لكم . # المسألة الثانية : قال مجاهد والسدي وقتادة : في الآية تقديم وتأخير . ~~والتقدير : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الآخرة . وقال القاضي : وههنا سؤالان : الأول : وهو أن ~~يقال : المال والولد لا يكونان عذابا ، بل هما من جملة النعم التي من الله ~~بها على عباده ، فعند هذا التزم هؤلاء التقديم والتأخير ، إلا أن هذ ~~الالتزام لا يدفع هذا السؤال . لأنه يقال : بعد هذا التقديم والتأخير ، ~~PageV16P074 فكيف يكون المال والولد عذابا ؟ فلا بد لهم من تقدير حذف في ~~الكلام بأن يقولوا أراد التعذيب بها من حيث كانت سببا للعذاب ، وإذا قالوا ~~ذلك فقد استغنوا عن التقديم والتأخير ، لأنه يصح أن يقال يريد الله أن ~~يعذبهم بها في الدنيا من حيث كانت سببا للعذاب ، وأيضا فلو أنه قال : { فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم * وقال إنما اتخذتم } لم يكن لهذه الزيادة كثير ~~فائدة ، لأن من المعلوم أن الإعجاب بالمال والولد لا يكون إلا في الدنيا ، ~~وليس كذلك حال العذاب ، فإنها قد تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة ، فثبت ~~أن القول بهذا التقديم والتأخير ليس بشيء . # / المسألة الثالثة : الأموال والأولاد يحتمل أن تكون سببا للعذاب في ~~الدنيا ، ويحتمل أن تكون سببا للعذاب في الآخرة . أما كونها سببا للعذاب في ~~الدنيا فمن وجوه : الأول : أن كل من كان حبه للشيء أشد وأقوى ، كان حزنه ~~وتألم قلبه على فواته أعظم وأصعب ، وكان خوفه على فواته أشد وأصعب ، فالذين ~~حصلت لهم الأموال الكثيرة والأولاد إن كانت تلك الأشياء باقية عندهم كانوا ~~في ألم الخوف الشديد من فواتها ، وإن فاتت وهلكت كانوا في ألم الحزن الشديد ~~بسبب فواتها . فثبت أنه بحصول موجبات السعادات الجسمانية لا ينفك عن تلك ~~القلب إما بسبب خوف فواتها ms4525 وإما بسبب الحزن من وقوع فواتها . والثاني : أن ~~هذه يحتاج في اكتسابها وتحصيلها إلى تعب شديد ومشقة عظيمة ، ثم عند حصولها ~~يحتاج إلى متاعب أشد وأشق وأصعب وأعظم في حفظها ، فكان حفظ المال بعد حصوله ~~أصعب من اكتسابه ، فالمشغوف بالمال والولد أبدا يكون في تعب الحفظ والصون ~~عن الهلاك ، ثم إنه لا ينتفع إلا بالقليل من تلك الأموال ، فالتعب كثير ~~والنفع قليل . والثالث : أن الإنسان إذا عظم حبه لهذه الأموال والأولاد ، ~~فإما أن تبقى عليه هذه الأموال والأولاد إلى آخر عمره ، أولا تبقى ، بل ~~تهلك وتبطل . فإن كان الأول ، فعند الموت يعظم حزنه وتشتد حسرته ، لأن ~~مفارقة المحبوب شديدة ، وترك المحبوب أشد وأشق ، وإن كان الثاني وهو أن هذه ~~الأشياء تهلك وتبطل حال حياة الإنسان عظم أسفه عليها ، واشتد تألم قلبه ~~بسببها ، فثبت أن حصول الأموال والأولاد سبب لحصول العذاب في الدنيا . ~~الرابع : أن الدنيا حلوة خضرة والحواس مائلة إليها ، فإذا كثرت وتوالت ~~استغرقت فيها وانصرفت النفس بكليتها إليها ، فيصير ذلك سببا لحرمانه عن ذكر ~~الله ، ثم إنه يحصل في قلبه نوع قسوة وقوة وقهر ، وكلما كان المال والجاه ~~أكثر . كانت تلك القسوة أقوى ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { إن الإنسان ~~ليطغى * أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) فظهر أن كثرة الأموال والأولاد ~~سبب قوي في زوال حب الله وحب الآخرة عن القلب وفي حصول حب الدنيا وشهواتها ~~في القلب ، فعند الموت كان الإنسان ينتقل من البستان إلى السجن ومن مجالسة ~~الأقرباء والأحباء إلى موضع الكربة والغربة ، فيعظم تألمه وتقوى حسرته ، ثم ~~عند الحشر حلالها حساب ، وحرامها عقاب . فثبت أن كثرة الأموال والأولاد سبب ~~لحصول العذاب في الدنيا والآخرة . # فإن قيل : هذا المعنى حاصل للكل / فما الفائدة في تخصيص هؤلاء المنافقين ~~بهذا العذاب ؟ # قلنا : المنافقون مخصوصون بزيادات في هذا الباب : أحدها : أن الرجل إذا ~~آمن بالله واليوم الآخر علم أنه خلق للآخرة لا للدنيا ، فبهذا العلم يفتر ~~حبه للدنيا ، وأما المنافق لمااعتقد أنه لا سعادة / إلا في هذه الخيرات ~~العاجلة عظمت ms4526 رغبته فيها ، واشتد حبه لها ، وكانت الآلام الحاصلة بسبب ~~فواتها أكثر في حقه ، PageV16P075 وتقوى عند قرب الموت وظهور علاماته ، ~~فهذا النوع من العذاب حاصل لهم في الدنيا بسبب حب الأموال والأولاد . ~~وثانيها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكلفهم إنفاق تلك الأموال في ~~وجوه الخيرات ، ويكلفهم إرسال أموالهم وأولادهم إلى الجهاد والغزو ، وذلك ~~يوجب تعريض أولادهم للقتل ، والقوم كانوا يعتقدون أن محمدا ليس بصادق في ~~كونه رسولا من عند الله وكانوا يعتقدون أن إنفاق تلك الأموال تضييع لها من ~~غير فائدة ، وأن تعريض أولادهم للقتل التزام لهذا المكروه الشديد من غير ~~فائدة ، ولا شك أن هذا أشق على القلب جدا ، فهذه الزيادة من التعذيب ، كانت ~~حاصلة للمنافقين . وثالثها : أنهم كانوا يبغضون محمدا عليه الصلاة والسلام ~~بقلوبهم ، ثم كانوا يحتاجون إلى بذل أموالهم وأولادهم ونفوسهم في خدمته ، ~~ولا شك أن هذه الحالة شاقة شديدة . ورابعها : أنهم كانوا خائفين من أن ~~يفتضحوا ويظهر نفاقهم وكفرهم ظهورا تاما ، فيصيرون أمثال سائر أهل الحرب من ~~الكفار ، وحينئذ يتعرض الرسول لهم بالقتل ، وسبي الأولاد ونهب الأموال ، ~~وكلما نزلت آية خافوا من ظهور الفضيحة ، وكلما دعاهم الرسول خافوا من أنه ~~ربما وقف على وجه من وجوه مكرهم وخبثهم وكل ذلك مما يوجب تألم القلب ومزيد ~~العذاب . وخامسها : أن كثيرا من المنافقين كان لهم أولاد أتقياء ، كحنظلة ~~بن أبي عامر غسلته الملائكة ، وعبد الله بن عبد الله بن أبي ، شهد بدرا ~~وكان من الله بمكان ، وهم خلق كثير مبرؤن عن النفاق وهم كانوا لا يرتضون ~~طريقة آبائهم في النفاق ، ويقدحون فيهم ، ويعترضون عليهم ، والابن إذا صار ~~هكذا عظم تأذى الأب به واستيحاشه منه ، فصار حصول تلك الأولاد سببا لعذابهم ~~. وسادسها : أن فقراء الصحابة وضعافهم كانوا يذهبون في خدمة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام إلى الغزوات ، ثم يرجعون مع الاسم الشريف والثناء العظيم ~~والفوز بالغنائم . وهؤلاء المنافقون مع الأموال الكثيرة والأولاد الأقوياء ~~، كانوا يبقون في زوايا بيوتهم أشباه الزمنى والضعفاء من الناس ، ثم إن ~~الخلق ينظرون إليهم بعين ms4527 المقت والازدراء والسمة بالنفاق ، وكأن كثرة ~~الأموال والأولاد صارت سببا لحصول هذه الأحوال ، فثبت بهذه الوجوه أن كثرة ~~أموالهم وأولادهم صارت سببا لمزيد العذاب في الدنيا في حقهم . # المسألة الرابعة : احتج أصحابنا في إثبات أن كل ما دخل في الوجود فهو ~~مراد الله تعالى بقوله : { وتزهق أنفسهم وهم كافرون } قالوا : لأن معنى ~~الآية أن الله تعالى أراد إزهاق أنفسهم مع الكفر ومن أراد ذلك فقد أراد ~~الكفر . # / أجاب الجبائي فقال : معنى الآية أنه تعالى أراد إزهاق أنفسهم حال ما ~~كانوا كافرين ، وهذا لا يقتضي كونه تعالى مريدا للكفر ، ألا ترى أن المريض ~~قد يقول للطبيب : أريد أن تدخل علي في وقت مرضي ، فهذه الإرادة لا توجب ~~كونه مريدا لمرض نفسه ، وقد يقول للطبيب : أريد أن تطيب جراحتي ، وهذا لا ~~يقتضي أن يكون مريدا لحصول تلك الجراحة ، وقد يقول السلطان لعسكره : اقتلوا ~~البغاة ، حال إقدامهم على الحرب ، وهذا لا يدل على كونه مريدا لذلك الحرب ، ~~فكذا ههنا . # والجواب : أن الذي قاله تمويه عجيب ، وذلك لأن جميع الأمثلة التي ذكرها ~~حاصلها يرجع إلى حرف واحد ، وهو أنه يريد إزالة ذلك الشيء ، فإذا قال ~~المريض للطبيب : أريد أن تدخل علي في وقت مرضي ، كان معناه : أريد أن تسعى ~~في إزالة مرضي ، وإذا قال له : أريد أن تطيب جراحتي كان معناه : أريد أن ~~تزيل عني هذه الجراحة ، وإذا قال السلطان : اقتلوا البغاة حال إقدامهم على ~~الحرب ، كان معناه : طلب إزالة تلك PageV16P076 المحاربة وإبطالها وإعدامها ~~، فثبت أن المراد والمطلوب في كل هذه الأمثلة إعدام ذلك الشيء وإزالته ~~فيمتنع أن يكون وجوده مرادا بخلاف هذه الآية ، وذلك لأن إزهاق نفس الكافر ~~ليس عبارة عن إزالة كفره ، وليس أيضا مستلزما لتلك الإزالة ، بل هما أمران ~~متناسبان ، ولا منافاة بينهما البتة ، فلما ذكر الله في هذه الآية أنه أراد ~~إزهاق أنفسهم حال كونهم كافرين ، وجب أن يكون مريدا لكونهم كافرين حال حصول ~~ذلك الإزهاق ، كما أنه لو قال : أريد ألقى ( أن ) فلانا حال كونه في الدار ~~، فإنه يقتضي ms4528 أن يكون قد أراد كونه في الدار ، وتمام التحقيق في هذا ~~التقدير : أن الإزهاق في حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر ، ومريد ~~الشيء مريد لما هو من ضروراته ، فلما أراد الله الإزهاق حال الكفر ، وثبت ~~أن من أراد شيئا فقد أراد جميع ما هو من ضروراته ، لزم كونه تعالى مريدا ~~لذلك الكفر ، فثبت أن الأمثلة التي أوردها الجبائي محض التمويه . # ! 7 < { ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولاكنهم قوم يفرقون * لو ~~يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 56 - 57 ) ويحلفون بالله إنهم . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى لما بين كونهم مستجمعين لكل مضار الآخرة والدنيا ، ~~خائبين عن جميع منافع الآخرة والدنيا ، عاد إلى ذكر قبائحهم وفضائحهم ، ~~وبين إقدامهم على الأيمان الكاذبة فقال : { ويحلفون بالله } أي المنافقون ~~للمؤمنين إذا جالسوهم { إنهم لمنكم } أي على دينكم . # ثم قال تعالى : { وما هم منكم } أي ليسوا على دينكم { ولاكنهم قوم يفرقون ~~} القتل ، فأظهروا الإيمان وأسروا النفاق ، وهو كقوله تعالى : { وإذا لقوا ~~الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~} ( البقرة : 14 ) والفرق الخوف ، ومنه يقال : رجل فروق . وهو الشديد الخوف ~~، ومنها : أنهم لو وجدوا مفرا يتحصنون فيه آمنين على أنفسهم منكم لفروا ~~إليه ولفارقوكم ، فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن عن القلب ، ~~فقوله : { لو يجدون * ملجأ } الملجأ : المكان الذي يتحصن فيه ، ومثله اللجأ ~~مقصورا مهموزا ، وأصله من لجأ إلى كذا يلجأ لجأ بفتح اللام وسكون الجيم ، ~~ومثله التجأ والجأته إلى كذا ، أي جعلته مضطرا إليه ، وقوله : { أو مغارات ~~} هي جمع مغارة ، وهي الموضع الذي يغور الإنسان فيه ، أي يستتر . قال أبو ~~عبيد : كل شيء جزت فيه فغبت فهو مغارة لك ، ومنه غار الماء في الأرض وغارت ~~العين . وقوله : { مدخلا } قال الزجاج : أصله مدتخل والتاء بعد الدال تبدل ~~دالا ، لأن التاء مهموسة ، والدال مهجورة ، وهما من مخرج واحد وهو مفتعل من ~~الدخول ، كالمتلج من الولوج . ومعناه : المسلك الذي يستتر بالدخول فيه ms4529 . ~~قال الكلبي وابن زيد : نفقا كنفق اليربوع . والمعنى : أنهم لو جدوا مكانا ~~على أحد هذه الوجوه الثلاثة ، مع أنها شر الأمكنة { لولوا إليه } أي رجعوا ~~إليه . يقال : ولى بنفسه إذا انصرف وولى غيره إذا صرفه وقوله : { وهم ~~يجمحون } أي يسرعون إسراعا لا يرد وجوههم شيء ، ومن هذا يقال : جمح الفرس ~~وهو فرس جموح ، وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام ، والمراد من الآية أنهم ~~من شدة تأذيهم من الرسول ومن PageV16P077 المسلمين صاروا بهذه الحالة . # واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء وهي : الملجأ ، والمغارات ، والمدخل ، ~~والأقرب أن يحمل كل واحد منها على غير ما يحمل الآخر عليه ، فالملجأ يحتمل ~~الحصون ، والمغارات الكهوف في الجبال ، والمدخل السرب تحت الأرض نحو الآبار ~~. قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { مدخلا } من دخل و { مدخلا } من أدخل وهو ~~مكان يدخلون فيه أنفسهم ، وقرأ أبي بن كعب { * متدخلا } وقرأ { لو * ءاوى ~~إليه } أي لالتجاؤا ، وقرأ أنس { * يجمزون } فسئل عنه فقال : يجمحون ~~ويجمزون ويشتدون واحد . # ! 7 < { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون * ولو أنهم رضوا مآ ءاتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا ~~الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ إلى الله راغبون } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 58 - 59 ) ومنهم من يلمزك . . . . . # > > # اعلم أن المقصود من هذا شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم ، وهو طعنهم في ~~الرسول بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء ويقولون : إنه يؤثر بها من يشاء من ~~أقاربه وأهل مودته وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : بينا النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقسم مالا إذ جاءه المقداد بن ذي الخويصرة التميمي ، وهو ~~حرقوص بن زهير ، أصل الخوارج فقال : اعدل يا رسول الله ، فقال : ( ويلك ومن ~~يعدل إذا لم أعدل ) فنزلت هذه الآية . قال الكلبي : قال رجل من المنافقين ~~يقال له أبو الجواظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم : تزعم أن الله أمرك أن ~~تضع الصدقات في الفقراء والمساكين ولم ms4530 تضعها في رعاء الشاء ؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أبالك أما كان موسى راعيا أما كان داود ~~راعيا ) فلما ذهب ، قال عليه الصلاة والسلام : ( احذروا هذا وأصحابه فإنهم ~~منافقون ) وروى أبو بكر الأصم رضي الله عنه في ( تفسيره ) : أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال لرجل من أصحابه : ( ما علمك بفلان ) فقال : مالي به علم إلا ~~إنك ندنيه في المجلس وتجزل له العطاء ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إنه ~~منافق أداري عن نفاقه وأخاف أن يفسد على غيره ) فقال : لو أعطيت فلانا بعض ~~ما تعطيه ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( إنه مؤمن أكله إلى إيمانه ، وأما ~~هذا فمنافق أداريه خوف إفساده ) . # المسألة الثانية : قوله : { من يلمزك } قال الليث : اللمز كالهمز في ~~الوجه . يقال : رجل لمزة يعيبك في وجهك ، ورجل همزة يعيبك بالغيب . وقال ~~الزجاج : يقال لمزت الرجل ألمزه بالكسر ، وألمزه بضم الميم إذا عيبته ، ~~وكذلك همزته أهمزه همزا . إذا عيبته ، والهمزة اللمزة : الذي يغتاب الناس ~~ويعيبهم ، وهذا يدل على أن الزجاج لم يفرق بين الهمز واللمز . قال الأزهري ~~: وأصل الهمز / واللمز الدفع . يقال : همزته ولمزته إذا دفعته ، وفرق أبو ~~بكر الأصم بينهما ، فقال : اللمز أن يشير إلى صاحبه بعيب جليسه ، والهمز أن ~~يكسر عينه على جليسه إلى صاحبه . PageV16P078 # إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : يلمزك يغتابك . وقال قتادة : يطعن ~~عليك . وقال الكلبي : يعيبك في أمر ما ، ولا تفاوت بين هذه الروايات إلا في ~~الألفاظ . قال أبو علي الفارسي : ههنا محذوف والتقدير : يعيبك في تفريق ~~الصدقات . قال مولانا العلامة الداعي إلى الله : لفظ القرآن وهو قوله : { ~~ومنهم من يلمزك في الصدقات } لا يدل على أن ذلك اللمز كان لهذا السبب ، إلا ~~أن الروايات التي ذكرناها دلت أن سبب اللمز هو ذلك ، ولولا هذه الروايات ~~لكان يحتمل وجوها أخر سواها . فأحدها : أن يقولوا أخذ الزكوات مطلقا غير ~~جائز ، لأن انتزاع كسب الإنسان من يده غير جائز . أقصى ما في الباب أن يقال ~~: يأخذها ليصرفها إلى الفقراء إلا أن الجهال منهم كانوا ms4531 يقولون إن الله ~~تعالى أغنى الأغنياء ، فوجب أن يكون هو المتكفل بمصالح عبيده الفقراء : ~~فأما أن يأمرنا بذلك فهو غير معقول . فهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن بعض ~~اليهود ، وهو أنهم قالوا : { إن الله فقير ونحن أغنياء } وثانيها : أن ~~يقولوا هب أنك تأخذ الزكوات إلا أن الذي تأخذه كثير ، فوجب أن تقنع بأقل من ~~ذلك . وثالثها : أن يقولوا هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير ~~مصرفه . وهذا هو الذي دلت الأخبار على أن القوم أرادوه . قال أهل المعاني : ~~هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق أولئك المنافقين ودناءة طباعهم ، وذلك لأنه ~~لشدة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا الرسول فنسبوه إلى الجور في القسمة ، مع ~~أنه كان أبعد خلق الله تعالى عن الميل إلى الدنيا . قال الضحاك : كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره ، ~~وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه . وأما المنافقون : فإن ~~أعطوا كثيرا فرحوا وإن أعطوا قليلا سخطوا ، وذلك يدل على أن رضاهم وسخطهم ~~لطلب النصيب لا لأجل الدين . وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يستعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفر الغنائم عليهم ، فسخط المنافقون . وقوله : ~~{ إذا هم يسخطون } كلمة { إذا } للمفاجأة ، أي وإن لم يعطوا منها فاجؤا ~~السخط . # ثم قال : { ولو أنهم رضوا } الآية والمعنى : ولو أنهم رضوا بما أعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنيمة وطابت نفوسهم وإن قل ، وقالوا : ~~كفانا ذلك وسيرزقنا الله غنيمة أخرى ، فيعطينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أكثر مما أعطانا اليوم ، إنا إلى طاعة الله وإفضاله وإحسانه لراغبون . # واعلم أن جواب ( لو ) محذوف ، والتقدير : لكان خيرا لهم وأعود عليهم ، ~~وذلك لأنه غلب / عليهم النفاق ولم يحضر الإيمان في قلوبهم ، فيتوكلوا على ~~الله حق توكله ، وترك الجواب في هذا المعرض أدل على التعظيم والتهويل ، وهو ~~كقولك للرجل : لو جئتنا ، ثم لا تذكر الجواب ، أي لو فعلت ذلك لرأيت أمرا ~~عظيما . # المسألة الثانية : الآية تدل ms4532 على أن من طلب الدنيا آل أمره في الدين إلى ~~النفاق . وأما من طلب الدنيا بقدر ما أذن الله فيه ، وكان غرضه من الدنيا ~~أن يتوسل إلى مصالح الدين فهذا هو الطريق الحق ، والأصل في هذا الباب أن ~~يكون راضيا بقضاء الله ، ألا ترى أنه قال : { ولو أنهم رضوا ما ءاتاهم الله ~~ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ~~} فذكر فيه مراتب أربعة : # المرتبة الأولى : الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمه بأنه تعالى حكيم ~~منزه عن العبث والخطأ ، وحكيم بمعنى أنه عليم بعواقب الأمور ، وكل ما كان ~~حكما له وقضاء كان حقا وصوابا ولااعتراض عليه . # والمرتبة الثانية : أن يظهر آثار ذلك الرضا على لسانهم ، وهو قوله : { ~~وقالوا حسبنا الله } يعني أن غيرنا أخذوا المال ونحن لما رضينا بحكم الله ~~وقضائه فقد فزنا بهذه المرتبة العظيمة في العبودية ، فحسبنا الله . ~~PageV16P079 # والمرتبة الثالثة : وهي أن الإنسان إذا لم يبلغ إلى تلك الدرجة العالية ~~التي عندها يقول : { حسبنا الله } نزل منها إلى مرتبة أخرى وهي أن يقول : { ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله } إما في الدنيا إن اقتضاه التقدير ، وإما في ~~الآخرة وهي أولى وأفضل . # والمرتبة الرابعة : أن يقول : { إنا إلى الله راغبون } فنحن لا نطلب من ~~الإيمان والطاعة أخذ الأموال والفوز بالمناصب في الدنيا ، وإنما المراد إما ~~اكتساب سعادات الآخرة . وإما الاستغراق في العبودية على ما دل لفظ الآية ~~عليه فإنه قال : { إنا إلى الله راغبون } ولم يقل : إنا إلى ثواب الله ~~راغبون . ونقل أن عيسى عليه السلام مر بقوم يذكرون الله تعالى فقال : ما ~~الذي يحملكم عليه ؟ قالوا : الخوف من عقاب الله ، فقال : أصبتم ثم مر على ~~قوم آخرين يذكرون الله ، فقال : ما الذي يحملكم عليه ، فقالوا : الرغبة في ~~الثواب / فقال : أصبتم ، ثم مر على قوم قالق مشتغلين بالذكر فسألهم فقالوا ~~: لا نذكره للخوف من العقاب ، ولا للرغبة في الثواب ، بل لإظهار ذلة ~~العبودية ، وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته ، وتشريف اللسان بالألفاظ ~~الدالة على صفات قدسه ms4533 وعزته . فقال : أنتم المحقون المحققون . # ! 7 < { إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ~~وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم ~~حكيم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 60 ) إنما الصدقات للفقراء . . . . . # > > اعلم أن المنافقين لما لمزوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الصدقات ، ~~بين لهم أن مصرف الصدقات هؤلاء ، ولا تعلق لي بها ، ولا آخذ لنفسي نصيبا ~~منها ، فلم يبق لهم طعن في الرسول بسبب أخذ الصدقات . وههنا مقامات : # المقام الأول : بيان الحكمة في أخذ القليل من أموال الأغنياء ، وصرفها ~~إلى المحتاجين من الناس . # والمقام الثاني : بيان حال هؤلاء الأصناف الثمانية المذكورين في هذه ~~الآية . # أما المقام الأول : فنقول : الحكمة في إيجاب الزكاة أمور ، بعضها مصالح ~~عائدة إلى معطى الزكاة . وبعضها عائدة إلى آخذ الزكاة . # أما القسم الأول : فهو أمور : الأول : أن المال محبوب بالطبع ، والسبب ~~فيه أن القدرة صفة من صفات الكمال محبوبة لذاتها ، ولعينها لا لغيرها لأنه ~~لا يمكن أن يقال : إن كل شيء فهو محبوب لمعنى آخر وإلا لزم ، إما التسلسل ~~وإما الدور ، وهما محالان ، فوجب الانتهاء في الآشياء المحبوبة إلى ما يكون ~~محبوبا لذاته . والكمال محبوب لذاته ، والنقصان مكروه لذاته فلما كانت ~~القدرة صفة كمال ، وصفة الكمال محبوبة لذاتها ، كانت القدرة محبوبة لذاتها ~~. والمال سبب لحصول تلك القدرة ، ولكمالها في حق البشر فكان أقوى أسباب ~~القدرة في حق البشر هو المال ، والذي يتوقف عليه المحبوب فهو محبوب ، فكان ~~المال محبوبا ، فهذا هو السبب في كونه محبوبا إلا أن الاستغراق في حبه يذهل ~~النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت PageV16P080 حكمة الشرع تكليف ~~مالك المال بإخراج طائفة منه من يده ، ليصير ذلك الإخراج كسرا من شدة الميل ~~إلى المال ، ومنعا من انصراف النفس بالكلية إليها وتنبيها لها على أن سعادة ~~الإنسان لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال وإنما تحصل / بإنفاق المال في طلب ~~مرضاة الله تعالى فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن ~~القلب ، فالله سبحانه أوجب الزكاة لهذه الحكمة ms4534 . وهو المراد من قوله : { خذ ~~من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) أي تطهرهم وتزكيهم ~~عن الاستغراق في طلب الدنيا . # والوجه الثاني : وهو أن كثرة المال ، توجب شدة القوة وكمال القدرة ، ~~وتزايد المال يوجب تزايد القدرة ، وتزايد القدرة يوجب تزايد الالتذاذ بتلك ~~القدرة ، وتزايد تلك اللذات ، يدعو الإنسان إلى أن يسعى في تحصيل المال ~~الذي صار سببا لحصول هذه اللذات المتزايدة ، وبهذا الطريق تصير المسألة ~~مسألة الدور ، لأنه إذا بالغ في السعي ازداد المال وذلك يوجب ازدياد القدرة ~~، وهو يوجب ازدياد اللذة وهو يحمل الإنسان على أن يزيد في طلب المال ، ولما ~~صارت المسألة مسألة الدور ، لم يظهر لها مقطع ولا آخر ، فأثبت الشرع لها ~~مقطعا وآخرا وهو أنه أوجب على صاحبه صرف طائفة من تلك الأموال إلى الإنفاق ~~في طلب مرضاة الله تعالى ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر ~~له ويتوجه إلى عالم عبودية الله وطلب رضوانه . # والوجه الثالث : أن كثرة المال سبب لحصول الطغيان والقسوة في القلب ، ~~وسببه ما ذكرنا من أن كثرة المال سبب لحصول القدرة ، والقدرة محبوبة لذاتها ~~، والعاشق إذا وصل لمعشوقه استغرق فيه ، فالإنسان يصير غرقا في طلب المال ، ~~فإن عرض له مانع يمنعه عن طلبه استعان بماله وقدرته على دفع ذلك المانع ، ~~وهذا هو المراد بالطغيان ، وإليه الإشارة بقوله سبحانه وتعالى : { إن ~~الإنسان ليطغى * أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) فإيجاب الزكاة يقلل ~~الطغيان ويرد القلب إلى طلب رضوان الرحمن . # والوجه الرابع : أن النفس الناطقة لها قوتان ، نظرية وعملية ، فالقوة ~~النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله ، والقوة العملية كمالها في الشفقة ~~على خلق الله ، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال وهو اتصافه ~~بكونه محسنا إلى الخلق ساعيا في إيصال الخيرات إليهم دافعا للآفات عنهم ، ~~ولهذا السر قال عليه الصلاة والسلام : ( تخلقوا بأخلاق الله ) . # والوجه الخامس : أن الخلق إذا علموا في الإنسان كونه ساعيا في إيصال ~~الخيرات إليهم ، وفي دفع الآفات عنهم أحبوه بالطبع ومالت نفوسهم إليه لا ~~محالة ms4535 ، على ما قاله عليه الصلاة والسلام : ( جبلت القلوب على حب من أحسن ~~إليها وبغض من أساء إليها ) فالفقراء إذا علموا أن الرجل الغني يصرف إليهم ~~طائفة من ماله ، وأنه كلما كان ماله أكثر كان الذي يصرفه إليهم من ذلك ~~المال أكثر ، أمدوه بالدعاء والهمة ، وللقلوب آثار وللأرواح حرارة فصارت ~~تلك الدعوات سببا لبقاء ذلك / الإنسان في الخير والخصب ، وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى : { وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الارض } ( الرعد : 17 ) ~~وبقوله عليه الصلاة والسلام : { حصنوا أموالكم بالزكاة ) . # والوجه السادس : أن الاستغناء عن الشيء أعظم من الاستغناء بالشيء ، فإن ~~الاستغناء بالشيء يوجب الاحتياج إليه ، إلا أنه يتوسل به إلى الاستغناء عن ~~غيره ، فأما الاستغناء عن الشيء فهو الغنى التام ، ولذلك فإن الاستغناء عن ~~الشيء صفة الحق ، والاستغناء بالشيء صفة الخلق ، فالله سبحانه لما أعطى بعض ~~عبيده PageV16P081 أموالا كثيرة فقد رزقه نصيبا وافرا من باب الاستغناء ~~بالشيء . فإذا أمره بالزكاة كان المقصود أن ينقله من درجة الاستغناء بالشيء ~~، إلى المقام الذي هو أعلى منه ، وأشرف منه وهو الاستغناء عن الشيء . # والوجه السابع : أن المال سمي مالا لكثرة ميل كل أحد إليه ، فهو غاد ~~ورائح ، وهو سريع الزوال مشرف على التفرق ، فما دام يبقى في يده كان ~~كالمشرف على الهلاك والتفرق . فإذا أنفقه الإنسان في وجوه البر والخير ~~والمصالح بقي بقاء لا يمكن زواله ، فإنه يوجب المدح الدائم في الدنيا ~~والثواب الدائم في الآخرة ، وسمعت واحدا يقول : الإنسان لا يقدر أن يذهب ~~بذهبه إلى القبر ، فقلت بل يمكنه ذلك فإنه إذا أنفقه في طلب الرضوان الأكبر ~~فقد ذهب به إلى القبر وإلى القيامة . # والوجه الثامن : وهو أن بذل المال تشبه بالملائكة والأنبياء ، وإمساكه ~~تشبه بالبخلاء المذمومين ، فكان البذل أولى . # والوجه التاسع : أن إفاضة الخير والرحمة من صفات الحق سبحانه وتعالى ، ~~والسعي في تحصيل هذه الصفة بقدر القدرة تخلق بأخلاق الله ، وذلك منتهى ~~كمالات الإنسانية . # والوجه العاشر : أن الإنسان ليس له إلا ثلاثة أشياء : الروح والبدن ~~والمال . فإذا أمر بالإيمان فقد صار جوهر ms4536 الروح مستغرقا في هذا التكليف . ~~ولما أمر بالصلاة فقد صار اللسان مستغرقا بالذكر والقراءة ، والبدن مستغرقا ~~في تلك الأعمال ، بقي المال ؛ فلو لم يصر المال مصروفا إلى أوجه البر ~~والخير لزم أن يكون شح الإنسان بماله فوق شحه بروحه وبدنه ، وذلك جهل ، لأن ~~مراتب السعادات ثلاثة : أولها : السعادات الروحانية . وثانيها : السعادات ~~البدنية وهي المرتبة الوسطى . وثالثها : السعادات الخارجية وهي المال ~~والجاه . فهذه المراتب تجري مجرى خادم السعادات النفسانية ، فإذا صار الروح ~~مبذولا في مقام العبودية ، ثم حصل الشح ببذل المال لزم جعل الخادم في مرتبة ~~أعلى من المخدوم الأصلي ، وذلك جهل . فثبت أنه يجب على العاقل أيضا بذل ~~المال في طلب مرضاة الله تعالى . # / والوجه الحادي عشر : أن العلماء قالوا : شكر النعمة عبارة عن صرفها إلى ~~طلب مرضاة المنعم ، والزكاة شكر النعمة ، فوجب القول بوجوبها لما ثبت أن ~~شكر المنعم واجب . # والوجه الثاني عشر : أن إيجاب الزكاة يوجب حصول الألف بالمودة بين ~~المسلمين ، وزوال الحقد والحسد عنهم ، وكل ذلك من المهمات ، فهذه وجوه ~~معتبرة في بيان الحكمة الناشئة من إيجاب الزكاة العائدة إلى معطي الزكاة ، ~~فأما المصالح العائدة من إيجاب الزكاة إلى من يأخذ الزكاة فهي كثيرة ، ~~الأول : أن الله تعالى خلق الأموال ، وليس المطلوب منها أعيانها وذواتها . ~~فإن الذهب والفضة لا يمكن الانتفاع بهما في أعيانهما إلا في الأمر القليل ، ~~بل المقصود من خلقهما أن يتوسل بهما إلى تحصيل المنافع ودفع المفاسد ، ~~فالإنسان إذا حصل له من المال بقدر حاجته كان هو أولى بإمساكه لأنه يشاركه ~~سائر المحتاجين في صفة الحاجة ، وهو ممتاز عنهم بكونه ساعيا في تحصيل ذلك ~~المال ، فكان اختصاصه بذلك المال أولى من اختصاص غيره ، وأما إذا فضل المال ~~على قدر الحاجة ، وحضر إنسان آخر محتاج ، فههنا حصل سببان كل واحد منهما ~~يوجب تملك ذلك المال . أما في حق المالك ، فهو أنه سعى في اكتسابه وتحصيله ~~، وأيضا شدة تعلق قلبه به ، فإن ذلك التعلق أيضا نوع من أنواع الحاجة . ~~وأما في حق الفقير ، فاحتياجه إلى ذلك ms4537 المال PageV16P082 يوجب تعلقه به ، ~~فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت الحكمة الإلهية رعاية كل واحد من ~~هذين السببين بقدر الإمكان . فيقال حصل للمالك حق الاكتساب وحق تعلق قلبه ~~به ، وحصل للفقير حق الاحتياج ، فرجحنا جانب المالك ، وأبقينا عليه الكثير ~~وصرفنا إلى الفقير يسيرا منه توفيقا بين الدلائل بقدر الإمكان . الثاني : ~~أن المال الفاضل عن الحاجات الأصلية إذا أمسكه الإنسان في بيته بقي معطلا ~~عن المقصود الذي لأجله خلق المال ، وذلك سعي في المنع من ظهور حكمة الله ~~تعالى ، وهو غير جائز ، فأمر الله بصرف طائفة منه إلى الفقير حتى لا تصير ~~تلك الحكمة معطلة بالكلية . الثالث : أن الفقراء عيال الله لقوله تعالى : { ~~وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) والأغنياء خزان ~~الله لأن الأموال التي في أيديهم أموال الله ، ولولا أن الله تعالى ألقاها ~~في أيديهم وإلا لما ملكوا منها حبة ، فكم من عاقل ذكي يسعى أشد السعي ، ولا ~~يملك ملء بطنه طعاما ، وكم من أبله جلف تأتيه الدنيا عفوا صفوا . # إذا ثبت هذا فليس بمستبعد أن يقول الملك لخازنه : اصرف طائفة مما في تلك ~~الخزانة إلى المحتاجين من عبيدي . # الوجه الرابع : أن يقال : المال بالكلية في يد الغني مع أنه غير محتاج ~~إليه ، وإهمال جانب الفقير / العاجز عن الكسب بالكلية ؛ لا يليق بحكمة ~~الحكيم الرحيم ، فوجب أن يجب على الغني صرف طائفة من ذلك المال إلى الفقير ~~. # الوجه الخامس : أن الشرع لما أبقى في يد المالك أكثر ذلك المال وصرف إلى ~~الفقير منه جزأ قليلا ، تمكن المالك من جبر ذلك النقصان بسبب أن يتجر بما ~~بقي في يده من ذلك المال ويربح ويزول ذلك النقصان . أما الفقير ليس له شيء ~~أصلا ، فلو لم يصرف إليه طائفة من أموال الأغنياء لبقي معطلا وليس له ما ~~يجبره ، فكان ذلك أولى . # الوجه السادس : أن الأغنياء لو لم يقوموا بإصلاح مهمات الفقراء فربما ~~حملهم شدة الحاجة ومضرة المسكنة على الالتحاق بأعداء المسلمين ، أو على ~~الإقدام على الأفعال المنكرة كالسرقة ms4538 وغيرها فكان إيجاب الزكاة يفيد هذه ~~الفائدة فوجب القول بوجوبها . # الوجه السابع : قال عليه الصلاة والسلام : ( الإيمان نصفان ، نصف صبر ~~ونصف شكر ) والمال محبوب بالطبع ، فوجدانه يوجب الشكر وفقدانه يوجب الصبر ، ~~وكأنه قيل : أيها الغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين / فأخرج من ~~يدك نصيبا منه حتى تصبر على فقدان ذلك المقدار فتصير بسببه من الصابرين ، ~~وأيها الفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ، ولكني ~~أوجب على الغني أن يصرف إليك طائفة من ذلك المال حتى إذا دخل ذلك المقدار ~~في ملكك شكرتني ، فصرت من الشاكرين ، فكان إيجاب الزكاة سببا في جعل جميع ~~المكلفين موصوفين بصفة الصبر والشكر معا . # الوجه الثامن : كأنه سبحانه يقول للفقير إن كنت قد منعتك الأموال الكثيرة ~~، ولكني جعلت نفسي مديونا من قبلك ، وإن كنت قد أعطيت الغني أموالا كثيرة ~~لكني كلفته أن يعدوا خلفك ، وأن يتضرع إليك حتى تأخذ ذلك القدر منه ، فتكون ~~كالمنعم عليه بأن خلصته من النار . PageV16P083 # فإن قال الغني : قد أنعمت عليك بهذا الدينار ، فقل أيها الفقير بل أنا ~~المنعم عليك حيث خلصتك في الدنيا من الذم والعار ، وفي الآخرة من عذاب ~~النار ، فهذه جملة من الوجوه في حكمة إيجاب الزكاة بعضها يقينية ، وبعضها ~~إقناعية ، والعالم بأسرار حكم الله وحكمته ليس إلا الله . والله أعلم . # المقام الثاني : في تفسير هذه الآية وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { إنما الصدقات للفقراء } الآية تدل على أنه لا ~~حق في الصدقات / لأحد إلا لهذه الأصناف الثمانية ، وذلك مجمع عليه ، وأيضا ~~فلفظة { إنما } تفيد الحصر ويدل عليه وجوه : الأول : أن كلمة { إنما } ~~مركبة من ( إن ) و ( ما ) وكلمة إن للإثبات وكلمة ما للنفي ، فعند ~~اجتماعهما وجب بقاؤهما على هذا المفهوم ، فوجب أن يفيد الثبوت المذكور ، ~~وعدم ما يغايره . الثاني : أن ابن عباس تمسك في نفي ربا الفضل بقوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( إنما الربا في النسيئة ) ولولا أن هذا اللفظ يفيد الحصر ~~، وإلا لما كان الأمر كذلك ، وأيضا تمسك بعض الصحابة في أن الإكسال لا يوجب ms4539 ~~الاغتسال بقوله عليه الصلاة والسلام : ( إنما الماء من الماء ) ولولا أن ~~هذه الكلمة تفيد الحصر وإلا لما كان كذلك . وقال تعالى : { إنما الله إلاه ~~واحد } ( النساء : 171 ) والمقصود بيان نفي الإلهية للغير والثالث : الشعر ~~. قال الأعشى : # % ولست بالأكثر منهم حصى % % وإنما العزة للكاثر % # وقال الفرزدق : # % أنا الذائد الحامي الذمار وإنما % % يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي % # فثبت بهذه الوجوه أن كلمة { إنما } للحصر ، ومما يدل على أن الصدقات لا ~~تصرف إلا لهذه الأصناف الثمانية أنه عليه الصلاة والسلام قال لرجل : ( إن ~~كنت من الأصناف الثمانية فلك فيها حق وإلا فهو صداع في الرأس ، وداء في ~~البطن ) وقال : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى ) . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم يلمزون ~~الرسول عليه السلام في أخذ الصدقات ، بين تعالى أنه إنما يأخذها لهؤلاء ~~الأصناف الثمانية ، ولا يأخذها لنفسه ولا لأقاربه ومتصليه ، وقد بينا أن ~~أخذ القليل من مال الغني ليصرف إلى الفقير في دفع حاجته هو الحكمة المعينة ~~، والمصلحة اللازمة ، وإذا كان الأمر كذلك كان همز المنافقين ولمزهم عين ~~السفه والجهالة . فكان عليه الصلاة والسلام يقول : ( ما أوتيكم شيئا ولا ~~أمنعكم ، إنما أنا خازن أضع حيث أمرت ) . # المسألة الثالثة : مذهب أبي حنيفة رحمه الله : أنه يجوز صرف الصدقة إلى ~~بعض هؤلاء الأصناف فقط ، وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وأبي ~~العالية والنخعي ، وعن سعيد بن جبير لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء ~~متعففين فحبوتهم بها كان أحب إلي ، وقال الشافعي رحمه الله : لا بد من ~~صرفها إلى الأصناف الثمانية ، وهو قول عكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز : ~~واحتج بأنه تعالى ذكر هذه القسمة في نص الكتاب . ثم أكدها بقوله : { فريضة ~~من الله } قال : / ولا بد في كل صنف من ثلاثة ، لأن أقل الجمع ثلاثة ، فإن ~~دفع سهم الفقراء إلى فقيرين ضمن نصيب الثالث وهو ثلث سهم الفقراء . قال : ~~ولا بد من التسوية في أنصباء هذه الأصناف الثمانية ، مثل أنك إن ms4540 وجدت خمسة ~~أصناف ولزمك أن تتصدق بعشرة PageV16P084 دراهم ، جعلت العشرة خمسة أسهم كل ~~سهم درهمان ، ولا يجوز التفاضل . ثم يلزمك أن تدفع إلى كل صنف درهمين وأقل ~~عددهم ثلاثة ، ولا يلزمك التسوية بينهم ، فلك أن تعطي فقيرا درهما وفقيرا ~~خمسة أسداس درهم وفقيرا سدس درهم ، هذه صفة قسمة الصدقات على مذهب الشافعي ~~رحمه الله . قال المصنف الداعي إلى الله رضي الله عنه : الآية لا دلالة ~~فيها على قول الشافعي رحمه الله ، لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء ~~الأصناف الثمانية ، وذلك لا يقتضي في صدقة زيد بعينه أن تكون لجملة هؤلاء ~~الثمانية . والدليل عليه العقل والنقل . # أما النقل : فقوله تعالى : { واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ~~وللرسول } ( الأنفال : 41 ) الآية ، فأثبت خمس الغنيمة لهؤلاء الطوائف ~~الخمس ، ثم لم يقل أحد إن كل شيء يغنم بعينه فإنه يحب تفرقته على هذه ~~الطوائف ، بل اتفقوا على أن المراد إثبات مجموع الغنيمة لهؤلاء الأصناف ، ~~فإما أن يكون كل جزء من أجزاء الغنيمة موزعا على كل هؤلاء فلا ، فكذا ههنا ~~مجموع الصدقات تكون لمجموع هذه الأصناف الثمانية . فإما أن يقال : إن صدقة ~~زيد بعينها يجب توزيعها على هذه الأصناف الثمانية ، فاللفظ لا يدل عليه ~~البتة . # وأما العقل : فهو أن الحكم الثابت في مجموع لا يوجب ثبوته في كل جزء من ~~أجزاء ذلك المجموع ، ولا يلزم أن لا يبقى فرق بين الكل وبين الجزء . فثبت ~~بما ذكرنا أن لفظ الآية لا دلالة فيه على ما ذكره ، والذي يدل على صحة ~~قولنا وجوه : الأول : أن الرجل الذي لا يملك إلا عشرين دينارا لما وجب عليه ~~إخراج نصف دينار ، فلو كلفناه أن نجعله على أربعة وعشرين قسما لصار كل واحد ~~من تلك الأقسام حقيرا صغيرا غير منتفع به في مهم معتبر . الثاني : أن هذا ~~التوقيف لو كان معتبرا لكان أولى الناس برعايته أكابر الصحابة ، ولو كان ~~الأمر كذلك لوصل هذا الخبر إلى عمر بن الخطاب وإلى ابن عباس وحذيفة وسائر ~~الأكابر ، ولو كان كذلك لما خالفوا ms4541 فيه ، وحيث خالفوا فيه علمنا أنه غير ~~معتبر . الثالث : وهو أن الشافعي رحمه الله له اختلاف رأي في جواز نقل ~~الصدقات أما لم يقل أحد بوجوب نقل الصدقات ، فالإنسان إذا كان في بعض القرى ~~ولا يكون هناك مكاتب ولا مجاهد غاز ولا عامل ولا أحد من المؤلفة ، ولا يمر ~~به أحد من الغرباء ، واتفق أنه لم يحضر في تلك القرية من كان مديونا فكيف ~~تكليفه ؟ فإن قلنا : وجب عليه أن يسافر بما وجب عليه / من الزكاة إلى بلد ~~يجد هذه الأصناف فيه ، فذاك قول لم يقل به أحدا وإذا أسقطنا عنه ذلك فحينئذ ~~يصح قولنا فهذا ما نقوله في هذا الباب . والله أعلم . # المسألة الرابعة : في تعريف الأصناف الثمانية ، فالأول والثاني هم ~~الفقراء والمساكين ، ولا شك أنهم هم المحتاجون الذي لا يفي خرجهم بدخلهم . ~~ثم اختلفوا فقال بعضهم : الذي يكون أشد حاجة هو الفقير ؛ وهو قول الشافعي ~~رحمه الله وأصحابه . وقال آخرون : الذي أشد حاجة هو المسكين ، وهو قول أبي ~~حنيفة وأصحابه رحمهم الله ، ومن الناس من قال : لا فرق بين الفقراء ~~والمساكين ، والله تعالى وصفهم بهذين الوصفين ، والمقصود شيء واحد وهو قول ~~أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، واختيار أبي علي الجبائي ، وفائدته تظهر في ~~هذه المسألة ، وهو أنه لو أوصى لفلان وللفقراء والمساكين / فالذين قالوا : ~~الفقراء غير المساكين قالوا لفلان الثلث ، والذين قالوا : الفقراء هم ~~المساكين قالوا لفلان النصف . وقال الجبائي : إنه PageV16P085 تعالى ذكرهم ~~باسمين لتوكيد أمرهم في الصدقات لأنهم هم الأصول في الأصناف الثمانية . ~~وأيضا الفائدة فيه أن يصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم . # واعلم أن فائدة هذا الاختلاف لا تظهر في تفرقة الصدقات وإنما تظهر في ~~الوصايا ، وهو أن رجلا لو قال : أوصيت للفقراء بمائتين وللمساكين بخمسين ، ~~وجب دفع المائتين عند الشافعي رحمه الله من كان أشد حاجة ، وعند أبي حنيفة ~~رحمه الله إلى من كان أقل حاجة ، وحجة الشافعي رحمه الله وجوه : # الوجه الأول : أنه تعالى إنما أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعا لحاجتهم ~~وتحصيلا لمصلحتهم ms4542 ، وهذا يدل عى أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة ~~، لأن الظاهر وجوب تقديم الأهم على المهم ألا ترى أنه يقال : أبو بكر وعمر ~~ومن فضل عثمان على علي عليه السلام قال في ذكرهما عثمان وعلي ، ومن فضل ~~عليا على عثمان يقول علي وعثمان ، وأنشد عمر قول الشاعر : # % كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا % فقال هلا قدم الإسلام على الشيب ؟ ~~فلما وقع الابتداء بذكر الفقراء وجب أن تكون حاجتهم أشد من حاجة المساكين . ~~الوجه الثاني : قال أحمد بن عبيد الفقير أسوأ حالا من المسكين ، لأن الفقير ~~أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره ، فصرف عن مفقور إلى ~~فقير كما قيل : مطبوخ وطبيخ ، ومجروح وجريح ، فثبت أن الفقير إنما سمي ~~فقيرا لزمانته مع حاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من / التقلب في الكسب ~~ومعلوم أنه لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال وأنشدوا للبيد : # % لما رأى لبد النسور تطايرت % % رفع القوادم كالفقير الأعزل % # قال ابن الأعرابي في هذا البيت الفقير المكسور الفقار ، يضرب مثلا لكل ~~ضعيف لا يتقلب في الأمور ، ومما يدل على إشعار لفظ الفقير بالشدة العظيمة ~~قوله تعالى : { وجوه يومئذ * باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة } ( القيامة : ~~24 ، 25 ) جعل لفظ الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي . # الوجه الثالث : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يتعوذ من الفقر ، ~~وقال : ( كاد الفقر أن يكون كفرا ) ثم قال : ( اللهم أحيني مسكينا وأمتني ~~مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ) فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير ~~لتناقض الحديثان ، لأنه تعوذ من الفقر ، ثم سأل حالا أسوأ منه ، أما إذا ~~قلنا الفقر أشد من المسكنة فلا تناقض البتة . # الوجه الرابع : أن كونه مسكينا ، لا ينافي كونه مالكا للمال بدليل قوله ~~تعالى : { أما السفينة فكانت لمساكين } ( الكهف : 79 ) فوصف بالمسكنة من له ~~سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير ، ولم نجد في كتاب الله ما يدل ~~على أن الإنسان سمي فقيرا مع أنه يملك شيئا . # فإن قالوا : الدليل عليه ms4543 قوله تعالى : { والله الغنى وأنتم الفقراء } ( ~~محمد : 38 ) فوصف الكل ، بالفقر مع أنهم يملكون أشياء . PageV16P086 # قلنا : هذا بالضد أولى لأنه تعالى وصفهم بكونهم فقراء بالنسبة إلى الله ~~تعالى ، فإن أحدا سوى الله تعالى لا يملك البتة شيئا بالنسبة إلى الله فصح ~~قولنا . # الوجه الخامس : قوله تعالى : { أو إطعام فى يوم ذى مسغبة * يتيما ذا ~~مقربة * أو مسكينا ذا متربة } ( البلد : 14 16 ) والمراد منه المسكين ذي ~~المتربة الفقير الذي يذ ألصق بالتراب من شدة الفقر ، فتقييد المسكين بهذا ~~القيد يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن وصف كونه { ذا متربة } وإنما يكون ~~كذلك بتقدير أن يملك شيئا / فهذا يدل على أن كونه مسكينا لا ينافي كونه ~~مالكا لبعض الأشياء . # الوجه السادس : قال ابن عباس رضي الله عنهما ، الفقير هو المحتاج الذي لا ~~يجد شيئا ، قال : وهم أهل الصفة ، صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم ، فمن كان من المسلمين عنده فضل أتاهم ~~به إذا أمسوا ، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس . # وجه الاستدلال : أن شدة فقر أهل الصفة معلومة بالتواتر ، فلما فسر ابن ~~عباس الفقراء بهم وفسر المساكين بالطوافين ، ثم ثبت أن أحوال المحتاج الذي ~~لا يسأل أحدا شيئا أشد من أحوال من يحتاج ، ثم يسأل الناس ويطوف عليهم ، ~~ظهر أن الفقير يجب أن يكون أسوأ حالا من المسكين . # / الوجه السابع : أن المسكنة لفظ مأخوذ من السكون ، فالفقير إذا سأل ~~الناس وتضرع إليهم وعلم أنه متى تضرع إليهم أعطوه شيئا فقد سكن قلبه ، وزال ~~عنه الخوف والقلق ، ويحتمل أنه سمي بهذا الاسم ؛ لأنه إذا أجيب بالرد ومنع ~~سكن ولم يضطرب وأعاد السؤال ، فلهذا السبب جعل التمسكن كناية عن السؤال ~~والتضرع عند الغير ، ويقال : تمسكن الرجل إذا لان وتواضع ، ومنه قوله عليه ~~الصلاة والسلام للمصلي : ( تأن وتمسكن ) يريد تواضع وتخشع ، فدل هذا على أن ~~المسكين هو السائل . # إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى قال في آية أخرى : { وفى أموالهم حق ~~للسائل والمحروم ms4544 } ( الذاريات : 19 ) فلما ثبت بما ذكرنا ههنا أن المسكين ~~هو السائل ، وجب أن يكون المحروم هو الفقير ، ولا شك أن المحروم مبالغة في ~~تقرير أمر الحرمان ، فثبت أن الفقير أسوأ حالا من المسكين . # الوجه الثامن : أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( أحيني مسكينا ) الحديث ، ~~والظاهر أنه تعالى أجاب دعاءه فأماته مسكينا ، وهو عليه الصلاة والسلام حين ~~توفي كان يملك أشياء كثيرة فدل هذا على أن كونه مسكينا لا ينافي كونه مالكا ~~لبعض الأشياء ، أما الفقير فإنه يدل على الحاجة الشديدة لقوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( كاد الفقر أن يكون كفرا ) فثبت بهذا أن الفقر أشد حالا من ~~المسكنة . # الوجه التاسع : أن الناس اتفقوا على أن الفقر والغنى ضدان ، كما أن ~~السواد والبياض ضدان ولم يقل أحد إن الغنى والمسكنة ضدان بل قالوا : الترفع ~~والتمسكن ضدان ؛ فمن كان منقادا لكل أحد خائفا منهم متحملا لشرهم ساكتا عن ~~جوابهم متضرعا إليهم . قالوا : إن فلانا يظهر الذل والمسكنة ، وقالوا : إنه ~~مسكين عاجز ، وأما الفقير فجعلوه عبارة عن ضد الغنى ، وعلى هذا فقد يصفون ~~الرجل الغني بكونه مسكينا ، إذا كان يظهر من نفسه الخضوع والطاعة وترك ~~المعارضة ، وقد يصفون الرجل الفقير بكونه مترفعا عن التواضع والمسكنة ، ~~فثبت أن الفقر عبارة عن عدم المال والمسكنة عبارة عن إظهار التواضع ، ~~والأول ينافي حصول المال ، والثاني لا ينافي حصوله . PageV16P087 # الوجه العاشر : قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ في الزكاة : ( خذها من ~~أغنيائهم ، وردها على فقرائهم ) ولو كانت الحاجة في المساكين أشد ، لوجب أن ~~يقول : وردها على مساكينهم ، لأن ذكر الأهم أولى ، فهذه الوجوه التي ~~ذكرناها تدل على أن الفقير أسوأ من المسكين ، واحتج القائلون بأن المسكين ~~أسوأ حالا من الفقير بوجوه : الأول : احتجوا بقوله تعالى : { أو مسكينا ذا ~~متربة } ( البلد : 16 ) وصف المسكين بكونه ذا متربة ، وذلك يدل على نهاية ~~الضر والشدة ، وأيضا أنه تعالى جعل الكفارات من الأطعمة له ، ولا فاقة أعظم ~~من الحاجة إلى إزالة الجوع . الثاني : احتجوا بقول الراعي : # % أما الفقير الذي كانت حلوبته % % وفق العيال فلم ms4545 يترك له سيد % # / سماه فقيرا وله حلوبة . الثالث : قالوا المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر ~~لأجل أنه ليس له بيت يسكن فيه وذلك يدل على نهاية الضر والبؤس . الرابع : ~~نقلوا عن الأصمعي وعن أبي عمرو بن العلاء أنهما قالا : الفقير الذي له ما ~~يأكل . والمسكين الذي لا شيء له ، وقال يونس : الفقير قد يكون له بعض ما ~~يكفيه والمسكين هو الذي لا شيء له ، وقلت لأعرابي أفقير أنت ؟ قال : لا ~~والله بل مسكين . # والجواب : عن تمسكهم بالآية أنا بينا أن هذه الآية حجة لنا ، فإنه لما ~~قيد المسكين المذكور ههنا بكونه ذا متربة دل ذلك على أنه قد يوجد مسكين لا ~~بهذه الصفة وإلا لم يبق لهذا القيد فائدة قوله : أنه صرف الطعام الواجب في ~~الكفارات إليه ، قلنا : نعم إنه أوجب صرفه إلى المسكين المقيد بقيد كونه ذا ~~متربة ، وهذا لا يدل على أنه أوجب الصرف إلى مطلق المسكين . # والجواب عن استدلالهم ببيت الراعي أنه ذكر أن هذا الذي هو الآن موصوف ~~بكونه فقيرا فقد كانت له حلوبه ثم السيد لم يترك له شيئا ، فلم لا يجوز أن ~~يقال كانت له حلوبة ثم لما لم يترك له شيء وصف بكونه فقيرا ؟ # والجواب عن قولهم : المسكين هو الذي يسكن حيث يحضر لأجل أنه ليس له بيت . # قلنا : بل المسكين هو الطواف على الناس الذي يكثر إقدامه على السؤال ، ~~وسمي مسكينا إما لسكونه عندما ينتهرونه ويردونه ، وإما لسكون قلبه بسبب ~~علمه أن الناس لا يضيعونه مع كثرة سؤاله إياهم ، وأما الروايات التي ذكروها ~~عن أبي عمرو ويونس فهذا معارض بقول الشافعي وابن الأنباري رحمهما الله ، ~~وأيضا نقل القفال في ( تفسيره ) عن جابر بن عبد الله أنه قال : الفقراء ~~فقراء المهاجرين ، والمساكين الذين لم يهاجروا ، وعن الحسن الفقير الجالس ~~في بيته ، والمسكين الذي يسعى وعن مجاهد الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين ~~الذي يسأل ، وعن الزهري الفقراء هم المتعففون الذين لا يخرجون ، والمساكين ~~الذين يسألون ، قال مولانا الداعي إلى الله : هذه الأقوال كلها متوافقة ms4546 على ~~أن الفقير لا يسأل ، والمسكين يسأل ، ومن سأل وجد ، فكان المسكين أسهل وأقل ~~حاجة . # الصنف الثالث : قوله تعالى : { والعاملين عليها } وهم السعاة لجباية ~~الصدقة ، وهؤلاء يعطون من الصدقات بقدر أجور أعمالهم ، وهو قول الشافعي ~~رحمه الله ، وقول عبد الله بن عمر وابن زيد ، وقال مجاهد والضحاك : يعطون ~~الثمن من الصدقات ، وظاهر اللفظ مع مجاهد إلا أن الشافعي رحمه الله يقول ~~هذا أجرة PageV16P088 العمل فيتقدر بقدر العمل ، والصحيح أن مولى الهاشمي ~~والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملا على الصدقات ليناله منها ، لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أبى أن يبعث أبا رافع عاملا على / الصدقات ، وقال : أما ~~علمت أن مولى القوم منهم . وإنما قال : { والعاملين عليها } لأن كلمة على ~~تفيد الولاية كما يقال فلان على بلد كذا إذا كان واليا عليه . # الصنف الرابع : قوله تعالى : { والمؤلفة قلوبهم } قال ابن عباس : هم قوم ~~أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وكانوا ~~خمسة عشر رجلا ، أبو سفيان ، والأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، وحويطب بن ~~عبد العزى ، وسهل بن عمرو من بني عامر ، والحرث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ~~الجهني ، وأبو السنابل ، وحكيم بن حزام . ومالك بن عوف ، وصفوان بن أمية ، ~~وعبد الرحمن بن يربوع ، والجد بن قيس ، وعمرو بن مرداس . والعلاء بن الحرث ~~أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مائة من الإبل ورغبهم في ~~الإسلام ، إلا عبد الرحمن بن يربوع أعطاه خمسين من الإبل وأعطى حكيم بن ~~حزام سبعين من الإبل ، فقال : يا رسول الله ما كنت أرى أن أحدا من الناس ~~أحق بعطائك مني فزاده عشرة ، ثم سأله فزاده عشرة ، وهكذا حتى بلغ مائة ، ثم ~~قال حكيم : يا رسول الله أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي ~~قنعت بها ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( بل التي رغبت عنها ) فقال : والله ~~لا آخذ غيرها : فقيل مات حكيم وهو أكثر قريش مالا وشق على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تلك ms4547 العطايا لكن ألفهم بذلك . قال المصنف رحمه الله : هذه ~~العطايا إنما كانت يوم حنين ولا تعلق لها بالصدقات ، ولا أدري لأي سبب ذكر ~~ابن عباس رضي الله عنهما هذه القصة في تفسير هذه الآية ، ولعل المراد بيان ~~أنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة ، فأما أن يجعل ذلك تفسيرا ~~لصرف الزكاة إليهم فلا يليق بابن عباس ، ونقل القفال أن أبا بكر رضي الله ~~عنه أعطى عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة ، وقال ~~المقصود أن يستعين الإمام بهم على استخراج الصدقات من الملاك . قال الواحدي ~~: إن الله تعالى أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين ، فإن رأى الإمام أن ~~يؤلف قلوب قوم لبعض المصالح التي يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين ~~جاز إذ لا يجوز صرف شيء من زكوات الأموال إلى المشركين ، فأما المؤلفة من ~~المشركين فإنما يعطون من مال الفيء لا من الصدقات وأقول إن قول الواحدي إن ~~الله أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين بناء على أنه ربما يوهم أنه عليه ~~الصلاة والسلام دفع قسما من الزكاة إليهم لكنا بينا أن هذا لم يحصل البتة ، ~~وأيضا فليس في الآية ما يدل على كون المؤلفة مشركين بل قال : { والمؤلفة ~~قلوبهم } وهذا عام في المسلم وغيره ، والصحيح أن هذا الحكم غير منسوخ وأن ~~للإمام أن يتألف قوما على هذا الوصف ويدفع إليهم سهم المؤلفة لأنه ( لا ) ~~دليل على نسخه البتة . # / الصنف الخامس : قوله : { وفي الرقاب } قال الزجاج : وفيه محذوف ، ~~والتقدير : وفي فك الرقاب وقد مضى الاستقصاء في ( تفسيره ) في سورة البقرة ~~في قوله : { والسائلين وفي الرقاب } ( البقرة : 177 ) ثم في تفسير الرقاب ~~أقوال : # القول الأول : إن سهم الرقاب موضوع في المكاتبين ليعتقوا به ، وهذا مذهب ~~الشافعي رحمه الله ، والليث بن سعد ، واحتجوا بما روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قال : قوله : { وفي الرقاب } يريد المكاتب وتأكد هذا بقوله تعالى ~~: { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى } ( النور : 33 ) . PageV16P089 # والقول الثاني : وهو مذهب مالك وأحمد ms4548 وإسحق أنه موضوع لعتق الرقاب يشتري ~~به عبيد فيعتقون . # والقول الثالث : قول أبي حنيفة وأصحابه وقول سعيد بن جبير والنخعي ، أنه ~~لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكنه يعطي منها في رقبة ويما بها مكاتب لأن ~~قوله : { وفي الرقاب } يقتضي أن يكون له فيه مدخل وذلك ينافي كونه تاما فيه ~~. # والقول الرابع : قول الزهري : قال سهم الرقاب نصفان ، نصف للمكاتبين من ~~المسلمين ، ونصف يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا ، وقدم إسلامهم فيعتقون من ~~الزكاة ، قال أصحابنا : والاحتياط في سهم الرقاب دفعه إلى السيد بإذن ~~المكاتب ، والدليل عليه أنه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة الذين تقدم ~~ذكرهم بلام التمليك وهو قوله : { إنما الصدقات للفقراء } ولما ذكر الرقاب ~~أبدل حرف اللام بحرف في فقال : { وفي الرقاب } فلا بد لهذا الفرق من فائدة ~~، وتلك الفائدة هي أن تلك الأصناف الأربعة المتقدمة يدفع إليهم نصيبهم من ~~الصدقات حتى يتصرفوا فيها كما شاؤوا وأما { فى * الرقاب } فيوضع نصيبهم في ~~تخليص رقبتهم عن الرق ، ولا يدفع إليهم ولا يمكنوا من التصرف في ذلك النصيب ~~كيف شاؤوا ، بل يوضع في الرقاب بأن يؤدي عنهم ، وكذا القول في الغارمين ~~يصرف المال في قضاء ديونهم ، وفي الغزاة يصرف المال إلى إعداد ما يحتاجون ~~إليه في الغزو وابن السبيل كذلك . والحاصل : أن في الأصناف الأربعة الأول ، ~~يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤوا ، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف ~~المال إليهم ، بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها ~~استحقوا سهم الزكاة . # الصنف السادس : قوله تعالى : { والغارمين } قال الزجاج : أصل الغرم في ~~اللغة لزوم ما يشق والغرام العذاب اللازم ، وسمي العشق غراما لكونه أمرا ~~شاقا ولازما ، ومنه : فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعا بهن ، وسمي الدين ~~غراما لكونه شاقا على الإنسان ولازما له ، فالمراد بالغارمين المديونون ، ~~ونقول : الدين إن حصل بسبب معصية لا يدخل في الآية ، لأن المقصود من صرف / ~~المال المذكور في الآية الإعانة ، والمعصية لا تستوجب الإعانة ، وإن حصل لا ~~بسبب معصية فهو قسمان : دين حصل ms4549 بسبب نفقات ضرورية أو في مصلحة ، ودين حصل ~~بسبب حمالات وإصلاح ذات بين ، والكل داخل في الآية ، وروى الأصم في ( ~~تفسيره ) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قضى بالغرة في الجنين ، قال ~~العاقلة : لا نملك الغرة يا رسول الله قال لحمد بن مالك بن النابغة : ( ~~أعنهم بغرة من صدقاتهم ) وكان حمد على الصدقة يومئذ . # الصنف السابع : قوله تعالى : { وفى سبيل الله } قال المفسرون : يعني ~~الغزاة . قال الشافعي رحمه الله : يجوز له أن يأخذ من مال الزكاة وإن كان ~~غنيا وهو مذهب مالك وإسحق وأبي عبيد . وقال أبو حنيفة وصاحباه رحمهم الله : ~~لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجا . # واعلم أن ظاهر اللفظ في قوله : { وفى سبيل الله } لا يوجب القصر على كل ~~الغزاة ، فلهذا المعنى نقل القفال في ( تفسيره ) عن بعض الفقهاء أنهم ~~أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون ~~وعمارة المساجد ، لأن قوله : { وفى سبيل الله } عام في الكل . # والصنف الثامن : ابن السبيل قال الشافعي رحمه الله : ابن السبيل المستحق ~~للصدقة وهو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ سفره إلا بمعونة . ~~قال الأصحاب : ومن أنشأ السفر من بلده لحاجة ، PageV16P090 جاز أن يدفع ~~إليه سهم ابن السبيل ، فهذا هو الكلام في شرح هذه الأصناف الثمانية . # المسألة الخامسة : في أحكام هذه الأقسام . # الحكم الأول # اتفقوا على أن قوله : { إنما الصدقات } دخل فيه الزكاة الواجبة ، لأن ~~الزكاة الواجبة مسماة بالصدقة ، قال تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } ( ~~التوبة : 103 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( ليس فيما دون خمسة ذود وليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة ) واختلفوا في أنه هل تدخل فيها الصدقة المندوبة ~~فمنهم من قال : تدخل فيها لأن لفظ الصدقة مختص بالمندوبة فإذا أدخلنا فيه ~~الزكاة الواجبة فلا أقل من أن تدخل فيه أيضا الصدقة المندوبة وتكون الفائدة ~~أن مصارف جميع الصدقات ليس إلا هؤلاء ، والأقرب أن المراد من لفظ الصدقات ~~ههنا هو الزكوات الواجبة ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى أثبت هذه ~~الصدقات ms4550 بلام التمليك للأصناف الثمانية ، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا ~~الزكاة الواجبة ، الثاني : أن ظاهر هذه الآية يدل على أن مصرف الصدقات ليس ~~إلا لهؤلاء الثمانية ، وهذا الحصر إنما يصح لو حملنا هذه الصدقات على ~~الزكوات الواجبة ، أما لو أدخلنا فيها المندوبات لم يصح هذا الحصر ، لأن ~~الصدقات المندوبة يجوز صرفها إلى بناء المساجد ، والرباطات ، والمدارس ، ~~وتكفين / الموتى وتجهيزهم وسائر الوجوه . الثالث : أن قوله تعالى : { إنما ~~الصدقات للفقراء } إنما يحسن ذكره لوكان قد سبق بيان تلك الصدقات وأقسامها ~~حتى ينصرف هذا الكلام إليه ، والصدقات التي سبق بيانها وتفصيلها هي الصدقات ~~الواجبة فوجب انصراف هذا الكلام إليها . # الحكم الثاني # دلت هذه الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخدها وتفرقتها الإمام ومن يلي من ~~قبله / والدليل عليه أن الله تعالى جعل للعاملين سهما فيها ، وذلك يدل على ~~أنه لا بد في أداء هذه الزكوات من عامل والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ ~~الزكوات ، فدل هذا النص على أن الإمام هو الذي يأخذ هذه الزكوات ، وتأكد ~~هذا النص بقوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } فالقول بأن المالك يجوز له ~~إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر ، ويمكن أن يتمسك في ~~إثباته بقوله تعالى : { وفى أموالهم حق للسائل والمحروم } فإذا كان ذلك ~~الحق حقا للسائل والمحروم وجب أن يجوز له دفعه إليه ابتداء . # الحكم الثالث # نص القرآن يدل على أن العامل له في مال الزكاة حق ، واختلفوا في أن ~~الإمام هل له فيه حق ؟ فمنهم من أثبته قال : لأن العامل إنما قدر على ذلك ~~العمل بتقويته وإمارته ، فالعامل في الحقيقة هو الإمام ، ومنهم من منعه ~~وقال : الآية دلت على حصر مال الزكاة في هؤلاء الثمانية ، والإمام خارج ~~عنهم فلا يصرف هذا المال إليه . # الحكم الرابع # اختلفوا في هذا العامل إذا كان غنيا هل يأخذ النصيب ؟ قال الحسن : لا ~~يأخذ إلا مع الحاجة وقال PageV16P091 الباقون : يأخذ وإن كان غنيا لأنه ~~يأخذه أجرة على العمل ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : للعامل في مال الزكاة ~~الثمن ، لأن ms4551 الله تعالى قسم الزكاة على ثمانية أصناف فوجب أن يحصل له الثمن ~~، كما أن من أوصى بمال لثمانية أنفس حصل لكل واحد منهم ثمنه ، وقال ~~الأكثرون : بل حقه بقدر مؤنته عند الجباية والجمع . # الحكم الخامس # اتفقوا على أن مال الزكاة لا يخرج عن هذه الثمانية واختلفوا أنه هل يجوز ~~وضعه في بعض الأصناف فقط ؟ وقد سبق ذكر دلائل هاتين المسألتين ، إلا أنا ~~إذا قلنا يجوز وضعه في بعض / الأصناف فقط فهذا إنما يجوز في غير العامل ، ~~وأما وضعه بالكلية في العالم فذلك غير جائز بالاتفاق . # الحكم السادس # أن العامل والمؤلفة مفقودان في هذا الزمان ، ففيه الأصناف الستة والأولى ~~صرف الزكاة إلى هذه الأصناف الستة على ما يقوله الشافعي ، لأنه الغاية في ~~الاحتياط ، أما إن لم يفعل ذلك أجزأه على ما بيناه . # الحكم السابع # عموم قوله : { للفقراء والمساكين } يتناول الكافر والمسلم إلا أن الأخبار ~~دلت على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الفقراء والمساكين وغيرهم إلا إذا ~~كانوا مسلمين . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأصناف الثمانية وشرح أحوالهم . قال : { ~~فريضة من الله } قال الزجاج : { فريضة } منصوب على التوكيد ، لأن قوله : { ~~إنما الصدقات } لهؤلاء جار مجرى قوله : فرض الله الصدقات لهؤلاء فريضة ، ~~وذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: ( إن الله تعالى لم يرض بقسمة الزكاة أن يتولاها ملك مقرب ولا نبي مرسل ~~حتى تولى قسمتها بنفسه ) والمقصود من هذه التأكيدات تحريم إخراج الزكاة عن ~~هذه الأصناف . # ثم قال : { والله عليم } أي أعلم بمقادير المصالح { حكيم } لا يشرع إلا ~~ما هو الأصوب الأصلح والله أعلم . # ! 7 < { ومنهم الذين يؤذون النبى ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن ~~بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين ءامنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم ~~عذاب أليم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 61 ) ومنهم الذين يؤذون . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من جهالات المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون في ~~رسول الله أنه أذن على وجه الطعن والذم ، وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى ms4552 : قرأ عاصم في رواية الأعمش وعبد الرحمن عن أبي عكرمة ~~عنه { أذن خير } مرفوعين PageV16P092 منونين ، على تقدير : إن كان كما ~~تقولون إنه أذن . فأذن خير لكم يقبل منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ، ~~والباقون { أذن خير لكم } بالإضافة ، أي هو أذن خير ، لا أذن شر ، وقرأ ~~نافع { أذن } ساكنته الذال في كل القرآن ، والباقون بالضم وهما لغتان مثل ~~عنق وظفر . # المسألة الثانية : قال ابن عباس رضي الله عنه : أن جماعة من المنافقين ، ~~ذكروا النبي صلى الله عليه وسلم بما لا ينبغي من القول فقال بعضهم لا ~~تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما نقول ، فقال الجلاس بن سويد : بل نقول ما ~~شئنا ، ثم نذهب إليه ونحلف أنا ما قلنا ، فيقبل قولنا ، وإنما محمد أذن ~~سامعة ، فنزلت هذه الآية . وقال الحسن : كان المنافقون يقولون ما هذا الرجل ~~إلا أذن ، من شاء صرفه حيث شاء لا عزيمة له . وروى الأصم أن رجلا منهم قال ~~لقومه إن كان ما يقول محمد حقا ، فنحن شر من الحمير فسمعها ابن امرأته ، ~~فقال : والله إنه لحق وإنك أشر من حمارك ، ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك فقال بعضهم : إنما محمد أذن ولو لقيته وحلفت له ليصدقنك ، فنزلت هذه ~~الآية على وفق قوله . فقال القائل : يا رسول الله لم أسلم قط قبل اليوم ، ~~وإن هذا الغلام لعظيم الثمن علي والله لأشكرنه ثم قال الأصم : أظهر الله ~~تعالى عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها لتكون حجة للرسول ~~ولينزجروا . فقال : { ومنهم من يلمزك في الصدقات } . # ثم قال : { ومنهم الذين يؤذون النبى } ثم قال : { ومنهم من عاهد الله } ~~إلى غير ذلك من الأخبار عن الغيوب ، وفي كل ذلك دلائل على كونه نبيا حقا من ~~عند الله . # المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى حكى أن من المنافقين من يؤذي النبي ، ~~ثم فسر ذلك الإيذاء بأنهم يقولون للنبي أنه أذن ، وغرضهم منه أنه ليس له ~~ذكاء ولا بعد غور ، بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع ، فلهذا ~~السبب ms4553 سموه بأنه أذن ، كما أن الجاسوس يسمى بالعين يقال : جعل فلان علينا ~~عينا ، أي جاسوسا متفحصا عن الأمور ، فكذا ههنا . # ثم إنه تعالى أجاب عنه بقوله { قل أذن خير لكم } والتقدير : هب أنه أذن ~~لكنه خير لكم وقوله : { أذن خير } مثل ما يقال فلان رجل صدق وشاهد عدل ، ثم ~~بين كونه { أذن خير } بقوله : { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين ~~ءامنوا منكم } جعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عليه الصلاة والسلام { ~~أذن خير } فلنبين كيفية اقتضاء هذه المعاني لتلك الخيرية . # أما الأول : وهو قوله : { يؤمن بالله } فلأن كل من آمن بالله خائفا من ~~الله ، والخائف من الله لا يقدم على الإيذاء بالباطل . # / وأما الثاني : وهو قوله : { ويؤمن للمؤمنين } فالمعنى أنه يسلم ~~للمؤمنين قولهم والمعنى أنهم إذا توافقوا على قول واحد ، سلم لهم ذلك القول ~~، وهذا ينافي كونه سليم القلب سريع الاغترار . # فإن قيل : لم عدى الإيمان إلى الله بالباء وإلى المؤمنين باللام ؟ # قلنا : لأن الإيمان المعدى إلى الله المراد منه التصديق الذي هو نقيض ~~الكفر ، فعدى بالباء ، والإيمان المعدى إلى المؤمنين معناه الاستماع منهم ~~والتسليم لقولهم فيتعدى باللام ، كما في قوله : { وما أنت بمؤمن لنا } ( ~~يوسف : 17 ) وقوله : { فما ءامن لموسى إلا ذرية من قومه } ( يونس : 83 ) ~~وقوله : { أنؤمن لك واتبعك الارذلون } PageV16P093 ( الشعراء : 111 ) وقوله ~~: { قال ءامنتم له قبل أن ءاذن } ( الشعراء : 49 ) . # وأما الثالث : وهو قوله : { ورحمة للذين ءامنوا منكم } فهذا أيضا يوجب ~~الخيرية لأنه يجري أمركم على الظاهر ، ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم ، ~~ولا يسعى في هتك أستاركم ، فثبت أن كل واحد من هذه الأوصاف الثلاثة يوجب ~~كونه { أذن خير } ولما بين كونه سببا للخير والرحمة بين أن كل من آذاه ~~استوجب العذاب الأليم ، لأنه إذا كان يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم مع ~~كونهم في غاية الخبث والخزي ، ثم إنهم بعد ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة ~~وخيراته بالشرور ، فلا شك أنهم يستحقون العذاب الشديد من الله تعالى . # المسألة الرابعة : أما قراءة من قرأ { أذن خير } بالتنوين في ms4554 الكلمتين ~~ففيه وجوه : # الوجه الأول : التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن ~~الفاسد الذي تذكرون ، ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن ، وهو قوله : ~~{ يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين ءامنوا منكم } والمعنى أن من كان ~~موصوفا بهذه الصفات ، فكيف يجوز الطعن فيه ، وكيف يجوز وصفه بكونه سليم ~~القلب سريع الاغترار ؟ # الوجه الثاني : أن يضمر مبتدأ ، والتقدير : هو أذن خير لكم ، أي هو أذن ~~موصوف بالخيرية في حقكم ، لأنه يقبل معاذيركم ، ويتغافل عن جهالاتكم ، فكيف ~~جعلتم هذه الصفة طعنا في حقه ؟ # الوجه الثالث : وهو وجه متكلف ذكره صاحب النظم . فقال : { أذن } وإن كان ~~رفعا بالابتداء في الظاهر لكن موضعه نصب على الحال وتأويله قل هو أذنا خير ~~إذا كان أذنا فهو خير لكم لأنه يقبل معاذيركم ، ونظيره ، وهو حافظا خير لكم ~~، أي هو حال كونه حافظا لكم إلا أنه لما كان محذوفا وضع الحال مكان المبتدأ ~~تقديره ، وهو حافظ خير لكم وإضمار ( هو ) في القرآن كثير . / قال تعالى : { ~~سيقولون ثلاثة } أي هم ثلاثة ، وهذا الوجه شديد التكلف ، وإن كان قد ~~استحسنه الواحدي جدا . # المسألة الخامسة : قرأ حمزة { ورحمة } بالجر عطفا على { خير } كأنه قيل : ~~أذن خير ورحمة ، أي مستمع كلام يكون سببا للخير والرحمة . # فإن قيل : وكل رحمة خير ، فأي فائدة في ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير ؟ # قلنا : لأن أشرف أقسام الخير هو الرحمة ، فجاز ذكر الرحمة عقيب ذكر الخير ~~، كما في قوله تعالى : { وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) ~~قال أبو عبيد : هذه القراءة بعيدة لأنه تباعد المعطوف عن المعطوف عليه . ~~قال أبو علي الفارسي : البعد لا يمنع من صحة العطف ، ألا ترى أن من قرأ { ~~وقيله يارب * رب } ( الزخرف : 88 ) إنما يحمله على قوله : { وعنده علم ~~الساعة } ( لقمان : 34 ) تقديره : وعنده علم الساعة وعلم قيله . # فإن قيل : ما وجه قراءة ابن عامر { ورحمة } بالنصب ؟ # قلنا : هي علة معللها محذوف ، والتقدير : ورحمة لكم يأذن إلا أنه حذف ، ~~لأن قوله : { أذن خير لكم } يدل ms4555 عليه . # PageV16P094 ! 7 < { يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه ~~إن كانوا مؤمنين } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 62 ) يحلفون بالله لكم . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح أفعال المنافقين وهو إقدامهم على ~~اليمين الكاذبة . قيل : هذا بناء على ما تقدم ، يعني يؤذون النبي ويسيؤون ~~القول فيه ثم يحلفون لكم . وقيل : نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة ~~تبوك ، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتوه واعتذروا ~~وحلفوا ، ففيهم نزلت الآية ، والمعنى : أنهم حلفوا على أنهم ما قالوا ما ~~حكى عنهم ، ليرضوا المؤمنين بيمينهم ، وكان من الواجب أن يرضوا الله ~~بالإخلاص والتوبة ، لا بإظهار ما يستسرون خلافه ، ونظيره قوله : { وإذا ~~لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا } ( البقرة : 4 البقرة : 76 ) . # وأما قوله : { يرضوه } بعد تقدم ذكر الله وذكر الرسول ففيه وجوه : الأول ~~: أنه تعالى لا يذكر مع غيره بالذكر المجمل ، بل يجب أن يفرد بالذكر تعظيما ~~له . والثاني : أن المقصود بجميع الطاعات والعبادات هو الله ، فاقتصر على ~~ذكره . ويروى أن واحدا من الكفار رفع صوته . وقال : / إني أتوب إلى الله ~~ولا أتوب إلى محمد ، فسمع الرسول عليه السلام ذلك وقال : ( وضع الحق في ~~أهله ) الثالث : يجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر الواحد كقوله : # % نحن بما عندنا وأنت بما % % عندك راض والرأي مختلف % # والرابع : أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله تعالى ، وإخلاص القلب لا ~~يعلمه إلا الله ، فلهذا السبب خص تعالى نفسه بالذكر . الخامس : لما وجب أن ~~يكون رضا الرسول مطابقا لرضا الله تعالى وامتنع حصول المخالفة بينهما وقع ~~الاكتفاء بذكر أحدهما كما يقال : إحسان زيد وإجماله نعشني وجبرني . السادس ~~: التقدير : والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك وقوله : { إن كانوا مؤمنين } ~~فيه قولان : الأول : إن كانوا مؤمنين على ما ادعوا . والثاني : أنهم كانوا ~~عالمين بصحة دين الرسول إلا أنهم أصروا على الكفر حسدا وعنادا ، فلهذا ~~المعنى قال تعالى : { إن كانوا مؤمنين } وفي الآية دلالة على رضا الله لا ~~يحصل بإظهار الإيمان ، ما لم يقترن به التصديق بالقلب ms4556 ، ويبطل قول الكرامية ~~الذين يزعمون أن الإيمان ليس إلا القول باللسان . # ! 7 < { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ~~ذالك الخزى العظيم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 63 ) ألم يعلموا أنه . . . . . # > > اعلم أن المقصود من هذه الآية أيضا ، شرح أحوال المنافقين الذين ~~تخلفوا عن غزوة تبوك وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال أهل المعاني : قوله : { ألم تعلم } خطاب لمن حاول ~~الإنسان تعليمه مدة وبالغ في ذلك التعليم ثم إنه لم يعلم فيقال له : ألم ~~تعلم بعد هذه الساعات الطويلة والمدة المديدة ، PageV16P095 وإنما حسن ذلك ~~لأنه طال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم ، وكثرت نهاياته للتحذير ~~عن معصية الله والترغيب في طاعته ، فالضمير في قوله : { أنه من يحادد الله ~~} ضمير الأمر والشأن ، والمعنى : أن الأمر والشأن كذا وكذا . والفائدة في ~~هذا الضمير هو أنه لو ذكر بعد كلمة { ءان } ذلك المبتدأ والخبر لم يكن له ~~كثير وقع . فأما إذا قلت الأمر والشأن كذا وكذا أوجب مزيد تعظيم وتهويل ~~لذلك الكلام . وقوله : { من يحادد الله } قال الليث : حاددته أي خالفته ، ~~والمحاددة كالمجانبة والمعاداة والمخالفة ، واشتقاقه من الحد ، ومعنى حاد ~~فلان فلانا ، أي صار في حد غيره حده كقوله : شاقه أي صار / في شق غير شقه ، ~~ومعنى { يحادد الله } أي يصير في حد غير حد أولياء الله بالمخالفة . وقال ~~أبو مسلم : المحادة مأخوذة من الحديد حديد السلاح ، ثم للمفسرين ههنا ~~عبارات : يحالف الله ، وقيل يحارب الله ، وقيل يعاند الله . وقيل يعاد الله ~~. # ثم قال : { فأن له نار جهنم } وفيه وجوه : الأول : التقدير : فحق أن له ~~نار جهنم . الثاني : معناه فله نار جهنم ، وإن تكرر للتوكيد . الثالث : أن ~~نقول جواب { من } محذوف ، والتقدير : ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ~~يهلك فأن له نار جهنم . قال الزجاج : ويجوز كسر { ءان } على الاستئناف من ~~بعد الفاء والقراءة بالفتح . ونقل الكعبي في ( تفسيره ) أن القراءة بالكسر ~~موجودة . قال أبو مسلم جهنم من أسماء النار ، وأهل اللغة يكون عن العرب أن ~~البئر ms4557 البعيدة القعر تسمى الجهنام عندهم ، فجاز في جهنم أن تكون مأخوذة من ~~هذا اللفظ ، ومعنى بعد قعرها أنه لا آخر لعذابها ، والخالد : الدائم ، ~~والخزي قد يكون بمعنى الندم وبمعنى الاستحياء ، والندم هنا أولى . لقوله ~~تعالى : { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } . # ! 7 < { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل ~~استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 64 ) يحذر المنافقون أن . . . . . # > > واعلم أنهم كانوا يسمون سورة براءة ، الحافرة حفرت عما في قلوب ~~المنافقين قال الحسن : اجتمع اثنا عشر رجلا من المنافقين على أمر من النفاق ~~، فأخبر جبريل الرسول عليه الصلاة والسلام بأسمائهم ، فقال عليه الصلاة ~~والسلام : ( إن أناسا اجتمعوا على كيت وكيت ، فليقوموا وليعترفوا ~~وليستغفروا ربهم حتى أشفع لهم ) فلم يقوموا ، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ~~ذلك : ( قم يا فلان ويا فلان ) حتى أتى عليهم ثم قالوا : نعترف ونستغفر ~~فقال : ( الآن أنا كنت في أول الأمر أطيب نفسا بالشفاعة ، والله كان أسرع ~~في الأجابة ، اخرجوا عني اخرجوا عني ) فلم يزل يقول حتى خرجوا بالكلية ، ~~وقال الأصم : إن عند رجوع الرسول عليه الصلاة والسلام من تبوك وقف له على ~~العقبة اثنا عشر رجلا ليفتكوا به فأخبره جبريل ، وكانوا متلثمين في ليلة ~~مظلمة وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم ، فأمر حذيفة بذلك فضربها ~~حتى نحاهم ، ثم قال : ( من عرفت من القوم ) فقال : / لم أعرف منهم أحدا ، ~~فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أسماءهم وعدهم له ، وقال : ( إن جبريل ~~أخبرني بذلك ) فقال حذيفة : ألا تبعث إليهم ليقتلوا ، فقال : ( أكره أن ~~تقول العرب قاتل محمد بأصحابه حتى إذا ظفر صار يقتلهم بل يكفينا الله ذلك ) ~~. PageV16P096 # فإن قيل : المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي على الرسول . # قلنا : فيه وجوه : الأول : قال أبو مسلم : هذا حذر أظهره المنافقون على ~~وجه الاستهزاء حين رأوا الرسول عليه الصلاة والسلام يذكر كل شيء ويدعي أنه ~~عن الوحي ، وكان المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم ، فأخبر الله رسوله بذلك ~~وأمره أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذي ms4558 حذروا ظهوره ، وفي قوله : { * استهزئوا ~~} دلالة على ما قلناه . الثاني : أن القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول ~~إلا أنهم شاهدوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يخبرهم بما يضمرونه ~~ويكتمونه ، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم . الثالث : قال الأصم ~~: أنهم كانوا يعرفون كونه رسولا صادقا من عند الله تعالى ، إلا أنهم كفروا ~~به حسدا وعنادا . قال القاضي : يبعد في العالم بالله وبرسوله وصحة دينه أن ~~يكون محادا لهما . قال الداعي إلى الله : هذا غير بعيد لأن الحسد إذا قوي ~~في القلب صار بحيث ينازع في المحسوسات ، الرابع : معنى الحذر الأمر بالحذر ~~، أي ليحذر المنافقون ذلك . الخامس : أنهم كانوا شاكين في صحة نبوته وما ~~كانوا قاطعين بفسادها . والشاك خائف ، فلهذا السبب خافوا أن ينزل عليه في ~~أمرهم ما يفضحهم ، ثم قال صاحب ( الكشاف ) : المضير في قوله : { سواء عليهم ~~} و { تنبئهم } للمؤمنين ، وفي قوله : { فى قلوبهم } للمنافقين ويجوز أيضا ~~أن تكون الضمائر كلها للمنافقين ، لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة ~~عليهم ، ومعنى { تنبئهم بما في قلوبهم } أن السورة كأنها تقول لهم في ~~قلوبهم كيت وكيت ، يعني أنها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنها تخبرهم . # ثم قال : { قل } وهو أمر تهديد كقوله : { الرحيم وقل اعملوا } ( التوبة : ~~105 ) { إن الله مخرج ما تحذرون } ( التوبة : 64 ) أي ذلك الذي تحذرونه ، ~~فإن الله يخرجه إلى الوجود ، فإن الشيء إذا حصل بعد عدمه ، فكان فاعله ~~أخرجه من العدم إلى الوجود . # ! 7 < { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وءاياته ~~ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طآئفة ~~منكم نعذب طآئفة بأنهم كانوا مجرمين } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 65 - 66 ) ولئن سألتهم ليقولن . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في سبب نزول الآية أمورا : الأول : روى ابن عمر ~~أن رجلا من المنافقين قال في غزوة تبوك ما رأيت مثل هؤلاء القوم أرعب قلوبا ~~ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين ، فقال واحد من ms4559 الصحابة : كذبت ولأنت منافق ، ثم ذهب ليخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فوجد القرآن قد سبقه . فجاء ذلك الرجل إلى رسول ~~الله وكان قد ركب ناقته ، فقال يا رسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث ~~الركب نقطع به الطريق ، وكان يقول إنما كنا نخوض ونلعب . ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول : ( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ) ولا يلتفت ~~إليه وما يزيده عليه . الثاني : قال الحسن وقتادة : لما سار الرسول إلى ~~تبوك PageV16P097 قال المنافقون بينهم أتراه يظهر على الشأن ويأخذ حصونها ~~وقصورها هيهات ، هيهات ، فعند رجوعه دعاهم وقال : أنتم القائلون بكذا وكذا ~~فقالوا : ما كان ذلك بالجد في قلوبنا وإنما كنا نخوض ونلعب . الثالث : روى ~~أن المتخلفين عن الرسول صلى الله عليه وسلم سألوا عما كانوا يصنعون وعن سبب ~~تخلفهم ، فقالوا هذا القول . الرابع : حكينا عن أبي مسلم أنه قال في تفسير ~~قوله : { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم } ( ~~التوبة : 64 ) أظهروا هذا الحذر على سبيل الاستهزاء ، فبين تعالى في هذه ~~الآية أنه إذا قيل لهم لم فعلتم ذلك ؟ قالوا : لم نقل ذلك على سبيل الطعن ، ~~بل لأجل أنا كنا نخوض ونلعب . الخامس : اعلم أنه لا حاجة في معرفة هذه ~~الآية إلى هذه الروايات فإنها تدل على أنهم ذكروا كلاما فاسدا على سبيل ~~الطعن والاستهزاء ، فلما أخبرهم الرسول بأنهم قالوا ذلك خافوا واعتذروا عنه ~~بأنا إنما قلنا ذلك على وجه اللعب لا على سبيل الجد وذلك قولهم إنما كنا ~~نخوض ونلعب أي ما قلنا ذلك إلا لأجل اللعب ، وهذا يدل على أن كلمة ( إنما ) ~~تفيد الحصر إذ لو لم يكن ذلك لم يلزم من كونهم لاعبين أن لا يكونوا ~~مستهزئين فحينئذ لا يتم هذا العذر . # والجواب : قال الواحدي : أصل الخوض الدخول في مائع من الماء والطين ، ثم ~~كثر حتى صار اسما لكل دخول فيه تلويث وأذى ، والمعنى : أنا كنا نخوض ونعلب ~~في الباطل من الكلام / كما يخوض الركب لقطع الطريق ، فأجابهم الرسول بقوله ~~: { ولئن سألتهم ms4560 ليقولن إنما } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : فرق بين قولك أتستهزىء بالله ، وبين قولك أبالله ~~تستهزىء ، فالأول يقتضي الإنكار على عمل الاستهزاء ، والثاني : يقتضي ~~الإنكار على إيقاع الاستهزاء في الله ، كأنه يقول هب أنك قد تقدم على ~~الاستهزاء ولكن كيف أقدمت على إيقاع الاستهزاء في الله ونظيره قوله تعالى : ~~{ للشاربين لا فيها غول } ( الصافات : 47 ) والمقصود : ليس نفي الغول ، بل ~~نفي أن يكون خمر الجنة محلا للغول . # المسألة الثانية : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستهزئون بالله وآياته ورسوله ~~، ومعلوم أن الاستهزاء بالله محال . فلا بد له من تأويل وفيه وجوه : الأول ~~: المراد بالاستهزاء بالله هو الاستهزاء بتكاليف الله تعالى . الثاني : ~~يحتمل أن يكون المراد الاستهزاء بذكر الله ، فإن أسماء الله قد يستهزىء ~~الكافر بها كما أن المؤمن يعظمها ويمجدها . قال تعالى : { سبح اسم ربك ~~الاعلى } ( الأعلى : 1 ) فأمر المؤمن بتعظيم اسم الله . وقال : { ولله ~~الاسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون فى أسمئه } ( الأعراف : 180 ~~) فلا يمتنع أن يقال : { أبالله } ويراد : أبذكر الله . الثالث : لعل ~~المنافقين لما قالوا : كيف يقدر محمد على أخذ حصون الشأم وقصورها . قال بعض ~~المسلمين : الله يعينه على ذلك وينصره عليهم ، ثم إن بعض الجهال من ~~المنافقين ذكر كلاما مشعرا بالقدح في قدرة الله كما هو عادات الجهال ~~والملحدة ، فكان المراد ذلك . # وأما قوله : { وءاياته } فالمراد بها القرآن ، وسائر ما يدل على الدين . ~~وقوله : { ورسوله } معلوم ، وذلك يدل على أن القوم إنما ذكروا ما ذكروه على ~~سبيل الاستهزاء . # ثم قال تعالى : { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : نقل الواحدي عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين : # القول الأول : أنه عبارة عن محو الذنب من قولهم : اعتذرت المنازل إذا ~~درست . يقال : مررت بمنزل PageV16P098 معتذر ، والاعتذار هو الدرس وأخذ ~~الاعتذار منه . لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه . # والقول الثاني : حكى ابن الأعرابي أن الاعتذار هو القطع ، ومنه يقال ~~للقلفة عذرة لأنها تقطع ، وعذرة الجارية سميت عذرة لأنها تعذر أي تقطع ، ~~ويقال اعتذرت المياه إذا انقطعت ms4561 ، فالعذر لما كان سببا لقطع اللوم سمي عذرا ~~، قال الواحدي : والقولان متقاربان ، لأن محو أثر الذنب وقطع اللوم ~~يتقاربان . # المسألة الثانية : أنه تعالى بين أن ذلك الاستهزاء كان كفرا ، والعقل ~~يقتضي أن الإقدام على / الكفر لأجل اللعب غير جائز ، فثبت أن قولهم { إنما ~~كنا نخوض ونلعب } ما كان عذرا حقيقيا في الإقدام على ذلك الاستهزاء ، فلما ~~لم يكن ذلك عذرا في نفسه نهاهم الله عن أن يعتذروا به لأن المنع عن الكلام ~~الباطل واجب . فقال : { لا تعتذروا } أي لا تذكروا هذا العذر في دفع هذا ~~الجرم . # المسألة الثالثة : قوله : { قد كفرتم بعد إيمانكم } يدل على أحكام . # الحكم الأول # أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفرا بالله . وذلك لأن الاستهزاء يدل على ~~الاستخفاف والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله تعالى بأقصى الإمكان ~~والجمع بينهما محال . # الحكم الثاني # أنه يدل على بطلان قول من يقول ، الكفر لا يدخل إلا في أفعال القلوب . # الحكم الثالث # يدل على أن قولهم الذي صدر منهم كفر في الحقيقة ، وإن كانوا منافقين من ~~قبل وأن الكفر يمكن أن يتجدد من الكافر حالا فحالا . # الحكم الرابع # يدل على أن الكفر إنما حدث بعد أن كانوا مؤمنين . # ولقائل أن يقول : القوم لما كانوا منافقين فكيف يصح وصفهم بذلك ؟ # قلنا : قال الحسن : المراد كفرتم بعد إيمانكم الذي أظهرتموه ، وقال آخرون ~~: ظهر كفركم للمؤمنين بعد أن كنتم عندهم مسلمين ، والقولان متقاربان . # ثم قال تعالى : { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم { إن نعف } بالنون وكسر الذال ، وطائفة بالنصب ~~والمعنى أنه تعالى حكى عن نفسه أنه يقول إن يعف عن طائفة يعذب طائفة ~~والباقون بالياء وضمها ، وفتح الفاء على ما لم يسم فاعله ، إن يعف عن طائفة ~~بالتذكير ، وتعذب طائفة بالتأنيث ، وحكى صاحب ( الكشاف ) عن مجاهد ، إن تعف ~~عن طائفة على البناء للمفعول مع التأنيث ، ثم قال : والوجه التذكير لأن ~~المسند إليه الظرف كما تقول سير بالدابة ، ولا تقول سيرت بالدابة ، وأما ~~تأويل قراءته فهو أن مجاهدا ms4562 لعله ذهب إلى أن المعنى كأنه قيل : إن ~~PageV16P099 ترحم طائفة فأنت كذلك ، وهو غريب والجيد القراءة العامة إن يعف ~~عن طائفة بالتذكير وتعذب طائفة بالتأنيث . # / المسألة الثانية : ذكر المفسرون ، أن الطائفتين كانوا ثلاثة ، استهزأ ~~اثنان وضحك واحد ، فالطائفة الأولى الضاحك ، والثانية الهازيان ، وقال ~~المفسرون : لما كان ذنب الضاحك أخف لا جرم عفا الله عنه ، وذنب الهازيين ~~أغلظ ، فلا جرم ما عفا الله عنهما ، قال القاضي : هذا بعيد لأنه تعالى حكم ~~على الطائفتين بالكفر ، وأنه تعالى لا يعفو عن الكافر إلا بعد التوبة ~~والرجوع إلى الإسلام ، وأيضا لا يعذب الكافر إلا بعد إصراره على الكفر ، ~~أما لو تاب عنه ورجع إلى الإسلام فإنه لا يعذبه ، فلما ذكر الله تعالى أنه ~~يعفو عن طائفة ويعذب الأخرى ، كان فيه إضمار أن الطائفة التي أخبر أنه يعفو ~~عنهم تابوا عن الكفر ورجعوا إلى الإسلام ، وأن الطائفة التي أخبر أنه ~~يعذبهم أصروا على الكفر ولم يرجعوا إلى الإسلام ، ولعل ذلك الواحد لما لم ~~يبالغ في الطعن ولم يوافق القوم في الذكر خف كفره ، ثم إنه تعالى وفقه ~~للإيمان والخروج عن الكفر ، وذلك يدل على أن من خاض في عمل باطل ، فليجتهد ~~في التقليل فإنه يرجى له ببركة ذلك التقليل أن يتوب الله عليه في الكل . # المسألة الثالثة : قالوا : ثبت بالروايات أن الطائفتين كانوا ثلاثة ، ~~فوجب أن تكون إحدى الطائفتين إنسانا واحدا . قال الزجاج : والطائفة في ~~اللغة أصلها الجماعة ، لأنها المقدار الذي يمكنها أن تطيف بالشيء ثم يجوز ~~أن يسمى الواحد بالطائفة ، قال تعالى : { الاخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين } ( النور : 2 ) وأقله الواحد ، وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه قال : الطائفة الواحد فما فوقه ، وفي جواز تسمية الشخص ~~الواحد بالطائفة وجوه : الأول : أن من اختار مذهبا ونصره فإنه لا يزال يكون ~~ذابا عنه ناصرا له ، فكأنه بقلبه يطوف عليه ويذب عنه من كل الجوانب ، فلا ~~يبعد أن يسمى الواحد طائفة لهذا السبب . الثاني : قال ابن الأنباري : العرب ~~توقع لفظ الجمع على ms4563 الواحد فتقول : خرج فلان إلى مكة على الجمال ، والله ~~تعالى يقول : { الذين قال لهم الناس } ( آل عمران : 173 ) يعني نعيم بن ~~مسعود . الثالث : لا يبعد أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد يكون أصلها ~~طائفا ، ثم أدخل الهاء عليه للمبالغة ، ثم إنه تعالى علل كونه معذبا ~~للطائفة الثانية بأنهم كانوا مجرمين . # واعلم أن الطائفتين لما اشتركتا في الكفر ، فقد اشتركتا في الجرم ، ~~والتعذيب يختص بإحدى الطائفتين ، وتعليل الحكم الخاص بالعلة العامة لا يجوز ~~، وأيضا التعذيب حكم حاصل في الحال وقوله : { كانوا مجرمين } يدل على صدور ~~الجرم عنهم في الزمان الماضي ، وتعليل الحكم الحاصل في الحال بالعلة ~~المتقدمة لا يجوز ، بل كان الأولى أن يقال ذلك بأنهم مجرمون . # واعلم أن الجواب عنه أن هذا تنبيه على أن جرم الطائفة الثانية كان أغلظ ~~وأقوى من جرم / الطائفة الأولى ، فوقع التعليل بذلك الجرم الغليظ ، وأيضا ~~ففيه تنبيه على أن ذلك الجرم بقي واستمر ولم يزل ، فأوجب التعذيب . # ! 7 < { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن ~~المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون } . > 7 ~~@QB@ < # | التوبة : ( 67 ) المنافقون والمنافقات بعضهم . . . . . # > > PageV16P100 # اعلم أن هذا شرح نوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم ، والمقصود بيان أن ~~إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة والأفعال الخبيثة ، فقال : { ~~المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } أي في صفة النفاق ، كما يقول الإنسان ~~: أنت مني وأنا منك ، أي أمرنا واحد لا مباينة فيه ولما ذكر هذا الكلام ذكر ~~تفصيله فقال : { يأمرون بالمنكر } ولفظ المنكر يدخل فيه كل قبيح ، إلا أن ~~الأعظم ههنا تكذيب الرسول { وينهون عن المعروف } ولفظ المعروف يدخل فيه كل ~~حسن إلا أن الأعظم ههنا الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ويقبضون أيديهم ~~، قيل من كل خير ، وقيل عن كل خير واجب من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله ~~وهذا أقرب لأنه تعالى لا يذمهم إلا بترك الواجب ويدخل فيه ترك الإنفاق في ~~الجهاد ، ونبه بذلك على تخلفهم عن الجهاد ، والأصل في هذا أن المعطي يمد ~~يده ms4564 ويبسطها بالعطاء . فقيل لمن منع وبخل قد قبض يده . # ثم قال : { نسوا الله فنسيهم } واعلم أن هدا الكلام لا يمكن إجراؤه على ~~ظاهره لأنا لو حملناه على النسيان على الحقيقة لما استحقوا عليه ذما ، لأن ~~النسيان ليس في وسع البشر ، وأيضا فهو في حق الله تعالى محال فلا بد من ~~التأويل ، وهو من وجهين : الأول : معناه أنهم تركوا أمره حتى صار بمنزلة ~~المنسي ، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته ، وجاء هذا على ~~أوجه الكلام كقوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) الثاني : ~~النسيان ضد الذكر ، فلما تركوا ذكر الله بالعبادة والثناء على الله ، ترك ~~الله ذكرهم بالرحمة والإحسان ، وإنما حسن جعل النسيان كناية عن ترك الذكر ~~لأن من نسي شيئا لم يذكره ، فجعل اسم الملزوم كناية عن اللازم . # ثم قال : { إن المنافقين هم الفاسقون } أي هم الكاملون في الفسق . والله ~~أعلم . # ! 7 < { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هى ~~حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم * كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة ~~وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع ~~الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولائك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والا خرة وأولائك هم الخاسرون } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 68 - 69 ) وعد الله المنافقين . . . . . # > > PageV16P101 # اعلم أنه تعالى لما بين من قبل في المنافقين والمنافقات أنه نسبهم ، أي ~~جازاهم على تركهم التمسك بطاعة الله أكد هذا الوعيد وضم المنافقين إلى ~~الكفار فيه ، فقال : { وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم ~~خالدين فيها } ولا شك أن النار المخلدة من أعظم العقوبات . # ثم قال : { هى حسبهم } والمعنى : أن تلك العقوبة كافية لهم ولا شيء أبلغ ~~منها ، ولا يمكن الزيادة عليها . # ثم قال : { ولعنهم الله } أي ألحق بتلك العقوبة الشديدة الإهانة والذم ~~واللعن . # ثم قال : { ولهم عذاب مقيم } ولقائل أن يقول : معنى كون العذاب مقيما ~~وكونه خالدا واحد ، فكان هذا تكرارا ؟ # والجواب : ليس ذلك تكريرا ، وبيان الفرق من وجوه : الأول : أن لهم نوعا ~~آخر من العذاب المقيم الدائم ms4565 سوى العذاب بالنار والخلود المذكور أولا ، ولا ~~يدل على أن العذاب بالنار دائم . وقوله : { ولهم عذاب مقيم } يدل على أن ~~لهم مع ذلك نوعا آخر من العذاب . # ولقائل أن يقول : هذا التأويل مشكل لأنه قال في النار المخلدة : { هى ~~حسبهم } وكونها حسبا بمنع من ضم شيء آخر إليه . # / وجوابه : أنها حسبهم في الإيلام والإيجاع ، ومع ذلك فيضم إليه نوع آخر ~~زيادة في تعذيبهم . والثاني : أن المراد بقوله : { ولهم عذاب مقيم } العذاب ~~العاجل الذي لا ينفكون عنه ، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق والخوف من اطلاع ~~الرسول على بواطنهم ، وما يحذرونه أبدا من أنواع الفضائح . # ثم قال : { كالذين من قبلكم } واعلم أن هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب ، ~~وهذا الكاف للتشبيه ، وهو يحتمل وجوها : الأول : قال الفراء : فعلتم كأفعال ~~الذين من قبلكم ، والمعنى : أنه تعالى شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا ~~قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ، وقبض الأيدي عن الخيرات ، ثم ~~إنه تعالى وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة من هؤلاء المنافقين وأكثر ~~أموالا وأولادا ، ثم استمتعوا مدة بالدنيا ثم هلكوا وبادوا وانقلبوا إلى ~~العقاب الدائم ، فأنتم مع ضعفكم وقلة خيرات الدنيا عندكم أولى أن تكونوا ~~كذلك . # والوجه الثاني : أنه تعالى شبه المنافقين في عدولهم عن طاعة الله تعالى ، ~~لأجل طلب لذات الدنيا بمن قبلهم من الكفار ، ثم وصفهم تعالى بكثرة الأموال ~~والأولاد وبأنهم استمتعوا بخلاقهم ، والخلاق النصيب ، وهو ما خلق للإنسان ، ~~أي قدر له من خير ، كما قيل له : قسم لأنها قسم ونصيب ، لأنه نصب أي ثبت ، ~~فذكر تعالى أنهم استمتعوا بخلاقهم فأنتم أيها المنافقون استمتعم بخلاقكم ~~كما استمتع أولئك بخلاقهم . # فإن قيل : ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ~~ذكره في حق المنافقين ثانيا ثم ذكره في حق الأولين ثالثا . # قلنا : الفائدة فيه أنه تعالى ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ ~~الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ العاجلة / ~~فلما قرر تعالى هذا الذم عاد فشبه حال هؤلاء المنافقين ms4566 PageV16P102 بحالهم ~~، فيكون ذلك نهاية في المبالغة ، ومثاله : أن من أراد أن ينبه بعض الظلمة ~~على قبح ظلمه يقول له : أنت مثل فرعون ، كان يقتل بغير جرم ويعذب من غير ~~موجب ، وأنت تفعل مثل ما فعله ، وبالجملة فالتكرير ههنا للتأكيد ، ولما بين ~~تعالى مشابهة هؤلاء المنافقين لأولئك المتقدمين في طلب الدنيا ، وفي ~~الإعراض عن طلب الآخرة ، بين حصول المشابهة بين الفريقين في تكذيب الأنبياء ~~وفي المكر والخديعة والغدر بهم . فقال : { وخضتم كالذي خاضوا } قال الفراء ~~: يريد كخوضهم الذي خاضوا ، ف { الذى } صفة مصدر محذوف دل عليه الفعل . # ثم قال تعالى : { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة } أي بطلت ~~حسناتهم في الدنيا بسبب الموت والفقر والانتقال من العز إلى الذل ومن القوة ~~إلى الضعف ، وفي الآخرة بسبب أنهم / لا يثابون بل يعاقبون أشد العقاب { ~~وأولئك هم الخاسرون } حيث أتعبوا أنفسهم في الرد على الأنبياء والرسل ، فما ~~وجدوا منه إلا فوات الخيرات في الدنيا والآخرة ، وإلا حصول العقاب في ~~الدنيا والآخرة ، والمقصود أنه تعالى لما شبه حال هؤلاء المنافقين بأولئك ~~الكفار بين أن أولئك الكفار لم يحصل لهم إلا حبوط الأعمال وإلا الخزي ~~والخسار ، مع أنهم كانوا أقوى من هؤلاء المنافقين وأكثر أموالا وأولادا ~~منهم ، فهؤلاء المنافقون المشاركون لهم في هذه الأعمال القبيحة أولى أن ~~يكونوا واقعين في عذاب الدنيا والآخرة ، محرومين من خيرات الدنيا والآخرة . # ! 7 < { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم ~~وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولاكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 70 ) ألم يأتهم نبأ . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة في ~~الدنيا وفي تكذيب الأنبياء والمبالغة في إيذائهم بين أن أولئك الكفار ~~المتقدمين منهم ، فذكر هؤلاء الطوائف الستة ، فأولهم قوم نوح والله أهلكهم ~~بالإغراق ، وثانيهم : عاد والله تعالى أهلكهم بإرسال الريح العقيم عليهم . ~~وثالثهم : ثمود والله أهلكهم بإرسال الصيحة والصاعقة . ورابعهم : قوم ~~إبراهيم أهلكهم الله بسبب سلب النعمة عنهم ، وبما روي في الأخبار أنه ms4567 تعالى ~~سلط البعوضة على دماغ نمروذ . وخامسهم : قوم شعيب وهم أصحاب مدين ، ويقال : ~~إنهم من ولد مدين بن إبراهيم ، والله تعالى أهلكهم بعذاب يوم الظلة ، ~~والمؤتفكات قوم لوط أهلكهم الله بأن جعل عالي أرضهم سافلها ، وأمطر عليهم ~~الحجارة ، وقال الواحدي : { * المؤتفكات } جمع مؤتفكة ، ومعنى الائتفاك في ~~اللغة الانقلاب ، وتلك القرى ائتفكت بأهلها ، أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها ~~، يقال أفكه فائتفك أي قلبه فانقلب ، وعلى هذا التفسير فالمؤتفكات صفة ~~القرى ، وقيل ائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير إلى الشر . PageV16P103 # واعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى : { الخاسرون ألم يأتهم نبأ الذين ~~من قبلهم } وذكر هؤلاء الطوائف الستة وإنما قال ذلك لأنه أتاهم نبأ هؤلاء ~~تارة ، بأن سمعوا هذه الأخبار من الخلق ، وتارة لأجل أن / بلاد هذه الطوائف ~~، وهي بلاد الشام ، قريبة من بلاد العرب ، وقد بقيت آثارهم مشاهدة ، وقوله ~~: { ألم يأتهم } وإن كان في صفة الاستفهام إلا أن المراد هو التقرير ، أي ~~أتاهم نبأ هؤلاء الأقوام . # ثم قال : { أتتهم رسلهم } وهو راجع إلى كل هؤلاء الطوائف . # ثم قال : { بالبينات } أي بالمعجزات ولا بد من إضمار في الكلام ، ~~والتقدير : فكذبوا فعجل الله هلاكهم . # ثم قال : { فما كان الله ليظلمهم ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } والمعنى : ~~أن العذاب الذي أوصله الله إليهم ما كان ظلما من الله لأنهم استحقوه بسبب ~~أفعالهم القبيحة ومبالغتهم في تكذيب أنبيائهم ، بل كانوا ظلموا أنفسهم ، ~~قالت المعتزلة : دلت هذه الآية على أنه تعالى لا يصح منه فعل الظلم وإلا ~~لما حسن التمدح به ، وذلك دل على أنه لا يظلم ألبتة ، وذلك يدل على أنه ~~تعالى لا يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ، ودل على أن فاعل الظلم هو ~~العبد ، وهو قوله : { ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } وهذا الكلام قد مر ذكره ~~في هذا الكتاب مرارا خارجة عن الإحصاء . # ! 7 < { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر ويقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة ويطيعون الله ورسوله أولائك سيرحمهم ~~الله إن الله عزيز حكيم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 71 ) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم . . . . . # > > اعلم ms4568 أنه تعالى لما بالغ في وصف المنافقين بالأعمال الفاسدة والأفعال ~~الخبيثة ، ثم ذكر عقيبه أنواع الوعيد في حقهم في الدنيا والآخرة ، ذكر بعده ~~في هذه الآية كون المؤمنين موصوفين بصفات الخير وأعمال البر ، على ضد صفات ~~المنافقين ، ثم ذكر بعده في هذه الآية أنواع ما أعد الله لهم من الثواب ~~الدائم والنعيم المقيم ، فأما صفات المؤمنين فهي قوله : { والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } . # فإن قيل : ما الفائدة في أنه تعالى قال في صفة المنافقين و { المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض * ليظلمهم ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون * والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } فلم ذكر في المنافقين لفظ { من } وفي ~~المؤمنين لفظ { أولياء } . # قلنا : قوله في صفة المنافقين { بعضهم من بعض } يدل على أن نفاق الأتباع ~~، كالأمر المتفرع على نفاق الأسلاف ، والأمر في نفسه كذلك ، لأن نفاق ~~الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر ، وبسبب مقتضى الهوى ~~والطبيعة والعادة ، أما الموافقة الحاصلة بين المؤمنين فإنما حصلت لا بسبب ~~الميل PageV16P104 والعادة ، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق ~~والهداية ، فلهذا السبب قال تعالى في المنافقين : { بعضهم من بعض } وقال في ~~المؤمنين : { بعضهم أولياء بعض } . # واعلم أن الولاية ضد العداوة ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأصل في لفظ ~~الولاية القرب ، ويتأكد ذلك بأن ضد الولاية هو العداوة ، ولفظة العداوة ~~مأخوذة من عدا الشيء إذا جاوز عنه . # واعلم أنه تعالى لما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض ، ذكر بعده ما ~~يجري مجرى التفسير والشرح له فقال : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلواة } فذكر هذه الأمور ~~الخمسة التي بها يتميز المؤمن من المنافق ، فالمنافق على ما وصفه الله ~~تعالى في الآية المتقدمة يأمر بالمنكر ، وينهى عن المعروف ، والمؤمن بالضد ~~منه . والمنافق لا يقوم إلى الصلاة إلا مع نوع من الكسل والمؤمن بالضد منه ~~. والمنافق يبخل بالزكاة وسائر الواجبات كما قال : { ويقبضون أيديهم } ~~والمؤمنون يؤتون الزكاة ، والمنافق إذا أمره الله ورسوله بالمسارعة إلى ~~الجهاد فإنه يتخلف بنفسه ويثبط غيره كما وصفه الله بذلك ms4569 ، والمؤمنون بالضد ~~منهم . وهو المراد في هذه الآية بقوله : { ويطيعون الله ورسوله } ثم لما ~~ذكر صفات المؤمنين بين أنه كما وعد المنافقين نار جهنم فقد وعد المؤمنين ~~الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة ، فلذلك قال : { أولئك سيرحمهم الله } ~~وذكر حرف السين في قوله : { سيرحمهم الله } للتوكيد والمبالغة كما تؤكد ~~الوعيد في قولك سأنتقم منك يوما ، يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك ، ~~ونظيره { سيجعل لهم الرحمان ودا } ( مريم : 96 ) { لسوف * يعطيك ربك فترضى ~~} ( الضحى : 5 ) { سوف يؤتيهم أجورهم } ( النساء : 152 ) . # ثم قال : { أن الله عزيز حكيم } وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب ~~لأن العزيز هو من لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة / والحكيم هو ~~المدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب . # ! 7 < { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذالك هو الفوز العظيم } ~~. > 7 ! # < < # | التوبة : ( 72 ) وعد الله المؤمنين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد في الآية الأولى على سبيل الإجمال ذكره ~~في هذه الآية على سبيل التفصيل ، وذلك لأنه تعالى وعد بالرحمة ، ثم بين في ~~هذه الآية أن تلك الرحمة هي هذه الأشياء . فأولها قوله : { جنات تجرى من ~~تحتها الانهار خاالدين فيها } والأقرب أن يقال إنه تعالى أراد بها البساتين ~~التي يتناولها المناظر لأنه تعالى قال بعده : { ومساكن طيبة فى جنات عدن } ~~والمعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه ، فتكون مساكنهم في جنات عدن ، ~~ومناظرهم الجنات التي هي البساتين ، فتكون فائدة وصفها بأنها عدن ، أنها ~~تجري مجرى الدار التي يسكنها الإنسان . وأما الجنات الآخرة فهي جارية مجرى ~~البساتين التي قد يذهب الإنسان إليها لأجل التنزه وملاقاة الأحباب . ~~وثانيها : قوله : { ومساكن طيبة فى جنات عدن } قد كثر كلام أصحاب الآثار في ~~صفة جنات عدن . قال الحسن : سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن قوله : ~~PageV16P105 { ومساكن طيبة } فقالا : على الخبير سقطت ، سألنا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم ms4570 : ( هو قصر في الجنة من ~~اللؤلؤ ، فيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء ، في كل دار سبعون بيتا من زمردة ~~خضراء ، في كل بيت سبعون سريرا ، على كل سرير سبعون فراشا ، على كل فراش ~~زوجة من الحور العين ، في كل بيت سبعون مائدة ، على كل مائدة سبعون لونا من ~~الطعام ، وفي كل بيت سبعون وصيفة ، يعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما ~~يأتي على ذلك أجمع ) وعن ابن عباس أنها دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر ~~على قلب بشر . وأقول لعل ابن عباس قال : إنها دار المقربين عند الله فإنه ~~كان أعلم بالله من أن يثبت له دارا ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قلت يا ~~رسول الله حدثني عن الجنة ما بناؤها فقال : ( لبنة من ذهب ولبنة من فضة ~~وملاطها المسك الأذفر وترابها الزعفران وحصاؤها الدر والياقوت . فيها ~~النعيم بلا بؤس والخلود بلا موت ، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه ) وقال ابن ~~مسعود : / جنات عدن بطنان الجنة ، قال الأزهري : بطنانها وسطها ، وبطنان ~~الأودية المواضع التي يستنفع فيها ماء السيل واحدها بطن ، وقال عطاء عن ابن ~~عباس : هي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل ~~والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى ، وسائر الجنات حولها وفيها عين التسنيم ~~وفيها قصور الدر والياقوت والذهب فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم ~~كثبان المسك الأذفر . وقال عبد الله بن عمرو : إن في الجنة قصرا يقال له ~~عدن ، حوله البروج وله خمسة آلاف باب كل على كل باب خمسة آلاف حرة ، لا ~~يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد ، وأقول حاصل الكلام إن في جنات عدن قولان : ~~أحدهما : أنه اسم علم لموضع معين في الجنة ، وهذه الأخبار والآثار التي ~~نقلناها تقوي هذا القول . قال صاحب ( الكشاف ) : وعدن علم بدليل قوله : { ~~جنات عدن التى وعد الرحمان } ( مريم : 61 ) . # والقول الثاني : أنه صفة للجنة قال الأزهري : العدن مأخوذ من قولك عدن ~~فلان بالمكان إذا أقام به ، يعدن عدونا . والعرب تقول : تركت إبل ms4571 بني فلان ~~عودان بمكان كذا ، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه ، ومنه ~~المعدن وهو المكان الذي تخلق الجواهر فيه ومنبعها منه ، والقائلون بهذا ~~الاشتقاق قالوا : الجنات كلها جنات عدن . # والنوع الثالث : من المواعيد التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله : ~~{ ورضوان من الله أكبر } والمعنى أن رضوان الله أكبر من كل ما سلف ذكره ، ~~واعلم أن هذا هو البرهان القاطع على أن السعادات الروحانية أشرف وأعلى من ~~السعادات الجسمانية ، وذلك لأنه إما أن يكون الابتهاج بكون مولاه راضيا عنه ~~، وأن يتوسل بذلك الرضا إلى شيء من اللذات الجسمانية أو ليس الأمر كذلك ، ~~بل علمه بكونه راضيا عنه يوجب الابتهاج والسعادة لذاته من غير أن يتوسل به ~~إلى مطلوب آخر ، والأول باطل ، لأن ما كان وسيلة إلى الشيء لا يكون أعلى ~~حالا من ذلك المقصود ، فلو كان المقصود من رضوان الله أن يتوسل به إلى ~~اللذات التي أعدها الله في الجنة من الأكل والشرب لكان الابتهاج بالرضوان ~~ابتهاجا بحصول الوسيلة . ولكان الابتهاج بتلك اللذات ابتهاجا بالمقصود ، ~~وقد ذكرنا أن الابتهاج بالوسيلة لا بد وأن يكون أقل حالا من الابتهاج ~~بالمقصود . فوجب أن يكون رضوان الله أقل حالا وأدون مرتبة من الفوز بالجنات ~~والمساكن الطيبة ، لكن الأمر ليس كذلك ، لأنه تعالى نص على أن الفوز ~~بالرضوان أعلى وأعظم وأجل وأكبر ، وذلك دليل قاطع على أن السعادات ~~الروحانية أكمل وأشرف من السعادات الجسمانية . # واعلم أن المذهب الصحيح الحق وجوب الإقرار بهما معا كما جمع الله بينهما ~~في هذه الآية . / PageV16P106 ولما ذكر تعالى هذه الأمور الثلاثة قال : { ~~ذالك هو الفوز العظيم } وفيه وجهان : الأول : أن الإنسان مخلوق من جوهرين ، ~~لطيف علوي روحاني ، وكثيف سفلي جسماني وانضم إليهما حصول سعادة وشقاوة ، ~~فإذا حصلت الخيرات الجسمانية وانضم إليها حصول السعادات الروحانية كانت ~~الروح فائزة بالسعادات اللائقة بها ، والجسد واصلا إلى السعادات اللائقة به ~~، ولا شك أن ذلك هو الفوز العظيم . الثاني : أنه تعالى بين في وصفه ~~المنافقين أنهم تشبهوا بالكفار الذين كانوا قبلهم ms4572 في التنعم بالدنيا ~~وطيباتها . ثم إنه تعالى بين في هذه الآية وصف ثواب المؤمنين ، ثم قال : { ~~ذالك هو الفوز العظيم } والمعنى : أن هذا هو الفوز العظيم ، لاما يطلبه ~~المنافقون والكفار من التنعم بطيبات الدنيا . وروي أنه تعالى يقول لأهل ~~الجنة : ( هل رضيتم ؟ فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا ~~من خلقك ، فيقول أما أعطيكم أفضل من ذلك ، قالوا وأي شيء أفضل من ذلك . قال ~~أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا ) / # واعلم أن دلالة هذا الحديث على أن السعادات الروحانية أفضل من الجسمانية ~~كدلالة الآية وقد تقدم تقريره على الوجه الكامل . # ! 7 < { ياأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم ~~وبئس المصير } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 73 ) يا أيها النبي . . . . . # > > واعلم أنا ذكرنا أنه تعالى لما وصف المنافقين بالصفات الخبيثة ~~وتوعدهم بأنواع العقاب ، وكانت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم جارية ~~بذكر الوعد مع الوعيد ، لا جرم ذكر عقيبه وصف المؤمنين بالصفات الشريفة ~~الطاهرة الطيبة ، ووعدم بالثواب الرفيع والدرجات العالية ، ثم عاد مرة أخرى ~~إلى شرح أحوال الكفار والمنافقين في هذه الآية فقال : { العظيم ياأيها ~~النبى جاهد الكفار والمنافقين } وفي الآية سؤال ، وهو أن الآية تدل على ~~وجوب مجاهدة المنافقين وذلك غير جائز ، فإن المنافق هو الذي يستر كفره ~~وينكره بلسانه ومتى كان الأمر كذلك لم يجز محاربته ومجاهدته . # واعلم أن الناس ذكروا أقوالا بسبب هذا الإشكال . # فالقول الأول : أنه الجهاد مع الكفار وتغليظ القول مع المنافقين وهو قول ~~الضحاك . وهذا بعيد لأن ظاهر قوله : { جاهد الكفار والمنافقين } يقتضي ~~الأمر بجهادهما معا ، وكذا ظاهر قوله : / { واغلظ عليهم } راجع إلى ~~الفريقين . # القول الثاني : أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحكم ~~بالظاهر ، قال عليه السلام : ( نحن نحكم بالظاهر ) والقوم كانوا يظهرون ~~الإسلام وينكرون الكفر ، فكانت المحاربة معهم غير جائزة ) . # والقول الثالث : وهو الصحيح أن الجهاد عبارة عن بذل الجهد ، وليس في ~~اللفظ ما يدل على أن ذلك الجهاد بالسيف أو باللسان أو بطريق آخر ms4573 فنقول : إن ~~الآية تدل على وجوب الجهاد مع الفريقين ، فأما كيفية PageV16P107 تلك ~~المجاهد فلفظ الآية لا يدل عليها ، بل إنما يعرف من دليل آخر . # وإذا ثبت هذا فنقول : دلت الدلائل المنفصلة على أن المجاهدة مع الكفار ~~يجب أن تكون بالسيف ، ومع المنافقين بإظهار الحجة تارة ، وبترك الرفق ثانيا ~~، وبالانتهار ثالثا . قال عبد الله في قوله : { جاهد الكفار والمنافقين } ~~قال تارة باليد ، وتارة باللسان ، فمن لم يستطع فليكشر في وجهه ، فمن لم ~~يستطع فبالقلب ، وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا ~~تعاطوا أسبابها . قال القاضي : وهذا ليس بشيء ، لأن إقامة الحد واجبة على ~~من ليس بمنافق ، فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق ، ثم قال : وإنما قال الحسن ~~ذلك ، لأحد أمرين ، إما لأن كل فاسق منافق ، وإما لأجل أن الغالب ممن يقام ~~عليه الحد في زمن الرسول عليه السلام كانوا منافقين . # ! 7 < { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ~~وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن ~~يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما فى الدنيا والا خرة ~~وما لهم فى الا رض من ولي ولا نصير } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 74 ) يحلفون بالله ما . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية تدل على أن أقواما من المنافقين ، قالوا كلمات ~~فاسدة ، ثم لما قيل لهم إنكم ذكرتم هذه الكلمات خافوا ، وحلفوا أنهم ما ~~قالوا ، والمفسرون ذكروا في أسباب النزول وجوها : / الأول : روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ، ويعيب ~~المنافقين المتخلفين . فقال الجلاس بن سويد : والله لئن كان ما يقوله محمد ~~في إخواننا الذين خلفناهم في المدينة حقا مع أنهم أشرافنا ، فنحن شر من ~~الحمير ، فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس : أجل والله إن محمدا صادق ، ~~وأنت شر من الحمار . وبلغ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستحضر ~~الجلاس ، فحلف بالله أنه ما قال ، فرفع عامر يده وقال : اللهم أنزل على ~~عبدك ونبيك ms4574 تصديق الصادق وتكذيب الكاذب ، فنزلت هذه الآية . فقال الجلاس : ~~لقد ذكر الله التوبة في هذه الآية ، ولقد قلت هذا الكلام وصدق عامر ، فتاب ~~الجلاس ، وحسنت توبته . الثاني : روي أنها نزلت في عبد الله بن أبي لما قال ~~لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، وأراد به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم . فسمع زيد بن أرقم ذلك وبلغه إلى الرسول ، فهم عمر بقتل عبد ~~الله بن أبي ، فجاء عبد الله وحلف أنه لم يقل ، فنزلت هذه الآية . الثالث : ~~روى قتادة أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار ، فظهر الغفاري ~~على الجهيني ، فنادى عبد الله بن أبي : يا بني الأوس انصروا أخاكم ، والله ~~ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قيل : سمن كلبك يأكلك . فذكروه للرسول عليه ~~السلام ، فأنكر عبد الله ، وجعل يحلف . قال القاضي : يبعد أن يكون المراد ~~من الآية هذه الوقائع وذلك لأن قوله : { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا ~~كلمة الكفر } إلى آخر الآية كلها صيغ الجموع ، وحمل صيغة الجمع على الواحد ~~، خلاف الأصل . PageV16P108 # فإن قيل : لعل ذلك الواحد . قال في محفل ورضي به الباقون . # قلنا : هذا أيضا خلاف الظاهر لأن إسناد القول إلى من سمعه ورضي به خلاف ~~الأصل ، ثم قال : بل الأولى أن تحمل هذه الآية على ما روي : أن المنافقين ~~هموا بقتله عند رجوعه من تبوك وهم خمسة عشر تعاهدوا أن يدفعوه عن راحلته ~~إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل ، وكان عمار بن ياسر آخذا بالخطام على ~~راحلته وحذيفة خلفها يسوقها ، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح ، ~~فالتفت ، فإذا قوم متلثمون . فقال : إليكم إليكم يا أعداء الله ، فهربوا . ~~والظاهر أنهم لما اجتمعوا لذلك الغرض ، فقد طعنوا في نبوته ونسبوه إلى ~~الكذب والتصنع في ادعاء الرسالة ، وذلك هو قول كلمة الكفر وهذا القول ~~اختيار الزجاج . # فأما قوله : { وكفروا بعد إسلامهم } فلقائل أن يقول : إنهم أسلموا ، فكيف ~~يليق بهم هذا الكلام ؟ # والجواب من وجهين : الأول : المراد من الإسلام السلم الذي هو نقيض الحرب ~~، لأنهم لما ms4575 / نافقوا ، فقد أظهروا الإسلام ، وجنحوا إليه ، فإذا جاهروا ~~بالحرب ، وجب حربهم . والثاني : أنهم أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الإسلام . # وأما قوله : { وهموا بما لم ينالوا } المراد إطباقهم على الفتك بالرسول / ~~والله تعالى أخبر الرسول عليه السلام بذلك حتى احترز عنهم ، ولم يصلوا إلى ~~مقصودهم . # وأما قوله : { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } ففيه بحثان ~~: # البحث الأول : أن في هذا الفضل وجهين : الأول : أن هؤلاء المنافقين كانوا ~~قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش ، لا يركبون ~~الخيل ولا يحوزون الغنيمة ، وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ~~ووجدوا الدولة ، وذلك يوجب عليهم أن يكونوا محبين له مجتهدين في بذل النفس ~~والمال لأجله . والثاني : روي أنه قتل للجلاس مولى ، فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألفا فاستغنى . # البحث الثاني : أن قوله : { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله } تنبيه ~~على أنه ليس هناك شيء ينقمون منه ، وهذا كقول الشاعر : # % ما نقموا من بني أمية إلا % % أنهم يحلمون إن غضبوا % # وكقول النابغة : # % ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم % % بهن فلول من قراع الكتائب % # أي ليس فيهم عيب ، ثم قال تعالى : { فإن يتوبوا يك خيرا لهم } والمراد ~~استعطاف قلوبهم بعد ما صدرت الجناية العظيمة عنهم ، وليس في الظاهر إلا ~~أنهم إن تابوا فازوا بالخير ، فأما أنهم تابوا فليس في الآية ، وقد ذكرنا ~~ما قالوه في توبة الجلاس . # ثم قال : { وإن يتولوا } أي عن التوبة { يعذبهم الله عذابا أليما فى ~~الدنيا والاخرة } أما عذاب الآخرة ، فمعلوم . وأما العذاب في الدنيا ، فقيل ~~: المراد به أنه لما ظهر كفرهم بين الناس صاروا مثل أهل الحرب ، فيحل ~~قتالهم وقتلهم وسبي أولادهم وأزواجهم واغتنام أموالهم . وقيل بما ينالهم ~~عند الموت ومعاينة ملائكة PageV16P109 العذاب . وقيل : المراد عذاب القبر { ~~وما لهم فى الارض من ولي ولا نصير } يعني أن عذاب الله إذا حق لم ينفعه ولي ~~ولا نصير . # ! 7 < { ومنهم من عاهد الله لئن ءاتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ms4576 ~~الصالحين * فلمآ ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم ~~نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ~~يكذبون * ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } . > ~~7 @QB@ < # | التوبة : ( 75 - 78 ) ومنهم من عاهد . . . . . # > > # اعلم أن هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم أقسام ~~وأصناف ، فلهذا السبب يذكرهم على التفصيل فيقول : { ومنهم الذين يؤذون ~~النبى * ومنهم من يلمزك في الصدقات * ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى * ~~ومنهم من عاهد الله لئن ءاتانا من فضله } قال ابن عباس رضي الله عنهما : أن ~~حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشأم ، فلحقه شدة ، فحلف بالله وهو واقف ~~ببعض مجالس الأنصار ، لئن آتانا من فضله لأصدقن ولأؤدين منه حق الله ، إلى ~~آخر الآية ، والمشهور في سبب نزول هذه الآية أن ثعلبة بن حاطب قال : يارسول ~~الله ادع الله أن يرزقني مالا . فقال عليه السلام : ( يا ثعلبة قليل تؤدي ~~شكره خير من كثير لا تطيقه ) فراجعه وقال : والذي بعثك بالحق لئن رزقني ~~الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه ، فدعا له ، فاتخذ غنما ، فنمت كما ينمو ~~الدود ، حتى ضاقت بها المدينة ، فنزل واديا بها ، فجعل يصلي الظهر والعصر ~~ويترك ما سواهما ، ثم نمت وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة . وطفق يتلقى ~~الركبان يسأل عن الأخبار ، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، فأخبر ~~بخبره فقال : ( يا ويح ثعلبة ) فنزل قوله : { خذ من أموالهم صدقة } فبعث ~~إليه رجلين وقال : ( مرا بثعلبة فخذا صدقاته ) فعند ذلك قال لهما : ما هذه ~~إلا جزية أو أحت الجزية ، فلم يدفع الصدقة فأنزل الله تعالى : { ومنهم من ~~عاهد الله } فقيل له : قد أنزل فيك كذا وكذا ، فأتي الرسول عليه السلام ~~وسأله أن يقبل صدقته ، فقال : إن الله منعني من قبول ذلك فجعل يحثي التراب ~~على رأسه ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( قد قلت لك فما أطعتني ) فرجع إلى ~~منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم ms4577 أتى أبا بكر بصدقته ، فلم ~~يقبلها اقتداء بالرسول عليه السلام / ثم لم يقبلها عمر اقتداء بأبي بكر ، ~~ثم لم يقبلها عثمان ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان . # فإن قيل : إن الله تعالى أمره بإخراج الصدقة ، فكيف يجوز من الرسول عليه ~~السلام أن لا يقبلها منه ؟ # قلنا : لا يبعد أن يقال : إنه تعالى منع الرسول عليه السلام عن قبول ~~الصدقة منه على سبيل الإهانة له PageV16P110 ليعتبر غيره به ، فلا يمتنع عن ~~أداء الصدقات ، ولا يبعد أيضا أنه إنما أتى بتلك الصدقة على وجه الرياء ، ~~لا على وجه الإخلاص ؛ وأعلم الله الرسول عليه السلام ذلك فلم يقبل تلك ~~الصدقة ، لهذا السبب ، ويحتمل أيضا أنه تعالى لما قال : { خذ من أموالهم ~~صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه ، ~~فلهذا السبب امتنع رسول الله عليه السلام من أخذ تلك الصدقة . والله أعلم . # المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد الله في أنه ~~لو آتاه مالا لصرف بعضه إلى مصارف الخيرات ، ثم إنه تعالى آتاه المال ، ~~وذلك الإنسان ما وفى بذلك العهد ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : المنافق كافر ، والكافر كيف يمكنه أن يعاهد الله تعالى ؟ # والجواب : المنافق قد يكون عارفا بالله ، إلا أنه كان منكرا لنبوة محمد ~~عليه السلام ، فلكونه عارفا بالله يمكنه أن يعاهد الله ، ولكونه منكرا ~~لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، كان كافرا . وكيف لا أقول ذلك وأكثر هذا ~~العالم مقرون بوجود الصانع القادر ؟ ويقل في أصناف الكفار من ينكره ، والكل ~~معترفون بأنه تعالى هو الذي يفتح على الإنسان أبواب الخيرات ، ويعلمون أنه ~~يمكن التقرب إليه بالطاعات وأعمال البر والإحسان إلى الخلق ، فهذه أمور ~~متفق عليها بين الأكثرين ، وأيضا فلعله حين عاهد الله تعالى بهذا العهد كان ~~مسلما ، ثم لما بخل بالمال ، ولم يف بالعهد صار منافقا ، ولفظ الآية مشعر ~~بما ذكرناه حيث قال : { فأعقبهم نفاقا } . # السؤال الثاني : هل من شرط هذه المعاهدة أن يحصل التلفظ بها باللسان ، أو ~~لا حاجة إلى التلفظ حتى لو ms4578 نواه بقلبه دخل تحت هذه المعاهدة ؟ # الجواب : منهم من قال : كل ما ذكره باللسان أو لم يذكره ، ولكن نواه ~~بقلبه فهو داخل في هذا العهد . يروى عن المعتمر بن سليمان قال : أصابتنا ~~ريح شديدة في البحر ، فنذر قوم منا أنواعا من النذور ، ونويت أنا شيئا وما ~~تكلمت به ، فلما قدمت البصرة سألت أبي ، فقال : يا بني ف به . وقال أصحاب ~~هذا القول إن قوله : { ومنهم من عاهد الله } كان شيئا نووه في أنفسهم ، ألا ~~ترى أنه / تعالى قال : { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } وقال ~~المحققون : هذه المعاهدة مقيدة بما إذا حصل التلفظ بها باللسان ، والدليل ~~عليه قوله عليه السلام : ( إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسها ولم ~~يتلفظوا به ) أو لفظ هذا معناه وأيضا فقوله تعالى : { ومنهم من عاهد الله ~~لئن ءاتانا * الله من فضله * لنصدقن } إخبار عن تكلمه بهذا القول ، وظاهره ~~مشعر بالقول باللسان . # السؤال الثالث : قوله : { لنصدقن } المراد منه إخراج مال ، ثم إن إخراج ~~المال على قسمين قد يكون واجبا ، وقد يكون غير واجب . والواجب قسمان : قسم ~~وجب بإلزام الشرع ابتداء ، كإخراج الزكاة الواجبة ، وإخراج النفقات الواجبة ~~، وقسم لم يجب إلا إذا التزمه العبد من عند نفسه مثل النذور . # إذا عرفت هذه الأقسام الثلاثة ، فقوله : { لنصدقن } هل يتناول الأقسام ~~الثلاثة ، أو ليس الأمر كذلك ؟ # والجواب : قلنا أما الصدقات التي لا تكون واجبة ، فغير داخلة تحت هذه ~~الآية ، والدليل عليه أنه تعالى وصفه بقوله : { بخلوا به } والبخل في عرف ~~الشرع عبارة عن منع الواجب ، وأيضا أنه تعالى ذمهم بهذا الترك وتارك ~~المندوب لا يستحق الذم . وأما القسمان الباقيان ، فالذي يجب بإلزام الشرع ~~داخل تحت الآية PageV16P111 لا محالة ، وهو مثل الزكوات والمال الذي يحتاج ~~إلى إنفاقه في طريق الحج والغزو ، والمال الذي يحتاج إليه في النفقات ~~الواجبة . # بقي أن يقال : هل تدل هذه الآية على أن ذلك القائل ، كان قد التزم إخراج ~~مال على سبيل النذر ؟ والأظهر أن اللفظ لا يدل عليه ، لأن المذكور في اللفظ ms4579 ~~ليس إلا قوله : { لئن ءاتانا من فضله لنصدقن } وهذا لا يشعر بالنذر ، لأن ~~الرجل قد يعاهد ربه في أن يقوم بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة إن وسع الله ~~عليه ، فدل هذا على أن الذي لزمهم إنما لزمهم بسبب هذا الالتزام ، والزكاة ~~لا تلزم بسبب هذا الالتزام ، وإنما تلزم بسبب ملك النصاب وحولان الحول . # قلنا : قوله : { لنصدقن } لا يوجب أنهم يفعلون ذلك على الفور ، لأن هذا ~~إخبار عن إيقاع هذا الفعل فس المستقبل ، وهذا القدر لا يوجب الفور ، فكأنهم ~~قالوا : لنصدقن في وقت كما قالوا { ولنكونن من الصالحين } أي في أوقات لزوم ~~الصلاة / فخرج من التقدير الذي ذكرناه أن الداخل تحت هذا العهد ، إخراج ~~الأموال التي يجب إخراجها بمقتضى إلزام الشرع ابتداء ، ويتأكد ذلك بما ~~روينا أن هذه الآية إنما نزلت في حق من امتنع من أداء الزكاة ، فكأنه تعالى ~~بين من حال هؤلاء المنافقين أنهم كما ينافقون الرسول والمؤمنين ، فكذلك ~~ينافقون ربهم فيما يعاهدونه عليه ، ولا يقومون بما يقولون / والغرض منه ~~المبالغة في وصفهم بالنفاق ، وأكثر هذه الفصول من كلام القاضي . # السؤال الرابع : ما المراد من الفضل في قوله : { لئن ءاتانا من فضله } . # والجواب : المراد إيتاء المال بأي طريق كان ، سواء كان بطريق التجارة ، ~~أو بطريق الاستنتاج أو بغيرهما . # السؤال الخامس : كيف اشتقاق { لنصدقن } . # الجواب : قال الزجاج : الأصل لنتصدقن . ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها ~~منها . قال الليث : المصدق المعطي والمتصدق السائل . قال الأصمعي والفراء : ~~هذا خطأ فالمتصدق هو المعطي قال تعالى : { وتصدق علينا إن الله يجزى ~~المتصدقين } . # السؤال السادس : ما المراد من قوله : { ولنكونن من الصالحين } . # الجواب : الصالح ضد المفسد ، والمفسد عبارة عن الذي بخل بما يلزمه في ~~التكليف فوجب أن يكون الصالح عبارة عما يقوم بما يلزمه في التكليف . قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : كان ثعلبة قد عاهد الله تعالى لئن فتح الله عليه ~~أبواب الخير ليصدقن وليجعن ، وأقول التقييد لا دليل عليه . بل قوله : { ~~لنصدقن } إشارة إلى إخراج الزكاة الواجبة وقوله : { ولنكونن من الصالحين } ~~إشارة إلى ms4580 إخراج كل مال يجب إخراجه على الإطلاق . # ثم قال تعالى : { فلما ءاتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون } وهذا ~~يدل على أنه تعالى وصفهم بصفات ثلاثة : # الصفة الأولى : البخل وهو عبارة عن منع الحق . PageV16P112 # والصفة الثانية : التولي عن العهد . # والصفة الثالثة : الإعراض عن تكاليف الله وأوامره . # ثم قال تعالى : { فأعقبهم نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { فأعقبهم نفاقا } فعل ولا بد من إسناده إلى شيء ~~تقدم ذكره . والذي تقدم ذكره هو الله جل ذكره ، والمعاهدة والتصدق والصلاح ~~والبخل والتولي والإعراض ولا يجوز إسناد أعقاب النفاق إلى المعاهدة أو ~~التصدق أو الصلاح ، لأن هذه الثلاثة أعمال الخير فلا يجوز جعلها مؤثره في ~~حصول النفاق ، ولا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى البخل والتولي والإعراض ، ~~لأن حاصل هذه الثلاثة كونه تاركا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثرا في ~~حصول النفاق في القلب ، لأن ذلك النفاق عبارة عن الكفر وهو جهل وترك بعض ~~الواجب لا يجوز أن يكون مؤثرا في حصول الجهل في القلب . أما أولا : فلأن ~~ترك الواجب عدم ، والجهل وجود العدم / لا يكون مؤثرا في الوجود . وأما ~~ثانيا : فلأن هذا البخل والتولي والإعراض قد يوجد في حق كثير من الفساق ، ~~مع أنه لا يحصل معه النفاق . وأما ثالثا : فلأن هذا الترك لو أوجب حصول ~~الكفر في القلب لأوجبه سواء كان هذا الترك جائزا شرعا أو كان محرما شرعا ، ~~لأن سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثرا . وأما رابعا ~~: فلأنه تعالى قال بعد هذه الآية { بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ~~يكذبون } فلو كان فعل الأعقاب مسند إلى البخل والتولي والإعراض لصار تقدير ~~الآية فأعقبهم بخلهم وإعراضهم وتوليهم نفاقا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه وبما كانوا يكذبون ، وذلك لا يجوز ، لأنه فرق بين التولي وحصول ~~النفاق في القلب بسبب التولي ومعلوم أنه كلام باطل . فثبت بهذه الوجوه أنه ~~لا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى شيء من الأشياء التي تقدم ذكرها ms4581 إلا إلى ~~الله سبحانه ، فوجب إسناده إليه ، فصار المعنى أنه تعالى هو الذي يعقب ~~النفاق في قلوبهم ، وذلك يدل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى ، ~~وهذا هو الذي قال الزجاج إن معناه : أنهم لما ضلوا في الماضي ، فهو تعالى ~~أضلهم عن الدين في المستقبل ، والذي يؤكد القول بأن قوله { فأعقبهم نفاقا } ~~مسند إلى الله جل ذكره أنه قال : { إلى يوم يلقونه } والضمير في قوله تعالى ~~: { يلقونه } عائد إلى الله تعالى ، فكان الأولى أن يكون قوله : { فأعقبهم ~~} مسندا إلى الله تعالى . قال القاضي : المراد من قوله : { فأعقبهم نفاقا ~~فى قلوبهم } أي فأعقبهم العقوبة على النفاق ، وتلك العقوبة هي حدوث الغم في ~~قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذل والذم ، ويدوم ذلك بهم إلى الآخرة . ~~قلنا : هذا بعيد لأنه عدول عن الظاهر من غير حجة ولا شبهة ، فإن ذكر أن ~~الدلائل العقلية دلت على أن الله تعالى لا يخلق الكفر ، قابلنا دلائلهم ~~بدلائل عقلية ، لو وضعت على الجبال الراسيات لاندكت . # المسألة الثانية : قال الليث : يقال : أعقبت فلانا ندامة إذا صيرت عاقبة ~~أمره ذلك . قال الهذلي : # % أودى بني وأعقبوني حسرة % % بعد الرقاد وعبرة لا تقلع % # ويقاتل : أكل فلان أكلة أعقبته سقما ، وأعقبه الله خيرا . وحاصل الكلام ~~فيه أنه إذا حصل شيء عقيب شيء آخر يقال أعقبه الله . # المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث ~~النفاق فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه فإذا عاهد الله في أمر ~~فليجتهد في الوفاء به ، ومذهب الحسن البصري رحمة PageV16P113 الله أنه يوجب ~~النفاق لا محالة ، وتمسك فيه بهذه الآية وبقوله عليه السلام : ( ثلاث من / ~~كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن ، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ~~وإذا ائتمن حان ) وعن النبي عليه السلام : ( تقبلوا لي ستا أتقبل لكم الجنة ~~إذا حدثتم فلا تكذبوا وإذا وعدتم فلا تخلفوا وإذا ائتمنتم فلا تخونوا وكفوا ~~أبصاركم وأيديكم وفروجكم . أبصاركم عن الخيانة وأيديكم عن السرقة وفروجكم ~~عن ms4582 الزنا ) قال عطاء بن أبي رباح : حدثني جابر بن عبد الله أنه صلى الله ~~عليه وسلم إنما ذكر قوله ثلاث من كن فيه فهو منافق في المنافقين خاصة الذين ~~حدثوا النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوه وائتمنهم على سره فخانوه ووعدوا أن ~~يخرجوا معه فأخلفوه ، ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال : إذا حدث عن ~~الله كذب عليه وعلى دينه ورسوله وإذا وعد أخلف كما ذكره فيمن عاهد الله ~~وإذا ائتمن على دين الله خان في السر فكان قلبه على خلاف لسانه ونقل أن ~~واصل بن عطاء قال : أتى الحسن رجل فقال له : إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم ~~أكله الذئب وكذبوه ووعدوه في قولهم : { وإنا له لحافظون } فأخلفوه وائتمنهم ~~أبوهم على يوسف فخانوه فهل نحكم بكونهم منافقين ؟ فتوقف الحسن رحمه الله . # المسألة الرابعة : { إلى يوم يلقونه } يدل على أن ذلك المعاهد مات منافقا ~~، وهذا الخبر وقع مخبره مطابقا له ، فإنه روي أن ثعلبة أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بصدقته فقال : إن الله تعالى منعني أن أقبل صدقتك ، وبقي على تلك ~~الحالة ، وما قبل صدقته أحد حتى مات ، فدل على أن مخبر هذا الخبر وقع ~~موافقا ، فكان إخبارا عن الغيب فكان معجزا . # المسألة الخامسة : قال الجبائي : إن المشبهة تمسكوا في إثبات رؤية الله ~~تعالى بقوله : { تحيتهم يوم يلقونه سلام } قال واللقاء ليس عبارة عن الرؤية ~~/ بدليل أنه قال في صفة المنافقين : { إلى يوم يلقونه } وأجمعوا على أن ~~الكفار لا يرونه ، فهذا يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية . قال : ~~والذي يقويه قوله عليه السلام : ( من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها حق ~~امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ) وأجمعوا على أن المراد من اللقاء ~~ههنا : لقاء ما عند الله من العقاب فكذا ههنا . والقاضي استحسن هذا الكلام ~~. وأقول : أنا شديد التعجب من أمثال هؤلاء الأفاضل كيف قنعت نفوسهم بأمثال ~~هذه الوجوه الضعيفة ؟ ا وذلك لأنا تركنا حمل لفظ اللقاء على الرؤية في هذه ~~الآية ، وفي هذا ms4583 الخبر لدليل منفصل ، فلم يلزمنا ذلك في سائر الصور . ألا ~~ترى أنا لما أدخلنا التخصيص في بعض العمومات لدليل منفصل ، لم يلزمنا مثله ~~في جميع العمومات أن نخصصها من غير دليل ، فكما لا يلزم هذا لم يلزم ذلك ~~فإن قال هذا الكلام إنما يقوى لو ثبت أن اللقاء في اللغة عبارة عن الرؤية ، ~~وذلك ممنوع . فنقول : لا شك أن اللقاء عبارة عن الوصول ومن رأى شيئا فقد ~~وصل إليه فكانت / الرؤية لقاء ، كما أن الإدراك هو البلوغ . قال تعالى : { ~~قال أصحاب موسى إنا لمدركون } ( الشعراء : 61 ) أي لملحقون ، ثم حملناه على ~~الرؤية فكذا ههنا ، ثم نقول : لا شك أن اللقاء ههنا ليس هو الرؤية ، بل ~~المقصود أنه تعالى { فى قلوبهم إلى يوم يلقونه } أي حكمه وقضاءه ، وهو كقول ~~الرجل ستلقى عملك غدا ، أي تجازى عليه ، قال تعالى : { بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه وبما كانوا يكذبون } والمعنى : أنه تعالى عاقبهم بتحصيل ذلك النفاق ~~في قلوبهم لأجل أنهم أقدموا قبل ذلك على خلف الوعد وعلى الكذب . ~~PageV16P114 # ثم قال تعالى : { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } والسر ما ينطوي ~~عليه صدورهم ، والنجوى ما يفاوض فيه بعضهم بعضا فيما بينهم ، وهو مأخوذ من ~~النجوة وهو الكلام الخفي كأن المتناجيين منعا إدخال غيرهما معهما وتباعدا ~~من غيرهما ، ونظيره قوله تعالى : { وقربناه نجيا } ( مريم : 52 ) وقوله : { ~~فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا } ( يوسف : 80 ) وقوله : { فلا تتناجوا ~~بالإثم والعدوان وتناجوا بالبر والتقوى } ( المجادلة : 9 ) وقوله : { إذا ~~ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة } ( المجادلة : 12 ) . # إذا عرفت الفرق بين السر والنجوى ، فالمقصود من الآية كأنه تعالى قال : ~~ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم يكفي يتجرؤن على النفاق الذي الأصل ~~فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم ~~كما يعلم الظاهر ، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر ؟ # ثم قال : { وأن الله علام الغيوب } والعلام مبالغة في العالم ، والغيب ما ~~كان غائبا عن الخلق . والمراد أنه تعالى ذاته تقتضي العلم بجميع ms4584 الأشياء . ~~فوجب أن يحصل له العلم بجميع المعلومات ، فيجب كونه عالما بما في الضمائر ~~والسرائر ، فكيف يمكن الأخفاء منه ؟ ونظير لفظ علام الغيوب ههنا قول عيسى ~~عليه السلام : { إنك أنت علام الغيوب } ( المائدة : 116 ) فأما وصف الله ~~بالعلامة فإنه لا يجوز لأنه مشعر بنوع تكلف فيها يعلم والتكلف في حق الله ~~محال . # ! 7 < { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون ~~إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 79 ) الذين يلمزون المطوعين . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من أعمالهم القبيحة ، وهو لمزهم من يأتي ~~بالصدقات طوعا وطبعا . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خطبهم ذات يوم وحث على أن / يجمعوا الصدقات ، فجاءه عبد ~~الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم ، وقال : كان لي ثمانية آلاف درهم ، فأمسكت ~~لنفسي وعيالي أربعة وهذه الأربعة أقرضتها ربي ، فقال : بارك الله لك فيما ~~أعطيت وفيما أمسكت . قيل : قبل الله دعاء الرسول فيه حتى صالحت امرأته ناضر ~~عن ربع الثمن على ثمانين ألفا ، وجاء عمر بنحو ذلك ، وجاء عاصم بن عدي ~~الأنصاري بسبعين وسقا من تمر الصدقة ، وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة ، ~~وجاء أبو عقيل بصاع من تمر ، وقال : آجرت الليلة الماضية نفسي من رجل ~~لإرسال الماء إلى نخيله ، فأخذت صاعين من تمر ، فأمسكت أحدهما لعيالي ~~وأقرضت الآخر ربي ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعه في الصدقات . ~~فقال المنافقون على وجه الطعن ما جاؤوا بصدقاتهم إلا رياء وسمعة . وأما أبو ~~عقيل فإنما جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر ، والله غني عن صاعه ، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية ، والكلام في تفسير اللمز مضى عند قوله : { ومنهم من ~~يلمزك في الصدقات } والمطوعون المتطوعون ، والتطوع التنفل ، وهو الطاعة لله ~~تعالى بما ليس بواجب ، وسبب إدغام التاء في الطاء قرب المخرج . قال الليث : ~~الجهد شيء قليل يعيش به المقل ، قال الزجاج : { إلا PageV16P115 جهدهم } ~~وجهدهم بالضم والفتح . قال الفراء : الضم لغة أهل الحجاز والفتح ms4585 لغيرهم ، ~~وحكى ابن السكيت عنه الفرق بينهما فقال الجهد الطاقة . تقول هذا جهدي أي ~~طاقتي . # إذا عرفت هذا فالمراد بالمطوعين في الصدقات ، أولئك الأغنياء الذين أتوا ~~بالصدقات الكثيرة وبقوله : { والذين لا يجدون إلا جهدهم } أبو عقيل حيث جاء ~~بالصاع من التمر . ثم حكى عن المنافقين أنهم يسخرون منهم ، ثم بين أن الله ~~تعالى سخر منهم . # واعلم أن إخراج المال لطلب مرضاة الله ، قد يكون واجبا كما في الزكوات ~~وسائر الإنفاقات الواجبة وقد يكون نافلة ، وهو المراد من هذه الآية ، ثم ~~الآتي بالصدقة النافلة قد يكون غنيا فيأتي بالكثير ، كعبد الرحمن بن عوف ، ~~وعثمان بن عفان . وقد يكون فقيرا فيأتي بالقليل وهو جهد المقل ولا تفاوت ~~بين البابين في استحقاق الثواب ، لأن المقصود من الأعمال الظاهرة كيفية ~~النية واعتبار حال الدواعي والصوارف . فقد يكون القليل الذي يأتي به الفقير ~~أكثر موقعا عند الله تعالى من الكثير الذي يأتي به الغني . ثم إن أولئك ~~الجهال من المنافقين ما كان يتجاوز نظرهم عن ظواهر الأمور فعيروا ذلك ~~الفقير الذي جاء بالصدقة القليلة ، وذلك التعيير يحتمل وجوها : الأول : أن ~~يقولوا إنه لفقره محتاج إليه ، فكيف يتصدق به ؟ إلا أن هذا من موجبات ~~الفضيلة ، كما قال تعالى : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ( ~~الحشر : 9 ) وثانيها : أن يقولوا أي أثر لهذا القليل ؟ وهذا / أيضا جهل ، ~~لأن هذا الرجل لما لم يقدر إلا عليه فإذا جاء به فقد بذل كل ما يقدر عليه ~~فهو أعظم موقعا عند الله من عمل غيره ، لأنه قطع تعلق قلبه عما كان في يده ~~من الدنيا ، واكتفى بالتوكل على المولى . وثالثها : أن يقولوا إن هذا ~~الفقير إنما جاء بهذا القليل ليضم نفسه إلى الأكابر من الناس في هذا المنصب ~~، وهذا أيضا جهل / لأن سعى الإنسان في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين ، ~~خير له من أن يسعى في أن يضم نفسه إلى أهل الكسل والبطالة . # وأما قوله : { سخر الله منهم } فقد عرفت القانون في هذا الباب . وقال ~~الأصم : المراد ms4586 أنه تعالى قبل من هؤلاء المنافقين ما أظهروه من أعمال البر ~~مع أنه لا يثيبهم عليها ، فكان ذلك كالسخرية . # ! 7 < { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم ذالك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين } . ~~> 7 ! # < < # | التوبة : ( 80 ) استغفر لهم أو . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن عند نزول الآية ~~الأولى في المنافقين ، قالوا : يا رسول الله استغفر لنا . فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سأستغفر لكم ، وأشتغل بالاستغفار لهم ، فنزلت هذه الآية ~~، فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستغفار . وقال الحسن : كانوا يأتون ~~رسول الله ، فيعتذرون إليه ويقولون إن أردنا إلا الحسنى وما أردنا إلا ~~إحسانا وتوفيقا ، فنزلت هذه الآية . وروى الأصم : أنه كان عبد الله بن أبي ~~بن سلول إذا خطب PageV16P116 الرسول . قام وقال هذا رسول الله أكرمه الله ~~وأعزه ونصره ، فلما قام ذلك ذلك المقام بعد أحد قال له عمر : اجلس يا عدو ~~الله ، فقد ظهر كفرك وجبهه الناس من كل جهة ، فخرج من المسجد ، ولم يصل ~~فلقيه رجل من قومه . فقال له : ما صرفك ؟ فحكى القصة . فقال : ارجع إلى ~~رسول الله يستغفر لك . فقال : ما أبالي أستغفر لي أو لم يستغفر لي فنزل { ~~وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا * رؤوسهم } ( المنافقون : 5 ~~) وجاء المنافقون بعد أحد يعتذرون ويتعللون بالباطل أن يستغفر هم . # المسألة الثانية : { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } وروى ~~الشعبي قال : دعا عبد الله / بن عبد الله بن أبي بن سلول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى جنازة أبيه فقال له عليه السلام : ( من أنت ؟ ) فقال : ~~أنا الحباب بن عبد الله قال : بل أنت عبد الله بن عبد الله ، إن الحباب هو ~~الشيطان ، ثم قرأ هذه الآية . قال القاضي : ظاهر قوله : { استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم } كالدلالة على طلب القوم منه الاستغفار ، وقد حكيت ما روي فيه ~~من ms4587 الأخبار ، والأقرب في تعلق هذه الآية بما قبلها ما ذكره ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن الذين كانوا يلمزون هم الذين طلبوا الاستغفار ، فنزلت هذه ~~الآية . # المسألة الثالثة : من الناس من قال إن التخصيص بالعدد المعين ، يدل على ~~أن الحال فيما وراء ذلك العدد بخلافه ، وهو مذهب القائلين بدليل الخطاب . ~~قالوا : والدليل عليه أنه لما نزل قوله تعالى : { إن تستغفر لهم سبعين مرة ~~فلن يغفر الله لهم } قال عليه السلام : ( والله لأزيدن على السبعين ) ولم ~~ينصرف عنه حتى نزل قوله تعالى : { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ~~} ( المنافقون : 6 ) الآية فكف عنهم . # ولقائل أن يقول : هذا الاستدلال بالعكس أولى ، لأنه تعالى لما بين للرسول ~~عليه السلام أنه لا يغفر لهم ألبتة . ثبت أن الحال فيما وراء العدد المذكور ~~مساو للحال في العدد المذكور ، وذلك يدل على أن التقييد بالعدد لا يوجب أن ~~يكون الحكم فيما وراءه بخلافه . # المسألة الرابعة : من الناس من قال : إن الرسول عليه السلام اشتغل ~~بالاستغفار للقوم فمنعه الله منه ، ومنهم من قال : إن المنافقين طلبوا من ~~الرسول عليه الصلاة والسلام أن يستغفر لهم فالله تعالى نهاه عنه والنهي عن ~~الشيء لا يدل على كون المنهي مقدما على ذلك الفعل ، وإنما قلنا إنه عليه ~~السلام ما اشتغل بالاستغفار لهم لوجوه : الأول : أن المنافق كافر ، وقد ظهر ~~في شرعه عليه السلام أن الاستغفار للكافر لا يجوز . ولهذا السبب أمر الله ~~رسوله بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام إلا في قوله لأبيه { لاستغفرن لك } ( ~~الممتحنة : 4 ) وإذا كان هذا مشهورا في الشرع فكيف يجوز الإقدام عليه ؟ ~~الثاني : أن استغفار الغير للغير لا ينفعه إذا كان ذلك الغير مصرا على ~~القبح والمعصية . الثالث : أن إقدامه على الاستغفار للمنافقين يجري مجرى ~~إغرائهم بالإقدام على الذنب . الرابع : أنه تعالى إذا كان لا يجيبه إليه ~~بقي دعاء الرسول عليه السلام مردودا عند الله ، وذلك يوجب نقصان منصبه . ~~الخامس : أن هذا الدعاء لو كان مقبولا من الرسول لكان قليله مثل كثيره في ~~حصول الإجابة ms4588 . فثبت أن المقصود من هذا الكلام أن القوم لما طلبوا منه أن ~~يستغفر لهم منعه الله منه ، وليس المقصود من ذكر هذا العدد تحديد المنع ، ~~بل هو كما يقول القائل لمن سأله الحاجة : لو سألتني سبعين مرة لم أقضها لك ~~، ولا يريد بذلك أنه إذا زاد قضاها فكذا ههنا ، والذي يؤكد ذلك / قوله ~~تعالى في الآية : { ذالك بأنهم كفروا بالله } فبين أن العلة التي لأجلها لا ~~ينفعهم استغفار الرسول وإن بلغ سبعين مرة ، PageV16P117 كفرهم وفسقهم ، ~~وهذا المعنى قائم في الزيادة على السبعين ، فصار هذا التعليل شاهدا بأن ~~المراد إزالة الطمع في أن ينفعهم استغفار الرسول عليه السلام مع إصرارهم ~~على الكفر ، ويؤكده أيضا قوله تعالى : { والله لا يهدى القوم الفاسقين } ~~والمعنى أن فسقهم مانع من الهداية . فثبت أن الحق ما ذكرناه . # المسألة الخامسة : قال المتأخرون من أهل التفسير ، السبعون عند العرب ~~غاية مستقصاة لأنه عبارة عن جميع السبعة عشر مرات ، والسبعة عدد شريف لأن ~~عدد السموات والأرض والبحار والأقاليم والنجوم والأعضاء ، هو هذا العدد . ~~وقال بعضهم : هذا العدد إنما خص بالذكر ههنا لأنه روى أن النبي عليه السلام ~~كبر على حمزة سبعين تكبيرة ، فكأنه قيل : { إن تستغفر لهم سبعين مرة * عزيز ~~حكيم * مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في ~~كل سنبلة مائة حبة } ( البقرة : 261 ) وقال عليه السلام : ( الحسنة بعشر ~~أمثالها إلى سبعمائة ) فلما ذكر الله تعالى هذا العدد في معرض التضعيف ~~لرسوله صار أصلا فيه . # ! 7 < { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم فى سبيل الله وقالوا لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد حرا لو ~~كانوا يفقهون * فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزآء بما كانوا يكسبون } . > ~~7 @QB@ < # | التوبة : ( 81 - 82 ) فرح المخلفون بمقعدهم . . . . . # > > # اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح أعمال المنافقين ، وهو فرحهم بالقعود ~~وكراهتهم الجهاد قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد المنافقين الذين ~~تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، والمخلف ms4589 المتروك ~~ممن مضى . # فإن قيل : إنهم احتالوا حتى تخلفوا ، فكان الأولى أن يقال فرح المتخلفون ~~. # / والجواب من وجوه : الأول : أن الرسول عليه السلام منع أقواما من الخروج ~~معه لعلمه بأنهم يفسدون ويشوشون ، فهؤلاء كانوا مخلفين لا متخلفين . ~~والثاني : أن أولئك المتخلفين صاروا مخلفين في الآية التي تأتي بعد هذه ~~الآية ، وهي قوله : { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل ~~لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا } ( التوبة : 83 ) فلما منعهم ~~الله تعالى من الخروج معه صاروا بهذا السبب مخلفين . الثالث : أن من يتخلف ~~عن الرسول عليه السلام بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين يوصف بأنه مخلف من ~~حيث لم ينهض فبقي وأقام . وقوله : { بمقعدهم } قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~: يريد المدينة ، فعلى هذا المقعد اسم للمكان . وقال مقاتل : { بمقعدهم } ~~بقعودهم وعلى هذا ، هو اسم للمصدر . وقوله : { خلاف رسول الله } فيه قولان ~~: الأول : وهو قول قطرب والمؤرج والزجاج ، يعني مخالفة لرسول الله حين سار ~~وأقاموا . PageV16P118 قالوا : وهو منصوب لأنه مفعول له ، والمعنى بأن ~~قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . والثاني : قال الأخفش : إن { ~~خلاف } بمعنى خلف ، وأن يونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه بعد رسول الله ، ~~ويقوي هذا الوجه قراءة من قرأ { خلاف رسول الله } وعلى هذا القول ، الخلاف ~~اسم للجهة المعينة كالخلف ، والسبب فيه أن الإنسان متوجه إلى قدامه فجهة ~~خلفه مخالفة لجهة قدامه في كونها جهة متوجها إليها ، وخلاف بمعنى خلف ~~مستعمل أنشد أبو عبيدة للأحوص : # % عقب الربيع خلافهم فكأنما % % بسط الشواطب بينهن حصيرا % # وقوله : { وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله } والمعنى ~~أنهم فرحوا بسبب التخلف وكرهوا الذهاب إلى الغزو . # واعلم أن الفرح بالإقامة على كراهة الذهاب إلا أنه تعالى أعاده للتأكيد ، ~~وأيضا لعل المراد أنه مال طبعه إلى الإقامة لأجل إلفه تلك البلدة واستئناسه ~~بأهله وولده وكره الخروج إلى الغزو لأنه تعريض للمال والنفس للقتل والإهدار ~~، وأيضا مما منعهم من ذلك الخروج شدة الحر في وقت خروج رسول الله ms4590 صلى الله ~~عليه وسلم ، وهو المراد من قوله : { وقالوا لا تنفروا فى الحر } . # فأجاب الله تعالى عن هذا السبب الأخير بقوله : { قل نار جهنم أشد حرا لو ~~كانوا يفقهون } أي إن بعد هذه الدار دارا أخرى ، وإن بعد هذه الحياة حياة ~~أخرى ، وأيضا هذه مشقة منقضية ، وتلك مشقة باقية ، وروى صاحب ( الكشاف ) ~~لبعضهم : # % مسرة أحقاب تلقيت بعدها % % مساءة يوم أنها شبه أنصاب % # % / فكيف بأن تلقى مسرة ساعة % % وراء تقضيها مساءة أحقاب % # ثم قال تعالى : { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } وهذا وإن ورد بصيغة ~~الأمر إلا أن معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه الحالة ، والدليل عليه قوله بعد ~~ذلك : { جزاء بما كانوا يكسبون } ومعنى الآية أنهم ، وإن فرحوا وضحكوا في ~~كل عمرهم ، فهذا قليل لأن الدنيا بأسرها قليلة ، وأما حزنهم وبكاؤهم في ~~الآخرة فكثير ، لأنه عقاب دائم لا ينقطع ، والمنقطع بالنسبة إلى الدائم ~~قليل ، فلهذا المعنى قال : { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } قال الزجاج : ~~قوله : { جزاء } مفعول له ، والمعنى وليبكوا لهذا الغرض . وقوله : { بما ~~كانوا يكسبون } أي في الدنيا من النفاق واستدلال المعتزلة بهذه الآية على ~~كون العبد موجدا لأفعاله ، وعلى أنه تعالى لو أوصل الضرر إليهم ابتداء لا ~~بواسطة كسبهم لكان ظالما ، مشهور ، وقد تقدم الرد عليهم قبل ذلك مرارا تغني ~~عن الإعادة . # ! 7 < { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا ~~معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع ~~الخالفين } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 83 ) فإن رجعك الله . . . . . # > > PageV16P119 # واعلم أنه تعالى لما بين مخازي المنافقين وسوء طريقتهم بين بعد ما عرف به ~~الرسول أن الصلاح في أن لا يستصحبهم في غزواته ، لأن خروجهم معه يوجب ~~أنواعا من الفساد . فقال : { فإن رجعك الله * طائفة منهم } أي من المنافقين ~~{ فقل لن تخرجوا معى أبدا } قوله : { فإن رجعك الله } يريد إن ردك الله إلى ~~المدينة ، ومعنى الرجع مصير الشيء إلى المكان الذي كان فيه ، يقال رجعته ~~رجعا كقولك رددته ردا . وقوله : { إلى طائفة منهم } إنما خصص لأن جميع من ms4591 ~~أقام بالمدينة ما كانوا منافقين ، بل كان بعضهم مخلصين معذورين . وقوله : { ~~فاستأذنوك للخروج } أي للغزو معك { فقل لن تخرجوا معى أبدا } إلى غزوة ، ~~وهذا يجري مجرى الذم واللعن لهم ، ومجري إظهار نفاقهم وفضائحهم ، وذلك لأن ~~ترغيب المسلمين في الجهاد أمر معلوم بالضرورة من دين محمد عليه السلام ، ثم ~~إن هؤلاء إذا منعوا من الخروج إلى الغزو بعد إقدامهم على الاستئذان ، كان ~~ذلك تصريحا بكونهم خارجين عن الإسلام / موصوفين بالمكر والخداع ، لأنه عليه ~~السلام إنما منعهم من الخروج حذرا من مكرهم وكيدهم وخداعهم ، فصار هذا ~~المعنى من هذا الوجه جاريا مجرى اللعن والطرد ، ونظيره قوله تعالى : { ~~سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } ( الفتح : 15 ) إلى قوله ~~: { قل لن تتبعونا } ثم إنه تعالى علل ذلك المنع بقوله : { إنكم رضيتم ~~بالقعود أول مرة } والمراد منه القعود عن غزوة تبوك ، يعني أن الحاجة في ~~المرة الأولى إلى موافقتكم كانت أشد ، وبعد ذلك زالت تلك الحاجة ، فلما ~~تخلفتم عند مسيس الحاجة إلى حضوركم ، فعند ذلك لا نقبلكم ، ولا نلتفت إليكم ~~، وفي اللفظ بحث ذكره صاحب ( الكشاف ) ، وهو أن قوله : { مرة } في { أول ~~مرة } وضعت موضع المرات ، ثم أضيف لفظ الأول إليها ، وهو دال على واحدة من ~~المرات ، فكان الأولى أن يقال أولى مرة . # وأجاب : عنه بأن أكثر اللغتين أن يقال : هند أكبر النساء ، ولا يقال هند ~~كبرى النساء . # ثم قال تعالى : { فاقعدوا مع الخالفين } ذكروا في تفسير الخالف أقوالا : ~~الأول : قال الأخفش وأبو عبيدة : الخالفون جمع . واحدهم خالف ، وهو من يخلف ~~الرجل في قومه ، ومعناه مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون في البيت ، فلا ~~يبرحون ، والثاني : أن الخالفين مفسر بالمخالفين . قال الفراء يقال عبد ~~خالف وصاحب خالف إذا كان مخالفا . وقال الأخفش : فلان خالفة أهل بيته إذا ~~كان مخالفا لهم . وقال الليث هذا الرجل خالفة ، أي مخالف كثير الخلاف ، ~~وقوم خالفون ، فإذا جمعت قلت الخالفون . # والقول الثالث : الخالف هو الفاسد . قال الأصمعي : يقال : خلف عن كل خير ~~يخلف خلوفا إذا فسد ، وخلف اللبن وخلف ms4592 النبيذ إذا فسد . # وإذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة : فلا شك أن اللفظ يصلح حمله على كل واحد ~~منها ، لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات . # واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر ~~وخداع وكيد ورآه مشددا فيه مبالغا في تقرير موجباته ، فإنه يجب عليه أن ~~يقطع العلقة بينه وبينه ، وأن يحترز عن مصاحبته . # ! 7 < { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 84 ) ولا تصل على . . . . . # > > PageV16P120 # / اعلم أنه تعالى أمر رسوله بأن يسعى في تخذيلهم وإهانتهم وإذلالهم ، ~~فالذي سبق ذكره في الآية الأولى وهو منعهم من الخروج معه إلى الغزوات سبب ~~قوى من أسباب إذلالهم وإهانتهم ، وهذا الذي ذكره في هذه الآية ، وهو منع ~~الرسول من أن يصلي على من مات منهم ، سبب آخر قوي في إذلالهم وتخذيلهم . عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما اشتكى عبد الله بن أبي بن سلول عاده رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ، ~~ثم إنه أرسل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منه قميصه ليكفن فيه ، ~~فأرسل إليه القميص الفوقاني فرده وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه ، فقال عمر ~~رضي الله عنه : لم تعطي قميصك الرجس النجس ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( ~~إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا فلعل الله أن يدخل به ألفا في الإسلام ) ~~وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله ، فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ~~ينفعه ، أسلم منهم يومئذ ألف . فلما مات جاء ابنه يعرفه فقال عليه الصلاة ~~والسلام لابنه : ( صل عليه وادفنه ) فقال : إن لم تصل عليه يا رسول الله لم ~~يصل عليه مسلم ، فقام عليه الصلاة والسلام ليصلي عليه ، فقام عمر فحال بين ~~رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه ، فنزلت هذه الآية . وأخذ جبريل عليه ~~السلام بثوبه وقال : { ولا تصل على أحد منهم مات ms4593 أبدا } واعلم أن هذا يدل ~~على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضي الله عنه ، وذلك لأن الوحي نزل على وفق ~~قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفداء عن أسارى بدر وقد سبق شرحه . ~~وثانيها : آية تحريم الخمر . وثالثها : آية تحويل القبلة . ورابعها : آية ~~أمر النسوان بالحجاب . وخامسها : هذه الآية . فصار نزول الوحي على مطابقة ~~قول عمر رضي الله عنه منصبا عاليا ودرجة رفيعة له في الدين . فلهذا قال ~~عليه الصلاة والسلام في حقه : ( لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبيا ) . # فإن قيل : كيف يجوز أن يقال إن الرسول رغب في أن يصلي عليه بعد أن علم ~~كونه كافرا وقد مات على كفره ، وأن صلاة الرسول عليه تجري مجرى الإجلال ~~والتعظيم له ، وأيضا إذا صلى عليه فقد دعا له ، وذلك محظور ، لأنه تعالى ~~أعلمه أنه لا يغفر للكفار البتة ، وأيضا دفع القميص إليه يوجب إعزازه ؟ # والجواب : لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول أن يرسل إليه قميصه الذي ~~مس جلده ليدفن فيه ، غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه انتقل إلى ~~الإيمان ، لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر ويؤمن فيه الكافر ، فلما رأى ~~منه إظهار الإسلام وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت على دخوله في الإسلام ، ~~غلب على ظنه أنه صار مسلما ، فبنى على هذا الظن ورغب في أن يصلي عليه ، ~~فلما نزل جبريل عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه ، امتنع من ~~الصلاة / عليه . وأما دفع القميص إليه فذكروا فيه وجوها : الأول : أن ~~العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخذ أسيرا ببدر ، لم يجدوا له ~~قميصا ، وكان رجلا طويلا ، فكساه عبد الله PageV16P121 قميصه . الثاني : أن ~~المشركين قالوا له يوم الحديبية ، إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك ، ~~فقال لا ، إن لي في رسول الله أسوة حسنة ، فشكر رسول الله له ذلك . والثالث ~~: أن الله تعالى أمره أن لا يرد سائلا بقوله : { وأما السائل فلا تنهر } ( ~~الضحى : 10 ) فلما طلب القميص منه دفعه ms4594 إليه لهذا المعنى . الرابع : أن منع ~~القميص لا يليق بأهل الكرم . الخامس : أن ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي ~~، كان من الصالحين ، وأن الرسول أكرمه لمكان ابنه . السادس : لعل الله ~~تعالى أوحى إليه أنك إذا دفعت قميصك إليه صار ذلك حاملا لألف نفر من ~~المنافقين في الدخول في الإسلام ففعل ذلك لهذا الغرض ، وروى أنهم لما ~~شاهدوا ذلك أسلم ألف من المنافقين . السابع : أن الرحمة والرأفة كانت غالبة ~~عليه كما قال : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ) وقال ~~: { فبما رحمة من الله لنت لهم } ( آل عمران : 159 ) فامتنع من الصلاة عليه ~~رعاية لأمر الله تعالى ، ودفع إليه القميص لإظهار الرحمة والرأفة . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } قال ~~الواحدي : { مات } في موضع جر لأنه صفة للنكرة كأنه قيل على أحد منهم ميت ~~وقوله : { أبدا } متعلق بقوله : { أحد } والتقدير ولا تصل أبدا على أحد ~~منهم . واعلم أن قوله : ولا تصل أبدا يحتمل تأييد النفي ويحتمل تأييد ~~المنفي ، والمقصود هو الأول ، لأن قرائن هذه الآيات دالة على أن المقصود ~~منعه من أن يصلي على أحد منهم منعا كليا دائما . # ثم قال تعالى : { ولا تقم على قبره } وفيه وجهان : الأول : قال الزجاج : ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له ، ~~فمنع ههنا منه . الثاني : قال الكلبي لا تقم بإصلاح مهمات قبره ، وهو من ~~قولهم ، قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه ، ثم إنه تعالى علل المنع ~~من الصلاة عليه والقيام على قبره بقوله : { إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا ~~وهم فاسقون } وفيه سؤالات : # السؤال الأول : الفسق أدنى حالا من الكفر ، ولما ذكر في تعليل هذا النهي ~~كونه كافرا فما الفائدة في وصفه بعد ذلك بكونه فاسقا ؟ # والجواب أن الكافر قد يكون عدلا في دينه . وقد يكون فاسقا في دينه خبيثا ~~ممقوتا عند قومه ، والكذب والنفاق والخداع والمكر والكيد ، أمر مستقبح في ~~جميع الأديان ، فالمنافقون لما كانوا موصوفين ms4595 بهذه الصفات وصفهم الله تعالى ~~بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر ، تنبيها على أن / طريقة النفاق طريقة مذمومة ~~عند كل أهل العالم . # السؤال الثاني : أليس أن المنافق يصلى عليه إذا أظهر الإيمان مع قيام ~~الكفر فيه ؟ # والجواب : أن التكاليف مبنية على الظاهر قال عليه الصلاة والسلام : ( نحن ~~نحكم بالظاهر والله تعالى يتولى السرائر ) . # السؤال الثالث : قوله : { ذالك بأنهم كفروا بالله ورسوله } تصريح بكون ~~ذلك النهي معللا بهذه العلة ، وذلك يقتضي تعليل حكم الله تعالى وهو محال ، ~~لأن حكم الله قديم ، وهذه العلة محدثة ، وتعليل القديم بالمحدث محال . # والجواب : الكلام في أن تعليل حكم الله تعالى بالمصالح هل يجوز أم لا ؟ ~~بحث طويل ، ولا شك أن هذا الظاهر يدل عليه . # PageV16P122 ! 7 < { ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن ~~يعذبهم بها فى الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 85 ) ولا تعجبك أموالهم . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية قد سبق ذكرها بعينها في هذه السورة وذكرت ههنا ، ~~وقد حصل التفاوت بينهما في ألفاظ : فأولها : في الآية المتقدمة قال : { فلا ~~تعجبك } بالفاء . وههنا قال : { ولا تعجبك } بالواو وثانيها : أنه قال هناك ~~{ أموالهم ولا أولادهم } وههنا كلمة { لا } محذوفة . وثالثها : أنه قال ~~هناك { إنما يريد الله ليعذبهم } وههنا حذف اللام وأبدلها بكلمة { ءان } ~~ورابعها : أنه قال هناك { وقال إنما } وههنا حذف لفظ الحياة وقال : { فى ~~الدنيا } فقد حصل التفاوت بين هاتين الآيتين من هذه الوجوه الأربعة ، فوجب ~~علينا أن نذكر فوائد هذه الوجوه الأربعة في التفاوت ، ثم نذكر فائدة هذا ~~التكرير . # أما المقام الأول : فنقول : # أما النوع الأول : من التفاوت وهو أنه تعالى ذكر قوله : { فلا تعجبك } ~~بالفاء في الآية الأولى وبالواو في الآية الثانية ، فالسبب أن في الآية ~~الأولى إنما ذكر هذه الآية بعد قوله : { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } وصفهم ~~بكونهم كارهين للإنفاق ، وإنما كرهوا ذلك الإنفاق لكونهم معجبين / بكثرة ~~تلك الأموال . فلهذا المعنى نهاه الله عن ذلك الإعجاب بفاء التعقيب ، فقال ~~: { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم } وأما ههنا فلا تعلق لهذا الكلام ms4596 بما ~~قبله فجاء بحرف الواو . # وأما النوع الثاني : وهوأنه تعالى قال في الآية الأولى : { فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم } فالسبب فيه أن مثل هذا الترتيب يبتدأ بالأدون ثم ~~يترقى إلى الأشرف ، فيقال لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير ، وهذا يدل ~~على أنه كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم ، وفي هذه ~~الآية يدل على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم . # أما النوع الثالث : وهو أنه قال هناك : { إنما يريد الله ليعذبهم } وههنا ~~قال : { إنما يريد الله أن يعذبهم } فالفائدة فيه التنبيه على أن التعليل ~~في أحكام الله تعالى محال ، وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه ( أن ) ~~كقوله : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } ( البينة : 5 ) أي وما أمروا إلا ~~بأن يعبدوا الله . # وأما النوع الرابع : وهو أنه ذكر في الآية الأولى { وقال إنما اتخذتم } ~~وههنا ذكر { فى الدنيا } وأسقط لفظ الحياة ، تنبيها على أن الحياة الدنيا ~~بلغت في الخسة إلى أنها لا تستحق أن تسمى حياة ، بل يجب الاقتصار عند ذكرها ~~على لفظ الدنيا تنبيها على كمال دناءتها ، فهذه وجوه في الفرق بين هذه ~~الألفاظ ، والعالم PageV16P123 بحقائق القرآن هو الله تعالى . # وأما المقام الثاني : وهو بيان حكمة التكرير فهو أن أشد الأشياء جذبا ~~للقلوب وجلبا للخواطر ، إلى الاشتغال بالدنيا ، هو الاشتغال بالأموال ~~والأولاد ، وما كان كذلك يجب التحذير عنه مرة بعد أخرى ، إلا أنه لما كان ~~أشد الأشياء في المطلوبية والمرغوبية للرجل المؤمن هو مغفرة الله تعالى ، ~~لا جرم أعاد الله قوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء } في سورة النساء مرتين ، وبالجملة فالتكرير يكون لأجل التأكيد ~~فههنا للمبالغة في التحذير ، وفي آية المغفرة للمبالغة في التفريح ، وقيل ~~أيضا إنما كرر هذا المعنى لأنه أراد بالآية الأولى قوما من المنافقين لهم ~~أموال وأولاد في وقت نزولها / وأراد بهذه الآية أقواما آخرين ، والكلام ~~الواحد إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة ، لم يكن ذكره ~~مع بعضهم مغنيا عن ذكره مع الآخرين ms4597 . # ! 7 < { وإذآ أنزلت سورة أن ءامنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا ~~الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين * رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع ~~على قلوبهم فهم لا يفقهون } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 86 - 87 ) وإذا أنزلت سورة . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى بين في الآيات المتقدمة أن المنافقين احتالوا في رخصة ~~التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الغزو ، وفي هذه الآية ~~زاد دقيقة أخرى ، وهي أنه متى نزلت آية مشتملة على الأمر بالإيمان وعلى ~~الأمر بالجهاد مع الرسول ، استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن ~~الغزو ، وقالوا لرسول الله ذرنا نكن مع القاعدين أي مع الضعفاء من الناس ~~والساكنين في البلد . # أما قوله : { وإذا أنزلت سورة أن ءامنوا بالله وجاهدوا مع رسوله } ففيه ~~أبحاث : # البحث الأول : يجوز أن يراد بالسورة تمامها وأن يراد بعضها ، كما يقع ~~القرآن والكتاب على كله وبعضه ، وقيل المراد بالسورة هي سورة براءة ، لأن ~~فيها الأمر بالإيمان والجهاد . # البحث الثاني : قوله : { وإذا أنزلت سورة } قال الواحدي : موضع { ءان } ~~نصب بحذف حرف الجر . والتقدير بأن آمنوا أي بالإيمان ؟ # البحث الثالث : لقائل أن يقول : كيف يأمر المؤمنين بالإيمان ، فإن ذلك ~~يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل وهو محال . # أجابوا عنه : بأن معنى أمر المؤمنين بالإيمان الدوام عليه والتمسك به في ~~المستقبل ، وأقول لا حاجة إلى هذا الجواب ، فإن الأمر متوجه عليهم ، وإنما ~~قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأن التقدير كأنه قيل للمنافقين ~~الإقدام على الجهاد قبل الإيمان لا يفيد فائدة أصلا ، فالواجب عليكم أن ~~تؤمنوا أولا ، ثم تشتغلوا بالجهاد ثانيا حتى يفيدكم اشتغالكم بالجهاد فائدة ~~في الدين ، ثم حكى تعالى أن عند نزول هذه السورة ماذا يقولون ، فقال : { ~~استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين } وفي { أولوا الطول ~~} قولان : الأول : قال ابن عباس والحسن : المراد أهل السعة في المال : ~~الثاني : قال الأصم : يعني الرؤساء والكبراء المنظور إليهم ، وفي تخصيص { ~~أولوا الطول } بالذكر قولان : الأول : أن الذم لهم ألزم لأجل كونهم قادرين ~~على السفر والجهاد ms4598 ، والثاني : أنه تعالى ذكر أولوا الطول لأن من لا مال له ~~ولا قدرة على السفر لا يحتاج إلى الاستئذان . PageV16P124 # ثم قال تعالى : { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } وذكرنا الكلام المستقصى ~~في الخالف في قوله : / { فاقعدوا مع الخالفين } وههنا فيه وجهان : الأول : ~~قال الفراء : { الخوالف } عبارة عن النساء اللاتي تخلفن في البيت فلا يبرحن ~~، والمعنى : رضوا بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد كالنساء . الثاني : يجوز ~~أيضا أن يكون الخوالف جمع خالفة في حال . والخالفة الذي هو غير نجيب . قال ~~الفراء : ولم يأت فاعل صيغة جمعه فواعل ، إلا حرفان : فارس وفوارس ، وهالك ~~وهوالك ، والقول الأول أولى ، لأن أدل على القلة والذلة . قال المفسرون : ~~وكان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخواف . # ثم قال : { وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } وقد عرفت أن الطبع والختم ~~عبارة عندنا عن حصول الداعية القوية للكفر المانعة من حصول الإيمان ، وذلك ~~لأن الفعل بدون الداعي لما كان محالا ، فعند حصول الداعية الراسخة القوية ~~للكفر ، صار القلب كالمطبوع على الكفر ، ثم حصول تلك الداعية إن كان من ~~العبد لزم التسلسل ، وإن كان من الله فالمقصود حاصل . وقال الحسن : الطبع ~~عبارة عن بلوغ القلب في الميل في الكفر إلى الحد الذي كأنه مات عن الإيمان ~~، وعند المعتزلة عبارة عن علامة تحصل في القلب ، والاستقصاء فيه مذكور في ~~سورة البقرة في قوله : { ختم الله على قلوبهم } وقوله : { فهم لا يفقهون } ~~أي لا يفهمون أسرار حكمة الله في الأمر بالجهاد . # ! 7 < { لاكن الرسول والذين ءامنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولائك ~~لهم الخيرات وأولائك هم المفلحون * أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الا ~~نهار خالدين فيها ذالك الفوز العظيم } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 88 - 89 ) لكن الرسول والذين . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى لما شرح حال المنافقين في الفرار عن الجهاد بين أن حال ~~الرسول والذين آمنوا معه بالضد منه ، حيث بذلوا المال والنفس في طلب رضوان ~~الله والتقرب إليه . وقوله : { لكن } فيه فائدة ، وهي : أن التقدير أنه إن ~~تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو ، فقد توجه من ms4599 هو خير منهم ، وأخلص نية ~~واعتقادا ، كقوله : { فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما } ( الأنعام : ~~89 ) وقوله : { فإن استكبروا فالذين عند ربك } ( فصلت : 38 ) ولما وصفهم ~~بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما حصل لهم من الفوائد والمنافع . وهو أنواع : ~~أولها : قوله : { وأولئك لهم الخيرات } واعلم أن لفظ الخيرات ، يتناول ~~منافع الدارين ، لأجل / أن اللفظ مطلق . وقيل : { الخيرات } الحور ، لقوله ~~تعالى : { فيهن خيرات حسان } ( الرحمن : 70 ) وثانيها : قوله : { وأولائك ~~هم المفلحون } فقوله : { لهم الخيرات } المراد منه الثواب . وقوله : { هم ~~المفلحون } المراد منه التخلص من العقاب والعذاب . وثالثها : قوله : { أعد ~~الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها } يحتمل أن تكون هذه ~~الجنات كالتفسير للخيرات وللفلاح ، ويحتمل أن تحمل تلك الخيرات والفلاح على ~~منافع الدنيا ، مثل PageV16P125 الغزو ، والكرامة ، والثروة ، والقدرة ، ~~والغلبة ، وتحمل الجنات على ثواب الآخرة و { الفوز العظيم } عبارة عن كون ~~تلك الحالة مرتبة رفيعة ، ودرجة عالية . # ! 7 < { وجآء المعذرون من الا عراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 90 ) وجاء المعذرون من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين الذين كانوا في المدينة ~~ابتدأ في هذه الآية بشرح أحوال المنافقين من الأعراب في قوله : { وجاء ~~المعذرون } وقال : لعن الله المعذرين ، وذهب إلى أن المعذر هو المجتهد الذي ~~له عذر ، والمعذر بالتشديد الذي يعتذر بلا عدر . والحاصل : أن المعذر هو ~~المجتهد البالغ في العذر ، ومنه قولهم : قد أعذر من أنذر ، وعلى هذه ~~القراءة فمعنى الآية : أن الله تعالى فصل بين أصحاب العذر وبين الكاذبين ، ~~فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر . قيل : هم أسد وغطفان . قالوا : إن لنا ~~عيالا وإنا بنا جهدا فائذن لنا في التخلف . وقيل : هم رهط عامر بن الطفيل ، ~~قالوا : إن غزونا معك أغارت أعراب طيء علينا ، فأذن رسول الله لهم . وعن ~~مجاهد : نفر من غطفان اعتذروا . والذين قرؤوا { المعذرون } بالتشديد وهي ~~قراءة العامة فله وجهان من العربية . # الوجه الأول : ما ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري : وهو أن الأصل في ms4600 ~~هذا اللفظ المعتذرون فحولت فتحة التاء إلى العين ، وأبدلت الذال من التاء ، ~~وأدغمت في الذال التي بعدها ، فصارت التاء ذالا مشددة . والاعتذار قد يكون ~~بالكذب ، كما في قوله تعالى : { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } ( التوبة ~~: 94 ) فبين كون هذا الاعتذار فاسدا بقوله : { قل لا تعتذروا } وقد يكون ~~بالصدق كما في قول لبيد : # % ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # يريد فقد جاء بعذر صحيح . # الوجه الثاني : أن يكون { المعذرون } على وزن قولنا : مفعلون من التعذير ~~الذي هو التقصير . يقال : عذرا تعذيرا إذا قصر ولم يبالغ . يقال : قام فلان ~~قيام تعذير ، إذا اسكتفيته في أمر فقصر فيه ، فإن أخذنا بقراءة الخفيف ، ~~كان { المعذرون } كاذبين . وأما إن أخذنا بقراءة التشديد ، وفسرناها ~~بالمعتذرين ، فعلى هذا التقدير : يحتمل أنهم كانوا صادقين وأنهم كانوا ~~كاذبين ، ومن المفسرين من قال : المعذرون كانوا صادقين بدليل أنه تعالى لما ~~ذكرهم قال بعدهم : { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } فلما ميزهم عن ~~الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا بكاذبين . وروى الواحدي بإسناده عن أبي ~~عمرو : أنه لما قيل له هذا الكلام قال : إن أقواما تكلفوا عذرا بباطل ، فهم ~~الذين عناهم الله تعالى بقوله : { وجاء المعذرون } وتخلف الآخرون لا لعذر ~~ولا لشبهة عذر جراءة على الله تعالى ، فهم المرادون بقوله : { وقعد الذين ~~كذبوا الله ورسوله } والذي قاله أبو PageV16P126 عمرو محتمل ، إلا أن الأول ~~أظهر . وقوله : { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } وهم منافقو الأعراب الذين ~~ما جاؤوا وما اعتذروا ، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم ~~الإيمان . وقرأ أبي { كذبوا } بالتشديد { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ~~} في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار ، وإنما قال : { منهم } لأنه تعالى ~~كان عالما بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص عن هذا العقاب ، فذكر لفظة من الدالة على ~~التبعيض . # ! 7 < { ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ~~* ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم ms4601 عليه تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 91 - 92 ) ليس على الضعفاء . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين الوعيد في حق من يوهم العذر ، مع أنه لا عذر له ، ~~ذكر أصحاب الأعذار / الحقيقية ، وبين أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد ~~عنهم ساقط ، وهم أقسام : # القسم الأول : الصحيح في بدنه ، الضعيف مثل الشيوخ . ومن خلق في أصل ~~الفطرة ضعيفا نحيفا ، وهؤلاء هم المرادون بالضعفاء . والدليل عليه : أنه ~~عطف عليهم المرضى ، والمعطوف مباين للمعطوف عليه ، فما لم يحمل الضعفاء على ~~الذين ذكرناهم ، لم يتميزوا عن المرضى . # وأما المرضى : فيدخل فيهم أصحاب العمى ، والعرج ، والزمانة ، وكل من كان ~~موصوفا بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة . # والقسم الثالث : الذين لا يجدون الأهبة والزاد والراحلة ، وهم الذين لا ~~يجدون ما ينفقون ، لأن حضوره في الغزو إنما ينفع إذا قدر على الإنفاق على ~~نفسه . أما من مال نفسه ، أو من مال إنسان آخر يعينه عليه ، فإن لم تحصل ~~هذه القدرة ، صار كلا ووبالا على المجاهدين ويمنعهم من الاشتغال بالمقصود ، ~~ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأقسام الثلاثة قال : لا حرج على هؤلاء ، ~~والمراد أنه يجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو ، وليس في الآية بيان أنه يحرم ~~عليهم الخروج ، لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة ~~. إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم ، بشرط أن لايجعل نفسه كلا ووبالا ~~عليهم ، كان ذلك طاعة مقبولة . ثم إنه تعالى شرط في جواز هذا التأخير شرطا ~~معينا وهو قوله : { إذا نصحوا لله ورسوله } ومعناه أنهم إذا أقاموا في ~~البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف ، وعن إثارة الفتن ، وسعوا في إيصال الخير ~~إلى المجاهدين الذين سافروا ، إما بأن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم ، وإما ~~بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم ، فإن جملة هذه الأمور ~~جارية مجرى الإعانة على الجهاد . PageV16P127 # ثم قال تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } وقد اتفقوا على أنه دخل تحت ~~قوله تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } هو أنه لا ms4602 إثم عليه بسبب القعود ~~عن الجهاد ، واختلفوا في أنه هل يفيد العموم في كل الوجوه ؟ فمنهم من زعم ~~أن اللفظ مقصور على هذا المعنى ، لأن هذه الآية نزلت فيهم ، ومنهم من زعم ~~أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والمحسن هو الآتي بالإحسان ، ورأس ~~أبواب الإحسان ورئيسها ، هو قول : لا إله إلا الله ، وكل من قال هذه الكلمة ~~واعتقدها ، كان من المسلمين . وقوله تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } ~~يقتضي نفي جميع المسلمين ، فهذا بعمومه يقتضي أن الأصل في حال كل مسلم ~~براءة الذمة ، وعدم توجه مطالبة الغير عليه في نفسه وماله ، فيدل على أن ~~الأصل في نفسه حرمة القتل ، إلا لدليل منفصل ، والأصل في ماله حرمة الأخذ ، ~~إلا لدليل منفصل ، وأن لا يتوجه عليه شيء من التكاليف ، إلا لدليل منفصل ، ~~فتصير هذه الآية بهذا الطريق أصلا / معتبرا في الشريعة ، في تقرير أن الأصل ~~براءة الذمة ، فإن ورد نص خاص يدل على وجوب حكم خاص ، في واقعة خاصة ، ~~قضينا بذل النص الخاص تقديما للخاص على العام ، وإلا فهذا النص كاف في ~~تقرير البراءة الأصلية ، ومن الناس من يحتج بهذا على نفي القياس . قال : ~~لأن هذا النص دل على أن الأصل هو براءة الذمة ، وعدم الإلزام والتكليف ، ~~فالقياس إما أن يدل على براءة الذمة أو على شغل الذمة ، والأول باطل لأن ~~براءة الذمة لما ثبتت بمقتضى هذا النص ، كان إثباتها بالقياس عبثا . ~~والثاني أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير يصير ذلك القياس مخصصا لعموم هذا ~~النص وأنه لا يجوز ، لما ثبت أن النص أقوى من القياس . قالوا : وبهذا ~~الطريق تصير الشريعة مضبوطة ، معلومة ، ملخصة ، بعيدة عن الاضطراب ~~والاختلافات التي لا نهاية لها ، وذلك لأن السلطان إذا بعث واحدا من عماله ~~إلى سياسة بلدة ، فقال له : أيها الرجل تكليفي عليك ، وعلى أهل تلك المملكة ~~، كذا وكذا ، وعد عليهم مائة نوع من التكاليف مثلا ، ثم قال : وبعد هذه ~~التكاليف ليس لأحد عليهم سبيل ، كان هذا تنصيصا منه على أنه لا تكليف عليهم ~~فيما ms4603 وراء تلك الأقسام المائة المذكورة ، ولو أنه كلف ذلك السلطان بأن ينص ~~على ما سوى تلك المائة بالنفي على سبيل التفصيل كان ذلك محالا ، لأن باب ~~النفي لا نهاية له ، بل كفاه في النفي أن يقول : ليس لأحد على أحد سبيل إلا ~~فيما ذكرت وفصلت ، فكذا ههنا أنه تعالى لما قال : { ما على المحسنين من ~~سبيل } وهذا يقتضي أن لا يتوجه على أحد سبيل ، ثم إنه تعالى ذكر في القرآن ~~ألف تكليف ، أو أقل أو أكثر ، كان ذلك تنصيصا على أن التكاليف محصورة في ~~ذلك الألف المذكور ، وأما فيما وراءه فليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي ، ~~وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة سهلة المؤنة كثيرة المعونة ، ويكون ~~القرآن وافيا ببيان التكاليف والأحكام ، ويكون قوله : { اليوم أكملت لكم ~~دينكم } ( المائدة : 3 ) حقا ، ويصير قوله : { لتبين للناس ما نزل إليهم } ~~( النحل : 44 ) حقا ، ولا حاجة ألبتة إلى التمسك بالقياس في حكم من الأحكام ~~أصلا ، فهذا ما يقرره أصحاب الظواهر مثل داود الأصفهاني وأصحابه في تقرير ~~هذا الباب . # واعلم أنه تعالى لما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء ، بين أنه يجوز لهم ~~التخلف عن الجهاد بشرط أن يكونوا ناصحين لله ورسوله ، وبين كونهم محسنين ، ~~وأنه ليس لأحد عليهم سبيل ، ذكر قسما رابعا من المعذورين ، فقال : { ولا ~~على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا } . # فإن قيل : أليس أن هؤلاء داخلون تحت قوله : { ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون } فما الفائدة في إعادته ؟ PageV16P128 # / قلنا : الذين لا يجدون ما ينفقون ، هم الفقراء الذين ليس معهم دون ~~النفقة ، وهؤلاء المذكورون في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة ، ~~إلا أنهم لم يجدوا المركوب ، والمفسرون ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها ~~: الأول : قال مجاهد : هم ثلاثة إخوة : معقل ، وسويد ، والنعمان بنو مقرن ، ~~سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملهم على الخفاف المدبوغة ، والنعال ~~المخصوفة ، فقال عليه السلام : ( لا أجد ما أحملكم عليه ) فتولوا وهم يبكون ~~، والثاني ms4604 : قال الحسن : نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه ، أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه ، ووافق ذلك منه غضبا ، فقال عليه ~~السلام : ( والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه ) فتولوا وهم يبكون ~~فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطاهم ذودا خير الذود ، فقال أبو ~~موسى : ألست حلفت يا رسول الله ؟ فقال : ( أما أني إن شاء الله لا أحلف ~~بيمين فأرى غيرها خيرا منها ، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يمين ) . # والرواية الثالثة : قال ابن عباس رضي الله عنهما : سألوه أن يحملهم على ~~الدواب فقال عليه السلام : ( لا أجد ما أحملكم عليه ) لأن الشقة بعيدة . ~~والرجل يحتاج إلى بعيرين ، بعير يركبه وبعير يحمل عليه ماءه وزاده . قال ~~صاحب ( الكشاف ) : قوله : { تفيض من الدمع حزنا } كقولك : تفيض دمعا ، وهو ~~أبلغ من يفيض دمعها ، لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض . # ! 7 < { إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنيآء رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون * يعتذرون إليكم إذا رجعتم ~~إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله ~~عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } ~~. > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 93 - 94 ) إنما السبيل على . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : { ما على المحسنين ~~من سبيل } قال في هذه / الآية إنما السبيل على من كان كذا وكذا ، ثم الذين ~~قالوا في الآية الأولى المراد { ما على المحسنين من سبيل } في أمر الغزو ~~والجهاد ، وأن نفي السبيل في تلك الآية مخصوص بهذا الحكم . قالوا : السبيل ~~الذي نفاه عن المحسنين ، هو الذي أثبته في هؤلاء المنافقين ، وهو الذي يختص ~~بالجهاد ، والمعنى : أن هؤلاء الأغنياء الذين يستأذنونك في التخلف سبيل ~~الله عليهم لازم ، وتكليفه عليهم بالذهاب إلى الغزو متوجه ، ولا عذر لهم ~~ألبتة في التخلف . # فإن قيل : قوله : { رضوا } ما موقعه ؟ # قلنا : كأنه استئناف ، كأنه قيل : ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء . فقيل : ~~رضوا ms4605 بالدناءة والضعة والانتظام PageV16P129 في جملة الخوالف { وطبع الله ~~على قلوبهم } يعني أن السبب في نفرتهم عن الجهاد ، هو أن الله طبع على ~~قلوبهم ، فلأجل ذلك الطبع لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا . # ثم قال : { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم } ~~علة للمنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولا . فإذا علم بأن ~~القوم يكذبونه فيه ، وجب عليه تركه . وقوله : { قد نبأنا الله من أخباركم } ~~علة لانتفاء التصديق ، لأنه تعالى لما أطلع رسوله على ما في ضمائرهم من ~~الخبث والمكر والنفاق ، امتنع أن يصدقهم الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك ~~الأعذار . # ثم قال : { وسيرى الله عملكم ورسوله } والمعنى أنهم كانوا يظهرون من ~~أنفسهم عند تقرير تلك المعاذير حبا للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين ~~وشفقة عليهم ورغبة في نصرتهم ، فقال تعالى : { وسيرى الله عملكم } أنكم هل ~~تبقون بعد ذلك على هذه الحالة التي تظهرونها من الصدق والصفاء ، أو لا ~~تبقون عليها ؟ # ثم قال : { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة } . # فإن قيل : لماقال : { وسيرى الله عملكم } فلم لم يقل ، ثم تردون إليه ، ~~وما الفائدة من قوله : { ثم } . # قلنا : في وصفه تعالى بكونه : { عالم الغيب والشهادة } ما يدل على كونه ~~مطلعا على بواطنهم الخبيثة وضمائرهم المملوءة من الكذب والكيد ، وفيه تخويف ~~شديد ، وزجر عظيم لهم . # ! 7 < { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم ~~إنهم رجس ومأواهم جهنم جزآء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ~~ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 95 - 96 ) سيحلفون بالله لكم . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية الأولى أنهم يعتذرون ، ذكر في هذه ~~الآية أنهم كانوا يؤكدون تلك الأعذار بالإيمان الكاذبة . # أما قوله : { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم } فاعلم ~~أن هذا الكلام يدل على أنهم حلفوا بالله ، ولم يدل على أنهم على أي شيء ~~حلفوا ؟ فقيل : إنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ، وإنما ms4606 حلفوا على ~~ذلك لتعرضوا عنهم أي لتصفحوا عنهم ، ولتعرضوا عن ذمهم . # ثم قال تعالى : { فأعرضوا عنهم } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد ترك ~~الكلام والسلام . قال مقاتل : قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم ~~المدينة : ( لا تجالسوهم ولا تكلموهم ) قال أهل المعاني : هؤلاء طلبوا ~~إعراض الصفح ، فأعطوا إعراض المقت ، ثم ذكر العلة في وجوب الإعراض عنهم ، ~~فقال : { إنهم رجس } والمعنى : أن خبث باطنهم رجس روحاني ، فكما يجب ~~الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية ، فوجوب الاحتراز عن PageV16P130 الأرجاس ~~الروحانية أولى ، خوفا من سريانها إلى الإنسان ، وحذرا من أن يميل طبع ~~الإنسان إلى تلك الأعمال . # ثم قال تعالى : { ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون } ومعناه ظاهر ، ~~ولما بين في الآية أنهم يحلفون بالله ليعرض المسلمون عن إيذائهم ، بين أيضا ~~أنهم يحلفون ليرضى المسلمون عنهم ، ثم إنه تعالى نهى المسلمين عن أن يرضوا ~~عنهم ، فقال : { فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } ~~والمعنى : أنكم إن رضيتم عنهم مع أن الله لا يرضى عنهم ، كانت إرادتكم ~~مخالفة لإرادة الله ، وأن ذلك لا يجوز . وأقول : إن هذه المعاني مذكورة في ~~الآيات السالفة ، وقد أعادها الله ههنا مرة أخرى ، وأظن أن الأول خطاب مع ~~المنافقين الذين كانوا في المدينة ، وهذا خطاب مع المنافقين من الأعراب ~~وأصحاب البوادي ، ولما كانت طرق المنافقين متقاربة سواء كانوا من أهل الحضر ~~أو من أهل البادية ، لا جرم كان الكلام معهم على مناهج متقاربة . # ! 7 < { الا عراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله ~~على رسوله والله عليم حكيم * ومن الا عراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص ~~بكم الدوائر عليهم دآئرة السوء والله سميع عليم } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 97 - 98 ) الأعراب أشد كفرا . . . . . # > > # اعلم أن هذه الآية تدل على صحة ما ذكرنا من أنه تعالى إنما أعاد هذه ~~الأحكام ، لأن المقصود منها مخاطبة منافقي الأعراب ، ولهذا السبب بين أن ~~كفرهم ونفاقهم أشد وجهلهم بحدود ما أنزل الله أكمل ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال العلماء ms4607 من أهل اللغة ، يقال : رجل عربي . إذا كان ~~نسبه في العرب وجمعه العرب . كما تقول مجوسي ويهودي ، ثم يحذف ياء النسبة ~~في الجمع ، فيقال : المجوس واليهود ، ورجل أعرابي ، بالألف إذا كان بدويا ، ~~يطلب مساقط الغيث والكلأ ، سواء كان من العرب أو من مواليهم ، ويجمع ~~الأعرابي على الأعراب والأعاريب ، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي : فرح ، ~~والعربي إذا قيل له : يا أعرابي ، غضب له ، فمن استوطن القرى العربية فهم ~~عرب ، ومن نزل البادية فهم أعراب ، والذي يدل على الفرق وجوه : الأول : أنه ~~عليه السلام قال : ( حب العرب من الإيمان ) وأما الأعراب فقد ذمهم الله في ~~هذه الآية . والثاني : أنه لا يجوز أن يقال : للمهاجرين والأنصار أعراب ، ~~إنما هم عرب ، وهم متقدمون في مراتب الدين على الأعراب . قال عليه السلام : ~~( لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاسق مؤمنا ولاأعرابي مهاجرا ) الثالث : قيل إنما ~~سمي العرب عربا لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة ، وهي من تهامة . فنسبوا إلى ~~بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم ، لأنهم إنما تولدوا ~~من أولاد إسماعيل وقيل : سموا بالعرب ، لأنه ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم ~~، ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في ~~سائر الألسنة ، PageV16P131 ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال : ~~حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة ، وحكمة ~~الهند في أوهامهم ، وحكمة يونان في أفئدتهم . وذلك لكثرة ما لهم من المباحث ~~العقلية ، وحكمة العرب في ألسنتهم ، وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم . # المسألة الثانية : من الناس من قال : الجمع المحلى بالألف واللام الأصل ~~فيه أن ينصر إلى / المعهود السابق ، فإن لم يوجد المعهود السابق ، حمل على ~~الاستغراق للضرورة . قالوا : لأن صيغة الجمع يكفي في حصول معناها الثلاثة ~~فما فوقها ، والألف واللام للتعريف ، فإن حصل جمع هو معهود سابق وجب ~~الانصراف إليه ، وإن لم يوجد فحينئذ يحمل على الاستغراق دفعا للإجمال . # قالوا إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { الاعراب } المراد منه جمع معينون من ~~منافقي الأعراب ، كانوا يوالون ms4608 منافقي المدينة فانصرف هذا اللفظ إليهم . # المسألة الثالثة : أنه تعالى حكم على الأعراب بحكمين : # الحكم الأول # أنهم أشد كفرا ونفاقا ، والسبب فيه وجوه : الأول : أن أهل البدو يشبهون ~~الوحوش . والثاني : استيلاء الهواء الحار اليابس عليهم ، وذلك يوجب مزيد ~~التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم ، والثالث : أنهم ما كانوا تحت ~~سياسة سائس ، ولا تأديب مؤدب ، ولا ضبط ضابط فنشاؤا كما شاؤوا ، ومن كان ~~كذلك خرج على أشد الجهات فسادا . والرابع : أن من أصبح وأمسى مشاهدا لوعظ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبياناته الشافية ، وتأديباته الكاملة ، ~~كيف يكون مساويا لمن لم يؤاثر هذا الخير ، ولم يسمع خبره . والخامس : قابل ~~الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية لتعرف الفرق بين أهل الحضر والبادية . # الحكم الثاني # قوله : { وأجدر * أن لا * يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } وقوله : ~~{ * أجدر } أي أولى وأحق ، وفي الآية حذف ، والتقدير : وأجدر بأن لا يعلموا ~~. وقيل في تفسير حدود ما أنزل الله مقادير التكاليف والأحكام . وقيل : ~~مراتب أدلة العدل والتوحيد والنبوة والمعاد { أيديهم والله عليم } بمافي ~~قلوب خلقه { حكيم } فيما فرض من فرائضه . # ثم قال : { ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما } والمغرم مصدر كالغرامة ، ~~والمعنى : أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران ~~، وإنما يعتقد ذلك لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء ، لا لوجه الله ~~وابتغاء ثوابه { ويتربص بكم الدوائر } يعني الموت والقتل ، أي ينتظر أن ~~تنقلب الأمور عليكم بموت الرسول ، ويظهر عليكم المشركون . ثم إنه أعاده ~~إليهم فقال : { عليهم دائرة السوء } والدائرة يجوز أن تكون واحدة ، ويجوز ~~أن تكون صفة غالبة ، وهي إنما تستعمل في آفة تحيط بالإنسان كالدائرة ، بحيث ~~لا يكون له منها مخلص ، وقوله : { السوء } قرىء بفتح / السين وضمه . قال ~~الفراء : فتح السين هو الوجه ، لأنه مصدر قولك : ساء يسوء سوأ أو مساءة ومن ~~ضم السين جعله اسما ، كقولك : عليهم دائرة البلاء والعذاب ، ولا يجوز ضم ~~السين في قوله : { ما كان أبوك امرأ سوء } ( مريم : 28 ) ولا في قوله : { ~~وظننتم ms4609 ظن السوء } PageV16P132 ( الفتح : 12 ) وإلا لصار التقدير : ما كان ~~أبوك امرأ عذاب ، وظننتم ظن العذاب ، ومعلوم أنه لا يجوز ، وقال الأخفش ~~وأبو عبيد : من فتح السين ، فهو كقولك : رجل سوء ، وامرأة سوء . ثم يدخل ~~الألف واللام . فيقول : رجل السوء وأنشد الأخفش : # % وكنت كذئب السوء لما رأى دما % % بصاحبه يوما أحال على الدم % # ومن ضم السين أراد بالسوء المضرة والشر والبلاء والمكروه ، كأنه قيل : ~~عليهم دائرة الهزيمة والمكروه ، وبهم يحيق ذلك . قال أبو علي الفارسي : لو ~~لم تضف الدائرة إلى السوء أو السوء عرف منها معنى السوء ، لأن دائرة الدهر ~~لا تستعمل إلا في المكروه . # إذا عرفت هذا فنقول : المعنى يدور عليهم البلاء والحزن ، فلا يرون في ~~محمد عليه الصلاة والسلام ودينه إلا ما يسوءهم . # ثم قال : { والله سميع } لقولهم : { عليم } بنياتهم . # ! 7 < { ومن الا عراب من يؤمن بالله واليوم الا خر ويتخذ ما ينفق قربات ~~عند الله وصلوات الرسول ألاإنها قربة لهم سيدخلهم الله فى رحمته إن الله ~~غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 99 ) ومن الأعراب من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل ~~الله مغرما ، بين أيضا أن فيهم قوما مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في ~~سبيل الله مغنما . # واعلم أنه تعالى وصف هذا الفريق بوصفين : فالأول : كونه مؤمنا بالله ~~واليوم الآخر ، والمقصود التنبيه على أنه لا بد في جميع الطاعات من تقدم ~~الإيمان ، وفي الجهاد أيضا كذلك . والثاني : كونه بحيث يتخذ ما ينفقه قربات ~~عند الله وصلوات الرسول ، وفيه بحثان : الأول : قال الزجاج : يجوز في ~~القربات ثلاثة أوجه ، ضم الراء ، وإسكانها وفتحها . الثاني : قال صاحب / ( ~~الكشاف ) : قربات مفعول ثان ليتخذ ، والمعنى : أن ما ينفقه لسبب حصول ~~القربات عند الله تعالى وصلوات الرسول ، لأن الرسول كان يدعو للمتصدقين ~~بالخير والبركة ، ويستغفر لهم . كقوله : ( اللهم صل على آل أبي أوفى ) وقال ~~تعالى : { وصل عليهم } فلما كان ما ينفق سببا لحصول القربات والصلوات ، قيل ~~: إنه يتخذ ما ينفق قربات وصلوات . وقال تعالى : { ألا إنها قربة ms4610 لهم } ~~وهذا شهادة من الله تعالى للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات ~~، وقد أكد تعالى هذه الشهادة بحرف التنبيه ، وهو قوله : { إلا } وبحرف ~~التحقيق ، وهو قوله : { أنها } ثم زاد في التأكيد ، فقال : { سيدخلهم الله ~~فى رحمته } وقد ذكرنا أن إدخال هذا السين يوجب مزيد التأكيد . ثم قال : { ~~أن الله غفور } لسيآتهم { رحيم } بهم حيث وفقهم لهذه الطاعات . وقرأ نافع { ~~ألا إنها قربة } بضم الراء وهو الأصل ، ثم خففت نحو : كتب ، ورسل ، وطنب ، ~~والأصل هو الضم ، والإسكان تخفيف . # PageV16P133 ! 7 < { والسابقون الا ولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ~~خالدين فيهآ أبدا ذالك الفوز العظيم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 100 ) والسابقون الأولون من . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات ~~عند الله وصلوات الرسول ، وما أعد لهم من الثواب ، بين أن فوق منزلتهم ~~منازل أعلى وأعظم منها ، وهي منازل السابقين الأولين . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار من ~~هم ؟ وذكروا وجوها : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هم الذين صلوا ~~إلى القبلتين وشهدوا بدرا وعن الشعبي هم الذين بايعوا بيعة الرضوان . ~~والصحيح عندي أنهم السابقون في الهجرة ، وفي النصرة ، والذي يدل عليه أنه ~~ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون فيماذا فبقي اللفظ مجملا إلا أنه ~~وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارا ، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا ~~مهاجرين وأنصارا وهو الهجرة والنصرة ، فوجب أن يكون المراد منه السابقون ~~الأولون في الهجرة والنصرة / إزالة للإجمال عن اللفظ ، وأيضا فالسبق إلى ~~الهجرة طاعة عظيمة من حيث إن الهجرة فعل شاق على النفس ، ومخالف للطبع ، ~~فمن أقدم عليه أولا صار قدوة لغيره من هذه الطاعة ، وكان ذلك مقويا لقلب ~~الرسول عليه الصلاة والسلام ، وسببا لزوال الوحشة عن خاطره ، وكذلك السبق ~~في النصرة ، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة ، فلا شك أن ~~الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة ، فازوا بمنصب ms4611 عظيم ، فلهذه الوجوه يجب أن ~~يكون المراد والسابقون الأولون في الهجرة . # إذا ثبت هذا فنقول : إن أسبق الناس إلى الهجرة هو أبو بكر ، لأنه كان في ~~خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان مصاحبا له في كل مسكن وموضع ، فكان ~~نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره ، وعلي بن أبي طالب ، وإن كان من ~~المهاجرين الأولين إلا أنه إنما هاجر بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام ~~، ولا شك أنه إنما بقي بمكة لمهمات الرسول إلا أن السبق إلى الهجرة إنما ~~حصل لأبي بكر ، فكان نصيب أبي بكر من هذه الفضيلة أوفر ، فإذا ثبت هذا صار ~~أبو بكر محكوما عليه بأنه رضي الله عنه ، ورضي هو عن الله ، وذلك في أعلى ~~الدرجات من الفضل . # وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماما حقا بعد رسول الله ، إذ لو كانت إمامته ~~باطلة لاستحق اللعن والمقت ، وذلك ينافي حصول مثل هذا التعظيم ، فصارت هذه ~~الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وعلى صحة ~~إمامتهما . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من سبق إلى الإسلام من المهاجرين ~~والأنصار ، لأن هؤلاء PageV16P134 آمنوا ، وفي عدد المسلمين في مكة ~~والمدينة قلة وضعف . فقوي الإسلام بسببهم ، وكثر عدد المسلمين بسبب إسلامهم ~~، وقوي قلب الرسول بسبب دخولهم في الإسلام واقتدى بهم غيرهم ، فكان حالهم ~~فيه كحال من سن سنة حسنة فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ؟ ~~ثم نقول : هب أن أبا بكر دخل تحت هذه الآية بحكم كونه أول المهاجرين ، لكن ~~لم قلتم أنه بقي على تلك الحالة ؟ ولم لا يجوز أن يقال : إنه تغير عن تلك ~~الحالة ، وزالت عنه تلك الفضيلة بسبب إقدامه على تلك الإمامة ؟ # والجواب عن الأول : أن حمل السابقين على السابقين في المدة تحكم لا دلالة ~~عليه ، لأن لفظ السابق مطلق ، فلم يكن حمله على السبق في المدة أولى من ~~حمله على السبق في سائر الأمور ، ونحن بينا أن حمله على السبق في الهجرة ~~أولى ms4612 . قوله : المراد منه السبق في الإسلام . # قلنا : السبق في الهجرة يتضمن السبق في الإسلام ، والسبق في الإسلام لا ~~يتضمن السبق / في الهجرة ، فكان حمل اللفظ على السبق في الهجرة أولى . ~~وأيضا فهب أنا نحمل اللفظ على السبق في الإيمان ، إلا أنا نقول : قوله : { ~~والسابقون الاولون } صيغة جمع فلا بد من حمله على جماعة ، فوجب أن يدخل فيه ~~علي رضي الله عنه وغيره ، وهب أن الناس اختلفوا في أن إيمان أبي بكر أسبق ~~أم إيمان علي ؟ لكنهم اتفقوا على أن أبا بكر من السابقين الأولين ، واتفق ~~أهل الحديث على أن أول من أسلم من الرجال أبو بكر ، ومن النساء خديجة ، ومن ~~الصبيان علي ، ومن الموالي زيد ، فعلى هذا التقدير : يكون أبو بكر من ~~السابقين الأولين ، وأيضا قد بينا أن السبق في الإيمان إنما أوجب الفضل ~~العظيم من حيث إنه يتقوى به قلب الرسول عليه السلام ، ويصير هو قدوة لغيره ~~، وهذا المعنى في حق أبي بكر أكمل ، وذلك لأنه حين أسلم كان رجلا كبير السن ~~مشهورا فيما بين الناس ، واقتدى به جماعة من أكابر الصحابة رضي الله عنهم ، ~~فإنه نقل أنه لما أسلم ذهب إلى طلحة والزبير وعثمان بن عفان ، وعرض الإسلام ~~عليهم ، ثم جاء بهم بعد أيام إلى الرسول عليه السلام ، وأسلموا على يد ~~الرسول عليه السلام ، فظهر أنه دخل بسبب دخوله في الإسلام قوة في الإسلام ، ~~وصار هذا قدوة لغيره ، وهذه المعاني ما حصلت في علي رضي الله عنه ، لأنه في ~~ذلك الوقت كان صغير السن ، وكان جاريا مجرى صبي في داخل البيت ، فما كان ~~يحصل بإسلامه في ذلك الوقت مزيد قوة للإسلام ، وما صار قدوة في ذلك الوقت ~~لغيره ، فثبت أن الرأس والرئيس في قوله : { والسابقون الاولون من المهاجرين ~~} ليس إلا أبا بكر ، أما قوله لم قلتم إنه بقي موصوفا بهذه الصفة بعد ~~إقدامه على طلب الإمامة ؟ # قلنا : قوله تعالى : { رضي * عنهم ورضوا عنه } يتناول جميع الأحوال ~~والأوقات بدليل أنه لا وقت ولا حال إلا ويصح استثناؤه منه . فيقال ms4613 رضي الله ~~عنهم إلا في وقت طلب الإمامة ، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت ~~اللفظ . أو نقول : إنا بينا أنه تعالى وصفهم بكونهم سابقين مهاجرين ، وذلك ~~يقتضي أن المراد كونهم سابقين في الهجرة ، ثم لما وصفهم بهذا الوصف أثبت ~~لهم ما يوجب التعظيم ، وهو قوله : { رضى الله عنهم ورضوا عنه } والسبق في ~~الهجرة وصف مناسب للتعظيم ، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب ، يدل على كون ~~ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، فدل هذا على أن التعظيم الحاصل من قوله : { ~~رضى الله عنهم ورضوا عنه } معلل بكونهم سابقين في الهجرة ، والعلة ما دامت ~~موجودة ، وجب ترتب المعلول عليها ، وكونهم سابقين في الهجرة وصف دائم في ~~جميع مدة وجودهم ، فوجب أن يكون ذلك الرضوان حاصلا في جميع مدة وجودهم ، أو ~~نقول : إنه تعالى قال : { وأعد لهم جنات تجري تحتها الانهار } وذلك يقتضي ~~أنه تعالى قد أعد تلك الجنات / وعينها لهم ، وذلك يقتضي بقاءهم على تلك ~~الصفة PageV16P135 التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات ، وليس لأحد أن ~~يقول : المراد أنه تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الإيمان ، لأنا نقول : ~~هذا زيادة إضمار وهو خلاف الظاهر . وأيضا فعلى هذا التقدير : لا يبقى بين ~~هؤلاء المذكورين في هذا المدح ، وبين سائر الفرق فرق ، لأنه تعالى : { أعد ~~لهم * جنات تجري تحتها الانهار } ولفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب ، لو ~~صاروا مؤمنين ، ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح العظيم ~~والثناء الكامل ، وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا المدح والثناء ، فسقط ~~هذا السؤال . فظهر أن هذه الآية دالة على فضل أبي بكر ، وعلى صحة القول ~~بإمامته قطعا . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن المدح الحاصل في هذه الآية هل يتناول ~~جميع الصحابة أم يتناول بعضهم ؟ فقال قوم : إنه يتناول الذين سبقوا في ~~الهجرة والنصرة ، وعلى هذا فهو لا يتناول إلا قدماء الصحابة ، لأن كلمة { ~~من } تفيد التبعيض ، ومنهم من قال : بل يتناول جميع الصحابة ، لأن جملة ~~الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين ms4614 ، وكلمة { ~~من } في قوله : { من المهاجرين والانصار } ليست للتبعيض ، بل للتبيين ، أي ~~والسابقون الأولون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصارا كما في قوله تعالى ~~: { فاجتنبوا الرجس من الاوثان } ( الحج : 30 ) وكثير من الناس ذهبوا إلى ~~هذا القول ، روي عن حميد بن زياد أنه قال : قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي ~~ألا تخبرني عن أصحاب الرسول عليه السلام فيما كان بينهم ، وأردت الفتن ، ~~فقال لي : إن الله تعالى قد غفر لجميعهم ، وأوجب لهم الجنة في كتابه ، ~~محسنهم ومسيئهم ، قلت له : وفي أي موضع أوجب لهم الجنة ؟ قال : سبحان الله ~~ألا تقرأ قوله تعالى : { والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار } إلى ~~آخر الآية ؟ فأوجب الله لجميع أصحاب النبي عليه السلام الجنة والرضوان ، ~~وشرط على التابعين شرطا شرطه عليهم . قلت : وما ذاك الشرط ؟ قال : اشترط ~~عليهم أن يتبعوهم بإحسان في العمل ، وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة ، ~~ولا يقتدوا بهم في غير ذلك ، أو يقال : المراد أن يتبعوهم بإحسان في القول ~~، وهو أن لا يقولوا فيهم سوءا ، وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه . ~~قال حميد بن زياد : فكأني ما قرأت هذه الآية قطا . # المسألة الثالثة : روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقرأ { ~~والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار * الذين * اتبعوهم بإحسان } فكان ~~يعطف قوله : { * الأنصار } على قوله : { رحيم والسابقون } وكان يحذف الواو ~~من قوله : { والذين اتبعوهم بإحسان } ويجعله وصفا للأنصار ، وروي أن عمر ~~رضي الله عنه كان يقرأ هذه الآية على هذا الوجه . قال أبي : والله لقد ~~أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم / على هذا الوجه ، وإنك لتبيع القرظ ~~يومئذ ببقيع المدينة ، فقال عمر رضي الله عنه : صدقت ، شهدتم وغبنا ، ~~وفرغتم وشغلنا ، ولئن شئت لتقولن نحن أوينا ونصرنا . وروي أنه جرت هذه ~~المناظرة بين عمر وبين زيد بن ثابت واستشهد زيد بأبي بن كعب ، والتفاوت أن ~~على قراءة عمر ، يكون التعظيم الحاصل من قوله : { والسابقون الاولون } ~~مختصا بالمهاجرين ولا يشاركهم الأنصار فيها فوجب مزيد التعظيم للمهاجرين . ~~والله أعلم . وروي أن ms4615 أبيا احتج على صحة القراءة المشهورة بآخر الأنفال وهو ~~قوله : { والذين ءامنوا من بعد وهاجروا } ( الأنفال : 75 ) بعد تقدم ذكر ~~المهاجرين والأنصار في الآية الأولى ، وبأواسط سورة الحشر وهو قوله : { ~~والذين * ذرية من بعدهم } ( الحشر : 10 ) وبأول سورة الجمعة وهو قوله : { ~~وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم } ( الجمعة : 3 ) . PageV16P136 # المسألة الرابعة : قوله : { والسابقون } مرتفع بالابتداء وخبره قوله : { ~~رضى الله عنهم } ومعناه : رضي الله عنهم لأعمالهم وكثرة طاعاتهم ، ورضوا ~~عنه لما أفاض عليهم من نعمه الجليلة في الدين والدنيا ، وفي مصاحف أهل مكة ~~{ تجرى من تحتها الانهار } وهي قراءة ابن كثير ، وفي سائر المصاحف { تحتها ~~} من غير كلمة { من } . # المسألة الخامسة : قوله : { والذين اتبعوهم بإحسان } قال عطاء عن ابن ~~عباس رضي الله عنهم : يريد ، يذكرون المهاجرين والأنصار بالجنة والرحمة ~~والدعاء لهم / ويذكرون محاسنهم ، وقال في رواية أخرى والذين اتبعوهم بإحسان ~~على دينهم إلى يوم القيامة ، واعلم أن الآية دلت على أن من اتبعهم إنما ~~يستحقون الرضوان والثواب ، بشرط كونهم متبعين لهم بإحسان ، وفسرنا هذا ~~الإحسان بإحسان القول فيهم ، والحكم المشروط بشرط ، ينتفي عند انتفاء ذلك ~~الشرط ، فوجب أن من لم يحسن القول في المهاجرين والأنصار لا يكون مستحقا ~~للرضوان من الله تعالى ، وأن لا يكون من أهل الثواب لهذا السبب ، فإن أهل ~~الدين يبالغون في تعظيم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يطلقون ~~ألسنتهم في اغتيابهم وذكرهم بما لا ينبغي . # ! 7 < { وممن حولكم من الا عراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } . > 7 ~~! # < < # | التوبة : ( 101 ) وممن حولكم من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى شرح أحوال منافقي المدينة ، ثم ذكر بعده أحوال منافقي ~~الأعراب ، ثم بين أن في الأعراب من هو مؤمن صالح مخلص ، ثم بين أن رؤساء ~~المؤمنين من هم ؟ وهم السابقون المهاجرون والأنصار . فذكر في هذه الآية أن ~~جماعة من حول المدينة موصوفون بالنفاق ، وإن كنتم لا تعلمون كونهم كذلك ~~فقال : { وممن حولكم من الاعراب منافقون } وهم جهينة وأسلم ms4616 وأشجع وغفار ، ~~وكانوا نازلين حولها . # وأما قوله : { ومن أهل المدينة مردوا على النفاق } ففيه بحثان : # البحث الأول : قال الزجاج : أنه حصل فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : وممن ~~حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق . الثاني : قال ~~ابن الأنباري : يجوز أن يكون التقدير : ومن أهل المدينة من مردوا على ~~النفاق فأضمر ( من ) لدلالة { من } عليها كما في قوله تعالى : { وما منا ~~إلا له مقام معلوم } ( الصافات : 164 ) يريد إلا من له مقام معلوم . # البحث الثاني : يقال : مرد يمرد مردوا فهو مارد ومريد إذا عتا ، والمريد ~~من شياطين الإنس والجن ، وقد تمرد علينا أي عتا ، وقال ابن الأعرابي : ~~المراد التطاول بالكبر والمعاصي ، ومنه : { مردوا على النفاق } وأصل المرود ~~الملاسة ، ومنه صرح ممرد ، وغلام أمرد ، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئا ~~، كأن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه ، بقي كما كان على صفته الأصلية ~~من غير حدوث تغير فيه ألبتة ، وذلك هو الملاسة . PageV16P137 # إذا عرفت أصل اللفظ فنقول : قوله : { مردوا على النفاق } أي ثبتوا ~~واستمروا فيه ولم يتوبوا عنه . # ثم قال تعالى : { لا تعلمهم نحن نعلمهم } وهو كقوله : { لا تعلمونهم الله ~~يعلمهم } والمعنى أنهم تمردوا في حرفة النفاق فصاروا فيها أستاذين ، وبلغوا ~~إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك . # ثم قال : { سنعذبهم مرتين } وذكروا في تفسير المرتين وجوها كثيرة : # الوجه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد الأمراض في الدنيا ، ~~وعذاب الآخرة ، وذلك أن مرض المؤمن يفيده تكفير السيئات ، ومرض الكافر ~~يفيده زيادة الكفر وكفران النعم . # الوجه الثاني : روى السدي عن أنس بن مالك أن النبي عليه السلام قام خطيبا ~~يوم الجمعة فقال : ( اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق ) ~~فأخرج من المسجد ناسا وفضحهم فهذا هو العذاب الأول ، والثاني عذاب القبر . # / والوجه الثالث : قال مجاهد : في الدنيا بالقتل والسبي وبعد ذلك بعذاب ~~القبر . # والوجه الرابع : قال قتادة بالدببيلة وعذاب القبر ، وذلك أن النبي عليه ~~السلام أسر إلى حذيفة اثني ms4617 عشر رجلا من المنافقين ، وقال : ستة يبتليهم ~~الله بالدبيلة سراج من نار يأخذ أحدهم حتى يخرج من صدره ، وستة يموتون موتا ~~. # والوجه الخامس : قال الحسن : يأخذ الزكاة من أموالهم ، وعذاب القبر . # والوجه السادس : قال محمد بن إسحاق : هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ~~ودخولهم فيه من غير حسنة ، ثم عذابهم في القبور . # والوجه السابع : أحد العذابين ضرب الملائكة الوجوه والأدبار . والآخر عند ~~البعث ، يوكل بهم عنق النار . والأولى أن يقال مراتب الحياة ثلاثة : حياة ~~الدنيا ، وحياة القبر ، وحياة القيامة ، فقوله : { سنعذبهم مرتين } المراد ~~منه عذاب الدنيا بجميع أقسامه ، وعذاب القبر . وقوله : { ثم يردون إلى عذاب ~~عظيم } المرا دمنه العذاب في الحياة الثالثة ، وهي الحياة في القيامة . # ثم قال تعالى في آخر الآية : { ثم يردون إلى عذاب عظيم } يعني النار ~~المخلدة المؤبدة . # ! 7 < { وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وءاخر سيئا عسى الله ~~أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم * خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 102 - 103 ) وآخرون اعترفوا بذنوبهم . . . . . # > > PageV16P138 # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وءاخرون اعترفوا بذنوبهم } فيه قولان : الأول ~~: أنهم قوم من المنافقين . تابوا عن النفاق . والثاني : أنهم قوم من ~~المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك ، لا للكفر والنفاق ، لكن للكسل ، ثم ندموا ~~على ما فعلوا ثم تابوا ، واحتج القائلون بالقول الأول بأن قوله : { وءاخرون ~~} عطف على قوله : { وممن حولكم من الاعراب منافقون } والعطف يوهم التشريك ~~إلا أنه / تعالى وفقهم حتى تابوا ، فلما ذكر الفريق الأول بالمرود على ~~النفاق والمبالغة فيه . وصف هذه الفرقة بالتوبة والإقلاع عن النفاق . # المسألة الثانية : روي أنهم كانوا ثلاثة : أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ~~، وأوس بن ثعلبة ، ووديعة بن حزام ، وقيل : كانوا عشرة . فسبعة منهم أوثقوا ~~أنفسهم لما بلغهم ما نزل من المتخلفين فأيقنوا بالهلاك ، وأوثقوا أنفسهم ~~على سواري المسجد فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ~~ركعتين وكانت هذه عادته ، فلما قدم من سفره ورآهم ms4618 موثقين ، سأل عنهم فذكر ~~له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله هو الذي يحلهم ، ~~فقال : وأنا أقسم أني لا أحلهم حتى أومر فيهم ، فنزلت هذه الآية فأطلقهم ~~وعذرهم ، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها ، فتصدق ~~بها وطهرنا ، فقال : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فنزل قوله : { خذ من ~~أموالهم صدقة } الآية . # المسألة الثالثة : قوله : { اعترفوا بذنوبهم } قال أهل اللغة : الاعتراف ~~عبارة عن الإقرار بالشيء عن معرفة ، ومعناه أنهم أقروا بذنبهم ، وفيه دقيقة ~~، كأنه قيل لم يعتذروا عن تخلفهم بالأعذار الباطلة كغيرهم ، ولكن اعترفوا ~~على أنفسهم بأنهم بئسما فعلوا وأظهروا الندامة وذموا أنفسهم على ذلك التخلف ~~. # فإن قيل : الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا ؟ # قلنا : مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة ، فأما إذا اقترن به الندم على ~~الماضي ، والعزم على تركه في المستقبل ، وكان هذا الندم والتوبة لأجل كونه ~~منهيا عنه من قبل الله تعالى ، كان هذا المجموع توبة ، إلا أنه دل الدليل ~~على أن هؤلاء قد تابوا بدليل قوله تعالى : { عسى الله أن يتوب عليهم } ~~والمفسرون قالوا : إن عسى من الله يدل على الوجوب . # ثم قال تعالى : { خلطوا عملا صالحا وءاخر سيئا } وفيه بحثان : # البحث الأول : في هذا العمل الصالح وجوه : الأول : العمل الصالح هو ~~الاعتراف بالذنب والندامة عليه والتوبة منه ، والسيء هو التخلف عن الغزو . ~~والثاني : العمل الصالح خروجهم مع الرسول إلى سائر الغزوات والسيء هو ~~تخلفهم عن غزوة تبوك . والثالث : أن هذه الآية نزلت في حق المسلمين كان ~~العمل الصالح إقدامهم على أعمال البر التي صدرت عنهم . # البحث الثاني : لقائل أن يقول : قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيء ~~مخلوطا . فما المخلوط به . وجوابه أن الخلط عبارة عن الجمع المطلق ، وأما ~~قولك خلطته ، فإنما يحسن في الموضع / الذي يمتزج كل واحد منهما بالآخر ، ~~ويتغير كل واحد منهما بسبب تلك المخالطة عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء ~~باللبن . واللائق بهذا الموضع هو الجمع المطلق / لأن العمل الصالح والعمل ms4619 ~~السيء إذا حصلا بقي كل PageV16P139 واحد منهما كما كان على مذهبنا ، فإن ~~عندنا القول بالأحباط باطل ، والطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب ، والمعصية ~~تبقى موجبة للذم والعقاب ، فقوله تعالى : { خلطوا عملا صالحا وءاخر سيئا } ~~فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة ، وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من ~~غير أن يتأثر أحدهما بالآخر ، ومما يعين هذه الآية على نفي القول بالمحابطة ~~أنه تعالى وصف العمل الصالح والعمل السيء بالمخالطة . والمختلطان لا بد وأن ~~يكونا باقيين حال اختلاطهما ، لأن الاختلاط صفة للمختلطين ، وحصول الصفة ~~حال عدم الموصوف محال ، فدل على بقاء العملين حال الاختلاط . # ثم قال تعالى : { عسى الله أن يتوب عليهم } وفيه مباحث : # البحث الأول : ههنا سؤال ، وهو أن كلمة { عسى } شك وهو في حق الله تعالى ~~محال ، وجوابه من وجوه : # الوجه الأول : قال المفسرون : كلمة عسى من الله واجب ، والدليل عليه قوله ~~تعالى : { فعسى الله أن يأتى بالفتح } ( المائدة : 52 ) وفعل ذلك ، وتحقيق ~~القول فيه أن القرآن نزل على عرف الناس في الكلام ، والسلطان العظيم إذا ~~التمس المحتاج منه شيئا فإنه لا يجيب إليه إلا على سبيل الترجي مع كلمة عسى ~~، أو لعل ، تنبيها على أنه ليس لأحد أن يلزمني شيئا وأن يكلفني بشيء بل كل ~~ما أفعله فإنما أفعله على سبيل التفضل والتطول ، فذكر كلمة { عسى } الفائدة ~~فيه هذا المعنى ، مع أنه يفيد القطع بالإجابة . # الوجه الثاني : في الجواب ، المقصود منه بيان أنه يجب أن يكون المكلف على ~~الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الأنكار والإهمال . # البحث الثاني : قال أصحابنا قوله : { عسى الله أن يتوب عليهم } صريح في ~~أن التوبة لا تحصل إلا من خلق الله تعالى ، والعقل أيضا دليل عليه ، لأن ~~الأصل في التوبة الندم ، والندم لا يحصل باختيار العبد لأن إرادة الفعل ~~والترك إن كانت فعلا للعبد افتقر في فعلها إلى إرادة أخرى ، وأيضا فإن ~~الإنسان قد يكون عظيم الرغبة في فعل معين ، ثم يصير عظيم الندامة عليه ، ~~وحال كونه راغبا فيه لا يمكنه دفع تلك الرغبة عن ms4620 القلب ، وحال صيرورته ~~نادما عليه لا يمكنه دفع تلك الندامة عن القلب ، فدل هذا على أنه لا قدرة ~~للعبد على تحصل الندامة ، وعلى تحصيل الرغبة ، قالت المعتزلة : المراد من ~~قوله : يتوب الله أنه يقبل توبته . # / والجواب : أن الصرف عن الظاهر إنما يحسن ، إذا ثبت بالدليل أنه لا يمكن ~~إجراء اللفظ على ظاهره ، أما ههنا ، فالدليل العقلي أنه لا يمكن إجراء ~~اللفظ إلا على ظاهره ، فكيف يحسن التأويل . # البحث الثالث : قوله : { عسى الله أن يتوب عليهم } يقتضي أن هذه التوبة ~~إنما تحصل في المستقبل . وقوله : { وءاخرون اعترفوا بذنوبهم } دل على أن ~~ذلك الاعتراف حصل في الماضي ، وذلك يدل على أن ذلك الاعتراف ما كان نفس ~~التوبة ، بل كان مقدمة للتوبة ، وأن التوبة إنما تحصل بعدها . # ثم قال تعالى : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلف الناس في المراد . فقال بعهضم : هذا راجع إلى ~~هؤلاء الذين تابوا ، وذلك لأنهم بذلوا أموالهم للصدقة ، فأوجب الله تعالى ~~أخذها ، وصار ذلك معتبرا في كمال توبتهم لتكون جارية في PageV16P140 حقهم ~~مجرى الكفارة ، وهذا قول الحسن ، وكان يقول ليس المراد من هذه الآية الصدقة ~~الواجبة ، وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر منهم . # والقول الثاني : أن الزكوات كانت واجبة عليهم ، فلما تابوا من تخلفهم عن ~~الغزو وحسن إسلامهم ، وبذلوا الزكاة أمر الله رسوله أن يأخذها منهم . # والقول الثالث : أن هذه الآية كلام مبتدأ ، والمقصود منها إيجاب أخذ ~~الزكاة من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب ~~الزكوات . وقالوا في الزكاة إنها طهرة ، أما القائلون بالقول الأول : فقد ~~احتجوا على صحة قولهم بأن الآيات لا بد وأن تكون منتظمة متناسقة ، أما لو ~~حملناها على الزكوات الواجبة ابتداء ، لم يبق لهذه الآية تعلق بما قبلها ، ~~ولا بما بعدها ، وصارت كلمة أجنبية ، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى ، وأما ~~القائلون بأن المراد منه أخذ الزكوات الواجبة ، قالوا : المناسبة حاصلة ~~أيضا على هذا التقدير ، وذلك لأنهم لما أظهروا التوبة والندامة ، عن تخلفهم ~~عن ms4621 غزوة تبوك ، وهم أقروا بأن السبب الموجب لذلك التخلف حبهم للأموال وشدة ~~حرصهم على صونها عن الإنفاق ، فكأنه قيل لهم إنما يظهر صحة قولكم في ادعاء ~~هذه التوبة والندامة لو أخرجتم الزكاة الواجبة ، ولم تضايقوا فيها ، لأن ~~الدعوى لا تتقرر إلا بالمعنى ، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان ، فإن ~~أدوا تلك الزكوات عن طيبة النفس ظهر كونهم صادقين في تلك التوبة والإنابة ، ~~وإلا فهم كاذبون مزورون بهذا الطريق . لكن حمل هذه الآية على التكليف ~~بإخراج الزكوات الواجبة مع أنه يبق نظم هذه الآيات سليما أولى ، ومما يدل ~~على أن المراد الصدقات / الواجبة . قوله : { تطهرهم وتزكيهم بها } والمعنى ~~تطهرهم عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات ، وهذا إنما يصح لو قلنا إنه لو لم ~~يأخذ تلك الصدقة لحصل الذنب ، وذلك إنما يصح حصوله في الصدقات الواجبة . ~~وأما القائلون بالقول الأول : فقالوا : إنه عليه الصلاة والسلام لما عذر ~~أولئك التائبين وأطلقهم قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا ~~عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا ، فقال عليه الصلاة والسلام ما أمرت ~~أن آخذ من أموالكم شيئا ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأخذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثلث أموالهم ، وترك الثلثين لأنه تعالى قال : { خذ من ~~أموالهم صدقة } ولم يقل خذ أموالهم ، وكلمة { من } تفيد التبعيض . واعلم أن ~~هذه الرواية لا تمنع القول الذي اخترناه كأنه قيل لهم إنكم لما رضيتم ~~بإخراج الصدقة التي هي غير واجبة فلأن تصيروا راضين بإخراج الواجبات أولى . # المسألة الثانية : هذه الآية تدل على كثير من أحكام الزكاة . # الحكم الأول # أن قوله : { خذ من أموالهم } يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال ~~لا كلها إذ مقدار ذلك البعض غير مذكور ههنا بصريح اللفظ ، بل المذكور ههنا ~~قوله : { صدقة } ومعلوم أنه ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخد أي جزء ~~كان ، وإن كان في غاية القلة ، مثل الحبة الواحدة من الحنطة أو الجزء ~~الحقير من الذهب ، فوجب أن يكون المراد منه صدقة معلومة الصفة والكيفية ms4622 ~~والكمية عندهم ، حتى يكون قوله : { خذ من أموالهم صدقة } أمرا بأخذ تلك ~~الصدقة المعلومة ، فحينئذ يزول الإجمال . ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا ~~الصدقات التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كيفيتها ، والصدقة ~~التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أنه أمر PageV16P141 بأن يؤخذ في ~~خمس وعشرين بنت مخاض ، وفي ستة وثلاثين بنت لبون ، إلى غير ذلك من المراتب ~~، فكان قوله : { خذ من أموالهم صدقة } أمرا بأن يأخذ تلك الأشياء المخصوصة ~~والأعيان المخصوصة ، وظاهر الآية للوجوب ، فدل هذا النص على أن أخذها واجب ~~، وذلك يدل على أن القيمة لا تكون مجزئة على ما هو قول الشافعي رحمه الله . # الحكم الثاني # أن قوله : { من أموالهم صدقة } يقتضي أن يكون المال مالا لهم ، ومتى كان ~~الأمر كذلك لم يكن الفقير شريكا للمالك في النصاب / وحينئذ يلزم أن تكون ~~الزكاة متعلقة بالذمة . وأن لا يكون لها تعلق ألبتة بالنصاب . # / وإذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا فرط في الزكاة حتى هلك النصاب ، فالذي ~~هلك ما كان محلا للحق ، بل محل الحق باق كما كان ، فوجب أن يبقى ذلك الوجوب ~~بعد هلاك النصاب كما كان ، وهذا قول الشافعي رحمه الله . # الحكم الثالث # ظاهر هذا العموم يوجب الزكاة في مال المديون ، وفي مال الضمان ، وهو ظاهر ~~. # الحكم الرابع # ظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن الآثام ، فلا تجب إلا ~~حيث تصير طهرة عن الآثام ، وكونها طهرة عن الآثام لا يتقرر إلا حيث يمكن ~~حصول الآثام ، وذلك لا يعقل إلا في حق البالغ ، فوجب أن لا يثبت وجوب ~~الزكاة إلا في حق البالغ كما هو قول أبي حنيفة رحمه الله ، إلا أن الشافعي ~~رحمه الله يجيب ويقول إن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم ، وأخذ ~~الصدقة من أموالهم يستلزم كونها طهرة ، فلم قلتم إن أخذ الزكاة من أموال ~~الصبي ، والمجنون طهرة لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقا ~~؟ # المسألة الثالثة : في قوله : { تطهرهم } أقوال : # القول الأول ms4623 : أن يكون التقدير : خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم ~~. # القول الثاني : أن يكون تطهرهم معلقا بالصدقة ، والتقدير : خذ من أموالهم ~~صدقة مطهرة ، وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس ، ~~فإذا أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ فكان اندفاعها جاريا مجرى التطهير ~~، والله أعلم . # إن على هذا القول وجب أن نقول : إن قوله : { وتزكيهم } يكون منقطعا عن ~~الأول ، ويكون التقدير { خذ } يا محمد { من أموالهم صدقة تطهرهم } تلك ~~الصدقة ، وتزكيهم أنت بها . # القول الثالث : أن يجعل التاء في { تطهرهم وتزكيهم } ضمير المخاطب ، ~~ويكون المعنى : تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها منهم وتزكيهم بواسطة تلك ~~الصدقة . # المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { تطهرهم } من أطهره بمعنى ~~طهره { * وتطهرهم } بالجزم جوابا للأمر ، ولم يقرأ { تطهرهم وتزكيهم } إلا ~~بإثبات الياء . PageV16P142 # ثم قال تعالى : { وتزكيهم } واعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على ~~التطهير وجب حصول المغايرة ، فقيل : التزكية مبالغة في التطهير ، وقيل : ~~التزكية بمعنى الإنماء ، والمعنى : أنه تعالى يجعل / النقصان الحاصل بسبب ~~إخراج قدر الزكاة سببا للإنماء ، وقيل : الصدقة تطهرهم عن نجاسة الذنب ~~والمعصية ، والرسول عليه السلام يزكيهم ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند ~~إخراجها إلى الفقراء . # ثم قال تعالى : { وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { ءان } بغير واو وفتح ~~التاء على التوحيد ، والمراد منه الجنس ، وكذلك في سورة هود { أصلواتك ~~تأمرك } بغير واو وعلى التوحيد ، والباقون { صلواتك } وكذلك في هود على ~~الجمع ، قال أبو عبيدة : والقراءة الأولى أولى لأن الصلاة أكثر . ألا ترى ~~أنه قال : { وأن أقيموا } والصلوات جمع قلة ، تقول ثلاث صلوات وخمس صلوات ، ~~قال أبو حاتم : هذا غلط لأن بناء الصلوات ليس للقلة لأنه تعالى قال : { ما ~~نفدت كلمات الله } ( لقمان : 27 ) ولم يرد القليل وقال : { وهم فى الغرفات ~~ءامنون } ( سبأ : 37 ) وقال : { إن المسلمين والمسلمات } ( الأحزاب : 35 ) ~~. # المسألة الثانية : احتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية ، ~~وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات ، ثم أمره ms4624 بأن يصلي عليهم وذكر أن ~~صلاته سكن لهم ، فكان وجوب الزكاة مشروطا بحصول ذلك السكن / ومعلوم أن غير ~~الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن . فوجب أن لا يجب دفع الزكاة إلى ~~أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام ، واعلم أنه ضعيف لأن سائر الآيات دلت ~~على أن الزكاة إنما وجبت دفعا لحاجة الفقير كما في قوله : { إنما الصدقات ~~للفقراء } ( التوبة : 60 ) وكما في قوله : { وفى أموالهم حق للسائل ~~والمحروم } ( الذاريات : 19 ) . # المسألة الثالثة : لا شك أن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء ، فإذا ~~قلنا صلى فلان على فلان ، أفاد الدعاء بحسب اللغة الأصلية . إلا أنه صار ~~بحسب العرف يفيد أنه قال له اللهم صل عليه ، فلهذا السبب اختلف المفسرون ، ~~فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : معناه ادع لهم ، قال الشافعي ~~رحمه الله : والسنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول : آجرك ~~الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت ، وقال آخرون : معناه أن يقول اللهم ~~صل على فلان ، ونقلوا عن النبي عليه الصلاة والسلام ، أن آل أبي أوفى لما ~~أتوه بالصدقة قال : ( اللهم صل على آل أبي أوفى ) ونقل القاضي في ( تفسيره ~~) عن الكعبي في ( تفسيره ) أنه قال علي لعمر وهو مسجى عليك الصلاة والسلام ~~، ومن الناس من أنكر ذلك ، ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا ~~تنبغي الصلاة من أحد على أحد إلا في حق النبي عليه الصلاة والسلام . # المسألة الرابعة : أن أصحابنا يمنعون من ذكر صلوات الله عليه وعليه ~~الصلاة والسلام إلا في حق الرسول ، والشيعة يذكرونه في علي وأولاده ، ~~واحتجوا عليه بأن نص القرآن دل على أن / هذا الذكر جائز في حق من يؤدي ~~الزكاة ، فكيف يمنع ذكره في حق علي والحسن والحسين رضي الله عنهم ؟ ورأيت ~~بعضهم قال : أليس أن الرجل إذا قال سلام عليكم يقال له وعليكم السلام ؟ فدل ~~هذا على أن ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين ، فكيف يمتنع ذكره في ~~حق آل بيت ms4625 الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ قال القاضي : إنه جائز في حق ~~الرسول عليه الصلاة والسلام ، والدليل عليه أنهم قالوا : يا رسول الله قد ~~عرفنا السلام عليك ، فكيف PageV16P143 الصلاة عليك ؟ فقال على وجه التعليم ~~قولوا : ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم ) ومعلوم أنه ليس في آل محمد نبي ، فيتناول عليا ذلك كما يجوز مثله ~~في آل إبراهيم . والله أعلم . # المسألة الخامسة : كنت قد ذكرت لطائف في قول بعضهم لبعض سلام عليكم وهي ~~غير لائقة بهذا الموضع إلا أني رأيت أن أكتبها ههنا لئلا تضيع ، فقلت : إذا ~~قال الرجل لغيره سلام عليكم . فقوله : سلام عليكم مبتدأ وهو نكرة ، وزعموا ~~أن جعل النكرة مبتدأ لا يجوز ، قالوا لأن الأخبار إنما يفيد إذا أخير على ~~المعلوم بأمر غير معلوم ، إلا أنهم قالوا : النكرة إذا كانت موصوفة حسن ~~جعلها مبتدأ كما في قوله تعالى : { ولعبد مؤمن خير من مشرك } ( البقرة : ~~221 ) . # إذا عرفت هذا فههنا وجهان : الأول : أن التنكير يدل على الكمال ، ألا ترى ~~إلى قوله تعالى : { ولتجدنهم أحرص الناس على حيواة } ( البقرة : 96 ) ~~والمعنى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة دائمة كاملة غير منقطعة . # إذا ثبت هذا فقوله : ( سلام ) لفظة منكرة ، فكان المراد منه سلام كامل ~~تام ، وعلى هذا التقدير : فقد صارت هذه النكرة موصوفة ، فصح جعلها مبتدأ ، ~~وإذا كان كذلك فحينئذ يحصل الخبر وهو قوله : ( عليكم ) والتقدير : سلام ~~كامل تام عليكم . والثاني : أن يجعل قوله : ( عليكم ) صفة لقوله : ( سلام ) ~~فيكون مجموع قوله : ( سلام عليكم ) مبتدأ ويضمر له خبر ، والتقدير : سلام ~~عليكم واقع كائن حاصل ، وربما كان حذف الخبر أدل على التهويل والتفخيم . # إذا عرفت هذا فنقول : إنه عند الجواب يقلب هذا الترتيب فيقال وعليكم ~~السلام / والسبب فيه ما قاله سيبويه أنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى ~~، فلما قال وعليكم السلام دل على أن اهتمام هذا المجيب بشأن ذلك القائل ~~شديد كامل ، وأيضا فقوله : ( وعليكم السلام ) يفيد الحصر ، فكأنه يقول إن ~~كنت قد أوصلت السلام إلي فأنا ms4626 أزيد عليه وأجعل السلام مختصا بك ومحصورا فيك ~~امتثالا لقوله تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } ( ~~النساء : 86 ) ومن لطائف قوله : ( سلام عليكم ) أنها أكمل من قوله : ( ~~السلام عليك ) وذلك لأن قوله : ( سلام عليك ) معناه : سلام كامل / تام شريف ~~رفيع عليك . وأما قوله : السلام عليك ، فالسلام لفظ مفرد محلى بالألف ~~واللام ، وأنه لا يفيد إلا أصل الماهية ، واللفظ الدال على أصل الماهية لا ~~إشعار فيه بالأحوال العارضة للماهية وبكمالات الماهية ، فكان قوله : ( سلام ~~عليك ) أكمل من قوله : ( السلام عليك ) ومما يؤكد هذا المعنى أنه أينما جاء ~~لفظ ( السلام ) من الله تعالى ورد على سبيل التنكير ، كقوله : { وإذا جاءك ~~الذين يؤمنون بئاياتنا فقل سلام عليكم } ( الأنعام : 54 ) وقوله : { قل ~~الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى } ( النمل : 59 ) وفي القرآن من هذا ~~الجنس كثير . أما لفظ ( السلام ) بالألف واللام ، فإنما جاء من الأنبياء ~~عليهم السلام ، كقول موسى عليه السلام : { قد جئناك بئاية من ربك والسلام ~~على من اتبع الهدى } ( طه : 47 ) وأما في سورة مريم فلما ذكر الله يحيى ~~عليه السلام قال : { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت } ( مريم : 15 ) وهذا ~~السلام من الله تعالى ، وفي قصة عيسى عليه السلام قال : { والسلام على يوم ~~ولدت ويوم أموت } ( مريم : 33 ) وهذا كلام عيسى عليه السلام . فثبت بهذه ~~الوجوه أن قوله : ( سلام عليك ) أكمل من قوله : ( السلام PageV16P144 عليك ~~) فلهذا السبب اختار الشافعي رحمه الله في قراءة التشهد قوله : سلام عليك ~~أيها النبي على سبيل التنكير ، ومن لطائف السلام أنه لا شك أن هذا العالم ~~معدن الشرور والآفات والمحن والمخالفات ، واختلف العلماء الباحثون عن أسرار ~~الأخلاق ، أن الأصل في جبلة الحيوان الخير أو الشر ؟ فمنهم من قال : الأصل ~~فيها الشر ، وهذا كالإجماع المنعقد بين جميع أفراد الإنسان ، بل نزيد ونقول ~~: إنه كالإجماع المنعقد بين جميع الحيوان ، والدليل عليه أن كل إنسان يرى ~~إنسانا يعدو إليه مع أنه لا يعرفه ، فإن طبعه يحمله على الاحتراز عنه ~~والتأهب لدفعه ، ولولا أن طبعه يشهد ms4627 بأن الأصل في الإنسان الشر ، وإلا لما ~~أوجبت فطرة العقل التأهب لدفع شر ذلك الساعي إليه ، بل قالوا : هذا المعنى ~~حاصل في كل الحيوانات ، فإن كل حيوان عدا إليه حيوان آخر فر ذلك الحيوان ~~الأول واحترز منه ، فلو تقرر في طبعه أن الأصل في هذا الواصل هو الخير لوجب ~~أن يقف ، لأن أصل الطبيعة يحمل على الرغبة في وجدان الخير ، ولو كان الأصل ~~في طبع الحيوان أن يكون خيره وشره على التعادل والتساوي ، وجب أن يكون ~~الفرار والوقوف متعادلين ، فلما لم يكن الأمر كذلك بل كل حيوان نوجه إليه ~~حيوان مجهول الصفة عند الأول ، فإن ذلك الأول يحترز عنه بمجرد فطرته ~~الأصلية ، علمنا أن الأصل في الحيوان هو الشر . # إذا ثبت هذا فنقول : دفع الشر أهم من جلب الخير ، ويدل عليه وجوه : الأول ~~: أن دفع الشر يقتضي إبقاء الأصل أهم من تحصيل الزائد . والثاني : أن إيصال ~~الخير إلى كل أحد ليس في الوسع ، أما كف الشر عن كل أحد داخل في الوسع ، ~~لأن الأول فعل والثاني ترك ، وفعل ما لا نهاية له غير ممكن ، أما ترك / ما ~~لا نهاية له ممكن ، والثالث : أنه إذا لم يحصل دفع الشر فقد حصل الشر / ~~وذلك يوجب حصول الألم والحزن ، وهو في غاية المشقة ، وأما إذا لم يحصل أيضا ~~إيصال الخير بقي الإنسان لا في الخير ولا في الشر ، بل على السلامة الأصلية ~~، وتحمل هذه الحالة سهل . فثبت أن دفع الشر أهم من إيصال الخير ، وثبت أن ~~الدنيا دار الشرور والآفات والمحن والبليات ، وثبت أن الحيوان في أصل ~~الخلقة وموجب الفطرة منشأ للشرور ، وإذا وصل إنسان إلى إنسان كان أهم ~~المهمات أن يعرفه أنه منه في السلامة والأمن والأمان ، فلهذا السبب وقع ~~الاصطلاح على أن يقع ابتداء الكلام بذكر السلام ، وهو أن يقول ( سلام عليكم ~~) ومن لطائف قولنا ( سلام عليكم ) أن ظاهره يقتضي إيقاع السلام على جماعة ، ~~والأمر كذلك بحسب العقل ، وبحسب الشرع . أما بحسب الشرع فلأن القرآن دل على ~~أن الإنسان لا يخلو ms4628 عن جمع من الملائكة يحفظونه ويراقبون أمره ، كما قال ~~تعالى : { وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين } ( الانفطار : 10 ، 11 ) ~~والعقل أيضا يدل عليه ، وذلك لأن الأرواح البشرية أنواع مختلفة ، فبعضها ~~أرواح خيرة عاقلة ، وبعضها كدرة خبيثة ، وبعضها شهوانية ، وبعضها غضبية ، ~~ولكل طائفة من طوائف الأرواح البشرية السفلية روح علوي قوي يكون كالأب لتلك ~~الأرواح البشرية ، وتكون هذه الأرواح بالنسبة إلى ذلك الروح العلوي ~~كالأبناء بالنسبة إلى الأب ، وذلك الروح العلوي هو الذي يخصها بالإلهامات ، ~~تارة في اليقظة ، وتارة في النوم . وأيضا الأرواح المفارقة عن أبدانها ~~المشاكلة لهذه الأرواح في الصفات والطبيعة والخاصية . يحصل لها نوع تعلق ~~بهذا البدن بسبب المشاكلة والمجانسة ، وتصير كالمعاونة لهذه الروح على ~~أعمالها إن خيرا فخير وأن شرا فشر . وإذا عرفت هذا السر فالإنسان لا بد وأن ~~يكون مصحوبا بتلك الأرواح المجانسة له ، فقوله : ( سلام عليكم ) إشارة إلى ~~تسليم هذا الشخص المخصوص على جميع الأرواح الملازمة المصاحبة إياه بسبب ~~المصاحبة الروحانية . ومن لطائف هذا الباب PageV16P145 أن الأرواح ~~الإنسانية إذا اتصفت بالمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة ، وقويت وتجردت ، ~~ثم قوي تعلق بعضها ببعض انعكس أنوارها بعضها على بعض على مثال المرآة ~~المشرقة المتقابلة . فلهذا السبب فإن من أراد أن يقرأ وظيفة على أستاذه ~~فالأدب أن يبدأ بحمد الله والثناء على الملائكة الأنبياء ، ثم يدعو لأستاذه ~~ثم يشرع في القراءة ، والمقصود منها أن يقوي التعلق بين روحه وبين هذه ~~الأرواح المقدسة الطاهرة ، حتى أن بسبب قوة ذلك التعلق ربما ظهر شيء من ~~أنوارها وآثارها في روح هذا الطالب ، فيستقر في عقله من الأنوار الفائضة ~~منها ، ويقوي روحه يمدد ذلك الفيض على إدراك المعارف والعلوم . إذا عرفت ~~هذا فإذا قال لغيره : ( سلام عليكم ) حدث بينهما تعلق شديد ، وحصل بسبب ذلك ~~التعلق تطابق الأرواح وتعاكس الأنوار ، ولنكتف / بهذا القدر في هذا الباب ، ~~فإنا قد ذكرنا أن هذا الفصل أجنبي عن هذا الكلام . والله أعلم . # المسألة السادسة : قوله : { ءان * صلواتك سكن لهم } قال الواحدي : السكن ~~في اللغة ما سكنت إليه ، والمعنى : أن صلاتك ms4629 عليهم توجب سكون نفوسهم إليك ، ~~وللمفسرين عبارات : قال ابن عباس رضي الله عنهما : دعاؤك رحمة لهم . وقال ~~قتادة : وقار لهم . وقال الكلبي : طمأنينة لهم ، وقال الفراء : إذا استغفرت ~~لهم سكنت نفوسهم إلى أن الله تعالى قبل توبتهم . وأقول : إن روح محمد عليه ~~السلام كانت روحا قوية مشرقة صافية باهرة ، فإذا دعا محمد لهم وذكرهم ~~بالخير فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم ، فأشرقت بهذا السبب ~~أرواحهم وصفت أسرارهم ، وانتقلوا من الظلمة إلى النور ، ومن الجسمانية إلى ~~الروحانية ، وتقريره ما تقدم في المسألة الخامسة . # ثم قال : { والله سميع } لقولهم : { عليم } بنياتهم . # ! 7 < { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن ~~الله هو التواب الرحيم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 104 ) ألم يعلموا أن . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم الذين تقدم ذكرهم أنهم تابوا عن ~~ذنوبهم وأنهم تصدقوا وهناك لم يذكر إلا قوله : { عسى الله أن يتوب عليهم } ~~وما كان ذلك صريحا في قبول التوبة ذكر في هذه الآية أنه يقبل التوبة وأنه ~~يأخذ الصدقات ، والمقصود ترغيب من لم يتب في التوبة ، وترغيب كل العصاة في ~~الطاعة . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو مسلم قوله : { ألم يعلموا } وإن كان بصيغة ~~الاستفهام ، إلا أن المقصود منه التقرير في النفس ، ومن عادة العرب في ~~إيهام المخاطب وإزالة الشك عنه أن يقولوا : أما علمت أن من علمك يجب عليك ~~خدمته . أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره ، فبشر الله تعالى هؤلاء ~~التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم . # ثم زاده تأكيدا بقوله : { وهو * التواب الرحيم } . PageV16P146 # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { ألم يعلموا } بالياء ~~والتاء ، وفيه وجهان : الأول : أن يكون المراد من هذه الآية هؤلاء الذين ~~تابوا يعني { ألم يعلموا } قبل أن يتاب عليهم / وتقبل صدقاتهم ، أن الله ~~يقبل التوبة الصحيحة ، ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية ، والثاني : أن ~~يكون المراد من هذه الآية غير التائبين ترغيبا لهم في التوبة . روي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما حكم بصحة توبتهم ms4630 قال : ( الذين لم يتوبوا ~~هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم ) ~~فنزلت هذه الآية . # المسألة الثالثة : قوله : { هو يقبل التوبة } في فوائد : # الفائدة الأولى : أنه تعالى سمى نفسه ههنا باسم الله . ثم قال عقيبه : { ~~هو يقبل التوبة } وفيه تنبيه على أن كونه إلها يوجب قبول التوبة ، وذلك لأن ~~الإله هو الذي يمتنع تطرق الزيادة والنقصان إليه ، ويمتنع أن يزداد حاله ~~بطاعة المطيعين وأن ينتقص حاله بمعصية المذنبين ، ويمتنع أيضا أن يكون له ~~شهوة إلى الطاعة ، ونفرة عن المعصية ، حتى يقال : إن نفرته وغضبه يحمله على ~~الانتقام ، بل المقصود من النهي عن المعصية والترغيب في الطاعة ، هو أن كل ~~ما دعا القلب إلى عالم الآخرة ومنازل السعداء ، ونهاه عن الاشتغال ~~بالجسمانيات الباطلة ، فهو العبادة والعمل الحق والطريق الصالح ، وكل ما ~~كان بالضد منه فهو المعصية والعمل الباطل ، فالمذنب لا يضر إلا نفسه ، ~~والمطيع لا ينفع إلا نفسه . كما قال تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم ~~وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) فإن كان الإله رحيما حكيما كريما ولم يكن ~~غضبه على المذنب لأجل أنه تضرر بمعصيته ، فإذا انتقل العبد من المعصية إلى ~~الطاعة كان كرمه كالموجب عليه قبول توبته . فثبت أن الإلهية لما كانت عبارة ~~عن الاستغناء المطلق ، وكان الاستغناء المطلق ممتنع الحصول لغيره ، كان ~~قبول التوبة من الغير كالممتنع إلا لسبب آخر منفصل ، أو لمعارض أو لمباين . # الفائدة الثانية : في هذا التخصيص هو أن قبول التوبة ليس إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إنما إلى الله الذي هو يقبل التوبة تارة ويردها أخرى . ~~فاقصدوا الله بها ووجهوها إليه ، وقيل لهؤلاء التائبين اعملوا فإن عملكم لا ~~يخفى على الله خيرا كان أو شرا . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : قبول التوبة واجب عقلا على الله تعالى ~~. وقال أصحابنا : قبول التوبة واجب بحكم الوعد والتفضل والإحسان ، أما عقلا ~~فلا . وحجة أصحابنا على عدم وجوب قبول التوبة وجوه : الأول : أن الوجوب لا ~~يتقرر معناه ألا إذا كان بحيث لو لم يفعله ms4631 الفاعل لاستحق الذم ، فلو وجب ~~قبول التوبة على الله تعالى لكان بحيث لو لم يقبلها لصار مستحقا للذم ، ~~وهذا محال ، لأن من كان كذلك فإنه يكون مستكملا بفعل القبول ، والمستكمل ~~بالغير ناقص لذاته وذلك في حق الله تعالى محال . الثاني : أن الذم إنما ~~يمنع من الفعل إذا كان بحيث يتأذى عن سماع ذلك الذم وينفر عنه طبعه ، ويظهر ~~له بسببه نقصان حال ، أما من كان متعاليا عن الشهوة والنفرة / والزيادة ~~والنقصان لا يعقل تحقق الوجوب في حقه بهذا المعنى ، الثالث : أنه تعالى ~~تمدح بقبول التوبة في هذه الآية ، ولو كان ذلك واجبا لما تمدح به ، لأن ~~أداء الواجب لا يفيد المدح والثناء والتعظيم . # المسألة الخامسة : { عن } في قوله تعالى : { عن عباده } فيه وجهان : ~~الأول : أنه لا فرق بين قوله : { عن PageV16P147 عباده } وبين قوله : من ~~عباده يقال : أخذت هذا منك وأخذت هذا عنك . والثاني : قال القاضي : لعل { ~~عن } أبلغ لأنه ينبىء عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت ، ~~وأقول : إنه لم يبين كيفية دلالة لفظة { عن } على هذا المعنى ، والذي أقوله ~~إن كلمة { عن } وكلمة ( من ) متقاربتان ، إلا أن كلمة { عن } تفيد البعد ، ~~فإذا قيل : جلس فلان عن يمين الأمير ، أفاد أنه جلس في ذلك الجانب لكن مع ~~ضرب من البعد فقوله : { عن عباده } يفيد أن التائب يجب أن يعتقد في نفسه ~~أنه صار مبعدا عن قبول الله تعالى له بسبب ذلك الذنب ، ويحصل له انكسار ~~العبد الذي طرده مولاه ، وبعده عن حضرة نفسه ، فلفظة { عن } كالتنبيه على ~~أنه لا بد من حصول هذا المعنى للتائب . # المسألة السادسة : قوله : { ويأخذ الصدقات } فيه سؤال : وهو أن ظاهر هذه ~~الآية يدل على أن الآخذ هو الله وقوله : { خذ من أموالهم صدقة } يدل على أن ~~الآخذ هو الرسول عليه الصلاة والسلام وقوله عليه السلام لمعاذ : ( خذها من ~~أغنيائهم ) يدل على أن آخذ تلك الصدقات هو معاذ وإذا دفعت الصدقة إلى ~~الفقير فالحس يشهد أن آخذها هو الفقير فكيف الجمع بين هذه الألفاظ ms4632 ؟ # والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى لما بين في قوله : { خذ من أموالهم ~~صدقة } أن الآخذ هو الرسول ، ثم ذكر في هذه الآية أن الآخذ هو الله تعالى ، ~~كان المقصود منه أن أخذ الرسول قائم مقام أخذ الله تعالى ، والمقصود منه ~~التنبيه على تعظيم شأن الرسول من حيث إن أخذه للصدقة جار مجرى أن يأخذها ~~الله ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( ~~الفتح : 10 ) وقوله : { إن الذين يؤذون الله } ( الأحزاب : 57 ) والمراد ~~منه إيذاء النبي عليه السلام . # والجواب الثاني : أنه أضيف إلى الرسول عليه السلام بمعنى أنه يأمر بأخذها ~~ويبلغ حكم الله في هذه الواقعة إلى الناس ، وأضيف إلى الفقير بمعنى أنه هو ~~الذي يباشر الأخذ ، ونظيره أنه تعالى أضاف التوفي إلى نفسه بقوله تعالى : { ~~وهو الذى يتوفاكم } ( الأنعام : 60 ) وأضافه إلى ملك الموت ، وهو قوله ~~تعالى : { قل يتوفاكم ملك الموت } ( السجدة : 11 ) وأضافه إلى الملائكة ~~الذين هم أتباع ملك الموت ، وهو قوله : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا } ( الأنعام : 61 ) فأضيف إلى الله بالخلق وإلى ملك الموت للرياسة في ~~ذلك النوع من العمل ، وإلى أتباع ملك الموت ، يعني أنهم هم الذين يباشرون ~~الأعمال التي عندها يخلق الله الموت ، فكذا ههنا . # / إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { ويأخذ الصدقات } تشريف عظيم لهذه الطاعة ~~، والأخبار فيه كثيرة عن النبي عليه السلام أنه قال : ( إن الله يقبل ~~الصدقة ولا يقبل منها إلا طيبا وأنه يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها كما ~~يربى أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد ) وقال ~~عليه السلام : ( والذي نفس محمد بيده ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة فتصل إلى ~~الذي يتصدق بها عليه حتى تقع في كف الله ، ولما روى الحسن هذين الخبرين قال ~~: ويمين الله وكفه وقبضته لا توصف { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) واعلم ~~أن لفظ اليمين والكف من التقديس . # ! 7 < { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } . > 7 ms4633 @QB@ < # | التوبة : ( 105 ) وقل اعملوا فسيرى . . . . . # > > PageV16P148 # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا الكلام جامع للترغيب والترهيب ، وذلك لأن ~~المعبود إذا كان لا يعلم أفعال العباد لم ينتفع العبد بفعله ، ولهذا قال ~~إبراهيم عليه السلام لأبيه : { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك ~~شيئا } ( مريم : 42 ) وقلت في بعض المجالس ليس المقصود من هذه الحجة التي ~~ذكرها إبراهيم عليه السلام القدح في إلهية الصنم ، لأن كل أحد يعلم ~~بالضرورة أنه حجر وخشب وأنه معرض لتصرف المتصرفين ، فمن شاء أحرقه ، ومن ~~شاء كسره ، ومن كان كذلك كيف يتوهم العاقل كونه إلها ؟ بل المقصود أن أكثر ~~عبدة الأصنام كانوا في زمان إبراهيم عليه السلام أتباع الفلاسفة القائلين ~~بأن إله العالم موجب بالذات ، وليس بموجد بالمشيئة والاختيار ، فقال : ~~الموجب بالذات إذا لم يكن عالما بالخيرات ولم يكن قادرا على الإنفاع ~~والإضرار ، ولا يسمع دعاء المحتاجين ولا يرى تضرع المساكين ، فأي فائدة في ~~عبادته ؟ فكان المقصود من دليل إبراهيم عليه السلام الطعن في قول من يقول : ~~إله العالم موجب بالذات . أما إذا كان فاعلا مختارا وكان عالما بالجزئيات ~~فحينئذ يحصل للعباد الفوائد العظيمة ، وذلك لأن العبد إذا أطاع علم المعبود ~~طاعته وقدر على إيصال الثواب إليه في الدنيا والآخرة ، وإن عصاه علم ~~المعبود ذلك ، وقدر على إيصال العقاب إليه في الدنيا والآخرة ، فقوله : { ~~وقل اعملوا فسيرى الله عملكم } ترغيب عظيم للمطيعين ، وترهيب عظيم / ~~للمذنبين ، فكأنه تعالى قال : اجتهدوا في المستقبل ، فإن لعملكم في الدنيا ~~حكما وفي الآخرة حكما . أما حكمه في الدنيا فهو أنه يراه الله ويراه الرسول ~~ويراه المسلمون ، فإن كان طاعة حصل منه الثناء العظيم والثواب العظيم في ~~الدنيا والآخرة ، وإن كان معصية حصل منه الذم العظيم في الدنيا والعقاب ~~الشديد في الآخرة . فثبت أن هذه اللفظة الواحدة جامعة لجميع ما يحتاج المرء ~~إليه في دينه ودنياه ومعاشه ومعاده . # المسألة الثانية : دلت الآية على مسائل أصولية . # الحكم الأول # إنها تدل على كونه تعالى رائيا للمرئيات ، لأن الرؤية المعداة إلى مفعول ms4634 ~~واحد ، هي الإبصار ، والمعداة إلى مفعولين هي العلم ، كما تقول رأيت زيدا ~~فقيها ، وههنا الرؤية معداة إلى مفعول واحد فتكون بمعنى الإبصار ، وذلك يدل ~~على كونه مبصرا للأشياء كما أن قول إبراهيم عليه السلام : { لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر } ( مريم : 42 ) يدل على كونه تعالى مبصرا ورائيا للأشياء ، ~~ومما يقوي أن الرؤية لا يمكن حملها ههنا على العلم أنه تعالى وصف نفسه ~~بالعلم بعد هذه الآية فقال : { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة } ولو كانت ~~هذه الرؤية هي العلم لزم حصول التكرير الخالي عن الفائدة وهو باطل . # الحكم الثاني # مذهب أصحابنا أن كل موجود فإنه يصح رؤيته ، واحتجوا عليه بهذه الآية ~~وقالوا : قد دللنا على بأن الرؤية المذكورة في هذه الآية معداة إلى مفعول ~~واحد ، والقوانين اللغوية شاهدة أن الرؤية المعداة إلى PageV16P149 المفعول ~~الواحد معناها الإبصار . فكانت هذه الرؤية معناها الإبصار . ثم إنه تعالى ~~عدى هذه الرؤية إلى عملهم والعمل ينقسم إلى أعمال القلوب ، كالإرادات ~~والكراهات والأنظار . وإلى أعمال الجوارح ، كالحركات والسكنات . فوجب كونه ~~تعالى رائيا للكل وذلك يدل على أن هذه الأشياء كلها مرئية لله تعالى / وأما ~~الجبائي فإنه كان يحتج بهذه الآية على كونه تعالى رائيا للحركات والسكنات ~~والاجتماعات والافتراقات ، فلما قيل له : إن صح هذا الاستدلال ، فيلزمك ~~كونه تعالى رائيا لأعمال القلوب ، فأجاب عنه أنه تعالى عطف عليه قوله : { ~~ورسوله والمؤمنون } وهم إنما يرون أفعال الجوارح ، فلما تقيدت هذه الرؤية ~~بأعمال الجوارح في حق المعطوف وجب تقييدها بهذا القيد في حق المعطوف عليه ، ~~وهذا بعيد لأن العطف لا يفيد إلا أصل التشريك . فأما التسوية في كل الأمور ~~فغير واجب ، فدخول التخصيص في المعطوف ، لا يوجب دخول التخصيص في المعطوف ~~عليه ، ويمكن / الجواب عن أصل الاستدلال فيقال : رؤية الله تعالى حاصلة في ~~الحال . والمعنى الذي يدل عليه لفظ الآية وهو قوله : { فسيرى الله عملكم } ~~أمر غير حاصل في الحال ، لأن السين تختص بالاستقبال . فثبت أن المراد منه ~~الجزاء على الأعمال . فقوله : { فسيرى الله عملكم } أي فسيوصل لكم ms4635 جزاء ~~أعمالكم . ولمجيب أن يجيب عنه ، بأن إيصال الجزاء إليهم مذكور بقوله : { ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } فلو حملنا هذه الرؤية على إيصال الجزاء لزم ~~التكرار ، وأنه غير جائز . # المسألة الثالثة : في قوله : { فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } سؤال ~~: وهو أن عملهم لا يراه كل أحد ، فما معنى هذا الكلام ؟ # والجواب : معناه وصول خبر ذلك العمل إلى الكل . قال عليه السلام ( لو أن ~~رجلا عمل عملا في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنا ما ~~كان ) . # فإن قيل : فما الفائدة في ذكر الرسول والمؤمنين بعد ذكر الله في أنهم ~~يرون أعمال هؤلاء التائبين ؟ # قلنا : فيه وجهان : # الوجه الأول : أن أجدر ما يدعو المرء إلى العمل الصالح ما يحصل له من ~~المدح والتعظيم والعز الذي يلحقه عند ذلك ، فإذا علم أنه إذا فعل ذلك الفعل ~~عظمه الرسول والمؤمنون ، عظم فرحه بذلك وقويت رغبته فيه ، ومما ينبه على ~~هذه الدقيقة أنه ذكر رؤية الله تعالى أولا ، ثم ذكر عقيبها رؤية الرسول ~~عليه السلام والمؤمنين ، فكأنه قيل : إن كنت من المحقين المحققين في عبودية ~~الحق ، فاعمل الأعمال الصالحة لله تعالى ، وإن كنت من الضعفاء المشغولين ~~بثناء الخلق فاعمل الأعمال الصالحة لتفوز بثناء الخلق ، وهو الرسول ~~والمؤمنون . # الوجه الثاني : في الجواب ما ذكره أبو مسلم : أن المؤمنين شهداء الله يوم ~~القيامة كما قال : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) الآية ، ~~والرسول شهيد الأمة ، كما قال : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) فثبت أن الرسول والمؤمنين شهداء الله ~~يوم القيامة ، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية ، فذكر الله أن الرسول عليه ~~السلام والمؤمنين يرون أعمالهم ، والمقصود التنبيه على أنهم يشهدون يوم ~~القيامة عند حضور الأولين والآخرين ، بأنهم أهل الصدق والسداد والعفاف ~~والرشاد . # ثم قال تعالى : { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة } وفيه مسائل : ~~PageV16P150 # المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : الغيب ما يسرونه ، ~~والشهادة ما يظهرونه . وأقول لا يبعد أن يكون الغيب ما حصل ms4636 في قلوبهم من ~~الدواعي والصوارف ، والشهادة الأعمال / التي تظهر على جوارحهم ، وأقول أيضا ~~مذهب حكماء الإسلام أن الموجودات الغائبة عن الحواس علل أو كالعلل ~~للموجودات المحسوسات ، وعندهم أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول . فوجب ~~كون العلم بالغيب سابقا على العلم بالشهادة ، فلهذا السبب أينما جاء هذا ~~الكلام في القرآن كان الغيب مقدما على الشهادة . # المسألة الثانية : إن حملنا قوله تعالى : { فسيرى الله عملكم } على ~~الرؤية ، فحينئذ يظهر أن معناه مغاير لمعنى قوله : { وستردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة } وإن حملنا تلك الرؤية على العلم أو على إيصال الثواب ~~جعلنا قوله : { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة } جاريا مجرى التفسير ~~لقوله : { فسيرى الله عملكم } معناه : بإظهار المدح والثناء والإعزاز في ~~الدنيا ، أو بإظهار أضدادها . وقوله : { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة } ~~معناه : ما يظره في القيامة من حال الثواب والعقاب . # ثم قال : { فينبئكم بما كنتم تعملون } والمعنى يعرفكم أحوال أعمالكم ثم ~~يجازيكم عليها ، لأن المجازاة من الله تعالى لا تحصل في الآخرة إلا بعد ~~التعريف . ليعرف كل أحد أن الذي وصل إليه عدل لا ظلم ، فإن كان من أهل ~~الثواب كان فرحه وسعادته أكثر ، وإن كان من أهل العقاب كان غمه وخسرانه ~~أكثر . وقال حكماء الإسلام ، المراد من قوله تعالى : { فسيرى الله عملكم } ~~الإشارة إلى الثواب الروحاني ، وذلك لأن العبد إذا تحمل أنواعا من المشاق ~~في الأمور التي أمره بها مولاه ، فإذا علم العبد أن مولاه يرى كونه متحملا ~~لتلك المشاق ، عظم فرحه وقوي ابتهاجه بها ، وكان ذلك عنده ألذ من الخلع ~~النفيسة والأموال العظيمة . # وأما قوله : { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة } فالمراد منه تعريف عقاب ~~الخزي والفضيحة . ومثاله أن العبد الذي خصه السلطان بالوجوه الكثيرة من ~~الإحسان إذا أتى بأنواع كثيرة من المعاصي ، فإذا حضر ذلك العبد عند ذلك ~~السلطان وعدد عليه أنواع قبائحه وفضائحه ، قوي حزنه وعظم غمه وكملت فضيحته ~~، وهذا نوع من العذاب الروحاني ، وربما رضي العاقل بأشد أنواع العذاب ~~الجسماني حذرا منه . والمقصود من هذه الآية تعريف هذا النوع من ms4637 العقاب ~~الروحاني نسأل الله العصمة منه ومن سائر العذاب . # ! 7 < { وءاخرون مرجون لا مر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم ~~حكيم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 106 ) وآخرون مرجون لأمر . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة ونافع والكسائي وحفص عن عاصم مرجون بغير همز ~~والباقون بالهمز وهما لغتان . أرجأت الأمر وأرجيته بالهمز وتركه ، إذا ~~أخرته . وسميت المرجئة بهذا الاسم لأنهم لا يجزمون القول بمغفرة التائب ~~ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله تعالى . وقال الأوزاعي : لأنهم يؤخرون العمل ~~عن الإيمان . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى قسم المتخلفين عن الجهاد ثلاثة أقسام : # القسم الأول : المنافقون الذين مردوا على النفاق . PageV16P151 # القسم الثاني : التائبون وهم المرادون بقوله : { وءاخرون اعترفوا بذنوبهم ~~} وبين تعالى أنه قبل توبتهم . # والقسم الثالث : الذين بقوا موقوفين وهم المذكورون في هذه الآية ، والفرق ~~بين القسم الثاني وبين هذا الثالث ، أو أولئك سارعوا إلى التوبة وهؤلاء لم ~~يسارعوا إليها . قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في كعب بن ~~مالك ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية ، فقال كعب : أنا أفره أهل المدينة ~~جملا ، فمتى شئت لحقت الرسول ، فتأخر أياما وأيس بعدها من اللحوق به فندم ~~على صنيعه وكذلك صاحباه ، فلما قدم رسول الله قيل لكعب اعتذر إليه من صنيعك ~~، فقال : لا والله حتى تنزل توبتي ، وأما صاحباه فاعتذرا إليه عليه السلام ~~فقال : ( ما خلفكم عني ) فقالا : لا عذر لنا إلا الخطيئة فنزل قوله تعالى : ~~{ وءاخرون مرجون لامر الله } فوقفهم الرسول بعد نزول هذه الآية ونهى الناس ~~عن مجالستهم ، وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهاليهن ، فجاءت امرأة ~~هلال تسأل أن تأتيه بطعام فإنه شيخ كبير ، فأذن لها في ذلك خاصة ، وجاء ~~رسول من الشأم إلى كعب يرغبه في اللحاق بهم ، فقال كعب : بلغ من خطيئتي أن ~~طمع في المشركون ، قال : فضاقت علي الأرض بما رحبت . وبكى هلال بن أمية حتى ~~خيف على بصره ، فلما مضى خمسون يوما نزلت توبتهم بقوله : { لقد تاب الله ~~على النبى } ( التوبة : 117 ) وبقوله تعالى : { وعلى الثلاثة الذين ms4638 خلفوا ~~حتى إذا ضاقت عليهم الارض } ( التوبة : 118 ) الآية . وقال الحسن : يعني ~~بقوله : { وءاخرون مرجون لامر الله } قوما من المنافقين أرجأهم رسول الله ~~عن حضرته . وقال الأصم : يعني المنافقين وهو مثل قوله : { وممن حولكم من ~~الاعراب منافقون } أرجأهم الله فلم يخبر عنهم ما علمه منهم وحذرهم بهذه ~~الآية إن لم يتوبوا أن ينزل فيهم قرآنا . فقال الله تعالى : { إما يعذبهم ~~وإما يتوب عليهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : إن كلمة ( إما ) و ( أما ) للشك ، ~~والله تعالى منزه عنه . وجوابه المراد / منه ليكن أمرهم على الخوف والرجاء ~~، فجعل أناس يقولون هلكوا إذا لم ينزل الله تعالى لهم عذرا ، وآخرون يقولون ~~عسى الله أن يغفر لهم . # المسألة الثانية : لا شك أن القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن الغزو ~~وتخلفهم عن الرسول عليه اسلام ، ثم إنه تعالى لم يحكم بكونهم تائبين بل قال ~~: { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } وذلك يدل على أن الندم وحده لا يكون ~~كافيا في صحة التوبة . # فإن قيل : فما تلك الشرائط ؟ # قلنا : لعلهم خافوا من أمر الرسول بإيذائهم أو خافوا من الخجلة والفضيحة ~~، وعلى هذا التقدير فتوبتهم غير صحيحة ولا مقبولة ، فاستمر عدم قبول التوبة ~~إلى أن سهل أحوال الخلق في قدحهم ومدحهم عندهم ، فعند ذلك ندموا على ~~المعصية لنفس كونها معصية / وعند ذلك صحت توبتهم . # المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يعفو عن غير ~~التائب ، وذلك لأنه قال في حق هؤلاء المذنبين { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ~~} وذلك يدل على أنه لا حكم إلا أحد هذين الأمرين ، وهو إما التعذيب وإما ~~التوبة ، وأما العفو عن الذنب من غير التوبة ، فهو قسم ثالث . فلما أهمل ~~الله تعالى ذكره دل على أنه باطل وغير معتبر . PageV16P152 # والجواب : أنا لا نقطع بحصول العفو عن جميع المذنبين ، بل نقطع بحصول ~~العفو في الجملة ، وأما في حق كل واحد بعينه ، فذلك مشكوك فيه . ألا ترى ~~أنه تعالى قال : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فقطع بغفران ما سوى ms4639 الشرك ، ~~لكن لا في حق كل أحد ، بل في حق من يشاء . فلم يلزم من عدم العفو في حق ~~هؤلاء ، عدم العفو على الإطلاق . وأيضا فعدم الذكر لا يدل على العدم ، ألا ~~ترى أنه تعالى قال : { وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة } ( عبس : 38 ، 39 ~~) وهم المؤمنون { ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة ~~الفجرة } ( عبس : 40 ، 41 ) فههنا المذكورون ، إما المؤمنون ، وإما ~~الكافرون ، ثم إن عدم ذكر القسم الثالث ، لم يدل عند الجبائي على نفيه ، ~~فكذا ههنا . # وأما قوله تعالى : { والله عليم حكيم } أي { عليم } بما في قلوب هؤلاء ~~المؤمنين { حكيم } فيما يحكم فيهم ويقضي عليهم . # ! 7 < { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا ~~لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم ~~لكاذبون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 107 ) والذين اتخذوا مسجدا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال : { ~~والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر { الذين اتخذوا } بغير واو ، وكذلك ~~هو في مصاحف أهل المدينة ، والباقون بالواو ، وكذلك هو في مصاحف مكة ~~والعراف . فالأول : على أنه بدل من قوله : { وءاخرون مرجون } والثاني أن ~~يكون التقدير : ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا . # المسألة الثانية : قال الواحدي : قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل ~~التفسير رضي الله عنهم : الذين اتخذوا مسجدا ضرارا كانوا اثني عشر رجلا من ~~المنافقين بنوا مسجدا يضارون به مسجد قباء ، وأقول إنه تعالى وصفه بصفات ~~أربعة : # الصفة الأولى : ضرارا ، والضرار محاولة الضر ، كما أن الشقاق محاولة ما ~~يشق . قال الزجاج : وانتصب قوله : { ضرارا } لأنه مفعول له ، والمعنى : ~~اتخذوه للضرار ولسائر الأمور المذكورة بعده ، فلما حذفت اللام اقتضاه الفعل ~~فنصب . قال وجائز أن يكون مصدرا محمولا على المعنى ، والتقدير : اتخذوا ~~مسجدا ضروا به ضرارا . # والصفة الثانية : قوله : { وكفرا } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد ~~به ضررا للمؤمنين وكفرا بالنبي عليه السلام ، وبما جاء به . وقال غيره ~~اتخذوه ليكفروا فيه ms4640 بالطعن على النبي عليه السلام والإسلام . # الصفة الثالثة : قوله : { وتفريقا بين المؤمنين } أي يفرقون بواسطته ~~جماعة المؤمنين ، وذلك لأن PageV16P153 المنافقين قالوا نبني مسجدا فنصلي ~~فيه ، ولا نصلي خلف محمد ، فإن أتانا فيه صلينا معه . وفرقنا بينه وبين ~~الذين يصلون في مسجده ، فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة ، وبطلان الألفة . # والصفة الرابعة : قوله : { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله } قالوا : ~~المراد أبو عامر الراهب ، والد حنظلة الذي غسلته الملائكة ، وسماه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الفاسق ، وكان قد تنصر في الجاهلية ، وترهب وطلب ~~العلم ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاداه ، لأنه زالت رياسته / ~~وقال : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ، ولم يزل يقاتله إلى يوم ~~حنين ، فلما انهزمت هوازن خرج إلى الشأم ، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا ~~بما استطعتم من قوة وسلاح ، وابنوا لي مسجدا فإن ذاهب إلى قيصر ، وآت من ~~عنده بجند ، فأخرج محمدا وأصحابه . فبنوا هذا المسجد ، وانتظروا مجيء أبي ~~عامر ليصلى بهم في ذلك المسجد . قال الزجاج : الإرصاد الانتظار . وقال ابن ~~قتيبة : الإرصاد الانتظار مع العداوة . وقال الأكثرون : الإرصاد ، الأعداد ~~. قال تعالى : { إن ربك لبالمرصاد } ( الفجر : 14 ) وقوله : { من قبل } ~~يعني من قبل بناء مسجد الضرار ، ثم إنه تعالى لما وصف هذا المسجد بهذه ~~الصفات الأربعة قال : { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } أي ليحلفن ما أردنا ~~ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق بالمسلمين في التوسعة على أهل الضعف ~~والعلة والعجز ، عن المصير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذلك ~~أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة ~~والحاجة والليلة الممطرة والليلة الشاتية . # ثم قال تعالى : { والله يشهد إنهم لكاذبون } والمعنى : أن الله تعالى ~~أطلع الرسول على أنهم حلفوا كاذبين . # واعلم أن قوله : { والذين } محله الرفع على الابتداء وخبره محذوف ، أي ~~وممن ذكرنا الذين . # ! 7 < { لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم ~~فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ms4641 * أفمن أسس بنيانه على ~~تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به فى ~~نار جهنم والله لا يهدى القوم الظالمين * لا يزال بنيانهم الذى بنوا ريبة ~~فى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 108 - 110 ) لا تقم فيه . . . . . # > > # /قال المفسرون : إن المنافقين لما بنوا ذلك المسجد لتلك الأغراض الفاسدة ~~عند ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV16P154 إلى غزوة تبوك ، قالوا ~~: يا رسول الله بنينا مسجدا لذي العلة والليلة الممطرة والشاتية ، ونحن نحب ~~أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة . فقال عليه السلام : إني على جناح سفر ~~وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه ، فلما رجع من غزوة تبوك سألوه إتيان ~~المسجد فنزلت هذه الآية ، فدعا بعض القوم وقال : انطلقوا إلى هذا المسجد ~~الظالم أهله ، فاهدموه وخربوه ، ففعلوا ذلك وأمر أن يتخذ مكانه كناسة يلقي ~~فيها الجيف والقمامة . وقال الحسن : هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يذهب إلى ذلك المسجد فنادى جبريل عليه السلام لا تقم فيه أبدا . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { لا تقم فيه } نهى له عليه السلام عن أن ~~يقوم فيه . قال ابن جريج : فرغوا من إتمام ذلك المسجد يوم الجمعة ، فصلوا ~~فيه ذلك اليوم ويوم السبت والأحد ، وانهار في يوم الاثنين . ثم إنه تعالى ~~بين العلة في هذا النهي ، وهي أن أحد المسجدين لما كان مبنيا على التقوى من ~~أول يوم ، وكانت الصلاة في مسجد آخر تمنع من الصلاة في مسجد التقوى ، كان ~~من المعلوم بالضرورة أن يمنع من الصلاة في المسجد الثاني . # فإن قيل : كون أحد المسجدين أفضل لا يوجب المنع من إقامة الصلاة في ~~المسجد الثاني . # قلنا : التعليل وقع بمجموع الأمرين ، أعني كون مسجد الضرار سببا للمفاسد ~~الأربعة المذكورة ، ومسجد التقوى مشتملا على الخيرات الكثيرة . ومن الروافض ~~من يقول : بين الله تعالى أن المسجد الذي بني من أول الأمر على التقوى أحق ~~بالقيام فيه من المسجد الذي لا يكون كذلك . وثبت ms4642 أن عليا ما كفر بالله طرفة ~~عين ، فوجب أن يكون أولى بالقيام بالإمامة ممن كفر بالله في أول أمره . ~~وجوابنا أن التعليل وقع بمجموع الأمور المذكورة ، فزال هذا السؤال . ~~واختلفوا في أن مسجد التقوى ما هو ؟ قيل : إنه مسجد قباء ، وكان عليه ~~السلام يأتيه في كل سنة فيصلي فيه ، والأكثرون أنه مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وقال سعيد بن المسيب : المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول ~~عليه السلام ، وذكر أن الرجلين اختلفا فيه ، فقال أحدهما : مسجد الرسول ، ~~وقال آخر : قباء . فسألاه عليه السلام فقال هو مسجدي هذا . وقال القاضي : ~~لا يمنع دخولهما جميعا تحت هذا الذكر لأن قوله : { لمسجد أسس على التقوى } ~~هو كقول القائل ، لرجل صالح أحق أن تجالسه . فلا يكون ذلك مقصورا على واحد ~~. # فإن قيل : لم قال أحق أن تقوم فيه ، مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر ؟ # قلنا : المعنى أنه لو كان ذلك جائزا لكان هذا أولى ، للسبب المذكور . # / ثم قال تعالى : { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } وفيه ~~مباحث : # البحث الأول : أنه تعالى رجح مسجد التقوى بأمرين : أحدهما : أنه بني على ~~التقوى / وهو الذي تقدم تفسيره . والثاني : إن فيه رجالا يحبون أن يتطهروا ~~، وفي تفسير هذه الطهارة قولان : الأول : المراد منه التطهر عن الذنوب ~~والمعاصي ، وهذا القول متعين لوجوه : أولها : أن التطهر عن الذنوب والمعاصي ~~هو المؤثر في القرب من الله تعالى واستحقاق ثوابه ومدحه . والثاني : أنه ~~تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر بالله والتفريق بين ~~المسلمين ، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم . وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن ~~الكفر والمعاصي . والثالث : أن طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر وقدر عند ~~الله لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي ، أما لو حصلت طهارة الباطن ~~من الكفر والمعاصي ، ولم تحصل نظافة الظاهر ، PageV16P155 كأن طهارة الباطن ~~لها أثر ، فكان طهارة الباطن أولى . الرابع : روى صاحب ( الكشاف ) : أنه ~~لما نزلت هذه الآية مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون ms4643 حتى ~~وقف على باب مسجد قباء ، فإذا الأنصار جلوس ، فقال : ( أمؤمنون أنتم ) فسكت ~~القوم ثم أعادها . فقال عمر : يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم ؛ فقال ~~عليه السلام : ( أترضون بالقضاء ) قالوا نعم . قال : ( أتصبرون على البلاء ~~) قالوا : نعم ، قال : ( أتشكرون في الرخاء ) قالوا : نعم ، قال عليه ~~السلام : ( مؤمنون ورب الكعبة ) ثم قال : ( يا معشر الأنصار إن الله أثنى ~~عليكم فما الذي تصنعون في الوضوء ) قالوا : نتبع الماء الحجر . فقرأ النبي ~~عليه السلام : { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } الآية . # والقول الثاني : أن المراد منه الطهارة بالماء بعد الحجر . وهو قول أكثر ~~المفسرين من أهل الأخبار . # والقول الثالث : أنه محمول على كلا الأمرين ، وفيه سؤال : وهو أن لفظ ~~الطهارة حقيقة في الطهارة عن النجاسات العينية ، ومجاز في البراءة عن ~~المعاصي والذنوب ، واستعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معا لا يجوز . # والجواب : أن لفظ النجس اسم للمستقذر ، وهو القدر مفهوم مشترك فيه بين ~~القسمين وعلى هذا التقدير ، فإنه يزول السؤال ، ثم إنه تعالى أعاد السبب ~~الأول ، وهو كون المسجد مبنيا على التقوى ، فقال : { أفمن أسس بنيانه على ~~تقوى من الله ورضوان خير } وفيه مباحث . # البحث الأول : البنيان مصدر كالغفران ، والمراد ههنا المبني ، وإطلاق لفظ ~~المصدر على المفعول مجاز مشهور ، يقال هذا ضرب الأمير ونسج زيد ، والمراد ~~مضروبه ومنسوجه ، وقال الواحدي : يجوز أن يكون لبيان جمع بنيانة إذا جعلته ~~اسما ، لأنهم قالوا بنيانة في الواحد . # / البحث الثاني : قرأ نافع وابن عامر { أفمن أسس بنيانه } على فعل ما لم ~~يسم فاعله ، وذلك الفاعل هو الباني والمؤسس ، أما قوله : { على تقوى من ~~الله ورضوان } أي للخوف من عقاب الله والرغبة في ثوابه ، وذلك لأن الطاعة ~~لا تكون طاعة إلا عند هذه الرهبة والرغبة ، وحاصل الكلام أن الباني لما بنى ~~ذلك البناء لوجه الله تعالى وللرهبة من عقابه ، والرغبة في ثوابه ، كان ذلك ~~البناء أفضل وأكمل من البناء الذي بناه الباني لداعية الكفر بالله والإضرار ~~بعباد الله ، أما قوله : { من * أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار ms4644 به فى ~~نار جهنم } ففيه مباحث : # البحث الأول : قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم { جرف } ساكنة الراء ~~والباقون بضم الراء وهما لغتان ، جرف وجرف كشغل وشغل وعنق وعنق . # البحث الثاني : قال أبو عبيدة : الشفا الشفير ، وشفا الشيء حرفه ، ومنه ~~يقال أشفى على كذا إذا دنا منه ، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحرف الوادي ~~ويبقى على طرف السيل طين واه مشرف على السقوط ساعة فساعة . فذلك الشيء هو ~~الجرف ، وقوله : { هار } قال الليث : الهور مصدر هار الجرف يهور ، إذا ~~انصدع من خلفه ، وهو ثابت بعد في مكانه ، وهو جرف هار هائر ، فإذا سقط فقد ~~انهار وتهور . # إذا عرفت هذه الألفاظ فنقول : المعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية ~~محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير ، أمن أسس على قاعدة هي أضعف ~~القواعد وأقلها بقاء ، وهو الباطل ؟ والنفاق PageV16P156 الذي مثله مثل شفا ~~جرف هار من أودية جهنم فلكونه { شفا جرف هار } كان مشرفا على السقوط ، ~~ولكونه على طرف جهنم ، كان إذا انهار فإنما ينهار في قعر جهنم ، ولا نرى في ~~العالم مثالا أكثر مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثالا وحاصل الكلام أن ~~أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه ، والبناء الثاني قصد ~~بانيه ببنائه المعصية والكفر ، فكان البناء الأول شريفا واجب الإبقاء ، ~~وكان الثاني خسيسا واجب الهدم . # ثم قال تعالى : { لا يزال بنيانهم الذى بنوا ريبة فى قلوبهم } والمعنى : ~~أن بناء ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في قلوبهم ، فجعل نفس ذلك ~~البنيان ريبة لكونه سببا للريبة . وفي كونه سببا للريبة وجوه : الأول : أن ~~المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار ، فلما أمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته . ~~الثاني : أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أمر بتخريب ذلك المسجد ظنوا ~~أنه إنما أمر بتخريبه لأجل الحسد ، فارتفع أمانهم عنه وعظم خوفهم منه في كل ~~الأوقات ، وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه ms4645 / أو يأمر بقتلهم ~~ونهب أموالهم ؟ الثالث : أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في بناء ذلك ~~المسجد ، فلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتخريبه بقوا شاكين مرتابين ~~في أنه لأي سبب أمر بتخريبه ؟ الرابع : بقوا شاكين مرتابين في أن الله ~~تعالى هل يغفر تلك المعصية ؟ أعني سعيهم في بناء ذلك المسجد ، والصحيح هو ~~الوجه الأول . # ثم قال : { إلا أن تقطع قلوبهم } وفيه مباحث : # البحث الأول : قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة { أن تقطع } بفتح التاء ~~والطاء مشددة بمعنى تتقطع ، فحذفت إحدى التاءين ، والباقون بضم التاء ~~وتشديد الطاء على ما لم يسم فاعله ، وعن ابن كثير { تقطع } بفتح الطاء ~~وتسكين القاف { قلوبهم } بالنصب أي تفعل أنت بقلوبهم هذا القطع ، وقوله : { ~~تقطع قلوبهم } أي تجعل قلوبهم قطعا ، وتفرق أجزاء إما بالسيف وإما بالحزن ~~والبكاء ، فحينئذ تزول تلك الريبة . والمقصود أن هذه الريبة باقية في ~~قلوبهم أبدا ويموتون على هذا النفاق . وقيل : معناه إلا أن يتوبوا توبة ~~تنقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم . وقيل حتى تنشق قلوبهم غما وحسرة ~~، وقرأ الحسن { إلى أن } وفي قراءة عبد الله { ولو * قطعت * قلوبهم } وعن ~~طلحة { ولو * قطعت * قلوبهم } على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم أو كل ~~مخاطب . # ثم قال : { والله عليم حكيم } والمعنى : عليم بأحوالهم ، حكيم في الأحكام ~~التي يحكم بها عليهم . # ! 7 < { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرءان ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذالك هو ~~الفوز العظيم } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 111 ) إن الله اشترى . . . . . # > > PageV16P157 # اعلم أنه تعالى لما شرع في شرح فضائح المنافقين وقبائحهم لسبب تخلفهم عن ~~غزوة تبوك ، فلما / تمم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم ، وفرع على كل قسم ~~ما كان لائقا به ، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقته فقال : { إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال القرطبي : لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms4646 ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفسا ، قال عبد الله بن رواحة : ~~اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : ( أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به ~~شيئا ، ولنفسي أن تمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم ) قالوا : فإذا ~~فعلنا ذلك فماذا لنا ؟ قال : ( الجنة ) قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا ~~نستقيل . فنزلت هذه الآية . قال مجاهد والحسن ومقاتل : ثامنهم فأغلى ثمنهم ~~. # المسألة الثانية : قال أهل المعاني : لا يجوز أن يشتري الله شيئا في ~~الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك ، ولهذا قال الحسن : اشترى ~~أنفسا هو خلقها ، وأموالا هو رزقها ، لكن هذا ذكره تعالى لحسن التلطف في ~~الدعاء إلى الطاعة ، وحقيقة هذا ، أن المؤمن متى قاتل في سبيل الله حتى ~~يقتل ، فتذهب روحه ، وينفق ماله في سبيل الله ، أخذ من الله في الآخرة ~~الجنة جزاء لما فعل . فجعل هذا استبدالا وشراء . هذا معنى قوله : { اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } أي بالجنة ، وكذا قراءة عمر ~~بن الخطاب والأعمش . قال الحسن : اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة ، ~~بايع الله بها كل مؤمن ، والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه ~~البيعة . وقال الصادق عليه الصلاة والسلام : ( ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة ~~فلا تبيعوها إلا بها ) وقوله : { وأموالهم } يريد التي ينفقونها في سبيل ~~الله وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم ، وفي الآية لطائف : # اللطيفة الأولى المشتري لا بد له من بائع ، وههنا البائع هو الله ~~والمشتري هو الله ، وهذا إنما يصح في حق القيم بأمر الطفل الذي لا يمكنه ~~رعاية المصالح في البيع والشراء ، وصحة هذا البيع مشروطة برعاية الغبطة ~~العظيمة ، فهذا المثل جار مجرى التنبيه على كون العبد شبيها بالطفل الذي لا ~~يهتدي إلى رعاية مصالح نفسه ، وأنه تعالى هو المراعي لمصالحه بشرط الغبطة ~~التامة ، والمقصود منه التنبيه على السهولة والمسامحة ، والعفو عن الذنوب ، ~~والإيصال إلى درجات الخيرات ومراتب السعادات . # واللطيفة الثانية : أنه تعالى أضاف الأنفس والأموال إليهم فوجب أن كون ~~الأنفس والأموال مضافة إليهم يوجب أمرين مغايرين لهم ، والأمر في ms4647 نفسه كذلك ~~، لأن الأنسان عبارة عن الجوهر الأصلي الباقي ، وهذا البدن يجري مجرى الآلة ~~والأدوات والمركب ، وكذلك المال خلق وسيلة إلى رعاية مصالح هذا المركب ، ~~فالحق سبحانه اشترى من الإنسان هذا المركب وهذا المال / بالجنة ، وهو ~~التحقيق . لأن الإنسان ما دام يبقى متعلق القلب بمصالح عالم الجسم المتغير ~~المتبدل ، وهو البدن والمال ، امتنع وصوله إلى السعادات العالية والدرجات ~~الشريفة ، فإذا انقطع التفاته إليها وبلغ ذلك الانقطاع إلى أن عرض البدن ~~للقتل / والمال للإنفاق في طلب رضوان الله ، فقد بلغ إلى حيث رجح الهدى على ~~الهوى ، والمولى على الدنيا ، والآخرة على الأولى ، فعند هذا يكون من ~~السعداء الأبرار والأفاضل الأخيار ، فالبائع هو جوهر الروح القدسية ~~والمشتري هو الله ، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني ، والعوض ~~الثاني الجنة الباقية والسعادات الدائمة ، فالربح حاصل والهم والغم زائل ، ~~ولهذا قال : { فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به } . PageV16P158 # ثم قال : { يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون } قال صاحب ( الكشاف ) ~~: قوله : { يقاتلون } فيه معنى الأمر كقوله : { وتجاهدون فى سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم } وقيل جعل { يقاتلون } كالتفسير لتلك المبايعة ، وكالأمر ~~اللازم لها . قرأ حمزة والكسائي بتقديم المفعول على الفاعل وهو كونهم ~~مقتولين على كونهم قاتلين ، والباقون بتقديم الفاعل على المفعول . أما ~~تقديم الفاعل على المفعول فظاهر ، لأن المعنى أنهم يقتلون الكفار ولا ~~يرجعون عنهم إلى أن يصيروا مقتولين . وأما تقديم المفعول على الفاعل ، ~~فالمعنى : أن طائفة كبيرة من المسلمين ، وإن صاروا مقتولين لم يصر ذلك ~~رادعا للباقين عن المقاتلة ، بل يبقون بعد ذلك مقاتلين مع الأعداء . قاتلين ~~لهم بقدر الإمكان ، وهو كقوله : { فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله } ( ~~آل عمران : 146 ) أي ما وهن من بقي منهم . واختلفوا في أنه هل دخل تحت هذه ~~الآية مجاهدة الأعداء بالحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم لا ؟ ~~فمنهم من قال : هو مختص بالجهاد بالمقاتلة ، لأنه تعالى فسر تلك المبايعة ~~بالمقاتلة بقوله : { يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون } ومنهم من قال ~~: كل أنواع الجهاد داخل فيه ، بدليل الخبر الذي رويناه عن ms4648 عبد الله بن ~~رواحة . وأيضا فالجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل آثارا من ~~القتال ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : ( لأن يهدي ~~الله على يدك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس ) ولأن الجهاد بالمقاتلة لا ~~يحسن أثرها إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة . وأما الجهاد بالحجة فإنه غني عن ~~الجهاد بالمقاتلة . والأنفس جوهرها جوهر شريف خصه الله تعالى بمزيد الإكرام ~~في هذا العالم ، ولا فساد في ذاته ، إنما الفساد في الصفة القائمة به ، وهي ~~الكفر والجهل . ومتى أمكن إزالة الصفة الفاسدة ، مع إبقاء الذات والجوهر ~~كان أولى . ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعا به من بعض الوجوه ، لا ~~جرم حث الشرع على إبقائه ، فقال : ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ~~) فالجهاد بالحجة يجري مجرى الدباغة ، وهو إبقاء الذات مع إزالة الصفة ~~الفاسدة ، والجهاد بالمقاتلة يجري مجرى إفناء الذات ، فكان المقام الأول ~~أولى وأفضل . # / ثم قال تعالى : { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرءان } قال ~~الزجاج : نصب { وعدا } على المعنى ، لأن معنى قوله : { بأن لهم الجنة } أنه ~~وعدهم الجنة ، فكان وعدا مصدرا مؤكدا . واختلفوا في أن هذا الذي حصل في ~~الكتب ما هو ؟ # فالقول الأول : أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل الله وعد ثابت ~~، فقد أثبته الله في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن . # والقول الثاني : المراد أن الله تعالى بين في التوراة والإنجيل أنه اشترى ~~من أمة محمد عليه الصلاة والسلام أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، كما بين ~~في القرآن . # والقول الثالث : أن الأمر بالقتال والجهاد هو موجود في جميع الشرائع . # ثم قال تعالى : { ومن أوفى بعهده من الله } والمعنى : أن نقض العهد كذب . ~~وأيضا أنه مكر وخديعة ، وكل ذلك من القبائح ، وهي قبيحة من الإنسان مع ~~احتياجه إليها ، فالغني عن كل الحاجات أولى أن يكون منزها عنها . وقوله : { ~~ومن أوفى بعهده } استفهام بمعنى الإنكار ، أي لا أحد أوفى بما وعد من الله ~~. # ثم قال : { فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذالك ms4649 هو الفوز العظيم } ~~واعلم أن هذه الآية مشتملة على PageV16P159 أنواع من التأكيدات : فأولها : ~~قوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } فيكون المشتري هو ~~الله المقدس عن الكذب والخيانة ، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد ~~. والثاني : أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء ، وذلك حق مؤكد . ~~وثالثها : قوله : { وعدا } ووعد الله حق . ورابعها : قوله : { عليه } وكلمة ~~( على ) للوجوب . وخامسها : قوله : { حقا } وهو التأكيد للتحقيق . وسادسها ~~: قوله : { في التوراة والإنجيل والقرءان } وذلك يجري مجرى إشهاد جميع ~~الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة . وسابعها : قوله : ~~{ ومن أوفى بعهده من الله } وهو غاية في التأكيد . وثامنها : قوله : { ~~فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به } وهو أيضا مبالغة في التأكيد . وتاسعها : ~~قوله : { وذالك هو الفوز } وعاشرها : قوله : { العظيم } فثبت اشتمال هذه ~~الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق . ونختم الآية ~~بخاتمة وهي أن أبا القاسم البلخي استدل بهذه الآية على أنه لا بد من حصول ~~الأعواض عن آلام الأطفال والبهائم . قال لأن الآية دلت على أنه لا يجوز ~~إيصال ألم القتل وأخذ الأموال إلى البالغين إلا بثمن هو الجنة ، فلا جرم ~~قال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } فوجب ~~أن يكون الحال كذلك في الأطفال والبهائم ، ولو جاز عليهم التمني لتمنوا أن ~~آلامهم تتضاعف حتى تحصل لهم تلك / الأعواض الرفيعة الشريفة ، ونحن نقول : ~~لا ننكر حصول الخيرات للأطفال والحيوانات في مقابلة هذه الآلام ، وإنما ~~الخلاف وقع في أن ذلك العوض عندنا غير واجب ، وعندكم واجب ، والآية ساكتة ~~عن بيان الوجوب . # ! 7 < { التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الا مرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 112 ) التائبون العابدون الحامدون . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه { اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } بين في هذه الآية أن أولئك المؤمنين هم ~~الموصوفون بهذه الصفات التسعة . وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في رفع قوله : { التائبون العابدون الحامدون السائحون } ~~وجوه ms4650 : الأول : أنه رفع على المدح ، والتقدير : هم التائبون ، يعني ~~المؤمنين المذكورين في قوله : { اشترى من المؤمنين أنفسهم } هم التائبون . ~~الثاني : قال الزجاج : لا يبعد أن يكون قوله : { التائبون } مبتدأ ، وخبره ~~محذوف أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضا ، وإن لم يجاهدوا كقوله ~~تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى } وهذا وجه حسن . لأن على هذا التقدير يكون ~~الوعد بالجنة حاصلا لجميع المؤمنين ، وإذا جعلنا قوله : { التائبون } تابعا ~~لأول الكلام كان الوعد بالجنة حاصلا للمجاهدين . الثالث : { التائبون } ~~مبتدأ أو رفع على البدل من الضمير في قوله : { يقاتلون } الرابع : قوله : { ~~التائبون } مبتدأ ، وقوله : { العابدون } إلى آخر الآية خبر بعد خبر ، أي ~~التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال . وقرأ أبي وعبد ~~الله { * التائبين } بالياء إلى قوله : { والصائمات والحافظين } وفيه وجهان ~~: أحدهما : أن يكون ذلك نصبا على المدح . الثاني : أن يكون جرا ، صفة ~~للمؤمنين . PageV16P160 # المسألة الثانية : في تفسير هذه الصفات التسعة . # فالصفة الأولى : قوله : { التائبون } قال ابن عباس رضي الله عنه : ~~التائبون من الشرك . وقال الحسن : التائبون من الشرك والنفاق . وقال ~~الأصوليون : التائبون من كل معصية ، وهذا أولى ، لأن التوبة قد تكون توبة ~~من الكفر ، وقد تكون من المعصية . وقوله : { التائبون } صيغة عموم محلاة ~~بالألف واللام ، فتتناول الكل فالتخصيص بالتوبة عن الكفر محض التحكم . # / واعلم أنا بالغنا في شرح حقيقة التوبة في تفسير قوله تعالى في سورة ~~البقرة : { فتلقىءادم من ربه كلمات فتاب عليه } ( البقرة : 37 ) . # واعلم أن التوبة إنما تحصل عند حصول أمور أربعة : أولها : احتراق القلب ~~في الحال على صدور تلك المعصية عنه ، وثانيها : ندمه على ما مضى ، وثالثها ~~: عزمه على الترك في المستقبل ، ورابعها : أن يكون الحامل له على هذه ~~الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى وعبوديته ، فإن كان غرضه منها دفع ~~مذمة الناس وتحصيل مدحهم أو سائر الأغراض ، فهو ليس من التائبين . # والصفة الثانية : قوله تعالى : { العابدون } قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~: الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم . وقال المتكلمون هم الذين أتوا ~~بالعبادة ، وهي عبارة عن الإتيان ms4651 بفعل مشعر بتعظيم الله تعالى على أقصى ~~الوجوه في التعظيم ، ولابن عباس رضي الله عنهما : أن يقول إن معرفة الله ~~والإقرار بوجوب طاعته عمل من أعمال القلب ، وحصول الاسم في جانب الثبوت ~~يكفي فيه حصول فرد من أفراد تلك الماهية . قال الحسن : { العابدون } هم ~~الذين عبدوا الله في السراء والضراء . وقال قتادة : قوم أخدوا من أبدانهم ~~في ليلهم ونهارهم . # الصفة الثالثة : قوله : { الحامدون } وهم الذين يقومون بحق شكر الله ~~تعالى على نعمه دينا ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم / وقد ذكرنا التسبيح ~~والتهليل والتحميد صفة الذين كانوا يعبدون الله قبل خلق الدنيا ، وهم ~~الملائكة ، لأنه تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا قبل خلق آدم ونحن نسبح بحمدك ، ~~وهو صفة الذين يعبدون الله بعد خراب الدنيا . لأنه تعالى أخبر عن أهل الجنة ~~بأنهم يحمدون الله تعالى ، وهو { دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها ~~سلام } ( يونس : 10 ) وهم المرادون بقوله : { * والحامدون } . # الصفة الرابعة : قوله : { الحامدون السائحون } وفيه أقوال : # القول الأول : قال عامة المفسرين هم الصائمون . وقال ابن عباس : كل ما ~~ذكر في القرآن من السياحة ، فهو الصيام . وقال النبي عليه الصلاة والسلام : ~~( سياحة أمتي الصيام ) وعن الحسن : أن هذا صوم الفرض . وقيل هم الذين ~~يديمون الصيام ، وفي المعنى الذي لأجله حسن تفسير السائح بالصائم ، وجهان : ~~الأول : قال الأزهري : قيل للصائم سائح ، لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا لا ~~زاد معه ، كان ممسكا عن الأكل ، والصائم يمسك عن الأكل ، فلهذه المشابهة ~~سمي الصائم سائحا . الثاني : أن أصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض ~~كالماء الذي يسيح والصائم يستمر على فعل الطاعة ، وترك المشتهي ، وهو الأكل ~~والشرب والوقاع ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أن الإنسان إذا امتنع من الأكل ~~والشرب والوقاع وسد PageV16P161 على نفسه أبواب الشهوات ، انفتحت عليه / ~~أبواب الحكمة ، وتجلت له أنوار عالم الجلال ، ولذلك قال عليه الصلاة ~~والسلام : ( من أخلص لله أربعين صباحا ، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على ~~لسانه ) فيصير من السائحين في عالم جلال الله المنتقلين من مقام إلى مقام ، ~~ومن ms4652 درجة إلى درجة ، فيحصل له سياحة في عالم الروحانيات . # والقول الثاني : أن المراد من السائحين طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى ~~بلد في طلب العلم ، وهو قول عكرمة ، وعن وهب بن منبه : كانت السياحة في بني ~~إسرائيل ، وكان الرجل إذا ساح أربعين سنة رأى ما كان يرى السائحون قبله . ~~فساح ولد بغي منهم أربعين سنة فلم ير شيئا ، فقال : يا رب ما ذنبي بأن ~~أساءت أمي ، فعند ذلك أراه الله ما أرى السائحين وأقول للسياحة أثر عظيم في ~~تكميل النفس لأنه يلقاه أنواع من الضر والبؤس ، فلا بد له من الصبر عليها ، ~~وقد ينقطع زاده ، فيحتاج إلى التوكل على الله ، وقد يلقى أفاضل مختلفين ، ~~فيستفيد من كل أحد فائدة مخصوصة ، وقد يلقى الأكابر من الناس ، فيستحقر ~~نفسه في مقابلتهم ، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة ، فينتفع بها وقد يشاهد ~~اختلاف أحوال أهل الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال ~~الخاصة بهم فتقوى معرفته ، وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين . # والقول الثالث : قال أبو مسلم : { السائحون } السائرون في الأرض ، وهو ~~مأخوذ من السيح ، سيح الماء الجاري ، والمراد به من خرج مجاهدا مهاجرا ، ~~وتقريره أنه تعالى حث المؤمنين في الآية الأولى على الجهاد ، ثم ذكر هذه ~~الآية في بيان صفات المجاهدين ، فينبغي أن يكونوا موصوفين بمجموع هذه ~~الصفات . # الصفة الخامسة والسادسة : قوله : { الركعون الساجدون } والمراد منه إقامة ~~الصلوات . قال القاضي : وإنما جعل ذكر الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن ~~سائر أشكال المصلي موافق للعادة ، وهو قيامه وقعوده . والذي يخرج عن العادة ~~في ذلك هو الركوع والسجود ، وبه يتبين الفضل بين المصلي وغيره ويمكن أن ~~يقال : القيام أول مراتب التواضع لله تعالى والركوع وسطها والسجود غايتها . ~~فخص الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية تنبيها ~~على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع والتعظيم . # الصفة السابعة والثامنة : قوله : { الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~} واعلم أن كتاب أحكام الأمر بالمعروف / والنهي عن المنكر ؛ كتاب كبير ~~مذكور في علم الأصول . فلا ms4653 يمكن إيراده ههنا . وفيه إشارة إلى إيجاب الجهاد ~~، لأن رأس المعروف الإيمان بالله ، ورأس المنكر الكفر بالله . / والجهاد ~~يوجب الترغيب في الإيمان ، والزجر عن الكفر . والجهاد داخل في باب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر . وأما دخول الواو في قوله : { والناهون عن ~~المنكر } ففيه وجوه : # الوجه الأول : أن التسوية قد تجيء بالواو تارة وبغير الواو أخرى . قال ~~تعالى : { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى الطول } ( غافر : 3 ) ~~فجاء بعض بالواو ، وبعض بغير الواو . # الوجه الثاني : أن المقصود من هذه الآيات الترغيب في الجهاد فالله سبحانه ~~ذكر الصفات الستة ، ثم قال : { الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر } ~~والتقدير : أن الموصوفين بالصفات الستة ، الآمرون بالمعروف والناهون عن ~~المنكر . وقد ذكرنا أن رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورئيسه ؛ هو ~~الجهاد ، فالمقصود من إدخال الواو عليه التنبيه على ما ذكرنا . PageV16P162 # الوجه الثالث : في إدخال الواو على هؤلاء ، وذلك لأن كل ما سبق من الصفات ~~عبادات يأتي بها الإنسان لنفسه ، ولا تعلق لشيء منها بالغير . أما النهي عن ~~المنكر فعبادة متعلقة بالغير ، وهذا النهي يوجب ثوران الغضب وظهور الخصومة ~~، وربما أقدم ذلك المنهي على ضرب الناهي وربما حاول قتله ، فكان النهي عن ~~المنكر أصعب أقسام العبادات والطاعات ، فأدخل عليها الواو تنبيها على ما ~~يحصل فيها من زيادة المشقة والمحنة . # الصفة التاسعة : قوله : { والحافظون لحدود الله } والمقصود أن تكاليف ~~الله كثيرة وهي محصورة في نوعين : أحدهما : ما يتعلق بالعبادات . والثاني : ~~ما يتعلق بالمعاملات . أما العبادات فهي التي أمر الله بها لا لمصلحة مرعية ~~في الدنيا ، بل لمصالح مرعية في الدين ؛ وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج ~~والجهاد والإعتاق والنذور وسائر أعمال البر . وأما المعاملات فهي : إما ~~لجلب المنافع وإما لدفع المضار . # والقسم الأول : وهو ما يتعلق بجلب المنافع : فتلك المنافع إما أن تكون ~~مقصودة بالأصالة أو بالتبعية ؛ أما المنافع المقصودة بالأصالة ، فهي ~~المنافع الحاصلة من طرف الحواس الخمسة : فأولها : المذوقات : ويدخل فيها ~~كتاب الأطعمة والأشربة من الفقه . ولما كان الطعام قد يكون نباتا ، وقد ~~يكون حيوانا ، والحيوان ms4654 لا يمكن أكله إلا بعد الذبح ، والله تعالى شرط في ~~الذبح شرائط مخصوصة ، فلأجل هذا دخل في الفقه كتاب الصيد والذبائح ، وكتاب ~~الضحايا . وثانيها : الملموسات : ويدخل فيها باب أحكام الوقاع من جملتها ما ~~يفيد حله ، وهو باب النكاح ، ومنه أيضا باب الرضاع ، ومنها ما هو بحث عن ~~لوازم النكاح مثل المهر والنفقة والمسكن ويتصل به أحوال القسم والنشوز ، ~~ومنها ما هو بحث عن الأسباب المزيلة للنكاح ، ويدخل فيه كتاب الطلاق والخلع ~~والإيلاء والظهار / واللعان . ومن الأحكام المتعلقة بالملموسات : البحث عما ~~يحل لبسه وعما لا يحل ، وعما يحل استعماله وعما لا يحل استعماله ؛ وما لا ~~يحل . كاستعماله الأواني الذهبية والفضية ؛ وطال كلام الفقهاء في هذا الباب ~~. وثالثها : المبصرات وهي باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل . ورابعها : ~~المسموعات : وهو باب هل يحل سماعه أم لا ؟ وخامسها : المشمومات ، وليس ~~للفقهاء فيها مجال . وأما المنافع المقصودة بالتبع فهي الأموال ، والبحث ~~عنها من ثلاثة أوجه : الأول : الأسباب المفيدة للملك وهي إما البيع أو غيره ~~. أما البيع فهو إما بيع الأعيان ، أو بيع المنافع وبيع الأعيان . فأما أن ~~يكون بيع العين بالعين ، أو بيع الدين بالعين وهو السلم ، أو بيع العين ~~بالدين كما إذا اشترى شيئا في الذمة / أو بيع الدين بالدين . وقيل : إنه لا ~~يجوز . لما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الكالىء بالكالىء ، ~~ولكن حصل له مثال في الشرع وهو تقاضي الدينين . وأما بيع المنفعة فيدخل فيه ~~كتاب الإجارة ، وكتاب الجعالة ، وكتاب عقد المضاربة . وأما سائر الأسباب ~~الموجبة للملك فهي الإرث ، والهبة ، والوصية ، وإحياء الموات ، والالتقاط ، ~~وأخد الفيء والغنائم ، وأخذ الزكوات وغيرها . ولا طريق إلى ضبط أسباب الملك ~~إلا بالاستقراء . # والنوع الثاني : من مباحث الفقهاء الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف ~~في الشيء ، وهو باب الوكالة والوديعة وغيرهما . # والنوع الثالث : الأسباب التي تمنع المالك من التصرف في ملك نفسه ، وهو ~~الرهن والتفليس والإجارة وغيرها ، فهذا ضبط أقسام تكاليف الله في باب جلب ~~المنافع . وأما تكاليف الله تعالى في باب دفع ms4655 المضار PageV16P163 فنقول : ~~أقسام المضار خمسة لأن المضرة إما أن تحصل في النفوس أو في الأموال أو في ~~الأديان أو في الأنساب أو في العقول ، أما المضار الحاصلة في النفوس فهي ~~إما أن تحصل في كل النفس ، والحكم فيه إما القصاص أو الدية أو الكفارة ، ~~وإما في بعض من أبعاض البدن كقطع اليد وغيرها ، والواجب فيه إما القصاص أو ~~الدية أو الإرش ، وأما المضار الحاصلة في الأموال ، فذلك الضرر إما أن يحصل ~~على سبيل الإعلان والإظهار ، وهو كتاب الغصب أو على سبيل الخفية وهو كتاب ~~السرقة ، وأما المضار الحاصلة في الأديان ، فهي إما الكفر وإما البدعة ، ~~أما الكفر فيدخل فيه أحكام المرتدين ، وليس للفقهاء كتاب مقرر في أحكام ~~المبتدعين وأما المضار الحاصلة في الأنساب فيتصل به تحريم الزنا واللواط ~~وبيان العقوبة المشروعة فيهما ، ويدخل فيه أيضا باب حد القذف وباب اللعان ، ~~وههنا بحث آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع ~~المضار بنفسه ، لأنه ربما كان ضعيفا فلا يلتفت إليه خصمه ، فلهذا السر / ~~نصب الله تعالى الإمام لتنفيد الأحكام ، ويجب أن يكون لذلك الإمام نواب وهم ~~الأمراء والقضاة فلما لم يجز أن يكون قول الغير مقبولا على الغير إلا ~~بالحجة ، فالشرع أثبت لإظهار الحق حجة مخصوصة وهي الشهادة ، ولا بد أن يكون ~~للدعوى ولإقامة البينة شرائط مخصوصة فلا بد من باب مشتمل عليها ، فهذا ضبط ~~معاقد تكاليف الله تعالى وأحكامه وحدوده ، ولما كانت كثيرة والله تعالى ~~إنما بينها في كل القرآن تارة على وجه التفصيل ، وتارة بأن أمر الرسول عليه ~~السلام حتى يبينها للمكلفين ، لا جرم أنه تعالى أجمل ذكرها في هذه الآية ، ~~فقال : { والحافظون لحدود الله } وهو يتناول جملة هذه التكاليف . # واعلم أن الفقهاء ظنوا أن الذي ذكروه في بيان التكاليف وليس الأمر كذلك ، ~~فإن أعمال المكلفين قسمان : أعمال الجوارح وأعمال القلوب ، وكتب الفقه ~~مشتملة على شرح أقسام التكاليف المتعلقة بأعمال الجوارح ، فأما التكاليف ~~المتعلقة بأعمال القلوب فلم يبحثوا عنها ألبتة ولم ينصفوا لها كتبا وأبوابا ms4656 ~~وفصولا . ولم يبحثوا عن دقائقها ، ولا شك أن البحث عنها أهم والمبالغة في ~~الكشف عن حقائقها أولى . لأن أعمال الجوارح إنما تراد لأجل تحصيل أعمال ~~القلوب والآيات الكثيرة في كتاب الله تعالى ناطقة بذلك إلا أن قوله سبحانه ~~: { والحافظون لحدود الله } متناول لكل هذه الأقسام على سبيل الشمول ~~والإحاطة . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات التسعة قال : { وبشر المؤمنين } ~~والمقصود منه أنه قال في الآية المتقدمة : { فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم ~~به } فذكر هذه الصفات التسعة ، ثم ذكر عقيبها قوله : { وبشر المؤمنين } ~~تنبيها على أن البشارة المذكورة في قوله : { فاستبشروا } لم تتناول إلا ~~المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات . # فإن قيل : ما السبب في أنه تعالى ذكر تلك الصفات الثمانية على التفصيل ، ~~ثم ذكر تعالى عقيبها سائر أقسام التكاليف على سبيل الإجمال في هذه الصفة ~~التاسعة ؟ # قلنا : لأن التوبة والعبادة والاشتغال بتحميد الله ، والسياحة لطلب العلم ~~، والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أمور لا ينفك المكلف ~~عنها في أغلب أوقاته ، فلهذا ذكرها الله تعالى على سبيل التفصيل ، وأما ~~البقية فقد ينفك المكلف عنها في أكثر أوقاته مثل أحكام البيع والشراء ، ~~ومثل معرفة أحكام الجنايات وأيضا فتلك الأمور الثمانية أعمال القلوب وإن ~~كانت أعمال الجوارح ، إلا أن المقصود منها ظهور أحوال القلوب ، وقد عرفت أن ~~رعاية أحوال القلوب أهم من رعاية أحوال الظاهر فلهذا السبب ذكر هذا ~~PageV16P164 القسم على سبيل التفصيل ، وذكر هذا القسم / على سبيل الإجمال . # ! 7 < { ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى ~~قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم * وما كان استغفار إبراهيم ~~لابيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن ~~إبراهيم لأواه حليم } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 113 - 114 ) ما كان للنبي . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضع وجوب إظهار ~~البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه بين في هذه الآية أنه تجب ~~البراءة عن أمواتهم ، وإن كانوا في غاية القرب ms4657 من الإنسان كالأب والأم ، ~~كما أوجبت البراءة عن أحيائهم ، والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على أقصى ~~الغايات والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها . الأول : قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : لما فتح الله تعالى مكة سأل النبي عليه الصلاة ~~والسلام ( أي أبويه أحدث به عهدا ) قيل أمك ، فذهب إلى قبرها ووقف دونه ، ~~ثم قعد عند رأسها وبكى فسأله عمر وقال : نهيتنا عن زيارة القبور والبكاء ، ~~ثم زرت وبكيت ، فقال : قد أذن لي فيه ، فلما علمت ما هي فيه من عذاب الله ~~وإني لا أغني عنها من الله شيئا بكيت رحمة لها . الثاني : روي عن سعيد بن ~~المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له الرسول عليه الصلاة ~~والسلام : ( يا عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله ) فقال أبو جهل ~~وعبد الله بن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب . فقال : أنا على ملة عبد ~~المطلب فقال عليه الصلاة والسلام : ( لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فنزلت ~~هذه الآية قوله : { إنك لا تهدى من أحببت } قال الواحدي : وقد استبعده ~~الحسين بن الفضل لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولا ، ووفاة أبي طالب كانت ~~بمكة في أول الإسلام ، وأقول هذا الاستبعاد عندي مستبعد ، فأي بأس أن يقال ~~إن النبي عليه الصلاة والسلام بقي يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت ~~نزول هذه الآية ، فإن / التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة فلعل ~~المؤمنين كان يجوز لهم أن يستغفروا لأبويهم من الكافرين ، وكان النبي عليه ~~الصلاة والسلام أيضا يفعل ذلك ، ثم عند نزول هذه السورة منعهم الله منه ، ~~فهذا غير مستبعد في الجملة . الثالث : يروى عن علي أنه سمع رجلا يستغفر ~~لأبويه المشركين قال : فقلت له أتستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال : أليس ~~قد استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فنزلت هذه الآية . الرابع : يروى أن رجلا ms4658 أتى الرسول عليه الصلاة ~~والسلام وقال : كان أبي في الجاهلية يصل الرحم ، ويقري الضيف ، ويمنح من ~~ماله . وأي أبي ؟ فقال : أمات مشركا ؟ قال : نعم . قال : في ضحضاح من النار ~~، فولى الرجل يبكي فدعاه عليه الصلاة والسلام ، فقال : ( إن أبي وأباك وأبا ~~إبراهيم في النار ، إن أباك لم يقل يوما أعوذ بالله من النار ) . ~~PageV16P165 # المسألة الثانية : قوله : { ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا ~~للمشركين } يحتمل أن يكون المعنى ما ينبغي لهم ذلك فيكون كالوصف ، وأن يكون ~~معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي : فالأول : معناه أن النبوة والإيمان ~~يمنع من الاستغفار للمشركين . والثاني : معناه لا تستغفروا والأمران ~~مقاربان . وسبب هذا المنع ما ذكره الله تعالى في قوله : { من بعد ما تبين ~~لهم أنهم أصحاب الجحيم } وأيضا قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء } والمعنى أنه تعالى لما أخبر عنهم أنه يدخلهم النار . ~~فطلب الغفران لهم جار مجرى طلب أن يخلف الله وعده ووعيده وأنه لا يجوز . ~~وأيضا لما سبق قضاء الله تعالى بأنه يعذبهم . فلو طلبوا غفرانه لصاروا ~~مردودين ، وذلك يوجب نقصان درجة النبي عليه الصلاة والسلام وحظ مرتبته ، ~~وأيضا أنه قال : { ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) وقال عنهم أنهم أصحاب ~~الجحيم فهذا الاستغفار يوجب الخلف في أحد هذين النصين ، وإنه لا يجوز وقد ~~جوز أبو هاشم أن يسأل العبد ربه شيئا بعد ما أخبر الله عنه أنه لا يفعله ، ~~واحتج عليه بقول أهل النار { ربنا أخرجنا منها } ( المؤمنون : 107 ) مع ~~علمهم بأنه تعالى لا يفعل ذلك ، وهذا في غاية البعد من وجوه : الأول : أم ~~هذا مبني على مذهبه أن أهل الآخرة لا يجهلون ولا يكذبون ، وذلك ممنوع ، بل ~~نص القرآن يبطله . وهو قوله : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ( الأنعام ~~: 24 ) والثاني : أن في حقهم يحسن ردهم عن ذلك السؤال وإسكاتهم ، أما في حق ~~الرسول عليه الصلاة والسلام فغير ms4659 جائز ، لأنه يوجب نقصان منصبه . والثالث : ~~أن مثل هذا السؤال الذي يعلم أنه لا فائدة فيه إما أن يكون عبثا أو معصية . ~~وكلاهما جائزان على أهل النار وغير جائزين على أكابر الأنبياء عليهم السلام ~~. # / المسألة الثالثة : أنه تعالى لما بين أن العلة المانعة من هذا ~~الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار ، وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا ~~من الأقارب أو من الأباعد ، فلهذا السبب قال تعالى : { ولو كانوا أولى قربى ~~} وكون سبب النزول ما حكينا ، يقوي هذا الذي قلناه . # أما قوله تعالى : { وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها ~~إياه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه : الأول : أن المقصود ~~منه أن لا يتوهم إنسان أنه تعالى منع محمدا من بعض ما أذن لإبراهيم فيه . ~~والثاني : أن يقال إنا ذكرنا في سبب اتصال هذه الآية بما قبلها المبالغة في ~~إيجاب الانقطاع عن الكفار أحيائهم وأمواتهم . ثم بين تعالى أن هذا الحكم ~~غير مختص بدين محمد عليه الصلاة والسلام ، بل المبالغة في تقرير وجوب ~~الانقطاع كانت مشروعة أيضا في دين إبراهيم عليه السلام ، فتكون المبالغة في ~~تقرير وجوب المقاطعة والمباينة من الكفار أقوى . الثالث : أنه تعالى وصف ~~إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بكونه حليما أي قليل الغضب ، وبكونه ~~أواها أي كثير التوجع والتفجع عند نزول المضار بالناس ، والمقصود أن من كان ~~موصوفا بهذه الصفات كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديدا ، فكأنه قيل : ~~إن إبراهيم مع جلالة قدره ومع كونه موصوفا بالأواهية والحليمية منعه الله ~~تعالى من الاستغفار لأبيه الكافر ، فلأن يكون غيره ممنوعا من هذا المعنى ~~كان أولى . # المسألة الثانية : دل القرآن على أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه . ~~قال تعالى حكاية عنه { واغفر لابى إنه كان من الضالين } ( الشعراء : 86 ) ~~PageV16P166 وأيضا قال عنه : { ربنا اغفر لى ولوالدى } ( إبراهيم : 41 ) ~~وقال تعالى حكاية عنه في سورة مريم قال : { سلام عليك سأستغفر لك ربي } ( ~~مريم : 47 ) وقال أيضا : { لاستغفرن لك } ( الممتحنة : 4 ) وثبت ms4660 أن ~~الاستغفار للكافر لا يجوز . فهذا يدل على صدور هذا الذنب من إبراهيم عليه ~~السلام . # واعلم أنه تعالى أجاب عن هذا الإشكال بقوله : { وما كان استغفار إبراهيم ~~لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه } ( التوبة : 114 ) وفيه قولان : الأول : أن ~~يكون الواعد أبا إبراهيم عليه السلام ، والمعنى : أن أباه وعده أن يؤمن ، ~~فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأجل أن يحصل هذا المعنى ، فلما تبين له ~~أنه لا يؤمن وأنه عدو لله تبرأ منه ، وترك ذلك الاستغفار . الثاني : أن ~~يكون الواعد إبراهيم عليه السلام ، وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء ~~إسلامه { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } والدليل على صحة هذا التأويل ~~قراءة الحسن { وعدها * أباه } بالباء ، ومن الناس من ذكر في الجواب وجهين ~~آخرين . # الوجه الأول : المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإيمان ~~والإسلام ، وكان يقول له آمن حتى تتخلص من العقاب وتفوز بالغفران ، وكان ~~يتضرع إلى الله في أن يرزقه الإيمان / الذي يوجب المغفرة ، فهذا هو ~~الاستغفار ، فلما أخبره الله تعالى بأنه يموت مصرا على الكفر ترك تلك ~~الدعوة . # والوجه الثاني : في الجواب أن من الناس من حمل قوله : { ما كان للنبى ~~والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين } ( التوبة : 113 ) على صلاة الجنازة ، ~~وبهذا الطريق فلا امتناع في الاستغفار للكافر لكون الفائدة في ذلك ~~الاستغفار تخفيف العقاب . قالوا : والدليل على أن المراد ما ذكرناه ، أنه ~~تعالى منع من الصلاة على المنافقين ، وهو قوله : { ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا } ( التوبة : 84 ) وفي هذه الآية عم هذا الحكم ، ومنه من الصلاة ~~على المشركين ، سواء كان منافقا أو كان مظهرا لذلك الشرك وهذا قول غريب . # المسألة الثالثة : اختلفوا في السبب الذي به تبين لإبراهيم أن أباه عدو ~~لله . فقال بعضهم : بالإصرار والموت . وقال بعضهم : بالإصرار وحده . وقال ~~آخرون : لا يبعد أن الله تعالى عرفه ذلك بالوحي ، وعند ذلك تبرأ منه . فكان ~~تعالى يقول : لما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله تبرأ منه ، فكونوا كذلك ، ~~لأني أمرتكم ms4661 بمتابعة إبراهيم في قوله : { واتبع ملة إبراهيم } ( النساء : ~~125 ) . # واعلم أنه تعالى لما ذكر حال إبراهيم في هذه الواقعة . قال : { إن ~~إبراهيم لاواه حليم } ( التوبة : 114 ) واعلم أن اشتقاق الأواه من قول ~~الرجل عند شدة حزنه أوه ، والسبب فيه أن عند الحزن يختنق الروح القلبي في ~~داخل القلب ويشتد حرقه ، فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق من القلب ليخفف ~~بعض ما به هذا هو الأصل في اشتقاق هذا اللفظ ، وللمفسرين فيه عبارات ، روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الأواه : الخاشع المتضرع ) وعن ~~عمر : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأواه ، فقال : ( الدعاء ) ~~ويروى أن زينب تكلمت عند الرسول عليه الصلاة والسلام بما يغير لونه ، فأنكر ~~عمر ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( دعها فإنها أواهة ) قيل يا رسول الله ~~وما الأواهة ؟ قال : ( الداعية الخاشعة المتضرعة ) وقيل : معنى كون إبراهيم ~~عليه السلام أواها ، كلما ذكر PageV16P167 لنفسه تقصيرا أو ذكر له شيء من ~~شدائد الآخرة كان يتأوه إشفاقا من ذلك واستعظاما له . وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما : الأواه ، المؤمن بالخشية . وأما وصفه بأنه حليم فهو معلوم . ~~واعلم أنه تعالى إنما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام ، لأنه تعالى وصفه ~~بشدة الرقة والشفقة والخوف والوجل ، ومن كذلك فإنه تعظم رقته على أبيه ~~وأولاده ، فبين تعالى أنه مع هذه العادة تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه ، لما ~~ظهر له إصراره على الكفر ، فأنتم بهذا المعنى أولى ، وكذلك وصفه أيضا بأنه ~~حليم ، لأن أحد أسباب الحلم رقة القلب ، وشدة العطف لأن المرء إذا كان حاله ~~هكذا اشتد حلمه عند الغضب . # ! 7 < { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن ~~الله بكل شيء عليم * إن الله له ملك السماوات والا رض يحى ويميت وما لكم من ~~دون الله من ولى ولا نصير } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 115 - 116 ) وما كان الله . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما منه المؤمنين من أن يستغفروا ~~للمشركين ، والمسلمون كانوا ms4662 قد استغفروا للمشركين قبل نزول هذه الآية ، ~~فإنهم قبل نزول هذه الآية كانوا يستغفرون لآبائهم وأمهاتهم وسائر أقربائهم ~~ممن مات على الكفر ، فلما نزلت هذه الآية خافوا بسبب ما صدر عنهم قبل ذلك ~~من الاستغفار للمشركين . وأيضا فإن أقواما من المسلمين الذين استغفروا ~~للمشركين ، كانوا قد ماتوا قبل نزول هذه الآية ، فوقع الخوف عليهم في قلوب ~~المسلمين أنه كيف يكون حالهم ، فأزال الله تعالى ذلك الخوف عنهم بهذه الآية ~~، وبين أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن ~~يتقوه ويحترزوا عنه . فهذا وجه حسن في النظم . وقيل : المراد إن من أول ~~السورة إلى هذا الموضع في بيان المنع من مخالطة الكفار والمنافقين ، ووجوب ~~مباينتهم ، والاحتراز عن موالاتهم ، فكأنه قيل : إن الإله الرحيم الكريم ~~كيف يليق به هذا التشديد الشديد في حق هؤلاء الكفار والمنافقين ؟ فأجيب عنه ~~بأنه تعالى لا يؤاخذ أقواما بالعقوبة بعد إذ دعاهم إلى الرشد حتى يبين لهم ~~ما يجب عليهم أن يتقوه ، فأما بعد أن فعل ذلك وأزاح العذر وأزال العلة فله ~~أن يؤاخذهم بأشد أنواع المؤاخذة والعقوبة . وفي قوله تعالى : { ليضل } وجوه ~~: الأول : أن المراد أنه أضله عن طريق الجنة ، أي صرفه عنه ومنعه من التوجه ~~إليه . والثاني : قالت المعتزلة : المراد من هذا الإضلال الحكم عليهم ~~بالضلال . واحتجوا بقول الكميت : # % وطائفة قد أكفروني بحبكم PageV16P168 # وقال أبو بكر الأنباري : هذا التأويل فاسد ، لأن العرب إذا أرادوا ذلك ~~المعنى قالوا : ضلل يضلل ، واحتجاجهم ببيت الكميت باطل ، لأنه لا يلزم من ~~قولنا أكفر في الحكم صحة قولنا أضل . / وليس كل موضع صح فيع فعل صح أفعل . ~~ألا ترى أنه يجوز أن يقال كسره ، ولا يجوز أن يقال أكسره ، بل يجب فيه ~~الرجوع إلى السماع . # والوجه الثالث : في تفسير الآية ، وما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم ~~بعد الهدى ، حتى يكون منهم الأمر الذي به يستحق العقاب . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : حاصل الآية أنه تعالى لا يؤاخذ أحدا ~~إلا بعد أن يبين له كون ms4663 ذلك الفعل قبيحا ، ومنهيا عنه . وقرر ذلك بأنه عالم ~~بكل المعلومات ، وهو قوله : { أن الله بكل شىء عليم } وبأنه قادر على كل ~~الممكنات ، وهو قوله : { له ملك السماوات والارض * لا إلاه } فكان التقدير ~~: أن من كان عالما قادرا هكذا ، لم يكن محتاجا ، والعالم القادر الغني لا ~~يفعل القبيح والعقاب قبل البيان . وإزالة العذر قبيح ، فوجب أن لا يفعله ~~الله تعالى ، فنظم الآية إنما يصح إذا فسرناها بهذا الوجه ، وهذا يقتضي أنه ~~يقبح من الله تعالى الابتداء بالعقاب وأنتم لا تقولون به . # والجواب : أن ما ذكرتموه يدل على أنه تعالى لا يعاقب إلا بعد التبيين ، ~~وإزالة العذر وإزاحة العلة ، وليس فيها دلالة على أنه تعالى ليس له ذلك ، ~~فسقط ما ذكرتموه في هذا الباب . # ثم قال تعالى : { له ملك السماوات والارض * لا إلاه } في ذكر هذا المعنى ~~ههنا فوائد : إحداها : أنه تعالى لما أمر بالبراءة من الكفار بين أنه له ~~ملك السموات والأرض / فإذا كان هو ناصرا لكم ، فهم لا يقدرون على إضراركم ، ~~وثانيها : أن القوم من المسلمين قالوا : لما أمرتنا بالانقطاع من الكفار ، ~~فحينئذ لا يمكننا أن نختلط بآبائنا وأولادنا وإخواننا لأنه ربما كان الكثير ~~منهم كافرين ، والمراد أنكم إن صرتم محرومين عن معاونتهم ومناصرتهم . ~~فالإله الذي هو المالك للسموات والأرض والمحيي والمميت ناصركم ، فلا يضركم ~~أن ينقطعوا عنكم . وثالثها : أنه تعالى لما أمر بهذه التكاليف الشاقة كأنه ~~قال وجب عليكم أن تنقادوا لحكمي وتكليفي لكوني إلهكم ولكونكم عبيدا لي . # ! 7 < { لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والا نصار الذين اتبعوه فى ~~ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف ~~رحيم } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 117 ) لقد تاب الله . . . . . # > > PageV16P169 # / اعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك وبين أحوال ~~المتخلفين عنها ، وأطال القول في ذلك على الترتيب الذي لخصناه في هذا ~~التفسير ، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها . ومن بقية تلك ~~الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله ms4664 صلى الله عليه وسلم نوع زلة جارية مجرى ~~ترك الأولى ، وصدر أيضا عن المؤمنين نوع زلة ، فذكر تعالى أنه تفضل عليهم ~~وتاب عليهم في تلك الزلات . فقال : { لقد تاب الله على النبى } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : دلت الأخبار على أن هذا السفر كان شاقا شديدا على ~~الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى المؤمنين ، على ما سيجيء شرحها ، وهذا ~~يوجب الثناء ، فكيف يليق بها قوله : { لقد تاب الله على النبى والمهاجرين } ~~. # والجواب من وجوه : الأول : أنه صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء من ~~باب ترك الأفضل ، وهو المشار إليه بقوله تعالى : { عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم } ( التوبة : 43 ) وأيضا لما اشتد الزمان في هذه الغزوة على المؤمنين ~~على ما سيجيء شرحها ، فربما وقع في قلبهم نوع نفرة عن تلك السفرة ، وربما ~~وقع في خاطر بعضهم أنا لسنا نقدر على الفرار . ولست أقول عزموا عليه ، بل ~~أقول وساوس كانت تقع في قلوبهم ، فالله تعالى بين في آخر هذه السورة أنه ~~بفضله عفا عنها . فقال : { لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والانصار ~~الذين اتبعوه } . # والوجه الثاني : في الجواب أن الإنسان طول عمره لا ينفك عن زلات وهفوات ، ~~إما من باب الصغائر ، وإما من باب ترك الأفضل . ثم إن النبي عليه السلام ~~وسائر المؤمنون لما تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه ، وصبروا على تلك ~~الشدائد والمحن ، أخبر الله تعالى أن تحمل تلك الشدائد صار مكفرا لجميع ~~الزلات التي صدرت عنهم في طول العمر ، وصار قائما مقام التوبة المقرونة ~~بالإخلاص عن كلها . فلهذا السبب قال تعالى : { لقد تاب الله على النبى } ~~الآية . # والوجه الثالث : في الجواب : أن الزمان لما اشتد عليهم في ذلك السفر ، ~~وكانت الوساوس تقع في قلوبهم ، فكلما وقعت وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى ~~الله منها ، وتضرع إلى الله في إزالتها عن قلبه ، فلكثرة إقدامهم على ~~التوبة بسبب خطرات تلك الوساوس ببالهم ، قال تعالى : { لقد تاب الله على ~~النبى } الآية . # والوجه الرابع : لا يبعد أن يكون قد صدر عن أولئك ms4665 الأقوام أنواع من ~~المعاصي ، إلا أنه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم لأجل أنهم تحملوا مشاق ذلك ~~السفر ، ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ذكرهم تنبيها ~~على عظم مراتبهم في الدين . وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي / لأجلها ، ضم ~~الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم في قبول التوبة . # المسألة الثانية : في المراد بساعة العسرة قولان : # القول الأول : أنها مختصة بغزوة تبوك ، والمراد منها الزمان الذي صعب ~~الأمر عليهم جدا في ذلك السفر والعسرة تعذر الأمر وصعوبته . قال جابر : ~~حصلت عسرة الظهر وعسرة الماء وعسرة الزاد . أما عسرة PageV16P170 الظهر : ~~فقال الحسن : كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم ، ~~وأما عسرة الزاد ، فربما مص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها حتى لا يبقى ~~من التمرة إلا النواة ، وكان معهم شيء من شعير مسوس / فكان أحدهم إذا وضع ~~اللقمة في فيه أخذ أنفه من نتن اللقمة . وأما عسرة الماء : فقال عمر : ~~خرجنا في قيظ شديد وأصابنا فيه عطش شديد ، حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر ~~فرثه ويشربه . # واعلم أن هذه الغزوة تسمى غزوة العسرة ، ومن خرج فيها فهو جيش العسرة . ~~وجهزهم عثمان وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم . # والقول الثاني : قال أبو مسلم : يجوز أن يكون المراد بساعة العسرة جميع ~~الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول وعلى المؤمنين ، فيدخل فيه غزوة ~~الخندق وغيرها . وقد ذكر الله تعالى بعضها في كتابه كقوله تعالى : { وإذا * ~~زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر } ( الأحزاب : 10 ) وقوله : { لقد * ~~صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم } ( آل عمران : 152 ) ~~الآية ، والمقصود منه وصف المهاجرين والأنصار بأنهم اتبعوا الرسول عليه ~~السلام في الأوقات الشديدة والأحوال الصعبة ، وذلك يفيد نهاية المدح ~~والتعظيم . # ثم قال تعالى : { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } وفيه مباحث : # البحث الأول : فاعل { كاد } يجوز أن يكون { قلوب } والتقدير : كاد قلوب ~~فريق منهم تزيغ ، ويجوز أن يكون فيه ضمير الأمر والشأن ، والفعل والفاعل ~~تفسير للأمر والشأن ، والمعنى : كادوا لا يثبتون على اتباع الرسول ms4666 عليه ~~الصلاة والسلام في تلك الغزوة لشدة العسرة . # البحث الثاني : قرأ حمزة وحفص عن عاصم { يزيغ } بالياء لتقدم الفعل ، ~~والباقون بالتاء لتأنيث قلوب ، وفي قراءة عبد الله { من بعد ما * زاغت * ~~قلوب فريق منهم } . # البحث الثالث : { كاد } عند بعضهم تفيد المقاربة فقط ، وعند آخرين تفيد ~~المقارية مع عدم الوقوع ، فهذه التوبة المذكورة توبة عن تلك المقاربة ، ~~واختلفوا في ذلك الذي وقع في قلوبهم . فقيل : هم بعضهم عند تلك الشدة ~~العظيمة أن يفارق الرسول ، لكنه صبر واحتسب . فلذلك قال تعالى : / { ثم تاب ~~عليهم } لما صبروا وثبتوا وندموا على ذلك الأمر اليسير . وقال الأخرون بل ~~كان ذلك لحديث النفس الذي يكون مقدمة العزيمة ، فلما نالتهم الشدة وقع ذلك ~~في قلوبهم ومع ذلك تلافوا هذا اليسير خوفا منه أن يكون معصية . فلذلك قال ~~تعالى : { ثم تاب عليهم } . # فإن قيل : ذكر التوبة في أول الآية وفي آخرها فما الفائدة في التكرار ؟ # قلنا : فيه وجوه : # الوجه الأول : أنه تعالى ابتدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييبا لقلوبهم ~~، ثم ذكر الذنب ثم أردفه مرة أخرى بذكر التوبة ، والمقصود منه تعظيم شأنهم ~~. # والوجه الثاني : أنه إذا قيل : عفا السلطان عن فلان ثم عفا عنه ، دل ذلك ~~على أن ذلك العفو عفو متأكد بلغ الغاية القصوى في الكمال والقوة ، قال عليه ~~الصلاة والسلام : ( إن الله ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة ) وهذا معنى ~~قول ابن عباس في قوله : { ثم تاب عليهم } يريد ازداد عنهم رضا . ~~PageV16P171 # والوجه الثالث : أنه قال : { لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والانصار ~~الذين اتبعوه فى ساعة العسرة } وهذا الترتيب يدل على أن المراد أنه تعالى ~~تاب عليهم من الوساوس التي كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة ، ثم إنه ~~تعالى زاد عليه فقال : { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } فهذه الزيادة ~~أفادت حصول وساوس قوية ، فلا جرم أتبعها تعالى بذكر التوبة مرة أخرى لئلا ~~يبقى في خاطر أحدهم شك في كونهم مؤاخذين بتلك الوساوس . # ثم قال تعالى : { إنه بهم * رءوف * رحيم } وهما ms4667 صفتان لله تعالى ومعناهما ~~متقارب ، ويشبه أن تكون الرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضر / والرحمة ~~عبارة عن السعي في إيصال المنفعة . وقيل : إحداهما للرحمة السالفة ، ~~والأخرى للمستقبلة . # ! 7 < { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 118 ) وعلى الثلاثة الذين . . . . . # > > في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : هذا معطوف على الآية الأولى ، والتقدير : لقد تاب ~~الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا ، والفائدة في هذا العطف أنا بينا أن من ضم ذكر توبته ~~إلى توبة النبي عليه الصلاة والسلام ، كان ذلك دليلا على تعظيمه وإجلاله ، ~~وهذا العطف يوجب أن يكون قبول توبة النبي عليه الصلاة والسلام وتوبة ~~المهاجرين والأنصار في حكم واحد ، وذلك يوجب إعلاء شأنهم وكونهم مستحقين ~~لذلك . # المسألة الثانية : إن هؤلاء الثلاثة هم المذكورون في قوله تعالى : { ~~وءاخرون مرجون لامر الله } واختلفوا في السبب الذي لأجله وصفوا بكونهم ~~خلفين وذكروا وجوها : أحدها : أنه ليس المراد أن هؤلاء أمروا بالتخلف ، أو ~~حصل الرضا من الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك ، بل هو كقولك لصاحبك أين ~~خلفت فلانا فيقول : بموضع كذا لا يريد به أنه أمره بالتخلف بل لعله نهاه ~~عنه وإنما يريد أنه تخلف عنه . وثانيها : لا يمتنع أن هؤلاء الثلاثة كانوا ~~على عزيمة الذهاب إلى الغزو فأذن لهم الرسول عليه الصلاة والسلام قدر ما ~~يحصل الآلات والأدوات فلما بقوا مدة ظهر التواني والكسل فصح أن يقال : ~~خلفهم الرسول . وثالثها : أنه حكى قصة أقوام وهم المرادون بقوله : { ~~وءاخرون مرجون لامر الله } فالمراد من كون هؤلاء مخلفين كونهم مؤخرين في ~~قبول التوبة عن الطائفة الأولى . قال كعب بن مالك وهو أحد هؤلاء الثلاثة : ~~قول الله تعالى في حقنا : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } ليس من تخلفنا إنما ~~هو تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا ليشير به إلى قوله : { ~~وءاخرون ms4668 مرجون لامر الله } . PageV16P172 # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { خلفوا } أي خلفوا ~~الغازين بالمدينة ، أي صاروا خلفاء للذين ذهبوا إلى الغزو وفسدوا من ~~الخالفة وخلوف الفم ، وقرأ جعفر الصادق { * خالفوا } وقرأ الأعمش وعلى ~~الثلاثة المخلفين . # المسألة الرابعة : هؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك الشاعر ، وهلال بن أمية ~~الذي نزلت فيه آية اللعان ، ومرارة بن الربيع ، وللناس في هذه القصة قولان ~~: # القول الأول : أنهم ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة والسلام ، قال الحسن : ~~كان لأحدهم أرض ثمنها مائة ألف درهم فقال : يا أرضاه ما خلفني عن رسول الله ~~إلا أمرك ، إذهبي فأنت في سبيل الله فلأكابدن المفاوز حتى أصل إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفعل ، وكان للثاني أهل فقال : يا أهلاه ما خلفني عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمرك فلأكابدن المفاوز حتى أصل إليه وفعل ~~، والثالث : ما كان له مال ولا أهل فقال : مالي سبب إلا الضن بالحياة والله ~~لأكابدن المفاوز حتى / أصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحقوا ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى { تعملون وءاخرون مرجون لامر ~~الله } . # والقول الثاني : وهو قول الأكثرين أنهم ما ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة ~~والسلام قال كعب : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب حديثي فلما أبطأت ~~عنه في الخروج قال عليه الصلاة والسلام : ( ما الذي حبس كعبا ) فلما قدم ~~المدينة اعتذر المنافقون فعذرهم وأتيته وقلت : إن كراعي وزادي كان حاضرا ~~واحتبست بذنبي فاستغفر لي فأبى الرسول ذلك ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام ~~نهى عن مجالسة هؤلاء الثلاثة ، وأمر بمباينتهم حتى أمر بذلك نساءهم ، فضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت ، وجاءت امرأة هلال بن أمية وقالت : يا رسول الله لقد ~~بكى هلال حتى خفت على بصره حتى إذا مضى خمسون يوما أنزل الله تعالى : { لقد ~~تاب الله على النبى والمهاجرين } وأنزل قوله : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا ~~} فعند ذلك خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرته وهو عند أم سلمة ~~فقال : ( الله أكبر قد أنزل ms4669 الله عذر أصحابنا ) فلما صلى الفجر ذكر ذلك ~~لأصحابه وبشرهم بأن الله تاب عليهم ، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتلا عليهم ما نزل فيهم . فقال كعب : توبني إلى الله تعالى أن أخرج ~~مالي صدقة فقال : ( لا ) قلت : فنصفه قال : ( لا ) قلت : فثلثه قال : ( نعم ~~) واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الثلاثة بصفات ثلاثة . # الصفة الأولى : قوله : { حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت } قال ~~المفسرون : معناه : أن النبي عليه الصلاة والسلام صار معرضا عنهم ومنع ~~المؤمنين من مكالمتهم وأمر أزواجهم باعتزالهم وبقوا على هذه الحالة خمسين ~~يوما ، وقيل : أكثر ، ومعنى { وضاقت عليهم * الارض بما رحبت } تقدم تفسيره ~~في هذه السورة . # والصفة الثانية : قوله : { وضاقت عليهم أنفسهم } والمراد ضيق صدورهم بسبب ~~الهم والغم ومجانبة الأولياء والأحباء ، ونظر الناس لهم بعين الإهانة . # الصفة الثالثة : قوله : { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } ويقرب ~~معناه من قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه : ( أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ ~~بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك ) ومن الناس من قال معنى قوله : { وظنوا } أي ~~علموا كما في قوله : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) ~~والدليل عليه أنه تعالى ذكر PageV16P173 هذا الوصف في حقهم في معرض المدح ~~والثناء ، ولا يكون كذلك إلا وكانوا عالمين بأنه لا ملجأ من الله إلا إليه ~~. وقال آخرون : وقف أمرهم على الوحي وهم ما كانوا قاطعين أن الله ينزل ~~الوحي ببراءتهم عن النفاق ولكنهم كانوا يجوزون أن تطول المدة في بقائهم في ~~الشدة فالطعن / عاد إلى تجويز كون تلك المدة قصيرة ، ولما وصفهم الله بهذه ~~الصفات الثلاث ؛ قال : { ثم تاب عليهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه لا بد ههنا من إضمار . والتقدير : حتى إذا ~~ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله ~~إلا إليه . تاب عليهم ثم تاب عليهم ، فما الفائدة في هذا التكرير ؟ # قلنا : هذا التكرير حسن للتأكيد كما أن السلطان إذا أراد أن يبالغ في ~~تقرير العفو لبعض عبيده ms4670 يقول عفوت عنك ثم عفوت عنك . # فإن قيل : فما معنى قوله : { ثم تاب عليهم ليتوبوا } . # قلنا فيه وجوه : الأول : قال أصحابنا المقصود منه بيان أن فعل العبد ~~مخلوق لله تعالى فقوله : { ثم تاب عليهم } يدل على أن التوبة فعل الله ~~وقوله : { ليتوبوا } يدل على أنها فعل العبد ، فهذا صريح قولنا ، ونظيره { ~~فليضحكوا } مع قوله : { وأنه هو أضحك وأبكى } وقوله : { كما أخرجك ربك } مع ~~قوله : { إذ أخرجه الذين كفروا } وقوله : { هو الذى يسيركم } مع قوله : { ~~قل سيروا } والثاني : المراد تاب الله عليهم في الماضي ليكون ذلك داعيا لهم ~~إلى التوبة في المستقبل . والثالث : أصل التوبة الرجوع ، فالمراد ثم تاب ~~عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين / وزوال المباينة ~~فتسكن نفوسهم عند ذلك . الرابع : { ثم تاب عليهم ليتوبوا } أي ليدوموا على ~~التوبة ، ولا يراجعوا ما يبطلها . الخامس : { ثم تاب عليهم } لينتفعوا ~~بالتوبة ويتوفر عليهم ثوابها وهذان النفعان لا يحصلان إلا بعد توبة الله ~~عليهم . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب ~~على الله عقلا قالوا : لأن شرائط التوبة في حق هؤلاء قد حصلت من أول الأمر ~~. ثم إنه عليه الصلاة والسلام ما قبلهم ولم يلتفت إليهم وتركهم مدة خمسين ~~يوما أو أكثر ، ولو كان قبول التوبة واجبا عقلا لما جاز ذلك . # أجاب الجبائي عنه بأن قال : يقال إن تلك التوبة صارت مقبولة من أول الأمر ~~، لكنه يقال : أراد تشديد التكليف عليهم لئلا يتجرأ أحد على التخلف عن ~~الرسول فيما يأمر به من جهاد وغيره . وأيضا لم يكن نهيه عليه الصلاة ~~والسلام عن كلامهم عقوبة ، بل كان على سبيل التشديد في التكليف . قال ~~القاضي : وإنما خص الرسول عليه الصلاة والسلام هؤلاء الثلاثة بهذا التشديد ~~، لأنهم أذعنوا بالحق واعترفوا بالذنب ، فالذي يجري عليهم ، وهذه حالهم ~~يكون في الزجر أبلغ مما يجري على من يظهر العذر من المنافقين . # / والجواب : أنا متمسكون بظاهر قوله تعالى : { ثم تاب عليهم } وكلمة { ثم ~~} للتراخي ، فمقتضى هذا اللفظ تأخير قبول التوبة ، فإن حملتم ذلك ms4671 على تأخير ~~إظهار هذا القبول كان ذلك عدولا عن الظاهر من غير دليل . PageV16P174 # فإن قالوا : الموجب لهذا العدول قوله تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن ~~عباده } . # قلنا : صيغة يقبل للمستقبل ، وهو لا يفيد الفور أصلا بالإجماع ، ثم إنه ~~تعالى ختم الآية بقوله : { إن الله هو التواب الرحيم } . # واعلم أن ذكر الرحيم عقيب ذكر التواب ، يدل على أن قبول التوبة لأجل محض ~~الرحمة والكرم ، لا لأجل الوجوب ، وذلك يقوي قولنا في أنه لا يجب عقلا على ~~الله قبول التوبة . # ! 7 < { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 119 ) يا أيها الذين . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما حكم بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ، ذكر ما يكون ~~كالزاجر عن فعل ما مضى ، وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الجهاد فقال : { مستقيم ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } في مخالفة أمر ~~الرسول { وكونوا مع الصادقين } يعني مع الرسول وأصحابه في الغزوات ، ولا ~~تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين ، ومتى وجب ~~الكون مع الصادقين فلا بد من وجود الصادقين في كل وقت ، وذلك يمنع من إطباق ~~الكل على الباطل ، ومتى امتنع إطباق الكل على الباطل ، وجب إذا أطبقوا على ~~شيء أن يكونوا محقين . فهذا يدل على أن إجماع الأمة حجة . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المراد بقوله : { كونوا * مع الصادقين } ~~أي كونوا على طريقة الصادقين ، كما أن الرجل إذا قال لولده : كن مع ~~الصالحين ، لا يفيد إلا ذلك سلمنا ذلك ، لكن نقول : إن هذا الأمر كان ~~موجودا في زمان الرسول فقط ، فكان هذا أمرا بالكون مع الرسول ، فلا يدل على ~~وجود صادق في سائر الأزمنة سلمنا ذلك ، لكن لم لا يجوز أن يكون الصادق هو ~~المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما تقوله الشيعة ؟ # والجواب عن الأول : أن قوله : { كونوا * مع الصادقين } أمر بموافقة ~~الصادقين ، ونهى عن مفارقتهم ، وذلك مشروط بوجود الصادقين وما لا ms4672 يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب ، فدلت هذه / الآية على وجود الصادقين . وقوله : ~~إنه محمول على أن يكونوا على طريقة الصادقين . فنقول : إنه عدول عن الظاهر ~~من غير دليل . قوله : هذا الأمر مختص بزمان الرسول عليه الصلاة والسلام . # قلنا : هذا باطل لوجوه : الأول : أنه ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد ~~عليه الصلاة والسلام أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة على المكلفين ~~إلى قيام القيامة ، فكان الأمر في هذا التكليف كذلك . والثاني : أن الصيغة ~~تتناول الأوقات كلها بدليل صحة الاستثناء . والثالث : لما لم يكن الوقت ~~المعين مذكورا في لفظ الآية لم يكن حمل الآية على البعض أولى من حمله على ~~الباقي ، فأما أن لا يحمل على شيء من الأوقات فيفضي إلى التعطيل وهو باطل ، ~~أو على الكل وهو المطلوب ، والرابع : وهو أن قوله : { الذين ءامنوا اتقوا ~~الله حق } أمر لهم بالتقوى ، وهذا الأمر إنما يتناول من يصح منه أن لا يكون ~~متقيا ، وإنما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ ، فكانت الآية دالة على أن من ~~كان جائز الخطأ وجب كونه مقتديا بمن PageV16P175 كان واجب العصمة ، وهم ~~الذين حكم الله تعالى بكونهم صادقين ، فهذا يدل على أنه واجب على جائز ~~الخطأ كونه مع المعصوم عن الخطأ حتى يكون المعصوم عن الخطأ مانعا لجائز ~~الخطأ عن الخطأ ، وهذا المعنى قائم في جميع الأزمان ، فوجب حصوله في كل ~~الأزمان . قوله : لم لا يجوز أن يكون المراد هو كون المؤمن مع المعصوم ~~الموجود في كل زمان ؟ # قلنا : نحن نعترف بأنه لا بد من معصوم في كل زمان ، إلا أنا نقول : ذلك ~~المعصوم هو مجموع الأمة ، وأنتم تقولون : ذلك المعصوم واحد منهم ، فنقول : ~~هذا الثاني باطل ، لأنه تعالى أوجب على كل واحد من المؤمنين أن يكون مع ~~الصادقين ، وإنما يمكنه ذلك لو كان عالما بأن ذلك الصادق من هو لا الجاهل ~~بأنه من هو ، فلو كان مأمورا بالكون معه كان ذلك تكليف ما لا يطاق ، وأنه ~~لا يجوز ، لكنا لا نعلم إنسانا معينا موصوفا بوصف العصمة ms4673 ، والعلم بأنا لا ~~نعلم هذا الإنسان حاصل بالضرورة / فثبت أن قوله : { وكونوا مع الصادقين } ~~ليس أمرا بالكون مع شخص معين ، ولما بطل هذا بقي أن المراد منه الكون مع ~~مجموع الأمة ، وذلك يدل على أن قول مجموع الأمة حق وصواب ولا معنى لقولنا ~~الإجماع إلا ذلك . # المسألة الثانية : الآية دالة على فضل الصدق وكمال درجته ، والذي يؤيده ~~من الوجوه الدالة على أن الأمر كذلك وجوه : الأول : روي أن واحدا جاء إلى ~~النبي عليه السلام وقال : إني رجل أريد أن أومن بك إلا أني أحب الخمر ~~والزنا والسرقة والكذب ، والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة لي ~~على تركها بأسرها ، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك ، فقال عليه ~~السلام / ( اترك الكذب ) فقبل ذلك ثم أسلم ، فلما خرج من عند النبي عليه ~~السلام عرضوا عليه الخمر ، فقال : إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت ~~فقد نقضت العهد ، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها ثم عرضوا عليه الزنا ، ~~فجاء ذلك الخاطر فتركه ، وكذا في السرقة ، فعاد إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال : ما أحسن ما فعلت ، لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب ~~المعاصي علي ، وتاب عن الكل . الثاني : روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ~~قال : عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البر والبر يقرب إلى الجنة ، وإن العبد ~~ليصدق فيكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب ، فإن الكذب يقرب إلى الفجور . ~~والفجور يقرب إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ، ألا ~~ترى أنه يقال صدقت وبررت وكذبت وفجرت ، الثالث : قيل في قوله تعالى حكاية ~~عن إبليس : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين } ( ص: 82 ~~، 83 ) إن إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء ، لأنه لو لم يذكره لصار كاذبا في ~~ادعاء إغواء الكل ، فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء ، وإذا كان ~~الكذب شيئا يستنكف منه إبليس ، فالمسلم أولى أن يستنكف منه . الرابع : من ~~فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات ، ومن معايب الكذب ms4674 أن الكفر ~~منه لا من سائر الذنوب ، واختلف الناس في أن المقتضي لقبحه ما هو ؟ فقال ~~أصحابنا : المقتضي بقبحه هو كونه مخلا لمصالح العالم ومصالح النفس ، وقالت ~~المعتزلة : المقتضى لقبحه هو كونه كذبا ودليلنا قوله تعالى : { رحيم ياأيها ~~الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا ~~على ما فعلتم نادمين } ( الحجرات : 6 ) يعني لا تقبلوا قول الفاسق فربما ~~كان كذبا ، فيتولد عن قبول ذلك الكذب فعل تصيرون نادمين عليه ، وذلك يدل ~~على أنه تعالى إنما أوجب رد ما يجوز كونه كذبا لاحتمال كونه مفضيا إلى ما ~~يضاد المصالح ، فوجب أن يكون المقتضى لقبح الكذب إفضاءه إلى المفاسد ، ~~واحتج القاضي PageV16P176 على قوله بأن من دفع إلى طلب منفعة أو دفع مضرة ~~وأمكنه الوصول إلى ذلك بأن يكذب وبأن يصدق فقد علم ببديهة العقل أنه لا ~~يجوز أن يعدل عن الصدق إلى الكذب ، ولو أمكنه أن يصل إلى ذلك بصدقين لجاز ~~أن يعدل من أحدهما إلى الآخر ، فلو كان الكذب يحسن لمنفعة أو إزالة مضرة ~~لكان حاله حال الصدق . ولما لم يكن كذلك علم أنه لا يكون إلا قبيحا ، ولأنه ~~لو جاز أن يحسن لوجب أن يجوز أن يأمر الله تعالى به إذا كان مصلحة ، وذلك ~~يؤدي إلى أن لا يوثق بأخباره ، هذا ما ذكره في التفسير فيقال له في الجواب ~~عن الأول إن الإنسان لما تقرر عنده من أول عمره تقبيح الكذب لأجل كونه مخلا ~~لمصالح العالم صار ذلك نصب عينه وصورة خياله فتلك الصورة النادرة إذا اتفقت ~~للحكم عليها حكمت العادة الراسخة عليها بالقبح ، فلو فرضتم كون الإنسان ~~خاليا عن هذه العادة وفرضتم / استواء الصدق والكذب في الإفضاء إلى المطلوب ~~/ فعلى هذا التقدير لا نسلم حصول الترجيح ، ويقال له في الجواب عن الحجة ~~الثانية ، إنكم تثبتون امتناع الكذب على الله تعالى بكونه قبيحا لكونه كذبا ~~، فلو أثبتم هذا المعنى بامتناع صدوره عن الله لزم الدور وهو باطل . # ! 7 < { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الا ms4675 عراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذالك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة فى سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة ~~صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا ~~يعملون } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 120 - 121 ) ما كان لأهل . . . . . # > > # اعلم أن الله تعالى لما أمر بقوله : { وكونوا مع الصادقين } بوجوب الكون ~~في موافقة الرسول عليه السلام في جميع الغزوات والمشاهد ، أكد ذلك فنهى في ~~هذه الآية عن التخلف عنه . فقال : { ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من ~~الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله } والأعراب الذين كانوا حول المدينة مزينة ~~، وجهينة ، وأشجع ، وأسلم ، وغفار ، هكذا قاله ابن عباس . وقيل : بل هذا ~~يتناول جميع الأعراب الذين كانوا حول المدينة فإن اللفظ عام ، والتخصيص ~~تحكم ، وعلى القولين فليس لهم أن يتخلفوا عن رسول الله ، ولا يطلبوا ~~لأنفسهم الحفظ والدعة حال ما يكون رسول الله في الحر والمشقة ، وقوله : { ~~ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } يقال : رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي توقفت عنه ~~/ وتركته ، وأنا أرغب بفلان عن هذا أي أبخل به عليه ولا أتركه . والمعنى : ~~ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول عليه الصلاة والسلام لنفسه . ~~PageV16P177 # واعلم أن ظاهر هذه الألفاظ وجوب الجهاد على كل هؤلاء إلا أنا نقول : ~~المرضى والضعفاء والعاجزون مخصوصون بدليل العقل وأيضا بقوله تعالى : { لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) وأيضا بقوله : { ليس على ~~الاعمى حرج } ( النور : 61 الفتح : 17 ) الآية وأما أن الجهاد غير واجب على ~~كل أحد بعينه ، فقد دل الإجماع عليه فيكون مخصوصا من هذا العموم وبقي ما ~~وراء هاتين الصورتين داخلا تحت هذا العموم . # واعلم أنه تعالى لما منع من التخلف بين أنه لا يصيبهم في ذلك السفر نوع ~~من أنواع المشقة إلا وهو يوجب الثواب العظيم عند الله تعالى ثم ms4676 إنه ذكر ~~أمورا خمسة : أولها : قوله : { ذالك بأنهم لا يصيبهم ظمأ } وهو شدة العطش ~~يقال ظمىء فلان إذا اشتد عطشه . وثانيها : قوله : { ولا نصب } ومعناه ~~الإعياء والتعب . وثالثها : { ولا مخمصة فى سبيل الله } يريد مجاعة شديدة ~~يظهر بها ضمور البطن ومنه يقال : فلان خميص البطن . ورابعها : قوله : { ولا ~~* معه أشداء على الكفار } أي ولا يضع الإنسان قدمه ولا يضع فرسه حافره ، ~~ولا يضع بعيره خفه بحيث يصير ذلك سببا لغيظ الكفار قال ابن الأعرابي : يقال ~~غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى واحد ، أي أغضبه . وخامسها : قوله : { ولا ينالون ~~من عدو نيلا } أي أسرا وقتلا وهزيمة قليلا كان أو كثيرا { إلا كتب لهم به ~~عمل صالح } أي إلا كان ذلك قربة لهم عند الله ونقول دلت هذه الآية على أن ~~من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيته وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة ~~عند الله . وكذا القول في طرف المعصية فما أعظم بركة الطاعة وما أعظم شؤم ~~المعصية ، واختلفوا فقال قتادة : هذا الحكم من خواص رسول الله إذا غزا ~~بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر . وقال ابن زيد : هذا حين كان ~~المسلمون قليلين فلما كثروا نسخها الله تعالى بقوله : { وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة } ( التوبة : 122 ) وقال عطية ما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول ~~الله إذا دعاهم وأمرهم وهذا هو الصحيح ، لأنه تتعين الإجابة والطاعة لرسول ~~الله إذا أمر وكذلك غيره من الولاة والأئمة إذا ندبوا وعينوا لأنا لو سوغنا ~~للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض ولأدى ذلك إلى تعطيل الجهاد . # ثم قال : { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة } يريد تمرة فما فوقها ~~وعلاقة سوط فما فوقها ولا يقطعون واديا ، والوداي كل مفرج بين جبال وآكام ~~يكون مسلكا للسيل ، والجمع الأودية إلا كتب الله لهم ذلك الإنفاق وذلك ~~المسير . # ثم قال : { ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون } وفيه وجهان : الأول : أن ~~الأحسن من / صفة فعلهم ، وفيها الواجب والمندوب والمباح والله تعالى يجزيهم ~~على الأحسن ، وهو الواجب والمندوب ms4677 ، دون المباح . والثاني : أن الأحسن صفة ~~للجزاء ، أي يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل ، وهو الثواب . # ! 7 < { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } . > 7 ~~@QB@ < # | التوبة : ( 122 ) وما كان المؤمنون . . . . . # > > PageV16P178 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه يمكن أن يقال : هذه الآية من بقية أحكام ~~الجهاد ، ويمكن أن يقال : إنها كلام مبتدأ لا تعلق لها بالجهاد . # أما الاحتمال الأول : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه السلام ~~كان إذا خرج إلى الغزو لم يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب عذر . فلما بالغ ~~الله سبحانه في عيوب المنافقين في غزوة تبوك قال المؤمنون : والله لا نتخلف ~~عن شيء من الغزوات مع الرسول عليه السلام ولا عن سرية . فلما قدم الرسول ~~عليه السلام المدينة ، وأرسل السرايا إلى الكفار ، نفر المسلمون جميعا إلى ~~الغزو وتركوه وحده بالمدينة ، فنزلت هذه الآية . والمعنى : أنه لا يجوز ~~للمؤمنين أن ينفروا بكليتهم إلى الغزو والجهاد ، بل يجب أن يصيروا طائفتين ~~. تبقى طائفة في خدمة الرسول ، وتنفر طائفة أخرى إلى الغزو ، وذلك لأن ~~الإسلام في ذلك الوقت كان محتاجا إلى الغزو والجهاد وقهر الكفار ، وأيضا ~~كانت التكاليف تحدث والشرائع تنزل ، وكان بالمسلمين حاجة إلى من يكون مقيما ~~بحضرة الرسول عليه السلام فيتعلم تلك الشرائع ، ويحفظ تلك التكاليف ويبلغها ~~إلى الغائبين . فثبت أن في ذلك الوقت كان الواجب انقسام أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى قسمين ، أحد القسمين ينفرون إلى الغزو والجهاد ، ~~والثاني : يكونون مقيمين بحضرة الرسول ، فالطائفة النافرة إلى الغزو يكونون ~~نائبين عن المقيمين في الغزو ، والطائفة المقيمة يكونون نائبين عن النافرين ~~، في التفقه ، وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين . # إذا عرفت هذا فنقول على هذا القول احتمالان : أحدهما : أن تكون الطائفة ~~المقيمة هم الذين / يتفقهون في الدين بسبب أنهم لما لازموا خدمة الرسول ~~عليه الصلاة والسلام وشاهدوا الوحي والتنزيل فكلما نزل تكليف وحدث شرع ~~عرفوه ms4678 وضبطوه ، فإذا رجعت الطائفة النافرة من الغزو إليهم ، فالطائفة ~~المقيمة ينذرونهم ما تعلموه من التكاليف والشرائع ، وبهذا التقرير فلا بد ~~في الآية من إضمار ، والتقدير : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ، وأقامت ~~طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ولينذروا قومهم ، يعني النافرين إلى الغزو ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي الله تعالى عند ذلك التعلم . # والاحتمال الثاني : هو أن يقال : التفقه صفة للطائفة النافرة وهذا قول ~~الحسن . ومعنى الآية فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة حتى تصير هذه الطائفة ~~النافرة فقهاء في الدين ، وذلك التفقه المراد منه أنهم يشاهدون ظهور ~~المسلمين على المشركين ، وأن العدد القليل منهم يغلبون العالم من المشركين ~~، فحينئذ يعلمون أن ذلك بسبب أن الله تعالى خصهم بالنصرة والتأييد وأنه ~~تعالى يريد إعلاء دين محمد عليه السلام وتقوية شريعته ، فإذا رجعوا من ذلك ~~النفر إلى قومهم من الكفار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح ~~والظفر لعلهم يحذرون ، فيتركوا الكفر والشك والنفاق ، فهذا القول أيضا ~~محتمل ، وطعن القاضي في هذا القول : قال لأن هذا الحس لا يعد فقها في الدين ~~، ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا شاهدوا أن القوم القليل الذين ليس لهم سلاح ~~ولا زاد يغلبون الجمع العظيم من الكفار الذين كثر زادهم وسلاحهم ، وقويت ~~شوكتهم ، فحينئذ انتبهوا لما هو المقصود وهو أن هذا الأمر من الله تعالى ~~وليس من البشر . إذ لو كان من البشر لما غلب القليل الكثير / ولما بقي هذا ~~الدين في التزايد والتصاعد كل يوم ، فالتنبه لفهم هذه الدقائق PageV16P179 ~~واللطائف لا شك أنه تفقه . # وأما الاحتمال الثالث : وهو أن يقال هذه الآية ليست من بقايا أحكام ~~الجهاد ، بل هو حكم مبتدأ مستقل بنفسه ، وتقريره أن يقال إنه تعالى لما بين ~~في هذه السورة أمر الهجرة ، ثم أمر الجهاد ، وهما عبادتان بالسفر ، بين ~~أيضا عبادة التفقه من جهة الرسول عليه السلام وله تعلق بالسفر . فقال : وما ~~كان المؤمنون لينفروا كافة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين بل ذلك غير ~~واجب وغير جائز ms4679 ، وليس حاله كحال الجهاد معه الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا ~~عذر له . # ثم قال : { فلولا نفر من كل فرقة منهم } يعني من الفرق الساكنين في ~~البلاد ، طائفة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في ا لدين ، وليعرفوا الحلال ~~والحرام ، ويعودوا إلى أوطانهم ، فينذروا ويحذروا قومهم لكي يرجعوا عن ~~كفرهم ، وعلى هذا التقدير يكون المراد وجوب الخروج إلى حضرة الرسول للتفقه ~~والتعلم . # / فإن قيل : أفتدل الآية على وجوب الخروج للتفقه في كل زمان ؟ # قلنا : متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه السفر ، وفي زمان الرسول ~~عليه السلام كان الأمر كذلك ، لأن الشريعة ما كانت مستقرة ، بل كان يحدث كل ~~يوم تكليف جديد وشرع حادث . أما في زماننا فقد صارت الشريعة مستقرة ، فإذا ~~أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم يكن السفر واجبا إلا أنه لما كان لفظ الآية ~~دليلا على السفر لا جرم رأينا أن العلم المبارك المنتفع به لا يحصل إلا في ~~السفر . # المسألة الثانية : في تفسير الألفاظ المذكورة في هذه الآية ( لولا ) إذا ~~دخل على الفعل كان بمعنى التحضيض مثل هلا ، وإنما جاز أن يكون لولا بمعنى ~~هلا ، لأن هلا كلمتان هل وهو استفهام وعرض ، لأنك إذا قلت للرجل هل تأكل ؟ ~~هل تدخل ؟ فكأنك عرضت ذلك عليه ، و ( لا ) وهو جحد ، فهلا مركب من أمرين : ~~العرض ، والجحد . فإذا قلت : هلا فعلت كذا ؟ فكأنك قلت : هل فعلت . ثم قلت ~~معه : ( لا ) أي ما فعلته ، ففيه تنبيه على وجوب الفعل ، وتنبيه على أنه ~~حصل الإخلال بهذا الواجب ، وهكذا الكلام في ( لولا ) لأنك إذا قلت : لولا ~~دخلت علي ، ولولا أكلت عندي . فمعناه أيضا عرض وإخبار عن سرورك به ، لو فعل ~~، وهكذا الكلام في ( لوما ) ومنه قوله : { ما تأتينا بالملئكة } ( الحجر : ~~7 ) فثبت أن لولا وهلا ولوما ألفاظ متقاربة ، والمقصود من الكل الترغيب ~~والتحضيض فقوله : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } أي فهلا فعلوا ذلك . # المسألة الثالثة : هذه الآية حجة قوية لمن يرى أن خبر الواحد حجة ، وقد ~~أطنبنا في تقريره ms4680 في كتاب ( المحصول من الأصول ) ، والذي نقوله ههنا أن كل ~~ثلاثة ؛ فرقة . وقد أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة ، والخارج من ~~الثلاثة يكون اثنين أو واحدا ، فوجب أن يكون الطائفة إما اثنين وإما واحدا ~~، ثم إنه تعالى أوجب العمل بأخبارهم لأن قوله : { ولينذروا قومهم } عبارة ~~عن أخبارهم . وقوله : { لعلهم يحذرون } إيجاب على قومهم أن يعلموا بأخبارهم ~~، وذلك يقتضي أن يكون خبر الواحد أو الاثنين حجة في الشرع . قال القاضي : ~~هذه الآية لا تدل على وجوب العمل بخبر الواحد ، لأن الطائفة قد تكون جماعة ~~يقع بخبرها الحجة ، ولأن قوله : { ولينذروا قومهم } يصح وإن لم يجب القبول ~~كما أن الشاهد الواحد يلزمه الشهادة ، وإن لم يلزم القبول ، ولأن الإنذار ~~يتضمن التخويف ، وهذا القدر لا يقتضي وجوب العمل به . PageV16P180 # والجواب : أما قوله : { * الطائفة } قد تكون جماعة ، فجوابه : أنا بينا ~~أن كل ثلاثة فرقة ، فلما أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة لزم كون ~~الطائفة ، إما اثنين أو واحدا ، وذلك / يبطل كون الطائفة جماعة يحصل العلم ~~بخبرهم . # فإن قالوا : إنه تعالى أوجب العمل بقول أولئك الطوائف ولعلهم بلغوا في ~~الكثرة إلى حيث يحصل العلم بقولهم . # قلنا : إنه تعالى أوجب على كل طائفة أن يرجعوا إلى قومهم وذلك يقتضي رجوع ~~كل طائفة إلى قوم خاص ، ثم إنه تعالى أوجب العلم بقول تلك الطائفة وذلك ~~يفيد المطلوب . # وأما قوله : { الدين ولينذروا قومهم } يصح وإن لم يجب القبول . فنقول إنا ~~لا نتمسك في وجوب العمل بخبر الواحد بقوله : { ولينذروا } بل بقوله : { ~~لعلهم يحذرون } ترغيب منه تعالى في الحذر ، بناء على أن ذلك الإنذار يقتضي ~~إيجاب العمل على وفق ذلك الإنذار ، وبهذا الجواب خرج الجواب عن سؤاله ~~الثالث وهو قوله : الإنذار يتضمن التخويف ، وهذا القدر لا يقتضي وجوب العمل ~~به . # المسألة الرابعة : دلت الآية على أنه يجب أن يكون المقصود من التفقه ~~والتعلم دعوة الخلق إلى الحق ، وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم ~~، لأن الآية تدل على أنه تعالى أمرهم بالتفقه في الدين ms4681 ، لأجل أنهم إذا ~~رجعوا إلى قومهم أنذروهم بالدين الحق ، وأولئك يحذرون الجهل والمعصية ~~ويرغبون في قبول الدين . فكل من تفقه وتعلم لهذا الغرض كان على المنهج ~~القويم والصراط المستقيم ، ومن عدل عنه وطلب الدنيا بالدين كان من الأخسرين ~~أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم ~~غلظة واعلموا أن الله مع المتقين } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 123 ) يا أيها الذين . . . . . # > > اعلم أنه نقل عن الحسن أنه قال : هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال ~~المشركين كافة ، ثم إنها صارت منسوخة بقوله : { قاتلوا * المشركين كافة } ( ~~التوبة : 36 ) وأما المحققون فإنهم أنكروا هذا النسخ وقالوا : إنه تعالى ~~لما أمر بقتال المشركين كافة أرشدهم في ذلك الباب إلى الطريق الأصوب الأصلح ~~، وهو أن يبتدؤا من الأقرب فالأقرب ، منتقلا إلى الأبعد فالأبعد . ألا ترى ~~أن أمر الدعوة وقع على هذا الترتيب قال تعالى : { وأنذر عشيرتك الاقربين } ~~( الشعراء : 214 ) وأمر الغزوات وقع على هذا الترتيب لأنه عليه السلام / ~~حارب قومه ، ثم انتقل منهم إلى غزو سائر العرب ثم انتقل منهم إلى غزو الشام ~~، والصحابة رضي الله عنهم لما فرغوا من أمر الشأم دخلوا العراق . وإنما ~~قلنا : إن الابتداء بالغزو من المواضع القريبة أولى لوجوه : الأول : أن ~~مقابلة الكل دفعة واحدة متعذرة ، ولما تساوى الكل في وجوب القتال لما فيهم ~~من الكفر والمحاربة وامتنع الجمع ، وجب الترجيح ، PageV16P181 والقرب مرجح ~~ظاهر كما في الدعوة ، وكما في سائر المهمات ، ألا ترى أن في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر الابتداء بالحاضر أولى من الذهاب إلى البلاد البعيدة لهذا ~~المهم ، فوجب الابتداء بالأقرب . والثاني : أن الابتداء بالأقرب أولى لأن ~~النفقات فيه أقل ، والحاجة إلى الدواب والآلات والأدوات أقل . الثالث : أن ~~الفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري ~~للفتنة . الرابع : أن المجاورين لدار الإسلام إما أن يكونوا أقوياء أو ~~ضعفاء ، فإن كانوا أقوياء كان تعرضهم لدار الإسلام أشد وأكثر من تعرض ~~الكفار المتباعدين ، والشر الأقوى ms4682 الأكثر أولى بالدفع ، وإن كانوا ضعفاء ~~كان استيلاء المسلمين عليهم أسهل ، وحصول عز الإسلام لسبب انكسارهم أقرب ~~وأيسر ، فكان الابتداء بهم أولى . الخامس : أن وقوف الإنسان على حال من ~~يقرب منه أسهل من وقوفه على حال من يبعد منه ، وإذا كان كذلك كان اقتدار ~~المسلمين على مقاتلة الأقربين أسهل لعلمهم بكيفية أحوالهم وبمقادير أسلحتهم ~~وعدد عساكرهم . السادس : أن دار الإسلام واسعة ، فإذا اشتغل أهل كل بلد ~~بقتال من يقرب منهم من الكفار كانت المؤنة أسهل ، وحصول المقصود أيسر . ~~السابع : أنه إذا اجتمع واجبان وكان أحدهما أيسر حصولا وجب تقديمه ، والقرب ~~سبب السهولة ، فوجب الابتداء بالأقرب . الثامن : أنا بينا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ابتدأ في الدعوة بالأقرب فالأقرب ، وفي الغزو بالأقرب ~~فالأقرب ، وفي جميع المهمات كذلك . فإن الأعرابي لما جلس على المائدة وكان ~~يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة قال عليه السلام له : ( كل مما ~~يليك ) فدلت هذه الوجوه على أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب . # فإن قيل : ربما كان التخطي من الأقرب إلى الأبعد أصلح ، لأن الأبعد يقع ~~في قلبه أنه إنما جاوز الأقرب لأنه لا يقيم له وزنا . # قلنا : ذاك احتمال واحد ، وما ذكرنا احتمالات كثيرة ، ومصالح الدنيا ~~مبنية على ترجيح ما هو أكثر مصلحة على ما هو الأقل ، وهذا الذي قلناه إنما ~~قلناه إذا تعذر الجمع بين مقاتلة الأقرب والأبعد ، أما إذا أمكن الجمع بين ~~الكل ، فلا كلام في أن الأولى هو الجمع ، فثبت أن هذه الآية غير منسوخة ~~ألبتة . # / وأما قوله تعالى : { وليجدوا فيكم غلظة } قال الزجاج : فيها ثلاث لغات ~~، فتح الغين وضمها وكسرها . قال صاحب ( الكشاف ) : الغلظة بالكسر الشدة ~~العظيمة ، والغلظة كالضغطة ، والغلظة كالسخطة ، وهذه الآية تدل على الأمر ~~بالتغليظ عليهم ، ونظيره قوله تعالى : { واغلظ عليهم } ( التوبة : 73 ) ~~وقوله : { ولا تهنوا } ( آل عمران : 139 النساء : 104 ) وقوله في صفحة ~~الصحابة رضي الله عنهم : { أعزة على الكافرين } ( المائدة : 54 ) وقوله : { ~~أشداء على الكفار } ( الفتح : 29 ) وللمفسرين عبارات في تفسير الغلظة ، قيل ~~شجاعة وقيل ms4683 شدة وقيل غيظا . # واعلم أن الغلظة ضد الرقة ، وهي الشدة في إحلال النقمة ، والفائدة فيها ~~أنها أقوى تأثيرا في الزجر والمنع عن القبيح ، ثم إن الأمر في هذا الباب لا ~~يكون مطردا ، بل قد يحتاج تارة إلى الرفق واللطف وأخرى إلى العنف ، ولهذا ~~السبب قال : { وليجدوا فيكم غلظة } تنبيها على أنه لا يجوز الاقتصار على ~~الغلظة ألبتة فإنه ينفر ويوجب تفرق القوم ، فقوله : { وليجدوا فيكم غلظة } ~~يدل على تقليل الغلظة ، كأنه قيل لا بد وأن يكونوا بحيث لو فتشوا على ~~أخلاقكم وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة ، وهذا الكلام إنما يصح فيمن أكثر ~~أحواله الرحمة والرأفة ، ومع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة . PageV16P182 # واعلم أن هذه الغلظة إنما تعتبر فيما يتصل بالدعوة إلى الدين . وذلك إما ~~بإقامة الحجة والبينة ، وإما بالقتال والجهاد ، فإما أن يحصل هذا التغليظ ~~فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة والمؤاكلة فلا . # ثم قال : { واعلموا أن الله مع المتقين } والمراد أن يكون إقدامه على ~~الجهاد والقتال بسبب تقوى الله لا بسبب طلب المال والجاه ، فإذا رآه قبل ~~الإسلام أحجم عن قتاله ، وإذا رآه مال إلى قبوله الجزية تركه ، وإذا كثر ~~العدو أخذ الغنائم على وفق حكم الله تعالى . # ! 7 < { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هاذه إيمانا فأما ~~الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين فى قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } . > 7 @QB@ < # | التوبة : ( 124 - 125 ) وإذا ما أنزلت . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر مخازي المنافقين وذكر أعمالهم القبيحة فقال : ~~وإذا ما أنزلت سورة ، فمن المنافقين من يقول أيكم زادته هذه إيمانا ؟ ~~واختلفوا فقال بعضهم : يقول بعض المنافقين لبعض ، ومقصودهم تثبيتهم قومهم ~~على النفاق ، وقال آخرون : بل يقولونه لأقوام من المسلمين ، وغرضهم صرفهم ~~عن الإيمان . وقال آخرون : بل ذكروه على وجه الهزؤ ، والكل محتمل . ولا ~~يمكن حمله على الكل ، لأن حكاية الحال لا تفيد العموم . ثم إنه تعالى أجاب ~~فقال إنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران ، وحصل للكافرين أيضا ~~أمران . أما ms4684 الذي حصل للمؤمنين : فالأول : هو أنها تزيدهم إيمانا إذ لا بد ~~عند نزولها من أن يقروا بها ويعترفوا بأنها حق من عند الله ، والكلام في ~~زيادة الإيمان ونقصانه قد ذكرناه في أول سورة الأنفال بالاستقصاء . والثاني ~~: ما يحصل لهم من الاستبشار . فمنهم من حمله على ثواب الآخرة ، ومنهم من ~~حمله على ما يحصل في الدنيا من النصر والظفر ، ومنهم من حمله على الفرح ~~والسرور الحاصل بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل به إلى مزيد في ~~الثواب ، ثم جمع للمنافقين أمرين مقابلين للأمرين المذكورين في المؤمنين ، ~~فقال : { وأما الذين فى قلوبهم مرض } يعني المنافقين { فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم } والمراد من الرجس إما العقائد الباطلة أو الأخلاق المذمومة ، فإن ~~كان الأول كان المعنى أنهم كانوا مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك ، والآن ~~صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة ، فقد انضم كفر إلى كفر ، وإن كال الثاني ~~كان المراد أنهم كانوا في الحسد والعداوة واستنباط وجوه المكر والكيد ، ~~والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة الجديدة . # والأمر الثاني : أنهم يموتون على كفرهم ، فتكون هذه الحالة كالأمر المضاد ~~للاستبشار الذي حصل في المؤمنين ، وهذه الحالة أسوأ وأقبح من الحالة الأولى ~~، وذلك لأن الحالة الأولى عبارة عن ازدياد الرجاسة ، وهذه الحالة عبارة عن ~~مداومة الكفر وموتهم عليه . واحتج أصحابنا بقوله : { فزادتهم رجسا إلى ~~رجسهم } على أنه تعالى قد يصد عن الإيمان ويصرف عنه ، قالوا : إنه تعالى ~~كان عالما بأن سماع هذه السورة يورث حصول PageV16P183 الحسد والحقد في ~~قلوبهم ، وأن حصول ذلك الحسد يورث مزيد الكفر في قلوبهم ، أجابوا وقالوا ~~نزول تلك السورة لا يوجب ذلك الكفر الزائد ، بدليل أن الآخرين سمعوا تلك ~~السورة وازدادوا إيمانا . فثبت أن تلك الرجاسة هم فعلوها من قبل أنفسهم . # قلنا : لا ندعي أن استماع هذه السورة سبب مستقل بترجيح جانب الكفر على ~~جانب الإيمان ، بل نقول استماع هذه السورة للنفس المخصوصة والموصوفة بالخلق ~~المعين والعادة المعينة . يوجب / الكفر . والدليل عليه أن الإنسان الحسود ~~لو أراد إزالة خلق الحسد ms4685 عن نفسه ، يمكنه أن يترك الأفعال المشعرة بالحسد ، ~~وأما الحالة القلبية المسماة بالحسد ، فلا يمكنه إزالتها عن نفسه ، وكذا ~~القول في جميع الأخلاق فأصل القدرة غير ، والفعل غير ، والخلق غير ، فإن ~~أصل القدرة حاصل للكل أما الأخلاق فالناس فيها متفاوتون . والحاصل أن النفس ~~الطاهرة النقية عن حب الدنيا الموصوفة باستيلاء حب الله تعالى والآخرة إذا ~~سمعت السورة صار سماعها موجبا لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا / ~~وأما النفس الحريصة على الدنيا المتهالكة على لذاتها الراغبة في طيباتها ~~الغافلة عن حب الله تعالى والآخرة ، إذا سمعت هذه السورة المشتملة على ~~الجهاد وتعريض النفس للقتل والمال للنهب ازداد كفرا على كفره . فثبت أن ~~إنزال هذه السورة في حق هذا الكافر موجب لأن يزيد رجسا على رجس ، فكان ~~إنزالها سببا في تقوية الكفر على قلب الكافر وذلك يدل على ما ذكرنا أنه ~~تعالى قد يصد الإنسان ويمنعه عن الإيمان والرشد ويلقيه في الغي والكفر . # بقي في الآية مباحث : الأول : ما في قوله : { وإذا ما أنزلت سورة } صلة ~~مؤكدة . الثاني : الاستبشار استدعاء البشارة ، لأنه كلما تذكر تلك النعمة ~~حصلت البشرة ، فهو بواسطة تجديد ذلك التذكر يطلب تجديد البشارة . الثالث : ~~قوله : { وأما الذين فى قلوبهم مرض } يدل على أن الروح لها مرض ، فمرضها ~~الكفر والأخلاق الذميمة ، وصحتها العلم والأخلاق الفاضلة . والله أعلم . # ! 7 < { أولا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا ~~هم يذكرون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 126 ) أو لا يرون . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى لما بين أن الذين في قلوبهم مرض يموتون وهم ~~كافرون ، وذلك يدل على عذاب الآخرة ، بين أنهم لا يتخلصون في كل عام مرة أو ~~مرتين عن عذاب الدنيا وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة { أو لا * ترون } بالتاء على الخطاب للمؤمنين ~~، والباقون بالياء خبرا عن المنافقين ، فعلى قراءة المخاطبة ، كان المعنى ~~أن المؤمنين نبهوا على إعراض المنافقين عن النظر والتدبر ، ومن قرأ على ~~المغايبة ، كان المعنى تقريع المنافقين بالإعراض عن الاعتبار بما يحدث في ~~حقهم ms4686 من الأمور الموجبة للاعتبار . # المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : قوله : { أو لا * يرون } هذه ~~ألف الاستفهام دخلت على / واو العطف ، فهو متصل بذكر المنافقين ، وهو خطاب ~~على سبيل التنبيه قال سيبويه عن الخليل في قوله : { ألم تر أن الله أنزل من ~~السماء ماء } PageV16P184 المعنى : أنه أنزل الله من السماء ماء فكان كذا ~~وكذا . # المسألة الثالثة : ذكروا في هذه الفتنة وجوها : الأول : قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما يمتحنون بالمرض في كل عام مرة أو مرتين ، ثم لا يتوبون من ذلك ~~النفاق ولا يتعظون بذلك المرض ، كما يتعظ بذلك المؤمن إذا مرض ، فإنه عند ~~ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي الله ، فيزيده ذلك إيمانا وخوفا من الله ، ~~فيصير ذلك سببا لاستحقاقه لمزيد الرحمة والرضوان من عند الله . الثاني : ~~قال مجاهد : { يفتنون } بالقحط والجوع . الثالث : قال قتادة : يفتنون ~~بالغزو والجهاد فإنه تعالى أمر بالغزو والجهاد فهم إن تخلفوا وقعوا في ~~ألسنة الناس باللعن والخزي والذكر القبيح ، وإن ذهبوا إلى الغزو مع كونهم ~~كافرين كانوا قد عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة . الرابع ~~: قال مقاتل : يفضحهم رسول الله بإظهار نفاقهم وكفرهم قيل : إنهم كانوا ~~يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فكان جبريل عليه السلام ينزل عليه ويخبره ~~بما قالوه فيه ، فكان يذكر تلك الحادثة لهم ويوبخهم عليها ، ويعظهم فما ~~كانوا يتعظون ، ولا ينزجرون . # ! 7 < { وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم ~~انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 127 ) وإذا ما أنزلت . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من مخازي المنافقين ، وهو أنه كلما نزلت سورة ~~مشتملة على ذكر المنافقين وشرح فضائحهم ، وسمعوها تأذوا من سماعها ، ونظر ~~بعضهم إلى بعض نظرا مخصوصا دالا على الطعن في تلك السورة والاستهزاء بها ~~وتحقير شأنها ، ويحتمل أن لا يكون ذلك مختصا بالسورة المشتملة على فضائح ~~المنافقين بل كانوا يستخفون بالقرآن ، فكلما سمعوا سورة استهزؤوا بها ~~وطعنوا فيها ، وأخذوا في التغامز والتضاحك على سبيل الطعن والهزء ، ثم ms4687 قال ~~بعضهم لبعض : هل يراكم من أحد ؟ أي لو رآكم من أحد ؟ وهذا فيه وجوه : الأول ~~: أن ذلك النظر دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد والنفرة التامة ، ~~فخافوا أن يرى أحد من المسلمين ذلك النظر وتلك الأحوال الدالة على النفاق ~~والكفر ، فعند ذلك قالوا : { هل يراكم من أحد } أي لو رآكم أحد على هذا ~~النظر وهذا الشكل لضركم / جدا ؟ والثاني : أنهم كانوا إذا سمعوا تلك السورة ~~تأذوا من سماعها ، فأرادوا الخروج من المسجد ، فقال بعضهم لبعض : { هل ~~يراكم من أحد } يعني إن رأوكم فلا تخرجوا ، إن كان ما رآكم أحد فاخرجوا من ~~المسجد ، لتتخلصوا عن هذا الإيذاء . والثالث : { هل يراكم من أحد } يمكنكم ~~أن تقولوا نحبه ، فوجب علينا الخروج من المسجد . قال تعالى : { ثم انصرفوا ~~} يحتمل أن يكون المراد نفس هربهم من مكان الوحي واستماع القرآن ، ويجوز أن ~~يراد به ، ثم انصرفوا عن استماع القرآن إلى الطعن فيه وإن ثبتوا في مكانهم ~~. # فإن قيل : ما التفاوت بين هذه الآية وبين الآية المتقدمة وهي قوله : { ~~وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هاذه إيمانا } . PageV16P185 # قلنا : في تلك الآية حكى عنهم أنهم ذكروا قولهم : { أيكم زادته هاذه ~~إيمانا } وفي هذه الآية حكى عنهم أنهم اكتفوا بنظر بعضهم إلى بعض على سبيل ~~الهزؤ ، وطلبوا الفرار . # ثم قال تعالى : { صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون } واحتج أصحابنا ~~به على أنه تعالى صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه وهو صحيح فيه ، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : عن كل رشد وخير وهدى ، وقال الحسن : صرف الله قلوبهم وطبع ~~عليها بكفرهم ، وقال الزجاج : أضلهم الله تعالى ، قالت المعتزلة : لو كان ~~تعالى هو الذي صرفهم عن الإيمان فكيف قال : { أنى يصرفون } وكيف عاقبهم على ~~الانصراف عن الإيمان ؟ قال القاضي : ظاهر الآية يدل على أن هذا الصرف عقوبة ~~لهم على انصرافهم ، والصرف عن الإيمان لا يكون عقوبة ، لأنه لو كان كذلك ، ~~لكان كما يجوز أن يأمر أنبياءه بإقامة الحدود ، يجوز أن يأمرهم بصرف الناس ms4688 ~~عن الإيمان . وتجويز ذلك يؤدي أن لا يوثق بما جاء به الرسول . ثم قال : هذا ~~الصرف يحتمل وجهين : أحدهما : أنه تعالى صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم ~~والكيد . الثاني : صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن واهتدى . # والجواب : أن هذه الوجوه التي ذكرها القاضي ظاهر أنها متكلفة جدا ، وأما ~~الوجه الصحيح الذي يشهد بصحته كل عقل سليم ، هو أن الفعل يتوقف على حصول ~~الداعي ، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وهو محال . ~~وحصول ذلك الداعي ليس من العبد وإلا لزم التسلسل ، بل هومن الله تعالى . ~~فالعبد إنما يقدم على الكفر إذا حصل في قلبه داعي الكفر ، وذلك الحصول من ~~الله تعالى ، وإذا حصل ذلك الداعي انصرف ذلك القلب من جانب الإيمان إلى ~~الكفر / فهذا هو المراد من صرف القلب وهو كلام مقرر ببرهان قطعي وهو منطبق ~~على هذا / النص ، فبلغ في الوضوح إلى أعلى الغايات ، ومما بقي من مباحث ~~الآية ما نقل عن محمد بن إسحاق أنه قال : لا تقولوا انصرفنا من الصلاة ، ~~فإن قوما انصرفوا صرف الله قلوبهم ، لكن قولوا قد قضينا الصلاة ، وكان ~~المقصود منه التفاؤل بترك هذه اللفظة الواردة فيما لا ينبغي ، والترغيب في ~~تلك اللفظة الواردة في الخير ، فإنه تعالى قال : { فإذا قضيت الصلواة ~~فانتشروا فى الارض وابتغوا من فضل الله } ( الجمعة : 10 ) . # ! 7 < { لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رءوف رحيم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 128 ) لقد جاءكم رسول . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله عليه السلام أن يبلغ في ~~هذه السورة إلى الخلق تكاليف شاقة شديدة صعبة يعسر تحملها ، إلا لمن خصه ~~الله تعالى بوجوه التوفيق والكرامة ، ختم السورة بما يوجب سهولة تحمل تلك ~~التكاليف ، وهو أن هذا الرسول منكم ، فكل ما يحصل له من العز والشرف في ~~الدنيا فهو PageV16P186 عائد إليكم . وأيضا فإنه بحال يشق عليه ضرركم وتعظم ~~رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم ، فهو كالطبيب المشفق والأب ~~الرحيم ms4689 في حقكم ، والطبيب المشفق ربما أقدم على علاجات صعبة يعسر تحملها ، ~~والأب الرحيم ربما أقدم على تأديبات شاقة ، إلا أنه لما عرف أن الطبيب حاذق ~~، وأن الأب مشفق ، صارت تلك المعالجات المؤلمة متحملة ، وصارت تلك ~~التأديبات جارية مجرى الإحسان . فكذا ههنا لما عرفتم أنه رسول حق من عند ~~الله ، فاقبلوا منه هذه التكاليف الشاقة لتفوزوا بكل خير ، ثم قال للرسول ~~عليه السلام : فإن لم يقبلوها بل أعرضوا عنها وتولوا فاتركهم ولا تلتفت ~~إليهم وعول على الله وارجع في جميع أمورك إلى الله { فقل حسبى الله لا إلاه ~~إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم } ( التوبة : 129 ) وهذه الخاتمة ~~لهذه السورة جاءت في غاية الحسن ونهاية الكمال . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف الرسول في هذه الآية بخمسة أنواع ~~من الصفات : # / الصفة الأولى : قوله : { من أنفسكم } وفي تفسيره وجوه : الأول : يريد ~~أنه بشر مثلكم كقوله : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } ( يونس ~~: 2 ) وقوله : { إنما أنا بشر مثلكم } ( فصلت : 6 ) والمقصود أنه لو كان من ~~جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على الناس ، على ما مر تقريره في سورة ~~الأنعام . والثاني : { من أنفسكم } أي من العرب قال ابن عباس : ليس في ~~العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي عليه السلام بسبب الجدات ، مضرها وربيعها ~~ويمانيها ، فالمضريون والربيعيون هم العدنانية ، واليمانيون هم القحطانية ~~ونظيره قوله تعالى : { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم } ( آل عمران : 164 ) والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته ، والقيام ~~بخدمته ، كأنه قيل لهم : كل ما يحصل له من الدولة والرفعة في الدنيا فهو ~~سبب لعزكم ولفخركم ، لأنه منكم ومن نسبكم . والثالث : { من أنفسكم } خطاب ~~لأهل الحرم ، وذلك لأن العرب كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته ، ~~وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل للعرب : كنتم قبل مقدمه ~~مجدين مجتهدين في خدمة أسلافه وآبائه ، فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا ~~نسبة له في الشرف والرفعة إلى أسلافه ؟ # والقول الرابع : أن المقصود من ذكر ms4690 هذه الصفة التنبيه على طهارته ، كأنه ~~قيل : هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف والصيانة ، وتعرفون ~~كونه حريصا على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم ، وإرسال من هذه ~~حالته وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم . وقرىء { من أنفسكم } أي من ~~أشرفكم وأفضلكم ، وقيل : هي قراءة رسول الله وفاطمة وعائشة رضي الله عنهما ~~. # الصفة الثانية : قوله تعالى : { عزيز عليه ما عنتم } اعلم أن العزيز هو ~~الغالب الشديد ، والعزة هي الغلبة والشدة . فإذا وصلت مشقة إلى الإنسان عرف ~~أنه كان عاجزا عن دفعها إذ لو قدر على دفعها لما قصر في ذلك الدفع / فحيث ~~لم يدفعها ، علم أنه كان عاجزا عن دفعها ، وأنها كانت غالبة على الإنسان . ~~فلهذا السبب إذا اشتد على الإنسان شيء قال : عز علي هذا ، وأما العنت فيقال ~~: عنت الرجل يعنت عنتا إذا وقع في مشقة وشدة لا يمكنه الخروج منها ، ومنه ~~قوله تعالى : { ذلك لمن خشى العنت منكم } ( النساء : 25 ) وقوله : { ولو ~~شاء الله لاعنتكم } ( البقرة : 220 ) وقال الفراء : { ما } في قوله : { ما ~~عنتم } في موضع رفع ، والمعنى : عزيز عليه عنتكم ، أي يشق عليه مكروهكم ، ~~وأولى المكاره بالدفع مكروه عقاب الله تعالى ، وهو إنما أرسل ليدفع هذا ~~المكروه . PageV16P187 # والصفة الثالثة : قوله : { حريص عليكم } والحرص يمتنع أن يكون متعلقا ~~بذواتهم ، بل المراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة . # / واعلم أن على هذا التقدير يكون قوله : { عزيز عليه ما عنتم } معناه : ~~شديدة معزته عن وصول شيء من آفات الدنيا والآخرة إليكم ، وبهذا التقدير لا ~~يحصل التكرار . قال الفراء : الحريص الشحيح ، ومعناه : أنه شحيح عليكم أن ~~تدخلوا النار ، وهذا بعيد ، لأنه يوجب الخلو عن الفائدة . # والصفة الرابعة والخامسة : قوله : { بالمؤمنين * رءوف * رحيم } قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : سماه الله تعالى باسمين من أسمائه . بقي ههنا سؤالان ~~: # السؤال الأول : كيف يكون كذلك ، وقد كلفهم في هذه السورة بأنواع من ~~التكاليف الشاقة التي لا يقدر على تحملها إلا الموفق من عند الله تعالى ؟ # قلنا : قد ضربنا لهذا المعنى مثل ms4691 الطبيب الحاذق والأب المشفق ، والمعنى : ~~أنه إنما فعل بهم ذلك ليتخلصوا من العقاب المؤبد ، ويفوزوا بالثواب المؤبد ~~. # السؤال الثاني : لما قال : { عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم } فهذا النسق ~~يوجب أن يقال : رؤوف رحيم بالمؤمنين ، فلم ترك هذا النسق وقال : { ~~بالمؤمنين * رءوف * رحيم } . # الجواب : أن قوله : { بالمؤمنين * رءوف * رحيم } يفيد الحصر بمعنى أنه لا ~~رأفة ولا رحمة له إلا بالمؤمنين . فأما الكافرون فليس له عليهم رأفة ورحمة ~~، وهذا كالمتمم لقدر ما ورد في هذه السورة من التغليظ كأنه يقول : إني وإن ~~بالغت في هذه السورة في التغليظ إلا أن ذلك التغليط على الكافرين ~~والمنافقين . وأما رحمتي ورأفتي فمخصوصة بالمؤمنين فقط ، فلهذه الدقيقة عدل ~~على ذلك النسق . # ! 7 < { فإن تولوا فقل حسبى الله لاإلاه إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش ~~العظيم } . > 7 ! # < < # | التوبة : ( 129 ) فإن تولوا فقل . . . . . # > > أما قوله : { فإن تولوا } يريد المشركين والمنافقين . ثم قيل : { ~~تولوا } أي أعرضوا عنك . وقيل : تولوا عن طاعة الله تعالى وتصديق الرسول ~~عليه الصلاة والسلام . وقيل : تولوا عن قبول التكاليف الشاقة المذكورة في ~~هذه السورة ، وقيل : تولوا عن نصرتك في الجهاد . واعلم أن / المقصود من هذه ~~الآية بيان أن الكفار لو أعرضوا ولم يقبلوا هذه التكاليف ، لم يدخل في قلب ~~الرسول حزن ولا أسف ، لأن الله حسبه وكافيه في نصره على الأعداء ، وفي ~~إيصاله إلى مقامات الآلاء والنعماء { لا إلاه إلا هو } وإذا كان لا إله إلا ~~هو وجب أن يكون لا مبدىء لشيء من الممكنات ولا محدث لشيء من المحدثات إلا ~~هو ، وإذا كان هو الذي أرسلني بهذه الرسالة ، وأمرني بهذا التبليغ كانت ~~النصرة عليه والمعونة مرتقبة منه . # ثم قال : { عليه توكلت } وهو يفيد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه وهو رب ~~العرش العظيم ، والسبب في تخصيصه بالذكر أنه كلما كانت الآثار أعظم وأكرم ، ~~كان ظهور جلالة المؤثر في العقل والخاطر أعظم ، ولما كان أعظم الأجسام هو ~~العرض كان المقصود من ذكره تعظيم جلال الله سبحانه . PageV16P188 # فإن قالوا : العرش غير محسوس فلا يعرف ms4692 وجوده إلا بعد ثبوت الشريعة فكيف ~~يمكن ذكره في معرض شرح عظمة الله تعالى ؟ # قلنا : وجود العرش أمر مشهور والكفار سمعوه من اليهود و النصارى ، ولا ~~يبعد أيضا أنهم كانوا قد سمعوه من أسلافهم ومن الناس من قرأ قوله : { ~~العظيم } بالرفع ليكون صفة للرب سبحانه . قال أبو بكر : وهذه القراءة أعجب ~~، لأن جعل العظيم صفة لله تعالى أولى من جعله صفة للعرش ، وأيضا فإن جعلناه ~~صفة للعرش ، كان المراد من كونه عظيما كبر جرمه وعظم حجمه واتساع جوانبه ~~على ما هو مذكور في الأخبار ، وإن جعلناه صفة لله سبحانه ، كان المراد من ~~العظمة وجوب الوجود والتقديس عن الحجمية والأجزاء والأبعاض ، وكمال العلم ~~والقدرة ، وكونه منزها عن أن يتمثل في الأوهام أو تصل إليه الأفهام . وقال ~~الحسن : هاتان الآيتان آخر ما أنزل الله من القرآن ، وما أنزل بعدهما قرآن ~~. وقال أبي بن كعب : أحدث القرآن عهد بالله عز وجل هاتان الآيتان ، وهو قول ~~سعيد بن جبير ، ومنهم من يقول : آخر ما أنزل من القرآن قوله تعالى : { ~~واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ( البقرة : 281 ) . # ونقل عن حذيفة أنه قال : أنتم تسمون هذه السورة بالتوبة ، وهي سورة ~~العذاب ما تركتم أحدا إلا نالت منه ، والله ما تقرؤن ربعها . # اعلم أن هذه الرواية يجب تكذيبها ، لأنا لو جوزنا ذلك لكان ذلك دليلا على ~~تطرق الزيادة / والنقصان إلى القرآن ، وذلك يخرجه عن كونه حجة ، ولا خفاء ~~أن القول به باطل ، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده . # وهذا آخر تفسير هذه السورة ولله الحمد والشكر . # فرغ المؤلف رحمه الله من تفسيرها في يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان سنة ~~إحدى وستمائة والحمد لله وحده والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه أجميعن . # # PageV16P189 < # > 1 ( سورة يونس ) 1 < # > # مكية # / عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن هذه السورة مكية إلا قوله : { ومنهم ~~من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين } فإنها مدنية نزلت في ~~اليهود . # ! 7 < { الر تلك ءايات الكتاب الحكيم } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 1 ) الر تلك ms4693 آيات . . . . . # > > قوله جل جلاله { الر } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وعاصم { الر } بفتح الراء على ~~التفخيم ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويحيى عن أبي بكر : بكسر الراء على ~~الإمالة . وروي عن نافع وابن عامر وحماد عن عاصم ، بين الفتح والكسر ، ~~واعلم أن كلها لغات صحيحة . قال الواحدي : الأصل ترك الإمالة في هذه ~~الكلمات نحو ما ولا ، لأن ألفاتها ليست منقلبة عن الياء ، وأما من أمال ~~فلأن هذه الألفاظ أسماء للحروف المخصوصة ، فقصد بذكر الإمالة التنبيه على ~~أنها أسماء لا حروف . # المسألة الثانية : اتفقوا على أن قوله { الر } وحده ليس آية ، واتفقوا ~~على أن قوله { طه } وحده آية . والفرق أن قوله : { الر } لا يشاكل مقاطع ~~الآي التي بعده بخلاف قوله : { طه } فإنه يشاكل مقاطع الآي التي بعده . # / المسألة الثالثة : الكلام المستقصى في تفسير هذا النوع من الكلمات قد ~~تقدم في أول سورة البقرة إلا أنا نذكر ههنا أيضا بعض ما قيل . قال ابن عباس ~~{ الر } معناه أنا الله أرى . وقيل أنا الرب لا رب غيري . وقيل { الر } و { ~~حم } و { ن } اسم الرحمن . # قوله تعالى : { تلك ءايات الكتاب الحكيم } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { تلك } يحتمل أن يكون إشارة إلى ما في هذه ~~السورة من الآيات ، ويحتمل أن PageV17P003 يكون إشارة إلى ما تقدم هذه ~~السورة من آيات القرآن ، وأيضا فالكتاب الحكيم يحتمل أن يكون المراد منه هو ~~القرآن ، ويحتمل أن يكون المراد منه غير القرآن ، وهو الكتاب المخزون ~~المكنون عند الله تعالى الذي منه نسخ كل كتاب ، كما قال تعالى : { إنه ~~لقرءان كريم * فى كتاب مكنون } ( الواقعة : 77 ، 78 ) وقال تعالى : { بل هو ~~قرءان مجيد * فى لوح محفوظ } ( البروج : 22 ) وقال : { وإنه فى أم الكتاب ~~لدينا لعلى حكيم } ( الزخرف : 4 ) وقال : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب } ( الرعد : 39 ) . # وإذا عرفت ما ذكرنا من الاحتمالات تحصل ههنا حينئذ وجوه أربعة من ~~الاحتمالات : # الاحتمال الأول : أن يقال : المراد من لفظة { تلك } الإشارة إلى الآيات ~~الموجودة في هذه ms4694 السورة ، فكان التقدير تلك الآيات هي آيات الكتاب الحكيم ~~الذي هو القرآن ، وذلك لأنه تعالى وعد رسوله عليه الصلاة والسلام أن ينزل ~~عليه كتابا لا يمحوه الماء ، ولا يغيره كرور الدهر ، فالتقدير أن تلك ~~الآيات الحاصلة في سورة { الر } هي آيات ذلك الكتاب المحكم الذي لا يمحوه ~~الماء . # الاحتمال الثاني : أن يقال : المراد أن تلك الآيات الموجودة في هذه ~~السورة هي آيات الكتاب المخزون المكنون عند الله . # واعلم أن على هذين القولين تكون الإشارة بقولنا : { تلك } إلى آيات هذه ~~السورة وفيه إشكال ، وهو أن { تلك } يشار بها إلى الغائب ، وآيات هذه ~~السورة حاضرة ، فكيف يحسن أن يشار إليه بلفظ { تلك } . # واعلم أن هذا السؤال قد سبق مع جوابه في تفسير قوله تعالى : { الم * ذالك ~~الكتاب } ( البقرة : 1 / 2 ) . # الاحتمال الثالث والرابع : أن يقال : لفظ { تلك } إشارة إلى ما تقدم هذه ~~السورة من آيات القرآن ، والمراد بها : هي آيات القرآن الحكيم ، والمراد ~~أنها هي آيات ذلك الكتاب المكنون المخزون عند الله تعالى ، وفي الآية قولان ~~آخران : أحدهما : أن يكون المراد من { الكتاب الحكيم } التوراة والإنجيل ، ~~والتقدير : أن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في ~~التوراة والإنجيل ، والمعنى : أن القصص المذكورة في هذه السورة موافقة ~~للقصص المذكورة في التوراة / والإنجيل / مع أن محمدا عليه الصلاة والسلام ~~ما كان عالما بالتوراة والإنجيل ، فحصل هذه الموافقة لا يمكن إلا إذا خص ~~الله تعالى محمدا بإنزال الوحي عليه . والثاني : وهو قول أبي مسلم : أن ~~قوله : { الر } إشارة إلى حروف التهجي ، فقوله : { الر تلك ءايات الكتاب } ~~يعني هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت وعلامات لهذا الكتاب الذي آيات به ~~وقع التحدي . فلولا امتياز هذا الكتاب عن كلام الناس بالوصف المعجز ، وإلا ~~لكان اختصاصه بهذا النظم ، دون سائر الناس القادرين على التلفظ بهذه الحروف ~~محالا . # المسألة الثانية : في وصف الكتاب بكونه حكيما وجوه : الأول : أن الحكيم ~~هو ذو الحكمة بمعنى اشتمال الكتاب على الحكمة . الثاني : أن يكون المراد ~~وصف الكلام بصفة من تكلم به . قال ms4695 الأعشى : # % وغريبة تأتي الملوك حكيمة % % قد قلتها ليقال من ذا قالها % # الثالث : قال الأكثرون { الحكيم } بمعنى الحاكم ، فعيل بمعنى فاعل دليله ~~قوله تعالى : { وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس } ( البقرة : 213 ~~) فالقرآن كالحاكم في الاعتقادات لتميز حقها عن باطلها ، PageV17P004 وفي ~~الأفعال لتميز صوابها عن خطئها ، وكالحاكم على أن محمدا صادق في دعوى ~~النبوة ، لأن المعجزة الكبرى لرسولنا عليه الصلاة والسلام ، ليست إلا ~~القرآن الرابع : أن { الحكيم } بمعنى المحكم . والأحكام معناه المنع من ~~الفساد ، فيكون المراد منه أنه لا يمحوه الماء ، ولا تحرقه النار ، ولا ~~تغيره الدهور . أو المراد منه براءته عن الكذب والتناقض . الخامس : قال ~~الحسن : وصف الكتاب بالحكيم ، لأنه تعالى حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ~~ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه ~~وبالنار لمن عصاه ، فعلى هذا { الحكيم } يكون معناه المحكوم فيه . السادس : ~~أن { الحكيم } في أصل اللغة : عبارة عن الذي يفعل الحكمة والصواب ، فكان ~~وصف القرآن به مجازا ، ووجه المجاز هو أنه يدل على الحكمة والصواب ، فمن ~~حيث أنه يدل على هذه المعاني صار كأنه هو الحكيم في نفسه . # ! 7 < { أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر ~~الذين ءامنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هاذا لساحر مبين } . ~~> 7 ! # / < < # | يونس : ( 2 ) أكان للناس عجبا . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أن كفار قريش تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا ~~بالرسالة والوحي ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك التعجب . أما بيان كون ~~الكفار تعجبوا من هذا التخصيص فمن وجوه : الأول : قوله تعالى : { أجعل ~~الالهة إلاها واحدا إن هاذا لشىء عجاب * وانطلق الملا منهم أن امشوا ~~واصبروا علىءالهتكم إن هاذا لشىء يراد } ( ص : 5 و 6 ) وإذا بلغوا في ~~الجهالة إلى أن تعجبوا من كون الإله تعالى واحدا ، لم يبعد أيضا أن يتعجبوا ~~من تخصيص الله تعالى محمدا بالوحي والرسالة ا والثاني : أن أهل مكة كانوا ~~يقولون : إن الله تعالى ما وجد رسولا إلى خلقه إلا يتيم أبي ms4696 طالبا والثالث ~~: أنهم قالوا : { لولا نزل هاذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( ~~الزخرف : 31 ) وبالجملة فهذا التعجب يحتمل وجهين : أحدهما : أن يتعجبوا من ~~أن يجعل الله بشرا رسولا ، كما حكي عن الكفار أنهم قالوا : { أبعث الله ~~بشرا رسولا } ( الإسراء : 94 ) والثاني : أن لا يتعجبوا من ذلك بل يتعجبوا ~~من تخصيص محمد عليه الصلاة والسلام بالوحي والنبوة مع كونه فقيرا يتيما ، ~~فهذا بيان أن الكفار تعجبوا من ذلك . وأما بيان أن الله تعالى أنكر عليهم ~~هذا التعجب فهو قوله في هذه الآية : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل ~~منهم } فإن قوله : { أكان للناس عجبا } لفظه لفظ الاستفهام ، ومعناه ~~الإنكار ، لأن يكون ذلك عجبا . وإنما وجب إنكار هذا التعجب لوجوه : الأول : ~~أنه تعالى مالك الخلق وملك لهم والمالك والملك هو الذي له الأمر والنهي ~~والإذن والمنع . ولا بد من إيصال تلك التكاليف إلى أولئك المكلفين بواسطة ~~بعض العباد . وإذا كان الأمر كذلك كان إرسال الرسول أمرا غير ممتنع ، بل ~~كان مجوزا في العقول . الثاني : أنه تعالى خلق الخلق للاشتغال بالعبودية ~~كما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) وقال : ~~{ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه } ( الإنسان : 2 ) وقال : { قد ~~أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى } ( الأعلى : 14 ، 15 ) PageV17P005 ثم ~~إنه تعالى أكمل عقولهم ومكنهم من الخير والشر ، ثم علم تعالى أن عباده لا ~~يشتغلون بما كلفوا به ، إلا إذا أرسل إليهم رسولا ومنبها . فعند هذا يجب ~~وجوب الفضل والكرم والرحمة أن يرسل إليهم ذلك الرسول ، وإذا كان ذلك واجبا ~~فكيف يتعجب منه . الثالث : أن إرسال الرسل أمر ما أخلى الله تعالى شيئا من ~~أزمنة وجود المكلفين منه ، كما قال : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى ~~إليهم } ( يوسف : 109 ) فكيف يتعجب منه مع أنه قد سبقه النظير ، ويؤكده ~~قوله تعالى : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } الأعراف : 59 ) وسائر قصص ~~الأنبياء عليهم السلام . الرابع : أنه تعالى إنما أرسل إليهم رجلا عرفوا ~~نسبه وعرفوا كونه أمينا بعيدا عن ms4697 أنواع التهم والأكاذيب ملازما للصدق ~~والعفاف . ثم إنه كان أميا لم يخالط أهل الأديان ، وما قرأ كتابا أصلا ~~ألبتة ، ثم إنه مع ذلك يتلو عليهم أقاصيصهم ويخبرهم عن وقائعهم ، وذلك يدل ~~على كونه / صادقا مصدقا من عند الله / ويزيل التعجب ، وهو من قوله : { هو ~~الذى بعث فى الاميين رسولا منهم } ( الجمعة : 2 ) وقال : { وما كنت * تتلوا ~~منه * قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } ( العنكبوت : 48 ) الخامس : أن مثل ~~هذا التعجب كان موجودا عند بعثة كل رسول ، كما في قوله : { وإلى عاد أخاهم ~~هودا } ( لأعراف : 65 ) { وإلى ثمود أخاهم صالحا } ( الأعراف : 73 ) إلى ~~قوله : { عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم } ( الأعراف : 63 ) ~~السادس : أن هذا التعجب إما أن يكون من إرسال الله تعالى رسولا من البشر ، ~~أو سلموا أنه لا تعجب في ذلك ، وإنما تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا ~~عليه الصلاة والسلام بالوحي والرسالة . # أما الأول : فبعيد لأن العقل شاهد بأن مع حصول التكليف لا بد من منبه ~~ورسول يعرفهم تمام ما يحتاجون إليه في أديانهم كالعبادات وغيرها . # وإذا ثبت هذا فنقول : الأولى أن يبعث إليهم من كان من جنسهم ليكون سكونهم ~~إليه أكمل والفهم به أقوى ، كما قال تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه ~~رجلا } ( الأنعام : 9 ) وقال : { قل لو كان فى الارض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } ( الإسراء : 95 ) . # وأما الثاني : فبعيد لأن محمدا عليه الصلاة والسلام كان موصوفا بصفات ~~الخير والتقوى والأمانة ، وما كانوا يعيبونه إلا بكونه يتيما فقيرا ، وهذا ~~في غاية البعد ، لأنه تعالى غني عن العالمين فلا ينبغي أن يكون الفقر سببا ~~لنقصان الحال عنده ، ولا أن يكون الغنى سببا لكمال الحال عنده . كما قال ~~تعالى : { وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى } ( سبأ : 37 ) ~~فثبت أن تعجب الكفار من تخصيص الله تعالى محمدا بالوحي والرسالة كلام فاسد ~~. # المسألة الثانية : الهمزة في قوله : { أكان } لإنكار التعجب ولأجل ~~التعجيب من هذا التعجب و { أن أوحينا } اسم كان وعجبا خبره ms4698 ، وقرأ ابن عباس ~~{ * عجب } فجعله اسما وهو نكرة و { عجبا أن أوحينا } خبره وهو معرفة كقوله ~~: يكون مزاجها عسل وماء . والأجود أن تكون ( كان ) تامة ، وأن أوحينا ، ~~بدلا من عجب . # المسألة الثالثة : أنه تعالى قال : { أكان للناس عجبا } ولم يقل أكان عند ~~الناس عجبا ، والفرق أن قوله : { أكان للناس عجبا } معناه أنهم جعلوه ~~لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها ونصبوه وعينوه لتوجيه الطيرة والاستهزاء ~~والتعجب إليها وليس في قوله : ( أكان عند الناس عجبا ) هذا المعنى . # المسألة الرابعة : { ءان } مع الفعل في قولنا : { أن أوحينا } في تقدير ~~المصدر وهو اسم كان وخبره ، هو PageV17P006 قوله : { عجبا } وإنما تقدم ~~الخبر على المبتدأ ههنا لأنهم يقدمون الأهم ، والمقصود بالإنكار في هذه ~~الآية إنما هو تعجبهم ، وأما { ءان } في قوله : { أن أنذر الناس } فمفسرة ~~لأن الإيحاء فيه معني القول ، / ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ، وأصله ~~أنه أنذر الناس على معنى أن الشأن قولنا أنذر الناس . # المسألة الخامسة : أنه تعالى لما بين أنه أوحى إلى رسوله ، بين بعده ~~تفصيل ما أوحى إليه وهو الإنذار والتبشير . أما الإنذار فللكفار والفساق ~~ليرتدعوا بسبب ذلك الإنذار عن فعل ما لا ينبغي ، وأما التبشير فلأهل الطاعة ~~لتقوى رغبتهم فيها . وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على ~~التحلية ، وإزالة ما لا ينبغي مقدم في الرتبة على فعل ما ينبغي . # المسألة السادسة : قوله : { قدم صدق } فيه أقوال لأهل اللغة وأقوال ~~المفسرين . أما أقوال أهل اللغة فقد نقل الواحدي في ( البسيط ) منها وجوها ~~. قال الليث وأبو الهيثم : القدم السابقة ، والمعنى : أنهم قد سبق لهم عند ~~الله خير . قال ذو الرمة : # % وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة % % لهم قدم معروفة ومفاخر % # وقال أحمد بن يحيى : القدم كل ما قدمت من خير ، وقال ابن الأنباري : ~~القدم كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ، ولا يقع فيه تأخير ولا إبطاء . # واعلم أن السبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني ، أن السعي والسبق لا ~~يحصل إلا بالقدم ، فسمى المسبب باسم السبب ، كما سميت النعمة يدا ، لأنها ms4699 ~~تعطى باليد . # فإن قيل : فما الفائدة في إضافة القدم إلى الصدق في قوله سبحانه : { قدم ~~صدق } . # قلنا : الفائدة التنبيه على زيادة الفضل وأنه من السوابق العظيمة ، وقال ~~بعضهم : المراد مقام صدق . وأما المفسرون فلهم أقوال فبعضهم حمل { قدم صدق ~~} على الأعمال الصالحة ؛ وبعضهم حمله على الثواب ، ومنهم من حمله على شفاعة ~~محمد عليه الصلاة والسلام ، واختار ابن الأنباري هذا الثاني وأنشد : # % صل لذي العرش واتخذ قدما % % بنجيك يوم العثار والزلل % # المسألة السابعة : أن الكافرين لما جاءهم رسول منهم فأنذرهم وبشرهم ~~وأتاهم من عند الله تعالى بما هو اللائق بحكمته وفضله قالوا متعجبين { إن ~~هاذا لساحر مبين } أي إن هذا الذي يدعي أنه رسول هو ساحر . والابتداء بقوله ~~: { قال الكافرون } على تقدير فلما أنذرهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين ~~، قال القفال : وإضمار هذا ، غير قليل في القرآن . # المسألة الثامنة : قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي { إن هاذا لساحر } ~~والمراد منه محمد صلى الله عليه وسلم ، والباقون { لساحر } والمراد به ~~القرآن . # واعلم أن وصف الكفار القرآن بكونه سحرا يدل على عظم محل القرآن عندهم ، ~~وكونه معجزا . / وأنه تعذر عليهم فيه المعارضة ، فاحتاجوا إلى هذا الكلام . # واعلم أن إقدامهم على وصف القرآن بكونه سحرا ، يحتمل أن يكونوا ذكروه في ~~معرض الذم ، PageV17P007 ويحتمل أنهم ذكروه في معرض المدح ، فلهذا السبب ~~اختلف المفسرون فيه . فقال بعضهم : أرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر ، ~~ولكنه باطل في الحقيقة ، ولا حاصل له ، وقال أخرون : أرادوا به أنه لكمال ~~فصاحته وتعذر مثله ، جار مجرى السحر . # واعلم أن هذا الكلام لما كان في غاية الفساد لم يذكر جوابه ، وإنما قلنا ~~إنه في غاية الفساد ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان منهم ، ونشأ بينهم وما ~~غاب عنهم ، وما خالط أحدا سواهم ، وما كان مكة بلدة العلماء والأذكياء ، ~~حتى يقال : إنه تعلم السحر أو تعلم العلوم الكثيرة منهم فقدر على الإتيان ~~بمثل هذا القرآن . وإذا كان الأمر كذلك ، كان حمل القرآن على السحر كلاما ~~في غاية الفساد ، فلهذا السبب ترك ms4700 جوابه . # ! 7 < { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والا رض فى ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يدبر الا مر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذالكم الله ربكم فاعبدوه ~~أفلا تذكرون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 3 ) إن ربكم الله . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي والبعثة ~~والرسالة ، ثم إنه تعالى أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد البتة في أن يبعث ~~خالق الخلق إليهم رسولا يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب ، وعلى الأعمال ~~الباطلة الفاسدة بالعقاب ، كان هذا الجواب إنما يتم ويكمل بإثبات أمرين : ~~أحدهما : إثبات أن لهذاالعالم إلها قاهرا قادرا نافذا لحكم بالأمر والنهي ~~والتكليف . والثاني : إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة ، حتى يحصل ~~الثواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياء عن حصولهما ، فلا جرم أنه سبحانه ذكر ~~في هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين . # أما الأول : وهو إثبات الإلهية ، فبقوله تعالى : { إن ربكم الله الذى خلق ~~* السماوات والارض } . # وأما الثاني : وهو إثبات المعاد والحشر والنشر . فبقوله : { إليه مرجعكم ~~جميعا وعد الله حقا } ( يونس : 4 ) فثبت أن هذا الترتيب في غاية الحسن ، ~~ونهاية الكمال . وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : قد ذكرنا في هذا الكتاب ، وفي الكتب العقلية أن ~~الدليل الدال على وجود الصانع تعالى ، إما الامكان وإما الحدوث وكلاهما إما ~~في الذوات وإما في الصفات ، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجود الصانع ~~أربعة ، وهي إمكان الذوات ، وإمكان الصفات ، وحدوث الذوات ، وحدوث الصفات . ~~وهذه الأربعة معتبرة تارة في العالم العلوي وهو عالم السموات والكواكب ، ~~وتارة في العالم السفلي ، والأغلب من الدلائل المذكورة في الكتب الإلهية ~~التمسك بإمكان الصفات وحدوثها تارة في أحوال العالم العلوي ، وتارة في ~~أحوال العالم السفلي ، والمذكور في هذا الموضع هو التمسك بإمكان الأجرام ~~العلوية في مقاديرها وصفاتها ، وتقريره من وجوه : الأول : أن أجرام الأفلاك ~~لا شك أنها مركبة من الأجزاء التي لا تتجزى ، ومتى كان الأمر كذلك كانت لا ~~محالة محتاجة إلى الخالق والمقدر . # أما بيان المقام الأول : فهو أن أجرام الأفلاك لا شك ms4701 أنها قابلة للقسمة ~~الوهمية ، وقد دللنا في الكتب PageV17P008 العقلية على أن كل ما كان قابلا ~~للقسمة الوهمية ، فإنه يكون مركبا من الأجزاء والأبعاض . ودللنا على أن ~~الذي تقوله الفلاسفة من أن الجسم قابل للقسمة ، ولكنه يكون في نفسه شيئا ~~واحدا كلام فاسد باطل . فثبت بما ذكرنا أن أجرام الأفلاك مركبة من الأجزاء ~~التي لا تتجزى ، وإذا ثبت هذا وجب افتقارها إلى خالق ومقدر ، وذلك لأنها ~~لما تركبت فقد وقع بعض تلك الأجزاء في داخل ذلك الجرم ، وبعضها حصلت على ~~سطحها ، وتلك الأجزاء متساوية في الطبع والماهية والحقيقة ، والفلاسفة ~~أقروا لنا بصحة هذه المقدمة حيث قالوا إنها بسائط ، ويمتنع كونها مركبة من ~~أجزاء مختلفة الطبائع . # وإذا ثبت هذا فنقول : حصول بعضها في الداخل ، وحصول بعضها في الخارج ، ~~أمر ممكن الحصول جائز الثبوت ، يجوز أن ينقلب الظاهر باطنا ، والباطن ظاهرا ~~. وإذا كان الأمر كذلك وجب افتقار هذه الأجزاء حال تركيبها إلى مدبر وقاهر ~~، يخصص بعضها بالداخل وبعضها بالخارج فدل هذا على أن الأفلاك مفتقرة في ~~تركيبها وأشكالها وصفاتها إلى مدبر قدير عليم حكيم . # الوجه الثاني : في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله القادر أن ~~نقول : حركات هذه الأفلاك لها بداية ، ومتى كان الأمر كذلك افتقرت هذه ~~الأفلاك في حركاتها إلى محرك ومدبر قاهر . # أما المقام الأول : فالدليل على صحته أن الحركة عبارة عن التغير من حال ~~إلى حال ، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها ، والأزل ~~ينافي المسبوقية بالغير ، فكان الجمع بين الحركة / وبين الأزل محالا ، فثبت ~~أن لحركات الأفلاك أولا ، وإذا ثبت هذا وجب أن يقال : هذه الأجرام الفلكية ~~كانت معدومة في الأزل وإن كانت موجودة ، لكنها كانت واقفة وساكنة . وما ~~كانت متحركة ، وعلى التقديرين : فلحركاتها أول وبداية . # ( وأما المقام الثاني ) : وهو أنه لما كان الأمر كذلك وجب افتقارها إلى ~~مدبر قاهر ، فالدليل عليه أن ابتداء هذه الأجرام بالحركة في ذلك الوقت ~~المعين دون ما قبله ودون ما بعده ، لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص ، وترجيح ~~مرجح . وذلك المرجح يمتنع أن ms4702 يكون موجبا بالذات ، وإلا لحصلت تلك الحركة ~~قبل ذلك الوقت لأجل أن موجب تلك الحركة كان حاصلا قبل ذلك الوقت ، ولما بطل ~~هذا ، ثبت أن ذلك المرجح قادر مختار وهو المطلوب . # الوجه الثالث : في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله المختار ، وهو ~~أن أجزاء الفلك حاصلة فيه لا في الفلك الآخر ، وأجزاء الفلك الآخر حاصلة ~~فيه لا في الفلك الأول . فاختصاص كل واحد منها بتلك الأجزاء أمر ممكن ، ولا ~~بد له من مرجح ، ويعود التقرير الأول فيه . فهذا تقرير هذا الدليل الذي ~~ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : أن كلمة { الذى } كلمة وضعت للإشارة إلى شيء مفرد عند ~~محاولة تعريفه بقضية معلومة ، كما إذا قيل لك من زيد ؟ فتقول : الذي أبوه ~~منطلق ، فهذا التعريف إنما يحسن لو كان كون أبيه منطلقا ، أمرا معلوما عند ~~السامع ، فهنا لما قال : { إن ربكم الله الذى خلق * السماوات والارض * في ~~ستة أيام } فهذا إنما يحسن لو كان كونه سبحانه وتعالى خالقا للسموات والأرض ~~في ستة أيام ، أمرا معلوما عند السامع ، والعرب ما كانوا عالمين بذلك ، ~~فكيف يحسن هذا التعريف ؟ PageV17P009 # وجوابه أن يقال : هذا الكلام مشهور عند اليهود والنصارى ، لأنه مذكور في ~~أول ما يزعمون أنه هو التوراة . ولما كان ذلك مشهورا عندهم والعرب كانوا ~~يخالطونهم ، فالظاهر أنهم أيضا سمعوه منهم ، فلهذا السبب حسن هذا التعريف . # السؤال الثاني : ما الفائدة في بيان الأيام التي خلقها الله فيها ؟ # والجواب : أنه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقل من لمح البصر . ~~والدليل عليه أن العالم مركب من الأجزاء التي لا تتجزى ، والجزء الذي لا ~~يتجزى لا يمكن إيجاده إلا دفعه ، لأنا لو فرضنا أن إيجاده إنما يحصل في ~~زمان ، فذلك الزمان منقسم لا محالة من آنات متعاقبة ، فهل حصل شيء من ذلك ~~الإيجاد في الأن الأول أو لم يحصل ، فإن لم يحصل منه شيء في الآن الأول فهو ~~خارج عن مدة الإيجاد ، وإن حصل في ذلك الآن إيجاد شيء وحصل في ms4703 الآن الثاني ~~إيجاد شيء آخر ، فهما / إن كانا جزأين من ذلك الجزء الذي لا يتجزى ، فحينئذ ~~يكون الجزء الذي لا يتجزى متجزئا . وهو محال . وإن كان شيئا آخر ، فحينئذ ~~يكون إيجاد الجزء الذي لا يتجزى لا يمكن إلا في آن واحد دفعة واحدة ، وكذا ~~القول في إيجاد جميع الأجزاء . فثبت أنه تعالى قادر على إيجاد جميع العالم ~~دفعة واحدة ، ولا شك أيضا أنه تعالى قادر على إيجاده وتكوينه على التدريج . # وإذا ثبت هذا فنقول ههنا مذهبان : الأول : قول أصحابنا وهو أنه يحسن منه ~~كلما أراد ، ولا يعلل شيء من أفعاله بشيء من الحكمة والمصالح ، وعلى هذا ~~القول يسقط قول من يقول : لم خلق العالم في ستة أيام وما خلقه في لحظة ~~واحدة ؟ لأنا نقول كل شيء صنعه ولا علة لصنعه فلا يعلل شيء من أحكامه ولا ~~شيء من أفعاله بعلة ، فسقط هذا السؤال . الثاني : قول المعتزلة وهو أنهم ~~يقولون يجب أن تكون أفعاله تعالى مشتملة على المصلحة والحكمة . فعند هذا ~~قال القاضي : لا يبعد أن يكون خلق الله تعالى السموات والأرض في هذه المدة ~~المخصوصة ، أدخل في الاعتبار في حق بعض المكلفين . ثم قال القاضي : # فإن قيل : فمن المعتبر وما وجه الاعتبار ؟ ثم أجاب وقال : أما المعتبر ~~فهو أنه لا بد من مكلف أو غير مكلف من الحيوان خلقه الله تعالى قبل خلقه ~~للسموات والأرضين ، أو معهما ، وإلا لكان خلقهما عبثا . # فإن قيل : فهلا جاز أن يخلقهما لأجل حيوان يخلقه من بعد ؟ ا # قلنا : إنه تعالى لا يخاف الفوت ، فلا يجوز أن يقدم خلق ما لا ينتفع به ~~أحد ، لأجل حيوان سيحدث بعد ذلك ، وإنما يصح منا ذلك في مقدمات الأمور لأنا ~~نخشى الفوت ، ونخاف العجز والقصور . قال : وإذا ثبت هذا فقد صح ما روي في ~~الخبر أن خلق الملائكة كان سابقا على خلق السموات والأرض . # فإن قيل : أولئك الملائكة لا بد لهم من مكان ، فقبل خلق السموات والأرض ~~لا مكان ، فكيف يمكن وجودهم بلا مكان ؟ # قلنا : الذي يقدر على ms4704 تسكين العرش والسموات والأرض في أمكنتها كيف يعجز ~~عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته وحكمته ؟ وأما وجه الاعتبار في ~~ذلك فهو أنه لما حصل هناك معتبر ، لم يمتنع أن يكون اعتباره بما يشاهده ~~حالا بعد حال أقوى . والدليل عليه : أن ما يحدث على هذا الوجه ، فإنه يدل ~~على أنه صادر من فاعل حكيم . وأما المخلوق دفعة واحدة فإنه لا يدل على ذلك ~~. PageV17P010 # / والسؤال الثالث : فهل هذه الأيام كأيام الدنيا أو كما روي عن ابن عباس ~~أنه قال : إنها ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون ؟ # والجواب : قال القاضي : الظاهر في ذلك أنه تعريف لعباده مدة خلقه لهما ، ~~ولا يجوز أن يكون ذلك تعريفا ، إلا والمدة هذه الأيام المعلومة . # ولقائل أن يقول : لما وقع التعريف بالأيام المذكورة في التوراة والإنجيل ~~، وكان المذكور هناك أيام الآخرة لا أيام الدنيا ، لم يكن ذلك قادحا في صحة ~~التعريف . # السؤال الرابع : هذه الأيام إنما تتقدر بحسب طلوع الشمس وغروبها ، وهذا ~~المعنى مفقود قبل خلقها ، فكيف يعقل هذا التعريف ؟ # والجواب التعريف يحصل بما أنه لو وقع حدوث السموات والأرض في مدة ، لو ~~حصل هناك أفلاك دائرة وشمس وقمر ، لكانت تلك المدة مساوية لستة أيام : # ولقائل أن يقول : فهذا يقتضي حصول مدة قبل خلق العالم ، يحصل فيها حدوث ~~العالم ، وذلك يوجب قدم المدة . # وجوابه : أن تلك المدة غير موجودة بل هي مفروضة موهومة ، والدليل عليه أن ~~تلك المدة المعينة حادثة ، وحدوثها لا يحتاج إلى مدة أخرى ، وإلا لزم إثبات ~~أزمنة لا نهاية لها وذلك محال ، فكل ما يقولون في حدوث المدة فنحن نقوله في ~~حدوث العالم . # السؤال الخامس : أن اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته ، وقد يراد به ~~النهار وحده . فالمراد بهذه الآية أيهما . # والجواب : الغالب في اللغة أنه يراد باليوم . اليوم بليلته . # المسألة الثانية : أما قوله : { ثم استوى على العرش } ففيه مباحث : الأول ~~: أن هذا يوهم كونه تعالى مستقرا على العرش والكلام المستقصى فيه مذكور في ~~أول سورة طه ms4705 ، ولكنا نكتفي ههنا بعبارة وجيزة . فنقول : هذه الآية لا يمكن ~~حملها على ظاهرها ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن الاستواء على العرش معناه ~~كونه معتمدا عليه مستقرا عليه ، بحيث لولا العرش لسقط ونزل ، كما أنا إذا ~~قلنا إن فلانا مستو على سريره . فإنه يفهم منه هذا هذا المعنى . إلا أن ~~إثبات هذا المعنى يقتضي كونه محتاجا إلى العرش ، وإنه لولا العرش لسقط ونزل ~~، وذلك محال ، لأن المسلمين أطبقوا على أن الله تعالى هو الممسك للعرش ~~والحافظ له ، ولا يقول أحد أن العرش هو الممسك لله تعالى والحافظ له . ~~والثاني : أن قوله : { ثم استوى على العرش } يدل على أنه قبل ذلك ما كان ~~مستويا عليه / / وذلك يدل على أنه تعالى يتغير من حال إلى حال ، وكل من كان ~~متغيرا كان محدثا ، وذلك بالاتفاق باطل . الثالث : أنه لما حدث الاستواء في ~~هذا الوقت ، فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضظربا متحركا ، وكل ~~ذلك من صفات المحدثات . الرابع : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما ~~استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض لأن كلمة { ثم } تقتضي التراخي ~~وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنيا عن العرش ، فإذا خلق العرش ~~امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من PageV17P011 الاستغناء إلى الحاجة . فوجب ~~أن يبقى بعد خلق العرش غنيا عن العرش ، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقرا ~~على العرش . فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها ~~بالاتفاق ، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان والجهة لله ~~تعالى . # المسألة الثالثة : اتفق المسلمون على أن فوق السموات جسما عظيما هو العرش ~~. # إذا ثبت هذا فنقول : العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش ~~أو غيره ؟ فيه قولان : # القول الأول : وهو الذي اختاره أبو مسلم الأصفهاني ، أنه ليس المراد منه ~~ذلك ، بل المراد من قوله : { ثم استوى على العرش } أنه لما خلق السموات ~~والأرض سطحها ورفع سمكها ، فإن كل بناء فإنه يسمى عرشا ، وبانيه يسمى ms4706 عارشا ~~، قال تعالى : { ومن الشجر ومما يعرشون } ( النحل : 68 ) أي يبنون ، وقال ~~في صفة القرية { فهى خاوية على عروشها } ( الحج : 45 ) والمراد أن تلك ~~القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقوفها ، وقال : { وكان عرشه على ~~الماء } ( هود : 7 ) أي بناؤه ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك لأنه أعجب في ~~القدرة ، فالباني يبني البناء متباعدا عن الماء على الأرض الصلبة لئلا ~~ينهدم ، والله تعالى بنى السموات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته ~~وكمال جلالته ، والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر ، والدليل ~~عليه قوله تعالى : { وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون * لتستووا على ~~ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } ( الزخرف : 12 ، 13 ) قال ~~أبو مسلم : فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه . فنقول : وجب حمل اللفظ ~~عليه ، ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء ، والدليل عليه هو أن ~~الاستدلال على وجود الصانع تعالى ، يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد ، والعرش ~~الذي في السماء ليس كذلك ، وأما أجرام السموات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة ~~، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزا صوابا حسنا . ثم ~~قال : ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى : { خلق * السماوات والارض * في ستة ~~أيام } إشارة إلى تخليق ذواتها ، وقوله : { ثم استوى على العرش } يكون ~~إشارة إلى تسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها ، وعلى هذا الوجه ~~تصير هذه الآية موافقة لقوله / سبحانه وتعالى : { أشد خلقا أم السماء بناها ~~رفع * رفع سمكها فسواها } ( النازعات : 27 ، 28 ) فذكر أولا أنه بناها ، ثم ~~ذكر ثانيا أنه رفع سمكها فسواها . وكذلك ههنا . ذكر بقوله : { خلق * ~~السماوات والارض } أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله : { ثم استوى على العرش } ~~أنه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها . # والقول الثاني : وهو القول المشهور لجمهور المفسرين : أن المراد من العرش ~~المذكور في هذه الآية : الجسم العظيم الذي في السماء ، وهؤلاء قالوا إن ~~قوله تعالى : { ثم استوى على العرش } لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلق ~~العرش بعد خلق السموات والأرضين بدليل أنه تعالى ms4707 قال في آية أخرى { وكان ~~عرشه على الماء } ( هود : 7 ) وذلك يدل على أن تكوين العرش سابق على تخليق ~~السموات والأرضين . بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر . وهو أن يكون المراد ~~: ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش . # والقول الثالث : أن المراد من العرش الملك ، يقال فلان ولي عرشه أي ملكه ~~فقوله : { ثم استوى على العرش } المراد أنه تعالى لما خلق السموات والأرض ~~واستدارت الأفلاك والكواكب ، وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال ~~المختلفة من المعادن والنبات والحيوانات ، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه ~~PageV17P012 المخلوقات والكائنات . والحاصل أن العرش عبارة عن الملك ، وملك ~~الله تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته ، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق ~~السموات والأرض ، لا جرم صح إدخال حرف { ثم } الذي يفيد التراخي على ~~الاستواء على العرش والله أعلم بمراده . # المسألة الرابعة : أما قوله : { يدبر الامر } معناه أنه يقضي ويقدر على ~~حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله ، الناظر في أدبار ~~الأمور وعواقبها ، كي لا يدخل في الوجود ما لا ينبغي . والمراد من { الامر ~~} الشأن يعني يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض . # فإن قيل : ما موقع هذه الجملة ؟ # قلنا : قد دل بكونه خالقا للسموات والأرض في ستة أيام وبكونه مستويا على ~~العرش ، على نهاية العظمة وغاية الجلالة . ثم أتبعها بهذه الجملة ليدل على ~~أنه لا يحدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي أمر من الأمور ولاحادث ~~من الحوادث ، إلا بتقديره وتدبيره وقضائه وحكمه ، فيصير ذلك دليلا على ~~نهاية القدرة والحكمة والعلم والإحاطة التدبير ، وأنه سبحانه مبدع جميع ~~الممكنات ، وإليه تنتهي الحاجات . # / وأما قوله تعالى : { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } ففيه قولان : # القول الأول : وهو المشهور أن المراد منه أن تدبيره للأشياء وصنعه لها ، ~~لا يكون بشفاعة شفيع وتدبير مدبر . ولا يستجرىء أحد أن يشفع إليه في شيء ~~إلا بعد إذنه ، لأنه تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب ، فلا يجوز لهم أن ~~يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح . # فإن قيل : كيف ms4708 يليق ذكر الشفيع بصفة مبدئية الخلق ، وإنما يليق ذكره ~~بأحوال القيامة ؟ # والجواب من وجوه : # الوجه الأول : ما ذكره الزجاج : وهو أن الكفار الذين كانوا مخاطبين بهذه ~~الآية كانوا يقولون : إن الأصنام شفعاؤنا عند الله ، فالمراد منه الرد ~~عليهم في هذا القول وهو كقوله تعالى : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا ~~يتكلمون إلا من أذن له الرحمان } ( النبأ : 38 ) . # والوجه الثاني : وهو يمكن أن يقال إنه تعالى لما بين كونه إلها للعالم ~~مستقلا بالتصرف فيه من غير شريك ولا منازع ، بين أمر المبدأ بقوله : { يدبر ~~الامر } وبين حال المعاد بقوله : { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } . # والوجه الثالث : يمكن أيضا أن يقال إنه تعالى وضع تدبير الأمور في أول ~~خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من رعاية المصالح ، مع أنه ما كان هناك ~~شفيع يشفع في طلب تحصيل المصالح ، فدل هذا على أن إله العالم ناظر لعباده ~~محسن إليهم مريد للخير والرأفة بهم ، ولا حاجة في كونه سبحانه كذلك إلى ~~حضور شفيع يشفع فيه . # والقول الثاني : في تفسير هذا الشفيع ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، فقال ~~: الشفيع ههنا هو الثاني ، وهو مأخوذ من الشفع الذي يخالف الوتر ، كما يقال ~~الزوج والفرد ، فمعنى الآية خلق السموات والأرض وحده PageV17P013 ولا حي ~~معه ولا شريك يعينه ، ثم خلق الملائكة والجن والبشر ، وهو المراد من قوله : ~~{ إلا من بعد إذنه } أي لم يحدث أحد ولم يدخل في الوجود ، إلا من بعد أن ~~قال له : كن ، حتى كان وحصل . # واعلم أنه تعالى لما بين هذه الدلائل وشرح هذه الأحوال ، ختمها بعد ذلك ~~بقوله : { ذالكم الله ربكم فاعبدوه } مبينا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا له ~~، ومنبها على أنه سبحانه هو المستحق لجميع العبادات لأجل أنه هو المنعم ~~بجميع النعم التي ذكرها ووصفها . # ثم قال بعده : { أفلا تذكرون } دالا بذلك على وجوب التفكر في تلك الدلائل ~~القاهرة الباهرة ، وذلك يدل على أن التفكر في مخلوقات الله تعالى ~~والاستدلال بها على جلالته وعزته وعظمته ، أعلى / المراتب وأكمل ms4709 الدرجات . # ! 7 < { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزى ~~الذين ءامنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب ~~أليم بما كانوا يكفرون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 4 ) إليه مرجعكم جميعا . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الدلائل الدالة على إثبات المبدأ ، ~~أردفه بما يدل على صحة القول بالمعاد . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في بيان أن إنكار الحشر والنشر ليس من العلوم البديهية ~~، ويدل عليه وجوه : الأول : أن العقلاء اختلفوا في وقوعه وعدم وقوعه . وقال ~~بإمكانه عالم من الناس ، وهم جمهور أرباب الملل والأديان . وما كان معلوم ~~الامتناع بالبديهة امتنع وقوع الاختلاف فيه . الثاني : أنا إذا رجعنا إلى ~~عقولنا السليمة ، وعرضنا عليها أن الواحد ضعف الاثنين ، وعرضنا عليها أيضا ~~هذه القضية ، لم نجد هذه القضية في قوة الامتناع مثل القضية الأولى . ~~الثالث : أنا إما أن نقول بثبوت النفس الناطقة أولا نقول به . فإن قلنا به ~~فقد زال الإشكال بالكلية ، فإنه كما لا يمتنع تعلق هذه النفس بالبدن في ~~المرة الأولى ، لم يمتنع تعلقها بالبدن مرة أخرى . وإن أنكرنا القول بالنفس ~~فالاحتمال أيضا قائم ، لأنه لا يبعد أن يقال إنه سبحانه يركب تلك الأجزاء ~~المفرقة تركيبا ثانيا ، ويخلق الأنسان الأول مرة أخرى . والرابع : أنه ~~سبحانه ذكر أمثلة كثيرة دالة على إمكان الحشر والنشر ونحن نجمعها ههنا . # فالمثال الأول : أنا نرى الأرض خاشعة وقت الخريف ، ونرى اليبس مستوليا ~~عليها بسبب شدة الحر في الصيف . ثم إنه تعالى ينزل المطر عليها وقت الشتاء ~~والربيع ، فتصير بعد ذلك متحلية بالأزهار العجيبة والأنوار الغريبة كما قال ~~تعالى : { والله الذى أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا ~~به الارض بعد موتها كذلك النشور } ( فاطر : 9 ) وثانيها : قوله تعالى : { ~~ومن ءاياته أنك ترى الارض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } ( ~~فصلت : 39 ) إلى قوله : { ذالك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى } ( الحج ~~: 6 ) وثالثها : قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ~~ينابيع فى الارض ms4710 ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم } ( الزمر : 21 ) ~~PageV17P014 والمراد كونه منبها على أمر المعاد . ورابعها : قوله : { ثم ~~أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره * كلا لما يقض ما أمره * فلينظر الإنسان ~~إلى طعامه } ( عبس : 21 24 ) وقال عليه السلام : ( إذا رأيتم الربيع ~~فأكثروا ذكر النشور ) ولم تحصل المشابهة بين الربيع وبين النشور إلا من ~~الوجه الذي ذكرناه . # المثال الثاني : ما يجده كل واحد منا من نفسه من الزيادة والنمو بسبب ~~السمن ، ومن النقصان والذبول بسبب الهزال ، ثم إنه قد يعود إلى حالته ~~الأولى بالسمن . # وإذا ثبت هذا فنقول : ما جاز تكون بعضه لم يمتنع أيضا تكون كله ، ولما ~~ثبت ذلك ظهر أن الإعادة غير ممتنعة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ~~وننشئكم * فيما * لا تعلمون } ( الواقعة : 61 ) يعني أنه سبحانه لما كان ~~قادرا على إنشاء ذواتكم أولا ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانيا شيئا ~~فشيئا من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نقصانه . فوجب القطع أيضا ~~بأنه لا يمتنع عليه سبحانه إعادتكم بعد البلى في القبور لحشر يوم القيامة . # المثال الثالث : أنه تعالى لما كان قادرا على أن يخلقنا ابتداء من غير ~~مثال سبق ، فلأن يكون قادرا على إيجادنا مرة أخرى مع سبق الإيجاد الأول كان ~~أولى ، وهذا الكلام قرره تعالى في آيات كثيرة ، منها في هذه الآية وهو قوله ~~: { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } وثانيها : قوله تعالى في سورة يس : { قل ~~يحييها الذى أنشأها أول مرة } ( يس : 79 ) وثالثها : قوله تعالى : { ولقد ~~علمتم النشأة الاولى فلولا تذكرون } ( الواقعة : 62 ) ورابعها : قوله تعالى ~~: { أفعيينا بالخلق الاول بل هم فى لبس من خلق جديد } ( ق : 15 ) وخامسها : ~~قوله تعالى : { أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من منى يمنى } ( ~~القيامة : 36 ، 33 ) إلى قوله : { أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى } ( ~~القيامة : 40 ) وسادسها : قوله تعالى : { السعير ياأيها الناس إن كنتم فى ~~ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب } ( الحج : 5 ) إلى قوله : { ذالك بأن ~~الله هو الحق وأنه يحى ms4711 الموتى وأنه على كل شىء قدير * وأن الساعة ءاتية لا ~~ريب فيها وأن الله يبعث من فى القبور } ( الحج : 6 ، 7 ) فاستشهد تعالى في ~~هذه الآية على صحة الحشر بأمور : الأول : أنه استدل بالخلق الأول على إمكان ~~الخلق الثاني وهو قوله : { إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب } ~~كأنه تعالى يقول : لما حصل الخلق الأول بانتقال هذه الأجسام من أحوال إلى ~~أحوال أخرى فلم لا يجوز أن يحصل الخلق الثاني بعد تغيرات كثيرة ، واختلافات ~~متعاقبة ؟ والثاني : أنه تعالى شبهها بإحياء الأرض الميتة . والثالث : أنه ~~تعالى هو الحق وإنما يكون كذلك لو كان كامل القدرة تام العلم والحكمة . ~~فهذه هي الوجوه المستنبطة من هذه الآية على إمكان صحة الحشر والنشر . # والآية السابعة : في هذا الباب قوله تعالى : { قل كونوا حجارة أو حديدا * ~~أو خلقا مما يكبر فى صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة } ( ~~الإسراء : 50 / 51 ) . # / المثال الرابع : أنه تعالى لما قدر على تخليق ما هو أعظم من أبدان ~~الناس فكيف يقال : إنه لا يقدر على إعادتها ؟ فإن من كان الفعل الأصعب عليه ~~سهلا ، فلأن يكون الفعل السهل الحقير عليه سهلا كان . أولى وهذا المعنى ~~مذكور في آيات كثيرة : منها : قوله تعالى : { أوليس الذى خلق * السماوات ~~والارض * بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) PageV17P015 وثانيها : ~~قوله تعالى : { أولم يروا أن الله الذى خلق * السماوات والارض * ولم يعى ~~بخلقهن بقادر على أن يحى الموتى } ( الأحقاف : 33 ) وثالثها : { أشد خلقا ~~أم السماء بناها رفع } ( النازعات : 27 ) . # المثال الخامس : الاستدلال بحصول اليقظة بعد النوم على جواز الحشر والنشر ~~، فإن النوم أخو الموت ، واليقظة بعد الموت . قال تعالى : { وهو الذى ~~يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار } ( الأنعام : 60 ) ثم ذكر عقيبه أمر ~~الموت والبعث ، فقال : { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا ~~جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون * ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ~~} ( الأنعام : 61 ، 62 ) وقال في آية أخرى { الله يتوفى الانفس حين ms4712 موتها ~~والتى لم تمت فى منامها } ( الزمر : 42 ) إلى قوله : { إن فى ذالك لآيات ~~لقوم يتفكرون } ( الرعد : 3 ) والمراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على ~~صحة البعث والحشر والنشر . # المثال السادس : أن الإحياء بعد الموت لا يستنكر إلا من حيث إنه يحصل ~~الضد بعد حصول الضد ، إلا أن ذلك غير مستنكر في قدرة الله تعالى ، لأنه لما ~~جاز حصول الموت عقيب الحياة فكيف يستبعد حصول الحياة مرة أخرى بعد الموت ؟ ~~فإن حكم الضدين واحد . قال تعالى مقررا لهذا المعنى : { نحن قدرنا بينكم ~~الموت وما نحن بمسبوقين } ( الواقعة : 60 ) وأيضا نجد النار مع حرها ويبسها ~~تتولد من الشجر الأخضر مع برده ورطوبته فقال : { الذى جعل لكم من الشجر ~~الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون } ( يس : 80 ) فكذا ههنا ، فهذا جملة ~~الكلام في بيان أن القول بالمعاد ، وحصول الحشر والنشر غير مستبعد في ~~العقول . # المسألة الثانية : في إقامة الدلالة على أن المعاد حق واجب . # اعلم أن الأمة فريقان منهم من يقول : يجب عقلا أن يكون إله العالم رحيما ~~عادلا منزها عن الإيلام والإضرار ، إلا لمنافع أجل وأعظم منها ، ومنهم من ~~ينكر هذه القاعدة ويقول : لا يجب على الله تعالى شيء أصلا ، بل يفعل ما ~~يشاء ويحكم ما يريد . أما الفريق الأول : فقد احتجوا على وجود المعاد من ~~وجوه . # الحجة الأولى : أنه تعالى خلق الخلق وأعطاهم عقولا بها يميزون بين الحسن ~~والقبيح ، وأعطاهم قدرا بها يقدرون على الخير والشر . وإذا ثبت هذا فمن ~~الواجب في حكمة الله تعالى وعدله / أن يمنع الخلق عن شتم الله وذكره بالسوء ~~، وأن يمنعهم عن الجهل والكذب وإيذاء أنبيائه وأوليائه ، والصالحين من خلقه ~~. ومن الواجب في حكمته أن يرغبهم في الطاعات والخيرات والحسنات ، فإنه لو ~~لم يمنع عن تلك القبائح ، ولم يرغب في هذه الخيرات ، قدح ذلك في كونه محسنا ~~عادلا ناظرا لعباده . ومن المعلوم أن الترغيب في الطاعات لا يمكن إلا بربط ~~الثواب بفعلها ، والزجر عن القبائح لا يمكن إلا بربط العقاب بفعلها ، وذلك ~~الثواب المرغب فيه ms4713 ، والعقاب المهدد به غير حاصل في دار الدنيا . فلا بد من ~~دار أخرى يحصل فيها هذا الثواب ، وهذا العقاب ، وهو المطلوب ، وإلا لزم ~~كونه كاذبا ، وأنه باطل . وهذا هو المراد من الآية التي نحن فيها وهي قوله ~~تعالى : { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنه يكفي في الترغيب في فعل الخيرات ، ~~وفي الردع عن المنكرات ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح ~~المنكرات ولا حاجة مع ذلك إلى الوعد والوعيد ؟ سلمنا أنه لا بد من الوعد ~~والوعيد ، فلم لا يجوز أن يقال : الغرض منه مجرد الترغيب والترهيب ليحصل به ~~نظام العالم PageV17P016 كما قال تعالى : { ذالك يخوف الله به عباده ياعباد ~~* عباد * فاتقون } ( الزمر : 16 ) فإما أن يفعل تعالى ذلك فما الدليل عليه ~~؟ قوله لو لم يفعل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد لصار كلامه كذبا فنقول : ~~ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن لقيام الدلالة على وجوب ذلك التخصيص فإن ~~كان هذا كذبا وجب فيما تحكمون به من تلك التخصيصات أن يكون كذبا ؟ سلمنا ~~أنه لا بد وأن يفعل الله تعالى ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال : إن ذلك الثواب ~~والعقاب عبارة عما يصل إلى الإنسان من أنواع الراحات واللذات ومن أنواع ~~الآلام والأسقام ، وأقسام الهموم والغموم ؟ # والجواب عن السؤال الأول : أن العقل وإن كان يدعوه إلى فعل الخير وترك ~~الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوانه إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية ~~واللذات الجسدانية / وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح قوي ومعاضد كامل ~~، وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد والثواب والعقاب على الفعل والترك . # والجواب عن السؤال الثاني : أنه إذا جوز الإنسان حصول الكذب على الله ~~تعالى فحينئذ لا يحصل من الوعد رغبة ، ولا من الوعيد رهبة ، لأن السامع ~~يجوز كونه كذبا . # والجواب عن السؤال الثالث : أن العبد ما دامت حياته في الدنيا فهو ~~كالأجير المشتغل بالعمل . والأجير حال اشتغاله بالعمل لا يجوز دفع الأجرة ~~بكمالها إليه ، لأنه إذا أخذها فإنه ms4714 لا يجتهد في العمل . وأما إذا كان محل ~~أخذ الأجرة هو الدار الآخرة كان الاجتهاد في العمل أشد وأكمل ، وأيضا نرى / ~~في هذه الدنيا أن أزهد الناس وأعلمهم مبتلي بأنواع الغموم والهموم والأحزان ~~، وأجهلهم وأفسقهم في اللذات والمسرات ، فعلمنا أن دار الجزاء يمتنع أن ~~تكون هذه الدار فلا بد من دار أخرى ، ومن حياة أخرى ، ليحصل فيها الجزاء . # الحجة الثانية : أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن ~~وبين المسيء ، وأن لا يجعل من كفر به ، أو جحده بمنزلة من أطاعه ، ولما وجب ~~إظهار هذه التفرقة فحصول هذه التفرقة إما أن يكون في دار الدنيا ، أو في ~~دار الآخرة ، والأول باطل . لأنا نرى الكفار والفساق في الدنيا في أعظم ~~الراحات ، ونرى العلماء والزهاد بالضد منه ، ولهذا المعنى قال تعالى : { ~~ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من ~~فضة } ( الزخرف : 33 ) فثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى ، وهو ~~المراد من الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله : { إليه مرجعكم جميعا وعد ~~الله حقا } وهو المراد أيضا بقوله تعالى في سورة طه : { إن الساعة ءاتية ~~أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } ( طه : 15 ) وبقوله تعالى في سورة ص : ~~{ أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض أم نجعل ~~المتقين كالفجار } ( ص : 28 ) . # فإن قيل : أما أنكرتم أن يقال إنه تعالى لا يفصل بين المحسن وبين المسيء ~~في الثواب والعقاب كما لم فصل بينهما في حسن الصورة وفي كثرة المال ؟ # والجواب : أن هذا الذي ذكرته مما يقوي دليلنا ، فإنه ثبت في صريح العقل ~~وجوب التفرقة ، ودل الحس على أنه لم تحصل هذه التفرقة في الدنيا ، بل كان ~~الأمر على الضد منه ، فإنا نرى العالم والزاهد في أشد البلاء ، ونرى الكافر ~~والفاسق في أعظم النعم . فعلمنا أنه لا بد من دار أخرى يظهر فيها هذا ~~التفاوت ، وأيضا لا يبعد أن يقال إنه تعالى علم أن هذا الزاهد العابد لو ~~أعطاه ms4715 ما دفع إلى الكافر الفاسق لطغى وبغى PageV17P017 وآثر الحياة الدنيا ~~، وأن ذلك الكافر الفاسق لو زاد عليه في التضييق لزاد في الشر وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الارض } ( ~~الشورى : 27 ) . # الحجة الثالثة : أنه تعالى كلف عبيده بالعبودية فقال : { وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون } ( الطاريات : 56 ) والحكيم إذا أمر عبده بشيء ، فلا ~~بد وأن يجعله فارغ الباب منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تلك ~~التكاليف ، والناس جبلوا على طلب اللذات وتحصيل الراحات لأنفسهم ، فلو لم ~~يكن لهم زاجر من خوف المعاد لكثر الهرج والمرج ولعظمت الفتن ، وحينئذ لا ~~يتفرغ المكلف للاشتغال بأداء العبادات . فوجب القطع بحصول دار الثواب ~~والعقاب لتنتظم أحوال العالم حتى يقدر المكلف على الاشتغال بأداء العبودية ~~. # / فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال إنه يكفي في بقاء نظام العالم مهابة ~~الملوك وسياساتهم ؟ وأيضا فالأوباش يعلمون أنهم لو حكموا بحسن الهرج والمرج ~~. لانقلب الأمر عليهم ولقدر غيرهم على قتلهم ، وأخذ أموالهم ، فلهذا المعنى ~~يحترزون عن إثارة الفتن . # والجواب : أن مجرد مهابة السلاطين لا تكفي في ذلك ، وذلك لأن السلطان إما ~~أن يكون قد بلغ في القدرة والقوة إلى حيث لا يخاف من الرعية ، وإما أن يكون ~~خائفا منهم ، فإن كان لا يخاف الرعية مع أنه لا خوف له من المعاد ، فحينئذ ~~يقدم على الظلم والإيذاء على أقبح الوجوه ، لأن الداعية النفسانية قائمة ، ~~ولا رادع له في الدنيا ولا في الآخرة ، وأما إن كان يخاف الرعية فحينئذ ~~الرعية لا يخافون منه خوفا شديدا ، فلا يصير ذلك رادعا لهم عن القبائح ~~والظلم . فثبت أن نظام العالم لا يتم ولا يكمل إلا بالرغبة في المعاد ~~والرهبة عنه . # الحجة الرابعة : أن السلطان القاهر إذا كان له جمع من العبيد ، وكان ~~بعضهم أقوياء وبعضهم ضعفاء ، وجب على ذلك السلطان إن كان رحيما ناظرا مشفقا ~~عليهم أن ينتصف للمظلوم الضعيف من الظالم القادر القوي ، فإن لم يفعل ذلك ~~كان راضيا بذلك الظلم ، والرضا بالظلم لا يليق بالرحيم الناظر ms4716 المحسن . # إذا ثبت هذا فنقول : إنه سبحانه سلطان قاهر قادر حكيم منزه عن الظلم ~~والعبث . فوجب أن ينتصف لعبيده المظلومين من عبيده الظالمين ، وهذا ~~الانتصاف لم يحصل في هذه الدار ، لأن المظلوم قد يبقى في غاية الذلة ~~والمهانة ، والظالم يبقى في غاية العزة والقدرة ، فلا بد من دار أخرى يظهر ~~فيها هذا العدل وهذا الإنصاف ، وهذه الحجة يصلح جعلها تفسيرا لهذه الآية ~~التي نحن في تفسيرها . # فإن قالوا : إنه تعالى لما أقدر الظالم على الظلم في هذه الدار ، وما ~~أعجزه عنه ، دل على كونه راضيا بذلك الظلم . # قلنا : الإقدار على الظلم عين الإقدار على العدل والطاعة ، فلو لم يقدره ~~تعالى على الظلم لكان قد أعجزه عن فعل الخيرات والطاعات ، وذلك لا يليق ~~بالحكيم ، فوجب في العقل إقداره على الظلم والعدل ، ثم إنه تعالى ينتقم ~~للمظلوم من الظالم . # الحجة الخامسة : أنه تعالى خلق هذا العالم وخلق كل من فيه من الناس فإما ~~أن يقال : إنه تعالى PageV17P018 خلقهم لا لمنفعة ولا لمصلحة ، أو يقال : ~~إنه تعالى خلقهم لمصلحة ومنفعة . والأول : يليق بالرحيم الكريم . والثاني : ~~وهو أن يقال : إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير ، فذلك الخير والمصلحة إما أن ~~يحصل في هذه الدنيا أو في دار أخرى ، والأول باطل من وجهين : الأول : أن ~~لذات هذا / العالم جسمانية ، واللذات الجسمانية لا حقيقية لها إلا إزالة ~~الألم ، وإزالة الألم أمر عدمي ، وهذا العدم كان حاصلا حال كون كل واحد من ~~الخلائق معدوما ، وحينئذ لا يبقى للتخليق فائدة . والثاني : أن لذات هذا ~~العالم ممزوجة بالآلام والمحن ، بل الدنيا طافحة بالشرور والآفات والمحن ~~والبليات ، واللذة فيها كالقطرة في البحر . فعلمنا أن الدار التي يصل فيها ~~الخلق إلى تلك الراحات المقصودة دار أخرى سوى دار الدنيا . # فإن قالوا : أليس أنه تعالى يؤلم أهل النار بأشد العذاب لا لأجل مصلحة ~~وحكمة ؟ فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى يخلق الخلق في هذا العالم لا ~~لمصلحة ولا لحكمة . # قلنا : الفرق أن ذلك الضرر ضرر مستحق على أعمالهم الخبيثة . وأما الضرر ~~الحاصل ms4717 في الدنيا فغير مستحق ، فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة ومنافع جابرة ~~لتلك المضار السالفة ، وإلا لزم أن يكون الفاعل شريرا مؤذيا ، وذلك ينافي ~~كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين . # الحجة السادسة : لو لم يحصل للإنسان معاد لكان الإنسان أخس من جميع ~~الحيوانات في المنزلة والشرف . واللازم باطل ، فالملزوم مثله . بيان ~~الملازمة أن مضار الإنسان في الدنيا أكثر من مضار جميع الحيوانات ، فإن ~~سائر الحيوانات قبل وقوعها في الآلام والأسقام تكون فارغة البال طيبة النفس ~~/ لأنه ليس لها فكر وتأمل . أما الإنسان فإنه بسبب ما يحصل له من العقل ~~يتفكر أبدا في الأحوال الماضية والأحوال المستقبلة ، فيحصل له بسبب أكثر ~~الأحوال الماضية أنواع من الحزن والأسف ، ويحصل له بسبب أكثر الأحوال ~~الآتية أنواع من الخوف ، لأنه لا يدري أنه كيف تحدث الأحوال . فثبت أن حصول ~~العقل للإنسان سبب لحصول المضار العظيمة في الدنيا والآلام النفسانية ~~الشديدة القوية . وأما اللذات الجسمانية فهي مشتركة بين الناس وبين سائر ~~الحيوانات ، لأن السرقين في مذاق الجعل طيب ، كما أن اللوزينج في مذاق ~~الإنسان طيب . # إذا ثبت هذا فنقول : لو لم يحصل للإنسان معاد به تكمل حالته وتظهر سعادته ~~، لوجب أن يكون كمال العقل ، سببا لمزيد الهموم والغموم والأحزان من غير ~~جابر يجبر ، ومعلوم أن كل ما كان كذلك فإنه يكون سببا لمزيد الخسة والدناءة ~~والشقاء والتعب الخالية عن المنفعة . فثبت أنه لولا حصول السعادة الأخروية ~~لكان الأنسان أخس الحيوانات حتى الخنافس والديدان ، ولما كان ذلك باطلا ~~قطعا ، علمنا أنه لا بد من الدار الآخرة ، وأن الإنسان خلق للآخرة لا ~~للدنيا ، وأنه بعقله يكتسب موجبات السعادات الأخروية . فلهذا السبب كان ~~العقل شريفا . # الحجة السابعة : أنه تعالى قادر على إيصال النعم إلى عبيده على وجهين : ~~أحدهما : أن تكون / النعم مشوبة بالآفات والأحزان . والثاني : أن تكون ~~خالصة عنها ، فلما أنعم الله تعالى في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم ~~علينا بالمرتبة الثانية في دار أخرى ، إظهارا لكمال القدرة والرحمة والحكمة ~~، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ، ويزيل الغموم ms4718 والهموم ~~والشهوات والشبهات . والذي يقوي ذلك ، ويقرر هذا PageV17P019 الكلام أن ~~الإنسان حين كان جنينا في بطن أمه ، كان في أضيق المواضع وأشدها عفونة ~~وفسادا ، ثم إذا خرج من بطن أمه كانت الحالة الثانية أطيب وأشرف من الحالة ~~الأولى ، ثم إنه عند ذلك يوضع في المهد ويشد شدا وثيقا ، ثم بعد حين يخرج ~~من المهد ويعدو يمينا وشمالا ، وينتقل من تناول اللبن إلى تناول الأطعمة ~~الطيبة ، وهذه الحالة الثالثة لا شك أنها أطيب من الحالة الثانية ، ثم إنه ~~بعد حين يصير أميرا نافذ الحكم على الخلق ، أو عالما مشرفا على حقائق ~~الأشياء ، ولا شك أن هذه الحالة الرابعة أطيب وأشرف من الحالة الثالثة . ~~وإذا ثبت هذا وجب بحكم هذا الاستقراء أن يقال : الحالة الحاصلة بعد الموت ~~تكون أشرف وأعلى وأبهج من اللذات الجسدانية والخيرات الجسمانية . # الحجة الثامنة : طريقة الاحتياط ، فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له ، ~~فإن كان هذا المذهب حقا ، فقد نجونا وهلك المنكر ، وإن كان باطلا ، لم ~~يضرنا هذا الإعتقاد . غاية ما في الباب أن يقال إنه تفوتنا هذه اللذات ~~الجسمانية إلا أنا نقول يجب على العاقل أن لا يبالي بفوتها لأمرين أحدهما : ~~أنها في غاية الخساسة لأنها مشترك فيها بين الخنافس والديدان والكلاب . ~~والثاني : أنها منقطعة سريعة الزوال . فثبت أن الاحتياط ليس إلا في الإيمان ~~بالمعاد ، ولهذا قال الشاعر : # % قال المنجم والطبيب كلاهما % % لا تحشر الأموات قلت إليكما % # % إن صح لكما فلست بخاسر % % أو صح قولي فالخسار عليكما % # الحجة التاسعة : اعلم أن الحيوان ما دام يكون حيوانا ، فإنه إن قطع منه ~~شيء مثل ظفر أو ظلف أو شعر ، فإنه يعود ذلك الشيء ، وإن جرح اندمل ، ويكون ~~الدم جاريا في عروقه وأعضائه جريان الماء في عروق الشجر وأغصانه ، ثم إذا ~~مات انقلبت هذه الأحوال ، فإن قطع منه شيء من شعره أو ظفره لم ينبت / وإن ~~جرح لم يندمل ولم يلتحم ، ورأيت الدم يتجمد في عروقه ، ثم بالآخرة يؤول ~~حاله إلى الفساد والانحلال . ثم إنا لما نظرنا إلى الأرض وجدناها شبيهة ms4719 ~~بهذه الصفة ، فإنا نراها في زمان الربيع تفور عيونها وتربو تلالها وينجذب ~~الماء إلى أغصان الأشجار وعروقها ، والماء في الأرض بمنزلة الدم الجاري في ~~بدن الحيوان ، ثم تخرج أزهارها وأنوارها وثمارها كما / قال تعالى : { فإذا ~~أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج } ( الحج : 5 ) وإن ~~جذ من نباتها شيء أخلف ونبت مكانه آخر مثله ، وإن قطع غصن من أغصان الأشجار ~~أخلف ، وإن جرح التأم ، وهذه الأحوال شبيهة بالأحوال التي ذكرناها للحيوان ~~. ثم إذا جاء الشتاء واشتد البرد غارت عيونها وجفت رطوبتها وفسدت بقولها ، ~~ولو قطعنا غصنا من شجرة ما أخلف ، فكانت هذه الأحوال شبيهة بالموت بعد ~~الحياة . ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة ، فإذا ~~عقلنا هذه المعاني في إحدى الصورتين ، فلم لا نعقل مثله في الصورة الثانية ~~، بل نقول لا شك أن الإنسان أشرف من سائر الحيوانات ، والحيوان أشرف من ~~النبات ، وهو أشرف من الجمادات . فإذا حصلت هذه الأحوال في الأرض ، فلم لا ~~يجوز حصولها في الإنسان . # فإن قالوا : إن أجساد الحيوان تتفرق وتتمزق بالموت ، وأما الأرض فليست ~~كذلك . # فالجواب : أن الإنسان عبارة عن النفس الناطقة ، وهو جوهر باق ، أو إن لم ~~نقل بهذا المذهب فهو عبارة عن أجزاء أصلية باقية من أول وقت تكون الجنين ~~إلى آخر العمر ، وهي جارية في البدن ، وتلك الأجزاء PageV17P020 باقية ، ~~فزال هذا السؤال . # الحجة العاشرة : لا شك أن بدن الحيوان إنما تولد من النطفة ، وهذه النطفة ~~إنما اجتمعت من جميع البدن ، بدليل أن عند انفصال النطفة يحصل الضعف ~~والفتور في جميع البدن ، ثم إن مادة تلك النطفة إنما تولدت من الأغذية ~~المأكولة ، وتلك الأغذية إنما تولدت من الأجزاء العنصرية وتلك الأجزاء كانت ~~متفرقة في مشارق الأرض ومغاربها ، واتفق لها أن اجتمعت ، فتولد منها حيوان ~~أو نبات فأكله إنسان ، فتولد منه دم فتوزع ذلك الدم على أعضائه ، فتولد ~~منها أجزاء لطيفة . ثم عند استيلاء الشهوة سال من تلك الرطوبات مقدار معين ~~، وهو النطفة ، فانصب إلى فم الرحم ms4720 ، فتولد منه هذا الإنسان ، فثبت أن ~~الأجزاء التي منها تولد بدن الأنسان كانت متفرقة في البحار والجبال وأوج ~~الهواء ، ثم إنها اجتمعت بالطريق المذكور ، فتولد منها هذا البدن ، فإذا ~~مات تفرقت تلك الأجزاء على مثال التفرق الأول . # وإذا ثبت هذا فنقول وجب القطع أيضا بأنه لا يمتنع أن يجتمع مرة أخرى على ~~مثال الاجتماع الأول ، وأيضا ، فذلك المني لما وقع في رحم الأم ، فقد كان ~~قطرة صغيرة ثم تولد منه بدن الإنسان وتعلقت الروح به حال ما كان ذلك البدن ~~في غاية الصغر ، ثم إن ذلك البدن لا شك أنه في غاية الرطوبة ، ولا شك أنه ~~يتحلل منه أجزاء كثيرة بسبب عمل الحرارة الغريزية فيها ، وأيضا فتلك ~~الأجزاء البدنية الباقية أبدا في طول العمر تكون في التحلل ، ولولا ذلك لما ~~حصل الجوع ، ولما / حصلت الحاجة إلى الغذاء ، مع أنا نقطع بأن هذا الإنسان ~~الشيخ ، هو عين ذلك الإنسان الذي كان في بطن أمه . ثم انفصل ، وكان طفلا ثم ~~شابا ، فثبت أن الأجزاء البدنية دائمة التحلل ، وأن الإنسان هو هو بعينه . ~~فوجب القطع بأن الإنسان ، إما أن يكون جوهرا مفارقا مجردا ، وإما أن يكون ~~جسما نورانيا لطيفا باقيا مع تحلل هذا البدن ، فإذا كان الأمر كذلك فعلى ~~التقديرين لا يمتنع عوده إلى الجثة مرة أخرى ، ويكون هذا الإنسان العائد ~~عين الإنسان الأول ، فثبت أن القول بالمعاد صدق . # الحجة الحادية عشر : ما ذكره الله تعالى في قوله : { أولم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم م بين } واعلم أن قوله سبحانه : { خلقناه من ~~نطفة } ( يس : 77 ) إشارة إلى ما ذكرناه في الحجة العاشرة من أن تلك ~~الأجزاء كانت متفرقة في مشارق الأرض ومغاربها ، فجمعها الله تعالى وخلق من ~~تركيبها هذا الحيوان ، والذي يقويه قوله سبحانه : { ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين } ( المؤمنون : 12 ، 13 ) فإن ~~تفسيره هذه الآية إنما يصح بالوجه الذي ذكرناه ، وهو أن السلالة من الطين ~~يتكون منها نبات ، ثم إن ms4721 ذلك النبات يأكله الإنسان فيتولد منه الدم ، ثم ~~الدم ينقلب نطفة ، فبهذا الطريق ينتظم ظاهر هذه الآية . ثم إنه سبحانه بعد ~~أن ذكر هذا المعنى حكى كلام المنكر ، وهو قوله تعالى : { قال من يحى العظام ~~وهى رميم } ( يس : 78 ) ثم إنه تعالى بين إمكان هذا المذهب . # واعلم أن إثبات إمكان الشيء لا يعقل إلا بطريقين : أحدهما : أن يقال : إن ~~مثله ممكن ، فوجب أن يكون هذا أيضا ممكنا . والثاني : أن يقال : إن ما هو ~~أعظم منه وأعلى حالا منه ، فهو أيضا ممكن . ثم إنه تعالى ذكر الطريق الأول ~~أولا فقال : { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } ( يس : 79 ~~) ثم فيه دقيقة وهي أن قوله : { قل يحييها } إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله ~~: { وهو بكل خلق عليم } إشارة إلى كمال PageV17P021 العلم . ومنكروا الحشر ~~والنشر لا ينكرونه إلا لجهلهم بهذين الأصلين ، لأنهم تارة يقولون : إنه ~~تعالى موجب بالذات ، والموجب بالذات لا يصح منه القصد إلى التكوين ، وتارة ~~يقولون إنه يمتنع كونه عالما بالجزئيات ، فيمتنع منه تمييز أجزاء بدن زيد ~~عن أجزاء بدن عمرو ، ولما كانت شبه الفلاسفة مستخرجة من هذين الأصلين ، لا ~~جرم كلما ذكر الله تعالى مسألة المعاد أردفه بتقرير هذين الأصلين ثم إنه ~~تعالى ذكر بعده الطريق الثاني ، وهو الاستدلال بالأعلى على الأدنى ، ~~وتقريره من وجهين : الأول : أن الحياة لا تحصل إلا بالحرارة والرطوبة ، ~~والتراب بارد يابس ، فحصلت المضادة بينهما . إلا أنا نقول : الحرارة ~~النارية أقوى في صفة الحرارة من الحرارة الغريزية ، فلما لم يمتنع تولد ~~الحرارة النارية عن الشجر الأخضر مع كمال ما بينهما من المضادة ، فكيف ~~يمتنع حدوث الحرارة الغريزية / في جرم التراب ؟ الثاني : قوله تعالى : { ~~أوليس الذى خلق * السماوات والارض * بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) ~~بمعنى أنه لما سلمتم أنه تعالى هو الخالق لأجرام الأفلاك والكواكب ، فكيف ~~يمكنكم الامتناع من كونه قادرا على الحشر والنشر ؟ ثم إنه تعالى حسم مادة ~~الشبهات بقوله : { إنما * أمرنا * لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( ~~النحل ms4722 : 40 ) والمراد أن تخليقه وتكوينه لا يتوقف على حصول الآلات والأدوات ~~ونطفة الأب ورحم الأم ، والدليل عليه أنه خلق الأب الأول ، لا عن أب سابق ~~عليه ، فدل ذلك على كونه سبحانه غنيا في الخلق والإيجاد والتكوين عن ~~الوسائط والآلات . ثم قال سبحانه : { فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء وإليه ~~ترجعون } ( يس : 83 ) أي سبحانه من أن لا يعيدهم ويهمل أمر المظلومين ، ولا ~~ينتصف للعاجزين من الظالمين ، وهو المعنى المذكور في هذه الآية التي نحن في ~~تفسيرها ، وهي قوله سبحانه : { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } . # الحجة الثانية عشر : دلت الدلائل على أن العالم محدث ولا بد له من محدث ~~قادر ، ويجب أن يكون عالما ، لأن الفعل المحكم المتقن لا يصدر إلا من ~~العالم / ويجب أن يكون غنيا عنها وإلا لكان قد خلقها في الأزل وهو محال ، ~~فثبت أن لهذا العالم إلها قادرا عالما غنيا ، ثم لما تأملنا فقلنا : هل ~~يجوز في حق هذا الحكيم الغني عن الكل أن يهمل عبيده ويتركهم سدى ، ويجوز ~~لهم أن يكذبوا عليه ويبيح لهم أن يشتموه ويجحدوا ربوبيته ، ويأكلوا نعمته ، ~~ويعبدوا الجبت والطاغوت ، ويجعلوا له أندادا وينكروا أمره ونهيه ووعده ~~ووعيده ؟ فههنا حكمت بديهة العقل بأن هذه المعاني لا تليق إلا بالسفيه ~~الجاهل البعيد من الحكمة . القريب من العبث ، فحكمنا لأجل هذه المقدمة أن ~~له أمرا ونهيا ، ثم تأملنا فقلنا : هل يجوز أن يكون له أمر ونهي مع أنه لا ~~يكون له وعد ووعيد ؟ فحكم صريح العقل بأن ذلك غير جائز لأنه إن لم يقرن ~~الأمر بالوعد بالثواب ، ولم يقرن النهي بالوعيد بالعقاب لم يتأكد الأمر ~~والنهي ، ولم يحصل المقصود . فثبت أنه لا بد من وعد ووعيد ، ثم تأملنا ~~فقلنا : هل يجوز أن يكون له وعد ووعيد ثم إنه لا يفي بوعده لأهل الثواب ، ~~ولا بوعيده لأهل العقاب : فقلنا : إن ذلك لا يجوز ، لأنه لو جاز ذلك لما ~~حصل الوثوق بوعده ولا بوعيده ، وهذا يوجب أن لا يبقى فائدة في الوعد ~~والوعيد ، فعلمنا أنه لا ms4723 بد من تحقيق الثواب والعقاب ، ومعلوم أن ذلك لا ~~يتم إلا بالحشر والبعث ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . فهذه مقدمات ~~يتعلق بعضها بالبعض كالسلسلة متى صح بعضها صح كلها ، ومتى فسد بعضها فسد ~~كلها ، فدل مشاهدة أبصارنا لهذه التغيرات على حدوث العالم ، ودل حدوث ~~العالم على وجود الصانع الحكيم الغني ، ودل ذلك على وجود الأمر والنهي ، ~~ودل ذلك على وجود الثواب والعقاب ، ودل ذلك على وجوب الحشر . فإن لم / يثبت ~~الحشر أدى ذلك إلى بطلان جميع PageV17P022 المقدمات المذكورة ولزم إنكار ~~العلوم البديهية وإنكار العلوم النظرية القطعية . فثبت أنه لا بد لهذه ~~الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة المتمزقة من البعث بعد ~~الموت ، ليصل المحسن إلى ثوابه والمسيء إلى عقابه ، فإن لم تحصل هذه الحالة ~~لم يحصل الوعد والوعيد ، وإن لم يحصلا لم يحصل الأمر والنهي ، وإن لم يحصلا ~~لم تحصل الإلهية ، وإن لم تحصل الإلهية لم تحصل هذه التغيرات في العالم . ~~وهذه الحجة هي المراد من الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله : { إليه ~~مرجعكم جميعا وعد الله حقا } هذا كله تقرير إثبات المعاد بناء على أن لهذا ~~العالم إلها رحيما ناظرا محسنا إلى العباد . # أما الفريق الثاني : وهم الذين لا يعللون أفعال الله تعالى برعاية ~~المصالح ، فطريقهم إلى إثبات المعاد أن قالوا : المعاد أمر جائز الوجود ، ~~والأنبياء عليهم السلام أخبروا عنه ، فوجب القطع بصحته ، أما إثبات الإمكان ~~فهو مبني على مقدمات ثلاثة . # المقدمة الأولى : البحث عن حال القابل فنقول : الإنسان إما أن يكون عبارة ~~عن النفس أو عن البدن ، فإن كان عبارة عن النفس وهو القول الحق ، فنقول : ~~لما كان تعلق النفس بالبدن في المرة الأولى ، جائزا كان تعلقها بالبدن في ~~المرة الثانية يجب أن يكون جائزا . وهذا الكلام لا يختلف ، سواء قلنا النفس ~~عبارة عن جوهر مجرد ، أو قلنا : إنه جسم لطيف مشاكل لهذا البدن باق في جميع ~~أحوال البدن مصون عن التحلل والتبدل ، وأما إن كان الأنسان عبارة عن البدن ~~، وهذا القول أبعد الأقاويل ms4724 فنقول : إن تألف تلك الأجزاء على الوجه المخصوص ~~في المرة الأولى كان ممكنا ، فوجب أيضا أن يكون في المرة الثانية ممكنا ، ~~فثبت أن عود الحياة إلى هذا البدن مرة أخرى أمره ممكن في نفسه . # وأما المقدمة الثانية : فهي في بيان أن إله العالم قادر مختار . لا علة ~~موجبة ، وأن هذا القادر قادر على كل الممكنات . # وأما المقدمة الثالثة : فهي في بيان أن إله العالم عالم بجميع الجزئيات / ~~فلا جرم أجزاء بدن زيد وإن اختطلت بأجزاء التراب ، والبحار إلا أنه تعالى ~~لما كان عالما بالجزئيات أمكنه تمييز بعضها عن بعض . ومتى ثبتت هذه ~~المقدمات الثلاثة ، لزم القطع بأن الحشر والنشر أمر ممكن في نفسه . # وإذا ثبت هذا الإمكان فنقول : دل الدليل على صدق الأنبياء وهم قطعوا ~~بوقوع هذا الممكن ، فوجب القطع بوقوعه ، وإلا لزمنا تكذيبهم ، وذلك باطل ~~بالدلائل الدالة على صدقهم ، فهذا خلاصة ما وصل إليه عقلنا في تقرير أمر ~~المعاد . # / المسألة الثالثة : في الجواب عن شبهات المنكرين للحشر والنشر . # الشبهة الأولى : قالوا : لو بدلت هذه الدار بدار أخرى لكانت تلك الدار ~~إما أن تكون مثل هذه الدار أو شرا منها أو خيرا منها ، فإن كان الأول كان ~~التبديل عبثا ، وإن كان شرا منها كان هذا التبديل سفها ، وإن كان خيرا منها ~~ففي أول الأمر هل كان قادرا على خلق ذلك الأجود أو ما كان قادرا عليه ؟ فإن ~~قدر عليه ثم تركه وفعل الأردأ كان ذلك سفها ، وإن قلنا : إنه ما كان قادرا ~~ثم صار قادرا عليه فقد انتقل من العجز إلى القدرة ، أو من الجهل إلى الحكمة ~~، وأن ذلك على خالق العالم محال . # والجواب : لم لا يجوز أن يقال تقديم هذه الدار على تلك الدار هو المصلحة ~~، لأن الكمالات PageV17P023 النفسانية الموجبة للسعادة الأخروية لا يمكن ~~تحصيلها إلا في هذه الدار ، ثم عند حصول هذه الكمالات كان البقاء في هذه ~~الدار سببا للفساد والحرمان عن الخيرات . # الشبهة الثانية : قالوا : حركات الأفلاك مستديرة ، والمستدير لا ضد له ، ~~وما لا ضد له لا ms4725 يقبل الفساد . # والجواب : أنا أبطلنا هذه الشبهة في الكتب الفلسفية ، فلا حاجة إلى ~~الإعادة . والأصل في إبطال أمثال هذه الشبهات أن نقيم الدليل على أن أجرام ~~الأفلاك مخلوقة ، ومتى ثبت ذلك ثبت كونها قابلة للعدم والتفرق والتمزق . ~~ولهذا السر ، فإنه تعالى في هذه السورة بدأ بالدلائل الدالة على حدوث ~~الأفلاك ، ثم أردفها بما يدل على صحة القول بالمعاد . # الشبهة الثالثة : الإنسان عبارة عن هذا البدن ، وهو ليس عبارة عن هذه ~~الأجزاء كيف كانت ، لأن هذه الأجزاء كانت موجودة قبل حدوث هذا الإنسان ، مع ~~أنا نعلم بالضرورة أن هذا الإنسان ما كان موجودا ، وأيضا أنه إذا أحرق هذا ~~الجسد ، فإنه تبقى تلك الأجزاء البسيطة ، ومعلوم أن مجموع تلك الأجزاء ~~البسيطة من الأرض والماء والهواء والنار ، ما كان عبارة عن هذا الإنسان ~~العاقل الناطق ، فثبت أن تلك الأجزاء إنما تكون هذا الإنسان بشرط وقوعها ~~على تأليف مخصوص ، ومزاج مخصوص ، وصورة مخصوصة ، فإذا مات الإنسان وتفرقت ~~أجزاؤه فقد عدمت تلك الصور والأعراض ، وعود المعدوم محال . وعلى هذا ~~التقدير فإنه يمتنع عود بعض الأجزاء المعتبرة في حصول هذا الأنسان فوجب أن ~~يمتنع عوده بعينه مرة أخرى . # والجواب : لا نسلم أن هذا الأنسان المعين عبارة عن هذا الجسد المشاهد ، ~~بل هو عبارة عن النفس . سواء فسرنا النفس بأنه جوهر مفارق مجرد ، أو قلنا ~~إنه جسم لطيف مخصوص مشاكل لهذا الجسد مصون عن التغير ، والله أعلم به . # / الشبهة الرابعة : إذا قتل إنسان واغتذى به إنسان آخر . فيلزم أن يقال ~~تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال . # والجواب : هذه الشبهة أيضا مبنية على أن الإنسان المعين عبارة عن مجموع ~~هذا البدن ، وقد بينا أنه باطل . بل الحق أنه عبارة عن النفس سواء . # قلنا : النفس جوهر مجرد وأجسام لطيفة باقية مشاكلة للجسد ، وهي التي ~~سمتها المتكلمون بالأجزاء الأصلية . وهذا آخر البحث العقلي عن مسألة المعاد ~~. # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { إليه مرجعكم جميعا } فيه أبحاث : # البحث الأول : أن كلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية / وظاهره يقتضي أن يكون ms4726 ~~الله سبحانه مختصا بحيز وجهة ، حتى يصح أن يقال : إليه مرجع الخلق . # والجواب عنه من وجوه : الأول : أنا إذا قلنا . النفس جوهر مجرد ، فالسؤال ~~زائل . الثاني : أن يكون المراد منه : أن مرجعهم إلى حيث لا حاكم سواه . ~~الثالث : أن يكون المراد : أن مرجعهم إلى حيث حصل الوعد فيه بالمجازاة . # البحث الثاني : ظاهر الآيات الكثيرة يدل على أن الإنسان عبارة عن النفس ، ~~لا عن البدن ، ويدل أيضا PageV17P024 على أن النفس كانت موجودة قبل البدن . ~~أما أن الإنسان شيء غير هذا البدن فلقوله تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا ~~فى سبيل الله أمواتا بل أحياء } فالعلم الضروري حاصل بأن بدن المقتول ميت ، ~~والنص دال على أنه حي ، فوجب أن تكون حقيقته شيئا مغايرا لهذا البدن الميت ~~، وأيضا قال الله تعالى في صفة نزع روح الكفار { أخرجوا أنفسكم } ( الأنعام ~~: 93 ) وأما إن النفس كانت موجودة قبل البدن ، فلأن قوله تعالى في هذه ~~الآية : { إليه مرجعكم } يدل على ما قلنا ، لأن الرجوع إلى الموضع إنما ~~يحصل لو كان ذلك الشيء قد كان هناك قبل ذلك ، ونظيره قوله تعالى : { أحد ~~يأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية } ( الفجر : 27 ، 28 ) وقوله : ~~{ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } ( الأنعام : 62 ) . # البحث الثالث ؛ المرجع بمعنى الرجوع و { جميعا } نصب على الحال أي ذلك ~~الرجوع يحصل حال الاجتماع ، وهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا المرجع ~~الموت ، وإنما المراد منه القيامة . # البحث الرابع : قوله تعالى : { إليه مرجعكم } يفيد الحصر ، وأنه لا رجوع ~~إلا إلى الله تعالى ، ولا حكم إلا حكمه ولا نافذ إلا أمره ، وأما قوله : { ~~وعد الله حقا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { وعد الله } منصوب على معنى : وعدكم الله وعدا ~~، لأن قوله : { إليه مرجعكم } معناه : الوعد بالرجوع ، فعلى هذا التقدير ~~يكون قوله : { وعد الله } مصدرا مؤكدا لقوله : / { إليه مرجعكم } وقوله : { ~~حقا } مصدرا مؤكدا لقوله : { وعد الله } فهذه التأكيدات قد اجتمعت في هذا ~~الحكم . # المسألة الثانية : قرىء { وعد الله } على لفظ الفعل . واعلم أنه تعالى ~~لما أخبر ms4727 عن وقوع الحشر والنشر ، ذكر بعده ما يدل على كونه في نفسه ممكن ~~الوجود . ثم ذكر بعده ما يدل على وقوعه . أما ما يدل على إمكانه في نفسه ~~فهو قوله سبحانه : { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : تقرير هذا الدليل أنه تعالى بين بالدليل كونه خالقا ~~للأفلاك والأرضين ، ويدخل فيه أيضا كونه خالقا لكل ما في هذا العالم من ~~الجمادات والمعادن والنبات والحيوان والإنسان ، وقد ثبت في العقل أن كل من ~~كان قادرا على شيء ، وكانت قدرته باقية ممتنعة الزوال ، وكان عالما بجميع ~~المعلومات فإنه يمكنه إعادته بعينه ، فدل هذا الدليل على أنه تعالى قادر ~~على إعادة الإنسان بعد موته . # المسألة الثانية : اتفق المسلمون على أنه تعالى قادر على إعدام أجسام ~~العالم ، واختلفوا في أنه تعالى هل يعدمها أم لا ؟ فقال قوم إنه تعالى ~~يعدمها ، واحتجوا بهذه الآية وذلك لأنه تعالى حكم على جميع المخلوقات بأنه ~~يعيدها ، فوجب أن يعيد الأجسام أيضا ، وإعادتها لا تمكن إلا بعد إعدامها ، ~~وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محال . ونظيره قوله تعالى : { يوم نطوى السماء ~~كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده } ( الأنبياء : 104 ) فحكم بأن ~~الإعادة تكون مثل الابتداء ، ثم ثبت بالدليل أنه تعالى إنما يخلقها في ~~الابتداء من العدم / فوجب أن يقال إنه تعالى يعيدها أيضا من العدم . # المسألة الثالثة : في هذه الآية إضمار ، كأنه قيل : إنه يبدأ الخلق ~~ليأمرهم بالعبادة ، ثم يميتهم ثم يعيدهم ، كما قال في سورة البقرة : { كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم } ( البقرة : 28 ) إلا أنه ~~تعالى حذف ذكر الأمر بالعبادة ههنا ، لأجل أنه تعالى قال قبل هذه الآية : { ~~إذنه ذالكم الله ربكم فاعبدوه } ( يونس : 3 ) PageV17P025 وحذف ذكر الإماتة ~~لأن ذكر الأعادة يدل عليها . # المسألة الرابعة : قرأ بعضهم { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } بالكسر وبعضهم ~~بالفتح . قال الزجاج : من كسر الهمزة من ( أن ) فعلى الاستئناف ، وفي الفتح ~~وجهان : الأول : أن يكون التقدير : إليه مرجعكم جميعا لأنه يبدأ الخلق ثم ~~يعيده . والثاني : أن ms4728 يكون التقدير : وعد الله وعدا بدأ الخلق ثم إعادته ، ~~وقرىء { يبدىء } من أبدأ وقرىء { حق * إنه يبدأ الخلق } كقولك : حق إن زيدا ~~منطلق . # أما قوله تعالى : { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } فاعلم أن المقصود ~~منه إقامة الدلالة على أنه لا بد من حصول الحشر والنشر ، حتى يحصل الفرق ~~بين المحسن والمسيء ، وحتى يصل / الثواب إلى المطيع والعقاب إلى العاصي ، ~~وقد سبق الاستقصاء في تقرير هذا الدليل ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الكعبي : اللام في قوله تعالى : { إليه مرجعكم ~~جميعا } يدل على أنه تعالى خلق العباد للثواب والرحمة . وأيضا فإنه أدخل ~~لام التعليل على الثواب . وأما العقاب فما أدخل فيه لام التعليل ، بل قال : ~~{ والذين كفروا لهم شراب من حميم } وذلك يدل على أنه خلق الخلق للرحمة لا ~~للعذاب ، وذلك يدل على أنه ما أراد منهم الكفر ، وما خلق فيهم الكفر ألبتة ~~. # والجواب : أن لام التعليل في أفعال الله تعالى محال ، لأنه تعالى لو فعل ~~فعلا لعلة لكانت تلك العلة ، إن كانت قديمة لزم قدم الفعل ، وإن كانت حادثة ~~لزم التسلسل وهو محال . # المسألة الثانية : قال الكعبي أيضا : هذه الآية تدل على أنه لا يجوز من ~~الله تعالى أن يبدأ خلقهم في الجنة ، لأنه لو حسن إيصال تلك النعم إليهم من ~~غير واسطة خلقهم في هذا العالم ومن غير واسطة تكليفهم ، لما كان خلقهم ~~وتكليفهم معللا بإيصال تلك النعم إليهم ، وظاهر الآية يدل على ذلك . # والجواب : هذا بناء على صحة تعليل أحكام الله تعالى وهو باطل ، سلمنا ~~صحته . إلا أن كلامه إنما يصح لو عللنا بدء الخلق وإعادته بهذا المعنى وذلك ~~ممنوع . فلم لا يجوز أن يقال : إنه يبدأ الخلق لمحض التفضل ، ثم إنه تعالى ~~يعيدهم لغرض إيصال نعم الجنة إليهم ؟ وعلى هذا التقدير : سقط كلامه . أما ~~قوله تعالى : { بالقسط } ففيه وجهان : # الوجه الأول : { بالقسط } بالعدل ، وهو يتعلق بقوله : { ليجزى } والمعنى ~~: ليجزيهم بقسطه ، وفيه سؤالان . # السؤال الأول : أن القسط إذا كان مفسرا بالعدل ، فالعدل هو الذي يكون لا ~~زائدا ولا ms4729 ناقصا ، وذلك يقتضي أنه تعالى لا يزيدهم على ما يستحقونه ~~بأعمالهم ، ولا يعطيهم شيئا على سبيل التفضل ابتداء . # والجواب : عندنا أن الثواب أيضا محض التفضل . وأيضا فبتقدير أن يساعد على ~~حصول الاستحقاق ، إلا أن لفظ { القسط } يدل على توفية الأجر ، فأما المنع ~~من الزيادة فلفظ { القسط } لا يدل عليه . # السؤال الثاني : لم خص المؤمنين بالقسط مع أنه تعالى يجازي الكافرين أيضا ~~بالقسط ؟ # والجواب : أن تخصيص المؤمنين بذلك يدل على مزيد العناية في حقهم ، وعلى ~~كونهم مخصوصين بمزيد هذا الاحتياط . PageV17P026 # / الوجه الثاني : في تفسير الآية أن يكون المعنى : ليجزي الذين آمنوا ~~بقسطهم ، وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا أنفسهم حيث آمنوا وعملوا الصالحات ~~، لأن الشرك ظلم . قال الله تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ~~والعصاة أيضا قد ظلموا أنفسهم . قال الله تعالى : { فمنهم ظالم لنفسه } ( ~~فاطر : 32 ) وهذا الوجه أقوى ، لأنه في مقابلة قوله : { بما كانوا يكفرون } ~~( يونس : 70 ) . # وأما قوله تعالى : { والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : الحميم : الذي سخن بالنار حتى انتهى حره ~~. يقال : حممت الماء أي سخنته ، فهو حميم . ومنه الحمام . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين أن يكون ~~المكلف مؤمنا وبين أن يكون كافرا ، لأنه تعالى اقتصر في هذه الآية على ذكر ~~هذين القسمين . # وأجاب القاضي عنه : بأن ذكر هذين القسمين لا يدل على نفي القسم الثالث . ~~والدليل عليه قوله تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على ~~بطنه ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى } ( النور : 45 ) ولم يدل ذلك ~~على نفي القسم الرابع ، بل نقول : إن في مثل ذلك ربما يذكر المقصود أو ~~الأكثر ، ويترك ذكر ما عداه ، إذا كان قد بين في موضع آخر . وقد بين الله ~~تعالى القسم الثالث في سائر الآيات . # والجواب أن نقول : إنما يترك القسم الثالث الذي يجري مجرى النادر ، ~~ومعلوم أن الفساق أكثر من أهل الطاعات ، وكيف يجوز ترك ms4730 ذكرهم في هذا الباب ~~؟ وأما قوله تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء } فإنما ترك ذكر القسم ~~الرابع والخامس ، لأن أقسام ذوات الأرجل كثيرة . فكان ذكرها بأسرها يوجب ~~الإطناب بخلاف هذه المسألة . فإنه ليس ههنا إلا القسم الثالث ، وهو الفاسق ~~الذي يزعم الخصم أنه لا مؤمن ولا كافر . فظهر الفرق . # ! 7 < { هو الذى جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب ما خلق الله ذالك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون } . > ~~7 ! # / < < # | يونس : ( 5 ) هو الذي جعل . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على الإلهية ، ~~ثم فرع عليها صحة القول بالحشر والنشر ، عاد مرة أخرى إلى ذكر الدلائل ~~الدالة على الإلهية . # واعلم أن الدلائل المتقدمة في إثبات التوحيد والإلهية هي التمسك بخلق ~~السموات والأرض ، وهذا النوع إشارة إلى التمسك بأحوال الشمس والقمر ، وهذا ~~النوع الأخير إشارة إلى ما يؤكد الدليل الدال على PageV17P027 صحة الحشر ~~والنشر ، وذلك لأنه تعالى أثبت القول بصحة الحشر والنشر ، بناء على أنه لا ~~بد من إيصال الثواب إلى أهل الطاعة ، وإيصال العقاب إلى أهل الكفر ، وأنه ~~يجب في الحكمة تمييز المحسن عن المسيء ، ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أنه ~~جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل ليتوصل المكلف بذلك إلى معرفة ~~السنين والحساب ، فيمكنه ترتيب مهمات معاشه من الزراعة والحراثة ، وإعداد ~~مهمات الشتاء والصيف ، فكأنه تعالى يقول : تمييز المحسن عن المسيء والمطيع ~~عن العاصي ، أوجب في الحكمة من تعليم أحوال السنين والشهور . فلما اقتضت ~~الحكمة والرحمة خلق الشمس والقمر لهذا المهم الذي لا نفع له إلا في الدنيا ~~. فبأن تقتضي الحكمة والرحمة تمييز المحسن عن المسيء بعد الموت ، مع أنه ~~يقتضي النفع الأبدي والسعادة السرمدية ، كان ذلك أولى . فلما كان الاستدلال ~~بأحوال الشمس والقمر من الوجه المذكور في هذه الآية مما يدل على التوحيد من ~~وجه ، وعلى صحة القول بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه ، لا جرم ذكر الله هذا ~~الدليل بعد ذكر الدليل على صحة ms4731 المعاد . # المسألة الثانية : الاستدلال بأحوال الشمس والقمر على وجود الصانع المقدر ~~هو أن يقال : الأجسام في ذواتها متماثلة ، وفي ماهياتها متساوية ، ومتى كان ~~الأمر كذلك كان اختصاص جسم الشمس بضوئه الباهر وشعاعه القاهر ، واختصاص جسم ~~القمر بنوره المخصوص لأجل الفاعل الحكيم المختار ، أما بيان أن الأجسام ~~متماثلة في ذواتها وماهياتها ، فالدليل عليه أن الأجسام لا شك أنها متساوية ~~في الحجمية والتحيز والجرمية ، فلو خالف بعضها بعضا لكانت تلك المخالفة في ~~أمر وراء الحجمية والجرمية ضرورة أن ما به المخالفة غير ما به المشاركة ، ~~وإذا كان كذلك فنقول أن ما به حصلت المخالفة من الأجسام إما أن يكون صفة ~~لها أو موصوفا بها أو لا صفة لها ولا موصوفا بها والكل باطل . # أما القسم الأول : فلأن ما به حصلت المخالفة لو كانت صفات قائمة بتلك ~~الذوات ، فتكون / الذوات في أنفسها ، مع قطع النظر عن تلك الصفات ، متساوية ~~في تمام الماهية ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكل ما يصح على جسم ، وجب أن يصح ~~على كل جسم ، وذلك هو المطلوب . # وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن الذي به خالف بعض الأجسام بعضا ، ~~أمور موصوفة بالجسمية والتحيز والمقدار . فنقول : هذا أيضا باطل . لأن ذلك ~~الموصوف ، إما أن يكون حجما ومتحيزا أو لا يكون ، والأول باطل ، وإلا لزم ~~افتقاره إلى محل آخر ، ويستمر ذلك إلى غير النهاية . وأيضا فعلى هذا ~~التقدير يكون المحل مثلا للحال ، ولم يكن كون أحدهما محلا والآخر حالا ، ~~أولى من العكس ، فيلزم كون كل واحد منهما محلا للآخر وحالا فيه ، وذلك محال ~~، وأما إن كان ذلك المحل غير متحيز ، وله حجم . فنقول : مثل هذا الشيء لا ~~يكون له اختصاص بحيز ولا تعلق بجهة والجسم مختص بالحيز ، وحاصل في الجهة ، ~~والشيء الذي يكون واجب الحصول في الحيز والجهة / يمتنع أن يكون حالا في ~~الشيء الذي يمتنع حصوله في الحيز والجهة . # وأما القسم الثالث : وهو أن يقال : ما به خالف جسم جسما ، لا حال في ~~الجسم ولا محل له ، فهذا أيضا باطل ms4732 ، لأن على هذا التقدير يكون ذلك الشيء ~~شيئا مباينا عن الجسم لا تعلق له به ، فحينئذ تكون ذوات الأجسام من حيث ~~ذواتها متساوية في تمام الماهية ، وذلك هو المطلوب ، فثبت أن الأجسام ~~بأسرها PageV17P028 متساوية في تمام الماهية . # وإذا ثبت هذا فنقول : الأشياء المتساوية في تمام الماهية تكون متساوية في ~~جميع لوازم الماهية ، فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على الباقي ، فلما صح ~~على جرم الشمس اختصاصه بالضوء القاهر الباهر ، وجب أن يصح مثل ذلك الضوء ~~القاهر على جرم القمر أيضا ، وبالعكس . وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون اختصاص ~~جرم الشمس بضوئه القاهر ، واختصاص القمر بنوره الضعيف بتخصيص مخصص وإيجاد ~~موجد . وتقدير مقدر وذلك هو المطلوب ، فثبت أن اختصاص الشمس بذلك الضوء ~~بجعل جاعل ، وأن اختصاص القمر بذلك النوع من النور بجعل جاعل ، فثبت ~~بالدليل القاطع صحة قوله سبحانه وتعالى : { هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر ~~نورا } وهو المطلوب . # المسألة الثالثة : قال أبو علي الفارسي : الضياء لا يخلو من أحد أمرين ~~إما أن يكون جمع ضوء كسوط وسياط وحوض وحياض ، أو مصدر ضاء يضوء ضياء كقولك ~~قام قياما ، وصام صياما ، وعلى أي الوجهين حملته ، فالمضاف محذوف ، والمعنى ~~جعل الشمس ذات ضياء ، والقمر ذا نور ، ويجوز أن يكون من غير ذلك لأنه لما ~~عظم الضوء والنور فيهما جعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم أنه ~~كرم وجود . # / المسألة الرابعة : قال الواحدي : روي عن ابن كثير من طريق قنبل { * ~~ضئاء } بهمزتين وأكثر الناس على تغليطه فيه ، لأن ياء ضياء منقلبة من واو ~~مثل ياء قيام وصيام ، فلا وجه للهمزة فيها . ثم قال : وعلى البعد يجوز أن ~~يقال قدم اللام التي هي الهمزة إلى موضع العين ، وأخر العين التي هي واو ، ~~إلى موضع اللام ، فلما وقعت طرفا بعد ألف زائدة انقلبت همزة ، كما انقلبت ~~في سقاء وبابه . والله أعلم . # المسألة الخامسة : اعلم أن النور كيفية قابلة للأشد والأضعف ، فإن نور ~~الصباح أضعف من النور الحاصل في أفنية الجدران عند طلوع الشمس ms4733 ، وهو أضعف ~~من النور الساطع من الشمس على الجدران ، وهو أضعف من الضوء القائم بجرم ~~الشمس ، فكما هذه الكيفية المسماة بالضوء على ما يحس به في جرم الشمس ، وهو ~~في الإمكان وجود مرتبة في الضوء أقوى من الكيفية القائمة بالشمس ، فهو من ~~مواقف العقول . واختلف الناس في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو جسم أو ~~عرض ؟ والحق أنه عرض ، وهو كيفية مخصوصة ، وإذا ثبت أنه عرض فهل حدوثه في ~~هذا العالم بتأثير قرص الشمس أو لأجل أن الله تعالى أجرى عادته بخلق هذه ~~الكيفية في الأجرام المقابلة لقرص الشمس على سبيل العادة ، فهي مباحث عميقة ~~، وإنما يليق الاستقصاء فيها بعلوم المعقولات . # وإذا عرفت هذا فنقول : النور اسم لأصل هذه الكيفية ، وأما الضوء ، فهو ~~اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية ، والدليل عليه أنه تعالى سمى ~~الكيفية القائمة بالشمس { الشمس ضياء } والكيفية القائمة بالقمر { نورا } ~~ولا شك أن الكيفية القائمة بالشمس أقوى وأكمل من الكيفية القائمة بالقمر ، ~~وقال في موضع آخر : { وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا } وقال في آية أخرى : { ~~وجعل الشمس سراجا } وفي آية أخرى { وجعلنا سراجا وهاجا } . PageV17P029 # المسألة السادسة : قوله : { وقدره منازل } نظيره . قوله تعالى في سورة يس ~~: { والقمر قدرناه منازل } ( يس : 39 ) وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون ~~المعنى وقدر مسيره منازل . والثاني : أن يكون المعنى وقدره ذا منازل . # المسألة السابعة : الضمير في قوله : { وقدره } فيه وجهان : الأول : أنه ~~لهما ، وإنما وحد الضمير للإيجاز ، وإلا فهو في معنى التثنية اكتفاء ~~بالمعلوم ، لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر ، ونظيره ~~قوله تعالى : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ( التوبة : 62 ) والثاني : أن ~~يكون هذا الضمير راجعا إلى القمر وحده ، لأن بسير القمر تعرف الشهور ، وذلك ~~لأن الشهور المعتبرة في / الشريعة مبنية على رؤية الأهلة ، والسنة المعتبرة ~~في الشريعة هي السنة القمرية ، كما قال تعالى : { إن عدة الشهور عند الله ~~اثنا عشر شهرا في كتاب الله } ( التوبة : 36 ) . # المسألة الثامنة : اعلم أن انتفاع الخلق بضوء الشمس وبنور القمر ms4734 عظيم ، ~~فالشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل . وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى ~~الفصول الأربعة ، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم . وبحركة القمر ~~تحصل الشهور ، وباختلاف حاله في زيادة الضوء ونقصانه تختلف أحوال رطوبات ~~هذا العالم . وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل ، فالنهار يكون ~~زمانا للتكسب والطلب ، والليل يكون زمانا للراحة ، وقد استقصينا في منافع ~~الشمس والقمر في تفسير الآيات اللائقة بها فيما سلف ، وكل ذلك يدل على كثرة ~~رحمة الله على الخلق وعظم عنايته بهم ، فإنا قد دللنا على أن الأجسام ~~متساوية . ومتى كان كذلك كان اختصاص كل جسم بشكله المعين ووضعه المعين ، ~~وحيزه المعين ، وصفته المعينة ، ليس إلا بتدبير مدبر حكيم رحيم قادر قاهر . ~~وذلك يدل على أن جميع المنافع الحاصلة في هذا العالم بسبب حركات الأفلاك ~~ومسير الشمس والقمر والكواكب ، ما حصل إلا بتدبير المدبر المقدر الرحيم ~~الحكيم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . ثم إنه تعالى لما قرر ~~هذه الدلائل ختمها بقوله : { ما خلق الله ذالك إلا بالحق } ومعناه أنه ~~تعالى خلقه على وفق الحكمة ومطابقة المصلحة ، ونظيره قوله تعالى في آل ~~عمران : { ويتفكرون فى خلق * السماوات والارض * ربنا ما خلقت هذا باطلا ~~سبحانك } ( آل عمران : 191 ) وقال في سورة آخرى : { وما خلقنا السماء ~~والارض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا } ( ص : 27 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال القاضي : هذه الآية تدل على بطلان الجبر ، لأنه ~~تعالى لو كان مريدا لكل ظلم ، وخالقا لكل قبيح ، ومريدا لإضلال من ضل ، لما ~~صح أن يصف نفسه بأنه ما خلق ذلك إلا بالحق . # المسألة الثانية : قال حكماء الإسلام : هذا يدل على أنه سبحانه أودع في ~~أجرام الأفلاك والكواكب خواص معينة وقوى مخصوصة ، باعتبارها تنتظم مصالح ~~هذا العالم السفلي . إذ لو لم يكن لها آثار وفوائد في هذا العالم ، لكان ~~خلقها عبثا وباطلا وغير مفيد ، وهذه النصوص تنافي ذلك . والله أعلم . # ثم بين تعالى أنه يفصل الآيات ، ومعنى التفصيل هو ذكر هذه الدلائل ~~الباهرة ، واحدا عقيب الآخر ، فصلا فصلا ms4735 مع الشرع والبيان . وفي قوله : { ~~نفصل } قراءتان : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم { يفصل } بالياء ، ~~وقرأ الباقون بالنون . # / ثم قال : { لقوم يعلمون } وفيه قولان : الأول : أن المراد منه العقل ~~الذي يعم الكل . والثاني : أن المراد منه من تفكر وعلم فوائد مخلوقاته ~~وآثار إحسانه ، وحجة القول الأول : عموم اللفظ ، وحجة القول الثاني : أنه ~~PageV17P030 لا يمتنع أن يخص الله سبحانه وتعالى العلماء بهذا الذكر ، ~~لأنهم هم الذين انتفعوا بهذه الدلائل ، فجاء كما في قوله : { إنما أنت منذر ~~من يخشاها } ( النازعات : 45 ) مع أنه عليه السلام كان منذرا للكل . # ! 7 < { إن فى اختلاف اليل والنهار وما خلق الله فى السماوات والا رض ~~لآيات لقوم يتقون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 6 ) إن في اختلاف . . . . . # > > اعلم أنه تعالى استدل على التوحيد والإلهيات أولا : بتخليق السموات ~~والأرض ، وثانيا : بأحوال الشمس والقمر ، وثالثا : في هذه الآية بالمنافع ~~الحاصلة من اختلاف الليل والنهار ، وقد تقدم تفسيره في سورة البقرة في ~~تفسير قوله : { إن في خلق * السماوات والارض } ( آل عمران : 9 ) ورابعا : ~~بكل ما خلق الله في السموات والأرض ، وهي أقسام الحوادث الحادثة في هذا ~~العالم ، وهي محصورة في أربعة أقسام : أحدها : الأحوال الحادثة في العناصر ~~الأربعة ، ويدخل فيها أحوال الرعد والبرق والسحاب والأمطار والثلوج . ويدخل ~~فيها أيضا أحوال البحار ، وأحوال المد والجزر ، وأحوال الصواعق والزلازل ~~والخسف . وثانيها : أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة . وثالثها : اختلاف ~~أحوال النبات . ورابعها : اختلاف أحوال الحيوانات ، وجملة هذه الأقسام ~~الأربعة داخلة في قوله تعالى : { وما خلق الله فى * السماوات والارض } ~~والاستقصاء في شرح هذه الأحوال مما لا يمكن في ألف مجلد ، بل كل ما ذكره ~~العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب . # ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الدلائل قال : { لآيات لقوم يتقون } فخصها ~~بالمتقين ، لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر . قال ~~القفال : من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها ، ~~وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم ، بل جعلها لهم دار عمل . وإذا كان ms4736 كذلك فلا ~~بد من أمر ونهي ، ثم من ثواب وعقاب ، ليتميز المحسن عن المسيء ، فهذه ~~الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بإثبات المبدأ وإثبات المعاد . # ! 7 < { إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا بالحيواة الدنيا واطمأنوا بها ~~والذين هم عن ءاياتنا غافلون * أولائك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } . > ~~7 @QB@ < # | يونس : ( 7 - 8 ) إن الذين لا . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى لما أقام الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات الإله ~~الرحيم الحكيم ، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر ، شرع بعده في شرح ~~أحوال من يكفر بها ، وفي شرح أحوال من يؤمن بها . فأما شرح أحوال الكافرين ~~فهو المذكور في هذه الآية . واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات أربعة : # الصفة الأولى : قوله : { إن الذين لا يرجون لقاءنا } وفيه مسائل : ~~PageV17P031 # المسألة الأولى : في تفسير هذا الرجاء قولان : # القول الأول : وهو قول ابن عباس ومقاتل والكلبي : معناه : لا يخافون ~~البعث ، والمعنى : أنهم لا يخافون ذلك لأنهم لا يؤمنون بها . والدليل على ~~تفسير الرجاء ههنا بالخوف قوله تعالى : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( ~~النازعات : 45 ) وقوله : { وهم من الساعة مشفقون } ( الأنبياء : 49 ) ~~وتفسير الرجاء بالخوف جائز كما قال تعالى : { ما لكم لا ترجون لله وقارا } ~~( نوح : 13 ) قال الهذلي : # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # والقول الثاني : تفسير الرجاء بالطمع ، فقوله : { لا يرجون لقاءنا } أي ~~لا يطمعون في ثوابنا ، فيكون هذا الرجاء هو الذي ضده اليأس ، كما قال : { ~~قد يئسوا من الاخرة كما يئس الكفار } . # واعلم أن حمل الرجاء على الخوف بعيد ، لأن تفسير الضد بالضد غير جائز ، ~~ولا مانع ههنا من حمل الرجاء على ظاهره ألبتة ، والدليل عليه أن لقاء الله ~~إما أن يكون المراد منه تجلي جلال الله تعالى للعبد وإشراق نور كبريائه في ~~روحه ، وإما أن يكون المراد منه الوصول إلى ثواب الله تعالى وإلى رحمته . ~~فإن كان الأول فهو أعظم الدرجات وأشرف السعادات وأكمل الخيرات ، فالعاقل ~~كيف لا يرجوه ، وكيف لا يتمناه ؟ وإن كان الثاني فكذلك ، لأن كل أحد يرجو ~~من الله تعالى أن ms4737 يوصله إلى ثوابه ومقامات رحمته ، وإذا كان كذلك فكل من ~~آمن بالله فهو يرجو ثوابه ، وكل من لم يؤمن بالله ولا بالمعاد فقد أبطل على ~~نفسه هذا الرجاء ، فلا جرم حسن جعل عدم هذا الرجاء كناية عن عدم الإيمان ~~بالله واليوم الآخر . # / المسألة الثانية : اللقاء هو الوصول إلى الشيء ، وهذا في حق الله تعالى ~~محال ، لكونه منزها عن الحد والنهاية ، فوجب أن يجعل مجازا عن الرؤية ، ~~وهذا مجاز ظاهر . فإنه يقال : لقيت فلانا إذا رأيته ، وحمله على لقاء ثواب ~~الله يقتضي زيادة في الإضمار وهو خلاف الدليل . # واعلم أنه ثبت بالدلائل اليقينية أن سعادة النفس بعد الموت في أن تتجلى ~~فيها معرفة الله تعالى ويكمل إشراقها ويقوي لمعانها ، وذلك هو الرؤية ، وهي ~~من أعظم السعادات . فمن كان غافلا عن طلبها معرضا عنها مكتفيا بعد الموت ~~بوجدان اللذات الحسية من الأكل والشرب والوقاع كان من الضالين . # الصفة الثانية : من صفات هؤلاء الكفار قوله تعالى : { ورضوا بالحيواة ~~الدنيا } . # واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن طلب اللذات الروحانية ، ~~وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية ، وأما هذه الصفة ~~الثانية فهي إشارة إلى استغراقه في طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها ، ~~واستغراقه في طلبها . # والصفة الثالثة : قوله تعالى : { واطمأنوا بها } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : صفة السعداء أن يحصل لهم عند ذكر الله نوع من الوجل ~~والخوف كما قال تعالى : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ( الحج : 35 ) ~~ثم إذا قويت هذه الحالة حصلت الطمأنينة في ذكر الله تعالى كما قال تعالى : ~~{ وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) ~~وصفة الأشقياء أن تحصل لهم الطمأنينة في حب الدنيا ، وفي الاشتغال بطلب ~~لذاتها كما قال في هذه الآية : { واطمأنوا بها } PageV17P032 فحقيقة ~~الطمأنينة أن يزول عن قلوبهم الوجل ، فإذا سمعوا الإنذار والتخويف لم توجل ~~قلوبهم وصارت كالميتة عند ذكر الله تعالى . # المسألة الثانية : مقتضى اللغة أن يقال : واطمأنوا إليها ، إلا أن حروف ~~الجر يحسن إقامة بعضها مقام البعض ، فلهذا السبب قال ms4738 : { واطمأنوا بها } . # والصفة الرابعة : قوله تعالى : { والذين هم عن ءاياتنا غافلون } والمراد ~~أنهم صاروا في الإعراض عن طلب لقاء الله تعالى . بمنزلة الغافل عن الشيء ~~الذي لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء ، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة ~~دالة على شدة بعده عن طلب الاستسعاد بالسعادات الأخروية الروحانية ، وعلى ~~شدة استغراقه في طلب هذه الخيرات الجسمانية والسعادات الدنيوية . # واعلم أنه تعالى لما وصفهم بهذه الصفات الأربعة قال : { أولئك مأواهم ~~النار بما كانوا يكسبون } وفيه مسألتان : # / المسألة الأولى : النيران على أقسام : النار التي هي جسم محسوس مضيء ~~محرق ، صاعدا بالطبع ، والإقرار به واجب ، لأجل أنه ثبت بالدلائل المذكورة ~~أن الإقرار بالجنة والنار حق . # القسم الثاني : النار الروحانية العقلية ، وتقريره أن من أحب شيئا حبا ~~شديدا ثم ضاع عنه ذلك الشيء بحيث لا يمكنه الوصول إليه ، فإنه يحترق قلبه ~~وباطنه ، وكل عاقل يقول : إن فلانا محترق القلب محترق الباطن بسبب فراق ذلك ~~المحبوب . وألم هذه النار أقوى بكثير من ألم النار المحسوسة . # إذا عرفت هذا فنقول : إن الأرواح التي كانت مستغرقة في حب الجسمانيات ~~وكانت غافلة عن حب عالم الروحانيات ، فإذا مات ذلك الإنسان وقعت الفرقة بين ~~ذلك الروح وبين معشوقاته ومحبوباته ، وهي أحوال هذا العالم ، وليس له معرفة ~~بذلك العالم ولا إلف مع أهل ذلك العالم ، فيكون مثاله مثال من أخرج من ~~مجالسة معشوقه وألقي في بئر ظلمانية لا إلف له بها ، ولا معرفة له بأحوالها ~~، فهذا الإنسان يكون في غاية الوحشة ، وتألم الروح فكذا هنا ، أما لو كان ~~نفورا عن هذه الجسمانيات عارفا بمقابحها ومعايبها وكان شديد الرغبة في ~~اعتلاق العروة الوثقى ، عظيم الحب لله ، كان مثاله مثال من كان محبوسا في ~~سجن مظلم عفن مملوء من الحشرات المؤذية والآفات المهلكة ، ثم اتفق أن فتح ~~باب السجن وأخرج منه وأحضر في مجلس السلطان الأعظم مع الأحباب والأصدقاء ، ~~كما قال تعالى { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) فهذا هو الإشارة ~~إلى ms4739 تعريف النار الروحانية والجنة الروحانية . # المسألة الثانية : الباء في قوله : { بما كانوا يكسبون } مشعر بأن ~~الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول هذا العذاب ونظيره قوله تعالى : { ذالك ~~بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد } . # ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من ~~تحتهم الا نهار في جنات النعيم * دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها ~~سلام وءاخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 9 - 10 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > PageV17P033 # اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنكرين والجاحدين في الآية المتقدمة ، ~~ذكر في هذه الآية أحوال المؤمنين المحقين ، واعلم أنه تعالى ذكر صفاتهم ~~أولا ، ثم ذكر مالهم من الأحوال السنية والدرجات / الرفيعة ثانيا ، أما ~~أحوالهم وصفاتهم فهي قوله : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } وفي ~~تفسيره وجوه : # الوجه الأول : أن النفس الإنسانية لها قوتان : # القوة النظرية : وكمالها في معرفة الأشياء ، ورئيس المعارف وسلطانها ~~معرفة الله . # والقوة العملية : وكمالها في فعل الخيرات والطاعات ، ورئيس الأعمال ~~الصالحة وسلطانها خدمة الله . فقوله : { إن الذين ءامنوا } إشارة إلى كمال ~~القوة النظرية بمعرفة الله تعالى وقوله : { وعملوا الصالحات } إشارة إلى ~~كمال القوة العملية بخدمة الله تعالى ، ولما كانت القوة النظرية مقدمة على ~~القوة العملية بالشرف والرتبة ، لا جرم وجب تقديمها في الذكر . # الوجه الثاني : في تفسير هذه الآية قال القفال : { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات } أي صدقوا بقلوبهم ، ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي ~~جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله تعالى . # الوجه الثالث : { الذين كفروا } أي شغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ~~{ وعملوا الصالحات } أي شغلوا جوارحهم بالخدمة ، فعينهم مشغولة بالاعتبار ~~كما قال : { فاعتبروا ياأولى * أولى * الابصار } ( الحشر : 2 ) وأذنهم ~~مشغولة بسماع كلام الله تعالى كما قال : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } ~~( المائدة : 83 ) ولسانهم مشغول بذكر الله كما قال تعالى : { عليما ياأيها ~~الذين ءامنوا اذكروا الله } ( الأحزاب : 41 ) وجوارحهم مشغولة بنور طاعة ~~الله كما قال : { ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء فى * السماوات والارض } ( ~~النمل : 25 ) . # واعلم أنه تعالى لما وصفهم ms4740 بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات ~~كراماتهم ومراتب سعاداتهم وهي أربعة . # المرتبة الأولى : قوله : { يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الانهار ~~في جنات النعيم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في تفسير قوله : { يهديهم ربهم بإيمانهم } وجوه : الأول ~~: أنه تعالى يهديهم إلى الجنة ثوابا لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة ، ~~والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه : أحدها : قوله تعالى : { يوم ترى ~~المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } ( الحديد : 12 ) ~~وثانيها : ما روي أنه عليه السلام قال : ( إن المؤمن إذا خرج من قبره صور ~~له عمله في صورة حسنة فيقول له أنا عملك فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة ~~والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك ~~فينطلق به حتى يدخله النار ) وثالثها : قال مجاهد : المؤمنون يكون لهم نور ~~يمشي بهم إلى الجنة . ورابعها : وهو الوجه العقلي أن الإيمان عبارة عن نور ~~اتصل به من عالم القدس ، وذلك النور كالخيط المتصل بين قلب المؤمن وبين ذلك ~~العالم المقدس / فإن حصل هذا الخط / النوراني قدر العبد على أن يقتدي بذلك ~~النور ويرجع إلى PageV17P034 عالم القدس ، فأما إذا لم يوجد هذا الحبل ~~النوراني تاه في ظلمات عالم الضلالات نعوذ بالله منه . # والتأويل الثاني : قال ابن الأنباري : إن إيمانهم يهديهم إلى خصائص في ~~المعرفة ومزايا في الألفاظ ولوامع من النور تستنير بها قلوبهم ، وتزول ~~بواسطتها الشكوك والشبهات عنهم ، كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى ~~} ( محمد : 17 ) وهذه الزوائد والفوائد والمزايا يجوز حصولها في الدنيا قبل ~~الموت ، ويجوز حصولها في الآخرة بعد الموت ، قال القفال : وإذا حملنا الآية ~~على هذا الوجه . كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار ~~في جنات النعيم ، إلا أن حذف الواو وجعل قوله : { تجرى } خبرا مستأنفا ~~منقطعا عما قبله : # والتأويل الثالث : أن الكلام في تفسير هذه الآية يجب أن يكون مسبوقا ~~بمقدمات . # المقدمة الأولى : أن العلم نور والجهل ظلمة . وصريح العقل يشهد بأن الأمر ~~كذلك ، ومما يقرره أنك إذا ألقيت مسألة جليلة ms4741 شريفة على شخصين ، فاتفق أن ~~فهمها أحدهما وما فهمها الآخر ، فإنك ترى وجه الفاهم متهللا مشرقا مضيئا ، ~~ووجه من لم يفهم عبوسا مظلما منقبضا ، ولهذا السبب جرت عادة القرآن ~~بالتعبير عن العلم والإيمان والنور ، وعن الجهل والكفر بالظلمات . # والمقدمة الثانية : أن الروح كاللوح ، والعلوم والمعارف كالنقوش المنقوشة ~~في ذلك اللوح . ثم ههنا دقيقة ، وهي أن اللوح الجسماني إذا رسمت فيه نقوش ~~جسمانية فحصول بعض النقوش في ذلك اللوح مانع من حصول سائر النقوش فيه ، ~~فأما لوح الروح فخاصيته على الضد من ذلك ، فإن الروح إذا كانت خالية عن ~~نقوش المعارف والعلوم فإنه يصعب عليه تحصيل المعارف والعلوم ، فإذا احتال ~~وحصل شيء منها ، كان حصول ما حصل منها معينا له على سهولة تحصيل الباقي ، ~~وكلما كان الحاصل أكثر كان تحصيل البقية أسهل ، فالنقوش الجسمانية يكون ~~بعضها مانعا من حصول الباقي ، والنقوش الروحانية يكون بعضها معينا على حصول ~~البقية ، وذلك يدل على أن أحوال العالم الروحاني بالضد من أحوال العالم ~~الجسماني . # المقدمة الثالثة : أن الأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس ~~على ترك الدنيا وطلب الآخرة ، والأعمال المذمومة ما تكون بالضد من ذلك . # إذا عرفت هذه المقدمات فنقول : الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور ~~هذه المعرفة ، ثم إذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة مستقرة في ~~التوجه إلى الآخرة وفي الإعراض عن الدنيا ، وكلما كانت هذه الأحوال أكمل ~~كان استعداد النفس لتحصيل سائر المعارف أشد ، وكلما / كان الاستعداد أقوى ~~وأكمل . كانت معارج المعارف أكثر وإشراقها ولمعانها أقوى ، ولما كان لا ~~نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية ، لا جرم لا نهاية لمراتب هذه ~~الهداية المشار إليها بقوله تعالى : { يهديهم ربهم بإيمانهم } . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { تجرى من تحتهم الانهار } المراد منه ~~أنهم يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين والأنهار تجري من بين ~~أيديهم ، ونظيره قوله تعالى : { قد جعل ربك تحتك سريا } ( مريم : 24 ) وهي ~~ما كانت قاعدة عليها ، ولكن المعنى بين يديك ، وكذا قوله : { وهاذه الانهار ~~تجرى من تحتى ms4742 } ( الزخرف : 51 ) المعنى بين يدي فكذا ههنا . PageV17P035 # المسألة الثالثة : الإيمان هو المعرفة والهداية المترتبة عليها أيضا من ~~جنس المعارف ، ثم إنه تعالى لم يقل يهديهم ربهم إيمانهم . بل قال : { ~~يهديهم ربهم بإيمانهم } وذلك يدل على أن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم ~~بالنتيجة ، بل العلم بالمقدمتين سبب لحصول الاستعداد التام لقبول النفس ~~للنتيجة . ثم إذا حصل هذا الاستعداد ، كان التكوين من الحق سبحانه وتعالى ، ~~وهذا معنى قول الحكماء أن الفياض المطلق والجواد الحق ، ليس إلا الله ~~سبحانه وتعالى . # المرتبة الثانية : من مراتب سعاداتهم ودرجات كمالاتهم قوله سبحانه وتعالى ~~: { دعواهم فيها سبحانك اللهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في دعواهم وجوه : الأول : أن الدعوى ههنا بمعنى الدعاء ~~، يقال : دعا يدعو دعاء ودعوى ، كما يقال : شكى يشكو شكاية وشكوى . قال بعض ~~المفسرين : { دعواهم } أي دعاؤهم . وقال تعالى في أهل الجنة : { لهم فيها ~~فاكهة ولهم ما يدعون } ( يس : 57 ) وقال في آية أخرى { يدعون فيها بكل ~~فاكهة ءامنين } ( الدخان : 55 ) ومما يقوى أن المراد من الدعوى ههنا الدعاء ~~. هو أنهم قالوا : اللهم . وهذا نداء لله سبحانه وتعالى ، ومعنى قولهم : { ~~سبحانك اللهم } إنا نسبحك ، كقول القانت في دعاء القنوت : ( اللهم إياك ~~نعبد ) الثاني : أن يراد بالدعاء العبادة ، ونظيره قوله تعالى : { وأعتزلكم ~~وما تدعون من دون الله } ( مريم : 48 ) أي وما تعبدون . فيكون معنى الآية ~~أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه ، ويكون اشتغالهم بذلك ~~الذكر لا على سبيل التكليف ، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله تعالى . ~~الثالث : قال بعضهم : لا يبعد أن يكون المراد من الدعوى نفس الدعوى التي ~~تكون للخصم على الخصم . والمعنى : أن أهل الجنة يدعون في الدنيا وفي الآخرة ~~تنزيه الله تعالى عن كل المعايب والإقرار له بالإلهية . قال القفال : أصل ~~ذلك أيضا من الدعاء ، لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما . الرابع : ~~قال مسلم : { دعواهم } أي قولهم وإقرارهم ونداؤهم ، وذلك هو قولهم : { ~~سبحانك اللهم } الخامس : قال القاضي : المراد من قوله : { دعواهم } أي ~~طريقتهم في تمجيد الله تعالى وتقديسه ms4743 وشأنهم وسنتهم . والدليل على أن ~~المراد ذلك أن قوله : { سبحانك اللهم } ليس بدعاء ولا بدعوى ، إلا أن ~~المدعي للشيء يكون مواظبا على ذكره ، لا جرم جعل لفظ الدعوى كناية عن تلك ~~المواظبة والملازمة . فأهل الجنة لما كانوا مواظبين على هذا الذكر ، لا جرم ~~أطلق لفظ الدعوى عليها . السادس : قال القفال : قيل في قوله : { لهم ما * ~~يدعون } ( يس : 57 ) أي ما يتمنونه ، والعرب تقول : ادع ما شئت علي ، أي ~~تمن . وقال ابن جريج : أخبرت أن قوله : { دعواهم فيها سبحانك اللهم } هو ~~أنه إذا مر بهم طير يشتهونه قالوا { سبحانك اللهم } فيأتيهم الملك بذلك ~~المشتهى ، فقد خرج تأويل الآية من هذا الوجه ، على أنهم إذا اشتهوا الشيء ~~قالوا سبحانك اللهم ، فكان المراد من دعواهم ما حصل في قلوبهم من التمني ، ~~وفي هذا التفسير وجه آخر هو أفضل وأشرف مما تقدم ، وهو أن يكون المعنى أن ~~تمنيهم في الجنة أن يسبحوا الله تعالى ، أي تمنيهم لما يتمنونه ، ليس إلا ~~في تسبيح الله تعالى وتقديسه وتنزيهه . السابع : قال القفال أيضا : ويحتمل ~~أن يكون المعنى في الدعوى ما كانوا يتداعونه في الدنيا في أوقات حروبهم ممن ~~يسكنون إليه ويستنصرونه ، كقولهم : يا آل فلان ، فأخبر الله تعالى أن أنسهم ~~في الجنة بذكرهم الله تعالى ، وسكونهم بتحميدهم الله . ولذتهم بتمجيدهم ~~الله تعالى . PageV17P036 # المسألة الثانية : أن قوله : { سبحانك اللهم } فيه وجهان : # الوجه الأول : قول من يقول : أن أهل الجنة جعلوا هذا الذكر علامة على طلب ~~المشتهيات قال ابن جريج : إذا مر بهم طيرا اشتهوه ؛ قالوا سبحانك اللهم ~~فيؤتون به ، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا : { الحمد لله رب العالمين } وقال ~~الكلبي : قوله : { سبحانك اللهم } علم بين أهل الجنة والخدام / فإذا سمعوا ~~ذلك من قولهم أتوهم بما يشتهون . واعلم أن هذا القول عندي ضعيف جدا ، ~~وبيانه من وجوه : أحدها : أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى أن أهل الجنة جعلوا ~~هذا الذكر العالي المقدس علامة على طلب المأكول والمشروب والمنكوح ، وهذا ~~في غاية الخساسة . وثانيها : أنه تعالى قال في صفة أهل ms4744 الجنة : { ولهم ما ~~يشتهون } فإذا اشتهوا أكل ذلك الطير ، فلا حاجة بهم إلى الطلب ، وإذا لم ~~يكن بهم حاجة إلى الطلب ، فقد سقط هذا الكلام . وثالثها : أن هذا يقتضي صرف ~~الكلام عن ظاهره الشريف العالي إلى محمل خسيس لا إشعار للفظ به ، وهذا باطل ~~. # الوجه الثاني : في تأويل هذه الآية أن نقول : المراد اشتغال أهل الجنة ~~بتقديس الله سبحانه وتمجيده والثناء عليه ، لأجل أن سعادتهم في هذا الذكر ~~وابتهاجهم به وسرورهم به ، وكمال حالهم لا يحصل إلا منه ، وهذا القول هو ~~الصحيح الذي لا محيد عنه . ثم على هذا التقدير ففي الآية وجوه : / أحدها : ~~قال القاضي : إنه تعالى وعد المتقين بالثواب العظيم ، كما ذكر في أول هذه ~~السورة من قوله : { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } ( يونس : 4 ) فإذا ~~دخل أهل الجنة الجنة ، ووجدوا تلك النعم العظيمة ، عرفوا أن الله تعالى كان ~~صادقا في وعده إياهم بتلك النعم ، فعند هذا قالوا : { سبحانك اللهم } أي ~~نسبحك عن الخلف في الوعد والكذب في القول . وثانيها : أن نقول : غاية سعادة ~~السعداء ، ونهاية درجات الأنبياء والأولياء استسعادهم بمراتب معارف الجلال ~~. # واعلم أن معرفة ذات الله تعالى والاطلاع على كنه حقيقته مما لا سبيل ~~للخلق إليه ، بل الغاية القصوى معرفة صفاته السلبية أو صفاته الإضافية . ~~إما الصفات السلبية فهي المسماة بصفات الجلال ، وأما الصفات الإضافية فهي ~~المسماة بصفات الإكرام ، فلذلك كان كمال الذكر العالي مقصورا عليها ، كما ~~قال سبحانه وتعالى : { تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام } ( الرحمن : 78 ) ~~وكان صلى الله عليه وسلم يقول : ( ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام ) ولما ~~كانت السلوب متقدمة بالرتبة على الإضافات ، لا جرم كان ذكر الجلال متقدما ~~على ذكر الإكرام في اللفظ . وإذا ثبت أن غاية سعادة السعداء ليس إلا في ~~هذين المقامين ، لا جرم ذكر الله سبحانه وتعالى كونهم مواظبين على هذا ~~الذكر العالي المقدس ، ولما كان لا نهاية لمعارج جلال الله ولا غاية لمدارج ~~إلهيته وإكرامه وإحسانه ، فكذلك لا نهاية لدرجات ترقي الأرواح المقدسة في ~~هذه المقامات العلية ms4745 الإلهية . وثالثها : أن الملائكة المقربين كانوا قبل ~~تخليق آدم عليه السلام مشتغلين بهذا الذكر ، ألا ترى أنهم قالوا : { ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك } ( البقرة : 30 ) فالحق سبحانه ألهم السعداء من أولاد ~~آدم ، حتى أتوا بهذا التسبيح والتحميد ، ليدل ذلك على أن الذي أتى به ~~الملائكة المقربون قبل خلق العالم من الذكر العالي ، فهو بعينه أتى به ~~السعداء من أولاد آدم عليه السلام ، بعد انقراض العالم ، ولما كان هذا ~~الذكر مشتملا على هذا الشرف العالي ، لا جرم جاءت الرواية بقراءته في أول ~~الصلاة ، فإن المصلي إذا كبر قال : ( سبحانك اللهم وبحمدك PageV17P037 ~~تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) . # المرتبة الثالثة : من مراتب سعادات أهل الجنة قوله تعالى : { وتحيتهم ~~فيها سلام } قال المفسرون : تحية بعضهم لبعض تكون بالسلام ، وتحية الملائكة ~~لهم بالسلام ، كما قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام ~~عليكم } ( الرعد : 23 ) وتحية الله تعالى لهم أيضا بالسلام كما قال تعالى : ~~{ سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) قال الواحدي : وعلى هذا التقدير يكون ~~هذا من إضافة المصدر إلى المفعول / وعندي فيه وجه آخر : وهو أن مواظبتهم ~~على ذكر هذه الكلمة ، مشعرة بأنهم كانوا في الدنيا في منزل الآفات وفي معرض ~~المخافات ، فإذا أخرجوا من الدنيا ووصلوا إلى كرامة الله تعالى ، فقد صاروا ~~سالمين / من الآفات ، آمنين من المخافات والنقصانات . وقد أخبر الله تعالى ~~عنهم بأنهم يذكرون هذا المعنى في قوله : { وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا ~~الحزن إن ربنا لغفور شكور * الذى أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها ~~نصب ولا يمسنا فيها لغوب } ( فاطر : 34 / 35 ) . # المرتبة الرابعة : من مراتب سعاداتهم قوله سبحانه وتعالى : { دعواهم فيها ~~سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قد ذكرنا أن جماعة من المفسرين حملوا هذه الكلمات ~~العالية المقدسة على أحوال أهل الجنة بسبب الأكل والشرب . فقالوا : إن أهل ~~الجنة إذا اشتهوا شيئا قالوا : سبحانك اللهم وبحمدك ، وإذا أكلوا وفرغوا . ~~قالوا : الحمد لله رب العالمين ، وهذا القائل ما ترقى ms4746 نظره في دنياه وأخراه ~~عن المأكول والمشروب ، وحقيق لمثل هذا الإنسان أن يعد في زمرة البهائم . ~~وأما المحقون المحققون ، فقد تركوا ذلك ، ولهم فيه أقوال . روى الحسن ~~البصري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن أهل الجنة يلهمون ~~الحمد والتسبيح كما تلهمون أنفاسكم ) وقال الزجاج : أعلم الله تعالى أن أهل ~~الجنة يفتتحون بتعظيم الله تعالى وتنزيهه . ويختتمون بشكره والثناء عليه ، ~~وأقول : عندي في هذا الباب وجوه أخر : فأحدها : أن أهل الجنة لما استسعدوا ~~بذكر سبحانك اللهم وبحمدك ، وعاينوا ما هم فيه من السلامة عن الآفات ~~والمخافات ، علموا أن كل هذه الأحوال السنية والمقامات القدسية ، إنما ~~تيسرت بإحسان الحق سبحانه وإفضاله وإنعامه ، فلا جرم اشتغلوا بالحمد ~~والثناء . فقالوا : { الحمد لله رب العالمين } وإنما وقع الختم على هذا ~~الكلام لأن اشتغالهم بتسبيح الله تعالى وتمجيده من أعظم نعم الله تعالى ~~عليهم . والاشتغال بشكر النعمة متأخر عن رؤية تلك النعمة ، فلهذا السبب وقع ~~الختم على هذه الكلمة ، وثانيها : أن لكل إنسان بحسب قوته معراجا ، فتارة ~~ينزل عن ذلك المعراج ، وتارة يصعد إليه . ومعراج العارفين الصادقين ، معرفة ~~الله تعالى وتسبيح الله وتحميد الله ، فإذا قالوا : { سبحانك اللهم } فهم ~~في عين المعراج ، وإذا نزلوا منه إلى عالم المخلوقات . كان الحاصل عند ذلك ~~النزول إفاضة الخير على جميع المحتاجين وإليه الإشارة بقوله : { وتحيتهم ~~فيها سلام } ثم أنه مرة أخرى يصعد إلى معراجه ، وعند الصعود يقول : { الحمد ~~لله رب العالمين } فهذه الكلمات العالية إشارة إلى اختلاف أحوال العبد بسبب ~~النزول والعروج . وثالثها : أن نقول : إن قولنا الله اسم لذات الحق سبحانه ~~، فتارة ينظر العبد إلى صفات الجلال ، وهي المشار إليها بقوله : { سبحانك } ~~ثم يحاول الترقي منها إلى حضرة جلال الذات ، ترقيا يليق بالطاقة البشرية ، ~~وهي المشار إليها بقوله : { اللهم } فإذا عرج عن ذلك المكان . واخترق في ~~أوائل تلك الأنوار رجع إلى عالم الإكرام ، وهو / المشار إليه بقوله : { ~~الحمد لله رب العالمين } فهذه كلمات خطرت بالبال ودارت في الخيال ، فإن حقت ~~فالتوفيق من الله تعالى ms4747 ، وإن لم يكن كذلك فالتكلان على رحمة الله تعالى . ~~PageV17P038 # المسألة الثانية : قال الواحدي : { ءان } في قوله : { أن الحمد لله } هي ~~المخففة من الشديدة ، فلذلك لم تعمل لخروجها بالتخفيف عن شبه الفعل كقوله : # أن هالك كل من يخفى وينتعل # على معنى أنه هالك . وقال صاحب ( النظم ) { ءان } ههنا زائدة ، والتقدير ~~: وآخر دعواهم الحمد لله رب العالمين ، وهذا القول ليس بشيء ، وقرأ بعضهم { ~~ءان } الحمد لله بالتشديد ، ونصب الحمد . # ! 7 < { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم ~~فنذر الذين لا يرجون لقآءنا فى طغيانهم يعمهون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 11 ) ولو يعجل الله . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن الذي يغلب على ظني أن ابتداء هذه السورة في ذكر ~~شبهات المنكرين للنبوة مع الجواب عنها . # فالشبهة الأولى : أن القوم تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمدا عليه السلام ~~بالنبوة فأزال الله تعالى ذلك التعجب بقوله : { أكان للناس عجبا أن أوحينا ~~إلى رجل منهم } ( يونس : 2 ) ثم ذكر دلائل التوحيد ودلائل صحة المعاد ، ~~وحاصل الجواب أنه يقول : إني ما جئتكم إلا بالتوحيد والإقرار بالمعاد ، وقد ~~دللت على صحتها ، فلم يبق للتعجب من نبوتي معنى . # والشبهة الثانية : للقوم أنهم كانوا أبدا يقولون : اللهم إن كان ما يقول ~~: محمد حقا في ادعاء الرسالة فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ~~إليم . فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بما ذكره في هذه الآية . فهذا هو ~~الكلام في كيفية النظم . ومن الناس من ذكر فيه وجوها أخرى : فالأول : قال ~~القاضي : لما بين تعالى فيما تقدم الوعد والوعيد أتبعه بما دل على أن من ~~حقهما أن يتأخرا عن هذه الحياة الدنيوية لأن حصولهما في الدنيا كالمانع من ~~بقاء التكليف . والثاني : ما ذكره القفال : وهو أنه تعالى لما وصف الكفار ~~بأنهم لا يرجون لقاء الله ورضوا بالحياة الدنيا / واطمأنوا بها ، وكانوا عن ~~آيات الله غافلين ؛ بين أن من غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب ~~جهلا منهم وسفها . # المسألة الثانية : أنه تعالى أخبر في آيات كثيرة أن هؤلاء المشركين ms4748 متى ~~خوفوا بنزول العذاب في الدنيا استعجلوا ذلك العذاب كما قالوا : { اللهم إن ~~كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ~~} ( الأنفال : 32 ) وقال تعالى : { سأل سائل بعذاب واقع } ( المعارج : 1 ) ~~الآية . ثم إنهم لما توعدوا بعذاب الآخرة في هذه الآية وهو قوله : { أولئك ~~مأواهم النار بما كانوا يكسبون } ( يونس : 8 ) استعجلوا ذلك العذاب ، ~~وقالوا : متى يحصل ذلك كما قال تعالى : { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } ~~( الشورى : 18 ) وقال في هذه PageV17P039 السورة بعد هذه الآية : { ويقولون ~~متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين } ( الأنبياء : 38 ) إلى قوله : { وقد كنتم ~~به تستعجلون ثم } ( يونس : 51 ) وقال في سورة الرعد : { ويستعجلونك بالسيئة ~~قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات } ( الرعد : 6 ) فبين تعالى أنهم لا ~~مصلحة لهم في تعجيل إيصال الشر إليهم ، لأنه تعالى لو أوصل ذلك العقاب ~~إليهم لماتوا وهلكوا ، لأن تركيبهم في الدنيا لا يحتمل ذلك ولا صلاح في ~~إماتتهم ، فربما آمنوا بعد ذلك ، وربما خرج من صلبهم من كان مؤمنا ، وذلك ~~يقتضي أن لا يعاجلهم بإيصال ذلك الشر . # المسألة الثالثة : في لفظ الآية إشكال ، وهو أن يقال : كيف قابل التعجل ~~بالاستعجال ، وكان الواجب أن يقابل التعجيل بالتعجيل ، والاستعجال ~~بالاستعجال . # والجواب عنه من وجوه : الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : أصل هذا الكلام ، ~~ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير إلا أنه وضع استعجالهم بالخير ~~موضع تعجيله لهم الخير إشعارا بسرعة إجابته وإسعافه بطلبهم ، حتى كأن ~~استعجالهم بالخير تعجيل لهم . الثاني : قال بعضهم حقيقة قولك عجلت فلانا ~~طلبت عجلته / وكذلك عجلت الأمر إذا أتيت به عاجلا ، كأنك طلبت فيه العجلة ~~والاستعجال أشهر وأظهر في هذا المعنى ، وعلى هذا الوجه يصير معنى الآية لو ~~أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم لقضى إليهم أجلهم ، ~~قال صاحب هذا الوجه ، وعلى هذا التقدير : فلا حاجة إلى العدول عن ظاهر ~~الآية . الثالث : أن كل من عجل شيئا فقد طلب تعجيله ، وإذا كان كذلك ، فكل ~~من ms4749 كان معجلا كان مستعجلا ، فيصير التقدير ، ولو استعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير إلا أنه تعالى وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها ، ~~لأن اللائق به تعالى هو التكوين واللائق بهم هو الطلب . # المسألة الرابعة : أنه تعالى سمى العذاب شرا في هذه الآية ، لأن أذى في ~~حق المعاقب ومكروه عنده كما أنه سماه سيئة في قوله : { ويستعجلونك بالسيئة ~~قبل الحسنة } ( الرعد : 6 ) وفي قوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى ~~: 40 ) . # / المسألة الخامسة : قرأ ابن عامر { لقضى } بفتح اللام والقاف { أجلهم } ~~بالنصب ، يعني لقضى الله ، وينصره قراءة عبدالله { لقضى إليهم أجلهم } وقرأ ~~الباقون بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء { أجلهم } بالرفع على ما لم يسم ~~فاعله . # المسألة السادسة : المراد من استعجال هؤلاء المشركين الخير هو أنهم كانوا ~~عند نزول الشدائد يدعون الله تعالى بكشفها ، وقد حكى الله تعالى عنهم ذلك ~~في آيات كثيرة كقوله : { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون } ( النمل : 53 ) ~~وقوله : { وإذا مس الإنسان الضر دعانا } ( يونس : 12 ) . # المسألة السابعة : لسائل أن يسأل فيقول : كيف اتصل قوله : { فنذر الذين ~~لا يرجون لقاءنا } ( يونس : 11 ) بما قبله وما معناه ؟ # وجوابه أن قوله : { ولو يعجل الله للناس } متضمن معنى نفي التعجيل ، كأنه ~~قيل : ولا يعجل لهم الشر ، ولا يقضي إليهم أجلهم فيذرهم في طغيانهم أي ~~فيمهلهم مع طغيانهم إلزاما للحجة . # المسألة الثامنة : قال أصحابنا : إنه تعالى لما حكم عليهم بالطغيان ~~والعمه امتنع أن لا يكونوا كذلك . PageV17P040 وإلا لزم أن ينقلب خبر الله ~~الصدق كذبا وعلمه جهله وحكمه باطلا ، وكل ذلك محال ، ثم إنه مع هذا كلفهم ~~وذلك يكون جاريا مجرى التكليف بالجمع بين الضدين . # ! 7 < { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما فلما كشفنا ~~عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه كذالك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } ~~. > 7 ! # < < # | يونس : ( 12 ) وإذا مس الإنسان . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية النظم وجهان : الأول : أنه تعالى لما بين في ~~الآية الأولى أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا ms4750 لهلك ولقضى عليه ، ~~فبين في هذه الآية ما يدل على غاية ضعفه ونهاية عجزه ، ليكون ذلك مؤكدا لما ~~ذكره من أنه لو أنزل عليه العذاب لمات . الثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم ~~يستعجلون في نزول العذاب ، ثم بين في هذه الآية أنهم كاذبون في ذلك الطلب ~~والاستعجال ، لأنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه ويؤذيه ، فإنه يتضرع إلى ~~الله تعالى في إزالته عنه / وفي دفعه عنه وذلك يدل على أنه ليس صادقا في ~~هذا الطلب . # المسألة الثانية : المقصود من هذه الآية ، بيان أن الإنسان قليل الصبر ~~عند نزول البلاء ، قليل الشكر عند وجدان النعماء والآلاء ، فإذا مسه الضر ~~أقبل على التضرع والدعاء مضطجعا أو قائما أو قاعدا مجتهدا في ذلك الدعاء ~~طالبا من الله تعالى إزالة تلك المحنة ، وتبديلها بالنعمة والمنحة ، فإذا ~~كشف تعالى عنه ذلك بالعافية أعرض عن الشكر ، ولم يتذكر ذلك الضر ولم يعرف ~~قدر الإنعام ، وصار بمنزلة من لم يدع الله تعالى لكشف ضره ، وذلك يدل على ~~ضعف طبيعة الإنسان وشدة استيلاء الغفلة والشهوة عليه ، وإنما ذكر الله ~~تعالى ذلك تنبيها على أن هذه الطريقة مذمومة ، بل الواجب على الإنسان ~~العاقل أن يكون صابرا عند نزول البلاء شاكرا عند الفوز بالنعماء ، ومن شأنه ~~أن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية . حتى يكون مجاب ~~الدعوة في وقت المحنة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ~~سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء ) . # واعلم أن المؤمن إذا ابتلي ببلية ومحنة ، وجب عليه رعاية أمور : فأولها : ~~أن يكون راضيا بقضاء الله تعالى غير معترض بالقلب واللسان عليه . وإنما وجب ~~عليه ذلك لأنه تعالى مالك على الإطلاق وملك بالاستحقاق . فله أن يفعل في ~~ملكه وملكه ما شاء كما يشاء ، ولأنه تعالى حكيم على الإطلاق وهو منزه عن ~~فعل الباطل والعبث ، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب ، وإذا كان كذلك فحينئذ ~~يعلم أنه تعالى إن أبقى عليه تلك المحنة فهو عدل ، وإن أزالها ms4751 عنه فهو فضل ~~، وحينئذ يجب عليه الصبر والسكوت وترك القلق والاضطراب . وثانيها : أنه في ~~ذلك الوقت إن اشتغل بذكر الله تعالى والثناء عليه بدلا عن الدعاء كان أفضل ~~، لقوله عليه السلام حكاية عن رب العزة ( من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته ~~أفضل ما أعطي السائلين ) ولأن الاشتغال PageV17P041 بالذكر اشتغال بالحق ، ~~والاشتغال بالدعاء اشتغال بطلب حظ النفس ، ولا شك أن الأول أفضل ، ثم إن ~~اشتغل بالدعاء وجب أن يشترط فيه أن يكون إزالته صلاحا في الدين ، وبالجملة ~~فإنه يجب أن يكون الدين راجحا عنده على الدنيا . وثالثها : أنه سبحانه إذا ~~أزال عنه تلك البلية فإنه يجب عليه أن يبالغ في الشكر وأن لا يخلو عن ذلك ~~الشكر في السراء والضراء ، وأحوال الشدة والرخاء ، فهذا هو الطريق الصحيح ~~عند نزول البلاء . وههنا مقام آخر أعلى وأفضل مما ذكرناه ، وهو أن أهل ~~التحقيق قالوا : إن من كان في وقت وجدان النعمة مشغولا بالنعمة لا بالمنعم ~~كان عند البلية مشغولا بالبلاء لا بالمبلى ، ومثل هذا الشخص يكون أبدا في ~~البلاء ، أما في وقت البلاء فلا شك أنه يكون في البلاء ، وأما في وقت حصول ~~النعماء فإن خوفه من / زوالها يكون أشد أنواع البلاء / فإن النعمة كلما ~~كانت أكمل وألذ وأقوى وأفضل ، كان خوف زوالها أشد إيذاء وأقوى إيحاشا ، ~~فثبت أن من كان مشغولا بالنعمة كان أبدا في لجة البلية . أما من كان في وقت ~~النعمة مشغولا بالمنعم ، لزم أن يكون في وقت البلاء مشغولا بالمبلي . وإذا ~~كان المنعم والمبلي واحدا ، كان نظره أبدا على مطلوب واحد ، وكان مطلوبه ~~منزها عن التغير مقدسا عن التبدل ومن كان كذلك كان في وقت البلاء وفي وقت ~~النعماء ، غرقا في بحر السعادات ، واصلا إلى أقصى الكمالات ، وهذا النوع من ~~البيان بحر لا ساحل له ، ومن أراد أن يصل إليه فليكن من الواصلين إلى العين ~~دون السامعين للأثر . # المسألة الثالثة : اختلفوا في { الإنسان } في قوله : { وإذا مس الإنسان ~~الضر } فقال بعضهم : إنه الكافر ، ومنهم من بالغ وقال : كل موضع ms4752 في القرآن ~~ورد فيه ذكر الإنسان ، فالمراد هو الكافر ، وهذا باطل ، لأن قوله : { فوقهم ~~يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية فأما من أوتى كتابه بيمينه } ~~( الانشقاق : 6 ، 7 ) لا شبهة في أن المؤمن داخل فيه ، وكذلك قوله : { هل ~~أتى على الإنسان حين من الدهر } ( الدهر : 1 ) وقوله : { ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون : 12 ) وقوله : { ولقد خلقنا الإنسان ~~ونعلم ما توسوس به نفسه } ( ق : 16 ) فالذي قالوه بعيد ، بل الحق أن نقول : ~~اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام حكمه أنه إذا حصل هناك معهود سابق انصرف ~~إليه ، وإن لم يحصل هناك معهود سابق وجب حمله على الاستغراق صونا له عن ~~الإجمال والتعطيل . ولفظ { الإنسان } ههنا لائق بالكافر ، لأن العمل ~~المذكور لا يليق بالمسلم البتة . # المسألة الرابعة : في قوله : { دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما } وجهان : # الوجه الأول : أن المراد منه ذكر أحوال الدعاء فقوله : { لجنبه } في موضع ~~الحال بدليل عطف الحالين عليه ، والتقدير : دعانا مضطجعا أو قاعدا أو قائما ~~. # فإن قالوا : فما فائدة ذكر هذه الأحوال ؟ # قلنا : معناه : إن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء إلى أن يزول ~~عنه الضر ، سواء كان مضطجعا أو قاعدا أو قائما . # والوجه الثاني : أن تكون هذه الأحوال الثلاثة تعديدا لأحوال الضر ، ~~والتقدير : وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعدا أو قائما دعانا وهو قول ~~الزجاج . والأول : أصح ، لأن ذكر الدعاء أقرب إلى هذه الأحوال من ذكر الضر ~~، ولأن القول بأن هذه الأحوال أحوال للدعاء يقتضي مبالغة الإنسان في الدعاء ~~، ثم إذا ترك الدعاء بالكلية وأعرض عنه كان ذلك أعجب . PageV17P042 # المسألة الخامسة : في قوله : { مر } وجوه : الأول : المراد منه أنه مضى ~~على طريقته الأولى / قبل مس الضر ونسي حال الجهد . الثاني : مر عن موقف ~~الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به . # المسألة السادسة : قوله تعالى : { كأن لم يدعنا إلى ضر مسه } تقديره : ~~كأنه لم يدعنا ، ثم أسقط الضمير عنه على سبيل التخفيف ونظيره قوله تعالى : ~~{ كأن لم ms4753 يلبثوا } ( يونس : 45 ) قال الحسن : نسي ما دعا الله فيه ، وما ~~صنع الله به في إزالة ذلك البلاء عنه : # المسألة السابعة : قال صاحب ( النظم ) : قوله : { وإذا مس الإنسان } { ~~إذا } موضوعة للمستقبل . # ثم قال : { فلما كشفنا } وهذا للماضي ، فهذا النظم يدل على أن معنى الآية ~~أنه هكذا كان فيما مضى وهكذا يكون في المستقبل . فدل ما في الآية من الفعل ~~المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل ، وما فيه من الفعل الماضي على ما ~~فيه من المعنى الماضي / وأقول البرهان العقلي مساعد على هذا المعنى وذلك ~~لأن الإنسان جبل على الضعف والعجز وقلة الصبر ، وجبل أيضا على الغرور ~~والبطر والنسيان والتمرد والعتو ، فإذا نزل به البلاء حمله ضعفه وعجزه على ~~كثرة الدعاء والتضرع ، وإظهار الخضوع والانقياد ، وإذا زال البلاء ووقع في ~~الراحة استولى عليه النسيان فنسي إحسان الله تعالى إليه ، ووقع في البغي ~~والطغيان والجحود والكفران . فهذه الأحوال من نتائج طبيعته ولوازم خلقته ، ~~وبالجملة فهؤلاء المساكين معذورون ولا عذر لهم . # المسألة الثامنة : في قوله تعالى : { كذالك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ~~} أبحاث : # البحث الأول : أن هذا المزين هو الله تعالى أو النفس أو الشيطان ، فرع ~~على مسألة الجبر والقدر وهو معلوم . # البحث الثاني : في بيان السبب الذي لأجله سمى الله سبحنه الكافر مسرفا . ~~وفيه وجوه : # الوجه الأول : قال أبو بكر الأصم : الكافر مسرف في نفسه وفي ماله ومضيع ~~لهما ، أما في النفس فلأنه جعلها عبدا للوثن ، وأما في المال فلأنهم كانوا ~~يضيعون أموالهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام . # الوجه الثاني : قال القاضي : إن من كانت عادته أن يكون عند نزول البلاء ~~كثير التضرع والدعاء ، وعند زوال البلاء ونزول الآلاء معرضا عن ذكر الله ~~متغافلا عنه غير مشتغل بشكره ، كان مسرفا في أمر دينه متجاوزا للحد في ~~الغفلة عنه ، ولا شبهة في أن المرء كما يكون مسرفا في الإنفاق فكذلك يكون ~~مسرفا فيما يتركه من واجب أو يقدم عليه من قبيح ، إذا تجاوز الحد فيه . # الوجه الثالث : وهو الذي خطر بالبال في ms4754 هذا الوقت ، أن المسرف هو الذي ~~ينفق المال / الكثير لأجل الغرض الخسيس ، ومعلوم أن لذات الدنيا وطيباتها ~~خسيسة جدا في مقابلة سعادات الدار الآخرة . والله تعالى أعطاه الحواس ~~والعقل والفهم والقدرة لاكتساب تلك السعادات العظيمة ، فمن بذل هذه الآلات ~~الشريفة لأجل أن يفوز بهذه السعادات الجسمانية الخسيسة ، كان قد أنفق أشياء ~~عظيمة كثيرة ، لأجل أن يفوز بأشياء حقيرة خسيسة ، فوجب أن يكون من المسرفين ~~. # البحث الثالث : الكاف في قوله تعالى : { كذالك } للتشبيه . والمعنى : كما ~~زين لهذا الكافر هذا العمل القبيح المنكرزين للمسرفين ما كانوا يعملون من ~~الإعراض عن الذكر ومتابعة الشهوات . # PageV17P043 ! 7 < { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجآءتهم ~~رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذالك نجزي القوم المجرمين * ثم جعلناكم ~~خلائف فى الا رض من بعدهم لننظر كيف تعملون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 13 - 14 ) ولقد أهلكنا القرون . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في بيان كيفية النظم . اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم ~~أنهم كانوا يقولون : { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) ثم إنه أجاب عنه ~~بأن ذكر أنه لا صلاح في إجابة دعائهم ، ثم بين أنهم كاذبون في هذا الطلب ~~لأنه لو نزلت بهم آفة أخذوا في التضرع إلى الله تعالى في إزالتها والكشف ~~لها ، بين في هذه الآية ما يجري مجرى التهديد ، وهو أنه تعالى قد ينزل بهم ~~عذاب الاستئصال ولا يزيله عنهم ، والغرض منه أن يكون ذلك رادعا لهم عن ~~قولهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، لأنهم متى ~~سمعوا أن الله تعالى قد يجيب دعاءهم وينزل عليهم عذاب الاستئصال ، ثم سمعوا ~~من اليهود والنصارى أن ذلك قد وقع مرارا كثيرة . صار ذلك رادعا لهم وزاجرا ~~عن ذكر ذلك الكلام ، فهذا وجه حسن مقبول في كيفية النظم . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) { لما } ظرف لأهلكنا ، والواو في ~~قوله : { وجاءتهم } للحال ، أي ظلموا بالتكذيب . وقد جاءتهم رسلهم بالدلائل ~~والشواهد على ms4755 صدقهم وهي المعجزات ، / وقوله : { وما كانوا ليؤمنوا } يجوز ~~أن يكون عطفا على ظلموا ، وأن يكون اعتراضا ، واللام لتأكيد النفي ، وأن ~~الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر وهذا يدل على أنه تعالى إنما أهلكهم ~~لأجل تكذيبهم الرسل ، فكذلك يجزى كل مجرم ، وهو وعيد لأهل مكة على تكذيبهم ~~رسول الله ، وقرىء { يجزى } بالياء وقوله : { ثم جعلناكم خلائف } الخطاب ~~للذين بعث إليهم محمد عليه الصلاة والسلام ، أي استخلفناكم في الأرض بعد ~~القرون التي أهلكناهم ، لننظر كيف تعملون ، خيرا أو شرا ، فنعاملكم على حسب ~~عملكم . بقي في الآية سؤالان : # السؤال الأول : كيف جاز النظر إلى الله تعالى وفيه معنى المقابلة ؟ # والجواب : أنه استعير لفظ النظر للعلم الحقيقي الذي لا يتطرق الشك إليه ، ~~وشبه هذا العلم بنظر الناظر وعيان المعاين . # السؤال الثاني : قوله : { ثم جعلناكم خلائف فى الارض من بعدهم لننظر كيف ~~تعملون } مشعر بأن الله تعالى ما كان عالما بأحوالهم قبل وجودهم . # والجواب : المراد منه أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما ~~يكون منهم ، ليجازيهم بحسبه كقوله : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ( هود : 7 ~~) وقد مر نظائر هذا . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الدنيا ~~خضرة حلوة PageV17P044 وأن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ) وقال ~~قتادة : صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا ، فأروا الله ~~من أعمالكم خيرا ، بالليل والنهار . # المسألة الثالثة : قال الزجاج : موضع { كيف } نصب بقوله : { تعملون } ~~لأنها حرف ، لاستفهام والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، ولو قلت : لننظر ~~خيرا تعملون أم شرا ، كان العالم في خير وشر تعملون . # ! 7 < { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت ~~بقرءان غير هاذآ أو بدله قل ما يكون لىأن أبدله من تلقآء نفسىإن أتبع إلا ~~ما يوحىإلى إنىأخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 15 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . # > > فيه مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أن هذا الكلام هو النوع الثالث من شبهاتهم ~~وكلماتهم التي ذكروها في الطعن في نبوة النبي صلى الله ms4756 عليه وسلم ، حكاها ~~الله تعالى في كتابه وأجاب عنها . # واعلم أن من وقف على هذا الترتيب الذي نذكره ، علم أن القرآن مرتب على ~~أحسن الوجوه . # المسألة الثانية : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن خمسة من الكفار ~~كانوا يستهزئون بالرسول عليه الصلاة والسلام وبالقرآن . الوليد بن المغيرة ~~المخزومي ، والعاص بن وائل السهمي ، والأسود بن المطلب ، والأسود بن عبد ~~يغوث ، والحرث بن حنظلة ، فقتل الله كل رجل منهم بطريق آخر ، كما قال : { ~~إنا كفيناك المستهزءين } ( الحجر : 95 ) فذكر الله تعالى أنهم كلما تلي ~~عليهم آيات : { قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءان غير هاذا أو بدله } ~~وفيه بحثان : # البحث الأول : أن وصفهم بأنهم لا يرجون لقاء الله أريد به كونهم مكذبين ~~بالحشر والنشر ، منكرين للبعث والقيامة ، ثم في تقرير حسن هذه الاستعارة ~~وجوه : الأول : قال الأصم : { لا يرجون لقاءنا } أي لا يرجون في لقائنا ~~خيرا على طاعة ، فهم من السيئات أبعد أن يخافوها . الثاني : قال القاضي : ~~الرجاء لا يستعمل إلا في المنافع ، لكنه قد يدل على المضار من بعض الوجوه ، ~~لأن من لا يرجو لقاء ما وعد ربه من الثواب ، وهو القصد بالتكليف ، لا يخاف ~~أيضا ما يوعده به من العقاب ، فصار ذلك كناية عن جحدهم للبعث والنشور . # واعلم أن كلام القاضي قريب من كلام الأصم ، إلا أن البيان التام أن يقال ~~: كل من كان مؤمنا بالبعث والنشور فإنه لا بد وأن يكون راجيا ثواب الله ~~وخائفا من عقابه ، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم ، فلزم من نفي الرجاء ~~نفي الإيمان بالبعث . فهذا هو الوجه في حسن هذه الاستعارة . # البحث الثاني : أنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أمرين ~~على البدل : فالأول : أن يأتيهم بقرآن غير هذا PageV17P045 القرآن . ~~والثاني : أن يبدل هذا القرآن وفيه إشكال ، لأنه إذا بدل هذا القرآن بغيره ~~، فقد أتى بقرآن غير هذا القرآن ، وإذا كان كذلك كان كل واحد منهما شيئا ~~واحدا . وأيضا مما يدل على أن كل واحد منهما هو عين الآخر ms4757 أنه عليه الصلاة ~~والسلام اقتصر في الجواب على نفي أحدهما ، وهو قوله : { ما يكون لى أن ~~أبدله من تلقاء نفسى } وإذا ثبت أن كل واحد من هذين الأمرين هو نفس الآخر ، ~~كان إلقاء اللفظ على الترديد والتخيير فيه باطلا . # والجواب : أن أحد الأمرين غير الآخر ، فالإتيان بكتاب آخر ، لا على ترتيب ~~هذا القرآن ولا على نظمه ، يكون إتيانا بقرآن آخر ، وأما إذا أتى بهذا ~~القرآن إلا أنه وضع مكان ذم بعض الأشياء مدحها ، ومكان آية رحمة آية عذاب ، ~~كان هذا تبديلا ، أو نقول : الإتيان بقرآن غير هذا هو أن / يأتيهم بكتاب ~~آخر سوى هذا الكتاب . مع كون هذا الكتاب باقيا بحاله ، والتبديل هو أن يغير ~~هذا الكتاب . وأما قوله : إنه اكتفى في الجواب على نفي أحد القسمين . # قلنا : الجواب المذكور عن أحد القسمين هو عين الجواب عن القسم الثاني . ~~وإذا كان كذلك وقع الاكتفاء بذكر أحدهما عن ذكر الثاني . وإنما قلنا : ~~الجواب عن أحد القسمين عين الجواب عن الثاني لوجهين : الأول : أنه عليه ~~الصلاة والسلام لما بين أنه لا يجوز أن يبدله من تلقاء نفسه ، لأنه وارد من ~~الله تعالى ولا يقدر على مثله ، كما لا يقدر سائر العرب على مثله ، فكان ~~ذلك متقررا في نفوسهم بسبب ما تقدم من تحديه لهم بمثل هذا القرآن ، فقد ~~دلهم بذلك على أنه لا يتمكن من قرآن غير هذا . والثاني : أن التبديل أقرب ~~إلى الإمكان من المجيء بقرآن غير هذا القرآن ، فجوابه عن الأسهل يكون جوابا ~~عن الأصعب ، ومن الناس من قال : لا فرق بين الإتيان بقرآن غير هذا القرآن ~~وبين تبديل هذا القرآن ، وجعل قوله : { ما يكون لى أن أبدله } جوابا عن ~~الأمرين ، إلا أنه ضعيف على ما بيناه . # المسألة الثالثة : اعلم أن إقدام الكفار على هذا الالتماس يحتمل وجهين : ~~أحدهما : أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء ، مثل أن يقولوا : ~~إنك لو جئتنا بقرآن آخر غير هذا القرآن أو بدلته لآمنا بك ، وغرضهم من هذا ~~الكلام السخرية والتطير . والثاني : أن يكونوا ms4758 قالوه على سبيل الجد ، وذلك ~~أيضا يحتمل وجوها : أحدها : أن يكونوا قالوا ذلك على سبيل التجربة ~~والامتحان ، حتى أنه إن فعل ذلك ، علموا أنه كان كذابا في قوله : إن هذا ~~القرآن نزل عليه من عند الله . وثانيها : أن يكون المقصود من هذا الالتماس ~~أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم والطعن في طرائقهم ، وهم كانوا يتأذون ~~منها ، فالتمسوا كتابا آخر ليس فيه ذلك . وثالثها : أن بتقدير أن يكونوا قد ~~جوزوا كون هذا القرآن من عند الله ، التمسوا منه أن يلتمس من الله نسخ هذا ~~القرآن وتبديله بقرآن آخر . وهذا الوجه أبعد الوجوه . # واعلم أن القوم لما ذكروا ذلك أمره الله تعالى أن يقول : إن هذا التبديل ~~غير جائز مني { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ثم بين تعالى أنه بمنزلة غيره في ~~أنه متوعد بالعذاب العظيم إن عصى . ويتفرع على هذه الآية فروع : # الفرع الأول : أن قوله : { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } معناه : لا أتبع ~~إلا ما يوحى إلي ، فهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ما حكم إلا بالوحي ~~، وهذا يدل على أنه لم يحكم قط بالاجتهاد . PageV17P046 # الفرع الثاني : تمسك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : دل هذا النص على ~~أنه عليه الصلاة / والسلام ما حكم إلا بالنص . فوجب أن يجب على جميع الأمة ~~أن لا يحكموا إلا بمقتضى النص لقوله تعالى : { واتبعوه } . # الفرع الثالث : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن ذلك منسوخ ~~بقوله : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } ( الفتح : 2 ) وهذا ~~بعيد لأن النسخ إنما يدخل في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على ~~المعصية . # الفرع الرابع : قالت المعتزلة : إن قوله : { إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب ~~يوم عظيم } مشروط بما يكون واقعا بلا توبة ولا طاعة أعظم منها ، ونحن نقول ~~فيه تخصيص ثالث . وهو أن لا يعفو عنه ابتداء ، لأن عندنا يجوز من الله ~~تعالى أن يعفو عن أصحاب الكبائر . # ! 7 < { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا ms4759 أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا ~~من قبله أفلا تعقلون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 16 ) قل لو شاء . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنا بينا فيما سلف ، أن القوم إنما التمسوا منه ~~ذلك الالتماس ، لأجل أنهم اتهموه بأنه هو الذي يأتي بهذا الكتاب من عند ~~نفسه ، على سبيل الاختلاق والافتعال ، لا على سبيل كونه وحيا من عند الله . ~~فلهذا المعنى احتج النبي عليه الصلاة والسلام على فساد هذا الوهم بما ذكره ~~الله تعالى في هذه الآية . وتقريره أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أول عمره إلى ذلك الوقت ، وكانوا عالمين ~~بأحواله وأنه ما طالع كتابا ولا تلمذ لأستاذ ولا تعلم من أحد ، ثم بعد ~~انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على ~~نفائس علم الأصول ، ودقائق علم الأحكام ، ولطائف علم الأخلاق ، وأسرار قصص ~~الأولين . وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء ، وكل من له عقل سليم ~~فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والإلهام من الله تعالى ، فقوله : ~~{ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به } حكم منه عليه الصلاة والسلام ~~بأن هذا القرآن وحي من عند الله تعالى ، لا من اختلاقي ولا من افتعالي . ~~وقوله : { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } إشارة إلى الدليل الذي قررناه ، ~~وقوله : { أفلا تعقلون } يعني أن مثل / هذا الكتاب العظيم إذا جاء على يد ~~من لم يتعلم ولم يتلمذ ولم يطالع كتابا ولم يمارس مجادلة ، يعلم بالضرورة ~~أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي والتنزيل . وإنكار العلوم الضرورية يقدح في ~~صحة العقل . فلهذا السبب قال : { أفلا تعقلون } . # المسألة الثانية : قوله : { ولا أدراكم به } هو من الدراية بمعنى العلم . ~~قال سيبويه : يقال دريته ودريت به ، والأكثر هو الاستعمال بالباء . والدليل ~~عليه قوله تعالى : { ولا أدراكم به } ولو كان على اللغة الأخرى لقال ولا ~~أدراكموه . PageV17P047 # إذا عرفت هذا فنقول : معنى { ولا أدراكم به } أي ولا أعلمكم الله به ولا ~~أخبركم به . قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ ms4760 الحسن { ولا أدراكم به } على لغة من ~~يقول أعطأته وأرضأته في معنى أعطيته وأرضيته ويعضده قراءة ابن عباس { ولا * ~~أنذرتكم * به } ورواه الفراء { ولا } به بالهمز ، والوجه فيه أن يكون من ~~أدرأته إذا دفعته ، وأدرأته إذا جعلته داريا ، والمعنى : ولا أجعلكم ~~بتلاوته خصماء تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ، وعن ابن كثير { * ولأدرأكم } ~~بلام الابتداء لإثبات الإدراء . # وأما قوله تعالى : { به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } فالقراءة المشهورة ~~بضم الميم ، وقرىء { عمرا } بسكون الميم . # ! 7 < { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~المجرمون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 17 ) فمن أظلم ممن . . . . . # > > واعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر ، وذلك لأنهم التمسوا منه ~~قرآنا يذكره من عند نفسه ، ونسبوه إلى أنه إنما يأتي بهذا القرآن من عند ~~نفسه ، ثم إنه أقام البرهان القاهر الظاهر على أن ذلك باطل ، وأن هذا ~~القرآن ليس إلا بوحي الله تعالى وتنزيله ، فعند هذا قال : { فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا } والمراد أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ، لما ~~كان في الدنيا أحد أظلم على نفسه مني ، حيث افتريته على الله ، ولما أقمت ~~الدلالة على أنه ليس الأمر كذلك ، بل هو بوحي من الله تعالى وجب أن يقال ~~إنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه منكم ، لأنه لما ظهر ~~بالبرهان المذكور كونه من عند الله ، فإذا أنكرتموه كنتم قد كذبتم بآيات ~~الله . فوجب أن تكونوا أظلم الناس . والحاصل أن قوله : { ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا } المقصود منه نفي الكذب عن نفسه وقوله : / { ومن أظلم ~~ممن } المقصود منه إلحاق الوعيد الشديد بهم حيث أنكروا دلائل الله ، وكذبوا ~~بآيات الله تعالى . # وأما قوله : { إنه لا يفلح المجرمون } فهو تأكيد لما سبق من هذين ~~الكلامين . والله أعلم . # ! 7 < { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هاؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى السماوات ولا فى الا رض ~~سبحانه وتعالى عما ms4761 يشركون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 18 ) ويعبدون من دون . . . . . # > > اعلم أنا ذكرنا أن القوم إنما التمسوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قرآنا غير هذا القرآن أو تبديل ، هذا القرآن لأن هذا القرآن مشتمل على شتم ~~الأصنام التي جعلوها آلهة لأنفسهم ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى في هذا ~~الموضع ما يدل على قبح عبادة الأصنام ، ليبين أن تحقيرها والاستخفاف بها ~~أمر حق وطريق متيقن . # واعلم أنه تعالى حكى عنهم أمرين : أحدهما : أنهم كانوا يعبدون الأصنام . ~~والثاني : أنهم كانوا PageV17P048 يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله . أما ~~الأول فقد نبه الله تعالى على فساده بقوله : { ما لا يضرهم ولا ينفعهم } ~~وتقريره من وجوه : الأول : قال الزجاج : لا يضرهم إن لم يعبدوه ولا ينفعهم ~~إن عبدوه . الثاني : أن المعبود لا بد وأن يكون أكمل قدرة من العابد ، وهذه ~~الأصنام لا تنفع ولا تضر ألبتة ، وأما هؤلاء الكفار فهم قادرون على التصرف ~~في هذه الأصنام تارة بالإصلاح وأخرى بالإفساد ، وإذا كان العابد أكمل حالا ~~من المعبود كانت العبادة باطلة . الثالث : أن العبادة أعظم أنواع التعظيم ، ~~فهي لا تليق إلا بمن صدر عنه أعظم أنواع الأنعام ، وذلك ليس إلا الحياة ~~والعقل والقدرة ومصالح المعاش والمعاد ، فإذا كانت المنافع والمضار كلها من ~~الله سبحانه وتعالى ، وجب أن لا تليق العبادة إلا بالله سبحانه . # وأما النوع الثاني : ما حكاه الله تعالى عنهم في هذه الآية ، وهو قولهم : ~~{ هؤلاء شفعاؤنا عند الله } فاعلم أن من الناس من قال إن أولئك الكفار ~~توهموا أن عبادة الأصنام أشد في تعظيم الله من عبادة الله سبحانه وتعالى . ~~فقالوا ليست لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى بل نحن نشتغل / بعبادة ~~هذه الأصنام ، وأنها تكون شفعاء لنا عند الله تعالى . ثم اختلفوا في أنهم ~~كيف قالوا في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله ؟ وذكروا فيه أقوالا كثيرة : ~~فأحدها : أنهم اعتقدوا أن المتولي لكل أقليم من أقاليم العالم ، روح معين ~~من أرواح عالم الأفلاك ، فعينوا لذلك الروح صنما معينا واشتغلوا بعبادة ذلك ~~الصنم ، ومقصودهم عبادة ذلك الروح ms4762 ، ثم اعتقدوا أن ذلك الروح يكون عبدا ~~للإله الأعظم ومشتغلا بعبوديته . وثانيها : أنهم كانوا يعبدون الكواكب ~~وزعموا أن الكواكب هي التي لها أهلية عبودية الله تعالى ، ثم لما رأوا أن ~~الكواكب تطلع وتغرب وضعوا لها أصناما معينة واشتغلوا بعبادتها ، ومقصودهم ~~توجيه العبادة إلى الكواكب . وثالثها : أنهم وضعوا طلسمات معينة على تلك ~~الأصنام والأوثان ، ثم تقربوا إليها كما يفعله أصحاب الطلسمات . ورابعها : ~~أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم ، وزعموا أنهم ~~متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل ، فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند ~~الله تعالى ، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور ~~الأكابر ، على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند ~~الله . وخامسها : أنهم اعتقدوا أن الإله نور عظيم ، وأن الملائكة أنوار ~~فوضعوا على صورة الإله الأكبر الصنم الأكبر ، وعلى صورة الملائكة صورا أخرى ~~. وسادسها : لعل القوم حلولية ، وجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام العالية ~~الشريفة . # واعلم أن كل هذه الوجوه باطلة بالدليل الذي ذكره الله تعالى وهو قوله : { ~~ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم } وتقريره ما ذكرناه من الوجوه ~~الثلاثة . # قوله تعالى : { قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى * السماوات * ولا فى ~~الارض سبحانه وتعالى عما يشركون } . # اعلم أن المفسرين قرروا وجها واحدا ، وهو أن المراد من نفي علم الله ~~تعالى بذلك تقرير نفيه في نفسه ، وبيان أن لا وجود له ألبتة ، وذلك لأنه لو ~~كان موجودا لكان معلوما لله تعالى ، وحيث لم يكن معلوما لله تعالى وجب أن ~~لا يكون موجودا ، ومثل هذا الكلام مشهور في العرف ، فإن الإنسان إذا أراد ~~نفي شيء عن نفسه يقول : ما علم الله هذا مني ، ومقصوده أنه ما حصل ذلك قط ، ~~وقرىء { أتنبئون } بالتخفيف أما قوله : { سبحانه وتعالى عما يشركون } ~~فالمقصود تنزيه الله تعالى نفسه عن ذلك الشرك ، قرأ حمزة والكسائي { تشركون ~~} بالتاء ، ومثله في أول النحل في موضعين ، وفي الروم كلها بالتاء على ~~الخطاب ، قال صاحب PageV17P049 ( الكشاف ) ( ما ) موصولة أو مصدرية ms4763 أي عن ~~الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم ، قال الواحدي : من قرأ بالتاء ~~فلقوله : { أتنبئون الله } ومن قرأ بالياء / فكأنه قيل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم قل أنت { سبحانه وتعالى عما يشركون } ويجوز أن يكون الله سبحانه هو ~~الذي نزه نفسه عما قالوه فقال : { سبحانه وتعالى عما يشركون } . # ! 7 < { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لقضي بينهم فيما فيه يختلفون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 19 ) وما كان الناس . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة ~~الأصنام ، بين السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد ، والمقالة الباطلة ، ~~فقال : { وما كان الناس إلا أمة واحدة } واعلم أن ظاهر قوله : { وما كان ~~الناس إلا أمة واحدة * لا * كان الناس إلا أمة واحدة } فيماذا ؟ وفيه ثلاثة ~~أقوال : # القول الأول : أنهم كانوا جميعا على الدين الحق ، وهو دين الإسلام ، ~~واحتجوا عليه بأمور : الأول : أن المقصود من هذه الآيات بيان كون الكفر ~~باطلا ، وتزييف طريق عبادة الأصنام ، وتقرير أن الإسلام هو الدين الفاضل ، ~~فوجب أن يكون المراد من قوله : { كان الناس أمة واحدة } هو أنهم كانوا أمة ~~واحدة ، إما في الإسلام وإما في الكفر ، ولا يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة ~~واحدة في الكفر . فبقي أنهم كانوا أمة واحدة في الإسلام ، إنما قلنا إنه لا ~~يجوز أن يقال إنهم كانوا أمة واحدة في الكفر لوجوه : الأول : قوله تعالى : ~~{ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } ( النساء : 41 ) وشهيد الله لا بد وأن ~~يكون مؤمنا عدلا . فثبت أنه ما خلت أمة من الأمم إلا وفيهم مؤمن . الثاني : ~~أن الأحاديث وردت بأن الأرض لا تخلو عمن يعبد الله تعالى ، وعن أقوام بهم ~~يمطر أهل الأرض وبهم يرزقون . الثالث : أنه لما كانت الحكمة الأصلية في ~~الخلق هو العبودية ، فيبعد خلو أهل الأرض بالكلية عن هذا المقصود . روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض ~~فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقية من أهل الكتاب ms4764 ) وهذا يدل على قوم تمسكوا ~~بالإيمان قبل مجيء الرسول عليه الصلاة والسلام ، فكيف يقال إنهم كانوا أمة ~~واحدة في الكفر ؟ وإذا ثبت أن الناس كانوا أمة واحدة إما في الكفر وإما في ~~الإيمان ، وأنهم ما كانوا أمة واحدة في الكفر ، ثبت أنهم كانوا أمة واحدة ~~في الإيمان ، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنهم متى كانوا كذلك ؟ فقال ابن ~~عباس ومجاهد كانوا على دين الإسلام في عهد آدم وفي عهد ولده ، واختلفوا عند ~~/ قتل أحد ابنيه الابن الثاني ، وقال قوم : إنهم بقوا على دين الإسلام إلى ~~زمن نوح ، وكانوا عشرة قرون . ثم اختلفوا على عهد نوح . فبعث الله تعالى ~~إليهم نوحا . وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام في زمن نوح بعد الغرق ، ~~إلى أن ظهر الكفر فيهم . وقال آخرون : كانوا على دين الإسلام من عهد ~~إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره عمرو بن لحي ، وهذا القائل قال : المراد ~~من الناس في قوله تعالى : { وما كان الناس إلا أمة واحدة } فاختلفوا العرب ~~خاصة . # إذا عرفت تفصيل هذا القول فنقول : إنه تعالى لما بين فيما قبل فساد القول ~~بعبادة الأصنام بالدليل PageV17P050 الذي قررناه ، بين في هذه الآية أن هذا ~~المذهب ليس مذهبا للعرب من أول الأمر ، بل كانوا على دين الإسلام ، ونفي ~~عبادة الأصنام . ثم حذف هذا المذهب الفاسد فيهم ، والغرض منه أن العرب إذا ~~علموا أن هذا المذهب ما كان أصليا فيهم ، وأنه إنما حدث بعد أن لم يكن ، لم ~~يتعصبوا لنصرته ، ولم يتأذوا من تزييف هذا المذهب ، ولم تنفر طباعهم من ~~إبطاله . ومما يقوي هذا القول وجهان : الأول : أنه تعالى قال : { ويعبدون ~~من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( ~~يونس : 18 ) ثم بالغ في إبطاله بالدليل . ثم قال عقيبه : { وما كان الناس ~~إلا أمة واحدة } فلو كان المراد منه بيان أن هذا الكفر كان حاصلا فيهم من ~~الزمان القديم ، لم يصح جعل هذا الكلام دليلا على إبطال تلك المقالة . أما ~~لو حملناه على أن الناس ms4765 في أول الأمر كانوا مسلمين ، وهذا الكفر إنما حدث ~~فيهم من زمان ، أمكن التوسل به إلى تزييف اعتقاد الكفار في هذه المقالة ، ~~وفي تقبيح صورتها عندهم ، فوجب حمل اللفظ عليه تحصيلا لهذا الغرض . الثاني ~~: أنه تعالى قال : { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت ~~من ربك * لقضى بينهم } ولا شك أن هذا وعيد ، وصرف هذا الوعيد إلى أقرب ~~الأشياء المذكورة أولى ، والأقرب هو ذكر الاختلاف ، فوجب صرف هذا الوعيد ~~إلى هذا الاختلاف ، لا إلى ما سبق من كون الناس أمة واحدة ، وإذا كان كذلك ~~، وجب أن يقال : كانوا أمة واحدة في الإسلام لا في الكفر ، لأنهم لو كانوا ~~أمة واحدة في الكفر لكان اختلافهم بسبب الإيمان ، ولا يجوز أن يكون ~~الاختلاف الحاصل بسبب الإيمان سببا لحصول الوعيد . أما لو كانوا أمة واحدة ~~في الإيمان لكان اختلافهم بسبب الكفر ، وحينئذ يصح جعل ذلك الاختلاف سببا ~~للوعيد . # القول الثاني : قول من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الكفر ، وهذا ~~القول منقول عن طائفة من المفسرين . قالوا : وعلى هذا التقدير ففائدة هذا ~~الكلام في هذا المقام هي أنه تعالى بين للرسول عليه الصلاة والسلام ، أنه ~~لا تطمع في أن يصير كل من تدعوه إلى الدين مجيبا لك ، قابلا لدينك . / فإن ~~الناس كلهم كانوا على الكفر ، وإنما حدث الإسلام في بعضهم بعد ذلك ، فكيف ~~تطمع في اتفاق الكل على الإيمان ؟ # القول الثالث : قول من يقول : المراد إنهم كانوا أمة واحدة في أنهم خلقوا ~~على فطرة الإسلام ، ثم اختلفوا في الأديان . وإليه الإشارة بقوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه ) ومنهم من يقول المراد كانوا أمة واحدة في الشرائع العقلية ، ~~وحاصلها يرجع إلى أمرين : التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله . ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا ~~به شيئا وبالوالدين إحسانا } ( الأنعام : 151 ) واعلم أن هذه المسألة قد ~~استقصينا فيها في سورة البقرة ، فلنكتف بهذا القدر ms4766 ههنا . # أما قوله تعالى : { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ~~} فاعلم أنه ليس في الآية ما يدل على أن تلك الكلمة ما هي ؟ وذكروا فيه ~~وجوها : الأول : أن يقال لولا أنه تعالى أخبر بأنه يبقى التكليف على عباده ~~، وإن كانوا به كافرين ، لقضى بينهم بتعجيل الحساب والعقاب لكفرهم ، لكن ~~لما كان ذلك سببا لزوال التكليف ، ويوجب الإلجاء ، وكان إبقاء التكليف أصوب ~~وأصلح ، لا جرم أنه تعالى أخر هذا العقاب إلى الآخرة . ثم قال هذا القائل ، ~~وفي ذلك تصبير للمؤمنين على احتمال المكاره من قبل الكافرين والظالمين . ~~الثاني : { ولولا كلمة سبقت من ربك } في أنه لا يعاجل العصاة بالعقوبة ~~إنعاما عليهم ، لقضى PageV17P051 بينهم في اختلافهم ، بما يمتاز المحق من ~~المبطل والمصيب من المخطىء الثالث : أن تلك الكلمة هي قوله : ( سبقت رحمتي ~~غضبي ) فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على ~~الجاهل الضال وإمهاله إلى وقت الوجدان . # ! 7 < { ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا ~~إنى معكم من المنتظرين } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 20 ) ويقولون لولا أنزل . . . . . # > > اعلم أن هذا الكلام هو النوع الرابع من شبهات القوم في إنكارهم نبوته ~~، وذلك أنهم . قالوا : أن القرآن الذي جئتنا به كتاب مشتمل على أنواع من ~~الكلمات ، والكتاب لا يكون معجزا ، ألا ترى أن كتاب موسى وعيسى ما كان ~~معجزة لهما ، بل كان لهما أنواع من المعجزات دلت على نبوتهما / سوى الكتاب ~~. وأيضا فقد كان فيهم من يدعي إمكان المعارضة ، كما أخبر الله تعالى أنهم ~~قالوا : { لو * شئنا * لقلنا مثل هاذا } وإذا كان الأمر كذلك لا جرم طلبوا ~~منه شيئا آخر سوى القرآن ، ليكون معجزة له ، فحكى الله تعالى عنهم ذلك ~~بقوله : { ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه } فأمر الله رسوله عليه ~~الصلاة والسلام أن يقول عند هذا السؤال { إنما الغيب لله فانتظروا إنى معكم ~~من المنتظرين } . # واعلم أن الوجه في تقرير هذا الجواب أن يقال : أقام الدلالة القاهرة على ~~أن ظهور القرآن عليه ms4767 معجزة قاهرة ظاهرة . لأنه عليه الصلاة والسلام بين أنه ~~نشأ فيما بينهم وتربى عندهم ، وهم علموا أنه لم يطالع كتابا ، ولم يتلمذ ~~لأستاذ . بل كان مدة أربعين سنة معهم ومخالطا لهم ، وما كان مشتغلا بالفكر ~~والتعلم قط ، ثم إنه دفعة واحدة ظهر هذا القرآن العظيم عليه ، وظهور مثل ~~هذا الكتاب الشريف العالي ، على مثل ذلك الإنسان الذي لم يتفق له شيء من ~~أسباب التعلم ، لا يكون إلا بالوحي . فهذا برهان قاهر على أن القرآن معجز ~~قاهر ظاهر ، وإذا ثبت هذا كان طلب آية أخرى سوى القرآن من الاقتراحات التي ~~لا حاجة إليها في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام ، وتقرير رسالته ، ومثل ~~هذا يكون مفوضا إلى مشيئة الله تعالى ، فإن شاء أظهرها ، وإن شاء لم يظهرها ~~، فكان ذلك من باب الغيب ، فوجب على كل أحد أن ينتظر أنه هل يفعله الله أم ~~لا ؟ ولكن سواء فعل أو لم يفعل ، فقد ثبتت النبوة ، وظهر صدقه في ادعاء ~~الرسالة ، ولا يختلف هذا المقصود بحصول تلك الزيادة وبعدمها ، فظهر أن هذا ~~الوجه جواب ظاهر في تقرير هذا المطلوب . # ! 7 < { وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء مستهم إذا لهم مكر فىءاياتنا ~~قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 21 ) وإذا أذقنا الناس . . . . . # > > PageV17P052 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم آية أخرى سوى القرآن ، وأجاب الجواب الذي قررناه وهو قوله : { إنما ~~الغيب لله } ( يونس : 20 ) ذكر جوابا آخر وهو المذكور في هذه الآية ، ~~وتقريره من وجهين : # الوجه الأول : أنه تعالى بين في هذه الآية أن عادة هؤلاء الأقوام المكر ~~واللجاج والعناد / وعدم الإنصاف ، وإذا كانوا كذلك فبتقدير أن يعطوا ما ~~سألوه من إنزال معجزات أخرى ، فإنهم لا يؤمنون بل يبقون على كفرهم وجهلهم ، ~~فنفتقر ههنا إلى بيان أمرين : إلى بيان أن عادة هؤلاء الأقوام المكر ~~واللجاج والعناد ، ثم إلى بيان أنه متى كان الأمر كذلك لم يكن في إظهار ~~سائر المعجزات ms4768 فائدة . # أما المقام الأول : فتقريره أنه روي أن الله تعالى سلط القحط على أهل مكة ~~سبع سنين ثم رحمهم ، وأنزل الأمطار النافعة على أراضيهم ، ثم إنهم أضافوا ~~تلك المنافع الجليلة إلى الأصنام وإلى الأنواء ، وعلى التقديرين فهو مقابلة ~~للنعمة بالكفران . فقوله : { وإذا أذقنا الناس رحمة } المراد منه تلك ~~الأمطار النافعة . وقوله : { من بعد ضراء مستهم } المراد منه ذلك القحط ~~الشديد . وقوله : { وإذا أذقنا الناس رحمة من } المراد منه إضافتهم تلك ~~المنافع الجليلة إلى الأنواء والكواكب أو إلى الأصنام . # واعلم أنه تعالى ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة ، وهو ~~قوله تعالى : { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما ~~كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى } ( يونس : 12 ) إلا أنه تعالى زاد في ~~هذه الآية التي نحن في تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها في تلك الآية ، وتلك ~~الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة ، ويطلبون الغوائل ، وفي الآية ~~المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة ، فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء ~~الأقوام اللجاج والعناد والمكر وطلب الغوائل . # وأما المقام الثاني : وهو بيان أنه متى كان الأمر كذلك فلا فائدة في ~~إظهار سائر الآيات ، لأنه تعالى لو أظهر لهم جميع ما طلبوه من المعجزات ~~الظاهرة فإنهم لا يقبلونها ، لأنه ليس غرضهم من هذه الاقتراحات التشدد في ~~طلب الدين ، وإنما غرضهم الدفع والمنع والمبالغة في صون مناصبهم الدنيوية ، ~~والامتناع من المتابعة للغير ، والدليل عليه أنه تعالى لما شدد الأمر عليهم ~~وسلط البلاء عليهم ، ثم أزالها عنهم وأبدل تلك البليات بالخيرات ، فهم مع ~~ذلك استمروا على التكذيب والجحود ، فدل ذلك على أنه تعالى لو أنزل عليهم ~~الآيات التي طلبوها لم يلتفتوا إليها ، فظهر بما ذكرنا أن هذا الكلام جواب ~~قاطع عن السؤال المتقدم . # الوجه الثاني : في تقرير هذا الجواب : أن أهل مكة قد حصل لهم أسباب ~~الرفاهية وطيب العيش ، ومن كان كذلك تمرد وتكبر كما قال تعالى : { إن ~~الإنسان ليطغى * أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) وقرر تعالى ms4769 هذا المعنى ~~بالمثال المذكور ، فإقدامهم على طلب الآيات الزائدة والاقتراحات الفاسدة ، ~~إنما كان لأجل ما هم فيه من النعم الكثيرة والخيرات المتوالية ، وقوله : { ~~قل الله أسرع مكرا } كالتنبيه على أنه تعالى يزيل عنهم تلك النعم ، ويجعلهم ~~منقادين للرسول مطيعين له ، تاركين لهذه الاعتراضات الفاسدة / والله أعلم . # / المسألة الثانية : قوله تعالى : { وإذا أذقنا الناس رحمة } كلام ورد ~~على سبيل المبالغة ، والمراد منه إيصال الرحمة إليهم . PageV17P053 # واعلم أن رحمة الله تعالى لا تذاق بالفم ، وإنما تذاق بالعقل ، وذلك يدل ~~على أن القول بوجود السعادات الروحانية حق . # المسألة الثالثة : قال الزجاج { إذا } في قوله : { وإذا أذقنا الناس رحمة ~~} للشرط و { إذا } في قوله { إذا لهم مكر } جواب الشرط وهو كقوله : { وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون } ( الروم : 36 ) والمعنى : إذا ~~أذقنا الناس رحمة مكروا وإن تصبهم سيئة قنطوا . واعلم أن { إذا } في قوله : ~~{ إذا لهم مكر } تفيد المفاجأة ، معناه أنهم في الحال أقدموا على المكر ~~وسارعوا إليه . # المسألة الرابعة : سمي تكذيبهم بآيات الله مكرا ، لأن المكر عبارة عن صرف ~~الشيء عن وجهه الظاهر بطريق الحيلة ، وهؤلاء يحتالون لدفع آيات الله بكل ما ~~يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في مناظرة أو غير ذلك من الأمور ~~الفاسدة . قال مقاتل : المراد من هذا المكر هو أن هؤلاء لا يقولون هذا رزق ~~الله ، بل يقولون سقينا بنوء كذا . # أما قوله تعالى : { قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } ~~فالمعنى أن هؤلاء الكفار لما قابلوا نعمة الله بالمكر ، فالله سبحانه ~~وتعالى قابل مكرهم بمكر أشد من ذلك ، وهو من وجهين : الأول : ما أعد لهم ~~يوم القيامة من العذاب الشديد ، وفي الدنيا من الفضيحة والخزي والنكال . ~~والثاني : أن رسل الله يكتبون مكرهم ويحفظونه ، وتعرض عليهم ما في بواطنهم ~~الخبيثة يوم القيامة ، ويكون ذلك سببا للفضيحة التامة والخزي والنكال نعوذ ~~بالله تعالى منه . # ! 7 < { هو الذى يسيركم فى البر والبحر حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم ~~بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح ms4770 عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم ~~أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هاذه لنكونن من ~~الشاكرين * فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون فى الا رض بغير الحق ياأيها الناس ~~إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيواة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما ~~كنتم تعملون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 22 - 23 ) هو الذي يسيركم . . . . . # > > # / في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : { وإذا أذقنا الناس رحمة من ~~بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر فىءاياتنا } كان هذا الكلام كلاما كليا لا ~~ينكشف معناه تمام الانكشاف . إلا بذكر مثال كامل ، فذكر الله تعالى لنقل ~~الإنسان من الضر الشديد إلى الرحمة مثالا ، ولمكر الإنسان مثالا ، حتى تكون ~~هذه الآية كالمفسرة للآية PageV17P054 التي قبلها ، وذلك لأن المعنى الكلي ~~لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال جلي واضح يكشف عن حقيقة ذلك ~~المعنى الكلي . # واعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود ، ~~حصل له الفرح التام والمسرة القوية ، ثم قد تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة ~~. فأولها : أن تجيئهم الرياح العاصفة الشديدة . وثانيها : أن تأتيهم ~~الأمواج العظيمة من كل جانب . وثالثها : أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع ~~، وأن النجاة ليست متوقعة ، ولا شك أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة ~~الموافقة إلى هذه الأحوال القاهرة الشديدة يوجب الخوف العظيم ، والرعب ~~الشديد ، وأيضا مشاهدة هذه الأحوال والأهوال في البحر مختصة بإيجاب مزيد ~~الرعب ، والخوف ثم إن الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ~~ورحمته ، ويصير منقطع الطمع عن جميع الخلق ، ويصير بقلبه وروحه وجميع ~~أجزائه متضرعا إلى الله تعالى ، ثم إذا نجاه الله تعالى من هذه البلية ~~العظيمة ، ونقله من هذه المضرة القوية إلى الخلاص والنجاة ، ففي الحال ينسى ~~تلك النعمة ويرجع إلى ما ألفه واعتاده من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة ~~، فظهر أنه لا يمكن تقرير ذلك المعنى الكلي المذكور في الآية المتقدمة ~~بمثال أحسن وأكمل من المثال المذكور في هذه الآية . # المسألة الثانية : يحكى أن واحدا ms4771 قال لجعفر الصادق : اذكر لي دليلا على ~~إثبات الصانع فقال : أخبرني عن حرفتك : فقال : أنا رجل أتجر في البحر ، ~~فقال : صف لي كيفية حالك . فقال : ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على ~~لوح واحد من ألواحها ، وجاءت الرياح العاصفة ، فقال / جعفر : هل وجدت في ~~قلبك تضرعا ودعاء . فقال نعم . فقال جعفر : فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ~~ذلك الوقت . # المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر { * ينشركم } من النشر الذي هو خلاف الطي ~~كأنه أخذه من قوله تعالى : { الصلواة فانتشروا فى الارض } ( الجمعة : 10 ) ~~والباقون قرؤا { يسيركم } من التسيير . # المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد يجب أن يكون ~~خلقا لله تعالى . قالوا : دلت هذه الآية على أن سير العباد من الله تعالى ، ~~ودل قوله تعالى : { قل سيروا فى الارض } ( الأنعام : 11 ) على أن سيرهم ~~منهم ، وهذا يدل على أن سيرهم منهم ومن الله ، فيكون كسبيا لهم وخلقا لله ~~ونظيره . قوله تعالى : { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } ( الأنفال : 5 ) ~~وقال في آية أخرى : { إذ أخرجه الذين كفروا } ( التوبة : 40 ) وقال في آية ~~أخرى : { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } ( التوبة : 82 ) ثم قال في آية ~~أخرى { وأنه هو أضحك وأبكى } ( النجم : 43 ) وقال في آية أخرى { وما رميت * ~~إذا * رميت ولاكن الله رمى } ( الأفال : 7 ) قال الجبائي : أما كونه تعالى ~~مسيرا لهم في البحر على الحقيقة فالأمر كذلك . وأما سيرهم في البر فإنما ~~أضيف إلى الله تعالى على التوسع . فما كان منه طاعة فبأمره وتسهيله ، وما ~~كان منه معصية فلأنه تعالى هو الذي أقدره عليه . وزاد القاضي فيه يجوز أن ~~يضاف ذلك إليه تعالى من حيث أنه تعالى سخر لهم المركب في البر ، وسخر لهم ~~الأرض التي يتصرفون عليها بإمساكه لها ، لأنه تعالى لو لم يفعل ذلك لتعذر ~~عليهم السير . وقال القفال : { هو الذى يسيركم فى البر والبحر } أي هو الله ~~الهادي لكم إلى السير في البر والبحر طلبا للمعاش لكم ، وهو المسير لكم ، ~~لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير ms4772 . هذا جملة ما قيل في الجواب عنه . ونحن ~~نقول : لا شك أن المسير في البحر هو الله تعالى ، لأن الله تعالى هو المحدث ~~لتلك الحركات في أجزاء السفينة ، ولا شك PageV17P055 أن إضافة الفعل إلى ~~الفاعل هو الحقيقة . فنقول : وجب أيضا أن يكون مسيرا لهم في البر بهذا ~~التفسير ، إذ لو كان مسيرا لهم في البر بمعنى إعطاء الآلات والأدوات لكان ~~مجازا بهذا الوجه ، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازا دفعة واحدة ، وذلك ~~باطل . # واعلم أن مذهب الجبائي أنه لامتناع في كون اللفظ حقيقة ومجازا بالنسبة ~~إلى المعنى الواحد . وأما أبو هاشم فإنه يقول : إن ذلك ممتنع ، إلا أنه ~~يقول : لا يبعد أن يقال إنه تعالى تكلم به مرتين . # واعلم أن قول الجبائي : قد أبطلناه في أصول الفقه ، وقول أبي هاشم أنه ~~تعالى تكلم به مرتين أيضا بعيد . لأن هذا قول لم يقل به أحد من الأمة ممن ~~كانوا قبله ، فكان هذا على خلاف الإجماع فيكون باطلا . # واعلم أنه بقي في هذه الآية سؤالات : # / السؤال الأول : كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر ، مع أن ~~الكون في الفلك متقدم لا محالة على التسيير في البحر ؟ # والجواب : لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير ، بل تقدير الكلام كأنه ~~قيل هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان ~~كذا وكذا . # السؤال الثاني : ما جواب { إذا } في قوله : { حتى إذا كنتم فى الفلك } . # الجواب : هو أن جوابها هو قوله : { جاءتها ريح عاصف } ثم قال صاحب ( ~~الكشاف ) : # وأما قوله : { دعوا الله } فهو بدل من ظنوا لأن دعاءهم من لوازم ظنهم ~~الهلاك . وقال بعض الأفاضل لو حمل قوله : { دعوا الله } على الاستئناف . ~~كان أوضح ، كأنه لما قيل : { جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان ~~وظنوا أنهم أحيط بهم } قال قائل فما صنعوا ؟ فقيل : { دعوا الله } . # السؤال الثالث : ما الفائدة في صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة ؟ # الجواب فيه وجوه : الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : المقصود هو المبالغة ~~كأنه ms4773 تعالى يذكر حالهم لغيرهم لتعجيبهم منها ، ويستدعى منهم مزيد الإنكار ~~والتقبيح . الثاني : قال أبو علي الجبائي : إن مخاطبته تعالى لعباده ، هي ~~على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام ، فهي بمنزلة الخبر عن الغائب . وكل ~~من أقام الغائب مقام المخاطب ، حسن منه أن يرده مرة أخرى إلى الغائب . ~~الثالث : وهو الذي خطر بالبال في الحال ، أن الانتقال في الكلام من لفظ ~~الغيبة إلى لفظ الحضور فإنه يدل على مزيد التقرب والإكرام . وأما ضده وهو ~~الانتقال من لفظ الحضور إلى لفظ الغيبة ، يدل على المقت والتبعيد . # أما الأول : فكما في سورة الفاتحة ، فإن قوله : { الحمد لله رب العالمين ~~* الرحمان الرحيم } ( الفاتحة : 2 ، 3 ) كله مقام الغيبة ، ثم انتقل منها ~~إلى قوله : { إياك نعبد وإياك نستعين } ( الفاتحة : 5 ) وهذا يدل على أن ~~العبد كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور ، وهو يوجب علو الدرجة ، ~~وكمال القرب من خدمة رب العالمين . # وأما الثاني : فكما في هذه الآية ، لأن قوله : { حتى إذا كنتم فى الفلك } ~~خطاب الحضور ، وقوله : { وجرين بهم } مقام الغيبة ، فههنا انتقل من مقام ~~الحضور إلى مقام الغيبة ، وذلك يدل على المقت والتبعيد PageV17P056 والطرد ~~، وهو اللائق بحال هؤلاء ، لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان الله تعالى ~~إليه بالكفران ، كان اللائق به ما ذكرناه . # السؤال الرابع : كم القيود المعتبرة في الشرط والقيود المعتبرة في الجزاء ~~؟ # الجواب : أما القيود المعتبرة في الشرط فثلاثة : أولها : الكون في الفلك ~~، وثانيها : جرى الفلك / بالريح الطيبة ، وثالثها : فرحهم بها . وأما ~~القيود المعتبرة في الجزاء فثلاثة أيضا : أولها : قوله : { جاءتها ريح عاصف ~~} وفيه سؤالان : # السؤال الأول : الضمير في قوله : { جاءتها } عائد إلى الفلك وهو ضمير ~~الواحد ، والضمير في قوله : { وجرين بهم } عائد إلى الفلك وهو الضمير الجمع ~~، فما السبب فيه ؟ # الجواب عنه من وجهين : الأول : أنا لا نسلم أن الضمير في قوله : { جاءتها ~~} عائد إلى الفلك ، بل نقول إنه عائد إلى الريح الطيبة المذكورة في قوله : ~~{ وجرين بهم بريح طيبة } الثاني : لو سلمنا ما ذكرتم إلا أن لفظ } الفلك ms4774 } ~~يصلح للواحد والجمع ، فحسن الضميران . # السؤال الثاني : ما العاطف . الجواب : قال القراء والزجاج : يقال ريح ~~عاصف وعاصفة ، وقد عصفت عصوفا وأعصفت ، فهي معصف ومعصفة . قال الفراء : ~~والألف لغة بني أسد ، ومعنى عصفت الريح اشتدت ، وأصل العصف السرعة ، يقال : ~~ناقة عاصف وعصوف سريعة ، وإنما قيل { * } الفلك } يصلح للواحد والجمع ، ~~فحسن الضميران . # السؤال الثاني : ما العاطف . الجواب : قال القراء والزجاج : يقال ريح ~~عاصف وعاصفة ، وقد عصفت عصوفا وأعصفت ، فهي معصف ومعصفة . قال الفراء : ~~والألف لغة بني أسد ، ومعنى عصفت الريح اشتدت ، وأصل العصف السرعة ، يقال : ~~ناقة عاصف وعصوف سريعة ، وإنما قيل { * } يصلح للواحد والجمع ، فحسن ~~الضميران . # السؤال الثاني : ما العاطف . الجواب : قال القراء والزجاج : يقال ريح ~~عاصف وعاصفة ، وقد عصفت عصوفا وأعصفت ، فهي معصف ومعصفة . قال الفراء : ~~والألف لغة بني أسد ، ومعنى عصفت الريح اشتدت ، وأصل العصف السرعة ، يقال : ~~ناقة عاصف وعصوف سريعة ، وإنما قيل { ريح عاصف } لأنه يراد ذات عصوف كما ~~قيل : لابن وتامر أو لأجل أن لفظ الريح مذكر . # أما القيد الثاني : فهو قوله : { وجاءهم الموج من كل مكان } والموج ما ~~ارتفع من الماء فوق البحر . # أما القيد الثالث : فهو قوله : { وظنوا أنهم أحيط بهم } والمراد أنهم ~~ظنوا القرب من الهلاك ، وأصله أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد ، فقد دنوا من ~~الهلاك . # السؤال الخامس : ما المراد من الإخلاص في قوله : { دعوا الله مخلصين له ~~الدين } . # والجواب : قال ابن عباس : يريد تركوا الشرك ، ولم يشركوا به من آلهتهم ~~شيئا ، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية . قال الحسن : { دعوا الله مخلصين ~~} الإخلاص الإيمان ، لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله تعالى ~~، فيكون جاريا مجرى الإيمان الاضطراري . وقال ابن زيد : هؤلاء المشركون ~~يدعون مع الله ما يدعون ، فإذا جاء الضر والبلاء لم يدعوا إلا الله . وعن ~~أبي عبيدة أن المراد من ذلك الدعاء قولهم أهيا شراهيا تفسيره يا حي يا قيوم ~~. # السؤال السادس : ما الشيء المشاء إليه بقوله هذه في قوله : { لئن أنجيتنا ~~من هاذه } . # والجواب المراد لئن أنجيتنا من هذه ms4775 الريح العاصفة ، وقيل المراد لئن ~~أنجيتنا من هذه الأمواج أو من هذه الشدائد ، وهذه الألفاظ وإن لم يسبق ~~ذكرها ، إلا أنه سبق ذكر ما يدل عليها . # السؤال السابع : هل يحتاج في هذه الآية إلى إضمار ؟ # الجواب : نعم ، والتقدير : دعوا الله مخلصين له الدين مريدين أن يقولوا ~~لئن أنجيتنا ، ويمكن / أن يقال : PageV17P057 لا حاجة إلا الإضمار ، لأن ~~قوله : { دعوا الله } يصير مفسرا بقوله : { لئن أنجيتنا من هاذه لنكونن من ~~الشاكرين } فهم في الحقيقة ما قالوا إلا هذا القول . # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا التضرع الكامل بين أنهم بعد الخلاص من ~~تلك البلية والمحنة أقدموا في الحال على البغي في الأرض بغير الحق . قال ~~ابن عباس : يريد به الفساد والتكذيب والجراءة على الله تعالى ، ومعنى البغي ~~قصد الاستعلاء بالظلم . قال الزجاج : البغي الترقي في الفساد قال الأصمعي : ~~يقال بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترقى إلى الفساد ، وبغت المرأة إذا فجرت ، ~~قال الواحدي : أصل هذا اللفظ من الطلب . # فإن قيل : فما معنى قوله : { بغير الحق } والبغي لا يكون بحق ؟ # قلنا : البغي قد يكون بالحق ، وهو استيلاء المسلمين عل أرض الكفرة وهدم ~~دورهم وإحراق زروعهم وقطع أشجارهم ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ببني قريظة . ثم إنه تعالى بين أن هذا البغي أمر باطل يجب على العاقل أن ~~يحترز منه فقال : { الحق ياأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيواة ~~الدنيا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الأكثرون { متاع } برفع العين ، وقرأ حفص عن عاصم { ~~متاع } بنصب العين ، أما الرفع ففيه وجهان : الأول : أن يكون قوله : { ~~بغيكم على أنفسكم } مبتدأ ، وقوله : { متاع الحيواة الدنيا } خبرا . ~~والمراد من قوله : { بغيكم على أنفسكم } بغي بعضكم على بعض كما في قوله : { ~~فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) ومعنى الكلام أن بغي بعضكم عن بعض منفعة ~~الحياة الدنيا ولا بقاء لها . والثاني : أن قوله { بغيكم } مبتدأ ، وقوله : ~~{ على أنفسكم } خبره ، وقوله : { وأبقى قالوا لن } خبر مبتدأ محذوف ، ~~والتقدير : هو متاع الحياة الدنيا . وأما القراءة بالنصب فوجهها أن ms4776 نقول : ~~إن قوله : { بغيكم } مبتدأ ، وقوله : { على أنفسكم } خبره ، وقوله : { متاع ~~الحيواة الدنيا } في موضع المصدر المؤكد ، والتقدير : تتمتعون متاع الحياة ~~الدنيا . # المسألة الثانية : البغي من منكرات المعاصي . قال عليه الصلاة والسلام : ~~( أسرع الخير ثوابا صلة الرحم ، وأعجل الشر عقابا البغي واليمين الفاجرة ) ~~وروى ( ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين ) وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما : لو بغى جبل على جبل لاندك الباغي . وكان المأمون يتمثل ~~بهذين البيتين في أخيه : # % ف يا صاحب البغي إن البغي مصرعة % % فأربع فخير فعال المرء أعدله % # فلو بغى جبل يوما على جبل # لاندك منه أعاليه وأسفله # / وعن محمد بن كعب القرظي : ثلاث من كن فيه كن عليه ، البغي والنكث ~~والمكر ، قال تعالى : { إنما بغيكم على أنفسكم } . # المسألة الثالثة : حاصل الكلام في قوله تعالى : { الحق ياأيها الناس إنما ~~بغيكم على أنفسكم } أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياما قليلة ، ~~وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها { ثم إلينا } أي ما وعدنا من ~~المجازاة على أعمالكم { مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون } في الدنيا ، ~~والأنباء هو الأخبار ، وهو في هذا الموضع وعيد بالعذاب كقول الرجل لغيره ~~سأخبرك بما فعلت . # PageV17P058 ! 7 < { إنما مثل الحيواة الدنيا كمآء أنزلناه من السمآء ~~فاختلط به نبات الا رض مما يأكل الناس والا نعام حتى إذآ أخذت الا رض ~~زخرفها وازينت وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا ~~فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالا مس كذالك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } . > 7 ~~@QB@ < # | يونس : ( 24 ) إنما مثل الحياة . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال : { ياأيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم متاع الحيواة الدنيا } ( يونس : 23 ) أتبعه بهذا المثل العجيب ~~الذي ضربه لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ، ويشتد تمسكه بها ، ويقوي ~~إعراضه عن أمر الآخرة والتأهب لها ، فقال : { إنما مثل الحيواة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض } وهذا الكلام يحتمل وجهين : ~~أحدهما : أن يكون المعنى فاختلط به نبات الأرض بسبب ms4777 هذا الماء النازل من ~~السماء ، وذلك لأنه إذا نزل المطر ينبت بسببه أنواع كثيرة من النبات ، ~~وتكون تلك الأنواع مختلطة ، وهذا فيما لم يكن نابتا قبل نزول المطر . ~~والثاني : أن يكون المراد منه الذي نبت ، ولكنه لم يترعرع ، ولم يهتز . ~~وإنما هو في أول بروزه من الأرض ومبدأ حدوثه ، فإذا نزل المطر عليه ، ~~واختلط بذلك المطر ، أي اتصل كل واحد منهما بالآخر اهتز ذلك النبات وربا ~~وحسن ، وكمل واكتسى كمال الرونق والزينة ، وهو المراد من قوله تعالى : { ~~حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت } وذلك لأن التزخرف عبارة عن كمال حسن ~~الشيء . فجعلت الأرض آخذة زخرفها على التشبيه بالعروس إذا لبست الثياب ~~الفاخرة من كل لون ، وتزينت بجميع الألوان الممكنة في الزينة من حمرة وخضرة ~~وصفرة وذهبية وبياض ، ولا شك أنه متى صار البستان على هذا الوجه ، وبهذه ~~الصفة ، فإنه يفرح به المالك ويعظم رجاؤه في الانتفاع به ، ويصير قلبه ~~مستغرقا فيه ، ثم إنه تعالى يرسل على هذا البستان العجيب آفة عظيمة دفعة ~~واحدة في ليل أو نهار من برد ، أو ريح أو سيل ، فصارت تلك الأشجار والزروع ~~باطلة هالكة كأنها ما حصلت ألبتة . فلا شك أنه تعظم حسرة مالك ذلك البستان ~~ويشتد حزنه ، فكذلك من وضع قلبه على لذات الدنيا وطيباتها ، فإذا فاتته تلك ~~الأشياء يعظم حزنه وتلهفه عليها . # واعلم أن تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوها لخصها القاضي رحمه ~~الله تعالى . # الوجه الأول : أن عاقبة هذه الحياة الدنيا التي ينفقها المرء في باب ~~الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس ~~منه ، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا وضع عليها قلبه وعظمت رغبته فيها ~~يأتيه الموت . وهو معنى قوله تعالى : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون } ( الأنعام : 44 ) خاسرون الدنيا ، وقد أنفقوا ~~أعمارهم فيها ، وخاسرون من الآخرة ، مع أنهم متوجهون إليها . # والوجه الثاني : في التشبيه أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع ~~عاقبة تحمد ، فكذلك المغتر بالدنيا ms4778 المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد . ~~PageV17P059 # والوجه الثالث : أن يكون وجه التشبيه مثل قوله سبحانه : { وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ( ) فلما صار سعي هذا الزراع باطلا ~~بسبب حدوث الأسباب المهلكة ، فكذلك سعي المغتر بالدنيا . # والوجه الرابع : أن مالك ذلك البستان لما عمره بأتعاب النفس وكد الروح / ~~وعلق قلبه على الانتفاع به ، فإذا حدث ذلك السبب المهلك ، وصار العناء ~~الشديد الذي تحمله في الماضي سببا لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل ، ~~وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات . فكذلك حال من وضع قلبه على الدنيا ~~وأتعب نفسه في تحصيلها ، فإذا مات ، وفاته كل ما نال ، صار العناء الذي ~~تحمله في تحصيل أسباب الدنيا ، سببا لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة . # والوجه الخامس : لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد ، ~~وذلك لأنا نرى الزرع الذي قد انتهى إلى الغاية القصوى في التربية ، قد بلغ ~~الغاية في الزينة والحسن . ثم يعرض / للأرض المتزينة به آفة ، فيزول ذلك ~~الحسن بالكلية ، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى . فذكر هذا ~~المثال ليدل عل أن من قدر على ذلك ، كان قادرا على إعادة الأحياء في الآخرة ~~ليجازيهم على أعمالهم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . # المسألة الثانية : المثل : قول يشبه به حال الثاني بالأول ، ويجوز أن ~~يكون المراد من المثل الصفة . والتقدير : إنما صفة الحياة الدنيا . وأما ~~قوله : { وازينت } فقال الزجاج : يعني تزينت فأدغمت التاء في الزاي وسكنت ~~الزاي فاجتلب لها ألف الوصل ، وهذا مثل ما ذكرنا في قوله : { * ادارأتم } ( ~~البقرة : 72 ) { إذا اداركوا } ( الأعراف : 38 ) . # وأما قوله : { وظن أهلها أنهم قادرون عليها } فقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : يريد أن أهل تلك الأرض قادرون على حصادها وتحصيل ثمراتها . ~~والتحقيق أن الضمير وإن كان في الظاهر عائدا إلى الأرض ، إلا أنه عائد إلى ~~النبات الموجود في الأرض . وأما قوله : { أتاها أمرنا } فقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : يريد عذابنا . والتحقيق أن المعنى أتاها أمرنا بهلاكها ms4779 . ~~وقوله : { فجعلناها حصيدا } قال ابن عباس : لا شيء فيها ، وقال الضحاك : ~~يعني المحصود . وعلى هذا ، المراد بالحصيد الأرض التي حصد نبتها ، ويجوز أن ~~يكون المراد بالحصيد النبات ، قال أبو عبيدة : الحصيد المستأصل ، وقال غيره ~~: الحصيد المقطوع والمقلوع . وقوله : { كأن لم تغن بالامس } قال الليث : ~~يقال للشيء إذا فنى : كأن لم يغن بالأمس . أي كأن لم يكن من قولهم غني ~~القوم في دارهم ، إذا أقاموا بها ، وعلى هذا الوجه يكون هذا صفة للنبات . ~~وقال الزجاج : معناه : كأن لم تعمر بالأمس ، وعلى هذا الوجه فالمراد هو ~~الأرض ، وقوله : { كذالك نفصل الآيات } أي نذكر واحدة منها بعد الأخرى ، ~~على الترتيب . ليكون تواليها وكثرتها سببا لقوة اليقين ، وموجبا لزوال الشك ~~والشبهة : # ! 7 < { والله يدعوإلى دار السلام ويهدى من يشآء إلى صراط مستقيم } . > 7 ~~@QB@ < # | يونس : ( 25 ) والله يدعو إلى . . . . . # > > PageV17P060 # المسألة الأولى : في كيفية النظم . اعلم أنه تعالى لما نفر الغافلين عن ~~الميل إلى الدنيا بالمثل السابق ، رغبهم في الآخرة بهذه الآية . ووجه ~~الترغيب في الآخرة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( مثلي ~~ومثلكم شبه سيد بنى دارا ووضع مائدة وأرسل داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل ~~الدار وأكل من المائدة ورضي عنه السيد . ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم ~~يرض عنه السيد فالله السيد ، والدار دار الإسلام ، والمائدة الجنة ، ~~والداعي محمد عليه السلام . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما ~~من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنيبها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق / ~~إلا الثقلين . أيها الناس ؛ هلموا إلى ربكم والله يدعوا إلى دار السلام ) . # المسألة الثانية : لا شبهة أن المراد من دار السلام الجنة ، إلا أنهم ~~اختلفوا في السبب الذي لأجله حصل هذا الاسم على وجوه : الأول : أن السلام ~~هو الله تعالى ، والجنة داره . ويجب علينا ههنا بيان فائدة تسمية الله ~~تعالى بالسلام ، وفيه وجوه : أحدها : أنه لما كان واجب الوجود لذاته فقد ~~سلم من الفناء والتغير ، وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته إلى الافتقار إلى ~~الغير ms4780 ، وهذه الصفة ليست إلا له سبحانه كما قال : { والله الغنى وأنتم ~~الفقراء } ( محمد : 38 ) وقال : { خبير ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ~~} ( فاطر : 15 ) وثانيها : أنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أن الخلق سلموا من ~~ظلمه ، قال : { وما ربك بظلام للعبيد } ( فصلت : 46 ) ولأن كل ما سواه فهو ~~ملكه وملكه ، وتصرف الفاعل في ملك نفسه لا يكون ظلما . ولأن الظلم إنما ~~يصدر إما عن العاجز أو الجاهل أو المحتاج ، ولما كان الكل محالا على الله ~~تعالى ، كان الظلم محالا في حقه . وثالثها : قال المبرد : إنه تعالى يوصف ~~بالسلام بمعنى أنه ذو السلام ، أي الذي لا يقدر على السلام إلا هو ، ~~والسلام عبارة عن تخليص العاجزين عن المكاره والآفات . فالحق تعالى هو ~~الساتر لعيوب المعيوبين ، وهو المجيب لدعوة المضطرين ، وهو المنتصف ~~للمظلومين من الظالمين . قال المبرد : وعلى هذا التقدير : السلام مصدر سلم ~~. # القول الثاني : السلام جمع سلامة ، ومعنى دار السلام : الدار التي من ~~دخلها سلم من الآفات . فالسلام ههنا بمعنى السلامة ، كالرضاع بمعنى الرضاعة ~~. فإن الإنسان هناك سلم من كل الآفات ، كالموت والمرض والألم والمصائب ~~ونزعات الشيطان والكفر والبدعة والكد والتعب . # والقول الثالث : أنه سميت الجنة بدار السلام لأنه تعالى يسلم على أهلها ~~قال تعالى : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) والملائكة يسلمون عليهم ~~أيضا ، قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما ~~صبرتم } ( الرعد : 23 ، 24 ) وهم أيضا يحيي بعضهم بعضا بالسلام قال تعالى : ~~{ تحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) وأيضا فسلامهم يصل إلى السعداء من أهل ~~الدنيا ، قال تعالى : { وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب ~~اليمين } ( الواقعة : 90 / 91 ) . # المسألة الثالثة : اعلم أن كمال جود الله تعالى وكمال قدرته وكمال رحمته ~~بعباده معلوم ، فدعوته عبيده إلى دار السلام ، تدل على أن دار السلام قد ~~حصل فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، لأن العظيم إذا ~~استعظم شيئا ورغب فيه وبالغ في ذلك الترغيب ، دل ذلك على كمال حال ms4781 ذلك ~~الشيء / لا سيما وقد ملأ الله هذا الكتاب المقدس من وصف الجنة مثل قوله : { ~~فروح وريحان * وجنة * نعيم } ( الواقعة : 89 ) ونحن نذكر ههنا كلاما كليا ~~في تقرير هذا المطلوب ، فنقول : الإنسان إنما يسعى / في يومه لغده . ولكل ~~إنسان غدان ، غد في الدنيا وغد في الآخرة . فنقول : غد الآخرة خير من غد ~~الدنيا من وجوه PageV17P061 أربعة : أولها : أن الإنسان قد لا يدرك غد ~~الدنيا وبالضرورة يدرك غد الآخرة . وثانيها : أن بتقدير أن يدرك غد الدنيا ~~فلعله لا يمكنه أن ينتفع بما جمعه ، إما لأنه يضيع منه ذلك المال أو لأنه ~~يحصل في بدنه مرض يمنعه من الانتفاع به . أما غد الآخرة فكلما اكتسبه ~~الإنسان لأجل هذا اليوم ، فإنه لا بد وأن ينتفع به . وثالثها : أن بتقدير ~~أن يجد غد الدنيا ويقدر على أن ينتفع بماله ، إلا أن تلك المنافع مخلوطة ~~بالمضار والمتاعب ، لأن سعادات الدنيا غير خالصة عن الآفات ، بل هي ممزوجة ~~بالبليات ، والاستقراء يدل عليه . ولذلك قال عليه السلام : ( من طلب مالم ~~يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ) فقيل يا رسول الله وما هو ؟ قال : ( سرور يوم ~~بتمامه ) وأما منافع عز الآخرة فهي خالصة عن الغموم والهموم والأحزان سالمة ~~عن كل المنفرات . ورابعها : أن بتقدير أن يصل الإنسان إلى عز الدنيا وينتفع ~~بسببه ، وكان ذلك الانتفاع خاليا عن خلط الآفات ، إلا أنه لا بد وأن يكون ~~منقطعا . ومنافع الآخرة دائمة مبرأة عن الانقطاع ، فثبت أن سعادات الدنيا ~~مشوبة بهذه العيوب الأربعة ، وأن سعادات الآخرة سالمة عنها . فلهذا السبب ~~كانت الجنة دار السلام . # المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر والإيمان بقضاء ~~الله تعالى قالوا : إنه تعالى بين في هذه الآية أنه دعا جميع الخلق إلى دار ~~السلام ، ثم بين أنه ما هدى إلا بعضهم فهذه الهداية الخاصة يجب أن تكون ~~مغايرة لتلك الدعوة العامة ، ولا شك أيضا أن الأقدار والتمكين وإرسال الرسل ~~وإنزال الكتب أمور عامة ، فوجب أن تكون هذه الهداية الخاصة مغايرة لكل هذه ~~الأشياء ، وما ذاك ms4782 إلا ما ذكرناه من أنه تعالى خصه بالعلم والمعرفة دون ~~غيره . واعلم أن هذه الآية مشكلة على المعتزلة وما قدروا على إيراد الأسئلة ~~الكثيرة ، وحاصل ما ذكره القاضي في وجهين : الأول : أن يكون المراد ويهدي ~~الله من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ، بمعنى أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى ~~فإن الله يهديه إليها . والثاني : أن المراد من هذه الآية الألطاف . وأجاب ~~أصحابنا عن هذين الوجهين بحرف واحد ، وهو أن عندهم أنه يجب على الله فعل ~~هذه الهداية ، وما كان واجبا لا يكون معلقا بالمشيئة ، وهذا معلق بالمشيئة ~~، فامتنع حمله على ما ذكروه . # ! 7 < { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولائك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون } . > 7 ! # / < < # | يونس : ( 26 ) للذين أحسنوا الحسنى . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما دعا عباده إلى دار السلام ، ذكر السعادات التي ~~تحصل لهم فيها فقال : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } فيحتاج إلى تفسير هذه ~~الألفاظ الثلاثة . # أما اللفظ الأول : وهو قوله : { للذين أحسنوا } فقال ابن عباس : معناه : ~~للذين ذكروا كلمة لا إله إلا الله . وقال الأصم : معناه : للذين أحسنوا في ~~كل ما تعبدوا به ، ومعناه : أنهم أتوا بالمأمور به كما ينبغي ، واجتنبوا ~~المنهيات من الوجه الذي صارت منهيا عنها . # والقول الثاني : أقرب إلى الصواب لأن الدرجات العالية لا تحصل إلا لأهل ~~الطاعات . PageV17P062 # وأما اللفظ الثاني : وهو { الحسنى } فقال ابن الأنباري : الحسنى في اللغة ~~تأنيث الأحسن ، والعرب توقع هذه اللفظة على الحالة المحبوبة والخصلة ~~المرغوب فيها ، ولذلك لم تؤكد ، ولم تنعت بشيء ، وقال صاحب ( الكشاف ) : ~~المراد : المثوبة الحسنى . ونظير هذه الآية قوله : { هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان } ( الرحمن : 60 ) . # وأما اللفظ الثالث : وهو الزيادة . فنقول : هذه الكلمة مبهمة ، ولأجل هذا ~~اختلف الناس في تفسيرها ، وحاصل كلامهم يرجع إلى قولين : # القول الأول : أن المراد من منها رؤية الله سبحانه وتعالى . قالوا : ~~والدليل عليه النقل والعقل . # أما النقل : فالحديث الصحيح الوارد فيه ، وهو أن الحسنى هي الجنة ، ~~والزيادة هي النظر إلى الله سبحانه وتعالى . # وأما العقل : فهو أن ms4783 الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف ، فانصرف ~~إلى المعهود السابق ، وهو دار للسلام . والمعروف من المسلمين والمتقرر بين ~~أهل الإسلام من هذه اللفظة هو الجنة ، وما فيها من المنافع والتعظيم . وإذا ~~ثبت هذا ، وجب أن يكون المراد من الزيادة أمرا مغايرا لكل ما في الجنة من ~~المنافع والتعظيم ، وإلا لزم التكرار . وكل من قال بذلك قال : إنما هي رؤية ~~الله تعالى . فدل ذلك على أن المراد من هذه الزيادة : الرؤية . ومما يؤكد ~~هذا وجهان : الأول : أنه تعالى قال : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ~~} ( القيامة : 22 ، 23 ) فأثبت لأهل الجنة أمرين : أحدهما : نضرة الوجوه ~~والثاني : النظر إلى الله تعالى ، وآيات القرآن يفسر بعضها بعضا فوجب حمل ~~الحسنى ههنا على نضرة الوجوه ، وحمل الزيادة على رؤية الله تعالى . الثاني ~~: أنه تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم : { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما ~~وملكا كبيرا } ( الإنسان : 20 ) أثبت له النعيم ، ورأية الملك الكبير ، ~~فوجب ههنا حمل الحسنى والزيادة على هذين الأمرين . # / القول الثاني : أنه لا يجوز حمل هذه الزيادة على الرؤية . قالت ~~المعتزلة ويدل على ذلك وجوه : الأول : أن الدلائل العقلية دلت على أن رؤية ~~الله تعالى ممتنعة . والثاني : أن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه ~~، ورؤية الله تعالى ليست من جنس نعيم الجنة . الثالث : أن الخبر الذي ~~تمسكتم به في هذا الباب هو ما روي أن الزيادة ، هي النظر إلى وجه الله ~~تعالى ، وهذا الخبر يوجب التشبيه ، لأن النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى ~~جهة المرئي . وذلك يقتضي كون المرئي في الجهة ، لأن الوجه اسم للعضو ~~المخصوص ، وذلك أيضا يوجب التشبيه . فثبت أن هذا اللفظ لا يمكن حمله على ~~الرؤية ، فوجب حمله على شيء آخر ، وعند هذا قال الجبائي : الحسنى عبارة عن ~~الثواب المستحق ، والزيادة هي ما يزيده الله تعالى على هذا الثواب من ~~التفضل . قال : والذي يدل على صحته ، القرآن وأقوال المفسرين . # أما القرآن : فقوله تعالى : { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ( فاطر : ~~30 ) . # وأما أقوال المفسرين : فنقل ms4784 عن علي رضي الله عنه أنه قال : الزيادة غرفة ~~من لؤلؤة واحدة . وعن ابن عباس : أن الحسنى هي الحسنة ، والزيادة عشر ~~أمثالها وعن الحسن : عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وعن مجاهد : الزيادة ~~مغفرة الله ورضوانه . ورضوانه وعن يزيد بن سمرة : الزيادة أن تمر السحابة ~~بأهل الجنة PageV17P063 فتقول : ما تريدون أن أمطركم . فلا يريدون شيئا إلا ~~أمطرتهم . أجاب أصحابنا عن هذه الوجوه فقالوا : أما قولكم إن الدلائل ~~العقلية دلت على امتناع رؤية الله تعالى فهذا ممنوع ، لأنا بينا في كتب ~~الأصول أن تلك الدلائل في غاية الضعف ونهاية السخافة ، وإذا لم يوجد في ~~العقل ما يمنع من رؤية الله تعالى وجاءت الأخبار الصحيحة بإثبات الرؤية ، ~~وجب إجراؤها على ظواهرها . أما قوله الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد ~~عليه . فنقول : المزيد عليه ، إذا كان مقدرا بمقدار معين ، وجب أن تكون ~~الزيادة عليه مخالفة له . # مثال الأول : قول الرجل لغيره : أعطيتك عشرة أمداد من الحنطة وزيادة ، ~~فههنا يجب أن تكون تلك الزيادة من الحنطة . # ومثال الثاني : قوله أعطيتك الحنطة وزيادة ، فههنا يجب أن تكون تلك ~~الزيادة غير الحنطة ، والمذكور في هذه الآية لفظ { الحسنى } وهي الجنة ، ~~وهي مطلقة غير مقدرة بقدر معين ، فوجب أن تكون تلك الزيادة عليها شيئا ~~مغايرا لكل ما في الجنة . وأما قوله : الخبر المذكور في هذا الباب ، اشتمل ~~على لفظ النظر ، وعلى إثبات الوجه لله تعالى ، وكلاهما يوجبان التشبيه . ~~فنقول : هذا الخبر أفاد إثبات الرؤية ، وأفاد إثبات الجسمية . ثم قام ~~الدليل على أنه ليس بجسم ، ولم يقم الدليل على امتناع رأيته ، فوجب ترك ~~العمل بما قام الدليل على فساده فقط ، وأيضا فقد بينا أن لفظ هذه الآية / ~~يدل على أن الزيادة هي الرؤية من غير حاجة تنافي تقرير ذلك الخبر ، والله ~~أعلم . # واعلم أنه تعالى لما شرح ما يحصل لأهل الجنة من السعادات ، شرح بعد ذلك ~~الآفات التي صانهم الله بفضله عنها ، فقال : { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ~~} والمعنى : لا يغشاها قتر ، وهي غبرة فيها سواد { ولا ms4785 ذلة } ولا أثر هوان ~~ولا كسوف . # فالصفة الأولى : هي قوله تعالى : { وجوه يومئذ * عليها غبرة * ترهقها ~~قترة } ( عبس : 40 ) . # والصفة الثانية : هي قوله تعالى : { وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة } ( ~~الغاشية : 2 ، 3 ) والغرض من نفي هاتين الصفتين ، نفي أسباب الخوف والحزن ~~والذل عنهم ، ليعلم أن نعيمهم الذي ذكره الله تعالى خالص غير مشوب ~~بالمكروهات ، وإنه لا يجوز عليهم ما إذا حصل غير صفحة الوجه ، ويزيل ما ~~فيها من النضارة والطلاقة ، ثم بين أنهم خالدون في الجنة لا يخافون ~~الانقطاع . # واعلم أن علماء الأصول قالوا : الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ~~، فقوله : { والله يدعوا إلى * دار السلام } ( يونس : 25 ) يدل على غاية ~~التعظيم . وقوله : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } يدل على حصول المنفعة ~~وقوله : { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } يدل على كونها خالصة وقوله : { ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } إشارة إلى كونها دائمة آمنة من ~~الانقطاع والله أعلم . # ! 7 < { والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من ~~الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من اليل مظلما أولائك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 27 ) والذين كسبوا السيئات . . . . . # > > PageV17P064 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه كما شرح حال المسلمين في الآية المتقدمة ، شرح ~~حال من أقدم على السيئات في هذه الآية ، وذكر تعالى من أحوالهم أمورا أربعة ~~أولها : قوله : { جزاء سيئة بمثلها } والمقصود من هذا القيد التنبيه على ~~الفرق بين الحسنات وبين السيئات ، لأنه تعالى ذكر في أعمال البر أنه يوصل ~~إلى المشتغلين بها الثواب مع الزيادة وأما في عمل السيئات ، فإنه تعالى ذكر ~~أنه لا يجازي / إلا بالمثل ، والفرق هو أن الزيادة على الثواب تكون تفضلا ~~وذلك حسن ، ويكون فيه تأكيد للترغيب في الطاعة ، وأما الزيادة على قدر ~~الاستحقاق في عمل السيئات ، فهو ظلم ، ولو فعله لبطل الوعد والوعيد ~~والترهيب والتحذير ، لأن الثقة بذلك إنما تحصل إذا ثبتت حكمته ، ولو فعل ~~الظلم لبطلت حكمته . تعالى الله عن ذلك ، هكذا قرره القاضي تفريعا على ~~مذهبه . وثانيها ms4786 : قوله : { وترهقهم ذلة } وذلك كناية عن الهوان والتحقير ، ~~واعلم أن الكمال محبوب لذاته ، والنقصان مكروه لذاته ، فالإنسان الناقص إذا ~~مات بقيت روحه ناقصة خالية عن الكمالات ، فيكون شعوره بكونه ناقصا ، سببا ~~لحصول الذلة والمهانة والخزي والنكال . وثالثها : قوله : { ما لهم من الله ~~من عاصم } واعلم أنه لا عاصم من الله لا في الدنيا ولا في الآخرة ، فإن ~~قضاءه محيط بجميع الكائنات ، وقدره نافذ في كل المحدثات إلا أن الغالب على ~~الطباع العاصية ، أنهم في الحياة العاجلة مشتغلون بأعمالهم ومراداتهم . أما ~~بعد الموت فكل أحد يقر بأنه ليس له من الله من عاصم . ورابعها : قوله : { ~~والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم } والمراد من هذا الكلام ~~إثبات ما نفاه عن السعداء حيث قال : { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } ( ~~يونس : 26 ) . # واعلم أن حكماء الإسلام قالوا : المراد من هذا السواد المذكور ههنا سواد ~~الجهل وظلمة الضلالة ، فإن العلم طبعه طبع النور ، والجهل طبعه طبع الظلمة ~~، فقوله : { وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة } المراد منه نور العلم ، ~~وروحه وبشره وبشارته ، وقوله : { ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة } ~~المراد منه ظلمة الجهل وكدورة الضلالة . # المسألة الثانية : قوله : { والذين كسبوا السيئات } فيه وجهان : أحدهما : ~~أن يكون معطوفا على قوله : { للذين أحسنوا } ( آل عمران : 172 ) كأنه قيل : ~~للذين أحسنوا الحسنى وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها والثاني : أن ~~يكون التقدير وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها . على معنى أن ~~جزاءهم أن يجازي سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها ، وهذا يدل على أن ~~حكم الله في حق المحسنين ليس إلا بالفضل ، وفي حق المسيئين ليس إلا بالعدل ~~. # المسألة الثالثة : قال بعضهم : المراد بقوله : { والذين كسبوا السيئات } ~~الكفار واحتجوا عليه بأن سواد الوجه من علامات الكفر ، بدليل قوله تعالى : ~~{ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } ( آل عمران : 106 ) وكذلك ~~قوله : { وجوه يومئذ * عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة ~~} ولأنه تعالى قال بعد هذه الآية { ويوم نحشرهم جميعا } ( الأنعام : 22 ) ~~والضمير في قوله : { هم ms4787 } عائد إلى هؤلاء ، ثم إنه تعالى وصفهم PageV17P065 ~~بالشرك ، وذلك يدل على أن هؤلاء هم الكفار ، ولأن العلم نور وسلطان العلوم ~~والمعارف / هو معرفة الله تعالى ، فكل قلب حصل فيه معرفة الله تعالى لم ~~يحصل فيه الظلمة أصلا ، وكان الشبلي رحمة الله تعالى عليه يتمثل بهذا ويقول ~~: # % كل بيت أنت ساكنه % % غير محتاج إلى السرج % # % وجهك المأمول حجتنا % % يوم يأتي الناس بالحجج % # وقال القاضي : إن قوله : { والذين كسبوا السيئات } عام يتناول الكافر ~~والفاسق . إلا أنا نقول : الصيغة وإن كانت عامة إلا أن الدلائل التي ~~ذكرناها تخصصه : # المسألة الرابعة : قال الفراء : في قوله : { جزاء سيئة بمثلها } وجهان : ~~الأول : أن يكون التقدير : فلهم جزاء السيئة بمثلها ، كما قال : { ففدية من ~~صيام } ( البقرة : 196 ) أي فعليه . والثاني : أن يعلق الجزاء بالباء في ~~قوله : { بمثلها } قال ابن الأنباري : وعلى هذا التقدير الثاني فلا بد من ~~عائد الموصول . والتقدير : فجزاء سيئة منهم بمثلها . # أما قوله : { وترهقهم ذلة } فهو معطوف على يجازي ، لأن قوله : { جزاء ~~سيئة بمثلها } تقديره : يجازي سيئة بمثلها ، وقرىء { ولا ذلة } بالياء . # أما قوله تعالى : { والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم } ~~ففيه مسائل : # المسألة الأولى : { أغشيت } أي ألبست { وجوههم قطعا } قرأ ابن كثير ~~والكسائي { قطعا } بسكون الطاء ، وقرأ الباقون بفتح الطاء ، والقطع بسكون ~~القطعة . وهي البعض ، ومنه قوله تعالى { قالوا يالوط إنا رسل ربك } ( هود : ~~81 ) أي قطعة . وأما قطع بفتح الطاء ، فهو جمع قطعة ، ومعنى الآية : وصف ~~وجوههم بالسواد ، حتى كأنها ألبست سوادا من الليل ، كقوله تعالى : { ترى ~~الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } ( الزمر : 60 ) وكقوله : { فأما الذين ~~اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } ( آل عمران : 106 ) وكقوله : { يعرف ~~المجرمون بسيماهم } ( الرحمن : 41 ) وتلك العلامة هي سواد الوجه وزرقة ~~العين . # المسألة الثانية : قوله : { مظلما } قال الفراء والزجاج : هو نعت لقوله : ~~{ قطعا } وقال أبو علي الفارسي : ويجوز أن يجعل حالا كأنه قيل : أغشيت ~~وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته . # ! 7 < { ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركآؤكم ~~فزيلنا بينهم ms4788 وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا تعبدون * فكفى بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 28 - 29 ) ويوم نحشرهم جميعا . . . . . # > > PageV17P066 # / وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا نوع آخر من شرح فضائح أولئك الكفار ، ~~فالضمير في قوله { ويوم نحشرهم } عائد إلى المذكور السابق ، وذلك هو قوله : ~~{ والذين كسبوا السيئات } ( يونس : 27 ) فلما وصف الله هؤلاء الذين يحشرهم ~~بالشرك والكفر ، دل على أن المراد من قوله : { والذين كسبوا السيئات } ~~الكفار ، وحاصل الكلام : أنه تعالى يحشر العابد والمعبود ، ثم إن المعبود ~~يتبرأ من العابد ، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته ، والمقصود منه ~~أن القوم كانوا يقولون : { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 180 ) فبين ~~الله تعالى أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار ، بل يتبرؤن منهم ، وذلك يدل على ~~نهاية الخزي والنكال في حق هؤلاء الكفار ، ونظيره آيات منها قوله تعالى : { ~~إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ( البقرة : 166 ) ومنها قوله تعالى ~~: { ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا ~~من دونهم بل كانوا يعبدون الجن } ( سبأ : 40 / 41 ) . # واعلم أن هذا الكلام يشير على سبيل الرمز إلى دقيقة عقلية ، وهي أن ما ~~سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته ، والممكن لذاته محتاج بحسب ماهيته ، ~~والشيء الواحد يمتنع أن يكون قابلا وفاعلا معا ، فما سوى الواحد لأحد الحق ~~لا تأثير له في الإيجاد والتكوين ، فالممكن المحدث لا يليق به أن يكون ~~معبودا لغيره ، بل المعبود الحق ليس إلا الموجد الحق ، وذلك ليس إلا ~~الموجود الحق الذي هو واجب الوجود لذاته ، فبراءة المعبود من العابدين ، ~~يحتمل أن يكون المراد منه ما ذكرناه . والله أعلم بمراده . # المسألة الثانية : { الحشر } الجمع من كل جانب إلى موقف واحد و { جميعا } ~~نصب على الحال أي نحشر الكل حال اجتماعهم . و { مكانكم } منصوب بإضمار ~~الزموا . والتقدير : الزموا مكانكم و { أنتم } تأكيد للضمير { وشركاؤكم } ~~عطف عليه . واعلم أن قوله : { مكانكم } كلمة مختصة بالتهديد والوعيد ~~والمراد أنه تعالى يقول للعابدين والمعبودين مكانكم أي الزموا مكانكم ms4789 حتى ~~تسألوا ، ونظيره قوله تعالى : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم * وقفوهم إنهم } ( الصافات : ~~22 24 ) . # أما قوله : { وشركاؤكم فزيلنا بينهم } ففيه بحثان : # / البحث الأول : أن هذه الكلمة جاءت على لفظ المضي بعد قوله : { ثم نقول ~~} وهو منتظر ، والسبب فيه أن الذي حكم الله فيه ، بأن سيكون صار كالكائن ~~الراهن الآن ، ونظيره قوله تعالى : { ونادى أصحاب الجنة } ( الأعراف : 44 ) ~~. # البحث الثاني : زيلنا فرقنا وميزنا . قال الفراء : قوله : { فزيلنا } ليس ~~من أزلت ، إنما هو من زلت إذا فرقت . تقول العرب : زلت الضأن من المعز فلم ~~تزل . أي ميزتها فلم تتميز ، ثم قال الواحدي : فالزيل والتزييل والمزايلة ، ~~والتمييز والتفريق . قال الواحدي : وقرىء { ليحكم بينهم } وهو مثل { فزيلنا ~~} وحكى الواحدي عن ابن قتيبة أنه قال في هذه الآية : هو من زال يزول وأزلته ~~أنا ، ثم حكى عن الأزهري أنه قال : هذا غلط ، لأنه لم يميز بين زال يزول ، ~~وبين زال يزيل ، وبينهما بون بعيد ، والقول ما قاله الفراء ، ثم قال ~~المفسرون : { فزيلنا } أي فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة ~~والأصنام ، وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا . PageV17P067 # وأما قوله : { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } ففيه مباحث : # البحث الأول : إنما أضاف الشركاء إليهم لوجوه : الأول : أنهم جعلوا نصيبا ~~من أموالهم لتلك الأصنام ، فصيروها شركاء لأنفسهم في تلك الأموال ، فلهذا ~~قال تعالى : { وقال شركاؤهم } الثاني : أنه يكفي في الإضافة أدنى تعلق ، ~~فلما كان الكفار هم الذين أثبتوا هذه الشركة ، لا جرم حسنت إضافة الشركاء ~~إليهم . الثالث : أنه تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله : { مكانكم ~~} صاروا شركاء في هذا الخطاب . # البحث الثاني : اختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء . فقال بعضهم : هم ~~الملائكة ، واستشهدوا بقوله تعالى : { يوم * نحشرهم جميعا ثم * يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } ( سبأ : 40 ) ومنهم من قال : بل هي ~~الأصنام ، والدليل عليه : أن هذا الخطاب مشتمل على التهديد والوعيد ، وذلك ~~لا يليق بالملائكة المقربين ، ثم اختلفوا في أن هذه الأصنام كيف ذكرت هذا ms4790 ~~الكلام . فقال بعضهم : إن الله تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق فيها ، فلا ~~جرم قدرت على ذكر هذا الكلام . وقال آخرون إنه تعالى يخلق فيها الكلام من ~~غير أن يخلق فيها الحياة حتى يسمع منها ذلك الكلام ، وهو ضعيف ، لأن ظاهر ~~قوله : { وقال شركاؤهم } يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هم الشركاء . # فإن قيل : إذا أحياهم الله تعالى فهل يبقيهم أو يفنيهم ؟ # قلنا : الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله ، وأحوال ~~القيامة غير معلومة ، إلا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن . # / والقول الثالث : إن المراد بهؤلاء الشركاء ، كل من عبد من دون الله ~~تعالى ، من صنم وشمس وقمر وأنسي وجني وملك . # البحث الثالث : هذا الخطاب لا شك أنه تهديد في حق العابدين ، فهل يكون ~~تهديدا في حق المعبودين . أما المعتزلة : فإنهم قطعوا بأن ذلك لا يجوز . ~~قالوا : لأنه لا ذنب للمعبود ، ومن لا ذنب له ، فإنه يقبح من الله تعالى أن ~~يوجه التخويف والتهديد والوعيد إليه . وأما أصحابنا ، فإنهم قالوا إنه ~~تعالى لا يسئل عما يفعل . # البحث الرابع : أن الشركاء قالوا : { ما كنتم إيانا تعبدون } وهم كانوا ~~قد عبدوهم ، فكان هذا كذبا ، وقد ذكرنا في سورة الأنعام اختلاف الناس في أن ~~أهل القيامة هل يكذبون أم لا ، وقد تقدمت هذه المسألة على الاستقصاء ، ~~والذي نذكره ههنا ، أن منهم من قال : إن المراد من قولهم { ما كنتم إيانا ~~تعبدون } هو أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا ؟ قالوا : والدليل على أن ~~المراد ما ذكرناه وجهان : الأول : أنهم استشهدوا بالله في ذلك حيث قالوا : ~~{ فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم } والثاني : أنهم قالوا : { إن كنا عن ~~عبادتكم لغافلين } فأثبتوا لهم عبادة ، إلا أنهم زعموا أنهم كانوا غافلين ~~عن تلك العبادة ، وقد صدقوا في ذلك ، لأن من أعظم أسباب الغفلة كونها ~~جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور ألبتة . ومن الناس من أجرى الآية على ~~ظاهرها . وقالوا : إن الشركاء أخبروا أن الكفار ما عبدوها ، ثم ذكروا فيه ~~وجوها : الأول : أن ذلك الموقف ms4791 موقف الدهشة والحيرة ، فذلك الكذب يكون ~~جاريا مجرى كذب الصبيان ، ومجرى كذب PageV17P068 المجانين والمدهوشين . ~~والثاني : أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا وجعلوها لبطلانها كالعدم / ~~ولهذا المعنى قالوا : إنهم ما عبدونا . والثالث : أنهم تخيلوا في الأصنام ~~التي عبدوها صفات كثيرة ، فهم في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك ~~الصفات ، ولما كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات ، فهم ما عبدوها وإنما ~~عبدوا أمورا تخيلوها ولا وجود لها في الأعيان ، وتلك الصفات التي تخيلوها ~~في أصنامهم أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله بغير إذنه . # ! 7 < { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون } . > 7 ! # / < < # | يونس : ( 30 ) هنالك تبلو كل . . . . . # > > واعلم أن هذه الآية كالتتمة لما قبلها . وقوله : { هنالك } معناه : ~~في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو يكون المراد في ذلك الوقت على استعارة اسم ~~المكان للزمان ، وفي قوله : { تبلوا } مباحث : # البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي { تتلوا } بتاءين ، وقرأ عاصم { تكسب كل ~~نفس } بالنون ونصب كل والباقون { تبلوا } بالتاء والباء . أما قراءة حمزة ~~والكسائي فلها وجهان : الأول : أن يكون معنى قوله : { تتلوا } أي تتبع ما ~~أسلفت ، لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة وإلى طريق النار . الثاني : ~~أن يكون المعنى : أن كل نفس تقرأ ما في صحيفتها من خير أو شر ومنه قوله ~~تعالى : { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } ( الإسراء : 14 ) وقال ~~: { فأولئك * يقرءون كتابهم } ( الإسراء : 71 ) وأما قراءة عاصم فمعناها : ~~أن الله تعالى يقول في ذلك الوقت نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفت من ~~العمل ، والمعنى : أنا نعرف حالها بمعرفة حال عملها ، إن كان حسنا فهي ~~سعيدة ، وإن كان قبيحا فهي شقية ، والمعنى نفعل بها فعل المختبر ، كقوله ~~تعالى : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ( الملك : 2 ) وأما القراءة المشهورة ~~فمعناها : أن كل نفس نختبر أعمالها في ذلك الوقت . # البحث الثاني : الابتلاء عبارة عن الاختبار قال تعالى : { وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات } ( الأعراف : 168 ) ويقال : البلاء ثم الابتلاء أي ~~الاختبار ينبغي أن يكون قبل الابتلاء ms4792 . # ولقائل أن يقول : إن في ذلك الوقت تنكشف نتائج الأعمال وتظهر آثار ~~الأفعال ، فكيف يجوز تسمية حدوث العلم بالابتلاء ؟ # وجوابه : أن الابتلاء سبب لحدوث العلم ، وإطلاق اسم السبب على المسبب ~~مجاز مشهور . # وأما قوله : { وردوا إلى الله مولاهم الحق } فاعلم أن الرد عبارة عن صرف ~~الشيء إلى الموضع الذي جاء منه ، وههنا فيه احتمالات : الأول : أن يكون ~~المراد من قوله : { وردوا إلى الله } أي وردوا إلى حيث لا حكم إلا لله على ~~ما تقدم من نظائره . والثاني : أن يكون المراد { وردوا } إلى ما يظهر لهم ~~من الله من ثواب وعقاب ، منبها بذلك على أن حكم الله بالثواب والعقاب لا ~~يتغير . الثالث : أن يكون المراد من قوله : { وردوا إلى الله } أي جعلوا ~~ملجئين إلى الإقرار بإلهيته ، بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غير الله ~~تعالى ، ولذلك قال : PageV17P069 { مولاهم الحق } أعني أعرضوا عن المولى ~~الباطل ورجعوا إلى المولى الحق . # وأما قوله : { مولاهم الحق } فقد مر تفسيره في سورة الأنعام . # وأما قوله : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } فالمراد أنهم كانوا يدعون فيما ~~يعبدونه أنهم شفعاء وأن عبادتهم مقربة إلى الله تعالى ، فنبه تعالى على أن ~~ذلك يزول في الآخرة ، ويعلمون أن ذلك باطل وافتراء واختلاق . # ! 7 < { قل من يرزقكم من السمآء والا رض أمن يملك السمع والا بصار ومن ~~يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ومن يدبر الا مر فسيقولون الله فقل ~~أفلا تتقون * فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ~~* كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون } . > 7 ! # / < < # | يونس : ( 31 - 33 ) قل من يرزقكم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين فضائح عبدة الأوثان أتبعها بذكر الدلائل ~~الدالة على فساد هذا المذهب . # فالحجة الأولى : ما ذكره في هذه الآية وهو أحوال الرزق وأحوال الحواس ~~وأحوال الموت والحياة . أما الرزق فإنه إنما يحصل من السماء والأرض ، أما ~~من السماء فبنزول الأمطار الموافقة وأما من الأرض ، فلأن الغذاء إما أن ~~يكون نباتا أو حيوانا ، أما النبات فلا ms4793 ينبت إلا من الأرض وأما الحيوان فهو ~~محتاج أيضا إلى الغذاء . ولا يمكن أن يكون غذاء كل حيوان حيوانا آخر وإلا ~~لزم الذهاب إلى ما لا نهاية له وذلك محال ، فثبت أن أغذية الحيوانات يجب ~~انتهاؤها إلى النبات وثبت أن تولد النبات من الأرض ، فلزم القطع بأن ~~الأرزاق لا تحصل إلا من السماء والأرض ، ومعلوم أن مدبر السموات والأرضين ~~ليس إلا الله سبحانه وتعالى ، فثبت أن الرزق ليس إلا من الله تعالى ، وأما ~~أحوال الحواس فكذلك ، لأن أشرفها السمع والبصر وكان علي رضي الله عنه يقول ~~: سبحان من بصر بشحم ، وأسمع بعظم ، وأنطق بلحم ، وأما أحوال الموت والحياة ~~فهو قوله : { ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى } وفيه وجهان : ~~الأول : أنه يخرج الإنسان والطائر من النطفة والبيضة { ويخرج الميت من الحى ~~} أي يخرج النطفة والبيضة من الإنسان والطائر . والثاني : أن المراد منه ~~أنه يخرج المؤمن من الكافر ، والكافر / من المؤمن ، والأكثرون على القول ~~الأول ، وهو إلى الحقيقة أقرب ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا التفصيل ذكر بعده ~~كلاما كليا ، وهو قوله : { ومن يدبر الامر } وذلك لأن أقسام تدبير الله ~~تعالى في العالم العلوي وفي العالم السفلي وفي عالمي الأرواح والأجساد أمور ~~لا نهاية لها ، وذكر كلها كالمتعذر ، فلما ذكر بعض تلك التفاصيل لا جرم ~~عقبها بالكلام الكلي ليدل على الباقي ثم بين تعالى أن الرسول عليه السلام ، ~~إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال فسيقولون إنه الله سبحانه PageV17P070 ~~وتعالى ، وهذا يدل على أن المخاطبين بهذا الكلام كانوا يعرفون الله ويقرون ~~به ، وهم الذين قالوا في عبادتهم للأصنام إنها تقربنا إلى الله زلفى وإنهم ~~شفعاؤنا عند الله وكانوا يعلمون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر ، فعند ذلك ~~قال لرسوله عليه السلام : { فقل أفلا تتقون } يعني أفلا تتقون أن تجعلوا ~~هذه الأوثان شركاء لله في المعبودية ، مع اعترافكم بأن كل الخيرات في ~~الدنيا والآخرة إنما تحصل من رحمة الله وإحسانه ، واعترافكم بأن هذه ~~الأوثان لا تنفع ولا تضر ألبتة . # ثم ms4794 قال تعالى : { فذلكم الله ربكم } ومعناه أن من هذه قدرته ورحمته هو { ~~ربكم الحق } الثابت ربوبيته ثباتا لا ريب فيه ، وإذا ثبت أن هذا هو الحق ، ~~وجب أن يكون ما سواه ضلالا ، لأن النقيضين يمتنع أن يكونا حقين وأن يكونا ~~باطلين ، فإذا كان أحدهما حقا وجب أن يكون ما سواه باطلا . # ثم قال : { فأنى تصرفون } والمعنى أنكم لما عرفتم هذا الأمر الواضح ~~الظاهر { فأنى تصرفون } وكيف تستجيزون العدول عن هذا الحق الظاهر / واعلم ~~أن الجبائي قد استدل بهذه الآية وقال : هذا يدل على بطلان قول المجبرة أنه ~~تعالى يصرف الكفار عن الإيمان ، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يقول : { فأنى ~~تصرفون } كما لا يقول إذا أعمى بصر أحدهم إني عميت ، واعلم أن الجواب عنه ~~سيأتي عن قريب . # أما قوله : { كذلك حقت * كلمت ربك * على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون } ~~ففيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله تعالى ~~وإرادته ، وتقريره أنه تعالى أخبر عنهم خبرا جزما قطعا أنهم لا يؤمنون ، ~~فلو آمنوا لكان إما أن يبقى ذلك الخبر صدقا أو لا يبقى ، والأول باطل ، لأن ~~الخبر بأنه لا يؤمن يمتنع أن يبقى صدقا حال ما يوجد الإيمان منه والثاني ~~أيضا باطل ، لأن انقلاب خبر الله تعالى كذبا محال فثبت أن صدور الإيمان ~~منهم محال . والمحال لا يكون مرادا ، فثبت أنه تعالى ما أراد الإيمان من ~~هذا الكافر وأنه أراد الكفر منه ، ثم نقول : إن كان قوله : { فأنى تصرفون } ~~يدل على صحة مذهب القدرية ، فهذه الآية الموضوعة بجنبه / تدل على فساده ، ~~وقد كان من الواجب على الجبائي مع قوة خاطره حين استدل بتلك الآية على صحة ~~قوله أن يذكر هذه الحجة ويجيب عنها حتى يحصل مقصوده . # المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر { كلمات * ربك } على الجمع وبعده { ~~إن الذين حقت عليهم * كلمات * ربك } ( يونس : 96 ) وفي حم المؤمن { كذلك ~~حقت * كلمات } ( غافر : 6 ) كله بالألف على الجمع والباقون { كلمت ربك } في ~~جميع ذلك على لفظ ms4795 الوحدان . # المسألة الثالثة : الكاف في قوله : { كذالك } للتشبيه ، وفيه قولان : ~~الأول : أنه كما ثبت وحق أنه ليس بعد الحق إلا الضلال كذلك حقت كلمة ربك ~~بأنهم لا يؤمنون . الثاني : كما حق صدور العصيان منهم ، كذلك حقت كلمة ~~العذاب عليهم . # المسألة الرابعة : { أنهم لا يؤمنون } بدل من { كلمات } أي حق عليهم ~~انتفاء الإيمان . # المسألة الخامسة : المراد من كلمة الله إما إخباره عن ذلك وخبره صدق لا ~~يقبل التغير والزوال ، أو علمه بذلك ، وعلمه لا يقبل التغير والجهل . وقال ~~بعض المحققين : علم الله تعلق بأنه لا يؤمن وخبره PageV17P071 تعالى تعلق ~~بأنه لا يؤمن ، وقدرته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه ، بل بخلق الكفر فيه ~~وإرادته لم تتعلق بخلق الإيمان فيه ، بل بخلق الكفر فيه ، وأثبت ذلك في ~~اللوح المحفوظ ، وأشهد عليه ملائكته ، وأنزله على أنبيائه وأشهدهم عليه ، ~~فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء ، فينقلب علمه جهلا ، وخبره الصدق كذبا ~~، وقدرته عجزا ، وإرادته كرها ، وإشهاده باطلا ، وإخبار الملائكة والأنبياء ~~كذبا ، وكل ذلك محال . # ! 7 < { قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده فأنى تؤفكون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 34 ) قل هل من . . . . . # > > اعلم أن هذا هو الحجة الثانية ، وتقريرها ما شرح الله تعالى في سائر ~~الآيات من كيفية ابتداء تخليق الإنسان من النطفة والعلقة والمضغة وكيفية ~~إعادته ، ومن كيفية ابتداء تخليق السموات والأرض ، فلما فصل هذه المقامات ، ~~لا جرم اكتفى تعالى بذكرها ههنا على سبيل الإجمال ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر هذه الحجة على سبيل السؤال والاستفهام ~~. # / والجواب : أن الكلام إذا كان ظاهرا جليا ثم ذكر على سبيل الاستفهام ~~وتفويض الجواب إلى المسؤول ، كان ذلك أبلغ وأوقع في القلب . # السؤال الثاني : القوم كانوا منكرين الإعادة والحشر والنشر فكيف احتج ~~عليهم بذلك ؟ # والجواب : أنه تعالى قدم في هذه السورة ذكر ما يدل عليه ، وهو وجوب ~~التمييز بين المحسن وبين المسيء وهذه الدلالة ظاهرة قوية لا يتمكن العاقل ~~من دفعها ، فلأجل كمال قوتها وظهورها تمسك به سواء ساعد ms4796 الخصم عليه أو لم ~~يساعد . # السؤال الثالث : لم أمر رسوله بأن يعترف بذلك ، والإلزام إنما يحصل لو ~~اعترف الخصم به ؟ # والجواب : أن الدليل لما كان ظاهرا جليا ، فإذا أورد على الخصم في معرض ~~الاستفهام ، ثم إنه بنفسه يقول الأمر كذلك ، كان هذا تنبيها على أن هذا ~~الكلام بلغ في الوضوح إلى حيث لا حاجة فيه إلى إقرار الخصم به ، وأنه سواء ~~أقر أو أنكر ، فالأمر متقرر ظاهر . # أما قوله : { فأنى تؤفكون } فالمراد التعجب منهم في الذهاب عن هذا الأمر ~~الواضح الذي دعاهم الهوى والتقليد أو الشبهة الضعيفة إلى مخالفته ، لأن ~~الإخبار عن كون الأوثان آلهة كذب وإفك ، والاشتغال بعبادتها مع أنها لا ~~تستحق هذه العبادة يشبه الإفك . # ! 7 < { قل هل من شركآئكم من يهدىإلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن ~~يهدىإلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدىإلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون * وما ~~يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون ~~} . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 35 - 36 ) قل هل من . . . . . # > > PageV17P072 # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الحجة الثالثة ، واعلم أن الاستدلال على ~~وجود الصانع بالخلق أولا ، ثم بالهداية ثانيا ، عادة مطردة في القرآن ، ~~فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك / فقال : { الذى خلقنى فهو ~~يهدين } ( الشعراء : 78 ) وعن موسى عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال : ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وأمر محمدا صلى الله عليه وسلم فقال : { سبح ~~اسم ربك الاعلى * الذى خلق فسوى * والذى قدر فهدى } ( الأعلى : 1 3 ) وهو ~~في الحقيقة دليل شريف ، لأن الإنسان له جسد وله روح ، فالاستدلال على وجود ~~الصانع بأحوال الجسد هو الخلق ، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا ~~أيضا لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى ، وهو قوله : { أم من * يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } ( النمل : 64 ) أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية . # واعلم أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح ، كما قال تعالى : { ~~والله أخرجكم من ms4797 بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار ~~والافئدة لعلكم تشكرون } ( الحل : 78 ) وهذا كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق ~~الجسد ، وإنما أعطى الحواس لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم ، وأيضا ~~فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم أو ~~لمس شيء من الكيفيات الملموسة ، أما الأحوال الروحانية والمعارف الإلهية ، ~~فإنها كمالات باقية أبد الآباد مصونة عن الكون والفساد ، فعلمنا أن الخلق ~~تبع للهداية ، والمقصود الأشرف الأعلى حصول الهداية . # إذا ثبت هذا فنقول : العقول مضطربة والحق صعب ، والأفكار مختلطة ، ولم ~~يسلم من الغلط إلا الأقلون ، فوجب أن الهداية وإدراك الحق لا يكون إلا ~~بإعانة الله سبحانه وتعالى وهدايته وإرشاده ، ولصعوبة هذا الأمر قال الكليم ~~عليه السلام بعد استماع الكلام القديم { رب اشرح لى صدرى } ( طه : 25 ) وكل ~~الخلق يطلبون الهداية ويحترزون عن الضلالة ، مع أن الأكثرين وقعوا في ~~الضلالة ، وكل ذلك يدل على أن حصول الهداية والعلم والمعرفة ليس إلا من ~~الله تعالى . # إذا عرفت هذا فنقول : الهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق ، ~~وإما أن تكون عبارة عن تحصيل تلك المعرفة وعلى التقديرين فقد دللنا على ~~أنها أشرف المراتب البشرية وأعلى السعادات الحقيقية ، ودللنا على أنها ليست ~~إلا من الله تعالى . وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى ~~الحق ولا في الإرشاد إلى الصدق ، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع ~~الخيرات في الدنيا والآخرة ، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد ، ~~وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك ، وإذا كان كذلك كان الاشتغال ~~بعبادتها جهلا محضا وسفها صرفا ، فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال . # المسألة الثانية : قال الزجاج : يقال هديت إلى الحق ، وهديت للحق بمعنى ~~واحد ، والله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله : { قل الله يهدى للحق أفمن ~~يهدى إلى الحق } . PageV17P073 # / المسألة الثالثة : في قوله : { أم من * لا يهدى } ست قراءات : الأول : ~~قرأ ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع { يهدى } بفتح الياء والهاء وتشديد ~~الدال ، وهو اختيار ms4798 أبي عبيدة وأبي حاتم ، لأن أصله يهتدي أدغمت التاء في ~~الدال ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء . الثانية : قرأ نافع ساكنة ~~الهاء مشددة الدال أدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على حالها ، فجمع في ~~قراءته بين ساكنين كما جمعوا في { يخصمون } ( يس : 49 ) قال علي بن عيسى ~~وهو غلط على نافع . الثالثة : قرأ أبو عمرو بالإشارة إلى فتحة الهاء من غير ~~إشباع فهو بين الفتح والجزم مختلسة على أصل مذهبه اختيارا للتخفيف ، وذكر ~~علي بن عيسى أنه الصحيح من قراءة نافع . الرابعة : قرأ عاصم بفتح الياء ~~وكسر الهاء وتشديد الدال فرارا من التقاء الساكنين ، والجزم يحرك بالكسر . ~~الخامسة : قرأ حماد ويحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء ~~أتبع الكسرة للكسرة . وقيل : هو لغة من قرأ { نستعين } السادسة : قرأ حمزة ~~والكسائي { من يهدى } ساكنة الهاء وبتخفيف الدال على معنى يهتدي والعرب ~~تقول : يهدي ، بمعنى يهتدي يقال : هديته فهدى أي اهتدى . # المسألة الرابعة : في لفظ الآية إشكال ، وهو أن المراد من الشركاء في هذه ~~الآية الأصنام وأنها جمادات لا تقبل الهداية ، فقوله : { أم من * لا يهدى ~~إلا أن * يهدى } لا يليق بها . # والجواب من وجوه : الأول : لا يبعد أن يكون المراد من قوله : { قل هل من ~~شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده } هو الأصنام . والمراد من قوله : { قل هل ~~من شركائكم من يهدى إلى الحق } رؤساء الكفر والضلالة والدعاة إليها . ~~والدليل عليه قوله سبحانه : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~} إلى قوله : { لا إلاه إلا هو سبحانه عما يشركون } ( التوبة : 31 ) ~~والمراد أن الله سبحانه وتعالى هدى الخلق إلى الدين الحق بواسطة ما أظهر من ~~الدلائل العقلية والنقلية . وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون ~~على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله تعالى ، فكان التمسك بدين الله ~~تعالى أولى من قبول قول هؤلاء الجهال . # الوجه الثاني : في الجواب أن يقال : إن القوم لما اتخذوها آلهة ، لا جرم ~~عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويعقل ، ألا ترى ms4799 أنه تعالى قال : { إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم } ( الأعراف : 194 ) مع أنها جمادات وقال : ~~{ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم } ( فاطر : 14 ) فأجرى اللفظ على الأوثان على ~~حسب ما يجري على من يعقل ويعلم فكذا ههنا وصفهم الله تعالى بصفة من يعقل ، ~~وإن لم يكن الأمر كذلك ، الثالث : أنا نحمل ذلك على التقدير ، يعني أنها لو ~~كانت بحيث يمكنها أن تهدي ، فإنها لا تهدي غيرها إلا بعد أن يهديها غيرها ، ~~وإذا حملنا الكلام على هذا التقدير فقد زال السؤال . الرابع : أن البنية ~~عندنا ليست شرطا / لصحة الحياة والعقل ، فتلك الأصنام حال كونها خشبا وحجرا ~~قابلة للحياة والعقل ، وعلى هذا التقدير فيصح من الله تعالى أن يجعلها حية ~~عاقلة ثم إنها تشتغل بهداية الغير . الخامس : أن الهدى عبارة عن النقل ~~والحركة يقال : هديت المرأة إلى زوجها هدى ، إذا نقلت إليه والهدي ما يهدى ~~إلى الحرم من النعم ، وسميت الهدية هدية لانتقالها من رجل إلى غيره ، وجاء ~~فلان يهادى بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله . # إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { أم من * لا يهدى إلا أن * يهدى } يحتمل أن ~~يكون معناه أنه لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه / وعلى هذا التقدير ~~فالمراد الإشارة إلى كون هذه الأصنام جمادات خالية عن الحياة PageV17P074 ~~والقدرة . واعلم أنه تعالى لما قرر على الكفار هذه الحجة الظاهرة قال : { ~~فما لكم كيف تحكمون } يعجب من مذهبهم الفاسد ومقالتهم الباطلة أرباب العقول ~~. # ثم قال تعالى : { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } وفيه وجهان : الأول : وما ~~يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله تعالى إلا ظنا ، لأنه قول غير مستند إلى ~~برهان عندهم ، بل سمعوه من أسلافهم . الثاني : وما يتبع أكثرهم في قولهم ~~الأصنام آلهة وأنها شفعاء عند الله إلا الظن والقول الأول أقوى ، لأنا في ~~القول الثاني نحتاج إلى أن نفسر الأكثر بالكل . # ثم قال تعالى : { إن الظن لا يغنى من الحق شيئا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : تمسك نفاة القياس بهذه الآية ، فقالوا ms4800 : العمل بالقياس ~~عمل بالظن ، فوجب أن لا يجوز ، لقوله تعالى : { إن الظن لا يغنى من الحق ~~شيئا } . # أجاب مثبتو القياس ، فقالوا : الدليل الذي دل على وجوب العمل بالقياس ~~دليل قاطع ، فكان وجوب العمل بالقياس معلوما ، فلم يكن العمل بالقياس ~~مظنونا بل كان معلوما . # أجاب المستدل عن هذا السؤال ، فقال : لو كان الحكم المستفاد من القياس ~~يعلم كونه حكما لله تعالى لكان ترك العمل به كفرا لقوله تعالى : { ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) ولما لم يكن ~~كذلك ، بطل العمل به وقد يعدون عن هذه الحجة بأنهم قالوا : الحكم المستفاد ~~من القياس إما أن يعلم كونه حكما لله تعالى أو يظن أو لا يعلم ولا يظن ~~والأول باطل وإلا لكان من لم يحكم به كافرا لقوله تعالى : { ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) وبالاتفاق ليس كذلك . ~~والثاني : باطل ، لأن العمل بالظن لا يجوز لقوله تعالى : { إن الظن لا يغنى ~~من الحق شيئا } والثالث : باطل ، لأنه إذا لم يكن ذلك الحكم معلوما ولا ~~مظنونا ، كان مجرد التشهي ، فكان باطلا لقوله تعالى : { فخلف من بعدهم خلف ~~أضاعوا الصلواة واتبعوا الشهوات } ( مريم : 59 ) . # وأجاب مثبتو القياس : بأن حاصل هذا الدليل يرجع إلى التمسك بالعمومات ، ~~والتمسك بالعمومات / لا يفيد إلا الظن . فلما كانت هذه العمومات دالة على ~~المنع من التمسك بالظن ، لزم كونها دالة على المنع من التمسك بها ، وما ~~أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكا . # المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أن كل من كان ظانا في مسائل الأصول ~~، وما كان قاطعا ، فإنه لا يكون مؤمنا . # فإن قيل : فقول أهل السنة أنا مؤمن إن شاء الله يمنع من القطع فوجب أن ~~يلزمهم الكفر . # قلنا : هذا ضعيف من وجوه : الأول : مذهب الشافعي رحمه الله : أن الإيمان ~~عبارة عن مجموع الإعتقاد والإقرار والعمل ، والشك أصل في أن هذه الأعمال هل ~~هي موافقة لأمر الله تعالى ؟ والشك في أحد أجزاء الماهية لا يوجب الشك في ~~تمام الماهية ms4801 . الثاني : أن الغرض من قوله إن شاء الله بقاء الإيمان عند ~~الخاتمة . الثالث : الغرض منه هضم النفس وكسرها . والله أعلم . # PageV17P075 ! 7 < { وما كان هاذا القرءان أن يفترى من دون الله ولاكن ~~تصديق الذى بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون ~~افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ~~* بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 37 - 39 ) وما كان هذا . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنا حين شرعنا في تفسير قوله تعالى : { ويقولون ~~لولا أنزل عليه ءاية من ربه } ( بونس : 20 ) ذكرنا أن القوم إنما ذكروا ذلك ~~لاعتقادهم أن القرآن ليس بمعجز ، وأن محمدا إنما يأتي به من / عند نفسه على ~~سبيل الافتعال والاختلاق ، ثم إنه تعالى ذكر الجوابات الكثيرة عن هذا ~~الكلام ، وامتدت تلك البيانات على الترتيب الذي شرحناه وفصلناه إلى هذا ~~الموضع ، ثم إنه تعالى بين في هذا المقام أن إتيان محمد عليه السلام بهذا ~~القرآن ليس على سبيل الافتراء على الله تعالى ، ولكنه وحي نازل عليه من عند ~~الله ، ثم إنه تعالى احتج على صحة هذا الكلام بقوله : { أم يقولون افتراه ~~قل فأتوا بسورة مثله } وذلك يدل على أنه معجز نازل عليه من عند الله تعالى ~~، وأنه مبرأ عن الافتراء والافتعال فهذا هو الترتيب الصحيح في نظم هذه ~~الآيات . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { وما كان هاذا القرءان أن يفترى } فيه ~~وجهان : الأول : أن قوله : { أن يفترى } في تقدير المصدر ، والمعنى : وما ~~كان هذا القرآن افتراء من دون الله ، كما تقول : ما كان هذا الكلام إلا ~~كذبا . والثاني : أن يقال إن كلمة { ءان } جاءت ههنا بمعنى اللام ، ~~والتقدير : ما كان هذا القرآن ليفترى من دون الله ، كقوله : { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة } ( التوبة : 122 ) { ما كان الله ليذر المؤمنين وما ~~كان الله ليطلعكم على الغيب } ( آل عمران : 179 ) أي لم يكن ينبغي لهم ms4802 أن ~~يفعلوا ذلك ، فكذلك ما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى ، أي ليس وصفه وصف شيء ~~يمكن أن يفترى به على الله ، لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر ، والقرآن ~~معجز لا يقدر عليه البشر ، والافتراء افتعال من فريت الأديم إذا قدرته ~~للقطع ، ثم استعمل في الكذب كما استعمل قولهم : اختلف فلان هذا الحديث في ~~الكذب ، فصار حاصل هذا الكلام أن هذا القرآن لا يقدر عليه أحد إلا الله عز ~~وجل ، ثم إنه تعالى احتج على هذه الدعوى بأمور : # الحجة الأولى : قوله : { ولاكن تصديق الذى بين يديه } وتقرير هذه الحجة ~~من وجوه : أحدها : أن محمدا عليه السلام كان رجلا أميا ما سافر إلى بلدة ~~لأجل التعلم ، وما كانت مكة بلدة العلماء ، وما كان فيها PageV17P076 شيء ~~من كتب العلم ، ثم إنه عليه السلام أتى بها القرآن ، فكان هذا القرآن ~~مشتملا على أقاصيص الأولين ، والقوم كانوا في غاية العداوة له ، فلو لم تكن ~~هذه الأقاصيص موافقة لما في التوراة والإنجيل لقدحوا فيه ولبالغوا في الطعن ~~فيه ، ولقالوا له إنك جئت بهذه الأقاصيص لا كما ينبغي ، فلما لم يقل أحد ~~ذلك مع شدة حرصهم على الطعن فيه ، وعلى تقبيح صورته ، علمنا أنه أتى بتلك ~~الأقاصيص مطابقة لما في التوراة والإنجيل ، مع أنه ما طالعهما ولا تلمذ ~~لأحد فيهما ، وذلك يدل على أنه عليه السلام إنما أخبر عن هذه الأشياء بوحي ~~من قبل الله تعالى . # الحجة الثانية : أن كتب الله المنزلة دلت على مقدم محمد عليه السلام ، ~~على ما استقصينا في تقريره في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { وأوفوا ~~بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) وإذا كان الأمر كذلك / كان مجيء محمد ~~عليه السلام تصديقا لما في تلك الكتب ، من البشارة بمجيئه صلى الله عليه ~~وسلم ، فكان هذا عبارة عن تصديق الذي بين يديه . # الحجة الثالثة : أنه عليه السلام أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في ~~المستقبل ، ووقعت مطابقة لذلك الخبر ، كقوله تعالى : { الم * غلبت الروم } ~~( الروم : 1 ، 2 ) الآية ، وكقوله تعالى : { لقد صدق الله ms4803 رسوله الرؤيا ~~بالحق } ( الفتح : 27 ) وكقوله : { وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم فى الارض } ( النور : 55 ) وذلك يدل على أن الإخبار عن ~~هذه الغيوب المستقبلة ، إنما حصل بالوحي من الله تعالى ، فكان ذلك عبارة عن ~~تصديق الذي بين يديه ، فالوجهان الأولان : إخبار عن الغيوب الماضية والوجه ~~الثالث : إخبار عن الغيوب المستقبلة ، ومجموعها عبارة عن تصديق الذي بين ~~يديه . # النوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وتفصيل ~~كل شىء } . # واعلم أن الناس اختلفوا في أن القرآن معجز من أي الوجوه ؟ فقال بعضهم : ~~إنه معجز لاشتماله على الإخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة ، وهذا هو ~~المراد من قوله : { تصديق الذى بين يديه } ومنهم من قال : إنه معجز ~~لاشتماله على العلوم الكثيرة ، وإليه الإشارة بقوله : { وتفصيل كل شىء } ~~وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلوم إما أن تكون دينية أو ليست دينية ، ~~ولا شك أن القسم الأول أرفع حالا وأعظم شأنا وأكمل درجة من القسم الثاني . ~~وأما العلوم الدينية ، فإما أن تكون علم العقائد والأديان ، وإما أن تكون ~~علم الأعمال . أما علم العقائد والأديان فهو عبارة عن معرفة الله تعالى ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . أما معرفة الله تعالى ، فهي عبارة عن ~~معرفة ذاته ومعرفة صفات جلاله ، ومعرفة صفات إكرامه ، ومعرفة أفعاله ، ~~ومعرفة أحكامه ، ومعرفة أسمائه والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل ~~وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب ، بل لا يقرب منه شيء ~~من المصنفات . وأما علم الأعمال فهو إما أن يكون عبارة عن علم التكاليف ~~المتعلقة بالظواهر وهو علم الفقه . ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا ~~مباحثهم من القرآن ، وإما أن يكون علما بتصفية الباطن أو رياضة القلوب . ~~وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يكاد يوجد في غيره ، كقوله : { ~~خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) وقوله : { إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغى } ( النمل : 90 ) فثبت أن القرآن مشتمل على تفاصيل جميع ms4804 العلوم ~~الشريفة ، عقليها ونقليها ، اشتمالا يمتنع حصوله في سائر الكتب PageV17P077 ~~فكان ذلك معجزا ، وإليه الإشارة بقوله : { وتفصيل الكتاب } . # أما قوله : { لا ريب فيه من رب العالمين } فتقريره : أن الكتاب الطويل ~~المشتمل على هذه / العلوم الكثيرة لا بد وأن يشتمل على نوع من أنواع ~~التناقض ، وحيث خلي هذا الكتاب عنه ، علمنا أنه من عند الله وبوحيه وتنزيله ~~، ونظيره قوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~} ( النساء : 82 ) . # واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول هذه الآية أن هذا القرآن لا يليق بحاله ~~وصفته أن يكون كلاما مفترى على الله تعالى / وأقام عليه هذين النوعين من ~~الدلائل المذكورة ، عاد مرة أخرى بلفظ الاستفهام على سبيل الإنكار ، فقال : ~~{ أم يقولون افتراه } ثم إنه تعالى ذكر حجة أخرى على إبطال هذا القول ، ~~فقال : { قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين } وهذه الحجة بالغنا في تقريرها في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة ~~: { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم } ( البقرة : 23 ) وههنا سؤالات : # السؤال الأول : لم قال في سورة البقرة : { من مثله } وقال ههنا : { فأتوا ~~بسورة مثله } . # والجواب : أن محمدا عليه السلام كان رجلا أميا ، لم يتلمذ لأحد ولم يطالع ~~كتابا فقال في سورة البقرة : { فأتوا بسورة من مثله } يعني فليأت إنسان ~~يساوي محمدا عليه السلام في عدم التلمذ وعدم مطالعة الكتب وعدم الاشتغال ~~بالعلوم بسورة تساوي هذه السورة ، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز . فهذا لا يدل ~~على أن السورة في نفسها معجزة ، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من ~~إنسان مثل محمد عليه السلام في عدم التلمذ والتعلم معجز ، ثم إنه تعالى بين ~~في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجز ، فإن الخلق وإن تلمذوا وتعلموا ~~وطالعوا وتفكروا ، فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور ~~، فلا جرم قال تعالى في هذه الآية : { فأتوا بسورة ms4805 مثله } ولا شك أن هذا ~~ترتيب عجيب في باب التحدي وإظهار المعجز . # السؤال الثاني : قوله : { فأتوا بسورة مثله } هل يتناول جميع السور ~~الصغار والكبار ، أو يختص بالسور الكبار . # الجواب : هذه الآية في سورة يونس وهي مكية ، فالمراد مثل هذه السورة ، ~~لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه . # السؤال الثالث : أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن القرآن مخلوق ، ~~قالوا : إنه عليه السلام تحدى العرب بالقرآن ، والمراد من التحدي : أنه طلب ~~منهم الإتيان بمثله ، فإذا عجزوا عنه ظهر كونه حجة من عند الله على صدقه ، ~~وهذا إنما يمكن لو كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة ولو كان قديما ~~لكان الإتيان بمثل القديم محالا في نفس الأمر ، فوجب أن لا يصح التحدي . # / والجواب : أن القرآن اسم يقال بالاشتراك على الصفة القديمة القائمة ~~بذات الله تعالى ، وعلى هذه الحروف والأصوات ، ولا نزاع في أن الكلمات ~~المركبة من هذه الحروف والأصوات محدثة مخلوقة ، والتحدي إنما وقع بها لا ~~بالصفة القديمة . PageV17P078 # أما قوله : { وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } فالمراد ~~منه : تعليم أنه كيف يمكن الإتيان بهذه المعارضة لو كانوا قادرين عليها ، ~~وتقريره أن الجماعة إذا تعاونت وتعاضدت صارت تلك العقول الكثيرة كالعقل ~~الواحد ، فإذا توجهوا نحو شيء واحد ، قدر مجموعهم على ما يعجز كل واحد منهم ~~، فكأنه تعالى يقول : هب أن عقل الواحد والاثنين منكم لا يفي باستخراج ~~معارضة القرآن فاجتمعوا وليعن بعضكم بعضا في هذه المعارضة ، فإذا عرفتم ~~عجزكم حالة الاجتماع وحالة الانفراد عن هذه المعارضة ، فحينئذ يظهر أن تعذر ~~هذه المعارضة إنما كان لأن قدرة البشر غير وافية بها ، فحينئذ يظهر أن ذلك ~~فعل الله لا فعل البشر . # واعلم أنه قد ظهر بهذا الذي قررناه أن مراتب تحدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالقرآن ستة ، فأولها : أنه تحداهم بكل القرآن كما قال : { قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرءان لا يأتون بمثله ولو ~~كان بعضهم لبعض ظهيرا } ( الإسراء : 88 ) وثانيها : أنه عليه السلام ms4806 تحداهم ~~بعشر سور قال تعالى : { فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } وثالثها : أنه ~~تحداهم بسورة واحدة كما قال : { فأتوا بسورة من مثله } ( الطور : 34 ) ~~ورابعها : أنه تحداهم بحديث مثله فقال : { فليأتوا بحديث مثله } وخامسها : ~~أن في تلك المراتب الأربعة ، كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم التلمذ والتعلم ، ثم في سورة يونس طلب ~~منهم معارضة سورة واحدة من أي إنسان سواء تعلم العلوم أو لم يتعلمها . ~~وسادسها : أن في المراتب المتقدمة تحدى كل واحد من الخلق ، وفي هذه المرتبة ~~تحدى جميعهم ، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الإتيان بهذه المعارضة ، كما ~~قال : { وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } وههنا آخر المراتب ~~، فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أن القرآن معجز ، ثم ~~إنه تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا القرآن فقال : { بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه ولما * يأتيهم * تأويله } واعلم أن هذا الكلام يحتمل وجوها : # الوجه الأول : أنهم كلما سمعوا شيئا من القصص قالوا : ليس في هذا الكتاب ~~إلا أساطير الأولين ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور ~~أخرى مغايرة لها : فأولها : بيان قدرة الله تعالى على التصرف في هذا العالم ~~، ونقل أهله من العز إلى الذل ومن الذل إلى العز / وذلك يدل على قدرة كاملة ~~. وثانيها : أنها تدل على العبرة من حيث إن الإنسان يعرف بها أن الدنيا لا ~~تبقى ، فنهاية كل متحرك سكون ، وغاية كل متكون أن لا يكون ، فيرفع قلبه عن ~~حب الدنيا وتقوى رغبته في طلب الآخرة ، كما قال : { لقد كان فى قصصهم عبرة ~~لاولى الالباب } ( يوسف : 111 ) وثالثها : أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر ~~قصص الأولين من غير تحريف ولا تغيير مع أنه لم يتعلم ولم يتلمذ ، دل ذلك ~~على أنه بوحي من الله تعالى ، كما قال في سورة الشعراء بعد أن ذكر القصص { ~~وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الامين * على قلبك لتكون من ms4807 ~~المنذرين } ( الشعراء : 192 194 ) . # والوجه الثاني : أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في أوائل السور ولم يفهموا ~~منها شيئا ساء ظنهم بالقرآن . وقد أجاب الله تعالى عنه بقوله : { هو الذى ~~أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } ( آل عمران : 7 ) . # والوجه الثالث : أنهم رأوا أن القرآن يظهر شيئا فشيئا ، فصار ذلك سببا ~~للطعن الرديء فقالوا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة فأجاب الله تعالى عنه ~~بقوله : { كذلك لنثبت به فؤادك } ( الفرقان : 32 ) وقد شرحنا هذا الجواب في ~~سورة الفرقان . PageV17P079 # والوجه الرابع : أن القرآن مملوء من إثبات الحشر والنشر ، والقوم كانوا ~~قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا حصول الحياة بعد الموت ، ولم يتقرر ذلك في ~~قلوبهم ، فظنوا أن محمدا عليه السلام إنما يذكر ذلك على سبيل الكذب ، والله ~~تعالى بين صحة القول بالمعاد بالدلائل القاهرة الكثيرة . # الوجه الخامس : أن القرآن مملوء من الأمر بالصلاة والزكاة وسائر العبادات ~~، والقوم كانوا يقولون إله العالمين غني عنا وعن طاعتنا ، وإنه تعالى أجل ~~من أن يأمر بشيء لا فائدة فيه ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا } ( المؤمنون : 115 ) وبقوله : { إن أحسنتم أحسنتم ~~لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) وبالجملة فشبهات الكفار كثيرة ، ~~فهم لما رأوا القرآن مشتملا على أمور ما عرفوا حقيقتها ولم يطلعوا على وجه ~~الحكمة فيها لا جرم كذبوا بالقرآن / والحاصل أن القوم ما كانوا يعرفون ~~أسرار الإلهيات ، وكانوا يجرون الأمور على الأحوال المألوفة من عالم ~~المحسوسات وما كانوا يطلبون حكمها ولا وجوه تأويلاتها ، فلا جرم وقعوا في ~~التكذيب والجهل ، فقوله : { بل كذبوا * لما * لم يحيطوا بعلمه } إشارة إلى ~~عدم علمهم بهذه الأشياء ، وقوله : { ولما يأتهم تأويله } إشارة إلى عدم ~~جدهم واجتهادهم في طلب تلك الأسرار . # ثم قال : { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } والمراد أنهم طلبوا الدنيا ~~وتركوا الآخرة ، فلما ماتوا فاتتهم الدنيا والآخرة فبقوا في الخسار العظيم ~~، ومن الناس من قال المراد منه عذاب الاستئصال وهو الذي نزل بالأمم الذين ~~كذبوا الرسل من ضروب العذاب في الدنيا ، قال أهل التحقيق قوله : / { ولما ~~يأتهم ms4808 تأويله } يدل على أن من كان غير عارف بالتأويلات وقع في الكفر ~~والبدعة ، لأن ظواهر النصوص قد يوجد فيها ما تكون متعارضة ، فإذا لم يعرف ~~الإنسان وجه التأويل فيها وقع في قلبه أن هذا الكتاب ليس بحق ، أما إذا عرف ~~وجه التأويل طبق التنزيل على التأويل فيصير ذلك نورا على نور يهدي الله ~~لنوره من يشاء . # ! 7 < { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين * وإن ~~كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا برىء مما تعملون } ~~. > 7 @QB@ < # | يونس : ( 40 - 41 ) ومنهم من يؤمن . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله : { فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين } وكان المراد منه تسليط العذاب عليهم في الدنيا ، أتبعه بقوله : ~~{ ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به } منبها على أن الصلاح عنده تعالى ~~كان في هذه الطائفة التبقية دون الاستئصال ، من حيث كان المعلوم أن منهم من ~~يؤمن به ، والأقرب أن يكون الضمير في قوله : { به } رجعا إلى القرآن ، لأنه ~~هو المذكور من قبل ، ثم يعلم أنه متى حصل الإيمان بالقرآن ، فقد حصل معه ~~الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام أيضا . واختلفوا في قوله : { ومنهم من ~~يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به } لأن كلمة يؤمن فعل مستقبل وهو يصلح للحال ~~والاستقبال ، فمنهم من حمله على الحال ، وقال : المراد أن منهم من يؤمن ~~بالقرآن باطنا ، لكنه يتعمد الجحد وإظهار التكذيب ، ومنهم من باطنه كظاهره ~~في التكذيب ، ويدخل فيه أصحاب الشبهات ، وأصحاب التقليد ، ومنهم ~~PageV17P080 من قال : المراد هو المستقبل ، يعني أن منهم من يؤمن به في ~~المستقبل بأن يتوب عن الفكر ويبدله بالإيمان ومنهم من بصر ويستمر على الكفر ~~. # ثم قال : { وربك أعلم بالمفسدين } أي هو العالم بأحوالهم في أنه هل يبقى ~~مصرا على الكفر أو يرجع عنه . # ثم قال : { وإن كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم } قيل فقل لي عملي الطاعة ~~والإيمان ، ولكم عملكم الشرك ، وقيل : لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم . # / ثم قال ms4809 : { أنتم بريئون مما أعمل وأنا برىء مما تعملون } قيل معنى ~~الآية الزجر والردع ، وقيل بل معناه استمالة قلوبهم . قال مقاتل والكلبي : ~~هذه الآية منسوخة بآية السيف وهذا بعيد ، لأن شرط الناسخ أن يكون رافعا ~~لحكم المنسوخ ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من ~~الثواب والعقاب ، وذلك لا يقتضي حرمة القتال ، فآية القتال ما رفعت شيئا من ~~مدلولات هذه الآية فكان القول بالنسخ باطلا . # ! 7 < { ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون * ~~ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون * إن الله لا ~~يظلم الناس شيئا ولاكن الناس أنفسهم يظلمون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 42 - 44 ) ومنهم من يستمعون . . . . . # > > # ي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى في الآية الأولى ، قسم الكفار إلى قسمين ~~منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ، وفي هذه الآية قسم من لا يؤمن به ~~قسمين : منهم من يكون في غاية البغض له والعداوة له ونهاية النفرة عن قبول ~~دينه ، ومنهم من لا يكون كذلك ، فوصف القسم الأول في هذه الآية فقال : ~~ومنهم من يستمع كلامك مع أنه يكون كالأصم من حيث إنه لا ينتفع ألبتة بذلك ~~الكلام فإن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر ، وعظمت نفرته عنه ، صارت نفسه ~~متوجهة إلى طلب مقابح كلامه معرضة عن جميع جهات محاسن كلامه ، فالصمم في ~~الأذن ، معنى ينافي حصول إدراك الصوت فكذلك حصول هذا البغض الشديد كالمنافي ~~للوقوف على محاسن ذلك الكلام والعمى في العين معنى ينافي حصول إدراك الصورة ~~، فكذلك البغض ينافي وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه والوقوف على ما آتاه ~~الله تعالى من الفضائل ، فبين تعالى أن في أولئك الكفار من بلغت حالته في ~~البغض والعداوة إلى هذا الحد ، ثم كما أنه لا يمكن جعل الأصم سميعا ولا جعل ~~الأعمى بصيرا ، / فكذلك لا يمكن جعل العدو البالغ في العداوة إلى هذا الحد ~~صديقا تابعا للرسول صلى الله عليه وسلم والمقصود من هذا الكلام تسلية ~~الرسول عليه ms4810 الصلاة والسلام بأن هذه الطائفة ، قد بلغوا في مرض العقل إلى ~~حيث لا يقبلون العلاج والطبيب إدا رأى مريضا لا يقبل العلاج أعرض عنه ، ولم ~~يستوحش من عدم قبوله للعلاج ، فكذلك وجب عليك أن لا تستوحش من حال هؤلاء ~~الكفار . PageV17P081 # المسألة الثانية : احتج ابن قتيبة بهذه الآية ، على أن السمع أفضل من ~~البصر فقال : إن الله تعالى قرن بذهاب السمع ذهاب العقل ، ولم يقرن بذهاب ~~النظر إلا ذهاب البصر ، فوجب أن يكون السمع أفضل من البصر . وزيف ابن ~~الأنباري هذا الدليل فقال : إن الذي نفاه الله مع السمع بمنزلة الذي نفاه ~~الله مع البصر لأنه تعالى أراد إبصار القلوب ، ولم يرد إبصار العيون والذي ~~يبصره القلب هو الذي يعقله . واحتج ابن قتيبة على هذا المطلوب بحجة أخرى من ~~القرآن ، فقال : كلما ذكر الله السمع والبصر ، فإنه في الأغلب يقدم السمع ~~على البصر ، وذلك يدل على أن السمع أفضل من البصر ومن الناس من ذكر في هذا ~~الباب دلائل أخرى : فأحدها : أن العمى قد وقع في حق الأنبياء عليهم السلام ~~أما الصمم فغير جائز عليهم لأنه يخل بأداء الرسالة ، من حيث إنه إذا لم ~~يسمع كلام السائلين تعذر عليه الجواب فيعجز عن تبليغ شرائع الله تعالى . # الحجة الثانية : أن القوة السامعة تدرك المسموع من جميع الجوانب ، والقوة ~~الباصرة لا تدرك المرئي إلا من جهة واحدة وهي المقابل . # الحجة الثالثة : أن الإنسان إنما يستفيد العلم بالتعلم من الأستاذ ، وذلك ~~لا يمكن إلا بقوة السمع ، فاستكمال النفس بالكمالات العلمية لا يحصل إلا ~~بقوة السمع ، ولا يتوقف على قوة البصر ، فكان السمع أفضل من البصر . # الحجة الرابعة : أنه تعالى قال : { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد } والمراد من القلب ههنا العقل ، فجعل السمع قرينا ~~للعقل ويتأكد هذا بقوله تعالى : { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى ~~أصحاب السعير } ( الملك : 10 ) فجلوا السمع سببا للخلاص من عذاب السعير . # الحجة الخامسة : أن المعنى الذي يمتاز به الإنسان ms4811 من سائر الحيوانات هو ~~النطق والكلام وإنما ينتفع بذلك القوة السامعة ، فمتعلق السمع النطق الذي ~~به حصل شرف الإنسان ، ومتعلق البصر إدراك الألوان والأشكال ، وذلك أمر ~~مشترك فيه بين الناس وبين سائر الحيوانات ، فوجب أن يكون السمع أفضل من ~~البصر . # / الحجة السادسة : أن الأنبياء عليهم السلام يراهم الناس ويسمعون كلامهم ~~، فنبوتهم ما حصلت بسبب ما معهم من الصفات المرئية ، وإنما حصلت بسبب ما ~~معهم من الأصوات المسموعة وهو الكلام وتبليغ الشرائع وبيان الأحكام ، فوجب ~~أن يكون المسموع أفضل من المرئي ، فلزم أن يكون السمع أفضل من البصر ، فهذا ~~جملة ما تمسك به القائلون بأن السمع أفضل من البصر ، ومن الناس من قال : ~~البصر أفضل من السمع ، ويدل عليه وجوه : # الحجة الأولى : أنهم قالوا في المثل المشهور ليس وراء العيان بيان ، وذلك ~~يدل على أن أكمل وجوه الإدراكات هو الأبصار . # الحجة الثانية : أن آلة القوة الباصرة هو النور وآلة القوة السامعة هي ~~الهواء والنور أشرف من الهواء فالقوة الباصرة أشرف من القوة السامعة . ~~PageV17P082 # الحجة الثالثة : أن عجائب حكمة الله تعالى في تخليق العين التي هي محل ~~الأبصار أكثر من عجائب خلقته في الأذن التي هي محل السماع ، فإنه تعالى جعل ~~تمام روح واحد من الأرواح السبعة الدماغية من العصب آلة للأبصار ، وركب ~~العين من سبع طبقات وثلاث رطوبات وخلق لتحريكات العين عضلات كثيرة على صورة ~~مختلفة والأذن ليس كذلك وكثرة العناية في تخليق الشيء تدل على كونه أفضل من ~~غيره . # الحجة الرابعة : أن البصر يرى ماحصل فوق سبع سموات والسمع لا يدرك ما بعد ~~منه على فرسخ ، فكان البصر أقوى وأفضل وبهذا البيان يدفع قولهم إن السمع ~~يدرك من كل الجوانب والبصر لا يدرك إلا من الجانب الواحد . # الحجة الخامسة : أن كثيرا من الأنبياء سمع كلام الله في الدنيا ، ~~واختلفوا في أنه هل رآه أحد في الدنيا أم لا ؟ وأيضا فإن موسى عليه السلام ~~سمع كلامه من غير سبق سؤال والتماس ولما سأل الرؤية قال : { لن ترانى } ( ~~الأعراف : 143 ) وذلك يدل ms4812 على أن حال الرؤية أعلى من حال السماع . # الحجة السادسة : قال ابن الأنباري : كيف يكون السمع أفضل من البصر ~~وبالبصر يحصل جمال الوجه ، وبذهابه عيبه ، وذهاب السمع لا يورث الإنسان ~~عيبا ، العرب تسمي العينين الكريمتين ولا تصف السمع بمثل هذا ؟ ومنه الحديث ~~يقول الله تعالى : ( من أذهبت كريمته فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون ~~الجنة ) . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية ، على أن أفعال العباد مخلوقة ~~لله تعالى ، قالوا : الآية دالة على أن قلوب أولئك الكفار بالنسبة إلى ~~الإيمان كالأصم بالنسبة إلى استماع الكلام ، وكالأعمى / بالنسبة إلى إبصار ~~الأشياء ، وكما أن هذا ممتنع فكذلك ما نحن فيه . قالوا : والذي يقوي ذلك أن ~~حصول العداوة القوية الشديدة ، وكذلك حصول المحبة الشديدة في القلب ليس ~~باختيار الإنسان ، لأن عند حصول هذه العداوة الشديدة يجد وجدانا ضروريا أن ~~القلب يصير كالأصم والأعمى في استماع كلام العدو وفي مطالعة أفعاله الحسنة ~~، وإذا كان الأمر كذلك فقد حصل المطلوب ، وأيضا لما حكم الله تعالى عليها ~~حكما جازما بعدم الإيمان ، فحينئذ يلزم من حصول الإيمان انقلاب علمه جهلا ~~وخبره الصدق كذبا وذلك محال . وأما المعتزلة : فقد احتجوا على صحة قولهم ~~بقوله تعالى : { إن الله لا يظلم الناس شيئا ولاكن الناس أنفسهم يظلمون } ~~وجه الاستدلال به ، أنه يدل على أنه تعالى ما ألجأ أحدا إلى هذه القبائح ~~والمنكرات ، ولكنهم باختيار أنفسهم يقدمون عليها ويباشرونها . # أجاب الواحدي عنه فقال : إنه تعالى إنما نفى الظلم عن نفسه ، لأنه يتصرف ~~في ملك نفسه ، ومن كان كذلك لم يكن ظالما ، وإنما قال : { ولاكن الناس ~~أنفسهم يظلمون } لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب . # ! 7 < { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد ~~خسر الذين كذبوا بلقآء الله وما كانوا مهتدين * وإما نرينك بعض الذى نعدهم ~~أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 45 - 46 ) ويوم يحشرهم كأن . . . . . # > > PageV17P083 # اعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الكفار بقلة الإصغاء وترك التدبر أتبعه ~~بالوعيد فقال : { ويوم ms4813 نحشرهم * كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حفص عن عاصم { يحشرهم } بالياء والباقون بالنون . # المسألة الثانية : قوله : { كأن لم يلبثوا } في موضع الحال ، أي مشابهين ~~من لم يلبث إلا ساعة من النهار . وقوله : { يتعارفون } يجوز أن يكون متعلقا ~~بيوم نحشرهم ، ويجوز أن يكون حالا بعد حال . # المسألة الثالثة : { كان } هذه هي المحففة من الثقيلة . التقدير : كأنهم ~~لم يلبثوا ، فخففت كقوله : وكأن قد . # / المسألة الرابعة : قيل : كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار وقيل في ~~قبورهم ، والقرآن وارد بهذين الوجهين قال تعالى : { كم لبثتم فى الارض عدد ~~سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } ( المؤمنون : 112 ، 113 ) قال القاضي ~~: والوجه الأول أولى لوجهين : أحدهما : أن حال المؤمنين كحال الكافرين في ~~أنهم لا يعرفون مقدار لبثهم بعد الموت إلى وقت الحشر ، فيجب أن يحمل ذلك ~~على أمر يختص بالكفار ، وهو أنهم لما لم ينتفعوا بعمرهم استقلوه ، والمؤمن ~~لما انتفع بعمره فإنه لا يستقله . الثاني : أنه قال : { يتعارفون بينهم } ~~لأن التعارف إنما يضاف إلى حال الحياة لا إلى حال الممات . # المسألة الخامسة : ذكروا في سبب هذا الاستقلال وجوها : الأول : قال أبو ~~مسلم : لما ضيعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص على لذاتها لم ينتفعوا ~~بعمرهم ألبتة ، فكان وجود ذلك العمر كالعدم ، فلهذا السبب استقلوه ونظيره ~~قوله تعالى : { وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر } ( البقرة : 96 ) الثاني ~~: قال الأصم : قل ذلك عندهم لما شاهدوا من أهوال الآخرة ، والأنسان إذا عظم ~~خوفه نسي الأمور الظاهرة . الثالث : أنه قل عندهم مقامهم في الدنيا في جنب ~~مقامهم في الآخرة وفي العذاب المؤبد . الرابع : أنه قل عندهم مقامهم في ~~الدنيا لطول وقوفهم في الحشر . الخامس : المراد أنهم عند خروجهم من القبور ~~يتعارفون كما كانوا يتعارفون في الدنيا ، وكأنهم لم يتعارفوا بسبب الموت ~~إلا مدة قليلة لا تؤثر في ذلك التعارف . وأقول : تحقيق الكلام في هذا الباب ~~، أن عذاب الكافر مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإهانة والإذلال ، والإحساس ~~بالمضرة أقوى من الإحساس باللذة بدليل ms4814 أن أقوى اللذات هي لذات الوقاع ، ~~والشعور بأم القولنج وغيره والعياذ بالله تعالى أقوى من الشعور بلذة الوقاع ~~. وأيضا لذات الدنيا مع خساستها ما كانت خالصة ، بل كانت مخلوطة بالهمومات ~~الكثيرة ، وكانت تلك اللذات مغلوبة بالمؤلمات والآفات ، وأيضا إن لذات ~~الدنيا ما حصلت إلا بعض أوقات الحياة الدنيوية ، وآلام الآخرة أبدية سرمدية ~~لا تنقطع ألبتة ونسبة عمر جميع الدنيا إلى الآخرة الأبدية أقل من الجزء ~~الذي لا يتجزأ بالنسبة إلى ألف ألف عالم مثل العالم الموجود . # إذا عرفت هذا فنقول : أنه متى قوبلت الخيرات الحاصلة بسبب الحياة العاجلة ~~بالآفات الحاصلة PageV17P084 للكافر وجدت أقل من اللذة بالنسبة إلى جميع ~~العالم فقوله : { كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } إشارة إلى ما ذكرناه ~~من قلتها وحقارتها في جنب ما حصل من العذاب الشديد . # أما قوله : { يتعارفون بينهم } ففيه وجوه : الأول : يعرف بعضهم بعضا كما ~~كانوا يعرفون في الدنيا . الثاني : يعرف بعضهم بعضا بما كانوا عليه من ~~الخطأ والكفر ، ثم تنقطع المعرفة إذا / عاينوا العذاب وتبرأ بعضهم من بعض . # فإن قيل : كيف توافق هذه الآية قوله : { ولا يسئل حميم حميما } ( المعارج ~~: 10 ) والجواب عنه من وجهين : # الوجه الأول : أن المراد من هذه الآية أنهم يتعارفون بينهم يوبخ بعضهم ~~بعضا ، فيقول : كل فريق للآخر أنت أضللتني يوم كذا وزينت لي الفعل الفلاني ~~من القبائح ، فهذا تعارف تقبيح وتعنيف وتباعد وتقاطع لا تعارف عطف وشفقة . ~~وأما قوله تعالى : { ولا يسئل حميم حميما } فالمراد سؤال الرحمة والعطف . # والوجه الثاني : في الجواب حمل هاتين الآيتين على حالتين ، وهو أنهم ~~يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة فلذلك لا يسأل حميم حميما . # أما قوله تعالى : { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } ففيه وجهان : الأول ~~: أن يكون التقدير : ويوم يحشرهم حال كونهم متعارفين ، وحال كونهم قائلين { ~~قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } الثاني : أن يكون { قد خسر الذين كذبوا } ~~كلام الله ، فيكون هذا شهادة من الله عليهم بالخسران ، والمعنى : أن من باع ~~آخرته بالدنيا فقد خسر ، لأنه أعطى الكثير الشريف ms4815 الباقي وأخذ القليل ~~الخسيس الفاني . # وأما قوله : { وما كانوا مهتدين } فالمراد أنهم ما اهتدوا إلى رعاية ~~مصالح هذه التجارة ، وذلك لأنهم اغتروا بالظاهر وغفلوا عن الحقيقة ، فصاروا ~~كمن رأى زجاجة حسنة فظنها جوهرة شريفة فاشتراها بكل ما ملكه ، فإذا عرضها ~~على الناقدين خاب سعيه وفات أمله ووقع في حرقة الروع وعذاب القلب . وأما ~~قوله : { وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم } فاعلم أن ~~قوله { فإلينا مرجعهم } جواب { نتوفينك } وجواب { نرينك } محذوف ، والتقدير ~~: وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك أو نتوفينك قبل أن نرينك ذلك ~~الموعد فإنك ستراه في الآخرة . # واعلم أن هذا يدل على أنه تعالى يري رسوله أنواعا من ذل الكافرين وخزيهم ~~في الدنيا ، وسيزيد عليه بعد وفاته ، ولا شك أنه حصل الكثير منه في زمان ~~حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحصل الكثير أيضا بعد وفاته ، والذي ~~سيحصل يوم القيامة أكثر ، وهو تنبيه على أن عاقبة المحقين محمودة وعاقبة ~~المذنبين مذمومة . # ! 7 < { ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } ~~. > 7 ! # / < < # | يونس : ( 47 ) ولكل أمة رسول . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين حال محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه ، بين ~~أن حال كل الأنبياء مع أقوامهم كذلك ، وفي PageV17P085 الآية مسائل : # المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن كل جماعة ممن تقدم قد بعث الله ~~إليهم رسولا والله تعالى ما أهمل أمة من الأمم قط ، ويتأكد هذا بقوله تعالى ~~: { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } ( فاطر : 24 ) . # فإن قيل : كيف يصح هذا مع ما يعلمه من أحوال الفترة ومع قوله سبحانه : { ~~لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم } ( يس : 6 ) . # قلنا : الدليل الذي ذكرناه لا يوجب أن يكون الرسول حاضرا مع القوم ، لأن ~~تقدم الرسول لا يمنع من كونه رسولا إليهم ، كما لا يمنع تقدم رسولنا من ~~كونه مبعوثا إلينا إلى آخر الأبد . وتحمل الفترة على ضعف دعوة الأنبياء ~~ووقوع موجبات التخليط فيها . # المسألة الثانية : في الكلام إضمار والتقدير : فإذا جاء ms4816 رسولهم وبلغ ~~فكذبه قوم وصدقه آخرون قضى بينهم أي حكم وفصل . # المسألة الثالثة : المراد من الآية أحد أمرين : إما بيان أن الرسول إذا ~~بعث إلى كل أمة فإنه بالتبليغ وإقامة الحجة يزيح كل علة فلا يبقى لهم عذر ~~في مخالفته أو تكذيبه ، فيدل ذلك على أن ما يجري عليهم من العذاب في الآخرة ~~يكون عدلا ولا يكون ظلما ، لأنهم من قبل أنفسهم وقعوا في ذلك العقاب ، أو ~~يكون المراد أن القوم إذا اجتمعوا في الآخرة جمع الله بينهم وبين رسولهم في ~~وقت المحاسبة ، وبأن الفصل بين المطيع والعاصي ليشهد عليهم بما شاهد منهم ، ~~وليقع منهم الاعتراف بأنه بلغ رسالات ربه فيكون ذلك من جملة ما يؤكد الله ~~به الزجر في الدنيا كالمساءلة ، وإنطاق الجوارح ، والشهادة عليهم بأعمالهم ~~والموازين وغيرها ، وتمام التقرير على هذا الوجه الثاني أنه تعالى ذكر في ~~الآية الأولى أن الله شهيد عليهم ، فكأنه تعالى يقول : أنا شهيد عليهم وعلى ~~أعمالهم يوم القيامة ، ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة مع كل قوم رسولهم ~~، حتى يشهد عليهم بتلك الأعمال . والمراد منه المبالغة في إظهار العدل . # واعلم أن دليل القول الأول هو قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا } ( الإسراء : 15 ) وقوله : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل } ( النساء : 165 ) وقوله : { ولو أنا أهلكناهم ~~بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } ( طه : 134 ) ودليل ~~القول الثاني قوله تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } إلى قوله : { ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) وقوله : { وقال الرسول يارب * رب إن ~~قومى * اتخذوا هاذا القرءان مهجورا } ( الفرقان : 30 ) وقوله تعالى : { قضى ~~بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } فالتكرير لأجل التأكيد والمبالغة في نفي ~~الظلم . # ! 7 < { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين * قل لا أملك لنفسى ضرا ~~ولا نفعا إلا ما شآء الله لكل أمة أجل إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 48 - 49 ) ويقولون متى هذا . . . . . # > > PageV17P086 @87@ # / اعلم أن هذه الشبهة الخامسة من ms4817 شبهات منكري النبوة فإنه عليه السلام ~~كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب ، قالوا متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين ، واحتجوا بعدم ظهوره على القدح في نوبته عليه السلام ~~، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أن قوله تعالى : { ويقولون متى هاذا الوعد } كالدليل ~~على أن المراد مما تقدم من قوله : { قضى بينهم بالقسط } ( يونس : 147 ) ~~القضاء بذلك في الدنيا ، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم ~~في الدار الآخرة ، لأن الحال في الآخرة حال يقين ومعرفة لحصول كل وعد ووعيد ~~وإلا ظهر أنهم إنما قالوا ذلك على وجه التكذيب للرسول عليه السلام فيما ~~أخبرهم من نزول العذاب للأعداء والنصرة للأولياء أو على وجه الاستبعاد ~~لكونه محقا في ذلك الإخبار ، ويدل هذا القول على أن كل أمة قالت لرسولها ~~مثل ذلك القول بدليل قوله : { إن كنتم } وذلك لفظ جمع وهو موافق لقوله : { ~~يفعلون ولكل أمة رسول } ( يونس : 47 ) ثم إنه تعالى أمره بأن يجيب عن هذه ~~الشبهة بجواب يحسم المادة وهو قوله : { قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا إلا ~~ما شاء الله } والمراد أن إنزال العذاب على الأعداء وإظهار النصرة للأولياء ~~لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه ، وأنه تعالى ما عين لذلك الوعد والوعيد ~~وقتا معينا حتى يقال : لما لم يحصل ذلك الموعود في ذلك الوقت ، دل على حصول ~~الخلف فكان تعيين الوقت مفوضا إلى الله سبحانه ، إما بحسب مشيئته وإلهيته ~~عند من لا يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح ، وإما بحسب المصلحة المقدرة ~~عند من يعلل أفعاله وأحكامه برعاية المصالح ، ثم إذا حضر الوقت الذي وقته ~~الله تعالى لحدوث ذلك الحادث فإنه لا بد وأن يحدث فيه ، ويمتنع عليه التقدم ~~والتأخر . # المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بقوله : { قل لا أملك لنفسى ضرا ولا ~~نفعا إلا ما شاء الله } / فقالوا : هذا الاستثناء يدل على أن العبد لا ~~يملمصالح ، ثم إذا حضر الوقت الذي وقته الله تعالى لحدوث ذلك الحادث فإنه ~~لا بد وأن يحدث فيه ، ويمتنع ms4818 عليه التقدم والتأخر . # المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بقوله : { قل لا أملك لنفسى ضرا ولا ~~نفعا إلا ما شاء الله } / فقالوا : هذا الاستثناء يدل على أن العبد لا ~~يملوله : { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } يدل على أن ~~أحدا لا يموت إلا بانقضاء أجله ، وكذلك المقتول لا يقتل إلا على هذا الوجه ~~، وهذه مسألة طويلة وقد ذكرناها في هذا الكتاب في مواضع كثيرة . # المسألة الخامسة : أنه تعالى قال ههنا : { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون } فقوله : { إذا جاء أجلهم } شرط وقوله : { فلا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون } جزاء والفاء حرف الجزاء ، فوجب إدخاله على الجزاء كما ~~في هذه الآية ، وهذه الآية تدل على أن الجزاء يحصل مع حصول الشرط لا متأخرا ~~عنه وأن حرف الفاء لا يدل على التراخي وإنما يدل على كونه جزاء . # إذا ثبت هذا فنقول : إذا قال الرجل لامرأة أجنبية إن نكحتك فأنت طالق قال ~~الشافعي رضي الله عنه : لا يصح هذا التعليق ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه ~~: يصح ، والدليل على أنه لا يصح أن هذه الآية دلت على PageV17P087 أن ~~الجزاء إنما يحصل حال حصول الشرط ، فلو صح هذا التعليق لوجب أن يحصل الطلاق ~~مقارنا للنكاح ، لما ثبت أن الجزاء يجب حصوله مع حصول الشرط ، وذلك يوجب ~~الجمع بين الضدين ، ولما كان هذا اللازم باطلا وجب أن لا يصح هذا التعليق . # ! 7 < { قل أرءيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه ~~المجرمون * أثم إذا ما وقع ءامنتم به ءآأن وقد كنتم به تستعجلون * ثم قيل ~~للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 50 - 52 ) قل أرأيتم إن . . . . . # > > # /اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن قولهم متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : حاصل الجواب أن يقال لأولئك الكفار الذين يطلبون نزول ~~العذاب بتقدير أن يحصل هذا المطلوب وينزل هذا العذاب ما الفائدة لكم فيه ؟ ~~فإن قلتم نؤمن عنده ، فذلك باطل ، لأن الإيمان في ms4819 ذلك الوقت إيمان حاصل في ~~وقت الإلجاء والقسر ، وذلك لا يفيد نفعا ألبتة ، فثبت أن هذا الذي تطلبونه ~~لو حصل لم يحصل منه إلا العذاب في الدنيا ، ثم يحصل عقيبه يوم القيامة عذاب ~~آخر أشد منه ، وهو أنه يقال : للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد ، ثم يقرن بذلك ~~العذاب كلام يدل على الإهانة والتحقير وهو أنه تعالى يقول : { هل تجزون إلا ~~بما كنتم تكسبون } فحاصل هذا الجواب : أن هذا الذي تطلبونه هو محض الضرر ~~العاري عن جهات النفع والعاقل لا يفعل ذلك . # المسألة الثانية : قوله : { بياتا } أي ليلا يقال بت ليلتي أفعل كذا ، ~~والسبب فيه أن الإنسان في الليل يكون ظاهرا في البيت ، فجعل هذا اللفظ ~~كناية عن الليل والبيات مصدر مثل التبييت كالوداع والسراح ، ويقال في ~~النهار ظللت أفعل كذا ، لأن الإنسان في النهار يكون ظاهرا في الظل . وانتصب ~~بياتا على الظرف أي وقت بيات وكلمة { ماذا } فيها وجهان : أحدهما : أن يكون ~~ماذا اسما واحدا ويكون منصوب المحل كما لو قال ماذا أراد الله ، ويجوز أن ~~يكون ذا بمعنى الذي ، فيكون ماذا كلمتين ومحل ما الرفع على الابتداء وخبره ~~ذا وهو بمعنى الذي ، فيكون معناه ما الذي يستعجل منه المجرمون ومعناه ، أي ~~شيء الذي يستعجل من العذاب المجرمون . # واعلم أن قوله : { إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا } شرط . # وجوابه : قوله ماذا يستعجل منه المجرمون ، وهو كقولك إن أتيتك ماذا ~~تطعمني ، يعني : إن حصل هذا المطلوب ، فأي مقصود تستعجلونه منه . # وأما قوله : { أثم إذا ما وقع ءامنتم به } فاعلم أن دخول حرف الاستفهام ~~على ثم كدخوله على الواو والفاء في قوله : { أو أمن أهل القرى } ( الأعراف ~~: 98 ) { أفأمن } ( الأعراف : 97 ) وهو يفيد التقريع والتوبيخ ، ثم أخبر ~~PageV17P088 تعالى أن ذلك الإيمان غير واقع لهم بل يعيرون ويوبخون ، يقال : ~~آلآن تؤمنون وترجون الانتفاع بالإيمان مع أنكم كنتم قبل ذلك به تستعجلون ~~على سبيل السخرية والاستهزاء ، وقرىء { الئان } بحذف الهمزة التي بعد اللام ~~وإلقاء حركتها على اللام . # وأما قوله : { ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا ms4820 عذاب الخلد } فهو عطف عى الفعل ~~المضمر قبل { الئان } والتقدير : قيل : آلان وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل ~~للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد . # / وأما قوله تعالى : { هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون } ففيه ثلاث مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى أينما ذكر العقاب والعذاب ذكر هذه العلة كأن ~~سائلا يسأل وهو يقول : يا رب العزة أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا ~~التشديد والوعيد ، فهو تعالى يقول : ( أنا ما عالمته بهذه المعاملة ابتداء ~~بل هذا وصل إليه جزاء على عمله الباطل ) وذلك يدل على أن جانب الرحمة راجح ~~غالب ، وجانب العذاب مرجوح مغلوب . # المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن الجزاء يوجب العمل ، أما عند ~~الفلاسفة فهو أثر العمل ، لأن العمل الصالح يوجب تنوير القلب ، وإشراقه ~~إيجاب العلة معلولها وأما عند المعتزلة فلأن العمل الصالح يوجب استحقاق ~~الثواب على الله تعالى وأما عند أهل السنة ، فلأن ذلك الجزاء واجب بحكم ~~الوعد المحض . # المسألة الثالثة : الآية تدل على كون العبد مكتسبا خلافا للجبرية ، ~~وعندنا أن كونه مكتسبا معناه أن مجموع القدرة مع الداعية الخالصة يوجب ~~الفعل والمسألة الطويلة معروفة بدلائلها . # ! 7 < { ويستنبئونك أحق هو قل إى وربىإنه لحق ومآ أنتم بمعجزين * ولو أن ~~لكل نفس ظلمت ما فى الا رض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى ~~بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 53 - 54 ) ويستنبئونك أحق هو . . . . . # > > # اعلم أنه سبحانه أخبر عن الكفار بقوله : { ويقولون متى هاذا الوعد إن ~~كنتم صادقين } . # وأجاب عنه بما تقدم فحكى عنهم أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى في عين هذه ~~الواقعة وسألوه عن ذلك السؤال مرة أخرى وقالوا : أحق هو واعلم أن هذا ~~السؤال جهل محض من وجوه : أولها : أنه قد تقدم هذا السؤال مع الجواب فلا ~~يكون في الإعادة فائدة . وثانيها : أنه تقدم ذكر الدلالة العقلية على كون ~~محمد رسولا من عند الله ، وهو بيان كون القرآن معجزا ، وإذا صحت نبوته لزم ~~القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه ، فهذه المعاني ms4821 توجب الإعراض عنهم ، / وترك ~~الالتفات إلى سؤالهم ، واختلفوا في الضمير في قوله : { أحق هو } قيل : أحق ~~ما جئتنا به من القرآن والنبوة والشرائع . وقيل : ما تعدنا من البعث ~~والقيامة . وقيل : ما تعدنا من نزول العذاب علينا في الدنيا . PageV17P089 # ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله : { قل إى وربى إنه لحق } والفائدة ~~فيه أمور : أحدها : أن يستمليهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد ومن الظاهر أن ~~من أخبر عن شيء ، وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد . ~~وثانيها : أن الناس طبقات فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي ، ~~ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي ، بل ينتفع بالأشياء الإقناعية ، نحو ~~القسم فإن الأعرابي الذي جاء الرسول عليه السلام ، وسأل عن نبوته ورسالته ~~اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم ، فكذا ههنا . # ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : { وما أنتم بمعجزين } ولا بد فيه من تقدير ~~محذوف ، فيكون المراد وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم ~~والغرض منه التنبيه على أن أحدا لا يجوز أن يمانع ربه ويدافعه عما أراد ~~وقضى ، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من الكلمات ، إنما يجوز عليهم ما ~~داموا في الدنيا فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر الله تعالى ، ~~وآثار عظمته تركوا ذلك واشتغلوا بأشياء أخرى ، ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة ~~أشياء : أولها : قوله : { ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الارض لافتدت به } إلا ~~أن ذلك متعذر لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئا كما قال تعالى : { وكلهم ~~ءاتيه يوم القيامة فردا } ( مريم : 95 ) وبتقدير : أن يملك خزائن الأرض لا ~~ينفعه الفداء لقوله تعالى : { ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } ( البقرة ~~: 48 ) وقال في صفة هذا اليوم { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } ( البقرة : ~~254 ) وثانيها : قوله : { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } . # واعلم أن قوله : { وأسروا الندامة } جاء على لفظ الماضي ، والقيامة من ~~الأمور المستقبلة إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع ، جعل الله مستقبلها ~~كالماضي ، واعلم أن الإسرار هو ms4822 الإخفاء والإظهار وهو من الأضداد ، أما ورود ~~هذه اللفظة بمعنى الإخفاء فظاهر وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم سر ~~الشيء وأسره إذا أظهره . # إذا عرفت هذا فنقول : من الناس من قال : المراد منه إخفاء تلك الندامة ، ~~والسبب في هذا الإخفاء وجوه : الأول : أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا ~~مبهوتين متحيرين ، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا سوى إسرار الندم كالحال ~~فيمن يذهب به ليصلب فإنه يبقى مبهوتا متخيرا لا ينطق بكلمة . الثاني : أنهم ~~أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم . # / فإن قيل : إن مهاية ذلك الموقف تمنع الإنسان عن هذا التدبير فكيف قدموا ~~عليه . # قلنا : إن هذا الكتمان إنما يحصل قبل الاحتراق بالنار ، فإذا احترقوا ~~تركوا هذا الإخفاء وأظهروه بدليل قوله تعالى : { قالوا ربنا غلبت علينا ~~شقوتنا } ( المؤمنون : 106 ) الثالث : أنهم أسروا تلك الندامة لأنهم اخلصوا ~~لله في تلك الندامة ، ومن أخلص في الدعاء أسره ، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم ~~يعني أنهم لما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته ولم ينفعهم ، بل كان من ~~الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف ، وأما من فسر الإسرار ~~بالإظهار فقوله : ظاهر لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في ~~الدنيا لأجل حفظ الرياسة ، وفي القيامة بطل هذا الغرض فوجب الإظهار . ~~وثالثها : قوله تعالى : { وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } فقيل بين ~~المؤمنين والكافرين ، وقيل بين الرؤساء والأتباع ، وقيل بين الكفار بإنزال ~~العقوبة عليهم . PageV17P090 # واعلم أن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فإنه لا بد وأن يقضي الله تعالى ~~بينهم لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضا في الدنيا وخانه ، فيكون في ~~ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم ، وتثقيل لعذاب الباقين ، لأن العدل يقتضي ~~أن ينتصف للمظلومين من الظالمين ، ولا سبيل إليه إلا بأن يخفف من عذاب ~~المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين . # ! 7 < { ألاإن لله ما فى السماوات والا رض ألا إن وعد الله حق ولاكن ~~أكثرهم لا يعلمون * هو يحى ويميت وإليه ترجعون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 55 ms4823 - 56 ) ألا إن لله . . . . . # > > # اعلم أن من الناس من قال : إن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى قال ~~قبل هذه الآية { ولو أن لكل نفس ظلمت ما فى الارض لافتدت به } ( يونس : 54 ~~) فلا جرم قال في هذه الآية ليس للظالم شيء يفتدى به ، فإن كل الأشياء ملك ~~الله تعالى وملكه ، واعلم أن هذا التوجيه حسن ، أما الأحسن أن يقال إنا قد ~~ذكرنا أن الناس على طبقات ، فمنهم من يكون انتفاعه بالإقناعيات أكثر من ~~انتفاعه بالبرهانيات ، أما المحققون فإنهم لا يلتفتون إلى الإقناعيات أكثر ~~من انتفاعه بالبرهانيات ، أما المحققون فإنهم لا يلتفتون إلى الإقناعيات ، ~~وإنما تعويلهم على الدلائل البينة والبراهين القاطعة ، فلما حكى الله تعالى ~~عن الكفار أنهم قالوا أحق هو ؟ أمر الرسول عليه السلام بأن يقول : { إى ~~وربى } وهذا جار مجرى الإقناعيات ، فلما ذكر ذلك أتبعه بما هو البرهان ~~القاطع / على صحته وتقريره أن القول بالنبوة والقول بصحة المعاد يتفرعان ~~على إثبات الإله القادر الحكيم وأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه ، فعبر عن ~~هذا المعنى بقوله : { ألا إن لله ما فى * السماوات والارض } ولم يذكر ~~الدليل على صحة هذه القضية ، لأنه تعالى قد استقصى في تقرير هذه الدلائل ~~فيما سبق من هذه السورة ، وهو قوله : { إن فى اختلاف اليل والنهار وما خلق ~~الله فى * السماوات والارض } ( يونس : 6 ) وقوله : { هو الذى جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا وقدره منازل } ( يونس : 5 ) فلما تقدم ذكر هذه الدلائل ~~القاهرة اكتفى بذكرها ، وذكر أن كل ما في العالم من نبات وحيوان وجسد وروح ~~وظلمة ونور فهو ملكه وملكه ، ومتى كان الأمر كذلك ، كان قادرا على كل ~~الممكنات ، عالما بكل المعلومات غنيا عن جميع الحاجات ، منزها عن النقائص ~~والآفات ، فهو تعالى لكونه قادرا على جميع الممكنات يكون قادرا على إنزال ~~العذاب على الأعداء في الدنيا وفي الآخرة ويكون قادرا على إيصال الرحمة إلى ~~الأولياء في الدنيا وفي الآخرة ويكون قادرا على تأييد رسوله عليه السلام ~~بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة ويكون قادرا ms4824 على إعلاء شأن رسوله ~~وإظهار دينه وتقوية شرعه ، ولما كان قادرا على كل ذلك فقد بطل الاستهزاء ~~والتعجب ولما كان منزها عن النقائص والآفات ، كان منزها عن الخلف والكذب ~~وكل ما وعد به فلا بد وأن يقع ، هذا إذا قلنا : إنه تعالى لا يراعي مصالح ~~العباد ، أما إذا قلنا : إنه تعالى يراعيها فنقول : الكذب إنما يصدر عن ~~العاقل ، إما للعجز أو للجهل أو للحاجة ، ولما كان الحق سبحانه منزها عن ~~الكل كان الكذب عليه محالا ، فلما أخبر عن نزول العذاب بهؤلاء الكفار ، ~~وبحصول الحشر والنشر وجب القطع بوقوعه ، فثبت بهذا PageV17P091 البيان أن ~~قوله تعالى : { ألا إن لله ما فى * السماوات والارض } مقدمة توجب الجزم ~~بصحة قوله : { ألا إن وعد الله حق } ثم قال : { ولاكن أكثرهم لا يعلمون } ~~والمراد أنهم غافلون عن هذه الدلائل ، مغرورون بظواهر الأمور ، فلا جرم ~~بقوا محرومين عن هذه المعارف ، ثم إنه أكد هذه الدلائل فقال : { هو يحى ~~ويميت وإليه ترجعون } والمراد أنه لما قدر على الإحياء في المرة الأولى ~~فإذا أماته وجب أن يبقى قادرا على إحيائه في المرة الثانية ، فظهر بما ~~ذكرنا أنه تعالى أمر رسوله بأن يقول : { إى وربى } ( يونس : 53 ) ثم إنه ~~تعالى أتبع ذلك الكلام بذكر هذه الدلائل القاهرة . # واعلم أن في قوله : { ألا إن لله ما فى * السماوات والارض } دقيقة أخرى ~~وهي كلمة { إلا } وذلك لأن هذه الكلمة إنما تذكر عند تنبيه الغافلين وإيقاظ ~~النائمين وأهل هذا العالم مشغولون بالنظر إلى الأسباب الظاهرة فيقولون ~~البستان للأمير والدار للوزير والغلام لزيد والجارية لعمرو فيضيفون كل شيء ~~إلى مالك آخر والخلق لكونهم مستغرقين في نوم الجهل ورقدة الغفلة يظنون صحة ~~تلك الإضافات فالحق نادى هؤلاء النائمين الغافلين بقوله : { ألا إن لله ما ~~فى * السماوات والارض } وذلك لأنه / لما ثبت بالعقل أن ما سوى الواحد الأحد ~~الحق ممكن لذاته ، وثبت أن الممكن مستند إلى الواجب لذاته إما ابتداء أو ~~بواسطة ، فثبت أن ما سواه ملكه وملكه ، وإذا كان كذلك ، فليس لغيره في ~~الحقيقة ملك ms4825 ، فلما كان أكثر الخلق غافلين عن معرفة هذا المعنى غير عالمين ~~به ، لا جرم أمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يذكر هذا النداء ، لعل ~~واحدا منهم يستيقظ من نوم الجهالة ورقدة الضلالة . # ! 7 < { ياأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما فى الصدور وهدى ~~ورحمة للمؤمنين * قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } ~~. > 7 @QB@ < # | يونس : ( 57 - 58 ) يا أيها الناس . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء عليهم السلام ~~أمران : الأول : أن نقول إن هذا الشخص قد ادعى النبوة وظهرت المعجزة على ~~يده وكل من كان كذلك ، فهو رسول من عند الله حقا وصدقا ، وهذا الطريق مما ~~قد ذكره الله تعالى في هذه السورة وقرره على أحسن الوجوه في قوله : { وما ~~كان هاذا القرءان أن * يفترى * من دون الله ولاكن تصديق الذى بين يديه ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } ( يوس : 37 ، ~~38 ) وقد ذكرنا في تفسير هذه الآية ما يقوي الدين ويورث اليقين ويزيل ~~الشكوك والشبهات ويبطل الجهالات والضلالات . # وأما الطريق الثاني فهو أن نعلم بعقولنا أن الإعتقاد الحق والعمل الصالح ~~ما هو ؟ فكل من جاء ودعا الخلق إليهم وحملهم عليه وكانت لنفسه قوة قوية في ~~نقل الناس من الكفر إلى الإيمان ، ومن الإعتقاد الباطل إلى الإعتقاد الحق ، ~~ومن الأعمال الداعية إلى الدنيا إلى الأعمال الداعية إلى الآخرة فهو النبي ~~الحق الصادق PageV17P092 المصدق ، وتقريره : أن نفوس الخلق قد استولى عليها ~~أنواع النقص والجهل وحب الدنيا ، ونحن نعلم بعقولنا أن سعادة الإنسان لا ~~تحصل إلا بالاعتقاد الحق والعمل الصالح ، وحاصله يرجع إلى حرف واحد وهو أن ~~كل ما قوى نفرتك عن الدنيا ورغبتك في الآخرة فهو / العمل الصالح وكل ما كان ~~بالضد من ذلك فهو العمل الباطل والمعصية ، وإذا كان الأمر كذلك كانوا ~~محتاجين إلى إنسان كامل ، قوي النفس ، مشرق الروح ، علوي ms4826 الطبيعة ، ويكون ~~بحيث يقوى على نقل هؤلاء الناقصين من مقام النقصان إلى مقام الكمال ، وذلك ~~هو النبي . فالحاصل أن الناس أقسام ثلاثة : الناقصون والكاملون الذين لا ~~يقدرون على تكميل الناقصين ، والقسم الثالث هو الكامل الذي يقدر على تكميل ~~الناقصين ، فالقسم الأول هو عامة الخلق ، والقسم الثاني هم الأولياء ، ~~والقسم الثالث هم الأنبياء ، ولما كانت القدرة على نقل الناقصين من درجة ~~النقصان إلى درجة الكمال مراتبها مختلفة ودرجاتها متفاوتة ، لا جرم كانت ~~درجات الأنبياء في قوة النبوة مختلفة . ولهذا السر : قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) . # إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إنه تعالى لما بين صحة نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بطريق المعجزة ، ففي هذه الآية بين صحة نبوته بالطريق الثاني ، ~~وهذا الطريق طريق كاشف عن حقيقة النبوة معرف لماهيتها ، فالاستدلال بالمعجز ~~هو الذي يسميه المنطقيون برهان الآن ، وهذا الطريق هو الطريق الذي يسمونه ~~برهان اللم ، وهو أشرف وأعلى وأكمل وأفضل . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف القرآن في هذه الآية بصفات أربعة : ~~أولها : كونه موعظة من عند الله . وثانيها : كونه شفاء لما في الصدور . ~~وثالثها : كونه هدى . ورابعها : كونه رحمة للمؤمنين . ولا بد لكل واحد من ~~هذه الصفات من فائدة مخصوصة فنقول : إن الأرواح لما تعلقت بالأجساد كان ذلك ~~التعلق بسبب عشق طبيعي وجب للروح على الجسد ، ثم إن جوهر الروح التذ ~~بمشتهيات هذا العالم الجسداني وطيباته بواسطة الحواس الخمس وتمرن على ذلك ~~وألف هذه الطريقة واعتادها . ومن المعلوم أن نور العقل إنما يحصل في آخر ~~الدرجة ، حيث قويت العلائق الحسية والحوادث الجسدانية ، فصار ذلك الاستغراق ~~سببا لحصول العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة في جوهر الروح ، وهذه الأحوال ~~تجري مجرى الأمراض الشديدة لجوهر الروح ، فلا بد لها من طبيب حاذق ، فإن من ~~وقع في المرض الشديد ، فإن لم يتفق له طبيب حاذق يعالجه بالعلاجات الصائبة ~~مات لا محالة ، وإن اتفق أن صادفه مثل هذا الطبيب ، وكان هذا البدن قابلا ~~للعلاجات الصائبة فربما حصلت الصحة وزال ms4827 السقم . # إذا عرفت هذا فنقول : إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان كالطبيب الحاذق ، ~~وهذا القرآن عبارة عن مجموع أدويته التي بتركيبها تعالج القلوب المريضة . ~~ثم إن الطبيب إذا وصل إلى المريض فله معه مراتب أربعة : # المرتبة الأولى : أن ينهاه عن تناول ما لا ينبغي ويأمره بالاحتراز عن تلك ~~الأشياء التي بسببها وقع في ذلك المرض ، وهذا هو الموعظة فإنه لا معنى ~~للوعظ إلا الزجر عن كل ما يبعد عن رضوان الله تعالى ، والمنع عن كل ما يشغل ~~القلب بغير الله . # المرتبة الثانية : الشفاء وهو أن يسقيه أدوية تزيل عن باطنه تلك الأخلاط ~~الفاسدة الموجبة للمرض ، فكذلك الأنبياء عليهم السلام إذا منعوا الخلق عن ~~فعل المحظورات صارت ظواهرهم مطهرة عن فعل ما لا PageV17P093 ينبغي فحينئذ ~~يأمرونهم بطهارة الباطن وذلك بالمجاهدة في إزالة الأخلاق الذميمة وتحصيل ~~الأخلاق الحميدة ، وأوائلها ما ذكره الله تعالى في قوله : { إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان وإيتآء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى } ( ~~النحل : 90 ) وذلك لأنا ذكرنا أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة جارية ~~مجرى الأمراض ، فإذا زالت فقد حصل الشفاء للقلب وصار جوهر الروح مطهرا عن ~~جميع النقوش المانعة عن مطالعة عالم الملكوت . # والمرتبة الثالثة : حصول الهدى ، وهذه المرتبة لا يمكن حصولها إلا بعد ~~المرتبة الثانية ، لأن جوهر الروح الناطقة قابل للجلايا القدسية والأضواء ~~الإلهية وفيض الرحمة عام غير منقطع على ما قال عليه الصلاة والسلام : ( إن ~~لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ) وأيضا فالمنع إنما يكون إما ~~للعجز أو للجهل أو للبخل ، والكل في حق الحق ممتنع ، فالمنع في حقه ممتنع ، ~~فعلى هذا عدم حصول هذه الأضواء الروحانية ، إنما كان لأجل أن العقائد ~~الفاسدة والأخلاق الذميمة طبعها طبع الظلمة ، وعند قيام الظلمة يمتنع حصول ~~النور ، فإذا زالت تلك الأحوال ، فقد زال العائق فلا بد وأن يقع ضوء عالم ~~القدس في جوهر النفس القدسية ، ولا معنى لذلك الضوء إلا الهدى ، فعند هذه ~~الحالة تصير هذه النفس بحيث قد انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى ms4828 لها قدس ~~اللاهوت ، وأول هذه المرتبة هو قوله : { أحد يأيتها النفس المطمئنة ارجعى ~~إلى ربك } ( الفجر : 27 ) وأوسطها قوله تعالى : { ففروا إلى الله } ( ~~الذاريات : 50 ) وآخرها قوله : { قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون } ( ~~الأنعام : 91 ) ومجموعها قوله : { ولله غيب * السماوات والارض * وإليه يرجع ~~الامر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون } ( هود : 123 ) ~~وسيجيء تفسير هذه الآيات في مواضعها بإذن الله تعالى ، وهذه المرتبة هي ~~المراد بقوله سبحانه { وهدى } . # وأما المرتبة الرابعة : فهي أن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات ~~الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض ~~النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم ، وذلك هو المراد بقوله { ورحمة ~~للمؤمنين } وإنما خص المؤمنين بهذا المعنى / لأن أرواح المعاندين لا تستضيء ~~بأنوار أرواح الأنبياء عليهم السلام ، لأن الجسم القابل للنور عن قرص الشمس ~~/ هو الذي يكون وجهه مقابلا لوجه الشمس ، فإن لم تحصل هذه المقابلة لم يقع ~~ضوء الشمس عليه ، فكذلك كل روح لما لم تتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء ~~المطهرين ، لم تنتفع بأنوارهم ، ولم يصل إليها آثار تلك الأرواح المطهرة ~~المقدسة ، وكما أن الأجسام التي لا تكون مقابلة لقرص الشمس مختلفة الدرجات ~~والمراتب في البعد عن هذه المقابلة ولا تزال تتزايد درجات هذا البعد حتى ~~ينتهي ذلك الجسم إلى غاية بعده عن مقابلة قرص الشمس ، فلا جرم يبقى خالص ~~الظلمة ، فكذلك تتفاوت مراتب النفوس في قبول هذه الأنوار عن أرواح الأنبياء ~~ولا تزال تتزايد حتى تنتهي إلى النفس التي كملت ظلمتها ، وعظمت شقاوتها ~~وانتهت في العقائد الفاسدة ، والأخلاق الذميمة إلى أقصى الغايات ، وأبعد ~~النهايات ، فالحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي ~~وهو الشريعة ، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة ~~والأخلاق الذميمة وهو الطريقة والهدى وهو إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب ~~الصديقين وهو الحقيقة ، والرحمة وهي إشارة إلى كونها بالغة في الكمال ~~والإشراق إلى حيث تصير مكملة للناقصين وهي النبوة ، فهذه درجات عقلية ~~ومراتب برهانية مدلول ms4829 عليها بهذه PageV17P094 الألفاظ القرآنية لا يمكن ~~تأخير ما تقدم ذكره ولا تقديم ما تأخر ذكره ، ولما نبه الله تعالى في هذه ~~الآية على هذه الأسرار العالية الآلهية قال : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا هو خير مما يجمعون } والمقصود منه الإشارة إلى ما قرره حكماء ~~الإسلام من أن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية وقد سبق في ~~مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبالغة في تقرير هذا المعنى فلا فائدة في ~~الإعادة انتهى . # المسألة الثانية : قوله : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } ~~وتقديره : بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ، ثم يقول مرة أخرى : { فبذلك ~~فليفرحوا } والتكرير للتأكيد . وأيضا قوله : { فبذلك فليفرحوا } يفيد الحصر ~~، يعني يجب أن لا يفرح الإنسان إلا بذلك . واعلم أن هذا الكلام يدل على ~~أمرين : أحدهما : أنه يجب أن لا يفرح الإنسان بشيء من الأحوال الجسمانية ، ~~ويدل عليه وجوه : الأول : أن جماعة من المحققين قالوا : لا معنى لهذه ~~اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام ، والمعنى العدمي لا يستحق أن يفرح به . ~~والثاني : أن بتقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية ، لكنها معنوية من ~~وجوه : الأول : أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها ألا ترى أن ~~أقوى اللذات الجسمانية لذة الوقاع ، ولا شك أن الالتذاذ بها أقل مرتبة من ~~الاستضرار بألم القولنج وسائر الآلام القوية . والثاني : أن مداخل اللذات ~~الجسمانية قليلة ، فإنه لا سبيل إلى تحصيل اللذات الجسمانية إلا بهذين ~~الطريقين أعني لذة البطن والفرج . وأما الآلام : فإن كل جزء من أجزاء بدن ~~الإنسان معه نوع آخر من الآلام ، ولكل نوع منها خاصية ليست للنوع الآخر . ~~والثالث : أن اللذات / الجسمانية لا تكون خالصة ألبتة بل تكون ممزوجة ~~بأنواع من المكاره ، فلو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب النفس في ~~مقدماتها وفي لواحقها لكفى . الرابع : أن اللذات الجسمانية لا تكون باقية ، ~~فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد ~~، ولذلك قال المعري : # % إن حزنا في ساعة الموت أضعا % % ف سرور في ساعة الميلاد % # فمن المعلوم أن ms4830 الفرح الحاصل عند حدوث الولد لا يعادل الحزن الحاصل عند ~~موته . الخامس : أن اللذات الجسمانية حال حصولها تكون ممتنعة البقاء ، لأن ~~لذة الأكل لا تبقى بحالها ، بل كما زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل ولا ~~يمكن استبقاء تلك اللذة . السادس : أن اللذات الجسمانية التذاذ بأشياء ~~خسيسة ، فإنها التذاذ بكيفيات حاصلة في أجسام رخوة سريعة الفساد مستعدة ~~للتغير ، فأما اللذات الروحانية فإنها بالضد في جميع هذه الجهات ، فثبت أن ~~الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل ، وأما الفرح الكامل فهو الفرح ~~بالروحانيات والجواهر المقدسة وعالم الجلال ونور الكبرياء . # والبحث الثاني : من مباحث هذه الآية أنه إذا حصلت اللذات الروحانية فإنه ~~يجب على العاقل أن لا يفرح بها من حيث هي هي ، بل يجب أن يفرح بها من حيث ~~إنها من الله تعالى وبفضل الله وبرحمته ، فلهذا السبب قال الصديقون : من ~~فرح بنعمة الله من حيث إنها تلك النعمة فهو مشرك ، أما من فرح بنعمة الله ~~من حيث إنها من الله كان فرحه بالله ، وذلك هو غاية الكمال ونهاية السعادة ~~فقوله سبحانه : { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } يعني فليفرحوا ~~بتلك النعم لا من حيث هي هي ، بل من حيث إنها بفضل الله وبرحمة الله ، فهذه ~~أسرار عالية اشتملت عليها هذه الألفاظ التي ظهرت من عالم الوحي والتنزيل ، ~~هذا ما تلخص عندنا في هذا الباب ، أما المفسرون فقالوا : فضل الله الإسلام ~~، ورحمته القرآن . وقال أبو سعيد PageV17P095 الخدري : فضل الله القرآن ، ~~ورحمته أن جعلكم من أهله . # المسألة الرابعة : قرىء { * فلتفرحوا } بالتاء ، قال الفراء : وقد ذكر عن ~~زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء وقال : معناه فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو ~~خير مما يجمع الكفار ، قال وقريب من هذه القراءة قراءة أبي { فبذلك } ~~والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام نحو لتقم يا زيد وليقم زيد ، وذلك ~~لأن حكم الأمر في الصورتين واحد ، إلا أن العرب حذفوا اللام من فعل المأمور ~~المخاطب لكثرة استعماله ، وحذفوا التاء أيضا وأدخلوا ألف الوصل نحو اضرب ~~واقتل ليقع الابتداء به وكان ms4831 الكسائي يعيب قولهم فليفرحوا لأنه وجده قليلا ~~فجعله عيبا إلا أن ذلك هو الأصل ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال في بعض المشاهد : ( لتأخذوا مصافكم ) يريد به خذوا ، هذا كله كلام / ~~الفراء . وقرىء { * تجمعون } بالتاء ووجهه أنه تعالى عنى المخاطبين ~~والغائبين إلا أنه غلب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث ، ~~فكأنه أراد المؤمنين هكذا قاله أهل اللغة وفيه دقيقة عقلية وهو أن الإنسان ~~حصل فيه معنى يدعوه إلى خدمة الله تعالى وإلى الاتصال بعالم الغيب ومعارج ~~الروحانيات ، وفيه معنى آخر يدعوه إلى عالم الحس والجسم واللذات الجسدانية ~~، وما دام الروح متعلقا بهذا الجسد ، فإنه لا ينفك عن حب الجسد ، وعن طلب ~~اللذات الجسمانية ، فكأنه تعالى خاطب الصديقين العارفين ، وقال : حصلت ~~الخصومة بين الحوادث العقلية الإلهية وبين النوازع النفسانية الجسدانية ، ~~والترجيح لجانب العقل لأنه يدعو إلى فضل الله ورحمته والنفس تدعو إلى جمع ~~الدنيا وشهواتها وفضل الله ورحمته خير لكم مما تجمعون من الدنيا لأن الآخرة ~~خير وأبقى ، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل . # ! 7 < { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ~~ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون * وما ظن الذين يفترون على الله الكذب ~~يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولاكن أكثرهم لا يشكرون } . > 7 ~~@QB@ < # | يونس : ( 59 - 60 ) قل أرأيتم ما . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الناس ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها ~~، ولا أستحسن واحدا منها . والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى وجهان ~~: الأول : أن المقصود من هذا الكلام ذكر طريق ثالث في إثبات النبوة . ~~وتقريره أنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم : ( إنكم تحكمون بحل بعض ~~الأشياء وحرمة بعضها فهذا الحكم تقولونه على سبيل الافتراء على الله تعالى ~~، أو تعلمون أنه حكم حكم الله به ) والأول طريق باطل بالاتفاق ، فلم يبق ~~إلا الثاني ، ثم من المعلوم أنه تعالى ما خاطبكم به من غير واسطة ، ولما ~~بطل هذا ، ثبت أن ms4832 هذه الأحكام إنما وصلت إليكم بقول رسول أرسله الله إليكم ~~ونبي بعثه الله إليكم ، وحاصل الكلام أن PageV17P096 حكمهم بحل بعض الأشياء ~~وحرمة بعضها مع اشتراك الكل في الصفات المحسوسة والمنافع المحسوسة ، يدل ~~على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة وإذا / كان الأمر كذلك ، فكيف يمكنكم أن ~~تبالغوا هذه المبالغات العظيمة في إنكار النبوة والرسالة وحمل الآية على ~~هذا الوجه الذي ذكرته طريق حسن معقول . # الطريق الثاني : في حسن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه عليه الصلاة ~~والسلام ، لما ذكر الدلائل الكثيرة على صحة نبوة نفسه وبين فساد سؤالاتهم ~~وشبهاتهم في إنكارها ، أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم ~~وبين أن التمييز بين هذه الأشياء بالحل والحرمة ، مع أنه لم يشهد بذلك لا ~~عقل ولا نقل طريق باطل ومنهج فاسد ، والمقصود إبطال مذاهب القوم في أديانهم ~~وفي أحكامهم ، وأنهم ليسوا على شيء في باب من الأبواب . # المسألة الثانية : المراد بالشيء الذي جعلوه حراما ما ذكروه من تحريم ~~البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأيضا قوله تعالى : { يفترون وقالوا هاذه ~~أنعام وحرث حجر } ( الأنعام : 138 ) إلى قوله : { وقالوا ما فى بطون هاذه ~~الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا } ( الأنعام : 139 ) وأيضا قوله ~~تعالى : { ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } ( الأنعام : 143 ~~) والدليل عليه أن قوله : { فجعلتم منه حراما } إشارة إلى أمر تقدم منهم ، ~~ولم يحك الله تعالى عنهم إلا هذا ، فوجب توجه هذا الكلام إليه ، ثم لما حكى ~~تعالى عنهم ذلك قال لرسوله عليه الصلاة والسلام : { قل الله * أذن لكم أم ~~على الله تفترون } وهذه القسمة صحيحة ، لأن هذه الأحكام إما أن تكون من ~~الله تعالى أو لم تكن من الله فإن كانت من الله تعالى ، فهو المراد بقوله : ~~{ الله * أذن لكم } وإن كانت ليست من الله . فهو المراد بقوله : { أم على ~~الله تفترون } . # ثم قال تعالى : { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب } وهذا وإن كان في ~~صورة الاستعلام فالمراد منه تعظيم وعيد من يفتري على الله . وقرأ عيسى بن ~~عمر ms4833 { وما ظن } على لفظ الفعل ومعناه أي ظن ظنوه يوم القيامة وجيء به على ~~لفظ الماضي لما ذكرنا أن أحوال القيامة وإن كانت آتية إلا أنها لما كانت ~~واجبة الوقوع في الحكمة ولا جرم عبر الله عنها بصيغة الماضي . # ثم قال : { إن الله لذو فضل على الناس } أي بإعطاء العقل وإرسال الرسل ~~وإنزال الكتب { ولاكن أكثرهم لا يشكرون } فلا يستعملون للعقل في التأمل في ~~دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبياء الله ولا ينتفعون باستماع كتب ~~الله . # المسألة الثالثة : ما في قوله تعالى : { قل أرأيتم ما أنزل الله } فيه ~~وجهان : أحدهما : بمعنى الذي فينتصب برأيتم والآخر أن يكون بمعنى أي في ~~الاستفهام ، فينتصب بأنزل وهو قول الزجاج ، ومعنى أنزل ههنا خلق وأنشأ ~~كقوله : { وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج } ( الزمر : 6 ) وجاز أن يعبر ~~عن الخلق بالإنزال ، لأن كل ما في الأرض من رزق فما أنزل من السماء من ضرع ~~وزرع وغيرهما ، فلما كان إيجاده بالإنزال سمي إنزالا . # ! 7 < { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان ولا تعملون من عمل إلا ~~كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الا رض ولا ~~فى السمآء ولا أصغر من ذالك ولاأكبر إلا فى كتاب مبين } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 61 ) وما تكون في . . . . . # > > PageV17P097 # / في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه لما أطال الكلام في أمر الرسول بإيراد الدلائل ~~على فساد مذاهب الكفار ، وفي أمره بإيراد الجواب عن شبهاتهم ، وفي أمره ~~بتحمل أذاهم ، وبالرفق معهم ذكر هذا الكلام ليحصل به تمام السلوة والسرور ~~للمطيعين ، وتمام الخوف والفزع للمذنبين ، وهو كونه سبحانه عالما بعمل كل ~~واحد ، وبما في قلبه من الدواعي والصوارف ، فإن الإنسان ربما أظهر من نفسه ~~نسكا وطاعة وزهدا وتقوى ، ويكون باطنه مملوأ من الخبث وربما كان بالعكس من ~~ذلك فإذا كان الحق سبحانه عالما بما في البواطن كان ذلك من أعظم أنواع ~~السرور للمطيعين ومن أعظم أنواع التهديد للمذنبين . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى خصص ms4834 الرسول في أول هذه الآية بالخطاب ~~في أمرين ، ثم أتبع ذلك بتعميم الخطاب مع كل المكلفين في شيء واحد ، أما ~~الأمران المخصوصان بالرسول عليه الصلاة والسلام . فالأول : منهما قوله : { ~~وما تكون فى شأن } واعلم أن { ما } ههنا جحد والشأن الخطب والجمع الشؤن ، ~~تقول العرب ما شأن فلان أي ما حاله ، قال الأخفش : وتقول ما شأنت شأنه أي ~~ما عملت عمله ، وفيه وجهان : قال ابن عباس : وما تكون يا محمد في شأن يريد ~~من أعمال البر وقال الحسن : في شأن من شأن الدنيا وحوائجك فيها . والثاني : ~~منهما قوله تعالى : { وما تكون فى شأن وما } واختلفوا في أن الضمير في قوله ~~: { منه } إلى ماذا يعود ؟ وذكروا فيه ثلاثة أوجه : الأول : أنه راجع إلى ~~الشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو ~~معظم / شأنه ، وعلى هذا التقدير ، فكان هذا داخلا تحت قوله : { وما تكون فى ~~شأن } إلا أنه خصه بالذكر تنبيها على علو مرتبته ، كما في قوله تعالى : { ~~وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) وكما في قوله : { وإذ أخذنا ~~من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم } ( الأحزاب : 7 ) والثاني : أن ~~هذا الضمير عائد إلى القرآن والتقدير : وما تتلو من القرآن من قرآن ، وذلك ~~لأن كما أن القرآن اسم للمجموع ، فكذلك هو اسم لكل جزء من أجزاء القرآن ~~والإضمار قبل الذكر ، يدل على التعظيم . الثالث : أن يكون التقدير : وما ~~تتلو من قرآن من الله أي نازل من عند الله . وأقول : قوله : { وما تكون فى ~~شأن وما تتلوا منه من قرءان } أمران مخصوصان بالرسول صلى الله عليه وسلم . # وأما قوله : { ولا تعملون من عمل } فهذا خطاب مع النبي ومع جميع الأمة . ~~والسبب في أن خص الرسول بالخطاب أولا ، ثم عمم الخطاب مع الكل ، هو أن قوله ~~: { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان } وإن كان بحسب الظاهر خطابا ~~مختصا بالرسول ، إلا أن الأمة داخلون فيه ومرادون منه ، لأنه من المعلوم ~~أنه إذا خوطب رئيس القوم كان ms4835 القوم داخلين في ذلك الخطاب . والدليل عليه ~~قوله تعالى : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } ( الطلاق : 1 ) ثم ~~إنه تعالى بعد أن خص الرسول بذينك الخطابين عمم الكل بالخطاب الثالث فقال : ~~{ ولا تعملون من عمل } فدل ذلك على كونهم داخلين في الخطابين الأولين . # ثم قال تعالى : { إلا كنا عليكم شهودا } وذلك لأن الله تعالى شاهد على كل ~~شيء ، وعالم بكل شيء ، PageV17P098 أما على أصول أهل السنة والجماعة ، ~~فالأمر فيه ظاهر ، لأنه لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى . فكل ما ~~يدخل في الوجود من أفعال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة ، فكلها حصلت ~~بإيجاد الله تعالى وإحداثه . والموجد للشيء لا بد وأن يكون عالما به ، فوجب ~~كونه تعالى عالما بكل المعلومات ، وأما على أصول المعتزلة ، فقد قالوا : ~~إنه تعالى حي وكل من كان حيا ، فإنه يصح أن يعلم كل واحد من المعلومات ، ~~والموجب لتلك العالمية ، هو ذاته سبحانه . فنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول ~~العالمية ببعض المعلومات كنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية بسائر ~~المعلومات ، فلما اقتضت ذاته حصول العالمية ببعض المعلومات وجب أن تقتضي ~~حصول العالمية بجميع المعلومات فثبت كونه تعالى عالما بجميع المعلومات . # أما قوله تعالى : { إذ * للعالمين * فيه } فاعلم أن الإفاضة ههنا الدخول ~~في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل ، يقال أفاض القوم ~~في الحديث إذا اندفعوا فيه ، وقد أفاضوا من عرفة إذا دفعوا منه بكثرتهم ، ~~فتفرقوا . # فإن قيل : { إذ } ههنا بمعنى حين ، فيصير تقدير الكلام إلا كنا عليكم ~~شهودا حين تفيضون فيه ، / وشهادة الله تعالى عبارة عن علمه ، فيلزم منه أن ~~يقال إنه تعالى ما علم الأشياء إلا عند وجودها وذلك باطل . # قلنا : هذا السؤال بناء على أن شهادة الله تعالى عبادة عن علمه ، وهذا ~~ممنوع ، فإن الشهادة لا تكون إلا عند وجود المشهود عليه ، وأما العلم ، فلا ~~يمتنع تقدمه على الشيء ، والدليل عليه أن الرسول عليه السلام ، لو أخبرنا ~~عن زيد أنه يأكل غدا كنا من قبل حصول تلك الحالة عالمين بها ولا ms4836 نوصف ~~بكوننا شاهدين لها . واعلم أن حاصل هذه الكلمات أنه لا يخرج عن علم الله ~~شيء ، ثم إنه تعالى أكد هذا الكلام زيادة تأكيد ، فقال : { وما يعزب عن ربك ~~من مثقال ذرة في الارض ولا فى السماء ولا أصغر من ذالك ولا أكبر إلا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : أصل العزوب من البعد . يقال : كلأ عازب إذا كان بعيد ~~المطلب ، وعزب الرجل بإبله إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل ، والرجل ~~سمي عزبا لبعده عن الأهل ، وعزب الشيء عن علمي إذا بعد . # المسألة الثانية : قرأ الكسائي { وما يعزب } بكسر الزاي ، والباقون بالضم ~~، وفيه لغتان : عزب يعزب ، وعزب يعزب . # المسألة الثالثة : قوله : { من مثقال ذرة } أي وزن ذرة ، ومثقال الشيء ما ~~يساويه في الثقل ، والمعنى : ما يساوي ذرة والذر صغار النمل واحدها ذرة ، ~~وهي تكون خفيفة الوزن جدا ، وقوله : { في الارض ولا فى السماء } فالمعنى ~~ظاهر . # فإن قيل : لم قدم الله ذكر الأرض ههنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال ~~في سورة سبأ : { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى * السماوات * ولا فى ~~الارض } ( سبأ : 3 ) . # قلنا : حق السماء أن تقدم على الأرض إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية ~~شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم ، ثم وصل ذلك قوله لا يعزب عنه ، ناسب ~~أن تقدم الأرض على السماء في هذا الموضع . PageV17P099 # ثم قال : { ولا أصغر من ذالك ولا أكبر } وفيه قراءتان قرأ حمزة { ولا ~~أصغر ولا أكبر } بالرفع فيهما ، والباقون بالنصب . # واعلم أن قوله : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة } تقديره وما يعزب عن ~~ربك مثقال ذرة فلفظ { مثقال } عند دخول كلمة { من } عليه مجرور بحسب الظاهر ~~، ولكنه مرفوع في المعنى / فالمعطوف عليه إن عطف على الظاهر كان مجرورا إلا ~~أن لفظ أصغر وأكبر غير منصرف ، فكان مفتوحا / وإن عطف على المحل ، وجب كونه ~~مرفوعا ، ونظيره قوله ما أتاني من أحد عاقل وعاقل ، وكذا قوله : { مالكم * ~~من إلاه غيره } ( الأعراف : 59 ) وغيره وقال الشاعر : # فلسنا بالجبال ولا ms4837 الحديدا # هذا ما ذكره النحويون ، قال صاحب ( الكشاف ) : لو صح هذا العطف لصار ~~تقدير هذه الآية وما يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب : ~~وحينئذ يلزم أن يكون الشيء الذي في الكتاب خارجا عن علم الله تعالى وأنه ~~باطل . # وأجاب بعض المحققين عنه بوجهين : # الوجه الأول : أنا بينا أن العزوب عبارة عن مطلق البعد . # وإذا ثبت هذا فنقول : الأشياء المخلوقة على قسمين : قسم أوجده الله تعالى ~~ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسموات والأرض ، وقسم آخر أوجده الله ~~بواسطة القسم الأول ، مثل : الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد ، ولا ~~شك أن هذا القسم الثاني قد يتباعد في سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة ~~وجود واجب الوجود فقوله : { وما يعزب * عنه مثقال ذرة فى * الارض ولا فى ~~السماء ولا أصغر من ذالك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين } أي لا يبعد عن مرتبة ~~وجوده مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين وهو كتاب ~~كتبه الله تعالى وأثبت صور تلك المعلومات فيه ، ومتى كان الأمر كذلك فقد ~~كان عالما بها محيطا بأحوالها ، والغرض منه الرد على من يقول : إنه تعالى ~~غير عالم بالجزئيات ، وهو المراد من قوله : { إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون } ( الجاثية : 29 ) . # والوجه الثاني : في الجواب أن نجعل كلمة { إلا } في قوله : { إلا فى كتاب ~~مبين } استثناء منقطعا لكن بمعنى هو في كتاب مبين ، وذكر أبو علي الجرجاني ~~صاحب ( النظم ) عنه جوابا آخر فقال : قوله : { وما يعزب عن ربك من مثقال ~~ذرة في الارض ولا فى السماء ولا أصغر من ذالك ولا أكبر } ههنا تم الكلام ~~وانقطع ثم وقع الابتداء بكلام آخر ، وهو قوله : { إلا فى كتاب مبين } أي ~~وهو أيضا في كتاب مبين . قال : والعرب تضع ( إلا ) موضع ( واو النسق ) ~~كثيرا على معنى الابتداء ، كقوله تعالى : { لا يخاف لدى المرسلون * إلا من ~~ظلم } ( النمل : 10 ) يعني ومن ظلم . وقوله : { لئلا يكون للناس عليكم حجة ~~إلا الذين ظلموا } ( البقرة : 150 ) يعني والذين ms4838 ظلموا ، وهذا الوجه في ~~غاية التعسف . # وأجاب صاحب ( الكشاف ) : بوجه رابع فقال : الإشكال إنما جاء إذا عطفنا ~~قوله : { ولا أصغر من ذالك ولا أكبر } على قوله : { من مثقال ذرة في الارض ~~ولا فى السماء } إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل ، لكنا PageV17P100 لا نقول ~~ذلك ، بل نقول : الوجه في القراءة بالنصب في قوله : { ولا أصغر من ذالك } ~~الحمل / على نفي الجنس وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء ، وخبره قوله ~~: { فى كتاب مبين } وهذا الوجه اختيار الزجاج . # ! 7 < { ألاإن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين ءامنوا ~~وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحيواة الدنيا وفى الا خرة لا تبديل لكلمات ~~الله ذالك هو الفوز العظيم } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 62 - 64 ) ألا إن أولياء . . . . . # > > # اعلم أنا بينا أن قوله تعالى : { وما تكون فى شأن وما تتلوا منه من قرءان ~~} ( يونس : 61 ) مما يقوي قلوب المطيعين ، ومما يكسر قلوب الفاسقين فأتبعه ~~الله تعالى بشرح أحوال المخلصين الصادقين الصديقين وهو المذكور في هذه ~~الآية . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنا نحتاج في تفسير هذه الآية إلى أن نبين أن ~~الولي من هو ؟ ثم نبين تفسير نفي الخوف والحزن عنه . فنقول : أما إن الوحي ~~من هو ؟ فيدل عليه القرآن والخبر والأثر والمعقول . أما القرآن ، فهو قوله ~~في هذه الآية : { الذين ءامنوا وكانوا يتقون } فقوله : { ءامنوا } إشارة ~~إلى كمال حال القوة النظرية وقوله : { وكانوا يتقون } إشارة إلى كمال حال ~~القوة العملية . وفيه قيام آخر ، وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الإعتقاد ~~والعمل ، ثم نصف الولي بأنه كان متقيا في الكل . أما التقوى في موقف العلم ~~فلأن جلال الله أعلى من أن يحيط به عقل البشر ، فالصديق إذا وصف الله ~~سبحانه بصفة من صفات الجلال ، فهو يقدس الله عن أن يكون كماله وجلاله ~~مقتصرا على ذلك المقدار الذي عرفه ووصفه به ، وإذا عبد الله تعالى فهو يقدس ~~الله تعالى عن أن تكون الخدمة اللائقة بكبريائه متقدرة بذلك المقدار فثبت ~~أنه أبدا يكون في مقام الخوف والتقوى . وأما ms4839 الأخبار فكثيرة روى عمر رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هم قوم تحابوا في الله على ~~غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها ، فوالله إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى ~~منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس ) ثم قرأ ~~هذه الآية ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( هم الذين يذكر الله ~~تعالى برؤيتهم ) قال أهل التحقيق : السبب فيه أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة ~~لما يشاهد فيهم من آيات الخشوع والخضوع ، ولما ذكر الله تعالى سبحانه في ~~قوله : { سيماهم فى وجوههم من أثر السجود } ( الفتح : 29 ) وأما الأثر ، ~~فقال أبو بكر الأصم : أولياء الله هم الذين تولى الله تعالى هدايتهم ~~بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية الله تعالى والدعوة إليه ، وأما المعقول ~~فنقول : ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى ~~القرب ، فولى كل شيء هو الذي يكون قريبا منه ، والقرب من الله تعالى ~~بالمكان والجهة محال ، فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقا في نور ~~معرفة الله تعالى سبحانه ، فإن رأى رأى دلائل قدرة الله ، وإن سمع سمع آيات ~~الله وإن نطق نطق بالثناء على الله ، وإن تحرك تحرك تحرك في خدمة الله ، ~~وإن اجتهد اجتهد في طاعة الله ، فهنالك يكون في غاية القرب من الله ، فهذا ~~الشخص يكون وليا لله تعالى ، وإذا كان PageV17P101 كذلك كان الله تعالى ~~وليا له أيضا كما قال الله تعالى : { الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور } ( البقرة : 257 ) ويجب أن يكون الأمر كذلك ، لأن القرب ~~لا يحصل إلا من الجانبين . وقال المتكلمون : ولي الله من يكون آتيا ~~بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون آتيا بالأعمال الصالحة على وفق ~~ما وردت به الشريعة ، فهذا كلام مختصر في تفسير الولي . # وأما قوله تعالى في صفتهم : { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ففيه بحثان : # البحث الأول : أن الخوف إنما يكون في المستقبل بمعنى أنه يخاف حدوث شيء ~~في المستقبل من المخوف ms4840 ، والحزن إنما يكون على الماضي إما لأجل أنه كان قد ~~حصل في الماضي ما كرهه أو لأنه فات شيء أحبه . # البحث الثاني : قال بعض المحققين : إن نفي الحزن والخوف إما أن يحصل ~~للأولياء حال كونهم في الدنيا أو حال انتقالهم إلى الآخرة والأول باطل ~~لوجوه : أحدها : أن هذا لا يحصل في دار الدنيا لأنها دار خوف وحزن والمؤمن ~~خصوصا لا يخلو من ذلك على ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام : ( الدنيا ~~سجن المؤمن وجنة الكافر ) وعلى ما قال : ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار ~~بالشهوات ) وثانيها : أن المؤمن ، وإن صفا عيشه في الدنيا ، فإنه لا يخلو ~~من هم بأمر الآخرة شديد ، وحزن على ما يفوته من القيام بطاعة الله تعالى ، ~~وإذا بطل هذا القسم وجب حمل قوله تعالى : { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ~~على أمر الآخرة ، فهذا كلام محقق ، وقال بعض العارفين : إن الولاية عبارة ~~عن القرب ، فولى الله تعالى هو الذي يكون في غاية القرب من الله تعالى ، ~~وهذا التقرير قد فسرناه باستغراقه في معرفة الله تعالى بحيث لا يخطر بباله ~~في تلك اللحظة شيء مما سوى الله ، ففي هذه الساعة تحصل الولاية التامة ، ~~ومتى كانت هذه الحالة حاصلة فإن صاحبها لا يخاف شيئا ، ولا يحزن بسبب شيء ، ~~وكيف يعقل ذلك والخوف من الشيء والحزن على الشيء لا يحصل إلا بعد الشعور به ~~، والمستغرق في نور جلال الله غافل عن كل ما سوى الله تعالى ، فيمتنع أن ~~يكون له خوف أو حزن ؟ / وهذه درجة عالية ، ومن لم يذقها لم يعرفها ، ثم إن ~~صاحب هذه الحالة قد تزول عنه الحالة ، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن والرجاء ~~والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية ، كما يحصل لغيره ، وسمعت أن ~~إبراهيم الخواص كان بالبادية ومعه واحد يصحبه ، فاتفق في بعض الليالي ظهور ~~حالة قوية وكشف تام له ، فجلس في موضعه وجاءت السباع ووقفوا بالقرب منه ، ~~والمريد تسلق على رأس شجرة خوفا منها والشيخ ما كان فازعا من تلك السباع ، ~~فلما أصبح وزالت تلك الحالة ms4841 ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على يده فأظهر ~~الجزع من تلك البعوضة ، فقال المريد : كيف تليق هذه الحالة بما قبلها ؟ ~~فقال الشيخ : إنا إنما تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي ، ~~فلما غاب ذلك الوارد فأنا أضعف خلق الله تعالى . # المسألة الثانية : قال أكثر المحققين : إن أهل الثواب لا يحصل لهم خوف في ~~محقل القيامة واحتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى : { ألا إن أولياء الله لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } وبقوله تعالى : { لا يحزنهم الفزع الاكبر ~~وتتلقاهم الملئكة } ( الأنبياء : 103 ) وأيضا فالقيامة دار الجزاء فلا يليق ~~به إيصال الخوف ومنهم من قال : بل يحصل فيه أنواع من الخوف ، وذكروا فيه ~~أخبارا تدل عليه إلا أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد . PageV17P102 # وأما قوله : { الذين ءامنوا وكانوا يتقون } ففيه ثلاثة أوجه : الأول : ~~النصب بكونه صفة للأولياء . والثاني : النصب على المدح . والثالث : الرفع ~~على الابتداء وخبره لهم البشرى . # وأما قوله تعالى : { لهم البشرى في الحيواة الدنيا وفى الاخرة } ففيه ~~أقوال : الأول : المراد منه الرؤيا الصالحة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~: أنه قال : ( البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ) وعنه ~~عليه الصلاة والسلام : ( ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ) وعنه عليه الصلاة ~~والسلام : ( الرؤيا الصالحة من الله ، والحلم من الشيطان ، فإذا حلم أحدكم ~~حلما يخافه فليتعوذ منه وليبصق عن شماله ثلاث مرات فإنه لا يضره ) وعنه صلى ~~الله عليه وسلم : ( الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) ~~وعن ابن مسعود ، الرؤيا ثلاثة : الهم يهم به الرجل من النهار فيراه في ~~الليل ، وحضور الشيطان ، والرؤيا التي هي الرؤيا الصادقة . وعن إبراهيم ~~الرؤيا ثلاثة ، فالمبشرة من الله جزء من سبعين جزءا من النبوة والشيء يهم ~~به أحدكم بالنهار فلعله يراه بالليل والتخويف من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم ~~ما يحزنه فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة الله من شر رؤياي التي رؤيتها أن ~~تضرني في دنياي أو في آخرتي . # واعلم أنا إذا حملنا قوله : { لهم البشرى } على الرؤيا الصادقة فظاهر ms4842 هذا ~~النص يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلا لهم والعقل أيضا يدل عليه ، وذلك لأن ~~ولي الله هو الذي يكون مستغرق القلب / والروح بذكر الله ، ومن كان كذلك فهو ~~عند النوم لا يبقى في روحه إلا معرفة الله ، ومن المعلوم أن معرفة الله ~~ونور جلال الله لا يفيده إلا الحق والصدق ، وأما من يكون متوزع الفكر على ~~أحوال هذا العالم الكدر المظلم ، فإنه إذا نام يبقى كذلك ، فلا جرم لا ~~اعتماد على رؤياه ، فلهذا السبب قال : { لهم البشرى في الحيواة الدنيا } ~~على سبيل الحصر والتخصيص . # القول الثاني : في تفسير البشرى ، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم ~~إياه بالثناء الحسن عن أبي ذر . قال ؟ قلت : يا رسول الله إن الرجل يعمل ~~العمل لله ويحبه الناس . فقال : ( تلك عاجل بشرى المؤمن ) . # واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى ، وذلك أن الكمال محبوب لذاته ~~لا لغيره ، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال ، صار محبوبا لكل أحد ، ولا ~~كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله ، مستغرق اللسان ~~بذكر الله ، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله ، فإذا ظهر عليه أمر من ~~هذا الباب ، صارت الألسنة جارية بمدحه ، والقلوب مجبولة على حبه ، وكلما ~~كانت هذه الصفات الشريفة أكثر ، كانت هذه المحبة أقوى ، وأيضا فنور معرفة ~~الله مخدوم بالذات ، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدوما بالطبع ألا ترى ~~أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان ، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان ~~هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة . # والقول الثالث : في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند ~~الموت قال تعالى : { تتنزل عليهم الملئكة * أن لا * تخافوا ولا تحزنوا ~~وأبشروا بالجنة } ( فصلت : 30 ) وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة ~~عليهم كما قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم } ~~( الرعد : 23 ) وسلام الله عليهم كما قال : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس ~~: 58 ) ويندرج في هذا الباب ما ذكره الله في هذا الكتاب ms4843 PageV17P103 الكريم ~~من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال السارة ~~فكل ذلك من المبشرات . # والقول الرابع : إن ذلك عبارة عما بشر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ~~ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه . ودليله قوله : { يبشرهم ربهم برحمة ~~منه ورضوان } ( التوبة : 21 ) . # واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه ، فكل ما ~~كان كذلك دخل في هذه الآية ، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة ، ~~فيكون الكل داخلا فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت ~~قوله : { لهم البشرى في الحيواة الدنيا } وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل ~~تحت قوله : { وفي الاخرة } ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح ~~أحوالهم / قال تعالى : { لا تبديل لكلمات الله } والمراد أنه لا خلف فيها ، ~~والكلمة والقول سواء . ونظيره قوله : { ما يبدل القول لدى } ( ق : 29 ) ~~وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه ~~بقوله : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان } ثم بين تعالى أن : { ذالك هو ~~الفوز العظيم } وهو كقوله تعالى : { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } ~~( الإنسان : 20 ) ثم قال القاضي : قوله : { لا تبديل لكلمات الله } يدل على ~~أنها قابلة للتبديل ، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديما . ونظير هذا ~~الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديما وقد سبق الكلام ~~على أمثال هذه الوجوه . # ! 7 < { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم * ألاإن ~~لله من فى السماوات ومن فى الا رض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء ~~إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 65 - 66 ) ولا يحزنك قولهم . . . . . # > > # اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما ~~تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها ، ~~عدلوا إلى طريق آخر ، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال ~~، فنسعى في قهرك وفي إبطال ms4844 أمرك ، والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله : ~~{ ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا } . # واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده ، لو جوز ~~كونه مؤثرا في حاله ، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر ، خرج من ~~أن يكون سببا لحزنه . ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب ~~قوله : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ( يونس : 62 ) ~~فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله : { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا } ~~فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى ~~هذا الدين كان لا محالة ناصرا له ومعينا ، ولما ثبت أن العزة والقهر ~~والغلبة ليست إلا له ، فقد حصل الأمن وزال الخوف . PageV17P104 # / فإن قيل : فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفا حتى احتاج إلى الهجرة والهرب ~~، ثم من بعد ذلك يخاف حالا بعد حال ؟ # قلنا : إن الله تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقا والوقت ما كان معينا ، ~~فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت ، فحينئذ ~~يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت . # وأما قوله تعالى : { إن العزة لله جميعا } ففيه أبحاث : # البحث الأول : قال القاضي : إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد ~~يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون : { إن العزة لله جميعا } ~~وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك . أما إذا كسرت الألف كان ~~ذلك استئنافا ، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب . قال صاحب ( الكشاف ) : ~~وقرأ أبو حيوة { إن العزة } بالفتح على حذف لام العلة يعني : لأن العزة على ~~صريح التعليل . # البحث الثاني : فائدة { إن العزة لله } في هذا المقام أمور : الأول : ~~المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي لله تعالى يعطي ما يشاء لعباده ، ~~والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه ، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون ~~هو بذلك أعز منهم ، فآمنه الله تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل ms4845 ~~والإيذاء ، ومثله قوله تعالى : { كتب الله لاغلبن أنا ورسلى } ( المجادلة : ~~21 ) { إنا لننصر رسلنا } ( غافر : 51 ) الثاني : قال الأصم : المراد أن ~~المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها لله ~~تعالى فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم ~~وديارهم إليك . # فإن قيل : قوله : { إن العزة لله جميعا } كالمضادة لقوله تعالى : { ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين } ( المنافقون : 8 ) . # قلنا : لا مضادة ، لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله . # أما قوله : { هو السميع العليم } أي يسمع ما يقولون ويعلم ما يعزمون عليه ~~وهو يكافئهم بذلك . # وأما قوله : { ألا إن لله من فى * السماوات * ومن فى الارض } ففيه وجهان ~~: الأول : أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة { ألا إن لله ما فى * السماوات ~~والارض } وهذا يدل على أن كل ما لا يعقل فهو ملك لله تعالى وملك له ، وأما ~~ههنا فكلمة { من } مختصة بمن يعقل ، فتدل على أن كل العقلاء داخلون تحت ملك ~~الله وملكه فيكون مجموع الآيتين دالا على أن الكل ملكه وملكه . والثاني : ~~أن المراد { من فى * السماوات } العقلاء المميزون وهم الملائكة والثقلان . ~~وإنما خصهم بالذكر ليدل على أن / هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه فالجمادات ~~أولى بهذه العبودية فيكون ذلك قدحا في جعل الأصنام شركاء لله تعالى . # ثم قال تعالى : { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا ~~الظن } وفي كلمة { ما } قولان : الأول : أنه نفي وجحد ، والمعنى أنهم ما ~~اتبعوا شريك الله تعالى إنما اتبعوا شيئا ظنوه شريكا لله تعالى . ومثاله أن ~~أحدنا لو ظن أن زيدا في الدار وما كان فيها ، فخاطب إنسانا في الدار ظنه ~~زيدا فإنه لا يقال : إنه خاطب زيدا بل يقال خاطب من ظنه زيدا . الثاني : أن ~~{ ما } استفهام ، كأنه قيل : أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ، ~~والمقصود تقبيح فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء . PageV17P105 # ثم قال تعالى : { إن يتبعون إلا الظن } والمعنى أنهم إنما اتبعوا ظنونهم ~~الباطلة وأوهامهم الفاسدة ، ثم ms4846 بين أن هذا الظن لا حكم له { وإن هم إلا ~~يخرصون } وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله : { إن يتبعون إلا ~~الظن وإن هم إلا يخرصون } ( الأنعام : 16 ) . # ! 7 < { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن فى ذالك ~~لآيات لقوم يسمعون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 67 ) هو الذي جعل . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر قوله : { إن العزة لله جميعا } احتج عليه بهذه ~~الآية ، والمعنى أنه تعالى جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه ، ~~وجعل النهار مبصرا أي مضيئا لتهتدوا به في حوائجكم بالأبصار ، والمبصر الذي ~~يبصر ، والنهار يبصر فيه ، وإنما جعله مبصرا على طريق نقل الاسم من السبب ~~إلى المسبب . # فإن قيل : إن قوله : { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } يدل على أنه ~~تعالى ما خلقه إلا لهذا الوجه ، وقوله : { إن فى ذالك لآيات لقوم يسمعون } ~~يدل على أنه تعالى أراد بتخليق الليل والنهار أنواعا كثيرة من الدلائل . # قلنا : إن قوله تعالى : { لتسكنوا } لا يدل على أنه لا حكمة فيه إلا ذلك ~~، بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة . # / أما قوله تعالى : { إن فى ذالك لآيات لقوم يسمعون } فالمراد يتدبرون ما ~~يسمعون ويعتبرون به . # ! 7 < { قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما فى السماوات وما فى ~~الا رض إن عندكم من سلطان بهاذآ أتقولون على الله ما لا تعلمون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 68 ) قالوا اتخذ الله . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من الأباطيل التي حكاها الله تعالى عن الكفار ~~وهي قولهم : { اتخذ الله ولدا } ويحتمل أن يكون المراد حكاية قول من يقول : ~~الملائكة بنات الله ، ويحتمل أن يكون المراد قول من يقول : الأوثان أولاد ~~الله ، ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قوم من النصارى قالوا ذلك ثم إنه تعالى ~~لما استنكر هذا القول قال بعده : { هو الغني له ما فى * السماوات وما في ~~الارض } . # واعلم أن كونه تعالى غنيا مالكا لكل ما في السموات والأرض يدل على أنه ~~يستحيل أن يكون له ولد ، وبيان ذلك من وجوه ms4847 : الأول : أنه سبحانه غني مطلقا ~~على ما في هذه الآية ، والعقل أيضا يدل عليه ، لأنه لو كان محتاجا لافتقر ~~إلى صانع آخر ، وهو محال وكل من كان غنيا فإنه لا بد أن يكون فردا منزها عن ~~الأجزاء PageV17P106 والأبعاض ، وكل من كان كذلك امتنع أن ينفصل عنه جزء من ~~أجزائه ، والولد عبارة عن أن ينفصل جزء من أجزاء الإنسان ، ثم يتولد عن ذلك ~~الجزء مثله ، وإذا كان هذا محالا ثبت أن كونه تعالى غنيا يمنع ثبوت الولد ~~له . # الحجة الثانية : أنه تعالى غني وكل من كان غنيا كان قديما أزليا باقيا ~~سرمديا ، وكل من كان كذلك ، امتنع عليه الانقراض والانقضاء ، والولد إنما ~~يحصل للشيء الذي ينقضي ، وينقرض ، فيكون ولده قائما مقامه ، فثبت أن كونه ~~تعالى غنيا ، يدل على أنه يمتنع أن يكون له ولد . # الحجة الثالثة : أنه تعالى غني وكل من كان غنيا فإنه يمتنع أن يكون ~~موصوفا بالشهوة واللذة وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون له صاحبة وولد . # الحجة الرابعة : أنه تعالى غني ، وكل من كان غنيا امتنع أن يكون له ولد ، ~~لأن اتخاذ الولد إنما يكون في حق من يكون محتاجا حتى يعينه ولده على ~~المصالح الحاصلة والمتوقعة ، فمن كان غنيا مطلقا امتنع عليه اتخاذ الولد . # / الحجة الخامسة : ولد الحيوان إنما يكون ولدا له بشرطين : إذا كان ~~مساويا له في الطبيعة والحقيقة ، ويكون ابتداء وجوده وتكونه منه ، وهذا في ~~حق الله تعالى محال ، لأنه تعالى غني مطلقا ، وكل من كان غنيا مطلقا كان ~~واجب الوجود لذاته ، فلو كان لواجب الوجود ولد ، لكان ولده مساويا له . ~~فيلزم أن يكون ولد واجب الوجود أيضا واجب الوجود ، لكن كونه واجب الوجود ~~يمنع من تولده من غيره ، وإذا لم يكن متولدا من غيره لم يكن ولدا ، فثبت أن ~~كونه تعالى غنيا من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له ، وهذه الثلاثة ~~مع الثلاثة الأول في غاية القوة . # الحجة السادسة : أنه تعالى غني ، وكل من كان غنيا امتنع أن يكون له أب ~~وأم ms4848 ، وكل من تقدس عن الوالدين وجب أن يكون مقدسا عن الأولاد . # فإن قيل : يشكل هذا بالوالد الأول ؟ # قلنا : الوالد الأول لا يمتنع كونه ولدا لغيره ، لأنه سبحانه وتعالى قادر ~~على أن يخلق الوالد الأول من أبوين يقدمانه أما الحق سبحانه فإنه يمتنع ~~افتقاره إلى الأبوين ، وإلا لما كان غنيا مطلقا . # الحجة السابعة : إنه تعالى غني مطلقا ، وكل من كان غنيا مطلقا امتنع أن ~~يفتقر في إحداث الأشياء إلى غيره . # إذا ثبت هذا فنقول : هذا الولد ، إما أن يكون قديما أو حادثا ، فإن كان ~~قديما فهو واجب الوجود لذاته ، آذ لو كان ممكن الوجود لافتقر إلى المؤثر ، ~~وافتقار القديم إلى المؤثر يقتضي إيجاد الموجود وهو محال ، وإذا كان واجب ~~الوجود لذاته لم يكن ولدا لغيره / بل كان موجودا مستقلا بنفسه ، وأما إن ~~كان هذا الولد حادثا والحق سبحانه غني مطلقا فكان قادرا على إحداثه ابتداء ~~من غير تشريك شيء آخر ، فكان هذا عبدا مطلقا ، ولم يكن ولدا ، فهذه جملة ~~الوجوه المستنبطة من قوله : { هو الغنى } الدالة على أنه يمتنع أن يكون له ~~ولد . PageV17P107 # أما قوله : { له ما في السماوات وما في الارض } فاعلم أنه نظير قوله : { ~~إن كل من فى * السماوات والارض * إلا اتى الرحمان عبدا } ( مريم : 93 ) ~~وحاصله يرجع إلى أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن ، وكل ممكن محتاج ، وكل ~~محتاج محدث ، فكل ما سوى الواحد الأحد الحق محدث ، والله تعالى محدثه ~~وخالقه وموجده وذلك يدل على فساد القول بإثبات الصاحبة والولد ، ولما بين ~~تعالى بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه ، عطف عليهم بالإنكار والتوبيخ ~~فقال : { إن عندكم من سلطان بهاذا } منبها بهذا على أنه لا حجة عندهم في ~~ذلك ألبتة . ثم بالغ في ذلك الإنكار فقال : { أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون } وقد / ذكرنا أن هذه الآية يحتج بها في إبطال التقليد في أصول ~~الديانات ونفاة القياس وأخبار الآحاد قد يحتجون بها في إبطال هذين الأصلين ~~وقد سبق الكلام فيه . # ! 7 < { قل إن الذين يفترون على الله الكذب ms4849 لا يفلحون * متاع فى الدنيا ~~ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 69 - 70 ) قل إن الذين . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل القاهر أن إثبات الولد لله تعالى قول ~~باطل ثم بين أنه ليس لهذا القائل دليل على صحة قوله ، فقد ظهر أن ذلك ~~المذهب افتراء على الله ونسبه لما لا يليق به إليه ، فبين أن من هذا حاله ~~فإنه لا يفلح ألبتة ألا ترى أنه تعالى قال في أول سورة المؤمنون : { قد ~~أفلح المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) وقال في آخر هذه السورة : { إنه لا يفلح ~~الكافرون } ( المؤمنون : 117 ) . # واعلم أن قوله : { إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } يدخل فيه ~~هذه الصورة ولكنه لا يختص بهذه الصورة بل كل من قال في ذات الله تعالى وفي ~~صفاته قولا بغير علم وبغير حجة بينة كان داخلا في هذا الوعيد ، ومعنى قوله ~~: { لا يفلح } قد ذكرناه في أول سورة البقرة في قوله تعالى : { وأولائك هم ~~المفلحون } ( آل عمران : 104 ) وبالجملة فالفلاح عبارة عن الوصول إلى ~~المقصود والمطلوب ، فمعنى أنه لا يفلح هو أنه لا ينجح في سعيه ولا يفوز ~~بمطلوبه بل خاب وخسر ، ومن الناس من إذا فاز بشيء من المطالب العاجلة ~~والمقاصد الخسيسة ، ظن أنه قد فاز بالمقصد الأقصى ، والله سبحانه أزال هذا ~~الخيال بأن قال : إن ذلك المقصود الخسيس متاع قليل في الدنيا ، ثم لا بد من ~~الموت ، وعند الموت لا بد من الرجوع إلى الله وعند هذا الرجوع لا بد من أن ~~يذيقه العذاب الشديد بسبب ذلك الكفر المتقدم ، وهذا كلام في غاية الانتظام ~~ونهاية الحسن والجزالة . والله أعلم . # ! 7 < { واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه ياقوم إن كان كبر عليكم مقامى ~~وتذكيرى بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركآءكم ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلى ولا تنظرون * فإن توليتم فما سألتكم من أجر ~~إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 71 ms4850 - 72 ) واتل عليهم نبأ . . . . . # > > PageV17P108 # / اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات ، وفي الجواب عن ~~الشبه والسؤالات ، شرع بعد ذلك في بيان قصص الأنبياء عليهم السلام لوجوه : ~~أحدها : أن الكلام إذا أطال في تقرير نوع من أنواع العلوم ، فربما حصل نوع ~~من أنواع الملالة فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر ، ~~انشرح صدره وطاب قلبه ووجد في نفسه رغبة جديدة وقوة حادثة وميلا قويا . ~~وثانيها : ليكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولأصحابه أسوة بمن سلف من ~~الأنبياء ، فإن الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع الكل الرسل ما ~~كانت إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه ، كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت ~~. وثالثها : أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص ، وعلموا أن الجهال ، وإن ~~بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن الله تعالى أعانهم بالآخرة ~~ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم ، كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سببا ~~لانكسار قلوبهم ، ووقوع الخوف والوجل في صدورهم ، وحينئذ يقللون من أنواع ~~الإيذاء والسفاهة . ورابعها : أنا قد دللنا على أن محمدا عليه الصلاة ~~والسلام لما لم يتعلم علما ، ولم يطالع كتابا ثم ذكر هذه الأقاصيص من غير ~~تفاوت ، ومن غير زيادة ومن غير نقصان ، دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم ~~إنما عرفها بالوحي والتنزيل . # واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة من قصص الأنبياء عليهم السلام ثلاثة . # فالقصة الأولى : قصة نوح عليه السلام ، وهي المذكورة في هذه الآية ، ~~وفيها وجهان من الفائدة : الأول : أن قوم نوح عليهم السلام لما أصروا على ~~الكفر والجحد عجل الله هلاكهم بالغرق فذكر الله تعالى قصتهم لتصير تلك ~~القصة عبرة لهؤلاء الكفار ، وداعية إلى مفارقة الجحد بالتوحيد والنبوة . ~~والثاني : أن كفار مكة كانوا يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول عليه / ~~السلام لهم وكانوا يقولون له كذبت ، فإنه ما جاءنا هذا العذاب ، فالله ~~تعالى ذكر لهم قصة نوح عليه السلام لأنه عليه السلام كان يخوفهم بهذا ~~العذاب وكانوا يكذبونه فيه ، ثم بالآخرة وقع كما ms4851 أخبر فكذا ههنا . # المسألة الثانية : أن نوحا عليه السلام قال لقومه : { إن كان كبر عليكم ~~مقامى وتذكيرى بآيات الله فعلى الله توكلت } وهذا جملة من الشرط والجزاء ، ~~أما الشرط فهو مركب من قيدين : # القيد الأول : قوله : { إن كان كبر عليكم مقامى } قال الواحدي في ( ~~البسيط ) : يقال كبر يكبر كبرا في السن ، وكبر الأمر والشيء إذا عظم يكبر ~~كبرا وكبارة . قال ابن عباس : ثقل عليكم وشق عليكم وعظم أمره عندكم والمقام ~~بفتح الميم مصدر كالإقامة . يقال : أقام بين أظهرهم مقاما وإقامة ، والمقام ~~بضم الميم الموضع الذي يقام فيه ، وأراد بالمقام ههنا مكثه ولبثه فيهم ~~وبالجملة فقوله : { كبر عليكم مقامى } جار مجرى قولهم : فلان ثقيل الظل . # واعلم أن سبب هذا الثقل أمران : أحدهما : أنه عليه السلام مكث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما . والثاني : أن أولئك الكفار كانوا قد ألفوا تلك ~~المذاهب الفاسدة والطرائق الباطلة والغالب أن من ألف طريقة PageV17P109 في ~~الدين فإنه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها / ويذكر له ركاكتها ، فإن اقترن ~~بذلك طول مدة الدعاء كان أثقل وأشد كراهية ، فإن اقترن به إيراد الدلائل ~~القاهرة على فساد تلك المذهب كانت النفرة أشد فهذا هو السبب في حصول ذلك ~~الثقل . # والقيد الثاني : هو قوله : { وتذكيرى بآيات الله } . # واعلم أن الطباع المشغوفة بالدنيا الحريصة على طلب اللذات الهاجلة تكون ~~شديدة النفرة عن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات ، قوية ~~الكراهة لسماع ذكر الموت وتقبيح صورة الدنيا ومن كان كذلك فإنه يستثقل ~~الإنسان الذي يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وفي الآية وجه آخر وهو أن ~~يكون قوله : { إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى بآيات الله } معناه أنهم ~~كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم ظاهرا ~~وكلامهم مسموعا ، كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين ~~قائما وهم قعود . # واعلم أن هذا هو الشرط المذكور في هذه الآية ، أما الجزاء ففيه قولان : # القول الأول : أن الجزاء هو قوله : { فعلى الله توكلت } يعني أن شدة ~~بغضكم لي تحملكم على ms4852 الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر إلا ~~بالتوكل على الله . # / واعلم أنه عليه السلام كان أبدا متوكلا على الله تعالى ، وهذا اللفظ ~~يوهم أنه توكل على الله في هذه الساعة ، لكن المعنى أنه إنما توكل على الله ~~في دفع هذا الشر في هذه الساعة . # والقول الثاني : وهو قول الأكثرين إن جواب الشرط هو قوله : { فأجمعوا ~~أمركم وشركاءكم } وقوله : { فعلى الله توكلت } كلام اعترض به بين الشرط ~~وجوابه كما تقول في الكلام إن كنت أنكرت علي شيئا فالله حسبي فاعمل ما تريد ~~واعلم أن جواب هذا الشرط مشتمل على قيود خمسة على الترتيب . # القيد الأول : قوله : { فأجمعوا أمركم } وفيه بحثان : # البحث الأول : قال الفراء : الإجماع الإعداد والعزيمة على الأمر وأنشد : # % ف يا ليت شعري والمنى لا ينفع % % هل اغدون يوما وأمري مجمع % # فإذا أردت جمع التفرق قلت : جمعت القوم فهم مجموعون ، وقال أبو الهيثم : ~~أجمع أمره ، أي جعله جميعا بعد ما كان متفرقا ، قال : وتفرقه ، أي جعل ~~يتدبره فيقول : مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه ~~، أي جعله جميعا فهذا هو الأصل في الإجماع ، ومنه قوله تعالى : { وما كنت ~~لديهم إذ أجمعوا أمرهم } ( يوسف : 102 ) ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى ~~فقيل : أجمعت على الأمر ، أي عزمت عليه ، والأصل أجمعت الأمر . # البحث الثاني : روى الأصمعي عن نافع { فأجمعوا أمركم } بوصل الألف من ~~الجمع وفيه وجهان : الأول : قال أبو علي الفارسي : فاجمعوا ذوي الأمر منكم ~~فحذف المضاف ، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت . ~~الثاني : قال ابن الأنباري : المراد من الأمر ههنا وجوه كيدهم ومكرهم ، ~~PageV17P110 فالتقدير : ولا تدعوا من أمركم شيئا إلا أحضرتموه . # والقيد الثاني : قوله : { وشركاءكم } وفيه أبحاث : # البحث الأول : الواو ههنا بمعنى مع ، والمعنى : فأجمعوا أمركم مع شركائكم ~~، ونظيره قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها ، ولو خليت نفسك والأسد ~~لأكلك . # البحث الثاني : يحتمل أن يكون المراد من الشركاء الأوثان التي سموها ~~بالآلهة ، ويحتمل أن يكون المراد منها ms4853 من كان على مثل قولهم ودينهم ، فإن ~~كان المراد هو الأول فإنما حث الكفار على الاستعانة بالأوثان بناء على ~~مذهبهم من أنها تضر وتنفع ، وإن كان المراد هو الثاني فوجه الاستعانة بها ~~ظاهر . # البحث الثالث : قرأ الحسن وجماعة من القراء { وشركاؤكم } بالرفع عطفا على ~~الضمير / المرفوع ، والتقدير : فأجمعوا أنتم وشركاؤكم . قال الواحدي : وجاز ~~ذلك من غير تأكيد الضمير كقوله : { اسكن أنت وزوجك الجنة } ( البقرة : 35 ) ~~لأن قوله : { أمركم } فصل بين الضمير وبين المنسوق ، فكان كالعوض من ~~التوكيد وكان الفراء يستقبح هذه القراءة ، لأنها توجب أن يكتب وشركاؤكم ~~بالواو وهذا الحرف غير موجود في المصاحف . # القيد الثالث : قوله : { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } قال أبو الهيثم : ~~أي مبهما من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس قال طرفة : # % ف لعمري ما أمري علي بغمة % % نهاري ولا ليلي علي بسرمد % # وقال الليث : إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له . قال الزجاج : أي ليكن ~~أمركم ظاهرا منكشفا . # القيد الرابع : قوله : { ثم اقضوا إلى } وفيه بحثان : # البحث الأول : قال ابن الأنباري معناه ثم امضوا إلي بمكروهكم وما ~~توعدونني به ، تقول العرب : قضى فلان ، يريدون مات ومضى ، وقال بعضهم : ~~قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه وبه يسمى القاضي ، لأنه إذا حكم فقد ~~فرغ فقوله : { ثم اقضوا إلى } أي افرغوا من أمركم وامضوا ما في أنفسكم ~~واقطعوا ما بيني وبينكم ، ومنه قوله تعالى : { وقضينا إلى بنى إسراءيل فى ~~الكتاب } ( الإسراء : 4 ) أي أعلمناهم إعلاما قاطعا ، قال تعالى : { وقضينآ ~~إليه ذلك الامر } ( الحجر : 66 ) قال القفال رحمه الله تعالى ومجاز دخول ~~كلمة { إلى } في هذا الموضع من قولهم برئت إليك وخرجت إليك من العهد ، وفيه ~~معنى الإخبار فكأنه تعالى قال : ثم اقضوا ما يستقر رأيكم عليه محكما مفروغا ~~منه . # البحث الثاني : قرىء ثم أفضوا إلي بالفاء بمعنى ثم انتهوا إلى بشركم ، ~~وقيل : هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء ، أي أصحروا به إلي وأبرزوه ~~إلي . # القيد الخامس : قوله : { ولا تنظرون } معناه لا ms4854 تمهلون بعد إعلامكم إياي ~~ما اتفقتم عليه فهذا هو تفسير هذه الألفاظ ، وقد نظم القاضي هذا الكلام على ~~أحسن الوجوه فقال إنه عليه السلام قال : ( في أول الأمر فعلى الله توكلت ~~فإني واثق بوعد الله جازم بأنه لا يخلف الميعاد ولا تظنوا أن تهديدكم إياي ~~بالقتل والإيذاء يمنعني من الدعاء إلى الله تعالى ) ثم إنه عليه السلام ~~أورد ما يدل على صحة دعوته فقال : ( فأجمعوا أمركم ) فكأنه يقول ~~PageV17P111 لهم أجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب التي توجب حصول ~~مطلوبكم ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم أن يضموا إلى أنفسهم شركائهم الذين ~~كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانتهم وبالتقرب إليهم ، ثم لم يقتصر على ~~هذين بل ضم إليهما ثالثا وهو قوله : { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } وأراد ~~أن يبلغوا فيه كل غاية في المكاشفة والمجاهرة ، ثم لم يقتصر على ذلك حتى / ~~ضم إليها : رابعا فقال : { ثم اقضوا إلى } والمراد أن وجهوا كل تلك الشرور ~~إلي ، ثم ضم إلى ذلك خامسا . وهو قوله : { ولا تنظرون } أي عجلوا ذلك بأشد ~~ما تقدرون عليه من عير أنظار فهذا آخر هذا الكلام ومعلوم أن مثل هذا الكلام ~~يدل على أنه عليه السلام كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله تعالى وأنه ~~كان قاطعا بأن كيدهم لا يصل إليه ومكرهم لا ينفذ فيه . # وأما قوله تعالى : { فإن توليتم فما سألتكم من أجر } فقال المفسرون : هذا ~~إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالا على دعوتهم إلى دين الله تعالى ومتى كان ~~الإنسان فارغا من الطمع كان قوله أقوى تأثيرا في القلب . وعندي فيه وجه آخر ~~وهو أن يقال : إنه عليه السلام بين أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه وذلك ~~لأن الخوف إنما يحصل بأحد شيئين إما بإيصال الشر أو بقطع المنافع ، فبين ~~فيما تقدم أنه لا يخاف شرهم وبين بهذه الآية أنه لا يخاف منهم بسبب أن ~~يقطعوا عنه خيرا ، لأنه ما أخذ منهم شيئا فكان يخاف أن يقطعوا منه خيرا . # ثم ms4855 قال : { إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين } وفيه قولان ~~: الأول : أنكم سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوا ، فأنا مأمور بأن أكون ~~على دين الإسلام . والثاني : أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلي لأجل هذه ~~الدعوة . وهذا الوجه أليق بهذا الموضع ، لأنه لما قال : { ثم اقضوا إلى } ~~بين لهم أنه مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إليه في هذا الباب ، والله أعلم . # ! 7 < { فكذبوه فنجيناه ومن معه فى الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين ~~كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 73 ) فكذبوه فنجيناه ومن . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى الكلمات التي جرت بين نوح وبين أولئك الكفار ~~، ذكر ما إليه رجعت عاقبة تلك الواقعة ، أما في حق نوح وأصحابه فأمران : ~~أحدهما : أنه تعالى نجاهم من الكفار . الثاني : أنه جعلهم خلائف بمعنى أنهم ~~يخلفون من هلك بالغرق ، وأما في حق الكفار فهو أنه تعالى أغرقهم وأهلكهم . ~~وهذه القصة إذا سمعها من صدق الرسول ومن كذب به كانت زجرا للمكلفين من حيث ~~يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح وتكون داعية للمؤمنين على الثبات ~~على الإيمان ، ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح ، وهذه الطريقة في ~~الترغيب والتحذير إذا جرت على / سبيل الحكاية عمن تقدم كانت أبلغ من الوعيد ~~المبتدأ وعلى هذا الوجه ذكر تعالى أقاصيص الأنبياء عليهم السلام . # وأما تفاصيل هذه القصة فهي مذكورة في سائر السور . # ! 7 < { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 74 ) ثم بعثنا من . . . . . # > > PageV17P112 # اعلم أن المراد : ثم بعثنا من بعد نوح رسلا ولم يسمهم ، وكان منهم هود ~~وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوات الله عليهم أجمعين بالبينات ، وهي ~~المعجزات القاهرة ، فأخبر تعالى عنهم أنهم جروا على منهاج قوم نوح في ~~التكذيب ، ولم يزجرهم ما بلغهم من إهلاك الله تعالى المكذبين من قوم نوح عن ~~ذلك ، فلهذا قال : { فما كانوا ليؤمنوا بما ms4856 كذبوا به من قبل } وليس المراد ~~عين ما كذبوا به ، لأن ذلك لم يحصل في زمانه بل المراد بمثل ما كذبوا به من ~~البينات ، لأن البينات الظاهرة على الأنبياء عليهم السلام أجمع كأنها واحدة ~~. # ثم قال تعالى : { كذلك نطبع على قلوب المعتدين } واحتج أصحابنا على أن ~~الله تعالى قد يمنع المكلف عن الإيمان بهذه الآية وتقريره ظاهر . قال ~~القاضي : الطبع غير مانع من الإيمان بدليل قوله تعالى : { بل طبع الله ~~عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } ( النساء : 155 ) ولو كان هذا الطبع ~~مانعا لما صح هذا الاستثناء ؟ # والجواب : أن الكلام في هذه المسألة قد سبق على الاستقصاء في تفسير قوله ~~تعالى : { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم } ( البقرة : 7 ) فلا فائدة في ~~الإعادة . # / القصة الثانية # قصة موسى عليه السلام # ! 7 < { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا إن هاذا ~~لسحر مبين * قال موسى أتقولون للحق لما جآءكم أسحر هاذا ولا يفلح الساحرون ~~} . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 75 - 77 ) ثم بعثنا من . . . . . # > > # اعلم أن هذا الكلام غني عن التفسير وفيه سؤال واحد ، وهو أن القوم لما ~~قالوا : { إن هاذا لسحر مبين } فكيف حكى موسى عليه السلام أنهم قالوا : { ~~أسحر هاذا } على سبيل الاستفهام ؟ # وجوابه : أن موسى عليه السلام ما حكى عنهم أنهم قالوا : { أسحر هاذا } بل ~~قال : { أتقولون للحق لما جاءكم } PageV17P113 ما تقولون ، ثم حذف عنه ~~مفعول { أتقولون } لدلالة الحال عليه ، ثم قال مرة أخرى { أسحر هاذا } وهذا ~~استفهام على سبيل الإنكار ، ثم احتج على أنه ليس بسحر ، وهو قوله : { ولا ~~يفلح الساحرون } يعني أن حاصل صنعهم تخييل وتمويه { ولا يفلح الساحرون } ~~وأما قلب العصا حية وفلق البحر ، فمعلوم بالضرورة أنه ليس من باب التخييل ~~والتمويه فثبت أنه ليس بسحر . # ! 7 < { قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه ءاباءنا وتكون لكما ~~الكبريآء فى الا رض وما نحن لكما بمؤمنين * وقال فرعون ائتونى بكل ساحر ~~عليم * فلما جآء السحرة قال لهم موسى ms4857 ألقوا مآ أنتم ملقون * فلمآ ألقوا قال ~~موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين * ويحق ~~الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 78 - 82 ) قالوا أجئتنا لتلفتنا . . . . . # > > # /وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى حكى عن فرعون وقومه أنهم لم يقبلوا دعوة ~~موسى عليه السلام ، وعللوا عدم القبول بأمرين : الأول : قوله : { أجئتنا ~~لتلفتنا عما وجدنا عليه * ءابائنا } قال الواحدي : اللفت في أصل اللغة ~~الصرف عن أمر ، وأصله اللي يقال : لفت عنقه إذا لواها ، ومن هذا يقال : ~~التفت إليه ، أي أمال وجهه إليه . قال الأزهري : لفت الشيء وفتله إذا لواه ~~، وهذا من المقلوب . # واعلم أن حاصل هذا الكلام أنهم قالوا : لا نترك الدين الذي نحن عليه ، ~~لأنا وجدنا آبائنا عليه ، فقد تمسكوا بالتقليد ودفعوا الحجة الظاهرة بمجرد ~~الإصرار . # والسبب الثاني : في عدم القبول قوله : { وتكون لكما الكبرياء فى الارض } ~~قال المفسرون : المعنى ويكون لكما الملك والعز في أرض مصر ، والخطاب لموسى ~~وهرون . قال الزجاج : سمى الملك كبرياء ، لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا ~~، وأيضا فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه ، فصار ~~أكبر القوم . # واعلم أن السبب الأول : إشارة إلى التمسكل بالتقليد ، والسبب الثاني : ~~إشارة إلى الحرص على طلب / الدنيا ، والجد في بقاء الرياسة ، ولما ذكر ~~القوم هذين السببين صرحوا بالحكم وقالوا : { وما نحن لكما بمؤمنين } . # واعلم أن القوم لما ذكروا هذه المعاني حاولوا بعد ذلك ، وأرادوا أن ~~يعارضوا معجزة موسى عليه السلام بأنواع من السحر ، ليظهروا عند الناس أن ما ~~أتى به موسى من باب السحر ، فجمع فرعون السحرة وأحضرهم ، { فقال لهم * موسى ~~ألقوا ما أنتم ملقون } . PageV17P114 # فإن قيل : كيف أمرهم بالكفر والسحر والأمر بالكفر كفر ؟ # قلنا : إنه عليه السلام أمرهم بإلقاء الحبال والعصي ، ليظهر للخلق أن ما ~~أتوا به عمل فاسد وسعي باطل ، لا على طريق أنه عليه السلام أمرهم بالسحر ، ~~فلما ألقوا حبالهم وعصيهم قال لهم موسى ما جئتم به هو السحر الباطل ، ~~والغرض منه أن ms4858 القوم قالوا لموسى : إن ما جئت به سحر ، فذكر موسى عليه ~~السلام أن ما ذكرتموه باطل ، بل الحق أن الذي جئتم به هو السحر والتمويه ~~الذي يظهر بطلانه ، ثم أخبرهم بأن الله تعالى يحق الحق ويبطل الباطل ، وقد ~~أخبر الله تعالى في سائر السور أنه كيف أبطل ذلك السحر ، وذلك بسبب أن ذلك ~~الثعبان قد تلقف كل تلك الجبال والعصي . # المسألة الثانية : قوله : { ما جئتم به السحر } ما ههنا موصولة بمعنى ~~الذي وهي مرتفعة بالابتداء ، وخبرها السحر ، قال الفراء : وإنما قال : { ~~السحر } بالألف واللام ، لأنه جواب كلام سبق ألا ترى أنهم قالوا : لما ~~جاءهم موسى هذا سحر ، فقال لهم موسى : بل ما جئتم به السحر ، فوجب دخول ~~الألف واللام ، لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة ، يقول الرجل لغيره : لقيت ~~رجلا فيقول له من الرجل فيعيده بالألف واللام ، ولو قال له من رجل لم يقع ~~في فهمه أنه سأله عن الرجل الذي ذكره له . وقرأ أبو عمرو : { السحر } ~~بالاستفهام / وعلى هذه القراءة ما استفهامية مرتفع بالابتداء ، وجئتم به في ~~موضع الخبر كأنه قيل : أي شيء جئتم به . ثم قال على وجه التوبيخ والتقريع : ~~{ السحر } كقوله تعالى : { قلت للناس اتخذونى } ( المائدة : 116 ) والسحر ~~بدل من المبتدأ ، ولزم أن يلحقه الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه ~~استفهام ، كما تقول كم مالك أعشرون أم ثلاثون ؟ فجعلت أعشرون بدلا من كم ، ~~ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر ، لأنك إذا أبدلته من المبتدأ صار في موضعه ~~وصار ما كان خبرا عن المبدل منه خبرا عنه . # ثم قال تعالى : { إن الله سيبطله } أي سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه { إن ~~الله لا يصلح عمل المفسدين } أي لا يقويه ولا يكمله . # ثم قال : { ويحق الله الحق } ومعنى إحقاق الحق إظهاره وتقويته . وقوله : ~~{ بكلماته } أي بوعده / موسى . وقيل بما سبق من قضائه وقدره ، وفي كلمات ~~الله أبحاث غامضة عميقة عالية ، وقد ذكرناها في بعض مواضع من هذا الكتاب . # ! 7 < { فمآ ءامن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم ms4859 أن ~~يفتنهم وإن فرعون لعال في الا رض وإنه لمن المسرفين } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 83 ) فما آمن لموسى . . . . . # > > واعلم أنه تعالى بين فيما تقدم ما كان من موسى عليه السلام من ~~المعجزات العظيمة وما ظهر من تلقف العصا لكل ما أحضروه من آلات السحر ، ثم ~~إنه تعالى بين أنهم مع مشاهدة المعجزات العظيمة ما آمن به منهم إلا ذرية من ~~قومه ، وإنما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه كان ~~يغتم بسبب إعراض القوم عنه PageV17P115 واستمرارهم على الكفر ، فبين أن له ~~في هذا الباب بسائر الأنبياء أسوة ، لأن الذي ظهر من موسى عليه السلام كان ~~في الإعجاز في مرأى العين أعظم ، ومع ذلك فما آمن به منهم إلا ذرية . ~~واختلفوا في المراد بالذرية على وجوه : الأول : أن الذرية ههنا معناها ~~تقليل العدد . قال ابن عباس : لفظ الذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير ~~والتصغير ، ولا سبيل إلى حمله على التقدير على وجه الإهانة في هذا الموضع ~~فوجب حمله على التصغير بمعنى قلة العدد . الثاني : قال بعضهم : المراد ~~أولاد من دعاهم ، لأن الآباء استمروا على الكفر ، إما لأن قلوب الأولاد ~~ألين أو دواعيهم على الثبات على الكفر أخف . الثالث : أن الذرية قوم كان ~~آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل . الرابع : الذرية من آل ~~فرعون آسية امرأة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وماشطتها . وأما الضمير في ~~قوله : { من قومه } فقد اختلفوا أن المراد من قوم موسى أو من قوم فرعون ، ~~لأن ذكرهما جميعا قد تقدم والأظهر أنه عائد إلى موسى ، لأنه أقرب المذكورين ~~ولأنه نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل . # أما قوله : { على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم } ففيه أبحاث : # البحث الأول : أن أولئك الذين آمنوا بموسى كانوا خائفين من فرعون جدا ، ~~لأنه كان شديد البطش وكان قد أظهر العداوة مع موسى ، فإذا علم ميل القوم ~~إلى موسى كان يبالغ في إيذائهم ، فلهذا السبب كانوا خائفين منه . # / البحث الثاني : إنما قال : { وملئهم } مع أن ms4860 فرعون واحد لوجوه : الأول ~~: أنه قد يعبر عن الواحد بلفظ الجمع ، والمراد التعظيم قال الله تعالى : { ~~إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) الثاني : أن المراد بفرعون آل فرعون . ~~الثالث : أن هذا من باب حذف المضاف كأنه أريد بفرعون آل فرعون . # ثم قال : { أن يفتنهم } أي يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم . # ثم قال : { وإن فرعون لعال في الارض } أي لغالب فيها قاهر { وإنه لمن ~~المسرفين } قيل : المراد أنه كثير القتل كثير التعذيب لمن يخالفه في أمر من ~~الأمور ، والغرض منه بيان السبب في كون أولئك المؤمنين خائفين ، وقيل : ~~إنما كان مسرفا لأنه كان من أخس العبيد فادعى الإلهية . # ! 7 < { وقال موسى ياقوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ~~ونجنا برحمتك من القوم الكافرين } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 84 - 86 ) وقال موسى يا . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أن قوله : { وقال موسى ياقوم إن كنتم ءامنتم بالله ~~فعليه توكلوا } جزاء معلق على شرطين : أحدهما متقدم والآخر متأخر ، ~~والفقهاء قالوا : المتأخر يجب أن يكون متقدما والمتقدم يجب أن يكون متأخرا ~~ومثاله أن يقول الرجل لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيدا ~~وإنما كان الأمر PageV17P116 كذلك ، لأن مجموع قوله : إن دخلت الدار فأنت ~~طالق ، صار مشروطا بقوله إن كلمت زيدا ، والمشروط متأخر عن الشرط ، وذلك ~~يقتضي أن يكون المتأخر في اللفظ متقدما في المعنى ، وأن يكون المتقدم في ~~اللفظ متأخرا في المعنى والتقدير : كأنه يقول لامرأته حال ما كلمت زيدا إن ~~دخلت الدار فأنت طالق ، فلو حصل هذا التعليق قبل إن كلمت زيدا لم يقع ~~الطلاق . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وقال موسى ياقوم إن كنتم ءامنتم بالله ~~فعليه توكلوا } يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطا لأن يصيروا مخاطبين بقوله ~~: { وقال موسى ياقوم إن كنتم ءامنتم } فكأنه / تعالى يقول للمسلم حال ~~إسلامه إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكل ، والأمر كذلك ، لأن ~~الإسلام عبارة عن الاستسلام ، وهو إشارة ms4861 إلى الانقياد للتكاليف الصادرة عن ~~الله تعالى وإظهار الخضوع وترك التمرد ، وأما الإيمان فهو عبارة عن صيرورة ~~القلب عارفا بأن واجب الوجود لذاته واحد وأن ما سواه محدث مخلوق تحت تدبيره ~~وقهره وتصرفه ، وإذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع أموره ~~إلى الله تعالى ويحصل في القلب نور التوكل على الله فهذه الآية من لطائف ~~الأسرار ، والتوكل على الله عبارة عن تفويض الأمور بالكلية إلى الله تعالى ~~والاعتماد في كل الأحوال على الله تعالى . # واعلم أن من توكل على الله في كل المهمات كفاه الله تعالى كل الملمات ~~لقوله : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } ( الطلاق : 3 ) . # المسألة الثانية : أن هذا الذي أمر موسى قومه به وهو التوكل على الله هو ~~الذي حكاه الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال : { فعلى الله توكلت } ( ~~يونس : 71 ) وعند هذا يظهر التفاوت بين الدرجتين لأن نوحا عليه السلام وصف ~~نفسه بالتوكل على الله تعالى ، وموسى عليه السلام أمر قومه بذلك فكان نوحا ~~عليه السلام تاما ، وكان موسى عليه السلام فوق التمام . # المسألة الثالثة : إنما قال : { فعليه توكلوا } ولم يقل توكلوا عليه ، ~~لأن الأول يفيد الحصر كأنه عليه السلام أمرهم بالتوكل عليه ونهاهم عن ~~التوكل على الغير ، والأمر كذلك ، لأنه لما ثبت أن كل ما سواه فهو ملكه ~~وملكه وتحت تصرفه وتسخيره وتحت حكمه وتدبيره ، امتنع في العقل أن يتوكل ~~الإنسان على غيره ، فلهذا السبب جاءت هذ الكلمة بهذه العبارة ، ثم بين ~~تعالى أن موسى عليه السلام لما أمرهم بذلك قبلوا قوله : { وقالوا * على ~~الله توكلنا } أي توكلنا عليه ، ولا نلتفت إلى أحد سواه ، ثم لما فعلوا ذلك ~~اشتغلوا بالدعاء ، فطلبوا من الله تعالى شيئين : أحدهما : أن قالوا : { ~~ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } وفيه وجوه : الأول : أن المراد لا ~~تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا لوقع في قلوبهم أنا لو كنا على ~~الحق لما سلطتهم علينا / فيصير ذلك شبهة قوية في إصرارهم على الكفر فيصير ~~تسليطهم علينا فتنة ms4862 لهم . الثاني : أنك لو سلطتهم علينا لاستوجبوا العقاب ~~الشديد في الآخرة وذلك يكون فتنة لهم . الثالث : { لا تجعلنا فتنة * لهم } ~~أي موضع فتنة لهم ، أي موضع عذاب لهم . الرابع : أن يكون المراد من الفتنة ~~المفتون ، لأن إطلاق لفظ المصدر على المفعول جائز ، كالخلق بمعنى المخلوق ، ~~والتكوين بمعنى المكون ، والمعنى : لا تجعلنا مفتونين ، أي لا تمكنهم من أن ~~يحملونا بالظلم والقهر على أن ننصرف عن هذا الدين الحق الذي قبلناه ، وهذا ~~التأويل متأكد بما ذكره الله / تعالى قبل هذه الآية وهو قوله : { فما ءامن ~~لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم } PageV17P117 ~~وأما المطلوب الثاني في هذا الدعاء فهو قوله تعالى : { ونجنا برحمتك من ~~القوم الكافرين } . # واعلم أن هذا الترتيب يدل على أنه كان اهتمام هؤلاء بأمر دينهم فوق ~~اهتمامهم بأمر دنياهم ، وذلك لأنا إن حملنا قولهم : { ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للقوم الظالمين } على أنهم إن سلطوا على المسلمين صار ذلك شبهة لهم في أن ~~هذا الدين باطل فتضرعوا إلي تعالى في أن يصون أولئك الكفار عن هذه الشبهة ~~وقدموا هذا الدعاء على طلب النجاة لأنفسهم ، وذلك يدل على أن عنايتهم ~~بمصالح دين أعدائهم فوق عنايتهم بمصالح أنفسهم وإن حملناه على أن لا يمكن ~~الله تعالى أولئك الكفار من أن يحملوهم على ترك هذا الدين كان ذلك أيضا ~~دليلا على أن اهتمامهم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم وعلى ~~جميع التقديرات فهذه لطيفة شريفة . # ! 7 < { وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا ~~بيوتكم قبلة وأقيموا الصلواة وبشر المؤمنين } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 87 ) وأوحينا إلى موسى . . . . . # > > اعلم أنه لما شرح خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر منهم من التوكل ~~على الله تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهرون باتخاذ المساجد والإقبال على ~~الصلوات يقال : تبوأ المكان ، أي اتخذه مبوأ كقوله توطنه إذا اتخذه موطنا ، ~~والمعنى : اجعلا بمصر بيوتا لقومكما ومرجعا ترجعون إليه للعبادة والصلاة . # ثم قال : { واجعلوا بيوتكم قبلة } وفيه أبحاث : # البحث الأول : من الناس من قال ms4863 : المراد من البيوت المساجد كما في قوله ~~تعالى : { فى بيوت أذن الله أن ترفع * بعدى اسمه } ( النور : 36 ) ومنهم من ~~قال : المراد مطلق البيوت ، أما الأولون فقد فسروا القبلة بالجانب الذي ~~يستقبل في الصلاة ، ثم قالوا : والمراد من قوله : { واجعلوا بيوتكم قبلة } ~~أي اجعلوا بيوتكم مساجد تستقبلونها لأجل الصلاة ، وقال الفراء : واجعلوا ~~بيوتكم قبلة ، أي إلى القبلة ، وقال ابن الأنباري : واجعلوا بيوتكم قبلة أي ~~قبلا يعني مساجد فأطلق لفظ الوحدان ، والمراد الجمع ، واختلفوا في أن هذه ~~القبلة أين كانت ؟ فظاهر أن لفظ القرآن لا يدل على تعيينه ، إلا أنه نقل عن ~~/ ابن عباس أنه قال : كانت الكعبة قبلة موسى عليه السلام . وكان الحسن يقول ~~: الكعبة قبلة كل الأنبياء ، وإنما وقع العدول عنها بأمر الله تعالى في ~~أيام الرسول عليه السلام بعد الهجرة . وقال آخرون : كانت تلك القبلة جهة ~~بيت المقدس . وأما القائلون بأن المراد من لفظ البيوت المذكورة في هذه ~~الآية مطلق البيت ، فهؤلاء لهم في تفسير قوله : { قبلة } وجهان : الأول : ~~المراد بجعل تلك البيوت قبلة أي متقابلة ، والمقصود منه حصول الجمعية ~~واعتضاد البعض بالبضع . وقال آخرون : المراد واجعلوا دوركم قبلة ، أي صلوا ~~في بيوتكم . PageV17P118 # البحث الثاني : أنه تعالى خص موسى وهرون في أول هذه الآية بالخطاب فقال : ~~{ ءان * تبوءا لقومكما بمصر بيوتا } ثم عمم هذا الخطاب فقال : { واجعلوا ~~بيوتكم قبلة } والسبب فيه أنه تعالى أمر موسى وهرون أن يتبوآ لقومهما بيوتا ~~للعبادة ، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء ، ثم جاء الخطاب بعد ذلك عاما لهما ~~ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها ، لأن ذلك واجب على الكل ، ثم خص ~~موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب فقال : { وبشر المؤمنين } وذلك لأن ~~الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة ، فخص الله تعالى موسى بها ~~، ليدل بذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى عليه السلام وأن هرون تبع له ~~. # البحث الثالث : ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوها ثلاثة : الأول : ~~أن موسى عليه السلام ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن ms4864 يصلوا في ~~بيوتهم خفية من الكفرة ، لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم ، ~~كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أول الإسلام في مكة . الثاني : قيل : ~~إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم ~~من الصلاة ، فأمرهم الله تعالى أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفا ~~من فرعون . الثالث : أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلك ~~العداوة الشديدة أمر الله تعالى موسى وهرون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم ~~الأعداء وتكفل تعالى أنه يصونهم عن شر الأعداء . # ! 7 < { وقال موسى ربنآ إنك ءاتيت فرعون وملاه زينة وأموالا فى الحيواة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الا ليم * قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا ~~تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 88 - 89 ) وقال موسى ربنا . . . . . # > > # /اعلم أن موسى لما بالغ في إظهار المعجزات الظاهرة القاهرة ورأى القوم ~~مصرين على الجحود والعناد والإنكار ، أخذ يدعو عليهم ، ومن حق من يدعو على ~~الغير أن يذكر أولا سبب إقدامه على تلك الجرائم ، وكان جرمهم هو أنهم لأجل ~~حبهم الدنيا تركوا الدين ، فلهذا السبب قال موسى عليه السلام : { ربنا إنك ~~ءاتيت فرعون وملاه زينة وأموالا } والزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس ~~والدواب ، وأثاث البيت والمال ما يزيد على هذه الأشياء من الصامت والناطق . # ثم قال : { ليضلوا عن سبيلك } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وعاصم { ليضلوا } بضم الياء وقرأ ~~الباقون بفتح الياء . PageV17P119 # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يضل الناس ~~ويريد إضلالهم وتقريره من وجهين : الأول : أن اللام في قوله : { ليضلوا } ~~لام التعليل ، والمعنى : أن موسى قال يا رب العزة إنك أعطيتهم هذه الزينة ~~والأموال لأجل أن يضلوا ، فدل هذا على أنه تعالى قد يريد إضلال المكلفين . ~~الثاني : أنه قال : { واشدد على قلوبهم } فقال الله تعالى : { قد أجيبت ~~دعوتكما } وذلك أيضا يدل على المقصود . قال القاضي : لا يجوز أن يكون ~~المراد من ms4865 هذه الآية ما ذكرتم ويدل عليه وجوه : الأول : أنه ثبت أنه تعالى ~~منزه عن فعل القبيح وإرادة الكفر قبيحة . والثاني : أنه لو أراد ذلك لكان ~~الكفار مطيعين لله تعالى بسبب كفرهم ، لأنه لا معنى للطاعة إلا الإتيان بما ~~يوافق الإرادة ولو كانوا كذلك لما استحقوا الدعاء عليهم بطمس الأموال وشد ~~القلوب ، والثالث : أنا لو جوزنا أن يريد إضلال العباد ، لجوزنا أن يبعث ~~الأنبياء عليهم السلام للدعاء إلى الضلال ، ولجاز أن يقوي الكذابين الضالين ~~المضلين بإظهار المعجزات عليهم ، وفيه هدم الدين وإبطال الثقة بالقرآن ~~والرابع : أنه لا يجوز أن يقول لموسى وهرون عليهما السلام : { فقولا له ~~قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) وأن يقول : { ولقد أخذنا ءال ~~فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون } ( الأعراف : 130 ) ثم إنه ~~تعالى أراد الضلالة منهم وأعطاهم النعم لكي يضلوا ، لأن ذلك كالمناقضة ، ~~فلا بد من حمل أحدهما / على موافقة الآخر . الخامس : أنه لا يجوز أن يقال : ~~إن موسى عليه السلام دعا ربه بأن يطمس على أموالهم لأجل أن لا يؤمنوا مع ~~تشدده في إرادة الإيمان . # واعلم أنا بالغنا في تكثير هذه الوجوه في مواضع كثيرة من هذا الكتاب . # وإذا ثبت هذا فنقول : وجب تأويل هذه الكلمة وذلك من وجوه : الأول : أن ~~اللام في قوله { ليضلوا } لام العاقبة كقوله تعالى : { فالتقطه ءال فرعون ~~ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) ولما كانت عاقبة قوم فرعون هو الضلال ~~، وقد أعلمه الله تعالى ، لا جرم عبر عن هذا المعنى بهذا اللفظ . الثاني : ~~أن قوله : { ربنا ليضلوا عن سبيلك } أي لئلا يضلوا عن سبيلك ، فحذف لا ~~لدلالة المعقول عليه كقوله : { يبين الله لكم أن تضلوا } ( النساء : 176 ) ~~والمراد أن لا تضلوا ، وكقوله تعالى : { قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم ~~القيامة } ( الأعراف : 172 ) والمراد لئلا تقولوا ، ومثل هذا الحذف كثير في ~~الكلام . الثالث : أن يكون موسى عليه السلام ذكر ذلك على سبيل التعجب ~~المقرون بالإنكار والتقدير كأنك آتيتهم ذلك الغرض فإنهم لا ينفقون هذه ~~الأموال إلا فيه وكأنه ms4866 قال : آتيتهم زينة وأموالا لأجل أن يضلوا عن سبيل ~~الله ثم حذف حرف الاستفهام كما في قول الشاعر : # % كذبتك عينك أم رأيت بواسط % % غلس الظلام من الرباب خيالا % # أراد أكذبتك فكذا ههنا . الرابع : قال بعضهم : هذه اللام لام الدعاء وهي ~~لام مكسورة تجزم المستقل ويفتتح بها الكلام ، فيقال ليغفر الله للمؤمنين ~~وليعذب الله الكافرين ، والمعنى ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك . الخامس : ~~أن هذه اللام لام التعليل لكن بحسب ظاهر الأمر لا في نفس الحقيقة وتقريره ~~أنه تعالى لما أعطاهم هذه الأموال وصارت تلك الأموال سببا لمزيد البغي ~~والكفر ، أشبهت هذه الحالة حالة من أعطى المال لأجل الإضلال فورد هذا ~~الكلام بلفظ التعليل لأجل هذا المعنى . السادس : بينا في تفسير قوله تعالى ~~: { يضل به كثيرا } في أول سورة البقرة إن الضلال قد جاء في القرآن بمعنى ~~الهلاك يقال : الماء PageV17P120 في اللبن أي هلك فيه . # إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { ربنا ليضلوا عن سبيلك } معناه : ليهلكون ~~ويموتوا ، ونظيره قوله تعالى : { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحيواة الدنيا } ( التوبة : 55 ) فهذا جملة ما قيل في ~~هذا الباب . # واعلم أنا قد أجبنا عن هذه الوجوه مرارا كثيرة في هذا الكتاب ، ولا بأس ~~بأن نعيد بعضها في هذا المقام فنقول : الذي يدل على أن حصول الإضلال من ~~الله تعالى وجوه : الأول : أن العبد لا يقصد إلا حصول الهداية ، فلما لم ~~تحصل الهداية بل حصل الضلال الذي لا يريده ، علمنا أن حصوله ليس من العبد ~~بل من الله تعالى . # فإن قالوا : إنه ظن بهذا الضلال أنه هدى فلا جرم قد أوقعه وأدخله في ~~الوجود . فنقول : فعلى هذا يكون إقدامه على تحصيل هذا الجهل بسبب الجهل ~~السابق ، فلو كان حصول ذلك الجهل السابق بسبب جهل آخر لزم التسلسل وهو محال ~~، فثبت أن هذه الجهالات والضلالات لا بد من انتهائها إلى جهل أول وضلال أول ~~، وذلك لا يمكن أن يكون بإحداث العبد وتكوينه لأنه كرهه وإنما اراد ضده ، ~~فوجب أن يكون من ms4867 الله تعالى . الثاني : إنه تعالى لما خلق الخلق بحيث يحبون ~~المال والجاه حبا شديدا لا يمكنه إزالة هذا الحب عن نفسه البتة ، وكان حصول ~~هذا الحب يوجب الإعراض عمن يستخدمه ويوجب التكبر عليه وترك الالتفات إلى ~~قوله وذلك يوجب الكفر ، فهذه الأشياء بعضها يتأدى إلى البعض تأديا على سبيل ~~اللزوم وجب أن يكون فاعل هذا الكفر هو الذي خلق الإنسان مجبولا على حب ~~المال والجاه . الثالث : وهو الحجة الكبرى أن القدرة بالنسبة إلى الضدين ~~على السوية ، فلا يترجح أحد الطرفين على الثاني إلا لمرجح ، وذلك المرجح ~~ليس من العبد وإلا لعاد الكلام فيه ، فلا بد وأن يكون من الله تعالى ، وإذا ~~كان كذلك كانت الهداية والإضلال من الله تعالى . الرابع : أنه تعالى أعطى ~~فرعون وقومه زينة وأموالا وقوى حب ذلك المال والجاه في قلوبهم ، وأودع في ~~طباعهم نفرة شديدة عن خدمة موسى عليه السلام والانقياد له ، لا سيما وكان ~~فرعون كالمنعم في حقه والمربي له والنفرة عن خدمة من هذا شأنه راسخة في ~~القلوب ، وكل ذلك يوجب إعراضهم عن قبول دعوة موسى عليه السلام وإصرارهم على ~~إنكار صدقه ، فثبت بالدليل العقلي أن إعطاء الله تعالى فرعون وقومه زينة ~~الدنيا وأموال الدنيا لا بد وأن يكون موجبا لضلالهم فثبت أن ما أشعر به ~~ظاهر اللفظ فقد ثبت صحته بالعقل الصريح فكيف يمكن ترك ظاهر اللفظ في مثل ~~هذا المقام وكيف يحسن حمل الكلام على الوجوه المتكلفة الضعيفة جدا . # إذا عرفت هذا فنقول : # أما الوجه الأول : وهو حمل اللام على لام العاقبة فضعيف ، لأن موسى عليه ~~السلام ما كان عالما بالعواقب . # فإن قالوا : إن الله تعالى أخبره ب 1 لك . # قلنا : فلما أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون كان صدور الإيمان منهم محالا ~~، لأن ذلك يستلزم انقلاب خبر الله كذبا وهو محال والمفضي إلى المحال محال . ~~PageV17P121 # وأما الوجه الثاني : وهو قولهم يحمل قوله { ليضلوا عن سبيلك } على أن ~~المراد لئلا يضلوا عن سبيلك فنقول : إن هذا التأويل ذكره أبو علي الجبائي ~~في ms4868 تفسيره . وأقول : إنه لما شرع في تفسير # / قوله تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~} ثم نقل عن بعض أصحابنا أنه قرأ { فمن نفسك } على سبيل الاستفهام بمعنى ~~الإنكار ، ثم إنه استبعد هذه القراءة وقال إنها تقتضي تحريف القرآن وتغييره ~~وتفتح باب تأويلات الباطنية وبالغ في إنكار تلك القراءة وهذا الوجه الذي ~~ذكره ههنا شر من ذلك ، لأنه قلب النفي إثباتا والإثبات نفيا وتجويزه يفتح ~~باب أن لا يبقى الاعتماد على القرآن لا في نفيه ولا في إثباته وحينئذ يبطل ~~القرآن بالكلية هذا بعينه هو الجواب عن قوله المراد منه الاستفهام بمعنى ~~الإنكار ، فإن تجويزه يوجب تجويز مثله في سائر المواطن ، فلعله تعالى إنما ~~قال : { وأن أقيموا * وإذ أخذنا } على سبيل الإنكار والتعجب وأما بقية ~~الجوابات فلا يخفى ضعفها . # ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه قال : { ربنا اطمس على أموالهم ~~} وذكرنا معنى الطمس عند قوله تعالى : { من قبل أن نطمس وجوها } ( النساء : ~~47 ) والطمس هو المسخ . قال ابن عباس رضي الله عنهما : بلغنا أن الدراهم ~~والدنانير ، صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأنصافا وأثلاثا ، وجعل سكرهم ~~حجارة . # ثم قال : { واشدد على قلوبهم } ومعنى الشد على القلوب الاستيثاق منها حتى ~~لا يدخلها الإيمان . قال الواحدي : وهذا دليل على أن الله تعالى يفعل ذلك ~~بمن يشاء ، ولولا ذلك لما حسن من موسى عليه السلام هذا السؤال . # ثم قال : { فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم } وفيه وجهان : أحدهما : ~~أنه يجوز أن يكون معطوفا على قوله : { ليضلوا } والتقدير : ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وقوله : { ربنا اطمس على أموالهم ~~واشدد على قلوبهم } يكون اعتراضا . والثاني : يجوز أن يكون جوابا لقوله : { ~~واشدد } والتقدير : اطبع على قلوبهم وقسها حتى لا يؤمنوا ، فإنها تستحق ذلك ~~. # ثم قال تعالى : { قد أجيبت دعوتكما } وفيه وجهان : الأول : قال ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما : أن موسى كان يدعو وهرون كان يؤمن ، فلذلك قال : { ~~قد أجيبت دعوتكما } وذلك لأن ms4869 من يقول عند دعاء الداعي آمين فهو أيضا داع ، ~~لأن قوله آمين تأويله استجب فهو سائل كما أن الداعي سائل أيضا . الثاني : ~~لا يبعد أن يكون كل واحد منهما ، ذكر هذا الدعاء غاية ما في الباب أن يقال ~~: إنه تعالى حكى هذا الدعاء عن موسى بقوله : { وقال موسى ربنا إنك ءاتيت ~~فرعون وملاه زينة وأموالا } إلا أن هذا لا ينافي أن يكون هرون قد ذكر ذلك ~~الدعاء أيضا . # وأما قوله : { فاستقيما } يعني فاستقيما على الدعوة والرسالة ، والزيادة ~~في إلزام الحجة فقد لبث / نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا فلا تستعجلا ، قال ~~ابن جريج : إن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة . # وأما قوله : { ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } ففيه بحثان : # البحث الأول : المعنى : لا تتبعان سبيل الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان ~~الدعاء مجابا كان المقصود PageV17P122 حاصلا في الحال ، فربما أجاب الله ~~تعالى دعاء إنسان في مطلوبه ، إلا أنه إنما يوصله إليه في وقته المقدر ، ~~والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال ، وهذا كما قال لنوح عليه السلام : { إنى ~~أعظك أن تكون من الجاهلين } ( هود : 46 ) . # واعلم أن هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام كما أن ~~قوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) لا يدل على صدور الشرك ~~منه . # البحث الثاني : قال الزجاج : قوله : { ولا تتبعان } موضعه جزم ، والتقدير ~~: ولا تتبعا ، إلا أن النون الشديدة دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها ، ~~وسكون النون التي قبلها فاختير لها الكسرة ، لأنها بعد الألف تشبه نون ~~التثنية ، وقرأ ابن عامر { ولا تتبعان } بتخفيف النون . # ! 7 < { وجاوزنا ببنىإسراءيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى ~~إذآ أدركه الغرق قال ءامنت أنه لاإلاه إلا الذىءامنت به بنوا إسراءيل وأنا ~~من المسلمين * ءاأن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك ~~لتكون لمن خلفك ءاية وإن كثيرا من الناس عن ءاياتنا لغافلون } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 90 - 92 ) وجاوزنا ببني إسرائيل . . . . . # > > # / اعلم أن تفسير اللفظ في قوله : { وجاوزنا ببنى ms4870 إسراءيل البحر } مذكور ~~في سورة الأعراف ، والمعنى : أنه تعالى لما أجاب دعاءهما أمر بني إسرائيل ~~بالخروج من مصر في الوقت المعلوم ويسر لهم أسبابه ، وفرعون كان غافلا عن ~~ذلك ، فلما سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج على عقبهم وقوله : ~~{ فأتبعهم } أي لحقهم يقال : أتبعه حتى لحقه ، وقوله : { بغيا وعدوا } ~~البغي طلب الاستعلاء بغير حق ، والعدو الظلم ، روي أن موسى عليه السلام لما ~~خرج مع قومه وصلوا إلى طرف البحر وقرب فرعون مع عسكره منهم ، فوقعوا في خوف ~~شديد ، لأنهم صاروا بين بحر مغرق وجند مهلك ، فأنعم الله عليهم بأن أظهر ~~لهم طريقا في البحر على ما ذكر الله تعالى هذه القصة بتمامها في سائر السور ~~، ثم إن موسى عليه السلام مع أصحابه دخلوا وخرجوا وأبقى الله تعالى ذلك ~~الطريق يبسا ، ليطمع فرعون وجوده في التمكن من العبور ، فلما دخل مع جمعه ~~أغرقه الله تعالى بأن أوصل أجزاء الماء ببعضها وأزال الفلق ، فهو معنى قوله ~~: { فأتبعهم فرعون وجنوده } وبين ما كان في قلوبهم من البغي وهي محبة ~~الإفراط في قتلهم وظلمهم ، والعدو وهوتجاوز الحد ، ثم ذكر تعالى أنه لما ~~أدركه الغرق أظهر كلمة الإخلاص ظنا منه أنه ينجيه من تلك الآفات وههنا ~~سؤالان : # السؤال الأول : أن الإنسان إذا وقع في الغرق لا يمكنه أن يتلفظ بهذا ~~اللفظ فكيف حكى الله تعالى عنه أنه ذكر ذلك ؟ PageV17P123 # والجواب : من وجهين : الأول : أن مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو كلام النفس ~~لا كلام اللسان فهو إنما ذكر هذا الكلام بالنفس ، لا بكلام اللسان ، ويمكن ~~أن يستدل بهذه الآية على إثبات كلام النفس لأنه تعالى حكى عنه أنه قال هذا ~~الكلام ، وثبت بالدليل أنه ما قاله باللسان ، فوجب الاعتراف بثبوت كلام غير ~~كلام اللسان وهو المطلوب . الثاني : أن يكون المراد من الغرق مقدماته . # السؤال الثاني : أنه آمن ثلاث مرات أولها قوله : { ءامنت } وثانيها قوله ~~: { لا إلاه إلا الذىءامنت به بنوا * إسراءيل } وثالثها قوله : { وأنا من ~~المسلمين } فما السبب في عدم القبول والله تعالى متعال ms4871 عن أن يلحقه غيظ ~~وحقد حتى يقال : إنه لأجل ذلك الحقد لم يقبل منه هذا الإقرار ؟ # والجواب : العلماء ذكروا فيه وجوها : # الوجه الأول : أنه إنما آمن عند نزول العذاب ، والإيمان في هذا الوقت غير ~~مقبول ، لأن عند نزول العذاب يصير الحال وقت الإلجاء ، وفي هذا الحال لا ~~تكون التوبة مقبولة ، ولهذا السبب قال تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا } ( غافر : 85 ) . # الوجه الثاني : هو أنه إنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك ~~البلية الحاضرة والمحنة الناجزة ، فما كان مقصوده من هذه الكلمة الإقرار ~~بوحدانية الله تعالى ، والاعتراف بعزة الربوبية / وذلة العبودية ، وعلى هذا ~~التقدير فما كان ذكر هذه الكلمة مقرونا بالإخلاص ، فلهذا السبب ما كان ~~مقبولا . # الوجه الثالث : هو أن ذلك الإقرار كان مبنيا على محض التقليد ، ألا ترى ~~أنه قال : { لا إلاه إلا الذىءامنت به بنوا * إسراءيل } فكأنه اعترف بأنه ~~لا يعرف الله ، إلا أنه سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلها ، فهو أقر بذلك ~~الإله الذي سمع من بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده ، فكان هذا محض التقليد ، ~~فلهذا السبب لم تصر الكلمة مقبولة منه ، ومزيد التحقيق فيه أن فرعون على ما ~~بيناه في سورة { طه } كان من الدهرية ، وكان من المنكرين لوجود الصانع ~~تعالى ، ومثل هذا الإعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته ، إلا بنو الحجج القطعية ، ~~والدلائل اليقينية ، وأما بالتقليد المحض فهو لا يفيد ، لأنه يكون ضما ~~لظلمة التقليد إلى ظلمة الجهل السابق . # الوجه الرابع : رأيت في بعض الكتب أن بعض أقوام من بني إسرائيل لما ~~جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل ، فلما قال فرعون { أنه لا إلاه إلا ~~الذى * الذين * به بنوا إسراءيل * إسراءيل } انصرف ذلك إلى العجل الذي ~~آمنوا بعبادته في ذلك الوقت ، فكانت هذه الكلمة في حقه سببا لزيادة الكفر . # الوجه الخامس : أن اليهود كانت قلوبهم مائلة إلى التشبيه والتجسيم ولهذا ~~السبب اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى حل في جسد ذلك العجل ونزل فيه ~~، فلما كان الأمر كذلك وقال فرعون { وجاوزنا ببنى ms4872 إسراءيل البحر فأتبعهم ~~فرعون وجنوده بغيا وعدوا * إسراءيل } فكإنه آمن بالإله الموصوف بالجسمية ~~والحلول والنزول ، وكل من اعتقد ذلك كان كافرا فلهذا السبب ما صح إيمان ~~فرعون . # الوجه السادس : لعل الإيمان إنما كان يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى ، ~~والإقرار بنبوة موسى عليه السلام . فههنا لما أقر فرعون بالوحدانية ولم يقر ~~بالنبوة لا جرم لم يصح إيمانه . ونظيره أن الواحد من الكفار PageV17P124 لو ~~قال ألف مرة أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمان إلا إذا قال معه ~~وأشهد أن محمدا رسول الله ، فكذا ههنا . # الوجه السابع : روى صاحب ( الكشاف ) أن جبريل عليه السلام أتى فرعون ~~بفتيا فيها ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته ، فكفر نعمته ~~وجحد حقه ، وادعى السيادة دونه ، فكتب فرعون فيها يقول أبو العباس الوليد ~~بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر بنعمته أن يغرق في البحر ، ثم ~~إن فرعون لما غرق رفع جبريل عليه السلام فتياه إليه . # أما قوله تعالى : { ءالئن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : من القائل له { ءالئن وقد عصيت قبل } . # / الجواب : الأخبار دالة على أن قائل هذا القول هو جبريل ، وإنما ذكر ~~قوله : { وكنت من المفسدين } في مقابلة قوله : { وأنا من المسلمين } ومن ~~الناس من قال : إن قائل هذا القول هو الله تعالى ، لأنه ذكر بعده { فاليوم ~~ننجيك ببدنك } إلى قوله : { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك ءاية } وهذا ~~الكلام ليس إلا كلام الله تعالى . # السؤال الثاني : ظاهر اللفظ يدل على أنه إنما لم تقبل توبته للمعصية ~~المتقدمة والفساد السابق ، وصحة هذا التعليل لا تمنع من قبول التوبة . # والجواب : مذهب أصحابنا أن قبول التوبة غير واجب عقلا ، وأحد دلائلهم على ~~صحة ذلك هذه الآية . وأيضا فالتعليل ما وقع بمجرد المعصية السابقة ، بل ~~بتلك المعصية مع كونه من المفسدين . # السؤال الثالث : هل يصح أن جبريل عليه السلام أخذ يملأ فمه من الطين لئلا ~~يتوب غضبا عليه . # والجواب : الأقرب أنه لا يصح ، لأن في ms4873 تلك الحالة إما أن يقال التكليف ~~كان ثابتا أو ما كان ثابتا ، فإن كان ثابتا لم يجز على جبريل عليه السلام ~~أن يمنعه من التوبة / بل يجب عليه أن يعينه على التوبة وعلى كل طاعة ، ~~لقوله تعالى : { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ~~} ( المائدة : 2 ) وأيضا فلو منعه بما ذكروه لكانت التوبة ممكنة ، لأن ~~الأخرس قد يتوب بأن يندم بقلبه ويعزم على ترك معاودة القبيح ، وحينئذ لا ~~يبقى لما فعله جبريل عليه السلام فائدة ، وأيضا لو منعه من التوبة لكان قد ~~رضي ببقائه على الكفر ، والرضا بالكفر كفر ، وأيضا فكيف يليق بالله تعالى ~~أن يقول لموسى وهرون عليهما السلام : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو ~~يخشى } ( طه : 44 ) ثم يأمر جبريل عليه السلام بأن يمنعه من الإيمان ، ولو ~~قيل : إن جبريل عليه السلام إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله تعالى ، ~~فهذا يبطله قول جبريل { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ( مريم : 64 ) وقوله ~~تعالى في صفتهم : { وهم من خشيته مشفقون } ( الأنبياء : 28 ) وقوله : { لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ( الأنبياء : 27 ) وأما إن قيل : إن ~~التكليف كان زائلا عن فرعون في ذلك الوقت ، فحينئذ لا يبقى لهذا الفعل الذي ~~نسب جبريل إليه فائدة أصلا . # ثم قال تعالى : { فاليوم ننجيك ببدنك } وفيه وجوه : الأول : { ننجيك ~~ببدنك } أي نلقيك بنجوة من PageV17P125 الأرض وهي المكان المرتفع . الثاني ~~: نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ولكن بعد أن تغرق ~~. وقوله : { ببدنك } في موضع الحال ، أي في الحال التي أنت فيه حينئذ لا ~~روح فيك . الثالث : أن هذا وعد له بالنجاة على سبيل التهكم ، كما في قوله : ~~{ فبشرهم بعذاب أليم } ( آل عمران : 21 ) كأنه قيل له ننجيك لكن هذه النجاة ~~إنما تحصل لبدنك لا لروحك ، ومثل هذا الكلام قد / يذكر على سبيل الاستهزاء ~~كما يقال : نعتقك ولكن بعد الموت ، ونخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت . ~~الرابع : قرأ بعضهم { ننجيك } بالحاء المهملة ، أي نلقيك بناحية ms4874 مما يلي ~~البحر ، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب من جوانب البحر . قال كعب : رماه ~~الماء إلى الساحل كأنه ثور . # وأما قوله : { ببدنك } ففيه وجوه : الأول : ما ذكرنا أنه في موضع الحال ، ~~أي في الحال التي كنت بدنا محضا من غير روح . الثاني : المراد ننجيك ببدنك ~~كاملا سويا لم تتغير . الثالث : { ننجيك ببدنك } أي نخرجك من البحر عريانا ~~من غير لباس . الرابع : { ننجيك ببدنك } أي بدرعك ، قال الليث : البدن هو ~~الدرع الذي يكون قصير الكمين ، فقوله : { ببدنك } أي بدرعك ، وهذا منقول عن ~~ابن عباس قال : كان عليه درع من ذهب يعرف بها ، فأخرجه الله من الماء مع ~~ذلك الدرع ليعرف . أقول : إن صح هذا فقد كان ذلك معجزة لموسى عليه السلام . # وأما قوله : { لتكون لمن خلفك ءاية } ففيه وجوه : الأول : أن قوما ممن ~~اعتقدوا فيه الإلهية لما لم يشاهدوا غرقه كذبوا بذلك وزعموا أن مثله لا ~~يموت ، فأظهر الله تعالى أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى شاهدوه وزالت ~~الشبهة عن قلوبهم . وقيل كان مطرحه على ممر بني إسرائيل . الثاني : لا يبعد ~~أنه تعالى أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والمهانة بعد ما سمعوا منه ~~قوله { أنا ربكم الاعلى } ( النازعات : 24 ) ليكون ذلك زجرا للخلق عن مثل ~~طريقته ، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة والعظمة ثم آل أمره إلى ~~ما يرون . الثالث : قرأ بعضهم { لمن * خلقك } بالقاف أي لتكون لخالقك آية ~~كسائر آياته . الرابع : أنه تعالى لما أغرقه مع جميع قومه ثم إنه تعالى ما ~~أخرج أحدا منهم من قعر البحر ، بل خصه بالإخراج كان تخصيصه بهذه الحالة ~~العجيبة دالا على كمال قدرة الله تعالى وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى ~~النبوة . # وأما قوله : { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك ءاية } فالأظهر أنه ~~تعالى لما ذكر قصة موسى وفرعون وذكر حال عاقبة فرعون وختم ذلك بهذا الكلام ~~وخاطب به محمدا عليه الصلاة والسلام فيكون ذلك زاجرا لأمته عن الإعراض عن ~~الدلائل ، وباعثا لهم على التأمل فيها والاعتبار ms4875 بها ، فإن المقصود من ذكر ~~هذه القصص حصول الاعتبار ، كما قال تعالى : { لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى ~~الالباب } ( يوسف : 111 ) . # ! 7 < { ولقد بوأنا بنىإسراءيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا ~~حتى جآءهم العلم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } . ~~> 7 @QB@ < # | يونس : ( 93 ) ولقد بوأنا بني . . . . . # > > PageV17P126 # اعلم أنه تعالى لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده ، ذكر ~~أيضا في هذه الآية ما وقع عليه الختم في أمر بني إسرائيل ، وههنا بحثان : # البحث الأول : أن قوله : { بوأنا بنى إسراءيل مبوأ صدق } أي أسكناهم مكان ~~صدق أي مكانا محمودا ، وقوله : { مبوأ صدق } فيه وجهان : الأول : يجوز أن ~~يكون مبوأ صدق مصدرا ، أي بوأناهم تبوأ صدق . الثاني : أن يكون المعنى ~~منزلا صالحا مرضيا ، وإنما وصف المبوأ بكونه صدقا ، لأن عادة العرب أنها ~~إذا مدحت شيئا أضافته إلى الصدق تقول : رجل صدق ، وقدم صدق . قال تعالى : { ~~وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق } ( الإسراء : 80 ) والسبب فيه أن ~~ذلك الشيء إذا كان كاملا في وقت صالحا للغرض المطلوب منه ، فكل ما يظن فيه ~~من الخبر ، فإنه لا بد وأن يصدق ذلك الظن . # البحث الثاني : اختلفوا في أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية أهم ~~اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام أم الذين كانوا في زمن محمد ~~عليه السلام . # أما القول الأول : فقد قال به قوم ودليلهم أنه تعالى لما ذكر هذه الآية ~~عقيب قصة موسى عليه السلام كان حمل هذه الآية على أحوالهم أولى ، وعلى هذا ~~التقدير : كان المراد بقوله : { ولقد بوأنا بنى إسراءيل مبوأ صدق } الشام ~~ومصر ، وتلك البلاد فإنها بلاد كثيرة الخصب . قال تعالى : { سبحان الذى ~~أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله } ( ~~الإسراء : 1 ) والمراد من قوله : { ورزقناهم من الطيبات } تلك المنافع ، ~~وأيضا المراد منها أنه تعالى أورث بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي قوم ~~فرعون من الناطق والصامت والحرث والنسل ، كما قال : { وأورثنا ms4876 القوم الذين ~~كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها } ( الأعراف : 137 ) . # ثم قال تعالى : { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } والمراد أن قوم موسى ~~عليه السلام بقوا على ملة واحدة ومقالة واحدة من غير اختلاف حتى قرؤا ~~التوراة ، فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع / الاختلاف بينهم . ثم بين ~~تعالى أن هذا النوع من الاختلاف لا بد وأن يبقى في دار الدنيا ، وأنه تعالى ~~يقضي بينهم يوم القيامة . # وأما القول الثاني : وهو أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية اليهود ~~الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام فهذا قال به قوم عظيم من ~~المفسرين . قال ابن عباس : وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع أنزلناهم منزل ~~صدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من الطيبات ، والمراد ما في تلك البلاد ~~من الرطب والتمر التي ليس مثلها طيبا في البلاد ، ثم إنهم بقوا على دينهم ، ~~ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم العلم ، والمراد من العلم القرآن النازل ~~على محمد عليه الصلاة والسلام ، وإنما سماه علما ، لأنه سبب العلم وتسمية ~~السبب باسم المسبب مجاز مشهور . وفي كون القرآن سببا لحدوث الاختلاف وجهان ~~: الأول : أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام ويفتخرون ~~به على سائر الناس ، فلما بعثه الله تعالى كذبوه حسدا وبغيا وإيثارا لبقاء ~~الرياسة وآمن به طائفة منهم ، فبهذا الطريق صار نزول القرآن سببا لحدوث ~~الاختلاف فيهم . الثاني : أن يقال : إن هذه الطائفة من بني إسرائيل كانوا ~~قبل نزول القرآن كفارا محضا PageV17P127 بالكلية وبقوا على هذه الحالة حتى ~~جاءهم العلم ، فعند ذلك اختلفوا فآمن قوم وبقي أقوام آخرون على كفرهم . # وأما قوله تعالى : { إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون } فالمراد منه أن هذا النوع من الاختلاف لا حيلة في إزالته في دار ~~الدنيا ، وأنه تعالى في الآخرة يقضي بينهم ، فيتميز المحق من المبطل ~~والصديق من الزنديق . # ! 7 < { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من ~~قبلك لقد جآءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين * ولا تكونن من ms4877 الذين ~~كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين * إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا ~~يؤمنون * ولو جآءتهم كل ءاية حتى يروا العذاب الا ليم } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 94 - 97 ) فإن كنت في . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل اختلافهم عند ما جاءهم العلم أورد على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ما يقوي قلبه في صحة القرآن ~~والنبوة ، فقال تعالى : { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } وفي الآية مسائل ~~: # المسألة الأولى : قال الواحدي الشك في وضع اللغة ، ضم بعض الشيء إلى بعض ~~، يقال : شك الجواهر في العقد إذا ضم بعضها إلى بعض . ويقال شككت الصيد إذا ~~رميته فضممت يده أو رجله إلى رجله والشكائك من الهوادج ما شك بعضها ببعض ~~والشكاك البيوت المصطفة والشكائك الأدعياء ، لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ~~ليسوا منهم ، أي يضمون ، وشك الرجل في السلاح ، إذا دخل فيه وضمه إلى نفسه ~~وألزمه إياها ، فإذا قالوا : شك فلان في الأمور أرادوا أنه وقف نفسه بين ~~شيئين ، فيجوز هذا ، ويجوز هذا فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئا آخر خلافه . # المسألة الثانية : اختلف المفسرون : في أن المخاطب بهذا الخطاب من هو ؟ ~~فقيل النبي عليه الصلاة والسلام . وقيل غيره ، أما من قال بالأول : ~~فاختلفوا على وجوه . # الوجه الأول : أن الخطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام في الظاهر ، ~~والمراد غيره كقوله تعالى : { منتظرون ياأيها النبى اتق الله ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب : 1 ) وكقوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ~~( الزمر : 65 ) وكقوله : { الله ياعيسى ابن مريم أءنت قلت للناس } ( ~~المائدة : 116 ) ومن الأمثلة المشهورة : إياك أعني واسمعي يا جاره . # والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه : الأول : قوله تعالى في آخر السورة { ~~قل ياأيها الناس إن كنتم فى شك من دينى } ( يونس : 104 ) فبين أن المذكور ~~في أول الآية على سبيل الرمز ، هم المذكورون في هذه PageV17P128 الآية على ~~سبيل التصريح . الثاني : أن الرسول لو كان شاكا في نبوة نفسه لكان شك غيره ~~في نبوته أولى وهذا يوجب سقوط الشريعة ms4878 بالكلية . والثالث : أن بتقدير أن ~~يكون شاكا في نبوة نفسه ، فكيف يزول ذلك الشك بأخبار أهل الكتاب عن نبوته ~~مع أنهم في الأكثر كفار ، وإن حصل فيهم من كان مؤمنا إلا أن قوله ليس بحجة ~~لا سيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة والإنجيل ، فالكل مصحف محرف ، ~~فثبت أن الحق هو أن الخطاب ، وإن كان في الظاهر مع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إلا أن المراد هو الأمة ، ومثل هذا معتاد ، فإن السلطان الكبير إذا ~~كان له أمير ، / وكان تحت راية ذلك الأمير جمع ، فإذا أراد أن يأمر الرعية ~~بأمر مخصوص ، فإنه لا يوجه خطابه عليهم ، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك ~~الأمير الذي جعله أميرا عليهم ، ليكون ذلك أقوى تأثيرا في قلوبهم . # الوجه الثاني : أنه تعالى علم أن الرسول لم يشك في ذلك ، إلا أن المقصود ~~أنه متى سمع هذا الكلام ، فإنه يصرح ويقول : ( يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة ~~من قول أهل الكتاب بل يكفيني ما أنزلته علي من الدلائل الظاهرة ) ونظيره ~~قوله تعالى للملائكة : { أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } ( سبأ : 40 ) أن ~~يصرحوا بالجواب الحق ويقولوا : { سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن } ( سبأ : 41 ) وكما قال لعيسى عليه السلام : { قلت للناس ~~اتخذونى وأمى إلاهين من دون الله قال } ( المائدة : 116 ) والمقصود منه أن ~~يصرح عيسى عليه السلام بالبراءة عن ذلك فكذا ههنا . # الوجه الثالث : هو أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان من البشر ، وكان ~~حصول الخواطر المشوشة والأفكار المضطربة في قلبه من الجائزات ، وتلك ~~الخواطر لا تندفع إلا بإيراد الدلائل وتقرير البينات ، فهو تعالى أنزل هذا ~~النوع من التقريرات حتى أن بسببها تزول عن خاطره تلك الوساوس ، ونظيره قوله ~~تعالى : { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك } ( هود : 12 ) وأقول ~~تمام التقرير في هذا الباب إن قوله : { فإن كنت في شك } فافعل كذا وكذا ~~قضية شرطية والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بأن الشرط وقع أو لم يقع . ~~ولا بأن ms4879 الجزاء وقع أو لم يقع ، بل ليس فيها إلا بيان أن ماهية ذلك الشرط ~~مستلزمة لماهية ذلك الجزاء فقط ، والدليل عليه أنك إذا قلت إن كانت الخمسة ~~زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، فهو كلام حق ، لأن معناه أن كون الخمسة زوجا ~~يستلزم كونها منقسمة بمتساويين ، ثم لا يدل هذا الكلام على أن الخمسة زوج ~~ولا على أنها منقسمة بمتساويين فكذا ههنا هذه الآية ، تدل على أنه لو حصل ~~هذا الشك لكان الواجب فيه هو فعل كذا وكذا ، فأما إن هذا الشك وقع أو لم ~~يقع ، فليس في الآية دلالة عليه ، والفائدة في إنزال هذه الآية على الرسول ~~أن تكثير الدلائل وتقويتها مما يزيد في قوة اليقين وطمأنينة النفس وسكون ~~الصدر ، ولهذا السبب أكثر الله في كتابه من تقرير دلائل التوحيد والنبوة . # والوجه الرابع : في تقرير هذا المعنى أن تقول : المقصود من ذكر هذا ~~الكلام استمالة قلوب الكفار وتقريبهم من قبول الإيمان ، وذلك لأنهم طالبوه ~~مرة بعد أخرى ، بما يدل على صحة نبوته وكأنهم استحيوا من تلك المعاودات ~~والمطالبات ، وذلك الاستحياء صار مانعا لهم عن قبول الإيمان فقال تعالى : { ~~فإن كنت في شك } من نبوتك فتمسك بالدلائل القلائل ، يعني أولى الناس بأن لا ~~يشك / في نبوته هو نفسه ، ثم مع هذا إن طلب هو من نفسه دليلا على نبوة نفسه ~~بعد ما سبق من الدلائل الباهرة والبينات القاهرة فإنه ليس فيه عيب . ~~PageV17P129 ولا يحصل بسببه نقصان ، فإذا لم يستقبح منه ذلك في حق نفسه ~~فلأن لا يستقبح من غيره طلب الدلائل كان أولى ، فثبت أن المقصود بهذا ~~الكلام استمالة القوم وإزالة الحياء عنهم في تكثير المناظرات . # الوجه الخامس : أن يكون التقدير أنك لست شاكا ألبتة . ولو كنت شاكا لكان ~~لك طرق كثيرة في إزالة ذلك الشك كقوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا ~~الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) والمعنى أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعا ، ~~لزم منه المحال الفلاني فكذا ههنا . ولو فرضنا وقوع هذا الشك فارجع إلى ~~التوراة والإنجيل لتعرف بهما أن ms4880 هذا الشك زائل وهذه الشبهة باطلة . # الوجه السادس : قال الزجاج : إن الله خاطب الرسول في قوله : { فإن كنت في ~~شك } وهو شامل للخلق وهو كقوله : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } ~~( الطلاق : 1 ) قال : وهذا أحسن الأقاويل ، قال القاضي : هذا بعيد لأنه متى ~~كان الرسول داخلا تحت هذا الخطاب فقد عاد السؤال ، سواء أريد معه غيره أو ~~لم يرد وإن جاز أن يراد هو مع غيره ، فما الذي يمنع أن يراد بانفراده كما ~~يقتضيه الظاهر ، ثم قال : ومثل هذا التأويل يدل على قلة التحصيل . # الوجه السابع : هو أن لفظ { ءان } في قوله : { إن كنت * فى شك } للنفي أي ~~ما كنت في شك قبل يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك لكن لتزداد يقينا كما ~~ازداد إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى يقينا . # وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال هذا الخطاب ليس مع الرسول فتقريره أن ~~الناس في زمانه كانوا فرقا ثلاثة ، المصدقون به والمكذبون له والمتوقفون في ~~أمره الشاكون فيه ، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال : إن كنت أيها ~~الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ~~ليدلوك على صحة نبوته ، وإنما وحد الله تعالى ذلك وهو يريد الجمع ، كما في ~~قوله : { وأخرت ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك } ( ~~الانفطار : 6 ، 7 ) و { وحقت يأيها الإنسان إنك كادح } ( الانشقاق : 6 ) ~~وقوله : { فإذا مس الإنسان ضر } ( الزمر : 49 ) ولم يرد في جميع هذه الآيات ~~إنسانا بعينه ، بل المراد هو الجماعة فكذا ههنا ولما ذكر الله تعالى لهم ما ~~يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال : ~~{ ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين } . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن المسؤول منه في قوله : { فاسأل الذين * ~~أم الكتاب } من هم ؟ فقال المحققون هم الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبدالله ~~بن سلام ، وعبدالله بن صوريا ، وتميم / الداري ، وكعب الأحبار لأنهم هم ~~الذين يوثق بخبرهم ، ومنهم من قال : الكل سواء ms4881 كانوا من المسلمين أو من ~~الكفار ، لأنهم إذا بلغوا عدد التواتر ثم قرؤا آية من التوراة والإنجيل ، ~~وتلك الآية دالة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فقد حصل الغرض ~~. # فإن قيل : إذا كان مذهبكم أن هذه الكتب قد دخلها التحريف والتغيير ، فكيف ~~يمكن التعويل عليها . # قلنا : إنهم إنما حرفوها بسبب إخفاء الآيات الدالة على نبوة محمد عليه ~~الصلاة والسلام فإن بقيت فيها آيات دالة على نبوته كان ذلك من أقوى الدلائل ~~على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، لأنها لما بقيت مع توفر دواعيهم ~~على إزالتها دل ذلك على أنها كانت في غاية الظهور ، وأما أن المقصود من ذلك ~~PageV17P130 السؤال معرفة أي الأشياء ، ففيه قولان : الأول : أنه القرآن ~~ومعرفة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم . والثاني : أنه رجع ذلك إلى قوله ~~تعالى : { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } ( يونس : 93 ) والأول أولى ، لأنه ~~هو الأهم والحاجة إلى معرفته أتم . واعلم أنه تعالى لما بين هذا الطريق قال ~~بعده : { لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين * ولا تكونن من الذين ~~كذبوا بآيات الله } أي فأثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك ، ~~وانتفاء التكذيب بآيات الله ، ويجوز أن يكون ذلك على طريق التهييج وإظهار ~~التشدد ولذلك قال عليه الصلاة والسلام عند نزوله ( لا أشك ولا أسأل بل أشهد ~~أنه الحق ) . # ثم قال : { ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله * لكنتم من الخاسرين } . # واعلم أن فرق المكلفين ثلاثة ، إما أن يكون من المصدقين بالرسول ، أو من ~~المتوقفين في صدقه ، أو من المكذبين ، ولا شك أن أمر المتوقف أسهل من أمر ~~المكذب ، لا جرم قد ذكر المتوقف بقوله : { ولا تكونن من * الممترين } ثم ~~أتبعه بذكر المكذب ، وبين أنه من الخاسرين ، ثم إنه تعالى لما فصل هذا ~~التفصيل ، بين أن له عبادا قضى عليهم بالشقاء فلا يتغيرون وعبادا قضى لهم ~~بالكرامة ، فلا يتغيرون ، فقال : { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ~~} وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن ms4882 عامر : كلمات على الجمع ، وقرأ الباقون : ~~كلمة على لفظ الواحد ، وأقول إنها كلمات بحسب الكثرة النوعية أو الصنفية ~~وكلمة واحدة بحسب الواحدة الجنسية . # المسألة الثانية : المراد من هذه الكلمة حكم الله بذلك وإخباره عنه ، ~~وخلقه في العبد مجموع القدرة والداعية ، الذي هو موجب لحصول ذلك الأثر ، ~~أما الحكم والأخبار والعلم فظاهر ، وأما مجموع / القدرة والداعي فظاهر أيضا ~~، لأن القدرة لما كانت صالحة للطرفين لم يترجح أحد الجانبين على الآخر إلا ~~لمرجح ، وذلك المرجح من الله تعالى قطعا للتسلسل ، وعند حصول هذا المجموع ~~يجب الفعل ، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في إثبات القضاء ~~اللازم والقدر الواجب وهو حق وصدق ولا محيص عنه . # ثم قال تعالى : { ولو جاءتهم كل ءاية حتى يروا العذاب الاليم } والمراد ~~أنهم لا يؤمنون ألبتة ، ولو جاءتهم الدلائل التي لا حد لها ولا حصر ، وذلك ~~لأن الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى فإذا لم تحصل تلك الإعانة ضاعت ~~تلك الدلائل . # القصة الثالثة # من القصص المذكورة في هذه السورة ، قصة يونس عليه السلام # ! 7 < { فلولا كانت قرية ءامنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس لمآ ءامنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحيواة الدنيا ومتعناهم إلى حين } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 98 ) فلولا كانت قرية . . . . . # > > PageV17P131 # اعلم أنه تعالى لما بين من قبل { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ~~* ولو جاءتهم كل ءاية حتى يروا العذاب الاليم } ( يونس : 96 ، 97 ) أتبعه ~~بهذه الآية ، لأنها دالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك ~~الإيمان ، وذلك يدل على أن الكفار فريقان : منهم من حكم عليه بخاتمة الكفر ~~، ومنهم من حكم عليه بخاتمة الإيمان وكل ما قضى الله به فهو واقع . وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : في كلمة { لولا } في هذه الآية طريقان : # الطريق الأول : أن معناه النفي ، روى الواحدي في ( البسيط ) قال : قال ~~أبو مالك صاحب ابن عباس كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر لولا ، فمعناه هلا ~~، إلا حرفين ، { فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها } معناه ms4883 فما كانت ~~قرية آمنت ، فنفعها إيمانها ، وكذلك { فلولا كان من القرون من قبلكم } ( ~~هود : 116 ) معناه ، فما كان من القرون ، فعلى هذا تقدير الآية ، فما كانت ~~قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس . وانتصب قوله : { إلا قوم يونس } ~~على أنه استثناء منقطع عن الأول ، لأن أول الكلام جرى على القرية ، وإن كان ~~المراد أهلها ووقع استثناء القول من القرية ، فكان كقوله : # % / وما بالربع من أحد % % ألاأواري % # وقرىء أيضا بالرفع على البدل . # الطريق الثاني : أن { لولا } معناه هلا ، والمعنى هلا كانت قرية واحدة من ~~القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر وأخلصت في الإيمان قبل معاينة العذاب ~~إلا قوم يونس . وظاهر اللفظ يقتضي استثناء قوم يونس من القرى ، إلا أن ~~المعنى استثناء قوم يونس من أهل القرى ، وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن قوم ~~يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا . # المسألة الثانية : روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل ~~فكذبوه فذهب عنهم مغاضبا ، فلما فقدوه خافوا نزول العقاب ، فلبسوا المسوح ~~وعجوا أربعين ليلة ، وكان يونس قال لهم إن أجلكم أربعون ليلة . فقالوا : إن ~~رأينا أسباب الهلاك آمنا بك ، فلما مضت خمس وثلاثون ليلة ظهر في السماء غيم ~~أسود شديد السواد ، فظهر منه دخان شديد وهبط ذلك الدخان حتى وقع في المدينة ~~وسود سطوحهم فخرجوا إلى الصحراء ، وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب ~~وأولادها فحن بعضها إلى بعض فعلت الأصوات ، وكثرت التضرعات وأظهروا الإيمان ~~والتوبة وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم ، وكان ذلك اليوم يوم ~~عاشوراء يوم الجمعة وعن ابن مسعود بلغ من توبتهم أن يردوا المظالم حتى أن ~~الرجل كان يقلع الحجر بعد أن وضع عليه بناء أساسه فيرده إلى مالكه ، وقيل ~~خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا قد نزل بنا العذاب فما ترى ؟ فقال ~~لهم قولوا يا حي حين لاحي . ويا حي يا محيي الموتى . ويا حي لا إله إلا أنت ~~، فقالوا فكشف الله العذاب عنهم ، وعن الفضل بن عباس أنهم قالوا : اللهم إن ~~ذنوبنا ms4884 قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل ~~بنا ما نحن أهله . # المسألة الثالثة : إن قال قائل إنه تعالى حكى عن فرعون أنه تاب في آخر ~~الأمر ولم يقبل توبته وحكى عن قوم يونس أنهم تابوا وقبل توبتهم فما الفرق ؟ ~~PageV17P132 # والجواب : أن فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب / وأما قوم يونس فإنهم ~~تابوا قبل ذلك فإنهم لما ظهرت لهم أمارات دلت على قرب العذاب تابوا قبل أن ~~شاهدوا فظهر الفرق . # ! 7 < { ولو شآء ربك لآمن من فى الا رض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين * وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين ~~لا يعقلون } . > 7 ! # / < < # | يونس : ( 99 - 100 ) ولو شاء ربك . . . . . # > > اعلم أن هذه السورة من أولها إلى هذا الموضع في بيان حكاية شبهات ~~الكفار في إنكار النبوة مع الجواب عنها ، وكانت إحدى شبهاتهم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يهددهم بنزول العذاب مع الكافرين ، وبعد اتباعه إن الله ~~ينصرهم ويعلي شأنهم ويقوي جانبهم ، ثم إن الكفار ما رأوا ذلك فجعلوا ذلك ~~شبهة في الطعن في نبوته ، وكانوا يبالغون في استعجال ذلك العذاب على سبيل ~~السخرية ، ثم إن الله سبحانه وتعالى بين أن تأخير الموعود به لا يقدح في ~~صحة الوعد ، ثم ضرب لهذا أمثلة وهي واقعة نوح وواقعة موسى عليهما السلام مع ~~فرعون وامتدت هذه البيانات إلى هذه المقامات ، ثم في هذه الآية بين أن جد ~~الرسول في دخولهم في الإيمان لا ينفع ومبالغته في تقرير الدلائل ، وفي ~~الجواب عن الشبهات لا تفيد ، لأن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ~~ومشيئته وإرشاده وهدايته ، فإذا لم يحصل هذا المعنى لم يحصل الإيمان ، وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا على صحة قولهم بأن جميع الكائنات بمشيئة ~~الله تعالى ، فقالوا كلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فقوله : { ~~ولو شاء ربك لآمن من فى الارض كلهم } يقتضي أنه ما حصلت تلك المشيئة وما ~~حصل إيمان ms4885 أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه تعالى ما أراد إيمان الكل ، ~~أجاب الجبائي والقاضي وغيرهما بأن المراد مشيئة الإلجاء ، أي لو شاء الله ~~أن يلجئهم إلى الإيمان لقدر عليه ولصح ذلك منه ، ولكنه ما فعل ذلك ، لأن ~~الإيمان الصادر من العبد على سبيل الإلجاء لا ينفعه ولا يفيده فائدة ، ثم ~~قال الجبائي : ومعنى إلجاء الله تعالى إياهم إلى ذلك ، أن يعرفهم اضطرارا ~~أنهم لو حاولوا تركه ، حال الله بينهم وبين ذلك وعند هذا لا بد وأن يفعلوا ~~ما ألجئوا إليه كما أن من علم منا أنه إن حاول قتل ملك فإنه يمنعه منه قهرا ~~لم يكن تركه لذلك الفعل سببا لاستحقاق المدح والثواب فكذا ههنا . # واعلم أن هذا الكلام ضعيف وبيانه من وجوه : الأول : أن الكافر كان قادرا ~~على الكفر فهل كان قادرا على الإيمان ، أو ما كان قادرا عليه ؟ فإن قدر على ~~الكفر ولم يقدر على الإيمان فحينئذ تكون القدرة على الكفر مستلزمة للكفر ، ~~فإذا كان خالق تلك القدرة هو الله تعالى لزم / أن يقال إنه تعالى خلق فيه ~~قدرة مستلزمة للكفر فوجب أن يقال إنه أراد منه الكفر وأما إن كانت القدرة ~~صالحة للضدين كما هو مذهب القوم ، فرجحان أحد الطرفين على الآخر إن لم ~~يتوقف على المرجح فقد حصل الرجحان لا لمرجح وهذا باطل ، وإن توقف على مرجح ~~فذلك المرجح إما أن يكون من العبد أو من الله فإن كان من العبد عاد التقسيم ~~فيه ولزم التسلسل PageV17P133 وهو محال ، وإن كان من الله تعالى فحينئذ ~~يكون مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية موجبا لذلك الكفر فإذا كان خالق ~~القدرة والداعية هو الله تعالى فحينئذ عاد الإلزام . الثاني : أن قوله : { ~~ولو شاء ربك } لا يجوز حمله على مشيئة الإلجاء ، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما كان يطلب أن يحصل لهم إيمان لا يفيدهم في الآخرة ، فبين تعالى أنه ~~لا قدرة للرسول على تحصيل هذا الإيمان ، ثم قال : { ولو شاء ربك لآمن من فى ~~الارض كلهم جميعا ms4886 } فوجب أن يكون المراد من الإيمان المذكور في هذه الآية ~~هو هذا الإيمان النافع حتى يكون الكلام منتظما / فأما حمل اللفظ على مشيئة ~~القهر والإلجاء فإنه لا يليق بهذا الموضع . الثالث : المراد بهذا الإلجاء ، ~~إما أن يكون هو أن يظهر له آيات هائلة يعظم خوفه عند رؤيتها ، ثم يأتي ~~بالإيمان عندها . وإما أن يكون المراد خلق الإيمان فيهم . والأول باطل ، ~~لأنه تعالى بين فيما قبل هذه الآية أن إنزال هذه الآيات لا يفيد وهو قوله : ~~{ إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل ءاية حتى يروا ~~العذاب الاليم } ( يونس : 96 ، 97 ) وقال أيضا : { ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملئكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن ~~يشاء الله } ( الأنعام : 111 ) وإن كان المراد هو الثاني لم يكن هذا ~~الإلجاء إلى الإيمان ، بل كان ذلك عبارة عن خلق الإيمان فيهم ، ثم يقال ~~لكنه ما خلق الإيمان فيهم ، فدل على أنه ما أراد حصول الإيمان لهم وهذا عين ~~مذهبنا . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال : { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين } والمعنى أنه لا قدرة لك على التصرف في أحد ، والمقصود منه بيان أن ~~القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق سبحانه وتعالى . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا على صحة قولهم أنه لا حكم للأشياء قبل ~~ورود الشرع بقوله : { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } قالوا وجه ~~الاستدلال به أن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحرج وصريح هذه ~~الآية يدل على أنه قبل حصول هذا المعنى ليس له أن يقدم على هذا الإيمان ، ~~ثم قالوا : والذي يدل عليه من جهة العقل وجوه : الأول : أن معرفة الله ~~تعالى والاشتغال بشكره والثناء عليه لا يدل العقل على حصول نفع فيه ، فوجب ~~أن لا يجب ذلك بحسب العقل ، بيان الأول أن ذلك النفع إما أن يكون عائدا إلى ~~المشكور أو إلى الشاكر والأول باطل لأن / في الشاهد المشكور ينتفع بالشكر ~~فيسره الشكر ويسوءه ms4887 الكفران ، فلا جرم كان الشكر حسنا والكفران قبيحا ، أما ~~الله سبحانه فإنه لا يسره الشكر ولا يسوءه الكفران ، فلا ينتفع بهذا الشكر ~~أصلا . والثاني : أيضا باطل لأن الشاكر يتعب في الحال بذلك الشكر ويبذل ~~الخدمة مع أن المشكور لا ينتفع به ألبتة ولا يمكن أن يقال إن ذلك الشكر علة ~~الثواب ، لأن الاستحقاق على الله تعالى محال فإن الاستحقاق على الغير إنما ~~يعقل إذا كان ذلك الغير بحيث لو لم يعط لأوجب امتناعه من إعطاء ذلك الحق ~~حصول نقصان في حقه ، ولما كان الحق سبحانه منزها عن النقصان والزيادة لم ~~يعقل ذلك في حقه ، فثبت أن الاشتغال بالإيمان وبالشكر ، لا يفيد نفعا بحسب ~~العقل المحض وما كان كذلك امتنع أن يكون العقل موجبا له ، فثبت بهذا ~~البرهان القاطع صحة قوله تعالى : { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } ~~قال القاضي : المراد أن الإيمان لا يصدر عنه إلا بعلم الله أو بتكليفه أو ~~بإقداره عليه . # وجوابنا : أن حمل الإذن على ما ذكرتم ترك للظاهر وذلك لا يجوز ، لا سيما ~~وقد بينا أن الدليل القاطع العقلي يقوي قولنا . PageV17P134 # المسألة الثالثة : قرأ أبو بكر عن عاصم { ونجعل } بالنون وقرأ الباقون ~~بالياء كناية عن اسم الله تعالى . # المسألة الرابعة : احتج أصحابنا على صحة قولهم بأن خالق الكفر والإيمان ~~هو الله تعالى بقوله تعالى : { ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } وتقريره ~~أن الرجس قد يراد به العمل القبيح قال تعالى : { إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } ( الأحزاب : 33 ) والمراد من الرجس ههنا ~~العمل القبيح ، سواء كان كفرا أو معصية ، وبالتطهير نقل العبد من رجس الكفر ~~والمعصية إلى طهارة الإيمان والطاعة ، فلما ذكر الله تعالى فيما قبل هذه ~~الآية أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى وتخليقه ، ذكر بعده أن ~~الرجس لا يحصل إلا بتخليقه وتكوينه . والرجس الذي يقابل الإيمان ليس إلا ~~الكفر ، فثبت دلالة هذه الآية على أن الكفر والإيمان من الله تعالى . # أجاب أبو علي الفارسي النحوي عنه ms4888 فقال : الرجس ، يحتمل وجهين آخرين : ~~أحدهما : أن يكون المراد منه العذاب ، فقوله : { ويجعل الرجس على الذين لا ~~يعقلون } أي يلحق العذاب بهم كما قال : { ويعذب المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات } ( الفتح : 6 ) والثاني : أنه تعالى يحكم عليهم بأنهم ~~رجس كما قال : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) والمعنى أن الطهارة ~~الثابتة للمسلمين لم تحصل لهم . # والجواب : أنا قد بينا بالدليل العقلي أن الجهل لا يمكن أن يكون فعلا ~~للعبد لأنه لا يريده ولا يقصد / إلى تكوينه ، وإنما يريد ضده ، وإنما قصد ~~إلى تحصيل ضده ، فلو كان به لما حصل إلا ما قصده وأوردنا السؤالات على هذه ~~الحجة وأجبنا عنها فيما سلف من هذا الكتاب . وأما حمل الرجس على العذاب ، ~~فهو باطل ، لأن الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره ، فحمل هذا اللفظ ~~على جهلهم وكفرهم أولى من حمله على عذاب الله مع كونه حقا صدقا صوابا ، ~~وأما حمل لفظ الرجس على حكم الله برجاستهم ، فهو في غاية البعد ، لأن حكم ~~الله تعالى بذلك صفته ، فكيف يجوز أن يقال إن صفة الله رجس ، فثبت أن الحجة ~~التي ذكرناها ظاهرة . # ! 7 < { قل انظروا ماذا فى السماوات والا رض وما تغنى الآيات والنذر عن ~~قوم لا يؤمنون } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 101 ) قل انظروا ماذا . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة { قل انظروا } بكسر اللام لالتقاء ~~الساكنين والأصل فيه الكسر ، والباقون بضمها نقلوا حركة الهمزة إلى اللام . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات السالفة أن الإيمان ~~لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته ، أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل ~~حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض . فقال : { قل انظروا ماذا فى * ~~السماوات والارض } . # واعلم أن هذا يدل على مطلوبين : الأول : أنه لا سبيل إلى معرفة الله ~~تعالى إلا بالتدبر في الدلائل كما قال عليه الصلاة والسلام : ( تفكروا في ~~الخلق ولاتتفكروا في الخلق ) والثاني : وهو أن الدلائل إما أن تكون ~~PageV17P135 من عالم السموات أو من عالم الأرض ، أما الدلائل السماوية ، ~~فهي حركات الأفلاك ومقاديرها ms4889 وأوضاعها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب ، ~~وما يختص به كل واحد منها من المنافع والفوائد ، وأما الدلائل الأرضية ، ~~فهي النظر في أحوال العناصر العلوية ، وفي أحوال المعادن وأحوال النبات ~~وأحوال الإنسان خاصة ، ثم ينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواع لا نهاية ~~لها . ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في كيفية حكمة الله سبحانه في تخليق جناح ~~بعوضة لانقطع عقله قبل أن يصل إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد . ~~ولا شك أن الله سبحانه أكثر من ذكر هذه الدلائل في القرآن المجيد ، فلهذا ~~السبب ذكر قوله : { قل انظروا ماذا فى * السماوات والارض } ولم يذكر ~~التفصيل ، فكأنه تعالى نبه على القاعدة الكلية ، حتى أن العاقل يتنبه ~~لأقسامها وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة كل واحد منها بقدر القوة العقلية ~~والبشرية ، ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل بين بعد ذلك أن هذا ~~التفكر والتدبر في هذه الآيات لا ينفع في حق من حكم الله تعالى عليه في ~~الأزل بالشقاء والضلال ، فقال : { وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ~~} وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال النحويون : { ما } في هذا الموضع تحتمل وجهين : ~~الأول : أن تكون نفيا بمعنى أن هذه الآيات والنذر لا تفيد الفائدة في حق من ~~حكم الله عليه بأنه لا يؤمن ، كقولك : ما يغني عنك المال إذا لم تنفق . ~~والثاني : أن تكون استفهاما كقولك : أي شيء يغني عنهم ، وهو استفهام بمعنى ~~الإنكار . # المسألة الثانية : الآيات هي الدلائل ، والنذر الرسل المنذرون أو ~~الإنذارات . # المسألة الثالثة : قرىء { وما يغنى } بالياء من تحت . # ! 7 < { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إنى ~~معكم من المنتظرين * ثم ننجى رسلنا والذين ءامنوا كذلك حقا علينا ننج ~~المؤمنين } . > 7 @QB@ < # | يونس : ( 102 - 103 ) فهل ينتظرون إلا . . . . . # > > # واعلم أن المعنى هل ينتظرون إلا أياما مثل أيام الأمم الماضية ، والمراد ~~أن الأنبياء المتقدمين عليهم السلام كانوا يتوعدون كفار زمانهم بمجيء أيام ~~مشتملة على أنواع العذاب ، وهم كانوا يكذبون بها ويستعجلونها على سبيل ms4890 ~~السخرية ، وكذلك الكفار الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام ~~هكذا كانوا يفعلون . ثم إنه تعالى أمره بأن يقول لهم : { فانتظروا إنى معكم ~~من المنتظرين } ثم إنه تعالى قال : { ثم ننجى رسلنا والذين ءامنوا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الكسائي في رواية نصير { ننجى } خفيفة ، وقرأ ~~الباقون : مشددة وهما لغتان وكذلك في قوله : { ننجى المؤمنين } . # / المسألة الثانية : ثم حرف عطف ، وتقدير الكلام كانت عادتنا فيما مضى أن ~~نهلكهم سريعا ثم ننجي رسلنا . PageV17P136 # المسألة الثالثة : لما أمر الرسول في الآية الأولى أن يوافق الكفار في ~~انتظار العذاب ذكر التفصيل فقال : العذاب لا ينزل إلا على الكفار وأما ~~الرسول وأتباعه فهم أهل النجاة . # ثم قال : { كذلك حقا علينا * ننجى المؤمنين } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : أي مثل ذلك الإنجاء ننصر ~~المؤمنين ونهلك المشركين وحقا علينا اعتراض ، يعني حق ذلك علينا حقا . # المسألة الثانية : قال القاضي قوله : { حقا علينا } المراد به الوجوب ، ~~لأن تخليص الرسول والمؤمنين من العذاب إلى الثواب واجب ولولاه لما حسن من ~~الله تعالى أن يلزمهم الأفعال الشاقة وإذا ثبت وجوبه لهذا السبب جرى مجرى ~~قضاء الدين للسبب المتقدم . # والجواب : أنا نقول إنه حق بسبب الوعد والحكم ، ولا نقول إنه حق بسبب ~~الاستحقاق ، لما ثبت أن العبد لا يستحق على خالقه شيئا . # ! 7 < { قل ياأيها الناس إن كنتم فى شك من دينى فلا أعبد الذين تعبدون من ~~دون الله ولاكن أعبد الله الذى يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين * وأن ~~أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين * ولا تدع من دون الله ما لا ~~ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } . > 7 ! # / < < # | يونس : ( 104 - 106 ) قل يا أيها . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على أقصى الغايات وأبلغ النهايات ، ~~أمر رسوله بإظهار دينه وبإظهار المباينة عن المشركين ، لكي تزول الشكوك ~~والشبهات في أمره وتخرج عبادة الله من طريقة السر إلى الإظهار فقال : { قل ~~ياأهل * أيها الناس * إن كنتم فى شك من دينى } واعلم أن ms4891 ظاهر هذه الآية يدل ~~على أن هؤلاء الكفار ما كانوا يعرفون دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وفي الخبر إنهم كانوا يقولون فيه قد صبأ وهو صابىء فأمر الله تعالى أن يبين ~~لهم أنه على دين إبراهيم حنيفا مسلما لقوله تعالى : { إن إبراهيم كان أمة ~~قانتا لله حنيفا } ( النحل : 120 ) ولقوله : { وجهت وجهى للذى فطر * ~~السماوات والارض * حنيفا } ( الأنعام : 79 ) ولقوله : { لا أعبد ما تعبدون ~~} ( الكافرون : 2 ) والمعنى : أنكم إن كنتم لا تعرفون ديني فأنا أبينه لكم ~~على سبيل التفصيل ثم ذكر فيه أمورا . # فالقيد الأول : قوله : { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } وإنما وجب ~~تقديم هذا النفي لما ذكرنا أن إزالة النقوش الفاسدة عن اللوح لا بد وأن ~~تكون مقدمة على إثبات النقوش الصحيحة في ذلك اللوح ، وإنما وجب هذا النفي ~~لأن العبادة غاية التعظيم وهي لا تليق إلا بمن حصلت له غاية الجلال ~~والإكرام ، وأما الأوثان فإنها أحجار والإنسان أشرف حالا منها ، وكيف يليق ~~بالأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس . PageV17P137 # القيد الثاني : قوله : { ولاكن أعبد الله الذى يتوفاكم } والمقصود أنه ~~لما بين أنه يجب ترك عبادة غير الله ، بين أنه يجب الاشتغال بعبادة الله . # فإن قيل : ما الحكمة في ذكر المعبود الحق في هذا المقام بهذه الصفة وهي ~~قوله : { الذى يتوفاكم } . # قلنا فيه وجوه الأول : يحتمل أن يكون المراد أني أعبد الله الذي خلقكم ~~أولا ثم يتوفاكم ثانيا ثم يعيدكم ثالثا ، وهذه المراتب الثلاثة قد قررناها ~~في القرآن مرارا وأطوارا فههنا اكتفى بذكر التوفي منها لكونه منبها على ~~البواقي . الثاني : أن الموت أشد الأشياء مهابة ، فنخص هذا الوصف بالذكر في ~~هذا المقام ، ليكون أقوى في الزجر والردع . الثالث : أنهم لما استعجلوا ~~نزول العذاب قال تعالى : { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ~~قل فانتظروا إنى معكم من المنتظرين * ثم ننجى رسلنا والذين ءامنوا } ( يونس ~~: 102 ، 103 ) فهذه الآية تدل على أنه تعالى يهلك أولئك الكفار ويبقي ~~المؤمنين ويقوي دولتهم فلما كان قريب العهد بذكر هذا ms4892 الكلام لا جرم قال ~~ههنا : { ولاكن أعبد الله الذى يتوفاكم } وهو إشارة إلى ما قرره وبينه في ~~تلك الآية كأنه يقول : أعبد ذلك الذي وعدني بإهلاكهم وبإبقائي . # والقيد الثالث : من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله : { وأمرت أن أكون ~~من المؤمنين } / واعلم أنه لما ذكر العبادة وهي من جنس أعمال الجوارح انتقل ~~منها إلى الإيمان والمعرفة / وهذا يدل على أنه ما لم يصر الظاهر مزينا ~~بالأعمال الصالحة ، فإنه لا يحصل في القلب نور الإيمان والمعرفة . # والقيد الرابع : قوله : { وأن أقم وجهك للدين حنيفا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الواو في قوله : { وأن أقم وجهك } حرف عطف وفي المعطوف ~~عليه وجهان : الأول : أن قوله : { وأمرت أن أكون } قائم مقام قوله وقيل لي ~~كن من المؤمنين ثم عطف عليه { وأن أقم وجهك } الثاني : أن قوله : { وأن أقم ~~وجهك } قائم مقام قوله : { وأمرت } بإقامة الوجه ، فصار التقدير وأمرت بأن ~~أكون من المؤمنين وبإقامة الوجه للدين حنيفا . # المسألة الثانية : إقامة الوجه كناية عن توجيه العقل بالكلية إلى طلب ~~الدين ، لأن من يريد أن ينظر إلى شيء نظرا بالاستقصاء ، فإنه يقيم وجهه في ~~مقابلته بحيث لا يصرفه عنه لا بالقليل ولا بالكثير ، لأنه لو صرفه عنه ، ~~ولو بالقليل فقد بطلت تلك المقابلة ، وإذا بطلت تلك المقابلة ، فقد اختل ~~الأبصار ، فلهذا السبب حسن جعل إقامة الوجه للدين كناية عن صرف العقل ~~بالكلية إلى طلب الدين ، وقوله : { حنيفا } أي مائلا إليه ميلا كليا معرضا ~~عما سواه إعراضا كليا ، وحاصل هذا الكلام هو الإخلاص التام ، وترك الالتفات ~~إلى غيره ، فقوله أولا : { وأمرت أن أكون من المؤمنين } إشارة إلى تحصيل ~~أصل الإيمان ، وقوله : { وأن أقم وجهك للدين حنيفا } إشارة إلى الاستغراق ~~في نور الإيمان والإعراض بالكلية عما سواه . # والقيد الخامس : قوله : { ولا تكونن من المشركين } . # واعلم أنه لا يمكن أن يكون هذا نهيا عن عبادة الأوثان ، لأن ذلك صار ~~مذكورا بقوله تعالى في هذه الآية : { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } ~~فوجب حمل هذا الكلام على فائدة زائدة وهو ms4893 أن من عرف مولاه ، فلو التفت بعد ~~ذلك إلى غيره كان ذلك شركا ، وهذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي ~~. PageV17P138 # والقيد السادس : قوله تعالى : { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا ~~يضرك } والممكن لذاته معدوم بالنظر إلى ذاته وموجود بإيجاد الحق ، وإذا كان ~~كذلك فما سوى الحق فلا وجود له إلا إيجاد الحق ، وعلى هذا التقدير فلا نافع ~~إلا الحق ولا ضار إلا الحق ، فكل شيء هالك إلا وجهه وإذا كان كذلك ، فلا ~~حكم إلا لله ولا رجوع في الدارين إلا إلى الله . # ثم قال في آخر الآية : { فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } يعني لو اشتغلت ~~بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين ، لأن الظلم عبارة عن ~~وضع الشيء في غير موضعه ، فإذا كان ما سوى / الحق معزولا عن التصرف ، كانت ~~إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعا للشيء في غير موضعه فيكون ظلما . # فإن قيل : فطلب الشبع من الأكل والري من الشرب هل يقدح في ذلك الإخلاص ؟ # قلنا : لا لأن وجود الخبز وصفاته كلها بإيجاد الله وتكوينه ، وطلب ~~الانتفاع بشيء خلقه الله للانتفاع به لا يكون منافيا للرجوع بالكلية إلى ~~الله ، إلا أن شرط هذا الإخلاص أن لا يقع بصر عقله على شيء من هذه ~~الموجودات إلا ويشاهد بعين عقله أنها معدومة بذواتها وموجودة بإيجاد الحق ~~وهالكة بأنفسها وباقية بإبقاء الحق ، فحينئذ يرى ما سوى الحق عدما محضا ~~بحسب أنفسها ويرى نور وجوده وفيض إحسانه عاليا علي الكل . # ! 7 < { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد ~~لفضله يصيب به من يشآء من عباده وهو الغفور الرحيم } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 107 ) وإن يمسسك الله . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه وتعالى قرر في آخر هذه السورة أن جميع ~~الممكنات مستندة إليه وجميع الكائنات محتاجة إليه ، والعقول والهة فيه ، ~~والرحمة والجود والوجود فائض منه . # واعلم أن الشيء إما أن يكون ضارا وإما أن يكون نافعا ، وإما أن يكون ms4894 لا ~~ضارا ولا نافعا ، وهذان القسمان مشتركان في اسم الخير ، ولما كان الضر أمرا ~~وجوديا لا جرم قال فيه : { وإن يمسسك الله بضر } ولما كان الخير قد يكون ~~وجوديا وقد يكون عدميا ، لا جرم لم يذكر لفظ الإمساس فيه بل قال : { وإن ~~يردك بخير } والآية دالة على أن الضر والخير واقعان بقدرة الله تعالى ~~وبقضائه فيدخل فيه الكفر والإيمان والطاعة والعصيان والسرور والآفات ~~والخيرات والآلام واللذات والراحات والجراحات ، فبين سبحانه وتعالى أنه إن ~~قضى لأحد شرا فلا كاشف له إلا هو ، وإن قضى لأحد خيرا فلا راد لفضله ألبتة ~~ثم في الآية دقيقة أخرى ، وهي أنه تعالى رجح جانب الخير على جانب الشر من ~~ثلاثة أوجه : الأول : أنه تعالى لما ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له إلا ~~هو ، وذلك يدل على أنه تعالى يزيل المضار ، لأن الاستثناء من النفي إثبات ، ~~ولما ذكر الخير لم / يقل بأنه يدفعه بل قال إنه لا راد لفضله ، وذلك يدل ~~على أن الخير مطلوب بالذات ، وأن الشر مطلوب بالعرض PageV17P139 كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم رواية عن رب العزة أنه قال : ( سبقت رحمتي غضبي ) ~~الثاني : أنه تعالى قال في صفة الخير : { يصيب به من يشاء من عباده } وذلك ~~يدل على أن جانب الخير والرحمة أقوى وأغلب . والثالث : أنه قال : { وهو ~~الغفور الرحيم } وهذا أيضا يدل على قوة جانب الرحمة وحاصل الكلام في هذه ~~الآية أنه سبحانه وتعالى بين أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتكوين والإبداع ~~، وأنه لا موجد سواه ولا معبود إلا إياه ، ثم نبه على أن الخير مراد بالذات ~~، والشر مراد بالعرض وتحت هذا الباب أسرار عميقة ، فهذا ما نقوله في هذه ~~الآية . # المسألة الثانية : قال المفسرون : إنه تعالى لما بين في الآية الأولى في ~~صفة الأصنام أنها لا تضر ولا تنفع ، بين في هذه الآية أنها لا تقدر أيضا ~~على دفع الضرر الواصل من الغير ، وعلى الخير الواصل من الغير . قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : { إن يمسسكم * الله بضر فلا ms4895 كاشف له إلا هو } يعني ~~بمرض وفقر فلا دافع له إلا هو . # وأما قوله : { وإن يردك بخير } فقال الواحدي : هو من المقلوب معناه وإن ~~يرد بك الخير ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهما ~~بالآخر ، وأقول التقديم في اللفظ يدل على زيادة العناية فقوله : { وإن يردك ~~بخير } يدل على أن المقصود هو الإنسان وسائر الخيرات مخلوقة لأجله ، فهذه ~~الدقيقة لا تستفاد إلا من هذا التركيب . # ! 7 < { قل ياأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدى ~~لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ومآ أنا عليكم بوكيل } . > 7 ! # < < # | يونس : ( 108 ) قل يا أيها . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل المذكورة في التوحيد والنبوة ~~والمعاد وزين آخر هذه السورة بهذه البيانات الدالة على كونه تعالى مستبدا ~~بالخلق والإبداع والتكوين والاختراع ، ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية ~~، وفي تفسيرها وجهان : الأول : أنه من حكم له في الأزل بالاهتداء ، فسيقع ~~له ذلك ، ومن حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه . الثاني : وهو الكلام ~~اللائق بالمعتزلة قال القاضي : إنه تعالى بين أنه أكمل الشريعة وأزاح العلة ~~وقطع المعذرة { فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما ~~أنا عليكم بوكيل } فلا يجب علي من السعي في إيصالكم إلى الثواب العظيم ، ~~وفي تخليصكم من العذاب الأليم أزيد مما فعلت . قال ابن عباس : هذه الآية ~~منسوخة بآية القتال . < < # | يونس : ( 109 ) واتبع ما يوحى . . . . . # > > # ثم إنه تعالى ختم هذه الخاتمة بخاتمة أخرى لطيفة فقال : { واتبع ما يوحى ~~إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين } . # والمعنى أنه تعالى أمره باتباع الوحي والتنزيل ، فإن وصل إليه بسبب ذلك ~~الاتباع مكروه فليصبر عليه PageV17P140 إلى أن يحكم الله فيه وهو خير ~~الحاكمين . وأنشد بعضهم في الصبر شعرا فقال : # % سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري % % وأصبر حتى يحكم الله في أمري % # % أصبر حتى يعلم الصبر أنني % % صبرت على شيء أمر من الصبر % # PageV17P141 < # > 1 ( سورة هود ) 1 < # > # مكية ، إلا الآيات : 12 و 17 و ms4896 114 فمدنية # وآياتها 123 نزلت بعد سورة يونس # ! 7 < { الر كتاب أحكمت ءاياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } . > 7 ! # < < # | هود : ( 1 ) الر كتاب أحكمت . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله { الر } اسم للسورة وهو مبتدأ . وقوله { ~~كتاب } خبره ، وقوله : { الر كتاب أحكمت ءاياته } صفة للكتاب . قال الزجاج ~~: لا يجوز أن يقال : { الر } مبتدأ ، وقوله : { كتاب أحكمت ءاياته ثم فصلت ~~} خبر ، لأن { الر } ليس هو الموصوف بهذه الصفة وحده ؛ وهذا الاعتراض فاسد ~~، لأنه ليس من شرط كون الشيء مبتدأ أن يكون خبره محصورا فيه ، ولا أدري كيف ~~وقع للزجاج هذا السؤال ، ثم إن الزجاج اختار قولا آخر وهو أن يكون التقدير ~~: الر هذا كتاب أحكمت آياته ، وعندي أن هذا القول ضعيف لوجهين : الأول : أن ~~على هذا التقدير يقع قوله : { الر } كلاما باطلا لا فائدة فيه ، والثاني : ~~أنك إذا قلت هذا كتاب ، فقوله : ( هذا ) يكون إشارة إلى أقرب المذكورات ، ~~وذلك هو قوله : { الر } فيصير حينئذ { الر } مخبرا عنه بأنه كتاب أحكمت / ~~آياته ، فيلزمه على هذا القول ما لم يرض به في القول الأول ، فثبت أن ~~الصواب ما ذكرناه . # المسألة الثانية : في قوله : { الر كتاب } وجوه : الأول : { الر كتاب } ~~نظمت نظما رصيفا محكما لا يقع فيه نقص ولا خلل ، كالبناء المحكم المرصف . ~~الثاني : أن الإحكام عبارة عن منع الفساد من الشيء . فقوله : { الر كتاب } ~~أي لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها . # واعلم أن على هذا الوجه لا يكون كل الكتاب محكما ، لأنه حصل فيه آيات ~~منسوخة ، إلا أنه لما كان الغالب كذلك صح إطلاق هذا الوصف عليه إجراء للحكم ~~الثابت في الغالب مجرى الحكم الثابت في PageV17P142 الكل . الثالث : قال ~~صاحب ( الكشاف ) { أحكمت } يجوز أن يكون نقلا بالهمزة من حكم بضم الكاف إذا ~~صار حكيما ، أي جعلت حكيمة ، كقوله : { الكتاب الحكيم أكان } ( يونس : 1 ) ~~الرابع : جعلت آياته محكمة في أمور : أحدها : أن معاني هذا الكتاب هي ~~التوحيد ، والعدل ، والنبوة ، والمعاد ، وهذه المعاني لا تقبل النسخ ، فهي ~~في غاية الإحكام ms4897 ، وثانيها : أن الآيات الواردة فيه غير متناقضة ، والتناقض ~~ضد الإحكام فإذا خلت آياته عن التناقض فقد حصل الإحكام . وثالثها : أن ~~ألفاظ هذه الآيات بلغت في الفصاحة والجزالة إلى حيث لا تقبل المعارضة ، ~~وهذا أيضا مشعر بالقوة والإحكام . ورابعها : أن العلوم الدينية إما نظرية ~~وإما عملية . أما النظرية فهي معرفة الإله تعالى ومعرفة الملائكة والكتب ~~والرسل واليوم الآخر ، وهذا الكتاب مشتمل على شرائف هذه العلوم ولطائفها ، ~~وأما العملية فهي إما أن تكون عبارة عن تهذيب الأعمال الظاهرة وهو الفقه ، ~~أو عن تهذيب الأحوال الباطنة وهي علم التصفية ورياضة النفس ، ولا نجد كتابا ~~في العالم يساوي هذا الكتاب في هذه المطالب ، فثبت أن هذا الكتاب مشتمل على ~~أشرف المطالب الروحانية وأعلى المباحث الإلهية ، فكان كتابا محكما غير قابل ~~للنقض والهدم . وتمام الكلام في تفسير المحكم ذكرناه في تفسير قوله تعالى : ~~{ هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } ( آل عمران : 7 ) . # المسألة الثالثة : في قوله : { فصلت } وجوه : أحدها : أن هذا الكتاب فصل ~~كما تفصل الدلائل بالفوائد الروحانية ، وهي دلائل التوحيد والنبوة والأحكام ~~والمواعظ والقصص . والثاني : أنها جعلت فصولا سورة سورة ، وآية آية . ~~الثالث : { فصلت } بمعنى أنها فرقت في التنزيل وما نزلت جملة واحدة ، ~~ونظيره قوله تعالى : { فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم ءايات مفصلات } ( الأعراف : 133 ) والمعنى مجيء هذه الآيات متفرقة ~~متعاقبة . الرابع : فصل ما يحتاج إليه العباد أي جعلت مبينة ملخصة . الخامس ~~: جعلت فصولا حلالا وحراما ، وأمثالا وترغيبا ، وترهيبا ومواعظ ، وأمرا ~~ونهيا لكل معنى فيها فصل ، قد أفرد به غير مختلط بغيره حتى تستكمل فوائد كل ~~واحد منها ، / ويحصل الوقوف على كل باب واحد منها على الوجه الأكمل . # المسألة الرابعة : معنى { ثم } في قوله : { ثم فصلت } ليس للتراخي في ~~الوقت ، لكن في الحال كما تقول : هي محكمة أحسن الإحكام ، ثم مفصلة أحسن ~~التفصيل ، وكما تقول : فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل . # المسألة الخامسة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { الر كتاب أحكمت ءاياته } ~~أي أحكمتها أنا ثم فصلتها ، وعن عكرمة والضحاك { ثم ms4898 فصلت } أي فرقت بين ~~الحق والباطل . # المسألة السادسة : احتج الجبائي بهذه الآية على أن القرآن محدث مخلوق من ~~ثلاثة أوجه : الأول : قال المحكم : هو الذي أتقنه فاعله ، ولولا أن الله ~~تعالى يحدث هذا القرآن وإلا لم يصح ذلك لأن الإحكام لا يكون إلا في الأفعال ~~، ولا يجوز أن يقال : كان موجودا غير محكم ثم جعله الله محكما ، لأن هذا ~~يقتضي في بعضه الذي جعله محكما أن يكون محدثا ، ولم يقل أحد بأن القرآن ~~بعضه قديم وبعضه محدث . الثاني : أن قوله : { ثم فصلت } يدل على أنه حصل ~~فيه انفصال وافتراق ، ويدل على أن ذلك الانفصال والافتراق إنما حصل بجعل ~~جاعل ، وتكوين مكون ، وذلك أيضا يدل على المطلوب . الثالث : قوله : { من ~~لدن حكيم خبير } PageV17P143 والمراد من عنده ، والقديم لا يجوز أن يقال : ~~إنه حصل من عند قديم آخر ، لأنهما لو كانا قديمين لم يكن القول بأن أحدهما ~~حصل من عند الآخر أولى من العكس . # أجاب أصحابنا بأن هذه النعوت عائدة إلى هذه الحروف والأصوات ونحن معترفون ~~بأنها محدثة مخلوقة ، وإنما الذي ندعي قدمه أمر آخر سوى هذه الحروف ~~والأصوات . # المسألة السابعة : قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { من لدن حكيم خبير } ~~يحتمل وجوها : الأول : أنا ذكرنا أن قوله : { كتاب } خبر و { أحكمت } صفة ~~لهذا الخبر ، وقوله : { من لدن حكيم خبير } صفة ثانية والتقدير : الر كتاب ~~من لدن حكيم خبير . والثاني : أن يكون خبرا بعد خبر والتقدير : الر من لدن ~~حكيم خبير . والثالث : أن يكون ذلك صفة لقوله : { أحكمت } أي أحكمت وفصلت ~~من لدن حكيم خبير ، وعلى هذا التقدير فقد حصل بين أول هذه الآية وبين آخرها ~~نكتة لطيفة كأنه يقول أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم ~~بكيفيات الأمور . # ! 7 < { ألا تعبدوا إلا الله إننى لكم منه نذير وبشير * وأن استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ~~وإن تولوا فإنيأخاف عليكم عذاب يوم كبير * إلى الله مرجعكم وهو على كل شىء ~~قدير ms4899 } . > 7 ! # / < < # | هود : ( 2 - 4 ) ألا تعبدوا إلا . . . . . # > > اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن في قوله : { خبير ألا تعبدوا إلا الله } وجوها ~~: الأول : أن يكون مفعولا له والتقدير : كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل ألا ~~تعبدوا إلا الله وأقول هذا التأويل يدل على أنه لا مقصود من هذا الكتاب ~~الشريف إلا هذا الحرف الواحد ، فكل من صرف عمره إلى سائر المطالب ، فقد خاب ~~وخسر . الثاني : أن تكون { ءان } مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول ~~والحمل على هذا أولى ، لأن قوله : { وأن استغفروا } معطوف على قوله : { ألا ~~تعبدوا } فيجب أن يكون معناه : أي لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفا على النهي ~~، فإن كونه بمعنى لئلا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه . والثالث : أن يكون ~~التقدير : الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ليأمر الناس أن ~~لا يعبدوا إلا الله ويقول لهم ، إنني لكم منه نذير وبشير والله أعلم . # المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية مشتملة على التكليف من وجوه : الأول ~~: أنه تعالى أمر بأن لا يعبدوا إلا الله ، وإذا قلنا : الاستثناء من النفي ~~إثبات ، كان معنى هذا الكلام النهي عن عبادة غير الله تعالى ، والأمر ~~بعبادة الله تعالى ، وذلك هو الحق ، لأنا بينا أن ما سوى الله فهو محدث ~~مخلوق مربوب ، وإنما حصل بتكوين الله وإيجاده ، والعبادة عبارة عن إظهار ~~الخضوع والخشوع ونهاية التواضع والتذلل وهذا لا يليق إلا بالخالق المدبر ~~الرحيم المحسن ، فثبت أن عبادة غير الله منكرة ، والإعراض عن عبادة الله ~~منكر . PageV17P144 # واعلم أن عبادة الله مشروطة بتحصيل معرفة الله تعالى قبل العبادة ، لأن ~~من لا يعرف معبوده لا ينتفع بعبادته فكان الأمر بعبادة الله أمرا بتحصيل ~~المعرفة أولا . ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة : { قدير ياأيها ~~الناس اعبدوا ربكم } ( البقرة : 21 ) ثم أتبعه بالدلائل الدالة على وجود ~~الصانع وهو قوله : { الذى خلقكم والذين من قبلكم } ( البقرة : 21 ) إنما ~~حسن ذلك لأن الأمر بالعبادة يتضمن الأمر بتحصيل المعرفة فلا جرم ذكر ما يدل ~~على ms4900 تحصيل المعرفة . # ثم قال : { إننى لكم منه نذير وبشير } وفيه مباحث : # البحث الأول : أن الضمير في قوله : { منه } عائد إلى الحكيم الخبير ، ~~والمعنى : إنني لكم نذير وبشير من جهته . # البحث الثاني : أن قوله : { ألا تعبدوا إلا الله } مشتمل على المنع عن ~~عبادة غير الله ، وعلى الترغيب في عبادة الله تعالى ، فهو عليه الصلاة ~~والسلام نذير على الأول بإلحاق العذاب الشديد لمن لم يأت بها وبشير على ~~الثاني بإلحاق الثواب العظيم لمن أتى بها . # واعلم أنه صلى الله عليه وسلم ما بعث إلا لهذين الأمرين ، وهو الإنذار ~~على فعل ما لا ينبغي ، والبشارة على فعل ما ينبغي . # المرتبة الثانية : من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله : { وأن ~~استغفروا ربكم } . # والمرتبة الثالثة : قوله : { ثم توبوا إليه } واختلفوا في بيان الفرق بين ~~هاتين المرتبتين على وجوه : # الوجه الأول : أن معنى قوله : { وأن استغفروا } اطلبوا من ربكم المغفرة ~~لذنوبكم / ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة ، فقال : { ثم توبوا ~~إليه } لأن الداعي إلى التوبة والمحرض عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن ~~طلب المغفرة وهذا يدل على أنه لا سبيل إلى طلب المغفرة من عند الله إلا ~~بإظهار التوبة ، والأمر في الحقيقة كذلك ، لأن المذنب معرض عن طريق الحق ، ~~والمعرض المتمادي في التباعد ما لم يرجع عن ذلك الإعراض لا يمكنه التوجه ~~إلى المقصود بالذات ، فالمقصود بالذات هو التوجه إلى المطلوب إلا أن ذلك لا ~~يمكن إلا بالإعراض عما يضاده ، فثبت أن الاستغفار مطلوب بالذات ، وأن ~~التوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار ، وما كان آخرا في الحصول كان ~~أولا في الطلب ، فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة . # الوجه الثاني : في فائدة هذا الترتيب أن المراد : استغفروا من سالف ~~الذنوب ثم توبوا إليه في المستأنف . # الوجه الثالث : وأن استغفروا من الشرك والمعاصي ، ثم توبوا من الأعمال ~~الباطلة . # الوجه الرابع : الاستغفار طلب من الله لإزالة ما لا ينبغي والتوبة سعي من ~~الإنسان في إزالة ما لا ينبغي ، فقدم الاستغفار ليدل على أن المرء ms4901 يجب أن ~~لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي / يقدر على تحصيله ، ثم بعد ~~الاستغفار ذكر التوبة لأنها عمل يأتي به الإنسان ويتوسل به إلى دفع المكروه ~~والاستعانة بفضل الله تعالى مقدمة على الاستعانة بسعي النفس . PageV17P145 # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه المراتب الثلاثة ذكر بعدها ما يترتب عليها ~~من الآثار النافعة والنتائج المطلوبة ، ومن المعلوم أن المطالب محصورة في ~~نوعين ، لأنه إما أن يكون حصولها في الدنيا أو في الآخرة ، أما المنافع ~~الدنيوية : فهي المراد من قوله : { يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى } وهذا ~~يدل على أن المقبل على عبادة الله والمشتغل بها يبقى في الدنيا منتظم الحال ~~مرفه البال ، وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدنيا سجن ~~المؤمن وجنة الكافر ) وقال أيضا : ( خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء تم ~~الأمثل فالأمثل ) وقال تعالى : { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة } ( الزخرف : 33 ) فهذه النصوص دالة على ~~أن نصيب المشتغل بالطاعات في الدنيا هو الشدة والبلية . ومقتضى هذه الآية ~~أن نصيب المشتغل بالطاعات الراحة في الدنيا فكيف الجمع بينهما ؟ # الجواب : من وجوه . الأول : المراد أنه تعالى لا يعذبهم بعذاب الاستئصال ~~كما استأصل أهل القرى الذين كفروا . الثاني : أنه تعالى يوصل إليهم الرزق ~~كيف كان ، وإليه الإشارة بقوله : { وأمر أهلك بالصلواة واصطبر عليها لا ~~نسألك رزقا نحن نرزقك } ( طه : 132 ) الثالث : وهو الأقوى عندي أن يقال إن ~~المشتغل بعبادة الله وبمحبة الله مشتغل بحب شيء يمتنع تغيره وزواله وفناؤه ~~، فكل من كان إمعانه في ذلك الطريق أكثر وتوغله فيه أتم كان انقطاعه عن ~~الخلق أتم وأكمل ، وكلما كان الكمال في هذا الباب أكثر ، كان الابتهاج ~~والسرور أتم ، لأنه أمن من تغير مطلوبه ، وأمن من زوال محبوبه ، فأما من ~~كان مشتغلا بحب غير الله ، كان أبدا في ألم الخوف من فوات المحبوب وزواله ، ~~فكان عيشه منغصا وقلبه مضطربا ، ولذلك قال الله تعالى في صفة المشتغلين ~~بخدمته ms4902 { فلنحيينه حيواة طيبة } ( النحل : 97 ) . # السؤال الثاني : هل يدل قوله : { إلى أجل مسمى } على أن للعبد أجلين ، ~~وأنه يقع في ذلك التقديم والتأخير ؟ # والجواب : لا . ومعنى الآية أنه تعالى حكم بأن هذا العبد لو اشتغل ~~بالعبادة لكان أجله في الوقت الفلاني / ولو أعرض عنها لكان أجله في وقت آخر ~~، لكنه تعالى عالم بأنه لو اشتغل بالعبادة أم لا فإن أجله ليس إلا في ذلك ~~الوقت المعين ، فثبت أن لكل إنسان أجلا واحدا فقط . # السؤال الثالث : لم سمى منافع الدنيا بالمتاع ؟ # / الجواب : لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها ، ونبه على كونها منقضية ~~بقوله تعالى : { إلى أجل مسمى } فصارت هذه الآية دالة على كونها حقيرة ~~خسيسة منقضية ، ثم لما بين تعالى ذلك قال : { ويؤت كل ذي فضل فضله } ~~والمراد منه السعادات الأخروية ، وفيها لطائف وفوائد . # الفائدة الأولى : أن قوله : { ويؤت كل ذي فضل فضله } معناه ويؤت كل ذي ~~فضل موجب فضله ومعلوله والأمر كذلك وذلك لأن الإنسان إذا كان في نهاية ~~البعد عن الاشتغال بغير الله وكان في غاية الرغبة في تحصيل أسباب معرفة ~~الله تعالى فحينئذ يصير قلبه فصا لنقش الملكوت ومرآة يتجلى بها قدس اللاهوت ~~، إلا أن العلائق الجسدانية الظلمانية تكدر تلك الأنوار الروحانية ، فإذا ~~زالت هذه العلائق أشرقت تلك الأنوار وتلألأت تلك الأضواء وتوالت موجبات ~~السعادات ، فهذا هو المراد من قوله : { ويؤت كل ذي فضل فضله } . ~~PageV17P146 # الفائدة الثانية : أن هذا تنبيه على أن مراتب السعادات في الآخرة مختلفة ~~وذلك لأنها مقدرة بمقدار الدرجات الحاصلة في الدنيا ، فلما كان الإعراض عن ~~غير الحق والإقبال على عبودية الحق درجات غير متناهية ، فكذلك مراتب ~~السعادات الأخروية غير متناهية ، فلهذا السبب قال : { ويؤت كل ذي فضل فضله ~~} . # الفائدة الثالثة : أنه تعالى قال في منافع الدنيا : { يمتعكم متاعا حسنا ~~} وقال في سعادات الآخرة { ويؤت كل ذي فضل فضله } وذلك يدل على أن جميع ~~خيرات الدنيا والآخرة ليس إلا منه وليس إلا بإيجاده وتكوينه وإعطاءه وجوده ~~. وكان الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى يقول : لولا الأسباب ms4903 لما ارتاب ~~مرتاب ، فأكثر الناس عقولهم ضعيفة واشتغال عقولهم بهذه الوسائط الفانية ~~يعميها عن مشاهدة أن الكل منه ، فأما الذين توغلوا في المعارف الإلهية ~~وخاضوا في بحار أنوار الحقيقة علموا أن ما سواه ممكن لذاته موجود بإيجاده ، ~~فانقطع نظرهم عما سواه وعلموا أنه سبحانه وتعالى هو الضار والنافع والمعطي ~~والمانع . # ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحوال قال : { وإن تولوا فإني أخاف عليكم ~~عذاب يوم كبير } والأمر كذلك ، لأن من اشتغل بعبادة غير الله صار في الدنيا ~~أعمى ، { من كان فى * هاذه أعمى فهو فى الاخرة أعمى وأضل سبيلا } ( الإسراء ~~: 72 ) والذي يبين ذلك أن من أقبل على طلب الدنيا ولذاتها وطيباتها قوي حبه ~~لها ومال طبعه إليها وعظمت رغبته فيها ، فإذا مات بقي معه ذلك الحب الشديد ~~والميل التام وصار عاجزا عن الوصول إلى محبوبه ، فحينئذ يعظم البلاء ~~ويتكامل الشقاء ، فهذا القدر المعلوم عندنا من عذاب ذلك اليوم ، وأما ~~تفاصيل تلك الأحوال فهي غائبة عنا ما دمنا في هذه الحياة الدنيوية . ثم / ~~بين أنه لا بد من الرجوع إلى الله تعالى بقوله : { إلى الله مرجعكم وهو على ~~* شىء قدير } . # واعلم أن قوله : { إلى الله مرجعكم } فيه دقيقة ، وهي : أن هذا اللفظ ~~يفيد الحصر ، يعني أن مرجعنا إلى الله لا إلى غيره ، فيدل هذا على أن لا ~~مدبر ولا متصرف هناك إلا هو والأمر كذلك أيضا في هذه الحياة الدنيوية ، إلا ~~أن أقواما اشتغلوا بالنظر إلى الوسائط فعجزوا عن الوصول إلى مسبب الأسباب ، ~~فظنوا أنهم في دار الدنيا قادرون على شيء ، وأما في دار الآخرة ، فهذا ~~الحال الفاسد زائل أيضا ، فلهذا المعنى بين هذا الحصر بقوله : { إلى الله ~~مرجعكم } . # ثم قال : { وهو على كل شىء قدير } وأقول إن هذا تهديد عظيم من بعض الوجوه ~~وبشارة عظيمة من سائر الوجوه . أما إنه تهديد عظيم فلأن قوله تعالى : { إلى ~~الله مرجعكم } يدل على أنه ليس مرجعنا إلا إليه ، وقوله : { وهو على كل شىء ~~قدير } يدل على أنه قادر على جميع المقدورات لا ms4904 دافع لقضائه ولا مانع ~~لمشيئته والرجوع إلى الحاكم الموصوف بهذه الصفة مع العيوب الكثيرة والذنوب ~~العظيمة مشكل وأما أنه بشارة عظيمة فلأن ذلك يدل على قدرة غالبة وجلالة ~~عظيمة لهذا الحاكم وعلى ضعف تام وعجز عظيم لهذا العبد ، والملك القاهر ~~العالي الغالب إذا رأى عاجزا مشرفا على الهلاك فإنه يخلصه من الهلاك ، ومنه ~~المثل المشهور : ملكت فاسجح . # يقول مصنف هذا الكتاب : قد أفنيت عمري في خدمة العلم والمطالعة للكتب ولا ~~رجاء لي في شيء إلا أني في غاية الذلة والقصور والكريم إذا قدر غفر ، ~~وأسألك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين وساتر عيوب المعيوبين ومجيب ~~دعوة المضطرين أن تفيض سجال رحمتك على ولدي وفلذة كبدي وأن تخلصنا بالفضل ~~والتجاوز والجود والكرم . # PageV17P147 ! 7 < { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ~~ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور } . > 7 ! # < < # | هود : ( 5 ) ألا إنهم يثنون . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قال : { وإن تولوا } يعني عن عبادته وطاعته { ~~فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } بين بعده أن التولي عن ذلك باطنا كالتولي ~~عنه ظاهرا فقال : { ألا إنهم } يعني الكفار من قوم محمد صلى الله عليه وسلم ~~يثنون صدورهم ليستخفوا منه . # / واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء الكفار شيئين : الأول : أنه يثنون صدورهم ~~يقال : ثنيت الشيء إذا عطفته وطويته ، وفي الآية وجهان : # الوجه الأول : روي أن طائفة من المشركين قالوا : إذا أغلقنا أبوابنا ~~وأرسلنا ستورنا ، واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد ، فكيف ~~يعلم بنا ؟ وعلى هذا التقدير : كان قوله : { يثنون صدورهم } كناية عن ~~النفاق ، فكأنه قيل : يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من الله تعالى ، ثم ~~نبه بقوله : { ألا حين يستغشون ثيابهم } على أنهم يستخفون منه حين يستغشون ~~ثيابهم . # الوجه الثاني : روي أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله ثنى صدره وولى ~~ظهره واستغشى ثيابه ، والتقدير كأنه قيل : إنهم يتصرفون عنه ليستخفوا منه ~~حين يستغشون ثيابهم ، لئلا يسمعوا كلام رسول الله وما يتلو من القرآن ، ~~وليقولوا في أنفسهم ما ms4905 يشتهون من الطعن . وقوله : { إلا } للتنبيه ، فنبه ~~أولا على أنهم ينصرفوا عنه ليستخفوا ثم كرر كلمة { إلا } للتنبيه على ذكر ~~الاستخفاء لينبه على وقت استخفائهم ، وهو حين يستغشون ثيابهم ، كأنه قيل : ~~ألا إنهم ينصرفون عنه ليستخفوا من الله ، ألا إنهم يستخفون حين يستغشون ~~ثيابهم . ثم ذكر أنه لا فائدة لهم في استخفائهم بقوله : { يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون } . # ! 7 < { وما من دآبة في الا رض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل فى كتاب مبين } . > 7 ! # < < # | هود : ( 6 ) وما من دابة . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه { يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون } أردفه بما يدل على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، فثبت أن ~~رزق كل حيوان إنما يصل إليه من الله تعالى ، فلو لم يكن عالما بجميع ~~المعلومات لما حصلت هذه المهمات ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الزجاج : الدابة اسم لكل حيوان ، لأن الدابة اسم ~~مأخوذ من الدبيب ، وبنيت هذه PageV17P148 اللفظة على هاء التأنيث ، وأطلق ~~على كل حيوان ذي روح ذكرا كان أو أنثى ، إلا أنه بحسب عرف العرب اختص ~~بالفرس ، والمراد بهذا اللفظ في هذه الآية الموضوع الأصلي اللغوي فيدخل فيه ~~جميع الحيوانات ، وهذا متفق عليه بين المفسرين ، ولا شك أن أقسام الحيوانات ~~/ وأنواعها كثيرة ، وهي الأجناس التي تكون في البر والبحر والجبال ، والله ~~يحصيها دون غيره ، وهو تعالى عالم بكيفية طبائعها وأعضائها وأحوالها ~~وأغذيتها وسمومها ومساكنها ، وما يوافقها وما يخالفها ، فالإله المدبر ~~لإطباق السموات والأرضين ؛ وطبائع الحيوان والنبات ، كيف لا يكون عالما ~~بأحوالها ؟ روي أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي إليه تعلق قلبه بأحوال ~~أهله ، فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة فانشقت وخرجت صخرة ثانية ؛ ~~ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة ، ثم ضربها بعصاه فانشقت فخرجت ~~منها دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها ، ورفع الحجاب عن سمع ~~موسى عليه السلام فسمع الدودة تقول : سبحان من يراني ، ويسمع كلامي ، ويعرف ~~مكاني ، ويذكرني ولا ينساني . # المسألة الثانية ms4906 : تعلق بعضهم بأنه يجب على الله تعالى بعض الأشياء بهذه ~~الآية وقال : إن كلمة { على } للوجوب ، وهذا يدل على أن إيصال الرزق إلى ~~الدابة واجب على الله . # وجوابه : أنه واجب بحسب الوعد والفضل والإحسان . # المسألة الثالثة : تعلق أصحابنا بهذه الآية في إثبات أن الرزق قد يكون ~~حراما ، قالوا لأنه ثبت أن إيصال كل حيوان واجب على الله تعالى بحسب الوعد ~~وبحسب الاستحقاق ، والله تعالى لا يحل بالواجب ، ثم قد نرى إنسانا لا يأكل ~~من الحلال طول عمره ، فلو لم يكن الحرام رزقا لكان الله تعالى ما أوصل رزقه ~~إليه ، فيكون تعالى قد أخل بالواجب وذلك محال ، فعلمنا أن الحرام قد يكون ~~رزقا ، وأما قوله : { ويعلم مستقرها ومستودعها } فالمستقر هو مكانه من ~~الأرض والمستودع حيث كان مودعا قبل الاستقرار في صلب أو رحم أو بيضة ، وقال ~~الفراء : مستقرها حيث تأوي إليه ليلا أو نهارا ، ومستودعها موضعها الذي ~~تموت فيه ، وقد مضى استقصاء تفسير المستقر والمستودع في سورة الأنعام ، ثم ~~قال : { كل فى كتاب مبين } قال الزجاج : المعنى أن ذلك ثابت في علم الله ~~تعالى ، ومنهم من قال : في اللوح المحفوظ ، وقد ذكرنا ذلك في قوله : { ولا ~~رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين } ( الأنعام : 59 ) . # ! 7 < { وهو الذى خلق السماوات والا رض فى ستة أيام وكان عرشه على المآء ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين ~~كفروا إن هاذآ إلا سحر مبين } . > 7 ! # / < < # | هود : ( 7 ) وهو الذي خلق . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما أثبت بالدليل المتقدم كونه عالما بالمعلومات ، ~~أثبت بهذا الدليل كونه تعالى قادرا على كل المقدورات وفي الحقيقة فكل واحد ~~من هذين الدليلين يدل على كمال علم الله وعلى كمال قدرته . PageV17P149 # واعلم أن قوله تعالى : { وهو الذى خلق * السماوات والارض * في ستة أيام } ~~قد مضى تفسيره في سورة يونس على سبيل الاستقصاء . بقي ههنا أن نذكر { وكان ~~عرشه على الماء } قال كعب خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ، ثم نظر إليها ~~بالهيبة فصارت ماء يرتعد ms4907 ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش ~~على الماء ، قال أبو بكر الأصم : معنى قوله : { وكان عرشه على الماء } ~~كقولهم : السماء على الأرض . وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر ~~وكيف كانت الواقعة فذلك يدل على أن العرش والماء كانا قبل السموات والأرض ، ~~وقالت المعتزلة : في الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما ، لأنه لا ~~يجوز أن يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرض والماء ، لأنه تعالى لما خلقهما ~~فإما أن يكون قد خلقهما لمنفعة أو لا لمنفعة والثاني عبث ، فبقي الأول وهو ~~أنه خلقهما لمنفعة ، وتلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله وهو محال ~~لكونه متعاليا عن النفع والضرر أو إلى الغير فوجب أن يكون ذلك الغير حيا ، ~~لأن غير الحي لا ينتفع . وكل من قال بذلك قال ذلك الحي كان من جنس الملائكة ~~، وأما أبو مسلم الأصفهاني فقال معنى قوله : { وكان عرشه على الماء } أي ~~بناؤه السموات كان على الماء ، وقد مضى تفسير ذلك في سورة يونس ، وبين أنه ~~تعالى إذا بنى السموات على الماء كانت أبدع وأعجب ، فإن البناء الضعيف إذا ~~لم يؤسس على أرض صلبة لم يثبت ، فكيف بهذا الأمر العظيم إذا بسط على الماء ~~؟ وههنا سؤالات : # السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر أن عرشه كان على الماء قبل خلق السموات ~~والأرض ؟ # والجواب : فيه دلالة على كمال القدرة من وجوه : الأول : أن العرش كونه مع ~~أعظم من السموات والأرض كان على الماء فلولا أنه تعالى قادر على إمساك ~~الثقيل بغير عمد لما صح ذلك ، والثاني : أنه تعالى أمسك الماء لا على قرار ~~وإلا لزم أن يكون أقسام العالم غير متناهية ، وذلك يدل على ما ذكرناه . ~~والثالث : أن العرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله تعالى فوق سبع / ~~سموات من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه ، وذلك يدل أيضا على ما ذكرنا . # السؤال الثاني : هل يصح ما يروى أنه قيل يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل ~~خلق السموات والأرض ؟ فقال كان ms4908 في عماء فوقه هواء وتحته هواء . # والجواب : أن هذه الرواية ضعيفة ، والأولى أن يكون الخبر المشهور أولى ~~بالقبول وهو قوله صلى الله عليه وسلم كان الله وما كان معه شيء ، ثم كان ~~عرشه على الماء . # السؤال الثالث : اللام في قوله : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } يقتضي أنه ~~تعالى خلق السموات والأرض لابتلاء المكلف فكيف الحال فيه ؟ والجواب ظاهر ~~هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى خلق هذا العالم الكثير لمصلحة المكلفين ، ~~وقد قال بهذا القول طوائف من العقلاء ، ولكل طائفة فيه وجه آخر سوى الوجه ~~الذي قال به الآخرون ، وشرح تلك المقالات لا يليق بهذا الكتاب . والذين ~~قالوا إن أفعاله وأحكامه غير معللة بالمصالح قالوا : لام التعليل وردت على ~~ظاهر الأمر ، ومعناه أنه تعالى فعل فعلا لو كان يفعله من تجوز عليه رعاية ~~المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض . # السؤال الرابع : الابتلاء إنما يصح على الجاهل بعواقب الأمور وذلك عليه ~~تعالى محال ، فكيف يعقل حصول معنى الابتلاء في حقه ؟ PageV17P150 # والجواب : أن هذا الكلام على سبيل الاستقصاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى ~~في أول سورة البقرة : { لعلكم تتقون } ( البقرة : 21 ) . # واعلم أنه تعالى لما بين أنه خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين ~~وامتحانهم فهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر ، لأن الابتلاء والامتحان ~~يوجب تخصيص المحسن بالرحمة والثواب وتخصيص المسيء بالعقاب ، وذلك لا يتم ~~إلا مع الاعتراف بالمعاد والقيامة ، فعند هذا خاطب محمدا عليه الصلاة ~~والسلام وقال : { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا ~~إن هاذا إلا سحر مبين } ومعناه أنهم ينكرون هذا الكلام ويحكمون بفساد القول ~~بالبعث . # فإن قيل : الذي يمكن وصفه بأنه سحر ما يكون فعلا مخصوصا ، وكيف يمكن وصف ~~هذا القول بأنه سحر ؟ # قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : قال القفال : معناه أن هذا القول ~~خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا وإحرازا لهم إلى الانقياد ~~لكم والدخول تحت طاعتكم . الثاني : أن معنى قوله : { إن هاذا إلا سحر مبين ~~} هو أن السحر أمر باطل ، قال تعالى حاكيا ms4909 عن موسى عليه السلام { ما جئتم ~~به السحر إن الله سيبطله } ( يونس : 81 ) فقوله : { إن هاذا إلا سحر مبين } ~~أي باطل مبين . الثالث : أن / القرآن هو الحاكم بحصول البعث وطعنوا في ~~القرآن بكونه سحرا لأن الطعن في الأصل يفيد الطعن في الفرع . الرابع : قرأ ~~حمزة والكسائي { إن هاذا إلا * ساحر } يريدون النبي صلى الله عليه وسلم ~~والساحر كاذب . # ! 7 < { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم ~~يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } . > 7 ! # < < # | هود : ( 8 ) ولئن أخرنا عنهم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بقولهم : { إن هاذا إلا سحر مبين } فحكى عنهم في هذه الآية نوعا آخر من ~~أباطيلهم وهو أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم به أخذوا في الاستهزاء ويقولون : ما السبب الذي حبسه عنا ؟ # فأجاب الله تعالى بأنه إذا جاء الوقت الذي عينه الله لنزول ذلك العذاب ~~الذي كانوا يستهزؤن به لم ينصرف ذلك العذاب عنهم وأحاط بهم ذلك العذاب . ~~بقي ههنا سؤالات : # السؤال الأول : المراد من هذا العذاب هو عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة ؟ # الجواب : للمفسرين فيه وجوه : الأول : قال الحسن : معنى حكم الله في هذه ~~الآية أنه لا يعذب أحدا منهم بعذاب الاستئصال وأخر ذلك إلى يوم القيامة ، ~~فلما أخر الله عنهم ذلك العذاب قالوا على سبيل الاستهزاء ما الذي حبسه عنا ~~؟ والثاني : أن المراد الأمر بالجهاد وما نزل بهم يوم بدر ، وعلى هذا الوجه ~~تأولوا PageV17P151 قوله : { وحاق بهم } أي نزل بهم هذا العذاب يوم بدر . # السؤال الثاني : ما المراد بقوله : { إلى أمة معدودة } . # الجواب من وجهين : الأول : أن الأصل في الأمة هم الناس والفرقة فإذا قلت ~~: جاءني أمة من الناس ، فالمراد طائفة مجتمعة قال تعالى : { وجد عليه أمة ~~من الناس يسقون } ( القصص : 23 ) وقوله : { وادكر بعد أمة } ( يوسف : 45 ) ~~أي بعد انقضاء أمة وفنائها فكذا ههنا قوله : { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى ~~أمة ms4910 معدودة } أي إلى حين تنقضي أمة من الناس انقرضت بعد هذا الوعيد بالقول ~~، لقالوا ماذا يحبسه عنا وقد انقرض من الناس الذين كانوا متوعدين بهذا ~~الوعيد ؟ وتسمية الشيء باسم ما يحصل فيه كقولك : كنت عند فلان صلاة العصر ، ~~أي في ذلك الحين . الثاني : أن اشتقاق الأمة من الأم ، وهو القصد ، كأنه ~~يعني الوقت المقصود بإيقاع هذا الموعود فيه . # / السؤال الثالث : لم قال : { وحاق } على لفظ الماضي مع أن ذلك لم يقع ؟ # والجواب : قد مر في هذا الكتاب آيات كثيرة من هذا الجنس ، والضابط فيها ~~أنه تعالى أخبر عن أحوال القيامة بلفظ الماضي مبالغة في التأكيد والتقرير . # ! 7 < { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور * ~~ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عنيإنه لفرح فخور * ~~إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولائك لهم مغفرة وأجر كبير } . > 7 ! # < < # | هود : ( 9 - 11 ) ولئن أذقنا الإنسان . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر أن عذاب أولئك الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بد ~~وأن يحيق بهم ، ذكر بعده ما يدل على كفرهم ، وعلى كونهم مستحقين لذلك ~~العذاب . فقال : { ولئن أذقنا الإنسان } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لفظ { الإنسان } في هذه الآية فيه قولان : # القول الأول : أن المراد منه مطلق الإنسان ويدل عليه وجوه : الأول : أنه ~~تعالى استثنى منه قوله : { إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات } والاستثناء ~~يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فثبت أن الإنسان المذكور في هذه الآية داخل ~~فيه المؤمن والكافر ، وذلك يدل على ما قلناه . الثاني : أن هذه الآية ~~موافقة على هذا التقرير لقوله تعالى : { والعصر * إن الإنسان * لفى * خسر * ~~إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( العصر : 1 3 ) وموافقة أيضا لقوله ~~تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير ~~منوعا } ( المعارج : 19 21 ) الثالث : أن مزاج الإنسان مجبول على الضعف ~~والعجز . قال ابن جريج في تفسير هذه الآية يا ابن آدم إذا نزلت لك نعمة من ~~الله فأنت كفور ، فإذا نزعت منك فيؤس قنوط . PageV17P152 # والقول الثاني ms4911 : أن المراد منه الكافر ، ويدل عليه وجوه : الأول : ن ~~الأصل في المفرد المحلى بالألف واللام أن يحمل على المعهود السابق لولا ~~المانع ، وههنا لا مانع فوجب حمله عليه / والمعهود السابق هو الكافر ~~المذكور في الآية المتقدمة . الثاني : أن الصفات المذكورة للإنسان في هذه ~~الآية لا تليق إلا بالكافر لأنه وصفه بكونه يؤسا ، وذلك من صفات الكافر ~~لقوله تعالى : { يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا من } ( ~~يوسف : 87 ) ووصفه أيضا بكونه كفورا ، وهو تصريح بالكفر ووصفه أيضا بأنه ~~عند وجدان الراحة يقول : ذهب السيئات عني ، وذلك جراءة على الله تعالى ، ~~ووصفه أيضا بكونه فرحا و { الله لا يحب الفرحين } ( القصص : 76 ) ووصفه ~~أيضا بكونه فخورا ، وذلك ليس من صفات أهل الدين . ثم قال الناظرون لهذا ~~القول : وجب أن يحمل الاستثناء المذكور في هذه الآية على الاستثناء المنقطع ~~حتى لا تلزمنا هذه المحذورات . # المسألة الثانية : لفظ الإذاقة والذوق يفيد أقل ما يوجد به الطعم ، فكان ~~المراد أن الإنسان بوجدان أقل القليل من الخيرات العاجلة يقع في التمرد ~~والطغيان ، وبإدراك أقل القليل من المحنة والبلية يقع في اليأس والقنوط ~~والكفران فالدنيا في نفسها قليلة ، والحاصل منها للإنسان الواحد قليل ، ~~والإذاقة من ذلك المقدار خير قليل ثم إنه في سرعة الزوال يشبه أحلام ~~النائمين وخيالات الموسوسين ، فهذه الإذاقة من قليل ، ومع ذلك فإن الإنسان ~~لا طاقة له بتحملها ولا صبر له على الإتيان بالطريق الحسن معها . وأما ~~النعماء فقال الواحدي : إنها إنعام يظهر أثره على صاحبه ، والضراء مضرة ~~يظهر أثرها على صاحبها ، لأنها خرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حمراء وعوراء ~~، وهذا هو الفرق بين النعمة والنعماء ، والمضرة والضراء . # المسألة الثالثة : اعلم أن أحوال الدنيا غير باقية / بل هي أبدا في ~~التغير والزوال ، والتحول والانتقال ، إلا أن الضابط فيه أنه إما أن يتحول ~~من النعمة إلى المحنة ، ومن اللذات إلى الآفات وإما أن يكون بالعكس من ذلك ~~، وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب ، ومن المحرمات إلى الطيبات . # أما القسم الأول : فهو المراد ms4912 من قوله : { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ~~ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور } وحاصل الكلام أنه تعالى حكم على هذا ~~الإنسان بأنه يؤس كفور . وتقريره أن يقال : أنه حال زوال تلك النعمة يصير ~~يؤسا ، وذلك لأن الكافر يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي ، ثم ~~إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع ~~في اليأس . وأما المسلم الذي يعتقد أن تلك النعمة إنما حصلت من الله تعالى ~~وفضله وإحسانه وطوله فإنه لا يحصل له اليأس ، بل يقول لعله تعالى يردها إلى ~~بعد ذلك أكمل وأحسن وأفضل مما كانت ، وأما حال كون تلك النعمة حاصلة فإنه ~~يكون كفورا لأنه لما اعتقد أن / حصولها إنما كان على سبيل الاتفاق أو بسبب ~~أن الإنسان حصلها بسبب جده وجهده ، فحينئذ لا يشتغل بشكر الله تعالى على ~~تلك النعمة . فالحاصل أن الكافر يكون عند زوال تلك النعمة يؤوسا وعند ~~حصولها يكون كفورا . # وأما القسم الثاني : وهو أن ينتقل الإنسان من المكروه إلى المحبوب ، ومن ~~المحنة إلى النعمة ، فههنا الكافر يكون فرحا فخورا . أما قوة الفرح فلأن ~~منتهى طمع الكافر هو الفوز بهذه السعادات الدنيوية وهو منكر PageV17P153 ~~للسعادات الأخروية الروحانية ، فإذا وجد الدنيا فكأنه قد فاز بغاية ~~السعادات فلا جرم يعظم فرحه بها ، وأما كونه فخورا فلأنه لما كان الفوز ~~بسائر المطلوب نهاية السعادة لا جرم يفتخر به ، فحاصل الكلام أنه تعالى بين ~~أن الكافر عند البلاء لا يكون من الصابرين ، وعند الفوز بالنعماء لا يكون ~~من الشاكرين . ثم لما قرر ذلك قال : { إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات } ~~والمراد منه ضد ما تقدم فقوله : { إلا الذين صبروا } المراد منه أن يكون ~~عند البلاء من الصابرين ، وقوله : { وعملوا الصالحات } المراد منه أن يكون ~~عند الراحة والخير من الشاكرين . ثم بين حالهم فقال : { أولئك لهم مغفرة ~~وأجر كبير } فجمع لهم بين هذين المطلوبين . أحدهما : زوال العقاب والخلاص ~~منه وهو المراد من قوله : { لهم مغفرة } والثاني : الفوز بالثواب وهو ~~المراد من ms4913 قوله : { وأجر كبير } ومن وقف على هذا التفصيل الذي ذكرناه علم ~~أن هذا الكتاب الكريم كما أنه معجز بحسب ألفاظه فهو أيضا معجز بحسب معانيه ~~. # ! 7 < { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل ~~عليه كنز أو جآء معه ملك إنمآ أنت نذير والله على كل شىء وكيل } . > 7 ! # < < # | هود : ( 12 ) فلعلك تارك بعض . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من كلمات الكفار ، والله تعالى بين أن قلب ~~الرسول ضاق بسببه ، ثم إنه تعالى قواه وأيده بالإكرام والتأييد ، وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤساء مكة قالوا : ~~يا محمد اجعل لنا / جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا ، وقال آخرون : ائتنا ~~بالملائكة يشهدون بنبوتك . فقال : لا أقدر على ذلك فنزلت هذه الآية . ~~واختلفوا في المراد بقوله : { تارك بعض ما يوحى إليك } قال ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : ( ائتنا بكتاب ~~ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بك ، وقال الحسن اطلبوا منه لا يقول : ~~{ إن الساعة ءاتية } ( طه : 15 ) وقال بعضهم : المراد نسبتهم إلى الجهل ~~والتقليد والإصرار على الباطل . # المسألة الثانية : أجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول عليه الصلاة ~~والسلام أن يخون في الوحي والتنزيل وأن يترك بعض ما يوحى إليه ، لأن تجويزه ~~يؤدي إلى الشك في كل الشرائع والتكاليف وذلك يقدح في النبوة وأيضا فالمقصود ~~من الرسالة تبليغ تكاليف الله تعالى وأحكامه فإذا لم تحصل هذه الفائدة فقد ~~خرجت الرسالة عن أن تفيد فائدتها المطلوبة منها ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ~~المراد من قوله : { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } شيئا آخر سوى أنه عليه ~~السلام فعل ذلك وللناس فيه وجوه : الأول : لا يمتنع أن يكون في معلوم الله ~~تعالى أنه إنما ترك التقصير في أداء الوحي والتنزيل لسبب يرد عليه من الله ~~تعالى أمثال هذه التهيدات . البليغة الثاني : أنهم كانوا لا يعتقدون ~~بالقرآن ويتهاونون به ، فكان يضيق صدر الرسول ms4914 صلى الله عليه وسلم أن يلقي ~~إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه ، فهيجه الله تعالى لأداء الرسالة وطرح ~~المبالاة بكلماتهم الفاسدة وترك الالتفات إلى استهزائهم ، والغرض منه ~~التنبيه على أنه إن أدى ذلك الوحي وقع في سخريتهم وسفاهتهم PageV17P154 وإن ~~لم يؤد ذلك الوحي إليهم وقع في ترك وحي الله تعالى وفي إيقاع الخيانة فيه ، ~~فإذا لا بد من تحمل أحد الضررين وتحمل سفاهتهم أسهل من تحمل إيقاع الخيانة ~~في وحي الله تعالى ، والغرض من ذكر هذا الكلام التنبيه على هذه الدقيقة ، ~~لأن الإنسان إذا علم أن كل واحد من طرفي الفعل والترك يشتمل على ضرر عظيم ، ~~ثم علم أن الضرر في جانب الترك أعظم وأقوى سهل عليه ذلك الفعل وخف ، ~~فالمقصود من ذكر هذا الكلام ما ذكرناه . # فإن قيل : قوله : { فلعلك } كلمة شك فما الفائدة فيها ؟ # قلنا : المراد منه الزجر ، والعرب تقول للرجل إذا أرادوا إبعاده عن أمر ~~لعلك تقدر أن تفعل كذا مع أنه لا شك فيه ، ويقول لولده لو أمره لعلك تقصر ~~فيما أمرتك به ويريد توكيد الأمر فمعناه لا تترك . # وأما قوله : { وضائق به صدرك } فالضائق بمعنى الضيق ، قال الواحدي : ~~الفرق بينهما أن الضائق يكون بضيق عارض غير لازم ، لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان أفسح الناس صدرا ، ومثله قولك : زيد سيد جواد تريد السيادة ~~والجود الثابتين المستقرين ، فإذا أردت الحدوث قلت : سائد / وجائد ، ~~والمعنى : ضائق صدرك لأجل أن يقولوا : { لولا أنزل عليه } . # فإن قيل : الكنز كيف ينزل ؟ # قلنا : المراد ما يكنز وجرت العادة على أنه يسمي المال الكثير بهذا الاسم ~~، فكأن القوم قالوا : إن كنت صادقا في أنك رسول الإله الذي تصفه بالقدرة ~~على كل شيء وإنك عزيز عنده فهلا أنزل عليك ما تستغني به وتغني أحبابك من ~~الكد والعناء وتستعين به على مهماتك وتعين أنصارك وإن كنت صادقا فهلا أنزل ~~الله معك ملكا يشهد لك على صدق قولك ويعينك على تحصيل مقصودك فتزول الشبهة ~~في أمرك ، فلما لم يفعل إلهك ذلك فأنت غير ms4915 صادق ، فبين تعالى أنه رسول منذر ~~بالعقاب ومبشر بالثواب ولا قدرة له على إيجاد هذه الأشياء . والذي أرسله هو ~~القادر على ذلك فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه في فعله ~~وفي حكمه . ومعنى { وكيل } حفيظ أي يحفظ عليهم أعمالهم ، أي يجازيهم بها ~~ونظير هذه الآية ، قوله تعالى : { تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذالك ~~جنات تجرى من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا } ( الفرقان : 10 ) وقوله : { ~~قالوا لن نؤمن * لك } إلى قوله : { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } ( ~~الإسراء : 90 93 ) . # ! 7 < { أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } . > 7 ! # < < # | هود : ( 13 ) أم يقولون افتراه . . . . . # > > اعلم أن القول لما طلبوا منه المعجز قال معجزي هذا القرآن ولما حصل ~~المعجز الواحد كان طلب PageV17P155 الزيادة بغيا وجهلا ، ثم قرر كونه معجزا ~~بأن تحداهم بالمعارضة ، وتقرير هذا الكلام بالاستقصاء قد تقدم في البقرة ~~وفي سورة يونس وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : الضمير في قوله : { افتراه } عائد إلى ما سبق من قوله : ~~{ يوحى إليك } أي إن قالوا إن هذا الذي يوحى إليك مفترى فقل لهم حتى يأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات وقوله مثله بمعنى أمثاله حملا على كل واحد من تلك ~~السور ولا يبعد أيضا أن يكون المراد هو المجموع ، لأن مجموع السور العشرة ~~شيء واحد . # المسألة الثانية : قال ابن عباس : هذه السورة التي وقع بها هذا التحدي ~~معينة ، وهي سورة / البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ~~والأنفال والتوبة ويونس وهود عليهما السلام ، وقوله : { فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات } إشارة إلى السور المتقدمة على هذه السورة ، وهذا فيه إشكال ~~، لأن هذه السورة مكية ، وبعض السور المتقدمة على هذه السورة مدنية ، فكيف ~~يمكن أن يكون المراد من هذه العشر سور التي ما نزلت عند هذا الكلام ، ~~فالأولى أن يقال التحدي وقع بمطلق السور التي يظهر فيها قوة تركيب الكلام ~~وتأليفه . # واعلم أن التحدي بعشر سور ms4916 لا بد وأن يكون سابقا على التحدي بسورة واحدة ، ~~وهو مثل أن يقول الرجل لغيره أكتب عشرة أسطر مثل ما أكتب ، فإذا ظهر عجزه ~~عنه قال : قد اقتصرت منها على سطر واحد مثله . # إذا عرفت هذا فنقول : التحدي بالسورة الواحدة ورد في سورة البقرة ، وفي ~~سورة يونس كما تقدم ، أما تقدم هذه السورة على سورة البقرة فظاهر ، لأن هذه ~~السورة مكية وسورة البقرة مدنية ، وأما في سورة يونس فالإشكال زائل أيضا ، ~~لأن كل واحدة من هاتين السورتين مكية ، والدليل الذي ذكرناه يقتضي أن تكون ~~سورة هود متقدمة في النزول على سورة يونس حتى يستقيم الكلام الذي ذكرناه . # المسألة الثالثة : اختلف الناس في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزا ، ~~فقال بعضهم : هو الفصاحة ، وقال بعضهم : هو الأسلوب ، وقال ثالث : هو عدم ~~التناقض ، وقال رابع : هو اشتماله على العلوم الكثيرة ، وقال خامس : هو ~~الصرف ، وقال سادس : هو اشتماله على الإخبار عن الغيوب ، والمختار عندي ~~وعند الأكثرين أنه معجز بسبب الفصاحة ، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية ~~لأنه لو كان وجه الإعجاز هو كثرة العلوم أو الأخبار عن الغيوب أو عدم ~~التناقض لم يكن لقوله : { مفتريات } معنى أما إذا كان وجه الإعجاز هو ~~الفصاحة صح ذلك لأن فصاحة الفصيح تظهر بالكلام ، سواء كان الكلام صدقا أو ~~كذبا ، وأيضا لو كان الوجه في كونه معجزا هو الصرف لكان دلالة الكلام ~~الركيك النازل في الفصاحة على هذا المطلوب أوكد من دلالة الكلام العالي في ~~الفصاحة ثم إنه تعالى لما قرر وجه التحدي قال : { وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين } والمراد إن كنتم صادقين في ادعاء كونه مفترى كما قال ~~: { أم يقولون افتراه } . # واعلم أن هذا الكلام يدل على أنه لا بد في إثبات الدين من تقرير الدلائل ~~والبراهين ، وذلك لأنه تعالى أورد في إثبات نبوة محمد عليه السلام هذا ~~الدليل وهذه الحجة ، ولولا أن الدين لا يتم إلا بالدليل لم يكن في ذكره ~~فائدة . # PageV17P156 ! 7 < { فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنمآ أنزل بعلم ms4917 الله وأن ~~لا إلاه إلا هو فهل أنتم مسلمون } . > 7 ! # / < < # | هود : ( 14 ) فإن لم يستجيبوا . . . . . # > > اعلم أن الآية المتقدمة اشتملت على خطابين : أحدهما : خطاب الرسول ، ~~وهو قوله : { قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } والثاني : خطاب الكفار وهو ~~قوله : { وادعوا من استطعتم من دون الله } ( يونس : 38 ) فلما أتبعه بقوله ~~: { فإن لم يستجيبوا * لكم } احتمل أن يكون المراد أن الكفار لم يستجيبوا ~~في المعارضة لتعذرها عليهم ، واحتمل أن من يدعونه من دون الله لم يستجيبوا ~~، فلهذا السبب اختلف المفسرون على قولين : فبعضهم قال : هذا خطاب للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ، والمراد أن الكفار إن لم يستجيبوا لكم في ~~الإتيان بالمعارضة ، فاعلموا أنما أنزل بعلم الله . والمعنى : فاثبتوا على ~~العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقينا وثبات قدم على أنه منزل من عند الله ، ~~ومعنى قوله : { فهل أنتم مسلمون } أي فهل أنتم مخلصون ، ومنهم من قال فيه ~~إضمار ، والتقدير : فقولوا أيها المسلمون للكفار اعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله . # والقول الثاني : أن هذا خطاب مع الكفار ، والمعنى أن الذين تدعونهم من ~~دون الله إذا لم يستجيبوا لكم في الإعانة على المعارضة ، فاعلموا أيها ~~الكفار أن هذا القرآن إنما أنزل بعلم الله فهل أنتم مسلمون بعد لزوم الحجة ~~عليكم ، والقائلون بهذا القول قالوا هذا أولى من القول الأول ، لأنكم في ~~القول الأول احتجتم إلى أن حملتم قوله : { فاعلموا } على الأمر بالثبات أو ~~على إضمار القول ، وعلى هذا الاحتمال لا حاجة فيه إلى إضمار ، فكان هذا ~~أولى ، وأيضا فعود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب ، وأقرب المذكورين في ~~هذه الآية هو هذا الاحتمال الثاني ، وأيضا أن الخطاب الأول كان مع الرسول ~~عليه الصلاة والسلام وحده بقوله : { قل فأتوا بعشر سور } ( هود : 13 ) ~~والخطاب الثاني كان مع جماعة الكفار بقوله : { وادعوا من استطعتم من دون ~~الله } ( يونس : 38 ) وقوله : { فإن لم يستجيبوا * لكم } خطاب مع الجماعة ~~فكان حمله على هذا الذي قلناه أولى . بقي في الآية سؤالات : # السؤال الأول : ما الشيء الذي لم يستجيبوا فيه ؟ # الجواب : المعنى ms4918 فإن لم يستجيبوا لكم في معارضة القرآن ، وقال بعضهم فإن ~~لم يستجيبوا لكم في جملة الإيمان وهو بعيد . # / السؤال الثاني : من المشار إليه بقوله : { لكم } ؟ # والجواب : إن حملنا قوله : { فإن لم يستجيبوا * لكم } على المؤمنين فذلك ~~ظاهر ، وإن حملناه على الرسول فعنه جوابان : الأول : المراد فإن لم ~~يستجيبوا لك وللمؤمنين ، لأن الرسول عليه السلام والمؤمنين كانوا يتحدونهم ~~، وقال في موضع آخر فإن لم يستجيبوا لك فاعلم . والثاني : يجوز أن يكون ~~الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم . # السؤال الثالث : أي تعلق بين الشرط المذكور في هذه الآية وبين ما فيها من ~~الجزاء . # والجواب : أن القوم ادعوا كون القرآن مفترى على الله تعالى ، فقال : لو ~~كان مفترى على الله لوجب أن PageV17P157 يقدر الخلق على مثله ولما لم ~~يقدروا عليه ، ثبت أنه من عند الله ، فقوله : { أنما أنزل بعلم الله } ~~كناية عن كونه من عند الله ومن قبله ، كما يقول الحاكم هذا الحكم جرى بعلمي ~~. # السؤال الرابع : أي تعلق لقوله : { وأن لا إلاه إلا هو } يعجزهم عن ~~المعارضة . # والجواب فيه من وجوه : الأول : أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه ~~وسلم حتى يطلب من الكفار أن يستعينوا بالأصنام في تحقيق المعارضة ثم ظهر ~~عجزهم عنها فحينئذ ظهر أنها لا تنفع ولا تضر في شيء من المطالب ألبتة / ~~ومتى كان كذلك ، فقد بطل القول بإثبات كونهم آلهة ، فصار عجز القوم ~~المعارضة بعد الاستعانة بالأصنام مبطلا لإلهية الأصنام ودليلا على ثبوت ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان قوله : { وأن لا إلاه إلا هو } إشارة ~~إلى ما ظهر من فساد القول بإلهية الأصنام : الثاني : أنه ثبت في علم الأصول ~~أن القول بنفي الشريك عن الله من المسائل التي يمكن إثباتها بقول الرسول ~~عليه السلام ، وعلى هذا فكأنه قيل : لما ثبت عجز الخصوم عن المعارضة ثبت ~~كون القرآن حقا ، وثبت كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقا في دعوى الرسالة ~~، ثم إنه كان يخبر عن أنه لا إله إلا الله فلما ثبت كونه ms4919 محقا في دعوى ~~النبوة ثبت قوله : { أن لا إلاه إلا * هو } الثالث : أن ذكر قوله { وأن لا ~~إلاه إلا هو } جار مجرى التهديد ، كأنه قيل : لما ثبت بهذا الدليل كون محمد ~~عليه السلام صادقا في دعوى الرسالة وعلمتم إنه لا إله إلا الله ، فكونوا ~~خائفين من قهره وعذابه واتركوا الإصرار على الكفر واقبلوا الإسلام ونظيره ~~قوله تعالى في سورة البقرة عند ذكر آية التحدي : { فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } ( البقرة ~~: 24 ) . # وأما قوله : { فهل أنتم مسلمون } . # فإن قلنا : إنه خطاب مع المؤمنين كان معناه الترغيب في زيادة الإخلاص . ~~وإن قلنا : إنه خطاب مع الكفار كان معناه الترغيب في أصل الإسلام . # ! 7 < { من كان يريد الحيواة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم ~~فيها لا يبخسون * أولائك الذين ليس لهم فى الا خرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها وباطل ما كانوا يعملون } . > 7 ! # / < < # | هود : ( 15 - 16 ) من كان يريد . . . . . # > > اعلم أن الكفار كانوا ينازعون محمدا صلى الله عليه وسلم في أكثر ~~الأحوال ، فكانوا يظهرون من أنفسهم أن محمدا مبطل ونحن محقون ، وإنما نبالغ ~~في منازعته لتحقيق الحق وإبطال الباطل ، وكانوا كاذبين فيه ، بل كان غرضهم ~~محض الحسد والاستنكاف من المتابعة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية لتقرير هذا ~~المعنى . ونظير هذه الآية قوله تعالى : { من كان يريد العاجلة عجلنا له ~~فيها ما نشاء لمن نريد } ( الإسراء : 18 ) وقوله : { من كان يريد حرث ~~الاخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها له فى الاخرة من ~~نصيب } ( الشورى : 20 ) وفيه الآية مسائل : PageV17P158 # المسألة الأولى : اعلم أن في الآية قولين : # القول الأول : أنها مختصة بالكفار ، لأن قوله : { من كان يريد الحيواة ~~الدنيا } يندرج فيه المؤمن والكافر والصديق والزنديق ، لأن كل أحد يريد ~~التمتع بلذات الدنيا وطيباتها والانتفاع بخيراتها وشهواتها ، إلا أن آخر ~~الآية يدل على أن المراد من هذا العام الخاص وهو الكافر ، لأن قوله تعالى : ~~{ أولئك الذين ليس لهم فى الاخرة ms4920 إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما ~~كانوا يعملون } لا يليق إلا بالكفار ، فصار تقدير الآية : من كان يريد ~~الحياة الدنيا وزينتها فقط ، أي تكون إرادته مقصورة على حب الدنيا وزينتها ~~ولم يكن طالبا لسعادات الآخرة ، كان حكمه كذا وكذا ، ثم القائلون بهذا ~~القول اختلفوا فيه ، فمنهم من قال : المراد منهم منكرو البعث فإنهم ينكرون ~~الآخرة ولا يرغبون إلا في سعادات الدنيا ، وهذا قول الأصم وكلامه ظاهر . # القول الثاني : أن الآية نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع ~~الرسول عليه السلام الغنائم من دون أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها . # والقول الثالث : أن المراد : اليهود والنصارى ؛ وهو منقول عن أنس . # والقول الرابع : وهو الذي اختاره القاضي أن المراد : من كان يريد بعمل ~~الخير الحياة الدنيا / وزينتها ، وعمل الخير قسمان : العبادات ، وإيصال ~~المنفعة إلى الحيوان ، ويدخل في هذا القسم الثاني البر وصلة الرحم والصدقة ~~وبناء القناظر وتسوية الطرق والسعي في دفع الشرور وإجراء الأنهار . فهذه ~~الأشياء إذا أتى بها الكافر لأجل الثناء في الدنيا ، فإن بسببها تصل ~~الخيرات والمنافع إلى المحتاجين ، فكلها تكون من أعمال الخير ، فلا جرم هذه ~~الأعمال تكون طاعات سواء صدرت من الكافر أو المسلم . وأما العبادات : فهي ~~إنما تكون طاعات بنيات مخصوصة ، فإذا لم يؤت بتلك النية ، وإنما أتى فاعلها ~~بها على طلب زينة الدنيا ، وتحصيل الرياء والسمعة فيها صار وجودها كعدمها ~~فلا تكون من باب الطاعات . # وإذا عرفت هذا فنقول قوله : { من كان يريد الحيواة الدنيا وزينتها } ~~المراد منه الطاعات التي يصح صدورها من الكافر . # القول الثاني : وهو أن تجري الآية على ظاهرها في العموم ، ونقول : إنه ~~يندرج فيه المؤمن الذي يأتي بالطاعات على سبيل الرياء والسمعة ، ويندرج فيه ~~الكافر الذي هذا صفته ، وهذا القول مشكل ، لأن قوله : { أولئك الذين ليس ~~لهم فى الاخرة إلا النار } لا يليق المؤمن إلا إذا قلنا المراد { أولئك ~~الذين ليس فى الاخرة إلا النار } بسبب هذه الأعمال الفاسدة والأفعال ~~الباطلة المقرونة بالرياء / ثم القائلون بهذ القول ذكروا أخبارا كثيرة في ms4921 ~~هذا الباب . روي أن الرسول عليه السلام قال : ( تعوذوا بالله من جب الحزن ~~قيل وما جب الحزن ؟ قال عليه الصلاة والسلام : ( واد في جهنم يلقى فيه ~~القراء المراؤون ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة من يرى الناس أن فيه خيرا ولا خير فيه ) وعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا كان يوم القيامة يدعى ~~برجل جمع القرآن ، فيقال له ما عملت فيه ؟ فيقول يا رب قمت به آناء الليل ~~والنهار فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال : فلان قارىء ، وقد قيل ذلك ~~، ويؤت بصاحب المال فيقول الله له ألم أوسع عليك فماذا عملت فيما آتيتك ~~فيقول : وصلت الرحم وتصدقت ، فيقول الله PageV17P159 تعالى كذبت بل أردت أن ~~يقال فلان جواد ، وقد قيل ذلك ويؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول قاتلت في ~~الجهاد حتى قتلت فيقول الله تعالى كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء وقد قيل ~~ذلك ) قال أبو هريرة رضي الله عنه ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ركبتي وقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة ~~وروي أن أبا هريرة رضي الله عنه ذكر هذا الحديث عند معاوية قال الراوي فبكى ~~حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق وقال صدق الله ورسوله { من كان يريد الحيواة ~~الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها } . # / المسألة الثانية : المراد من توفية أجور تلك الأعمال هو أن كل ما ~~يستحقون بها من الثواب فإنه يصل إليهم حال كونهم في دار الدنيا ، فإذا ~~خرجوا من الدنيا لم يبق معهم من تلك الأعمال أثر من آثار الخيرات ، بل ليس ~~لهم منها إلا النار . # واعلم أن العقل يدل عليه قطعا ، وذلك لأن من أتى بالأعمال لأجل طلب ~~الثناء في الدنيا ولأجل الرياء ، فذلك لأجل أنه غلب على قلبه حب الدنيا ، ~~ولم يحصل في قلبه حب الآخرة ، إذ لو عرف حقيقة الآخرة وما فيها من السعادات ~~لامتنع أن ms4922 يأتي بالخيرات لأجل الدنيا وينسى أمر الآخرة ، فثبت أن الآتي ~~بأعمال البر لأجل الدنيا لا بد وأن يكون عظيم الرغبة في الدنيا عديم الطلب ~~للآخرة ومن كان كذلك فإذا مات فإنه يفوته جميع منافع الدنيا ويبقى عاجزا عن ~~وجدانها غير قادر على تحصيلها ، ومن أحب شيئا ثم حيل بينه وبين المطلوب ~~فإنه لا بد وأن تشتعل في قلبه نيران الحسرات فثبت بهذا البرهان العقلي ، أن ~~كل من أتى بعمل من الأعمال لطلب الأحوال الدنيوية فإنه يجد تلك المنفعة ~~الدنيوية اللائقة بذلك العمل ، ثم إذا مات فإنه لا يحصل له منه إلا النار ~~ويصير ذلك العمل في الدار الآخرة محبطا باطلا عديم الأثر . # ! 7 < { أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى ~~إماما ورحمة أولائك يؤمنون به ومن يكفر به من الا حزاب فالنار موعده فلا تك ~~فى مرية منه إنه الحق من ربك ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون } . > 7 ! # < < # | هود : ( 17 ) أفمن كان على . . . . . # > > اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها ظاهر والتقدير : أفمن كان على بينة ~~من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار ، إلا ~~أنه حذف الجواب لظهوره ومثله في القرآن كثير كقوله تعالى : { أفمن زين له ~~سوء عمله فرءاه حسنا فإن الله يضل من يشاء } ( فاطر : 8 ) وقوله : { أمن هو ~~قانت ءاناء اليل ساجدا وقائما } ( الزمر : 9 ) وقوله : { قل هل يستوى الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون } ( الزمر : 9 ) . # واعلم أن أول هذه الآية مشتمل على ألفاظ أربعة كل واحد محتمل . فالأول : ~~أن هذا الذي / وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو . والثاني : أنه ~~ما المراد بهذه البينة . والثالث : أن المراد بقوله : { * يتلوه } ~~PageV17P160 القرآن أو كونه حاصلا عقيب غيره . والرابع : أن هذا الشاهد ما ~~هو ؟ فهذه الألفاظ الأربعة مجملة فلهذا كثر اختلاف المفسرين في هذه الآية . # أما الأول : وهو أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو ~~؟ فقيل : المراد به ms4923 النبي عليه الصلاة والسلام ، وقيل : المراد به من آمن ~~من اليهود كعبدالله بن سلام وغيره ، وهو الأظهر لقوله تعالى في آخر الآية : ~~{ تلاوته أولئك يؤمنون به } وهذا صيغة جمع ، فلا يجوز رجوعه إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، والمراد بالبينة هو البيان والبرهان الذي عرف به صحة ~~الدين الحق والضمير في { * يتلوه } يرجع إلى معنى البينة ، وهو البيان ~~والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ، ومنه أي من الله ومن قبله كتاب موسى ~~، أي ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى . # واعلم أن كون كتاب موسى تابعا للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا ~~المطلوب و { للمتقين إماما } نصب على الحال ، فالحاصل أنه يقول اجتمع في ~~تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة أولها : دلالة البينات العقلية على صحته . ~~وثانيها : شهادة القرآن بصحته . وثالثها : شهادة التوراة بصحته ، فعند ~~اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا ارتياب ، فهذا القول أحسن ~~الأقاويل في هذه الآية وأقربها إلى مطابقة اللفظ وفيها أقوال أخر . # فالقول الأول : أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه هو محمد ~~عليه السلام والبينة هو القرآن ، والمراد بقوله : { * يتلوه } هو التلاوة ~~بمعنى القراءة وعلى هذا التقدير فذكروا في تفسير الشاهد وجوها : أحدها : ~~أنه جبريل عليه السلام ، والمعنى : أن جبريل عليه السلام يقرأ القرآن على ~~محمد عليه السلام . وثانيها : أن ذلك الشاهد هو لسان محمد عليه السلام وهو ~~قول الحسن ورواية عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنهما قال : قلت لأبي ~~أنت التالي قال : وما معنى التالي قلت قوله : { ربه ويتلوه شاهد منه } قال ~~وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما كان الإنسان ~~إنما يقرأ القرآن ويتلوه بلسانه لا جرم جعل اللسان تاليا على سبيل المجاز ~~كما يقال : عين باصرة وأذن سامعة ولسان ناطق . وثالثها : أن المراد هو علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه ، والمعنى أنه يتلو تلك البينة وقوله : { منه } ~~أي هذا الشاهد من محمد وبعض ms4924 منه / والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض ~~من محمد عليه السلام . ورابعها : أن لا يكون المراد بقوله : { ويتلوه } ~~القرآن بل حصول هذا الشاهد عقيب تلك البينة ، وعلى هذا الوجه قالوا إن ~~المراد أن صورة النبي عليه السلام ووجهه ومخايله كل ذلك يشهد بصدقه ، لأن ~~من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون / ولا كاهن ولا ساحر ولا كذاب ~~والمراد بكون هذا الشاهد منه كون هذه الأحوال متعلقة بذات النبي صلى الله ~~عليه وسلم . # القول الثاني : أن الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة هم المؤمنون وهم ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالبينة القرآن { ويتلوه } أي ~~ويتلو الكتاب الذي هو الحجة يعني ويعقبه شاهد من الله تعالى ، وعلى هذا ~~القول اختلفوا في ذلك الشاهد فقال بعضهم : إنه محمد عليه السلام وقال آخرون ~~: بل ذلك الشاهد هو كون القرآن واقعا على وجه يعرف كل من نظر فيه أنه معجزة ~~وذلك الوجه هو اشتماله على الفصاحة التامة والبلاغة الكاملة وكونه بحيث لا ~~يقدر البشر على الإتيان بمثله ، وقوله : { شاهد منه } أي من تلك البينة لأن ~~أحوال القرآن وصفاته من القراآت متعلقة به . وثالثها : قال الفراء : { ~~ويتلوه شاهد منه } يعني الإنجيل يتلو القرآن وإن PageV17P161 كان قد أنزل ~~قبله ، والمعنى أنه يتلوه في التصديق ، وتقريره : أنه تعالى ذكر محمدا صلى ~~الله عليه وسلم في الإنجيل ، وأمر بالإيمان به . # واعلم أن هذين القولين وإن كانا محتملين إلا أن القول الأول أقوى وأتم . # واعلم أنه تعالى وصف كتاب موسى عليه السلام بكونه إماما ورحمة ، ومعنى ~~كونه إماما أنه كان مقتدى العالمين ، وإماما لهم يرجعون إليه في معرفة ~~الدين والشرائع ، وأما كونه رحمة فلأنه يهدي إلى الحق في الدنيا والدين ، ~~وذلك سبب لحصول الرحمة والثواب فلما كان سببا للرحمة أطلق اسم الرحمة عليه ~~إطلاقا لاسم المسبب على السبب . # ثم قال تعالى : { أولئك يؤمنون به } والمعنى : أن الذين وصفهم الله بأنهم ~~على بينة من ربهم في صحة هذا الدين يؤمنون . # واعلم أن المطالب على قسمين منها ms4925 ما يعلم صحتها بالبديهة ، ومنها ما ~~يحتاج في تحصيل العلم بها إلى طلب واجتهاد ، وهذا القسم الثاني على قسمين ، ~~لأن طريق تحصيل المعارف إما الحجة والبرهان المستنبط بالعقل وإما الاستفادة ~~من الوحي والإلهام ، فهذا الطريقان هما الطريقان اللذان يمكن الرجوع إليهما ~~في تعريف المجهولات ، فإذا اجتمعا واعتضد كل واحد منهما بالآخر بلغا الغاية ~~في القوة والوثوق ، ثم إن في أنبياء الله تعالى كثرة ، فإذا توافقت كلمات ~~الأنبياء على صحته ، وكان البرهان اليقيني قائما على صحته ، فهذه المرتبة ~~قد بلغت في القوة إلى حيث لا يمكن الزيادة فقوله : { أفمن كان على بينة من ~~ربه } المراد بالبينة الدلائل العقلية اليقينية ، وقوله : { ويتلوه شاهد ~~منه } إشارة إلى الوحي الذي حصل لمحمد عليه السلام ، وقوله : { ومن قبله ~~كتاب موسى إماما ورحمة } / إشارة إلى الوحي الذي حصل لموسى عليه السلام ، ~~وعند اجتماع هذه الثلاثة قد بلغ هذا اليقين في القوة والظهور والجلاء إلى ~~حيث لا يمكن الزيادة عليه . # ثم قال تعالى : { ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده } والمراد من ~~الأحزاب أصناف الكفار ، فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس . روى سعيد بن ~~جبير عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يسمع بي يهودي ~~ولا نصراني فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار ) قال أبو موسى : فقلت في ~~نفسي إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن ، فوجدت ~~الله تعالى يقول : { ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده } وقال بعضهم : ~~لما دلت الآية على أن من يكفر به فالنار موعده ، دلت على أن من لا يكفر به ~~لم تكن النار موعده . # ثم قال تعالى : { فلا تك فى مرية منه إنه الحق من ربك } ففيه قولان : ~~الأول : فلا تك في مرية من صحة هذا الدين ، ومن كون القرآن نازلا من عند ~~الله تعالى ، فكان متعلقا بما تقدم من قوله تعالى : { أم يقولون افتراه } ( ~~السجدة : 3 ) الثاني : فلا تك في مرية من أن موعد الكافر النار . وقرىء { ~~مرية } بضم ms4926 الميم . # ثم قال : { ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون } والتقدير : لما ظهر الحق ظهورا ~~في الغاية ، فكن أنت متابعا له ولا تبال بالجهال سواء آمنوا أو لم يؤمنوا ، ~~والأقرب أن يكون المراد لا يؤمنون بما تقدم ذكره من وصف القرآن . # ! 7 < { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولائك يعرضون على ربهم ويقول ~~الا شهاد هاؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين * الذين ~~يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالا خرة هم كافرون } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 18 - 19 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > PageV17P162 # اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة ، فمنها شدة حرصهم على ~~الدنيا ورغبتهم في تحصيلها ، وقد أبطل الله هذه الطريقة بقوله : { من كان ~~يريد الحيواة الدنيا وزينتها } ( هود : 15 ) إلى آخر الآية ، / ومنها أنهم ~~كانوا ينكرون نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويقدحون في معجزاته ، وقد ~~أبطل الله تعالى بقوله : { أفمن كان على بينة من ربه } ( محمد : 14 ) ومنها ~~أنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله ، وقد أبطل الله تعالى ~~ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله تعالى ، فلما بين ~~وعيد المفترين على الله ، فقد دخل فيه هذا الكلام . # واعلم أن قوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } إنما يورد في معرض ~~المبالغة . وفيه دلالة على أن الافتراء على الله تعالى أعظم أنواع الظلم . # ثم إنه تعالى بين وعيد هؤلاء بقوله : { أولئك يعرضون على ربهم } وما ~~وصفهم بذلك لأنهم مختصون بذلك العرض ، لأن العرض عام في كل العباد كما قال ~~: { وعرضوا على ربك صفا } ( الكهف : 48 ) وإنما أراد به أنهم يعرضون ~~فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } فحصل ~~لهم من الخزي والنكال مالا مزيد عليه ، وفيه سؤالات : # السؤال الأول : إذا لم يجز أن يكون الله تعالى في مكان ، فكيف قال : { ~~يعرضون على ربهم } والجواب : أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب ~~والسؤال ، ويجوز أيضا أن يكون ذلك عرضا على من شاء الله من الخلق بأمر ms4927 الله ~~من الملائكة والأنبياء والمؤمنين . # السؤال الثاني : من الأشهاد الذين أضيف إليهم هذا القول ؟ # الجواب قال مجاهد : هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في ~~الدنيا . وقال قتادة ومقاتل : { الاشهاد } الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد ~~، يعني على رؤوس الناس . وقال الآخرون : هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~. قال الله تعالى : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } ( ~~الأعراف : 6 ) والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة . # السؤال الثالث : الأشهاد جمع فما واحده ؟ # والجواب : يجوز أن يكون جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب ، وناصر وأنصار ، ويجوز ~~أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف . قال أبو علي الفارسي : وهذا كأنه أرجح ~~، لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء PageV17P163 على فعيل ، كقوله : { ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) { جئنا بكم * على هؤلاء شهيدا ~~} ( النساء : 41 ) ثم لما أخبر عن حالهم في عذاب القيامة أخبر عن حالهم في ~~الحال فقال : { ألا لعنة الله على الظالمين } وبين أنهم في الحال لملعونون ~~من عند الله ، ثم ذكر من صفاتهم أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ~~يعني أنهم كما ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال ، فقد أضافوا إليه المنع ~~من الدين الحق وإلقاء الشبهات ، وتعويج الدلائل المستقيمة ، لأنه لا يقال ~~في العاصي يبغي / عوجا ، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيفية الاستقامة ، ~~وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات وتقرير الضلالات . # ثم قال : { وهم بالاخرة هم كافرون } قال الزجاج : كلمة ( هم ) كررت على ~~جهة التوكيد لثبتهم في الكفر . # ! 7 < { أولائك لم يكونوا معجزين فى الا رض وما كان لهم من دون الله من ~~أوليآء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون * ~~أولائك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون * لا جرم أنهم فى الا ~~خرة هم الا خسرون } . > 7 ! # < < # | هود : ( 20 - 22 ) أولئك لم يكونوا . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات كثيرة في معرض ~~الذم . # الصفة الأولى : كونهم مفترين على الله ، وهي قوله : { ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا } ( الأنعام : 93 ms4928 ) . # والصفة الثانية : أنهم يعرضون على الله في موقف الذل والهوان والخزي ~~والنكال وهي قوله : { أولئك يعرضون على ربهم } ( هود : 18 ) . # والصفة الثالثة : حصول الخزي والنكال والفضيحة العظيمة وهي قوله : { ~~ويقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } ( هود : 18 ) . # والصفة الرابعة : كونهم ملعونين من عند الله ، وهي قوله : { ألا لعنة ~~الله على الظالمين } ( هود : 18 ) . # والصفة الخامسة : كونهم صادين عن سبيل الله مانعين عن متابعة الحق ، وهي ~~قوله : { الذين يصدون عن سبيل الله } ( الأعراف : 45 ) . # والصفة السادسة : سعيهم في إلقاء الشبهات ، وتعويج الدلائل المستقيمة ، ~~وهي قوله : { ويبغونها عوجا } ( الأعراف : 45 ) . # / والصفة السابعة : كونهم كافرين ، وهي قوله : { وهم بالاخرة هم كافرون } ~~( هود : 19 ) . # والصفة الثامنة : كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله ، وهي قوله : { ~~أولئك لم يكونوا معجزين فى الارض } PageV17P164 قال الواحدي : معنى الإعجاز ~~المنع من تحصيل المراد . يقال أعجزني فلان أي منعني عن مرادي ، ومعنى ~~معجزين في الأرض أي لا يمكنهم أن يهربوا من عذابنا فإن هرب العبد من عذاب ~~الله محال ، لأنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات ، ولا تتفاوت قدرته ~~بالبعد والقرب والقوة والضعف . # والصفة التاسعة : أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عذاب الله عنهم ، والمراد ~~منه الرد عليهم في وصفهم الأصنام بأنها شفعاؤهم عند الله والمقصود أن قوله ~~: { أولئك لم يكونوا معجزين فى الارض } دل على أنهم لا قدرة لهم على الفرار ~~وقوله : { وما كان لهم من دون الله من أولياء } هو أن أحدا لا يقدر على ~~تخليصهم من ذلك العذاب ، فجمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى ~~غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا والآخرة ، ثم ~~اختلفوا فقال قوم المراد إن عدم نزول العذاب ليس لأجل أنهم قدروا على منع ~~الله من إنزال العذاب ولا لأجل أن لهم ناصرا يمنع ذلك العذاب عنهم ، بل ~~إنما حصل ذلك الإمهال لأنه تعالى أمهلهم كي يتوبوا فيزولوا عن كفرهم فإذا ~~أبوا إلا الثبات عليه فلا بد من مضاعفة العذاب في الآخرة ، وقال بعضهم : بل ~~المراد ms4929 أن يكونوا معجزين لله عما يريد إنزاله عليهم من العذاب في الآخرة أو ~~في الدنيا ولا يجدون وليا ينصرهم ويدفع ذلك عنهم . # والصفة العاشرة : قوله تعالى : { يضاعف لهم العذاب } قيل سبب تضعيف ~~العذاب في حقهم أنهم كفروا بالله وبالبعث وبالنشور ، فكفرهم بالمبدأ ~~والمعاد صار سببا لتضعيف العذاب ، والأصوب أن يقال إنهم مع ضلالهم الشديد ، ~~سعوا في الإضلال ومنع الناس عن الدين الحق ، فلهذا المعنى حصل هذا التضعيف ~~عليهم . # الصفة الحادية عشرة : قوله : { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون ~~} والمراد ما هم عليه في الدنيا من صمم القلب وعمى النفس / واحتج أصحابنا ~~بهذه الآية على أنه تعالى قد يخلق في المكلف ما يمنعه الإيمان ، روي عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال إنه تعالى منع الكافر من الإيمان في ~~الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا ففي قوله تعالى : { ما كانوا يستطيعون ~~السمع وما كانوا يبصرون } وأما في الآخرة فهو قوله : { يدعون إلى السجود * ~~فلا يستطيعون } ( القلم : 42 ) وحاصل الكلام في هذا الاستدلال أنه تعالى ~~أخبر عنهم أنهم لا يستطيعون السمع ، فإما أن يكون المراد أنهم ما كانوا ~~يستطيعون سمع الأصوات والحروف ، وإما أن يكون المراد / كونهم عاجزين عن ~~الوقوف على دلائل الله تعالى ، والقول الأول باطل لأن البديهة دلت على أنهم ~~كانوا يسمعون الأصوات والحروف ، وجب حمل اللفظ على الثاني أجاب الجبائي عنه ~~بأن السمع إما أن يكون عبارة عن الحاسة المخصوصة ، أو عن معنى يخلقه الله ~~تعالى في صماخ الأذن ، وكلاهما لا يقدر العبد عليه ، لأنه لو اجتهد في أن ~~يفعل ذلك أو يتركه لتعذر عليه ، وإذا ثبت هذا كان إثبات الاستطاعة فيه ~~محالا ، وإذا كان إثباتها محالا كان نفي الاستطاعة عنه هو الحق ، فثبت أن ~~ظاهر الآية لا يقدح في قولنا . ثم قال المراد بقوله : { ما كانوا يستطيعون ~~السمع } إهمالهم له ونفورهم عنه كما يقول القائل : هذا كلام لا أستطيع أن ~~أسمعه ، وهذا مما يمجه سمعي وذكر غير الجبائي عذرا آخر ، فقال إنه تعالى ~~نفى أن يكون ms4930 لهم أولياء والمراد الأصنام ثم بين نفي كونهم أولياء بقوله : { ~~ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } فكيف يصلحون للولاية . ~~PageV17P165 # والجواب : أما حمل الآية على أنه لا قدرة لهم على خلق الحاسة وعلى خلق ~~المعنى فيها فباطل ، لأن هذه الآية وردت في معرض الوعيد فلا بد وأن يكون ~~ذلك معنى مختصا بهم ، والمعنى الذي قالوه حاصل في الملائكة والأنبياء فكيف ~~يمكن حمل اللفظ عليه ، وأما قوله إن ذلك محمول على أنهم كانوا يستثقلون ~~سماع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبصار صورته . # فالجواب أنه تعالى نفى الاستطاعة فحمله على معنى آخر خلاف الظاهر ، وأيضا ~~أن حصول ذلك الاستثقال إما أن يمنع من الفهم والوصول إلى الغرض أو لم يمنع ~~، فإن منع فهو المقصود ، وإن لم يمنع منه فحينئذ كان ذلك سببا أجنبيا عن ~~المعاني المعتبرة في الفهم والإدراك ، ولا تختلف أحوال القلب في العلم ~~والمعرفة بسببه ، فكيف يمكن جعله ذما لهم في هذا المعرض ، وأيضا قد بينا ~~مرارا كثيرة في هذا الكتاب أن حصول الفعل مع قيام الصارف محال ، فلما بين ~~تعالى كون هذا المعنى صارفا عن قبول الدين الحق وبين فيه أنه حصل حصولا على ~~سبيل اللزوم بحيث لا يزول ألبتة في ذلك الوقت كان المكلف في ذلك الوقت ~~ممنوعا عن الإيمان ، وحينئذ يحصل المطلوب ، وأما قوله فإنا نجعل هذه الصفة ~~من صفة الأوثان فبعيد لأنه تعالى قال : { يضاعف لهم العذاب } ثم قال : { ما ~~كانوا يستطيعون السمع } فوجب أن يكون الضمير في هذه الآية المتأخرة عائدا ~~إلى عين ما عاد إليه الضمير المذكور في هذه الآية الأولى . وأما قوله : { ~~وما كانوا يبصرون } فقيل : المراد منه البصيرة ، وقيل : المراد منه أنهم ~~عدلوا عن إبصار ما يكون حجة لهم . # الصفة الثانية عشرة : قوله : { أولئك الذين خسروا أنفسهم } ومعناه أنهم ~~اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فكان هذا الخسران أعظم وجوه الخسران ~~. # / الصفة الثالثة عشرة : قوله : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } والمعنى ~~أنهم لما باعوا الدين بالدنيا فقد خسروا ، لأنهم أعطوا ms4931 الشريف ، ورضوا بأخذ ~~الخسيس ، وهذا عين الخسران في الدنيا ثم في الآخرة فهذا الخسيس يضيع ويهلك ~~ولا يبقى منه أثر / وهو المراد بقوله : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } . # الصفة الرابعة عشرة : قوله : { لا جرم أنهم فى الاخرة هم الاخسرون } ~~وتقريره ما تقدم ، وهو أنه لما أعطى الشريف الرفيع ورضي بالخسيس الوضيع فقد ~~خسر في التجارة . ثم لما كان هذا الخسيس بحيث لا يبقى بل لا بد وأن يهلك ~~ويفنى انقلبت تلك التجارة إلى النهاية في صفة الخسارة ، فلهذا قال : { لا ~~جرم أنهم فى الاخرة هم الاخسرون } وقوله { لا جرم } قال الفراء : إنها ~~بمنزلة قولنا لا بد ولا محالة ، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا ، ~~تقول العرب : لا جرم أنك محسن ، على معنى حقا إنك محسن ، وأما النحويون ~~فلهم فيه وجوه : الأول : لا حرف نفي وجزم ، أي قطع ، فإذا قلنا : لا جرم ~~معناه أنه لا قطع قاطع عنهم أنهم في الآخرة هم الأخسرون . الثاني : قال ~~الزجاج إن كلمة { لا } نفي لما ظنوا أنه ينفعهم ، و { جرم } معناه كسب ذلك ~~الفعل ، والمعنى : لا ينفعهم ذلك وكسب ذلك الفعل لهم الخسران في الدنيا ~~والآخرة ، وذكرنا { جرم } بمعنى كسب في تفسير قوله تعالى : { لا يجرمنكم * ~~عليه قوم } ( المائدة : 2 ) قال الأزهري ، وهذا من أحسن ما قيل في هذا ~~الباب ، الثالث : قال سيبويه والأخفش : { لا } رد على أهل الكفر كما ذكرنا ~~وجرم معناه حق وصحح ، والتأويل أنه حق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم . ~~واحتج سيبويه بقول الشاعر : PageV17P166 # % ولقد طعنت أبا عيينة طعنة % % جرمت فزاة بعدها أن يغضبوا % # أراد حقت الطعنة فزارة أن يغضبوا . # ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولائك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون } . > 7 ! # < < # | هود : ( 23 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر عقوبة الكافرين وخسرانهم ، أتبعه بذكر أحوال ~~المؤمنين ، والإخبات هو الخشوع والخضوع وهو مأخوذ من الخبت وهو الأرض ~~المطمئنة وخبت ذكره أي خفي ، / فقوله : ( أخبت ) أي دخل في الخبت ، كما ~~يقال فيمن صار إلى نجد أنجد ms4932 وإلى تهامة أتهم ، ومنه المخبت من الناس الذي ~~أخبت إلى ربه أي اطمأن إليه ، ولفظ الإخبات يتعدى بإلى وباللام ، فإذا قلنا ~~: أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه ، وإذا قلنا أخبت له فمعناه خشع له ~~. # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } إشارة ~~إلى جميع الأعمال الصالحة ، وقوله { وأخبتوا } إشارة إلى أن هذه الأعمال لا ~~تنفع في الآخرة إلا مع الأحوال القلبية ثم إن فسرنا الإخبات بالطمأنينة كان ~~المراد أنهم يعبدون الله وكانت قلوبهم عند أداء العبادات مطمئنة بذكر الله ~~فارغة عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى أو يقال إنما قلوبهم صارت مطمئنة ~~إلى صدق الله بكل ما وعدهم من الثواب والعقاب ، وأما إن فسرنا الإخبات ~~بالخشوع كان معناه أنهم يأتون بالأعمال الصالحة خائفين وجلين من أن يكونوا ~~أتوا بها مع وجود الإخلال والتقصير ، ثم بين أن من حصل له هذه الصفات ~~الثلاثة فهم أصحاب الجنة ، ويحصل لهم الخلود في الجنة . # ! 7 < { مثل الفريقين كالا عمى والا صم والبصير والسميع هل يستويان مثلا ~~أفلا تذكرون } . > 7 ! # < < # | هود : ( 24 ) مثل الفريقين كالأعمى . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين ذكر فيهما مثالا مطابقا ثم اختلفوا ~~فقيل : إنه راجع إلى من ذكر آخرا من المؤمنين والكافرين من قبل ، وقال ~~آخرون : بل رجع إلى قوله : { أفمن كان على بينة من ربه } ( هود : 17 ) ثم ~~ذكر من بعده الكافرين ووصفهم بأنهم لا يستطيعون السمع ولا يبصرون ، والسميع ~~والبصير هم الذين وصفهم الله بأنهم على بينة من ربهم . # واعلم أن وجه التشبيه هو أنه سبحانه خلق الإنسان مركبا من الجسد ومن ~~النفس ، وكما أن للجسد بصرا وسمعا فكذلك حصل لجوهر الروح سمع وبصر ، وكما ~~أن الجسد إذا كان أعمى أصم بقي متحيرا ل PageV17P167 ا يهتدي إلى شيء من ~~المصالح ، بل يكون كالتائه في حضيض الظلمات لا يبصر نورا يهتدي به ولا يسمع ~~صوتا ، فكذلك الجاهل الضال المضل ، يكون أعمى وأصم القلب ، فيبقى في ظلمات ~~الضلالات حائرا تائها . # ثم قال تعالى : { أفلا تذكرون ms4933 } منبها على أنه يمكنه علاج هذا العمى وهذا ~~الصمم ، وإذا كان / العلاج ممكنا من الضرر الحاصل بسبب حصول هذا العمى وهذا ~~الصمم وجب على العاقل أن يسعى في ذلك العلاج بقدر الإمكان . # واعلم أنه قد جرت العادة بأنه تعالى إذا ورد على الكافر أنواع الدلائل ~~أتبعها بالقصص ، ليصير ذكرها مؤكدا لتلك الدلائل على ما قررنا هذا المعنى ~~في مواضع كثيرة ، وفي هذه السورة ذكر أنواعا من القصص . # القصة الأولى # قصة نوح عليه السلام # ! 7 < { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنى لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا ~~الله إنىأخاف عليكم عذاب يوم أليم } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 25 - 26 ) ولقد أرسلنا نوحا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى قد بدأ بذكر هذه القصة في سورة يونس وقد أعادها في هذه ~~السورة أيضا لما فيها من زوائد الفوائد وبدائع الحكم ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي { إنى } بفتح الهمزة ، ~~والمعنى : أرسلنا نوحا بأني لكم نذير مبين ، ومعناه أرسلناه ملتبسا بهذا ~~الكلام وهو قوله : { إنى لكم نذير مبين } فلما اتصل به حرف الجر وهو الباء ~~فتح كما فتح في كان ، وأما سائر القراء فقرؤا { إنى } بالكسر على معنى قال ~~{ إنى لكم نذير مبين } . # المسألة الثانية : قال بعضهم : المراد من النذير كونه مهددا للعصاة ~~بالعقاب ، ومن المبين كونه مبينا ما أعد الله للمطيعين من الثواب ، والأولى ~~أن يكون المعنى أنه نذير للعصاة من العقاب وأنه مبين بمعنى أنه بين ذلك ~~الإنذار على الطريق الأكمل والبيان الأقوى الأظهر ، ثم بين تعالى أن ذلك ~~الإنذار إنما حصل في النهي عن عبادة غير الله وفي الأمر بعبادة الله لأن ~~قوله : { أن لا تعبدوا إلا الله } استثناء من النفي وهو يوجب نفي غير ~~المستثنى . # واعلم أن تقدير الآية كأنه تعالى قال ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه بهذا ~~الكلام وهو قوله : { إنى لكم نذير مبين } . # / ثم قال : { أن لا تعبدوا إلا الله } فقوله : { أن لا تعبدوا إلا الله } ~~بدل من قوله : { إنى لكم نذير } ثم إنه أكد ذلك بقوله ms4934 : { إنى أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم } والمعنى أنه لما حصل الألم العظيم في ذلك اليوم أسند ~~PageV17P168 ذلك الألم إلى اليوم ، كقولهم نهارك صائم ، وليلك قائم . # ! 7 < { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك ~~اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم ~~كاذبين } . > 7 ! # < < # | هود : ( 27 ) فقال الملأ الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعا قومه إلى عبادة ~~الله تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في نبوته بثلاثة أنوع من الشبهات . # فالشبهة الأولى : أنه بشر مثلهم ، والتفاوت الحاصل بين آحاد البشر يمتنع ~~انتهاؤه إلى حيث يصير الواحد منهم واجب الطاعة لجميع العالمين . # والشبهة الثانية : كونه ما أتبعه إلا أراذل من القوم كالحياكة وأهل ~~الصنائع الخسيسة ، قالوا ولو كنت صادقا لاتبعك الأكياس من الناس والأشراف ~~منهم ، ونظيره قوله تعالى في سورة الشعراء { أنؤمن لك واتبعك الارذلون } ( ~~الشعراء : 111 ) . # والشبهة الثالثة : قوله تعالى : { وما نرى لكم علينا من فضل } والمعنى : ~~لا نرى لكم علينا من فضل لا في العقل ولا في رعاية المصالح العاجلة ولا في ~~قوة الجدل فإذا لم نشاهد فضلك علينا في شيء من هذه الأحوال الظاهرة فكيف ~~نعترف بفضلك علينا في أشرف الدرجات وأعلى المقامات ، فهذا خلاصة الكلام في ~~تقرير هذه الشبهات . # واعلم أن الشبهة الأولى لا تليق إلا بالبراهمة الذين ينكرون نبوة البشر ~~على الإطلاق ، أما الشبهتان الباقيتان فيمكن أن يتمسك بهما من أقر بنبوة ~~سائر الأنبياء ، وفي لفظ الآية مسائل : # المسألة الأولى : الملأ الأشراف وفي اشتقاقه وجوه : الأول : أنه مأخوذ من ~~قولهم مليء بكذا إذا كان مطيقا له وقد ملؤا بالأمر ، والسبب في إطلاق هذا ~~اللفظ عليهم أنهم ملؤا بترتيب المهمات / وأحسنوا في تدبيرها . الثاني : ~~أنهم وصفوا بذلك لأنهم يتمالؤون أي يتظاهرون عليه . الثالث : وصفوا بذلك ~~لأنهم يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة . الرابع : وصفوا به لأنهم ملؤوا ~~العقول الراجحة والآراء الصائبة . # ثم حكى الله تعالى عنهم الشبهة الأولى ، وهي قولهم : { ما ms4935 نراك إلا بشرا ~~مثلنا } وهو مثل ما حكى الله تعالى عن بعض العرب أنهم قالوا : { لولا أنزل ~~عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) وهذا جهل ، لأن من حق الرسول أن يباشر الأمة ~~بالدليل والبرهان والتثبت والحجة ، لا بالصورة والخلقة ، بل نقول : إن الله ~~تعالى لو بعث إلى البشر ملكا لكانت الشبهة أقوى في الطعن عليه في رسالته ~~لأنه يخطر بالبال أن هذه المعجزات التي ظهرت لعل هذا الملك هو الذي أتى بها ~~من عند نفسه بسبب أن قوته أكمل وقدرته أقوى ، فلهذه الحكمة ما بعث الله إلى ~~البشر رسولا إلا من البشر . PageV17P169 # ثم حكى الشبهة الثانية وهي قوله : { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ~~بادى الرأى } والمراد منه قلة ما لهم وقلة جاههم ودناءة حرفهم وصناعتهم هذا ~~أيضا جهل ، لأن الرفعة في الدين لا تكون بالحسب والمال والمناصب العالية ، ~~بل الفقر أهون على الدين من الغنى ، بل نقول : الأنبياء ما بعثوا إلا لترك ~~الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف تجعل قلة المال في الدنيا طعنا في النبوة ~~والرسالة . # ثم حكى الله تعالى الشبهة الثالثة وهي قوله : { وما نرى لكم علينا من فضل ~~} وهذا أيضا جهل ، لأن الفضيلة المعتبرة عند الله ليست إلا بالعلم والعمل ، ~~فكيف اطلعوا على بواطن الخلق حتى عرفوا نفي هذه الفضيلة ، ثم قالوا بعد ذكر ~~هذه الشبهات لنوح عليه السلام ومن اتبعه { بل نظنكم كاذبين } وفيه وجهان : ~~الأول : أن يكون هذا خطابا مع نوح ومع قومه / والمراد منه تكذيب نوح في ~~دعوى الرسالة . والثاني : أن يكون هذا خطابا مع الأراذل فنسبوهم إلى أنهم ~~كذبوا في أن آمنوا به واتبعوه . # المسألة الثانية : قال الواحدي : الأرذل جمع رذل وهو الدون من كل شيء في ~~منظره وحالاته ورجل رذل الثياب والفعل . والأراذل جمع الأرذل ، كقولهم ~~أكابر مجرميها ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( أحاسنكم أخلاقا ) فعلى هذا ~~الأراذل جمع الجمع ، وقال بعضهم : الأصل فيه أن يقال : هو أرذل من كذا ثم ~~كثر حتى قالوا : هو الأرذل فصارت الألف واللام عوضا عن الإضافة وقوله : { ~~بادى ms4936 الرأى } البادي هو الظاهر من قولك : بدا الشيء إذا ظهر ، ومنه يقال : ~~بادية لظهورها وبروزها للناظر ، واختلفوا في بادي الرأي وذكروا فيه وجوها : ~~الأول : اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه ، والثاني : يجوز أن يكون المراد ~~اتبعوك في ابتداء حدوث الرأي وما احتاطوا في / ذلك الرأي وما أعطوه حقه من ~~الفكر الصائب والتدبر الوافي . الثالث : أنهم لما وصفوا القوم بالرذالة ~~قالوا : كونهم كذلك بادي الرأي أمر ظاهر لكل من يراهم ، والرأي على هذا ~~المعنى من رأي العين لا من رأي القلب ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد ~~أنه كان يقرأ { إلا الذين هم أراذلنا بادى * رأى العين } . # المسألة الثالثة : قرأ أبو عمرو ونصير عن الكسائي { * بادىء } بالهمزة ~~والباقون بالياء غير مهموز فمن قرأ { * بادىء } بالهمزة فالمعنى أول الرأي ~~وابتداؤه ومن قرأ بالياء غير مهموز كان من بدا يبدو أي ظهر و { أراذلنا ~~بادى } نصب على المصدر كقولك : ضربت أول الضرب . # ! 7 < { قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربىوءاتانى رحمة من عنده ~~فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون } . > 7 ! # < < # | هود : ( 28 ) قال يا قوم . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى شبهات منكري نبوة نوح عليه ~~الصلاة والسلام حكى بعده ما يكون جوابا عن تلك الشبهات . PageV17P170 # فالشبهة الأولى : قولهم : { ما أنت إلا بشر مثلنا } فقال نوح حصول ~~المساواة في البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة والرسالة ، ثم ~~ذكر الطريق الدال على إمكانه ، فقال : { أرأيتم إن كنت على بينة من ربى } ~~من معرفة ذات الله وصفاته وما يجب وما يمتنع وما يجوز عليه ، ثم إنه تعالى ~~أتاني رحمة من عنده ، والمراد بتلك الرحمة إما النبوة وإما المعجزة الدالة ~~على النبوة { فعميت عليكم } أي صارت مظنة مشتبهة ملتبسة في عقولكم ، فهل ~~أقدر على أن أجعلكم بحيث تصلون إلى معرفتها شئتم أم أبيتم ؟ والمراد أني لا ~~أقدر على ذلك ألبتة ، وعن قتادة : والله لو استطاع نبي الله لألزمها ولكنه ~~لم يقدر عليه ، وحاصل الكلام أنهم لما قالوا ms4937 : { وما نرى لكم علينا من فضل ~~} ( هود : 27 ) ذكر نوح عليه السلام أن ذلك بسبب أن الحجة عميت عليكم ~~واشتبهت ، فأما لو تركتم العناد واللجاج ونظرتم في الدليل لظهر المقصود ، ~~وتبين أن الله تعالى آتانا عليكم فضلا عظيما . # المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { فعميت عليكم } بضم ~~العين وتشديد / الميم على ما لم يسم فاعله ، بمعنى ألبست وشبهت والباقون ~~بفتح العين مخففة الميم ، أي التبست واشتبهت . # واعلم أن الشيء إذا بقي مجهولا محضا أشبه المعمي ، لأن العلم نور البصيرة ~~الباطنة والأبصار نور البصر الظاهر فحسن جعل كل واحد منها مجازا عن الآخر ~~وتحقيقه أن البينة توصف بالأبصار قال تعالى : { فلما جاءتهم ءاياتنا مبصرة ~~} ( النمل : 13 ) وكذلك توصف بالعمى ، قال تعالى : { فعميت عليهم الانباء } ~~( القصص : 66 ) وقال في هذه الآية : { فعميت عليكم } . # المسألة الثالثة : { أنلزمكموها } فيه ثلاث مضمرات : ضمير المتكلم وضمير ~~الغائب وضمير المخاطب ، وأجاز الفراء إسكان الميم الأولى ، وروي ذلك عن أبي ~~عمرو قال : وذلك أن الحركات توالت فسكنت الميم وهي أيضا مرفوعة وقبلها كسرة ~~والحركة التي بعدها ضمة ثقيلة ، قال الزجاج : جميع النحوين البصريين لا ~~يجيزون إسكان حرف الإعراب إلا في ضرورة الشعر وما يروى عن أبي عمرو فلم ~~يضبطه عنه الفراء ، وروي عن سيبويه أنه كان يخفف الحركة ويختلسها ، وهذا هو ~~الحق وإنما يجوز الإسكان في الشعر كقول امرىء القيس : # % فاليوم أشرب غير مستحقب % % # ! 7 < { وياقوم لاأسألكم عليه مالا إن أجرى إلا على الله ومآ أنا بطارد ~~الذين ءامنوا إنهم ملاقو ربهم ولاكنىأراكم قوما تجهلون * وياقوم من ينصرنى ~~من الله إن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندى خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول إنى ملك ولا أقول للذين تزدرىأعينكم لن يؤتيهم الله خيرا ~~الله أعلم بما فى أنفسهم إنىإذا لمن الظالمين } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 29 - 31 ) ويا قوم لا . . . . . # > > PageV17P171 # في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الجواب عن الشبهة الثانية وهي قولهم ~~لا يتبعك إلا الأراذل من الناس وتقرير هذا الجواب من وجوه ms4938 : # الوجه الأول : أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( أنا لا أطلب على تبليغ ~~دعوة الرسالة مالا حتى يتفاوت الحال بسبب كون المستجيب فقيرا أو غنيا وإنما ~~أجري على هذه الطاعة الشاقة على رب العالمين ) وإذا كان الأمر كذلك فسواء ~~كانوا فقراء أو أغنياء لم يتفاوت الحال في ذلك . # الوجه الثاني : كأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم إنكم لما نظرتم إلى ~~ظواهر الأمور وجدتموني فقيرا وظننتم أني إنما اشتغلت بهذه الحرفة لأتوسل ~~بها إلى أخذ أموالكم وهذا الظن منكم خطأ فإني لا أسئلكم على تبليغ الرسالة ~~أجرا إن أجري إلا على رب العالمين فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب ~~هذا الظن الفاسد . # والوجه الثالث : في تقرير هذا الجواب أنهم قالوا : { ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا } إلى قوله : { وما نرى لكم علينا من فضل } ( هود : 27 ) فهو عليه ~~السلام بين أنه تعالى أعطاه أنواعا كثيرة توجب فضله عليهم ولذلك لم يسع في ~~طلب الدنيا ، وإنما يسعى في طلب الدين ، والإعراض عن الدنيا من أمهات ~~الفضائل باتفاق الكل ، فلعل المراد تقرير حصول الفضيلة من هذا الوجه . # فأما قوله : { وما أنا بطارد الذين ءامنوا } فهذا كالدليل على أن القوم ~~سألوه طردهم رفعا لأنفسهم عن مشاركة أولئك الفقراء . روى ابن جريج أنهم ~~قالوا : إن أحببت يا نوح أن نتبعك فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم فقال ~~عليه الصلاة والسلام : { وما أنا بطارد الذين ءامنوا } وقوله تعالى حكاية ~~عنهم أنهم قالوا : { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى } ( ~~هود : 27 ) كالدليل على أنهم طلبوا منه طردهم لأنه كالدليل على أنهم كانوا ~~يقولون : لو اتبعك أشراف القوم لوافقناهم ، ثم إنه تعالى حكى عنه أنه ما ~~طردهم ، وذكر في بيان ما يوجب الامتناع من هذا الطرد أمورا : الأول : أنهم ~~ملاقو ربهم وهذا الكلام يحتمل وجوها منها أنهم قالوا هم منافقون فيما ~~أظهروا فلا تغتر بهم فأجاب بأن هذا الأمر ينكشف عند لقاء ربهم في الآخرة . ~~ومنها أنه جعله علة في الامتناع من الطرد وأراد أنهم ملاقوا ما ms4939 وعدهم ربهم ~~، فإن طردتهم استخصموني في الآخرة ، ومنها أنه نبه بذلك الأمر على أنا ~~نجتمع في الآخرة فأعاقب على طردهم فلا أجد من ينصرني ، ثم بين أنهم يبنون ~~أمرهم على الجهل بالعواقب والاغترار بالظواهر فقال { ولاكنى أراكم قوما ~~تجهلون } . # ثم قال بعده { تجهلون وياقوم من ينصرنى من الله إن طردتهم أفلا تذكرون } ~~والمعنى : أن العقل والشرع تطابقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر ~~التقي ومن إهانة الفاجر الكافر ، فلو قلبت القصة / وعكست القضية وقربت ~~الكافر الفاجر على سبيل التعظيم / وطردت المؤمن التقي على سبيل الإهانة كنت ~~على ضد PageV17P172 أمر الله تعالى ، وعلى عكس حكمه وكنت في هذا الحكم على ~~ضد ما أمر الله تعالى من إيصال الثواب إلى المحقين ، والعقاب إلى المبطلين ~~وحينئذ أصير مستوجبا للعقاب العظيم فمن ذا الذي ينصرني من الله تعالى ومن ~~الذي يخلصني من عذاب الله أفلا تذكرون فتعلمون أن ذلك لا يصح ثم أكد هذا ~~البيان بوجه ثالث فقال : { ولا أقول لكم عندى خزائن الله } أي كما لا ~~أسألكم فكذلك لا أدعي أني أملك مالا ولا لي غرض في المال لا أخذا ولا دفعا ~~، ولا أعلم الغيب حتى أصل به إلى ما أريد لنفسي ولا أتباعي ولا أقول إني ~~ملك حتى أتعظم بذلك عليكم ، بل طريقي الخضوع والتواضع ومن كان هذا شأنه ~~وطريقه فإنه لا يستنكف عن مخالطة الفقراء والمساكين ، ولا يطلب مجالسة ~~الأمراء والسلاطين وإنما شأنه طلب الدين وسيرته مخالطة الخاضعين والخاشعين ~~فلما كانت طريقتي توجب مخالطة الفقراء فكيف جعلتم ذلك عيبا علي ، ثم إنه ~~أكد هذا البيان بطريق رابع فقال : { ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم ~~الله خيرا الله أعلم بما فى أنفسهم } وهذا كالدلالة على أنهم كانوا ينسبون ~~أتباعه مع الفقر والذلة إلى النفاق فقال : إني لا أقول ذلك ، لأنه من باب ~~الغيب والغيب لا يعلمه إلا الله ، فربما كان باطنهم كظاهرهم فيؤتيهم الله ~~ملك الآخرة فأكون كاذبا فيما أخبرت به ، فإني إن فعلت ذلك كنت من الظالمين ~~لنفسي ms4940 ومن الظالمين لهم في وصفهم بأنهم لا خير لهم مع أن الله تعالى آتاهم ~~الخير في الآخرة . # المسألة الثانية : احتج قوم بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء ~~وقالوا : إن الإنسان إذا قال : أنا لا أدعي كذا وكذا ، فهذا إنما يحسن إذا ~~كان ذلك الشيء أشرف من أحوال ذلك القائل فلما كان قائل هذا القول هو نوح ~~عليه السلام وجب أن تكون درجة الملائكة أعلى وأشرف من درجات الأنبياء ، ثم ~~قالوا : وكيف لا يكون الأمر كذلك والملائكة داوموا على عبادة الله تعالى ~~طول الدنيا مذ خلقوا إلى أن تقوم الساعة ، وتمام التقرير أن الفضائل ~~الحقيقية الروحانية ليست إلا ثلاثة أشياء : أولها : الاستغناء المطلق وجرت ~~العادة في الدنيا أن من ملك المال الكثير فإنه يوصف بكونه غنيا فقوله : { ~~ولا أقول لكم عندى خزائن الله } إشارة إلى أني لا أدعي الاستغناء المطلق ~~وثانيها : العلم التام وإليه الإشارة بقوله : { ولا أعلم الغيب } وثالثها : ~~القدرة التامة الكاملة ، وقد تقرر في الخواطر أن أكمل المخلوقات في القدرة ~~والقوة هم الملائكة وإليه الإشارة بقوله : { ولا أقول إنى ملك } والمقصود ~~من ذكر هذه الأمور الثلاثة بيان أن ما حصل عندي من هذه المراتب الثلاثة إلا ~~ما يليق بالقوة البشرية والطاقة الإنسانية ، فأما الكمال المطلق فأنا لا ~~أدعيه وإذا كان الأمر كذلك / فقد ظهر أن قوله : { ولا أقول إنى ملك } يدل ~~على أنهم أكمل من البشر ، وأيضا يمكن جعل هذا الكلام جوابا عما ذكروه من ~~الشبهة فإنهم طعنوا في أتباعه بالفقر فقال : { ولا أقول لكم عندى خزائن ~~الله } حتى أجعلهم أغنياء وطعنوا فيهم أيضا بأنهم منافقون فقال : { ولا ~~أعلم الغيب } حتى أعرف كيفية باطنهم وإنما أجري الأحوال على الظواهر وطعنوا ~~فيهم بأنهم قد يأتون بأفعال لا كما ينبغي فقال : { ولا أقول إنى ملك } حتى ~~أكون مبرأ عن جميع الدواعي الشهوانية والبواعث النفسانية . # المسألة الثالثة : احتج قوم بهذه الآية على صدور الذنب من الأنبياء ~~فقالوا : إن هذه الآية دلت على أن طرد المؤمنين لطلب مرضاة الكفار من أصول ~~المعاصي ms4941 ، ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم طرد فقراء المؤمنين لطلب مرضاة ~~الكفار حتى عاتبه الله تعالى في قوله : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشى يريدون وجهه } ( الأنعام : 52 ) PageV17P173 وذلك يدل على ~~إقدام محمد صلى الله عليه وسلم على الذنب . # والجواب : يحمل الطرد المذكور في هذه الآية على الطرد المطلق على سبيل ~~التأبيد ، والطرد المذكور في واقعة محمد صلى الله عليه وسلم ، على التقليل ~~في أوقات معينة لرعاية المصالح . # المسألة الرابعة : احتج الجبائي على أنه لا تجوز الشفاعة عند الله في دفع ~~العقاب بقول نوح عليه السلام { من ينصرنى من الله إن طردتهم } معناه إن كان ~~هذا الطرد محرما فمن ذا الذي ينصرني من الله ، أي من الذي يخلصني من عقابه ~~ولو كانت الشفاعة جائزة لكانت في حق نوح عليه السلام أيضا جائزة وحينئذ ~~يبطل قوله : { من ينصرنى من الله } واعلم أن هذا الاستدلال يشبه استدلالهم ~~في هذه المسألة بقوله تعالى : { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا } إلى ~~قوله : { ولا * ينصرون } ( البقرة : 48 ) والجواب المذكور هناك هو الجواب ~~عن هذا الكلام . # ! 7 < { قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من ~~الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله إن شآء ومآ أنتم بمعجزين * ولا ينفعكم ~~نصحىإن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ~~} . > 7 ! # / < < # | هود : ( 32 - 34 ) قالوا يا نوح . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الكفار لما أوردوا تلك الشبهة . # وأجاب نوح عليه السلام عنها بالجوابات الموافقة الصحيحة أورد الكفار على ~~نوح كلامين : الأول : أنهم وصفوه بكثرة المجادلة فقالوا : يا نوح قد ~~جادلتنا فأكثرت جدالنا ، وهذا يدل على أنه عليه السلام كان قد أكثر في ~~الجدال معهم ، وذلك الجدال ما كان إلا في إثبات التوحيد والنبوة والمعاد ، ~~وهذا يدل على أن الجدال في تقرير الدلائل وفي إزالة الشبهات حرفة الأنبياء ~~، وعلى أن التقليد والجهل والإصرار على الباطل حرفة الكفار . والثاني : ~~أنهم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم ms4942 به ، فقالوا : { فأتنا بما تعدنا إن ~~كنت من الصادقين } ثم إنه عليه السلام أجاب عنه بجواب صحيح فقال : { إنما ~~يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين } والمعنى أن إنزال العذاب ليس إلي ~~وإنما هو خلق الله تعالى فيفعله إن شاء كما شاء ، وإذا أراد إنزال العذاب ~~فإن أحدا لا يعجزه ، أي لا يمنعه منه ، والمعجز هو الذي يفعل ما عنده لتعذر ~~مراد الغير فيوصف بأنه أعجزه ، فقوله : { وما أنتم بمعجزين } أي لا سبيل ~~لكم إلى فعل ما عنده ، فلا يمتنع على الله تعالى ما يشاء من العذاب إن أراد ~~إنزاله بكم ، وقد قيل معناه : وما أنتم بمانعين ، وقيل : وما أنتم بمصونين ~~، وقيل : وما أنتم بسابقين إلى الخلاص ، وهذه الأقوال متقاربة . ~~PageV17P174 # واعلم أن نوحا عليه السلام لما أجاب عن شبهاتهم ختم الكلام بخاتمة قاطعة ~~، فقال : { ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم } أي إن كان الله يريد أن ~~يغويكم فإنه لا ينفعكم نصحي ألبتة ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله ~~تعالى قد يريد الكفر من العبد ، وأنه إذا أراد منه ذلك فإنه يمتنع صدور ~~الإيمان منه ، قالوا : إن نوحا عليه السلام قال : { ولا ينفعكم نصحى إن ~~أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم } والتقدير : لا ينفعكم نصحي ~~إن كان الله يريد أن يغويكم ويضلكم ، وهذا صريح في مذهبنا ، أما المعتزلة ~~فإنهم قالوا ظاهر الآية يدل على أن الله تعالى إن أراد إغواء القوم لم ~~ينتفعوا بنصح الرسول ، وهذا مسلم ، فإنا نعرف أن الله تعالى لو أراد إغواء ~~عبد فإنه لا ينفعه نصح الناصحين ، لكن لم قلتم إنه تعالى أراد هذا الإغواء ~~فإن النزاع ما وقع إلا فيه ، بل نقول إن نوحا عليه السلام إنما ذكر هذا ~~الكلام ليدل على أنه تعالى ما أغواهم ، بل فوض الاختيار إليهم وبيانه من ~~وجهين الأول : أنه عليه السلام بين أنه تعالى لو أراد إغوائهم لما بقي في ~~النصح فائدة فلو لم يكن فيه فائدة لما أمره بأن ينصح الكفار ms4943 ، وأجمع ~~المسلمون على أنه عليه السلام مأمور / بدعوة الكفار ونصيحتهم ، فعلمنا أن ~~هذا النصح غير خال عن الفائدة ، وإذا لم يكن خاليا عن الفائدة وجب القطع ~~بأنه تعالى ما أغواهم ، فهذا صار حجة لنا من هذا الوجه . الثاني : أنه لو ~~ثبت الحكم عليهم بأن الله تعالى أغواهم لصار هذا عذرا لهم في عدم إتيانهم ~~بالإيمان ولصار نوح منقطعا في مناظرتهم ، لأنهم يقولون له إنك سلمت أن الله ~~أغوانا فإنه لا يبقى في نصحك ولا في جدنا واجتهادنا فائدة / فإذا ادعيت بأن ~~الله تعالى قد أغوانا فقد جعلتنا معذورين فلم يلزمنا قبول هذه الدعوة ، ~~فثبت أن الأمر لو كان كما قاله الخصم ، لصار هذا حجة للكفار على نوح عليه ~~السلام ، ومعلوم أن نوحا عليه السلام لا يجوز أن يذكر كلاما يصير بسببه ~~مفحما ملزما عاجزا عن تقرير حجة الله تعالى ، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية ~~لا تدل على قول المجبرة ، ثم إنهم ذكروا وجوها من التأويلات : الأول : ~~أولئك الكفار كانوا مجبرة ، وكانوا يقولون إن كفرهم بإرادة الله تعالى ، ~~فعند هذا قال نوح عليه السلام : إن نصحه لا ينفعهم إن كان الأمر كما قالوا ~~، ومثاله أن يعاقب الرجل ولده على ذنبه فيقول الولد : لا أقدر على غير ما ~~أنا عليه ، فيقول الوالد فلن ينفعك إذا نصحي ولا زجري ، وليس المراد أنه ~~يصدقه على ما ذكره بل على وجه الإنكار لذلك . الثاني : قال الحسن معنى { ~~يغويكم } أي يعذبكم ، والمعنى : لا ينفعكم نصحي اليوم إذا نزل بكم العذاب ~~فآمنتم في ذلك الوقت ، لأن الإيمان عند نزول العذاب لا يقبل ، وإنما ينفعكم ~~نصحي إذا آمنتم قبل مشاهدة العذاب . الثالث : قال الجبائي : الغواية هي ~~الخيبة من الطلب بدليل قوله تعالى : { فسوف يلقون غيا } ( مريم : 59 ) أي ~~خيبة من خير الآخرة قال الشاعر : # % ومن يغو لا يعدم على الغي لائما % % # الرابع : أنه إذا أصر على الكفر وتمادى فيه منعه الله تعالى الألطاف ~~وفوضه إلى نفسه ، فهذا شبيه ما إذا أراد إغواءه فلهذا السبب حسن أن يقال ms4944 إن ~~الله تعالى أغواه هذا جملة كلمات المعتزلة في هذا الباب . والجواب عن أمثال ~~هذه الكلمات قد ذكرناه مرارا وأطوارا فلا فائدة في الإعادة . # المسألة الثانية : قوله : { ولا ينفعكم نصحى إن أردت أن أنصح لكم إن كان ~~الله يريد أن يغويكم } جزاء معلق على شرط بعده شرط آخر وهذا يقتضي أن يكون ~~الشرط المؤخر في اللفظ مقدما في الوجود وذلك PageV17P175 لأن الرجل إذا قال ~~لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار ، كان المفهوم كون ذلك الطلاق من لوازم ذلك ~~الدخول ، فإذا ذكر بعده شرطا آخر مثل أن يقول : إن أكلت الخبز كان المعنى ~~أن تعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول مشروط بحصول هذا الشرط الثاني والشرط ~~مقدم على المشروط في الوجود فعلى هذا إن حصل الشرط الثاني تعلق ذلك الجزاء ~~بذلك الشرط الأول إما إن / لم يوجد الشرط المذكور ثانيا لم يتعلق ذلك ~~الجزاء بذلك الشرط الأول ، هذا هو التحقيق في هذا التركيب ، فلهذا المعنى ~~قال الفقهاء : إن الشرط المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى ، والمقدم في اللفظ ~~مؤخر في المعنى . # واعلم أن نوحا عليه السلام لما قرر هذه المعاني قال : { هو ربكم وإليه ~~ترجعون } وهذا نهاية الوعيد أي هو إلهكم الذي خلقكم ورباكم ويملك التصرف في ~~ذواتكم وفي صفاتكم قبل الموت وعند الموت وبعد الموت مرجعكم إليه وهذا يفيد ~~نهاية التحذير . # ! 7 < { أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامى وأنا برىء مما ~~تجرمون } . > 7 ! # < < # | هود : ( 35 - 36 ) أم يقولون افتراه . . . . . # > > اعلم أن معنى افتراه اختلقه وافتعله وجاء به من عند نفسه ، والهاء ~~ترجع إلى الوحي الذي بلغه إليهم ، وقوله : { فعلى إجرامى } الإجرام اقتراح ~~المحظورات واكتسابها ، وهذا من باب حذف المضاف ، لأن المعنى : فعلي عقاب ~~إجرامي ، وفي الآية محذوف آخر وهو أن المعنى : إن كنت افتريته فعلي عقاب ~~جرمي ، وإن كنت صادقا وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب ، إلا أنه حذف هذه ~~البقية لدلالة الكلام عليه ، كقوله : { أمن هو قانت ءاناء اليل } ( الزمر : ~~9 ) ولم يذكر البقية ، وقوله : { وأنا برىء مما ms4945 تجرمون } أي أنا بريء من ~~عقاب جرمكم ، وأكثر المفسرين على أن هذا من بقية كلام نوح عليه السلام ، ~~وهذه الآية وقعت في قصة محمد صلى الله عليه وسلم في أثناء حكاية نوح ، ~~وقولهم بعيد جدا ، وأيضا قوله : { قل إن * افتريته فعلى إجرامى } لا يدل ~~على أنه كان شاكا ، إلا أنه قول يقال على وجه الإنكار عند اليأس من القبول ~~. # ! 7 < { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن فلا تبتئس بما ~~كانوا يفعلون } . > 7 ! # < < # | هود : ( 36 ) وأوحي إلى نوح . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما جاء هذا من عند الله ~~تعالى دعا على / قومه فقال : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( ~~نوح : 26 ) وقوله : { فلا تبتئس } أي لا تحزن ، قال أبو زيد : ابتأس الرجل ~~إذا بلغه شيء يكرهه ، وأنشد أبو عبيدة : # % ما يقسم الله أقبل غير مبتئس % % به وأقعد كريما ناعم البال % # أي غير حزين ولا كاره . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في القضاء ~~والقدر وقالوا : إنه تعالى أخبر PageV17P176 عن قومه أنهم لا يؤمنون بعد ~~ذلك ، فلو حصل إيمانهم لكان إما مع بقاء هذا الخبر صدقا ، ومع بقاء هذا ~~العلم علما أو مع انقلاب هذا الخبر كذبا ومع انقلاب هذا العلم جهلا والأول ~~ظاهر البطلان لأن وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدم الإيمان صدقا ، ~~ومع كون العلم بعدم الإيمان حاصلا حال وجود الإيمان جمع بين النقيضين ، ~~والثاني أيضا باطل ، لأن انقلاب خبر الله كذبا وعلم الله جهلا محال ، ولما ~~كان صدور الإيمان منهم لا بد وأن يكون على هذين القسمين وثبت أن كل واحد ~~منهما محال كان صدور الإيمان منهم محالا مع أنهم كانوا مأمورين به ، وأيضا ~~القوم كانوا مأمورين بالإيمان ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر ~~عنه . ومنه قوله : { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا } ( هود : 36 ) ~~فيلزم أن يقال : إنهم كانوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنهم ms4946 لا يؤمنون ألبتة . ~~وذلك تكليف الجمع بين النقيضين ، وتقرير هذا الكلام قد مر في هذا الكتاب ~~مرارا وأطوارا . # المسألة الثالثة : اختلف المعتزلة في أنه هل يجوز أن ينزل الله تعالى ~~عذاب الاستئصال على قوم كان في المعلوم أن فيهم من يؤمن أو كان في أولادهم ~~من يؤمن ، فقال قوم : إنه لا يجوز . واحتجوا بما حكى الله تعالى عن نوح ~~عليه السلام أنه قال : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا * إنك إن ~~تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } ( نوح : 26 ، 27 ) وهذا يدل ~~على أنه إنما حسن منه تعالى إنزال عذاب الاستئصال عليهم ، لأجل أنه تعالى ~~علم أنه ليس من يؤمن ، ولا في أولادهم أحد يؤمن . قال القاضي وقال كثير من ~~علمائنا : إن ذلك من الله تعالى جائز وإن كان منهم من يؤمن . وأما قول نوح ~~عليه السلام : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } فذلك يدل على أنه ~~إنما سأل ذلك من حيث إنه كان في المعلوم أنهم يضلون عباده ولايلدون إلا ~~فاجرا كفارا وذلك يدل على أن ذلك الحكم كان قولا بمجموع هاتين العلتين ، ~~وأيضا فلا دليل فيه على أنهما لو لم يحصلا لما جاز إنزال الإهلاك ، والأقرب ~~أن يقال : إن نوحا عليه السلام لشدة محبته لإيمانهم كان سأل ربه أن يبقيهم ~~، فأعلمه أنه لا يؤمن منهم أحد ليزول عن قلبه ما كان قد حصل / فيه من تلك ~~المحبة ، ولذلك قال تعالى من بعد : { فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } أي لا ~~تحزن من ذلك ولا تغتم ولا تظن أن في ذلك مذلة ، فإن الدين عزيز ، وإن قل ~~عدد من يتمسك به ، والباطل ذليل وإن كثر عدد من يقول به . # ! 7 < { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون } > 7 ! # [ بم قوله تعالى : # { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون } ~~. # < < # | هود : ( 37 ) واصنع الفلك بأعيننا . . . . . # > > واعلم أن قوله تعالى : { أنه لن يؤمن قومك إلا من قد ءامن } يقتضي ms4947 ~~تعريف نوح عليه السلام أنه معذبهم ومهلكهم ، فكان يحتمل أن يعذبهم بوجوه ~~التعذيب ، فعرفه الله تعالى أنه يعذبهم بهذا الجنس الذي هو الغرق ، ولما ~~كان السبيل الذي به يحصل النجاة من الغرق تكوين السفينة . لا جرم أمر الله ~~تعالى بإصلاح السفينة وإعدادها ، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعها على مثال ~~جوجؤ الطائر . # فإن قيل : قوله تعالى : { واصنع الفلك } أمر إيجاب أو أمر إباحة . ~~PageV17P177 # قلنا : الأظهر أنه أمر إيجاب ، لأنه لا سبيل له إلى صون روح نفسه وأرواح ~~غيره عن الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس عن الهلاك واجب وما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب ، ويحتمل أن لا يكون ذلك الأمر أمر إيجاب بل كان ~~أمر إباحة ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسان لنفسه دارا ليسكنها ويقيم بها . # أما قوله : { بأعيننا } فهذا لا يمكن أجراؤه على ظاهره من وجوه : أحدها : ~~أنه يقتضي أن يكون لله تعالى أعين كثيرة . وهذا يناقض ظاهر قوله تعالى : { ~~ولتصنع على عينى } وثانيها : أنه يقتضي أن يصنع نوح عليه السلام ذلك الفلك ~~بتلك الأعين ، كما يقال : قطعت بالسكين ، وكتبت بالقلم ، ومعلوم أن ذلك ~~باطل . وثالثها : أنه ثبت بالدلائل القطعية العقلية كونه تعالى منزها عن ~~الأعضاء والجوارح والأجزاء والأبعاض ، فوجب المصير فيه إلى التأويل ، وهو ~~من وجوه : الأول : أن معنى { بأعيننا } أي بعين الملك الذي كان يعرفه كيف ~~يتخذ السفينة ، يقال فلان عين على فلان نصب عليه ليكون منفحصا عن أحواله ~~ولا تحول عنه عينه . الثاني : أن من كان عظيم العناية بالشيء فإنه يضع عينه ~~عليه ، فلما كان وضع العين على الشيء سببا لمبالغة الاحتياط والعناية جعل ~~العين كناية / عن الاحتياط ، فلهذا قال المفسرون معناه بحفظنا إياك حفظ من ~~يراك ويملك دفع السوء عنك ، وحاصل الكلام أن إقدامه على عمل السفينة مشروط ~~بأمرين أحدهما : أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل . والثاني : أن يكون ~~عالما بأنه كيف ينبغي تأليف السفينة وتركيبها ودفع الشر عنه ، وقوله : { ~~ووحينا } إشارة إلى أنه تعالى يوحي إليه أنه كيف ينبغي عمل السفينة ms4948 حتى ~~يحصل منه المطلوب . # وأما قوله : { ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم } ففيه وجوه : الأول : ~~يعني لا تطلب مني تأخير العذاب عنهم فإني قد حكمت عليهم بهذا الحكم ، فلما ~~علم نوح عليه السلام ذلك دعا عليهم بعد ذلك وقال : { نوح رب لا تذر على ~~الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) الثاني : { ولا تخاطبنى } في تعجيل ~~ذلك العقاب على الذين ظلموا ، فإني لما قضيت إنزال ذلك العذاب في وقت معين ~~كان تعجيله ممتنعا ، الثالث : المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان . # ! 7 < { ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا ~~منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل ~~عليه عذاب مقيم } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 38 - 39 ) ويصنع الفلك وكلما . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { ويصنع الفلك } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في قوله : { ويصنع الفلك } قولان : الأول : أنه حكاية ~~حال ماضية أي في ذلك الوقت كان يصدق عليه أنه يصنع الفلك . الثاني : ~~التقدير وأقبل يصنع الفلك فاقتصر على قوله : { ويصنع الفلك } . PageV17P178 # المسألة الثانية : ذكروا في صفة السفينة أقوالا كثيرة : فأحدها : أن نوحا ~~عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين ، وقيل في أربع سنين وكان طولها ثلثمائة ~~ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا ، وكانت من خشب ~~الساج وجعل لها ثلاث بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام ، ~~وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام ، وفي البطن الأعلى جلس هو ومن كان معه ~~مع ما احتاجوا إليه من الزاد ، وحمل معه جسد آدم عليه السلام ، وثانيها : ~~قال الحسن / كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع . # واعلم أن أمثال هذه المباحث لا تعجبني لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها ~~ألبتة ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلا وكان الخوض فيها من باب الفضول لا ~~سيما مع القطع بأنه ليس ههنا ما يدل على الجانب الصحيح والذي نعلمه إنه كان ~~في السعة بحيث يتسع للمؤمنين من قومه ولما يحتاجون إليه ولحصول زوجين من كل ~~حيوان ، لأن هذا القدر مذكور في ms4949 القرآن ، فأما غير ذلك القدر فغير مذكور . # أما قوله تعالى : { وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه } ففي تفسير ~~الملأ وجهان قيل جماعة وقيل طبقة من أشرافهم وكبرائهم واختلفوا فيما لأجله ~~كانوا يسخرون وفيه وجوه أحدهما : أنهم كانوا يقولون : يا نوح كنت تدعي ~~رسالة الله تعالى فصرت بعد ذلك نجارا . وثانيها : أنهم كانوا يقولون له : ~~لو كنت صادقا في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق . وثالثها : ~~أنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك وما عرفوا كيفية الانتفاع بها وكانوا يتعجبون ~~منه ويسخرون . ورابعها : أن تلك السفينة كانت كبيرة وهو كان يصنعها في موضع ~~بعيد عن الماء جدا وكانوا يقولون : ليس ههنا ماء ولا يمكنك نقلها إلى ~~الأنهار العظيمة وإلى البحار ، فكانوا يعدون ذلك من باب السفه والجنون . ~~وخامسها : أنه لما طالت مدته مع القوم وكان ينذرهم بالغرق وما شاهدوا من ~~ذلك المعنى خبرا ولا أثرا غلب على ظنونهم كونه كاذبا في ذلك المقال فلما ~~اشتغل بعمل السفينة لا جرم سخروا منه وكل هذه الوجوه محتملة . # ثم إنه تعالى حكى عنه أنه كان يقول : { إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما ~~تسخرون } وفيه وجوه : الأول : التقدير إن تسخروا منا في هذه الساعة فإنا ~~نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والخزي في ~~الآخرة . الثاني : إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل ~~فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله تعالى وعذابه فأنتم أولى ~~بالسخرية منا . الثالث : أن تستجهلونا فإنا نستجهلكم واستجهالكم أقبح وأشد ~~، لأنكم لا تشتجهلون إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر والاغترار بظاهر الحال ~~كما هو عادة الأطفال والجهال . # فإن قيل : السخرية من آثار المعاصي فكيف يليق ذلك بالأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام . # قلنا : إنه تعالى سمى المقابلة سخرية كما في قوله تعالى : { وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) . # أما قوله تعالى : { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } أي فسوف تعلمون من ~~هو أحق بالسخرية ومن هو أحمد عاقبة ، وفي قوله : { من يأتيه ms4950 } وجهان : ~~أحدهما : أن يكون استفهاما بمعنى أي كأنه قيل : فسوف تعلمون أينا يأتيه ~~عذاب ، وعلى هذا الوجه فمحل ( من ) رفع بالابتداء . والثاني : أن / يكون ~~بمعنى الذي ويكون في محل النصب ، وقوله تعالى : { ويحل عليه عذاب مقيم } أي ~~يجب عليه وينزل به . # PageV17P179 ! 7 < { حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل ~~زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن ءامن ومآ ءامن معه إلا قليل } ~~. > 7 ! # < < # | هود : ( 40 ) حتى إذا جاء . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) { حتى } هي التي يبتدأ بعدها ~~الكلام أدخلت على الجملة من الشرط والجزاء ووقعت غاية لقوله : { ويصنع ~~الفلك } أي فكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد . # المسألة الثانية : الأمر في قوله تعالى : { حتى إذا جاء أمرنا } يحتمل ~~وجهين : الأول : أنه تعالى بين أنه لا يحدث شيء إلا بأمر الله تعالى كما ~~قال : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) ~~فكان المراد هذا . والثاني : أن يكون المراد من الأمر ههنا هو العذاب ~~الموعد به . # المسألة الثالثة : في التنور قولان : أحدهما : أنه التنورالذي يخبز فيه . ~~والثاني : أنه غيره ، أما الأول وهو أنه التنور الذي يخبز فيه فهو قول ~~جماعة عظيمة من المفسرين كابن عباس والحسن ومجاهد . وهؤلاء اختلفوا ، فمنهم ~~من قال : إنه تنور لنوح عليه السلام ، وقيل : كان لآدم قال الحسن : كان ~~تنورا من حجارة ، وكان لحواء حتى صار لنوح عليه السلام ، واختلفوا في موضعه ~~فقا الشعبي : إنه كان بناحية الكوفة ، وعن علي رضي الله عنه أنه في مسجد ~~الكوفة ، قال : وقد صلى فيه سبعون نبيا ، وقيل بالشام بموضع يقال له : عين ~~وردان وهو قول مقاتل وقيل : فار التنور بالهند ، وقيل : إن امرأته كانت ~~تخبز في ذلك التنور فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في الحال ~~بوضع تلك الأشياء في السفينة . # القول الثاني : ليس المراد من التنور تنور الخبز ، وعلى هذا التقدير ففيه ~~أقوال : الأول : أنه انفجر الماء من وجه الأرض كما قال : { ففتحنا أبواب ms4951 ~~السماء بماء منهمر * وفجرنا الارض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر } ~~والعرب تسمي وجه الأرض تنورا . الثاني : أن التنور أشرف موضع في الأرض ~~وأعلى مكان فيها وقد أخرج إليه الماء من ذلك الموضع ليكون ذلك معجزة له ، ~~وأيضا / المعنى أنه لما نبع الماء من أعالي الأرض ، ومن الأمكنة المرتفعة ~~فشبهت لارتفاعها بالتنانير . الثالث : { وفار التنور } أي طلع الصبح وهو ~~منقول عن علي رضي الله عنه . الرابع : { وفار التنور } يحتمل أن يكون معناه ~~أشد الأمر كما يقال : حمي الوطيس ومعنى الآية إذا رأيت الأمر يشتد والماء ~~يكثر فانج PageV17P180 بنفسك ومن معك إلى السفينة . # فإن قيل : فما الأصح من هذه اقوال ؟ # قلنا : الأصل حمل الكلام على حقيقته ولفظ التنور حقيقة في الموضع الذي ~~يخبز فيه فوجب حمل اللفظ عليه ولا امتناع في العقل في أن يقال : إن الماء ~~نبع أولا من موضع معين وكان ذلك الموضع تنورا . # فإن قيل : ذكر التنور بالألف واللام وهذا إنما يكون معهود سابق معين ~~معلوم عند السامع وليس في الأرض تنور هذا شأنه ، فوجب أن يحمل ذلك على أن ~~المراد إذا رأيت الماء يشتد نبوعه والأمر يقوى فانج بنفسك وبمن معك . # قلنا : لا يبعد أن يقال : إن ذلك التنور كان لنوح عليه السلام بأن كان ~~تنور آدم أو حواء أو كان تنورا عينه الله تعالى لنوح عليه السلام وعرفه أنك ~~إذا رأيت الماء يفور فاعلم أن الأمر قد وقع ، وعلى هذا التقدير فلا حاجة ~~إلى صرف الكلام عن ظاهره . # المسألة الرابعة : معنى { * فار } نبع على قوة وشدة تشبيها بغليان القدر ~~عند قوة النار ولا شبهة في أن نفس التنور لا يفور فالمراد فار الماء من ~~التنور / والذي روى أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه ~~واقعة عظيمة ، وقد وعد الله تعالى المؤمنين النجاة فلا بد وأن يجعل لهم ~~علامة بها يعرفون الوقت المعين ، فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه ~~الواقعة . # المسألة الخامسة : قال الليث : التنور لفظة عمت بكل لسان وصاحبه ms4952 تنار ، ~~قال الأزهري : وهذا يدل على أن الاسم قد يكون أعجميا فتعربه العرب فيصير ~~عربيا ، والدليل على ذلك أن الأصل تنار ولا يعرف في كلام العرب تنور قبل ~~هذا ، ونظيره ما دخل في كلام العرب من كلام العجم الديباج والدينار والسندس ~~والاستبرق فإن العرب لما تكلموا بهذه الألفاظ صارت عربية . # واعلم أنه لما فار التنور فعند ذلك أمره الله تعالى بأن يحمل في السفينة ~~ثلاثة أنواع من الأشياء . فالأول : قوله : { التنور قلنا احمل فيها من كل ~~زوجين اثنين } قال الأخفش : تقول الاثنان هما زوجان قال تعالى : { ومن كل ~~شىء خلقنا زوجين } ( الذاريات : 49 ) فالسماء زوج والأرض زوج والشتاء زوج ~~والصيف زوج والنهار زوج والليل زوج ، وتقول للمرأة هي زوج وهو زوجها قال ~~تعالى : { وخلق منها زوجها } ( النساء : 1 ) / يعني المرأة ، وقال : { وأنه ~~خلق الزوجين الذكر والانثى } ( النجم : 45 ) فثبت أن الواحد قد يقال له : ~~زوج ومما يدل على ذلك قوله تعالى : { ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن ~~المعز اثنين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } ( الأنعام : 143 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : الزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكرا والآخر ~~أنثى والتقدير كل شيئين هما كذلك فاحمل منهما في السفينة اثنين واحد ذكر ~~والآخر أنثى ، ولذلك قرأ حفص { من كل } بالتنوين وأرادوا حمل من كل شيء ~~زوجين اثنين الذكر زوج والأنثى زوج لا يقال عليه إن الزوجين لا يكونان إلا ~~اثنين فما الفائدة في قوله : { زوجين اثنين } لأنا نقول هذا على مثال قوله ~~: { لا تتخذوا إلاهين اثنين } ( النحل : 51 ) وقوله : { نفخة واحدة } ( ~~الحاقة : 13 ) وأما على القراءة المشهورة ، فهذا السؤال غير وارد واختلفوا ~~في أنه هل دخل في قوله : { زوجين اثنين } غير الحيوان أم لا ؟ فنقول : أما ~~الحيوان فداخل لأن قوله : { من كل زوجين اثنين } يدخل فيه كل الحيوانات ، ~~وأما النبات فاللفظ لا يدل عليه ، إلا أنه بحسب قرينة الحال لا يبعد بسبب ~~أن الناس محتاجون إلى النبات بجميع أقسامه ، وجاء في الروايات عن ابن مسعود ~~رضي الله عنهما أنه ms4953 قال : لم يستطع نوح عليه السلام أن يحمل الأسد حتى ~~ألقيت عليه الحمى وذلك أن نوحا عليه السلام قال : يا رب فمن أين أطعم الأسد ~~إذا حملته قال تعالى : ( فسوف أشغله عن الطعام ) فسلط الله تعالى عليه ~~الحمى وأمثال هذه الكلمات الأولى تركها ، فإن حاجة الفيل إلى الطعام أكثر ~~وليس به حمى . الثاني : من الأشياء التي أمر الله نوحا عليه السلام بحملها ~~في السفينة . PageV17P181 # قوله تعالى : { وأهلك إلا من سبق عليه القول } قالوا : كانوا سبعة نوح ~~عليه السلام وثلاثة أبناء له وهم سام وحام ويافث ، ولكل واحد منهم زوجة ، ~~وقيل أيضا كانوا ثمانية ، هؤلاء وزوجة نوح عليه السلام . # وأما قوله : { إلا من سبق عليه القول } فالمراد ابنه وامرأته وكانا ~~كافرين ، حكم الله تعالى عليهم بالهلاك . # فإن قيل : الإنسان أشرف من جميع الحيوانات فما السبب أنه وقع الابتداء ~~بذكر الحيوانات ؟ # قلنا : الإنسان عاقل وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه ، ~~فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب ، بخلاف السعي في تخليص سائر ~~الحيوانات / فلهذا السبب وقع الابتداء به . # واعلم أن أصحابنا احتجوا بقوله : { إلا من سبق عليه القول } في إثبات ~~القضاء اللازم والقدر الواجب ، قالوا : لأن قوله : { سبق عليه القول } مشعر ~~بأن كل من سبق عليه القول فإنه لا يتغير عن حاله وهو كقوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه ) . # / النوع الثالث : من تلك الأشياء قوله : { ومن ءامن } قالوا كانوا ثمانين ~~. قال مقاتل : في ناحية الموصل قرية يقال لها قرية الثمانين سميت بذلك ، ~~لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بنوها ، فسميت بهذا الاسم وذكروا ماهو أزيد ~~منه وما هو أنقص منه وذلك مما لا سبيل إلى معرفته إلا أن الله تعالى وصفهم ~~بالقلة وهو قوله تعالى : { وما ءامن معه إلا قليل } . # فإن قيل : لما كان الذين آمنوا معه ودخلوا في السفينة كانوا جماعة فلم لم ~~يقل قليلون كما في قوله : { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } ( الشعراء : 54 ) . # قلنا : كلا اللفظين جائز ms4954 ، والتقدير ههنا وما آمن معه إلا نفر قليل ، ~~فأما الذي يروي أن إبليس دخل السفينة فبعيد ، لأنه من الجن وهو جسم ناري أو ~~هوائي وكيف يؤثر الغرق فيه ، وأيضا كتاب الله تعالى لم يدل عليه وخبر صحيح ~~ما ورد فيه ، فالأولى ترك الخوض فيه . # ! 7 < { وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم } . ~~> 7 @QB@ < # | هود : ( 41 ) وقال اركبوا فيها . . . . . # > > # أما قوله : { وقال } يعني نوح عليه السلام لقومه : { اركبوا } والركوب ~~العلو على ظهر الشيء ومنه ركوب الدابة وركوب السفينة وركوب البحر وكل شيء ~~علا شيئا فقد ركبه ، يقال ركبه الدين قال الليث : وتسمي العرب من يركب ~~السفينة راكب السفينة . وأما الركبان والركب من ركبوا الدواب والإبل . قال ~~الواحدي : ولفظة ( في ) في قوله : { اركبوا فيها } لا يجوز أن تكون من صلة ~~الركوب ، لأنه يقال ركبت السفينة ولا يقال ركبت في السفينة ، بل الوجه أن ~~يقال مفعول اركبوا محذوف والتقدير اركبوا الماء في السفينة ، وأيضا يجوز أن ~~يكون فائدة هذه الزيادة ، أنه أمرهم أن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهرها ~~فلو قال اركبوها : لتوهموا أنه أمرهم أن يكونوا على ظهر السفينة . ~~PageV17P182 # أما قوله تعالى : { بسم الله * مجراها ومرساها } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم مجريها بفتح الميم ~~والباقون بضم الميم واتفقوا في مرساها أنه بضم الميم ، وقال صاحب ( الكشاف ~~) : قرأ مجاهد { * مجريها ومرسيها } بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل صفتين ~~لله تعالى . قال الواحدي : المجرى مصدر كالإجراء ، ومثله قوله : { رب ~~أنزلنى منزلا مباركا } ( المؤمنون : 29 ) { أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج ~~صدق } ( الإسراء : 80 ) وأما من قرأ { * مجريها } بفتح الميم ، فهو أيضا ~~مصدر ، مثل الجري . واحتج صاحب هذه القراءة بقوله : { رحيم وهى تجرى بهم } ~~( هود : 42 ) ولو كان مجراها لكان وهي تجريهم ، وحجة من ضم الميم أن جرت ~~بهم وأجرتهم يتقاربان في المعنى ، فإذا قال : { تجرى بهم } فكأنه قال : ~~تجريهم ، وأما المرسي فهو أيضا مصدر كالإرساء . يقال : رسا الشيء يرسو إذا ~~ثبت وأرساه غيره ، قال تعالى : { والجبال ms4955 أرساها } ( النازعات : 32 ) قال ~~ابن عباس : يريد تجري بسم الله وقدرته ، وترسو بسم الله وقدرته ، وقيل : ~~كان إذا أراد أن تجري بهم قال : { بسم الله } فتجري ، وإذا أراد أن ترسو ~~قال : بسم الله مرساها فترسو . # المسألة الثانية : ذكروا في عامل الإعراب في { بسم الله } وجوها : الأول ~~: اركبوا بسم الله ، والثاني : ابدؤا بسم الله ، والثالث : بسم الله ~~إجراؤها وإرساؤها ، وقيل : إنها سارت لأول يوم من رجب ، وقيل : لعشر مضين ~~من رجب ، فصارت ستة أشهر ، واستوت يوم العاشر من المحرم على الجودي . # المسألة الثالثة : في الآية احتمالان : # الاحتمال الأول : أن يكون مجموع قوله : { وقال اركبوا فيها بسم الله ~~مجراها ومرساها } كلاما واحدا ، والتقدير : وقال اركبوا فيها بسم مجريها ~~ومرساها ، يعني ينبغي أن يكون الركوب مقرونا بهذا الذكر . # والاحتمال الثاني : أن يكونا كلامين ، والتقدير : أن نوحا عليه السلام ~~أمرهم بالركوب ، ثم أخبرهم بأن مجريها ومرساها ليس إلا بسم الله وأمره ~~وقدرته . # فالمعنى الأول : يشير إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يشرع في أمر من الأمور ~~إلا ويكون في وقت الشروع فيه ذاكرا لاسم الله تعالى بالأذكار المقدسة حتى ~~يكون ببركة ذلك الذكر سببا لتمام ذلك المقصود . # والمعنى الثاني : يدل على أنه لما ركب السفينة أخبر القوم بأن السفينة ~~ليست سببا لحصول النجاة بل الواجب ربط الهمة وتعليق القلب بفضل الله تعالى ~~، وأخبرهم أنه تعالى هو المجري والمرسي للسفينة ، فإياكم أن تعولوا على ~~السفينة ، بل يجب أن يكون تعويلكم على فضل الله فإنه هو المجري والمرسي لها ~~/ فعلى التقدير الأول كان نوح عليه السلام وقت ركوب السفينة في مقام الذكر ~~، وعلى التقدير الثاني كان في مقام الفكر والبراءة عن الحول والقوة وقطع ~~النظر عن الأسباب واستغراق القلب في نور جلال مسبب الأسباب . # واعلم أن الإنسان إذا تفكر في طلب معرفة الله تعالى بالدليل والحجة فكأنه ~~جلس في سفينة التفكر والتدبر ، وأمواج الظلمات والضلالات قد علت تلك الجبال ~~وارتفعت إلى مصاعد القلال ، فإذا ابتدأت سفينة الفكرة والروية بالحركة وجب ~~أن يكون هناك اعتماده على الله ms4956 تعالى وتضرعه / إلى الله PageV17P183 تعالى ~~وأن يكون بلسان القلب ونظر العقل . يقول : بسم الله مجريها ومرساها حتى تصل ~~سفينة فكره إلى ساحل النجاة وتتخلص عن أمواج الضلالات . # وأما قوله : { إن ربى لغفور رحيم } ففيه سؤال وهو أن ذلك الوقت وقت ~~الإهلاك وإظهار القهر فكيف يليق به هذا الذكر ؟ # وجوابه : لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنا إنما ~~نجونا ببركة علمنا فالله تعالى نبههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب منهم ، ~~فإن الإنسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات الشهوات ، وفي جميع الأحوال ~~فهو محتاج إلى إعانة الله وفضله وإحسانه ، وأن يكون رحيما لعقوبته غفورا ~~لذنوبه . # ! 7 < { وهى تجرى بهم فى موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يابنى ~~اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوىإلى جبل يعصمنى من المآء قال لا ~~عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين } . ~~> 7 @QB@ < # | هود : ( 42 - 43 ) وهي تجري بهم . . . . . # > > # واعلم أن قوله : { وهى تجرى بهم فى موج كالجبال } مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وهى تجرى بهم فى موج } متعلق بمحذوف ، ~~والتقدير : وقال اركبوا فيها ، فركبوا فيها يقولون : بسم الله وهي تجري بهم ~~في موج كالجبال . # المسألة الثانية : الأمواج العظيمة إنما تحدث عند حصول الرياح القوية ~~الشديدة العاصفة فهذا يدل على أنه حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة شديدة ، ~~والمقصود منه : بيان شدة الهول والفزع . # المسألة الثالثة : الجريان في الموج ، هو أن تجري السفينة داخل الموج ، ~~وذلك يوجب الغرق ، / فالمراد أن الأمواج لما أحاطت بالسفينة من الجوانب ، ~~شبهت تلك السفينة بما إذا جرت في داخل تلك الأمواج . # ثم حكى الله تعالى عنه أنه نادى ابنه ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أنه كان ابنا له ، وفيه أقوال : # القول الأول : أنه ابنه في الحقيقة ، والدليل عليه : أنه تعالى نص عليه ~~فقال : { ونادى نوح ابنه } ونوح أيضا نص عليه فقال : { أو بنى } وصرف هذا ~~اللفظ إلى أنه رباه ، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف للكلام عن ~~حقيقته ms4957 إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز ، والذين خالفوا هذا الظاهر ~~إنما خالفوه لأنهم استبعدوا أن يكون ولد الرسول المعصوم كافرا ، وهذا بعيد ~~، فإنه ثبت أن والد رسولنا صلى الله عليه وسلم كان كافرا ، ووالد إبراهيم ~~عليه السلام كان كافرا بنص القرآن ، فكذلك ههنا ، ثم القائلون بهذا القول ~~اختلفوا في أنه عليه السلام لما قال : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ~~ديارا } ( نوح : 26 ) فكيف ناداه مع كفره ؟ PageV17P184 # فأجابوا عنه من وجوه : الأول : أنه كان ينافق أباه فظن نوح أنه مؤمن ~~فلذلك ناداه ولولا ذلك لما أحب نجاته . والثاني : أنه عليه السلام كان يعلم ~~أنه كافر ، لكنه ظن أنه لما شاهد الغرق والأهوال العظيمة فإنه يقبل الإيمان ~~فصار قوله : { معزل يابنى اركب معنا } كالدلالة على أنه طلب منه الإيمان ~~وتأكد هذا بقوله : { ولا تكن مع الكافرين } أي تابعهم في الكفر واركب معنا ~~. والثالث : أن شفقة الأبوة لعلها حملته على ذلك النداء ، والذي تقدم من ~~قوله : { إلا من سبق عليه القول } كان كالمجمل فلعله عليه السلام جوز أن لا ~~يكون هو داخلا فيه . # القول الثاني : أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر وقول ~~الحسن البصري ويروى أن عليا رضي الله عنه قرأ { ونادى نوح } والضمير ~~لامرأته . وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير { نوح ابنه } بفتح الهاء يريد ~~أن ابنها إلا أنهما اكتفيا بالفتحة عن الألف ، وقال قتادة سألت الحسن عنه ~~فقال : والله ما كان ابنه فقلت : إن الله حكى عنه أنه قال : { إن ابنى من ~~أهلى } وأنت تقول : ما كان ابنا له ، فقال : لم يقل : إنه مني ولكنه قال من ~~أهلي وهذا يدل على قولي . # القول الثالث : أنه ولد على فراشه لغير رشدة ، والقائلون بهذا القول ~~احتجوا بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما وهذا قول خبيث يجب ~~صون منصب الأنبياء عن هذه الفضيحة لا سيما وهو على خلاف نص القرآن . أما ~~قوله تعالى { فخانتاهما } فليس فيه أن تلك الخيانة إنما حصلت بالسبب الذي ms4958 ~~ذكروه . قبل لابن عباس رضي الله عنهما : ما كانت تلك الخيانة ، فقال : / ~~كانت امرأة نوح تقول : زوجي مجنون ، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا ~~نزلوا به . ثم الدليل القاطع على فساد هذا المذهب قوله تعالى : { الخبيثات ~~للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } ( النور ~~: 26 ) وأيضا قوله تعالى : { الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية ~~لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذالك على المؤمنين } ( النور : 3 ) ~~وبالجملة فقد دللنا على أن الحق هو مقول الأول . # وأما قوله : { وكان فى معزل } فاعلم أن المعزل في اللغة معناه : موضع ~~منقطع عن غيره ، وأصله من العزل ، وهو التنحية والإبعاد . تقول : كنت بمعزل ~~عن كذا ، أي بموضع قد عزل منه . # واعلم أن قوله : { وكان فى معزل } لا يدل على أنه في معزل من أي شيء ~~فلهذا السبب ذكروا وجوها : الأول : أنه كان في معزل من السفينة لأنه كان ~~يظن أن الجبل يمنعه من الغرق : الثاني : أنه كان في معزل عن أبيه وإخوته ~~وقومه : الثالث : أنه كان في معزل من الكفار كأنه انفرد عنهم فظن نوح عليه ~~السلام أن ذلك إنما كان لأنه أحب مفارقتهم . # أما قوله : { يابنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين } فنقول : قرأ حفص عن ~~عاصم { أو بنى } بفتح الياء في جميع القرآن والباقون بالكسر . قال أبو علي ~~: الوجه الكسر وذلك أن اللام من ابن ياء أو واو فإذا صغرت ألحقت ياء ~~التحقير ، فلزم أن ترد اللام المحذوفة وإلا لزم أن تحرك ياء التحقير بحركات ~~الإعراب لكنها لا تحرك لأنها لو حركت لزم أن تنقلب كما تنقلب سائر حروف ~~المد واللين إذا كانت حروف إعراب ، نحو عصا وقفا ولو انقلبت بطلت دلالتها ~~على التحقير ثم أضفت إلى نفسك اجتمعت ثلاث آيات . الأولى : منها للتحقير . ~~والثانية : لام الفعل . والثالثة : التي للإضافة تقول : هذا بني فإذا ~~ناديته صار فيه وجهان : إثبات الياء PageV17P185 وحذفها والاختيار حذف ~~الياء التي للإضافة وإبقاء الكسرة دلالة عليه نحو يا غلام ومن قرأ { أو بنى ~~} بفتح الياء ms4959 فإنه أراد الإضافة أيضا كما أرادها من قرأ بالكسر لكنه أبدل ~~من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف تخفيفا فصار يا بنيا كما قال : # % يا ابنة عما لا تلومي واهجعي % % # ثم حذف الألف للتخفيف . # واعلم أنه تعالى لما حكى عن نوح عليه السلام أنه دعاه إلى أن يركب ~~السفينة حكى عن ابنه أنه قال : { ساوى إلى جبل يعصمنى من الماء } وهذا يدل ~~على أن الابن كان متماديا في الكفر مصرا عليه مكذبا لأبيه فيما أخبر عنه ~~فعند هذا قال نوح عليه السلام : { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } ~~وفيه سؤال ، وهو أن الذي رحمه الله معصوم ، فكيف يحسن استثناء المعصوم من ~~العاصم وهو قوله : { لا عاصم اليوم من أمر الله } وذكروا في الجواب طرقا ~~كثيرة . # / الوجه الأول : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : { وقال اركبوا فيها بسم ~~الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم } ( هود : 41 ) فبين أنه تعالى رحيم ~~وأنه برحمته يخلص هؤلاء الذين ركبوا السفينة من آفة الغرق . # إذا عرفت هذا فنقول : إن ابن نوح عليه السلام لما قال : سآوي إلى جبل ~~يعصمني من الماء قال نوح عليه السلام أخطأت { لا عاصم اليوم من أمر الله ~~إلا من رحم } والمعنى : إلا ذلك الذي ذكرت أنه برحمته يخلص هؤلاء من الغرق ~~فصار تقدير الآية : لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا الله الرحيم وتقديره : ~~لا فرار من الله إلا إلى الله ، وهو نظير قوله عليه السلام في دعائه : ( ~~وأعوذ بك منك ) وهذا تأويل في غاية الحسن . # الوجه الثاني : في التأويل وهو الذي ذكره صاحب ( حل العقد ) أن هذا ~~الاستثناء وقع من مضمر هو في حكم الملفوظ لظهور دلالة اللفظ عليه ، ~~والتقدير : لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا من رحم وهو كقولك لا نضرب ~~اليوم إلا زيدا ، فإن تقديره لا تضرب أحدا إلا زيدا إلا أنه ترك التصريح به ~~لدلالة اللفظ عليه فكذا ههنا . # الوجه الثالث : في التأويل أن قوله : { لا عاصم } أي لاذا عصمة كما ms4960 قالوا ~~: رامح ولابن ومعناه ذو رمح ، وذو لبن وقال تعالى : { من ماء دافق } ( ~~الطارق : 6 ) و { عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) ومعناه ما ذكرنا فكذا ههنا ~~، وعلى هذا التقدير : العاصم هو ذو العصمة ، فيدخل فيه المعصوم ، وحينئذ ~~يصح استثناء قوله : { إلا من رحم } منه . # الوجه الرابع : قوله : { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } عنى ~~بقوله إلا من رحم نفسه ، لأن نوحا وطائفته هم الذين خصهم الله تعالى برحمته ~~، والمراد : لا عاصم لك إلا الله بمعنى أن بسببه تحصل رحمة الله ، كما أضيف ~~الإحياء إلى عيسى عليه السلام في قوله : { ورسولا إلى } ( آل عمران : 49 ) ~~لأجل أن الإحياء حصل بدعائه . # الوجه الخامس : أن قوله : { إلا من رحم } استثناء منقطع ، والمعنى لكن من ~~رحم الله معصوم ونظيره قوله تعالى : { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } ( ~~النساء : 157 ) ثم إنه تعالى بين بقوله : { وحال بينهما الموج } أي بسبب ~~هذه الحيلولة خرج من أن يخاطبه نوح { فكان من المغرقين } . # PageV17P186 ! 7 < { وقيل ياأرض ابلعى مآءك وياسمآء أقلعى وغيض المآء ~~وقضى الا مر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين } . > 7 ! # / < < # | هود : ( 44 ) وقيل يا أرض . . . . . # > > اعلم أن المقصود من هذا الكلام وصف آخر لواقعة الطوفان ، فكان ~~التقدير أنه لما انتهى أمر الطوفان قيل كذا وكذا { وقيل ياأرض ابلعى ماءك } ~~يقال بلع الماء يبلعه بلعا إذا شربه وابتلع الطعام ابتلاعا إذا لم يمضغه ، ~~وقال أهل اللغة : الفصيح بلع بكسر اللام يبلع بفتحها { ماءك وياسماء أقلعى ~~} يقال أقلع الرجل عن عمله إذا كف عنه ، وأقلعت السماء بعدما مطرت إذا ~~أمسكت { وغيض الماء } يقال غاض الماء يغيض غيضا ومغاضا إذا نقص وغضته أنا ~~وهذا من باب فعل الشيء وفعلته أنا ومثله جبر العظم وجبرته وفغر الفم وفغرته ~~، ودلع اللسان ودلعته ، ونقص الشيء ونقصته ، فقوله : { وغيض الماء } أي نقص ~~وما بقي منه شيء . # واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ كثيرة كل واحد منها دال على عظمة ~~الله تعالى وعلو كبريائه : فأولها : قوله : { وقيل } وذلك ms4961 لأن هذا يدل على ~~أنه سبحانه في الجلال والعلو والعظمة ، بحيث أنه متى قيل قيل لم ينصرف ~~العقل إلا إليه ولم يتوجه الفكر إلا إلى أن ذلك القائل هو هو وهذا تنبيه من ~~هذا الوجه ، على أنه تقرر في العقول أنه لا حاكم في العالمين ولا متصرف في ~~العالم العلوي والعالم السفلي إلا هو . وثانيها : قوله : { المغرقين وقيل ~~ياأرض ابلعى ماءك وياسماء أقلعى } فإن الحس يدل على عظمة هذه الأجسام ~~وشدتها وقوتها فإذا شعر العقل بوجود موجود قاهر لهذه الأجسام مستول عليها ~~متصرف فيها كيف شاء وأراد ، صار ذلك سببا لوقوف القوة العقلية على كمال ~~جلال الله تعالى وعلو قهره ، وكمال قدرته ومشيئته . وثالثها : أن السماء ~~والأرض من الجمادات فقوله : { وأوحى فى كل سماء } مشعر بحسب الظاهر ، على ~~أن أمره وتكليفه نافذ في الجمادات فعند هذا يحكم الوهم بأنه لما كان الأمر ~~كذلك فلأن يكون أمره نافذا على العقلاء كان أولى وليس مرادي منه أنه تعالى ~~يأمر الجمادات فإن ذلك باطل بل المراد أن توجيه صيغة الأمر بحسب الظاهر على ~~هذه الجمادات القوية الشديدة يقرر في الوهم نوع عظمته وجلاله تقريرا كاملا ~~. # وأما قوله : { وقضى الامر } فالمراد أن الذي قضى به وقدره في الأزل قضاء ~~جزما حتما فقد وقع تنبيها على أن كل ما قضى الله تعالى فهو واقع في وقته ~~وأنه لا دافع لقضائه ولا مانع من نفاذ حكمه في أرضه وسمائه . # فإن قيل : كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يغرق الأطفال بسبب جرم الكفار ؟ # / قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن كثيرا من المفسرين يقولون إن ~~الله تعالى أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ ~~سنه إلى الأربعين . # ولقائل أن يقول : لو كان الأمر على ما ذكرتم ، لكان ذلك آية عجيبة قاهرة ~~. ويبعد مع ظهورها PageV17P187 استمرارهم على الكفر ، وأيضا فهب أنكم ذكرتم ~~ما ذكرتم فما قولكم في إهلاك الطير والوحش مع أنه لا تكليف عليها ألبتة . # والجواب الثاني : وهو الحق أنه لا اعتراض ms4962 على الله تعالى في أفعاله { لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسئلون } ( الأنبياء : 23 ) وأما المعتزلة فهم يقولون ~~إنه تعالى أغرق الأطفال والحيوانات ، وذلك يجري مجرى إذنه تعالى في ذبح هذه ~~البهائم وفي استعمالها في الأعمال الشاقة الشديدة . # وأما قوله تعالى : { واستوت على الجودى } فالمعنى واستوت السفينة على جبل ~~بالجزيرة يقال له الجودي ، وكان ذلك الجبل جبلا منخفضا / فكان استواء ~~السفينة عليه دليلا على انقطاع مادة ذلك الماء وكان ذلك الاستواء يوم ~~عاشوراء . # وأما قوله تعالى : { وقيل بعدا للقوم الظالمين } ففيه وجهان : الأول : ~~أنه من كلام الله تعالى قال لهم ذلك على سبيل اللعن والطرد . والثاني : أن ~~يكون ذلك من كلام نوح عليه السلام وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر ~~الهائل بسبب اجتماع قوم من الظلمة فإذا هلكوا ونجا منهم قال مثل هذا الكلام ~~ولأنه جار مجرى الدعاء عليهم فجعله من كلام البشر أليق . # PageV17P188 ! 7 < { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابنى من أهلى وإن وعدك ~~الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال يانوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا ~~تسألنى ما ليس لك به علم إنىأعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إنىأعوذ بك ~~أن أسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنىأكن من الخاسرين } . > 7 ! # / < < # | هود : ( 45 - 47 ) ونادى نوح ربه . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { رب إن ابنى من أهلى } فقد ذكرنا ~~الخلاف في أنه هل كان ابنا له أم لا فلا نعيده ، ثم إنه تعالى ذكر أنه قال ~~: { قال يانوح إنه ليس من أهلك } واعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه كان ابنا ~~له وجب حمل قوله : { إنه ليس من أهلك } على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون ~~المراد أنه ليس من أهل دينك . والثاني : المراد أنه ليس من أهلك الذين ~~وعدتك أن أنجيهم معك والقولان متقاربان . # المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة ~~النسب فإن في هذه الصورة / كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه ولكن لما ms4963 ~~انتفت قرابة الدين لا جرم نفاه الله تعالى بأبلغ الألفاظ وهو قوله : { إنه ~~ليس من أهلك } . # ثم قال تعالى : { إنه عمل غير صالح } قرأ الكسائي : عمل على صيغة الفعل ~~الماضي ، وغير بالنصب ، والمعنى : إن ابنك عمل عملا غير صالح يعني أشرك ~~وكذب ، وكلمة { غير } نصب ، لأنها نعت لمصدر محذوف ، وقرأ الباقون : عمل ~~بالرفع والتنوين ، وفيه وجهان : الأول : أن الضمير في قوله إنه عائد إلى ~~السؤال ، يعني أن هذا السؤال عمل وهو قوله : { إن ابنى من أهلى وإن وعدك ~~الحق } غير صالح ، لأن طلب نجاة الكافر بعد أن سبق الحكم ، الجزم بأنه لا ~~ينجي أحدا منهم سؤال باطل . الثاني : أن يكون هذا الضمير عائدا إلى الابن ، ~~وعلى هذا التقدير ففي وصفه بكوه عملا غير صالح وجوه : الأول : أن الرجل إذا ~~كثر عمله وإحسانه يقال له : إنه علم وكرم وجود ، فكذا ههنا لما كثر إقدام ~~ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه PageV18P003 في نفسه عمل باطل . ~~الثاني : أن يكون المراد أنه ذو عمل باطل ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه ~~. الثالث : قال بعضهم معنى قوله : { إنه عمل غير صالح } أي إنه ولد زنا ~~وهذا القول باطل قطعا . # ثم إنه تعالى قال لنوح عليه السلام : { فلا تسألنى * ما ليس لك به علم ~~إنى أعظك أن تكون من الجاهلين } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : احتج بهذه الآية من قدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام ~~من وجوه : # الوجه الأول : أن قراءة عمل بالرفع والتنوين قراءة متواترة فهي محكمة ، ~~وهذا يقتضي عود الضمير في قوله : { إنه عمل غير صالح } إما إلى ابن نوح ~~وإما إلى ذلك السؤال ، فالقول بأنه عائد إلى ابن نوح لا يتم إلا بإضمار وهو ~~خلاف الظاهر . ولا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة ولا ضرورة ههنا ، لأنا ~~إذا حكمنا بعود الضمير إلى السؤال المتقدم فقد استغنينا عن هذا الضمير ، ~~فثبت أن هذا الضمير عائد إلى هذا السؤال ، فكان التقدير أن هذا السؤال عمل ~~غير صالح ، أي قولك : إن ابني من أهلي لطلب نجاته ms4964 عمل غير صالح ، وذلك يدل ~~على أن هذا السؤال كان ذنبا ومعصية . # الوجه الثاني : أن قوله : { فلا تسألنى } نهي له عن السؤال ، والمذكور ~~السابق هو قوله { إن ابنى من أهلى } فدل هذا على أنه تعالى نهاه عن ذلك ~~السؤال فكان ذلك السؤال ذنبا ومعصية . # الوجه الثالث : أن قوله : { فلا تسألنى * ما ليس لك به علم } يدل على أن ~~ذلك السؤال كان قد صدر لا عن العلم ، والقول بغير العلم ذنب لقوله تعالى : ~~{ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ( البقرة : 169 ) . # الوجه الرابع : أن قوله تعالى : { إنى أعظك أن تكون من الجاهلين } يدل ~~على أن ذلك السؤال / كان محض الجهل . وهذا يدل على غاية التقريع ونهاية ~~الزجر ، وأيضا جعل الجهل كناية عن الذنب مشهور في القرآن . قال تعالى : { ~~يعملون السوء بجهالة } ( النساء : 17 ) وقال تعالى حكاية عن موسى عليه ~~السلام : { أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } ( البقرة : 67 ) . # الوجه الخامس : أن نوحا عليه السلام اعترف بإقدامه على الذنب والمعصية في ~~هذا المقام فإنه قال : { إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر ~~لى وترحمنى أكن من الخاسرين } واعترافه بذلك يدل على أنه كان مذنبا . # الوجه السادس : في التمسك بهذه الآية أن هذه الآية تدل على أن نوحا نادى ~~ربه لطلب تخليص ولده من الغرق ، والآية المتقدمة وهي قوله : { ونادى نوح ~~ابنه } وقال : { معزل يابنى اركب معنا } تدل على أنه عليه السلام طلب من ~~ابنه الموافقة . فنقول : إما أن يقال إن طلب هذا المعنى من الله كان سابقا ~~على طلبه من الولد أو كان بالعكس ، والأول باطل لأن بتقدير أن يكون طلب هذا ~~المعنى من الله تعالى سابقا على طلبه من الابن لكان قد سمع من الله أنه ~~تعالى لا يخلص ذلك الابن من الغرق ، وأنه تعالى نهاه عن ذلك الطلب ، وبعد ~~هذا كيف قال له : { معزل يابنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين } وأما إن ~~قلنا : إن هذا الطلب من الابن كان متقدما فكان قد سمع ms4965 من الابن قوله : { ~~ساوى إلى جبل يعصمنى من الماء } وظهر بذلك كفره ، فكيف طلب من الله تخليصه ~~، وأيضا أنه تعالى أخبر أن نوحا لما طلب ذلك منه PageV18P004 وامتنع هو صار ~~من المغرقين فكيف يطلب من الله تخليصه من الغرق بعد أن صار من المغرقين ، ~~فهذه الآية من هذه الوجوه الستة تدل على صدور المعصية من نوح عليه السلام . # واعلم أنه لما دلت الدلائل الكثيرة على وجوب تنزيه الله تعالى الأنبياء ~~عليهم السلام من المعاصي ، وجب حمل هذه الوجوه المذكورة على ترك الأفضل ~~والأكمل ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فلهذا السبب حصل هذا العتاب ~~والأمر بالاستغفار ، ولا يدل على سابقة الذنب كما قال : { إذا جاء نصر الله ~~والفتح * ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره ~~} ( النصر : 1 3 ) ومعلوم أن مجيء نصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله ~~أفواجا ليست بذنب يوجب الاستغفار وقال تعالى : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات } ( محمد : 19 ) وليس جميعهم مذنبين ، فدل ذلك على أن الاستغفار ~~قد يكون بسبب ترك لأفضل . # المسألة الثانية : قرأ نافع برواية ورش وإسمعيل بتشديد النون وإثبات ~~الياء { تسألنى } وقرأ ابن عامر ونافع برواية قالون بتشديد النون وكسرها من ~~غير إثبات الياء ، وقرأ أبو عمرو بتخفيف / النون وكسرها وحذف الياء { * ~~تسألن } أما التشديد فللتأكيد وأما إثبات الياء فعلى الأصل ، وأما ترك ~~التشديد والحذف فللتخيف من غير إخلال . # واعلم أنه تعالى لما نهاه عن ذلك السؤال حكى عنه أنه قال : { قال رب إنى ~~أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين } ~~والمعنى أنه تعالى لما قال له : { فلا تسألنى * ما ليس لك به علم } فقال ~~عند ذلك قبلت يا رب هذا التكليف ، ولا أعود إليه إلا أني لا أقدر على ~~الاحتراز منه إلا بإعانتك وهدايتك ، فلهذا بدأ أولا بقوله : { إنى أعوذ بك ~~} . # واعلم أن قوله : { إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم } إخبار عما في ~~المستقبل ، أي لا أعود إلى ms4966 هذا العمل ، ثم أشتغل بالاعتذار عما مضى ، فقال ~~: { وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين } وحقيقة التوبة تقتضي أمرين : ~~أحدهما : في المستقبل ، وهو العزم على الترك وإليه الإشارة بقوله : { إنى ~~أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم } والثاني : في الماضي وهو الندم على ما ~~مضى وإليه الإشارة بقوله : { وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين } ونختم ~~هذا الكلام بالبحث عن الزلة التي صدرت عن نوح عليه السلام في هذا المقام . ~~فنقول : إن أمة نوح عليه السلام كانوا على ثلاثة أقسام كافر يظهر كفره ~~ومؤمن يعلم إيمانه وجمع من المنافقين ، وقد كان حكم المؤمنين هو النجاة ~~وحكم الكافرين هو الغرق ، وكان ذلك معلوما ، وأما أهل النفاق فبقي حكمهم ~~مخفيا وكان ابن نوح منهم وكان يجوز فيه كونه مؤمنا ، وكانت الشفقة المفرطة ~~التي تكون من الأب في حق الابن تحمله على حمل أعماله وأفعاله لا على كونه ~~كافرا ، بل على الوجوه الصحيحة ، فلما رآه بمعزل عن القوم طلب منه أن يدخل ~~السفينة فقال : { ساوى إلى جبل يعصمنى من الماء } وذلك لا يدل على كفره ~~لجواز أن يكون قد ظن أن الصعود على الجبل يجري مجرى الركوب في السفينة في ~~أنه يصونه عن الغرق ، وقول نوح : { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } ~~لا يدل إلا على أنه عليه السلام كان يقرر عند بنه أنه لا ينفعه إلا الإيمان ~~والعمل الصالح ، وهذا أيضا لا يدل على أنه علم من ابنه أنه كان كافرا فعند ~~هذه الحالة كان قد بقي في قلبه ظن أن ذلك الابن مؤمن ، فطلب من الله ~~PageV18P005 تعالى تخليصه بطريق من الطرق إما بأن يمكنه من الدخول في ~~السفينة ، وإما أن يحفظه على قلة جبل ، فعند ذلك أخبره الله تعالى بأنه ~~منافق وأنه ليس من أهل دينه ، فالزلة الصادرة عن نوح عليه السلام هو أنه لم ~~يستقص في تعريف ما يدل على نفاقه وكفره ، بل اجتهد في ذلك وكان يظن أنه ~~مؤمن ، مع أنه أخطأ في ذلك ms4967 الاجتهاد ، لأنه كان كافرا فلم يصدر عنه إلا ~~الخطأ في هذا الاجتهاد ، كما قررنا ذلك في أن آدم عليه السلام لم تصدر عنه ~~تلك الزلة إلا لأنه أخطأ في هذا الاجتهاد ، فثبت بما ذكرنا أن الصادر عن ~~نوح عليه السلام ما كان من باب الكبائر وإنما هو من باب الخطأ في الاجتهاد ~~، والله أعلم . # ! 7 < { قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم ~~سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } . > 7 ! # / < < # | هود : ( 48 ) قيل يا نوح . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى أخبر عن السفينة أنها استوت على الجودي ، ~~فهناك قد خرج نوح وقومه من السفينة لا محالة ، ثم إنهم نزلوا من ذلك الجبل ~~إلى الأرض فقوله : { اهبط } يحتمل أن يكون أمرا بالخروج من السفينة إلى أرض ~~الجبل وأن يكون أمرا بالهبوط من الجبل إلى الأرض المستوية . # المسألة الثانية : أنه تعالى وعده عند الخروج بالسلامة أولا ، ثم بالبركة ~~ثانيا ، أما الوعد بالسلامة فيحتمل وجهين : الأول : أنه تعالى أخبر في ~~الآية المتقدمة أن نوحا عليه السلام تاب عن زلته وتضرع إلى الله تعالى ~~بقوله : { وإلا تغفر لى وترحمنى أكن من الخاسرين } ( هود : 47 ) وهذا ~~التضرع هو عين التضرع الذي حكاه الله تعالى عن آدم عليه السلام عند توبته ~~من زلته وهو قوله : { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين } ( الأعراف : 23 ) فكان نوح عليه السلام محتاجا إلى أن بشره الله ~~تعالى بالسلامة من التهديد والوعيد فلما قيل له : { قيل يانوح اهبط بسلام ~~منا } حصل له الأمن من جمبع المكاره المتعلقة بالدين . والثاني أن ذلك ~~الغرق لما كان عاما في جميع الأرض فعند ما خرج نوح عليه السلام من السفينة ~~علم أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات والحيوان ، فكان كالخائف ~~في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جميع الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب ، ~~فلما قال الله تعالى : { اهبط بسلام منا } زال عنه ذلك الخوف ، لأن ذلك يدل ~~على حصول السلامة ms4968 من الآفات ولا يكون ذلك إلا مع الأمن وسعة الرزق ، ثم إنه ~~تعالى لما وعده بالسلامة أردفه بأن وعده بالبركة هي عبارة عن الدوام ~~والبقاء ، والثبات ، ونيل الأمل ، ومنه بروك الإبل ، ومنه البركة لثبوت ~~الماء فيها ، ومنه تبارك وتعالى ، أي ثبت تعظيمه ، ثم اختلف المفسرون في ~~تفسير هذا الثبات والبقاء . # فالقول الأول : أنه تعالى صير نوحا أبا البشر ، لأن جميع من بقي كانوا من ~~نسله وعند هذا / قال هذا القائل : إنه لما خرج نوح من السفينة مات كل من ~~كان معه ممن لم يكن من ذريته ولم يحصل النسل إلا من PageV18P006 ذريته ، ~~فالخلق كلهم من نسله وذريته ، وقال آخرون : لم يكن في سفينة نوح عليه ~~السلام إلا من كان من نسله وذريته ، وعلى التقديرين فالخلق كلهم إنما ~~تولدوا منه ومن أولاده ، والدليل عليه قوله تعالى : { وجعلنا ذريته هم ~~الباقين } ( الصافات : 77 ) فثبت أن نوحا عليه السلام كان آدم الأصغر ، ~~فهذا هو المراد من البركات التي وعده الله بها . # والقول الثاني : أنه تعالى لما وعده بالسلامة من الآفات ، وعده بأن ~~موجبات السلامة ، والراحة والفراغة يكون في التزايد والثبات والاستقرار ، ~~ثم إنه تعالى لما شرفه بالسلامة والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا ~~معه فقال : { وعلى أمم ممن معك } واختلفوا في المراد منه على ثلاثة أقوال : ~~منهم من حمله على أولئك الأقوام الذين نجوا معه وجعلهم أمما وجماعات ، لأنه ~~ما كان في ذلك الوقت في جميع الأرض أحد من البشر إلا هم ، فلهذا السبب ~~جعلهم أمما ، ومنهم من قال : بل المراد ممن معك نسلا وتولدا قالوا : ودليل ~~ذلك أنه ما كان معه إلا الذين آمنوا وقد حكم الله تعالى عليهم بالقلة في ~~قوله تعالى : { وما ءامن معه إلا قليل } ( هود : 40 ) ومنهم من قال : ~~المراد من ذلك مجموع الحاضرين مع الذين سيولدون بعد ذلك ، والمختار هو ~~القول الثاني : ومن في قوله : { ممن معك } لابتداء الغاية ، والمعنى : وعلى ~~أمم ناشئة من الذين معك . # واعلم أنه تعالى جعل تلك الأمم الناشئة من الذين معه ms4969 على قسمين : أحدهما ~~: الذين عطفهم على نوح في وصول سلام الله وبركاته إليهم وهم أهل الإيمان . ~~والثاني : أمم وصفهم بأنه تعالى سيمتعهم مدة في الدنيا ثم في الآخرة يمسهم ~~عذاب أليم ، فحكم تعالى بأن الأمم الناشئة من الذين كانوا مع نوح عليه ~~السلام لا بد وأن ينقسموا إلى مؤمن وإلى كافر . قال المفسرون : دخل في تلك ~~السلامة كل مؤمن وكل مؤمنة إلى يوم القيامة ، ودخل في ذلك المتاع وفي ذلك ~~العذاب كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة ، ثم قال أهل التحقيق : إنه تعالى ~~إنما عظم شأن نوح بإيصال السلامة والبركات منه إليه ، لأنه قال : { بسلام ~~منا } وهدا يدل على أن الصديقين لا يفرحون بالنعمة من حيث إنها نعمة ولكنهم ~~إنما يفرحون بالنعمة من حيث إنها من الحق ، وفي التحقيق يكون فرحهم بالحق ~~وطلبهم للحق وتوجههم إلى الحق ، وهذا مقام شريف لا يعرفه إلا خواص الله ~~تعالى ، فإن الفرح بالسلامة وبالبركة من حيث هما سلامة وبركة غير ، والفرح ~~بالسلامة والبركة من حيث إنهما من الحق غير ، والأول : نصيب عامة الخلق ، ~~والثاني : نصيب المقربين ، ولهذا السبب قال بعضهم : من آثر العرفان للعرفان ~~فقد قال بالثاني ، ومن آثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف فقد خاض لجة / ~~الوصول ، وأما أهل العقاب فقد قال في شرح أحوالهم { وأمم سنمتعهم ثم يمسهم ~~منا عذاب أليم } فحكم بأنه تعالى يعطيهم نصيبا من متاع الدنيا فدل ذلك على ~~خساسة الدنيا ، فإنه تعالى لما ذكر أحوال المؤمنين لم يذكر ألبتة أنه ~~يعطيهم الدنيا أم لا . ولما ذكر أحوال الكافرين ذكر أنه يعطيهم الدنيا ، ~~وهذا تنبيه عظيم على خساسة السعادات الجسمانية والترغيب في المقامات ~~الروحانية . # ! 7 < { تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من ~~قبل هاذا فاصبر إن العاقبة للمتقين } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 49 ) تلك من أنباء . . . . . # > > PageV18P007 # واعلم أنه تعالى لما شرح قصة نوح عليه السلام على التفصيل قال : { تلك } ~~أي تلك الآيات التي ذكرناها ، وتلك التفاصيل التي شرحناها من أنباء الغيب ، ~~أي من الأخبار التي ms4970 كانت غائبة عن الخلق فقوله : { تلك } في محل الرفع على ~~الابتداء ، و { من أنباء الغيب } الخبر و { نوحيها إليك } خبر ثان وما بعده ~~أيضا خبر ثالث . # ثم قال تعالى : { ما كنت تعلمها أنت ولا قومك } والمعنى : أنك ما كنت ~~تعرف هذه القصة ، بل قومك ما كانوا يعرفونها أيضا ، ونظيره أن تقول لإنسان ~~لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا أهل بلدك . # فإن قيل : أليس قد كانت قصة طوفان نوح عليه السلام مشهورة عند أهل العلم ~~؟ # قلنا : تلك القصة بحسب الإجمال كانت مشهورة ، أما التفاصيل المذكورة فما ~~كانت معلومة . # ثم قال : { فاصبر إن العاقبة للمتقين } والمعنى : يا محمد اصبر أنت وقومك ~~على أذى هؤلاء الكفار كما صبر نوح وقومه على أذى أولئك الكفار ، وفيه تنبيه ~~على أن الصبر عاقبته النصر والظفر والفرح والسرور كما كان لنوح عليه السلام ~~ولقومه . # فإن قال قائل : إنه تعالى ذكر هذه القصة في سورة يونس ثم إنه أعادها ههنا ~~مرة أخرى ، فما الفائدة في هذا التكرير ؟ # قلنا : إن القصة الواحدة قد ينتفع بها من وجوه : ففي السورة الأولى كان ~~الكفار يستعجلون نزول العذاب ، فذكر تعالى قصة نوح في بيان أن قومه كانوا ~~يكذبونه بسبب أن العذاب ما كان يظهر / ثم في العاقبة ظهر فكذا في واقعة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه السورة ذكر هذه القصة لأجل أن الكفار ~~كانوا يبالغون في الإيحاش ، فذكر الله تعالى هذه القصة لبيان أن إقدام ~~الكفار على الإيذاء والإيحاش كان حاصلا في زمان نوح ، إلا أنه عليه السلام ~~لما صبر نال الفتح والظفر ، فكن يا محمد كذلك لتنال المقصود ، ولما كان وجه ~~الانتفاع بهذه القصة في كل سورة من وجه آخر لم يكن تكريرها خاليا عن ~~الفائدة . # ! 7 < { وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره ~~إن أنتم إلا مفترون * ياقوم لاأسألكم عليه أجرا إن أجرى إلا على الذى ~~فطرنىأفلا تعقلون } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 50 - 51 ) وإلى عاد أخاهم . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو القصة الثانية ms4971 من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه ~~السورة ، واعلم أن هذا PageV18P008 معطوف على قوله : { ولقد أرسلنا نوحا } ~~( الحديد : 26 ) والتقدير : ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هودا وقوله : { هودا ~~} عطف بيان . # واعلم أنه تعالى وصف هودا بأنه أخوهم ومعلوم أن تلك الأخوة ما كانت في ~~الدين ، وإنما كانت في النسب ، لأن هودا كان رجلا من قبيلة عاد ، وهذه ~~القبيلة كانت قبيلة من العرب وكانوا بناحية اليمن ، ونظيره ما يقال للرجل ~~يا أخا تميم ويا أخا سليم ، والمراد رجل منهم . # فإن قيل : إنه تعالى ، قال في ابن نوح { إنه ليس من أهلك } ( هود : 46 ) ~~فبين أن قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين ، وههنا أثبت هذه ~~الأخوة مع الاختلاف في الدين ، فما الفرق بينهما ؟ # قلنا : المراد من هذا الكلام استمالة قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن ~~قومه كانوا يستعبدون في محمد مع أنه واحد من قبيلتهم أن يكون رسولا إليهم ~~من عند الله ، فذكر الله تعالى أن هودا كان واحدا من عاد وأن صالحا كان ~~واحدا من ثمود لإزالة هذا الاستبعاد . # واعلم أنه تعالى حكى عن هود عليه السلام ، أنه دعا قومه إلى أنواع من ~~التكاليف . # فالنوع الأول : أنه دعاهم إلى التوحيد ، فقال : { ياقوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إلاه غيره إن أنتم إلا مفترون } وفيه سؤال وهو أنه كيف دعاهم إلى ~~عبادة الله تعالى قبل أن أقام الدلالة على ثبوت الإله تعالى ؟ # قلنا : دلائل وجود الله تعالى ظاهرة ، وهي دلائل الآفاق والأنفس وقلما ~~توجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله تعالى ، ولذلك قال تعالى في صفة ~~الكفار : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ليقولن الله } . # قال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله وختم له بالحسن ، دخلت ~~بلاد الهند فرأيت أولئك الكفار مطبقين على الاعتراف بوجود الإله ، وأكثر ~~بلاد الترك أيضا كذلك ، وأنما الشأن في عبادة الأوثان ، فإنها آفة عمت أكثر ~~أطراف الأرض وهكذا الأمر كان في الزمان القديم ، أعني زمان نوح وهود وصالح ~~عليهم ms4972 السلام ، فهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، كانوا يمنعونهم ~~من عبادة الأصنام ، فكان قوله : { اعبدوا الله } معناه لا تعبدوا غير الله ~~والدليل عليه أنه قال عقيبه : { مالكم * من إلاه غيره } وذلك يدل على أن ~~المقصود من هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام . # وأما قوله : { مالكم * من إلاه غيره } فقرىء { غيره } بالرفع صفة على محل ~~الجار والمجرور ، وقرىء بالجر صفة على اللفظ . # ثم قال : { إن أنتم إلا مفترون } يعني أنكم كاذبون في قولكم إن هذه ~~الأصنام تحسن عبادتها ، أو في قولكم إنها تستحق العبادة ، وكيف لا يكون هذا ~~كذبا وافتراء وهي جمادات لاحس لها ولا إدراك ، والإنسان هو الذي ركبها ~~وصورها فكيف يليق بالإنسان الذي صنعها أن يعبدها وأن يضع الجبهة على التراب ~~تعظيما لها ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام لما أرشدهم إلى التوحيد ومنعهم عن ~~عبادة الأوثان قال : و { مفترون ياقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجرى إلا على ~~الذى فطرنى } وهو عين ما ذكره نوح عليه السلام / وذلك لأن الدعوة إلى الله ~~تعالى إذا كانت مطهرة عن دنس الطمع ، قوي تأثيرها في القلب . PageV18P009 # ثم قال { أفلا تعقلون } يعني أفلا تعقلون أني مصيب في المنع من عبادة ~~الأصنام ، وذلك لأن العلم بصحة هذا المنع ، كأنه مركوز في بدائه العقول . # ! 7 < { وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السمآء عليكم مدرارا ~~ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين } . > 7 ! # / < < # | هود : ( 52 ) ويا قوم استغفروا . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التكاليف التي ذكرها هود عليه السلام ~~لقومه ، وذلك لأنه في المقام الأول دعاهم إلى التوحيد ، وفي هذا المقام ~~دعاهم إلى الاستغفار ثم إلى التوبة ، والفرق بينهما قد تقدم في أول هذه ~~السورة . قال أبو بكر الأصم : استغفروا ، أي سلوه أن يغفر لكم ما تقدم من ~~شرككم ثم توبوا من بعده بالندم على ما مضى وبالعزم على أن لا تعدوا إلى ~~مثله ؛ ثم إنه عليه السلام قال : ( إنكم متى فعلتم ذلك فالله تعالى يكثر ~~النعم عندكم ويقويكم على الانتفاع بتلك ms4973 النعم ) وهذا غاية ما يراد من ~~السعادات ، فإن النعم إن لم تكن حاصلة تعذر الانتفاع وإن كانت حاصلة ، إلا ~~أن الحيوان قام به المنع من الانتفاع بها لم يحصل المقصود أيضا ، أما إذا ~~كثرت النعمة وحصلت القوة الكاملة على الانتفاع بها ، فههنا تحصل غاية ~~السعادة والبهجة فقوله تعالى : { يرسل السماء عليكم مدرارا } إشارة إلى ~~تكثير النعم لأن مادة حصول النعم هي الأمطار الموافقة ، وقوله : { ويزدكم ~~قوة إلى قوتكم } إشارة إلى كمال حال القوى التي بها يمكن الانتفاع بتلك ~~النعمة ، ولا شك أن هذه الكلمة جامعة في البشارة بتحصيل السعادات وأن ~~الزيادة عليها ممتنعة في صريح العقل ، ويجب على العاقل أن يتأمل في هذه ~~اللطائف ليعرف ما في هذا الكتاب الكريم من الأسرار المخفية ، وأما المفسرون ~~فإنهم قالوا القوم كانوا مخصوصين في الدنيا بنوعين من الكمال : أحدهما : أن ~~بساتينهم ومزارعهم كانت في غاية الطيب والبهجة ، والدليل عليه قوله : { إرم ~~ذات العماد * التى لم يخلق مثلها فى البلاد } ( الفجر : 7 ، 8 ) والثاني : ~~أنهم كانوا في غاية القوة والبطش ولذلك قالوا : { من أشد منا قوة } ( فصلت ~~: 15 ) ، ولما كان القوم مفتخرين على سائر الخلق بهذين الأمرين وعدهم هود ~~عليه السلام ، أنهم لو تركوا عبادة الأصنام واشتغلوا بالاستغفار والتوبة ~~فإن الله تعالى يقوي حالهم في هذين المطلوبين ويزيدهم فيها درجات كثيرة ، ~~ونقل أيضا أن الله تعالى لما بعث هودا عليه السلام إليهم وكذبوه وحبس الله ~~عنهم المطر سنين وأعقم أرحام نسائهم فقال لهم هود : إن آمنتم بالله أحيا ~~الله بلادكم ورزقكم المال والولد ، فذلك قوله : { يرسل السماء عليكم مدرارا ~~} والمدرار الكثير الدر وهو من أبنية المبالغة وقوله : { ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم } ففسروا هذه القوة بالمال والولد ، والشدة في الأعضاء ، لأن كل ذلكم ~~ما يتقوى به الإنسان . # / فإن قيل : حاصل الكلام هو أن هودا عليه السلام قال : لو اشتغلتم بعبادة ~~الله تعالى لانفتحت عليكم أبواب الخيرات الدنيوية ، وليس الأمر كذلك ، لأنه ~~عليه الصلاة والسلام قال : ( خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل ~~فالأمثل ) فكيف الجمع ms4974 بينهما ، وأيضا فقد جرت عادة القرآن بالترغيب في ~~الطاعات بسبب ترتيب الخيرات الدنيوية والأخروية عليها ، فأما الترغيب في ~~الطاعات ، لأجل ترتيب الخيرات الدنيوية عليها ، فذلك PageV18P010 لا يليق ~~بالقرآن بل هو طريق مذكور في التوراة . # الجواب : أنه لما أكثر الترغيب في السعادات الأخروية لم يبعد الترغيب ~~أيضا في خير الدنيا بقدر الكفاية . # وأما قوله : { ولا تتولوا مجرمين } فمعناه : لا تعرضوا عني وعما أدعوكم ~~إليه وأرغبكم فيه مجرمين أي مصرين على إجرامكم وآثامكم . # ! 7 < { قالوا ياهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركىءالهتنا عن قولك وما ~~نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء قال إنىأشهد الله ~~واشهدوا أنى برىء مما تشركون * من دونه فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون * إنى ~~توكلت على الله ربى وربكم ما من دآبة إلا هو ءاخذ بناصيتهآ إن ربى على صراط ~~مستقيم } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 53 - 56 ) قالوا يا هود . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حكى عن هود عليه السلام ما ذكره للقوم ، حكى أيضا ما ~~ذكره القوم له وهو أشياء : أولها : قولهم : { ما جئتنا ببينة } أي بحجة ، ~~والبينة سميت بينة لأنها تبين الحق من الباطل ، ومن المعلوم أنه عليه ~~السلام كان قد أظهر المعجزات إلا أن القوم بجهلهم أنكروها ، وزعموا أنه ما ~~جاء بشيء من المعجزات . وثانيها : قولهم : { وما نحن بتاركىءالهتنا عن قولك ~~} وهذا أيضا ركيك ، لأنهم / كانوا يعترفون بأن النافع والضار هو الله تعالى ~~وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر ، ومتى كان الأمر كذلك فقد ظهر في بديهة العقل ~~أنه لا تجوز عبادتها وتركهم آلهتهم لا يكون عن مجرد قوله بل عن حكم نظر ~~العقل وبديهة النفس . وثالثها : قوله : { وما نحن لك بمؤمنين } وهذا يدل ~~على الإصرار والتقليد والجحود . ورابعها : قولهم : { إن نقول إلا اعتراك ~~بعض ءالهتنا بسوء } يقال : اعتراه كذا إذا غشيه وأصابه . والمعنى : أنك ~~شتمت آلهتنا فجعلتك مجنونا وأفسدت عقلك ، ثم إنه تعالى ذكر أنهم لما قالوا ~~ذلك قال هود عليه السلام : { إنى أشهد الله واشهدوا أنى برىء مما تشركون * ~~من دونه } وهو ظاهر ms4975 . # ثم قال : { فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون } وهذا نظير ما قاله نوح عليه ~~السلام لقومه : { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } إلى قوله : { ولا تنظرون } ( ~~يونس : 71 ) . # واعلم أن هذا معجزة قاهرة ، وذلك أن الرجل الواحد إذا أقبل على القوم ~~العظيم وقال لهم : بالغوا في عداوتي وفي موجبات إيذائي ولا تؤجلون فإنه لا ~~يقول هذا إلا إذا كان واثقا من عند الله تعالى بأنه يحفظه ويصونه عن كمد ~~الأعداء . PageV18P011 # ثم قال : { ما من دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها } قال الأزهري : الناصية عند ~~العرب منبت الشعر في مقدم الرأس ويسمى الشعر النابت هناك ناصية باسم منبته ~~. # واعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع قالوا : ما ناصية فلان ~~إلا بيد فلان ، أي أنه مطيع له ، لأن كل من أخذت بناصيته فقد قهرته ، ~~وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليكون ذلك ~~علامة لقهره فخوطبوا في القرآن بما يعرفون فقوله : { ما من دابة إلا هو ~~ءاخذ بناصيتها } أي ما من حيوان إلا وهو تحت قهره وقدرته ، ومنقاد لقضائه ~~وقدره . # ثم قال : { إن ربى على صراط مستقيم } وفيه وجوه : الأول : أنه تعالى لما ~~قال : { ما من دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها } أشعر ذلك بقدرة عالية وقهر عظيم ~~فأتبعه بقوله : { إن ربى على صراط مستقيم } أي أنه وإن كان قادرا عليهم ~~لكنه لا يظلمهم ولا يفعل بهم إلا ما هو الحق والعدل والصواب ، قالت ~~المعتزلة قوله : { ما من دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها } يدل على التوحيد ~~وقوله : { إن ربى على صراط مستقيم } يدل على العدل / فثبت أن الدين إنما ~~يتم بالتوحيد والعدل . والثاني : أنه تعالى لما ذكر أن سلطانه قهر جميع ~~الخلق أتبعه بقوله : { إن ربى على صراط مستقيم } يعني أنه لا يخفى عليه ~~مستتر ، ولا يفوته هارب ، فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به الطريق الذي لا ~~يكون لأحد مسلك إلا عليه ، كما قال : { إن ربك لبالمرصاد } ( الفجر : 14 ) ~~الثالث : أن يكون المراد { إن ربى } يدل على الصراط المستقيم ، أي يحث ، أو ~~يحملكم بالدعاء ms4976 إليه . # ! 7 < { فإن تولوا فقد أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم ويستخلف ربى قوما غيركم ~~ولا تضرونه شيئا إن ربى على كل شىء حفيظ } . > 7 ! # / < < # | هود : ( 57 ) فإن تولوا فقد . . . . . # > > اعلم أن قوله : { فإن تولوا } يعني فإن تتولوا ثم فيه وجهان : الأول ~~تقدير الكلام فإن تتولوا لم أعاتب على تقصير في الإبلاغ وكنتم محجوبين كأنه ~~يقول : أنتم الذين أصررتم على التكذيب . الثاني : { فإن تولوا فقد أبلغتكم ~~ما أرسلت به إليكم } . # ثم قال : { ويستخلف ربى قوما غيركم } يعني يخلق بعدكم من هو أطوع لله ~~منكم ، وهذا إشارة إلى نزول عذاب الاستئصال ولا تضرونه شيئا ، يعني أن ~~إهلاككم لا ينقص من ملكه شيئا . # ثم قال : { إن ربى على كل شىء حفيظ } وفيه ثلاثة أوجه : الأول : حفيظ ~~لأعمال العباد حتى يجازيهم PageV18P012 عليها . الثاني : يحفظني من شركم ~~ومكركم . الثالث : حفيظ على كل شيء يحفظه من الهلاك إذا شاء ويهلكه إذا شاء ~~. # ! 7 < { ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا معه برحمة منا ونجيناهم ~~من عذاب غليظ * وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار ~~عنيد * وأتبعوا فى هاذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألاإن عادا كفروا ربهم ~~ألا بعدا لعاد قوم هود } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 58 - 60 ) ولما جاء أمرنا . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { ولما جاء أمرنا } أي عذابنا وذلك هو ما نزل بهم من ~~الريح العقيم عذبهم الله بها سبع ليال وثمانية أيام ، تدخل في مناخرهم ~~وتخرج من أدبارهم وتصرعهم على الأرض على وجوههم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية ~~. # / فإن قيل : فهذه الريح كيف تؤثر في إهلاكهم ؟ # قنلا : يحتمل أن يكون ذلك لشدة حرها أو لشدة بردها أو لشده قوتها ، فتخطف ~~الحيوان من الأرض ، ثم تضربه على الأرض ، فكل ذلك محمل . # وأما قوله : { نجينا هودا } فاعلم أنه يجوز إتيان البلية على المؤمن وعلى ~~الكافر معا ، وحينئذ تكون تلك البلية رحمة على المؤمن وعذابا على الكافر ، ~~فأما العذاب النازل بمن يكذب الأنبياء عليهم السلام فإنه يجب في حكمة الله ~~تعالى أن ينجي المؤمن منه ، ولولا ms4977 ذلك لما عرف كونه عذابا على كفرهم ، ~~فلهذا السبب قال الله تعالى ههنا : { نجينا هودا والذين ءامنوا معه } . # وأما قوله : { برحمة منا } ففيه وجوه : الأول : أراد أنه لا ينجو أحد وإن ~~اجتهد في الإيمان والعمل الصالح إلا برحمة من الله ، والثاني : المراد من ~~الرحمة : ما هداهم إليه من الإيمان بالله والعمل الصالح . الثالث : أنه ~~رحمهم في ذلك الوقت ، وميزهم عن الكافرين في العقاب . # وأما قوله : { ونجيناهم من عذاب غليظ } فالمراد من النجاة الأولى هي ~~النجاة من عذاب الدنيا ، والنجاة الثانية من عذاب القيامة ، وإنما وصفه ~~بكونه غليظا تنبيها على أن العذاب الذي حصل لهم بعد موتهم بالنسبة إلى ~~العذاب الذي وقعوا فيه كان عذابا غليظا ، والمراد من قوله تعالى : { ~~ونجيناهم } أي حكمنا بأنهم لا يستحقون ذلك العذاب الغليظ ولا يقعون فيه . # واعلم أنه تعالى لما ذكر قصة عاد خاطب قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~فقال : { عاد جحدوا } فهو إشارة إلى قبورهم وآثارهم ، كأنه تعالى قال : ~~سيروا في الأرض فانظروا إليها واعتبروا . ثم إنه تعالى جمع أوصافهم ثم ذكر ~~عاقبة أحوالهم في الدنيا والآخرة ، فأما أوصافهم فهي ثلاثة . # الصفة الأولى : قوله : { جحدوا بآيات ربهم } والمراد : جحدوا دلالة ~~المعجزات على الصدق ، أو الجحد ، ودلالة المحدثات على وجود الصانع الحكيم ، ~~إن ثبت أنهم كانوا زنادقة . # الصفة الثانية : قوله : { وعصوا رسله } والسبب فيه أنهم إذا عصوا رسولا ~~واحدا ، فقد عصوا جميع الرسل لقوله تعالى : { لا نفرق بين أحد من رسله } ( ~~البقرة : 285 ) وقيل : لم يرسل إليهم إلا هود عليه السلام . # الصفة الثالثة : قوله : { واتبعوا أمر كل جبار عنيد } والمعنى أن السفلة ~~كانوا يقلدون الرؤساء في قولهم : PageV18P013 { ما هاذا إلا بشر مثلكم } ( ~~المؤمنون : 24 ) والمراد من الجبار المرتفع المتمرد العنيد العنود والمعاند ~~، وهو المنازع المعارض . # / واعلم أنه تعالى لما ذكر أوصافهم ذكر بعد ذلك أحوالهم فقال : { وأتبعوا ~~فى هاذه الدنيا لعنة ويوم القيامة } أي جعل اللعن رديفا لهم ، ومتابعا ~~ومصاحبا في الدنيا وفي الآخرة / ومعنى اللعنة الإبعاد من رحمة الله تعالى ~~ومن كل خير ms4978 . # ثم إنه تعالى بين السبب الأصلي في نزول هذه الأحوال المكروهة بهم فقال : ~~{ ألا إن عادا كفروا ربهم } قيل : أراد كفروا بربهم فحذف الباء ، وقيل : ~~الكفر هو الجحد فالتقدير : ألا إن عادا جحدوا ربهم . وقيل : هو من باب حذف ~~المضاف أي كفروا نعمة ربهم . # ثم قال : { ألا بعدا لعاد قوم هود } وفيه سؤالان : # السؤال الأول : اللعن هو البعد ، فلما قال : { وأتبعوا فى هاذه الدنيا ~~لعنة ويوم القيامة } فما الفائدة في قوله : { ألا بعدا لعاد } . # والجواب : التكرير بعبارتين مختلفتين يدل على غاية التأكيد . # السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله : { لعاد قوم هود } . # الجواب : كان عاد عادين ، فالأولى : القديمة هم قوم هود ، والثانية : هم ~~إرم ذات العماد ، فذكر ذلك لإزالة الاشتباه . والثاني : أن المبالغة في ~~التنصيص تدل على مزيد التأكيد . # ! 7 < { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه ~~غيره هو أنشأكم من الا رض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربى ~~قريب مجيب * قالوا ياصالح قد كنت فينا مرجوا قبل هاذا أتنهانآ أن نعبد ما ~~يعبد ءاباؤنا وإننا لفى شك مما تدعونآ إليه مريب } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 61 - 62 ) وإلى ثمود أخاهم . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة وهي قصة ~~صالح مع ثمود ، ونظمها مثل النظم المذكور في قصة هود ، إلا أن ههنا لما ~~أمرهم بالتوحيد ذكر في تقريره دليلين : # الدليل الأول : قوله : { هو أنشأكم من الارض } وفيه وجهان : # / الوجه الأول : أن الكل مخلوقون من صلب آدم ، وهو كان مخلوقا من الأرض . ~~وأقول : هذا صحيح لكن فيه وجه آخر وهو أقرب منه ، وذلك لأن الإنسان مخلوق ~~من المني ومن دم الطمث ، والمني إنما تولد PageV18P014 من الدم ، فالإنسان ~~مخلوق من الدم ، والدم إنما تولد من الأغذية ، وهذه الأغذية إما حيوانية ~~وإما نباتية ، والحيوانات حالها كحال الإنسان ، فوجب انتهاء الكل إلى ~~النبات وظاهر أن تولد النبات من الأرض ، فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض . # والوجه الثاني : أن تكون كلمة { من } معناها في التقدير ms4979 : أنشأكم في ~~الأرض ، وهذا ضعيف لأنه متى أمكن حمل الكلام على ظاهره فلا حاجة إلى صرفه ~~عنه ، وأما تقرير أن تولد الإنسان من الأرض كيف يدل على وجود الصانع فقد ~~شرحناه مرارا كثيرة . # الدليل الثاني : قوله : { واستعمركم فيها } وفيه ثلاثة أوجه : الأول : ~~جعلكم عمارها ، قالوا : كان ملوك فارس قد أكثروا في حفر الأنهار وغرس ~~الأشجار ، لا جرم حصلت لهم الأعمار الطويلة فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه ~~، ما سبب تلك الأعمار ؟ فأوحى الله تعالى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها ~~عبادي ، وأخذ معاوية في إحياء أرض في آخر عمره فقيل له ما حملك عليه ، فقال ~~: ما حملني عليه إلا قول القائل : # % ليس الفتى بفتى لا يستضاء به % % ولا يكون له في الأرض آثار % # الثاني : أنه تعالى أطال أعماركم فيها واشتقاق { واستعمركم } من العمر ~~مثل استبقاكم من البقاء . والثالث : أنه مأخوذ من العمرى ، أي جعلها لكم ~~طول أعماركم فإذا متم انتقلت إلى غيركم . # واعلم أن في كون الأرض قابلة للعمارات النافعة للإنسان ، وكون الإنسان ~~قادرا عليها دلالة عظيمة على وجود الصانع ، ويرجع حاصله إلى ما ذكره الله ~~تعالى في آية أخرى وهي قوله : { والذى قدر فهدى } ( الأعلى : 3 ) وذلك لأن ~~حدوث الإنسان مع أنه حصل في ذاته العقل الهادي والقدرة على التصرفات ~~الموافقة يدل على وجود الصانع الحكيم وكون الأرض موصوفة بصفات مطابقة ~~للمصالح موافقة للمنافع يدل أيضا على وجود الصانع الحكيم . # أما قوله : { فاستغفروه ثم توبوا إليه } فقد تقدم تفسيره . # وأما قوله : { إن ربى قريب مجيب } يعني أنه قريب بالعلم والسمع { مجيب } ~~دعاء المحتاجين بفضله ورحمته ، ثم بين تعالى أن صالحا عليه السلام لما قرر ~~هذه الدلائل { قالوا يأبانا * صالح * قد كنت فينا مرجوا قبل هاذا } وفيه ~~وجوه : الأول : أنه لما كان رجلا قوي العقل قوي الخاطر وكان من قبيلتهم قوي ~~رجاؤهم في أن ينصر دينهم ويقوي مذهبهم ويقرر طريقتهم لأنه متى حدث رجل فاضل ~~في قوم / طمعوا فيه من هذا الوجه . الثاني : قال بعضهم المراد أنك كنت تعطف ~~على ms4980 فقرائنا وتعين ضعفاءنا وتعود مرضانا فقوي رجاؤنا فيك أنك من الأنصار ~~والأحباب ، فكيف أظهرت العداوة والبغضة ثم إنهم أضافوا إلى هذا الكلام ~~التعجب الشديد من قوله : { فقالوا * قالوا ياصالح قد كنت فينا مرجوا } ~~والمقصود من هذا الكلام التمسك بطريق التقليد ووجوب متابعة الآباء والأسلاف ~~، ونظير هذا التعجب ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة حيث قالوا : { أجعل ~~الالهة إلاها واحدا إن هاذا لشىء عجاب } ( ص: 5 ) ثم قالوا : { وإننا لفى ~~شك مما تدعونا إليه مريب } والشك هو أن يبقى الإنسان متوقفا بين النفي ~~والإثبات والمريب هو الذي يظن به السوء فقوله : { وإننا لفى شك } يعني به ~~أنه لم يترجح في اعتقادهم صحة قوله وقوله : { مريب } يعني أنه ترجح في ~~اعتقادهم فساد قوله وهذا مبالغة في تزييف كلامه . # PageV18P015 ! 7 < { قال ياقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى وءاتانى ~~منه رحمة فمن ينصرنى من الله إن عصيته فما تزيدوننى غير تخسير } . > 7 ! # < < # | هود : ( 63 ) قال يا قوم . . . . . # > > اعلم أن قوله : { إن كنت على بينة من ربى } ورد بحرف الشك وكان على ~~يقين تام في أمره إلا أن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول ، ~~فكأنه قال : قدروا أني على بينة من ربي وأني نبي على الحقيقة ، وانظروا أني ~~إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره فمن يمنعني من عذاب الله فما تزيدونني على ~~هذاالتقدير غير تخسير ، وفي تفسير هذه الكلمة وجهان : الأول : أن على هذا ~~التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها . الثاني : أن يكون التقدير فما تزيدونني ~~بما تقولون لي وتحملوني عليه غير أن أخسركم أي أنسبكم إلى الخسران ، وأقول ~~لكم إنكم خاسرون ، والقول الأول أقرب لأن قوله : { فمن ينصرنى من الله إن ~~عصيته } ( هود : 63 ) كالدلالة على أنه أراد إن أتبعكم فيما أنتم عليه من ~~الكفر الذي دعوتموني إليه لم أزدد إلا خسرانا في الدين فأصير من الهالكين ~~الخاسرين . # ! 7 < { وياقوم هاذه ناقة الله لكم ءاية فذروها تأكل فىأرض الله ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب * فعقروها فقال تمتعوا فى داركم ثلاثة ms4981 أيام ~~ذالك وعد غير مكذوب } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 64 - 65 ) ويا قوم هذه . . . . . # > > # /اعلم أن العادة فيمن يدعي النبوة عند قوم يعبدون الأصنام أن يبتدىء ~~بالدعوة إلى عبادة الله ثم يتبعه بدعوى النبوة لا بد وأن يطلبوا منه ~~المعجزة وأمر صالح عليه السلام هكذا كان ، يروى أن قومه خرجوا في عيد لهم ~~فسألوه أن يأتيهم بآية وأن يخرج لهم من صخرة معينة أشاروا إليها ناقة فدعا ~~صالح ربه فخرجت الناقة كما سألوا . # واعلم أن تلك الناقة كانت معجزة من وجوه ، الأول : أنه تعالى خلقها من ~~الصخرة وثانيها : أنه تعالى خلقها في جوف الجبل ثم شق عنها الجبل . وثالثها ~~: أنه تعالى خلقها حاملا من غير ذكر . ورابعها : أنه خلقها على تلك الصورة ~~دفعة واحدة من غير ولادة ، وخامسها : ما روي أنه كان لها شرب يوم ولكل ~~القوم شرب يوم آخر ، وسادسها : أنه كان يحصل منها لبن كثير يكفي الخلق ~~العظيم ، وكل من هذه الوجوه معجز قوي وليس في القرآن ، إلا أن تلك الناقة ~~كانت آية ومعجزة ، فأما بيان أنها كانت معجزة من أي الوجوه فليس فيه بيانه ~~. PageV18P016 # ثم قال : { فذروها تأكل فى أرض الله } والمراد أنه عليه السلام رفع عن ~~القوم مؤنتها ، فصارت مع كونها آية لهم تنفعهم ولا تضرهم ، لأنهم كانوا ~~ينتفعون بلبنها على ما روي أنه عليه السلام خاف عليها منهم لما شاهد من ~~إصرارهم على الكفر ، فإن الخصم لا يحب ظهور حجة خصمه ، بل يسعى في إخفاءها ~~وإبطالها بأقصى الإمكان ، فلهذا السبب كان يخاف من إقدامهم على قتلها ، ~~فلهذا احتاط وقال : { ولا تمسوها بسوء } وتوعدهم إن مسوها بسوء بعذاب قريب ~~، وذلك تحذير شديد لهم من الإقدام على قتلها ، ثم بين الله تعالى أنهم مع ~~ذلك عقروها وذبحوها ، ويحتمل أنهم عقروها لإبطال تلك الحجة ، وأن يكون ~~لأنها ضيقت الشرب على القوم ، وأن يكون لأنهم رغبوا في شحمها ولحمها ، ~~وقوله : { فيأخذكم عذاب قريب } يريد اليوم الثالث ، وهو قوله : { تمتعوا فى ~~داركم } ثم بين تعالى أن / القوم عقروها ، فعند ذلك قال لهم ms4982 صالح عليه ~~السلام : { تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام } ومعنى التمتع : التلذذ بالمنافع ~~والملاذ التي تدرك بالحواس ، ولما كان التمتع لا يحصل إلا للحي عبر به عن ~~الحياة ، وقوله : { فى داركم } فيه وجهان : الأول : أن المراد من الدار ~~البلد ، وتسمى البلاد بالديار ، لأنه يدار فيها أي يتصرف يقال : ديار بكر ~~أي بلادهم . الثاني : أن المراد بالديار الدنيا . وقوله : { ذالك وعد مكذوب ~~} أي غير مكذب والمصدر قد يرد بلفظ المفعول كالمجلود والمعقول وبأيكم ~~المفتون ، وقيل غير مكذوب فيه ، قال ابن عباس رضي الله عنهما أنه تعالى لما ~~أمهلهم تلك الأيام الثلاثة فقد رغبهم في الإيمان ، وذلك لأنهم لما عقروا ~~الناقة أنذرهم صالح عليه السلام بنزول العذاب ، فقالوا وما علامة ذلك ؟ ~~فقال : تصير وجوهكم في اليوم الأول مصفرة ، وفي الثاني محمرة ، وفي الثالث ~~مسودة ، ثم يأتيكم العذاب في اليوم الرابع ، فلما رأوا وجوههم قد اسودت ~~أيقنوا بالعذاب فاحتاطوا واستعدوا للعذاب فصبحهم اليوم الرابع وهي الصيحة ~~والصاعقة والعذاب . # فإن قيل : كيف يعقل أن تظهر فيهم هذه العلامات مطابقة لقول صالح عليه ~~السلام ، ثم يبقون مصرين على الكفر . # قلنا : ما دامت الأمارات غير بالغة إلى حد الجزم واليقين لم يمتنع بقاؤهم ~~على الكفر وإذا صارت يقينية قطعية / فقد انتهى الأمر إلى حد الإلجاء ~~والإيمان في ذلك الوقت غير مقبول . # ! 7 < { فلما جآء أمرنا نجينا صالحا والذين ءامنوا معه برحمة منا ومن خزى ~~يومئذ إن ربك هو القوى العزيز * وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديارهم ~~جاثمين * كأن لم يغنوا فيهآ ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود } . > 7 ~~@QB@ < # | هود : ( 66 - 68 ) فلما جاء أمرنا . . . . . # > > # اعلم أن مثل هذه الآية قد مضى في قصة عاد ، وقوله : { ومن خزى يومئذ } ~~فيه مسائل : PageV18P017 # المسألة الأولى : الواو في قوله : { ومن خزى } واو العطف وفيه وجهان : ~~الأول : أن يكون / التقدير : نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا من ~~العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم وبقي العار فيه مأثورا عنهم ~~ومنسوبا إليهم ، لأن معنى الخزي العيب الذي تظهر فضيحته ms4983 ويستحيا من مثله ~~فحذف ما حذف اعتمادا على دلالة ما بقي عليه . الثاني : أن يكون التقدير : ~~نجينا صالحا برحمة منا ونجيناهم من خزي يومئذ . # المسألة الثانية : قرأ الكسائي ونافع في رواية ورش وقالون وإحدى الروايات ~~عن الأعشى { يومئذ } بفتح الميم ، وفي المعارج { عذاب يومئذ } ( المعارج : ~~11 ) والباقون بكسرالميم فيهما فمن قرأ بالفتح فعلى أن يوم مضاف إلى إذ وأن ~~إذ مبني ، والمضاف إلى المبني يجوز جعله مبنيا ألا ترى أن المضاف يكتسب من ~~المضاف إليه التعريف والتنكير فكذا ههنا ، وأما الكسر في إذ فالسبب أنه ~~يضاف إلى الجملة من المبتدأ والخبر تقول : جئتك إذ الشمس طالعة ، فلما قطع ~~عن المضاف إليه نون ليدل التنوين على ذلك ثم كسرت الذال لسكونها وسكون ~~التنوين ، وأما القراءة بالكسر فعلى إضافة الخزي إلى اليوم ولم يلزم من ~~إضافته إلى المبني أن يكون مبنيا لأن هذه الإضافة غير لازمة . # المسألة الثالثة : الخزي الذل العظيم حتى يبلغ حد الفضيحة ولذلك قال ~~تعالى في المحاربين { ذالك لهم خزى فى الدنيا } ( المائدة : 33 ) وإنما سمى ~~الله تعالى ذلك العذاب خزيا لأنه فضيحة باقية يعتبر بها أمثالهم ثم قال : { ~~إن ربك هو القوى العزيز } وإنما حسن ذلك ، لأنه تعالى بين أنه أوصل ذلك ~~العذاب إلى الكافر وصان أهل الإيمان عنه ، وهذا التمييز لا يصح إلا من ~~القادر الذي يقدر على قهر طبائع الأشياء فيجعل الشيء الواحد بالنسبة إلى ~~إنسان بلاء وعذابا وبالنسبة إلى إنسان آخر راحة وريحانا ثم إنه تعالى بين ~~ذلك الأمر فقال : { وأخذ الذين ظلموا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : إنما قال : { أخذ } ولم يقل أخذت لأن الصيحة محمولة على ~~الصياح ، وأيضا فصل بين الفعل والاسم المؤنث بفاصل ، فكان الفاصل كالعوض من ~~تاء التأنيث ، وقد سبق لها نظائر . # المسألة الثانية : ذكروا في الصيحة وجهين . قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~: المراد الصاعقة الثاني : الصيحة صيحة عظيمة هائلة سمعوها فماتوا أجمع ~~منها فأصبحوا وهم موتى جاثمين في دورهم ومساكنهم ، وجثومهم سقوطهم على ~~وجوههم ، يقال إنه تعالى أمر جبريل عليه ms4984 السلام أن يصيح بهم تلك الصيحة ~~التي ماتوا بها ، ويجوز أن يكون الله تعالى خلقها ، والصياح لا يكون إلا ~~الصوت الحادث في حلق وفم وكذلك الصراخ ، فإن كان من فعل الله تعالى فقد ~~خلقه في حلق حيوان وإن كان فعل جبريل عليه السلام فقد حصل في فمه وحلقه ، ~~والدليل عليه أن صوت الرعد أعظم من كل صيحة ولا يسمى بذلك ولا بأنه صراخ . # / فإن قيل : فما السبب في كون الصيحة موجبة للموت ؟ # قلنا : فيه وجوه : أحدها : أن الصيحة العظيمة إنما تحدث عند سبب قوي يوجب ~~تموج الهواء وذلك التموج الشديد ربما يتعدى إلى صماخ الإنسان فيمزق غشاء ~~الدماغ فيورث الموت . والثاني : أنها شيء مهيب فتحدث الهيبة العظيمة عند ~~حدوثها والأعراض النفسانية إذا قويت أوجبت الموت الثالث : أن الصيحة ~~PageV18P018 العظيمة إذا حدثت من السحاب فلا بد وأن يصحبها برق شديد محرق ، ~~وذلك هو الصاعقة التي ذكرها ابن عباس رضي الله عنهما . # ثم قال تعالى : { فأصبحوا فى ديارهم جاثمين } والجثوم هو السكون يقال ~~للطير إذا باتت في أوكارها أنها جثمت ، ثم إن العرب أطلقوا هذا اللفظ على ~~ما لا يتحرك من الموت فوصف الله تعالى هؤلاء المهلكين بأنهم سكنوا عند ~~الهلاك ، حتى كأنهم ما كانوا أحياء وقوله : { كأن لم يغنوا فيها } أي كأنهم ~~لم يوجدوا ، والمغنى المقام الذي يقيم الحي به يقال : غني الرجل بمكان كذا ~~إذا أقام به . # ثم قال تعالى : { ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود } قرأ حمزة وحفص ~~عن عاصم { ألا إن ثمود } غير منون في كل القرآن ، وقرأ الباقون { * ثمودا } ~~بالتنوين ولثمود كلاهما بالصرف ، والصرف للذهاب إلى الحي ، أو إلى الأب ~~الأكبر ومنعه للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة . # ! 7 < { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث ~~أن جآء بعجل حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها ~~بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 69 - 71 ) ولقد جاءت ms4985 رسلنا . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال النحويون : دخلت كلمة ( قد ) ههنا لأن السامع لقصص ~~الأنبياء عليهم السلام يتوقع قصة بعد قصة ، وقد للتوقع ، ودخت اللام في ( ~~لقد ) لتأكيد الخبر ولفظ { جاءت رسلنا } جمع / وأقله ثلاثة فهذا يفيد القطع ~~بحصول ثلاثة ، وأما الزائد على هذا العدد فلا سبيل إلى إثباته إلا بدليل ~~آخر ، وأجمعوا على أن الأصل فيهم كان جبريل عليه السلام ، ثم اختلفت ~~الروايات فقيل : أتاه جبريل عليه السلام ومعه اثنا عشر ملكا على صورة ~~الغلمان الذين يكونون في غاية الحسن وقال الضحاك كانوا تسعة . وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام ، ~~وهم الذين ذكرهم الله في سورة والذاريات في قوله : { هل أتاك حديث ضيف ~~إبراهيم } ( الذاريات : 24 ) وفي الحجر { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } ( الحجر ~~: 51 ) . # المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بالبشرى على وجهين : الأول : أن ~~المراد ما بشره الله بعد ذلك بقوله : { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق ~~يعقوب } الثاني : أن المراد منه أنه بشر إبراهيم عليه السلام بسلامة لوط ~~وبإهلاك قومه . PageV18P019 # وأما قوله : { قالوا سلاما قال سلام } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكساني { قالوا سلاما * قال سلام } بكسر ~~السين وسكون اللام بغير ألف ، وفي والذاريات مثله . قال الفراء : لا فرق ~~بين القراءتين كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام لأن في التفسير أنهم لما جاؤا ~~سلموا عليه . قال أبو علي الفارسي : ويحتمل أن يكون سلم خلاف العدو والحرب ~~كأنهم لما امتنعوا من تناول ما قدمه إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قال إنا ~~سلم ولست بحرب ولا عدو فلا تمتنعوا من تناول طعامي كما يمتنع من تناول طعام ~~العدو ، وهذا الوجه عندي بعيد ، لأن على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلم ~~إبراهيم عليه السلام بهذا اللفظ بعد إحضار الطعام ، إلا أن القرآن يدل على ~~أن هذا الكلام إنما وجد قبل إحضار الطعام لأنه تعالى قال : { قالوا سلاما ~~قال سلام فما لبث أن ms4986 جاء بعجل حنيذ } ( هود : 69 ) والفاء للتعقيب ، فدل ~~ذلك على أن مجيئه بذلك العجل الحنيذ كان بعد ذكر السلام . # المسألة الثانية : قالوا سلاما تقديره : سلمنا عليك سلاما قال سلام ~~تقديره : أمري سلام ، أي لست مريدا غير السلامة والصلح . قال الواحدي : ~~ويحتمل أن يكون المراد : سلام عليكم ، فجاء به مرفوعا حكاية لقوله كما قال ~~: وحذف عنه الخبر كما حذف من قوله : { فصبر جميل } ( يوسف : 18 ) وإنما ~~يحسن هذا الحذف إذا كان المقصود معلوما بعد الحذف ، وههنا المقصود معلوم ~~فلا جرم حسن الحذف ، ونظيره قوله تعالى : { فاصفح عنهم وقل سلام } ( الزخرف ~~: 89 ) على حذف الخبر . # واعلم أنه إنما سلم بعضهم على بعض ، رعاية للإذن المذكور في قوله تعالى : ~~{ لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } . # / المسألة الثالثة : أكثر ما يستعمل { سلام عليكم } بغير ألف ولام ، وذلك ~~لأنه في معنى الدعاء ، فهو مثل قولهم : خير بين يديك . # فإن قيل : كيف جاز جعل النكرة مبتدأ ؟ # قلنا : النكرة إذا كانت موصوفة جاز جعلها مبتدأ ، فإذا قلت سلام عليكم : ~~فالتنكير في هذا الموضع يدل على التمام والكمال ، فكأنه قيل : سلام كامل ~~تام عليكم ، ونظيره قولنا : سلام عليك ، وقوله تعالى : { قال سلام عليك ~~سأستغفر لك ربي } ( مريم : 47 ) وقوله : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : ~~58 ) { سلام على نوح فى العالمين } ( الصافات : 79 ) { الملائكة * يدخلون ~~عليهم من كل باب * سلام عليكم } ( الرعد : 23 ، 24 ) فأما قوله تعالى : { ~~والسلام على من اتبع الهدى } ( طه : 47 ) فهذا أيضا جائز ، والمراد منه ~~الماهية والحقيقة . وأقول : قوله : { سلام عليكم } أكمل من قوله : السلام ~~عليكم ، لأن التنكير في قوله : { سلام عليكم } يفيد الكمال والمبالغة ~~والتمام . وأما لفظ السلام : فإنه لا يفيد إلا الماهية . قال الأخفش : من ~~العرب من يقول : سلام عليكم فيعرى قوله : سلام عن الألف واللام والتنوين ، ~~والسبب في ذلك كثرة الاستعمال أباح هذا التخفيف ، والله أعلم . # ثم قال تعالى : { فما لبث أن جاء بعجل حنيذ } قالوا : مكث إبراهيم خمس ~~عشرة ليلة لا يأتيه ضيف فاغتم لذلك ، ثم ms4987 جاءه الملائكة فرأى أضيافا لم ير ~~مثلهم ، فعجل وجاء بعجل حنيذ ، فقوله : { فما لبث أن جاء بعجل حنيذ } معناه ~~: فما لبت في المجيء به بل عجل فيه ، أو التقدير : فما لبث مجيئه والعجل ~~ولد البقرة . PageV18P020 أما الحنيذ : فهو الذي يشوى في حفرة من الأرض ~~بالحجارة المحماة ، وهو من فعل أهل البادية معروف ، وهو محنوذ في الأصل كما ~~قيل : طبيخ ومطبوخ ، وقيل : الحنيذ الذي يقطر دسمه . يقال : حنذت الفرس إذا ~~ألقيت عليه الجل حتى تقطر عرقا . # ثم قال تعالى : { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } أي إلى العجل ، وقال ~~الفراء : إلى الطعام ، وهو ذلك العجل { نكرهم } أي أنكرهم . يقال : نكره ~~وأنكره واستنكره . # واعلم أن الأضياف إنما امتنعوا من الطعام لأنهم ملائكة والملائكة لا ~~يأكلون ولا يشربون ، وإنما أتوه في صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها ، ~~وهو كان مشغوفا بالضيافة . وأما إبراهيم عليه السلام . فنقول : إما أن يقال ~~: إنه عليه السلام ما كان يعلم أنهم ملائكة ، بل كان يعتقد فيهم أنهم من ~~البشر ، أو يقال : إنه كان عالما بأنهم من الملائكة . أما على الاحتمال ~~الأول فسبب خوفه أمران : أحدهما : أنه كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن ~~الناس ، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن يريدوا به مكروها ، وثانيها : أن من ~~لا يعرف إذا حضر وقدم إليه طعام فإن أكل حصل الأمن وإن لم يأكل حصل الخوف . ~~وأما الاحتمال الثاني : وهو أنه عرف أنهم ملائكة الله تعالى ، / فسبب خوفه ~~على هذا التقدير أيضا أمران : أحدها : أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره ~~الله تعالى عليه : والثاني : أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه . # فإن قيل : فأي هذين الاحتمالين أقرب وأظهر ؟ # قلنا : أما الذي يقول إنه ما عرف أنهم ملائكة الله تعالى فله أن يحتج ~~بأمور : أحدها : أنه تسارع إلى إحضار الطعام ، ولو عرف كونهم من الملائكة ~~لما فعل ذلك . وثانيها : أنه لما رآهم ممتنعين من الأكل خافهم ، ولو عرف ~~كونهم من الملائكة لما استدل بترك الأكل على حصول الشر ، وثالثها : أنه ~~رآهم ms4988 في أول الأمر في صورة البشر ، وذلك لا يدل على كونهم من الملائكة . ~~وأما الذي يقول : إنه عرف ذلك احتج بقوله : { لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم ~~لوط } وإنما يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف بأي سبب أرسلوا / ثم بين تعالى أن ~~الملائكة أزالوا ذلك الخوف عنه فقالوا : { لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط } ~~ومعناه : أرسلنا بالعذاب إلى قوم لوط ، لأنه أضمر لقيام الدليل عليه في ~~سورة أخرى ، وهو قوله : { إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة } ~~( الذاريات : 33 ) . # ثم قال تعالى : { وامرأته قائمة } يعني سارة بنت آزر بن باحورا بنت عم ~~إبراهيم عليه السلام ، وقوله : { قائمة } قيل : كانت قائمة من وراء الستر ~~تستمع إلى الرسل ، لأنها ربما خافت أيضا . وقيل : كانت قائمة تخدم الأضياف ~~وإبراهيم عليه السلام جالس معهم ، ويأكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود { ~~وامرأته قائمة } وهو قاعد . # ثم قال تعالى : { فضحكت فبشرناها * بإسحاق } واختلفوا في الضحك على قولين ~~: منهم من حمله على نفس الضحك ، ومنهم من حمل هذا اللفظ على معنى آخر سوى ~~الضحك . أما الذين حملوه على نفس الضحك فاختلفوا في أنها لم ضحكت ، وذكروا ~~وجوها : الأول : قال القاضي إن ذلك السبب لا بد وأن يكون سببا جرى ذكره في ~~هذه الآية ، وما ذاك إلا أنها فرحت بزوال ذلك الخوف عن إبراهيم عليه السلام ~~حيث قالت الملائكة : { لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط } وعظم سرورها بسبب ~~سروره بزوال خوفه ، وفي مثل هذه PageV18P021 الحالة قد يضحك الإنسان ، ~~وبالجملة فقد كان ضحكها بسبب قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام { لا تخف } ~~فكان كالبشارة ، فقيل لها : نجعل هذه البشارة بشارتين ، فكما حصلت البشارة ~~بزوال الخوف ، فقد حصلت البشارة أيضا بحصول الولد الذي كنتم تطلبونه من أول ~~العمر إلى هذا الوقت وهذا تأويل في غاية الحسن . الثاني : يحتمل أنها كانت ~~عظيمة الإنكار على قوم لوط لما كانوا عليه من الكفر والعمل الخبيث ، فلما ~~أظهروا أنهم جاؤا لإهلاكهم لحقها السرور فضحكت . الثالث : قال السدي قال ~~إبراهيم عليه السلام لهم ms4989 : { ألا تأكلون } قالوا : / لا نأكل طعاما إلا ~~بالثمن ، فقال : ثمنه أن تذكروا اسم الله تعالى على أوله وتحمدوه على آخره ~~، فقال جبريل لميكائيل عليهما السلام : ( حق لمثل هذا الرجل أن يتخذه ربه ~~خليلا ) فضحكت امرأته فرحا منها بهذا الكلام . الرابع : أن سارة قالت ~~لإبراهيم عليه السلام أرسل إلى ابن أخيك وضمه إلى نفسك ، فإن الله تعالى لا ~~يترك قومه حتى يعذبهم ، فعند تمام هذا الكلام دخل الملائكة على إبراهيم ~~عليه السلام ، فلما أخبروه بأنهم إنما جاؤا لإهلاك قوم لوط صار قولهم ~~موافقا لقولها ، فضحكت لشدة سرورها بحصول الموافقة بين كلامها وبين كلام ~~الملائكة . الخامس : أن الملائكة لما أخبروا إبراهيم عليه السلام أنهم من ~~الملائكة لا من البشر وأنهم إنما جاؤا لإهلاك قوم لوط طلب إبراهيم عليه ~~السلام منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم بإحياء العجل ~~المشوي فطفر ذلك العجل المشوي من الموضع الذي كان موضوعا فيه إلى مرعاه ، ~~وكانت امرأة إبراهيم عليه السلام قائمة فضحكت لما رأت ذلك العجل المشوي قد ~~طفر من موضعه . السادس : أنها ضحكت تعجبا من أن قوما أتاهم العذاب وهم في ~~غفلة . السابع : لا يبعد أن يقال إنهم بشروها بحصول مطلق الولد فضحكت ، إما ~~على سبيل التعجب فإنه يقال إنها كانت في ذلك الوقت بنت بضع وتسعين سنة ~~وإبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة ، وإما على سبيل السرور . ثم لما ضحكت ~~بشرها الله تعالى بأن ذلك الولد هو إسحق ومن وراء إسحق يعقوب . الثامن : ~~أنها ضحكت بسبب أنها تعجبت من خوف إبراهيم عليه السلام من ثلاث أنفس حال ما ~~كان معه حشمه وخدمه . التاسع : أن هذا على التقديم والتأخير والتقدير : ~~وامرأته قائمة فبشرناها بإسحق فضحكت سرورا بسبب تلك البشارة فقدم الضحك / ~~ومعناه التأخير . الثاني : هو أن يكون معنى فضحكت حاضت وهو منقول عن مجاهد ~~وعكرمة قالا : ضحكت أي حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف ، فلما ظهر حيضها ~~بشرت بحصول الولد ، وأنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت ، قال ~~أبو بكر الأنباري ms4990 هذه اللغة إن لم يعرفها هؤلاء فقد عرفها غيرهم ، حكى ~~الليث في هذه الآية { فضحكت } طمثت ، وحكى الأزهري عن بعضهم أن أصله من ~~ضحاك الطلعة يقال ضحكت الطلعة إذا انشقت . # واعلم أن هذه الوجوه كلها زوائد . وإنما الوجه الصحيح هو الأول . # ثم قال تعالى : { ومن وراء إسحاق يعقوب } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بالنصب ~~والباقون بالرفع أما وجه النصب ، فهو أن يكون التقدير : بشرناها بإسحق ومن ~~وراء إسحق وهبنا لها يعقوب ، وأما وجه الرفع فهو أن يكون التقدير : ومن ~~وراء إسحق يعقوب مولود أو موجود . # / المسألة الثانية : في لفظ وراء قولان : الأول : وهو قول الأكثرين أن ~~معناه بعد أي بعد إسحق يعقوب PageV18P022 وهذا هو الوجه الظاهر . والثاني : ~~أن الوراء ولد الولد ، عن الشعبي أنه قيل له هذا ابنك ، فقال نعم من الوراء ~~، وكان ولد ولده ، وهذا الوجه عندي شديد التعسف ، واللفظ كأنه ينبو عنه . # ! 7 < { قالت ياويلتا ءألد وأنا عجوز وهاذا بعلى شيخا إن هاذا لشىء عجيب ~~* قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد ~~مجيد } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 72 - 73 ) قالت يا ويلتى . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الفراء أصل الويل وي وهو الخزي ، ويقال : وي لفلان ~~أي خزي له فقوله ويلك أي خزي لك ، وقال سيبويه : ويح زجر لمن أشرف على ~~الهلاك ، وويل لمن وقع فيه . قال الخليل : ولم أسمع على بنائه إلا ويح ، ~~وويس ، وويك ، وويه ، وهذه الكلمات متقاربة في المعنى وأما قوله : { * يا ~~ويلتا } فمنهم من قال هذه الألف ألف الندبة وقال صاحب ( الكشاف ) : الألف ~~في ويلتا مبدلة من ياء الإضافة في { * يا ويلتى } وكذلك في يا لهفا ويا ~~عجبا ثم أبدل من الياء والكسرة الألف والفتحة ، لأن الفتح والألف أخف من ~~الياء والكسرة . # أما قوله : { ياويلتا ءألد وأنا عجوز وهاذا بعلى شيخا إن } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو آلد بهمزة ومدة ، ~~والباقون بهمزتين بلا مد . # المسألة الثانية : لقائل ms4991 أن يقول إنها تعجبت من قدرة الله تعالى والتعجب ~~من قدرة الله تعالى يوجب الكفر ، بيان المقدمة الأولى من ثلاثة أوجه : ~~أولها : قوله تعالى حكاية عنها في معرض التعجب { وأنا عجوز وهاذا } وثانيها ~~: قوله : { إن هاذا لشىء عجيب } وثالثها : قول الملائكة لها { أتعجبين من ~~أمر الله } وأما بيان أن التعجب من قدرة الله تعالى يوجب الكفر ، فلأن هذا ~~التعجيب يدل على جهلها بقدرة الله تعالى ، وذلك يوجب الكفر . # والجواب : أنها إنما تعجبت بحسب العرف والعادة لا بحسب القدرة فإن الرجل ~~المسلم لو أخبره / مخبر صادق بأن الله تعالى يقلب هذا الجبل ذهبا إبريزا ~~فلا شك أنه يتعجب نظرا إلى أحوال العادة لا لأجل أنه استنكر قدرة الله ~~تعالى على ذلك . # المسألة الثالثة : قوله : { وهاذا بعلى شيخا } فاعلم أن شيخا منصوب على ~~الحال ، قال الواحدي رحمه الله : وهذا من لطائف النحو وغامضه فإن كلمة هذا ~~للإشارة ، فكان قوله : { وهاذا بعلى شيخا } قائم مقام أن يقال أشير إلى ~~بعلي حال كونه شيخا ، والمقصود تعريف هذه الحالة المخصوصة وهي الشيخوخة . # المسألة الرابعة : قرأ بعضهم { وهاذا بعلى شيخا } على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف ، أي هذا بعلي وهو شيخ ، أو بعلي بدل من المبتدأ وشيخ خبر أو يكونان ~~معا خبرين ، ثم حكى تعالى أن الملائكة قالوا : { أتعجبين من أمر الله } ~~PageV18P023 والمعنى : أنهم تعجبوا من تعجبها ، ثم قالوا : { قالوا أتعجبين ~~من أمر الله رحمت } والمقصود من هذا الكلام ذكر ما يزيل ذلك التعجب وتقديره ~~: إن رحمة الله عليكم متكاثرة وبركاته لديكم متوالية متعاقبة ، وهي النبوة ~~والمعجزات القاهرة والتوفيق للخيرات العظيمة فإذا رأيت أن الله خرق العادات ~~في تخصيصكم بهذه الكرامات العالية الرفيعة وفي إظهار خوارق العادات وإحداث ~~البينات والمعجزات ، فكيف يليق به التعجب . # وأما قوله : { أهل البيت } فإنه مدح لهم فهو نصب على النداء أو على ~~الاختصاص ، ثم أكدوا ذلك بقولهم : { إنه حميد مجيد } والحميد هو المحمود ~~وهو الذي تحمد أفعاله ، والمجيد الماجد ، وهو ذو الشرف والكرم ، ومن محامد ~~الأفعال إيصال العبد المطيع إلى مراده ومطلوبه ms4992 ، ومن أنواع الفضل والكرم أن ~~لا يمنع الطالب عن مطلوبه ، فإذا كان من المعلوم أنه تعالى قادر على الكل ~~وأنه حميد مجيد / فكيف يبقى هذا التعجب في نفس الأمر فثبت أن المقصود من ~~ذكر هذه الكلمات إزالة التعجب . # ! 7 < { فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجآءته البشرى يجادلنا فى قوم لوط * ~~إن إبراهيم لحليم أواه منيب } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 74 - 75 ) فلما ذهب عن . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو القصة الخامسة وهي قصة لوط عليه السلام ، واعلم أن الروع ~~هو الخوف / وهو ما أوجس من الخيفة حين أنكر أضيافه والمعنى : أنه لما زال ~~الخوف وحصل السرور بسبب مجيء البشرى بحصول الولد ، أخذ يجادلنا في قوم لوط ~~وجواب لما هو قوله : { أخذ } إلا أنه حذف في اللفظ لدلالة الكلام عليه ، ~~وقيل تقديره : لما ذهب عن إبراهيم الروع جادلنا . # واعلم أن قوله : { يجادلنا } أي يجادل رسلنا . # فإن قيل : هذه المجادلة إن كانت مع الله تعالى فهي جراءة على الله ، ~~والجراءة على الله تعالى من أعظم الذنوب ، ولأن المقصود من هذه المجادلة ~~إزالة ذلك الحكم وذلك يدل على أنه ما كان راضيا بقضاء الله تعالى وأنه كفر ~~وإن كانت هذه المجادلة مع الملائكة فهي أيضا عجيبة ، لأن المقصود من هذه ~~المجادلة أن يتركوا إهلاك قوم لوط ، فإن كان قد اعتقد فيهم أنهم من تلقاء ~~أنفسهم يجادلون في هذا الإهلاك فهذا سوء ظن بهم . وإن اعتقد فيهم أنهم بأمر ~~الله جاؤا فهذه المجادلة تقتضي أنه كان يطلب منهم مخالفة أمر الله تعالى ~~وهذا منكر . # والجواب : من وجهين : # الوجه الأول : وهو الجواب الإجمالي أنه تعالى مدحه عقيب هذه الآية فقال : ~~{ إن إبراهيم لحليم أواه منيب } ولو كان هذا الجدل من الذنوب لما ذكر عقيبه ~~ما يدل على المدح العظيم . PageV18P024 # والوجه الثاني : وهو الجواب التفصيلي أن المراد من هذه المجادلة سعي ~~إبراهيم في تأخير العذاب عنهم وتقريره من وجوه : # الوجه الأول : أن الملائكة قالوا : { أنا * مهلكو أهل هاذه القرية } فقال ~~إبراهيم : أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين ms4993 أتهلكونها ؟ قالوا : ~~لا . قال : فأربعون قالوا : لا . قال : فثلاثون قالوا لا . حتى بلغ العشرة ~~قالوا : لا . قال : أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا . ~~فعند ذلك قال : إن فيها لوطا وقد ذكر الله تعالى هذا في سورة العنكبوت فقال ~~: { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هاذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } ( العنكبوت : 31 / 32 ) . # ثم قال : { ولما أن جاءت رسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ~~ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا } فبان بهذا أن مجادلة إبراهيم عليه السلام ، ~~إنما كانت في قوم لوط بسبب مقام لوط فيما بينهم . # الوجه الثاني : يحتمل أن يقال إنه عليه السلام كان يميل إلى أن تلحقهم ~~رحمة الله بتأخير العذاب عنهم رجاء أنهم أقدموا على الإيمان والتوبة عن ~~المعاصي ، وربما وقعت تلك المجادلات / بسبب أن إبراهيم كان يقول إن أمر ~~الله ورد بإيصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور بل يقبل التراخي فاصبروا ~~مدة أخرى ، والملائكة كانوا يقولون إن مطلق الأمر يقبل الفور ، وقد حصلت ~~هناك قرائن دالة على الفور ، ثم أخذ كل واحد منهم يقرر مذهبه بالوجوه ~~المعلومة فحصلت المجادلة بهذا السبب ، وهذا الوجه عندي هو المعتمد . # الوجه الثالث : في الجواب لعل إبراهيم عليه السلام سأل عن لفظ ذلك الأمر ~~وكان ذلك الأمر مشروطا بشرط فاختلفوا في أن ذلك الشرط هل حصل في ذلك القوم ~~أم لا فحصلت المجادلة بسببه / وبالجملة نرى العلماء في زماننا يجادل بعضهم ~~بعضا عند التمسك بالنصوص ، وذلك لا يوجب القدح في واحد منها فكذا ههنا . # ثم قال تعالى : { إن إبراهيم لحليم أواه منيب } وهذا مدح عظيم من الله ~~تعالى لإبراهيم ، أما الحليم فهو الذي لا يتعجل بمكافأة غيره ، بل يتأنى ~~فيه فيؤخر ويعفو ومن هذا حاله فإنه يحب من غيره هذه الطريقة ، وهذا ~~كالدلالة على أن جداله كان في أمر متعلق بالحلم وتأخير العقاب ms4994 ، ثم ضم إلى ~~ذلك ماله تعلق بالحلم وهو قوله : { أواه منيب } لأن من يستعمل الحلم في ~~غيره فإنه يتأوه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الغير فلما رأى مجيء الملائكة ~~لأجل إهلاك قوم لوط عظم حزنه بسبب ذلك وأخذ يتأوه عليه فلذلك وصفه الله ~~تعالى بهذه الصفة ، ووصفه أيضا بأنه منيب ، لأن من ظهرت فيه هذه الشفقة ~~العظيمة على الغير فإنه ينيب ويتوب ويرجع إلى الله في إزالة ذلك العذاب ~~عنهم أو يقال : إن من كان لا يرضى بوقوع غيره في الشدائد فأن لا يرضى بوقوع ~~نفسه فيها كان أولى ولا طريق إلى صون النفس عن الوقوع في عذاب الله إلا ~~بالتوبة والإنابة فوجب فيمن هذا شأنه يكون منيبا . # PageV18P025 ! 7 < { يإبراهيم أعرض عن هاذآ إنه قد جآء أمر ربك وإنهم ~~آتيهم عذاب غير مردود * ولما جآءت رسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم ذرعا وقال ~~هاذا يوم عصيب } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 76 - 77 ) يا إبراهيم أعرض . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { يإبراهيم أعرض عن هاذا } معناه : أن الملائكة قالوا له ~~: اترك هذه المجادلة لأنه / قد جاء أمر ربك بإيصال هذا العذاب إليهم وإذا ~~لاح وجه دلالة النص على هذا الحكم فلا سبيل إلى دفعه فلذلك أمروه بترك ~~المجادلة ، ولما ذكروا { إنه قد جاء أمر ربك } ولم يكن في هذا اللفظ دلالة ~~على أن هذا الأمر بماذا جاء لا جرم بين الله تعالى أنهم آتيهم عذاب غير ~~مردود ، أي عذاب لا سبيل إلى دفعه ورده . # ثم قال : { ولما جاءت رسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم ذرعا } وهؤلاء الرسل ~~هم الرسل الذين بشروا إبراهيم بالولد عليهم السلام . قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربع فراسخ ودخلوا ~~عليه على صورة شباب مرد من بني آدم وكانوا في غاية الحسن ولم يعرف لوط أنهم ~~ملائكة الله وذكروا فيه ستة أوجه : الأول : أنه ظن أنهم من الإنس فخاف ~~عليهم خبث قومه وأن يعجزوا عن مقاومتهم . الثاني : ساءه مجيئهم لأنه ما كان ~~يجد ms4995 ما ينفقه عليهم وما كان قادرا على القيام بحق ضيافتهم . والثالث : ساءه ~~ذلك لأن قومه منعوه من إدخال الضيف داره . الرابع : ساءه مجيئهم ، لأنه عرف ~~بالحذر أنهم ملائكة وأنهم إنما جاؤا لإهلاك قومه ، والوجه الأول هو الأصح ~~لدلالة قوله تعالى : { وجاء * قومه يهرعون إليه } ( هود : 78 ) وبقي في ~~الآية ألفاظ ثلاثة لا بد من تفسيرها : # اللفظ الأول : قوله : { سىء بهم } ومعناه ساء مجيئهم وساء يسوء فعل لازم ~~مجاوز يقال سؤته فسيء مثل شغلته فشغل وسررته فسر . قال الزجاج : أصله سوىء ~~بهم إلا أن الواو سكنت ونقلت كسرتها إلى السين . # اللفظ الثاني : قوله : { وضاق بهم ذرعا } قال الأزهري : الذرع يوضع موضع ~~الطاقة والأصل فيه البعير يذرع بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوته ، ~~فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فضعف ومد عنقه ، فجعل ضيق ~~الذرع عبارة عن قدر الوسع والطاقة . فيقال : مالي به ذرع ولا ذراع أي مالي ~~به طاقة ، والدليل على صحة ما قلناه أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع ~~فيقولون ضقت بالأمر ذراعا . # واللفظ الثالث : قوله : { هاذا يوم عصيب } أي يوم شديد ، وإنما قيل ~~للشديد عصيب لأنه يعصب الإنسان بالشر . # ! 7 < { وجآءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال ياقوم ~~هاؤلاء بناتى هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون فى ضيفى أليس منكم رجل ~~رشيد * قالوا لقد علمت ما لنا فى بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد * قال لو ~~أن لى بكم قوة أو آوىإلى ركن شديد } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 78 - 80 ) وجاءه قومه يهرعون . . . . . # > > PageV18P026 # / وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه لما دخلت الملائكة دار لوط عليه السلام مضت امرأته ~~عجوز السوء فقالت لقومه دخل دارنا قوم ما رأيت أحسن وجوها ولا أنظف ثيابا ~~ولا أطيب رائحة منهم { وجاءه قومه يهرعون إليه } أي يسرعون ، وبين تعالى أن ~~إسراعهم ربما كان لطلب العمل الخبيث بقوله : { ومن قبل كانوا يعملون ~~السيئات } نقل أن القوم دخلوا دار لوط وأرادوا أن يدخلوا البيت الذي كان ~~فيه جبريل ms4996 عليه السلام ، فوضع جبريل عليه السلام يده على الباب ، فلم ~~يطيقوا فتحه حتى كسروه ، فمسح أعينهم بيده فعموا ، فقالوا : يا لوط قد ~~أدخلت علينا السحرة وأظهرت الفتنة . ولأهل اللغة في { يهرعون } قولان : # القول الأول : أن هذا من باب ما جاءت صيغة الفاعل فيه على لفظ المفعول ~~ولا يعرف له فاعل نحو : أولع فلان في الأمر ، وأرعد زيد ، وزهى عمرو من ~~الزهو . # والقول الثاني : أنه لا يجوز ورود الفاعل على لفظ المفعول ، وهذه الأفعال ~~حذف فاعلوها فتأويل أولع زيد أنه أولعه طبعه وأرعد الرجل أرعده غضبه وزهى ~~عمرو معناه جعله ماله زاهيا وأهرع معناه أهرعه خوفه أو حرصه ، واختلفوا ~~أيضا فقال بعضهم : الإهراع هو الإسراع مع الرعدة . وقال آخرون : هو العدو ~~الشديد . # أما قوله تعالى : { قال ياءادم * قوم * هؤلاء بناتى هن أطهر لكم } ففيه ~~قولان : قال قتادة : المراد بناته لصلبه . وقال مجاهد وسعيد بن جبير : ~~المراد نساء أمته ؛ لأنهن في أنفسهن بنات ولهن إضافة إليه بالمتابعة وقبول ~~الدعوة . قال أهل النحو : يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، لأنه كان نبيا ~~لهم فكان كالأب لهم . قال تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) وهو ~~أب لهم وهذا القول عندي هو المختار ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن إقدام ~~الإنسان على عرض بناته على الأوباش والفجار أمر متبعد لا يليق بأهل المروءة ~~فكيف بأكابر الأنبياء ؟ الثاني : وهو أنه قال : { هؤلاء بناتى هن أطهر لكم ~~} فبناته اللواتي من / صلبه لا تكفي للجمع العظيم . أما نساء أمته ففيهن ~~كفاية للكل . الثالث : أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان ، وهما : زنتا ، ~~وزعورا ، وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز لما ثبت أن أقل الجمع ~~ثلاثة ، فأما القائلون بالقول الأول فقد اتفقوا على أنه عليه السلام ما دعا ~~القوم إلى لزنا بالنسوان بل المراد أنه دعاهم إلى التزوج بهن ، وفيه قولان ~~: أحدهما : أنه دعاهم إلى التزوج بهن بشرط أن يقدموا الإيمان . والثاني : ~~أنه كان يجوز تزويج المؤمنة من الكافر في شريعته ، وهكذا كان في أول ~~الإسلام بدليل أنه عليه السلام ms4997 زوج ابنته زينب من أبي العاص بن الربيع وكان ~~مشركا وزوج ابنته من عتبة بن أبي لهب ثم نسخ ذلك بقوله : { ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن } ( البقرة : 221 ) وبقوله : { ولا تنكحوا المشركين حتى ~~يؤمنوا } ( البقرة : 221 ) واختلفوا أيضا ، فقال الأكثرون : كان له بنتان ، ~~وعلى هذا التقدير ذكر الاثنتين بلفظ الجمع ، كما في قوله : { فإن كان له ~~إخوة } ( النساء : 21 ) { فقد صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) وقيل : إنهن ~~كن أكثر من اثنتين . # أما قوله تعالى : { هن أطهر لكم } ففيه مسألتان : PageV18P027 # المسألة الأولى : ظاهر قوله : { هن أطهر لكم } يقتضي كون العمل الذي ~~يطلبونه طاهرا ومعلوم أنه فاسد ولأنه لا طهارة في نكاح الرجل ، بل هذا جار ~~مجرى قولنا : الله أكبر ، والمراد أنه كبير ولقوله تعالى : { أذالك خير ~~نزلا أم شجرة الزقوم } ( الصافات : 62 ) ولاخير فيها ولما قال أبو سفيان : ~~اعل أحدا واعل هبل قال النبي : ( الله أعلى وأجل ) ولامقاربة بين الله وبين ~~الصنم . # المسألة الثانية : روي عن عبد الملك بن مروان والحسن وعيسى بن عمر أنهم ~~قرؤا { هن أطهر لكم } بالنصب على الحال كما ذكرنا في قوله تعالى : { وهاذا ~~بعلى شيخا } ( هود : 72 ) إلا أن أكثر النحويين اتفقوا على أنه خطأ قالوا ~~لو قرىء { هؤلاء بناتى هن أطهر } كان هذا نظير قوله : { وهاذا بعلى شيخا } ~~إلا أن كلمة ( هن ) قد وقعت في البين وذلك يمنع من جعل أطهر حالا وطولوا ~~فيه ، ثم قال : { فاتقوا الله ولا تخزون فى ضيفى } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ونافع ولا تخزوني بإثبات الياء على الأصل ~~، والباقون بحذفها للتخفيف ودلالة الكسر عليه . # المسألة الثانية : في لفظ { لا } وجهان : الأول : قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : لا تفضحوني في أضيافي ، يريد أنهم إذا هجموا على أضيافه بالمكروه ~~لحقته الفضيحة . والثاني : لا تخزوني في ضيفي أي لا تخجلوني فيهم ، لأن ~~مضيف الضيف يلزمه الخجالة من كل فعل قبيح يوصل إلى الضيف يقال : خزي الرجل ~~إذا استحيا . # / المسألة الثالثة : الضيف ههنا قائم مقام الأضياف ، كما قام الطفل مقام ~~الأطفال ms4998 . في قوله تعالى : { الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا } ( النور : ~~31 ) ويجوز أن يكون الضيف مصدرا فيستغنى عن جمعه كما يقال : رجال صوم . ثم ~~قال : { أليس منكم رجل رشيد } وفيه قولان : الأول : { رشيد } بمعنى مرشد أي ~~يقول الحق ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي . والثاني : رشيد بمعنى مرشد ، ~~والمعنى : أليس فيكم رجل أرشده الله تعالى إلى الصلاح . وأسعده بالسداد ~~والرشاد حتى يمنع عن هذا العمل القبيح ، والأول أولى . # ثم قال تعالى : { قالوا لقد علمت ما لنا فى بناتك من حق } وفيه وجوه : ~~الأول : مالنا في بناتك من حاجة ولا شهوة ، والتقدير أن من احتاج إلى شيء ~~فكأنه حصل له فيه نوع حق ، فلهذا السبب جعل نفي الحق كناية عن نفي الحاجة . ~~الثاني : أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول : معناه إنهن لسن لنا بأزواج ولا ~~حق لنا فيهن ألبتة . ولا يميل أيضا طبعنا إليهن فكيف قيامهن مقام العمل ~~الذي نريده وهو إشارة إلى العمل الخبيث . الثالث : { ما لنا فى بناتك من حق ~~} لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نجيبك إلى ذلك فلا يكون لنا ~~فيهن حق . ثم إنه تعالى حكى عن لوط أنه عند سماع هذا الكلام قال : { لو أن ~~لى بكم قوة أو اوى إلى ركن شديد } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : جواب ( لو ) محذوف لدلالة الكلام عليه والتقدير : ~~لمنعتكم ولبالغت في دفعكم ونظيره قوله تعالى : { ولو أن قرانا سيرت به ~~الجبال } ( الرعد : 31 ) وقوله : { ولو ترى إذ وقفوا على النار } ( الأنعام ~~: 27 ) قال الواحدي وحذف الجواب ههنا لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من ~~المنع والدفع . PageV18P028 # المسألة الثانية : { لو أن * بكم قوة } أي لو أن لي ما أتقوى به عليكم ~~وتسمية موجب القوة بالقوة جائز قال الله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة ومن رباط الخيل } ( الأنفال : 60 ) والمراد السلاح ، وقال آخرون ~~القدرة على دفعهم ، وقوله : { أو اوى إلى ركن شديد } المراد منه الموضع ~~الحصين المنيع تشبيها له بالركن الشديد من الجبل / # فإن قيل : ما الوجه ههنا في ms4999 عطف الفعل على الاسم ؟ # قلنا : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { أو اوى } بالنصب بإضمار أن ، كأنه ~~قيل لو أن لي بكم قوة أو آويا . # واعلم أن قوله : { لو أن لى بكم قوة أو اوى إلى ركن شديد } لا بد من حمل ~~كل واحد من هذين الكلامين على فائدة مستقلة ، وفيه وجوه : الأول : المراد ~~بقوله : { لو أن لى بكم قوة } كونه بنفسه قادرا على الدفع وكونه متمكنا إما ~~بنفسه وإما بمعاونة غيره على قهرهم وتأديبهم ، والمراد بقوله : / { أو اوى ~~إلى ركن شديد } هو أن لا يكون له قدرة على الدفع لكنه يقدر على التحصن بحصن ~~ليأمن من شرهم بواسطته . الثالث : أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على ~~سوء الأدب تمنى حصول قوة قوية على الدفع ، ثم استدرك على نفسه وقال : بلى ~~الأولى أن آوى إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله تعالى ، وعلى هذا ~~التقدير فقوله : { أو اوى إلى ركن شديد } كلام منفصل عما قبله ولا تعلق له ~~به ، وبهذا الطريق لا يلزم عطف الفعل على الاسم ، ولذلك قال النبي عليه ~~السلام : ( رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد ) . # ! 7 < { قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من اليل ~~ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها مآ أصابهم إن موعدهم الصبح أليس ~~الصبح بقريب } . > 7 ! # < < # | هود : ( 81 ) قالوا يا لوط . . . . . # > > اعلم أن قوله تعالى مخبرا عن لوط عليه السلام أنه قال : { لو أن لى ~~بكم قوة أو اوى إلى ركن شديد } ( هود : 80 ) يدل على أنه كان في غاية القلق ~~والحزن بسبب إقدام أولئك الأوباش على ما يوجب الفضيحة في حق أضيافه ، فلما ~~رأت الملائكة تلك الحالة بشروه بأنواع من البشارات : أحدها : أنهم رسل الله ~~. وثانيها : أن الكفار لا يصلون إلى ما هموا به . وثالثها : أنه تعالى ~~يهلكهم . ورابعها : أنه تعالى ينجيه مع أهله من ذلك العذاب . وخامسها : إن ~~ركنك شديد وإن ناصرك هو الله تعالى فحصل له هذه البشارات ، وروي أن جبريل ~~عليه السلام ms5000 قال له إن قومك لن يصلوا إليك فافتح الباب فدخلوا فضرب جبريل ~~عليه السلام بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم فصاروا لا يعرفون الطريق ~~ولا يهتدون إلى بيوتهم ، وذلك قوله تعالى : { ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا ~~أعينهم } ( القمر : 37 ) ومعنى قوله : { لن يصلوا إليك } أي بسوء ومكروه ~~فإنا نحول بينهم وبين ذلك . ثم قال : { فأسر بأهلك } قرأ نافع وابن كثير { ~~فأسر } موصولة والباقون بقطع الألف وهما لغتان ، يقال سريت بالليل وأسريت ~~وأنشد حسان : PageV18P029 # أسرت إليك ولم تكن تسري # / فجاء باللغتين فمن قرأ بقطع الألف فحجته قوله سبحانه وتعالى : { سبحان ~~الذى أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) ومن وصل فحجته قوله : { واليل إذا يسر } ~~( الفجر : 4 ) والسرى السير في الليل . يقال : سرى يسري إذا سار بالليل ~~وأسرى بفلان إذا سير به بالليل ، والقطع من الليل بعضه وهو مثل القطعة ، ~~يريد اخرجوا ليلا لتسبقوا نزول العذاب الذي موعده الصبح . قال نافع بن ~~الأزرق لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما : أخبرني عن قول الله { بقطع من ~~اليل } قال هو آخر الليل سحر ، وقال قتادة : بعد طائفة من الليل ، وقال ~~آخرون هو نصف الليل فإنه في ذلك الوقت قطع بنصفين . # ثم قال : { ولا يلتفت منكم أحد } نهى من معه عن الالتفات والالتفات نظر ~~الإنسان إلى ما وراءه ، والظاهر أن المراد أنه كان لهم في البلدة أموال ~~وأقمشة وأصدقاء ، فالملائكة أمروهم بأن يخرجوا ويتركوا تلك الأشياء ولا ~~يلتفتوا إليها ألبتة ، وكان المراد منه قطع القلب عن تلك الأشياء وقد يراد ~~منه الانصراف أيضا . كقوله تعالى : { قالوا أجئتنا لتلفتنا } ( يونس : 78 ) ~~أي لتصرفنا ، وعلى هذا التقدير فالمراد من قوله : { ولا يلتفت منكم أحد } ~~النهي عن التخلف . # ثم قال : { إلا امرأتك } قرأ ابن كثير وأبو عمر { إلا امرأتك } بالرفع ~~والباقون بالنصب . قال الواحدي : من نصب وهو الاختيار فقد جعلها مستثناة من ~~الأهل على معنى فأسر بأهلك إلا امرأتك والذي يشهد بصحة هذه القراءة أن في ~~قراءة عبدالله { فأسر بأهلك إلا امرأتك } فأسقط قوله : { ولا يلتفت منكم ~~أحد } من هذا الموضع ms5001 ، وأما الذين رفعوا فالتقدير { ولا يلتفت منكم أحد إلا ~~امرأتك } . # فإن قيل : فهذه القراءة توجب أنها أمرت بالالتفات لأن القائل إذا قال لا ~~يقم منكم أحد إلا زيد كان ذلك أمرا لزيد بالقيام . # وأجاب أبو بكر الأنباري عنه فقال : معنى { إلا } ههنا الاستثناء المنقطع ~~على معنى / لا يلتفت منكم أحد ، لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم ، وإذا ~~ان هذا الاستثناء منقطعا كان التفاتها معصية ويتأكد ما ذكرنا بما روي عن ~~قتادة أنه قال إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية فلما سمعت هذا العذاب ~~التفتت وقالت يا قوماه فأصابها حجر فأهلكها . # واعلم أن القراءة بالرفع أقوى ، لأن القراءة بالنصب تمنع من خروجها مع ~~أهله لكن على هذا التقدير الاستثناء يكون من الأهل كأنه أمر لوطا بأن يخرج ~~بأهله ويترك هذه المرأة فإنها هالكة مع الهالكين وأما القراءة بالنصب فإنها ~~أقوى من وجه آخر ، وذلك لأن مع القراءة بالنصب يبقى الاستثناء متصلا / ومع ~~القراءة بالرفع يصير الاستثناء منقطعا . ثم بين الله تعالى أنهم قالوا : ~~إنه مصيبها ما أصابهم . والمراد أنه مصيبها ذلك العذاب الذي أصابهم . ثم ~~قالوا : { إن موعدهم الصبح } روى أنهم لما قالوا لوط عليه السلام : { إن ~~موعدهم الصبح } قال أريد أعجل من ذلك بل الساعة فقالوا : { أليس الصبح ~~بقريب } قال المفسرون إن لوطا عليه السلام لما سمع هذا الكلام خرج بأهله في ~~الليل . # PageV18P030 ! 7 < { فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها ~~حجارة من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد } . > 7 ~~@QB@ < # | هود : ( 82 - 83 ) فلما جاء أمرنا . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في الأمر وجهان : الأول : أن المراد من هذا الأمر ما هو ~~ضد النهي ويدل عليه وجوه : الأول : أن لفظ الأمر حقيقة في هذا المعنى مجاز ~~في غيره دفعا للاشتراك . الثاني : أن الأمر لا يمكن حمله ههنا على العذاب ، ~~وذلك لأنه تعالى قال : { فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها } وهذا الجعل ~~هو العذاب ، فدلت هذه الآية على أن هذا الأمر شرط والعذاب جزاء ms5002 ، والشرط ~~غير الجزاء ، فهذا الأمر غير العذاب ، وكل من قال بذلك قال إنه هو الأمر ~~الذي هو ضد النهي . والثالث : أنه تعالى قال : قبل هذه الآية { إنا أرسلنا ~~إلى قوم لوط } ( هود : 70 ) فدل هذا على أنهم كانوا مأمورين من عند الله ~~تعالى بالذهاب إلى قوم لوط وبإيصال هذا العذاب إليهم . # إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمر جمعا من الملائكة بأن يخربوا تلك ~~المدائن في وقت معين ، فلما جاء ذلك الوقت أقدموا على ذلك العمل ، فكان ~~قوله : { فلما جاء أمرنا } إشارة إلى ذلك التكليف . # فإن قيل : لو كان الأمر كذلك ، لوجب أن يقال : فلما جاء أمرنا جعلوا ~~عاليها سافلها ، لأن الفعل صدر عن ذلك المأمور . # قلنا : هذا لا يلزم على مذهبنا ، لأن فعل العبد فعل الله تعالى عندنا . ~~وأيضا أن الذي وقع منهم إنما وقع بأمر الله تعالى وبقدرته ، فلم يبعد ~~إضافته إلى الله عز وجل ، لأن الفعل كما تحسن إضافته إلى المباشر ، فقد ~~تحسن أيضا إضافته إلى السبب . # / القول الثاني : أن يكون المراد من الأمر ههنا قوله تعالى : { إنما ~~قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) وقد تقدم ~~تفسير ذلك الأمر . # القول الثالث : أن يكون المراد من الأمر العذاب وعلى هذا التقدير فيحتاج ~~إلى الإضمار ، والمعنى : ولما جاء وقت عذابنا جعلنا عاليها سافلها . # المسألة الثانية : اعلم أن ذلك العذاب قد وصفه الله تعالى في هذه الآية ~~بنوعين من الوصف فالأول : قوله : { جعلنا عاليها سافلها } روي أن جبريل ~~عليه السلام أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى ~~السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك ، ولم ~~تنكفىء لهم جرة ولم ينكب لهم إناء ، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض ~~. # واعلم أن هذا العمل كان معجزة قاهرة من وجهين : أحدهما : أن قلع الأرض ~~وإصعادها إلى قريب من PageV18P031 السماء فعل خارق للعادات . والثاني : أن ~~ضربها من ذلك البعد البعيد على الأرض بحيث لم تتحرك سائر القرى المحيطة بها ~~ألبتة ms5003 ، ولم تصل الآفة إلى لوط عليه السلام وأهله مع قرب مكانهم من ذلك ~~الموضع معجزة قاهرة أيضا . الثاني : قوله : { وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ~~} واختلفوا في السجيل على وجوه : الأول : أنه فارسي معرب وأصله سنككل وأنه ~~شيء مركب من الحجر والطين بشرط أن يكون في غاية الصلابة ، قال الأزهري : ~~لماعربته العرب صار عربيا وقد عربت حروفا كثيرة كالديباج والديوان ~~والاستبرق . والثاني : سجيل ، أي مثل السجل وهو الدلو العظيم . والثالث : ~~سجيل ، أي شديد من الحجارة . الرابع : مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته ~~وهو فعيل منه . الخامس : من أسجلته ، أي أعطيته تقديره مثل العطية في ~~الإدرار ، وقيل : كان كتب عليها أسامي المعذبين . السادس : وهو من السجل ~~وهو الكتاب تقديره من مكتوب في الأزل أي كتب الله أن يعذبهم بها / والسجيل ~~أخذ من السجل وهو الدلو العظيمة لأنه يتضمن أحكاما كثيرة ، وقيل : مأخوذ من ~~المساجلة وهي المفاخرة . والسابع : من سجيل أي من جهنم أبدلت النون لاما ، ~~والثامن : من السماء الدنيا ، وتسمى سجيلا عن أبي زيد ، والتاسع : السجيل ~~الطين ، لقوله تعالى : { حجارة من طين } ( الذاريات : 33 ) وهو قول عكرمة ~~وقتادة . قال الحسن كان أصل الحجر هو من الطين ، إلا أنه صلب بمرور الزمان ~~، والعاشر : سجيل موضع الحجارة ، وهي جبال مخصوصة ، ومنه قوله تعالى : { من ~~جبال فيها من برد } ( النور : 43 ) . # واعلم أنه تعالى وصف تلك الحجارة بصفات : # فالصفة الأولى : كونها من سجيل ، وقد سبق ذكره . # / الصفة الثانية : قوله تعالى : { منضود } قال الواحدي : هو مفعول من ~~النضد ، وهو موضع الشيء بعضه على بعض ، وفيه وجوه : الأول : أن تلك الحجارة ~~كان بعضها فوق بعض في النزول فأتى به على سبيل المبالغة . والثاني : أن كل ~~حجر فإن ما فيه من الأجزاء منضود بعضها ببعض ، وملتصق بعضها ببعض . والثالث ~~: أنه تعالى كان قد خلقها في معادنها ونضد بعضها فوق بعض ، وأعدها لإهلاك ~~الظلمة . # واعلم أن قوله : { منضود } صفة للسجيل . # الصفة الثالثة : مسومة ، وهذه الصفة صفة للأحجار ومعناها المعلمة ، وقد ~~مضى الكلام فيه في تفسير قوله : { والخيل المسومة } ( آل ms5004 عمران : 14 ) ~~واختلفوا في كيفية تلك العلامة على وجوه : الأول : قال الحسن والسدي : كان ~~عليها أمثال الخواتيم . الثاني : قال ابن صالح : رأيت منها عند أم هانىء ~~حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع . الثالث : قال ابن جريج : كان عليها ~~سيما لا تشارك حجارة الأرض ، وتدل على أنه تعالى إنما خلقها للعذاب . ~~الرابع : قال الربيع : مكتوب على كل حجر اسم من رمى به . # ثم قال تعالى : { عند ربك } أي في خزائنه التي لا يتصرف فيها أحد إلا هو ~~. # ثم قال : { وما هى من الظالمين ببعيد } يعني به كفار مكة ، والمقصود أنه ~~تعالى يرميهم بها . عن أنس أنه قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جبريل عليه السلام عن هذا فقال : يعني عن ظالمي أمتك ، ما من ظالم منهم إلا ~~وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة . وقيل : الضمير في قوله : { وما ~~هى } للقرى . أي وما تلك PageV18P032 القرى التي وقعت فيها هذه الواقعة من ~~كفار مكة ببعيد ، وذلك لأن القرى كانت في الشأم ، وهي قريب من مكة . # ! 7 < { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه ~~غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إنىأراكم بخير وإنىأخاف عليكم عذاب يوم ~~محيط * وياقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ولا ~~تعثوا فى الا رض مفسدين * بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ومآ أنا عليكم ~~بحفيظ } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 84 - 86 ) وإلى مدين أخاهم . . . . . # > > # / اعلم أن هذا هو القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه السورة . واعلم ~~أن مدين اسم ابن لإبراهيم عليه السلام ، ثم صار اسما للقبيلة ، وكثير من ~~المفسرين يذهب إلى أن مدين اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم عليه السلام ~~والمعنى على هذا التقدير : وأرسلنا إلى أهل مدين فحذف الأهل . # واعلم أنا بينا أن الأنبياء عليهم السلام يشرعون في أول الأمر بالدعوة ~~إلى التوحيد ، فلهذا قال شعيب عليه السلام : { مالكم * من إلاه غيره } ثم ~~إنهم بعد الدعوة إلى التوحيد يشرعون في الأهم ثم الأهم ، ولما ms5005 كان المعتاد ~~من أهل مدين البخس في المكيال والميزان ، دعاهم إلى ترك هذه العادة فقال : ~~{ ولا تنقصوا المكيال والميزان } والنقص فيه على وجهين : أحدهما : أن يكون ~~الإيفاء من قبلهم فينقصون من قدره . والآخر : أن يكون لهم الاستيفاء ~~فيأخذون أزيد من الواجب وذلك يوجب نقصان حق الغير ، وفي القسمين حصل ~~النقصان في حق الغير . ثم قال : { إنى أراكم بخير } وفيه وجهان : الأول : ~~أنه حذرهم من غلاء السعر وزوال النعمة إن لم يتوبوا فكأنه قال : اتركوا هذا ~~التطفيف وإلا أزال الله عنكم ما حصل عندكم من الخير والراحة . والثاني : أن ~~يكون التقدير أنه تعالى أتاكم بالخير الكثير والمال والرخص والسعة فلا حاجة ~~بكم إلى هذا التطفيف . ثم قال : { وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط } وفيه ~~أبحاث : # البحث الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أخاف أي أعلم حصول عذاب يوم ~~محيط وقال آخرون : بل المراد هو الخوف ، لأنه يجوز أن يتركوا ذلك العمل ~~خشية أن يحصل لهم العذاب ولما كان هذا التخويف قائما فالحاصل هو الظن ~~لاالعلم . # البحث الثاني : أنه تعالى توعدهم بعذاب يحيط بهم بحيث لا يخرج منه أحد ، ~~والمحيط من صفة اليوم في الظاهر ، وفي المعنى من صفة العذاب وذلك مجاز ~~مشهور كقوله : { هاذا يوم عصيب } ( هود : 77 ) . PageV18P033 # البحث الثالث : اختلفوا في المراد بهذا العذاب فقال بعضهم : هو عذاب يوم ~~القيامة ، لأنه اليوم الذي نصب لإحاطة العذاب بالمعذبين ، وقال بعضهم : بل ~~يدخل فيه عذاب الدنيا والآخرة / وقال بعضهم : بل المراد منه عذاب الاستئصال ~~في الدنيا كما في حق سائر الأنبياء والأقرب دخول كل عذاب فيه وإحاطة العذاب ~~بهم كإحاطة الدائرة بما في داخلها فينالهم من كل وجه وذلك مبالغة في الوعد ~~كقوله : { وأحيط بثمره } ( الكهف : 42 ) ثم قال : { محيط وياقوم أوفوا ~~المكيال والميزان بالقسط } . # فإن قيل : وقع التكرير في هذه الآية من ثلاثة أوجه لأنه قال أولا { ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان } ثم قال : { أوفوا المكيال والميزان } وهذا عين ~~الأول . ثم قال : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } وهذا عين ما تقدم فما ms5006 ~~الفائدة في هذا التكرير ؟ # قلنا : إن فيه وجوها : # الوجه الأول : أن القوم كانوا مصرين على ذلك العمل فاحتج في المنع منه ~~إلى المبالغة والتأكيد / والتكرير يفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام . # والوجه الثاني : أن قوله : { ولا تنقصوا المكيال والميزان } نهي عن ~~التنقيص وقوله : { أوفوا المكيال والميزان } أمر بإيفاء العدل ، والنهي عن ~~ضد الشيء مغاير للأمر به ، وليس لقائل أن يقول : النهي عن ضد الشيء أمر به ~~، فكان التكرير لازما من هذا الوجه ، لأنا نقول : الجواب من وجهين : الأول ~~: أنه تعالى جمع بين الأمر والشيء ، وبين النهي عن ضده للمبالغة ، كما تقول ~~: صل قرابتك ولا تقطعهم ، فيدل هذا الجمع على غاية التأكيد . الثاني : أن ~~نقول لا نسلم أن الأمر كما ذكرتم لأنه يجوز أن ينهى عن التنقيص وينهى أيضا ~~عن أصل المعاملة ، فهو تعالى منع من التنقيص وأمر بإيفاء الحق ، ليدل ذلك ~~على أنه تعالى لم يمنع عن المعاملات ولم ينه عن المبايعات ، وإنما منع من ~~التطفيف ، وذلك لأن طائفة من الناس يقولون إن المبايعات لا تنفك عن التطفيف ~~ومنع الحقوق فكانت المبايعات محرمة بالكلية ، فلأجل إبطال هذا الخيال ، منع ~~تعالى في الآية الأولى من التطفيف وفي الآية الأخرى أمر بالإيفاء ، وأما ~~قوله ثالثا : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } فليس بتكرير لأنه تعالى خص ~~المنع في الآية السابقة بالنقصان في المكيال والميزان . ثم إنه تعالى عم ~~الحكم في جميع الأشياء فظهر بهذا البيان أنها غير مكررة ، بل في كل واحد ~~منها فائدة زائدة . # والوجه الثالث : أنه تعالى قال في الآية الأولى : { ولا تنقصوا المكيال ~~والميزان } وفي الثانية قال : { أوفوا المكيال والميزان } والإيفاء عبارة ~~عن الإتيان به على سبيل الكمال والتمام ، لا يحصل ذلك إلا إذا أعطى قدرا ~~زائدا على الحق ، ولهذا المعنى قال الفقهاء : إنه تعالى أمر بغسل الوجه ~~وذلك لا يحصل إلا عند غسل جزء من أجزاء الرأس . فالحاصل : أنه تعالى في ~~الآية الأولى نهى عن النقصان ، وفي الآية الثانية أمر بإعطاء قدر من ~~الزيادة ولا يحصل الجزم واليقين بأداء الواجب / إلا ms5007 عند أداء ذلك القدر من ~~الزيادة فكأنه تعالى نهى أولا عن سعي الإنسان في أن يجعل مال غيره ناقصا ~~لتحصل له تلك الزيادة ، وفي الثاني أمر بالسعي في تنقيص مال نفسه ليخرج ~~باليقين عن العهدة وقوله : { بالقسط } يعني بالعدل ومعناه الأمر بإيفاء ~~الحق بحيث يحصل معه اليقين بالخروج عن العهدة فالأمر بإيتاء الزيادة على ~~ذلك غير حاصل . ثم قال : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } والبخس هو النقص في ~~كل الأشياء ، وقد ذكرنا أن الآية الأولى دلت على المنع من النقص ~~PageV18P034 في المكيال والميزان ، وهذه الآية دلت على المنع من النقص في ~~كل الاشياء . ثم قال : { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } . # فإن قيل : العثو الفساد التام فقوله : { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } جار ~~مجرى أن يقال : ولا تفسدوا في الأرض مفسدين . # قلنا : فيه وجوه : الأول : أن من سعى في إيصال الضرر إلى الغير فقد حمل ~~ذلك الغير على السعي إلى إيصال الضرر إليه فقوله : { ولا تعثوا فى الارض ~~مفسدين } معناه ولا تسعوا في إفساد مصالح الغير فإن ذلك في الحقيقة سعي ~~منكم في إفساد مصالح أنفسكم . والثاني : أن يكون المراد من قوله : { ولا ~~تعثوا فى الارض مفسدين } مصالح دنياكم وآخرتكم . والثالث : ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين مصالح الأديان . ثم قال : { بقيت الله خير لكم } قرىء تقية ~~الله وهي تقواه ومراقبته التي تصرف عن المعاصي . ثم نقول المعنى : ما أبقى ~~الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف يعني ~~المال الحلال الذي يبقى لكم خير من تلك الزيادة الحاصلة بطريق البخس ~~والتطفيف وقال الحسن : بقية الله أي طاعة الله خير لكم من ذلك القدر القليل ~~، لأن ثواب الطاعة يبقى أبدا ، وقال قتادة : حظكم من ربكم خير لكم ، وأقول ~~المراد من هذه البقية إما المال الذي يبقى عليه في الدنيا ، وإما ثواب الله ~~، وأما كونه تعالى راضيا عنه والكل خير من قدر التطفيف ، أما المال الباقي ~~فلأن الناس إذا عرفوا إنسانا بالصدق والأمانة والبعد عن الخيانة اعتمدوا ~~عليه ورجعوا في ms5008 كل المعاملات إليه فيفتح عليه باب الرزق ، وإذا عرفوه ~~بالخيانة والمكر انصرفوا عنه ولم يخالطوه ألبتة فتضيق أبواب الرزق عليه ، ~~وأما إن حملنا هذه البقية على الثواب فالأمر ظاهر ، لأن كل الدنيا تفنى ~~وتنقرض وثواب الله باق ، وأما إن حملناه على حصول رضا الله تعالى فالأمر ~~فيه ظاهر ، فثبت بهذا البرهان أن بقية الله خير . ثم قال : { إن كنتم ~~مؤمنين } وإنما شرط الإيمان في كونه خيرا لهم لأنهم إن كانوا مؤمنين مقرين ~~بالثواب والعقاب عرفوا أن السعي في تحصيل الثواب وفي الحذر من العقاب خير ~~لهم من السعي في تحصيل ذلك القليل . # واعلم أن المعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط ، فهذه الآية تدل بظاهرها على ~~أن من لم يحترز / عن هذا التطفيف فإنه لا يكون مؤمنا . # ثم قال تعالى : { وما أنا عليكم بحفيظ } وفيه وجهان : الأول : أن يكون ~~المعنى : إني نصحتكم وأرشدتكم إلى الخير { وما أنا عليكم بحفيظ } أي لا ~~قدرة لي على منعكم عن هذا العمل القبيح . الثاني : أنه قد أشار فيما تقدم ~~إلى أن الاشتغال بالبخس والتطفيف يوجب زوال نعمة الله تعالى فقال : { وما ~~أنا عليكم بحفيظ } يعني لو لم تتركوا هذا العمل القبيح لزالت نعم الله عنكم ~~وأنا لا أقدر على حفظها عليكم في تلك الحالة . # ! 7 < { قالوا ياشعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ أو أن نفعل ~~فىأموالنا ما نشؤا إنك لانت الحليم الرشيد } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 87 ) قالوا يا شعيب . . . . . # > > PageV18P035 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { * أصلاتك } بغير واو ~~. والباقون { ياشعيب أصلواتك } على الجمع . # المسألة الثانية : اعلم أن شعيبا عليه السلام أمرهم بشيئين ، بالتوحيد ~~وترك البخس فالقوم أنكروا عليه أمره بهذين النوعين من الطاعة ، فقوله : { ~~أن نترك ما يعبد * ءاباؤنا } إشارة إلى أنه أمرهم بالتوحيد وقوله : { قالوا ~~ياشعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما } إشارة إلى أنه أمرهم بترك البخس . أما ~~الأول : فقد أشاروا فيه إلى التمسك بطريقة التقليد ، لأنهم استبعدوا منه أن ~~يأمرهم بترك عبادة ما كان يعبد آباؤهم يعني ms5009 الطريقة التي أخذناها من آبائنا ~~وأسلافنا كيف نتركها ، وذلك تمسك بمحض التقليد . # المسألة الثالثة : في لفظ الصلاة وههنا قولان : الأول : المراد منه الدين ~~والإيمان ، لأن الصلاة أظهر شعار الدين فجعلوا ذكر الصلاة كناية عن الدين ، ~~أو نقول : الصلاة أصلها من الإتباع ومنه أخذ المصلي من الخيل الذي يتلو ~~السابق لأن رأسه يكون على صلوى السابق وهما ناحيتا الفخذين والمراد : دينك ~~يأمرك بذلك . والثاني : أن المراد منه هذه الأعمال المخصوصة ، روي أن شعيبا ~~كان كثير الصلاة وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا ، فقصدوا بقولهم ~~: أصلاتك تأمرك السخرية والهزؤ ، وكما أنك إذا رأيت معتوها يطالع كتبا ثم ~~يذكر كلاما فاسدا فيقال له : هذا من مطالعة تلك الكتب على سبيل الهزؤ ~~والسخرية فكذا ههنا . # / فإن قيل : تقدير الآية : أصلواتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء وهم ~~إنما ذكروا هذا الكلام على سبيل الإنكار ، وهم ما كانوا ينكرون كونهم ~~فاعلين في أموالهم ما يشاؤن ، فكيف وجه التأويل . # قلنا : فيه وجهان : الأول : التقدير : أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد ~~آباؤنا وأن نترك فعل ما نشاء ، وعلى هذا فقوله : { أو أن نفعل } معطوف على ~~ما في قوله : { ما يعبد ءاباؤنا } والثاني : أن تجعل الصلاة آمرة وناهية ~~والتقدير : أصلواتك تأمرك بأن نترك عبادة الأوثان وتنهاك أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء ، وقرأ ابن أبي عبلة { أو أن * تفعل * فى أموالنا ما * ~~تشاء } بتاء الخطاب فيهما وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس ~~والاقتناع بالحلال القليل وأنه خير من الحرام الكثير . # ثم قال تعالى حكاية عنهم : { إنك لانت الحليم الرشيد } وفيه وجوه : # الوجه الأول : أن يكون المعنى إنك لأنت السفيه الجاهل إلا أنهم عكسوا ذلك ~~على سبيل الاستهزاء والسخرية به ، كما يقال للبخيل الخسيس لو رآك حاتم لسجد ~~لك . # والوجه الثاني : أن يكون المراد إنك موصوف عند نفسك وعند قومك بالحلم ~~والرشد . # والوجه الثالث : أنه عليه السلام كان مشهورا عندهم بأنه حليم رشيد ، فلما ~~أمرهم بمفارقة طريقتهم قالوا له : إنك لأنت الحليم الرشيد المعروف ms5010 الطريقة ~~في هذا الباب ، فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا وأسلافنا ، والمقصود ~~استبعاد مثل هذا العمل ممن كان موصوفا بالحلم والرشد وهذا الوجه أصوب ~~الوجوه . # PageV18P036 ! 7 < { قال ياقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقنى منه ~~رزقا حسنا ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما ~~استطعت وما توفيقىإلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب * وياقوم لا يجرمنكم ~~شقاقىأن يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط ~~منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود } . > 7 @QB@ ~~< # | هود : ( 88 - 90 ) قال يا قوم . . . . . # > > # /في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى حكى عن شعيب عليه السلام ما ذكره في ~~الجواب عن كلماتهم فالأول قوله : { قال ياقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ~~ربى ورزقنى منه } وفيه وجوه : الأول : أن قوله : { إن كنت على بينة من ربى ~~} إشارة إلى ما آتاه الله تعالى من العلم والهداية والدين والنبوة وقوله : ~~{ ورزقنى منه رزقا حسنا } إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال ، فإنه ~~يروى أن شعيبا عليه السلام كان كثير المال . # واعلم أن جواب إن الشرطية محذوف والتقدير : أنه تعالى لما آتاني جميع ~~السعادات الروحانية وهي البينة والسعادات الجسمانية وهي المال والرزق الحسن ~~فهل يسعني مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه وأن أخالفه في أمره ونهيه ~~، وهذا الجواب شديد المطابقة لما تقدم وذلك لأنهم قالوا له : { إنك لانت ~~الحليم الرشيد } فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن تنهانا عن دين آبائنا فكأنه ~~قال إنما أقدمت على هذا العمل ، لأن نعم الله تعالى عندي كثيرة وهو أمرني ~~بهذا التبليغ والرسالة ، فكيف يليق بي مع كثرة نعم الله تعالى على أن أخالف ~~أمره وتكليفه . الثاني : أن يكون التقدير كأنه يقول لما ثبت عندي أن ~~الاشتغال بعبادة غير الله والاشتغال بالبخس والتطفيف عمل منكر ، ثم أنا رجل ~~أريد إصلاح أحوالكم ولا أحتاج إلى أموالكم لأجل أن الله تعالى ms5011 آتاني رزقا ~~حسنا فهل يسعني مع هذه الأحوال أن أخون في وحي الله تعالى وفي حكمه . ~~الثالث : قوله : { إن كنت على بينة من ربى } أي ما حصل عنده من المعجزة ~~وقوله : { ورزقنى منه رزقا حسنا } المراد أنه لا يسألهم أجرا ولا جعلا وهو ~~الذي ذكره سائر الأنبياء من قولهم : { لا أسألكم عليه أجرا إن أجرى إلا على ~~* رب العالمين } . # المسألة الثانية : قوله : { ورزقنى منه رزقا حسنا } يدل على أن ذلك الرزق ~~إنما حصل من عند الله تعالى وبإعانته وأنه لا مدخل للكسب فيه ، وفيه تنبيه ~~على أن الإعزاز من الله تعالى والإذلال من الله تعالى ، وإذا كان الكل من ~~الله تعالى فأنا لا أبالي بمخالفتكم ولا أفرح بموافقتكم ، وإنما أكون على ~~تقرير دين الله تعالى PageV18P037 وإيضاح شرائع الله تعالى . # / وأما الوجه الثاني : من الأجوبة التي ذكرها شعيب عليه السلام فقوله : { ~~وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } قال صاحب ( الكشاف ) : يقال ~~خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت ~~قاصده ، ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه . فيقول : خالفني إلى ~~الماء ، يريد أنه قد ذهب إليه واردا وأنا ذهب عنه صادرا ، ومنه قوله : { ~~وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي ~~نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم فهذا بيان اللغة / وتحقيق الكلام فيه أن ~~القوم اعترفوا بأنه حليم رشيد ، وذلك يدل على كمال العقل ، وكمال العقل ~~يحمل صاحبه على اختيار الطريق الأصوب الأصلح ، فكأنه عليه السلام قال لهم ~~لما اعترفتم بكمال عقلي فاعلموا أن الذي اختاره عقلي لنفسي لا بد وأن يكون ~~أصوب الطرق وأصلحها والدعوة إلى توحيد الله تعالى وترك البخس والنقصان يرجع ~~حاصلهما إلى جزأين ، التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى ~~وأنا مواظب عليهما غير تارك لهما في شيء من الأحوال ألبتة فلما اعترفتم لي ~~بالحلم والرشد وترون أني لا أترك هذه الطريقة ، فاعلموا أن هذه الطريقة خير ~~الطرق ، وأشرف الأديان ms5012 والشرائع . # وأما الوجه الثالث : من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله : { ~~إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } والمعنى ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ~~ونصيحتي ، وقوله : { ما استطعت } فيه وجوه : الأول : أنه ظرف والتقدير : ~~مدة استطاعتي للإصلاح وما دمت متمكنا منه لا آلو فيه جهدا . والثاني : أنه ~~بدل من الإصلاح ، أي المقدار الذي استطعت منه . والثالث : أن يكون مفعولا ~~له أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه . # واعلم أن المقصود من هذا الكلام أن القوم كانوا قد أقروا بأنه حليم رشيد ~~، وإما أقروا له بذلك لأنه كان مشهورا فيما بين الخلق بهذه الصفة ، فكأنه ~~عليه السلام قال لهم إنكم تعرفون من حالي أني لا أسعى إلا في الإصلاح ~~وإزالة الفساد والخصومة ، فلما أمرتكم بالتوحيد وترك إيذاء الناس ، فاعلموا ~~أنه دين حق وأنه ليس غرضي منه إيقاع الخصومة وإثارة الفتنة ، فإنكم تعرفون ~~أني أبغض ذلك الطريق ولا أدور إلا على ما يوجب الصلح والصلاح بقدر طاقتي ، ~~وذلك هو الإبلاغ والإنذار ، وأما الإجبار على الطاعة فلا أقدر عليه ، ثم ~~إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله : { وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه ~~أنيب } وبين بهذا أن توكله واعتماده في تنفيذ كل الأعمال الصالحة على توفيق ~~الله تعالى وهدايته . # واعلم أن قوله عليه السلام توكلت إشارة إلى محض التوحيد ، لأن قوله عليه ~~السلام توكلت يفيد / الحصر ، وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد ~~إلا على الله تعالى وكيف وكل ما سوى الحق سبحانه ممكن لذاته فإن بذاته ، ~~ولا يحصل إلا بإيجاده وتكوينه ، وإذا كان كذلك لم يجز التوكل إلا على الله ~~تعالى وأعظم مراتب معرفة المبدأ هو الذي ذكرناه ، وأما قوله : { وإليه أنيب ~~} فهو إشارة إلى معرفة المعاد ، وهو أيضا يفيد الحصر لأن قوله : { وإليه ~~أنيب } يدل على أنه لا مرجع للخلق إلا إلى الله تعالى وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيب عليه السلام قال : ( ذاك خطيب ~~الأنبياء ) لحسن مراجعته في ms5013 كلامه بين قومه . # وأما الوجه الرابع : من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله : { ~~أنيب وياقوم لا يجرمنكم شقاقى أن يصيبكم } PageV18P038 قال صاحب ( الكشاف ) ~~: جرم مثل كسب في تعديته تارة إلى مفعول واحد وأخرى إلى مفعولين يقال جرم ~~ذنبا وكسبه وجرمه ذنبا وكسبه إياه ، ومنه قوله تعالى : { لا يجرمنكم شقاقى ~~أن يصيبكم } أي لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب ، وقرأ ابن كثير { يجرمنكم } ~~بضم الياء من أجرمته ذنبا إذا جعلته جارما له أي كاسبا له . وهو منقول من ~~جرم المتعدي إلى مفعول واحد ، وعلى هذا فلا فرق بين جرمته ذنبا وأجرمته ~~إياه ، والقراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما إلا أن المشهورة ~~أفصح لفظا كما أن كسبه مالا أفصح من أكسبه . # إذا عرفت هذا فنقول : المراد من الآية لا تكسبنكم معاداتكم إياي أي ~~يصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا مثل ما حصل لقوم نوح عليه السلام من الغرق ~~/ ولقوم عود من الريح العقيم ولقوم صالح من الرجفة ، ولقوم لوط من الخسف . # وأما قوله : { وما قوم لوط منكم ببعيد } ففيه وجهان : الأول : أن المراد ~~نفي البعد في المكان لأن بلاد قوم لوط عليه السلام قريبة من مدين ، والثاني ~~: أن المراد نفي البعد في الزمان لأن إهلاك قوم لوط عليه السلام أقرب ~~الإهلاكات التي عرفها الناس في زمان شعيب عليه السلام ، وعلى هذين ~~التقديرين فإن القرب في المكان وفي الزمان يفيد زيادة المعرفة وكمال الوقوف ~~على الأحوال فكأنه يقول اعتبروا بأحوالهم واحذروا من مخالفة الله تعالى ~~ومنازعته حتى لا ينزل بكم مثل ذلك العذاب . # فإن قيل : لم قال : { وما قوم لوط منكم ببعيد } وكان الواجب أن يقال ~~ببعيدين ؟ # أجاب عنه صاحب ( الكشاف ) من وجهين : الأول : أن يكون التقدير ما إهلاكهم ~~شيء بعيد . الثاني : أنه يجوز أن يسوى في قريب وبعيد وكثير وقليل بين ~~المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما . # / وأما الوجه الخامس : من الوجوه التي ذكرها شعيب عليه السلام فهو قوله : ~~واستغفروا ربكم من عبادة الأوثان ثم توبوا ms5014 إليه عن البخس والنقصان إن ربي ~~رحيم بأوليائه ودود . قال أبو بكر الأنباري : الودود في أسماء الله تعالى ~~المحب لعباده ، من قولهم وددت الرجل أوده ، وقال الأزهري في ( كتاب شرح ~~أسماء الله تعالى ) ويجوز أن يكون ودود فعولا بمعنى مفعول كركوب وحلوب ، ~~ومعناه أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه لكثرة إفضاله وإحسانه على الخلق . # واعلم أن هذا الترتيب الذي راعاه شعيب عليه السلام في ذكر هذه الوجوه ~~الخمسة ترتيب لطيف وذلك لأنه بين أولا أن ظهور البينة له وكثرة إنعام الله ~~تعالى عليه في الظاهر والباطن يمنعه عن الخيانة في وحي الله تعالى ويصده عن ~~التهاون في تكاليفه . ثم بين ثانيا أنه مواظب على العمل بهذه الدعوة ولو ~~كانت باطلة لما اشتغل هو بها مع اعترافكم بكونه حليما رشيدا ، ثم بين صحته ~~بطريق آخر وهو أنه كان معروفا بتحصيل موجبات الصلاح وإخفاء موجبات الفتن ، ~~فلو كانت هذه الدعوة باطلة لمااشتغل بها ، ثم لما بين صحة طريقته أشار إلى ~~نفي المعارض وقال لا ينبغي أن تحملكم عداوتي على مذهب ودين تقعون بسببه في ~~العذاب الشديد من الله تعالى ، كما وقع فيه أقوام الأنبياء المتقدمين ، ثم ~~إنه لما صحح مذهب نفسه بهذه الدلائل عاد إلى تقرير ما ذكره أولا وهو ~~التوحيد والمنع من البخس بقوله : { ثم توبوا إليه } ثم بين لهم أن سبق ~~الكفر والمعصية منهم لا ينبغي أن يمنعهم من الإيمان والطاعة لأنه تعالى ~~رحيم ودود يقبل الإيمان والتوبة من الكافر والفاسق لأن رحمته وحبه لهم يوجب ~~ذلك ، وهذا التقرير في غاية الكمال . # PageV18P039 ! 7 < { قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك ~~فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك ومآ أنت علينا بعزيز } . > 7 ! # < < # | هود : ( 91 ) قالوا يا شعيب . . . . . # > > اعلم أنه عليه السلام لما بالغ في التقرير والبيان ، أجابوه بكلمات ~~فاسدة . فالأول : قولهم : { قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : أنه عليه السلام كان يخاطبهم بلسانهم ، ~~فلم قالوا : { ما نفقه } والعلماء ذكروا عنه أنواعا من الجوابات ms5015 : فالأول : ~~أن المراد : ما نفهم كثيرا مما تقول ، لأنهم / كانوا لا يلقون إليه أفهامهم ~~لشدة نفرتهم عن كلامه وهو كقوله : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } ( ~~الأنعام : 25 ) الثاني : أنهم فهموه بقلوبهم ولكنهم ما أقاموا له وزنا ، ~~فذكروا هذا الكلام على وجه الاستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذ لم يعبأ ~~بحديثه : ما أدري ما تقول . الثالث : أن هذه الدلائل التي ذكرها ما أقنعتهم ~~في صحة التوحيد والنبوة والبعث ، وما يجب من ترك الظلم والسرقة ، فقولهم : ~~{ ما نفقه } أي لم نعرف صحة الدلائل التي ذكرتها على صحة هذه المطالب . # المسألة الثانية : من الناس من قال : الفقه اسم لعلم مخصوص ، وهو معرفة ~~غرض المتكلم من كلامه واحتجوا بهذه الآية وهي قوله : { ما نفقه كثيرا مما ~~تقول } فأضاف الفقه إلى القول ثم صار اسما لنوع معين من علوم الدين ، ومنهم ~~من قال : إنه اسم لمطلق الفهم . يقال : أوتي فلان فقها في الدين ، أي فهما ~~. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) ~~أي يفهمه تأويله . # والنوع الثاني : من الأشياء التي ذكروها قولهم : { وإنا لنراك فينا ضعيفا ~~} وفيه وجهان : الأول : أنه الضعيف الذي يتعذر عليه منع القوم عن نفسه ، ~~والثاني : أن الضعيف هو الأعمى بلغة حمير . واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه ~~: الأول : أنه ترك للظاهر من غير دليل ، والثاني : أن قوله : { فينا } يبطل ~~هذا الوجه ؛ ألا ترى أنه لو قال : إنا لنراك أعمى فينا كان فاسدا ، لأن ~~الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم ، الثالث : أنهم قالوا بعد ذلك { ولولا رهطك ~~لرجمناك } فنفوا عنه القوة التي أثبتوها في رهطه ، ولما كان المراد بالقوة ~~التي أثبتوها للرهط هي النصرة ، وجب أن تكون القوة التي نفوها عنه هي ~~النصرة ، والذين حملوا اللفظ على ضعف البصر لعلهم إنما حملوه عليه ، لأنه ~~سبب للضعف . # واعلم أن أصحابنا يحوزون العمى على الأنبياء ، إلا أن هذا اللفظ لا يحسن ~~الاستدلال به في إثبات هذا المعنى لما بيناه . وأما المعتزلة فقد اختلفوا ~~فيه فمنهم من قال ms5016 : إنه لا يجوز لكونه متعبدا فإنه لا يمكنه الاحتراز عن ~~النجاسات ، ولأنه ينحل بجواز كونه حاكما وشاهدا ، فلأن يمنع من النبوة كان ~~أولى ، والكلام فيه لا يليق بهذه الآية ، لأنا بينا أن الآية لا دلالة فيها ~~على هذا المعنى . # والنوع الثالث : من الأشياء التي ذكروها قولهم : { ولولا رهطك لرجمناك } ~~وفيه مسألتان : PageV18P040 # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الرهط من الثلاثة إلى العشرة ، ~~وقيل إلى السبعة ، وقد كان رهطه على ملتهم . قالوا لولا حرمة رهطك عندنا ~~بسبب كونهم على ملتنا لرجمناك ، والمقصود من هذا الكلام أنهم بينوا أنه لا ~~حرمة له عندهم ، ولا وقع له في صدورهم ، وأنهم إنما لم يقتلوه / لأجل ~~احترامهم رهطه . # المسألة الثانية : الرجم في اللغة عبارة عن الرمي ، وذلك قد يكون ~~بالحجارة عند قصد القتل ، ولما كان هذا الرجم سببا للقتل لا جرم سموا القتل ~~رجما / وقد يكون بالقول الذي هو القذف ، كقوله : { رجما بالغيب } ( الكهف : ~~22 ) وقوله : { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } ( سبأ : 53 ) وقد يكون ~~بالشتم واللعن ، ومنه قوله : { الشيطان الرجيم } ( النحل : 98 ) وقد يكون ~~بالطرد كقوله : { رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) . # إذا عرفت هذا ففي الآية وجهان : الأول : { لرجمناك } لقتلناك . الثاني : ~~لشتمناك وطردناك . # النوع الرابع : من الأشياء التي ذكروها قولهم : { وما أنت علينا بعزيز } ~~ومعناه أنك لما لم تكن علينا عزيزا سهل علينا الإقدام على قتلك وإيذائك . # واعلم أن كل هذه الوجوه التي ذكروها ليست دافعا لما قرره شعيب عليه ~~السلام من الدلائل والبينات ، بل هي جارية مجرى مقابلة الدليل والحجة ~~بالشتم والسفاهة . # ! 7 < { قال ياقوم أرهطىأعز عليكم من الله واتخذتموه ورآءكم ظهريا إن ربى ~~بما تعملون محيط * وياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل سوف تعلمون من يأتيه ~~عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إنى معكم رقيب } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 92 - 93 ) قال يا قوم . . . . . # > > # اعلم أن الكفار لما خوفوا شعيبا عليه السلام بالقتل والإيذاء ، حكى الله ~~تعالى عنه ما ذكره في هذا المقام ، وهو نوعان من الكلام : # النوع الأول : قوله : { قال ياقوم أرهطى أعز عليكم من ms5017 الله واتخذتموه ~~وراءكم ظهريا إن ربى بما تعملون محيط } والمعنى : أن القوم زعموا أنهم ~~تركوا إيذاءه رعاية لجانب قومه . فقال : أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي ~~إكراما لرهطي ، والله تعالى أولى أن يتبع أمره ، فكأنه يقول : حفظتكم / ~~إياي رعاية لأمر الله تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي . # وأما قوله : { واتخذتموه وراءكم ظهريا } فالمعنى : أنكم نسيتموه وجعلتموه ~~كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به . قال صاحب ( الكشاف ) : والظهري ~~منسوب إلى الظهر ، والكسر من تغيرات النسب ونظيره قولهم في النسبة إلى ~~الأمس إمسي بكسر الهمزة ، وقوله : { إن ربى بما تعملون محيط } يعني أنه ~~عالم بأحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها . PageV18P041 # والنوع الثاني : قوله : { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إنى عامل } ~~والمكانة الحالة يتمكن بها صاحبها من عمله ، والمعنى اعملوا حال كونكم ~~موصوفين بغاية المكنة والقدرة وكل ما في وسعكم وطاقتكم من إيصال الشرور إلي ~~فإني أيضا عامل بقدر ما آتاني الله تعالى من القدرة . # ثم قال : { سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول لم لم يقل { فسوف تعلمون } والجواب : ~~إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ، وإما بحذف الفاء فإنه يجعله جوابا ~~عن سؤال مقدر والتدير : أنه لما قال : { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إنى ~~عامل } فكأنهم قالوا فماذا يكون بعد ذلك ؟ فقال : { سوف تعلمون } فظهر أن ~~حذف حرف الفاء ههنا أكمل في باب الفظاعة والتهويل . ثم قال { وارتقبوا إنى ~~معكم رقيب } والمعنى : فانتظروا العاقبة إني معكم رقيب أي منتظر ، والرقيب ~~بمعنى الراقب من رقبه كالضريب والصريم بمعنى الضارب والصارم ، أو بمعنى ~~المراقب كالعشير والنديم ، أو بمعنى المرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر ~~والمرتفع . # ! 7 < { ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءامنوا معه برحمة منا وأخذت ~~الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا فيهآ ألا بعدا ~~لمدين كما بعدت ثمود } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 94 - 95 ) ولما جاء أمرنا . . . . . # > > # روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لم يعذب الله تعالى ms5018 أمتين ~~بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم ~~، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم / وقوله : { ولما جاء أمرنا } يحتمل أن يكون ~~المراد منه ولما جاء وقت أمرنا ملكا من الملائكة بتلك الصيحة ، ويحتمل أن ~~يكون المراد من الأمر العقاب ، وعلى التقديرين فأخبر الله أنه نجى شعيبا ~~ومن معه من المؤمنين برحمة منه وفيه وجهان : الأول : أنه تعالى إنما خلصه ~~من ذلك العذاب لمحض رحمته ، تنبيها على أن كل ما يصل إلى العبد فليس إلا ~~بفضل الله ورحمته . والثاني : أن يكون المراد من الرحمة الإيمان والطاعة ~~وسائر الأعمال الصالحة وهي أيضا ما حصلت إلا بتوفيق الله تعالى ، ثم وصف ~~كيفية ذلك العذاب فقال : { وأخذت الذين ظلموا الصيحة } وإنما ذكر الصيحة ~~بالألف واللام إشارة إلى المعهود السابق وهي صيحة جبريل عليه السلام { ~~فأصبحوا فى ديارهم جاثمين } والجاثم الملازم لمكانه الذي لا يتحول عنه يعني ~~أن جبريل عليه السلام لما صاح بهم تلك الصيحة زهق روح كل واحد منهم بحيث ~~يقع في مكانه ميتا { كأن لم يغنوا فيها } أي كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء ~~متصرفين مترددين . # ثم قال تعالى : { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود } . وقد تقدم تفسير هذه ~~اللفظة وإنما قاس حالهم على ثمود لما ذكرنا أنه تعالى عذبهم مثل عذاب ثمود ~~. # PageV18P042 ! 7 < { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون ~~وملإيه فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد * يقدم قومه يوم القيامة ~~فأوردهم النار وبئس الورد المورود * وأتبعوا فى هاذه لعنة ويوم القيامة بئس ~~الرفد المرفود } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 96 - 99 ) ولقد أرسلنا موسى . . . . . # > > # واعلم أن هذه هي القصة السابعة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه ~~السورة وهي آخر القصص من هذه السورة ، أما قوله : { بآياتنا وسلطان مبين } ~~ففيه وجوه : الأول : أن المراد من الآيات التوراة مع ما فيها من الشرائع ~~والأحكام ، ومن السلطان المبين المعجزات القاهرة الباهرة / والتقدير : ولقد ~~أرسلنا موسى بشرائع وأحكام وتكاليف وأيدناه بمعجزات قاهرة وبينات باهرة ~~الثاني : أن الآيات ms5019 هي المعجزات والبينات وهو كقوله : { إن عندكم من سلطان ~~بهاذا } ( يونس : 68 ) وقوله : { ما أنزل الله بها من سلطان } ( النجم : 23 ~~) وعلى هذا التقدير ففي الآية وجهان : الأول : أن هذه الآيات فيها سلطان ~~مبين لموسى على صدق نبوته . الثاني : أن يراد السلطان المبين العصا ، لأنه ~~أشهرها وذلك لأنه تعالى أعطى موسى تسع آيات بينات ، وهي العصا واليد ~~والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الثمرات والأنفس . ومنهم ~~من أبدل نقص الثمرات والأنفس بإظلال الجبل وفلق البحر ، واختلفوا في أن ~~الحجة لم سميت بالسلطان . فقال بعض المحققين : لأن صاحب الحجة يقهر من لا ~~حجة معه عند النظر كما يقهر السلطان غيره ، فلهذا توصف الحجة بأنها سلطان ، ~~وقال الزجاج : السلطان هو الحجة والسلطان سمي سلطانا لأنه حجة الله في أرضه ~~واشتقاقه من السليط والسليط ما يضاء به ومن هذا قيل للزيت السليط وفيه قول ~~ثالث : وهو أن السلطان مشتق من التسليط ، والعلماء سلاطين بسبب كمالهم في ~~القوة العلمية والملوك سلاطين بسبب ما معهم من القدرة والمكنة ، إلا أن ~~سلطنة العلماء أكمل وأقوى من سلطنة الملوك ، لأن سلطنة العلماء لا تقبل ~~النسخ والعزل وسلطنة الملوك تقبلهما ولأن سلطنة الملوك تابعة لسلطنة ~~العلماء وسلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء وسلطنة الملوك من جنس سلطنة ~~الفراعنة . # فإن قيل : إذا حملتم الآيات المذكورة في قوله : { بئاياتنا } على ~~المعجزات والسلطان أيضا على الدلائل والمبين أيضا معناه كونه سببا للظهور ~~فما الفرق بين هذه المراتب الثلاثة ؟ # قلنا : الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظن ، وبين ~~الدلائل التي تفيد اليقين وأما السلطان فهو اسم لما يفيد القطع واليقين ، ~~إلا أنه اسم للقدر المشترك بين الدلائل التي تؤكد بالحس ، وبين الدلائل ~~التي لم تتأكد بالحس ، وأما الدليل القاطع الذي تأكد بالحس فهو السلطان ~~المبين ، ولما كانت PageV18P043 معجزات موسى عليه السلام هكذا لا جرم وصفها ~~الله بأنها سلطان مبين . ثم قال : { إلى فرعون } يعني وأرسلنا موسى بآياتنا ~~بمثل هذه الآيات إلى فرعون وملائه ، أي جماعته . ثم قال : { وملإيه فاتبعوا ms5020 ~~أمر فرعون } ويحتمل أن يكون المراد أمره إياهم بالكفر بموسى ومعجزاته ~~ويحتمل أن يكون المراد من الأمر الطريق والشأن . # ثم قال تعالى : { وما أمر فرعون برشيد } أي بمرشد إلى خير ، وقيل رشيد أي ~~ذي رشد . # واعلم أن بعد طريق فرعون من الرشد كان ظاهرا لأنه كان دهريا نافيا للصانع ~~والمعاد وكان يقول : لا إله للعالم وإنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا ~~بطاعة سلطانهم وعبوديته رعاية / لمصلحة العالم وأنكر أن يكون الرشد في ~~عبادة الله ومعرفته فلما كان هو نافيا لهذين الأمرين كان خاليا عن الرشد ~~بالكلية / ثم إنه تعالى ذكر صفته وصفة قومه فقال : { يقدم قومه يوم القيامة ~~فأوردهم النار } وفيه بحثان : # البحث الأول : من حيث اللغة يقال : قدم فلان فلانا بمعنى تقدمه ، ومنه ~~قادمة الرجل كما يقال قدمه بمعنى تقدمه ، ومنه مقدمة الجيش . # والبحث الثاني : من حيث المعنى وهو أن فرعون كان قدوة لقومه في الضلال ~~حال ما كانوا في الدنيا وكذلك مقدمهم إلى النار وهم يتبعونه ، أو يقال كما ~~تقدم قومه في الدنيا فأدخلهم في البحر وأغرقهم فكذلك يتقدمهم يوم القيامة ~~فيدخلهم النار ويحرقهم ، ويجوز أيضا أن يريد بقوله : { وما أمر فرعون برشيد ~~} أي وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله : { يقدم قومه } تفسيرا لذلك ~~، وأيضاحا له ، أي كيف يكون أمره رشيدا مع أن عاقبته هكذا . # فإن قيل : لم لم يقل : يقدم قومه فيوردهم النار ؟ بل قال : يقدم قومه ~~فأوردهم النار بلفظ الماضي . # قلنا : لأن الماضي قد وقع ودخل في الوجود فلا سبيل ألبتة إلى دفعه ، فإذا ~~عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل على غاية المبالغة ، ثم قال : { وبئس الورد ~~المورود } وفيه بحثان : # البحث الأول : لفظ ( النار ) مؤنث ، فكان ينبغي أن يقال : وبئست الورد ~~المورود إلا أن لفظ ( الورد ) مذكر ، فكان التذكير والتأنيث جائزين كما ~~تقول : نعم المنزل دارك ، ونعمت المنزل دارك ، فمن ذكر غلب المنزل ومن أنث ~~بنى على تأنيث الدار هكذا قاله الواحدي . # البحث الثاني : الورد قد يكون بمعنى الورود فيكون مصدرا وقد يكون ms5021 بمعنى ~~الوارد . قال تعالى : { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } ( مريم : 86 ) وقد ~~يكون بمعنى المورود عليه كالماء الذي يورد عليه . قال صاحب ( الكشاف ) : ~~الورد المورود الذي حصل وروده . فشبه الله تعالى فرعون بمن يتقدم الواردة ~~إلى الماء وشبه أتباعه بالواردين إلى الماء ، ثم قال بئس الورد الذي ~~يوردونه النار ، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد ، والنار ~~ضده . # ثم قال : { وأتبعوا فى هاذه لعنة ويوم القيامة } والمعنى أنهم أتبعوا في ~~هذه الدنيا لعنة وفي يوم القيامة أيضا ، ومعناه أن اللعن من الله ومن ~~الملائكة والأنبياء ملتصق بهم في الدنيا وفي الآخرة لا يزول عنهم ، ونظيره ~~قوله في سورة القصص : { وأتبعناهم فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين } ( القصص : 42 ) . # / ثم قال : { بئس الرفد المرفود } والرفد هو العطية وأصله الذي يعين على ~~المطلوب سأل نافع بن PageV18P044 الأزرق ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله : ~~{ بئس الرفد المرفود } قال هو اللعنة بعد اللعنة . قال قتادة : ترادفت ~~عليهم لعنتان من الله تعالى لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة وكل شيء جعلته ~~عونا لشيء فقد رفدته به . # ! 7 < { ذالك من أنبآء القرى نقصه عليك منها قآئم وحصيد * وما ظلمناهم ~~ولاكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم ءالهتهم التى يدعون من دون الله من شىء ~~لما جآء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 100 - 101 ) ذلك من أنباء . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر قصص الأولين قال : { ذالك من أنباء القرى نقصه ~~عليك } والفائدة في ذكرها أمور : أولها : أن الانتفاع بالدليل العقلي المحض ~~إنما يحصل للإنسان الكامل ، وذلك إنما يكون في غاية الندرة . فأما إذا ذكرت ~~الدلائل ثم أكدت بأقاصيص الأولين صار ذكر هذه الأقاصيص كالموصل لتلك ~~الدلائل العقلية إلى العقول . # الوجه الثاني : أنه تعالى خلط بهذه الأقاصيص أنواع الدلائل التي كان ~~الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بها ويذكر مدافعات الكفار لتلك الدلائل ~~وشبهاتهم في دفعها ، ثم يذكر عقيبهما أجوبة الأنبياء عنها ثم يذكر عقيبها ~~أنهم لما أصروا واستكبروا وقعوا في عذاب الدنيا ms5022 وبقي عليهم اللعن والعقاب ~~في الدنيا وفي الآخرة ، فكان ذكر هذه القصص سببا لإيصال الدلائل والجوابات ~~عن الشبهات إلى قلوب المنكرين ، وسببا لإزالة القسوة والغلظة عن قلوبهم ، ~~فثبت أن أحسن الطرق في الدعوة إلى الله تعالى ما ذكرناه . # الفائدة الثالثة : أنه عليه السلام كان يذكر هذه القصص من غير مطالعة كتب ~~، ولا تلمذ لأحد وذلك معجزة عظيمة تدل على النبوة كما قررناه . # الفائدة الرابعة : إن الذين يسمعون هذه القصص يتقرر عندهم أن عاقبة ~~الصديق والزنديق والموافق والمنافق إلى ترك الدنيا والخروج عنها ، إلا أن ~~المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا ، والثواب الجزيل في ~~الآخرة ، والكافر يخرج من الدنيا مع اللعن في الدنيا / والعقاب في الآخرة ، ~~فإذا تكررت هذه الأقاصيص على السمع ، فلا بد وأن يلين القلب وتخضع النفس ~~وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال ، فهذا كلام ~~جليل في فوائد ذكر هذه القصص . # أما قوله : { ذالك من أنباء القرى } ففيه أبحاث : # البحث الأول : أو قوله : { ذالك } إشارة إلى الغائب ، والمراد منه ههنا ~~الإشارة إلى هذه القصص التي تقدمت ، وهي حاضرة ، إلا أن الجواب عنه ما تقدم ~~في قوله : { ذالك الكتاب لا ريب فيه } ( البقرة : 2 ) . # البحث الثاني : أن لفظ ( ذلك ) يشار به إلى الواحد والاثنين والجماعة ~~لقوله تعالى : { لا فارض ولا بكر عوان بين ذالك } ( البقرة : 68 ) ~~PageV18P045 وأيضا يحتمل أن يكون المراد ذلك الذي ذكرناه هو كذا وكذا . # البحث الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) : ( ذلك ) مبتدأ { من أنباء القرى } ~~خبر { نقصه عليك } خبر بعد خبر أي ذلك المذكور بعض أنبار القرى مقصوص عليك ~~. ثم قال : { منها قائم وحصيد } والضمير في قوله : { منها } يعود إلى القرى ~~شبه ما بقي من آثار القرى وجدرانها بالزرع القائم على ساقه وما عفا منها ~~وبطر بالحصيد ، والمعنى أن تلك القرى بعضها بقي منه شيء وبعضها هلك وما بقي ~~منه أثر ألبتة . # ثم قال تعالى : { وما ظلمناهم ولاكن ظلموا أنفسهم } وفيه وجوه : الأول : ~~وما ظلمناهم بالعذاب والإهلاك ، ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر ms5023 والمعصية . ~~الثاني : أن الذي نزل بالقوم ليس بظلم من الله بل هو عدل وحكمة ، لأجل أن ~~القوم أولا ظلموا أنفسهم بسبب إقدامهم على الكفر والمعاصي فاستوجبوا لأجل ~~تلك الأعمال من الله ذلك العذاب . الثالث : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~يريد وما نقصناهم من النعيم في الدنيا والرزق / ولكن نقصوا حظ أنفسهم حيث ~~استخفوا بحقوق الله تعالى . # ثم قال : { فما أغنت عنهم ءالهتهم التى يدعون من دون الله من شىء } أي ما ~~نفعتهم تلك الآلهة في شيء ألبتة . # ثم قال : { وما زادوهم غير تتبيب } قال ابن عباس رضي الله عنهما : غير ~~تخسير . يقال : تب إذا خسر وتببه غيره إذا أوقعه في الخسران ، والمعنى أن ~~الكفار كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين على تحصيل المنافع ودفع المضار ~~ثم إنه تعالى أخبر أنهم عند مساس الحاجة إلى المعين ما وجدوا منها شيئا لا ~~جلب نفع ولا دفع ضر ، ثم كما لم يجدوا ذلك فقد وجدوا ضده ، وهو أن ذلك / ~~الإعتقاد زال عنهم به منافع الدنيا والآخرة وجلب إليهم مضار الدنيا والآخرة ~~، فكان ذلك من أعظم موجبات الخسران . # ! 7 < { وكذالك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد * إن ~~فى ذالك لآية لمن خاف عذاب الا خرة ذالك يوم مجموع له الناس وذالك يوم ~~مشهود * وما نؤخره إلا لاجل معدود } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 102 - 104 ) وكذلك أخذ ربك . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم والجحدري : { إذ * أخذ القرى } بألف واحدة ، ~~وقرأ الباقون بألفين . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما أخبر الرسول عليه السلام في كتابه ~~بما فعل بأمم من تقدم من الأنبياء لما خالفوا الرسل وردوا عليهم من عذاب ~~الاستئصال ، وبين أنهم ظلموا أنفسهم فحل بهم العذاب في الدنيا قال بعده : { ~~وكذالك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة } فبين أن عذابه ليس بمقتصر على من ~~تقدم ، بل الحال في أخذ كل الظالمين يكون كذلك وقوله : { وهى ظالمة } ~~الضمير فيه عائد إلى القرى وهو في PageV18P046 الحقيقة عائد إلى أهلها ، ~~ونظيره ms5024 قوله : { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة } ( الأنبياء : 11 ) وقوله : ~~{ وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } ( القصص : 58 ) . # واعلم أنه تعالى لما بين كيفية أخذ الأمم المتقدمة ثم بين أنه إنما يأخذ ~~جميع الظالمين على ذلك الوجه أتبعه بما يزيده تأكيدا وتقوية فقال : { إن ~~أخذه أليم شديد } فوصف ذلك العذاب بالإيلام وبالشدة ، ولا منغصة في الدنيا ~~إلا الألم ، ولا تشديد في الدنيا وفي الآخرة ، وفي الوهم والعقل إلا تشديد ~~الألم . # واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ~~ذلك بالتوبة والإنابة لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم ~~شديد ولا ينبغي أن يظن أن هذه الأحكام / مختصة بأولئك المتقدمين ، لأنه ~~تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال : { وكذالك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ~~ظالمة } فبين أن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي ، فلا بد ~~وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد . # ثم قال تعالى : { إن فى ذالك لآية لمن خاف عذاب الاخرة } قال القفال : ~~تقرير هذا الكلام أن يقال : إن هؤلاء إنما عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم ~~الأنبياء وإشراكهم بالله ، فإذا عذبوا في الدنيا على ذلك وهي دار العمل ، ~~فلأن يعذبوا عليه في الآخرة التي هي دار الجزاء كان أولى . # واعلم أن كثيرا ممن تنبه لهذا البحث من المفسرين عولوا على هذا الوجه ، ~~بل هو ضعيف وذلك لأن على هذا الوجه الذي ذكره القفال يكون ظهور عذاب ~~الاستئصال في الدنيا دليلا على أن القول بالقيامة والبعث والنشر حق وصدق ، ~~وظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور ~~عذاب الاستئصال ، وهذا المعنى كالمضاد لما ذكره القفال ، لأن القفال يجعل ~~العلم بعذاب الاستئصال أصلا للعلم بأن القيامة حق ، فبطل ما ذكره القفال ~~والأصوب عندي أن يقال : العلم بأن القيامة حق موقوف على العلم بأن المدبر ~~لوجود هذه السموات والأرضين فاعل مختار لا موجب بالذات وما لم يعرف الإنسان ~~أن إله العالم فاعل ms5025 مختار وقادر على كل الممكنات وأن جميع الحوادث الواقعة ~~في السموات والأرضين لا تحصل إلا بتكوينه وقضائه ، لا يمكنه أن يعتبر بعذاب ~~الاستئصال ، وذلك لأن الذين يزعمون أن المؤثر في وجود هذا العالم موجب ~~بالذات لا فاعل مختار ، يزعمون أن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء ~~مثل الغرق والحرق والخسف والمسخ والصيحة كلها إنما حدثت بسبب قرانات ~~الكواكب واتصال بعضها ببعض / وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ لا يكون حصولها ~~دليلا على صدق الأنبياء ، فأما الذي يؤمن بالقيامة ، فلا يتم ذلك الإيمان ~~إلا إذا اعتقد أنه إله العالم فاعل مختار وأنه عالم بجميع الجزئيات ، وإذا ~~كان الأمر كذلك لزم القطع بأن حدوث هذه الحوادث الهائلة والوقائع العظيمة ~~إنما كان بسبب أن إله العالم خلقها وأوجدها وأنها ليست بسبب طوالع الكواكب ~~وقراناتها ، وحينئذ ينتفع بسماع هذه القصص ، ويستدل بها على صدق الأنبياء ، ~~فثبت بهذا صحة قوله : { إن فى ذالك لآية لمن خاف عذاب الاخرة } . # ثم قال تعالى : { ذالك يوم مجموع له الناس وذالك يوم مشهود } . # واعلم أنه تعالى لما ذكر الآخرة وصف ذلك اليوم بوصفين : أحدهما : أنه يوم ~~مجموع له الناس ، والمعنى أن خلق الأولين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك ~~اليوم ويجمعون . والثاني : أنه يوم مشهود قال PageV18P047 ابن عباس رضي ~~الله عنهما يشهده البر والفاجر . وقال آخرون يشهده أهل السماء / وأهل الأرض ~~، والمراد من الشهود الحضور ، والمقصود من ذكره أنه ربما وقع في قلب إنسان ~~أنهم لما جمعوا في ذلك الوقت لم يعرف كل أحد إلا واقعة نفسه ، فبين تعالى ~~أن تلك الوقائع تصير معلومة للكل بسبب المحاسبة والمساءلة . # ثم قال تعالى : { وما نؤخره إلا لاجل معدود } والمعنى أن تأخير الآخرة ~~وإفناء الدنيا موقوف على أجل معدود وكل ماله عدد فهو متناه وكل ما كان ~~متناهيا فإنه لا بد وأن يفنى ، فيلزم أن يقال إن تأخير الآخرة سينتهي إلى ~~وقت لا بد وأن يقيم الله القيامة فيه ، وأن تخرب الدنيا فيه ، وكل ما هو آت ~~قريب . # ! 7 < { يوم يأت لا تكلم ms5026 نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد * فأما الذين ~~شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السماوات والا ~~رض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد * وأما الذين سعدوا ففى الجنة ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والا رض إلا ما شآء ربك عطآء غير مجذوذ } . > ~~7 @QB@ < # | هود : ( 105 - 108 ) يوم يأت لا . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة { يأت } بحذف الياء والباقون ~~بإثبات الياء . قال صاحب ( الكشاف ) : وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة ~~كثير في لغة هذيل ، ونحوه قولهم لا أدر حكاه الخليل وسيبويه . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : فاعل يأتي هو الله تعالى كقوله ~~: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } ( البقرة : 210 ) وقوله : { أو يأتى ~~ربك } ( الأنعام : 158 ) ويعضده قراءة من قرأ { وما } بالياء أقول لا ~~يعجبني هذا التأويل ، لأن قوله : { حكيم هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } ~~حكاه الله تعالى عن أقوام والظاهر أنهم هم اليهود ، وذلك ليس فيه حجة وكذا ~~قوله : { أو يأتى ربك } أما ههنا فهو صريح كلام الله تعالى وإسناد فعل ~~الإتيان إليه مشكل . # فإن قالوا : فما قولك في قوله تعالى : { وجاء ربك } . # قلنا : هناك تأويلات ، وأيضا فهو صريح ، فلا يمكن دفعه فوجب الامتناع منه ~~بل الواجب أن يقال : المراد منه يوم يأتي الشيء المهيب الهائل المستعظم ، ~~فحذف الله تعالى ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : العامل في انتصاب الظرف هو قوله ~~: { لا تكلم } أو إضمار اذكر . PageV18P048 # أما قوله : { لا تكلم نفس إلا بإذنه } ففيه حذف ، والتقدير : لا تكلم نفس ~~فيه إلا بإذن الله تعالى . # فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين سائر الآيات التي توهم كونها ~~مناقضة لهذه الآية منها قوله تعالى : { يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها } ( ~~النحل : 111 ) ومنها أنهم يكذبون ويحلفون بالله عليه وهو قولهم : { والله ~~ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) ومنها قوله تعالى : { وقفوهم إنهم } ~~( الصافات : 24 ) ومنها قوله : { هاذا يوم لا ينطقون * ولا ms5027 * يؤذون * لهم ~~فيعتذرون } ( المرسلات : 35 ) . # والجواب من وجهين : الأول : أنه حيث ورد المنع من الكلام فهو محمول على ~~الجوابات الحقية الصحيحة . الثاني : أن ذلك اليوم يوم طويل وله مواقف ، ففي ~~بعضها يجادلون عن أنفسهم ، وفي بعضها يكفون عن الكلام ، وفي بعضها يؤذن لهم ~~فيتكلمون ، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم . # أما قوله : { فمنهم شقى وسعيد } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الضمير في قوله : { فمنهم } لأهل ~~الموقف ولم يذكر لأنه معلوم ولأن قوله : { لا تكلم نفس إلا بإذنه } يدل ~~عليه لأنه قد مر ذكر الناس في قوله : { مجموع له الناس } ( هود : 103 ) . # المسألة الثانية : قوله : { فمنهم شقى وسعيد } يدل ظاهره على أن أهل ~~الموقف لا يخرجون عن هذين القسمين . # / فإن قيل : أليس في الناس مجانين وأطفال وهم خارجون عن هذين القسمين ؟ # قلنا : المراد من يحشر ممن أطلق للحساب وهم لا يخرجون عن هذين القسمين . # فإن قيل : قد احتج القاضي بهذه الآية على فساد ما يقال إن أهل الأعراف لا ~~في الجنة ولا في النار فما قولكم فيه ؟ # قلنا : لما سلم أن الأطفال والمجانين خارجون عن هذين القسمين لأنهم لا ~~يحاسبون فلم لا يجوز أيضا أن يقال : إن أصحاب الأعراف خارجون عنه لأنهم ~~أيضا لا يحاسبون ، لأن الله تعالى علم من حالهم أن ثوابهم يساوي عذابهم ، ~~فلا فائدة في حسابهم . # فإن قيل : القاضي استدل بهذه الآية أيضا على أن كل من حضر عرصة القيامة ~~فإنه لا بد وأن يكون ثوابه زائدا أو يكون عقابه زائدا ، فأما من كان ثوابه ~~مساويا لعقابه فإنه وإن كان جائزا في العقل ، إلا أن هذا النص دل على أنه ~~غير موجود . # قلنا : الكلام فيه ما سبق من أن السعيد هو الذي يكون من أهل الثواب ، ~~والشقي هو الذي يكون من أهل العقاب ، وتخصيص هذين القسمين بالذكر لا يدل ~~على نفي القسم الثالث ، والدليل على ذلك : أن أكثر الآيات مشتملة على ذكر ~~المؤمن والكافر فقط ، وليس فيه ذكر ثالث لا يكون لا مؤمنا ms5028 ولا كافرا مع أن ~~القاضي أثبته ، فإذا لم يلزم من عدم ذكر ذلك الثالث عدمه فكذلك لا يلزم من ~~ذكر هذا الثالث عدمه . PageV18P049 # المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنه ~~سعيد وعلى بعضهم بأنه شقي ، ومن حكم الله عليه بحكم وعلم منه ذلك الأمر ~~امتنع كونه بخلافه ، وإلا لزم أن يصير خبر الله تعالى كذبا وعلمه جاهلا ~~وذلك محال فثبت أن السعيد لا ينقلب شقيا وأن الشقي لا ينقلب سعيدا ، وتقرير ~~هذا الدليل مر في هذا الكتاب مرارا لا تحصى . وروي عن عمر رضي الله عنه أنه ~~قال : لما نزل قوله تعالى : { فمنهم شقى وسعيد } قلت يا رسول الله فعلى ~~ماذا نعمل على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم يفرغ منه ؟ فقال : ( على شيء ~~قد فرغ منه يا عمر وجفت به الأقلام وجرت به الأقدار ، ولكن كل ميسر لما خلق ~~له ) وقالت المعتزلة : نقل عن الحسن أنه قال : فمنهم شقي بعمله وسعيد بعمله ~~. # قلنا : الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات وأيضا فلا نزاع أنه إنما شقي ~~بعمله وإنما سعد بعمله ولكن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء الله وقدره كان ~~الدليل الذي ذكرناه باقيا . # / واعلم أنه تعالى لما قسم أهل القيامة إلى هذين القسمين شرح حال كل واحد ~~منهما فقال : { فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في الفرق بين الزفير والشهيق وجوها : # الوجه الأول : قال الليث : الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم ~~الشديد من النفس ولم يخرجه ، والشهيق أن يخرج ذلك النفس ، وقال الفراء : ~~يقال للفرس إنه عظيم الزفرة أي عظيم البطن وأقول إن الإنسان إذا عظم غمه ~~انحصر روح قلبه في داخل القلب فإذا انحصر الروح قويت الحرارة وعظمت وعند ~~ذلك يحتاج الإنسان إلى النفس القوي لأجل أن يستدخل هواء كثيرا باردا حتى ~~يقوى على ترويح تلك الحرارة ، فلهذا السبب يعظم في ذلك الوقت استدخال ~~الهواء في داخل البدن وحينئذ يرتفع ms5029 صدره وينتفخ جنباه ، ولما كانت الحرارة ~~الغريزية والروح الحيواني محصورا داخل القلب استولت البرودة على الأعضاء ~~الخارجة فربما عجزت آلات النفس عن دفع ذلك الهواء الكثير المستنشق فيبقى ~~ذلك الهواء الكثير منحصرا في الصدر ويقرب من أن يختنق الإنسان منه وحينئذ ~~تجتهد الطبيعة في إخراج ذلك الهواء فعلى قياس قول الأطباء الزفير هو ~~استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح ~~فيه ، والشهيق هو إخراج ذلك الهواء عند مجاهدة الطبيعة في إخراجه وكل واحدة ~~من هاتين الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم . # الوجه الثاني : في الفرق بين الزفير والشهيق . قال بعضهم : الزفير بمنزلة ~~ابتداء صوت الحمار بالنهيق . وأما الشهيق فهو بمنزلة آخر صوت الحمار . # الوجه الثالث : قال الحسن : قد ذكرنا أن الزفير عبارة عن الارتفاع . ~~فنقول : الزفير لهيب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى درجات جهنم ~~وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى ~~الدرك الأسفل من جهنم ، وذلك قوله تعالى : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها } فارتفاعهم في النار هو الزفير وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق ~~. # الوجه الرابع : قال أبو مسلم : الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند ~~البكاء الشديد فينقطع النفس ، PageV18P050 والشهيق هوا لذي يظهر عند اشتداد ~~الكربة والحزن ، وربما تبعهما الغشية ، وربما حصل عقيبه الموت . # الوجه الخامس : قال أبو العالية : الزفير في الحلق والشهيق في الصدر . # / الوجه السادس : قال قوم : الزفير الصوت الشديد ، والشهيق الصوت الضعيف ~~. # الوجه السابع : قال ابن عباس رضي الله عنهما : { لهم فيها زفير وشهيق } ~~يريد ندامة ونفسا عالية وبكاء لا ينقطع وحزنا لا يندفع . # الوجه الثامن : الزفير مشعر بالقوة ، والشهيق بالضعف على ما قررناه بحسب ~~اللغة . # إذا عرفت هذا فنقول : لم يبعد أن يكون المراد من الزفير قوة ميلهم إلى ~~عالم الدنيا وإلى اللذات الجسدانية ، والمراد من الشهيق ضعفهم عن الاستسعاد ~~بعالم الروحانيات والاستكمال بالأنوار الإلهية والمعارج القدسية . # ثم قال تعالى : { خالدين فيها ما دامت * السماوات والارض * إلا * إن ربك ~~} وفيه ms5030 مسألتان : # المسألة الأولى : قال قوم إن عذاب الكفار منقطع ولها نهاية ، واحتجوا ~~بالقرآن والمعقول . أما القرآن فآيات منها هذه الآية والاستدلال بها من ~~وجهين : الأول : أنه تعالى قال : { ما دامت * السماوات والارض } دل هذا ~~النص على أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السموات والأرض ، ثم توافقنا على ~~أن مدة بقاء السموات والأرض متناهية فلزم أن تكون مدة عقاب الكفار منقطعة . ~~الثاني : أن قوله : { إلا ما شاء ربك } استثناء من مدة عقابهم وذلك يدل على ~~زوال ذلك العذاب في وقت هذا الاستثناء ومما تمسكوا به أيضا قوله تعالى في ~~سورة عم يتساءلون : { لابثين فيها أحقابا } ( النبأ : 23 ) بين تعالى أن ~~لبثهم في ذلك العذاب لا يكون إلا أحقابا معدودة . # وأما العقل فوجهان : الأول : أن معصية الكافر متناهية ومقابلة الجرم ~~المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم وأنه لا يجوز . الثاني : أن ذلك العقاب ضرر ~~خال عن النفع فيكون قبيحا بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يرجع إلى ~~الله تعالى لكونه متعاليا عن النفع والضرر ولا إلى ذلك المعاقب لأنه في حقه ~~ضرر محض ولا إلى غيره ، لأن أهل الجنة مشغولون بلذاتهم فلا فائدة لهم في ~~الالتذاذ بالعذاب الدائم في حق غيرهم ، فثبت أن ذلك العذاب ضرر خال عن جميع ~~جهات النفع فوجب أن لا يجوز ، وأما الجمهور الأعظم من الأمة ، فقد اتفقوا ~~على أن عذاب الكافر دائم وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية ~~. أما قوله : { خالدين فيها ما دامت * السماوات والارض } فذكروا عنه جوابين ~~: الأول : قالوا المراد سموات الآخرة وأرضها . قالوا والدليل على أن في ~~الآخرة سماء وأرضا قوله تعالى : { يوم تبدل الارض غير الارض } ( إبراهيم : ~~48 ) وقوله : { وعده وأورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء } ( الزمر : 74 ~~) وأيضا لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم ، وذلك / هو الأرض والسموات . # ولقائل أن يقول : التشبيه إنما يحسن ويجوز إذا كان حال المشبه به معلوما ~~مقررا فيشبه به غيره تأكيدا لثبوت الحكم في المشبه ووجود السموات والأرض في ~~الآخرة ms5031 غير معلوم وبتقدير أن يكون وجوده معلوما إلا أن بقاءها على وجه لا ~~يفنى ألبتة غير معلوم / فإذا كان أصل وجودهما مجهولا لأكثر الخلق ودوامهما ~~أيضا PageV18P051 مجهولا للأكثر ، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام ~~كلاما عديم الفائدة ، أقصى ما في الباب أن يقال : لما ثبت بالقرآن وجود ~~سموات وأرض في الآخرة وثبت دوامهما وجب الاعتراف به ، وحينئذ يحسن التشبيه ~~، إلا أنا نقول : لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهل الآخرة ودوام ~~أرضهم هو السمع ، ثم السمع دل على دوام عقاب الكافر ، فحينئذ الدليل الذي ~~دل على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع ، وفي هذه الصورة أجمعوا ~~على أن القياس ضائع والتشبيه باطل ، فكذا ههنا . # والوجه الثاني : في الجواب قالوا إن العرب يعبرون عن الدوام والأبد ~~بقولهم ما دامت السموات والأرض ، ونظيره أيضا قولهم ما اختلف الليل والنهار ~~، وما طما البحر ، وما أقام الجبل ، وأنه تعالى خاطب العرب على عرفهم في ~~كلامهم فلما ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم أنها باقية أبد الآباد ، ~~علمنا أن هذه الألفاظ بحسب عرفهم تفيد الأبد والدوام الخالي عن الانقطاع . # ولقائل أن يقول : هل تسلمون أن قول القائل : خالدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض ، يمنع من بقائها موجودة بعد فناء السموات ، أو تقولون إنه لا يدل ~~على هذا المعنى ، فإن كان الأول ، فالإشكال لازم ، لأن النص لما دل على أنه ~~يجب أن تكون مدة كونهم في النار مساوية لمدة بقاء السموات ويمنع من حصول ~~بقائهم في النار بعد فناء السموات ، ثم ثبت أنه لا بد من فناء السموات ~~فعندها يلزمكم القول بانقطاع ذلك العقاب ، وأما إن قلتم هذا الكلام لا يمنع ~~بقاء كونهم في النار بعد فناء السموات والأرض ، فلا حاجة بكم إلى هذا ~~الجواب ألبتة ، فثبت أن هذا الجواب على كلا التقديرين ضائع . # واعلم أن الجواب الحق عندي في هذا الباب شيء آخر ، وهو أن المعهود من ~~الآية أنه متى كانت السموات والأرض دائمتين ، كان كونهم في النار باقيا ~~فهذا يقتضي ms5032 أن كلما حصل الشرط حصل المشروط ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط ~~يعدم المشروط : ألا ترى أنا نقول : إن كان هذا إنسانا فهو حيوان . # / فإن قلنا : لكنه إنسان فإنه ينتج أنه حيوان ، أما إذا قلنا لكنه ليس ~~بإنسان لم ينتج أنه ليس بحيوان ، لأنه ثبت في علم المنطق أن استثناء نقيض ~~المقدم لا ينتج شيئا ، فكذا ههنا إذا قلنا متى دامت السموات دام عقابهم ، ~~فإذا قلنا لكن السموات دائمة لزم أن يكون عقابهم حاصلا ، أما إذا قلنا لكنه ~~ما بقيت السموات لم يلزم عدم دوام عقابهم . # فإن قالوا : فإذا كان العقاب حاصلا سواء بقيت السموات أو لم تبق لم يبق ~~لهذا التشبيه فائدة ؟ # قلنا بل فيه أعظم الفوائد وهو أنه يدل على نفاذ ذلك العذاب دهرا دهرا ، ~~وزمانا لا يحيط العقل بطوله وامتداده ، فأما أنه هل يحصل له آخر أم لا فذلك ~~يستفاد من دلائل أخر ، وهذا الجواب الذي قررته جواب حق ولكنه إنما يفهمه ~~إنسان ألف شيئا من المعقولات . # وأما الشبهة الثانية : وهي التمسك بقوله تعالى : { إلا ما شاء ربك } فقد ~~ذكروا فيه أنواعا من الأجوبة . # الوجه الأول : في الجواب وهو الذي ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري والفراء ~~. قالوا هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله ألبتة ، كقولك : والله ~~لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك مع أن عزيمتك تكون على ضربه ، فكذا ههنا وطولوا ~~في تقرير هذا الجواب ، وفي ضرب الأمثلة فيه ، وحاصله ما ذكرناه . ~~PageV18P052 # ولقائل أن يقول : هذا ضعيف لأنه إذا قال : لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك ، ~~معناه : لأضربنك إلا إذا رأيت أن الأولى ترك مضرب ، وهذا لا يدل ألبتة على ~~أن هذه الرؤية قد حصلت أم لا بخلاف قوله : { خالدين فيها ما دامت * ~~السماوات والارض * إلا ما شاء ربك } فإن معناه الحكم بخلودهم فيها إلا ~~المدة التي شاء ربك / فههنا اللفظ يدل على أن هذه المشيئة قد حصلت جزما ، ~~فكيف يحصل قياس هذا الكلام على ذلك الكلام . # الوجه الثاني : في الجواب أن يقال : إن كلمة { إلا ms5033 } ههنا وردت بمعنى : ~~سوى . والمعنى أنه تعالى لما قال : { خالدين فيها ما دامت * السماوات ~~والارض } فهم منه أنهم يكونون في النار في جميع مدة بقاء السموات والأرض في ~~الدنيا ، ثم قال سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم فذكر أولا في خلودهم ~~ماليس عند العرب أطول منه ، ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له بقوله : { ~~إلا ما شاء ربك } المعنى : إلا ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها . # الوجه الثالث : في الجواب وهو أن المراد من هذا الاستثناء زمان وقوفهم في ~~الموقف فكأنه تعالى قال فأما الذين شقوا ففي النار إلا وقت وقوفهم للمحاسبة ~~فإنهم في ذلك الوقت لا يكونون / في النار ، وقال أبو بكر الأصم المراد إلا ~~ما شاء ربك وهو حال كونهم في القبر ، أو المراد إلا ما شاء ربك حال عمرهم ~~في الدنيا وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة ، والمعنى : خالدين فيها بمقدار ~~مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو مقدار وقوفهم للحساب ثم يصيرون إلى النار ~~. # الوجه الرابع : في الجواب قالوا : الاستثناء يرجع إلى قوله : { لهم فيها ~~زفير وشهيق } ( هود : 106 ) وتقريره أن نقول : قوله : { لهم فيها زفير ~~وشهيق * خالدين فيها } يفيد حصول الزفير والشهيق مع الخلود فإذا دخل ~~الاستثناء عليه وجب أن يحصل وقت لا يحصل فيه هذا المجموع لكنه ثبت في ~~المعقولات أنه كما ينتفي المجموع بانتفاء جميع أجزائه فكذلك ينتفي بانتفاء ~~فرد واحد من أجزائه فإذا انتهوا آخر الأمر إلى أن يصيروا ساكنين هامدين ~~خامدين فحينئذ لم يبق لهم زفير وشهيق فانتفى أحد أجزاء ذلك المجموع فحينئذ ~~يصح ذلك الاستثناء من غير حاجة إلى الحكم بانقطاع كونهم في النار . # الوجه الخامس : في الجواب أن يحمل هذا الاستثناء على أن أهل العذاب لا ~~يكونون أبدا في النار ، بل قد ينقلون إلى البرد والزمهرير وسائر أنواع ~~العذاب وذلك يكفي في صحة هذا الاستثناء . # الوجه السادس : في الجواب قال قوم : هذا الاستثناء يفيد إخراج أهل ~~التوحيد من النار ، لأن قوله : { فأما الذين شقوا ففى النار ms5034 } يفيد أن جملة ~~الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم ، ثم قوله : { إلا ما شاء ربك } يوجب أن ~~لا يبقى ذلك الحكم على ذلك المجموع . ويكفي في زوال حكم الخلود عن المجموع ~~زواله عن بعضهم ، فوجب أن لا يبقى حكم الخلود لبعض الأشقياء ، ولما ثبت أن ~~الخلود واجب للكفار وجب أن يقال : الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من ~~أهل الصلاة ، وهذا كلام قوي في هذا الباب . # فإن قيل : فهذا الوجه إنما يتعين إذا فسدت سائر الوجوه التي ذكرتموها ، ~~فما الدليل على فسادها ، وأيضا فمثل هذا الاستثناء مذكور في جانب السعداء ، ~~فإنه تعالى قال : { وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها ما دامت * ~~السماوات والارض * ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ } . PageV18P053 # قلنا : إنا بهذا الوجه بينا أن هذه الآية لا تدل على انقطاع وعيد الكفار ~~، ثم إذا أردنا الاستدلال بهذه الآية على صحة قولنا في أنه تعالى يخرج ~~الفساق من أهل الصلاة من النار . # قلنا : أما حمل كلمة ( إلا ) على سوى فهو عدول عن الظاهر ، وأما حمل ~~الاستثناء على حال عمر الدنيا والبرزخ والموقف فبعيد أيضا ، لأن الاستثناء ~~وقع عن الخلود في النار ، ومن المعلوم أن الخلود في النار كيفية من كيفيات ~~الحصول في النار ، فقبل الحصول في النار امتنع حصول الخلود في النار ، وإذا ~~لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه وامتنع حصول الاستثناء . وأما قوله ~~الاستثناء عائد / إلى الزفير والشهيق فهذا أيضا ترك للظاهر ، فلم يبق للآية ~~محمل صحيح إلا هذا الذي ذكرناه ، وأما قوله المراد من الاستثناء نقله من ~~النار إلى الزمهرير . فنقول : لو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب ~~بالزمهرير إلا بعد انقضاء مدة السموات والأرض . والأخبار الصحيحة دلت على ~~أن النقل من النار إلى الزمهرير وبالعكس يحصل في كل يوم مرارا فبطل هذا ~~الوجه ، وأما قوله إن مثل هذا الاستثناء حاصل في جانب السعداء فنقول : ~~أجمعت الأمة على أنه يمتنع أن يقال : إن أحدا يدخل الجنة ثم يخرج منها إلى ~~النار ، فلأجل هذا الإجماع ms5035 افتقرنا فيه إلى حمل ذلك الاستثناء على أحد تلك ~~التأويلات . أما في هذه الآية لم يحصل هذا الإجماع ، فوجب إجراؤها على ~~ظاهرها فهذا تمام الكلام في هذه الآية . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الاستثناء قال : { إن ربك فعال لما يريد } ~~وهذا يحسن انطباقه على هذه الآية إذا حملنا الاستثناء على إخراج الفساق من ~~النار ، كأنه تعالى يقول أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة ~~لأني فعال لما أريد وليس لأحد علي حكم ألبتة . # ثم قال : { وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها ما دامت * السماوات ~~والارض * إلا ما شاء ربك } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { سعدوا } بضم السين ~~والباقون بفتحها وإنما جاز ضم السين لأنه على حذف الزيادة من أسعد ولأن سعد ~~لا يتعدى وأسعد يتعدى وسعد وأسعد بمعنى ومنه المسعود من أسماء الرجال . # المسألة الثانية : الاستثناء في باب السعداء يجب حمله على أحد الوجوه ~~المذكورة فيما تقدم وههنا وجه آخر وهو أنه ربما اتفق لبعضهم أن يرفع من ~~الجنة إلى العرش وإلى المنازل الرفيعة التي لا يعلمها إلا الله تعالى . قال ~~الله تعالى : { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار ~~خالدين فيها ومساكن طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله } ( التوبة : 72 ) ~~وقوله : { عطاء غير مجذوذ } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : جذه يجذه جذا إذا قطعه وجذ الله دابرهم ، فقوله : { غير ~~مجذوذ } أي غير مقطوع ، ونظيره قوله تعالى في صفة نعيم الجنة { لا مقطوعة ~~ولا ممنوعة } ( الواقعة : 33 ) . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما صرح في هذه الآية أنه ليس المراد ~~من هذا الاستثناء كون هذه الحالة منقطعة ، فلما خص هذا الموضع بهذا البيان ~~ولم يذكر ذلك في جانب الأشقياء دل ذلك على أن المراد من ذلك الاستثناء هو ~~الانقطاع ، فهذا تمام الكلام في هذه الآية . # PageV18P054 ! 7 < { فلا تك فى مرية مما يعبد هاؤلاء ما يعبدون إلا كما ~~يعبد ءاباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } . > 7 ! # / < < # | هود : ( 109 ) فلا تك ms5036 في . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال ~~الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول عليه الصلاة والسلام أحوال الكفار من ~~قومه فقال : { فلا تك فى مرية } والمعنى : فلا تكن ، إلا أنه حذف النون ~~لكثرة الاستعمال ، ولأن النون إذا وقع على طرف الكلام لم يبق عند التلفظ به ~~إلا مجرد الغنة فلا جرم أسقطوه ، والمعنى : فلا تك في شك من حال ما يعبدون ~~في أنها لا تضر ولا تنفع . # ثم قال تعالى : { ما يعبدون إلا كما يعبد ءاباؤهم من قبل } والمراد أنهم ~~أشبهوا آباءهم في لزوم الجهل والتقليد . # ثم قال : { وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } فيحتمل أن يكون المراد إنا ~~موفوهم نصيبهم أي ما يخصهم من العذاب . ويحتمل أن يكون المراد أنهم وإن ~~كفروا وأعرضوا عن الحق فإنا موفوهم نصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية . ~~ويحتمل أيضا أن يكون المراد إنا موفوهم نصيبهم من إزالة العذر وإزاحة العلل ~~وإظهار الدلائل وإرسال الرسل وإنزال الكتب ، ويحتمل أيضا أن يكون الكل ~~مرادا . # ! 7 < { ولقد ءاتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى ~~بينهم وإنهم لفى شك منه مريب * وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما ~~يعملون خبير } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 110 - 111 ) ولقد آتينا موسى . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى إصرار كفار مكة على إنكار ~~التوحيد ، بين أيضا إصرارهم على إنكار نبوته عليه السلام وتكذيبهم بكتابه ، ~~وبين تعالى أن هؤلاء الكفار كانوا على / هذه السيرة الفاسدة مع كل الأنبياء ~~عليهم السلام وضرب لذلك مثلا ؛ وهو أنه لما أنزل التوراة على موسى عليه ~~السلام اختلفوا فيه فقبله بعضهم وأنكره آخرون ، وذلك يدل على أن عادة الخلق ~~هكذا . # ثم قال تعالى : { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم } وفيه وجوه : الأول ~~: أن المراد : ولولا ما تقدم من حكم الله تعالى بتأخير عذاب هذه الأمة إلى ~~يوم القيامة لكان الذي يستحقه هؤلاء الكفار عند عظيم كفرهم إنزال عذاب ~~الاستئصال عليهم لكن المتقدم من قضائه أخر ذلك عنهم في ms5037 دنياهم . الثاني : ~~لولا كلمة سبقت من ربك وهي أن الله تعالى إنما يحكم بين المختلفين يوم ~~القيامة وإلا لكان من الواجب تمييز المحق عن المبطل في دار الدنيا . الثالث ~~: { ولولا كلمة سبقت من ربك } وهي أن رحمته سبقت غضبه وأن إحسانه راجح على ~~قهره وإلا لقضى بينهم ولما قرر تعالى هذا المعنى قال : { وإنهم لفى شك منه ~~مريب } يعني أن كفار قومك لفي شك من هذا القرآن مريب . PageV18P055 # ثم قال تعالى : { وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المعنى أن من عجلت عقوبته ومن أخرت ومن صدق الرسل ومن ~~كذب فحالهم سواء في أنه تعالى يوفيهم جزاء أعمالهم في الآخرة ، فجمعت الآية ~~الوعد والوعيد فإن توفية جزاء الطاعات وعد عظيم وتوفية جزاء المعاصي وعيد ~~عظيم ، وقوله تعالى : { إنه بما يعملون خبير } توكيد الوعد والوعيد ، فإنه ~~لما كان عالما بجميع المعلومات كان عالما بمقادير الطاعات والمعاصي فكان ~~عالما بالقدر اللائق بكل عمل من الجزاء ، فحينئذ لا يضيع شيء من الحقوق ~~والأجزية وذلك نهاية البيان . # المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو والكسائي وإن مشددة النون { لما } خفيفة ~~قال أبو علي : اللام في { لما } هي التي تقتضيه إن وذلك لأن حرف إن يقتضي ~~أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقوله : { إن الله لغفور رحيم } ( النحل : ~~18 ) وقوله : { إن فى ذلك لآية } ( الحجر : 77 ) واللام الثانية هي التي ~~تجيء بعد القسم كقولك والله لتفعلن ولما اجتمع لامان دخلت ما لتفصل بينهما ~~فكلمة ما على هذا التقدير زائدة ، وقال الفراء : ما موصولة بمعنى من وبقية ~~التقرير كما تقدم ومثله : { وإن منكم لمن ليبطئن } ( النساء : 72 ) . # والقراءة الثانية : في هذه الآية قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر عن عاصم { ~~وإن كلا لما } مخففتان والسبب فيه أنهم أعملوا إن مخففة كما تعمل مشددة لأن ~~كلمة إن تشبه الفعل فكما يجوز أعمال الفعل تاما ومحذوفا في قولك لم يكن زيد ~~قائما ولم يك زيد قائما فكذلك أن وإن . # / والقراءة الثالثة : قرأ حمزة وابن عامر وحفص ms5038 : { وإن كلا لما } ( الفجر ~~: 19 ) مشددتان ، قالوا : وأحسن ما قيل فيه إن أصل لما بالتنوين كقوله : { ~~أكلا لما } والمعنى أن كلا ملمومين أي مجموعين كأنه قيل : وإن كلا جميعا . # المسألة الثالثة : سمعت بعض الأفاضل قال : إنه تعالى لما أخبر عن توفية ~~الأجزية على المستحقين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التوكيدات : ~~أولها : كلمة { ءان } وهي للتأكيد . وثانيها : كلمة ( كل ) وهي أيضا ~~للتأكيد . وثالثها : اللام الداخلة على خبر { ءان } وهي تفيد التأكيد أيضا ~~. ورابعها : حرف { ما } إذا جعلناه على قول الفراء موصولا . وخامسها : ~~القسم المضمر ، فإن تقدير الكلام وإن جميعهم والله ليوفينهم . وسادسها : ~~اللام الثانية الداخلة على جواب القسم . وسابعها : النون المؤكدة في قوله { ~~ليوفينهم } فجميع هذه الألفاظ السبعة الدالة على التوكيد في هذه الكلمة ~~الواحدة تدل على أن أمر الربوبية والعبودية لا يتم إلا بالبعث والقيامة ~~وأمر الحشر والنشر ثم أردفه بقوله : { إنه بما يعملون خبير } وهو من أعظم ~~المؤكدات . # ! 7 < { فاستقم كمآ أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير * ~~ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أوليآء ثم ~~لا تنصرون } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 112 - 113 ) فاستقم كما أمرت . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعلى لما أطنب في شرح الوعد والوعيد قال ~~لرسوله : { فاستقم كما أمرت } PageV18P056 وهذ الكلمة كلمة جامعة في كل ما ~~يتعلق بالعقائد والأعمال ، سواء كان مختصا به أو كان متعلقا بتبليغ الوحي ~~وبيان الشرائع ، ولا شك أن البقاء على الاستقامة الحقيقية مشكل جدا وأنا ~~أضرب لذلك مثالا يقرب صعوبة هذا المعنى إلى العقل السليم ، وهو أن الخط ~~المستقيم الذي يفصل بين الظل وبين الضوء جزء واحد لا يقبل القسمة في العرض ~~، إلا أن عين ذلك الخط مما لا يتميز في الحس عن طرفيه ، فإنه إذا قرب طرف ~~الظل من طرف الضوء اشتبه البعض بالبعض في الحس ، فلم يقع الحس على إدراك ~~ذلك الخط بعينه بحيث يتميز عن كل ما سواه . # / إذا عرفت هذا في المثال فاعرف ms5039 مثاله في جميع أبواب العبودية ، فأولها : ~~معرفة الله تعالى وتحصيل هذه المعرفة على وجه يبقى العبد مصونا في طرف ~~الإثبات عن التشبيه ، وفي طرف النفي عن التعطيل في غاية الصعوبة ، واعتبر ~~سائر مقامات المعرفة من نفسك ، وأيضا فالقوة الغضبية والقوة الشهوانية حصل ~~لكل واحدة منهما طرفا إفراط وتفريط وهما مذمومان ، والفاصل هو المتوسط ~~بينهما بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين ، والوقوف عليه صعب ثم العمل به أصعب ~~، فثبت أن معرفة الصراط المستقيم في غاية الصعوبة ، بتقدير معرفته فالبقاء ~~عليه والعمل به أصعب ، ولما كان هذا المقام في غاية الصعوبة لا جرم قال ابن ~~عباس : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية أشد ~~ولا أشق عليه من هذه الآية ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : ( شيبتني هود ~~وأخواتها ، وعن بعضهم قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت ~~له : روي عنك أنك قلت شيبتني هود وأخواتها فقال : ( نعم ) فقلت : وبأي آية ~~؟ فقال بقوله : { فاستقم كما أمرت } . # المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية أصل عظيم في الشريعة وذلك لأن ~~القرآن لما ورد بالأمر بأعمال الوضوء مرتبة في اللفظ وجب اعتبار الترتيب ~~فيها لقوله : { فاستقم كما أمرت } ولما ورد الأمر في الزكاة بأداء الإبل من ~~الإبل والبقر من البقر وجب اعتبارها وكذا القول في كل ما ورد أمر الله ~~تعالى به وعندي أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس ، لأنه لما دل عموم النص ~~على حكم وجب الحكم بمقتضاه لقوله : { فاستقم كما أمرت } والعمل بالقياس ~~انحراف عنه ، ثم قال : { ومن تاب معك } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : من في محل الرفع من وجوه : الأول : أن ~~يكون عطفا على الضمير المستتر في قوله : { فاستقم } وأغنى الوصل بالجار عن ~~تأكيده بضمير المتصل في صحة العطف أي فاستقم أنت وهم . والثاني : أن يكون ~~عطفا على الضمير فى أمرت . والثالث : أن يكون ابتداء على تقدير ومن تاب معك ~~فليستقم . # المسألة الثانية : أن الكافر والفاسق يجب عليهما الرجوع عن الكفر والفسق ms5040 ~~ففي تلك الحالة لا يصح اشتغالهما بالاستقامة ، وأما التائب عن الكفر والفسق ~~فإنه يصح منه الاشتغال بالاستقامة على مناهج دين الله تعالى والبقاء على ~~طريق عبودية الله تعالى ، ثم قال : { ولا تطغوا } ومعنى الطغيان أن يجاوز ~~المقدار . قال ابن عباس : يريد تواضعوا لله تعالى ولا تتكبروا على أحد وقيل ~~ولا تطغوا في القرآن فتحلوا حرامه وتحرموا حلاله / وقيل : لا تتجاوزوا ما ~~أمرتم به وحد لكم ، وقيل : ولا تعدلوا عن طريق شكره والتواضع له عند عظم ~~نعمه عليكم والأولى دخول الكل فيه ، ثم قال : { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ~~} والركون هو السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة ونقيضه / النفور عنه ، ~~وقرأ العامة بفتح التاء والكاف والماضي من هذا ركن كعلم PageV18P057 وفيه ~~لغة أخرى ركن يركن قال الأزهري : وليست بفصيحة . قال المحققون : الركون ~~المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة من الظلم وتحسين تلك الطريقة وتزيينها ~~عندهم وعند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب فأما مداخلتهم لدفع ضرر ~~أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون ، ومعنى قوله : { فتمسكم النار ~~} أي أنكم إن ركنتم إليهم فهذه عاقبة الركون ، ثم قال : { لهم من دون الله ~~من أولياء } أي ليس لكم أولياء يخلصونكم من عذاب الله . # ثم قال : { ثم لا تنصرون } والمراد لا تجدون من ينصركم من تلك الواقعة . # واعلم أن الله تعالى حكم بأن من ركن إلى الظلمة لا بد وأن تمسه النار ~~وإذا كان كذلك فكيف يكون حال الظالم في نفسه . # ! 7 < { وأقم الصلواة طرفى النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذالك ذكرى للذاكرين * واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } . > 7 ~~@QB@ < # | هود : ( 114 - 115 ) وأقم الصلاة طرفي . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما أمره بالاستقامة أردفه بالأمر بالصلاة وذلك يدل على ~~أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : رأيت في بعض ( كتب القاضي أبي بكر الباقلاني ) أن ~~الخوارج تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الواجب ليس إلا الفجر والعشاء من ~~وجهين . # الوجه الأول : أنهما ms5041 واقعان على طرفي النهار والله تعالى أوجب إقامة ~~الصلاة طرفي النهار ، فوجب أن يكون هذا القدر كافيا . # فإن قيل : قوله : { وزلفا من اليل } يوجب صلوات أخرى . # قلنا : لا نسلم فإن طرفي النهار موصوفان بكونهما زلفا من الليل فإن ما لا ~~يكون نهارا يكون ليلا غاية ما في الباب أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف ~~إلا أن ذلك كثير في القرآن والشعر . # الوجه الثاني : أنه تعالى قال : { إن الحسنات يذهبن السيئات } وهذا يشعر ~~بأن من صلى طرفي النهار كان إقامتهما كفارة لكل ذنب سواهما فبتقدير أن يقال ~~إن سائر الصلوات واجبة إلا / أن إقامتهما يجب أن تكون كفارة لترك سائر ~~الصلوات . واعلم أن هذا القول باطل بإجماع الأمة فلا يلتفت إليه . # المسألة الثانية : كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار والأقرب أن الصلاة ~~التي تقام في طرفي النهار وهي الفجر والعصر ، وذلك لأن أحد طرفي النهار ~~طلوع الشمس والطرف الثاني منه غروب الشمس فالطرف الأول هو صلاة الفجر ~~والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب لأنها داخلة تحت قوله : { وزلفا ~~من اليل } فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر . PageV18P058 # إذا عرفت هذا كانت الآية دليلا على قول أبي حنيفة رحمه الله في أن ~~التنوير بالفجر أفضل ، وفي أن تأخير العصر أفضل وذلك لأن ظاهر هذه الآية ~~يدل على وجوب إقامة الصلاة في طرفي النهار وبينا أن طرفي النهار هما الزمان ~~الأول لطلوع الشمس ، والزمان الثاني لغروبها ، وأجمعت الأمة على أن إقامة ~~الصلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروعة ، فقد تعذر العمل بظاهر هذه ~~الآية ، فوجب حمله على المجاز ، وهو أن يكون المراد : أقم الصلاة في الوقت ~~الذي يقرب من طرفي النهار ، لأن ما يقرب من الشيء يجوز أن يطلق عليه اسمه ، ~~وإذا كان كذلك فكل وقت كان أقرب إلى طلوع الشمس وإلى غروبها كان أقرب إلى ~~ظاهر اللفظ ، وإقامة صلاة الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطلوع من ~~إقامتها عند التغليس ، وكذلك إقامة صلاة العصر عندما يصير ظل ms5042 كل شيء مثليه ~~أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عندما يصير ظل كل شيء مثله ، والمجاز كلما ~~كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى ، فثبت أن ظاهر هذه الآية ~~يقوي قول أبي حنيفة في هاتين المسألتين . # وأما قوله : { وزلفا من اليل } فهو يقتضي الأمر بإقامة الصلاة في ثلاث ~~زلف من الليل ، لأن أقل الجمع ثلاثة وللمغرب والعشاء وقتان ، فيجب الحكم ~~بوجوب الوتر حتى يحصل زلف ثلاثة يجب إيقاع الصلاة فيها ، وإذا ثبت وجوب ~~الوتر في حق النبي صلى الله عليه وسلم وجب في حق غيره لقوله تعالى : { ~~واتبعوه } ( سبأ : 20 ) ونظير هذه الآية بعينها قوله سبحانه وتعالى : { ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } ( طه : 30 ) فالذي هو قبل طلوع ~~الشمس هو صلاة الفجر ، والذي هو قبل غروبها هو صلاة العصر . # ثم قال تعالى : { ومن ءاناء اليل فسبح } وهو نطير قوله : { وزلفا من اليل ~~} . # المسألة الثالثة : قال المفسرون : نزلت هذه الآية في رجل أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : ما تقولون في رجل أصاب من امرأة محرمة كلما يصيبه ~~الرجل من امرأته غير الجماع ، فقال عليه الصلاة والسلام : ( ليتوضأ وضوءا ~~حسنا ثم ليقم وليصل ) فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقيل / للنبي عليه ~~الصلاة والسلام : هذا له خاصة ، فقال : ( بل هو للناس عامة ) وقوله : { ~~وزلفا من اليل } قال الليث : زلفة من أول الليل طائفة ، والجمع الزلف . قال ~~الواحدي : وأصل الكلمة من الزلفى والزلفى هي القربى ، يقال : أزلفته فازدلف ~~أي قربته فاقترب . # المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { * زلفا } بضمتين و { * ~~زلفا } بإسكان اللام وزلفى بوزن قربى فالزلف جمع زلفة كظلم جمع ظلمة والزلف ~~بالسكون نحو بسرة وبسر والزلف بضمتين نحو : يسر في يسر ، والزلفى بمعنى ~~الزلفة كما أن القربى بمعنى القربة وهو ما يقرب من آخر النهار من نحو : يسر ~~في يسر ، والزلفى بمعنى الزلفة كما أن القربى بمعنى القربة وهو ما يقرب من ~~آخر النهار من الليل ، وقيل في تفسير قوله : { النهار وزلفا من اليل } ~~وقربا ms5043 من الليل ، ثم قال : { إن الحسنات يذهبن السيئات } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في تفسير الحسنات قولان : الأول : قال ابن عباس : ~~المعنى أن الصلوات الخمس كفارات لسائر الذنوب بشرط الاجتناب عن الكبائر . ~~والثاني : روي عن مجاهد أن الحسنات هي قول العبد سبحانه الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر . # المسألة الثانية : احتج من قال إن المعصية لا تضر مع الإيمان بهذه الآية ~~وذلك لأن الإيمان أشرف الحسنات وأجلها وأفضلها . ودلت الآية على أن الحسنات ~~يذهبن السيئات ، فالإيمان الذي هو أعلى الحسنات درجة يذهب الكفر الذي هو ~~أعلى درجة في العصيان فلأن يقوى على المعصية التي هي أقل PageV18P059 ~~السيئات درجة كان أولى ، فإن لم يفد إزالة العقاب بالكلية فلا أقل من أن ~~يفيد إزالة العذاب الدائم المؤبد . # ثم قال تعالى : { ذالك ذكرى للذكرين } فقوله : { ذالك } إشارة إلى قوله : ~~{ فاستقم كما أمرت } إلى آخرها { ذكرى للذكرين } عظة للمتعظين وإرشاد ~~للمسترشدين . # ثم قال : { واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } قيل على الصلاة وهو ~~كقوله : { وأمر أهلك بالصلواة واصطبر عليها } ( طه : 132 ) . # ! 7 < { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد فى الا ~~رض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا مآ أترفوا فيه وكانوا ~~مجرمين } . > 7 ! # < < # | هود : ( 116 ) فلولا كان من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن الأمم المتقدمين حل بهم عذاب الاستئصال ~~بين أن السبب فيه أمران : # السبب الأول : أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض . فقال ~~تعالى : { فلولا كان من القرون } والمعنى فهلا كان ، وحكي عن الخليل أنه ~~قال كل ما كان في القرآن من كلمة لولا فمعناه هلا إلا التي في الصافات . ~~قال صاحب ( الكشاف ) : وما صحت هذه الرواية عنه بدليل قوله تعالى في غير ~~الصافات { لولا أن تداركه نعمة * ن ربه لنبذ بالعراء } ( القلم : 49 ) { ~~لولا * رجال مؤمنون } ( الفتح : 25 ) { لولا أن * ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا } ( الإسراء : 74 ) ، وقوله : { أولوا بقية } فالمعنى ~~أولو فضل وخير ، وسمي الفضل ms5044 والجود بقية لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده ~~وأفضله ، فصار هذا اللفظ مثلا في الجودة يقال فلان من بقية القيوم أي من ~~خيارهم ومنه قولهم في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا ، ويجوز أن تكون ~~البقية بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذو بقاء على ~~أنفسهم وصيانة لها من سخط الله تعالى وقرىء { أولوا بقية } بوزن لقية من ~~بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره ، والبقية المرة من مصدره ، والمعنى فلولا ~~كان منهم أولو مراقبة وخشية من انتقام الله تعالى . ثم قال : { إلا قليلا } ~~ولا يمكن جعله استثناء متصلا لأنه على هذا التقدير يكون ذلك ترغيبا لأولي ~~البقية في النهي عن الفساد إلا القليل من الناجين منهم كما تقول هلا قرأ ~~قومك القرآن إلا الصلحاء منهم تريد استثناء الصلحاء من المرغبين في قراءة ~~القرآن . وإذا ثبت هذا قلنا : إنه استثناء منقطع ، والتقدير : لكن قليلا ~~ممن أنجينا من القرون نهواعن الفساد وسائرهم تاركون للنهي . # والسبب الثاني : لنزول عذاب الاستئصال قوله : { واتبع الذين ظلموا ما ~~أترفوا فيه } والترفه النعمة وصبي مترف إذا كان منعم البدن ، والمترف الذي ~~أبطرته النعمة وسعة المعيشة وأراد بالذين ظلموا تاركي النهي عن المنكرات أي ~~لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر واتبعوا طلب الشهوات واللذات واشتغلوا بتحصيل الرياسات وقرأ أبو ~~عمرو في رواية الجعفي { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا } أي واتبعوا حراما ~~أترفوا فيه ، ثم قال : { وكانوا مجرمين } ومعناه ظاهر . # PageV18P060 ! 7 < { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون * ولو ~~شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذالك ~~خلقهم وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 117 - 119 ) وما كان ربك . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى بين أنه ما أهلك أهل القرى إلا بظلم وفيه وجوه : # الوجه الأول : أن المراد من الظلم ههنا الشرك قال تعالى : { إن الشرك ~~لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) والمعنى أنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد ~~كونهم ms5045 مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم والحاصل أن عذاب ~~الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر ، بل إنما ينزل ذلك ~~العذاب إذا أساؤا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم . ولهذا قال ~~الفقهاء إن حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة . وحقوق العباد ~~مبناها على الضيق والشح . ويقال في الأثر الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع ~~الظلم ، فمعنى الآية : { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم } أي لا يهلكهم ~~بمجرد شركهم إذا كانوا مصلحين يعامل بعضهم بعضا على الصلاح والسداد . وهذا ~~تأويل أهل السنة لهذه الآية ، قالوا : والدليل عليه أن قوم نوح وهود وصالح ~~ولوط وشعيب إنما نزل عليهم عذاب الاستئصال لما حكى الله تعالى عنهم من ~~إيذاء الناس وظلم الخلق . # والوجه الثاني : في التأويل وهو الذي تختاره المعتزلة هو أنه تعالى لو ~~أهلكهم حال كونهم مصلحين لما كان متعاليا عن الظلم فلا جرم لا يفعل ذلك بل ~~إنما يهلكهم لأجل سوء أفعالهم . # ثم قال تعالى : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } والمعتزلة يحملون ~~هذه الآية على مشيئة الإلجاء والإجبار وقد سبق الكلام عليه . # ثم قال تعالى : { ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك } والمراد افتراق ~~الناس في الأديان والأخلاق والأفعال . # / واعلم أنه لا سبيل إلى استقصاء مذاهب العالم في هذا الموضع ومن أراد ~~ذلك فليطالع كتابنا الذي سميناه ( بالرياض المونقة ) إلا أنا نذكر ههنا ~~تقسيما جامعا للمذاهب . فنقول : الناس فريقان منهم من أقر بالعلوم الحسية ~~كعلمنا بأن النار حارة والشمس مضيئة والعلوم البديهية كعلمنا بأن النفي ~~والإثبات لا يجتمعان ، ومنهم من أنكرهما ، والمنكرون هم السفسطائية ، ~~والمقرون هم الجمهور الأعظم من أهل PageV18P061 العالم ، وهم فريقان : منهم ~~من سلم أنه يمكن تركيب تلك العلوم البديهية بحيث يستنتج منها نتائج علمية ~~نظرية ، ومنهم من أنكره ، وهم الذين ينكرون أيضا النظر إلى العلوم ، وهم ~~قليلون ، والأولون هم الجمهور الأعظم من أهل العالم ، وهم فريقان : منهم من ~~لا يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ أصلا وهم الأقلون ، ومنهم من يثبت له ms5046 ~~مبدأ وهؤلاء فريقان : منهم من يقول : ذلك المبدأ موجب بالذات ، وهم جمهور ~~الفلاسفة في هذا الزمان ، ومنهم من يقول : إنه فاعل مختار وهم أكثر أهل ~~العالم ، ثم هؤلاء فريقان : منهم من يقول : إنه ما أرسل رسولا إلى العباد ، ~~ومنهم من يقول : إنه أرسل الرسول ، فالأولون هم البراهمة . # والقسم الثاني أرباب الشرائع والأديان ، وهم المسلمون والنصارى واليهود ~~والمجوس ، وفي كل واحد من هذه الطوائف اختلافات لا حد لها ولا حصر ، ~~والعقول مضطربة ، والمطالب غامضة ، ومنازعات الوهم والخيال غير منقطعة ، ~~ولما حسن من بقراط أن يقول في صناعة الطب العمر قصير ، والصناعة طويلة ، ~~والقضاء عسر ، والتجربة خطر ، فلأن يحسن ذكره في هذه المطالب العالية ~~والمباحث الغامضة / كان ذلك أولى . # فإن قيل : إنكم حملتم قوله تعالى : { ولا يزالون مختلفين } على الاختلاف ~~في الأديان ، فما الدليل عليه ، ولم لا يجوز أن يحمل على الاختلاف في ~~الألوان والألسنة والأرزاق والأعمال . # قلنا : الدليل عليه أن ما قبل هذه الآية هو قوله : { ولو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة } فيجب حمل هذا الاختلاف على ما يخرجهم من أن يكونوا أمة ~~واحدة ، وما بعد هذه الآية هو قوله : { إلا من رحم ربك } فيجب حمل هذا ~~الاختلاف على معنى يصح أن يستثنى منه قوله : { إلا من رحم ربك } وذلك ليس ~~إلا ما قلنا . # ثم قال تعالى : { إلا من رحم ربك } احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ~~الهداية والإيمان لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى ، وذلك لأن هذه الآية تدل ~~على أن زوال الاختلاف في الدين لا يحصل إلا لمن خصه الله برحمته ، وتلك ~~الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل ، وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، ~~وإزاحة العذر ، فإن كل ذلك حاصل في حق الكفار ، فلم يبق إلا أن / يقال : ~~تلك الرحمة هو أنه سبحانه خلق فيه تلك الهداية والمعرفة . قال القاضي معناه ~~: إلا من رحم ربك بأن يصير من أهل الجنة والثواب ، فيرحمه الله بالثواب ، ~~ويحتمل إلا من رحمة الله بألطافه ، فصار مؤمنا بألطافه وتسهيله ، وهذان ~~الجوابان في غاية الضعف ms5047 . # أما الأول : فلأن قوله : { ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك } يفيد ~~أن ذلك الاختلاف إنما زال بسبب هذه الرحمة ، فوجب أن تكون هذه الرحمة جارية ~~مجرى السبب المتقدم على زوال هذا الاختلاف ، والثواب شيء متأخر عن زوال هذا ~~الاختلاف ، فالاختلاف جار مجرى المسبب له ، ومجرى المعلول ، فحمل هذه ~~الرحمة على الثواب بعيد . # وأما الثاني : وهو حمل هذه الرحمة على الألطاف فنقول : جميع الألطاف التي ~~فعلها في حق المؤمن فهي مفعولة أيضا في حق الكافر ، وهذه الرحمة أمر مختص ~~به المؤمن ، فوجب أن يكون شيئا زائدا على تلك الألطاف ، وأيضا فحصول تلك ~~الألطاف هل يوجب رجحان وجود الإيمان على عدمه أو لا يوجبه ، فإن لم يوجبه ~~كان وجود تلك الألطاف وعدمها بالنسبة إلى حصول هذا المقصود سيان ، فلم يك ~~لطفا فيه ، وإن أوجب الرجحان فقد بينا في ( الكتب العقلية ) أنه متى حصل ~~الرجحان فقد وجب ، وحينئذ يكون حصول الإيمان PageV18P062 من الله ، ومما ~~يدل على أن حصول الإيمان لا يكون إلا بخلق الله ، أنه ما لم يتميز الإيمان ~~عن الكفر ، والعلم عن الجهل ، امتنع القصد إلى تكوين الإيمان والعلم ، ~~وإنما يحصل هذا الامتياز إذا علم كون أحد هذين الاعتقادين مطابقا للمعتقد ~~وكون الآخر ليس كذلك ، وإنما يصح حصول هذا العلم ، أن لو عرف أن ذلك ~~المعتقد في نفسه كيف يكون ، وهذا يوجب أنه لا يصح من العبد القصد إلى تكوين ~~العلم بالشيء إلا بعد أن كان عالما ، وذلك يقتضي تكوين الكائن وتحصيل ~~الحاصل وهو محال فثبت أن زوال الاختلاف في الدين وحصول العلم والهداية لا ~~يحصل إلا بخلق الله تعالى وهو المطلوب . # ثم قال تعالى : { ولذالك خلقهم } وفيه ثلاثة أقوال : # القول الأول : قال ابن عباس : وللرحمة خلقهم ، وهذا اختيار جمهور ~~المعتزلة . قالوا : ولا يجوز أن يقال : وللاختلاف خلقهم ، ويدل عليه وجوه : ~~الأول : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى من عوده إلى أبعدهما ، ~~وأقرب المذكورين ههنا هو الرحمة ، والاختلاف أبعدهما . والثاني : أنه تعالى ~~لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك الإيمان ، لكان ms5048 لا يجوز أن يعذبهم عليه ، ~~إذ كانوا مطيعين له بذلك الاختلاف . الثالث : إذا فسرنا الآية بهذا المعنى ~~، كان مطابقا لقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( ~~الذاريات : 56 ) . # / فإن قيل : لو كان المراد وللرحمة خلقهم لقال : ولتلك خلقهم ولم يقل : ~~ولذلك خلقهم . # قلنا : إن تأنيث الرحمة ليس تأنيثا حقيقيا ، فكان محمولا على الفضل ~~والغفران كقوله : { هاذا رحمة من ربى } ( الكهف : 98 ) وقوله : { ولا ~~تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } ( الأعراف : 56 ) . # والقول الثاني : أن المراد وللاختلاف خلقهم . # والقول الثالث : وهو المختار أنه خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف ~~للاختلاف . روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال : خلق الله أهل الرحمة لئلا ~~يختلفوا ، وأهل العذاب لأن يختلفوا ، وخلق الجنة وخلق لها أهلا ، وخلق ~~النار وخلق لها أهلا ، والذي يدل على صحة هذا التأويل وجوه : الأول : ~~الدلائل القاطعة الدالة على أن العلم والجهل لا يمكن حصولهما في العبد إلا ~~بتخليق الله تعالى . الثاني : أن يقال : إنه تعالى لما حكم على البعض ~~بكونهم مختلفين وعلى الآخرين بأنهم من أهل الرحمة وعلم ذلك امتنع انقلاب ~~ذلك ، وإلا لزم انقلاب العلم جهلا وهو محال . الثالث : أنه تعالى قال بعده ~~: { وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } وهذا تصريح بأنه ~~تعالى خلق أقواما للهداية والجنة ، وأقواما آخرين للضلالة والنار ، وذلك ~~يقوي هذا التأويل . # ! 7 < { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجآءك فى هاذه ~~الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 120 ) وكلا نقص عليك . . . . . # > > PageV18P063 # اعلم أنه تعالى لما ذكر القصص الكثيرة في هذه السورة ذكر في هذه الآية ~~نوعين من الفائدة . # الفائدة الأولى : تثبيت الفؤاد على أداء الرسالة وعلى الصبر واحتمال ~~الأذى ، وذلك لأن الإنسان إذا ابتلى بمحنة وبلية فإذا رأى له فيه مشاركا خف ~~ذلك على قلبه ، كما يقال : المصيبة إذا عمت خفت ، فإذا سمع الرسول هذه ~~القصص ، وعلم أن حال جميع الأنبياء صلوات الله عليهم مع أتباعهم هكذا ، سهل ~~عليه تحمل الأذى من قومه وأمكنه الصبر عليه . # والفائدة ms5049 الثانية : قوله : { وجاءك فى هاذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين } ~~وفي قوله : { فى هاذه } وجوه : أحدها : في هذه السورة . وثانيها : في هذه ~~الآية . وثالثها : في هذه الدنيا ، وهذا بعيد غير لائق بهذا الموضع . # / واعلم أنه لا يلزم من تخصيص هذ السورة بمجيء الحق فيها أن يكون حال ~~سائر السور بخلاف ذلك ، لاحتمال أن يكون الحق المذكور في هذه السورة أكمل ~~حالا مما ذكر في سائر السور ، ولو لم يكن فيها إلا قوله : { فاستقم كما ~~أمرت } ( هود : 112 ) لكان الأمر كما ذكرنا ، ثم إنه تعالى بين أنه جاء في ~~هذه السورة أمور ثلاثة الحق والموعظة والذكرى . # أما الحق : فهو إشارة إلى البراهين الدالة على التوحيد والعدل والنبوة . # وأما الذكرى : فهي إشارة إلى الإرشاد إلى الأعمال الباقية الصالحة . # وأما الموعظة : فهي إشارة إلى التنفير من الدنيا وتقبيح أحوالها في الدار ~~الآخرة ، والمذكرة لما هنالك من السعادة والشقاوة ، وذلك لأن الروح إنما ~~جاء من ذلك العالم إلا أنه لاستغراقه في محبة الجسد في هذا العالم نسي ~~أحوال ذلك العالم فالكلام الإلهي يذكره أحوال ذلك العالم ، فلهذا السبب صح ~~إطلاق لفظ الذكر عليه . # ثم ههنا دقيقة أخرى عجيبة : وهي أن المعارف الإلهية لا بد لها من قابل ~~ومن موجب ، وقابلها هو القلب ، والقلب ما لم يكن كامل الاستعداد لقبول تلك ~~المعارف الإلهية والتجليات القدسية ، لم يحصل الانتفاع بسماع الدلائل ، ~~فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر إصلاح القلب ، وهو تثبيت الفؤاد ، ثم لما ~~ذكر صلاح حال القابل ، أردفه بذكر الموجب ، وهو مجيء هذه السورة المشتملة ~~على الحق والموعظة والذكرى ، وهذا الترتيب في غاية الشرف والجلالة . # ! 7 < { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون * وانتظروا ~~إنا منتظرون * ولله غيب السماوات والا رض وإليه يرجع الا مر كله فاعبده ~~وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون } . > 7 @QB@ < # | هود : ( 121 - 123 ) وقل للذين لا . . . . . # > > PageV18P064 # اعلم أنه تعالى لما بلغ الغاية في الأعذار والإنذار ، والترغيب والترهيب ~~، أتبع ذلك بأن قال للرسول : { وقل للذين لا يؤمنون } ولم تؤثر فيهم ms5050 هذه ~~البيانات البالغة { اعملوا على مكانتكم إنا عاملون } وهذا عين ما حكاه الله ~~تعالى عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه ، والمعنى : افعلوا كل ما تقدرون ~~/ عليه في حقي من الشر ، فنحن أيضا عاملون . وقوله : { اعملوا } وإن كانت ~~صيغته صيغة الأمر ، إلا أن المراد منها التهديد ، كقوله تعالى لإبليس : { ~~واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ( الإسراء : 64 ) ~~وكقوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ( الكهف : 29 ) وانتظروا ما ~~يعدكم الشيطان من الخذلان فإنا منتظرون ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران ~~والإحسان . قال ابن عباس رضي الله عنهما : { وانتظروا } الهلاك فإنا ~~منتظرون لكم العذاب . ثم إنه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل ~~المطالب الشريفة المقدسة فقال : { ولله غيب * السماوات والارض } . # واعلم أن مجموع مايحتاج الإنسان إلى معرفته أمور ثلاثة . وهي : الماضي ~~والحاضر والمستقبل . أما الماضي فهو أن يعرف الموجود الذي كان موجودا قبله ~~، وذلك الموجود المتقدم عليه هو الذي نقله من العدم إلى الوجود ، وذلك هو ~~الإله تعالى وتقدس . # واعلم أن حقيقة ذات الإله وكنه هويته غير معلومة للبشر ألبتة ، وإنما ~~المعلوم للبشر صفاته ، ثم إن صفاته قسمان : صفات الجلال ، وصفات الإكرام . ~~أما صفات الجلال ، فهي سلوب ، كقولنا : إنه ليس بجوهر ولا جسم ، ولا كذا ~~ولا كذا . وهذه السلوب في الحقيقة ليست صفات الكمال ، لأن السلوب عدم ، ~~والعدم المحض والنفي الصرف ، لا كمال فيه ، فقولنا لا تأخذه سنة ولا نوم ~~إنما أفاد الكلام لدلالته على العلم المحيط الدائم المبرأ عن التغير ولولا ~~ذلك كان عدم النوم ليس يدل على كمال أصلا ، ألا ترى أن الميت والجماد لا ~~تأخذه سنة ولا نوم وقوله : { وهو يطعم ولا يطعم } ( الأنعام : 14 ) إنما ~~أفاد ، الجلال والكمال والكبرياء ، لأن قوله : { ولا يطعم } يفيد كونه واجب ~~الوجود لذاته غنيا عن الطعام والشراب بل عن كل ما سواه ، فثبت أن صفات ~~الكمال والعز والعلو هي الصفات الثبوتية ، وأشرف الصفات الثبوتية الدالة ~~على الكمال والجلال صفتان : العلم والقدرة ، فلهذا السبب وصف الله تعالى ~~ذاته في ms5051 هذه الآية بهما في معرض التعظيم والثناء والمدح . أما صفة العلم ~~فقوله : { ولله غيب * السماوات والارض } والمراد أن علمه نافذ في جميع ~~الكليات والجزئيات والمعدومات والموجودات والحاضرات والغائبات ، وتمام ~~البيان والشرح في دلالة هذا اللفظ على نهاية الكمال ما ذكرناه في تفسير ~~قوله سبحانه وتعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( الأنعام : ~~59 ) وأما صفة القدرة ، فقوله : { وإليه يرجع الامر كله } والمراد أن مرجع ~~الكل إليه ، وإنما يكون كذلك لو كان مصدر الكل ومبدأ الكل هو هو والذي يكون ~~مبدأ لجميع الممكنات وإليه يكون مرجع كل المحدثات والكائنات ، كان عظيم ~~القدرة نافذ المشيئة قهارا للعدم بالوجود والتحصيل جبارا له بالقوة والفعل ~~والتكميل / فهذان الوصفان هما المذكوران في شرح جلال المبدأ ونعت كبريائه . # / والمرتبة الثانية : من المراتب التي يجب على الإنسان كونه عالما بها أن ~~يعرف ما هو مهم له في زمان حياته في الدنيا ، وما ذلك إلا تكميل النفس ~~بالمعارف الروحانية والجلايا القدسية ، وهذه المرتبة لها بداية ونهاية . ~~أما بدايتها فالاشتغال بالعبادات الجسدانية والروحانية . أما العبادات ~~الجسدانية ، فأفضل الحركات PageV18P065 الصلاة ، وأكمل السكنات الصيام ، ~~وأنفع البر الصدقة . # وأما العبادة الروحانية فهي : الفكر ، والتأمل في عجائب صنع الله تعالى ~~في ملكوت السموات والأرض ، كما قال تعالى : { ويتفكرون فى خلق * السماوات ~~والارض } ( آل عمران : 191 ) وأما نهاية هذه المرتبة ، فالانتهاء من ~~الأسباب إلى مسببها ، وقطع النظر عن كل الممكنات والمبدعات ، وتوجيه حدقة ~~العقل إلى نور عالم الجلال ، واستغراق الروح في أضواء عالم الكبرياء ، ومن ~~وصل إلى هذه الدرجة رأى كل ما سواه مهرولا تائها في ساحة كبريائه هالكا ~~فانيا في فناء سناء أسمائه . وحاصل الكلام : أن أول درجات السير إلى الله ~~تعالى هو عبودية الله ، وآخرها التوكل على الله ، فلهذا السبب قال : { ~~فاعبده وتوكل عليه } . # والمرتبة الثالثة : من المراتب المهمة لكل عامل معرفة المستقبل وهو أنه ~~يعرف كيف يصير حاله بعد انقضاء هذه الحياة الجسمانية ، وهل لأعماله أثر في ~~السعادة والشقاوة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وما ربك بغافل عما ~~تعملون } والمقصود أنه ms5052 لا يضيع طاعات المطيعين ولا يهمل أحوال المتمردين ~~الجاحدين ، وذلك بأن يحضروا في موقف القيامة ويحاسبوا على النقير والقطمير ~~ويعاتبوا في الصغير والكبير ، ثم يحصل عاقبة الأمر فريق في الجنة وفريق في ~~السعير ، فظهر أن هذه الآية وافية بالإشارة إلى جميع المطالب العلوية ، ~~والمقاصد القدسية ، وأنه ليس وراءها للعقول مرتقى ولا للخواطر منتهى والله ~~الهادي للصواب ، تمت السورة بحمد الله وعونه ، وقد وجد بخط المصنف رضي الله ~~عنه في النسخة المنتقل منها ثم تفسير هذه السورة قبل طلوع الصبح ليلة ~~الاثنين من شهر رجب ختمه الله بالخير والبركة سنة إحدى وستمائة ، وقد كان ~~لي ولد صالح حسن السيرة فتوفى في الغربة في عنفوان شبابه ، وكان قلبي ~~كالمحترق لذلك السبب ، فأنا أنشد الله إخواني في الدين وشركائي في طلب ~~اليقين وكل من نظر في هذا الكتاب وانتفع به أن يذكر ذلك الشاب بالرحمة ~~والمغفرة ، وأن يذكر هذا المسكين بالدعاء وهو يقول : { ربنا لا تزغ قلوبنا ~~بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } ( آل عمران : 8 ) ~~وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV18P066 < # > 1 ( سورة يوسف ) 1 < # > # مكية ، إلا الآيات : 1 و 2 و 3 و 7 ، فمدنية # وآياتها : 111 ، نزلت بعد سورة هود # ! 7 < { الر تلك ءايات الكتاب المبين * إنآ أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 1 - 2 ) الر تلك آيات . . . . . # > > # وقد ذكرنا في أول سورة يونس تفسير : { الر تلك ءايات الكتاب الحكيم } ( ~~يونس : 1 ) فقوله : { تلك } إشارة إلى آيات هذه السورة أي تلك الآيات التي ~~أنزلت إليك في هذه السورة المسماة { الر } هي { الكتاب المبين إنا } وهو ~~القرآن ، وإنما وصف القررن بكونه مبينا لوجوه : الأول : أن القرآن معجزة ~~قاهرة وآية بينة لمحمد صلى الله عليه وسلم . والثاني : أنه بين فيه الهدى ~~والرشد ، والحلال والحرام ، ولما بينت هذه الأشياء فيه كان الكتاب مبينا ~~لهذه الأشياء . الثالث : أنه بينت فيه قصص الأولين وشرحت فيه أحوال ~~المتقدمين . # ثم قال : { إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ms5053 وفيه مسائل : # المسألة الأولى : روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين ، سلوا ~~محمدا لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ، وعن كيفية قصة يوسف ، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية ، وذكر فيها أنه / تعالى عبر عن هذه القصة بألفاظ ~~عربية ، ليتمكنوا من فهمها ويقدروا على تحصيل المعرفة بها . والتقدير : إنا ~~أنزلنا هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه قرآنا عربيا ، وسمى بعض ~~القرآن قرآنا ، لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض . # المسألة الثانية : احتج الجبائي بهذه الآية على كون القرآن مخلوقا من ~~ثلاثة أوجه : الأول : أن قوله : { إنا أنزلناه } يدل عليه ، فإن القديم لا ~~يجوز تنزيله وإنزاله وتحويله من حال إلى حال ، الثاني : أنه تعالى وصفه ~~بكونه عربيا والقديم لا يكون عربيا ولا فارسيا . الثالث : أنه لما قال : { ~~إنا أنزلناه قرانا عربيا } دل على أنه تعالى كان قادرا على أن ينزله لا ~~عربيا ، وذلك يدل على حدوثه . الرابع : أن قوله : { تلك ءايات الكتاب } يدل ~~PageV18P067 على أنه مركب من الآيات والكلمات ، وكل ما كان مركبا كان محدثا ~~. # والجواب عن هذه الوجوه بأسرها أن نقول : إنها تدل على أن المركب من ~~الحروف والكلمات والألفاظ والعبارات محدث وذلك لا نزاع فيه ، إنما الذي ~~ندعي قدمه شيء آخر فسقط هذا الاستدلال . # المسأل الثالثة : احتج الجبائي بقوله : { لعلكم تعقلون } فقال : كلمة ( ~~لعل ) يجب حملها على الجزم والتقدير : إنا أنزلناه قرآنا عربيا لتعقلوا ~~معانيه في أمر الدين ، إذ لا يجوز أن يراد بلعلكم تعقلون ؟ الشك لأنه على ~~الله محال ، فثبت أن المراد أنه أنزله لإرادة أن يعرفوا دلائله ، وذلك يدل ~~على أنه تعالى أراد من كل العباد أن يعقلوا توحيده وأمر دينه ، من عرف منهم ~~، ومن لم يعرف ، بخلاف قول المجبرة . # والجواب : هب أن الأمر ما ذكرتم إلا أنه يدل على أنه تعالى أنزل هذه ~~السورة ، وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة ولكن لم قلتم إنها تدل على أنه ~~تعالى أراد من الكل الإيمان والعمل الصالح . # ! 7 < { نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ ms5054 أوحينآ إليك هاذا القرءان وإن كنت ~~من قبله لمن الغافلين } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 3 ) نحن نقص عليك . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : روى سعيد بن جبير أنه تعالى لما أنزل القرآن على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم / وكان يتلوه على قومه ، فقالوا يا رسول الله لو ~~قصصت علينا فنزلت هذه السورة فتلاها عليهم فقالوا لو حدثتنا فنزل : { الله ~~نزل أحسن الحديث كتابا } ( الزمر : 23 ) فقالوا لو ذكرتنا فنزل : { ألم يأن ~~للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } ( الحديد : 16 ) . # المسألة الثانية : القصص اتباع الخبر بعضه بعضا وأصله في اللغة المتابعة ~~قال تعالى : { وقالت لاخته قصيه } ( القصص : 11 ) أي اتبعي أثره وقال تعالى ~~: { فارتدا علىءاثارهما قصصا } ( الكهف : 64 ) أي اتباعا وإنما سميت ~~الحكاية قصصا لأن الذي يقص الحديث يذكر تلك القصة شيئا فشيئا كما يقال تلا ~~القرآن إذا قرأه لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية والقصص في هذه ~~الآية يحتمل أن يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص يقال قص الحديث يقصه قصا وقصصا ~~إذا طرده وساقه كما يقال أرسله يرسله إرسالا ويجوز أن يكون من باب تسمية ~~المفعول بالمصدر كقولك هذا قدرة الله تعالى أي مقدوره وهذا الكتاب علم فلان ~~أي معلومه وهذا رجاؤنا أي مرجونا فإن حملناه على المصدر كان المعنى نقص ~~عليك أحسن الاقتصاص ، وعلى هذا التقدير فالحسن يعود إلى حسن البيان لا إلى ~~القصة والمراد من هذا الحسن كون هذه الألفاظ فصيحة بالغة في الفصاحة إلى حد ~~الإعجاز ألا ترى أن هذه القصة مذكورة في كتب التواريخ مع أن شيئا منها لا ~~يشابه هذه السورة في الفصاحة والبلاغة وإن حملناه على المفعول كان معنى ~~كونه أحسن القصص لما فيه من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في ~~غيرها فإن إحدى الفوائد التي في هذه القصة أنه لا دافع لقضاء PageV18P068 ~~الله تعالى ولا مانع من قدر الله تعالى وأنه تعالى إذا قضى للإنسان بخير ~~ومكرمة فلو أن أهل العالم اجتمعوا عليه لم يقدروا على دفعه . # والفائدة الثانية : دلالتها ms5055 على أن الحسد سبب للخذلان والنقصان . # والفائدة الثالثة : أن الصبر مفتاح الفرج كما في حق يعقوب عليه السلام ~~فإنه لما صبر فاز بمقصوده ، وكذلك في حق يوسف عليه السلام . # فأما قوله : { بما أوحينا إليك هاذا القرءان } فالمعنى بوحينا إليك هذا ~~القرآن ، وهذا التقدير إن جعلنا ( ما ) مع الفعل بمنزلة المصدر . # ثم قال : { وإن كنت من قبله } يريد من قبل أن نوحي إليك { لمن الغافلين } ~~عن قصة يوسف وإخوته ، لأنه عليه السلام إنما علم ذلك بالوحي ، ومنهم من قال ~~: المراد أنه كان من الغافلين عن الدين والشريعة قبل ذلك كما قال تعالى : { ~~ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) . # ! 7 < { إذ قال يوسف لابيه ياأبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لى ساجدين } . > 7 ! # / < < # | يوسف : ( 4 ) إذ قال يوسف . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : تقدير الآية : اذكر { إذ قال يوسف } قال صاحب ( الكشاف ~~) : الصحيح أنه اسم عبراني ، لأنه لو كان عربيا لانصرف لخلوه عن سبب آخر ~~سوى التعريف ، وقرأ بعضهم { يوسف } بكسر السين { ويوسف } بفتحها . وأيضا ~~روى في يونس هذه اللغات الثلاث ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا ~~قيل من الكريم فقولوا الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق ~~بن إبراهيم عليهم السلام ) . # المسألة الثانية : قرأ ابن عامر { * يا أبت } بفتح التاء في جميع القرآن ~~، والباقون بكسر التاء . أما الفتح فوجهه أنه كان في الأصل يا أبتاه على ~~سبيل الندبة ، فحذفت الألف والهاء . وأما الكسر فأصله يا أبي ، فحذفت الياء ~~واكتفى بالكسرة عنها ثم أدخل هاء الوقف فقال : { * يا أبت } ثم كثر ~~استعماله حتى صار كأنه من نفس الكلمة فأدخلوا عليه الإضافة ، وهذا قول ثعلب ~~وابن الأنباري . # واعلم أن النحويين طولوا في هذه المسألة ، ومن أراد كلامهم فليطالع ( ~~كتبهم ) . # المسألة الثالثة : أن يوسف عليه السلام رأى في المنام أن أحد عشر كوكبا ~~والشمس والقمر سجدت له ، وكان له أحد عشر نفرا من الأخوة ، ففسر الكواكب ~~بالأخوة ، والشمس والقمر بالأب والأم ، والسجود بتواضعهم له ms5056 ودخولهم تحت ~~أمره ، وإنما حملنا قوله : { لابيه ياأبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا } على ~~الرؤيا لوجهين : الأول : أن الكواكب لا تسجد في الحقيقة ، فوجب حمل هذا ~~الكلام على الرؤيا . والثاني : قول يعقوب عليه السلام : { لا تقصص رءياك ~~على إخوتك } ( يوسف : 5 ) وفي الآية سؤالات : PageV18P069 # السؤال الأول : قوله : { رأيتهم لى ساجدين } فقوله : { ساجدين } لا يليق ~~إلا بالعقلاء ، والكواكب جمادات ، فكيف جازت اللفظة المخصوصة بالعقلاء في ~~حق الجمادات . # قلنا : إن جماعة من الفلاسفة الذين يزعمون أن الكواكب أحياء ناطقة احتجوا ~~بهذه الآية ، وكذلك احتجوا بقوله تعالى : { وكل فى فلك يسبحون } ( الأنبياء ~~: 33 ) والجمع بالواو والنون مختص بالعقلاء . وقال / الواحدي : إنه تعالى ~~لما وصفها بالسجود صارت كأنها تعقل ، فأخبر عنها كما يخبر عمن يعقل كما قال ~~في صفة الأصنام { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ( الأعراف : 198 ) ~~وكما في قوله : { نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم } ( النمل : 18 ) . # السؤال الثاني : قال : { إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } ثم أعاد ~~لفظ الرؤيا مرة ثانية ، وقال : { رأيتهم لى ساجدين } فما الفائدة في هذا ~~التكرير ؟ # الجواب : قال القفال رحمه الله : ذكر الرؤية الأولى لتدل على أنه شاهد ~~الكواكب والشمس والقمر ، والثانية لتدل على مشاهدة كونها ساجدة له ، وقال ~~بعضهم : إنه لما قال : { إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } فكأنه قيل ~~له : كيف رأيت ؟ فقال : رأيتهم لي ساجدين ، وقال آخرون : يجوز أن يكون ~~أحدهما من الرؤية والآخر من الرؤية ، وهذا القائل لم يبين أن أيهما يحمل ~~على الرؤيا وأيهما الرؤيا فذكر قولا مجملا غير مبين . # السؤال الثالث : لم أخر الشمس والقمر ؟ # قلنا : أخرهما لفضلهما على الكواكب ، لأن التخصيص بالذكر يدل على مزيد ~~الشرف كما في قوله : { وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) . # السؤال الرابع : المراد بالسجود نفس السجود أو التواضع كما في قوله : # ترى الأكم فيه سجدا للحوافر # قلنا : كلاهما محتمل ، والأصل في الكلام حمله على حقيقته ولا مانع أن يرى ~~في المنام أن الشمس والقمر والكواكب سجدت له . # السؤال الخامس : متى رأى يوسف عليه السلام ms5057 هذه الرؤيا ؟ # قلنا : لا شك أنه رآها حال الصغر ، فأما ذلك الزمان بعينه فلا يعلم إلا ~~بالأخبار . قال وهب : رأى يوسف عليه السلام وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة ~~عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة وثبت عليها ~~حتى ابتلعتها فذكر ذلك لأبيه فقال إياك أن تذكر هذا لأخوتك ثم رأى وهو ابن ~~ثنتي عشرة سنة الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال لا ~~تذكرها لهم فيكيدوا لك كيدا . وقيل : كان بين رؤيا يوسف ومصير أخوته إليه ~~أربعون سنة وقيل : ثمانون سنة . # واعلم أن الحكماء يقولون إن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها عن قريب ، ~~والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين . قالوا : والسبب في ذلك أن رحمة ~~الله تقتضي أن لا يحصل الإعلام بوصول / الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون ~~الحزن والغم أقل ، وأما الإعلام بالخير فإنه يحصل متقدما على ظهوره بزمان ~~طويل حتى PageV18P070 تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حصول ذلك الخير أكثر ~~وأتم . # السؤال السادس : قال بعضهم : المراد من الشمس والقمر أبوه وخالته فما ~~السبب فيه ؟ # قلنا : إنما قالوا ذلك من حيث ورد في الخبر أن والدته توفيت وما دخلت ~~عليه حال ما كان بمصر قالوا : ولو كان المراد من الشمس والقمر أباه وأمه ~~لما ماتت لأن رؤيا الأنبياء عليهم السلام لا بد وأن تكون وحيا وهذه الحجة ~~غير قوية لأن يوسف عليه السلام ما كان في ذلك الوقت من الأنبياء . # السؤال السابع : وما تلك الكواكب ؟ # قلنا : روى صاحب ( الكشاف ) أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام وأخبره بذلك فقال عليه الصلاة والسلام ~~لليهودي : ( إن أخبرتك هل تسلم ) قال نعم قال : ( جربان والطارق والذيال ~~وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف ~~والشمس والقمر نزلت من السماء وسجدت له ) فقال اليهودي : أي والله إنها ~~لأسماؤها . # واعلم أن ms5058 كثيرا من هذه الأسماء غير مذكور في الكتب المصنفة في صورة ~~الكواكب والله أعلم بحقيقة الحال . # ! 7 < { قال يابنى لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان ~~للإنسان عدو مبين * وكذالك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الا حاديث ويتم ~~نعمته عليك وعلىءال يعقوب كمآ أتمهآ على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ~~ربك عليم حكيم } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 5 - 6 ) قال يا بني . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حفص { أو بنى } بفتح الياء والباقون بالكسر . # / المسألة الثانية : أن يعقوب عليه السلام كان شديد الحب ليوسف وأخيه ~~فحسده إخوته لهذا السبب وظهر ذلك المعنى ليعقوب عليه السلام بالأمارات ~~الكثيرة فلما ذكر يوسف عليه السلام هذه الرؤيا وكان تأويلها أن إخوته ~~وأبويه يخضعون له فقال لا تخبرهم برؤياك فإنهم يعرفون تأويلها فيكيدوا لك ~~كيدا . # المسألة الثالثة : قال الواحدي : الرؤيا مصدر كالبشرى والسقيا والشورى ~~إلا أنه لما صار اسما لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء . قال صاحب ~~( الكشاف ) : الرؤيا بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة PageV18P071 بما كان منها ~~في المنام دون اليقطة فلا جرم فرق بينهما بحرفي التأنيث ، كما قيل : القربة ~~والقربى وقرىء روياك بقلب الهمزة واوا وسمع الكسائي يقرأ رياك ورياك ~~بالإدغام وضم الراء وكسرها وهي ضعيفة . # ثم قال تعالى : { فيكيدوا لك كيدا } وهو منصوب بإضمار أن والمعنى إن ~~قصصتها عليهم كادوك . # فإن قيل : فلم لم يقل فيكيدوك كما قال : { فكيدونى } ( هود : 55 ) . # قلنا : هذه اللام تأكيد للصلة كقوله { للرؤيا تعبرون } ، وكقولك نصحتك ~~ونصحت لك وشكرتك وشكرت لك ، وقيل هي من صلة الكيد على معنى فيكيدوا كيدا لك ~~. قال أهل التحقيق : وهذا يدل على أنه قد كان لهم علم بتعبير الرؤيا وإلا ~~لم يعلموا من هذه الرؤيا ما يوجب حقدا وغضبا . # ثم قال : { إن الشيطان للإنسان عدو مبين } والسبب في هذا الكلام أنهم لو ~~أقدموا على الكيد لكان ذلك مضافا إلى الشيطان ونظيره قول موسى عليه السلام ~~هذا من عمل الشيطان ، ثم إن يعقوب عليه السلام قصد بهذه النصيحة تعبير ms5059 تلك ~~الرؤيا وذكروا أمورا : أولها : قوله : { وكذالك يجتبيك ربك } يعني وكما ~~اجتباك بمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز وكبر شأن كذلك يجتبيك ~~لأمور عظام . قال الزجاج : الاجتباء مشتق من جبيت الشيء إذا خلصته لنفسك ~~ومنه جبيت الماء في الحوض ، واختلفوا في المراد بهذا الاجتباء ، فقال الحسن ~~: يجتبيك ربك بالنبوة ، وقال آخرون : المراد منه إعلاء الدرجة وتعظيم ~~المرتبة فأما تعيين النبوة فلا دلالة في اللفظ عليه . وثانيها : قوله : { ~~ويعلمك من تأويل الاحاديث } وفيه وجوه : الأول : المراد منه تعبير الرؤيا ~~سماه تأويلا لأنه يؤل أمره إلى ما رآه في المنام يعني تأويل أحاديث الناس ~~فيما يرونه في منامهم . قالوا : إنه عليه السلام كان في علم التعبير غاية ، ~~والثاني : تأويل الأحاديث في كتب الله تعالى والأخبار المروية عن الأنبياء ~~المتقدمين ، كما أن الواحد من علماء زماننا يشتغل بتفسير القرآن وتأويله ، ~~وتأويل الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، والثالث : ~~الأحاديث جمع حديث ، / والحديث هو الحادث ، وتأويلها مآلها ، ومآل الحوادث ~~إلى قدرة الله تعالى وتكوينه وحكمته ، والمراد من تأويل الأحاديث كيفية ~~الاستدلال بأصناف المخلوقات الروحانية والجسمانية على قدرة الله تعالى ~~وحكمته وجلالته ، وثالثها : قوله : { ويتم نعمته عليك وعلىءال يعقوب } . # واعلم أن من فسر الاجتباء بالنبوة لا يمكنه أن يفسر إتمام النعمة ههنا ~~بالنبوة أيضا وإلا لزم التكرار ، بل يفسر إتمام النعمة ههنا بسعادات الدنيا ~~وسعادات الآخرة . أما سعادات الدنيا فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع ~~والتوسع في المال والجاه والحشم وإجلاله في قلوب الخلق وحسن الثناء والحمد ~~. وأما سعادات الآخرة : فالعلوم الكثيرة والأخلاق الفاضلة والاستغراق في ~~معرفة الله تعالى . وأما من فسر الاجتباء بنيل الدرجات العالية ، فههنا ~~يفسر إتمام النعمة بالنبوة ويتأكيد هذا بأمور : الأول : أن إتمام النعمة ~~عبارة عما به تصير النعمة تامة كاملة خالية عن جهات النقصان . وما ذاك في ~~حق البشر إلا بالنبوة ، فإن جميع مناصب الخلق دون منصب الرسالة ناقص ~~بالنسبة إلى كمال النبوة ، فالكمال المطلق والتمام المطلق في حق البشر ليس ~~إلا النبوة ، والثاني : قوله : { كما أتمها ms5060 على أبويك من قبل إبراهيم * ~~وإسحاق } ومعلوم أن النعمة التامة التي بها حصل امتياز إبراهيم وإسحق عن ~~سائر البشر ليس إلا النبوة ، فوجب أن يكون المراد بإتمام النعمة هو النبوة ~~. PageV18P072 # واعلم أنا لما فسرنا هذه الآية بالنبوة لزم الحكم بأن أولاد يعقوب كلهم ~~كانوا أنبياء ، وذلك لأنه قال : { ويتم نعمته عليك وعلىءال يعقوب } وهذا ~~يقتضي حصول تمام النعمة لآل يعقوب ، فلما كان المراد من إتمام النعمة هو ~~النبوة لزم حصولها لآل يعقوب ترك العمل به في حق من عدا أبناءه فوجب أن لا ~~يبقى معمولا به في حق أولاده . وأيضا أن يوسف عليه السلام قال : { إنى رأيت ~~أحد عشر كوكبا } وكان تأويله أحد عشر نفسا لهم فضل وكمال ويستضيء بعلمهم ~~ودينهم أهل الأرض ، لأنه لا شيء أضوأ من الكواكب وبها يهتدى وذلك يقتضي أن ~~يكون جملة أولاد يعقوب أنبياء ورسلا . # فإن قيل : كيف يجوز أن يكونوا أنبياء وقد أقدموا على ما أقدموا عليه في ~~حق يوسف عليه السلام ؟ # قلنا : ذاك وقع قبل النبوة ، وعندنا العصمة إنما تعتبر في وقت النبوة لا ~~قبلها . # القول الثاني : أن المراد من قوله : { ويتم نعمته عليك } خلاصه من المحن ~~، ويكون وجه التشبيه في ذلك بإبراهيم وإسحق عليهما السلام هو إنعام الله ~~تعالى على إبراهيم بإنجائه من النار وعلى ابنه إسحق بتخليصه من الذبح . # والقول الثالث : أن إتمام النعمة هو وصل نعمة الله عليه في الدنيا بنعم ~~الآخرة بأن / جعلهم في الدنيا أنبياء وملوكا ونقلهم عنها إلى الدرجات العلى ~~في الجنة . # واعلم أن القول الصحيح هو الأول ، لأن النعمة التامة في حق البشر ليست ~~إلا النبوة ، وكل ما سواها فهي ناقصة بالنسبة إليها ، ثم إنه عليه السلام ~~لما وعده بهذه الدرجات الثلاثة ختم الكلام بقوله : { إن ربك عليم حكيم } ~~فقوله : { عليم } إشارة إلى قوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( ~~الأنعام : 124 ) وقوله : { حكيم } إشارة إلى أن الله تعالى مقدس عن السفه ~~والعبث ، لا يضع النبوة إلا في نفس قدسية وجوهرة مشرقة علوية . # فإن قيل : هذه البشارات ms5061 التي ذكرها يعقوب عليه السلام هل كان قاطعا ~~بصحتها أم لا ؟ فإن كان قاطعا بصحتها ، فكيف حزن على يوسف عليه السلام ، ~~وكيف جاز أن يشتبه عليه أن الذئب أكله ، وكيف خاف عليه من إخوته أن يهلكوه ~~، وكيف قال لإخوته وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ، مع علمه بأن ~~الله سبحانه سيجتبيه ويجعله رسولا ، فأما إذا قلنا إنه عليه السلام ما كان ~~عالما بصحة هذه الأحوال ، فكيف قطع بها ؟ وكيف حكم بوقوعها حكما جازما من ~~غير تردد ؟ . # قلنا : لا يبعد أن يكون قوله : { وكذالك يجتبيك ربك } مشروطا بأن لا ~~يكيدوه / لأن ذكر ذلك قد تقدم ، وأيضا فبتقدير أن يقال : إنه عليه السلام ~~كان قاطعا بأن يوسف عليه السلام سيصل إلى هذه المناصب إلا أنه لا يمتنع أن ~~يقع في المضايق الشديدة ثم يتخلص منها ويصل إلى تلك المناصب فكان خوفه لهذا ~~السبب ويكون معنى قوله : { وأخاف أن يأكله الذئب } ( يوسف : 13 ) الزجر عن ~~التهاون في حفظه وإن كان يعلم أن الذئب لا يصل إليه . # ! 7 < { لقد كان فى يوسف وإخوته ءايات للسآئلين * إذ قالوا ليوسف وأخوه ~~أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلال مبين } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 7 - 8 ) لقد كان في . . . . . # > > PageV18P073 # في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكر صاحب ( الكشاف ) أسماء إخوة يوسف : يهودا ، روبيل ، ~~شمعون لاوي ، ربالون ، يشجر ، دينة ، دان ، نفتالي ، جاد ، آشر . ثم قال : ~~السبعة الأولون من ليا بنت / خالة يعقوب والأربعة الآخرون من سريتين زلفة ~~وبلهة ، فلما توفيت ليا تزوج يعقوب أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف . # المسألة الثانية : قوله : { للسائلين إذ } قرأ ابن كثير آية بغير ألف ~~حمله على شأن يوسف والباقون { ءايات } على الجمع لأن أمور يوسف كانت كثيرة ~~وكل واحد منها آية بنفسه . # المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير قوله تعالى : { للسائلين إذ } وجوها : ~~الأول : قال ابن عباس دخل حبر من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع ~~منه قراءة يوسف فعاد إلى اليهود فأعلمهم أنه سمعها منه كما هي في ms5062 التوراة ، ~~فانطلق نفر منهم فسمعوا كما سمع ، فقالوا له من علمك هذه القصة ؟ فقال : ~~الله علمني ، فنزل : { لقد كان فى يوسف وإخوته ءايات للسائلين } وهذا الوجه ~~عندي بعيد ، لأن المفهوم من الآية أن في واقعة يوسف آيات للسائلين وعلى هذا ~~الوجه الذي نقلناه ما كانت الآيات في قصة يوسف ، بل كانت الآيات في أخبار ~~محمد صلى الله عليه وسلم عنها من غير سبق تعلم ولا مطالعة وبين الكلامين ~~فرق ظاهر . والثاني : أن أهل مكة أكثرهم كانوا أقارب الرسول عليه الصلاة ~~والسلام وكانوا ينكرون نبوته ويظهرون العداوة الشديدة معه بسبب الحسد فذكر ~~الله تعالى هذه القصة وبين أن إخوة يوسف بالغوا في إيذائه لأجل الحسد ~~وبالآخرة فإن الله تعالى نصره وقواه وجعلهم تحت يده ورايته ، ومثل هذه ~~الواقعة إذا سمعها العاقل كانت زجرا له عن الإقدام على الحسد والثالث : أن ~~يعقوب لما عبر رؤيا يوسف وقع ذلك التعبير ودخل في الوجود بعد ثمانين سنة ~~فكذلك أن الله تعالى لما وعد محمدا عليه الصلاة والسلام بالنصر والظفر على ~~الأعداء ، فإذا تأخر ذلك الموعود مدة من الزمان لم يدل ذلك على كون محمد ~~عليه الصلاة والسلام كاذبا فيه فذكر هذه القصة نافع من هذا الوجه . الرابع ~~: أن إخوة يوسف بالغوا في إبطال أمره ، ولكن الله تعالى لما وعده بالنصر ~~والظفر كان الأمر كما قدره الله تعالى لا كما سعى فيه الأعداء ، فكذلك ~~واقعة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله لما ضمن له إعلاء الدرجة لم يضره ~~سعي الكفار في إبطال أمره . وأما قوله : { للسائلين } فاعلم أن هذه القصة ~~فيها آيات كثيرة لمن سأل عنها ، وهو كقوله تعالى : { فى أربعة أيام سواء ~~للسائلين } ( فصلت : 10 ) . # ثم قال تعالى : { إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة } ~~وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { ليوسف } اللام لام الابتداء ، وفيها تأكيد ~~وتحقيق لمضمون الجملة . أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر لا شبهة فيه وأخوه ~~هو بنيامين ، وإنما قالوا أخوه ، وهم جميعا إخوة لأن أمهما كانت ms5063 واحدة ~~والعصبة والعصابة العشرة فصاعدا ، وقيل إلى الأربعين سموا بذلك / لأنهم ~~جماعة تعصب بهم الأمور ، ونقل عن علي عليه السلام أنه قرأ { ونحن عصبة } ~~بالنصب قيل : معناه ونحن نجتمع عصبة . # المسألة الثانية : المراد منه بيان السبب الذي لأجله قصدوا إيذاء يوسف ، ~~وذلك أن يعقوب كان يفضل PageV18P074 يوسف وأخاه على سائر الأولاد في الحب ~~وأنهم تأذوا منه لوجوه : الأول : أنهم كانوا أكبر سنا منهما . وثانيها : ~~أنهم كانوا أكثر قوة وأكثر قياما بمصالح الأب منهما . وثالثها : أنهم قالوا ~~إنا نحن القائمون بدفع المفاسد والآفات ، والمشتغلون بتحصيل المنافع ~~والخيرات . إذا ثبت ما ذكرناه من كونهم متقدمين على يوسف وأخيه في هذه ~~الفضائل ، ثم إنه عليه السلام كان يفضل يوسف وأخاه عليهم لا جرم قالوا : { ~~إن أبانا لفى ضلال مبين } يعني هذا حيف ظاهر وضلال بين . وههنا سؤالات : # السؤال الأول : إن من الأمور المعلومة أن تفضيل بعض الأولاد على بعض يورث ~~الحقد والحسد ، ويورث الآفات ، فلما كان يعقوب عليه السلام عالما بذلك فلم ~~أقدم على هذا التفضيل وأيضا الأسن والأعلم والأنفع أفضل ، فلم قلب هذه ~~القضية ؟ # والجواب : أنه عليه السلام ما فضلهما على سائر الأولاد إلا في المحبة ، ~~والمحبة ليست في وسع البشر فكان معذورا فيه ولا يلحقه بسبب ذلك لوم . # السؤال الثاني : أن أولاد يعقوب عليه السلام إن كانوا قد آمنوا بكونه ~~رسولا حقا من عند الله تعالى فكيف اعترضوا عليه ، وكيف زيفوا طريقته وطعنوا ~~في فعله ، وإن كانوا مكذبين لنبوته فهذا يوجب كفرهم . # والجواب : أنهم كانوا مؤمنين بنبوة أبيهم مقرين بكونه رسولا حقا من عند ~~الله تعالى ، إلا أنهم لعلهم جوزوا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن ~~يفعلوا أفعالا مخصوصة بمجرد الاجتهاد ، ثم إن اجتهادهم أدى إلى تخطئة أبيهم ~~في ذلك الاجتهاد ، وذلك لأنهم كانوا يقولون هما صبيان ما بلغا العقل الكامل ~~ونحن متقدمون عليهما في السن والعقل والكفاية والمنفعة وكثرة الخدمة ~~والقيام بالمهمات وإصراره على تقديم يوسف علينا يخالف هذا الدليل . وأما ~~يعقوب عليه السلام فلعله كان يقول : زيادة المحبة ليست ms5064 في الوسع والطاقة ، ~~فليس لله علي فيه تكليف . وأما تخصيصهما بمزيد البر فيحتمل أنه كان لوجوه : ~~أحدها : أن أمهما ماتت وهما صغار . وثانيها : لأنه كان يرى فيه من آثار ~~الرشد والنجابة ما لم يجد في سائر الأولاد ، وثالثها : لعله عليه السلام ~~وإن كان صغيرا إلا أنه كان يخدم أباه بأنواع من الخدم أشرف وأعلى بما كان ~~يصدر عن سائر الأولاد ، والحاصل / أن هذه المسألة كانت اجتهادية ، وكانت ~~مخلوطة بميل النفس وموجبات الفطرة ، فلا يلزم من وقوع الاختلاف فيها طعن ~~أحد الخصمين في دين الآخر أو في عرضه . # السؤال الثالث : أنهم نسبوا أباهم إلى الضلال المبين ، وذلك مبالغة في ~~الذم والطعن ، ومن بالغ في الطعن في الرسول كفر ، لا سيما إذا كان الطاعن ~~ولدا فإن حق الأبوة يوجب مزيد التعظيم . # والجواب : المراد منه الضلال عن رعاية المصالح في الدنيا لا البعد عن ~~طريق الرشد والصواب . # السؤال الرابع : أن قولهم : { ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا } محض الحسد ~~، والحسد من أمهات الكبائر ، لا سيما وقد أقدموا على الكذب بسبب ذلك الحسد ~~، وعلى تضييع ذلك الأخ الصالح وإلقائه في ذل العبودية وتبعيده عن الأب ~~المشفق ، وألقوا أباهم في الحزن الدائم والأسف العظيم ، وأقدموا على الكذب ~~فما بقيت خصلة مذمومة ولا طريقة في الشر والفساد إلا وقد أتوا بها ، وكل ~~ذلك يقدح في العصمة والنبوة . # والجواب : الأمر كما ذكرتم ، إلا أن المعتبر عندنا عصمة الأنبياء عليهم ~~السلام في وقت حصول النبوة . وأما قبلها فذلك غير واجب والله أعلم . # PageV18P075 ! 7 < { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ~~وتكونوا من بعده قوما صالحين * قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه فى ~~غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 9 - 10 ) اقتلوا يوسف أو . . . . . # > > # واعلم أنه لما قوي الحسد وبلغ النهاية قالوا لا بد من تبعيد يوسف عن أبيه ~~: وذلك لا يحصل إلا بأحد طريقين : القتل أو التغريب إلى أرض يحصل اليأس من ~~اجتماعه مع أبيه ولا وجه في الشر يبلغه الحاسد ms5065 أعظم من ذلك ، ثم ذكروا ~~العلة فيه وهي قولهم : { يخل لكم وجه أبيكم } والمعنى أن يوسف شغله عنا ~~وصرف وجهه إليه فإذا أفقده أقبل علينا بالميل والمحبة { وتكونوا من بعده ~~قوما صالحين } وفيه وجوه : الأول : أنهم علموا أن ذلك الذي عزموا عليه من ~~الكبائر فقالوا : إذا فعلنا ذلك تبنا إلى الله ونصير من القوم الصالحين . ~~والثاني : أنه ليس المقصود ههنا صلاح الدين بل المعنى يصلح شأنكم عند أبيكم ~~ويصير أبوكم محبا لكم مشتغلا بشأنكم . الثالث : المراد أنكم بسبب / هذه ~~الوحشة صرتم مشوشين لا تتفرغون لإصلاح مهم ، فإذا زالت هذه الوحشة تفرغتم ~~لإصلاح مهماتكم ، واختلفوا في أن هذا القائل الذي أمر بالقتل من كان ؟ على ~~قولين : أحدهما : أن بعض إخوته قال هذا . والثاني : أنهم شاوروا أجنبيا ~~فأشار عليهم بقتله ، ولم يقل ذلك أحد من إخوته ، فأما من قال بالأول فقد ~~اختلفوا فقال وهب : إنه شمعون ، وقال مقاتل : روبيل . # فإن قيل : كيف يليق هذا بهم وهم أنبياء ؟ # قلنا : من الناس من أجاب عنه بأنهم كانوا في هذا الوقت مراهقين وما كانوا ~~بالغين ، وهذا ضعيف ، لأنه يبعد من مثل نبي الله تعالى يعقوب عليه السلام ~~أن يبعث جماعة من الصبيان من غير أن يكون معهم إنسان عاقل يمنعهم من ~~القبائح . وأيضا أنهم قالوا : { وتكونوا من بعده قوما صالحين } وهدا يدل ~~على أنهم قبل التوبة لا يكونون صالحين ، وذلك ينافي كونهم من الصبيان ، ~~ومنهم من أجاب بأن هذا من باب الصغائر ، وهذا أيضا بعيد لأن إيذاء الأب ~~الذي هو نبي معصوم ، والكذب معه والسعي في إهلاك الأخ الصغير كل واحد من ~~ذلك من أمهات الكبائر ، بل الجواب الصحيح أن يقال : إنهم ما كانوا أنبياء ، ~~وإن كانوا أنبياء إلا أن هذه الواقعة إنما أقدموا عليها قبل النبوة . # ثم إنه تعالى حكى أن قائلا قال : { لا تقتلوا يوسف } قيل إنه كان روبيل ~~وكان ابن خالة يوسف وكان أحسنهم رأيا فيه فمنعهم عن القتل ، وقيل يهودا ، ~~وكان أقدمهم في الرأي والفضل والسن . # ثم قال : { وألقوه فى * غيابة ms5066 الجب } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع { فى * غيابة الجب } على الجمع في الحرفين ، ~~هذا والذي بعده ، والباقون { غيابة } على الواحد في الحرفين . أما وجه ~~الغيابات فهو أن للجب أقطارا ونواحي ، فيكون فيها غيابات ، ومن وحد قال : ~~المقصود موضوع واحد من الجب يغيب فيه يوسف ، فالتوحيد أخص وأدل على المعنى ~~PageV18P076 المطلوب . وقرأ الجحدري { فى * غيابة الجب } . # المسألة الثانية : قال أهل اللغة : الغيابة كل ما غيب شيئا وستره ، ~~فغيابة الجب غوره ، وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله . والجب ~~البئر التي ليست بمطوية سميت جبا ، لأنها قطعت قطعا ولم يحصل فيها غير ~~القطع من طي أو ما أشبه ذلك ، وإنما ذكرت الغيابة مع الجب دلالة على أن ~~المشير أشار بطرحه في موضع مظلم من الجب لا يلحقه نظر الناظرين فأفاد ذكر ~~الغيابة هذا المعنى إذ كان يحتمل أن يلقى في موضع من الجب لا يحول بينه ~~وبين الناظرين . # المسألة الثالثة : الألف واللام في الجب تقتضي المعهود السابق ، اختلفوا ~~في ذلك الجب / فقال قتادة : هو بئر ببيت المقدس ، وقال وهب : هو بأرض ~~الأردن ، وقال مقاتل : هو على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب ، وإنما عينوا ذلك ~~الجب للعلة التي ذكروها وهي قولهم : { يلتقطه بعض السيارة } وذلك لأن تلك ~~البئر كانت معروفة وكانوا يردون عليها كثيرا ، وكان يعلم أنه إذا طرح فيها ~~يكون إلى السلامة أقرب ، لأن السيارة إذا جازوا وردوها ، وإذا وردوها ~~شاهدوا ذلك الإنسان فيها ، وإذا شاهدوه أخرجوه وذهبوا به فكان إلقاؤه فيها ~~أبعد عن الهلاك . # المسألة الرابعة : الالتقاط تناول الشيء من الطريق ، ومنه : اللقطة ~~واللقيط ، وقرأ الحسن { * تلتقطه } بالتاء على المعنى ، لأن بعض السيارة ~~أيضا سيارة ، والسيارة الجماعة الذين يسيرون في الطريق للسفر . قال ابن ~~عباس : يريد المارة وقوله : { السيارة إن كنتم فاعلين } فيه إشارة إلى أن ~~الأولى أن لا تفعلوا شيئا من ذلك ، وأما إن كان ولا بد فاقتصروا على هذا ~~القدر ونظيره قوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ( ~~النحل : 126 ) يعني الأولى أن لا ms5067 تفعلوا ذلك . # ! 7 < { قالوا ياأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون * أرسله ~~معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 11 - 12 ) قالوا يا أبانا . . . . . # > > # اعلم أن هذا الكلام يدل على أن يعقوب عليه السلام كان يخافهم على يوسف ~~ولولا ذلك وإلا لما قالوا هذا القول . # واعلم أنهم لما أحكموا العزم ذكروا هذا الكلام وأظهروا عند أبيهم أنهم في ~~غاية المحبة ليوسف وفي غاية الشفقة عليه ، وكانت عادتهم أن يغيبوا عنه مدة ~~إلى الرعي فسألوه أن يرسله معهم وقد كان عليه السلام يحب تطييب قلب يوسف ~~فاغتر بقولهم وأرسله معهم . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : { لا تأمنا } قرىء بإظهار ~~النونين وبالإدغام بإشمام وبغير إشمام ، والمعنى لم تخافنا عليه ونحن نحبه ~~ونريد الخير به . PageV18P077 # المسألة الثانية : في { يرتع ويلعب } خمس قراآت : # القراءة الأولى : قرأ ابن كثير : بالنون ، وبكسر عين نرتع من الارتعاء ، ~~ويلعب بالياء والارتعاء افتعال من رعيت ، يقال : رعت الماشية الكلأ ترعاه ~~رعيا إذا أكلته ، وقوله : { * نرتع } / الارتعاء للإبل والمواشي ، وقد ~~أضافوه إلى أنفسهم ، لأن المعنى نرتع إبلنا ، ثم نسبوه إلى أنفسهم لأنهم هم ~~السبب في ذلك الرعي ، والحاصل أنهم أضافوا الارتعاء والقيام بحفظ المال إلى ~~أنفسهم لأنهم بالغون كاملون وأضافوا اللعب إلى يوسف لصغره . # القراءة الثانية : قرأ نافع : كلاهما بالياء وكسر العين من يرتع أضاف ~~الارتعاء إلى يوسف بمعنى أنه يباشر رعي الإبل ليتدرب بذلك فمرة يرتع ومرة ~~يلعب كفعل الصبيان . # القراءة الثالثة : قرأ أبو عمرو وابن عامر { * نرتع } بالنون وجزم العين ~~ومثله نلعب . قال ابن الأعرابي : الرتع الأكل بشره ، وقيل : إنه الخصب ، ~~وقيل : المراد من اللعب الإقدام على المباحات وهذا يوصف به الإنسان ، وأما ~~نلعب فروي أنه قيل لأبي عمرو : كيف يقولون نلعب وهم أنبياء ؟ فقال لم ~~يكونوا يومئذ أنبياء ، وأيضا جاز أن يكون المراد من اللعب الإقدام على ~~المباحات لأجل انشراح الصدر كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لجابر : ( فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ) وأيضا كان لعبهم ms5068 الاستباق ، والغرض ~~منه تعلم المحاربة والمقاتلة مع الكفار ، والدليل عليه قولهم : إنا ذهبنا ~~نستبق وإنما سموه لعبا لأنه في صورته . # القراءة الرابعة : قرأ أهل الكوفة : كليهما بالياء وسكون العين ، ومعناه ~~إسناد الرتع واللعب إلى يوسف عليه السلام . # القراءة الخامسة : { غدا يرتع } بالياء { ونلعب } بالنون وهذا بعيد ، ~~لأنهم إنما سألوا إرسال يوسف معهم ليفرح هو باللعب لا ليفرحوا باللعب ، ~~والله أعلم . # ! 7 < { قال إنى ليحزننىأن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه ~~غافلون * قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنآ إذا لخاسرون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 13 - 14 ) قال إني ليحزنني . . . . . # > > # اعلم أنهم لما طلبوا منه أن يرسل يوسف معهم اعتذر إليهم بشيئين : أحدهما ~~: أن ذهابهم به ومفارقتهم إياه مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة . ~~والثاني : خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم أو لعبهم لقلة اهتمامهم ~~به . قيل : إنه رأى في النوم أن الذئب شد على يوسف ، فكان يحذره فمن هذا ~~ذكر ذلك ، وكأنه لقنهم الحجة ، وفي أمثالهم البلاء موكل بالمنطق . وقيل : ~~الذئاب كانت في أراضيهم كثيرة ، وقرىء { الذئب } بالهمز على الأصل ~~وبالتفخيف . وقيل : اشتقاقه من / تذاءبت الريح إذا أتت من كل جهة ، فلما ~~ذكر يعقوب عليه السلام هذا الكلام أجابوا بقولهم : { لئن أكله الذئب ونحن ~~عصبة إنا إذا لخاسرون } وفيه سؤالات : # السؤال الأول : ما فائدة اللام في قوله : { لئن أكله الذئب } . ~~PageV18P078 # والجواب من وجهين : الأول : أن كلمة إن تفيد كون الشرط مستلزما للجزاء ، ~~أي إن وقعت هذه الواقعة فنحن خاسرون ، فهذه اللام دخلت لتأكيد هذا ~~الاستلزام . الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) هذه اللام تدل على إضمار القسم ~~تقديره : والله لئن أكله الذئب لكنا خاسرين . # السؤال الثاني : ما فائدة الواو في قوله : { ونحن عصبة } . # الجواب : أنها واو الحال حلفوا لئن حصل ما خافه من خطف الذئب أخاهم من ~~بينهم وحالهم أنهم عشرة رجال بمثلهم تعصب الأمور وتكفي الخطوب إنهم إذا ~~لقوم خاسرون . # السؤال الثالث : ما المراد من قولهم : { إنا إذا لخاسرون } . # الجواب فيه وجوه : الأول : خاسرون أي هالكون ضعفا ms5069 وعجزا ، ونظيره قوله ~~تعالى : { لئن * أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون } ( المؤمنون : 34 ) أي ~~لعاجزون : الثاني : أنهم يكونون مستحقين لأن يدعى عليهم بالخسارة والدمار ~~وأن يقال خسرهم الله تعالى ودمرهم حين أكل الذئب أخاهم وهم حاضرون . الثالث ~~: المعنى أنا إن لم نقدر على حفظ أخينا فقد هلكت مواشينا وخسرناها . الرابع ~~: أنهم كانوا قد أتعبوا أنفسهم في خدمة أبيهم واجتهدوا في القيام بمهماته ~~وإنما تحملوا تلك المتاعب ليفوزوا منه بالدعاء والثناء فقالوا : لو قصرنا ~~في هذه الخدمة فقد أحبطنا كل تلك الأعمال وخسرنا كل ما صدر منا من أنواع ~~الخدمة . # السؤال الرابع : أن يعقوب عليه السلام اعتذر بعذرين فلم أجابوا عن أحدهما ~~دون الآخر ؟ # والجواب : أن حقدهم وغيظهم كان بسبب العذر الأول ، وهو شدة حبه له فلما ~~سمعوا ذكر ذلك المعنى تغافلوا عنه . # ! 7 < { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابة الجب وأوحينآ إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم هاذا وهم لا يشعرون } . > 7 ! # / < < # | يوسف : ( 15 ) فلما ذهبوا به . . . . . # > > اعلم أنه لا بد من الإضمار في هذه الآية في موضعين : الأول : أن ~~تقدير الآية قالوا : { لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون } فأذن له ~~وأرسله معهم ثم يتصل به قوله : { فلما ذهبوا به } والثاني : أنه لا بد ~~لقوله : { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابة الجب } من جواب إذ ~~جواب لما غير مذكور وتقديره فجعلوه فيها ، وحذف الجواب في القرآن كثير بشرط ~~أن يكون المذكور دليلا عليه وههنا كذلك . قال السدي : إن يوسف عليه السلام ~~لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة الشديدة ، وجعل هذا الأخ يضربه فيستغيث ~~بالآخر فيضربه ولا يرى فيهم رحيما فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يقول يا ~~يعقوب لو تعلم ما يصنع بابنك ، فقال يهودا أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا ~~تقتلوه فانطلقوا به إلى الجب يدلونه فيه وهو متعلق بشفير البئر فنزعوا ~~قميصه ، وكان غرضهم أن يلطخوه بالدم ويعرضوه على يعقوب ، فقال لهم ردوا علي ~~قميصي لأتوارى به ، فقالوا : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا لتؤنسك ms5070 ، ~~ثم دلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه ليموت ، PageV18P079 وكان في ~~البئر ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة فقام بها وهو يبكي فنادوه فظن أنه رحمة ~~أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فقام يهودا فمنعهم وكان يهودا ~~يأتيه بالطعام ، وروي أنه عليه السلام لما ألقي في الجب قال يا شاهدا غير ~~غائب . ويا قريبا غير بعيد . ويا غالبا غير مغلوب . اجعل لي من أمري فرجا ~~ومخرجا ، وروي أن إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار جرد عن ثيابه ~~فجاءه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة وألبسه إياه ، فدفعه إبراهيم ~~إلى إسحق ، وإسحق إلى يعقوب ، فجعله يعقوب في تميمة وعلقها في عنق يوسف ~~عليه السلام فجاء جبريل عليه السلام فأخرجه وألبسه إياه . # ثم قال تعالى : { وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هاذا وهم لا يشعرون } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { وأوحينا إليه } قولان : أحدهما : أن المراد ~~منه الوحي والنبوة والرسالة وهذا قول طائفة عظيمة من المحققين ، ثم ~~القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام هل كان في ذلك الوقت بالغا ~~أو كان صبيا قال بعضهم : إنه كان في ذلك الوقت بالغا وكان سنه سبع عشرة سنة ~~، وقال آخرون : إنه كان صغيرا إلا أن الله تعالى أكمل عقله وجعله صالحا ~~لقبول الوحي والنبوة كما في حق عيسى عليه السلام . # والقول الثاني : إن المراد من هذا الوحي الإلهام كما في قوله تعالى : { ~~وأوحينا إلى أم موسى } ( القصص : 7 ) وقوله : { وأوحى ربك إلى النحل } ( ~~النحل : 68 ) والأول : لأن الظاهر من الوحي ذلك . # فإن قيل : كيف يجعله نبيا في ذلك الوقت وليس هناك أحد يبلغه الرسالة ؟ # قلنا : لا يمتنع أن يشرفه بالوحي والتنزيل ويأمره بتبليغ الرسالة بعد ~~أوقات ويكون فائدة / تقديم الوحي تأنيسه وتسكين نفسه وإزالة الغم والوحشة ~~عن قلبه . # المسألة الثانية : في قوله : { وهم لا يشعرون } قولان : الأول : المراد ~~أن الله تعالى أوحى إلى يوسف إنك لتخبرن إخوتك بصنيعهم بعد هذا اليوم وهم ~~لا يشعرون في ذلك الوقت إنك يوسف ، والمقصود ms5071 تقوية قلبه بأنه سيحصل له ~~الخلاص عن هذه المحنة ويصير مستوليا عليهم ويصيرون تحت قهره وقدرته . وروي ~~أنهم حين دخلوا عليه لطلب الحنطة وعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه ~~على يده ، ثم نقره فظن ، فقال : إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من ~~أبيكم يقال له يوسف فطرحتموه في البئر وقلتم لأبيكم أكله الذئب . والثاني : ~~أن المراد إنا أوحينا إلى يوسف عليه السلام في البئر بأنك تنبىء إخوتك بهذه ~~الأعمال ، وهم ما كانوا يشعرون بنزول الوحي عليه ، والفائدة في إخفاء نزول ~~ذلك الوحي عنهم أنهم لو عرفوه فربما ازداد حسدهم فكانوا يقصدون قتله . # المسألة الثالثة : إذا حملنا قوله : { وهم لا يشعرون } على التفسير الأول ~~، كان هذا أمرا من الله تعالى نحو يوسف في أن يستر نفسه عن أبيه وأن لا ~~يخبره بأحوال نفسه ، فلهذا السبب كتم أخبار نفسه عن أبيه طول تلك المدة ، ~~مع علمه بوجد أبيه به خوفا من مخالفة أمر الله تعالى ، وصبر على تجرع تلك ~~المرارة ، فكان الله سبحانه وتعالى قد قضى على يعقوب عليه السلام أن يوصل ~~إليه تلك الغموم الشديدة والهموم العظيمة ليكثر رجوعه إلى الله تعالى ، ~~وينقطع تعلق فكره عن الدنيا فيصل إلى درجة عالية في العبودية لا يمكن ~~الوصول إليها إلا بتحمل المحن الشديدة . والله أعلم . # PageV18P080 ! 7 < { وجآءوا أباهم عشآء يبكون * قالوا ياأبانا إنا ذهبنا ~~نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا ~~صادقين * وجآءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ~~والله المستعان على ما تصفون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 16 - 18 ) وجاؤوا أباهم عشاء . . . . . # > > # اعلم أنهم لما طرحوا يوسف في الجب رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء باكين ~~ورواه ابن جني / عشا بضم العين والقصر وقال : عشوا من البكاء فعند ذلك فزع ~~يعقوب وقال : هل أصابكم في غنمكم شيء ؟ قالوا : لا قال : فما فعل يوسف ؟ ~~قالوا : { ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب } فبكى وصاح ~~وقال : أين القميص ؟ فطرحه على وجهه ms5072 حتى تخضب وجهه من دم القميص ، وروي أن ~~امرأة تحاكمت إلى شريح فبكت فقال الشعبي : يا أبا أمية ما تراها تبكي ؟ قال ~~: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة كذبة لا ينبغي للإنسان أن يقضي إلا ~~بالحق ، واختلفوا في معنى الاستباق قال الزجاج : يسابق بعضهم بعضا في الرمي ~~، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر ) ~~يعني بالنصل الرمي ، وأصل السبق في الرمي بالسهم هو أن يرمي اثنان ليتبين ~~أيهما يكون أسبق سهما وأبعد غلوة ، ثم يوصف المتراميان بذلك فيقال : استبقا ~~وتسابقا إذا فعلا ذلك ليتبين أيهما أسبق سهما ويدل على صحة هذا التفسير ما ~~روي أن في قراءة عبدالله { إنا ذهبنا } . # والقول الثاني : في تفسير الاستباق ما قاله السدي ومقاتل : { ذهبنا نستبق ~~} نشتد ونعدو ليتبين أينا أسرع عدوا . # فإن قيل : كيف جاز أن يستبقوا وهم رجال بالغون وهذا من فعل الصبيان ؟ # قلنا : الاستباق منهم كان مثل الاستباق في الخيل وكانوا يجربون بذلك ~~أنفسهم ويدربونها على العدو ولأنه كالآلة لهم في محاربة العدو ومدافعة ~~الذئب إذا اختلس الشاة وقوله : { فأكله الذئب } قيل أكل الذئب يوسف وقيل ~~عرضوا وأرادوا أكل الذئب المتاع ، والوجه هو الأول . # ثم قالوا : { وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ليس المعنى أن يعقوب عليه السلام لا يصدق من يعلم أنه ~~صادق ، بل المعنى لو كنا عندك من أهل الثقة والصدق لاتهمتنا في يوسف لشدة ~~محبتك إياه ولظننت أنا قد كذبنا والحاصل أنا وإن كنا صادقين لكنك لا تصدقنا ~~لأنك تتهمنا . وقيل : المعنى : إنا وإن كنا صادقين فإنك لا تصدقنا لأنه لم ~~تظهر عندك أمارة تدل على صدقنا . PageV18P081 # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان في أصل اللغة ~~عبارة عن التصديق ، لأن المراد من قوله : { وما أنت بمؤمن لنا } أي بمصدق ، ~~وإذا ثبت أن الأمر كذلك في أصل اللغة وجب أن يبقى في عرف الشرع كذلك ، وقد ~~سبق الاستقصاء فيه في أول سورة البقرة في ms5073 تفسير قوله : { الذين يؤمنون ~~بالغيب } ( البقرة : 3 ) . # ثم قال تعالى : { وجاءوا على قميصه بدم كذب } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : إنما جاؤا بهذا القميص الملطخ بالدم ليوهم كونهم ~~صادقين في مقالتهم . قيل : ذبحوا جديا ولطخوا ذلك القميص بدمه . قال القاضي ~~: ولعل غرضهم في نزع قميصه عند إلقائه في غيابة الجب أن يفعلوا هذا توكيدا ~~لصدقهم ، لأنه يبعد أن يفعلوا ذلك طمعا في نفس القميص ولا بد في المعصية من ~~أن يقرن بهذا الخذلان ، فلو خرقوه مع لطخه بالدم لكان الإيهام أقوى ، فلما ~~شاهد يعقوب القميص صحيحا علم كذبهم . # المسألة الثانية : قوله : { وجاءوا على قميصه } أي وجاؤا فوق قميصه بدم ~~كما يقال : جاؤا على جمالهم بأحمال . # المسألة الثالثة : قال أصحاب العربية وهم الفراء والمبرد والزجاج وابن ~~الأنباري { بدم كذب } أي مكذوب فيه ، إلا أنه وصف بالمصدر على تقدير دم ذي ~~كذب ولكنه جعل نفسه كذبا للمبالغة قالوا : والمفعول والفاعل يسميان بالمصدر ~~كما يقال : ماء سكب ، أي مسكوب ودرهم ضرب الأمير وثوب نسج اليمن ، والفاعل ~~كقوله : { إن أصبح ماؤكم غورا } ( الملك : 30 ) ورجل عدل وصوم ، ونساء نوح ~~ولما سميا بالمصدر سمي المصدر أيضا بهما فقالوا : للعقل المعقول ، وللجلد ~~المجلود ، ومنه قوله تعالى { بأيكم المفتون } ( القلم : 6 ) وقوله : { إذا ~~مزقتم كل ممزق } ( سبأ : 7 ) قال الشعبي : قصة يوسف كلها في قميصه ، وذلك ~~لأنهم لما ألقوه في الجب نزعوا قميصه ولطخوه بالدم وعرضوه على أبيه ، ولما ~~شهد الشاهد قال : { إن كان قميصه قد من قبل } ( يوسف : 26 ) ولما أتي ~~بقميصه إلى يعقوب عليه السلام فألقى على وجهه ارتد بصيرا ، ثم ذكر تعالى أن ~~أخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص الملطخ بالدم ~~قال يعقوب عليه السلام : { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } . # قال ابن عباس : معناه : بل زينت لكم أنفسكم أمرا . والتسويل تقدير معنى ~~في النفس مع الطمع في إتمامه قال الأزهري : كأن التسويل تفعيل من سؤال ~~الإنسان ، وهو أمنيته التي يطلبها فتزين لطالبها الباطل وغيره . وأصله ~~مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه ms5074 الهمز وقال صاحب ( الكشاف ) : { سولت } ~~سهلت من السول وهو الاسترخاء . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { بل } رد لقولهم : { أكله الذئب } كأنه قال ~~: ليس كما تقولون : { بل سولت لكم أنفسكم } في شأنه { أمرا } أي زينت لكم ~~أنفسكم أمرا غير ما تصفون ، واختلفوا في السبب الذي به عرف كونهم كاذبين ~~على وجوه : لأول : أنه عرف ذلك بسبب أنه كان يعرف الحسد الشديد في قلوبهم . ~~والثاني : أنه كان عالما بأنه حي لأنه عليه الصلاة والسلام قال ليوسف : { ~~وكذالك يجتبيك ربك } ( يوسف : 6 ) PageV18P082 وذلك دليل قاطع على أنهم ~~كاذبون في ذلك . # / القول الثالث : قال سعيد بن جبير : لما جاؤا على قميصه بدم كذب ، وما ~~كان متخرقا ، قال كذبتم لو أكله الذئب لخرق قميصه ، وعن السدي أنه قال : إن ~~يعقوب عليه السلام قال : إن هذا الذئب كان رحيما ، فكيف أكل لحمه ولم يخرق ~~قميصه ؟ وقيل : إنه عليه السلام لما قال ذلك قال بعضهم : بل قتله اللصوص ، ~~فقال كيف قتلوه وتركوا قميصه وهم إلى قميصه أحوج منه إلى قتله ؟ فلما ~~اختلفت أقوالهم عرف بسبب ذلك كذبهم . ثم قال يعقوب عليه السلام : { فصبر ~~جميل } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : منهم من قال : إنه مرفوع بالابتداء ، وخبره محذوف ، ~~والتقدير : فصبر جميل أولى من الجزع ، ومنهم من أضمر المبتدأ قال الخليل : ~~الذي أفعله صبر جميل . وقال قطرب : معناه : فصبري صبر جميل . وقال الفراء : ~~فهو صبر جميل . # المسألة الثانية : كان يعقوب عليه السلام قد سقط حاجباه وكان يرفعهما ~~بخرقة ، فقيل له : ما هذا ؟ فقال طول الزمان وكثرة الأحزان : فأوحى الله ~~تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني ؟ فقال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي . وروي ~~عن عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك أنها قالت : والله لئن حلفت لا ~~تصدقوني وإن اعتذرت لا تعذروني ، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وولده { فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون } فأنزل الله عز وجل في عذرها ما أنزل . # المسألة الثالثة : عن الحسن أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : ~~{ فصبر جميل } فقال : ( صبر لا شكوى ms5075 فيه فمن بث لم يصبر ) ويدل عليه من ~~القرآن قوله تعالى : { إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله } ( يوسف : 86 ) وقال ~~مجاهد : فصبر جميل ، أي من غير جزع ، وقال الثوري : من الصبر أن لا تحدث ~~بوجعك ولا بمصيبتك ، ولا تزكي نفسك ، وههنا بحث وهو أن الصبر على قضاء الله ~~تعالى واجب فأما الصبر على ظلم الظالمين ، ومكر الماكرين فغير واجب ، بل ~~الواجب إزالته لا سيما في الضرر العائد إلى الغير ، وههنا أن إخوة يوسف لما ~~ظهر كذبهم وخيانتهم فلم صبر يعقوب على ذلك ؟ ولم لم يبالغ في التفتيش ~~والبحث سعيا منه في تخليص يوسف عليه السلام عن البلية والشدة إن كان في ~~الأحياء وفي إقامة القصاص إن صح أنهم قتلوه ، فثبت أن الصبر في المقام ~~مذموم . # ومما يقوي هذا السؤال أنه عليه الصلاة والسلام كان عالما بأنه حي سليم ~~لأنه قال له : { وكذالك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث } ( يوسف : 6 ~~) والظاهر أنه إنما قال هذا الكلام من الوحي وإذا كان عالما بأنه حي سليم ~~فكان من الواجب أن يسعى في طلبه . وأيضا إن يعقوب عليه السلام كان رجلا ~~عظيم القدر في نفسه ، وكان من بيت عظيم شريف ، وأهل العلم كانوا يعرفونه ~~ويعتقدون فيه ويعظمونه فلو بالغ في الطلب والتفحص لظهر ذلك واشتهر ولزال ~~وجه التلبيس فما السبب في أنه / عليه السلام مع شدة رغبته في حضور يوسف ~~عليه السلام ، ونهاية حبه له لم يطلبه مع أن طلبه كان من الواجبات ، فثبت ~~أن هذا الصبر في هذا المقام مذموم عقلا وشرعا . PageV18P083 # والجواب عنه : أن نقول لا جواب عنه إلا أن يقال إنه سبحانه وتعالى منعه ~~عن الطلب تشديدا للمحنة عليه ، وتغليظا للأمر عليه ، وأيضا لعله عرف بقرائن ~~الأحوال أن أولاده أقوياء وأنهم لا يمكنونه من الطلب والتفحص ، وأنه لو ~~بالغ في البحث فربما أقدموا على إيذائه وقتله ، وأيضا لعله عليه السلام علم ~~أن الله تعالى يصون يوسف عن البلاء والمحنة وأن أمره سيعظم بالآخرة ، ثم لم ~~يرد هتك أستار سرائر أولاده ms5076 وما رضي بإلقائهم في ألسنة الناس وذلك لأن أحد ~~الولدين إذا ظلم الآخر وقع الأب في العذاب الشديد لأنه إن لم ينتقم يحترق ~~قلبه على الولد المظلوم وإن انتقم فإنه يحترق قلبه على الولد الذي ينتقم ~~منه ، فلما وقع يعقوب عليه السلام في هذه البلية رأى أن الأصوب الصبر ~~والسكوت وتفويض الأمر إلى الله تعالى بالكلية . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { فصبر جميل } يدل على أن الصبر على ~~قسمين منه ما قد يكون جميلا وما قد يكون غير جميل ، فالصبر الجميل هو أن ~~يعرف أن منزل ذلك البلاء هو الله تعالى ، ثم يعلم أن الله سبحانه مالك ~~الملك ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف في ملك نفسه فيصير استغراق قلبه ~~في هذا المقام مانعا له من إظهار الشكاية . # والوجه الثاني : أنه يعلم أن منزل هذا البلاء ، حكيم لا يجهل ، وعالم لا ~~يغفل ، عليم لا ينسى رحيم لا يطغى ، وإذا كان كذلك ، فكان كل ما صدر عنه ~~حكمة وصوابا ، فعند ذلك يسكت ولا يعترض . # والوجه الثالث : أنه ينكشف له أن هذا البلاء من الحق ، فاستغراقه في شهود ~~نور المبلى يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء ولذلك قيل : المحبة ~~التامة لا تزداد بالوفاء ولا تنقص بالجفاء ، لأنها لو ازدادت بالوفاء لكان ~~المحبوب هو النصيب والحظ وموصل النصيب لا يكون محبوبا بالذات بل بالعرض ، ~~فهذا هو الصبر الجميل . أما إذا كان الصبر لا لأجل الرضا بقضاء الحق سبحانه ~~بل كان لسائر الأغراض ، فذلك الصبر لا يكون جميلا ، والضابط في جميع ~~الأفعال والأقوال والاعتقادات أن كل ما كان لطلب عبودية الله تعالى كان ~~حسنا وإلا فلا ، وههنا يظهر صدق ما روي في الأثر ( استفت قلبك / ولو أفتاك ~~المفتون ) فليتأمل الرجل تأملا شافيا ، أن الذي أتى به هل الحاصل والباعث ~~عليه طلب العبودية أم لا ؟ فإن أهل العلم لو أفتونا بالشيء مع أنه لا يكون ~~في نفسه كذلك لم يظهر منه نفع ألبتة . ولما ذكر يعقوب قوله : { فصبر جميل } ~~قال : { والله المستعان على ما تصفون ms5077 } والمعنى : أن إقدامه على الصبر لا ~~يمكن إلا بمعونة الله تعالى ، لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع ~~وهي قوية والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا ، فكأنه وقعت المحاربة ~~بين الصنفين ، فما لم تحصر إعانة الله تعالى لم تحصل الغلبة ، فقوله : { ~~فصبر جميل } يجري مجرى قوله : { إياك نعبد } ( الفاتحة : 5 ) وقوله : { ~~والله المستعان على ما تصفون } يجري مجرى قوله : { وإياك نستعين } ( ~~الفاتحة : 5 ) . # ! 7 < { وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يابشرى هاذا غلام ~~وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون * وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا ~~فيه من الزاهدين } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 19 - 20 ) وجاءت سيارة فأرسلوا . . . . . # > > PageV18P084 # اعلم أنه تعالى بين كيف سهل السبيل في خلاص يوسف من تلك المحنة ، فقال : ~~{ وجاءت سيارة } يعني رفقة تسير للسفر . قال ابن عباس : جاءت سيارة أي قوم ~~يسيرون من مدين إلى مصر فأخطؤا الطريق فانطلقوا يهيمون على غير طريق ، ~~فهبطوا على أرض فيها جب يوسف عليه السلام ، وكان الجب في قفرة بعيدة عن ~~العمران لم يكن إلا للرعاة ، وقيل : كان ماؤه ملحا فعذب حين ألقي فيه يوسف ~~عليه السلام فأرسلوا رجلا يقال له : مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء ، ~~والوارد الذي يرد الماء ليستقي القوم { فأدلى دلوه } ونقل الواحدي عن عامة ~~أهل اللغة أنه يقال : أدلى دلوه إذا أرسلها في البئر ودلاها إذا نزعها من ~~البئر يقال : أدلى يدلي إدلاء إذا أرسل ودلا يدلو دلوا إذا جذب وأخرج ، ~~والدلو معروف ، والجمع دلاء { قال ياءادم * بشرى * هاذا غلام } وههنا محذوف ~~، والتقدير : فظهر يوسف قال المفسرون : لما أدلى الوارد دلوه وكان يوسف في ~~ناحية من قعر البئر تعلق بالحبل فنظر الوارد إليه ورأى حسنه نادى ، فقال : ~~يا بشرى . وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { بشرى } بغير الألف وبسكون ~~الياء ، والباقون يا بشراي بالألف وفتح الياء على الإضافة . # المسألة الثانية : في قوله : { الرياح بشرى } قولان : # القول الأول : أنها كلمة تذكر عند البشارة ونظيره قولهم : يا عجبا من كذا ~~وقوله : { فلما دخلوا على يوسف } وعلى ms5078 هذا القول ففي تفسير النداء وجهان : ~~الأول : قال الزجاج : معنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب تنبيه ~~المخاطبين وتوكيد القصة فإذا قلت : يا عجباه فكأنك قلت اعجبوا . الثاني : ~~قال أبو علي : كأنه يقول : يا أيتها البشرى هذا الوقت وقتك ، ولو كنت ممن ~~يخاطب لخوطبت الآن ولأمرت بالحضور . # واعلم أن سبب البشارة هو أنهم وجدوا غلاما في غاية الحسن وقالوا : نبيعه ~~بثمن عظيم ويصير ذلك سببا لحصول الغنى . # والقول الثاني : وهو الذي ذكره السدي أن الذي نادى صاحبه وكان اسمه ، ~~فقال يا بشرى كما تقول يا زيد . وعن الأعمش أنه قال : دعا امرأة اسمها بشرى ~~{ الرياح بشرى } قال أبو علي الفارسي : إن جعلنا البشرى اسما للبشارة ، وهو ~~الوجه جاز أن يكون في محل الرفع كما قيل : يا رجل لاختصاصه بالنداء ، وجاز ~~أن يكون في موضع النصب على تقدير : أنه جعل ذلك النداء شائعا في جنس البشرى ~~، ولم يخص كما تقول : يا رجلا { خامدون ياحسرة على العباد } ( يس : 30 ) . # وأما قوله تعالى : { وأسروه بضاعة } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : الضمير في { وأسروه } إلى من يعود ؟ فيه قولان : الأول ~~: أنه عائد إلى الوارد وأصحابه أخفوا من الرفقة أنهم وجدوه في الجب ، وذلك ~~لأنهم قالوا : إن قلنا للسيارة التقطناه شاركونا فيه ، وإن قلنا اشتريناه : ~~سألونا الشركة ، فالأصوب أن نقول : إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن ~~نبيعه لهم بمصر . والثاني : نقل عن ابن عباس أنه قال : { وأسروه } يعني : ~~إخوة يوسف أسروا شأنه ، والمعنى : أنهم أخفوا كونه PageV18P085 أخا لهم ، ~~بل قالوا : إنه عبد لنا أبق منا وتابعهم على ذلك يوسف لأنهم توعدوه بالقتل ~~بلسان العبرانية ، والأول أولى لأن قوله : { وأسروه بضاعة } يدل على أن ~~المراد أسروه حال ما حكموا بأنه بضاعة / وذلك إنما يليق بالوارد لا بإخوة ~~يوسف . # المسألة الثانية : البضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة من بضعت اللحم ~~إذا قطعته . قال الزجاج : وبضاعة منصوبة على الحال كأنه قال : وأسروه حال ~~ما جعلوه بضاعة . # ثم قال تعالى : { والله عليم بما يعملون } والمراد منه أن ms5079 يوسف عليه ~~السلام لما رأى الكواكب والشمس والقمر في النوم سجدت له وذكر ذلك حسده ~~إخوته عليه واحتالوا في إبطال ذلك الأمر عليه فأوقعوه في البلاء الشديد حتى ~~لا يتيسر له ذلك المقصود ، وأنه تعالى جعل وقوعه في ذلك البلاء سببا إلى ~~وصوله إلى مصر ، ثم تمادت وقائعه وتتابع الأمر إلى أن صار ملك مصر وحصل ذلك ~~الذي رآه في النوم فكان العمل الذي عمله الأعداء في دفعه عن ذلك المطلوب ~~صيره / الله تعالى سببا لحصول ذلك المطلوب ، فلهذا المعنى قال : { والله ~~عليم بما يعملون } . # ثم قال تعالى : { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة } أما قوله : { وشروه } ~~ففيه قولان : # القول الأول : المراد من الشراء هو البيع ، وعلى هذا التقدير ففي ذلك ~~البائع قولان : # القول الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن إخوة يوسف لما طرحوا ~~يوسف في الجب ورجعوا عادوا بعد ثلاث يتعرفون خبره ، فلما لم يروه في الجب ~~ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا : هذا عبدنا أبق منا ~~فقالوا لهم : فبيعوه منا فباعوه منهم ، والمراد من قوله : { وشروه } أي ~~باعوه يقال : شريت الشيء إذا بعته ، وإنما وجب حمل هذا الشراء على البيع ، ~~لأن الضمير في قوله : { وشروه } وفي قوله : { وكانوا فيه من الزهدين } عائد ~~إلى شيء واحد لكن الضمير في قوله : { وكانوا فيه من الزهدين } عائد إلى ~~الإخوة فكذا في قوله : { وشروه } يجب أن يكون عائدا إلى الإخوة ، وإذا كان ~~كذلك فهم باعوه فوجب حمل هذا الشراء على البيع . # والقول الثاني : أن بائع يوسف هم الذين استخرجوه من البئر ، وقال محمد بن ~~إسحاق : ربك أعلم أإخوته باعوه أم السيارة ، وههنا قول آخر وهو أنه يحتمل ~~أن يقال : المراد من الشراء نفس الشراء ، والمعنى أن القوم اشتروه وكانوا ~~فيه من الزاهدين ، لأنهم علموا بقائن الحال أن إخوة يوسف كذابون في قولهم ~~إنه عبدنا وربما عرفوا أيضا أنه ولد يعقوب فكرهوا شراءه خوفا من الله تعالى ~~، ومن ظهور تلك الواقعة ، إلا أنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة لأنهم اشتروه ~~بثمن ms5080 قليل مع أنهم أظهروا من أنفسهم كونهم فيه من الزاهدين ، وغرضهم أن ~~يتوصلوا بذلك إلى تقليل الثمن ، ويحتمل أيضا أن يقال إن الأخوة لما قالوا : ~~إنه عبدنا أبق صار المشتري عديم الرغبة فيه . قال مجاهد : وكانوا يقولون ~~استوثقوا منه لئلا يأبق . # ثم اعلم أنه تعالى وصف ذلك الثمن بصفات ثلاث . # الصفة الأولى : كونه بخسا . قال ابن عباس : يريد حراما لأن ثمن الحر حرام ~~، وقال كل بخس في كتاب الله نقصان إلا هذا فإنه حرام ، قال الواحدي سموا ~~الحرام بخسا لأنه ناقص البركة ، وقال قتادة : بخس PageV18P086 ظلم والظلم ~~نقصان يقال ظلمه أي نقصه ، وقال عكرمة والشعبي قليل وقيل : ناقص عن القيمة ~~نقصانا ظاهرا ، وقيل كانت الدراهم زيوفا ناقصة العيار . قال الواحدي رحمه ~~الله تعالى : وعلى الأقوال كلها ، فالبخس مصدر وضع موضع الاسم ، والمعنى ~~بثمن مبخوس . # الصفة الثانية : قوله : { دراهم معدودة } قيل تعد عدا ولا توزن ، لأنهم ~~كانوا لا يزنون إلا إذا بلغ أوقية ، وهي الأربعون ويعدون ما دونها فقيل ~~للقليل معدود ، لأن الكثيرة يمتنع من عدها / لكثرتها ، وعن ابن عباس كانت ~~عشرين درهما ، وعن السدي اثنين وعشرين درهما . قالوا والإخوة كانوا أحد عشر ~~فكل واحد منهم أخذ درهمين إلا يهوذا لم يأخذ شيئا . # الصفة الثالثة : قوله : { وكانوا فيه من الزهدين } ومعنى الزهد قلة ~~الرغبة يقال زهد فلان في كذا إذا لم يرغب فيه وأصله القلة . يقال : رجل ~~زهيد إذا كان قليل الطمع ، وفيه وجوه : أحدها : أن إخوة يوسف باعوه ، لأنهم ~~كانوا فيه من الزاهدين . والثاني : أن السيارة الذين باعوه كانوا فيه من ~~الزاهدين ، لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به لا يبالي بأي شيء يبيعه ~~أو لأنهم خافوا أن يظهر المستحق فينزعه من يدهم ، فلا جرم باعوه بأوكس ~~الأثمان . والثالث : أن الذين اشتروه كانوا فيه من الزاهدين ، وقد سبق ~~توجيه هذه الأقوال فيما تقدم ، والضمير في قوله : { فيه } يحتمل أن يكون ~~عائد إلى يوسف عليه السلام ، ويحتمل أن يكون عائدا إلى الثمن البخس والله ~~أعلم . # ! 7 < { وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته ms5081 أكرمى مثواه عسى أن ينفعنآ أو ~~نتخذه ولدا وكذالك مكنا ليوسف فى الا رض ولنعلمه من تأويل الا حاديث والله ~~غالب على أمره ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 21 ) وقال الذي اشتراه . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة ~~أو من الواردين على الماء ذهب به إلى مصر وباعه هناك . وقيل إن الذي اشتراه ~~قطفير أو إطفير وهو العزيز الذي كان يلي خزائن مصر والملك يومئذ الريان بن ~~الوليد رجل من العماليق ، وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف عليه السلام ~~فملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى واشتراه العزيز وهو ~~ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة واستوزره ريان بن الوليد ~~وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله الملك والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ~~وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة . وقيل كان الملك في أيامه فرعوه موسى عاش ~~أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى : { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات } ( ~~غافر : 34 ) وقيل فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف ، وقيل اشتراه / العزيز ~~بعشرين دينارا ، وفيل أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه ~~ما يساويه في الوزن من المسك والورق والحرير فابتاعه قطفير بذلك الثمن . ~~وقالوا : اسم تلك المرأة زليخا ، وقيل راعيل . PageV18P087 # واعلم أن شيئا من هذه الروايات لم يدل عليه القرآن ، ولم يثبت أيضا في ~~خبر صحيح وتفسير كتاب الله تعالى لا يتوقف على شيء من هذه الروايات ، ~~فالأليق بالعاقل أن يحترز من ذكرها . # المسألة الثانية : قوله : { أكرمى مثواه } ( يوسف : 23 ) أي منزله ومقامه ~~عندك من قولك ثويت بالمكان إذا أقمت به ، ومصدره الثواء والمعنى : اجعلي ~~منزله عندك كريما حسنا مرضيا بدليل قوله : { إنه ربى أحسن مثواى } وقال ~~المحققون : أمر العزيز امرأته بإكرام مثواه دون إكرام نفسه ، يدل على أنه ~~كان ينظر إليه على سبيل الإجلال والتعظيم وهو كما يقال : سلام الله على ~~المجلس العالي ، ولما أمرها بإكرام مثواه علل ذلك بأن ms5082 قال : { عسى أن ~~ينفعنا أو نتخذه ولدا } أي يقوم بإصلاح مهماتنا ، أو نتخذه ولدا ، لأنه كان ~~لا يولد له ولد ، وكان حصورا . # ثم قال تعالى : { وكذالك مكنا ليوسف فى الارض } أي كما أنعمنا عليه ~~بالسلامة من الجب مكناه بأن عطفنا عليه قلب العزيز ، حتى توصل بذلك إلى أن ~~صار متمكنا من الأمر والنهي في أرض مصر . # واعلم أن الكمالات الحقيقية ليست إلا القدرة والعلم وأنه سبحانه لما حاول ~~إعلاء شأن يوسف ذكره بهذين الوصفين ، أما تكميله في صفة القدرة والمكنة ~~فإليه الإشارة بقوله : { مكنا ليوسف فى الارض } وأما تكميله في صفة العلم ، ~~فإليه الإشارة بقوله : { ولنعلمه من تأويل الاحاديث } وقد تقدم تفسير هذه ~~الكلمة . # واعلم أنا ذكرنا أنه عليه السلام لما ألقى في الجب قال تعالى : { وأوحينا ~~إليه لتنبئنهم بأمرهم هاذا } ( يوسف : 15 ) وذلك يدل ظاهرا على أنه تعالى ~~أوحى إليه في ذلك الوقت . وعندنا الإرهاص جائز ، فلا يبعد أن يقال : إن ذلك ~~الوحي إليه في ذلك الوقت ما كان لأجل بعثته إلى الخلق ، بل لأجل تقوية قلبه ~~وإزالة الحزن عن صدره ولأجل أن يستأنس بحضور جبريل عليه السلام ، ثم إنه ~~تعالى قال ههنا { ولنعلمه من تأويل الاحاديث } والمراد منه إرساله إلى ~~الخلق بتبليغ التكاليف / ودعوة الخلق إلى الدين الحق ، ويحتمل أيضا أن يقال ~~: إن ذلك الوحي الأول كان لأجل الرسالة والنبوة ويحمل قوله : { ولنعلمه من ~~تأويل الاحاديث } على أنه تعالى أوحى إليه بزيادات ودرجات يصير بها كل يوم ~~أعلى حالا مما كان قبله وقال ابن مسعود : أشد النار فراسة ثلاثة : العزيز ~~حين تفرس في يوسف فقال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ، والمرأة لما ~~رأت موسى ، فقالت : { إحداهما ياأبت استجره } ( القصص : 26 ) / وأبو بكر ~~حين استخلف عمر . # ثم قال تعالى : { والله غالب على أمره } وفيه وجهان : الأول : غالب على ~~أمر نفسه لأنه فعال لما يريد لا دافع لقضائه ولا مانع عن حكمه في أرضه ~~وسمائه ، والثاني : والله غالب على أمر يوسف ، يعني أن انتظام أموره كان ~~إلهيا ، وما كان ms5083 بسعيه وإخوته أرادوا به كل سوء ومكروه والله أراد به الخير ~~، فكان كما أراد الله تعالى ودبر ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الأمر كله ~~بيد الله . واعلم أن من تأمل في أحوال الدنيا وعجائب أحوالها عرف وتيقن أن ~~الأمر كله لله ، وأن قضاء الله غالب . # ! 7 < { ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذالك نجزى المحسنين } . > 7 ~~@QB@ < # | يوسف : ( 22 ) ولما بلغ أشده . . . . . # > > PageV18P088 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : وجه النظم أن يقال : بين تعالى أن إخوته لما أساؤا إليه ~~، ثم إنه صبر على تلك الشدائد والمحن مكنه الله تعالى في الارض ، ثم لما ~~بلغ أشده آتاه الله الحكم والعلم ، والمقصود بيان أن جميع ما فاز به من ~~النعم كان كالجزاء على صبره على تلك المحن ، ومن الناس من قال : إن النبوة ~~جزاء على الأعمال الحسنة ، ومنهم من قال : إن من اجتهد وصبر على بلاء الله ~~تعالى وشكر نعماء الله تعالى وجد منصب الرسالة . واحتجوا على صحة قولهم : ~~بأنه تعالى لما ذكر صبر يوسف على تلك المحن ذكر أنه أعطاه النبوة والرسالة ~~. # ثم قال تعالى : { وكذلك نجزى المحسنين } وهذا يدل على أن كل من أتى ~~بالطاعات الحسنة التي أتى بها يوسف ، فإن الله يعطيه تلك المناصب ، وهذا ~~بعيد لاتفاق العلماء على أن النبوة غير مكتسبة . # واعلم أن من قال : إن يوسف ما كان رسولا ولا نبيا ألبتة ، وإنما كان عبدا ~~أطاع الله تعالى فأحسن الله إليه ، وهذا القول باطل بالإجماع . وقال الحسن ~~: إنه كان نبيا من الوقت الذي قال الله تعالى في حقه : { وأوحينا إليه ~~لتنبئنهم بأمرهم هاذا } ( يوسف : 15 ) وما كان رسولا ، ثم إنه صار رسولا من ~~هذا الوقت أعني قوله : { ولما بلغ أشده اتيناه حكما وعلما } ( يوسف : 22 ) ~~ومنهم من قال : إنه كان رسولا من الوقت الذي ألقى في غيابة الجب . # المسألة الثانية : قال أبو عبيدة تقول العرب بلغ فلان أشده إذا انتهى ~~منتهاه في شبابه وقوته قبل أن يأخذ في النقصان وهذا اللفظ يستعمل في الواحد ~~والجمع يقال بلغ ms5084 أشده وبلغوا أشدهم ، وقد ذكرنا تفسير الأشد في سورة ~~الأنعام عند قوله : { حتى يبلغ أشده } ( الأنعام : 152 ) وأما التفسير فروى ~~ابن جرير عن مجاهد عن ابن عباس ، ولما بلغ أشده قال ثلاثا وثلاثين سنة ، ~~وأقول هذه الرواية شديدة / الانطباق على القوانين الطبية وذلك لأن الأطباء ~~قالوا إن الإنسان يحدث في أول الأمر ويتزايد كل يوم شيئا فشيئا إلى أن ~~ينتهي إلى غاية الكمال ، ثم يأخذ في التراجع والانتقاص إلى أن لا يبقى منه ~~شيء ، فكانت حالته شبيهة بحال القمر ، فإنه يظهر هلالا ضعيفا ثم لا يزال ~~يزداد إلى أن يصير بدرا تاما ، ثم يتراجع إلى أن ينتهي إلى العدم والمحاق . # إذا عرفت هذا فنقول : مدة دور القمر ثمانية وعشرون يوما وكسر فإذا جعلت ~~هذه الدورة أربعة أقسام ، كان كل قسم منها سبعة أيام ، فلا جرم رتبوا أحوال ~~الأبدان على الأسابيع فالإنسان إذا ولد كان ضعيف الخلقة نحيف التركيب إلى ~~أن يتم له سبع سنين ، ثم إذا دخل في السبعة الثانية حصل فيه آثار الفهم ~~والذكاء والقوة ثم لا يزال في الترقي إلى أن يتم له أربع عشرة سنة . فإذا ~~دخل في السنة الخامسة عشرة دخل في الأسبوع الثالث . وهناك يكمل العقل ويبلغ ~~إلى حد التكليف وتتحرك فيه الشهوة ، ثم لا يزال يرتقي على هذه الحالة إلى ~~أن يتم السنة الحادية والعشرين ، وهناك يتم الأسبوع الثالث ويدخل في السنة ~~الثانية والعشرين ، وهذا الأسبوع آخر أسابيع النشوء والنماء ، فإذا تمت ~~السنة الثامنة والعشرون فقد تمت مدة النشوء والنماء ، وينتقل الإنسان منه ~~إلى زمان الوقوف وهو الزمان الذي يبلغ الإنسان فيه أشده ، وبتمام هذا ~~الأسبوع الخامس يحصل للإنسان خمسة وثلاثون سنة ، ثم إن هذه المراتب مختلفة ~~في الزيادة والنقصان ؛ فهذا الأسبوع الخامس الذي هو أسبوع الشدة والكمال ~~يبتدأ من السنة التاسعة والعشرين إلى الثالثة والثلاثين / وقد يمتد إلى ~~الخامسة والثلاثين ، فهذا هو الطريق المعقول في هذا الباب ، والله أعلم ~~بحقائق الأشياء . # المسألة الثالثة : في تفسير الحكم والعلم ، وفيه أقوال : PageV18P089 # القول الأول : أن الحكم ms5085 والحكمة أصلهما حبس النفس عن هواها ، ومنعها مما ~~يشينها ، فالمراد من الحكم الحكمة العملية ، والمراد من العلم الحكمة ~~النظرية . وإنما قدم الحكمة العملية هنا على العملية ، لأن أصحاب الرياضات ~~يشتغلون بالحكمة العملية ثم يترقون منها إلى الحكمة النظرية . وأما أصحاب ~~الأفكار العقلية والأنظار الروحانية فإنهم يصلون إلى الحكمة النظرية أولا ، ~~ثم ينزلون منها إلى الحكمة العملية ، وطريقة يوسف عليه السلام هو الأول ، ~~لأنه صبر على البلاء والمحنة ففتح الله عليه أبواب المكاشفات ، فلهذا السبب ~~قال : { اتيناه حكما وعلما } . # القول الثاني : الحكم هو النبوة ، لأن النبي يكون حاكما على الخلق ، ~~والعلم علم الدين . # والقول الثالث : يحتمل أن يكون المراد من الحكم صيرورة نفسه المطمئنة ~~حاكمة على نفسه الأمارة بالسوء مستعلية عليها قاهرة لها ومتى صارت القوة ~~الشهوانية والغضبية مقهورة ضعيفة / فاضت الأنوار القدسية والأضواء الإلهية ~~من عالم القدس على جوهر النفس وتحقيق القول في هذا الباب أن جوهر النفس ~~الناطقة خلقت قابلة للمعارف الكلية والأنوار العقلية ، إلا أنه قد ثبت ~~عندنا بحسب البراهين العقلية وبحسب المكاشفات العلوية أن جواهر الأرواح ~~البشرية مختلفة بالماهيات فمنها ذكية وبليدة ومنها حرة ونذلة ومنها شريفة ~~وخسيسة ، ومنها عظيمة الميل إلى عالم الروحانيات وعظيمة الرغبة في ~~الجسمانيات فهذه الأقسام كثيرة وكل واحد من هذه المقامات قابل للأشد ~~والأضعف والأكمل والأنقص فإذا اتفق أن كان جوهر النفس الناطقة جوهرا مشرقا ~~شريفا شديد الاستعداد لقبول الأضواء العقلية واللوائح الإلهية ، فهذه النفس ~~في حال الصغر لا يظهر منها هذه الأحوال ، لأن النفس الناطقة إنما تقوى على ~~أفعالها بواسطة استعمال الآلات الجسدانية وهذه الآلات في حال الصغر تكون ~~الرطوبات مستولية عليها ، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على ~~البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت ، فصارت تلك الآلات البدنية صالحة ~~لأن تستعملها النفس الإنسانية وإذا كانت النفس في أصل جوهرها شريفة فعند ~~كمال الآلات البدنية تكمل معارفها وتقوى أنوارها ويعظم لمعان الأضواء فيها ~~، فقوله : { ولما بلغ أشده } إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية ، وقوله : { ~~اتيناه حكما وعلما } إشارة إلى استكمال النفس في ms5086 قوتها العملية والنظرية ، ~~والله أعلم . # ! 7 < { وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه وغلقت الا بواب وقالت هيت لك ~~قال معاذ الله إنه ربىأحسن مثواى إنه لا يفلح الظالمون } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 23 ) وراودته التي هو . . . . . # > > اعلم أن يوسف عليه السلام كان في غاية الجمال والحسن ، فلما رأته ~~المرأة طمعت فيه ويقال أيضا إن زوجها كان عاجزا يقال : راود فلان جاريته عن ~~نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل واحد منها الوطء والجماع { وغلقت ~~الابواب } والسبب أن ذلك العمل لا يؤتى به إلا في المواضع المستورة لا سيما ~~إذا كان حراما ، ومع قيام الخوف الشديد وقوله : { وغلقت الابواب } أي ~~أغلقتها قال الواحدي : وأصل هذا من قولهم في كل شيء تشبث في شيء فلزمه قد ~~غلق يقال : غلق في الباطل وغلق في غضبه ، ومنه غلق الرهن ، PageV18P090 ثم ~~يعدى بالألف فيقال : أغلق الباب إذا جعله بحيث يعسر فتحه . قال المفسرون : ~~وإنما جاء غلقت على التكثير لأنها غلقت سبعة أبواب ، ثم دعته إلى نفسها . / ~~ثم قال تعالى : { وقالت هيت لك } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : هيت لك اسم للفعل نحو : رويدا ، وصه ، ~~ومه . ومعناه هلم في قول جميع أهل اللغة ، وقال الأخفش : { هيت لك } مفتوحة ~~الهاء والتاء ، ويجوز أيضا كسر التاء ورفعها . قال الواحدي : قال أبو الفضل ~~المنذري : أفادني ابن التبريزي عن أبي زيد قال : هيت لك بالعبرانية هيالح ، ~~أي تعال عربه القرآن ، وقال الفراء : إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى بكة ~~فتكلموا بها . قال ابن الأنباري : وهذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما ~~اتفقت لغة العرب والروم في ( القسطاس ) ولغة العرب والفرس في السجيل ولغة ~~العرب والترك في ( الغساق ) ولغة العرب والحبشة في ( ناشئة الليل ) . # المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان { هيت } بكسر ~~الهاء وفتح التاء ، وقرأ ابن كثير { هيت لك } مثل حيث ، وقرأ هشام بن عمار ~~عن أبي عامر { أحللنا لك } بكسر الهاء وهمز الياء وضم التاء مثل جئت من ~~تهيأت لك ، والباقون بفتح الهاء ms5087 وإسكان الياء وفتح التاء ، ثم إنه تعالى ~~قال : إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام قال يوسف عليه السلام : { معاذ الله ~~إنه ربى أحسن مثواى } فقوله : { معاذ الله } أي أعوذ بالله معاذا ، والضمير ~~في قوله : { أنه } للشأن والحديث { ربى أحسن مثواى } أي ربي وسيدي ومالكي ~~أحسن مثواي حين قال لك : أكرمي مثواه ، فلا يليق بالعقل أن أجازيه على ذلك ~~الإحسان بهذه الخيانة القبيحة { إنه لا يفلح الظالمون } الذين يجازون ~~الإحسان بالإساءة ، وقيل : أراد الزناة لأنهم ظالمون أنفسهم أو لأن عملهم ~~يقتضي وضع الشيء في غير موضعه ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : أن يوسف عليه السلام كان حرا وما كان عبدا لأحد فقوله : { ~~إنه ربى } يكون كذبا وذلك ذنب وكبيرة . # والجواب : أنه عليه السلام أجرى هذا الكلام بحسب الظاهر وعلى وفق ما ~~كانوا يعتقدون فيه من كونه عبدا له وأيضا أنه رباه وأنعم عليه بالوجوه ~~الكثيرة فعنى بكونه ربا له كونه مربيا له ، وهذا من باب المعاريض الحسنة ، ~~فإن أهل الظاهر يحملونه على كونه ربا له وهو كان يعني به أنه كان مربيا له ~~ومنعما عليه . # السؤال الثاني : هل يدل قول يوسف عليه السلام : { معاذ الله } على صحة ~~مذهبنا في القضاء والقدر . # والجواب : أنه يدل عليه دلالة ظاهرة لأن قوله عليه السلام أعوذ بالله ~~معاذا ، طلب من الله أن يعيذه من ذلك العمل ، وتلك الإعاذة ليست عبارة عن ~~إعطاء القدرة والعقل والآلة / وإزاحة / الأعذار ، وإزالة الموانع وفعل ~~الألطاف ، لأن كل ما كان في مقدور الله تعالى من هذا الباب فقد فعله ، ~~فيكون ذلك إما طلبا لتحصيل الحاصل ، أو طلبا لتحصيل الممتنع وأنه محال ~~فعلمنا أن تلك الإعاذة التي طلبها يوسف من الله تعالى لا معنى لها ، إلا أن ~~يخلق فيه داعية جازمة في جانب الطاعة وأن يزيل عن قلبه داعية المعصية ، ~~وذلك هو المطلوب ، والدليل على أن المراد ما ذكرناه ما نقل أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما وقع بصره على زينب قال : ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على ~~دينك ) وكان المراد ms5088 منه تقوية داعية الطاعة ، وإزالة داعية المعصية فكذا ~~ههنا ، وكذا PageV18P091 قوله عليه السلام : ( قلب المؤمن بين أصبعين من ~~أصابع الرحمن ) فالمراد من الأصبعين داعية الفعل ، وداعية الترك وهاتان ~~الداعيتان لا يحصلان إلا بخلق الله تعالى ، وإلا لافتقرت إلى داعية أخرى ~~ولزم التسلسل فثبت أن قول يوسف عليه السلام : { معاذ الله } من أدل الدلائل ~~على قولنا والله أعلم . # السؤال الثالث : ذكر يوسف عليه السلام في الجواب عن كلامها ثلاثة أشياء : ~~أحدها : قوله : { معاذ الله } والثاني : قوله تعالى عنه : { إنه ربى أحسن ~~مثواى } والثالث : قوله : { إنه لا يفلح الظالمون } فما وجه تعلق بعض هذا ~~الجواب ببعض ؟ # والجواب : هذا الترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن الانقياد لأمر الله ~~تعالى وتكليفه أهم الأشياء لكثرة إنعامه وألطافه في حق العبد فقوله : { ~~معاذ الله } إشارة إلى أن حق الله تعالى يمنع عن هذا العمل ، وأيضا حقوق ~~الخلق واجبة الرعاية ، فلما كان هذا الرجل قد أنعم في حقي يقبح مقابلة ~~إنعامه وإحسانه بالإساءة ، وأيضا صون النفس عن الضرر واجب ، وهذه اللذة لذة ~~قليلة يتبعها خزي في الدنيا ، وعذاب شديد في الآخرة ، واللذة القليلة إذا ~~لزمها ضرر شديد ، فالعقل يقتضي تركها والاحتزاز عنها فقوله : { إنه لا يفلح ~~الظالمون } إشارة إليه ، فثبت أن هذه الجوابات الثلاثة مرتبة على أحسن وجوه ~~الترتيب . # ! 7 < { ولقد همت به وهم بها لولاأن رأى برهان ربه كذالك لنصرف عنه السوء ~~والفحشآء إنه من عبادنا المخلصين } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 24 ) ولقد همت به . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية من المهمات التي يجب الاعتناء بالبحث عنها وفي هذه ~~الآية مسائل : # / المسألة الأولى : في أنه عليه السلام هل صدر عنه ذنب أم لا ؟ وفي هذه ~~المسألة قولان : الأول : أن يوسف عليه السلام هم بالفاحشة . قال الواحدي في ~~كتاب ( البسيط ) قال المفسرون : الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم هم ~~يوسف أيضا بهذه المرأة هما صحيحا وجلس منها مجلس الرجل من المرأة ، فلما ~~رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه . قال جعفر الصادق رضي الله عنه ~~بإسناده عن علي عليه السلام ms5089 أنه قال : طمعت فيه وطمع فيها فكان طمعه فيها ~~أنه هم أن يحل التكة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : حل الهميان وجلس ~~منها مجلس الخائن وعنه أيضا أنها استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه ، ~~ثم إن الواحدي طول في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب ، وما ذكر آية يحتج ~~بها ولا حديثا صحيحا يعول عليه في تصحيح هذه المقالة ، وما أمعن النظر في ~~تلك الكلمات العارية عن الفائدة روي أن يوسف عليه السلام لما قال : { ذالك ~~ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } ( يوسف : 52 ) قال له جبريل عليه السلام ولا ~~حين هممت يا يوسف فقال يوسف عند ذلك : { وما أبرىء نفسى } ( يوسف : 53 ) ثم ~~قال والذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء عليهم السلام ~~وارتفاع منازلهم عند الله تعالى من الذين نفوا لهم عنه ، فهذا خلاصة كلامه ~~في هذا الباب . PageV18P092 # والقول الثاني : أن يوسف عليه السلام كان بريئا عن العمل الباطل ، والهم ~~المحرم ، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين ، وبه نقول وعنه نذب . # واعلم أن الدلائل الدالة على وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام كثيرة ، ~~ولقد استقصيناها في سورة البقرة في قصة آدم عليه السلام فلا نعيدها إلا أنا ~~نزيد ههنا وجوها : # فالحجة الأولى : أن الزنا من منكرات الكبائر والخيانة في معرض الأمانة ~~أيضا من منكرات الذنوب ، وأيضا مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموجبة ~~للفضيحة التامة والعار الشديد أيضا من منكرات الذنوب ، وأيضا الصبي إذا ~~تربى في حجر إنسان وبقي مكفي المؤنة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه ~~وكما قوته فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم ~~المعظم من منكرات الأعمال . # إذا ثبت هذا فنقول : إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام ~~كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق ~~خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه ، فكيف يجوز إسنادها إلى ~~الرسول عليه الصلاة والسلاما المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة . ثم إنه ~~تعالى قال ms5090 في غير هذه الواقعة : { كذالك لنصرف عنه السوء والفحشاء } ( يوسف ~~: 24 ) وذلك يدل على أن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عنه ، ولا شك أن ~~المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع / وأفحش أقسام الفحشاء فكيف يليق برب ~~العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئا من السوء مع أنه كان قد ~~أتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء . وأيضا فالآية تدل على قولنا من وجه آخر ، ~~وذلك لأنا نقول هب أن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه ، إلا أنه ~~لا شك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ ، فلا يليق بحكمة الله تعالى ~~أن يحكى عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم ~~الدمائح والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك الذنب العظيم / فإن مثاله ما إذا حكى ~~السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب وأفحش الأعمال ثم إنه يذكره بالمدح ~~العظيم والثناء البالغ عقيبه ، فإن ذلك يستنكر جدا فكذا ههنا والله أعلم . ~~الثالث : أن الأنبياء عليهم السلام متى صدرت منهم زلة ، أو هفوة استعظموا ~~ذلك وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة والتواضع ، ولو كان يوسف عليه السلام ~~أقدم ههنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة ~~والاستغفار ولو أتى بالتوبة لحكى الله تعالى عنه إتيانه بها كما في سائر ~~المواضع وحيث لم يوجد شيء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ~~ولا معصية . الرابع : أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة ~~يوسف عليه السلام من المعصية . # واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة يوسف عليه السلام ، وتلك المرأة ~~وزوجها ، والنسوة والشهود ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب ، وإبليس أقر ~~ببراءته أيضا عن المعصية ، وإذا كان الأمر كذلك ، فحينئذ لم يبق للمسلم ~~توقف في هذا الباب . أما بيان أن يوسف عليه السلام ادعى البراءة عن الذنب ~~فهو قوله عليه السلام : { هى راودتنى عن نفسى } ( يوسف : 26 ) وقوله عليه ~~السلام : { رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه } ( يوسف : 33 ) وأما ms5091 بيان ~~أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ~~} ( يوسف : 32 ) وأيضا قالت : { قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن ~~حاش } ( يوسف : 51 ) وأما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك ، فهو قوله : { إنه ~~من كيدكن إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هاذا واستغفرى لذنبك } ( يوسف : 28 ~~، 29 ) PageV18P093 وأما الشهود فقوله تعالى : { وشهد شاهد من أهلها إن كان ~~قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين } ( يوسف : 26 ) وأما شهادة الله ~~تعالى بذلك فقوله : { كذالك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين } ( يوسف : 24 ) فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع ~~مرات : أولها : قوله : { لنصرف عنه السوء } واللام للتأكيد والمبالغة . ~~والثاني : قوله : { والفحشاء } أي كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء . والثالث ~~: قوله : { إنه من عبادنا } مع أنه تعالى قال : { وعباد الرحمان الذين ~~يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ( الفرقان : 63 ) ~~والرابع : قوله : { المخلصين } وفيه قراءتان : تارة باسم الفاعل وأخرى باسم ~~/ المفعول فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيا بالطاعات والقربات مع صفة ~~الأخلاص . ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه ~~واصطفاه لحضرته ، وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزها عما ~~أضافوه إليه ، وأما بيان أن إبليس أقر بطهارته ، فلأنه قال فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين } ( ص: 82 ، 83 ) فأقر بأنه لا يمكنه ~~إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى : { * } ( ص: 82 ، 83 ) فأقر ~~بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى : { إنه من ~~عبادنا المخلصين } فكان هذا إقرارا من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن ~~طريقة الهدى ، وعند هذا نقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه ~~السلام هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله ~~تعالى على طهارته وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس ~~على طهارته ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلى أن تخرجنا ~~عليه فزدنا عليه ms5092 في السفاهة كما قال الخوارزمي : # % فوكنت امرأ من جند إبليس فارتقى % % بي الدهر حتى صار إبليس من جندي % # % فلو مات قبلي كنت أحسن بعده % % طرائق فسق ليس يحسنها بعدي % # فثبت بهذه الدلائل أن يوسف عليه السلام برىء عما يقوله هؤلاء الجهال . # وإذا عرفت هذا فنقول : الكلام على ظاهر هذه الآية يقع في مقامين : # المقام الأول : أن نقول لا نسلم أن يوسف عليه السلام هم بها . والدليل ~~عليه : أنه تعالى قال : { وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } وجواب { لولا } ~~ههنا مقدم ، وهو كما يقال : قد كنت من الهالكين لولا أن فلانا خلصك ، وطعن ~~الزجاج في هذا الجواب من وجهين : الأول : أن تقديم جواب { لولا } شاذ وغير ~~موجود في الكلام الفصيح . الثاني : أن { لولا } يجاب جوابها باللام ، فلو ~~كان الأمر على ما ذكرتم لقال : ولقد همت ولهم بها لولا . وذكر غير الزجاج ~~سؤالا ثالثا وهو أنه لو لم يوجد الهم لما كان لقوله : { لولا أن رأى برهان ~~ربه } فائدة . # واعلم أن ما ذكره الزجاج بعيد ، لأنا نسلم أن تأخير جواب { لولا } حسن ~~جائز ، إلا أن جوازه لا يمنع من جواز تقديم هذا الجواب ، وكيف ونقل عن ~~سيبويه أنه قال : إنهم يقدمون الأهم فالأهم ، والذي هم بشأنه أعنى فكان ~~الأمر في جواز التقديم والتأخير مربوطا بشدة الاهتمام . وأما تعيين بعض ~~الألفاظ بالمنع فذلك مما لا يليق بالحكمة ، وأيضا ذكر جواب { لولا } باللام ~~جائز . أما هذا لا يدل على أن ذكره بغير اللام لا يجوز ، ثم إنا نذكر آية ~~أخرى تدل على فساد قول الزجاج في هذين السؤالين ، وهو قوله تعالى : { إن ~~كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها } ( القصص : 10 ) . PageV18P094 # وأما السؤال الثالث : وهو أنه لو لم يوجد الهم لم يبق لقوله : { لولا أن ~~رأى برهان ربه } فائدة . / فنقول : بل فيه أعظم الفوائد ، وهو بيان أن ترك ~~الهم بها ما كان لعدم رغبته في النساء ، وعدم قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل ~~دين الله منعته عن ذلك العمل ، ثم نقول : إن ms5093 الذي يدل على أن جواب { لولا } ~~ما ذكرناه أن { لولا } تستدعي جوابا ، وهذا المذكور يصلح جوابا له ، فوجب ~~الحكم بكونه جوابا له لا يقال إنا نضمر له جوابا ، وترك الجواب كثير في ~~القرآن ، لأنا نقول : لا نزاع أنه كثير في القرآن ، إلا أن الأصل أن لا ~~يكون محذوفا . وأيضا فالجواب إنما يحسن تركه وحذفه إذا حصل في اللفظ ما يدل ~~على تعينه ، وههنا بتقدير أن يكون الجواب محذوفا فليس في اللفظ ما يدل على ~~تعين ذلك الجواب ، فإن ههنا أنواعا من الإضمارات يحسن إضمار كل واحد منها ، ~~وليس إضمار بعضها أولى من إضمار الباقي فظهر الفرق . والله أعلم . # المقام الثاني : في الكلام على هذه الآية أن نقول : سلمنا أن الهم قد حصل ~~إلا أنا نقول : إن قوله : { وهم بها } لا يمكن حمله على ظاهره لأن تعليق ~~الهم بذات المرأة محال لأن الهم من جنس القصد والقصد لا يتعلق بالذوات ~~الباقية ، فثبت أنه لا بد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم وذلك ~~الفعل غير مذكور فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة بها ونحن نضمر ~~شيئا آخر يغاير ما ذكروه وبيانه من وجوه : الأول : المراد أنه عليه السلام ~~هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأن الهم هو القصد ، فوجب أن يحمل ~~في حق كل أحد على القصد الذي يليق به ، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل ~~اللذة والتنعيم والتمتع واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر ~~العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف النهي عن المنكر / يقال : هممت بفلان ~~أي بضربه ودفعه . # فإن قالوا : فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله : { لولا أن رأى برهان ربه } ~~فائدة . # قلنا : بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين : الأول : أنه تعالى أعلم ~~يوسف عليه السلام أنه لو هم بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله ، ~~فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك ، ~~والثاني : أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به ، فكان ~~يتمزق ms5094 ثوبه من قدام ، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو ~~تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن ، ولو كان ثوبه ممزقا من خلف لكانت ~~المرأة هي الخائنة ، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى ، فلا جرم لم يشتغل ~~بدفعها عن نفسه بل ولى هاربا عنها ، حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على ~~براءته عن المعصية . # الوجه الثاني : في الجواب أن يفسر الهم بالشهوة ، وهذا مستعمل في اللغة ~~الشائعة . يقول القائل : فيما لا يشتهيه مايهمني هذا ، وفيما يشتهيه هذا ~~أهم الأشياء إلي ، فسمى الله تعالى شهوة يوسف / عليه السلام هما ، فمعنى ~~الآية : ولقد اشتهته واشتهاها لولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في ~~الوجود . الثالث : أن يفسر الهم بحديث النفس ، وذلك لأن المرأة الفائقة في ~~الحسن والجمال إذا تزينت وتهيأت للرجل الشاب القوي فلا بد وأن يقع هناك بين ~~الحكمة والشهوة الطبيعية وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات ، فتارة تقوى ~~داعية الطبيعة والشهوة وتارة تقوى داعية العقل والحكمة . فالهم عبارة عن ~~جواذب الطبيعة ، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية ، ومثال ذلك أن ~~الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف ، إذا رأى الجلاب المبرد بالثلج فإن ~~طبيعته تحمله على شربه ، إلا أن دينه وهداه يمنعه منه ، فهذا لا يدل على ~~حصول PageV18P095 الذنب ، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في ~~القيام بلوازم العبودية أكمل ، فقد ظهر بحمد الله تعالى صحة هذا القول الذي ~~ذهبنا إليه ولم يبق في يد الواحدي إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين ، ~~ولو كان قد ذكر في تقرير ذلك القول شبهة لأجبنا عنها إلا أنه ما زاد على ~~الرواية عن بعض المفسرين . # واعلم أن بعض الحشوية روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما ~~كذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات ) فقلت الأولى أن لا نقبل مثل هذه ~~الأخبار فقار على طريق الاستنكار فإن لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة فقلت له ~~: يا مسكين إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم عليه السلام وإن رددناه ~~لزمنا ms5095 الحكم بتكذيب الرواة ولا شك أن صون إبراهيم عليه السلام عن الكذب ~~أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب . # إذا عرفت هذا الأصل فنقول للواحدي : ومن الذي يضمن لنا أن الذين نقلوا ~~هذا القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين أم كاذبين ، والله أعلم . # المسألة الثانية : في أن المراد بذلك البرهان ما هو أما المحققون المثبون ~~للعصمة فقد فسروا رؤية البرهان بوجوه : الأول : أنه حجة الله تعالى في ~~تحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب والثاني : أن الله تعالى طهر ~~نفوس الأنبياء عليهم السلام عن الأخلاق الذميمة . بل نقول : إنه تعالى طهر ~~نفوس المتصلين به عنها كما قال : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا } ( الأحزاب : 33 ) فالمراد برؤية البرهان هو حصول ~~تلك الأخلاق وتذكير الأحوال الرادعة لهم عن الإقدام على المنكرات . والثالث ~~: أنه رأى مكتوبا في سقف البيت { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء ~~سبيلا } ( الإسراء : 32 ) والرابع : أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش ~~، والدليل عليه أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا لمنع الخلق عن القبائح ~~والفضائح فلو أنهم منعوا الناس عنها / ثم أقدموا على أقبح أنواعها وأفحش ~~أقسامها لدخلوا تحت قوله تعالى : { الحكيم يأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما ~~لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } ( الصف : 2 ، 3 ) / ~~وأيضا أن الله تعالى عير اليهود بقوله : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم } ( البقرة : 44 ) وما يكون عيبا في حق اليهود كيف ينسب إلى الرسول ~~المؤيد بالمعجزات . # وأما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف عليه السلام فقد ذكروا في تفسير ذلك ~~البرهان أمورا : الأول : قالوا إن المرأة قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت ~~في زاوية البيت فسترته بثوب فقال يوسف : لم فعلت ذلك ؟ قالت : أستحي من ~~إلهي هذا أن يراني على معصية ، فقال يوسف : أتستحين من صنم لا يعقل ولا ~~يسمع ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت فوالله لا أفعل ذلك ~~أبدا قالوا : فهذا هو البرهان . الثاني : نقلوا عن ms5096 ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه تمثل له يعقوب فرآه عاضا على أصابعه ويقول له : أتعمل عمل الفجار وأنت ~~مكتوب في زمرة الأنبياء فاستحى منه . قال وهو قول عكرمة ومجاهد والحسن ~~وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين قال سعيد بن جبير : تمثل ~~له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله . والثالث : قالوا إنه سمع في ~~الهواء قائلا يقول يا ابن يعقوب لا تكن كالطير يكون له ريش فإذا زنا ذهب ~~ريشه . والرابع : نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لم ~~ينزجر برؤية صورة يعقوب حتى ركضه جبريل عليه السلام فلم يبق فيه شيء من ~~الشهوة إلا خرج ، ولما نقل الواحدي هذه الروايات تصلف وقال : هذا الذي ~~ذكرناه قول أئمة التفسير الذين أخذوا التأويل عمن شاهد PageV18P096 التنزيل ~~فيقال له : إنك لا تأتينا ألبتة إلا بهذه التصلفات التي لا فائدة فيها فأين ~~هذا من الحجة والدليل ، وأيضا فإن ترادف الدلائل على الشيء الواحد جائز ، ~~وأنه عليه الصلاة والسلام كان ممتنعا عن الزنا بحسب الدلائل الأصلية ، فلما ~~انضاف إليها هذه الزواجر قوي الانزجار وكمل الاحتراز والعجب أنهم نقلوا أن ~~جروا دخل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم وبقي هناك بغير عمله قالوا : ~~فامتنع جبريل عليه السلام من الدخول عليه أربعين يوما ، وههنا زعموا أن ~~يوسف عليه السلام حال اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبريل عليه السلام ، ~~والعجب أنهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبريل عليه السلام ~~، ولو أن أفسق الخلق وأكفرهم كان مشتغلا بفاحشة فإذا دخل عليه رجل على زي ~~الصالحين استحيا منه وفر وترك ذلك العمل ، وههنا أنه رأى يعقوب عليه السلام ~~عض على أنامله فلم يلتفت إليه ، ثم إن جبريل عليه السلام على جلالة قدره ~~دخل عليه فلم يمتنع أيضا عن ذلك القبيح بسبب حضوره حتى احتاج جبريل عليه ~~السلام إلى أن يركضه على ظهره فنسأل الله أن يصوننا عن الغي في الدين ، ~~والخذلان في طلب اليقين فهذا هو الكلام المخلص ms5097 في هذه المسألة والله أعلم . # المسألة الثالثة : في الفرق بين السوء والفحشاء وفيه وجوه : الأول : أن ~~السوء جناية اليد / والفحشاء هو الزنا . الثاني : السوء مقدمات الفاحشة من ~~القبلة والنظر بالشهوة والفحشاء هو الزنا . أما قوله : { إنه من عبادنا ~~المخلصين } أي الذين أخلصوا دينهم لله تعالى ومن فتح اللام أراد الذين ~~خلصهم الله من الأسواء ، ويحتمل أن يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم عليه ~~السلام الذي قال الله فيهم : { إنا أخلصناهم بخالصة } ( ص: 46 ) . # المسألة الرابعة : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو { المخلصين } بكسر ~~اللام في جميع القرآن والباقون بفتح اللام . # ! 7 < { واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما ~~جزآء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم * قال هى راودتنى عن ~~نفسى وشهد شاهد من أهلهآ إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * ~~وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قد من دبر ~~قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هاذا واستغفرى لذنبك إنك ~~كنت من الخاطئين } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 25 - 29 ) واستبقا الباب وقدت . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حكى عنها أنها { همت } أتبعه بكيفية طلبها وهربه فقال ~~: { واستبقا الباب } والمراد أنه PageV18P097 هرب منها وحاول الخروج من ~~الباب وعدت المرأة خلفه لتجذبه إلى نفسها ، والاستباق طلب السبق إلى الشيء ~~، ومعناه تبادر إلى الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه فإن سبق يوسف ~~فتح / الباب وخرج ، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب لئلا يخرج ، وقوله : { ~~واستبقا الباب } أي استبقا إلى الباب كقوله : { واختار موسى قومه سبعين ~~رجلا } ( الأعراف : 155 ) أي من قومه . # واعلم أن يوسف عليه السلام سبقها إلى الباب وأراد الخروج والمرأة تعدو ~~خلقه فلم تصل إلا إلى دبر القميص فقدته ، أي قطعته طولا ، وفي ذلك الوقت ~~حضر زوجها وهو المراد من قوله { وألفيا سيدها لدى الباب } أي صادفا بعلها ~~تقول المرأة لبعلها سيدي ، وإنما لم يقل سيدهما لأن يوسف عليه ms5098 السلام ما ~~كان مملوكا لذلك الرجل في الحقيقة ، فعند ذلك خافت المرأة من التهمة فبادرت ~~إلى أن رمت يوسف بالفعل القبيح ، وقالت : { ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا ~~أن يسجن أو عذاب أليم } والمعنى ظاهر . وفي الآية لطائف : إحداها : أن ( ما ~~) يحتمل أن تكون نافية ، أي ليس جزاؤه إلا السجن ، ويجوز أيضا أن تكون ~~استفهامية يعني أي شيء جزاؤه إلا أن يسجن كما تقول : من في الدار إلا زيد . ~~وثانيها : أن حبها الشديد ليوسف حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضع ~~وذلك لأنها بدأت بذكر السجن ، وأخرت ذكر العذاب ، لأن المحب لا يسعى في ~~إيلام المحبوب ، وأيضا أنها لم تذكر أن يوسف يجب أن يعامل بأحد هذين ~~الأمرين ، بل ذكرت ذلك ذكرا كليا صونا للمحبوب عن الذكر بالسوء والألم ، ~~وأيضا قالت : { إلا أن يسجن } والمراد أن يسجن يوما أو أقل على سبيل ~~التخفيف . # فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر بهذه العبارة ، بل يقال : يجب أن يجعل من ~~المسجونين ألا ترى أن فرعون هكذا قال حين تهدد موسى عليه السلام في قوله : ~~{ لئن اتخذت إلاها غيرى لاجعلنك من المسجونين } ( الشعراء : 29 ) وثالثها : ~~أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم منها أنه كان في عنفوان ~~العمر وكمال القوة ونهاية الشهوة ، عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستحيت ~~أن تقول إن يوسف عليه السلام قصدني بالسوء ، وما وجدت من نفسها أن ترميه ~~بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض ، فانظر إلى تلك المرأة ~~ما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب وأن هؤلاء الحشوية يرمونه بعد قريب ~~من أربعة آلاف سنة بهذا الذنب القبيح . ورابعها : أن يوسف عليه السلام أراد ~~يضربها ويدفعها عن نفسه ، وكان ذلك بالنسبة إليها جاريا مجرى السوء فقولها ~~: { ما جزاء من أراد بأهلك } جاريا مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تريد ~~إقدامه على دفعها ومنعها وفي ظاهر الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي ~~. # واعلم أن المرأة لما ذكرت هذا الكلام ولطخت عرض يوسف عليه ms5099 السلام احتاج ~~يوسف إلى إزالة هذه التهمة فقال : } هي راودتني عن نفسي } ، وأن يوسف عليه ~~السلام ما هتك سترها في أول الأمر إلا أنه لما خاف على النفس وعلى العرض ~~أظهر الأمر . # / واعلم أن العلامات الكثيرة كانت دالة على أن يوسف عليه السلام هو ~~الصادق : فالأول : أن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبدا لهم والعبد ~~لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد والثاني : أنهم شاهدوا أن يوسف ~~عليه السلام كان يعدو عدوا شديدا ليخرج والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من ~~الدار على هذا الوجه ، والثالث : أنهم رأوا أن المرأة زينت نفسها على أكمل ~~الوجوه ، وأما يوسف عليه السلام فما كان PageV18P098 عليه أثر من آثار ~~تزيين النفس فكان إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى ، الرابع : أنهم كانوا قد ~~شاهدوا أحوال يوسف عليه السلام في المدة الطويلة فما رأوا عليه حالة تناسب ~~إقدامه على مثل هذا الفعل المنكر ، وذلك أيضا مما يقوي الظن ، الخامس : أن ~~المرأة ما نسبته إلى طلب الفاحشة على سبيل التصريح بل ذكرت كلاما مجملا ~~مبهما ، وأما يوسف عليه السلام فإنه صرح بالأمر ولو أنه كان متهما لما قدر ~~على التصريح باللفظ الصريح فإن الخائن خائف ؛ السادس : قيل : إن زوج المرأة ~~كان عاجزا وآثار طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة فإلحاق هذه الفتنة ~~بها أولى ، فلما حصلت هذه الأمارات الكثيرة الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة ~~كان من المرأة استحيا الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف صادق والمرأة كاذبة ~~، ثم إنه تعالى أظهر ليوسف عليه السلام دليلا آخر يقوي تلك الدلائل ~~المذكورة ويدل على أنه بريء عن الذنب وأن المرأة هي المذنبة ، وهو قوله : { ~~* } هي راودتني عن نفسي } ، وأن يوسف عليه السلام ما هتك سترها في أول ~~الأمر إلا أنه لما خاف على النفس وعلى العرض أظهر الأمر . # / واعلم أن العلامات الكثيرة كانت دالة على أن يوسف عليه السلام هو ~~الصادق : فالأول : أن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبدا لهم والعبد ~~لا يمكنه ms5100 أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد والثاني : أنهم شاهدوا أن يوسف ~~عليه السلام كان يعدو عدوا شديدا ليخرج والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من ~~الدار على هذا الوجه ، والثالث : أنهم رأوا أن المرأة زينت نفسها على أكمل ~~الوجوه ، وأما يوسف عليه السلام فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان ~~إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى ، الرابع : أنهم كانوا قد شاهدوا أحوال يوسف ~~عليه السلام في المدة الطويلة فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا ~~الفعل المنكر ، وذلك أيضا مما يقوي الظن ، الخامس : أن المرأة ما نسبته إلى ~~طلب الفاحشة على سبيل التصريح بل ذكرت كلاما مجملا مبهما ، وأما يوسف عليه ~~السلام فإنه صرح بالأمر ولو أنه كان متهما لما قدر على التصريح باللفظ ~~الصريح فإن الخائن خائف ؛ السادس : قيل : إن زوج المرأة كان عاجزا وآثار ~~طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة فإلحاق هذه الفتنة بها أولى ، فلما ~~حصلت هذه الأمارات الكثيرة الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة كان من المرأة ~~استحيا الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف صادق والمرأة كاذبة ، ثم إنه تعالى ~~أظهر ليوسف عليه السلام دليلا آخر يقوي تلك الدلائل المذكورة ويدل على أنه ~~بريء عن الذنب وأن المرأة هي المذنبة ، وهو قوله : { * } ، وأن يوسف عليه ~~السلام ما هتك سترها في أول الأمر إلا أنه لما خاف على النفس وعلى العرض ~~أظهر الأمر . # / واعلم أن العلامات الكثيرة كانت دالة على أن يوسف عليه السلام هو ~~الصادق : فالأول : أن يوسف عليه السلام في ظاهر الأمر كان عبدا لهم والعبد ~~لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد والثاني : أنهم شاهدوا أن يوسف ~~عليه السلام كان يعدو عدوا شديدا ليخرج والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من ~~الدار على هذا الوجه ، والثالث : أنهم رأوا أن المرأة زينت نفسها على أكمل ~~الوجوه ، وأما يوسف عليه السلام فما كان عليه أثر من آثار تزيين النفس فكان ~~إلحاق هذه الفتنة بالمرأة أولى ، الرابع : أنهم كانوا قد شاهدوا أحوال ms5101 يوسف ~~عليه السلام في المدة الطويلة فما رأوا عليه حالة تناسب إقدامه على مثل هذا ~~الفعل المنكر ، وذلك أيضا مما يقوي الظن ، الخامس : أن المرأة ما نسبته إلى ~~طلب الفاحشة على سبيل التصريح بل ذكرت كلاما مجملا مبهما ، وأما يوسف عليه ~~السلام فإنه صرح بالأمر ولو أنه كان متهما لما قدر على التصريح باللفظ ~~الصريح فإن الخائن خائف ؛ السادس : قيل : إن زوج المرأة كان عاجزا وآثار ~~طلب الشهوة في حق المرأة كانت متكاملة فإلحاق هذه الفتنة بها أولى ، فلما ~~حصلت هذه الأمارات الكثيرة الدالة على أن مبدأ هذه الفتنة كان من المرأة ~~استحيا الزوج وتوقف وسكت لعلمه بأن يوسف صادق والمرأة كاذبة ، ثم إنه تعالى ~~أظهر ليوسف عليه السلام دليلا آخر يقوي تلك الدلائل المذكورة ويدل على أنه ~~بريء عن الذنب وأن المرأة هي المذنبة ، وهو قوله : { نفسى وشهد شاهد من ~~أهلها } وفي هذا الشاهد ثلاثة أقوال : الأول : أنه كان لها ابن عم وكان ~~رجلا حكيما واتفق في ذلك الوقت أنه كان مع الملك يريد أن يدخل عليها فقال ~~قد سمعنا الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام ~~صاحبه ، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة والرجل كاذب وإن كان من ~~خلفه فالرجل صادق وأنت كاذبة فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه ، ~~قال ابن عمها : { إنه من * كيدكم * إن كيدكن عظيم } أي من عملكن . ثم قال ~~ليوسف أعرض عن هذا واكتمه ، وقال لها استغفري لذنبك ، وهذا قول طائفة عظيمة ~~من المفسرين . والثاني : وهو أيضا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد ~~بن جبير والضحاك : إن ذلك الشاهد كان صبيا أنطقه الله تعالى في المهد ، ~~فقال ابن عباس : تكلم في المهد أربعة صغار شاهد يوسف ، وابن ماشطة بنت ~~فرعون ، وعيسى بن مريم ، وصاحب جريج الراهب قال الجبائي : والقول الأول ~~أولى لوجوه : الأول : أنه تعالى لو أنطق الطفل بهذا الكلام لكان مجرد قوله ~~إنها كاذبة كافيا وبرهانا قاطعا ، لأنه من البراهين القاطعة القاهرة ms5102 ، ~~والاستدلال بتمزيق القميص من قبل ومن دبر دليل ظني ضعيف والعدول عن الحجة ~~القاطعة حال حضورها وحصولها إلى الدلالة الظنية لا يجوز . الثاني : أنه ~~تعالى قال : { وشهد شاهد من أهلها } وإنما قال من أهلها / ليكون أولى ~~بالقبول في حق المرأة لأن الظاهر من حال من يكون من أقرباء المرأة ومن ~~أهلها أن لا يقصدها بالسوء والإضرار ، فالمقصود بذكر كون ذلك الرجل من ~~أهلها تقوية قول ذلك الرجل وهذه الترجيحات إنما يصار إليها عند كون الدلالة ~~ظنية ، ولو كان هذا القول صادرا عن الصبي الذي في المهد لكان قوله حجة ~~قاطعة ولا يتفاوت الحال بين أن يكون من أهلها ، وبين أن لا يكون من أهلها ~~وحينئذ لا يبقى لهذا القيد أثر . والثالث : أن لفظ الشاهد لا يقع في العرف ~~إلا على من تقدمت له معرفة بالواقعة وإحاطة بها . # والقول الثالث : أن ذلك الشاهد هو القميص ، قال مجاهد : الشاهد كون قميصه ~~مشقوقا من دبر ، وهذا في غاية الضعف لأن القميص لا يوصف بهذا ولا ينسب إلى ~~الأهل . واعلم أن القول الأول عليه أيضا إشكال وذلك لأن العلامة المذكورة ~~لا تدل قطعا على براءة يوسف عليه السلام عن المعصية لأن من المحتمل أن ~~الرجل قصد المرأة لطلب الزنا فالمرأة غضبت عليه فهرب الرجل فعدت المرأة خلف ~~الرجل وجذبته لقصد أن تضربه ضربا وجيعا فعلى هذا الوجه يكون القميص متخرقا ~~من دبر مع أن المرأة تكون برية عن الذنب والرجل يكون مذنبا . PageV18P099 # وجوابه : أنا بينا أن علامات كذب المرأة كانت كثيرة بالغة مبلغ اليقين ~~فضموا إليها هذه العلامة الأخرى لا لأجل أن يعولوا في الحكم عليها ، بل ~~لأجل أن يكون ذلك جاريا مجرى المقويات والمرجحات . # ثم إنه تعالى أخبر وقال : { فلما رأى قميصه } وذلك يحتمل السيد الذي هو ~~زوجها ويحتمل الشاهد فلذلك اختلفوا فيه ، قال : { إنه من كيدكن } أي أن ~~قولك ما جزاء من أراد بأهلك سوءا من كيدكن إن كيدكن عظيم . # فإن قيل : إنه تعالى لما خلق الإنسان ضعيفا فكيف وصف كيد المرأة ms5103 بالعظم ، ~~وأيضا فكيد الرجال قد يزيد على كيد النساء . # والجواب عن الأول : أن خلقة الإنسان بالنسبة إلى خلقة الملائكة والسموات ~~والكواكب خلقة ضعيفة وكيد النسوات بالنسبة إلى كيد البشر عظيم ولا منافاة ~~بين القولين وأيضا فالنساء لهن في هذا الباب من المكر والحيل ما لا يكون ~~للرجال ولأن كيدهن في هذا الباب يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال . # واعلم أنه لما ظهر للقوم براءة يوسف عليه السلام عن ذلك الفعل المنكر حكى ~~تعالى عنه أنه قال : { يوسف أعرض عن هاذا } فقيل : إن هذا من قول العزيز ، ~~وقيل : إنه من قول الشاهد ، ومعناه : أعرض عن ذكر هذه الواقعة حتى لا ينتشر ~~خبرها ولا يحصل العار العظيم بسببها ، وكما أمر يوسف بكتمان هذه الواقعة ~~أمر المرأة بالاستغفار فقال : { واستغفرى لذنبك } وظاهر ذلك طلب المغفرة ، ~~/ ويحتمل أن يكون المراد من الزوج ويكون معنى المغفرة العفو والصفح ، وعلى ~~هذا التقدير فالأقرب أن قائل هذا القول هو الشاهد ، ويحتمل أن يكون المراد ~~بالاستغفار من الله ، لأن أولئك الأقوام كانوا يثبتون الصانع ، إلا أنهم مع ~~ذلك كانوا يعبدون الأوثان بدليل أن يوسف عليه السلام قال : { متفرقون خير ~~أم الله الواحد القهار ما } ( يوسف : 29 ) وعلى هذا التقدير : فيجوز أن ~~يكون القائل هو الزوج . وقوله : { إنك كنت من الخاطئين } نسبة لها إلى أنها ~~كانت كثيرة الخطأ فيما تقدم ، وهذا أحد ما يدل على أن الزوج عرف في أول ~~الأمر أن الذنب للمرأة لا ليوسف ، لأنه كان يعرف عنها إقدامها على ما لا ~~ينبغي . وقال أبو بكر الأصم : إن ذلك لزوج كان قليل الغيرة فاكتفى منها ~~بالاستغفار . قال صاحب ( الكشاف ) : وإنما قال من الخاطئين بلفظ التذكير ، ~~تغليبا للذكور على الإناث ، ويحتمل أن يقال : المراد إنك من نسل الخاطئين ، ~~فمن ذلك النسل سرى هذا العرق الخبيث فيك . والله أعلم . # ! 7 < { وقال نسوة فى المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها ~~حبا إنا لنراها فى ضلال مبين * فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن ~~متكئا وءاتت ms5104 كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن ~~أيديهن وقلن حاش لله ما هاذا بشرا إن هاذآ إلا ملك كريم } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 30 - 31 ) وقال نسوة في . . . . . # > > PageV18P100 # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : لم لم يقل : { وقالت * نسوة } قلنا لوجهين : الأول : أن ~~النسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي فلذلك لم يلحق فعله تاء ~~التأنيث ، الثاني : قال الواحدي تقديم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التأنيث ~~على قياس إسقاط علامة التثنية والجمع . # / المسألة الثانية : قال الكلبي : هن أربع ، امرأة ساقي العزيز . وامرأة ~~خبازه وامرأة صاحب سجنه . وامرأة صاحب دوابه ، وزاد مقاتل وامرأة الحاجب . ~~والأشبه أن تلك الواقعة شاعت في البلد واشتهرت وتحدث بها النساء . وامرأة ~~العزيز هي هذه المرأة المعلومة { تراود فتاها عن نفسه } الفتى الحدث الشاب ~~والفتاة الجارية الشابة { قد شغفها حبا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : أن الشغاف فيه وجوه : الأول : أن الشغاف جلدة محيطة ~~بالقلب يقال لها غلاف القلب يقال شغفت فلانا إذا أصبت شغافه كما تقول كبدته ~~أي أصبت كبده فقوله : { شغفها حبا } أي دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب . ~~والثاني : أن حبه أحاط بقلبها مثل إحاطة الشغاف بالقلب ، ومعنى إحاطة ذلك ~~الحب بقلبها هو أن اشتغالها بحبه صار حجابا بينها وبين كل ما سوى هذه ~~المحبة فلا تعقل سواه ولا يخطر ببالها إلا إياه . والثالث : قال الزجاج : ~~الشغاف حبة القلب وسويداء القلب . والمعنى : أنه وصل حبه إلى سويداء قلبها ~~، وبالجملة فهذا كناية عن الحب الشديد والعشق العظيم . # المسألة الثانية : قرأ جماعة من الصحابة والتابعين { * شعفها } بالعين . ~~قال ابن السكيت : يقال شعفه الهوى إذا بلغ إلى حد الاحتراق ، وشعف الهناء ~~البعير إذا بلغ منه الألم إلى حد الاحتراق ، وكشف أبو عبيدة عن هذا المعنى ~~فقال : الشعف بالعين إحراق الحب القلب مع لذة يجدها ، كما أن البعير إذا ~~هنىء بالقطران يبلغ منه مثل ذلك ثم يستروح إليه . وقال ابن الأنباري : ~~الشعف رؤوس الجبال ، ومعنى شعف بفلان إذا ارتفع حبه إلى أعلى المواضع من ~~قلبه . # المسألة الثالثة ms5105 : قوله : { * حبها } نصب على التمييز . # ثم قال : { حبا إنا لنراها فى ضلال مبين } أي في ضلال عن طريق الرشد بسبب ~~حبها إياه كقوله : { إن أبانا لفى ضلال مبين } ( يوسف : 8 ) . # ثم قال تعالى : { فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا } وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : المراد من قوله : { فلما سمعت بمكرهن } أنها سمعت قولهن ~~وإنما سمي قولهن مكرا لوجوه : الأول : أن النسوة إنما ذكرت ذلك الكلام ~~استدعاء لرؤية يوسف عليه السلام والنظر إلى وجهه لأنهن عرفن أنهن إذا قلن ~~ذلك عرضت يوسف عليهن ليتمهد عذرها عندهن . الثاني : أن امرأة العزيز أسرت ~~إليهن حبها ليوسف وطلبت منهن كتمان هذا السر ، فلما أظهرن السر كان ذلك ~~غدرا ومكرا . الثالث : أنهن وقعن في غيبتها ، والغيبة إنما تذكر على سبيل ~~الخفية فأشبهت المكر . # / المسألة الثانية : أنها لما سمعت أنهن يلمنها على تلك المحبة المفرطة ~~أرادت إبداء عذرها فاتخذت PageV18P101 مائدة ودعت جماعة من أكابرهن وأعتدت ~~لهن متكأ / وفي تفسيره وجوه : الأول : المتكأ النمرق الذي يتكأ عليه . ~~الثاني : أن المتكأ هو الطعام . قال العتبي والأصل فيه أن من دعوته ليطعم ~~عندك فقد أعددت له وسادة تسمى الطعام متكأ على الاستعارة ، والثالث : متكأ ~~أترجا ، وهو قول وهب وأنكر أبو عبيد ذلك ولكنه محمول على أنها وضعت عندهن ~~أنواع الفاكهة في ذلك المجلس . والرابع : متكأ طعاما يحتاج إلى أن يقطع ~~بالسكين ، لأن الطعام متى كان كذلك احتاج الإنسان إلى أن يتكأ عليه عند ~~القطع . ثم نقول : حاصل ذلك أنها دعت أولئك النسوة وأعدت لكل واحدة منهن ~~مجلسا معينا وآتت كل واحدة منهن سكينا أي لأجل أكل الفاكهة أو لأجل قطع ~~اللحم ثم إنها أمرت يوسف عليه السلام بأن يخرج إليهن ويعبر عليهن وأنه عليه ~~السلام ما قدر على مخالتها خوفا منها { فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن } ~~وههنا مسائل : # المسألة الأولى : في { أكبرنه } قولان : الأول : أعظمنه . والثاني : { * ~~أكبرن } بمعنى حضن . قال الأزهري والهاء للسكت يقال أكبرت المرأة إذا حاضت ~~، وحقيقته دخلت في الكبر لأنها بالحيض تخرج من حد ms5106 الصغر إلى حد الكبر وفيه ~~وجه آخر ، وهو أن المرأة إذا خافت وفزعت فربما أسقطت ولدها فحاضت ، فإن صح ~~تفسير الإكبار بالحيض فالسبب فيه ما ذكرناه وقوله : { قطعن أيديهن } كناية ~~عن دهشتهن وحيرتهن ، والسبب في حسن هذه الكناية أنها لما دهشت فكانت تظن ~~أنها تقطع الفاكهة وكانت تقطع يد نفسها ، أو يقال : إنها لما دهشت صارت ~~بحيث لا تميز نصابها من حديدها وكانت تأخذ الجانب الحاد من ذلك السكين ~~بكفها فكان يحصل الجراحة في كفها . # المسألة الثالثة : اتفق الأكثرون على أنهن إنما أكبرنه بحسب الجمال ~~الفائق والحسن الكامل قيل : كان فضل يوسف على الناس في الفضل والحسن كفضل ~~القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~مررت بيوسف عليه السلام ليلة عرج بي إلى السماء فقلت لجبريل عليه السلام من ~~هذا ؟ فقال هذا يوسف فقيل يا رسول الله كيف رأيته ؟ قال : كالقمر ليلة ~~البدر ) وقيل : كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران ~~كما يرى نور الشمس من السماء عليها ، وقيل : كان يشبه آدم يوم خلقه ربه ، ~~وهذا القول هو الذي اتفقوا عليه ، وعندي أنه يحتمل وجها آخر وهو أنهن إنما ~~أكبرنه لأنهن رأين عليه نور النبوة وسيما الرسالة ، وآثار الخضوع والاحتشام ~~، وشاهدن منها مهابة النبوة ، وهيئة الملكية وهي عدم الالتفات إلى المطعوم ~~والمنكوح ، وعدم الاعتداد بهن ، وكان الجمال العظيم مقرونا بتلك الهيبة ~~والهيئة فتعجبن من تلك / الحالة فلا جرم أكبرنه وعظمنه ، ووقع الرعب ~~والمهابة منه في قلوبهن ، وعندي أن حمل الآية على هذا الوجه أولى . # فإن قيل : فإذا كان الأمر كذلك فكيف ينطبق على هذا التأويل قولها : { ~~فذالكن الذى لمتننى فيه } وكيف تصير هذه الحالة عذرا لها في قوة العشق ~~وإفراط المحبة ؟ # قلنا : قد تقرر أن الممنوع متبوع فكأنها قالت لهن مع هذا الخلق العجيب ~~وهذه السيرة الملكية الطاهرة المطهرة فحسنه يوجب الحب الشديد وسيرته ~~الملكية توجب اليأس عن الوصول إليه فلهذا السبب وقعت في المحبة ، والحسرة ، ~~والأرق والقلق ، وهذا ms5107 الوجه في تأويل الآية أحسن والله أعلم . # المسألة الثالثة : قرأ أبو عمرو { وقلن * يومئذ لله } بإثبات الألف بعد ~~الشين وهي رواية الأصمعي عن نافع PageV18P102 وهي الأصل لأنها من المحاشاة ~~وهي التنحية والتبعيد ، والباقون بحذف الألف للتخفيف وكثرة دورها على ~~الألسن اتباعا للمصحف ( وحاشا ) كلمة يفيد معنى التنزيه ، والمعنى ههنا ~~تنزيه الله تعالى من المعجز حيث قدر على خلق جميل مثله . أما قوله : { حاش ~~لله ما علمنا عليه من سوء } فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله . # المسألة الرابعة : قوله : { ما هاذا بشرا إن هاذا إلا ملك كريم } فيه ~~وجهان : # الوجه الأول : وهو المشهور أن المقصود منه إثبات الحسن العظيم له قالوا : ~~لأنه تعالى ركز في الطباع أن لا حي أحسن من الملك ، كما ركز فيها أن لا حي ~~أقبح من الشيطان ، ولذلك قال تعالى في صفة جهنم { طلعها كأنه * رءوس * ~~الشياطين } ( الصافات : 65 ) وذلك لما ذكرنا أنه تقرر في الطباع أن أقبح ~~الأشياء هو الشيطان فكذا ههنا تقرر في الطباع أن أحسن الأحياء هو الملك ، ~~فلما أرادت النسوة المبالغة في وصف يوسف عليه السلام بالحسن لا جرم شبهنه ~~بالملك . # والوجه الثاني : وهو الأقرب عندي أن المشهور عند الجمهور أن الملائكة ~~مطهرون عن بواعث الشهوة ، وجواذب الغضب ، ونوازع الوهم والخيال فطعامهم ~~توحيد الله تعالى وشرابهم الثناء على الله تعالى ، ثم إن النسوة لما رأين ~~يوسف عليه السلام لم يلتفت إليهن ألبتة ورأين عليه هيبة النبوة وهيبة ~~الرسالة ، وسيما الطهارة قلن إنا ما رأينا فيه أثرا من أثر الشهوة ، ولا ~~شيئا من البشرية ، ولا صفة من الإنسانية ، فهذا قد تطهر عن جميع الصفات ~~المغروزة في البشر ، وقد ترقى عن حد الإنسانية ودخل في الملكية . # فإن قالوا : فإن كان المراد ما ذكرتم فكيف يتمهد عذر تلك المرأة عند ~~النسوة ؟ فالجواب قد سبق . والله أعلم . # / المسألة الخامسة : القائلون بأن الملك أفضل من البشر احتجوا بهذه الآية ~~فقالوا : لا شك إنهن إنما ذكرت هذا الكلام في معرض تعظيم يوسف عليه السلام ~~. فوجب أن يكون إخراجه ms5108 من البشرية وإدخاله في الملكية سببا لتعظيم شأنه ~~وإعلاء مرتبته ، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان الملك أعلى حالا من البشر ، ~~ثم نقول : لا يخلو إما أن يكون المقصود بيان كمال حاله في الحسن الذي هو ~~الخلق الظاهر ، أو كمال حاله في الحسن الذي هو الخلق الباطن ، والأول باطل ~~لوجهين : الأول : أنهم وصفوه بكونه كريما ، وإنما يكون كريما بسبب الأخلاق ~~الباطنة لا بسبب الخلقة الظاهرة ، والثاني : أنا نعلم بالضرورة أن وجه ~~الإنسان لا يشبه وجوه الملائكة ألبتة . أما كونه بعيدا عن الشهوة والغضب ~~معرضا عن اللذات الجسمانية متوجها إلى عبودية الله تعالى مستغرق القلب ، ~~والروح فيه فهو أمر مشترك فيه بين الإنسان الكامل وبين الملائكة . # وإذا ثبت هذا فنقول : تشبيه الإنسان بالملك في الأمر الذي حصلت المشابهة ~~فيه على سبيل الحقيقة أولى من تشبيهه بالملك فيما لم تحصل المشابهة فيه ~~ألبتة ، فثبت أن تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في هذه الآية إنما وقع في ~~الخلق الباطن ، لا في الصورة الظاهرة ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك وجب أن ~~يكون الملك أعلى حالا من الإنسان من هذه الفضائل ، فثبت أن الملك أفضل من ~~البشر والله أعلم . # المسألة السادسة : لغة أهل الحجاز إعمال ( ما ) عمل ليس وبها ورد قوله : ~~{ ما هاذا بشرا } ومنها قوله : { ما هن أمهاتهم } ( المجادلة : 2 ) ~~PageV18P103 ومن قرأ على لغة بني تميم . قرأ { ما هاذا بشرا } وهي قراءة ~~ابن مسعود وقرىء { ما هاذا بشرا } أي ما هو بعبد مملوك للبشر { إن هاذا إلا ~~ملك كريم } ثم نقول : ما هذا بشرا ، أي حاصل بشرا بمعنى هذا مشترى ، وتقول ~~: هذا لك بشرا أم بكرا ، والقراءة المعتبرة هي الأولى لموافقتها المصحف ، ~~ولمقابلة البشر للملك . # ! 7 < { قالت فذالكن الذى لمتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن ~~لم يفعل مآ ءامره ليسجنن وليكونا من الصاغرين } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 32 ) قالت فذلكن الذي . . . . . # > > اعلم أن النسوة لما قلن في امرأة العزيز قد شغفها حبا إنا لنراها في ~~ضلال مبين ، عظم ذلك / عليها فجمعتهن { فلما رأينه ms5109 أكبرنه وقطعن أيديهن } ~~فعند ذلك ذكرت أنهن باللوم أحق لأنهن بنظرة واحدة لحقهن أعظم مما نالها مع ~~أنه طال مكثه عندها . # فإن قيل : فلم قالت : { فذالكن } مع أن يوسف عليه السلام كان حاضرا ؟ # والجواب عنه من وجوه : الأول : قال ابن الأنباري : أشارت بصيغة ذلكن إلى ~~يوسف بعد انصرافه من المجلس . والثاني : وهو الذي ذكره صاحب ( الكشاف ) وهو ~~أحسن ما قيل : إن النسوة كن يقلن إنها عشقت عبدها الكنعاني ، فلما رأينه ~~ووقعن في تلك الدهشة قالت : هذا الذي رأيتموه هو ذلك العبد الكنعاني الذي ~~لمتنني فيه يعني : أنكن لم تتصورنه حق تصوره ولو حصلت في خيالكن صورته ~~لتركتن هذه الملامة . # واعلم أنها لما أظهرت عذرها عند النسوة في شدة محبتها له كشفت عن حقيقة ~~الحال فقالت : { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } . # واعلم أن هذا تصريح بأنه عليه السلام كان بريئا عن تلك التهمة ، وعن ~~السدي أنه قال : { فاستعصم } بعد حل السراويل وما الذي يحمله على إلحاق هذه ~~الزيادة الفاسدة الباطلة بنص الكتاب . # ثم قال : { ولئن لم يفعل ما ءامره ليسجنن وليكونا من الصاغرين } والمراد ~~أن يوسف عليه السلام إن لم يوافقها على مرادها يوقع في السجن وفي الصغار ، ~~ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس عظيم ~~الخطر مثل يوسف عليه السلام ، وقوله : { وليكونا } كان حمزة والكسائي يقفان ~~على { وليكونا } بالألف ، وكذلك قوله : { لنسفعا } ( العلق : 15 ) والله ~~أعلم . # ! 7 < { قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننىإليه وإلا تصرف عنى كيدهن أصب ~~إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع ~~العليم } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 33 - 34 ) قال رب السجن . . . . . # > > PageV18P104 # واعلم أن المرأة لما قالت : { ولئن لم يفعل ما ءامره ليسجنن وليكونا من ~~الصاغرين } ( يوسف : 32 ) وسائر النسوة سمعن هذا التهديد فالظاهر أنهن ~~اجتمعن على يوسف عليه السلام وقلن لا مصلحة لك في مخالفة أمرها / وإلا وقعت ~~في السجن وفي الصغار فعند ذلك اجتمع في حق يوسف عليه السلام أنواع من ~~الوسوسة : أحدها : أن ms5110 زليخا كانت في غاية الحسن . والثاني : أنها كانت ذات ~~مال وثروة ، وكانت على عزم أن تبذل الكل ليوسف بتقدير أن يساعدها على ~~مطلوبها . والثالث : أن النسوة اجتمعن عليه وكل واحدة منهن كانت ترغبه ~~وتخوفه بطريق آخر ، ومكر النساء في هذا الباب شديد ، والرابع : أنه عليه ~~السلام كان خائفا من شرها وإقدامها على قتله وإهلاكه ، فاجتمع في حق يوسف ~~جميع جهات الترغيب على موافقتها وجميع جهات التخويف على مخالفتها ، فخاف ~~عليه السلام أن تؤثر هذه الأسباب القوية الكثيرة فيه . # واعلم أن القوة البشرية والطاقة الإنسانية لا تفي بحصول هذه العصمة ~~القوية ، فعند هذا التجأ إلى الله تعالى وقال : { رب السجن أحب إلى مما ~~يدعوننى إليه } وقرىء { السجن } بالفتح على المصدر ، وفيه سؤالان : # السؤال الأول : السجن في غاية المكروهية ، وما دعونه إليه في غاية ~~المطلوبية ، فكيف قال : المشقة أحب إلي من اللذة ؟ # والجواب : أن تلك اللذة كانت تستعقب آلاما عظيمة ، وهي الذم في الدنيا ~~والعقاب في الآخرة ، وذلك المكروه وهو اختيار السجن كان يستعقب سعادات ~~عظيمة ، وهي المدح في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة ، فلهذا السبب قال : ~~{ السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه } . # السؤال الثاني : أن حبسهم له معصية كما أن الزنا معصية ، فكيف يجوز أن ~~يحب السجن مع أنه معصية . # والجواب : تقدير الكلام أنه إذا كان لا بد من التزام أحد الأمرين أعني ~~الزنا والسجن ، فهذا أولى ، لأنه متى وجب التزام أحد شيئين كل واحد منهما ~~شر فأخفهما أولاهما بالتحمل . # ثم قال : { وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } أصب إليهن ~~أمل إليهن يقال : صبا إلى اللهو يصبو صبوا إذا مال ، واحتج أصحابنا بهذه ~~الآية على أن الإنسان لا ينصرف عن المعصية إلا إذا صرفه الله تعالى عنها ~~قالوا : لأن هذه الآية تدل على أنه تعالى إن لم يصرفه عن ذلك القبيح وقع ~~فيه وتقريره : أن القدرة والداعي إلى الفعل والترك إن استويا امتنع الفعل ، ~~لأن الفعل رجحان لأحد الطرفين ومرجوحية للطرف الآخر وحصولهما حال استواء ~~الطرفين جمع بين ms5111 النقيضين وهو محال ، وإن حصل الرجحان في أحد الطرفين فذلك ~~الرجحان ليس من العبد وإلا لذهبت المراتب إلى غير النهاية بل هو من الله ~~تعالى فالصرف عبارة عن جعله مرجوحا لأنه متى / صار مرجوحا صار ممتنع الوقوع ~~لأن الوقوع رجحان ، فلو وقع حال المرجوحية لحصل الرجحان حال حصول المرجوحية ~~، وهو يقتضي حصول الجمع بين النقيضين وهو محال ، PageV18P105 فثبت بهذا أن ~~انصراف العبد عن القبيح ليس إلا من الله تعالى . ويمكن تقرير هذا الكلام من ~~وجه آخر ، وهو أنه كان قد حصل في حق يوسف عليه السلام جميع الأسباب المرغبة ~~في تلك المعصية وهو الانتفاع بالمال والجاه والتمتع بالمنكوح والمطعوم وحصل ~~في الإعراض عنها جميع الأسباب المنفرة / ومتى كان الأمر كذلك ، فقد قويت ~~الدواعي في الفعل وضعفت الدواعي في الترك ، فطلب من الله سبحانه وتعالى أن ~~يحدث في قلبه أنواعا من الدواعي المعارضة النافية لدواعي المعصية إذ لو لم ~~يحصل هذا المعارض لحصل المرجح للوقوع في المعصية خاليا عما يعارضه ، وذلك ~~يوجب وقوع الفعل وهو المراد بقوله : { أصب إليهن وأكن من الجاهلين } . # ! 7 < { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين * ودخل معه ~~السجن فتيان قال أحدهمآ إنىأرانىأعصر خمرا وقال الآخر إنىأرانىأحمل فوق ~~رأسى خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين } . > 7 @QB@ ~~< # | يوسف : ( 35 - 36 ) ثم بدا لهم . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن زوج المرأة لما ظهر له براءة ساحة يوسف عليه ~~السلام فلا جرم لم يتعرض له ، فاحتالت المرأة بعد ذلك بجميع الحيل حتى تحمل ~~يوسف عليه السلام على موافقتها على مرادها ، فلم يلتفت يوسف إليها ، فلما ~~أيست منه احتالت في طريق آخر وقالت لزوجها : إن هذا العبد العبراني فضحني ~~في الناس يقول لهم : إني راودته عن نفسه ، وأنا لا أقدر على إظهار عذري ، ~~فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر وإما أن تحبسه كما حبستني ، فعند ذلك وقع في ~~قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى يسقط عن ألسنة الناس ذكر هذا الحديث ms5112 وحتى ~~تقل الفضيحة ، فهذا هو المراد من قوله { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ~~ليسجننه حتى حين } لأن البداء عبارة عن تغير الرأي عما كان عليه / في الأول ~~، والمراد من الآيات براءته بقد القميص من دبر ، وخمش الوجه ، وإلزام الحكم ~~أياها بقوله : { إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم } ( يوسف : 28 ) وذكرنا أنه ~~ظهرت هناك أنواع أخر من الآيات بلغت مبلغ القطع ولكن القوم سكتوا عنها سعيا ~~في إخفاء الفضيحة . # المسألة الثالثة : قوله : { * بدالهم } فعل وفاعله في هذا الموضع قوله : ~~{ الآيات ليسجننه } وظاهر هذا الكلام يقتضي إسناد الفعل إلى فعل آخر ، إلا ~~أن النحويين اتفقوا على أن إسناد الفعل إلى الفعل لا يجوز ، فإذا قلت خرج ~~ضرب لم يفد ألبتة ، فعند هذا قالوا : تقدير الكلام ثم بدا لهم سجنه ، إلا ~~أنه أقيم هذا الفعل مقام ذلك الاسم ، وأقول : الذوق يشهد بأن جعل الفعل ~~مخبر عنه لا يجوز وليس لأحد أن يقول الفعل خبرا فجعل الخبر مخبرا عنه لا ~~يجوز ، لأنا نقول : الاسم قد يكون خبرا كقولك : زيد قائم فقائم اسم وخبر ~~فعلمنا أن كون الشيء خبرا لا ينافي كونه مخبرا عنه ، بل نقول في هذا المقام ~~: شكوك أحدها : أنا إذا قلنا : ضرب فعل PageV18P106 فالمخبر عنه بأنه فعل ~~هو ضرب ، فالفعل صار مخبرا عنه . # فإن قالوا : المخبر عنه هو هذه الصيغة وهي اسم فنقول : فعلى هذا التقدير ~~يلزم أن يكون المخبر عنه بأنه فعل اسم لا فعل وذلك كذب وباطل ، بل نقول ~~المخبر عنه بأنه فعل إن كان فعلا فقد ثبت أن الفعل يصح الإخبار عنه وإن كان ~~اسما كان معناه : أنا أخبرنا عن الاسم بأنه فعل ومعلوم أنه باطل ، وفي هذا ~~الباب مباحث عميقة ذكرناها في ( كتب المعقولات ) . # المسألة الثالثة : قال أهل اللغة : الحين وقت من الزمان غير محدود يقع ~~على القصير منه ، وعلى الطويل ، وقال ابن عباس : يريد إلى انقطاع المقالة ~~وما شاع في المدينة من الفاحشة ، ثم قيل : الحين ههنا خمس سنين ، وقيل : بل ~~سبع سنين ، وقال ms5113 مقاتل بن سليمان : حبس يوسف اثنتي عشر سنة ، والصحيح أن ~~هذه المقادير غير معلومة ، وإنما القدر المعلوم أنه بقي محبوسا مدة طويلة ~~لقوله تعالى : { وادكر بعد أمة } ( يوسف : 45 ) . # أما قوله تعالى : { ودخل معه السجن فتيان } فههنا محذوف ، والتقدير : لما ~~أرادوا حبسه حبسوه وحذف ذلك لدلالة قوله : { ودخل معه السجن فتيان } عليه ~~قيل : هما غلامان كانا للملك الأكبر بمصر أحدهما صاحب طعامه ، والآخر صاحب ~~شرابه رفع إليه أن صاحب طعامه يريد أن يسمه وظن أن الآخر يساعده عليه فأمر ~~بحبسهما بقي في الآية سؤالات : # السؤال الأول : كيف عرفا أنه عليه السلام عالم بالتعبير ؟ # والجواب : لعله عليه السلام سألهما عن حزنهما وغمهما فذكرا إنا رأينا في ~~المنام هذه الرؤيا ، ويحتمل أنهما رأياه وقد أظهر معرفته بأمور منها تعبير ~~الرؤيا فعندها ذكرا له ذلك . # / السؤال الثاني : كيف عرف أنهما كانا عبدين للملك : # الجواب : لقوله : { فيسقى ربه خمرا } ( يوسف : 41 ) أي مولاه ولقوله : { ~~اذكرنى عند ربك } ( يوسف : 42 ) . # السؤال الثالث : كيف عرف أن أحدهما صاحب شراب الملك ، والآخر صاحب طعامه ~~؟ # والجواب : رؤيا كل واحد منهما تناسب حرفته لأن أحدهما رأى أنه يعصر الخمر ~~والآخر كأنه يحمل فوق رأسه خبزا . # السؤال الرابع : كيف وقعت رؤية المنام ؟ # والجواب : فيه قولان : # القول الأول : أن يوسف عليه السلام لما دخل السجن قال لأهله إني أعبر ~~الأحلام فقال أحد الفتيين ، هلم فلنخبر هذا العبد العبراني برؤيا نخترعها ~~له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا . قال ابن مسعود : ما كانا رأيا شيئا ~~وإنما تحالما ليختبرا علمه . # والقول الثاني : قال مجاهد كانا قد رأيا حين دخلا السجن رؤيا فأتيا يوسف ~~عليه السلام فسألاه عنها ، PageV18P107 فقال الساقي أيها العالم إني رأيت ~~كأني في بستان فإذا بأصل عنبة حسنة فيها ثلاثة أغصان عليها ثلاثة عناقيد من ~~عنب فجنيتها وكأن كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيتها الملك فشربه فذلك ~~قوله : { إنى أرانى أعصر خمرا } وقال صاحب الطعام إني رأيت كأن فوق رأسي ~~ثلاث سلال فيها خبز وألوان وأطعمه وإذا سباع الطير تنهش ms5114 منه فذلك قوله ~~تعالى : { وقال الآخر إنى أرانى أحمل فوق رأسى خبزا تأكل الطير منه } . # السؤال الخامس : كيف عرف يوسف عليه السلام أن المراد من قوله : { إنى ~~أرانى أعصر خمرا } رؤيا المنام ؟ # الجواب : لوجوه : الأول : أنه لو لم يقصد النوم كان ذكر قوله : { أعصر } ~~يغنيه عن ذكر قوله { أرانى } والثاني : دل عليه قوله : { نبئنا بتأويله } ( ~~يوسف : 36 ) . # السؤال السادس : كيف يعقل عصر الخمر ؟ # الجواب : فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن يكون المعنى أعصر عنب خمر ، أي ~~العنب الذي يكون عصيره خمرا فحذف المضاف . الثاني : أن العرب تسمي الشيء ~~باسم ما يؤل إليه إذا انكشف المعنى ولم يلتبس يقولون فلان يطبخ دبسا وهو ~~يطبخ عصيرا . والثالث : قال أبو صالح : أهل عمان يسمون العنب بالخمر فوقعت ~~هذه اللفظة إلى أهل مكة فنطقوا بها قال الضحاك : نزل القرآن بألسنة جميع ~~العرب . # / السؤال السابع : ما معنى التأويل في قوله : { نبئنا بتأويله } . # الجواب : تأويل الشيء ما يرجع إليه وهو الذي يؤل إليه آخر ذلك الأمر . # السؤال الثامن : ما المراد من قوله : { إنا نراك من المحسنين } . # الجواب من وجوه : الأول : معناه إنا نراك تؤثر الإحسان وتأتي بمكارم ~~الأخلاق وجميع الأفعال الحميدة . قيل : إنه كان يعود مرضاهم ، ويؤنس حزينهم ~~فقالوا إنك من المحسنين أي في حق الشركاء والأصحاب ، وقيل : إنه كان شديد ~~المواظبة على الطاعات من الصوم والصلاة فقالوا إنك من المحسنين في أمر ~~الدين ، ومن كان كذلك فإنه يوثق بما يقوله في تعبير الرؤيا ، وفي سائر ~~الأمور ، وقيل : المراد { إنا نراك من المحسنين } في علم التعبير ، وذلك ~~لأنه متى عبر لم يخط كما قال { وعلمتنى من تأويل الاحاديث } ( يوسف : 101 ) ~~. # السؤال التاسع : ما حقيقة علم التعبير ؟ # الجواب : القرآن والبرهان يدلان على صحته . أما القرآن فهو هذه الآية ، ~~وأما البرهان فهو أنه قد ثبت أنه سبحانه خلق جوهر النفس الناطقة بحيث ~~يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك / ومطالعة اللوح المحفوظ والمانع لها من ~~ذلك اشتغالها بتدبير البدن وفي وقت النوم يقل هذا التشاغل فتقوى على هذه ~~المطالعة فإذا وقعت ms5115 الروح على حالة من الأحوال تركت آثارا مخصوصة مناسبة ~~لذلك الإدراك الروحاني إلى عالم الخيال فالمعبر يستدل بتلك الآثار الخيالية ~~على تلك الإدراكات العقلية فهذا كلام مجمل ، وتفصيله مذكور في ( الكتب ~~العقلية ) ، والشريعة مؤكدة له روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~( الرؤيا ثلاثة : رؤيا ما يحدث به الرجل PageV18P108 نفسه ، ورؤيا تحدث من ~~الشيطان ورؤيا التي هي الرؤيا الصادقة حقة ) وهذا تقسيم صحيح في العلوم ~~العقلية وقال عليه السلام : ( رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا ~~من النبوة ) . # ! 7 < { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ~~ذالكما مما علمنى ربىإنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالا خرة هم ~~كافرون * واتبعت ملة ءابآءيإبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بالله ~~من شىء ذالك من فضل الله علينا وعلى الناس ولاكن أكثر الناس لا يشكرون } . ~~> 7 @QB@ < # | يوسف : ( 37 - 38 ) قال لا يأتيكما . . . . . # > > # /وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المذكور في هذه الآية ليس بجواب لما سألا عنه ~~فلا بد ههنا من بيان الوجه الذي لأجله عدل عن ذكر الجواب إلى هذا الكلام ~~والعلماء ذكروا فيه وجوها : الأول : أنه لما كان جواب أحد السائلين أنه ~~يصلب ، ولا شك أنه متى سمع ذلك عظم حزنه وتشتد نفرته عن سماع هذا الكلام ، ~~فرأى أن الصلاح أن يقدم قبل ذلك ما يؤثر معه بعلمه وكلامه ، حتى إذا جاء ~~بها من بعد ذلك خرج جوابه عن أن يكون بسبب تهمة وعداوة . الثاني : لعله ~~عليه السلام أراد أن يبين أن درجته في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدوا فيه ، ~~وذلك لأنهم طلبوا منه علم التعبير ، ولا شك أن هذا العلم مبني على الظن ~~والتخمين ، فبين لهما أنه لا يمكنه الإخبار عن الغيوب على سبيل القطع ~~واليقين مع عجز كل الخلق عنه ، وإذا كان الأمر كذلك فبأن يكون فائقا على كل ~~الناس في علم التعبير كان أولى ، فكان المقصود من ذكر تلك المقدمة تقرير ~~كونه فائقا في علم التعبير ms5116 واصلا فيه إلى ما لم يصل غيره ، والثالث : قال ~~السدي : { لا يأتيكما طعام ترزقانه } في النوم بين ذلك أن علمه بتأويل ~~الرؤيا ليس بمقصور على شيء دون غيره ، ولذلك قال : { إلا نبأتكما بتأويله } ~~الرابع : لعله عليه السلام لما علم أنهما اعتقدا فيه وقبلا قوله : فأورد ~~عليهما ما دل على كونه رسولا من عند الله تعالى ، فإن الاشتغال بإصلاح ~~مهمات الدين أولى من الاشتغال بمهمات الدنيا ، والخامس : لعله عليه السلام ~~لما علم أن ذلك الرجل سيصلب اجتهد في أن يدخله في الإسلام حتى لا يموت على ~~الكفر ، ولا يستوجب العقاب الشديد { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن ~~بينة } ( الأنفال : 42 ) والسادس : قوله : { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا ~~نبأتكما بتأويله } محمول على اليقظة ، والمعنى : أنه لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه إلا أخبرتكما أي طعام هو ، وأي لون هو ، وكم هو ، وكيف يكون عاقبته ~~؟ أي إذا أكله الإنسان فهو يفيد الصحة أو السقم ، وفيه وجه آخر ، قيل : كان ~~الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما فأرسله إليه ، فقال يوسف لا يأتيكما ~~طعام ألا أخبرتكما أن فيه سما أم لا ، هذا هو المراد من قوله : { لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله } وحاصله راجع إلى أنه ادعى ~~الإخبار عن الغيب ، وهو يجري مجرى / قوله عيسى عليه السلام ، PageV18P109 { ~~أنبئكم * بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم } ( آل عمران : 49 ) فالوجوه ~~الثلاثة الأول لتقرير كونه فائقا في علم التعبير ، والوجوه الثلاثة الأخر ~~لتقرير كونه نبيا صادقا من عند الله تعالى . # فإن قيل : كيف يجوز حمل الآية على ادعاء المعجزة مع أنه لم يتقدم ادعاء ~~للنبوة ؟ # قلنا : إنه وإن لم يذكر ذلك لكن يعلم أنه لا بد وأن يقال : إنه كان قد ~~ذكره ، وأيضا ففي قوله : { ذالكما مما علمنى ربى } وفي قوله : { واتبعت ملة ~~ءاباءي } ما يدل على ذلك . # ثم قال تعالى : { ذالكما مما علمنى ربى } أي لست أخبركما على جهة الكهانة ~~والنجوم ، وإنما أخبرتكما بوحي من الله وعلم حصل بتعليم الله . # ثم قال : { إنى ms5117 تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كافرون } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : في قوله : { إنى تركت ملة قوم لا ~~يؤمنون بالله } توهم أنه عليه السلام كان في هذه الملة . فنقول جوابه من ~~وجوه : الأول : أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء وليس من شرطه أن يكون ~~قد كان خائضا فيه . والثاني : وهو الأصح أن يقال إنه عليه السلام كان عبدا ~~لهم بحسب زعمهم واعتقادهم الفاسد ، ولعله قبل ذلك كان لا يظهر التوحيد ~~والإيمان خوفا منهم على سبيل التقية ، ثم إنه أظهره في هذا الوقت ، فكان ~~هذا جاريا مجرى ترك ملة أولئك الكفرة بحسب الظاهر . # المسألة الثانية : تكرير لفظ { هم } في قوله : { وهم بالاخرة هم كافرون } ~~لبيان اختصاصهم بالكفر ، ولعل إنكارهم للمعاد كان أشد من إنكارهم للمبدأ ، ~~فلأجل مبالغتهم في إنكار المعاد كرر هذا اللفظ للتأكيد . # واعلم أن قوله : { إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } إشارة إلى علم ~~المبدأ . وقوله : { وهم بالاخرة هم كافرون } إشارة إلى علم المعاد ، ومن ~~تأمل في القرآن المجيد وتفكر في كيفية دعوة الأنبياء عليهم السلام علم أن ~~المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب صرف الخلق إلى الإقرار بالتوحيد ~~وبالمبدأ والمعاد ، وإن ما وراء ذلك عبث . # ثم قال تعالى : { واتبعت ملة ءاباءي إبراهيم وإسحاق ويعقوب } وفيه سؤالات ~~: # السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر هذا الكلام . # الجواب : أنه عليه السلام لما ادعى النبوة وتحدى بالمعجزة وهو علم الغيب ~~قرن به كونه من أهل بيت النبوة ، وأن أباه وجده وجد أبيه كانوا أنبياء الله ~~ورسله ، فإن الإنسان متى ادعى حرفة / أبيه وجده لم يستبعد ذلك منه ، وأيضا ~~فكما أن درجة إبراهيم عليه السلام وإسحاق ويعقوب كان أمرا مشهورا في الدنيا ~~، فإذا ظهر أنه ولدهم عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال ، فكان انقيادهم له ~~أتم وأثر قلوبهم بكلامه أكمل . # السؤال الثاني : لما كان نبيا فكيف قال : إني اتبعت ملة آبائي ، والنبي ~~لا بد وأن يكون مختصا بشريعة نفسه . # قلنا : لعل مراده التوحيد الذي لم يتغير ms5118 ، وأيضا لعله كان رسولا من عند ~~الله ، إلا أنه كان على شريعة إبراهيم عليه السلام . # السؤال الثالث : لم قال : { ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء } وحال كل ~~المكلفين كذلك ؟ PageV18P110 # والجواب : ليس المراد بقوله : { ما كان لنا } أنه حرم ذلك عليهم ، بل ~~المراد أنه تعالى ظهر آباءه عن الكفر ، ونظيره قوله : { ما كان لله أن يتخذ ~~من ولد } ( مريم : 35 ) . # السؤال الرابع : ما الفائدة في قوله : { من شىء } . # الجواب : أن أصناف الشرك كثيرة ، فمنهم من يعبد الأصنام ، ومنهم من يعبد ~~النار ، ومنهم من يعبد الكواكب ، ومنهم من يعبد العقل والنفس والطبيعة ، ~~فقوله : { ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء } رد على كل هؤلاء الطوائف ~~والفرق ، وإرشاد إلى الدين الحق ، وهو أنه لا موجد إلا الله ولا خالق إلا ~~الله ولا رازق إلا الله . # ثم قال : { ذالك من فضل الله علينا وعلى الناس } وفيه مسألة . وهي أنه ~~قال : { ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء } . # ثم قال : { ذالك من فضل الله } فقوله : { ذالك } إشارة إلى ما تقدم من ~~عدم الإشراك / فهذا يدل على أن عدم الإشراك وحصول الإيمان من الله . ثم بين ~~أن الأمر كذلك في حقه بعينه ، وفي حق الناس . ثم بين أن أكثر الناس لا ~~يشكرون ، ويجب أن يكون المراد أنهم لا يشكرون الله على نعمة الإيمان ، حكي ~~أن واحدا من أهل السنة دخل على بشر بن المعتمر ، وقال : هل تشكر الله على ~~الإيمان أم لا . فإن قلت : لا ، فقد خالفت الإجماع ، وإن شكرته فكيف تشكره ~~على ما ليس فعلا له ، فقال له بشر إنا نشكره على أنه تعالى أعطانا القدرة ~~والعقل والآلة ، فيجب علينا أن نشكره على إعطاء القدرة والآلة ، فأما أن ~~نشكره على الإيمان مع أن الإيمان ليس فعلا له ، فذلك باطل ، وصعب الكلام ~~على بشر ، فدخل عليهم ثمامة بن الأشرس وقال : إنا لا نشكر الله على الإيمان ~~، بل الله يشكرنا عليه كما قال : { أولائك كان * سعيهم مشكورا } ( الإسراء ~~: 19 ) فقال بشر : لما صعب ms5119 الكلام سهل . # / واعلم أن الذين ألزمه ثمامة باطل بنص هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى بين ~~أن عدم الإشراك من فضل الله ، ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة ، ~~وإنما ذكره على سبيل الذم فدل هذا على أنه يجب على كل مؤمن أن يشكر الله ~~تعالى على نعمة الإيمان وحينئذ تقوى الحجة وتكمل الدلالة . قال القاضي قوله ~~: { ذالك } إن جعلناه إشارة إلى التمسك بالتوحيد فهو من فضل الله تعالى ~~لأنه إنما حصل بألطافه وتسهيله ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى النبوة . # والجواب : أن ذلك إشارة إلى المذكور السابق ، وذاك هو ترك الإشراك فوجب ~~أن يكون ترك الإشراك من فضل الله تعالى ، والقاضي يصرفه إلى الألطاف ~~والتسهيل ، فكان هذا تركا للظاهر وأما صرفه إلى النبوة فبعيد ، لأن اللفظ ~~الدال على الإشارة يجب صرفه إلى أقرب المذكورات وهو ههنا عدم الإشراك . # ! 7 < { ياصاحبى السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار * ما ~~تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم مآ أنزل الله بها من ~~سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذالك الدين القيم ولاكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 39 - 40 ) يا صاحبي السجن . . . . . # > > PageV18P111 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { يشكرون ياصاحبى السجن } يريد صاحبي في السجن ، ~~ويحتمل أيضا أنه لما حصلت مرافقتهما في السجن مدة قليلة أضيفا إليه وإذا ~~كانت المرافقة القليلة كافية في كونه صاحبا فمن عرف الله وأحبه طول عمره ~~أولى بأن يبقى عليه اسم المؤمن العارف المحب . # المسألة الثانية : اعلم أنه عليه السلام لما ادعى النبوة في الآية الأولى ~~وكان إثبات النبوة مبنيا على إثبات الإلهيات لا جرم شرع في هذه الآية في ~~تقرير الإلهيات ، ولما كان أكثر الخلق مقرين بوجود الإله العالم القادر ~~وإنما الشأن في أنهم يتخذون أصناما على صورة الأرواح الفلكية / ويعبدونها ~~ويتوقعون حصول النفع والضر منها لا جرم كان سعي أكثر الأنبياء في المنع من ~~عبادة الأوثان ، فكان الأمر على هذا القانون في زمان يوسف عليه السلام ، ~~فلهذا ms5120 السبب شرع ههنا في ذكر ما يدل على فساد القول بعبادة الأصنام وذكر ~~أنواعا من الدلائل والحجج . # الحجة الأولى : قوله : { متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما } وتقرير ~~هذه الحجة أن نقول : إن الله تعالى بين أن كثرة الآلهة توجب الخلل والفساد ~~في هذا العالم وهو قوله : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( ~~الأنبياء : 22 ) فكثرة الآلهة توجب الفساد والخلل ، وكون الإله واحدا يقتضي ~~حصول النظام وحسن الترتيب فلما قرر هذا المعنى في سائر الآيات قال ههنا : { ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما } والمراد منه الاستفهام على سبيل ~~الإنكار . # والحجة الثانية : أن هذه الأصنام معمولة لا عاملة ومقهورة لا قاهرة ، فإن ~~الإنسان إذا أراد كسرها وإبطالها قدر عليها فهي مقهورة لا تأثير لها ، ولا ~~يتوقع حصول منفعة ولا مضرة من جهتها وإله العالم فعال قهار قادر يقدر على ~~إيصال الخيرات ودفع الشرور والآفات فكان المراد أن عبادة الآلهة المقهورة ~~الذليلة خير أم عبادة الله الواحد القهار ، فقوله : { ءأرباب } إشارة إلى ~~الكثرة فجعل في مقابلته كونه تعالى واحدا وقوله : { متفرقون } إشارة إلى ~~كونها مختلفة في الكبر والصغر ، واللون والشكل ، وكل ذلك إنما حصل بسبب أن ~~الناحت والصانع يجعله على تلك الصورة فقوله : { متفرقون } إشارة إلى كونها ~~مقهورة عاجزة وجعل في مقابلته كونه تعالى قهارا فبهذا الطريق الذي شرحناه ~~اشتملت هذه الآية على هذين النوعين الظاهرين . # والحجة الثالثة : أن كونه تعالى واحدا يوجب عبادته ، لأنه لو كان له ثان ~~لم نعلم من الذي خلقنا ورزقنا ودفع الشرور والآفات عنا ، فيقع الشك في أنا ~~نعبد هذا أم ذاك ، وفيه إشارة إلى ما يدل على فساد القول بعبادة الأوثان ~~وذلك لأن بتقدير أن تحصل المساعدة على كونها نافعة ضارة إلا أنها كثيرة ~~فحينئذ لا نعلم أن نفعنا ودفع الضرر عنا حصل من هذا الصنم أو من ذلك الآخر ~~أو حصل بمشاركتهما ومعاونتهما ، وحينئذ يقع الشك في أن المستحق للعبادة هو ~~هذا أم ذاك أما إذا كان المعبود واحدا ارتفع هذا الشك وحصل ms5121 اليقين في ~~PageV18P112 أنه لا يستحق للعبادة إلا هو ولا معبود للمخلوقات والكائنات ~~إلا هو / فهذا أيضا وجه لطيف مستنبط من هذه الآية . # الحجة الرابعة : أن بتقدير أن يساعد على أن هذه الأصنام تنفع وتضر على ما ~~يقوله أصحاب الطلسمات إلا أنه لا نزاع في أنها تنفع في أوقات مخصوصة وبحسب ~~آثار مخصوصة ، والإله تعالى قادر على جميع المقدورات فهو قهار على الإطلاق ~~نافذ المشيئة والقدرة في كل الممكنات على الإطلاق فكان الاشتغال بعبادته ~~أولى . # / الحجة الخامسة : وهي شريفة عالية ، وذلك لأن شرط القهار أن لا يقهره ~~أحد سواه وأن يكون هو قهارا لكل ما سواه وهذا يقتضي أن يكون الإله واجب ~~الوجود لذاته إذ لو كان ممكنا لكان مقهورا لا قاهرا ويجب أن يكون واحدا ، ~~إذ لو حصل في الوجود واجبان لما كان قاهرا لكل ما سواه ، فالإله لا يكون ~~قهارا إلا إذا كان واجبا لذاته وكان واحدا ، وإذا كان المعبود يجب أن يكون ~~كذلك فهذا يقتضي أن يكون الإله شيئا غير الفلك وغير الكواكب وغير النور ~~والظلمة وغير العقل والنفس . فأما من تمسك بالكواكب فهي أرباب متفرقون وهي ~~ليست موصوفة بأنها قهارة ، وكذا القول في الطبائع والأرواح والعقول والنفوس ~~فهذا الحرف الواحد كاف في إثبات هذا التوحيد المطلق وأنه مقام عال فهذا ~~مجموع الدلائل المستنبطة من هذه الآية بقي فيها سؤالان : # السؤال الأول : لم سماها أربابا وليست كذلك . # والجواب : لاعتقادهم فيها أنها كذلك ، وأيضا الكلام خرج على سبيل الفرض ~~والتقدير : والمعنى أنها إن كانت أربابا فهي خير أم الله الواحد القهار . # السؤال الثاني : هل يجوز التفاضل بين الأصنام وبين الله تعالى حتى يقال ~~إنها خير أم الله الواحد القهار ؟ # الجواب : أنه خرج على سبيل الفرض ، والمعنى : لو سلمنا أنه حصل منها ما ~~يوجب الخير فهي خير أم الله الواحد القهار . # ثم قال : { ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل ~~الله بها من سلطان } وفيه سؤال : وهو أنه تعالى قال فيما قبل هذه الآية : { ~~متفرقون خير ms5122 أم الله الواحد القهار ما } وذلك يدل على وجود هذه المسميات . ~~ثم قال عقيب تلك الآية : { ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها } وهذا ~~يدل على أن المسمى غير حاصل وبينهما تناقض . # الجواب : أن الذات موجودة حاصلة إلا أن المسمى بالإله غير حاصل وبيانه من ~~وجهين : الأول : أن ذوات الأصنام وإن كانت موجودة إلا أنها غير موصوفة ~~بصفات الإلهية ، وإذا كان كذلك كان الشيء الذي هو مسمى بالإله في الحقيقة ~~غير موجود ولا حاصل ، الثاني : يروى أن عبدة الأوثان مشبهة فاعتقدوا أن ~~الإله هو النور الأعظم وأن الملائكة أنوار صغيرة ووضعوا على صورة تلك ~~الأنوار هذه الأثان ومعبودهم في الحقيقة هو تلك الأنوار السماوية ، وهذا ~~قول المشبهة فإنهم تصوروا جسما كبيرا مستقرا على العرش ويعبدونه وهذا ~~المتخيل غير موجود ألبتة فصح أنهم لا يعبدون إلا مجرد الأسماء . ~~PageV18P113 # / واعلم أن جماعة ممن يعبدون الأصنام قالوا نحن لا نقول : إن هذه الأصنام ~~آلهة للعالم بمعنى أنها هي التي خلقت العالم إلا أنا نطلق عليها اسم الإله ~~ونعبدها ونعظمها لاعتقادنا أن الله أمرنا بذلك ، فأجاب الله تعالى عنه ، ~~فقال أما تسميتها بالآلهة فما أمر الله تعالى بذلك وما أنزل في حصول هذه ~~التسمية حجة ولا برهانا ولا دليلا ولا سلطانا ، وليس لغير الله حكم واجب ~~القبول ولا أمر واجب الالتزام بل الحكم والأمر والتكليف ليس إلا له ، ثم ~~إنه أمر أن ألا تعبدوا إلا أياه ، وذلك لأن العبادة نهاية التعظيم والإجلال ~~فلا تليق إلا بمن حصل منه نهاية الإنعام وهو الإله تعالى لأن منه الخلق ~~والإحياء والعقل والرزق والهداية / ونعم الله كثيرة وجهات إحسانه إلى الخلق ~~غير متناهية ثم إنه تعالى لما بين هذه الأشياء ، قال { ولاكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } وتفسيره أن أكثر الخلق يسندون حدوث الحوادث الأرضية إلى الاتصالات ~~الفلكية والمناسبات الكوكبية لأجل أنه تقرر في العقول أن الحادث لا بد له ~~من سبب فإذا رأوا أن تغير أحوال هذا العالم في الحر والبرد والفصول الأربعة ~~، إنما يحصل عند تغير أحوال ms5123 الشمس في أرباع الفلك ربطوا الفصول الأربعة ~~بحركة الشمس ، ثم لما شاهدوا أن أحوال النبات والحيوان مختلفة بحسب اختلاف ~~الفصول الأربعة ربطوا حدوث النبات وتغير أحوال الحيوان باختلاف الفصول ~~الأربعة ، فبهذا الطريق غلب على طباع أكثر الخلق أن المدبر لحدوث الحوادث ~~في هذا العالم هو الشمس والقمر وسائر الكواكب ، ثم إنه تعالى إذا وفق ~~إنسانا حتى ترقى من هذه الدرجة وعرف أنها في ذواتها وصفاتها مفتقرة إلى ~~موجد ومبدع قاهر قادر عليم حكيم ، فذلك الشخص يكون في غاية الندرة ، فلهذا ~~قال : { ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . # ! 7 < { ياصاحبى السجن أمآ أحدكما فيسقى ربه خمرا وأما الا خر فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه قضى الا مر الذى فيه تستفتيان } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 41 ) يا صاحبي السجن . . . . . # > > اعلم أنه عليه السلام لما قرر أمر التوحيد والنبوة عاد إلى الجواب عن ~~السؤال الذي ذكراه ، والمعنى ظاهر ، وذلك لأن الساقي لما قص رؤياه على يوسف ~~، وقد ذكرنا كيف قص عليه قال له يوسف : ما أحسن ما رأيت أما حسن العنبة فهو ~~حسن حالك ، وأما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن ~~فيردك إلى عملك فتصير كما كنت بل أحسن ، وقال للخباز : لما قص / عليه بئسما ~~رأيت السلال الثلاث ثلاثة أيام يوجه إليك الملك عند انقضائهن فيصلبك وتأكل ~~الطير من رأسك ، ثم نقل في التفسير أنهما قالا ما رأينا شيئا فقال : { قضى ~~الامر الذى فيه تستفتيان } واختلف فيما لأجله قالا ما رأينا شيئا فقيل ~~إنهما وضعا هذا الكلام ليختبرا علمه بالتعبير مع أنهما ما رأيا شيئا وقيل : ~~إنهما لما كرها ذلك الجواب قالا ما رأينا شيئا . # فإن قيل : هذا الجواب الذي ذكره يوسف عليه السلام ذكره بناء على الوحي من ~~قبل الله تعالى أو بناء على علم التعبير ، والأول باطل لأن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما نقل أنه إنما ذكره على سبيل التعبير ، وأيضا قال تعالى : ~~{ وقال للذى ظن أنه ناج منهما } ( يوسف : 42 ) ولو كان ذلك التعبير مبنيا ~~على الوحي لكان الحاصل ms5124 منه PageV18P114 القطع واليقين لا الظن والتخمين ، ~~والثاني : أيضا باطل لأن علم التعبير مبني على الظن والحسبان . # الجواب : لا يبعد أن يقال : إنهما لما سألاه عن ذلك المنام صدقا فيه أو ~~كذبا فإن الله تعالى أوحى إليه أن عاقبة كل واحد منهما تكون على الوجه ~~المخصوص ، فلما نزل الوحي بذلك الغيب عند ذلك السؤال وقع في الظن أنه ذكره ~~على سبيل التعبير ، ولا يبعد أيضا أن يقال : إنه بنى ذلك الجواب على علم ~~التعبير ، وقوله : { قضى الامر الذى فيه تستفتيان } ما عنى به أن الذي ذكره ~~واقع لا محالة بل عنى به أنه حكمه في تعبير ما سألاه عنه ذلك الذي ذكره . # ! 7 < { وقال للذى ظن أنه ناج منهما اذكرنى عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ~~ربه فلبث فى السجن بضع سنين } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 42 ) وقال للذي ظن . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن الموصوف بالظن هو يوسف عليه السلام أو ~~الناجي فعلى الأول كان المعنى وقال الرجل الذي ظن يوسف عليه السلام كونه ~~ناجيا ، وعلى هذا القول وجهان : الأول : أن تحمل هذا الظن على العلم ~~واليقين ، وهذا إذا قلنا بأنه عليه السلام إنما ذكر ذلك التعبير بناء على ~~الوحي . قال هذا القائل وورود لفظ الظن بمعنى اليقين كثير في القرآن . قال ~~تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا * ربهم } ( البقرة : 46 ) وقال : { إنى ~~ظننت أنى ملاق حسابيه } ( الحاقة : 20 ) والثاني : أن تحمل هذا الظن على ~~حقيقة / الظن ، وهذا إذا قلنا إنه عليه السلام ذكر ذلك التعبير لا بناء على ~~الوحي ، بل على الأصول المذكورة في ذلك العلم ، وهي لا تفيد إلا الظن ~~والحسبان . # والقول الثاني : أن هذا الظن صفة الناجي ، فإن الرجلين السائلين ما كانا ~~مؤمنين بنبوة يوسف ورسالته ، ولكنهما كانا حسني الإعتقاد فيه ، فكان قوله ~~لا يفيد في حقهما إلا مجرد الظن . # المسألة الثانية : قال يوسف عليه السلام لذلك الرجل الذي حكم بأنه يخرج ~~من الحبس ويرجع إلى خدمة الملك { اذكرنى عند ربك } أي عند الملك . والمعنى ~~: اذكر عنده أنه مظلوم ms5125 من جهة إخوته لما أخرجوه وباعوه ، ثم إنه مظلوم في ~~هذه الواقعة التي لأجلها حبس ، فهذا هو المراد من الذكر . # ثم قال تعالى : { فأنساه الشيطان ذكر ربه } وفيه قولان : الأول : أنه ~~راجع إلى يوسف ، والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ربه ، وعلى هذا ~~القول ففيه وجهان : أحدهما : أن تمسكه بغير الله كان مستدركا عليه ، ~~وتقريره من وجوه : الأول : أن مصلحته كانت في أن لا يرجع في تلك الواقعة ~~إلى أحد من المخلوقين وأن لا يعرض حاجته على أحد سوى الله ، وأن يقتدي بجده ~~إبراهيم عليه السلام ، فإنه حين وضع في المنجنيق ليرمى إلى النار جاءه ~~جبريل عليه السلام وقال : هل من حاجة ، فقال أما إليك فلا ، فلما رجع يوسف ~~إلى المخلوق لا جرم وصف الله ذلك بأن الشيطان أنساه ذلك التفويض ، وذلك ~~التوحيد ، ودعاه إلى PageV18P115 عرض الحاجة إلى المخلوقين ، ثم لما وصفه ~~بذلك ذكر أنه بقي لذلك السبب في السجن بضع سنين ، والمعنى أنه لما عدل عن ~~الانقطاع إلى ربه إلى هذا المخلوق عوقب بأن لبث في السجن بضع سنين ، وحاصل ~~الأمر أن رجوع يوسف إلى المخلوق صار سببا لأمرين : أحدهما : أنه صار سببا ~~لاستيلاء الشيطان عليه حتى أنساه ذكر ربه ، الثاني : أنه صار سببا لبقاء ~~المحنة عليه مدة طويلة . # الوجه الثاني : أن يوسف عليه السلام قال في إبطال عبادة الأوثان { ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما } ثم إنه ههنا أثبت ربا غيره حيث قال ~~: { اذكرنى عند ربك } ومعاذ الله أن يقال إنه حكم عليه بكونه ربا بمعنى ~~كونه إلها ، بل حكم عليه بالربوبية كما يقال : رب الدار ، ورب الثوب على أن ~~إطلاق لفظ الرب عليه بحسب الظاهر يناقض نفي الأرباب . # الوجه الثالث : أنه قال في تلك الآية ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ، ~~وذلك نفي للشرك على الإطلاق ، وتفويض الأمور بالكلية إلى الله تعالى ، ~~فههنا الرجوع إلى غير الله تعالى كالمناقض لذلك التوحيد . # واعلم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة ، إلا أن ms5126 حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين / فهذا وإن كان جائزا لعامة الخلق إلا أن الأولى ~~بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية وأن لا يشتغلوا إلا بمسبب ~~الأسباب . # الوجه الثاني : في تأويل الآية أن يقال : هب أنه تمسك بغير الله وطلب من ~~ذلك الساقي أن يشرح حاله عند ذلك الملك ، إلا أنه كان من الواجب عليه أن لا ~~يخلي ذلك الكلام من ذكر الله مثل أن يقول إن شاء الله أو قدر الله فلما ~~أخلاه عن هذا الذكر وقع هذا الاستدراك . # القول الثاني : أن يقال إن قوله : { فأنساه الشيطان ذكر ربه } راجع إلى ~~الناجي والمعنى : أن الشيطان أنسى ذلك الفتى أن يذكر يوسف للملك حتى طال ~~الأمر { فلبث فى السجن بضع سنين } بهذا السبب ، ومن الناس من قال القول ~~الأول أولى لما روي عنه عليه السلام قال : ( رحم الله يوسف لو لم يقل ~~اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ) وعن قتادة أن يوسف عليه السلام عوقب بسبب ~~رجوعه إلى غير الله ، وعن إبراهيم التيمي أنه لما انتهى إلى باب السجن قال ~~له صاحبه : ما حاجتك قال : أن تذكرني عند رب سوى الرب الذي قال يوسف ، وعن ~~مالك لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قيل : يا يوسف اتخذت من دوني ~~وكيلا لأطيلن حبسك فبكى يوسف وقال : طول البلاء أنساني ذكر المولى فقلت هذه ~~الكلمة فويل لإخوتي . # قال مصنف الكتاب فخر الدين الرازي رحمه الله ، والذي جربته من أول عمري ~~إلى آخره أن الإنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله صار ذلك سببا ~~إلى البلاء والمحنة ، والشدة والرزية ، وإذا عول العبد على الله ولم يرجع ~~إلى أحد من الخلق ذلك المطلوب على أحسن الوجوه فهذه التجربة قد استمرت لي ~~من أول عمري إلى هذا الوقت الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين ، فعند هذا ~~استقر قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء سوى فضل الله ~~تعالى وإحسانه ومن الناس من رجح القول الثاني لأن صرف وسوسة الشيطان ms5127 إلى ~~ذلك الرجل أولى من صرفها إلى يوسف الصديق ، ولأن الاستعانة بالعباد في ~~التخلص من الظلم جائزة . # واعلم أن الحق هو القول الأول وما ذكره هذا القائل الثاني تمسك بظاهر ~~الشريعة وما قرره القائل PageV18P116 الأول تمسك بأسرار الحقيقة ومكارم ~~الشريعة ، ومن كان له ذوق في مقام العبودية وشرب من مشرب التوحيد عرف أن ~~الأمر كما ذكرناه ، وأيضا ففي لفظ الآية ما يدل على أن هذا القول ضعيف ، ~~لأنه لو كان المراد ذلك لقال فأنساه الشيطان ذكره لربه . # المسألة الثالثة : الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة في الشريعة لا ~~إنكار عليه إلا أنه لما كان ذلك مستدركا من المحققين المتوغلين في بحار ~~العبودية لا جرم صار يوسف عليه السلام مؤاخذا / به ، وعند هذا نقول : الذي ~~يصير مؤاخذا بهذا القدر لأن يصير مؤاخذا بالإقدام على طلب الزنا ومكافأة ~~الإحسان بالإساءة كان أولى فلما رأينا الله تعالى آخذه بهذا القدر ، ولم ~~يؤاخذه في تلك القضية ألبتة ، وما عابه بل ذكره بأعظم وجوه المدح والثناء ~~علمنا أنه عليه السلام كان مبرأ مما نسبه الجهال والحشوية إليه . # المسألة الرابعة : الشيطان يمكنه إلقاء الوسوسة ، وأما النسيان فلا ، ~~لأنه عبارة عن إزالة العلم عن القلب ، والشيطان لا قدرة له عليه ، وإلا ~~لكان قد أزال معرفة الله تعالى عن قلوب بني آدم . # وجوابه : أنه يمكنه من حيث إنه بوسوسته يدعو إلى سائر الأعمال واشتغال ~~الإنسان بسائر الأعمال يمنعه عن استحضار ذلك العلم وتلك المعرفة . # المسألة الخامسة : قوله : { فلبث فى السجن بضع سنين } فيه بحثان : # البحث الأول : بحسب اللغة قال الزجاج : اشتقاقه من بضعت بمعنى قطعت ~~ومعناه القطعة من العدد قال الفراء : ولا يذكر البضع إلا مع عشرة أو عشرين ~~إلى التسعين وذلك يقتضي أن يكون مخصوصا بما بين الثلاثة إلى التسعة ، وقال ~~هكذا رأيت العرب يقولون وما رأيتهم يقولون بضع ومائة ، وروى الشعبي أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه : ( كم البضع ) قالوا الله ورسوله ~~أعلم قال : ( ما دون العشرة ) واتفق الأكثرون على أن المراد ههنا ببضع ms5128 سنين ~~، سبع سنين قالوا : إن يوسف عليه السلام حين قال لذلك الرجل : { اذكرنى عند ~~ربك } كان قد بقي في السجن خمس سنين ثم بقي بعد ذلك سبع سنين . قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : لما تضرع يوسف عليه السلام إلى ذلك الرجل كان قد ~~اقترب وقت خروجه فلما ذكر ذلك لبث في السجن بعده سبع سنين ، وروي أن الحسن ~~روى قوله صلوات الله عليه وسلامه : ( رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها ~~لما لبث في السجن هذه المدة الطويلة ) ثم بكى الحسن وقال : نحن إذا نزل بنا ~~أمر تضرعنا إلى الناس . # ! 7 < { وقال الملك إنىأرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات ياأيها الملأ أفتونى فى رؤياى إن كنتم للرؤيا تعبرون * ~~قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الا حلام بعالمين } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 43 - 44 ) وقال الملك إني . . . . . # > > PageV18P117 # اعلم أنه تعالى إذا أراد شيئا هيأ له أسبابا ، ولما دنا فرج يوسف عليه ~~السلام رأى ملك مصر في النوم سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات ~~عجاف فابتلعت العجاف السمان ، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها ، وسبعا ~~أخر يابسات ، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فجمع الكمنة وذكرها ~~لهم وهو المراد من قوله : { يابسات يأيها الملا أفتونى فى رؤياى } فقال ~~القوم هذه الرؤيا مختلطة فلا تقدر على تأويلها وتعبيرها ، فهذا ظاهر الكلام ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الليث : العجف ذهاب السمن والفعل عجف يعجف والذكر ~~أعجف والأنثى عجفاء والجمع عجاف في الذكران والإناث . وليس في كلام العرب ~~أفعل وفعلاء جمعا على فعال غير أعجف وعجاف وهي شاذة حملوها على لفظ سمان ~~فقالوا : سمان وعجاف لأنهما نقيضان ومن دأبهم حمل النظير على النظير ، ~~والنقيض على النقيض ، واللام في قوله : { للرؤيا تعبرون } على قول البعض ~~زائدة لتقدم المفعول على الفعل ، وقال صاحب ( الكشاف ) : يجوز أن تكون ~~الرؤيا خبر كان كما تقول : كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلا به متمكنا ~~منه وتعبرون خبرا آخر أو حالا ms5129 ، ويقال عبرت الرؤيا أعبرها وعبرتها تعبيرا ~~إذا فسرتها ، وحكى الأزهري أن هذا مأخوذ من العبر ، وهو جانب النهر ومعنى ~~عبرت النهر ، والطريق قطعته إلى الجانب الآخر فقيل لعابر الرؤيا عابر ، ~~لأنه يتأمل جانبي الرؤيا فيتفكر في أطرافها وينتقل من أحد الطرفين إلى ~~الآخر ، والأضغاث جمع الضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش بشرط أن ~~يكون مما قام على ساق واستطال قال تعالى : { وخذ بيدك } ( ص: 44 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : الرؤيا إن كانت مخلوطة من أشياء غير متناسبة كانت ~~شبيهة بالضغث . # المسألة الثانية : أنه تعالى جعل تلك الرؤيا سببا لخلاص يوسف عليه السلام ~~من السجن ، وذلك لأن الملك لما قلق واضطرب بسببه ، لأنه شاهد أن الناقص ~~الضعيف استولى على الكامل القوي فشهدت فطرته بأن هذا ليس بجيد وأنه منذر ~~بنوع من أنواع الشر ، إلا أنه ما عرف كيفية الحال فيه والشيء إذا صار ~~معلوما من وجه وبقي مجهولا من وجه آخر عظم تشوف الناس إلى تكميل تلك ~~المعرفة وقويت الرغبة في إتمام الناقص لا سيما إذا كان الإنسان عظيم الشأن ~~واسع المملكة ، وكان ذلك الشيء دالا على الشر من بعض الوجوه فبهذا الطريق ~~قوى الله داعية ذلك الملك في تحصيل العلم بتعبير هذه الرؤيا ، ثم إنه تعالى ~~أعجز المعبرين اللذين حضروا عند ذلك الملك عن جواب هذه المسألة وعماه عليهم ~~ليصير ذلك سببا لخلاص يوسف من تلك المحنة . # / واعلم أن القوم ما نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير ، بل ~~قالوا : إن علم التعبير على قسمين منه ما تكون الرؤيا فيه منتسقة منتظمة ~~فيسهل الانتقال من الأمور المتخيلة إلى الحقائق العقلية الروحانية ومنه ما ~~تكون فيه مختلطة مضطربة ولا يكون فيها ترتيب معلوم وهو المسمى بالأضغاث ~~والقوم قالوا إن رؤيا الملك من قسم الأضغاث ثم أخبروا أنهم غير عالمين ~~بتعبير هذا القسم وكأنهم قالوا هذه الرؤيا مختلطة من أشياء كثيرة وما كان ~~كذلك فنحن لا نهتدي إليها ولا يحيط عقلنا بها وفيها إيهام أن الكامل في هذا ~~العلم والمتبحر فيه ms5130 قد يهتدي إليها / فعند هذه المقالة تذكر ذلك الشرابي ~~واقعة يوسف فإنه كان يعتقد فيه كونه متبحرا في هذا العلم . # PageV18P118 ! 7 < { وقال الذى نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم ~~بتأويله فأرسلون * يوسف أيها الصديق أفتنا فى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع ~~عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلىأرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } . > 7 ~~@QB@ < # | يوسف : ( 45 - 46 ) وقال الذي نجا . . . . . # > > # اعلم أن الملك لما سأل الملأ عن الرؤيا واعترف الحاضرون بالعجز عن الجواب ~~قال الشرابي إن في الحبس رجلا فاضلا صالحا كثير العلم كثير الطاعة قصصت أنا ~~والخباز عليه منامين فذكر تأويلهما فصدق في الكل وما أخطأ في حرف فإن أذنت ~~مضيت إليه وجئتك بالجواب . فهذا هو قوله : { بعالمين وقال الذى نجا منهما } ~~. # وأما قوله : { وادكر بعد أمة } فنقول : سيجيء اذكر في تفسير قوله تعالى : ~~{ من مدكر } ( القمر : 51 ) في سورة القمر قال صاحب ( الكشاف ) { وادكر } ~~بالدال هو الفصيح عن الحسن { واذكر } بالذال أي تذكر ، وأما الأمة ففيه ~~وجوه : الأول : { بعد أمة } أي بعد حين ، وذلك لأن الحين إنما يحصل عند ~~اجتماع الأيام الكثيرة كما أن الأمة إنما تحصل عند اجتماع الجمع العظيم ~~فالحين كان أمة من الأيام والساعات والثاني : قرأ الأشهب العقيلي { بعد أمة ~~} بكسر الهمزة والإمة النعمة قال عدي : # ثم بعد الفلاح والملك والإمة وارتهم هناك القبور # / والمعنى : بعدما أنعم عليه بالنجاة . الثالث : قرىء { بعد * أمه } أي ~~بعد نسيان يقال أمه يأمه أمها إذا نسي والصحيح أنها بفتح الميم وذكره أبو ~~عبيدة بسكون الميم ، وحاصل الكلام أنه إما أن يكون المراد وادكر بعد مضي ~~الأوقات الكثيرة من الوقت الذي أوصاه يوسف عليه السلام بذكره عند الملك ، ~~والمراد وادكر بعد وجدان النعمة عند ذلك الملك أو المراد وادكر بعد النسيان ~~. # فإن قيل : قوله : { وادكر بعد أمة } يدل على أن الناسي هو الشرابي وأنتم ~~تقولون الناسي هو يوسف عليه السلام . # قلنا : قال ابن الأنباري : اذكر بمعنى ذكر وأخبر وهذا لا يدل على سبق ~~النسيان فلعل الساقي إنما لم يذكره للملك ms5131 خوفا من أن يكون ذلك اذكارا لذنبه ~~الذي من أجله حبسه فيزداد الشر ويحتمل أيضا أن يقال : حصل النسيان ليوسف ~~عليه السلام وحصل أيضا لذلك الشرابي . وأما قوله : { فأرسلون } خطاب إما ~~للملك والجمع أو للملك وحده على سبيل التعظيم ، أما قوله : { يوسف أيها ~~الصديق } ففيه محذوف ، والتقدير : فأرسل وأتاه وقال أيها الصديق ، والصديق ~~هو البالغ في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه لم يجرب عليه كذبا وقيل : لأنه ~~صدق في تعبير رؤياه وهذا يدل على أن من أراد أن يتعلم من رجل شيئا فإنه يجب ~~عليه أن يعظمه ، وأن يخاطبه بالألفاظ المشعرة بالإجلال ثم إنه أعاد السؤال ~~بعين اللفظ الذي ذكره الملك ونعم ما فعل ، فإن تعبير الرؤيا قد يختلف بسبب ~~اختلاف اللفظ كما هو مذكور في ذلك العلم . PageV18P119 # أما قوله تعالى : { لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } فالمراد لعلي ~~أرجع إلى الناس بفتواك لعلهم يعلمون فضلك وعلمك وإنما قال لعلي أرجع إلى ~~الناس بفتواك لأنه رأى عجز سائر المعبرين عن جواب هذه المسألة فخاف أن يعجز ~~هو أيضا عنها ، فلهذا السبب قال : { لعلى أرجع إلى الناس } . # ! 7 < { قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه فى سنبله إلا قليلا ~~مما تأكلون * ثم يأتى من بعد ذالك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا ~~مما تحصنون * ثم يأتى من بعد ذالك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } . > 7 ~~@QB@ < # | يوسف : ( 47 - 49 ) قال تزرعون سبع . . . . . # > > # اعلم أنه عليه السلام ذكر تعبير تلك الرؤيا فقال : { تزرعون } وهو خبر ~~بمعنى الأمر ، كقوله : { والمطلقات يتربصن } ( البقرة : 228 ) { والوالدات ~~يرضعن } ( البقرة : 233 ) وإنما يخرج الخبر بمعنى الأمر ، ويخرج الأمر في ~~صورة الخير للمبالغة في الإيجاب ، فيجعل كأنه وجد فهو يخبر عنه والدليل على ~~كونه في معنى الأمر قوله : { فذروه فى سنبله } وقوله : { دأبا } قال أهل ~~اللغة : الدأب استمرار الشيء على حالة واحدة وهو دائب بفعل كذا إذا استمر ~~في فعله ، وقد دأب يدأب دأبا ودأبا أي زراعة متوالية في هذه السنين . قال ~~أبو علي الفارسي ms5132 : الأكثرون في دأب الإسكان ولعل الفتحة لغة ، فيكون كشمع ~~وشمع ، ونهر ونهر . قال الزجاج : وانتصب دأبا على معنى تدأبون دأبا . وقيل ~~: إنه مصدر وضع في موضع الحال ، وتقديره تزرعون دائبين فما حصدتم فذروه في ~~سنبله إلا قليلا مما تأكلون كل ما أردتم أكله فدوسوه ودعوا الباقي في سنبله ~~حتى لا يفسد ولا يقع السوس فيه ، لأن إبقاء الحبة في سنبله يوجب بقاءها على ~~الصلاح { ثم يأتى من بعد ذالك سبع شداد } أي سبع سنين مجدبات ، والشداد ~~الصعاب التي تشتد على الناس ، وقوله : { يأكلن ما قدمتم لهن } هذا مجاز ، ~~فإن السنة لا تأكل فيجعل أكل أهل تلك السنين مسندا إلى السنين . وقوله : { ~~إلا قليلا مما تحصنون } الإحصان الإحراز ، وهو إلقاء الشيء في الحصن يقال ~~أحصنه إحصانا إذا جعله في حرز ، والمراد إلا قليلا مما تحرزون أي تدخرون ~~وكلها ألفاظ ابن عباس رضي الله عنهما ، وقوله : { ثم يأتى من بعد ذالك عام ~~فيه يغاث الناس } قال المفسرون السبعة المتقدمة سنو الخصب وكثرة النعم ~~والسبعة الثانية سنو القحط والقلة وهي معلومة من الرؤيا ، وأما حال هذه ~~السنة فما حصل في ذلك المنام شيء يدل عليه بل حصل ذلك من الوحي فكأنه عليه ~~السلام ذكر أنه يحصل بعد السبعة المخصبة والسبعة المجدبة سنة مباركة كثيرة ~~الخير والنعم ، وعن قتادة زاده الله علم سنة . # فإن قيل : لما كانت العجاف سبعا دل ذلك على أن السنين المجدبة لا تزيد ~~على هذا العدد ، ومن المعلوم أن الحاصل بعد انقضاء القحط هو الخصب وكان هذا ~~أيضا من مدلولات المنام ، فلم قلتم إنه حصل بالوحي والإلهام ؟ # قلنا : هب أن تبدل القحط بالخصب معلوم من المنام ، أما تفصيل الحال فيه ، ~~وهو قوله : { فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } PageV18P120 لا يعلم إلا بالوحي ~~، قال ابن السكيت يقال : غاث الله البلاد يغيثها غيثا إذا أنزل فيها الغيث ~~وقد غيثت الأرض تغاث ، وقوله : { يغاث الناس } معناه يمطرون ، ويجوز أن / ~~يكون من قولهم : أغاثه الله إذا أنقذه من كرب أو غم ، ومعناه ينقذ الناس ~~فيه ms5133 من كرب الجدب ، وقوله : { وفيه يعصرون } أي يعصرون السمسم دهنا والعنب ~~خمرا والزيتون زيتا ، وهذا يدل على ذهاب الجدب وحصول الخصب والخير ، وقيل : ~~يحلبون الضروع ، وقرىء { يعصرون } من عصره إذا نجاه ، وقيل : معناه يمطرون ~~من أعصرت السحابة إذا عصرت بالمطر ، ومنه قوله : { وأنزلنا من المعصرات ماء ~~ثجاجا } ( النبأ : 14 ) . # ! 7 < { وقال الملك ائتونى به فلما جآءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ~~ما بال النسوة الاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم * قال ما خطبكن إذ ~~راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز ~~اأن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين * ذالك ليعلم أنى لم ~~أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 50 - 52 ) وقال الملك ائتوني . . . . . # > > # اعلم أنه لما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير الذي ذكره يوسف ~~عليه السلام استحسنه الملك فقال : ائتوني به ، وهذا يدل على فضيلة العلم ، ~~فإنه سبحانه جعل علمه سببا لخلاصه من المحنة الدنيوية ، فكيف لا يكون العلم ~~سببا للخلاص من المحن الأخروية ، فعاد الشرابي إلى يوسف عليه السلام قال ~~أجب الملك ، فأبى يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن إلا بعد أن ينكشف أمره ~~وتزول التهمة بالكلية عنه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عجبت من ~~يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت ~~مكانه لما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوا لي ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول ~~فقال : { ارجع إلى ربك } ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لأسرعت ~~الإجابة وبادرتهم إلى الباب ؛ ولما ابتغيت العذر أنه كان حليما ذا أناة ) . # / واعلم أن الذي فعله يوسف من الصبر والتوقف إلى أن تفحص الملك عن حاله ~~هو اللائق بالحزم والعقل ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه لو خرج في الحال ~~فربما كان يبقى في قلب الملك من تلك التهمة أثرها ، فلما التمس من الملك أن ~~يتفحص عن حال تلك الواقعة دل ذلك ms5134 على براءته من تلك التهمة فبعد خروجه لا ~~يقدر أحد أن يلطخه بتلك الرذيلة وأن يتوسل بها إلى الطعن فيه . الثاني : أن ~~الإنسان الذي بقي في السجن اثنتي عشرة سنة إذا طلبه الملك وأمر بإخراجه ~~الظاهر أنه يبادر بالخروج ، فحيث لم يخرج عرف منه كونه في نهاية العقل ~~والصبر والثبات ، وذلك يصير سببا لأن يعتقد فيه بالبراءة عن جميع أنواع ~~التهم ، ولأن يحكم بأن كل ما قيل فيه كان كذبا وبهتانا . الثالث : أن ~~التماسه من الملك أن يتفحص عن حاله من تلك PageV18P121 النسوة يدل أيضا على ~~شدة طهارته إذ لو كان ملوثا بوجه ما ، لكان خائفا أن يذكر ما سبق . الرابع ~~: أنه حين قال للشرابي : { اذكرنى عند ربك } فبقي بسبب هذه الكلمة في السجن ~~بضع سنين وههنا طلبه الملك فلم يلتفت إليه ولم يقم لطلبه وزنا ، واشتغل ~~بإظهار براءته عن التهمة ، ولعله كان غرضه عليه السلام من ذلك أن لا يبقى ~~في قلبه التفات إلى رد الملك وقبوله ، وكان هذا العمل جاريا مجرى التلافي ~~لما صدر من التوسل إليه في قوله : { اذكرنى عند ربك } ليظهر أيضا هذا ~~المعنى لذلك الشرابي ، فإنه هو الذي كان واسطة في الحالتين معا . # أما قوله : { وقال الملك ائتونى به فلما جاءه الرسول } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير والكسائي { * فسله } بغير همز والباقون { ~~ربك فاسأله } بالهمز ، وقرأ عاصم برواية أبي بكر عنه { النسوة } بضم النون ~~والباقون بكسر النون ، وهما لغتان . # المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية فيها أنواع من اللطائف : أولها : أن ~~معنى الآية : فسل الملك يأن يسأل ما شأن تلك النسوة وما حالهن ليعلم براتي ~~عن تلك التهمة ، إلا أنه اقتصر على أن يسأل الملك عن تلك الواقعة لئلا ~~يشتمل اللفظ على ما يجري مجرى أمر الملك بعمل أو فعل وثانيها : أنه لم يذكر ~~سيدته مع أنها هي التي سعت في إلقائه في السجن الطويل ، بل اقتصر على ذكر ~~سائر النسوة . وثالثها : أن الظاهر أن أولئك النسوة نسبنه إلى عمل قبيح ~~وفعل شنيع ms5135 عند الملك ، فاقتصر يوسف عليه السلام على مجرد قوله : { ما بال ~~النسوة الاتى قطعن أيديهن } وما شكا منهن على سبيل التعيين والتفصيل . ثم ~~قال يوسف بعد ذلك : { إن ربى بكيدهن عليم } وفي المراد من قوله : { إن ربى ~~} وجهان : الأول : أنه هو الله تعالى ، لأنه تعالى هو العالم بخفيات الأمور ~~. والثاني : أن المراد الملك وجعله ربا لنفسه لكونه مربيا وله وفيه إشارة ~~إلى كون ذلك الملك عالما بكيدهن ومكرهن . # واعلم أن كيدهن في حقه يحتمل وجوها : أحدها : أن كل واحدة منهن ربما طمعت ~~فيه ، / فلما لم تجد المطلوب أخذت تطعن فيه وتنسبه إلى القبيح . وثانيها : ~~لعل كل واحدة منهن بالغت في ترغيب يوسف في موافقة سيدته على مرادها ، ويوسف ~~علم أن مثل هذه الخيانة في حق السيد المنعم لا تجوز ، فأشار بقوله : { إن ~~ربى بكيدهن عليم } إلى مبالغتهن في الترغيب في تلك الخيانة . وثالثها : أنه ~~استخرج منهن وجوها من المكر والحيل في تقبيح صورة يوسف عليه السلام عند ~~الملك فكان المراد من هذا اللفظ ذاك ، ثم إنه تعالى حكى عن يوسف عليه ~~السلام أنه لما التمس ذلك ، أمر الملك بإحضارهن وقال لهن : { ما خطبكن إذ ~~راودتن يوسف عن نفسه } وفيه وجهان : الأول : أن قوله : { إذ راودتن يوسف عن ~~نفسه } وإن كانت صيغة الجمع ، فالمراد منها الواحدة كقوله تعالى : { الذين ~~قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم } ( آل عمران : 173 ) والثاني : أن ~~المراد منه خطاب الجماعة . ثم ههنا وجهان : الأول : أن كل واحدة منهن راودت ~~يوسف عن نفسها . والثاني : أن كل واحدة منهن راودت يوسف لأجل امرأة العزيز ~~فاللفظ محتمل لكل هذه الوجوه ، وعند هذا السؤال { قلن حاش لله ما علمنا ~~عليه من سوء } وهذا كالتأكيد لما ذكرن في أول الأمر في حقه وهو قولهن : { ~~ما هاذا بشرا إن هاذا إلا ملك كريم } . # واعلم أن امرأة العزيز كانت حاضرة ، وكانت تعلم أن هذه المناظرات ~~والتفحصات إنما وقعت بسببها ولأجلها فكشفت عن الغطاء وصرحت بالقول الحق ~~وقالت : { الآن حصص الحق أنا راودته ms5136 عن نفسه وإنه لمن الصادقين } ~~PageV18P122 وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذه شهادة جازمة من تلك المرأة بأن بوسف صلوات الله ~~عليه كان مبرأ عن كل الذنوب مطهرا عن جميع العيوب ، وههنا دقيقة ، وهي أن ~~يوسف عليه السلام راعى جانب امرأة العزيز حيث قال : { ما بال النسوة الاتى ~~قطعن أيديهن } فذكرهن ولم يذكر تلك المرأة ألبتة فعرفت المرأة أنه إنما ترك ~~ذكرها رعاية لحقها وتعظيما لجانبها وإخفاء للأمر عليها ، فأرادت أن تكافئه ~~على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء والوطاء واعترفت بأن الذنب كله ~~كان من جانبها وأن يوسف عليه السلام كان مبرأ عن الكل ، ورأيت في بعض الكتب ~~أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر ، فأمر القاضي بأن يكشف ~~عن وجهها حتى تتمكن الشهود من إقامة الشهادة ، فقال الزوج : لا حاجة إلى ~~ذلك ، فإني مقر بصدقها في دعواها ، فقالت المرأة لما أكرمتني إلى هذا الحد ~~فاشهدوا أني أبرأت ذمتك من كل حق لي عليك . # المسألة الثانية : قال أهل اللغة : { حصحص الحق } معناه : وضح وانكشف ~~وتمكن في القلوب والنفوس من قولهم : حصحص البعير في بروكه ، إذا تمكن ~~واستقر في الأرض . قال الزجاج : اشتقاقه في اللغة من الحصة ، أي بانت حصة ~~الحق من حصة الباطل . # / المسألة الثالثة : اختلفوا في أن قوله : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه ~~بالغيب } كلام من ؟ وفيه أقوال : # القول الأول : وهو قول الأكثرين أنه قول يوسف عليه السلام . قال الفراء : ~~ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة عليه ومثاله قوله ~~تعالى : { إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة } ( ~~النمل : 34 ) وهذا كلام بلقيس . ثم إنه تعالى قال : { وكذالك يفعلون } ~~وأيضا قوله تعالى : { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه } ( آل عمران : ~~9 ) كلام الداعي . # ثم قال : { إن الله لا يخلف الميعاد } بقي على هذا القول سؤالات : # السؤال الأول : قوله : { ذالك } إشارة إلى الغائب ، والمراد ههنا : ~~الإشارة إلى تلك الحادثة الحاضرة . # والجواب : أجبنا عنه في قوله : { ذالك الكتاب } ( البقرة : 2 ms5137 ) وقيل : ~~ذلك إشارة إلى ما فعله من رد الرسول كأنه يقول ذلك الذي فعلت من ردي الرسول ~~إنما كان ، ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب . # السؤال الثاني : متى قال يوسف عليه السلام هذا القول ؟ # الجواب : روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لما ~~دخل على الملك قال ذلك ليعلم وإنما ذكره على لفظ الغيبة تعظيما للملك عن ~~الخطاب والأولى أنه عليه السلام إنما قال ذلك عند عود الرسول إليه لأن ذكر ~~هذا الكلام في حضرة الملك سوء أدب . # السؤال الثالث : هذه الخيانة وقعت في حق العزيز فكيف يقول : { ذالك ليعلم ~~أنى لم أخنه بالغيب } . # والجواب : قيل المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيبة ، وقيل إنه ~~إذا خان وزيره فقد خانه من بعض الوجوه ، وقيل إن الشرابي لما رجع إلى يوسف ~~عليه السلام وهو في السجن قال ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب ثم ختم ~~الكلام بقوله : { وأن الله لا يهدى * يحب الخائنين } ولعل المراد منه أني ~~لو كنت خائنا لما خلصني الله تعالى من هذه الورطة ، وحيث خلصني منها ظهر ~~أني كنت مبرأ عما نسبوني إليه . # والقول الثاني : أن قوله : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } كلام امرأة ~~العزيز والمعنى : أني وإن أحلت الذنب عليه عند حضوره لكني ما أحلت الذنب ~~عليه عند غيبته ، أي لم أقل فيه وهو في السجن خلاف PageV18P123 الحق . ثم ~~إنها بالغت في تأكيد الحق بهذا القول ، وقالت : { وأن الله لا يهدى كيد ~~الخائنين } يعني أني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت وأنه لما ~~كان بريئا عن الذنب لا جرم طهره الله تعالى عنه . قال صاحب هذا القول : ~~والذي يدل على صحته أن يوسف عليه السلام ما كان حاضرا في ذلك المجلس حتى ~~يقال لما ذكرت المرأة قولها : { قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن ~~حاش } ففي تلك الحالة يقول يوسف : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } بل ~~يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ms5138 ذلك المجلس إلى السجن ويذكر له تلك ~~الحكاية ، ثم إن يوسف يقول ابتداء { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } ومثل ~~هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء ألبتة في نثر ولا نظم فعلمنا أن ~~هذا من تمام كلام المرأة . # المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على طهارة يوسف عليه السلام من الذنب ~~من وجوه كثيرة : الأول : أن الملك لما أرسل إلى يوسف عليه السلام وطلبه فلو ~~كان يوسف متهما بفعل قبيح وقد كان صدر منه ذنب وفحش لاستحال بحسب العرف ~~والعادة أن يطلب من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة ، لأنه لو كان قد أقدم ~~على الذنب ثم إنه يطلبه من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة كان ذلك سعيا منه ~~في فضيحة نفسه وفي تجديد العيوب التي صارت مندرسة مخفية والعاقل لا يفعل ~~ذلك / وهب أنه وقع الشك لبعضهم في عصمته أو في نبوته إلا أنه لا شك أنه كان ~~عاقلا ، والعاقل يمتنع أن يسعى في فضيحة نفسه وفي حمل الأعداء على أن ~~يبالغوا في إظهار عيوبه . والثاني : أن النسوة شهدن في المرة الأولى ~~بطهارته ونزاهته حيث قلن : { حاش لله ما هاذا بشرا إن هاذا إلا ملك كريم } ~~( يوسف : 31 ) وفي المرة الثانية حيث قلن : { حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~} والثالث : أن امرأة العزيز أقرت في المرة الأولى بطهارته حيث قالت : { ~~ولقد * راودته عن نفسه فاستعصم } ( يوسف : 32 ) وفي المرة الثانية في هذه ~~الآية . # واعلم أن هذه الآية دالة على طهارته من وجوه : أولها : قول المرأة : { ~~أنا * بأنفسهم عن نفسه } وثانيها : قولها : { وإنه لمن الصادقين } وهو ~~إشارة إلى أنه صادق في قوله : { هى راودتنى عن نفسى } ( يوسف : 26 ) ~~وثالثها : قول يوسف عليه السلام : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } ~~والحشوية يذكرون أنه لما قال يوسف هذا الكلام قال جبريل عليه السلام ، ولا ~~حين هممت ، وهذا من رواياتهم الخبيثة وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد ، ~~بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعيا منهم في تحريف ظاهر القرآن . ورابعها : ~~قوله ms5139 : { وأن الله لا يهدى كيد الخائنين } يعني أن صاحب الخيانة لا بد وأن ~~يفتضح ، فلو كنت خائنا لوجب أن افتضح وحيث لم افتضح وخلصني الله تعالى من ~~هذه الورطة ، فكل ذلك يدل على أني ما كنت من الخائنين ، وههنا وجه آخر وهو ~~أقوى من الكل ، وهو أن في هذا الوقت تلك الواقعة صارت مندرسة ، وتلك المحنة ~~صارت منتهية ، فإقدامه على قوله : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } مع ~~أنه خانه بأعظم وجوه الخيانة إقدام على وقاحة عظيمة ، وعلى كذب عظيم من غير ~~أن يتعلق به مصلحة بوجه ما ، والإقدام على مثل هذه الوقاحة من غير فائدة ~~أصلا لا يليق بأحد من العقلاء ، فكيف يليق إسناده إلى سيد العقلاء ، وقدوة ~~الأصفياء ؟ فثبت أن هذه الآية تدل دلالة قاطعة على / براءته مما يقوله ~~الجهال والحشوية . # ! 7 < { ومآ أبرىء نفسىإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى ~~غفور رحيم } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 53 ) وما أبرئ نفسي . . . . . # > > PageV18P124 # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن تفسير هذه الآية يختلف بحسب اختلاف ما قبلها ~~لأنا إن قلنا إن قوله : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } ( يوسف : 52 ) ~~كلام يوسف كان هذا أيضا من كلام يوسف ، وإن قلنا إن ذلك من تمام كلام ~~المرأة كان هذا أيضا كذلك ونحن نفسر هذه الآية على كلا التقديرين ، أما إذا ~~قلنا إن هذا كلام يوسف عليه السلام فالحشوية تمسكوا به وقالوا : إنه عليه ~~السلام لما قال : { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } قال جبريل عليه السلام ~~ولا حين هممت بفك سراويلك فعند ذلك قال يوسف : { وما أبرىء نفسى إن النفس ~~لامارة بالسوء } أي بالزنا { إلا ما رحم ربى } أي عصم ربي { إن ربى غفور } ~~للهم الذي هممت به { رحيم } أي لو فعلته لتاب علي . # واعلم أن هذا الكلام ضعيف فإنا بينا أن الآية المتقدمة برهان قاطع على ~~براءته عن الذنب بقي أن يقال : فما جوابكم عن هذه الآية فنقول فيه وجهان : # الوجه الأول : أنه عليه السلام لما قال : { ذالك ms5140 ليعلم أنى لم أخنه ~~بالغيب } كان ذلك جاريا مجرى مدح النفس وتزكيتها ، وقال تعالى : { فلا ~~تزكوا أنفسكم } ( النجم : 32 ) فاستدرك ذلك على نفسه بقوله : { وما أبرىء ~~نفسى } والمعنى : وما أزكي نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ميالة إلى القبائح ~~راغبة في المعصية . # والوجه الثاني : في الجواب أن الآية لا تدل ألبتة على شيء مما ذكروه وذلك ~~لأن يوسف عليه السلام لما قال : { أنى لم أخنه بالغيب } بين أن ترك الخيانة ~~ما كان لعدم الرغبة ولعدم ميل النفس والطبيعة ، لأن النفس أمارة بالسوء ~~والطبيعة تواقة إلى الذات فبين بهذا الكلام أن الترك ما كان لعدم الرغبة ، ~~بل لقيام الخوف من الله تعالى . أما إذا قلنا : إن هذا الكلام من بقية كلام ~~المرأة ففيه وجهان : الأول : وما أبرىء نفسي عن مراودته ومقصودها تصديق ~~يوسف عليه السلام في قوله : { هى راودتنى عن نفسى } الثاني : أنها لما قالت ~~: { ذالك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب } ( يوسف : 52 ) قالت وما أبرىء نفسي عن ~~الخيانة مطلقا فإني قد خنته حين قد أحلت الذنب عليه وقلت : { ما جزاء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم } ( يوسف : 25 ) وأودعته السجن ~~كأنها أرادت الاعتذار مما كان . # فإن قيل جعل هذا الكلام كلاما ليوسف أولى أم جعله كلاما للمرأة ؟ # قلنا : جعله كلاما ليوسف مشكل ، لأن قوله : { قالت امرأت العزيز الئن ~~حصحص الحق } ( يوسف : 51 ) كلام موصول بعضه ببعض إلى آخره ، فالقول بأن ~~بعضه كلام المرأة والبعض كلام يوسف مع تخلل الفواصل الكثيرة بين القولين ~~وبين المجلسين بعيد ، وأيضا جعله كلاما للمرأة مشكل أيضا ، لأن قوله : { ~~وما أبرىء نفسى إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربى } كلام لا يحسن ~~صدوره إلا ممن احترز عن المعاصي ، ثم يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النفس ، ~~وذلك لا يليق بالمرأة التي استفرغت جهدها في المعصية . # المسألة الثانية : قالوا : { ما } في قوله : { إلا ما رحم ربى } بمعنى ( ~~من ) والتقدير : إلا من رحم ربي ، وما ومن كل واحد منهما يقوم مقام الآخر ~~كقوله تعالى ms5141 : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ( النساء : 3 ) وقال : ~~PageV18P125 { ومنهم من يمشى على أربع } ( النور : 45 ) وقوله : { إلا ما ~~رحم ربى } استثناء متصل أو منقطع ، فيه وجهان : الأول : أنه متصل ، وفي ~~تقريره وجهان : الأول : أن يكون قوله : { إلا ما رحم ربى } أي إلا البعض ~~الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة . الثاني : إلا ما رحم ربي أي إلا وقت ~~رحمة ربي يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت العصمة . # والقول الثاني : أنه استثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف ~~الإساءة كقوله : { ولاهم * ينصرون } ( البقرة : 48 ) { إلا رحمة منا } ( يس ~~: 44 ) . # المسألة الثالثة : اختلف الحكماء في أن النفس الإمارة بالسوء ما هي ؟ ~~والمحققون قالوا إن النفس الإنسانية شيء واحد ، ولها صفات كثيرة فإذا مالت ~~إلى العالم الإلهي كانت نفسا مطمئنة ، وإذا مالت إلى الشهوة والغضب كانت ~~أمارة بالسوء ، وكونها أمارة بالسوء يفيد المبالغة والسبب فيه أن النفس من ~~أول حدوثها قد ألفت المحسوسات والتذت بها وعشقتها ، فأما شعورها بعالم ~~المجردات وميلها إليه ، فذلك لا يحصل إلا نادرا في حق الواحد ، فالواحد ~~وذلك الواحد فإنما يحصل له ذلك التجرد والانكشاف طول عمره في الأوقات ~~النادرة فلما كان الغالب هو انجذابها إلى العالم الجسداني وكان ميلها إلى ~~الصعود إلى العالم الأعلى نادرا لا جرم حكم عليها بكونها أمارة بالسوء ، ~~ومن الناس من زعم أن النفس المطمئنة هي النفس العقلية النطقية ، وأما النفس ~~الشهوانية والغضبية فهما مغايرتان للنفس العقلية ، والكلام في تحقيق الحق ~~في هذا الباب مذكور في المعقولات . # المسألة الرابعة : تمسك أصحابنا في أن الطاعة والإيمان لا يحصلان إلا من ~~الله بقوله : / { إلا ما رحم ربى } قالوا دلت الآية على أن انصراف النفس من ~~الشر لا يكون إلا برحمته ؛ ولفظ الآية مشعر بأنه متى حصلت تلك الرحمة حصل ~~ذلك الانصراف . فنقول : لا يمكن تفسير هذه الرحمة بإعطاء العقل والقدرة ~~والألطاف كما قاله القاضي لأن كل ذلك مشترك بين الكافر والمؤمن فوجب ~~تفسيرها بشيء آخر ، وهو ترجيح داعية الطاعة على داعية ms5142 المعصية وقد أثبتنا ~~ذلك أيضا بالبرهان القاطع وحينئذ يحصل منه المطلوب . # ! 7 < { وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسى فلما كلمه قال إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين * قال اجعلنى على خزآئن الا رض إنى حفيظ عليم } . > 7 @QB@ ~~< # | يوسف : ( 54 - 55 ) وقال الملك ائتوني . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في هذا الملك فمنهم من قال : هو العزيز ، ومنهم ~~من قال : بل هو الريان الذي هو الملك الأكبر ، وهذا هو الأظهر لوجهين : ~~الأول : أن قول يوسف : { اجعلنى على خزائن الارض } يدل عليه . الثاني : أن ~~قوله : { أستخلصه لنفسى } يدل على أنه قبل ذلك ما كان خالصا له ، وقد كان ~~يوسف عليه السلام قبل ذلك خالصا للعزيز ، فدل هذا على أن هذا الملك هو ~~الملك الأكبر . PageV18P126 # المسألة الثانية : ذكروا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام ~~وهو في الحبس وقال : ( قل اللهم اجعل لي من عندك فرجا ومخرجا وارزقني من ~~حيث لا أحتسب ) فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في تخليصه من السجن ، ~~وتقرير الكلام : أن الملك عظم اعتقاده في يوسف لوجوه : أحدها : أنه عظم ~~اعتقاده في علمه ، وذلك لأنه لما عجز القوم عن الجواب وقدر هو على الجواب ~~الموافق الذي يشهد العقل بصحته مال الطبع إليه ، وثانيها : أنه عظم اعتقاده ~~في صبره وثباته ، وذلك لأنه بعد أن بقي في السجن بضع سنين لما أذن له في ~~الخروج ما أسرع إلى الخروج بل صبر وتوقف وطلب أولا ما يدل على براءة حاله ~~عن جميع لتهم ، وثالثها : أنه عظم اعتقاده في حسن أدبه ، وذلك لأنه اقتصر ~~على قوله : { ما بال النسوة الاتى قطعن أيديهن } ( يوسف : 50 ) وإن كان ~~غرضه ذكر امرأة العزيز فستر ذكرها ، وتعرض لأمر سائر النسوة مع أنه وصل ~~إليه من جهتها أنواع عظيمة من البلاء / وهذا من الأدب العجيب . ورابعها : ~~براءة حاله عن جميع أنواع التهم فإن الخصم أقر له بالطهارة والنزاهة ~~والبراءة عن الجرم . وخامسها : أن الشرابي وصف له جده في الطاعات واجتهاده ~~في الإحسان إلى الذين كانوافي السجن ms5143 . وسادسها : أنه بقي في السجن بضع سنين ~~، وهذه الأمور كل واحد منها يوجب حسن الإعتقاد في الإنسان ، فكيف مجموعها ، ~~فلهذا السبب حسن اعتقاد الملك فيه وإذا أراد الله شيئا جمع أسبابه وقواها . # إذا عرفت هذا فنقول : لما ظهر للملك هذه الأحوال من يوسف عليه السلام رغب ~~أن يتخذه لنفسه فقال : { ائتونى به أستخلصه لنفسى } روي أن الرسول قال ~~ليوسف عليه السلام ثم إلى الملك متنظفا من درن السجن بالثياب النظيفة ~~والهيئة الحسنة فكتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة ~~الأعداء وتجربة الأصدقاء ، ولما دخل عليه قال اللهم إني أسألك بخيرك من ~~خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم دخل عليه وسلم ودعا له بالعبرانية ~~والاستخلاص طلب خلوص الشيء من شوائب الاشتراك وهذا الملك طلب أن يكون يوسف ~~له وحده وأنه لا يشاركه فيه غيره لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء ~~النفيسة الرفيعة فلما علم الملك أنه وحيد زمانه وفريد أقرانه أراد أن ينفرد ~~به . # روي أن الملك قال ليوسف عليه السلام ما من شيء إلا وأحب أن تشركني فيه ~~إلا في أهلي وفي أن لا تأكل معي فقال يوسف عليه السلام ، أما ترى أن آكل ~~معك ، وأنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق الذبيح بن إبراهيم الخليل عليه السلام ، ~~ثم قال : { فلما كلمه } وفيه قولان : أحدهما : أن المراد فلما كلم الملك ~~يوسف عليه السلام قالوا لأن في مجالس الملوك لا يحسن لأحد أن يبتدىء ~~بالكلام وإنما الذي يبتدىء به هو الملك ، والثاني : أن المراد : فلما كلم ~~يوسف الملك قيل : لما صار يوسف إلى الملك وكان ذلك الوقت ابن ثلاثين سنة / ~~فلما رآه الملك حدثا شابا قال للشرابي : هذا هو الذي علم تأويل رؤياي مع أن ~~السحرة والكهنة ماعلموها قال نعم ، فأقبل على يوسف وقال : إني أحب أن أسمع ~~تأويل الرؤيا منك شفاها ، فأجاب بذلك الجواب شفاها وشهد قلبه بصحته ، فعند ~~ذلك قال له : { إنك اليوم لدينا مكين أمين } يقال : فلان مكين عند فلان بين ~~المكانة أي المنزلة ، وهي ms5144 حالة يتمكن بها صاحبها مما يريد . وقوله : { أمين ~~} أي قد عرفنا أمانتك وبراءتك مما نسبت إليه . # واعلم أن قوله : { مكين أمين } كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل ~~والمناقب ، وذلك لأنه لا بد PageV18P127 في كونه مكينا من القدرة والعلم . ~~أما القدرة فلأن بها يحصل المكنة . وأما العلم فلأن كونه متمكنا من أفعال ~~الخير لا يحصل إلا به إذ لو لم يكن عالما بما ينبغي وبما لا ينبغي لا يمكنه ~~تخصيص ما ينبغي / بالفعل ، وتخصيص ما لا ينبغي بالترك ، فثبت أن كونه مكينا ~~لا يحصل إلا بالقدرة والعلم . أما كونه أمينا فهو عبارة عن كونه حكيما لا ~~يفعل الفعل لداعي الشهوة بل إنما يفعله لداعي الحكمة ، فثبت أن كونه مكينا ~~أمينا يدل على كونه قادرا ، وعلى كونه عالما بمواقع الخير والشر والصلاح ~~والفساد ، وعلى كونه بحيث يفعل لداعي الحكمة لا لداعية الشهوة ، وكل من كان ~~كذلك فإنه لا يصدر عنه فعل الشر والسفه فلهذا المعنى لما حاولت المعتزلة ~~إثبات أنه تعالى لا يفعل القبيح قالوا إنه تعالى لا يفعل القبيح لأنه تعالى ~~عالم بقبح القبيح عالم بكونه غنيا عنه وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح ~~قالوا : وإنما يكون غنيا عن القبيح إذا كان قادرا ، وإذا كان منزها عن ~~داعية السفه فثبت أن وصفه بكونه مكينا أمينا نهاية ما يمكن ذكره في هذا ~~الباب ثم حكى تعالى أن يوسف عليه السلام قال في هذا المقام { اجعلنى على ~~خزائن الارض إنى حفيظ عليم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال المفسرون : لما عبر يوسف عليه السلام رؤيا الملك ~~بين يديه قال له الملك : فما ترى أيها الصديق قال : أرى أن تزرع في هذه ~~السنين المخصبة زرعا كثيرا وتبني الخزائن وتجمع فيها الطعام فإذا جاءت ~~السنون المجدبة بعنا الغلات فيحصل بهذا الطريق مال عظيم فقال الملك ومن لي ~~بهذا الشغل فقال يوسف : { اجعلنى على خزائن الارض } أي على خزائن أرض مصر ~~وأدخل الألف واللام على الأرض ، والمراد منه المعهود السابق . روى ابن عباس ~~رضي ms5145 الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أنه قال : ( رحم ~~الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لأستعمله من ساعته لكنه ~~لما قال ذلك أخره عنه سنة ) وأقول هذا من العجائب لأنه لما تأبى عن الخروج ~~من السجن سهل الله عليه ذلك على أحسن الوجوه ولما تسارع في ذكر الالتماس ~~أخر الله تعالى ذلك المطلوب عنه وهذا يدل على أن ترك التصرف والتفويض ~~بالكلية إلى الله تعالى أولى . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم طلب يوسف الإمارة والنبي عليه ~~الصلاة والسلام قال لعبد الرحمن بن سمرة : ( لا تسأل الإمارة ) وأيضا فكيف ~~طلب الإمارة من سلطان كافر ، وأيضا لم لم يصبر مدة ولم أظهر الرغبة في طلب ~~الأمارة في الحالة ، وأيضا لم طلب أمر الخزائن في أول الأمر ، مع أن هذا ~~يورث نوع تهمة وأيضا كيف جوز من نفسه مدح نفسه بقوله : { إنى حفيظ عليم } ~~مع أنه تعالى يقول : { فلا تزكوا أنفسكم } ( النجم : 32 ) وأيضا فما ~~الفائدة في قوله : { إنى حفيظ عليم } وأيضا لم ترك الاستثناء في هذا فإن ~~الأحسن أن يقول : إني حفيظ عليم إن شاء الله بدليل قوله تعالى : { ولا ~~تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا * إلا أن يشاء الله } ( الكهف : 23 ، 24 ) ~~فهذه أسئلة سبعة لا بد من جوابها فنقول : الأصل في جواب هذه / المسائل أن ~~التصرف في أمور الخلق كان واجبا عليه ، فجاز له أن يتوصل إليه بأي طريق كان ~~، إنما قلنا : إن ذلك التصرف كان واجبا عليه لوجوه : الأول : أنه كان رسولا ~~حقا من الله تعالى إلى الخلق ، والرسول يجب عليه رعاية مصالح الأمة بقدر ~~الإمكان ، والثاني : وهو أنه عليه السلام علم بالوحي أنه سيحصل القحط ~~والضيق الشديد الذي ربما أفضى إلى هلاك الخلق العظيم ، فلعله تعالى أمره ~~بأن يدبر في ذلك ويأتي بطريق لأجله يقل ضرر ذلك القحط في حق الخلق ، ~~والثالث : أن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم أمر ~~مستحسن في العقول . PageV18P128 # وإذا ثبت ms5146 هذا فنقول : إنه عليه السلام كان مكلفا برعاية مصالح الخلق من ~~هذه الوجوه ، وما كان يمكنه رعايتها إلا بهذا الطريق ، وما لا يتم الواجب ~~إلا به ، فهو واجب ، فكان هذا الطريق واجبا عليه ولما كان واجبا سقطت ~~الأسئلة بالكلية ، وأما ترك الاستثناء فقال الواحدي : كان ذلك من خطيئة ~~أوجبت عقوبة وهي أنه تعالى أخر عنه حصول ذلك المقصود سنة ، وأقول : لعل ~~السبب فيه أنه لو ذكر هذا الاستثناء لاعتقد فيه الملك أنه إنما ذكره لعلمه ~~بأنه لا قدرة له على ضبط هذه المصلحة كما ينبغي فلأجل هذا المعنى ترك ~~الاستثناء ، وأما قوله لم مدح نفسه فجوابه من وجوه : الأول : لا نسلم أنه ~~مدح نفسه لكنه بين كونه موصوفا بهاتين الصفتين النافعتين في حصول هذا ~~المطلوب ، وبين البابين فرق وكأنه قد غلب على ظنه أنه يحتاج إلى ذكر هذا ~~الوصف لأن الملك وإن علم كماله في علوم الدين لكنه ما كان عالما بأنه يفي ~~بهذا الأمر ، ثم نقول هب أنه مدح نفسه إلا أن مدح النفس إنما يكون مذموما ~~إذا قصد الرجل به التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل ، فأما على غير ~~هذا الوجه فلا نسلم أنه محرم فقوله تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم } ( النجم : ~~32 ) المراد منه تزكية النفس حال مايعلم كونها غير متزكية ، والدليل عليه ~~قوله تعالى بعد هذه الآية : { هو أعلم بمن اتقى } أما إذا كان الإنسان ~~عالما بأنه صدق وحق فهذا غير ممنوع منه والله أعلم . # قوله ما الفائدة في وصفه نفسه بأنه حفيظ عليم ؟ # قلنا : إنه جار مجرى أن يقول حفيظ بجميع الوجوه التي منها يمكن تحصيل ~~الدخل والمال ، عليم بالجهات التي تصلح لأن يصرف المال إليها ، ويقال : ~~حفيظ بجميع مصالح الناس ، عليم بجهات حاجاتهم أو يقال : حفيظ لوجوه أياديك ~~وكرمك ، عليم بوجوب مقابلتها بالطاعة والخضوع وهذا باب واسع يمكن تكثيره ~~لمن أراده . # ! 7 < { وكذالك مكنا ليوسف فى الا رض يتبوأ منها حيث يشآء نصيب برحمتنا ~~من نشآء ولا نضيع أجر المحسنين * ولاجر الا خرة خير ms5147 للذين ءامنوا وكانوا ~~يتقون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 56 - 57 ) وكذلك مكنا ليوسف . . . . . # > > # /فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن يوسف عليه السلام لما التمس من الملك أن يجعله ~~على خزائن الأرض لم يحك الله عن الملك أنه قال : قد فعلت ، بل الله سبحانه ~~قال : { وكذالك مكنا ليوسف فى الارض } فههنا المفسرون قالوا في الكلام ~~محذوف وتقديره : قال الملك قد فعلت ، إلا أن تمكين الله له في الأرض يدل ~~على أن الملك الملك قد أجابه إلى ما سأل . وأقول : ما قالوه حسن ، إلا أن ~~ههنا ما هو أحسن منه وهو أن إجابة الملك له سبب في عالم الظاهر وأما المؤثر ~~الحقيقي : فليس إلا أنه تعالى مكنه في الأرض ، وذلك لأن ذلك الملك كان ~~متمكنا من القبول ومن الرد ، فنسبة قدرته إلى القبول وإلى الرد على التساوي ~~، وما دام يبقى هذ التساوي امتنع حصول القبول ، فلا بد وأن يترجح القبول ~~على الرد في خاطر ذلك الملك ، وذلك الترجح لا يكون إلا PageV18P129 بمرجح ~~يخلقه الله تعالى ، إذا خلق الله تعالى ذلك المرجح حصل القبول لا محالة ، ~~فالتمكن ليوسف في الأرض ليس إلا من خلق الله تعالى في قلب ذلك الملك بمجموع ~~القدرة والداعية الجازمة اللتين عند حصولهما يجب الأثر ، فلهذا السبب ترك ~~الله تعالى ذكر إجابة الملك واقتصر على ذكر التمكين الإلهي ، لأن المؤثر ~~الحقيقي ليس إلا هو . # المسألة الثانية : روي أن الملك توجه وأخرج خاتم الملك وجعله في أصبعه ~~وقلد بسيفه ووضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت ، فقال يوسف عليه ~~السلام : أما السرير فأشد به ملكك وأما الخاتم فأدبر به أمرك ، وأما التاج ~~فليس من لباسي ولا لباس آبائي ، وجلس على السرير ودانت له القوم ، وعزل ~~الملك قطفير زوج المرأة المعلومة ومات بعد ذلك وزوجه الملك امرأته ، فلما ~~دخل عليها قال أليس هذا خيرا مما طلبت ، فوجدها عذراء فولدت له ولدين ~~أفرايم وميشا وأقام العدل بمصر وأحبته الرجال والنساء ، وأسلم على يده ~~الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني ms5148 القحط الطعام بالدراهم ~~والدنانير في السنة الأولى ثم بالحلي والجواهر في السنة الثانية / ثم ~~بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم سنين فقالوا والله ما ~~رأينا ملكا أعظم شأنا من هذا الملك حتى صار كل الخلق عبيدا له فلما سمع ذلك ~~قال إني أشهد الله أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم ، وكان ~~لا يبيع لأحد ممن يطلب الطعام أكثر من حمل البعير لئلا يضيق الطعام على ~~الباقين هكذا رواه صاحب ( الكشاف ) والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله : { وكذالك } الكاف منصوبة بالتمكين ، وذلك إشارة ~~إلى ما تقدم يعني به ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبنا إياه من ~~قلب الملك وإنجائنا إياه من غم الحبس ، وقوله : { مكنا ليوسف فى الارض } أي ~~أقدرناه على ما يريد برفع الموانع وقوله : { يتبوأ منها حيث يشاء } يتبوأ ~~في موضع نصب على الحال تقديره مكناه متبوأ وقرأ ابن كثير : { نشاء } بالنون ~~مضافا إلى الله تعالى والباقون بالياء مضافا إلى يوسف . # واعلم أن قوله : { يتبوأ منها حيث يشاء } يدل على أنه صار في الملك بحيث ~~لا يدافعه أحد ، ولا ينازعه منازع بل صار مستقلا بكل ما شاء وأراد ثم بين ~~تعالى ما يؤكد أن ذلك من قبله فقال : { نصيب برحمتنا من نشاء } . # واعلم أنه تعالى ذكر أولا أن ذلك التمكين كان من الله لا من أحد سواه وهو ~~قوله : { كذالك * مكنا ليوسف فى الارض } ثم أكد ذلك ثانيا بقوله : { نصيب ~~برحمتنا من نشاء } وفيه فائدتان : # الفائدة الأولى : أن هذا يدل على أن الكل من الله تعالى . قال القاضي : ~~تلك المملكة لما لم تتم إلا بالأمور فعلها الله تعالى صارت كأنها حصلت من ~~قبله تعالى . # وجوابه : أنا ندعي أن نفس تلك المملكة إنما حصلت من قبل الله تعالى ، لأن ~~لفظ القرآن يدل على قولنا ، والبرهان القاطع الذي ذكرناه يقوي قولنا ، فصرف ~~هذا اللفظ إلى المجاز لا سبيل إليه . # الفائدة الثانية : أنه أتاه ذلك بمحض المشيئة الإلهية والقدرة النافذة . ~~قال القاضي : هذه الآية تدل على ms5149 أنه تعالى يجري أمر نعمه على ما يقتضيه ~~الصلاح . PageV18P130 # قلنا : الآية تدل على أن الأمور معلقة بالمشيئة الإلهية والقدرة المحضة ~~فأمارعاية قيد الصلاح ، فأمر اعتبرته أنت من نفسك مع أن اللفظ لا يدل عليه ~~. # ثم قال تعالى : { ولا نضيع أجر المحسنين } وذلك لأن إضاعة الأجر إما أن ~~يكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في حق الله تعالى ، فكانت ~~الإضاعة ممتنعة . # واعلم أن هذا شهادة من الله تعالى على أن يوسف عليه السلام كان من ~~المحسنين ولو صدق القول / بأنه جلس بين شعبها الأربع لامتنع أن يقال : إنه ~~كان من المحسنين ، فههنا لزم إما تكذيب الله في حكمه على يوسف بأنه كان من ~~المحسنين وهو عين الكفر أو لزم تكذيب الحشوي فيما رواه وهو عين الإيمان ~~والحق . # ثم قال تعالى : { ولاجر الاخرة خير للذين ءامنوا وكانوا يتقون } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأول : في تفسير هذه الآية قولان : # القول الأول : المراد منه أن يوسف عليه السلام وإن كان قد وصل إلى ~~المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الدنيا إلا أن الثواب الذي أعده الله ~~له في الآخرة خير وأفضل وأكمل وجهات الترجيح قد ذكرناها في هذا الكتاب ~~مرارا وأطوارا ، وحاصل تلك الوجوه أن الخير المطلق هو الذي يكون نفعا خالصا ~~دائما مقرونا بالتعظيم ، وكل هذه القيود الأربعة حاصلة في خيرات الآخرة ~~ومفقودة في خيرات الدنيا . # القول الثاني : أن لفظ الخير قد يستعمل لكون أحد الخيرين أفضل من الآخر ~~كما يقال : الجلاب خير من الماء وقد يستعمل لبيان كونه في نفسه خيرا من غير ~~أن يكون المراد منه بيان التفضيل كما يقال : الثريد خير من الله يعني ~~الثريد خير من الخيرات حصل بإحسان من الله . # إذا ثبت هذا فقوله : { ولاجر الاخرة خير } إن حملناه على الوجه الأول لزم ~~أن تكون ملاذ الدنيا موصوفة بالخيرية أيضا ، وأما إن حملناه على الوجه ~~الثاني لزم أن لا يقال إن منافع الدنيا أيضا خيرات بل لعله يفيد أن خير ~~الآخرة هو الخير ، وأما ما سواه فعبث . # المسألة ms5150 الثانية : لا شك أن المراد من قوله : { ولاجر الاخرة خير للذين ~~ءامنوا وكانوا يتقون } شرح حال يوسف عليه السلام فوجب أن يصدق في حقه أنه ~~من الذين آمنوا وكانوا يتقون ، وهذا تنصيص من الله عز وجل . على أنه كان في ~~الزمان السابق من المتقين ، وليس ههنا زمان سابق ليوسف عليه السلام يحتاج ~~إلى بيان أنه كان فيه من المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال الله فيه : { ولقد ~~همت به وهم بها } ( يوسف : 24 ) فكان هذا شهادة من الله تعالى على أنه عليه ~~السلام كان في ذلك الوقت من المتقين ، وأيضا قوله : { ولا نضيع أجر ~~المحسنين } شهادة من الله تعالى على أنه عليه السلام كان من المحسنين ، ~~وقوله : { إنه من عبادنا المخلصين } شهادة من الله تعالى على أنه من ~~المخلصين فثبت أن الله تعالى شهد بأن يوسف عليه السلام كان من المتقين ومن ~~المحسنين ومن المخلصين / والجاهل الحشوي يقول : إنه كان من الأخسرين ~~المذنبين ، ولا شك أن من لم يقل بقول الله سبحانه وتعالى مع هذه التأكيدات ~~كان من الأخسرين . # / المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله تعالى : { ولاجر الاخرة خير للذين ~~ءامنوا وكانوا يتقون } يدل على بطلان قول المرجئة : الذين يزعمون أن الثواب ~~يحصل في الآخرة لمن لم يتق الكبائر . PageV18P131 # قلنا : هذا ضعيف ، لأنا إن حملنا لفظ خير على أفعل التفضيل لزم أن يكون ~~الثواب الحاصل للمتقين أفضل ولا يلزم أن لا يحصل لغيرهم أصلا ، وإن حملناه ~~على أصل معنى الخيرية ، فهذا يدل على حصول هذا الخير للمتقين ولا يدل على ~~أن غيرهم لا يحصل لهم هذا الخير . # ! 7 < { وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون * ولما جهزهم ~~بجهازهم قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أنىأوفى الكيل وأنا خير ~~المنزلين * فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون * قالوا سنراود ~~عنه أباه وإنا لفاعلون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 58 - 61 ) وجاء إخوة يوسف . . . . . # > > # اعلم أنه لما عم القحط في البلاد ، ووصل أيضا إلى البلدة التي كان يسكنها ~~يعقوب ms5151 عليه السلام وصعب الزمان عليهم فقال لبنيه إن بمصر رجلا صالحا يمير ~~الناس فاذهبوا إليه بدراهمكم وخذوا الطعام فخرجوا إليه وهم عشرة ودخلوا على ~~يوسف عليه السلام وصارت هذه الواقعة كالسبب في اجتماع يوسف عليه السلام مع ~~إخوته وظهور صدق ما أخبر الله تعالى عنه في قوله ليوسف عليه السلام حال ما ~~ألقوه في الجب { لتنبئنهم بأمرهم هاذا وهم لا يشعرون } ( يوسف : 15 ) وأخبر ~~تعالى أن يوسف عرفهم وهم ما عرفوه ألبتة ، أما أنه عرفهم فلأنه تعالى كان ~~قد أخبره في قوله : { لتنبئنهم بأمرهم } بأنهم يصلون إليه ويدخلون عليه ، ~~وأيضا الرؤيا التي رآها كانت دليلا على أنهم يصلون إليه ، فلهذا السبب كان ~~يوسف عليه السلام مترصدا لذلك الأمر ، وكان كل من وصل إلى بابه من البلاد ~~البعيدة يتفحص عنهم ويتعرف أحوالهم ليعرف أن هؤلاء الواصلين هل هم إخوته أم ~~لا فلما وصل إخوة / يوسف إلى باب داره تفحص عن أحوالهم تفحصا ظهر له أنهم ~~إخوته ، وأما أنهم ما عرفوه فلوجوه : الأول : أنه عليه السلام أمر حجابه ~~بأن يوقفوهم من البعد وما كان يتكلم معهم إلا بالواسطة ومتى كان الأمر كذلك ~~لا جرم أنهم لم يعرفوه لا سيما مهابة الملك وشدة الحاجة يوجبان كثرة الخوف ~~، وكل ذلك مما يمنع من التأمل التام الذي عنده يحصل العرفان . والثاني : هو ~~أنهم حين ألقوه في الجب كان صغيرا . ثم إنهم رأوه بعد وفور اللحية ، وتغير ~~الزي والهيئة فإنهم رأوه جالسا على سريره ، وعليه ثياب الحرير ، وفي عنقه ~~طوق من ذهب ، وعلى رأسه تاج من ذهب ، والقوم أيضا نسوا واقعة يوسف عليه ~~السلام لطول المدة . فيقال : إن من وقت ما ألقوه في الجب إلى هذا الوقت كان ~~قد مضى أربعون سنة ، وكل واحد من هذه الأسباب يمنع من حصول المعرفة ، لا ~~سيما عند اجتماعها ، والثالث : أن حصول العرفان والتذكير بخلق الله تعالى ، ~~فلعله تعالى ما خلق ذلك العرفان والتذكير في قلوبهم تحقيقا لما أخبره عنه ~~بقوله : { لتنبئنهم بأمرهم هاذا وهم لا يشعرون } وكان ذلك من ms5152 معجزات يوسف ~~عليه السلام . # ثم قال تعالى : { ولما جهزهم بجهازهم } قال الليث : جهزت القوم تجهيزا ~~إذا تكلفت لهم جهازهم PageV18P132 للسفر ، وكذلك جهاز العروس والميت وهو ما ~~يحتاج إليه في وجهه . قال : وسمعت أهل البصرة يقولون : الجهاز بالكسر . قال ~~الأزهري : القراء كلهم على فتح الجيم ، والكسر لغة ليست بجيدة ، قال ~~المفسرون : حمل لكل رجل منهم بعيرا وأكرمهم أيضا بالنزول وأعطاهم ما ~~احتاجوا إليه في السفر ، فذلك قوله : { جهزهم بجهازهم } ثم بين تعالى أنه ~~لما جهزهم بجهازهم قال : { ائتونى بأخ لكم من أبيكم } . # واعلم أنه لا بد من كلام سابق حتى يصير ذلك الكلام سببا لسؤال يوسف عن ~~حال أخيهم ، وذكروا فيه وجوها : # الوجه الأول : وهو أحسنها إن عادة يوسف عليه السلام مع الكل أن يعطيه حمل ~~بعير لا أزيد عليه ولا أنقص ، وإخوة يوسف الذين ذهبوا إليه كانوا عشرة ، ~~فأعطاهم عشرة أحمال / فقالوا : إن لنا أبا شيخا كبيرا وأخا آخر بقي معه ، ~~وذكروا أن أباهم لأجل سنه وشدة حزنه لم يحضر ، وأن أخاهم بقي في خدمة أبيه ~~ولا بد لهما أيضا من شيء من الطعام فجهز لهما أيضا بعيرين آخرين من الطعام ~~فلما ذكروا ذلك قال يوسف فهذا يدل على أن أحب أبيكم له أزيد من حبه لكم ، ~~وهذا شيء عجيب لأنكم مع جمالكم وعقلكم وأدبكم إذا كانت محبة أبيكم لذلك ~~الأخ أكثر من محبته لكم دل هذا على أن ذلك أعجوبة في العقل ، وفي الفضل ~~والأدب فجيئوني به حتى أراه فهذا السبب محتمل مناسب . # / والوجه الثاني : أنهم لما دخلوا عليه ، عليه السلام وأعطاهم الطعام قال ~~لهم : من أنتم ؟ قالوا : نحن قوم رعاة من أهل الشام أصابنا الجهد فجئنا ~~نمتار فقال : لعلكم جئتم عيونا فقالوا معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد شيخ ~~صديق نبي اسمه يعقوب قال : كم أنتم قالوا : كنا اثني عشر فهلك منا واحد ~~وبقي واحد مع الأب يتسلى به عن ذلك الذي هلك ، ونحن عشرة وقد جئناك قال : ~~فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخ لكم من أبيكم ms5153 ليبلغ إلي رسالة أبيكم ~~فعند هذا أقرعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون ، وكان أحسنهم رأيا في يوسف ~~فخلفوه عنده . # والوجه الثالث : لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف : فلم تركتموه وحيدا ~~فريدا ؟ قالوا : ما تركناه وحيدا ، بل بقي عنده واحد . فقال لهم : لم ~~استخلصه لنفسه ولم خصه بهذا المعنى لأجل نقص في جسده ؟ فقالوا : لا . بل ~~لأجل أنه يحبه أكثر من محبته لسائر الأولاد فعند هذا قال يوسف لما ذكرتم أن ~~أباكم رجل عالم حكيم بعيد عن المجازفة ، ثم إنه خصه بمزيد المحبة وجب أن ~~يكون زائدا عليكم في الفضل ، وصفات الكمال مع أني أراكم فضلاء علماء حكماء ~~فاشتاقت نفسي إلى رؤية ذلك الأخ فائتوني به ، والسبب الثاني : ذكره ~~المفسرون ، والأول والثالث محتمل والله أعلم . # ثم إنه تعالى حكى عنه أنه قال : { ألا ترون أنى أوفى * الكيل } أي أتمه ~~ولا أبخسه ، وأزيدكم حمل بعير آخر لأجل أخيكم ، وأنا خير المنزلين ، أي خير ~~المضيفين لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم . وأقول : هذا الكلام يضعف الوجه ~~الثاني وهو الذي نقلناه عن المفسرين ، لأن مدار ذلك الوجه على أنه اتهمهم ~~ونسبهم إلى أنهم جواسيس ، ولو شافههم بذلك الكلام فلا يليق به أن يقوم لهم ~~: { ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين } وأيضا يبعد من يوسف عليه ~~السلام مع كونه صديقا أن يقول لهم أنتم جواسيس وعيون ، مع أنه PageV18P133 ~~يعرف براءتهم عن هذه التهمة ، لأن البهتان لا يليق بحال الصديق . # ثم قال : { فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون } . # واعلم أنه عليه السلام لما طلب منهم إحضار ذلك الأخ جمع بين الترغيب ~~والترهيب . أما الترغيب : فهو قوله : { ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير ~~المنزلين } وأما الترهيب : فهو قوله : { فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ~~ولا تقربون } وذلك لأنهم كانوا في نهاية الحاجة إلى تحصيل الطعام ، وما كان ~~يمكنهم تحصيله إلا من عنده ، فإذا منعهم من الحضور عنده كان ذلك نهاية ~~الترهيب والتخويف ، ثم إنهم لما سمعوا هذا الكلام من يوسف ms5154 قالوا : { سنراود ~~عنه أباه وإنا لفاعلون } أي سنجتهد ونحتال على أن ننزعه من يده ، وإنا ~~لفاعلون هذه المراودة ، والغرض من التكرير / التأكيد ، ويحتمل أن يكون { ~~وإنا لفاعلون } أن نجيئك به ، ويحتمل { وإنا لفاعلون } كل ما في وسعنا من ~~هذا الباب . # ! 7 < { وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم لعلهم يعرفونهآ إذا ~~انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون * فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا ياأبانا منع ~~منا الكيل فأرسل معنآ أخانا نكتل وإنا له لحافظون * قال هل آمنكم عليه إلا ~~كمآ أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين } . > 7 ~~@QB@ < # | يوسف : ( 62 - 64 ) وقال لفتيانه اجعلوا . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسائل الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم لفتيانه بالألف والنون ~~والباقون { * لفتيته } بالتاء من غير ألف ، وهما لغتان كالصبيان والصبية ، ~~والإخوان والإخوة قال أبو علي الفارسي الفتية جمع فتى في العدد القليل ~~والفتيان للكثير ، فوجه البناء الذي للعدد القليل أن الذين يحيطون بما ~~يجعلون بضاعتهم فيه من رحالهم يكونون قليلين لأن هذا من باب الأسرار فوجب ~~صونه إلا عن العدد القليل ووجه الجمع الكثير أنه قال : { لفتيانه اجعلوا ~~بضاعتهم فى رحالهم } والرحال تفيد العدد الكثير فوجب أن يكون الذين يباشرون ~~ذلك العمل كثيرين . # المسألة الثانية : اتفق الأكثرون على أن إخوة يوسف ما كانوا عالمين بجعل ~~البضاعة في رحالهم ومنهم من قال إنهم كانوا عارفين به ، وهو ضعيف لأن قوله ~~: { لعلهم يعرفونها } يبطل ذلك ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله أمر يوسف ~~بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجوه : الأول : أنهم متى فتحوا المتاع فوجدوا ~~بضاعتهم فيه ، علموا أن ذلك كان كرما من يوسف وسخاء محضا فيبعثهم ذلك على ~~العود إليه والحرص على معاملته . الثاني : خاف أن لا يكون عند أبيه من ~~الورق ما يرجعون به مرة أخرى / الثالث : أراد به التوسعة على PageV18P134 ~~أبيه لأن الزمان كان زمان القحط . الرابع : رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه ~~وإخوته مع شدة حاجتهم إلى الطعام لؤم . الخامس : قال الفراء : إنهم متى ~~شاهدوا بضاعتهم في رحالهم ms5155 وقع في قلوبهم أنهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم ~~على سبيل السهو وهم أنبياء وأولاد الأنبياء فرجعوا ليعرفوا السبب فيه ، أو ~~رجعوا ليردوا المال إلى مالكه . السادس : أراد أن يحسن إليهم على وجه لا ~~يلحقهم به عيب ولا منة . السابع : مقصوده أن يعرفوا أنه لا يطلب ذلك الأخ ~~لأجل الإيذاء والظلم ولا لطلب زيادة في الثمن . الثامن : أراد أن يعرف أبوه ~~أنه أكرمهم وطلبه له لمزيد الإكرام فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه . التاسع ~~: أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدة الزمان ، وكان يخاف اللصوص من ~~قطع الطريق ، فوضع تلك الدراهم في رحالهم حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى ~~أبيهم . العاشر : أراد أن يقابل مبالغتهم في الإساءة بمبالغته في الإحسان ~~إليهم . # ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما رجعوا إلى أبيهم قالوا : { قالوا يأبانا ~~منع منا الكيل } وفيه قولان : الأول : أنهم لما طلبوا الطعام لأبيهم وللأخ ~~الباقي عنده منعوا منه ، فقولهم : { منع * وأوفوا الكيل } إشارة إليه . ~~والثاني : أنه منع الكيل في المستقبل وهو إشارة إلى قول يوسف : { فإن لم ~~تأتونى به فلا كيل لكم عندى } ( يوسف : 60 ) والدليل على أن المراد ذلك ~~قولهم : { فأرسل معنا أخانا نكتل } قرأ حمزة والكسائي : { * يكتل } بالياء ~~، والباقون بالنون ، والقراءة الأولى تقوى القول الأول ، والقراءة الثانية ~~تقوي القول الثاني . ثم قالوا : { ويلعب وإنا له لحافظون } ضمنوا كونهم ~~حافظين له ، فلما قالوا ذلك قال يعقوب عليه السلام : { هل امنكم عليه إلا ~~كما أمنتكم على أخيه من قبل } والمعنى أنكم ذكرتم قبل هذا الكلام في يوسف ~~وضمنتم لي حفظه حيث قلتم : { وإنا له لحافظون } ( يوسف : 12 ) ثم ههنا ~~ذكرتم هذا اللفظ بعينه فهل يكون ههنا أماني إلا ما كان هناك يعني لما لم ~~يحصل الأمان هناك فكذلك لا يحصل ههنا . # ثم قال : { فالله خير حافظا وهو أرحم الرحمين } قرأ حمزة والكسائي { ~~حافظا } بالألف على التمييز والتفسير على تقدير هو خير لكم حافظا كقولهم : ~~هو خيرهم رجلا ولله دره فارسا ، وقيل : على الحال والباقون : { حافظا ms5156 } ~~بغير ألف على المصدر يعني خيركم حفظا يعني حفظ الله لبنيامين خير من حفظكم ~~، وقرأ الأعمش { فالله خير حافظا } وقرأ أبو هريرة رضي الله عنه { خير * ~~حافظا وهو أرحم الرحمين } وقيل : معناه وثقت بكم في حفظ يوسف عليه السلام ~~فكان ما كان فالآن أتوكل على الله في حفظ بنيامين . # فإن قيل : لم بعثه معهم وقد شاهد ما شاهد . # / قلنا : لوجوه : أحدها : أنهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح ، وثانيها ~~: أنه كان يشاهد أنه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد مثل ما كان ~~بينهم وبين يوسف عليه السلام ، وثالثها : أن ضرورة القحط أحوجته إلى ذلك ، ~~ورابعها : لعله تعالى أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه . # فإن قيل : هل يدل قوله : { فالله خير حافظا } على أنه أذن في ذهاب ابنه ~~بنيامين في ذلك الوقت . # قلنا : الأكثرون قالوا : يدل عليه . وقال آخرون : لا يدل عليه ، وفيه ~~وجهان : الأول : التقدير أنه لو أذن في خروجه معهم لكان في حفظ الله لا في ~~حفظهم . الثاني : أنه لما ذكر يوسف قال : { فالله خير حافظا } أي ليوسف ~~لأنه كان يعلم أنه حي . # PageV18P135 ! 7 < { ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا ~~ياأبانا ما نبغى هاذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد ~~كيل بعير ذالك كيل يسير } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 65 ) ولما فتحوا متاعهم . . . . . # > > اعلم أن المتاع ما يصلح لأن يستمتع به وهو عام في كل شيء ، ويجوز أن ~~يراد به ههنا الطعام الذي حملوه ، ويجوز أن يراد به أوعية الطعام . # ثم قال : { وجدوا بضاعتهم ردت إليهم } واختلف القراء في { ردت } ~~فالأكثرون بضم الراء ، وقرأ علقمة بكسر الراء . قال صاحب ( الكشاف ) : كسرة ~~الدال المدغمة نقلت إلى الراء كما في قيل وبيع . وحكى قطرب أنهم قالوا في ~~قولنا : ضرب زيد على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد . وأما قوله : { ~~ما نبغى } ففي كلمة { ما } قولان : # القول الأول : أنها للنفي ، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه : الأول : أنهم ~~كانوا قد وصفوا يوسف بالكرم واللطف وقالوا : إنا قدمنا على رجل في ms5157 غاية ~~الكرم أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من آل يعقوب لمافعل ذلك ، فقولهم : ~~{ ما نبغى } أي بهذا الوصف الذي ذكرناه كذبا ولا ذكر شيء لم يكن . الثاني : ~~أنه بلغ في الإكرام إلى غاية ما وراءها شيء آخر ، فإنه بعد أن بالغ في ~~إكرامنا أمر ببضاعتنا فردت إلينا . الثالث : المعنى أنه رد بضاعتنا إلينا ، ~~فنحن لا نبغي منك عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى ، فإن هذه التي معنا كافية ~~لنا . # / والقول الثاني : أن كلمة ( ما ) ههنا للاستفهام ، والمعنى : لما رأوا ~~أنه رد إليهم بضاعتهم قالوا : ما نبغي بعد هذا ، أي أعطانا الطعام ، ثم رد ~~علينا ثمن الطعام على أحسن الوجوه ، فأي شيء نبغي وراء ذلك ؟ # واعلم أنا إذا حملنا ( ما ) على الاستفهام صار التقدير أي شيء نبغي فوق ~~هذا الإكرام إن الرجل رد دراهمنا إلينا فإذا ذهبنا إليه نمير أهلنا ونحفظ ~~أخانا ونزداد كيل بعير بسبب حضور أخينا . قال الأصمعي : يقال ماره يميره ~~ميرا إذا أتاه بميرة أي بطعام ومنه يقال : ما عنده خير ولا مير وقوله : { ~~ونزداد كيل بعير } معناه : أن يوسف عليه السلام كان يكيل لكل رجل حمل بعير ~~فإذا حضر أخوه فلا بد وأن يزداد ذلك الحمل ، وأما إذا حملنا كلمة ( ما ) ~~على النفي كان المعنى لا نبغي شيئا آخر هذه بضاعتنا ردت إلينا فهي كافية ~~لثمن الطعام في الذهاب الثاني ، ثم نفعل كذا وكذا . # وأما قوله : { ذالك كيل يسير } ففيه وجوه : الأول : قال مقاتل : ذلك كيل ~~يسير على هذا الرجل المحسن لسخائه وحرصه على البذل وهو اختيار الزجاج . ~~والثاني : ذلك كيل يسير ، أي قصير المدة ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب ~~الحبس والتأخير . والثالث : أن يكون المراد ذلك الذي يدفع إلينا دون أخينا ~~شيء يسير قليل فابعث أخانا معنا حتى نتبدل تلك القلة بالكثرة . # PageV18P136 ! 7 < { قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتننى ~~به إلا أن يحاط بكم فلمآ ءاتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 66 ) قال لن أرسله . . . . . # > > اعلم ms5158 أن الموثق مصدر بمعنى الثقة ومعناه : العهد الذي يوثق به فهو ~~مصدر بمعنى المفعول يقول : لن أرسله معكم حتى تعطوني عهدا موثوقا به وقوله ~~: { من الله } أي عهدا موثوقا به بسبب تأكده بإشهاد الله وبسبب القسم بالله ~~عليه ، وقوله : { لتأتننى به } دخلت اللام ههنا لأجل أنا بينا أن المراد ~~بالموثق من الله اليمين فتقديره : حتى تحلفوا بالله لتأتنني به . وقوله : { ~~إلا أن يحاط بكم } فيه بحثان : # البحث الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : هذا الاستثناء متصل . فقوله : { إلا ~~أن يحاط بكم } مفعوله له ، والكلام المثبت الذي هو قوله : { لتأتننى به } ~~في تأويل المنفي ، فكان المعنى : لا تمتنعون / من الإتيان به لعلة من العلل ~~إلا لعلة واحدة . # البحث الثاني : قال الواحدي للمفسرين فيه قولان : # القول الأول : أن قوله : { إلا أن يحاط بكم } معناه الهلاك قال مجاهد : ~~إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذرا عندي ، والعرب تقول أحيط بفلان إذا قرب ~~هلاكه قال تعالى : { وأحيط بثمره } ( الكهف : 42 ) أي أصابه ما أهلكه . ~~وقال تعالى : { وظنوا أنهم أحيط بهم } ( يونس : 22 ) وأصله أن من أحاط به ~~العدو وانسدت عليه مسالك النجاة دنا هلاكه ، فقيل : لكل من هلك قد أحيط به ~~. # والقول الثاني : ما ذكره قتادة { إلا أن يحاط بكم } إلا أن تصيروا ~~مغلوبين مقهورين ، فلا تقدرون على الرجوع . # ثم قال تعالى : { فلما ءاتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل } يريد ~~شهيد ، لأن الشهيد وكيل بمعنى أنه موكول إليه هذا العهد فإن وفيتم به ~~جازاكم بأحسن الجزاء ، وإن غدرتم فيه كافأكم بأعظم العقوبات . # ! 7 < { وقال يابنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ومآ ~~أغنى عنكم من الله من شىء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل ~~المتوكلون } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 67 ) وقال يا بني . . . . . # > > اعلم أن أبناء يعقوب لما عزموا على الخروج إلى مصر . وكانوا موصوفين ~~بالكمال والجمال وأبناء رجل واحد قال لهم : { لا تدخلوا من باب واحد ~~وادخلوا من أبواب متفرقة } وفيه قولان : الأول : وهو قول جمهور PageV18P137 ~~المفسرين أنه خاف من ms5159 العين عليهم ولنا ههنا مقامان . # المقام الأول : إثبات أن العين حق والذي يدل عليه وجوه : الأول : إطباق ~~المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك . والثاني : ما روي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول : ( أعيذ ~~كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) ويقول هكذا ~~كان يعوذ إبراهيم إسماعيل وإسحق صلوات الله عليهم . والثالث : ما روى عبادة ~~بن الصامت قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول النهار ~~فرأيته شديد الوجع ثم / عدت إليه آخر النهار فرأيته معافى فقال : ( إن ~~جبريل عليه السلام أتاني فرقاني فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن ~~كل عين وحاسد الله يشفيك ) قال فأفقت ، والرابع : روي أن بني جعفر ابن أبي ~~طالب كانوا غلمنا بيضا فقالت أسماء : يا رسول الله إن العين إليهم سريعة ~~أفأسترقي لهم من العين فقال لها نعم . والخامس : دخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا : يا رسول الله أصابته ~~العين فقال أفلا تسترقون له من العين . والسادس : قوله عليه السلام : ( ~~العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر ) والسابع : قالت عائشة ~~رضي الله عنها : كن يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغسل منه المعين الذي أصيب ~~بالعين . # المقام الثاني : في الكشف عن ماهيته فنقول : إن أبا علي الجبائي أنكر هذا ~~المعنى إنكارا بليغا ولم يذكر في إنكاره شبهة فضلا عن حجة ، وأما الذين ~~اعترفوا به وأقروا بوجوده فقد ذكروا فيه وجوها : الأول : قال الحافظ : إنه ~~يمتد من العين أجزاء فتصل بالشخص المستحسن فتؤثر فيه وتسري فيه كتأثير ~~اللسع والسم والنار ، وإن كان مخالفا في جهة التأثير لهذه الأشياء قال ~~القاضي : وهذا ضعيف لأنه لو كان الأمر كما قال ، لوجب أن يؤثر في الشخص ~~الذي لا يستحسن كتأثيره في المستحسن واعلم أن هذا الاعتراض ضعيف وذلك لأنه ~~إذا استحسن شيئا فقد يحب بقاءه كما إذا استحسن ولد ms5160 نفسه وبستان نفسه ، وقد ~~يكره بقاءه أيضا كما إذا أحس الحاسد بشيء حصل لعدوه ، فإن كان الأول فإنه ~~يحصل له عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله والخوف الشديد يوجب انحصار ~~الروح في داخل القلب فحينئذ يسخن القلب والروح جدا ، ويحصل في الروح ~~الباصرة كيفية قوية مسخنة وإن كان الثاني : فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان ~~حسد شديد وحزن عظيم بسبب حصول تلك النعمة لعدوه . والحزن أيضا يوجب انحصار ~~الروح في داخل القلب ويحصل فيه سخونة شديدة ، فثبت أن عند الاستحسان القوي ~~تسخن الروح جدا فيسخن شعاع العين بخلاف ما إذا لم يستحسن فإنه لا تحصل هذه ~~السخونة فظهر الفرق بين الصورتين ، ولهذا السبب أمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم العائن بالوضوء ومن أصابته العين بالاغتسال . # الوجه الثاني : قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي إنه لا يمتنع أن تكون ~~العين حقا ، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحسانا ~~كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشخص وذلك الشيء حتى لا يبقى ~~قلب ذلك المكلف متعلقا به / فهذا المعنى غير ممتنع ، ثم لا يبعد أيضا أنه ~~لو ذكر ربه عند تلك الحالة وعدل عن الإعجاب وسأل ربه تقية ذلك ، فعنده ~~تتعين المصلحة ولما كانت هذه العادة مطردة لا جرم قيل العين حق . # / الوجه الثالث : وهو قول الحكماء قالوا هذا الكلام مبني على مقدمة وهي ~~أنه ليس من شرط المؤثر أن PageV18P138 يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات ~~المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بل قد يكون التأثير ~~نفسانيا محضا ، ولا يكون للقوى الجسمانية بها تعلق والذي يدل عليه أن اللوح ~~الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعا على الأرض ، قدر الإنسان على المشي ~~عليه ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان على المشي عليه ، ~~وما ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه ، فعلمنا أن التأثيرات ~~النفسانية موجودة ، وأيضا أن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذيا له حصل في ~~قلبه غضب ، ويسخن مزاجه جدا فمبدأ ms5161 تلك السخونة ليس إلا ذلك التصور النفساني ~~، ولأن مبدأ الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية ، فلما ثبت أن ~~تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس بحيث ~~تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان . فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس ~~مؤثرة في سائر الأبدان وأيضا جواهر النفوس المختلفة بالماهية فلا يمتنع أن ~~يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن يراه ويتعجب منه ~~، فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه ~~والنفوس النبوية نطقت به فعنده لا يبقى في وقوعه شك . # وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه ~~الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده . # القول الثاني : وهو قول أبي علي الجبائي : أن أبناء يعقوب اشتهروا بمصر ~~وتحدث الناس بهم وبحسهم وكمالهم . فقال : { لا تدخلوا } تلك المدينة { من ~~باب واحد } على ما أنتم عليه من العدد والهيئة فلم يأمن عليهم حسد الناس أو ~~يقال : لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم ، واعلم أن ~~هذا الوجه محتمل لا إنكار فيه إلا أن القول الأول قد بينا أنه لا امتناع ~~فيه بحسب العقل والمفسرون أطبقوا عليه فوجب المصير إليه ، ونقل عن الحسن ~~أنه قال : خاف عليهم العين ، فقال : { لا تدخلوا من باب واحد } ثم رجع إلى ~~علمه وقال : { وما أغنى عنكم من الله من شىء } وعرف أن العين ليست بشيء ~~وكان قتادة يفسر الآية بإصابة العين ويقول : ليس في قوله : { وما أغنى عنكم ~~من الله من شىء } إبطال له لأن العين وإن صح فالله قادر على دفع أثره . # القول الثالث : أنه عليه السلام كان عالما بأن ملك مصر هو ولده يوسف إلا ~~أن الله تعالى ما أذن له في إظهار ذلك فلما بعث أبناءه إليه قال : { لا * ~~تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } وكان غرضه أن يصل بنيامين ~~إلى يوسف في وقت الخلوة ، وهذا قول إبراهيم ms5162 النخعي ، فأما / قوله : { وما ~~أغنى عنكم من الله من شىء } فاعلم أن الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب ~~المعتبرة في هذا العالم ومأمور أيضا بأن يعتقد ويجزم بأنه لا يصل إليه إلا ~~ما قدره الله تعالى وأن الحذر لا ينجي من القدر ، فإن الإنسان مأمور بأن ~~يحذر عن الأشياء المهلكة ، والأغذية الضارة ، ويسعى في تحصيل المنافع ودفع ~~المضار بقدر الإمكان ثم إنه مع ذلك ينبغي أن يكون جازما بأنه لا يصل إليه ~~إلا ما قدره الله ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله فقوله عليه السلام ~~: { لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } فهو إشارة إلى رعاية ~~الأسباب المعتبرة في هذا العالم / وقوله : { وما أغنى عنكم من الله من شىء ~~} إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب وإلى التوحيد المحض والبراءة عن كل ~~شيء سوء الله تعالى وقول القائل : كيف السبيل إلى الجمع بين هذين القولين ، ~~فهذا PageV18P139 السؤال غير مختص به ، وذلك لأنه لا نزاع في أنه لا بد من ~~إقامة الطاعات ، والاحتراز عن المعاصي والسيئات مع أنا نعتقد أن السعيد من ~~سعد في بطن أمه ، وأن الشقي من شقي في بطن أمه فكذا ههنا نأكل ونشرب ونحترز ~~عن السموم وعن الدخول في النار مع أن الموت والحياة لا يحصلان إلا بتقدير ~~الله تعالى ، فكذا ههنا ، فظهر أن هذا السؤال غير مختص بهذا المقام ، بل هو ~~بحث عن سر مسألة الجبر والقدر ، بل الحق أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى ~~الجهد والقدرة ، وبعد ذلك السعي البليغ والجد الجهيد فإنه يعلم أن كل ما ~~يدخل في الوجود فلا بد وأن يكون بقضاء الله تعالى ومشيئته وسابق حكمه ~~وحكمته ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى ، فقال : { إن الحكم إلا لله } . # واعلم أن هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا في القضاء والقدر ، وذلك لأن ~~الحكم عبارة عن الإلزام والمنع من النقيض وسميت حكمة الدابة بهذا الاسم ، ~~لأنها تمنع الدابة عن الحركات الفاسدة والحكم إنما سمي حكما لأنه يقتضي ~~ترجيح أحد ms5163 طرفي الممكن على الآخر بحيث يصير الطرف الآخر ممتنع الحصول ، ~~فبين تعالى أن الحكم بهذا التفسير ليس إلا لله سبحانه وتعالى ، وذلك يدل ~~على أن جميع الممكنات مستندة إلى قضائه وقدره ومشيئته وحكمه ، إما بغير ~~واسطة وإما بواسطة ثم قال : { عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون } ومعناه ~~أنه لما ثبت أن الكل من الله ثبت أنه لا توكل إلا على الله وأن الرغبة ليست ~~إلا في رجحان وجود الممكنات على عدمها وذلك الرجحان المانع عن النقيض هو ~~الحكم ، وثبت بالبرهان أنه لا حكم إلا لله فلزم القطع بأن حصول كل الخيرات ~~ودفع كل الآفات من الله ، ويوجب أنه لا توكل إلا على الله فهذا مقام شريف ~~عال ونحن قد أشرنا إلى ما هو البرهان الحق فيه والشيخ أبو حامد الغزالي ~~رحمه الله أطنب في تقرير هذا المعنى في كتاب التوكل من كتاب ( إحياء علوم ~~الدين ) فمن أراد الاستقصاء فيه فليطالع ذلك الكتاب . # ! 7 < { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى عنهم من الله من شىء ~~إلا حاجة فى نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولاكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } . > 7 ! # / < < # | يوسف : ( 68 ) ولما دخلوا من . . . . . # > > قال المفسرون : لما قال يعقوب : { وما أغنى عنكم من الله من شىء } ( ~~يوسف : 67 ) صدقه الله في ذلك فقال : وما كان ذلك التفرق يغني من الله من ~~شيء وفيه بحثان : # البحث الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ذلك التفرق ما كان يرد قضاء ~~الله ولا أمرا قدره الله . وقال الزجاج : إن العين لو قدر أن تصيبهم ~~لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم وهم مجتمعون . وقال ابن الأنباري : لو سبق ~~في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم ، وهذه ~~الكلمات متقاربة ، وحاصلها أن الحذر لا يدفع القدر . # البحث الثاني : قوله : { من شىء } يحتمل النصب بالمفعولية والرفع ~~بالفاعلية . PageV18P140 # أما الأول : فهو كقوله : ما رأيت من أحد ، والتقدير : ما رأيت أحدا ، ~~فكذا ههنا تقدير الآية : أن تفرقهم ما كان يغني من قضاء ms5164 الله شيئا ، أي ذلك ~~التفرق ما كان يخرج شيئا من تحت قضاء الله تعالى . # وأما الثاني : فكقولك : ما جاءني من أحد ، وتقديره ما جاءني أحد فكذا ~~ههنا التقدير : ما كان يغني عنهم من الله شيء مع قضائه . # أما قوله : { إلا حاجة فى نفس يعقوب قضاها } فقال الزجاج : إنه استثناء ~~منقطع ، والمعنى : لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها ، يعني أن الدخول على صفة ~~التفرق قضاء حاجة في نفس يعقوب قضاها ، ثم ذكروا في تفسير تلك الحاجة وجوها ~~: أحدها : خوفه عليهم من إصابة العين ، وثانيها : خوفه عليهم من حسد أهل ~~مصر ، وثالثها : خوفه عليهم من أن يقصدهم ملك مصر بشر ، ورابعها : خوفه ~~عليهم من أن لا يرجعوا إليه ، وكل هذه الوجوه متقاربة . # وأما قوله : { وإنه لذو علم لما علمناه } فقال الواحدي : يحتمل أن يكون { ~~ما } مصدرية والهاء عائدة إلى يعقوب ، والتقدير : وإنه لذو علم من أجل ~~تعليمنا إياه ، ويمكن أن تكون { ما } بمعنى الذي والهاء / عائدة إليها ، ~~والتأويل وإنه لذو علم للشيء الذي علمناه ، يعني أنا لما علمناه شيئا حصل ~~له العلم بذلك الشيء وفي الآية قولان آخران : الأول : أن المراد بالعلم ~~الحفظ ، أي أنه لذو حفظ لما علمناه ومراقبة له والثاني : لذو علم لفوائد ما ~~علمناه وحسن آثاره وهو إشارة إلى كونه عاملا بما علمه ، ثم قال : { ولاكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } وفيه وجهان : الأول : ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~مثل ما علم يعقوب . والثاني : لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة والعلم ، ~~والمراد بأكثر الناس المشركون ، فإنهم لا يعلمون بأن الله كيف أرشد أولياءه ~~إلى العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة . # ! 7 < { ولما دخلوا على يوسف آوىإليه أخاه قال إنىأنا أخوك فلا تبتئس بما ~~كانوا يعملون * فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية فى رحل أخيه ثم أذن مؤذن ~~أيتها العير إنكم لسارقون * قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا نفقد ~~صواع الملك ولمن جآء به حمل بعير وأنا به زعيم } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 69 - 72 ) ولما دخلوا على . . . . . # > > # اعلم أنهم لما أتوه بأخيه بنيامين ms5165 أكرمهم وأضافهم وأجلس كل اثنين منهم ~~على مائدة فبقي بنيامين وحده فبكى وقال لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه ~~فقال يوسف بقي أخوكم وحيدا فأجلسه معه على مائدة ثم أمر أن ينزل منهم كل ~~اثنين بيتا وقال : هذا لا ثاني له فاتركوه معي فآواه إليه ، ولما رأى يوسف ~~تأسفه على أخ له هلك قال له : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك قال : من ~~يجد أخا مثلك ولكنك لم يلدك PageV18P141 يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف عليه ~~السلام وقام إليه وعانقه وقال : إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { اوى إليه أخاه } أي أنزله في الموضع الذي ~~كان يأوي إليه . وقوله : { إنى أنا أخوك } فيه قولان : قال وهب : لم يرد ~~أنه أخوه من النسب ، ولكن أراد به إني / أقوم لك مقام أخيك في الإيناس لئلا ~~تستوحش بالتفرد . والصحيح ما عليه سائر المفسرين من أنه أراد تعريف النسب ، ~~لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة وحصول الأنس ، ولأن الأصل في الكلام الحقيقة ~~، فلا وجه لصرفه عنها إلى المجاز من غير ضرورة . # وأما قوله : { فلا تبتئس } فقال أهل اللغة : تبتئس تفتعل من البؤس وهو ~~الضرر والشدة والابتئاس اجتلاب الحزن والبؤس . وقوله : { بما كانوا يعملون ~~} فيه وجوه : الأول : المراد بما كانوا يعملون من إقامتهم على حسدنا والحرص ~~على انصراف وجه أبينا عنا ، الثاني : أن يوسف عليه السلام ما بقي في قلبه ~~شيء من العداوة وصار صافيا مع إخوته ، فأراد أن يجعل قلب أخيه صافيا معه ~~أيضا ، فقال : { فلا تبتئس بما كانوا يعملون } أي لا تلتفت إلى ما صنعوه ~~فيما تقدم ، ولا تلتفت إلى أعمالهم المنكرة التي أقدموا عليها . الثالث : ~~أنهم إنما فعلوا بيوسف ما فعلوه ، لأنهم حسدوه على إقبال الأب عليه وتخصيصه ~~بمزيد الإكرام ، فخاف بنيامين أن يحسدوه بسبب أن الملك خصه بمزيد الإكرام ، ~~فأمنه منه وقال : لا تلتفت إلى ذلك فإن الله قد جمع بيني وبينك . الرابع : ~~روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن إخوة ms5166 يوسف عليه السلام كانوا ~~يعيرون يوسف وأخاه بسبب أن جدهما أبا أمهما كان يعبد الأصنام ، وأن أم يوسف ~~امرأت يوسف فسرق جونة كانت لأبيها فيها أصنام رجاء أن يترك عبادتها إذا ~~فقدها . فقال له : { فلا تبتئس بما كانوا يعملون } أي من التعيير لنا بما ~~كان عليه جدنا . والله أعلم . # ثم قال تعالى : { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية فى رحل أخيه } وقد مضى ~~الكلام في الجهاز والرحل ، أما السقاية فقال صاحب ( الكشاف ) : مشربة يسقي ~~بها وهو الصواع قيل : كان يسقي بها الملك ثم جعلت صاعا يكال به ، وهو بعيد ~~لأن الإناء الذي يشرب الملك الكبير منه لا يصلح أن يجعل صاعا ، وقيل : كانت ~~الدواب تسقى بها ويكال بها أيضا وهذا أقرب ، ثم قال وقيل كانت من فضة مموهة ~~بالذهب ، وقيل : كانت من ذهب ، وقيل : كانت مرصعة بالجواهر وهذا أيضا بعيد ~~لأن الآنية التي يسقى الدواب فيها لا تكون كذلك ، والأولى أن يقال : كان ~~ذلك الإناء شيئا له قيمة / أما إلى هذا الحد الذي ذكروه فلا . # ثم قال تعالى : { ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون } يقال : أذنه أي ~~أعلمه وفي الفرق بين أذن وبين أذن وجهان : قال ابن الأنباري : أذن معناه ~~أعلم إعلاما بعد إعلام لأن فعل يوجب تكرير الفعل قال ويجوز أن يكون إعلاما ~~واحدا من قبيل أن العرب تجعل فعل بمعنى أفعل في كثير من المواضع ، وقال ~~سيبويه : أذنت وأذنت معناه أعلمت لا فرق بينهما ، والتأذين معناه : النداء ~~والتصويت بالإعلام . # / وأما قوله تعالى : { أيتها العير إنكم لسارقون } قال أبو الهيثم : كل ~~ما سير عليه من الإبل والحمير والبغال فهو عير وقول من قال العير الإبل ~~خاصة باطل ، وقيل : العير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي ~~PageV18P142 تذهب وتجيء ، وقيل : هي قافلة الحمير ، ثم كثر ذلك حتى قيل لكل ~~قافلة عير كأنها جمع عير وجمعها فعل كسقف وسقف . # إذا عرفت هذا فنقول : { أيتها العير } المراد أصحاب العير كقوله : يا خيل ~~الله اركبي وقرأ ابن مسعود : { وجعل * السقاية } على حذف جواب ms5167 لما كأنه قيل ~~فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه أمهلهم حتى انطلقوا { ثم أذن ~~مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون } . # فإن قيل : هل كان ذلك النداء بأمر يوسف أو ما كان بأمره ؟ فإن كان بأمره ~~فكيف يليق بالرسول الحق من عند الله أن يتهم أقواما وينسبهم إلى السرقة ~~كذبا وبهتانا ، وإن كان الثاني وهو أنه ما كان ذلك بأمره فهلا أنكره وهلا ~~أظهر براءتهم عن تلك التهمة . # قلنا : العلماء ذكروا في الجواب عنه وجوها : الأول : أنه عليه السلام لما ~~أظهر لأخيه أنه يوسف قال له : إني أريد أن أحبسك ههنا ، ولا سبيل إليه إلا ~~بهذه الحيلة فإن رضيت بها فالأمر لك فرضي بأن يقال في حقه ذلك ، وعلى هذا ~~التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام فخرج عن كونه ذنبا . والثاني : أن ~~المراد إنكم لسارقون يوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام والمعاريض ~~لا تكون إلا كذلك . والثالث : أن ذلك المؤذن ربما ذكر ذلك النداء على سبيل ~~الاستفهام ، وعلى هذا التقدير يخرج عن أن يكون كذبا . الرابع : ليس في ~~القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف عليه السلام والأقرب إلى ظاهر ~~الحال أنهم فعلوا ذلك من أنفسهم لأنهم لما طلبوا السقاية وما وجدوها وما ~~كان هناك أحد إلا هم غلب على ظنونهم أنهم هم الذين أخذوها ثم إن إخوة يوسف ~~{ قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون } وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي { تفقدون ~~} من أفقدته إذا وجدته فقيدا قالوا تفقد صواع الملك . قال صاحب ( الكشاف ) ~~: قرىء صواع وصاع وصوع وصوع بفتح الصاد وضمها ، والعين معجمة وغير معجمة . ~~قال بعضهم جمع صواع صيعان ، كغراب وغربان ، وجمع صاع أصواع ، كباب وأبواب . ~~وقال آخرون : لا فرق بين الصاع والصواع ، والدليل عليه قراءة أبي هريرة : { ~~قالوا نفقد * وقال الملك } وقال بعضهم : الصواع اسم ، والسقاية وصف ، ~~كقولهم : كوز وسقاء ، فالكوز اسم والسقاء وصف . # ثم قال : { ولمن جاء به حمل بعير } أي من الطعام { أنا * به زعيم } قال ~~مجاهد : الزعيم هو المؤذن الذي أذن ms5168 . وتفسير زعيم كفيل . قال الكلبي : ~~الزعيم الكفيل بلسان أهل اليمن . وروى أبو عبيدة / عن الكسائي : زعمت به ~~تزعم زعما وزعامة . أي كفلت به ، وهذه الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة ~~في شرعهم ، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ( الزعيم ~~غارم ) . # فإن قيل : هذه كفالة بشيء مجهول ؟ # قلنا : حمل بعير من الطعام كان معلوما عندهم ، فصحت الكفالة به إلا أن ~~هذه الكفالة مال لرد سرقة / وهو كفالة بما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن ~~يأخذ شيئا على رد السرقة ، ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم . # PageV18P143 ! 7 < { قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى الا رض وما ~~كنا سارقين * قالوا فما جزآؤه إن كنتم كاذبين * قالوا جزؤه من وجد فى رحله ~~فهو جزاؤه كذالك نجزى الظالمين } . > 7 < < # | يوسف : ( 73 - 75 ) قالوا تالله لقد . . . . . # > @QE@ # قال البصريون : الواو في { والله } بدل من التاء والتاء بدل من الواو ~~فضعفت عن التصرف في سائر الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز ~~وجل . قال المفسرون : حلفوا على أمرين : أحدهما : على أنهم ما جاؤا لأجل ~~الفساد في الأرض لأنه ظهر من أحواله امتناعهم من التصرف في أموال الناس ~~بالكلية لا بالأكل ولا بإرسال الدواب في مزارع الناس ، حتى روي أنهم كانوا ~~قد سدوا أفواه دوابهم لئلا تعبث في زرع ، وكانوا مواظبين على أنواع الطاعات ~~، ومن كانت هذه صفته فالفساد في الأرض لا يليق به . والثاني : أنهم ما ~~كانوا سارقين ، وقد حصل لهم فيه شاهدا قاطع ، وهو أنهم لما وجدوا بضاعتهم ~~في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر ولم يستحلوا أخذها ، والسارق لا يفعل ~~ذلك ألبتة ثم لما بينوا براءتهم عن تلك التهمة قال أصحاب يوسف عليه السلام ~~: { فما جزاؤه إن كنتم كاذبين } فأجابوا و { قالوا جزؤه من وجد فى رحله فهو ~~جزاؤه } قال ابن عباس كانوا في ذلك الزمان يستعبدون كل سارق بسرقته وكان ~~استعباد السارق في شرعهم يجري مجرى وجوب القطع في شرعنا ، والمعنى جزاء ms5169 هذا ~~الجرم من وجد المسروق في رحله ، أي ذلك الشخص هو جزاء ذلك الجرم ، والمعنى ~~: أن استعباده هو جزاء ذلك الجرم ، قال الزجاج : وفيه وجهان : أحدهما : أن ~~يقال جزاؤه مبتدأ ومن وجد في رحله خبره . والمعنى : جزاء السرقة هو الإنسان ~~الذي / وجد في رحله السرقة ، ويكون قوله : { فهو جزاؤه } زيادة في البيان ~~كما تقول جزاء السارق القطع فهو جزاؤه . الثاني : أن يقال : { جزاؤه } ~~مبتدأ وقوله : { من وجد فى رحله فهو جزاؤه } جملة وهي في موضع خبر المبتدأ ~~. والتقدير : كأنه قيل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ، إلا أنه أقام المضمر ~~للتأكيد والمبالغة في البيان وأنشد النحويون : # % لا أرى الموت يسبق الموت شيء % % نغص الموت الغني والفقيرا % # وأما قوله : { كذالك نجزى الظالمين } أي مثل هذا الجزاء جزاء الظالمين ~~يريد إذا سرق استرق ثم قيل : هذا من بقية كلام أخوة يوسف . وقيل : إنهم لما ~~قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، فقال أصحاب يوسف : { كذالك نجزى ~~الظالمين } . # ! 7 < { فبدأ بأوعيتهم قبل وعآء أخيه ثم استخرجها من وعآء أخيه كذالك ~~كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك إلا أن يشآء الله نرفع درجات من ~~نشآء وفوق كل ذى علم عليم } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 76 ) فبدأ بأوعيتهم قبل . . . . . # > > PageV18P144 # اعلم أن إخوة يوسف لما أقروا بأن من وجد المسروق في رحله فجزاؤه أن يسترق ~~قال لهم المؤذن : إنه لا بد من تفتيش أمتعتكم ، فانصرف بهم إلى يوسف { فبدأ ~~بأوعيتهم قبل وعاء أخيه } لإزالة التهمة والأوعية جمع الوعاء وهو كل ما إذا ~~وضع فيه شيء أحاط به استخرجها من وعاء أخيه ، وقرأ الحسن { وعاء أخيه } بضم ~~الواو وهي لغة ، وقرأ سعيد بن جبير { من أخيه } فقلب الواو همزة . # فإن قيل : لم ذكر ضمير الصواع مرات ثم أنثه ؟ # قلنا : قالوا رجع ضمير المؤنث إلى السقاية وضمير المذكر إلى الصواع أو ~~يقال : الصواع يؤنث ويذكر ، فكان كل واحد منهما جائزا أو يقال : لعل يوسف ~~كان يسميه سقاية وعبيده صواعا فقد وقع فيما يتصل به من ms5170 الكلام سقاية وفيما ~~يتصل بهم صواعا ، عن قتادة أنه قال : كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله ~~تائبا مما قذفهم به ، حتى إنه لما لم يبق إلا أخوه قال ما أرى هذا قد أخذ ~~شيئا ، / فقالوا : لا نذهب حتى تتفحص عن حاله أيضا ، فلما نظروا في متاعه ~~استخرجوا الصواع من وعائه والقوم كانوا قد حكموا بأن من سرق يسترق ، فأخذوا ~~برقبته وجروا به إلى دار يوسف . # ثم قال تعالى : { كذالك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك } ~~وفيه بحثان : الأول : المعنى ومثل ذلك الكيد كدنا ليوسف ، وذلك إشارة إلى ~~الحكم باسترقاق السارق ، أي مثل هذا الحكم الذي ذكره إخوة يوسف حكمنا ليوسف ~~. الثاني : لفظ الكيد مشعر بالحيلة والخديعة ، وذلك في حق الله تعالى محال ~~إلا أنا ذكرنا قانونا معتبرا في هذا الباب ، وهو أن أمثال هذه الألفاظ تحمل ~~على نهايات الأغراض لا على بدايات الأغراض ، وقررنا هذا الأصل في تفسير ~~قوله تعالى : { إن الله لا * يستحى } ( البقرة : 26 ) فالكيد السعي في ~~الحيلة والخديعة ، ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه ولا ~~سبيل له إلى دفعه ، فالكيد في حق الله تعالى محمول على هذا المعنى . ثم ~~اختلفوا في المراد بالكيد ههنا فقال بعضهم : المراد أن إخوة يوسف سعوا في ~~إبطال أمر يوسف ، والله تعالى نصره وقواه وأعلى أمره . وقال آخرون : المراد ~~من هذا الكيد هو أنه تعالى ألقى في قلوب إخوته أن حكموا بأن جزاء السارق هو ~~أن يسترق ، لا جرم لما ظهر الصواع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق ، وصار ~~ذلك سببا لتمكن يوسف عليه السلام من إمساك أخيه عند نفسه . # ثم قال تعالى : { ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك } والمعنى : أنه كان ~~حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما سرق ، فما كان يوسف قادرا على ~~حبس أخيه عند نفسه بناء على دين الملك وحكمه ، إلا أنه تعالى كاد له ما جرى ~~على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق فقد بينا ms5171 أن هذا الكلام توسل ~~به إلى أخذ أخيه وحبسه عند نفسه وهو معنى قوله : { إلا أن يشاء الله } ثم ~~قال : { نرفع درجات من نشاء } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ حمزة وعاصم والكسائي { درجات } بالتنوين غير مضاف ، ~~والباقون بالإضافة . # المسألة الثانية : المراد من قوله : { نرفع درجات من نشاء } هو أنه تعالى ~~يريه وجوه الصواب في بلوغ PageV18P145 المراد ، ويخصه بأنواع العلوم ، ~~وأقسام الفضائل ، والمراد ههنا هو أنه تعالى رفع درجات يوسف على إخوته في ~~كل شيء . # واعلم أن هذه الآية تدل على أن العلم أشرف المقامات وأعلى الدرجات ، لأنه ~~تعالى لما هدى يوسف إلى هذه الحيلة والفكرة مدحه لأجل ذلك فقال : { نرفع ~~درجات من نشاء } وأيضا وصف إبراهيم عليه السلام بقوله : { نرفع درجات من ~~نشاء } ( الأنعام : 83 ) عند إيراده ذكر دلائل التوحيد والبراءة عن / إلهية ~~الشمس والقمر والكواكب ووصف ههنا يوسف أيضا بقوله : { نرفع درجات من نشاء } ~~لما هداه إلى هذه الحيلة وكم بين المرتبتين من التفاوت . # ثم قال تعالى : { وفوق كل ذى علم عليم } والمعنى أن إخوة يوسف عليه ~~السلام كانوا علماء فضلاء ، إلا أن يوسف كان زائدا عليهم في العلم . # واعلم أن المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى عالم بذاته لا بالعلم ~~فقالوا : لو كان عالما بالعلم لكان ذا علم ولو كان كذلك ، لحصل فوقه عليم ~~تمسكا بعموم هذه الآية وهذا باطل . # واعلم أن أصحابنا قالوا دلت سائر الآيات على إثبات العلم لله تعالى وهي ~~قوله : { إن الله عنده علم الساعة } ( لقمان : 34 ) { أنزله بعلمه } ( ~~النساء : 166 ) { لا * يحيطون بشيء من علمه } ( البقرة : 255 ) { ما تحمل * ~~من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } ( فاطر : 11 ) وإذا وقع التعارض فنحن نحمل ~~الآية التي تمسك الخصم بها على واقعة يوسف وإخوته خاصة غاية ما في الباب ~~أنه يوجب تخصيص العموم ، إلا أنه لا بد من المصير إليه لأن العالم مشتق من ~~العلم ، والمشتق مركب والمشتق منه مفرد ، وحصول المركب بدون حصول المفرد ~~محال في بديهة العقل فكان الترجيح من جانبنا . # ! 7 < { قالوا ms5172 إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف فى نفسه ولم ~~يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 77 ) قالوا إن يسرق . . . . . # > > اعلم أنه لما خرج الصواع من رحل أخي يوسف نكس إخوته رؤسهم وقالوا : ~~هذه الواقعة عجيبة أن راحيل ولدت ولدين لصين ، ثم قالوا : يا بني راحيل ما ~~أكثر البلاء علينا منكم ، فقال بنيامين ماأكثر البلاء علينا منكم ذهبتم ~~بأخي وضيعتموه في المفازة ، ثم تقولون لي هذا الكلام ، قالوا له : فكيف خرج ~~الصواع من رحلك ، فقال : وضعه في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم . # واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أنهم قالوا للملك : إن هذا الأمر ليس بغريب ~~منه فإن أخاه الذي هلك كان أيضا سارقا ، وكان غرضهم من هذا الكلام أنا لسنا ~~على طريقته ولا على سيرته ، وهو وأخوه مختصان بهذه الطريقة لأنهما من أم ~~أخرى ، واختلفوا في السرقة التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام على أقوال : ~~الأول : PageV18P146 قال سعيد بن جبير : كان جده أبو أمه كافرا يعبد ~~الأوثان فأمرته / أمه بأن يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادة ~~الأوثان ففعل ذلك ، فهذا هو السرقة ، والثاني : أنه كان يسرق الطعام من ~~مائدة أبيه ويدفعه إلى الفقراء ، وقيل سرق عناقا من أبيه ودفعه إلى المسكين ~~وقيل دجاجة . والثالث : أن عمته كانت تحبه حبا شديدا فأرادت أن تمسكه عند ~~نفسها ، وكان قد بقي عندها منطقة لاسحق عليه السلام وكانوا يتبركون بها ~~فشدتها على وسط يوسف ثم قالت بأنه سرقها وكان من حكمهم بأن من سرق يسترق ، ~~فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند نفسها . والرابع : أنهم كذبوا عليه ~~وبهتوه وكانت قلوبهم مملوءة بالغضب على يوسف بعد تلك الوقائع ، وبعد انقضاء ~~تلك المدة الطويلة ، وهذه الواقعة تدل على أن قلب الحاسد لا يطهر عن الغل ~~ألبتة . # ثم قال تعالى : { فأسرها يوسف فى نفسه ولم يبدها لهم } واختلفوا في أن ~~الضمير في قوله : { فأسرها يوسف } إلى أي شيء يعود على قولين قال الزجاج : ~~فأسرها إضمار على شريطة ms5173 التفسير ، تفسيره أنتم شر مكانا وإنما أنث لأن قوله ~~: { أنتم شر مكانا } جملة أو كلمة لأنهم يسمون الطائفة من الكلام كلمة كأنه ~~قال : فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله : { أنتم شر مكانا } وفي قراءة ~~ابن مسعود { فأسر } بالتذكير يريد القول أو الكلام وطعن أبو علي الفارسي في ~~هذا الوجه فيما استدركه على الزجاج من وجهين : # الوجه الأول : قال الإضمار على شريطة التفسير يكون على ضربين : أحدهما : ~~أن يفسر بمفرد كقولنا : نعم رجلا زيد ففي نعم ضمير فاعلها ، ورجلا تفسير ~~لذلك الفاعل المضمر والآخر أن يفسر بجملة وأصل هذا يقع في الابتداء كقوله : ~~{ فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا } ( الأنبياء : 97 ) { قل هو الله أحد } ~~( الصمد : 1 ) والمعنى القصة شاخصة أبصار الذين كفروا والأمر الله أحد . ثم ~~إن العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر تدخل عليه أيضا نحو إن كقوله : { ~~إنه من يأت ربه مجرما } ( طه : 74 ) { فإنها لا * لاولى الابصار } ( الحج : ~~46 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : نفس المضمر على شريطة التفسير في كلا القسمين متصل ~~بالجملة التي حصل منها الإضمار ، ولا يكون خارجا عن تلك الجملة ولا مباينا ~~لها . وههنا التفسير منفصل عن الجملة التي حصل منها الإضمار فوجب أن لا ~~يحسن . والثاني : أنه تعالى قال : { أنتم شر مكانا } وذلك يدل على أنه ذكر ~~هذا الكلام ، ولو قلنا : إنه عليه السلام أضمر هذا الكلام لكان قوله أنه ~~قال ذلك كذبا . واعلم أن هذا الطعن ضعيف لوجوه : # أما الأول : فلأنه لا يلزم من حسن القسمين الأولين قبح قسم ثالث . # وأما الثاني : فلأنا نحمل ذلك على أنه عليه السلام قال ذلك على سبيل ~~الخفية وبهذا التفسير يسقط هذا السؤال . # / والوجه الثاني : وهو أن الضمير في قوله : { فأسرها } عائد إلى الإجابة ~~كأنهم قالوا : { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } فأسر يوسف إجابتهم في نفسه ~~في ذلك الوقت ولم يبدها لهم في تلك الحالة إلى وقت ثان ويجوز أيضا أن يكون ~~إضمارا للمقالة . والمعنى : أسر يوسف مقالتهم ، والمراد من المقالة متعلق ~~تلك ms5174 المقالة كما يراد بالخلق المخلوق وبالعلم المعلوم يعني أسر يوسف في ~~نفسه كيفية تلك السرقة ، ولم يبين لهم PageV18P147 أنها كيف وقعت وأنه ليس ~~فيها ما يوجب الذم والطعن . روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عوقب ~~يوسف عليه السلام ثلاث مرات لأجل همه بها ، عوقب بالحبس وبقوله : { اذكرنى ~~عند ربك } ( يوسف : 42 ) عوقب بالحبس الطويل وبقوله : { إنكم لسارقون } ( ~~يوسف : 7 ) عوقب بقولهم : { فقد سرق أخ له من قبل } ثم حكى تعالى عن يوسف ~~أنه قال : { أنتم شر مكانا } أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى لما أقدمتم ~~عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم فأخذتم أخاكم وطرحتموه في الجب ، ثم قلتم ~~لأبيكم إن الذئب أكله وأنتم كاذبون ، ثم بعتموه بعشرين درهما ، ثم بعد ~~المدة الطويلة والزمان الممتد ما زال الحقد والغضب عن قلوبكم فرميتموه ~~بالسرقة . # ثم قال تعالى : { والله أعلم بما تصفون } يريد أن سرقة يوسف كانت رضا لله ~~، وبالجملة فهذه الوجوه المذكورة في سرقته لا يوجب شيء منها عود الذم ~~واللوم إليه ، والمعنى : والله أعلم بأن هذا الذي وصفتموه به هل يوجب عود ~~مذمة إليه أم لا . # ! 7 < { قالوا ياأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا ~~نراك من المحسنين * قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنآ ~~إذا لظالمون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 78 - 79 ) قالوا يا أيها . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى بين أنهم بعد الذي ذكروه من قولهم : { إن يسرق فقد سرق أخ ~~له من قبل } ( يوسف : 77 ) أحبوا موافقته والعدول إلى طريقة الشفاعة فإنهم ~~وإن كانوا قد اعترفوا أن حكم الله تعالى في السارق أن يستعبد ، إلا أن ~~العفو وأخذ الفداء كان أيضا جائزا ، فقالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا ~~كبيرا أي في السن ، ويجوز أن يكون في القدر والدين ، وإنما ذكروا ذلك لأن ~~كونه ابنا لرجل كبير القدر / يوجب العفو والصفح . ثم قالوا : { فخذ أحدنا ~~مكانه } يحتمل أن يكون المراد على طريق الاستبعاد ويحتمل أن يكون المراد ~~على طريق ms5175 الرهن حتى نوصل الفداء إليك . ثم قالوا : { إنا نراك من المحسنين ~~} وفيه وجوه : أحدها : إنا نراك من المحسنين لو فعلت ذلك . وثانيها : إنا ~~نراك من المحسنين إلينا حيث أكرمتنا وأعطيتنا البذل الكثير وحصلت لنا ~~مطلوبنا على أحسن الوجوه ووردت إلينا ثمن الطعام . وثالثها : نقل أنه عليه ~~السلام لما اشتد القحط على القوم ولم يجدوا شيئا يشترون به الطعام ، وكانوا ~~يبيعون أنفسهم منه فصار ذلك سببا لصيرورة أكثر أهل مصر عبيدا له ثم إنه ~~أعتق الكل ، فلعلهم قالوا : { إنا نراك من المحسنين } إلى عامة الناس ~~بالإعتاق فكن محسنا أيضا إلى هذا الإنسان بإعتاقه من هذه المحنة ، فقال ~~يوسف : { معاذ الله } أي أعود بالله معاذا أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا ~~عنده ، أي أعوذ بالله أن آخذ بريئا بمذنب قال الزجاج : موضع ( أن ) نصب ~~والمعنى : أعوذ بالله من أخذ أحد بغيره فلما سقطت كلمة ( من ) انتصب الفعل ~~عليه وقوله : { إنا إذا لظالمون } أي لقد تعديت وظلمت إن آذيت إنسانا بجرم ~~صدر عن غيره . # فإن قيل : هذه الواقعة من أولها إلى آخرها تزوير وكذب ، فكيف يجوز من ~~يوسف عليه السلام مع PageV18P148 رسالته الإقدام على هذا التزوير والترويج ~~وإيذاء الناس من غير سبب لا سيما ويعلم أنه إذا حبس أخاه عند نفسه بهذه ~~التهمة فإنه يعظم حزن أبيه ويشتد غمه ، فكيف يليق بالرسول المعصوم المبالغة ~~في التزوير إلى هذا الحد . # والجواب : لعله تعالى أمره بذلك تشديدا للمحنة على يعقوب ونهاه عن العفو ~~والصفح وأخذ البدل كما أمر تعالى صاحب موسى بقتل من لو بقي لطغى وكفر . # ! 7 < { فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد ~~أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم فى يوسف فلن أبرح الا رض حتى ~~يأذن لىأبىأو يحكم الله لى وهو خير الحاكمين } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 80 ) فلما استيأسوا منه . . . . . # > > في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أنهم لما قالوا : { فخذ أحدنا مكانه } ( يوسف : ~~78 ) وهو نهاية ما يمكنهم بذله فقال يوسف في جوابه : { معاذ الله ms5176 أن نأخذ ~~إلا من وجدنا متاعنا عنده } ( يوسف : 79 ) فانقطع طمعهم من يوسف عليه ~~السلام في رده ، فعند هذا قال تعالى : { فلما * استيأسوا منه خلصوا نجيا } ~~وهو مبالغة في يأسهم من رده { وقربناه نجيا } أي تفردوا عن سائر الناس ~~يتناجون ولا شبهة أن المراد يتشاورون ويتحيلون الرأي فيما وقعوا فيه ، ~~لأنهم إنما أخذوا بنيامين من أبيهم بعد المواثيق المؤكدة وبعد أن كانوا ~~متهمين في حق يوسف فلو لم يعيدوه إلى أبيهم لحصلت محن كثيرة : أحدها : أنه ~~لو لم يعودوا إلى أبيهم وكان شيخا كبيرا فبقاؤه وحده من غير أحد من أولاده ~~محنة عظيمة . وثانيها : أن أهل بيتهم كانوا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة ~~. وثالثها : أن يعقوب عليه السلام ربما كان يظن أن أولاده هلكوا بالكلية ~~وذلك غم شديد ولو عادوا إلى أبيهم بدون بنيامين لعظم حياؤهم فإن ظاهر الأمر ~~يوهم أنهم خانوه في هذا الابن كما أنهم خانوه في الابن الأول ، ولكان يوهم ~~أيضا أنهم ما أقاموا لتلك المواثيق المؤكدة وزنا ولا شك أن هذا الموضع موضع ~~فكرة وحيرة ، وذلك يوجب التفاوض والتشاور طلبا للأصلح الأصوب فهذا هو ~~المراد من قوله : { فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا } . # المسألة الثانية : قال الواحدي روي عن ابن كثير استياسوا { حتى إذا ~~استيئس الرسل } ( يوسف : 110 ) بغير همز وفي ييئس لغتان يئس وييأس مثل حسب ~~ويحسب ومن قال استيأس قلب العين إلى موضع الفاء فصار استعفل وأصله استيأس ~~ثم خففت الهمزة . قال صاحب ( الكشاف ) : استيأسوا يئسوا ، وزيادة السين ~~والتاء للمبالغة كما في قوله : { * استعصم } ( يوسف : 32 ) وقوله : { منه ~~خلصوا } قال الواحدي : يقال خلص الشيء يخلص خلوصا إذا ذهب عنه الشائب من ~~غيره ، ثم فيه وجهان : الأول : قال الزجاج خلصوا أي انفردوا ، وليس معهم ~~أخوهم ، والثاني : قال الباقون تميزوا عن الأجانب ، وهذا هو الأظهر . وأما ~~قوله : { نجيا } فقال صاحب ( الكشاف ) : النجي على معنيين يكون بمعنى ~~المناجي كالعشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر . ومنه قوله تعالى : { ~~وقربناه نجيا } ( مريم : 52 ) PageV18P149 وبمعنى المصدر الذي هو التناجي ~~كما قيل : النجوى ms5177 بمعنى المتناجين ، فعلى هذا معنى { خلصوا نجيا } اعتزلوا ~~وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم { نجيا } أي مناجيا . روي { ~~نجوى } أي فوجا { نجيا } أي مناجيا لمناجاة بعضهم بعضا ، وأحسن الوجوه أن ~~يقال : إنهم تمحضوا تناجيا ، لأن من كمل حصول أمر من الأمور فيه وصف بأنه ~~صار غير ذلك الشيء ، فلما أخذوا في التناجي على غاية الجد صاروا كأنهم في ~~أنفسهم ، صاروا نفس التناجي حقيقة . # أما قوله تعالى : { قال كبيرهم } فقيل المراد كبيرهم في السن وهو روبيل ، ~~وقيل كبيرهم في العقل / وهو يهودا ، وهو الذي نهاهم عن قتل يوسف ، ثم حكى ~~تعالى عن هذا الكبير أنه قال : { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا ~~من الله ومن قبل ما فرطتم فى يوسف } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما قال يوسف عليه ~~السلام : { معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } ( يوسف : 79 ) ~~غضب يهودا ، وكان إذا غضب وصاح فلا تسمع صوته حامل إلا وضعت ويقوم شعره على ~~جسده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه فقال لبعض إخوته اكفوني أسواق ~~أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال يوسف عليه السلام لابن صغير له مسه فمسه ~~فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف عليه السلام رجله على الأرض وأخذ بملابسه ~~وجذبه فسقط فعنده قال يا أيها العزيز ، فلما أيسوا من قبول الشفاعة تذاكروا ~~وقالوا : إن أبانا قد أخذ علينا موثقا عظيما من الله . وأيضا نحن متهمون ~~بواقعة يوسف فكيف المخلص من هذه الورطة . # المسألة الثانية : لفظ ما في قوله : { ما فرطتم } فيها وجوه : الأول : أن ~~يكون أصله من قبل هذا فرطتم في شأن يوسف عليه السلام ، ولم تحفظوا عهد ~~أبيكم . الثاني : أن تكون مصدرية ومحله الرفع على الابتداء وخبره الظرف ، ~~وهو من قبل . ومعناه وقع من قبل تفريطكم في يوسف ، الثالث : النصب عطفا على ~~مفعول { ألم تعلموا } والتقدير : ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقكم وتفريطكم من ~~قبل في يوسف . الرابع : أن تكون موصولة بمعنى ومن ms5178 قبل هذا ما فرطتموه أي ~~قدمتموه في حق يوسف من الخيانة العظيمة ، ومحله الرفع والنصب على الوجهين ~~المذكورين ، ثم قال : { فلن أبرح الارض } أي فلن أفارق أرض مصر حتى يأذن لي ~~أبي في الانصراف إليه أو يحكم الله لي بالخروج منها أو بالانتصاف ممن أخذ ~~أخي أو بخلاصه من يده بسبب من الأسباب وهو خير الحاكمين ، لأنه لا يحكم إلا ~~بالعدل والحق ، وبالجملة فالمراد ظهور عذر يزول معه حياؤه وخجله من أبيه أو ~~غيره قاله انقطاعا إلى الله تعالى في إظهار عذره بوجه من الوجوه . # ! 7 < { ارجعوا إلى أبيكم فقولوا ياأبانا إن ابنك سرق وما شهدنآ إلا بما ~~علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسئل القرية التى كنا فيها والعير ~~التىأقبلنا فيها وإنا لصادقون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 81 - 82 ) ارجعوا إلى أبيكم . . . . . # > > PageV18P150 # / واعلم أنهم لما تفكروا في الأصوب ما هو ظهر لهم أن الأصوب هو الرجوع ، ~~وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة على الوجه من غير تفاوت ، والظاهر أن هذا ~~القول قاله ذلك الكبير الذي قال : { فلن أبرح الارض حتى يأذن لى أبى } قيل ~~إنه روبيل ، وبقي هو في مصر وبعث سائر إخوته إلى الأب . # فإن قيل : كيف حكموا عليه بأنه سرق من غير بينة ، لا سيما وهو قد أجاب ~~بالجواب الشافي ، فقال الذي جعل الصواع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في ~~رحلكم . # والجواب عنه من وجوه : # الوجه الأول : أنهم شاهدوا أن الصواع كان موضوعا في موضع ما كان يدخله ~~أحد إلا هم ، فلما شاهدوا أنهم أخرجوا الصواع من رحله غلب على ظنونهم أنه ~~هو الذي أخذ الصواع ، وأما قوله : وضع الصواع في رحلي من وضع البضاعة في ~~رحالكم فالفرق ظاهر ، لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم ~~الذين وضعوها في رحالهم ، وأما هذا الصواع فإن أحدا لم يعترف بأنه هو الذي ~~وضع الصواع في رحله فظهر الفرق فلهذا السبب غلب على ظنونهم أنه سرق ، ~~فشهدوا بناء على هذا الظن ، ثم بينهم غير قاطعين بهذا الأمر بقولهم : { وما ~~شهدنا إلا ms5179 بما علمنا وما كنا للغيب حافظين } . # والوجه الثاني : في الجواب أن تقدير الكلام { إن ابنك سرق } في قول الملك ~~وأصحابه ومثله كثير في القرآن . قال تعالى : { إنك لانت الحليم الرشيد } ( ~~هود : 87 ) أي عند نفسك ، وقال تعالى : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( ~~الدخان : 49 ) أي عند نفسك وأما عندنا فلا فكذا ههنا . # الوجه الثالث : في الجواب أن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة ومثل هذا ~~الشيء يسمى سرقة فإن إطلاق اسم أحد الشبيهين على الشبيه الآخر جائز في ~~القرآن قال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) . # الوجه الرابع : أن القوم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت فلا يبعد أن يقال ~~: إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة لا سيما وقد شاهدوا شيئا يوهم ~~ذلك . # الوجه الخامس : أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقرأ { إن ابنك سرق } ~~بالتشديد ، أي نسب إلى السرقة فهذه القراءة لا حاجة بها إلى التأويل لأن ~~القوم نسبوه إلى السرقة ، إلا أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه ~~القراآت لا تدفع السؤال ، لأن الإشكال إنما يدفع إذا قلنا القراءة الأولى ~~باطلة ، والقراءة الحقة هي هذه . أما إذا سلمنا أن القراءة الأولى حقة كان ~~الإشكال باقيا سواء صحت هذه القراءة الثانية أو لم تصح ، فثبت أنه لا بد من ~~الرجوع إلى أحد الوجوه المذكورة / أما قوله : { وما شهدنا إلا بما علمنا } ~~فمعناه ظاهر لأنه يدل على أن الشهادة غير العلم بدليل قوله تعالى : { وما ~~شهدنا إلا بما علمنا } وذلك يقتضي كون الشهادة مغايرة للعلم ولأنه عليه ~~السلام قال : إذا علمت مثل الشمس فاشهد ، وذلك أيضا يقتضي ما ذكرنا وليست ~~الشهادة أيضا عبارة عن قوله أشهد لأن قوله أشهد إخبار عن الشهادة والإخبار ~~عن الشهادة غير الشهادة . # إذا ثبت هذا فنقول : الشهادة عبارة عن الحكم الذهني وهو الذي يسميه ~~المتكلمون بكلام النفس ، وأما قوله : { وما كنا للغيب حافظين } ففيه وجوه : ~~الأول : أنا قد رأينا أنهم أخرجوا الصواع من رحله ، وأما حقيقة الحال فغير ~~معلومة لنا فإن ms5180 الغيب لا يعلمه إلا الله . والثاني : قال عكرمة معناه : لعل ~~الصواع دس في متاعه PageV18P151 بالليل ، فإن الغيب اسم لليل على بعض ~~اللغات . والثالث : قال مجاهد والحسن وقتادة : وما كنا نعلم أن ابنك يسرق ، ~~ولو علمنا ذلك ما ذهبنا به إلى الملك وما أعطيناك موثقا من الله في رده ~~إليك . والرابع : نقل أن يعقوب عليه السلام قال لهم : فهب أنه سرق ولكن كيف ~~عرف الملك أن شرع بني إسرائيل أن من سرق يسترق ، بل أنتم ذكرتموه له لغرض ~~لكم فقالوا عند هذا الكلام : أنا قد ذكرنا له هذا الحكم قبل وقوعنا في هذه ~~الواقعة وما كنا نعلم أن هذه الواقعة نقع فيها فقوله : { وما كنا للغيب ~~حافظين } إشارة إلى هذا المعنى . # فإن قيل : فهل يجوز من يعقوب عليه السلام أن يسعى في إخفاء حكم الله ~~تعالى على هذا القول . # قلنا : لعله كان ذلك الحكم مخصوصا بما إذا كان المسروق منه مسلما فلهذا ~~أنكر ذكر هذا الحكم عند الملك الذي ظنه كافرا . # ثم حكى تعالى عنهم أنهم قالوا : { واسئل القرية التى كنا فيها والعير ~~التى أقبلنا فيها } . # واعلم أنهم لما كانوا متهمين بسبب واقعة يوسف عليه السلام بالغوا في ~~إزالة التهمة عن أنفسهم فقالوا : { واسئل القرية التى كنا فيها } والأكثرون ~~اتفقوا على أن المراد من هذه القرية مصر وقال قوم ، بل المراد منه قرية على ~~باب مصر جرى فيها حديث السرقة والتفتيش ، ثم فيه قولان : الأول : المراد ~~واسأل أهل القرية إلا أنه حذف المضاف للإيجاز والاختصار ، وهذا النوع من ~~المجاز مشهور في لغة العرب قال أبو علي الفارسي ودافع جواز هذا في اللغة ~~كدافع الضروريات وجاحد المحسوسات . والثاني : قال أبو بكر الأنباري المعنى ~~: اسأل القرية والعير والجدار والحيطان فإنها تجيبك وتذكر لك صحة ما ذكرناه ~~لأنك من أكابر أنبياء الله فلا يبعد أن ينطق الله هذه الجمادات معجزة لك ~~حتى تخبر بصحة ما ذكرناه ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن الشيء إذا ظهر ظهورا ~~تاما كاملا فقد يقال فيه ، سل السماء والأرض وجميع ms5181 الأشياء عنه ، والمراد ~~أنه بلغ في الظهور إلى الغاية التي / ما بقي للشك فيه مجال . # أما قوله : { والعير التى أقبلنا فيها } فقال المفسرون كان قد صحبهم قوم ~~من الكنعانيين فقالوا : سلهم عن هذه الواقعة . ثم إنهم لما بالغوا في ~~التأكيد والتقرير قالوا : { وإنا لصادقون } يعني سواء نسبتنا إلى التهمة أو ~~لم تنسبنا إليها فنحن صادقون ، وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم بأنفسهم ~~لأن هذا يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ، بل الإنسان إذا قدم ذكر الدليل ~~القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده وأنا صادق في ذلك يعني فتأمل فيما ~~ذكرته من الدلائل والبينات لتزول عنك الشبهة . # ! 7 < { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم ~~جميعا إنه هو العليم الحكيم } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 83 ) قال بل سولت . . . . . # > > اعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع من أبنائه ذلك الكلام لم يصدقهم ~~فيما ذكروا كما في واقعة PageV18P152 يوسف فقال : { بل سولت لكم أنفسكم ~~أمرا فصبر جميل } فذكر هذا الكلام بعينه في هذه الواقعة إلا أنه قال في ~~واقعة يوسف عليه السلام : { والله المستعان على ما تصفون } ( يوسف : 18 ) ~~وقال ههنا : { عسى الله أن يأتينى بهم جميعا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال بعضهم إن قوله : { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } ليس ~~المراد منه ههنا الكذب والاحتيال كما في قوله في واقعة يوسف عليه السلام ~~حين قال : { بل سولت لكم أنفسكم أمرا } لكنه عنى سولت لكم أنفسكم إخراج ~~بنيامين عني والمصير به إلى مصر طلبا للمنفعة فعاد من ذلك شر وضرر وألححتم ~~علي في إرساله معكم ولم تعلموا أن قضاء الله إنما جاء على خلاف تقديركم ~~وقيل : بل المعنى سولت لكم أنفسكم أمرا خيلت لكم أنفسكم أنه سرق وما سرق . # المسألة الثانية : قيل إن روبيل لما عزم على الإقامة بمصر أمره الملك أن ~~يذهب مع إخوته فقال أتركوني وإلا صحت صيحة لا تبقى بمصر امرأة حامل إلا ~~وتضع حملها فقال يوسف دعوه ولما رجع القوم إلى يعقوب عليه السلام وأخبروه ms5182 ~~بالواقعة بكى وقال : يا بني لا تخرجوا من عندي مرة إلا ونقص بعضكم ، ذهبتم ~~مرة فنقص يوسف ، وفي الثانية نقص شمعون ، وفي هذه الثالثة نقص روبيل ~~وبنيامين ، ثم بكى وقال : عسى الله أن يأتيني بهم جميعا وإنما حكم بهذا ~~الحكم لوجوه : الأول : أنه لما طال حزنه وبلاؤه ومحنته علم أنه تعالى سيجعل ~~له فرجا ومخرجا عن قريب فقال ذلك / على سبيل حسن الظن برحمة الله . والثاني ~~: لعله تعالى قد أخبره من بعد محنة يوسف أنه حي أو ظهرت له علامات ذلك ~~وإنما قال : { عسى الله أن يأتينى بهم جميعا } لأنهم حين ذهبوا بيوسف كانوا ~~إثني عشر فضاع يوسف وبقي أحد عشر ، ولما أرسلهم إلى مصر عادوا تسعة لأن ~~بنيامين حبسه يوسف واحتبس ذلك الكبير الذي قال : { فلن أبرح الارض حتى يأذن ~~لى أبى أو يحكم الله لى } ( يوسف : 80 ) فلما كان الغائبون ثلاثة لا جرم { ~~قال عسى * الله أن يأتينى بهم جميعا } . # ثم قال : { إنه هو العليم الحكيم } يعني هو العالم بحقائق الأمور الحكيم ~~فيها على الوجه المطابق للفضل والإحسان والرحمة والمصلحة . # ! 7 < { وتولى عنهم وقال ياأسفا على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ~~* قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين * قال ~~إنمآ أشكو بثى وحزنى إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون * يابنى اذهبوا ~~فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايأسوا من روح الله إنه لا يايأس من روح الله ~~إلا القوم الكافرون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 84 - 87 ) وتولى عنهم وقال . . . . . # > > PageV18P153 # واعلم أن يعقوب عليه السلام لما سمع كلام أبنائه ضاق قلبه جدا وأعرض عنهم ~~وفارقهم ثم بالآخرة طلبهم وعاد إليهم . # أما المقام الأول : وهو أنه أعرض عنهم ، وفر منهم فهو قوله : { وتولى ~~عنهم وقال ياأسفا * دخلوا على يوسف } . # واعلم أنه لما ضاق صدره بسبب الكلام الذي سمعه من أبنائه في حق بنيامين ~~عظم أسفه على / يوسف عليه السلام : { وقال يأبت * دخلوا على يوسف } وإنما ~~عظم حزنه على مفارقة يوسف عند هذه الواقعة لوجوه ms5183 : # الوجه الأول : أن الحزن الجديد يقوي الحزن القديم الكامن والقدح إذا وقع ~~على القدح كان أوجع وقال متمم بن نويرة : # % وقد لامني عند القبور على البكا % % رفيقي لتذراف الدموع السوافك % # % فقال أتبكي كل قبر رأيته % % لقبر ثوى بين اللوى والدكادك % # % فقلت له إن الأسى يبعث الأسى % % فدعني فهذا كله قبر مالك % # وذلك لأنه إذا رأى قبرا فتجدد حزنه على أخيه مالك فلاموه عليه ، فأجاب ~~بأن الأسى يبعث الأسى . وقال آخر : # % فلم تنسني أو في المصيبات بعده % % ولكن نكاء القرح بالقرح أوجع % # والوجه الثاني : أن بنيامين ويوسف كانا من أم واحدة وكانت المشابهة ~~بينهما في الصورة والصفة أكمل ، فكان يعقوب عليه السلام يتسلى برؤيته عن ~~رؤية يوسف عليه السلام ، فلما وقع ما وقع زال ما يوجب السلوة فعظم الألم ~~والوجد . # الوجه الثالث : أن المصيبة في يوسف كانت أصل مصائبه التي عليها ترتب سائر ~~المصائب والرزايا ، وكان الأسف عليه أسفا على الكل . الرابع : أن هذه ~~المصائب الجديدة كانت أسبابها جارية مجرى الأمور التي يمكن معرفتها والبحث ~~عنها . وأما واقعة يوسف فهو عليه السلام كان يعلم كذبهم في السبب الذي ~~ذكروه ، وأما السبب الحقيقي فما كان معلوما له ، وأيضا أنه عليه السلام كان ~~يعلم أن هؤلاء في الحياة وأما يوسف فما كان يعلم أنه حي أو ميت ، فلهذه ~~الأسباب عظم وجده على مفارقته وقويت مصيبته على الجهل بحاله . # المسألة الثانية : من الجهال من عاب يعقوب عليه السلام على قوله : { فلما ~~دخلوا على يوسف } قال : لأن هذا إظهار للجزع وجار مجرى الشكاية من الله ~~وأنه لا يجوز ، والعلماء بينوا أنه ليس الأمر كما ظنه هذا الجاهل ، وتقريره ~~أنه عليه السلام لم يذكر هذه الكلمة ثم عظم بكاؤه ، وهو المراد من قوله : { ~~وابيضت عيناه من الحزن } ثم أمسك لسانه عن النياحة ، وذكر مالا ينبغي ، وهو ~~المراد من قوله : { فهو كظيم } ثم إنه ما أظهر الشكاية مع أحد من الخلق ~~بدليل قوله : { إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله } وكل ذلك يدل على أنه لما ~~عظمت مصيبته ms5184 وقويت محنته فإنه صبر وتجرع الغصة وما أظهر الشكاية فلا جرم ~~استوجب به المدح العظيم والثناء العظيم . روي أن يوسف عليه السلام سأل ~~جبريل / هل لك علم بيعقوب ؟ قال نعم قال : وكيف حزنه ؟ PageV18P154 قال : ~~حزن سبعين ثكلى وهي التي لها ولد واحد ثم يموت . قال : فهل له فيه أجر ؟ ~~قال : نعم أجر مائة شهيد . # فإن قيل : روي عن محمد بن علي الباقر قال : مر بيعقوب شيخ كبير فقال له ~~أنت إبراهيم فقال : أنا ابن ابنه والهموم غيرتني وذهبت بحسني وقوتي ، فأوحى ~~الله تعالى إليه : ( حتى متى تشكوني إلى عبادي وعزتي وجلالي لو لم تشكني ~~لأبدلنك لحما خيرا من لحمك ودما خيرا من دمك ) فكان من بعد يقول : إنما ~~أشكو بثي وحزني إلى الله وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كان ~~ليعقوب أخ مواخ ) فقال له : ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك فقال الذي أذهب ~~بصري البكاء على يوسف وقوس ظهري الحزن على بنيامين ، فأوحى الله تعالى إليه ~~( أما تستحي تشكوني إلى غيري ) فقال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، فقال ~~يا رب أما ترحم الشيخ الكبير قوست ظهري ، وأذهبت بصري ، فاردد علي ريحانتي ~~يوسف وبنيامين فأتاه جبريل عليه السلام بالبشرى وقال : لو كانا ميتين ~~لنشرتهما لك فاصنع طعاما للمساكين ، فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين ~~، وكان يعقوب عليه السلام إذا أراد الغداء نادى مناديه من أراد الغداء ~~فليتغد مع يعقوب ، وإذا كان صائما نادى مثله عند الإفطار . وروي أنه كان ~~يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر ، فقال له رجل : ما هذا الذي أراه بك ، قال طول ~~الزمان وكثرة الأحزان ، فأوحى الله إليه ( أتشكوني يا يعقوب ) فقال : يارب ~~خطيئة أخطأتها فاغفرها لي . # قلنا : إنا قد دللنا على أنه لم يأت إلا بالصبر والثبات وترك النياحة . ~~وروي أن ملك الموت دخل على يعقوب عليه السلام فقال له : جئت لتقبضني قبل أن ~~أرى حبيبي فقال : لا ، ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك ، وأما البكاء ~~فليس من المعاصي . وروي أن النبي عليه الصلاة ms5185 والسلام : بكى على ولده ~~إبراهيم عليه السلام وقال : ( إن القلب ليحزن والعين تدمع ، ولا نقول : ما ~~يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ) وأيضا فاستيلاء الحزن على ~~الإنسان ليس باختياره ، فلا يكون ذلك داخلا تحت التكليف وأما التأوه وإرسال ~~البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه ، وأما ما ورد في الروايات التي ~~ذكرتم فالمعاتبة فيها إنما كانت لأجل أن حسنات الأبرار سيئات المقربين . ~~وأيضا ففيه دقيقة أخرى وهي أن الإنسان إذا كان في موضع التحير والتردد لا ~~بد وأن يرجع إلى الله تعالى ، فيعقوب عليه السلام ما كان يعلم أن يوسف بقي ~~حيا أم صار ميتا ، فكان متوقفا فيه وبسبب توقفه كان يكثر الرجوع إلى الله ~~تعالى وينقطع قلبه عن الالتفات عن كل ما سوى الله تعالى إلا في هذه الواقعة ~~، وكان أحواله في هذه الواقعة مختلفة ، فربما صار في بعض الأوقات مستغرق ~~الهم بذكر الله تعالى ، فإن عن تذكر هذا الواقعة ، فكان ذكرها كلا سواها ، ~~/ فلهذا السبب صارت هذا الواقعة بالنسبة إليه ، جارية مجرى الإلقاء في ~~النار للخليل عليه السلام ومجرى الذبح لابنه الذبيح . # فإن قيل : أليس أن الأولى عند نزول المصيبة الشديدة أن يقول : { إنا لله ~~وإنا إليه راجعون } ( البقرة : 156 ) حتى يستوجب الثواب العظيم المذكور في ~~قوله : { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } ( البقرة : ~~157 ) . # قلنا : قال بعض المفسرين إنه لم يعط الاسترجاع أمة إلا هذه الأمة فأكرمهم ~~الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة وهذا عندي ضعيف لأن قوله : { إنا لله } إشارة ~~إلى أنا مملوكون لله وهو الذي خلقنا وأوجدنا ، وقوله : { وإنا إليه راجعون ~~} إشارة إلى أنه لا بد من الحشر والقيامة ، ومن المحال أن أمة من الأمم لا ~~يعرفون ذلك فمن عرف عند نزول بعض المصائب به أنه لا بد في العاقبة من رجوعه ~~إلى الله تعالى / فهناك تحصل السلوة التامة عند PageV18P155 تلك المصيبة ، ~~ومن المحال أن يكون لمؤمن بالله غير عارف بذلك . # المسألة الثالثة : قوله : { فلما دخلوا على يوسف } نداء الأسف وهو ms5186 كقوله ~~: ( يا عجبا ) والتقدير كأنه ينادي الأسف ويقول : هذا وقت حصولك وأوان ~~مجيئك وقد قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة منها في تفسير قوله : { حاش لله ~~} ( يوسف : 31 ) والأسف الحزن على ما فات . قال الليث : إذا جاءك أمر فحزنت ~~له ولم تطقه فأنت أسيف أي حزني ومتأسف أيضا . قال الزجاج : الأصل { * يا ~~أسفى } إلا أن ياء الإضافة يجوز إبدالها بالألف لخفة الألف والفتحة . # ثم قال تعالى : { على يوسف وابيضت عيناه من الحزن } وفيه وجهان : # الوجه الأول : أنه لما قال يا أسفى على يوسف غلبه البكاء ، وعند غلبة ~~البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء ~~وقوله : { وابيضت عيناه من الحزن } كناية عن غلبة البكاء ، والدليل على صحة ~~هذا القول أن تأثير الحزن في غلبة البكاء لا في حصول العمى فلو حملنا ~~الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسنا ولو حملناه على العمى لم ~~يحسن هذا التعليل ، فكان ما ذكرناه أولى وهذا للتفسير مع الدليل رواه ~~الواحدي في ( البسيط ) عن ابن عباس رضي الله عنهما . # والوجه الثاني : أن المراد هو العمى قال مقاتل : لم يبصر بهما ست سنين ~~حتى كشف الله تعالى عنه بقميص يوسف عليه السلام وهو قوله : { فألقوه على ~~وجه أبى يأت بصيرا } ( يوسف : 93 ) قيل إن جبريل عليه السلام دخل على يوسف ~~عليه السلام حينما كان في السجن فقال إن بصر أبيك ذهب من / الحزن عليك فوضع ~~يده على رأسه وقال : ليت أمي لم تلدني ولم أك حزنا على أبي ، والقائلون ~~بهذا التأويل قالوا : الحزن الدائم يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى ، ~~فالحزن كان سببا للعمى بهذه الواسطة ، وإنما كان البكاء الدائم يوجب العمى ~~، لأنه يورث كدورة في سوداء العين ، ومنهم من قال : ما عمي لكنه صار بحيث ~~يدرك إدراكا ضعيفا . قيل : ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف عليه السلام ~~إلى حين لقائه ، وتلك المدة ثمانون عاما ، وما كان على وجه الأرض عبدا أكرم ~~على الله تعالى من يعقوب عليه ms5187 السلام . # أما قوله تعالى : { من الحزن } فاعلم أنه قرىء { من الحزن } بضم الحاء ~~وسكون الزاي ، وقرأ الحسن بفتح الحاء والزاي . قال الواحدي : واختلفوا في ~~الحزن والحزن فقال قوم : الحزن البكاء والحزن ضد الفرح ، وقال قوم : هما ~~لغتان يقال أصابه حزن شديد ، وحزن شديد ، وهو مذهب أكثر أهل اللغة ، وروى ~~يونس عن أبي عمرو قال : إذا كان في موضع النصب فتحوا الحاء والزاي كقوله : ~~{ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا } ( التوبة : 92 ) وإذا كان في موضع ~~الخفض أو الرفع ضموا الحاء كقوله : { من الحزن } وقوله : { أشكو بثى وحزنى ~~إلى الله } قال هو في موضع رفع الابتداء . # وأما قوله تعالى : { فهو كظيم } فيجوز أن يكون بمعنى الكاظم وهو الممسك ~~على حزنه فلا يظهره قال ابن قتيبة : ويجوز أن يكون بمعنى المكظوم ، ومعناه ~~المملوء من الحزن مع سد طريق نفسه المصدور من كظم السقاء إذا اشتد على ملئه ~~، ويجوز أيضا أن يكون بمعنى مملوء من الغيظ على أولاده . # واعلم أن أشرف أعضاء الإنسان هذه الثلاثة ، فبين تعالى أنها كانت غريقة ~~في الغم فاللسان كان PageV18P156 مشغولا بقوله : { * يا أسفى } والعين ~~بالبكاء والبياض والقلب بالغم الشديد الذي يشبه الوعاء المملوء الذي شد ولا ~~يمكن خروج الماء منه وهذه مبالغة في وصف ذلك الغم . # أما قوله تعالى : { قالوا تالله * تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون ~~من الهالكين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن السكيت يقال : ما زلت أفعله وما فتئت أفعله وما ~~برحت أفعله ولا يتكلم بهن إلا مع الجحد . قال ابن قتيبة يقال : ما فتيت وما ~~فتئت لغتان فتيا وفتوأ إذا نسيته وانقطعت عنه قال النحويون وحرف النفي ههنا ~~مضمر على معنى قالوا : ما تفتؤا ولا تفتؤ وجاز حذفه لأنه لو أريد الإثبات ~~لكان باللام والنون نحو والله لتفعلن فلما كان بغير اللام والنون عرف أن ~~كلمة لا مضمرة وأنشدوا قول امرىء القيس : # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # / والمعنى : لا أبرح قاعدا ومثله كثير . وأما المفسرون فقال ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وقتادة لا ms5188 تزال تذكره ، وعن مجاهد لا تفتر من حبه كأنه جعل ~~الفتور والفتوء أخوين . # المسألة الثانية : حكى الواحدي عن أهل المعاني أن أصل الحرض فساد الجسم ~~والعقل للحزن والحب ، وقوله : حرضت فلانا على فلان تأويله أفسدته وأحميته ~~عليه ، وقال تعالى : { حرض المؤمنين على القتال } ( الأنفال : 65 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : وصف الرجل بأنه حرض إما أن يكون لإرادة أنه ذو حرض ~~فحذف المضاف أو لإرادة أنه لما تناهى في الفساد والضعف فكأنه صار عين الحرض ~~ونفس الفساد . وأما الحرض بكسر الراء فهو الصفة وجاءت القراءة بهما معا . # إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين فيه عبارات : أحدها : الحرض والحارض هو ~~الفاسد في جسمه وعقله . وثانيهما : سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الحرض ~~فقال : الفاسد الدنف . وثالثها : أنه الذي يكون لا كالأحياء ولا كالأموات ، ~~وذكر أبو روق أن أنس بن مالك قرأ : { حتى تكون حرضا } بضم الحاء وتسكين ~~الراء قال يعني مثل عود الأشنان ، وقوله : { أو تكون من الهالكين } أي من ~~الأموات ، ومعنى الآية أنهم قالوا لأبيهم إنك لا تزال تذكر يوسف بالحزن ~~والبكاء عليه حتى تصير بذلك إلى مرض لا تنتفع بنفسك معه أو تموت من الغم ~~كأنهم قالوا : أنت الآن في بلاء شديد ونخاف أن يحصل ما هو أزيد منه وأقوى ~~وأرادوا بهذا القول منعه عن كثرة البكاء والأسف . # فإن قيل : لم حلفوا على ذلك مع أنهم لم يعلموا ذلك قطعا ؟ # قلنا : إنهم بنوا هذا الأمر على الظاهر . # فإن قيل : القائلون بهذا الكلام وهو قوله : { تالله } من هم ؟ # قلنا : الأظهر أن هؤلاء ليسوا هم الإخوة الذين قد تولى عنهم ، بل الجماعة ~~الذين كانوا في الدار من أولاد أولاده وخدمه . PageV18P157 # ثم حكى تعالى عن يعقوب عليه السلام أنه قال : { قال إنما أشكو بثى وحزنى ~~إلى الله } يعني أن هذا الذي أذكره لا أذكره معكم وإنما أذكره في حضرة الله ~~تعالى ، والإنسان إذا بث شكواه إلى الله تعالى كان في زمرة المحققين كما ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك ms5189 من غضبك وأعوذ ~~بك منك ) والله هو الموفق ، والبث هو التفريق قال الله تعالى : { وبث فيها ~~من كل دابة } ( البقرة : 164 ) فالحزن إذا ستره الإنسان كان هما وإذا ذكره ~~لغيره كان بثا وقالوا : البث أشد الحزن / والحزن أشد الهم ، وذلك لأنه متى ~~أمكنه أن يمسك لسانه عن ذكره لم يكن ذلك الحزن مستوليا عليه وأما إذا عظم ~~وعجز الإنسان عن ضبطه وانطلق اللسان بذكره شاء أم أبى كان ذلك بثا وذلك يدل ~~على أن الإنسان صار عاجزا عنه وهو قد استولى على الإنسان ، فقوله : { بثى ~~وحزنى إلى الله } أي لا أذكر الحزن العظيم ولا الحزن القليل إلا مع الله ، ~~وقرأ الحسن : { وحزنى } بفتحتين وحزني بضمتين ، قيل : دخل على يعقوب رجل ~~وقال : يا يعقوب ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سنا عاليا فقال الذي بي لكثرة ~~غمومي ، فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي ، فقال يارب خطيئة ~~أخطأتها فاغفرها لي فغفرها له / وكان بعد ذلك إذا سئل قال : { إنما أشكو ~~بثى وحزنى إلى الله } وروي أنه أوحى الله إليه إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم ~~شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه ، وإن أحب خلقي إلي الأنبياء والمساكين ~~فاصنع طعاما وادع إليه المساكين ، وقيل : اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها ~~فبكت حتى عميت . # ثم قال يعقوب عليه السلام : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } أي أعلم من ~~رحمته وإحسانه ما لا تعلمون ، وهو أنه تعالى يأتي بالفرج من حيث لا أحتسب ، ~~فهو إشارة إلى أنه كان يتوقع وصول يوسف إليه . وذكروا لسبب هذا التوقع ~~أمورا : أحدها : أن ملك الموت أتاه فقال له : يا ملك الموت هل قبضت روح ~~ابني يوسف ؟ قال لا يا نبي الله ثم أشار إلى جانب مصر وقال : أطلبه ههنا ، ~~وثانيها : أنه علم أن رؤيا يوسف صادقة ، لأن أمارات الرشد والكمال كانت ~~ظاهرة في حق يوسف ورؤيا مثله عليه السلام لا تخطىء ، وثالثها : لعله تعالى ~~أوحى إليه أنه سيوصله إليه ، ولكنه تعالى ما عين الوقت فلهذا بقي في القلق ms5190 ~~، ورابعها : قال السدي : لما أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله ~~وأفعاله طمع أن يكون هو يوسف وقال : يبعد أن يظهر في الكفار مثله ، وخامسها ~~: علم قطعا أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه وما ضربه فغلب على ~~ظنه أن ذلك الملك هو يوسف فهذا جملة الكلام في المقام الأول . # والمقام الثاني : أنه رجع إلى أولاده وتكلم معهم على سبيل اللطف وهو قوله ~~: { تعلمون يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } . # واعلم أنه عليه السلام لما طمع في وجدان يوسف بناء على الأمارات المذكورة ~~قال لبنيه : تحسسوا من يوسف ، والتحسس طلب الشيء بالحاسة وهو شبيه بالسمع ~~والبصر ، قال أبو بكر الأنباري يقال : تحسست عن فلان ولا يقال من فلان ، ~~وقيل : ههنا من يوسف لأنه أقام من مقام عن ، قال : ويجوز أن يقال : من ~~للتبعيض ، والمعنى تحسسوا خبرا من أخبار يوسف ، واستعلموا بعض أخبار يوسف / ~~فذكرت كلمة { من } لما فيها من الدلالة على التجيض ، وقرىء { تجسسوا } ~~بالجيم كما قرىء بهما في الحجرات . PageV18P158 # ثم قال : { ولا تايئسوا من روح الله } قال الأصمعي : الروح ما يجده ~~الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه وتركيب الراء والواو الحاء يفيد الحركة ~~والاهتزاز ، فكلما يهتز انسان له ويلتذ بوجوده فهو روح . وقال ابن عباس : ~~لا تيئسوا من روح الله يريد من رحمة الله ، وعن قتادة : من فضل الله ، وقال ~~ابن زيد : من فرج الله ، وهذه الألفاظ متقاربة ، وقرأ الحسن وقتادة : من ~~روح الله بالضم أي من رحمته . # ثم قال : { يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا من } قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده ~~في الرخاء . # واعلم أن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن ~~الإله غير قادر على الكمال أو غير عالم بجميع المعلومات أو ليس بكريم بل هو ~~بخيل وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر ، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند ~~حصول أحد هذه الثلاثة ، وكل ms5191 واحد منها كفر ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن ~~كان كافرا والله أعلم ، وقد بقي من مباحث هذه الآية سؤالات : # السؤال الأول : أن بلوغ يعقوب في حب يوسف إلى هذا الحد العظيم لا يليق ~~إلا بمن كان غافلا عن الله ، فإن من عرف الله أحبه ومن أحب الله لم يتفرغ ~~قلبه لحب شيء سوى الله تعالى ، وأيضا القلب الواحد لا يتسع للحب المستغرق ~~لشيئين ، فلما كان قلبه مستغرقا في حب ولده امتنع أن يقال : إنه كان ~~مستغرقا في حب الله تعالى . # والسؤال الثاني : أن عند استيلاء الحزن الشديد عليه كان من الواجب أن ~~يشتغل بذكر الله تعالى / وبالتفويض إليه والتسليم لقضائه . # وأما قوله : { فلما دخلوا على يوسف } فذلك لا يليق بأهل الدين والعلم ~~فضلا عن أكابر الأنبياء . # والسؤال الثالث : لا شك أن يعقوب كان من أكابر الأنبياء ، وكان أبوه وجده ~~وعمه كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في جميع الدنيا ، ومن كذلك ثم وقعت ~~له واقعة هائلة صعبة في أعز أولاده عليه لم تبق تلك الواقعة خفية ، بل لا ~~بد وأن يبلغ في الشهرة إلى حيث يعرفها كل أحد لا سيما وقد انقضت المدة ~~الطويلة فيها وبقي يعقوب على حزنه الشديد وأسفه العظيم ، وكان يوسف في مصر ~~وكان يعقوب في بعض بلاد الشام قريبا من مصر ، فمع قرب المسافة يمتنع بقاء ~~هذه الواقعة مخفية . # السؤال الرابع : لم لم يبعث يوسف عليه السلام أحدا إلى يعقوب ويعلمه أنه ~~في الحياة وفي / السلامة ولا يقال : إنه كان يخاف إخوته لأنه بعد أن صار ~~ملكا قاهرا كان يمكنه إرسال الرسول إليه وإخوته ما كانوا يقدرون على دفع ~~الرسول . # والسؤال الخامس : كيف جاز ليوسف عليه السلام أن يضع الصاع في وعاء أخيه ~~ثم يستخرجه منه ويلصق به تهمة السرقة مع أنه كان بريئا عنها . # السؤال السادس : كيف رغب في إلصاق هذه التهمة به وفي حبسه عند نفسه مع ~~أنه كان يعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى . PageV18P159 # والجواب عن الأول : أن مثل هذه المحنة الشديدة ms5192 تزيل عن القلب كل ما سواه ~~من الخواطر . ثم إن صاحب هذه المحنة الشديدة يكون كثير الرجوع إلى الله ~~تعالى كثير الاشتغال بالدعاء والتضرع فيصير ذلك سببا لكمال الاستغراق . # والجواب عن الثاني : أن الداعي الإنسانية لا تزول في الحياة العاجلة ~~فتارة كان يقول : { فلما دخلوا على يوسف } ( يوسف : 84 ) وتارة كان يقول : ~~{ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } ( يوسف : 18 ) وأما بقية ~~الأسئلة فالقاضي أجاب عنها بجواب كلي حسن ، فقال هذه الوقائع التي نقلت ~~إلينا إما يمكن تخريجها على الأحوال المعتادة أو لا يمكن فإن كان الأول فلا ~~إشكال ، وإن كان الثاني فنقول : كان ذلك الزمان زمان الأنبياء عليهم السلام ~~وخرق العادة في هذا الزمان غير مستبعد ، فلم يمتنع أن يقال : إن بلدة يعقوب ~~عليه السلام مع أنها كانت قريبة من بلدة يوسف عليه السلام ، ولكن لم يصل ~~خبر أحدهما إلى الآخر على سبيل نقض العادة . # ! 7 < { فلما دخلوا عليه قالوا ياأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ~~ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينآ إن الله يجزى المتصدقين * قال هل ~~علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون * قالوا أءنك لانت يوسف قال أنا ~~يوسف وهاذا أخى قد من الله علينآ إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 88 - 90 ) فلما دخلوا عليه . . . . . # > > # اعلم أن المفسرين اتفقوا على أن ههنا محذوفا والتقدير : أن يعقوب لما قال ~~لبنيه : { اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } قبلوا من أبيهم هذه الوصية ~~فعادوا إلى مصر ودخلوا على يوسف عليه السلام فقالوا له : { هو القوى العزيز ~~} . # فإن قيل : إذا كان يعقوب أمرهم أن يتحسسوا أمر يوسف وأخيه فلماذا عدلوا ~~إلى الشكوى وطلبوا إيفاء الكيل ؟ # قلنا : لأن المتحسسين يتوسلون إلى مطلوبهم بجميع الطرق والاعتراف بالعجز ~~وضيق اليد ورقة الحال وقلة المال وشدة الحاجة مما يرقق القلب فقالوا : ~~نجربه في ذكر هذه الأمور فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا . ~~فلهذا السبب قدموا ذكر هذه الواقعة وقالوا { هو القوى العزيز ms5193 } والعزيز هو ~~الملك القادر المنيع { مسنا وأهلنا الضر } وهوا الفقر والحاجة وكثرة العيال ~~وقلة الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم { وجئنا ببضاعة مزجاة } وفيه أبحاث : ~~PageV18P160 # البحث الأول : معنى الإزجاء في اللغة ، الدفع قليلا قليلا ومثله التزجية ~~يقال الريح تزجي السحاب . قال الله تعالى : { ألم تر أن الله يزجى سحابا } ~~( النور : 43 ) وزجيت فلانا بالقول دافعته ، وفلان يزجي العيش أي يدفع ~~الزمان بالحيلة . # والبحث الثاني : إنما وصفوا تلك البضاعة بأنها مزجاة إما لنقصانها أو ~~لرداءتها أو لهما جميعا والمفسرون ذكروا كل هذه الأقسام قال الحسن : ~~البضاعة المزجاة القليلة ، وقال آخرون إنها كانت رديئة واختلفوا في تلك ~~الرداءة ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن ~~الطعام ، وقيل : خلق الغرارة والحبل وأمتعة رثة ، وقيل : متاع الأعراب ~~الصوف والسمن . وقيل : الحبة الخضراء ، وقيل : الأقط ، وقيل : النعال ~~والأدم ، وقيل : سويق المقل ، وقيل : صوف المعز ، وقيل : إن دراهم مصر كانت ~~تنقش فيها صورة يوسف والدراهم التي جاؤا بها ما كان فيها صورة يوسف فما ~~كانت مقبولة عند الناس . # البحث الثالث : في بيان أنه لم سميت البضاعة القليلة الرديئة مزجاة ؟ ~~وفيه وجوه : الأول : قال الزجاج : هي من قولهم فلان يزجي العيش أي يدفع ~~الزمان بالقليل ، والمعنى أنا جئنا ببضاعة مزجاة ندافع بها الزمان ، وليست ~~مما ينتفع به وعلى هذا الوجه فالتقدير ببضاعة مزجاة بها الأيام ، الثاني : ~~قال أبو عبيد : إنما قيل للدراهم الرديئة مزجاة ، لأنها مردودة مدفوعة غير ~~مقبولة ممن ينفقها / قال وهي من الأزجاء ، والأزجاء عند العرب السوق والدفع ~~. الثالث : ببضاعة مزجاة أي مؤخرة مدفوعة عن الإنفاق لا ينفق مثلها إلا من ~~اضطر واحتاج إليها لفقد غيرها مما هو أجود منها . الرابع : قال الكلبي : ~~مزجاة لغة العجم ، وقيل هي من لغة القبط قال أبو بكر الأنباري : لا ينبغي ~~أن يجعل لفظ عربي معروف الاشتقاق والتصريف منسوبا إلى القبط . # البحث الرابع : قرأ حمزة والكسائي مزجاة بالإمالة ، لأن أصله الياء ، ~~والباقون بالنصب والتفخيم . # واعلم أن حاصل الكلام في كون البضاعة مزجاة إما لقلتها ms5194 أو لنقصانها أو ~~لمجموعها ولما وصفوا شدة حالهم ووصفوا بضاعتهم بأنها مزجاة قالوا له : { ~~فأوف لنا الكيل } والمراد أن يساهلهم إما بإن يقيم الناقص مقام الزائد أو ~~يقيم الرديء مقام الجيد ، ثم قالوا : { وتصدق علينا } والمراد المسامحة بما ~~بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسع بالجيد ، واختلف الناس في أنه هل ~~كان ذلك طلبا منهم للصدقة فقال سفيان بن عيينة : إن الصدقة كانت حلالا ~~للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الآية وعلى هذا التقدير ، كأنهم ~~طلبوا القدر الزائد على سبيل الصدقة ، وأنكر الباقون ذلك وقالوا حال ~~الأنبياء وحال أولاد الأنبياء ينافي طلب الصدقة لأنهم يأنفون من الخضوع ~~للمخلوقين ويغلب عليهم الانقطاع إلى الله تعالى والاستغاثة به عمن سواه ، ~~وروي عن الحسن ومجاهد : أنهما كرها أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علي ~~، قالوا : لأن الله لا يتصدق إنما يتصدق الذي يبتغي الثواب ، وإنما يقول : ~~اللهم أعطني أو تفضل ، فعلى هذا التصدق هو إعطاء الصدقة والمتصدق المعطي ، ~~وأجاز الليث أن يقال للسائل : متصدق وأباه الأكثرون . وروي أنهم لما قالوا ~~: { مسنا وأهلنا الضر } وتضرعوا إليه اغرورقت عيناه فعند ذلك { قال هل ~~علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } وقيل : دفعوا إليه كتاب يعقوب فيه من يعقوب ~~إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر . أما ~~بعد : فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي في ~~النار ليحرق فنجاه الله وجعلها بردا وسلاما عليه ، وأما أبي فوضع السكين ~~على قفاه ليقتل ففداه الله ، وأما أنا فكان لي ابن وكان PageV18P161 أحب ~~أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا ~~قد أكله الذئب فذهبت عيناي من البكاء عليه ، ثم كان لي ابن وكان أخاه من ~~أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به إليك ثم رجعوا وقالوا : إنه قد سرق وإنك حبسته ~~عندك وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا ، فإن رددته علي وإلا دعوت عليك ~~دعوة تدرك السابع من ولدك ms5195 . فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب لم يتمالك ~~وعيل صبره وعرفهم أنه يوسف . # / ثم حكى تعالى عن يوسف عليه السلام في هذا المقام أنه قال : { هل علمتم ~~ما فعلتم بيوسف وأخيه } قيل إنه لما قرأ كتاب أبيه يعقوب ارتعدت مفاصله ~~واقشعر جلده ولان قلبه وكثر بكاؤه وصرح بأنه يوسف . وقيل : إنه لما رأى ~~إخوته تضرعوا إليه ووصفوا ما هم عليه من شدة الزمان وقلة الحيلة أدركته ~~الرقة فصرح حينئذ بأنه يوسف ، وقوله : { هل علمتم ما فعلتم بيوسف } استفهام ~~يفيد تعظيم الواقعة ، ومعناه : ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف وما أقبح ما ~~أقدمتم عليه ، وهو كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت وعل تعرف من خالفت ؟ # واعلم أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى : { وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم ~~هاذا وهم لا يشعرون } ( يوسف : 15 ) وأما قوله : { وأخيه } فالمراد ما ~~فعلوا به من تعريضه للغم بسبب إفراده عن أخيه لأبيه وأمه ، وأيضا كانوا ~~يؤذونه ومن جملة أقسام ذلك الإيذاء قالوا في حقه : { إن يسرق فقد سرق أخ له ~~من قبل } ( يوسف : 77 ) وأما قوله : { إذ أنتم جاهلون } فهو يجري مجرى ~~العذر كأنه قال : أنتم إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما ~~كنتم في جهالة الصبا أو في جهالة الغرور ، يعني والآن لستم كذلك ، ونظيره ~~ما يقال في تفسير قوله تعالى : { ما غرك بربك الكريم } ( الأنفطار : 6 ) ~~قيل إنما ذكر تعالى هذا الوصف المعين ليكون ذلك جاريا مجرى الجواب وهو أن ~~يقول العبد يا رب غرني كرمك فكذا ههنا إنما ذكر ذلك الكلام إزالة للخجالة ~~عنهم وتخفيفا للأمر عليهم . ثم إن إخوته قالوا : { أءنك لانت يوسف قال أنا ~~يوسف } قرأ ابن كثير { إنك } على لفظ الخبر ، وقرأ نافع { أءنك لانت يوسف } ~~بفتح الألف غير ممدودة وبالياء وأبو عمرو { * آينك } بمد الألف وهو رواية ~~قالون عن نافع ، والباقون { * أئنك } بهمزتين وكل ذلك على الاستفهام ، وقرأ ~~أبي { أو * أنت * يوسف } فحصل من هذه القراءات أن من القراء من قرأ ~~بالاستفهام ومنهم من قرأ بالخبر ms5196 . أما الأولون فقالوا : إن يوسف لما قال ~~لهم : { هل علمتم } وتبسم فأبصروا ثناياه ، وكانت كاللؤلؤ المنظوم شبهوه ~~بيوسف ، فقالوا له استفهاما { أءنك لانت يوسف } ويدل على صحة الاستفهام أنه ~~{ قال أنا يوسف } وإنما أجابهم عما استفهموا عنه . وأما من قرأ على الخبر ~~فحجته ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع ~~التاج عن رأسه ، وكان في فرقه علامة وكان ليعقوب وإسحق مثلها شبه الشامة ، ~~فلما رفع التاج عرفوه بتلك العلامة ، فقالوا : { إنك لانت * يوسف } ويجوز ~~أن يكون ابن كثير أراد الاستفهام ثم حذف حرف الاستفهام وقوله : { قال أنا ~~يوسف } فيه بحثان : # البحث الأول : اللام لام الابتداء ، وأنت مبتدأ ويوسف خبره ، والجملة خبر ~~إن . # البحث الثاني : أنه إنما صرح بالاسم تعظيما لما نزل به من ظلم إخوته ~~وماعوضه الله من / الظفر والنصر ؛ فكأنه قال : أنا الذي ظلمتموني على أعظم ~~الوجوه والله تعالى أوصلني إلى أعظم المناصب ، أنا ذلك العاجز الذي قصدتم ~~قتله وإلقاءه في البئر ثم صرت كما ترون ، ولهذا قال : { وهاذا أخى } مع ~~أنهم كانوا PageV18P162 يعرفونه لأن مقصوده أن يقول : وهذا أيضا كان مظلوما ~~كما كنت ثم إنه صار منعما عليه من قبل الله تعالى كما ترون وقوله : { قد من ~~الله علينا } قال ابن عباس رضي الله عنهما بكل عز في الدنيا والآخرة وقال ~~آخرون بالجمع بيننا بعد التفرقة وقوله : { إنه من يتق ويصبر } معناه : من ~~يتق معاصي الله ويصبر على أذى الناس { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ~~والمعنى : إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجرهم فوضع المحسنين موضع ~~الضمير لاشتماله على المتقين . وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أن يوسف عليه السلام وصف نفسه في هذا المقام ~~الشريف بكونه متقيا ولو أنه قدم على ما يقوله الحشوية في حق زليخا لكان هذا ~~القول كذبا منه وذكر الكذب في مثل هذا المقام الذي يؤمن فيه الكافر ويتوب ~~فيه العاصي لا يليق بالعقلاء . # المسألة الثانية : قال الواحدي روي عن ابن كثير في ms5197 طريق قنبل : { إنه من ~~* يتقى } بإثبات الياء في الحالين ووجهه أن يجعل ( من ) بمنزلة الذي فلا ~~يوجب الجزم ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله : { ويصبر } في موضع الرفع ~~إلا أنه حذف الرفع طلبا للتخفيف كما يخفف في عضد وشمع والباقون بحذف الياء ~~في الحالين . # ! 7 < { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين * قال لا تثريب ~~عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين * اذهبوا بقميصى هاذا فألقوه ~~على وجه أبى يأت بصيرا وأتونى بأهلكم أجمعين } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 91 - 93 ) قالوا تالله لقد . . . . . # > > # اعلم أن يوسف عليه السلام لما ذكر لإخوته أن الله تعالى من عليه وأن من ~~يتق المعاصي ويصبر على أذى الناس فإنه لا يضيعه الله صدقوه فيه ، واعترفوا ~~له بالفضل والمزية { قالوا تالله لقد اثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين } ~~قال الأصمعي : يقال : آثرك إيثارا ، أي فضلك الله ، وفلان آثر عبد فلان ، ~~إذا كان يؤثره بفضله وصلته ، والمعنى : لقد فضلك الله علينا بالعلم / ~~والحلم والعقل والفضل والحسن والملك ، واحتج بعضهم بهذه الآية على أن إخوته ~~ما كانوا أنبياء ، لأن جميع المناصب التي تكون مغايرة لمنصب النبوة كالعدم ~~بالنسبة إليه فلو شاركوه في منصب النبوة لما قالوا : { تالله لقد اثرك الله ~~علينا } وبهذا التقدير يذهب سؤال من يقول لعل المراد كونه زائدا عليهم في ~~الملك وأحوال الدنيا وإن شاركوه في النبوة لأنا بينا أن أحوال الدنيا لا ~~يعبأ بها في جنب منصب النبوة . # وأما قوله : { وإن كنا لخاطئين } قيل الخاطىء هو الذي أتى بالخطيئة عمدا ~~وفرق بين الخاطىء والمخطىء ، فلهذا الفرق يقال لمن يجتهد في الأحكام فلا ~~يصيب إنه مخطىء ، ولا يقال إنه خاطىء وأكثر المفسرين على أن الذي اعتذروا ~~منه هو إقدامهم على إلقائه في الجب وبيعه وتبعيده عن البيت والأب ، وقال ~~PageV18P163 أبو علي الجبائي : إنهم لم يعتذروا إليه من ذلك ، لأن ذلك وقع ~~منهم قبل البلوغ فلا يكون ذنبا فلا يعتذر منه ، وإنما اعتذروا من حيث إنهم ~~أخطؤا بعد ذلك بأن لم يظهروا لأبيهم ms5198 ما فعلوه ، ليعلم أنه حي وأن الذئب لم ~~يأكله وهذا الكلام ضعيف من وجوه : # الوجه الأول : أنا بينا أنه لا يجوز أن يقال إنهم أقدموا على تلك الأعمال ~~في زمن الصبا لأنه من البعيد في مثل يعقوب أن يبعث جمعا من الصبيان غير ~~البالغين من غير أن يبعث معهم رجلا عاقلا يمنعهم عما لا ينبغي ويحملهم على ~~ما ينبغي . # الوجه الثاني : هب أن الأمر على ما ذكره الجبائي إلا أنا نقول غاية ما في ~~الباب أنه لا يجب الاعتذار عن ذلك إلا أنه يمكن أن يقال إنه يحسن الاعتذار ~~عنه ، والدليل عليه أن المذنب إذا تاب زال عقابه ثم قد يعيد التوبة ~~والاعتذار مرة أخرى ، فعلمنا أن الإنسان أيضا قد يتوب عند ما لا تكون ~~التوبة واجبة عليه . # واعلم أنهم لما اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم مجرمين خاطئين قال يوسف : { ~~لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم } وفيه بحثان : # البحث الأول : التثريب التوبيخ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا ~~زنت أمة أحدكم فليضربها الحد ولا يثربها ) أي ولا يعيرها بالزنا ، فقوله : ~~{ لا تثريب } أي لا توبيخ ولا عيب وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو ~~غاشية الكرش . ومعناه إزالة الثرب كما أن التجليد إزالة الجلد قال عطاء ~~الخراساني طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ ألا ترى إلى قول ~~يوسف عليه السلام لإخوته { لا تثريب عليكم } وقوله يعقوب : { سوف أستغفر ~~لكم ربى } ( يوسف : 98 ) . # البحث الثاني : إن قوله : { اليوم } متعلق بماذا وفيه قولان : # / القول الأول : إنه متعلق بقوله : { لا تثريب } أي لا أثر بكم اليوم وهو ~~اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بسائر الأيام / وفيه احتمال آخر وهو ~~أني حكمت في هذا اليوم بأن لا تثريب مطلقا لأن قوله : { لا تثريب } نفي ~~للماهية ونفي الماهية يقتضي انتفاء جميع أفراد الماهية ، فكان ذلك مفيدا ~~للنفي المتناول لكل الأوقات والأحوال فتقدير الكلام اليوم حكمت بهذا الحكم ~~العام المتناول لكل الأوقات والأحوال ثم إنه لما بين لهم أنه أزال عنهم ~~ملامة ms5199 الدنيا طلب من الله أن يزيل عنهم عقاب الآخرة فقال : { يغفر الله لكم ~~} والمراد منه الدعاء . # والقول الثاني : أن قوله : { اليوم } متعلق بقوله : { يغفر الله لكم } ~~كأنه لما نفى التثريب مطلقا بشرهم بأن الله غفر ذنبهم في هذا اليوم ، وذلك ~~لأنهم لما انكسروا وخجلوا واعترفوا وتابوا فالله قبل توبتهم وغفر ذنبهم ، ~~فلذلك قال : { اليوم يغفر الله لكم } روي أن الرسول عليه الصلاة والسلام ~~أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح ، وقال لقريش : ( ما تروني فاعلا بكم ) ~~فقالوا نظن خيرا أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت ، فقال : ( أقول ما قال أخي ~~يوسف لا تقريب عليكم اليوم ) وروي أن أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له ~~العباس : إذا أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتل عليه : { قال لا ~~تثريب عليكم اليوم } ففعل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( غفر ~~الله لك ولمن علمك ) وروي أن إخوة يوسف لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تحضرنا ~~في مائدتك بكرة وعشيا ونحن نستحي منك PageV18P164 لما صدر منا من الإساءة ~~إليك ، فقال يوسف عليه السلام إن أهل مصر وإن ملكت فيهم فإنهم ينظروني ~~بالعين الأولى ويقولون : سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ ، ولقد ~~شرفت الآن بإتيانكم وعظمت في العيون لما جئتم وعلم الناس أنكم إخوتي وإني ~~من حفدة إبراهيم عليه السلام . # ثم قال يوسف عليه السلام : { اذهبوا بقميصى هاذا فألقوه على وجه أبى يأت ~~بصيرا } قال المفسرون : لما عرفهم يوسف سألهم عن أبيه فقالوا ذهبت عيناه ، ~~فأعطاهم قميصه ، قال المحققون : إنما عرف أن إلقاء ذلك القميص على وجهه ~~يوجب قوة البصر بوحي من الله تعالى ولولا الوحي لما عرف ذلك ، لأن العقل لا ~~يدل عليه ويمكن أن يقال : لعل يوسف عليه السلام علم أن أباه ما صار أعمى ~~إلا أنه من كثرة البكاء وضيق القلب ضعف بصره فإذا ألقي عليه قميصه فلا بد ~~أن ينشرح صدره وأن يحصل في قلبه الفرح الشديد ، وذلك يقوي الروح ويزيل ~~الضعف عن القوي ، فحينئذ يقوى بصره ms5200 ، ويزول عنه ذلك النقصان ، فهذا القدر ~~مما يمكن معرفته بالقلب فإن القوانين الطبية تدل على صحة هذا المعنى ، ~~وقوله : { يأت بصيرا } أي يصير بصيرا ويشهد له { فارتد بصيرا } ( يوسف : 96 ~~) ويقال : المراد يأت إلي وهو بصير ، وإنما أفرده بالذكر تعظيما له ، وقال ~~في الباقين : { وأتونى بأهلكم أجمعين } قال / الكلبي : كان أهله نحوا من ~~سبعين إنسانا وقال مسروق دخل قوم يوسف عليه السلام مصر . وهم ثلاثة وتسعون ~~من بين رجل وامرأة ، وروي أن يهودا حمل الكتاب وقال أنا أحزنته بحمل القميص ~~الملطخ بالدم إليه فأفرحه كما أحزنته . وقيل حمله وهو حاف وحاسر من مصر إلى ~~كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخا . # ! 7 < { ولما فصلت العير قال أبوهم إنى لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون * ~~قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم * فلمآ أن جآء البشير ألقاه على وجهه ~~فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إنىأعلم من الله ما لا تعلمون * قالوا ياأبانا ~~استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربىإنه هو الغفور ~~الرحيم } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 94 - 98 ) ولما فصلت العير . . . . . # > > # يقال : فصل فلان من عند فلان فصولا إذا خرج من عنده . وفصل مني إليه ~~كتابا إذا أنفذ به إليه . وفصل يكون لازما ومتعديا وإذا كان لازما فمصدره ~~الفصول وإذا كان متعديا فمصدره الفصل قال لما خرجت العير من مصر متوجهة إلى ~~كنعان قال يعقوب عليه السلام لمن حضر عنده من أهله وقرابته وولد ولده { إنى ~~لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون } ولم يكن هذا القول مع أولاده لأنهم كانوا ~~غائبين بدليل أنه عليه السلام قال لهم : { اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } ~~( يوسف : 87 ) واختلفوا في قدر المسافة فقيل : مسيرة ثمانية أيام ، وقيل ~~عشرة أيام ، PageV18P165 وقيل ثمانون فرسخا . واختلفوا في كيفية وصول تلك ~~الرائحة إليه ، فقال مجاهد : هبت ريح فصفقت القميص ففاحت روائح الجنة في ~~الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم عليه السلام أنه ليس في الدنيا ~~من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص ، فمن ثم قال : { إنى ms5201 لاجد ريح يوسف ~~} وروى الواحدي بإسناده عن أنس بن مالك / عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : أما قوله : { اذهبوا بقميصى هاذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا } ~~( يوسف : 93 ) فإن نمروذ الجبار لما ألقى إبراهيم في النار نزل عليه جبريل ~~عليه السلام بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأجلسه على ~~الطنفسة وقعد معه يحدثه ، فكسا إبراهيم عليه السلام ذلك القميص إسحاق وكساه ~~إسحق يعقوب وكساه يعقوب يوسف فجعله في قصبة من فضة وعلقها في عنقه فألقى في ~~الجب القميص في عنقه فذلك قوله : { اذهبوا بقميصى هاذا } والتحقيق أن يقال ~~: إنه تعالى أوصل تلك الرائحة إليه على سبيل إظهار المعجزات لا وصول ~~الرائحة إليه من هذه المسافة البعيدة أمر مناقض للعادة فيكون معجزة ولا بد ~~من كونها معجزة لأحدهما والأقرب أنه ليعقوب عليه السلام حين أخبر عنه ~~ونسبوه في هذا الكلام إلى ما لا ينبغي ، فظهر أن الأمر كما ذكر فكان معجزة ~~له . قال أهل المعاني : إن الله تعالى أوصل إليه ريح يوسف عليه السلام عند ~~انقضاء مدة المحنة ومجيء وقت الروح والفرح من المكان البعيد ومنع من وصول ~~خبره إليه مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى في مدة ثمانين سنة وذلك يدل على ~~أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل ومعنى : ~~لأجد ريح يوسف أشم وعبر عنه بالوجود لأنه وجدان له بحاسة الشم ، وقوله : { ~~لولا أن تفندون } قال أبو بكر ابن الأنباري : أفند الرجل إذا حزن وتغير ~~عقله وفند إذا جهل ونسب ذلك إليه ، وعن الأصمعي إذا كثر كلام الرجل من خرف ~~فهو المفند قال صاحب ( الكشاف ) : يقال شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة ، ~~لأنها لم يكن في شبيبتها ذات رأي حتى تفند في كبرها فقوله : { لولا أن ~~تفندون } أي لولا أن تنسبوني إلى الخرف ، ولما ذكر يعقوب ذلك قال الحاضرون ~~عنده : { تالله إنك لفى ضلالك القديم } وفي الضلال ههنا وجوه : الأول : قال ~~مقاتل : يعني بالضلال ههنا ms5202 الشقاء / يعني شقاء الدنيا والمعنى : إنك لفي ~~شقائك القديم بما تكابد من الأحزان على يوسف ، واحتج مقاتل بقوله : { إنا ~~إذا لفى ضلال وسعر } ( القمر : 24 ) يعنون لفي شقاء دنيانا ، وقال قتادة : ~~لفي ضلالك القديم ، أي لفي حبك القديم لا تنساه ولا تذهل عنه وهو كقولهم : ~~{ إن أبانا لفى ضلال مبين } ( يوسف : 8 ) ثم قال قتادة : قد قالوا كلمة ~~غليظة ولم يكن يجوز أن يقولوها لنبي الله ، وقال الحسن إنما خاطبوه بذلك ~~لاعتقادهم أن يوسف قد مات وقد كان يعقوب في ولوعه بذكره ، ذاهبا عن الرشد ~~والصواب وقوله : { فلما أن جاء البشير } في ( أن ) قولان : الأول : أنه لا ~~موضع لها من الإعراب وقد تذكر تارة كما ههنا ، وقد تحذف كقوله : { فلما ذهب ~~عن إبراهيم الروع } ( هود : 74 ) والمذهبان جميعا موجودان في أشعار العرب . ~~والثاني : قال البصريون هي مع ( ما ) في موضع رفع بالفعل المضمر تقديره : ~~فلما ظهر أن جاء البشير ، أي ظهر مجيء البشير فأضمر الرافع قال جمهور ~~المفسرين البشير هو يهودا قال أنا ذهبت بالقميص الملطخ بالدم وقلت إن يوسف ~~أكله / الذئب فأذهب اليوم بالقميص فأفرحه كما أحزنته قوله : { ألقاه على ~~وجهه } أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب أو يقال ألقاه يعقوب على وجه ~~نفسه { فارتد بصيرا } أي رجع بصيرا ومعنى الارتداد انقلاب الشيء إلى حالة ~~قد كان عليها وقوله : { فارتد بصيرا } أي صيره الله بصيرا كما يقال طالت ~~النخلة والله تعالى أطالها واختلفوا فيه فقال بعضهم : إنه كان قد عمي ~~بالكلية فالله تعالى جعله بصيرا في هذا الوقت . وقال آخرون : بل كان قد ضعف ~~بصره من كثرة PageV18P166 البكاء وكثرة الأحزان ، فلما ألقوا القميص على ~~وجهه ، وبشر بحياة يوسف عليه السلام عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه ، ~~فعند ذلك قوي بصره وزال النقصان عنه ، فعند هذا قال : { ألم أقل لكم إنى ~~أعلم من الله ما لا تعلمون } والمراد علمه بحياة يوسف من جهة الرؤيا ، لأن ~~هذا المعنى هو الذي له تعلق بما تقدم ، وهو إشارة إلى ما تقدم من ms5203 قوله : { ~~إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون } ( يوسف : 86 ) ~~روي أنه سأل البشير وقال : كيف يوسف قال هو ملك مصر ، قال : ما أصنع بالملك ~~على أي دين تركته قال : على دين الإسلام قال : الآن تمت النعمة ، ثم إن ~~أولاد يعقوب أخذوا يعتذرون إليه { وقالوا يأيها * أبانا * استغفر لنا ~~ذنوبنا إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم } ~~وظاهر الكلام أنه لم يستغفر لهم في الحال ، بل وعدهم بأنه يستغفر لهم بعد ~~ذلك ، واختلفوا في سبب هذا المعنى على وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : والأكثرون أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر ، لأن هذا الوقت ~~أوفق الأوقات لرجاء الإجابة . الثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : في ~~رواية أخرى أخر الاستغفار إلى ليلة الجمعة ، لأنها أوفق الأوقات للإجابة . ~~الثالث : أراد أن يعرف أنهم هل تابوا في الحقيقة أم لا ، وهل حصلت توبتهم ~~مقرونة بالإخلاص التام أم لا . الرابع : استغفر لهم في الحال ، وقوله : { ~~سأستغفر * لكم } معناه أني أداوم على هذا الاستغفار في الزمان المستقبل ، ~~فقد روي أنه كان يستغفر لهم في كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة ، وقيل : ~~قام إلى الصلاة في وقت فلما فرغ رفع يده إلى السماء وقال : ( اللهم اغفر لي ~~جزعي على يوسف وقلة صبري عليه ، واغفر لأولادي ما فعلوه في حق يوسف عليه ~~السلام ) فأوحى الله تعالى إليه : قد غفرت لك ولهم أجمعين . وروي أن أبناء ~~يعقوب عليه السلام قالوا ليعقوب وقد غلبهم الخوف والبكاء : ما يغني عنا إن ~~لم يغفر لنا ، فاستقبل الشيخ القبلة قائما يدعو ، وقام يوسف خلفه يؤمن ~~وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة حتى قل صبرهم فظنوا أنها الهلكة فنزل ~~جبريل عليه السلام وقال : ( إن الله تعالى أجاب دعوتك في ولدك وعقد ~~مواثيقهم بعدك على النبوة ) وقد اختلف الناس في نبوتهم وهو مشهور . # ! 7 < { فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شآء ~~الله ءامنين * ورفع ms5204 أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال ياأبت هاذا تأويل ~~رؤياىمن قبل قد جعلها ربى حقا وقد أحسن بىإذ أخرجنى من السجن وجآء بكم من ~~البدو من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتىإن ربى لطيف لما يشآء إنه هو ~~العليم الحكيم } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 99 - 100 ) فلما دخلوا على . . . . . # > > # /اعلم أنه روي أن يوسف عليه السلام وجه إلى أبيه جهازا ومائتي راحلة ~~ليتجهز إليه بمن معه وخرج يوسف عليه السلام والملك في أربعة آلاف من الجند ~~والعظماء وأهل مصر بأجمعهم تلقوا يعقوب عليه PageV18P167 السلام وهو يمشي ~~يتوكأ على يهودا فنظر إلى الخيل والناس فقال يا يهودا هذا فرعون مصر . قال ~~: لا هذا ولدك يوسف فذهب يوسف يبدأ بالسلام فمنع من ذلك فقال يعقوب عليه ~~السلام : السلام عليك وقيل إن يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما ~~بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى والمقاتلون منهم ستمائة ألف وخمسمائة ~~وبضع وسبعون رجلا سوى الصبيان والشيوخ . # أما قوله : { إليه أبويه وقال } ففيه بحثان : # البحث الأول : في المراد بقوله أبويه قولان : الأول : المراد أبوه وأمه ، ~~وعلى هذا القول فقيل إن أمه كانت باقية حية إلى ذلك الوقت ، وقيل إنها كانت ~~قد ماتت ، إلا أن الله تعالى أحياها وأنشرها من قبرها حتى سجدت له تحقيقا ~~لرؤية يوسف عليه السلام . # والقول الثاني : أن المراد أبوه وخالته ، لأن أمه ماتت في النفاس بأخيه ~~بنيامين ، وقيل : بنيامين بالعبرانية ابن الوجع ، ولما ماتت أمه تزوج أبوه ~~بخالته فسماها الله تعالى بأحد الأبوين ، لأن / الرابة تدعى ، إما لقيامها ~~مقام الأم أو لأن الخالة أم كما أن العم أب ، ومنه قوله تعالى : { وإلاه ~~آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ( البقرة : 133 ) . # البحث الثاني : آوى إليه أبويه ضمهما إليهما واعتنقهما . # فإن قيل : ما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر ؟ # قلنا : كأنه حين استقبلهم نزل بهم في بيت هناك أو خيمة فدخلوا عليه وضم ~~إليه أبويه وقال لهم : { ادخلوا مصر } . # أما قوله : { دخلوا على يوسف ءاوى إليه أبويه } ففيه أبحاث : # البحث الأول : قال ms5205 السدي إنه قال : هذا القول قبل دخولهم مصر ؛ لأنه كان ~~قد استقبلهم وهذا هو الذي قررناه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : المراد ~~بقوله : { ادخلوا مصر } أي أقيموا بها آمنين ، سمى الإقامة دخولا لاقتران ~~أحدهما بالآخر . # البحث الثاني : الاستثناء وهو قول : { إن شاء الله } فيه قولان : الأول : ~~أنه عائد إلى الأمن لا إلى الدخول ، والمعنى : ادخلوا مصر آمنين إن شاء ~~الله ، ونظيره قوله تعالى : { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين } ( ~~الفتح : 27 ) وقيل إنه عائد إلى الدخول على القول الذي ذكرناه إنه قال لهم ~~هذا الكلام قبل أن دخلوا مصر . # البحث الثالث : معنى قوله : { ءامنين } يعني على أنفسكم وأموالكم وأهليكم ~~لا تخافون أحدا ، وكانوا فيما سلف يخافون ملوك مصر وقيل آمنين من القحط ~~والشدة والفاقة ، وقيل آمنين من أن يضرهم يوسف بالجرم السالف . # أما قوله : { ورفع أبويه على العرش } قال أهل اللغة : العرش السرير ~~الرفيع قال تعالى : { ولها عرش عظيم } ( النمل : 23 ) والمراد بالعرش ههنا ~~السرير الذي كان يجلس عليه يوسف / وأما قوله : { وخروا له سجدا } ففيه ~~إشكال ، وذلك لأن يعقوب عليه السلام كان أبا يوسف وحق الأبوة عظيم قال ~~تعالى : { وقضى ربك * أن لا تعبدوا إلا * إياه وبالوالدين إحسانا } ( ~~الإسراء : 23 ) PageV18P168 فقرن حق الوالدين بحق نفسه ، وأيضا أنه كان ~~شيخا ، والشاب يجب عليه تعظيم الشيخ . # والقول الثالث : أنه كان من أكابر الأنبياء ويوسف وإن كان نبيا إلا أن ~~يعقوب كان أعلى حالا منه . # والقول الرابع : أن جد يعقوب واجتهاده في تكثير الطاعات أكثر من جد يوسف ~~ولما اجتمعت هذه الجهات الكثيرة فهذا يوجب أن يبالغ يوسف في خدمة يعقوب ~~فكيف استجاز يوسف أن يسجد له يعقوب هذا تقرير السؤال . # / والجواب عنه من وجوه : # الوجه الأول : وهو قول ابن عباس في رواية عطاء أن المراد بهذه الآية أنهم ~~خروا له أي لأجل وجدانه سجدا لله تعالى ، وحاصل الكلام : أن ذلك السجود كان ~~سجودا للشكر فالمسجود له هو الله ، إلا أن ذلك السجود إنما كان لأجله ~~والدليل على صحة هذا ms5206 التأويل أن قوله : { ورفع أبويه على العرش وخروا له ~~سجدا } مشعر بأنهم صعدوا ذلك السرير ، ثم سجدوا له ، ولو أنهم سجدوا ليوسف ~~لسجدوا له قبل الصعود على السرير لأن ذلك أدخل في التواضع . # فإن قالوا : فهذا التأويل لا يطابق قوله : { وقال يأبت هاذا تأويل رؤياى ~~من قبل } والمراد منه قوله : { إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لى ساجدين } ( يوسف : 4 ) . # قلنا : بل هذا مطابق ويكون المراد من قوله : { والشمس والقمر رأيتهم لى ~~ساجدين } لأجلي أي أنها سجدت لله لطلب مصلحتي وللسعي في إعلاء منصبي ، وإذا ~~كان هذا محتملا سقط السؤال . وعندي أن هذا التأويل متعين ، لأنه لا يستبعد ~~من عقل يوسف ودينه أن يرضى بأن يسجد له أبوه مع سابقته في حقوق الولادة ~~والشيخوخة والعلم والدين وكمال النبوة . # والوجه الثاني : في الجواب أن يقال : إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله ~~شكرا لنعمة وجدانه . وهذا التأويل حسن فإنه يقال : صليت للكعبة كما يقال : ~~صليت إلى الكعبة . قال حسان شعرا : # % ما كنت أعرف أن الأمر منصرف % % عن هاشم ثم منها عن أبي حسن % # % أليس أول من صلى لقبلتكم % % وأعرف الناس بالقرآن والسنن % # وهذا يدل على أنه يجوز أن يقال فلان صلى للقبلة ، وكذلك يجوز أن يقال سجد ~~للقبلة وقوله : { وخروا له سجدا } أي جعلوه كالقبلة ثم سجدوا لله شكرا ~~لنعمة وجدانه . # الوجه الثالث : في الجواب قد يسمى التواضع سجودا كقوله : # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # وكان المراد ههنا التواضع إلا أن هذا مشكل ، لأنه تعالى قال : { وخروا له ~~سجدا } والخرور إلى السجدة مشعر بالإتيان بالسجدة على أكمل الوجوه وأجيب ~~عنه بأن الخرور قد يعني به المرور فقط قال تعالى : { لم يخروا عليها صما ~~وعميانا } ( الفرقان : 73 ) يعني لم يمروا . PageV18P169 # الوجه الرابع : في الجواب أن نقول : الضمير في قوله : { وخروا له } غير ~~عائد إلى الأبوين لا محالة ، وإلا لقال : وخروا له ساجدين ، بل الضمير عائد ~~إلى إخوته ، وإلى سائر من كان يدخل / عليه لأجل التهنئة ، والتقدير : ورفع ~~أبويه على العرش مبالغة ms5207 في تعظيمهما ، وأما الإخوة وسائر الداخلين فخروا له ~~ساجدين . # فإن قالوا : فهذا لا يلائم قوله : { وقال يأبت هاذا تأويل رؤياى من قبل } ~~. # قلنا : إن تعبير الرؤيا لا يجب أن يكون مطابقا للرؤيا بحسب الصورة والصفة ~~من كل الوجوه فسجود الكواكب والشمس والقمر ، تعبير عن تعظيم الأكابر من ~~الناس له ولا شك أن ذهاب يعقوب مع أولاده من كنعان إلى مصر لأجله في نهاية ~~التعظيم له ، فكفى هذا القدر في صحة الرؤيا فأما أن يكون التعبير مساويا ~~لأصل الرؤيا في الصفة والصورة فلم يوجبه أحد من العقلاء . # الوجه الخامس : في الجواب لعل الفعل الدال على التحية والإكرام في ذلك ~~الوقت هو السجود ، وكان مقصودهم من السجود تعظيمه ، وهذا في غاية البعد لأن ~~المبالغة في التعظيم كانت أليق بيوسف منها بيعقوب ، فلو كان الأمر كما قلتم ~~، لكان من الواجب أن يسجد يوسف ليعقوب عليه السلام . # والوجه السادس : فيه أن يقال : لعل إخوته حملتهم الأنفة والاستعلاء على ~~أن لا يسجدوا له على سبيل التواضع ، وعلم يعقوب عليه السلام أنهم لو لم ~~يفعلوا ذلك لصار ذلك سببا لثوران الفتن ولظهور الأحقاد القديمة بعد كمونها ~~فهو عليه السلام مع جلالة قدره وعظم حقه بسبب الأبوة والشيخوخة والتقدم في ~~الدين والنبوة والعلم فعل ذلك السجود ، حتى تصير مشاهدتهم لذلك سببا لزوال ~~الأنفة والنفرة عن قلوبهم ألا ترى أن السلطان الكبير إذا نصب محتسبا فإذا ~~أراد ترتيبه مكنه في إقامة الحسبة عليه ليصير ذلك سببا في أن لا يبقى في ~~قلب أحد منازعة ذلك المحتسب في إقامة الحسبة فكذا ههنا . # الوجه السابع : لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا ~~يعرفها إلا هو كما أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم لحكمة لا يعرفها إلا هو ، ~~ويوسف ما كان راضيا بذلك في قلبه إلا أنه لما علم أن الله أمره بذلك سكت . # ثم حكى تعالى أن يوسف لما رأى هذه الحالة : { قال ياءادم * يأبت هاذا ~~تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا } وفيه بحثان : # البحث الأول ms5208 : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه لما رأى سجود أبويه ~~وإخوته هاله ذلك واقشعر جلده منه ، وقال ليعقوب هذا تأويل رؤياي من قبل ، ~~وأقول : هذا يقوي الجواب السابع كأنه يقول : يا أبت لا يليق بمثلك على ~~جلالتك في العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك إلا أن هذا / أمر أمرت به ~~وتكليف كلفت به ، فإن رؤيا الأنبياء حق كما أن رؤيا إبراهيم ذبح ولده صار ~~سببا لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظة فكذلك صارت هذه الرؤيا التي رآها يوسف ~~وحكاها ليعقوب سببا لوجوب ذلك السجود ، فلهذا السبب حكى ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن يوسف عليه السلام لما رأى ذلك هاله واقشعر جلده ولكنه لم يقل شيئا ~~، وأقول : لا يبعد أن يكون ذلك من تمام تشديد الله تعالى على يعقوب كأنه ~~قيل له : إنك كنت دائم الرغبة في وصاله ودائم الحزن بسبب فراقه ، فإذا ~~وجدته فاسجد له ، فكان الأمر بذلك السجود من تمام الشديد . والله أعلم ~~بحقائق الأمور . PageV18P170 # البحث الثاني : اختلفوا في مقدار المدة بين هذا الوقت وبين الرؤيا فقيل ~~ثمانون سنة ، وقيل : سبعون ، وقيل : أربعون ، وهو قول الأكثرين ، ولذلك ~~يقولون إن تأويل الرؤيا إنما صحت بعد أربعين سنة ، وقيل ثماني عشرة سنة وعن ~~الحسن أنه ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، وبقي في العبودية والسجون ~~ثمانين سنة ، ثم وصل إلى أبيه وأقاربه ، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة ~~فكان عمره مائة وعشرين سنة والله أعلم بحقائق الأمور . # ثم قال : { وقد أحسن بى } أي إلي يقال : أحسن بي وإليه . قال كثير : # % أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة % % لدينا ولا مقلية إن ثقلت % # إذا أخرجني من السجن ولم يذكر إخراجه من البئر لوجوه : الأول : أنه قال ~~لإخوته { لا تثريب عليكم اليوم } ولو ذكر واقعة البئر لكان ذلك تثريبا لهم ~~فكان إهماله جارا مجري الكرم / الثاني : أنه لما خرج من البئر لم يصر ملكا ~~بل صيروه عبدا ، أما لما خرج من السجن صيروه ملكا فكان هذا الإخراج أقرب من ~~أن ms5209 يكون إنعاما كاملا ، الثالث : أنه لما أخرج من البئر وقع في المضار ~~الحاصلة بسبب تهمة المرأة فلما أخرج من السجن وصل إلى أبيه وإخوته وزالت ~~التهمة فكان هذا أقرب إلى المنفعة ، الرابع : قال الواحدي : النعمة في ~~إخراجه من السجن أعظم لأن دخوله في السجن كان بسبب ذنب هم به ، وهذا ينبغي ~~أن يحمل على ميل الطبع ورغبة النفس ، وهذا وإن كان في محل العفو في حق غيره ~~إلا أنه ربما كان سببا للمؤاخذة في حقه لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين . # ثم قال : { وجاء بكم من البدو } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية قولان : # القول الأول : جاء بكم من البدو أي من البداية ، وقال الواحدي : البدو ~~بسيط من الأرض يظهر فيه الشخص من بعيد وأصله من بدا يبدو بدوا ، ثم سمي ~~المكان باسم المصدر فيقال : بدو / وحضر وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل ~~مواش وبرية . # والقول الثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما كان يعقوب قد تحول إلى بدا ~~وسكنها ، ومنها قدم على يوسف وله بها مسجد تحت جبلها قال ابن الأنباري : ~~بدا اسم موضع معروف يقال هو بين شعب وبدا وهما موضعان ذكرهما جميعا كثير ~~فقال : # % وأنت التي حببت شعبا إلى بدا % % إلى وأوطاني بلاد سواهما % # فالبدو على هذا القول معناه قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا يقال بدا ~~القوم يبدون بدوا إذا أتوا بدا كما يقال : غار القوم غورا إذا أتوا الغور ~~فكان معنى الآية وجاء بكم من قصد بدا ، وعلى هذا القول كان يعقوب وولده ~~حضريين لأن البدو لم يرد به البادية لكن عنى به قصد بدا إلى ههنا كلام قاله ~~الواحدي في ( البسيط ) . # المسألة الثانية : تمسك أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق الله ~~تعالى ، لأن خروج العبد من PageV18P171 السجن أضافه إلى نفسه بقوله : { إذ ~~أخرجنى من السجن } ومجيئهم من البدو وأضافه إلى نفسه سبحانه بقوله : { وجاء ~~بكم من البدو } وهذا صريح في أن فعل العبد بعينه فعل الله تعالى وحمل هذا ~~على أن المراد ms5210 أن ذلك إنما حصل بإقدار الله تعالى وتيسيره عدول عن الظاهر . # ثم قال : { من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتى } قال صاحب ( الكشاف ) ~~: { نزغ } أفسد بيننا وأغوى وأصله من نزغ الراكض الدابة وحملها على الجري : ~~يقال : نزغه ونسغه إذا نخسه . # واعلم أن الجبائي والكعبي والقاضي : احتجوا بهذه الآية على بطلان الجبر ~~قالوا : لأنه تعالى أخبر عن يوسف عليه السلام أنه أضاف الإحسان إلى الله ~~وأضاف النزغ إلى الشيطان ، ولو كان ذلك أيضا من الرحمن لوجب أن لا ينسب إلا ~~إليه كما في النعم . # والجواب : أن إضافته هذا الفعل إلى الشيطان مجاز ، لأن عندكم الشيطان لا ~~يتمكن من الكلام الخفي وقد أخبر الله عنه فقال : { وما كان لى عليكم من ~~سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) فثبت أن ظاهر القرآن ~~يقتضي إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مع أنه ليس كذلك . وأيضا فإن كان إقدام ~~المرء على المعصية بسبب الشيطان فإقدام الشيطان على المعصية إن كان بسبب ~~شيطان آخر لزم التسلسل وهو محال وإن لم يكن بسبب شيطان آخر فليقل مثله في ~~حق الإنسان ، فثبت أن إقدام المرء على الجهل والفسق ليس بسبب الشيطان وليس ~~إيضا بسبب نفسه لأن أحدا لا يميل طبعه إلى اختيار الجهل والفسق الذي يوجب ~~وقوعه في ذم الدنيا وعقاب الآخرة ، ولما كان وقوعه في الكفر والفسق لا بد ~~له من موقع / وقد بطل القسمان لم يبق إلا أن يقال ذلك من الله تعالى ، ثم ~~الذي / يؤكد ذلك أن الآية المتقدمة على هذه الآية وهي قوله : { إذ أخرجنى ~~من السجن وجاء بكم من البدو } صريح في أن الكل من الله تعالى . # ثم قال : { إن ربى لطيف لما يشاء } والمعنى أن حصول الاجتماع بين يوسف ~~وبين أبيه وإخوته مع الألفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال كان في غاية ~~البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف فإذا أراد حصول شيء سهل أسبابه فحصل ~~وإن كان في غاية البعد عن الحصول . # ثم قال : { إنه هو العليم الحكيم } أعني ms5211 أن كونه لطيفا في أفعاله إنما ~~كان لأجل أنه عليم بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها فيكون عالما ~~بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك الصعب وحكيم أي محكم في فعله ، حاكم في قضائه ، ~~حكيم في أفعاله مبرأ عن العبث والباطل والله أعلم . # ! 7 < { رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الا حاديث فاطر السماوات ~~والا رض أنت ولى فى الدنيا والا خرة توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين } . > 7 ~~! # < < # | يوسف : ( 101 ) رب قد آتيتني . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : روي أن يوسف عليه السلام أخذ بيد يعقوب وطاف به في ~~خزائنه فأدخله خزائن PageV18P172 الذهب والفضة وخزائن الحلي وخزائن الثياب ~~وخزائن السلاح ، فلما أدخله مخازن القراطيس قال يا بني ما أغفلك ، عندك هذه ~~القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل قال : نهاني جبريل عليه السلام عنه ~~قال سله عن السبب قال : أنت أبسط إليه فسأله فقال جبريل عليه السلام : ~~أمرني الله بذلك لقولك وأخاف أن يأكله الذئب فهلا خفتني وروي أن يعقوب عليه ~~السلام أقام معه أربعا وعشرين سنة ولما قربت وفاته أوصى إليه أن يدفنه ~~بالشام إلى جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد أبيه ~~ثلاثا وعشرين سنة ، فعند ذلك تمنى ملك الآخرة فتمنى الموت . وقيل : ما ~~تمناه نبي قبله ولا بعده فتوفاه الله طيبا طاهرا ، فتخاصم أهل مصر في دفنه ~~كل أحد يحب أن يدفه في محلتهم حتى هموا بالقتال فرأوا أن الأصلح أن يعملوا ~~له صندوقا من مرمر ويجعلوه فيه ويدفنوه في النيل بمكان يمر الماء عليه ثم ~~يصل إلى مصر لتصل بركته إلى كل أحد ، وولد له افراثيم وميشا ، وولد ~~لافراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى ، ثم دفن يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى ~~/ فأخرج عظامه من مصر ودفنها عند قبر أبيه . # المسألة الثانية : من في قوله : { من الملك * ومن * تأويل الاحاديث } ~~للتبعيض ، لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا أو بعض ملك مصر وبعض التأويل . ~~قال الأصم : إنما قال من الملك ms5212 ، لأنه كان ذو ملك فوقه . # واعلم أن مراتب الموجودات ثلاثة : المؤثر الذي لا يتأثر وهو الإله تعالى ~~وتقدس ، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجسام ، فإنها قابلة للتشكيل ~~والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة فلا يكون لها تأثير في شيء ~~أصلا ، وهذان القسمان متباعدان جدا ويتوسطهما قسم ثالث ، وهو الذي يؤثر ~~ويتأثر ، وهو عالم الأرواح ، فخاصية جوهر الأرواح أنها تقبل الأثر والتصرف ~~عن عالم نور جلال الله ، ثم إنها إذا أقبلت على عالم الأجسام تصرفت فيه ~~وأثرت فيه ، فتعلق الروح بعالم الأجسام بالتصرف والتدبير فيه ، وتعلقه ~~بعالم الإلهيات بالعلم والمعرفة . وقوله تعالى : { قد اتيتنى من الملك } ~~إشارة إلى تعلق النفس بعالم الأجسام وقوله : { وعلمتنى من تأويل الاحاديث } ~~إشارة إلى تعلقها بحضرة جلال الله ، ولما كان لا نهاية لدرجات هذين النوعين ~~في الكمال والنقصان والقوة والضعف والجلاء والخفاء ، امتنع أن يحصل منهما ~~للإنسان إلا مقدار متناه ، فكان الحاصل في الحقيقة بعضا من أبعاض الملك ، ~~وبعضا من أبعاض العلم ، فلهذا السبب ذكر فيه كلمة ( من ) لأنها دالة على ~~التبعيض ، ثم قال : { فاطر * السماوات والارض } وفيه أبحاث : # البحث الأول : في تفسير لفظ الفاطر بحسب اللغة . قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : ما كنت أدري معنى الفاطر حتى احتكم إلي أعرابيان في بئر فقال ~~أحدهما : أنا فطرتها وأنا ابتدأت حفرها . قال أهل اللغة : أصل الفطر في ~~اللغة الشق يقال : فطر ناب البعير إذ بدا وفطرت الشيء فانفطر ، أي شققته ~~فانشق ، وتفطر الأرض بالنبات والشجر بالورق إذا تصدعت ، هذا أصله في اللغة ~~، ثم صار عبارة عن الإيجاد ، لأن ذلك الشيء حال عدمه كأنه في ظلمة وخفاء ~~فلما دخل في الوجود صار كأنه انشق عن العدم وخرج ذلك الشيء منه . # البحث الثاني : أن لفظ الفاطر قد يظن أنه عبارة عن تكوين الشيء عن العدم ~~المحض بدليل الاشتقاق الذي ذكرناه ، إلا أن الحق أنه لا يدل عليه ويدل عليه ~~وجوه : أحدها : أنه قال : { الحمد لله فاطر * السماوات والارض } ( فاطر : 1 ~~) PageV18P173 ثم بين تعالى أنه إنما خلقها من الدخان ms5213 حيث قال : { ثم استوى ~~إلى السماء وهى دخان } ( فصلت : 11 ) فدل على أن لفظ الفاطر لا يفيد أنه ~~أحدث ذلك الشيء من العدم المحض . وثانيها : أنه قال تعالى : { فطرة الله ~~التى فطر الناس عليها } ( الروم : 30 ) مع أنه تعالى إنما خلق الناس من ~~التراب . قال تعالى : / { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى } ( طه : 55 ) وثالثها : أن الشيء إنما يكون حاصلا عند حصول مادته ~~وصورته مثل الكوز ، فإنه إنما يكون موجودا إذا صارت المادة المخصوصة موصوفة ~~بالصفة المخصوصة ، فعند عدم الصورة ما كان ذلك المجموع موجودا ، وبإيجاد ~~تلك الصورة صار موجدا لذلك الكوز فعلمنا أن كونه موجدا للكون لا يقتضي كونه ~~موجدا لمادة الكوز ، فثبت أن لفظ الفاطر لا يفيد كونه تعالى موجدا للأجزاء ~~التي منها تركبت السموات والأرض ، وإنما صار إلينا كونه موجدا لها بحسب ~~الدلائل العقلية لا بحسب لفظ القرآن . # واعلم أن قوله : { فاطر * السماوات والارض } يوهم أن تخليق السموات مقدم ~~على تخليق الأرض عند من يقول : الواو تفيد الترتيب ، ثم العقل يؤكده أيضا ، ~~وذلك لأن تعين المحيط يوجب تعين المركز وتعينه فإنه لا يوجب تعين المحيط ، ~~لأنه يمكن أن يحيط بالمركز الواحد محيطات لا نهاية لها ، أما لا يمكن أن ~~يحصل للمحيط الواحد إلا مركز واحد بعينه . وأيضا اللفظ يفيد أن السماء ~~كثيرة والأرض واحدة ، ووجه الحكمة فيه قد ذكرناه في قوله : { الحمد لله ~~الذى خلق * السماوات والارض } ( الأنعام : 1 ) . # البحث الثالث : قال الزجاج : نصبه من وجهين : أحدهما : على الصفة لقوله : ~~{ رب } وهو نداء مضاف في موضع النصب . والثاني : يجوز أن ينصب على نداء ثان ~~. # ثم قال : { أنت ولينا * فى الدنيا والاخرة } والمعنى : أنت الذي تتولى ~~إصلاح جميع مهماتي في الدنيا والآخرة فوصل الملك الفاني بالملك الباقي ، ~~وهذا يدل على أن الإيمان والطاعة كلمة من الله تعالى إذ لو كان ذلك من ~~العبد لكان المتولي لمصالحه هو هو ، وحينئذ يبطل عموم قوله : { رب قد ~~اتيتنى من الملك } . # ثم قال : { توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين } وفيه مسائل : # المسألة ms5214 الأولى : اعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حكى عن جبريل عليه ~~السلام عن رب العزة أنه قال : ( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما ~~أعطى السائلين ) فلهذا المعنى من أراد الدعاء فلا بد وأن يقدم عليه ذكر ~~الثناء على الله فههنا يوسف عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء قدم عليه ~~الثناء وهو قوله : { رب قد اتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الاحاديث فاطر ~~* السماوات والارض } ثم ذكر عقيبه الدعاء وهو قوله : { توفنى مسلما وألحقنى ~~بالصالحين } ونظيره ما فعله الخليل صلوات الله عليه في قوله : { الذى خلقنى ~~فهو يهدين } ( الشعراء : 78 ) من هنا إلى قوله : { رب هب لى حكما } ( ~~الشعراء : 83 ) ثناء على الله ثم قوله : { رب هب لى } إلى آخر الكلام دعاء ~~فكذا ههنا . # / المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله : { توفنى مسلما } هل هو طلب منه ~~للوفاة أو لا ؟ فقال قتادة : سأل ربه اللحوق به ولم يتمن نبي قط الموت قبله ~~/ وكثير من المفسرين على هذا القول ، وقال ابن عباس رضي PageV18P174 الله ~~عنهما : في رواية عطاء يريد إذا توفيتني فتوفني على دين الإسلام ، فهذا طلب ~~لأن يجعل الله وفاته على الإسلام وليس فيه ما يدل على أنه طلب الوفاة . # واعلم أن اللفظ صالح للأمرين ولا يبعد في الرجل العاقل إذا كمل عقله أن ~~يتمنى الموت ويعظم رغبته فيه لوجوه كثيرة منها : أن كمال النفس الإنسانية ~~على ما بيناه في أن يكون عالما بالإلهيات ، وفي أن يكون ملكا ومالكا متصرفا ~~في الجسمانيات ، وذكرنا أن مراتب التفاوت في هذين النوعين غير متناهية ~~والكمال المطلق فيهما ليس إلا لله وكل ما دون ذلك فهو ناقص والناقص إذا حصل ~~له شعور بنقصانه وذاق لذة الكمال المطلق بقي في القلق وألم الطلب ، وإذا ~~كان الكمال المطلق ليس إلا الله ، وما كان حصوله للإنسان ممتنعا لزم أن ~~يبقى الإنسان أبدا في قلق الطلب وألم التعب فإذا عرف الإنسان هذه الحالة ~~عرف أنه لا سبيل له إلى دفع هذا التعب عن النفس إلا بالموت ، فحينئذ ms5215 يتمنى ~~الموت . # والسبب الثاني : لتمنى الموت أن الخطباء والبلغاء وإن أطنبوا في مذمة ~~الدنيا إلا أن حاصل كلامهم يرجع إلى أمور ثلاثة : أحدها : أن هذه السعادات ~~سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة ~~الحاصلة عند وجدانها . وثانيها : أنها غير خالصة بل هي ممزوجة بالمنغصات ~~والمكدرات . وثالثها : أن الأراذل من الخلق يشاركون الأفاضل فيها بل ربما ~~كان حصة الأراذل أعظم بكثير من حصة الأفاضل ، فهذه الجهات الثلاثة منفرة عن ~~هذه اللذات ، ولما عرف العاقل أنه لا سبيل إلى تحصيل هذه اللذات إلا مع هذه ~~الجهات الثلاثة المنفرة لا جرم يتمنى الموت ليتخلص عن هذه الآفات . # والسبب الثالث : وهو الأقوى عند المحققين رحمهم الله أجمعين أن هذه ~~اللذات الجسمانية لا حقيقة لها ، وإنما حاصلها دفع الآلام ، فلذة الأكل ~~عبارة عن دفع ألم الجوع ، ولذة الوقاع عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب ~~الدغدغة المتولدة من حصول المني في أوعية المني . ولذة الإمارة والرياسة ~~عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب شهوة الانتقام وطلب الرياسة وإذا كان حاصل ~~هذه اللذات ليس إلا دفع الألم لا جرم صارت عند العقلاء حقيرة خسيسة نازلة ~~ناقصة وحينئذ يتمنى الإنسان الموت ليتخلص عن الاحتياج إلى هذه الأحوال ~~الخسيسة . # والسبب الرابع : أن مداخل اللذات الدنيوية قليلة وهي ثلاثة أنواع : لذة ~~الأكل ولذة الوقاع / ولذة الرياسة ولكل واحدة منها عيوب كثيرة . أما لذة ~~الأكل ففيها عيوب : أحدها : أن هذه اللذات ليست قوية فإن الشعور بألم ~~القولنج الشديد والعياذ بالله منه أشد من الشعور باللذة الحاصلة عند أكل ~~الطعام . وثانيها : أن هذه اللذة لا يمكن بقاؤها فإن الإنسان إذا أكل شبع ~~وإذا شبع لم يبق شوقه للالتذاذ بالأكل فهذه اللذة ضعيفة ، ومع ضعفها غير ~~باقية . وثالثها : أنها في نفسها خسيسة فإن الأكل عبارة عن ترطيب ذلك ~~الطعام بالبزاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر مستقذر ثم لما يصل إلى ~~المعدة تظهر فيه الاستحالة إلى الفساد والنتن والعفونة ، وذلك أيضا منفر . ~~ورابعها : أن جميع الحيوانات الخسيسة ms5216 مشاركة فيها فإن الروث في مذاق الجعل ~~كاللوزنيج في مذاق الإنسان وكما أن الإنسان يكره تناول غذاء الجعل ، فكذلك ~~الجعل يكره تناول غذاء الإنسان ، وأما اللذة فمشتركة فيما بين الناس . ~~وخامسها : أن الأكل إنما يطيب عند اشتداد الجوع وتلك حاجة شديدة والحاجة ~~نقص وافر . وسادسها : أن الأكل يستحقر عند العقلاء . قيل : من كان همته ما ~~PageV18P175 يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه ، فهذا هو الإشارة ~~المختصرة في معايب الأكل ، وأما لذة النكاح ، فكل ما ذكرناه في الأكل حاصل ~~ههنا مع أشياء أخرى / وهي أن النكاح سبب لحصول الولد ، وحينئذ تكثر الأشخاص ~~فتكثر الحاجة إلى المال فيحتاج الإنسان بسببها إلى الاحتيال في طلب المال ~~بطرق لا نهاية لها ، وربما صار هالكا سبب طلب المال ، وأما لذة الرياسة ~~فعيوبها كثيرة والذي نذكره ههنا بسبب واحد وهو أن كل أحد يكره بالطبع أن ~~يكون خادما مأمورا ويحب أن يكون مخدوما آمرا ، فإذا سعى الإنسان في أن يصير ~~رئيسا آمرا كان ذلك دالا على مخالفة كل ما سواه ، فكأنه ينازع كل الخلق في ~~ذلك ، وهو يحاول تحصيل تلك الرياسة ، وجميع أهل الشرق والغرب يحاولون ~~إبطاله ودفعه ، ولا شك أن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر وإذا كان كذلك ~~كان حصول هذه الرياسة كالمعتذر ولو حصل فإنه يكون على شرف الزوال في كل حين ~~وأوان بكل سبب من الأسباب وكان صاحبها عند حصولها في الخوف الشديد من ~~الزوال وعند زوالها في الأسف العظيم والحزن الشديد بسبب ذلك الزوال . # واعلم أن العاقل إذا تأمل هذه المعاني علم قطعا أنه لا صلاح له في طلب ~~هذه اللذات والسعي في هذه الخيرات ألبتة . ثم إن النفس خلقت مجبولة على ~~طلبها ، والعشق الشديد عليها ، والرغبة التامة في الوصول إليها وحينئذ ~~ينعقد ههنا قياف ، وهو أن الإنسان ما دام يكون في هذه الحياة الجسمانية ~~فإنه يكون طالبا لهذه اللذات وما دام يطلبها كان في عين الآفات وفي لجة ~~الحسرات ، وهذا اللازم مكروه فالملزوم أيضا مكروه فحينئذ يتمنى زوال هذه ms5217 ~~الحياة الجسمانية والسبب في الأمور / المرغبة في الموت أن موجبات هذه اللذة ~~الجسمانية متكررة ولا يمكن الزيادة عليها والتكرير يوجب الملالة أما سعادات ~~الآخرة فهي أنواع كثيرة غير متناهية . # قال الإمام فخر الدين الرازي رحمة الله عليه وهو مصنف هذا الكتاب أنار ~~الله برهانه . أنا صاحب هذه الحالة والمتوغل فيها ، ولو فتحت الباب وبالغت ~~في عيوب هذه اللذات الجسمانية فربما كتبت المجلدات وما وصلت إلى القليل ~~منها فلهذا السبب صرت مواظبا في أكثر الأوقات على ذكر هذا الذي ذكره يوسف ~~عليه السلام وهو قوله : { رب قد اتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الاحاديث ~~فاطر * السماوات والارض * رب قد اتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الاحاديث ~~} . # المسألة الثالثة : تمسك أصحابنا في بيان أن الإيمان من الله تعالى بقوله ~~{ توفنى مسلما } وتقريره أن تحصيل الإسلام وإبقاءه إذا كان من العبد كان ~~طلبه من الله فاسدا وتقريره كأنه يقول افعل يا من لا يفعل والمعتزلة أبدا ~~يشنعون علينا ويقولون إذا كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقال للعبد افعل ~~مع أنك لست فاعلا ، فنحن نقول ههنا أيضا إذا كان تحصيل الإيمان وإبقاؤه من ~~العبد لا من الله تعالى ، فكيف يطلب ذلك من الله قال الجبائي والكعبي معناه ~~: اطلب اللطف لي في الإقامة على الإسلام إلى أن أموت عليه . فهذا الجواب ~~ضعيف لأن السؤال وقع على السلام فحمله على اللطف عدول عن الظاهر وأيضا كل ~~ما في المقدور من الألطاف فقد فعله فكان طلبه من الله محالا . # المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : الأنبياء عليهم السلام يعلمون أنهم ~~يموتون لا محالة على الإسلام ، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل ~~وأنه لا يجوز . PageV18P176 # والجواب : أحسن ما قيل فيه أن كمال حال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى ~~على وجه يستقر قلبه على ذلك الإسلام ويرضى بقضاء الله وقدره ، ويكون مطمئن ~~النفس منشرح الصدر منفسح القلب في هذا الباب ، وهذه الحالة زائدة على ~~الإسلام الذي هو ضد الكفر ، فالمطلوب ههنا هو الإسلام بهذا المعنى . # المسألة ms5218 الخامسة : أن يوسف عليه السلام كان من أكابر الأنبياء عليهم ~~السلام / والصلاح أول درجات المؤمنين ، فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن ~~يطلب البداية . قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من المفسرين : يعني ~~بآبائه إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ، والمعنى : ألحقني بهم في ثوابهم ~~ومراتبهم ودرجاتهم ، وههنا مقام آخر من تفسير هذه الآية على لسان أصحاب ~~المكاشفات ، وهو أن النفوس المفارقة أذا أشرقت بالأنوار الإلهية واللوامع ~~القدسية ، فإذا كانت متناسبة متشاكلة / انعكس النور الذي في كل واحدة منها ~~إلى الأخرى بسبب تلك الملازمة والمجانسة ، فتعظم تلك الأنوار وتقوى تلك ~~الأضواء ، ومثال تلك الأحوال المرآة الصقيلة الصافية إذا وضعت وضعا متى ~~أشرقت الشمس عليها انعكس الضوء من كل واحدة منها إلى الأخرى ، فهناك يقوى ~~الضوء ويكمل النور ، وينتهي في الإشراق والبريق اللمعان إلى حد لا تطيقه ~~العيون والأبصار الضعيفة ، فكذا ههنا . # ! 7 < { ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم ~~وهم يمكرون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 102 ) ذلك من أنباء . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { ذالك } رفع بالابتداء وخبره { من أنباء الغيب نوحيه ~~إليك } خبر ثان { وما كنت لديهم } أي ما كنت عند إخوة يوسف { إذ أجمعوا ~~أمرهم } أي عزموا على أمرهم وذكرنا الكلام في هذا اللفظ عند قوله : { ~~فأجمعوا أمركم } وقوله : { وهم يمكرون } أي بيوسف ، واعلم أن المقصد من هذا ~~إخبار عن الغيب فيكون معجزا . بيان إن إخبار عن الغيب أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ما طالع الكتب ولم يتلمذ لأحد وما كانت البلدة بلدة العلماء ~~فإتيانه بهذه القصة الطويلة على وجه لم يقع فيه تحريف ولا غلط من غير ~~مطالعة ولا تعلم ، ومن غير أن يقال : إنه كان حاضرا معهم لا بد وأن يكون ~~معجزا وكيف يكون معجزا وقد سبق تقرير هذه المقدمة في هذا الكتاب مرارا ، ~~وقوله : { وما كنت لديهم } أي وما كنت هناك ذكر على سبيل التهكم بهم ، لأن ~~كل أحد يعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما كان معهم . # ! 7 < { ومآ أكثر الناس ولو ms5219 حرصت بمؤمنين * وما تسألهم عليه من أجر إن هو ~~إلا ذكر للعالمين * وكأين من ءاية فى السماوات والا رض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون * وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون * أفأمنوا أن تأتيهم ~~غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 103 - 107 ) وما أكثر الناس . . . . . # > > PageV18P177 # / اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أن كفار قريش وجماعة من اليهود ~~طلبوا هذه القصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت ، واعتقد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا ذكرها فربما آمنوا ، فلما ذكرها ~~أصروا على كفرهم فنزلت هذه الآية ، وكأنه إشارة إلى ما ذكره الله تعالى في ~~قوله : { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشاء } ( القصص : 56 ) ~~قال أبو بكر بن الأنباري : جواب { لو } محذوف ، لأن جواب { لو } لا يكون ~~مقدما عليها فلا يجوز أن يقال . وقال الفراء في ( المصادر ) يقال : حرص ~~يحرص حرصا ، ولغة أخرى شاذة : حرص يحرص حريصا . ومعنى الحرص : طلب الشيء ~~بأقصى ما يمكن من الاجتهاد . وقوله : { وما تسألهم عليه من أجر } معناه ~~ظاهر وقوله : { إن هو إلا ذكر للعالمين } أي هو تذكرة لهم في دلائل التوحيد ~~والعدل والنبوة والمعاد والقصص والتكاليف والعبادات ، ومعناه : أن هذا ~~القرآن يشتمل على هذه المنافع العظيمة ، ثم لا تطلب منهم مالا ولا جعلا ، ~~فلو كانوا عقلاء لقبلوا ولم يتمردوا . وقوله تعالى : { وكأين من ءاية فى * ~~السماوات والارض * يمرون عليها وهم عنها معرضون } يعني : أنه لا عجب إذا لم ~~يتأملوا في الدلائل الدالة على نبوتك ، فإن العالم مملوء من دلائل التوحيد ~~والقدرة والحكمة ثم إنهم يمرون عليها ولا يلتفتون إليها . # واعلم أن دلائل التوحيد والعلم والقدرة والحكمة والرحمة لابد وأن تكون من ~~أمور محسوسة ، وهي إما الأجرام الفلكية وأما الأجرام العنصرية ، أما ~~الأجرام الفلكية : فهي قسمان : إما الأفلاك وإما الكواكب . أما الأفلاك : ~~فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصانع وقد يستدل بكون بعضها فوق ~~البعض أو تحته ، وقد يستدل ms5220 بأحوال حركاتها إما بسبب أن حركاتها مسبوقة ~~بالعدم فلا بد من محرك قادر ، وإما بسبب كيفية حركاتها في سرعتها وبطئها ، ~~وإما بسبب اختلاف جهات تلك الحركات . وأما الأجرام الكوكبية فتارة يستدل ~~على وجود الصانع بمقاديرها أحيازها وحركاتها ، وتارة بألوانها وأضوائها ، ~~وتار بتأثيراتها في حصول الأضواء والأظلال والظلمات والنور ، وأما الدلائل ~~المأخوذة من الأجرام العنصرية : فإما أن تكون مأخوذة من بسائط ، وهي عجائب ~~البر والبحر ، وإما من المواليد وهي أقسام : أحدها : الآثار العلوية كالرعد ~~والبرق والسحاب والمطر والثلج والهواء وقوس قزح . وثانيها : المعادن على ~~اختلاف طبائعها وصفاتها وكيفياتها . وثالثها : النبات وخاصية الخشب والورق ~~والثمر واختصاص كل واحد منها بطبع خاص وطعم خاص وخاصية مخصوصة . ورابعها : ~~اختلاف أحوال الحيوانات في أشكالها وطبائعها وأصواتها وخلقتها . وخامسها : ~~تشريح أبدان الناس وتشريح القوى الإنسانية وبيان المنفعة / الحاصلة فيها ~~فهذه مجامع الدلائل . ومن هذا الباب أيضا قصص الأولين وحكايات الأقدمين وأن ~~الملوك الذين استولوا على الأرض وخربوا البلاد وقهروا العباد ماتوا ولم يبق ~~منهم في الدنيا خبر ولا أثر / ثم بقي الوزر والعقاب عليهم هذا ضبط أنواع ~~هذه الدلائل والكتاب المحتوي على شرح هذه الدلائل هو شرح جملة العالم ~~الأعلى والعالم الأسفل والعقل البشري لا يفي بالإحاطة به فلهذا السبب ذكره ~~الله تعالى على سبيل الإبهام قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { والارض } بالرفع ~~على أنه مبتدأ و { يمرون } عليها خبره وقرأ السدي { والارض } بالنصب على ~~تقدير أن يفسر قوله : { يمرون عليها } بقولنا يطوفونها ، وفي مصحف عبدالله ~~{ والارض * يمشون * عليها } برفع الأرض . # أما قوله : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } فالمعنى : أنهم ~~كانوا مقرين بوجود الإله بدليل قوله : PageV18P178 { ولئن سألتهم من خلق * ~~السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) إلا أنهم كانوا يثبتون له ~~شريكا في المعبودية ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم الذين يشبهون الله ~~بخلقه وعنه أيضا أنه قال : نزلت هذه الآية في تلبية مشركي العرب لأنهم ~~كانوا يقولون : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، وعنه أيضا ~~أن أهل مكة ms5221 قالوا : الله ربنا وحده لا شريك له الملائكة بناته فلم يوحدوا ، ~~بل أشركوا ، وقال عبدة الأصنام : ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده ، ~~وقالت اليهود : ربنا الله وحده وعزيز ابن الله ، وقالت النصارى : ربنا الله ~~وحده لا شريك له والمسيح ابن الله ، وقال عبدة الشمس والقمر : ربنا الله ~~وحده وهؤلاء أربابنا ، وقال المهاجرون والأنصار ربنا الله وحده ولا شريك ~~معه ، واحتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن الإقرار باللسان ~~فقط ، لأنه تعالى حكم بكونهم مؤمنين مع أنهم مشركون ، وذلك يدل على أن ~~الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار باللسان ، وجوابه معلوم ، أما قوله : { ~~أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } أي عقوبة تغشاهم وتنبسط عليهم ~~وتغمرهم { أو تأتيهم الساعة بغتة } أي فجأة . وبغتة نصب على الحال يقال : ~~بغتهم الأمر بغتا وبغتة إذا فاجأهم من حيث لم يتوقعوا وقوله : { وهم لا ~~يشعرون } كالتأكيد لقوله : { بغتة } . # ! 7 < { قل هاذه سبيلىأدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان ~~الله ومآ أنا من المشركين } . > 7 ! # / < < # | يوسف : ( 108 ) قل هذه سبيلي . . . . . # > > قال المفسرون : قل يا محمد لهم هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة ~~التي أنا عليها سبيلي وسنتي ومنهاجي ، وسمي الدين سبيلا لأنه الطريق الذي ~~يؤدي إلى الثواب ، ومثله قوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك } ( النحل : 125 ~~) . # واعلم أن السبيل في أصل اللغة الطريق ، وشبهوا المعتقدات بها لما أن ~~الإنسان يمر عليها إلى الجنة ادعو الله على بصيرة وحجة وبرهان أنا ومن ~~اتبعني إلى سيرتي وطريقتي وسيرة أتباعي الدعوة إلى الله ، لأن كل من ذكر ~~الحجة وأجاب عن الشبهة فقد دعا بمقدار وسعه إلى الله وهذا يدل على أن ~~الدعاء إلى الله تعالى إنما يحسن ويجوز مع هذا الشرط وهو أن يكون على بصيرة ~~مما يقول وعلى هدى ويقين ، فإن لم يكن كذلك فهو محض الغرور وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( العلماء أمناء الرسل على عباد الله من حيث يحفظون لما ~~تدعونهم إليه ) وقيل أيضا يجوز أن ينقطع الكلام عند قوله { ادعوا * إلى ~~الله } ثم ms5222 ابتدأ وقال : { على بصيرة أنا ومن اتبعنى } وقوله : { وسبحان ~~الله } عطف على قوله : { هاذه سبيلى } أي قل هذه سبيلي وقل سبحان الله ~~تنزيها لله عما يشركون وما أنا من المشركين الذين اتخذوا مع الله ضدا وندا ~~وكفؤا وولدا ، وهذه الآية تدل على أن حرفة الكلام وعلم الأصول حرفة ~~الأنبياء عليهم السلام وأن الله ما بعثهم إلى الخلق إلا لأجلها . # ! 7 < { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحىإليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا فى الا رض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الا خرة خير ~~للذين اتقوا أفلا تعقلون } . > 7 @QB@ < # | يوسف : ( 109 ) وما أرسلنا من . . . . . # > > PageV18P179 # اعلم أنه قرأ حفص عن عاصم { نوحى } بالنون ، والباقون بالياء { أفلا ~~يعقلون } قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ، ورواية حفص عن عاصم : { تعقلون } ~~بالتاء على الخطاب ، والباقون : بالياء على الغائب . # واعلم أن من جملة شبه منكري نبوته عليه الصلاة والسلام أن الله لو أراد ~~إرسال رسول لبعث ملكا ، فقال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى ~~إليهم من أهل القرى } فلما كان الكل / هكذا فكيف تعجبوا في حقك يا محمد ~~والآية تدل على أن الله ما بعث رسولا إلى الحق من النسوان وأيضا لم يبعث ~~رسولا من أهل البادية . قال عليه الصلاة والسلام : ( من بدا جفا ومن اتبع ~~الصيد غفل ) . # ثم قال : { أفلم يسيروا فى الارض فينظروا } إلى مصارع الأمم المكذبة ~~وقوله : { ولدار الاخرة خير } والمعنى دار الحالة الآخرة ، لأن للناس ~~حالتين حال الدنيا وحال الآخرة ، ومثله قوله صلاة الأولى أي صلاة الفريضة ~~الأولى ، وأما بيان أن الآخرة خير من الأولى فقد ذكرنا دلائله مرارا . # ! 7 < { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جآءهم نصرنا فنجى من ~~نشآء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 110 ) حتى إذا استيأس . . . . . # > > اعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي { كذبوا } بالتخفيف ، وكسر الذال ~~والباقون بالتشديد ، ومعنى التخفيف من وجهين : أحدهما : أن الظن واقع ~~بالقوم ، أي حتى إذا استيأس الرسل من إيمان القوم فظن القوم أن ms5223 الرسل كذبوا ~~فيما وعدوا من النصر والظفر . # فإن قيل : لم يجر فيما سبق ذكر المرسل إليهم فكيف يحسن عود هذا الضمير ~~إليهم . # قلنا : ذكر الرسل يدل على المرسل إليهم وإن شئت قلت أن ذكرهم جرى في قوله ~~: { أفلم يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ( يوسف : ~~109 ) فيكون الضمير عائدا إلى الذين من قبلهم من مكذبي الرسل والظن ههنا ~~بمعنى التوهم والحسبان . # والوجه الثاني : أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا ~~وهذا التأويل منقول عن ابن PageV18P180 أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قالوا : وإنما كان الأمر كذلك لأجل ضعف البشرية إلا أنه بعيد ، لأن ~~المؤمن لا يجوز أن يطن بالله الكذب ، بل يخرج بذلك عن الإيمان فكيف يجوز ~~مثله على الرسل ، وأما قراءة التشديد ففيها وجهان : الأول : أن الظن بمعنى ~~اليقين ، أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيبا لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك ~~، فحينئذ دعوا عليهم فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال ، وورود ~~الظن بمعنى العلم كثير في القرآن قال تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~ربهم } ( البقرة : 46 ) أي يتيقنون ذلك . والثاني : أن يكون الظن بمعنى ~~الحسبان والتقدير / حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم فظن الرسل أن ~~الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا التأويل منقول عن عائشة رضي الله عنها وهو ~~أحسن الوجوه المذكورة في الآية ، روي أن ابن أبي مليكة نقل عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال : وظن الرسل أنهم كذبوا ، لأنهم كانوا بشرا ألا ترى إلى ~~قوله : { حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله } ( البقرة : 214 ~~) قال فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فأنكرته وقالت : ما وعد الله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم شيئا إلا وقد علم أنه سيوفيه ولكن البلاء لم يزل ~~بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم وهذا الرد ~~والتأويل في غاية الحسن من عائشة . # وأما قوله : { جاءهم نصرنا } أي لما بلغ الحال إلى الحد المذكور { جاءهم ms5224 ~~نصرنا فنجى من نشاء } قرأ عاصم وابن عامر { فنجى من نشاء } بنون واحدة ~~وتشديد الجيم وفتح الياء على ما لم يسم فاعله ، واختاره أبو عبيدة لأنه في ~~المصحف بنون واحدة . وروي عن الكسائي : إدغام إحدى النونين في الأخرى وقرأ ~~بنون واحدة وتشديد الجيم وسكون الياء ، قال بعضهم : هذا خطأ لأن النون ~~متحركة فلا تدغم في الساكن ، ولا يجوز إدغام النون في الجيم ، والباقون ~~بنونين ، وتخفيف الجيم وسكون الياء على معنى : ونحن نفعل بهم ذلك . # واعلم أن هذا حكاية حال ، ألا ترى أن القصة فيما مضى ، وإنما حكى فعل ~~الحال كما أن قوله : { من شيعته وهاذا من عدوه } ( القصص : 15 ) إشارة إلى ~~الحاضر والقصة ماضية . # ! 7 < { لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولاكن ~~تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شىء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } . > 7 ! # < < # | يوسف : ( 111 ) لقد كان في . . . . . # > > اعلم أن الاعتبار عبارة عن العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف ~~المجهول ، والمراد منه التأمل والتفكر ، ووجه الاعتبار بقصصهم أمور : الأول ~~: أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب ، وإعلائه بعد حبسه في ~~السجن وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون به أنه عبد لهم ، وجمعه مع والديه ~~وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة ، لقادر على إعزاز محمد صلى الله عليه ~~وسلم وإعلاء كلمته . الثاني : أن الإخبار عنه جار مجرى الإخبار عن الغيب ، ~~فيكون معجزة دالة على صدق محمد / صلى الله عليه وسلم ، الثالث : أنه ذكر في ~~أول السورة { نحن نقص عليك أحسن القصص } ( يوسف : 3 ) ثم ذكر في آخرها : { ~~لقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الالباب } PageV18P181 تنبيها على أن حسن هذه ~~القصة إنما كان بسبب أنه يحصل منها العبرة ومعرفة الحكمة والقدرة . والمراد ~~من قصصهم قصة يوسف عليه السلام وإخوته وأبيه ، ومن الناس من قال : المراد ~~قصص الرسل لأنه تقدم في القرآن ذكر قصص سائر الرسل إلا أن الأولى أن يكون ~~المراد قصة يوسف عليه السلام . # فإن قيل : لم قال : { عبرة لاولى الالباب ms5225 } مع أن قوم محمد صلى الله عليه ~~وسلم كانوا ذوي عقول وأحلام ، وقد كان الكثير منهم لم يعتبر بذلك . # قلنا : إن جميعهم كانوا متمكنين من الاعتبار ، والمراد من وصف هذه القصة ~~بكونها عبرة كونها بحيث يمكن أن يعتبر بها العاقل ، أو نقول : المراد من ~~أولي الألباب الذين اعتبروا وتفكروا وتأملوا فيها وانتفعوا بمعرفتها ، لأن ~~{ أولى * الالباب } لفظ يدل على المدح والثناء فلا يليق إلا بما ذكرناه ، ~~واعلم أنه تعالى وصف هذه القصة بصفات . # الصفة الأولى : كونها { عبرة لاولى الالباب } وقد سبق تقريره . # الصفة الثانية : قوله : { ما كان حديثا يفترى } وفيه قولان : الأول : أن ~~المراد الذي جاء به وهو محمد صلى الله عليه وسلم لا يصح منه أن يفتري لأنه ~~لم يقرأ الكتب ولم يتلمذ لأحد ولم يخالط العلماء فمن المحال أن يفتري هذه ~~القصة بحيث تكون مطابقة لما ورد في التوراة من غير تفاوت ، والثاني : أن ~~المراد أنه ليس يكذب في نفسه ، لأنه لا يصح الكذب منه ، ثم إنه تعالى أكد ~~كونه غير مفترى فقال : { ولاكن تصديق الذى بين يديه } وهو إشارة إلى أن هذه ~~القصة وردت على الوجه الموافق لما في التوراة وسائر الكتب الإلهية ، ونصب ~~تصديقا على تقدير ولكن كان تصديق الذي بين يديه كقوله تعالى : { ما كان ~~محمد أبا أحد من رجالكم ولاكن رسول الله } ( الأحزاب : 40 ) قاله الفراء ~~والزجاج ، ثم قال : ويجوز رفعه في قياس النحو على معنى : ولكن هو تصديق ~~الذي بين يديه . # والصفة الثالثة : قوله : { وتفصيل كل شىء } وفيه قولان : الأول : المراد ~~وتفصيل كل شيء من واقعة يوسف عليه السلام مع أبيه وإخوته ، والثاني : أنه ~~عائد إلى القرآن ، كقوله : { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } ( الأنعام : 38 ) ~~فإن جعل هذا الوصف وصفا لكل القرآن أليق من جعله وصفا لقصة يوسف وحدها ، ~~ويكون المراد : ما يتضمن من الحلال والحرام وسائر ما يتصل بالدين . قال ~~الواحدي على التفسيرين جميعا : فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله : { ~~ورحمتى وسعت كل شىء } ( الأعراف : 156 ) يريد : كل شيء ms5226 يجوز أن يدخل فيها ~~وقوله : { وأوتيت من كل شىء } ( النمل : 23 ) . # / الصفة الرابعة والخامسة : كونها هدى في الدنيا وسببا لحصول الرحمة في ~~القيامة لقوم يؤمنون خصهم بالذكر لأنهم هم الذين انتفعوا به كما قررناه في ~~قوله : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع ~~والمآب قال المصنف رحمه الله تعالى تم تفسير هذه السورة بحمد الله تعالى ~~يوم الأربعاء السابع من شعبان ، ختم بالخير والرضوان ، سنة إحدى وستمائة ، ~~وقد كنت ضيق الصدر جدا بسبب وفاة الولد الصالح محمد تغمده الله بالرحمة ~~والغفران وخصه بدرجات الفضل والإحسان وذكرت هذه الأبيات في مرثيته على ~~PageV18P182 سبيل الإيجاز : # % فلو كانت الأقدار منقادة لنا % % فديناك من حماك بالروح والجسم % # % ولو كانت الأملاك تأخذ رشوة % % خضعنا لها بالرق في الحكم والاسم % # % ولكنه حكم إذا حان حينه % % سرى من مقر العرش في لجة اليم % # % سأبكي عليك العمر بالدم دائما % % ولم أنحرف عن ذاك في الكيف والكم % # % سلام على قبر دفنت بتربه % % وأتحفك الرحمن بالكرم الجم % # % وما صدني عن جعل جفني مدفنا % % لجسمك إلا أنه أبدا يهمي % # % وأقسم إن مسوا رفاتي ورمتي % % أحسوا بنار الحزن في مكمن العظم % # % حياتي وموتي واحد بعد بعدكم % % بل الموت أولى من مداومة الغم % # % رضيت بما أمضى الإله بحكمه % % لعلمي بأني لا يجاوزني حكمي % # وأنا أوصي من طالع كتابي واستفاد ما فيه من الفوائد النفيسة العالية أن ~~يخص ولدي ويخصني بقراءة الفاتحة ، ويدعو لمن قد مات في غربة بعيدا عن ~~الإخوان والأب والأم بالرحمة والمغفرة فإني كنت أيضا كثير الدعاء لمن فعل ~~ذلك في حقي وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا آمين ~~والحمد لله رب العالمين . # # PageV18P183 < # > 1 ( سورة الرعد ) 1 < # > # مدنية ، وآياتها : 43 ، نزلت بعد سورة محمد # سورة الرعد أربعون وثلاث آيات مكية # سوى قوله تعالى : { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة } ( ~~الرعد : 31 ) وقوله : { ومن عنده علم الكتاب } ( الرعد : 43 ) قال الأصم هي ~~مدنية بالإجماع سوى قوله تعالى : { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } ( الرعد ms5227 ~~: 31 ) . # ! 7 < { المر تلك آيات الكتاب والذىأنزل إليك من ربك الحق ولاكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون } . > 7 ! # < < # | الرعد : ( 1 ) المر تلك آيات . . . . . # > > اعلم أنا قد تكلمنا في هذه الألفاظ قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~معناه : أنا الله أعلم ، وقال في رواية عطاء أنا الله الملك الرحمن ، وقد ~~أمالها أبو عمرو والكسائي وغيرهما وفخمها جماعة منهم عاصم وقوله : { تلك } ~~إشارة إلى آيات السورة المسماة بالمر . ثم قال : إنها آيات الكتاب . وهذا ~~الكتاب الذي أعطاه محمدا بأن ينزله عليه ويجعله باقيا على وجه الدهر وقوله ~~: { والذى أنزل إليك من ربك } مبتدأ وقوله : { الحق } خبره ومن الناس من ~~تمسك بهذه الآية في نفي القياس فقال : الحكم المستنبط بالقياس غير نازل من ~~عند الله وإلا لكان من لم يحكم به كافرا لقوله تعالى : { ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ( المائدة : 44 ) وبالإجماع لا يكفر فثبت ~~أن الحكم المثبت بالقياس غير نازل من عند الله . وإذا كان كذلك وجب أن لا ~~يكون حقا لأجل أن قوله : { والذى أنزل إليك من ربك الحق } يقتضي أنه لا حق ~~إلا ما أنزله الله فكل ما لم ينزله الله وجب أن لا يكون حقا ، وإذا لم يكن ~~حقا وجب أن يكون باطلا لقوله تعالى : { فماذا بعد الحق إلا الضلال } ( يونس ~~: 32 ) ومثبتو القياس يجيبون عنه بأن الحكم المثبت بالقياس نازل أيضا من ~~عند الله ، لأنه PageV18P184 لما أمر بالعمل بالقياس كان الحكم الذي دل ~~عليه القياس نازلا من عند الله . ولما ذكر تعالى أن المنزل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم هو الحق بين أن أكثر الناس لا يؤمنون به على سبيل الزجر ~~والتهديد . # ! 7 < { الله الذى رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر ~~الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى يدبر الا مر يفصل الآيات لعلكم بلقآء ربكم ~~توقنون } . > 7 ! # < < # | الرعد : ( 2 ) الله الذي رفع . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر أن أكثر الناس لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يدل ~~على صحة التوحيد والمعاد ms5228 وهو هذه الآية وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الله مبتدأ والذي رفع السموات ~~خبره بدليل قوله : { وهو الذى مد الارض } ( الرعد : 3 ) ويجوز أن يكون الذي ~~رفع السموات صفة وقوله : { يدبر الامر يفصل الآيات } خبرا بعد خبر ، وقال ~~الواحدي : العمد الأساطين وهو جمع عماد يقال عماد وعمد مثل إهاب وأهب ، ~~وقال الفراء : العمد والعمد جمع العمود مثل أديم وادم وادم ، وقضيم وقضم ~~وقضم ، والعماد والعمود ما يعمد به الشيء ، ومنه يقال : فلان عمد قومه إذا ~~كانوا يعتمدونه فيما بينهم . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى استدل بأحوال السموات وبأحوال الشمس ~~والقمر وبأحوال الأرض وبأحوال النبات ، أما الاستدلال بأحوال السموات بغير ~~عمد ترونها فالمعنى : أن هذه الأجسام العظيمة بقيت واقفة في الجو العالي ~~ويستحيل أن يكون بقاؤها هناك لأعيانها ولذواتها لوجهين : الأول : أن ~~الأجسام متساوية في تمام الماهية ولو وجب حصول جسم في حيز معين لوجب حصول ~~كل جسم في ذلك الحين . والثاني : أن الخلاء لا نهاية له والأحياز المعترضة ~~في ذلك / الخلاء الصرف غير متناهية وهي بأسرها متساوية ولو وجب حصول جسم في ~~حيز معين لوجب حصوله في جميع الأحياز ضرورة أن الأحياز بأسرها متشابهة فثبت ~~أن حصول الأجرام الفلكية في أحيازها وجهاتها ليس أمرا واجبا لذاته بل لا بد ~~من مخصص ومرجح ، ولا يجوز أن يقال إنها بقيت بسلسلة فوقها ولا عمد تحتها ، ~~وإلا لعاد الكلام في ذلك الحافظ ولزم المرور إلى ما لا نهاية له وهو محال ~~فثبت أن يقال الأجرام الفلكية في أحيازها العالية لأجل أن مدبر العالم ~~تعالى وتقدس أوقفها هناك . فهذا برهان قاهر على وجود الإله القاهر القادر . ~~ويدل أيضا على أن الإله ليس بجسم ولا مختص بحيز ، لأنه لو كان حاصلا في حيز ~~معين لامتنع أن يكون حصوله في ذلك الحيز لذاته ولعينه لما بينا أن الأحياز ~~بأسرها متساوية فيمتنع أن يكون حصوله في حيز معين لذاته فلا بد وأن يكون ~~بتخصيص مخصص وكل ما حصل بالفاعل المختار فهو محدث فاختصاصه بالحيز المعين ms5229 ~~محدث وذاته لا تنفك عن ذلك الاختصاص وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث ، فثبت ~~أنه لو كان حاصلا في الحيز المعين لكان حادثا وذلك محال ، فثبت أنه تعالى ~~متعال عن الحيز والجهة ، وأيضا كل ما سماك فهو سماء ، فلو كان تعالى موجودا ~~في جهة فوق جهة لكان من جملة السموات فدخل تحت قوله : { الله الذى رفع * ~~السماوات * بغير عمد ترونها } PageV18P185 فكل ما كان مختصا بجهة فوق جهة ~~فهو محتاج إلى حفظ الإله بحكم هذه الآية فوجب أن يكون الإله منزها عن جهة ~~فوق . أما قوله : { ترونها } ففيه أقوال : الأول : أنه كلام مستأنف والمعنى ~~: رفع السموات بغير عمد . ثم قال : { ترونها } أي وأنتم ترونها أي مرفوعة ~~بلا عماد . الثاني : قال الحسن في تقرير الآية تقديم وتأخير تقديره : رفع ~~السموات ترونها بغير عمد . # واعلم أنه إذا أمكن حمل الكلام على ظاهره كان المصير إلى التقديم ~~والتأخير غير جائز . والثالث : أن قوله : { ترونها } صفة للعمد ، والمعنى : ~~بغير عمد مرئية ، أي للسموات عمد . ولكنا لا نراها قالوا : ولها عمد على ~~جبل قاف وهو جبل من زبرجد محيط بالدنيا ولكنكم لا ترونها . وهذا التأويل في ~~غاية السقوط ، لأنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة على وجود الإله ~~القادر ولو كان المراد ما ذكروه لما ثبتت الحجة لأنه يقال إن السموات لما ~~كانت مستقرة على جبل قاف فأي دلالة لثبوتها على وجود الإله ، وعندي فيه وجه ~~آخر أحسن من الكل وهو أن العماد ما يعتمد عليه وقد دللنا على أن هذه ~~الأجسام إنما بقيت واقفة في الجو العالي بقدرة الله تعالى وحينئذ يكون ~~عمدها هو قدرة الله تعالى فنتج أن يقال إنه رفع السماء بغير عمد ترونها أي ~~لها عمد في الحقيقة إلا أن تلك العمد هي قدرة الله تعالى وحفظه وتدبيره ~~وإبقاؤه إياها في الجو العالي وأنهم لا يرون ذلك التدبير / ولا يعرفون ~~كيفية ذلك الإمساك . # وأما قوله : { ثم استوى على العرش } فاعلم أنه ليس المراد منه كونه ~~مستقرا على العرش ، لأن المقصود ms5230 من هذه الآية ذكر ما يدل على وجود الصانع ~~ويجب أن يكون ذلك الشيء مشاهدا معلوما وأن أحدا ما رأى أنه تعالى استقر على ~~العرش فكيف يمكن الاستدلال به عليه وأيضا بتقدير أن يشاهد كونه مستقرا على ~~العرش إلا أن ذلك لا يشعر بكمال حاله وغاية جلاله ، بل يدل على احتياجه إلى ~~المكان والحيز . وأيضا فهذا يدل على أنه ما كان بهذه الحالة ثم صار بهذه ~~الحالة ، وذلك يوجب التغير وأيضا الاستواء ضد الاعوجاج فظاهر الآية يدل على ~~أنه كان معوجا مضطربا ثم صار مستويا وكل ذلك على الله محال ، فثبت أن ~~المراد استواؤه على عالم الأجسام بالقهر والقدرة والتدبير والحفظ يعني أن ~~من فوق العرش إلى ما تحت الثرى في حفظه وفي تدبيره وفي الاحتياج إليه . ~~وأما الاستدلال بأحوال الشمس والقمر : فهو قوله سبحانه وتعالى : { وسخر ~~الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى } . # واعلم أن هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة : # النوع الأول : قوله : { وسخر الشمس والقمر } وحاصله يرجع إلى الاستدلال ~~على وجود الصانع القادر القاهر بحركات هذه الأجرام ، وذلك لأن الأجسام ~~متماثلة فهذه الأجرام قابلة للحركة والسكون فاختصاصها بالحركة الدائمة دون ~~السكون لا بد له من مخصص . وأيضا أن كل واحدة من تلك الحركات مختصة بكيفية ~~معينة من البطإ والسرعة فلا بد أيضا من مخصص لا سيما عند من يقول الحركة ~~البطيئة معناها حركات مخلوطة بسكنات وهذا يوجب الاعتراف بأنها تتحرك في بعض ~~الأحياز وتسكن في البعض فحصول الحركة في ذلك الحيز المعين والسكون في الحيز ~~الآخر لا بد فيه أيضا من مرجح . # الوجه الثالث : وهو أن تقدير تلك الحركات والسكنات بمقادير مخصوصة على ~~وجه تحصل عوداتها وأدوارها متساوية بحسب المدة حالة عجيبة فلا بد من مقدر . ~~PageV18P186 # والوجه الرابع : أن بعض تلك الحركات مشرقية وبعضها مغربية وبعضها مائلة ~~إلى الشمال وبعضها مائلة إلى الجنوب وهذا أيضا لا يتم إلا بتدبير كامل ~~وحكمة بالغة . # النوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله : { كل يجرى لاجل ~~مسمى } وفيه قولان ms5231 : الأول : قال ابن عباس : للشمس مائة وثمانون منزلا كل ~~يوم لها منزل وذلك يتم في ستة أشهر ، ثم إنها تعود مرة أخرى إلى واحد منها ~~في ستة أشهر أخرى وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلا ، فالمراد بقوله : { ~~كل يجرى لاجل مسمى } هذا . وتحقيقه أنه تعالى قدر لكل واحد من هذه / ~~الكواكب سيرا خاصا إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء ومتى كان ~~الأمر كذلك لزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى ما كانت حاصلة ~~قبل ذلك . # والقول الثاني : أن المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة ، وعند مجيء ~~ذلك اليوم تنقطع هذه الحركات وتبطل تلك السيرات كما وصف الله تعالى ذلك في ~~قوله : { إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت } ( التكوير : 1 ، 2 ) { إذا ~~السماء انشقت } ( الإنشقاق : 1 ) { إذا السماء انفطرت } ( الأنفطار : 1 ) { ~~جمع * الشمس والقمر } ( القيامة : 9 ) وهو كقوله سبحانه وتعالى : { ثم قضى ~~أجلا وأجل مسمى عنده } ( الأنعام : 2 ) ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل ~~قال : { يدبر الامر } وكل واحد من المفسرين حمل هذا على تدبير نوع آخر من ~~أحوال العالم والأولى حمله على الكل فهو يدبرهم بالإيجاد والإعدام ~~وبالإحياء والإماتة والإغناء والإفقار ، ويدخل فيه إنزال الوحي وبعثة الرسل ~~وتكليف العباد ، وفيه دليل عجيب على كمال القدرة والرحمة وذلك لأن هذا ~~العالم المعلوم من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى أنواع وأجناس لا يحيط بها ~~إلا الله تعالى ، والدليل المذكور دل على أن اختصاص كل واحد منها بوضعه ~~وموضعه وصفته وطبيعته وحليته ، ليس إلا من الله تعالى ومن المعلوم أن كل من ~~اشتغل بتدبير شيء فإنه لا يمكنه شيء آخر إلا الباري سبحانه وتعالى فإنه لا ~~يشغله شأن عن شأن أما العاقل فإنه إذا تأمل في هذه الآية علم أنه تعالى ~~يدبر عالم الأجسام وعالم الأرواح ويدبر الكبير كما يدبر الصغير فلا يشغله ~~شأن عن شأن ولا يمنعه تدبير عن تدبير وذلك يدل على أنه تعالى في ذاته ~~وصفاته وعلمه وقدرته غير مشابه للمحدثات والممكنات . # ثم ms5232 قال : { يفصل الآيات } وفيه قولان : الأول : أنه تعالى بين الآيات ~~الدالة على إلهيته وعلمه وحكمته . والثاني : أن الدلائل الدالة على وجود ~~الصانع قسمان : أحدهما : الموجودات الباقية الدائمة كالأفلاك والشمس والقمر ~~والكواكب ، وهذا النوع من الدلائل هو الذي تقدم ذكره . والثاني : الموجودات ~~الحادثة المتغيرة ، وهي الموت بعد الحياة ، والفقر بعد الغنى ، والهرم بعد ~~الصحة ، وكون الأحمق في أهنأ العيش ، والعاقل الذكي في أشد الأحوال ، فهذا ~~النوع من الموجودات والأحوال دلالتها على وجود الصانع الحكيم ظاهرة باهرة . ~~وقوله : { يفصل الآيات } إشارة إلى أنه يحدث بعضها عقيب بعض على سبيل ~~التمييز والتفصيل . # ثم قال : { لعلكم بلقاء ربكم توقنون } واعلم أن الدلائل المذكورة كما تدل ~~على وجود الصانع الحكيم فهي أيضا تدل على صحة القول بالحشر والنشر لأن من ~~قدر على خلق هذه الاشياء وتدبيرها على عظمتها وكثرتها فلأن يقدر على الحشر ~~والنشر كان أولى يروى أن رجلا قال لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه ~~PageV18P187 تعالى كيف / يحاسب الخلق دفعة واحدة فقال كما يرزقهم الآن دفعة ~~واحدة وكما يسمع نداءهم ويجيب دعاءهم الآن دفعة واحدة . وحاصل الكلام أنه ~~تعالى كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية والنيرات الكوكبية في الجو العالي ~~وإن كان الخلق عاجزين عنه ، وكما يمكنه أن يدبر من فوق العرش إلى ما تحت ~~الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن فكذلك يحاسب الخلق بحيث لا يشغله شأن عن ~~شأن ومن الأصحاب من تمسك بلفظ اللقاء على رؤية الله تعالى وقد مر تقريره في ~~هذا الكتاب مرارا وأطوارا . # PageV18P188 ! 7 < { وهو الذى مد الا رض وجعل فيها رواسى وأنهارا ومن كل ~~الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى اليل النهار إن فى ذالك لآيات لقوم ~~يتفكرون } > 7 ! # / < < # | الرعد : ( 3 ) وهو الذي مد . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل ~~الأرضية فقال : { وهو الذى مد الارض } . # واعلم أن الاستدلال بخلقه الأرض وأحوالها من وجوه : الأول : أن الشيء إذا ~~تزايد حجمه ومقداره صار كأن ذلك الحجم وذلك المقدار يمتد فقوله : { وهو ~~الذى ms5233 مد الارض } إشارة إلى أن الله سبحانه هو الذي جعل الأرض مختصة بذلك ~~المقدار المعين الحاصل له لا أزيد ولا أنقص والدليل عليه أن كون الأرض أزيد ~~مقدارا مما هو الآن وأنقص منه أمر جائز ممكن في نفسه فاختصاصه بذلك المقدار ~~المعين لا بد أن يكون بتخصيص وتقدير . الثاني : قال أبو بكر الأصم المد هو ~~البسط إلى ما لا يدرك منتهاه فقوله : { وهو الذى مد الارض } يشعر بأنه ~~تعالى جعل حجم الأرض حجما عظيما لا يقع البصر على منتهاه ، لأن الأرض لو ~~كانت أصغر حجما مما هي الآن عليه لما كمل الانتفاع به . والثالث : قال قوم ~~كانت الأرض مدورة فمدها ودحا من مكة من تحت البيت فذهبت كذا وكذا . وقال ~~آخرون : كانت مجتمعة عند البيت المقدس فقال لها : اذهبي كذا وكذا . # اعلم أن هذا القول إنما يتم إذا قلنا الأرض مسطحة لا كرة وأصحاب هذا ~~القول احتجوا عليه بقوله : { والارض بعد ذلك دحاها } ( النازعات : 30 ) ~~وهذا القول مشكل من وجهين . الأول : أنه ثبت بالدلائل / أن الأرض كرة فكيف ~~يمكن المكابرة فيه ؟ # فإن قالوا : وقوله : { مد الارض } ينافي كونها كرة فكيف يمكن مدها ؟ # قلنا : لا نسلم أن الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل ~~قطعة منها تشاهد كالسطح ، والتفاوت الحاصل بينه وبين السطح لا يحصل إلا في ~~علم الله ألا ترى أنه قال : { والجبال أوتادا } PageV19P003 ( النبأ : 7 ) ~~فجعلها أوتادا مع أن العالم من الناس يستقرون عليها فكذلك ههنا . والثاني : ~~أن هذه الآية إنما ذكرت ليستدل بها على وجود الصانع ، والشرط فيه أن يكون ~~ذلك أمرا مشاهدا معلوما حتى يصح الاستدلال به على وجود الصانع وكونها ~~مجتمعة تحت البيت أمر غير مشاهد ولا محسوس فلا يمكن الاستدلال به على وجود ~~الصانع ، فثبت أن التأويل الحق هو ما ذكرناه . # والنوع الثاني : من الدلائل الاستدلال بأحوال الجبال وإليه الإشارة بقوله ~~: { وجعل فيها رواسى } من فوقها ثابتة باقية في أحيازها غير منتقلة عن ~~أماكنها يقال : رسا هذا الوتد وأرسيته والمراد ما ms5234 ذكرنا . # واعلم أن الاستدلال بوجود الجبال على وجود الصانع القادر الحكيم من وجوه ~~، الأول : أن طبيعة الأرض واحدة فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض لا ~~بد وأن يكون بتخليق القادر الحكيم . قالت الفلاسفة : هذه الجبال إنما تولدت ~~لأن البحار كانت في هذا الجانب من العالم فكانت تتولد في البحر طينا لزجا . ~~ثم يقوي تأثير الشمس فيها فينقلب حجرا كما يشاهد في كوز الفقاع ثم إن الماء ~~كان يغور ويقل فيتحجر البقية ، فلهذا السبب تولدت هذه الجبال قالوا : وإنما ~~كانت البحار حاصلة في هذا الجانب من العالم لأن أوج الشمس وحضيضها متحركان ~~، ففي الدهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال والشمس متى كانت في ~~حضيضها كانت أقرب إلى الأرض فكان التسخين أقوى وشدة السخونة توجب انجذاب ~~الرطوبات ، فحين كان الحضيض في جانب الشمال كانت البحار في جانب الشمال ، ~~والآن لما انتقل الأوج إلى جانب الشمال والحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت ~~البحار إلى جانب الجنوب فبقيت هذه الجبال في جانب الشمال / هذا حاصل كلام ~~القوم في هذا الباب وهو ضعيف من وجوه الأول : أن حصول الطين في البحر أمر ~~عام ووقوع الشمس عليها أمر عام فلم وصل هذا الجبل في بعض الجوانب دون البعض ~~. والثاني : وهو أنا نشاهد في بعض الجبال كأن تلك الأحجار موضوعة سافا ~~فسافا فكأن البناء لبنات كثيرة موضوع بعضها على بعض ويبعد حصول مثل هذا ~~التركيب من السبب الذي ذكروه . والثالث : أن أوج الشمس الآن قريب من أول ~~السرطان فعلى هذا من الوقت الذي انتقل أوج الشمس إلى الجانب الشمالي مضى / ~~قريب من تسعة آلاف سنة ، وبهذا التقدير أن الجبال في هذه المدة الطويلة ~~كانت في التفتت فوجب أن لا يبقى من الأحجار شيء ، لكن ليس الأمر كذلك ، ~~فعلمنا أن السبب الذي ذكروه ضعيف . # والوجه الثاني : من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع ذي الجلال ~~ما يحصل فيها من معادن الفلزات السبعة ومواضع الجواهر النفيسة وقد يحصل ~~فيها معادن الزاجات والأملاح وقد يحصل فيها معادن النفط ms5235 والقير والكبريت ، ~~فكون الأرض واحدة في الطبيعة ، وكون الجبل واحدا في الطبع ، وكون تأثير ~~الشمس واحدا في الكل يدل دليلا ظاهرا على أن الكل بتقدير قادر قاهر متعال ~~عن مشابهة المحدثات والممكنات . # والوجه الثالث : من الاستدلال بأحوال الجبال أن بسببها تتولد الأنهار على ~~وجه الأرض ، وذلك أن الحجر جسم صلب فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض ووصلت ~~إلى الجبل احتبست هناك فلا تزال تتكامل ، فيحصل تحت الجبل مياه عظيمة ، ثم ~~إنها لكثرتها وقوتها تثقب وتخرج وتسيل على وجه الأرض ، فمنفعة الجبال في ~~تولد الأنهار هو من هذا الوجه ، ولهذا السبب ففي أكثر الأمر أينما ذكر الله ~~الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل ما في هذه الآية ، ومثل قوله : { وجعلنا ~~فيها رواسى شامخات وأسقيناكم ماء فراتا } ( المرسلات : 27 ) . PageV19P004 # والنوع الثالث : من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب خلقة ~~النبات ، وإليه الإشارة بقوله : { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن الحبة إذا وضعت في الأرض وأثرت فيها نداوة الأرض ربت ~~وكبرت وبسبب ذلك ينشق أعلاها وأسفلها فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة ~~في الهواء ، ويخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة في أسفل الأرض وهذا من ~~العجائب ، لأن طبيعة تلك الحبة واحدة وتأثير الطبائع والأفلاك والكواكب ~~فيها واحد ثم إنه خرج من الجانب الأعلى من تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء ~~من الجانب الأسفل منه جرم غائص في الأرض ، ومن المحال أن يتولد من الطبيعة ~~الواحدة طبيعتان متضادتان ، فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر ~~الحكيم ، والمقدر القديم لا بسبب الطبع والخاصية ، ثم إن الشجرة الثابتة من ~~تلك الحبة بعضها يكون خشبا وبعضها يكون نورا وبعضها يكون ثمرة ، ثم إن تلك ~~الثمرة أيضا يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع ، فالجوز له أربعة أنواع من ~~القشور ، فالقشر الأعلى وتحته القشرة الخشبة وتحته القشرة المحيطة باللبنة ~~، وتحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز ~~رطبا وأيضا فقد يحصل / في الثمرة الواحدة الطباع المختلفة ms5236 ، فالأترج قشره ~~حار يابس ولحمه حار رطب وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس ونوره حار يابس ، ~~وكذلك العنب قشره وعجمه باردان يابسان ولحمه وماؤه حاران رطبان فتولد هذه ~~للطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع وتأثيرات ~~الأنجم والأفلاك لا بد وأن يكون لأجل تدبير الحكيم القادر القديم . # المسألة الثانية : المراد بزوجين اثنين صنفين اثنين والاختلاف إما من حيث ~~الطعم كالحلو والحامض أو الطبيعة كالحار والبارد أو اللون كالأبيض والأسود ~~. # فإن قيل : الزوجان لا بد وأن يكون اثنين ، فما الفائدة في قوله : { زوجين ~~اثنين } . # قلنا : قيل إنه تعالى أول ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع ~~من الأنواع اثنين فقط ، فلو قال : خلق زوجين لم يعلم أن المراد النوع أو ~~الشخص . أما لما قال اثنين علمنا أن الله تعالى أول ما خلق من كل زوجين ~~اثنين لا أقل ولا أزيد . والحاصل أن الناس فيهم الآن كثرة إلا أنهم لما ~~ابتدؤا من زوجين اثنين بالشخص هما آدم وحواء ، فكذلك القول في جميع الأشجار ~~والزرع والله أعلم . # النوع الرابع : من الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بأحوال الليل ~~والنهار وإليه الإشارة بقوله : { وهو الذى مد } والمقصود أنم الإنعام لا ~~يكمل إلا بالليل والنهار وتعاقبهما كما قال : { فمحونا ءاية اليل وجعلنا ~~ءاية النهار مبصرة } ( الإسراء : 12 ) ومنه قوله : { إن ربكم الله الذى خلق ~~} ( الأعراف : 54 ) وقد سبق الاستقصاء في تقريره فيما سلف من هذا الكتاب ، ~~قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم : { يغشى } بالتشديد وفتح الغين ~~والباقون بالتخفيف ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل النيرة والقواطع ~~القاهرة قال : { إن فى ذالك لآيات لقوم يتفكرون } . # واعلم أنه تعالى في أكثر الأمر حيث يذكر الدلائل الموجودة في العالم ~~السفلي يذكر عقبها : { إن فى ذالك لآيات لقوم يتفكرون } أو ما يقرب منه ~~بحسب المعنى ، والسبب فيه أن الفلاسفة يسندون حوادث العالم السفلي إلى ~~الاختلافات الواقعة في الأشكال الكوكبية ، فما لم تقم الدلالة على دفع هذا ~~السؤال لا يتم PageV19P005 المقصود ، فلهذا المعنى ms5237 قال : { إن فى ذالك ~~لآيات لقوم يتفكرون } كأنه تعالى يقول مجال الفكر باق بعد ولا بد بعد هذا ~~المقام من التفكر والتأمل ليتم الاستدلال . # واعلم أن الجواب عن هذا السؤال من وجهين : الأول : أن نقول هب أنكم ~~أسندتم حوادث العالم السفلي إلى الأحوال الفلكية والاتصالات الكوكبية إلا ~~أنا أقمنا الدليل القاطع على أن اختصاص كل واحد من الأجرام الفلكية وطبعه ~~ووضعه وخاصيته لا بد أن يكون بتخصيص المقدر القديم / والمدبر الحكيم ، فقد ~~سقط هذا السؤال وهذا الجواب قد قرره الله تعالى في هذا المقام ، لأنه تعالى ~~ابتدأ بذكر الدلائل السماوية وقد بينا أنها كيف تدل على وجود الصانع . ثم ~~إنه تعالى أتبعها بالدلائل الأرضية . # فإن قال قائل : لم لا يجوز أن تكون هذه الحوادث الأرضية لأجل الأحوال ~~الفلكية ، كان جوابنا أن نقول فهب أن الأمر كذلك إلا أنا دللنا فيما تقدم ~~على افتقار الأجرام الفلكية إلى الصانع الحكيم فحينئذ لا يكون هذا السؤال ~~قادحا في غرضنا . # والوجه الثاني : من الجواب أن نقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون حدوث ~~الحوادث السفلية لأجل الاتصالات الفلكية ، وذلك هو المذكور في الآية التي ~~تأتي بعد هذه الآية ، ومن تأمل في هذه اللطائف ووقف عليها علم أن هذا ~~الكتاب اشتمل على علوم الأولين والآخرين . # ! 7 < { وفى الا رض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير ~~صنوان يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض فى الا كل إن فى ذالك لآيات لقوم ~~يعقلون } > 7 @QB@ < # | الرعد : ( 4 ) وفي الأرض قطع . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على أنه لا ~~يجوز أن يكون حدوث الحوادث في هذا العالم لأجل الاتصالات الفلكية ، ~~والحركات الكوكبية ، وتقريره من وجهين ، الأول : أنه حصل في الأرض قطع ~~مختلفة بالطبيعة والماهية وهي مع ذلك متجاورة ، فبعضها تكون سبخية ، وبعضها ~~تكون رخوة ، وبعضها تكون صلبة ، وبعضها تكون منبتة ، وبعضها تكون حجرية أو ~~رملية وبعضها يكون طينا لزجا ، ثم إنها متجاورة وتأثير الشمس وسائر الكواكب ms5238 ~~في تلك القطع على السوية فدل هذا على أن اختلافها في صفاتها بتقدير العليم ~~القدير . والثاني : أن القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء واحد فيكون تأثير ~~الشمس فيها متساويا ، ثم إن تلك الثمار تجيء مختلفة في الطعم واللون ~~والطبيعة والخاصية حتى أنك قد تأخذ عنقودا من العنب فيكون جميع حباته حلوة ~~نضيجة إلا حبة واحدة فإنها بقيت حامضة يابسة ، ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة ~~/ الطباع والأفلاك للكل على السوية ، بل نقول : ههنا ما هو أعجب منه ، وهو ~~أنه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في غاية الحمرة ، والوجه ~~الثاني في غاية السواد مع أن ذلك الورد يكون في غاية الرقة والنعومة ~~فيستحيل أن يقال : وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني ، وهذا يدل ~~دلالة PageV19P006 قطعية على أن الكل بتدبير الفاعل المختار ، لا بسبب ~~الاتصالات الفلكية وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى : { يسقى بماء واحد ~~ونفضل بعضها على بعض فى الاكل } فهذا تمام الكلام في تقرير هذه الحجة ~~وتفسيرها وبيانها . # واعلم أن بذكر هذا الجواب قد تمت الحجة فإن هذه الحوادث السفلية لا بد ~~لها من مؤثر وبينا أن ذلك المؤثر ليس هو الكواكب والأفلاك والطبائع فعند ~~هذا يجب القطع بأنه لا بد من فاعل آخر سوى هذه الأشياء ، وعندها يتم الدليل ~~، ولا يبقى بعده للفكر مقام ألبتة ، فلهذا السبب قال ههنا : { إن فى ذالك ~~لآيات لقوم يعقلون } لأنه لا دافع لهذه الحجة إلا أن يقال : إن هذه الحوادث ~~السفلية حدثت لا لمؤثر ألبتة وذلك يقدح في كمال العقل ، لأن العلم بافتقار ~~الحادث إلى المحدث لما كان علما ضروريا كان عدم حصول هذا العلم قادحا في ~~كمال العقل فلهذا قال : { إن فى ذالك لآيات لقوم يعقلون } وقال في الآية ~~المتقدمة : { إن فى ذالك لآيات لقوم يتفكرون } ( الزمر : 42 ) ( الجاثية : ~~13 ) فهذه اللطائف نفيسة من أسرار علم القرآن ونسأل الله العظيم أن يجعل ~~الوقوف عليها سببا للفوز بالرحمة والغفران . # المسألة الثانية : قوله : { وفى الارض قطع متجاورات } قال أبو ms5239 بكر الأصم ~~: أرض قريبة من أرض أخرى واحدة طيبة ، وأخرى سبخة ، وأخرى حرة ، وأخرى رملة ~~، وأخرى تكون حصباء ، وأخرى تكون حمراء ، وأخرى تكون سوداء . وبالجملة ~~فاختلاف بقاع الأرض في الارتفاع والانخفاض والطباع والخاصية أمر معلوم ، ~~وفي بعض المصاحف ( قطعا متجاورات ) والتقدير : وجعل فيها رواسي وجعل في ~~الأرض قطعا متجاورات . وأما قوله : { وجنات من أعناب وزرع ونخيل } فنقول : ~~الجنة البستان الذي يحصل فيه النخل والكرم والزرع وتحفه تلك الأشجار ~~والدليل عليه قوله تعالى : { جعلنا لاحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا } ( الكهف : 32 ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم ~~: { وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان } كلها بالرفع عطفا على قوله ( وجنات ) ~~والباقون بالجر عطفا على الأعناب . وقرأ حفص عن عاصم في رواية القواس : ( ~~صنوان ) بضم الصاد والباقون بكسر الصاد وهما لغتان ، والصنوان جمع صنو مثل ~~قنوان وقنو ويجمع على أصناء مثل اسم وأسماء . فإذا كثرت فهو الصني ، والصني ~~بكسر الصاد وفتحها ، والصنو أن يكون الأصل واحدا وتنبت فيه النخلتان ~~والثلاثة فأكثر فكل واحدة صنو . وذكر ثعلب عن ابن الأعرابي : / الصنو المثل ~~، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن عم الرجل صنو أبيه ) أي مثله . # إذا عرفت هذا فنقول : إذا فسرنا الصنو بالتفسير الأول كان المعنى : أن ~~النخيل منها ما ينبت من أصل واحد شجرتان وأكثر ومنها ما لا يكون كذلك ، ~~وإذا فسرناه بالتفسير الثاني كان المعنى : أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة ~~متشابهة ، وقد لا تكون كذلك . # ثم قال تعالى : { تسقى * بماء واحد } قرأ عاصم وابن عامر ( يسقى ) بالياء ~~على تقدير يسقى كله أو لتغليب المذكر على المؤنث ، والباقون بالتاء لقوله : ~~( جنات ) قال أبو عمرو : ومما يشهد للتأنيث قوله تعالى : { ونفضل بعضها على ~~بعض فى الاكل } قرأ حمزة والكسائي ( يفضل ) بالياء عطفا على قوله : { يدبر ~~} والباقون بالنون على تقدير : ونحن نفضل ، و ( في الأكل ) قولان : حكاهما ~~الواحدي حكي عن الزجاج أن الأكل الثمر الذي يؤكل ، وحكى عن غيره أن الأكل ~~المهيأ للأكل ، وأقول هذا أولى لقوله تعالى ms5240 في صفة الجنة : { تحتها الانهار ~~أكلها دائم } ( الرعد : 35 ) PageV19P007 وهو عام في جميع المطعومات وابن ~~كثير ونافع يقرآن الأكل ساكنة الكاف في جميع القرآن ، والباقون بضم الكاف ~~وهما لغتان . # ! 7 < { وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابا أءنا لفى خلق جديد أولائك ~~الذين كفروا بربهم وأولئك الا غلال فىأعناقهم وأولائك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } > 7 ! # < < # | الرعد : ( 5 ) وإن تعجب فعجب . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل القاهرة على ما يحتاج ~~إليه في معرفة المبدأ ذكر بعده مسألة المعاد فقال : { وإن تعجب فعجب قولهم ~~} وفيه أقوال : # القول الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن تعجب من تكذيبهم إياك ~~بعد ما كانوا قد حكموا عليك أنك من الصادقين فهذا عجب . والثاني : إن تعجب ~~يا محمد من عبادتهم ما لا يملك لهم نفعا ولا ضرا بعد ما عرفوا الدلائل ~~الدالة على التوحيد فهذا عجب . والثالث : تقدير الكلام إن تعجب يا محمد فقد ~~عجبت في موضع العجب لأنهم لما اعترفوا بأنه تعالى مدبر السموات والأرض / ~~وخالق الخلائق أجمعين ، وأنه هو الذي رفع السموات بغير عمد ، وهو الذي سخر ~~الشمس والقمر على وفق مصالح العباد ، وهو الذي أظهر في العالم أنواع ~~العجائب والغرائب ، فمن كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة كيف لا تكون ~~وافية بإعادة الإنسان بعد موته ، لأن القادر على الأقوى الأكمل فإن يكون ~~قادرا على الأقل الأضعف أولى ، فهذا تقرير موضع التعجب . # ثم إنه تعالى لما حكى هذا الكلام حكم عليهم بثلاثة أشياء : أولها : قوله ~~: { أولئك الذين كفروا بربهم } وهذا يدل على أن كل من أنكر البعث والقيامة ~~فهو كافر ، وإنما لزم من إنكار البعث الكفر بربهم من حيث إن إنكار البعث لا ~~يتم إلا بإنكار القدرة والعلم والصدق أما إنكار القدرة فكما إذا قيل : إن ~~إله العالم موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يقدر على الإعادة . أو قيل : ~~إنه وإن كان قادرا لكنه ليس تام القدرة ، فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا ~~بواسطة الأبوين وتأثيرات الطبائع والأفلاك ms5241 ، وأما إنكار العلم فكما إذا قيل ~~: إنه تعالى غير عالم بالجزئيات ، فلا يمكنه تمييز هذا المطيع عن العاصي ~~وأما إنكار الصدق فكما إذا قيل : إنه وإن أخبر عنه لكنه لا يفعل لأن الكذب ~~جائز عليه ولما كان كل هذه الأشياء كفرا ثبت أن إنكار البعث كفر بالله . # الصفة الثانية : قوله : { وأولئك الاغلال فى أعناقهم } وفيه قولان : ~~الأول : قال أبو بكر الأصم : المراد بالأغلال : كفرهم وذلتهم وانقيادهم ~~للأصنام ، ونظيره قوله تعالى : { إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا } ( يس : 8 ) ~~قال الشاعر : # لهم عن الرشد أغلال وأقياد # ويقال للرجل : هذا غل في عنقك للعمل الرديء معناه : أنه لازم لك وأنك ~~مجازى عليه بالعذاب . قال القاضي : هذا وإن كان محتملا إلا أن حمل الكلام ~~على الحقيقة أولى ، وأقول : يمكن نصرة قول الأصم بأن PageV19P008 ظاهر ~~الآية يقتضي حصول الأغلال في أعناقهم في الحال وذلك غير حاصل وأنتم تحملون ~~اللفظ على أنه سيحصل هذا المعنى ونحن نحمله على أنه حاصل في الحال إلا أن ~~المراد بالأغلال ما ذكرناه ، فكل واحد منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه فلم ~~كان قولكم أولى من قولنا . # والقول الثاني : المراد أنه تعالى يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة ، ~~والدليل عليه قوله تعالى : { إذ الاغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون * فى ~~الحميم ثم فى النار يسجرون } ( غافر : 71 / 72 ) . # والصفة الثالثة : قوله تعالى : { وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ~~والمراد منه التهديد بالعذاب المخلد المؤبد ، واحتج أصحابنا رحمهم الله ~~تعالى على أن العذاب المخلد ليس إلا للكفار بهذه الآية فقالوا قوله : { هم ~~فيها خالدون } يفيد أنهم هم الموصوفون بالخلود لا غيرهم ، وذلك يدل على أن ~~أهل / الكبائر لا يخلدون في النار . # المسألة الثانية : قال المتكلمون العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حق ~~الله تعالى محال ، فكان المراد وإن تعجب فعجب عندك . # ولقائل أن يقول : قرأ بعضهم في الآية الأخرى بإضافة العجب إلى نفسه تعالى ~~فحينئذ يجب تأويله وقد بينا أن أمثال هذه الألفاظ يجب تنزيهها عن مبادىء ~~الأعراض ، ويجب حملها على ms5242 نهايات الأعراض فإن الإنسان إذا تعجب من الشيء ~~أنكره فكان هذا محمولا على الإنكار . # المسألة الثالثة : اختلف القراء في قوله : { مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق ~~جديد } وأمثاله إذا كان على صورة الاستفهام في الأول والثاني فمنهم من يجمع ~~بين الاستفهامين في الحرفين وهم ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة ، ثم اختلف ~~هؤلاء فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة إلا أنه لا يمد ، وأبو عمرو يستفهم ~~بهمزة مطولة يمد فيها وحمزة وعاصم بهمزتين في كل القرآن ، ومنهم من لا يجمع ~~بين الاستفهامين ، ثم اختلفوا فنافع وابن عامر والكسائي يستفهم في الأول ~~ويقرأ على الخبر في الثاني وابن عامر على الخبر في الأول والاستفهام في ~~الثاني ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر فنافع بهمزة غير مطولة وابن عامر ~~والكسائي بهمزتين أما نافع فكذلك إلا في الصافات وكذلك ابن عامر إلا في ~~الواقعة ، وكذلك الكسائي إلا في العنكبوت والصافات . # المسألة الرابعة : قال الزجاج : العامل في { أءذا كنا ترابا } محذوف ~~تقديره : أئذا كنا ترابا نبعث ودل ما بعده على المحذوف . # ! 7 < { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك ~~لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب } > 7 @QB@ < # | الرعد : ( 6 ) ويستعجلونك بالسيئة قبل . . . . . # > > PageV19P009 # اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة وتارة بعذاب ~~الدنيا ، والقوم كلما هددهم بعذاب القيامة أنكروا القيامة والبعث والحشر ~~والنشر وهو الذي تقدم ذكره في الآية الأولى وكلما هددهم بعذاب الدنيا قالوا ~~له : فجئنا بهذا العذاب وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن فيه ، ~~وإظهار أن الذي يقوله كلام لا أصل له فلهذا السبب حكى الله عنهم أنهم ~~يستعجلون الرسول / بالسيئة قبل الحسنة والمراد بالسيئة ههنا نزول العذاب ~~عليهم كما قال الله تعالى عنهم في قوله : { فأمطر علينا حجارة } ( الأنفال ~~: 32 ) وفي قوله : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء ~~: 90 ) إلى قوله : { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } ( الإسراء : 92 ~~) وإنما قالوا ذلك طعنا منهم فيما ذكره الرسول ms5243 ، وكان صلى الله عليه وسلم ~~يعدهم على الإيمان بالثواب في الآخرة وبحصول النصر والظفر في الدنيا فالقوم ~~طلبوا منه نزول العذاب ولم يطلبوا منه حصول النصر والظفر فهذا هو المراد ~~بقوله : { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } ومنهم من فسر الحسنة ههنا ~~بالإمهال والتأخير وإنما سموا العذاب سيئة لأنه يسوءهم ويؤذيهم . # أما قوله : { وقد خلت من قبلهم المثلات } فاعلم أن العرب يقولون : ~~العقوبة مثلة ومثلة صدقة وصدقة ، فالأولى لغة الحجاز ، والثانية لغة تميم ، ~~فمن قال مثلة فجمعه مثلات ، ومن قال مثلة فجمعه مثلات ومثلاث بإسكان التاء ~~هكذا حكاه الفراء والزجاج ، وقال ابن الأنباري رحمه الله : المثلة العقوبة ~~المبينة في المعاقب شيئا ، وهو تغيير تبقى الصورة معه قبيحة ، وهو من قولهم ~~، مثل فلان بفلان إذا قبح صورته إما بقطع أذنه أو أنفه أو سمل عينيه أو بقر ~~بطنه فهذا هو الأصل ، ثم يقال للعار الباقي ، والخزي اللازم مثلة . قال ~~الواحدي : وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه ، ولما كان الأصل أن يكون ~~العقاب مشابها للمعاقب ومماثلا له لا جرم سمي بهذا الاسم . قال صاحب ( ~~الكشاف ) : قرىء ( المثلات ) بضمتين لاتباع الفاء العين ، ( والمثلات ) ~~بفتح الميم وسكون الثاء كما يقال : السمرة ، والمثلات ، بضم الميم وسكون ~~الثاء تخفيف المثلات بضمتين ، والمثلات جمع مثلة كركبة وركبات . # إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية : ويستعجلونك بالعذاب الذي لم نعاجلهم به ~~، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية فلم يعتبروا بها ، وكان ~~ينبغي أن يردعهم خوف ذلك عن الكفر اعتبارا بحال من سلف . # أما قوله : { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } فاعلم أن أصحابنا ~~تمسكوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة ، ~~ووجه الاستدلال به أن قوله تعالى : { لذو مغفرة للناس على ظلمهم } أي حال ~~اشتغالهم بالظلم كما أنه يقال : رأيت الأمير على أكله أي حال اشتغاله ~~بالأكل فهذا يقتضي كونه تعالى غافرا للناس حال اشتغالهم بالظلم ، ومعلوم أن ~~حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائبا فدل هذا على أنه تعالى قد ms5244 يغفر ~~الذنب قبل الاشتغال بالتوبة . ثم نقول : ترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر ~~، فوجب أن يبقى معمولا به في حق أهل الكبيرة وهو المطلوب ، أو نقول : إنه ~~تعالى لم يقتصر على قوله : { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } بل ذكر ~~معه قوله / { وإن ربك لشديد العقاب } فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر ~~، وأن يحمل الثاني على أحوال الكفار . PageV19P010 # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد : لذو مغفرة لأهل الصغائر لأجل أن ~~عقوبتهم مكفرة ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد : إن ربك لذو مغفرة إذا ~~تابوا وأنه تعالى إنما لا يعجل العقاب إمهالا لهم في الإتيان بالتوبة ، فإن ~~تابوا فهو ذو مغفرة لهم ويكون من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة بل ~~نقول : يجب حمل اللفظ عليه لأن القوم لما طلبوا تعجيل العقاب ، فالجواب ~~المذكور فيه يجب أن يكون محمولا على تأخير العقاب حتى ينطبق الجواب على ~~السؤال ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المراد : وإن ربك لذو مغفرة أنه تعالى ~~إنما لا يعجل العقوبة إمهالا لهم في الإتيان بالتوبة ، فإن تابوا فهو ذو ~~مغفرة ، وإن عظم ظلمهم ولم يتوبوا فهو شديد العقاب . # والجواب عن الأول أن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة ، وإلا لوجب أن يقال : ~~الكفار كلهم مغفور لهم لأجل أن الله تعالى أخر عقابهم إلى الآخرة ، وعن ~~الثاني : أنه تعالى تمدح بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل . أما بأداء ~~الواجب فلا تمدح فيه وعندكم يجب غفران الصغائر وعن الثالث : أنا بينا أن ~~ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم ، وبينا أن حال حصول الظلم يمنع ~~حصول التوبة ، فسقطت هذه الأسئلة وصح ما ذكرناه . # ! 7 < { ويقول الذين كفروا لولاأنزل عليه آية من ربه إنمآ أنت منذر ولكل ~~قوم هاد } > 7 ! # < < # | الرعد : ( 7 ) ويقول الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في ~~الحشر والنشر أولا ، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من ~~نزول ms5245 عذاب الاستئصال ثانيا ، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة ~~والبينة ثالثا ، وهو المذكور في هذه الآية . # واعلم أن السبب فيه أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات وقالوا : هذا ~~كتاب مثل سائر الكتب وإتيان الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزة ~~ألبتة ، وإنما المعجز ما يكون مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام . # واعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد عليه الصلاة ~~والسلام سوى القرآن . قالوا : / إن هذا الكلام ، إنما يصح إذا طعنوا في كون ~~القرآن معجزا ، مع أنه ما ظهر عليه نوع آخر من المعجزات ، لأن بتقدير أن ~~يكون قد ظهر على يده نوع آخر من المعجزات لامتنع أن يقولوا : { لولا أنزل ~~عليه ءاية من ربه } فهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان له معجز سوى ~~القرآن . # واعلم أن الجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد منه طلب معجزات سوى ~~المعجزات التي شاهدوا منه صلى الله عليه وسلم كحنين الجذع ونبوع الماء من ~~بين أصابعه وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، فطلبوا منه معجزات ~~قاهرة غير هذه الأمور : مثل فلق البحر بالعصا ، وقلب العصا ثعبانا . # فإن قيل : فما السبب في أن الله تعالى منعهم وما أعطاهم ؟ # قلنا إنه لما أظهر المعجزة الواحدة فقد تم الغرض فيكون طلب الباقي تحكما ~~وظهور القرآن معجزة ، PageV19P011 فما كان مع ذلك حاجة إلى سائر المعجزات ، ~~وأيضا فلعله تعالى علم أنهم يصرون على العناد بعد ظهور تلك المعجزات ~~الملتمسة ، وكانوا يصيرون حينئذ مستوجبين لعذاب الاستئصال ، فلهذا السبب ما ~~أعطاهم الله تعالى مطلوبهم ، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله : { ولو علم ~~الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } ( الأنفال : 23 ) ~~بين أنه لم يعطهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنهم لا ينتفعون به ، وأيضا ففتح هذا ~~الباب يفضي إلى ما لا نهاية له . وهو أنه كلما أتى بمعجزة جاء واحد آخر ، ~~فطلب منه معجزة أخرى ، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم السلام ، وأنه ~~باطل . # الوجه الثاني : وفي ms5246 الجواب لعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر ~~المعجزات . ثم إنه تعالى لما حكى عن الكفار ذلك قال : { إنما أنت منذر ولكل ~~قوم هاد } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اتفق القراء على التنوين في قوله : { هاد } وحذف الياء ~~في الوصل ، واختلفوا في الوقف ، فقرأ ابن كثير : بالوقف على الياء ، ~~والباقون : بغير الياء ، وهو رواية ابن فليح عن ابن كثير للتخفيف . # المسألة الثانية : في تفسير هذه الآية وجوه . الأول : المراد أن الرسول ~~عليه السلام منذر لقومه مبين لهم ، ولكل قوم من قبله هاد ومنذر وداع ، وأنه ~~تعالى سوى بين الكل في إظهار المعجزة إلا أنه كان لكل قوم طريق مخصوص لأجله ~~استحق التخصيص بتلك المعجزة المخصوصة ، فلما كان الغالب في زمان موسى عليه ~~السلام هو السحر جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم ، ولما كان الغالب في ~~أيام عيسى عليه السلام الطب ، جعل معجزته ما كان من جنس تلك الطريقة وهو ~~إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، ولما كان الغالب في أيام الرسول صلى ~~الله عليه وسلم / الفصاحة والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقا بذلك الزمان ~~وهو فصاحة القرآن فلما كان العرب لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أليق ~~بطباعهم فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى فهذا هو الذي قرره ~~القاضي وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظما . # والوجه الثاني : وهو أن المعنى أنهم لا يجحدون كون القرآن معجزا فلا يضيق ~~قلبك بسببه إنما أنت منذر فما عليك إلا أن تنذر إلى أن يحصل الإيمان في ~~صدورهم ولست بقادر عليهم ولكل قوم هاد ، قادر على هدايتهم بالتخليق وهو ~~الله سبحانه وتعالى فيكون المعنى ليس لك إلا الإنذار ، وأما الهداية فمن ~~الله تعالى . # واعلم أن أهل الظاهر من المفسرين ذكروا ههنا أقوالا : الأول : المنذر ~~والهادي شيء واحد والتقدير : إنما أنت منذر ولكل قوم منذر على حدة ومعجزة ~~كل واحد منهم غير معجزة الآخر . الثاني : المنذر محمد صلى الله عليه وسلم ~~والهادي هو الله تعالى روي ذلك عن ابن عباس رضي ms5247 الله عنهما وسعيد بن جبير ، ~~ومجاهد ، والضحاك . والثالث : المنذر النبي . والهادي علي . قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال : ( ~~أنا المنذر ) ثم أومأ إلى منكب علي رضي الله عنه وقال : ( أنت الهادي يا ~~علي بك يهتدي المهتدون من بعدي ) . # ! 7 < { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الا رحام وما تزداد وكل شىء ~~عنده بمقدار * عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال * سوآء منكم من أسر ~~القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل وسارب بالنهار } > 7 @QB@ < # | الرعد : ( 8 - 10 ) الله يعلم ما . . . . . # > > PageV19P012 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في وجه النظم وجوه ، الأول : أنه تعالى لما حكى عنهم ~~أنهم طلبوا آيات أخرى غير ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه ~~تعالى عالم بجميع المعلومات فيعلم من حالهم أنهم هل طلبوا الآية الأخرى ~~للاسترشاد وطلب البيان أو لأجل التعنت والعناد ، وهل ينتفعون / بظهور تلك ~~الآيات ، أو يزداد إصرارهم واستكبارهم ، فلو علم تعالى أنهم طلبوا ذلك لأجل ~~الاسترشاد وطلب البيان ومزيد الفائدة ، لأظهره الله تعالى وما منعهم عنه ، ~~لكنه تعالى لما علم أنهم لم يقولوا ذلك إلا لأجل محض العناد لا جرم أنه ~~تعالى منعهم عن ذلك وهو كقوله تعالى : { ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ~~ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا } ( يونس : 20 ) وقوله : { قل إنما الايات ~~عند الله } . ( العنكبوت : 50 ) والثاني : أن وجه النظم أنه تعالى لما قال ~~: { وإن تعجب فعجب قولهم } ( الرعد : 5 ) في إنكار البعث وذلك لأنهم أنكروا ~~البعث بسبب أن أجزاء أبدان الحيوانات عند تفرقها وتفتتها يختلط بعضها ببعض ~~ولا يبقى الامتياز فبين تعالى أنه إنما لا يبقى الامتياز في حق من لا يكون ~~عالما بجميع المعلومات ، أما في حق من كان عالما بجميع المعلومات ، فإنه ~~يبقى تلك الأجزاء بحيث يمتاز بعضها عن البعض ، ثم احتج على كونه تعالى ~~عالما بجميع المعلومات بأنه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام . ~~الثالث : أن هذا متصل ms5248 بقوله : { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } ( الرعد : ~~6 ) والمعنى : أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فهو تعالى إنما ينزل العذاب ~~بحسب ما يعلم كونه فيه مصلحة والله أعلم . # المسألة الثانية : لفظ ( ما ) في قوله : { ما تحمل كل أنثى وما تغيض ~~الارحام وما تزداد } إما أن تكون موصولة وإما أن تكون مصدرية ، فإن كانت ~~موصولة ، فالمعنى أنه يعلم ما تحمله من الولد أنه من أي الأقسام أهو ذكر أم ~~أنثى وتام أو ناقص وحسن أو قبيح وطويل أو قصير وغير ذلك من الأحوال الحاضرة ~~والمترقبة فيه . # ثم قال : { وما تغيض الارحام } والغيض هو النقصان سواء كان لازما أو ~~متعديا يقال : غاض الماء وغضته أنا ومنه قوله تعالى : { وغيض الماء } ( هود ~~: 44 ) والمراد من الآية وما تغيضه الأرحام إلا أنه حذف الضمير الراجع ~~وقوله : { وما تزداد } أي تأخذه زيادة تقول : أخذت منه حقي وازددت منه كذا ~~، ومنه قوله تعالى : { وازدادوا تسعا } ( الكهف : 25 ) ثم اختلفوا فيما ~~تغيضه الرحم وتزداده على وجوه . الأول : عدد الولد فإن الرحم قد يشتمل على ~~واحد واثنين وعلى ثلاثة وأربعة يروي أن شريكا كان رابع أربعة في بطن أمه . ~~الثاني : الولد قد يكون مخدجا ، وقد يكون تاما . الثالث : مدة ولادته قد ~~تكون تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، ~~وإلى أربعة عند الشافعي وإلى خمس عند مالك ، وقيل : إن الضحاك ولد لسنتين ، ~~وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين ولذلك سمي هرما . الرابع : الدم ~~فإنه تارة يقل وتارة يكثر . الخامس : ما ينقص بالسقط من غير أن يتم وما ~~يزداد بالتمام . السادس : ما ينقص بظهور دم الحيض / وذلك لأنه إذا سال الدم ~~في وقت الحمل ضعف الولد ونقص . وبمقدار حصول ذلك النقصان يزداد أيام الحمل ~~لتصير هذه الزيادة / جابرة لذلك النقصان قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~كلما سال الحيض في وقت PageV19P013 الحمل يوما زاد في مدة الحمل يوما ليحصل ~~به الجبر ويعتدل الأمر . السابع : أن دم الحيض فضلة تجتمع في بطن المرأة ~~فإذا ms5249 امتلأت عروقها من تلك الفضلات فاضت وخرجت ، وسالت من دواخل تلك العروق ~~، ثم إذا سالت تلك المواد امتلأت تلك العروق مرة أخرى هذا كله إذا قلنا إن ~~كلمة ( ما ) موصولة . أما إذا قلنا : إنها مصدرية فالمعنى : أنه تعالى يعلم ~~حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا من ~~أوقاته وأحواله . # وأما قوله تعالى : { وكل شىء عنده بمقدار } فمعناه : بقدر واحد لا يجاوزه ~~ولا ينقص عنه ، كقوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) وقوله ~~في أول الفرقان : { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } ( الفرقان : 2 ) . # واعلم أن قوله : { كل شىء * عنده بمقدار } يحتمل أن يكون المراد من ~~العندية العلم ومعناه : أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على الوجه ~~المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات ~~ويحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة ~~معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية ، وعند حكماء الإسلام أنه تعالى ~~وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص ، وحركها بحيث يلزم من حركاتها ~~المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات مخصوصة مقدرة ، ~~ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ، وهو من أدل الدلائل ~~على بطلان قول المعتزلة . # ثم قال تعالى : { عالم الغيب والشهادة } قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~يريد علم ما غاب عن خلقه وما شهدوه . قال الواحدي : فعلى هذا ( الغيب ) ~~مصدر يريد به الغائب ، ( والشهادة ) أراد بها الشاهد . واختلفوا في المراد ~~بالغائب والشاهد . قال بعضهم : الغائب هو المعلوم ، والشاهد هو الموجود ، ~~وقال آخرون : الغائب ما غاب عن الحس ، والشاهد ما حضر ، وقال آخرون : ~~الغائب ما لا يعرفه الخلق ، والشاهد ما يعرفه الخلق . ونقول : المعلومات ~~قسمان : المعلومات والموجودات ، والمعدومات منها معدومات يمتنع وجودها ~~ومنها معدومات لا يمتنع وجودها ، والموجودات أيضا قسمان : موجودات يمتنع ~~عدمها ، وموجودات لا يمتنع عدمها ، وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة له ~~أحكام وخواص ، والكل معلوم لله تعالى ، وحكى الشيخ الإمام الوالد عن أبي ~~القاسم الأنصاري ms5250 عن إمام الحرمين رحمهم الله تعالى أنه كان يقول لله تعالى ~~معلومات لا نهاية لها ، وله في كل واحد من تلك المعلومات ، معلومات أخرى لا ~~نهاية لها ، لأن الجوهر الفرد يعلم الله تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في ~~أحياز لا نهاية لها على البدل وموصوفا بصفات لا نهاية لها على البدل ، وهو ~~تعالى عالم بكل الأحوال على التفصيل ، وكل هذه الأقسام داخل تحت قوله تعالى ~~: { عالم الغيب والشهادة } . # / ثم إنه تعالى ذكر عقيبه قوله : { الكبير } وهو تعالى يمتنع أن يكون ~~كبيرا بحسب الجثة والحجم والمقدار ، فوجب أن يكون كبيرا بحسب القدرة ~~والمقادير الإلهية ثم وصف تعالى نفسه بأنه المتعال وهو المتنزه عن كل ما لا ~~يجوز عليه وذلك يدل على كونه منزها في ذاته وصفاته وأفعاله فهذه الآية دالة ~~على كونه تعالى موصوفا بالعلم الكامل والقدرة التامة ، ومنزها عن كل ما لا ~~ينبغي ، وذلك يدل على كونه تعالى قادرا على البعث الذي أنكروه وعلى الآيات ~~التي اقترحوها وعلى العذاب الذي استعجلوه ، وأنه إنما يؤخر ذلك بحسب ~~المشيئة الإلهية عند قوم وبحسب المصلحة عند آخرين / وقرأ ابن كثير ( ~~المتعالي ) بإثبات الياء في PageV19P014 الوقف والوصل على الأصل . والباقون ~~بحذف الياء في الحالتين للتخفيف ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالما بكل ~~المعلومات فقال : { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف باليل ~~وسارب بالنهار } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لفظ ( سواء ) يطلب اثنين تقول سواء زيد وعمرو ثم فيه ~~وجهان . الأول : أن سواء مصدر والمعنى : ذو سواء كما تقول : عدل زيد وعمرو ~~أي ذوا عدل . الثاني : أن يكون سواء بمعنى مستو وعلى هذا التقدير فلا حاجة ~~إلى الإضمار إلا أن سيبويه يستقبح أن يقول مستو زيد وعمرو لأن أسماء ~~الفاعلين إذا كانت نكرات لا يبدأ بها . # ولقائل أن يقول : بل هذا الوجه أولى لأن حمل الكلام عليه يغني عن التزام ~~الإضمار الذي هو خلاف الأصل . # المسألة الثانية : في المستخفي والسارب قولان : # القول الأول : يقال : أخفيت الشيء أخفيه إخفاء فخفي ms5251 واستخفى فلان من فلان ~~أي توارى واستتر . وقوله : { وسارب بالنهار } قال الفراء والزجاج : ظاهر ~~بالنهار في سربه أي طريقه . يقال : خلا له سربه ، أي طريقه . وقال الأزهري ~~: تقول العرب سربت الإبل تسرب سربا ، أي مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت ، ~~فإذا عرفت ذلك فمعنى الآية سواء كان الإنسان مستخفيا في الظلمات أو كان ~~ظاهرا في الطرقات ، فعلم الله تعالى محيط بالكل . قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة . وقال مجاهد : سواء من ~~يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ، ومن يأتي بها في النهار الظاهر على ~~سبيل التوالي . # والقول الثاني : نقله الواحدي عن الأخفش وقطرب أنه قال : المستخفي الظاهر ~~والسارب المتواري ومنه يقال : خفيت الشيء وأخفيته أي أظهرته . واختفيت ~~الشيء استخرجته ويسمى النباش المستخفي والسارب المتواري ومنه يقال : للداخل ~~سربا ، والسرب الوحش إذا / دخل في السرب أي في كناسة . قال الواحدي : وهذا ~~الوجه صحيح في اللغة ، إلا أن الاختيار هو الوجه الأول لاطباق أكثر ~~المفسرين عليه ، وأيضا فالليل يدل على الاستتار ، والنهار على الظهور ~~والانتشار . # ! 7 < { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذآ أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ~~وما لهم من دونه من وال } > 7 @QB@ < # | الرعد : ( 11 ) له معقبات من . . . . . # > > # اعلم أن الضمير من ( له ) إلى ( من ) في قوله : { سواء منكم من أسر القول ~~ومن جهر به } ( الرعد : 10 ) وقيل على اسم الله في عالم الغيب والشهادة ، ~~والمعنى : لله معقبات ، وأما المعقبات فيجوز أن يكون أصل هذه الكلمة ~~معتقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله : { وجاء المعذرون من الاعراب } ( ~~التوبة : 90 ) والمراد المعتذرون ويجوز أن يكون من عقبه إذا جاء على عقبه ~~فاسم المعقب من كل شيء ما خلف يعقب ما قبله ، PageV19P015 والمعنى في كلا ~~الوجهين واحد . # إذا عرفت هذا فنقول : في المراد بالمعقبات قولان . الأول : وهو المشهور ~~الذي عليه الجمهور أن المراد منه الملائكة الحفظة وإنما صح وصفهم بالمعقبات ms5252 ~~، إما لأجل أن ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وبالعكس ، وإما لأجل أنهم ~~يتعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ والكتب ، وكل من عمل عملا ثم عاد ~~إليه فقد عقب ، فعلى هذا المراد من المعقبات ملائكة الليل وملائكة النهار . ~~روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه ~~من ملك فقال عليه السلام : ( ملك عن يمينك يكتب الحسنات وهو أمين على الذي ~~على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشرا ، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال ~~لصاحب اليمين أكتب ؟ فيقول لا لعله يتوب فإذا قال ثلاثا قال نعم أكتب ~~أراحنا الله منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله تعالى واستحياءه منا ، ~~وملكان من بين يديك ومن خلفك فهو قوله تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن ~~خلفه } وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لربك رفعك وإن تجبرت قصمك ، ~~وملكان على شفتك يحفظان عليك الصلاة علي ، وملك علي فيك لا يدع أن تدخل ~~الحية في فيك ، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي تبدل ~~ملائكة / الليل بملائكة النهار فهم عشرون ملكا على كل آدمي ) . وعن صلى ~~الله عليه وسلم : ( يتعاقب فيكم ملاكئة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في ~~صلاة الصبح وصلاة العصر ) . وهو المراد من قوله : { أقم الصلواة لدلوك ~~الشمس إلى غسق اليل } ( الإسراء : 78 ) قيل : تصعد ملائكة الليل وهي عشرة ~~وتنزل ملائكة النهار ، وقال ابن جريج : هو مثل قوله تعالى : { عن اليمين ~~وعن الشمال قعيد } ( ق : 17 ) صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره ~~يكتب السيئات . وقال مجاهد : ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس ~~والهوام في نومه ويقظته . وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : الملائكة ذكور ، فلم ذكر في جمعها جمع الإناث وهو ~~المعقبات ؟ # والجواب : فيه قولان . الأول : قال الفراء : المعقبات ذكران جمع ملائكة ~~معقبة ، ثم جمعت معقبة بمعقبات ، كما قيل : ابناوات سعد ورجالات بكر جمع ~~رجال ، والذي يدل على التذكير قوله : { يحفظونه } . والثاني : وهو قول ~~الأخفش : إنما أنثت لكثرة ذلك منها ms5253 ، نحو : نسابة ، وعلامة ، وهو ذكر . # السؤال الثاني : ما المراد من كون أولئك المعقبات من بين يديه ومن خلفه ؟ # والجواب : أن المستخفي بالليل والسارب بالنهار قد أحاط به هؤلاء المعقبات ~~فيعدون عليه أعماله وأقواله بتمامها ، ولا يشذ من تلك الأعمال والأقوال من ~~حفظهم شيء أصلا ، وقال بعضهم : بل المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين ~~يديه ومن خلفه / لأن السارب بالنهار إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من بين ~~يديه ومن خلفه . # السؤال الثالث : ما المراد من قوله : { من أمر الله } . # والجواب : ذكر الفراء فيه قولين : # القول الأول : أنه على التقديم والتأخير والتقدير : له معقبات من أمر ~~الله يحفظونه . # القول الثاني : أن فيه إضمارا أي ذلك الحفظ من أمر الله أي مما أمر الله ~~به فحذف الاسم وأبقى خبره PageV19P016 كما يكتب على الكيس ، ألفان والمراد ~~الذي فيه ألفان . # والقول الثالث : ذكره ابن الأنباري أن كلمة ( من ) معناها الباء والتقدير ~~: يحفظونه بأمر الله وباعانته ، والدليل على أنه لا بد من المصير إليه أنه ~~لا قدرة للملائكة ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحدا من أمر الله ومما ~~قضاه عليه . # السؤال الرابع : ما الفائدة في جعل هؤلاء الملائكة موكلين علينا ؟ # والجواب : أن هذا الكلام غير مستبعد ، وذلك لأن المنجمين اتفقوا على أن ~~التدبير في كل يوم لكوكب على حدة وكذا / القول في كل ليلة ، ولا شك أن تلك ~~الكواكب لها أرواح عندهم ، فتلك التدبيرات المختلفة في الحقيقة لتلك ~~الأرواح ، وكذا القول في تدبير القمر والهيلاج والكدخدا على ما يقوله ~~المنجمون . وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور في ألسنتهم ولذلك تراهم ~~يقولون : أخبرني الطباعي التام . ومرادهم بالطباعي التام أن لكل إنسان روحا ~~فلكية يتولى إصلاح مهماته ودفع بلياته وآفاته ، وإذا كان هذا متفقا عليه ~~بين قدماء الفلاسفة وأصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئه من الشرع ؟ وتمام ~~التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها وطبائعها فبعضها خيرة ، ~~وبعضها شريرة ، وبعضها معزة ، وبعضها مذلة ، وبعضها قوية القهر والسلطان ، ~~وبعضها ضعيفة سخيفة . وكما أن الأمر في ms5254 الأرواح البشرية كذلك ، فكذا القول ~~في الأرواح الفلكية ، ولا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب وكل صفة أقوى من ~~الأرواح البشرية وكل طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة ~~وصفة مخصوصة ، لما أنها تكون في تربية روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها ~~في الطبيعة والخاصية ، وتكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح ~~الفلكي . ومتى كان الأمر كذلك كان ذلك الروح الفلكي معينا لها على مهماتها ~~ومرشدا لها إلى مصالحها وعاصما لها عن صنوف الآفات ، فهذا كلام ذكره محققو ~~الفلاسفة ، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن الذي وردت به الشريعة أمر مقبول ~~عند الكل ، فكيف يمكن استنكاره من الشريعة ؟ ثم في اختصاص هؤلاء الملائكة ~~وتسلطهم على بني آدم فوائد كثيرة سوى التي مر ذكرها من قبل . الأول : أن ~~الشياطين يدعون إلى الشرور والمعاصي ، وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات ~~والطاعات . والثاني : قال مجاهد : ما من عبد إلا ومعه ملك يحفظه من الجن ~~والإنس والهوام في نومه ويقظته . الثالث : أنا نرى أن الإنسان قد يقع في ~~قلبه داع قوي من غير سبب ثم يظهر بالآخرة أن وقوع تلك الداعية في قلبه كان ~~سببا من أسباب مصالحه وخيراته ، وقد ينكشف أيضا بالآخرة أنه كان سببا ~~لوقوعه في آفة أو في معصية ، فيظهر أن الداعي إلى الأمر الأول كان مريدا ~~للخير والراحة وإلى الأمر الثاني كان مريدا للفساد والمحنة ، والأول هو ~~الملك الهادي والثاني هو الشيطان المغوي . الرابع : أن الإنسان إذا علم أن ~~الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب ، لأن من آمن ~~يعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد ~~أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الإقدام عليها كما يزجره عنها إذا حضره ~~من يعطيه من البشر . وإذا علم أن الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال كان ذلك ~~أيضا رادعا له عنها وإذا علم أن الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل . # / السؤال الخامس : ما الفائدة في كتبة أعمال العباد ؟ قلنا ههنا مقامات : # المقام الأول : أن تفسير ms5255 الكتبة بالمعنى المشهور من الكتبة . قال ~~المتكلمون : الفائدة في تلك PageV19P017 الصحف وزنها ليعرف رجحان إحدى ~~الكفتين على الأخرى ، فإنه إذا رجحت كفة الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل ~~الجنة ، وإن كان بالضد فبالضد . قال القاضي : هذا بعيد لأن الأدلة قد دلت ~~على أن كل واحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء ~~فلا يتوقف حصول تلك المعرفة على الميزان ، ثم أجاب القاضي عن هذا الكلام ~~وقال : لا يمتنع أيضا ما روينا لأمر يرجع إلى حصول سروره عند الخلق العظيم ~~أنه من أولياء الله في الجنة وبالضد من ذلك في أعداء الله . # والمقام الثاني : وهو قول حكماء الإسلام أن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة ~~وضعت بالاصطلاح لتعريف المعاني المخصوصة فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على ~~تلك المعاني لأعيانها وذواتها كانت تلك الكتبة أقوى وأكمل . # إذا ثبت هذا فنقول : إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات وكرات ~~كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب تكررها ملكة قوية راسخة ، فإن كانت تلك ~~الملكة ملكة سارة بالأعمال النافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها ~~بعد الموت ؛ وإن كانت تلك الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره ~~بها بعد الموت . # إذا ثبت هذا فنقول : إن التكرير الكثير لما كان سببا لحصول تلك الملكة ~~الراسخة كان لكل واحد من الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة ~~، وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة . وإذا عرفت هذا ~~ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون ، إلا ويحصل منه في جوهر ~~نفسه أثر من آثار السعادة ، أو آثار الشقاوة قل أو كثر ، فهذا هو المراد من ~~كتبة الأعمال عند هؤلاء والله أعلم بحقائق الأمور وهذا كله إذا فسرنا قوله ~~تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه } بالملائكة . # القول الثاني : وهو أيضا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما ، واختاره أبو ~~مسلم الأصفهاني المراد : أنه يستوي في علم الله تعالى السر والجهر ، ~~والمستخفي بظلمة الليل ms5256 ، والسارب بالنهار المستظهر بالمعاونين والأنصار وهم ~~الملوك والأمراء ، فمن لجأ إلى الليل فلن يفوت الله أمره ، ومن سار نهارا ~~بالمعقبات وهم الأحراس والأعوان الذين يحفظونه لم ينجه أحراسه من الله ~~تعالى ، والمعقب العون ، لأنه إذا أبصر هذا ذاك فلا بد أن يبصر ذاك هذا ، ~~فتصير بصيرة كل / واحد منهم معاقبة لبصيرة الآخرة ، فهذه المعقبات لا تخلص ~~من قضاء الله ومن قدره ، وهم إن ظنوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر الله ومن ~~قضائه فإنهم لا يقدرون على ذلك ألبتة ، والمقصود من هذا الكلام بعث ~~السلاطين والأمراء والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره عن حفظ الله ~~وعصمته ولا يعولوا في دفعها على الأعوان والأنصار ، ولذلك قال تعالى بعده : ~~{ وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال } . # أما قوله تعالى : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } ~~فكلام جميع المفسرين يدل على أن المراد لا يغير ما هم فيه من النعم بإنزال ~~الانتقام إلا بأن يكون منهم المعاصي والفساد . قال القاضي : والظاهر لا ~~يحتمل إلا هذا المعنى لأنه لا شيء مما يفعله تعالى سوى العقاب لا وقد ~~يبتدىء به في الدنيا من دون تغيير يصدر من العبد فيما تقدم لأنه تعالى ~~ابتدأ بالنعم دينا ودنيا ويفضل في ذلك من شاء على من يشاء ، فالمراد مما ~~ذكره الله تعالى التغيير بالهلاك والعقاب ، ثم اختلفوا فبعضهم قال هذا ~~الكلام راجع إلى قوله : PageV19P018 { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } ( ~~الرعد : 6 ) فبين تعالى أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم ~~الإصرار على الكفر والمعصية ، حتى قالوا : إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن ~~أو في عقبه من يؤمن فإنه تعالى لا ينزل عليهم عذاب الاستئصال وقال بعضهم : ~~بل الكلام يجري على إطلاقه ، والمراد منه أن كل قوم بالغوا في الفساد ~~وغيروا طريقتهم في إظهار عبودية الله تعالى فإن الله يزيل عنهم النعم وينزل ~~عليهم أنواعا من العذاب ، وقال بعضهم : إن المؤمن الذي يكون مختلطا بأولئك ~~الأقوام ms5257 فربما دخل في ذلك العذاب . روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على ~~يديه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب ) واحتج أبو علي الجبائي والقاضي بهذه ~~الآية في مسألتين : # المسألة الأولى : أنه تعالى لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم ، ~~لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله حالهم من النعمة إلى العذاب ~~. # المسألة الثانية : قالوا : الآية تدل على بطلان قول المجبرة إنه تعالى ~~يبتدىء العبد بالضلال والخذلان أول ما يبلغ وذلك أعظم من العقاب ، مع أنه ~~ما كان منه تغيير . # والجواب : أن ظاهر هذه الآية يدل على أن فعل الله في التغيير مؤخر عن فعل ~~العبد ، إلا أن قوله تعالى : { وما * يشآءون * إلا أن يشاء الله } ( ~~الإنسان : 30 ) يدل على أن فعل العبد مؤخر عن فعل الله تعالى ، فوقع ~~التعارض . # / وأما قوله : { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له } فقد احتج أصحابنا ~~به على أن العبد غير مستقل في الفعل . قالوا : وذلك لأنه إذا كفر العبد فلا ~~شك أنه تعالى يحكم بكونه مستحقا للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ، فلو ~~كان العبد مستقلا بتحصيل الإيمان لكان قادرا على رد ما أراده الله تعالى ، ~~وحينئذ يبطل قوله : { وإذا * الله بقوم سوءا فلا مرد له } فثبت أن الآية ~~السابقة وإن أشعرت بمذهبهم ، إلا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا ~~. قال الضحاك عن ابن عباس : لم تغن المعقبات شيئا ، وقال عطاء عنه : لا راد ~~لعذابي ولا ناقض لحكمي : { وما لهم من دونه من وال } أي ليس لهم من دون ~~الله من يتولاهم ، ويمنع قضاء الله عنهم ، والمعنى : ما لهم وال يلي أمرهم ~~، ويمنع العذاب عنهم . # ! 7 < { هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب الثقال * ويسبح ~~الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء وهم ~~يجادلون فى الله وهو شديد المحال } > 7 ! # < < # | الرعد : ( 12 - 13 ) هو الذي يريكم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى ms5258 لما خوف العباد بإنزال ما لا مرد له أتبعه بذكر هذه ~~الآيات وهي مشتملة على أمور ثلاثة ، وذلك لأنها دلائل على قدرة الله تعالى ~~وحكمته ، وأنها تشبه النعم والإحسان من بعض الوجوه ، وتشبه العذاب والقهر ~~من بعض الوجوه . PageV19P019 # واعلم أنه تعالى ذكر ههنا أمورا أربعة . الأول : البرق وهو قوله تعالى : ~~{ يريكم البرق خوفا وطمعا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) في انتصاب قوله : { خوفا وطمعا } ~~وجوه . الأول : لا يصح أن يكونا مفعولا لهما لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل ~~المعلل إلا على تقدير حذف المضاف أي إرادة خوف وطمع أو على معنى إخافة ~~وإطماعا . الثاني : يجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق كأنه في نفسه ~~خوف وطمع والتقدير : ذا خوف وذا طمع أو على معنى إيخافا وإطماعا . الثالث : ~~أن يكونا حالا من المخاطبين أي خائفين وطامعين . # / المسألة الثانية : في كون البرق خوفا وطمعا وجوه . الأول : أن عند ~~لمعان البرق يخاف وقوع الصواعق ويطمع في نزول الغيث قال المتنبي : # % فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى % % يرجى الحيا منها ويخشى الصواعق % # الثاني : أنه يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر وكمن في جرابه التمر ~~والزبيب ويطمع فيه من له فيه نفع . الثالث : أن كل شيء يحصل في الدنيا فهو ~~خير بالنسبة إلى قوم ، وشر بالنسبة إلى آخرين ، فكذلك المطر خير في حق من ~~يحتاج إليه في أوانه ، وشر في حق من يضره ذلك ، إما بحسب المكان أو بحسب ~~الزمان . # المسألة الثالثة : اعلم أن حدوث البرق دليل عجيب على قدرة الله تعالى ~~وبيانه أن السحاب لا شك أنه جسم مركب في أجزاء رطبة مائية ، ومن أجزاء ~~هوائية ونارية ولا شك أن الغالب عليه الأجزاء المائية والماء جسم بارد رطب ~~، والنار جسم يابس وظهور الضد من الضد التام على خلاف العقل فلا بد من صانع ~~مختار يظهر الضد من الضد . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن الريح احتقن في داخل جرم السحاب ~~واستولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه ، ثم إن ms5259 ذلك الريح يمزقه ~~تمزيقا عنيفا فيتولد من ذلك التمزيق الشديد حركة عنيفة ، والحركة العنيفة ~~موجبة للسخونة وهي البرق ؟ # والجواب : أن كل ما ذكرتموه على خلاف المعقول وبيانه من وجوه . الأول : ~~أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال : أينما يحصل البرق فلا بد وأن يحصل ~~الرعد وهو الصوت الحادث من تمزق السحاب ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك فإنه ~~كثيرا ما يحدث البرق القوي من غير حدوث الرعد . الثاني : أن السخونة ~~الحاصلة بسبب قوة الحركة مقابلة للطبيعة المائية الموجبة للبرد ، وعند حصول ~~هذا العارض القوي كيف تحدث النارية ؟ بل نقول : النيران العظيمة تنطفىء بصب ~~الماء عليها ، والسحاب كله ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية ؟ ~~الثالث : من مذهبكم أن النار الصرفة لا لون لها البتة ، فهب أنه حصلت ~~النارية بسبب قوة المحاكة الحاصلة بأجزاء السحاب لكن من أين حدث ذلك اللون ~~الأحمر ؟ فثبت أن السبب الذي ذكروه ضعيف وأن حدوث النار الحاصلة في جرم ~~السحاب مع كونه ماء خالصا لا يمكن إلا بقدرة القادر الحكيم . # النوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وينشىء ~~السحاب الثقال } قال صاحب PageV19P020 ( الكشاف ) : السحاب اسم جنس ~~والواحدة سحابة والثقال جمع ثقيلة لأنك تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال كما ~~تقول امرأة كريمة ونساء كرام وهي الثقال بالماء . # / واعلم أن هذا أيضا من دلائل القدرة والحكمة ، وذلك لأن هذه الأجزاء ~~المائية إما أن يقال إنها حدثت في جو الهواء أو يقال إنها تصاعدت من وجه ~~الأرض ، فإن كان الأول وجب أن يكون حدوثها باحداث محدث حكيم قادر وهو ~~المطلوب ، وإن كان الثاني ، وهو أن يقال إن تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض ~~فلما وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت فرجعت إلى الأرض فنقول ~~هذا باطل ، وذلك لأن الأمطار مختلفة فتارة تكون القطرات كبيرة وتارة تكون ~~صغيرة وتارة تكون متقاربة ، وأخرى تكون متباعدة وتارة تدوم مدة نزول المطر ~~زمانا طويلا وتارة قليلا فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الأرض ~~واحدة ، وطبيعة ms5260 الشمس المسخنة للبخارات واحدة لا بد وأن يكون بتخصيص الفاعل ~~المختار وأيضا فالتجربة دلت على أن للدعاء والتضرع في نزول الغيث أثرا ~~عظيما ولذلك كانت صلاة الاستسقاء مشروعة ، فعلمنا أن المؤثر فيه هو قدرة ~~الفاعل لا الطبيعة والخاصية . # النوع الثالث : من الدلائل المذكورة في هذه الآية الرعد وهو قوله : { ~~ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته } وفيه أقوال : # القول الأول : إن الرعد اسم ملك من الملائكة وهذا الصوت المسموع هو صوت ~~ذلك الملك بالتسبيح والتهليل عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن اليهود سألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو ؟ فقال : ( ملك من الملائكة موكل ~~بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله ) . قالوا : فما ~~الصوت الذي نسمع ؟ قال : ( زجره السحاب ) وعن الحسن أنه خلق من خلق الله ~~ليس بملك فعلى هذا القول الرعد هو الملك الموكل بالسحاب وصوته تسبيح لله ~~تعالى وذلك الصوت أيضا يسمى بالرعد ويؤكد هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما : كان إذا سمع الرعد قال : سبحان الذي سبحت له . وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( إن الله ينشىء السحاب الثقال فينطق أحسن النطق ويضحك ~~أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق ) . # واعلم أن هذا القول غير مستبعد وذلك لأن عند أهل السنة البنية ليست شرطا ~~لحصول الحياة فلا يبعد من الله تعالى أن يخلق الحياة والعلم والقدرة والنطق ~~في أجزاء السحاب فيكون هذا الصوت المسموع فعلا له وكيف يستبعد ذلك ونحن نرى ~~أن السمندل يتولد في النار ، والضفادع تتولد في الماء البارد ، والدودة ~~العظيمة ربما تتولد في الثلوج القديمة ، وأيضا فإذا لم يبعد تسبيح الجبال ~~في زمن داود عليه السلام ، ولا تسبيح الحصى في زمان محمد صلى الله عليه ~~وسلم ( فكيف يستبعد تسبيح السحاب ) وعلى هذاالقول فهذا الشيء المسمى بالرعد ~~ملك أو ليس / بملك فيه قولان : أحدهما : أنه ليس بملك لأنه عطف عليه ~~الملائكة ، فقال : { والملائكة من خيفته } والمعطوف عليه مغاير للمعطوف . ~~والثاني : وهو أنه لا يبعد أن ms5261 يكون من جنس الملائكة وإنما إفراده بالذكر ~~على سبيل التشريف كما في قوله : { وملئكته ورسله وجبريل } ( البقرة : 98 ) ~~وفي قوله : { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك * من * نوح } ( الأحزاب : ~~70 ) . # القول الثاني : أن الرعد اسم لهذا الصوت المخصوص ، ومع ذلك فإن الرعد ~~يسبح الله سبحانه ، لأن التسبيح والتقديس وما يجري مجراهما ليس إلا وجود ~~لفظ يدل على حصول التنزيه والتقديس لله سبحانه PageV19P021 وتعالى ، فلما ~~كان حدوث هذا الصوت دليلا على وجود موجود متعال عن النقص والإمكان / كان ~~ذلك في الحقيقة تسبيحا ، وهو معنى قوله تعالى : { وإن من شىء إلا يسبح ~~بحمده } ( الإسراء : 44 ) . # القول الثالث : أن المراد من كون الرعد مسبحا أن من يسمع الرعد فإنه يسبح ~~الله تعالى ، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه . # القول الرابع : من كلمات الصوفية الرعد صعقات الملائكة ، والبرق زفرات ~~أفئدتهم ، والمطر بكاؤهم . # فإن قيل : وما حقيقة الرعد ؟ # قلنا : استقصينا القول في سورة ( البقرة ) في قوله : { فيه ظلمات ورعد ~~وبرق } ( البقرة : 19 ) . # أما قوله : { والملائكة من خيفته } فاعلم أن من المفسرين من يقول : عنى ~~بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد ، فإنه سبحانه جعل له أعوانا ، ومعنى قوله : { ~~والملائكة من خيفته } أي وتسبح الملائكة من خيفة الله تعالى وخشيته . قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم ، فإن ~~أحدهم لا يعرف من على يمينه ومن على يساره ، ولا يشغله عن عبادة الله طعام ~~ولا شراب ولا شيء . # واعلم أن المحققين من الحكماء يذكرون أن هذه الآثار العلوية إنما تتم ~~بقوى روحانية فلكية ، فللسحاب روح معين من الأرواح الفلكية يدبره ، وكذا ~~القول في الرياح وفي سائر الآثار العلوية ، وهذا عين ما نقلناه من أن الرعد ~~اسم ملك من الملائكة يسبح الله ، فهذا الذي قاله المفسرون بهذه العبارة هو ~~عين ما ذكره المحققون عن الحكماء ، فكيف يليق بالعاقل الإنكار ؟ # النوع الرابع : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله : { ويرسل الصواعق ~~فيصيب بها من يشاء } واعلم أنا قد ذكرنا معنى الصواعق في سورة البقرة . قال ms5262 ~~المفسرون : نزلت هذه الآية في عامر / بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخي لبيد بن ~~ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمانه ويجادلانه ، ويريدان الفتك ~~به ، فقال أربد بن ربيعة أخو لبيد بن ربيعة : أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو ~~أم من PageV19P022 حديد ، ثم إنه لما رجع أربد أرسل عليه صاعقة فأحرقته ، ~~ورمى عامرا بغدة كغدة البعير ، ومات في بيت سلولية . # واعلم أن أمر الصاعقة عجيب جدا وذلك لأنها تارة تتولد من السحاب ، وإذا ~~نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في لجة البحر ، ~~والحكماء بالغوا في وصف قوتها ، ووجه الاستدلال أن النار حارة يابسة ~~وطبيعتها ضد طبيعة السحاب ، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف ~~من طبيعة النيران الحادثة عندنا على العادة ، لكنه ليس الأمر كذلك ، فإنها ~~أقوى نيران هذا العالم ، فثبت أن اختصاصها بمزيد تلك القوة لا بد وأن يكون ~~بسبب تخصيص الفاعل المختار . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الدلائل الأربعة قال : { وهم يجادلون فى ~~الله } والمراد أنه تعالى بين دلائل كمال علمه في قوله : { يعلم ما تحمل كل ~~أنثى } ( الرعد : 8 ) وبين دلائل كمال القدرة في هذه الآيات . # ثم قال : { وهم يجادلون فى الله } يعني هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل ~~يجادلون في الله وهو يحتمل وجوها : أحدها : أن يكون المراد الرد على الكافر ~~الذي قال : أخبرنا عن ربنا أمن نحاس أم من حديد . وثانيها : أن يكون المراد ~~الرد على جدالهم في إنكار البعث وإبطال الحشر والنشر . وثالثها : أن يكون ~~المراد الرد عليهم في طلب سائر المعجزات . ورابعها : أن يكون المراد الرد ~~عليهم في استنزال عذاب الاستئصال . وفي هذه الواو قولان : الأول : أنه ~~للحال ، والمعنى : فيصيب بالصاعقة من يشاء في حال جداله في الله ، وذلك أن ~~أربد لما جادل في الله أحرقته الصاعقة . والثاني : أنها واو الاستئناف كأنه ~~تعالى لما تمم ذكر هذه الدلائل قال بعد ذلك : { وهم يجادلون فى الله } . # ثم قال تعالى : { وهو شديد المحال } وفي لفظ المحال أقوال : قال ابن ms5263 ~~قتيبة : الميم زائدة وهو من الحول ، ونحوه ميم مكان ، وقال الأزهري : هذا ~~غلط ، فإن الكلمة إذا كانت على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية ، نحو ~~مهاد ومداس ومداد ، واختلفوا مم أخذ على وجوه : الأول : قيل من قولهم محل ~~فلان بفلان إذا سعى به إلى السلطان وعرضه للهلاك ، وتمحل لكذا إذا تكلف ~~استعمال الحيلة واجتهد فيه ، فكان المعنى : أنه سبحانه شديد المكر لأعدائه ~~يهلكهم بطريق لا يتوقعونه . الثاني : أن المحال عبارة عن الشدة ، ومنه تسمى ~~السنة الصعبة سنة المحل وما حلت فلانا محالا . أي قاومته أينا أشد ، قال ~~أبو مسلم : ومحال فعال من المحل وهو الشدة ولفظ فعال يقع على المجازاة / ~~والمقابلة ، فكأن المعنى : أنه تعالى شديد المغالبة ، وللمفسرين ههنا ~~عبارات فقال مجاهد وقتادة : شديد القوة ، وقال أبو عبيدة : شديد العقوبة ، ~~وقال الحسن : شديد النقمة ، وقال ابن عباس : شديد الحول . الثالث : قال ابن ~~عرفة : يقال ماحل عن أمره أي جادل ، فقوله : { شديد المحال } أي شديد ~~الجدال . الرابع : روي عن بعضهم : { شديد المحال } أي شديد الحقد . قالوا : ~~هذا لا يصح ، لأن الحقد لا يمكن في حق الله تعالى ، إلا أنا قد ذكرنا في ~~هذا الكتاب أن أمثال هذه الألفاظ إذا وردت في حق الله تعالى فإنها تحصل على ~~نهايات الأعراض لا على مبادىء الأعراض ، فالمراد بالحقد ههنا هو أنه تعالى ~~يريد إيصال الشر إليه مع أنه يخفي عنه تلك الإرادة . # ! 7 < { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشىء إلا ~~كباسط كفيه إلى المآء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعآء الكافرين إلا فى ~~ضلال } > 7 @QB@ < # | الرعد : ( 14 ) له دعوة الحق . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { له دعوة الحق } أي لله دعوة الحق ، وفيه بحثان : # البحث الأول : في أقوال المفسرين وهي أمور : أحدها : ما روى عكرمة عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه قال : { دعوة الحق } قول لا إله إلا الله . ~~وثانيها : قول الحسن : إن الله هو الحق ، فدعاؤه هو الحق ، كأنه يومىء إلى ~~أن الانقطاع إليه في الدعاء هو ms5264 الحق . وثالثها : أن عبادته هي الحق والصدق ~~. # واعلم أن الحق هو الموجود ، والموجود قسمان : قسم يقبل العدم وهو حق يمكن ~~أن يصير باطلا وقسم لا يقبل العدم فلا يمكن أن يصير باطلا وذلك هو الحق ~~الحقيقي ، وإذا كان واجب الوجود لذاته موجودا لا يقبل العدم كان أحق ~~الموجودات بأن يكون حقا هو هو وكان أحق الاعتقادات وأحق الأذكار بأن يكون ~~حقا هو PageV19P023 اعتقاد ثبوته وذكر وجوده ، فثبت بهذا أن وجوده هو الحق ~~في الموجودات واعتقاد وجوده هو الحق في الاعتقادات . وذكره بالثناء ~~والإلهية والكمال هو الحق في الأذكار فلهذا قال : { له دعوة الحق } . # / البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) { دعوة الحق } فيه وجهان : أحدهما ~~: أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض الباطل كما تضاف إليه الكلمة في ~~قوله : { كلمة * الحق } والمقصود منه الدلالة على كون هذه الدعوة مختصة ~~بكونها حقة وكونها خالية عن أمارات كونه باطلا ، وهذا من باب إضافة الشيء ~~إلى صفته . والثاني : أن تضاف إلى الحق الذي هو الله سبحانه على معنى دعوة ~~المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ، وعن الحسن : الحق هو الله وكل دعاء إليه فهو ~~دعوة الحق . # ثم قال تعالى : { والذين يدعون من دونه } يعني الآلهة الذين يدعونهم ~~الكفار من دون الله : { لا يستجيبون لهم بشىء } مما يطلبونه إلا استجابة ~~كاستجابة باسط كفيه إلى الماء ، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه ~~وحاجته إليه ، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه ، فكذلك ما يدعونه جماد ، ~~لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ، ولا يقدر على نفعهم وقيل شبهوا في قلة ~~فائد دعائهم لآلهتهم ، بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطها ناشرا ~~أصابعه ولم تصل كفاه إلى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من شربه ، وقرىء { ~~تدعون } بالتاء { كباسط كفيه } بالتنوين ، ثم قال : { وما دعاء الكافرين * ~~إلى * فى ضلال } أي إلا في ضياع لا منفعة فيه ، لأنهم إن دعوا الله لم ~~يجبهم وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم . # ! 7 < { ولله يسجد من فى السماوات والا رض طوعا ms5265 وكرها وظلالهم بالغدو ~~والا صال } > 7 ! # < < # | الرعد : ( 15 ) ولله يسجد من . . . . . # > > اعلم أن في المراد بهذا السجود قولين : # القول الأول : أن المراد منه السجود بمعنى وضع الجبهة على الأرض ، وعلى ~~هذا الوجه ففيه وجهان : أحدهما : أن اللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد به ~~الخصوص وهم المؤمنون ، فبعض المؤمنين يسجدون لله طوعا بسهولة ونشاط ، ومن ~~المسلمين من يسجد لله كرها لصعوبة ذلك عليه مع أنه يحمل نفسه على أداء تلك ~~الطاعة شاء أم أبى . والثاني : أن اللفظ عام والمراد منه أيضا العام وعلى ~~هذا ففي الآية إشكال ، لأنه ليس كل من في السموات والأرض يسجد لله بل ~~الملائكة يسجدون لله ، والمؤمنون من الجن والإنس يسجدون لله تعالى ، وأما ~~الكافرون فلا يسجدون . # الجواب عنه من وجهين : الأول : أن المراد من قوله : { ولله يسجد من فى * ~~السماوات والارض } / أي ويجب على كل من في السموات والأرض أن يسجد لله فعبر ~~عن الوجوب بالوقوع والحصول . والثاني : وهو أن المراد من السجود التعظيم ~~والاعتراف بالعبودية ، وكل من في السموات ومن في الأرض يعترفون بعبودية ~~الله تعالى على ما قال : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ليقولن ~~الله } ( لقمان : 25 ) . # وأما القول الثاني في تفسير الآية فهو أن السجود عبارة عن الانقياد ~~والخضوع وعدم الامتناع وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى ، ~~لأن قدرته ومشيئته نافذة في الكل وتحقيق القول فيه أن ما PageV19P024 سواه ~~ممكن لذاته والممكن لذاته هو الذي تكون ماهيته قابلة للعدم والوجود على ~~السوية وكل من كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه أو بالعكس ، إلا بتأثير ~~موجود ومؤثر فيكون وجود كل ما سوى الحق سبحانه بإيجاده وعدم كل ما سواه ~~بإعدامه ، فتأثيره نافذ في جميع الممكنات في طرفي الإيجاد والإعدام ، وذلك ~~هو السجود وهو التواضع والخضوع والانقياد ، ونظير هذه الآية : { بل له ما ~~في * السماوات والارض * كل له قانتون } وقوله : { وله أسلم من فى * ~~السماوات والارض } ( آل عمران : 83 ) . # وأما قوله تعالى : { طوعا وكرها } فالمراد : أن بعض الحوادث مما ms5266 يميل ~~الطبع إلى حصوله كالحياة والغنى ، وبعضها مما ينفر الطبع عنه كالموت والفقر ~~والعمى والحزن والزمانة وجميع أصناف المكروهات ، والكل حاصل بقضائه وقدره ~~وتكوينه وإيجاده ، ولا قدرة لأحد على الامتناع والمدافعة . # ثم قال تعالى : { وظلالهم بالغدو والاصال } وفيه قولان : # القول الأول : قال المفسرون ، كل شخص سواء كان مؤمنا أو كافرا فإن ظله ~~يسجد لله . قال مجاهد : ظل المؤمن يسجد لله طوعا وهو طائع ، وظل الكافر ~~يسجد لله كرها وهو كاره ، وقال الزجاج : جاء في التفسير أن الكافر يسجد ~~لغير الله وظله يسجد لله ، وعند هذا قال ابن الأنباري : لا يبعد أن يخلق ~~الله تعالى للظلال عقولا وأفهاما تسجد بها وتخشع كما جعل الله للجبال ~~أفهاما حتى اشتغلت بتسبيح الله تعالى وحتى ظهر أثر التجلي فيها كما قال : { ~~فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } ( الأعراف : 143 ) . # والقول الثاني : وهو أن المراد من سجود الظلال ميلانها من جانب إلى جانب ~~وطولها بسبب انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاع الشمس ، فهي منقادة مستسلمة ~~في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب وإنما خصص الغدو والآصال بالذكر ، ~~لأن الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين . # ! 7 < { قل من رب السماوات والا رض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أوليآء ~~لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوى الا عمى والبصير أم هل تستوى ~~الظلمات والنور أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله ~~خالق كل شىء وهو الواحد القهار } > 7 ! # < < # | الرعد : ( 16 ) قل من رب . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن كل من في السموات والأرض ساجد له بمعنى ~~كونه خاضعا له ، عاد إلى الرد على عبدة الأصنام فقال : { قل من رب * ~~السماوات والارض * قل الله } ولما كان هذا الجواب جوابا يقر به المسؤول ~~ويعترف به ولا ينكره أمره صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الذاكر لهذا ~~الجواب تنبيها على أنهم لا ينكرونه ألبتة ولما بين أنه سبحانه هو الرب لكل ~~الكائنات قال : قل لهم فلم اتخذتهم من دون الله ms5267 أولياء وهي جمادات وهي لا ~~تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا ولما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة لأنفسها ودفع ~~المضرة عن أنفسها ، فبأن تكون عاجزة عن PageV19P025 تحصيل المنفعة لغيرها ~~ودفع المضرة عن غيرها كان ذلك أولى ، فإذا لم تكن قادرة على ذلك كانت ~~عبادتها محض العبث والسفه ، ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أن الجاهل بمثل ~~هذه الحجة يكون كالأعمى والعالم بها كالبصير ، والجهل بمثل هذه الحجة ~~كالظلمات ، والعلم بها كالنور ، وكما أن كل أحد يعلم بالضرورة أن الأعمى لا ~~يساوي البصير ، والظلمة لا تساوي النور كذلك كل أحد يعلم بالضرورة أن ~~الجاهل بهذه الحجة لا يساوي العالم بها . قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وعمرو ~~عن عاصم { يستوى * الظلمات والنور } بالياء ، لأنها مقدمة على اسم الجمع ~~والباقون بالتاء ، واختاره أبو عبيدة ثم أكد هذا البيان فقال : { أم جعلوا ~~لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم } يعني هذه الأشياء التي زعموا ~~أنها شركاء لله ليس لها خلق يشبه خلق الله حتى يقولوا إنها تشارك الله في ~~الخالقية ، فوجب أن تشاركه في الإلهية ، بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة ~~أن هذه الأصنام لم يصدر عنها فعل ألبتة ، ولا خلق / ولا أثر ، وإذا كان ~~الأمر كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الإلهية محض السفه والجهل . وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية في مسألة خلق ~~الأفعال من وجوه . الأول : أن المعتزلة زعموا أن الحيوانات تخلق حركات ~~وسكنات مثل الحركات والسكنات التي يخلقها الله تعالى ، وعلى هذا التقدير ~~فقد جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذه ~~الآية في معرض الذم والإنكار . فدلت هذه الآية على أن العبد لا يخلق فعل ~~نفسه . قال القاضي : نحن وإن قلنا : إن العبد يفعل ويحدث ، إلا أنا لا نطلق ~~القول بأنه يخلق ولو أطلقناه لم نقل إنه يخلق كخلق الله ، لأن أحدنا يفعل ~~بقدرة الله ، وإنما يفعل لجلب منفعة ودفع مضرة ، والله تعالى منزه عن ذلك ~~كله ، فثبت أن بتقدير كون ms5268 العبد خالقا ، إلا أنه لا يكون خلقه كخلق الله ~~تعالى ، وأيضا فهذا الإلزام لازم للمجبرة ، لأنهم يقولون عين ما هو خلق ~~الله تعالى فهو كسب العبد وفعل له ، وهذا عين الشرك لأن الإله والعبد في ~~خلق تلك الأفعال بمنزلة الشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه حق ~~. وأيضا فهو تعالى إنما ذكر هذا الكلام عيبا للكفار وذما لطريقتهم ، ولو ~~كان فعل العبد خلقا لله تعالى لما بقي لهذا الذم فائدة ، لأن للكفار أن ~~يقولوا على هذا التقدير إن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذا الكفر فينا فلم ~~يذمنا عليه ولا ينسبنا إلى الجهل والتقصير مع أنه قد حصل فينا لا بفعلنا ~~ولا باختيارنا . # والجواب عن السؤال الأول : أن لفظ الخلق إما أن يكون عبارة عن الإخراج من ~~العدم إلى الوجود ، أو يكون عبارة عن التقدير ، وعلى الوجهين فبتقدير أن ~~يكون العبد محدثا فإنه لا بد وأن يكون حادثا . أما قوله : والعبد وإن كان ~~خالقا إلا أنه ليس خلقه كخلق الله . # قلنا : الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين والإخراج من العدم إلى الوجود ، ~~ومعلوم أن الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلا للحركة الواقعة بقدرة ~~الله تعالى ، كان أحد المخلوقين مثلا للمخلوق الثاني ، وحينئذ يصح أن يقال ~~: إن هذا الذي هو مخلوق العبد مثل لما هو مخلوق لله تعالى بل لا شك في حصول ~~المخالفة في سائر الاعتبارات ، إلا أن حصول المخالفة في سائر الوجوه لا ~~يقدح في حصول المماثلة من هذا الوجه وهذا القدر يكفي في الاستدلال . وأما ~~قوله هذا لازم على المجبرة حيث قالوا : إن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، ~~فنقول هذا غير لازم ، لأن هذه الآية دالة على أنه لا يجوز أن يكون خلق ~~العبد مثلا لخلق الله تعالى ، PageV19P026 ونحن لا نثبت للعبد خلقا ألبتة ، ~~فكيف يلزمنا ذلك ؟ وأما قوله : لو كان فعل العبد خلقا لله تعالى ، لما حسن ~~ذم الكفار على هذا المذهب . # / قلنا : حاصله يرجع إلى أنه لما حصل المدح والذم وجب أن يكون العبد ~~مستقلا ms5269 بالفعل ، وهو منقوض ، لأنه تعالى ذم أبا لهب على كفره مع أنه عالم ~~منه أنه يموت على الكفر ، وقد ذكرنا أن خلاف المعلوم محال الوقوع ، فهذا ~~تقرير هذا الوجه في هذه الآية . # وأما الوجه الثاني : في التمسك بهذه الآية قوله : { قل الله خالق كل شىء ~~} ولا شك أن فعل العبد شيء فوجب أن يكون خالقه هو الله وسؤالهم عليه ما ~~تقدم . # والوجه الثالث : في التمسك بهذه الآية وقوله : { وهو الواحد القهار } ~~وليس يقال فيه أنه تعالى واحد في أي المعاني ، ولما كان المذكور السابق هو ~~الخالقية وجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية ، القهار لكل ما سواه ، ~~وحينئذ يكون دليلا أيضا على صحة قولنا . # المسألة الثانية : زعم جهم أن الله تعالى لا يقع عليه اسم الشيء . اعلم ~~أن هذا النزاع ليس إلا في اللفظ وهو أن هذا الاسم هل يقع عليه أم لا ، وزعم ~~أنه لا يقع هذا الاسم على الله تعالى واحتج عليه بأنه لو كان شيئا لوجب ~~كونه خالقا لنفسه ، لقوله تعالى : { الله خالق كل شىء } ولما كان ذلك محالا ~~، وجب أن لا يقع عليه اسم الشيء ، ولا يقال : هذا عام دخله التخصيص ، لأن ~~العام المخصوص إنما يحسن إذا كان المخصوص أقل من الباقي وأخس منه كما إذا ~~قال : أكلت هذ الرمانة مع أنه سقطت منها حبات ما أكلها ، وههنا ذات الله ~~تعالى أعلى الموجودات وأشرفها ، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع ~~كون الحكم مخصوصا في حقه ؟ # والحجة الثانية : تمسك بقوله تعالى : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) ~~والمعنى : ليس مثل مثله شيء ، ومعلوم أن كل حقيقة فإنها مثل مثل نفسها ، ~~فالباري تعالى مثل مثل نفسه ، مع أنه تعالى نبه على أن مثل مثله ليس بشيء ، ~~فهذا تنصيص على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيء . # والحجة الثالثة : قوله تعالى : { ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها } ( ~~الأعراف : 180 ) دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء ~~الحسنى ، ولفظ الشيء يتناول أخس الموجودات ، فلا يكون ms5270 هذا اللفظ مشعرا ~~بمعنى حسن ، فوجب أن لا يكون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى ، فوجب أن لا ~~يجوز دعاء الله تعالى بهذا اللفظ ، والأصحاب تمسكوا في إطلاق هذا الاسم ~~عليه تعالى بقوله : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم } ( ~~الأنعام : 19 ) . # وأجاب الخصم عنه : بأن قوله : { قل أى شىء أكبر شهادة } سؤال متروك ~~الجواب ، وقوله : { قل الله شهيد بينى وبينكم } كلام مبتدأ مستقل بنفسه لا ~~تعلق له بما قبله . # المسألة الثالثة : تمسك المعتزلة بهذه الآية في أنه تعالى عالم لذاته لا ~~بالعلم وقادر لذاته لا بالقدرة . / قالوا : لأنه لو حصل لله تعالى علم ~~وقدرة وحياة ، لكانت هذه الصفات إما أن تحصل بخلق الله أو لا بخلقه ، ~~والأول باطل وإلا لزم التسلسل ، والثاني : باطل لأن قوله : { الله خالق كل ~~شىء } يتناول الذات والصفات حكمنا PageV19P027 بدخول التخصيص فيه في حق ذات ~~الله تعالى فوجب أن يبقى فيما سوى الذات على الأصل . وهو أن يكون تعالى ~~خالقا لكل شيء سوى ذاته تعالى ، فلو كان لله علم وقدرة لوجب كونه تعالى ~~خالقا لهما وهو محال ، وأيضا تمسكوا بهذه الآية في خلق القرآن . قالوا : ~~الآية دالة على أنه تعالى خالق لكل الأشياء ، والقرآن ليس هو الله تعالى ، ~~فوجب أن يكون مخلوقا وأن يكون داخلا تحت هذا العموم . # والجواب : أقصى ما في الباب أن الصيغة عامة ، إلا أنا نخصصها في حق صفات ~~الله تعالى بسبب الدلائل العقلية . # ! 7 < { أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ~~ومما يوقدون عليه فى النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذالك يضرب الله ~~الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الا رض ~~كذالك يضرب الله الا مثال * للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم ~~يستجيبوا له لو أن لهم ما فى الا رض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولائك لهم ~~سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد * أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك ~~الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر ms5271 أولوا الألباب } > 7 @QB@ < # | الرعد : ( 17 - 19 ) أنزل من السماء . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما شبه المؤمن والكافر والإيمان والكفر بالأعمى والبصير ~~والظلمات والنور ضرب للإيمان والكفر مثلا آخر فقال : { أنزل من السماء ماء ~~فسالت أودية بقدرها } ومن حق الماء أن يستقر في الأودية المنخفضة عن الجبال ~~والتلال بمقدار سعة تلك الأودية وصغرها ، من حق الماء إذا زاد على قدر ~~الأودية أن ينبسط على الأرض ومن حق الزبد الذي يحتمله الماء فيطفو ويربو ~~عليه أن يتبدد في الأطراف ويبطل ، سواء كان ذلك الزبد ما يجري مجرى الغليان ~~من البياض أو ما يحفظ بالماء من الأجسام الخفيفة ، ولما ذكر تعالى هذا ~~الزبد الذي لا يظهر إلا عند اشتداد جري الماء ذكر الزبد الذي لا يظهر إلا ~~بالنار ، وذلك لأن كل واحد من الأجساد السبعة إذا أذيب بالنار لابتغاء حلية ~~أو متاع آخر من الأمتعة التي يحتاج إليها في مصالح البيت ، فإنه ينفصل عنها ~~نوع من الزبد والخبث ، ولا ينتفع به بل يضيع ويبطل ويبقى الخالص . فالحاصل ~~: أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد ، وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء . ~~والأجساد السبعة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو لأجل اتخاذ سائر الأمتعة ~~انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به ، فكذا ههنا أنزل ~~من سماء الكبرياء والجلالة والإحسان ماء وهو القرآن ، والأودية قلوب العباد ~~وشبه القلوب PageV19P028 بالأودية ، لأن القلوب تستقر فيها أنوار علوم ~~القرآن ، كما أن الأودية تستقر فيها المياه النازلة من السماء ، وكما أن كل ~~واحد فإنما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته أو ضيقه ، فكذا ههنا كل ~~قلب إنما يحصل فيه من أنوار علوم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته ~~وخبثه وقوة فهمه وقصور فهمه ، وكما أن الماء يعلوه زبد الأجساد السبعة ~~المذابة يخالطها خبث ، ثم إن ذلك الزبد والخبث يذهب ويضيع ويبقى جوهر الماء ~~وجوهر الأجساد السبعة ، كذا ههنا بيانات القرآن تختلط بها شكوك وشبهات ، ثم ~~إنها بالآخرة تزول وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة والمكاشفة في العاقبة ms5272 ~~، فهذا هو تقرير هذا المثل ووجه انطباق المثل على الممثل به ، وأكثر ~~المفسرين سكتوا عن بيان كيفية التمثيل والتشبيه . # المسألة الثانية : في المباحث اللفظية التي في هذه الآية في لفظ الأودية ~~أبحاث : # البحث الأول : الأودية جمع واد وفي الوادي قولان : # القول الأول : أنه عبارة عن الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري ~~فيه السيل ، هذا قول عامة أهل اللغة . # / والقول الثاني : قال السهروردي يسمى الماء واديا إذا سال قال : ومنه ~~سمي الودى وديا لخروجه وسيلانه ، وعلى هذا القول فالوادي اسم للماء السائل ~~كالمسيل . والأول هو القول المشهور إلا أن على هذا التقدير يكون قوله : { ~~فسالت أودية } مجازا فكان التقدير : سالت مياه الأودية إلا أنه حذف المضاف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه . # البحث الثاني : قال أبو علي الفارسي رحمه الله : الأودية جمع واد ولا ~~نعلم فاعلا جمع على أفعلة قال : ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على ~~الشيء الواحد كعالم وعليم ، وشاهد وشهيد ، وناصر ونصير ، ثم إن وزن فاعل ~~يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب ، وطائر وأطيار ، ووزن فعيل يجمع على أفعلة ، ~~كجريب وأجربة ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرم يجمع ~~الفاعل جمع الفعيل . فيقال : واد وأودية ويجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال ~~: يتيم وأيتام وشريف وأشراف هذا ما قاله أبو علي الفارسي رحمه الله . وقال ~~غيره : نظير واد وأودية ، ناد وأندية للمجالس . # البحث الثالث : إنما ذكر لفظ أودية على سبيل التنكير ، لأن المطر لا يأتي ~~إلا على طريق المناوبة بين البقاع فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض . أما ~~قوله تعالى : { بقدرها } ففيه بحثان : # البحث الأول : قال الواحدي : القدر والقدر مبلغ الشيء يقال كم قدر هذه ~~الدراهم وكم قدرها ومقدارها ؟ أي كم تبلغ في الوزن ، فما يكون مساويا لها ~~في الوزن فهو قدرها . # البحث الثاني : { فسالت أودية بقدرها } أي من الماء ، فإن صغر الوادي قل ~~الماء ، وإن اتسع الوادي كثر الماء . # أما قوله : { فاحتمل السيل زبدا رابيا } ففيه بحثان : # البحث الأول : قال الفراء : يقال أزبد الوادي إزبادا ، والزبد ms5273 الاسم ، ~~وقوله : { رابيا } قال الزجاج : طافيا عاليا فوق الماء . وقال غيره : زائدا ~~بسبب انتفاخه ، يقال : ربا يربو إذا زاد . PageV19P029 # أما قوله تعالى : { ومما يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو متاع زبد ~~مثله } فاعلم أنه تعالى لما ضرب المثل بالزبد الحاصل من الماء ، أتبعه بضرب ~~المثل بالزبد الحاصل من النار ، وفيه مباحث : # البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { يوقدون } بالياء ، ~~واختاره أبو عبيدة لقوله : { ينفع الناس } وأيضا فليس ههنا مخاطب . ~~والباقون بالتاء على الخطاب ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان . الأول : أنه ~~خطاب للمذكورين في قوله : { قل أفاتخذتم من دونه أولياء } . ( الرعد : 16 ) ~~والثاني : أنه يجوز أن يكون خطابا عاما يراد به الكافة ، كأنه قال : ومما ~~توقدون عليه في النار أيها الموقدون . # البحث الثاني : الإيقاد على الشيء على قسمين : أحدهما : أن لا يكون ذلك ~~الشيء في النار ، / وهو كقوله تعالى ) { فأوقد لى ياهامان ياهامان على ~~الطين } ( القصص : 38 ) والثاني : أن يوقد على الشيء ويكون ذلك الشيء في ~~النار فإن من أراد تذويب الأجساد السبعة جعلها في النار ، فلهذا السبب قال ~~ههنا : { ومما يوقدون عليه فى النار } . # البحث الثالث : في قوله : { ابتغاء حلية } قال أهل المعاني : الذي يوقد ~~عليه لابتغاء حلية الذهب والفضة ، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة الحديد ~~والنحاس والرصاص ، والأسرب يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها ، ~~والمتاع كل ما يتمتع به وقوله : { زبد مثله } أي زبد مثل زبد الماء الذي ~~يحمله السيل . # ثم قال تعالى : { وكذالك * يضرب الله الحق والباطل } والمعنى كذلك يضرب ~~الله الأمثال للحق والباطل . ثم قال : { أما * الزبد فيذهب جفاء وأما ما ~~ينفع الناس } قال الفراء : الجفاء الرمي والاطراح يقال : جفا الوادي غثاءه ~~يجفوه جفاء إذا رماه ، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض وموضع ~~جفاء نصب على الحال ، والمعنى : أن الزبد قد يعلو على وجه الماء ويربو ~~وينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل ويبقى الجوهر الصافي من الماء ومن الأجساد ~~السبعة / فكذلك الشبهات والخيالات قد تقوى وتعظم إلا أنها بالآخرة تبطل ~~وتضمحل وتزول ms5274 ويبقى الحق ظاهرا لا يشوبه شيء من الشبهات ، وفي قراءة رؤبة ~~بن العجاج جفالا ، وعن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار . # أما قوله تعالى : { للذين استجابوا لربهم الحسنى } ففيه وجهان : الأول : ~~أنه تم الكلام عند قوله : { كذالك يضرب الله الامثال } ثم استأنف الكلام ~~بقوله : { للذين استجابوا لربهم الحسنى } ومحله الرفع بالابتداء وللذين ~~خبره وتقديره لهم الخصلة الحسنى والحالة الحسنى . الثاني : أنه متصل بما ~~قبله والتقدير : كأنه قال الذي يبقى هو مثل المستجيب والذي يذهب جفاء مثل ~~من لا يستجيب ثم بين الوجه في كونه مثلا وهو أنه لمن يستجيب الحسنى وهو ~~الجنة ، ولمن لا يستجيب أنواع الحسرة والعقوبة ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون ~~التقدير : كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى ، ~~فيكون الحسنى صفة لمصدر محذوف . # واعلم أنه تعالى ذكر ههنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، أما أحوال ~~السعداء فهي قوله : { للذين استجابوا لربهم الحسنى } والمعنى أن الذين ~~أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوة وبعث الرسل والتزام ~~الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى . قال ابن عباس : الجنة ، وقال ~~أهل المعاني : الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن ، وهي المنفعة الخالصة عن ~~شوائب المضرة / الدائمة الخالية عن PageV19P030 الانقطاع المقرونة بالتعظيم ~~والإجلال . ولم يذكر الزيادة ههنا لأنه تعالى قد ذكرها في سورة أخرى ، وهو ~~قوله : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 206 ) وأما أحوال الأشقياء ~~، فهي قوله : { والذين لم يستجيبوا له } فلهم أنواع أربعة من العذاب ~~والعقوبة . # فالنوع الأول ؛ قوله : { لو أن لهم ما فى الارض جميعا ومثله معه لافتدوا ~~به } والافتداء جعل أحد الشيئين بدلا من الآخر ، ومفعول لافتدوا به محذوف ~~تقديره : لافتدوا به أنفسهم أي جعلوه فداء أنفسهم من العذاب ، والكناية في ~~( به ) عائدة إلى ( ما ) في قوله : { ما فى الارض } . # واعلم أن هذا المعنى حق ، لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته ، وكل ما ~~سواه فإنما يحبه لكونه وسيله إلى مصالح ذاته ، فإذا كانت النفس في الضرر ~~والألم والتعب وكان مالكا ms5275 لما يساوي عالم الأجساد والأرواح فإنه يرضى بأن ~~يجعله فداء لنفسه ، لأن المحبوب بالعرض لا بد وأن يكون فداء لما يكون ~~محبوبا بالذات . # والنوع الثاني : من أنواع العذاب الذي أعده الله لهم هو قوله : { أولئك ~~لهم سوء الحساب } قال الزجاج : ذاك لأن كفرهم أحبط أعمالهم . وأقول ههنا ~~حالتان : فكل ما شغلك بالله وعبوديته ومحبته فهي الحالة السعيدة الشريفة ~~العلوية القدسية ، وكل ما شغلك بغير الله فهي الحالة الضارة المؤذية ~~الخسيسة ، ولا شك أن هاتين الحالتين يقبلان الأشد والأضعف والأقل والأزيد ، ~~ولا شك أن المواظبة على الأعمال المناسبة لهذه الأحوال توجب قوتها ورسوخها ~~لما ثبت في المعقولات أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة ، ولا شك ~~أنه لما كانت كثرة الأفعال توجب حصول تلك الملكات الراسخة وكل واحدة من تلك ~~الأفعال حتى اللمحة واللحظة والخطور بالبال والالتفات الضعيف فإنه يوجب ~~أثرا ما في حصول تلك الحالة في النفس فهذا هو الحساب ، وعند التأمل في هذه ~~الفصول يتبين للإنسان صدق قوله : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 / 8 ) . # إذا ثبت هذا فالسعداء هم الذين استجابوا لربهم في الإعراض عما سوى الله ~~وفي الإقبال بالكلية على عبودية الله تعالى ولا جرم حصل لهم الحسنى . # وأما الأشقياء فهم الذين لم يستجيبوا لربهم ، فلهذا السبب وجب أن يحصل ~~لهم سوء الحساب ، والمراد بسوء الحساب أنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى ~~فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين عن الفوز ~~بخدمة حضرة المولى . # والنوع الثالث : قوله تعالى : { ومأواهم جهنم } وذلك لأنهم كانوا غافلين ~~عن الاستسعاد / بخدمة حضرة المولى عاكفين على لذات الدنيا ، فإذا ماتوا ~~فارقوا معشوقهم فيحترقون على مفارقتها وليس عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة ~~، فلذلك قال : { مأواهم جهنم } ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى فقال : { وبئس ~~المهاد } ولا شك أن الأمر كذلك . # ثم قال تعالى : { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } ~~فهذا إشارة إلى المثل المتقدم ذكره ms5276 وهو أن العالم بالشيء كالبصير ، والجاهل ~~به كالأعمى ، وليس أحدهما كالآخر ، لأن الأعمى إذا PageV19P031 أخذ يمشي من ~~غير قائد ، فالظاهر أنه يقع في البئر وفي المهالك ، وربما أفسد ما كان على ~~طريقه من الأمتعة النافعة ، أما البصير فإنه يكون آمنا من الهلاك والإهلاك ~~. # ثم قال : { إنما يتذكر أولوا الالباب } والمراد أنه لا ينتفع بهذه ~~الأمثلة إلا أرباب الألباب الذين يطلبون من كل صورة معناها ، ويأخذون من كل ~~قشرة لبابها ويعبرون بظاهر كل حديث إلى سره ولبابه . # ! 7 < { الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين يصلون مآ أمر ~~الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب * والذين صبروا ابتغاء وجه ~~ربهم وأقاموا الصلواة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة ~~السيئة أولائك لهم عقبى الدار * جنات عدن يدخلونها ومن صلح من ءابائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما ~~صبرتم فنعم عقبى الدار } > 7 @QB@ < # | الرعد : ( 20 - 24 ) الذين يوفون بعهد . . . . . # > > # /اعلم أن هذه الآية هل هي متعلقة بما قبلها أم لا ؟ فيه قولان : # القول الأول : إنها متعلقة بما قبلها وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : ~~الأول : أنه يجوز أن يكون قوله : { الذين يوفون بعهد الله } صفة لأولي ~~الألباب . والثاني : أن يكون ذلك صفة لقوله : { أفمن يعلم أنما أنزل إليك ~~من ربك الحق } ( الرعد : 19 ) . # والقول الثاني : أن يكون قوله : { الذين يوفون بعهد الله } مبتدأ : { ~~وأولئك لهم * عقبى الدار } خبره كقوله : { والذين ينقضون عهد الله أولئك ~~لهم اللعنة } ( الرعد : 25 ) واعلم أن هذه الآية من أولها إلى آخرها جملة ~~واحدة شرط وجزاء ، وشرطها مشتمل على قيود ، وجزاؤها يشتمل أيضا على قيود . ~~أما القيود المعتبرة في الشرط فهي تسعة : # القيد الأول : قوله : { الذين يوفون بعهد الله } وفيه وجوه : الأول : قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : يريد الذي عاهدهم عليه حين كانوا في صلب آدم ~~وأشهدهم على أنفسهم : { ألست بربكم قالوا بلى } . والثاني : أن المراد بعهد ~~الله كل أمر قام الدليل على صحته وهو من وجهين : أحدهما : الأشياء التي ms5277 ~~أقام الله عليها دلائل عقلية قاطعة لا تقبل النسخ والتغيير . والآخر : التي ~~أقام الله عليها الدلائل السمعية وبين لهم تلك الأحكام ، والحاصل أنه دخل ~~تحت قوله : { يوفون بعهد الله } كل ما قام الدليل عليه . ويصح إطلاق لفظ ~~العهد على الحجة بل الحق أنه لا عهد أوكد من الحجة والدلالة على ذلك أن من ~~حلف على الشيء فإنما PageV19P032 يلزمه الوفاء به ، إذا ثبت بالدليل وجوبه ~~لا بمجرد اليمين ولذلك ربما يلزمه أن يحدث نفسه إذا كان ذلك خيرا له فلا ~~عهد أوكد من إلزام الله تعالى إياه ذلك بدليل العقل أو بدليل السمع . ولا ~~يكون العبد موفيا للعهد إلا بأن يأتي بكل تلك الأشياء كما أن الحالف على ~~أشياء كثيرة لا يكون بارا في يمينه إلا إذا فعل الكل ، ويدخل فيه الاتيان ~~بجميع المأمورات والانتهاء عن كل المنهيات ويدخل فيه الوفاء بالعقود في ~~المعاملات ، ويدخل فيه أداء الأمانات ، وهذا القول هو المختار الصحيح في ~~تأويل الآية . # القيد الثاني : قوله : { ولا ينقضون الميثاق } وفيه أقوال : # القول الأول : وهو قول الأكثرين إن هذا الكلام قريب من الوفاء بالعهد ، ~~فإن الوفاء بالعهد قريب من عدم نقض الميثاق والعهد ، وهذا مثل أن يقول : ~~إنه لما وجب وجوده لزم أن يمتنع عدمه ، فهذان المفهومان متغايران إلا أنهما ~~متلازمان فكذلك الوفاء بالعهد يلزمه أن لا ينقض الميثاق . # واعلم أن الوفاء بالعهد من أجل مراتب السعادة . قال عليه السلام : ( لا ~~إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن عهد له ) والآيات الواردة في هذا الباب ~~كثيرة في القرآن . # / والقول الثاني : أن الميثاق ما وثقه المكلف على نفسه ، فالحاصل : أن ~~قوله : { الذين يوفون بعهد الله } إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء . ~~وقوله : { ولا ينقضون الميثاق } إشارة إلى ما التزمه العبد من أنواع ~~الطاعات بحسب اختياره نفسه كالنذر بالطاعات والخيرات . # والقول الثالث : أن المراد بالوفاء بالعهد : عهد الربوبية والعبودية ، ~~والمراد بالميثاق : المواثيق المذكورة في التوراة والإنجيل وسائر الكتب ~~الإلهية على وجوب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ms5278 عند ظهوره . # واعلم أن الوفاء بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع ، قال عليه السلام ~~: ( من عاهد الله فغدر ، كانت فيه خصلة من النفاق ) وعنه عليه السلام : ( ~~ثلاثة أنا خصمهم يوم القيام ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى عهدا ثم غدر ، ~~ورجل استأجر أجيرا استوفى عمله وظلمه أجره ، ورجل باع حرا فاسترق الحر وأكل ~~ثمنه ) وقيل : كان بين معاوية وملك الروم عهد فأراد أن يذهب إليهم وينقض ~~العهد فإذا رجل على فرس يقول : وفاء بالعهد لا غدر . سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول : ( من كان بينه وبين قوم عهد فلا ينبذن إليهم عهده ~~ولا يحلها حتى ينقضي الأمد وينبذ إليهم على سواء ) قال من هذا ؟ قالوا : ~~عمرو بن عيينة فرجع معاوية . # القيد الثالث : { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } وههنا سؤال : ~~وهو أن الوفاء بالعهد وترك نقض الميثاق اشتمل على وجوب الإتيان بجميع ~~المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات فما الفائدة في ذكر هذه القيود ~~المذكورة بعدهما ؟ # والجواب من وجهين : الأول : أنه ذكر لئلا يظن ظان أن ذلك فيما بينه وبين ~~الله تعالى فلا جرم أفرد ما بينه وبين العباد بالذكر . والثاني : أنه تأكيد ~~. # إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في تفسيره وجوها : الأول : أن المراد منه صلة ~~الرحم قال عليه السلام : ( ثلاث يأتين يوم القيامة لها ذلق الرحم تقول : أي ~~رب قطعت ، والأمانة تقول : أي رب تركت ، والنعمة تقول : أي رب كفرت ) . ~~PageV19P033 # والقول الثاني : أن المراد صلة محمد صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ونصرته ~~في الجهاد . # والقول الثالث : رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد ، فيدخل فيه صلة الرحم ~~وصلة القرابة الثابتة بسبب أخوة الإيمان كما قال : { إنما المؤمنون إخوة } ~~( الحجرات : 10 ) ويدخل في هذه الصلة امدادهم بإيصال الخيرات ودفع الآفات ~~بقدر الإمكان وعيادة المريض وشهود الجنائز وإفشاء السلام على الناس والتبسم ~~في وجوههم وكف الأذى عنهم ويدخل فيه كل حيوان حتى الهرة والدجاجة ، وعن / ~~الفضيل بن عياض رحمه الله أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال : من أين أنتم ؟ ~~قالوا ms5279 : من خراسان . فقال : اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم ، واعلموا أن ~~العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين ، ~~وأقول حاصل الكلام : أن قوله : { الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ~~} إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله : { والذين يصلون ما أمر الله به أن ~~يوصل } إشارة إلى الشفقة على خلق الله . # القيد الرابع : قوله : { ويخشون ربهم } والمعنى : أنه وإن أتى بكل ما قدر ~~عليه في تعظيم أمر الله ، وفي الشفقة على خلق الله إلا أنه لا بد وأن تكون ~~الخشية من الله والخوف منه مستوليا على قلبه وهذه الخشية نوعان : أحدهما : ~~أن يكون خائفا من أن يقع زيادة أو نقصان أو خلل في عباداته وطاعاته ، بحيث ~~يوجب فساد العبادة أو يوجب نقصان ثوابها . والثاني : وهو خوف الجلال وذلك ~~لأن العبد إذا حضر عند السلطان المهيب القاهر فإنه وإن كان في غير طاعته ~~إلا أنه لا يزول عن قلبه مهابة الجلالة والرفعة والعظمة . # القيد الخامس : قوله : { ويخافون سوء الحساب } اعلم أن القيد الرابع ~~إشارة إلى الخشية من الله وهذا القيد الخامس إشارة إلى الخوف والخشية وسوء ~~الحساب ، وهذا يدل على أن المراد من الخشية من الله ما ذكرناه من خوف ~~الجلال والمهابة والعظمة وإلا لزم التكرار . # القيد السادس : قوله تعالى : { والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم } فيدخل فيه ~~الصبر على فعل العبادات والصبر على ثقل الأمراض والمضار ، والغموم والأحزان ~~، والصبر على ترك المشتهيات وبالجملة الصبر على ترك المعاصي وعلى أداء ~~الطاعات . ثم إن الإنسان قد يقدم على الصبر لوجوه : أحدها : أن يصبر ليقال ~~ما أكمل صبره وأشد قوته على تحمل النوازل . وثانيها : أن يصبر لئلا يعاب ~~بسبب الجزع . وثالثها : أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء . ورابعها : أن ~~يصبر لعلمه بأن لا فائدة في الجزع فالإنسان إذا أتى بالصبر لأحد هذه الوجوه ~~لم يكن ذلك داخلا في كمال النفس وسعادة القلب ، أما إذا صبر على البلاء ~~لعلمه بأن ذلك البلاء قسمة حكم بها القسام العلام المنزه عن ms5280 العيب والباطل ~~والسفه ، بل لا بد أن تكون تلك القسمة مشتملة على حكمة بالغة ومصلحة راجحة ~~ورضي بذلك ، لأنه تصرف المالك في ملكه ولا اعتراض على المالك في أن يتصرف ~~في ملكه أو يصبر لأنه صار مستغرقا في مشاهدة المبلى فكان استغراقه في تجلي ~~نور المبلى أذهله على التألم بالبلاء وهذا أعلى مقامات الصديقين ، فهذه ~~الوجوه الثلاثة هي التي يصدق عليها أنه صبر ابتغاء وجه ربه ومعناه أنه صبر ~~لمجرد ثوابه ، وطلب رضا الله تعالى . # / واعلم أن قوله : { ابتغاء وجه ربهم } فيه دقيقة ، وهي أن العاشق إذا ~~ضربه معشوقه ، فربما نظر العاشق لذلك الضارب وفرح به فقوله : { ابتغاء وجه ~~ربهم } محمول على هذا المجاز ، يعني كما أن العاشق يرضى بذلك الضرب ~~لالتذاذه بالنظر إلى وجه معشوقه ، فكذلك العبد يصبر على البلاء والمحنة ، ~~ويرضى به PageV19P034 لاستغراقه في معرفة نور الحق وهذه دقيقة لطيفة . # القيد السابع : قوله : { والذين يمسكون } . # واعلم أن الصلاة والزكاة وإن كانتا داخلتين في الجملة الأولى إلا أنه ~~تعالى أفردها بالذكر تنبيها على كونها أشرف من سائر العبادات وقد سبق في ~~هذا الكتاب تفسير إقامة الصلاة ولا يمتنع إدخال النوافل فيه أيضا . # القيد الثامن : قوله تعالى : { وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : قال الحسن : المراد الزكاة المفروضة فإن لم يتهم بترك ~~أداء الزكاة فالأولى أداؤها سرا وإن اتهم بترك الزكاة فالأولى أداؤها في ~~العلانية . وقيل السر ما يؤديه بنفسه والعلانية ما يؤديه إلى الأمام ، وقال ~~آخرون : بل المراد الزكاة الواجبة والصدقة التي يؤتى بها على صفة التطوع ~~فقوله : { سرا } يرجع إلى التطوع وقوله : { * علانية } يرجع إلى الزكاة ~~الواجبة . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة إنه تعالى رغب في الانفاق من كل ما كان ~~رزقا ، وذلك يدل على أنه لا رزق إلا الحلال إذ لو كان الحرام رزقا لكان قد ~~رغب تعالى في إنفاق الحرام وأنه لا يجوز . # القيد التاسع : قوله : { صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة } وفيه وجهان : ~~الأول : أنهم إذا أتوا بمعصية درؤها ودفعوها بالتوبة كما روى أن النبي ms5281 صلى ~~الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل : ( إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة ~~تمحها ) . والثاني : أن المراد أنهم لا يقابلون الشر بالشر بل يقابلون الشر ~~بالخير كما قال تعالى : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) ~~وعن ابن عمر رضي الله عنهما ليس الوصول من وصل ثم وصل تلك المجازاة لكنه من ~~قطع ثم وصل وعطف على من لم يصله / وليس الحليم من ظلم ثم حلم حتى إذا هيجه ~~قوم اهتاج ، لكن الحليم من قدر ثم عفا . وعن الحسن : هم الذين إذا حرموا ~~أعطوا وإذا ظلموا عفوا ، ويروى أن شقيق بن إبراهيم البلخي دخل على عبد الله ~~بن المبارك متنكرا ، فقال من أين أنت ؟ فقال : من بلخ ، فقال : وهل تعرف ~~شقيقا قال نعم ، فقال : كيف طريقة أصحابه ؟ فقال : إذا منعوا صبروا وإن ~~أعطوا شكروا ، فقال عبد الله : طريقة كلابنا هكذا . فقال : وكيف ينبغي أن ~~يكون فقال الكاملون : هم الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا . # / واعلم أن جملة هذه القيود التسعة هي القيود المذكورة في الشرط . أما ~~القيود المذكورة في الجزاء فهي أربعة : # القيد الأول : قوله : { أولئك لهم عقبى الدار } أي عاقبة الدار وهي الجنة ~~، لأنها هي التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها . قال الواحدي ~~: العقبى كالعاقبة ، ويجوز أن تكون مصدرا كالشورى والقربى والرجعى ، وقد ~~يجيء مثل هذا أيضا على فعلى كالنجوى والدعوى ، وعلى فعلى كالذكرى والضيزى ، ~~ويجوز أن يكون اسما وهو ههنا مصدر مضاف إلى الفاعل ، والمعنى : أولئك لهم ~~أن تعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة . # القيد الثاني : قوله : { جنات عدن يدخلونها } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال الزجاج : جنات عدن بدل من عقبى والكلام في جنات عدن ~~ذكرناه مستقصى عند PageV19P035 قوله تعالى : { ومساكن طيبة فى جنات عدن } ~~وذكرنا هناك مذهب المفسرين ، ومذهب أهل اللغة . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { يدخلونها } بضم الياء وفتح ~~الخاء على ما لم يسم فاعله والباقون بفتح الياء وضم الخاء على إسناد الدخول ~~إليهم . # القيد الثالث : { ومن صلح من ms5282 ءابائهم وأزواجهم وذرياتهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن علية ( صلح ) بضم اللام قال صاحب الكشاف : ~~والفتح أفصح . # المسألة الثانية : قال الزجاج : موضع من رفع لأجل العطف على الواو في ~~قوله { يدخلونها } ويجوز أن يكون نصبا كما تقول قد دخلوا وزيدا أي مع زيد . # المسألة الثالثة : في قوله : { ومن صلح } قولان : الأول : قال ابن عباس : ~~يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل أعمالهم وقال الزجاج : بين تعالى ~~أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال صالحة بل الآباء والأزواج ~~والذريات لا يدخلون الجنة إلا بالأعمال الصالحة . قال الواحدي : والصحيح ما ~~قال ابن عباس ، لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في ~~الجنة وذلك يدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع الآتي بالأعمال الصالحة ، ~~ولو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في ~~الوعد به ، إذ كل من كان مصلحا في عمله فهو يدخل الجنة . # واعلم أن هذه الحجة ضعيفة ، لأن المقصود بشارة المطيع بكل ما يزيده سرورا ~~وبهجة فإذا بشر الله المكلف بأنه إذا دخل الجنة فإنه يحضر معه آباؤه ~~وأزواجه وأولاده فلا شك أنه يعظم سرور المكلف بذلك وتقوى بهجته به ، ويقال ~~: إن من أعظم موجبات سروره هم أن يجتمعوا فيتذاكروا / أحوالهم في الدنيا ثم ~~يشكرون الله على الخلاص منها والفوز بالجنة ولذلك قال تعالى في صفة أهل ~~الجنة إنهم يقولون : { قال ياليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من ~~المكرمين } ( يس : 26 / 27 ) . # المسألة الرابعة : قوله : { وأزواجهم } ليس فيه ما يدل على التمييز بين ~~زوجة وزوجة ، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه ، وما روي عن سودة أنه ~~لما هم الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت : دعني يا رسول الله أحشر ~~في زمرة نسائك ، كالدليل على ما ذكرناه . # والقيد الرابع : قوله : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم ~~بما صبرتم فنعم عقبى الدار } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : لهم خيمة من ms5283 درة مجوفة طولها فرسخ ~~وعرضها فرسخ لها ألف باب مصاريعها من ذهب يدخلون عليهم الملائكة من كل باب ~~يقولون لهم : { سلام عليكم بما صبرتم } على أمر الله . وقال أبو بكر الأصم ~~: من كل باب من أبواب البر كباب الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون : ~~ونعم ما أعقبكم الله بعد الدار الأولى . # واعلم أن دخول الملائكة إن حملناه على الوجه الأول فهو مرتبة عظيمة ، ~~وذلك لأن الله تعالى أخبر عن هؤلاء المطيعين أنهم يدخلون جنة الخلد ، ~~ويجتمعون بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم على أحسن وجه ، ثم إن الملائكة مع ~~جلالة مراتبهم يدخلون عليهم لأجل التحية والإكرام عند الدخول عليهم ~~يكرمونهم بالتحية PageV19P036 والسلام ويبشرونهم بقوله : { فنعم عقبى الدار ~~} ولا شك أن هذا غير ما يذكره المتكلمون من أن الثواب منفعة خالصة دائمة ~~مقرونة بالإجلال والتعظيم ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي ~~قبور الشهداء رأس كل حول فيقول : ( السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ~~) والخلفاء الأربعة هكذا كانوا يفعلون ، وأما إن حملناه على الوجه الثاني ~~فتفسير الآية أن الملائكة طوائف ، منهم روحانيون ومنهم كروبيون . فالعبد ~~إذا راض نفسه بأنواع الراضيات كالصبر والشكر والمراقبة والمحاسبة ، ولكل ~~مرتبة من هذه المراتب جوهر قدسي وروح علوي يختص بتلك الصفة مزيد اختصاص ؛ ~~فعند الموت إذا أشرقت تلك الجواهر القدسية تجلت فيها من كل روح من الأرواح ~~السماوية ما يناسبها من الصفة المخصوصة بها فيفيض عليها من ملائكة الصبر ~~كمالات مخصوصة نفسانية لا تظهر إلا في مقام الصبر ، ومن ملائكة الشكر ~~كمالات روحانية لا تتجلى إلا في مقام الشكر وهكذا القول في جميع المراتب . # المسألة الثانية : تمسك بعضهم بهذه الآية على أن الملك أفضل من البشر ~~فقال : إنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على سبيل ~~التحية والإكرام والعظيم فكانوا به أجل / مرتبة من البشر ولو كانوا أقل ~~مرتبة من البشر لما كان دخولهم عليهم لأجل السلام والتحية موجبا علو ~~درجاتهم وشرف مراتبهم ، ألا ترى أن من عاد من سفره إلى بيته فإذا ms5284 قيل في ~~معرض كمال مرتبته أنه يزوره الأمير والوزير والقاضي والمفتي ، فهذا يدل على ~~أن درجة ذلك المزور أقل وأدنى من درجات الزائرين فكذلك ههنا . # المسألة الثالثة : قال الزجاج : ههنا محذوف تقديره الملائكة يدخلون عليهم ~~من كل باب ويقولون سلام عليكم فأضمر القول ههنا لأن في الكلام دليلا عليه ، ~~وأما قوله : { بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ففيه وجهان : أحدهما : أنه ~~متعلق بالسلام . والمعنى أنه إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على ~~الطاعات ، وترك المحرمات . والثاني : أنه متعلق بمحذوف ، والتقدير : أن هذه ~~الكرامات التي ترونها ، وهذه الخيرات التي تشاهدونها إنما حصلت بواسطة ذلك ~~الصبر . # ! 7 < { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن ~~يوصل ويفسدون فى الا رض أولائك لهم اللعنة ولهم سوء الدار } > 7 ! # < < # | الرعد : ( 25 ) والذين ينقضون عهد . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر صفات السعداء وذكر ما ترتب عليها من الأحوال ~~الشريفة العالية أتبعها بذكر حال الأشقياء ، وذكر ما يترتب عليها من ~~الأحوال المخزية المكروهة ، وأتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب ، ليكون ~~البيان كاملا فقال : { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } وقد بينا أن ~~عهد الله ما ألزم عباده بواسطة الدلائل العقلية والسمعية لأنها أوكد من كل ~~عهد وكل يمين إذ الأيمان إنما تفيد التوكيد بواسطة الدلائل الدالة على أنها ~~توجب الوفاء بمقتضاها ، والمراد من نقض هذه العهود أن لا ينظر المرء في ~~الأدلة أصلا ، فحينئذ لا يمكنه العمل بموجبها أو بأن ينظر فيها ويعلم صحتها ~~ثم يعاند فلا يعمل بعمله أو بأن ينظر في الشبهة فيعتقد PageV19P037 خلاف ~~الحق والمراد من قوله : { من بعد ميثاقه } أي من بعد أن وثق الله تلك ~~الأدلة وأحكمها ، لأنه لا شيء أقوى مما دل الله على وجوبه في أن ينفع فعله ~~ويضر تركه . # فإن قيل : إذا كان العهد لا يكون إلا مع الميثاق فما فائدة اشتراطه تعالى ~~بقوله : { من بعد ميثاقه } . # قلنا : لا يمتنع أن يكون المراد بالعهد هو ما كلف الله العبد ، والمراد ~~بالميثاق الأدلة المؤكدة ms5285 / لأنه تعالى قد يؤكد إليك العهد بدلائل أخرى سواء ~~كانت تلك المؤكدة دلائل عقلية أو سمعية . # ثم قال تعالى : { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } ( الرعد : 21 ) وذلك ~~في مقابلة قوله : { والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل } فجعل من صفات ~~هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل ، والمراد به قطع كل ما أوجب الله وصله ~~ويدخل فيه وصل الرسول بالموالاة والمعاونة ووصل المؤمنين ، ووصل الأرحام ، ~~ووصل سائر من له حق ، ثم قال : { ويفسدون فى الارض } وذلك الفساد هو الدعاء ~~إلى غير دين الله وقد يكون بالظلم في النفوس والأموال وتخريب البلاد ، ثم ~~إنه تعالى بعد ذكر هذه الصفات قال : { أولئك لهم اللعنة } واللعنة من الله ~~الإبعاد من خيري الدنيا والآخرة إلى ضدهما من عذاب ونقمة : { ولهم سوء ~~الدار } لأن المراد جهنم ، وليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها . # ! 7 < { الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر وفرحوا بالحيواة الدنيا وما ~~الحيواة الدنيا فى الا خرة إلا متاع * ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ~~ءاية من ربه قل إن الله يضل من يشآء ويهدىإليه من أناب * الذين ءامنوا ~~وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب * الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات طوبى لهم وحسن مأاب * كذلك أرسلناك فىأمة قد خلت من قبلهآ أمم ~~لتتلو عليهم الذىأوحينآ إليك وهم يكفرون بالرحمان قل هو ربى لاإلاه إلا هو ~~عليه توكلت وإليه متاب * ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الا رض أو ~~كلم به الموتى بل لله الا مر جميعا أفلم يايأس الذين ءامنوا أن لو يشآء ~~الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل ~~قريبا من دارهم حتى يأتى وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد * ولقد استهزىء ~~برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب * أفمن هو قآئم ~~على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركآء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم فى ~~الا رض أم بظاهر من ms5286 القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن ~~يضلل الله فما له من هاد * لهم عذاب فى الحيواة الدنيا ولعذاب الا خرة أشق ~~وما لهم من الله من واق * مثل الجنة التى وعد المتقون تجرى من تحتها ~~الأنهار أكلها دآئم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار } > 7 ~~@QB@ < # | الرعد : ( 26 - 35 ) الله يبسط الرزق . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حكم على من نقض عهد الله في قبول التوحيد والنبوة ~~بأنهم ملعونون في الدنيا ومعذبون في الآخرة فكأنه قيل : لو كانوا أعداء ~~الله لما فتح الله عليهم أبواب النعم واللذات في الدنيا ، فأجاب الله تعالى ~~عنه بهذه الآية وهو أنه يبسط الرزق على البعض ويضيقه على البعض ولا تعلق له ~~بالكفر والإيمان ، فقد يوجد الكافر موسعا عليه دون المؤمن ، ويوجد المؤمن ~~مضيقا عليه دون الكافر ، فالدنيا دار امتحان . قال الواحدي : معنى القدر في ~~اللغة قطع الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان . وقال المفسرون : ~~معنى ( يقدر ) ههنا يضيق ، ومثله قوله تعالى : { ومن قدر عليه رزقه } ( ~~الطلاق : 7 ) أي ضيق ، ومعناه : أنه يعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء . # وأما قوله : { وفرحوا بالحيواة الدنيا } فهو راجع إلى من بسط الله له ~~رزقه ، وبين تعالى أن ذلك لا يوجب الفرح ، لأن الحياة العاجلة بالنسبة إلى ~~الآخرة كالحقير القليل بالنسبة إلى ما لا نهاية له . PageV19P038 # قوله تعالى ! 7 < { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن ~~الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ~~ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ) < # > # اعلم أن الكفار قالوا : يا محمد إن كنت رسولا فأتنا بآية ومعجزة قاهرة ~~ظاهرة مثل معجوات موسى وعيسى عليهما السلام . # فأجاب عن هذا السؤال بقوله { قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ~~} وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه : أحدها : كأنه تعالى يقول : إن الله ~~أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة ، ولكن الاضلال والهداية من الله ، ~~فأضلكم عن تلك الآيات ms5287 القاهرة الباهرة ، وهدى أقواما آخرين إليها ، حتى ~~عرفوا بها صدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوة ، وإذا كان كذلك فلا ~~فائدة في تكثير الآيات والمعجزات . وثانيها : أنه كلام يجري مجرى التعجب من ~~قولهم وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانت أكثر من أن تصير مشتبهة على العاقل ، فلما طلبوا بعدها آيات ~~أخرى كان موضعا للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم { إن ~~الله يضل من يشاء } من كان عل صفتكم . وثالثها : أنهم لما طلبوا سائر ~~الآيات والمعجزات فكأنه قيل لهم لا فائدة من ظهور الآيات والمعجزات ، فإن ~~الإضلال والهداية من الله فلو حصلت الآيات الكثيرة ولم تحصل الهداية فإنه ~~لم يحصل الانتفاع بها ، ولو حصلت آية واحدة فقط وحصلت الهداية من الله فإنه ~~يحصل الانتفاع بها فلا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب ~~الهدايات . ورابعها : قال أبو علي الجبائي : المعنى أن الله يضل من يشاء عن ~~رحمته وثوابه عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل ~~لاستحقاقكم العذاب والإضلال عن الثواب { ويهدي إليه من أناب } أي يهدي إلى ~~جنته من تاب وآمن قال وهذا يبين أن الهدى هو الثواب من حيث انه عقبه بقوله ~~{ من أناب } أي تاب والهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب ، لأنه يستحقه على ~~إيمانه ، وذلك يدل على أنه تعالى إنما يضل عن الثواب بالعقاب ، لا عن الدين ~~بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا . هذا تمام كلام أبي علي وقوله { أناب } ~~أي اقبل إلى الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير . # قوله تعالى { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب } . # اعلم أن قوله { الذين آمنوا } بدل من قوله { من أناب } قال ابن عباس : ~~يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت . # فإن قيل : أليس أنه تعالى قال في سورة الأنفال { إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم ms5288 } [ الأنفال : 2 ] والوجل ضد الاطمئنان ، فكيف وصفهم ~~ههنا بالاطمئنان ؟ # والجواب من وجوه : الأول : أنهم إذا ذكروا العقوبات ولم يأمنوا من أن ~~يقدموا على المعاصي فهناك وصفهم بالوجل ، وإذا ذكروا بوعده بالثواب والرحمة ~~، سكنت قلوبهم إلى ذلك ، وأحد الأمرين لا ينافي الآخر ، لأن الوجل هو بذكر ~~العقاب والطمأنينة بذكر الثواب ، ويوجد الوجل في حال فكرهم في المعاصي ، ~~وتوجد الطمأنينة عند اشتغالهم بالطاعات . الثاني : أن المراد أن علمهم بكون ~~القرآن معجزا يوجب حصول PageV19P039 الطمأنينة لهم في كون محمد صلى الله ~~عليه وسلم نبيا حقا من عند الله . أما شكلهم في أنهم أتوا بالطاعات على ~~سبيل التمام والكمال فيوجب حصول الوجل في قلوبهم ، الثالث : أنه حصلت في ~~قلوبهم الطمأنينة في أن الله تعالى صادق في وعده ووعيده ، وأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم صادق في كل ما أخبر عنه ، إلا أنه حصل الوجل والخوف في ~~قلوبهم انهم هل أتوا بالطاعة الموجبة للثواب أم لا ، وهل احترزوا عن ~~المعصية الموجبة للعقاب أم لا . # واعلم أن لنا في قوله { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } أبحاثا دقيقة غامضة ~~وهي من وجوه : # الوجه الأول : أن الموجودات على ثلاثة أقسام : مؤثر لا يتأثر ، ومتأثر لا ~~يؤثر ، وموجود يؤثر في شيء ويتأثر في شيء ، فالمؤثر الذي لا يتأثر هو الله ~~سبحانه وتعالى ، والمتأثر الذي لا يؤثر هو الجسم ، فإنه ذات قابلة للصفات ~~المختلفة والآثار المتنافية ، وليس له خاصية إلا القبول فقط . وأما الموجود ~~الذي يؤثر تارة ويتأثر تارة أخرى ، فهي الموجودات الروحانية . وذلك لأنها ~~إذا توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عن مشيئة الله ~~تعالى وقدرته وتكوينه وإيجاده . وإذا توجهت إلى عالم الأجسام اشتاقت إلى ~~التصرف فيها ، لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام . # وإذا عرفت هذا ، فالقلب كلما توجه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه ~~الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليها والتصرف فيها ، أما إذا ~~توجه القلب إلى مطالعة الحضرة الإلهية حصل فيه أنوار الصمدية والأضواء ~~الإلهية ، فناك يكون ساكنا فلهذا السبب قال { ألا بذكر الله ms5289 تطمئن القلوب } ~~. # الوجه الثاني : أن القلب كلما وصل إلى شيء فإنه يطلب الانتقال منه إلى ~~حالة أشرف منها ، لأنه لا سعادة في عالم الأجسام إلا وفوقها مرتبة أخرى في ~~اللذة والغبطة . أما إذا انتهى القلب والعقل إلى الاستسعاد بالمعارف ~~الإلهية والأضواء الصمدية بقي واستقر فلم يقدر على الانتقال منه البتة ، ~~لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منها وأكمل ؛ فلهذا المعنى قال { ~~ألا بذكر الله تطمئن القلوب } . # والوجه الثالث في تفسير هذه الكلمة : أن الاكسير إذا وقعت منه ذرة على ~~الجسم النحاسي انقلب ذهبا باقيا على كر الدهور والأزمان صابرا على الذوبان ~~الحاصل بالنار ، فإكسير جلال الله تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه ~~جوهرا باقيا صافيا نورانيا لا يقبل التغير والتدبل ، فلهذا قال { ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب } # ثم قال تعالى : ! 7 < { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب } ~~> 7 ! # المسألة الأولى : في تفسير كلمة ' طوبى ' ثلاثة أقوال : القول الأول : ~~أنها اسم شجرة في الجنة ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال < < ~~طوبى شجرة في الجنة غرسها الله بيده تنبت الحلي والحلل وأن أغصانها لترى من ~~وراء سور الجنة > > وحكى أبو بكر الأصم رضي الله عنه : أن أصل هذه الشجرة ~~في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي دار كل مؤمن منها غصن . # والقول الثاني : وهوقول أهل اللغة : أن طوبى مصدر من طاب ، كبشرى وزلفى . ~~ومعنى طوبى لك : أصبت طيبا . ثم اختلفوا على وجوه : فقيل : فرح وقرة عين ~~لهم ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما . وقيل : نعم PageV19P040 ما لهم ، عن ~~عكرمة . وقيل غبطة لهم ؛ عن الضحاك . وقيل : حسن لهم ؛ عن قتادة . وقيل : ~~خير وكرامة ؛ عن أبي بكر الأصم ، وقيل العيش الطيب لهم ؛ عن الزجاج . # واعلم أن المعاني متقاربة والتفاوت يقرب من أن يكون في اللفظ . والحاصل ~~أنه مبالغة في نيل الطيبات . ويدخل فيه جميع اللذات . وتفسيره أن أطيب ~~الأشياء في كل الأمور حاصل لهم . # والقول الثالث : أن هذه اللفظة ليست عربية ، ثم اختلفوا ms5290 فقال بعضهم : ~~طوبى اسم الجنة بالحبشية ، وقيل اسم الجنة بالهندية ، وقيل البستان ~~بالهندية ، وهذا القول ضعيف ، لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما ~~واشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر . # المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : { الذين آمنوا } مبتتدأ و { طوبى ~~لهم } خبره . ومعنى طوبى لك أي أصبت طيبا ، ومحلها النصب أو الرفع ، كقولك ~~طيبا لك زطيب لك وسلاما لم وسلام لك ، والقراءة في قوله { وحسن مآب } ~~بالرفع والنصب تدلك على محلها ، وقرأ مكوزة الأعرابي ' طيبى لهم ' . # أما قوله { وحسن مآب } فالمراد حسن المرجع والمقر . وكل ذلك وعد من الله ~~بأعظم النعيم ترغيبا في طاعته وتحذيرا عن المعصية . قوله تعالى : ! 7 < { ~~كذلك أرسلنا في أمة قد خلت من قبلها الأمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ~~وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب } > 7 ! # اعلم أن الكاف في ' كذلك ' للتشبيه فقيل أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء ~~قبلك في أمة قد خلت من قبلها أمم ، وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة ، وقيل ~~كما أرسلنا إلى أمم وأعطيناهم كتبا تتلى عليهم ، كذلك أعطيناك هذا الكتاب ~~وأنت تتلوه عليهم فماذا اقترحوا غيره ، وقال صاحب الكشاف ' كذلك أرسلناك ' ~~أي مثل ذلك الإرسال ' أرسلناك ' يعني أرسلناك إرسالا له شأن وفضل على سائر ~~الإرسالات . ثم فسر كيف أرسله فقال { في أمة قد خلت من قبلها أمم } أي ~~أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم فهي آخر الأمم وأنت آخر الأنبياء . # أما قوله { لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك } فالمراد : لتقرأ عليهم الكتاب ~~العظيم الذي أوحينا إليك { وهم يكفرون بالرحمن } أي وحال هؤلاء أنهم يكفرون ~~بالرحمن الذي رحمته وسعت كل شيء وما بهم من نعمة فمنه ، وكفروا بنعمته في ~~إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز عليهم { قل هو ربي } الواحد ~~المتعال عن الشركاء { لا إله إلا هو عليه توكلت } في نصرتي عليكم { وإليه ~~متاب } فيعينني على مصابرتكم زمجاهدتكم . قيل : نزل قوله { وهم يكفرون ~~بالرحمن } في عبد الله بن أمية المخزومي ، وكان يقول أما ms5291 الله فنعرفه ، ~~وأما الرحمن فلا نقول نعرفه إلا صاحب اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذلب ؛ فقال ~~تعالى { قل ادعوا أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } [ ~~الإسراء : 110 ] وكقوله { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن } [ ~~الفرقان : 60 ] PageV19P041 وقيل إنه عليه السلام حين صالح قريشا من ~~الحديبية كتب ' هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ' فقال المشركون : إن كنت ~~رسول الله وقد قاتلناك فقد ظلمنا . ولكن اكتب : هذا ما صالح عليه محمد عبد ~~الله ، فكتب كذلك ، ولما كتب في الكتاب ' بسم الله الرحمن الرحيم ' قالوا ~~أما الرحمن فلا نعرفه ، وكانوا يكتبون باسمك اللهم ، فقال عليه السلام < < ~~اكتبوا كما تريدون > > . # واعلم أنه قوله { وهم يكفرون بالرحمن } إذا حملناه على هاتين الروايتين ~~كان معناه أنهم كفروا بإطلاق هذا الإسم على الله تعالى ، لا أنهم كفروا ~~بالله تعالى . وقال آخرون : بل كفروا بالله إنا جحدا له وإما لإثباتهم ~~الشركاء معه . قال القاضي : وهذا القول أليق بالظاهر ، لأن قوله تعالى { ~~وهم يكفرون بالرحمن } يقتضي أنهم كفروا بالله . قال القاضي : هذا القول ~~أليق بالظاهر ، لأن قوله تعالى { وهم يكفرون بالرحمن } يقتضي أنهم كفروا ~~بالله . وهو المفهوم من الرحمن ، وليس المفهوم منه الاسم كما لو قال قائل : ~~كفروا بمحمد وكذبوا به لكان المفهوم هو ، دون اسمه . ! 7 < { ولو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ~~ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله ~~لا يخلف الميعاد } > 7 ! # اعلم أنه روي أن أهل مكة قعدوا في فناء مكة ، فأتاهم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وعرض الإسلام عليهم ، فقال له عبد الله بن أمية المخزومي : سير ~~لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهارا نزرع فيها - أو ~~أحي لنا بعض أموالنا لنسألهم أحق ما تقول أو باطل ، فقد كان عيسى يحيي ~~الموتى ms5292 ، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح ~~مسخرة لسليمان فلست بأهون على ربك من سليمان ، فنزل قوله { ولو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال } أي من أماكنها { أو قطعت به الأرض } أي شققت فجعلت أنهارا ~~وعيونا { أو كلم به الموتى } لكان هو هذا القرآن الذي أنزلناه عليك . وحذف ~~جواب ' لو ' لكونه معلوما ، وقال الزجاج : المحذوف هو أنه { لو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال } وكذا وكذا لما آمنوا به كقوله { ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة وكلمهم الموتى } [ الأنعام : 111 ] . # ثم قال تعالى { بل لله الأمر جميعا } يعني إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ، ~~وليس لأحد أن يتحكم عليه في أفعاله وأحكامه . # ثم قال تعالى { أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ~~} وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في قوله { أفلم ييأس } قولان : PageV19P042 # القول الأول : أفلم يعلموا وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : # الوجه الأولك { ييأس } يعلم في لغة النخع وهذا قول أكثر المفسرين مثل ~~مجاهد والحسن وقتادة . واحتجوا عليه بقول الشاعر : # % ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه % % وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا % # وأنشد أبو عبيدة : # % أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني % % ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم % # أي ألم تعلموا . وقال الكسائي : ما وجدت العرب يئست بمعنى علمت البتة . # والوجه الثاني : ما روي ان عليا وابن عباس كانا يقرآن { أفلم يأس الذين ~~آمنوا } فقيل لابن عباس أفلم ييأس فقال : أظن أن الكاتب كتبها وهو ناعس إنه ~~كان في الخط يأس فزاد الكاتب سنة واحدة فصار ييأس فقرئ ييأس وهذا القول ~~بعيد جدا لأنه يقتضي كون القرآن محلا للتحريف والتصحيف . وذلك يخرجه عن ~~كونه حجة قال صاحب الكشاف : ما هذا القول والله إلا فرية بلا مرية . # والقول الثاني : قال الزجاج : المعنى أو يئس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء ~~لأن الله لو شاء لهدى الناس جميعا . وتقريره أن العلم بأن الشيء لا يكون ~~يوجب اليأس من كونه والملازمة توجب حسن المجاز ، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ ~~اليأس ms5293 لإرادة العلم . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بقوله { أن لو يشاء الله لهدى الناس ~~جميعا } وكلمة ' لو ' تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره . والمعنى : أنه ~~تعالى ما شاء هداية جميع الناس ، والمعتزلة تارة يحملون هذه المشيئة على ~~مشيئة الإلجاء ، وتارة يحملون الهداية على الهداية إلى طريق الجنة ، وفيهم ~~من يجري الكلام على الظاهر ، ويقول إنه تعالى ما شاء هداية جميع الناس لأنه ~~ما شاء هدابة الأطفال والمجانين فلا يكون شائيا لهداية جميع الناس . ~~والكلام في هذه المسألة قد سبق مرارا . # أما قوله تعالى { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل ~~قريبا من دراهم } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله { الذين كفروا } فيه قولان : # القول الأول : قيل : أراد به جميع الكفار لأن الوقائع الشديدة التي وقعت ~~لبعض الكفار من القتل والسبي أوجب حصول الغم في قلب الكل ، وقيل : أراد بعض ~~الكفار وهم جماعة معينون والألف واللام في لفظ الكفار للمعهود السابق وهو ~~ذلك الجمع المعين . # المسألة الثانية : في الآية وجهان : الأول : ولا يزال الذين كفروا تصيبهم ~~بما صنعوا من كفرهم وسوء أعمالهم قارعة داهية تقرعهم بما يحل الله بهم في ~~كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم وأولادهم وأموالهم ، أو تحل ~~القارعة قريبا منهم ، فيفزعون ويضطربون ويتطاير إليهم شرارهم ويتعدى إليهم ~~شرورها حتى يأتي وعد الله وهو موتهم أو القيامة . PageV19P043 # والقول الثاني : ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من العداوة والتكذيب قارعة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة وتختطف منهم وتصيب مواشيهم ، أو ~~تحل أنت يا محمد قريبا من دراهم بجيشك كما حل بالحديبية حتى يأتي وعد الله ~~وهو فتح مكة ، وكان الله قد وعده ذلك . # ثم قال { إن الله لا يخلف الميعاد } والغرض منه تقوية قلب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وإزالة الحزن عنه . قال القاضي : وهذا يدل على بطلان قول من ~~يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده ، وهذه الآية وإن كانت ms5294 واردة في حق ~~الكفار إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، إذ بعمومه يتناول كل ~~وعيد ورد في حق الفساق . # وجوابنا : أن الحلف غيرن وتخصيص العموم غير ، ونحن لا نقول بالخلف ، ~~ولكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو . # وقوله تعالى ! 7 < { ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم ~~أخذتهم فكيف كان عقاب أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء ~~قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين ~~كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد لهم عذاب في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أش وما لهم من واق } > 7 ! # اعلم أن القول لما طلبوا سائر المعجزات من الرسول صلى الله عليه وسلم على ~~سبيل الاستهزاء والسخرية وكان ذلك يشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان يتأذى من تلك الكلمات فالله تعالى أنزل هذه الآية تسلية له وتصبيرا له ~~على سفاهة قومه فقال له إن أقوام سائر الأنبياء استهزؤا بهم كمت أن قومك ~~يستهزئون بك { فأمليت للذين كفروا } أي أطلت لهم المدة بتأخير العقوبة ثم ~~أخذتهم فكيف كان عقابي لهم . # واعلم أني سأنتقم من هؤلاء الكفار كما انمتقمت من أولئك المتقدمين ~~والإملاء الإمهال وأن يتركوا مدة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها ~~في المرعى . وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على سبيل الاستهزاء ، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما ~~يجري مجرى الحجاج وما يكون توبيخا لهم وتعجيبا من عقولهم فقال { أفمن هو ~~قائم على كل نفس بما كسبت } والمعنى : أنه تعالى قادر على كل الممكنات عالم ~~بجميع المعلومات من الجزيئات والكليات وإذا كان كذلك كان عالما بجميع أحوال ~~النفوس ، وقادرا على تحصيل مطالبها من تحصيل المنافع ودفع المضار ومن إيصال ~~الثواب إليها على كل الطاعات ، وإيصال العقاب إليها على كل المعاصي . وهذا ~~هو المراد من قوله { قائم على كل ms5295 نفس بما كسبت } وما ذاك إلا الحق سبحانه ~~ونظيره قوله تعالى { قائما بالقسط } [ آل عمران : 18 ] . PageV19P044 # واعلم أنه لا بد لهذا الكلام من جواب واختلفوا فيه على وجوه : # الوجه الأول : التقدير { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } كمن ليس ~~بهذه الصفة ؟ وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضر ، وهذا الجواب مضمر في قوله ~~تعالى { وجعلوا لله شركاء } والتقدير : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ~~كشركائهم التي لا تضر ولا تنفع ، ونظيره قوله تعالى { أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام فهو على نور ربه } [ الزمر : 22 ] وما جاء جوابه لأنه مضمر في قوله ~~{ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } [ الزمر : 22 ] فكذا ههنا ، قال صاحب ~~الكشاف : يجوز أن يقدر ما يقع خبرا للمبتدأ ، أو يعطف عليه قوله { وجعلوا } ~~والتقدير : أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه ولم يمجدوه وجعلوا له شركاء . # الوجه الثاني : وهو الذي ذكره السيد صاحب حل العقد فقال : نجعل الواو في ~~قوله { وجعلوا } واو الحال ونضمر للمبتدأ خبرا يكون المبتدأ معه جملة مقررة ~~لإمكان ما يقارنها من الحال ، والتقدير { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ~~} موجود . والحال أنهم جعلوا له شركاء ، ثم أقيم الظاهر وهو قوله { لله } ~~مقام المضمر تقريرا للإلهية وتصريحا بها ، وهذا كما تقول : جواد يعطي الناس ~~ويغنيهم موجود ويحرم مثلي . # واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة زاد في الحجاج فقال { قل سموهم } ~~وإنما يقال ذلك في الأمر المستحقر الذي بلغ في الحقارة إلى أن لا يذكروا ~~ولا يوضع له اسم ، فعند ذلك يقال : سمه إن شئت . يعني أنه أخس من أن يسمى ~~ويذكر ، ولكنك إن شئت أن تضع له اسما فافعل ، فكأنه تعالى قال : سموهم ~~بالآلهة ؛ على سبيل التهديد ، والمعنى : سواء سميتموهم بهذا الاسم أو لم ~~تسموهم به ، فإنها في الحقارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها ، ثم ~~زاد في الحجاج فقال { أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض } والمراد : أتقدرون ~~على أن تخبروه وتعلموه بأمر تعلمونه وهو لا ms5296 يعلمه ، وإنما خص الأرض بنفي ~~الشريك عنها ، وإن لم يكن شريك البتة ، لأنهم ادعوا أن له شركاء في الأرض ~~لا في غيرها { أم بظاهر من القول } يعني تموهون بإظهار قول لا حقيقة له ، ~~وهو كقوله تعالى { ذلك قولهم بأفواههم } [ التوبة : 30 ] ثم إنه تعالى بين ~~بعد هذا الحجاج سوء طريقتهم فقال على وجه التحقير لما هم عليه { بل زين ~~للذين كفروا مكرهم } قال الواحدي : معنى ' بل ' ههنا كأنه يقول : دع ذكر ما ~~كنا فيه زين لهم مكرهم ، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الدلائل على إفساد قولهم ~~، فكأنه يقول دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه ، لأنه زين لهم كفرهم ومكرهم ~~فلا ينتفعون بذكر هذه الدلائل . قال القاضي : لا شبهة في أنه تعالى إنما ~~ذكر ذلك لأجل أن يذمهم به ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون ذلك المزين هو ~~الله ، بل لا بد وأن يكون إما شياطين الإنس وإما شياطين الجن . # واعلم أن هذا التأويل ضعيف لوجوه : الأول : أنه لو كان المزين أحد شياطين ~~الجن أو الأنس فالمزين في قلب ذلك الشيطان إن كان شيطانا آخر لزم التسلسل ، ~~وإن كان هو الله فقد زال السؤال ، والثاني أن يقال : القلوب لا يقدر عليها ~~إلا الله ، والثالث : أنا قد دللنا على أن ترجيح الداعي لا يحصل إلا من ~~الله تعالى وعند حصوله يجب الفعل . # أما قوله { وصدوا عن السبيل } فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي ' وصدوا ~~' بضم الصاد وفي حم { وصد عن السبيل } [ غافر : 37 ] على ما لم يسم فاعله ~~بمعنى أن الكفار صدهم غيرهم ، وعند أهل السنة أن الله صدهم . وللمعتزلة فيه ~~وجهان : قيل الشيطان ، وقيل أنفسهم وبعضهم لبعض كما يقال : فلان معجب وإن ~~PageV19P045 لم يكن ثمة غيره وهو قول أبي مسلم والباقون ، وصدوا بفتح الصاد ~~في السورتين يعني أن الكفار صدوا عن سبيل الله ، أي أعرضوا وقيل : صرفوا ~~غيرهم ، وهو لازم ومتعد ، وحجة القراءة الأولى مشاكلتها لما قبلها من بناء ~~الفعل للمفعول ، وحجة القراءة الثانية قوله { الذين كفروا وصدوا عن سبيل ms5297 ~~الله } . # ثم قال { ومن يضلل الله فما له من هاد } اعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه ~~الآية من وجوه : أولها قوله { بل زين للذين كفروا مكرهم } وقد بينا بالدليل ~~أن ذلك المزين هو الله . وثانيها : قوله { وصدوا عن البسيل } بضم الصاد ، ~~وقد بينا أن ذلك الصاد هو الله . وثالثها : قوله { ومن يضلل الله فما له من ~~هاد } وهو صريح في المقصود وتصريح بأن ذلك المزين وذلك الصاد ليس إلا الله ~~. ورابعها : قوله تعالى { لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق } ~~أخبر عنهم أنهم سيقعون في عقاب الآخرة وإخبار الله ممتنع التغير . وإذا ~~امتنع وقوع التغير في هذا الخبر امتنع صدور ا يمان منه . وكل هذه الوجوه ~~لقد لخصناها في هذا الكتاب مرارا ، قال القاضي { من يضلل الله } أي عن ثواب ~~الجنة لكفره وقوله { فما له من هاد } منبئ بذلك أن الثواب لا ينال إلا ~~بالطاعة خاصة فمن زاغ عنها لم يجد إليها سبيلا ، وقيل : المراد بذلك من حكم ~~بأنه ضال وسماه ضالا ، وقيل المراد من يضلله الله عن الإيمان بأن يجده كذلك ~~، ثم قال والوجه الأول أقوى . # واعلم أن الوجه الأول ضعيف جدا لأن الكلام إنما وقع في شرح إيمانهم ~~وكفرهم في الدنيا ولم يجر ذكر ذهابهم إلى الجنة البتة فصرف الكلام عن ~~المذكور إلى غير المذكور بعيد ، وأيضا فهب أن نساعد على أن الأمر كما ~~ذكرووه ، إلا أنه تعالى لما أخبر أنهم لا يدخلون الجنة فقد حصل المقصود لأن ~~خلاف معلوم الله ومخبره محال ممتنع الوقوع . # واعلم أنه تعالى لما أخبر عنهم بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين ~~عذاب الدنيا ، وبين عذاب الآخرة الذي هو أشق ، وأنه لا دافع لهم عنه لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة . أما عذاب الدنيا فبالقتل ، والقتال ، واللعن ، ~~والذم ، والإهانة . وهل ديخل المصائب والأمراض في ذلك أم لا ؟ اختلفوا فيه ~~، قال بعضهم : إنها تدخل فيه ، وقال بعضهم : إنها تكون عقابا ، لأن كل أحد ~~نزلت به مصيبة فإنه مأمور بالصبر عليها ، ولو كان ms5298 عقابا لم يجب ذلك ، ~~فالمراد على هذا القول من الآية : القتل ، والسبي ، واغتنام الأموال ، ~~واللعن ، وإنما قال { ولعذاب الآخرة أشق } لأنه أزيد إن شئت بسبب القوة ~~والشدة ، وإن شئت بسبب كثرة الأنواع ، وإن شئت بسبب أنه لا يختلط بها شيء ~~من موجبات الراحة ، وإن شئت بسبب الدوام وعدم الانقطاع ، ثم بين بقوله { ~~وما لهم من الله من واق } أي أن أحدا لا يقيهم ما نزل بهم من عذاب الله . ~~قال الواحدي : أكثر القراء وقفوا على القاف من غير إثبات ياء في قوله { واق ~~} وكذلك في قوله { ومن يضلل الله فما له من هاد } وكذلك في قوله { وال } [ ~~الرعد : 1 ] وهو الوجه لأنك تقول في الوصل : هذا هاد . ووال . وواق ، فتحذف ~~الياء لسكونها والتقائها مع التنوين ، فإذا وقفت انحذفت التنوين في الوقف ~~في الرفع والجر ، والياء كانت انحذفت فيصادف الوقف الحركة التي هي كسرة في ~~غير فاعل فتحذفها كما تحذف سائر الحركات التي تقف عليها فيصير هاد . ووال . ~~وواق . وكان ابن كثير يقف بالياء في هاجي . ووالي . وواقي . ووجهه ما حكى ~~سيبويه أن بعض من يوثق به من العرب يقول : هذا داعي فيقفون بالياء . ~~PageV19P046 # قوله تعالى ! 7 < { مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار ~~أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار } > 7 ! # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا والآخرة ~~، أتبعه بذكر ثواب المتقين وفي قوله { مثل الجنة } أقوال : الأول : قال ~~سيبويه ' مثل الجنة ' مبتدأ وخبره محذوف والتقدير : فيما قصصنا عليكم مثل ~~الجنة . والثاني : قال الزجاج : مثل الجنة من صفتها كذا وكذا . والثالث : ~~مثل الجنة مبتدأ وخبره تجري من تحتها الأنهار ، كما تقول صفة زيد اسم . ~~والرابع : الخبر هو قوله { أكلها دائم } لأنه الخارج عن العادة كأنه قال { ~~مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار } كما تعلمون من حال ~~جناتكم إلا أن هذه أكلها دائم . # / المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف الجنة بصفات ثلاث : أولها : تجري ~~من ms5299 تحتها الأنهار . وثانيها : أن أكلها دائم . والمعنى : أن جنات الدنيا لا ~~يدوم ورقها وثمرها ومنافعها . أما جنات الآخرة فثمارها دائمة غير منقطعة . ~~وثالثها : أن ظلها دائم أيضا ، والمراد أنه ليس هناك حر ولا برد ولا شمس ~~ولا قمر ولا ظلمة ونظيره قوله تعالى : { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } ( ~~الإنسان : 13 ) ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاثة بين أن ذلك ~~عقبى الذين اتقوا يعني عاقبة أهل التقوى هي الجنة ، وعاقبة الكافرين النار ~~. وحاصل الكلام من هذه الآية أن ثواب المتقين منافع خالصة عن الشوائب ~~موصوفة بصفة الدوام . # واعلم أن قوله : { أكلها دائم } فيه مسائل ثلاث : # المسألة الأولى : أنه يدل على أن أكل الجنة لا تفنى كما يحكى عن جهم ~~وأتباعه . # المسألة الثانية : أنه يدل على أن حركات أهل الجنة لا تنتهي إلى سكون ~~دائم ، كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه . # المسألة الثالثة : قال القاضي : هذه الآية تدل على أن الجنة لم تخلق بعد ~~، لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى وأن ينقطع أكلها لقوله تعالى : { كل ~~من عليها فان } ( الرحمن : 26 ) . و { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ~~) لكن لا ينقطع أكلها لقوله تعالى : { أكلها دائم } فوجب أن لا تكون الجنة ~~مخلوقة . ثم قال : فلا ننكر أن يحصل الآن في السموات جنات كثيرة يتمتع بها ~~الملائكة ومن يعد حيا من الأنبياء والشهداء وغيرهم على ما روي في ذلك ، إلا ~~أن الذي نذهب إليه أن جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة . # والجواب : أن دليلهم مركب من آيتين : أحدهما : قوله : { كل شىء هالك إلا ~~وجهه } والأخرى قوله : { أكلها دائم وظلها } فإذا أدخلنا التخصيص في أحد ~~هذين العمومين سقط دليلهم فنحن نخصص أحد هذين العمومين بالدلائل الدالة على ~~أن الجنة مخلوقة ، وهو قوله تعالى : { وجنة عرضها * السماوات والارض * أعدت ~~للمتقين } ( آل عمران : 133 ) . PageV19P047 # ! 7 < { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ أنزل إليك ومن الا حزاب من ~~ينكر بعضه قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولاأشرك به إليه أدعو وإليه مآب ms5300 } > 7 ~~! # / < < # | الرعد : ( 36 ) والذين آتيناهم الكتاب . . . . . # > > اعلم أن في المراد بالكتاب قولين : الأول : أنه القرآن والمراد أن ~~أهل القرآن يفرحون بما أنزل على محمد من أنواع التوحيد والعدل والنبوة ~~والبعث والأحكام والقصص ومن الأحزاب الجماعات من اليهود والنصارى وسائر ~~الكفار من ينكر بعضه وهو قول الحسن وقتادة . # فإن قيل : الأحزاب ينكرون كل القرآن . # قلنا : الأحزاب لا ينكرون كل ما في القرآن ، لأنه ورد فيه إثبات الله ~~تعالى وإثبات علمه وقدرته وحكمته وأقاصيص الأنبياء ، والأحزاب ما كانوا ~~ينكرون كل هذه الأشياء . # والقول الثاني : إن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل ، وعلى هذا التقدير ~~ففي الآية قولان : الأول : قال ابن عباس : الذين آتيناهم الكتاب هم الذين ~~آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب ~~وأصحابهما ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلا أربعون بنجران وثمانية ~~باليمن واثنان وثلاثون بأرض الحبشة وفرحوا بالقرآن ، لأنهم آمنوا به وصدقوه ~~والأحزاب بقية أهل الكتاب وسائر المشركين قال القاضي : وهذا الوجه أولى من ~~الأول لأنه لا شبهة في أن من أوتي القرآن فإنهم يفرحون بالقرآن ، أما إذا ~~حملناه على هذا الوجه ظهرت الفائدة ويمكن أن يقال : إن الذين أوتوا القرآن ~~يزداد فرحهم به لما رأوا فيه من العلوم الكثيرة والفوائد العظيمة ، فلهذا ~~السبب حكى الله تعالى فرحهم به . والثاني : والذين آتيناهم الكتاب اليهود ~~أعطوا التوارة ، والنصارى أعطوا الإنجيل ، يفرحون بما أنزل في هذا القرآن ، ~~لأنه مصدق لما معهم ومن الأحزاب من سائر الكفار من ينكر بعضه ، وهو قول ~~مجاهد . قال القاضي : وهذا لا يصح ، لأن قوله : { يفرحون بما أنزل إليك } ~~يعم جميع ما أنزل إليه ، ومعلوم أنهم لا يفرحون بكل ما أنزل إليه ويمكن أن ~~يجاب فيقال إن قوله : { بما أنزل إليك } لا يفيد العموم بدليل جواز ادخال ~~لفظتي الكل والبعض عليه ، ولو كانت كلمة ( ما ) للعموم لكان إدخال لفظ الكل ~~عليه تكريرا وإدخال لفظ البعض عليه نقصا . ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ~~ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ ms5301 والمعاد في ألفاظ قليلة منه فقال : { ~~قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه ماب } وهذا الكلام ~~جامع لكل ما ورد التكليف به ، وفيه فوائد : أولها : أن كلمة ( إنما ) للحصر ~~ومعناه إني ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى ، وذلك يدل على أنه لا تكليف ولا ~~أمر ولا نهي إلا بذلك . وثانيها : أن العبادة غاية التعظيم ، وذلك يدل على ~~أن المرء مكلف بذلك . وثالثها : أن عبادة الله تعالى لا تمكن إلا بعد ~~معرفته ولا سبيل إلى معرفته إلا بالدليل ، فهذا يدل على أن المرء مكلف ~~بالنظر والاستدلال في معرفة ذات الصانع وصفاته ، وما يجب ويجوز ويستحيل ~~عليه . ورابعها : أن عبادة الله واجبة ، PageV19P048 وهو / يبطل قول نفاة ~~التكليف ، ويبطل القول بالجبر المحض . وخامسها : قوله : { ولا أشرك به } ~~وهذا يدل على نفي الشركاء والأنداد والأضداد بالكلية ، ويدخل فيه إبطال قول ~~كل من أثبت معبودا سوى الله تعالى سواء قال : إن ذلك المعبود هو الشمس أو ~~القمر أو الكواكب أو الأصنام والأوثان والأرواح العلوية أو يزدان وأهرمن ~~على ما يقوله المجوس أو النور والظلمة على ما يقوله الثنوية . وسادسها : ~~قوله : { إليه * ادعوا } والمراد منه أنه كما وجب عليه الإتيان بهذه ~~العبادات فكذلك يجب عليه الدعوة إلى عبودية الله تعالى وهو إشارة إلى نبوته ~~. وسابعها : قوله : { وإليه ماب } وهو إشارة إلى الحشر والنشر والبعث ~~والقيامة فإذا تأمل الإنسان في هذه الألفاظ القليلة ووقف عليها عرف أنها ~~محتوية على جميع المطالب المعتبرة في الدين . # ! 7 < { وكذالك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جآءك من ~~العلم ما لك من الله من ولى ولا واق } > 7 ! # < < # | الرعد : ( 37 ) وكذلك أنزلناه حكما . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى شبه إنزاله حكما عربيا بما أنزل إلى ما ~~تقدم من الأنبياء ، أي كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم ، كذلك ~~أنزلنا عليك القرآن . والكناية في قوله : { أنزلناه } تعود إلى ( ما ) في ~~قوله : { يفرحون بما أنزل إليك } يعني القرآن . # المسألة الثانية : قوله : { أنزلناه حكما عربيا } فيه ms5302 وجوه : الأول : ~~حكمة عربية مترجمة بلسان العرب . الثاني : القرآن مشتمل على جميع أقسام ~~التكاليف ، فالحكم لا يمكن إلا بالقرآن ، فلما كان القرآن سببا للحكم جعل ~~نفس الحكم على سبيل المبالغة . الثالث : أنه تعالى حكم على جميع المكلفين ~~بقبول القرآن والعمل به فلما حكم على الخلق بوجوب قبوله جعله حكما . # واعلم أن قوله : { حكما عربيا } نصب على الحال ، والمعنى : أنزلناه حال ~~كونه حكما عربيا . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : الآية دالة على حدوث القرآن من وجوه : ~~الأول : أنه تعالى وصفه بكونه منزلا وذلك لا يليق إلا بالمحدث . الثاني : ~~أنه وصفه بكونه عربيا والعربي هو الذي حصل بوضع العرب واصطلاحهم وما كان ~~كذلك كان محدثا . الثالث : أن الآية دالة على أنه إنما / كان حكما عربيا ، ~~لأن الله تعالى جعله كذلك ووصفه بهذه الصفة ، وكل ما كان كذلك فهو محدث . # والجواب : أن كل هذه الوجوه دالة على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ~~ولا نزاع فيه والله أعلم . # المسألة الرابعة : روي أن المشركين كانوا يدعونه إلى ملة آبائه فتوعده ~~الله تعالى على متابعتهم في تلك المذاهب مثل أن يصلي إلى قبلتهم بعد أن ~~حوله الله عنها . قال ابن عباس : الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد أمته ، وقيل : بل الغرض منه حث الرسول عليه السلام على القيام بحق ~~الرسالة وتحذيره من خلافها ، ويتضمن PageV19P049 ذلك أيضا تحذير جميع ~~المكلفين ، لأن من هو أرفع منزلة إذا حذر هذا التحذير فهم أحق بذلك وأولى . # ! 7 < { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول ~~أن يأتى بأاية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب * يمحو الله ما يشآء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب } > 7 @QB@ < # | الرعد : ( 38 - 39 ) ولقد أرسلنا رسلا . . . . . # > > # اعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعا من الشبهات في إبطال نبوته . # فالشبهة الأولى قولهم : { لهاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق } ( ~~الفرقان : 7 ) وهذه الشبهة إنما ذكرها الله تعالى في سورة أخرى . # والشبهة الثانية : قولهم : الرسول الذي يرسله الله إلى الخلق لا بد وأن ~~يكون ms5303 من جنس الملائكة كما حكى الله عنهم في قوله : { لو ما تأتينا بالملئكة ~~} ( الحجر : 7 ) وقوله : { لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) . # فأجاب الله تعالى عنه ههنا بقوله : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا ~~لهم أزواجا وذرية } يعني أن الأنبياء الذين كانوا قبله كانوا من جنس البشر ~~لا من جنس الملائكة فإذا جاز ذلك في حقهم فلم لا يجوز أيضا مثله في حقه . # الشبهة الثالثة : عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة الزوجات ~~وقالوا : لو كان رسولا من عند الله لما كان مشتغلا بأمر النساء بل كان ~~معرضا عنهن مشتغلا بالنسك والزهد ، فأجاب الله / تعالى عنه بقوله : { ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } وبالجملة فهذا الكلام يصلح ~~أن يكون جوابا عن الشبهة المتقدمة ويصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة ، فقد ~~كان لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة مهيرة وسبعمائة سرية ولداود مائة ~~امرأة . # والشبهة الرابعة : قالوا لو كان رسولا من عند الله لكان أي شيء طلبنا منه ~~من المعجزات أتى به ولم يتوقف ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول ~~، فأجاب الله عنه بقوله : { وما كان لرسول أن يأتى بئاية إلا بإذن الله } ~~وتقريره : أن المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر والعلة ، وفي إظهار ~~الحجة والبينة ، فأما الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء ~~أظهرها وإن شاء لم يظهرها ولا اعتراض لأحد عليه في ذلك . # الشبهة الخامسة : أنه عليه السلام كان يخوفهم بنزول العذاب وظهور النصرة ~~له ولقومه . ثم إن ذلك الموعود كان يتأخر فلما لم يشاهدوا تلك الأمور ~~احتجوا بها على الطعن في نبوته ، وقالوا : لو كان نبيا صادقا لما ظهر كذبه ~~. # فأجاب الله عنه بقوله : { لكل أجل كتاب } يعني نزول العذاب على الكفار ~~وظهور الفتح والنصر للأولياء قضى الله بحصولها في أوقات معينة مخصوصة ، ~~ولكل حادث وقت معين { ولكل * أجل كتاب } فقبل حضور PageV19P050 ذلك الوقت ~~لا يحدث ذلك الحادث فتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه كاذبا . # الشبهة السادسة ms5304 : قالوا : لو كان في دعوى الرسالة محقا لما نسخ الأحكام ~~التي نص الله تعالى على ثوبتها في الشرائع المتقدمة نحو التوراة والإنجيل ، ~~لكنه نسخها وحرفها نحو تحريف القبلة ، ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل ، ~~فوجب أن لا يكون نبيا حقا . # فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب } ويمكن أيضا أن يكون قوله : { لكل أجل كتاب } كالمقدمة لتقرير ~~هذا الجواب ، وذلك لأنا نشاهد أنه تعالى يخلق حيوانا عجيب الخلقة بديع ~~الفطرة من قطرة من النطفة ثم يبقيه مدة مخصوصة ثم يميته ويفرق أجزاءه ~~وأبعاضه فلما لم يمتنع أن يحيي أولا / ثم يميت ثانيا فكيف يمتنع أن يشرع ~~الحكم في بعض الأوقات ، ثم ينسخه في سائر الأوقات فكان المراد من قوله : { ~~لكل أجل كتاب } ما ذكرناه ، ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال : { يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } والمعنى : أنه يوجد تارة ويعدم أخرى ~~، ويحيي تارة ويميت أخرى ، ويغني تارة ويفقر أخرى فكذلك لا يبعد أن يشرع ~~الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهية عند أهل السنة أو ~~بحسب ما اقتضته / رعاية المصالح عند المعتزلة فهذا اتمام التحقيق في تفسير ~~هذه الآية ، ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { لكل أجل كتاب } فيه أقوال . الأول : أن ~~لكل شيء وقتا مقدرا فالآيات التي سألوها لها وقت معين حكم الله به وكتبه في ~~اللوح المحفوظ فلا يتغير عن ذلك الحكم بسبب تحكماتهم الفاسدة ولو أن الله ~~أعطاهم ما التمسوا لكان فيه أعظم الفساد . الثاني : أن لكل حادث وقتا معينا ~~قضى الله حصوله فيه كالحياة والموت والغنى والفقر والسعادة والشقاوة ، ولا ~~يتغير ألبتة عن ذلك الوقت . والثالث : أن هذا من المقلوب والمعنى : أن لكل ~~كتاب منزل من السماء أجلا ينزله فيه ، أي لكل كتاب وقت يعمل به ، فوقت ~~العمل بالتوراة والإنجيل قد انقضى ووقت العمل بالقرآن قد أتى وحضر . ~~والرابع : لكل أجل معين كتاب عند الملائكة الحفظة فللانسان أحوال أولها ~~نطفة ثم ms5305 علقة ثم مضغة ثم يصير شابا ثم شيخا ، وكذا القول في جميع الأحوال ~~من الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحسن والقبح . الخامس : كل وقت معين ~~مشتمل على مصلحة خفية ومنفعة لا يعلمها إلا الله تعالى ، فإذا جاء ذلك ~~الوقت حدث ذلك الحادث ولا يجوز حدوثه في غيره . واعلم أن هذه الآية صريحة ~~في أن الكل بقضاء الله وبقدره وأن الأمور مرهونة بأوقاتها ، لأن قوله : { ~~لكل أجل كتاب } معناه أن تحت كل أجل حادث معين ، ويستحيل أن يكون ذلك ~~التعيين لأجل خاصية الوقت فإن ذلك محال ، لأن الأجزاء المعروضة في الأوقات ~~المتعاقبة متساوية ، فوجب أن يكون اختصاص كل وقت بالحادث الذي يحدث فيه ~~بفعل الله تعالى واختياره وذلك يدل على أن الكل من الله تعالى وهو نظير ~~قوله عليه السلام : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) . # المسألة الثانية : { يمحو الله ما يشاء ويثبت } قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وعاصم { ويثبت } ساكنة الثاء خفيفة الباء من أثبت يثبت ، والباقون بفتح ~~الثاء وتشديد الباء من التثبيت ، وحجة من خفف أن ضد المحو الإثبات لا ~~التثبت . ولأن التشديد للتكثير ، وليس القصد بالمحو التكثير ، فكذلك ما ~~يكون في مقابلته ، ومن شدد احتج بقوله : { وأشد تثبيتا } ( النساء : 66 ) ~~وقوله : { فثبتوا } ( الأنفال : 12 ) . PageV19P051 # المسألة الثالثة : المحو ذهاب أثر الكتابة ، يقال : محاه يمحوه محوا إذا ~~أذهب أثره ، وقوله : { ويثبت } قال النحويون : أراد ويثبته إلا أنه استغنى ~~بتعدية للفعل الأول عن تعدية الثاني ، وهو كقوله تعالى : { والحافظين ~~فروجهم والحافظات } ( الأحزاب : 35 ) . # المسألة الرابعة : في هذه الآية قولان : # القول الأول : إنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ . قالوا : إن ~~الله يمحو من الرزق / ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة ~~والإيمان والكفر ، وهو مذهب عمر وابن مسعود . والقائلون بهذا القول كانوا ~~يدعون ويتضرعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء ، وهذا ~~التأويل رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . # والقول الثاني : أن هذه الآية خاصة في بعض الأشقياء دون البعض ، وعلى هذا ms5306 ~~التقرير ففي الآية وجوه : الأول : المراد من المحو والإثبات : نسخ الحكم ~~المتقدم وإثبات حكم آخر بدلا عن الأول . الثاني : أنه تعالى يمحو من ديوان ~~الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة ، لأنهم مأمورون بكتابة كل قول وفعل ويثبت ~~غيره ، وطعن أبو بكر الأصم فيه فقال : إنه تعالى وصف الكتاب بقوله : { لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) وقال أيضا : { فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ( الزلزلة : 7 / 8 ) . # أجاب القاضي عنه : بأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الذنوب والمباح لا ~~صغيرة ولا كبيرة ، وللأصم أن يجيب عن هذا الجواب فيقول : إنكم باصطلاحكم ~~خصصتم الصغيرة بالذنب الصغير ، والكبيرة بالذنب الكيبر ، وهذا مجرد اصطلاح ~~المتكلمين . أما في أصل اللغة فالصغير والكبير يتناولان كل فعل وعرض ، لأنه ~~إن كان حقيرا فهو صغير ، وإن كان غير ذلك فهو كبير ، وعلى هذا التقرير ~~فقوله : { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) يتناول ~~المباحات أيضا . الثالث : أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب ~~في ديوانه ، فإذا تاب عنه محى من ديوانه . الرابع : { يمحو الله ما يشاء } ~~وهو من جاء أجله . ويدع من لم يجيء أجله ويثبته . الخامس : أنه تعالى يثبت ~~في أول السنة حكم تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ، وأثبت كتاب آخر للمستقبل ~~. السادس : يمحو نور القمر ، ويثبت نور الشمس . السابع : يمحو الدنيا ويثبت ~~الآخرة . الثامن : أنه في الأرزاق والمحن والمصائب يثبتها في الكتاب ثم ~~يزيلها بالدعاء والصدقة ، وفيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى . التاسع : ~~تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو ، وما حصل وحضر فهو الإثبات . ~~العاشر : يزيل ما يشاء ويثبت ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحدا فهو ~~المنفرد بالحكم كما يشاء ، وهو المستقل بالإيجاد والإعدام والإحياء ~~والإماتة والإغناء والإفقار بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه . # واعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم . # فإن قال قائل : ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف ms5307 بها القلم وليس ~~الأمر بأنف ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو والإثبات ؟ # / قلنا : ذلك المحو والإثبات أيضا مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق ~~في علمه وقضائه محوه . PageV19P052 # المسألة الخامسة : قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى ، وهو أن ~~يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسكوا فيه بقوله : { ~~يمحو الله ما يشاء ويثبت } . # واعلم أن هذا باطل لأن علم الله من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك ~~كان دخول التغير والتبدل فيه محالا . # المسألة السادسة : أما { أم الكتاب } فالمراد أصل الكتاب ، والعرب تسمي ~~كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أما له ومنه أم الرأس للدماغ ، وأم القرى لمكة ~~، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى ، فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون ~~أصلا لجميع الكتب ، وفيه قولان : # القول الأول : أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ ، وجميع حوادث العالم ~~العلوي والعالم السفلي مثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ~~كان الله ولا شيء معه ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام ~~الساعة ) قال المتكلمون : الحكمة فيه أن يظهر للملائكة كونه تعالى عالما ~~بجميع المعلومات على سبيل التفصيل ، وعلى هذا التقدير : فعند الله كتابان : ~~أحدهما : الكتاب الذي يكتبه الملائكة على الخلق وذلك الكتاب محل المحو ~~والإثبات . والكتاب الثاني : هو اللوح المحفوظ ، وهو الكتاب المشتمل على ~~تعين جميع الأحوال العلوية والسفلية ، وهو الباقية . روى أبو الدرداء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن الله سبحانه وتعالى في ثلاث ساعات بقين من ~~الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت ما ~~يشاء ، وللحكماء في تفسير هذين الكتابين كلمات عجيبة وأسرار غامضة . # والقول الثاني : إن أم الكتاب هو علم الله تعالى ، فإنه تعالى عالم بجميع ~~المعلومات من الموجودات والمعدومات وإن تغيرت ، إلا أن علم الله تعالى بها ~~باق منزه عن التغير ، فالمراد بأم الكتاب هو ذاك . والله أعلم . # ! 7 < { وإن ما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك ms5308 فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب } > 7 @QB@ < # | الرعد : ( 40 ) وإما نرينك بعض . . . . . # > > # اعلم أن المعنى : { وإما نرينك بعض الذى نعدهم } من العذاب : { أو ~~نتوفينك } قبل ذلك ، والمعنى : / سواء أريناك ذلك أو توفيناك قبل ظهوره ، ~~فالواجب عليك تبليغ أحكام الله تعالى وأداء أمانته ورسالته وعلينا الحساب . ~~والبلاغ اسم أقيم مقام التبليغ كالسراج والأداء . # ! 7 < { أولم يروا أنا نأتى الا رض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب ~~لحكمه وهو سريع الحساب * وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما ~~تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } > 7 @QB@ < # | الرعد : ( 41 - 42 ) أو لم يروا . . . . . # > > PageV19P053 # اعلم أنه تعالى لما وعد رسوله بأن يريه بعض ما وعدوه أو يتوفاه قبل ذلك ، ~~بين في هذه الآية أن آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت . ~~وقوله : { أو لم * يروا أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها } فيه أقوال : # القول الأول : المراد أنا نأتي أرض الكفرة ننقصها من أطرافها وذلك لأن ~~المسلمين يستولون على أطراف مكة ويأخذونها من الكفرة قهرا وجبرا فانتقاص ~~أحوال الكفرة وازدياد قوة المسلمين من أقوى العلامات والأمارات على أن الله ~~تعالى ينجز وعده . ونظيره قوله تعالى : { أفلا يرون أنا نأتى الارض ننقصها ~~من أطرافها أفهم الغالبون } ( الأنبياء : 44 ) وقوله : { سنريهم ءاياتنا فى ~~الافاق } ( فصلت : 53 ) . # والقول الثاني : وهو أيضا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله : { ~~ننقصها من أطرافها } المراد : موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وذهاب الصلحاء ~~والأخيار ، وقال الواحدي : وهذا القول وإن احتمله اللفظ إلا أن اللائق بهذا ~~الموضع هو الوجه الأول . ويمكن أن يقال هذا الوجه أيضا لا يليق بهذا الموضع ~~، وتقريره أن يقال : أولم يروا ما يحدث في الدنيا من الاختلافات خراب بعد ~~عمارة ، وموت بعد حياة ، وذل بعد عز ، ونقص بعد كمال ، وإذا كانت هذه ~~التغيرات مشاهدة محسوسة فما الذي يؤمنهم من أن يقلب الله الأمر على هؤلاء ~~الكفرة فيجعلهم ذليلين بعد أن كانوا عزيزين ، ويجعلهم مقهورين بعد أن كانوا ~~قاهرين ، وعلى هذا الوجه فيحسن اتصال ms5309 هذا الكلام بما قبله ، وقيل : { ~~ننقصها من أطرافها } بموت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم فهؤلاء الكفرة / كيف ~~أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال هذه الوقائع ؟ # ثم قال تعالى مؤكدا لهذا المعنى : { والله يحكم لا معقب لحكمه } معناه : ~~لا راد لحكمه ، والمعقب هو الذي يعقبه بالرد والإبطال ، ومنه قيل لصاحب ~~الحق معقب لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب . # فإن قيل : ما محل قوله : { لا معقب لحكمه } . # قلنا : هو جملة محلها النصب على الحال كأنه قيل : والله يحكم نافذا حكمه ~~خاليا عن المدافع والمعارض والمنازع . # ثم قال : { وهو سريع الحساب } قال ابن عباس : يريد سريع الانتقام يعني أن ~~حسابه للمجازاة بالخير والشر يكون سريعا قريبا لا يدفعه دافع . # أما قوله : { وقد مكر الذين من قبلهم } يعني أن كفار الأمم الماضية قد ~~مكروا برسلهم وأنبيائهم مثل نمروذ مكر بإبراهيم ، وفرعون مكر بموسى ، ~~واليهود مكروا بعيسى . # ثم قال : { فلله المكر جميعا } قال الواحدي : معناه أن مكر جميع الماكرين ~~له ومنه ، أي هو حاصل بتخليقه وإرادته ، لأنه ثبت أن الله تعالى هو الخالق ~~لجميع أعمال العباد ، وأيضا فذلك المكر لا يضر إلا بإذن الله تعالى ولا ~~يؤثر إلى بتقديره ، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأمان له من مكرهم ~~، كأنه قيل له : إذا كان حدوث المكر من الله وتأثيره من الممكور به أيضا من ~~الله وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى وأن لا يكون الرجاء إلا من ~~PageV19P054 الله تعالى ، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى : فلله جزاء المكر ~~/ وذلك لأنهم لما مكروا بالمؤمنين بين الله تعالى أنه يجازيهم على مكرهم . ~~قال الواحدي : والأول أظهر لقولين بدليل قوله : { يعلم ما تكسب كل نفس } ~~يريد أن اكساب العباد بأسرها معلومة لله تعالى وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع ~~، وإذا كان كذلك فكل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع ، وكل ما علم الله ~~عدمه كان ممتنع الوقوع ، وإذا كان كذلك فلا قدرة للعبد على الفعل والترك ، ~~فكان الكل من الله تعالى . قالت المعتزلة : الآية الأولى إن دلت ms5310 على قولكم ~~فالآية الثانية وهي قوله : { يعلم ما تكسب كل نفس } دلت على قولنا ، لأن ~~الكسب هو الفعل المشتمل على دفع مضرة أو جلب منفعة ، ولو كان حدوث الفعل ~~بخلق الله تعالى لم يكن لقدرة العبد فيه أثر ، فوجب أن لا يكون للعبد كسب . # وجوابه : أن مذهبنا أن مجموع القدرة مع الداعي مستلزم للفعل وعلى هذا ~~التقدير فالكسب حاصل للعبد . ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد فقال : { وسيعلم ~~* الكافر * لمن عقبى الدار } وفيه مسألتان : # / المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : { وسيعلم * الكافر } ~~على لفظ المفرد والباقون على الجمع قال صاحب ( الكشاف ) قرىء : ( الكفار ، ~~والكافرون ، والذين كفروا ، والكفر ) أي أهله قرأ جناح بن حبيش : ( وسيعلم ~~الكافر ) من أعلمه أي سيخبر . # المسألة الثانية : المراد بالكافر الجنس كقوله تعالى : { إن الإنسان * ~~لفى * خسر } ( العصر : 2 ) والمعنى : إنهم وإن كانوا جهالا بالعواقب ~~فسيعلمون لمن العاقبة الحميدة ، وذلك كالزجر والتهديد . # والقول الثاني : وهو قول عطاء يريد المستهزئين وهم خمسة ، والمقتسمين وهم ~~ثمانية وعشرون . # والقول الثالث : وهو قول ابن عباس يريد أبا الجهل . والقول الأول هو ~~الصواب . # ! 7 < { ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن ~~عنده علم الكتاب } > 7 ! # < < # | الرعد : ( 43 ) ويقول الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى حكى عن القوم أنهم أنكروا كونه رسولا من عند الله . ~~ثم إنه تعالى احتج عليهم بأمرين : الأول : شهادة الله على نبوته ، والمراد ~~من تلك الشهادة أنه تعالى أظهر المعجزات الدالة على كونه صادقا في ادعاء ~~الرسالة ، وهذا أعلى مراتب الشهادة لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن ~~الأمر كذلك . أما المعجز فإنه فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولا من عند ~~الله تعالى ، فكان إظهار المعجزة أعظم مراتب الشهادة . والثاني : قوله : { ~~ومن عنده علم الكتاب } وفيه قراءتان : إحداهما : القراءة المشهورة : { ومن ~~عنده } يعني والذي عنده علم الكتاب . والثانية : { ومن عنده علم الكتاب } ~~وكلمة ( من ) ههنا لابتداء الغاية أي ومن عند الله حصل علم الكتاب . أما ~~على القراءة الأولى ففي تفسير الآية أقوال : # القول ms5311 الأول : أن المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهم : عبد الله بن سلام ، وسلمان PageV19P055 الفارسي ، ~~وتميم الداري . ويروى عن سعيد بن جبير : أنه كان يبطل هذا الوجه ويقول : ~~السورة مكية فلا يجوز أن يراد به ابن سلام وأصحابه ، لأنهم آمنوا في ~~المدينة بعد الهجرة . وأجيب عن هذا السؤال بأن قيل : هذه السورة وإن كانت ~~مكية إلا أن هذه الآية / مدنية ، وأيضا فإثبات النبوة بقول الواحد والاثنين ~~مع كونهما غير معصومين عن الكذب لا يجوز ، وهذا السؤال واقع . # القول الثاني ؛ أراد بالكتاب القرآن ، أي أن الكتاب الذي جئتكم به معجز ~~قاهر وبرهان باهر ، إلا أنه لا يحصل العلم بكونه معجزا إلا لمن علم ما في ~~هذا الكتاب من الفصاحة والبلاغة ، واشتماله على الغيوب وعلى العلوم الكثيرة ~~. فمن عرف هذا الكتاب على هذا الوجه علم كونه معجزا . فقوله : { ومن عنده ~~علم الكتاب } أي ومن عنده علم القرآن وهو قول الأصم . # القول الثالث : ومن عنده علم الكتاب المراد به : الذي حصل عنده علم ~~التوراة والإنجيل ، يعني : أن كل من كان عالما بهذين الكتابين علم ~~اشتمالهما على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم ، فإذا أنصف ذلك ~~العالم ولم يكذب كان شاهدا على أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول حق من عند ~~الله تعالى . # القول الرابع : ومن عنده علم الكتاب هو الله تعالى ، وهو قول الحسن ، ~~وسعيد بن جبير ، والزجاج قال الحسن : لا والله ما يعني إلا الله ، والمعنى ~~: كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيدا ~~بيني وبينكم ، وقال الزجاج : الأشبه أن الله تعالى لا يستشهد على صحة حكمه ~~بغيره ، وهذا القول مشكل ، لأن عطف الصفة على الموصوف وإن كان جائزا في ~~الجملة إلا أنه خلاف الأصل . لا يقال : شهد بهذا زيد والفقيه ، بل يقال : ~~شهد به زيد الفقيه ، وأما قوله إن الله تعالى لا يستشهد بغيره على صدق حكمه ~~فبعيد ، لأنه لما جاز أن يقسم الله تعالى على ms5312 صدق قوله بقوله : { والتين ~~والزيتون } ( التين : 1 ) فأي امتناع فيما ذكره الزجاج . # وأما القراءة الثانية : وهي قوله : { ومن عنده علم الكتاب } على من ~~الجارة فالمعنى : ومن لدنه علم الكتاب ، لأن أحدا لا يعلم الكتاب إلا من ~~فضله وإحسانه وتعليمه ، ثم على هذه القراءة ففيه أيضا قراءتان : ومن عنده ~~علم الكتاب ، والمراد العلم الذي هو ضد الجهل ، أي هذا العلم إنما حصل من ~~عند الله . # والقراءة الثانية : ومن عنده علم الكتاب بضم العين وبكسر اللام وفتح ~~الميم على ما لم يسم فاعله / والمعنى : أنه تعالى لما أمر نبيه أن يحتج ~~عليهم بشهادة الله تعالى على ما ذكرناه ، وكان لا معنى لشهادة الله تعالى ~~على نبوته إلا إظهار القرآن على وفق دعواه ، ولا يعلم كون القرآن معجزا إلا ~~بعد الإحاطة بما في القرآن وأسراره ، بين تعالى أن هذا العلم لا يحصل إلا ~~من عند الله ، والمعنى : أن الوقوف على كون القرآن معجزا لا يحصل إلا إذا ~~شرف الله تعالى ذلك العبد بأن يعلمه علم القرآن . والله تعالى أعلم بالصواب ~~. # / تم تفسير هذه السورة يوم الأحد الثامن عشر من شعبان سنة إحدى وستمائة . ~~وأنا ألتمس من كل من نظر في كتابي هذا وانتفع به أن يخص ولدي محمدا بالرحمة ~~والغفران ، وأن يذكرني بالدعاء . وأقول في مرثية ذلك الولد شعرا : # % أرى معالم هذا العالم الفاني % % ممزوجة بمخافات وأحزان % # % خيراته مثل أحلام مفزعة % % وشره في البرايا دائم داني % # PageV19P056 < # > 1 ( سورة إبراهيم ) 1 < # > # مكية إلا آيتي 28 و 29 فمدنيتان # وآياتها 52 نزلت بعد سورة نوح # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد } > 7 ! # < < # | إبراهيم : ( 1 ) الر كتاب أنزلناه . . . . . # > > سورة إبراهيم # عليه السلام خمسون وآيتان مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # / اعلم أن الكلام في أن هذه السورة مكية أو مدنية طريقه الآحاد . ومتى لم ~~يكن في السورة ما يتصل بالأحكام الشرعية فنزولها بمكة والمدينة سواء ، ~~وإنما يختلف الغرض في ذلك إذا حصل ms5313 فيه ناسخ ومنسوخ فيكون فيه فائدة عظيمة ~~وقوله : { الر كتاب } معناه أن السورة المسماة بالر كتاب أنزلناه إليك لغرض ~~كذا وكذا فقوله : { الر } مبتدأ وقوله : { كتاب } خبره وقوله : { أنزلناه ~~إليك } صفة لذلك الخبر وفيه مسائل : # المسألة الأولى : دلت هذه الآية على أن القرآن موصوف بكونه منزلا من عند ~~الله تعالى . قالت المعتزلة : النازل والمنزل لا يكون قديما . # / وجوابنا : أن الموصوف بالنازل والمنزل هو هذه الحروف وهي محدثة بلا ~~نزاع . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : اللام في قوله : { لتخرج الناس } لام ~~الغرض والحكمة ، وهذا يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض ، ~~وذلك يدل على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة برعاية المصالح . # أجاب أصحابنا عنه بأن من فعل فعلا لأجل شيء آخر فهذا إنما يفعله لو كان ~~عاجزا عن تحصيل هذا المقصود إلا بهذه الواسطة وذلك في حق الله تعالى محال ، ~~وإذا ثبت بالدليل أن يمتنع تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه بالعلل ثبت أن ~~كل ظاهر أشعر به فإنه مؤول محمول على معنى آخر . PageV19P057 # المسألة الثالثة : إنما شبه الكفر بالظلمات لأنه نهاية ما يتحير الرجل ~~فيه عن طريق الهداية وشبه الإيمان بالنور لأنه نهاية ما ينجلي به طريق ~~هدايته . # المسألة الرابعة : قال القاضي : هذه الآية فيها دلالة على إبطال القول ~~بالجبر من جهات : أحدها : أنه تعالى لو كان يخلق الكفر في الكافر فكيف يصح ~~إخراجه منه بالكتاب . وثانيها : أنه تعالى أضاف الإخراج من الظلمات إلى ~~النور إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإن كان خالق ذلك الكفر هو الله تعالى ~~فكيف يصح من الرسول عليه الصلاة والسلام إخراجهم منه وكان للكافر أن يقول : ~~إنك تقول : إن الله خلق الكفر فينا فكيف يصح منك أن تخرجنا منه فإن قال لهم ~~: أنا أخرجكم من الظلمات التي هي كفر مستقبل لا واقع ، فلهم أن يقولوا : إن ~~كان تعالى سيخلقه فينا لم يصح ذلك الإخراج وإن لم يخلقه فنحن خارجون منه ~~بلا إخراج . وثالثها : أنه صلى الله عليه وسلم إنما يخرجهم من الكفر ms5314 ~~بالكتاب بأن يتلوه عليهم ليتدبروه وينظروا فيه فيعلموا بالنظر والاستدلال ~~كونه تعالى عالما قادرا حكيما ويعلموا بكون القرآن معجزة صدق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وحينئذ يقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع ، وذلك لا ~~يصح إلا إذا كان الفعل لهم ويقع باختيارهم ، ويصح منهم أن يقدموا عليه ~~ويتصرفوا فيه . # والجواب عن الكل أن نقول : الفعل الصادر من العبد إما أن يصدر عنه حال ~~استواء الداعي إلى الفعل والترك أو حال رجحان أحد الطرفين على الآخر ، ~~والأول : باطل ، لأن صدور الفعل رجحان لجانب الوجود على جانب العدم ، وحصول ~~الرجحان حال حصول الاستواء محال . والثاني : عين قولنا لأنه يمتنع صدور ~~الفعل عنه إلا بعد حصول الرجحان ، فإن كان ذلك الرجحان منه عاد السؤال ، ~~وإن لم يكن منه بل من الله تعالى ، فحينئذ يكون المؤثر الأول هو الله تعالى ~~وذلك هو المطلوب والله أعلم . # / المسألة الخامسة : احتج أصحابنا على صحة قولهم في أن فعل العبد مخلوق ~~لله تعالى بقوله تعالى : { بإذن ربهم } فإن معنى الآية أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بإذن ربهم ، ~~والمراد بهذا الإذن إما الأمر ، وإما العلم ، وإما المشيئة والخلق . وحمل ~~الإذن على الأمر محال ، لأن الإخراج من الجهل إلى العلم لا يتوقف على الأمر ~~، فإنه سواء حصل الأمر أو لم يحصل ، فإن الجهل متميز عن العلم والباطل ~~متميز عن الحق ، وأيضا حمل الإذن على العلم محال ، لأن العلم يتبع المعلوم ~~على ما هو عليه فالعلم بالخروج من الظلمات إلى النور تابع لذلك الخروج ~~ويمتنع أن يقال إن حصول ذلك الخروج تابع للعلم بحصول ذلك الخروج ولما بطل ~~هذان القسمان لم يبق إلا أن يكون المراد من الإذن المشيئة والتخليق ، وذلك ~~يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى ~~النور إلا بمشيئة الله وتخليقه . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الإذن الإلطاف . # قلنا : لفظ اللطف لفظ مجمل ونحن نفصل ms5315 القول فيه فنقول : المراد بالإذن ~~إما أن يكون أمرا يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم أو لا يقتضي ذلك ~~، فإن كان الثاني لم يكن فيه أمر ألبتة ، فامتنع أن يقال : إنه مما حصل ~~بسببه ولأجله فبقي الأول وهو أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب ~~الوجود على جانب العدم . وقد دللنا في ( الكتب العقلية ) على أنه متى حصل ~~الرجحان فقد حصل الوجوب ولا معنى لذلك إلا الداعية الموجبة وهو عين قولنا ~~والله أعلم . PageV19P058 # المسألة السادسة : القائلون بأن معرفة الله تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من ~~تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم والإمام ، احتجوا عليه بهذه الآية وقالوا ~~: إنه تعالى صرح في هذه الآية بأن الرسول هو الذي يخرجهم من ظلمات الكفر ~~إلى نور الإيمان ، وذلك يدل على أن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق ~~التعليم . # وجوابنا : أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون كالمنبه ، وأما المعرفة فهي ~~إنما تحصل بالدليل والله أعلم . # المسألة السابعة : الآية دالة على أن طرق الكفر والبدعة كثيرة وأن طريق ~~الخير ليس إلا الواحد ، لأنه تعالى قال : { لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور } فعبر عن الجهل والكفر بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الإيمان ~~والهداية بالنور وهو لفظ مفرد ، وذلك يدل على أن طرق الجهل كثيرة ، وأما ~~طريق العلم والإيمان فليس إلا الواحد . # المسألة الثامنة : في قوله تعالى : { إلى صراط العزيز الحميد } وجهان ~~الأول : أنه بدل من قوله / إلى النور بتكرير العامل كقوله : { للذين ~~استضعفوا لمن ءامن منهم } . ( الأعراف : 75 ) الثاني : يجوز أن يكون على ~~وجه الاستئناف كأنه قيل : إلى أي نور فقيل : { إلى صراط العزيز الحميد } . # المسألة التاسعة : قالت المعتزلة : الفاعل إنما يكون آتيا بالصواب ~~والصلاح ، تاركا للقبيح والعبث إذا كان قادرا على كل المقدورات عالما بجميع ~~المعلومات غنيا عن كل الحاجات ، فإنه إن لم يكن قادرا على الكل فربما فعل ~~القبيح بسبب العجز ، وإن لم يكن عالما بكل المعلومات فربما فعل القبيح بسبب ~~الجهل ، وإن لم يكن غنيا عن كل ms5316 الحاجات فربما فعل القبيح بسبب الحاجة ، أما ~~إذا كان قادرا على الكل عالما الكل غنيا عن الكل امتنع منه الإقدام على فعل ~~القبيح ، فقوله : { العزيز } إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله : { الحميد } ~~إشارة إلى كونه مستحقا للحمد في كل أفعاله ، وذلك إنما يحصل إذا كان عالما ~~بالكل غنيا عن الكل فثبت بما ذكرنا أن صراط الله إنما كان موصوفا بكونه ~~شريفا رفيعا عاليا لكونه صراطا مستقيما للإله الموصوف بكونه عزيزا حميدا / ~~فلهذا المعنى : وصف الله نفسه بهذين الوصفين في هذا المقام . # المسألة العاشرة : إنما قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد ، لأن الصحيح أن ~~أول العلم بالله العلم بكونه تعالى قادرا ، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالما ، ~~ثم بعد ذلك العلم بكونه غنيا عن الحاجات ، والعزيز هو القادر والحميد هو ~~العالم الغني ، فلما كان العلم بكونه تعالى قادرا متقدما على العلم بكونه ~~عالما بالكل غنيا عن الكل لا جرم قدم الله ذكر العزيز على ذكر الحميد والله ~~أعلم . # ! 7 < { الله الذى له ما فى السماوات وما فى الا رض وويل للكافرين من ~~عذاب شديد * الذين يستحبون الحيواة الدنيا على الا خرة ويصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا أولائك فى ضلال بعيد } > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 2 - 3 ) الله الذي له . . . . . # > > PageV19P059 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر { الله } مرفوعا بالابتداء وخبره ما ~~بعده ، وقيل التقدير هو الله والباقون بالجر عطفا على قوله : { العزيز ~~الحميد } وههنا بحث ، وهو أن جماعة من المحققين ذهبوا إلى أن قولنا : الله ~~جار مجرى الإسم العلم لذات الله تعالى وذهب قوم آخرون إلى أن لفظ مشتق / ~~والحق عندنا هو الأول . ويدل عليه وجوه : الأول : أن الاسم المشتق عبارة عن ~~شيء ما حصل له المشتق منه ، فالأسود مفهومه شيء ما حصل له السواد ، والناطق ~~مفهومه شيء ما حصل له النطق ، فلو كان قولنا الله اسما مشتقا من معنى لكان ~~المفهوم منه أنه شيء ما حصل له ذلك المشتق منه ، وهذا المفهوم كلي لا يمتنع ~~من حيث هو هو عن ms5317 وقوع الشركة فيه ، فلو كان قولنا الله لفظا مشتقا لكان ~~مفهومه صالحا لوقوع الشركة فيه ، ولو كان الأمر كذلك لما كان قولنا لا إله ~~إلا الله موجبا للتوحيد ، لأن المستثنى هو قولنا الله وهو غير مانع من وقوع ~~الشركة فيه ولما اجتمعت الأمة على أن قولنا لا إله إلا الله يوجب التوحيد ~~المحض علمنا أن قولنا الله جار مجرى الاسم العلم . الثاني : أنه كلما أردنا ~~أن نذكر سائر الصفات والأسماء ذكرنا أولا قولنا الله ثم وصفناه بسائر ~~الصفات كقولنا هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس ولا ~~يمكننا أن نعكس الأمر فنقول الرحمن الرحيم الله فعلمنا أن الله هو اسم علم ~~للذات المخصوصة وسائر الألفاظ دالة على الصفات والنعوت . الثالث : أن ما ~~سوى قولنا الله كلها دالة ، إما على الصفات السلبية ، كقولنا : القدوس ~~السلام ، أو على الصفات الإضافية ، كقولنا الخالق الرازق أو على الصفات ~~الحقيقية كقولنا : العالم القادر ، أو على ما يتركب من هذه الثلاثة ، فلو ~~لم يكن قولنا : الله اسما للذات المخصوصة لكان جميع أسماء الله تعالى ~~ألفاظا دالة على صفاته ، ولم يحصل فيها ما يدل على ذاته المخصوصة وذلك بعيد ~~، لأنه يبعد أن لا يكون له من حيث إنه هو اسم مخصوص . والرابع : قوله تعالى ~~: { هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) والمراد هل تعلم من اسمه الله غير ~~الله ، وذلك يدل على أن قولنا : الله اسم لذاته المخصوصة ، وإذا ظهرت هذه ~~المقدمة فالترتيب الحسن أن يذكر عقيبه الصفات كقوله تعالى : { هو الله ~~الخالق البارىء المصور } ( الحشر : 24 ) فإما أن يعكس فيقال : هو الخالق ~~المصور البارىء الله ، فذلك غير جائز . # وإذا ثبت هذا فنقول : الذين قرؤا : { الله الذى له ما فى * السماوات } ~~بالرفع أرادوا أن يجعلوا قوله : { الله } مبتدأ ويجعلوا ما بعده خبرا عنه ~~وهذا هو الحق الصحيح ، فأما الذين قرؤا : { الله } بالجر عطفا على : { ~~العزيز الحميد } فهو مشكل لما بينا أن الترتيب الحسن أن يقال : الله الخالق ~~. وإما أن يقال : الخالق الله فهذا لا ms5318 يحسن ، وعند هذا اختلفوا في الجواب ~~على وجوه : الأول : قال أبو عمرو بن العلاء : القراءة بالخفض على التقديم ~~والتأخير ، والتقدير : صراط الله العزيز الحميد الذي له ما في السموات . ~~والثاني : أنه لا يبعد أن يذكر الصفة أولا ثم يذكر الاسم ثم يذكر الصفة مرة ~~أخرى كما يقال : مررت بالإمام الأجل محمد الفقيه وهو بعينه نظير قوله : { ~~صراط العزيز الحميد * الله الذى له ما فى * السماوات } وتحقيق القول فيه : ~~أنا بينا أن الصراط إنما يكون ممدوحا محمودا إذا كان صراطا للعالم القادر ~~الغني ، والله تعالى عبر عن هذه الأمور الثلاثة بقوله : { العزيز الحميد } ~~ثم لما ذكر هذا المعنى وقعت / الشبهة في أن ذلك العزيز من هو ؟ فعطف عليها ~~قوله : { الله الذى له ما فى * السماوات وما في الارض } إزالة لتلك الشبهة ~~. الثالث : قال صاحب ( الكشاف ) : الله عطف بيان للعزيز الحميد ، وتحقيق ~~هذا القول ما قررناه فيما تقدم . الرابع : قد ذكرنا في أول هذا الكتاب أن ~~قولنا الله PageV19P060 في أصل الوضع مشتق إلا أنه بالعرف صار جاريا مجرى ~~الإسم العلم فحيث يبدأ بذكره ويعطف عليه سائر الصفات فذلك لأجل أنه جعل اسم ~~علم ، وأما في هذه الآية حيث جعل وصفا للعزيز الحميد ، فذاك لأجل أنه حمل ~~على كونه لفظا مشتقا فلا جرم بقي صفة . الخامس : أن الكفار ربما وصفوا ~~الوثن بكونه عزيزا حميدا فلما قال : { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ~~بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } بقي في خاطر عبدة الأوثان أنه ربما كان ~~ذلك العزيز الحميد هو الوثن ، فأزال الله تعالى هذه الشبهة وقال : { الله ~~الذى له ما فى * السماوات وما في الارض } أي المراد من ذلك العزيز الحميد ~~هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض . # المسألة الثانية : قوله : { الله الذى له ما فى * السماوات وما في الارض ~~} يدل على أنه تعالى غير مختص بجهة العلو ألبتة ، وذلك لأن كل ما سماك ~~وعلاك فهو سماء ، فلو حصل ذات الله تعالى في جهة فوق ، لكان حاصلا في ~~السماء ms5319 ، وهذه الآية دالة على أن كل ما في السموات فهو ملكه ، فلزم كونه ~~ملكا لنفسه وهو محال ، فدلت هذه الآية على أنه منزه عن الحصول في جهة فوق . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خالق لأعمال ~~العباد لأنه قال : { له ما في السماوات وما في الارض } وأعمال العباد حاصلة ~~في السموات والأرض فوجب القول بأن أفعال العباد له بمعنى كونها مملوكة له ، ~~والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة لله تعالى ، وإذا ثبت أنها ~~مقدورة لله تعالى وجب وقوعها بقدرة الله تعالى ، وإلا لكان العبد قد منع ~~الله تعالى من إيقاع مقدوره وذلك محال . # واعلم أن قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الارض } يفيد الحصر ~~والمعنى أن ما في السموات وما في الأرض له لا لغيره وذلك يدل على أنه لا ~~مالك إلا الله ولا حاكم إلا الله ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار ~~بالوعيد فقال : { وويل للكافرين من عذاب شديد } والمعنى : أنهم لما تركوا ~~عبادة الله تعالى الذي هو المالك للسموات والأرض ولكل ما فيهما إلى عبادة ~~ما لا يملك ضرا ولا نفعا ويخلق ولا يخلق ، ولا إدراك لها ولا فعل ، فالويل ~~ثم الويل لمن كان كذلك ، وإنما خص هؤلاء بالويل ، لأن المعنى يولولون من ~~عذاب شديد ويصيحون منه ويقولون يا ويلاه . ونظيره قوله تعالى : { دعوا ~~هنالك ثبورا } ( الفرقان : 13 ) ثم بين تعالى صفة هؤلاء الكافرين الذين ~~توعدهم بالويل الذي / يفيد أعظم العذاب وذكر من صفاتهم ثلاثة أنواع : الأول ~~: قوله : { الذين يستحبون الحيواة الدنيا على الاخرة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إن شئت جعلت ( الذين ) صفة الكافرين في الآية المتقدمة ~~وإن شئت جعلته مبتدأ وجعلت الخبر قوله : { أولائك } وإن شئت نصبته على الذم ~~. # المسألة الثانية : الاستحباب طلب محبة الشيء ، وأقول إن الإنسان قد يحب ~~الشيء ولكنه لا يحب كونه محبا لذلك الشيء ، مثل من يميل طبعه إلى الفسق ~~والفجور ولكنه يكره كونه محبا لهما / أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محبا له ms5320 ~~، وأحب تلك المحبة فهذا هو نهاية المحبة فقوله : { الذين يستحبون الحيواة ~~الدنيا } يدل على كونهم في نهاية المحبة للحياة الدنيوية ، ولا يكون ~~الإنسان كذلك إلا إذا كان غافلا عن الحياة الأخروية ، وعن معايب هذه الحياة ~~العاجلة ، ومن كان كذلك كان في نهاية الصفات المذمومة ، وذلك لأن هذه ~~الحياة موصوفة بأنواع كثيرة من العيوب . فأحدها : أن بسبب هذه الحياة ~~انفتحت أبواب الآلام والأسقام PageV19P061 والغموم والهموم والمخاوف ~~والأحزان . وثانيها : أن هذه اللذات في الحقيقة لا حاصل لها إلا دفع الآلام ~~، بخلاف اللذات الروحانية فإنها في أنفسها لذات وسعادات . وثالثها : أن ~~سعادات هذه الحياة منغصة بسبب الانقطاع والإنقراض والانقضاء . ورابعها : ~~أنها حقيرة قليلة ، وبالجملة فلا يحب هذه الحياة إلا من كان غافلا عن ~~معايبها وكان غافلا عن فضائل الحياة الروحانية الأخروية ، ولذلك قال تعالى ~~: { والاخرة خير وأبقى } ( الأعلى : 17 ) فهذه الكلمة جامعة لكل ما ذكرناه ~~. # المسألة الثالثة : إنما قال : { يستحبون الحيواة الدنيا على الاخرة } لأن ~~فيه إضمارا ، والتقدير : يستحبون الحياة الدنيا ويؤثرونها على الآخرة ، ~~فجمع تعالى بين هذين الوصفين ليتبين بذلك أن الاستحباب للدنيا وحده لا يكون ~~مذموما إلا بعد أن يضاف إليه إيثارها على الآخرة ، فأما من أحبها ليصل بها ~~إلى منافع النفس وإلى خيرات الآخرة فإن ذلك لا يكون مذموما حتى إذا آثرها ~~على آخرته بأن اختار منها ما يضره في آخرته فهذه المحبة هي المحبة المذمومة ~~. # النوع الثاني : من الصفات التي وصف الله الكفار بها قوله تعالى : { ~~ويصدون عن سبيل الله } . # واعلم أن من كان موصوفا باستحباب الدنيا فهو ضال ، ومن منع الغير من ~~الوصول إلى سبيل الله ودينه فهو مضل ، فالمرتبة الأولى إشارة إلى كونهم ~~ضالين ، وهذه المرتبة الثانية وهي كونهم صادين عن سبيل الله إشارة إلى ~~كونهم مضلين . # والنوع الثالث : من تلك الصفات قوله : { ويبغونها عوجا } واعلم أن ~~الإضلال على مرتبتين : # المرتبة الأولى : أنه يسعى في صد الغير ومنعه من الوصول إلى المنهج ~~القويم والصراط المستقيم . # / والمرتبة الثانية : أن يسعى في إلقاء الشكوك والشبهات في المذهب الحق ~~ويحاول ms5321 تقبيح صفته بكل ما يقدر عليه من الحيل ، وهذا هو النهاية في الضلال ~~والإضلال ، وإليه الإشارة بقوله : { ويبغونها عوجا } قال صاحب ( الكشاف ) ~~الأصل في الكلام أن يقال : ويبغون لها عوجا ، فحذف الجار وأوصل الفعل ، ~~ولما ذكر الله تعالى هذه المراتب الثلاثة لأحوال هؤلاء الكفار قال في صفتهم ~~: { أولئك فى ضلال بعيد } وإنما وصف هذا الضلال بالبعد لوجوه : # الوجه الأول : أنا بينا أن أقصى مراتب الضلال هو الذي وصفه الله تعالى في ~~هذه المرتبة فهذه المرتبة في غاية البعد عن طريق الحق ، فإن شرط الضدين أن ~~يكونا في غاية التباعد ، مثل السواد والبياض ، فكذا ههنا الضلال الذي يكون ~~واقعا على هذا الوجه يكون في غاية البعد عن الحق فإنه لا يعقل ضلال أقوى ~~وأكمل من هذا الضلال . # والوجه الثاني : أن يكون المراد أنه يبعد ردهم عن طريقة الضلال إلى الهدى ~~، لأنه قد تمكن ذلك في نفوسهم . # والوجه الثالث : أن يكون المراد من الضلال الهلاك ، والتقدير : أولئك في ~~هلاك يطول عليهم فلا ينقطع ، وأراد بالبعد امتداده وزوال انقطاعه . # PageV19P062 ! 7 < { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل ~~الله من يشآء ويهدى من يشآء وهو العزيز الحكيم } > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 4 ) وما أرسلنا من . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة : { كتاب أنزلناه ~~إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( إبراهيم : 1 ) كان هذا إنعاما ~~على الرسول من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم ، وإنعاما أيضا على ~~الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر وأرشدهم إلى نور ~~الإيمان ، فذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تكميل النعمة والإحسان في ~~الوجهين . أما بالنسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلأنه تعالى بين ~~أن سائر الأنبياء كانوا مبعوثين إلى قومهم خاصة ، وأما أنت يا محمد فمبعوث ~~إلى عامة الخلق ، فكان هذا الإنعام في حقك أفضل وأكمل ، وأما بالنسبة إلى ~~عامة الخلق ، فهو أنه تعالى ذكر أنه ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسان أولئك ms5322 ~~القوم ، فإنه متى / كان الأمر كذلك ، كان فهمهم لأسرار تلك الشريعة ووقوفهم ~~على حقائقها أسهل ، وعن الغلط والخطأ أبعد . فهذا هو وجه النظم . # المسألة الثانية : احتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا ~~توفيقية . قال لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل ، وقد دلت هذه الآية ~~على أن إرسال جميع الرسل لا يكون إلا بلغة قومهم ، وذلك يقتضي تقدم حصول ~~اللغات على إرسال الرسل ، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف ، ~~فوجب حصولها بالإصطلاح . # المسألة الثالثة : زعم طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أن محمدا رسول ~~الله لكن إلى العرب لا إلى سائر الطوائف ، وتمسكوا بهذه الآية من وجهين : ~~الأول : أن القرآن لما كان نازلا بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما ~~فيه من الفصاحة إلا العرب وحينئذ لا يكون القرآن حجة إلا على العرب ، ومن ~~لا يكون عربيا لم يكن القرآن حجة عليه . الثاني : قالوا : إن قوله : { وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ( إبراهيم : 4 ) المراد بذلك اللسان لسان ~~العرب ، وذلك يقتضي أن يقال : إنه ليس له قوم سوى العرب ، وذلك يدل على أنه ~~مبعوث إلى العرب فقط . # والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد من { قومه } أهل بلده ، وليس المراد ~~من { قومه } أهل دعوته . والدليل على عموم الدعوة قوله تعالى : { قل ياأهل ~~* أيها الناس * إنى رسول الله إليكم جميعا } ( الأعراف : 158 ) بل إلى ~~الثقلين ، لأن التحدي كما وقع مع الإنس فقد وقع مع الجن بدليل قوله تعالى : ~~{ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرءان لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } ( الإسراء : 88 ) . # المسألة الرابعة : تمسك أصحابنا بقوله تعالى : { فيضل الله من يشاء ويهدى ~~من يشاء } على أن الضلال والهداية من الله تعالى ، والآية صريحة في هذا ~~المعنى . قال الأصحاب : ومما يؤكد هذا المعنى ما روي : أن PageV19P063 أبا ~~بكر وعمر أقبلا في جماعة من الناس وقد ارتفعت أصواتهما ، فقال عليه السلام ~~( ما هذا ) فقال بعضهم : يا رسول الله ms5323 يقول أبو بكر الحسنات من الله ~~والسيئات من أنفسنا ، ويقول : عمر كلاهما من الله ، وتبع بعضهم أبا بكر ~~وبعضهم عمر ، فتعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر ، وأعرض عنه ~~حتى عرف ذلك في وجهه ، ثم أقبل على عمر فتعرف ما قاله وعرف البشر في وجهه ~~ثم قال : ( أقضي بينكما كما قضى به اسرافيل بين جبريل وميكائيل / قال جبريل ~~مثل مقالتك يا عمر وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر فقضاء اسرافيل أن ~~القدر كله خيره وشره من الله تعالى وهذا قضائي بينكما ) قالت المعتزلة : ~~هذه الآية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى ~~قال : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } والمعنى : أنا إنما ~~أرسلنا كل رسول بلسان قومه ليبين لهم تلك التكاليف بلسانهم ، فيكون إدراكهم ~~لذلك البيان أسهل ووقوفهم / على المقصود والغرض أكمل ، وهذا الكلام إنما ~~يصح لو كان مقصود الله تعالى من إرسال الرسل حصول الإيمان للمكلفين ، فأما ~~لو كان مقصوده الإضلال وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائما لهذا ~~المقصود . والثاني : أنه عليه السلام إذا قال لهم إن الله يخلق الكفر ~~والضلال فيكم ، فلهم أن يقولوا له فما الفائدة في بيانك ، وما المقصود من ~~إرسالك ، وهل يمكننا أن نزيل كفرا خلقه الله تعالى فينا عن أنفسنا وحينئذ ~~تبطل دعوة النبوة وتفسد بعثة الرسل . الثالث : أنه إذا كان الكفر حاصلا ~~بتخليق الله تعالى ومشيئته ، وجب أن يكون الرضا به واجبا لأن الرضا بقضاء ~~الله تعالى واجب ، وذلك لا يقوله عاقل . والرابع : أنا قد دللنا على أن ~~مقدمة هذه الآية وهو قوله : { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( ~~إبراهيم : 1 ) يدل على مذهب العدل ، وأيضا مؤخرة الآية يدل عليه ، وهو قوله ~~: { وهو العزيز الحكيم } فكيف يكون حكيما من كان خالقا للكفر والقبائح ~~ومريدا لها ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل قوله : { فيضل الله من يشاء ~~ويهدى من يشاء } على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد ، فوجب المصير إلى ms5324 ~~التأويل ، وقد استقصينا ما في هذه التأويلات في سورة البقرة في تفسير قوله ~~تعالى : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ( البقرة : 26 ) ولا بأس بإعادة ~~بعضها ، فالأول : أن المراد بالإضلال : هو الحكم بكونه كافرا ضالا كما يقال ~~: فلان يكفر فلانا ويضلله ، أي يحكم بكونه كافرا ضالا ، والثاني : أن يكون ~~الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار ، والهداية عبارة عن ~~إرشادهم إلى طريق الجنة . والثالث : أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله ~~ولم يتعرض له صار كأنه أضله ، والمهتدي لما أعانه بالألطاف صار كأنه هو ~~الذي هداه . قال صاحب ( الكشاف ) : المراد بالإضلال : التخلية ومنع الألطاف ~~وبالهداية التوفيق واللطف . # والجواب عن قولهم أولا أن قوله تعالى : { ليبين لهم } لا يليق به أن ~~يضلهم . # قلنا : قال الفراء : إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر ، فإن كان الفعل الثاني ~~مشاكلا للأول نسقته عليه ، وإن لم يكن مشاكلا له استأنفته ورفعته . ونظيره ~~قوله تعالى : { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله } ( التوبة ~~: 32 ) فقوله : { ويأبى الله } في موضع رفع لا يجوز إلا ذلك ، لأنه لا يحسن ~~أن يقال : يريدون أن يأبى الله ، فلما لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل ~~العطف ، ونظيره أيضا قوله : { لنبين لكم ونقر فى الارحام } ( الحج : 5 ) ~~ومن ذلك قولهم : أردت أن أزورك فيمنعني المطر بالرفع غير منسوق على ما قبله ~~لما ذكرناه ، ومثله قول الشاعر : PageV19P064 # يريد أن يعربه فيعجمه # إذا عرفت هذا فنقول : ههنا قال تعالى : { ليبين لهم } ثم قال : { فيضل ~~الله من يشاء } ذكر فيضل بالرفع فدل على أنه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه ~~غير معطوف على ما قبله ، وأقول تقرير هذا / الكلام من حيث المعنى ، كأنه ~~تعالى قال : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ، ليكون بيانه لهم تلك ~~الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه / ثم قال ومع أن الأمر كذلك فإنه ~~تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، والغرض منه التنبيه على أن تقوية البيان ~~لا توجب حصول الهداية فربما قوي البيان ولا تحصل الهداية ms5325 وربما ضعف البيان ~~وحصلت الهداية ، وإنما كان الأمر كذلك لأجل أن الهداية والضلال لا يحصلان ~~إلا من الله تعالى . أما قوله ثانيا : لو كان الضلال حاصلا بخلق الله تعالى ~~لكان الكافر أن يقول له : ما الفائدة في بيانك ودعوتك ؟ فنقول : يعارضه أن ~~الخصم يسلم أن هذه الآيات أخبار عن كونه ضالا فيقول له الكافر : لما أخبر ~~إلهك عن كوني كافرا فإن آمنت صار إلهك كاذبا فهل أقدر على جعل إلهك كاذبا ، ~~وهل أقدر على جعل علمه جهلا . وإذا لم أقدر عليه فكيف يأمرني بهذا الإيمان ~~، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الخصم علينا هو أيضا وارد عليه . وأما ~~قوله ثالثا : يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجبا ، لأن الرضا بقضاء الله ~~تعالى واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . # قلنا : ويلزمك أيضا على مذهبك أنه يجب على العبد السعي في تكذيب الله وفي ~~تجهيله ، وهذا أشد استحالة مما ألزمته علينا ، لأنه تعالى لما أخبر عن كفره ~~وعلم كفره فإزالة الكفر عنه يستلزم قلب علمه جهلا وخبره الصدق كذبا . وأما ~~قوله رابعا : إن مقدمة الآية وهي قوله تعالى : { لتخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور } ( إبراهيم : 1 ) يدل على صحة الاعتزال فنقول : قد ذكرنا أن ~~قوله : { بإذن ربهم } يدل على صحة مذهب أهل السنة . وأما قوله خامسا : أنه ~~تعالى وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيما وذلك ينافي كونه تعالى خالقا ~~للكفر مريدا له . فنقول : وقد وصف نفسه بكونه عزيزا والعزيز هو الغالب ~~القاهر فلو أراد الإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل أو أراد عمل الكفر منهم ~~، وقد حصل لما بقي عزيزا غالبا . فثبت أن الوجوه التي ذكروها ضعيفة ، وأما ~~التأويلات الثلاثة التي ذكروها فقد مر إبطالها في هذا الكتاب مرارا فلا ~~فائدة في الإعادة . # ! 7 < { ولقد أرسلنا موسى بأاياتنآ أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ~~وذكرهم بأيام الله إن فى ذالك لآيات لكل صبار شكور * وإذ قال موسى لقومه ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من ءال فرعون ms5326 يسومونكم سوء العذاب ~~ويذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفى ذالكم بلاء من ربكم عظيم } > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 5 - 6 ) ولقد أرسلنا موسى . . . . . # > > PageV19P065 # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أرسل محمدا صلى الله ~~عليه وسلم إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، وذكر كمال إنعامه عليه ~~وعلى قومه في ذلك الإرسال وفي تلك البعثة ، أتبع ذلك بشرح بعثة سائر ~~الأنبياء إلى أقوامهم وكيفية معاملة أقوامهم معهم تصبيرا للرسول عليه ~~السلام على أذى قومه وإرشادا له إلى كيفية مكالمتهم ومعاملتهم فذكر تعالى ~~على العادة المألوفة قصص بعض الأنبياء عليهم السلام فبدأ بذكر قصة موسى ~~عليه السلام ، فقال : { ولقد أرسلنا موسى بئاياتنا } قال الأصم : آيات موسى ~~عليه السلام هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر ~~وانفجار العيون من الحجر وإظلال الجبل وإنزال المن والسلوى . وقال الجبائي ~~: أرسل الله تعالى موسى عليه السلام إلى قومه من بني إسرائيل بآياته وهي ~~دلالاته وكتبه المنزلة عليه ، وأمره أن يبين لهم الدين . وقال أبو مسلم ~~الأصفهاني : إنه تعالى قال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم : { كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( إبراهيم : 1 ) وقال في ~~حق موسى عليه السلام : { أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور } والمقصود : ~~بيان أن المقصود من البعثة واحد في حق جميع الأنبياء عليهم السلام ، وهو أن ~~يسعوا في إخراج الخلق من ظلمات الضلالات إلى أنوار الهدايات . # المسألة الثانية : قال الزجاج : قوله : { أن أخرج قومك } أي بأن أخرج ~~قومك . ثم قال : { ءان } ههنا تصلح أن تكون مفسرة بمعنى أي ، ويكون المعنى ~~: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أي أخرج قومك ، كأن المعنى قلنا له : أخرج قومك ~~. ومثله قوله : { وانطلق الملا منهم أن امشوا } ( ص: 6 ) أي أمشوا ، ~~والتأويل قيل لهم : امشوا ، وتصلح أيضا أن تكون المخففة التي هي للخبر ، ~~والمعنى : أرسلناه بأن يخرج قومه إلا أن الجار حذف ووصلت ( أن ) بلفظ الأمر ~~، ونظيره قولك : كتبت إليه أن قم وأمرته أن قم ، ثم إن الزجاج حكى ms5327 هذين ~~القولين عن سيبويه . # / أما قوله : { وذكرهم بأيام الله } فاعلم أنه تعالى أمر موسى عليه ~~السلام في هذا المقام بشيئين : أحدهما : أن يخرجهم من ظلمات الكفر ، ~~والثاني : أن يذكرهم بأيام الله ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال الواحدي : أيام جمع يوم ، واليوم هو مقدار المدة من ~~طلوع الشمس إلى غروبها ، وكانت الأيام في الأصل أيوام فاجتمعت الياء والواو ~~وسبقت إحداهما بالسكون ، فأدغمت إحداهما في الأخرى وغلبت الياء . # المسألة الثانية : أنه يعبر بالأيام عن الوقائع العظيمة التي وقعت فيها . ~~يقال : فلان عالم بأيام العرب ويريد وقائعها وفي المثل من ير يوما ير له ~~معناه من رؤي في يوم مسرورا بمصرع غيره ير في يوم آخر حزينا بمصرع نفسه ~~وقال تعالى : { وتلك الايام نداولها بين الناس } ( آل عمران : 140 ) . # إذا عرفت هذا ، فالمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد / ~~فالترغيب والوعد أن يذكرهم ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن ~~بالرسل في سائر ما سلف من الأيام ، والترهيب والوعيد : أن يذكرهم بأس الله ~~وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل ممن سلف من الأمم فيما سلف من الأيام ، مثل ~~ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب ، ليرغبوا في الوعد فيصدقوا ويجذروا من ~~الوعيد فيتركوا التكذيب . # واعلم أن أيام الله في حق موسى عليه السلام منها ما كان أيام المحنة ~~والبلاء وهي الأيام التي كانت بنو PageV19P066 إسرائيل فيها تحت قهر فرعون ~~ومنها ما كان أيام الراحة والنعماء مثل إنزال المن والسلوى وانفلاق البحر ~~وتظليل الغمام . # ثم قال تعالى : { إن فى ذالك لآيات لكل صبار شكور } والمعنى أن في ذلك ~~التذكير والتنبيه دلائل لمن كان صبارا شكورا ، لأن الحال إما أن يكون حال ~~محنة وبلية أو حال منحة وعطية فإن كان الأول ، كان المؤمن صبارا ، وإن كان ~~الثاني كان شكورا . وهذا تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يخلو زمانه عن أحد ~~هذين الأمرين فإن جرى الوقت على ما يلائم طبعه ويوافق إرادته كان مشغولا ~~بالشكر ، وإن جرى ما لا يلائم طبعه كان مشغولا بالصبر . # فإن ms5328 قيل : إن ذلك التذكيرات آيات للكل فلماذا خص الصبار الشكور بها ؟ # قلنا : فيه وجوه : الأول : أنهم لما كانوا هم المنتفعون بتلك الآيات صارت ~~كأنها ليست آيات إلا لهم كما في قوله : { هدى للمتقين } وقوله : { إنما أنت ~~منذر من يخشاها } . والثاني : لا يبعد أن يقال : الانتفاع بهذا النوع من ~~التذكير لا يمكن حصوله إلا لمن كان صابرا أو شاكرا ، أما الذي لا يكون كذلك ~~لم ينتفع بهذه الآيات . # / واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أمر موسى عليه السلام بأن يذكرهم بأيام ~~الله تعالى ، حكى عن موسى عليه السلام أنه ذكرهم بها فقال : { وإذ قال موسى ~~لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من ءال فرعون يسومونكم سوء العذاب ~~} فقوله : { إذ أنجاكم } ظرف للنعمة بمعنى الأنعام ، أي اذكروا إنعام الله ~~عليكم في ذلك الوقت . بقي في الآية سؤالات : # السؤال الأول : ذكر في سورة البقرة : { يذبحون } ( البقرة : 49 ) وفي ~~سورة الأعراف : { يقتلون } ( الأعراف : 41 ) وههنا { ويذبحون } مع الواو ~~فما الفرق ؟ # والجواب : قال تعالى في سورة البقرة : { يذبحون } بغير واو لأنه تفسير ~~لقوله : { سوء العذاب } وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو تقول : أتاني القوم ~~زيد وعمرو . لأنك أردت أن تفسر القوم بهما ومثله قوله تعالى : { ومن يفعل ~~ذالك يلق أثاما * يضاعف له العذاب } ( الفرقان : 68 ، 69 ) فالآثام لما صار ~~مفسرا بمضاعفة العذاب لا جرم حذف عنه الواو ، أما في هذه السورة فقد أدخل ~~الواو فيه ، لأن المعنى أنهم يعذبونهم بغير التذبيح وبالتذبيح أيضا فقوله : ~~{ ويذبحون } نوع آخر من العذاب لا أنه تفسير لما قبله . # السؤال الثاني : كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم ؟ # والجواب من وجهين : أحدهما : أن تمكين الله إياهم حتى فعلوا ما فعلوا كان ~~بلاء من الله . والثاني : وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء ، وهو بلاء عظيم ، ~~والبلاء هو الابتلاء ، وذلك قد يكون بالنعمة تارة ، وبالمحنة أخرى ، قال ~~تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ( الأنبياء : 35 ) وهذا الوجه أولى ~~لأنه يوافق صدر الآية وهو قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة ms5329 ~~الله عليكم } . # السؤال الثالث : هب أن تذبيح الأبناء كان بلاء ، أما استحياء النساء كيف ~~يكون بلاء . # الجواب : كانوا يستخدمونهن بالاستحياء في الخلاص منه نعمة / وأيضا ~~إبقاؤهن منفردات عن الرجال فيه أعظم المضار . # PageV19P067 ! 7 < { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن ~~عذابى لشديد } > 7 ! # < < # | إبراهيم : ( 7 ) وإذ تأذن ربكم . . . . . # > > اعلم أن قوله : { وإذ تأذن ربكم } من جملة ما قال موسى لقومه كأنه ~~قيل : وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم ، ~~ومعنى { تأذن } أذن ربكم . ونظير تأذن وآذن توعد وأوعد وتفضل وأفضل ، ولا ~~بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل ، كأنه قيل : وإذ آذن ربكم إيذانا ~~بليغا ينتفي عنده الشكوك ، وتنزاح الشبهة ، والمعنى : وإذ تأذن ربكم . فقال ~~: { لئن شكرتم } / فأجرى { تأذن } مجرى قال لأنه ضرب من القول ، وفي قراءة ~~ابن مسعود رضي الله عنه : { وإذ قال ربك * لئن شكرتم } . # واعلم أن المقصود من الآية بيان أن من اشتغل بشكر نعم الله زاده الله من ~~نعمه ، ولا بد ههنا من معرفة حقيقة الشكر ومن البحث عن تلك النعم الزائدة ~~الحاصلة عن الاشتغال بالشكر ، أما الشكر فهو عبارة عن الاعتراف بنعمة ~~المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة ، وأما الزيادة في النعم ~~فهي أقسام : منها النعم الروحانية ، ومنها النعم الجسمانية ، أما النعم ~~الروحانية فهي أن الشاكر يكون أبدا في مطالعة أقسام نعم الله تعالى وأنواع ~~فضله وكرمه ، ومن كثر إحسانه إلى الرجل أحبه الرجل لا محالة ، فشغل النفس ~~بمطالعة أنواع فضل الله وإحسانه يوجب تأكد محبة العبد لله تعالى ، ومقام ~~المحبة أعلى مقامات الصديقين ، ثم قد يترقى العبد من تلك الحالة إلى أن ~~يصير حبه للمنعم شاغلا له عن الالتفات إلى النعمة ، ولا شك أن منبع ~~السعادات وعنوان كل الخيرات محبة الله تعالى ومعرفته ، فثبت أن الاشتغال ~~بالشكر يوجب مزيد النعم الروحانية ، وأما مزيد النعم الجسمانية ، فلأن ~~الاستقراء دل على أن من كان اشتغاله بشكر نعم الله أكثر ، كان وصول نعم ~~الله إليه أكثر ms5330 ، وبالجملة فالشكر إنما حسن موقعه ، لأنه اشتغال بمعرفة ~~المعبود وكل مقام حرك العبد من عالم الغرور إلى عالم القدس ، فهو المقام ~~الشريف العالي الذي يوجب السعادة في الدين والدنيا . # وأما قوله : { ولئن كفرتم إن عذابى لشديد } فالمراد منه الكفران ، لا ~~الكفر ، لأن الكفر المذكور في مقابلة الشكر ليس إلا الكفران ، والسبب فيه ~~أن كفران النعمة لا يحصل إلا عند الجهل بكون تلك النعمة نعمة من الله ، ~~والجاهل بها جاهل بالله ، والجهل بالله من أعظم أنواع العقاب والعذاب وأيضا ~~فههنا دقيقة أخرى وهي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته وكل ممكن ~~لذاته فوجوده إنما يحصل بإيجاد الواجب لذاته ، وعدمه إنما يحصل بإعدام ~~الواجب لذاته ، وإذا كان كذلك فكل ما سوى الحق فهو منقاد للحق مطواع له ، ~~وإذا كانت الممكنات بأسرها منقادة للحق سبحانه فكل قلب حضر فيه نور معرفة ~~الحق وشرف جلاله ، انقاد لصاحب ذلك القلب ما سواه ، لأن حضور ذلك النور في ~~قلبه يستخدم كل ما سواه بالطبع ، وإذا خلا القلب عن ذلك النور ضعف وصار ~~خسيسا فيستخدمه كل ما سواه ويستحقره كل ما يغايره فبهذا الطريق الذوقي يحصل ~~العلم بأن الاشتغال بمعرفة الحق يوجب انفتاح أبواب الخيرات في الدنيا ~~والآخرة ، وأما الإعراض عن معرفة الحق بالاشتغال بمجرد الجسمانيات يوجب ~~انفتاح أبواب الآفات والمخافات في الدنيا والآخرة . # PageV19P068 ! 7 < { وقال موسىإن تكفروا أنتم ومن فى الا رض جميعا فإن ~~الله لغنى حميد * ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين ~~من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جآءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم فىأفواههم ~~وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به وإنا لفى شك مما تدعوننآ إليه مريب } > 7 ~~@QB@ < # | إبراهيم : ( 8 - 9 ) وقال موسى إن . . . . . # > > # /اعلم أن موسى عليه السلام لما بين أن الاشتغال بالشكر يوجب تزايد ~~الخيرات في الدنيا وفي الآخرة ، والاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد ~~، وحصول الآفات في الدنيا والآخرة ، بين بعده أن منافع الشكر ومضار الكفران ~~لا تعود إلا إلى صاحب الشكر وصاحب الكفران أما ms5331 المعبود والمشكور فإنه متعال ~~عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران ، فلا جرم قال تعالى : { وقال موسى ~~إن تكفروا أنتم ومن فى الارض جميعا فإن الله لغنى حميد } والغرض منه بيان ~~أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات لمنافع عائدة إلى العابد لا لمنافع عائدة ~~إلى المعبود ، والذي يدل على أن الأمر كذلك ما ذكره الله في قوله : { إن ~~الله لغنى } وتفسيره أنه واجب الوجود لذاته واجب الوجود بحسب جميع صفاته ~~واعتباراته ، فإنه لو لم يكن واجب الوجود لذاته ، لافتقر رجحان وجوده على ~~عدمه إلى مرجح فلم يكن غنيا ، وقد فرضناه غنيا هذا خلف ، فثبت أن كونه غنيا ~~يوجب كونه واجب الوجود في ذاته ، وإذا ثبت أنه واجب الوجود لذاته ، كان ~~أيضا واجب الوجود بحسب جميع كمالاته ، إذ لو لم تكن ذاته كافية في حصول ذلك ~~الكمال ، لافتقر في حصول ذلك الكمال إلى سبب منفصل ، فحينئذ لا يكون غنيا ، ~~وقد فرضناه غنيا هذا خلف ، فثبت أن ذاته كافية في حصول جميع كمالاته ، وإذا ~~كان الأمر كذلك كان حميدا لذاته ، لأنه لا معنى للحميد إلا الذي استحق ~~الحمد ، فثبت بهذا التقرير الذي ذكرناه أن كونه غنيا حميدا يقتضي أن لا ~~يزداد بشكر الشاكرين ، ولا ينتقص بكفران الكافرين ، فلهذا المعنى قال : { ~~إن تكفروا أنتم ومن فى الارض جميعا فإن الله لغنى حميد } وهذه المعاني من ~~لطائف الأسرار . # / واعلم أن قولنا : { إن تكفروا أنتم ومن فى الارض جميعا } سواء حمل على ~~الكفر الذي يقابل الإيمان أو على الكفران الذي يقابل الشكر ، فالمعنى لا ~~يتفاوت ألبتة ، فإنه تعالى غني عن العالمين في كمالاته وفي جميع نعوت ~~كبريائه وجلاله . # ثم إنه تعالى قال : { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود } ~~وذكر أبو مسلم الأصفهاني أنه يحتمل أن يكون ذلك خطابا من موسى عليه السلام ~~لقومه والمقصود منه أنه عليه السلام كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم ، ويجوز ~~أن يكون مخاطبة من الله تعالى على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون ~~الأولى ، والمقصود إنما ms5332 هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين ، وهذا المقصود ~~حاصل على التقديرين إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه اتبداء مخاطبة لقوم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . PageV19P069 # واعلم أنه تعالى ذكر أقواما ثلاثة ، وهم : قوم نوح وعاد وثمود . # ثم قال تعالى : { والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله } وذكر صاحب ( ~~الكشاف ) فيه احتمالين : الأول : أن يكون قوله : { والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا الله } جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضا . والثاني : أن يقال ~~قوله : { والذين من بعدهم } معطوف على قوم نوح وعاد وثمود وقوله : { لا ~~يعلمهم إلا الله } فيه قولان : # القول الأول : أن يكون المراد لا يعلم كنه مقاديرهم إلا الله ، لأن ~~المذكور في القرآن جملة فأما ذكر العدد والعمر والكيفية والكمية فغير حاصل ~~. # والقول الثاني : أن المراد ذكر أقوام ما بلغنا أخبارهم أصلا كذبوا رسلا ~~لم نعرفهم أصلا ، ولا يعلمهم إلا الله والقائلون بهذا القول الثاني طعنوا ~~في قول من يصل الأنساب إلى آدم عليه السلام كان ابن مسعود إذا قرأ هذه ~~الآية يقول كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها ~~عن العباد ، وعن ابن عباس : بين عدنان وبين إسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون ، ~~ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وقرونا بين ذالك كثيرا } ( الفرقان : 38 ) ~~وقوله : { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } ( عافر : 78 ) وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كان في انتسابه لا يجاوز معد بن عدنان بن ~~أدد . وقال : ( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتعلموا من النجوم ~~ما تستدلون به على الطريق ) قال القاضي : وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع على ~~مقدار السنين من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الوقت ، لأنه إن أمكن ذلك لم ~~يبعد أيضا تحصيل العلم بالأنساب الموصولة . # فإن قيل : أي القولين أولى ؟ # قلنا : القول الثاني عندي أقرب ، لأن قوله تعالى : { لا يعلمهم إلا الله ~~} نفى العلم بهم ، وذلك يقتضي / نفي العلم بذواتهم إذ لو كانت ذواتهم ~~معلومة ، وكان المجهول هو مدد أعمارهم وكيفية صفاتهم لما ms5333 صح نفي العلم ~~بذواتهم ، ولما كان ظاهر الآية دليلا على نفي العلم بذواتهم لا جرم كان ~~الأقرب هو القول الثاني ، ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام الذين تقدم ~~ذكرهم أنه لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات أتوا بأمور : أولها : قوله ~~: { فردوا أيديهم فى أفواههم } وفي معناه قولان : الأول : أن المراد باليد ~~والفم الخارجتان المعلومتان ، والثاني : أن المراد بهما شيء غير هاتين ~~الجارحتين وإنما ذكرهما مجازا وتوسعا . أما من قال بالقول الأول ففيه ثلاثة ~~أوجه : # الوجه الأول : أن يكون الضمير في { أيديهم } و { أفواههم } عائدا إلى ~~الكفار ، وعلى هذا ففيه احتمالات : الأول : أن الكفار ردوا أيديهم في ~~أفواههم فعضوها من الغيظ والضجر من شدة نفرتهم عن رؤية الرسل واستماع ~~كلامهم ، ونظيره قوله تعالى : { عضوا عليكم الانامل من الغيظ } ( آل عمران ~~: 119 ) وهذا القول مروي عن ابن عباس وابن مسعود رحمهما الله تعالى ، وهو ~~اختيار القاضي . والثاني : أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا ~~على سبيل السخرية ، فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبة ~~الضحك فوضع يده على فيه ، والثالث : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين ~~بذلك إلى الأنبياء أن كفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث ، وهذا ~~مروي عن الكلبي . والرابع : أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما ~~تكلموا به من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به ، أي هذا هو الجواب عندنا عما ~~ذكرتموه ، وليس PageV19P070 عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق ألا ترى إلى ~~قوله : { فردوا أيديهم فى أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به } . # الوجه الثاني : أن يكون الضميران راجعين إلى الرسل عليهم السلام وفيه ~~وجهان : الأول : أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ~~ويقطعوا كلامهم . الثاني : أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي ~~أنفسهم على أفواه أنفسهم فإن من ذكر كلاما عند قوم وأنكروه وخافهم / فذلك ~~المتكلم ربما وضع يد نفسه على فم نفسه وغرضه أن يعرفهم أنه لا يعود إلى ذلك ~~الكرم ألبتة . # الوجه الثالث : أن يكون الضمير ms5334 في أيديهم يرجع إلى الكفار وفي الأفواه ~~إلى الرسل وفيه وجهان : الأول : أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء عليهم ~~السلام ونصائحهم وكلامهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيبا لهم وردا ~~عليهم . والثاني : أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء عليهم السلام ~~منعا لهم من الكلام ، ومن بالغ في منع غيره من الكلام فقد يفعل به ذلك . ~~أما على القول الثاني : وهو أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز ففيه وجوه : # / الوجه الأول : قال أبو مسلم الأصفهاني : المراد باليد ما نطقت به الرسل ~~من الحجج وذلك لأن اسماع الحجة انعام عظيم والإنعام يسمى يدا . يقال لفلان ~~عندي يد إذا أولاه معروفا ، وقد يذكر اليد . المراد منها صفقة البيع والعقد ~~كقوله تعالى : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } ~~( الفتح : 10 ) فالبينات التي كان الأنبياء عليهم السلام يذكرونها ~~ويقررونها نعم وأياد ، وأيضا العهود التي كانوا يأتون بها مع القوم أيادي ~~وجمع اليد في العدد القليل هو الأيدي وفي العدد الكثير هو الأيادي ، فثبت ~~أن بيانات الأنبياء عليهم السلام وعهودهم صح تسميتها بالأيدي ، وإذا كانت ~~النصائح والعهود إنما تظهر من الفم فإذا لم تقبل صارت مردودة إلى حيث جاءت ~~، ونظيره قوله تعالى : { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم ~~به علم } ( النور : 15 ) فلما كان القبول تلقيا بالأفواه عن الأفواه كان ~~الدفع ردا في الأفواه ، فهذا تمام كلام أبي مسلم في تقرير هذا الوجه . # الوجه الثاني : نقل محمد بن جرير عن بعضهم أن معنى قوله : { فردوا أيديهم ~~فى أفواههم } أنهم سكتوا عن الجواب يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ، رد يده ~~في فيه وتقول العرب كلمت فلانا في حاجة فرد يده في فيه إذا سكت عنه فلم يجب ~~، ثم إنه زيف هذا الوجه وقال : إنهم أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا : { إنا ~~كفرنا بما أرسلتم به } . # الوجه الثالث : المراد من الأيدي نعم الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولما ~~كذبوا الأنبياء فقد عرضوا تلك النعم للإزالة والإبطال فقوله : { ردوا * ~~أيديهم فى أفواههم } أي ms5335 ردوا نعم الله تعالى عن أنفسهم بالكلمات التي صدرت ~~عن أفواههم ولا يبعد حمل ( في ) على معنى الباء لأن حروف الجر لا يمتنع ~~إقامة بعضها مقام بعض . # النوع الثاني : من الأشياء التي حكاها الله تعالى عن الكفار قولهم : { ~~إنا كفرنا بما أرسلتم به } والمعنى : إنا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم ~~فيه لأنهم ما أقروا بأنهم أرسلوا . # واعلم أن المرتبة الأولى هو أنهم سكتوا عن قبول قول الأنبياء عليهم ~~السلام وحاولوا اسكات الأنبياء PageV19P071 عن تلك الدعوى ، وهذه المرتبة ~~الثانية أنهم صرحوا بكونهم كافرين بتلك البعثة . # والنوع الثالث : قولهم : { وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه مريب } قال صاحب ~~( الكشاف ) : وقرىء { تدعونا } بادغام النون { مريب } موقع في الريبة أو ذي ~~ريبة من أرابه ، والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر . # فإن قيل : لما ذكروا في المرتبة الثانية أنهم كافرون برسالتهم كيف ذكروا ~~بعد ذلك كونهم شاكين مرتابين في صحة قولهم ؟ # / قلنا : كأنهم قالوا إما أن نكون كافرين برسالتكم أو أن ندع هذا الجزم ~~واليقين فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم ، وعلى التقديرين ~~فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم والله أعلم . # ! 7 < { قالت رسلهم أفى الله شك فاطر السماوات والا رض يدعوكم ليغفر لكم ~~من ذنوبكم ويؤخركم إلىأجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد ءابآؤنا فأتونا بسلطان مبين } > 7 ! # < < # | إبراهيم : ( 10 ) قالت رسلهم أفي . . . . . # > > اعلم أن أولئك الكفار لما قالوا للرسل { وإنا لفى شك مما تدعوننا ~~إليه مريب } ( إبراهيم : 9 ) . قالت رسلهم : وهل تشكون في الله ، وفي كونه ~~فاطر السموات والأرض وفاطرا لأنفسنا وأرواحنا وأرزاقنا وجميع مصالحنا وإنا ~~لا ندعوكم إلا إلى عبادة هذا الإله المنعم ولا نمنعكم إلا عن عبادة غيره ~~وهذه المعاني يشهد صريح العقل بصحتها ، فكيف قلتم : وإنا لفي شك مما ~~تدعوننا إليه مريب ؟ وهذا النظم في غاية الحسن . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { أفى الله شك } استفهام على سبيل الإنكار ، ~~فلما ذكر هذا المعنى أردفه بالدلالة الدالة ms5336 على وجود الصانع المختار ، وهو ~~قوله : { فاطر * السماوات والارض } وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن وجود ~~السموات والأرض كيف يدل على احتياجه إلى الصانع المختار الحكيم مرارا ~~وأطوارا فلا نعيدها ههنا . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : أدخلت همزة الإنكار على الظرف ، ~~لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في أن وجود الله تعالى لا يحتمل الشك ، ~~وأقول من الناس من ذهب إلى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة ~~شاهدة بوجود الصانع المختار ، ويدل على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك وجوه ~~: # الوجه الأول : قال بعض العقلاء : إن من لطم على وجه صبي لطمة فتلك اللطمة ~~تدل على وجوب الصانع وعلى حصول التكليف وعلى وجوب دار الجزاء وعلى وجوب ~~النبي ، أما دلالتها على وجود PageV19P072 الصانع المختار ، فلأن الصبي ~~العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح ويقول : من الذي ضربني وما ذاك إلا ~~أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها ~~لأجل فاعل فعلها ، ولأجل مختار أدخلها في الوجود فلما شهدت الفطرة الأصلية ~~بافتقار ذلك الحادث مع قلته وحقارته إلى الفاعل فبأن تشهد بافتقار جميع ~~حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى ، وأما دلالتها على وجوب التكليف ، فلأن ~~ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول : لم ضربني ذلك الضارب ؟ وهذا يدل على أن ~~فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت الأمر والنهي ومندرجة تحت ~~التكليف ، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي فعل شاء واشتهى ، وأما دلالتها ~~على وجوب حصول دار الجزاء فهو أن ذلك الصبي يطلب الجزاء على تلك اللطمة وما ~~دام يمكنه طلب ذلك الجزاء فإنه لا يتركه فلما شهدت الفطرة الأصلية بوجوب ~~الجزاء على ذلك العمل القليل فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع الأعمال ~~كان أولى ، وأما دلالتها على وجوب النبوة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين ~~لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي ولا معنى للنبي إلا ~~الإنسان الذي يقدر هذه الأمور ويبين لهم هذه الأحكام ، فثبت أن فطرة العقل ms5337 ~~حاكمة بأن الإنسان لا بد له من هذه الأمور الأربعة . # الوجه الثاني : في التنبيه على أن الإقرار بوجود الصانع بديهي هو أن ~~الفطرة شاهد بأن حدوث دار منقوشة بالنقوش العجيبة ، مبنية على التركيبات ~~اللطيفة الموافقة للحكم والمصلحة يستحيل إلا عند وجود نقاش عالم ، وبان ~~حكيم ، ومعلوم أن آثار الحكمة في العالم العلوي والسفلي أكثر من آثار ~~الحكمة في تلك الدار المختصرة فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار النقش إلى ~~النقاش ، والبناء إلى الباني ، فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل ~~المختار الحكيم كان أولى . # الوجه الثالث : أن الإنسان إذا وقع في محنة شديدة وبلية قوية لا يبقى في ~~ظنه رجاء المعاونة من أحد ، فكأنه بأصل خلفته ومقضتى جبلته يتضرع إلى من ~~يخلصه منها ويخرجه عن علائقها وحبائلها وما ذاك إلا شهادة الفطرة بالإفتقار ~~إلى الصانع المدبر . # الوجه الرابع : أن الموجود إما أن يكون غنيا عن المؤثر أو لا يكون ، فإن ~~كان غنيا عن المؤثر فهو الموجود الواجب لذاته ، فإنه لا معنى للواجب لذاته ~~إلا الموجود الذي لا حاجة به إلى غيره . وإن لم يكن غنيا عن المؤثر فهو ~~محتاج ، والمحتاج لا بد له من المحتاج إليه وذلك هو الصانع المختار . # / الوجه الخامس : أن الاعتراف بوجود الإله المختار المكلف ، وبوجود ~~المعاد أحوط ، فوجب المصير إليه فهذه مراتب أربعة : أولها : أن الإقرار ~~بوجود الإله أحوط ، لأنه لو لم يكن موجودا فلا ضرر في الإقرار بوجوده وإن ~~كان موجودا ففي إنكاره أعظم المضار . وثانيها : الإقرار بكونه فاعلا مختارا ~~لأنه لو كان موجبا فلا ضرر في الإقرار بكونه مختارا . أما لو كان مختارا ~~ففي إنكار كونه مختارا أعظم المضار . وثالثها : الإقرار بأنه كلف عباده ، ~~لأنه لو لم يكلف أحدا من عبيده شيئا فلا ضرر في اعتقاد أنه كلف العباد ، ~~أما إنه لو كلف ففي إنكار تلك التكاليف أعظم المضار . ورابعها : الإقرار ~~بوجود المعاد فإنه إن كان الحق أنه لا معاد فلا ضرر في الإقرار بوجوده ، ~~لأنه لا يفوت إلا هذه اللذات الجسمانية وهي حقيرة ms5338 ومنقوصة وإن كان الحق هو ~~وجوب المعاد ففي إنكاره أعظم المضار فظهر أن الإقرار بهذه المقامات أحوط ~~فوجب المصير إليه ، لأن بديهة العقل حاكمة بأنه يجب دفع الضرر عن النفس ~~بقدر الإمكان . PageV19P073 # المسألة الثالثة : لما أقام الدلالة على وجود الإله بدليل كونه فاطر ~~السموات والأرض وصفه بكمال الرحمة والكرم والجود وبين ذلك من وجهين ، الأول ~~: قوله : { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } قال صاحب ( الكشاف ) : لو قال ~~قائل ما معنى التبعيض في قوله من ذنوبكم ، ثم أجاب فقال : ما جاء هكذا إلا ~~في خطاب الكافرين ، كقوله : { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ~~ذنوبكم } ( نوح : 3 ، 4 ) . { طريق مستقيم ياقومنا أجيبوا داعى الله ~~وءامنوا به يغفر لكم من } ( الأحقاف : 31 ) وقال في خطاب المؤمنين : { هل ~~أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } ( الصف : 10 ) إلى أن قال : { يغفر ~~لكم ذنوبكم } ( آل عمران : 31 ) والاستقراء يدل على صحة ما ذكرناه ، ثم قال ~~: وكأن ذلك للتفرقة بين الخطابين ، ولئلا يسوي بين الفريقين في المعاد ، ~~وقيل : إنه أراد أنه يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى بخلاف ما بينهم ~~وبين العباد من المظالم . هذا كلام هذا الرجل ، وقال الواحدي في ( البسيط ) ~~، قال أبو عبيدة ( من ) زائدة ، وأنكر سيبويه زيادتها في الواجب ، وإذا ~~قلنا إنها ليست زائدة فههنا وجهان : أحدهما : أنه ذكر البعض ههنا وأريد به ~~الجميع توسعا . والثاني : أن ( من ) ههنا للبدل والمعنى لتكون المغفرة بدلا ~~من الذنوب فدخلت من لتضمن المغفرة معنى البدل من السيئة ، وقال القاضي : ~~ذكر الأصم أن كلمة ( من ) ههنا تفيد التبعيض ، والمعنى أنكم إذا تبتم فإنه ~~يغفر لكم الذنوب التي هي من الكبائر ، فأما التي تكون من باب الصغائر فلا ~~حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة ، قال القاضي : وقد أبعد في هذا ~~التأويل ، لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر إلا بالتوبة وإنما ~~تكون الصغيرة مغفورة من المؤمنين الموحدين من حيث يزيد ثوابهم على عقابها ~~فأما من لا ثواب له أصلا فلا يكون شيء من ذنوبه ms5339 صغيرا ولا يكون شيء / منها ~~مغفورا . ثم قال وفيه وجه آخر وهو أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال ~~توبته وإنابته فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه فهذا جملة أقوال ~~الناس في هذه الكلمة . # المسألة الرابعة : أقول هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يغفر الذنوب من ~~غير توبة في حق أهل الإيمان والدليل عليه أنه قال : { يدعوكم ليغفر لكم من ~~ذنوبكم } وعد بغفران بعض الذنوب مطلقا من غير اشتراط التوبة ، فوجب أن يغفر ~~بعض الذنوب مطلقا من غير التوبة وذلك البعض ليس هو الكفر لإنعقاد الإجماع ~~على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان فوجب أن ~~يكون البعض الذي يغفر له من غير التوبة هو ما عد الكفر من الذنوب . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال كلمة ( من ) صلة على ما قاله أبو عبيدة أو ~~نقول : المراد من البعض ههنا هو الكل على ما قاله الواحدي . أو نقول : ~~المراد منها إبدال السيئة بالحسنة على ما قاله الواحدي أيضا أو نقول : ~~المراد منه تمييز المؤمن عن الكافر في الخطاب على ما قاله صاحب ( الكشاف ) ~~أو نقول : المراد منه تخصيص هذا الغفران بالكبائر على ما قاله الأصم . أو ~~نقول : المراد منه الذنوب التي يذكرها الكافر عند الدخول في الإيمان على ما ~~قاله القاضي ، فنقول : هذه الوجوه بأسرها ضعيفة أما قوله : إنها صلة فمعناه ~~الحكم على كلمة من كلام الله تعالى بأنها حشو ضائع فاسد ، والعاقل لا يجوز ~~المصير إليه من غير ضرورة ، فأما قول الواحدي : المراد من كلمة ( من ) ههنا ~~هو الكل فهو عين ما قاله أبو عبيدة لأن حاصله أن قوله : { يغفر لكم من ~~ذنوبكم } هو أنه يغفر لكم ذنوبكم وهذا عين ما نقله عن أبي عبيدة ، وحكي عن ~~سيبويه إنكاره ، وأما PageV19P074 قوله : المراد منه إبدال السيئة بالحسنة ~~فليس في اللغة أن كلمة من تفيد الإبدال ، وأما قول صاحب ( الكشاف ) : ~~المراد تمييز خطاب المؤمن عن خطاب الكافر بمزيد التشريف فهو من ms5340 باب الطامات ~~، لأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب ، وإن لم يحصل كان ~~هذا الجواب فاسدا ، وأما قول الأصم فقد سبق إبطاله ، وأما قول القاضي ~~فجوابه : أن الكافر إذا أسلم صارت ذنوبه بأسرها مغفورة لقوله عليه السلام : ~~( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) فثبت أن جميع ما ذكروه من التأويلات ~~تعسف ساقط بل المراد ما ذكرنا أنه تعالى يغفر بعض ذنوبه من غير توبة وهو ما ~~عدا الكفر ، وأما الكفر فهو أيضا من الذنوب وأنه تعالى لا يغفره إلا ~~بالتوبة ، وإذا ثبت أنه تعالى يغفر كبائر كافر من غير توبة بشرط أن يأتي ~~بالإيمان فبأن تحصل هذه الحالة للمؤمن كان أولى ، هذا ما خطر بالبال على ~~سبيل الارتجال والله أعلم بحقيقة الحال . # النوع الثاني : مما وعد الله تعالى به في هذه الآية قوله : { ويؤخركم إلى ~~أجل مسمى } وفيه / وجهان : الأول : المعنى أنكم إن آمنتم أخر الله موتكم ~~إلى أجل مسمى وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال . الثاني : قال ابن عباس : ~~المعنى يمتعكم في الدنيا بالطيبات واللذات إلى الموت . # فإن قيل : أليس إنه تعالى قال : { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون } ( الأعراف : 34 ) فكيف قال ههنا : { ويؤخركم إلى أجل مسمى } . # قلنا : قد تكلمنا في هذه المسألة في سورة الأنعام في قوله : { ثم قضى ~~أجلا وأجل مسمى عنده } ( الأنعام : 2 ) ثم حكى تعالى أن الرسل لما ذكروا ~~هذه الأشياء لأولئك الكفار قالوا : { قالت رسلهم أفى الله شك فاطر السماوات ~~والارض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى } . # واعلم أن هذا الكلام مشتمل على ثلاثة أنوع من الشبه : # فالشبهة الأولى : أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية ، فيمتنع ~~أن يبلغ التفاوت بين تلك الأشخاص إلى هذا الحد ، وهو أن يكون الواحد منهم ~~رسولا من عند الله مطلعا على الغيب مخالطا لزمرة الملائكة ، والباقون ~~يكونون غافلين عن كل هذه الأحوال أيضا كانوا يقولون : إن كنت قد فارقتنا في ~~هذه الأحوال العالية الإلهية الشريفة ، وجب أن تفارقنا في الأحوال الخسيسة ms5341 ~~، وفي الحاجة إلى الأكل والشرب والحدث والوقاع ، وهذه الشبهة هي المراد من ~~قولهم : { إن أنتم إلا بشر مثلنا } . # والشبهة الثانية : التمسك بطريقة التقليد ، وهي أنهم وجدوا آباءهم ~~وعلماءهم وكبراءهم مطبقين متفقين على عبادة الأوثان . قالوا ويبعد أن يقال ~~: إن أولئك القدماء على كثرتهم وقوة خواطرهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين ، ~~وأن الرجل الواحد عرف فساده ووقف على بطلانه ، والعوام ربما زادوا في هذا ~~الباب كلاما آخر ، وذلك أن الرجل العالم إذا بين ضعف كلام بعض المتقدمين ~~قالوا له إن كلامك إنما يظهر صحته لو كان المتقدمون حاضرين ، أما المناظرة ~~مع الميت فسهلة ، فهذا كلام يذكره الحمقى والرعاع وأولئك الكفار أيضا ذكروه ~~، وهذه الشبهة هي المراد من قوله : { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~ءاباؤنا } . # والشبهة الثالثة : أن قالوا المعجز لا يدل على الصدق أصلا ، وإن كانوا ~~سلموا على أن المعجز يدل على الصدق ، إلا أن الذي جاء به أولئك الرسل طعنوا ~~فيه وزعموا أنها أمور معتادة ، وأنها ليست من باب PageV19P075 المعجزات ~~الخارجة عن قدرة البشر ، وإلى هذا النوع من الشبهة الإشارة بقوله : { ~~فأتونا بسلطان مبين } فهذا تفسير هذه الآية بحسب الوسع والله أعلم . # ! 7 < { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولاكن الله يمن على من يشآء ~~من عباده وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون * وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على مآ ~~آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون } > 7 ! # / < < # | إبراهيم : ( 11 - 12 ) قالت لهم رسلهم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة ، حكى ~~عن الأنبياء عليهم السلام جوابهم عنها . # أما الشبهة الأولى : وهي قولهم : { إن أنتم إلا بشر مثلنا } فجوابه : أن ~~الأنبياء سلموا أن الأمر كذلك ، لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية ~~والإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة لأن هذا المنصب منصب ~~يمن الله به على من يشاء من عباده ، فإذا كان الأمر كذلك فقد سقطت هذه ~~الشبهة . # واعلم أن ms5342 هذا المقام فيه بحث شريف دقيق ، وهو أن جماعة من حكماء الإسلام ~~قالوا : إن الإنسان ما لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصا بخواص شريفة علوية ~~قدسية ، فإنه يمتنع عقلا حصول صفة النبوة له . وأما الظاهريون من أهل السنة ~~والجماعة ، فقد زعموا أن حصول النبوة عطية من الله تعالى يهبها لكل من يشاء ~~من عباده ، ولا يتوقف حصولها على امتياز ذلك الإنسان عن سائر الناس بمزيد ~~إشراق نفساني وقوة قدسية ، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية ، فإنه تعالى بين أن ~~حصول النبوة ليس إلا بمحض المنة من الله تعالى والعطية منه ، والكلام من ~~هذا الباب غامض غائص دقيق ، والأولون أجابوا عنه بأنهم لم يذكروا فضائلهم ~~النفسانية والجسدانية تواضعا منهم ، واقتصروا على قولهم : { ولاكن الله يمن ~~على من يشاء من عباده } بالنبوة ، لأنه قد علم أنه تعالى لا يخصهم بتلك ~~الكرامات إلا وهم موصوفون بالفضائل التي لأجلها استوجبوا ذلك التخصيص ، كما ~~قال تعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) . # / وأما الشبهة الثانية : وهي قولهم : إطباق السلف على ذلك الدين يدل على ~~كونه حقا ، لأنه يبعد أن يظهر للرجل الواحد ما لم يظهر للخلق العظيم ، ~~فجوابه : عين الجواب المذكور عن الشبهة الأولى ، لأن التمييز بين الحق ~~والباطل والصدق والكذب عطية من الله تعالى وفضل منه ، ولا يبعد أن يخص بعض ~~عبيده بهذه العطية وأن يحرم الجمع العظيم منها . # وأما الشبهة الثالثة : وهي قولهم : إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم ~~بها ، وإنما نريد معجزات قاهرة قوية . PageV19P076 # فالجواب عنها : قوله تعالى : { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن ~~الله } وشرح هذا الجواب أن المعجزة التي جئنا بها وتمسكنا بها حجة قاطعة ~~وبينة قاهرة ودليل تام ، فأما الأشياء التي طلبتموها فهي أمور زائدة والحكم ~~فيها لله تعالى فإن خلقها وأظهرها فله الفضل وإن لم يخلقها فله العدل ولا ~~يحكم عليه بعد ظهور قدر الكفاية . ثم إنه تعالى حكى عن الأنبياء والرسل ~~عليهم السلام أنهم قالوا بعد ذلك : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } والظاهر ~~أن الأنبياء لما ms5343 أجابوا عن شبهاتهم بذلك الجواب فالقوم أخذوا في السفاهة ~~والتخويف والوعيد ، وعند هذا قالت الأنبياء عليهم السلام : لا نخاف من ~~تخويفكم ولا نلتفت إلى تهديدكم فإن توكلنا على الله واعتمادنا على فضل الله ~~ولعل الله سبحانه كان قد أوحى إليهم أن أولئك الكفرة لا يقدرون على إيصال ~~الشر والآفة إليهم وإن لم يكن حصل هذا الوحي / فلا يبعد منهم أن لا يلتفتوا ~~إلى سفاهتهم لما أن أرواحهم كانت مشرقة بالمعارف الإلهية مشرقة بأضواء عالم ~~الغيب والروح متى كانت موصوفة بهذه الصفات فقلما يبالي بالأحوال الجسمانية ~~وقلما يقيم لها وزنا في حالتي السراء والضراء وطورى الشدة والرخاء ، فلهذا ~~السبب توكلوا على الله وعولوا على فضل الله وقطعوا أطماعهم عما سوى الله ، ~~والذي يدل على أن المراد ما ذكرناه قوله تعالى حكاية عنهم : { وما لنا ألا ~~نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما اذيتمونا } يعني أنه تعالى ~~لما خصنا بهذه الدرجات الروحانية ، والمعارف الإلهية الربانية فكيف يليق ~~بنا أن لا نتوكل على الله ، بل اللائق بنا أن لا نتوكل إلا عليه ولا نعول ~~في تحصيل المهمات إلا عليه ، فإن من فاز بشرف العبودية ووصل إلى مكان ~~الإخلاص والمكاشفة يقبح به أن يرجع في أمر من الأمور إلى غير الحق سواء كان ~~ملكا له أو ملكا أو روحا أو جسما ، وهذه الآية دالة على أنه تعالى يعصم ~~أولياءه المخلصين في عبوديته من كيد أعدائهم ومكرهم ، ثم قالوا : { ولنصبرن ~~على ما اذيتمونا } فإن الصبر مفتاح الفرج ، ومطلع الخيرات ، والحق لا بد ~~وأن يصير غالبا قاهرا ، والباطل لا بد وأن يصير مغلوبا مقهورا ، ثم أعادوا ~~قولهم : { وعلى الله فليتوكل المتوكلون } والفائدة فيه أنهم أمروا أنفسهم ~~بالتوكل على الله في قوله / { وما لنا * أن لا * نتوكل على الله } ثم لما ~~فرغوا من أنفسهم أمروا أتباعهم بذلك وقالوا : { وعلى الله فليتوكل ~~المتوكلون } وذلك يدل على أن الآمر بالخير لا يؤثر قوله إلا إذا أتى بذلك ~~الخير أولا ، ورأيت في كلام الشيخ أبي حامد الغزالي رحمه ms5344 الله فصلا حسنا ~~وحاصله : أن الإنسان إما أن يكون ناقصا أو كاملا أو خاليا عن الوصفين ، أما ~~الناقص فإما أن يكون ناقصا في ذاته ولكنه لا يسعى في تنقيص حال غيره ، وإما ~~أن يكون ناقصا ويكون مع ذلك ساعيا في تنقيص حال الغير ، فالأول : هو الضال ~~، والثاني : هو الضال المضل ، وأما الكامل فإما أن يكون كاملا ولا يقدر على ~~تكميل الغير وهم الأولياء ، وإما أن يكون كاملا ويقدر على تكميل الناقصين ~~وهم الأنبياء ولذلك قال عليه السلام : ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) ~~ولما كانت مراتب النقصان والكمال ومراتب الإكمال والإضلال غير متناهية بحسب ~~الكمية والكيفية ، لا جرم كانت مراتب الولاية والحياة غير متناهية بحسب ~~الكمال والنقصان ، فالولي هو الإنسان الكامل الذي لا يقوى على التكميل ، ~~والنبي هو الإنسان الكامل المكمل ، ثم قد تكون قوته الروحانية النفسانية ~~وافية بتكميل إنسانين ناقصين وقد تكون أقوى من ذلك فيفي بتكميل عشرة ومائة ~~وقد تكون تلك القوة قاهرة قوية تؤثر تأثير الشمس في العالم فيقلب أرواح ~~أكثر أهل العلم من مقام الجهل إلى مقام المعرفة ومن طلب الدنيا إلى طلب ~~الآخرة ، وذلك مثل روح محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن وقت ظهوره كان العالم ~~مملوءا من اليهود وأكثرهم كانوا مشبهة ومن النصارى وهم حلولية ومن المجوس ~~وقبح مذاهبهم PageV19P077 ظاهر ومن عبدة الأوثان وسخف دينهم أظهر من أن ~~يحتاج إلى بيان فلما ظهرت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم سرت قوة روحه في ~~الأرواح فقلب أكثر أهل العالم من الشرك إلى التوحيد ، ومن التجسيم إلى ~~التنزيه ، ومن الاستغراق في طلب الدنيا إلى التوجه إلى عالم الآخرة ، فمن ~~هذا المقام ينكشف للإنسان مقام النبوة والرسالة . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وما لنا * أن لا * نتوكل على الله } إشارة ~~إلى ما كانت حاصلة لهم من كمالات نفوسهم / وقولهم في آخر الأمر ، وعلى الله ~~فليتوكل المتوكلون ، إشارة إلى تأثير أرواحهم الكاملة في تكميل الأرواح ~~الناقصة فهذه أسرار عالية مخزونة في ألفاظ القرآن ، فمن نظر في علم القرآن ~~وكان ms5345 غافلا عنها كان محروما من أسرار علوم القرآن والله أعلم ، وفي الآية ~~وجه آخر وهو أن قوله : { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون } المراد منه أن الذين يطلبون سائر المعجزات وجب ~~عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله تعالى لا عليها ، فإن شاء أظهرها وإن ~~شاء لم يظهرها . # / وأما قوله في آخر الآية : { ولنصبرن على ما اذيتمونا وعلى الله فليتوكل ~~المتوكلون } المراد منه الأمر بالتوكل على الله في دفع شر الناس الكفار ~~وسفاهتهم ، وعلى هذا التقدير فالتكرار غير حاصل لأن قوله : { وعلى الله ~~فليتوكل } وارد في موضعين مختلفين بحسب مقصودين متغايرين ، وقيل أيضا : ~~الأول : ذكر لاستحداث التوكل . والثاني : للسعي في إبقائه وإدامته والله ~~أعلم . # ! 7 < { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنآ أو لتعودن فى ملتنا ~~فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الا رض من بعدهم ذالك لمن ~~خاف مقامى وخاف وعيد * واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد * من ورآئه جهنم ويسقى ~~من مآء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ~~ومن ورآئه عذاب غليظ } > 7 ! # < < # | إبراهيم : ( 13 - 17 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأنبياء عليهم السلام ، أنهم اكتفوا في ~~دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه والاعتماد على حفظه وحياطته ، حكى عن الكفار ~~أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا : { لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن فى ملتنا } ~~والمعنى : ليكونن أحد الأمرين لا محالة إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا . ~~والسبب فيه أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين وأهل الباطل يكونون ~~كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين ، فلهذه الأسباب قدروا ~~على هذه السفاهة . # فإن قيل : هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها . ~~PageV19P078 # قلنا : الجواب من وجوه : # الوجه الأول : أن أولئك الأنبياء عليهم السلام إنما نشأوا في تلك البلاد ~~وكانوا من تلك / القبائل في أول الأمر ما أظهروا المخالفة مع أولئك الكفار ~~، بل كانوا في ظاهر الأمر معهم من غير إظهار مخالفة ms5346 فالقوم ظنوا لهذا السبب ~~أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فلهذا السبب قالوا : { أو لتعودن فى ~~ملتنا } . # الوجه الثاني : أن هذا حكاية كلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن ~~يكونوا صادقين فيه فلعلهم توهموا ذلك مع أنه ما كان الأمر كما توهموه . # الوجه الثالث : لعل الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل إلا أن المقصود ~~بهذا الخطاب أتباعهم وأصحابهم ولا بأس أن يقال : إنهم كانوا قبل ذلك لوقت ~~على دين أولئك الكفار . # الوجه الرابع : قال صاحب ( الكشاف ) : العود بمعنى الصيرورة كثير في كلام ~~العرب . # الوجه الخامس : لعل أولئك الأنبياء كانوا قبل إرسالهم على ملة من الملل ، ~~ثم إنه تعالى أوحى إليهم بنسخ تلك الملة وأمرهم بشريعة أخرى وبقي الأقوام ~~على تلك الشريعة التي صارت منسوخة مصرين على سبيل الكفر ، وعلى هذا التقدير ~~فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء أن يعودوا إلى تلك الملة . # الوجه السادس : لا يبعد أن يكون المعنى : أو لتعودن في ملتنا ، أي إلى ما ~~كنتم عليه قبل إدعاء الرسالة من السكوت عن ذكر معايبة ديننا وعدم التعرض له ~~بالطعن والقدح وعلى جميع هذه الوجوه فالسؤال زائل والله أعلم . # واعلم أن الكفار لما ذكروا هذا الكلام قال تعالى : { فأوحى إليهم ربهم ~~لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الارض من بعدهم } قال صاحب ( الكشاف ) : { ~~لنهلكن الظالمين } حكاية تقتضي إضمار القول أو إجراء الإيحاء مجرى القول ~~لأنه ضرب منه ، وقرأ أبو حيوة : { * ليهلكن الظالمين وليسكننكم } بالياء ~~اعتبارا لأوحى فإن هذا اللفظ لفظ الغيبة ونظيره قولك أقسم زيد ليخرجن ~~ولأخرجن ، والمراد بالأرض { أرض * الظالمين * وديارهم } ونظيره قوله : { ~~وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها } ( الأعراف : ~~137 ) . { وأورثكم أرضهم وديارهم } ( الأحزاب : 27 ) وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ( من آذى جاره أورثه الله داره ) واعلم أن هذه الآية تدل على ~~أن من توكل على ربه في دفع عدوه كفاه الله أمر عدوه . # ثم قال تعالى : { ذالك لمن خاف مقامى وخاف وعيد } فقوله ذلك إشارة إلى أن ~~ما قضى الله تعالى به ms5347 من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم أثر ذلك ~~الأمر حق لمن خاف مقامي وفيه وجوه : الأول : المراد موقفي وهو موقف الحساب ~~، لأن ذلك الموقف موقف الله تعالى الذي يقف فيه عباده يوم القيامة ، ونظيره ~~قوله : { وأما من خاف مقام ربه } ( النازعات : 40 ) وقوله : { ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) / الثاني : أن المقام مصدر كالقيامة ، ~~يقال : قام قياما ومقاما ، قال الفراء : ذلك لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي ~~إياه كقوله : { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } ( الرعد : 33 ) . ~~الثالث : { ذالك لمن خاف مقامى } أي إقامتي على العدل والصواب فإنه تعالى ~~لا يقضي إلا بالحق ولا يحكم إلا بالعدل وهو تعالى مقيم على العدل لا يميل ~~عنه ولا ينحرف ألبتة . الرابع : { ذالك لمن خاف مقامى } أي مقام العائذ ~~عندي وهو من باب إضافة المصدر إلى PageV19P079 المفعول ، الخامس : { ذالك ~~لمن خاف مقامى } أي لم خافني ، وذكر المقام ههنا مثل ما يقال : سلام الله ~~على المجلس الفلاني العالي والمراد : سلام الله على فلان فكذا ههنا . # ثم قال تعالى : { وخاف وعيد } قال الواحدي : الوعيد اسم من أوعد إيعادا ~~وهو التهديد . قال ابن عباس : خاف ما أوعدت من العذاب . # واعلم أنه تعالى ذكر أولا قوله : { ذالك لمن خاف مقامى } ثم عطف عليه ~~قوله : { وخاف وعيد } فهذا يقتضي أن يكون الخوف من الله تعالى مغايرا للخوف ~~من وعيد الله ، ونظيره : أن حب الله تعالى مغاير لحب ثواب الله ، وهذا مقام ~~شريف عال في أسرار الحكمة والتصديق . # ثم قال : { واستفتحوا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : للاستفتاح ههنا معنيان : أحدهما : طلب الفتح بالنصرة ، ~~فقوله : { واستفتحوا } أي واستنصروا الله على أعدائهم ، فهو كقوله : { إن ~~تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } ( الأنفال : 19 ) . والثاني : الفتح الحكم ~~والقضاء ، فقول ربنا : { واستفتحوا } أي واستحكموا وسألوه القضاء بينهم ، ~~وهو مأخوذ من الفتاحة وهي الحكومة كقوله : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق } ( الأعراف : 19 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : كلا القولين ذكره المفسرون . أما على القول الأول ~~فالمستفتحون هم الرسل ، وذلك لأنهم استنصروا الله ودعوا على قومهم ms5348 بالعذاب ~~لما أيسوا من إيمانهم : { قال نوح رب * لا تذر على الارض من الكافرين ديارا ~~} ( نوح : 26 ) وقال موسى : { ربنا اطمس } ( يونس : 88 ) الآية . وقال لوط ~~: { رب انصرنى على القوم المفسدين } ( العنكبوت : 30 ) وأما على القول ~~الثالث : وهو طلب الحكمة والقضاء فالأولى أن يكون المستفتحون هم الأمم وذلك ~~أنهم قالوا : اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا ، ومنه قول كفار قريش ~~: { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } ( ~~الأنفال : 32 ) . وكقول آخرين { ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين } ( ~~العنكبوت : 29 ) . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { واستفتحوا } معطوف على ~~قوله : { فأوحى إليهم } وقرىء واستفتحوا بلفظ الأمر وعطفه على قوله : { ~~لنهلكن } أي أوحى إليهم ربهم ، وقال لهم : { لنهلكن } وقال لهم { * ~~استفتحوا } . # / ثم قال تعالى : { واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : إن قلنا : المستفتحون هم الرسل ، كان المعنى أن الرسل ~~استفتحوا فنصروا وظفروا بمقصودهم وفازوا { وخاب كل جبار عنيد } وهم قومهم ؛ ~~وإن قلنا : المستفتحون هم الكفرة ، فكان المعنى : أن الكفار استفتحوا على ~~الرسل ظنا منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل { وخاب كل جبار عنيد } ~~منهم وما أفلح بسبب استفتاحه على الرسل . # المسألة الثانية : الجبار ههنا المتكبر على طاعة الله وعبادته . ومنه ~~قوله تعالى : { ولم يكن جبارا عصيا } ( مريم : 14 ) قال أبو عبيدة عن ~~الأحمر : يقال فيه جبرية وجبروة وجبروت وجبورة ، وحكى الزجاج : الجبرية ~~والجبر بكسر الجيم والباء والنجبار والجبرياء . قال الواحدي : فهي ثمان ~~لغات في مصدر الجبار ، وفي الحديث أن امرأة حضرت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأمرها أمرا فأبت عليه فقال : ( دعوها فإنها جبارة ) أي مستكبرة ، وأما ~~PageV19P080 العنيد فقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقه ، قال النضر بن شميل : ~~العنود الخلاف والتباعد والترك ، وقال غيره : أصله من العند وهو الناحية ~~يقال : فلان يمشي عندا ، أي ناحية ، فمعنى عاند وعند . أخذ في ناحية معرضا ~~، وعاند فلان فلانا إذا جانبه وكان منه على ناحية . # إذا عرفت هذا فنقول : كونه جبارا متكبرا إشارة إلى ms5349 الخلق النفساني وكونه ~~عنيدا إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق ، وهو كونه مجانبا عن الحق ~~منحرفا عنه ، ولا شك أن الإنسان الذي يكون خلقه هو التجبر والتكبر وفعله هو ~~العنود وهو الانحراف عن الحق والصدق ، كان خائبا عن كل الخيرات خاسرا عن ~~جميع أقسام السعادات . # واعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة ووصفه بكونه جبارا عنيدا ، وصف ~~كيفية عذابه بأمور : الأول : قوله : { من ورائه جهنم } وفيه إشكال وهو أن ~~المراد : أمامه جهنم ، فكيف أطلق لفظ الوراء على القدام والأمام ؟ # وأجابوا عنه من وجوه : الأول : أن لفظ ( وراء ) اسم لما يوارى عنك ، ~~وقدام وخلف متوار عنك ، فصح إطلاق لفظ ( وراء ) على كل واحد منهما . قال ~~الشاعر : # % عسى الكرب الذي أمسيت فيه % % يكون وراءه فرج قريب % # ويقال أيضا : الموت وراء كل أحد . الثاني : قال أبو عبيدة وابن السكيت : ~~الوراء من الأضداد يقع على الخلف والقدام ، والسبب فيه أن كل ما كان خلفا ~~فإنه يجوز أن ينقلب قداما وبالعكس ، فلا جرم جاز وقوع لفظ الوراء على ~~القدام ، ومنه قوله تعالى : { وكان وراءهم ملك يأخذ } ( الكهف : 79 ) أي ~~أمامهم ، / ويقال : الموت من وراء الإنسان . الثاني : قال ابن الأنباري ( ~~وراء ) بمعنى بعد . قال الشاعر : # وليس وراء الله للمرء مذهب # أي وليس بعد الله مذهب . # إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكم عليه بالخيبة في قوله : { وخاب كل ~~جبار عنيد } . # ثم قال : { ومن ورائه * جهنم } أي ومن بعده الخيبة يدخل جهنم . # النوع الثاني : مما ذكره الله تعالى من أحوال هذا الكافر قوله : { ويسقى ~~من ماء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه } وفيه سؤالات : # السؤال الأول : علام عطف { ويسقى } . # الجواب : على محذوف تقديره : من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد ~~. # السؤال الثاني : عذاب أهل النار من وجوه كثيرة ، فلم خص هذه الحالة ~~بالذكر ؟ # الجواب : يشبه أن تكون هذه الحالة أشد أنواع العذاب فخصص بالذكر مع قوله ~~: { ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت } . # السؤال الثالث : ما وجه قوله : { من ماء صديد } . PageV19P081 # الجواب : أنه عطف ms5350 بيان والتقدير : أنه لما قال : { ويسقى من ماء } فكأنه ~~قيل : وما ذلك الماء فقال : { صديد } والصديد ما يسيل جلود أهل النار . ~~وقيل : التقدير ويسقى من ماء كالصديد . وذلك بأن يخلق الله تعالى في جهنم ~~ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة ، وهو أيضا يكون في نفسه صديدا ، ~~لأن كراهته تصد عن تناوله وهو كقوله : { وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } ( ~~محمد : 15 ) . { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب } ~~( الكهف : 29 ) . # السؤال الرابع : ما معنى يتجرعه ولا يكاد يسيغه . # الجواب : التجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار ، ويقال : ساغ ~~الشراب في الحلق يسوغ سوغا وأساغه إساغة . واعلم أن ( يكاد ) فيه قولان : # القول الأول : أن نفيه إثبات ، وإثباته نفي ، فقوله : { ولا يكاد يسيغه } ~~أي ويسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول : ما كدت أقوم ، أي قمت بعد إبطاء قال ~~تعالى : { فذبحوها وما كادوا يفعلون } ( البقرة : 7 ) يعني فعلوا بعد إبطاء ~~، والدليل على حصول الإساغة قوله تعالى : { يصهر به ما فى بطونهم والجلود } ~~( الحج : 20 ) ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة ، وأيضا فإن قوله : { يتجرعه ~~} يدل على أنهم أساغوا الشيء بعد الشيء فكيف يصح أن يقال بعده إنه يسيغه ~~ألبتة . # / والقول الثاني : أن كاد للمقاربة فقول : { لا يكادون } لنفي المقاربة ~~يعني : ولم يقارب أن يسيغه فكيف يحصل الإساغة كقوله تعالى : { لم يكد يراها ~~} ( النور : 40 ) أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها . # فإن قيل : فقد ذكرتم الدليل على حصول الإساغة ، فكيف الجمع بينه وبين هذا ~~الوجه . # قلنا عنه جوابان : أحدهما : أن المعنى : لا يسيغ جميعه كأنه يجرع البعض ~~وما ساغ الجميع . الثاني : أن الدليل الذي ذكرتم إنما دل على وصول بعض ذلك ~~الشراب إلى جوف الكافر ، إلا أن ذلك ليس بإساغة ، لأن الإساغة في اللغة ~~إجراء الشراب في الحلق بقبول النفس واستطابة المشروب والكافر يتجرع ذلك ~~الشراب على كراهية ولا يسيغه ، أي لا يستطيبه ولا يشربه شربا بمرة واحدة ~~وعلى هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة والله أعلم . # النوع ms5351 الثالث : مما ذكره الله تعالى في وعيد هذا الكافر قوله : { ويأتيه ~~الموت من كل مكان وما هو بميت } ( إبراهيم : 17 ) والمعنى : أن موجبات ~~الموت أحاطت به من جميع الجهات ، ومع ذلك فإنه لا يموت وقيل من كل جزء من ~~أجزاء جسده . # النوع الرابع : قوله : { ومن ورائه عذاب غليظ } وفيه وجهان : الأول : أن ~~المراد من العذاب الغليظ كونه دائما غير منقطع . الثاني : أنه في كل وقت ~~يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله . قال المفضل : هو قطع الأنفاس وحبسها في ~~الأجساد ، والله أعلم . # ! 7 < { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ~~لا يقدرون مما كسبوا على شىء ذالك هو الضلال البعيد * ألم تر أن الله خلق ~~السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذالك على الله ~~بعزيز } > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 18 - 20 ) مثل الذين كفروا . . . . . # > > PageV19P082 # اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع عذابهم في الآية المتقدمة بين في هذه الآية ~~أن أعمالهم بأسرها تصير ضائعة باطلة لا ينتفعون بشيء منها وعند هذا يظهر ~~كمال خسرانهم لأنهم لا يجدون في القيامة / إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه ~~في الدنيا وجدوه ضائعا باطلا ، وذلك هو الخسران الشديد . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في ارتفاع قوله : { مثل الذين } وجوه : الأول : قال ~~سيبويه : التقدير : وفيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ، أو مثل الذين كفروا ~~فيما يتلى عليكم ، وقوله : { كرماد } جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل ~~يقول : كيف مثلهم فقيل : أعمالهم كرماد . الثاني : قال الفراء : التقدير ~~مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد فحذف المضاف اعتمادا على ذكره بعد ~~المضاف إليه وهو قوله : { أعمالهم } ومثله قوله تعالى : { الذى أحسن كل شىء ~~خلقه } ( السجدة : 7 ) أي خلق كل شيء ، وكذا قوله : { ويوم القيامة ترى ~~الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } ( الزمر : 60 ) المعنى ترى وجوه الذين ~~كذبوا على الله مسودة . الثالث : أن يكون التقدير صفة الذين كفروا أعمالهم ~~كرماد ، كقولك صفة زيد عرضه مصون ، وماله مبذول . الرابع : أن تكون أعمالهم ~~بدلا من قوله ms5352 : { مثل الذين كفروا } والتقدير : مثل أعمالهم وقوله : { ~~كرماد } هو الخبر . الخامس : أن يكون المثل صلة وتقديره : الذين كفروا ~~أعمالهم . # المسألة الثانية : اعلم أن وجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال ~~، هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد ~~أثر ولا خبر ، فكذا ههنا أن كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لم يبق من تلك ~~الأعمال معهم خبر ولا أثر ، ثم اختلفوا في المراد بهذه الأعمال على وجوه : # الوجه الأول : أن المراد منها ما عملوه من أعمال البر كالصدقة وصلة الرحم ~~وبر الوالدين وإطعام الجائع ، وذلك لأنها تصير محبطة باطلة بسبب كفرهم ، ~~ولولا كفرهم لانتفعوا بها . # والوجه الثاني : أن المراد من تلك الأعمال عبادتهم للأصنام وما تكلفوه من ~~كفرهم الذي ظنوه إيمانا وطريقا إلى الخلاص ، والوجه في خسرانهم أنهم أتعبوا ~~أبدانهم فيها الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالا عليهم . # والوجه الثالث : أن المراد من هذه الأعمال كلا القسمين ، لأنهم إذا رأوا ~~الأعمال التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت ، والأعمال التي ظنوها خيرات ~~وأفنوا فيها أعمارهم قد بطلت أيضا وصارت من أعظم الموجبات لعذابهم فلا شك ~~أنه تعظم حسرتهم وندامتهم فلذلك قال تعالى : { وذالك هو * الضلال البعيد } ~~. # المسألة الثالثة : قرىء الرياح في يوم عاصف جعل العصف لليوم ، وهو لما ~~فيه وهو الريح أو الرياح كقولك : يوم ماطر وليلة ساكرة ، وإنما السكور ~~لريحها قال الفراء : وإن شئت قلت / في يوم ذي عصوف ، وإن PageV19P083 شئت ~~قلت : في يوم عاصف الريح فحذف ذكر الريح لكونه مذكورا قبل ذلك ، وقرىء في ~~يوم عاصف بالإضافة . # المسألة الرابعة : قوله : { لا يقدرون مما كسبوا على شىء } أي لا يقدرون ~~مما كسبوا على شيء منتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة وذلك لأنه ضاع ~~بالكلية وفسد / وهذه الآية دالة على كون العبد مكتسبا لأفعاله . # واعلم أنه تعالى لما تمم هذا المثال قال : { ألم تر أن الله خلق * ~~السماوات والارض بالحق } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : وجه النظم أنه تعالى لما بين أن أعمالهم ms5353 تصير باطلة ~~ضائعة ، بين أن ذلك البطلان والإحباط إنما جاء بسبب صدر منهم وهو كفرهم ~~بالله وإعراضهم عن العبودية فإن الله تعالى لا يبطل أعمال المخلصين ابتداء ~~، وكيف يليق بحكمته أن يفعل ذلك وأنه تعالى ما خلق كل هذا العالم إلا ~~لداعية الحكمة والصواب . # المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي : { خالق * السماوات والارض } على ~~اسم الفاعل على أنه خبر أن والسموات والأرض على الإضافة كقوله : { فاطر * ~~السماوات والارض } ( إبراهيم : 10 ) . { فالق الإصباح } ( الأنعام : 95 ) . ~~و { جعل اليل * سكنا } ( الأنعام : 96 ) والباقون خلق على فعل الماضي : { ~~السماء والارض } بالنصب لأنه مفعول . # المسألة الثالثة : قوله : { بالحق } نظير لقوله في سورة يونس : { وما خلق ~~الله * ذالك إلا بالحق } ( يونس : 5 ) ولقوله في آل عمران : { ربنا ما خلقت ~~هذا باطلا } ( آل عمران : 191 ) ولقوله في ص : { وما خلقنا السماء والارض ~~وما بينهما باطلا } ( ص: 27 ) أما أهل السنة فيقولون إلا بالحق وهو ~~دلالتهما على وجود الصانع وعلمه وقدرته ، وأما المعتزلة فيقولون : إلا ~~بالحق ، أي لم يخلق ذلك عبثا بل لغرض صحيح . # ثم قال تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } والمعنى : أن من كان ~~قادرا على خلق السموات والأرض بالحق ، فبأن يقدر على إفناء قوم وإماتتهم ~~وعلى إيجاد آخرين وإحيائهم كان أولى ، لأن القادر على الأصعب الأعظم بأن ~~يكون قادرا على الأسهل الأضعف أولى . قال ابن عباس : هذا الخطاب مع كفار ~~مكة ، يريد أميتكم يا معشر الكفار ، وأخلق قوما خيرا منكم وأطوع منكم . # ثم قال : { وما ذالك على الله بعزيز } أي ممتنع لما ذكرنا أن القادر على ~~إفناء كل العالم وإيجاده بأن يكون قادرا على إفناء أشخاص مخصوصين وإيجاده ~~أمثالهم أولى وأحرى ، والله أعلم . # ! 7 < { وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ~~فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شىء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سوآء ~~علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص } > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 21 ) وبرزوا لله جميعا . . . . . # > > PageV19P084 # / اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف عذاب هؤلاء الكفار ثم ms5354 ذكر عقيبه أن ~~أعمالهم تصير محبطة باطلة ، ذكر في هذه الآية كيفية خجالتهم عند تمسك ~~أتباعهم وكيفية افتضاحهم عندهم . وهذا إشارة إلى العذاب الروحاني الحاصل ~~بسبب الفضيحة والخجالة ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : برز معناه في اللغة ظهر بعد الخفاء . ومنه يقال للمكان ~~الواسع : البراز لظهوره ، وقيل في قوله : { وترى الارض بارزة } ( الكهف : ~~47 ) أي ظاهرة لا يسترها شيء ، وامرأة برزة إذا كانت تظهر للناس . ويقال : ~~برز فلان على أقرانه إذا فاقهم وسبقهم ، وأصله في الخيل إذا سبق أحدها . ~~قيل : برز عليها كأنه خرج من غمارها فظهر . # إذا عرفت هذا فنقول : ههنا أبحاث : # البحث الأول : قوله : { وبرزوا } ورد بلفظ الماضي وإن كان معناه ~~الاستقبال ، لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق وحق ، فصار كأنه قد حصل ~~ودخل في الوجود ونظيره قوله : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } ( الأعراف ~~: 50 ) . # البحث الثاني : قد ذكرنا أن البروز في اللغة عبارة عن الظهور بعد ~~الاستتار وهذا في حق الله تعالى محال ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجوه ~~: الأول : أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك ~~خاف على الله تعالى ، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم ~~وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية . الثاني : أنهم خرجوا من قبورهم فبرزوا ~~لحساب الله وحكمه . الثالث : وهو تأويل الحكماء أن النفس إذا فارقت الجسد ~~فكأنه زال الغطاء والوطاء وبقيت متجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك ~~هو البروز لله . # / البحث الثالث : قال أبو بكر الأصم قوله : { وبرزوا لله } هو المراد من ~~قوله في الآية السابقة : { ومن ورائه عذاب غليظ } ( إبراهيم : 17 ) . # واعلم أن قوله : { وبرزوا لله } قريب من قوله : { يوم تبلى السرائر * فما ~~له من قوة ولا ناصر } ( الطارق : 9 ، 10 ) وذلك لأن البواطن تظهر في ذلك ~~اليوم والأحوال الكامنة تنكشف فإن كانوا من السعداء برزوا للحاكم الحكيم ~~بصفاتهم القدسية ، وأحوالهم العلوية ، ووجوههم المشرقة ، وأرواحهم الصافية ~~المستنيرة فيتجلى لها نور الجلال ؛ ويعظم فيها إشراق عالم القدس ، فما ms5355 أجل ~~تلك الأحوال وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف العظمة ، ومنازل الكبرياء ~~ذليلين مهينين خاضعين خاشعين واقعين في خزي الخجالة ، ومذلة الفضيحة ، ~~وموقف المهانة والفزع ، نعوذ بالله منها . ثم حكى الله تعالى أن الضعفاء ~~يقولون للرؤساء : هل تقدرون على دفع عذاب الله عنا ؟ والمعنى : أنه إنما ~~اتبعناكم لهذا اليوم ، ثم إن الرؤساء يعترفون بالخزي والعجز والذل . قالوا ~~: { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } ومن المعلوم أن اعتراف ~~الرؤساء والسادة والمتبوعين بمثل هذا العجز والخزي والنكال يوجب الخجالة ~~العظيمة والخزي الكامل التام ، فكان المقصود من ذكر هذه الآية : استيلاء ~~عذاب الفضيحة والخجالة والخزي عليهم مع ما تقدم ذكره من سائر وجوه أنواع ~~العذاب والعقاب نعوذ بالله منها . والله أعلم . PageV19P085 # المسألة الثانية : كتبوا الضعفاء بواو قبل الهمزة في بعض المصاحف / ~~والسبب فيه أنه كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ، ~~ونظيره علماء بني إسرائيل . # المسألة الثالثة : الضعفاء الأتباع والعوام ، والذين استكبروا هم السادة ~~والكبراء . قال ابن عباس : المراد أكابرهم الذين استكبروا عن عبادة الله ~~تعالى : { إنا كنا لكم تبعا } أي في الدنيا . قال الفراء وأكثر أهل اللغة : ~~التبع تابع مثل خادم وخدم وباقر وبقر وحارس وحرس وراصد ورصد قال الزجاج : ~~وجائز أن يكون مصدرا سمي به ، أي كنا ذوي تبع . # واعلم أن هذه التبعية يحتمل أن يقال : المراد منها التبعية في الكفر ، ~~ويحتمل أن يكون المراد منها التبعية في أحوال الدنيا : { فهل أنتم مغنون ~~عنا من عذاب الله من شىء } أي هل يمكنكم دفع عذاب الله عنا . # فإن قيل : فما الفرق بين من في قوله : { من عذاب الله } وبينه في قوله : ~~{ من شىء } . # قلنا : كلاهما للتبعيض بمعنى : هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو عذاب الله ~~أي بعض عذاب الله وعند هذا حكى الله تعالى عن الذين استكبروا أنهم قالوا : ~~{ لو هدانا الله لهديناكم } وفيه وجوه / الأول : قال ابن عباس : معناه لو ~~أرشدنا الله لأرشدناكم ، قال الواحدي : معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال ، ~~لأن الله ms5356 تعالى أضلهم ولم يهدهم فدعوا أتباعهم إلى الضلال ولو هداهم لدعوهم ~~إلى الهدى قال صاحب ( الكشاف ) : لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه ويدل ~~عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين : { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له ~~كما يحلفون لكم } ( المجادلة : 18 ) . # واعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة فكان هذا القول ~~منه مخالفا لأصول مشايخه فلا يقبل منه ، الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : ~~يجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم ~~إلى الإيمان . وذكر القاضي هذا الوجه وزيفه بأن قال : لا يجوز حمل هذا على ~~اللطف ، لأن ذلك قد فعله الله تعالى . والثالث : أن يكون المعنى لو خلصنا ~~الله من العقاب وهدانا إلى طريق الجنة لهديناكم ، والدليل على أن المراد من ~~الهدى هذا الذي ذكرناه أن هذا هو الذي التمسوه وطلبوه فوجب أن يكون المراد ~~من الهداية هذا المعنى . # ثم قال : { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } أي مستو علينا الجزع والصبر ~~والهمزة وأم للتسوية ونظيره : { اصبروا * أو لا تصبروا سواء عليكم } ( ~~الطور : 16 ) ثم قالوا : ما لنا من محيص ، أي منجي ومهرب ، والمحيص قد يكون ~~مصدرا كالمغيب والمشيب ، ومكانا كالمبيت والمضيق ، ويقال حاص عنه وحاض ~~بمعنى واحد ، والله أعلم . # ! 7 < { وقال الشيطان لما قضى الا مر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى ~~ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخى إنى كفرت بمآ أشركتمون من ~~قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم } > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 22 ) وقال الشيطان لما . . . . . # > > PageV19P086 # اعلم أنه تعالى لما ذكر المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة ~~الإنس ، أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه من الإنس فقال ~~تعالى : { وقال الشيطان لما قضى الامر } وفي المراد بقوله : { لما قضى ~~الامر } وجوه : # / القول الأول : قال المفسرون : إذا استقر أهل الجنة في الجنة ، وأهل ~~النار في النار ، أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه فيقوم في ms5357 النار فيما ~~بينهم خطيبا ويقول ما أخبر الله عنه بقوله : { وقال الشيطان لما قضى الامر ~~} . # القول الثاني : أن المراد من قوله : { قضى الامر } لما انقضت المحاسبة ، ~~والقول الأول أولى ، لأن آخر أمر أهل القيامة استقرار المطيعين في الجنة ~~واستقرار الكافرين في النار ، ثم يدوم الأمر بعد ذلك . # والقول الثالث : وهو أن مذهبنا أن الفساق من أهل الصلاة يخرجون من النار ~~ويدخلون الجنة فلا يبعد أن يكون المراد من قوله : { لما قضى الامر } ذلك ~~الوقت ، لأن في ذلك الوقت تنقطع الأحوال المعتبرة ، ولا يحصل بعده إلا دوام ~~ما حصل فيه قبل ذلك ، وأما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان لفظ ~~مفرد فيتناول الواحد وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم ، فحمل اللفظ عليه أولى ، ~~لا سيما وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جمع الله الخلق وقضى ~~بينهم يقول الكافر قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا ~~إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول ) . # أما قوله : { إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم } ففيه مباحث : # البحث الأول : المراد أن الله تعالى وعدكم وعد الحق وهو البعث والجزاء ~~على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم ، وتقرير الكلام ~~أن النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية ولا تتصور كيفية السعادات الأخروية ~~والكمالات النفسانية والله يدعو إليها ويرغب فيها كما قال : { والاخرة خير ~~وأبقى } ( الأعلى : 17 ) . # البحث الثاني : قوله : { وعد الحق } من باب إضافة الشيء إلى نفسه كقوله : ~~{ حب * الحصيد } ( ق : 9 ) ومسجد الجامع على قول الكوفيين ، والمعنى : ~~وعدكم الوعد الحق ، وعلى مذهب البصريين يكون التقدير وعد اليوم الحق أو ~~الأمر الحق أو يكون التقدير وعدكم الحق . ثم ذكر المصدر تأكيدا . # البحث الثالث : في الآية إضمار من وجهين : الأول : أن التقدير إن الله ~~وعدكم وعد الحق فصدقكم ووعدتكم فأخلفتكم وحذف ذلك لدلالة تلك الحالة على ~~صدق ذلك الوعد ، لأنهم كانوا يشاهدونها وليس وراء العيان بيان ولأنه ذكر في ~~وعد الشيطان الإخلاف فدل ذلك ms5358 على الصدق في وعد الله تعالى . الثاني : أن في ~~قوله : { ووعدتكم فأخلفتكم } الوعد يقتضي مفعولا ثانيا وحذف ههنا للعلم به ~~، والتقدير : ووعدتكم أن لا جنة ولا نار ولا حشر ولا حساب . PageV19P087 # أما قوله : { وما كان لى عليكم من سلطان } أي قدرة ومكنة وتسلط وقهر ~~فاقهركم على الكفر / والمعاصي وألجئكم إليها ، إلا أن دعوتكم أي إلا دعائي ~~إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني قال النحويون : ليس الدعاء من جنس ~~السلطان فقوله : { إلا أن دعوتكم } من جنس قولهم ما تحيتهم إلا الضرب ، ~~وقال الواحدي : إنه استثناء منقطع ، أي لكن دعوتكم وعندي أنه يمكن أن يقال ~~كلمة ( إلا ) ههنا استثناء حقيقي ، لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل ~~من الأعمال تارة يكون بالقهر والقسر ، وتارة يكون بتقوية الداعية في قلبه ~~بإلقاء الوساوس إليه ، فهذا نوع من أنواع التسلط ، ثم إن ظاهر هذه الآية ~~يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه ~~وجوارحه ، وعلى إزالة العقل عنه كما يقوله العوام والحشوية ، ثم قال : { ~~فلا تلومونى ولوموا أنفسكم } يعني ما كان مني إلا الدعاء والوسوسة ، وكنتم ~~سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبياء الله تعالى فكان من الواجب عليكم أن ~~لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إلي فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان ~~اللوم عليكم لا علي في هذا الباب . وفي الآية مسألتان : # المسألة الأولى : قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أشياء : الأول : أنه ~~لو كان الكفر والمعصية من الله لوجب أن يقال : فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن ~~الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه . الثاني : ظاهر هذه الآية يدل على أن ~~الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وعلى إزالة العقل ~~عنه كما تقول الحشوية والعوام . الثالث : أن هذه الآية تدل على أن الإنسان ~~لا يجوز ذمه ولومه وعقابه بسبب فعل الغير ، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب ~~أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم . # أجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأن هذا قول الشيطان فلا يجوز التمسك به ms5359 ~~. # وأجاب الخصم عنه : بأنه لو كان هذا القول منه باطلا لبين الله بطلانه ~~وأظهر إنكاره ، وأيضا فلا فائدة في ذلك اليوم في ذكر هذا الكلام الباطل ~~والقول الفاسد . ألا ترى أن قوله : { إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم } كلام حق وقوله : { وما كان لى عليكم من سلطان } قول حق بدليل ~~قوله تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } ( ~~الحجر : 42 ) . # المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس ، وذلك ~~لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة ، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة ~~والغضب والوهم والخيال لم يكن لوسوسته تأثير ألبتة ، فدل هذا على أن ~~الشيطان الأصلي هو النفس . # فإن قال قائل : بينوا لنا حقيقة الوسوسة . # قلنا : الفعل إنما يصدر عن الإنسان عند حصول أمور أربعة يترتب بعضها على ~~البعض ترتيبا / لازما طبيعيا وبيانه أن أعضاء الإنسان بحكم السلامة الأصلية ~~والصلاحية الطبيعية صالحة للفعل والترك ، والإقدام والإحجام ، فما لم يحصل ~~في القلب ميل إلى ترجيح الفعل على الترك أو بالعكس فإنه يمتنع صدور الفعل ، ~~وذلك الميل هو الإرادة الجازمة ، والقصد الجازم . ثم إن تلك الإرادة ~~الجازمة لا تحصل إلا عند حصول علم أو اعتقاد أو ظن بأن ذلك الفعل سبب للنفع ~~أو سبب للضرر فإن لم يحصل فيه هذا الإعتقاد لم يحصل الميل لا إلى الفعل ولا ~~إلى الترك ، فالحاصل أن الإنسان إذا أحس بشيء ترتب عليه شعوره بكونه ملائما ~~له أو بكونه منافرا له أو بكونه غير ملائم ولا منافر ، فإن حصل الشعور ~~بكونه ملائما له ترتب عليه الميل الجازم إلى الفعل PageV19P088 وإن حصل ~~الشعور بكونه منافرا له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك ، وإن لم يحصل لا ~~هذا ولا ذاك لم يحصل الميل لا إلى ذلك الشيء ولا إلى ضده ، بل بقي الإنسان ~~كما كان ، وعند حصول ذلك الميل الجازم تصير القدرة مع ذلك الميل موجبة ~~للفعل . # إذا عرفت هذا فنقول : صدور الفعل عن مجموع القدرة والداعي الحاصل أمر ~~واجب ms5360 فلا يكون للشيطان مدخل فيه وصدور الميل عن تصور كونه خيرا أو تصور ~~كونه شرا أمر واجب فلا يكون للشيطان فيه مدخل وحصول كونه خيرا أو تصورا ~~كونه شرا عن مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه / فلم يبق ~~للشيطان مدخل في شيء من هذه المقامات إلا في أن يذكره شيئا بأن يلقي إليه ~~حديثه مثل أن الإنسان كان غافلا عن صورة امرأة فيلقي الشيطان حديثها في ~~خاطره فالشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام ، وهو عين ما حكى الله تعالى ~~عنه أنه قال : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا ~~تلومونى } يعني ما كان مني إلا مجرد هذه الدعوة فأما بقية المراتب فما صدرت ~~مني وما كان لي فيها أثر ألبتة . بقي في هذا المقام سؤالان : # السؤال الأول : كيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان ~~وإلقاء الوسوسة إليه . # والجواب : للناس في الملائكة والشياطين قولان : # القول الأول : أن ما سوى الله بحسب القسمة العقلية على أقسام ثلاثة : ~~المتحيز ، والحال في المتحيز ، والذي لا يكون متحيزا ولا حالا فيه ، وهذا ~~القسم الثالث لم يقم الدليل ألبتة على فساد القول به بل الدلائل الكثيرة ~~قامت على صحة القول به ، وهذا هو المسمى بالأرواح فهذه الأرواح إن كانت ~~طاهرة مقدسة من عالم الروحانيات القدسية فهم الملائكة وإن كانت خبيثة داعية ~~إلى الشرور وعالم الأجساد ومنازل الظلمات فهم الشياطين . # / إذا عرفت هذا فنقول : فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسما يحتاج إلى ~~الولوج في داخل البدن بل هو جوهر روحاني خبيث الفعل مجبول على الشر ، ~~والنفس الإنسانية أيضا كذلك فلا يبعد على هذا التقدير في أن يلقى شيء من ~~تلك الأرواح أنواعا من الوساوس والأباطيل إلى جوهر النفس الإنسانية ، وذكر ~~بعض العلماء في هذا الباب احتمالا ثانيا ، وهو أن النفوس الناطقة البشرية ~~مختلفة بالنوع ، فهي طوائف ، وكل طائفة منها في تدبير روح من الأرواح ~~السماوية بعينها ، فنوع من النفوس البشرية تكون حسنة الأخلاق ms5361 كريمة الأفعال ~~موصوفة بالفرح والبشر وسهولة الأمر ، وهي تكون منتسبة إلى روح معين من ~~الأرواح السماوية ، وطائفة أخرى منها تكون موصوفة بالحدة والقوة والغلظة ، ~~وعدم المبالاة بأمر من الأمور ، وهي تكون منتسبة إلى روح آخر من الأرواح ~~السماوية وهذه الأرواح البشرية كالأولاد لذلك الروح السماوي وكالنتائج ~~الحاصلة ، وكالفروع المتفرعة عليها ، وذلك الروح السماوي هو الذي يتولى ~~إرشادها إلى مصالحها ، وهو الذي يخصها بالإلهامات حالتي النوم واليقظة . ~~والقدماء كانوا يسمون ذلك الروح السماوي بالطباع التام ولا شك أن لذلك ~~الروح السماوي الذي هو الأصل والينبوع شعبا كثيرة ونتائج كثيرة وهي بأسرها ~~تكون من جنس روح هذا الإنسان وهي لأجل مشاكلتها ومجانستها يعين بعضها بعضا ~~على الأعمال اللائقة بها والأفعال المناسبة لطبائعها ، ثم إنها إن كانت ~~خيرة طاهرة طيبة كانت ملائكة وكانت تلك الإعانة مسماة بالإلهام . وإن كانت ~~PageV19P089 شريرة خبيثة قبيحة الأعمال كانت شياطين وكانت تلك الإعانة ~~مسماة بالوسوسة ، وذكر بعض العلماء أيضا فيه احتمالا ثالثا ، وهو أن النفوس ~~البشرية والأرواح الإنسانية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي ~~اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس ~~المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة ~~وبين هذا البدن نوع تعلق بسبب المشاكلة الحاصلة بين هذا البدن وبين ما كان ~~بدنا لتلك النفس المفارقة ، فيصير لتلك النفس المفارقة تعلق شديد بهذا ~~البدن وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن ، ~~ومعاضدة لها على أفعالها وأحوالها بسبب هذه المشاكلة ثم إن كان هذا المعنى ~~في أبواب الخير والبركات كان ذلك إلهاما وإن كان في باب الشر كان وسوسة ~~فهذه وجوه محتملة تفريعا على القول بإثبات جواهر قدسية مبرأة عن الجسمية ~~والتحيز / والقول بالأرواح الطاهرة والخبيثة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة ~~فليس لهم أن ينكروا إثباتها على صاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم . # وأما القول الثاني : وهو أن الملائكة والشياطين لا بد وأن تكون أجساما ~~فنقول : إن على / هذا التقدير يمتنع ms5362 أن يقال إنها أجسام كثيفة ، بل لا بد ~~من القول بأنها أجسام لطيفة والله سبحانه ركبها تركيبا عجيبا وهي أن تكون ~~مع لطافتها لا تقبل التفرق والتمزق والفساد والبطلان ونفوذ الأجرام اللطيفة ~~في عمق الأجرام الكثيفة غير مستبعد ألا ترى أن الروح الإنسانية جسم لطيف ، ~~ثم إنه نفذ في داخل عمق البدن فإذا عقل ذلك فكيف يستبعد نفوذ أنواع كثيرة ~~من الأجسام اللطيفة في داخل هذا البدن ، أليس أن جرم النار يسري في جرم ~~الفحم ، وماء الورد يسري في ورق الورد ، ودهن السمسم يجري في جسم السمسم ~~فكذا ههنا ، فظهر بما قررنا أن القول بإثبات الجن والشياطين أمر لا تحيله ~~العقول ولا تبطله الدلائل ، وأن الإصرار على الإنكار ليس إلا من نتيجة ~~الجهل وقلة الفطنة ، ولما ثبت أن القول بالشياطين ممكن في الجملة فنقول : ~~الأحق والأولى أن يقال : الملائكة على هذا القول مخلوقون من النور ، ~~والشياطين مخلوقون من الدخان واللهب ، كما قال الله تعالى : { والجآن ~~خلقناه من قبل من نار السموم } ( الحجر : 27 ) وهذا الكلام من المشهورات ~~عند قدماء الفلاسفة ، فكيف يليق بالعاقل أن يستبعده من صاحب شريعتنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم . # السؤال الثاني : لم قال الشيطان : { فلا تلومونى ولوموا أنفسكم } وهو ~~أيضا ملوم بسبب اقدامه على تلك الوسوسة الباطلة . # والجواب : أراد بذلك فلا تلوموني على ما فعلتم ولوموا أنفسكم عليه ، ~~لأنكم عدلتم عما توجبه هداية الله تعالى لكم . ثم قال الله تعالى حكاية عن ~~الشيطان أنه قال : { ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخى } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : بمغيثكم ولا منقذكم ، قال ابن الأعرابي ~~: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث . يقال : صرخ فلان إذا استغاث وقال : ~~واغوثاه وأصرحته أغثته . # المسألة الثانية : قرأ حمزة : بمصرخي بكسر الياء . قال الواحدي : وهي ~~قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب . قال الفراء : ولعلها من وهم القراء فإنه قل ~~من سلم منهم عن الوهم ولعله ظن أن الباء في قوله { بمصرخى } خافضة لجملة ~~هذه الكلمة وهذا خطأ لأن الياء من المتكلم خارجة من ذلك قال ms5363 ، ومما نرى ~~PageV19P090 أنهم وهموا فيه قوله : { نوله ما تولى ونصله جهنم } ( النساء : ~~115 ) بجزم الهاء ظنوا والله أعلم أن الجزم في الهاء وهو خطأ ، لأن الهاء ~~في موضع نصب وقد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه ، ومن النحويين من تكلف ~~في ذكر وجه لصحته إلا أن الأكثرين قالوا إنه لحن والله أعلم . # ثم قال تعالى حكاية عنه : { إنى كفرت بما * أبويك من قبل } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : ( ما ) في قوله : { إنى كفرت بما * أبويك من قبل } ~~فيه قولان : الأول : إنها مصدرية والمعنى : كفرت بإشراككم إياي مع الله ~~تعالى في الطاعة ، والمعنى : أنه جحد ما كان يعتقده أولئك الأتباع من كون ~~إبليس شريكا لله تعالى في تدبير هذا العالم وكفر به ، أو يكون المعنى أنهم ~~كانوا يطيعون الشيطان في أعمال الشر كما كانوا قد يطيعون الله في أعمال ~~الخير وهذا هو المراد بالإشراك . والثاني : وهو قول الفراء أن المعنى أن ~~إبليس قال : إني كفرت بالله الذي أشركتموني به من قبل كفركم ، والمعنى : ~~أنه كان كفره قبل كفر أولئك الأتباع ويكون المراد بقوله : ( ما ) في هذا ~~الموضع ( من ) والقول هو الأول ، لأن الكلام إنما ينتظم بالتفسير الأول / ~~ويمكن أن يقال أيضا الكلام منتظم على التفسير الثاني ، والتقدير كأنه يقول ~~: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر وما كان ~~كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر ~~شيء آخر سوى الوسوسة ، وعلى هذا التقدير ينتظم الكلام . # أما قوله : { إن الظالمين لهم عذاب أليم } فالأظهر أنه كلام الله عز وجل ~~وأن كلام إبليس تم قبل هذا الكلام ، ولا يبعد أيضا أن يكون ذلك من بقية ~~كلام إبليس قطعا لأطماع أولئك الكفار عن الإعانة والإغاثة ، والله أعلم . # ! 7 < { وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام } > 7 ! # < < # | إبراهيم : ( 23 ) وأدخل الذين آمنوا . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح أحوال ms5364 الأشقياء من ~~الوجوه الكثيرة ، شرح أحوال السعداء ، وقد عرفت أن الثواب يجب أن يكون ~~منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم ، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله ~~تعالى : { وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الانهار ~~} وكونها دائمة أشير إليه بقوله : { خالدين فيها } والتعظيم حصل من وجهين : ~~أحدهما : أن تلك المنافع إنما حصلت بإذن الله تعالى وأمره . والثاني : قوله ~~: { تحيتهم فيها سلام } لأن بعضهم يحيي بعضا بهذه الكلمة ، والملائكة ~~يحيونهم بها كما قال : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم } ~~( الرعد : 23 ) والرب الرحيم يحييهم أيضا بهذه الكلمة كما قال : { سلام ~~قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) . # واعلم أن السلام مشتق من السلامة وإلا ظهر أن المراد أنهم سلموا من آفات ~~الدنيا وحسراتها أو فنون PageV19P091 آلامها وأسقامها ، وأنواع غمومها ~~وهمومها ، وما أصدق ما قالوا ، فإن السلامة من محن عالم الأجسام الكائنة ~~الفاسدة من أعظم النعم ، لا سيما إذا حصل بعد الخلاص منها الفوز بالبهجة ~~الروحانية والسعادة الملكية . # المسألة الثانية : قرأ الحسن : { وأدخل الذين ءامنوا } على معنى وأدخلهم ~~أنا ، وعلى هذه القراءة فقوله : { بإذن ربهم } متعلق بما بعده ، أي تحيتهم ~~فيها سلام بإذن ربهم . يعني : أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم . # ! 7 < { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها فى السمآء * تؤتىأكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس ~~لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الا رض ما لها ~~من قرار } > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 24 - 26 ) ألم تر كيف . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال الأشقياء وأحوال السعداء ، ذكر مثالا يبين ~~الحال في حكم هذين القسمين ، وهو هذا المثل . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربعة ثم شبه ~~الكلمة الطيبة بها . # فالصفة الأولى : لتلك الشجرة كونها طيبة ، وذلك يحتمل أمورا . أحدها : ~~كونها طيبة المنظر والصورة والشكل . وثانيها : كونها طيبة الرائحة . ~~وثالثها : كونها طيبة الثمرة يعني أن الفواكه المتولدة منها تكون لذيذة ~~مستطابة . ورابعها : كونها طيبة بحسب المنفعة ms5365 يعني أنها كما يستلذ بأكلها ~~فكذلك يعظم الانتفاع بها ، ويجب حمل قوله : شجرة طيبة ، على مجموع هذه ~~الوجوه لأن اجتماعها يحصل كمال الطيب . # / والصفة الثانية ؛ قوله : { أصلها ثابت } أي راسخ باق آمن الانقلاع ~~والانقطاع والزوال والفناء وذلك لأن الشيء الطيب إذا كان في معرض الانقراض ~~والانقضاء ، فهو وإن كان يحصل الفرح بسبب وجدانه إلا أنه يعظم الحزن بسبب ~~الخوف من زواله وانقضائه ، أما إذا علم من حاله أنه باق دائم لا يزول ولا ~~ينقضي فإنه يعظم الفرح بوجدانه ويكمل السرور بسبب الفوز به . # والصفة الثالثة : قوله : { وفرعها فى السماء } وهذا الوصف يدل على كمال ~~حال تلك الشجرة من وجهين : الأول : أن ارتفاع الأغصان وقوتها في التصاعد ~~يدل على ثبات الأصل ورسوخ العروق . والثاني : أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة ~~كانت بعيدة عن عفونات الأرض وقاذورات الأبنية فكانت ثمراتها نقية ظاهرة ~~طيبة عن جميع الشوائب . # والصفة الرابعة : قوله : { تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها } والمراد : أن ~~الشجرة المذكورة كانت موصوفة PageV19P092 بهذه الصفة ، وهي أن ثمرتها لا بد ~~أن تكون حاضرة دائمة في كل الأوقات ، ولا تكون مثل الأشجار التي يكون ~~ثمارها حاضرا في بعض الأوقات دون بعض ، فهذا شرح هذه الشجرة التي ذكرها ~~الله تعالى في هذا الكتاب الكريم ومن المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل ~~مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيمة ، وأن العاقل متى أمكنه تحصيلها وتملكها ~~فإنه لايجوز له أن يتغافل عنها وأن يتساهل في الفوز بها . # إذا عرفت هذا فنقول : معرفة الله تعالى والاستغراق في محبته وفي خدمته ~~وطاعته ، تشبه هذه الشجرة في هذه الصفات الأربع . # أما الصفة الأولى : وهي كونها طيبة فهي حاصلة ، بل نقول : لا طيب ولا ~~لذيذ في الحقيقة إلا هذه المعرفة وذلك لأن اللذة الحاصلة بتناول الفاكهة ~~المعينة إنما حصلت ، لأن إدراك تلك الفاكهة أمر ملائم لمزاج البدن ، فلأجل ~~حصول تلك الملاءمة والمناسبة حصلت تلك اللذة العظيمة وههنا الملائم لجوهر ~~النفس النطقية والروح القدسية ، ليس إلا معرفة الله تعالى ومحبته ~~والاستغراق في الابتهاج به ms5366 فوجب أن تكون هذه المعرفة لذيذة جدا ، بل نقول : ~~اللذة الحاصلة من إدراك الفاكهة يجب أن تكون أقل حالا من اللذة الحاصلة ~~بسبب إشراق جوهر النفس بمعرفة الله وبيان هذا التفاوت من وجوه : # الوجه الأول : أن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة بسبب أن سطح الحاس ~~يلاقي سطح المحسوس فقط ، فأما أن يقال إن جوهر المحسوس نفذ في جوهر الحاس ~~فليس الأمر كذلك ، لأن الأجسام يمتنع تداخلها أما ههنا فمعرفة الله تعالى ~~وذلك النور وذلك الإشراق صار ساريا في جوهر / النفس متحدا به وكأن النفس ~~عند حصول ذلك الإشراق تصير غير النفس التي كانت قبل حصول ذلك الإشراق فهذا ~~فرق عظيم بين البابين . # والوجه الثاني : في الفرق أن في الالتذاذ بالفاكهة المدرك هو القوة ~~الذائقة ، والمحسوس هو الطعم المخصوص وههنا المدرك هو جوهر النفس القدسية ، ~~والمعلوم والمشعور به هو ذات الحق جل جلاله ، وصفات جلاله وإكرامه ، فوجب ~~أن تكون نسبة إحدى اللذتين إلى الأخرى كنسبة أحد المدركين إلى الآخر . # الوجه الثالث : في الفرق أن اللذات الحاصلة بتناول الفاكهة الطيبة كلما ~~حصلت زالت في الحال ، لأنها كيفية سريعة الاستحالة شديدة التغير ، أما كمال ~~الحق وجلاله فإنه ممتنع التغير والتبدل واستعداد جوهر النفس لقبول تلك ~~السعادة أيضا ممتنع التغير ، فظهر الفرق العظيم من هذا الوجه . # واعلم أن الفرق بين النوعين يقرب أن يكون من وجوه غير متناهية فليكتف ~~بهذه الوجوه الثلاثة تنبيها للعقل السليم على سائرها . وأما الصفة الثانية ~~وهي كون هذه الشجرة ثابتة الأصل ، فهذه الصفة في شجرة معرفة الله تعالى ~~أقوى وأكمل ، وذلك لأن عروق هذه الشجرة راسخة في جوهر النفس القدسية ، وهذا ~~الجوهر جوهر مجرد عن الكون والفساد بعيد عن التغير والفناء ، وأيضا مدد هذا ~~الرسوخ إنما هو من تجلي جلال الله تعالى ، وهذا التجلي من لوازم كونه ~~سبحانه في ذاته نور النور ومبدأ الظهور ، وذلك مما يمتنع عقلا زواله لأنه ~~سبحانه واجب الوجود لذاته ، وواجب الوجود في جميع صفاته والتغير والفناء ~~والتبدل والزوال والبخل والمنع محال في حقه ، فثبت ms5367 أن الشجرة الموصوفة ~~بكونها ثابتة الأصل ليست إلا هذه الشجرة . # الصفة الثالثة : لهذه الشجرة كونها بحيث يكون فرعها في السماء . ~~PageV19P093 # واعلم أن شجرة المعرفة لها أغصان صاعدة في هواء العالم الإلهي وأغصان ~~صاعدة في هواء العالم الجسماني . # وأما النوع الأول : فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام : ( ~~التعظيم لأمر الله ) ويدخل فيه التأمل في دلائل معرفة الله تعالى في عالم ~~الأرواح ، وفي عالم الأجسام ، وفي أحوال عالم الأفلاك والكواكب ، وفي أحوال ~~العالم السفلي ، ويدخل فيه محبة الله تعالى والشوق إلى الله تعالى ~~والمواظبة على ذكر الله تعالى والاعتماد بالكلية على الله تعالى ، ~~والانقطاع بالكلية عما سوى الله تعالى والاستقصاء في ذكر هذه الأقسام غير ~~مطموع فيه لأنها أحوال غير متناهية . # وأما النوع الثاني : فهي أقسام كثيرة ويجمعها قوله عليه السلام : ( ~~والشفقة على خلق الله ) / ويدخل فيه الرحمة والرأفة والصفح والتجاوز عن ~~الذنوب ، والسعي في إيصال الخير إليهم ، ودفع الشر عنهم ، ومقابلة الإساءة ~~بالإحسان . وهذه الأقسام أيضا غير متناهية وهي فروع ثابتة من شجرة معرفة ~~الله تعالى فإن الإنسان كلما كان أكثر توغلا في معرفة الله تعالى كانت هذه ~~الأحوال عنده أكمل وأقوى وأفضل . # وأما الصفة الرابعة : فهي قوله تعالى : { تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها } ~~فهذه الشجرة أولى بهذه الصفة من الأشجار الجسمانية ، لأن شجرة المعرفة ~~موجبة لهذه الأحوال ومؤثرة في حصولها والسبب لا ينفك عن المسبب فأثر رسوخ ~~شجرة المعرفة في أرض القلب أن يكون نظر بالعبرة كما قال : { فاعتبروا ~~ياأولى * أولى * الابصار } ( الحشر : 2 ) وأن يكون سماعه بالحكمة كما قال : ~~{ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ( الزمر : 18 ) ونطقه بالصدق ~~والصواب كما قال : { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم } ( ~~النساء : 135 ) وقال عليه السلام : ( قولوا الحق ولو على أنفسكم ) وهذا ~~الإنسان كلما كان رسوخ شجرة المعرفة في أرض قلبه أقوى وأكمل ، كان ظهور هذه ~~الآثار عنده أكثر ، وربما توغل في هذا الباب فيصير بحيث كلما لاحظ شيئا ~~لاحظ الحق فيه ، وربما عظم ترقيه فيه فيصير لا يرى ms5368 شيئا إلا وقد كان قد رأى ~~الله تعالى قبله . فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى : { تؤتى أكلها كل ~~حين بإذن ربها } وأيضا فما ذكرناه إشارة إلى الإلهامات النفسانية والملكات ~~الروحانية التي تحصل في جواهر الأرواح ، ثم لا يزال يصعد منها في كل حين ~~ولحظة ولمحة كلام طيب وعمل صالح وخضوع وخشوع وبكاء وتذلل ، كثمرة هذه ~~الشجرة . # وأما قوله : { بإذن ربها } ففيه دقيقة عجيبة ، وذلك لأن عند حصول هذه ~~الأحوال السنية ، والدرجات العالية ، قد يفرح الإنسان بها من حيث هي هي ، ~~وقد يترقى فلا يفرح بها من حيث هي هي ، وإنما يفرح بها من حيث إنها من ~~المولى ، وعند ذلك فيكون فرحه في الحقيقة بالمولى لا بهذه الأحوال ، ولذلك ~~قال بعض المحققين : من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالفاني ، ومن آثر ~~العرفان لا للعرفان ، بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول ، فقد ظهر بهذا ~~التقرير الذي شرحناه والبيان الذي فصلناه أن هذا المثال الذي ذكره الله ~~تعالى في هذا الكتاب مثال هاد إلى عالم القدس ، وحضرة الجلال ، وسرادقات ~~الكبرياء ، فنسأل الله تعالى مزيد الاهتداء والرحمة إنه سميع مجيب ، وذكر ~~بعضهم في تقرير هذا المثال كلاما لا بأس به ، فقال : إنما مثل الله سبحانه ~~وتعالى الإيمان بالشجرة ، لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة ، إلا بثلاثة ~~أشياء : عرق راسخ ، PageV19P094 وأصل قائم ، وأغصان عالية . كذلك الإيمان ~~لا يتم إلا بثلاثة أشياء : معرفة في القلب ، وقول باللسان ، وعمل بالأبدان ~~. والله أعلم . # / المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : في نصب قوله : { كلمة طيبة } ~~وجهان : الأول : أنه منصوب بمضمر والتقدير : جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة ، ~~وهو تفسير لقوله : { ضرب الله مثلا } . الثاني : قال ويجوز أن ينتصب مثلا . ~~وكلمة بضرب ، أي ضرب كلمة طيبة مثلا بمعنى جعلها مثلا ، وقوله : { كشجرة ~~طيبة } خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هي كشجرة طيبة . الثالث : قال صاحب ( ~~حل العقد ) أظن أن الأوجه أن يجعل قوله : { كلمة } عطف بيان ، والكاف في ~~قوله : { كشجرة } في محل النصب بمعنى مثل شجرة طيبة . # المسألة الثالثة : قال ابن عباس ms5369 : الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله ~~، والشجرة الطيبة هي النخلة في قول الأكثرين . وقال صاحب ( الكشاف ) : إنها ~~كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان ، وأراد ~~بشجرة طيبة الثمرة ، إلا أنه لم يذكرها لدلالة الكلام عليها أصلها ، أي أصل ~~هذه الشجرة الطيبة ثابت ، وفرعها أي أعلاها في السماء ، والمراد الهواء لأن ~~كل ما سماك وعلاك فهو سماء { تؤتى } أي هذه الشجرة { أكلها } أي ثمرها وما ~~يؤكل منها كل حين ، واختلفوا في تفسير هذا الحين فقال ابن عباس ستة أشهر ، ~~لأن بين حملها إلى صرامها ستة أشهر ، جاء رجل إلى ابن عباس فقال : نذرت أن ~~لا أكلم أخي حتى حين ، فقال : الحين ستة أشهر ، وتلا قوله تعالى : { تؤتى ~~أكلها كل حين } وقال مجاهد وابن زيد : سنة ، لأن الشجرة من العام إلى العام ~~تحمل الثمرة . وقال سعيد بن المسيب : شهران ، لأن مدة إطعام النخلة شهران . ~~وقال الزجاج : جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهبون إلى أن الحين اسم كالوقت ~~يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت ، والمراد من قوله : { تؤتى أكلها كل ~~حين } أنه ينتفع بها في كل وقت وفي كل ساعة ليلا أو نهارا أو شتاء أو صيفا ~~. قالوا : والسبب فيه أن النخلة إذا تركوا عليها الثمر من السنة إلى السنة ~~انتفعوا بها في جميع أوقات السنة . وأقول : هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن ~~مفردات ألفاظ الآية ، إلا أنهم بعدوا عن إدراك المقصود ، لأنه تعالى وصف ~~هذه الشجرة بالصفات المذكورة ، ولا حاجة بنا إلى أن تلك الشجرة هي النخلة ~~أم غيرها ، فإنا نعلم بالضرورة أن الشجرة الموصوفة بالصفات الأربع المذكورة ~~شجرة شريفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وتملكها لنفسه / سواء كان ~~لها وجود في الدنيا أو لم يكن ، لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل ، ~~واختلافهم في تفسير الحين أيضا من هذا الباب ، والله أعلم بالأمور . # ثم قال : { ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون } والمعنى : أن في ~~ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني ، وذلك لأن ms5370 المعاني العقلية ~~المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم ، / فإذا ذكر ما يساويها من ~~المحسوسات ترك الحس والخيال والوهم تلك المنازعة وانطبق المعقول على ~~المحسوس وحصل به الفهم التام والوصول إلى المطلوب . # وأما قوله تعالى : { ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما ~~لها من قرار } . # فاعلم أن الشجرة الخبيثة هي الجهل بالله ، فإنه أول الآفات وعنوان ~~المخالفات ورأس الشقاوات ثم إنه تعالى شبهها بشجرة موصوفة بصفات ثلاثة : # الصفة الأولى : أنها تكون خبيثة فمنهم من قال إنها الثوم ، لأنه صلى الله ~~عليه وسلم وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة ، PageV19P095 وقيل : إنها الكراث . ~~وقيل : إنها شجرة الحنظل لكثرة ما فيها من المضار وقيل : إنها شجرة الشوك . # واعلم أن هذا التفصيل لا حاجة إليه ، فإن الشجرة قد تكون خبيثة بحسب ~~الرائحة وقد تكون بحسب الطعم ، وقد تكون بحسب الصورة والمنظر وقد تكون بحسب ~~اشتمالها على المضار الكثيرة والشجرة الجامعة لكل هذه الصفات وإن لم تكن ~~موجودة ، إلا أنها لما كانت معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعا في المطلوب ~~. # والصفة الثانية : قوله : { اجتثت من فوق الارض } وهذه الصفة في مقابلة ~~قوله : { أصلها ثابت } ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الإجتثاث أخذ الجثة كلها ~~، وقوله : { من فوق الارض } معناه : ليس لها أصل ولا عرق ، فكذلك الشرك ~~بالله تعالى ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة . # والصفة الثالثة : قوله ما لها من قرار ، وهذه الصفة كالمتممة للصفة ~~الثانية ، والمعنى أنه ليس لها استقرار . يقال : قر الشيء قرارا كقولك : ~~ثبت ثباتا ، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت . # واعلم أن هذا المثال في صفة الكلمة الخبيثة في غاية الكمال ، وذلك لأنه ~~تعالى بين كونها موصوفة بالمضار الكثيرة ، وخالية عن كل المنافع أما كونها ~~موصوفة بالمضار فإليه الإشارة بقوله : { خبيثة } وأما كونها خالية عن كل ~~المنافع فإليه الإشارة بقوله : { اجتثت من فوق الارض لها من قرار } والله ~~أعلم . # ! 7 < { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت فى الحيواة الدنيا وفى الا ~~خرة ويضل الله الظالمين ويفعل ms5371 الله ما يشآء } > 7 ! # / < < # | إبراهيم : ( 27 ) يثبت الله الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن صفة الكلمة الطيبة أن يكون أصلها ثابتا ، ~~وصفة الكلمة الخبيثة أن لا يكون لها أصل ثابت بل تكون منقطعة ولا يكون لها ~~قرار ذكر أن ذلك القول الثابت الصادر عنهم في الحياة الدنيا يوجب ثبات ~~كرامة الله لهم ، وثبات ثوابه عليهم ، والمقصود : بيان أن الثبات في ~~المعرفة والطاعة يوجب الثبات في الثواب والكرامة من الله تعالى فقوله : { ~~يثبت الله } أي على الثواب والكرامة ، وقوله : { بالقول الثابت فى الحيواة ~~الدنيا وفى الاخرة } أي بالقول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في ~~الحياة الدنيا . # ثم قال : { ويضل الله الظالمين } يعني كما أن الكلمة الخبيثة ما كان لها ~~أصل ثابت ولا فرع باسق فكذلك أصحاب الكلمة الخبيثة وهم الظالمون يضلهم الله ~~عن كراماته ويمنعهم عن الفوز بثوابه وفي الآية قول آخر وهو القول المشهور ~~أن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في القبر ، وتلقين الله المؤمن كلمة ~~الحق في القبر عند السؤال وتثبيته إياه على الحق . وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال في قوله : { يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت فى الحيواة ~~الدنيا وفى الاخرة } قال : ( حين يقال له في القبر من ربك وما دينك ومن ~~نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم ) والمراد ~~في الباء في قوله : { بالقول الثابت } هو أن الله تعالى إنما PageV19P096 ~~ثبتهم في القبر بسبب مواظبتهم في الحياة الدنيا على هذا القول ، ولهذا ~~الكلام تقرير عقلي وهو أنه كلما كانت المواظبة على الفعل أكثر كان رسوخ تلك ~~الحالة في العقل والقلب أقوى ، فكلما كانت مواظبة العبد على ذكر لا إله إلا ~~الله وعلى التأمل في حقائقها ودقائقها أكمل وأتم كان رسوخ هذه المعرفة في ~~عقله وقلبه بعد الموت أقوى وأكمل . قال ابن عباس : من داوم على الشهادة في ~~الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها وإنما فسر الآخرة ~~ههنا بالقبر ، لأن الميت انقطع ms5372 بالموت عن أحكام الدنيا ودخل في أحكام ~~الآخرة وقوله : { ويضل الله الظالمين } يعني أن الكفار إذا سئلوا في قبورهم ~~قالوا : لا ندري وإنما قال ذلك لأن الله أضله وقوله : { ويفعل الله ما يشاء ~~} يعني إن شاء هدى وإن شاء أضل ولا اعتراض عليه في فعله ألبتة . # ! 7 < { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ~~* جهنم يصلونها وبئس القرار * وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا ~~فإن مصيركم إلى النار } > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 28 - 30 ) ألم تر إلى . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى عاد إلى وصف أحوال الكفار في هذه الآية فقال : { ألم تر ~~إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا } نزل في أهل مكة حيث أسكنهم الله تعالى ~~حرمه الآمن وجعل عيشهم في السعة وبعث فيهم محمدا صلى الله عليه وسلم فلم ~~يعرفوا قدر هذه النعمة ، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنواعا من الأعمال القبيحة ~~. # النوع الأول : قوله : { بدلوا نعمت الله كفرا } وفيه وجوه : الأول : يجوز ~~أن يكون بدلوا شكر نعمة الله كفرا ، لأنه لما وجب عليهم الشكر بسبب تلك ~~النعمة أتوا بالكفر ، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا . ~~والثاني : أنهم بدلوا نفس نعمة الله كفرا لأنهم لما كفروا سلب الله تلك ~~النعمة عنهم فبقي الكفر معهم بدلا من النعمة . الثالث : أنه تعالى أنعم ~~عليهم بالرسول والقرآن فاختاروا الكفر على الإيمان . # والنوع الثاني : ما حكى الله تعالى عنهم قوله : { وأحلوا قومهم دار ~~البوار } وهو الهلاك يقال رجل بائر وقوم بور ، ومنه قوله تعالى : { وكنتم ~~قوما بورا } ( الفتح : 12 ) وأراد بدار البوار جهنم بدليل أنه فسرها بجهنم ~~فقال : { جهنم يصلونها وبئس القرار } أي المقر وهو مصدر سمي به . # النوع الثالث : من أعمالهم القبيحة قوله : { وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن ~~سبيله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم بدلوا نعمة الله كفرا ذكر ~~أنهم بعد أن كفروا بالله جعلوا له أندادا ، والمراد من هذا الجعل الحكم ~~والاعتقاد والقول ، والمراد في الأنداد الأشباه والشركاء ، وهذا الشريك ~~يحتمل ms5373 وجوها : أحدها : أنهم جعلوا للأصنام حظا فيما أنعم الله به عليهم نحو ~~قولهم هذا لله وهذا لشركائنا . وثانيها ؛ أنهم شركوا بين الأصنام وبين خالق ~~العالم في العبودية . وثالثها : أنهم كانوا يصرحون بإثبات الشركاء لله وهو ~~قولهم في الحج لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك . PageV19P097 # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { ليضلوا } بفتح الياء من ضل ~~يضل والباقون بضم الياء من أضل غيره يضل . # المسألة الثالثة : اللام في قوله : { ليضلوا عن سبيله } لام العاقبة لأن ~~عبادة الأوثان سبب يؤدي إلى الضلال ويحتمل أن تكون لام كي ، أي الذين ~~اتخذوا الوثن كي يضلوا غيرهم هذا إذا قرىء / بالضم فإنه يحتمل الوجهين ، ~~وإذا قرىء بالنصب فلا يحتمل إلا لام العاقبة لأنهم لم يريدوا ضلال أنفسهم . ~~وتحقيق القول في لام العاقبة أن المقصود من الشيء لا يحصل إلا في آخر ~~المراتب كما قيل أول الفكر آخر العمل . وكل ما حصل في العاقبة كان شبيها ~~بالأمر المقصود في هذا المعنى ، والمشابهة أحد الأمور المصححة لحسن المجاز ~~، فلهذا السبب حسن ذكر اللام في العاقبة ، ولما حكى الله تعالى عنهم هذه ~~الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال : { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى ~~النار } والمراد أن حال الكافر في الدنيا كيف كانت ، فإنها بالنسبة إلى ما ~~سيصل إليه من العقاب في الآخرة تمتع ونعيم ، فلهذا المعنى قال : { قل ~~تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } وأيضا إن هذا الخطاب مع الذين حكى الله عنهم ~~أنهم بدلوا نعمة الله كفرا / فأولئك كانوا في الدنيا في نعم كثيرة فلا جرم ~~حسن قوله تعالى : { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } وهذا الأمر يسمى أمر ~~التهديد ونظيره قوله تعالى : { اعملوا ما شئتم } ( فصلت : 40 ) وكقوله : { ~~قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار } ( الزمر : 8 ) . # ( 31 ) # ! 7 < { قل لعبادى الذين ءامنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلال } > 7 ! # < < # | إبراهيم : ( 31 ) قل لعبادي الذين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ms5374 أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع ~~بنعيم الدنيا ، أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا والمبالغة ~~في المجاهدة بالنفس والمال ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { لعبادى } بسكون الياء ، والباقون : ~~بفتح الياء لالتقاء الساكنين فحرك إلى النصب . # المسألة الثانية : في قوله : { يقيموا } وجهان : الأول : يجوز أن يكون ~~جوابا لأمر محذوف هو المقول تقديره : قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة ~~وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا . الثاني : يجوز أن يكون هو أمرا مقولا ~~محذوفا منه لام الأمر ، أي ليقيموا كقولك : قل لزيد ليضرب عمرا وإنما جاز ~~حذف اللام ، لأن قوله : { قل } عوض منه ولو قيل ابتداء يقيموا الصلاة لم ~~يجز . # المسألة الثالثة : أن الإنسان بعد الفراغ من الإيمان لا قدرة له على ~~التصرف في شيء إلا في نفسه أو في ماله . أما النفس فيجب شغلها بخدمة ~~المعبود في الصلاة وأما المال فيجب / صرفه إلى البذل في طاعة الله تعالى . ~~فهذه الثلاثة هي الطاعات المعتبرة ، وهي الإيمان والصلاة والزكاة وتمام ما ~~يجب أن يقال في هذه PageV19P098 الأمور الثلاثة ذكرناه في قوله تعالى : { ~~الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } ( البقرة : 3 ) ~~. # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : الآية تدل على أن الرزق لا يكون حراما ~~، لأن الآية دلت على أن الانفاق من الرزق ممدوح ، ولا شيء من الانفاق من ~~الحرام بممدوح فينتج أن الرزق ليس بحرام . وقد مر تقرير هذا الكلام مرارا . # المسألة الخامسة : في انتصاب قوله : { سرا وعلانية } وجوه : أحدها : أن ~~يكون على الحال أي ذوي سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين . وثانيها : على ~~الظرف أي وقت سر وعلانية . وثالثها : على المصدر أي انفاق سر وانفاق علانية ~~والمراد إخفاء التطوع وإعلان الواجب . # واعلم أنه تعالى لما أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قال : { من قبل أن ~~يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلال } قال أبو عبيدة : البيع ههنا الفداء والخلال ~~المخالة ، وهو مصدر من خاللت خلالا ومخالة ، وهي المصادقة . قال مقاتل : ~~إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة ms5375 ، فكأنه تعالى يقول : ~~أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في مثل هذا اليوم ~~الذي لا تحصل فيه مبايعة ولا مخالة . ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة ~~البقرة : { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } ( البقرة : 254 ) . # فإن قيل : كيف نفى المخالة في هاتين الآيتين ، مع أنه تعالى أثبتها في ~~قوله : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) . # قلنا : الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل ~~الطبيعة ورغبة النفس ، والآية الدالة على ثبوت المخالة محمولة على حصول ~~المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبة الله تعالى والله أعلم . # ! 7 < { الله الذى خلق السماوات والا رض وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * ~~وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم اليل والنهار * وآتاكم من كل ما ~~سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 32 - 34 ) الله الذي خلق . . . . . # > > # اعلم أنه لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، وكان ~~العمدة العظمى والمنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة الله تعالى بذاته ~~وبصفاته ، وفي حصول الشقاوة فقدان هذه المعرفة ، لا جرم ختم الله تعالى وصف ~~أحوال السعداء والأشقياء بالدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال علمه ~~وقدرته ، PageV19P099 وذكر ههنا عشرة أنواع من الدلائل . أولها : خلق ~~السموات . وثانيها : خلق الأرض ، وإليهما الإشارة بقوله تعالى : { الله ~~الذى خلق * السماوات والارض } . وثالثها : { وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم } . ورابعها : قوله : { وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر ~~بأمره } وخامسها : قوله : { وسخر لكم الانهار } . وسادسها وسابعها : قوله : ~~{ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } . وثامنها وتاسعها : قوله : { وسخر لكم ~~الشمس والقمر } . وعاشرها : قوله : { واتاكم من كل ما سألتموه } وهذه ~~الدلائل العشرة قد مر ذكرها في هذا الكتاب وتقريرها وتفسيرها مرارا وأطوارا ~~ولا بأس بأن نذكر ههنا بعض الفوائد . فاعلم أن قوله تعالى : { الله } مبتدأ ~~، وقوله : { والذى خلق } خبره ms5376 . ثم إنه تعالى بدأ بذكر خلق السموات والأرض ~~، وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن السماء والأرض من كم وجه تدل على وجود الصانع ~~الحكيم ، وإنما بدأ بذكرهما ههنا لأنهما هما الأصلان اللذان يتفرع عليهما ~~سائر الأدلة المذكورة بعد ذلك فإنه قال بعده : { وأنزل من السماء ماء فأخرج ~~به من الثمرات رزقا لكم } وفيه مباحث : # البحث الأول : لولا السماء لم يصح إنزال الماء منها ولولا الأرض لم يوجد ~~ما يستقر الماء فيه ، فظهر أنه لا بد من وجودهما حتى يحصل هذا المقصود وهذا ~~المطلوب . # البحث الثاني : قوله : { وأنزل من السماء ماء } وفيه قولان : الأول : أن ~~الماء نزل من السحاب وسمي السحاب سماء اشتقاقا من السمو ، وهو الارتفاع . ~~والثاني : أنه تعالى أنزله من نفس السماء وهذا بعيد ، لأن الإنسان ربما كان ~~واقفا على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك ~~الغيم ماطرا عليهم وإذا كان هذا أمرا مشاهدا بالبصر كان النزاع فيه باطلا . # / البحث الثالث : قال قوم : إنه تعالى أخرج هذه الثمرات بواسطة هذا الماء ~~المنزل من السماء على سبيل العادة ، وذلك لأن في هذا المعنى مصلحة للمكلفين ~~، لأنهم إذا علموا أن هذه المنافع القليلة يجب أن تتحمل في تحصيلها المشاق ~~والمتاعب ، فالمنافع العظيمة الدائمة في الدار الآخرة أولى أن تتحمل المشاق ~~في طلبها ، وإذا كان المرء يترك الراحة واللذات طلبا لهذه الخيرات الحقيرة ~~، فبأن يترك اللذات الدنيوية ليفوز بثواب الله تعالى ويتخلص عن عقابه أولى ~~. ولهذا السبب لما زال التكليف في الآخرة أنال الله تعالى كل نفس مشتهاها ~~من غير تعب ولا نصب ، هذا قول المتكلمين . وقال قوم آخرون : إنه تعالى يحدث ~~الثمار والزروع بواسطة هذا الماء النازل من السماء / والمسألة كلامية محضة ~~، وقد ذكرناه في سورة البقرة . # البحث الرابع : قال أبو مسلم : لفظ { الثمرات } يقع في الأغلب على ما ~~يحصل على الأشجار ، ويقع أيضا على الزروع والنبات ، كقوله تعالى : { كلوا ~~من ثمره إذا أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده } ( الأنعام : 141 ) . # البحث الخامس : قال ms5377 تعالى : { فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } والمراد ~~أنه تعالى إنما أخرج هذه الثمرات لأجل أن تكون رزقا لنا ، والمقصود أنه ~~تعالى قصد بتخليق هذه الثمرات إيصال الخير والمنفعة إلى المكلفين ، لأن ~~الإحسان لا يكون إحسانا إلا إذا قصد المحسن بفعله إيصال النفع إلى المحسن ~~إليه . # البحث السادس : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { من الثمرات } بيان للرزق ~~، أي أخرج به رزقا هو ثمرات ، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعول أخرج ورزقا ~~حال من المفعول أو نصبا على المصدر من أخرج لأنه في معنى رزق ، والتقدير : ~~ورزق من الثمرات رزقا لكم . PageV19P100 # فأما الحجة الرابعة : وهي قوله : { وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره ~~} ونظيره قوله تعالى : { ومن ءاياته الجوار فى البحر كالاعلام } ( الشور : ~~32 ) ففيها مباحث : # البحث الأول : أن الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك ~~الجاري في البحر ، وذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من ~~أنعمه حتى أن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الجانب الآخر من الأرض وبالعكس ~~كثر الربح في التجارات ، ثم إن هذا النقل لا يمكن إلا بسفن البر وهي الجمال ~~أو بسفن البحر وهي الفلك المذكور في هذه الآية . فإن قيل : ما معنى وسخر ~~لكم الفلك مع أن تركيب السفينة من أعمال العباد ؟ # قلنا ؛ أما على قولنا إن فعل العبد خلق الله تعالى فلا سؤال ، وأما على ~~مذهب المعتزلة فقد أجاب القاضي عنه فقال : لولا أنه تعالى خلق الأشجار ~~الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن ولولا خلقه / للحديد وسائر الآلات ولولا ~~تعريفه العباد كيف يتخذوه ولولا أنه تعالى خلق الماء على صفة السيلان التي ~~باعتبارها يصح جري السفينة ، ولولا خلقه تعالى الرياح وخلق الحركات القوية ~~فيها ولولا أنه وسع الأنهار وجعل فيها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما ~~وقع الانتفاع بالسفن فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال ، وهو ~~المدبر لهذه الأمور والمسخر لها حسنت إضافة السفن إليه . # البحث الثاني : أنه تعالى أضاف ذلك التسخير إلى أمره ms5378 لأن الملك العظيم ~~قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال فيه إنه أمر بكذا تعظيما لشأنه ، ومنهم من ~~حمله على ظاهر قوله : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ~~( النحل : 40 ) وتحقيق هذا الوجه راجع إلى ما ذكرناه . # البحث الثالث : الفلك من الجمادات فتسخيرها مجاز ، والمعنى أنه لما كان ~~يجري على وجه الماء كما يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان مسخر له . # الحجة الخامسة : قوله تعالى : { وسخر لكم الانهار } واعلم أن ماء البحر ~~قلما ينتفع به في الزراعات لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير ~~الأنهار والعيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزرع والنبات ، وأيضا ماء ~~البحر لا يصلح للشرب ، والصالح لهذا المهم هو مياه الأنهار . # الحجة السادسة والسابعة : قوله : { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } . # واعلم أن الانتفاع بالشمس والقمر عظيم ، وقد ذكره الله تعالى في آيات ~~منها قوله : { وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } ( نوح : 16 ) ومنها ~~قوله : { الشمس والقمر بحسبان } ( الرحمن : 5 ) ومنها قوله : { وجعل فيها ~~سراجا وقمرا منيرا } ( الفرقان : 61 ) ومنها قوله : { هو الذى جعل الشمس ~~ضياء والقمر نورا } ( يونس : 5 ) وقوله : { دائبين } معنى الدؤب في اللغة ~~مرور الشيء في العمل على عادة مطردة يقال دأب يدأب دأبا ودؤبا وقد ذكرنا ~~هذا في قوله : { قال تزرعون سبع سنين دأبا } ( يوسف : 47 ) قال المفسرون : ~~قوله : { دائبين } معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة ~~الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان ~~الليل ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة ، ولولاها لاختلت مصالح العالم ~~بالكلية وقد ذكرنا منافع الشمس والقمر بالاستقصاء في أول هذا الكتاب . ~~PageV19P101 # الحجة الثامنة والتاسعة : قوله : { وسخر لكم الشمس والقمر } . # واعلم أن منافعهما مذكورة في القرآن كقوله تعالى : { وجعلنا اليل لباسا * ~~وجعلنا النهار معاشا } ( النبأ : 10 ، 11 ) وقوله : { الله الذى جعل لكم ~~اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا } قال المتكلمون : تسخير الليل والنهار ~~مجاز لأنهما عرضان ، والأعراض لا تسخر . # / والحجة العاشرة : قوله : { واتاكم من كل ما سألتموه } ثم إنه تعالى ms5379 لما ~~ذكر تلك النعمة العظيمة بين بعد ذلك أنه لم يقتصر عليها ، بل أعطى عباده من ~~المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها التعديد والإحصاء فقال : { واتاكم ~~من كل ما سألتموه } والمفعول محذوف تقديره من كل مسؤول شيئا ، وقرىء : { من ~~كل } بالتنوين و { ما سألتموه } نفي ومحله نصب على الحال أي آتاكم من جميع ~~ذلك غير سائليه ويجوز أن تكون ( ما ) موصولة والتقدير : آتاكم من كل ذلك ما ~~احتجتم إليه ولم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلا به ، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه ~~بلسان الحال ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه النعم ختم الكلام بقوله : { وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها } قال الواحدي : النعمة ههنا اسم أقيم مقام ~~المصدر يقال : أنعم الله عليه ، ينعم إنعاما ونعمة أقيم الاسم مقام الإنعام ~~كقوله : أنفقت عليه إنفاقا ونفقة بمعنى واحد ، ولذلك لم يجمع لأنه في معنى ~~المصدر ، ومعنى قوله : { لا تحصوها } أي لا تقدرون على تعديد جميعها ~~لكثرتها . # واعلم أن الإنسان إذا أراد أن يعرف أن الوقوف على أقسام نعم الله ممتنع ، ~~فعليه أن يتأمل في شيء واحد ليعرف عجز نفسه عنه ونحن نذكر منه مثالين . # المثال الأول : أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان ، منها دماغية ومنها ~~نخاعية . أما الدماغية فإنها سبعة ثم أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة ~~من كل واحد من تلك الأرواح السبعة ، ثم مما لا شك فيه أن كل واحد من ~~الأرواح السبعة تنقسم إلى شعب كثيرة وكل واحد من تلك الشعب أيضا إلى شعب ~~دقيقة أدق من الشعر ولكل واحد منها ممر إلى الأعضاء ولو أن شعبة واحدة ~~اختلت إما بسبب الكمية أو بسبب الكيفية أو بسبب الوضع لاختلت مصالح البنية ~~، ثم إن تلك الشعب الدقيقة تكون كثيرة العدد جدا ، ولكل واحدة منها حكمة ~~مخصوصة ، فإذا نظر الإنسان في هذا المعنى عرف أن الله تعالى بحسب كل شظية ~~من تلك الشظايا العصبية على العبد نعمة عظيمة لو فاتت لعظم الضرر عليه وعرف ~~قطعا أنه لا سبيل له إلى الوقوق عليها والاطلاع ms5380 على أحوالها وعند هذا يقطع ~~بصحة قوله تعالى : { وإن تعدوا * نعمت الله * لا تحصوها } وكما اعتبرت هذا ~~في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين والأوردة ، وفي كل واحد من ~~الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والكيفية والوضع والفعل والإنفعال ~~حتى ترى أقسام هذا الباب بحرا لا ساحل له / وإذا اعتبرت هذا في بدن الإنسان ~~الواحد فاعرف أقسام نعم الله تعالى في نفسه وروحه ، فإن عجائب عالم الأرواح ~~أكثر من عجائب عالم الأجساد ثم لما اعتبرت حالة الحيوان الواحد فعند ذلك ~~اعتبر أحوال عالم الأفلاك والكواكب وطبقات العناصر وعجائب البر والبحر ~~والنبات والحيوان وعند هذا تعرف / أن عقول جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلا ~~واحدا ثم بذلك العقل يتأمل الإنسان في عجائب حكمة الله تعالى في أقل ~~الأشياء لما أدرك منها إلا القليل ، فسبحانه تقدس عن أوهام المتوهمين . # المثال الثاني : أنك إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ~~ما قبلها وإلى ما بعدها أما PageV19P102 الأمور التي قبلها : فاعرف أن تلك ~~اللقمة من الخبز لا تتم ولا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائما على ~~الوجه الأصوب ، لأن الحنطة لا بد منها ، وأنها لا تنبت إلا معونة الفصول ~~الأربعة ، وتركيب الطبائع وظهور الرياح والأمطار ، ولا يحصل شيء منها إلا ~~بعد دوران الأفلاك ، واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات ، ~~وفي كيفيتها في الجهة والسرعة والبطء ثم بعد أن تكون الحنطة لا بد من آلات ~~الطحن والخبز ، وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال ، ثم إن ~~الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات أخرى حديدية سابقة عليها ، ولا ~~بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات ، فتأمل أنها كيف تكونت ~~على الأشكال المخصوصة ، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع ~~العناصر الأربعة ، وهي الأرض والماء والهواء والنار حتى يمكن طبخ الخبز من ~~ذلك الدقيق . فهذا هو النظر فيما تقدم على حصول هذه اللقمة . وأما النظر ~~فيما بعد حصولها : فتأمل في ms5381 تركيب بدن الحيوان ، وهو أنه تعالى كيف خلق ~~الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة ، وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل ~~وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار ، ولا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء ~~إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب بالكلية ، فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع ~~باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة الأمور ، والعقول قاصرة عن ~~إدراك ذرة من هذه المباحث ، فظهر بهذا البرهان القاهر صحة قوله تعالى : { ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ثم إنه تعالى قال : { إن الإنسان لظلوم ~~كفار } قيل : يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها . وقيل : ~~ظلوم في الشدة يشكو ويجزع ، كفار في النعمة يجمع ويمنع ، والمراد من ~~الإنسان ههنا : الجنس ، يعني أن عادة هذا الجنس هو هذا الذي ذكرناه ، وههنا ~~بحثان : # البحث الأول : أن الإنسان مجبول على النسيان وعلى الملالة ، فإذا وجد ~~نعمة نسيها في الحال وظلمها بترك شكرها ، وإن لم ينسها فإنه في الحال يملها ~~فيقع في كفران النعمة ، وأيضا أن نعم الله كثيرة فمتى حاول التأمل في بعضها ~~غفل عن الباقي . # البحث الثاني : أنه تعالى قال في هذا الموضع : { إن الإنسان لظلوم كفار } ~~وقال في سورة النحل : { إن الله لغفور رحيم } ( النحل : 18 ) ولما تأملت ~~فيه لاحت لي فيه دقيقة كأنه يقول : إذا حصلت النعم / الكثيرة فأنت الذي ~~أخذتها وأنا الذي أعطيتها ، فحصل لك عند أخذها وصفان : وهما كونك ظلوما ~~كفارا ، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفورا رحيما ، والمقصود كأنه يقول ~~: إن كنت ظلوما فأنا غفور ، وإن كنت كفارا فأنا رحيم أعلم عجزك وقصورك فلا ~~أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازي جفاء إلا بالوفاء ، ونسأل الله حسن ~~العاقبة والرحمة . # ! 7 < { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هاذا البلد آمنا واجنبنى وبنى أن نعبد ~~الا صنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى ~~فإنك غفور رحيم } > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 35 - 36 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة أنه لا معبود إلا الله سبحانه ms5382 ~~وأنه لا يجوز عبادة غيره تعالى PageV19P103 ألبتة حكى عن إبراهيم عليه ~~السلام مبالغته في إنكار عبادة الأوثان . # واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أشياء : ~~أحدها : قوله : { رب اجعل هاذا البلد امنا } والمراد : مكة آمنا ذا أمن . # فإن قيل : أي فرق بين قوله : ( اجعل هذا بلدا آمنا ) وبين قوله : { اجعل ~~هاذا البلد امنا } . # قلنا : سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها فلا يخافون ~~، وفي الثاني : أن يزيل عنها الصفة التي كانت حاصلة لها ، وهي الخوف ، ~~ويحصل لها ضد تلك الصفة وهو الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا ، وقد ~~تقدم تفسيره في سورة البقرة . وثانيها : قوله : { واجنبنى وبنى أن نعبد ~~الاصنام } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء { واجنبنى } وفيه ثلاث لغات جنبه واجنبه وجنبه . ~~قال الفراء : أهل الحجاز يقول جنبني يجبني بالتخفيف . وأهل نجد يقولون ~~جنبني شره وأجنبني شره ، وأصله جعل الشيء عن غيره على جانب وناحية . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : الإشكال على هذه الآية من وجوه : ~~أحدها : أن إبراهيم عليه السلام دعا ربه أن يجعل مكة آمنا ، وما قبل الله ~~دعاءه ، لأن جماعة خربوا الكعبة وأغاروا على / مكة . وثانيها : أن الأنبياء ~~عليهم السلام لا يعبدون الوثن ألبتة ، وإذا كان كذلك فما الفائدة في قوله ~~أجنبني عن عبادة الأصنام . وثالثها : أنه طلب من الله تعالى أن لا يجعل ~~أبناءه من عبدة الأصنام والله تعالى لم يقبل دعاءه ، ولأن كفار قريش كانوا ~~من أولاده ، مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام . # فإن قالوا : إنهم ما كانوا أبناء إبراهيم وإنما كانوا أبناء أبنائه ، ~~والدعاء مخصوص بالأبناء ، فنقول : فإذا كان المراد من أولئك الأبناء أبناءه ~~من صلبه ، وهم ما كانوا إلا إسماعيل وإسحاق ، وهما كانا من أكابر الأنبياء ~~وقد علم أن الأنبياء لا يعبدون الصنم ، فقد عاد السؤال في أنه ما الفائدة ~~في ذلك الدعاء . # والجواب عن السؤال الأول من وجهين : الأول : أنه نقل أنه عليه السلام لما ~~فرغ من بناء الكعبة ذكر هذا الدعاء ms5383 ، والمراد منه : جعل تلك البلدة آمنة من ~~الخراب . والثاني : أن المراد جعل أهلها آمنين ، كقوله : { واسئل القرية } ~~( يوسف : 82 ) أي أهل القرية ، وهذا الوجه عليه أكثر المفسرين ، وعلى هذا ~~التقدير فالجواب من وجهين : # الوجه الأول : ما اختصت به مكة من حصول مزيد من الأمن ، وهو أن الخائف ~~كان إذا التجأ إلى مكة أمن ، وكان الناس مع شدة العداوة بينهم يتلاقون بمكة ~~فلا يخاف بعضهم بعضا ، ومن ذلك أمن الوحش فإنهم يقربون من الناس إذا كانوا ~~بمكة ، ويكونون مستوحشين عن الناس خارج مكة ، فهذا النوع من الأمن حاصل في ~~مكة فوجب حمل الدعاء عليه . # والوجه الثاني : أن يكون المراد من قوله : { اجعل هاذا البلد امنا } أي ~~بالأمر والحكم بجعله آمنا وذلك الأمر والحكم حاصل لا محالة . # والجواب : عن السؤال الثاني قال الزجاج : معناه ثبتني على اجتناب عبادتها ~~كما قال : { واجعلنا مسلمين لك } ( البقرة : 128 ) أي ثبتنا على الإسلام . # ولقائل أن يقول السؤال باق لأنه لأنه لما كان من المعلوم أنه تعالى يثبت ~~الأنبياء عليهم السلام على PageV19P104 الاجتناب من عبادة الأصنام فما ~~الفائدة في هذا السؤال والصحيح عندي في الجواب وجهان : الأول : أنه عليه ~~السلام وإن كان يعلم أنه تعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه ذكر ذلك ~~هضما للنفس وإظهارا للحاجة والفاقة إلى فضل الله في كل المطالب . والثاني : ~~أن الصوفية يقولون : إن الشرك نوعان : شرك جلي وهو الذي يقول به المشركون ، ~~وشرك خفي وهو تعليق القلب بالوسايط وبالأسباب الظاهرة والتوحيد المحض هو أن ~~ينقطع نظره عن الوسايط ولا يرى متصرفا سوى الحق سبحانه وتعالى فيحتمل أن ~~يكون قوله : { واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام } المراد منه أن يعصمه عن هذا ~~الشرك الخفي والله أعلم بمراده . # / والجواب عن السؤال الثالث من وجوه : الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : ~~قوله ( وبني ) أراد بنيه من صلبه والفائدة في هذا الدعاء عين الفائدة التي ~~ذكرناها في قوله : { واجنبنى } . والثاني : قال بعضهم أراد من أولاده ~~وأولاد أولاده كل من كانوا موجودين حال الدعاء ولا شبهة أن دعوته مجابة ms5384 ~~فيهم . الثالث : قال مجاهد : لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه السلام صنما ~~، والصنم هو التمثال المصور ما ليس بمصور فهو وثن . وكفار قريش ما عبدوا ~~التمثال وإنما كانوا يعبدون أحجارا مخصوصة وأشجارا مخصوصة ، وهذا الجواب ~~ليس بقوي ، لأنه عليه السلام لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير ~~الله تعالى والحجر كالصنم في ذلك . الرابع : أن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين ~~من أولاده والدليل عليه أنه قال في آخر الآية : { فمن تبعنى فإنه منى } ~~وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه ، ونظيره قوله تعالى لنوح ~~: { إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } ( هود : 46 ) . والخامس : لعله وإن ~~كان عمم في الدعاء إلا أن الله تعالى أجاب دعاءه في حق البعض دون البعض ، ~~وذلك لا يوجب تحقير الأنبياء عليهم السلام ، ونظيره قوله تعالى في حق ~~إبراهيم عليه السلام : { قال إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتى قال لا ~~ينال عهدي الظالمين } ( البقرة : 124 ) . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بقوله : { واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام ~~} على أن الكفر والإيمان من الله تعالى ، وتقرير الدليل أن إبراهيم عليه ~~السلام طلب من الله أن يجنبه ويجنب أولاده من الكفر فدل ذلك على أن التبعيد ~~من الكفر والتقريب من الإيمان ليس إلا من الله تعالى ، وقول المعتزلة إنه ~~محمول على الألطاف فاسد ، لأنه عدول عن الظاهر ، ولأنا قد ذكرنا وجوها ~~كثيرة في إفساد هذا التأويل . # ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : { رب إنهن أضللن ~~كثيرا من الناس } واتفق كل الفرق على أن قوله : { أضللن } مجاز لأنها ~~جمادات ، والجماد لا يفعل شيئا ألبتة ، إلا أنه لما حصل الإضلال عند ~~عبادتها أضيف إليها كما تقول فتنتهم الدنيا وغرتهم ، أي افتتنوا بها ~~واغتروا بسببها . # ثم قال : { فمن تبعنى فإنه منى } يعني من تبعني في ديني واعتقادي فإنه ~~مني ، أي جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه بي وقربه مني ومن عصاني في غير الدين ~~فإنك غفور رحيم ، واحتج أصحابنا بهذه الآية ms5385 على أن إبراهيم عليه السلام ذكر ~~هذا الكلام والغرض منه الشفاعة في حق أصحاب الكبائر من أمته ، والدليل عليه ~~أن قوله : { ومن عصانى فإنك غفور رحيم } صريح في طلب المغفرة والرحمة ~~لأولئك العصاة فنقول : أولئك العصاة إما أن يكونوا من الكفار أو لا يكونوا ~~كذلك ، والأول باطل من وجهين : الأول : أنه عليه السلام بين في مقدمة هذه ~~الآية أنه مبرأ عن الكفار وهو قوله : { واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام } ~~وأيضا قوله : { فمن تبعنى فإنه منى } يدل بمفهومه على أن من لم يتبعه / على ~~دينه فإنه ليس منه ولا يهتم باصلاح مهماته . والثاني : أن الأمة ~~PageV19P105 مجمعة على أن الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر غير جائزة ، ولما ~~بطل هذا ثبت أن قوله : { ومن عصانى فإنك غفور رحيم } شفاعة في العصاة الذين ~~لا يكونون من الكفار . # وإذا ثبت هذا فنقول : تلك المعصية إما أن تكون من الصغائر أو من الكبائر ~~بعد التوبة أو من الكبائر قبل التوبة ، والأول والثاني باطلان لأن قوله : { ~~ومن عصانى } اللفظ فيه مطلق فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر ، وأيضا ~~فالصغائر والكبائر بعد التوبة واجبة الغفران عند الخصوم فلا يمكن حمل اللفظ ~~عليه ، فثبت أن هذه الآية شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبة ~~، وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق إبراهيم عليه السلام ثبت حصولها في حق ~~محمد صلى الله عليه وسلم لوجوه : الأول : أنه لا قائل بالفرق . والثاني : ~~وهو أن هذا المنصب أعلى المناصب فلو حصل لإبراهيم عليه السلام مع أنه غير ~~حاصل لمحمد صلى الله عليه وسلم لكان ذلك نقصانا في حق محمد عليه السلام . ~~والثالث : أن محمدا صلى الله عليه وسلم مأمور بالاقتداء بإبراهيم عليه ~~السلام لقوله تعالى : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : ~~90 ) وقوله : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } فهذا وجه قريب ~~في إثبات الشفاعة لمحمد صلى الله عليه وسلم وفي إسقاط العقاب عن أصحاب ~~الكبائر . والله أعلم . # إذا عرفت هذا فلنذكر أقوال المفسرين : قال السدي معناه : ومن ms5386 عصاني ثم ~~تاب ، وقيل : إن هذا الدعاء إنما كان قبل أن يعلم أن الله تعالى لا يغفر ~~الشرك ، وقيل من عصاني بإقامته على الكفر فإنك غفور رحيم ، يعني أنك قادر ~~على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام ، وقيل المراد من ~~هذه المغفرة أن لا يعاجلهم بالعقاب بل يمهلهم حتى يتوبوا أو يكون المراد أن ~~لا تعجل اخترامهم فتفوتهم التوبة . واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة . # أما الأول : وهو حمل هذه الشفاعة على المعصية بشرط التوبة فقد أبطلناه . # وأما الثاني : وهو قوله إن هذه الشفاعة إنما كانت قبل أن يعلم أن الله لا ~~يغفر الشرك فنقول : هذا أيضا بعيد ، لأنا بينا أن مقدمة هذه الآية تدل على ~~أنه لا يجوز أن يكون مراد إبراهيم عليه السلام من هذا الدعاء هو الشفاعة في ~~إسقاط عقاب الكفر . # وأما الثالث : وهو قوله المراد من كونه : { غفورا رحيما } أن ينقله من ~~الكفر إلى الإيمان فهو أيضا بعيد ، لأن المغفرة والرحمة مشعرة بإسقاط ~~العقاب ولا إشعار فيهما بالنقل من صفة الكفر إلى صفة الإيمان والله أعلم . # / وأما الرابع : وهو أن تحمل المغفرة والرحمة على تعجيل العقاب أو ترك ~~تعجيل الإمانة فنقول هذا باطل ، لأن كفار زماننا هذا أكثر منهم ولم يعاجلهم ~~الله تعالى بالعقاب ولا بالموت مع أن أهل الإسلام متفقون على أنهم ليسوا ~~مغفورين ولا مرحومين فبطل تفسير المغفرة والرحمة على ترك تعجيل العقاب بهذا ~~الوجه وظهر بما ذكرنا صحة ما قررناه من الدليل والله أعلم . # ! 7 < { ربنآ إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ~~ليقيموا الصلواة فاجعل أفئدة من الناس تهوىإليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم ~~يشكرون * ربنآ إنك تعلم ما نخفى وما نعلن وما يخفى على الله من شىء فى الا ~~رض ولا فى السمآء * الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربى ~~لسميع الدعآء * رب اجعلنى مقيم الصلواة ومن ذريتى ربنا وتقبل دعآء * ربنا ~~اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } > 7 ms5387 @QB@ < # | إبراهيم : ( 37 - 41 ) ربنا إني أسكنت . . . . . # > > PageV19P106 # اعلم أنه سبحانه وتعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه ~~طلب في دعائه أمورا سبعة . # المطلوب الأول : طلب من الله نعمة الأمان وهو قوله : { رب اجعل هاذا ~~البلد امنا } ( البقرة : 126 ) والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء ~~يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين ~~والدنيا إلا به ، وسئل بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة ؟ فقال : الأمن ~~أفضل ، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان ، ثم إنها ~~تقبل على الرعي والأكل ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها ~~تمسك عن العلف ولا تتناوله إلى أن تموت / وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من ~~الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد . # والمطلوب الثاني : أن يرزقه الله التوحيد ، ويصونه عن الشرك ، وهو قوله : ~~{ واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام } ( إبراهيم : 35 ) . # والمطلوب الثالث : قوله : { ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند ~~بيتك المحرم } فقوله : { من ذريتى } أي بعض ذريتي وهو إسماعيل ومن ولد منه ~~{ بواد } هو وادي مكة { غير ذى زرع } أي ليس فيه شيء من زرع ، كقوله : { ~~قرءانا عربيا غير ذى عوج } ( الزمر : 28 ) بمعنى لا يحصل فيه اعوجاج عند ~~بيتك المحرم ، وذكروا في تسميته المحرم وجوها : الأول : أن الله حرم التعرض ~~له والتهاون به ، وجعل ما حوله حرما لمكانه . الثاني : أنه كان لم يزل ~~ممتنعا عزيزا يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب . الثالث : ~~سمي محرما لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه . الرابع : أنه حرم على ~~الطوفان أي امتنع منه كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه فلم يستعل عليه . الخامس ~~: أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل . ~~السادس : حرم موضع البيت حين خلق السموات والأرض وحفه بسبعة من الملائكة ، ~~وهو مثل البيت المعمور الذي بناه آدم ، فرفع إلى السماء السابعة . السابع : ~~حرم على عباده أن ms5388 يقربوه بالدماء والأقذار وغيرها : روي أن هاجر كانت أمة ~~لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت له PageV19P107 إسماعيل عليه ~~السلام ، فقالت سارة : كنت أرجو أن يهب الله لي ولدا من خليله فمنعنيه ~~ورزقه خادمتي ، وقالت لإبراهيم : أبعدهما مني فنقلهما إلى مكة وإسمعيل رضيع ~~، ثم رجع فقالت هاجر : إلى من تكلنا ؟ فقال إلى الله . ثم دعا الله تعالى ~~بقوله ؛ { ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد } إلى آخر الآية ثم إنها عطشت وعطش ~~الصبي فانتهت بالصبي إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عينا ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم ~~عينا معينا ) ثم إن إبراهيم عليه السلام عاد بعد كبر إسماعيل واشتغل هو مع ~~إسماعيل برفع قواعد البيت . قال القاضي : أكثر الأمور المذكورة في هذه ~~الحكاية بعيدة لأنه لا يجوز لإبراهيم عليه السلام أن ينقل ولده إلى حيث لا ~~طعام ولا ماء مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام ~~لأجل قول سارة إلا إذا قلنا : إن الله أعلمه أنه يحصل هناك ماء وطعام ، ~~وأقول : أما ظهور ماء زمزم فيحتمل أن يكون إرهاصا لإسمعيل عليه السلام ، ~~لأن ذلك عندنا جائز خلافا للمعتزلة وعند المعتزلة أنه معجزة لإبراهيم عليه ~~السلام . # ثم قال : { ربنا إنى أسكنت } واللام متعلقة بأسكنت أي أسكنت قوما من ~~ذريتي ، وهم إسماعيل وأولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه ليقيموا الصلاة . # / ثم قال : { فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم } وفيه مباحث : # البحث الأول : قال الأصمعي هوى يهوي هويا بالفتح إذا سقط من علو إلى سفل ~~. وقيل : { تهوى إليهم } تريدهم ، وقيل : تسرع إليهم . وقيل : تنحط إليهم ~~وتنحدر إليهم وتنزل ، يقال : هوى الحجر من رأس الجبل يهوي إذا انحدر وانصب ~~، وهوى الرجل إذا انحدر من رأس الجبل . # البحث الثاني : أن هذا الدعاء جامع للدين والدنيا . أما الدين فلأنه يدخل ~~فيه ميل الناس إلى الذهاب إلى تلك البلدة بسبب النسك والطاعة لله تعالى . ~~وأما الدنيا : فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى ms5389 نقل المعاشات إليهم بسبب ~~التجارات ، فلأجل هذا الميل يتسع عيشهم ، ويكثر طعامهم ولباسهم . # البحث الثالث : كلمة { من } في قوله : { فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ~~} تفيد التبعيض ، والمعنى : فاجعل أفئدة بعض الناس مائلة إليهم . قال مجاهد ~~: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند . وقال سعيد ~~بن جبير : لو قال أفئدة الناس ، لحجت اليهود والنصارى المجوس ، ولكنه قال : ~~{ أفئدة من الناس } فهم المسلمون . # ثم قال : { وارزقهم من الثمرات } وفيه بحثان : # البحث الأول : أنه لم يقل : وارزقهم الثمرات ، بل قال : { وارزقهم من ~~الثمرات } وذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء اتصال بعض الثمرات إليهم . # البحث الثاني : يحتمل أن يكون المراد بإيصال الثمرات إليهم إيصالها إليهم ~~على سبيل التجارات وإنما يكون المراد : عمارة القرى بالقرب منها لتحصيل ~~الثمار منها . # ثم قال : { لعلهم يشكرون } وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع ~~الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات ، فإن إبراهيم عليه السلام ~~بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن PageV19P108 يتفرغوا ~~لإقامة الصلوات وأداء الواجبات . # المطلوب الرابع : قوله : { ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن } . # واعلم أنه عليه السلام لما طلب من الله تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها ~~عليهم ، ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهايات الأمور في المستقبل ، وأنه ~~تعالى هو العالم بها المحيط بأسرارها ، فقال : { ربنا إنك تعلم ما نخفى وما ~~نعلن } والمعنى : أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا ، قيل : ما نخفي ~~من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسماعيل ، وما نعلن من البكاء ، وقيل ~~: ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن يريد ما جرى بينه وبين هاجر ~~حيث قالت له عند الوداع إلى من تكلنا ؟ / فقال إلى الله أكلكم ، قالت آلله ~~أمرك بهذا ؟ قال نعم : قالت إذن لا نخشى . # ثم قال : { وما يخفى على الله من شىء فى الارض ولا فى السماء } وفيه ~~قولان : أحدهما : أنه كلام الله عز وجل تصديقا لإبراهيم عليه السلام كقوله ~~: { وكذالك يفعلون } ( النحل : 34 ) والثاني : أنه من كلام إبراهيم عليه ms5390 ~~السلام يعني وما يخفي على الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان / ولفظ ( ~~من ) يفيد الاستغراق كأنه قيل : وما يخفى عليه شيء ما . # ثم قال : { الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل وإسحاق } وفيه مباحث ~~: # البحث الأول : اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم عليه ~~السلام هذين الولدين أعني إسماعيل وإسحق على الكبر والشيخوخة ، فأما مقدار ~~ذلك السن فغير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات فقيل لما ولد ~~إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة ، ولما ولد إسحق كان سنه مائة ~~واثنتي عشرة سنة وقيل ولد له إسماعيل لأربع وستين سنة وولد إسحق لتسعين سنة ~~، وعن سعيد بن جبير : لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة ، وإنما ~~ذكر قوله : { على الكبر } لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم ، من حيث ~~إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة في وقت اليأس من ~~أعظم النعم ، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم . # فإن قيل : إن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن ~~إسماعيل وهاجر أمه في ذلك الوادي ، وفي ذلك الوقت ما ولد له إسحق فكيف ~~يمكنه أن يقول : { الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل وإسحاق } . # قلنا قال القاضي : هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا ~~الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء . ويمكن أيضا أن يقال : إنه ~~عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحق وإن كان ظاهر ~~الروايات بخلافه . # البحث الثاني : على في قوله : { على الكبر } بمعنى مع كقول الشاعر : # % إني على ما ترين من كبري % % أعلم من حيث يؤكل الكتف % # وهو في موضع الحال ومعناه : وهب لي في حال الكبر . # البحث الثالث : في المناسبة بين قوله : { ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن ~~وما يخفى على الله من شىء فى الارض ولا فى السماء } PageV19P109 وبين قوله ~~: { الحمد لله الذى وهب ms5391 لى على الكبر إسماعيل وإسحاق } وذلك هو كأنه كان في ~~قلبه أن يطلب من الله إعانتهما وإعانة ذريتهما بعد موته ولكنه لم يصرح بهذا ~~/ المطلوب ، بل قال : { ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن } أي إنك تعلم ما ~~في قلوبنا وضمائرنا ، ثم قال : { الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق } وذلك يدل ظاهرا على أنهما يبقيان بعد موته وأنه مشغول القلب ~~بسببهما فكان هذا دعاء لهما بالخير والمعونة بعد موته على سبيل الرمز ~~والتعريض وذلك يدل على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من ~~الدعاء قال عليه لاسلام حاكيا عن ربه أنه قال : ( من شغله ذكري عن مسألتي ~~أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ) ثم قال : { إن ربى لسميع الدعاء } . # واعلم أنه لما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الإيضاح ~~والتصريح قال : { إن ربى لسميع الدعاء } أي هو عالم بالمقصود سواء صرحت به ~~أو لم أصرح وقوله : سميع الدعاء . من قولك سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به ~~وقبله ومنه سمع الله لمن حمده . # المطلوب الخامس : قوله : { رب اجعلنى مقيم الصلواة ومن ذريتى } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذا الآية على أن أفعال العبد مخلوقة لله ~~تعالى فقالوا إن قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : { واجنبنى وبنى ~~أن نعبد الاصنام } يدل على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله وقوله : { ~~رب اجعلنى مقيم الصلواة ومن ذريتى } يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا ~~من الله ، وذلك تصريح بأن إبراهيم عليه السلام كان مصرا على أن الكل من ~~الله . # المسألة الثانية : تقدير الآية : رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي . أي ~~واجعل بعض ذريتي كذلك لأن كلمة ( من ) في قوله : { ومن ذريتى } للتبعيض ، ~~وإنما ذكر هذا التبعيض لأنه علم باعلام الله تعالى أنه يكون في ذريته جمع ~~من الكفار وذلك قوله : { لا ينال عهدي الظالمين } . # المطلوب السادس : أنه عليه السلام لما دعا الله في المطالب المذكورة دعا ~~الله تعالى في أن يقبل ms5392 دعاءه فقال : { ربنا وتقبل دعاء } وقال ابن عباس : ~~يريد عبادتي بدليل قوله تعالى : { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله } ( مريم ~~: 48 ) . # المطلوب السابع : قوله : { ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : طلب المغفرة إنما يكون بعد سابقة الذنب ~~فهذا يدل على أنه كان قد صدر الذنب عنه وإن كان قاطعا بأن الله يغفر له ~~فكيف طلب تحصيل ما كان قاطعا بحصوله ؟ # والجواب : المقصود منه الالتجاء إلى الله تعالى وقطع الطمع إلا من فضله ~~وكرمه ورحمته . # المسألة الثانية : إن قال قائل كيف جاز أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين ؟ # / فالجواب عنه من وجوه : الأول : أن المنع منه لا يعلم إلا بالتوقيف ~~فلعله لم يجد منه منعا فظن كونه حائزا . الثاني : أراد بوالديه آدم وحواء . ~~الثالث : كان ذلك بشرط الإسلام . # ولقائل أن يقول : لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلا ولو لم ~~يكن لبطل قوله تعالى : { إلا قول إبراهيم لابيه لاستغفرن لك } ( الممتحنة : ~~4 ) وقال بعضهم : كانت أمه مؤمنة ، ولهذا السبب خص أباه PageV19P110 بالذكر ~~في قوله تعالى : { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } ( التوبة : 114 ) ~~والله أعلم وفي قوله : { يوم يقوم الحساب } قولان : الأول : يقوم أي يثبت ~~وهو مستعار من قيام القائم على الرجل ، والدليل عليه قولهم : قامت الحرب ~~على ساقها ، ونظيره قوله ترجلت الشمس ، أي أشرقت وثبت ضوءها كأنها قامت على ~~رجل . الثاني : أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز مثل قوله : { ~~واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) أي أهلها . والله أعلم . # ! 7 < { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص ~~فيه الأبصار * مهطعين مقنعى رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هوآء } > ~~7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 42 - 43 ) ولا تحسبن الله . . . . . # > > # اعلم أنه لما بين دلائل التوحيد ثم حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب ~~من الله أن يصونه عن الشرك ، وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة وأن يخصه ~~بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة ذكر بعد ذلك ما يدل ms5393 على وجود يوم القيامة ~~، وما يدل على صفة يوم القيامة ، أما الذي يدل على وجود القيامة فهو قوله : ~~{ ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } فالمقصود منه التنبيه على أنه ~~تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم ، لزم أن يكون إما غافلا عن ذلك ~~الظالم أو عاجزا عن الإنتقام ، أو كان راضيا بذلك الظلم ، ولما كانت الغفلة ~~والعجز والرضا بالظلم محالا على الله امتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم ~~. # فإن قيل : كيف يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يحسب الله موصوفا ~~بالغفلة ؟ # والجواب من وجوه : الأول : المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا ~~يحسب الله غافلا ، كقوله : { ولا تكونن من المشركين } ( الأنعام : 14 ) . { ~~ولا تدع مع الله إلاها ءاخر } ( القصص : 88 ) وكقوله : { ذلك بأن الذين ~~كفروا } . والثاني : / أن المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم ~~الإنتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم ، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوما لكل ~~أحد لا جرم كان عدم الانتقام محالا . والثالث : أن المراد ولا تحسبنه ~~يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على ~~النقير والقطمير . الرابع : أن يكون هذا الكلام وإن كان خطابا مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الظاهر ، إلا أنه يكون في الحقيقة خطابا مع الأمة ، وعن ~~سفيان بن عيينة : أنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، ثم بين تعالى أنه إنما ~~يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم موصوف بصفات . # الصفة الأولى : أنه تشخص فيه الأبصار . يقال : شخص بصر الرجل إذا بقيت ~~عينه مفتوحة لا يطرفها ، وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة وسقوط القوة . # والصفة الثانية : قوله : { مهطعين } وفي تفسير الإهطاع أقوال أربعة : # القول الأول : قال أبو عبيدة هو الإسراع . يقال : أهطع البعير في سيره ~~واستهطع إذا أسرع وعلى هذا الوجه ، فالمعنى : أن الغالب من حال من يبقى ~~بصره شاخصا من شدة الخوف أن يبقى واقفا ، فبين الله تعالى PageV19P111 أن ~~حالهم بخلاف هذا المعتاد ، فإنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مهطعين ، أي ~~مسرعين نحو وذلك البلاء ms5394 . # القول الثاني : في الإهطاع قال أحمد بن يحيى : المهطع الذي ينظر في ذل ~~وخشوع . # والقول الثالث : المهطع الساكت . # والقول الرابع : قال الليث : يقال للرجل إذا قر وذل أهطع . # الصفة الثالثة : قوله : { مقنعى * رؤوسهم } والإقناع رفع الرأس والنظر في ~~ذل وخشوع ، فقوله : { مقنعى * رؤوسهم } أي رافعي رؤوسهم والمعنى أن المعتاد ~~فيمن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه عنه لكي لا يراه ، فبين تعالى أن حالهم ~~بخلاف هذا المعتاد وأنهم يرفعون رؤوسهم . # الصفة الرابعة : قوله : { لا يرتد إليهم طرفهم } والمراد من هذه الصفة ~~دوام ذلك الشخوص ، فقوله : { تشخص فيه الابصار } لا يفيد كون هذا الشخوص ~~دائما وقوله : { لا يرتد إليهم طرفهم } يفيد دوام هذا الشخوص ، وذلك يدل ~~على دوام تلك الحيرة والدهشة في قلوبهم . # الصفة الخامسة : قوله : { وأفئدتهم هواء } الهواء الخلاء الذي لم تشغله ~~الأجرام ثم جعل وصفا فقيل : قلب فلان هواء إذا كان خاليا لا قوة فيه ، ~~والمراد بيان أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخواطر والأفكار ~~لعظم ما ينالهم من الحيرة ومن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العقاب ومن كل ~~سرور ، لكثرة ما فيه من الحزن ، إذا عرفت هذه الصفات الخمسة فقد اختلفوا / ~~في وقت حصولها فقيل : إنها عند المحاسبة بدليل أنه تعالى إنما ذكر هذه ~~الصفات عقيب وصف ذلك اليوم بأنه يوم يقوم الحساب ، وقيل : إنها تحصل عند ما ~~يتميز فريق عن فريق ، والسعداء يذهبون إلى الجنة ، والأشقياء إلى النار . ~~وقيل : بل يحصل عند إجابة الداعي والقيام من القبور ، والأول أولى للدليل ~~الذي ذكرناه ، والله أعلم . # ! 7 < { وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنآ أخرنآ إلى ~~أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ~~* وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال } > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 44 - 45 ) وأنذر الناس يوم . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { يوم يأتيهم العذاب } فيه أبحاث : # البحث الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : { يوم يأتيهم العذاب } مفعول ثان ~~لقوله : { وأنذر } وهو يوم القيامة ms5395 . # البحث الثاني : الألف واللام في لفظ { العذاب } للمعهود السابق ، يعني : ~~وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب الذي تقدم ذكره وهو شخوص أبصارهم ، وكونهم ~~مهطعين مقنعي رؤوسهم . PageV19P112 # البحث الثالث : الإنذار هو التخويف بذكر المضار ، والمفسرون مجمعون على ~~أن قوله : { يوم يأتيهم العذاب } هو يوم القيامة ، وحمله أبو مسلم على أنه ~~حال المعاينة ، والظاهر يشهد بخلافه ، لأنه تعالى وصف اليوم بأن عذابهم ~~يأتي فيه وأنهم يسألون الرجعة ، ويقال لهم : { أو لم * تكونوا أقسمتم من ~~قبل ما لكم من زوال } ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة . وحجة أبي مسلم : أن ~~هذه الآية شبيهة بقوله تعالى : { وأنفقوا مما * رزقناكم من قبل أن يأتى ~~أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق } ( المنافقون : 10 ) ~~ثم حكى الله سبحانه ما يقول الكفار في ذلك اليوم ، فقال : { فيقول الذين ~~ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل } واختلفوا في المراد ~~بقوله : { أخرنا إلى أجل قريب } فقال بعضهم : طلبوا الرجعة إلى الدنيا ~~ليتلافوا ما فرطوا فيه ، وقال : بل طلبوا الرجوع إلى حال التكليف بدليل ~~قولهم : نجب دعوتك ونتبع الرسل ، وأما على قول أبي مسلم فتأويل هذه الآية ~~ظاهر فقال تعالى مجيبا لهم : { أو لم * تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من ~~زوال } ومعناه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى ، وهو قوله تعالى : { ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } ( النحل : 38 ) إلى غير ~~ذلك مما كانوا يذكرونه من إنكار المعاد فقرعهم الله تعالى بهذا القول لأن ~~التقريع بهذا الجنس أقوى ، ومعنى : ما لكم من زوال ، لا شبهة في أنهم كانوا ~~يقولون لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى ، ومن هذه الدار إلى دار ~~المجازاة ، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت أو عن شباب إلى ~~هرم أو عن فقر إلى غنى ، ثم إنه تعالى زادهم تقريعا آخر بقوله : { وسكنتم ~~فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم } يعني سكنتم في مساكن الذين كفروا قبلكم ، ~~وهم قوم نوح وعاد وثمود ، وظلموا ms5396 أنفسهم بالكفر والمعصية ، لأن من شاهد هذه ~~الأحوال وجب عليه أن يعتبر ، فإذا لم يعتبر كان مستوجبا للذم والتقريع . # ثم قال : { وتبين لكم كيف فعلنا بهم } وظهر لكم أن عاقبتهم عادت إلى ~~الوبال والخزي والنكال . # فإن قيل : ولماذا قيل : { وتبين لكم كيف فعلنا بهم } ولم يكن القوم يقرون ~~بأنه تعالى أهلكهم لأجل تكذيبهم ؟ # قلنا : إنهم علموا أن أولئك المتقدمين كانوا طالبين للدنيا ثم إنهم فنوا ~~وانقرضوا فعند هذا يعلمون أنه لا فائدة في طلب الدنيا ، والواجب الجد ~~والاجتهاد في طلب الدين / والواجب على من عرف هذا أن يكون خائفا وجلا فيكون ~~ذلك زجرا له هذا إذا قرىء بالتاء أما إذا قرىء بالنون فلا شبهة فيه لأن ~~التقدير كأنه تعالى قال : أولم نبين لكم كيف فعلنا بهم ، وليس كل ما بين ~~لهم تبينوه . # أما قوله : { وضربنا لكم الامثال } فالمراد ما أورده الله في القرآن مما ~~يعلم به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الإبتداء وقادر على التعذيب ~~المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل ، وذلك في كتاب الله كثير . والله أعلم . # ! 7 < { وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ~~} > 7 @QB@ < # | إبراهيم : ( 46 ) وقد مكروا مكرهم . . . . . # > > PageV19P113 # / اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة عقابهم أتبعها بذكر كيفية مكرهم فقال : { ~~وقد مكروا مكرهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن الضمير في قوله : { وقد مكروا } إلى ماذا ~~يعود ؟ على وجوه : الأول : أن يكون الضمير عائدا إلى الذين سكنوا في مساكن ~~الذين ظلموا أنفسهم وهذا القول الصحيح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب ~~المذكورات . والثاني : أن يكون المراد به قوم محمد صلى الله عليه وسلم ~~والدليل عليه قوله : { وأنذر الناس } ( إبراهيم : 45 ) يا محمد وقد مكر ~~قومك مكرهم وذلك المكر هو الذي ذكره الله تعالى في قوله : { وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } ( الأنفال : 30 ) وقوله : { ~~مكرهم } أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم . الثالث : أن المراد من ~~هذا المكر ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى ms5397 السماء فاتخذ لنفسه تابوتا وربط ~~قوائمه الأربع بأربعة نسور ، وكان قد جوعها ورفع فوق الجوانب الأربعة من ~~التابوت عصيا أربعا وعلق على كل واحدة منهن قطعة لحم ثم إنه جلس مع حاجبه ~~في ذلك التابوت فلما أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة ~~أيام وغابت الدنيا عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها فنكس تلك العصي التي ~~علق عليها اللحم فسفلت النسور وهبطت إلى الأرض ، فهذا هو المراد من مكرهم . ~~قال القاضي : وهذا بعيد جدا لأن الخطر فيه عظيم ولا يكاد العاقل يقدم عليه ~~وما جاء فيه خبر صحيح معتمد ولا حجة في تأويل الآية ألبتة . # المسألة الثانية : قوله : { وعند الله مكرهم } فيه وجهان : الأول : أن ~~يكون المكر مضافا إلى الفاعل كالأول . والمعنى : ومكتوب عند الله مكرهم فهو ~~يجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه . والثاني : أن يكون المكر مضافا إلى ~~المفعول ، والمعنى : وعند الله مكرهم الذي يمكر بهم وهو عذابهم الذي ~~يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون . # أما قوله تعالى : { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } فاعلم أنه قرأ ~~الكسائي وحده { لتزول } بفتح اللام الأولى ورفع اللام الأخرى منه ، ~~والباقون بكسر الأولى ونصب الثانية . # أما القراءة الأولى : فمعناها أن مكرهم كان معدا لأن تزول منه الجبال ، ~~وليس المقصود من هذا الكلام الإخبار عن وقوعه ، بل التعظيم والتهويل وهو ~~كقوله : { تكاد * السماوات * الكتاب منه } ( مريم : 90 ) . # وأما القراءة الثانية : فالمعنى : أن لفظ ( إن ) في قوله ؛ { وإن كان ~~مكرهم } بمعنى ( ما ) واللام المكسورة بعدها يعني بها الجحد ومن سبيلها نصب ~~الفعل المستقبل . والنحويون يسمونها لام الجحد ومثله قوله تعالى : { وما ~~كان الله ليطلعكم على الغيب } ( آل عمران : 179 ) . { ما كان الله ليذر ~~المؤمنين } ( آل عمران : 179 ) والجبال ههنا مثل لأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولأمر دين الإسلام وإعلامه ودلالته على معنى أن ثبوتها كثبوت الجبال ~~الراسية / لأن الله تعالى وعد نبيه إظهار دينه على كل الأديان . ويدل على ~~صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية : { فلا ms5398 تحسبن الله مخلف وعده ~~رسله } ( إبراهيم : 47 ) أي قد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم . والمعنى : ~~وما كان مكرهم لتزول منه الجبال ، أي وكان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه ~~الجبال الراسيات التي هي دين محمد صلى الله عليه وسلم / ودلائل شريعته ، ~~وقرأ علي وعمرو : { إن كان * مكرهم } . # PageV19P114 ! 7 < { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو ~~انتقام } > 7 ! # < < # | إبراهيم : ( 47 ) فلا تحسبن الله . . . . . # > > اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى : { ولا تحسبن الله غافلا عما ~~يعمل الظالمون } ( إبراهيم : 42 ) وقال في هذه الآية : { فلا تحسبن الله ~~مخلف وعده رسله } والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم يقم القيامة ~~ولم ينتقم للمظلومين من الظالمين ، لزم إما كونه غافلا وإما كونه مخلفا في ~~الوعد ، ولما تقرر في العقول السليمة أن كل ذلك محال كان القول بأنه لا ~~يقيم القيامة باطلا وقوله : { مخلف وعده رسله } يعني قوله : { إنا لننصر ~~رسلنا } ( غافر : 51 ) وقوله : { كتب الله لاغلبن أنا ورسلى } ( المجادلة : ~~21 ) . # فإن قيل : هلا قيل مخلف رسله وعده ، ولم قدم المفعول الثاني على الأول ؟ # قلنا : ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا ، إن الله لا يخلف الميعاد ، ثم قال ~~: { رسله } ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحدا وليس من شأنه ~~إخلاف المواعيد فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته ، وقرىء : { مخلف ~~وعده رسله } بجر الرسل ونصب الوعد ، والتقدير : مخلف رسله وعده ، وهذه ~~القراءة في الضعف ، كمن قرأ قتل أولادهم شركائهم ثم قال : { إن الله * ~~عزيزا } أي غالب لا يماكر ذو انتقام لأوليائه . # ! 7 < { يوم تبدل الا رض غير الا رض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ~~* وترى المجرمين يومئذ مقرنين فى الا صفاد * سرابيلهم من قطران وتغشى ~~وجوههم النار * ليجزى الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب * هاذا بلاغ ~~للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إلاه واحد وليذكر أولوا الألباب } > 7 ~~@QB@ < # | إبراهيم : ( 48 - 52 ) يوم تبدل الأرض . . . . . # > > # اعلم أن الله تعالى لما قال : { عزيز ذو انتقام } بين ms5399 وقت انتقامه فقال : ~~{ يوم تبدل الارض غير الارض } وعظم من حال ذلك اليوم ، لأنه لا أمر أعظم من ~~العقول والنفوس من تغيير السموات والأرض وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكر الزجاج في نصب يوم وجهين ، إما على الظرف لانتقام ~~أو على البدل من قوله : { يوم يأتيهم العذاب } . # المسألة الثانية : اعلم أن التبديل يحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون الذات ~~باقية وتتبدل صفتها بصفة أخرى . والثاني : أن تفنى الذات الأولى وتحدث ذات ~~أخرى ، والدليل على أن ذكر لفظ التبدل لإرادة التغير في الصفة جائز ، أنه ~~يقال بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها وسويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل ، ~~ومنه قوله تعالى : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } ( الفرقان : 70 ) ~~ويقال : بدلت قميصي جبة أي نقلت العين من PageV19P115 صفة إلى صفة أخرى ، ~~ويقال : تبدل زيد إذا تغيرت أحواله ، وأما ذكر لفظ التبديل عند وقوع التبدل ~~في الذوات فكقولك بدلت الدراهم دنانير ، ومنه قوله : { بدلناهم جلودا غيرها ~~} ( النساء : 56 ) وقوله : { بدلناهم * بجناتهم جنتين } ( سبأ : 16 ) إذا ~~عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان : # القول الأول : أن المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات . قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها ، فتسير عن الأرض ~~جبالها وتفجر بحارها وتسوى ، فلا يرى فيها عوج ولا أمت . وروى أبو هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يبدل الله الأرض غير ~~الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العاكظي فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) ~~وقوله : { * والسموات } أي تبدل السموات غير السموات ، وهو كقوله عليه ~~السلام : ( لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده ) والمعنى : ولا ذو عهد ~~في عهده بكافر ، وتبديل السموات بانتثار كواكبها وانفطارها ، وتكوير شمسها ~~، وخسوف قمرها ، وكونها أبوابا ، وأنها تارة تكون كالمهل وتارة تكون ~~كالدهان . # / والقول الثاني : أن المراد تبديل الذات . قال ابن مسعود : تبدل بأرض ~~كالفضة البيضاء النقية لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة ، فهذا شرح ~~هذين القولين ms5400 ، ومن الناس من رجح القول الأول قال لأن قوله : { انتقام يوم ~~تبدل الارض } المراد هذه الأرض ، والتبدل صفة مضافة إليها ، وعند حصول ~~الصفة لا بد وأن يكون الموصوف موجودا ، فلما كان الموصوف بالتبدل هو هذه ~~الأرض وجب كون هذه الأرض باقية عند حصول ذلك التبدل ، ولا يمكن أن تكون هذه ~~الأرض باقية مع صفاتها عند حصول ذلك التبدل ، وإلا لامتنع حصول التبدل ، ~~فوجب أن يكون الباقي هو الذات . فثبت أن هذه الآية تقتضي كون الذات باقية ، ~~والقائلون بهذا القول هم الذين يقولون : إن عند قيام القيامة لا يعدم الله ~~الذوات والأجسام ، وإنما يعدم صفاتها وأحوالها . # واعلم أنه لا يبعد أن يقال : المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه ~~تعالى يجعل الأرض جهنم / ويجعل السموات الجنة ، والدليل عليه قوله تعالى : ~~{ كلا إن كتاب الابرار لفى عليين } ( المطففين : 18 ) وقوله : { كلا إن ~~كتاب الفجار لفى سجين } ( المطففين : 7 ) والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وبرزوا لله الواحد القهار } فنقول أما البروز لله فقد ~~فسرناه في قوله تعالى : { وبرزوا لله جميعا } وإنما ذكر الواحد القهار ههنا ~~، لأن الملك إذا كان لمالك واحد غلاب لا يغالب قهار لا يقهر فلا مستغاث ~~لأحد إلى غيره فكال الأمر في غاية الصعوبة ، ونظيره قوله : { لمن الملك ~~اليوم لله الواحد القهار } ( غافر : 16 ) ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهارا ~~بين عجزهم وذلتهم ، فقال : { وترى المجرمين يومئذ } . # واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أمورا : # فالصفة الأولى : كونهم مقرنين في الأصفاد . يقال : قرنت الشيء بالشيء إذا ~~شددته به ووصلته . والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان . وجاء ههنا على ~~التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد . # إذا عرفت هذا فنقول : في قوله : { مقرنين } ثلاثة أوجه : أحدها : قال ~~الكلبي : مقرنين كل كافر مع شيطان في غل ، وقال عطاء : هو معنى قوله : { ~~وإذا النفوس زوجت } ( التكوير : 70 ) أي قرنت فيقرن الله تعالى نفوس ~~المؤمنين بالحور العين ، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين ، وأقول حظ ~~البحث العقلي منه أن PageV19P116 الإنسان إذا ms5401 فارق الدنيا ، فإما أن يكون ~~قد راض نفسه وهذبها ودعاها إلى معرفة الله تعالى وطاعته ومحبته ، أو ما فعل ~~ذلك ، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية ~~والخيالية ، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك الجهة بالحضرة الإلهية ~~، والسعادة / بالعناية الصمدانية ، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع ~~الأسف والحزن والبلاء الشديد ، بسبب الميل إلى عالم الجسم ، وهذا هو المراد ~~بقوله : { وإذا النفوس زوجت } وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة ، ~~والحوادث الفاسدة ، وهو المراد من قول عطاء : إن كل كافر مع شيطانه يكون ~~مقرونا في الأصفاد . # والقول الثاني : في تفسير قوله : { مقرنين فى الاصفاد } هو قرن بعض ~~الكفار ببعض ، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية ، ~~لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض ، وتنادي ظلمة كل واحدة منها ~~إلى الأخرى ، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات ، والخسارات ~~هي المراد بقوله : { مقرنين فى الاصفاد } . # والقول الثالث : قال زيد بن أرقم : قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم ~~بالأغلال ، وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل ~~بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء ، فإذا كانت تلك الملكات ~~ظلمانية كدرة ، صارت في المثال كأن أيديها وأرجلها قرنت وغلت في رقابها . ~~وأما قوله : { فى الاصفاد } ففيه وجهان : أحدها : أن يكون ذلك متعلقا ~~بمقرنين ، والمعنى : يقربون بالأصفاد . والثاني : أن لا يكون متعلقا به ، ~~والمعنى : أنهم مقرنون مقيدون ، وحظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { سرابيلهم من قطران } السرابيل جمع سربال ~~وهو القميص ، والقطران فيه ثلاث لغات : قطران وقطران وقطرن ، بفتح القاف ~~وكسرها مع سكون الطاء وبفتح القاف وكسر الطاء ، وهو شيء يتحلب من شجر يسمى ~~الأبهل فيطبخ ويطلى به الإبل الجرب فيحرق الجرب بحرارته وحدته ، وقد تصل ~~حرارته إلى داخل الجوف ، ومن شأنه أن يتسارع فيه اشتعال النار ، وهو أسود ~~اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلي كالسرابيل / ~~وهي القمص فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب ms5402 ، لذع القطران وحرقته ، ~~وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح ، وأيضا التفاوت بين قطران ~~القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين ، وأقول حظ العقل من هذا أن ~~جوهر الروح جوهر مشرق لامع من عالم القدس وغيبة الجلال ، وهذا البدن جار ~~مجرى السربال والقميص له ، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم ، فإنما ~~يحصل بسبب هذا البدن ، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس ، لأن الشهوة ~~والحرص والغضب إنما تتسارع إلى جوهر الروح بسببه ، وكونه للكثافة والكدورة ~~والظلمة هو الذي يخفي لمعان الروح وضوءه وهو سبب لحصول النتن والعفونة ، ~~فتشبه هذا الجسد بسرابيل من القطران والقطر ، وقرأ / بعضهم { من قطران } ~~والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره . قال أبو بكر بن ~~الأنباري : وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه كما لا تهلك النار ~~أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم . # الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وتغشى وجوههم النار } ونظيره قوله تعالى ~~: { أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } ( الزمر : 24 ) وقوله : { ~~يوم يسحبون فى النار على وجوههم } ( القمر : 48 ) . # واعلم أن موضع المعرفة والنكرة والعلم والجهل هو القلب ، وموضع الفكر ~~والوهم والخيال هو PageV19P117 الرأس . وأثر هذه الأحوال إنما تظهر في ~~الوجه ، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما ~~فقال في القلب : { نار الله الموقدة * التى تطلع على الافئدة } ( الهمزة : ~~6 ، 7 ) وقال في الوجه : { وتغشى وجوههم النار } بمعنى تتغشى ، ولما ذكر ~~تعالى هذه الصفات الثلاثة قال : { ليجزى الله كل نفس ما كسبت } قال الواحدي ~~: المراد منه أنفس الكفار لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل ~~الإيمان ، وأقول يمكن إجراء اللفظ على عمومه ، لأن لفظ الآية يدل على أنه ~~تعالى يجزي كل شخص بما يليق بعمله وكسبه ولما كان كسب هؤلاء الكفار الكفر ~~والمعصية ، كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور ، ولما كان كسب المؤمنين ~~الأيمان والطاعة ، كان اللائق بهم هو الثواب وأيضا أنه تعالى لما عاقب ~~المجرمين بجرمهم فلأن يثيب المطيعين على طاعتهم كان أولى . # ثم ms5403 قال تعالى : { إن الله سريع الحساب } والمراد أنه تعالى لا يظلمهم ولا ~~يزيد على عقابهم الذي يستحقونه . وحظ العقل منه أن الأخلاق الظلمانية هي ~~المبادي لحصول الآلام الروحانية وحصول تلك الأخلاق في النفس على قدر صدور ~~تلك الأعمال منهم في الحياة الدنيا ، فإن الملكات النفسانية إنما تحصل في ~~جوهر النفس بسبب الأفعال المتكررة ، وعلى هذا التقدير فتلك الآلام تتفاوت ~~بحسب تلك الأفعال في كثرتها وقلتها وشدتها وضعفها وذلك يشبه الحساب . # ثم قال تعالى : { هاذا بلاغ للناس } أي هذا التذكير والموعظة بلاغ للناس ~~، أي كفاية في الموعظة ثم اختلفوا فقيل : إن قوله هذا إشارة إلى كل القرآن ~~، وقيل : بل إشارة إلى كل هذه السورة ، وقيل : بل إشارة إلى المذكور من ~~قوله : { ولا تحسبن } إلى قوله : { سريع الحساب } وأما قوله : { ولينذروا ~~به } فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا : { ولينذروا به } أي بهذا البلاغ . # ثم قال : { وليعلموا أنما هو إلاه واحد وليذكر أولوا * الالباب } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قد ذكرنا في هذا الكتاب مرارا أن النفس الإنسانية لها ~~شعبتان : القوة النظرية وكمال حالها في معرفة الموجودات بأقسامها وأجناسها ~~وأنواعها حتى تصير النفس كالمرآة / التي يتجلى فيها قدس الملكوت ويظهر فيها ~~جلال اللاهوت ورئيس هذه المعارف والجلاء / معرفة توحيد الله بحسب ذاته ~~وصفاته وأفعاله . # والشعبة الثانية ؛ القوة العملية وسعادتها في أن تصير موصوفة بالأخلاق ~~الفاضلة التي تصير مبادي لصدور الأفعال الكاملة عنها ، ورئيس سعادات هذه ~~القوة طاعة الله وخدمته . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وليعلموا أنما هو إلاه واحد } إشارة إلى ~~ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة النظرية وقوله : { وليذكر أولوا * ~~الالباب } إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة العملية فإن ~~الفائدة في هذا التذكر ، إنما هو الإعراض عن الأعمال الباطلة والإقبال على ~~الأعمال الصالحة ، وهذه الخاتمة كالدليل القاطع في أنه لا سعادة للإنسان ~~إلا من هاتين الجهتين . # المسألة الثانية : هذه الآيات مشعرة بأن التذكير بهذه المواعظ والنصائح ~~يوجب الوقوف على التوحيد والإقبال على العمل الصالح ، والوجه فيه أن المرء ~~إذا ms5404 سمع هذه التخويفات والتحذيرات عظم خوفه واشتغل بالنظر والتأمل ، فوصل ~~إلى معرفة التوحيد والنبوة واشتغل بالأعمال الصالحة . PageV19P118 # المسألة الثالثة : قال القاضي : أول هذه السورة وآخرها يدل على أن العبد ~~مستقل بفعله ، إن شاء أطاع وإن شاء عصى ، أما أول هذه السورة فهو قوله ~~تعالى : { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ( إبراهيم : 1 ) فإنا قد ~~ذكرنا هناك أن هذا يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب إرشاد الخلق كلهم ~~إلى الدين والتقوى ومنعهم عن الكفر والمعصية ، وأما آخر السورة فلأن قوله : ~~{ وليذكر أولوا * الالباب } يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذه السورة ، ~~وإنما ذكر هذه النصائح والمواعظ لأجل أن ينتفع الخلق بها فيصيروا مؤمنين ~~مطيعين ويتركوا الكفر والمعصية ، فظهر أن أول هذه السورة وآخرها متطابقان ~~في إفادة هذا المعنى . واعلم أن الجواب المستقصى عنه مذكور في أول السورة ~~فلا فائدة في الإعادة . # المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإنسان ولا منقبة له ~~إلا بسبب عقله ، لأنه تعالى بين أنه إنما أنزل هذه الكتب ، وإنما بعث الرسل ~~لتذكير أولى الألباب ، فلولا الشرف العظيم والمرتبة العالية لأولى الألباب ~~لما كان الأمر كذلك . # PageV19P119 < # > 1 ( سورة الحجر ) 1 < # > # مكية ، إلا آية : 87 ، فمدنية # وآياتها : 99 ، نزلت بعد سورة يوسف # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { الر تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين * ربما يود الذين كفروا لو ~~كانوا مسلمين * ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الا مل فسوف يعلمون } > 7 @QB@ ~~< # | الحجر : ( 1 - 3 ) الر تلك آيات . . . . . # > > # /اعلم أن قوله : { تلك } إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات . والمراد ~~بالكتاب والقرآن المبين الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمدا صلى الله عليه ~~وسلم وتنكير القرآن للتفخيم ، والمعنى : تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل ~~في كونه كتابا وفي كونه قرآنا مفيدا للبيان . # أما قوله : { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم { ربما } خفيفة الباء والباقون مشددة ~~قال أبو حاتم : أهل الحجاز يخففون ربما ، وقيس وبكر يثقلونها ، وأقول في ~~هذه اللفظة لغات ms5405 ، وذلك لأن الراء من / رب وردت مضمومة ومفتوحة ، أما إذا ~~كانت مضمومة فالباء قد وردت مشددة ومخففة وساكنة وعلى كل التقديرات تارة مع ~~حرف ما ، وتارة بدونها وأيضا تارة مع التاء وتارة بدونها وأنشدوا : # % أسمى ما يدريك أن رب فتية % % باكرت لذتهم بأذكر مسرع % # ورب بتسكين الباء وأنشدوا بيت الهذلي : # % أزهير أن يشب القذال فإنني % % رب هيضل مرس كففت بهيضل % # والهيضل جماعة متسلحة ، وأيضا هذه الكلمة قد تجيء حالتي تشديد الباء ~~وتخفيفها مع حرف ( ما ) PageV19P120 كقولك : ربما وربما وتارة مع التاء ، ~~وحرف ( ما ) كقولك : ربتما وربتما هذا كله إذا كانت الراء من رب مضمونة وقد ~~تكون مفتوحة ، فيقال : رب وربما وربتما حكاه قطرب قال أبو علي : من الحروف ~~ما دخل عليه حرف التأنيث ، نحو : ثم وثمت ، ورب وربت ، ولا ولات ، فهذه ~~اللغات بأسرها رواها الواحدي في ( البسيط ) . # المسألة الثانية : رب حرف جر عند سيبويه ، ويلحقها ( ما ) على وجهين : ~~أحدهما : أن تكون نكرة بمعنى شيء ، وذلك كقوله : # % رب ما تكره النفوس من الأم % % ر له فرجة كحل العقال % # فما في هذا البيت اسم والدليل عليه عود الضمير إليه من الصفة ، فإن ~~المعنى رب شيء تكرهه النفوس وإذا عاد الضمير إليه كان اسما ولم يكن حرفا ، ~~كما أن قوله تعالى : { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } ( المؤمنون : ~~55 ) لما عاد الضمير إليه علمنا بذلك أنه اسم ، ومما يدل على أن ( ماء ) قد ~~يكون اسما إذا وقعت بعد رب وقوع من بعدها في قول الشاعر : # % يا رب من ينقص أزوادنا % % رحن على نقصانه واغتدين % # فكما دخلت رب على كلمة ( من ) وكانت نكرة ، فكذلك تدخل على كلمة ( ما ) ~~فهذا ضرب والضرب الآخر أن تدخل ما كافة كما في هذه الآية والنحويون يسمون ~~ما هذه الكافة يريدون أنها بدخلوها كفت الحرف عن العمل الذي كان له ، وإذا ~~حصل هذا الكف فحينئذ تتهيأ للدخول على ما لم تكن تدخل عليه ، ألا ترى أن رب ~~إنما تدخل على الإسم المفرد نحو رب رجل يقول ذاك ولا ms5406 تدخل على الفعل ، فلما ~~دخلت ( ما ) عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : اتفقوا على أن رب موضوعة للتقليل ، وهي في التقليل ~~نظيرة كم في التكثير / فإذا قال الرجل : ربما زارنا فلان ، دل ربما على ~~تقليله الزيارة . قال الزجاج : ومن قال إن رب يعني بها الكثرة ، فهو ضد ما ~~يعرفه أهل اللغة ، وعلى هذا التقدير : فههنا سؤال ، وهو أن تمني / الكافر ~~الإسلام مقطوع به ، وكلما رب تفيد الظن ، وأيضا أن ذلك التمني يكثر ويتصل ، ~~فلا يليق به لفظة { ربما } مع أنها تفيد التقليل . # والجواب عنه من وجوه : # الوجه الأول : أن من عادة العرب أنهم إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظا وضع ~~للتقليل ، وإذا أرادوا اليقين ذكروا لفظا وضع للشك ، والمقصود منه : إظهار ~~التوقع والاستغناء عن التصريح بالغرض ، فيقولون : ربما ندمت على ما فعلت ، ~~ولعلك تندم على فعلك ، وإن كان العلم حاصلا بكثرة الندم ووجوده بغير شك ، ~~ومنه قول القائل : # قد أترك القرن مصفرا أنامله # والوجه الثاني : في الجواب أن هذا التقليل أبلغ في التهديد ، ومعناه : ~~أنه يكفيك قليل الندم في كونه زاجرا عن هذا الفعل فكيف كثيره ؟ # والوجه الثالث : في الجواب أن يشغلهم العذاب عن تمني ذاك إلا في القليل . ~~PageV19P121 # المسألة الرابعة : اتفقوا على أن كلمة ( رب ) مختصة بالدخول على الماضي ~~كما يقال : ربما قصدني عبد الله ، ولا يكاد يستعمل المستقبل بعدها . وقال ~~بعضهم : ليس الأمر كذلك والدليل عليه قول الشاعر : # ربما تكره النفوس من الأمر # وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنا بينا أن كلمة ( رب ) في هذا البيت داخلة على ~~الإسم وكلامنا في أنها إذا دخلت على الفعل وجب كون ذلك الفعل ماضيا ، فأين ~~أحدهما من الآخر ؟ إلا أني أقول قول هؤلاء الأدباء إنه لا يجوز دخول هذه ~~الكلمة على الفعل المستقبل لا يمكن تصحيحه بالدليل العقلي ، وإنما الرجوع ~~فيه إلى النقل والاستعمال ، ولو أنهم وجدوا بيتا مشتملا على هذا الاستعمال ~~لقالوا إنه جائز صحيح وكلام الله أقوى وأجل وأشرف ، فلم لم يتمسكوا بوروده ~~في هذه الآية على ms5407 جوازه وصحته . ثم نقول إن الأدباء أجابوا عن هذا السؤال ~~من وجهين : الأول : قالوا : إن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي ~~المقطوع به في تحققه ، فكأنه قيل : ربما ودوا . الثاني : أن كلمة ( ما ) في ~~قوله : { ربما يود الذين كفروا } اسم و { يود } صفة له ، والتقدير : رب شيء ~~يوده الذين كفروا . قال الزجاج : ومن زعم أن الآية على إضمار كان وتقديره ~~ربما يود الذين كفروا فقد خرج بذلك عن قول سيبويه ألا ترى أن كان لا تضمر ~~عنده ولم يجز عبد الله المقبول وأنت تريد كان عبد الله المقبول . # المسألة الخامسة : في تفسير الآية وجوه على مذهب المفسرين فإن كل أحد حمل ~~قوله : / { ربما يود الذين كفروا } على محمل آخر ، والأصح ما قاله الزجاج ~~فإنه قال : الكافر كلما رأى حالا من أحوال العذاب ورأى حالا من أحوال ~~المسلم ود لو كان مسلما ، وهذا الوجه هو الأصح . وأما المتقدمون فقد ذكروا ~~وجوها . قال الضحاك : المراد منه ما يكون عند الموت ، فإن الكافر إذا شاهد ~~علامات العقاب ود لو كان مسلما . وقيل : إن هذه الحالة تحصل إذا اسودت ~~وجوههم ، وقيل : بل عند دخولهم النار ونزول العذاب ، فإنهم يقولون : { ~~أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل } ( إبراهيم : 44 ) وروى أبو ~~موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل ~~النار في النار ومعهم من شاء من أهل القبلة قال الكفار لهم : ألستم مسلمين ~~؟ قالوا بلى ، قالوا : فما أغنى عنكم إسلامكم ، وقد صرتم معنا في النار ، ~~فيتفضل الله تعالى بفضل رحمته ، فيأمر بإخراج كل من كان من أهل القبلة من ~~النار ، فيخرجون منها ، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) وقرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية . وعلى هذا القول أكثر المفسرين ، ~~وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما يزال الله يرحم المؤمنين ، ~~ويخرجهم من النار ، ويدخلهم الجنة بشفاعة الأنبياء والملائكة ، حتى أنه ~~تعالى في آخر الأمر يقول : من كان من المسلمين فليدخل ms5408 الجنة . قال : ~~فههنالك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . قال القاضي : هذه الروايات ~~مبنية على أنه تعالى يخرج أصحاب الكبائر من النار ، وعلى أن شفاعة الرسول ~~مقبولة في إسقاط العقاب ، وهذان الأصلان عنده مردودان ، فعند هذا حمل هذا ~~الخبر على وجه يطابق قوله ويوافق مذهبه وهو أنه تعالى يؤخر إدخال طائفة من ~~المؤمنين الجنة بحيث يغلب على ظن هؤلاء الكفرة أنه تعالى لا يدخلهم الجنة ، ~~ثم إنه تعالى يدخلهم الجنة فيزداد غم الكفرة وحسرتهم وهناك يودون لو كانوا ~~مسلمين ، قال فبهذه الطريق تصحح هذه الأخبار والله أعلم . # فإن قيل : إذا كان أهل القيامة قد يتمنون أمثال هذه الأحوال وجب أن يتمنى ~~المؤمن الذي يقل ثوابه PageV19P122 درجة المؤمن الذي يكثر ثوابه ، والمتمني ~~لما لم يجده يكون في الغصة وتألم القلب وهذا يقضي أن يكون أكثر المؤمنين في ~~الغصة وتألم القلب . # قلنا : أحوال أهل الآخرة لا تقاس بأحوال أهل الدنيا ، فالله سبحانه أرضى ~~كل أحد بما فيه ونزع عن قلوبهم طلب الزيادات كما قال : { ونزعنا ما فى ~~صدورهم من غل } ( الحجر : 47 ) والله أعلم . # أما قوله تعالى : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون } ~~ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المعنى : دع الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم فتلك ~~أخلاقهم ولا خلاق لهم في الآخرة وقوله : { ويلههم الامل } يقال : لهيت عن ~~الشيء الهى لهيا ، وجاء في الحديث أن ابن / الزبير كان إذا سمع صوت الرعد ~~لهى عن حديثه . قال الكسائي والأصمعي : كل شيء تركته فقد لهيت عنه وأنشد : # % صرمت حبالك فاله عنها زينب % % ولقد أطلت عتابها لو تعتب % # فقوله فاله عنها أي اتركها وأعرض عنها . قال المفسرون : شغلهم الأمل عند ~~الأخذ بحظهم عن الإيمان والطاعة فسوف يعلمون . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذة الآية على أنه تعالى قد يصد عن ~~الإيمان ويفعل بالمكلف ما يكون له مفسدة في الدين ، والدليل عليه أنه تعالى ~~قال لرسوله : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل } فحكم بأن إقبالهم على ~~التمتع واستغراقهم في طول الأمل يلهيهم عن الإيمان والطاعة ثم إنه تعالى ms5409 ~~أذن لهم فيها ، وذلك يدل على المقصود . قالت المعتزلة : ليس هذا إذنا ~~وتجويزا بل هذا تهديد ووعيد . # قلنا ؛ ظاهر قوله : { ذرهم } إذن أقصى ما في الباب أنه تعالى نبه على أن ~~إقبالهم على هذه الأعمال يضرهم في دينهم ، وهذا عين ما ذكرناه من أنه تعالى ~~أذن في شيء مع أنه نص على كون ذلك الشيء مفسدة لهم في الدين . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه ~~طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ، وعن بعضهم التمرغ في الدنيا من أخلاق ~~الهالكين ، والأخبار في ذم الأمل كثيرة فمنها ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( يهرم ابن آدم ويشب فيه اثنان : الحرص على المال وطول ~~الأمل ) وعنه صلى الله عليه وسلم أنه نقط ثلاث وقال : ( هذا ابن آدم ، وهذا ~~الأمل ، وهذا الأجل ، ودون الأمل تسع وتسعون منية فإن أخذته إحداهن ، وإلا ~~فالهرم من ورائه ) وعن علي عليه السلام أنه قال : إنما أخشى عليكم اثنين : ~~طول الأمل واتباع الهوى ، فإن طول الأمل ينسي الآخرة ، واتباع الهوى يصد عن ~~الحق . والله أعلم . # ! 7 < { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبق من أمة أجلها ~~وما يستأخرون } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 4 - 5 ) وما أهلكنا من . . . . . # > > # / وفي الآية مسائل : PageV19P123 # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما توعد من قبل من كذب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بقوله : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون } ~~أتبعه بما يؤكد الزجر وهو قوله تعالى : { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ~~معلوم } في الهلاك والعذاب وإنما يقع فيه التقديم والتأخير فالذين تقدموا ~~كان وقت هلاكهم في الكتاب معجلا ، والذين تأخروا كان وقت هلاكهم في الكتاب ~~مؤخرا وذلك نهاية في الزجر والتحذير . # المسألة الثانية : قال قوم المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ~~الله ينزله بالمكذبين المعاندين كما بينه في قوم نوح وقوم هود وغيرهم ، ~~وقال آخرون : المراد بهذا الهلاك الموت . قال القاضي : والأقرب ما تقدم ، ~~لأنه في الزجر أبلغ ، فبين تعالى ms5410 أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به ~~العاقل لأن العذاب مدخر ، فإن لكل أمة وقتا معينا في نزول العذاب لا يتقدم ~~ولا يتأخر وقال قوم آخرون : المراد بهذا الهلاك مجموع الأمرين وهو نزول ~~عذاب الاستئصال ونزول الموت ، لأن كل واحد منهما يشارك الآخر في كونه هلاكا ~~، فوجب حمل اللفظ على القدر المشترك الذي يدخل فيه القسمان معا . # المسألة الثالثة : قال الفراء : لو لم تكن الواو مذكورة في قوله : { ولها ~~كتاب } كان صوابا كما في آية أخرى وهي قوله : { وما أهلكنا من قرية إلا لها ~~منذرون } ( الشعراء : 208 ) وهو كما تقول : ما رأيت أحدا إلا وعليه ثياب ~~وإن شئت قلت : إلا عليه ثياب . # أما قوله : { ما تسبق من أمة أجلها وما يستخرون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : من في قوله : { من أمة } زائدة مؤكدة ~~كقولك : ما جاءني من أحد ، وقال آخرون : إنها ليست بزائدة لأنها تفيد ~~التبعيض أي هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة فيكون ذلك في ~~إفادة عموم النفي آكد . # المسألة الثانية : قال صاحب ( النظم ) معنى سبق إذا كان واقعا على شخص ~~كان معناه أنه جاز وخلف كقولك سبق زيد عمرا ، أي جازه وخلفه وراءه ، ومعناه ~~أنه قصر عنه وما بلغه ، وإذا كان واقعا على زمان كان بالعكس في ذلك ، كقولك ~~: سبق فلان عام كذا معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه فقوله : { ما تسبق من ~~أمة أجلها وما يستخرون } معناه أنه لا يحصل ذلك الأجل قبل ذلك الوقت ولا ~~بعده ، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه ، والسبب فيه أن اختصاص كل حادث ~~بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق الواقع ، ~~لا عن مرجح ولا عن مخصص فإن / رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ~~محال ، وإنما اختص حدوثه بذلك الوقت المعين لأن إله العالم خصصه به بعينه ، ~~وإذا كان كذلك ، فقدرة الإله وإرادته اقتضتا ذلك التخصيص ، وعلمه وحكمته ~~تعلقا بذلك الاختصاص بعينه ، ولما كان تغير صفات الله ms5411 تعالى أعني القدرة ~~والإرادة والعلم والحكمة ممتنعا كان تغير ذلك الاختصاص ممتنعا . # إذا عرفت هذا فنقول : هذا الدليل بعينه قائم في أفعال العباد أعني أن ~~الصادر من زيد هو الإيمان والطاعة ومن عمرو هو الكفر والمعصية فوجب أن ~~يمتنع دخول التغير فيهما . # فإن قالوا : هذا إنما يلزم لو كان المقتضي لحدوث الكفر والإيمان من زيد ~~وعمرو هو قدرة الله تعالى ومشيئته . أما إذا قلنا : المقتضى لذلك هو قدرة ~~زيد وعمرو ومشيئتهما سقط ذلك . PageV19P124 # قلنا : قدرة زيد وعمرو مشيئتهما إن كانتا موجبتين لذلك الفعل المعين ~~فخالق تلك القدرة والمشيئة الموجبتين لذلك الفعل هو الذي قدر ذلك الفعل ~~بعينه فيعود الإلزام ، وإن لم تكونا موجبتين لذلك الفعل بل كانتا صالحتين ~~له ولضده ، كان رجحان أحد الطرفين على الآخر لم يكن لمرجح ، فقد عاد الأمر ~~إلى أنه حصل ذلك الاختصاص لا لمخصص وهو باطل ، وإن كان لمخصص فذلك المخصص ~~إن كان هو العبد عاد البحث ولزم التسلسل ، وإن كان هو الله تعالى فحينئذ ~~يعود البحث إلى أن فعل العبد إنما تعين وتقدر بتخصيص الله تعالى ، وحينئذ ~~لا يعود الإلزام . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله ، ~~وأن من قال : يجوز بأن يموت قبل أجله فمخطىء . # فإن قالوا : هذا الاستدلال إنما يتم إذا حملنا قوله : { ومآ أهلكنا } على ~~الموت أما إذا حملناه على عذاب الاستئصال فكيف يلزم . # قلنا : قوله : { ومآ أهلكنا } إما أن يدخل تحته الموت أو لا يدخل ، فإن ~~دخل الاستدلال ظاهر لازم وإن لم يدخل فنقول : إن ما لأجله وجب في عذاب ~~الاستئصال أن لا يتقدم ولا يتأخر عن وقته المعين قائم في الموت ، فوجب أن ~~يكون الحكم ههنا كذلك ، والله أعم . # ! 7 < { وقالوا ياأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون * لو ما تأتينا ~~بالملائكة إن كنت من الصادقين * ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا ~~منظرين * إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 6 - 9 ) وقالوا يا أيها . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى ms5412 لما بالغ في تهديد الكفار ذكر بعده شبههم في إنكار نبوته ~~. # فالشبهة الأولى : أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون ، وفيه احتمالات : ~~الأول : أنه عليه السلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي ~~فظنوا أنها جنون ، والدليل عليه قوله : { ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ~~ذكر للعالمين } ( القلم : 51 ، 52 ) وأيضا قوله : { أو لم * يتفكروا ما ~~بصاحبهم من جنة } ( الأعراف : 184 ) . والثاني : أنم كانوا يستبعدون كونه ~~رسولا حقا من عند الله تعالى ، فالرجل إذا سمع كلاما مستبعدا من غيره فربما ~~قال له هذا جنون وأنت مجنون لبعد ما يذكره من طريقة العقل ، وقوله : { إنك ~~لمجنون } في هذه الآية يحتمل الوجهين . # أما قوله : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ففيه وجهان ~~: الأول : أنهم ذكروه على سبيل الاستهزاء كما قال فرعون : { إن رسولكم الذى ~~أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) وكما قال قوم شعيب : { إنك لانت ~~الحليم الرشيد } ( هود : 87 ) وكما قال تعالى : { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل ~~عمران : 21 ) لأن البشارة PageV19P125 بالعذاب ممتنعة . والثاني : { وقالوا ~~يأيها الذى نزل عليه الذكر } في زعمه واعتقاده ، وعند أصحابه وأتباعه . ثم ~~حكى عنهم أنهم قالوا في تقرير شبههم : { لو ما تأتينا بالملئكة إن كنت من ~~الصادقين } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المراد لو كنت صادقا في ادعاء النبوة لأتيتنا بالملائكة ~~يشهدون عندنا بصدقك فيما تدعيه من الرسالة ، لأن المرسل الحكيم إذا حاول ~~تحصيل أمر ، وله طريق يفضي إلى تحصيل ذلك المقصود قطعا ، وطريق آخر قد يفضي ~~وقد لا يفضي ، ويكون في محل الشكوك والشبهات ، فإن كان ذلك الحكيم أراد ~~تحصيل ذلك المقصود ، فإنه يحاول تحصيله بالطريق الأول لا بالطريق الثاني ، ~~وإنزال الملائكة الذين يصدقونك ، ويقررون قولك طريق يفضي إلى حصول هذا ~~المقصود قطعا ، والطريق الذي تقرر به صحة نبوتك طريق في محل الشكوك ~~والشبهات ، فلو كنت صادقا في ادعاء النبوة لوجب في حكمة الله تعالى إنزال ~~الملائكة الذين يصرحون بتصديقك وحيث لم تفعل ذلك علمنا أنك لست من النبوة ~~في شيء ، فهذا تقرير هذه الشبهة ، ونظيرها ms5413 قوله تعالى في سورة الأنعام : { ~~وقالوا لولا أنزل * عليك * ملك ولو أنزلنا ملكا لقضى الامر } ( الأنعام : 8 ~~) وفيه احتمال آخر : وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بنزول ~~العذاب إن لم يؤمنوا به ، فالقوم طالبوه بنزول العذاب وقالوا له : { لو ما ~~تأتينا بالملئكة } الذين ينزلون عليك ينزلون علينا بذلك العذاب / الموعود ، ~~وهذا هو المراد بقوله تعالى : { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم ~~العذاب } ( العنكبوت : 53 ) ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { ما ~~ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين } فنقول : إن كان المراد من ~~قولهم : { لو ما تأتينا بالملئكة } هو الوجه الأول / كان تقرير هذا الجواب ~~أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق وعند حصول الفائدة ، وقد علم الله ~~تعالى من حال هؤلاء الكفار أنه لو أنزل عليهم الملائكة لبقوا مصرين على ~~كفرهم ، وعلى هذا التقرير فيصير إنزالهم عبثا باطلا ، ولا يكون حقا ، فلهذا ~~السبب ما أنزلهم الله تعالى ، وقال المفسرون : المراد بالحق ههنا الموت ، ~~والمعنى : أنهم لا ينزلون إلا بالموت ، وإلا بعذاب الاستئصال ، ولم يبق بعد ~~نزولهم إنظار ولا إمهال ، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة ، فلهذا ~~السبب ما أنزلنا الملائكة ، وأما إن كان المراد من قوله تعالى : { لو ما ~~تأتينا بالملئكة } استعجالهم في نزول العذاب الذي كان الرسول عليه السلام ~~يتوعدهم به ، فتقرير الجواب أن الملائكة لا تنزل إلا بعذاب الاستئصال ، ~~وحكمنا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نفعل بهم ذلك ، وأن نمهلهم ~~لما علمنا من إيمان بعضهم ، ومن إيمان أولاد الباقين . # المسألة الثانية : قال الفراء والزجاج : لولا ولو ما لغتان : معناهما : ~~هلا ويستعملان في الخبر والاستفهام ، فالخبر مثل قولك لولا أنت لفعلت كذا ، ~~ومنه قوله تعالى : { لولا أنتم لكنا مؤمنين } ( سبأ : 31 ) والاستفهام ~~كقولهم : { لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) وكهذه الآية . وقال ~~الفراء : لو ما الميم فيه بدل عن اللام في لولا ، ومثله استولى على الشيء ~~واستومى عليه ، وحكى الأصمعي : خاللته وخالمته إذا صادقته ، وهو خلى وخلمي ms5414 ~~أي صديقي . # المسألة الثالثة : قوله : { ما ننزل الملائكة إلا بالحق } قرأ حمزة ~~والكسائي وحفص عن عاصم : { ما ننزل } بالنون وبكسر الزاي والتشديد ، ~~والملائكة بالنصب لوقوع الإنزال عليها . والمنزل هو الله تعالى ، وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم : { ما * تنزل } عن فعل ما لم يسمى فاعله ، والملائكة بالرفع . ~~والباقون : ما تنزل الملائكة على إسناد فعل النزول إلى الملائكة والله أعلم ~~. PageV19P126 # المسألة الرابعة : قوله : { وما كانوا إذا منظرين } يعني : لو نزلت ~~الملائكة لم ينظروا أي يمهلوا فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة . قال ~~صاحب ( النظم ) : لفظ اذن مركبة من كلمتين : من إذا وهو اسم بمنزلة حين ألا ~~ترى أنك تقول : أتيتك إذ جئتني أي حين جئتني . ثم ضم إليها أن ، فصار إذ أن ~~. ثم استثقلوا الهمزة ، فحذفوها فصار إذن ، ومجيء لفظة إذن دليل على اضمار ~~فعل بعدها والتقدير : وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا وهذا تأويل حسن . # / ثم قال تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن القوم إنما قالوا : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه ~~الذكر } ( الحجر : 6 ) لأجل أنهم سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ~~: ( إن الله تعالى نزل الذكر علي ) ثم إنه تعالى حقق قوله في هذه الآية ~~فقال : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } . # فأما قوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } فهذه الصيغة وإن كانت للجمع إلا أن ~~هذا من كلام الملوك عند إظهار التعظيم فإن الواحد منهم إذا فعل فعلا أو قال ~~قولا قال : إنا فعلنا كذا وقلنا كذا فكذا ههنا . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { له لحافظون } إلى ماذا يعود ؟ فيه ~~قولان : # القول الأول : أنه عائد إلى الذكر يعني : وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف ~~والزيادة والنقصان ، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن : { لا يأتيه الباطل ~~من بين يديه ولا من خلفه } ( فصلت : 42 ) وقال : { ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) . # فإن قيل : فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى ms5415 ~~بحفظه وما حفظه الله فلا خوف عليه . # والجواب : أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه تعالى ~~لما أن حفظه قيضهم لذلك قال أصحابنا : وفي هذه الآية دلالة قوية على كون ~~التسمية آية من أول كل سورة لأن الله تعالى قد وعد بحفظ القرآن ، والحفظ لا ~~معنى له إلا أن يبقى مصونا من الزيادة والنقصان ، فلو لم تكن التسمية من ~~القرآن لما كان القرآن مصونا عن التغيير ، ولما كان محفوظا عن الزيادة ولو ~~جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لجاز أيضا أن يظن بهم النقصان ، وذلك يوجب ~~خروج القرآن عن كونه حجة . # والقول الثاني : أن الكناية في قوله : { له } راجعة إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى وإنا لمحمد لحافظون وهو قول الفراء ، وقوى ابن الأنباري ~~هذا القول فقال : لما ذكر الله الإنزال والمنزل دل ذلك على المنزل عليه ~~فحسنت الكناية عنه ، لكونه أمرا معلوما كما في قوله تعالى : { إنا أنزلناه ~~فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) فإن هذه الكناية عائدة إلى القرآن مع أنه لم ~~يتقدم ذكره وإنما حسنت الكناية للسبب المعلوم فكذا ههنا ، إلا أن القول ~~الأول أرجح القولين وأحسنهما مشابهة لظاهر التنزيل والله أعلم . # المسألة الثالثة : إذا قلنا الكناية عائدة إلى القرآن فاختلفوا في أنه ~~تعالى كيف يحفظ القرآن قال بعضهم : حفظه بأن جعله معجزا مباينا لكلام البشر ~~فعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان عنه لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا عنه ~~لتغير نظم القرآن فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن فصار كونه معجزا ~~كإحاطة السور PageV19P127 بالمدينة لأنه يحصنها ويحفظها ، وقال آخرون : إنه ~~تعالى صانه / وحفظه من أن يقدر أحد من الخلق على معارضته ، وقال آخرون : ~~أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده بأن قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه ويشهرونه ~~فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف ، وقال آخرون : المراد بالحفظ هو أن ~~أحدا لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا : هذا كذب وتغيير ~~لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق ms5416 له لحن أو هفوة في حرف من ~~كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان : أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا ، ~~فهذا هو المراد من قوله : { وإنا له لحافظون } . # واعلم أنه لم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ ، فإنه لا كتاب إلا وقد ~~دخله التصحيف والتحريف والتغيير ، إما في الكثير منه أو في القليل ، وبقاء ~~هذا الكتاب مصونا عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملحدة واليهود ~~والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات وأيضا أخبر الله ~~تعالى عن بقائه محفوظا عن التغيير والتحريف ، وانقضى الآن قريبا من ستمائة ~~سنة فكان هذا إخبارا عن الغيب ، فكان ذلك أيضا معجزا قاهرا . # المسألة الرابعة : احتج القاضي بقوله : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون } على فساد قول بعض الإمامية في أن القرآن قد دخله التغيير ~~والزيادة والنقصان قال : لأنه لو كان الأمر كذلك لما بقي القرآن محفوظا ، ~~وهذا الاستدلال ضعيف ، لأنه يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ، فالإمامية الذين ~~يقولون إن القرآن قد دخله التغيير والزيادة والنقصان ، لعلهم يقولون إن هذه ~~الآية من جملة الزوائد التي ألحقت بالقرآن ، فثبت أن إثبات هذا المطلوب ~~بهذه الآية يجري مجرى إثبات الشيء نفسه وأنه باطل والله أعلم . # ! 7 < { ولقد أرسلنا من قبلك فى شيع الا ولين * وما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزئون * كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين * لا يؤمنون به وقد خلت ~~سنة الأولين } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 10 - 13 ) ولقد أرسلنا من . . . . . # > > # اعلم أن القوم لما أساؤوا في الأدب وخاطبوه بالسفاهة وقالوا : إنك لمجنون ~~، فالله تعالى ذكر / أن عادة هؤلاء PageV19P128 الجهال مع جميع الأنبياء ~~هكذا كانت . ولك أسوة في الصبر على سفاهتهم وجهالتهم بجميع الأنبياء عليهم ~~السلام ، فهذا هو الكلام في نظم الآية وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الآية محذوف والتقدير : ولقد أرسلنا من قبلك رسلا ~~إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه . وقوله : { فى شيع الاولين } ~~أي في أمم الأولين وأتباعهم . قال الفراء : الشيع الأتباع واحدهم شيعة ~~وشيعة الرجل أتباعه ، والشيعة الأمة ms5417 سموا بذلك ، لأن بعضهم شايع بعضا ~~وشاكله ، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله : { أو يلبسكم شيعا } ( ~~الأنعام : 65 ) قال الفراء : وقوله : { فى شيع الاولين } من إضافة الصفة ~~إلى الموصوف كقوله : { لحق اليقين } ( الحاقة : 51 ) وقوله : { بجانب ~~الغربى } ( القصص : 44 ) وقوله : { وذلك دين القيمة } ( البينة : 5 ) أما ~~قوله : { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به } أي عادة هؤلاء الجهال مع جميع ~~الأنبياء والرسل ذلك الاستهزاء بهم كما فعلوا بك ذكره تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم . # واعلم أن السبب الذي يحمل هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة أمور . ~~الأول : أنهم يستثقلون التزام الطاعات والعبادات والاحتراز عن الطيبات ~~واللذات . والثاني : أن الرسول يدعوهم إلى ترك ما ألفوه من أديانهم الخبيثة ~~ومذاهبهم الباطلة ، وذلك شاق شديد على الطباع . والثالث : أن الرسول متبوع ~~مخدوم والأقوام يجب عليهم طاعته وخدمته وذلك أيضا في غاية المشقة . والرابع ~~: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون فقيرا ولا يكون له أعوان وأنصار ~~ولا مال ولا جاه فالمتنعمون والرؤساء يثقل عليهم خدمة من يكون بهذه الصفة . ~~والخامس : خذلان الله لهم وإلقاء دواعي الكفر والجهل في قلوبهم ، وهذا هو ~~السبب الأصلي ؛ فلهذه الأسباب وما يشبهها تقع الجهال والضلال مع أكابر ~~الأنبياء عليهم السلام في هذه الأعمال القبيحة والأفعال المنكرة . # أما قوله تعالى : { يستهزئون كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين } ففيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : السلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط ~~والرمح في المطعون ، وقيل : في قوله : { ما سلككم فى * سفر } ( المدثر : 42 ~~) أي أدخلكم في جهنم . وذكر أبو عبيدة وأبو عبيد : سلكته وأسلكته بمعنى ~~واحد . # المسألة الثانية ؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل في ~~قلوب الكفار ، فقالوا : قوله { كذلك نسلكه } أي كذلك نسلك الباطل والضلال ~~في قلوب المجرمين ، قالت المعتزلة : لم يجر للضلال والكفر ذكر فيما قبل هذا ~~اللفظ ، فلا يمكن أن يكون الضمير عائدا إليه لا يقال : إنه تعالى قال : { ~~وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } وقوله : { يستهزئون } يدل على ~~الاستهزاء ms5418 ، فالضمير في قوله : { كذلك نسلكه } عائد إليه ، والاستهزاء ~~بالأنبياء كفر وضلال ، / فثبت صحة قولنا المراد من قوله : { كذلك نسلكه فى ~~قلوب المجرمين } هو أنه كذلك نسلك الكفر والضلال والاستهزاء بأنبياء الله ~~تعالى ورسله في قلوب المجرمين / لأنا نقول : إن كان الضمير في قوله : { ~~كذلك نسلكه } عائدا إلى الاستهزاء وجب أن يكون الضمير في قوله : { لا ~~يؤمنون به } عائدا أيضا إلى الاستهزاء لأنهما ضميران تعاقبا وتلاصقا ، فوجب ~~عودهما إلى شيء واحد فوجب أن لا يكونوا مؤمنين بذلك الاستهزاء ، وذلك يوجب ~~التناقض ، لأن الكافر لا بد وأن يكون مؤمنا بكفره ، والذي لا يكون كذلك هو ~~المسلم العالم ببطلان الكفر فلا يصدق به ، وأيضا فلو كان تعالى هو الذي ~~يسلك الكفر في قلب الكافر ويخلقه فيه فما أحد أولى بالعذر من هؤلاء الكفار ~~، ولكان على هذا التقدير يمتنع أن يذمهم في الدنيا وأن يعاقبهم في الآخرة ~~عليه ، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على هذ الوجه فنقول : التأويل ~~الصحيح أن الضمير في قوله تعالى : { كذلك نسلكه } عائد إلى الذكر الذي هو ~~القرآن فإنه تعالى قال قبل هذه الآية : { إنا نحن نزلنا الذكر } وقال بعده ~~: { كذلك نسلكه } أي هكذا نسلك القرآن في قلوب المجرمين ، والمراد من هذا ~~السلك هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن ويخلق في قلوبهم حفظ هذا القرآن ~~ويخلق فيها العلم بمعانيه وبين أنهم لجهلهم وإصرارهم لا يؤمنون به مع هذه ~~الأحوال عنادا وجهلا ، فكان هذا موجبا للحوق الذم الشديد بهم ، ويدل على ~~صحة هذا التأويل وجهان : الأول : أن الضمير في قوله : { لا يؤمنون به } ~~عائد إلى القرآن بالإجماع فوجب أن يكون الضمير في قوله : { كذلك نسلكه } ~~عائدا إليه أيضا لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شيء واحد . ~~والثاني : أن قوله : { كذالك } معناه : مثل ما PageV19P129 عملنا كذا وكذا ~~نعمل هذا السلك فيكون هذا تشبيها لهذا السلك بعمل آخر ذكره الله تعالى قبل ~~هذه الآية من أعمال نفسه ، ولم يجر لعمل من أعمال الله ذكر في سابقة هذه ~~الآية إلا قوله : { إنا ms5419 نحن نزلنا الذكر } فوجب أن يكون هذا معطوفا عليه ~~ومشبها به ، ومتى كان الأمر كذلك كان الضمير في قوله : { نسلكه } عائدا إلى ~~الذكر وهذا تمام تقرير كلام القوم . # والجواب : لا يجوز أن يكون الضمير في قوله : { نسلكه } عائدا على الذكر ، ~~ويدل عليه وجوه : # الوجه الأول : أن قوله : { كذلك نسلكه } مذكور بحرف النون ، والمراد منه ~~إظهار نهاية التعظيم والجلالة ، ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل ~~فعلا يظهر له أثر قوي كامل بحيث صار المنازع والمدافع له مغلوبا مقهورا . ~~فأما إذا فعل فعلا ولم يظهر له أثر ألبتة ، صار المنازع والمدافع غالبا ~~قاهرا ، فإن ذكر اللفظ المشعر بنهاية العظمة والجلالة يكون مستقبحا في هذا ~~المقام ، والأمر ههنا كذلك لأنه تعالى سلك أسماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في ~~قلب الكافر لأجل أن يؤمن به ، ثم إنه / لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل ~~الله تعالى كالهدر الضائع ، وصار الكافر والشيطان كالغالب الدافع ، وإذا ~~كان كذلك كان ذكر النون المشعر بالعظمة والجلالة في قوله : { نسلكه } غير ~~لائق بهذا المقام ، فثبت بهذا التأويل الذي ذكروه فاسد . # والوجه الثاني : أنه لو كان المراد ما ذكروه لوجب أن يقال : { كذلك نسلكه ~~فى قلوب المجرمين } ولا يؤمنون به ، أي ومع هذا السعي العظيم في تحصيل ~~إيمانهم لا يمؤمنون أما ما لم يذكر الواو فعلمنا أن قوله : { لا يؤمنون به ~~} كالتفسير ، والبيان لقوله : { نسلكه فى قلوب المجرمين } وهذا إنما يصح ~~إذا كان المراد أنا نسلك الكفر والضلال في قلوبهم . # والوجه الثالث : أن قوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) بعيد ، ~~وقوله : { يستهزئون } قريب ، وعود الضمير إلى أقرب المذكورات هو الواجب . ~~أما قوله : لو كان الضمير في قوله : { نسلكه } عائدا إلى الاستهزاء لكان في ~~قوله ؛ { لا يؤمنون به } عائدا إليه ، وحينئذ يلزم التناقض . # قلنا : الجواب عنه من وجوه : # الوجه الأول : أن مقضتى الدليل عود الضمير إلى أقرب المذكورات ، ولا مانع ~~من اعتبار هذا الدليل في الضمير الأول وحصل المانع من اعتباره في الضمير ~~الثاني فلا جرم قلنا : الضمير ms5420 الأول عائد إلى الاستهزاء ، والضمير الثاني ~~عائد إلى الذكر ، وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة ليس بقليل ~~في القرآن ، أليس أن الجبائي والكعبي والقاضي قالوا في قوله تعالى : { هو ~~الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت ~~حملا خفيفا فمرت به فلما * فلما ءاتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما ءاتاهما ~~فتعالى الله عما يشركون } ( الأعراف : 189 ، 190 ) فقالوا هذه الضمائر من ~~أول الآية إلى قوله : { جعلا له شركاء } عائدة إلى آدم وحواء ، وأما في ~~قوله : { جعلا له شركاء فيما ءاتاهما فتعالى الله عما يشركون } عائدة إلى ~~غيرهما ، فهذا ما اتفقوا عليه في تفاسيرهم ، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لا يلزم ~~من تعاقب الضمائر عودها إلى شيء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل فكذا ~~ههنا والله أعلم . PageV19P130 # والوجه الثاني : في الجواب قال بعض الأدباء من أصحابنا قوله : { لا ~~يؤمنون به } تفسير للكناية في قوله : { نسلكه } والتقدير : كذلك نسلك في ~~قلوب المجرمين أن لا يؤمنوا به والمعنى نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به . # والوجه الثالث : وهو أنا بينا بالبراهين العقلية القاهرة أن حصول الإيمان ~~والكفر يمتنع أن يكون بالعبد ، وذلك لأن كل أحد إنما يريد الإيمان والصدق ، ~~والعلم والحق ، وأن أحدا / لا يقصد تحصيل الكفر والجهل والكذب فلما كان كل ~~أحد لا يقصد إلا الإيمان والحق ثم إنه لايحصل ذلك ، وإنما يحصل الكفر ~~والباطل ، علمنا أن حصول ذلك الكفر ليس منه . # فإن قالوا : إنما حصل ذلك الكفر لأنه ظن أنه هو الإيمان : فنقول : فعلى ~~هذا التقدير إنما رضي بتحصيل ذلك الجهل لأجل جهل آخر سابق عليه فينقل ~~الكلام إلى ذلك الجهل السابق فإن كان ذلك لأجل جهل آخر لزم التسلسل وهو ~~محال ، وإلا وجب انتهاء كل الجهالات إلى جهل أول سابق حصل في قلبه لا ~~بتحصيله بل بتخليق الله تعالى ، وذلك هو الذي قلناه : أن المراد من قوله : ~~{ كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين * لا يؤمنون } والمعنى : نجعل في قلوبهم أن ~~لا يؤمنوا به ، وهو أنه ms5421 تعالى يخلق الكفر والضلال فيها ، وأيضا قدماء ~~المفسرين مثل ابن عباس وتلامذته أطبقوا على تفسير هذه الآية بأنه تعالى ~~يخلق الكفر والضلال فيها ، والتأويل الذي ذكره المعتزلة تأويل مستحدث لم ~~يقل به أحد من المتقدمين ، فكان مردودا ، وروى القاضي عن عكرمة أن المراد ~~كذلك نسلك القسوة في قلوب المجرمين ، ثم قال القاضي : إن القسوة لا تحصل ~~إلا من قبل الكافر بأن يستمر على كفره ويعاند ، فلا يصح إضافته إلى الله ~~تعالى ، فيقال للقاضي : إن هذا يجري مجرى المكابرة ، وذلك لأن الكافر يجد ~~من نفسه نفرة شديدة عن قبول قول الرسول ونبوة عظيمة عنه حتى أنه كلما رآه ~~تغير لونه واصفر وجهه ، وربما ارتعدت أعضاؤه ولا يقدر على الالتفات إليه ~~والاصغاء لقوله ، فحصول هذه الأحوال في قلبه أمر اضطراري لا يمكنه دفعها عن ~~نفسه ، فكيف يقال : إنها حصلت بفعله واختياره ؟ # فإن قالوا : إنه يمكنه ترك هذه الأحوال ، والرجوع إلى الانقياد والقبول ~~فنقول هذا مغالطة محضة ، لأنك إن أردت أنه مع حصول هذه النفرة الشديدة في ~~القلب / والنبوة العظيمة في النفس يمكنه أن يعود إلى الإنقياد والقبول ~~والطاعة والرضا فهذا مكابرة ، وإن أردت أن عند زوال هذه الأحوال النفسانية ~~يمكنه العود إلى القبول والتسليم فهذا حق ، إلا أنه لا يمكنه إزالة هذه ~~الدواعي والصوارف عن القلب فإنه إن كان الفاعل لها هو الإنسان لافتقر في ~~تحصيل هذه الدواعي والصوارف إلى دواعي سابقة عليها ولزم الذهاب إلى ما لا ~~نهاية له وذلك محال ، وإن كان الفاعل لها هو الله تعالى فحينئذ يصح أنه ~~تعالى هو الذي يسلك هذه الدواعي والصوارف في القلوب وذلك عين ما ذكرناه ~~والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وقد خلت سنة الاولين } ففيه قولان : الأول : أنه ~~تهديد لكفار مكة يقول قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل في القرون ~~الماضية . الثاني : وهو قول الزجاج : وقد / مضت سنة الله في الأولين بأن ~~يسلك الكفر والضلال في قلوبهم ، وهذا أليق بظاهر اللفظ . # PageV19P131 ! 7 < { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ms5422 يعرجون * ~~لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 14 - 15 ) ولو فتحنا عليهم . . . . . # > > # اعلم أن هذا الكلام هو المذكور في سورة الأنعام في قوله : { ولو نزلنا ~~عليك كتابا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هاذا إلا سحر مبين ~~} ( الأنعام : 7 ) والحاصل : أن القوم لما طلبوا نزول ملائكة يصرحون بتصديق ~~الرسول عليه السلام في كونه رسولا من عند الله تعالى بين الله تعالى في هذه ~~الآية أن بتقدير أن يحصل هذا المعنى لقال الذين كفروا هذا من باب السحر ~~وهؤلاء الذين يظن أنا نراهم فنحن في الحقيقة لا نراهم . والحاصل : أنه لما ~~علم الله تعالى أنه لا فائدة في نزول الملائكة فلهذا السبب ما أنزلهم . # فإن قيل : كيف يجوز من الجماعة العظيمة أن يصيروا شاكرين في وجود ما ~~يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح ، ولو جاز حصول الشك في ذلك كانت ~~السفسطة لازمة ، ولا يبقى حينئذ اعتماد على الحس والمشاهدة . # أجاب القاضي عنه : بأنه تعالى ما وصفهم بالشك فيما يبصرون ، وإنما وصفهم ~~بأنهم يقولون هذا القول ، وقد يجوز أن يقدم الإنسان على الكذب على سبيل ~~العناد والمكابرة ، ثم سأل نفسه وقال : أفيصح من الجمع العظيم أن يظهروا ~~الشك في المشاهدات . وأجاب بأنه يصح ذلك إذا جمعهم عليه غرض صحيح معتبر من ~~مواطأة على دفع حجة أو غلبة خصم ، وأيضا فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم ~~مخصومين ، سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم إنزال الملائكة ، وهذا السؤال ~~ما كان إلا من رؤساء القوم ، وكانوا قليلي العدد ، وإقدام العدد القليل على ~~ما يجري مجرى المكابرة جائز . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { فظلوا فيه يعرجون } يقال : ظل فلان ~~نهاره يفعل كذا إذا فعله بالنهار ولا تقول العرب ظل يظل إلا لكل عمل عمل ~~بالنهار ، كما لا يقولون بات يبيت إلا بالليل ، والمصدر الظلول ، وقوله : { ~~فيه يعرجون } يقال : عرج يعرج عروجا ، ومنه المعارج ، وهي المصاعد التي ~~يصعد فيها ، وللمفسرين في هذه الآية قولان : # / القول الأول : أن قوله : { فظلوا فيه يعرجون } من ms5423 صفة المشركين . قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج وينظرون ~~إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلطانه ، وإلى عبادة الملائكة الذين هم من ~~خشيته مشفقون لشكوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم كما جحدوا ~~سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من ~~القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله . # القول الثاني : أن هذه العروج للملائكة ، والمعنى : أنه تعالى لو جعل ~~هؤلاء الكفار بحيث يروا أبوابا من السماء مفتوحة وتصعد منها الملائكة وتنزل ~~لصرفوا ذلك عن وجهه ، ولقالوا : إن السحرة سحرونا وجعلونا PageV19P132 بحيث ~~نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها وقوله : { لقالوا إنما سكرت أبصارنا ~~} فيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير { سكرت } بالتخفيف ، والباقون مشددة الكاف ~~قال الواحدي سكرت غشيت وسددت بالسحر هذا قول أهل اللغة قالوا : وأصله من ~~السكر وهو سد الشق لئلا ينفجر الماء ، فكأن هذه الأبصار منعت من النظر كما ~~يمنع السكر الماء من الجري ، والتشديد يوجب زيادة وتكثيرا وقال أبو عمرو بن ~~العلاء : هو مأخوذ من سكر الشراب يعني أن الأبصار حارت ووقع بها من فساد ~~النظر مثل ما يقع بالرجل السكران من تغير العقل فإذا كان هذا معنى التخفيف ~~فسكرت بالتشديد يراد به وقوع هذا الأمر مرة بعد أخرى / وقال أبو عبيدة : { ~~سكرت أبصارنا } أي غشيت أبصارنا فوجب سكونها وبطلانها ، وعلى هذا القول ~~أصله من السكون يقال : سكرت الريح سكرا إذا سكنت وسكر الحر يسكر وليلة ~~ساكرة لا ريح فيها وقال أوس : # % جذلت على ليلة ساهرة % % فليست بطلق ولا ساكره % # ويقال : سكرت عينه سكرا إذا تحيرت وسكنت عن النظر وعلى هذا معنى سكرت ~~أبصارنا ، أي سكنت عن النظر وهذا القول اختيار الزجاج . وقال أبو علي ~~الفارسي : سكرت صارت بحيث لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقائقها ، ~~وكان معنى السكر قطع الشيء عن سننه الجاري ، فمن ذلك تسكير الماء وهو رده ~~عن سننه في الجرية ، والسكر في الشراب هو ms5424 أن ينقطع عما كان عليه من المضاء ~~في حال الصحو فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في الصحو ، فهذه أقوال أربعة في ~~تفسير { سكرت } وهي في الحقيقة متقاربة ، والله أعلم . # المسألة الثانية : قال الجبائي : من جوز قدرة السحرة على أن يأخذوا بأعين ~~الناس حتى يروهم الشيء على خلاف ما هو عليه لم يصح إيمانه بالأنبياء والرسل ~~، وذلك لأنهم إذا جوزوا ذلك فلعل / هذا الذي يرى أنه محمد بن عبد الله ليس ~~هو ذلك الرجل وإنما هو شيطان ، ولعل هذه المعجزات التي نشاهدها ليس لها ~~حقائق ، بل هي تكون من باب الآراء الباطلة من ذلك الساحر ، وإذا حصل هذا ~~التجويز بطل الكل . والله أعلم . # ! 7 < { ولقد جعلنا فى السماء بروجا وزيناها للناظرين * وحفظناها من كل ~~شيطان رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 16 - 18 ) ولقد جعلنا في . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة ، وكان قد ثبت أن القول ~~بالنبوة مفرع على القول بالتوحيد أتبعه تعالى بدلائل التوحيد . ولما كانت ~~دلائل التوحيد منها سماوية ، ومنها أرضية ، بدأ منها بذكر الدلائل السماوية ~~، فقال : { ولقد جعلنا فى السماء بروجا وزيناها للناظرين } قال الليث : ~~البرج واحد من بروج الفلك ، والبروج جمع وهي اثنا عشر برجا ، ونظيره قوله ~~تعالى : { تبارك الذى جعل فى السماء بروجا } ( الفرقان : 61 ) PageV19P133 ~~وقال : { والسماء ذات البروج } ( البروج : 1 ) ووجه دلالتها على وجود ~~الصانع المختار ، هو أن طبائع هذه البروج مختلفة على ما هو متفق عليه بين ~~أرباب الأحكام ، وإذا كان الأمر كذلك فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة ~~في الماهية والأبعاض المختلفة في الحقيقة ، وكل مركب فلا بد له من مركب ~~يركب تلك الأجزاء والأبعاض بحسب الاختيار والحكمة ، فثبت أن كون السماء ~~مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار ، وهو المطلوب ، وأما قوله : ~~{ وزيناها للناظرين * وحفظناها من كل شيطان رجيم * إلا من استرق السمع ~~فأتبعه شهاب مبين } فقد استقصينا الكلام فيه في سورة الملك في تفسير قوله ~~تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ms5425 وجعلناها رجوما للشياطين } ( ~~الملك : 5 ) فلا نعيد ههنا إلا القدر الذي لا بد منه قوله : { وزيناها } أي ~~بالشمس والقمر والنجوم { للناظرين } أي للمعتبرين بها والمستدلين بها على ~~توحيد صانعها وقوله : { وحفظناها من كل شيطان رجيم } . # فإن قيل : ما معنى وحفظناها من كل شيطان رجيم ، والشيطان لا قدرة له على ~~هدم السماء فأي حاجة إلى حفظ السماء منه . # قلنا : لما منعه من القرب منها ، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان فحفظ ~~الله السماء منهم كما قد / يحفظ منازلنا عن متجسس يخشى منه الفساد ثم نقول ~~: معنى الرجم في اللغة الرمي بالحجارة . ثم قيل للقتيل رجم تشبيها له ~~بالرجم بالحجارة ، والرجم أيضا السب والشتم لأنه رمي بالقول القبيح ومنه ~~قوله : { لارجمنك } أي لأسبنك ، والرجم اسم لكل ما يرمى به ، ومنه قوله : { ~~وجعلناها رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) أي مرامي لهم ، والرجم القول ~~بالظن ، ومنه قوله : { رجما بالغيب } ( الكهف : 22 ) لأنه يرميه بذلك الظن ~~والرجم أيضا اللعن والطرد ، وقوله الشيطان الرجيم ، قد فسروه بكل هذه ~~الوجوه . قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانت الشياطين لا تحجب عن السموات ~~، فكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها إلى الكهنة ، ~~فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاثة سموات ، فلما ولد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها ، فكل واحد منهم إذا أراد استراق ~~السمع رمى بشهاب . وقوله : { إلا من استرق السمع } لا يمكن حمل لفظة { إلا ~~} ههنا على الاستثناء ، بدليل أن إقدامهم على استراق السمع لا يخرج السماء ~~من أن تكون محفوظة منهم إلا أنهم ممنوعون من دخولها ، وإنما يحاولون القرب ~~منها ، فلا يصح أن يكون استثناء على التحقيق ، فوجب أن يكون معناه : لكن من ~~استرق السمع . قال الزجاج : موضع { من } نصب على هذا التقدير . قال : وجائز ~~أن يكون في موضع خفض ، والتقدير : إلا ممن . قال ابن عباس : في قوله : { ~~إلا من استرق السمع } يريد الخطفة اليسيرة ، وذلك لأن المارد من الشياطين ~~يعلو فيرمى بالشهاب فيحرقه ولا يقتله ، ومنهم من يحيله فيصير ms5426 غولا يضل ~~الناس في البراري . وقوله : { فأتبعه } ذكرنا معناه في سورة الأعراف في قصة ~~بلعم بن باعورا في قوله : { فأتبعه الشيطان } ( الأعراف : 175 ) معناه لحقه ~~، والشهاب شعلة نار ساطع ، ثم يسمى الكواكب شهابا ، والسنان شهابا لأجل ~~أنهما لما فيهما من البريق يشبهان النار . # واعلم أن في هذا الموضع أبحاثا دقيقة ذكرناها في سورة الملك وفي سورة ~~الجن ، ونذكر منها ههنا إشكالا واحدا ، وهو أن لقائل أن يقول : إذا جوزتم ~~في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السموات ويختلط بالملائكة ويسمع أخبار ~~الغيوب عنهم ، ثم إنها تنزل وتلقي تلك الغيوب على الكهنة فعلى هذا التقدير ~~وجب PageV19P134 أن يخرج الأخبار عن المغيبات عن كونه معجزا لأن كل غيب ~~يخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم قام فيه هذا الاحتمال وحينئذ يخرج عن ~~كونه معجزا دليلا على الصدق ، لا يقال إن الله تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ~~ذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم لأنا نقول هذا العجز لا يمكن إثباته ~~إلا بعد القطع بكون محمد رسولا وكون القرآن حقا ، والقطع بهذا لا يمكن إلا ~~بواسطة المعجز ، وكون الإخبار عن الغيب معجزا لا يثبت إلا بعد إبطال هذا ~~الاحتمال وحينئذ يلزم الدور وهو باطل محال ، ويمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت ~~كون محمد صلى الله عليه وسلم / رسولا بسائر المعجزات ، ثم بعد العلم بنبوته ~~نقطع بأن الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق ، وعند ذلك ~~يصير الإخبار عن الغيوب معجز ، وبهذا الطريق يندفع الدور . والله أعلم . # ! 7 < { والا رض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شىء ~~موزون * وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 19 - 20 ) والأرض مددناها وألقينا . . . . . # > > # علم أنه تعالى لما شرح الدلائل السماوية في تقرير التوحيد أتبعها بذكر ~~الدلائل الأرضية ، وهي أنواع : # النوع الأول : قوله تعالى : { والارض مددناها } قال ابن عباس بسطناها على ~~وجه الماء ، وفيه احتمال آخر ، وذلك لأن الأرض جسم ، والجسم هو الذي يكون ~~ممتدا في الجهات الثلاثة ، وهي الطول والعرض ms5427 والثخن ، وإذا كان كذلك ، ~~فتمدد جسم الأرض في هذه الجهات الثلاثة مختص بمقدار معين لما ثبت أن كل جسم ~~فإنه يجب أن يكون متناهيا وإذا كان كذلك كان تمدد جسم الأرض مختصا بمقدار ~~معين مع أن الإزدياد عليه معقول ، والانتقاص عنه أيضا معقول ، وإذا كان ~~كذلك كان اختصاص ذلك التمدد بذلك القدر المقدر مع جواز حصول الأزيد والأنقص ~~اختصاصا بأمر جائز وذلك يجب أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر ، وهو الله ~~سبحانه وتعالى . # فإن قيل : هل يدل قوله : { والارض مددناها } على أنها بسيطة ؟ # قلنا : نعم لأن الأرض بتقدير كونها كرة ، فهي كرة في غاية العظمة ، ~~والكرة العظيمة يكون كل قطعة صغيرة منها ، إذا نظر إليها فإنها ترى كالسطح ~~المستوي ، وإذا كان كذلك زال ما ذكروه من الإشكال ، والدليل عليه قوله ~~تعالى : { والجبال أوتادا } ( النبأ : 7 ) سماها أوتادا مع أنه قد يحصل ~~عليها سطوح عظيمة مستوية ، فكذا ههنا . # النوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وألقينا ~~فيها رواسي } وهي الجبال الثوابت ، واحدها راسي ، والجمع راسية ، وجمع ~~الجمع رواسي ، وهو كقوله تعالى : { وألقى فى الارض رواسى أن تميد بكم } ( ~~النحل : 15 ) وفي تفسيره وجهان : # الوجه الأول : قال ابن عباس : لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت ~~بأهلها كالسفينة فأرساها الله PageV19P135 تعالى بالجبال الثقال لكيلا تميل ~~بأهلها . # فإن قيل : أتقولون إنه تعالى خلق الأرض بدون الجبال فمالت بأهلها فخلق ~~فيها الجبال بعد ذلك أو تقولون إن الله خلق الأرض والجبال معا . # قلنا : كلا الوجهين محتمل . # والوجه الثاني : في تفسير قوله : { وألقينا فيها رواسي } يجوز أن يكون ~~المراد أنه تعالى خلقها لتكون دلالة للناس على طرق الأرض ونواحيها لأنها ~~كالأعلام فلا تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال وهذا ~~الوجه ظاهر الاحتمال . # النوع الثالث : من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وأنبتنا ~~فيها من كل شىء موزون } وفيه بحثان : # البحث الأول : أن الضمير في قوله : { وأنبتنا فيها } يحتمل أن يكون راجعا ~~إلى الأرض وأن يكون راجعا إلى ms5428 الجبال الرواسي ، إلا أن رجوعه إلى الأرض ~~أولى لأن أنواع النبات المنتفع بها إنما تتولد في الأراضي ، فأما الفواكه ~~الجبلية فقليلة النفع ، ومنهم من قال : رجوع ذلك الضمير إلى الجبال أولى ، ~~لأن المعادن إنما تتولد في الجبال ، والأشياء الموزونة في العرف والعادة هي ~~المعادن لا النبات . # البحث الثاني : اختلفوا في المراد بالموزون وفيه وجوه : # الوجه الأول : أن يكون المراد أنه متقدر بقدر الحاجة . قال القاضي : وهذا ~~الوجه أقرب لأنه تعالى يعلم المقدار الذي يحتاج إليه الناس وينتفعون به ~~فينبت تعالى في الأرض ذلك المقدار ، ولذلك أتبعه بقوله : { وجعلنا لكم فيها ~~معايش } لأن ذلك الرزق الذي يظهر بالنبات يكون معيشة لهم من وجهين : الأول ~~: بحسب الأكل والانتفاع بعينه . والثاني : أن ينتفع بالتجارة فيه ، ~~والقائلون بهذا القول قالوا : الوزن إنما يراد لمعرفة المقدار فكان إطلاق ~~لفظ الوزن لإرادة معرفة المقدار من باب اطلاق اسم السبب على المسبب قالوا : ~~ويتأكد ذلك أيضا بقوله تعالى : { وكل شىء عنده بمقدار } ( الرعد : 8 ) ~~وقوله : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ( الحجر ~~: 21 ) . # والوجه الثاني : في تفسير هذا اللفظ أن هذا العالم عالم الأسباب والله ~~تعالى إنما يخلق المعادن والنبات والحيوان بواسطة تركيب طبائع هذا العالم ، ~~فلا بد وأن يحصل من الأرض قدر مخصوص / ومن الماء والهواء كذلك ، ومن تأثير ~~الشمس والكواكب في الحر والبرد مقدار مخصوص ، ولو قدرنا حصول الزيادة على ~~ذلك القدر المخصوص ، أو النقصان عنه لم تتولد المعادن والنبات والحيوان ~~فالله سبحانه وتعالى قدرها على وجه مخصوص بقدرته وعلمه وحكمته فكأنه تعالى ~~وزنها بميزان الحكمة حتى حصلت هذه الأنواع . # والوجه الثالث : في تفسير هذا اللفظ أن أهل العرف يقولون : فلان موزون ~~الحركات أي حركات متناسبة حسنة مطابقة للحكمة ، وهذا الكلام كلام موزون إذا ~~كان متناسبا حسنا بعيدا عن اللغو والسخف فكان المراد منه أنه موزون بميزان ~~الحكمة والعقل ، وبالجملة فقد جعلوا لفظ الموزون كناية عن الحسن والتناسب ، ~~فقوله : { وأنبتنا فيها من كل شىء موزون } أي متناسب محكوم عليه عند ms5429 العقول ~~السليمة بالحسن PageV19P136 واللطافة ومطابقة المصلحة . # والوجه الرابع : في تفسير هذا اللفظ أن الشيء الذي ينبت من الأرض نوعان : ~~المعادن والنبات : أما المعادن فهي بأسرها موزونة وهي الأجساد السبعة ~~والأحجار والأملاح والزاجات وغيرها . وأما النبات فيرجع عاقبتها إلى الوزن ~~، لأن الحبوب توزن ، وكذلك الفواكه في الأكثر والله أعلم . وقوله تعالى : { ~~وجعلنا لكم فيها معايش } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : ذكرنا الكلام في المعايش في سورة الأعراف وقوله : { ومن ~~لستم له برازقين } فيه قولان : # القول الأول : أنه معطوف على محل لكم ، والتقدير : وجعلنا لكم فيها معايش ~~ومن لستم له برازقين . # والقول الثاني : أنه عطف على قوله : { معايش } والتقدير : وجعلنا لكم ~~معايش ومن لستم له برازقين ، وعلى هذا القول ففيه احتمالات ثلاثة : # الاحتمال الأول : أن كلمة ( من ) مختصة بالعقلاء فوجب أن يكون المراد من ~~قوله : { ومن لستم له برازقين } العقلاء وهم العيال والمماليك والخدم ~~والعبيد ، وتقرير الكلام أن الناس يظنون في أكثر الأمر أنهم الذين يرزقون ~~العيال والخدم والعبيد ، وذلك خطأ فإن الله هو الرزاق يرزق الخادم والمخدوم ~~، والمملوك والمالك فإنه لولا أنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة ، وأعطى ~~القوة الغاذية والهاضمة ، وإلا لم يحصل لأحد رزق . # والاحتمال الثاني : وهو قول الكلبي قال : المراد بقوله : { ومن لستم له ~~برازقين } الوحش والطير . # فإن قيل : كيف يصح هذا التأويل مع أن صيغة من مختصة بمن يعقل ؟ # قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن صيغة من قد وردت في غير العقلاء ~~، والدليل عليه / قوله تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى ~~على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى على أربع } ( النور : 45 ) ~~. والثاني : أنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقا على الله حيث قال : { وما من ~~دابة في الارض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها } ( هود : 6 ) ~~فكأنها عند الحاجة تطلب أرزاقها من خالقها فصارت شبيهة بمن يعقل من هذه ~~الجهة ، فلم يبعد ذكرها بصيغة من يعقل ، ألا ترى أنه قال : { نملة يأيها ~~النمل ادخلوا مساكنكم } ( النحل : 18 ) فذكرها بصيغة جمع ms5430 العقلاء ، وقال في ~~الأصنام : { فإنهم عدو لى } ( الشعراء : 77 ) وقال : { كل فى فلك يسبحون } ~~( الأنبياء : 33 ) فكذا ههنا لا يبعد إطلاق اللفظة المختصة بالعقلاء على ~~الوحش والطير لكونها شبيهة بالعقلاء من هذه الجهة وسمعت في بطن الحكايات ~~أنه قلت المياه في الأودية والجبال واشتد الحر في عام من الأعوام فحكى عن ~~بعضهم أنه رأى بعض الوحش رافعا رأسه إلى السماء عند اشتداد عطشه قال : ~~فرأيت الغيوم قد أقبلت وأمطرت بحيث امتلأت الأودية منها . # والاحتمال الثالث : أنا نحمل قوله : { ومن لستم له برازقين } على الإماء ~~والعبيد ، وعلى الوحش والطير ، وإنما أطلق عليها صيغة من تغليبا لجانب ~~العقلاء على غيرهم . # المسألة الثانية : قوله : { ومن لستم له برازقين } لا يجوز أن يكون ~~مجرورا عطفا على الضمير المجرور PageV19P137 في لكم ، لأنه لا يعطف على ~~الضمير المجرور ، لا يقال أخذت منك وزيد إلا بإعادة الخافض كقوله تعالى : { ~~وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } ( الأحزاب : 7 ) . # واعلم أن هذا المعنى جائز على قراءة من قرأ : { تساءلون به والارحام } ( ~~النساء : 1 ) بالخفض وقد ذكرنا هذه المسألة هنالك . والله أعلم . # ! 7 < { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم * وأرسلنا ~~الرياح لواقح فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ومآ أنتم له بخازنين } > 7 ~~@QB@ < # | الحجر : ( 21 - 22 ) وإن من شيء . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين أنه أنبت في الأرض كل شيء موزون وجعل فيها معايش ~~أتبعه بذكر ما هو كالسبب لذلك فقال : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه } . # وهذا هو النوع الرابع من الدلائل المذكورة في هذه السورة على تقرير ~~التوحيد ، وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : الخزائن جمع الخزانة ، وهو ~~اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ والخزانة أيضا عمل الخازن ، ويقال ~~: خزن الشيء يخزنه إذا أحرزه في خزانة ، وعامة المفسرين على أن المراد ~~بقوله : { وإن من شىء إلا * من عندنا * خزائنه } هو المطر ، وذلك لأنه هو ~~السبب للأرزاق ولمعايش بني آدم وغيرهم من الطيور والوحوش ، فلما ذكر تعالى ~~أنه ms5431 يعطيهم المعايش بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده ، أي في ~~أمره وحكمه وتدبيره ، وقوله : { وما ننزله إلا بقدر معلوم } قال ابن عباس ~~رحمهما الله : يريد قدر الكفاية ، وقال الحكم : ما من عام بأكثر مطرا من ~~عام آخر ، ولكنه يمطر قوم ويحرم قوم آخرون ، وربما كان في البحر ، يعني أن ~~الله تعالى ينزل المطر كل عام بقدر معلوم ، غير أنه يصرفه إلى من يشاء حيث ~~شاء كما شاء . # ولقائل أن يقول : لفظ الآية لا يدل على هذا المعنى ، فإن قوله تعالى : { ~~وما ننزله إلا بقدر معلوم } لا يدل على أنه تعالى ينزله في جميع الأعوام ~~على قدر واحد ، وإذا كان كذلك كان تفسير الآية بهذا المعنى تحكما من غير ~~دليل . وأقول أيضا : تخصيص قوله تعالى : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه } ~~بالمطر تحكم محض ، لأن قوله : { وإن من شىء } يتناول جميع الأشياء إلا ما ~~خصه الدليل ، وهو الموجود القديم الواجب لذاته ، وقوله : { أن عندنا * ~~خزائنه } إشارة إلى كون تلك الأشياء مقدورة له تعالى . وحاصل الأمر فيه أن ~~المراد أن جميع الممكنات مقدورة له ، ومملوكة يخرجها من العدم إلى الوجود ~~كيف شاء إلا أنه تعالى وإن كانت مقدوراته غير متناهية إلا أن الذي يخرجه ~~منها إلى الوجود يجب أن يكون متناهيا لأن دخول ما لا نهاية له في الوجود ~~محال فقوله : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه } إشارة إلى كون مقدوراته غير ~~متناهية وقوله : { وما ننزله إلا بقدر معلوم } إشارة إلى أن كل ما يدخل ~~منها في الوجود فهو متناه ، ومتى كان الخارج منها إلى الوجود متناهيا كان ~~لا محالة مختصا في الحدوث بوقت مقدر مع جواز حصوله قبل ذلك الوقت أو بعده ~~بدلا عنه ، PageV19P138 وكان مختصا بحيز معين مع جواز حصوله في سائر ~~الأحياز بدلا عن ذلك الحيز ، وكان مختصا بصفات معينة ، مع أنه كان يجوز في ~~العقل حصول سائر الصفات بدلا عن تلك الصفات ، وإذا كان كذلك كان اختصاص تلك ~~الأشياء المتناهية بذلك الوقت المعين والحيز المعين ms5432 ، والصفات المعينة بدلا ~~عن أضدادها لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص وتقدير مقدر ، وهذا هو المراد من ~~قوله : { وما ننزله إلا بقدر معلوم } والمعنى : أنه لولا القادر المختار ~~الذي خصص تلك الأشياء بتلك الأحوال الجائزة لامتنع اختصاصها بتلك الصفات ~~الجائزة ، والمراد من الإنزال الإحداث والإنشاء والإبداع كقوله تعالى : { ~~وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج } ( الزمر : 6 ) وقوله : { وأنزلنا ~~الحديد } ( الحديد : 25 ) والله أعلم . # / المسألة الثانية : تمسك بعض المعتزلة بهذه الآية في إثبات أن المعدوم ~~شيء قال لأن قوله تعالى : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه } يقتضي أن يكون ~~لجميع الأشياء خزائن ، وأن تكون تلك الخزائن حاصلة عند الله تعالى ، ولا ~~جائز أن يكون المراد من تلك الخزائن الموجودة عند الله تعالى هي تلك ~~الموجودات من حيث إنها موجودة ، لأنا بينا أن المراد من قوله تعالى : { وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم } الإحداث والإبداع والإنشاء والتكوين ، وهذا يقتضي ~~أن يكون حصول تلك الخزائن عند الله متقدما على حدوثها ودخولها في الوجود ، ~~وإذا بطل هذا وجب أن يكون المراد أن تلك الذوات والحقائق والماهيات كانت ~~متقررة عند الله تعالى ، بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات ~~، ثم إنه تعالى أنزل بعضها أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود . # ولقائل أن يجيب عن ذلك بقوله : لا شك أن لفظ الخزائن إنما ورد ههنا على ~~سبيل التمثيل والتخييل ، فلم لا يجوز أن يكون المراد منه مجرد كونه تعالى ~~قادرا على إيجاد تلك الأشياء وتكوينها وإخراجها من العدم إلى الوجود ؟ وعلى ~~هذا التقدير يسقط الإستدلال ، والمباحثات الدقيقة باقية ، والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وأرسلنا الرياح لواقح } فاعلم أن هذا هو النوع الخامس ~~من دلائل التوحيد ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في وصف الرياح بأنها لواقح . أقوال : # القول الأول : قال ابن عباس : الرياح لواقح للشجر وللسحاب ، وهو قول ~~الحسن وقتادة والضحاك وأصل هذا من قولهم : لقحت الناقة وألقحها الفحل إذا ~~ألقى الماء فيها فحملت ، فكذلك الرياح جارية مجرى الفحل للسحاب . قال ابن ~~مسعود في تفسير هذه ms5433 الآية : يبعث الله الرياح لتلقح السحاب فتحمل الماء ~~وتمجه في السحاب ، ثم إنه يعصر السحاب ويدره كما تدر اللقحة فهذا هو تفسير ~~إلقاحها للشجر فما ذكروه . # فإن قيل : كيف قال { لواقح } وهي ملقحة ؟ # والجواب : ما ذهب إليه أبو عبيدة أن ( لواقح ) ههنا بمعنى ملاقح جمع ~~ملقحة وأنشد لسهيل يرثي أخاه : # % لبيك يزيد يائس ذو ضراعة % % وأشعث مما طوحته الطوائح % % PageV19P139 # أراد المطوحات وقرر ابن الأنباري ذلك فقال : تقول العرب أبقل النبت فهل ~~باقل يريدون هو مبقل وهذا بدل على جواز ورود لاقح عبارة عن ملقح . # والوجه الثاني : في الجواب قال الزجاج : يجوز أن يقال لها لواقح وإن ~~ألحقت غيرها لأن / معناها النسبة وهو كما يقال : درهم وازن ، أي ذو وزن ، ~~ورامح وسائف ، أي ذو رمح وذو سيف قال الواحدي : هذا الجواب ليس بمغن ، لأنه ~~كان يجب أن يصح اللاقح . بمعنى ذات اللقاح وهذا ليس بشيء ، لأن اللاقح هو ~~المنسوب إلى اللقحة ، ومن أفاد غيره اللقحة فله نسبة إلى اللقحة فصح هذا ~~الجواب والله أعلم . # والوجه الثالث : في الجواب أن الريح في نفسها لاقح وتقريره بطريقين : # الطريق الأول : أن الريح حاصلة للسحاب ، والدليل عليه قوله سبحانه : { ~~وهو الذى يرسل الرياح * بشرا بين * يدى رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } ( ~~الأعراف : 57 ) أي حملت فعلى هذا المعنى تكون الريح لاقحة بمعنى أنها حاملة ~~تحمل السحاب والماء . # والطريق الثاني : قال الزجاج : يجوز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير ، ~~كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بالخير ، وهذا كما تقول العرب : قد لقحت الحرب ~~وقد نتجت ولدا أنكد يشبهون ما تشتمل عليه من ضروب الشر بما تحمله الناقة ~~فكذا ههنا والله أعلم . # المسألة الثانية : الريح هواء متحرك وحركة الهواء بعد أن لم يكن متحركا ~~لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس نفس كونه هواء ولا شيئا من لوازم ذاته ، ~~وإلا لدامت حركة الهواء بدوام ذاته وذلك محال ، فلم يبق إلا أن يقال : إنه ~~يتحرك بتحريك الفاعل المختار ، والأحوال التي تذكرها الفلاسفة في سبب ms5434 حركة ~~الهواء عند حدوث الريح قد حكيناها في هذا الكتاب مرارا فأبطلناها وبينا أنه ~~لا يمكن أن يكون شيء منها سببا لحدوث الرياح ، فبقي أن يكون محركها هو الله ~~سبحانه . # وأما قوله : { وأنزلنا من السماء ماء * فأسقيناكموه ومآ أنتم له بخازنين ~~} ففيه مباحث : الأول : أن ماء المطر هل ينزل من السماء أو ينزل من ماء ~~السحاب ؟ وبتقدير أن يقال إنه ينزل من السحاب كيف أطلق الله على السحاب لفظ ~~السماء ؟ وثانيها : أنه ليس السبب في حدوث المطر ما يذكره الفلاسفة بل ~~السبب فيه أن الفاعل المختار ينزله من السحاب إلى الأرض لغرض الإحسان إلى ~~العباد كما قال ههنا : { فأسقيناكموه } قال الأزهري : تقول العرب لكل ما ~~كان في بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري أسقيته أي جعلته شربا له ، ~~وجعلت له منها مسقى ، فإذا كانت السقيا لسقيه قالوا سقاه ، ولم يقولوا ~~أسقاه . والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله : { نسقيكم مما فى بطونه } ( ~~النحل : 66 ) فقرؤا باللغتين ، ولم يختلفوا في قوله : { وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا } ( الإنسان : 21 ) وفي قوله : { والذى هو يطعمنى ويسقين } ( الشعراء ~~: 79 ) قال أبو علي : سقيته حتى روي وأسقيته نهرا ، أي جعلته شربا له وقوله ~~: { فأسقيناكموه } أي جعلناه / سقيا لكم وربما قالوا في أسقى سقى كقول لبيد ~~يصف سحابا : # % أقول وصوبه مني بعيد % % يحط السيب من قلل الجبال % # % سقى قومي بني نجد وأسقى % % نميرا والقبائل من هلال % % PageV19P140 # فقوله : سقى قومي ليس يريد به ما يروي عطاشهم ولكن يريد رزقهم سقيا ~~لبلادهم يخصبون بها ، وبعيد أن يسأل لقومه ما يروى العطاش وليغرهم ما ~~يخصبون به . وأما سقيا السقية فلا يقال فيها أسقاه ، وأما قول ذي الرمة : # % وأسقيه حتى كاد مما أبنه % % تكلمني أحجاره وملاعبه % # فمعنى أسقيه أدعو له بالسقاء ، وأقول سقاه الله وقوله : { ومآ أنتم له ~~بخازنين } يعني به ذلك الماء المنزل من السماء يعني لستم له بحافظين . # ! 7 < { وإنا لنحن نحى ونميت ونحن الوارثون * ولقد علمنا المستقدمين منكم ~~ولقد علمنا المستأخرين * وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم ms5435 عليم } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 23 - 25 ) وإنا لنحن نحيي . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو النوع السادس من دلائل التوحيد وهو الاستدلال بحصول ~~الإحياء والإماتة لهذه الحيوانات على وجود الإله القادر المختار . # أما قوله : { وإنا لنحن نحى ونميت } ففيه قولان : منهم من حمله على القدر ~~المشترك بين إحياء النبات والحيوان ومنهم من يقول : وصف النبات بالإحياء ~~مجاز فوجب تخصيصه بإحياء الحيوان ولما ثبت بالدلائل العقلية أنه لا قدرة ~~على خلق الحياة إلا للحق سبحانه كان حصول الحياة للحيوان دليلا قاطعا على ~~وجود الإله الفاعل المختار ، وقوله : { وإنا لنحن نحى ونميت } يفيد الحصر ~~أي لا قدرة على الإحياء ولا على الإماتة إلا لنا ، وقوله : { ونحن الوارثون ~~} معناه : أنه إذا مات جميع الخلائق ، فحينئذ يزول ملك كل أحد عند موته ، ~~ويكون الله هو الباقي الحق المالك لكل المملوكات وحده فكان هذا شبيها ~~بالإرث فكان وارثا من هذا الوجه . # وأما قوله : { ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستخرين } ففيه ~~وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء : المستقدمين ~~يريد أهل طاعة الله تعالى والمستأخرين يريد / المتخلفين عن طاعة الله . ~~الثاني : أراد بالمستقدمين الصف الأول من أهل الصلاة ، وبالمستأخرين الصف ~~الآخر ، روي أنه صلى الله عليه وسلم رغب في الصف الأول في الصلاة ، فازدحم ~~الناس عليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى : أنا نجزيهم على قدر ~~نياتهم . الثالث : قال الضحاك ومقاتل : يعني في وصف القتال . الرابع : قال ~~ابن عباس في رواية أبي الجوزاء كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها وآخرون يتخلفون ~~ويتأخرون ليروها وإذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية . الخامس : قيل المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم ~~الأحياء . وقيل المستقدمون هم الأمم السالفة ، والمستأخرون هم أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، وقال عكرمة : المستقدمون من خلق والمستأخرون من لم يخلق . ~~PageV19P141 # واعلم أنه تعالى لما قال : { وإنا لنحن نحى ونميت } أتبعه بقوله : { ولقد ~~علمنا المستقدمين منكم ms5436 ولقد علمنا المستخرين } تنبيها على أنه لا يخفى على ~~الله شيء من أحوالهم فيدخل فيه علمه تعالى بتقدمهم وتأخرهم في الحدوث ~~والوجود وبتقدمهم وتأخرهم في أنواع الطاعات والخيرات ولا ينبغي أن نخص ~~الآية بحالة دون حالة . # وأما قوله : { وإن ربك هو يحشرهم } فالمراد منه التنبيه على أن الحشر ~~والنشر والبعث والقيامة أمر واجب وقوله : { إنه حكيم عليم } معناه : أن ~~الحكمة تقتضي وجوب الحشر والنشر على ما قررناه بالدلائل الكثيرة في أول ~~سورة يونس عليه السلام . # ! 7 < { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون * والجآن خلقناه من ~~قبل من نار السموم } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 26 - 27 ) ولقد خلقنا الإنسان . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد فإنه ~~تعالى لما استدل بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدمة أردفه ~~بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب . # / المسألة الثانية : ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع القول بوجود حوادث ~~لا أول لها ، وإذا ثبت هذا ظهر وجوب انتهاء الحوادث إلى حادث أول هو أول ~~الحوادث ، وإذا كان كذلك فلا بد من انتهاء الناس إلى إنسان هو أول الناس ، ~~وإذا كان كذلك فذلك الإنسان الأول غير مخلوق مع الأبوين فيكون مخلوقا لا ~~محالة بقدرة الله تعالى . فقوله : { ولقد خلقنا الإنسان } إشارة إلى ذلك ~~الإنسان الأول ، والمفسرون أجمعوا على أن المراد منه هو آدم عليه السلام ، ~~ونقل في ( كتب الشيعة ) عن محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه قال : قد ~~انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر وأقول : هذا لا يقدح في ~~حدوث العالم بل لأمر كيف كان ، فلا بد من الانتهاء إلى إنسان أول هو أول ~~الناس وأما أن ذلك الإنسان هو أبونا آدم ، فلا طريق إلى إثباته إلا من جهة ~~السمع . # واعلم أن الجسم محدث ، فوجب القطع بأن آدم عليه السلام وغيره من الأجسام ~~يكون مخلوقا عن عدم محض ، وأيضا دل قوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل ءادم خلقه من تراب } ( آل ms5437 عمران : 59 ) على أن آدم مخلوق من تراب ، ~~ودلت آية أخرى على أنه مخلوق من الطين ، وهي قوله : { إنى خالق بشرا من طين ~~} ( ص: 71 ) وجاء في هذه الآية أن آدم عليه السلام مخلوق من صلصال من حمأ ~~مسنون ، والأقرب أنه تعالى خلقه أولا من تراب ثم من طين ثم من حمأ مسنون ثم ~~من صلصال كالفخار ، ولا شك أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجسام ~~كان ، بل هو قادر على خلقه ابتداء ، وإنما خلقه على هذا الوجه إما لمحض ~~المشيئة أو لما فيه من دلالة الملائكة ومصلحتهم ومصلحة الجن ، لأن خلق ~~الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه . PageV19P142 # المسألة الثالثة : في الصلصال قولان : قيل الصلصال الطين اليابس الذي ~~يصلصل وهو غير مطبوخ ، وإذا طبخ فهو فخار . قالوا : إذا توهمت في صوته مدا ~~فهو صليل ، وإذا توهمت فيه ترجيعا فهو صلصلة . قال المفسرون : خلق الله ~~تعالى آدم عليه السلام من طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة ، فصار ~~صلصالا كالخزف ولا يدري أحد ما يراد به ، ولم يروا شيئا من الصور يشبهه إلى ~~أن نفخ فيه الروح . وحقيقة الكلام أنه تعالى خلق آدم من طين على صورة ~~الإنسان فجف فكانت الريح إذا مرت به سمع له صلصلة فلذلك سماه الله تعالى ~~صلصالا . # والقول الثاني : الصلصال والمنتن من قولهم صل اللحم وأصل إذا نتن وتغير ، ~~وهذا القول عندي ضعيف ، لأنه تعالى قال : { من صلصال من حمإ مسنون } وكونه ~~حمأ مسنونا يدل على النتن والتغير وظاهر الآية يدل على أن هذا الصلصال إنما ~~تولد من الحمأ المسنون فوجب أن يكون كونه صلصالا مغايرا لكونه حمأ مسنونا ، ~~ولو كان كونه صلصالا عبارة عن النتن والتغير لم يبق بين كونه / صلصالا ، ~~وبين كونه حمأ مسنونا تفاوت ، وأما الحمأ فقال الليث الحمأة بوزن فعلة ، ~~والجمع الحمأ وهو الطين الأسود المنتن . وقال أبو عبيدة والأكثرون حماة ~~بوزن كمأة وقوله : { مسنون } فيه أقوال : الأول : قال ابن السكيت سمعت أبا ~~عمر ms5438 يقول في قوله : { مسنون } أي متغير قال أبو الهيثم يقال سن الماء / فهو ~~مسنون أي تغير . والدليل عليه قوله تعالى : { لم يتسنه } ( البقرة : 259 ) ~~أي لم يتغير . الثاني : المسنون المحكوك وهو مأخوذ من سننت الحجر إذا حككته ~~عليه ، والذي يخرج من بينهما يقال له السنن وسمي المسن مسنا لأن الحديد يسن ~~عليه . والثالث : قال الزجاج : هذا اللفظ مأخوذ من أي موضوع على سنن الطريق ~~لأنه متى كان كذلك فقد تغير . الرابع : قال أبو عبيدة : المسنون المصبوب ، ~~والسن والصب يقال سن الماء على وجهه سنا . الخامس : قال سيبويه : المسنون ~~المصور على صورة ومثال ، من سنة الوجه وهي صورته ، السادس : روي عن ابن ~~عباس أنه قال : المسنون الطين الرطب ، وهذا يعود إلى قول أبي عبيدة ، لأنه ~~إذا كان رطبا يسيل وينبسط على الأرض ، فيكون مسنونا بمعنى أنه مصبوب . # أما قوله تعالى : { والجآن خلقناه } فاختلفوا في أن الجان من هو ؟ فقال ~~عطاء عن ابن عباس : يريد إبليس وهو قول الحسن ومقاتل وقتادة . وقال ابن ~~عباس في رواية أخرى : الجان هو أب الجن وهو قول الأكثرين . وسمي جانا ~~لتواريه عن الأعين ، كما سمي الجنين جنينا لهذا السبب ، والجنين متوار في ~~بطن أمه ، ومعنى الجان في اللغة الساتر من قولك : جن الشيء إذا ستره ، ~~فالجان المذكور ههنا يحتمل أنه سمي جانا لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم ، ~~أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول كما يقال في لابن وتامر وماء ~~دافق وعيشة راضية . واختلفوا في الجن فقال بعضهم : إنهم جنس غير الشياطين ~~والأصح أن الشياطين قسم من الجن ، فكل من كان منهم مؤمنا فإنه لا يسمى ~~بالشيطان ، وكل من كان منهم كافرا يسمى بهذا الإسم ، والدليل على صحة ذلك ~~أن لفظ الجن مشتق من الاستتار ، فكل من كان كذلك كان من الجن ، وقوله تعالى ~~: { خلقناه من قبل } قال ابن عباس : يريد من قبل خلق آدم ، وقوله : { من ~~نار السموم } معنى السموم في اللغة : الريح الحارة تكون بالنهار وقد تكون ~~بالليل ، وعلى هذا ms5439 فالريح الحارة فيها نار ولها لفح وأوار ، على ما ورد في ~~الخبر أنها لفح جهنم . قيل : سميت سموما لأنها بلطفها تدخل في مسام البدن ، ~~وهي الخروق الخفية التي تكون في جلد الإنسان يبرز منها عرقه وبخار باطنه . ~~قال ابن مسعود : هذه السموم جزء PageV19P143 من سبعين جزأ من السموم التي ~~خلق الله بها الجان وتلا هذه الآية . # فإن قيل : كيف يعقل خلق الجان من النار ؟ # / قلنا : هذا على مذهبنا ظاهر ، لأن البنية عندنا ليست شرطا لإمكان حصول ~~الحياة ، فالله تعالى قادر على خلق الحياة والعلم في الجواهر الفرد ، فكذلك ~~يكون قادرا على خلق الحياة والعقل في الجسم الحار ، واستدل بعضهم على أن ~~الكواكب يمتنع حصول الحياة فيها قال : لأن الشمس في غاية الحرارة وما كان ~~كذلك امتنع حصول الحياة فيه فننقضه عليه بقوله تعالى : { والجآن خلقناه من ~~قبل من نار السموم } بل المعتمد في نفي الحياة عن الكواكب الإجماع . # ! 7 < { وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * ~~فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون ~~* إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين * قال ياإبليس ما لك ألا تكون مع ~~الساجدين * قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون * قال فاخرج ~~منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 28 - 35 ) وإذ قال ربك . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر حدوث الإنسان الأول واستدل بذكره على وجود الإله ~~القادر المختار ذكر بعده واقعته وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له ~~فأطاعوه إلا إبليس فإنه أبى وتمرد ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ما تفسير كونه بشرا . فالمراد منه كونه جسما كثيفا ~~يباشر ويلاقي والملائكة والجن لا يباشرون للطف أجسامهم عن أجسام البشر ، ~~والبشرة ظاهرة الجلد من كل حيوان وأما كونه صلصالا من حمأ مسنون فقد تقدم ~~ذكره . وأما قوله : { فإذا سويته } ففيه / قولان : الأول : فإذا سويت شكله ~~بالصورة الإنسانية والخلقة البشرية . والثاني : فإذا سويت أجزاء بدنه ~~باعتدال الطبائع ms5440 وتناسب الأمشاج كما قال تعالى : { إنا خلقنا الإنسان من ~~نطفة أمشاج } ( الإنسان : 2 ) . # وأما قوله : { ونفخت فيه من روحى } ففيه مباحث : الأول : أن النفخ إجراء ~~الريح في تجاويف جسم آخر ، وظاهر هذا اللفظ يشعر بأن الروح هي الريح ، وإلا ~~لما صح وصفها بالنفخ إلا أن البحث الكامل في حقيقة الروح سيجيء في قوله ~~تعالى : { قل الروح من أمر ربى } ( الإسراء : 85 ) وإنما أضاف الله سبحانه ~~روح آدم إلى نفسه تشريفا له وتكريما . وقوله : { فقعوا له ساجدين } فيه ~~مباحث : أحدها : أن ذلك السجود كان لآدم في الحقيقة أو كان آدم كالقبلة ~~لذلك السجود ، وهذا البحث قد تقدم ذكره في سورة PageV19P144 البقرة . ~~وثانيها : أن المأمورين بالسجود لآدم عليه السلام كل ملائكة السموات أو ~~بعضهم أو ملائكة الأرض ، من الناس من لا يجوز أن يقال : إن أكابر الملائكة ~~كانوا مأمورين بالسجود لآدم عليه السلام ، والدليل عليه قوله تعالى في آخر ~~سورة { الاعراف } في صفة الملائكة : { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن ~~عبادته ويسبحونه وله يسجدون } فقوله : { وله يسجدون } ( الأعراف : 20 ) ~~يفيد الحصر ، وذلك يدل على أنهم لا يسجدون إلا لله تعالى وذلك ينافي كونهم ~~ساجدين لآدم عليه السلام أو لأحد غير الله تعالى أقصى ما في الباب أن يقال ~~: إن قوله تعالى : { فقعوا له ساجدين } يفيد العموم ، إلا أن الخاص مقدم ~~على العام . وثالثها : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى كما نفخ الروح في ~~آدم عليه السلام وجب على الملائكة أن يسجدوا له ، لأن قوله : { فإذا سويته ~~ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين } مذكور بفاء التعقيب وذلك يمنع من ~~التراخي وقوله : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } قال الخليل وسيبويه قوله : ~~{ كلهم أجمعون } توكيد بعد توكيد ، وسئل المبرد عن هذه الآية فقال : لو قال ~~فسجد الملائكة احتمل أن يكون سجد بعضهم ، فلما قال : { كلهم } زال هذا ~~الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا ، ثم بعد هذا بقي احتمال آخر وهو أنهم ~~سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد منهم في وقت آخر فلما قال ms5441 : { أجمعون } ~~ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة ، ولما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد قال : ~~وقول الخليل وسيبويه أجود ، لأن أجمعين معرفة فلا يكون حالا وقوله : { إلا ~~إبليس } أجمعوا على أن إبليس كان مأمورا بالسجود لآدم ، واختلفوا في أنه هل ~~كان من الملائكة أم لا ؟ وقد سبقت هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة ~~وقوله : { أبى أن يكون مع الساجدين } استئناف وتقديره أن قائلا قال : هلا ~~سجد فقيل : أبى ذلك واستكبر عنه . # أما قوله : { قال ياءادم * إبليس * ما لك ألا تكون مع الساجدين } فاعلم ~~أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله : { قال ياءادم * إبليس } أي قال الله ~~تعالى له يا إبليس وهذا يقتضي أنه تعالى تكلم معه ، فعند هذا قال / بعض ~~المتكلمين : إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله ، إلا ~~أن هذا ضعيف ، لأن إبليس قال في الجواب : { لم أكن لاسجد لبشر خلقته من ~~صلصال } فقوله : { خلقته } خطاب الحضور لا خطاب الغيبة ، وظاهره يقتضي أن ~~الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع الله تعالى بغير ~~واسطة ، وكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب ~~وأشرف المراتب ، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم ، ولعل الجواب عنه أن ~~مكالمة الله تعالى إنما تكون منصبا عاليا إذا كان على سبيل الإكرام ~~والإعظام ، فأما إذا كان على سبيل الإهانة والإذلال فلا ، وقوله : { لم أكن ~~لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون } فيه بحثان : # البحث الأول : اللام في قوله : { لاسجد } لتأكيد النفي ، ومعناه : لا يصح ~~مني أن أسجد لبشر . # البحث الثاني : معنى هذا الكلام أن كونه بشرا يشعر بكونه جسما كثيفا وهو ~~كان روحانيا لطيفا ، فالتفرقة حاصلة بينهما في الحال من هذا الوجه . كأنه ~~يقول : البشر جسماني كثيف له بشرة ، وأنا روحاني لطيف ، والجسماني الكثيف ~~أدون حالا من الروحاني اللطيف ، والأدون كيف يكون مسجودا للأعلى ، وأيضا أن ~~آدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون ، فهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل ~~إبليس ms5442 هو النار وهي أشرف العناصر ، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم فوجب أن ~~يكون إبليس أشرف من آدم ، والأشرف PageV19P145 يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون ~~، فالكلام الأول إشارة إلى الفرق الحاصل بسبب البشرية والروحانية ، وهو فرق ~~حاصل في الحال والكلام الثاني إشارة إلى الفرق الحاصل بحسب العنصر والأصل ، ~~فهذا مجموع شبهة إبليس وقوله تعالى : { قال فاخرج منها فإنك رجيم } فهذا ~~ليس جوابا عن تلك الشبهة على سبيل التصريح ، ولكنه جواب عنها على سبيل ~~التنبيه . وتقريره أن الذي قاله الله تعالى نص ، والذي قاله إبليس قياس ، ~~ومن عارض النص بالقياس كان رجيما ملعونا . وتمام الكلام في هذا المعنى ~~ذكرناه مستقصى في سورة الأعراف ، وقوله : { فاخرج منها } قيل المراد من جنة ~~عدن ، وقيل من السموات ، وقيل من زمرة الملائكة ، وتمام هذا الكلام مع ~~تفسير الرجيم قد سبق ذكره في سورة الأعراف وقوله : { وإن عليك اللعنة إلى ~~يوم الدين } قال ابن عباس يريد يوم الجزاء حيث يجازي العباد بأعمالهم مثل ~~قوله : { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) . # فإن قيل : كلمة ( إلى ) تفيد انتهاء الغاية فهذا يشعر بأن اللعن لا يحصل ~~إلا إلى يوم القيامة ، وعند قيام القيامة يزول اللعن . # أجابوا عنه من وجوه : الأول : المراد منه التأبيد ، وذكر القيامة أبعد ~~غاية يذكرها الناس / في كلامهم كقولهم : { ما دامت * السماوات والارض } ( ~~هود : 107 ) في التأبيد . والثاني : أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في ~~السموات والأرض إلى يوم الدين من غير أن يعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذب عذابا ~~ينسى اللعن معه فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه . # ! 7 < { قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم ~~الوقت المعلوم * قال رب بمآ أغويتنى لأزينن لهم فى الا رض ولأغوينهم أجمعين ~~* إلا عبادك منهم المخلصين * قال هذا صراط على مستقيم } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 36 - 41 ) قال رب فأنظرني . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { فأنظرنى } متعلق بما تقدم والتقدير : إذا ~~جعلتني رجيما ملعونا إلى يوم الدين فأنظرني فطلب الإبقاء من الله ms5443 تعالى عند ~~اليأس من الآخرة إلى وقت قيام القيامة . لأن قوله : { إلى يوم يبعثون } ~~المراد منه يوم البعث والنشور وهو يوم القايمة ، وقوله : { فإنك من ~~المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم } اعلم أن إبليس استنظر إلى يوم البعث ~~والقيامة ، وغرضه منه أن لا يموت لأنه إذا كان لا يموت قبل يوم القيامة ، ~~وظاهره أن بعد قيام القيامة لا يموت أحد فحينئذ يلزم منه أن لا يموت ألبتة ~~. ثم إنه تعالى منعه عن هذا المطلوب وقال : { إنك من المنظرين * إلى يوم ~~الوقت المعلوم } واختلفوا في المراد منه على وجوه : أحدها : أن المراد من ~~يوم الوقت المعلوم وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق ، وإنما سمي هذا ~~الوقت بالوقت المعلوم لأن من المعلوم أن يموت كل الخلائق فيه . وقيل : إنما ~~سماه الله تعالى بهذا الاسم ، PageV19P146 لأن العالم بذلك الوقت هو الله ~~تعالى لا غير كما قال تعالى : { إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا ~~هو } ( الأعراف : 187 ) وقال : { إن الله عنده علم الساعة } ( لقمان : 34 ) ~~. وثانيها : أن المراد من يوم الوقت المعلوم هو الذي ذكره إبليس وهو قوله : ~~{ إلى يوم يبعثون } وإنما سماه تعالى بيوم الوقت المعلوم ؟ لأن إبليس لما ~~عينه وأشار إليه بعينه صار ذلك كالمعلوم . # / فإن قيل : لما أجابه الله تعالى إلى مطلوبه لزم أن لا يموت إلى وقت ~~قيام الساعة وبعد قيام القيامة لا يموت أيضا ، فيلزم أن يندفع عنه الموت ~~بالكلية . # قلنا : يحمل قوله : { إلى يوم يبعثون } إلى ما يكون قريبا منه . والوقت ~~الذي يموت فيه كل المكلفين قريب من يوم البعث ، وعلى هذا الوجه فيرجع حاصل ~~هذا الكلام إلى الوجه الأول . وثالثها : أن المراد بيوم الوقت المعلوم يوم ~~لا يعلمه إلا الله تعالى ، وليس المراد منه يوم القيامة . # فإن قيل : إنه لا يجوز أن يعلم المكلف متى يموت ، لأن فيه إغراء بالمعاصي ~~، وذلك لا يجوز على الله تعالى . # أجيب عنه بأن هذا الإلزام إنما يتوجه إذا كان وقت قيام القيامة معلوما ~~للمكلف . فأما إذا علم أنه تعالى ms5444 أمهله إلى وقت قيام القيامة إلا أنه تعالى ~~ما أعلمه الوقت الذي تقوم القيامة فيه فلم يلزم منه الإغراء بالمعاصي . # وأجيب عن هذا الجواب بأنه وإن لم يعلم الوقت الذي فيه تقوم القيامة على ~~التعيين إلا أنه علم في الجملة أن من وقت خلقة آدم عليه الصلاة والسلام إلى ~~وقت قيام القيامة مدة طويلة فكأنه قد علم أنه لا يموت في تلك المدة الطويلة ~~. # أما قوله تعالى : { قال رب بمآ أغويتنى لازينن لهم فى الارض ولاغوينهم ~~أجمعين } ففيه بحثان : # البحث الأول : الباء في { بمآ أغويتنى } للقسم وما مصدرية ، وجواب القسم ~~لأزينن . والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم ، ونظيره قوله تعالى : { ~~فبعزتك لاغوينهم أجمعين } ( ص: 82 ) إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة الله ~~/ وهي من صفات الذات ، وفي قوله : { بمآ أغويتنى } أقسم بإغواء الله وهو من ~~صفات الأفعال . والفقهاء قالوا : القسم بصفات الذات صحيح ، أما بصفات ~~الأفعال فقد اختلفوا فيه . ونقل الواحدي عن قوم آخرين أنهم قالوا : الباء ~~ههنا بمعنى السبب ، أي بسبب كوني غاويا لأزينن كقول القائل ، أقسم فلان ~~بمعصيته ليدخلن النار ، وبطاعته ليدخلن الجنة . # البحث الثاني : اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد ~~يريد خلق الكفر في الكافر ويصده عن الدين ويغويه عن الحق من وجوه : الأول : ~~أن إبليس استمهل وطلب البقاء إلى قيام القيامة مع أنه صرح بأنه إنما يطلب ~~هذا الإمهال والإبقاء لإغواء بني آدم وإضلالهم وأنه تعالى أمهله وأجابه إلى ~~هذا المطلوب ، ولو كان تعالى يراعي مصالح المكلفين في الدين لما أمهله هذا ~~الزمان الطويل ، ولما مكنه من الإغواء والإضلال والوسوسة . الثاني : أن ~~أكابر الأنبياء والأولياء مجدون ومجتهدون في إرشاد الخلق إلى الدين الحق ، ~~وأن إبليس ورهطه وشيعته مجدون / ومجتهدون في الضلال والإغواء ، فلو كان ~~مراد الله تعالى هو PageV19P147 الإرشاد والهداية لكان من الواجب إبقاء ~~المرشدين والمحققين وإهلاك المضلين والمغوين ، وحيث فعل بالضد منه ، علمنا ~~أنه أراد بهم الخذلان والكفر . الثالث : أنه تعالى لما أعلمه بأنه يموت على ~~الكفر وأنه ملعون ms5445 إلى يوم الدين كان ذلك إغراء له بالكفر والقبيح ، لأنه ~~أيس عن المغفرة والفوز بالجنة يجترىء حينئذ على أنواع المعاصي والكفر . ~~الرابع : أنه لما سأل الله تعالى هذا العمر الطويل ، مع أنه تعالى علم منه ~~أنه لا يستفيد من هذا العمر الطويل إلا زيادة الكفر والمعصية ، وبسبب تلك ~~الزيادة يزداد استحقاقه لأنواع العذاب الشديد كان هذا الإمهال سببا لمزيد ~~عذابه ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه وعقابه . الخامس : ~~أنه صرح بأن الله أغواه فقال : { رب بمآ أغويتنى } وذلك تصريح بأن الله ~~تعالى أغواه لا يقال : هذا كلام إبليس وهو ليس بحجة ، وأيضا فهو معارض بقول ~~إبليس : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين } فأضاف الإغواء إلى نفسه ، لأنا نقول . # أما الجواب عن الأول : فهو أنه لما ذكر هذا الكلام فإن الله تعالى ما ~~أنكره عليه وذلك يدل على أنه كان صادقا فيما قال . # وأما الجواب عن الثاني : فهو أنه قال في هذه الآية : { رب بمآ أغويتنى ~~لازينن لهم } فالمراد ههنا من قوله : { لازينن لهم } هو المراد من قوله في ~~تلك الآية : { لاغوينهم أجمعين } إلا أنه بين في هذه الآية أنه إنما أمكنه ~~أن يزين لهم الأباطيل لأجل أن الله تعالى أغواه قبل ذلك ، وعلى هذا التقدير ~~فقد زال التناقض ويتأكد هذا بما ذكره الله تعالى حكاية عن الشياطين في سورة ~~القصص : { هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( القصص : 63 ) . # السؤال السادس : أنه اقل : { رب بمآ أغويتنى } وهذا اعتراف بأن الله ~~تعالى أغواه فنقول : إما أن يقال : إنه كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه ، ~~أو ما عرف ذلك ، فإن كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه امتنع كونه غاويا ~~لأنه إنما يعرف أن الله تعالى أغواه إذا عرف أن الذي هو عليه جهل وباطل ، ~~ومن عرف ذلك امتنع بقاؤه على الجهل والضلالة ، وأما إن قلنا : بأنه ما عرف ~~أن الله أغواه فكيف أمكنه أن يقول : { رب بمآ أغويتنى } فهذا مجموع ~~السؤالات الواردة في هذه الآية . # أما الإشكال الأول : فللمعتزلة فيه ms5446 طريقان : # الطريق الأول : وهو طريق الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة ~~الطويلة ، لأنه تعالى علم أنه لا يتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته ، فبتقدير ~~أن لا يوجد إبليس ولا وسوسته / فإن ذلك الكافر / والعاصي كان يأتي بذلك ~~الكفر والمعصية ، فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم أمهله هذه المدة . # الطريق الثاني : وهو طريق أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال : إنه تعالى علم ~~أن أقواما يقعون بسبب وسوسته في الكفر والمعصية ، إلا أن وسوسته ما كانت ~~موجبة لذلك الكفر والمعصية ، بل الكافر والعاصي بسبب اختياره اختار ذلك ~~الكفر وتلك المعصية ، أقصى ما في الباب أن يقال : الاحتراز عن القبائح حال ~~عدم الوسوسة أسهل منه حال وجودها ، إلا أن على هذا التقدير تصير وسوسته ~~سببا لزيادة المشقة في أداء الطاعات ، وذلك لا يمنع الحكيم من فعله ، كما ~~أن إنزال المشاق وإنزال المتشابهات صار سببا لمزيد الشبهات ، ومع ذلك فلم ~~يمتنع فعله فكذا ههنا ، وهذان الطريقان هما بعينهما PageV19P148 الجواب عن ~~السؤال الثاني . # وأما السؤال الثالث : وهو أن إعلامه بأنه يموت على الكفر يحمله على ~~الجرأة على المعاصي والإكثار منها ، فجوابه أن هذا إنما يلزم إذا كان علم ~~إبليس بموته على الكفر يحمله على الزيادة في المعاصي أما إذا علم الله ~~تعالى من حاله أن ذلك لايوجب التفاوت ألبتة ، فالسؤال زائل ، وهذا بعينه هو ~~الجواب عن السؤال الرابع . # وأما السؤال الخامس : وهو أن إبليس صرح بأن الله تعالى أغواه وأضله عن ~~الدين ، فقد أجابوا عنه بأنه ليس المراد ذلك بل فيه وجوه أخرى : أحدها : ~~المراد بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك . وثانيها ؛ ~~المراد كما أضللتني عن طريق الجنة أضلهم أنا أيضا عنه بالدعاء إلى المعصية ~~. وثالثها : أن يكون المراد بالإغواء الأول الخيبة ، وبالثاني الإضلال . ~~ورابعها : أن المراد بإغواء الله تعالى إياه هو أنه أمره بالسجود لآدم ~~فأفضى ذلك إلى غيه ، يعني أنه حصل ذلك الغي عقيبه باختيار إبليس ، فأما أن ~~يقال : إن ذلك الأمر صار موجبا لذاته لحصول ذلك الغي ، فمعلوم ms5447 أنه ليس ~~الأمر كذلك ، هذا جملة كلام القوم في هذا الباب وكله ضعيف ، أما قوله إنه ~~لا يتفاوت الحال بسبب وسوسة إبليس فنقول : هذا باطل ، ويدل عليه القرآن ~~والبرهان ، أما القرآن فقوله تعالى : { فأزلهما الشيطان } ( البقرة : 36 ) ~~فأضاف تلك الزلة إلى الشيطان ، وقال : { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } ( ~~طه : 117 ) فأضاف الإخراج إليه ، وقال موسى عليه السلام : { هاذا من عمل ~~الشيطان } ( القصص : 15 ) وكل ذلك يدل على أن لعمل الشيطان في تلك الأفعال ~~أثرا ، وأما البرهان فلأن بداية العقول شاهدة بأنه ليس حال من ابتلى ~~بمجالسة شخص يرغبه أبدا في القبائح . وينفره عن الخيرات ، مثل شخص كان حاله ~~بالضد منه ، والعلم بهذا التفاوت ضروري . وأما قوله إن وجوده يصير سببا ~~لزيادة المشقة في الطاعة / فنقول : تأثير زيادة المشقة إنما هو في كثرة ~~الثواب على أحد التقديرين ، وفي الإلقاء في العذاب الشديد على التقدير ~~الثاني وهو التقدير الأكثر الأغلب ، وكل من يراعي المصالح ، فإن رعاية هذا ~~التقدير الثاني أولى عنده من رعاية التقدير الأول لأن دفع الضرر العظيم ~~أولى من السعي في طلب النفع الزائد الذي لا حاجة إلى حصوله أصلا ، ولما ~~اندفع هذان الجوابان عن هذا السؤال قويت سائر الوجوه المذكورة ، وأما قوله ~~: المراد من قوله : { رب بمآ أغويتنى } الخيبة عن الرحمة أو الإضلال عن ~~طريق الجنة فنقول : كل هذا بعيد ، لأنه هو الذي خيب نفسه عن الرحمة وهو ~~الذي أضل نفسه عن طريق الجنة ، لأنه لما أقدم على الكفر باختياره فقد خيب ~~نفسه عن الرحمة ، وأضل نفسه عن طريق الجنة فكيف يحسن إضافته إلى الله تعالى ~~فثبت أن الإشكالات لازمة وأن أجوبتهم ضعيفة . والله أعلم . # وأما قوله : { إلا عبادك منهم المخلصين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن إبليس استثنى المخلصين ، لأنه علم أن كيده لا ~~يعمل فيهم ، ولا يقبلون منه ، وذكرت في مجلس التذكير أن الذي حمل إبليس على ~~ذكر هذا الإستثناء أن لا يصير كاذبا في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب ~~علمنا أن الكذب في غاية الخساسة ms5448 . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو : { المخلصين } بكسر ~~اللام في كل القرآن ، والباقون بفتح اللام . وجه القراءة الأولى أنهم الذين ~~أخلصوا دينهم وعبادتهم عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد ، PageV19P149 ~~ومن فتح اللام فمعناه : الذين أخلصهم الله بالهداية والإيمان ، والتوفيق ، ~~والعصمة ، وهذه القراءة تدل على أن الإخلاص والإيمان ليس إلا من الله تعالى ~~. # المسألة الثالثة : الإخلاص جعل الشيء خالصا عن شائبة الغير فنقول : كل من ~~أتى بعمل فإما أن يكون قد أتى به لله فقط أو لغير الله فقط ، أو لمجموع ~~الأمرين ، وعلى هذا التقدير الثالث فإما أن يكون طلب رضوان الله راجحا أو ~~مرجوحا أو معادلا ، والتقدير الرابع أنيأتي به لا لغرض أصلا وهذا محال ، ~~لأن الفعل بدون الداعية محال . # أما الأول : فهو الإخلاص في حق الله تعالى ، لأن الحامل له على ذلك الفعل ~~طلب رضوان الله ، وما جعل هذه الداعية مشوبة بداعية أخرى بل بقيت خالصة عن ~~شوائب الغير ، فهذا هو الإخلاص . # وأما الثاني : وهو الإخلاص في حق غير الله ، فظاهر أن هذا لا يكون إخلاصا ~~في حق الله تعالى . # وأما الثالث : وهو أن يشتمل على الجهتين إلا أن جانب الله يكون راجحا ، ~~فهذا يرجى أن يكون من المخلصين ، لأن المثل يقابله المثل . فيبقى القدر ~~الزائد خالصا عن الشوب . # وأما الرابع والخامس : فظاهر أنه ليس من المخلصين في حق الله تعالى ، ~~والحاصل أن القسم الأول : إخلاص في حق الله تعالى قطعا . والقسم الثاني : ~~يرجى من فضل الله أن يجعله من قسم الإخلاص وأما سائر الأقسام فهو خارج عن ~~الإخلاص قطعا والله أعلم . # أما قوله تعالى : { قال هذا صراط على مستقيم } ففيه وجوه : الأول : أن ~~إبليس لما قال : { إلا عبادك منهم المخلصين } فلفظ المخلص يدل على الإخلاص ~~، فقوله هذا عائد إلى الإخلاص ، والمعنى : أن الإخلاص طريق علي وإلي ، أي ~~أنه يؤدي إلى كرامتي وثوابي ، وقال الحسن : معناه هذا صراط إلي مستقيم ، ~~وقال آخرون : هذا صراط من مر عليه ، فكأنه مر علي وعلى رضواني وكرامتي وهو ~~كما يقال ms5449 : طريقك علي . الثاني : أن الإخلاص طريق العبودية فقوله : { هذا ~~صراط على مستقيم } أي هذا الطريق في العبودية طريق علي مستقيم . الثالث : ~~قال بعضهم : لما ذكر إبليس أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه تضمن ~~هذا الكلام تفويض الأمور إلى الله تعالى وإلى إرادته فقال تعالى : { هذا ~~صراط على } أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي طريق علي مستقيم . الرابع : ~~معناه : هذا صراط علي تقريره وتأكيده ، وهو مستقيم حق وصدق ، وقرأ يعقوب : ~~{ صراط على } بالرفع والتنوين على أنه صفة لقوله : { صراط } أي هو علي ~~بمعنى أنه رفيع مستقيم لا عوج فيه . قال الواحدي : معناه أن طريق التفويض ~~إلى الله تعالى والإيمان بقضاء الله طريق رفيع مستقيم . # ! 7 < { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين * وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين * لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 42 - 44 ) إن عبادي ليس . . . . . # > > PageV19P150 # اعلم أن إبليس لما قال : { لازينن لهم فى الارض ولاغوينهم أجمعين * إلا ~~عبادك منهم المخلصين } أوهم هذا الكلام أن له سلطانا على عباد الله الذين ~~يكونون من المخلصين ، فبين تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من ~~عبيد الله سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين ، بل من اتبع منهم / ~~إبليس باختياره صار متبعا له ، ولكن حصول تلك المتابعة أيضا ليس لأجل أن ~~إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول : أن ~~إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطانا ، فبين تعالى كذبه فيه ، وذكر ~~أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى ~~حكاية عن إبليس أنه قال : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) وقال تعالى في آية أخرى : { إنه ليس له ~~سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون } ( النحل : 99 ، 100 ) قال الجبائي : هذه الآية تدل ~~على بطلان قول من زعم ms5450 أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما ~~يقوله العامة ، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال وذلك خلاف ما نص الله تعالى ~~عليه ، وفي الآية قول آخر ، وهو أن إبليس لما قال : { إلا عبادك منهم ~~المخلصين } ( الحجر : 40 ) فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله ~~في هذا الاستثناء فقال : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من ~~الغاوين } فلهذا قال الكلبي : العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين ~~استثناهم إبليس . # واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله : { إلا من اتبعك } استثناء ~~، لأن المعنى : أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن ~~لك عليهم سلطانا بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي . # وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء ، بل تكون لفظة ( إلا ) ~~بمعنى لكن ، وقوله : { إن جهنم * لموعدهم أجمعين } قال ابن عباس : يريد ~~إبليس وأشياعه ، ومن اتبعه من الغاوين . # ثم قال تعالى : { لها سبعة أبواب } وفيه قولان : # القول الأول : إنها سبع طبقات : بعضها فوق البعض وتسمى تلك الطبقات ~~بالدركات ، ويدل على كونها كذلك قوله تعالى : { إن المنافقين فى الدرك ~~الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) . # والقول الثاني : إن قرار جهنم مقسوم سبعة أقسام : ولكل قسم باب ، وعن ابن ~~جريج : أولها : جهنم . ثم لظى . ثم الحطمة . ثم السعير . ثم سقر . ثم ~~الجحيم . ثم الهاوية . قال الضحاك : الطبقة الأولى : فيها أهل التوحيد ~~يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون . والثانية : لليهود . والثالثة : ~~للنصارى . والرابعة : للصابئين . والخامسة : للمجوس . والسادسة : للمشركين ~~. والسابعة : للمنافقين . وقوله : { لكل باب منهم جزء مقسوم } وفيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { جزء مقسوم } والباقون ( ~~جز ) بتخفيف الزاي . وقرأ الزهري : ( جز ) بالتشديد ، كأنه حذف الهمزة ~~وألقى حركتها على الزاي ، كقولك : خب / في خبء / ثم وقف عليه بالتشديد . # المسألة الثانية : الجزء بعض الشيء ، والجمع الأجزاء ، وجزأته جعلته ~~أجزاء . والمعنى : أنه تعالى يجزي أتباع إبليس إجزاء ، بمعنى أنه يجعلهم ~~أقساما وفرقا ، ويدخل في كل قسم من أقسام جهنم طائفة ms5451 من PageV19P151 هؤلاء ~~الطوائف . والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة ، فلا جرم صارت ~~مراتب العذاب والعقاب مختلفة بالغلظ والخفة ، والله أعلم . # ! 7 < { إن المتقين فى جنات وعيون * ادخلوها بسلام ءامنين * ونزعنا ما فى ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما هم منها ~~بمخرجين } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 45 - 48 ) إن المتقين في . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب ، وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { إن المتقين } قولان : # القول الأول : قال الجبائي وجمهور المعتزلة : القائلون بالوعيد المراد ~~بالمتقين هم الذين اتقوا جميع المعاصي . قالوا : لأنه اسم مدح فلا يتناول ~~إلا من يكون كذلك . # والقول الثاني : وهو قول جمهور الصحابة والتابعين ، وهو المنقول عن ابن ~~عباس أن المراد الذين اتقوا الشرك بالله تعالى والكفر به . وأقول : هذا ~~القول هو الحق الصحيح ، والذي يدل عليه هو أن المتقى هو الآتي بالتقوى مرة ~~واحدة ، كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة واحدة ، والقاتل هو الآتي ~~بالقتل مرة واحدة ، فكما أنه ليس من شرط الوصف كونه ضاربا وقاتلا كونه آتيا ~~بجميع أنواع الضرب والقتل ، فكذلك ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا كونه ~~آتيا بجميع أنواع التقوى ، والذي يقوي هذا الكلام أن الآتي بفرد واحد من ~~أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى ، لأن كل فرد من أفراد الماهية فإنه يجب ~~كونه مشتملا على تلك الماهية ، فالآتي بالتقوى يجب أن يكون متقيا ، فثبت أن ~~الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يصدق عليه كونه متقيا ، ولهذا التحقيق ~~اتفق المفسرون على أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار . # إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر قوله : { إن المتقين فى جنات وعيون } يقتضي ~~حصول الجنات والعيون / لكل من اتقى عن شيء واحد ، إلا أن الأمة مجمعة على ~~أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم ، وأيضا فإن هذه الآية وردت عقيب ~~قول إبليس : { إلا عبادك منهم المخلصين } ( الحجر : 40 ) وعقيب قول الله ~~تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ms5452 ) فلأجل هذه الدلائل ~~اعتبرنا الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزيد فيه قيد آخر ، لأن تخصيص ~~العام لما كان بخلاف الظاهر فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق لمقتضى الأصل ~~والظاهر ، فثبت أن قوله : { إن المتقين فى جنات وعيون } يتناول جميع ~~القائلين بلا إله إلا الله محمد رسول الله قولا واعتقادا سواء كانوا من أهل ~~الطاعة أو من أهل المعصية وهذا تقرير بين ، وكلام ظاهر . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { فى جنات وعيون } أما الجنات فأربعة ~~لقوله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) ثم قال : { ومن ~~دونهما جنتان } ( الرحمن : 46 ) فيكون المجموع أربعة وقوله : { ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان } يؤكد ما قلناه ، لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه عن الخوف ~~من الله تعالى وقوله : { ولمن خاف } يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة ~~، وأما العيون فيحتمل أن يكون المراد منها ما ذكر الله PageV19P152 تعالى ~~في قوله : { مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار ~~من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من } ( محمد : 15 ) ويحتمل أن يكون المراد من ~~هذه العيون ينابيع مغايرة لتلك الأنهار . # فإن قيل : أتقولون إن كل واحد من المتقين يختص بعيون ، أو تجري تلك ~~العيون من بعض إلى بعض قيل : لا يمتنع كل واحد من الوجهين فيجوز أن يختص كل ~~أحد بعين وينتفع به كل من في خدمته من الحور والولدان / ويكون ذلك على قدر ~~حاجتهم وعلى حسب شهواتهم ، ويحتمل أن يكون يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم ~~مطهرون عن الحقد والحسد وقوله : { ادخلوها بسلام ءامنين } يحتمل أن القائل ~~لقوله : { ادخلوها } هو الله تعالى وأن يكون ذلك القائل بعض ملائكته ، وفيه ~~سؤال لأنه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون ، وإذا كانوا فيها ~~فكيف يمكن أن يقال لهم : { ادخلوها } . # والجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها : ~~{ ادخلوها بسلام } . الثاني : لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما ~~أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى ms5453 أخرى قيل لهم ادخلوها وقوله : { ادخلوها ~~بسلام ءامنين } المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال ومع ~~القطع ببقاء هذه السلامة ، والأمن من زوالها . # ثم قال تعالى : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } والغل الحقد الكامن في ~~القلب وهو مأخوذ / من قولهم : أغل في جوفه وتغلغل ، أي إن كان لأحدهم في ~~الدنيا غل على آخر نزع الله ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم ، وعن علي عليه ~~السلام أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ، وحكى عن ~~الحرث بن الأعور أنه كان جالسا عند علي عليه السلام إذ دخل زكريا بن طلحة ~~فقال له علي : مرحبا بك يا ابن أخي ، أما والله إني لأرجو أن أكون أنا ~~وأبوك ممن قال الله تعالى في حقهم : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } فقال ~~الحرث : كلا بل الله أعدل من أن يجعلك وطلحة في مكان واحد . قال عليه ~~السلام : فلمن هذه الآية ؟ لا أم لك يا أعور ، وروي أن المؤمنين يحبسون على ~~باب الجنة فيقتص لبعضهم من بعض ، ثم يؤمر بهم إلى الجنة . وقد نقى الله ~~قلوبهم من الغل والغش ، والحقد والحسد ، وقوله : { إخوانا } نصب على الحال ~~وليس المراد الأخوة في النسب بل المراد الأخوة في المودة والمخالصة كما قال ~~: { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) وقوله : { ~~على سرر متقابلين } السرير معروف والجمع أسرة وسرر قال أبو عبيدة يقال : ~~سرر وسرر بفتح الراء وكذا كل فعيل من المضاعف فإن جمعه فعل وفعل نحو : سرر ~~وسرر ، وجدد وجدد قال المفضل : بعض تميم وكلب يفتحون ، لأنهم يستثقلون ~~ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد ، وقال بعض أهل المعاني : السرير ~~مجلس رفيع مهيأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور . قال الليث : وسرير ~~العيش مستقره الذي اطمأن إليه في حال سروره وفرحه قال ابن عباس : يريد على ~~سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت ، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى ~~الجابية ، وقوله : { متقابلين } التقابل التواجه ، وهو نقيض التدابر ، ولا ~~شك ms5454 أن المواجهة أشرف الأحوال وقوله : { لا يمسهم فيها نصب } النصب الإعياء ~~والتعب أي لا ينالهم فيها تعب : { وما هم منها بمخرجين } والمراد به كونه ~~خلودا بلا زوال وبقاء بلا فناء ، وكمالا بلا نقصان ، وفوزا بلا حرمان . ~~PageV19P153 # واعلم أن للثواب أربع شرائط : وهي أن تكون منافع مقرونة بالتعظيم خالصة ~~عن الشوائب دائمة . # أما القيد الأول : وهو كونها منفعة فإليه الإشارة بقوله : { إن المتقين ~~فى جنات وعيون } . # وأما القيد الثاني : وهو كونها مقرونة بالتعظيم فإليه الإشارة بقوله : { ~~ادخلوها بسلام ءامنين } لأن الله سبحانه إذا قال لعبيده هذا الكلام أشعر ~~ذلك بنهاية التعظيم وغاية الإجلال . # وأما القيد الثالث : وهو كون تلك المنافع خالصة عن شوائب الضرر ، فاعلم ~~أن المضار إما أن تكون روحانية ، وإما أن تكون جسمانية ، أما المضار ~~الروحانية فهي الحقد ، والحسد ، والغل / والغضب ، وأما المضار الجسمانية ~~فكالإعياء والتعب فقوله : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين } إشارة إلى نفي المضار الروحانية وقوله : { لا يمسهم فيها نصب } ~~إشارة إلى نفي المضار الجسمانية . # وأما القيد الرابع : وهو كون تلك المنافع دائمة آمنة من الزوال فإليه ~~الإشارة بقوله : { وما هم منها بمخرجين } فهذا ترتيب حسن معقول بناء على ~~القيود الأربعة المعتبرة في ماهية الثواب ولحكماء الإسلام في هذه الآية ~~مقال ، فإنهم قالوا : المراد من قوله : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } ~~إشارة إلى أن الأرواح القدسية النطقية نقية مطهرة عن علائق القوى الشهوانية ~~والغضبية ، مبرأة عن حوادث الوهم والخيال ، وقوله : { إخوانا على سرر ~~متقابلين } معناه أن تلك النفوس لما صارت صافية عن كدورات عالم الأجسام ~~ونوازع الخيال والأوهام ، ووقع عليها أنوار عالم الكبرياء والجلال فأشرقت ~~بتلك الأنوار الإلهية ، وتلألأت بتلك الأضواء الصمدية ، فكل نور فاض على ~~واحد منها انعكس منه على الآخر مثل المزايا المتقابلة المتحاذية ، فلكونها ~~بهذه الصفة وقع التعبير عنها بقوله : { إخوانا على سرر متقابلين } والله ~~أعلم . # ! 7 < { نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم * وأن عذابى هو العذاب الا ليم ~~} > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 49 - 50 ) نبئ عبادي أني . . . . . # > > # في الآية ms5455 مسألتان : # المسألة الأولى : أثبتت الهمزة الساكنة في ( نبىء ) صورة ، وما أثبتت في ~~قوله : { دفء } لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيرا وتلقى حركتها على الساكن ~~قبلها ، ف ( نبىء ) في الخط على تحقيق الهمزة ، وليس قبل همزة ( نبىء ) ~~ساكن فاجرؤها على قياس الأصل : # المسألة الثانية : اعلم أن عباد الله قسمان : منهم من يكون متقيا ، ومنهم ~~من لا يكون كذلك ، فلما ذكر الله تعالى أحوال المتقين في الآية المتقدمة ، ~~ذكر أحوال غير المتقين في هذه الآية فقال : { بمخرجين نبىء عبادى } . # واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ~~ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، فههنا وصفهم بكونهم عبادا له ، ثم أثبت عقيب ~~ذكر هذا الوصف الحكم بكونه غفورا رحيما ، فهذا يدل على أن كل من اعترف ~~بالعبودية ظهر في حقه كونه الله غفورا رحيما ومن أنكر ذلك كان مستوجبا ~~للعقاب الأليم . وفي الآية لطائف : أحدها : أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله ~~: { عبادى } وهذا تشيف عظيم . ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمدا / صلى ~~الله عليه وسلم ليلة المعراج لم يزد على قوله : { سبحان الذى أسرى بعبده } ~~PageV19P154 ( الإسراء : 1 ) . وثانيها : أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ ~~في التأكيد بألفاظ ثلاثة : أولها : قوله : { إنى } . وثانيها : قوله : { ~~أنا } . وثالثها : ادخال حرف الألف واللام على قوله : { الغفور الرحيم } ~~ولما ذكر العذاب لم يقل أني أنا المعذب وما وصف نفسه بذلك بل قال : { وأن ~~عذابى هو العذاب الاليم } . وثالثها : أنه أمر رسوله أن يبلغ إليهم هذا ~~المعنى فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة . ورابعها : ~~أنه لما قال : { نبىء عبادى } كان معناه نبىء كل من كان معترفا بعبوديتي ، ~~وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع ، فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصي ، وكل ذلك ~~يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى . وعن قتادة قال : بلغنا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لو يعلم العبد قدر عفو الله تعالى ما تورع ~~من حرام ، ولو علم قدر عقابه لبخع نفسه ) أي ms5456 قتلها وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه مر بنفر من أصحابه ، وهم يضحكون فقال : ( أتضحكون والنار بين ~~أيديكم ) فنزل قوله : { نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم } والله أعلم . # ! 7 < { ونبئهم عن ضيف إبراهيم * إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا ~~منكم وجلون * قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم * قال أبشرتمونى على أن ~~مسنى الكبر فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن ~~يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 51 - 56 ) ونبئهم عن ضيف . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير أمر النبوة ثم أردفه ~~بذكر دلائل التوحيد ، ثم ذكر عقيبه أحوال القيامة وصفة الأشقياء والسعداء ، ~~أتبعه بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ليكون سماعها مرغبا في الطاعة ~~الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء ، ومحذرا عن المعصية لاستحقاق دركات ~~الأشقياء ، فبدأ أولا بقصة إبراهيم عليه السلام ، والضمير في قوله : { ~~ونبئهم } راجع إلى قوله : { عبادى } والتقدير : ونبىء عبادي عن ضيف إبراهيم ~~، يقال : أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة إذا / أخبرتهم وذكر تعالى في ~~الآية أن ضيف إبراهيم عليه السلام بشروه بالولد بعد الكبر . وبانجاء ~~المؤمنين من قوم لوط من العذاب وأخبروه أيضا بأنه تعالى سيعذب الكفار من ~~قوم لوط بعذاب الاستئصال ، وكل ذلك يقوي ما ذكره من أنه غفور رحيم للمؤمنين ~~، وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار . # المسألة الثانية : الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنسانا لطلب ~~القرى ، ثم سمى به ، ولذلك وحد في اللفظ وهم جماعة . # فإن قيل : كيف سماهم ضيفا مع امتناعهم عن الأكل ؟ PageV19P155 # قلنا : لما ظن إبراهيم أنهم إنما دخلوا عليه لطلب الضيافة جاز تسميتهم ~~بذلك . وقيل أيضا : إن من يدخل دار الإنسان ويلتجىء إليه يسمى ضيفا وإن لم ~~يأكل ، وقوله تعالى : { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما } أي نسلم عليك سلاما ~~أو سلمت سلاما ، فقال إبراهيم : { إنا منكم وجلون } أي خائفون ، وكان خوفه ~~لامتناعهم من الأكل . وقيل : لأنهم دخلوا عليه بغير إذن وبغير وقت وقرأ ~~الحسن : { لا توجل ms5457 } بضم التاء من أوجله يوجله إذا أخافه . وقرىء لا تأجل ~~ولا تواجل من واجله بمعنى أو جله ، وهذه القصة قد مر ذكرها بالاستقصاء في ~~سورة هود . وقوله : { قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم } فيه أبحاث : # البحث الأول : قرأ حمزة : { إنا نبشرك } بفتح النون ، وتخفيف الباء ، ~~والباقون : { نبشرك } بالتشديد . # البحث الثاني : قوله : { ءان * نبشرك } استئناف في معنى التعليل للنهي عن ~~الوجل ، والمعنى : أنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل . # البحث الثالث : قوله : { إنا نبشرك بغلام عليم } بشروه بأمرين : أحدهما : ~~أن الولد ذكر والآخر أنه يصير عليما ، واختلفوا في تفسير العليم ، فقيل : ~~بشروه بنبوته بعده . وقيل : بشروه بأنه عليم بالدين . ثم حكى الله تعالى عن ~~إبراهيم عليه السلام أنه قال : أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم تبشرون ، ~~فمعنى : { على } ههنا للحال أي حالة الكبر ، وقوله : { فيم * تبشرون } فيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : لفظ ما ههنا استفهام بمعنى التعجب كأنه قال : بأي ~~أعجوبة تبشروني ؟ # فإن قيل : في الآية إشكالان : الأول : أنه كيف استبعد قدرة الله تعالى ~~على خلق الولد منه في زمان الكبر وإنكار قدرة الله تعالى في هذا الموضع كفر ~~. الثاني : كيف قال : { فيم * تبشرون } مع أنهم قد بينوا ما بشروه به ، وما ~~فائدة هذا الإستفهام . قال القاضي : أحسن ما قيل في الجواب عن / ذلك أنه ~~أراد أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع أنه يبقيه على صفة الشيخوخة أو ~~يقلبه شابا / ثم يعطيه الولد ، والسبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية ~~بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة وإنما يحصل في حال الشباب . # فإن قيل : فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم فلم قالوا : بشرناك بالحق فلا ~~تكن من القانطين . # قلنا : إنهم بينوا أن الله تعالى بشره بالولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة ~~وقوله : فلا تكن من القانطين . لا يدل على أنه كان كذلك ، بدليل أنه صرح في ~~جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال : { ومن يقنط من رحمة ربه إلا ~~الضآلون } وفيه جواب آخر ، وهو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة ms5458 في شيء ~~وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه ، فإذا بشر بعد ذلك ~~بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له والمزيل لقوة ~~فهمه وذكائه فلعله يتكلم بكلمات مضطربة في ذلك الفرح في ذلك الوقت ، وقيل ~~أيضا : إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة ~~أخرى ومرتين وأكثر طلبا للالتذاذ بسماع تلك البشارة ، وطلبا لزيادة ~~الطمأنينة والوثوق مثل قوله : { ولاكن ليطمئن قلبى } ( البقرة : 260 ) وقيل ~~أيضا : استفهم أبأمر الله تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم ؟ # المسألة الثانية : قرأ نافع : { تبشرون } بكسر النون خفيفة في كل القرآن ~~، وقرأ ابن كثير بكسر النون وتشديدها . والباقون بفتح النون خفيفة ، أما ~~الكسر والتشديد فتقديره تبشرونني أدغمت نون الجمع في نون PageV19P156 ~~الإضافة ، وأما الكسر والتخفيف فعلى حذف نون الجمع استثقالا لاجتماع ~~المثلين وطلبا للتخفيف قال أبو حاتم : حذف نافع الياء مع النون . قال : ~~وإسقاط الحرفين لا يجوز ، وأجيب عنه : بأنه أسقط حرفا واحدا وهي النون التي ~~هي علامة للرفع . وعلى أن حذف الحرفين جائز قال تعالى في موضع : { ولا تك } ~~وفي موضع : { ولا تكن } فأما فتح النون فعلى غير الإضافة والنون علامة ~~الرفع وهي مفتوحة أبدا ، وقوله : { بشرناك بالحق } قال ابن عباس : يريد بما ~~قضاه الله تعالى والمعنى : أن الله تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ~~عليه السلام . ويخرج من صلب إسحق مثل ما أخرج من صلب آدم فإنه تعالى بشر ~~بأنه يخرج من صلب إسحق أكثر الأنبياء فقوله : { بالحق } إشارة إلى هذا ~~المعنى وقوله : { فلا تكن من القانطين } نهي لإبراهيم عليه السلام عن ~~القنوط وقد ذكرنا كثيرا أن نهي الإنسان عن الشيء لا يدل على كون المنهى ~~فاعلا للمنهى عنه كما في قوله : { ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب ~~: 1 ) ثم حكى تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : { ومن يقنط من رحمة ~~ربه إلا الضآلون } وفيه مسألتان : # / المسألة الأولى : هذا الكلام حق ، لأن القنوط من رحمة الله تعالى لا ~~يحصل إلا عند الجهل بأمور ms5459 : أحدها : أن يجهل كونه تعالى قادرا عليه . ~~وثانيها ؛ أن يجهل كونه تعالى عالما باحتياح ذلك العبد إليه . وثالثها : أن ~~يجهل كونه تعالى منزها عن البخل والحاجة والجهل فكل هذه الأمور سبب للضلال ~~، فلهذا المعنى قال : { ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون } . # المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو والكسائي : ( يقنط ) بكسر النون ولا ~~تقطنوا كذلك ، والباقون بفتح النون وهما لغتان : قنط يقنط ، نحو ضرب يضرب ، ~~وقنط يقنط نحو علم يعلم ، وحكى أبو عبيدة : قنط يقنط بضم النون ، قال أبو ~~علي الفارسي : قنط يقنط بفتح النون في الماضي وكسرها في المستقبل من أعلى ~~اللغات يدل على ذلك اجتماعهم في قوله : { من بعد ما قنطوا } ( الشورى : 28 ~~) وحكاية أبي عبيدة تدل أيضا على أن قنط بفتح النون أكثر ، لأن المضارع من ~~فعل يجيء على يفعل ويفعل مثل فسق يفسق ويفسق ولا يجيء مضارع فعل على يفعل . ~~والله أعلم . # قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * إلا ~~ءال لوط إنا لمنجوهم أجمعين * إلا امرأته قدرنآ إنها لمن الغابرين } > 7 ! # < < # | الحجر : ( 57 - 60 ) قال فما خطبكم . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { فما خطبكم } سؤال عما لأجله أرسلهم الله تعالى ~~، والخطب والشأن والأمر سواء : إلا أن لفظ الخطب أدل على عظم الحال . # فإن قيل : إن الملائكة لما بشروه بالولد الذكر العليم فكيف قال لهم بعد ~~ذلك : { فما خطبكم أيها المرسلون } . PageV19P157 # قلنا : فيه وجوه : الأول : قال الأصم : معناه ما الأمر الذي توجهتم له ~~سوى البشرى . الثاني : قال القاضي : إنه علم أنه لو كان كمال المقصود إيصال ~~البشارة لكان الواحد من الملائكة كافيا ، فلما رأى جمعا من الملائكة علم أن ~~لهم غرضا آخر سوى إيصال البشارة فلا جرم قال : { فما خطبكم أيها المرسلون } ~~. الثالث : يمكن أن يقال إنهم قالوا : إنا نبشرك بغلام عليم . في معرض ~~إزالة الخوف والوجل ، ألا ترى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما خاف ~~قالوا له : لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم . / ولو كان تمام المقصود من ~~المجيء هو ذكر ms5460 تلك البشارة لكانوا في أول ما دخلوا عليه ذكروا تلك البشارة ~~، فلما لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذا الطريق أنه ~~ما كان مجيئهم لمجرد هذه البشارة بل كان لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك ~~الغرض فقال : { فما خطبكم أيها المرسلون } . # ثم حكى تعالى عن الملائكة أنهم قالوا : { إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } ~~وإنما اقتصروا على هذا القدر لعلم إبراهيم عليه السلام بأن الملائكة إذا ~~أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لإهلاكهم واستئصالهم وأيضا فقولهم : { إلا ءال ~~لوط إنا لمنجوهم أجمعين } يدل على أن المراد بذلك الإرسال إهلاك القوم . # أما قوله تعالى : { إلا ءال لوط } فالمراد من آل لوط أتباعه الذين كانوا ~~على دينه . # فإن قيل : قوله : { إلا ءال لوط } هل هو استثناء منقطع أو متصل ؟ # قلنا : قال صاحب ( الكشاف ) : إن كان هذا الاستثناء استثناء من ( قوم ) ~~كان منقطعا ، لأن القوم موصوفون بكونهم مجرمين وآل لوط ما كانوا مجرمين ، ~~فاختلف الجنسان ، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعا . وإن كان استثناء من ~~الضمير في ( مجرمين ) كان متصلا كأنه قيل : إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل ~~لوط وحدهم كما قال : { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } ( الذاريات : ~~36 ) ثم قال صاحب ( الكشاف ) : ويختلف المعنى بحسب اختلاف هذين الوجهين ، ~~وذلك لأن آل لوط يخرجون في المنقطع من حكم الإرسال ، لأن على هذا التقير ~~الملائكة أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة وما أرسلوا إلى آل لوط أصلا ، ~~وأما في المتصل فالملائكة أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء ، ~~وأما قوله : { إنا لمنجوهم أجمعين } فاعلم أنه قرأ حمزة والكسائي { * ~~منجوهم } خفيفة ، والباقون مشددة وهما لغتان . # أما قوله تعالى : { أجمعين إلا امرأته } قال صاحب ( الكشاف ) : هذا ~~استثناء من الضمير المجرور في قوله : { لمنجوهم } وليس ذلك من باب ~~الاستثناء من الاستثناء ، لأن الاستثناء من الإستثناء إنما يكون فيما اتحد ~~الحكم فيه ، كما لو قيل : أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته ، وكما لو قال : ~~المطلق لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين إلا واحدة ، وكما إذا ms5461 قال : المقر ~~لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهما ، فأما في هذه الآية فقد اختلف ~~الحكمان ، لأن قوله : { إلا ءال لوط } متعلق بقوله : { أرسلنا } أو بقوله { ~~مجرمين } وقوله : { إلا امرأته } قد تعلق بقوله : { * منجوهم } فكيف يكون ~~هذا استثناء من استثناء . # وأما قوله : { امرأته قدرنآ إنها لمن الغابرين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن معنى التقدير في اللغة : جعل الشيء على مقدار ~~غيره . يقال : قدر هذا الشيء بهذا أي اجعله على مقداره ، وقدر الله تعالى ~~الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية ، ثم يفسر التقدير PageV19P158 بالقضاء ~~، فقال : قضى الله عليه كذا ، وقدره عليه أي جعله على مقدار ما يكفي / في ~~الخير والشر ، وقيل في معنى : { قدرنآ } كتبنا . قال الزجاج : دبرنا . وقيل ~~: قضينا ، والكل متقارب . # المسألة الثانية : قرأ أبو بكر عن عاصم { قدرنآ } بتخفيف الدال ههنا وفي ~~النمل . وقرى الباقون فيهما بالتشديد . قال الواحدي يقال : قدرت الشيء ~~وقدرته ، ومنه قراءة ابن كثير : { نحن قدرنا بينكم الموت } ( الواقعة : 60 ~~) خفيفا ، وقراءة الكسائي : { والذى قدر فهدى } ثم قال : والمشددة في هذا ~~المعنى أكثر استعمالا لقوله تعالى ؛ { وقدر فيها أقواتها } ( فصلت : 10 ) ~~وقوله : { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى ~~أنفسهم مع أنه لله تعالى ، ولم لم يقولوا : قدر الله تعالى ؟ # والجواب : إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله ~~تعالى كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبر والآمر هو الملك ~~لا هم ، وإنما يريدون بذكر هذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك ~~، فكذا ههنا والله أعلم . # المسألة الرابعة : قوله ؛ { إنها لمن الغابرين } في موضع مفعول التقدير ~~قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون . ولا تكون ممن ~~يبقى مع لوط فتصل إلى النجاة والله أعلم . # ! 7 < { فلما جآء ءال لوط المرسلون * قال إنكم قوم منكرون * قالوا بل ~~جئناك بما كانوا فيه يمترون * وآتيناك بالحق وإنا لصادقون } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 61 - 64 ) فلما جاء آل . . . . . # > > # اعلم أن الملائكة ms5462 لما بشروا إبراهيم بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون لعذاب ~~قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وإلى آله ، وأن لوط وقومه ما عرفوا أنهم ~~ملائكة الله ، فلهذا قال لهم : { إنكم قوم منكرون } وفي تأويله وجوه : ~~الأول : أنه إنما وصفهم بأنهم منكرون ، لأنه عليه الصلاة والسلام ما عرفهم ~~، فلما هجموا عليه استنكر منهم ذلك وخاف أنهم دخلوا عليه لأجل شر يوصلونه ~~إليه ، فقال هذه الكلمة . والثاني : أنهم كانوا شبابا مردا حسان الوجوه ، ~~فخاف أن يهجم قومه عليه بسبب طلبهم فقال هذه الكلمة . والثالث : أن النكرة ~~ضد المعرفة فقوله : { إنكم قوم منكرون } أي لا أعرفكم ، ولا أعرف أنكم من ~~أي الأقوام ، ولأي غرض دخلتم علي ، فعند هذه الكلمة قالت الملائكة ، بل ~~جئناك بما كانوا فيه يمترون ، أي بالعذاب الذي كانوا يشكون في نزوله ، ثم ~~أكدوا / ما ذكروه بقولهم : { واتيناك بالحق } قال الكلبي : بالعذاب ، وقيل ~~باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو عذاب أولئك الأقوام ثم أكدوا هذا ~~التأكيد بقولهم ؛ { وإنا لصادقون } . # ! 7 < { فأسر بأهلك بقطع من اليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد ~~وامضوا حيث تؤمرون * وقضينآ إليه ذلك الا مر أن دابر هاؤلآء مقطوع مصبحين } ~~> 7 @QB@ < # | الحجر : ( 65 - 66 ) فأسر بأهلك بقطع . . . . . # > > PageV19P159 # قرىء { فأسر } بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى . وروى صاحب الكشاف عن ~~صاحب الإقليد فسر { من } السير والقطع آخر الليل . قال الشاعر : # % افتحي الباب وانظري في النجوم % % كم علينا من قطع ليل بهيم % # وقوله : { واتبع أدبارهم } معناه : اتبع آثار بناتك وأهلك . وقوله : { ~~ولا يلتفت منكم أحد } الفائدة فيه أشياء : أحدها : لئلا يتخلف منكم أحد ~~فينا له العذاب . وثانيها : لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من البلاء . وثالثها ~~: معناه الإسراع وترك الاهتمام لما خلف وراءه كما تقول : امض لشأنك ولا ~~تعرج على شيء . ورابعها : لو بقي منه متاع في ذلك الموضع ، فلا يرجعن بسببه ~~ألبتة . وقوله : { وامضوا حيث تؤمرون } قال ابن عباس : يعني الشام . قال ~~المفضل : حيث يقول لكم جبريل . وذلك لأن جبريل عليه السلام أمرهم أن يمضوا ~~إلى قرية ms5463 معينة أهلها ما عملوا مثل عمل قوم لوط . وقوله : { وقضينآ إليه } ~~عدى قضينا بإلى ، لأنه ضمن معنى أوحينا ، كأنه قيل : وأوحيناه إليه مقضيا ~~مبتوتا ، ونظيره قوله تعالى : { وقضينا إلى بنى إسراءيل } ( الإسراء : 4 ) ~~وقوله ؛ { ثم اقضوا إلى } ( يونس : 71 ) ثم إنه فسر بعد ذلك القضاء المبتوت ~~بقوله : { أن دابر هؤلآء مقطوع } وفي إبهامه أولا ، وتفسيره ثانيا تفخيم ~~للأمر وتعظيم له . وقرأ الأعمش { ءان } بالكسر على الاستئناف كان قائلا قال ~~أخبرنا عن ذلك الأمر ، فقال : إن دابر هؤلاء ، وفي قراءة ابن مسعود . وقلنا ~~: { أن دابر هؤلآء } ودابرهم آخرهم ، يعني يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى ~~منهم أحد وقوله : { مصبحين } أي حال ظهور الصبح . # ! 7 < { وجآء أهل المدينة يستبشرون * قال إن هاؤلآء ضيفى فلا تفضحون * ~~واتقوا الله ولا تخزون * قالوا أولم ننهك عن العالمين * قال هاؤلآء بناتى ~~إن كنتم فاعلين * لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون * فأخذتهم الصيحة مشرقين * ~~فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل * إن فى ذلك لآيات ~~للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم * إن فى ذلك لآية للمؤمنين } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 67 - 77 ) وجاء أهل المدينة . . . . . # > > # /اعلم أن المراد بأهل المدينة قوم لوط ، وليس في الآية دليل على أن ~~المكان الذي جاؤه إلا أن القصة تدل PageV19P160 على أنهم جاؤوا دار لوط . ~~قيل : إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى وصل إلى قوم ~~لوط . وقيل : امرأة لوط أخبرتهم بذلك ، وبالجملة فالقوم قالوا : نزل بلوط ~~ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجها ولا أحسن شكلا منهم فذهبوا إلى دار ~~لوط طلبها منهم لأولئك المرد والاستبشار إظهار السرور فقال لهم لوط لما ~~قصدوا أضيافه كلامين : # الكلام الأول : قال : { إن هؤلآء ضيفى فلا تفضحون } يقال فضحه يفضحه فضحا ~~وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار ، والمعنى أن الضيف يجب إكرامه ~~فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي ، ثم أكد ذلك بقوله : { واتقوا الله ~~ولا تخزون } فأجابوه بقولهم : { أو لم * ننهك عن العالمين } والمعنى : ~~ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد ms5464 من الناس إذا قصدناه بالفاحشة . # والكلام الثاني : مما قاله لوط قوله : { هاؤلآء بناتى إن كنتم فاعلين } ~~قيل : المراد بناته من صلبه ، وقيل : المراد نساء قومه ، لأن رسول الأمة ~~يكون كالأب لهم وهو كقوله تعالى : { النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) وفي قراءة أبي وهو أب لهم ، والكلام في ~~هذه المباحث قد مر بالاستقصاء في سورة هود عليه السلام . # أما قوله : { لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون } فيه مسائل : # المسألة الأولى : العمر والعمر واحد وسمي الرجل عمرا تفاؤلا أن يبقى ومنه ~~قول ابن أحمر : # ذهب الشباب وأخلق العمر # وعمر الرجل يعمر عمرا وعمرا ، فإذا أقسموا به قالوا : لعمرك وعمرك فتحوا ~~العين لا غير . قال الزجاج : لأن الفتح أخف عليهم وهم يكثرون القسم بلعمري ~~ولعمرك فالتزموا الأخف . # المسألة الثانية : في قوله : { لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون } قولان : ~~الأول : أن المراد أن الملائكة قالت للوط عليه السلام : { لعمرك إنهم لفى ~~سكرتهم يعمهون } أي في غوايتهم يعمهون ، أي يتحيرون فكيف يقبلون قولك ، ~~ويلتفتون إلى نصيحتك . والثاني : أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، وأنه تعالى أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد ، وذلك يدل على أنه أكرم ~~الخلق على الله تعالى قال النحويون : ارتفع قوله : { لعمرك } بالابتداء ~~والخبر محذوف ، والمعنى : لعمرك قسمي وحذف الخبر ، لأن في الكلام دليلا ~~عليه وباب القسم يحذف منه الفعل نحو : بالله لأفعلن ، والمعنى : أحلف بالله ~~فيحذف لعلم المخاطب بأنك حالف . # ثم قالت عالى : { فأخذتهم الصيحة } أي صيحة جبريل عليه السلام قال أهل ~~المعاني : ليس في الآية دلالة على أن تلك الصيحة صيحة جبريل عليه السلام ~~فإن ثبت ذلك بدليل قوي قيل به / وإلا فليس في الآية دلالة إلا على أنه ~~جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة وقوله : { مشرقين } يقال شرق الشارق يشرق شروقا ~~لكل ما طلع من جانب الشرق ، ومنه قولهم ما ذر شارق أي طلع طالع فقوله : { ~~مشرقين } أي داخلين في الشروق يقال أشرق الرجل إذا دخل في الشروق ، وهو ~~بزوغ الشمس . # واعلم أن الآية تدل على أنه ms5465 تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب : أحدها ~~: الصيحة الهائلة المنكرة . وثانيها : أنه جعل عاليها سافلها . وثالثها : ~~أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل ، وكل هذه الأحوال قد مر PageV19P161 تفسيرها ~~في سورة هود . # ثم قال تعالى : { إن فى ذلك لآيات للمتوسمين } يقال توسمت في فلان خيرا ~~أي رأيت فيه أثرا منه وتفرسته فيه ، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير ~~المتوسمين قيل : المتفرسين ، وقيل : الناظرين ، وقيل : المتفكرين ، وقيل : ~~المعتبرين ، وقيل : المتبصرين . قال الزجاج : حقيقة المتوسمين في اللغة ~~المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وصفته وعلامته ، والمتوسم الناظر ~~في السمة الدالة تقول : توسمت / في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك وسمته فيه . # ثم قال : { وإنها لبسبيل مقيم } الضمير في قوله : { وإنها } عائد إلى ~~مدينة قوم لوط ، وقد سبق ذكرها في قوله ؛ { وجآء أهل المدينة } وقوله : { ~~لبسبيل مقيم } أي هذه القرى وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه لبسبيل ~~مقيم ثابت لم يندرس ولم يخف ، والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها ~~. # ثم قال : { إن فى ذلك لآية للمؤمنين } أي كل من آمن بالله وصدق الأنبياء ~~والرسل عرف أن ذلك إنما كان لأجل أن الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك ~~الجهال ، أما الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ~~ووقائعه ، وعلى حصول القرانات الكوكبية والاتصالات الفلكية والله أعلم . # ! 7 < { وإن كان أصحاب الا يكة لظالمين * فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام ~~مبين } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 78 - 79 ) وإن كان أصحاب . . . . . # > > # اعلم أن هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة . فأولها ~~: قصة آدم وإبليس . وثانيها : قصة إبراهيم ولوط . وثالثها : هذه القصة ، ~~وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام ، كانوا أصحاب غياض فكذبوا شعيبا ~~فأهلكهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة ، وقد ذكر الله تعالى قصتهم في سورة ~~الشعراء ، والأيكة الشجر الملتف . يقال : أيكة وأيك كشجرة وشجر . قال ابن ~~عباس : الأيك هو شجر المقل ، وقال الكلبي : الأيكة الغيضة ، وقال الزجاج : ~~هؤلاء أهل موضع كان ذا شجر . قال الواحدي : ومعنى إن واللام للتوكيد وإن ~~ههنا هي ms5466 المخففة من الثقيلة ، وقوله : { فانتقمنا منهم } قال المفسرون : ~~اشتد الحر فيهم أياما ، ثم اضطرم عليهم المكان نارا فهلكوا عن آخرهم وقوله ~~: { وإنهما } فيه قولان : # القول الأول : المراد قرى قوم لوط عليه السلام والأيكة . # والقول الثاني : الضمير للأيكة ومدين لأن شعيبا عليه السلام كان مبعوثا ~~إليهما فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء بضميرهما وقوله : { لبإمام ~~مبين } أي بطريق واضح والإمام اسم ما يؤتم به . قال الفراء والزجاج : إنما ~~جعل الطريق إماما لأنه يؤم ويتبع . قال ابن قتيبة : لأن المسافر يأتم به ~~حتى يصير إلى الموضع الذي يريده وقوله : { مبين } يحتمل أنه مبين في نفسه ~~ويحتمل / أنه مبين لغيره ، لأن الطريق يهدي إلى المقصد . # ! 7 < { ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين * وءاتيناهم ءاياتنا فكانوا عنها ~~معرضين * وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ءامنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين * ~~فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 80 - 84 ) ولقد كذب أصحاب . . . . . # > > PageV19P162 # هذه هي القصة الرابعة ، وهي قصة صالح . قال المفسرون : الحجر اسم واد كان ~~يسكنه ثمود وقوله : { المرسلين } المراد منه صالح وحده ، ولعل القوم كانوا ~~براهمة منكرين لكل الرسل وقوله : { وءاتيناهم ءاياتنا } يريد الناقة ، وكان ~~في الناقة آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظم خلقها وظهور نتاجها عند ~~خروجها ، وكثرة لبنها وأضاف الإيتاء إليهم وإن كانت الناقة آية لصالح لأنها ~~آيات رسولهم ، وقوله : { فكانوا عنها معرضين } يدل على أن النظر والاستدلال ~~واجب وأن التقليد مذموم وقوله : { وكانوا ينحتون من الجبال } قد ذكرنا ~~كيفية ذلك النحت في سورة الأعراف وقوله : { ءامنين } يريد من عذاب الله ، ~~وقال الفراء : { ءامنين } أن يقع سقفهم عليهم وقوله : { فمآ أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون } أي ما دفع عنهم الضر والبلاء ما كانوا يعملون من نحت تلك ~~الجبال ومن جمع تلك الأموال . والله أعلم . # ! 7 < { وما خلقنا السماوات والا رض وما بينهمآ إلا بالحق وإن الساعة ~~لآتية فاصفح الصفح الجميل * إن ربك هو الخلاق العليم } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 85 - 86 ) وما خلقنا السماوات . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أهلك الكفار فكأنه قيل ms5467 : الإهلاك والتعذيب ~~كيف يليق بالرحيم الكريم . فأجاب عنه بأني إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين ~~بالعبادة والطاعة فإذا تركوها / وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير ~~وجه الأرض منهم ، وهذا النظم حسن إلا أنه إنما يستقيم على قول المعتزلة ، ~~قال الجبائي : دلت الآية على أنه تعالى ما خلق السموات والأرض وما بينهما ~~إلا حقا وبكون الحق لا يكون الباطل ، لأن كل ما فعل باطلا وأريد بفعله كون ~~الباطل لا يكون حقا ولا يكون مخلوقا بالحق ، وفيه بطلان مذهب الجبرية الذين ~~يزعمون أن أكثر ما خلقه الله تعالى بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي ~~باطل . # واعلم أن أصحابنا قالوا : هذه الآية تدل على أنه سبحانه هو الخالق لجميع ~~أعمال العباد ، لأنها تدل على أنه سبحانه هو الخالق للسموات والأرض ولكل ما ~~بينهما . ولا شك أن أفعال العباد بينهما فوجب أن يكون خالقها هو الله ~~سبحانه ، وفي الآية وجه آخر في النظم وهو أن المقصود من ذكر هذه القصص ~~تصبير الله تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام على سفاهة قومه فإنه إذا سمع ~~أن الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياء الله تعالى بمثل هذه المعاملات ~~الفاسدة سهل تحمل تلك السفاهات على محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنه تعالى ~~لما بين أنه أنزل العذاب على الأمم السالفة فعند هذا قال لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم : { وإن الساعة لآتية } وإن الله لينتقم لك فيها من أعدائك ~~ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم ، فإنه ما خلق السموات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق والعدل والإنصاف فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك ، ثم إنه ~~تعالى لما صبره على أذى قومه رغبه بعد ذلك في الصفح عن سيئاتهم فقال : { ~~فاصفح الصفح الجميل } أي فأعرض عنهم ، واحتمل ما تلقى منهم إعراضا جميلا ~~PageV19P163 بحلم وإغضاء ، وقيل : هو منسوخ بآية السيف وهو بعيد ، لأن ~~المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والعفو والصفح ، فكيف يصير منسوخا . # ثم قال : { إن ربك هو الخلاق العليم } ومعناه أنه خلق الخلق مع اختلاف ~~طبائعهم وتفاوت أحوالهم مع علمه بكونهم ms5468 كذلك ، وإذا كان كذلك فإنما خلقهم ~~مع هذا التفاوت ، ومع العلم بذلك التفاوت . أما على قول أهل السنة فلمحض ~~المشيئة والإرادة . وأما على قول المعتزلة فلأجل المصلحة والحكمة ، والله ~~أعلم . # ! 7 < { ولقد ءاتيناك سبعا من المثاني والقرءان العظيم * لا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين } > 7 ~~@QB@ < # | الحجر : ( 87 - 88 ) ولقد آتيناك سبعا . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى لما صبره على أذى قومه وأمره بأن يصفح الصفح الجميل أتبع ~~ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بها ، ~~لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم الله عليه سهل عليه الصفح والتجاوز ، وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { سبعا من } يحتمل أن يكون سبعا من ~~الآيات وأن يكون سبعا من السور وأن يكون سبعا من الفوائد . وليس في اللفظ ~~ما يدل على التعيين . وأما المثاني : فهو صيغة جمع . واحده مثناة ، ~~والمثناة كل شيء يثنى ، أي يجعل اثنين من قولك : ثنيت الشيء إذا عطفته أو ~~ضممت إليه آخر ، ومنه يقال : لركبتي الدابة ومرفقيها مثاني ، لأنها تثنى ~~بالفخذ والعضد ، ومثاني الوادي معاطفه . # إذا عرفت هذا فنقول : سبعا من المثاني مفهومه سبعة أشياء من جنس الأشياء ~~التي تثنى ولا شك أن هذا القدر مجمل ولا سبيل إلى تعيينه إلا بدليل منفصل ~~وللناس فيه أقوال : الأول : وهو قول أكثر المفسرين : إنه فاتحة الكتاب وهو ~~قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك ~~وسعيد بن جبير وقتادة ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة وقال ~~: هي السبع المثاني رواه أبو هريرة ، والسبب في وقوع هذا الاسم على الفاتحة ~~أنها سبع آيات ، وأما السبب في تسميتها بالمثاني فوجوه : الأول : أنها تثنى ~~في كل صلاة بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة . والثاني : قال الزجاج : سميت ~~مثاني لأنها يثنى بعدها ما يقرأ معها . الثالث : سميت آيات الفاتحة مثاني ، ~~لأنها قسمت قسمين اثنين ، والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ms5469 ~~قال : ( يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) والحديث مشهور ~~. الرابع : سميت مثاني لأنها قسمان ثناء ودعاء ، وأيضا النصف الأول منها حق ~~الربوبية وهو الثناء ، والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء . الخامس : ~~سميت الفاتحة بالمثاني ، لأنها نزلت مرتين مرة بمكة في أوائل ما نزل من ~~القرآن ومرة بالمدينة . السادس : سميت بالمثاني ، لأن كلماتها مثناة مثل : ~~{ الرحمان الرحيم * إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط ~~الذين أنعمت عليهم } ( الفاتحة : 2 ، 7 ) وفي قراءة عمر : ( غير المغضوب ~~عليهم وغير الضالين ) . PageV19P164 السابع : قال الزجاج : سميت الفاتحة ~~بالمثاني لاشتمالها على الثناء على الله تعالى وهو حمد الله وتوحيده وملكه ~~. # واعلم أنا إذا حملنا قوله : { سبعا من المثاني } على سورة الفاتحة فههنا ~~أحكام : < # > 1 ( الحكم الأول ) 1 < # > # نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال : كان ابن مسعود يكتب في مصحفه ~~فاتحة الكتاب رأى أنها ليست من القرآن . وأقول : لعل حجته فيه أن السبع ~~المثاني لما ثبت أنه هو الفاتحة ، ثم إنه تعالى عطف السبع المثاني على ~~القرآن ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه وجب أن يكون السبع المثاني غير ~~القرآن ، إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى { وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ~~ومنك ومن نوح } [ الأحزاب : 7 ] وكذلك قوله { وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكائيل } [ البقرة : 98 ] وللخصم أن يجيب بأنه لا يبعد أن يذكر الكل ، ثم ~~يعطف عليه ذكر بعض أجزائه وأقسامه لكونه أشرف الأقسام . أما إذا ذكر شيء ثم ~~عطف عليه شيء آخر كان المذكور أولا مغايرا للمذكور ثانيا ، وههنا ذكر السبع ~~المثاني ، ثم عطف عليه القرآن العظيم ، فوجب حصول المغايرة . # والجواب الصحيح : أن بعض الشيء مغاير لمجموعه ، فلم لا يكفي هذا القدر من ~~المغايرة في حسن العطف ؟ والله أعلم . < # > 1 ( الحكم الثاني ) 1 < # > # أنه لما كان المراد بقوله { سبعا من المثاني } هو الفاتحة ، دل على أن ~~هذه السورة أفضل سور القرآن من وجهين : أحدهما : أن إفرادها بالذكر مع ~~كونها جزءا من أجزاء القرآن ، لا بد وأن يكون لاختصاصها بمزيد الشرف ~~والفضيلة ، ولاثاني : أنه ms5470 تعالى لما أنزلها مرتين دل ذلك على زيادة فضلها ~~وشرفها . # وإذا ثبت هذا فنقول : لما رأينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واظب ~~على قراءتها في جميع الصلوات طول عمره ، وما أقام سورة أخرى مقامها في شيء ~~من الصلوات دل ذلك على أنه يجب على المكلف أن يقرأها في صلاته وأن لا يقيم ~~سائر آيات القرآن مقامها وأن يحترز عن هذا الإبدال فإن فيه خطرا عظيما ~~والله أعلم . # القول الثاني في تفسير قوله { سبعا من المثاني } : أنها السبع الطوال ~~وهذا قول ابن عمر وسعيد بن جبير في بعض الروايات ومجاهد وهي : البقرة ، وآل ~~عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، والتوبة ~~معا . قالوا : وسميت هذه السور مثاني ؛ لأن الفرائض والحدود والأمثال ~~والعبر ثنيت فيها وأنكر الربيع هذا القول وقال : هذه الآية مكية وأكثر هذه ~~السور السبعة مدنية ، وما نزل شيء منها في مكة ، فكيف يمكن حمل هذه الآية ~~عليها . # وأجاب قوم عن هذا الإشكال : بأن الله تعالى أنزل القرآن كله إلى السماء ~~الدنيا ، ثم أنزله على نبيه منها نجوما ، فلما أنزله إلى السماء الدنيا ، ~~وحكم بإنزاله عليه ، فهو من جملة ما آتاه ، وإن لم ينزل عليه بعد . # ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } وهذا ~~الكلام إنما يصدق إذا وصل ذلك الشيء إلى محمد صلى الله عليه وسلم . فأما ~~الذي أنزله إلى السماء الدنيا وهو لم يصل بعد إلى محمد عليه السلام ، فهذا ~~الكلام لا يصدق فيه . وأما قوله بأنه لما حكم الله تعالى بإنزاله على محمد ~~صلى الله عليه وسلم كان ذلك جاريا مجرى ما نزل PageV19P165 عليه فهذا أيضا ~~ضعيف ، لأن إقامة ما لم ينزل عليه مقام النازل عليه مخالف للظاهر . # والقول الثالث في تفسير السبع المثاني : أنها هي السور التي هي دون ~~الطوال والمئين وفوق المفصل ، واختار هذا القول قوم واحتجوا عليه بما روى ~~ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله أعطاني السبع الطوال ~~مكان التوراة ، أعطاني المئين مكان الإنجيل ms5471 ، وأعطاني المثاني مكان الزبور ~~، وفضلني ربي بالمفصل . قال الواحدي : والقول في تسمية هذه السور مثاني ~~كالقول في تسمية الطوال مثاني . وأقول إن صح هذا التفسير عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلا غبار عليه وإن لم يصح فهذا القول مشكل ، لأنا بينا أن ~~المسمى بالسبع المثانييجب أن يكون أفضل من سائر السور ، وأجمعوا على أن هذه ~~السور التي سموها بالمثاني ليست أفضل من غيرها ، فيمتنع حمل السبع المثاني ~~على تلك السور . # والقول الرابع : أن السبع المثاني هو القرآن كله ، وهو منقول عن ابن عباس ~~في بعض الروايات وقول طاوس قالوا : ودليل هذا القول قوله تعالى { كتابا ~~متشابها مثاني } [ الزمر : 23 ] فوصف كل القرآن بكونه مثاني ثم اختلف ~~القائلون بهذا القول في أنه ما المراد بالسبع ، وما المراد بالمثاني ؟ أما ~~السبع فذكر فيه وجوها : أحدها : أن القرآن سبعة أسباع . وثانيها : أن ~~القرآن مشتمل على سبعة أنواع من العلوم : التوحيد ، والنبوة ، والمعاد ، ~~والقضاء ، والقدر ، وأحوال العالم ، والقصص ، والتكاليف . وثالثها : أنه ~~مشتمل على الأمر والنهي ، والخبر والاستخبار ، والنداء ، والقسم ، والأمثال ~~. وأما وصف كل القرآن بالمثاني ، فلأنه كرر فيه دلائل التوحيد والنبوة ~~والتكاليف . وهذا القول ضعيف أيضا ، لأنه لو كان المراد بالسبع المثاني ~~القرآن ، لكان قوله { والقرآن العظيم } عطفا للشيء على نفسه ، وذلك غير ~~جائز . # وأجيب عنه بأنه حسن إدخال حرف العطف فيه لاختلاف اللفظين كقول الشاعر : # % إلى الملك القرم وابن الهمام % % وليث الكتيبة في المزدحم % # واعلم أن هذا وإن كان جائزا لأجل وروده في هذا البيت ، إلا أنهم أجمعوا ~~على أن الأصل خلافه . # والقول الخامس : يجوز أن يكون المراد بالسبع الفاتحة ، لأنها سبع آيات ، ~~ويكون المراد بالمثاني كل القرآن ويكون التقدير : ولقد آتيناك سبع آيات هي ~~الفاتحة وهي من جملة المثاني الذي هو القرآن وهذا القول عين الأول والتفاوت ~~ليس إلا بقليل والله أعلم . # المسألة الثانية : لفظة ' من ' في قوله { سبعا من المثاني } قال الزجاج ~~فيها وجهان : أحدهما : أن تكون للتبعيض من القرآن أي ولقد آتيناك سبع آيات ~~من جملة الآيات التي ms5472 يثنى بها على الله تعالى وآتيناك القرآن العظيم قال ~~ويجوز أن تكون من صلة ، والمعنى : آتيناك سبعا هي المثاني كما قال { ~~فاجتنبوا الرجس من الأوثان } [ الحج : 30 ] المعنى : اجتنبوا الأوثان ، لا ~~أن بعضها رجس والله أعلم . # أما قوله تعالى { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } فاعلم أنه ~~تعالى لما عرف رسوله عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين ، وهو أنه آتاه سبعا ~~من المثاني والقرآن العظيم ، نهاه عن الرغبة في الدنيا فحظر عليه أن يمد ~~عينيه إليها رغبة فيها . وفي مد العين أقوال : # القول الأول : كأنه قيل له إنك أوتيت القرآن العظيم فلا تشغل سرك وخاطرك ~~بالالتفات إلى الدنيا ومنه PageV19P166 الحديث < < ليس منا من لم يتغن ~~بالقرآن > > وقال أبو بكر : من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا ~~أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ، وقيل : وافت من بعض البلاد سبع ~~قوافل ليهود بني قريظة والنضير ، فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر ~~الأمتعة ، فقال المسلمون لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأنفقناها ~~في سبيل الله تعالى فقال الله تعالى لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه ~~القوافل السبع . # القول الثاني : قال ابن عباس ' لا تمدن عينيك ' أي لا تتمن ما فضلنا به ~~أحد من متاع الدنيا ، وقرر الواحدي هذا المعنى فقال : إنما يكون مادا عينيه ~~إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه ، وإدامة النظر إلى الشيء تدل على استحسانه ~~وتمنيه ، وكان صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا ، ~~وروي أنه نظر إلى نعم بني المصطلق ، وقد عبست في أبوالها وأبعارها فتقنع في ~~ثوبه وقرأ هذه الآية . وقوله عبست في أبوالها وأبعارها هو أن تجف أبوالها ~~وأبعارها على أفخاذها إذا تركت من العمل أيام الربيع فتكثر شحومها ولحومها ~~وهي أحسن ما تكون . # والقول الثالث : قال بعضهم ' ولا تمدن عينيك ' أي لا تحسدن أحدا على ما ~~أوتي من الدنيا قال القاضي : هذا بعيد ، لأن الحسد من كل أحد قبيح ، لأنه ~~إرادة لزوال ms5473 نعم الغير عنه ، وذلك يجري مجرى الاعتراض على الله تعالى ~~والاستقباح لحكمه وقضائه ، وذلك من كل أحد قبيح ، فكيف يحسن تخصيص الرسول ~~صلى الله عليه وسلم به ؟ # أما قوله تعالى { أزواجا منهم } قال ابن قتيبة أي أصنافا من الكفار ، ~~والزوج في اللغة الصنف ثم قال { ولا تحزن عليهم } إن لم يؤمنوا فيقوى ~~بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون . والحاصل أن قوله { ولا تمدن عينيك ~~إلا ما متعنا به أزواجا منهم } نهي له عن الالتفات إلى أموالهم وقوله { ولا ~~تحزن عليهم } نهي له عن الالتفات إليهم وأن يحصل لهم في قلبه قدر ووزن . # ثم قال { واخفض جناحك للمؤمنين } الخفض : معناه في اللغة نقيض الرفع ، ~~ومنه قوله تعالى في صفة القيامة { خافضة رافعة } [ الواقعة : 3 ] أي أنها ~~تخفض أهل المعاصي ، وترفع أهل الطاعات ، فالخفض معناه الوضع . وجناح ~~الإنسان يده ، قال الليث : يدا الإنسان جناحاه ، ومنه قوله { واضمم إليك ~~جناحك من الرهب } [ القصص : 32 ] وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق ~~والتواضع ، والمقصود أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات إلى أولئك الأغنياء من ~~الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين ، ونظيره قوله تعالى { أذلة المؤمنين ~~أعزة على الكافرين } [ المائدة : 54 ] وقال في صفة أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { أشداء على الكفار رحماء بينهم } [ الفتح : 29 ] . ! 7 < { ~~وقل إنىأنا النذير المبين * كمآ أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا ~~القرءان عضين } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 89 - 91 ) وقل إني أنا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالزهد في الدنيا ، وخفض الجناح للمؤمنين ، ~~أمره بأن يقول للقوم : { إنى أنا النذير المبين } PageV19P167 فيدخل تحت ~~كونه نذيرا ، كونه مبلغا لجميع التكاليف ، لأن كل ما كان واجبا ترتب على ~~تركه عقاب وكل ما كان حراما ترتب على فعله عقاب فكان الأخبار بحصول هذا ~~العقاب داخلا تحت لفظ النذير ، ويدخل تحته أيضا كونه شارحا لمراتب الثواب ~~والعقاب والجنة والنار ، ثم أردفه بكونه مبينا ، ومعناه كونه آتيا في كل ~~ذلك بالبيانات الشافية والبينات الوافية ، ثم قال بعده : { كمآ أنزلنا على ~~المقتسمين } وفيه بحثان : # البحث الأول : اختلفوا ms5474 في أن المقتسمين من هم ؟ وفيه أقوال : # القول الأول : قال ابن عباس : هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن ~~الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرب عددهم من أربعين . وقال ~~مقاتل بن سليمان : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ~~، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا ، ~~والمدعي للنبوة فإنه مجنون ، وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن / ~~أو شاعر ، فأنزل الله تعالى بهم خزيا فماتوا شر ميتة ، والمعنى : أنذرتكم ~~مثل ما نزل بالمقتسمين . # والقول الثاني : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات أن ~~المقتسمين هم اليهود والنصارى ، واختلفوا في أن الله تعالى لم سماهم ~~مقتسمين ؟ فقيل لأنهم جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة وكفروا ~~بالباقي . وقال عكرمة : لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به ، فقال بعضهم : ~~سورة كذا لي . وقال بعضهم : سورة كذا لي . وقال مقاتل بن حبان : اقتسموا ~~القرآن فقال بعضهم سحر . وقال بعضهم شعر ، وقال بعضهم كذب ، وقال بعضهم : ~~أساطير الأولين . # والقول الثالث : في تفسير المقتسمين . قال ابن زيد : هم قوم صالح تقاسموا ~~لنبيتنه وأهله ، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم ، فعلى هذا والاقتسام ~~من القسم لا من القسمة ، وهو اختيار ابن قتيبة . # البحث الثالث : أن قوله : { كمآ أنزلنا على المقتسمين } يتقضي تشبيه شيء ~~بذلك فما ذلك الشيء ؟ # والجواب عنه من وجهين : # الوجه الأول : التقدير : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم كما ~~أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين ، حيث قالوا ~~بعنادهم وجهلهم بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل ، وبعضه باطل مخالف لهما ~~فاقتسموه إلى حق وباطل . # فإن قيل : فعلى هذا القول كيف توسط بين المشبه والمشبه به قوله : { ولا ~~تمدن عينيك } ( الحجر : 88 ) إلى آخره ؟ # قلنا : لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم ~~وعداوتهم ، اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى ~~دنياهم والتأسف على كفرهم . # والوجه الثاني : أن يتعلق هذا الكلام بقوله : { وقل ms5475 إنى أنا النذير ~~المبين } . # واعلم أن هذا الوجه لا يتم إلا بأحد أمرين : إما التزام إضمار أو التزام ~~حذف ، أما الإضمار فهو أن يكون التقدير إني أنا النذير المبين عذابا كما ~~أنزلناه على المقتسمين ، وعلى هذا الوجه ، المفعول محذوف وهو المشبه ، ودل ~~عليه المشبه به ، وهذا كما تقول : رأيت كالقمر في الحسن ، أي رأيت إنسانا ~~كالقمر في PageV19P168 الحسن ، وأما الحذف فهو أن يقال : الكاف زائدة ~~محذوفة ، والتقدير : إني أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين / ~~وزيادة الكاف له نظير وهو قوله تعالى : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) ~~والتقدير : ليس مثله شيء ، وقال بعضهم : لا حاجة إلى الإضمار والحذف ، ~~والتقدير : إني أنا النذير أي أنذر قريشا مثل ما أنزلنا من العذاب على ~~المقتسمين وقوله : { الذين جعلوا القرءان عضين } فيه بحثان : # / البحث الأول : في هذا اللفظ قولان : الأول : أنه صفة للمقتسمين . ~~والثاني : أنه مبتدأ ، وخبره هو قوله : { لنسئلنهم } وهو قول ابن زيد . # البحث الثاني : ذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين : # القول الأول : أن واحدها عضة مثل عزة وبرة وثبة ، وأصلها عضوة من عضيت ~~الشيء إذا فرقته ، وكل قطعة عضة ، وهي مما نقص منها واو هي لام الفعل ، ~~والتعضية التجزئة والتفريق ، يقال : عضيت الجزور والشاة تعضية إذا جعلتها ~~أعضاء وقسمتها ، وفي الحديث : ( لا تعضية في ميراث إلا فيما احتمل القسمة ) ~~أي لا تجزئه فيما لا يحتمل القسمة كالجوهرة والسيف . فقوله : { جعلوا ~~القرءان عضين } يريد جزؤه أجزاء ، فقالوا : سحر وشعر وأساطير الأولين ~~ومفترى . # والقول الثاني ؛ أن واحدها عضة وأصلها عضهة ، فاستثقلوا الجمع بين هاءين ~~، فقالوا : عضة كما قالوا شفة ، والأصل شفهة بدليل قولهم : شافهت مشافهة ، ~~وسنة وأصلها سنهة في بعض الأقوال ، وهو مأخوذ من العضة بمعنى الكذب ، ومنه ~~الحديث : ( إياكم والعضة ) وقال ابن السكيت : العضة بأن يعضه الإنسان ويقول ~~فيه ما ليس فيه . وهذا قول الخليل فيما روى الليث عنه ، فعلى هذا القول ~~معنى قوله تعالى : { جعلوا القرءان عضين } أي جعلوه مفترى . وجمعت العضة ~~جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف ، فجعل الجمع ms5476 بالواو والنون عوضا مما لحقها ~~من الحذف . # ! 7 < { فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون * فاصدع بما تؤمر ~~وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزءين * الذين يجعلون مع الله إلاها ~~ءاخر فسوف يعملون } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 92 - 96 ) فوربك لنسألنهم أجمعين # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } يحتمل أن يكون راجعا ~~إلى المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ، لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى ، ~~ويكون التقدير أنه تعالى أقسم بنفسه أن يسأل هؤلاء المقتسمين عما كانوا ~~يقولونه من اقتسام القرآن وعن سائر المعاصي ، ويحتمل أن يكون راجعا إلى ~~جميع المكلفين لأن ذكرهم قد تقدم في قوله : { وقل إنى أنا النذير المبين } ~~( الحجر : 89 ) أي / لجميع الخلق وقد تقدم ذكر المؤمنين وذكر الكافرين ، ~~فيعود قوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } على الكل ، ولا معنى لقول من يقول ~~إن PageV19P169 السؤال إنما يكون عن الكفر أو عن الإيمان ، بل السؤال واقع ~~عنهما وعن جميع الأعمال ، لأن اللفظ عام فيتناول الكل . # فإن قيل : كيف الجمع بين قوله : { فوربك لنسئلنهم } وبين قوله : { فيومئذ ~~لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان } ( الرحمن : 39 ) أجابوا عنه من وجوه : # الوجه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يسئلون سؤال الاستفهام ~~لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم ، وإنما يسئلون سؤال التقريع يقال لهم لم ~~فعلتم كذا ؟ # ولقائل أن يقول : هذا الجواب ضعيف ، لأنه لو كان المراد من قوله : { ~~فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان } سؤال الاستفهام لما كان في تخصيص هذا ~~النفي بقوله يومئذ فائدة لأن مثل هذا السؤال على الله تعالى محال في كل ~~الأوقات . # والوجه الثاني : في الجواب أن يصرف النفي إلى بعض الأوقات ، والإثبات إلى ~~وقت آخر ، لأن يوم القيامة يوم طويل . # ولقائل أن يقول : قوله ؛ { فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان } ( ~~الرحمن : 39 ) هذا تصريح بأنه لا يحصل السؤال في ذلك اليوم ، فلو حصل ~~السؤال في جزء من أجزاء ذلك اليوم لحصل التناقض . # والوجه الثالث : أن نقول : قوله : { فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ms5477 ولا جان ~~} يفيد عموم النفي وقوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } عائد إلى المقتسمين ~~وهذا خاص ولا شك أن الخاص مقدم على العام . أما قوله : { فاصدع بما تؤمر } ~~فاعلم أن معنى الصدع في اللغة الشق والفصل ، وأنشد ابن السكيت لجرير : # % هذا الخليفة فارضوا ما قضى لكم % % بالحق يصدع ما في قوله حيف % # فقال يصدع يفصل ، وتصدع القوم إذا تفرقوا ، ومنه قوله تعالى : { يومئذ ~~يصدعون } ( الروم : 43 ) قال الفراء : يتفرقون . والصدع في الزجاجة الإبانة ~~، أقول ولعل ألم الرأس إنما سمي صداعا لأن قحف الرأس عند ذلك الألم كأنه ~~ينشق . قال الأزهري : وسمي الصبح صديعا كما يسمى فلقا . وقد انصدع وانفلق ~~الفجر وانفطر الصبح . # إذا عرفت هذا فقول : { فاصدع بما تؤمر } أي فرق بين الحق والباطل ، وقال ~~الزجاج : فاصدع أظهر ما تؤمر به يقال : صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا ~~كقولك صرح بها ، وهذا في الحقيقة يرجع أيضا إلى الشق والتفريق ، أما قوله : ~~{ بما تؤمر } ففيه قولان : الأول : أن يكون ( ما ) بمعنى الذي / أي بما ~~تؤمر به من الشرائع ، فحذف الجار كقوله : # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # الثاني : أن تكون ( ما ) مصدرية أي فاصدع بأمرك وشأنك . قالوا : وما زال ~~النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية . # ثم قال تعالى : { وأعرض عن المشركين } أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى ~~لومهم إياك على إظهار PageV19P170 الدعوة . قال بعضهم : هذا منسوخ بآية ~~القتال وهو ضعيف ، لأن معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم فلا يكون منسوخا ~~. # ثم قال : { إنا كفيناك المستهزءين } قيل : كانوا خمسة نفر من المشركين : ~~الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن المطلب والأسود ~~بن عبد يغوث قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أكفيكهم ~~فأومأ إلى عقب الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظما لأخذه ~~فأصاب عرقا في عقبه فقطعه فمات ، وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها ~~شوكة فقال : لدغت لدغت وانتفخت رجله حتى صارت كالرحا ومات ، وأشار إلى عيني ms5478 ~~الأسود بن المطلب فعمي ، وأشار إلى أنف عدي بن قيس ، فامتخط قيحا فمات ~~وأشار إلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجرة ~~ويضرب وجهه بالشوك حتى مات . # واعلم أن المفسرين قد اختلفوا في عدد هؤلاء المستهزئين وفي أسمائهم وفي ~~كيفية طريق استهزائهم ، ولا حاجة إلى شيء منها ، والقدر المعلوم أنهم طبقة ~~لهم قوة وشوكة ورياسة لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه ~~السفاهة مع مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم في علو قدره وعظم منصبه ، ودل ~~القرآن على أن الله تعالى أفناهم وأبادهم وأزال كيدهم ، والله أعلم . # ! 7 < { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من ~~الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } > 7 @QB@ < # | الحجر : ( 97 - 99 ) ولقد نعلم أنك . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر أن قومه يسفهون عليه ولا سيما أولئك المقتسمون ~~وأولئك المستهزؤون قال له : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } لأن ~~الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك فعند هذا قال له : { فسبح بحمد ~~ربك } فأمره بأربعة أشياء بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة / واختلف ~~الناس في أنه كيف صار الإقبال على هذه الطاعات سببا لزوال ضيق القلب والحزن ~~؟ فقال العارفون المحققون إذا اشتغل الإنسان بهذه الأنواع من العبادات ~~انكشفت له أضواء عالم الربوبية ، ومتى حصل ذلك الإنكشاف صارت الدنيا ~~بالكلية حقيرة ، وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها فلا يستوحش ~~من فقدانها ولا يستريح بوجدانها ، وعند ذلك يزول الحزن والغم . وقالت ~~المعتزلة : من اعتقد تنزيه الله تعالى عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق ، ~~فإنه يعلم أنه عدل منزه عن إنزال المشاق به من غير غرض ولا فائدة فحينئذ ~~يطيب قلبه ، وقال أهل السنة : إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات ~~كأنه يقول : تجب على عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات ~~، وقوله : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~يريد الموت وسمي الموت باليقين لأنه أمر متيقن . # فإن قيل ms5479 : فأن فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت ~~عنه العبادات ؟ PageV19P171 # قلنا : المراد منه : { واعبد ربك } في زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات ~~الحياة عن هذه العبادة ، والله أعلم . # PageV19P172 < # > 1 ( سورة النحل ) 1 < # > # مكية ، إلا الآيات الثلاث الأخيرة فمدنية # وآياتها : 128 ، نزلت بعد سورة الكهف # سورة النحل # مكية غير ثلاث آيات في أخرها # وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية ، وقال آخرون : من أولها إلى قوله : { ~~كن فيكون } مدني وما سواه فمكي ، وعن قتادة بالعكس . # واعلم أن هذه السورة تسمى سورة النعم وهي مائة وعشرون وثمان آيات مكية . # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون * ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده أن أنذروا أنه لا إلاه إلا ~~أنا فاتقون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 1 - 2 ) أتى أمر الله . . . . . # > > # بسم الله الرحمن الرحيم # { أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون * ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره على من يشآء من عباده أن أنذروا أنه لا إلاه إلا أنا فاتقون ~~} . # فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن معرفة تفسير هذه الآية مرتبة على سؤالات ثلاثة ~~: # فالسؤال الأول : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم بعذاب ~~الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر ، وتارة بعذاب ~~يوم القيامة ، وهو الذي يحصل عند / قيام الساعة ، ثم إن القوم لما لم ~~يشاهدوا شيئا من ذلك احتجوا بذلك على تكذيبه وطلبوا منه الإتيان بذلك ~~العذاب وقالوا له ائتنا به . وروي أنه لما نزل قوله تعالى : { اقتربت ~~الساعة وانشق القمر } ( القمر : 1 ) قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن ~~القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن ، فلما ~~تأخرت قالوا ما نرى شيئا مما تخوفنا به ، فنزل قوله : { اقترب للناس حسابهم ~~} ( الأنبياء : 1 ) فأشفقوا وانتظروا يومها فلما امتدت الأيام قالوا : يا ~~محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فنزل قوله : { أتى أمر ms5480 الله } فوثب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل قوله : { فلا تستعجلوه } ~~PageV19P173 والحاصل أنه عليه السلام لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا ~~وعذاب الآخرة ولم يروا شيئا نسبوه إلى الكذب . # فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } ~~وفي تقرير هذا الجواب وجهان : # الوجه الأول : أنه وإن لم يأت ذلك العذاب إلا أنه كان واجب الوقوع والشيء ~~إذا كان بهذه الحالة والصفة فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد أتى ووقع ~~إجراء لما يجب وقوعه بعد ذلك مجرى الواقع يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها ~~: قد جاءك الغوث فلا تجزع . # والوجه الثاني : وهو أن يقال أن أمر الله بذلك وحكمه به قد أتى وحصل ووقع ~~، فأما المحكوم به فإنما لم يقع ، لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل ~~مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود والحاصل كأنه قيل : أمر الله وحكمه ~~بنزول العذاب قد حصل ووجد من الأزل إلى الأبد فصح قولنا أتى أمر الله ، إلا ~~أن المحكوم به والمأمور به إنما لم يحصل ، لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين ~~فلا تستعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت . # السؤال الثاني : قالت الكفار : هب أنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من ~~أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة ، إلا أنا ~~نعبد هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله فهي تشفع لنا عنده فنتخلص من هذا ~~العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه الأصنام . # فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : { سبحانه وتعالى عما يشركون } ~~فنزه نفسه عن شركة الشركاء والأضداد / والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح ~~والأجسام أن يشفع عنده إلا بإذنه و { ما } في قوله : { عما يشركون } يجوز ~~أن تكون مصدرية ، والتقدير : سبحانه وتعالى عن إشراكهم ويجوز أن تكون بمعنى ~~الذي ، أي سبحانه وتعالى عن هذه الأصنام التي جعلوها شركاء لله ، لأنها ~~جمادات خسيسة ، فأي مناسبة بينها وبين أدون الموجودات فضلا عن أن يحكم ~~بكونها شركاء ms5481 لمدبر الأرض والسموات . # السؤال الثالث : هب أنه تعالى قضى على بعض عبيده بالسراء وعلى آخرين ~~بالضراء ولكن / كيف يمكنك أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله ، ~~وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته ؟ # فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من ~~يشآء من عباده أن أنذروا أنه لا إلاه إلا أنا فاتقون } وتقرير هذا الجواب ~~أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من عبيده ويأمر ذلك العبد بأن يبلغ ~~إلى سائر الخلق أن إله العالم واحد كلفهم بمعرفة التوحيد والعبادة وبين ~~أنهم إن فعلوا ذلك فازوا بخيري الدنيا والآخرة ، وإن تمردوا وقعوا في شر ~~الدنيا والآخرة ، فبهذا الطريق صار مخصوصا بهذه المعارف من دون سائر الخلق ~~، وظهر بهذا الترتيب الذي لخصناه أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه ~~والله أعلم . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي : ( ينزل ) بالياء وكسر ~~الزاي وتشديدها ، والملائكة بالنصب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { ينزل } بضم ~~الياء وكسر الزاي وتخفيفها ، والأول من التفعيل ، والثاني من PageV19P174 ~~الأفعال ، وهما لغتان : # المسألة الثانية : روي عن عطاء عن ابن عباس قال : يريد بالملائكة جبريل ~~وحده . قال الواحدي : وتسمية الواحد باسم الجمع إذا كان ذلك الواحد رئيسا ~~مقدما جائز كقوله تعالى : { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه } . ( نوح : 1 ) { ~~وأنا * أنزلناه } ( يوسف : 2 ) . { وأنا * نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) ~~وفي حق الناس كقوله : { الذين قال لهم الناس } وفيه قول آخر سيأتي شرحه بعد ~~ذلك وقوله : { بالروح من أمره } فيه قولان : # القول الأول : أن المراد من الروح الوحي وهو كلام الله ونظيره قوله تعالى ~~: { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) وقوله : { يلقى ~~الروح من أمره على من يشاء من عباده } ( غافر : 15 ) قال أهل التحقيق : ~~الجسد موات كثيف مظلم ، فإذا اتصل به الروح صار حيا لطيفا نورانيا . فظهرت ~~آثار النور في الحواس الخمس ، ثم الروح أيضا ظلمانية جاهلة ، فإذا اتصل ~~العقل بها صارت مشرقة نورانية ، كما قال تعالى ms5482 ؛ { والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة } ( النحل : 78 ) ~~ثم العقل أيضا ليس بكامل النورانية والصفاء والإشراق حتى يستكمل بمعرفة ذات ~~الله تعالى وصفاته وأفعاله ومعرفة أحوال عالم الأرواح والأجساد ، وعالم ~~الدنيا والآخرة ، ثم إن هذه المعارف الشريفة الإلهية لا تكمل ولا تصفو إلا ~~بنور الوحي والقرآن . # إذا عرفت هذا فنقول : القرآن والوحي به تكمل المعارف الإلهية ، ~~والمكاشفات الربانية وهذه المعارف بها يشرق العقل ويصفو ويكمل ، والعقل به ~~يكمل جوهر الروح ، والروح به يكمل حال الجسد ، وعند هذا يظهر أن الروح ~~الأصلي الحقيقي هو الوحي والقرآن ، لأن به يحصل الخلاص / من رقدة الجهالة ، ~~ونوم الغفلة ، وبه يحصل الانتقال من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ، فظهر ~~أن إطلاق لفظ الروح على الوحي في غاية المناسبة والمشاكلة / ومما يقوى ذلك ~~أنه تعالى أطلق لفظ الروح على جبريل عليه السلام في قوله : { نزل به الروح ~~الامين * على قلبك } ( الشعراء : 193 ، 194 ) وعلى عيسى عليه السلام في ~~قوله : { روح الله } ( يوسف : 87 ) وإنما حسن هذا الإطلاق ، لأنه حصل بسبب ~~وجودهما حياة القلب وهي الهداية والمعارف ، فلما حسن إطلاق اسم الروح ~~عليهما لهذا المعنى ، فلأن يحسن إطلاق لفظ الروح على الوحي والتنزيل كان ~~ذلك أولى . # والقول الثاني ؛ في هذه الآية وهو قول أبي عبيدة إن الروح ههنا جبريل ~~عليه السلام ، والباء في قوله : { بالروح } بمعنى مع كقولهم خرج فلان ~~بثيابه ، أي مع ثيابه وركب الأمير بسلاحه أي مع سلاحه ، فيكون المعنى : ~~ينزل الملائكة مع الروح وهو جبريل ، والأول أقرب ، وتقرير هذا الوجه : أنه ~~سبحانه وتعالى ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم جبريل وحده ، بل في ~~أكثر الأحوال كان ينزل مع جبريل أفواجا من الملائكة ، ألا ترى أن في يوم ~~بدر وفي كثير من الغزوات كان ينزل مع جبريل عليه السلام أقوام من الملائكة ~~، وكان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة ملك الجبال . وتارة ملك ~~البحار . وتارة رضوان . وتارة غيرهم . وقوله : { من أمره } يعني أن ms5483 ذلك ~~التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى ، ونظيره قوله تعالى : { وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك } ( مريم : 64 ) وقوله : { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~* يعلمون } ( الأنبياء : 27 ) وقوله : { وهم من خشيته مشفقون } ( الأنبياء ~~: 28 ) PageV19P175 وقوله : { يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } ( ~~النحل : 5 ) وقوله : { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } ( ~~التحريم : 6 ) فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال ~~إلا بأمر الله تعالى وإذنه ، وقوله : { على من يشاء من عباده } يريد ~~الأنبياء الذين خصهم الله تعالى برسالته ، وقوله : { أن أنذروا } قال ~~الزجاج : { ءان } بدل من الروح والمعنى : ينزل الملائكة بأن أنذروا ، أي ~~أعلموا الخلائق أنه لا إله إلا أنا ، والإنذار هو الإعلام مع التخويف . # المسألة الثانية : في الآية فوائد : الفائدة الأولى : أن وصول الوحي من ~~الله تعالى إلى الأنبياء لا يكون إلا بواسطة الملائكة ، ومما يقوى ذلك أنه ~~تعالى قال في آخر سورة البقرة : { والمؤمنون كل ءامن بالله وملئكته وكتبه ~~ورسله } ( البقرة : 285 ) فبدأ بذكر الله سبحانه ثم أتبعه بذكر الملائكة ، ~~لأنهم هم الذين يتلقون الوحي من الله ابتداء من غير واسطة ، وذلك الوحي هو ~~الكتب ، ثم إن الملائكة يوصلون ذلك الوحي إلى الأنبياء فلا جرم كان الترتيب ~~الصحيح هو الابتداء بذكر الله تعالى ، ثم بذكر الملائكة ، ثم بذكر الكتب ~~وفي الدرجة الرابعة بذكر الرسل . # / إذا عرفت هذا فنقول : إذا أوحى الله تعالى إلى الملك فعلم ذلك الملك ~~بأن ذلك الوحي وحي الله علم ضروري أو استدلالي . وبتقدير أن يكون استدلاليا ~~فكيف الطريق إليه ؟ وأيضا الملك إذا بلغ ذلك الوحي إلى الرسول فعلم الرسول ~~بكونه ملكا صادقا لا شيطانا رجيما ضروري أو استدلالي فإن كان استدلاليا ~~فكيف الطريق إليه ؟ فهذه مقامات ضيقة ، وتمام العلم بها لا يحصل إلا بالبحث ~~عن حقيقة الملك وكيفية وحي الله إليه ، وكيفية تبليغ الملك ذلك الوحي إلى ~~الرسول . فأما إذا أجرينا هذه الأمور على الكلمات المألوفة صعب المرام وزال ~~النظام ، وذلك لأن آيات القرآن ناطقة بأن ms5484 هذا الوحي والتنزيل إنما حصل من ~~الملائكة أو نقول : هب أن آيات القرآن لم تدل على ذلك إلا أن احتمال كون ~~الأمر كذلك قائم في بديهة العقل . # وإذا عرفت هذا فنقول : لا نعلم كون جبريل عليه السلام صادقا معصوما عن ~~الكذب والتلبيس إلا بالدلائل السمعية ، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم صادق ، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من ~~قبل الله تعالى ، لا من قبل شيطان خبيث ، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن ~~جبريل صادق محق مبرأ عن التلبيس وعن أفعال الشيطان ، وحينئذ يلزم الدور ، ~~فهذا مقام صعب . أما إذا عرفنا حقيقة النبوة وعرفنا حقيقة الوحي زالت هذه ~~الشبهة بالكلية ، والله أعلم . # المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أن الروح المشار إليها بقوله : { ~~ينزل الملائكة بالروح من أمره } ليس إلا لمجرد قوله : { لا إلاه إلا أنا ~~فاتقون } وهذا كلام حق ، لأن مراتب السعادات البشرية أربعة : أولها : ~~النفسانية ، وثانيها : البدنية ، وفي المرتبة الثالثة : الصفات البدنية ~~التي لا تكون من اللوازم ، وفي المرتبة الرابعة : الأمور المنفصلة عن البدن ~~. # أما المرتبة الأولى : وهي الكمالات النفسانية ، فاعلم أن النفس لها قوتان ~~: إحداهما : استعدادها لقبول صور الموجودات من عالم الغيب ، وهذه القوة هي ~~القوة المسماة بالقوة النظرية ، وسعادة هذه القوة في حصول المعارف . وأشرف ~~المعارف وأجلها معرفة أنه لا إله إلا هو ، وإليه الإشارة بقوله : { أن ~~أنذروا أنه لا إلاه إلا أنا } والقوة الثانية للنفس : استعدادها للتصرف في ~~أجسام هذا العالم ، وهذه القوة هي القوة PageV19P176 المسماة بالقوة ~~العملية ، وسعادة هذه القوة في الإتيان بالأعمال الصالحة ، وأشرف الأعمال ~~الصالحة هو عبودية الله تعالى ، وإليه الإشارة بقوله : { فاتقون } ولما ~~كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم الله تعالى كمالات ~~القوة النظرية ، وهي قوله : { لا إلاه إلا أنا } على كمالات القوة العملية ~~وهي قوله : { فاتقون } . # / وأما المرتبة الثانية : وهي السعادات البدنية فهي أيضا قسمان : الصحة ~~الجسدانية ، وكمالات القوى الحيوانية ، أعني القوى السبع عشرة البدنية . # وأما المرتبة الثالثة : وهي السعادات ms5485 المتعلقة بالصفات العرضية البدنية ، ~~فهي أيضا قسمان : سعادة الأصول والفروع ، أعني كمال حال الآباء . وكمال حال ~~الأولاد . # وأما المرتبة الرابعة : وهي أخس المراتب فهي السعادات الحاصلة بسبب ~~الأمور المنفصلة وهي المال والجاه ، فثبت أن أشرف مراتب السعادات هي ~~الأحوال النفسانية ، وهي محصورة في كمالات القوة النظرية والعملية ، فلهذا ~~السبب ذكر الله ههنا أعلى حال هاتين القوتين فقال : { أن أنذروا أنه لا ~~إلاه إلا أنا فاتقون } . # ! 7 < { خلق السماوات والا رض بالحق تعالى عما يشركون } > 7 ! # < < # | النحل : ( 3 ) خلق السماوات والأرض . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين فيما سبق أن معرفة الحق لذاته ، وهي المراد ~~من قوله : { أنه لا إلاه إلا أنا } ومعرفة الخير لأجل العمل به وهي المراد ~~من قوله : { فاتقون } ( النحل : 2 ) روح الأرواح ، ومطلع السعادات ، ومنبع ~~الخيرات والكرامات ، أتبعه بذكر الدلائل على وجود الصانع الإله تعالى وكمال ~~قدرته وحكمته . # واعلم أنا بينا أن دلائل الإلهيات ، إما التمسك بطريقة الإمكان في الذوات ~~أو في الصفات . أو التمسك بطريقة الحدوث في الذوات أو في الصفات أو بمجموع ~~الإمكان والحدوث في الذوات أو الصفات ، فهذه طرق ستة ، والطريق المذكور في ~~كتب الله تعالى المنزلة ، هو التمسك بطريقة حدوث الصفات وتغيرات الأحوال . ~~ثم هذا الطريق يقع على وجهين : أحدهما : أن يتمسك بالأظهر فالأظهر مترقيا ~~إلى الأخفى فالأخفى ، وهذا الطريق هو المذكور في أول سورة البقرة ، فإنه ~~تعالى قال : { اعبدوا ربكم الذى خلقكم } فجعل تعالى تغير أحوال نفس كل واحد ~~دليلا على احتياجه إلى الخالق . ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الآباء ~~والأمهات ، وإليه الإشارة بقوله : { والذين من قبلكم } ( البقرة : 21 ) ثم ~~ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الأرض ، وهي قوله : { الذى جعل لكم الارض فراشا ~~} لأن الأرض أقرب إلينا من السماء ، ثم ذكر في المرتبة الرابعة قوله : { ~~والسماء بناء } ثم ذكر في المرتبة الخامسة الأحوال المتولدة من تركيب ~~السماء بالأرض ، فقال : { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا ~~لكم } ( البقرة : 22 ) . # الثاني من الدلائل القرآنية ؛ أن يحتج الله تعالى بالأشرف فالأشرف نازلا ~~إلى الأدون ms5486 / فالأدون ، وهذا الطريق هو المذكور في هذه السورة ، وذلك لأنه ~~تعالى ابتدأ في الاحتجاج على وجود الإله المختار بذكر الأجرام العالية ~~الفلكية ، ثم ثنى بذكر الاستدلال بأحوال الإنسان ، ثم ثلث بذكر الاستدلال ~~بأحوال الحيوان ، PageV19P177 ثم ربع بذكر الاستدلال بأحوال النبات ، ثم ~~خمس بذكر الاستدلال بأحوال العناصر الأربعة ، وهذا الترتيب في غاية الحسن . # إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : # النوع الأول : من الدلائل المذكورة على وجود الإله الحكيم الاستدلال ~~بأحوال السموات والأرض فقال : { خلق * السماوات والارض بالحق * تعالى عما ~~يشركون } وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { الحمد لله الذى خلق * السماوات ~~والارض } ( الأنعام : 1 ) إن لفظ الخلق من كم وجه يدل على الاحتياج إلى ~~الخالق الحكيم ، ولا بأس بأن نعيد تلك الوجوه ههنا فنقول : الخلق عبارة عن ~~التقدير بمقدار مخصوص ، وهذا المعنى حاصل في السموات من وجوه : الأول : أن ~~كل جسم متناه فجسم السماء متناه ، وكل ما كان متناهيا في الحجم والقدر ، ~~كان اختصاصه بذلك القدر المعين دون الأزيد والأنقص امرا جائزا ، وكل جائز ~~فلا بد له من مقدر ومخصص ، وكل ما كان مفتقرا إلى الغير فهو محدث . الثاني ~~: وهو أن الحركة الأزلية ممتنعة ، لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، ~~والأزل ينافيه فالجمع بين الحركة والأزل محال . # إذا ثبت هذا فنقول : إما أن يقال أن الأجرام والأجسام كانت معدومة في ~~الأزل ، ثم حدثت أو يقال إنها وإن كانت موجودة في الأزل إلا أنها كانت ~~ساكنة ثم تحركت . وعلى التقديرين فلحركتها أول ، فحدوث الحركة من ذلك ~~المبدأ دون ما قبله أو ما بعده خلق وتقدير ، فوجب افتقاره إلى مقدر وخالق ~~ومخصص له . الثالث : أن جسم الفلك مركب من أجزاء بعضها حصلت في عمق جرم ~~الفلك وبعضها في سطحه / والذي حصل في العمق كان يعقل حصوله في السطح ~~وبالعكس ، وإذا ثبت هذا كان اختصاص كل جزء بموضعه المعين أمرا جائزا فيفتقر ~~إلى المخصص والمقدر ، وبقية الوجوه مذكورة في أول سورة الأنعام . # واعلم أنه سبحانه لما احتج بالخلق والتقدير على حدوث السموات والأرض قال ~~بعده : { تعالى ms5487 عما يشركون } والمراد أن القائلين بقدم السموات والأرض ~~كأنهم أثبتوا لله شريكا في كونه قديما أزليا فنزه نفسه عن ذلك ، وبين أنه ~~لا قديم إلا هو ، وبهذا البيان ظهر أن الفائدة المطلوبة من قوله : { سبحانه ~~وتعالى عما يشركون } ( يونس : 18 ) في أول السورة غير الفائدة المطلوبة من ~~ذكر هذه الكلمة ههنا ، لأن المطلوب هناك إبطال قول من يقول : إن الأصنام ~~تشفع للكفار في دفع العقاب عنهم ، والمقصود / ههنا إبطال قول من يقول : ~~الأجسام قديمة ، والسموات والأرض أزلية ، فنزه الله سبحانه نفسه عن أن ~~يشاركه غيره في الأزلية والقدم والله أعلم . # ! 7 < { خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين } > 7 ! # < < # | النحل : ( 4 ) خلق الإنسان من . . . . . # > > اعلم أن أشرف الأجسام بعد الأفلاك والكواكب هو الإنسان ، فلما ذكر ~~الله تعالى الاستدلال على وجود الإله الحكيم بأجرام الأفلاك ، أتبعه بذكر ~~الاستدلال على هذا المطلوب بالإنسان . # واعلم أن الإنسان مركب من بدن ونفس ، فقوله تعالى : { خلق الإنسان من ~~نطفة } اشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم ، وقوله : { فإذا ~~هو خصيم مبين } إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفسه على وجود الصانع الحكيم . ~~PageV19P178 # أما الطريق الأول : فتقريره أن نقول : لا شك أن النطفة جسم متشابه ~~الأجزاء بحسب الحس والمشاهدة ، إلا أن من الأطباء من يقول إنه مختلف ~~الأجزاء في الحقيقة ، وذلك لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع ، فإن ~~الغذاء يحصل له في المعدة هضم أول وفي الكبد هضم ثان . وفي العروق هضم ثالث ~~. وعند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابع . ففي هذا الوقت وصل بعض أجزاء ~~الغذاء إلى العظم وظهر فيه أثر من الطبيعة العظيمة ، وكذا القول في اللحم ~~والعصب والعروق وغيرها ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان الشهوة ~~يحصل ذوبان من جملة الأعضاء ، وذلك هو النطفة ، وعلى هذا التقدير تكون ~~النطفة جسما مختلف الأجزاء والطبائع . # إذا عرفت هذا فنقول : النطفة في نفسها إما أن تكون جسما متشابه الأجزاء ~~في الطبيعة والماهية ، أو مختلف الأجزاء فيها ، فإن كان الحق هو الأول لم ~~يجز ms5488 أن يكون المقتضى لتولد البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة ~~ودم الطمث ، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير والاختيار . ~~والقوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو ~~الكرة ، وعلى هذا الحرف عولوا في قولهم البسائط يجب أن تكون أشكالها ~~الطبيعية في الكرة فلو كان المقتضى لتولد الحيوان من النطفة هو الطبيعة ، ~~لوجب أن يكون شكلها الكرة . وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن المقتضى ~~لحدوث الأبدان الحيوانية ليس هو الطبيعة ، بل فاعل مختار ، وهو يخلق ~~بالحكمة والتدبير والاختيار . # / وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : النطفة جسم مركب من أجزاء مختلفة في ~~الطبيعة والماهية فنقول : بتقدير أن يكون الأمر كذلك ، فإنه يجب أن يكون ~~تولد البدن منها بتدبير فاعل مختار حكيم وبيانه من وجوه : # الوجه الأول : أن النطفة رطوبة سريعة الاستحالة ، وإذا كان كذلك كانت ~~الأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة ، فالجزء الذي هو مادة الدماغ ~~يمكن حصوله في الأسفل ، والجزء الذي هو مادة القلب قد يحصل في الفوق ، وإذا ~~كان الأمر كذلك وجب أن لا تكون أعضاء الحيوان على هذا الترتيب المعين أمرا ~~دائما ولا أكثريا ، وحيث كان الأمر كذلك ، علمنا أن حدوث هذه الأعضاء على ~~هذا الترتيب الخاص ليس إلا بتدبيرالفاعل المختار الحكيم . # والوجه الثاني : أن النطفة بتقدير أنها جسم مركب من أجزاء مختلفة الطبائع ~~، إلا أنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه ~~جسما بسيطا ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلو كان المدبر لها قوة طبيعية لكان كل ~~واحد من تلك البسائط يجب أن يكون شكله هو الكرة فكان يلزم أن يكون الحيوان ~~على شكل كرات مضمومة بعضها إلى بعض ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن ~~مدبر أبدان الحيوانات ليس هي الطبائع ولا تأثيرات الأنجم والأفلاك ، لأن ~~تلك التأثيرات متشابهة ، فعلمنا أن مدبر أبدان الحيوانات فاعل مختار حكيم ، ~~وهو المطلوب ، هذا هو الاستدلال بأبدان الحيوانات على وجود الإله المختار . ~~وهو المراد من قوله ms5489 سبحانه وتعالى : { خلق الإنسان من نطفة } وأما ~~الاستدلال على وجود الصانع المختار الحكيم بأحوال النفس الإنسانية فهو ~~المراد من قوله : { فإذا هو خصيم مبين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في بيان وجه الاستدلال وتقريره : أن النفوس الإنسانية ~~في أول الفطرة أقل فهما وذكاء وفطنة من نفوس سائر الحيوانات ، ألا ترى أن ~~ولد الدجاجة كما يخرج من قشر البيضة يميز بين العدو PageV19P179 والصديق ~~فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ، ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والغذاء ~~الذي لا يوافقه وأما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله عن بطن الأم ، لا يميز ~~ألبتة بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع ، فظهر أن الإنسان في أول ~~الحدوث أنقص حالا وأقل فطنة من سائر الحيوانات ثم إن الإنسان بعد كبره يقوى ~~عقله ويعظم فهمه ويصير بحيث يقوى على مساحة السموات والأرض ويقوى على معرفة ~~ذات الله وصفاته وعلى معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح والأجسام والفلكيات ~~والعنصريات ويقوى على إيراد الشبهات القوية في دين الله تعالى والخصومات ~~الشديدة في كل المطالب فانتقال نفس الإنسان من تلك البلاد المفرطة إلى هذه ~~الكياسة المفرطة لا بد وأن يكون / بتدبير إله مختار حكيم ينقل الأرواح من ~~نقصانها إلى كمالاتها ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة والاختيار ، ~~فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى : { خلق الإنسان من نطفة فإذا هو ~~خصيم مبين } . # وإذا عرفت هذه الدقيقة أمكنك التنبيه لوجوه كثيرة : # المسألة الثانية : أنه تعالى إنما يخلق الإنسان من النطفة بواسطة تغيرات ~~كثيرة مذكورة في القرآن العزيز منها قوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين } ( المؤمنون : 12 ، 13 ) إلا ~~أنه تعالى اختصر ههنا لأجل أن ذلك الاستقصاء مذكور في سائر الآيات ، وقوله ~~؛ { فإذا هو خصيم مبين } فيه بحثان : # البحث الأول : قال الواحدي : الخصيم بمعنى المخاصم ، قال أهل اللغة : ~~خصيمك الذي يخاصمك وفعيل بمعنى مفاعل معروف كالنسيب بمعنى المناسب ، ~~والعشير بمعنى المعاشر ، والأكيل والشريب ويجوز أن يكون خصيم فاعلا من خصم ~~يخصم بمعنى اختصم ، ومنه قراءة ms5490 حمزة : { تأخذهم وهم يخصمون } ( يس : 49 ) . # البحث الثاني : لقوله : { فإذا هو خصيم مبين } وجهان : أحدهما : فإذا هو ~~منطبق مجادل عن نفسه ، منازع للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة ، وجمادا لا حس ~~له ولا حركة ، والمقصود منه : أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه ~~الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم . والثاني : ~~فإذا هو خصيم لربه ، منكر على خالقه ، قائل : { من يحى العظام وهى رميم } ( ~~يس : 78 ) والغرض منه وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل ، والتمادي ~~في كفران النعمة ، والوجه الأول أوفق ، لأن هذه الآيات مذكورة لتقرير وجه ~~الاستدلال على وجود الصانع الحكيم ، لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في ~~الكفر والكفران . # ! 7 < { والا نعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها ~~جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا ~~بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 5 - 7 ) والأنعام خلقها لكم . . . . . # > > PageV19P180 # وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أن أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد ~~الإنسان سائر الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة . وهي الحواس الظاهرة ~~والباطنة ، والشهوة والغضب ، ثم هذه الحيوانات قسمان : منها ما ينتفع ~~الإنسان بها ، ومنها ما لا يكون كذلك ، والقسم الأول : أشرف من الثاني ، ~~لأنه لما كان الإنسان أشرف الحيوانات وجب في كل حيوان يكون انتفاع الإنسان ~~به أكمل . وأكثر أن يكون أكمل وأشرف من غيره ، ثم نقول : والحيوان الذي ~~ينتفع الإنسان به إما أن ينتفع به في ضروريات معيشته مثل الأكل واللبس أو ~~لا يكون كذلك ، وإنما ينتفع به في أمور غير ضرورية مثل الزينة وغيرها ، ~~والقسم الأول أشرف من الثاني ، وهذا القسم هو الأنعام ، فلهذا السبب بدأ ~~الله بذكره في هذه الآية ، فقال : { والانعام خلقها لكم } . # واعلم أن الأنعام عبارة عن الأزواج الثمانية وهي : الضأن ، والمعز . ~~والإبل . والبقر ، وقد يقال أيضا : الأنعام ثلاثة : الإبل . والبقر . ~~والغنم . قال صاحب ( الكشاف ) : وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل . وقوله ~~: { والانعام } منصوبة وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله تعالى : { ~~والقمر ms5491 قدرناه منازل } ( يس : 39 ) ويجوز أن يعطف على الإنسان . أي خلق ~~الإنسان والأنعام ، قال الواحدي : تم الكلام عند قوله : { والانعام خلقها } ~~ثم ابتدأ وقال : { لكم فيها دفء } ويجوز أيضا أن يكون تمام الكلام عند قوله ~~: { لكم } ثم ابتدأ وقال : { فيها دفء } قال صاحب ( النظم ) : أحسن الوجهين ~~أن يكون الوقف عند قوله : { خلقها } والدليل عليه أنه عطف عليه قوله : { ~~ولكم فيها جمال } والتقدير لكم فيها دفء ولكم فيها جمال . # المسألة الثانية : أنه تعالى لما ذكر أنه خلق الأنعام للمكلفين أتبعه ~~بتعديد تلك المنافع ، واعلم أن منافع النعم منها ضرورية ، ومنها غير ضرورية ~~، والله تعالى بدأ بذكر المنافع الضرورية . # فالمنفعة الأولى : قوله : { لكم فيها دفء } وقد ذكر هذه المعنى في آية ~~أخرى فقال : { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها } ( النحل : 80 ) والدفء عند ~~أهل اللغة ما يستدفأ به من الأكسية ، قال الأصمعي : ويكون الدفء السخونة . ~~يقال : أقعد في دفء هذا الحائط ، أي في كنه . وقرىء : { * دف } بطرح الهمزة ~~وإلقاء حركتها على الفاء . # والمنفعة الثانية : قوله : { كبير ومنافع } قالوا : المراد نسلها ودرها ، ~~وإنما عبر الله تعالى عن نسلها ودرها بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على ~~لوصف الأعم ، لأن النسل والدر قد ينتفع به في الأكل وقد ينتفع به في البيع ~~بالنقود ، وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات فعبر عن جملة هذه ~~الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل . # / والمنفعة الثالثة : قوله : { ومنها تأكلون } . # فإن قيل : قوله : { ومنها تأكلون } يفيد الحصر وليس الأمر كذلك ، فإنه قد ~~يؤكل من غيرها ، وأيضا منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللبس ، فلم أخر منفعته ~~في الذكر ؟ # قلنا : الجواب عن الأول : إن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في ~~معايشهم ، وأما الأكل من غيرها كالدجاج والبط وصيد البر والبحر ، فيشبه غير ~~المعتاد . وكالجاري مجرى التفكه ، ويحتمل أيضا أن غالب أطعمتكم منها لأنكم ~~تحرثون بالبقر والحب والثمار التي تأكلونها منها ، وأيضا تكتسبون باكراء ~~الإبل PageV19P181 وتنتفعون بألبانها ونتاجها وجلودها ، وتشترون بها جميع ~~أطعمتكم . # والجواب عن السؤال الثاني : أن الملبوس أكثر بقاء من المطعوم ms5492 ، فلهذا ~~قدمه عليه في الذكر . # واعلم أن هذه المنافع الثلاثة هي المنافع الضرورية الحاصلة من الأنعام . ~~وأما المنافع الحاصلة من الأنعام التي هي ليست بضرورية فأمور : # المنفعة الأولى : قوله تعالى : { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ~~} الإراحة رد الإبل بالعشي إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلا ، ويقال : سرح ~~القوم إبلهم سرحا إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى . قال أهل اللغة : هذه ~~الإراحة أكثر ما تكون أيام الربيع إذا سقط الغيث وكثر الكلأ وخرجت العرب ~~للنجعة ، وأحسن ما يكون النعم في ذلك الوقت . # واعلم أن وجه التجمل بها أن الراعي إذا روحها بالعشي وسرحها بالغداة ~~تزينت عند تلك الإراحة والتسريح الأفنية ، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء ، ~~وفرحت أربابها وعظم وقعهم عند الناس بسبب كونهم مالكين لها . # فإن قيل : لم قدمت الإراحة على التسريح ؟ # قلنا : لأن الجمال في الإراحة أكثر . لأنها تقبل ملأى البطون حافلة ~~الضروع ، ثم اجتمعت في الحظائر حاضرة لأهلها بخلاف التسريح ، فإنها عند ~~خروجها إلى المرعى تخرج جائعة عادمة اللبن ثم تأخذ في التفرق والإنتشار ، ~~فظهر أن الجمال في الإراحة أكثر منه في التسريح . # والمنفعة الثانية : قوله : { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا ~~بشق الانفس إن ربكم لرؤوف رحيم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : الأثقال جمع ثقل وهو متاع المسافر لم تكونوا بالغيه إلا ~~بشق الأنفس . قال ابن عباس : يريد من مكة إلى المدينة . أو إلى اليمن . أو ~~إلى الشام . أو إلى مصر . قال الواحدي : هذا قوله والمراد كل بلد لو تكلفتم ~~بلوغه على غير إبل لشق عليكم وخص ابن عباس هذه البلاد ، لأن / متاجر أهل ~~مكة كانت إلى هذه البلاد ، وقرىء : { بشق الانفس } بكسر الشين وفتحها ، ~~وأكثر القراء على كسر الشين . والشق المشقة والشق نصف الشيء ، وحمل اللفظ ~~ههنا على كلا المعنيين جائز ، فإن حملناه على المشقة كان المعنى : لم ~~يكونوا بالغيه إلا بالمشقة ، وإن حملناه على نصف الشيء كان المعنى : لم ~~يكونوا بالغيه إلا عند ذهاب النصف من قوتكم أو من بدنكم ويرجع عند التحقيق ~~إلى المشقة ms5493 . ومن الناس من قال : المراد من قوله : { والانعام خلقها } ~~الإبل فقط بدليل أنه وصفها في آخر الآية بقوله { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه } وهذا الوصف لا يليق إلا بالإبل . # قلنا : المقصود من هذه الآيات تعديد منافع الأنعام فبعض تلك المنافع ~~حاصلة في الكل وبعضها مختص بالبعض ، والدليل عليه : أن قوله : { ولكم فيها ~~جمال } حاصل في البقر والغنم مثل حصوله في الإبل . والله أعلم . # المسألة الثانية : احتج منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية فقالوا : هذه ~~الآية تدل على أن الإنسان لا PageV19P182 يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد ~~إلا بشق الأنفس ؛ وحمل الأثقال على الجمال ومثبتو الكرامات يقولون : إن ~~الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غير تعب ~~وتحمل مشقة ، فكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلا ، ولما بطل القول ~~بالكرامات في هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور ، لأنه لا قائل ~~بالفرق . # وجوابه : أنا نخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرمات . ~~والله أعلم . # ! 7 < { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون } > 7 ~~! # < < # | النحل : ( 8 ) والخيل والبغال والحمير . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها في ~~المنافع الضرورية والحاجات الأصلية ، ذكر بعده منافع الحيوانات التي ينتفع ~~بها الإنسان في المنافع التي ليست بضرورية ، فقال : { والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { والخيل والبغال والحمير } عطف على الأنعام ، ~~أي وخلق الأنعام لكذا وكذا ، وخلق هذه الأشياء للركوب . وقوله : { وزينة } ~~أي وخلقها زينة ، ونظيره قوله تعالى : { زينا السماء الدنيا بمصابيح * ~~وحفظا } ( فصلت : 12 ) المعنى : وحفظناها حفظا . قال الزجاج : نصب قوله : { ~~وزينة } على أنه مفعول له . والمعنى : وخالقها للزينة . # المسألة الثانية : احتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية . فقالوا ~~منفعة الأكل أعظم / من منفعة الركوب ، فلو كان أكل لحم الخيل جائزا لكان ~~هذا المعنى أولى بالذكر ، وحيث لم يذكره الله تعالى علمنا أنه يحرم أكله ، ~~ويمكن أيضا أن يقوي هذا الاستدلال من وجه آخر ms5494 . فيقال : إنه تعالى قال في ~~صفة الأنعام : { ومنها تأكلون } ( النحل : 5 ) وهذه الكلمة تفيد الحصر ، ~~فيقتضي أن لا يجوز الأكل من غير الأنعام ، فوجب أن يحرم أكل لحم الخيل ~~بمقتضى هذا الحصر ، ثم إنه تعالى بعد هذا الكلام ذكر الخيل والبغال والحمير ~~وذكر أنها مخلوقة للركوب ، فهذا يقتضي أن منفعة الأكل مخصوصة بالأنعام وغير ~~حاصلة في هذه الأشياء ، ويمكن الاستدلال بهذه الآية من وجه ثالث وهو أن ~~قوله : { لتركبوها } يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو ~~الركوب والزينة ، ولو حل أكلها لما كان تمام المقصود من خلقها هو الركوب ، ~~بل كان حل أكلها أيضا مقصودا ، وحينئذ يخرج جواز ركوبها عن أن يكون تمام ~~المقصود ، بل يصير بعض المقصود . # وأجاب الواحدي بجواب في غاية الحسن فقال : لو دلت هذه الآية على تحريم ~~أكل هذه الحيوانات لكان تحريم أكلها معلوما في مكة لأجل أن هذه السورة مكية ~~، ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدثين أن لحوم الحمر ~~الأهلية حرمت عام خيبر باطلا ، لأن التحريم لما كان حاصلا قبل هذا اليوم لم ~~يبق لتخصيص هذا التحريم بهذه الشبهة فائدة ، وهذا جواب حسن متين . # المسألة الثالثة : القائلون بأن أفعال الله تعالى معللة بالمصالح والحكم ~~، احتجوا بظاهر هذه الآية فإنه يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لأجل المنفعة ~~الفلانية ، ونظيره قوله : { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور } ( إبراهيم : 1 ) PageV19P183 وقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) والكلام فيه معلوم . # المسألة الرابعة : لقائل أن يقول لما كان معنى الآية أنه تعالى خلق الخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وليجعلها زينة لكم فلم ترك هذه العبارة ؟ # وجوابه أنه تعالى لو ذكر هذا الكلام بهذه العبارة لصار المعنى أن التزين ~~بها أحد الأمور المعتبرة في المقصود ، وذلك غير جائز ، لأن التزين بالشيء ~~يورث العجب والتيه والتكبر ، وهذه أخلاق مذمومة والله تعالى نهى عنها وزجر ~~عنها فكيف يقول إني خلقت هذه الحيوانات لتحصيل هذه المعاني بل قال : خلقها ~~لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم ms5495 بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة ، وأما التزين ~~بها فهو حاصل في نفس الأمر ، ولكنه غير مقصود بالذات ، فهذا هو الفائدة في ~~اختيار هذه العبارة . # أو اعلم أنه تعالى لما ذكر أولا : أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان ~~بها انتفاعا ضروريا / وثانيا : أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها ~~انتفاعا غير ضروري بقي القسم الثالث من الحيوانات وهي الأشياء التي لا ~~ينتفع الإنسان بها في الغالب فذكرها على سبيل الإجمال فقال : { ويخلق ما لا ~~تعلمون } وذلك لأن أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة خارجة عن الحد والإحصاء ~~ولو خاض الإنسان في شرح عجائب أحوالها لكان المذكور بعد كتبة المجلدات ~~الكثيرة كالقطرة في البحر فكان أحس الأحوال ذكرها على سبيل الإجمال كما ذكر ~~الله تعالى في هذه الآية ، وروى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال : ~~إن على يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع ، والبحار ~~السبعة يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر ويغتسل فيزداد نورا إلى نوره ~~وجمالا إلى جماله ، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نقطة تقع من ريشه كذا وكذا ~~ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألفا البيت المعمور ، وفي الكعبة أيضا ~~سبعون ألفا ، ثم لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة . # ! 7 < { وعلى الله قصد السبيل ومنها جآئر ولو شآء لهداكم أجمعين } > 7 ! # < < # | النحل : ( 9 ) وعلى الله قصد . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد قال : { وعلى الله قصد السبيل ~~} أي إنما ذكرت هذه الدلائل وشرحتها إزاحة للعذر وإزالة للعلة ليهلك من هلك ~~عن بينة . ويحيى من حيى عن بينة وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : القصد استقامة الطريق يقال : طريق قصد ~~وقاصد إذا أداك إلى مطلوبك ، إذا عرفت هذا ففي الآية حذف ، والتقدير : وعلى ~~الله بيان قصد السبيل ، ثم قال : { ومنها جائر } أي عادل مائل ومعنى الجور ~~في اللغة الميل عن الحق والكناية في قوله : { ومنها جائر } تعود على السبيل ~~، وهي مؤنثة في لغة الحجاز يعني ومن السبيل ما هو جائر غير قاصد للحق وهو ms5496 ~~أنواع الكفر والضلال . والله أعلم . # المسألة الثانية ؛ قالت المعتزلة : دلت الآية على أنه يجب على الله تعالى ~~الإرشاد والهداية إلى الدين PageV19P184 وإزاحة العلل والأعذار ، لأنه ~~تعالى قال : { وعلى الله قصد السبيل } وكلمة ( على ) للوجوب قال تعالى : { ~~ولله على الناس حج البيت } ( آل عمران : 97 ) ودلت الآية أيضا على أنه ~~تعالى لا يضل أحدا ولا يغويه ولا يصده عنه ، وذلك لأنه تعالى لو كان فاعلا ~~للضلال لقال : { وعلى الله قصد السبيل } وعليه جائرها أو قال : وعليه ~~الجائر فلما لم يقل كذلك بل قال في قصد السبيل أنه عليه ، ولم يقل في جور ~~السبيل أنه عليه بل قال / { ومنها جائر } دل على أنه تعالى لا يضل عن الدين ~~أحدا . # أجاب أصحابنا أن المراد على الله بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق ~~والمذهب الصحيح فإما أن يبين كيفية الاغواء والإضلال فذلك غير واجب فهذا هو ~~المراد ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله : { ولو شآء لهداكم أجمعين } يدل على أنه تعالى ~~ما شاء هداية الكفار ، وما أراد منهم الإيمان ، لأن كلمة ( لو ) تفيد ~~انتفاء شيء لانتفاء شيء غيره قوله ؛ { ولو شآء لهداكم } معناه : لو شاء ~~هدايتكم لهداكم ، وذلك يفيد أنه تعالى ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم ، ~~وذلك يدل على المقصود . # وأجاب الأصم عنه بأن المراد لو شاء أن يلجئكم إلى الإيمان لهداكم ، وهذا ~~يدل على أن مشيئة الإلجاء لم تحصل . # وأجاب الجبائي بأن المعنى : ولو شاء لهداكم إلى الجنة وإلى نيل الثواب ~~لكنه لا يفعل ذلك إلا بمن يستحقه ، ولم يرد به الهدى إلى الإيمان ، لأنه ~~مقدور جميع المكلفين . # وأجاب بعضهم فقال المراد : ولو شاء لهداكم إلى الجنة ابتداء على سبيل ~~التفضل ، إلا أنه تعالى عرفكم للمنزلة العظيمة بما نصب من الأدلة وبين ، ~~فمن تمسك بها فاز بتلك المنازل ومن عدل عنها فاتته وصار إلى العذاب ، والله ~~أعلم . # واعلم أن هذه الكلمات قد ذكرناها مرارا وأطوارا مع الجواب فلا فائدة في ~~الإعادة . # ! 7 < { هو الذىأنزل من السماء مآء لكم منه شراب ومنه ms5497 شجر فيه تسيمون * ~~ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن فى ذلك ~~لآية لقوم يتفكرون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 10 - 11 ) هو الذي أنزل . . . . . # > > # اعلم أن أشرف أجسام العالم السفلي بعد الحيوان النبات ، فلما قرر الله ~~تعالى الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات ، أتبعه في ~~هذه الآية بذكر الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال النبات . # / واعلم أن الماء المنزل من السماء هو المطر ، وأما أن المطر نازل من ~~السحاب أو من السماء فقد ذكرناه في هذا الكتاب مرارا ، والحاصل : أن ماء ~~المطر قسمان : أحدهما : هو الذي جعله الله تعالى شرابا لنا ولكل ~~PageV19P185 حي ، وهو المراد بقوله : { لكم منه شراب } وقد بين الله تعالى ~~في آية أخرى أن هذه النعمة جليلة فقال : { وجعلنا من الماء كل شىء حى } ( ~~الأنبياء : 30 ) . # فإن قيل : أفتقولون إن شرب الخلق ليس إلا من المطر ، أو تقولون قد يكون ~~منه وقد يكون من غيره ، وهو الماء الموجود في قعر الأرض ؟ # أجاب القاضي : بأنه تعالى بين أن المطر شرابنا ولم ينف أن نشرب من غيره . # ولقائل أن يقول : ظاهر الآية يدل على الحصر ، لأن قوله : { لكم منه شراب ~~} يفيد الحصر لأن معناه منه لا من غيره . # إذا ثبت هذا فنقول : لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء ~~المطر يسكن هناك ، والدليل عليه قوله تعالى في سورة المؤمنين : { وأنزلنا ~~من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الارض } ( المؤمنون : 18 ) ولا يمتنع أيضا ~~في غير العذب وهو البحر أن يكون من جملة ماء المطر ، والقسم الثاني من ~~المياه النازلة من السماء ما يجعله الله سببا لتكوين النبات وإليه الإشارة ~~بقوله : { ومنه شجر فيه تسيمون } إلى آخر الآية ، وفيه مباحث : # البحث الأول : ظاهر هذه الآية يقتضي أن أسامة الشجر ممكنة ، وهذا إنما ~~يصح لو كان المراد من الشجر الكلأ والعشب ، وههنا قولان : # القول الأول : قال الزجاج : كل ما ثبت على الأرض فهو شجر وأنشد : # يطعمها اللحم إذا عز الشجر # يعني أنهم يسقون ms5498 الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض ، وقال ابن قتيبة في هذه ~~الآية المراد من الشجر الكلأ ، وفي حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه ~~سحت يعني الكلأ . # ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال : { والنجم والشجر يسجدان } ( الرحمن : 6 ~~) والمراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق ، ومن الشجر ما له ساق ~~، هكذا قال المفسرون ، وبالجملة فلما عطف الشجر على النجم دل على التغاير ~~بينهما ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور وأيضا ~~فلفظ الشجر مشعر بالاختلاط ، يقال : تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم ~~بالبعض وتشاجرت الرماح إذا اختلطت وقال تعالى : { حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم } ( النساء : 65 ) ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ ، فوجب جواز ~~إطلاق لفظ الشجر عليه . # القول الثاني : أن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار ، وعلى هذا ~~التقدير فلا حاجة إلى ما ذكرناه في القول الأول . # / البحث الثاني : قوله : { فيه تسيمون } أي في الشجر ترعون مواشيكم يقال ~~: أسمت الماشية إذا خليتها ترعى ، وسامت هي تسوم سوما إذا رعت حيث شاءت فهي ~~سوام وسائمة قال الزجاج : أخذ ذلك من السومة وهي العلامة . وتأويلها أنها ~~تؤثر في الأرض برعيها علامات ، وقال غيره : لأنها تعلم للإرسال في المرعى / ~~PageV19P186 وتمام الكلام في هذا اللفظ قد ذكرناه في سورة آل عمران في قوله ~~تعالى : { والخيل المسومة } ( آل عمران : 14 ) . # أما قوله تعالى : { ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والاعناب } ففيه ~~مباحث : # البحث الأول : هو أن النبات الذي ينبته الله من ماء السماء قسمان : ~~أحدهما : معد لرعي الأنعام وأسامة الحيوانات ، وهو المراد من قوله : { فيه ~~تسيمون } . والثاني : ما كان مخلوقا لأكل الإنسان وهو المراد من قوله : { ~~ينبت لكم به الزرع والزيتون } . # فإن قيل : إنه تعالى بدأ في هذه الآية بذكر ما يكون مرعى للحيوانات ، ~~وأتبعه بذكر ما يكون غذاء للإنسان ، وفي آية أخرى عكس هذا الترتيب فبدأ ~~بذكر مأكول الإنسان ، ثم بما يرعاه سائر الحيوانات فقال : { كلوا وارعوا ~~أنعامكم } ( طه : 54 ) فما الفائدة فيه ؟ # قلنا : أما ms5499 الترتيب المذكور في هذه الآية فينبه على مكارم الأخلاق وهو أن ~~يكون اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه ، وأما ~~الترتيب المذكور في الآية الأخرى ، فالمقصود منه ما هو المذكور في قوله ~~عليه السلام : ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) . # البحث الثاني : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { * ننبت } بالنون على ~~التفخيم والباقون بالياء ، قال الواحدي : والياء أشبه بما تقدم . # البحث الثالث : اعلم أن الإنسان خلق محتاجا إلى الغذاء ، والغذاء إما أن ~~يكون من الحيوان أو من النبات . والغذاء الحيواني أشرف من الغذاء النباتي ، ~~لأن تولد أعضاء الإنسان عند أكل أعضاء الحيوان أسهل من تولدها عند أكل ~~النبات لأن المشابهة هناك أكمل وأتم والغذاء الحيواني إنما يحصل من أسامة ~~الحيوانات والسعي في تنميتها بواسطة الرعي ، وهذا هو الذي ذكره الله تعالى ~~في الأسامة ، وأما الغذاء النباتي فقسمان : حبوب . وفواكه ، أما الحبوب ~~فإليها الإشارة بلفظ الزرع وأما الفواكه فأشرفها الزيتون . والنخيل . ~~والأعناب ، أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه وإدام من وجه آخر لكثرة ما فيه ~~من الدهن ومنافع الأدهان كثيرة في الأكل والطلي واشتعال السرج ، وأما ~~امتياز النخيل والأعناب من سائر الفواكه ، فظاهر معلوم ، وكما أنه تعالى ~~لما ذكر الحيوانات التي ينتفع الناس بها على التفصيل ، ثم قال في صفة ~~البقية : { وزينة ويخلق ما لا تعلمون } ( النحل : 8 ) فكذلك ههنا لما ذكر ~~الأنواع المنتفع بها من النبات ، قال في صفة البقية : { ومن كل الثمرات } ~~تنبيها على أن تفصيل القول في أجناسها وأنواعها وصفاتها ومنافعها لا يمكن ~~ذكره في مجلدات ، فالأولى الاقتصار فيه على الكلام المجمل . # / ثم قال : { إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون } وههنا بحثان : # البحث الأول : في شرح كون هذه الأشياء آيات دالة على وجود الله تعالى ~~فنقول : إن الحبة الواحدة تقع في الطين فإذا مضت على هذه الحالة مقادير ~~معينة من الوقت نفذت في داخل تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها ~~فتنتفخ الحبة فينشق أعلاها وأسفلها ، فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة ~~من داخل ms5500 الأرض إلى الهواء . ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض وهذه ~~الغائصة هي المسماة بعروق PageV19P187 الشجرة ، ثم إن تلك الشجرة لا تزال ~~تزداد وتنمو وتقوى ، ثم يخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار ، ثم ~~إن تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل العنب ، فإن قشره وعجمه ~~باردان يابسان كثيفان ، ولحمه وماؤه حاران رطبان لطيفان . # إذا عرفت هذا فنقول : نسبة الطبائع السفلية إلى هذا الجسم متشابهة ونسبة ~~التأثيرات الفلكية والتحريكات الكوكبية إلى الكل متشابهة . ومع تشابه نسب ~~هذه الأشياء ترى هذه الأجسام مختلفة في الطبع والطعم واللون والرائحة ~~والصفة / فدل صريح العقل على أن ذلك ليس إلا لأجل فاعل قادر حكيم رحيم فهذا ~~تقدير هذه الدلالة . # البحث الثاني : أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله : { لقوم يتفكرون } والسبب ~~فيه أنه تعالى ذكر أنه : { أنزل من السماء مآء * ينبت لكم به الزرع ~~والزيتون والنخيل والاعناب } . # ولقائل أن يقول : لا نسلم أنه تعالى هو الذي أنبتها ولم لا يجوز أن يقال ~~: إن هذه الأشياء إنما حدثت وتولدت بسبب تعاقب الفصول الأربعة وتأثيرات ~~الشمس والقمر والكواكب ؟ وإذا عرفت هذا السؤال فما لم يقم الدليل على فساد ~~هذا الاحتمال لا يكون هذا الدليل تاما وافيا بإفادة هذا المطلوب ، بل يكون ~~مقام الفكر والتأمل باقيا ، فلهذا السبب ختم هذه الآية بقوله : { لقوم ~~يتفكرون } . # PageV19P188 ! 7 < { وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات ~~بأمره إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم فى الا رض مختلفا ألوانه ~~إن فى ذلك لآية لقوم يذكرون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 12 - 13 ) وسخر لكم الليل . . . . . # > > # /في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى لما أجاب في هذه الآية عن السؤال ~~الذي ذكرناه من وجهين : الأول : أن نقول : إن حدوث الحوادث في هذا العالم ~~السفلي مسندة إلى الاتصالات الفلكية والتشكلات الكوكبية إلا أنه لا بد ~~لحركاتها واتصالاتها من أسباب ، وأسباب تلك الحركات إما ذواتها وإما أمور ~~مغايرة لها ، والأول باطل لوجهين : الأول : أن الأجسام متماثلة ، فلو كان ~~جسم علة لصفة لكان ms5501 كل جسم واجب الاتصاف بتلك الصفة وهو محال ، والثاني : أن ~~ذات الجسم لو كانت علة لحصول هذا الجزء من الحركة لوجب دوام هذا الجزء من ~~الحركة بدوام تلك الذات ، ولو كان كذلك ، لوجب بقاء الجسم على حالة واحدة ~~من غير تغير أصلا ، وذلك يوجب كونه ساكنا ، ويمنع من كونه متحركا ، فثبت أن ~~القول بأن الجسم متحرك لذاته يوجب كونه ساكنا لذاته وما أفضى ثبوته إلى ~~عدمه كان باطلا ، فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون متحركا لكونه جسما ، فبقي أن ~~يكون متحركا لغيره ، وذلك الغير إما أن يكون ساريا فيه أو مباينا عنه ، ~~والأول باطل ، لأن البحث المذكور عائد في أن ذلك الجسم بعينه لم اختص بتلك ~~القوة بعينها دون سائر الأجسام ، فثبت أن محرك أجسام الأفلاك والكواكب أمور ~~مباينة عنها ، وذلك المباين إن كان جسما أو جسمانيا عاد التقسم / الأول فيه ~~، وإن لم يكن جسما ولا جسمانيا فإما أن يكون موجبا بالذات أو فاعلا مختارا ~~والأول باطل ، لأن نسبة ذلك الموجب بالذات إلى جميع الأجسام على السوية ، ~~فلم يكن بعض الأجسام بقبول بعض الآثار المعينة أولى من بعض ، ولما بطل هذا ~~ثبت أن محرك الأفلاك والكواكب هو الفاعل المختار القادر المنزه عن كونه ~~جسما وجسمانيا ، وذلك هو الله تعالى ، فالحاصل أنا ولو حكمنا بإسناد حوادث ~~العالم السفلي إلى الحركات الفلكية والكوكبية فهذه الحركات الكوكبية ~~والفلكية لا يمكن إسنادها إلى أفلاك أخرى وإلا لزم التسلسل وهو PageV20P003 ~~محال ، فوجب أن يكون خالق هذه الحركات ومدبرها هو الله تعالى ، وإذا كانت ~~الحوادث السفلية مستندة إلى الحركات الفلكية ، وثبت أن الحركات الفلكية ~~حادثة بتخليق الله تعالى وتقديره وتكوينه ، فكان هذا اعترافا بأن الكل من ~~الله تعالى وبإحداثه وتخليقه ، وهذا هو المراد من قوله : { وسخر لكم اليل ~~والنهار والشمس والقمر } يعني إن كانت تلك الحوادث السفلية لأجل تعاقب ~~الليل والنهار وحركات الشمس والقمر ، فهذه الأشياء لا بد وأن يكون حدوثها ~~بتخليق الله تعالى وتسخيره قطعا للتسلسل ، ولما تم هذا الدليل في هذا ~~المقام لا جرم ms5502 ختم هذه الآية بقوله : { إن فى ذالك لآيات لقوم يعقلون } ~~يعني أن كل من كان عاقلا علم أن القول بالتسلسل باطل ولا بد من الانتهاء في ~~آخر الأمر إلى الفاعل المختار القدير فهذا تقرير أحد الجوابين . # والجواب الثاني عن ذلك السؤال أن نقول : نحن نقيم الدلالة على أنه لا ~~يجوز أن يكون حدوث النبات والحيوان لأجل تأثير الطباع والأفلاك والأنجم ، ~~وذلك لأن تأثير الطبائع والأفلاك والأنجم والشمس والقمر بالنسبة إلى الكل ~~واحد ، ثم نرى أنه إذا تولد العنب كان قشره على طبع وعجمه على طبع ولحمه ~~على طبع ثالث وماؤه على طبع رابع ، بل نقول : إنا نرى في الورد ما يكون أحد ~~وجهي الورقة الواحدة منه في غاية الصفرة / والوجه الثاني من تلك الورقة في ~~غاية الحمرة وتلك الورقة تكون في غاية الرقة واللطافة ، ونعلم بالضرورة أن ~~نسبة الأنجم والأفلاك إلى وجهي تلك الورقة الرقيقة ، نسبة واحدة ، والطبيعة ~~الواحدة في المادة الواحدة لا تفعل إلا فعلا واحدا ، ألا ترى أنهم قالوا : ~~شكل البسيط هو الكرة لأن تأثير الطبيعة الواحدة في المادة الواحدة يجب أن ~~يكون متشابها ، والشكل الذي يتشابه جميع جوانبه هو الكرة ، وأيضا إذا وضعنا ~~الشمع فإذا استضاء خمسة أذرع من ذلك الشمع من أحد الجوانب ، وجب أن يحصل ~~مثل هذا الأثر في جميع الجوانب ، لأن الطبيعة المؤثرة يجب أن تتشابه نسبتها ~~إلى كل الجوانب . # إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أن نسبة الشمس والقمر والأنجم والأفلاك والطبائع ~~إلى وجهي / تلك الورقة اللطيفة الرقيقة نسبة واحدة ، وثبت أن الطبيعة ~~المؤثرة متى كانت نسبتها واحدة كان الأثر متشابها وثبت أن الأثر غير متشابه ~~، لأن أحد جانبي تلك الورقة في غاية الصفرة ، والوجه الثاني في غاية الحمرة ~~فهذا يفيد القطع بأن المؤثر في حصول هذه الصفات والألوان والأحوال ليس هو ~~الطبيعة ، بل المؤثر فيها هو الفاعل المختار الحكيم ، وهو الله سبحانه ~~وتعالى ، وهذا هو المراد من قوله : { وما ذرأ لكم فى الارض مختلفا ألوانه } ~~. # واعلم أنه لما كان مدار هذه الحجة على ms5503 أن المؤثر الموجب بالذات وبالطبيعة ~~يجب أن يكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة ، فلما دل الحس في هذه الأجسام ~~النباتية على اختلاف صفاتها وتنافر أحوالها ظهر أن المؤثر فيها ليس واجبا ~~بالذات بل فاعلا مختارا فهذا تمام تقرير هذه الدلائل وثبت أن ختم الآية ~~الأولى بقوله : { لقوم يتفكرون } والآية الثانية بقوله : { لقوم يعقلون } ~~والآية الثالثة بقوله : { لقوم يذكرون } هو الذي نبه على هذه الفوائد ~~النفيسة والدلائل الظاهرة والحمد لله على ألطافه في الدين والدنيا . # المسألة الثانية : قرأ ابن عامر : { والشمس والقمر والنجوم } كلها بالرفع ~~على الابتداء والخبر هو قوله : { مسخرات } وقرأ حفص عن عاصم : { والنجوم } ~~بالرفع على أن يكون قوله : { والنجوم } ابتداء وإنما حملها على هذا لئلا ~~يتكرر لفظ التسخير ، إذ العرب لا تقول سخرت هذا الشيء مسخرا فجوابه أن ~~المعنى أنه تعالى PageV20P004 سخر لنا هذه الأشياء حال كونها مسخرة تحت ~~قدرته وإرادته ، وهذا هو الكلام الصحيح ، والتقدير : أنه تعالى سخر للناس ~~هذه الأشياء وجعلها موافقة لمصالحها حال كونها مسخرة تحت قدرة الله تعالى ~~وأمره وإذنه ، وعلى هذا التقدير فالتكرير الخالي عن الفائدة غير لازم والله ~~علم . بقي في الآية سؤالات : # السؤال الأول : التسخير عبارة عن القهر والقسر ، ولا يليق ذلك إلا بمن هو ~~قادر يجوز أن يقهر ، فكيف يصح ذلك في الليل والنهار وفي الجمادات والشمس ~~والقمر ؟ # والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى لما دبر هذه الأشياء على طريقة ~~واحدة مطابقة لمصالح العباد صارت شبيهة بالعبد المنقاد المطواع ، فلهذا ~~المعنى أطلق على هذا النوع من التدبير لفظ التسخير . وعن الوجه الثاني في ~~الجواب : وهو لا يستقيم إلا على مذهب أصحاب علم الهيئة ، وذلك لأنهم يقولون ~~: الحركة الطبيعية للشمس والقمر هي الحركة من المغرب إلى المشرق والله ~~تعالى يحرك هذه الكواكب بواسطة حركة الفلك الأعظم من المشرق إلى المغرب ، ~~فكانت هذه الحركة قسرية ، فلهذا السبب ورد فيها اللفظ التسخير . # السؤال الثاني : إذا كان لا يحصل للنهار والليل وجود إلا بسبب حركات ~~الشمس كان ذكر / النهار والليل مغنيا عن ذكر الشمس ms5504 . # والجواب : أن حدوث النهار والليل ليس بسبب حركة الشمس ، بل حدوثهما بسبب ~~حركة الفلك الأعظم الذي دللنا على أن حركته ليست إلا بتحريك الله سبحانه / ~~وأما حركة الشمس فإنها علة لحدوث السنة لا لحدوث اليوم . # السؤال الثالث : ما معنى قوله : { مسخرات بأمره } والمؤثر في التسخير هو ~~القدرة لا الأمر . # والجواب : أن هذه الآية مبنية على أن الأفلاك والكواكب جمادات أم لا ، ~~وأكثر المسلمين عليها أنها جمادات ، فلا جرم حملوا الأمر في هذه الآية على ~~الخلق والتقدير ، ولفظ الأمر بمعنى الشأن والفعل كثير قال تعالى : { إنما ~~قولنا إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) ومن الناس من يقول ~~إنها ليست جمادات فههنا يحمل الأمر على الأذن والتكليف والله أعلم . # ! 7 < { وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } > 7 ! # < < # | النحل : ( 14 ) وهو الذي سخر . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما احتج على إثبات الإله في المرتبة الأولى بأجرام ~~السموات ، وفي المرتبة الثانية ببدن الإنسان ونفسه ، وفي المرتبة الثالثة ~~بعجائب خلقة الحيوانات ، وفي المرتبة الرابعة بعجائب طبائع النبات ذكر في ~~المرتبة الخامسة الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال العناصر فبدأ منها ~~بالاستدلال بعنصر الماء . PageV20P005 # واعلم أن علماء الهيئة قالوا : ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء ~~وذاك هو البحر المحيط وهو كلية عنصر الماء وحصل في هذا الربع المسكون سبعة ~~من البحار كما قال بعده : { والبحر يمده من بعده سبعة أبحر } ( لقمان : 27 ~~) والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار ، ومعنى تسخير الله ~~تعالى إياها للخلق جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها إما بالركوب أو ~~بالغوص . # واعلم أن منافع البحار كثيرة والله تعالى ذكر منها في هذه الآية ثلاثة ~~أنواع : # المنفعة الأولى : قوله تعالى : { لتأكلوا منه لحما طريا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن الأعرابي لحم طري غير مهموز ، وقد طرو يطرو ~~طراوة ، وقال / الفراء : طرا يطرا طراء ممدودا وطراوة كما يقال شقى يشقى ~~شقاء وشقاوة ms5505 . # واعلم أن في ذكر الطري مزيد فائدة ، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحا ، ~~لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري فإنه لما خرج من البحر الملح ~~الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة علم أنه إنما حدث لا بحسب ~~الطبيعة ، بل بقدرة الله وحكمته حيث أظهر الضد من الضد . # المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رحمه الله : لو حلف لا يأكل اللحم فأكل ~~لحم السمك لا يحنث قالوا : لأن لحم السمك ليس بلحم ، وقال آخرون : إنه يحنث ~~لأنه تعالى نص على كونه لحما في هذه الآية وليس فوق بيان الله بيان . روي ~~أن أبا حنيفة رحمه الله لما قال بهذا القول وسمعه سفيان الثوري فأنكر عليه ~~ذلك ، واحتج عليه بهذه الآية بعث إليه رجلا وسأله عن رجل حلف لا يصلي على ~~البساط فصلى على الأرض هل يحنث أم لا ؟ قال سفيان : لا يحنث فقال السائل : ~~أليس أن الله تعالى قال : { والله جعل لكم الارض بساطا } ( نوح : 19 ) قال ~~فعرف سفيان أن ذلك كان بتلقين أبي حنيفة . # ولقائل أن يقول : هذا الكلام ليس بقوي ، لأن أقصى ما في الباب أنا تركنا ~~العمل بظاهر القرآن في لفظ البساط للدليل الذي قام عليه فكيف يلزمنا ترك ~~العمل بظاهر القرآن في آية أخرى والفرق بين الصورتين من وجهين : الأول : ~~أنه لما حلف لا يصلي على البساط فلو أدخلنا الأرض تحت لفظ البساط لزمنا أن ~~نمنعه من الصلاة ، لأنه إن صلى على الأرض المفروشة بالبساط لزمه الحنث لا ~~محالة ، ولو صلى على الأرض التي لا تكون مفروشة لزمه الحنث أيضا على تقدير ~~أن يدخل الأرض تحت لفظ البساط ، فهذا يقتضي منعه من الصلاة ، وذلك مما لا ~~سبيل إليه بخلاف ما إذا أدخلنا لحم السمك تحت لفظ اللحم ، لأنه ليس في منعه ~~من أكل اللحم على الإطلاق محذور فظهر الفرق . الثاني : أنا نعلم بالضرورة ~~من عرف أهل اللغة أن وقوع اسم البساط على الأرض الخالصة مجاز أما وقوع اسم ~~اللحم على لحم السمك ms5506 فلم يعرف أنه مجاز ، فظهر الفرق والله أعلم . # وحجة أبي حنيفة رحمه الله أن : مبنى الأيمان على العادة ، وعادة الناس ~~إذا ذكر اللحم على الإطلاق أن لا يفهم منه لحم السمك بدليل أنه إذا قال ~~الرجل لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحما فجاء بالسمك كان حقيقا بالإنكار . # والجواب : أنا رأيناكم في كتاب الأيمان تارة تعتبرون اللفظ وتارة تعتبرون ~~العرف ، وما رأيناكم ذكرتم PageV20P006 ضابطا بين القسمين والدليل عليه أنه ~~إذا قال لغلامه اشتر بهذه الدراهم لحما فجاء بلحم العصفور كان حقيقا ~~بالإنكار عليه ، مع أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور ، فثبت أن العرف ~~/ مضطرب ، والرجوع إلى نص القرآن متعين . والله أعلم . # المنفعة الثانية : من منافع البحر قوله تعالى : { وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها } والمراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان كما قال تعالى : { يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان } ( الرحمن : 22 ) والمراد : بلبسهم لبس نسائهم لأنهن من ~~جملتهم ، ولأن إقدامهن على التزين بها إنما يكون من أجلهم فكأنها زينتهم ~~ولباسهم ، ورأيت بعض أصحابنا تمسكوا في مسألة أنه لا يجب الزكاة في الحلي ~~المباح بحديث عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا زكاة في ~~الحلي ) فقلت هذا الحديث ضعيف الرواية وبتقدير الصحة فيمكن أن يقال فيه لفظ ~~الحلي لفظ مفرد محلى بالألف واللام ، وقد بينا في أصول الفقه أن هذا اللفظ ~~يجب حمله على المعهود السابق ، والحلي الذي هو المعهود السابق هو الذي ذكره ~~الله تعالى في كتابه في هذه الآية وهو قوله : { وتستخرجون * منه حلية ~~تلبسونها } فصار بتقدير صحة ذلك الخبر لا زكاة في اللآلىء ، وحينئذ يسقط ~~الاستدلال به . والله أعلم . # المنفعة الثالثة : قوله تعالى : { وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ~~} قال أهل اللغة : مخر السفينة شقها الماء بصدرها ، وعن الفراء : أنه صوت ~~جري الفلك بالرياح . # إذا عرفت هذا فقول ابن عباس : { مواخر } أي جواري ، إنما حسن التفسير به ~~، لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية . وقوله تعالى : { ولتبتغوا من ~~فضله } يعني لتركبوه للتجارة فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضل ms5507 ~~الله تعالى وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره . والله أعلم . # ! 7 < { وألقى فى الا رض رواسى أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون * ~~وعلامات وبالنجم هم يهتدون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 15 - 16 ) وألقى في الأرض . . . . . # > > # اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر بعض النعم التي خلقها الله تعالى في ~~الأرض . # فالنعمة الأولى : قوله : { وألقى فى الارض رواسى أن تميد بكم } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { أن تميد بكم } يعني لئلا تميد بكم على قول ~~الكوفيين وكراهة أن تميد بكم على قول البصريين ، وذكرنا هذا عند قوله تعالى ~~: { يبين الله لكم أن تضلوا } ( النساء : 176 ) والميد الحركة والاضطراب ~~يمينا وشمالا يقال : ماد يميد ميدا . # / المسألة الثانية : المشهور عن الجمهور في تفسير هذه الآية أن قالوا : ~~إن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء ، فإنها تميد من جانب إلى جانب ، ~~وتضطرب ، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت على وجه الماء ~~فاستوت . قالوا فكذلك لما خلق الله تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت ومادت ~~، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال الثقال فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل ~~هذه الجبال . PageV20P007 # ولقائل أن يقول : هذا يشكل من وجوه : الأول : أن هذا التعليل إما أن يذكر ~~مع تسليم كون الأرض والماء ثقيلة بالطبع أو مع المنع من هذا الأصل ومع ~~القول بأن حركات هذه الأجسام بطباعها أو ليست بطباعها بل هي واقعة بتخليق ~~الفاعل المختار ، أما على التقدير الأول فهذا التعليل مشكل ، لأن على هذا ~~الأصل لا شك أن الأرض أثقل من الماء ، والأثقل من الماء يغوص في الماء ولا ~~يبقى طافيا عليه وإذا لم يبق طافيا عليه امتنع أن يقال : إنها تميد وتميل ~~وتضطرب ، وهذا بخلاف السفينة لأنها متخذة من الخشب وفي داخل الخشب تجويفات ~~مملوءة من الهواء ، فلهذا السبب تبقى الخشبة طافية على الماء فحينئذ تضطرب ~~وتميد وتميل على وجه الماء فإذا أرسيت بالأجسام الثقيلة استقرت وسكنت فظهر ~~الفرق ، وأما على التقدير الثاني وهو أن يقال : ليس للأرض ولا للماء طبائع ~~توجب الثقل والرسوب والأرض ms5508 إنما تنزل ، لأن الله تعالى أجرى عادته بجعلها ~~كذلك وإنما صار الماء محيطا بالأرض لمجرد إجراء العادة ، وليس ههنا طبيعة ~~للأرض ولا للماء توجب حالة مخصوصة فنقول : فعلى هذا التقدير علة سكون الأرض ~~هي أن الله تعالى يخلق فيها السكون وعلة كونها مائدة مضطربة هي أن الله ~~تعالى يخلق فيها الحركة وعلى هذا التقدير فإنه يفسد القول بأن الأرض كانت ~~مائلة فخلق الله الجال وأرساها عليها لتبقى ساكنة ، لأن هذا إنما يصح إذا ~~كان طبيعة الأرض توجب الميدان وطبيعة الجبال توجب الإرساء والثبات ، ونحن ~~إنما نتكلم الآن على تقدير نفي الطبائع الموجبة لهذه الأحوال ، فثبت أن هذا ~~التعليل مشكل على كل التقديرات . # السؤال الثاني : هو أن إرساء الأرض بالجبال إنما يعقل لأجل أن تبقى الأرض ~~على وجه الماء من غير أن تميد وتميل من جانب إلى جانب ، وهذا إنما يعقل إذا ~~كان الماء الذي استقرت الأرض على وجهه واقفا فنقول : فما المقتضى لسكون ذلك ~~الماء ووقوفه في حيزه المخصوص ، فإن قلت : المقتضي لسكونه في ذلك الحيز ~~المخصوص هو أن طبيعته المخصوصة توجب وقوفه في ذلك المعين ، فلم لا تقول : ~~مثله في الأرض وهو أن الطبيعة المخصوصة التي للأرض توجب وقوفها في ذلك ~~الحيز المعين وذلك يفيد القول بأن الأرض إنما وقفت بسبب أن الله تعالى / ~~أرساها بالجبال . فإن قلت : المقتضى لسكون الماء في حيزه المعين هو أن الله ~~تعالى سكن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص ، فلم لا تقول مثله في سكون ~~الأرض ، وحينئذ يفسد هذا التعليل أيضا . # السؤال الثالث : أن مجموع الأرض جسم عظيم ، فبتقدير أن تميد كليته وتضطرب ~~على وجه البحر المحيط لم تظهر تلك الحالة للناس . # فإن قيل : أليس أن الأرض تحركها البخارات المحتقنة في داخلها عند الزلازل ~~، وتظهر تلك الحركات للناس فبم تنكرون على من يقول : إنه لولا الجبال ~~لتحركت الأرض ، إلا أنه تعالى لما أرساها بالجبال الثقال لم تقو الرياح على ~~تحريكها . # قلنا : تلك البخارات إنما احتقنت في داخل قطعة صغيرة من الأرض ، فلما ~~حصلت ms5509 الحركة في تلك القطعة الصغيرة ظهرت تلك الحركة . قال القائلون بهذا ~~القول : إن ظهور الحركة في تلك القطعة المعينة من الأرض يجري مجرى اختلاج ~~يحصل في عضو معين من بدن الإنسان أما لو حركت كلية الأرض لم تظهر تلك ~~الحركة ، ألا ترى أن الساكن في السفينة لا يحس بحركة كلية السفينة وإن كانت ~~واقعة على أسرع الوجوه PageV20P008 وأقواها فكذا ههنا ، فهذا ما في هذا ~~الموضع من المباحث الدقيقة العميقة والذي عندي في هذا الموضع المشكل أن ~~يقال ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كرة ، وثبت أن هذه الجبال على سطح هذه ~~الكرة جارية مجرى خشونات تحصل على وجه هذه الكرة . # إذا ثبت هذا فنقول : لو فرضنا أن هذه الخشونات ما كانت حاصلة بل كانت ~~الأرض كرة حقيقية خالية عن الخشونات والتضريسات لصارت بحيث تتحرك ~~بالاستدارة بأدنى سبب لأن الجرم البسيط المستدير إما أن يجب كونه متحركا ~~بالاستدارة على نفسه وإن لم يجب ذلك عقلا إلا أنه بأدنى سبب يتحرك على هذا ~~الوجه ، أما لما حصل على ظاهر سطح كرة الأرض هذه الجبال وكانت كالخشونات ~~الواقعة على وجه الكرة فكل واحد من هذه الجبال إنما يتوجه بطبعه نحو مركز ~~العالم وتوجه ذلك الجبل نحو مركز العالم بثقله العظيم وقوته الشديدة يكون ~~جاريا مجرى الوتد الذي يمنع كرة الأرض من الاستدارة ، فكان تخليق هذه ~~الجبال على وجه الأرض كالأوتاد المغروزة في الكرة المانعة لها عن الحركة ~~المستديرة ، فكانت مانعة للأرض من الميد والميل والاضطراب بمعنى أنها منعت ~~الأرض من الحركة المستديرة ، فهذا ما وصل إليه بحثي في هذا الباب . والله ~~أعلم بمراده . # النعمة الثانية : من النعم التي أظهرها الله تعالى على وجه الأرض هي أنه ~~تعالى أجرى الأنهار على وجه الأرض واعلم أنه حصل ههنا بحثان : # / البحث الأول : أن قوله : { وأنهار } معطوف على قوله : { وألقى فى الارض ~~رواسى } والتقدير ألقى رواسي وأنهارا . وخلق الأنهار لا يبعد أن يسمى ~~بالإلقاء فيقال : ألقى ا في الأرض أنهارا كما قال : { وألقينا فيها رواسي } ~~( ق : 7 ) والإلقاء ms5510 معناه الجعل ألا تر أنه تعالى قال في آية أخرى : { وجعل ~~فيها رواسى من فوقها وبارك فيها } ( فصلت : 10 } والإلقاء يقارب الإنوال ، ~~لأن الإلقاء يدل على طرح الشيء من الأعلى إلى الأسفل ، إلا أن المراد من ~~هذا الإلقاء الجعل والخلق قال تعالى : { * } والإلقاء يقارب الإنوال ، لأن ~~الإلقاء يدل على طرح الشيء من الأعلى إلى الأسفل ، إلا أن المراد من هذا ~~الإلقاء الجعل والخلق قال تعالى : { وألقيت عليك محبة منى } ( طه : 39 ) . # البحث الثاني : أنه ثبت في العلوم العقلية أن أكثر الأنهار إنما تتفجر ~~منابعها في الجبال ، فلهذا السبب لما ذكر الله تعالى الجبال أتبع ذكرها ~~بتفجير العيون والأنهار . # النعمة الثالثة : قوله : { وسبلا لعلكم تهتدون } وهي أيضا على قوله : { ~~وألقى فى الارض رواسى } والتقدير : وألقى في الأرض سبلا ومعناه : أنه تعالى ~~أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم ونظيره قوله تعالى في آية ~~أخرى : { وسلك لكم فيها سبلا } ( طه : 53 ) وقوله : { لعلكم تهتدون } أي ~~لكي تهتدوا . # واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلا معينة ذكر أنه أظهر فيها ~~علامات مخصوصة حتى يتمكن المكلف من الاستدلال بها فيصل بواسطتها إلى مقصوده ~~فقال : { وعلامات } وهي أيضا معطوفة على قوله : { فى الارض رواسى } ~~والتقدير : وألقى في الأرض رواسي وألقى فيها أنهارا وسبلا وألقى فيها ~~علامات والمراد بالعلامات معالم الطرق وهي الأشياء التي بها يهتدي ، وهذه ~~العلامات هي الجبال والرياح ورأيت جماعة يشمون التراب وبواسطة ذلك الشم ~~يتعرفون الطرق . قال الأخفش تم الكلام عند قوله : { وعلامات } وقوله : { ~~وبالنجم هم يهتدون } كلام منفصل عن الأول ، والمراد بالنجم الجنس كقولك : ~~كثر الدرهم في PageV20P009 أيدي الناس . وعن السدي هو الثريا ، والفرقدان ، ~~وبنات نعش ، والجدي ، وقرأ الحسن : { وبالنجم } بضمتين وبضمة فسكون ، وهو ~~جمع نجم كرهن ورهن والسكون تخفيف . وقيل : حذف الواو من النجم تخفيفا . # فإن قيل : قوله : { أن تميد بكم } خطاب الحاضرين وقوله : { وبالنجم هم ~~يهتدون } خطاب للغائبين فما السبب فيه ؟ . # قلنا : إن قريشا كانت تكثر أسفارها لطلب المال ، ومن كثرت أسفاره كان ~~علمه بالمنافع ms5511 الحاصلة من الاهتداء بالنجوم أكثر وأتم فقوله : { وبالنجم هم ~~يهتدون } إشارة إلى قريش للسبب الذي ذكرناه . والله أعلم . # واختلف المفسرون فمنهم من قال قوله : { وبالنجم هم يهتدون } مختص بالبحر ~~، لأنه تعالى لما / ذكر صفة البحر وما فيه من المنافع بين أن من يسيرون فيه ~~يهتدون بالنجم ، ومنهم من قال : بل هو مطلق يدخل فيه السير في البر والبحر ~~وهذا القول أولى ، لأنه أعم في كونه نعمة ولأن الاهتداء بالنجم قد يحصل في ~~الوقتين معا ، ومن الفقهاء من يجعل ذلك دليلا على أن المسافر إذا عميت عليه ~~القبلة فإنه يجب عليه أن يستدل بالنجوم وبالعلامات التي في الأرض ، وهي ~~الجبال والرياح ، وذلك صحيح ، لأنه كما يمكن الاهتداء بهذه العلامات في ~~معرفة الطرق والمسالك فكذلك يمكن الاستدلال بها في معرفة طلب القبلة . # واعلم أن اشتباه القبلة إما أن يكون بعلامات لائحة أو لا يكون ، فإن كانت ~~لائحة وجب أن يجب الاجتهاد ويتوجه إلى حيث غلب على الظن أنه هو القبلة ، ~~فإن تبين الخطأ وجب الإعادة ، لأنه كان مقصرا فيما وجب عليه ، وإن لم تظهر ~~العلامات فههنا طريقان : # الطريق الأول : أن يكون مخيرا في الصلاة إلى أي جهة شاء لأن الجهات لما ~~تساوت وامتنع الترجيح لم يبق إلا التخيير . # والطريق الثاني : أن يصلي إلى جميع الجهات فحينئذ يعلم بيقين أنه خرج عن ~~العهدة وهذا كما يقوله الفقهاء : فيمن نسي صلاة لا يعرفها بعينها أن الواجب ~~عليه في القضاء أن يأتي بالصلوات الخمس ليكون على يقين من قضاء ما لزمه ، ~~ومنهم من يقول : الواجب منها واحدة فقط وهذا غلط لأنه لما لزمه أن يفعل ~~الكل كان الكل واجبا وإن كان سبب وجوب كل هذه الصلوات فوت الصلاة الواحدة ~~والله أعلم . # ! 7 < { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون * وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوهآ إن الله لغفور رحيم * والله يعلم ما تسرون وما تعلنون * والذين ~~يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحيآء وما يشعرون ~~أيان يبعثون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 17 ms5512 - 21 ) أفمن يخلق كمن . . . . . # > > PageV20P010 # في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على وجود ~~القادر الحكيم على الترتيب الأحسن والنظم الأكمل وكانت تلك الدلائل كما ~~أنها كانت دلائل ، فكذلك أيضا كانت شرحا وتفصيلا لأنواع نعم الله تعالى ~~وأقسام إحسانه أتبعه بذكر إبطال عبادة غير الله تعالى والمقصود أنه لما دلت ~~هذه الدلائل الباهرة ، والبينات الزاهرة القاهرة على وجود إله قادر حكيم ، ~~وثبت أنه هو المولي لجميع هذه النعم والمعطي لكل هذه الخيرات فكيف يحسن في ~~العقول الاشتغال بعبادة موجود سواه لا سيما إذا كان الموجود جمادا لا يفهم ~~ولا يدر ، فلهذا الوجه قال بعد تلك الآيات : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا ~~تذكرون } والمعنى : أفمن يخلق هذه الأشياء التي ذكرناها كمن لا يخلق بل لا ~~يقدر البتة على شيء أفلا تذكرون فإن هذا القدر لا يحتاج إلى تدبر وتفكر ~~ونظر . ويكفي فيه أن تتنبهوا على ما في عقولكم من أن العبادة لا تليق إلا ~~بالمنعم الأعظم ، وأنتم ترون في الشاهد إنسانا عاقلا فاهما ينعم بالنعمة ~~العظيمة ، ومع ذلك فتعلمون أنه يقبح عبادته فهذه الأصنام جمادات محضة ، ~~وليس لها فهم ولا قدرة ولا اختيار فكيف تقدمون على عبادتها ، وكيف تجوزون ~~الاشتغال بخدمتها وطاعتها . # المسألة الثانية : المراد بقوله : { من لا * يخلق } الأصنام ، وأنها ~~جمادات فلا يليق بها لفظة ( من ) لأنها لأولي العلم . وأجيب عنه من وجوه : # الوجه الأول : أن الكفار لما سموها آلهة وعبدوها ، لا جرم أجريت مجرى ~~أولي العلم ألا ترى إلى قوله على أثره : { والذين يدعون من دون الله لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون } . # والوجه الثاني : في الجواب أن السبب فيه المشاكلة بينه وبين من يخلق . # والوجه الثالث : أن يكون المعنى أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي ~~العلم فكيف من لا علم عنده كقوله : { ألهم أرجل يمشون بها } يعني أن الآلهة ~~التي تدعونها حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب ، لأن هؤلاء ~~أحياء وهم أموات فكيف يصح منهم عبادتها ، وليس ms5513 المراد أنه لو صحت لهم هذه ~~الأعضاء لصح أن يعبدوا . # فإن قيل : قوله : { أفمن يخلق كمن لا يخلق } المقصود منه إلزام عبدة ~~الأوثان ، حيث جعلوا غير الخالق مثل الخالق في التسمية بالإله ، وفي ~~الاشتغال بعبادتها ، فكان حق الإلزام أن يقال : أفمن لا يخلق كمن يخلق . # والجواب : المراد منه أن من يخلق هذه الأشياء العظيمة ويعطي هذه المنافع ~~الجليلة كيف يسوى بينه وبين هذه الجمادات الخسيسة في التسمية باسم الإله ، ~~وفي الاشتغال بعبادتها والإقدام على غاية تعظيمها فوقع التعبير عن هذا ~~المعنى بقوله : { أفمن يخلق كمن لا يخلق } . # / المسألة الثالثة : احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير خالق ~~لأفعال نفسه فقال : إنه تعالى ميز نفسه عن سائر الأشياء التي كانوا ~~يعبدونها بصفة الخالقية لأن قوله : { أفمن يخلق كمن لا يخلق } الغرض منه ~~بيان كونه ممتازا عن الأنداد بصفة الخالقية وأنه إنما استحق الإلهية ~~والمعبودية بسبب كونه خالقا / فهذا PageV20P011 يقتضي أن العبد لو كان ~~خالقا لبعض الأشياء لوجب كونه إلها معبودا ، ولما كان ذلك باطلا علمنا أن ~~العبد لا يقدر على الخلق والإيجاد قالت المعتزلة الجواب : عنه من وجوه : # الوجه الأول : أن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السموات والأرض ~~والإنسان والحيوان والنبات والبحار والنجوم والجبال كمن لا يقدر على خلق ~~شيء أصلا ، فهذا يقتضي أن من كان خالقا لهذه الأشياء فإنه يكون إلها ولم ~~يلزم منه أن من يقدر على أفعال نفسه أن يكون إلها . # والوجه الثاني : أن معنى الآية : أن من كان خالقا كان أفضل ممن لا يكون ~~خالقا ، فوجب امتناع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية ، وهذا القدر لا ~~يدل على أن كل من كان خالقا فإنه يجب أن يكون إلها . والدليل عليه قوله ~~تعالى : { ألهم أرجل يمشون بها } ( الأعراف : 195 ) ومعناه : أن الذي حصل ~~له رجل يمشي بها يكون أفضل من الذي حصل له رجل لا يقدر أن يمشي بها ، وهذا ~~يوجب أن يكون الإنسان أفضل من الصنم ، والأفضل لا يليق به عبادة الأخس ، ~~فهذا هو ms5514 المقصود من هذه الآية ، ثم إنها لا تدل على أن من حصل له رجل يمشي ~~بها أن يكون إلها ، فكذلك ههنا المقصود من هذه الآية بيان أن الخالق أفضل ~~من غير الخالق ، فيمتنع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية ، ولا يلزم ~~منه أن يمجرد حصول صفة الخالقية يكون إلها . # والوجه الثالث في الجواب : أن كثيرا من المعتزلة لا يطلقون لفظ الخالق ~~على العبد . قال الكعبي في ( تفسيره ) إنا لا نقول : إنا نخلق أفعالنا : ~~قال ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله تعالى كقوله : { وإذا * ~~تخلق من الطين كهيئة الطير } ( المائدة : 110 ) وقوله : { فتبارك الله أحسن ~~الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) . # واعلم أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد ، حتى أن أبا عبد ~~الله البصير بالغ وقال : إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز ~~، لأن الخالق عبارة عن التقدير ، وذلك عبارة عن الظن والحسبان ، وهو في حق ~~العبد حاصل وفي حق الله تعالى محال . # واعلم أن هذه الأجوبة قوية والاستدلال بهذه الآية على صحة مذهبنا ليس ~~بقوي ، والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين بالآية المتقدمة أن الاشتغال ~~بعبادة غير الله باطل وخطأ / بين بهذه الآية أن العبد لا يمكنه الإتيان ~~بعبادة الله تعالى وشكر نعمه والقيام بحقوق كرمه على سبيل الكمال والتمام ، ~~بل العبد وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعات والعبادات ، وبالغ في شكر نعمة ~~الله تعالى فإنه يكون مقصرا ، وذلك لأن الاشتغال بشكر النعم مشروط بعلمه ~~بتلك النعم على سبيل التفصيل والتحصيل ، فإن من لا يكون متصورا ولا مفهوما ~~ولا معلوما امتنع الاشتغال بشكره ، إلا أن العلم بنعم الله تعالى على سبيل ~~التفصيل غير حاصل للعبد ، لأن نعم الله تعالى كثيرة وأقسامها وشعبها واسعة ~~عظيمة ، وعقول الخلق قاصرة عن الإحاطة بمباديها فضلا عن غاياتها وأنها غير ~~معلومة على سبيل التفصيل ، وما كان كذلك امتنع الاشتغال بشكره على الوجه ~~الذي يكون ذلك الشكر ms5515 لائقا بتلك النعم . فهذا هو المفهوم من قوله : { وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها } يعني : أنكم لا تعرفونها على سبيل التمام ~~والكمال ، وإذا لم تعرفوها امتنع منكم القيام بشكرها PageV20P012 على سبيل ~~التمام والكمال ، وذلك يدل على أن شكر الخالق قاصر عن نعم الحق ، وعلى أن ~~طاعات الخلق قاصرة عن ربوبية الحق وعلى أن معارف الخلق قاصرة عن كنه جلال ~~الحق ، ومما يدل قطعا على أن عقول الخلق قاصرة عن معرفة أقسام نعم الله ~~تعالى أن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لتنغص العيش ~~على الإنسان / ولتمنى أن ينفق كل الدنيا حتى يزول عنه ذلك الخلل . ثم إنه ~~تعالى يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الأكمل الأصلح ، مع أن الإنسان لا ~~علم له بوجود ذلك الجزء ولا بكيفية مصالحه ولا بدفع مفاسده ، فليكن هذا ~~المثال حاضرا في ذهنك ، ثم تأمل في جميع ما خلق الله في هذا العالم من ~~المعادن والنبات والحيوان ، وجعلها مهيأة لانتفاعك بها ، حتى تعلم أن عقول ~~الخلق تفنى في معرفة حكمة الرحمن في خلق الإنسان فضلا عن سائر وجوه الفضل ~~والإحسان . # فإن قيل : فلما قررتم أن الاشتغال بالشكر موقوف على حصول العلم بأقسام ~~النعم ، ودللتم على أن حصول العالم بأقسام النعم محال أو غير واقع ، فكيف ~~أمر الله الخلق بالقيام بشكر النعم ؟ . # قلنا : الطريق إليه أن يشكر الله تعالى على جميع نعمه مفصلها ومجملها . ~~فهذا هو الطريق الذي به يمكن الخروج عن عهدة الشكر . والله أعلم . # المسألة الثانية : قال بعضهم : إنه ليس لله على الكفار نعمة وقال ~~الأكثرون : لله على الكافر والمؤمن نعم كثيرة . والدليل عليه : أن الإنعام ~~بخلق السموات والأرض والإنعام بخلق الإنسان من النطفة ، والإنعام بخلق ~~الإنعام ويخلق الخيل والبغال والحمير ، ويخلق أصناف النعم من الزرع ~~والزيتون والنخيل والأعناب ، وبتسخير البحر ليأكل الإنسان منه لحما طريا ~~ويستخرج منه حلية يلبسها كل ذلك مشترك فيه بين المؤمن والكافر ، ثم أكد ~~تعالى ذلك بقوله تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } وذلك ms5516 يدل على ~~أن كل هذه الأشياء نعم من الله تعالى في حق الكل ، وهذا يدل على أن نعم ~~الله واصلة إلى الكفار ، والله أعلم . # أما قوله : { إن الله لغفور رحيم } اعلم أنه تعالى قال في سورة إبراهيم : ~~{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } ( إبراهيم : 34 ) ~~وقال ههنا : { إن الله لغفور رحيم ) والمعنى : أنه لما بين أن الإنسان لا ~~يمكنه القيام بأداء الشكر على سبيل التفصيل : قال : ( إن الله لغفور رحيم ) ~~أي غفور للتقصير الصادر عنكم في القيام بشكر نعمه ، رحيم بكم حيث لم يقطع ~~نعمه عليكم بسبب تقصيركم . # أما قوله : { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } ففيه وجهان : الأول : أن ~~الكفار كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله تعالى يسرون ضروبا من الكفر في ~~مكايد الرسول عليه السلام فجعل هذا زجرا لهم عنها . والثاني : أنه تعالى ~~زيف في الآية الأولى عبادة الأصنام بسبب أنه لا قدرة لها على الخلق ~~والإنعام وزيف في هذه الآية أيضا عبادتها بسبب أن الإله يجب أن يكون عالما ~~بالسر والعلانية ، وهذه الأصنام جمادات لا معرفة لها بشيء أصلا فكيف تحسن ~~عبادتها ؟ . # أما قوله : { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون } ~~فاعلم أنه تعالى وصف هذه الأصنام بصفات كثيرة . # فالصفة الأولى : أنهم لا يخلقون شيئا وهم يخلقون قرأ حفص عن عاصم يسرون ~~ويعلنون ويدعون كلها بالياء على الحكاية عن الغائب ، وقرأ أبو بكر عن عاصم ~~{ يدعون } بالياء خاصة على المغايبة وتسرون PageV20P013 وتعلنون بالتاء على ~~الخطاب ، والباقون كلها بالتاء على الخطاب عطفا على ما قبله . # فإن قيل : أليس أن قوله في أول الآية : { أفمن يخلق كمن لا يخلق } يدل ~~على أن هذه الأصنام لا تخلق شيئا وقوله ههنا : { لا يخلقون شيئا } يدل على ~~نفس هذا المعنى ، فكان هذا محض التكرير . # وجوابه : أن المذكور في أول الآية أنهم لا يخلقون شيئا ، والمذكور ههنا ~~أنهم لا يخلقون شيئا وأنهم مخلوقون لغيرهم ، فكان هذا زيادة في المعنى ، ~~وكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ذواتهم ms5517 وصفاتهم فبين أولا أنها لا تخلق شيئا ~~/ ثم ثانيا أنها كما لا تخلق غيرها فهي مخلوقة لغيرها . # والصفة الثانية : قوله : { أموات غير أحياء } والمعنى : أنها لو كانت ~~آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات ، أي غير جائز عليها الموت كالحي ~~الذي لا يموت سبحانه وتعالى وأمر هذه الأصنام على العكس من ذلك . # فإن قيل : لما قال : { أموات } علم أنها غير أحياء فما القائدة في قوله : ~~{ غير أحياء } . # والجواب من وجهين : الأول : أن الإله هو الحي الذي لا يحصل عقيب حياته ~~موت ، وهذه / الأصنام أموات لا يحصل عقيب موتها الحياة . والثاني : أن هذا ~~الكلام مع الكفار الذين يعبدون الأوثان ، وهم في نهاية الجهالة والضلالة ، ~~ومن تكلم مع الجاهل الغر الغبي فقد يحسن أن يعبر عن المعنى الواحد ~~بالعبارات الكثيرة ، وغرضه منه الإعلام بكون ذلك المخاطب في غاية الغباوة ~~وأنه إنما يعيد تلك الكلمات لكون ذلك السامع في نهاية الجهالة ، وأنه لا ~~يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة . # الصفة الثالثة : قوله : { وما يشعرون أيان يبعثون } والضمير في قوله : { ~~وما يشعرون } عائد إلى الأصنام ، وفي الضمير في قوله , { يبعثون } قولان : ~~أحدهما : أنه عائد إلى العابدين للأصنام يعني أن الأصنام لا يشعرون متى ~~تبعث عبدتهم ، وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف ~~يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم . والثاني : أنه عائد إلى الأصنام يعني ~~أن هذه الأصنام لا تعرف متى يبعثها الله تعالى قال ابن عباس : إن الله يبعث ~~الأصنام ولها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بها إلى النار . # فإن قيل : الأصنام جمادات ، والجمادات لا توصف بأنها أموات ، ولا توصف ~~بأنهم لا يشعرون كذا وكذا . # والجواب عنه من وجوه : الأول : أن الجماد قد يوصف بكونه ميتا قال تعالى : ~~{ يخرج الحى من الميت } ( الروم : 19 ) . والثاني : أن القوم لما وصفوا تلك ~~الأصنام بالإلهية والمعبودية قيل لهم ؛ ليس الأمر كذلك ، بل هي أموات ولا ~~يعرفون شيئا ، فنزلت هذه العبارات على وفق معتقدهم . والثالث : أن يكون ~~المراد بقوله : { والذين يدعون من دون الله } الملائكة ، وكان ms5518 ناس من ~~الكفار يعبدونهم فقال الله إنهم أموات لا بد لهم من الموت غير أحياء ، أي ~~غير باقية حياتهم : { وما يشعرون أيان يبعثون } أي لا علم لهم بوقت بعثهم ~~والله أعلم . # ! 7 < { إلاهكم إلاه واحد فالذين لا يؤمنون بالا خرة قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون * لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين ~~} > 7 @QB@ < # | النحل : ( 22 - 23 ) إلهكم إله واحد . . . . . # > > PageV20P014 # / اعلم أنه تعالى لما زيف فيما تقدم طريقة عبدة الأوثان والأصنام وبين ~~فساد مذهبهم بالدلائل القاهرة قال : { إلاهكم إلاه واحد } ثم ذكر الله ~~تعالى ما لأجله أصر الكفار على القول بالشرك وإنكار التوحيد فقال : { ~~فالذين لا يؤمنون بالاخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } والمعنى أن الذين ~~يؤمنون بالآخرة ويرغبون في الفوز بالثواب الدائم ويخافون الوقوع في العقاب ~~الدائم إذا سمعوا الدلائل والترغيب والترهيب ، خافوا العقاب فتأملوا ~~وتفكروا فيما يسمعونه ، فلا جرم ينتفعون بسماع الدلائل ، ويرجعون من الباطل ~~إلى الحق ، أما الذين لا يؤمنون بالآخرة وينكرونها فإنهم لا يرغبون في حصول ~~الثواب ولا يرهبون من الوقوع في العقاب فيبقون منكرين لكل كلام يخالف قولهم ~~ويستكبرون عن الرجوع إلى قول غيرهم ، فلا جرم يبقون مصرين على ما كانوا ~~عليه من الجهل والضلال . # ثم قال تعالى : { لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } والمعنى أنه ~~تعالى يعلم أن إصرارهم على هذه المذاهب الفاسدة ليس لأجل شبهة تصوروهاأو ~~إشكال تخيلوه ، بل ذلك لأجل التقليد والنفرة عن الرجوع إلى الحق والشغف ~~بنصرة مذاهب الأسلاف والتكبر والنخوة . فلهذا قال : { إنه لا يحب ~~المستكبرين } وهذا الوعيد يتناول كل المتكبرين . # ! 7 < { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الا ولين * ليحملوا ~~أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 24 - 25 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد وأورد الدلائل القاهرة ~~في إبطال مذاهب عبدة الأصنام ، ذكر بعد ذلك شبهات منكري النبوة مع الجواب ~~عنها . # فالشبهة الأولى : أن رسول ms5519 الله صلى الله عليه وسلم لما احتج على صحة نبوة ~~نفسه بكون القرآن معجزة طعنوا في القرآن وقالوا : إنه أساطير الأولين ، ~~وليس هو من جنس المعجزات ، وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك السائل من كان ؟ قيل هو كلام بعضهم ~~لبعض ، وقيل هو قول المسلمين لهم ، وقيل : هو قول المقتسمين الذين اقتسموا ~~مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج ~~عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : كيف يكون تنزيل ربهم أساطير الأولين ؟ ~~. # وجوابه من وجوه : الأول : أنه مذكور على سبيل السخرية كقوله تعالى عنهم : ~~{ إن رسولكم الذى أرسل إليكم } ( الشعراء : 27 ) ، وقوله : { وقالوا يأيها ~~الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) وقوله : { يأيه الساحر ادع ~~لنا ربك } ( الزخرف : 49 ) . PageV20P015 الثاني : أن يكون التقدير هذا ~~الذي تذكرون أنه منزل من ربكم هو أساطير الأولين . الثالث : يحتمل أن يكون ~~المراد أن هذا القرآن بتقدير أن يكون مما أنزله الله لكنه أساطير الأولين ~~ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والدقائق والحقائق . # واعلم أنه تعالى لما حكى شبههم قال : { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم ~~القيامة } اللام في ليحملوا لام العاقبة ، وذلك أنهم لم يصفوا القرآن بكونه ~~أساطير الأولين لأجل أن يحملوا الأوزار ، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن ~~ذكر هذه اللام كقوله : { ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن } ( القصص : 8 ~~) وقوله : { كاملة } معناه : أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئا ، بل يوصل ~~ذلك العقاب بكليته إليهم ، وأقول : هذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض ~~العقاب عن المؤمنين ، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا في حق الكل ، لم يكن ~~لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى ، وقوله : { ومن أوزار الذين ~~يضلونهم } معناه : ويحصل للرؤساء مثل أوزار الأتباع ، والسبب فيه ما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع ~~كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص من أجورهم شيء وأيما ms5520 داع دعا إلى ضلالة ~~فاتبع كان عليه مثل وزر من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء ) . # واعلم أنه ليس المراد منه أنه تعالى يوصل العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى ~~الرؤساء ، وذلك لأن هذا لا يليق بعدل الله تعالى ، والدليل عليه قوله تعالى ~~: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 39 ) وقوله : { ولا * تزر ~~وازرة وزر أخرى } ( الإسراء : 15 ) بل المعنى : أن الرئيس إذا وضع سنة ~~قبيحة عظم عقابه ، حتى أن ذلك العقاب يكون مساويا لكل ما يستحقه كل واحد من ~~الأتباع ، قال الواحدي : ولفظه : { من } في قوله , { ومن أوزار الذين ~~يضلونهم } ليست للتبعيض ، لأنها لو كانت للتبعيض لخف عن الأتباع بعض ~~أوزارهم ، وذلك غير جائز ، لقوله عليه السلام : ( من غير أن ينقص من ~~أوزارهم شيء ) . ولكنها للجنس / أي ليحملوا من جنس أوزار الأتباع . وقوله : ~~{ بغير علم } يعني أن هؤلاء الرؤساء إنما يقدمون على هذا الإضلال جهلا منهم ~~بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك الإضلال ثم إنه تعالى ختم الكلام ~~بقوله : { ألا ساء ما يزرون } والمقصود المبالغة في الزجر . # / فإن قيل : إنه تعالى لما حكى عن القوم هذه الشبهة لم يجب عليها ، بل ~~اقتصر على محض الوعيد ؛ فما السبب فيه ؟ . # قلنا : السبب فيه أنه تعالى بين كون القرآن معجزا بطريقين : الأول : أنه ~~صلى الله عليه وسلم تحداهم بكل القرآن ، وتارة بعشر سور ، وتارة بسورة ~~واحدة ، وتارة بحديث واحد ، وعجزوا عن المعارضة ، وذلك يدل على كونه معجزا ~~. الثاني : أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهو قوله : { ~~اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } ( الفرقان : 5 ) وأبطلها بقوله : { قل ~~أنزله الذى يعلم السر فى * السماوات والارض } ( الفرقان : 6 ) ومعناه أن ~~القرآن مشتمل على الأخبار عن الغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالما ~~بأسرار السموات والأرض ، فلما ثبت كون القرآن معجزا بهذين الطريقين ، وتكرر ~~شرح هذين الطريقين مرارا كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرد الوعيد ~~ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة ، والله أعلم . # PageV20P016 ! 7 ms5521 < { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد ~~فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون * ثم يوم القيامة ~~يخزيهم ويقول أين شركآئى الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن ~~الخزى اليوم والسوء على الكافرين * الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم ~~فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون } > 7 ~~@QB@ < # | النحل : ( 26 - 28 ) قد مكر الذين . . . . . # > > # اعلم أن المقصود من الآية المبالغة في وصف وعيد أولئك الكفار ، وفي ~~المراد بالذين من قبلهم قولان : # القول الأول : وهو قول الأكثر من المفسرين أن المراد منه نمروذ بن كنعان ~~بنى صرحا / عظيما ببابل طوله خمسة آلاف ذراع . وقيل فرسخان ، ورام منه ~~الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها ، فالمراد بالمكر ههنا بناء الصرح لمقاتلة ~~أهل السماء . # والقول الثاني : وهو الأصح ، أن هذا عام في جميع المبطلين الذين يحاولون ~~إلحاق الضرر والمكر بالمحقين . # أما قوله تعالى : { فأتى الله بنيانهم من القواعد } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : أن الإتيان والحركة على الله محال ، فالمراد أنهم لما ~~كفروا أتاهم الله بزلازل قلع بها بنيانهم من القواعد والأساس . # المسألة الثانية : في قوله : { فأتى الله بنيانهم من القواعد } قولان : # القول الأول : أن هذا محض التمثيل ، والمعنى أنهم رتبوا منصوبات ليمكروا ~~بها أنبياء الله تعالى فجعل الله تعالى حالهم في تلك المنصوبات مثل حال قوم ~~بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فانهدم ذلك البناء ، وضعفت تلك الأساطين ، ~~فسقط السقف عليهم . ونظيره قولهم : من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه . # والقول الثاني : أن المراد منه ما دل عليه الظاهر ، وهو أنه تعالى أسقط ~~عليهم السقف وأماتهم تحته ، والأول أقرب إلى المعنى . # أما قوله تعالى : { فخر عليهم السقف من فوقهم } ففيه سؤال : وهو أن السقف ~~لا يخر إلا من فوقهم ، فما معنى هذا الكلام . PageV20P017 # وجوابه من وجهين : الأول : أن يكون المقصود بالتأكيد . والثاني : ربما خر ~~السقف ، ولا يكون تحته أحد ، فلما قال : { فخر عليهم السقف من فوقهم } دل ~~هذا الكلام على أنهم كانوا تحته ms5522 ، وحينئذ يفيد هذا الكلام أن الأبنية قد ~~تهدمت وهم ماتوا تحتها . وقوله : { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } إن ~~حملنا هذا الكلام على محض التمثيل فالأمر ظاهر . والمعنى : أنهم اعتمدوا ~~على منصوباتهم . ثم تولد البلاء منها بأعيانها ، وإن حملناه على الظاهر ~~فالمعنى أنه نزل ذلك السقف عليهم بغتة ، لأنه إذا كان كذلك كان أعظم في ~~الزجر لمن سلك مثل سبيلهم ، ثم بين تعالى أن عذابهم لا يكون مقصورا على هذا ~~القدر ، بل الله تعالى يخزيهم يوم القيامة ، والخزي هو العذاب مع الهوان ، ~~وفسر تعالى ذلك الهوان بأنه تعالى يقول لهم : { أين شركآئى الذين كنتم ~~تشاقون فيهم } وفيه أبحاث : # البحث الأول : قال الزجاج : قوله : { أين شركائى } معناه : أين شركائي في ~~زعمكم واعتقادكم . ونظيره قوله تعالى : { أين * شركاؤهم * الذين كنتم ~~تزعمون } ( الأنعام : 22 ) وقال أيضا : { وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا ~~تعبدون } ( يونس : 28 ) وإنما حسنت هذه الإضافة لأنه يكفي في حسن الإضافة ~~أدنى سبب ، وهذا كما يقال لمن يحمل خشبة خذ طرفك وآخذ طرفي ، فأضيف الطرف ~~إليه . # البحث الثاني : قوله : { تشاقون فيهم } أي تعادون وتخاصمون المؤمنين في ~~شأنهم ، وقيل : المشاقة عبارة عن كون أحد الخصمين في شق وكون الآخر في الشق ~~الآخر . # البحث الثالث : قرأ نافع : { تشاقون } بكسر النون على الإضافة ، والباقون ~~بفتح النون على الجمع . # ثم قال تعالى : { قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسوء على ~~الكافرين } وفيه بحثان : # البحث الأول : { قال الذين أوتوا العلم } قال ابن عباس : يريد الملائكة ، ~~وقال آخرون هم المؤمنون يقولون حين يرون خزي الكفار يوم القيامة إن الخزي ~~اليوم والسوء على الكافرين ، والفائدة فيه أن الكفار كانوا ينكرون على ~~المؤمنين في الدنيا فإذا ذكر المؤمن هذا الكلام يوم القيامة في معرض إهانة ~~الكافر كان وقع هذا الكلام على الكافر وتأثيره في إيذائه أكمل وحصول ~~الشماتة به أقوى . # البحث الثاني : المرجئة احتجوا بهذه الآية على أن العذاب مختص بالكافر ~~قالوا لأن قوله تعالى : { إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين } يدل على أن ~~ماهية الخزي والسوء في ms5523 يوم القيامة مختصة بالكافر ، وذلك ينفي حصول هذه ~~الماهية في حق غيرهم ، وتأكد هذا بقول موسى عليه السلام : { إنا قد أوحى ~~إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) ثم أنه تعالى وصف عذاب ~~هؤلاء الكفار من وجه آخر فقال : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } ~~قرأ حمزة : { ننزل الملائكة } بالياء لأن الملائكة ذكور ، والباقون بالتاء ~~للفظ . # ثم قال : { فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء } وفيه قولان : PageV20P018 # القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت ، قال ~~ابن عباس : أسلموا وأقروا لله بالعبودية عند الموت . وقوله : { ما كنا نعمل ~~من سوء } أي قالوا ما كنا نعمل من سوءا والمراد من هذا السوء الشرك ، فقالت ~~الملائكة ردا عليهم وتكذيبا : بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون من التكذيب ~~والشرك ، ومعنى بلى ردا لقولهم : { ما كنا نعمل من سوء } وفيه قولان : # القول الأول : أنه تعالى حكى عنهم إلقاء السلم عند القرب من الموت . # والقول الثاني : أنه تم الكلام عند قوله : { ظالمى أنفسهم } ثم عاد ~~الكلام إلى حكاية كلام المشركين يوم القيامة ، والمعنى : أنهم يوم القيامة ~~ألقوا السلم وقالوا ما كنا نعمل في الدنيا من سوء ، ثم ههنا اختلفوا ، ~~فالذين جوزوا الكذب على أهل القيامة ، قالوا : هذا القول منهم على سبيل ~~الكذب / وإنما أقدموا على هذا الكذب لغاية الخوف ، والذين قالوا إن الكذب ~~لا يجوز عليهم قالوا : معنى الآية ، ما كنا نعمل من سوء عند أنفسنا أو في ~~اعتقادنا ، وأما بيان أن الكذب على أهل القيامة هل يجوز أم لا ؟ فقد ذكرناه ~~في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ~~والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم ~~أنهم قالوا : ما كنا نعمل من سوء قال بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ، ~~ولا يبعد أن يكون قائل هذا القول هو الله تعالى أو بعض الملائكة ردا عليهم ~~وتكذيبا لهم ، ومعنى بلى الرد لقولهم : { ما كنا نعمل من ms5524 سوء } وقوله : { ~~إن الله عليم بما كنتم تعملون } يعني أنه عالم بما كنتم عليه في الدنيا فلا ~~ينفعكم هذا الكذب فإنه يجازيكم على الكفر الذي علمه منكم . ثم صرح بذكر ~~العقاب فقال : # ! 7 < { فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } > 7 @QB@ ~~< # | النحل : ( 29 ) فادخلوا أبواب جهنم . . . . . # > > # وهذا يدل على تفاوت منازلهم في العقاب ، فيكون عقاب بعضم أعظم من عقاب ~~بعض ، وإنما صرح تعالى بذكر الخلود ليكون الغم والحزن أعظم . # ثم قال : { فلبئس مثوى المتكبرين } على قبول التوحيد وسائر ما أتت به ~~الأنبياء ، وتفسير التكبر قد مر في هذا الكتاب غير مرة . والله أعلم . # ! 7 < { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا فى ~~هاذه الدنيا حسنة ولدار الا خرة خير ولنعم دار المتقين * جنات عدن يدخلونها ~~تجرى من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشآءون كذلك يجزى الله المتقين * الذين ~~تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } ~~> 7 @QB@ < # | النحل : ( 30 - 32 ) وقيل للذين اتقوا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الأقوام الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ~~؟ قالوا : أساطير الأولين . وذكر أنهم يحملون أوزارهم ومن أوزار أتباعهم ، ~~وذكر أن الملائكة تتوفاهم ظالمي أنفسهم ، وذكر أنهم في الآخرة يلقون السلم ~~، وذكر أنه تعالى يقول لهم ادخلوا أبواب جهنم ، أتبعه بذكر وصف المؤمنين ~~الذين إذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم ؟ قالوا خيرا ، وذكر ما أعده لهم في ~~الدنيا والآخرة من منازل الخيرات ودرجات السعادات PageV20P019 ليكون وعد ~~هؤلاء مذكورا مع وعيد أولئك وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال القاضي : يدخل تحت التقوى أن يكون تاركا لكل ~~المحرمات فاعلا لكل الواجبات ، ومن جمع بين هذين الأمرين فهو مؤمن كامل ~~الإيمان ، وقال أصحابنا : يريد الذين اتقوا الشرك وأيقنوا أنه لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله ، وأقول : هذا أولى مما قاله القاضي ، لأنا بينا أنه ~~يكفي في صدق قوله فلان قاتل أو ضارب كونه آتيا بقتل واحد وضرب واحد ، ولا ~~يتوقف صدق هذا الكلام على كونه آتيا بجميع ms5525 أنواع القتل وجميع أنواع الضرب ، ~~فعلى هذا قوله : { وقيل للذين اتقوا } يتناول كل من أتى بنوع واحد من أنواع ~~التقوى إلا أنا أجمعنا على أنه لا بد من التقوى عن الكفر والشرك فوجب أن لا ~~يزيد على هذا القيد لأنه لما كان تقييد المطلق خلاف الأصل ، كان تقييد ~~المقيد أكثر مخالفة ، وأيضا فلأنه تعالى إنما ذكر هؤلاء في مقابلة أولئك ~~الذين كفروا وأشركوا ، فوجب أن يكون المراد من اتقى عن ذلك الكفر والشرك . ~~والله أعلم . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إنه قال في الآية الأولى ، قالوا ~~أساطير الأولين ، وفي هذه الآية قالوا خيرا ، فلم رفع الأول ونصب هذا ؟ . # أجاب صاحب ( الكشاف ) عنه بأن قال : المقصود منه الفصل بين جواب المقر ~~وجواب الجاحد يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا ، وأطبقوا الجواب على ~~السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال فقالوا خيرا أي أنزل خيرا ، وأولئك ~~عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء ~~. # المسألة الثالثة : قال المفسرون هذا كان في أيام الموسم ، يأتي الرجل مكة ~~فيسأل المشركين عن محمد وأمره فيقولون إنه ساحر وكاهن وكذاب ، فيأتي ~~المؤمنين ويسألهم عن محمد وما أنزل الله عليه فيقولون خيرا ، والمعنى : ~~أنزل خيرا . ويحتمل أن يكون المراد الذي قالوه من الجواب موصوف بأنه خير ، ~~وقولهم خير جامع لكونه حقا وصوابا ، ولكونهم معترفين بصحته ولزومه فهو ~~بالضد من قول الذين لا يؤمنون بالآخرة ، أن ذلك أساطير الأولين على وجه ~~التكذيب . # / المسألة الرابعة : قوله : { للذين أحسنوا } وما بعده بدل من قوله : { ~~خيرا } وهو حكاية لقول الذين اتقوا ، أي قالوا هذا القول ، ويجوز أيضا أن ~~يكون قوله : { للذين أحسنوا } إخبارا عن الله ، والتقدير : إن المتقين لما ~~قيل لهم : { ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا } ثم إنه تعالى أكد قولهم وقال : { ~~للذين أحسنوا فى هاذه الدنيا حسنة } وفي المراد بقوله : { للذين أحسنوا } ~~قولان ، أما الذين يقولون : إن أهل لا إله إلا الله يخرجون من النار فإنهم ~~يحملونه على قول لا إله إلا الله مع الإعتقاد الحق ms5526 ، وأما المعتزلة الذين ~~يقولون : إن فساق أهل الصلاة لا يخرجون من النار يحلوم قوله : { أحسنوا } ~~على من أتى بالإيمان وجميع الواجبات واحترز عن كل المحرمات . وأما قوله : { ~~فى هاذه الدنيا } ففيه قولان : # القول الأول : أنه متعلق بقوله : { أحسنوا } والتقدير : للذين اتقوا بعمل ~~الحسنة في الدنيا فلهم في الآخرة حسنة ، وتلك الحسنة هي الثواب العظيم ، ~~وقيل : تلك الحسنة هو أن ثوابها يضاعف بعشر مرات وبسبعمائة وإلى ما لا ~~نهاية له . # والقول الثاني : أن قوله : { فى هاذه الدنيا } متعلق بقوله : { حسنة } ~~والتقدير : للذين أحسنوا أن تحصل PageV20P020 لهم الحسنة في الدنيا ، وهذا ~~القول أولى ، لأنه قال بعده : { ولدار الاخرة خير } وعلى هذا التقدير ففي ~~تفسير هذه الحسنة الحاصلة في الدنيا وجوه : الأول : يحتمل أن يكون المراد ~~ما يستحقونه من المدح والتعظيم والثناء والرفعة ، وجميع ذلك جزاء على ما ~~عملوه . والثاني : يحتمل أن يكون المراد به الظفر على أعداء الدين بالحجة ~~وبالغلبة لهم ، وباستغنام أموالهم وفتح بلادهم ، كما جرى ببدر وعند فتح مكة ~~، وقد أجلوهم عنها وأخرجوهم إلى الهجرة ، وإخلاء الوطن ، ومفارقة الأهل ~~والولد وكل ذلك مما يعظم موقعه . والثالث : يحتمل أن يكون المراد أنهم لما ~~أحسنوا بمعنى أنهم أتوا بالطاعات فتح الله عليهم أبواب المكاشفات ~~والمشاهدات والألطاف كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : ~~17 ) . # وأما قوله : { ولدار الاخرة خير } فقد بينا في سورة الأنعام في قوله : { ~~وللدار الاخرة خير للذين يتقون } ( الأنعام : 32 ) بالدلائل القطعية ~~العقلية حصول هذا الخير ، ثم قال : { ولنعم دار المتقين } أي لنعم دار ~~المتقين دار الآخرة ، فحذفت لسبق ذكرها ، هذا إذا لم تجعل هذه الآية متصلة ~~بما بعدها ، فإن وصلتها بما بعدها قلت : ولنعم دار المتقين جنات عدن فترفع ~~جنات على أنها اسم لنعم ، كما تقول : نعم الدار دار ينزلها زيد . وأما قوله ~~: { جنات عدن } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنها إن كانت موصولة بما قبلها ، فقد ذكرنا وجه ~~ارتفاعها ، وأما إن كانت مقطوعة ، فقال الزجاج : جنات عدن مرفوعة بإضمار ( ~~هي ) كأنك لما قلت ولنعم دار المتقين / قيل ms5527 : أي دار هي هذه الممدوحة فقلت ~~: هي جنات عدن ، وإن شئت قلت : جنات عدن رفع بالإبتداء ، ويدخلونها خبره ، ~~وإن شئت قلت : نعم دار المتقين خبره ، والتقدير : جنات عدن نعم دار المتقين ~~. # المسألة الثانية : قوله : { جنات } يدل على القصور والبساتين وقوله : { ~~عدن } يدل على الدوام ، وقوله : { تجرى من تحتها الانهار } يدل على أنه حصل ~~هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم ، ثم إنه تعالى قال ~~: { لهم فيها ما يشآءون } وفيه بحثان : الأول : أن هذه الكلمة تدل على حصول ~~كل الخيرات والسعادات ، وهذا أبلغ من قوله : { فيها ما * تشتهيه الانفس ~~وتلذ الاعين } ( الزخرف : 71 ) لأن هذين القسمين داخلان في قوله : { لهم ~~فيها ما } مع أقسام أخرى . الثاني : قوله : { لهم فيها ما } يعني هذه ~~الحالة لا تحصل إلا في الجنة ، لأن قوله : { لهم فيها ما } يفيد الحصر ، ~~وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا . # ثم قال تعالى : { يشآءون كذلك يجزى الله المتقين } أي هكذا جزاء التقوى ، ~~ثم إنه تعالى عاد إلى وصف المتقين فقال : { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } ~~وهذا مذكور في مقابلة قوله : { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } ( ~~النخل : 28 ) وقوله : { الذين تتوفاهم الملائكة * لهم فيها ما يشآءون كذلك ~~يجزى الله المتقين } وقوله : { طيبين } كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة ~~، وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به ، واجتنابهم عن كل ما نهوا ~~عنه ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة مبرئين عن الأخلاق المذمومة ~~، ويدخل فيه كونهم مبرئين عن العلائق الجسمانية متوجهين إلى حضرة القدس ~~والطهارة ، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح وأنها لم تقبض إلا مع ~~البشارة بالجنة حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها ومن هذا حاله لا يتألم بالموت ~~، وأكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح ، وإن كان الحسن يقول : ~~إنه وفاة الحشر ، ثم PageV20P021 بين تعالى أنه يقال لهم عند هذه الحالة : ~~{ ادخلوا الجنة } فاحتج الحسن بهذا على أن المراد بذلك التوفي وفاة الحشر ، ~~لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا ms5528 ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ، ~~ومن ذهب إلى القول الأول وهم الأكثرون يقولون : إن الملائكة لما بشروهم ~~بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم ، ادخلوا ~~الجنة أي هي خاصة لكم كأنكم فيها . # ! 7 < { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى أمر ربك كذلك فعل ~~الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون * فأصابهم سيئات ~~ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 33 - 34 ) هل ينظرون إلا . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية لمنكري النبوة ، فإنهم طلبوا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن ينزل الله تعالى ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء ~~النبوة فقال تعالى : { هل ينظرون } في التصديق بنبوتك إلا أن تأتيهم ~~الملائكة شاهدين بذلك ، ويحتمل أن يقال : إن القوم لما طعنوا في القرآن بأن ~~قالوا : إنه أساطير الأولين ، وذكر الله تعالى أنواع التهديد والوعيد لهم ، ~~ثم أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيرا وصدقا وصوابا ، عاد إلى ~~بيان أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن الكفر بسبب البيانات التي ذكرناها ، بل ~~كانوا لا ينزجرون عن تلك الأقوال الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد ~~وأتاهم أمر ربك وهو عذاب الاستئصال . # واعلم أن على كلا التقديرين فقد قال تعالى : { كذلك فعل الذين من قبلهم } ~~أي كلام هؤلاء وأفعالهم يشبه كلام الكفار المتقدمين وأفعالهم . # ثم قال : { وما ظلمهم الله ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } والتقدير : كذلك ~~فعل الذين من قبلهم فأصابهم الهلاك المعجل وما ظلمهم الله بذلك ، فإنه أنزل ~~بهم ما استحقوه بكفرهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم بأن كفروا ، وكذبوا الرسول ~~فاستوجبوا ما نزل بهم . # ثم قال : { فأصابهم سيئات ما عملوا } والمراد أصابهم عقاب سيئات ما عملوا ~~{ وحاق بهم } أي نزل بهم على وجه أحاط بجوانبهم : { ما كانوا به يستهزءون } ~~أي عقاب استهزائهم . # PageV20P022 ! 7 < { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من ~~شىء نحن ولاءاباؤنا ولا حرمنا من دونه من شىء كذالك فعل الذين من قبلهم فهل ~~على الرسل ms5529 إلا البلاغ المبين * ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا فى ~~الا رض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * إن تحرص على هداهم فإن الله لا ~~يهدى من يضل وما لهم من ناصرين } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 35 - 37 ) وقال الذين أشركوا . . . . . # > > # اعلم أن هذا هو الشبهة الثالثة لمنكري النبوة ، وتقريرها : أنهم تمسكوا ~~بصحة القول بالجبر على الطعن في النبوة فقالوا : لو شاء الله الإيمان لحصل ~~الإيمان ، سواء جئت أو لم تجىء ، ولو شاء الله الكفر فإنه يحصل الكفر سواء ~~جئت أو لم تجىء ، وإذا كان الأمر كذلك فالكل من الله تعالى ، ولا فائدة في ~~مجيئك وإرسالك ، فكان القول بالنبوة باطلا ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذه الشبهة هي عين ما حكى الله تعالى عنهم في ~~سورة الأنعام في قوله : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~ىاباؤنا ولا حرمنا من شىء كذالك كذب الذين من قبلهم } ( الأنعام : 148 ) ~~واستدلال المعتزلة به مثل استدلالهم بتلك الآية . والكلام فيه استدلالا ~~واعتراضا عين ما تقدم هناك فلا فائدة في الإعادة ، ولا بأس بأن نذكر منه ~~القليل فنقول : الجواب عن هذه الشبهة هي أنهم قالوا : لما كان الكل من الله ~~تعالى كان بعثة الأنبياء عبثا . فنقول : هذا اعتراض على الله تعالى ، فإن ~~قولهم : إذا لم يكن في بعثة الرسول مزيد فائدة في حصول الإيمان ودفع الكفر ~~كانت بعثة الأنبياء غير جائزة من الله تعالى ، فهذا القول جار مجرى طلب ~~العلة في أحكام الله تعالى وفي أفعاله ، وذلك باطل ، بل الله تعالى أن يحكم ~~في ملكه وملكوته ما يشاء ويفعل ما يريد ، ولا يجوز أن يقال له : لم فعلت ~~هذا ولم لم تفعل ذلك ؟ والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى ~~أنه تعالى صرح في آخر هذه الآية بهذا المعنى فقال : { ولقد بعثنا فى كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا } فبين تعالى أن سنته في عبيده ms5530 إرسال الرسل ~~إليهم ، وأمرهم بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت . # ثم قال : { الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } ~~والمعنى : أنه تعالى وإن أمر الكل بالإيمان ، ونهى الكل عن الكفر ، إلا أنه ~~تعالى هدى البعض وأضل البعض ، فهذه سنة قديمة لله / تعالى مع العباد ، وهي ~~أنه يأمر الكل بالإيمان وينهاهم عن الكفر ، ثم يخلق الإيمان في البعض ~~والكفر في البعض . ولما كانت سنة الله تعالى في هذا المعنى سنة قديمة في حق ~~كل الأنبياء وكل الأمم والملل وإنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلها ~~منزها عن اعتراضات المعترضين ومطالبات المنازعين ، كان إيراد هذا السؤال من ~~هؤلاء الكفار موجبا للجهل والضلال والبعد عن الله فثبت أن الله تعالى إنما ~~حكم على هؤلاء باستحقاق الخزي واللعن ، لا لأنهم كذبوا في قولهم : { لو شآء ~~الله ما عبدنا من دونه } بل لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز ~~بعثة الأنبياء والرسل وهذا باطل ، فلا جرم استحقوا على هذا الإعتقاد مزيد ~~الذم واللعن . فهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب . وأما ~~من تقدمنا من المتكلمين والمسفرين فقد ذكروا فيه وجها آخر فقالوا : إن ~~المشركين ذكروا هذا الكلام على جهة الاستهزاء كما قال قوم شعيب عليه السلام ~~له : { نشؤا إنك لانت الحليم الرشيد } ( هود : 87 ) ولو قالوا ذلك معتقدين ~~لكانوا مؤمنين . والله أعلم . PageV20P023 # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما حكى هذه الشبهة قال : { كذلك فعل ~~الذين من قبلهم } أي هؤلاء للكفار ألدا كانوا متمسكين بهذه الشبهة . # ثم قال : { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } أما المعتزلة فقالوا : ~~معناه أن الله تعالى ما منع أحدا من الإيمان وما أوقعه في الكفر ، والرسل ~~ليس عليهم إلا التبليغ ، فلما بلغوا التكاليف وثبت أنه تعالى ما منع أحدا ~~عن الحق كانت هذه الشبهة ساقطة . أما أصحابنا فقالوا : معناه أنه تعالى أمر ~~الرسل بالتبليغ . فهذا التبليغ واجب عليهم ، فأما أن الإيمان هل يحصل أم لا ~~يحصل فذلك لا تعلق للرسول به ، ولكنه ms5531 تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من ~~يشاء بخذلانه . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا في بيان أن الهدي والضلال من الله بقوله ~~: { ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وهذا ~~يدل على أنه تعالى كان أبدا في جميع الملل والأمم آمرا بالإيمان وناهيا عن ~~الكفر . # ثم قال : { فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } يعني : فمنهم ~~من هداه الله إلى الإيمان والصدق والحق ، ومنهم من أضله عن الحق وأعماه عن ~~الصدق وأوقعه في الكفر والضلال ، وهذا يدل على أن أمر الله تعالى لا يوافق ~~إرادته ، بل قد يأمر بالشيء ولا يريده وينهى عن الشيء ويريده كما هو مذهبنا ~~. والحاصل أن المعتزلة يقولون : الأمر والإرادة متطابقان أما العلم ~~والإرادة فقد يختلفان ، ولفظ هذه الآية صريح في قولنا وهو أن الأمر ~~بالإيمان عام في حق الكل أما إرادة الإيمان فخاصة بالبعض دون البعض . # / أجاب الجبائي : بأن المراد : { فمنهم من هدى الله } لنيل ثوابه وجنته : ~~{ ومنهم من حقت عليه الضلالة } أي العقاب . قال : وفي صفة قوله : { حقت ~~عليه } دلالة على أنها العذاب دون كلمة الكفر لأن الكفر والمعصية لا يجوز ~~وصفهما بأنه حق . وأيضا قال تعالى بعده : { فسيروا فى الارض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين } وهذه العاقبة هي آثار الهلاك لمن تقدم من الأمم الذين ~~استأصلهم الله تعالى بالعذاب ، وذلك يدل على أن المراد بالضلال المذكور هو ~~عذاب الاستئصال . # وأجاب الكعبي عنه بأنه قال : قوله : { فمنهم من هدى الله } أي من اهتدى ~~فكان في حكم الله مهتديا ، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } يريد : من ظهرت ~~ضلالته ، كما يقال للظالم : حق ظلمك وتبين ، ويجوز أن يكون المراد : حق ~~عليهم من الله أن يضلهم إذا ضلوا كقوله : { ويضل الله الظالمين } ( إبراهيم ~~: 27 ) . # واعلم أنا بينا في آيات كثيرة بالدلائل العقلية القاطعة أن الهدى ~~والإضلال لا يكونان إلا من الله تعالى فلا فائدة في الإعادة ، وهذه الوجوه ~~المتعسفة والتأويلات المستكرهة قد بينا ضعفها وسقوطها مرارا ، فلا حاجة إلى ~~الإعادة . والله أعلم ms5532 . # المسألة الرابعة : في الطاغوت قولان : أحدهما : أن المراد به : اجتنبوا ~~عبادة ما تعبدون من دون الله ، فسمى الكل طاغوتا ، ولا يمتنع أن يكون ~~المراد : اجتنبوا طاعة الشيطان في دعائه لكم . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { ومنهم من حقت عليه الضلالة } يدل على ~~مذهبنا / لأنه تعالى لما أخبر عنه أنه حقت عليه الضلالة امتنع أن لا يصدر ~~منه الضلالة ، وإلا لانقلب خبر الله الصدق كذبا ، وذلك محال PageV20P024 ~~ومستلزم المحال محال ، فكان عدم الضلالة منهم محالا ، ووجود الضلالة منهم ~~واجبا عقلا ، فهذه الآية دالة على صحة مذهبنا في هذه الوجوه الكثيرة والله ~~أعلم . ونظائر هذه الآية كثيرة منها قوله : { فريقا هدى وفريقا حق عليهم ~~الضلالة } ( الأعراف : 30 ) وقوله : { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا ~~يؤمنون } ( يونس : 96 ) وقوله : { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } ~~( يس : 7 ) . # ثم قال تعالى : { فسيروا فى الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } ~~والمعنى : سيروا في الأرض معتبرين لتعرفوا أن العذاب نازل بكم كما نزل بهم ~~، ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة فإنه لا يهتدي ، فقال : { إن تحرص على ~~هداهم } أي إن تطلب بجهدك ذلك ، فإن الله لا يهدي من يضل ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { يهدى } بفتح الياء وكسر ~~الذال والباقون : { لا يهدى } بضم الياء وفتح الدال . # / أما القراءة الأولى : ففيها وجهان : الأول : فإن الله لا يرشد أحدا ~~أضله ، وبهذا فسره ابن عباس رضي الله عنهما . والثاني : أن يهدي بمعنى ~~يهتدي . قال الفراء : العرب تقول : قد هدى الرجل يريدون قد اهتدى ، والمعنى ~~أن الله إذا أضل أحدا لم يصر ذلك مهتديا . # وأما القراءة المشهورة : فالوجه فيها إن الله لا يهدي من يضل ، أي من ~~يضله ، فالراجع إلى الموصول الذي هو من محذوف مقدر وهذا كقوله : { من يضلل ~~الله فلا هادي له } ( الأعراف : 186 ) وكقوله : { فمن يهديه من بعد الله } ~~( الجاثية : 23 ) أي من بعد إضلال الله إياه . # ثم قال تعالى : { وما لهم من ناصرين } أي وليس لهم أحد ينصرهم أي يعينهم ms5533 ~~على مطلوبهم في الدنيا والآخرة . وأقول أول هذه الآيات موهم لمذهب المعتزلة ~~، وآخرها مشتمل على الوجوه الكثيرة الدالة على قولنا ، وأكثر الآيات كذلك ~~مشتملة على الوجهين ، والله أعلم . # ! 7 < { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه ~~حقا ولاكن أكثر الناس لا يعلمون * ليبين لهم الذى يختلفون فيه وليعلم الذين ~~كفروا أنهم كانوا كاذبين * إنما قولنا لشىء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون ~~} > 7 @QB@ < # | النحل : ( 38 - 40 ) وأقسموا بالله جهد . . . . . # > > # وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الشبهة الرابعة لمنكري النبوة فقالوا ~~القول بالبعث والحشر والنشر باطل ، فكان القول بالنبوة باطلا . PageV20P025 # أما المقام الأول : فتقريره أن الإنسان ليس إلا هذه البينة المخصوصة ، ~~فإذا مات وتفرقت أجزاؤه وبطل ذلك المزاج والاعتدال امتنع عوده بعينه ، لأن ~~الشيء إذا عدم فقد فنى ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه ، فالذي ~~يعود يجب أن يكون شيئا مغايرا للأول فلا يكون عينه . # وأما المقام الثاني : وهو أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة ~~وتقريره من وجهين : / الأول : أن محمدا كان داعيا إلى تقرير القول بالمعاد ~~، فإذا بطل ذلك ثبت أنه كان داعيا إلى القول الباطل ومن كان كذلك لم يكن ~~رسولا صادقا . الثاني : أنه يقرر نبوة نفسه ووجوب طاعته بناء على الترغيب ~~في الثواب والترهيب عن العقاب ، وإذا بطل ذلك بطلت نبوته . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله ~~من يموت } معناه أنهم كانوا يدعون العلم الضروري بأن الشيء إذا فنى وصار ~~عدما محضا ونفيا صرفا ، فإنه بعد هذا العدم الصرف لا يعود بعينه بل العائد ~~يكون شيئا آخر غيره . وهذا القسم واليمين إشارة إلى أنهم كانوا يدعون العلم ~~الضروري بأن عوده بعينه بعد عدمه محال في بديهة العقل : { وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم } على أنهم يجحدون في قلوبهم وعقولهم هذا العلم الضروري ، وأما ~~بيان أنه لما بطل القول بالبعث بطل القول بالنبوة فلم يذكره على سبيل ~~التصريح ، لأنه كلام جلي متبادر ms5534 إلى العقول فتركوه لهذا العذر . ثم إنه ~~تعالى بين أن القول بالبعث ممكن ويدل عليه وجهان : # الوجه الأول : أنه وعد حق على الله تعالى ، فوجب تحقيقه ، ثم بين السبب ~~الذي لأجله كان وعدا حقا على الله تعالى ، وهو التمييز بين المطيع وبين ~~العاصي ، وبين المحقق والمبطل ، وبين الظالم والمظلوم ، وهو قوله : { ليبين ~~لهم * الذين * يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } وهذه ~~الطريقة قد بالغنا في شرحها وتقريرها في سورة يونس . # والوجه الثاني : في بيان إمكان الحشر والنشر أن كونه تعالى موجدا للأشياء ~~ومكونا لها لا يتوقف على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ، وهو تعالى إنما يكونها ~~بمحض قدرته ومشئته ، وليس لقدرته دافع ولا لمشيئته مانع فعبر تعالى عن هذا ~~النفاذ الخالي عن المعارض بقوله : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له ~~كن فيكون } وإذا كان كذلك ، فكما أنه تعالى قدر على الإيجاد في الإبتداء ~~وجب أن يكون قادرا عليه في الإعادة ، فثبت بهذين الدليلين القاطعين أن ~~القول بالحشر والنشر والبعث والقيامة حق وصدق ، والقول إنما طعنوا في صحة ~~النبوة بناء على الطعن في هذا الأصل ، فلما بطل هذا الطعن بطل أيضا طعنهم ~~في النبوة . والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } حكاية عن الذين ~~أشركوا ، وقوله : { بلى } إثبات لما بعد النفي / أي بلى يبعثهم ، وقوله : { ~~وعدا عليه حقا } مصدر مؤكد أي وعد بالبعث وعدا حقا لا خلف فيه ، لأن قوله ~~يبعثهم دل على قوله وعد بالبعث ، وقوله : { ليبين لهم الذى يختلفون فيه } ~~من أمور البعث أي بلى يبعثهم ليبين لهم وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين فيما أقسموا فيه . # ثم قال تعالى : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } وفيه ~~مسائل : # / المسألة الأولى : لقائل أن يقول : قوله : { كن } إن كان خطابا مع ~~المعدوم فهو محال ، وإن كان خطابا مع الموجود كان هذا أمرا بتحصيل الحاصل ~~وهو محال . PageV20P026 # والجواب : أن هذا تمثيل لنفي الكلام والمعاياة وخطاب مع الخلق بما يعقلون ~~، وليس خطابا ms5535 للمعدوم ، لأن ما أراده الله تعالى فهو كائن على كل حال وعلى ~~ما أراده من الإسراع ، ولو أراد خلق الدنيا والآخرة بما فيهما من السموات ~~والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك ، ولكن العباد خوطبوا بذلك على قدر ~~عقولهم . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { قولنا } مبتدأ و { إن نقول } خبره و { ~~كن فيكون } من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود أي إذا أردنا حدوث شيء ~~فليس إلا أن نقول له أحدث فيحدث عقيب ذلك من غير توقف . # المسألة الثالثة : قرأ ابن عامر والكسائي { فيكون } بنصب النون ، ~~والباقون بالرفع قال الفراء : القراءة بالرفع وجهها أن يجعل قوله : { أن ~~نقول له } كلاما تاما ثم يخبر عنه بأنه سيكون كما يقال : إن زيدا يكفيه إن ~~أمر فيفعل فترفع قولك فيفعل على أن تجعله كلاما مبتدأ ، وأما القراءة ~~بالنصب فوجهه أن تجعله عطفا على أن نقول ، والمعنى : أن نقول كن فيكون هذا ~~قول جميع النحويين ، قال الزجاج : ويجوز أن يكون نصبا على جواب { كن } قال ~~أبو علي لفظة ( كن ) وإن كانت على لفظة الأمر فليس القصد بها ههنا الأمر ~~إنما هو والله أعلم الإخبار عن كون الشيء وحدوثه ، وإذا كان الأمر كذلك ~~فحينئذ يبطل قوله إنه نصب على جواب { كن } والله أعلم . # المسألة الرابعة : احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على قدم القرآن فقالوا ~~قوله تعالى : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } يدل على ~~أنه تعالى إذا أراد إحداث شيء قال له كن فيكون ، فلو كان قوله { كن } حادثا ~~لافتقر إحداثه إلى أن يقول له كن وذلك يوجب التسلسل ، وهو محال فثبت أن ~~كلام الله قديم . # واعلم أن هذا الدليل عندي ليس في غاية القوة ، وبيانه من وجوه : # الوجه الأول : أن كلمة { إذا } لا تفيد التكرار ، والدليل عليه أن الرجل ~~إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلت الدار مرة طلقت طلقة واحدة ~~فلو دخلت ثانيا لم تطلق طلقة ثانية فعلمنا أن كلمة إذا لا تفيد التكرار ، ~~وإذا كان كذلك ms5536 ثبت أنه لا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له كن ~~فلم يلزم التسلسل . # والوجه الثاني : أن هذا الدليل إن صح لزم القول بقدم لفظه ( كن ) وهذا ~~معلوم البطلان / بالضرورة ، لأن لفظة : كن ، مركبة من الكاف والنون ، وعند ~~حضور الكاف لم تكن النون حاضرة وعند مجيء النون تتولى الكاف ، وذلك يدل على ~~أن كلمة كن يمتنع كونها قديمة ، وإنما الذي يدعي أصحابنا كونه قديما صفة ~~مغايرة للفظة كن ، فالذي تدل عليه الآية لا يقول به أصحابنا ، والذي يقولون ~~به لا تدل عليه الآية فسقط التمسك به . # والوجه الثالث : أن الرجل إذا قال إن فلانا لا يقدم على قول ، ولا على ~~فعل إلا ويستعين فيه بالله تعالى فإن عاقلا لا يقول : إن استعانته بالله ~~فعل من أفعاله فيلزم أن يكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير ~~النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه . # والوجه الرابع : أن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجوه : # الوجه الأول : أن قوله تعالى : { إنما قولنا لشىء إذا أردناه } يقتضي كون ~~القول واقعا بالإرادة ، وما كان كذلك فهو محدث . PageV20P027 # والوجه الثاني : أنه علق القول بكلمة إذا ، ولا شك أن لفظة ( إذا ) تدخل ~~للاستقبال . # والوجه الثالث : أن قوله : { أن نقول له } لا خلاف أن ذلك ينبىء عن ~~الاستقبال . # والوجه الرابع : أن قوله : { كن فيكون } يدل على أن حدوث الكون حاصل عقيب ~~قوله : { كن } فتكون كلمة { كن } متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد ، ~~والمتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثا . # والوجه الخامس : أنه معارض بقوله تعالى : { وكان أمر الله مفعولا } ( ~~النساء : 47 ) ، { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ( الأحزاب : 38 ) . { الله ~~نزل أحسن الحديث } ( الزمر : 23 ) . { فليأتوا بحديث مثله } ( الطيور : 34 ~~) ، { ومن قبله كتاب موسى * مودة ورحمة } ( الأحقاف : 12 ) . # فإن قيل : فهب أن هذه الآية لا تدل على قدم الكلام ، ولكنكم ذكرتم أنها ~~تدل على حدوث الكلام فما الجواب عنه ؟ . # قلنا : نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من ms5537 الحروف ~~والأصوات ، ونحن نقول بكونه محدثا مخلوقا . والله أعلم . # ! 7 < { والذين هاجروا فى الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم فى الدنيا حسنة ~~ولاجر الا خرة أكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } > 7 ~~@QB@ < # | النحل : ( 41 - 42 ) والذين هاجروا في . . . . . # > > # / اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم على ~~إنكار البعث والقيامة دل ذلك على أنهم تمادوا في الغي ، والجهل ، والضلال ، ~~وفي مثل هذه الحالة لا يبعد إقدامهم على إيذاء المسلمين وضرهم ، وإنزال ~~العقوبات بهم ، وحينئذ يلزم على المؤمنين أن يهاجروا عن تلك الديار ~~والمساكن ، فذكر تعالى في هذه الآية حكم تلك الهجرة وبين ما لهؤلاء ~~المهاجرين من الحسنات في الدنيا ، والأجر في الآخرة من حيث هاجروا وصبروا ~~وتوكلوا على الله ، وذلك ترغيب لغيرهم في طاعة الله تعالى . قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في ستة من الصحابة صهيب وبلال وعمار وخباب ~~وعابس وجبير موليين لقريش فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام ، أما صهيب ~~فقال لهم : أنا رجل كبير إن كنت لكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم ~~فافتدى منهم بماله فلما رآه أبو بكر قال : ربح البيع يا صهيب ، وقال عمر : ~~نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ، وهو ثناء عظيم يريد لو لم يخلق ~~الله النار لأطاعه فكيف ظنك به وقد خلقها ؟ وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما ~~أراد أهل مكة من كلمة الكفر والرجوع عن الإسلام فتركوا عذابهم ، ثم هاجروا ~~فنزلت هذه الآية ، وبين الله تعالى بهذه الآية عظم محل الهجرة ، ومحل ~~المهاجرين فالوجه فيه ظاهر ، لأن بسبب هجرتهم ظهرت قوة الإسلام ، كما أن ~~بنصرة الأنصار قويت شوكتهم ، ودل تعالى بقوله : { والذين هاجروا فى الله } ~~أن الهجرة إذا لم تكن لله بل لم يكن لها موقع ، وكانت بمنزلة الانتقال من ~~بلد إلى PageV20P028 بلد ، وقوله : { من بعد ما ظلموا } معناه أنهم كانوا ~~مظلومين في أيدي الكفار ، لأنهم كانوا يعذبونهم . # ثم قال : { لنبوئنهم فى الدنيا حسنة } وفيه وجوه : الأول ms5538 : أن قوله : { ~~حسنة } صفة للمصدر من قوله : { لنبوئنهم فى الدنيا } والتقدير : لنبوئنهم ~~تبوئة حسنة ، وفي قراءة علي عليه السلام : ( لنبوئنهم إبواءة حسنة ) . ~~الثاني : لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغلبة على أهل مكة الذين ~~ظلموهم ، وعلى العرب قاطبة ، وعلى أهل المشرق والمغرب ، وعن عمر أنه كان ~~إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال : خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك ~~الله في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أكبر . # والقول الثالث : لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم أهلها ~~ونصروهم ، وهذا قول الحسن والشعبي وقتادة ، والتقدير : لنبوئنهم في الدنيا ~~دارا حسنة أو بلدة حسنة يعني المدينة . # ثم قال تعالى : { ولاجر الاخرة أكبر } وأعظم وأشرف ؛ { ولو كانوا * ~~يعلمون } والضمير إلى من يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه عائد إلى الكفار ، ~~أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدنيا ~~والآخرة لرغبوا في دينهم . والثاني : أنه راجع إلى المهاجرين ، أي لو كانوا ~~يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم . # / ثم قال : { الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } وفي محل : { الذين } وجوه ~~: الأول : أنه بدل من قوله : { والذين هاجروا } والثاني : أن يكون التقدير ~~: هم الذين صبروا . والثالث : أن يكون التقدير : أعني الذين صبروا وكلا ~~الوجهين مدح ، والمعنى : أنهم صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو ~~حرم الله ، وعلى المجاهدة وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله / وبالجملة ~~فقد ذكر فيه الصبر والتوكل . أما الصبر فللسعي في قهر النفس ، وأما التوكل ~~فللانقطاع بالكلية من الخلق والتوجه بالكلية إلى الحق ، فالأول : هو مبدأ ~~السلوك إلى الله تعالى . والثاني : آخر هذا الطريق ونهايته ، والله أعلم . # ! 7 < { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحىإليهم فاسألوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون * أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الا رض ~~أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم فى تقلبهم فما هم بمعجزين * ~~أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم } > 7 ms5539 @QB@ < # | النحل : ( 43 - 47 ) وما أرسلنا من . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : PageV20P029 # المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري النبوة كانوا ~~يقولون : الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر ، بل لو أراد ~~بعثة رسول إلينا لكان يبعث ملكا ، وقد ذكرنا تقرير هذه الشبهة في سورة ~~الأنعام فلا نعيده ههنا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عنهم : { ~~وقالوا لولا أنزل عليه ملك } ( الأنعام : 8 ) وقالوا : { أنؤمن لبشرين ~~مثلنا } ( المؤمنون : 47 ) وقالوا : { ما هاذا إلا بشر مثلكم يأكل مما ~~تأكلون منه ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم } ( المؤمنون : 33 ، ~~34 ) وقال : { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } ( يونس : 2 ) ~~وقالوا : { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } ( الفرقان : 7 ) . # فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحى إليهم } والمعنى : أن عادة الله تعالى من أول زمان الخلق والتكليف أنه ~~لم يبعث رسولا إلا من البشر ، فهذه العادة مستمرة لله سبحانه وتعالى ، وطعن ~~هؤلاء الجهال بهذا السؤال الركيك أيضا طعن قديم فلا يلتفت إليه . # المسألة الثانية : دلت الآية على أنه تعالى ما أرسل أحدا من النساء ، ~~ودلت أيضا على أنه ما أرسل ملكا ، لكن ظاهر قوله : { جاعل الملائكة رسلا } ~~( فاطر : 1 ) يدل على أن الملائكة رسل الله إلى سائر الملائكة ، فكان ظاهر ~~هذه الآية دليلا على أنه ما أرسل رسولا من الملائكة إلى الناس . قال القاضي ~~: وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء عليهم السلام إلا من هو ~~بصورة الرجال من الملائكة . ثم قال القاضي : لعله أراد أن الملك الذي يرسل ~~إلى الأنبياء عليهم السلام بحضرة أممهم ، لأنه إذا كان كذلك فلا بد من أن ~~يكون أيضا بصورة الرجال ، كما روي أن جبريل عليه السلام حضر عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي وفي صورة سراقة ، وإنما قلنا ذلك ~~لأن المعلوم من حال الملائكة أن عند إبلاغ الرسالة من الله تعالى إلى ~~الرسول قد يبقون على ms5540 صورتهم الأصلية الملكية ، وقد روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته التي هو عليها مرتين ، وعليه ~~تأولوا قوله تعالى : { ولقد رءاه نزلة أخرى } ( النجم : 13 ) ولما ذكر الله ~~تعالى هذا الكلام أتبعه بقوله : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في المراد بأهل الذكر وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : يريد أهل التوراة ، والذكر هو التوراة . والدليل عليه قوله ~~تعالى : { ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر } ( الأنبياء : 105 ) يعني ~~التوراة . الثاني : قال الزجاج : فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب ~~الله تعالى / فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر ، والثالث : أهل الذكر أهل ~~العلم بأخبار الماضين ، إذ العالم بالشيء يكون ذاكرا له . والرابع : قال ~~الزجاج : معناه سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق . وأقول : الظاهر أن هذه ~~الشبهة وهي قولهم : الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر إنما ~~تمسك بها كفار مكة ، ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم ~~والكتب فأمرهم الله بأن يرجعوا في هذه المسألة إلى اليهود والنصارى ليبينوا ~~لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها ، فإن اليهودي والنصراني لا بد لهما من تزييف ~~هذه الشبهة وبيان سقوطها . # المسألة الثانية : اختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد ؟ ~~منهم من حكم بالجواز / واحتج بهذه الآية فقال : لما لم يكن أحد المجتهدين ~~عالما وجب عليه الرجوع إلى المجتهد الآخر الذي يكون عالما لقوله تعالى : { ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } فإن لم يجب فلا أقل من الجواز . # المسألة الثالثة : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : المكلف إذا نزلت ~~به واقعة فإن كان عالما بحكمها PageV20P030 لم يجز له القياس ، وإن لم يكن ~~عالما بحكمها وجب عليه سؤال من كان عالما بها لظاهر هذه الآية ، ولو كان ~~القياس حجة لما وجب عليه سؤال العالم لأجل أنه يمكنه استنباط ذلك الحكم ~~بواسطة القياس ، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر هذه ~~الآية فوجب أن ms5541 لا يجوز . والله أعلم . # وجوابه : أنه ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة ، والإجماع أقوى من ~~هذا الدليل ، والله أعلم . # ثم قال تعالى : { بالبينات والزبر } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : ذكروا في الجالب لهذه الباء وجوها : الأول : أن التقدير ~~: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالا يوحى إليهم ، وأنكر الفراء ~~ذلك وقال : إن صلة ما قبل إلا لا يتأخر إلى بعد ، والدليل عليه : أن ~~المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته ، فما لم يصر هذا المجموع مذكورا ~~بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه . الثاني : أن التقدير : وما أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا يوحى إليهم بالبينات والزبر ، وعلى هذا التقدير فقوله : { ~~بالبينات والزبر } متعلق بالمستثنى . والثالث : أن الجالب لهذا الباء محذوف ~~، والتقدير أرسلناهم بالبينات وهذا قول الفراء . قال : ونظيره ما مر إلا ~~أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ثم يقول مر بزيد . الرابع : أن يقال : الذكر ~~بمعنى العلم ، والتقدير فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر إن كنتم لا ~~تعلمون . الخامس : أن يكون التقدير : إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر ~~فاسألوا أهل الذكر . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { بالبينات والزبر } لفظة جامعة لكل ما ~~تكامل به الرسالة ، لأن مدار أمرها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي ~~الرسالة وهي البينات وعلى التكاليف التي يبلغها الرسول من الله تعالى إلى ~~العباد وهي الزبر . # ثم قال تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ظاهر هذا الكلام يقتضي أن هذا الذكر مفتقر إلى بيان ~~رسول الله والمفتقر إلى البيان مجمل ، فظاهر هذا النص يقتضي أن القرآن كله ~~مجمل ، فلهذا المعنى قال بعضهم متى وقع التعارض بين القرآن وبين الخبر وجب ~~تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والدليل عليه هذه الآية ، والخبر مبين له ~~بدلالة هذه الآية ، والمبين مقدم على المجمل . # / والجواب : أن القرآن منه محكم ، ومنه متشابه ، والمحكم يجب كونه مبينا ~~فثبت أن القرآن ليس كله مجملا بل فيه ما يكون مجملا فقوله : { لتبين للناس ~~ما نزل إليهم } محمول على المجملات . # المسألة ms5542 الثانية : ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون الرسول صلى الله عليه ~~وسلم هو المبين لكل ما أنزله الله تعالى على المكلفين ، فعند هذا قال نفاة ~~القياس لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول بيان كل ما أنزله الله تعالى ~~على المكلفين من الأحكام ، لاحتمال أن بين المكلف ذلك الحكم بطريقة القياس ~~، ولما دلت هذه الآية على أن المبين لكل التكاليف والأحكام ، هو الرسول صلى ~~الله عليه وسلم علمنا أن القياس ليس بحجة . # وأجيب عنه بأنه صلى الله عليه وسلم لما بين أن القياس حجة ، فمن رجع في ~~تبيين الأحكام والتكاليف إلى القياس ، كان ذلك في الحقيقة رجوعا إلى بيان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . # ثم قال تعالى : { أفأمن الذين مكروا السيئات } المكر في اللغة عبارة عن ~~السعي بالفساد على سبيل PageV20P031 الإخفاء ، ولا بد ههنا من إضمار ، ~~والتقدير : المكرات السيئات ، والمراد أهل مكة ومن حول المدينة . قال ~~الكلبي : المراد بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله تعالى ، والأقرب أن ~~المراد سعيهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه على سبيل الخفية ~~، ثم إنه تعالى ذكر في تهديدهم أمورا أربعة : الأول : أن يخسف الله بهم ~~الأرض كما خسف بقارون . الثاني : أن يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ، ~~والمراد أن يأتيهم العذاب من السماء من حيث يفجؤهم فيهلكهم بغتة كما فعل ~~بقوم لوط . والثالث : أن يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين ، وفي تفسير هذا ~~التقلب وجوه : الأول : أنه يأخذهم بالعقوبة في أسفارهم ، فإنه تعالى قادر ~~على إهلاكهم في السفر كما أنه قادر على إهلاكهم في الحضر وهم لا يعجزون ~~الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة بل يدركهم الله حيث كانوا ، وحمل لفظ ~~التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى : { لا يغرنك تقلب الذين كفروا ~~فى البلاد } ( آل عمران : 196 ) . وثانيهما : تفسير هذا اللفظ بأنه يأخذهم ~~بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم وحقيقته في حال ~~تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم . وثالثها : أن يكون المعنى أو ~~يأخذهم في حال ms5543 ما ينقلبون في قضايا أفكارهم فيحول الله بينهم وبين إتمام ~~تلك الحيل قسرا كما قال : { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط ~~فأنى يبصرون } ( يس : 66 ) وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله : ~~{ وقلبوا لك الامور } ( التوبة : 48 ) فإنهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها . # والنوع الرابع : من الأشياء التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية على سبيل ~~التهديد قوله تعالى : { أو يأخذهم على تخوف } وفي تفسير التخوف قولان : # / القول الأول : التخوف تفعل من الخوف ، يقال خفت الشيء وتخوفته والمعنى ~~أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب أولا بل يخيفهم أولا ثم يعذبهم بعده ، وتلك ~~الإخافة هو أنه تعالى يهلك فرقة فتخاف التي تليها فيكون هذا أخذا ورد عليهم ~~بعد أن يمر بهم قبل ذلك زمانا طويلا في الخوف والوحشة . # والقول الثاني : أن التخوف هو التنقص قال ابن الأعرابي يقال : تخوفت ~~الشيء وتخفيته إذا تنقصته ، وعن عمر أنه قال على المنبر : ما تقولون في هذه ~~الآية ؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا التخوف التنقص ، فقال ~~عمر : هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال : نعم . قال شاعرنا وأنشد : # تخوف الرحل منها تامكا قردا # كما تخوف عود النبعة السفن فقال عمر : أيها الناس عليكم بديوانكم لا ~~تضلوا ، قالوا : وما ديواننا ؟ قال شعر الجاهلية فيه تفسير كتابكم . # إذا عرفت هذا فنقول : هذا التنقص يحتمل أن يكون المراد منه ما يقع في ~~أطراف بلادهم كما قال تعالى : { أفلا يرون أنا نأتى الارض ننقصها من ~~أطرافها } ( الأنبياء : 44 ) والمعنى أنه تعالى لا يعاجلهم بالعذاب ولكن ~~ينقص من أطراف بلادهم إلى القرى التي تجاورهم حتى يخلص الأمر إليهم فحينئذ ~~يهلكهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه ينقص أموالهم وأنفسهم قليلا قليلا حتى ~~يأتي الفناء على الكل فهذا تفسير هذه الأمور الأربعة ، والحاصل أنه تعالى ~~خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء أو بآفات تحدث دفعة ~~واحدة حال ما لا يكونون عالمين بعلاماتها ودلائلها ، أو بآفات تحدث قليلا ~~قليلا إلى أن يأتي الهلاك على ms5544 آخرهم ثم ختم الآية بقوله : { فإن ربكم لرؤوف ~~رحيم } والمعنى أنه يمهل في أكثر الأمور لأنه رؤوف رحيم فلا يعاجل بالعذاب ~~. # PageV20P032 ! 7 < { أو لم يروا إلى ما خلق الله من شىء يتفيأ ظلاله عن ~~اليمين والشمآئل سجدا لله وهم داخرون * ولله يسجد ما فى السماوات وما فى ~~الا رض من دآبة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ~~ما يؤمرون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 48 - 50 ) أو لم يروا . . . . . # > > # /في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما خوف المشركين بالأنواع الأربعة ~~المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال ~~العالم العلوي والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام ، ليظهر لهم أن مع ~~كمال هذه القدرة القاهرة ، والقوة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب ~~إليهم على أحد تلك الأقسام الأربعة . # المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي : { أو لم * تروا } بالتاء على ~~الخطاب ، وكذلك في سورة العنكبوت : { أو لم * تروا كيف * يبدىء الله الخلق ~~ثم يعيده } ( العنكبوت : 19 ) بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء فيهما ~~كناية عن الذين مكروا السيئات ، وأيضا أن ما قبله غيبة وهو قوله : { أن ~~يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب * أو يأخذهم } ( النحل : 45 ، 46 ) ~~فكذا قوله : { أو لم * يروا } وقرأ أبو عمرو وحده : { * تتفيؤ } بالتاء ~~والباقون بالياء ، وكلاهما جائز لتقدم الفعل على الجمع . # المسألة الثالثة : قوله : { أو لم * يروا إلى ما خلق الله } لما كانت ~~الرؤية ههنا بمعنى النظر وصلت بإلى ، لأن المراد به الاعتبار ولاعتبار لا ~~يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله ، وقوله : { ~~إلى ما خلق الله من شىء } قال أهل المعاني : أراد من شيء له ظل من جبل وشجر ~~وبناء وجسم قائم ، ولفظ الآية يشعر بهذا القيد ، لأن قوله : { من شىء * ~~يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمآئل } يدل على أن ذلك الشيء كثيف يقع له ظل على ~~الأرض . وقوله : { يتفيأ ظلاله } إخبار عن قوله : { شىء } وليس بوصف له ، ~~ويتفيأ يتفعل من الفيء يقال : فاء الظل يفيء فيئا ms5545 إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ~~ضياء الشمس ، وأصل الفيء الرجوع ، ومنه فيء المولي وذكرنا ذلك في قوله ~~تعالى : { فان * انتهوا فإن الله غفور رحيم } ( البقرة : 226 ) وكذلك فيء ~~المسلمين لما يعود على المسلمين من مال من خالف دينهم ، ومنه قوله تعالى : ~~{ ما أفاء الله على رسوله * منهم } ( الحشر : 6 ) وأصل هذا كله من الرجوع . # إذا عرفت هذا فنقول : إذا عدي فاء فإنه يعدى إما بزيادة الهمزة إو بتضعيف ~~العين . أما التعدية بزيادة الهمزة كقوله : { ما أفاء الله } وأما بتضعيف ~~العين فكقوله فيأ الله الظل فتفيأ وتفيأ مطاوع فيأ . قال الأزهري : تفيؤ ~~الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار ، فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي بعدما ~~انصرفت عنه الشمس والظل ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس كمال قال ~~الشاعر : PageV20P033 # فلا الظل من برد الضحى تستطيعه # ولا الفيء من برد العشي تذوق قال ثعلب : أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال ~~: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء / وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل ~~، ومنهم من أنكر ذلك ، فإن أبا زيد أنشد للنابغة الجعدي : # فلام الإله يغدو عليهم # وفيؤ الغروس ذات الظلال فهذا الشعر قد أوقع فيه لفظ الفيء على ما لم ~~تنسخه الشمس ، لأن ما في الجنة من الظل ما صحل بعد أن كان زائلا بسبب نور ~~الشمس وتقول العرب في جمع في أفياء وهي للعدد القليل / وفيؤ للكثير كالنفوس ~~والعيون ، وقوله : { ظلاله } أضاف الظلال إلى مفرد ، ومعناه الإضافة إلى ~~ذوي الظلال ، وإنما حسن هذا ، لأن الذي عاد إليه الضمير وإن كان واحدا في ~~اللفظ وهو قوله إلى ما خلق الله ، إلا أنه كثير في المعنى ، ونظيره قوله ~~تعالى : { لتستووا على ظهوره } ( الزخرف : 13 ) فأضاف الظهور وهو جمع ، إلى ~~ضمير مفرد ، لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو قوله : { ما تركبون } ~~هذا كله كلام الواحدي وهو بحث حسن . أما قوله : { عن اليمين والشمآئل } ~~ففيه بحثان : # البحث الأول : في المراد باليمين والشمائل قولان : # القول الأول : أن يمين الفلك ms5546 هو المشرق وشماله هو المغرب ، والسبب في ~~تخصيص هذين الاسمين بهذين الجانبين أن أقوى جانبي الإنساني يمينه ، ومنه ~~تظهر الحركة القوية ، فلما كانت الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق إلى ~~المغرب ، لا جرم كان المشرق يمين الفلك والمغرب شماله . # إذا عرفت هذا فنقول : إن الشمس عند طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط ~~الفلك تقع الإظلال إلى الجانب الغربي ، فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى ~~الجانب الغربي وقع الإظلال في الجانب الشرقي ، فهذا هو المراد من تفيؤ ~~الظلال من اليمين إلى الشمال وبالعكس ، وعلى هذا التقدير : فالإظلال في أول ~~النهار تبتدىء من يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض ، ومن وقت انحدار ~~الشمس من وسط الفلك تبتدىء الإظلال من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي ~~من الأرض . # القول الثاني : أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل ، فإن في ~~الصيف تحصل الشمس على يسارها ، وحينئذ يقع الإظلال على يمينهم ، فهذا هو ~~المراد من انتقال الإظلال عن الأيمان إلى الشمائل وبالعكس . هذا ما حصلته ~~في هذا الباب ، وكلام المفسرين فيه غير ملخص . # البحث الثاني : لقائل أن يقول : ما السبب في أن ذكر اليمين بلفظ الواحد ، ~~والشمائل بصيغة الجمع ؟ . # وأجيب عنه بأشياء : أحدها : أنه وحد اليمين والمراد الجمع ولكنه اقتصر في ~~اللفظ على الواحد / كقوله تعالى : { ويولون الدبر } ( القمر : 45 ) . ~~وثانيها : قال الفراء : كأنه إذا وحد ذهب إلى واحدة من ذوات الأظلال ، وإذا ~~جمع ذهب إلى كلها ، وذلك لأن قوله : { ما خلق الله من شىء } لفظه واحد ، ~~ومعناه الجمع على ما بيناه فيحتمل كلا الأمرين . وثالثها : أن العرب إذا ~~ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله تعالى : { وجعل الظلمات ~~والنور } ( الأنعام : 1 ) وقوله : { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم } ( ~~البقرة : 7 ) . ورابعها : أنا إذا فسرنا اليمين بالمشرق كانت النقطة التي ~~هي مشرق الشمس واحدة بعينها ، فكانت اليمين PageV20P034 واحدة . وأما ~~الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الأظلال بعد وقوعها على ~~الأرض وهي كثيرة ، فلذلك عبر الله تعالى عنها ms5547 بصيغة الجمع والله أعلم . # المسألة الرابعة : أما قوله : { سجدا لله } ففيه احتمالات : الأول : أن ~~يكون المراد من السجود الاستسلام والانقياد يقال : سجد البعير إذا طأطأ ~~رأسه ليركب ، وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل ويقال : أسجد لقرد السوء ~~في زمانه ، أي أخضع له قال الشاعر : # ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # أي متواضعة إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى دبر النيرات الفلكية ، ~~والأشخاص الكوكبية بحيث يقع أضواؤها على هذا العالم السفلي على وجوه مخصوصة ~~. ثم إنا نشاهد أن تلك الأضواء ، وتلك الإظلال لا تقع في هذا العالم إلا ~~على وفق تدبير الله تعالى وتقديره ، فنشاهد أن الشمس إذا طلعت وقعت الأجسام ~~الكثيفة أظلال ممتدة في الجانب الغربي من الأرض ، ثم كلما ازدادت الشمس ~~طلوعا وارتفاعا / ازدادت تلك الأظلال تقلصا وانتقاصا إلى الجانب الشرقي إلى ~~أن تصل الشمس إلى وسط الفلك ، فإذا انحدرت إلى الجانب الغربي ابتدأت ~~الأظلال بالوقوع في الجانب الشرقي ، وكلما ازدادت الشمس انحدارا ازدادت ~~الأظلال تمددا وتزايدا في الجانب الشرقي . وكما أنا نشاهد هذه الحالة في ~~اليوم الواحد ، فكذلك نشاهد أحوال الأظلال مختلفة في التيامن والتياسر في ~~طول السنة ، بسبب اختلاف أحوال الشمس في الحركة من الجنوب إلى الشمال ~~وبالعكس ، فلما شاهدنا أحوال هذه الأظلال مختلفة بسبب الاختلافات اليومية ~~الواقعة في شرق الأرض وغربها ، وبحسب الاختلافات الواقعة في طول السنة في ~~يمين الفلك ويساره ، ورأينا أنها واقعة على وجه مخصوص وترتيب معين ، علمنا ~~أنها منقادة لقدرة الله خاضعة لتقديره وتدبيره ، فكانت السجدة عبارة عن هذه ~~الحالة . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : اختلاف حال هذه الأظلال معلل باختلاف سير ~~النير الأعظم الذي هو الشمس ، لا لأجل تقدير الله تعالى وتدبيره ؟ . # / قلنا : قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركا لذاته ، إذ لو كانت ذاته ~~علة لهذا الجزء المخصوص من الحركة ، لبقي هذا الجزء من الحركة لبقاء ذاته ، ~~ولو بقي ذلك الجزء من الحركة لامتنع حصول الجزء الآخر من الحركة ، ولو كان ~~الأمر كذلك لكان هذا سكونا لا حركة ، فالقول ms5548 بأن الجسم المتحرك لذاته يوجب ~~القول بكونه ساكنا لذاته وأنه محال ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلا ، ~~فعلمنا أن الجسم يمتنع كونه متحركا لذاته ، وأيضا فقد دللنا على أن الأجسام ~~متماثلة في تمام الماهية ، فاختصاص جرم الشمس بالقوة المعينة والخاصية ~~المعينة لا بد وأن يكون بتدبير الخالق المختار الحكيم . # إذا ثبت هذا فنقول : هب أن اختلاف أحوال الأظلال إنما كان لأجل حركات ~~الشمس ، إلا أنا لما دللنا على أن محرك الشمس بالحركة الخاصة ليس إلا الله ~~سبحانه كان هذا دليلا على أن اختلاف أحوال الأظلال لم يقع إلا بتدبير الله ~~تعالى وتخليقه ، فثبت أن المراد بهذا السجود الانقياد والتواضع ، ونظيره ~~قوله : { والنجم والشجر يسجدان } ( الرحمن : 6 ) وقوله : { وظلالهم بالغدو ~~والاصال } ( الرعد : 15 ) قد مر بيانه وشرحه . # والقول الثاني : في تفسير هذا السجود ، أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ~~ملتصقة بها على هيئة PageV20P035 الساجد . قال أبو العلاء المعري في صفة ~~واد : # بحرف يطيل الجنح فيه سجوده # وللأرض زي الراهب المتعبد فلما كانت الأظلال تشبه بشكلها شكل الساجدين ~~أطلق الله عليها هذا اللفظ ، وكان الحسن يقول : أما ظلك فسجد لربك ، وأما ~~أنت فلا تسجد له بئسما صنعت ، وقال مجاهد : ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي ، ~~وقيل : ظل كل شيء يسجد لله سواء كان ذلك ساجدا أم لا . # واعلم أن الوجه الأول أقرب إلى الحقائق العقلية ، والثاني أقرب إلى ~~الشبهات الظاهرة . # المسألة الخامسة : وقوله : { سجدا } حال من الظلال وقوله : { وهم داخرون ~~} أي صاغرون ، يقال : دخر يدخر دخورا ، أي صغر يصغر صغارا ، وهو الذي يفعل ~~ما تأمره شاء أم أبى ، وذلك لأن هذه الأشياء منقادة لقدرة الله تعالى ~~وتدبيره وقوله : { وهم داخرون } حال أيضا من الظلال . # فإن قيل : الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها بالواو والنون ؟ . # قلنا : لأنه تعالى لما وصفهم بالطاعة والدخور أشبهوا العقلاء . # أما قوله تعالى : { ولله يسجد ما فى * السماوات وما في الارض من * دآبة ~~والملئكة } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قد ذكرنا أن السجود على نوعين : سجود هو عبادة ms5549 كسجود ~~المسلمين لله تعالى ، وسجود هو عبارة عن الانقياد لله تعالى والخضوع ، ~~ويرجع حاصل هذا السجود إلى أنها / في نفسها ممكنة الوجود والعدم قابلة لهما ~~/ وأنه لا يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح . # إذا عرفت هذا فنقول : من الناس من قال : المراد بالسجود المذكور في هذه ~~الآية السجود بالمعنى الثاني وهو التواضع والانقياد ، والدليل عليه أن ~~اللائق بالدابة ليس إلا هذا السجود ومنهم من قال : المراد بالسجود ههنا هو ~~المعنى الأول ، لأن اللائق بالملائكة هو السجود بهذا المعنى لأن السجود ~~بالمعنى الثاني حاصل في كل الحيوانات والنباتات والجمادات ، ومنهم من قال : ~~السجود لفظ مشترك بين المعنيين ، وحمل اللفظ المشترك لإفادة مجموع معنييه ~~جائز ، فحمل لفظ السجود في هذه الآية على الأمرين معا ، أما في حق الدابة ~~فبمعنى التواضع ، وأما في حق الملائكة فبمعنى سجود المسلمين لله تعالى ، ~~وهذا القول ضعيف ، لأنه ثبت أن استعمال اللفظ المشترك لإفادة جميع مفهوماته ~~معا غير جائز . # المسألة الثانية : قوله : { من دابة } قال الأخفش : يريد من الدواب وأخبر ~~بالواحد كما تقول ما أتاني من رجل مثله ، وما أتاني من الرجال مثله ، وقال ~~ابن عباس : يريد كل ما دب على الأرض . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : ما الوجه في تخصبص الدواب والملائكة ~~بالذكر ؟ فنقول فيه وجوه : # الوجه الأول : أنه تعاني بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة ~~لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى ، لأن ~~أخسها الدواب وأشرفها الملائكة ، فلما بين في أخسها وفي أشرفها كونها ~~منقادة لله تعالى كان ذلك دليلا على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى . # والوجه الثاني : قال حكماء الإسلام : الدابة اشتقاقها من الدبيب ، ~~والدبيب عبارة عن الحركة PageV20P036 الجسمانية ، فالدابة اسم لكل حيوان ~~جسماني يتحرك ويدب ، فلما بين الله تعالى الملائكة عن الدابة علمنا أنها ~~ليست مما يدب ، بل هي أرواح محضة مجردة ، ويمكن الجواب عنه بأن الجناح ~~للطيران مغاير للدبيب بدليل قوله تعالى : { وما من دابة فى الارض ولا طائر ~~يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) والله ms5550 أعلم . # أما قوله تعالى : { وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما ~~يؤمرون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المقصود من هذه الآية شرح صفات الملائكة وهي دلالة ~~قاهرة قاطعة على عصمة الملائكة عن جميع الذنوب ، لأن قوله : { وهم لا ~~يستكبرون } يدل على أنهم منقادون لصانعهم وخالقهم وأنهم ما خالفوه في أمر ~~من الأمور ، ونظيره قوله تعالى : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ( مريم : 64 ) ~~وقوله : { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ( الأنبياء : 27 ) وأما ~~قوله : { ويفعلون ما يؤمرون } فهذا أيضا / يدل على أنهم فعلوا كل ما كانوا ~~مأمورين به ، وذلك يدل على عصمتهم عن كل الذنوب . # فإن قالوا : هب أن هذه الآية تدل على أنهم فعلوا كل ما أمروا به فلم قلتم ~~إنها تدل على أنهم تركوا كل ما نهوا عنه ؟ . # قلنا : لأن كل ما نهي عن شيء فقد أمر بتركه ، وحينئذ يدخل في اللفظ ، ~~وإذا ثبت بهذه الآية كون الملائكة معصومين من كل الذنوب ، وثبت أن إبليس ما ~~كان معصوما من الذنوب بل كان كافرا ، لزم القطع بأن إبليس ما كان من ~~الملائكة . # والوجه الثاني : في بيان هذا المقصود أنه تعالى قال في صفة الملائكة : { ~~وهم لا يستكبرون } ثم قال لإبليس : { أستكبرت أم كنت من العالين } ( ص : 75 ~~) وقال أيضا له : { فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها } ( الأعراف : 13 ~~) فثبت أن الملائكة لا يستكبرون وثبت أن إبليس تكبر واستكبر فوجب أن لا ~~يكون من الملائكة وأيضا لما ثبت بهذه الآية وجوب عصمة الملائكة / ثبت أن ~~القصة الخبيثة التي يذكرونها في حق هاروت وماروت كلام باطل ، فإن الله ~~تعالى وهو أصدق القائلين لما شهد في هذه الآية على عصمة الملائكة وبراءتهم ~~عن كل ذنب ، وجب القطع بأن تلك القصة كاذبة باطلة والله أعلم . واحتج ~~الطاعنون في عصمة الملائكة بهذه الآية فقالوا : إنه تعالى وصفهم بالخوف ، ~~ولولا أنهم يجوزون على أنفسهم الإقدام على الكبائر والذنوب وإلا لم يحصل ~~الخوف . # والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى منذرهم من العقاب فقال : { ومن ms5551 يقل ~~منهم إنى إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم } ( الأنبياء : 29 ) وهم لهذا ~~الخوف يتركون الذنب . والثاني : وهو الأصح أن ذلك الخوف خوف الإجلال هكذا ~~نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ، والدليل على صحته قوله تعالى : { إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) وهذا يدل على أنه كلما كانت ~~معرفة الله تعالى أتم ، كان الخوف منه أعظم ، وهذا الخوف لا يكون إلا خوف ~~الإجلال والكبرياء والله أعلم . # المسألة الثانية : قالت المشبهة قوله تعالى : { يخافون ربهم من فوقهم } ~~هذا يدل على أن الإله تعالى فوقهم بالذات . PageV20P037 # واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهة في تفسير قوله تعالى : { وهو ~~القاهر فوق عباده } ( الأنعام : 18 ) والذي نزيده ههنا أن قوله : { يخافون ~~ربهم من فوقهم } معناه يخافون ربهم من أن ينزل عليهم العذاب من فوقهم ، ~~وإذا كان اللفظ محتملا لهذا المعنى سقط قولهم ، وأيضا يجب حمل هذه الفوقية ~~على الفوقية بالقدرة والقهر كقوله : { وإنا فوقهم قاهرون } ( الأعراف : 127 ~~) والذي يقوي هذا الوجه أنه تعالى لما قال : { يخافون ربهم من فوقهم } وجب ~~أن يكون المقتضى لهذا الخوف هو كون ربهم فوقهم لما ثبت / في أصول الفقه أن ~~الحكم المرتب على الوصف يشعر بكون الحكم معللا بذلك الوصف . # إذا ثبت هذا فنقول : هذا التعطيل إنما يصح لو كان المراد بالفوقية ~~الفوقية بالقهر والقدرة لأنها هي الموجبة للخوف ، أما الفوقية بالجهة ~~والمكان فهي لا توجب الخوف بدليل أن حارس البيت فوق الملك بالمكان والجهة ~~مع أنه أخس عبيده فسقطت هذه الشبهة . # المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن الملائكة مكلفون من قبل الله ~~تعالى وأن الأمر والنهي متوجه عليهم كسائر المكلفين ، ومتى كانوا كذلك وجب ~~أن يكونوا قادرين على الخير والشر . # المسألة الرابعة : تمسك قوم بهذه الآية في بيان أن الملك أفضل من البشر ~~في وجوه : # الوجه الأول : أنه تعالى قال : { ولله يسجد ما فى * السماوات وما في ~~الارض من * دآبة والملئكة } وذكرنا أن تخصيص هذين النوعين بالذكر إنما يحسن ~~إذا كان أحد الطرفين ms5552 أخس المراتب وكان الطرف الثاني أشرفها حتى يكون ذكر ~~هذين الطرفين منبها على الباقي ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الملائكة أشرف ~~خلق الله تعالى . # الوجه الثاني : أن قوله تعالى : { وهم لا يستكبرون } يدل على أنه ليس في ~~قلوبهم تكبر وترفع وقوله : { ويفعلون ما يؤمرون } يدل على أن أعمالهم خالية ~~عن الذنب والمعصية ، فمجموع هذين الكلامين يدل على أن بواطنهم وظواهرهم ~~مبرأة عن الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة ، وأما البشر فليسوا كذلك . ~~ويدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى : { قتل الإنسان ما ~~أكفره } ( عبس : 17 ) وهذا الحكم عام في الإنسان ، وأقل مراتبه أن تكون ~~طبيعة الإنسان مقتضية لهذه الأحوال الذميمة ، وأما الخبر فقوله عليه السلام ~~: ( ما منا إلا وقد عصى أو هم بالمعصية غير يحيى بن زكريا ) ومن المعلوم ~~بالضرورة أن المبرأ عن المعصية والهم بها أفضل ممن عصى أو هم بها . # الوجه الثالث : أنه لا شك أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بأدوار ~~متطاولة وأزمان ممتدة ، ثم إنه وصفهم بالطاعة والخضوع والخشوع طول هذه ~~المدة ، وطول العمر مع الطاعة يوجب مزيد الفضيلة لوجهين : الأول : قوله ~~عليه السلام : ( الشيخ في قومه كالنبي في أمته ) فضل الشيخ على الشاب ، وما ~~ذاك إلا لأنه لما كان عمره أطول فالظاهر أن طاعته أكثر فكان أفضل . والثاني ~~: أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة فلما كان شروع الملائكة في الطاعات قبل شروع البشر ~~فيها لزم أن يقال إنهم هم الذين سنوا هذه السنة الحسنة ، وهي طاعة الخالق ~~القديم الرحيم ، والبشر إنما جاؤوا بعدهم واستنوا سنتهم ، فوجب بمقتضى هذا ~~الخبر أن كل ما حصل للبشر من الثواب فقد حصل مثله للملائكة ولهم ثواب القدر ~~الزائد من الطاعة فوجب كونهم أفضل من غيرهم . PageV20P038 # / الوجه الرابع : في دلالة الآية على هذا المعنى قوله : { يخافون ربهم من ~~فوقهم } وقد بينا بالدليل أن هذه الفوقية عبارة عن الفوقية بالرتبة والشرف ~~والقدرة والقوة ، فظاهر الآية يدل على ms5553 أنه لا شيء فوقهم في الشرف والرتبة ~~إلا الله تعالى ، وذلك يدل على كونهم أفضل المخلوقات والله أعلم . # ! 7 < { وقال الله لا تتخذوا إلاهين اثنين إنما هو إلاه واحد فإياي ~~فارهبون * وله ما فى السماوات والا رض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون * ~~وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون * ثم إذا كشف الضر ~~عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون * ليكفروا بمآ ءاتيناهم فتمتعوا فسوف ~~تعلمون < < # | النحل : ( 51 - 55 ) وقال الله لا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن كل ما سوى الله سواء كان من ~~عالم الأرواح أو من عالم الأجسام ، فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى ~~وكبريائه ، أتبعه في هذه الآية بالنهي عن الشرك وبالأمر بأن كل ما سواه فهو ~~ملكه وملكه وأنه غني عن الكل فقال : { لا تتخذوا إلاهين اثنين إنما هو إلاه ~~واحد } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : إن الإلهين لا بد وأن يكونا اثنين ، ~~فما الفائدة في قوله : { إلاهين اثنين } . # وجوابه من وجوه : أحدها : قال صاحب ( النظم ) : فيه تقديم وتأخير ، ~~والتقدير : لا تتخذوا اثنين إلهين . وثانيها : وهو الأقرب عندي أن الشيء ~~إذا كان مستنكرا مستقبحا ، فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه ~~بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سببا لوقوف العقل على ما فيه من ~~القبح . # / إذا عرفت هذا القول بوجود الإلهين قول مستقبح في العقول ، ولهذا المعنى ~~فإن أحدا من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجوب والقدم وصفات ~~الكمال ، فقوله : { لا تتخذوا إلاهين اثنين } المقصود من تكريره تأكيد ~~التنفير عنه وتكميل وقوف العقل على ما فيه من القبح . وثالثها : أن قوله : ~~{ إلاهين } لفظ واحد يدل على أمرين : ثبوت الإله وثبوت التعدد ، فإذا قيل : ~~لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا الفظ أن النهي وقع عن إثبات الإله أو عن ~~إثبات التعدد أو عن مجموعهما . فلما قال : { لا تتخذوا إلاهين اثنين } ثبت ~~أن قوله : { لا تتخذوا إلاهين } نهي عن إثبات التعدد فقط ms5554 . ورابعها : أن ~~الأثينية منافية للإلهية ، وتقريره من وجوه : الأول : أنا لو فرضنا موجودين ~~يكون كل واحد منهما واجبا لذاته لكانا مشتركين في الوجوب الذاتي ومتباينين ~~بالتعين وما به المشاركة غير ما به المباينة ، فكل واحد منهما مركب من ~~جزأين ، وكل مركب فهو ممكن ، فثبت أن القول بأن واجب الوجود أكثر من واحد ~~ينفي القول بكونهما واجبي الوجود . والثاني : أنا لو فرضنا إلهين وحاول ~~PageV20P039 أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه امتنع كون أحدهما أولى بالفعل ~~من الثاني ، لأن الحركة الواحدة والسكون الواحد لا يقبل القسمة أصلا ولا ~~التفاوت أصلا ، وإذا كان كذلك امتنع أن تكون القدرة على أحدهما أكمل من ~~القدرة على الثاني ، وإذا ثبت هذا امتنع كون إحدى القدرتين أولى بالتأثير ~~من الثانية ، وإذا ثبت هذا فإما أن يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال ، أو ~~لا يحصل مراد كل واحد منهما وهو محال أو لا يحصل مراد كل واحد منهما ألبتة ~~. فحينئذ يكون كل واحد منهما عاجزا والعاجز لا يكون إلها . فثبت أن كونهما ~~اثنين ينفي كون كل واحد منهما إلها . الثالث : أنا لو فرضنا إلهين اثنين ~~لكان إما أن يقدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر ، فإن قدر ~~ذاك إله والآخر ضعيف ، وإن لم يقدر فهو ضعيف ، والرابع : وهو أن أحدهما إما ~~أن يقوى على مخالفة الآخر ، أو لا يقوى عليه فإن لم يقو عليه فهو ضعيف ، ~~وإن قوي عليه فذاك الآخر إن لم يقو على الدفع فهو ضعيف ، وإن قوي عليه ~~فالأول المغلوب ضعيف . فثبت أن الأثنينية والإلهية متضادتان . فقوله : { لا ~~تتخذوا إلاهين اثنين } المقصود منه التنبيه على حصول المنافاة والمضادة بين ~~الإلهية وبين الأثينية . والله أعلم . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال : { إنما هو إلاه واحد } والمعنى ~~: أنه لما دلت الدلائل السابقة على أنه لا بد للعالم من الإله ، وثبت أن ~~القول بوجود الإلهين محال ، ثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الحق الصمد . # ثم قال بعده : { فإياي فارهبون } وهذا رجوع ms5555 من الغيبة إلى الحضور ، ~~والتقدير : أنه لما ثبت / أن الإله واحد وثبت أن المتكلم بهذا الكلام إله ، ~~فحينئذ ثبت إنه لا إله للعالم إلا المتكلم بهذا الكلام ، فحينئذ يحسن منه ~~أن يعدل من الغيبة إلى الحضور ، ويقول : { فإياي فارهبون } وفيه دقيقة أخرى ~~وهو أن قوله : { فإياي فارهبون } يفيد الحصر ، وهو أن لا يرهب الخلق إلا ~~منه ، وأن لا يرغبوا إلا في فضله وإحسانه ، وذلك لأن الموجود إما قديم وإما ~~محدث ، أما القديم الذي هو الإله فهو واحد ، وأما ما سواه فمحدث ، وإنما ~~حدث بتخليق ذلك القديم وبإيجاده ، وإذا كان كذلك فلا رغبة إلا إليه ولا ~~رهبة إلا منه ، فبفضله تندفع الحاجات وبتكوينه وبتخليقه تنقطع الضرورات . # ثم قال بعده : { وله ما فى * السماوات والارض } وهذا حق ، لأنه لما كان ~~الإله واحدا ، والواجب لذاته واحدا ، كان كل ما سواه حاصلا بتخليقه وتكوينه ~~وإيجاده ، فثبت بهذا البرهان صحة قوله : { وله ما فى * السماوات والارض } ~~واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، لأن ~~أفعال العباد من جملة ما في السموات والأرض ، فوجب أن تكون أفعال العباد ~~لله تعالى ، وليس المراد من كونها لله تعالى أنها مفعولة لله لأجله ولغرض ~~طاعته ، لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة ، ~~لا لغرض الطاعة ، فوجب أن يكون المراد من قولنا إنها لله أنها واقعة ~~بتكوينه وتخليقه وهو المطلوب . # ثم قال بعده : { وله الدين واصبا } الدين ههنا الطاعة ، والواصب الدائم . ~~يقال : وصب الشيء يصب وصوبا إذا دام ، قال تعالى : { ولهم عذاب واصب } ( ~~الصافات : 9 ) ويقال : واظب على الشيء وواصب عليه إذا داوم ، ومفازة واصبة ~~أي بعيدة لا غاية لها . ويقال للعليل واصب ، ليكون ذلك المرض لازما له . ~~قال ابن قتيبة : ليس من أحد يدان له ويطاع ، إلا انقطع ذلك بسبب في حال ~~الحياة أو بالموت إلا الحق سبحانه ، فإن PageV20P040 طاعته واجبة أبدا . # واعلم أن قوله { واصبا } حال ، والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل . ~~وأقول : الدين قد يعني به الأنقياد ، يقال ms5556 : يا من دانت له الرقاب أي ~~انقادت ، فقوله { وله الدين واصبا } أي انقياد كل ما سواه لا لازم أبدا ، ~~لأن انقياد غيره له معلل بأن غيره ممكن لذاته ، والممكن لذاته يلزمه أن ~~يكون محتاجا إلى السبب في طرفي الوجود والعدم ، والماهيات يلزمها الإمكان ~~لزوما ذاتيا ، والإمكان يلزمه الاحتياج إلى المؤثر لزوما ذاتيا ، ينتج أن ~~الماهيات يلزمها الاحتياج إلى المؤثر لزوما ذاتيا ، فهذه الماهيات موصوفة ~~بالانقياد لله تعالى اتصافا دائما واجبا لازما ممتنع التغير . وأقول : في ~~الآية دقيقة أخرى ، وهي أن العقلاء اتفقوا على أن الممكن حال حدوثه محتاج ~~إلى السبب المرجح ، واختلفوا في الممكن حال بقائه هل هو محتاج إلى السبب ؟ ~~قال المحققون : إنه محتاج لأن علة الحاجة هي الامكان ، والإمكان من لوازم ~~الماهية فيكون حاصلا للماهية حال حدوثها وحال بقائها فتكون علة الحاجة حال ~~حدوث الممكن وحال بقائه ، فوجب أن تكون الحاجة حاصلة حال حدوثها وحال ~~بقائها . # إذا عرفت هذا فقوله { وله ما في السموات والأرض } معناه : أن كل ما سوى ~~الحق فإنه محتاج في انقلابه من العدم إلى الوجود أو من الوجود إلى العدم ~~إلى مرجح ومخصص ، وقوله ، { وله الدين واصبا } معناه أن هذا الانقياد وهذا ~~الاحتياج حاصل دائما أبدا ، وهو إشارة إلى ما ذكرناه من أن الممكن حال ~~بقائه لا يستغني عن المرجح والمخصص ، وهذه دقائق من أسرار العلوم الإلهية ~~مودعة في هذه الألفاظ الفائضة من عالم الوحي والنبوة . # ثم قال تعالى { أفغير الله تتقون } والمعنى : أنكم بعدما عرفتم أن إله ~~العالم واحد وعرفتم أن كل ما سواه محتاج إليه في وقت حدوثه ، ومحتاج إليه ~~أيضا في وقت دوامه وبقائه ، فبعد العلم بهذه الأصول كيف يعقل أن يكون ~~للإنسان رغبة في غير الله تعالى أو رهبة عن غير الله تعالى ؟ فلهذا المعنى ~~قال على سبيل التعجب { أفغير الله تتقون } # ثم قال { وما بكم من نعمة فمن الله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه لما بين بالآية أن الواجب على العاقل أن لا يتقي ~~غير الله ، بين في هذه ms5557 الآية أنه يجب عليه أن لا يشكر أحدا إلا الله تعالى ~~، لأن الشكر إنما يلزم على النعمة ، وكل نعمة حصلت للإنسان فهي من الله ~~تعالى لقوله { وما بكم من نعمة فمن الله } فثبت بهذا أن العاقل يجب عليه أن ~~لا يخاف وأن لا يتقي أحدا إلا الله وأن لا يشكر أحدا إلا الله تعالى . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الإيمان حصل بخلق الله ~~تعالى فقالوا الإيمان نعمة ، وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله { وما بكم ~~من نعمة فمن الله } ينتج أن الإيمان من الله وإنما قلنا : إن الإيمان نعمة ~~، لأن المسلمين مطبقون على قولهم : الحمد لله على نعمة الإيمان ، وأيضا ~~فالنعمة عبارة عن كل ما يكون منتفعا به ، وأعظم الأشياء في النفع هو ~~الإيمان ، فثبت أن الإيمان نعمة . # وإذا ثبت هذا فنقول : وكل نعمة فهي من الله تعالى لقوله تعالى { وما بكم ~~من نعمة فمن الله } وهذه PageV20P041 اللفظة تفيد العموم ، وأيضا مما يدل ~~على أن كل نعمة فهي من الله ، لأن كل ما كان موجودا فهو إما واجب لذاته ، ~~وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الله تعالى ، والممكن لذاته لا ~~يوجد إلا لمرجح ، وذلك المرجح إن كان واجبا لذاته كان حصول ذلك الممكن ~~بإيجاد الله تعالى وإن كان ممكنا لذاته عاد التقسيم الأول فيه ، ولا يذهب ~~إلى التسلسل ، بل ينتهي إلى إيجاد الواجب لذاته ، فثبت بهذا البيان أن كل ~~نعمة فهي من الله تعالى . # المسألة الثالثة : النعم إما دينية ، وإما دنيوية ، أما النعم الدينية ~~فهي إما معرفة الحق لذاته وإما معرفة الخير لأجل العمل به ، وأما النعم ~~الدنيوية فهي إما نفسانية وأما بدنية وإما خارجية ، وكل واحد من هذه ~~الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر والتحديد كما قال { وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها } [ إبراهيم : 34 ] والإشارة إلى تفصيل تلك الأنواع قد ~~ذكرناها مرارا فلا نعيدها . # المسألة الرابعة : إنما دخلت الفاء في قوله { فمن الله } لأن الباء في ~~قوله { بكم } متصلة بفعل مضمر ، والمعنى ms5558 : ما يمكن بكم أو ما حل بكم من ~~نعمة فمن الله . # ثم قال تعالى { ثم إذا مسكم الضر } قال ابن عباس : يريد الأسقام والأمراض ~~والحاجة { فإليه تجأرون } أي ترفعون أصواتكم بالاستغاثة ، وتتضرعون إليه ~~بالدعاء يقال : جأر يجأر جؤارا وهو الصوت الشديد كصوت البقرة ، وقال الأعشى ~~يصف راهبا : # % يراوح من صلوات المليك % % طورا سجودا وطورا جؤارا % # والمعنى : أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى ، ثم إذا اتفق لأحد ~~مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله يجأر ، أي لا يستغيث أحدا إلا ~~الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو ، فكأنه تعالى قال لهم فأين ~~أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء والسلامة ، ثم قال بعده { ثم إذا كشف ~~الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } فبين تعالى أن عند كشف الضر وسلامة ~~الأحوال يفترقون ففريق منهم يبقى على مثل ما كان عليه عند الضر في أن لا ~~يفزع إلا إلى الله تعالى ، وفريق منهم عند ذلك يتغيرون فيشركون بالله غيره ~~، وهذا جهل وضلال ، لأنه لما شهدت فطرته الأصلية وخلقته الغريزية عند نزول ~~البلاء والضراء والآفات والمخافات أن لا مفزع إلا إلى الواحد ولا مستغاث ~~إلا الواحد ، فعند زوال البلاء والضراء وجب أن يبقى على ذلك الإعتقاد ، ~~فأما أنه عند نزول البلاء يقر بأنه لا مستغاث إلا الله تعالى ، وعند زوال ~~البلاء يثبت الأضداد والشركاء ، فهذا جعل عظيم وضلال كامل . ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى { فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } [ العنكبوت : 65 ] ~~. # ثم قال تعالى { ليكفروا بما آتيناهم } وفي هذه اللام وجهان : الأول : ~~أنها لام كي والمعنى أنهم شركوا بالله غيره في كشف ذلك الضر عنهم . وغرضهم ~~منذلك الإشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من الله تعالى ، ألا ترى أن ~~العليل إذا اشتد وجعه تضرع إلى الله تعالى في إزالة ذلك الوجع ، فإذا زال ~~أحال زواله على الدواء الفلاني والعلاج الفلاني ، وهذا أكثر أحوال الخلق . ~~وقال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله ms5559 : في اليوم الذي كنت ~~أكتب هذه الأوراق وهو اليوم الأول من محرم سنة اثنتين وستمائة حصلت زلزلة ~~شديدة وهدة عظيمة وقت الصبح ورأيت الناس يصيحون بالدعاء والتضرع ، فلما ~~سكتت وطاب PageV20P042 الهواء وحسن أنواع الوقت ، نسوا في الحال تلك ~~الزلزلة وعادوا إلى ما كانوا عليه من تلك السفاهة والجهالة ، وكان هذه ~~الحالة التي شرحها الله تعالى في هذه الآية تجري مجرى الصفة اللازمة لجوهر ~~نفس الإنسان . # والقول الثاني : أن هذه اللام لام العاقبة كقوله تعالى { فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } [ القصص : 8 ] يعني ان عاقبة تلك التضرعات ما ~~كانت إلا هذا الكفر . # واعلم أن المراد بقوله { بما آتيناهم } فيه قولان : الأول : أنه عبارة عن ~~كشف الضر وإزالة المكروه . والثاني : قال بعضهم : المراد به القرآن وما جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم من النبوة والشرائع . # واعلم أنه تعالى توعدهم بعد ذلك فقال { فتمتعوا } وهذا لفظ أمر ، والمراد ~~منه التهديد ، كقوله { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [ الكهف : 29 ] ~~وقوله { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } [ الإسراء : 107 ] . # ثم قال تعالى { فسوف تعلمون } أي عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب ~~والله أعلم . # قوله تعالى ! 7 < { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله ~~لتسألن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ~~أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون ~~بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 56 - 60 ) ويجعلون لما لا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل القاهرة فساد أقوال أهل الشرك والتشبيه ~~، شرح في هذه الآية تفاصيل أقوالهم وبين فسادها وسخافتها . # فالنوع الأول من كلماتهم الفاسدة : أنهم يجعلون لما لا يعلمون نصيبا وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : الضمير في قوله { لما لا يعلمون } إلى ماذا يعود ؟ فيه ~~قولان : الأول : أنه عائد إلى المشركين المذكورين في قوله { إذا فؤيق منكم ms5560 ~~بربهم يشركون } والمعنى أن المشركين لا يعلمون . والثاني : أنه عائد إلى ~~الأصنام أي لا يعلم الأصنام ما يفعل عبادها . قال بعضهم : الأول أولى لوجوه ~~: أحدها أن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز . وثانيها : أن الضمير ~~في قوله { ويجعلون } عائد إلى المشركين فكذلك في قوله { لما لا يعلمون } ~~يجب أن يكون عائد إليهم . وثالثها : أن قوله { لما لا يعلمون } جمع بالواو ~~والنون ، وهو بالعقلاء أليق منه بالأصنام التي هي جمادات . ومنهم من قال بل ~~القول الثاني أولى لوجوه : الأول : أنا إذا قلنا إنه عائد إلى المشركين ~~افتقرنا إلى إضمار ، فإن التقدير : ويجعلون لما لا يعلمون إلها ، أو لما لا ~~يعلمون كونه نافعا ضارا ، وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام ، لم نفتقر إلى ~~الإضمار لأن التقدير : ويجعلون PageV20P043 لما لا علم لها ولا فهم . ~~والثاني : أنه لو كان العلم مضافا إلى المشركين لفسد المعنى ، لأن من ~~المحال أن يجعلوا نصيبا من رزقهم لما لا يعلمونه ، فهذا ما قيل في ترجيح ~~أحد هذين القولين على الآخر . # واعلم أنا إذا قلنا بالقول الأول افتقرنا فيه إلى الإضمار ، وذلك يحتمل ~~وجة ها : أحدها : ويجعلون لما لا يعلمون له حقا ، ولا يعلمون في طاعته نفعا ~~ولا في الاعراض عنه ضررا ، قال مجاهد : يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم ~~وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم نصيبا . وثانيها : ~~ويجعلون لما لا يعلمون إلهيتها . وثالثها : ويجعلون لما لا يعلمون السبب في ~~صيرورتها معبودة . ورابعها : المراد استحقار الأصنام حتى كأنها لقلتها لا ~~تعلم . # المسألة الثانية : في تفسير ذلك نصيب احتمالات : الأول : المراد منه أنهم ~~جعلوا لله نصيبا من الحرث والأنعام يتقربون إلى الله تعالى به ، ونصيبا إلى ~~الأصنام يتقربون به إليها ، وقد شرحنا ذلك في آخر سورة الأنعام . والثاني : ~~أن المراد من هذا النصيب : البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، وهي ~~قول الحسن . والثالث : ربما اعتقدوا في بعض الأشياء أنه إنما حصل بإعانة ~~بعض تلك الأصنام ، كما أن المنجمين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب ~~السبعة ، فيقولون لزحل كذا ms5561 من المعادن والنبات والحيوانات وللمشتري أشياء ~~أخرى فكذا ههنا . # واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين هذا المذهب قال { تالله لتسألن } ~~وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة بمنزلة قوله { فوربك لنسألن أجمعين عما كانوا ~~يعملون } [ الحجر : 92 ] وعلى التقديرين فأقسم الله تعالى بنفسه أنه يسألهم ~~، وهذا تهديد منه شديد ، لأن المراد أنه يسألهم سؤال توبيخ وتهديد ، وفي ~~وقت هذا السؤال احتمالان : الأول : أنه يقع ذلك السؤال عند القرب من الموت ~~ومعاينة ملائكة العذاب ، وقيل عند عذاب القبر . والثاني : أنه يقع ذلك في ~~الآخرة ، وهذا أولى لأنه تعالى قد أخبر بما يجري هناك من ضروب التوبيخ عند ~~المسألة فهو إلى الوعيد أقرب . # النوع الثاني من كلماتهم الفاسدة : أنهم يجعلون لله البنات ، ونظيره قوله ~~تعالى { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } [ الزخرف : 19 ] ~~كانت خزاعة وكنانة تقول : الملائكة بنات الله . أقول أظن أن العرب إنما ~~أطلقوا لفظ البنات لأن الملائكة لما كانوا مستترين عن العيون أشبهوا النساء ~~في الاستتار فأطلقوا عليهم لفظ البنات . وأيضا قرص الشمس يجري مجرى المستتر ~~عن العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر فأطلقوا عليه لفظ التأنيث فهذا ما ~~يغلب على الظن في سبب إقدامهم على هذا القول الفاسد والمذهب الباطل . ولما ~~حكى الله تعالى عنهم هذا القول قال { سبحانه } وفيه وجوه : الأول : أن يكون ~~المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه . والثاني : تعجيب الخلق من هذا ~~الجهل القبيح ، وهو وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله ~~تعالى . والثالث : قيل في التفسير معناه معاذ الله وذلك مقارب للوجه الأول ~~. # ثم قال تعالى { ولهم ما يشتهون } أجاز الفراء في ' ما ' وجهين : الأول : ~~أن يكون في محل النصب على معنى : ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون . والثاني : أن ~~يكون رفعا على الابتداء كأنه تم الكلام عند قوله { سبحانه } ثم ابتدأ فقال ~~{ ولهم ما يشتهون } يعني البنين وهو كقوله { أم له البنات ولكم البنون } [ ~~الطور : 39 ] ثم اختار الوجه الثاني وقال : لو كان نصيبا ، لقال ولأنفسهم ~~ما يشتهون ، لأنك تقول جعلت لنفسك كذا ms5562 PageV20P044 وكذا ، ولا تقول جعلت لك ~~، وأبى الزجاج إجازة الوجه الأول ، وقال ' ما ' في موضع رفع لا غير ، ~~والتقدير : ولهم الشيء الذي يشتهونه ، ولا يجوز النصب لأن العرب تقول جعل ~~لنفسه ما تشتهي ، ولا تقول جعل له ما يشتهي وهو يعني نفسه . ثم إنه تعالى ~~ذكر أن الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فما لا يرتضيه ~~لنفسه كيف ينسبه لله تعالى فقال { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور إلا ~~أنه بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه ، ومعلوم ~~أن السرور كما يوجب تغير البشرة فكذلك الحزن يوجبه . فوجب أن يكون لفظة ~~التبشير حقيقة في القسمين ، ويتأكد هذا بقوله { فبشرهم بعذاب أليم } [ آل ~~عمران : 21 ] ومنهم من قال : المراد بالتبشير ههنا الأخبار ، والقول الأول ~~أدخل في التحقيق . # أما قوله { ظل وجهه مسودا } فالمعنى أنه يصير متغيرا تغير مغتم ، ويقال ~~لمن لقي مكروها قد اسود وجهه غما وحزنا ، وأقول إنما جعل اسوداد الوجه ~~كناية عن الغم ، وذلك لأن الإنسان إذا قوي فرحه انشرح صدره وانبسط روح قلبه ~~من داخل القلب ، ووصل إلى الأطراف ، ولا سيما إلى الوجه لما بينهما من ~~التعلق الشديد ، وإذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه وتلألأ واستنار ~~، وأما إذا قوي غم الإنسان احتقن الروح في باطن القلب ولم يبق منه أثر قوي ~~في ظاهر الوجه ، فلا جرم يربد الوجه ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية ~~والكثافة ، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه ، ومن لوازم الغم ~~كمودة الوجه وغبرته وسواده ، فلهذا السبب جعل بياض الوجه وإشراقه كناية عن ~~الفرح وغبرته وكمودته وسوداه كناية عن الغم والحزن والكراهية ، ولهذا ~~المعنى قال { ظل وجهه مسودا وهو كظيم } أي ممتلئ غما وحزنا . # ثم قال تعالى { يتوارى من القوم من سوء } أي يختفي ويتغيب من سوء ما بشر ~~به ، قال المفسرون : كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر ms5563 آثار الطلق بامرأته ~~توارى واختفى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكرا ابتهج به ، وإن ~~كان أنثى حزن ولم يظهر للناس أياما فيها أنه ماذا يصنع بها ؟ وهو قوله { ~~أيمسكه على هون أم يدسه في التراب } والمعنى : أيحسبه ؟ والإمساك ههنا ~~بمعنى الحبس كقوله { أمسك عليك زوجك } [ الأحزاب : 37 ] وإنما قال { أيمسكه ~~} ذكره بضمير الذكران لأن هذا الضمير عائد على ' ما ' في قوله { بشر به } ~~والهون الهوان قال النضر بن شميل يقال إنه أهون عليه هونا وهوانا ، وأهنته ~~هونا وهوانا ، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله { عذاب الهون } وفي أن ~~هذا الهون صفة من ؟ قولان : الأول أنه صفة المولودة ، ومعناه أنه يمسكها عن ~~هون منه لها ، والثاني قال عطاء عن ابن عباس : إنه صفة للأب ، ومعناه أنه ~~يمسكها مع الرضا بهوان نفسه وعلى رغم أنفه . # ثم قال { أم يدسه في التراب } والدس إخفاء الشيء في الشيء . يروى أن ~~العرب كانوا يحفرون حفيرة ويجعلونها فيها حتى تموت . وروي عن قيس بن عاصم ~~أنه قال : يا رسول الله إني واريت ثماني بنات في الجاهلية فقال عليه السلام ~~< < أعتق عن كل واحدة منهن رقبة > > فقال : يا نبي الله إن ذو إبل ، فقال < ~~< اهد عن كل واحدة منهن هديا > > وروي أن رجلا قال يا رسول الله : ما أجد ~~حلاوة الإسلام منذ أسلمت ، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن ~~تزينها فأخرجتها إلي فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه ، فقالت ~~: يا PageV20P045 أبت قتلتني ، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء ، فقال عليه ~~السلام < < ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما كان في الإسلام يهدمه ~~الاستغفار > > واعلم أنهم كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر ~~الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت ، ومنهم من يرميها من شاهق جبل ، ومنهم ~~من يغرقها ومنهم من يذبحها ، وهم كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية ، ~~وتارة خوفا من الفقر والفاقة ولزوم النفقة ، ثم إنه قال { ألا ساء ما ~~يحكمون } وذلك لأنهم بلغوا ms5564 من الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات ، ~~فأولها : أن يسود وجهه ، وثانيها : أنه يختفي عن القوم من شدة نفرته عن ~~البنت ، وثالثها : أن الولد محبوب بحسب الطبيعة ، ثم إنه بسبب شدة نفرته ~~عنها يقدم على قتلها ، وذلك يدل على أن النفرة عن البنت والاستنكاف عنها قد ~~بلغ مبلغا لا يزداد عليه . إذا ثبت هذا فالشيء الذي بلغ الاستنكاف منه إلى ~~هذا الحد العظيم كيف يليق بالعاقل أن ينسبه لإله العالم المقدس العالي عن ~~مشابهة جميع المخلوقات ؟ ونظير هذه الآية قوله تعالى { ألكم الذكر وله ~~الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى } [ النجم : 22 ] . # المسألة الثانية : قال القاضي : هذه الآية تدل على بطلان الخبر ؛ لأنهم ~~يضيقون إلى الله تعالى من الظلم والفواحش ما إذا أضيف إلى أحدهم أجهد نفسه ~~في البراءة منه والتباعد عنه ، فحكمهم في ذلك مشابهة لحكم هؤلاء المشركين ، ~~ثم قال : بل أعظم ، لأن إضافة البنات إليه إضافة قبح واحد ، وذلك أسهل من ~~إضافة كل القبائح والفواحش إلى الله تعالى . فيقال للقاضي : إنه لما ثبت ~~بالدليل استحالة الصاحبة والولد على الله تعالى أردفه الله تعالى بذكر هذا ~~الوجه الاقناعي ، وإلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح من الله تعالى . ~~ألا ترى رجلا زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن ثم بالغ في تقوية ~~الشهوة فيهم وفيهن ، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا ~~بالاتفاق حسن من الله تعالى وقبيح من كل خلق ، فعلمنا أن التعويل على هذه ~~الوجوه المبنية على العرف ، فلا جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الاقناعية . ~~أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية القاطعة أن خالقها هو الله ~~تعالى ، فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا شدة التعصب ؟ والله أعلم ~~. # ثم قال تعالى { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى } ~~والمثل لاسوء عبارة عن الصفة السوء وهي احتياجهم إلى الولد ، وكراهتهم ~~الإناث خوف الفقر والعار { ولله المثل الأعلى } أي الصفة العالية المقدسة ، ~~وهي كونه تعالى منزها عن الولد . # فإن قيل : كيف جاء { ولله ms5565 المثل الأعلى } مع قوله { فلا تضربوا لله ~~الأمثال } [ النحل : 74 ] . # قلنا : المثل الذي يذكره الله حق وصدق والذي يذكره غيره فهو الباطل ، ~~والله أعلم PageV20P046 قوله تعالى ! 7 < { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ~~ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ~~لا جرم أنم لهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 61 - 64 ) ولو يؤاخذ الله . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم ، بين أنه يمهل ~~هؤلاء الكفار ولا يعالجهم بالعقوبة ، إظهارا للفضل والرحمة والكرم ، وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله ~~تعالى { ولو يؤاخ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } من وجهين : ~~الأول : أنه قال { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } فأضاف الظلم إلى كل الناس ~~، ولا شك أن الظلم من المعاصي ، فهذا يقتضي كون كل إنسان آتيا بالذنب ~~والمعصية ، والأنبياء عليهم السلام من الناس ، فوجب كونهم آتين بالذنب ~~والمعصية ، والثاني : أنه تعالى قال : ما ترك على ظهرها من دابة . وهذا ~~يقتضي أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم والذنب ، حتى يلزم من ~~إفناء كل من كان ظالما إفناء كل الناس . أما إذا قلنا : الأنبياء عليهم ~~السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم ، وحينئذ لا يلزم من إفناء كل ~~الظالمين إفناء كل الناس ، وأن لا يبقى على ظهر الأرض دابة ، ولما لزم ~~علمنا أن كل البشر ظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك . # والجواب : ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال : { ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات } [ فاطر : 32 ] أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق ، ولو كان المقتصد والسابق ظالما لفسد ذلك التقسيم ، فعلمنا ms5566 أن ~~المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال ~~كل الخلق ظالمون . # وإذا ثبت هذا فنقول : الناس المذكورون في قوله { ولو يؤاخذ الله الناس } ~~إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين ذكرهم من المشركين ومن الذين ~~أثبتوا لله البنات . وعلى هذا التقدير فيسقط الاستدلال . والله أعلم . # المسألة الثانية : من الناس من احتج بهذه الآية على أن الأصل في المضمار ~~الحرمة ، فقال : لو كان الضرر مشروعا لكان إما أن يكون مشروعا على وجه يكون ~~جزاء على جرم صادر منهم أو لا على هذا الوجه ، والقسمان باطلان ، فوجب أن ~~لا يكون مشروعا أصلا . # أما بيان فساد القسم الأول ، فقوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس ~~بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة } PageV20P047 والاستدلال به من وجهين : ~~الأول : أن كلمة ' لو ' وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره . فقوله : لول ~~يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة . يقتضي أنه تعالى ما ~~أخذهم بظلمهم وأنه ترك على ظهرها من دابة . والثاني : أنه لما دلت الآية ~~على أن لازمة الله الناس بظلمهم هو أن لا يترك على ظهرها دابة ، ثم إنا ~~نشاهد أنه تعالى ترك على ظهرها دواب كثيرين ، فوجب القطع بأنه تعالى لا ~~يؤاخذ الناس بظلمهم ، فثبت بهذا أنه لا يجوز أن تكون المضار مشروعة على وجه ~~تقع أجزية عن الجرائم # وأما القسم الثاني : وهو أن يكون مشروعا ابتداء لا على وجه يقع أجزية عن ~~جرم سابق ، فهذا باطل بالاجماع ، فثبت أن مقتضى هذه الآية تحريم المضار ~~مطلقا ، ويتأكد هذا أيضا بآيات أخرى كقوله تعالى { ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها } [ الأعراف : 56 ] وكقوله { وما جعل عليكم في الدين من حرج } [ ~~الحج : 78 ] وكقوله { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : ~~185 ] وكقوله عليه السلام < < لا ضرر ولا ضرار في الإسلام > > وكقوله < < ~~ملعون من ضر مسلما > > فثبت بمجموع هذه الآيات والأخبار أن الأصل في المضار ~~الحرمة ، فنقول : إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من كل الوجوه ، فإن ~~وجدنا ms5567 نصا خاصا يدل على كونه مشروعا قضينا به تقديما للخاص على العام ، ~~وإلا قضينا عليه بالحرمة بناء على هذا الأصل الذي قررناه . ومنهم من قال ~~هذه القاعدة تدل على أن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون في حقه ، لأن ~~المنع منه ضرر ، والضرر غير مشروع بمقتضى هذا الأصل وكل ما يكرهه الإنسان ~~وجب أن يحرم لأن وجوده ضرر والضرر غير مشروع ، فثبت أن هذا الأصل يتناول ~~جميع الوقائع الممكنة إلى يوم القيامة . ثم نقول القياس الذي يتمسك به في ~~إثبات الأحكام إما أن يكون لى وفق هذه القاعدة أو على خلافها ، والأول باطل ~~؛ لأن هذا الأصل يغني عنه ، والثاني باطل ؛ لأن النص راجح على القياس والله ~~أعلم . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ~~ليست فعلا لله تعالى ، بل تكون أفعالا للعباد ، لأنه تعالى أضاف ظلم العباد ~~إليهم وما أضافه إلى نفسه ، فقال { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } وأيضا ~~فلو كان خلقا لله تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلما من الله تعالى ، ولما منع ~~الله تعالى العباد من الظلم في هذه الآية ؛ فبأن يكون منزها عن الظلم كان ~~أولى ، قالوا : ويدل أيضا على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب والعقاب أن ~~قوله { بظلمهم } الباء فيه تدل على العلية كما في قوله { ذلك بأنهم شاقوا ~~الله } [ الأنفال : 13 ] . # واعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مرارا فلا نعيده . والله أعلم ~~. # المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب ~~إهلاك جميع الدواب وذلك غير جائز ، لأن الدابة لم يصدر عنها ذنب ، فكيف ~~يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس ؟ # والجواب عنه من وجهين : # الوجه الأول : أنا لا نسلم أن قوله : ما ترك على ظهرها من دابة . يتناول ~~جميع الدواب . وأجاب أبو علي الجبائي عنه : أن المراد لو يؤاخذهم الله بما ~~كسبوا من كفر ومعصية لعجل هلالكهم ، وحينئذ لا يبقى لهم نسل ، ثم من ~~المعلوم أنه لا أحدا إلا وفي أحد آبائه من يستحق العذاب وإذا ms5568 هلكوا فقد بطل ~~نسلهم ، فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس ، وإذا بطلوا وجب أن ~~لا يبقى أحد من الدواب أيضا ، لأن الدواب PageV20P048 مخلوقة لمنافع العباد ~~ومصالحهم ، فهذا وجه لطيف حسن . # والوجه الثاني : أن الهلاك إذا ورد على الظلمة ورد أيضا على سائر الناس ~~والدواب ، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذابا ، وفي حق غيرهم امتحانا ، ~~وقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام . # والوجه الثالث : أنه تعالى لو آخذهم لا نقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع ~~النبت فكان لا تبقى على ظهرها دابة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أنه سمع ~~رجلا يقول إن الظالم لا يضير إلا نفسه ، فقال : لا والله بل إن الحبارى في ~~وكرها لتموت بظلم الظالم ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه : كاد الجعل يهلك في ~~جحره بذنب ابن آدم ، فهذه الوجوه الثلاثة من الجواب مفرعة على تسليم أن ~~لفظة الدابة يتناول جميع الدواب . # والجواب الثاني : أن المراد من قوله : ما ترك على ظهرها من دابة . أي ما ~~ترك على ظهرها من كافر ، فالمراد بالدابة الكافر ، والدليل عليه قوله تعالى ~~{ أولئك كالأنعام بل هم أضل } [ الأعراف : 179 ] والله أعلم . # المسألة الخامسة : الكناية في قوله { عليها } عائدة على الأرض ، ولم يسبق ~~لها ذكر ، إلا أن ذكر الدابة يدل على الأرض ، فإن الدابة إنما تدب عليها ، ~~وكثيرا ما يكنى عن الأرض وإن لم يتقدم ذكرها ، لأنهم يقولون ما عليها مثل ~~فلان وما عليها أكرم من فلان ، يعنون على الأرض . # ثم قال تعالى { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } ليتوالدوا ، وفي تفسير هذا ~~الأجل قولان : # القول الأول : وهو قول عطاء عن ابن عباس أنه يريد أجل القيامة . # والقول الثاني : أن المراد منتهى العمر . وجه القول الأول : أن معظم ~~العذاب يوافيهم يوم القيامة ، ووجه القول الثاني : أن المشركين يؤاخذهم ~~بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من الدنيا . # النوع الثالث من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها الله ~~تعالى عنهم ، قوله : { ويجعلون لله ما يكرهون } . # واعلم أن المراد ms5569 من قوله { ويجعلون } أي البنات التي يكرهونها لأنفسهم ، ~~ومعنى قوله { يجعلون } يصفون الله بذلك ويحكمون به له كقوله جعلت زيدا على ~~الناس أي حكمت بهذا الحكم وذكرنا معنى الجعل عند قوله { ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سائبة } [ المائدة : 103 ] . # ثم قال تعالى { وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى } قال الفراء والزجاج : ~~موضع ' أن ' نصب لأن قوله { أن لهم الحسنى } بدل نت الكذب ، وتقدير الكلام ~~وتصف ألسنتهم أن لهم الحسنى . وفي تفسير ' الحسنى ' ههنا قولان : الأول : ~~المراد منه البنون ، يعني أنهم قالوا لله البنات ولنا البنون . والثاني : ~~أنهم مع قولهم بإثبات البنات لله تعالى ، يصفون أنفسهم بأنهم فازوا برضوان ~~الله تعالى بسبب هذا القول ، وأنهم على الدين الحق والمذهب الحسن . الثالث ~~: أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله تعالى . # فإن قيل : كيف يحكمون بذلك وهم كانوا منكرين للقيامة ؟ # قلنا : كلهم ما كانوا منكرين للقيامة ، فقد قيل : إنه كان في العرب جمع ~~يقرون بالبعث والقيامة ، ولذلك فإنهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر ~~الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون أن ذلك الميت إذا PageV20P049 حشر فإنه ~~يحشر معه مركوبه ، وأيضا فبتقدير أنهم كانوا منكرين للقيامة فلعلهم قالوا : ~~إن كان محمد صادقا في قوله بالبعث والنشور فإنه يحصل لنا الجنة والثواب ~~بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه ، ومن الناس من قال : الأولى أن يحمل { ~~الحسنى } على هذا الوجه بدليل أنه تعالى قال بعده { لا جرم أن لهم النار } ~~فرد عليهم قولهم وأثبت لهم النار ، فدل هذا على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة ~~. قال الزجاج : لا رد لقولهم ، والمعنى ليس الأمر كما وصفوا جرم فعلهم أي ~~كسب ذلك القول لهم النار ، فعلى هذا اللفظ ' أن ' في محل النصب بوقوع الكسب ~~عليه . وقال قطرب ' أن ' في موضع رفع ، والمعنى : وجب أن لهم النار . وكيف ~~كان الإعراب فالمعنى هو أنه يحق لهم النار ويجب ويثبت . وقوله { وأنهم ~~مفرطون } قرأ نافع وقتيبة عن الكسائي ' مفرطون ' بكسر الراء ، والباقون ' ~~مفرطون ' بفتح الراء . أما قراءة نافع فقال الفراء : المعنى ms5570 أنهم كانوا ~~مفرطين على أنفسهم في الذنوب ، وقيل : أفرطوا في الافتراء على الله تعالى ، ~~وقال أبو علي الفارسي : كأنه من أفرط ، أي صار ذا فرط ، مثل أجرب أي صار ذا ~~جرب والمعنى : أنهم ذوو فرط إلى النار كأنهم قد أرسلوا من يهيء لهم مواضع ~~فيها . وأما قراءة قوله { مفرطون } بفتح الراء ففيه قولان : # القول الأول : المعنى : أنهم متركون في النار . قال الكسائي : يقال ما ~~أفرطت من القوم أحدا ، أي ما تركت . وقال الفراء : تقول العرب أفرطت منهم ~~ناسا ، أي خلفتهم وأنسيتهم . # والقول الثاني : { مفرطون } أي معجلون . قال الواحدي رحمه الله : وهو ~~الاختيار ووجهه ما قال أبو زيد وغيره فرط الرجل أصحابه يفرطهم فرطا وفروطا ~~إذا تقدمهم إلى الماء ليصلح الدلاء والأرسان ، وأفرط القوم الفارط وفرطوه ~~إذا قدموه ، فمعنى قوله { مفرطون } على هذا التقدير كأنهم قدموا إلى النار ~~فهم فيها فرط للذين يدخلون بعدهم ، ثم بين تعالى أن مثل هذا الصنع الذي ~~يصدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء ~~المتقدمين عليهم السلام ، فقال { تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين ~~لهم الشيطان أعمالهم } وهذا يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم . قالت المعتزلة : الآية تدل على ~~فساد قول المجبرة من وجوه : الأول : أنه إذا كان خالق أعمالهم هو الله ~~تعالى ، فلا فائدة في التزيين . والثاني : أن ذلك التزيين لما كان بخلق ~~الله تعالى لم يجز ذم الشيطان بسببه . والثالث : أن التزيين هو الذي يدعة ~~الإنسان إلى الفعل ، وإذا كان حصول الفعل فيه بخلق الله تعالى كان ضروريا ~~فلم يكن التزيين داعيا . والرابع : أن على قولهم ، الخالق لذلك العمل ، ~~أجدر أن يكون وليا لهم من الداعي إليه . والخامس : أنه تعالى أضاف التزيين ~~إلى الشيطان ولو كان ذلك المزين هو الله تعالى لكانت إضافته إلى الشيطان ~~كذبا . # وجوابه : إن كان مزين القبائح في أعين الكفار هو الشيطان ، فمزين تلك ~~الوساوس في عين الشيطان إن كان شيطانا آخر ms5571 لزم التسلسل . وإن كان هو الله ~~تعالى فهو المطلوب . # ثم قال تعالى : { فهو وليهم اليوم } وفيه احتمالان : الأول : أن المراد ~~منه كفار مكة وبقوله : { فهو وليهم اليوم } أي الشيطان ويتولى إغواءهم ~~وصرفهم عنك ، كما فعل بكفار الأمم قبلك فيكون على هذا التقدير رجع عن أخبار ~~الأمم الماضية إلى الأخبار عن كفار مكة . الثاني : أنه أراد باليوم يوم ~~القيامة ، يقول فهو ولي أولئك الذين كفروا يزين لهم أعمالهم يوم القيامة ، ~~وأطلق اسم اليوم على يوم القيامة لشهرة ذلك اليوم ، PageV20P050 والمقصود ~~من قوله : { فهو وليهم اليوم } هو أنه لا ولي لهم ذلك اليوم ولا ناصر ، ~~وذلك لأنهم إذا عاينوا العذاب وقد نزل بالشيطان كنزوله بهم ، ورأوا أنه لا ~~مخلص له منه ، كما لا مخلص لهم منه ، جاز أن يوبخوا بأن يقال لهم : هذا ~~وليكم اليوم على وجه السخرية ، ثم ذكر تعالى أن مع هذا الوعيد الشديد أقام ~~الحجة وأزاح العلة فقال : { ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المعنى : أنا ما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم ~~بواسطة بيانات هذا القرآن الأشياء التي اختلفوا فيها ، والمختلفون هم أهل ~~الملل والأهواء ، وما اختلفوا فيه ، هو الدين ، مثل التوحيد والشرك والجبر ~~والقدر ، وإثبات المعاد ونفيه ، ومثل الأحكام ، مثل أنهم حرموا أشياء تحل ~~كالبحيرة والسائبة وغيرهما وحللوا أشياء تحرم كالميتة . # المسألة الثانية : اللام في قوله : { لتبين } تدل على أن أفعال الله ~~تعالى معللة بالأغراض ، ونظيره آيات كثيرة منها قوله : { كتاب أنزلناه إليك ~~لتخرج الناس } ( إبراهيم : 1 ) وقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~} ( الذاريات : 56 ) . # وجوابه : أنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { هدى ورحمة } معطوفان على ~~محل قوله : { لتبين } إلا أنهما انتصبا على أنه مفعول لهما ، لأنهما فعلا ~~الذي أنزل الكتاب ، ودخلت اللام في قوله : { لتبين } لأنه فعل المخاطب لا ~~فعل المنزل ، وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فعلا لذلك الفاعل . # المسألة الرابعة : قال الكلبي : وصف ms5572 القرآن بكونه هدى ورحمة لقوم يؤمنون ~~، لا ينفي كونه كذلك في حق الكل ، كما أن قوله تعالى في أول سورة البقرة : ~~{ هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) لا ينفي كونه هدى لكل الناس ، كما ذكره في ~~قوله : { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } ( البقرة : 185 ) وإنما خص ~~المؤمنين بالذكر من حيث إنهم قبلوه فانتفعوا به ، كما في قوله : { إنما أنت ~~منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) لأنه إنما انتفع بإنذاره هذا القوم فقط ~~، والله أعلم . # ! 7 < { والله أنزل من السمآء مآء فأحيا به الا رض بعد موتهآ إن فى ذالك ~~لآية لقوم يسمعون * وإن لكم فى الا نعام لعبرة نسقيكم مما فى بطونه من بين ~~فرث ودم لبنا خالصا سآئغا للشاربين * ومن ثمرات النخيل والا عناب تتخذون ~~منه سكرا ورزقا حسنا إن فى ذالك لآية لقوم يعقلون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 65 - 67 ) والله أنزل من . . . . . # > > # اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول ~~أربعة : الإلهيات والنبوات والمعاد ، وإثبات القضاء والقدر ، والمقصود ~~الأعظم من هذه الأصول الأربعة تقرير الآلهيات ، فلهذا السبب PageV20P051 ~~كلما امتد الكلام في فصل من الفصول في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الآلهيات ~~، وقد ذكرنا في أول هذه السورة أنه تعالى لما أراد ذكر دلائل الآلهيات ~~ابتدأ بالأجرام الفلكية ، وثنى بالإنسان ، وثلث بالحيوان ، وربع بالنبات ، ~~وخمس بذكر أحوال البحر والأرض ، فههنا في هذه الآية لما عاد إلى تقرير ~~دلائل الإلهيات بدأ أولا بذكر الفلكيات فقال : { والله أنزل من السماء مآء ~~فأحيا به الارض بعد موتها } والمعنى : أنه تعالى خلق السماء على وجه ينزل ~~منه الماء ويصير ذلك الماء سببا لحياة الأرض ، والمراد بحياة الأرض نبات ~~الزرع والشجر والنور والثمر بعد أن كان لا يثمر ، وينفع بعد أن كان لا ينفع ~~، وتقرير هذه الدلائل قد ذكرناه مرارا كثيرة . # ثم قال : { إن فى ذالك لآية لقوم يسمعون } سماع إنصاف وتدبر لأن من لم ~~يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع . # والنوع الثاني : من الدلائل المذكورة في هذه الآيات الاستدلال بعجائب ~~أحوال ms5573 الحيوانات وهو قوله : { وإن لكم فى الانعام لعبرة نسقيكم مما فى ~~بطونه } قد ذكرنا معنى العبرة في قوله : { لعبرة لاولى الابصار } ( آل ~~عمران : 13 ) وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وحمزة ~~والكسائي : { نسقيكم } بضم النون ، والباقون بالفتح ، أما من فتح النون ~~فحجته ظاهرة تقول سقيته حتى روى أسقيه قال تعالى : { وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا } ( الإنسان : 21 ) وقال : { والذى هو يطعمنى ويسقين } ( الشعراء : ~~79 ) وقال : { وسقوا ماء حميما } ( محمد : 15 ) ومن ضم النون فهو من قولك ~~أسقاه إذا جعل له شرابا كقوله : { وأسقيناكم ماء فراتا } ( المرسلات : 27 ) ~~وقوله : { فأسقيناكموه } ( الحجر : 22 ) والمعنى ههنا أنا جعلناه في كثرته ~~وإدامته كالسقيا ، واختار أبو عبيد الضم قال لأنه شرب دائم ، وأكثر ما يقال ~~في هذا المقام أسقيت . # المسألة الثانية : قوله : 6 مما في بطونه } الضمير عائد إلى الأنعام فكان ~~الواجب أن يقال مما في بطونها ، وذكر النحويون فيه وجوها : الأول : أن لفظ ~~الأنعام مفرد وضع لإفادة جمع ، كالرهط والقوم والبقر والنعم ، فهو بحسب ~~اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد ، وهو التذكير ، وبحسب المعنى جمع ~~فيكون ضميره ضمير الجمع ، وهو التأنيث ، فلهذا السبب قال ههنا { * } الضمير ~~عائد إلى الأنعام فكان الواجب أن يقال مما في بطونها ، وذكر النحويون فيه ~~وجوها : الأول : أن لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة جمع ، كالرهط والقوم ~~والبقر والنعم ، فهو بحسب اللفظ لفظ مفرد فيكون ضميره ضمير الواحد ، وهو ~~التذكير ، وبحسب المعنى جمع فيكون ضميره ضمير الجمع ، وهو التأنيث ، فلهذا ~~السبب قال ههنا { فى بطونه } ، وقال في سورة المؤمنين : { فى بطونها } ( ~~المؤمنون : 21 ) . الثاني : قوله : { فى بطونه } أي في بطون ما ذكرنا ، ~~وهذا جواب الكسائي . قال المبرد : هذا شائع في القرآن . قال تعالى : { فلما ~~رأى الشمس * كوكبا قال هاذا ربى } ( الأنعام : 78 ) يعني هذا الشيء الطالع ~~ربي . وقال : { كلا إنها تذكرة * فمن شاء ذكره } ( المدثر : 54 ، 55 ) أي ~~ذكر هذا الشيء . # واعلم أن هذا إنما يجوز فيما يكون تأنيثه غير حقيقي ، أما الذي يكون ~~تأنيثه ms5574 حقيقيا ، فلا يجوز ، فإنه لا يجوز في مستقيم الكلام أن يقال جاريتك ~~ذهب ، ولا غلامك ذهب على تقدير أن نحمله على النسمة . الثالث : أن فيه ~~إضمارا ، والتقدير : نسقيكم مما في بطونه اللبن إذ ليس كلها ذات لبن . # المسألة الثالثة : الفرث : سرجين الكرش . روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن ~~عباس أنه قال : إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثا وأعلاه دما وأوسطه ~~لبنا ، فيجري الدم في العروق واللبن في PageV20P052 الضرع ، ويبقى الفرث ~~كما هو ، فذاك هو قوله تعالى : { من بين فرث ودم لبنا خالصا } لا يشوبه ~~الدم ولا الفرث . # ولقائل أن يقول : الدم واللبن لا يتولدان ألبتة في الكرش ، والدليل عليه ~~الحس فإن هذه الحيوانات تذبح ذبحا متواليا ، وما رأى أحد في كرشها لا دما ~~ولا لبنا ، ولو كان تولد الدم واللبن في الكرش لوجب أن يشاهد ذلك في بعض ~~الأحوال ، والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه ، بل ~~الحق أن الحيوان إذا تناول الغذاء وصل ذلك العلف إلى معدته إن كان إنسانا ، ~~وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها ، فإذا طبخ وحصل الهضم الأول فيه فما ~~كان منه صافيا انجذب إلى الكبد ، وما كان كثيفا نزل إلى الأمعاء ، ثم ذلك ~~الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها / ويصير دما ، وذلك هو الهضم الثاني ، ~~ويكون ذلك الدم مخلوطا بالصفراء والسوداء وزيادة المائية ، أما الصفراء ~~فتذهب إلى المرارة ، والسوداء إلى الطحال ، والماء إلى الكلية ، ومنها إلى ~~المثانة ، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة ، وهي العروق النابتة من ~~الكبد ، وهناك يحصل الهضم الثالث ، وبين الكبد وبين الضرع عروق كثيرة فينصب ~~الدم في تلك العروق إلى الضرع ، والضرع لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله تعالى ~~الدم عند انصبابه إلى ذلك اللحم الغددي الرخو الأبيض من صورة الدم إلى صورة ~~اللبن فهذا هو القول الصحيح في كيفية تولد اللبن . # فإن قيل : فهذه المعاني حاصلة في الحيوان الذكر فلم لم يحصل منه اللبن ؟ ~~. # قلنا : الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء ms5575 على الوجه اللائق به الموافق ~~لمصلحته ، فمزاج الذكر من كل حيوان يجب أن يكون حارا يابسا ، ومزاج الأنثى ~~يجب أن يكون باردا رطبا ، والحكمة فيه أن الولد إنما يتكون في داخل بدن ~~الأنثى ، فوجب أن تكون الأنثى مختصة بمزيد الرطوبات لوجهين : الأول : أن ~~الولد إنما يتولد من الرطوبات ، فوجب أن يحصل في بدن الأنثى رطوبات كثيرة ~~لتصير مادة التولد الولد . والثاني : أن الولد إذا كبر وجب أن يكون بدن ~~الأم قابلا للتمدد حتى يتسع لذلك الولد ، فإذا كانت الرطوبات غالبة على بدن ~~الأم كان بدنها قابلا للتمدد ، فيتسع للولد ، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى خص ~~بدن الأنثى من كل حيوان بمزيد الرطوبات لهذه الحكمة ، ثم إن الرطوبات التي ~~كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم ، فعند انفصال ~~الجنين تنصب إلى الثدي والضرع ليصير مادة لغذاء ذلك الطفل الصغير . # إذا عرفت هذا فاعلم أن السبب الذي إجله يتولد اللبن من الدم في حق الأنثى ~~غير حاصل في حق الذكر فظهر الفرق . # إذا عرفت هذا التصوير فنقول : المفسرون قالوا : المراد من قوله : { من ~~بين فرث ودم } هو أن هذه الثلاثة تتولد في موضع واحد / فالفرث يكون في أسفل ~~الكرش ، والدم يكون في أعلاه ، واللبن يكون في الوسط ، وقد دللنا على أن ~~هذا القول على خلاف الحس والتجربة ، ولأن الدم لو كان يتولد في أعلى المعدة ~~والكرش كان يجب إذاقاء أن يقيء الدم وذلك باطل قطعا . وأما نحن فنقول : ~~المراد من الآية هو أن اللبن إنما يتولد من بعض أجزاء الدم ، والدم إنما ~~يتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث ، وهو الأشياء المأكولة الحاصلة في ~~الكرش ، وهذا اللبن متولد من الأجزاء التي كانت حاصلة فيما بين الفرث أولا ~~، ثم كانت حاصلة فيما بين الدم ثانيا ، فصفاه الله تعالى عن تلك الأجزاء ~~الكثيفة الغليظة ، وخلق فيها الصفات التي PageV20P053 باعتبارها صارت لبنا ~~موافقا لبدن الطفل ، فهذا ما حصلناه في هذا المقام ، والله أعلم . # / المسألة الرابعة : اعلم أن حدوث اللبن في الثدي ms5576 واتصافه بالصفات التي ~~باعتبارها يكون موافقا لتغذية الصبي مشتمل على حكم عجيبة وأسرار بديعة ، ~~يشهد صريح العقل بأنها لا تحصل إلا بتدبير الفاعل الحكيم والمدبر الرحيم ، ~~وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذا يخرج منه ثقل ~~الغذاء ، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنقذ انطباقا ~~كليا لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في ~~المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد ويبقى الثقل هناك ، فحينئذ ينفتح ذلك ~~المنفذ ويترك منه ذلك الثقل ، وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا ~~بتدبير الفاعل الحكيم ، لأنه متى كانت الحاجة إلى بقاء الغذاء في المعدة ~~حاصلة انطبق ذلك المنفذ ، وإذا حصلت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم عن المعدة ~~انفتح ، فحصول الانطباق تارة والانفتاح أخرى ، بحسب الحاجة وتقدير المنفعة ~~، مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم . الثاني : أنه تعالى أودع في ~~الكبد قوة تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول أو المشروب ، ولا ~~تجذب الأجزاء الكثيفة ، وخلق في الأمعاء قوة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي ~~هي الثقل ، ولا تجذب الأجزاء اللطيفة ألبتة . ولو كان الأمر بالعكس لاختلفت ~~مصلحة البدن ولفسد نظام هذا التركيب . الثالث : أنه تعالى أودع في الكبد ~~قوة هاضمة طابخة ، حتى أن تلك الأجزاء اللطيفة تنطبخ في الكبد وتنقلب دما ، ~~ثم إنه تعالى أودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء ، وفي الطحال قوة جاذبة ~~للسوداء ، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية ، حتى يبقى الدم الصافي ~~الموافق لتغذية البدن . وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بتلك القوة والخاصية ~~لا يمكن إلا بتقدير الحكيم العليم . الرابع : أن في الوقت الذي يكون الجنين ~~في رحم الأم ينصب من ذلك الدم نصيب وافر إليه حتى يصير مادة لنمو أعضاء ذلك ~~الولد وازدياده ، فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرحم ينصب ذلك النصيب إلى جانب ~~الثدي ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاء له ، فإذا كبر الولد لم ينصب ذلك ~~النصيب لا إلى الرحم ولا إلى الثدي ، بل ms5577 ينصب على مجموع بدن المغتذي ، ~~فانصباب ذلك الدم في كل وقت إلى عضو آخر انصبابا موافقا للمصلحة والحكمة لا ~~يتأتى إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم . والخامس : أن عند تولد اللبن في ~~الضرع أحدث تعالى في حلمة الثدي ثقوبا صغيرة ومسام ضيقة ، وجعلها بحيث إذا ~~اتصل المص أو الحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها في تلك المسام الضيقة ، ~~ولما كانت تلك المسام ضيقة جدا ، فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية ~~الصفاء واللطافة ، وأما الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك ~~المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل ، والحكمة في إحداث تلك الثقوب الصغيرة ، ~~والمنافذ الضيقة في رأس حلمة الثدي أن يكون ذلك كالمصفاة ، فكل ما كان ~~لطيفا / خرج ، وكل ما كان كثيفا احتبس في الداخل ولم يخرج / فبهذا الطريق ~~يصير ذلك اللبن خالصا موافقا لبدن الصبي سائغا للشاربين . السادس : أنه ~~تعالى ألهم ذلك الصبي إلى المص ، فإن الأم كلما ألقمت حلمة الثدي في فم ~~الصبي فذلك الصبي في الحال يأخذ في المص ، فلولا أن الفاعل المختار الرحيم ~~ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص ، وإلا لم يحصل الانتفاع بتخليق ~~ذلك اللبن في الثدي . السابع : أنا بينا أنه تعالى إنما خلق اللبن من فضلة ~~الدم ، وإنما خلق الدم من لطيف تلك الأجزاء ، ثم خلق اللبن من بعض أجزاء ~~ذلك الدم ، ثم إن اللبن حصلت فيه أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة ، فما فيه ~~من الدهن PageV20P054 يكون حارا رطبا ، وما فيه من المائية يكون باردا رطبا ~~، وما فيه من الجبنية يكون باردا يابسا ، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في ~~ذلك العشب الذي تناولته الشاة ، فظهر بهذا أن هذه الأجسام لا تزال تنقلب من ~~صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة ، مع أنه لا يناسب بعضها بعضا ولا يشاكل ~~بعضها بعضا ، وعند ذلك يظهر أن هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل حكيم ~~رحيم يدبر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العباد ، فسبحان من تشهد جميع ~~ذرات العالم الأعلى والأسفل بكمال قدرته ونهاية حكمته ms5578 ورحمته ، له الخلق ~~والأمر تبارك الله رب العالمين . # أما قوله : { سآئغا للشاربين } فمعناه : جاريا في حلوقهم لذيذا هنيئا . ~~يقال : ساغ الشراب في الحلق وأساغه صاحبه ، ومنه قوله : { ولا يكاد يسيغه } ~~( إبراهيم : 17 ) . # المسألة الخامسة : قال أهل التحقيق : اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود ~~الصانع المختار سبحانه ، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر ، وذلك لأن هذا ~~العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض ، فخالق العالم دبر ~~تدبيرا ، فقلب ذلك الطين نباتا وعشبا ، ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيرا آخر ~~فقلب ذلك العشب دما ، ثم دبر تدبيرا آخر فقلب ذلك الدم لبنا ، ثم دبر ~~تدبيرا آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن ، فهذا يدل على أنه تعالى قادر ~~على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ، ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك ~~لم يمتنع أيضا أن يكون قادرا على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة ~~الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك ، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن ~~البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع والله أعلم . # ثم قال تعالى : { ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ~~} اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة ، ذكر في ~~هذه الآية بعض منافع النبات ، وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : فإن قيل : بم تعلق قوله : { ومن ثمرات النخيل ~~والاعناب } . # قلنا : بمحذوف تقديره : ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها ~~وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه . وقوله : { تتخذون منه سكرا } بيان وكشف عن ~~كنه الإسقاء . # المسألة الثانية : قال الواحدي : { * الأعناب } عطف على الثمرات لا على ~~النخيل ، لأنه يصير التقدير : ومن ثمرات الأعناب ، والعنب نفسه ثمرة وليست ~~له ثمرة أخرى . # المسألة الثالثة : في تفسير السكر وجوه : الأول : السكر الخمر سميت ~~بالمصدر من سكر سكرا وسكرا نحو : رشد رشدا ورشدا ، وأما الرزق الحسن فسائر ~~ما يتخذ من النخيل والأعناب كالرب والخل والدبس والتمر والزبيب . # فإن قيل : الخمر محرمة فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام ؟ . # أجابوا عنه من وجهين ms5579 : الأول : أن هذه السورة مكية ، وتحريم الخمر نزل في ~~سورة المائدة ، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير ~~محرمة . الثاني : أنه لا حاجة إلى التزام هذا النسخ ، وذلك لأنه تعالى ذكر ~~ما في هذه الأشياء من النافع / وخاطب المشركين بها ، والخمر من أشربتهم فهي ~~منفعة في حقهم ، ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية أيضا على تحريمها ، وذلك ~~لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في PageV20P055 الذكر ، فوجب أن لا يكون ~~السكر رزقا حسنا ، ولا شك أنه حسن بحسب الشهوة ، فوجب أن يقال الرجوع عن ~~كونه حسنا بحسب الشريعة ، وهذا إنما يكون كذلك إذا كانت محرمة . # القول الثاني : أن السكر هو النبيذ ، وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا ~~طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتد ، وهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله ~~إلى حد السكر ، ويحتج بأن هذه الآية تدل على أن السكر حلال لأنه تعالى ذكره ~~في معرض الإنعام والمنة ، ودل الحديث على أن الخمر حرام قال عليه السلام : ~~( الخمر حرام لعينها ) وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئا غير الخمر ، وكل من ~~أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ . # والقول الثالث : أن السكر هو الطعام قاله أبو عبيدة : واحتج عليه بقول ~~الشاعر : # جعلت أعراض الكرام سكرا # أي جعلت ذمهم طعاما لك ، قال الزجاج : هذا بالخمر أشبه منه بالطعام ، ~~والمعنى أنك جعلت تتخمر بأغراض الكرام ، والمعنى : أنه جعل شغفه بغيبة ~~الناس وتمزيق أعراضهم جاريا مجرى شرب الخمر . # / واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه التي هي دلائل من وجه ، وتعديد ~~للنعم العظيمة من وجه آخر ، قال : { حسنا إن فى ذالك لآية لقوم يعقلون } ~~والمعنى : أن من كان عاقلا ، علم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها ~~إلا الله سبحانه وتعالى ، فيحتج بحصولها على وجود الإله القادر الحكيم . ~~والله أعلم . # ! 7 < { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون * ثم كلى من كل الثمرات فاسلكى سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب ms5580 ~~مختلف ألوانه فيه شفآء للناس إن فى ذالك لآية لقوم يتفكرون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 68 - 69 ) وأوحى ربك إلى . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين أن إخراج الألبان من النعم ، وإخراج السكر والرزق ~~الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دلائل قاهرة ، وبينات باهرة على أن لهذا ~~العالم إلها قادرا مختارا حكيما ، فكذلك إخراج العسل من النحل دليل قاطع ~~وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وأوحى ربك إلى النحل } يقال وحى وأوحى ، وهو ~~الإلهام ، والمراد من الإلهام أنه تعالى قرر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة ~~التي تعجز عنها العقلاء من البشر ، وبيانه من وجوه : الأول : أنها تبني ~~البيوت المسدسة من أضلاع متساوية ، لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها ، ~~والعقلاء من البشر لا يمكنهم بناء مثل تلك البيوت إلا بآلات وأدوات مثل ~~المسطر والفرجار . والثاني : أنه ثبت في الهندسة أن تلك البيوت لو كانت ~~مشكلة بأشكال سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج ~~خالية ضائعة ، PageV20P056 أما إذا كانت تلك البيوت مسدسة فإنه لا يبقى ~~فيما بينها فرج ضائعة ، فإهداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية ~~والدقيقة اللطيفة / من الأعاجيب . والثالث : أن النحل يحصل فيما بينها واحد ~~يكون كالرئيس للبقية ، وذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي ، ويكون نافذ ~~الحكم على تلك البقية ، وهم يخدمونه ويحملونه عند الطيران ، وذلك أيضا من ~~الأعاجيب . والرابع : أنها إذا نفرت من وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر ~~، فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطنبور والملاهي وآلات الموسيقى ، ~~وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى وكرها ، وهذا أيضا حالة عجيبة ، ~~فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء ~~والكياسة ، وكان حصول هذه الأنواع من الكياسة ليس إلا على سبيل الإلهام وهي ~~حالة شبيهة بالوحي ، لا جرم قال تعالى في حقها : { وأوحى ربك إلى النحل } . # واعلم أن الوحي قد ورد في حق الأنبياء لقوله تعالى : { وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا } ( الشورى : 51 ) وفي حق ms5581 الأولياء أيضا قال تعالى : { ~~وإذ أوحيت إلى } ( المائدة : 111 ) وبمعنى الإلهام في حق البشر قال تعالى : ~~{ يحذرون وأوحينا إلى أم موسى } ( القصص : 7 ) وفي حق سائر الحيوانات كما ~~في قوله : { وأوحى ربك إلى النحل } ولكل واحد من هذه الأقسام معنى خاص . ~~والله أعلم . # المسألة الثانية : قال الزجاج : يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلا ، لأن ~~الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها ، وقال غيره النحل يذكر ~~ويؤنث ، وهي مؤنثة في لغة الحجاز ، ولذلك أنثها الله تعالى ، وكذلك كل جمع ~~ليس بينه وبين واحده إلا الهاء . # ثم قال تعالى : { أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : { أن اتخذى } هي ( أن ) المفسرة ~~، لأن الإيحاء فيه معنى القول ، وقرىء : { بيوتا } بكسر الباء { ومن الشجر ~~ومما يعرشون } أي يبنون ويسقفون ، وفيه لغتان قرىء بهما ، ضم الراء وكسرها ~~مثل يعكفون ويعكفون . # واعلم أن النحل نوعان : # النوع الأول : ما يسكن في الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس . # والنوع الثاني : التي تسكن بيوت الناس وتكون في تعهدات الناس ، فالأول هو ~~المراد بقوله : { أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر } . والثاني : هو ~~المراد بقوله : { ومما يعرشون } وهو خلايا النحل . # فإن قيل : ما معنى ( من ) في قوله : { أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن ~~الشجر ومما يعرشون } وهلا قيل في الجبال وفي الشجر ؟ . # / قلنا : أريد به معنى البعضية ، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل وشجر ، بل ~~في مساكن توافق مصالحها وتليق بها . # المسألة الثانية : ظاهر قوله تعالى : { أن اتخذى من الجبال بيوتا } أمر ، ~~وقد اختلفوا فيه ، فمن الناس من يقول لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول ~~، ولا يبعد أن يتوجه عليها من الله تعالى أمر ونهي . وقال آخرون : ليس ~~الأمر كذلك بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه ~~الأحوال ، والكلام PageV20P057 المستقصى في هذه المسألة مذكور في تفسير ~~قوله تعالى : { نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم } ( النمل : 18 ) . # ثم قال تعالى : { ثم كلى من ms5582 كل الثمرات } لفظة ( من ) ههنا للتبعيض أو ~~لابتداء الغاية ، ورأيت في ( كتب الطب ) أنه تعالى دبر هذا العالم على وجه ~~، وهو أنه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي ويقع ذلك الطل على أوراق ~~الأشجار ، فقد تكون تلك الأجزاء الطلية لطيفة صغيرة متفرقة على الأوراق ~~والأزهار ، وقد تكون كثيرة بحيث يجتمع منها أجزاء محسوسة . # أما القسم الثاني : فهو مثل الترنجبين فإنه طل ينزل من الهواء ويجتمع على ~~أطراف الطرفاء في بعض البلدان وذلك محسوس . # وأما القسم الأول : فهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل حتى أنها تلتقط ~~تلك الذرات من الأزهار وأوراق الأشجار بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها ، فإذا ~~شبعت التقطت بأفواهها مرة أخرى شيئا من تلك الأجزاء وذهبت بها إلى بيوتها ~~ووضعتها هناك ، لأنها تحاول أن تدخر لنفسها غذاءها ، فإذا اجتمع في بيوتها ~~من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير فذاك هو العسل ، ومن الناس من يقول : إن ~~النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق المعطرة أشياء ، ثم إنه تعالى يقلب ~~تلك الأجسام في داخل بدنها عسلا ، ثم إنها تقيء مرة أخرى فذاك هو العسل ، ~~والقول الأول أقرب إلى العقل وأشد مناسبة إلى الاستقراء ، فإن طبيعة ~~الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل ، ولا شك أنه طل يحدث في الهواء ~~ويقع على أطراف الأشجار والأزهار فكذا ههنا . وأيضا فنحن نشاهد أن هذا ~~النحل إنما يتغذى بالعسل ، ولذلك فإنا إذا استخرجنا العسل من بيوت النحل ~~نترك لها بقية من ذلك لأجل أن تغتذي بها فعلمنا أنها إنما تغتذي بالعسل ~~وأنها إنما تقع على الأشجار والأزهار لأنها تغتذي بتلك الأجزاء الطلية ~~العسلية الواقعة من الهواء عليها . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله تعالى : { ثم كلى من كل الثمرات } كلمة ( من ) ~~ههنا تكون لابتداء الغاية ، ولا تكون للتبعيض على هذا القول . # / ثم قال تعالى : { فاسلكى سبل ربك } والمعنى : ثم كلي كل ثمرة تشتهينها ~~فإذا أكلتها فاسلكي سبل ربك في الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل ، أو ~~يكون المراد : فاسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك ms5583 . أما قوله : { ذللا } ~~ففيه قولان : الأول : أنه حال من السبل لأن الله تعالى ذللها لها ووطأها ~~وسهلها ، كقوله : { هو الذى جعل لكم الارض ذلولا } ( الملك : 15 ) الثاني : ~~أنه حال من الضمير في { فاسلكى } أي وأنت أيها النحل ذلل منقادة لما أمرت ~~به غير ممتنعة . # ثم قال تعالى : { يخرج من بطونها } وفيه بحثان : # البحث الأول : أن هذا رجوع من الخطاب إلى الغيبة والسبب فيه أن المقصود ~~من ذكر هذه الأحوال أن يحتج الإنسان المكلف به على قدرة الله تعالى وحكمته ~~وحسن تدبيره لأحوال العالم العلوي والسفلي ، فكأنه تعالى لما خاطب النحل ~~بما سبق ذكره خاطب الإنسان وقال : إنا ألهمنا هذا النحل لهذه العجائب ، ~~لأجل أن يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه . # البحث الثاني : أنه قد ذكرنا أن من الناس من يقول : العسل عبارة عن أجزاء ~~طلية تحدث في الهواء وتقع PageV20P058 على أطراف الأشجار وعلى الأوراق ~~والأزهار ، فيلقطها الزنبور بفمه ، فإذا ذهبنا إلى هذا الوجه كان المراد من ~~قوله : { يخرج من بطونها } أي من أفواهها ، وكل تجويف في داخل البدن فإنه ~~يسمى بطنا ، ألا ترى أنهم يقولون : بطون الدماغ وعنوا أنها تجاويف الدماغ ، ~~وكذا ههنا يخرج من بطونها أي من أفواهها ، وأما على قول أهل الظاهر ، وهو ~~أن النحلة تأكل الأوراق والثمرات ثم تقيء فذلك هو العسل فالكلام ظاهر . # ثم قال تعالى : { شراب مختلف ألوانه فيه شفآء للناس } اعلم أنه تعالى وصف ~~العسل بهذه الصفات الثلاثة : # فالصفة الأولى : كونه شرابا والأمر كذلك ، لأنه تارة يشرب وحده وتارة ~~يتخذ من الأشربة . # والصفة الثانية : قوله : { مختلف ألوانه } والمعنى : أن منه أحمر وأبيض ~~وأصفر . ونظيره قوله تعالى : { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود } ( فاطر : 27 ) والمقصود منه : إبطال القول بالطبع ، لأن هذا ~~الجسم مع كونه متساوي الطبيعة لما حدث على ألوان مختلفة ، دل ذلك على أن ~~حدوث تلك الألوان بتدبير الفاعل المختار ، لا لأجل إيجاد الطبيعة . # والصفة الثالثة : قوله : { فيه شفآء للناس } وفيه قولان : # القول الأول : وهو الصحيح أنه صفة للعسل . # فإن ms5584 قالوا : كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرارة ؟ . # قلنا : إنه تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال ، بل ~~لما كان شفاء للبعض / من بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاء ، والذي ~~يدل على أنه شفاء في الجملة أنه قال معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله ~~إنما يحصل بالعجن بالعسل ، وأيضا فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية ~~عظيمة النفع . # والقول الثاني : وهو قول مجاهد أن المراد : أن القرآن شفاء للناس ، وعلى ~~هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله : { يخرج من بطونها ~~شراب مختلف ألوانه } ثم ابتدأ وقال : { فيه شفآء للناس } أي في هذا القرآن ~~حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة ، مثل هذا الذي في قصة النحل . وعن ~~ابن مسعود : أن العسل شفاء من كل داء ، والقرآن شفاء لما في الصدور . # واعلم أن هذا القول ضعيف ويدل عليه وجهان : الأول : أن الضمير في قوله : ~~{ فيه شفآء للناس } يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله : { ~~شراب مختلف ألوانه } وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير ~~مذكور فيما سبق ، فهو غير مناسب . والثاني : ما روى أبو سعيد الخدري : أنه ~~جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن أخي يشتكي بطنه فقال : ~~( اسقه عسلا ) فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فلم يغن عنه شيئا ، فقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( اذهب واسقه عسلا ) فذهب فسقاه ، فكأنما نشط من عقال ، ~~فقال : ( صدق الله وكذب بطن أخيك ) وحملوا قوله : ( صدق الله وكذب بطن أخيك ~~) على قوله : { فيه شفآء للناس } وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل . # فإن قال قائل : ما المراد بقوله عليه السلام : ( صدق الله وكذب بطن أخيك ~~) . PageV20P059 # قلنا : لعله عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك ~~/ فلما لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالما بأنه سيظهر ~~نفعه بعد ذلك ، كان هذا جاريا مجرى الكذب ، فلهذا السبب ms5585 أطلق عليه هذا ~~اللفظ . # ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله : { إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون } واعلم ~~أن تقرير هذه الآية من وجوه : الأول : اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة ~~والمعارف الغامضة مثل بناء البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرناها . ~~والثاني : اهتداؤها إلى جميع تلك الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار ~~والأوراق . والثالث : خلق الله تعالى الأجزاء النافعة في جو الهواء ، ثم ~~إلقاؤها على أطراف الأشجار والأوراق ، ثم إلهام النحل إلى جمعها بعد ~~تفريقها وكل ذلك أمور عجيبة دالة على أن إله العالم بنى ترتيبه على رعاية ~~الحكمة والمصلحة ، والله أعلم . # ! 7 < { والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكى لا يعلم ~~بعد علم شيئا إن الله عليم قدير } > 7 ! # < < # | النحل : ( 70 ) والله خلقكم ثم . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : لما ذكر تعالى بعض عجائب أحوال الحيوانات ، ذكر بعده ~~بعض عجائب أحوال الناس ، فمنها ما هو مذكور في هذه الآية وهو إشارة إلى ~~مراتب عمر الإنسان ، والعقلاء ضبطوها في أربع مراتب : أولها : سن النشو ~~والنماء . وثانيهما : سن الوقوف وهو سن الشباب . وثالثها : سن الانحطاط ~~القليل وهو سن الكهولة . ورابعها : سن الانحطاط الكبير وهو سن الشيخوخة . ~~فاحتج تعالى بانتقال الحيوان من بعض هذه المراتب إلى بعض ، على أن ذلك ~~الناقل هو الله تعالى والأطباء الطبائعيون قالوا : المقتضي لهذا الانتقال ~~هو طبيعة الإنسان ، وأنا أحكي كلامهم على الوجه الملخص وأبين ضعفه وفساده ، ~~وحينئذ يبقى أن ذلك الناقل هو الله سبحانه ، وعند ذلك يصح بالدليل العقلي ~~ما ذكر الله تعالى في هذه الآية . قال الطبائعيون : إن بدن الإنسان مخلوق ~~من المني ومن دم الطمث ، والمني والدم جوهران حاران رطبان ، والحرارة إذا ~~عملت في الجسم الرطب قللت رطوبته وأفادته نوع يبس ، وهذا مشاهد معلوم ، ~~قالوا : فلا يزال ما في هذين الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما فيه من ~~الرطوبة حتى تتصلب الأعضاء ويظهر فيه الانعقاد ، ويحدث العظم والغضروف ~~والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء فإذا تم تكون البدن وكمل فعند ذلك ~~ينفصل الجنين من ms5586 رحم الأم ومع ذلك فالرطوبات زائدة ، والدليل عليه أنك ترى ~~أعضاء الطفل بعد انفصاله من الأم لينة لطيفة وعظامه لينة قريبة الطبع من ~~الغضاريف ، ثم إن ما في البدن من الحرارة يعمل في تلك الرطوبات ويقللها ، ~~قالوا : ويحصل للبدن ثلاثة أحوال . # الحالة الأولى : أن تكون رطوبة البدن زائدة على حرارته ، وحينئذ تكون ~~الأعضاء قابلة للتمدد والازدياد والنماء ، وذلك هو سن النشو والنماء ~~ونهايته إلى ثلاثين سنة أو خمس وثلاثين سنة . # الحالة الثانية : أن تصير رطوبات البدن أقل ما كانت فتكون وافية بحفظ ~~الحرارة الغريزية الأصلية إلا PageV20P060 أنها لا تكون زائدة على هذا ~~القدر ، وهذا هو سن الوقوف وسن الشباب وغايته خمس سنين ، وعند تمامه يتم ~~الأربعون . # / والحالة الثالثة : أن تقل الرطوبات وتصير بحيث لا تكون وافية بحفظ ~~الحرارة الغريزية ، وعند ذلك يظهر النقصان ، ثم هذا النقصان قد يكون خفيا ~~وهو سن الكهولة وتمامه إلى ستين سنة وقد يكون ظاهرا وهو سن الشيخوخة وتمامه ~~إلى مائة وعشرين سنة فهذا هو الذي حصله الأطباء في هذا الباب ، وعندي أن ~~هذا التعليل ضعيف ويدل على ضعفه وجوه : # الوجه الأول : أنا نقول إن في أول ما كان المني منيا وكان الدم ما كانت ~~الرطوبات غالبة وكانت الحرارة الغريزية مغمورة وكانت ضعيفة بهذا السبب ، ثم ~~إنها مع ضعفها قويت على تحليل أكثر تلك الرطوبات وأبانتها من حد الدموية ~~والمنوية إلى أن صارت عظما وغضروفا وعصبا ورباطا ، وعندما تولدت الأعضاء ~~وكمل البدن قلت الرطوبات فوجب أن تكون للحرارة الغريزية قوة أزيد مما كانت ~~قبل ذلك ، فوجب أن يكون تحليل الرطوبات بعد تولد البدن وكماله أزيد من ~~تحللها قبل تولد البدن ، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، لأن قبل تولد البدن ~~انتقل جسم المني والدم إلى أن صار عظما وعصبا ، وأما بعد تولد البدن فلم ~~يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشره فلو كان تولد هذه الأعضاء بسبب تأثير ~~الحرارة في الرطوبة لوجب أن يكون تحلل الرطوبات بعد كمال البدن أكثر من ~~تحللها قبل تكون البدن ، ولما لم ms5587 يكن الأمر كذلك علمنا أن تولد البدن إنما ~~كان بتدبير قادر حكيم يدبر أبدان الحيوانات على وفق مصالحها / وأنه ما كان ~~تولد البدن لأجل ما قالوه من تأثير الحرارة في الرطوبة . # والوجه الثاني : في إبطال هذا الكلام أن نقول : إن الحرارة الغريزية ~~الحاصلة في بدن الإنسان الكامل إما أن تكون هي عين ما كان حاصلا في جوهر ~~النطفة أو صارت أزيد مما كانت ، والأول باطل ، لأن الحار الغريزي الحاصل في ~~جوهر النطفة كان بمقدار جرم النفطة ولا شك أن جرم النطفة كان قليلا صغيرا ، ~~فهذا البدن بعد كبره لو لم يحصل فيه من الحرارة الغريزية إلا ذلك القدر كان ~~في غاية القلة ، ولم يظهر منه في هذا البدن أثر أصلا ، وأما الثاني : ففيه ~~تسليم أن الحرارة الغريزية تتزايد بحسب تزايد الجثة والبدن ، وإذا تزايدت ~~الحرارة الغريزية ساعة فساعة ، وثبت أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ~~ساعة فساعة ، فوجب أن يبقى البدن الحيواني أبدا في التزايد والتكامل ، وحيث ~~لم يكن الأمر كذلك علمنا أن ازدياد حال البدن الحيواني وانتقاصه ليس بحسب ~~الطبيعة ، بل بسبب تدبير الفاعل المختار . # والوجه الثالث : وهو الذي أوردناه على الأطباء في ( كتابنا الكبير في ~~الطب ) فقلنا هي أن الرطوبة الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم ~~قلتم إن الحرارة الغريزية يجب أن تصير أقل مما / كانت ؟ وأن ينتقل الإنسان ~~من سن الشباب إلى سن النقصان . قالوا : السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء ~~، فالحرارة الغريزية بعد ذلك تؤثر في تخفيف الرطوبة الغريزية ، فتقل ~~الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تقي بحفظ الحرارة الغريزية ، وإذا حصلت ~~هذه الحالة ضعفت الحرارة الغريزية أيضا ، لأن الرطوبة الغريزية كالغذاء ~~للحرارة الغريزية ، فإذا قل الغذاء ضعف المغتذي . فالحاصل : أن الحرارة ~~الغريزية توجب قلة الرطوبة الغريزية ، وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية ، ~~ويلم من ضعف إحداهما ضعف الأخرى إلى أن تنتهي PageV20P061 إلى حيث لا يبقى ~~من الرطوبة الغريزية شيء ، وحينئذ تنطفىء الحرارة الغريزية ، ويحصل الموت ~~هذا منتهى ما قالوه في هذا الباب ، وهو ضعيف ، لأنا ms5588 نقول : إن الحرارة ~~الغريزية إذا أثرت في تجفيف الرطوبة الغريزية وقلتها ، فلم لا يجوز أن يقال ~~: إن القوة الغاذية تورد بدلها . فعند هذا قالوا : القوة الغاذية إنما تقوى ~~على إيراد بدلها لو كانت الحرارة الغريزية قوية ، فأما عند ضعفها فلا ، ~~فنقول : فههنا لزم الدور ، لأن الرطوبة الغريزية إنما تقل وتنقص لو لم تكن ~~القوة الغاذية وافية بإيراد بدلها ، وإنما تعجز القوة الغاذية عن هذا ~~الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة ، وإنما تكون الحرارة الغريزية ~~ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية ، وإنما تحصل هذه القلة إذا عجزت الغاذية ~~عن إيراد البدل ، فثبت أن على القول الذي قالوه يلزوم الدور وأنه باطل فثبت ~~أن تعليل انتقال الإنسان من سن إلى سن بما ذكروه من اعتبار الطبائع يوجب ~~عليهم هذه المحاولات المذكورة فكان القول به باطلا ، ولما بطل هذا القول ~~وجب القطع بإسناد هذه الأحوال إلى الإله القادر المختار الحكيم الرحيم الذي ~~يدبر أبدان الحيوانات على الوجه الموافق لمصالحها ، وذلك هو المطلوب . وقد ~~كنت أقرأ يوما من الأيام سورة المرسلات فلما وصلت إلى قوله تعالى : { ألم ~~نخلقكم من ماء مهين * فجعلناه فى قرار مكين * إلى قدر معلوم * فقدرنا فنعم ~~القادرون * ويل يومئذ للمكذبين } ( المرسلات : 20 24 ) فقلت : لا شك أن ~~المراد بهؤلاء المكذبين هم الذين نسبوا تكون الأبدان الحيوانية إلى الطبائع ~~وتأثير الحرارة في الرطوبة ، وأنا أؤمن من صميم قلبي يا رب العزة بأن هذه ~~التدبيرات ليست من الطبائع بل من خالق العالم الذي هو أحكم الحاكمين وأكرم ~~الأكرمين . # إذا عرفت هذا فقد صح بالدليل العقلي صدق قوله : { والله خلقكم } لأنه ثبت ~~أن خالق أبدان الناس وسائر الحيوانات ليس هو الطبائع بل هو الله سبحانه ~~وتعالى ، وقوله : { ثم يتوفاكم } قد بينا أن السبب الذي ذكروه في صيرورة ~~الموت فاسد باطل ، وأنه يلزم عليه القول بالدور ، ولما بطل ذلك ثبت أن ~~الحياة والموت إنما حصلا بتخليق الله ، وبتقديره ، وقوله : { ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر } قد بينا بالدليل أن الطبائع لا يجوز أن تكون ms5589 علة لانتقال ~~الإنسان من الكمال إلى النقصان ومن القوة إلى الضعف فلزم القطع بأن انتقال ~~الإنسان من الشباب إلى الشيخوخة ، ومن الصحة إلى الهرم ، ومن العقل الكامل ~~إلى أن صار حرفا غافلا ليس بمقتضى الطبيعة بل بفعل الفاعل المختار ، وإذا ~~ثبت ما ذكرنا ظهر أن الذي دل عليه لفظ القرآن قد ثبت صحته بقاطع القرآن . # ثم قال تعالى : { إن الله عليم قدير } وهذا كالأصل الذي عليه تفريع كل ما ~~ذكرناه ، وذلك لأن الطبيعة جاهلة لا تميز بين وقت المصلحة ووقت المفسدة ، ~~فهذه الإنفعالات في هذا الإنسان لا يمكن إسنادها إليها . أما إله العالم ~~ومدبره وخالقه ، فهو الكامل في العلم ، الكامل في القدرة ، فلأجل كمال علمه ~~يعلم مقادير المصالح والمفاسد ، ولأجل كمال قدرته يقدر على تحصيل المصالح ~~ودفع المفاسد ، فلا جرم أمكن إسناد تخليق الحيوانات إلى إله العالم ، فلا ~~يمكن إسناده إلى الطبائع والله أعلم . # المسألة الثانية : في تفسير ألفاظ الآية قال المفسرون : والله خلقكم ولم ~~تكونوا شيئا ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ، ~~وهو أردؤه وأضعفه . يقال : رذل الشيء يرذل رذالة وأرذلة غيره ، ومنه قوله : ~~{ إلا الذين هم * وأطيعون * قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون } ( الشعراء : ~~111 ) وقوله : { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } PageV20P062 هل يتناول ~~المسلم أو هو مختص بالكافر ؟ فيه قولان : # القول الأول : أنه يتناوله ، قيل : إنه العمر الطويل ، وعلى هذا الوجه ~~نقل عن علي عليه السلام أنه قال : أرذل العمر خمس وسبعون سنة . وقال قتادة ~~: تسعون سنة . وقال السدي : إنه الخرف . والقول الأول أولى ؛ لأن الخرف ~~معناه زوال العقل ، فقوله : { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم * ~~بعد علم شيئا } يدل على أنه تعالى إنما رده إلى أرذل العمر لأجل أن يزيل ~~عقله ، فلو كان المراد من أرذل العمر هو زوال العقل لصار الشيء عين الغاية ~~المطلوبة منه وأنه باطل . # والقول الثاني : أن هذا ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب طول العمر ~~إلا كرامة على الله تعالى ولا يجوز أن يقال ms5590 في حقه إنه يرد إلى أرذل العمر ~~، والدليل عليه قوله تعالى : { ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات } ( التبين : 5 ، 6 ) فبين تعالى أن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ما ردوا إلى أسفل سافلين . وقال عكرمة : من قرأ القرآن لم يرد إلى ~~أرذل العمر . وقوله : { إن الله عليم } قال ابن عباس : يريد بما صنع ~~أولياؤه وأعداؤه { قدير 5 على ما يريد . # المسألة الثالثة : هذه الآية كما تدل على وجود إله العالم الفاعل المختار ~~، فهي أيضا تدل على صحة البعث والقيامة ، وذلك لأن الإنسان كان عدما محضا ~~فأوجده الله ثم أعدمه مرة ثانية ، فدل عهذا على أنه لما كان معدوما في ~~المرة الأولى ، وكان عوده إلى العدم في المرة الثانية جائزا ، فكذلك لما / ~~صار موجودا ، ثم عدم وجب أن يكون عوده إلى الوجود في المرة الثانية جائزا ، ~~وأيضا كان ميتا حين كان نطفة ثم صار حيا ثم مات فلما كان الموت الأول جائزا ~~كان عود الموت جائزا / فكذلك لما كانت الحياة الأولى جائزة ، وجب أن يكون ~~عود الحياة جائزا في المرة الثانية ، وأيضا الإنسان في أول طفوليته جاهل لا ~~يعرف شيئا ، ثم صار عالما عاقلا فاهما ، فلما بلغ أرذل العمر عاد إلى ما ~~كان عليه في زمان الطفولية ، وهو عدم العقل والفهم ، فعدم العقل والفهم في ~~المرة الأولى عاد بعينه في آخر العمر ، فكذلك العقل الذي حصل ، ثم زال وجب ~~أن يكون جائز العود في المرة الثانية ، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أن الذي ~~مات وعدم فإنه يجوز عود وجوده وعود حياته وعود عقله مرة أخرى ومتى كان ~~الأمر كذلك ، ثبت أن القول بالبعث والحشر والنشر حق والله أعلم . # ! 7 < { والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق فما الذين فضلوا برآدى رزقهم ~~على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سوآء أفبنعمة الله يجحدون } > 7 ! # < < # | النحل : ( 71 ) والله فضل بعضكم . . . . . # > > اعلم أن هذا اعتبار حال أخرى من أحوال الإنسان ، وذلك أنا نرى أكيس ~~الناس وأكثرهم عقلا وفهما يفني عمره في طلب القدر ms5591 القليل من الدنيا ولا ~~يتيسر له ذلك ، ونرى أجهل الخلق وأقلهم عقلا وفهما تنفتح عليه أبواب الدنيا ~~، وكل شيء خطر بباله ودار في خياله فإنه يحصل له في الحال ، ولو كان السبب ~~جهد PageV20P063 الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال ، ~~فلما رأينا أن الأعقل أقل نصيبا ، وأن الأجهل الأخس أوفر نصيبا ، علمنا أن ~~ذلك بسبب قسمة القسام ، كما قال تعالى : { أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا ~~بينهم معيشتهم فى الحيواة الدنيا } ( الزخرف : 32 ) وقال الشافعي رحمه الله ~~تعالى : # % ومن الدليل على القضاء وكونه % % بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق % # واعلم أن هذا التفاوت غير مختص بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة ~~والحسن والقبح والعقل والحمق والصحة والسقم والاسم الحسن والاسم القبيح ، ~~وهذا بحر لا ساحل له وقد كنت مصاحبا لبعض الملوك في بعض الأسفار ، وكان ذلك ~~الملك كثير المال والجاه ، وكانت الجنائب الكثيرة تقاد بين يديه ، وما كان ~~يمكنه ركوب واحد منها ، وربما حضرت الأطعمة الشهية / والفواكه العطرة عنده ~~، وما كان يمكنه تناول شيء منها ، وكان الواحد منا صحيح المزاج قوي البنية ~~كامل القوة ، وما كان يجد ملء بطنه طعاما ، فذلك الملك وإن كان يفضل على ~~هذا الفقير في المال ، إلا أن هذا الفقير كان يفضل على ذلك الملك في الصحة ~~والقوة ، وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه منه . # أما قوله : { فما الذين فضلوا برآدى رزقهم على ما ملكت أيمانهم } ففيه ~~قولان : # القول الأول : أن المراد من هذا الكلام تقرير ما سبق في الآية المتقدمة ~~من أن السعادة والنحوسة لا يحصلان إلا من الله تعالى ، والمعنى أن الموالي ~~والمماليك أنا رازقهم جميعا فهم في رزقي سواء فلا يحسبن الموالي أنهم يردون ~~على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق ، وأن المالك لا يرزق العبد بل الرازق ~~للعبد والمولى هو الله تعالى ، وتحقيق القول أنه ربما كان العبد أكمل عقلا ~~وأقوى جسما وأكثر وقوفا على المصالح والمفاسد من المولى ، وذلك يدل على أن ~~ذلة ذلك العبد وعزة ms5592 ذلك المولى من الله تعالى كما قال : { وتعز من تشاء ~~وتذل من تشاء } ( آل عمران : 26 ) . # والقول الثاني : أن المراد من هذه الآية الرد على من أثبت شريكا لله ~~تعالى ، ثم على هذا القول ففيه وجهان : الأول : أن يكون هذا ردا على عبدة ~~الأوثان والأصنام ، كأنه قيل : إنه تعالى فضل الملوك على مماليكهم ، فجعل ~~المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه ، فلما لم تجعلوا عبيدكم معكم سواء في ~~الملك ، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية ، والثاني : قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا : إن ~~عيسى ابن مريم ابن الله ، فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملكتم ~~فتكونوا سواء ، فكيف جعلتم عبدي ولدا لي وشريكا في الإلهية ؟ . # ثم قال تعالى : { فهم فيه سوآء } معنى الفاء في قوله : { فهم } حتى ، ~~والمعنى : فما الذين فضلوا بجاعلي رزقهم لعبيدهم ، حتى تكون عبيدهم فيه ~~معهم سواء في الملك . # ثم قال : { أفبنعمة الله يجحدون } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { يجحدون } بالتاء على ~~الخطاب لقوله : { خلقكم * وفضل * بعضكم } والباقون بالياء لقوله : { فهم ~~فيه سوآء } واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقرب الخبر عنه ، وأيضا فظاهر ~~PageV20P064 الخطاب أن يكون مع المسلمين ، والمسلمون لا يخاطبون بجحد نعمة ~~الله تعالى . # المسألة الثانية : لا شبهة في أن المراد من قوله : { أفبنعمة الله يجحدون ~~} الإنكار على المشركين الذين أورد الله تعالى هذه الحجة عليهم . # فإن قيل : كيف يصيرون جاحدين بنعمة الله عليهم بسبب عبادة الأصنام ؟ . # / قلنا : فيه وجهان : # الوجه الأول : أنه لما كان المعطي لكل الخيرات هو الله تعالى فمن أثبت ~~لله شريكا فقد أضاف إليه بعض تلك الخيرات فكان جاحدا لكونها من عند الله ~~تعالى ، وأيضا فإن أهل الطبائع وأهل النجوم يضيفون أكثر هذه النعم إلى ~~الطبائع وإلى النجوم ، وذلك يوجب كونهم جاحدين لكونها من الله تعالى . # والوجه الثاني : قال الزجاج : المراد أنه تعالى لما قرر هذه الدلائل ~~وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل ، كان ذلك إنعاما عظيما ms5593 منه على الخلق ~~، فعند هذا قال : { أفبنعمة الله } في تقريره هذه البيانات وإيضاح هذه ~~البينات { يجحدون } . # المسألة الثالثة : الباء في قوله : { أفبنعمة الله } يجوز أن تكون زائدة ~~لأن الجحود لا يعدى بالباء كما تقول : خذ الخطام وبالخطام ، وتعلقت زيدا ~~وبزيد ، ويجوز أن يراد بالجحود الكفر فعدي بالباء لكونه بمعنى الكفر والله ~~أعلم . # ! 7 < { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ~~ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون } > 7 ! # < < # | النحل : ( 72 ) والله جعل لكم . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من أحوال الناس ، ذكره الله تعالى ليستدل به على ~~وجود الإله المختار الكريم ، وليكون ذلك تنبيها على إنعام الله تعالى على ~~عبيده بمثل هذه النعم ، فقوله : { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } قال بعضهم : ~~المراد أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم ، وهذا ضعيف ، لأن قوله : { جعل لكم ~~من أنفسكم أزواجا } خطاب مع الكل ، فتخصيصه بآدم وحواء خلاف الدليل ، بل ~~هذا الحكم عام في جميع الذكور والإناث . والمعنى : أنه تعالى خلق النساء ~~ليتزوج بهن الذكور ، ومعنى : { من أنفسكم } مثل قوله : { فاقتلوا أنفسكم } ~~( البقرة : 54 ) وقوله : { فسلموا على أنفسكم } ( النور : 61 ) أي بعضكم ~~على بعض ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا } الروم : 21 ) قال الأطباء وأهل الطبيعة : التفاوت بين الذكر ~~والأنثى إنما كان لأجل أن كل من كان أسخن مزاجا فهو الذكر ، وكل من كان / ~~أكثر بردا ورطوبة فهو المرأة . ثم قالوا : المني إذا انصب إلى الخصية ~~اليمنى من الذكر ، ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكرا ~~تاما في الذكورة ، وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ، ثم انصب منها إلى ~~الجانب PageV20P065 الأيسر من الرحم ، كان الولد أنثى تاما في الأنوثة ، ~~وإن انصب إلى الخصية اليمنى ، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم ، ~~كان الولد ذكرا في طبيعة الإناث وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل ثم ~~انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم ، كان ms5594 هذا الولد أنثى في طبيعة ~~الذكور . # واعلم أن حاصل هذا الكلام أن الذكورة علتها الحرارة واليبوسة ، والأنوثة ~~علتها البرودة والرطوبة ، وهذه العلة في غاية الضعف ، فقد رأينا في النساء ~~من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان مزاجه في غاية البرودة ، ~~ولو كان الموجب للذكورة والأنوثة ذلك لامتنع ذلك ، فثبت أن خالق الذكر ~~والأنثى هو الإله القديم الحكيم وظهر بالدليل الذي ذكرناه صحة قوله تعالى : ~~{ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } . # ثم قال تععالى : { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } قال الواحدي : إصل ~~الحفدة من الحفد وهو الخفة في الخدمة والعمل . يقال : حفد يحفد حفدا وحفودا ~~وحفدانا إذا أسرع ، ومنه في دعاء القنوت وإليك نسعى ونحفد ، والحفدة جمع ~~الحافد ، والحافد كل من يخف في خدمتك ويسرع في العمل بطاعتك ، يقال في جمعه ~~الحفد بغير هاء كما يقال الرصد ، فمعنى الحفدة في اللغة الأعوان والخدام ، ~~ثم يجب أن يكون المراد من الحفدة في هذه الآية الأعوان الذين حصلوا للرجل ~~من قبل المرأة ، أنه تعالى قال : { وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة } ~~فالأعوان الذين لا يكونون من قبل المرأة لا يدخلون تحت هذه الآية . # إذا عرفت هذا فنقول : قيل هم الأختان ، وقيل : هم الأصهار ، وقيل : ولد ~~الولد ، والأولى دخول الكل فيه ، لما بينا أن اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى ~~المشترك الذي ذكرناه . # ثم قال تعالى : { ورزقكم من الطيبات } لما ذكر تعالى إنعامه على عبيده ~~بالمنكوح وما فيه من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة ~~، سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب والأشربة أو كانت من الحيوان ، ~~ثم قال : { أفبالباطل يؤمنون } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني ~~بالأصنام ، وقال مقاتل : يعني بالشيطان ، وقال عطاء : يصدقون أن لي شريكا ~~وصاحبة وولدا : { والله جعل لكم من } أي بأن يضيفوها إلى غير الله ويتركوا ~~إضافتها إلى الله تعالى . وفي الآية قول آخر وهو أنه تعالى لما قال : { ~~ورزقكم من الطيبات } قال بعده : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } ~~والمراد منه أنهم يحرمون ms5595 على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم مثل البحيرة ~~والسائبة والوصيلة / ويبيحون لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم وهي الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب يعني لم يحكمون بتلك الأحكام الباطلة ~~، وبإنعام الله في تحليل الطيبات ، وتحريم الخبيثات يجحدون ويكفرون والله ~~أعلم . # ! 7 < { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والا رض ~~شيئا ولا يستطيعون * فلا تضربوا لله الا مثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ~~} > 7 @QB@ < # | النحل : ( 73 - 74 ) ويعبدون من دون . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما شرح أنواعا كثيرة في دلائل التوحيد ، وتلك الأنواع ~~كما أنها دلائل على صحة التوحيد ، فكذلك بدأ بذكر أقسام النعم الجليلة ~~الشريفة ، ثم أتبعها في هذه الآية بالرد على عبدة الأصنام PageV20P066 فقال ~~: { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من * السماوات والارض * شيئا ~~ولا يستطيعون } أما الرزق الذي يأتي من جانب السماء فيعني به الغيث الذي ~~يأتي من جهة السماء ، وأما الذي يأتي من جانب الأرض فهو النبات والثمار ~~التي تخرج منها وقوله : { من * السماوات والارض } من صفة النكرة التي هي ~~قوله : { رزقا } كأنه قيل : لا يملك لهم رزقا من الغيث والنبات وقوله , { ~~شيئا } قال الأخفش : جعل قوله : { شيئا } بدلا من قوله : { رزقا } والمعنى ~~: لا يملكون رزقا لا قليلا ولا كثيرا ، ثم قال : { ولا يستطيعون } والفائدة ~~في هذه اللفظة أن من لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعته أن يتملكه ~~بطريق من الطرق ، فبين تعالى أن هذه الأصنام لا تملك وليس لها أيضا استطاعة ~~تحصيل الملك . # فإن قيل : إنه تعالى قال : { ويعبدون من دون الله ما لا يملك } فعبر عن ~~الأصنام بصيغة ( ما ) وهي لغير أولي العلم ، ثم قال : { ولا يستطيعون } ~~والجمع بالواو والنون مختص بأولى العلم فكيف الجمع بين الأمرين ؟ . # والجواب : أنه عبر عنها بلفظ ( ما ) اعتبارا لما هو الحقيقة في نفس الأمر ~~وذكر الجمع بالواو والنون اعتبارا لما يعتقدون فيها أنها آلهة . # ثم قال تعالى : { فلا تضربوا لله الامثال } وفيه وجوه : الأول : قال ~~المفسرون : يعني لا ms5596 تشبهوه / بخلقه . الثاني : قال الزجاج : أي لا تجعلوا ~~لله مثلا ، أونه واحد لا مثل له . والثالث : أقول يحتمل أن يكون المراد أن ~~عبدة الأوثان كانوا يقولون : إن إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد ~~منا بل نحن نعبد الكواكب أو نعبد هذه الأصنام ، ثم إن الكواكب والأصنام ~~عبيد الإله الأكبر الأعظم ، والدليل عليه العرف ، فإن أصاغر الناس يخدمون ~~أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فكذا ههنا فعند هذا هذا ~~قال الله تعالى لهم اتركوا عبادة هذا الأصنام والكواكب ولا تضربوا الله ~~الأمثال التي ذكرتموها وكونوا مخلصين في عبادة الإله الحكيم القدير . # ثم قال : { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } وفيه وجهان : الأول : أن الله ~~تعالى يعلم ما عليكم من العقاب العظيم ، بسبب عبادة هذه الأصنام وأنتم لا ~~تعلمون ذلك ، ولو علمتموه لتركتم عبادتها . الثاني : أن الله تعالى لما ~~نهاكم عن عبادة هذه الأصنام فاتركوا عبادتها ، واتركوا دليلكم الذي عولتم ~~عليه وهو قولكم الاشتغال بعبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من الاشتغال ~~بعبادة نفس الملك ، لأن هذا قياس ، والقياس يجب تركه عند ورود النص ، فلهذا ~~قال : { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } ثم قال تعالى : # ! 7 < { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء ومن رزقناه منا رزقا ~~حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } > ~~7 ! # < < # | النحل : ( 75 ) ضرب الله مثلا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى أكد إبطال مذهب عبدة الأصنام بهذا المثال وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : في تفسير هذ المثل قولان : PageV20P067 # القول الأول : أن المراد أنا لو فرضنا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، ~~وفرضنا حرا كريما غنيا كثير الإنفاق سرا وجهرا ، فصريح العقل يشهد بأنه لا ~~تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال لما لم تجز التسوية بينهما مع ~~استهوائهما في الخلقة والصورة والبشرية ، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين ~~الله القادر على الرزق والإفضال ، وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ~~ألبتة . # والقول الثاني : أن المراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر ms5597 على شيء هو ~~الكافر ، فإنه من حيث / إنه بقي محروما عن عبودية الله تعالى وغعن طاعته ~~صار كالعبد الذليل الفقير العاجز ، والمراد بقوله : { ومن رزقناه منا رزقا ~~حسنا } هو المؤمن فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق ~~الله فبين تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله ~~تعالى . # واعلم أن القول الأول أقرب ، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها إنما ورد في ~~إثبات التوحيد ، وفي الرد على القائلين بالشرك ، فحمل هذه الآية على هذا ~~المعنى أولى . # المسألة الثانية : اختلوفا في المراد بقوله { عبد مملوكا لا يقدر على شيء ~~} فقيل : المراد به الصنم لأنه عبد بدليل قوله { إن كل من في السموات ~~والأرض إلا آت الرحمن عبدا } [ مريم : 93 ] وأما أنه مملوك ولا يقدر على ~~شيء فظاهر ، والمراد بقوله { ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا ~~وجهرا } عابد الصنم لأن الله تعالى رزقه المال وهو ينفق من ذلك المال على ~~نفسه وعل أتباعه سرا وجهرا . # إذا ثبت هذا فنقول : هما لا يستويان في بديهة العقل ، بل صريح العقل يشهد ~~بأن ذلك القادر أكمل حالا وأفضل مرتبة من ذلك العاجز ، فهنا صريح العقل ~~يشهد بأن عابد الصنم أفضل من ذلك الصنم فكيف يجوز الحكم بكونه مساويا لرب ~~العالمين في العبودية . # والقول الثاني : أن المراد بقوله { عبدا مملوكا } عبد معين ، وقيل : هو ~~عبد لعثمان بن عفان ، وحملوا قوله { ومن رزقناه منا رزقا حسنا } على عثمان ~~خاصة . # والقول الثالث : أنه عام في كل عبد بهذه الصفة وفي كل حر بهذه الصفة ، ~~وهذا القول هو الأظهر ، لأنه هو الموافق لما أراده الله تعالى في هذه الآية ~~، والله أعلم . # المسألة الثالثة : احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئا . # فإن قالوا : ظاهر الآية يدل على أن عبدا من العبيد لا يقدر على شيء ، فلم ~~قلتم : إن كل عبد كذلك ؟ فنقول : الذي يدل عليه وجهان : الأول : أنه ثبت في ~~أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب ms5598 يدل على كون ذلك الوصف علة ~~لذلك الحكم ، وكونه عبدا وصف مشعر بالذل والمقهورية ، وقوله { لا يقدر على ~~شيء } حكم مذكور عقيبه . فهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على شيء هو كونه ~~عبدا ، وبهذا الطريق يثبت العموم . الثاني : أنه تعالى قال بعده { ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا } فميز هذا القسم الثاني عن القسم الأول وهو العبد ~~بهذه الصفة وهو أنه يرزقه رزقا ، فوجب أن لا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل ~~الامتياز بين القسم الثاني وبين القسم الأول ، ولو ملك العبد لكان الله قد ~~آتاه رزقا حسنا ، لأن الملك الحلال رزق حسن سواء كان قليلا أو كثيرا . فثبت ~~بهذين الوجهين أن ظاهر الآية يقتضي أن العبد لا يقدر على شيء ولا ~~PageV20P068 يملك شيئا . ثم اختلفوا فروي عن ابن عباس وغيره التشدد في ذلك ~~حتى قال : لا يملك الطلاق أيضا . وأكثر الفقهاء قالوا يملك الطلاق إنما لا ~~يملك المال ولا ماله تعلق بالمال . واختلفوا في أن المالك إذا ملكه شيئا ~~فهل يملكه أم لا ؟ وظاهر الآية ينفيه . بقي في الآية سؤالات : # السؤال الأول : لم قال { مملوكا لا يقدر على شيء } وكل عبد فهو مملوك ~~وغير قادر على التصرف ؟ قلنا : أما ذكر المملوك فليحصل الامتياز بينه وبين ~~الحر ؛ لأن الحر قد يقال : إنه عبد الله ، وأما قوله { لا يقدر على شيء } ~~قد يحصل الامتياز بينه وبين المكاتب وبين العبد المأذون ، لأنهما لا يقدران ~~على التصرف . # السؤال الثاني : ' من ' في قوله { ومن رزقناه } ما هي ؟ # قلنا : الظاهر أنها موصوفة كأنه قيل : وحرا رزقناه ليطابق عبدا ، ولا ~~يمتنع أن تكون موصولة . # السؤال الثالث : لم قال ' يستوون ' على الجمع ؟ # قلنا : معناه هل يستوي الأحرار والعبيد . ثم قال { الحمد لله } وفيه وجوه ~~: الأول : قال ابن عباس : الحمد لله على ما فعل باوليائه وأنعم عليهم ~~بالتوحيد ، والثاني : المعنى أن كل الحمد لله ، وليس شيء من الحمد للأصنام ~~، لأنها لا نعمة لها على أحد . وقوله { بل أكثرهم لا يعلمون } يعني أنهم لا ~~يعلمون أن كل الحمد لله وليس ms5599 شيء منه للأصنام . الثالث : قال القاضي في ~~التفسير : قال للرسول عليه الصلاة والسلام { قل الحمد لله } ويحتمل أن يكون ~~خطابا لمن رزقه الله رزقا حسنا أن يقول : الحمد لله على أن ميزه في هذه ~~القدرة عن ذلك العبد الضعيف . الرابع : يحتمل أن يكون المراد أنه تعالى لما ~~ذكر هذا المثل ، وكان هذا مثلا مطابقا للغرض كاشفا عن المقصود قال بعده { ~~الحمد لله } يعني الحمد لله على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة . ثم قال { ~~بل أكثرهم لا يعلمون } يعني أنها مع غاية ظهورها ونهاية وضوحها لا يعلمها ~~ولا يفهمها هؤلاء الضلال . ! 7 < { وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا ~~يقدر على شىء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن ~~يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم * } > 7 ! # < < # | النحل : ( 76 ) وضرب الله مثلا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى أبطل قول عبدة الأوثان والأصنام بهذا المثل الثاني ، ~~وتقريره . أنه كما تقرر في أوائل العقول أن الأبكم العاجز لا يكون مساويا ~~في الفضل والشرف للناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية ، فلأن يحكم ~~بأن الجماد لا يكون مساويا لرب العالمين في المعبودية كان أولى . ثم نقول : ~~في الآية مسألتان : # المسألة الأولى : أنه تعالى وصف الرجل الأول بصفات : PageV20P069 # الصفة الأولى : الأبكم وفي تفسيره أقوال نقلها الواحدي الأول : قال أبو ~~زيد رجل أبكم ، وهو العيي المقحم ، وقد بكم بكما وبكامة ، وقال أيضا : ~~الأبكم الأقطع اللسان وهو الذي لا يحسن الكلام . الثاني : روى ثعلب عن ابن ~~الأعرابي : الأبكم الذي لا يعقل . الثالث : قال الزجاج : الأبكم المطبق ~~الذي لا يسمع ولا يبصر . # الصفة الثانية : قوله { لا يقدر على شيء } وهو إشارة إلى العجز التام ~~والنقصان الكامل . # والصفة الثالثة : قوله { كل على مولاه } أي هذا الأبكم العاجز كل على ~~مولاه . قال أهل المعاني : أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة ، يقال : كل ~~السكين إذا غلظت شفرته فلم يقطع ، وكل لسانه إذا غلظ فلم يقدر على الكلام ، ~~وكل فلان عن الأمر إذا ثقل عليه فلم ينبعث ms5600 فيه . فقوله { كل على مولاه } أي ~~غليظ وثقيل على مولاه . # الصفة الرابعة : { أينما يوجهه لا يأت بخير } أي أينما يرسله ، ومعنى ~~التوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ، يقال : وجهته إلى موضع كذا ~~فتوجه إليه . وقوله { لا يأت بخير } معناه لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم . ثم ~~قال تعالى { هل يستوي هو } أي هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع { ومن يأمر ~~بالعدل } واعلم أنه الآمر بالعدل يجب أن يكون موصوفا بالنطق وإلا لم يكن ~~آمرا . ويجب أن يكون قادرا ، لأن الأمر مشعر بعلة المرتبة ، وذلك لا يحصل ~~إلا مع كونه قادرا ، ويجب أن يكون عالما حتى يمكنه التمييز بين العدل وبين ~~الجور . فثبت أن وصفه بانه يامر بالعدل يتضمن وصفه بكونه قادرا عالما ، ~~وكونه آمرا يناقض كون الأول أبكم ، وكونه قادرا يناقض وصف الأول بأنه لا ~~يقدر على شيء وبأنه كل على مولاه ، وكونه عالما يناقض وصف الأول بأنه لا ~~يأت بخير . # ثم قال { وهو على صراط مستقيم } معناه كونه عادلا مبرأ عن الجور والعبث . # إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر في بديهة العقل أن الأول والثاني لا يستويان ، ~~فكذا ههنا والله أعلم . # المسألة الثانية : في المراد بهذا المثل أقوال كما في المثل المتقدم . # فالقول الأول : قال مجاهد : كل هذا مثل إله الخلق وما يدعي من دونه من ~~الباطل . وأما الأبكم فمثل الصنم ، لأنه لا ينطق البتة ، وكذلك لا يقدر على ~~شيء ، وأيضا كل على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه ، وأيضا إلى ~~أي مهم توجه الصنم لم يأت بخير . وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله سبحانه ~~وتعالى . # والقول الثاني : أن المراد من هذا الأبكم : هو عبد لعثمان بن عفان كان ~~ذلك العبد يكره الإسلام ، وما كان فيه خير ، ومولاه هو عثمان بن عفان كان ~~يأمر بالعدل ، وكان على الدين القويم والصراط المستقيم . # والقول الثالث : أن المقصود منه كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة ، وكل ~~حر موصوف بتلك الصفات الحميدة ، وهذا القول أولى من القول الأول ، لأن وصفه ms5601 ~~تعالى إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على الوثن ، وكذلك بالبكم ~~وبالكل والتوجه في جهات المنافع وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع ~~من حمله على الله تعالى ، وأيضا فالمقصود تشبيه صورة بصورة في أمر من ~~الأمور ، وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون أحد الصورتين مغايرة للأخرى . ~~PageV20P070 # وأما القول الثاني فضعيف أيضا ؛ لأن المقصود إبانة التفرقة بين رجلين ~~موصوفين بالصفات المذكورة ، وذلك غير مختص بشخص معين ، بل أيما حصل التفاوت ~~في الصفات المذكورة حصل المقصود . والله أعلم ! 7 < { ولله غيب السماوات ~~والا رض ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شىء قدير ~~* والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والا بصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون * ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السمآء ما يمسكهن ~~إلا الله إن فى ذالك لآيات لقوم يؤمنون * } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 77 - 79 ) ولله غيب السماوات . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأة لى مثل الكفار بالأبكم العاجز ، ~~ومثل نفسه بالذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ، ومعلوم أنه يمتنع أن ~~يكون آمرا بالعدل وأن يكون على صراط مستقيم إلا إذا كان كاملا في العلم ~~والقدرة ، ذكر في هذه الآية بيان كونه كاملا في العلم والقدرة ، أما بيان ~~كمال العلم فهو قوله { ولله غيب السموات والأرض } والمعنى : علم الله غيب ~~السموات والأرض وأيضا فقوله { ولله غيب السموات والأرض } يفيد الحصر معناه ~~: أن العلم بهذه الغيوب ليس إلا لله وأما بيان كمال القدرة فقوله { وما أمر ~~الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه ~~القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الإنسان في ساعة فيموت الخلق بصيحة واحدة ، ~~وقوله { إلا كلمح البصر } اللمح النظر بسرعة يقال لمحه ببصره لمحا ولمحانا ~~، والمعنى : وما أمر القيامة في السرعة إلا كطرف العين ، والمراد منه تقرير ~~كمال القدرة ، وقوله { أو هو أقرب } معناه أن لمح البصر عبارة عن انتقال ~~الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة ms5602 إلى أسفلها ، ولا شك أن الحدقة مؤلفة ~~من أجزاء لا تتجزأ ، فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي ~~منها تألف سطح الحدقة ، ولا شك أن تلك الأجزاء كثيرة ، والزمان الذي يحصل ~~فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة ، والله تعالى قادر على إقامة القيامة ~~في آن واحد من تلك الآنات فلهذا قال { أو هو أقرب } إلا أنه لما كان أسرع ~~الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر لا جرم ذكره . ثم قال { ~~أو هو أقرب } تنبيها على ما ذكرناه ، ولا شبهة في أنه ليس المراد طريقة ~~الشك ، بل المراد : بل هو أقرب ، وقال الزجاج : المراد به الإبهام عن ~~المخاطبين أنه تعالى يأتي بالساعة إما بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع . قال ~~القاضي : هذا لا يصح ، لأن إقامة الساعة ليست حال تكليف ختى يقال إنه تعالى ~~يأتي بها في زمان ، بل الواجب أن يخلقها دفعة واحدة في وقت واحد ، ويفارق ~~ما ذكرناه في ابتداء خلق السموات والأرض لأن تلك الحال حال تكليف ، فلم ~~يمتنع أن يخلقها كذلك لما فيه من مصلحة الملائكة . # واعلم أن هذا الاعرتاض إنما يستقيم على مذهب القاضي ، أما على قولنا في ~~أنه تعالى يفعل ما يشاء PageV20P071 ويحكم ما يريد فليس له قوة والله أعلم ~~، ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل على وجود الصانع المختار فقال { والله ~~أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي ' إمهاتكم ' بكسر الهمزة ، والباقون ~~بضمها . # المسألة الثانية : أمهاتكم أصله أماتكم ، إلا أنه زيد الهاء فيه كما زيد ~~في أراق فقيل : أهراق وشذت زيادتها في الواحدة في قوله : # % أمهتي خندق واليأس أبي % % # المسألة الثالثة : الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء . # ثم قال { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } المعنى : أن المفس ~~الإنسانية لما كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله ، فالله ~~أعطاه هذه الحواس ليستفيد بها المعارف والعلوم ، وتمام الكلام في هذا الباب ~~يستدعي مزيد تقرير فنقول : التصورات والتصديقات ms5603 إما أن تكون كسبية ، وإما ~~أن تكون بديهية ، والكسبيات إنما يمكن تحصيلها بواسطة تركيبات البديهيات ، ~~فلا بد من سبق هذه العلوم البديهية ، وحينئذ لسائل أن يسأل فيقول : هذه ~~العلوم البديهية إما أن يقال أنها كانت حاصلة منذ خلقنا أو ما كانت حاصلة . ~~والأول باطل لأنا بالضرورة نعلم أنا حين كنا جنينا في رحم الأم ما كنا نعرف ~~أن النفي والإثبات لا يجتمعان ، وما كنا نعرف أن الكل أعظم من الجزء . # وأما القسم الثاني : فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا ~~بعد أنها ما كانت حاصلة ، فحينئذ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب ، وكل ما ~~كان كسبيا فهو مسبوق بعلوم أخرى فهذه العلوم البديهية تصير كسبية ، ويجب أن ~~تكون مسبوقة بعلوم أخرى إلى غير نهاية ، وكل ذلك محال ، وهذا سؤال قوي مشكل ~~. # وجوابه أن نقول : الحق أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا ، ~~ثم إنها حدثت وحصلت . # أما قوله : فيلزم أن تكون كسبية . # قلنا : هذه المقدمة ممنوعة ، بل نقول : إنها إنما حدثت في نفوسنا بعد ~~عدمها بواسطة إعانة الحواس التي هي السمع والبصر ، وتقريره أن النفس كانت ~~في مبدأ الخلقة خالية عن جميع العلوم إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر ، ~~فإذا أبصر الطفل شيئا مرة بعد أخرى ارتسم في خياله ماهية ذلك المبصر ، ~~وكذلك إذا سمع شيئا مرة بعد أخرى ارتسم في سمعه وخياله ماهية ذلك المسموع ~~وكذا الطول في سائر الحواس فيصير حصول الحواس سببا لحضور ماهيات المحسوسات ~~في النفس والعقل . ثم إن تلك الماهيات على قسمين : أحد القسمين : ما يكون ~~نفس حضوره موجبا تاما في جزم الذهن بإسناد بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات ~~، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الواحد ما هو وأن نصف الاثنين ما هو ، كان ~~حضور هذين التصورين في الذهن علة تامة في جزم الذهن بأن الواحد محكوك عليه ~~بانه نصف الاثنين ، وهذا القسم هو عين العلوم البديهية . # والقسم الثاني : ما لا يكون كذلك وهو العلوم النظرية ، مثل أنه إذا ms5604 حضر ~~في الذهن أن الجسم ما هو وأن المحدث ما هو ، فإن مجرد هذين التصورين في ~~الذهن لا يكفي في جزم الذهن بأن الجسم محدث ، بل PageV20P072 لا بد فيه من ~~دليل منفصل وعلوم سابقة . والحاصل أن العلوم الكسبية إنما يمكن اكتسابها ~~بواسطة العلوم البديهية . وحدوث هذه العلوم البديهية إنما كان عند حدوث ~~تصور موضوعاتها وتصور محمولاتها . وحدوث هذه التصورات إنما كان بسبب إعانة ~~هذه الحواس على جزئياتها ، فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في ~~النفوس والعقول هو أنه تعالى أعطى هذه الحواس ، فلهذا السبب قال تعالى { ~~والله أخرجكم نت بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة } ليصير حصول هذه الحواس سببا لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم ~~بالطريق الذي ذكرناه ، وهذه أبحاث شريفة عقلية محضة مدرجة في هذه الآيات . ~~وقال المفسرون : { وجعل لكم السمع } لتسمعوا مواعظ الله { والأبصار } ~~لتبصروا دلائل الله ، والأفئدة لتعقلوا عظمة الله ، والأفئدة جمع فؤاد نحو ~~أغربة وغراب . قال لازجاج : ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد ، وما قيل فيه ~~فئدان كما قيل غراب غران . وأقول : لعل الفؤاد إنما جمع على بناء جمع القلة ~~تنبيها على أن السمع والبصر كثيران وأن الفؤاد قليل ، لأن الفؤاد إنما خلق ~~للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية ، وأكثر الخلق ليسوا كذلك بل يكونون ~~مشغولين بالأفعال البهيمية والصفات السبعية ، فكأن فؤادهم ليس بفؤاد ، ~~فلهذا السبب ذكر في جمعه صيغة جمع القلة . # فإن قيل : قوله تعالى { وجعل لكم السمع والأبصار } عطف على قوله { أخرجكم ~~} وهذا يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر متأخرا عن الإخراج عن البطن ، ~~ومعلوم أنه ليس كذلك . # والجواب : أن حرف الواو لا يوجب الترتيب ؛ وأيضا إذا حملنا السمع على ~~الاستماع والأبصار على الرؤية زال السؤال ، والله أعلم . # أما قوله : { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ~~} ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ بن عامر وحمزة والكسائي ' ألم تروا ' بالتاء ~~وبالباقون بالياء على الحكاية لمن تقدم ذكره من الكفار . # المسألة الثانية : هذا دليل آخر على كمال ms5605 قدرة الله تعالى وحكمته ، فإنه ~~لولا أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران وخلق الجو خلقة معها ~~يمكن الطيران فيه لما أمكن ذلك . فإنه تعالى أعطى الطير جناحا يبسطه مرة ~~ويكسره أخرى مثل ما يعمله السابح في الماء ، وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة ~~يسهل بسببها خرقه والنفاذ فيه ، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكنا . وأما ~~قوله تعالى { ما يمسكهن إلا الله } فالمعنى : أن جسد الطير جسم ثقيل ، ~~والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجو معلقا من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه ~~، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجوهر الله تعالى . ثم من الظاهر أن ~~بقاءه في الجو معلقا فعله وحاصل باختياره ، فثبت أن خالق فعل العبد هو الله ~~تعالى . قال القاضي : إنما أضاف الله تعالى هذا الإمساك إلى نفسه ، لأنه ~~تعالى هو الذي أعطى الآلات التي لأجلها يمكن الطير من تلك الأفعال ، فلما ~~كان تعالى هو المسبب لذلك لا جرم صحت هذه الإضافة إلى الله تعالى . # والجواب : أن هذا ترك للظاهر بغير دليل وأنه لا يجوز ، لا سيما والدلائل ~~العقليلة ذلت على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى . PageV20P073 ثم قال ~~تعالى في آخر الآية { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } وخص هذه الآيات ~~بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت هذه الآيات لكل العقلاء ، والله ~~اعلم . ! 7 < { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الا نعام ~~بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ ~~أثاثا ومتاعا إلى حين * } > 7 ! # < < # | النحل : ( 80 ) والله جعل لكم . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد ، وأقسام النعم والفضل ، ~~والسكن والمسكن ، وأنشد الفراء : # % جاء الشتاء ولما اتخذ سكنا % % يا ريح كفي من حفر القراميص % # والسكن ما سكنت إليه وما سكنت فيه . قال صاحب الكشاف : السكن فعل بمعنى ~~مفعول ، وهو ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو ألف . # واعلم أن البيوت التي يسكن الإنسان فيها على قسمين : # القسم الأول : البيوت المتخذة من الخشب والطين والآلات التي بها ms5606 يمكن ~~تسقيف البيوت وإليها الإشارة بقوله { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } وهذا ~~القسم من البيوت لا يمكن نقله لا الإنسان ينتقل إليه . # والقسم الثاني : القباب والخيام والفساطيط ، وإليها الإشارة بقوله { وجعل ~~لكم من جلود الأنعام بيوتا تسخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم } وهذا القسم ~~من البيوت يمكن نقله وتحويله من مكان إلى مكان . واعلم أن المراد الأنطاع ، ~~وقد تعمل العرب البيوت من الأدم وهي جلود الأنعام أي يخف عليكم حملها في ~~أسفاركم . قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ' يوم ظعنكم ' بفتح العين والباقون ~~ساكنة العين . قال الواحدي : وهما لغتان كالشعر والشعر والنهر والنهر . # واعلم أن الظعن سير البادية لنجعة ، أو حضور ماء ، أو طلب مرتع ، وقد ~~يقال لكل شاخص لسفر : ظاعن ، وهو ضد الخافض . وقوله { ويوم إقامتكم } بمعنى ~~لا يثقل عليكم في الحالين . وقوله { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها } قال ~~المفسرون وأهل اللغة : الأصواف للضأن والأوبار للإبل والأشعار للمعز . ~~وقوله { أثاثا } الأثاث أنواع متاع البيت من الفرش والأكسية . قال الفراء : ~~ولا واحد له ، كما أن المتاع لا واحد له . قال : ولو جمعت فقلت آثثة في ~~القليل وأثث في الكثير لم يبعد . وقال أبو زيد : وأحدها أثاثة . قال ابن ~~عباس في قوله { أثاثا } يريد طنافس وبسطا وثيابا وكسوة . قال الخليل : ~~وأصله من قولهم : أث النبات والشعر إذا كثر . وقوله { متاعا } أي ما ~~يتمتعون به . وقوله { إلى حين } يريد إلى حين البلا ، وقيل : إلى حين الموت ~~، وقيل : إلى حين بعد حين ، وقيل : إلى يوم القيامة . PageV20P074 # فإن قيل : عطف المتاع على الأثاث والعطف يقتضي المغايرة ، وما الفرق بين ~~الأثاث والمتاع ؟ # قلنا : الأقرب أن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله في الغطاء والوطاء ، ~~والمتاع ما يفرش في المنازل ويزين به . ! 7 < { والله جعل لكم مما خلق ~~ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم ~~بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون * فإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~المبين * يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون * } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 81 - 83 ) والله جعل ms5607 لكم . . . . . # > > # اعلم أن الإنسان إما أن يكون مقيما أو مسافرا ، والمسافر إما أن يكون ~~غنيا يمكنه استصحاب الخيام والفساطيط ، أو لا يمكنه ذلك ، فهذه أقسام ثلاثة ~~: # أما القسم الأول : فإليه الإشارة بقوله { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } ~~. # وأما القسم الثاني : فإليه الإشارة بقوله { وجعل لكم من جلود الأنعام ~~بيوتا } . # أما القسم الثالث : فإليه الإشارة بقوله { والله جعل لكم مما خلق ظلالا } ~~وذلك لأن المسافر إذا لم يكن له خيمة يستظل بها فإنه لا بد وأن يستظل بشيء ~~آخر كالجدران والأشجار وقد يستظل بالغمام كما قال { وظللنا عليكم الغمام } ~~[ البقرة : 57 ] . # ثم قال { وجعل لكم من الجبال أكنانا } واحد الأكنان كن على قياس أحمال ~~وحمل ، ولكن المراد كل شيء وقى شيئا ، ويقال استكن وأكن إذا صار في كن . # واعلم أن بلاد العرب شديدة الحر ، وحاجتهم إلى الظل ودفع الحر شديدة ، ~~فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه المعاني في معرض النعمة العظيمة ، وأيضا ~~البلاد المعتدلة والأوقات المعتدلة نادرة جدا والغالب إما غلبة الحر أو ~~غلبة البرد . وعلى كل التقديرات فلا بد للإنسان من مسكن يأوي إليه ، فكان ~~الإنعام بتحصيله عظيما . ولما ذكر تعالى أمر المسكن ذكره بعدع أمر الملبوس ~~فقال { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم } السرابيل القمص ~~واحدها سربال ، قال الزجاج : كل ما لبسته فهو سربال من قميص أو درع أو جوشن ~~أو غيره ، والذي يدل على صحة هذا القول أنه جعل السرابيل على قسمين : ~~أحدهما : ما يكون واقيا من الحر والبرد . والثاني : ما يتقى به عن البأس ~~والحروب ، وذلك هو الجوشن وغيره ، وذلك يدل على أن كل واحد من القسمين من ~~السرابيل . # فإن قيل : لم ذكر الحر ولم يذكر البرد ؟ PageV20P075 أجابوا عنه من وجوه ~~: # الوجه الأول : قال عطاء الخرساني : المخاطبون بهذا الكلام هم العرب ~~وبلادهم حارة فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحر فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد ~~كما قال { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها } وسائر أنواع الثياب أشرف ، إلا ~~أنه تعالى ذكر ذلك النوع الأول لأنه كان ms5608 إلفتهم بها أشد ، واعتيادهم للبسها ~~أكثر ، ولذلك قال { وينزل من السماء من جبال فيها برد } [ النور : 43 ] ~~لمعرفتهم بذلك وما أنزل من الثلج أعظم ولكنهم كانوا لا يعرفونه . # والوجه الثاني في الجواب : قال المبرد : إذا ذكر أحد الضدين تنبيه على ~~الآخر . قلت ثبت في العلوم العقلية أن العلم بأحد الضدين يستلزم العلم ~~بالضد الآخر ، فإن الإنسان متى خطر بباله الحر خطر بباله أيضا البرد ، وكذا ~~القول في النور والظلمة والسواد والبياض ، فلما كان الشعور بأحدهما مستتبعا ~~للشعور بالآخر ، كان ذكر أحدهما مغنيا غن ذكر الآخر . # والوجه الثالث : قال الزجاج : ما وقى من الحر وقى من البرد ، فكان ذكر ~~أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر . # فإن قيل : هذا بالضد أولى ، لأن دفع الحر يكفي فيه السرابيل التي هي ~~القمص من دون تكلف زيادة ، وأما البرد فإنه لا يندفع إلا بتكلف زائد . # قلنا : القميص الواحد لما كان دافعا للحر كان الاستكثار من القميص نافعا ~~للبرد فصح ما ذكرناه . وقوله { وسرابيل تقيكم بأسكم } يعني دروع الحديد ، ~~ومعنى البأس الشدة ، ويريد ههنا شدة الطعن والضرب والرمي . # واعلم أنه تعالى لما عدد أقسام نعمة الدنيا قال { كذلك يتم نعمته عليكم } ~~أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعمة الدنيا ~~والدين عليكم { لعلكم تسلمون } قال ابن عباس : لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله ~~الربوبية ، وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات أحد سواه ، ونقل عن ابن ~~عباس أنه قرأ { لعلكم تسلمون } بفتح التاء ، والمعنى : أنا أعطيناكم هذه ~~السرابيلات لتسلموا عن بأس الحرب ، وقيل أعطيتكم هذه النعم لتتفكروا فيها ~~فتؤمنوا فتسلموا من عذاب الله . # ثم قال تعالى { فإن تولوا فإنما عليكم البلاغ المبين } أي فإن تولوا يا ~~محمد وأعرضوا وآثروا لذات الدنيا ومتابعة الآباء والمعاداة في الكفر فعلى ~~أنفسهم جنوا ذلك وليس عليك إلا ما فعلت من التبليغ التام ، ثم إنه تعالى ~~ذمهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ، وذلك نهاية في كفران النعمة . # فإن قيل : ما معنى ثم ؟ # قلنا : الدلالة على أن ms5609 إنكارهم أمر يستبعد بعد حصول المعرفة ، لأن حق من ~~عرف النعمة أن يعترف لا أن ينكر ، وفي المراد بهذه النعمة وجوه : الأول : ~~قال القاضي المراد بها جميع ما ذكره الله تعالى في الآيات المتقدمة من جميع ~~أنواع النعم ؛ ومعنى أنهم انكروه هو أنهم ما أفردوه تعالى بالشكر والعبادة ~~بل شكروا على تلك النعم غير الله تعالى . ولأنهم قالوا إنما حصلت هذه النعم ~~بشفاعة هذه الأصنام . والثاني : أن المراد أنهم عرفوا أن نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم حق ثم ينكرونها ، ونبوته نعمة عظيمة كما قال تعالى { وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] PageV20P076 الثالث : ~~يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ، أي لا يستعملونها في طلب رضوان الله تعالى ~~. # ثم قال تعالى { وأكثرهم الكافرون } . # فإن قيل : ما معنى قوله { وأكثرهم الكافرون } مع أنه كان كلهم كافرين ؟ # قلنا : الجواب من وجوه : الأول : إنما قال { وأكثرهم } لأنه كان فيهم من ~~لم تقم عليه الحجة ممن لم يبلغ حد التكليف ، أو كان ناقص العقل معتوها ، ~~فأراد بالأكثر البالغبن الأصحاء . الثاني : أن يكون المراد بالكافر الجاحد ~~المعاند ، وحينئذ نقول إنما قال { وأكثرهم } لأنه كان فيهم من لم يكن ~~معاندا بل كان جاهلا بصدق الرسول عليه الصلاة والسلام وما ظهر له كونه نبيا ~~حقا من عند الله . الثالث : أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع ، لأن أكثر ~~الشيء يقوم مقام الكل ، فذكر الأكثر كذكر الجميع ، وهذا كقوله { الحمد لله ~~بل أكثرهم لا يعلمون } [ النحل : 75 ] والله أعلم . ! 7 < { ويوم نبعث من ~~كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون * وإذا رأى الذين ~~ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون * } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 84 - 85 ) ويوم نبعث من . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها ~~وذكر أيضا من حالهم أن أكثرهم الكافرون أتبعه بالوعيد ، فذكر حال يوم ~~القيامة فقال { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } وذلك يدل على أن أولئك الشهداء ~~يشهدون عليهم بذلك الإنكار وبذلك الكفر ، والمراد بهؤلاء الشهداء ms5610 الأنبياء ~~كما قال تعالى { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ~~[ النساء : 41 ] وقوله { ثم لا يؤذن للذين كفروا } فيه وجوه : أحدها : لا ~~يؤذن لهم في الاعتذار لقوله { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } [ المرسلات : 36 ] ~~وثانيها : لا يؤذن لهم في كثرة الكلام . وثالثها : لا يؤذن لهم في الرجوع ~~إلى دار الدنيا وإلى التكليف . ورابعها : لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود ~~، بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود . وخامسها : لا يؤذن لهم في كثرة ~~الكلام ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله تعالى . ثم قال { ولا هم ~~يستعتبون } الاستعتاب طلب العتاب ، والرجل يطلب العتاب من خصمه إذا كان على ~~جزم أنه إذا عاتبه رجع إلى الرضا ، فإذا لم يطلب العتاب منه دل على أنه ~~راسخ في غضبه وسطوته . ثم إنه تعالى أكد هذا الوعيد فقال { وإذا رأى الذين ~~ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم } والمعنى أن المشركين إذا رأوا العذاب ووصلوا ~~إليه ، فعند ذلك لا يخفف عنهم العذاب { ولا هم } أيضا { ينظرون } أي لا ~~يؤخرون ولا يمهلون ، لأن التوبة هناك غير موجودة ، وتحقيقه ما يقوله ~~المتكلمون من أن العذاب يجب أن يكون خالصا عن شوائب النفع ، وهو المراد من ~~قوله { لا يخفف عنهم العذاب } ويجب أن يكون العذاب دائما وهو المراد من ~~قوله { ولا هم ينظرون } . PageV20P077 ! 7 < { وإذا رءا الذين أشركوا ~~شركآءهم قالوا ربنا هاؤلآء شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم ~~القول إنكم لكاذبون * وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 86 - 87 ) وإذا رأى الذين . . . . . # > > # اعلم أن هذا أيضا من بقية وعيد المشركين ، وفي الشركاء قولان : # القول الأول : أنه تعالى يبعث الأصنام التي كان يعبدها المشركون ، ~~والمقصود من إعادتها أن المشركين يشاهدونها في غاية الذلة والحقارة . وأيضا ~~أنها تكذب المشركين ، وكل ذلك مما يوجب زيادة الغم والحسرة في قلوبهم ، ~~وإنما وصفهم الله بكونهم شركاء لوجهين : الأول : أن الكفار كانوا يسمونها ~~بأنها شركاء الله . والثاني : أن الكفار جعلوا لهم نصيبا ms5611 من أموالهم . # والقول الثاني : أن المراد بالشركاء الشياطين الذين دعوا الكفار إلى ~~الكفر ، وهو قول الحسن ، وإنما ذهب إلى هذا القول ، لأنه تعالى حكى عن ~~أولئك الشركاء أنهم ألقوا إلى الذين أشركوا إنهم لكاذبون ، والأصنام جمادات ~~فلا يصح منهم هذا القول ، فوجب أن يكون المراد من الشركاء الشياطين حتى يصح ~~منهم هذا القول وهذا بعيد ، لأنه تعالى قادر على خلق الحياة في تلك الأصنام ~~وعلى خلق العقل والنطق فيها ، وحينئذ يصح منها هذا القول ، ثم حكى تعالى عن ~~المشركين أنهم إذا رأوا تلك الشركاء قالوا : ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ~~ندعوا من دونك . # فإن قيل : فما فائدتهم في هذا القول ؟ # / قلنا : فيه وجهان : الأول : قال أبو مسلم الأصفهاني : مقصود المشركين ~~إحالة الذنب على هذه الأصنام وظنوا أن ذلك ينجيهم من عذاب الله تعالى أو ~~ينقص من عذابهم / فعند هذا تكذبهم تلك الأصنام . قال القاضي : هذا بعيد ، ~~لأن الكفار يعلمون علما ضروريا في الآخرة أن العذاب سينزل بهم وأنه لا نصرة ~~ولا فدية ولا شفاعة . # والقول الثاني : أن المشركين يقولون هذا الكلام تعجبا من حضور تلك ~~الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافا بأنهم كانوا مخطئين في عبادتها . ثم ~~حكى تعالى أن الأصنام يكذبونهم ، فقال : { فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ~~} والمعنى : أنه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام حتى تقول ~~هذا القول ، وقوله : { إنكم لكاذبون } بدل من القول ، والتقدير : فألقوا ~~إليهم إنكم لكاذبون . # فإن قيل : إن المشركين ما قالوا إلا أنهم لما أشاروا إلى الأصنام قالوا : ~~إن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك وقد كانوا صادقين في كل ذلك ، ~~فكيف قالت الأصنام إنكم لكاذبون ؟ . # قلنا : فيه وجوه : والأصح أن يقال المراد من قولهم هؤلاء شركاؤنا هو أن ~~هؤلاء الذين كنا نقول إنهم PageV20P078 شركاء الله في المعبودية ، فالأصنام ~~كذبوهم في إثبات هذه الشركة . وقيل : المراد إنكم لكاذبون في قولكم إنا ~~نستحق العبادة ويدل عليه قوله تعالى : { كلا سيكفرون بعبادتهم } ( مريم : ~~82 ) . # ثم قال تعالى : { وألقوا إلى الله يومئذ السلم ms5612 } قال الكلبي : استسلم ~~العابد والمعبود وأقروا لله بالربوبية وبالبراءة عن الشركاء والأنداد : { ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون } وفيه وجهان : وقيل : ذهب عنهم ما زين لهم ~~الشيطان من أن لله شريكا وصاحبة وولدا . وقيل : بطل ما كانوا يأملون من أن ~~آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى . # ! 7 < { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما ~~كانوا يفسدون } > 7 ! # < < # | النحل : ( 88 ) الذين كفروا وصدوا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الذين كفروا ، أتبعه بوعيد من ضم إلى ~~كفره صد الغير عن سبيل الله . وفي تفسير قوله : { وصدوا عن سبيل الله } ~~وجهان : قيل : معناه الصد عن المسجد الحرام ، والأصح أنه يتناول جملة ~~الإيمان بالله والرسول وبالشرائع ، لأن اللفظ عام فلا معنى للتخصيص / وقوله ~~: { زدناهم عذابا فوق العذاب } فالمعنى أنهم زادوا على كفرهم صد غيرهم عن ~~الإيمان فهم في الحقيقة ازدادوا كفرا على كفر ، فلا جرم يزيدهم الله تعالى ~~عذابا على عذاب ، وأيضا أتباعهم إنما اقتدوا بهم في الكفر ، فوجب أن يحصل ~~لهم مثل عقاب أتباعهم لقوله تعالى : { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~} ( العنكبوت : 13 ) ولقوله عليه السلام : ( من سن سنة سيئة فعليه وزرها ~~ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) ، ومن المفسرين من ذكر تفصيل تلك ~~الزيادة فقال ابن عباس : المراد بتلك الزيادة خمسة أنهار من نار تسيل من ~~تحت العرش يعذبون بها ثلاثة بالليل واثنان بالنهار ، وقال بعضهم زدناهم ~~عذابا بحيات وعقارب كأمثال البخث ، فيستغيثون بالهرب منها إلى النار ومنهم ~~من ذكر لكل عقرب ثلثمائة فقرة في ثلثمائة قلة من سلم . وقيل : عقارب لها ~~أنياب كالنخل الطوال . # ثم قال تعالى : { بما كانوا يفسدون } أي هذه الزيادة من العذاب إنما حصلت ~~معللة بذلك الصد ، وهذا يدل على أن من دعا غيره إلى الكفر والضلال فقد عظم ~~عذابه ، فكذلك إذا دعا إلى الدين واليقين ، فقد عظم قدره عند الله تعالى ~~والله أعلم . # ! 7 < { ويوم نبعث فى كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على ~~هاؤلآء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ms5613 لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } > 7 ~~! # < < # | النحل : ( 89 ) ويوم نبعث في . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من التهديدات المانعة للمكلفين عن المعاصي . ~~واعلم أن الأمة عبارة عن الفرن والجماعة . PageV20P079 # إذا ثبت هذا فنقول : في الآية قولان : الأول : أن المراد أن كل نبي شاهد ~~على أمته . والثاني : أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا فلا بد وأن يحصل فيهم ~~واحد يكون شهيدا عليهم . أما الشهيد على الذين كانوا في عصر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فهو الرسول بدليل قوله تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) وثبت ~~أيضا أنه لا بد في كل زمان بعد زمان الرسول من الشهيد فحصل من هذا أن عصرا ~~من الإعصار لا يخلو / من شهيد على الناس وذلك الشهيد لا بد وأن يكون غير ~~جائز الخطأ ، وإلا لافتقر إلى شهيد آخر ويمتد ذلك إلى غير النهاية وذلك ~~باطل ، فثبت أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وذلك يقتضي أن ~~يكون إجماع الأمة حجة . قال أبو بكر الأصم : المراد بذلك الشهيد هو أنه ~~تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى أنها تشهد عليه وهي : الأذنان ~~والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان . قال : والدليل عليه أنه قال في ~~صفة الشهيد أنه من أنفسهم وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم . # أجاب القاضي عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى قال : { شهيدا عليهم } أي ~~على الأمة فيجب أن يكون غيرهم . الثاني : أنه قال : { من كل أمة } فوجب أن ~~يكون ذلك الشهيد من الأمة وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها بأنها من الأمة ، ~~وأما حمل هؤلاء الشهداء على الأنبياء فبعيد ، وذلك لأن كونهم أنبياء ~~مبعوثين إلى الخلق أمر معلوم بالضرورة فلا فائدة في حمل هذه الآية عليه . # ثم قال تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : وجه تعلق هذا الكلام بما قبله أنه تعالى لما قال : { ~~وجئنا بك شهيدا على هؤلآء } بين أنه أزاح علتهم ms5614 فيما كلفوا فلا حجة لهم ولا ~~معذرة . # المسألة الثانية : من الناس من قال : القرآن تبيان لكل شيء وذلك لأن ~~العلوم إما دينية أو غير دينية ، أما العلوم التي ليست دينية فلا تعلق لها ~~بهذه الآية ، لأن من المعلوم بالضرورة أن الله تعالى إنما مدح القرآن بكونه ~~مشتملا على علوم الدين فأما ما لا يكون من علوم الدين فلا التفات إليه ، ~~وأما علوم الدين فإما الأصول ، وإما الفروع ، أما علم الأصول فهو بتمامه ~~موجود في القرآن وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد على سبيل ~~التفصيل في هذا الكتاب ، وذلك يدل على أنه لا تكليف من الله تعالى إلا ما ~~ورد في هذا القرآن ، وإذا كان كذلك كان القول بالقياس باطلا ، وكان القرآن ~~وافيا ببيان كل الأحكام ، وأما الفقهاء فإنهم قالوا : القرآن إنما كان ~~تبيانا لكل شيء ، لأنه يدل على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة ، فإذا ~~ثبت حكم من الأحكام بأحد هذه الأوصل كان ذلك الحكم ثابتا بالقرآن ، وهذه ~~المسألة قد سبق ذكرها بالاستقصاء في سورة الأعراف ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : روى الواحدي بإسناده عن الزجاج أنه قال : تبيانا في ~~معنى اسم البيان ومثل التبيان التلقاء ، وروى ثعلب عن الكوفيين ، والمبرد ~~عن البصريين أنهم قالوا : لم يأت من المصادر على تفعل إلا حرفان تبيانا ~~وتلقاء / وإذا تركت هذين اللفظين استوى لك القياس فقلت : في كل / مصدر ~~تفعال بفتح التاء مثل تسيار وتذكار وتكرار ، وقلت : في كل اسم تفعال بكسر ~~التاء مثل تقصار وتمثال . # PageV20P080 ! 7 < { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذى القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون } > 7 ! # < < # | النحل : ( 90 ) إن الله يأمر . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ~~أتبعه بقوله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } فجمع في هذه الآية ما يتصل ~~بالتكليف فرضا ونفلا ، وما يتصل بالأخلاق والآداب عموما وخصوصا ، وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : في بيان فضائل هذه الآية روي عن ابن عباس أن عثمان بن ~~مظعون الجمحي ms5615 قال : ما أسلمت أولا إلا حياء من محمد عليه السلام ولم يتقرر ~~الإسلام في قلبي فحضرته ذات يوم فبينما هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى ~~السماء ثم خفضه عن يمينه ، ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال : ( بينما أنا ~~أحدثك إذا بجبريل نزل عن يميني فقال : يا محمد إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان ، العدل شهادة أن لا إله إلا الله والإحسان القيام بالفراض وإيتاء ~~ذي القربى ، أي صلة ذي القرابة وينهى عن الفحشاء والزنا ، والمنكر ما لا ~~يعرف في شريعة ولا سنة والبغي الاستطالة ) . قال عثمان : فوقع الإيمان في ~~قلبي فأتيت أبا طالب فأخبرته فقال : يا معشر قريش اتبعوا ابن أخي ترشدوا ~~ولئن كان صادقا أو كاذبا فإنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق ، فلما رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمه اللين قال : يا عماه أتأمر الناس أن ~~يتبعوني وتدع نفسك وجهد عليه ، فأبى أن يسلم فنزل قوله : { إنك لا تهدى من ~~أحببت } ( القصص : 56 ) وعن ابن مسعود رضي الله عنه : إن أجمع آية في ~~القرآن لخير وشر هذه الآية ، وعن قتادة ليس من خلق حسن كان في الجاهلية ~~يعمل ويستحب إلا أمر الله تعالى به في هذه الآية وليس من خلق سيء إلا نهى ~~الله عنه في هذه الآية ، وروى القاضي في ( تفسيره ) عن ابن ماجه عن علي ~~عليه السلام أنه قال : أمر الله تعالى نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب ، ~~فخرج وأنا معه وأبو بكر فوقفنا على مجلس عليهم الوقار فقال أبو بكر : ممن ~~القوم ؟ فقالوا : من شيبان بن ثعلبة فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الشهادتين وإلى أن ينصروه فإن قريشا كذبوه فقال / مقرون بن عمرو : إلام ~~تدعونا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان } الآية فقال مقرون بن عمرو : دعوت والله إلى مكارم ~~الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك ، وعن عكرمة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على ms5616 الوليد فاستعاده ، ثم قال : إن ~~له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله كتب ~~الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ~~وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ) والله أعلم . # المسألة الثانية : في تفسير هذه الآية ، أكثر الناس في تفسير هذه الآية ~~قال ابن عباس في بعض الروايات العدل شهادة أن لا إله إلا ا ، والإحسان أداء ~~الفرائض وقال في رواية أخرى : العدل خلع الأنداد والإحسان أن تعبد الله ~~كأنك تراه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك فإن كان مؤمنا أحببت أن يزداد إيمانا ~~، وإن PageV20P081 كان كافرا أحببت أن يصير أخاك في الإسلام . وقال في ~~رواية ثالثة : العدل هو التوحيد والإحسان الإخلاص فيه . وقال آخرون : يعني ~~بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال ، فلا تفعل إلا ما هو عدل ولا تقل ~~إلا ما هو إحسان وقوله : { وإيتآء ذى القربى } يريد صلة الرحم بالمال فإن ~~لم يكن فبالدعاء ، روى أبو مسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم إن أهل البيت لكونوا فجارا فتنمى ~~أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم ) وقوله : { وينهى عن الفحشاء } قيل ~~: الزنا ، وقيل : البخل ، وقيل : كل الذنوب سواء كانت صغيرة أو كبيرة ، ~~وسواء كانت في القول أو في الفعل ، وأما المنكر فقيل : إنه الكفر بالله ~~تعالى ، وقيل : المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة ، وأما البغي فقيل : ~~الكبر والظلم ، وقيل : أن تبغي على أخيك . # واعلم أن في المأمورات كثرة وفي المنهيات أيضا كثرة ، وإنما حسن تفسير ~~لفظ معين لشيء معين إذا حصل بين ذلك اللفظ وبين ذلك المعنى مناسبة . أما ~~إذا لم تحصل هذه الحالة كان ذلك التفسير فاسدا ، فإذا فسرنا العدل بشيء ~~والإحسان بشيء آخر وجب أن نبين أن لفظ العدل يناسب ذلك المعنى ، ولفظ ~~الإحسان يناسب هذا المعنى ، فلما لم نبين هذا المعنى كان ذلك مجرد التحكم ، ~~ولم يكن جعل بعض تلك المعنى تفسيرا لبعض تلك الألفاظ أولى ms5617 من العكس ، فثبت ~~أن هذه الوجود التي ذكرناها ليست قوية في تفسير هذه الآية ، وأقول ظاهر هذه ~~الآية يدل على أنه تعالى أمر بثلاثة أشياء ، وهي العدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى ونهى عن ثلاثة أشياء هي : الفحشاء ، والمنكر ، والبغي فوجب أن يكون ~~العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ثلاثة أشياء متغايرة ووجب أن تكون الفحشاء ~~والمنكر والبغي ثلاثة أشياء متغايرة ، لأن العطف يوجب المغايرة فنقول : / ~~أما العدل فهو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط ، وذلك ~~أمر واجب الرعاية في جميع الأشياء ، ولا بد من تفصيل القول فيه فنقول : ~~الأحوال التي وقع التكليف بها إما الاعتقادات وإما أعمال الجوارح . أما ~~الاعتقادات : فالعدل في كلها واجب الرعاية فأحدها : قال ابن عباس : إن ~~المراد بالعدل هو قول لا إله إلا الله ، وتحقيق القول فيه أن نفي الإله ~~تعطيل محض وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتشبيه وهما مذمومان ، والعدل هو ~~إثبات الإله الواحد وهو قول لا إله إلا الله . وثانيها : أن القول بأن ~~الإله ليس بموجود ولا شيء تعطيل محض ، والقول بأنه جسم وجوهر مركب من ~~الأعضاء ، ومختص بالمكان تشبيه محض ، والعدل إثبات إله موجود متحقق بشرط أن ~~يكون منزها عن الجسمية والجوهرية والأعضاء والأجزاء والمكان ، وثالثها : أن ~~القول بأن الإله غير موصوف بالصفات من العلم والقدرة تعطيل محض ، والقول ~~بأن صفاته حادثة متغيرة تشبيه محض . والعدل هو إثبات أن الإله عالم قادر حي ~~مع الإعتراف بأن صفاته ليست حادثة ولا متغيرة . ورابعها : أن القول بأن ~~العبد ليس له قدرة ولا اختيار جبر محض ، والقول بأن العبد مستقل بأفعاله ~~قدر محض وهما مذمومان ، والعدل أن يقال : إن العبد يفعل الفعل لكن بواسطة ~~قدرة وداعية يخلقهما الله تعالى فيه ، وخامسها : القول أن الله تعالى لا ~~يؤاخذ عبده على شيء من الذنوب مساهلة عظيمة ، والقول بأنه تعالى يخلد في ~~النار عبده العارف بالمعصية الواحدة تشديد عظيم ، والعدل أنه يخرج من النار ~~كل من قال واعتقد أنه لا إله إلا الله ، فهذه أمثلة ذكرناها في ms5618 رعاية معنى ~~العدل في الاعتقادات ، وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح ، فنذكر ~~ستة أمثلة منها : أحدها : أن قوما من نفاة التكاليف يقولون : لا يجب على ~~العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا يجب عليه الاحتراز عن شيء من المعاصي ، ~~وليس لله عليه تكليف أصلا وقال قوم من الهند ؛ ومن المانوية إنه يجب على ~~الإنسان أن يجتنب عن كل الطيبات وأن يبالغ في تعذيب PageV20P082 نفسه وأن ~~يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى أن المانوية يخصون أنفسهم ويحترزون عن ~~التزوج ويحترزون عن أكل الطعام الطيب والهند يحرقون أنفسهم ويرمون أنفسهم ~~من شاهق الجبل ، فهذان الطريقان مذمومان ، والوسط المعتدل هو هذا الشرع ~~الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم . وثانيها : أن التشديد في دين موسى ~~عليه السلام غالب جدا ، والتساهل في دين عيسى عليه السلام غالب جدا والوسط ~~العدل شريعة محمد صلى الله عليه وسلم . قيل : كان شرع موسى عليه السلام في ~~القتل العمد استيفاء القصاص لا محالة ، وفي شرع عيسى عليه السلام العفو . ~~أما في شرعنا فإن شاء استوفى القصاص على سبيل المماثلة ، وإن شاء استوفى ~~الدية وإن شاء عفا ، وأيضا شرع موسى يقتضي / الاحتراز العظيم عن المرأة حال ~~حيضها وشرع عيسى يقتضي حل وطء الحائض ، والعدل ما حكم به شرعنا وهو أنه ~~محرم وطؤها احترازا عن التلطخ بتلك الدماء الخبيثة أما لا يجب إخراجها عن ~~الدار . وثالثها : أنه تعالى قال : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : ~~143 ) يعني متباعدين عن طرفي الإفراط والتفريط في كل الأمور ، وقال : { ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } ( الفرقان : ~~67 ) وقال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } ( ~~الإسراء : 29 ) ولما بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العبادات قال ~~تعالى : { طه * ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى } ( طه : 1 ، 2 ) ولما أخذ ~~قوم في المساهلة قال : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } ( المؤمنون : 115 ) ~~والمراد من الكل رعاية العدل والوسط . ورابعها : أن شريعتنا أمرت بالختان ، ~~والحكمة فيه ms5619 أن رأس العضو جسم شديد الحس ولأجله عظم الالتذاذ عند الوقاع ، ~~فلو بقيت الجلدة على ذلك العضو بقي ذلك العضو على كمال القوة وشدة الإحساس ~~فيعظم الإلتذاذ أما إذا قطعت تلك الجلدة وبقي ذلك العضو عاريا فيلقى الثياب ~~وسائر الأجسام فيتصلب ويضعف حسه ويقل شعوره فيقل الالتذاذ بالوقاع فتقل ~~الرغبة فيه ، فكأن الشريعة إنما أمرت بالختان سعيا في تقليل تلك اللذة ، ~~حتى يصير ميل الإنسان إلى قضاء شهوة الجماع إلى حد الاعتدال ، وأن لا تصير ~~الرغبة فيه غالبة على الطبع ، فالإخصاء وقطع الآلات على ما تذهب إليه ~~المانوية مذموم لأنه إفراط ، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة ~~، والعدل الوسط هو الإتيان بالختان ، فظهر بهذه الأمثلة أن العدل واجب ~~الرعاية في جميع الأحوال ، ومن الكلمات المشهورة قولهم : وبالعدل قامت ~~السموات والأرض ، ومعناه : أن مقادير العناصر لو لم تكن متعادلة متكافئة ، ~~بل كان بعضها أزيد بحسب الكمية وبحسب الكيفية من الآخر ، لاستولى الغالب ~~على المغلوب ووهى المغلوب ، وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب ، ~~ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن ، لعظمت السخونة في هذا العالم ~~واحترق كل ما في هذا العالم ، ولو كان بعدها أزيد مما هو الآن لاستولى ~~البرد والجمود على هذا العالم ، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب ~~سرعتها وبطئها ، فإن الواحد منها لو كان أزيد مما هو الآن أو كان أنقص مما ~~هو الآن لاختلت مصالح هذا العالم فظهر بهذا السبب الذي ذكرناه صدق قولهم : ~~وبالعدل قامت السموات والأرض ، فهذه إشارة مختصرة إلى شرح حقيقة العدل . ~~وأما الإحسان فاعلم أن الزيادة على العدل قد تكون إحسانا وقد تكون إساءة ~~مثاله : أن العدل في الطاعات هو أداء الواجبات أما الزيادة على الواجبات ~~فهي أيضا طاعات وذلك من باب الإحسان ، وبالجملة فالمبالغة في أداء الطاعات ~~بحسب الكمية وبحسب الكيفية هو الإحسان . والدليل عليه : أن جبريل لما سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال : ( الإحسان أن تعبد الله كأنك ~~تراه فإن لم تكن ms5620 تراه فإنه يراك ) . PageV20P083 # / فإن قالوا : لم سمي هذا المعنى بالإحسان ؟ . # قلنا : كأنه بالمبالغة في الطاعة يحسن إلى نفسه ويوصل الخير والفعل الحسن ~~إلى نفسه / والحاصل أن العدل عبارة عن القدر الواجب من الخيرات ، والإحسان ~~عبارة عن الزيادة في تلك الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ، وبحسب ~~الدواعي والصوارف ، وبحسب الاستغراق في شهود مقامات العبودية والربوبية ، ~~فهذا هو الإحسان . # واعلم أن الإحسان بالتفسير الذي دكرنا دخل فيه التعظيم لأمر الله تعالى ~~والشفقة على خلق الله ، ومن الظاهر أن الشفقة على خلق الله أقسام كثيرة ~~وأشرفها وأجلها صلة الرحم لا جرم أنه سبحانه أفرده بالذكر فقال : { وإيتآء ~~ذى القربى } فهذا تفصيل القول في هذه الثلاثة التي أمر الله تعالى بها . ~~وأما الثلاثة التي نهى الله عنها ، وهي الفحشاء والمنكر والبغي فنقول : إنه ~~تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعة ، وهي الشهوانية البهيمية والعصبية ~~السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية وهذه القوة الرابعة أعني ~~العقلية الملكية لا يحتاج الإنسان إلى تأديبها وتهذيبها ، لأنها من جواهر ~~الملائكة ، ومن نتائج الأرواح القدسية العلوية ، إنما المحتاج إلى التأديب ~~والتهذيب تلك القوى الثلاثة الأولى . أما القوة الشهوانية ، فهي إنما ترغب ~~في تحصيل اللذات الشهوانية ، وهذا النوع مخصوص باسم الفحش ، إلا ترى أنه ~~تعالى سمى الزنا فاحشة فقال : { إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا } ( النساء ~~: 22 ) فقوله تعالى : { وينهى عن الفحشاء } المراد منه المنع من تحصيل ~~اللذات الشهوانية الخارجة عن إذن الشريعة ، وأما القوة الغضبية السبعية فهي ~~: أبدا تسعى في إيصال الشر والبلاء والإيذاب إلى سائر الناس ، ولا شك أن ~~الناس ينكرون تلك الحالة ، فالمنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة ~~الغضبية . وأما القوة الوهمية الشيطانية فهي أبدا تسعى في الاستعلاء على ~~الناس والترفع وإظهار الرياسة والتقدم ، وذلك هو المراد من البغي ، فإنه لا ~~معنى للبغي إلا التطاول على الناس والترفع عليهم ، فظهر بما ذكرنا أن هذه ~~الألفاظ الثلاثة منطبقة على أحوال هذه القوى الثلاثة ، ومن العجائب في هذا ~~الباب أن العقلاء قالوا : أخس هذه القوى الثلاثة هي الشهوانية ms5621 ، وأوسطها ~~الغضبية وأعلاها الوهمية . والله تعالى راعى هذا الترتيب فبدأ بالفحشاء ~~التي هي نتيجة القوة الشهوانية ، ثم بالمنكر الذي هو نتيجة القوة الغضبية ، ~~ثم بالبغي الذي هو نتيجة القوة الوهمية ، فهذا ما وصل إليه عقلي وخاطري في ~~تفسير هذه الألفاظ ، فإن يك صوابا فمن الرحمن ، وإن يكن خطأ فمني ومن ~~الشيطان والله ورسوله عنه بريئان والحمد لله على ما خصنا بهذا النوع من ~~الفضل والإحسان إنه الملك الديان . # ثم قال تعالى : { يعظكم لعلكم تذكرون } والمراد بقوله تعالى : { يعظكم } ~~أمره تعالى بتلك الثلاثة ونهيه عن هذه الثلاثة : { لعلكم تذكرون } وفيه ~~مسألتان : # / المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : { ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شىء } ( النحل : 89 ) أردفه بهذه الآية مشتملة على الأمر ~~بهذه الثلاثة ، والنهي عن هذه الثلاثة ، كان ذك تنبيها على أن المراد بكون ~~القرآن تبيانا لكل شيء هو هذه التكاليف الستة وهي في الحقيقة كذلك ، لأن ~~جوهر النفس من زمرة الملائكة ومن نتائج الأرواح العالية القدسية إلا أنه ~~دخل في هذا العالم خاليا عاريا عن التعلقات فتلك الثلاثة التي أمر الله بها ~~هي التي ترقيها بالمعارف الإلهية والأعمال الصالحة ، وتلك المعارف والأعمال ~~هي التي PageV20P084 ترقيها إلى عالم الغيب وسرادقات القدس ، ومجاورة ~~الملائكة المقربين في جوار رب العالمين ، وتلك الثلاثة التي نهى الله عنها ~~هي التي تصدها عن تلك السعادات وتمنعها عن الفوز بتلك الخيرات ، فلما أمر ~~الله تعالى بتلك الثلاثة / ونهى عن هذه الثلاثة فقد نبه على كل ما يحتاج ~~إليه المسافرون من عالم الدنيا إلى مبدأ عرصة القيامة . # المسألة الثانية : قال الكعبي : الآية تدل على أنه تعالى لا يخلق الجور ~~والفحشاء ، وذلك من وجوه : الأول : أنه تعالى كيف ينهاهم عما يخترعه فيهم ، ~~وكيف ينهى عما يريد تحصيله فيهم ولو كان الأمر كما قالوا لكان كأنه تعالى ~~قال : إن الله يأمركم أن تفعلوا خلاف ما خلقه فيكم وينهاكم عن أفعال خلقها ~~فيكم ، ومعلوم أن ذلك باطل في بديهة العقل . والثاني : أنه تعالى لما أمر ~~بالعدل والإحسان وإيتاء ms5622 ذي القربى ، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، فلو ~~أنه تعالى أمر بتلك الثلاثة ثم إنه ما فعلها لدخل تحت قوله : { أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ( البقرة : 2 ، 3 ) . الثالث : أن قوله : { ~~لعلكم تذكرون } ليس المراد منه الترجي والتمني ، فإن ذلك محال على الله ~~تعالى ، فوجب أن يكون معناه أنه تعالى يعظكم لإرادة أن تتذكروا طاعته ، ~~وذلك يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل . الرابع : أنه تعالى لو صرح ~~وقال : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، ولكنه تمنع منه ~~ويصد عنه ولا يمكن العبد منه . ثم قال : { وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى ~~} ولكنه يوجد كل هذه الثلاثة في العبد شاء أم أبى وأراده منه ومنعه من تركه ~~، ومن الاحتراز عنه لحكم كل أحد عليه بالركاكة وفساد النظم والتركيب ، وذلك ~~يدل على كونه سبحانه متعاليا عن فعل القبائح . # واعلم أن هذا النوع من الاستدلال كثير ، وقد مر الجواب عنه والمعتمد في ~~دفع هذه المشاغبات التعويل على سؤال الداعي وسؤال العلم والله أعلم . # المسألة الثالثة : اتفق المتكلمون من أهل السنة ومن المعتزلة على أن تذكر ~~الأشياء من فعل / لله لا من فعل العبد ، والدليل عليه هو أن التذكرة عبارة ~~عن طلب المتذكر فحال الطلب إما أن يكون له به شعور أو لا يكون له به شعور . ~~فإن كان له شعور فذلك الذكر حاصل ، والحاصل لا يطلب تحصيله . وإن لم يكن له ~~به شعور فكيف يطلبه بعينه ، لأن توجيه الطلب إليه بعينه حال ما لا يكون هو ~~بعينه متصورا محال . # إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { لعلكم تذكرون } معناه أن المقصود من هذا ~~الوعظ أن يقدموا على تحصيل ذلك التذكر ، فإذا لم يكن التذكر فعلا له فكيف ~~طلب منه تحصيله ، وهذا هو الذي يحتج به أصحابنا على أن قوله تعالى : { ~~لعلكم تذكرون } لا يدل على أنه تعالى يريد منه ذلك ، والله أعلم . # ! 7 < { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الا يمان بعد توكيدها ~~وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ms5623 ما تفعلون * ولا تكونوا كالتى ~~نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هى ~~أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه ~~تختلفون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 91 - 92 ) وأوفوا بعهد الله . . . . . # > > PageV20P085 # اعلم أنه تعالى لما جمع كل المأمورات والمنهيات في الآية الأولى على سبيل ~~الإجمال ، ذكر في هذه الآية بعض تلك الأقسام ، فبدأ تعالى بالأمر بالوفاء ~~بالعهد وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في تفسير قوله : { بعهد الله } وجوها : الأول : ~~قال صاحب ( الكشاف ) : عهد الله هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الإسلام لقوله : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق ~~أيديهم } ( الفتح : 10 ) أي ولا تنقضوا أيمان البيعة بعد توكيدها ، أي بعد ~~توثيقها باسم الله . الثاني : أن المراد منه كل عهد يلتزمه الإنسان ~~باختياره قال ابن عباس : والوعد من العهد ، وقال / ميمون بن مهران من ~~عاهدته وف بعهده مسلما كان أو كافرا فإنما العهد صلى الله عليه وسلم تعالى ~~. الثالث : قال الأصم : المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق . ~~الرابع : عهد الله هو اليمين بالله ، وقال هذا القائل : إنما يجب الوفاء ~~باليمين إذا لم يكن الصلاح في خلافه ، لأنه عليه السلام قال : ( من حلف على ~~يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر ) . الخامس : قال ~~القاضي : العهد يتناول كل أمر يجب الوفاء بمقتضاه ، ومعلوم أن أدلة العقل ~~والسمع أوكد في لزوم الوفاء بما يدلان على وجوبه من اليمين ولذلك لا يصح في ~~هذين الدليلين التغير والاختلاف ، ويصح ذلك في اليمين وربما ندب فيه خلاف ~~الوفاء . # ولقائل أن يقول : إنه تعالى قال : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } فهذا ~~يجب أن يكون مختصا بالعهود التي يلتزمها الإنسان باختيار نفسه لأن قوله : { ~~إذا عاهدتم } يدل على هذا المعنى وحينئذ لا يبقى المعنى الذي ذكره القاضي ~~معتبرا ولأنه تعالى قال في آخر الآية : { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } ~~وهذا يدل على أن الآية ms5624 واردة فيمن آمن بالله والرسول ، وأيضا يجب أن لا ~~يحمل هذا العهد على اليمين ، لأنا لو حملناه عليه لكان قوله بعد ذلك : { ~~ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها } تكرارا لأن الوفاء بالعهد والمنع من ~~النقض متقاربان ، لأن الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك إلا إذا قيل إن ~~الوفاء بالعهد عام فدخل تحته اليمين ، ثم إنه تعالى خص اليمين بالذر تنبيها ~~على أنه أولى أنواع العهد بوجوب الرعاية ، وعند هذا نقول الأولى أن يحمل ~~هذا العهد على ما يلتزمه الإنسان باختياره ويدخل فيه المبايعة على الإيمان ~~بالله وبرسوله ويدخل فيه عهد الجهاد ، وعهد الوفاء بالملتزمات من المنذورات ~~، والأشياء التي أكدها بالحلف واليمين ، وفي قوله : { ولا تنقضوا الايمان ~~بعد توكيدها } مباحث : # البحث الأول : قال الزجاج : يقال وكدت وأكدت لغتان جيدتان ، والأصل الواو ~~، والهمزة بدل منها . # البحث الثاني : قال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله : يمين اللغو هي يمين ~~الغموس ، والدليل عليه أنه تعالى قال : { لا * تنقضوا الايمان بعد توكيدها ~~} فنهى في هذه الآية عن نقض الأيمان / فوجب أن يكون كل يمين قابلا للبر ~~والحنث ، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث فوجب أن لا تكون من الأيمان . ~~واحتج الواحدي بهذه الآية على أن يمين اللغو هي قول العرب لا والله وبلى ~~والله . قال إنما قال تعالى : { بعد توكيدها } للفرق بين الأيمان المؤكدة ~~بالعزم وبالعقد وبين لغو اليمين . PageV20P086 # البحث الثالث : قوله : { ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها } عام دخله ~~التخصيص ، لأنا بينا / أن الخبر دل على أنه متى كان الصلاح في نقض الأيمان ~~جاز نقضها . # ثم قال : { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } هذه واو الحال ، أي لا تنقضوها ~~وقد جعلتم الله كفيلا عليكم بالوفاء ، وذلك أن من حلف بالله تعالى فكأنه قد ~~جعل الله كفيلا بالوفاء بسبب ذلك الحلف . # ثم قال : { إن الله يعلم ما تفعلون } وفيه ترغيب وترهيب ، والمراد ~~فيجازيكم على ما تفعلون إن خيرا فخير وإن شرا فشر . ثم إنه تعالى أكد وجوب ~~الوفاء ، وتحريم النقض وقال : { ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة ms5625 ~~أنكاثا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في المشبه به قولان : # القول الأول : أنها امرأة من قريش يقال لها رايطة ، وقيل ريطة ، وقيل ~~تلقب جعراء وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها فإذا غزلت وأبرمت أمرتهن ~~فنقضن ما غزلن . # والقول الثاني : أن المراد بالمثل الوصف دون التعين ، لأن القصد بالأمثال ~~صرف المكلف عنه إذا كان قبيحا ، والدعاء إليه إذا كان حسنا ، وذلك يتم به ~~من دون التعيين . # المسألة الثانية : قوله : { من بعد قوة } أي من به قوة الغزل بإبرامها ~~وفتلها . # المسألة الثالثة : قوله : { أنكاثا } قال الأزهري : واحدها : نكث وهو ~~الغزل من الصوف والشعر يبرم وينسج فإذا أحكمت النسيجة قطعتها ونكثت خيوطها ~~المبرمة ونفشت تلك الخيوط وخلطت بالصوف ثم غزلت ثانية ، والنكث المصدر ، ~~ومنه يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد ~~إبرامه . # المسألة الرابعة : في انتصاب قوله : { أنكاثا } وجوه : الأول : قال ~~الزجاج : أنكاثا منصوب لأنه بمعنى المصدر لأن معنى نكثت نقضت ومعنى نقضت ~~نكثت ، وهذا غلط منه ، لأن الأنكاث جمع نكث وهو اسم لا مصدر فكيف يكون قوله ~~: { أنكاثا } بمعنى المصدر ؟ الثاني : قال الواحدي : أنكاثا مفعول ثان كما ~~تقول كسره أقطاعا وفرقه أجزاء على معنى جعله أقطاعا وأجزاء فكذا ههنا قوله ~~: نقضت غزلها أنكاثا أي جعلت غزلها أنكاثا . الثالث : إن قوله : { أنكاثا } ~~حال مؤكدة . # المسألة الخامسة : قال ابن قتيبة : هذه الآية متصلة بما قبلها ، والتقدير ~~: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، فإنكم إن ~~فعلتم ذلك كنتم مثل المرأة التي غزلت غزلا وأحكمته فلما استحكم نقضته ~~فجعلته أنكاثا . # ثم قال تعالى : { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم } قال الواحدي : الدخل ~~والدغل الغش والخيانة . قال الزجاج : كل ما دخله عيب قيل هو مدخول وفيه دخل ~~، وقال غيره : الدخل ما أدخل في الشيء على فساد . # / ثم قال : { أن تكون أمة هى أربى من أمة } أربى أي أكثر من ربا الشيء ~~يربو إذا زاد ، وهذه الزيادة قد تكون في العدد وفي القوة وفي الشرف . قال ~~مجاهد : كانوا يحالفون الحلفاء ثم ms5626 يحدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف ~~الأولين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك . وقوله : ~~{ أن تكون } PageV20P087 معناه أنكم تتخذون أيمانكم دخلا بينكم بسبب أن ~~تكون أمة أربى من أمة في العدد والقوة والشرف . فقوله : { تتخذون أيمانكم ~~دخلا بينكم } استفهام على سبيل الإنكار / والمعنى : أتتخذون أيمانكم دخلا ~~بينكم بسبب أن أمة أزيد في القوة والكثرة من أمة أخرى . # ثم قال تعالى : { إنما يبلوكم الله به } أي بما يأمركم وينهاكم ، وقد ~~تقدم ذكر الأمر والنهي : { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } ~~فيتميز المحق من المبطل بما يظهر من درجات الثواب والعقاب ، والله أعلم . # ! 7 < { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولاكن يضل من يشآء ويهدى من يشآء ~~ولتسألن عما كنتم تعملون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 93 ) ولو شاء الله . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما كلف القوم بالوفاء بالعهد وتحريم نقضه ، أتبعه ببيان ~~أنه تعالى قادر على أن يجمعهم على هذا الوفاء وعلى سائر أبواب الأيمان ، ~~ولكنه سبحانه بحكم الإلهية يضل من يشاء ويهدي من يشاء . أما المعتزلة : ~~فإنهم حملوا ذلك على الإلجاء ، أي لو أراد أن يلجئهم إلى الإيمان أو إلى ~~الكفر لقدر عليه ، إلا أن ذلك يبطل التكليف ، فلا جرم ما ألجأهم إليه وفوض ~~الأمر إلى اختيارهم في هذه التكاليف ، وأما قول أصحابنا فيه فهو ظاهر ، ~~وهذه المناظرة قد تكررت مرارا كثيرة ، وروى الواحدي أن عزيرا قال : يا رب ~~خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء ، فقال : يا عزيز أعرض عن هذا ، ~~فأعاده ثانيا : فقال : أعرض عن هذا ، فأعاده ثالثا ، فقال : أعرض عن هذا ~~وإلا محوت اسمك من النبوة . قالت المعتزلة : ومما يدل على أن المراد من هذه ~~المشيئة مشيئة الإلجاء ، أنه تعالى قال بعده : { ولو شآء الله لجعلكم } فلو ~~كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عنها عبثا ، والجواب عنه قد ~~سبق مرارا ، والله أعلم . # ! 7 < { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا ~~السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم ms5627 عذاب عظيم * ولا تشتروا بعهد الله ثمنا ~~قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون * ما عندكم ينفد وما عند ~~الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون * من عمل صالحا ~~من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حيواة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما ~~كانوا يعملون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 94 - 97 ) ولا تتخذوا أيمانكم . . . . . # > > PageV20P088 # اعلم أنه تعالى لما حذر فء الآية الأولى عن نقض العهود والإيمان على ~~الإطلاق ، حذر في هذه الآية فقال : { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } وليس ~~المراد منه التحذير عن نقض مطلق الإيمان ، وإلا لزم التكرير الخالي عن ~~الفائدة في موضع واحد ، بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب ~~عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليها ، فلهذا المعنى قال المفسرون : المراد من ~~هذه الآية نهي الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقض عهده ، ~~لأن هذا الوعيد هو قوله : { فتزل قدم بعد ثبوتها } لا يليق بنقض عهده قبله ~~، وإنما يليق بنقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان به ~~وشرائعه . وقوله : { فتزل قدم بعد ثبوتها } مثل يذكر لكل من وقع في بلاء ~~بعد عافية ، فإن من نقض عهد الإسلام فقد سقط عن الدرجات العالية ووقع في ~~مثل هذه الضلالة ، ويدل على هذا قوله تعالى : { وتذوقوا السوء } أي العذاب ~~: { بما صددتم } أي بصدكم : { عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم } أي ذلك السوء ~~الذي تذوقونه سوء عظيم وعقاب شديد ، / ثم أكد هذا التحذير فقال : { ولا ~~تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } يريد عرض الدنيا وإن كان كثيرا ، إلا أن ما ~~عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ، يعني أنكم وإن وجدتم على نقض عهد ~~الإسلام خيرا من خيرات الدنيا ، فلا تلتفتوا إليه ، لأن الذي أعهد الله ~~تعالى على البقاء على الإسلام خير وأفضل وأكمل مما يجدونه في الدنيا على ~~نقض عهد الإسلام إن كنتم تعلمون التفاوت بين خيرات الدنيا وبين خيرات ~~الآخرة ، ثم ذكر الدليل القاطع على أن ما عند الله خير ms5628 مما يجدونه من طيبات ~~الدنيا فقال : { ما عندكم ينفد وما عند الله باق } وفيه بحثان : # البحث الأول : الحس شاهد بأن خيرات الدنيا منقطعة ، والعقل دل على أن ~~خيرات الآخرة باقية ، والباقي خير من المنقطع ، والدليل عليه أن هذا ~~المنقطع إما أن يقال : إنه كان خيرا عاليا شريفا أو كان خيرا دنيا خسيسا ، ~~فإن قلنا : إنه كان خيرا عاليا شريفا فالعلم بأنه سينقطع يجعله منغصا حال ~~حصوله ، وأما حال حصول ذلك الانقطاع فإنها تعظم الحسرة والحزن ، وكون تلك ~~النعمة العالية الشريفة كذلك ينغص فيها ويقلل مرتبتها وتفتر الرغبة فيها ، ~~وأما إن قلنا : إن تلك النعمة المنقطعة كانت من الخيرات الخسيسة فهمنا من ~~الظاهر أن ذلك الخير الدائم وجب أن يكون أفضل من ذلك الخير المنقطع ، فثبت ~~بهذا أن قوله تعالى : { ما عندكم ينفد وما عند الله باق } برهان قاطع على ~~أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا . # البحث الثاني : أن قوله : { وما عند الله باق } يدل على أن نعيم أهل ~~الجنة باق لا ينقطع . وقال جهم بن صفوان : إنه منقطع والآية حجة عليه . # واعلم أن المؤمن إذا آمن بالله فقد التزم شرائع الإسلام والإيمان ، ~~وحينئذ يجب عليه أمران : أحدهما : أن يصبر على ذلك الإلتزام وأن لا يرجع ~~عنه وأن لا ينقضه بعد ثبوته . والثاني : أن يأتي بكل ما هو من شرائع ~~الإسلام ولوازمه . # إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى رغب المؤمنين في القسم الأول وهو الصبر ~~على ما التزموه ، فقال : { ولنجزين الذين صبروا } أي على ما الزموه من ~~شرائع الإسلام { بأحسن ما كانوا يعملون } أي يجزيهم PageV20P089 على أحسن ~~أعمالهم ، وذلك لأن المؤمن قد يأتي بالمباحثات وبالمندوبات وبالواجبات ولا ~~شك أنه على فعل المندوبات والواجبات يثاب لا على فعل المباحثات ، فلهذا قال ~~: { ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ثم إنه تعالى رغب ~~المؤمنين في القسم الثاني وهو الإتيان بكل ما كان من شرائع الإسلام فقال : ~~{ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حيواة طيبة ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ms5629 ما كانوا يعملون } وفي الآية سؤالات : # / السؤال الأول : لفظة ( من ) في قوله : { من عمل صالحا } تفيد العموم ~~فما الفائدة في ذكر الذكر والأنثى ؟ . # والجواب : أن هذه الآية للوعد بالخيرات والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم ~~دلائل الكرم والرحمة إثباتا للتأكيد وإزالة لوهم التخصيص . # السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على أن الأيمان مغاير للعمل الصالح ؟ . # والجواب : نعم لأنه تعالى جعل الإيمان شرطا في كون العمل الصالح موجبا ~~للثواب . وشرط الشيء مغاير لذلك الشيء . # السؤال الثالث : ظاهر الآية يقتضي أن العمل الصالح إنما يفيد الأثر بشرط ~~الإيمان ، فظاهر قوله : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } يدل على أن العمل ~~الصالح يفيد الأثر سواء كان مع الإيمان أو كان مع عدمه . # والجواب : أن إفادة العمل الصالح للحياة الطيبة مشروط بالإيمان ، أما ~~إفادته لأثر غير هذه الحياة الطيبة وهو تخفيف العقاب فإنه لا يتوقف على ~~الإيمان . # السؤال الرابع : هذه الحياة الطيبة تحصل في الدنيا أو في القبر أو في ~~الآخرة . # والجواب فيه ثلاثة أقوال : # القول الأول : قال القاضي : الأقرب أنها تحصل في الدنيا بدليل أنه تعالى ~~أعقبه بقوله : { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ولا شبهة في أن ~~المراد منه ما يكون في الآخرة . # ولقائل أن يقول : لا يبعد أن يكون المراد من الحياة الطيبة ما يحصل في ~~الآخرة ، ثم إنه مع ذلك وعدهم الله على أنه إنما يجزيهم على ما هو أحسن ~~أعمالهم فهذا لا امتناع فيه . # فإن قيل : بتقدير أن تكون هذه الحياة الطيبة إنما تحصل في الدنيا فما هي ~~؟ . # والجواب : ذكروا فيه وجوها قيل : هو الرزق الحلال الطيب . وقيل : عبادة ~~الله مع أكل الحلال ، وقيل : القناعة ، وقيل : رزق يوم بيوم كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول في دعائه : ( قنعني بما رزقني ) وعن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو : ( أللهم اجعل رزق آل محمد كفافا ) ~~قال الواحدي وقول من يقول : إن القناعة حسن مختار لأنه لا يطيب عيش أحد في ~~الدنيا إلا عيش القانع وأما ms5630 الحريص فإنه يكون أبدا في الكد والعناء . ~~PageV20P090 # واعلم أن عيش المؤمن في الدنيا أطيب من عيش الكافر لوجوه : الأول : أنه ~~لما عرف أن رزقه إنما حصل بتدبير الله تعالى ، وعرف أنه تعالى محسن كريم لا ~~يفعل إلا الصواب كان راضيا / بكل ما قضاه وقدره ، وعلم أن مصلحته في ذلك ، ~~أما الجاهل فلا يعرف هذه الأصول فكان أبدا في الحزن والشقاء . وثانيها : أن ~~المؤمن أبدا يستحضر في عقله أنواع المصائب والمحن ويقدر وقوعها وعلى تقدير ~~وقوعها يرضى بها ، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب ، فعند وقوعها لا ~~يستعظمها بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلا عن تلك المعارف ، فعند وقوع المصائب ~~يعظم تأثيرها في قلبه . وثالثها : أن قلب المؤمن منشرح بنور معرفة الله ~~تعالى ، والقلب إذا كان مملوءا من هذه المعارف لم يتسع للأحزان الواقعة ~~بسبب أحوال الدنيا ، أما قلب الجاهل فإنه خال عن معرفة الله تعالى فلا جرم ~~يصير مملوءا من الأحزان الواقعة بسبب مصائب الدنيا . ورابعها : أن المؤمن ~~عارف بأن خيرات الحياة الجسمانية خسيسة فلا يعظم فرحه بوجدانها وغمه ~~بفقدانها ، أما الجاهل فإنه لا يعرف سعادة أخرى تغايرها فلا جرم يعظم فرحه ~~بوجدانها وغمه بفقدانها . وخامسها : أن المؤمن يعلم أن خيرات الدنيا واجبة ~~التغير سريعة التقلب فلولا تغيرها وانقلابها لم تصل من غيره إليه . # واعلم أن ما كان واجب التغير فإنه عند وصوله إليه لا تنقلب حقيقته ولا ~~تتبدل ماهيته ، فعند وصوله إليه يكون أيضا واجب التغير ، فعند ذلك لا يطبع ~~العاقل قلبه عليه ولا يقيم له في قلبه وزنا بخلاف الجاهل فإنه يكون غافلا ~~عن هذه المعارف فيطبع قلبه عليها ويعانقها معانقة العاشق لمعشوقه فعند فوته ~~وزواله يحترق قلبه ويعظم البلاء عنده ، فهذه وجوه كافية في بيان أن عيش ~~المؤمن العارف أطيب من عيش الكافر هذا كله إذا فسرنا الحياة الطيبة بأنها ~~في الدنيا . # والقول الثاني : وهو قول السدي إن هذه الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر ~~. # والقول الثالث : وهو قول الحسن وسعيد بن جبير إن هذه الحياة الطيبة لا ms5631 ~~تحصل إلا في الآخرة والدليل عليه قوله تعالى : { وحقت يأيها الإنسان إنك ~~كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } ( الإنشقاق : 6 ) فبين أن هذا الكدح باق إلى ~~أن يصل إلى ربه وذلك ما قلناه ، وأما بيان أن الحياة الطيبة في الجنة ~~فلأنها حياة بلا موت وغنى بلا فقر ، وصحة بلا مرض ، وملك بلا زوال ، وسعادة ~~بلا شقاء ، فثبت أن الحياة الطيبة ليست إلا تلك الحياة ، ثم إنه تعالى ختم ~~الآية بقوله : { صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } وقد سبق تفسيره والله ~~أعلم . # ! 7 < { فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم * إنه ليس له ~~سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 98 - 100 ) فإذا قرأت القرآن . . . . . # > > # /اعلم أنه لما قال قبل هذه الآية : { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون } ( النحل : 97 ) أرشد إلى العمل الذي به تخلص أعماله عن الوساوس ~~فقال : { فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } وفي الآية ~~مسائل : PageV20P091 # المسألة الأولى : الشيطان ساع في إلقاء الوسوسة في القلب حتى في حق ~~الأنبياء بدليل قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته } ( الحج : 52 ) والاستعاذة بالله مانعة ~~للشيطان من إلقاء الوسوسة بدليل قوله تعالى : { إن الذين اتقوا إذا مسهم ~~طئف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } ( الأعراف : 201 ) فلهذا السبب أمر ~~الله تعالى رسوله بالاستعاذة عند القراءة حتى تبقى تلك القراءة مصونة عن ~~الوسوسة . # المسألة الثانية : قوله : { فإذا قرأت القرءان } خطاب للرسول صلى الله ~~عليه وسلم إلا أن المراد به الكل ، لأن الرسول لما كان محتاجا إلى ~~الاستعاذة عند القراءة فغير الرسول أولى بها . # المسألة الثالثة : الفاء في قوله : { فاستعذ بالله } للتعقيب فظاهر هذه ~~الآية يدل على أن الاستعاذة بعد قراءة القرآن وإليه ذهب جماعة من الصحابة ~~والتابعين قال الواحدي : وهو قول أبي هريرة ومالك وداود قالوا : والفائدة ~~فيه أنه إذا قرأ القرآن استحق به ثوابا عظيما ، فإن لم يأت ms5632 بالاستعاذة وقعت ~~الوسوسة في قلبه ، وتلك الوسوسة تحبط ثواب القراءة أما إذا استعاذ بعد ~~القراءة اندفعت الوساوس وبقي الثواب مصونا عن الإحباط . أما الأكثرون من ~~علماء الصحابة والتابعين فقد اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة ، ~~وقالوا : معنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ ، وليس معناه استعذ ~~بعد القراءة ، ومثله إذا أكلت فقل : { بسم الله } وإذا سافرت فتأهب ، ~~ونظيره قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم } ( المائدة : 6 ) أي ~~إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا ، وأيضا لما ثبت أن الشيطان ألقى ~~الوسوسة في أثناء قراءة الرسول بدليل قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته } ( الحج : 52 ) ومن ~~الظاهر أنه تعالى إنما أمر الرسول بالاستعاذة عند القراءة لدفع تلك الوساوس ~~، فهذا المقصود إنما يحصل عند تقديم الإستعاذة . # المسألة الرابعة : مذهب عطاء : أنه تجب الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء ~~كانت القراءة / في الصلاة أو غيرها ، وسائر الفقهاء اتفقوا على أنه ليس ~~كذلك ، لأنه لا خلاف بينهم أنه إن لم يتعوذ قبل القراءة في الصلاة ، فصلاته ~~ماضية ، وكذلك حال القراءة في غير الصلاة لكن حال القراءة في الصلاة آكد . # المسألة الخامسة : المراد بالشيطان في هذه الآية قيل إبليس ، والأقرب أنه ~~للجنس ، لأن لجميع المردة من الشياطين حظا في الوسوسة . # واعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالاستعاذة من الشيطان وكان ذلك يوهم أن ~~للشيطان قدرة على التصرف في أبدان الناس ، فأزال الله تعالى هذا الوهم ، ~~وبين أنه لا قدرة له ألبتة إلا على الوسوسة فقال : { إنه ليس له سلطان على ~~الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون } ويظهر من هذا أن الاستعاذة إنما تفيد إذا ~~حضر في قلب الإنسان كونه ضعيفا وأنه لا يمكنه التحفظ عن وسوسة الشيطان إلا ~~بعصمة الله تعالى ، ولهذا المعنى قال المحققون : لا حول عن معصية الله ~~تعالى إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله تعالى ، ~~والتفويض الحاصل على هذا الوجه هو المراد من قوله : { وعلى ربهم ms5633 يتوكلون } ~~. # ثم قال : { إنما سلطانه على الذين يتولونه } قال ابن عباس : يطيعونه يقال ~~: توليته أي أطعته وتوليت عنه أي أعرضت عنه : { والذين هم به مشركون } ~~الضمير في قوله : ( به ) إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه ~~PageV20P092 راجع إلى ربهم . والثاني : أنه راجع إلى الشيطان والمعنى بسببه ~~، وهذا كما تقول للرجل إذا تكلم بكلمة مؤدية إلى الكفر كفرت بهذه الكلمة أي ~~من أجلها ، فكذلك قوله : { والذين هم به مشركون } أي من أجله ومن أجل حمله ~~إياهم على الشرك بالله صاروا مشركين . # ! 7 < { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية والله أعلم بما ينزل قالوا إنمآ أنت ~~مفتر بل أكثرهم لا يعلمون * قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ~~ءامنوا وهدى وبشرى للمسلمين } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 101 - 102 ) وإذا بدلنا آية . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى شرع من هذا الموضوع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم . وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان إذا نزلت آية فيها ~~شدة ، ثم نزلت آية ألين منها تقول كفار قريش : والله ما محمد إلا يسخر ~~بأصحابه ، اليوم يأمر بأمر وغدا ينهى عنه ، وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا ~~من عند نفسه ، فأنزل الله تعالى قوله : { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } ~~ومعنى التبديل ، رفع الشيء مع وضع غيره مكانه . وتبديل الآية رفعها بآية ~~أخرى غيرها ، وهو نسخها بآية سواها ، وقوله : { والله أعلم بما ينزل } ~~اعتراض دخل في الكلام ، والمعنى : والله أعلم بما ينزل من الناسخ والمنسوخ ~~والتغليظ والتخفيف ، أي هو أعلم بجميع ذلك في مصالح العباد ، وهذا توبيخ ~~للكفار على قوله : { إنما أنت مفتر } أي إذا كان هو أعلم بما ينزل فما ~~بالهم ينسبون محمد صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ ، ~~وقوله : { بل أكثرهم لا يعلمون } أي لا يعلمون حقيقة القرآن وفائدة النسخ ~~والتبديل وأن ذلك لمصالح العباد كما أن الطبيب يأمر المريض بشربة ، ثم بعد ~~مدة ينهاه عنها ، ويأمره بضد تلك الشربة ، وقوله : { قل نزله روح القدس من ms5634 ~~ربك } تفسير روح القدس مر ذكره في سورة البقرة . وقال صاحب ( الكشاف ) : ~~روح القدس جبريل عليه السلام أضيف إلى القدس وهو الطهر كما يقال : حاتم ~~الجود وزيد الخير ، والمراد الروح المقدس ، وحاتم الجواد وزيد الخير ، ~~والمقدس المطهر من الماء و ( من ) في قوله : { من ربك } صلة للقرآن أي أن ~~جبريل نزل القرآن من ربك ليثبت الذين آمنوا أي ليبلوهم بالنسخ حتى إذا ~~قالوا فيه هو الحق من ربنا حكم لهم بثبات القدم في الدين وصحة اليقين بأن ~~الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب : { وهدى وبشرى } مفعول لهما ~~معطوف على محل ليثبت ، والتقدير : تثبيتا لهم وإرشادا وبشارة . وفيه تعريض ~~بحصول أضداد هذه الصفات لغيرهم . # المسألة الثانية : قد ذكرنا أن مذهب أبي مسلم الأصفهاني : أن النسخ غير ~~واقع في هذه الشريعة ، فقال المراد ههنا : إذا بدلنا آية مكان آية في الكتب ~~المتقدمة مثل أنه حول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، قال المشركون : ~~أنت مفتر في هذا التبديل ، وأما سائر المفسرين فقالوا : النسخ واقع في هذه ~~الشريعة ، والكلام فيه على الاستقصاء في سائر السور . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : القرآن لا ينسخ بالسنة ، ~~واحتج على صحته بقوله تعالى : PageV20P093 { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } ~~وهذا يقتضي أن الآية لا تصير منسوخة إلا بآية أخرى ، وهذا ضعيف لأن هذه تدل ~~على أنه تعالى يبدل آية بآية أخرى ولا دلالة فيها على أنه تعالى لا يبدل ~~آية إلا بآية ، وأيضا فجبريل عليه السلام قد ينزل بالسنة كما ينزل بالآية ، ~~وأيضا فالسنة قد تكون مثبتة للآية ، وأيضا فهذا حكاية كلام الكفار ، فكيف ~~يصح التعلق به ؟ والله أعلم . # ! 7 < { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه ~~أعجمى وهاذا لسان عربى مبين * إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم ~~الله ولهم عذاب أليم * إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ~~وأولائك هم الكاذبون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 103 - 105 ) ولقد نعلم أنهم . . . . . # > > # /اعلم أن المراد من هذه الآية حكاية شبهة ms5635 أخرى من شبهات منكري نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأنهم كانوا يقولون إن محمدا إنما يذكر هذه ~~القصص وهذه الكلمات لأنه يستفيدها من إنسان آخر ويتعلمها منه . واختلفوا في ~~هذا البشر الذي نسب المشركون النبي صلى الله عليه وسلم إلى التعلم منه قيل ~~: هو عبد لبني عامر بن لؤي يقال له يعيش ، وكان يقرأ الكتب ، وقيل : عداس ~~غلام عتبة بن ربيعة ، وقيل : عبد لبني الحضرمي صاحب كتب ، وكان اسمه جبرا ، ~~وكانت قريش تقول : عبد بني الحضرمي يعلم خديجة وخديجة تعلم محمدا ، وقيل : ~~كان بمكة نصراني أعجمي اللسان اسمه بلعام ويقال له أبو ميسرة يتكلم ~~بالرومية وقيل : سلمان الفارسي ، وبالجملة فلا فائدة في العديد هذه الأسماء ~~والحاصل أن القوم اتهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من ~~نفسه ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه . # ثم إنه تعالى أجاب عنه بأن قال : { لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهاذا ~~لسان عربى مبين } ومعنى الإلحاد في اللغة الميل يقال : لحد وألحد إذا مال ~~عن القصد ، ومنه يقال للعادل عن الحق ملحد . وقرأ حمزة والكسائي : { يلحدون ~~} بفتح الياء والحاء ، والباقون بضم الياء وكسر الحاء قال الواحدي : ~~والأولى ضم الياء لأنه لغة القرآن ، والدليل عليه قوله : { ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم } ( الحج : 25 ) والإلحاد قد يكون بمعنى الإمالة ، ومنه يقال : ~~ألحدت له لحدا إذا حفرته في جانب القبر مائلا عن الاستواء وقبر ملحد وملحود ~~، ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها لم يمله عن دين إلى دين آخر ~~وفسر الإلحاد / في هذه الآية بالقولين : قال الفراء : يميلون من الميل ، ~~وقال الزجاج : يميلون من الإمالة ، أي لسان الذين يميلون القول إليه أعجمي ~~، وأما قوله : { أعجمى } فقال أبو الفتح الموصلي : تركيب ع ج م وضع في كلام ~~العرب للإبهام والإخفاء ، وضد الباين والإيضاح ، ومنه قولهم : رجل أعجم ~~وامرأة عجماء إذا كانا لا يفصحان ، وعجم الذنب سمي بذلك لاستتاره واختفائه ~~، والعجماء البهيمة لأنها لا توضح ما في نفسها ، وسموا صلاتي الظهر ms5636 والعصر ~~عجماوين ، لأن PageV20P094 القراءة حاصلة فيهما بالسر لا بالجهر ، فأما ~~قولهم : أعجمت الكتاب فمعناه أزلت عجمته ، وأفعلت قد يأتي والمراد منه ~~السلب كقولهم : أشكيت فلانا إذا أزلت ما يشكوه ، فهذا هو الأصل في هذه ~~الكلمة ، ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لغتهم ولا يتكلم بلسانهم أعجم ~~وأعجميا . قال الفراء وأحمد بن يحيى : الأعجم الذي في لسانه عجمة وإن كان ~~من العرب ، والأعجمي والعجمي الذي أصله من العجم قال أبو علي الفارسي : ~~الأعجم الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم ، ألا ترى أنهم قالوا : ~~زيادة الأعجم لأنه كانت في لسانه عجمة مع أنه كان عربيا ، وأما معنى العربي ~~واشتقاقه فقد ذكرناه عند قوله : { الاعراب أشد كفرا ونفاقا } ( التوبة : 97 ~~) وقال الفراء والزجاج : في هذه الآية يقال عرب لسانه عرباة وعروبة هذا ~~تفسير ألفاظ الآية : # وأما تقرير ووجه الجواب فاعلم أنه إنما يظهر إذا قلنا : القرآن إنما كان ~~معجزا لما فيه من الفصاحة العائدة إلى اللفظ وكأنه قيل : هب أنه يتعلم ~~المعاني من ذلك الأعجمي إلا أن القرآن إنما كان معجزا لما في ألفاظه من ~~الفصاحة فبتقدير أن تكونوا صادقين في أن محمدا صلى الله عليه وسلم يتعلم ~~تلك المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح ذلك في المقصود إذ القرآن إنما ~~كان معجزا لفصاحته وما ذكرتموه لا يقدح في ذلك المقصود ، ولما ذكر الله ~~تعالى هذا الجواب أردفه بالتهديد والوعيد ، فقال : { إن الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله لا يهديهم الله } أما تفسير أصحابنا لهذه الآية فظاهر ، وقال ~~القاضي : أقوى ما قيل في ذلك إنه لا يهديهم إلى طريق الجنة ، ولذلك قال ~~بعده : { ولهم عذاب أليم } والمراد أنهم لما تركوا الإيمان بالله لا يهديهم ~~الله إلى الجنة بل يسوقهم إلى النار ، ثم إنه تعالى بين كونهم كذابين في ~~ذلك القول فقال : { إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~الكاذبون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المقصود منه أنه تعالى بين في الآية السابقة أن الذي ms5637 ~~قالوه بتقدير أن يصح لم يقدح فيه المقصود ، ثم إنه تعالى في هذه الآية أن ~~الذي قالوه لم يصح وهم كذبوا فيه ، والدليل على كونهم كاذبين في ذلك القول ~~وجوه : الأول : أنهم لا يؤمنون بآيات الله وهم كافرون ، ومتى كان / الأمر ~~كذلك كانوا أعداء للرسول صلى الله عليه وسلم وكلام العدا ضرب من الهذيان ~~ولا شهادة لمتهم . والثاني : أن أمر التعلم لا يتأتى في جلسة واحدة ولا يتم ~~في الخفية ، بل التعلم إنما يتم إذا اختلف المعلم إلى المتعلم أزمنة ~~متطاولة ومددا متباعدة ، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أن ~~محمدا عليه السلام يتعلم العلوم من فلان وفلان . الثالث : أن العلوم ~~الموجودة في القرآن كثيرة وتعلمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية ~~الفضل والتحقيق ، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في التعليم والتحقيق إلى هذا الحد ~~لكان مشارا إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا ، فكيف يمكن تحصيل ~~هذه العلوم العالية والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان ؟ # واعلم أن الطعن في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمثال هذه الكلمات ~~الركيكة يدل على أن الحجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة باهرة ~~، فإن الخصوم كانوا عاجزين عن الطعن فيها ، ولأجل غاية عجزهم عدلوا إلى هذه ~~الكلمات الركيكية . # المسألة الثانية : في هذه الآية دلالة قوية على أن الكذب من أكبر الكبائر ~~وأفحش الفواحش والدليل عليه أن كلمة ( إنما ) للحصر ، والمعنى : أن الكذب ~~والفرية لا يقدم عليهما إلا من كان غير مؤمن بآيات الله PageV20P095 تعالى ~~، وإلا من كان كافرا وهذا تهديد في النهاية . # فإن قيل : قوله : { لا يؤمنون بآيات الله } فعل وقوله : { وأولئك هم ~~الكاذبون } اسم وعطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية قبيح فما السبب في ~~حصوله ههنا ؟ # قلنا : الفعل قد يكون لازما وقد يكون مفارقا ، والدليل عليه قوله تعالى : ~~{ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } ( يوسف : 35 ) ذكره ~~بلفظ الفعل ، تنبيها على أن ذلك السجن لا يدوم . وقال فرعون لموسى ms5638 عليه ~~السلام : { لئن اتخذت إلاها غيرى لاجعلنك من المسجونين } ( الشعراء : 29 ) ~~ذكره بصيغة الاسم تنبيها على الدوام ، وقال أصحابنا : إنه تعالى قال : { ~~وعصى * ءادم * ربه فغوى } ( طه : 121 ) ولا يجوز أن يقال إن آدم عاص وغاو ، ~~لأن صيغة الفعل لا تفيد الدوام ، وصيغة الاسم تفيده . # إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : قوله : { إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله } ذكر ذلك تنبيها على أن من أقدم على الكذب فكأنه دخل في الكفر ~~، ثم قال : { وأولئك هم الكاذبون } تنبيها على أن صفة الكذب فيهم ثابتة ~~راسخة دائمة . وهذا كما تقول : كذبت وأنت كاذب فيكون قولك وأنت كاذب زيادة ~~في الوصف بالكذب . ومعناه : أن عادتك أن تكون كاذبا . # المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن الكاذب المفتري الذي لا يؤمن ~~بآيات الله والأمر كذلك ، لأنه لا معنى للكفر إلا إنكار الإلهية ونبوة ~~الأنبياء ، وهذا الإنكار مشتمل على / الكذب والافتراء . وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قيل له : هل يكذب المؤمن ؟ قال : ( لا ) ثم قرأ هذه الآية ، ~~والله أعلم . # ! 7 < { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ~~ولاكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم * ذالك بأنهم ~~استحبوا الحيواة الدنيا على الا خرة وأن الله لا يهدى القوم الكافرين * ~~أولائك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولائك هم الغافلون * ~~لا جرم أنهم فى الا خرة هم الخاسرون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 106 - 109 ) من كفر بالله . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما عظم تهديد الكافرين ذكر في هذه الآية تفصيلا في بيان ~~من يكفر بلسانه لا بقلبه ، ومن يكفر بلسان وقلبه معا ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { من كفر بالله من بعد إيمانه } مبتدأ خبره غير ~~مذكور ، فلهذا السبب اختلف المفسرون وذكروا فيه وجوها : الأول : أن يكون ~~قوله : { من كفر } بدلا من قوله : { الذين لا يؤمنون بآيات الله } ~~PageV20P096 والتقدير : إنما يفتري من كفر بالله من بعد إيمانه ، واستثنى ~~منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء ms5639 ، وعلى هذا التقدير : فقوله : { ~~وأولئك هم الكاذبون } اعتراض وقع بين البدل والمبدل منه . الثاني : يجوز ~~أيضا أن يكون بدلا من الخبر الذي هو الكاذبون والتقدير : وأولئك هم من كفر ~~بالله من بعد إيمانه ، والثالث : يجوز أن ينتصب على الذم ، والتقدير : ~~وأولئك هم الكاذبون ، أعني من كفر بالله من بعد إيمانه وهو أحسن الوجوه ~~عندي وأبعدها عن التعسف ، والرابع : أن يكون قوله : { من كفر بالله من بعد ~~إيمانه } شرطا مبتدأ ويحذف جوابه ، لأن جواب الشرط المذكور بعده يدل على ~~جوابه كأنه قيل : من كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب من الله / إلا من ~~أكره : ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله . # المسألة الثانية : أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بالكفر يدل عليه ~~وجوه : أحدها : أنا روينا أن بلالا صبر على ذلك العذاب ، وكان يقول : أحد ~~أحد . روي ناسا من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه ، وكان ~~فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه ، مع أنه كان بقلبه مصرا على ~~الإيمان ، منهم : عمار ، وأبواه ياسر وسمية ، وصهيب ، وبلال ، وخباب ، ~~وسالم ، عذبوا ، فأما سمية فقيل : ربطت بين بعيرين ووخزت في قبلها بحربة ~~وقالوا : إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت ، وقتل ياسر وهما أول قتيلين قتلا ~~في الإسلام ، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها ، فقيل : يا ~~رسول الله إن عمارا كفر ، فقال : كلا إن عمارا مليء إيمانا من فرقه إلى ~~قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه ويقول : ( ما لك إن ~~عادوا لك فعد لهم بما قلت ) ومنهم جبر مولى الحضرمي أكرهه سيده فكفر ، ثم ~~أسلم مولاه وأسلم وحسن إسلامهما وهاجرا . # المسألة الثالثة : قوله : { إلا من أكره } ليس باستثناء ، لأن المكره ليس ~~بكافر فلا يصح استثناؤه من الكافر ، لكن المكره لما ظهر منه بعد الإيمان ما ~~مثله يظهر من الكافر طوعا صح هذا الاستثناء لهذه المشاكلة . # المسألة ms5640 الرابعة : يجب ههنا بيان الإكراه الذي عنده يجوز التلفظ بكلمة ~~الكفر ، وهو أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به ، مثل التخويف بالقتل ، ومثل ~~الضرب الشديد والإيلامات القوية . قال مجاهد : أول من أظهر الإسلام سبعة ، ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم / وأبو بكر ، وخباب ، وصهيب ، وبلال ، وعمار ~~، وسمية . أما الرسول عليه السلام فمنعه أبو طالب ، وأما أبو بكر فمنعه ~~قومه ، وأخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد ، ثم أجلسوا في الشمس فبلغ منهم ~~الجهد بحر الحديد والشمس ، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم ويشتم سمية ، ثم ~~طعن الحربة في فرجها . وقال الآخرون : ما نالوا منهم غير بلال فإنهم جعلوا ~~يعذبونه فيقول : أحد أحد ، حتى ملوا فكتفوه وجعلوا في عنقه حبلا من ليف ~~ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به حتى ملوه فتركوه . قال عمار : كلنا تكلم ~~بالذي أرادوا غير بلال ، فهانت عليه نفسه فتركوه . قال خباب : لقد أوقدوا ~~لي نارا ما أطفأها إلا ودك ظهري . # المسألة الخامسة : أجمعوا على أن عند ذكر كلمة الكفر يجب عليه أن يبرىء ~~قلبه من الرضا به وأن يقتصر على التعريضات مثل أن يقول : إن محمدا كذاب ، ~~ويعني عند الكفار أو يعني به محمدا / آخر أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى ~~الإنكار وههنا بحثان : # البحث الأول : أنه إذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما ~~عظم خوفه زال عن قلبه ذكر PageV20P097 هذه النية كان ملوما وعفو الله متوقع ~~. # البحث الثاني : لو ضيق المكره الأمر عليه وشرح له كل أقسام التعريضات ~~وطلب منه أن يصرح بأنه ما أراد شيئا منها ، وما أراد إلا ذلك المعنى ، ~~فههنا يتعين إما التزام الكذب ، وإما تعريض النفس للقتل . فمن الناس من قال ~~: يباح له الكذب هنا ، ومنهم من يقول : ليس له ذلك وهو الذي اختاره القاضي ~~. قال : لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذبا ، فوجب أن يقبح على كل حال ، ولو ~~جاز أن يخرج عن القبيح لرعاية بعض المصالح لم يمنع أن يفعل الله الكذب ~~لرعاية بعض المصالح وحينئذ لا يبقى وثوق بوعد الله ms5641 تعالى ولا بوعيده ~~لاحتمال أنه فعل ذلك الكذب لرعاية بعض المصالح التي لا يعرفها إلا الله ~~تعالى . # المسألة السادسة : أجمعوا على أنه لا يجب عليه التكلم بكلمة الكفر ، ويدل ~~عليه وجوه : أحدها : أنا روينا أن بلالا صبر على ذلك العذاب ، وكان يقول : ~~أحد أحد ، ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : بئيس ما صنعت بل عظمه ~~عليه ، فدل ذلك على أنه لا يجب التكلم بكلمة الكفر ، وثانيها : ما روي أن ~~مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما قتلو في محمد ؟ فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما تقول في ؟ قال أنت أيضا ، فخلاه وقال للآخر ~~: ما تقول في محمد ؟ قال رسول الله ، قال : ما تقول في ؟ قال : أنا أصم ~~فأعاد عليه ثلاثا فأعاد جوابه فقتله ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال : ( أما الأول فقد أخذ برخصة الله ، وأما الثاني فقد صدع بالحق ، ~~فهنيئا له ) . وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : أنه سمى التلفظ ~~بكلمة الكفر رخصة . والثاني : أنه عظم حال من أمسك عنه حتى فتل . وثالثها : ~~أن بذل النفس في تقرير الحق أشق ، فوجب أن يكون أكثر ثوابا لقوله عليه ~~السلام : ( أفضل العبادات أحمزها ) أي أشقها . ورابعها : أن الذي أمسك عن ~~كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر . أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر ~~عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة ، فوجب أن يكون ~~حال الأول أفضل ، والله أعلم . # المسألة السابعة : اعلم أن للإكراه مراتب . # المرتبة الأولى : أن يجب الفعل المكره عليه مثل ما إذا أكرهه على شرب ~~الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فإذا أكرهه عليه بالسيف فههنا يجب الأكل ، ~~وذلك لأن صون الروح عن الفوات واجب ، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا ~~الأكل ، وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق الله تعالى ، ~~فوجب أن يجب لقوله تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( البقرة : ~~195 ) . # / المرتبة الثانية : أن يصير ذلك الفعل ms5642 مباحا ولا يصير واجبا ، ومثاله ما ~~إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فههنا يباح له ولكنه لا يجب كما قررناه . # المرتبة الثالثة : أن لا يجب ولا يباح بل يحرم ، وهذا مثل ما إذا أكرهه ~~إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على ~~الحرمة الأصلية ، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا ؟ قال الشافعي رحمه الله ~~: في أحد قوليه يجب القصاص ويدل عليه وجهان . الأول : أنه قتله عمدا عدوانا ~~فيجب عليه القصاص لقوله تعالى : { المتقون يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم ~~القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) . والثاني : أجمعنا على أن المكره إذا ~~قصد قتله فإنه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل ، فلما كان توهم إقدامه ~~على القتل يوجب إهدار دمه ، فلأن يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه ~~مهدرا كان أولى والله أعلم . PageV20P098 # المسألة الثامنة : من الأفعال ما يقبل الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة ~~الكفر ، ومنه ما لا يقبل الإكراه عليه قيل : وهو الزنا . لأن الإكراه يوجب ~~الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة ، فحيث دخل الزنا في الوجود علم ~~أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه . # المسألة التاسعة : قال الشافعي رحمه الله : طلاق المكره لا يقع ، وقال ~~أبو حنيفة رحمه الله : يقع ، وحجة الشافعي رحمه الله : قوله : { لا إكراه ~~فى الدين } ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأن ذاته موجودة فوجب حمله ~~على نفي آثاره ، والمعنى : أنه لا أثر له ولا عبرة به ، وأيضا قوله عليه ~~السلام : ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) وأيضا قوله ~~عليه السلام : ( لا طلاق في إغلاق ) أي إكراه فإن قالوا : طلقها فتدخل تحت ~~قوله : { فإن طلقها فلا تحل له } ( البقرة : 230 ) فالجواب لما تعارضت ~~الدلائل ، وجب أن يبقى ما كان على ما كان على ما هو قولنا والله أعلم . # المسألة العاشرة : قوله : { وقلبه مطمئن بالإيمان } يدل على أنه محل ~~الإيمان هو القلب والذي محله القلب إما الإعتقاد ، وإما كلام النفس ، فوجب ~~أن يكون ms5643 الإيمان عبارة إما عن المعرفة وإما عن التصديق بكلام النفس والله ~~أعلم . # ثم قال تعالى : { ولاكن من شرح بالكفر صدرا } أي فتحه ووسعه لقبول الكفر ~~وانتصب صدرا على أنه مفعول لشرح ، والتقدير : ولكن من شرح بالكفر صدره ، ~~وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره فهو ~~نكرة يراد بها المعرفة . # ثم قال : { فعليهم غضب من الله } والمعنى أنه تعالى حكم عليهم بالعذاب ثم ~~وصف ذلك العذاب فقال : { ولهم عذاب عظيم } . # / ثم قال تعالى : { ذالك بأنهم استحبوا الحيواة الدنيا على الاخرة } أي ~~رجحوا الدنيا على الآخرة ، والمعنى : أن ذلك الارتداد وذلك الإقدام على ~~الكفر لأجل أنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر . قال ~~القاضي : المراد أن الله لا يهديهم إلى الجنة فيقال له هذا ضعيف ، لأن قوله ~~: { وأن الله لا يهدى القوم الكافرين } معطوف على قوله : { ذالك بأنهم ~~استحبوا الحيواة الدنيا على الاخرة } فوجب أن يكون قوله : { وأن الله لا ~~يهدى القوم الكافرين } علة وسببا موجبا لإقدامهم على ذلك الارتداد ، وعدم ~~الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس سببا لذلك الارتداد ، ولا علة له بل ~~مسببا عنه ومعلولا له فبطل هذا التأويل ، ثم أكد بيان أنه تعالى صرفهم عن ~~الإيمان فقال : { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم } قال ~~القاضي : الطبع ليس يمنع من الإيمان ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى ~~ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان به لما استحقوا ~~الذم بتركه . والثاني : أنه تعالى أشرك بين السمع والبصر وبين القلب في هذا ~~الطبع ومعلوم من حال السمع والبصر أن مع فقدهما قد يصح أن يكون مؤمنا فضلا ~~عن طبع يلحقهما في القلب . والثالث : وصفهم بالغفلة . ومن منع من الشيء لا ~~يوصف بأنه غافل عنه ، فثبت أن المراد بهذا الطبع السمة والعلامة التي ~~يخلقها في القلب ، وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الطبع والختم ، وأقول هذه ~~الكلمات مع التقريرات الكثيرة ، ومع الجوابات القوية مذكورة في أول ms5644 سورة ~~البقرة وفي سائر الآيات فلا فائدة في الإعادة . PageV20P099 # ثم قال تعالى : { وأولئك هم الغافلون } قال ابن عباس : أي عما يراد بهم ~~في الآخرة . # ثم قال : { لا جرم أنهم فى الاخرة هم الخاسرون } واعلم أن الموجب لهذا ~~الخسران هو أن الله تعالى وصفهم في الآيات المتقدمة بصفات ستة . # الصفة الأولى : أنهم استوجبوا غضب الله . # والصفة الثانية : أنهم استحقوا العذاب الأليم . # والصفة الثالثة : أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة . # والصفة الرابعة : أنه تعالى حرمهم من الهداية . # والصفة الخامسة : أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم . # والصفة السادسة : أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد ~~يوم القيامة فلا جرم لا يسعون في دفعها ، فثبت أنه حصل في حقهم هذه الصفات ~~الستة التي كل واحد منها من أعظم الأحوال المانعة عن الفوز بالخيرات ~~والسعادات ، ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا / ليكون كالتاجر ~~الذي يشتري بطاعاته سعادات الآخرة ، فإذا حصلت هذه الموانع العظيمة عظم ~~خسرانه ، فلهذا السبب قال : { لا جرم أنهم فى الاخرة هم الخاسرون } أي هم ~~الخاسرون لا غيرهم ، والمقصود التنبيه على عظم خسرانهم والله أعلم . # ! 7 < { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم * يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما ~~عملت وهم لا يظلمون } . > 7 @QB@ < # | النحل : ( 110 - 111 ) ثم إن ربك . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة حال من كفر بالله ~~من بعد إيمانه وحال من أكره على الكفر ، فذكر بسبب الخوف كلمة الكفر وحال ~~من لم يذكرها ، ذكر بعده حال من هاجر من بعد ما فتن فقال : { إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا } . # المسألة الثانية : قرأ ابن عامر : { فتنوا } بفتح الفاء على إسناد الفعل ~~إلى الفاعل ، والباقون بضم الفاء على فعل ما لم يسم فاعله . أما وجه ~~القراءة الأولى فأمور . الأول : أن يكون المراد أن أكابر المشركين وهم ~~الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا ms5645 وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم . ~~والثاني : أن فتن وأفتن بمعنى واحد ، كما يقال : مان وأمان بمعنى واحد ، ~~والثالث : أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية ~~PageV20P100 فكأنهم فتنوا أنفسهم ، وإنما جعل ذلك فتنة ، لأن الرخصة في ~~إظهار كلمة الكفر ما نزلت في ذلك الوقت . وأما وجه القراءة بفعل ما لم يسم ~~فاعله فظاهر ، لأن أولئك المفتونين هم المستضعفون الذين حملهم أقوياء ~~المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان ، فبين تعالى أنهم إذا هاجروا ~~وجاهدوا وصبروا فإن الله تعالى يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر . # المسألة الثانية : قوله : { من بعد ما فتنوا } يحتمل أن يكون المراد ~~بالفتنة هو أنهم عذبوا ، ويحتمل أن يكون المراد هو أنهم خوفوا بالتعذيب ، ~~ويحتمل أن يكون المراد أن أولئك المسلمين ارتدوا . قال الحسن : هؤلاء الذين ~~هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة ، فعرضت لهم فتنة فارتدوا / وشكوا في الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ثم إنهم أسلموا وهاجروا فنزلت هذه الآية فيهم ، وقيل : ~~نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتد ، فلما كان يوم الفتح أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم إنه أسلم وحسن إسلامه ، وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا هذه السورة ~~مدنية أو جعلنا هذه الآية منها مدنية ، ويحتمل أن يكون المراد أن أولئك ~~الضعفاء المعذبين تكلموا بكلمة الكفر على سبيل التقية ، فقوله : { من بعد ~~ما فتنوا } يحتمل كل واحد من هذه الوجوه الأربعة ، وليس في اللفظ ما يدل ~~على التعيين . # إذا عرفت هذا فنقول : إن كانت هذه الآية نازلة فيمن أظهر الكفر ، فالمراد ~~أن ذلك مما لا إثم فيه ، وأن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكره ، ~~وإن كانت واردة فيمن ارتد فالمراد أن التوبة والقيام بما يجب عليه يزيل ذلك ~~العقاب ويحصل له الغفران والرحمة ، فالهاء في قوله : { من بعدها } تعود إلى ~~الأعمال المذكورة فيما قبل ، وهي الهجرة والجهاد والصبر . # أما قوله : { يوم تأتى كل نفس تجادل عن ms5646 نفسها } ففيه أبحاث : # البحث الأول : قال الزجاج : ( يوم ) منصوب على وجهين . أحدهما : أن يكون ~~المعنى : { إن ربك من بعدها لغفور رحيم * يوم تأتى } يعني أنه تعالى يعطي ~~الرحمة والغفران في ذلك اليوم الذي يعظم احتياج الإنسان فيه إلى الرحمة ~~والغفران . والثاني : أن يكون التقدير : وذكرهم أو اذكر يوم كذا وكذا ، لأن ~~معنى القرآن العظمة والإنذار والتذكير . # البحث الثاني : لقائل أن يقول : النفس لا تكون لها نفس أخرى / فما معنى ~~قوله : { كل نفس تجادل عن نفسها } . # والجواب : النفس قد يراد به بدن الحي وقد يراد به ذات الشيء وحقيقته ، ~~فالنفس الأولى هي الجثة والبدن . والثانية : عينها وذاتها ، فكأنه قيل : ~~يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ولا يهمه شأن غيره . قال تعالى : { لكل ~~امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } ( عبس : 37 ) وعن بعضعهم : تزفر جهنم زفرة لا ~~يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول : يا رب نفسي نفسي حتى ~~أن إبراهيم الخليل عليه السلام يفعل ذلك . ومعنى المجادلة عنها الاعتذار ~~عنها كقولهم : { هؤلاء أضلونا } ( الأعراف : 38 ) وقولهم : { والله ربنا ما ~~كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) . # ثم قال تعالى : { وتوفى كل نفس ما عملت } فيه محذوف ، والمعنى : توفى كل ~~نفس جزاء ما عملت من PageV20P101 غير بخس ولا نقصان ، وقوله : { وهم لا ~~يظلمون } قال الواحدي : معناه لا ينقضون . قال القاضي : هذه الآية من أقوى ~~ما يدل على ما نذهب إليه في الوعيد ، لأنها تدل على أنه تعالى يوصل إلى كل ~~أحد / حقه من غير نقصان ، ولو أنه تعالى أزال عقاب المذنب بسبب الشفاعة لم ~~يصح ذلك . # والجواب : لا نزاع أن ظاهر العمومات يدل على قولكم ، إلا أن مذهبنا أن ~~التمسك بظواهر العمومات لا يفيد القطع ، وأيضا فظواهر الوعيد معارضة بظواهر ~~الوعد ، ثم بينا في سورة البقرة في تفسير قوله : { بلى من كسب سيئة وأحاطت ~~به خطيئته } ( البقرة : 81 ) أن جانب الوعد راجح على جانب الوعيد من وجوه ~~كثيرة ، والله أعلم . # ! 7 < { وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا ms5647 من كل ~~مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } ~~. > 7 ! # < < # | النحل : ( 112 ) وضرب الله مثلا . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بالوعيد الشديد في ~~الآخرة هددهم أيضا بآفات الدنيا وهو الوقوع في الجوع والخوف ، كما ذكره في ~~هذه الآية . # المسألة الثانية : المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة سواء كان ذلك ~~الشيء موجودا أو لم يكن موجودا وقد يضرب بشيء موجود معين ، فهذه القرية ~~التي ضرب الله بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئا مفروضا ويحتمل أن تكون ~~قرية معينة ، وعلى هذا التقدير الثاني فتلك القرية يحتمل أن تكون مكة أو ~~غيرها ، والأكثرون من المفسرين على أنها مكة ، والأقرب أنها غير مكة لأنها ~~ضربت مثلا لمكة ، ومثل مكة يكون غير مكة . # المسألة الثالثة : ذكر الله تعالى لهذه القرية صفات : # الصفة الأولى : كونها آمنة أي ذات أمن لا يغار عليهم كما قال : { أو لم * ~~يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم } ( العنكبوت : 67 ) ~~والأمر في مكة كان كذلك ، لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض . أما أهل مكة ~~، فإنهم كانوا أهل حرم الله ، والعرب كانوا يحترمونهم ويخصونهم بالتعظيم ~~والتكريم . # واعلم أنه يجوز وصف القرية بالأمن ، وإن كان ذلك لأهلها لأجل أنها مكان ~~الأمن وظرف / له ، والظروف من الأزمنة والأمكنة توصف بما حلها ، كما يقال : ~~طيب وحار وبارد . # والصفة الثانية : قوله : { مطمئنة } قال الواحدي : معناه أنها قارة ساكنة ~~فأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق . أقول : إن كان المراد ~~من كونها مطمئنة أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب الخوف ، فهذا هو ~~معنى كونها آمنة ، وإن كان المراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب ~~الضيق ، فهذا هو معنى قوله : { يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } وعلى كلا ~~التقديرين فإنه يلزم التكرار . PageV20P102 # والجواب : أن العقلاء قالوا : # ثلاثة ليس لها نهاية # الأمن والصحة والكفاية قوله : { ءامنة } إشارة إلى الأمن ، وقوله : { ~~مطمئنة } إشارة إلى الصحة ، لأن هواء ذلك البلد لما ms5648 كان ملائما لأمزجتهم ~~اطمأنوا إليه واستقروا فيه ، وقوله : { يأتيها رزقها رغدا من كل مكان } ~~إشارة إلى الكفاية . قال المفسرون وقوله : { من كل مكان } السبب فيه إجابة ~~دعوة إبراهيم عليه السلام وهو قوله : { فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ~~وارزقهم من الثمرات } ( إبراهيم : 37 ) ثم إنه تعالى لما وصف القرية بهذه ~~الصفات الثلاثة قال : { فكفرت بأنعم الله } الأنعم جمع نعمة مثل أشد وشدة ~~أقول ههنا سؤال : وهو أن الأنعم جمع قلة ، فكان المعنى : أن أهل تلك القرية ~~كفرت بأنواع قليلة من النعم فعذبها الله ، وكان اللائق أن يقال : إنهم ~~كفروا بنعم عظيمة لله فاستوجبوا العذاب ، فما السبب في ذكر جمع القلة ؟ . # والجواب : المقصود التنبيه بالأدنى على الأعلى يعني أن كفران النعم ~~القليلة لما أوجب العذاب فكفران النعم الكثيرة أولى بإيجاب العذاب ، وهذا ~~مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ، ثم أنعم الله عليهم ~~بالنعمة العظيمة ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به وبالغوا في ~~إيذائه فلا جرم سلط الله عليهم البلاد . قال المفسرون : عذبهم الله بالجوع ~~سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والقد / أما الخوف فهو أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم . ونقل أن ابن ~~الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب : هل يذاق اللباس ؟ قال ابن الأعرابي : ~~لا باس ولا لباس يا أيها النسناس ، هب أنك تشك أن محمدا ما كان نبيا أما ~~كان عربيا وكان مقصود ابن الراوندي الطعن في هذه الآية ، وهو أن اللباس لا ~~يذاق بل يلبس فكان الواجب أن يقال : فكساهم الله لباس الجوع ، أو يقال : ~~فأذاقهم الله طعم الجوع . وأقول جوابه من وجوه : # الوجه الأول : أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان . أحدهما : أن ~~المذوق هو / الطعم فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع . والثاني : ~~أن ذلك الجوع كان شديدا كاملا فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات ، فأشبه ~~اللباس . فالحاصل أنه حصل في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق ، وحالة تشبه ~~الملبوس ، فاعتبر الله تعالى كلا ms5649 الاعتبارين ، فقال : { فأذاقها الله لباس ~~الجوع والخوف } . # والوجه الثاني : أن التقدير أن الله عرفها لباس الجوع والخوف إلا أنه ~~تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة وأصل الذوق بالفم ، ثم قد يستعار فيوضع ~~موضع التعرف وهو الاختبار ، تقول : ناظر فلانا وذق ما عنده . قال الشاعر : # ومن يذق الدنيا فإني طعمتها # وسيق إلينا عذبها وعذابها ولباس الجوع والخوف هو ما ظهر عليهم من الضمور ~~وشحوب اللون ونهكة البدن وتغير الحال وكسوف البال فكما تقول : تعرفت سوء ~~أثر الخوف والجوع على فلان ، كذلك يجوز أن تقول : ذقت لباس الجوع والخوف ~~على فلان . # والوجه الثالث : أن يحمل لفظ اللبس على المماسة ، فصار التقدير : فأذاقها ~~الله مساس الجوع والخوف . PageV20P103 # ثم قال تعالى : { بما كانوا يصنعون } قال ابن عباس : يريد بفعلهم بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم حين كذبوه وأخرجوه من مكة وهموا بقتله . قال الفراء : ~~ولم يقل بما صنعت ، ومثله في القرآن كثير ، ومنه قوله تعالى : { فجاءها ~~بأسنا بياتا أو هم قائلون } ( الأعراف : 4 ) ولم يقل قائلة ، وتحقيق الكلام ~~أنه تعالى وصف القرية بأنها مطمئنة يأتيها رزقها رغدا فكفرت بأنعم الله ، ~~فكل هذه الصفات ، وإن أجريت بحسب اللفظ على القرية ، إلا أن المراد في ~~الحقيقة أهلها ، فلا جرم قال في آخر الآية : { بما كانوا يصنعون } والله ~~أعلم . # ! 7 < { ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون * فكلوا ~~مما رزقكم الله حللا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون } . > 7 ~~@QB@ < # | النحل : ( 113 - 114 ) ولقد جاءهم رسول . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى لما ذكر المثل ذكر الممثل فقال : { ولقد جاءهم } يعني ~~أهل مكة { رسول منهم } يعني من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه { فكذبوه فأخذهم ~~العذاب } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني الجوع الذي كان بمكة . وقيل : ~~القتل يوم بدر ، وأقول قول ابن عباس أولى لأنه تعالى قال بعده : { فكلوا ~~مما رزقكم الله * إن كنتم إياه تعبدون } يعني أن ذلك الجوع إنما كان بسبب ~~كفركم فاتركوا الكفر حتى تأكلوا ، فلهذا السبب قال : { فكلوا مما رزقكم ~~الله } قال ابن عباس ms5650 رضي الله عنهما : فكلوا يا معشر المسلمين مما رزقكم ~~الله يريد من الغنائم . وقال الكلبي : إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا عاديت الرجال فما بال النسوان والصبيان . ~~وكانت الميرة قد قطعت عنهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في حمل ~~الطعام إليهم فحمل إليهم العظام فقال الله تعالى : { فكلوا مما رزقكم الله ~~حللا طيبا } والقول ما قال ابن عباس رضي الله عنهما ويدل عليه قوله تعالى ~~بعد هذه الآية : { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل } ( ~~النحل : 115 ) الآية يعني أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب ~~وهو الغنيمة واتركوا الخبائث وهي الميتة والدم . # ! 7 < { إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | النحل : ( 115 ) إنما حرم عليكم . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية إلى آخرها مذكورة في سورة البقرة مفسرة هناك ولا ~~فائدة في الإعادة وأقول : إنه تعالى حصر المحرمات في هذه الأشياء الأربعة ~~في هذه السورة لأن لفظة : { إنما } تفيد الحصر وحصرها أيضا في هذه الأربعة ~~في سورة الأنعام في قوله تعالى : { قل لا أجد * فيما * أوحى إلى محرما على ~~طاعم } ( الأنعام : 145 ) PageV20P104 وهاتان السورتان مكيتا ، وحصرها أيضا ~~في هذه الأربعة في سورة البقرة لأن هذه الآية بهذه اللفظة وردت في سورة ~~البقرة وحصرها أيضا في سورة المائدة فإنه تعالى قال في أول هذه السورة : { ~~أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم } ( المائدة : 1 ) فأباح الكل ~~إلا ما يتلى عليهم . وأجمعوا على أن المراد بقوله : { عليكم } هو قوله ~~تعالى في تلك السورة : { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل ~~لغير الله به } ( المائدة : 3 ) فذكر تلك الأربعة المذكورة في تلك السور ~~الثلاثة ثم قال : { والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ~~إلا ما ذكيتم } ( المائدة : 3 ) وهذه الأشياء داخلة في الميتة ، ثم قال : { ~~وما ذبح على النصب } وهو أحد الأقسام الداخلة ms5651 تحت قوله : { وما أهل به لغير ~~الله } فثبت أن هذه السور الأربعة دالة على / حصر المحرمات في هذه الأربع ~~سورتان مكيتان ، وسورتان مدنيتان ، فإن سورة البقرة مدنية . وسورة المائدة ~~من آخر ما أنزل الله تعالى بالمدينة ، فمن أنكر حصر التحريم في هذه الأربع ~~إلا ما خصه الإجماع والدلائل القاطعة كان في محل أن يخشى عليه ، لأن هذه ~~السورة دلت على أن حصر المحرمات في هذه الأربع كان شرعا ثابتا في أول أمر ~~مكة وآخرها ، وأول المدينة وآخرها وأنه تعالى أعاد هذا البيان في هذه السور ~~الأربع قطعا للأعذار وإزالة للشبهة ، والله أعلم . # ! 7 < { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هاذا حلال وهاذا حرام لتفتروا ~~على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع قليل ولهم ~~عذاب أليم } . > 7 @QB@ < # | النحل : ( 116 - 117 ) ولا تقولوا لما . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حصر المحرمات في تلك الأربع بالغ في ~~تأكيد ذلك الحصر وزيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه الأربع ، وفي ~~النقصان عنها أخرى ، فإنهم كانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ~~، وكانوا يقولون ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ، ~~فقد زادوا في المحرمات وزادوا أيضا في المحللات وذلك لأنهم حللوا الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله تعالى ، فالله تعالى بين أن ~~المحرمات هي هذه الأربعة ، وبين أن الأشياء التي يقولون إن هذا حلال وهذا ~~حرام كذب وافتراء على الله ، ثم ذكر الوعيد الشديد على هذا الكذب ، وأقول : ~~إنه تعالى لما بين هذا الحصر في هذه السور الأربع ، ثم ذكر في هذه الآية أن ~~الزيادة عليها والنقصان عنها كذب وافتراء على الله تعالى وموجب للوعيد ~~الشديد علمنا أنه لا مزيد على هذا الحصر ، والله أعلم . # المسألة الثانية : في انتصاب الكذب في قوله : { لما تصف ألسنتكم الكذب } ~~وجهان . الأول : قال الكسائي والزجاج : ( ما ) مصدرية ، والتقدير : ولا ~~تقولوا : لأجل وصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام نظيره أن يقال : لا ~~تقولوا : لكذا ms5652 كذا وكذا . # / فإن قالوا : حمل الآية عليه يؤدي إلى التكرار ، لأن قوله تعالى : { ~~لتفتروا على الله الكذب } عين ذلك . PageV20P105 # والجواب : أن قوله : { لما تصف ألسنتكم الكذب } ليس فيه بيان كذب على ~~الله تعالى فأعاد قوله : { لتفتروا على الله الكذب } ليحصل فيه هذا البيان ~~الزائد ونظائره في القرآن كثيرة . وهو أنه تعالى يذكر كلاما ثم يعيده بعينه ~~مع فائدة زائدة . الثاني : أن تكون ( ما ) موصولة ، والتقدير ولا تقولوا ~~للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام ، وحذف لفظ فيه لكونه ~~معلوما . # المسألة الثالثة : قوله تعال : { تصف ألسنتكم الكذب } من فصيح الكلام ~~وبليغه كأن ماهية الكذب وحقيقته مجهولة وكلامهم الكذب يكشف حقيقة الكذب ~~ويوضح ماهيته ، وهذا مبالغ في وصف كلامهم بكونه كذبا ، ونظيره قول أبي ~~العلاء المعري : # سرى برق المعرة بعد وهن # فبات برامة يصف الكلالا والمعنى : أن سرى ذلك البرق يصف الكلال فكذا ههنا ~~، والله أعلم . # ثم قال تعالى : { لتفتروا على الله الكذب } المعنى : أنهم كانوا ينسبون ~~ذلك التحريم والتحليل إلى الله تعالى ويقولون : إنه أمرنا بذلك . وأظن أن ~~هذا اللام ليس لام الغرض ، لأن ذلك الافتراء ما كان غرضا لهم بل كان لام ~~العاقبة كقوله تعالى : { ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) قال الواحدي ~~: وقوله : { لتفتروا على الله الكذب } بدل من قوله : { لما تصف ألسنتكم ~~الكذب } لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله تعالى ، ففسر وصفهم الكذب ~~بالافتراء على الله تعالى ، ثم أوعد المفترين ، وقال : { إن الذين يفترون ~~على الله الكذب لا يفلحون } ثم بين أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم ~~من قريب ، فقال : { متاع قليل } قال الزجاج : المعنى متاعهم متاع قليل ، ~~وقال ابن عباس : بل متاع كل الدنيا متاع قليل ، ثم يردون إلى عذاب أليم ، ~~وهو قوله : { ولهم عذاب أليم } . # ! 7 < { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولاكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } . > 7 ! # < < # | النحل : ( 118 ) وعلى الذين هادوا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين ما يحل وما يحرم لأهل الإسلام ، أتبعه ببيان ms5653 ~~ما خص اليهود به من المحرمات / فقال : { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا ~~عليك من قبل } وهو الذي سبق ذكره في سورة الأنعام . # ثم قال تعالى : { وما ظلمناهم ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } وتفسيره هو ~~المذكور في قوله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم } ( النساء : 160 ) . # ! 7 < { ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ~~إن ربك من بعدها لغفور رحيم } . > 7 @QB@ < # | النحل : ( 119 ) ثم إن ربك . . . . . # > > PageV20P106 # اعلم أن المقصود بيان أن الافتراء على الله ومخالفة أمر الله لا يمنعهم ~~من التوبة وحصول المغفرة والرحمة . ولفظ السوء يتناول كل ما لا ينبغي وهو ~~الكفر والمعاصي ، وكل من عمل السوء فإنما يفعله بالجهالة ، أما الكفر فلأن ~~أحدا لا يرضى به مع العلم بكونه كفرا ، فإنه ما لم يعتقد كون ذلك المذهب ~~حقا وصدقا ، فإنه لا يختاره ولا يرتضيه ، وأما المعصية فما لم تصر الشهوة ~~غالبة للعقل والعلم لم تصدر عنه تلك المعصية ، فثبت أن كل من عمل السوء ~~فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة ، فقال تعالى : إنا قد بالغنا في تهديد أولئك ~~الكفار الذين يحللون ويحرمون بمقتضى السهوة والفرية على الله تعالى ، ثم ~~إنا بعد ذلك نقول : إن ربك في حق الذين عملوا السوء بسبب الجهالة ، ثم ~~تابوا من بعد ذلك ، أي من بعد تلك السيئة ، وقيل : من بعد تلك الجهالة ، ثم ~~إنهم بعد التوبة عن تلك السيئات أصلحوا ، أي آمنوا وأطاعوا الله . # ثم أعاد قوله : { إن ربك من بعدها } على سبيل التأكيد . ثم قال : { لغفور ~~رحيم } والمعنى : إنه لغفور رحيم لذلك السوء الذي صدر عنهم بسبب الجهالة ، ~~وحاصل الكلام أن الإنسان وإن كان قد أقدم على الكفر والمعاصي دهرا دهيرا ~~وأمدا مديدا ، فإذا تاب عنه وآمن وأتى بالأعمال الصالحة فإن الله غفور رحيم ~~، يقبل توبته ويخلصه من العذاب . # ! 7 < { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين * شاكرا ~~لانعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم * وءاتيناه فى الدنيا حسنة وإنه فى ms5654 ~~الا خرة لمن الصالحين * ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين } . > 7 @QB@ < # | النحل : ( 120 - 123 ) إن إبراهيم كان . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما زيف في هذه السورة مذاهب المشركين في أشياء ، منها ~~قولهم بإثبات الشركاء والأنداد لله تعالى ، ومنها طعنهم في نبوة الأنبياء ~~والرسل عليهم السلام ، وقولهم لو أرسل الله رسولا لكان ذلك الرسول من ~~الملائكة . ومنها قولهم بتحليل أشياء حرمها الله ، وتحريم أشياء أباحها ~~الله تعالى ، فلما بالغ في إبطال مذاهبهم في هذه الأقوال ، وكان إبراهيم ~~عليه السلام رئيس الموحدين وقدوة الأصوليين ، وهو الذي دعا الناس إلى ~~التوحيد وإبطال الشرك وإلى الشرائع . والمشركون كانوا مفتخرين به معترفين ~~بحسن طريقته مقرين بوجوب الاقتداء به ، لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه ~~السورة ، وحكى عنه طريقته في التوحيد ليصير ذلك حاملا لهؤلاء المشركين على ~~الإقرار بالتوحيد والرجوع عن الشرك ، واعلم أنه تعالى وصف إبراهيم عليه ~~السلام بصفات : # الصفة الأول : أنه كان أمة ، وفي تفسيره وجوه : الأول : أنه كان وحده أمة ~~من الأمم لكماله في صفات الخير كقوله : # ليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد PageV20P107 الثاني : قال مجاهد ، كان مؤمنا وحده ~~، والناس كلهم كانوا كفارا فلهذا المعنى كان وحده أمة وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل : ( يبعثه الله أمة وحدة ) . ~~الثالث : أن يكون أمة فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والبغية ، فالأمة هو الذي ~~يؤتم به ، ودليله قوله : { إنى جاعلك للناس إماما } ( البقرة : 124 ) . ~~الرابع : أنه عليه السلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ممتازين عمن سواهم ~~بالتوحيد والدين الحقا ، ولما جرى مجرى السبب لحصول تلك الأمة سماه الله ~~تعالى بالأمة إطلاقا / لاسم المسبب على السبب ، وعن شهر بن حوشب لم تبق أرض ~~إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم عليه ~~السلام فإنه كان وحده . # الصفة الثانية : كونه قانتا لله ، والقانت هو القائم بما أمره الله تعالى ~~به قال ابن عباس رضي الله ms5655 عنهما : معناه كونه مطيعا لله . # الصفة الثالثة : كونه حنيفا والحنيف المائل إلى ملة الإسلام ميلا لا يزول ~~عنه ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج ~~وضحى ، وهذه صفة الحنيفية . # الصفة الرابعة : قوله : { ولم يك من المشركين } معناه : أنه كان من ~~الموحدين في الصغر والكبر والذي يقرر كونه كذلك أن أكثر همته عليه السلام ~~كان في تقرير علم الأصول فذكر دليل إثبات الصانع مع ملك زمانه وهو قوله : { ~~ربي الذى يحى ويميت } ( البقرة : 258 ) ثم أبطل عبادة الأصنام والكواكب ~~بقوله : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) ثم كسر تلك الأصنام حتى آل ~~الأمر إلى أن ألقوه في النار ، ثم طلب من الله أن يريه كيفية إحياء الموتى ~~ليحصل له مزيد الطمأنينة ، ومن وقف على علم القرآن علم أن إبراهيم عليه ~~السلام كان غارقا في بحر التوحيد . # الصفة الخامسة : قوله : { شاكرا لانعمه } روي أنه عليه السلام كان لا ~~يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفا فأخر غداءه فإذا هو بقوم من ~~الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فأظهروا أن بهم علة الجذام فقال ~~: الآن يجب علي مؤاكلتكم فلولا عزتكم على الله تعالى لما ابتلاكم بهذا ~~البلاء . # فإن قيل : لفظ الأنعم جمع قلة ، ونعم الله تعالى على إبراهيم عليه السلام ~~كانت كثيرة . فلم قال : { شاكرا لانعمه } . # قلنا : المراد أنه كان شاكرا لجميع نعم الله إن كانت قليلة فكيف الكثيرة ~~. # الصفة السادسة : قوله : { اجتباه } أي اصطفاه للنبوة . والاجتباء هو أن ~~تأخذ الشيء بالكلية وهو افتعال من جبيت ، وأصله جمع المال في الحوض ~~والجابية هي الحوض . # الصفة السابعة : قوله : { وهداه إلى صراط مستقيم } أي في الدعوة إلى الله ~~والترغيب في الدين الحق والتنفير عن الدين الباطل ، نظيره قوله تعالى : { ~~وأن هاذا صراطي مستقيما فاتبعوه } ( الأنعام : 153 ) . # الصفة الثامنة : قوله : { وءاتيناه فى الدنيا حسنة } قال قتادة : إن الله ~~حببه إلى كل الخلق فكل أهل الأديان يقرون به ، أما المسلمون واليهود ~~والنصارى فظاهر ، وأما كفار قريش وسائر العرب فلا ms5656 فخر لهم إلا به ، وتحقيق ~~الكلام أن الله أجاب دعاءه في قوله : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } ( ~~الشعراء : 84 ) وقال PageV20P108 آخرون : هو قول المصلي منا كما صليت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وقيل : الصدق ، والوفاء والعبادة . # الصفة التاسعة : قوله : { وإنه فى الاخرة لمن الصالحين } . # فإن قيل : لم قال : { وإنه فى الاخرة لمن الصالحين } ولم يقل : وإنه في ~~الآخرة في أعلى مقامات الصالحين ؟ . # قلنا : لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين ~~} ( البقرة : 130 ) فقال ههنا : { وإنه فى الاخرة لمن الصالحين } تنبيها ~~على أنه تعالى أجاب دعاءه ثم إن كونه من الصالحين لا ينفي أن يكون في أعلى ~~مقامات الصالحين فإن الله تعالى بين ذلك في آية أخرى وهي قوله : { وتلك ~~حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء } ( الأنعام : 83 ) . # واعلم أنه تعالى لما وصف إبراهيم عليه السلام بهذه الصفات العالية ~~الشريفة قال : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } وفيه مباحث : # البحث الأول : قال قوم : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان على شريعة ~~إبراهيم عليه السلام ، وليس له شرع هو به منفرد ، بل المقصود من بعثته عليه ~~السلام إحياء شرع إبراهيم عليه السلام وعول في إثبات مذهبه على هذه الآية ~~وهذا القول ضعيف ، لأنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بأنه ~~ما كان من المشركين ، فلما قال : { اتبع ملة إبراهيم } كان المراد ذلك . # فإن قيل : النبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناء ~~على الدلائل القطعية وإذا كان كذلك لم يكن متابعا له فيمتنع حمل قوله : { ~~إن أتبع } على هذا المعنى فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة ~~فيها . # قلنا : يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد ~~وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع ~~كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن . # البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : لفظة ( ثم ) في قوله : { ثم أوحينا ~~إليك } تدل ms5657 على تعظيم منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلال محله ~~والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة ~~اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ملته من قبل ، إن هذه اللفظة دلت على ~~تباعد هذا النعت في المرتبة عن سائر المدائح التي مدحه الله بها . # ! 7 < { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } . > 7 ! # < < # | النحل : ( 124 ) إنما جعل السبت . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بمتابعة إبراهيم ~~عليه السلام ، وكان محمد عليه السلام اختار يوم PageV20P109 الجمعة ، فهذه ~~المتابعة إنما تحصل إذا قلنا إن إبراهيم عليه السلام كان قد اختار في شرعه ~~يوم الجمعة ، وعند هذا لسائل أن يقول : فلم اختار اليهود يوم السبت ؟ . # فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } ~~وفي الآية قولان : # القول الأول : روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال : أمرهم موسى بالجمعة وقال : تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما واحدا ~~وهو يوم الجمعة لا تعملوا فيه شيئا من أعمالكم ، فأبوا أن يقبلوا ذلك ، ~~وقالوا : لا نريد إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق وهو يوم السبت ، فجعل ~~الله تعالى السبت لهم وشدد عليهم فيه ، ثم جاءهم عيسى عليه السلام أيضا ~~بالجمعة ، فقالت النصارى : لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا واتخذوا الأحد ~~. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله كتب يوم ~~الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع ~~، اليهود غدا والنصارى بعد غد ) . # إذا عرفت هذا فنقول : قوله تعالى : { على الذين اختلفوا فيه } أي على ~~نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت ، فاختلافهم في السبت كان ~~اختلافهم على نبيهم في ذلك اليوم أي لأجله ، وليس معنى قوله : { اختلفوا ~~فيه } أن اليهود اختلفوا فيه فمنهم من قال بالسبت ، ومنهم من لم يقل ms5658 به ، ~~لأن اليهود اتفقوا على ذلك فلا يمكن تفسير قوله : { اختلفوا فيه } بهذا ، ~~بل الصحيح ما قدمناه . # فإن قال قائل : هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من يوم السبت ~~؟ وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام ، وبدأ ~~تعالى بالخلق والتكوين من يوم الأحد وتم في يوم الجمعة ، فكان يوم السبت ~~يوم الفراغ ، فقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال ، فعينوا السبت ~~لهذا المعنى ، وقالت النصارى : مبدأ الخلق والتكوين هو يوم الأحد ، فنجعل ~~هذا اليوم عيدا لنا ، فهذان الوجهان معقولان ، فما الوجه في جعل يوم الجمعة ~~عيدا لنا ؟ . # / قلنا : يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام وحصول التمام والكمال يوجب ~~الفرح الكامل والسرور العظيم ، فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا ~~الوجه ، والله أعلم . # والقول الثاني : في اختلافهم في السبت ، أنهم أحلوا الصيد فيه تارة ~~وحرموه تارة ، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة . # ثم قال تعالى : { وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون } والمعنى : أنه تعالى سيحكم يوم القيامة للمحقين بالثواب ~~وللمبطلين بالعقاب . # ! 7 < { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن ~~إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } . > 7 @QB@ < # | النحل : ( 125 ) ادع إلى سبيل . . . . . # > > PageV20P110 # اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بإتباع إبراهيم عليه ~~السلام ، بين الشيء الذي أمره بمتابعته فيه ، فقال : { ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة } . # واعلم أنه تعالى أمر رسوله أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة وهي ~~الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالطريق الأحسن ، وقد ذكر الله تعالى هذا ~~الجدل في آية أخرى فقال : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن } ( ~~العنكبوت : 46 ) ولما ذكر الله تعالى هذه الطرق الثلاثة وعطف بعضها على بعض ~~، وجب أن تكون طرقا متغايرة متباينة ، وما رأيت للمفسرين فيه كلاما ملخصا ~~مضبوطا . # واعلم أن الدعوة إلى المذهب والمقالة لا بد وأن تكون مبنية على ms5659 حجة وبينة ~~، والمقصود من ذكر الحجة ، إما تقرير ذلك المذهب وذلك الإعتقاد في قلوب ~~المستمعين ، وإما أن يكون المقصود إلزام الخصم وإفحامه . # أما القسم الأول : فينقسم أيضا إلى قسمين : لأن الحجة إما أن تكون حجة ~~حقيقية يقينية قطعية مبرأة عن احتمال النقيض ، وإما أن لا تكون كذلك ، بل ~~تكون حجة تفيد الظن الظاهر والإقناع الكامل ، فظهر بهذا التقسيم إنحصار ~~الحجج في هذه الأقسام الثلاثة . أولها : الحجة القطعية المفيدة للعقائد ~~اليقينية ، وذلك هو المسمى بالحكمة ، وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات ، ~~وهي التي قال الله في صفتها : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } ( ~~البقرة : 269 ) . وثانيها : الأمارات الظنية والدلائل الإقناعية / وهي ~~الموعظة الحسنة . وثالثها : الدلائل التي يكون المقصود من ذكرها إلزام ~~الخصوم وإفحامهم ، وذلك هو الجدل ، ثم هذا الجدل على قسمين : # القسم الأول : أن يكون دليلا مركبا من مقدمات مسلمة في المشهور عند ~~الجمهور ، أو من مقدمات مسلمة عند ذلك القائل ، وهذا الجدل هو الجدل الواقع ~~على الوجه الأحسن . # القسم الثاني : أن يكون ذلك الدليل مركبا من مقدمات باطلة فاسدة إلا أن ~~قائلها يحاول ترويجها على المستمعين بالسفاهة والشغب ، والحيل الباطلة ، ~~والطرق الفاسدة ، وهذا القسم لا يليق بأهل الفضل إنما اللائق بهم هو القسم ~~الأول ، وذلك هو المراد بقوله تعالى : { وجادلهم بالتى هى أحسن } فثبت بما ~~ذكرنا انحصار الدلائل والحجج في هذه الأقسام الثلاثة المذكورة في هذه الآية ~~. # إذا عرفت هذا فنقول : أهل العلم ثلاث طوائف : الكاملون الطالبون للمعارف ~~الحقيقية والعلوم اليقينية ، والمكالمة مع هؤلاء لا تمكن إلا بالدلائل ~~القطعية اليقينية وهي الحكمة ، والقسم الثاني الذي تغلب على طباعهم ~~المشاغبة والمخاصمة لا طلب المعرفة الحقيقية والعلوم اليقينية ، والمكالمة ~~اللائقة بهؤلاء المجادلة التي تفيد الإفحام والإلزام ، وهذان القسمان هما ~~الطرفان . فالأول : هو طرف الكمال ، والثاني : طرف النقصان . # وأما القسم الثاني : فهو الواسطة ، وهم الذين ما بلغوا في الكمال إلى حد ~~الحكماء المحققين ، وفي النقصان والرذالة إلى حد المشاغبين المخاصمين ، بل ~~هم أقوام بقوا على الفطرة الأصلية والسلامة الخلقية ، وما بلغوا إلى درجة ms5660 ~~الاستعداد لفهم الدلائل اليقينية والمعارف الحكمية ، والمكالمة مع هؤلاء لا ~~تمكن إلا PageV20P111 بالموعظة الحسنة ، وأدناها المجادلة ، وأعلى مراتب ~~الخلائق الحكماء المحققو ، وأوسطهم عامة الخلق وهم أرباب السلامة / وفيهم ~~الكثيرة والغلبة ، وأدنى المراتب الذين جبلوا على طبيعة المنازعة والمخاصمة ~~، فقوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك } معناه ادع الأقوياء الكاملين إلى ~~الدين الحق بالحكمة ، وهي البراهين القطعية اليقينية وعوام الخلق بالموعظة ~~الحسنة ، وهي الدلائل اليقينية الإقناعية الظنية ، والتكلم مع المشاغبين ~~بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل . # ومن لطائف هذه الآية أنه قال : { يختلفون ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة } فقصر الدعوة على ذكر هذين القسمين لأن الدعوة إذا كانت ~~بالدلائل القطعية فهي الحكمة ، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة ~~الحسنة ، أما الجدل فليس من باب الدعوة ، بل المقصود منه غرض آخر مغاير / ~~للدعوة وهو الإلزام والإفحام فهلذا السبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة والجدل الأحسن ، بل قطع الجدل عن باب الدعوة تنبيها على ~~أنه لا يحصل الدعوة ، وإنما الغرض منه شيء آخر ، والله أعلم . # واعلم أن هذه المباحث تدل على أنه تعالى أدرج في هذه الآية هذه الأسرار ~~العالية الشريفة مع أن أكثر الخلق كانوا غافلين عنها ، فظهر أن هذا الكتاب ~~الكريم لا يهتدي إلى ما فيه من الأسرار إلا من كان من خواص أولي الأبصار . # ثم قال تعالى : { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } ~~والمعنى : أنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه الطرق الثلاية ، فأما حصول ~~الهداية فلا يتعلق بك ، فهو تعالى أعلم بالضالين وأعلم بالمهتدين ، والذي ~~عندي في هذا الباب أن جواهر النفوس البشرية مختلفة بالماهية ، فبعضها نفوس ~~مشرقة صافية قلية التعلق بالجسمانيات كثيرة الانجذاب إلى عالم الروحانيات ~~وبعضها مظلمة كدرة قوية التعلق بالجسمانيات عديمة الالتفات إلى الروحانيات ~~، ولما كانت هذه الاستعدادات من لوازم جواهرها ، لا جرم يمتنع انقلابها ~~وزوالها ، فلهذا قال تعالى : اشتغل أنت بالدعوة ولا تطمع في حصول الهداية ~~للكل ، فإنه تعالى هو العالم بضلال النفوس الضالة الجاهلة وبإشراق ms5661 النفوس ~~المشرقة الصافية فلكل نفس فطرة مخصوصة وماهية مخصوصة ، كما قال : { فطرة ~~الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } ( الروم : 30 ) والله أعلم ~~. # ! 7 < { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين * واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما ~~يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } > 7 @QB@ < # | النحل : ( 126 - 128 ) وإن عاقبتم فعاقبوا . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : هذه الآية فيها ثلاثة أقوال : ~~PageV20P112 # / القول الأول : وهو الذي عليه العامة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~رأى حمزة وقد مثلوا به قال : ( والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك ) فنزل ~~جبريل عليه السلام بخواتيم سورة النحل فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأمسك عما أراد . # وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء ، وأبي بن كعب والشعبي ~~وعلى هذا قالوا : إن سورة النحل كلها مكية إلا هذه الآيات الثلاث . # والقول الثاني : أن هذا كان قبل الأمر بالسيف والجهاد ، حين كان المسلمون ~~قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدؤوا بالقتال وهو قوله تعالى : { ~~وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ~~} ( البقرة : 190 ) وفي هذه الآية أمر الله بأن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من ~~العقوبة ولا يزيدوا . # والقول الثالث : أن المقصود من هذه الآية نهي المظلوم عن استيفاء الزيادة ~~من الظالم ، وهذا قول مجاهد والنخعي وابن سيرين قال ابن سيرين : إن أخذ منك ~~رجل شيئا فخذ منه مثله ، وأقول : إن حمل هذه الآية على قصة لا تعلق لها بما ~~قبلها يوجب حصول سوء الترتيب في كلام الله تعالى وذلك يطرق الطعن إليه وهو ~~في غاية البعد ، بل الأصوب عندي أن يقال : المراد أنه تعالى أمر محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بأحد الطرق الثلاثة وهي ~~الحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالطريق الأحسن ، ثم إن تلك الدعوة تتضمن ~~أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم ، وبالإعراض ms5662 عنه والحكم عليه بالكفر ~~والضلالة وذلك مما يشوش القلوب ويوحش الصدور ، ويحمل أكثر المستعمين على ~~قصد ذلك الداعي بالقتل تارة ، وبالضرب ثانيا وبالشتم ثالثا ، ثم إن ذلك ~~المحق إذا شاهد تلك السفاهات ، وسمع تلك المشاغبات لا بد وأن يحمله طبعه ~~على تأديب أولئك السفهاء تارة بالقتل وتارة بالضرب ، فعند هذا أمر المحقين ~~في هذا المقام برعاية العدل والإنصاف وترك الزيادة ، فهذا هو الوجه الصحيح ~~الذي يجب حمل الآية عليه . # فإن قيل : فهل تقدحون فيما روي أنه عليه السلام ترك العزم على المثلة ~~وكفر عن يمينه بسبب هذه الآية ؟ # قلنا : لا حاجة إلى القدح في تلك الرواية ، لأنا نقول : تلك الواقعة ~~داخلة في عموم هذه الآية فيمكن التمسك في تلك الواقعة بعموم هذه الآية ، ~~إنما الذي ينازع فيه أنه لا يجوز قصر هذه الآية على هذه الواقعة ، لأن ذلك ~~يوجب سوء الترتيب في كلام الله تعالى . # المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى أمر برعاية العدل والإنصاف في هذه ~~الآية ورتب ذلك على أربع مراتب : # / المرتبة الأولى : قوله : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ~~يعني إن رغبتم في استقباء القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه ، فإن ~~استيفاء الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله ورحمته وفي قوله : { وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } دليل على أن الأولى له أن لا يفعلن ، ~~كما أنك إذا قلت للمريض : إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح ، كان معناه أن ~~الأولى بك أن لا تأكله / فذكر تعالى بطريق الرمز والتعريض على أن الأولى ~~تركه . # والمرتبة الثانية : الانتقال من التعريض إلى التصريح وهو قوله : { ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين } وهذا تصريح بأن الأولى ترك ذلك الانتقام ، لأن ~~الرحمة أفضل من القسوة والإنفاع أفضل من الإيلام . PageV20P113 # المرتبة الثالثة : وهو ورود الأمر بالجزم بالترك وهو قوله : { واصبر } ~~لأنه في المرتبة الثانية ذكر أن الترك خير وأولى ، وفي هذه المرتبة الثالثة ~~صرح بالأمر بالصبر ، ولما كان الصبر في هذا المقام شاقا شديدا ذكر بعده ما ~~يفيد سهولته فقال : { وما ms5663 صبرك إلا بالله } أي بتوفيقه ومعونته وهذا هو ~~السبب الكلي الأصلي المفيد في حصول الصبر وفي حصلو جميع أنواع الطاعات . ~~ولما ذكر هذا السبب الكلي الأصلي ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب فقال ~~: { ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون } وذلك لأن إقدام الإنسان على ~~الانتقام ، وعلى إنزال الضرر بالغير لا يكون إلا عند هيجان الغضب ، وشدة ~~الغضب لا تحصل إلا لأحد أمرين : أحدهما : فوات نفع كان حاصلا في الماضي ~~وإليه الإشارة بقوله : { ولا تحزن عليهم } قيل معناه : ولا تحزن على قتلى ~~أحد ، ومعناه لا تحزن بسبب فوت أولئك الأصدقاء . ويرجع حاصله إلى فوت النفع ~~. والسبب الثاني : لشدة الغضب توقع ضرر في المستقبل ، وإليه الإشارة بقوله ~~: { ولا تك فى ضيق مما يمكرون } ومن وقف على هذه اللطائف عرف أنه لا يمكن ~~كلام أدخل في حسن والضبط من هذا الكلام بقي في لفظ الآية مباحث : # البحث الأول : قرأ ابن كثير : { ولا تك فى ضيق } بكسر الضاد ، وفي النمل ~~مثله ، والباقون : بفتح الضاد في الحرفين . أما الوجه في القراءة المشهورة ~~فأمور : قال أبو عبيدة : الضيق بالكسر في قلة المعاش والمساكن ، وما كان في ~~القلب فإنه الضيق . وقال أبو عمرو : الضيق بالكسر الشدة والضيق بفتح الضاد ~~الغم . وقال القتيبي : ضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين ولين ولين . وبهذا ~~الطريق قلنا : إنه تصح قراءة ابن كثير . # البحث الثاني : قرىء { ولا تكن فى ضيق } . # / البحث الثالث : هذا من كلام المقلوب ، لأن الضيق صفة ، والصفة تكون ~~حاصلة في الموصوف ولا يكون المصوف حاصلا في الصفة ، فكان المعنى فلا يكون ~~الضيق فيك ، إلا أن الفائدة في قوله : { ولا تك فى ضيق } هو أن الضيق إذا ~~عظم وقوي صار كالشيء المحيط بالإسنان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به ~~، فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى والله أعلم . # المرتبة الرابعة : قوله : { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ~~وهذا يجري مجرى التهديد لأن في المرتبة الأولى رغب في ترك الانتقام على ~~سبيل الرمز ms5664 ، وفي المرتبة الثانية عدل عن الرمز إلى التصريح وهو قوله : { ~~ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } وفي المرتبة الثالثة أمرنا بالصبر على سبيل ~~الجزم ، وفي هذه المرتبة الرابعة كأنه ذكر الوعيد في فعل الانتقام فقال : { ~~إن الله مع الذين اتقوا } عن استيفاء الزيادة : { والذين هم محسنون } في ~~ترك أصل الانتقام ، فإن أردت أن أكون معك فكن من المتقين ومن المحسنين . ~~ومن وقف على هذا التريب عرف أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن ~~يكون على سبيل الرفق واللطف مرتبة فمرتبة ، ولما قال الله لرسوله : { ادع ~~إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ذكر هذه المراتب الأربعة ، تنبيها ~~على أن الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة يجب أن تكون واقعة على هذا الوجه ، ~~وعند الوقوف على هذه اللطائف يعلم العاقل أن هذا الكتاب الكريم بحر لا ساحل ~~له . # المسألة الثالثة : قوله : { إن الله مع الذين اتقوا } معيته بالرحمة ~~والفضل والرتبة ، وقوله : { الذين اتقوا } إشارة إلى التعظيم لأمر الله ~~تعالى ، وقوله : { والذين هم محسنون } إشارة إلى الشفقة على خلق الله ، ~~وذلك PageV20P114 يدل على أن كمال السعادة للإنسان في هذين الأمرين أعني ~~التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، وعبر عنه بعض المشايخ فقال ~~: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق ، وقال الحكماء : كمال الإنسان في ~~أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وعن هرم بن حيان أنه قيل له ~~عند القرب من الوفاة أوص ، فقال : إنما الوصية من المال ولا مال لي ، ولكني ~~أوصيكم بخواتيم سورة النحل . # المسألة الرابعة : قال بعهضم : إن قوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } منسوخ بآية السيف ، وهذا ~~في غاية البعد ، لأن المقصود من هذه الآية تعليم حسن الأدب في كيفية الدعوة ~~إلى الله تعالى ، وترك التعدي وطلب الزيادة ، ولا تعلق لهذه الأشياء بآية ~~السيف ، وأكثر المفسرين مشغوفون بتكثير القول بالنسخ ، ولا أرى فيه فائدة ~~والله أعلم بالصواب . # PageV20P115 < # > 1 ( سورة الإسراء ) 1 < # > # مكية ، إلا الآيات : 26 و 32 و 33 ms5665 و 57 ومن آية 73 إلى غاية آية 80 ~~فمدنية # وآياتها : 111 ، نزلت بعض القصص # سورة بني إسرائيل # عددها : مائة آية وعشر آيات # عن ابن عباس أنها مكية ، غير قوله : { وإن كادوا ليستفزونك من الارض } ( ~~الإسراء : 71 ) إلى قوله : { واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا } ( الإسراء : ~~80 ) فإنها مدنيات ، نزلت حين جاء وفد ثقيف . ! 7 < سبحان الذى أسرى بعبده ~~ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الا قصى الذى باركنا حوله لنريه من ~~ءاياتنآ إنه هو السميع البصير } > 7 ! # < < # | الإسراء : ( 1 ) سبحان الذي أسرى . . . . . # > > # { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى ~~باركنا حوله لنريه من ءاياتنا إنه هو } . # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال النحويون : { سبحان } اسم علم للتسبيح يقال : سبحت ~~الله تسبيحا وسبحانا ، فالتسبيح هو المصدر ، وسبحان اسم علم للتسبيح كقولك ~~: كفرت اليمين تكفيرا وكفرانا وتفسيره تنزيه الله تعالى من كل سوء . قال ~~صاحب ( النظم ) : السبح في اللغة التباعد ، يدل عليه قوله / تعالى : { إن ~~لك فى النهار سبحا } ( المزمل : 7 ) أي تباعدا فمعنى : سبح الله تعالى ، أي ~~بعده ونزهه عما لا ينبغي وتمام المباحث العقلبية في لفظ التسبيح قد ذكرناها ~~في أول سورة الحديد ، وقد جاء في لفظ التسبيح معان آخرى : أحدها : أن ~~التسبيح يذكر بمعنى الصلاة ، ومنه قوله تعالى : { فلولا أنه كان من ~~المسبحين } ( الصفات : 143 ) أي من المصلين ، والسبحة الصلاة النافلة ، ~~وإنما قيل للمصلي مسبح ، PageV20P116 لأنه معظم لله بالصلاة ومنزه له عما ~~لا ينبغي . وثانيها : ورد التسبيح بمعنى الاستثناء في قوله تعالى : { قال ~~أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } ( القلم : 28 ) أي تستثنون وتأويله أيضا ~~يعود إلى تعظيم الله تعالى في الاستثناء بمشيئته . وثالثها : جاء في الحديث ~~: ( لأحرقت سبحات وجهه ما أدركت من شيء ) قيل معناه نور وجهه ، وقيل : ~~سبحات وجهه ، نور وجهه الذي إذا رآه الرائي قال : سبحان الله ، وقوله : { ~~أسرى } قال أهل اللغة : أسرى وسرى لغتان : وقوله : { بعبده } أجمع المفسرون ~~على أن المراد محمد عليه الصلاة والسلام ، وسمعت الشيخ الإمام الوالد ms5666 عمر ~~بن الحسين رحمه الله قال : سمعت الشيخ الإمام أبا القاسم سليمان الأنصاري ~~قال : لما وصل محمد صلوات الله عليه إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة ~~في العارج أوحى الله تعالى إليه : يا محمد بم أشرفك ؟ قال : ( رب بأن ~~تنسبني إلى نفسك بالعبودية ) فأنزل الله فيه : { سبحان الذى أسرى بعبده } ~~وقوله : { ليلا } نصب على الظرف . # فإن قيل : الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟ # قلنا : أراد بقوله : { ليلا } بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسرى ~~به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه ~~قد دل على معنى البعضية ، واختلفوا في ذلك الليل قال مقاتل : كان ذلك الليل ~~قبل الهجرة بسنة ، ونقل صاحب ( الكشاف ) عن أنس والحسن أنه كان ذلك قبل ~~البعثة . وقوله : { من المسجد الحرام } اختلفوا في المكان الذي أسرى به منه ~~، فقيل هو المسجد الحرام بعينه وهو الذي يدل عليه ظاهر لفظ القرآن ، وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( بينا أنا في المسجد الحرام في ~~الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق ) وقيل أسري ~~به من دار أم هانيء بنت أبي طالب . والمراد على هذا القول بالمسجد الحرام ~~الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به ، وعن ابن عباس الحرم كله مسجد ، وهذا ~~قول الأكثرين وقوله : { إلى المسجد الاقصى } اتفقوا على أن المراد منه بيت ~~المقدس وسمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقوله : { الذى ~~باركنا حوله } قيل بالثمار والأزهار ، وقيل بسبب أنه مقر الأنبياء ومهبط ~~الملائكة . # واعلم أن كلمة { إلى } لانتهاء الغاية فمدلول قوله : { إلى المسجد الاقصى ~~} أنه وصل إلى حد ذلك / المسجد فأما أنه دخل ذلك المسجد أم لا فليس في ~~اللفظ دلالة عليه ، وقوله : { لنريه من ءاياتنا } يعني ما رأى في تلك ~~الليلة من العجائب والآيات التي تدل على قدرة الله تعالى . # فإن قالوا : قوله : { لنريه من ءاياتنا } يدل على أنه تعالى ما أراه إلا ~~بعض الآيات ، لأن كلمة { من } تفيد التبعيض ، وقال في ms5667 حق إبراهيم : { وكذلك ~~نرى إبراهيم ملكوت * السماوات والارض } ( الأنعام : 75 ) فيلزم أن يكون ~~معراج إبراهيم عليه السلام أفضل من معراج محمد صلى الله عليه وسلم . # قلنا : الذي رآه إبراهيم ملكوت السموات والأرض ، والذي رآه محمد صلى الله ~~عليه وسلم بعض آيات الله تعالى ، ولا شك أن آيات الله أفضل . # ثم قال : { إنه هو السميع العليم } أي أن الذي أسرى بعبده هو السميع ~~لأقوال محمد ، البصير بأفعاله ، العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الرياء ~~، مقرونة بالصدق والصفاء ، فلهذا السبب خصه الله تعالى بهذه الكرامات ، ~~وقيل : المراد سميع لما يقولون للرسول في هذا الأمر ، بصير بما يعملون في ~~هذه الواقعة . PageV20P117 # المسألة الثانية : اختلف في كيفية ذلك الإسراء فالأكثرون من طوائف ~~المسلمين اتفقوا على أنه أسرى بجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~والأقلون قالوا : إنه ما أسري إلا بروحه حكي عن محمد بن جرير الطبري في ( ~~تفسيره ) عن حذيفة أنه قال ذلك رؤيا . وأنه ما فقد جسد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وإنما أسري بروحه ، وحكي هذا القول أيضا عن عائشة رضي الله ~~عنها ، وعن معاوية رضي الله عنه . واعلم أن الكلام في هذا الباب يقع في ~~مقامين : أحدهما : في إثبات الجواز العقلي . الثاني : في الوقوع . # أما المقام الأول : وهو إثبات الجواز العقللي ، فنقول : الحركة الواقعة ~~في السرعة إلى هذا الحد ممكنة في نفسها والله تعالى قادر على جميع الممكنات ~~، وذلك يدل على أن حصول الحركة في هذا الحد من السرعة غير ممتنع ، فنفتقر ~~ههنا إلى بيان مقدمتين : # المقدمة الأولى : في إثبات أن الحركة الواقعة إلى هذا الحد ممكنة في ~~نفسها ويدل عليه وجوه : # الوجه الأول : أن الفلك الأعظم يتحرك من أول الليل إلى آخره ما يقرب من ~~نصف الدور وقد ثبت في الهندسة أن نسبة القطر الواحد إلى الدور نسبة الواحد ~~إلى ثلاثة وسبع ، فيلزم أن تكون نسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد ~~إلى ثلاثة وسبع وبتقدير أن يقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتفع من ms5668 ~~مكة إلى ما فوق الفلك الأعظم فهو لم يتحرك إلا بمقدار نصف القطر فلما حصل ~~في ذلك القدر من الزمان حركة نصف الدور فكان حصول الحركة بمقدار نصف القطر ~~/ أولى بالإمكان ، فهذا برهان قاطع على أن الارتقاء من مكة إلى ما فوق ~~العرش في مقدار ثلث من الليل أمر ممكن في نفسه ، وإذا كان كذلك كان حصوله ~~في كل الليل أولى بالإمكان والله أعلم . # الوجه الثاني : وهو أنه ثبت في الهندسة أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض ~~مائة وستين وكذا مرة ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع ، ~~وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه ~~. # الوجه الثالث : أنه كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز ~~العالم إلى ما فوق العرش ، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق ~~العرش إلى مركز العالم ، فإن كان القول بمرعاج محمد صلى الله عليه وسلم في ~~الليلة الواحدة ممتنعا في العقول ، كان القول بنزول جبريل عليه الصلاة ~~والسلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا ، ولو حكمنا بهذا ~~الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ~~والقول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة ، فثبت أن القائلين ~~بامتناع حصول حركة سريعة إلى هذا الحد ، يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل ~~عليه الصلاة والسلام في اللحظة ممن العرش إلى مكة ، ولما كان ذلك باطلا كان ~~ما ذكروه أيضا باطلا . # فإن قالوا : نحن لا نقول إن جبريل عليه الصلاة والسلام جسم ينتقل من مكان ~~إلى مكان ، وإنما نقول المراد من نزول جبريل عليه السلام هو زوال الحجب ~~الجسمانية عن روح محمد صلى الله عليه وسلم حتى يظهر في روحه من المكاشفات ~~والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل عليه الصلاة والسلام . # قلنا : تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء ، فأما جمهور المسلمين فهم ~~مقرون بأن جبريل عليه PageV20P118 الصلاة والسلام جسم وأن نزوله عبارة عن ~~انتقاله من ms5669 عالم الأفلاك إلى مكة ، وإذاكان كذلك كان الإلزام المذكور قويا ~~، روي أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر قصة المعراج كذبه الكل وذهبوا إلى ~~أبي بكر وقالوا له : إن صاحبك يقول كذا وكذا فقال أبو بكر : إن كان قد قال ~~ذلك فهو صادق ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الرسول له ~~تلك التفاصيل ، فكلما ذكر شيئا قال أبو بكر صدقت فلما تمم الكلام قال أبو ~~بكر : أشهد أنك رسول الله حقا ، فقال له الرسول : وأنا أشهد أنك الصديق حقا ~~، وحاصل الكلام أن أبا بكر رضي الله عنه كأنه قال لما سلمت رسالته فقد ~~صدقته فيما هو أعظم من هذا فكيف أكذبه في هذا ؟ # الوجه الرابع : أن أكثر أرباب الملل والنحل يسلمون وجود إبليس ويسلمون ~~أنه هو الذي / يتولى إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم ، ويسلمون أنه يمكنه ~~الانتقال من المشرق إلى المغرب لأجل إلقاء الوساوس في قلوب بني آدم ، فلما ~~سلموا جواز مثل هذه الحركة السريعة في حق إبليس فلأن يسلموا جواز مثلها في ~~حق أكابر الأنبياء كان أولى ، وهذا الإلزام قوي على من يسلم أن إبليس جسم ~~ينتقل من مكان إلى مكان ، أما الذين يقولون إنه من الأرواح الخبيثة الشريرة ~~وأنه ليس بجسم ولا جسماني ، فهذا الإلزام غير وارد عليهم ، إلا أن أكثر ~~أرباب الملل والنحل يوافقون على أنه جسم لطيف متنقل . # فإن قالوا : هب أن الملائكة والشياطين يصح في حقهم حصول مثل هذه الحركة ~~السريعة لأنهم أجسام لطيفة ، ولا يمتنع حصول مثل هذه الحركة السريعة في ~~ذواتها ، أما الإنسان فإنه جسم كثيف فكيف يعقل حصول مثل هذه الحركة السريعة ~~فيه ؟ # قلنا : نحن إنما استدللنا بأحوال الملائكة والشياطين على أن حصول حركة ~~منتهية في السرعة إلى هذا الحد ممكن في نفس الأمر ، وأما بيان أن هذه ~~الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها كانت أيضا ممكنة الحصول في جسم ~~البدن الإنساني ، فذاك مقام آخر سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى / # الوجه الخامس : أنه جاء في القرآن ms5670 أن الرياح كانت تسير بسليمان عليه ~~الصلاة والسلام إلى المواضع البعيدة في الأوقات القليلة قال تعالى في صفلا ~~مسير سليمان عليه الصلاة والسلام : { غدوها شهر ورواحها شهر } ( سبأ : 12 ) ~~بل نقول : الحس يدل على أن الرياح تنتقل عند شدة هبوبها من مكان إلى مكان ~~في غاية البعد في اللحظة الواحدة ، وذلك أيضا يدل على أن مثل هذه الحركة ~~السريعة في نفسها ممكنة . # الوجه السادس : أن القرآن يدل على أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش ~~بقليس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام في مقدار لمح البصر بدليل قوله تعالى : ~~{ قال الذى عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } ( ~~النمل : 40 ) وإذاكان ممكنا في حق بعض الناس ، علمنا أنه في نفسه ممكن ~~الوجود . # الوجه السابع : إن من الناس من يقول : الحيوان إنما يبصر المبصرات لأجل ~~أن الشعاع يخرج من عينيه ويتصل بالمبصر ثم إنا إذا فتحنا العين ونظرنا إلى ~~رجل رأيناه فعلى قول هؤلاء انتقل شعاع العين من أبصارنا إلى رجل في تلك ~~اللحظة اللطيفة ، وذلك يدل على أن الحركة الواقعة على هذا الحد من السريعة ~~من الممكنات لا من الممتنعات ، فثبت بهذه الوجوه أن حصول الحركة المنتهية ~~في السرعة إلى هذا الحد أمر ممكن الوجود في نفسه . PageV20P119 # المقدمة الثانية : في بيان أن هذه الحركة لما كانت ممكنة الوجود في نفسها ~~وجب أن لا يكون / حصولها في جسد محمد صلى الله عليه وسلم ممتنعا ، والذي ~~يدل عليه أنا بينا بالدلائل القطعية أن الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها ، ~~فلما صح حصول مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر ~~الأجسام ، وذلك يوجب القطع بأن حصول مثل هذه الحركة في جسد محمد صلى الله ~~عليه وسلم أمر ممكن الوجود في نفسه . # وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بالدليل أن خالق العالم قادر على كل الممكنات ، ~~وثبت أن حصول الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد في جسد محمد صلى الله ~~عليه وسلم ممكن ، فوجب ms5671 كونه تعالى قادرا عليه وحينئذ يلزم من مجموع هذه ~~المقدمات أن القول بثبوت هذا المعراج أمر ممكن الوجود في نفسه ، أقصى ما في ~~الباب أنه يبقى التعجب ، إلا أن هذا التعجب غير مخصوص بهذا المقام ، بل هو ~~حاصل في جميع المعجزات ، فانقلات العصا ثعبانا تبلغ سبعين ألف حبل من ~~الحبال والعصي ، ثم تعود في الحال عصا صغيرة كما كانت أمر عجيب ، وخروج ~~الناقة العظيمة من الجبل الأصم ، وإظلال الجبل العظيم في الهواء عجيب ، ~~وكذا القول في جميع المعجزات فإن كان مجرد التعجب يوجب الإنكار والدفع ، ~~لزم الجزم بفساد القول بإثبات المعجزات وإثبات المعجزات فرع على تسليم أصل ~~النبوة وإن كان مجرد التعجب لا يوجب الإنكار والإبطال فكذا ههنا ، فهذا ~~تمام القول في بيان أن القول بالمعراج ممكن غير ممتنع والله أعلم . # المقام الثاني : في البحث عن وقوع المعراج قال أهل التحقيق : الذي يدل ~~على أنه تعالى أسرى بروح محمد صلى الله عليه وسلم وجسده من مكة إلى المسجد ~~الأقصى القرآن والخبر ، أما القرآن فهو هذه الآية ، وتقرير الدليل أن العبد ~~اسم لمجموع الجسد والروح ، فوجب أن يكون الإسراء حاصلا لمجموع الجسد والروح ~~. # واعلم أن هذا الاستدلال موقوف على أن الإنسان هو الروح وحده أو الجسد ~~وحده أو مجموع الجسد والروح ، أما القائلون بأن الإنسان هو الروح وحده ، ~~فقد احتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن الإنسان شيء واحد باق من أول عمره إلى ~~آخر ، والأجزاء البدنية في التبدل والتغير والانتقال والباقي غير متبدل ، ~~فالإنسان مغاير لهذا البدن . وثانيها : إن الإنسان قد يكون عارفا بذاته ~~المخصوصة حال ما يكون غافلا عن جميع أجزائه البدنية ، والمعلوم مغاير ~~للمغفول عنه ، فالإنسان مغاير لهذا البدن . وثالثها : أن الإنسان يقول ~~بمقتضى فطرته السليمة يدي ورجلي ودماغي وقلبي ، وكذا القول في سائر الأعضاء ~~فيضيف كلها إلى ذاته المخصوصة والمضاف غير المضاف إليه فذاته المخصوصة وجب ~~أن تكون مغايرة لكل هذه الأعضاء . # / فإن قالوا : أليس أنه يضيف ذاته إلى نفسه ، فيقول ذاتي ونفسي فيلزمكم ~~أن تكون نفسه مغايرة لذاته ms5672 / وهذا محال . # قلنا : نحن لا نتمسك بمجرد اللفظ حتى يلزمنا ما ذكرتموه ، بل إنما نتمسك ~~بمحض العقل ، فإن صريح العقل يدل على أن الإنسان موجود واحد وذلك الشيء ~~الواحد يأخذ بآله اليد ويبصر بآلة العين ، ويسمع بآلة الأذن فالإنسان شيء ~~واحد ، وهذه الأعضاء آلات له في هذه الأفعال ، وذلك يدل على أن الإنسان شيء ~~مغاير لهذه الأعضاء والآلات ، فثبت بهذه الوجوه أن الإنسان شيء مغاير لهذه ~~البنية ولهذا الجسد . # إذا ثبت هذا فنقول : { سبحان الذى أسرى بعبده } المراد من العبد جوهر ~~الروح وعلى هذا التقرير فلم PageV20P120 يبقى في الآية دلالة على حصول ~~الإسراء بالجسد . # فإن قالوا : فالإسرا بالروح ليس بأمر مخالف للعادة ، فلا يليق به أن يقال ~~: { سبحان الذى أسرى بعبده } . # قلنا : هذا أيضا بعيد ، لأنه لا يبعد أن يقال : إنه حصل لروحه من أنواع ~~المكاشفات والمشاهدات ما لم يحصل لغيره ألبتة ، فلا جرم كان هذا الكلام ~~لائقا به ، فهذا تقرير وجه السؤال على الاستدلال بهذه الآية في إثبات ~~المعراج بالروح والجسد معا . # والجواب : أن لفظ العبد لا يتناول إلا مجموع الروح والجسد ، والدليل عليه ~~قوله تعالى : { أرأيت الذى ينهى * عبدا إذا صلى } ( العلق : 9 ، 10 ) ولا ~~شك أن المراد من العبد ههنا مجموع الروح والجسد . وقال أيضا في سورة الجن : ~~{ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا } ( الجن : 19 ) ~~والمراد مجموع الروح والجسد فكذا ههنا ، وأما الخبر فهو الحديث المروي في ~~الصحاح وهو مشهور وهو يدل على الذهاب من مكة إلى بيت المقدس ، ثم منه إلى ~~السموات ، واحتج المنكرون له بوجوه : أحدها : بالوجوه العقلية وهي ثلاثة : ~~أولها : أن الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة . وثانيها : ~~أن صعود الجرم الثقيل إلى السموات غير معقول . وثالثها : أن صعوده إلى ~~السموات يوجب انحراق الأفلاك ، وذلك محال . # والشبهة الثانية : أن هذا المعنى لو صح لكان أعظم من سائر المعجزات وكان ~~يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلوا به على صدقه في ادعاء النبوة ~~، فأما أن ms5673 يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد ، فإنه يكون ذلك ~~عبثا ، وذلك لا يليق بالحكيم . # والشبهة الثالثة : تمسكوا بقوله : { وما جعلنا الرءيا التى أريناك إلا ~~فتنة للناس } ( الإسراء : 60 ) وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج ، وإنما ~~كان فتنة للناس ؟ لأن كثيرا ممن آمن به لما سمع هذا الكلام كذبه وكفر / به ~~فكان حديث المعراج سببا لفتنة الناس ، فثبت أن ذلك رؤيا رآه في المنام . ~~الشبهة الرابعة : أن حديث المعراج اشتمل على أشياء بعيدة ، منها ما روي من ~~شق بطنه وتطهيره بما زمزم وهو بعيد ، لأن الذي يمكن غسله بالماء هو ~~النجاسات العينية ولا تأثير لذلك في تطهير القلب عن العقائد الباطلة ~~والأخلاق المذمومة ، ومنها ما روي من ركوب البراق وهو بعيد ، لأنه تعالى ~~لما سيره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك ، فأي حاجة إلى البراق ، ومنها ما ~~روي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يزل ~~يتردد بين الله تعالى وبين موسى إلى أن عاد الخمسون إلى خمس بسبب شفقة موسى ~~عليه الصلاة والسلام . قال القاضي : وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره ، وأنه ~~يوجب البداء وذلك على الله تعالى محال ، فثبت أن ذلك الحديث مشتمل على ما ~~يجوز قبوله فكان مردودا . # والجواب عن الوجوه العقلية قد سبق فلا نعيدها . # والجواب عن الشبهة الثانية : ما ذكره الله تعالى وهو قوله : { لنريه من ~~ءاياتنا } وهذا كلام مجمل وفي تفصيله وشرحه وجوه : الأول : أن خيرات الجنة ~~عطيمة ، وأهوال النار شديدة ، فلو أنه عليه الصلاة والسلام ما شاهدهما في ~~الدنيا ، ثم شاهدهما في ابتداء يوم القيامة فربما رغب في خيرات الجنة أو ~~خاف من أهوال PageV20P121 النار ، أما لما شاهدهما في الدنيا في ليلة ~~المعراج فحينئذ لا يعظم وقعهما في قلبه يوم القيامة فلا يبقى مشغول القلب ~~بهما ، وحينئذ يتفرغ للشفاعة . الثاني : لا يمتنع أن تكون مشاهدته ليلة ~~المعراج للأنبياء والملائكة ، صارت سببا لتكامل مصلحته أو مصلحتهم . الثالث ~~: أنه لا يبعد أنه إذا صعد الفلك وشاهد ms5674 أحوال السموات والكرسي والعرش ، ~~صارت مشاهدة أحوال هذا العالم وأهواله حقيرة في عينه ، فتحصل له زيادة قوة ~~في القلب باعتبارها يكون في شروعه في الدعوة إلى الله تعالى أكمل وقلة ~~التفاته إلى أعداء الله تعالى أقوى ، يبين ذلك أن من عاين قدرة الله تعالى ~~في هذا الباب ، لا يكون حاله في قوة النفس وثبات القلب على احتمال المكاره ~~في الجهاد وغيره إلا أضعاف ما يكون عليه حال من لم يعاين . # واعلم أن قوله : { لنريه من ءاياتنا } كالدلالة على أن فائدة ذلك ~~الإسراءة مختصة به وعائدة إلى على بسل التعيين . # والجواب عن الشبهة الثالثة : أنا عند الانتهاء إلى تفسير تلك الآية في ~~هذه السورة نبين أن تلك الرؤيا رؤيا عيان لا رؤيا منام . # والجواب عن الشبهة الرابعة : لا اعتراض على الله تعالى في أفعاله فهو ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، والله أعلم . # / المسألة الرابعة : أما العروج إلى السموات وإلى ما فوق العرش ، فهذه ~~الآية لا تدل عليه ، ومنهم من استدل عليه بأول سورة والنجم ، ومنهم من ~~استدل عليه بقوله تعالى : { لتركبن طبقا عن طبق } ( الإنشقاق : 19 ) ~~وتفسيرهما مذكور في موضعه ، وأما دلالة الحديث فكما سلف والله أعلم . # ! 7 < { وءاتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى لبنى إسراءيل ألا تتخذوا من ~~دونى وكيلا * ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 2 - 3 ) وآتينا موسى الكتاب . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الكلام في الآية التي قبل هذه الآية ، وفيها ~~انتقل من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ، لأن قوله : { سبحان ~~الذى أسرى } فيه ذكر الله على سبيل الغيبة وقوله : { باركنا حوله لنريه من ~~ءاياتنا } فيه ثلاثة ألفاظ دالة على الحضور وقوله : { إنه هو السميع البصير ~~} يدل على الغيبة وقوله : { وءاتينآ موسى الكتاب } الخ يدل على الحضور ~~وانتقال الكلام من الغيبة إلى الحضور وبالعكس يسمى صنعة الالتفات . # المسألة الثانية : ذكر الله تعالى في الآية الأولى إكرامه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بأن أسرى به ، وذكر في هذه الآية ms5675 أنه أكرم موسى عليه الصلاة ~~والسلام قبله بالكتاب الذي آتاه فقال : { وءاتينآ موسى الكتاب } يعني ~~التوراة : { وجعلناه هدى } PageV20P122 أي يخرجهم بواسطة ذلك الكتاب من ~~ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين الحق وقوه : { ألا تتخذوا من دونى ~~وكيلا } وفيه أبحاث : # البحث الأول : قرأ أبو عمرو : { ألا تتخذوا } بالياء خبرا عن بني إسرائيل ~~والباقون بالتاء على الخطاب ، أي قلنا لهم لا تتخذوا . # البحث الثاني : قال أبو علي الفارسي : إن قوله : { ألا تتخذوا } فيه ~~ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون ( أن ) ناصبة للفعل فيكون المعنى : وجعلناه ~~هدى لئلا تتخذوا . وثانيها : أن تكون ( أن ) بمعنى أي التي للتفسير وانصرف ~~الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قراءة العامة كما انصرف منها إلى الخطاب . ~~والأمر في قوله : { وانطلق الملا منهم أن امشوا } ( ص: 6 ) فكذلك انصرف من ~~الغيبة إلى النهي في قوله : { ألا تتخذوا } . وثالثها : أن تكون ( أن ) ~~زائدة ويجعل تتخذوا على القول المضمر والتقدير : وجعلناه هدى لبني إسرائيل ~~فقلنا لا تتخذوا من دوني وكيلا . # / البحث الثالث : قوله : { وكيلا } أي ربا تكلون أموركم إليه . أقول حاصل ~~الكلام في الآية : أنه تعالى ذكر تشريف محمد صلى الله عليه وسلم بالإسراء ، ~~ثم ذكر عقيبه تشريف موسى عليه الصلاة والسلام بإنزال التوراة عليه ، ثم وصف ~~التوراة بكونها هدى ، ثم بين أن التوراة إنما كان هدى لاشتماله على النهي ~~عن اتخاذ غير الله وكيلا ، وذلك هو التوحيد ، فرجع حاصل الكلام بعد رعاية ~~هذه المراتب أنه لا معراج أعلى ولا درجة أشرف ولا منقبة أعظم من أن يصير ~~المرء غرقا في بحر التوحيد وأن لا يعول في أمر من الأمور إلا على الله ، ~~فإن نطق ، نطق بذكر الله ، وإن تفكر ، تفكر في دلائل تنزيه الله تعالى ، ~~وإن طلب طلب من الله ، فيكون كله لله وبالله ، ثم قال : { ذرية من حملنا مع ~~نوح } وفي نصب { ذرية } وجهان : # الوجه الأول : أن يكون نصبا على النداء يعني : يا ذرية من حملنا مع نوح ~~وهذا قول مجاهد لأنه قال : هذا نداء قال الواحدي : وإنما يصح ms5676 هذا على قراءة ~~من قرأ بالتاء كأنه قيل لهم : لا تتخذوا من دوني وكيلا يا ذرية من حملنا مع ~~نوح في السفينة قال قتادة : الناس كلهم ذرية نوح لأنه كان معه في السفينة ~~ثلاثة بنين : سام وحام ويافث فالناس كلهم من ذرية أولئك ، فكان قوله : يا ~~ذرية من حملنا مع نوح ، قائما مقام قوله : { يذهبكم أيها الناس } . # الوجه الثاني : في نصب قوله : { ذرية } أن الاتخاذ فعل يتعدى إلى مفعولين ~~كقوله : { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ( النساء : 125 ) والتقدير : لا ~~تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح من دوني وكيلا ، ثم إنه تعالى أثنى على نوح ~~فقال : { إنه كان عبدا شكورا } ( الإسراء : 3 ) أي كان كثير الشكر ، روي ~~أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أكل قال : ( الحمد لله الذي أطعمني ولو ~~شاء أجاعني ) وإذا شرب قال : ( الحمد لله الذي أسقاني ولو شاء أظمأني ) ~~وإذا اكتسى قال : ( الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني ) وإذا احتذى قال ~~: ( الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني ) وإذا قضى حاجته قال : ( الحمد ~~لله الذي أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه ) وروي أنه كان إذا أراد ~~الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن وجده محتاجا آثره به . # فإن قيل : قوله : { إنه كان عبدا شكورا } ما وجه ملايمته لما قبله ؟ ~~PageV20P123 # قلنا : التقدير كأنه قال : لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي ، لأن ~~نوحا عليه الصلاة والسلام كان عبدا شكورا ، وإنما يكون العبد شكورا لو كان ~~موحدا لا يرى حصول شيء من النعم إلا من فضل الله وأنتم ذرية قومه فاقتدوا ~~بنوح عليه السلام ، كما أن آباءكم اقتدوا به والله أعلم . # ! 7 < { وقضينآ إلى بنى إسراءيل فى الكتاب لتفسدن فى الا رض مرتين ولتعلن ~~علوا كبيرا * فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولى بأس شديد ~~فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا * ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم ~~بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 4 - 6 ) وقضينا إلى بني . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى لما ذكر ms5677 إنعامه على بني إسرائيل بإنزال التوراة عليهم ، ~~وبأنه جعل التوراة هدى لهم ، بين أنهم ما اهتدوا بهداه ، بل وقعوا في ~~الفساد فقال : { وقضينا إلى بنى إسراءيل فى الكتاب لتفسدن فى الارض مرتين } ~~وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : القضاء في اللغة عبارة عن قطع الأشياء عن إحكام ، ومنه ~~قوله : { فقضاهن سبع * سماوات } ( فصلت : 12 ) وقول الشاعر : # وعليهما مسرودتان قضاهما داود # فقوله : { وقضينا } أي أعلمناهم وأخبرناهم بذلك وأوحينا إليهم . ولفظ { ~~إلى } صلة للإيحاء ، لأن معنى قضينا أوحينا إليهم كذا . وقوله : { لتفسدن } ~~يريد المعاصي وخلاف أحكام التوراة وقوله : { فى الارض } يعني أرض مصر وقوله ~~: { ولتعلن علوا كبيرا } يعني أنه يكون استعلاؤكم على الناس بغير الحق ~~استعلاء عظيما ، لأنه يقال لكل متجبر : قد علا وتعظم ، ثم قال : { فإذا جآء ~~وعد أولاهما } يعني أولى المرتين : { بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد ~~} والمعنى : أنه إذا جاء وعد الفساق في المرة الأولى أرسلنا عليكم قوما ~~أولى بأس شديد ، ونجدة وشدة ، والبأس القتال ، ومنه قوله تعالى : { وحين ~~البأس } ( البقرة : 177 ) ومعنى بعثنا عليكم أرسلنا عليكم ، وخلينا بينكم ~~وبينهم خاذلين إياكم ، واختلفوا في أن هؤلاء العباد من هم ؟ قيل : إن بني ~~إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء ، ~~وذلك أول الفسادين فسلط الله عليهم بختنصر فقتل منهم أربعين ألفا ممن يقرأ ~~التوراة وذهب بالبقية إلى أرض نفسه فبقوا هناك في الذل إلى أن قيض الله ~~ملكا آخر غزا أهل بابل واتفق أن / تزوج بامرأة من بني إسرائيل فطلبت تلك ~~المرأة من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل ، وبعد مدة ~~قامت فيهم الأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا ، فهو قوله : { ثم رددنا لكم ~~الكرة عليهم } . PageV20P124 # والقول الثاني : إن المراد من قوله : { بعثنا عليكم عبادا لنا } أن الله ~~تعالى سلط عليهم جالوت حتى أهلكهم وأبادهم وقوله : { ثم رددنا لكم الكرة } ~~هو أنه تعالى قوى طالوت حتى حارب جالوت ونصر داود حتى قتل جالوت فذاك هو ~~عود الكرة . # والقول الثالث : إن قوله : { بعثنا عليكم عبادا ms5678 لنا } هو أنه تعالى ألقى ~~الرعب من بني إسرائيل في قلوب المجوس ، فلما كثرت المعاصي فيهم أزال ذلك ~~الرعب عن قلوب المجوس فقصدوهم وبالغوا في قتلهم وإفنائهم وإهلاكهم . # واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم ، بل ~~المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصي سلط عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم . # ثم قال تعالى : { فجاسوا خلال الديار } قال الليث : الجوس والجوسان ~~التردد خلال الديار ، والبيوت في الفساد ، والخلال هو الانفراج بين الشيئين ~~، والديار ديار بيت المقدس ، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير جاسوا فعن ~~ابن عباس فتشوا وقال أبو عبيدة : طلبوا من فيها . وقال ابن قتيبة : عاثوا ~~وأفسدوا . وقال الزجاج : طافوا خلال الديار هل بقي أحد لم يقتلوه . قال ~~الواحدي : الجوس هو التردد والطلب وذلك محتمل لكل ما قالوه . # ثم قال تعالى : { وكان وعدا مفعولا } أي كان قضاء الله بذلك قضاء جزما ~~حتما لا يقبل النقض والنسخ ، ثم قال تعالى : { ثم رددنا لكم الكرة } أي ~~أهلكنا أعداءكم ورددنا الدولة والقوة عليكم : { وجعلناكم أكثر نفيرا } ~~النفير العدد من الرجال وأصله من نفر مع الرجل من عشيرته وقومه ، والنفير ~~والنافر واحد ، كالقدير والقادر ، وذكرنا معنى نفر عند قوله : { فلولا نفر ~~من كل فرقة } ( التوبة : 122 ) وقوله : { انفروا خفافا } ( التوبة : 41 ) . # المسألة الثانية ؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في مسألة ~~القضاء والقدر من وجوه : الأول : أنه تعالى قال : { وقضينا إلى بنى إسراءيل ~~فى الكتاب لتفسدن فى الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا } وهذا القضاء أقل ~~احتمالاته الحكم الجزم ، والخبر الحتم ، فثبت أنه تعالى أخبر عنهم أنهم ~~سيقدمون على الفساد والمعاصي خبرا جزما لا يقبل النسخ ، لأن القضاء معناه ~~الحكم الجزم على ما شرحناه . ثم إنه تعالى أكد ذلك القضاء مزيد تأكيد فقال ~~: { وكان وعدا مفعولا } . # / إذا ثبت هذا فنقول : عدم وقوع ذلك الفساد عنهم يستلزم انقلاب خبر الله ~~تعالى الصدق كذبا وانقلاب حكمه الجازم باطلا ، وانقلاب علمه الحق جهلا ، ~~وكل ذلك محال ، فكان عدم إقدامهم على ذلك الفساد محالا ، فكان إقدامهم عليه ms5679 ~~واجبا ضروريا لا يقبل النسخ والرفع ، مع أنهم كلفوا بتركه ولعنوا على فعله ~~، وذلك يدل على قولنا : إن الله قد يأمر بشيء ويصد عنه وقد ينهى عن شيء ~~ويقضي بتحصيله ، فهذا أحد وجوه الاستدلال بهذه الآية . # الوجه الثاني : في الاستدلال بهذه الآية قوله تعالى : { بعثنا عليكم ~~عبادا لنا أولى بأس شديد } والمراد أولئك الذين تسلطوا على بني إسرائيل ~~بالقتل والنهب والأسر ، فبين تعالى أنه هو الذي بعثهم على بني PageV20P125 ~~إسرائيل ، ولا شك أن قتل بني إسرائيل ونهب أموالهم وأسر أولادهم كان مشتملا ~~على الظلم الكثير والمعاصي العظيمة . ثم إنه تعالى أضاف كل ذلك إلى نفسه ~~بقوله : { ثم بعثنا * عليكم } وذلك يدل على أن الخير والشر والطاعة ~~والمعصية من الله تعالى . # أجاب الجبائي عنه من وجهين : الأول : المراد من { بعثنا عليكم } هو أنه ~~تعالى أمر أولئك الأقوام بغزو بني إسرائيل لما ظهر فيهم من الفساد ، فأضيف ~~ذلك الفعل إلى الله تعالى من حيث الأمر . والثاني : أن يكون المراد خلينا ~~بينهم وبين بني إسرائيل ، وما ألقينا الخوف من بني إسرائيل في قلوبهم . ~~وحاصل الكلام أن المراد من هذا البعث التخلية وعدم المنع . # واعلم أن الجواب الأول ضعيف ؛ لأن الذين قصدوا تخريب بيت المقدس وإحراق ~~التوراة وقتل حفاظ التوراة لا يجوز أن يقال إنهم فعلوا ذلك بأمر الله تعالى ~~. والجواب الثاني أيضا ضعيف ، لأن البعث على الفعل عبارة عن التقوية عليه ~~وإلقاء الدواعي القوية في القلب ، وأما التخلية فعبارة عن عدم المنع ، ~~والأول فعل ، والثاني ترك ، فتفسير البعث بالتخلية تفسير لأحد الضدين ~~بالآخر وأنه لا يجوز ، فثبت صحة ما ذكرناه والله أعلم . # ! 7 < { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جآء وعد الا خرة ~~ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ~~* عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } > 7 @QB@ ~~< # | الإسراء : ( 7 - 8 ) إن أحسنتم أحسنتم . . . . . # > > # /وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما عصوا سلط عليهم ~~أقواما قصدوهم بالقتل والنهب ms5680 والسبي ، ولما تابوا أزال عنهم تلك المحنة ~~وأعاد عليهم الدولة ، فعند ذلك ظهر أنهم إن أطاعوا فقد أحسنوا إلى أنفسهم ، ~~وإن أصروا على المعصية فقد أساؤا إلى أنفسهم ، وقد تقرر في العقول أن ~~الإحسان إلى النفس حسن مطلوب ، وأن الإساءة إليها قبيحة ، فلهذا المعنى قال ~~تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } . # المسألة الثانية ؛ قال الواحدي : لا بد ههنا من إضمار ، والتقدير : وقلنا ~~إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ، والمعنى : إن أحسنتم بفعل الطاعات فقد أحسنتم ~~إلى أنفسكم من حيث إن ببركة تلك الطاعات يفتح الله عليكم أبواب الخيرات ~~والبركات ، وإن أسأتم بفعل المحرمات أسأتم إلى أنفسكم من حيث إن بشؤم تلك ~~المعاصي يفتح الله عليكم أبواب العقوبات . PageV20P126 # المسألة الثالثة : قال النحويون : إنما قال : { وإن أسأتم فلها } للتقابل ~~والمعنى : فإليها أو فعليها مع أن حروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض ، ~~كقوله تعالى : { يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها } ( الزلزلة : 4 ، ~~5 ) أي إليها . # المسألة الرابعة ؛ قال أهل الإشارات هذه الآية تدل على أن رحمة الله ~~تعالى غالبة على غضبه بدليل أنه لما حكى عنهم الإحسان أعاده مرتين فقال : { ~~إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم } ولما حكى عنهم الإساءة اقتصر على ذكرها مرة ~~واحدة فقال : { وإن أسأتم فلها } ولولا أن جانب الرحمة غالب وإلا لما كان ~~كذلك . # ثم قال تعالى : { فإذا جاء وعد الاخرة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال المفسرون : معناه وعد المرة الأخيرة ، وهذه المرة ~~الأخيرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام . قال ~~الواحدي : فبعث الله تعالى عليهم بختنصر البابلي المجوسي أبغض خلقه إليه ~~فسبى بني إسرائيل وقتل وخرب بيت المقدس أقول : التواريخ تشهد بأن بختنصر ~~كان قبل وقت عيسى عليه الصلاة والسلام ويحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام ~~بسنين متطاولة ، ومعلوم أن الملك الذي انتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من ~~الروم يقال له : / قسطنطين الملك ، والله أعلم بأحوالهم ، ولا يتعلق غرض من ~~أغراض تفسير القرآن بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام . # المسألة الثانية : جواب قوله : { فإذا جاء } محذوف تقديره : فإذا ms5681 جاء وعد ~~الآخرة بعثناهم ليسوؤا وجوهكم وإنما حسن هذا الحذف لدلالة ما تقدم عليه من ~~قوله : { بعثنا عليكم عبادا لنا } ( الإسراء : 5 ) ثم قال : { فولوا وجوهكم ~~} وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : يقال : ساءه يسوءه أي أحزنه ، وإنما عزا الإساءة إلى ~~الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ~~، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والإشراق والإسفار في الوجه . وإن ~~حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه ، فلهذا ~~السبب عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية ، ونظير هذا المعنى كثير في ~~القرآن . # المسألة الثانية : قرأ العامة : ليسوؤا على صيغة المغايبة ، قال الواحدي ~~: وهي موافقة للمعنى وللفظ . أما المعنى فهو أن المبعوثين هم الذين يسوؤنهم ~~في الحقيقة ، لأنهم هم الذين يقتلون ويأسرون وأما اللفظ فلأنه يوافق قوله : ~~{ وليدخلوا المسجد } وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة : { * ليسوء } ~~على إسناد الفعل إلى الواحد ، وذلك الواحد يحتمل أن يكون أحد أشياء ثلاثة : ~~إما اسم الله سبحانه لأن الذي تقدم هو قوله : ثم ردنا وأمددنا ، وكل ذلك ~~ضمير عائد إلى الله تعالى ، وإما أن يكون ذلك الواحد هو البعث ودل عليه ~~قوله : { أولاهما بعثنا } والفعل المتقدم يدل على المصدر كقوله تعالى : { ~~ولا يحسبن الذين يبخلون بما ءاتاهم الله من فضله هو خيرا لهم } ( آل عمران ~~: 18 ) وقال الزجاج : ليسوء الوعد وجوهكم ، وقرأ الكسائي بالنون وهذا على ~~إسناد الفعل إلى الله تعالى كقوله : بعثنا عليكم وأمددنا . # ثم قال تعالى : { وليتبروا ما علوا تتبيرا } يقال : تبر الشيء تبرا إذا ~~هلك وتبره أهلكه . قال الزجاج : كل شيء جعلته مكسرا ومفتتا فقد تبرته ، ~~ومنه قيل : تبر الزجاج وتبر الذهب لمكسره ، ومنه قوله تعالى : { إن هؤلاء ~~متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } ( الأعراف : 139 ) PageV20P127 ~~وقوله : { ولا تزد الظالمين } ( نوح : 28 ) وقوله : { وليتبروا ما علوا } ~~يحتمل ما غلبوا عليه وظفروا به ، ويحتمل ويتبروا ما داموا غالبين ، أي ما ~~دام سلطانهم جاريا على بني إسرائيل ، وقوله : { تتبيرا } ذكر للمصدر على ~~معنى ms5682 تحقيق الخبر وإزالة الشك في صدقه كقوله : { وكلم الله موسى تكليما } ( ~~النساء : 164 ) أي حقا ، والمعنى : وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه . # ثم قال تعالى : { عسى ربكم أن يرحمكم } والمعنى : لعل ربكم أن يرحمكم ~~ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل . # / ثم قال : { وإن عدتم عدنا } يعني : أن بعثنا عليكم من بعثنا ، ففعلوا ~~بكم ما فعلوا عقوبة لكم وعظة لتنتفعوا به وتنزجروا به عن ارتكاب المعاصي ، ~~ثم رحمكم فأزال هذا العذاب عنكم ، فإن عدتم مرة أخرى إلى المعصية عدنا إلى ~~صب البلاء عليكم في الدنيا مرة أخرى . قال القفال : إنما حملنا هذه الآية ~~على عذاب الدنيا لقوله تعالى في سورة الأعراف خبرا عن بني إسرائيل : { وإذ ~~تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب } ( الأعراف : ~~167 ) ثم قال : { وإن عدتم عدنا } أي وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي ~~وهو التكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل ، ~~فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب . فجرى على بني النضير وقريظة ~~وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء ، ثم الباقون منهم مقهورون ~~بالجزية لا ملك لهم ولا سلطان . # ثم قال تعالى : { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } والحصير فعيل فيحتمل أن ~~يكون بمعنى الفاعل ، أي وجعلنا جهنم حاصرة لهم ، ويحتمل أن يكون بمعنى ~~مفعول ، أي جعلناها موضعا محصورا لهم ، والمعنى أن عذاب الدنيا وإن كان ~~شديدا قويا إلا أنه قد يتفلت بعض الناس عنه ، والذي يقع في ذلك العذاب ~~يتخلص عنه ، إما بالموت وإما بطريق آخر ، وأما عذاب الآخرة فإنه يكون حاصرا ~~للإنسان محيطا به لا رجاء في الخلاص عنه ، فهؤلاء الأقوام لهم من عذاب ~~الدنيا ما وصفناه ويكون لهم بعد ذلك من عذاب الآخرة ما يكون محيطا بهم من ~~جميع الجهات ولا يتخلصون منه أبدا . # ! 7 < { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا كبيرا * وأن الذين لا يؤمنون بالا خرة أعتدنا لهم ~~عذابا أليما ms5683 } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 9 - 10 ) إن هذا القرآن . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما شرح ما فعله في حق عباده المخلصين وهو الإسراء برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، وإيتاء الكتاب لموسى عليه الصلاة والسلام ، وما ~~فعله في حق العصاة والمتمردين وهو تسليط أنواع البلاء عليهم ، كان ذلك ~~تنبيها على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته توجب كل بلية وغرامة ، ~~لا جرم أثنى على القرآن فقال : { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } . ~~PageV20P128 # / واعلم أن قوله تعالى : { دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا } ( إبراهيم : ~~161 ) يدل على كون هذا الدين مستقيما ، وقوله في هذه الآية : { للتى هى ~~أقوم } يدل على أن هذا الدين أقوم من سائر الأديان . وأقول : قولنا هذا ~~الشيء أقوم من ذاك ، إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة ، ثم كان ~~حصول معنى الاستقامة في إحدى الصورتين أكثر وأكمل من حصوله في الصورة ~~الثانية ، وهذا محال لأن المراد من كونه مستقيما كونه حقا وصدقا ، ودخول ~~التفاوت في كون الشيء حقا وصدقا محال ، فكان وصفه بأنه أقوم مجازا ، إلا أن ~~لفظ الأفعل قد جاء بمعنى الفاعل كقولنا : الله أكبر أي الله كبير ، وقولنا ~~: الأشج والناقص أعدلا بني مروان ، أي : عادلا بني مروان ، أو يحمل هذا ~~اللفظ على الظاهر المتعارف . والله أعلم . # البحث الثاني : قوله : { للتى هى أقوم } نعت لموصوف محذوف ، والتقدير : ~~يهدي للملة أو الشريعة أو الطريقة التي هي أقوم الملل والشرائع والطرق ، ~~ومثل هذه الكناية كثيرة الاستعمال في القرآن كقوله : { ادفع بالتى هى أحسن ~~} ( فصلت : 34 ) أي بالخصلة التي هي أحسن . # أما قوله : { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا } ~~فاعلم أنه تعالى وصف القرآن بثلاثة أنواع من الصفات : # الصفة الأولى : أنه يهدي للتي هي أقوم ، وقد مر تفسيره . # والصفة الثانية : أنه يبشر الذين يعملون الصالحات بالأجر الكبير ، وذلك ~~لأن الصفة الأولى لما دلت على كون القرآن هاديا إلى الإعتقاد الأصوب والعمل ~~الأصلح ، وجب أن يظهر لهذا الصواب والصلاح أثر ، وذلك هو الأجر الكبير لأن ~~الطريق الأقوم ms5684 لا بد وأن يفيد الربح الأكبر والنفع الأعظم . # والصفة الثالثة : قوله : { وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة أعتدنا لهم عذابا ~~أليما } وذلك لأن الإعتقاد الأصوب والعمل الأصلح ، كما يوجب لفاعله النفع ~~الأكمل الأعظم ، فكذلك تركه يوجب لتاركه الضرر الأعظم الأكمل . # واعلم أن قوله : { وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة } عطف على قوله : { أن ~~لهم أجرا كبيرا } والمعنى أنه تعالى بشر المؤمنين بنوعين من البشارة ~~بثوابهم وبعقاب أعدائهم ، ونظيره قوله : بشرت زيدا أنه سيعطى وبأن عدوه ~~سيمنع . # فإن قيل : كيف يليق لفظ البشارة بالعذاب ؟ # قلنا : مذكور على سبيل التهكم ، أو يقال : إنه من باب إطلاق اسم الضدين ~~على الآخر ، كقوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) . # / فإن قيل : هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون ~~الإيمان بالآخرة ، فكيف يليق بهذا الموضع قوله : { وأن الذين لا يؤمنون ~~بالاخرة أعتدنا لهم عذابا أليما } . # قلنا عنه جوابان : أحدهما : أن أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب ~~الجسمانيين ، والثاني : أن بعضهم قال : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ~~} ( آل عمران : 24 ) فهم في هذا القول صاروا كالمنكرين للآخرة ، والله أعلم ~~. # PageV20P129 ! 7 < { ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان الإنسان عجولا ~~} > 7 ! # < < # | الإسراء : ( 11 ) ويدع الإنسان بالشر . . . . . # > > وفي الآية مباحث : # البحث الأول : اعلم أن وجه النظم هو أن الإنسان بعد أن أنزل الله عليه ~~القرآن وخصه بهذه النعمة العظيمة والكرامة الكاملة ، قد يعدل عن التمسك ~~بشرائعه والرجوع إلى بياناته ، ويقدم على ما لا فائدة فيه فقال : { ويدع ~~الإنسان بالشر دعاءه بالخير } . # البحث الثاني : اختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشر على أقوال : # القول الأول : المراد منه : النضر بن الحرث حيث قال : { اللهم إن كان ~~هاذا هو الحق من عندك } ( الأنفال : 32 ) فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته ، ~~فكان بعضهم يقول : ائتنا بعذاب الله . وآخرون يقولون : متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين . وإنما فعلوا ذلك للجهل واعتقاد أن محمدا كاذب فيما يقول . # والقول الثاني : المراد أنه في وقت الضجر يلعن نفسه وأهله وولده وماله ، ~~ولو استجيب له في الشر ms5685 كما يستجاب له في الخير لهلك . وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا فأقبل يئن بالليل فقالت له : ~~ما لك تئن ؟ فشكى ألم القيد فأرخت له من كتافه ، فلما نامت أخرج يده وهرب ، ~~فلما أصبح النبي عليه الصلاة والسلام دعا به فأعلم بشأنه ، فقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( اللهم اقطع يدها ) فرفعت سودة يدها تتوقع أن يقطع الله ~~يدها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني سألت الله أن يجعل دعائي على ~~من لا يستحق عذابا من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما تغضبون ، فلترد سودة ~~يدها ) . # والقول الثالث : أقول : يحتمل أن يكون المراد : أن الإنسان قد يبالغ في ~~الدعاء طلبا لشيء يعتقد أن خيره فيه ، مع أن ذلك الشيء يكون منبع شره وضرره ~~، وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء ، وإنما يقدم على مثل هذا العمل ~~لكونه عجولا مغترا بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها وأسرارها . # / البحث الرابع : القياس : إثبات الواو في قوله : { ويدع } إلا أنه حذف ~~في المصحف من الكتابة ، لأنه لا يظهر في اللفظ ، أما لم تحذف في المعنى ~~لأنها في موضع الرفع ، ونظيره : { سندع الزبانية } ( العلق : 18 ) { وسوف ~~يؤت الله المؤمنين } ( المؤمنين : 146 ) { ويوم يناديهم * المناد } ( ق : ~~41 ) { فما تغنى النذر } ( القمر : 5 ) ولو كان بالواو والياء لكان صوابا ~~هذا كلام الفراء . وأقول : إن هذا يدل على أنه سبحانه قد عصم هذا القرآن ~~المجيد عن التحريف والتغيير فإن إثبات الياء والواو في أكثر ألفاظ القرآن ~~وعدم إثباتهما في هذه المواضع المعدودة يدل على أن هذا القرآن نقل كما سمع ~~، وأن أحدا لم يتصرف فيه بمقدار فهمه وقوة عقله . # ثم قال تعالى : { وكان الإنسان عجولا } وفي هذا الإنسان قولان : # القول الأول : آدم عليه السلام ، وذلك لأنه لما انتهت الروح إلى سرته نظر ~~إلى جسده فأعجبه فذهب لينهض فلم يقدر ، فهو قوله : { وكان الإنسان عجولا } ~~. # والقول الثاني : أنه محمول على الجنس ، لأن أحدا من الناس لا يعرى عن ~~عجلة ، ولو تركها لكان ms5686 تركها أصلح له في الدين والدنيا ، وأقول : بتقدير أن ~~يكون المراد هو القول الأول ، كان المقصود عائدا إلى PageV20P130 القول ~~الثاني ، لأنا إذا حملنا الإنسان على آدم عليه الصلاة والسلام كان المعنى ~~أن آدم الذي كان أصل البشر لما كان موصوفا بهذه العجلة وجب أن تكون هذه صفة ~~لازمة للكل ، فكان المقصود عائدا إلى القول الثاني ، والله أعلم . # ! 7 < { وجعلنا اليل والنهار ءايتين فمحونآ ءاية اليل وجعلنآ ءاية النهار ~~مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شىء فصلناه ~~تفصيلا } > 7 ! # < < # | الإسراء : ( 12 ) وجعلنا الليل والنهار . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في تقرير النظم وجوه : # الوجه الأول : أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما أوصل إلى الخلق من ~~نعم الدين وهو القرآن أتبعه ببيان ما أوصل إليهم من نعم الدنيا فقال : { ~~وجعلنا اليل والنهار ءايتين } وكما أن القرآن ممتزج من المحكم والمتشابه ، ~~فكذلك الدهر مركب من النهار والليل . فالمحكم كالنهار ، والمتشابه كالليل ، ~~وكما / أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه ، فكذلك ~~الوقت والزمان لا يكمل الانتفاع به إلا بالنهار والليل . # والوجه الثاني : في تقرير النظم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، وذلك الأقوم ليس إلا ذكر الدلائل الدالة ~~على التوحيد والنبوة ، لا جرم أردفه بذكر دلائل التوحيد ، وهو عجائب العالم ~~العلوي والسفلي . # الوجه الثالث : أنه لما وصف الإنسان بكونه عجولا أي منتقلا من صفة إلى ~~صفة ومن حالة إلى حالة ، بين أن كل أحوال هذا العالم كذلك ، وهو الانتقال ~~من النور إلى الظلمة وبالضد ، وانتقال نور القمر من الزيادة إلى النقصان ~~وبالضد . والله أعلم . # المسألة الثانية ؛ في قوله : { وجعلنا اليل والنهار ءايتين } قولان : # القول الأول : أن يكون المراد من الآيتين نفس الليل والنهار . والمعنى : ~~أنه تعالى جعلهما دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا . أما في الدين : ~~فلأن كل واحد منهما مضاد للآخر مغاير له ، مع كونهما متعاقبين على الدوام ، ~~من أقوى الدلائل على أنهما غير موجودين لذاتهما ms5687 ، بل لا بد لهما من فاعل ~~يدبرهما ويقدرهما بالمقادير المخصوصة ، وأما في الدنيا : فلأن مصالح الدنيا ~~لا تتم إلا بالليل والنهار ، فلولا الليل لما حصل السكون والراحة ، ولولا ~~النهار لما حصل الكسب والتصرف في وجوه المعاش . # ثم قال تعالى : { فمحونا ءاية اليل } وعلى هذا القول : تكون الإضافة في ~~آية الليل والنهار للتبيين ، والتقدير : فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا ~~الآية التي هي نفس النهار مبصرة ، ونظيره قولنا : نفس الشيء PageV20P131 ~~وذاته ، فكذلك آية الليل هي نفس الليل . ويقال أيضا : دخلت بلاد خراسان أي ~~دخلت البلاد التي هي خراسان ، فكذلك ههنا . # القول الثاني : أن يكون المراد وجعلنا نيري الليل والنهر آيتين يريد ~~الشمس والقمر ، فمحونا آية الليل وهي القمر ، وفي تفسير محو القمر قولان : # القول الأول : المراد منه ما يظهر في القمر من الزيادة والنقصان في النور ~~، فيبدو في أول الأمر في صورة الهلال ، ثم لا يزال يتزايد نوره حتى يصير ~~بدرا كاملا ، ثم يأخذ في الانتقاص قليلا قليلا ، وذلك هو المحو ، إلى أن ~~يعود إلى المحاق . # والقول الثاني : المراد من محو القمر الكلف الذي يظهر في وجهه يروى أن ~~الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء ، فأرسل الله جبريل عليه الصلاة ~~والسلام فأمر جناحه على وجه القمر / فطمس عنه الضوء . ومعنى المحو في اللغة ~~: إذهاب الأثر ، تقول : محوته أمحوه وانمحى وامتحى إذا ذهب أثره ، وأقول : ~~حمل المحو في هذه الآية على الوجه الأول أولى ، وذلك لأن اللام في قوله : { ~~لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب } متعلق بما هو مذكور ~~قبل ، وهو محو آية الليل . وجعل آية النهار مبصرة ومحو آية الليل إنما يؤثر ~~في ابتغاء فضل الله . إذا حملنا المحو على زيادة نور القمر ونقصانه ، لأن ~~سبب حصول هذه الحالة يختلف بأحوال نور القمر ، وأهل التجارب يبنوا أن ~~اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا العالم ~~ومصالحه ، مثل أحوال البحار في المد والجزر ، ومثل أحوال التجربات على ما ~~تذكره الأطباء في كتبهم ، وأيضا بسبب ms5688 زيادة نور القمر ونقصانه يحصل الشهور ~~، وبسبب معاودة الشهور يحصل السنون العربية المبنية على رؤية الأهلة كما ~~قال : { ولتعلموا عدد السنين والحساب } فثبت أن حمل المحو على ما ذكرناه ~~أولى . وأقول أيضا : لو حملنا المحو على الكلف الحاصل في وجه القمر ، فهو ~~أيضا برهان عظيم قاهر على صحة قول المسلمين في المبدأ والمعاد ، أما دلالته ~~على صحة قولهم في المبدأ ، فلأن جرم القمر جرم بسيط عند الفلاسفة ، فوجب أن ~~يكون متشابه الصفات ، فحصول الأحوال المختلفة الحاصلة بسبب المحو يدل على ~~أنه ليس بسبب الطبيعة ، بل لأجل أن الفاعل المختار خصص بعض أجزائه بالنور ~~القوي ، وبعض أجزائه بالنور الضعيف ، وذلك يدل على أن مدبر العالم فاعل ~~مختار لا موجب بالذت . وأحسن ما ذكره الفلاسفة في الاعتذار عنه ، أنه ارتكز ~~في وجه القمر أجسام قليلة الضوء ، مثل ارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك ، ~~فلما كانت تلك الأجرام أقل ضوأ من جرم القمر ، لا جرم شوهدت تلك الأجرام في ~~وجه القمر كالكلف في وجه الإنسان ، وهذا لا يفيد مقصود الخصم ، لأن جرم ~~القمر لما كان متشابه الأجزاء فلم ارتكزت تلك الأجرام الظلمانية في بعض ~~أجزاء القمر دون سائر الأجزاء ؟ وبمثل هذا الطريق يتمسك في أحوال الكواكب ، ~~وذلك لأن الفلك جرم بسيط متشابه الأجزاء فلم لم يكن حصول جرم الكواكب في ~~بعض جوانبه أولى من حصوله في سائر الجوانب ؟ وذلك يدل على أن اختصاص ذلك ~~الكوكب بذلك الموضع المعين من الفلك لأجل تخصيص الفاعل المختار ، وكل هذه ~~الدلائل إنما يراد من تقريرها وإيرادها التنبيه على أن المؤثر في العالم ~~فاعل بالاختيار لا موجب بالذات ، والله أعلم . # أما قوله : { وجعلنا اليل والنهار ءايتين } ففيه وجهان : الأول : أن معنى ~~كونها مبصرة أي مضيئة وذلك لأن PageV20P132 الإضاءة سبب لحصول الإبصار ، ~~فأطلق اسم الأبصار على الإضاءة إطلاقا لاسم المسبب على السبب . والثاني : ~~قال أبو عبيدة يقال : قد أبصر النهار إذا صار الناس يبصرون فيه ، كقوله : / ~~رجل مخبث إذا كان أصحابه خبثاء ، ورجل مضعف إذا كانت ذراريه ضعافا ، فكذا ~~قوله ms5689 : والنهار مبصرا ، أي أهله بصراء . # واعلم أنه تعالى ذكر في آيات كثيرة منافع الليل والنهار ، قال : { وجعلنا ~~اليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا } ( النبأ : 10 و 11 ) وقال أيضا : { جعل ~~لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } ( القصص : 73 ) . # ثم قال تعالى : { ولتبتغوا * فضلا من ربكم } أي لتبصروا كيف تتصرفون في ~~أعمالكم { ولتعلموا عدد السنين والحساب } . # واعلم أن الحساب مبني على أربع مراتب : الساعات والأيام والشهور والسنون ~~، فالعدد للسنين ، والحساب لما دون السنين ، وهي الشهور والأيام والساعات ، ~~وبعد هذه المراتب الأربع لا يحصل إلا التكرار كما أنهم رتبوا العدد على ~~أربع مراتب : الآحاد والعشرات والمئات والألوف ، وليس بعدها إلا التكرار ~~والله أعلم . # ثم قال : { وكل شىء فصلناه تفصيلا } والمعنى : أنه تعالى لما ذكر أحوال ~~آيتي الليل والنهار وهما من وجه دليلان قاطعان على التوحيد ، ومن وجه آخر ~~نعمتان عظيمتان من الله تعالى على أهل الدنيا / فلما شرح الله تعالى حالهما ~~وفصل ما فيهما من وجوه الدلالة على الخالق ومن وجوه النعم العظيمة على ~~الخلق ، كان ذلك تفصيلا نافعا وبيانا كاملا ، فلا جرم قال : { وكل شىء ~~فصلناه تفصيلا } أي كل شيء بكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم ، فقد ~~فصلناه وشرحناه ، وهو كقوله تعالى : { ما فرطنا فى الكتاب من شىء } ( ~~الأنعام : 38 ) وقوله : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء } ( النحل : ~~89 ) وقوله : { تدمر كل شىء بأمر ربها } ( الأحقاف : 25 ) وإنما ذكر المصدر ~~وهو قوله : { تفصيلا } لأجل تأكيد الكلام وتقريره ، كأنه قال : وفصلناه حقا ~~وفصلناه على الوجه الذي لا مزيد عليه والله أعلم . # ! 7 < { وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 13 - 14 ) وكل إنسان ألزمناه . . . . . # > > # اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه : # / الوجه الأول : أنه تعالى لما قال : { وكل شىء فصلناه تفصيلا } كان ~~معناه أن كل ما يحتاج إليه من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد فقد صار ~~مذكورا . وكل ما يحتاج إليه من ms5690 شرح أحوال الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ~~، فقد صار مذكورا . وإذا كان الأمر كذلك فقد أزيحت الأعذار ، وأزيلت العلل ~~فلا جرم كل من ورد عرصة القيامة فقد ألزمناه طائره في عنقه ونقول له : { ~~اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } . PageV20P133 # الوجه الثاني : أنه تعالى لما بين أنه أوصل إلى الخلق أصناف الأشياء ~~النافعة لهم في الدين والدنيا ، مثل آيتي الليل والنهار وغيرهما كان منعما ~~عليهم بأعظم وجوه النعم . وذلك يقتضي وجوب اشتغالهم بخدمته وطاعته فلا جرم ~~كل من ورد عرصة القيامة فإنه يكون مسؤولا عن أعماله وأقواله . # الوجه الثالث : في تقرير النظم أنه تعالى لما بين أنه ما خلق الخلق إلا ~~ليشتغلوا بعبادته كما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( ~~الذاريات : 56 ) فلما شرح أحوال الشمس والقمر والليل والنهار ، كان المعنى ~~: إني إنما خلقت هذه الأشياء لتنتفعوا بها فتصيروا متمكنين من الاشتغال ~~بطاعتي وخدمتي ، وإذا كان كذلك فكل من ورد عرصة القيامة سألته أنه هل أتى ~~بتلك الخدمة والطاعة ، أو تمرد وعصى وبغى ، فهذا هو الوجه في تقرير النظم . # المسألة الثانية : في تفسير لفظ ، الطائر ، قولان : # القول الأول : أن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال وأرادوا ~~أن يعرفوا أن ذلك العمل يسوقهم إلى خير أو إلى شر اعتبروا أحوال الطير وهو ~~أنه يطير بنفسه ، أو يحتاج إلى ازعاجه ، وإذا طار فهل يطير متيامنا أو ~~متياسرا أو صاعدا إلى الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي كانوا يعتبرونها ~~ويستدلون بكل واحد منها على أحوال الخير والشر والسعادة والنحوسة ، فلما ~~كثر ذلك منهم سمي الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه ونظيره قوله ~~تعالى في سورة يس : { قالوا إنا تطيرنا بكم } ( يس : 18 ) إلى قوله : { ~~قالوا طائركم معكم } ( يس : 19 ) فقوله : { وكل إنسان ألزمناه طئره فى عنقه ~~} أي كل إنسان ألزمناه عمله في عنقه . وتدل على صحة هذا الوجه قراءة الحسن ~~ومجاهد : { ألزمناه طئره فى عنقه } . # القول الثاني : قال أبو عبيدة : الطائر عند العرب الحظ وهو الذي تسميه ~~الفرس البخت ms5691 ، وعلى هذا يجوز أن يكون معنى الطائر ما طار له من خير وشر ، ~~والتحقيق في هذا الباب أنه تعالى خلق الخلق وخص كل واحد منهم بمقدار مخصوص ~~من العقل والعلم ، والعمر والرزق ، والسعادة والشقاوة . والإنسان لا يمكنه ~~أن يتجاوز ذلك القدر وأن ينحرف عنه ، بل لا بد وأن يصل إلى ذلك القدر بحسب ~~الكمية والكيفية ، فتلك الأشياء المقدورة كأنها تطير إليه وتصير إليه ، ~~فبهذا المعنى لا يبعد / أن يعبر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ الطائر ، ~~فقوله : { وكل إنسان ألزمناه طئره فى عنقه } كناية عن أن كل ما قدره الله ~~تعالى ومضى في علمه حصوله ، فهو لازم له واصل إليه غير منحرف عنه . # واعلم أن هذا من أدل الدلائل على أن كل ما قدره الله تعالى للإنسان وحكم ~~عليه به في سابق علمه فهو واجب الوقوع ممتنع العدم / وتقريره من وجهين : # الوجه الأول : أن تقدير الآية : وكل إنسان ألزمناه عمله في عنقه ، فبين ~~تعالى أن ذلك العمل لازم له ، وما كان لازما للشيء كان ممتنع الزوال عنه ~~واجب الحصول له وهو المقصود . # والوجه الثاني : أنه تعالى أضاف ذلك الإلزام إلى نفسه ، لأن قوله : { ~~ألزمناه } تصريح بأن ذلك الإلزام إنما صدر منه ، ونظيره قوله تعالى : { ~~وألزمهم كلمة التقوى } ( الفتح : 26 ) وهذه الآية دالة على أنه لا يظهر في ~~الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) والله أعلم . ~~PageV20P134 # المسألة الثالثة : قوله : { فى عنقه } كناية عن اللزوم كما يقال : جعلت ~~هذا في عنقك أي قلدتك هذا العمل وألزمتك الاحتفاظ به ، ويقال : قلدتك كذا ~~وطوقتك كذا ، أي صرفته إليك وألزمته إياك ، ومنه قلده السلطان كذا . أي ~~صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوق ، ومنه يقال : فلان ~~يقلد فلانا أي جعل ذلك الإعتقاد كالقلادة المربوطة على عنقه . قال أهل ~~المعاني : وإنما خص العنق من بين سائر الأعضاء بهذا المعنى لأن الذي يكون ~~عليه إما أن يكون خيرا يزينه ms5692 أو شرا يشينه ، وما يزين يكون كالطوق والحلي ، ~~والذي يشين فهو كالغل ، فههنا عمله إن كان من الخيرات كان زينة له ، وإن ~~كان من المعاصي كان كالغل على رقبته . # ثم قال تعالى : { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } قال الحسن : ~~يا ابن آدم بسطنا لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وشمالك . فأما الذي ~~عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك ، حتى اذا مت ~~طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة . قوله : { ونخرج ~~له } أي من قبره يجوز أن يكون معناه : نخرج له ذلك لأنه لم ير كتابه في ~~الدنيا فإذا بعث أظهر له ذلك وأخرج من الستر ، وقرأ يعقوب : ( ويخرج له يوم ~~القيامة كتابا ) أي يخرج له الطائر أي عمله كتابا منشورا ، كقوله تعالى : { ~~وإذا الصحف نشرت } ( التكوير : 10 ) وقرأ ابن عمر : ( يلقاه ) من قولهم : ~~لقيت فلانا الشيء أي استقبلته به . قال تعالى : { ولقاهم نضرة وسرورا } ( ~~الإنسان : 11 ) وهو منقول بالتشديد من لقيت الشيء ولقانيه زيد . # ثم قال تعالى : { اقرأ كتابك } والتقدير يقال له : وهذا القائل هو الله ~~تعالى على ألسنة الملائكة / { اقرأ كتابك } قال الحسن : يقرؤه أميا كان أو ~~غير أمي ، وقال بكر بن عبد الله : يؤتى بالمؤمن يوم القيامة بصحيفته وهو ~~يقرؤها وحسناته في ظهرها يغبطه الناس عليها ، وسيئاته في جوف صحيفته وهو ~~يقرؤها ، حتى إذا ظن أنها أوبقته قال الله تعالى : ( اذهب فقد غفرتها لك ~~فيما بيني وبينك ) فيعظم سروره ، ويصير من الذين قال في حقهم : { وجوه ~~يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة } ( عبس : 38 ، 39 ) ثم يقول : { هاؤم اقرؤا ~~كتابيه } ( الحاقة : 19 ) . # وأما قوله : { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } أي محاسبا . قال الحسن : عدل ~~والله في حقك من جعلك حسيب نفسك . قال السدي : يقول الكافر يومئذ إنك قضيت ~~أنك لست بظلام للعبيد ، فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له : { اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا } والله أعلم . # المسألة الرابعة : قال حكماء الإسلام : هذه الآية في غاية الشرف ، وفيها ~~أسرار ms5693 عجيبة في أبحاث : # البحث الأول : أنه تعالى جعل فعل العبد كالطير الذي يطير إليه ، وذلك ~~لأنه تعالى قدر لكل أحد في الأزل مقدارا من الخير والشر ، فذلك الحكم الذي ~~سبق في علمه الأزلي وحكمه الأزلي لا بد وأن يصل إليه / فذلك الحكم كأنه ~~طائر يطير إليه من الأزل إلى ذلك الوقت ، فإذا حضر ذلك الوقت وصل إليه ذلك ~~الطائر وصولا لا خلاص له ألبتة ولا انحراف عنه ألبتة . وإذا علم الإنسان في ~~كل قول وفعل ولمحة وفكرة أنه كان ذلك بمنزلة طئر طيره الله إليه على منهج ~~معين وطريق معين ، وأنه لا بد وأن يصل إليه ذلك الطائر ، فعند ذلك عرف أن ~~الكفاية الأبدية لا تتم إلا بالعناية الأزلية . PageV20P135 # والبحث الثاني : أن هذه التقديرات إنما تقدرت بإلزام الله تعالى . وذلك ~~باعتبار أنه تعالى جعل لكل حادث حادثا متقدما عليه لحصول الحادث المتأخر ، ~~فلما كان وضع هذه السلسلة من الله لا جرم كان الكل من الله ، وعند هذا ~~يتخيل الإنسان طيورا لا نهاية لها ولا غاية لأعدادها ، فإنه تعالى طيرها من ~~وكر الأزل وظلمات عالم الغيب ، وأنها صارت وطارت طيرانا لا بداية له ولا ~~غاية له ، وكان كل واحد منها متوجها إلى ذلك الإنسان المعين في الوقت ~~المعين بالصفة المعينة ، وهذا هو المراد من قوله : { ألزمناه طئره فى عنقه ~~} . # البحث الثالث : أن التجربة تدل على أن تكرار الأعمال الاختيارية تفيد ~~حدوث الملكة النفسانية الراسخة في جوهر النفس ، ألا ترى أن من واظب على ~~تكرار قراءة درس واحد صار ذلك الدرس محفوظا ، ومن واظب على عمل واحد مدة ~~مديدة صار ذلك العمل ملكة له . # إذا عرفت هذا فنقول : لما كان التكرار الكثير يوجب حصول الملكة الراسخة ~~وجب / أن يحصل لكل واحد من تلك الأعمال أثر ما في جوهر النفس ، فإنا لما ~~رأينا أن عند توالي القطرات الكثيرة من الماء على الحجر حصلت الثقبة في ~~الحجر ، علمنا أن لكل واحد من تلك القطرات أثرا ما في حصول ذلك الثقب وإن ~~كان ضعيفا قليلا ms5694 ، وإن كانت الكتابة أيضا في عرف الناس عبارة عن نقوش ~~مخصوصة اصطلح الناس على جعلها معرفات لألفاظ مخصوصة ، فعلى هذا ، دلالة تلك ~~النقوش على تلك المعاني المخصوصة دلالة كائنة جوهرية واجبة الثبوت ، ممتنعة ~~الزوال ، كان الكتاب المشتمل على تلك النقوش أولى باسم الكتاب من الصحيفة ~~المشتملة على النقوش الدالة بالوضع والاصطلاح . # وإذا عرفت هاتين المقدمتين فنقول : إن كل عمل يصدر من الإنسان كثيرا كان ~~أو قليلا قويا كان أو ضعيفا ، فإنه يحصل منه لا محالة في جوهر النفس ~~الإنسانية أثر مخصوص ، فإن كان ذلك الأثر أثرا لجذب جوهر الروح من الخلق ~~إلى حضرة الحق كان ذلك من موجبات السعادات والكرامات . وإن كان ذلك الأثر ~~أثرا لجذب الروح من حضرة الحق إلى الاشتغال بالخلق كان ذلك من موجبات ~~الشقاوة والخذلان . إلا أن تلك الآثار تخفى ما دام الروح متعلقا بالبدن ، ~~لأن اشتغال الروح بتدبير البدن يمنع من انكشاف هذه الأحوال وتجليها وظهورها ~~، فإذا انقطع تعلق الروح عن تدبير البدن فهناك تحصل القيامة لقوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( من مات فقد قامت قيامته ) ومعنى كون هذه الحالة قيامة ~~أن النفس الناطقة كأنها كانت ساكنة مستقرة في هذا الجسد السفلي ، فإذا ~~انقطع ذلك التعلق ، قامت النفس وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي ، فهذا ~~هو المراد من كون هذه الحالة قيامة ، ثم عند حصول القيامة بهذا المعنى زال ~~الغطاء وانكشف الوطاء ، وقيل له { فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } ( ق ~~: 22 ) وقوله : { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } معناه : ونخرج ~~له عند حصول هذه القيامة من عمق البدن المظلم كتابا مشتملا على جميع تلك ~~الآثار الحاصلة بسبب الأحوال الدنيوية ، ويكون هذا الكتاب في هذا الوقت ~~منشورا ، لأن الروح حين كانت في البدن كانت هذه الأحوال فيه مخفية فكانت ~~كالمطوية . أما بعد انقطاع التعلق الجسداني ظهرت هذه الأحوال وجلت وانكشفت ~~فصارت كأنها مكشوفة منشورة بعد أن كانت مطوية / وظاهرة بعد أن كانت مخفية ، ~~وعند ذلك تشاهد القوة العقلية جميع تلك الآثار مكتوبة بالكتابة الذاتية في ms5695 ~~جوهر الروح فيقال له في تلك الحالة : { اقرأ كتابك } ثم يقال له : { كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا } فإن تلك الآثار إن كانت من موجبات السعادة ~~PageV20P136 حصلت السعادة لا محالة ، وإن كانت من موجبات الشقاوة حصلت ~~الشقاوة لا محالة ، فهذا تفسير هذه الآية بحسب الأحوال الروحانية . # / واعلم أن الحق أن الأحوال الظاهرة التي وردت فيها الروايات حق وصدق لا ~~مرية فيها ، واحتمال الآية لهذه المعاني الروحانية ظاهر أيضا ، والمنهج ~~القويم والصراط المستقيم هو الإقرار بالكل . والله أعلم بحقائق الأمور . # ! 7 < { من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 15 ) من اهتدى فإنما . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : { وكل إنسان ~~ألزمناه طئره فى عنقه } ( الإسراء : 13 ) ومعناه : أن كل أحد مختص بعمل ~~نفسه ، عبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى أقرب إلى الأفهام وأبعد عن الغلط ~~فقال : { من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها } يعني أن ~~ثواب العمل الصالح مختص بفاعله ، ولا يتعدى منه إلى غيره ، ويتأكد هذا ~~بقوله : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى } ( النجم : 39 ، ~~40 ) قال الكعبي : الآية دالة على أن العبد متمكن من الخير والشر ، وأنه ~~غير مجبور على عمل بعينه أصلا لأن قوله : { من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها } إنما يليق بالقادر على الفعل المتمكن منه كيف شاء ~~وأراد ، أما المجبور على أحد الطرفين ، الممنوع من الطرف الثاني فهذا لا ~~يليق به . # المسألة الثانية : أنه تعالى أعاد تقرير أن كل أحد مختص بأثر عل نفسه ~~بقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } قال الزجاج : يقال وزر يزر فهو وازر ~~ووزر وزرا وزرة ، ومعناه : أثم يأثم إثما قال : وفي تأويل الآية وجهان : ~~الأول : أن المذنب لا يؤاخذ بذنب غيره ، وأيضا غيره لا يؤاخذ بذنبه بل كل ~~أحد مختص بذنب نفسه . والثاني : أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان ms5696 بالإثم ، لأن ~~غيره عمله كما قال الكفار : { وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير } ( ~~الزخرف : 32 ) . # واعلم أن الناس تمسكوا بهذه الآية في إثبات أحكام كثيرة . # / الحكم الأول : # قال الجبائي في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذب الأطفال بكفر آبائهم ، ~~وإلا لكان الطفل مؤاخذا بذنب أبيه ، وذلك على خلاف ظاهر هذه الآية . # الحكم الثاني : # روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الميت ليعذب ~~ببكاء أهله ) فعائشة طعنت في صحة هذا PageV20P137 الخبر ، واحتجت على صحة ~~ذلك الطعن بقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } فإن تعذيب الميت بسبب ~~بكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره ، وذلك خلاف هذه الآية . # الحكم الثالث : # قال القاضي : دلت هذه الآية على أن الوزر والإثم ليس من فعل الله تعالى . ~~وبيانه من وجوه : أحدها : أنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا ~~يؤاخذ بوزر غيره . وثانيها : أنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلا ، لأن الوازر ~~إنما يصح أن يوصف بذلك إذا كان مختارا يمكنه التحرز ، ولهذا المعنى لا يوصف ~~الصبي بهذا . # الحكم الرابع : # أن جماعة من قدماء الفقهاء امتنعوا من ضرب الدية على العاقلة ، وقالوا : ~~لأن ذلك يقتضي مؤاخذة الإنسان بسبب فعل الغير ، وذلك على مضادة هذه الآية . # وأجيب عنه بأن المخطىء ليس بمؤاخذ على ذلك الفعل ، فكيف يصير غيره مؤاخذا ~~بسبب ذلك الفعل ، بل ذلك تكليف واقع على سبيل الابتداء من الله تعالى . # المسألة الثالثة : قال أصحابنا وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع ~~، والدليل عليه قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وجه ~~الاستدلال أن الوجوب لا تتقرر ماهيته إلا بترتيب العقاب على الترك ، ولا ~~عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية ، فوجب أن لا يتحقق الوجوب قبل الشرع . ثم ~~أكدوا هذه الآية بقوله تعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل } ( النساء : 165 ) وبقوله : { ولو أنا أهلكناهم بعذاب ~~من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك من ms5697 قبل أن نذل ~~ونخزى } ( طه : 134 ) . # ولقائل أن يقول : هذا الاستدلال ضعيف ، وبيانه من وجهين : الأول : أن ~~نقول : لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي ألبتة ، وهذا باطل ~~فذاك باطل بيان الملازمة من وجوه : / أحدها : أنه إذا جاء المشرع وادعى ~~كونه نبيا من عند الله تعالى وأظهر المعجزة ، فهل يجب على المستمع استماع ~~قوله والتأمل في معجزاته أو لا يجب ؟ فإن لم يجب فقد بطل القول بالنبوة . ~~وإن وجب ، فإما أن يجب بالعقل أو بالشرع فإن وجب بالعقل فقد ثبت الوجوب ~~العقلي ، وإن وجب بالشرع فهو باطل ، لأن ذلك الشرع إما أن يكون هو ذلك ~~المدعي أو غيره ، والأول باطل لأنه يرجع حاصل الكلام إلى أن ذلك الرجل يقول ~~: الدليل على أنه يجب قبول قولي أني أقول إنه يجب قبول قولي ، وهذا إثبات ~~للشيء بنفسه ، وإن كان ذلك الشارع غيره كان الكلام فيه كما في الأول : ولزم ~~إما الدور أو التسلسل وهما محالان . وثانيها : أن الشرع إذا جاء وأوجب بعض ~~الأفعال ، وحرم بعضها فلا معنى للإيجاب والتحريم ، إلا أن يقول : لو تركت ~~كذا وفعلت كذا لعاقبتك فنقول : إما أن يجب عليه الاحتراز عن العقاب أو لا ~~يجب ، فلو لم يجب عليه الاحتراز عن العقاب لم يتقرر معنى الوجوب ألبتة ، ~~وهذا باطل فذاك باطل ، وإن وجب عليه الاحتراز عن العقاب ، فإما أن يجب ~~بالعقل أو بالسمع ، فإن وجب بالعقل فهو المقصود ، وإن وجب بالسمع لم يتقرر ~~معنى هذا الوجوب إلا بسبب ترتيب PageV20P138 العقاب عليه ، وحينئذ يعود ~~التقسيم الأول ويلزم التسلسل وهو محال . وثالثها : أن مذهب أهل السنة أنه ~~يجوز من الله تعالى أن يعفو عن العقاب على ترك الواجب وإذا كان كذلك كانت ~~ماهية الوجوب حاصلة مع عدم العقاب ، فلم يبق إلا أن يقال : إن ماهية الواجب ~~إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من العقاب ، وهذا الخوف حاصل بمحض العقل ، فثبت ~~أن ماهية الوجوب إنما تحصل بسبب هذا الخوف ، وثبت أن هذا الخوف حاصل بمجرد ~~العقل ، فلزم أن يقال : الوجوب ms5698 حاصل بمحض العقل . # فإن قالوا : ماهية الوجوب إنما تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم ؟ # قلنا : إنه تعالى إذا عفا فقد سقط الذم ، فعلى هذا ماهية الوجوب إنما ~~تتقرر بسبب حصول الخوف من الذم وذلك حاصل بمحض العقل ، فثبت بهذه الوجوه أن ~~الوجوب العقلي لا يمكن دفعه . # وإذا ثبت هذا فنقول : في الآية قولان : الأول : أن نجري الآية على ظاهرها ~~. ونقول : العقل هو رسول الله إلى الخلق ، بل هو الرسول الذي لولاه لما ~~تقررت رسالة أحد من الأنبياء ، فالعقل هو الرسول الأصلي ، فكان معنى الآية ~~وما كنا معذبين حتى نبعث رسول العقل . والثاني : أن نخصص عموم الآية فنقول ~~: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفة وجوبها إلا ~~بالشرع إلا بعد مجيء الشرع ، وتخصيص العموم وإن كان عدولا عن الظاهر إلا ~~أنه يجب المصير إليه عند قيام الدلائل ، وقد بينا قيام الدلائل الثلاثة ، ~~على أنا لو نفينا الوجوب العقلي لزمنا نفي الوجوب الشرعي ، والله أعلم . # / واعلم أن الذي نرتضيه ونذهب إليه أن مجرد العقل سبب في أن يجب علينا ~~فعل ما ينتفع به ، وترك ما يتضرر به ، أما مجرد العقل لا يدل على أنه يجب ~~على الله تعالى شيء . وذلك لأنا مجبولون على طلب النفع والاحتراز عن الضرر ~~، فلا جرم كان العقل وحده كافيا في الوجوب في حقنا والله تعالى منزه عن طلب ~~النفع والهرب من الضرر / فامتنع أن يحكم العقل عليه بوجوب فعل أو ترك فعل ~~والله أعلم . # ! 7 < { وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا * وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب ~~عباده خبيرا بصيرا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 16 - 17 ) وإذا أردنا أن . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { أمرنا مترفيها } في تفسير هذا الأمر قولان : # القول الأول : أن المراد منه الأمر بالفعل ، ثم إن لفظ الآية لا يدل على ~~أنه تعالى بماذا يأمرهم فقال الأكثرون : معناه أنه تعالى يأمرهم بالطاعات ~~والخيرات ، ثم إنهم يخالفون ذلك الأمر ms5699 ويفسقون وقال صاحب ( الكشاف ) : ظاهر ~~اللفظ يدل على أنه تعالى يأمرهم بالفسق فيفسقون ، إلا أن هذا مجاز ومعناه ~~أنه فتح عليهم أبواب الخيرات والراحات فعند ذلك تمردوا وطغوا وبغوا قال ~~والدليل على أن ظاهر اللفظ يقتضي ما ذكرناه ، أن المأمور به إنما حذف لأن ~~قوله ؛ { ففسقوا } يدل عليه يقال : أمرته فقام ، وأمرته فقرأ لا يفهم منه ، ~~إلا أن PageV20P139 المأمور به قيام أو قراءة فكذا ههنا لما قال : { أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها } وجب أن يكون المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا لا يقال ~~يشكل هذا بقولهم أمرته فعصاني أو فخالفني فإن هذا لا يفهم منه أني أمرته ~~بالمعصية والمخالفة ؛ لأنا نقول : إن المعصية منافية للأمر ومناقضة له ، ~~فكذلك أمرته ففسق يدل على أن المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن ~~الإتيان بضد المأمور به فكونه فسقا ينافي كونه مأمورا به ، كما أن كونها ~~معصية ينافي كونها مأمورا بها ، فوجب أن يدل هذا اللفظ على أن المأمور به ~~ليس بفسق ، وهذا الكلام في غاية الظهور فلا أدري لم أصر صاحب ( الكشاف ) ~~على قوله مع ظهور فساده ، فثبت أن / الحق ما ذكره الكل وهو أن المعنى ~~أمرناهم بالأعمال الصالحة وهي الإيمان والطاعة والقوم خالفوا ذلك الأمر ~~عنادا وأقدموا على الفسق . # القول الثاني : في تفسير قوله : { أمرنا مترفيها } أي أكثرنا فساقها . ~~قال الواحدي : العرب تقول أمر القوم إذا كثروا . وأمرهم الله إذ كثرهم ، ~~وآمرهم أيضا بالمد ، روى الجرمي عن أبي زيد أمر الله القوم وآمرهم ، أي ~~كثرهم . واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة بقوله صلى الله عليه وسلم : ( ~~خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة ) والمعنى مهرة قد كثر نسلها يقولون : ~~أمر الله المهرة أي كثر ولدها ومن الناس من أنكر أن يكون أمر بمعنى كثر ~~وقالوا أمر القوم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد أي كثرهم ، وحملوا قوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( مهر مأمورة ) على أن المراد كونها مأمورة بتكثير النسل ~~على سبيل الاستعارة . وأما المترف : فمعناه في اللغة المتنعم الذي قد ~~أبطرته النعمة وسعة ms5700 العيش { ففسقوا فيها } أي خرجوا عما أمرهم الله : { فحق ~~عليها القول } يريد : استوجبت العذاب ، وهذا كالتفسير لقوله تعالى : { وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( الإسراء : 15 ) وقوله : { وما كان ربك مهلك ~~القرى حتى يبعث فى أمها رسولا } ( القصص : 59 ) وقوله : { ذالك أن لم يكن ~~ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } ( الأنعام : 131 ) فلما حكم تعالى في ~~هذه الآيات أنه تعالى لا يهلك قرية حتى يخالفوا أمر الله ، فلا جرم ذكر أنه ~~ها هنا يأمرهم فإذا خالفوا الأمر ، فعند ذلك استوجبوا الأهلاك المعبر عنه ~~بقوله : { فحق عليها القول } وقوله : { فدمرناها تدميرا } أي أهلكناها ~~إهلاك الاستئصال . والدمار هلاك على سبيل الاستئصال . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجوه : ~~الأول : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أراد إيصال الضرر إليهم ابتداء ثم ~~توسل إلى إهلاكهم بهذا الطريق . الثاني : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى ~~إنما خص المترفين بذلك الأمر لعلمه بأنهم يفسقون ، وذلك يدل على أنه تعالى ~~أراد منهم الفسق ، والثالث : أنه تعالى قال : { فحق عليها القول } بالتعذيب ~~والكفر ، ومتى حق عليها القول بذلك امتنع صدور الإيمان منهم ، لأن ذلك ~~يستلزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذبا وذلك محال ، والمفضي إلى المحال ~~محال . قال الكعبي : إن سائر الآيات دلت على أنه تعالى لا يبتدىء بالتعذيب ~~والإهلاك لقوله : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } ( ~~الرعد : 11 ) وقوله : { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم } ( النساء ~~: 147 ) وقوله : { وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون } ( القصص : 59 ) ~~فكل هذه الآيات تدل على أنه تعالى لا يبتدىء بالإضرار ، وأيضا ما قبل هذه ~~الآية يدل على هذا المعنى وهو قوله : { من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الإسراء : 15 ) ومن المحال أن ~~يقع بين آيات القرآن تناقض ، فثبت أن الآيات التي تلوناها محكمة ، وكذا ~~الآية التي / نحن في تفسيرها ، فيجب حمل هذه الآية PageV20P140 على تلك ~~الآيات هذا ما قاله ms5701 الكعبي ، واعلم أن أحسن الناس كلاما في تأويل هذه الآية ~~على وجه يوافق قول المعتزلة : القفال . فإنه ذكر فيه وجهين : # الوجه الأول : قال إنه تعالى أخبر أنه لا يعذب أحدا بما يعلمه منه ما لم ~~يعمل به ، أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره فإذا ~~ظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه فقوله : { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها } معناه : وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم أمرنا ~~المتنعمين المتعززين الظانين أن أموالهم وأولادهم وأنصارهم ترد عنهم بأسنا ~~بالإيمان بي والعمل بشرائع ديني على ما بلغهم عني رسولي ، ففسقوا فحينئذ ~~يحق عليهم القضاء السابق بإهلاكهم لظهور معاصيهم فحينئذ دمرناها ، والحاصل ~~أن المعنى : وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنهم لا يقدمون إلا على ~~المعصية لم نكتف في تحقيق ذلك الإهلاك بمجرد ذلك العلم ، بل أمرنا مترفيها ~~ففسقوا ، فإذا ظهر منهم ذلك الفسق فحينئذ نوقع عليهم العذاب الموعود به . # والوجه الثاني : في التأويل أن نقول : وإذا أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور ~~المعاصي من أهلها لم نعاجلها بالعذاب في أول ظهور المعاصي منهم ، بل أمرنا ~~مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي ، وإنما خص المترفين بذلك الأمر ، لأن ~~المترف هو المتنعم ومن كثرت نعم الله عليه كان قيامه بالشكر أوجب ، فإذا ~~أمرهم بالتوبة والرجوع مرة بعد أخرى مع أنه تعالى لا يقطع عنهم تلك النعم ~~بل يزيدها حالا بعد حال فحينئذ يظهر عنادهم وتمردهم وبعدهم عن الرجوع عن ~~الباطل إلى الحق ، فحينئذ يصب الله البلاء عليهم صبا ، ثم قال القفال : ~~وهذان التأويلان راجعان إلى أن الله تعالى أخبر عباده أنه لا يعاجل ~~بالعقوبة أمة ظالمة حتى يعذر إليهم غاية الأعذار الذي يقع منه اليأس من ~~إيمانهم ، كما قال في قوم نوح : { ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } ( نوح : 27 ~~) وقال : { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا } ( هود : 36 ) وقال في ~~غيرهم : { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } ( يونس : 74 ) فأخبر ms5702 ~~تعالى أولا أنه لا يظهر العذاب إلا بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام . ~~ثم أخبر ثانيا في هذه الآية أنه إذا بعث الرسول أيضا فكذبوا لم يعاجلهم ~~بالعذاب ، بل يتابع عليهم النصائح والمواعظ ، فإن بقوا مصرين على الذنوب ~~فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال ، وهذا التأويل الذي ذكره القفال في تطبيق ~~الآية على قول المعتزلة لم يتيسر لأحد من شيوخ المعتزلة مثله . # وأجاب الجبائي بأن قال : ليس المراد من الآية أنه تعالى يريد إهلاكهم قبل ~~أن يعصوا ويستحقوا ، وذلك لأنه ظلم وهو على الله محال ، بل المراد من ~~الإرادة قرب تلك الحالة فكان التقدير وإذا قرب وقت إهلاك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها وهو كقول القائل : إذا أراد المريض أن يموت / ازدادت ~~أمراضه شدة ، وإذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كل جهة ، وليس ~~المراد أن المريض يريد أن يموت ، والتاجر يريد أن يفتقر وإنما يعنون أنه ~~سيصير كذلك فكذا ههنا . # واعلم أن جميع الوجوه الثلاثة التي ذكرناها في التمسك بهذه الآية ، لا شك ~~أن كلها عدول عن ظاهر اللفظ ، أما الوجه الثاني والثالث فقد بقي سليما عن ~~الطعن والله أعلم . # المسألة الثالثة : المشهور عند القراء السبعة : { أمرنا مترفيها } ~~بالتخفيف غير ممدودة الألف ، وروي برواية غير مشهورة عن نافع وابن عباس : { ~~أمرنا } بالمد ، وعن أبي عمرو { أمرنا } بالتشديد فالمد على الكثير يقال : ~~أمر PageV20P141 القوم بكسر الميم إذا كثروا وآمرهم الله بالمد ، أي كثرهم ~~الله . والتشديد على التسليط ، أي سلطنا مترفيها ، ومعناه التخلية وزوال ~~المنع بالقهر والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح } فاعلم أن المراد ~~أن الطريق الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون ويتمردون فيما تقدم من ~~القرون الذين كانوا بعد نوح . وهم عاد وثمود وغيرهم ، ثم إنه تعالى خاطب ~~رسوله بما يكون خطابا لغيره وردعا وزجرا للكل فقال : { وكفى بربك بذنوب ~~عباده خبيرا بصيرا } وفيه بحثان : # البحث الأول : أنه تعالى عالم بجميع المعلومات راء لجميع المرئيات فلا ~~يخفى عليه شيء من أحوال الخلق ms5703 ، وثبت أنه قادر على كل الممكنات فكان قادرا ~~على إيصال الجزاء إلى كل أحد بقدر استحقاقه . وأيضا أنه منزه عن العبث ~~والظلم . ومجموع هذه الصفات الثلاث أعني العلم التام ، والقدرة الكاملة ، ~~والبراءة عن الظلم بشارة عظيمة لأهل الطاعة . وخوف عظيم لأهل الكفر ~~والمعصية . # البحث الثاني : قال الفراء : لو ألغيت الباء من قولك بربك جاز ، وإنما ~~يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم . كقولك : كفاك ~~به . وأكرم به رجلا . وطاب بطعامك طعاما . وجاد بثوبك ثوبا ، أما إذا لم ~~يكن مدحا أو ذما لم يجز دخولها ، فلا يجوز أن يقال : قام بأخيك وأنت تريد ~~قام أخوك والله أعلم . # ! 7 < { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد ثم جعلنا له ~~جهنم يصلاها مذموما مدحورا * ومن أراد الا خرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولائك كان سعيهم مشكورا * كلا نمد هاؤلاء وهاؤلاء من عطآء ربك وما كان ~~عطآء ربك محظورا * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللا خرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 18 - 21 ) من كان يريد . . . . . # > > # /في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال القفال رحمه الله : هذه الآية داخلة في معنى قوله : ~~{ وكل إنسان ألزمناه طئره فى عنقه } ( الإسراء : 13 ) ومعناه : أن الكمال ~~في الدنيا قسمان ، فمنهم من يريد بالذي يعمله الدنيا ومنافعها والرياسة ~~فيها ، فهذا يأنف من الانقياد للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والدخول في ~~طاعتهم والإجابة لدعوتهم ، اشفاقا من زوال الرياسة عنه ، فهذا قد جعل طائر ~~نفسه شؤما لأنه في قبضة الله تعالى فيؤتيه الله في الدنيا منها قدرا لا كما ~~يشاء ذلك الإنسان ، بل كما يشاء الله إلا أن عاقبته جهنم يدخلها فيصلاها ~~بحرها مذموما ملوما مدحورا منفيا PageV20P142 مطرودا من رحمة الله تعالى . ~~وفي لفظ هذه الآية فوائد . # الفائدة الأولى : أن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم بشرط أن ~~تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة ، فقوله : { ثم جعلنا له جهنم يصلاها } ~~إشارة إلى المضرة العظيمة ، وقوله : { مذموما } إشارة إلى الإهانة ms5704 والذم ، ~~وقوله : { مدحورا } إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة الله ، وهي تفيد كون ~~تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدل ~~بالراحة والخلاص . # الفائدة الثانية : أن من الجهال من إذا ساعدته الدنيا اغتر بها وظن أن ~~ذلك لأجل كرامته على الله تعالى ، وأنه تعالى بين أن مساعدة الدنيا لا ~~ينبغي أن يستدل بها على رضا الله تعالى ، لأن الدنيا قد تحصل مع أن عاقبتها ~~هي المصير إلى عذاب الله وإهانته ، فهذا الإنسان أعماله تشبه طائر السوء في ~~لزومها له وكونها سائقة له إلى أشد العذاب . # الفائدة الثالثة : قوله تعالى : { لمن نريد } يدل على أنه لا يحصل الفوز ~~بالدنيا لكل أحد ، بل كثير من الكفار والضلال يعرضون عن الدين في طلب ~~الدنيا ، ثم يبقون محرومين عن الدنيا وعن الدين ، وهذا أيضا فيه زجر عظيم ~~لهؤلاء الكفار الضلال الذين يتركون الدين لطلب الدنيا ، فإنه ربما فاتتهم ~~الدنيا فهم الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا . # / وأما القسم الثاني : وهو قوله تعالى : { ومن أراد الاخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن } فشرط تعالى فيه شروطا ثلاثة : # الشرط الأول : أن يريد بعمله الآخرة أي ثواب الآخرة ، فإنه إن لم تحصل ~~هذه الإرادة ، وهذه النية لم ينتفع بذلك العمل لقوله تعالى : { وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 39 ) ولقوله عليه الصلاة والسلام : ( إنما ~~الأعمال بالنيات ) ولأن المقصود من الأعمال استنارة القلب بمعرفة الله ~~تعالى ومحبته ، وهذا لا يحصل إلا إن نوى بعمله عبودية الله تعالى وطلب ~~طاعته . # والشرط الثاني : قوله : { وسعى لها سعيها } وذلك هو أن يكون العمل الذي ~~يتوصل به إلى الفوز بثواب الآخرة من الأعمال التي بها ينال ثواب الآخرة ، ~~ولا يكون كذلك إلا إذا كان من باب القرب والطاعات ، وكثير من الناس يتقربون ~~إلى الله تعالى بأعمال باطلة / فإن الكفار يتقربون إلى الله تعالى بعبادة ~~الأوثان ، ولهم فيه تأويلان : # التأويل الأول : يقولون : إله العالم أجل وأعظم من أن يقدر الواحد منا ms5705 ~~على إظهار عبوديته وخدمته فليس لنا هذا القدر والدرجة ولكن غاية قدرنا أن ~~نشتغل بعبودية بعض المقربين من عباد الله تعالى ، مثل أن نشتغل بعبادة كوكب ~~أو عبادة ملك من الملائكة ، ثم إن الملك والكوكب يشتغلون بعبادة الله تعالى ~~، فهؤلاء يتقربون إلى الله تعالى بهذا الطريق ، إلا أنه لما كان فاسدا في ~~نفسه لا جرم لم يحصل الانتفاع به . # والتأويل الثاني لهم : أنهم قالوا : نحن اتخذنا هذه التماثيل على صور ~~الأنبياء والأولياء ، ومرادنا من عبادتها أن تصير أولئك الأنبياء والأولياء ~~شفعاء لنا عند الله تعالى . وهذا الطريق أيضا فاسد ، وأيضا نقل عن الهند : ~~أنهم يتقربون إلى الله تعالى بقتل أنفسهم تارة وبإحراق أنفسهم أخرى ~~ويبالغون في تعظيم الله تعالى ، PageV20P143 إلا أنه لما كان الطريق فاسدا ~~لا جرم لم ينتفع به ، وكذلك القول في جميع فرق المبطلين الذين يتقربون إلى ~~الله تعالى بمذاهبهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة وأعمالهم المنحرفة عن قانون ~~الصدق والصواب . # والشرط الثالث : قوله تعالى : { وهو مؤمن } وهذا الشرط معتبر ، لأن الشرط ~~في كون أعمال البر موجبة للثواب تقدم الإيمان ، فإذا لم يوجد الشرط لم يحصل ~~المشروط ، ثم إنه تعالى أخبر أن عند حصول هذه الشرائط يصير السعي مشكورا ~~والعمل مبرورا . # واعلم أن الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة : اعتقاد كونه محسنا في تلك ~~الأعمال ، والثناء عليه بالقول ، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظما عن ~~ذلك الشاكر ، والله تعالى يعامل المطيعين / بهذه الأمور الثلاثة ، فإنه ~~تعالى عالم بكونهم محسنين في تلك الأعمال ، وأنه تعالى يثني عليهم بكلامه ~~وأنه تعالى يعاملهم بمعاملات دالة على كونهم معظمين عند الله تعالى ، وإذا ~~كان مجموع هذه الثلاثة حاصلا كانوا مشكورين على طاعاتهم من قبل الله تعالى ~~، ورأيت في كتب المعتزلة أن جعفر بن حرب حضر عنده واحد من أهل السنة وقال : ~~الدليل على أن الإيمان حصل بخلق الله تعالى أنا نشكر الله على الإيمان ، ~~ولو لم يكن الإيمان حاصلا بإيجاده لامتنع أن نشكره عليه ، لأن مدح الإنسان ~~وشكره على ما ليس من عمله قبيح ms5706 . قال الله تعالى : { ويحبون أن يحمدوا بما ~~لم يفعلوا } ( آل عمران : 188 ) فعجز الحاضرون عن الجواب ، فدخل ثمامة بن ~~الأشرس وقال : إنما نمدح الله تعالى ونشكره على ما أعطانا من القدرة والعقل ~~. وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل ، والله تعالى يشكرنا على فعل الإيمان . قال ~~تعالى : { فأولئك كان سعيهم مشكورا } قال فضحك جعفر بن حرب وقال : صعب ~~المسألة فسهلت . # واعلم أن قولنا : مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل كلام واضح ، لأنه ~~تعالى هو الذي أعطى الموجب التام لحصول الإيمان فكان هو المستحق للشكر ، ~~ولما حصل الإيمان للعبد وكان الإيمان موجبا للسعادة التامة صار العبد أيضا ~~مشكورا ولا منافاة بين الأمرين . # المسألة الثانية : اعلم أن كل من أتى بفعل فإما أن يقصد بذلك الفعل تحصيل ~~خيرات الدنيا ، أو تحصيل خيرات الآخرة ، أو يقصد به مجموعهما ، أو لم يقصد ~~به واحدا منهما ، هذا هو التقسيم الصحيح ، أما إن قصد به تحصيل الدنيا فقط ~~أو تحصيل الآخرة فقط ، فالله تعالى ذكر حكم هذين القسمين في هذه الآية . # أما القسم الثالث : فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام ، لأنه إما أن يكون طلب ~~الآخرة راجحا أو مرجوحا ، أو يكون الطلبان متعادلين . # أما القسم الأول : وهو أن يكون طلب الآخرة راجحا ، فهل يكون هذا العمل ~~مقبولا عند الله تعالى فيه بحث ، يحتمل أن يقال : إنه غير مقبول لما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن رب العزة أنه قال : ( أنا أغنى الأغنياء ~~عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشريكه ) وأيضا فطلب رضوان الله ~~إما أن يقال : إنه كان سببا مستقلا بكونه باعثا على ذلك الفعل أو داعيا ~~إليه ، وإما أن يقال : ما كان كذلك ، فإن كان الأول امتنع أن يكون لغيره ~~مدخل في ذلك البعث والدعاء ، لأن الحكم إذا حصل مسندا إلى سبب تام كامل ~~امتنع أن يكون لغيره PageV20P144 مدخل فيه ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون ~~الحامل على ذلك الفعل والداعي إليه ذلك المجموع ، وذلك المجموع ليس هو طلب ~~رضوان الله تعالى ، لأن المجموع ms5707 الحاصل من الشيء ومن غيره يجب كونه مغايرا ~~لكل / واحد من جزئيه فهذا القسم التحق بالقسم الذي كان الداعي إليه مغايرا ~~لطلب رضوان الله تعالى فوجب أن يكون مقبولا ، ويمكن أن يقال لما كان طلب ~~الآخرة راجحا على طلب الدنيا تعارض المثل بالمثل فيبقى القدر الزائد داعية ~~خالصة لطلب الآخرة فوجب كونه مقبولا ، وأما إذا كان طلب الدنيا وطلب الآخرة ~~متعادلين ، أو كان طلب الدنيا راجحا فهذا قد اتفقوا على أنه غير مقبول إلا ~~أنه على كل حال خير مما إذا كان طلب الدنيا خاليا بالكلية عن طلب الآخرة . # وأما القسم الرابع : وهو أن يقال إنه أقدم على ذلك الفعل من غير داع فهذا ~~بناء على أن صدور الفعل من القادر هل يتوقف على حصول الداعي أم لا ؟ فالذين ~~يقولون إنه متوقف قالوا هذا القسم ممتنع الحصول ، والذين قالوا : إنه لا ~~يتوقف قالوا : هذا الفعل لا أثر له في الباطن وهو محرم في الظاهر لأنه عبث ~~، والله أعلم . # ثم قال تعالى : { كلا } أي كل واحد من الفريقين ، والتنوين عوض من المضاف ~~إليه : { نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك } أي أنه تعالى يمد الفريقين ~~بالأموال ويوسع عليهما في الرزق مثل الأموال والأولاد ، وغيرهما من أسباب ~~العز والزينة في الدنيا ، لأن عطاءنا ليس يضيق عن أحد مؤمنا كان أو كافرا ~~لأن الكل مخلوقون في دار العمل ، فوجب إزاحة العذر وإزالة العلة عن الكل ~~وإيصال متاع الدنيا إلى الكل على القدر الذي يقتضيه الصلاح فبين تعالى أن ~~عطاءه ليس بمحظور ، أي غير ممنوع يقال حظره يحظره ، وكل من حال بينه وبين ~~شيء فقد حظره عليك . # ثم قال تعالى : { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } وفيه قولان : # القول الأول : المعنى : انظر إلى عطائنا المباح إلى الفريقين في الدنيا ، ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض فأوصلناه إلى مؤمن . وقبضناه عن مؤمن آخر ، ~~وأوصلناه إلى كافر ، وقبضناه عن كافر آخر ، وقد بين تعالى وجه الحكمة في ~~هذا التفاوت فقال : { نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحيواة الدنيا ورفعنا ms5708 ~~بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } ( الزخرف : 32 ) وقال في آخر ~~سورة الأنعام : { ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم * فيما * ءاتاكم } ( ~~الأنعام : 165 ) . # ثم قال : { وللاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } والمعنى : أن تفاضل الخلق ~~في درجات منافع الدنيا محسوس ، فتفاضلهم في درجات منافع الآخرة أكبر وأعظم ~~، فإن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى التفاضل في درجات الدنيا كنسبة ~~الآخرة إلى الدنيا ، فإذا كان الانسان تشتد رغبته في طلب فضيلة الدنيا فبأن ~~تقوى رغبته في طلب فضيلة الآخرة أولى . # القول الثاني : أن المراد أن الآخرة أعظم وأشرف من الدنيا ، والمعنى أن ~~المؤمنين يدخلون / الجنة ، والكافرين يدخلون النار ، فيظهر فضل المؤمنين ~~على الكافرين ، ونظيره قوله تعالى : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا } ( الفرقان : 24 ) . # PageV20P145 ! 7 < { لا تجعل مع الله إلاها ءاخر فتقعد مذموما مخذولا } > ~~7 ! # < < # | الإسراء : ( 22 ) لا تجعل مع . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في بيان وجه النظم . فنقول : إنه تعالى لما بين أن ~~الناس فريقان منهم من يريد بعمله الدنيا فقط وهم أهل العقاب والعذاب ، ~~ومنهم من يريد به طاعة الله وهم أهل الثواب . ثم شرط ذلك بشرائط ثلاثة : ~~أولها : إرادة الآخرة . وثانيها : أن يعمل عملا ويسعى سعيا موافقا لطلب ~~الآخرة . وثالثها ؛ أن يكون مؤمنا لا جرم فصل في هذه الآية تلك المجملات ~~فبدأ أولا بشرح حقيقة الإيمان ، وأشرف أجزاء الإيمان هو التوحيد ونفي ~~الشركاء والأضداد فقال : { لا تجعل مع الله إلاها ءاخر } ثم ذكر عقيبه سائر ~~الأعمال التي يكون المقدم عليها ، والمشتغل بها ساعيا سعيا يليق بطلب ~~الآخرة ، وصار من الذين سعد طائرهم وحسن بختهم وكملت أحوالهم . # المسألة الثانية : قال المفسرون : هذا في الظاهر خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ، ولكن في المعنى عام لجميع المكلفين كقوله : { الحكيم يأيها ~~النبى إذا طلقتم النساء } ( الطلاق : 1 ) ويحتمل أيضا أن يكون الخطاب ~~للإنسان كأنه قيل : أيها الإنسان لا تجعل مع الله إلها آخر ، وهذا الاحتمال ~~عندي أولى ، لأنه تعالى عطف عليه قوله : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ms5709 } ~~( الإسراء : 23 ) إلى قوله : { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } ( ~~الإسراء : 23 ) وهذا لا يليق بالنبي عليه السلام ، لأن أبويه ما بلغا الكبر ~~عنده فعلمنا أن المخاطب بهذا هو نوع الإنسان . # المسألة الثالثة : معنى الآية أن من أشرك بالله كان مذموما مخذولا ، ~~والذي يدل على أن الأمر كذلك وجوه : الأول : أن المشرك كاذب والكاذب يستوجب ~~الذم والخذلان . الثاني : أنه لما ثبت بالدليل أنه لا إله ولا مدبر ولا ~~مقدر إلا الواحد الأحد ، فعلى هذا التقدير تكون جميع النعم حاصلة من الله ~~تعالى ، فمن أشرك بالله فقد أضاف بعض تلك النعم إلى غير الله تعالى ، مع أن ~~الحق أن كلها من الله ، فحينئذ يستحق الذم ، لأن الخالق تعالى استحق الشكر ~~بإعطاء تلك النعم فلما جحد كونها من الله ، فقد قابل إحسان الله تعالى ~~بالإساءة والجحود والكفران فاستوجب الذم وإنما قلنا إنه يستحق الخذلان ، ~~لأنه لما أثبت شريكا لله تعالى استحق أن يفوض أمره إلى ذلك الشريك ، فلما ~~كان ذلك الشريك معدوما بقي بلا ناصر ولا حافظ ولا معين . وذلك عين الخذلان ~~. الثالث : أن الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة ، فمن أثبت الشريك فقد ~~وقع في جانب النقصان / واستوجب الذم والخذلان ، واعلم أنه لما دل لفظ الآية ~~على أن المشرك مذموم مخذول وجب بحكم الآية أن يكون الموحد ممدوحا منصورا . ~~والله أعلم . # المسألة الرابعة : القعود المذكور في قوله : { فتقعد مذموما مخذولا } فيه ~~وجوه : الأول : أن معناه : المكث أي فتمكث في الناس مذموما مخذولا ، وهذه ~~اللفظة مستعملة في لسان العرب والفرس في هذا المعنى ، فإذا سأل الرجل غيره ~~ما يصنع فلان في تلك البلدة فيقول المجيب : هو قاعد بأسوأ حال معناه : ~~المكث سواء كان قائما أو جالسا . الثاني : إن من شأن المذموم المخذول أن ~~يقعد نادما متفكرا على ما فرط منه . الثالث : أن المتمكن من تحصيل الخيرات ~~يسعى في تحصيلها ، والسعي إنما يتأتى بالقيام ، وأما العاجز عن تحصيلها ~~فإنه لا يسعى بل يبقى جالسا قاعدا عن الطلب فلما كان القيام على الرجل ms5710 أحد ~~الأمور التي بها يتم الفوز بالخيرات ، وكان القعود والجلوس علامة على عدم ~~تلك المكنة والقدرة لا جرم جعل القيام كناية عن القدرة على تحصيل الخيرات . ~~والقعود كناية عن العجز والضعف . PageV20P146 # المسألة الخامسة : قال الواحدي : قوله : ( فتقعد ) انتصب لأنه وقع بعد ~~الفاء جوابا للنهي وانتصابه بإضمار ( أن ) كقولك لا تنقطع عنا فنجفوك ، ~~والتقدير : لا يكن منك انقطاع فيحصل أن نجفوك فما بعد الفاء متعلق بالجملة ~~المتقدمة بحرف الفاء التي هي حرف العطف . وإنما سماه النحويون جوابا لكونه ~~مشابها للجزاء في أن الثاني مسبب عن الأول ، ألا ترى أن المعنى إن انقطعت ~~جفوتك كذلك تقدير الآية إن جعلت مع الله إلها آخر قعدت مذموما مخذولا . # ! 7 < { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك ~~الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } ~~> 7 ! # < < # | الإسراء : ( 23 ) وقضى ربك ألا . . . . . # > > اعلم أنه لما ذكر في الآية الأولى ما هو الركن الأعظم في الأيمان ، ~~أتبعه بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائطه وهي أنواع : # النوع الأول : أن يكون الإنسان مشتغلا بعبادة الله تعالى ، وأن يكون ~~محترزا عن عبادة غير الله تعالى ، وهذا هو المراد من قوله : { وقضى ربك ألا ~~* تعبدوا إلا إياه } وفيه بحثان : # البحث الأول : القضاء معناه الحكم الجزم البت الذي لا يقبل النسخ . ~~والدليل عليه أن الواحد منا إذا أمر غيره بشيء فإنه لا يقال : إنه قضى عليه ~~، أما إذا أمره أمرا جزما وحكم عليه بذلك الحكم على سبيل البت والقطع ، ~~فههنا يقال : قضى عليه ولفظ القضاء في أصل اللغة يرجع إلى إتمام الشيء / ~~وانقطاعه . وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه قال : في هذه الآية كان ~~الأصل ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين بالصاد فقرىء : { وقضى ربك } ثم قال : ~~ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط ، لأن خلاف قضاء الله ممتنع ، هكذا ~~رواه عنه الضحاك وسعيد بن جبير ، وهو قراءة علي وعبد الله . # واعلم أن هذا القول بعيد جدا لأنه ms5711 يفتح باب أن التحريف والتغيير قد تطرق ~~إلى القرآن ، ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن القرآن وذلك يخرجه عن كونه ~~حجة ولا شك أنه طعن عظيم في الدين . # البحث الثاني : قد ذكرنا أن هذه الآية تدل على وجوب عبادة الله تعالى ~~وتدل على المنع عن عبادة غير الله تعالى وهذا هو الحق ، وذلك لأن العبادة ~~عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن ~~يصدر عنه نهاية الإنعام ، ونهاية الإنعام عبارة عن إعطاء الوجود والحياة ، ~~والقدرة والشهوة والعقل ، وقد ثبت بالدلائل أن المعطي لهذه الأشياء هو الله ~~تعالى لا غيره ، وإذا كان المنعم بجميع النعم هو الله لا غيره ، لا جرم كان ~~المستحق للعبادة هو الله تعالى لا غيره ، فثبت بالدليل العقلي صحة قوله : { ~~وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } . # ! 7 < { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا ~~* ربكم أعلم بما فى نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للا وابين غفورا } > ~~7 @QB@ < # | الإسراء : ( 24 - 25 ) واخفض لهما جناح . . . . . # > > PageV20P147 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى أمر بعبادة نفسه ، ثم أتبعه بالأمر ببر ~~الوالدين وبيان المناسبة بين الأمر بعبادة الله تعالى وبين الأمر ببر ~~الوالدين من وجوه : # / الوجه الأول : أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله تعالى ~~وإيجاده ، والسبب الظاهري هو الأبوان ، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي ، ثم ~~أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري . # الوجه الثاني : أن الموجود إما قديم وإما محدث ، ويجب أن تكون معاملة ~~الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية ، ومع المحدث بإظهار الشفقة ~~وهو المراد من قوله عليه السلام : ( التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق ~~الله ) وأحق الخلق بصرف الشفقة إليه هو الأبوان لكثرة إنعامهما على الإنسان ~~فقوله : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } إشارة إلى التعظيم لأمر الله ~~وقوله : { وبالوالدين إحسانا } إشارة إلى الشفقة على خلق الله . # الوجه الثالث : أن الاشتغال بشكر المنعم واجب ، ثم المنعم الحقيقي هو ~~الخالق سبحانه وتعالى . وقد يكون أحد من المخلوقين منعما عليك ms5712 ، وشكره أيضا ~~واجب لقوله عليه السلام : ( من لم يشكر الناس لم يشكر الله ) وليس لأحد من ~~الخلائق نعمة على الإنسان مثل ما للوالدين وتقريره من وجوه : أحدها : أن ~~الولد قطعة من الوالدين ، قال عليه السلام : ( فاطمة بضعة مني ) . وثانيها ~~: أن شفقة الأبوين على الولد عظيمة وجدهما في إيصال الخير إلى الولد كالأمر ~~الطبيعي واحترازهما عن إيصال الضرر إليه كالأمر الطبيعي ، ومتى كانت ~~الدواعي إلى إيصال الخير متوفرة ، والصوارف عنه زائلة لا جرم كثر إيصال ~~الخير ، فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة أكثر من كل نعمة تصل من ~~إنسان إلى إنسان . وثالثها : أن الإنسان حال ما يكون في غاية الضعف ونهاية ~~العجز ، يكون في إنعام الأبوين فاصناف نعمهما في ذلك الوقت واصلة إليه ، ~~وأصناف رحمة ذلك الولد واصلة إلى الوالدين في ذلك الوقت ، ومن المعلوم أن ~~الإنعام إذا كان واقعا على هذا الوجه كان موقعه عظيما . ورابعها : أن إيصال ~~الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه وقد يمتزج بهذا الغرض ~~سائر الأغراض ، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض فقط . فكان الإنعام ~~فيه أتم وأكمل ، فثبت أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمة على غيره مثل ما ~~للوالدين على الولد ، فبدأ الله تعالى بشكر نعمة الخالق وهو قوله : { وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه } ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله : { ~~وبالوالدين إحسانا } والسبب فيه ما بينا أن أعظم النعم بعد إنعام الإله ~~الخالق نعمة الوالدين . # فإن قيل : الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة لنفسيهما فلزم منه دخول الولد ~~في الوجود وحصوله في عالم الآفات والمخافات ، فأي إنعام للأبوين على الولد ~~؟ حكي أن واحدا من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول : هو الذي أدخلني ~~في عالم الكون والفساد . وعرضني للموت والفقر والعمى / والزمانة ، وقيل ~~لأبي العلاء المعري : ماذا نكتب على قبرك ؟ قال اكتبوا عليه : PageV20P148 # هذا جناه أبي علي # وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج والولد : # وتركت أولادي وهم في نعمة ال # عدم التي سبقت نعيم العاجل ولو ms5713 أنهم ولدوا لعانوا شدة # ترمي بهم في موبقات الآجل وقيل للإسكندر : أستاذك أعظم منة عليك أم والدك ~~؟ فقال : الأستاذ أعظم منة ، لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي ~~أرتعني في نور العلم ، وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه ، ~~وأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد ، ومن الكلمات المشهورة المأثورة ، ~~خير الآباء من علمك . # والجواب : هب أنهما في أول الأمر طلبا لذة الوقاع إلا أن الاهتمام بإيصال ~~الخيرات ، وفي دفع الآفات من أول دخوله في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أليس ~~أنه أعظم من جميع ما يتخيل من جهات الخيرات والمبرات ، فسقطت هذه الشبهات ~~والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { وبالوالدين إحسانا } قال أهل اللغة : تقدير ~~الآية وقضى ربك ألا تعبدوا إلا الله وأن تحسنوا ، أو يقال : وقضى ألا ~~تعبدوا إلا إياه وأحسنوا بالوالدين إحسانا . قال صاحب ( الكشاف ) : ولا ~~يجوز أن تتعلق الباء في { وبالوالدين } بالإحسان لأن المصدر لا تتقدم عليه ~~صلته ثم لم يذكر دليلا على أن المصدر لا يجوز أن تتقدم عليه صلته . وقال ~~الواحدي في ( البسيط ) : الباء في { وبالوالدين } من صلة الإحسان وقدمت ~~عليه كما تقول بزيد فامرر ، وهذا المثال الذي ذكره الواحدي غير مطابق ، لأن ~~المطلوب تقديم صلة المصدر عليه ، والمثال المذكور ليس كذلك . # المسألة الثالثة : قال القفال : لفظ الإحسان قد يوصل بحرف الباء تارة ، ~~وبحرف إلى أخرى ، وكذلك الإساءة ، يقال : أحسنت به وإليه . وأسأت به وإليه ~~. قال الله تعالى : { وقد أحسن بى } ( يوسف : 100 ) وقال القائل : # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت وأقول لفظ الآية مشتمل على قيود كثيرة كل واحد ~~منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين : أحدها : أنه تعالى قال في ~~الآية المتقدمة : { ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا } ( الإسراء : 19 ) ثم إنه تعالى أردفه بهذه الآية المشتملة ~~على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة فذكر من جملتها البر ~~بالوالدين ، وذلك يدل على أن هذه الطاعة من / أصول الطاعات التي تفيد سعادة ms5714 ~~الآخرة . وثانيها : أنه تعالى بدأ بذكر الأمر بالتوحيد وثنى بطاعة الله ~~تعالى ، وثلث بالبر بالوالدين وهذه درجة عالية ومبالغة عظيمة في تعظيم هذه ~~الطاعة . وثالثها : أنه تعالى لم يقل : وإحسانا بالوالدين ، بل قال : { ~~وبالوالدين إحسانا } فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام . ورابعها : أنه ~~قال : { إحسانا } بلفظ التنكير والتنكير يدل على التعظيم ، والمعنى : وقضى ~~ربك أن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا عظيما كاملا ، وذلك لأنه لما كان ~~إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك ، ثم ~~على جميع التقديرات فلا تحصل المكافأة ، لأن إنعامهما عليك كان على سبيل ~~الابتداء ، وفي الأمثال المشهورة أن البادي بالبر لا يكافأ . PageV20P149 # ثم قال تعالى : { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لفظ ( إما ) لفظة مركبة من لفظتين : إن ، وما . أما ~~كلمة إن فهي للشرط ، وأما كلمة ( ما ) فهي أيضا للشرط كقوله تعالى : { ما ~~ننسخ من ءاية } ( البقرة : 106 ) فلما جمع بين هاتين الكلمتين أفاد التأكيد ~~في معنى الاشتراط ، إلا أن علامة الجزم لم تظهر مع نون التوكيد ، لأن الفعل ~~يبنى مع نون التأكيد وأقول لقائل أن يقول : إن نون التأكيد إنما يليق ~~بالموضع الذي يكون اللائق به تأكيد ذلك الحكم المذكور وتقريره وإثباته على ~~أقوى الوجوه ، إلا أن هذا المعنى لا يليق بهذا الموضع ، لأن قول القائل : ~~الشيء إما كذا وإما كذا / فالمطلوب منه ترديد الحكم بين ذينك الشيئين ~~المذكورين ، وهذا الموضع لا يليق به التقرير والتأكيد فكيف يليق الجمع بين ~~كلمة إما وبين نون التأكيد ؟ # وجوابه : أن المراد أن هذا الحكم المتقرر المتأكد إما أن يقع وإما أن لا ~~يقع والله أعلم . # المسألة الثانية : قرأ الأكثرون : { أما * يبلغن عندك الكبر أحدهما أو ~~كلاهما } وعلى هذا التقدير فقوله : { يبلغن } فعل وفاعله هو قوله : { ~~أحدهما } وقوله : { أو كلاهما } عطف عليه كقولك : ضرب زيد أو عمرو : ولو ~~أسند قوله : { يبلغن } إلى قوله : { كلاهما } جاز لتقدم الفعل ، تقول قال ~~رجل ، وقال رجلان ، وقالت الرجال ، وقرأ حمزة والكسائي : { * يبلغان } وعلى ~~هذه القراءة ms5715 فقوله : { رجلين أحدهما } بدل من ألف الضمير الراجع إلى ~~الوالدين وكلاهما عطف على أحدهما فاعلا أو بدلا . # فإن قيل : لو قيل إما يبلغان كلاهما كان كلاهما توكيدا لا بدلا ، فلم ~~زعمتم أنه بدل ؟ # قلنا : لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدا للاثنين فانتظم في حكمه ~~، فوجب أن يكون مثله في كونه بدلا . # فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال قوله : { أحدهما } بدل ، وقوله : { أو ~~كلاهما } توكيد ، ويكون ذلك عطفا للتوكيد على البدل . # / قلنا : العطف يقتضي المشاركة فجعل أحدهما بدلا والآخر توكيدا خلاف ~~الأصل والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال أبو الهيثم الرازي ، وأبو الفتح الموصلي ، وأبو ~~علي الجرجاني : إن كلا اسم مفرد يفيد معنى التثنية ووزنه فعل ولامه معتل ~~بمنزلة لام حجي ورضي وهي كلمة وضعت على هذه الخلقة يؤكد بها الاثنان خاصة ~~ولا تكون إلا مضافة . والدليل عليه أنها لو كانت تثنية لوجب أن يقال في ~~النصب والخفض مررت بكلى الرجلين بكسر الياء كما تقول : بين يدي الرجل ومن ~~ثلثي الليل . ويا صاحبي السجن . وطرفي النهار ولما لم يكن الأمر كذلك ، ~~علمنا أنها ليست تثنية بل هي لفظة مفردة وضعت للدلالة على التثنية كما أن ~~لفظة كل اسم واحد موضوع للجماعة ، فاذن أخبرت عن لفظة كما تخبر عن الواحد ~~كقوله تعالى : { وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا } ( مريم : 95 ) وكذلك إذا ~~أخبرت عن كلا أخبرت عن واحد فقلت كلا إخوتك كان قائما قال الله تعالى : { ~~كلتا الجنتين اتت أكلها } ( الكهف : 33 ) ولم يقل آتتا والله أعلم . # المسألة الرابعة : قوله : { يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } معناه : ~~أنهما يبلغان إلى حالة الضعف والعجز فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت ~~عندهما في أول العمر . PageV20P150 # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الجملة فعند هذا الذكر كلف الإنسان في حق ~~الوالدين بخمسة أشياء : # النوع الأول : قوله تعالى : { فلا تقل لهما أف } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الزجاج : فيه سبع لغات : كسر الفاء وضمها وفتحها ، ~~وكل هذه الثلاثة بتنوين وبغير تنوين فهذه ستة ms5716 واللغة السابعة أفي بالياء ~~قال الأخفش : كأنه أضاف هذا القول إلى نفسه فقال قولي هذا وذكر ابن ~~الأنباري : من لغات هذه اللفظة ثلاثة زائدة على ما ذكره الزجاج : { أف } ~~بكسر الألف وفتح الفاء وافه بضم الألف وادخال الهاء و { أف } بضم الألف ~~وتسكين الفاء . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر : بفتح الفاء من غير تنوين ، ~~ونافع وحفص : بكسر الفاء والتنوين ، والباقون : بكسر الفاء من غير تنوين ~~وكلها لغات ، وعلى هذا الخلاف في سورة الأنبياء { أف لكم } ( الأنبياء : 67 ~~) وفي الأحقاف : { أف لكما } ( الأحقاف : 17 ) وأقول : البحث المشكل ههنا ~~أنا لما نقلنا عشرة أنواع من اللغات في هذه اللفظة / فما السبب في أنهم ~~تركوا أكثر تلك اللغات في قراءة هذه اللفظة ، واقتصروا على وجوه قليلة منها ~~؟ # المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير هذه اللفظة وجوها : الأول : قال الفراء ~~: تقول العرب جعل فلان يتأفف من ريح وجدها ، معناه يقول : أف أف . الثاني : ~~قال الأصمعي : الأف وسخ الأذن . والتف وسخ الظفر . يقال ذلك عند استقذار ~~الشيء ، ثم كثر حتى استعملوا عند كل ما يتأذون به . / الثالث : قال بعضهم ~~أف معناه قلة ، وهو مأخوذ من الأفيف وهو الشيء القليل وتف أتباع له ، ~~كقولهم : شيطان ليطان خبيث نبيث . الرابع : روى ثعلب عن ابن الأعرابي : ~~الأف الضجر . الخامس : قال القتبي : أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك تراب ~~أو رماد نفخت فيه لتزيله والصوت الحاصل عند تلك النفخة هو قولك أف ، ثم ~~إنهم توسعوا فذكروا هذه اللفظة عند كل مكروه يصل إليهم . السادس : قال ~~الزجاج : أف معناه النتن وهذا قول مجاهد ، لأنه قال معنى قوله : { ولا * ~~تقل لهما أف } أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك كنت تخر أو تبول ، وفي ~~رواية أخرى عن مجاهد أنه إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف . # المسألة الرابعة : قول القائل : لا تقل لفلان أف ، مثل يضرب للمنع من كل ~~مكروه وأذية وإن خف وقل . واختلف الأصوليون في أن دلالة هذا للفظ على المنع ~~من سائر أنواع الإيذاء ms5717 دلالة لفظية أو دلالة مفهومة بمقتضى القياس . قال ~~بعضهم : إنها دلالة لفظية ، لأن أهل العرف إذا قالوا : لا تقل لفلان أف ~~عنوا به أنه لا يتعرض له بنوع من أنواع الإيذاء والايحاش ، وجرى هذا مجرى ~~قولهم فلان لا يملك نقيرا ولا قطميرا في أنه بحسب العرف يدل على أنه لا ~~يملك شيئا . # والقول الثاني : أن هذا اللفظ إنما يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء ~~بحسب القياس الجلي ، وتقريره أن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن حكم ~~صورة أخرى ، فإذا أردنا إلحاق الصورة المسكوت عن حكمها بالصورة المذكور ~~حكمها فهذا على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يكون ثبوت ذلك الحكم في محل ~~السكوت أولى من ثبوته في محل الذكر مثل هذه الصورة ، فإن اللفظ إنما دل على ~~المنع من التأفيف ، والضرب أولى بالمنع من التأفيف . وثانيها : أن يكون ~~الحكم في محل السكوت مساويا للحكم في محل الذكر ، وهذا هو الذي يسميه ~~الأصوليون القياس في معنى الأصل ، وضربوا لهذا مثلا وهو قوله عليه ~~PageV20P151 السلام : ( من أعتق نصيبا له من عبد قوم عليه الباقي ) فإن ~~الحكم في الأمة والعبد متساويان . وثالثها : أن يكون الحكم في محل السكوت ~~أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكبر القياسات . # إذا عرفت هذا فنقول : المنع من التأفيف إنما يدل على المنع من الضرب ~~بواسطة القياس الجلي الذي يكون من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى . ~~والدليل عليه : أن التأفيف غير الضرب ، فالمنع من التأفيف لا يكون منعا من ~~الضرب ، وأيضا المنع من التأفيف لا يستلزم المنع من الضرب عقلا ، لأن الملك ~~الكبير إذا أخذ ملكا عظيما كان عدوا له ، فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف ~~به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته ، وإذا كان هذا معقولا في الجملة ~~علمنا أن المنع من / التأفيف مغاير للمنع من الضرب وغير مستلزم للمنع من ~~الضرب عقلا في الجملة ، إلا أنا علمنا في هذه الصورة أن المقصود من هذا ~~الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين بدليل قوله : { وقل لهما قولا ms5718 كريما * ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع ~~من الضرب من باب القياس بالأدنى على الأعلى ، والله أعلم . # النوع الثاني : من الأشياء التي كلف الله تعالى العباد بها في حق الأبوين ~~قوله : { ولا تنهرهما } يقال : نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره . قال ~~تعالى : { وأما السائل فلا تنهر } ( الضحى : 10 ) . # فإن قيل : المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بطريق الأولى ، ~~فلما قدم المنع من التأفيف كان ذكر المنع من الانتهار بعده عبثا . أما لو ~~فرضنا أنه قدم المنع من الانتهار ثم أتبعه بالمنع من التأفيف كان مفيدا ~~حسنا ، لأنه يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف ، فما السبب في ~~رعاية هذا الترتيب ؟ # قلنا : المراد من قوله : { فلا تقل لهما أف } المنع من إظهار الضجر ~~بالقليل أو الكثير ، والمراد من قوله : { ولا تنهرهما } المنه من إظهار ~~المخالفة في القول على سبيل الرد عليه والتكذيب له . # النوع الثالث : قوله تعالى : { وقل لهما قولا كريما } واعلم أنه تعالى ~~لما منع الإنسان بالآية المتقدمة عن ذكر القول المؤذي الموحش . والنهي عن ~~القول المؤذي لا يكون أمرا بالقول الطيب ، لا جرم أردفه بأن أمره بالقول ~~الحسن والكلام الطيب فقال : { وقل لهما قولا كريما } والمراد منه أن يخاطبه ~~بالكلام المقرون بأمارات التعظيم والاحترام . قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه : هو أن يقول له : يا أبتاه يا أماه ، وسئل سعيد بن المسيب عن القول ~~الكريم فقال : هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ، وعن عطاء أن يقال : هو أن ~~تتكلم معه بشرط أن لا ترفع عليهما صوتك ولا تشد إليهما نظرك ، وذلك لأن ~~هذين الفعلين ينافيان القول الكريم . # فإن قيل : إن إبراهيم عليه السلام كان أعظم الناس حلما وكرما وأدبا ، ~~فكيف قال لأبيه يا آزر على قراءة من قرأ : { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر } ~~بالضم : { إنى أراك وقومك فى ضلال مبين } ( الأنعام : 74 ) فخاطبه بالاسم ~~وهو إيذاء ، ثم نسبه ونسب قومه إلى الضلال وهو أعظم أنواع الإيذاء ؟ # قلنا : إن ms5719 قوله تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين ~~إحسانا } يدل على أن حق الله تعالى مقدم على حق الأبوين ، فإقدام إبراهيم ~~عليه السلام على ذلك الإيذاء إنما كان تقديما لحق الله تعالى على حق ~~الأبوين . # النوع الرابع : قوله : { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } والمقصود منه ~~المبالغة في التواضع ، / وذكر PageV20P152 القفال رحمه الله في تقريره ~~وجهين : الأول : أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه ، ~~ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية ، فكأنه قال للولد : اكفل ~~والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك . والثاني : أن ~~الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه وإذا أراد ترك الطيران وترك ~~الارتفاع خفض جناحه . فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه . # فإن قيل : كيف أضاف الجناح إلى الذل والذل لا جناح له ؟ # قلنا : فيه وجهان : الأول : أنه أضيف الجناح إلى الذل كما يقال : حاتم ~~الجود فكما أن المراد هناك حاتم الجواد فكذلك ههنا المراد ، واخفض لهما ~~جناحك الذليل ، أي المذلول . والثاني : أن مدار الاستعارة على الخيالات ~~فههنا تخيل للذل جناحا وأثبت لذلك الجناح ضعفا تكميلا لأمر هذه الاستعارة ~~كما قال لبيد : # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # فأثبت للشمال يدا ووضع زمامها في يد الشمال فكذا ههنا وقوله : { من ~~الرحمة } معناه : ليكن خفض جناحك لهما بسبب فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما ~~بسبب كبرهما وضعفهما . # والنوع الخامس : قوله : { وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا } وفيه مباحث ~~: # البحث الأول : قال القفال رحمه الله تعالى : إنه لم يقتصر في تعليم البر ~~بالوالدين على تعليم الأقوال بل أضاف إليه تعليم الأفعال وهو أن يدعو لهما ~~بالرحمة فيقول : { رب ارحمهما } ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين ~~والدنيا . ثم يقول : { كما ربيانى صغيرا } يعين رب افعل بهما هذا النوع من ~~الإحسان كما أحسنا إلي في تربيتهما إياي ، والتربية هي التنمية ، وهي من ~~قولهم ربا الشيء إذا انتفع ، ومنه قوله تعالى : { فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت } ( فصلت ms5720 : 39 ) . # البحث الثاني : اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال : # القول الأول : أنها منسوخة بقوله تعالى : { ما كان للنبى والذين ءامنوا ~~أن يستغفروا للمشركين } ( التوبة : 113 ) فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر ~~لوالديه إذا كانا مشركين ، ولا يقول : رب ارحمهما . # والقول الثاني : أن هذه الآية غير منسوخة ، ولكنها مخصوصة في حق المشركين ~~، وهذا أولى من القول الأول لأن التخصيص أولى من النسخ . # والقول الثالث : أنه لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله ~~أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد ، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان . # / البحث الثالث : ظاهر الأمر للوجوب فقوله : { وقل رب ارحمهما } أمر ~~وظاهر الأمر لا يفيد التكرار فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا ~~القول مرة واحدة ، سئل سفيان : كم يدعو الإنسان لوالديه ؟ أفي اليوم مرة أو ~~في الشهر أو في السنة ؟ فقال : نرجو أن نجزئه إذا دعا لهما في أواخر ~~التشهدات كما أن الله تعالى قال : { النبى ياأيها الذين ءامنوا صلوا عليه } ~~( الأحزاب : 56 ) فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وكما أن الله تعالى قال : { واذكروا الله فى أيام معدودات } ( ~~البقرة : 203 ) فهم يكررون في أدبار الصلوات . PageV20P153 # ثم قال تعالى : { ربكم أعلم بما فى نفوسكم إن تكونوا صالحين } والمعنى ~~أنا قد أمرناكم في هذه الآية بإخلاص العبادة لله تعالى وبالإحسان بالوالدين ~~، ولا يخفى على الله ما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص في الطاعة وعدم ~~الإخلاص فيها ، فاعلموا أن الله تعالى مطلع على ما في نفوسكم بل هو أعلم ~~بتلك الأحوال منكم بها ، لأن علوم البشر قد يختلط بها السهو والنسيان وعدم ~~الإحاطة بالكل ، فأما علم الله فمنزه عن كل هذه الأحوال ، وإذا كان الأمر ~~كذلك كان عالما بكل ما في قلوبكم والمقصود منه التحذير عن ترك الإخلاص . # ثم قال تعالى : { إن تكونوا صالحين } أي إن كنتم برآء عن جهات الفساد في ~~أحوال قلوبكم كنتم أوابين ، أي رجاعين إلى الله منقطعين إليه في كل الأعمال ~~وسنة الله ms5721 وحكمه في الأوابين أنه غفور لهم يكفر عنهم سيآتهم ، والأواب هو ~~الذي من عادته وديدنه الرجوع إلى أمر الله تعالى والالتجاء إلى فضله ولا ~~يلتجىء إلى شفاعة شفيع كما يفعله المشركون الذين يعبدون من دون الله جمادا ~~يزعمون أنه يشفع لهم ، ولفظ الأواب على وزن فعال ، وهو يفيد المداومة ~~والكثرة كقولهم : قتال وضراب والمقصود من هذه الآية أن الآية الأولى لما ~~دلت على وجوب تعظيم الوالدين من كل الوجوه ثم إن الولد قد يظهر منه نادرة ~~مخلة بتعظيمهما فقال : { ربكم أعلم بما فى نفوسكم } يعني أنه تعالى عالم ~~بأحوال قلوبكم فإن كانت تلك الهفوة ليست لأجل العقوق بل ظهرت بمقتضى الجبلة ~~البشرية كانت في محل الغفران والله أعلم . # ! 7 < { وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا * إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا * وإما تعرضن عنهم ~~ابتغآء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 26 - 28 ) وآت ذا القربى . . . . . # > > # /اعلم أن هذا هو النوع الرابع من أعمال الخير والطاعة المذكورة في هذه ~~الآيات وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وءات } خطاب مع من ؟ فيه قولان : # القول الأول : أنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم فأمره الله أن يؤتي ~~أقاربه الحقوق التي وجبت لهم في الفيء والغنيمة ، وأوجب عليه أيضا إخراج حق ~~المساكين وأبناء السبيل أيضا من هذين المثالين . # والقول الثاني : أنه خطاب للكل والدليل عليه أنه معطوف على قوله : { وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه } ( الإسراء : 23 ) والمعنى : أنك بعد فراغك من بر ~~الوالدين ، يجب أن تشتغل ببر سائر الأقارب الأقرب فالأقرب ، ثم بإصلاح ~~أحوال المساكين وأبناء السبيل . # واعلم أن قوله تعالى : { وءات ذا القربى حقه } مجمل وليس فيه بيان أن ذلك ~~الحق ما هو ؟ وعند الشافعي رحمه الله أنه لا يجب الانفاق إلا على الولد ~~والوالدين ، وقال قوم : يجب الإنفاق على المحارم بقدر PageV20P154 الحاجة ~~واتفقوا على أن من لم يكن من المحارم كأبناء العم فلا حق لهم إلا الموادة ~~والزيارة وحسن المعاشرة ms5722 والمؤالفة في السراء والضراء . أما المسكين وابن ~~السبيل فقد تقدم وصفهما في سورة التوبة في تفسير آية الزكاة . ويجب أن يدفع ~~إلى المسكين ما يفي بقوته وقوت عياله ، وأن يدفع إلى ابن السبيل ما يكفيه ~~من زاده وراحلته إلى أن يبلغ مقصده . # ثم قال تعالى : { ولا تبذر تبذيرا } والتبذير في اللغة إفساد المال ~~وإنفاقه في السرف . قال عثمان بن الأسود : كنت أطوف في المساجد مع مجاهد ~~حول الكعبة فرفع رأسه إلى أبي قبيس وقال : لو أن رجلا أنفق مثل هذا في طاعة ~~الله لم يكن من المسرفين ، ولو أنفق درهما واحدا في معصية الله كان من ~~المسرفين . وأنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر فقيل له لا خير في السرف فقال : ~~لا سرف في الخير ، وعن عبد الله بن عمر قال : مر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال : ما هذا السرف يا سعد ؟ فقال : أو في الوضوء سرف ~~؟ قال : نعم : وإن كنت على نهر جار ثم نبه تعالى على قبح التبذير بإضافته ~~إياه إلى أفعال الشياطين فقال : { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } ~~والمراد من هذه الأخوة التشبه بهم في هذا الفعل القبيح ، وذلك لأن العرب ~~يسمون الملازم للشيء أخا له ، فيقولون : فلان أخو الكرم والجود ، وأخو ~~السفر إذا كان مواظبا على هذه الأعمال ، وقيل قوله : { إخوان الشياطين } أي ~~قرناءهم في الدنيا والآخرة كما قال : { ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له ~~شيطانا فهو له قرين } ( الأعراف : 36 ) وقال تعالى : { احشروا الذين ظلموا ~~وأزواجهم } ( الصافات : 22 ) أي قرناءهم من الشياطين ، ثم إنه تعالى بين ~~صفة الشيطان فقال : { وكان الشيطان لربه كفورا } ومعنى كون الشيطان كفورا ~~لربه ، هو أنه يستعمل بدنه في المعاصي والإفساد في الأرض ، والإضلال للناس ~~. وكذلك كل من رزقه الله تعالى مالا أو جاها فصرفه إلى غير مرضاة الله ~~تعالى كان كفورا لنعمة الله تعالى ، والمقصود : أن المبذرين إخوان الشياطين ~~، بمعنى كونهم موافقين للشياطين في الصفة والفعل / ثم الشيطان كفور لربه ~~فيلزم كون المبذر أيضا كفورا ms5723 لربه ، وقال بعض العلماء : خرجت هذه الآية على ~~وفق عادة العرب وذلك لأنهم كانوا يجمعون الأموال بالنهب والغارة ثم كانوا ~~ينفقونها في طلب الخيلاء والتفاخر ، وكان المشركون من قريش وغيرهم ينفقون ~~أموالهم ليصدوا الناس عن الإسلام وتوهين أهله ، وإعانة أعدائه فنزلت هذه ~~الآية تنبيها على قبح أعمالهم في هذا الباب . # ثم قال تعالى : { وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } والمعنى : ~~أنك إن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من التصريح بالرد ~~بسبب الفقر والقلة : { فقل لهم قولا ميسورا } أي سهلا لينا وقوله : { ~~ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } كناية عن الفقر ، لأن فاقد المال يطلب رحمة ~~الله وإحسانه . فلما كان فقد المال سببا لهذا الطلب ولهذا الابتغاء أطلق ~~اسم السبب على المسبب فسمى الفقر بابتغاء رحمة الله تعالى ، والمعنى : أن ~~عند حصول الفقر والقلة لا تترك تعهدهم بالقول الجميل والكلام الحسن ، بل ~~تعدهم بالوعد الجميل وتذكر لهم العذر وهو حصول القلة وعدم المال ، أو تقول ~~لهم : الله يسهل ، وفي تفسير القول الميسور وجوه : الأول : القول الميسور ~~هو الرد بالطريق الأحسن . والثاني : القول الميسور اللين السهل قال الكسائي ~~: يسرت أيسر له القول أي لينته له . الثالث : قال بعضهم : القول الميسور ~~مثل قوله : { قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى } ( البقرة : 363 ) ~~قالوا : والميسور هو المعروف ، لأن القول المتعارف لا يحوج إلى تكلف ، ~~والله أعلم . # PageV20P155 ! 7 < { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ~~فتقعد ملوما محسورا * إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 29 - 30 ) ولا تجعل يدك . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما أمره بالانفاق في الآية المتقدمة علمه في هذه الآية ~~أدب الإنفاق ، واعلم أنه تعالى شرح وصف عبادة المؤمنين في الإنفاق في سورة ~~الفرقان فقال : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما } ( الفرقان : 67 ) فههنا أمر رسوله بمثل ذلك الوصف فقال : { ولا ~~تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } أي لا تمسك عن الإنفاق بحيث ms5724 تضيق على نفسك ~~وأهلك في وجوه صلة الرحم وسبيل الخيرات ، والمعنى : لا تجعل يدك في ~~انقباضها كالمغلولة الممنوعة من الانبساط : { ولا تبسطها كل البسط } أي ولا ~~تتوسع في الإنفاق توسعا مفرطا بحيث لا يبقى في يدك شيء . وحاصل الكلام : أن ~~الحكماء ذكروا في كتب ( الأخلاق ) أن لكل خلق طرفي إفراط وتفريط وهما ~~مذمومان ، فالبخل إفراط في الإمساك ، والتبذير إفراط في الإنفاق وهما ~~مذمومان ، والخلق الفاضل هو العدل والوسط كما قال تعالى : { وكذالك جعلناكم ~~أمة وسطا } . # ثم قال تعالى : { فتقعد ملوما محسورا } أما تفسير تقعد ، فقد سبق في ~~الآية المتقدمة . وأما كونه ملوما فلأنه يلوم نفسه . وأصحابه أيضا يلومونه ~~على تضييع المال بالكلية وإبقاء الأهل والولد في الضر والمحنة ، وأما كونه ~~محسورا فقال الفراء : تقول العرب للبعير : هو محسور إذا انقطع سيره وحسرت ~~الدابة إذا سيرها حتى ينقطع سيرها ، ومنه قوله تعالى : { ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير } ( الملك : 4 ) وجمع الحسير حسرى مثل قتلى وصرعى ، وقال ~~القفال : المقصود تشبيه حال من أنفق كل ماله ونفقاته بمن انقطع في سفره ~~بسبب انقطاع مطيته ، لأن ذلك المقدار من المال كأنه مطية يحمل الإنسان ~~ويبلغه إلى آخر الشهر أو السنة ، كما أن ذلك البعير يحمله ويبلغه إلى آخر ~~المنزل فإذا انقطع ذلك البعير بقي في وسط الطريق عاجزا متحيرا فكذلك إذا ~~أنفق الإنسان مقدار ما يحتاج إليه في مدة شهر بقي في وسط ذلك الشهر عاجزا ~~متحيرا ومن فعل هذا لحقه اللوم من أهله والمحتاجين إلى إنفاقه عليهم بسبب ~~سوء تدبيره وترك الحزم في مهمات معاشه . # ثم قال تعالى : { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } والمقصود أنه عرف ~~رسوله صلى الله عليه وسلم كونه ربا . والرب هو الذي يربي المربوب ويقوم ~~بإصلاح مهماته ودفع حاجاته على مقدار الصلاح والصواب فيوسع الرزق على البعض ~~ويضيقه على البعض . والقدر في اللغة التضييق ، ومنه قوله تعالى : { ومن قدر ~~عليه رزقه } ( الطلاق : 7 ) وقوله تعالى : { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه } ( الفجر : 16 ) أي ضيق ms5725 وإنما وسع على البعض لأن ذلك هو الصلاح لهم ~~قال تعالى : { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الارض ولاكن ينزل بقدر ~~ما يشاء } ( الشورى : 27 ) . # / ثم قال تعالى : { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } يعنى أنه تعالى عالم ~~بأن مصلحة كل إنسان في أن لا PageV20P156 يعطيه إلا ذلك القدر ، فالتفاوت ~~في أرزاق العباد ليس لأجل البخل ، بل لأجل رعاية المصالح . # ! 7 < { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان ~~خطئا كبيرا } > 7 ! # < < # | الإسراء : ( 31 ) ولا تقتلوا أولادكم . . . . . # > > هذا هو النوع الخامس من الطاعات المذكورة في هذه الآيات وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : في تقرير النظم وجوه : # الوجه الأول : أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه هو المتكفل بأرزاق ~~العباد حيث قال : { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } ( الإسراء : 30 ) ~~أتبعه بقوله : { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم } . # الوجه الثاني : أنه تعالى لما علم كيفية البر بالوالدين في الآية ~~المتقدمة علم في هذه الآية كيفية البر بالأولاد ، ولهذا قال بعضهم : إن ~~الذين يسمون بالأبرار إنما سموا بذلك لأنهم بروا الآباء والأبناء وإنما وجب ~~بر الآباء مكافأة على ما صدر منهما من أنواع البر بالأولاد . وإنما وجب ~~البر بالأولاد لأنهم في غاية الضعف ولا كافل لهم غير الوالدين . # الوجه الثالث : أن امتناع الأولاد من البر بالآباء يوجب خراب العالم ، ~~لأن الآباء إذا علموا ذلك قلت رغبتهم في تربية الأولاد ، فيلزم خراب العالم ~~من الوجه الذي قررناه ، فثبت أن عمارة العالم إنما تحصل إذا حصلت المبرة ~~بين الآباء والأولاد من الجانبين . # الوجه الرابع : أن قتل الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو سوء ظن بالله ، وإن ~~كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم ، فالأول ضد التعظيم ~~لأمر الله تعالى ، والثاني : ضد الشفقة على خلق الله تعالى وكلاهما مذموم . ~~والله أعلم . # الوجه الخامس : أن قرابة الأولاد قرابة الجزئية والبعضية ، وهي من أعظم ~~الموجبات للمحبة . فلو لم تحصل المحبة دل ذلك على غلظ شديد في الروح ms5726 ، ~~وقسوة في القلب ، وذلك من أعظم الأخلاق الذميمة ، فرغب الله في الإحسان إلى ~~الأولاد إزالة لهذه الخصلة الذميمة . # المسألة الثانية : العرب كانوا يقتلون البنات لعجز البنات عن الكسب ، ~~وقدرة البنين عليه / بسبب إقدامهم على النهب والغارة ، وأيضا كانوا يخافون ~~أن فقرها ينفر كفأها عن الرغبة فيها فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء ، ~~وفي ذلك عار شديد فقال تعالى : { ولا تقتلوا أولادكم } وهذا لفظ عام للذكور ~~والإناث ، والمعنى : أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولدا ، وهذا المعنى ~~وصف مشترك بين الذكور وبين الإناث . وأما ما يخاف من الفقر من البنات فقد ~~يخاف مثله في الذكور في حال الصغر ، وقد يخاف أيضا في العاجزين من البنين . # ثم قال تعالى : { نحن نرزقهم وإياكم } يعني الأرزاق بيد الله تعالى فكما ~~أنه تعالى فتح أبواب الرزق على الرجال ، فكذلك يفتح أبواب الرزق على النساء ~~. # المسألة الثالثة : الجمهور قرؤا إن قتلهم كان خطأ كبيرا ، أي إثما كبيرا ~~يقال خطىء يخطأ خطأ مثل PageV20P157 أثم يأثم إثما . قال تعالى : { إنا كنا ~~خاطئين } ( يوسف : 97 ) أي آثمين ، وقرأ ابن عامر خطأ بالفتح يقال : أخطأ ~~يخطىء إخطاء وخطأ إذا أتى بما لا ينبغي من غير قصد ، ويكون الخطأ اسما ~~للمصدر ، والمعنى : على هذه القراءة أن قتلهم ليس بصواب . قال القفال رحمه ~~الله ، وقرأ ابن كثير : { * خطاء } بكسر الخاء ممدودة ولعلهما لغتان مثل ~~دفع ودفاع ولبس ولباس . # ! 7 < { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا } > 7 ! # < < # | الإسراء : ( 32 ) ولا تقربوا الزنى . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أمر بالأشياء الخمسة التي تقدم ذكرها ، وحاصلها ~~يرجع إلى شيئين : التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، أتبعها بذكر ~~النهي عن أشياء . أولها : أنه تعالى نهى عن الزنا فقال : { ولا تقربوا } ~~قال القفال : إذا قيل للإنسان لا تقربوا هذا فهذا آكد من أن يقول له لا ~~تفعله ثم إنه تعالى علل هذا النهي بكونه : { كان فاحشة وساء سبيلا } . # واعلم أن الناس قد اختلفوا في أنه تعالى إذا أمر بشيء أو نهى عن شيء فهل ~~يصح ms5727 أن يقال إنه تعالى إنما أمر بذلك الشيء أو نهى عنه لوجه عائد إليه أم ~~لا ؟ فقال القائلون بتحسين العقل وتقبيحه الأمر كذلك . وقال المنكرون : ~~لتحسين العقل وتقبيحه ليس الأمر كذلك ، احتج القائلون بتحسين العقل وتقبيحه ~~على صحة قولهم بهذه الآية قالوا إنه تعالى نهى عن الزنا ، وعلل ذلك النهي ~~بكونه فاحشة فيمتنع أن يكون كونه فاحشة عبارة عن كونه منهيا عنه . وإلا لزم ~~تعليل الشيء بنفسه وهو محال ، فوجب أن يقال : كونه فاحشة وصف حاصل له ~~باعتبار كونه زنا ، وذلك يدل على أن الأشياء تحسن وتقبح لوجوه عائدة إليها ~~في أنفسها ، ويدل أيضا على أن نهي / الله تعالى عنها معلل بوقوعها في ~~أنفسها على تلك الوجوه ، وهذا الاستدلال قريب ، والأولى أن يقال : إن كون ~~الشيء في نفسه مصلحة أو مفسدة أمر ثابت لذاته لا بالشرع ، فإن تناول الغذاء ~~الموافق مصلحة ، والضرب المؤلم مفسدة ، وكونه كذلك أمر ثابت بالعقل لا ~~بالشرع . # وإذا ثبت هذا فنقول : تكاليف الله تعالى واقعة على وفق مصالح العالم في ~~المعاش والمعاد فهذا هو الكلام الظاهري ، وفيه مشكلات هائلة ومباحث عميقة ~~نسأل الله التوفيق لبلوغ الغاية فيها . # إذا عرفت هذا فنقول : الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد : أولها : اختلاط ~~الأنساب واشتباهها فلا يعرف الإنسان أن الولد الذي أتت به الزانية أهو منه ~~أو من غيره ، فلا يقوم بتربيته ولا يستمر في تعهده ، وذلك يوجب ضياع ~~الأولاد ، وذلك يوجب انقطاع النسل وخراب العالم . وثانيها : أنه إذا لم ~~يوجد سبب شرعي لأجله يكون هذا الرجل أولى بهذه المرأة من غيره لم يبق في ~~حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل ، وذلك يفضي إلى فتح باب الهرج ~~والمرج والمقاتلة ، وكم سمعنا وقوع القتل الذريع بسبب إقدام المرأة الواحدة ~~على الزنا . وثالثها : أن المرأة إذا باشرت الزنا وتمرنت عليه يستقذرها كل ~~طبع سليم ، وكل خاطر مستقيم ، وحينئذ لا تحصل الألفة والمحبة ولا يتم السكن ~~والإزدواج ، ولذلك فإن المرأة إذا اشتهرت بالزنا تنفر عن مقارنتها طباع ~~أكثر الخلق . ورابعها : أنه إذا انفتح ms5728 باب الزنا فحينئذ لا يبقى لرجل ~~اختصاص بامرأة ، وكل رجل يمكنه التواثب على كل امرأة شاءت وأرادت . وحينئذ ~~لا يبقى بين نوع الإنسان وبين سائر البهائم PageV20P158 فرق في هذا الباب . ~~وخامسها : أنه ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة بل أن تصير شريكة ~~للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهماته من المطعوم والمشروب والملبوس ، وأن ~~تكون ربة البيت وحافظة للباب وأن تكون قائمة بأمور الأولاد والعبيد ، وهذه ~~المهمات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد منقطعة ~~الطمع عن سائر الرجال ، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا وسد هذا الباب ~~بالكلية . وسادسها : أن الوطء يوجب الذل الشديد ، والدليل عليه أن أعظم ~~أنواع الشتم عند الناس ذكر ألفاظ الوقاع ، ولولا أن الوطء يوجب الذل ، وإلا ~~لما كان الأمر كذلك ، وأيضا فإن جميع العقلاء لا يقدمون على الوطء إلا في ~~المواضع المستورة ، وفي الأوقات التي لا يطلع عليهم أحد / وأن جميع العقلاء ~~يستنكفون عن ذكر أزواج بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم لما يقدمون على وطئهن ، ~~ولولا أن الوطء ذل ، وإلا لما كان كذلك . # وإذا ثبت هذا فنقول : لما كان الوطء ذلا كان السعي في تقليله موافقا ~~للعقول ، فاقتصار المرأة الواحدة على الرجل الواحد سعى في تقليل ذلك العمل ~~، وأيضا ما فيه من الذل يصير مجبورا بالمنافع / الحاصلة في النكاح ، أما ~~الزنا فإنه فتح باب لذلك العمل القبيح ولم يصر مجبورا بشيء من المنافع فوجب ~~بقاؤه على أصل المنع والحجر ، فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضي على ~~الزنا بالقبح . # وإذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى وصف الزنا بصفات ثلاثة كونه فاحشة ، ~~ومقتا في آية أخرى : { وساء سبيلا } أما كونه فاحشة فهو إشارة إلى اشتماله ~~على فساد الأنساب الموجبة لخراب العالم وإلى اشتماله على التقاتل والتواثب ~~على الفروج وهو أيضا يوجب خراب العالم . وأما المقت : فقد ذكرنا أن الزانية ~~تصير ممقوتة مكروهة ، وذلك يوجب عدم حصول السكن والازدواج وأن لا يعتمد ~~الإنسان عليها في شيء من مهماته ومصالحه . وأما أنه ساء سبيلا ، فهو ms5729 ما ~~ذكرنا أنه لا يبقى فرق بين الإنسان وبين البهائم في عدم اختصاص الذكران ~~بالإناث ، وأيضا يبقى ذل هذا العمل وعيبه وعاره على المرأة من غير أن يصير ~~مجبورا بشيء من المنافع ، فقد ذكرنا في قبح الزنا ستة أوجه ؛ والله تعالى ~~ذكر ألفاظا ثلاثة ، فحملنا كل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة على وجهين من ~~تلك الوجوه الستة ، والله أعلم بمراده . # ! 7 < { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف فى القتل إنه كان منصورا } > 7 ! # < < # | الإسراء : ( 33 ) ولا تقتلوا النفس . . . . . # > > هذا هو النوع الثاني مما نهى الله عنه في هذه الآية ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول : إن أكبر الكبائر بعد الكفر بالله القتل ~~، فما السبب في أن الله تعالى بدأ أولا بذكر النهي عن الزنا وثانيا بذكر ~~النهي عن القتل . # وجوابه : أنا بينا أن فتح باب الزنا يمنع من دخول الإنسان في الوجود ، ~~والقتل عبارة عن إبطال الإنسان بعد دخوله في الوجود . ودخوله في الوجود ~~مقدم على إبطاله وإعدامه بعد وجوده ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى ~~PageV20P159 الزنا أولا ثم ذكر القتل ثانيا . # المسألة الثانية : اعلم أن الأصل في القتل هو الحرمة المغلظة ، والحل ~~إنما يثبت بسبب عارضي ، فلما كان الأمر كذلك لا جرم نهى الله عن القتل ~~مطلقا بناء على حكم الأصل ، ثم استثنى عنه الحالة التي يحصل فيها حل القتل ~~وهو عند حصول الأسباب العرضية فقال : { إلا بالحق } / فنفتقر ههنا إلى بيان ~~أن الأصل في القتل التحريم ، والذي يدل عليه وجوه : الأول : أن القتل ضرر ~~والأصل في المضار الحرمة لقوله : { ما جعل * عليكم فى الدين من حرج } ( ~~الحج : 78 ) ولا يريد بكم العسر . ولا ضرر ولا ضرار . الثاني : قوله عليه ~~السلام : ( الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب ) . الثالث : أن ~~الآدمي خلق للاشتغال بالعبادة لقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~} ( الذاريات : 56 ) ولقوله عليه السلام : ( حق الله على العباد أن يعبدوه ~~ولا يشركوا به شيئا ) والاشتغال ms5730 بالعبادة لا يتم إلا عند عدم القتل . ~~الرابع : أن القتل إفساد فوجب أن يحرم لقوله تعالى : { ولا تفسدوا } ( ~~الأعراف : 85 ) . الخامس : أنه إذا تعارض دليل تحريم القتل ودليل إباحته ~~فقد أجمعوا على أن جانب الحرمة راجح ، ولولا أن مقتضى الأصل هو التحريم ~~وإلا لكان ذلك ترجيحا لا لمرجح وهو محال . السادس : أنا إذا لم نعرف في ~~الإنسان صفة من الصفات إلا مجرد كونه إنسانا عاقلا حكمنا فيه بتحريم قتله ، ~~وما لم نعرف شيئا زائدا على كونه إنسانا لم نحكم فيه بحل دمه ، ولولا أن ~~أصل الإنسانية يقتضي حرمة القتل ، وإلا لما كان كذلك فثبت بهذه الوجوه أن ~~الأصل في القتل هو التحريم . وأن حله لا يثبت إلا بأسباب عرضية . # وإذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى حكم بأن الأصل في القتل هو التحريم فقال ~~: { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق } فقوله : { ولا تقتلوا } ~~نهي وتحريم ، وقوله : { حرم الله } إعادة لذكر التحريم على سبيل التأكيد ، ~~ثم استثنى عنه الأسباب العرضية الاتفاقية فقال : { إلا بالحق } ثم ههنا ~~طريقان : # الطريق الأول : أن مجرد قوله : { إلا بالحق } مجمل لأنه ليس فيه بيان أن ~~ذلك الحق ما هو وكيف هو ؟ ثم إنه تعالى قال : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا } أي في استيفاء القصاص من القاتل ، وهذا الكلام يصلح جعله ~~بيانا لذلك المجمل ، وتقريره كأنه تعالى قال : { ولا تقتلوا النفس التى حرم ~~الله إلا بالحق } وذلك الحق هو أن من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا في ~~استيفاء القصاص . وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الحق هذه الصورة فقط ~~، فصار تقدير الآية : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا عند القصاص ، ~~وعلى هذا التقدير فتكون الآية نصا صريحا في تحريم القتل إلا بهذا السبب ~~الواحد / فوجب أن يبقى على الحرمة فيما سوى هذه الصورة الواحدة . # والطريق الثاني : أن نقول : دلت السنة على أن ذلك الحق هو أحد أمور ثلاثة ~~: وهو قوله عليه السلام : ( لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث ms5731 : كفر بعد ~~إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حق ) . # واعلم أن هذا الخبر من باب الآحاد . فإن قلنا : إن قوله : { ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } تفسير لقوله : { إلا بالحق } كانت الآية ~~صريحة في أنه لا يحل القتل إلا بهذا السبب الواحد ، / فحينئذ يصير هذا ~~الخبر مخصصا لهذه الآية ويصير ذلك فرعا لقولنا : إنه يجوز تخصيص عموم ~~القرآن بخبر الواحد ، وأما إن قلنا : إن قوله : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا } ليس تفسيرا لقوله : { إلا بالحق } فحينئذ يصير هذا ~~PageV20P160 الخبر مفسرا للحق المذكور في الآية ، وعلى هذا التقدير لا يصير ~~هذا فرعا على مسألة جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد . فلتكن هذه ~~الدقيقة معلومة والله أعلم . # المسألة الثالثة : ظاهر هذه الآية أنه لا سبب لحل القتل إلا قتل المظلوم ~~، وظاهر الخبر يقتضي ضم شيئين آخرين إليه : وهو الكفر بعد الإيمان ، والزنا ~~بعد الإحصان ، ودلت آية أخرى على حصول سبب رابع وهو قوله تعالى : { إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ~~} ( المائدة : 33 ) ودلت آية أخرى على حصول سبب خامس وهو الكفر . قال تعالى ~~: { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر } ( التوبة : 29 ) وقال ~~: { واقتلوهم حيث وجدتموهم } ( النساء : 89 ) والفقهاء تكلموا واختلفوا في ~~أشياء أخرى فمنها : أن تارك الصلاة هل يقتل أم لا ؟ فعند الشافعي رحمه الله ~~يقتل ، وعن أبي حنيفة رحمه الله لا يقتل . وثانيها : أن فعل اللواط هل يوجب ~~القتل ؟ فعند الشافعي يوجب ، وعند أبي حنيفة لا يوجب . وثالثها : أن الساحر ~~إذا قال : قتلت بسحري فلانا فعند الشافعي يوجب القتل ، وعند أبي حنيفة لا ~~يوجب . ورابعها : أن القتل بالمثقل هل يوجب القصاص ؟ فعند الشافعي يوجب . ~~وعند أبي حنيفة لا يوجب . وخامسها : أن الامتناع من أداء الزكاة هل يوجب ~~القتل أم لا ؟ اختلفوا فيه في زمان أبي بكر . وسادسها : أن إتيان البهيمة ~~هل يوجب القتل ، فعند أكثر الفقهاء لا يوجب ، وعند قوم يوجب ، حجة القائلين ~~بأنه لا يجوز القتل ms5732 في هذه الصور هو أن الآية صريحة في منع القتل على ~~الإطلاق ، إلا لسبب واحد وهو قتل المظلوم ، ففيما عدا هذا السببب الواحد ، ~~وجب البقاء على أصل الحرمة ، ثم قالوا : وهذا النص قد تأكد بالدلائل ~~الكثيرة الموجبة لحرمة الدم على الإطلاق ، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون ~~إلا لمعارض ، وذلك المعارض إما أن يكون نصا متواترا أو نصا من باب الآحاد ~~أو يكون قياسا ، أما النص المتواتر فمفقود ، وإلا لما بقي الخلاف ، وأما ~~النص من باب الآحاد فهو مرجوح بالنسبة إلى هذه النصوص المتواترة الكثيرة ، ~~وأما القياس فلا يعارض النص . فثبت بمقتضى هذا الأصل القوي القاهر أن الأصل ~~في الدماء الحرمة إلا في الصور المعدودة والله أعلم . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ~~فلا يسرف } فيه بحثان : # البحث الأول : أن هذه الآية تدل على أنه أثبت لولي الدم سلطانا ، فأما ~~بيان أن هذه السلطنة تحصل فيما ذا فليس في قوله : { فقد جعلنا لوليه سلطانا ~~} دلالة عليه ثم ههنا طريقان : الأول : أنه تعالى لما قال بعده : { فلا ~~يسرف فى القتل } عرف أن تلك السلطنة إنما حصلت في استيفاء القتل / وهذا / ~~ضعيف لاحتمال أن يكون المراد : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } ~~فلا ينبغي أن يسرف الظالم في ذلك القتل ، لأن ذلك المقتول منصور بواسطة ~~إثبات هذه السلطنة لوليه . والثاني : أن تلك السلطنة مجملة ثم صارت مفسرة ~~بالآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى في سورة البقرة : { المتقون يأيها ~~الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) إلى قوله : { ~~فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } ( البقرة : ~~178 ) وقد بينا في تفسير هذه الآية أنها تدل على أن الواجب هو كون المكلف ~~مخيرا بين القصاص وبين الدية . وأما الخبر فهو قوله عليه السلام يوم الفتح ~~: ( من قتل قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية ) ~~وعلى هذا الطريق فقوله : { فلا يسرف فى القتل } معناه : أنه لما حصلت له ~~سلطنة ms5733 استيفاء القصاص إن شاء ، PageV20P161 وسلطنة استيفاء الدية إن شاء . ~~قال بعده : { فلا يسرف فى القتل } معناه أن الأولى أن لا يقدم على استيفاء ~~القتل وأن يكتفي بأخذ الدية أو يميل إلى العفو وبالجملة فلفظة ( في ) ~~محمولة على الباء ، والمعنى : فلا يصير مسرفا بسبب إقدامه على القتل ويصير ~~معناه الترغيب في العفو والاكتفاء بالدية كما قال : { وأن تعفوا * أقرب ~~للتقوى } ( البقرة : 237 ) . # البحث الثاني : أن في قوله : { ومن قتل مظلوما } ذكر كونه مظلوما بصيغة ~~التنكير ، وصيغة التنكير على ما عرف تدل على الكمال ، فالإنسان المقتول ما ~~لم يكن كاملا في وصف المظلومية لم يدخل تحت هذا النص . قال الشافعي رحمه ~~الله : قد دللنا على أن المسلم إذا قتل الذمي لم يدخل تحت هذه الآية ، ~~بدليل أن الذمي مشرك والمشرك يحل دمه ، إنما قلنا : إنه مشرك لقوله تعالى : ~~{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 116 ~~) حكم بأن ما سوى الشرك مغفور في حق البعض ، فلو كان كفر اليهودي والنصراني ~~شيئا مغايرا للشرك لوجب أن يصير مغفورا في حق بعض الناس بمقتضى هذه الآية ، ~~فلما لم يصر مغفورا في حق أحد دل على أن كفرهم شرك ، ولأنه تعالى قال : { ~~لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } ( البقرة : 73 ) فهذا التثليث ~~الذي قال به هؤلاء ، إما أن يكون تثليثا في الصفات وهو باطل ، لأن ذلك هو ~~الحق وهو مذهب أهل السنة والجماعة فلا يمكن جعله تثليثا للكفر ، وإما أن ~~يكون تثليثا في الذوات ، وذلك هو الحق ولا شك أن القائل به مشرك ، فثبت أن ~~الذمي مشرك ، وإنما قلنا : إن المشرك يجب قتله لقوله تعالى : { اقتلوا * ~~المشركين } ( التوبة : 5 ) ومقتضى هذا الدليل إباحة دم الذمي فإن لم تثبت ~~الإباحة فلا أقل من حصول شبهة الإباحة . # وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت أنه ليس كاملا في المظلومية فلم يندرج تحت قوله ~~تعالى : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } وأما الحر إذا قتل عبدا ~~فهو داخل تحت هذه ms5734 الآية إلا أنا بينا أن قوله : { كتب عليكم القصاص في ~~القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد } ( البقرة : 178 ) يدل على المنع من قتل ~~الحر بالعبد من وجوه كثيرة وتلك الآية أخص من قوله : { ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا } والخاص / مقدم على العام ، فثبت أن هذه الآية لا يجوز ~~التمسك بها في مسألة أن موجب العمد هو القصاص ولا في مسألة أنه يجب قتل ~~المسلم بالذمي ، ولا في مسألة أنه يجب قتل الحر بالعبد والله أعلم . # أما قوله تعالى : { فلا يسرف فى القتل } ففيه مباحث : # البحث الأول : فيه وجوه : الأول : المراد هو أن يقتل القاتل وغير القاتل ~~، وذلك لأن الواحد منهم إذا قتل واحدا من قبيلة شريفة فأولياء ذلك المقتول ~~كانوا يقتلون خلقا من القبيلة الدنيئة فنهى الله تعالى عنه وأمر بالاقتصار ~~على قتل القاتل وحده . الثاني : هو أن لا يرضى بقتل القاتل فإن أهل ~~الجاهلية كانوا يقصدون أشراف قبيلة القاتل ثم كانوا يقتلون منهم قوما ~~معينين ويتركون القاتل . والثالث : هو أن لا يكتفي بقتل القاتل بل يمثل به ~~ويقطع أعضاؤه . قال القفال : ولا يبعد حمله على الكل ، لأن جملة هذه ~~المعاني مشتركة في كونها إسرافا . # البحث الثاني : قرأ الأكثرون : { فلا يسرف } بالياء وفيه وجهان : الأول : ~~التقدير : فلا ينبغي أن يسرف الولي في القتل . الثاني : أن الضمير للقاتل ~~الظالم ابتداء ، أي فلا ينبغي أن يسرف ذلك الظالم وإسرافه عبارة ~~PageV20P162 عن إقدامه على ذلك القتل الظلم ، وقرأ حمزة والكسائي : { فلا } ~~بالتاء على الخطاب ، وهذه القراءة تحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الخطاب ~~للمبتدىء القاتل ظلما كأنه قيل له : لا تسرف أيها الإنسان ، وذلك الإسراف ~~هو إقدامه على ذلك القتل الذي هو ظلم محض ، والمعنى : لا تفعل فإنك إن ~~قتلته مظلوما استوفى القصاص منك . والآخر : أن يكون الخطاب للولي فيكون ~~التقدير : لا تسرف في القتل أيها الولي ، أي اكتف باستيفاء القصاص ولا تطلب ~~الزيادة . وأما قوله : { القتل إنه كان منصورا } ففيه ثلاثة أوجه : الأول : ~~كأنه قيل للظالم المبتدىء بذلك القتل على سبيل الظلم ms5735 لا تفعل ذلك ، فإن ذلك ~~المقتول يكون منصورا في الدنيا والآخرة ، أما نصرته في الدنيا فبقتل قاتله ~~، وأما في الآخرة فبكثرة الثواب له وكثرة العقاب لقاتله . # والقول الثاني : أن هذا الولي يكون منصورا في قتل ذلك القاتل الظالم ~~فليكتف بهذا القدر فإنه يكون منصورا فيه ولا ينبغي أن يطمع في الزيادة منه ~~، لأن من يكون منصورا من عند الله يحرم عليه طلب الزيادة . # والقول الثالث : أن هذا القاتل الظالم ينبغي أن يكتفي باستيفاء القصاص ~~وأن لا يطلب الزيادة . # واعلم أن على القول الأول والثاني ظهر أن المقتول وولي دمه يكونان ~~منصورين من عند الله تعالى وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : قلت لعلي ~~بن أبي طالب عليه السلام وأيم الله ليظهرن عليكم ابن أبي سفيان ، لأن الله ~~تعالى يقول : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } وقال / الحسن : ~~والله ما نصر معاوية على علي عليه السلام إلا بقول الله تعالى : { ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } والله أعلم . # ! 7 < { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا ~~بالعهد إن العهد كان مسؤولا } > 7 ! # < < # | الإسراء : ( 34 ) ولا تقربوا مال . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأشياء التي نهى الله عنها في هذه ~~الآيات . # اعلم أنا ذكرنا أن الزنا يوجب اختلاط الأنساب . وذلك يوجب منع الاهتمام ~~بتربية الأولاد وذلك يوجب انقطاع النسل ، وذلك يوجب المنع من دخول الناس في ~~الوجود ، وأما القتل فهو عبارة عن إعدام الناس بعد دخولهم في الوجود ، فثبت ~~أن النهي عن الزنا والنهي عن القتل يرجع حاصله إلى النهي عن إتلاف النفوس ، ~~فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بالنهي عن إتلاف الأموال ، لأن أعز الأشياء ~~بعد النفوس الأموال ، وأحق الناس بالنهي عن إتلاف أموالهم هو اليتيم ، لأنه ~~لصغره وضعفه وكمال عجزه يعظم ضرره بإتلاف ماله ، فلهذا السبب خصهم الله ~~تعالى بالنهي عن إتلاف أموالهم فقال : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى ~~هى أحسن } ونظيره قوله تعالى : { ولا تأكلوها إسرافا وبدارا ms5736 أن يكبروا ومن ~~كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } ( النساء : 6 ) وفي ~~تفسير قوله : { إلا بالتى هى أحسن } وجهان : الأول : إلا بالتصرف الذي ~~ينميه ويكثره . الثاني : المراد هو أن تأكل معه إذا احتجت إليه ، وروى ~~مجاهد عن ابن عباس قال : إذا احتاج أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه ، فإن لم ~~يوسر فلا شيء عليه . # واعلم أن الولي إنما تبقى ولايته على اليتيم إلى أن يبلغ أشده وهو بلوغ ~~النكاح ، كما بينه الله تعالى PageV20P163 في آية أخرى وهو قوله : { ~~وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم } ( النساء : 6 ) والمراد بالأشد بلوغه إلى حيث يمكنه بسبب عقله ~~ورشده القيام بمصالح ماله ، وعند ذلك تزول ولاية غيره عنه وذلك حد البلوغ ، ~~فأما إذا بلغ غير كامل العقل لم تزل الولاية عنه والله أعلم . وبلوغ العقل ~~هو أن يكمل عقله وقواه الحسية والحركية والله أعلم . # اعلم أنه تعالى أمر بخمسة أشياء أولا ، ثم أتبعه بالنهي عن ثلاثة أشياء ~~وهي النهي عن الزنا ، وعن القتل إلا بالحق ، وعن قربان مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن ، ثم أتبعه بهذه الأوامر الثلاثة فالأول قوله : { وأوفوا ~~بالعهد } . # واعلم أن كل عقد تقدم لأجل توثيق الأمر وتوكيده فهو عهد فقوله : { وأوفوا ~~بالعهد } نظير لقوله تعالى : { عليم يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود } ( ~~المائدة : 1 ) فدخل في قوله : { أوفوا بالعقود } كل عقد من العقود كعقد ~~البيع والشركة ، وعقد اليمين والنذر ، وعقد الصلح ، وعقد النكاح . وحاصل ~~القول فيه : أن مقتضى هذه الآية أن كل عقد وعهد جرى بين إنسانين فإنه يجب ~~عليهما الوفاء بمقتضى ذلك العقد والعهد ، إلا إذا دل دليل منفصل على أنه لا ~~يجب الوفاء به فمقتضاه الحكم بصحة كل بيع وقع التراضي به وبصحة كل شركة وقع ~~التراضي بها ، ويؤكد هذا النص بسائر الآيات الدالة على الوفاء بالعهود ~~والعقود كقوله : { والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } ( البقرة : 177 ) وقوله : ~~{ والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } ( المؤمنون : 8 ) وقوله : { وأحل ~~الله البيع } ( البقرة : 275 ) وقوله : { لا ms5737 تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ( النساء : 29 ) وقوله : { وأشهدوا إذا ~~تبايعتم } ( البقرة : 282 ) وقوله عليه السلام : ( لا يحل مال امرىء مسلم ~~إلا عن طيبة من نفسه ) وقوله : ( إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا ~~بيد ) وقوله : ( من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه ) فجميع هذه ~~الآيات والأخبار دالة على أن الأصل في البيوعات والعهود والعقود الصحة ~~ووجوب الالتزام . # إذا ثبت هذا فنقول : إن وجدنا نصا أخص من هذه النصوص يدل على البطلان ~~والفساد قضينا به تقديما للخاص على العام ، وإلا قضينا بالصحة في الكل ، ~~وأما تخصيص النص بالقياس فقد أبطلناه ، وبهذا الطريق تصير أبواب المعاملات ~~على طولها وأطنابها مضبوطة معلومة بهذه الآية الواحدة ، ويكون المكلف آمن ~~القلب مطمئن النفس في العمل ، لأنه لما دلت هذه النصوص على صحتها فليس بعد ~~بيان الله بيان ، وتصير الشريعة مضبوطة معلومة . PageV20P164 # / ثم قال تعالى : { إن العهد كان } وفيه وجوه : أحدها : أن يراد صاحب ~~العهد كان مسؤلا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله : { حافظين ~~واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) . وثانيها : أن العهد كان مسؤلا أي مطلوبا ~~يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به . وثالثها : أن يكون هذا تخييلا كأنه ~~يقال للعهد لم نكثت وهلا وفي بك تبكيتا للناكث كما يقال للموؤدة : { بأى * ~~ذنب قتلت } ( التكوير : 9 ) وكقوله : { قلت للناس اتخذونى وأمى إلاهين من } ~~( المائدة : 116 ) الآية فالمخاطبة لعيسى عليه السلام والإنكار على غيره . ~~! 7 < { وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذالك خير وأحسن ~~تأويلا } > 7 ! # / < < # | الإسراء : ( 35 ) وأوفوا الكيل إذا . . . . . # > > # النوع الثاني : من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله : { وأوفوا الكيل ~~إذا كلتم } والمقصود منه إتمام الكيل وذكر الوعيد الشديد في نقصانه في قوله ~~: { ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو ~~وزنوهم يخسرون } ( المطففين : 1 3 ) . # النوع الثالث : من الأوامر المذكورة في هذه الآية قوله : { وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم } فالآية المتقدمة في إتمام الكيل ، وهذه الآية في إتمام ~~الوزن ، ونظيره قوله تعالى ms5738 : { وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان } ~~( الرحمن : 9 ) وقوله : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا فى الارض ~~مفسدين } ( هود : 85 ) . # واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل ، والوزن قليل . والوعيد ~~الحاصل عليه شديد عظيم ، فوجب على العاقل الاحتراز منه ، وإنما عظم الوعيد ~~فيه لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء ، وقد يكون ~~الإنسان غافلا لا يهتدي إلى حفظ ماله ، فالشارع بالغ في المنع من التطفيف ~~والنقصان ، سعيا في إبقاء الأموال على الملاك ، ومنعا من تلطيخ النفس بسرقة ~~ذلك المقدار الحقير ، والقسطاس في معنى الميزان إلا أنه في العرف أكبر منه ~~، ولهذا اشتهر في ألسنة العامة أنه القبان . وقيل أنه بلسان الروم أو ~~السرياني . والأصح أنه لغة العرب وهو مأخوذ من القسط ، وهو الذي يحصل فيه ~~الاستقامة والاعتدال ، وبالجملة فمعناه المعتدل الذي لا يميل إلى أحد ~~الجانبين ، وأجمعوا على جواز اللغتين فيه ، ضم القاف وكسرها ، فالكسر قراءة ~~حمزة والكسائي وحفص عن عاصم والباقون بالضم . # ثم قال تعالى : { ذالك خير } أي الإيفاء بالتمام والكمال خير من التطفيف ~~القليل من حيث أن الإنسان يتخلص بواسطته عن الذكر القبيح في الدنيا والعقاب ~~الشديد في الآخرة : { وأحسن تأويلا } والتأويل ما يؤل إليه الأمر كما قال ~~في موضع آخر : { خير * مردا } ( مريم : 76 ) { خير * عقبا } ( الكهف : 46 ) ~~{ خير * أملا } ( الكهف : 44 ) وإنما حكم تعالى بأن عاقبة هذا الأمر أحسن ~~العواقب ، لأنه في الدنيا إذا اشتهر بالاحتراز عن التطفيف عول الناس عليه ~~ومالت القلوب إليه وحصل له الاستغناء في الزمان القليل ، وكم قد رأينا من ~~الفقراء لما اشتهروا عند الناس بالأمانة والاحتراز عن الخيانة أقبلت القلوب ~~عليهم وحصلت الأموال الكثيرة / لهم في المدة القليلة . وأما في الآخرة ~~فالفوز بالثواب العظيم والخلاص من العقاب الأليم . # ! 7 < { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولائك كان ~~عنه مسؤولا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 36 ) ولا تقف ما . . . . . # > > PageV20P165 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح الأوامر الثلاثة ، عاد بعده إلى ~~ذكر النواهي فنهى عن ms5739 ثلاثة أشياء : أولها : قوله : { ولا تقف ما ليس لك به ~~علم } وقوله : { تقف } مأخوذ من قولهم : قفوت أثر فلان أقفو قفوا وقفوا إذا ~~اتبعت أثره ، وسميت قافية الشعر قافية لأنها تقفو البيت ، وسميت القبيلة ~~المشهورة بالقافة ، لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون بها على أحوال ~~الإنسان ، وقال تعالى : { ثم قفينا علىءاثارهم برسلنا } ( الحديد : 27 ) ~~وسمي القفا قفا لأنه مؤخر بدن الإنسان كأنه شيء يتبعه ويقفوه فقوله : { ولا ~~تقف } أي ولا تتبع ولا تقتف ما لا علم لك به من قول أو فعل ، وحاصله يرجع ~~إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوما ، وهذه قضية كلية يندرج تحتها أنواع ~~كثيرة ، وكل واحد من المفسرين حمله على واحد من تلك الأنواع وفيه وجوه : # الوجه الأول : المراد نهي المشركين عن المذاهب التي كانوا يعتقدونها في ~~الإلهيات والنبوات بسبب تقليد أسلافهم ، لأنه تعالى نسبهم في تلك العقائد ~~إلى اتباع الهوى فقال : { إن هى إلا أسماء * ضيزى * إن هى إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون } ( النجم : ~~23 ) وقال في إنكارهم البعث : { بل ادرك علمهم فى الاخرة بل هم فى شك منها ~~بل هم منها عمون } ( النمل : 66 ) وحكي عنهم أنهم قالوا : { إن نظن إلا ظنا ~~وما نحن بمستيقنين } ( الجاثية : 32 ) وقال : { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله } ( القصص : 50 ) وقال : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ~~هاذا حلال وهاذا حرام } ( النحل : 116 ) الآية وقال : { هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن } ( الأنعام : 148 ) . # والقول الثاني : نقل عن محمد بن الحنفية أن المراد منه شهادة الزور ، ~~وقال ابن عباس : لا تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك . # والقول الثالث : المراد منه : النهي عن القذف ورمي المحصنين والمحصنات ~~بالأكاذيب ، وكانت عادة العرب جارية بذلك يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه ~~. # / والقول الرابع : المراد منه النهي عن الكذب . قال قتادة : لا تقل سمعت ~~ولم تسمع ورأيت ولم تر وعلمت ولم تعلم . # والقول الخامس : أن ms5740 القفو هو البهت وأصله من القفا ، كأنه قول يقال خلفه ~~وهو في معنى الغيبة وهو ذكر الرجل في غيبته بما يسوءه . وفي بعض الأخبار من ~~قفا مسلما بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال ، واعلم أن اللفظ عام ~~يتناول الكل فلا معنى للتقليد والله أعلم . # المسألة الثانية : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : القياس لا يفيد ~~إلا الظن والظن مغاير للعلم ، فالحكم في دين الله بالقياس حكم بغير المعلوم ~~، فوجب أن لا يجوز لقوله تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم } . # أجيب عنه من وجوه : الأول : أن الحكم في الدين بمجرد الظن جائز بإجماع ~~الأمة في صور كثيرة : PageV20P166 أحدها : أن العمل بالفتوى عمل بالظن وهو ~~جائز . وثانيها : العمل بالشهادة عمل بالظن وأنه جائز . وثالثها : الاجتهاد ~~في طلب القبلة لا يفيد إلا الظن وأنه جائز . ورابعها : قيم المتلفات وأروش ~~الجنايات لا سبيل إليها إلا بالظن وأنه جائز . وخامسها : الفصد والحجامة ~~وسائر المعالجات بناء على الظن وأنه جائز . وسادسها : كون هذه الذبيحة ~~ذبيحة للمسلم مظنون لا معلوم ، وبناء الحكم عليه جائز . وسابعها : قال ~~تعالى : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها } ( ~~النساء : 35 ) وحصول ذلك الشقاق مظنون لا معلوم . وثامنها : الحكم على ~~الشخص المعين بكونه مؤمنا مظنون ثم نبني على هذا الظن أحكاما كثيرة مثل ~~حصول التوارث ومثل الدفن في مقابر المسلمين وغيرهما . وتاسعها : جميع ~~الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار ، وطلب الأرباح والمعاملات إلى ~~الآجال المخصوصة والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة الأعداء كلها مظنونة ~~وبناء الأمر على تلك الظنون جائز . وعاشرها : قال عليه السلام : ( نحن نحكم ~~بالظاهر والله يتولى السرائر ) وذلك تصريح بأن الظن معتبر في هذه الأنواع ~~العشرة فبطل قول من يقول : إنه لا يجوز بناء الأمر على الظن . # والجواب الثاني : أن الظن قد يسمى بالعلم . والدليل عليه قوله تعالى : { ~~إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار } ( الممتحنة : 10 ) ومن المعلوم أنه إنما ~~يمكن العلم بأيمانهن ms5741 بناء على اقرارهن ، وذلك لا يفيد إلا الظن ، فههنا ~~الله تعالى سمى الظن علما . # والجواب الثالث : أن الدليل القاطع لما دل على وجوب العمل بالقياس ، وكان ~~ذلك الدليل دليلا على أنه متى حصل ظن أن حكم الله في هذه السورة يساوي حكمه ~~في محل النص ، / فأنتم مكلفون بالعمل على وفق ذلك الظن ، فههنا الظن وقع في ~~طريق الحكم ، فأما ذلك الحكم فهو معلوم متيقن . # أجاب نفاة القياس عن السؤال الأول فقالوا : قوله تعالى : { ولا تقف ما ~~ليس لك به علم } عام دخله التخصيص في الصور العشرة المذكورة ، فيبقى هذا ~~العموم فيما وراء هذه الصور حجة ، ثم نقول : الفرق بين هذه الصور العشر ~~وبين محل النزاع أن هذه الصور العشر مشتركة في أن تلك الأحكام أحكام مختصة ~~بأشخاص معينين في أوقات معينة ، فإن الواقعة التي يرجع فيها الإنسان المعين ~~إلى المعنى المعين واقعة متعلقة بذلك الشخص المعين ، وكذلك القول في ~~الشهادة وفي طلب القبلة وفي سائر الصور . والتنصيص على وقائع الأشخاص ~~المعينين في الأوقات المعينة يجري مجرى التنصيص على ما لا نهاية له ، وذلك ~~متعذر ، فلهذه الضرورة اكتفينا بالظن . أما الأحكام المثبتة بالأقيسة فهي ~~أحكام كلية معتبرة في وقائع كلية وهي مضبوطة قليلة ، والتنصيص عليها ممكن ~~ولذلك فإن الفقهاء الذين استخرجوا تلك الأحكام بطريق القياس ضبطوها وذكروها ~~في كتبهم . # إذا عرفت هذا فنقول : التنصيص على الأحكام في الصور العشر التي ذكرتموها ~~غير ممكن فلا جرم اكتفى الشارع فيها بالظن ، أما المسائل المثبتة بالطرق ~~القياسية التنصيص عليها ممكن فلم يجز الاكتفاء فيها بالظن فظهر الفرق . # وأما الجواب الثاني : وهو قولهم الظن قد يسمى علما فنقول : هذا باطل فإنه ~~يصح أن يقال هذا مظنون وغير معلوم ، وهذا معلوم وغير مظنون ، وذلك يدل على ~~حصول المغايرة ، ثم الذي يدل عليه قوله تعالى : PageV20P167 { قل هل عندكم ~~من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن } ( الأنعام : 148 ) نفي العلم ، ~~واثبات للظن ، وذلك يدل على حصول المغايرة ، وأما قوله تعالى : { فإن ~~علمتموهن مؤمنات } ( الممتحنة : 10 ) فالمؤمن هو ms5742 المقر ، وذلك الإقرار هو ~~العلم . # وأما الجواب الثالث : فهو أيضا ضعيف ، لأن ذلك الكلام إنما يتم لو ثبت أن ~~القياس حجة بدليل قاطع وذلك باطل لأن تلك الحجة إما أن تكون عقلية أو نقلية ~~/ والأول باطل لأن القياس الذي يفيد الظن لا يجب عقلا أن يكون حجة ، ~~والدليل عليه أنه لا نزاع أن يصح من الشرع أن يقول : نهيتكم عن الرجوع إلى ~~القياس ولو كان كونه حجة أمرا عقليا محضا لامتنع ذلك . والثاني : أيضا باطل ~~، لأن الدليل النقلي في كون القياس حجة إنما يكون قطعيا لو كان منقولا نقلا ~~متواترا وكانت دلالته على ثبوت هذا المطلوب دلالة قطعية غير محتملة النقيض ~~ولو حصل مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولعرفه الكل ولارتفع الخلاف ، وحيث ~~لم يكن كذلك علمنا أنه لم يحصل في هذه / المسألة دليل سمعي قاطع ، فثبت أنه ~~لم يوجد في إثبات كون القياس حجة دليل قاطع ألبتة ، فبطل قولكم كون الحكم ~~المثبت بالقياس حجة معلوم لا مظنون ، فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل ~~. وأحسن ما يمكن أن يقال في الجواب عنه إن التمسك بهذه الآية التي عولتم ~~عليها تمسك بعام مخصوص ، والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن ، فلو ~~دلت هذه الآية على أن التمسك بالظن غير جائز لدلت على أن التمسك بهذه الآية ~~غير جائز ، فالقول بكون هذه الآية حجة يفضي ثبوته إلى نفيه فكان تناقضا ~~فسقط الاستدلال به والله أعلم . وللمجيب أن يجيب فيقول : نعلم بالتواتر ~~الظاهر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن التمسك بآيات القرآن حجة في ~~الشريعة ويمكن أن يجاب عن هذا الجواب بأن كون العام المخصوص حجة غير معلوم ~~بالتواتر والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله : { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولائك كان عنه } ~~فيه بحثان : # البحث الأول : أن العلوم إما مستفادة من الحواس ، أو من العقول . أما ~~القسم الأول : فإليه الإشارة بذكر السمع والبصر ، فإن الإنسان إذا سمع شيئا ~~ورآه فإنه يرويه ويخبر عنه ، وأما القسم الثاني : فهو العلوم المستفادة ms5743 من ~~العقل وهي قسمان : البديهية والكسبية ، وإلى العلوم العقلية الإشارة بذكر ~~الفؤاد . # البحث الثاني : ظاهر الآية يدل على أن هذه الجوارح مسؤولة وفيه وجوه : # الوجه الأول : أن المراد أن صاحب السمع والبصر والفؤاد هو المسؤول لأن ~~السؤال لا يصح إلا ممن كان عاقلا ، وهذه الجوارح ليست كذلك ، بل العاقل ~~الفاهم هو الإنسان ، فهو كقوله تعالى : { حافظين واسئل القرية } ( يوسف : ~~82 ) والمراد أهلها يقال له لم سمعت ما لايحل لك سماعه ، ولم نظرت إلى ما ~~لا يحل لك النظر إليه ، ولم عزمت على ما لا يحل لك العزم عليه . # والوجه الثاني : أن تقرير الآية أن أولئك الأقوام كلهم مسؤولون عن السمع ~~والبصر والفؤاد فيقال لهم استعملتم السمع فيماذا أفي الطاعة أو في المعصية ~~؟ وكذلك القول في بقية الأعضاء ، وذلك لأن هذه الحواس آلات النفس ، والنفس ~~كالأمير لها والمستعمل لها في مصالحها فإن استعملتها النفس في الخيرات ~~استوجبت الثواب ، وإن استعملتها في المعاصي استحقت العقاب . PageV20P168 # والوجه الثالث : أنه ثبت بالقرآن أنه تعالى يخلق الحياة في الأعضاء ثم ~~إنها تشهد على الإنسان والدليل عليه قوله تعالى : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } ( النور : 24 ) ولذلك لا يبعد أن يخلق ~~الحياة والعقل والنطق في هذه الأعضاء . ثم إنه تعالى يوجه السؤال عليها . # ! 7 < { ولا تمش فى الا رض مرحا إنك لن تخرق الا رض ولن تبلغ الجبال طولا ~~* كل ذالك كان سيئه عند ربك مكروها } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 37 - 38 ) ولا تمش في . . . . . # > > # /اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الأشياء التي نهى الله عنها في هذه ~~الآيات وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المرح شدة الفرح يقال : مرح يمرح مرحا فهو مرح ، ~~والمراد من الآية النهي عن أن يمشي الإنسان مشيا يدل على الكبرياء والعظمة ~~. قال الزجاج : لا تمش في الأرض مختالا فخورا ونظيره قوله تعالى في سورة ~~الفرقان : { وعباد الرحمان الذين يمشون على الارض هونا } ( الفرقان : 63 ) ~~وقال في سورة لقمان : { واقصد فى مشيك واغضض من صوتك } ( لقمان : 19 ) وقال ~~أيضا فيها ms5744 : { ولا تمش فى الارض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور } ( ~~لقمان : 18 ) . # المسألة الثانية ؛ قال الأخفش : ولو قرى : { مرحا } بالكسر كان أحسن في ~~القراءة . قال الزجاج : مرحا مصدر ومرحا اسم الفاعل وكلاهما جائز ، إلا أن ~~المصدر أحسن ههنا وأوكد ، تقول جاء زيد ركضا وراكضا فركضا أوكد لأنه يدل ~~على توكيد الفعل ، ثم إنه تعالى أكد النهي عن الخيلاء والتكبر فقال : { إنك ~~لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا } والمراد من الخرق ههنا نقب الأرض ، ~~ثم ذكروا فيه وجوها : الأول : أن المشي إنما يتم بالارتفاع والانخفاض فكأنه ~~قيل : إنك حال الانخفاض لا تقدر على خرق الأرض ونقبها ، وحال الارتفاع لا ~~تقدر على أن تصل إلى رؤوس الجبال ، والمراد التنبيه على كونه ضعيفا عاجزا ~~فلا يليق به التكبر . الثاني : المراد منه أن تحتك الأرض التي لا تقدر على ~~خرقها . وفوقك الجبال التي لا تقدر على الوصول إليها فأنت محاط بك من فوقك ~~وتحتك بنوعين من الجماد ، وأنت أضعف منهما بكثير ، والضعيف المحصور لا يليق ~~به التكبر فكأنه قيل له : تواضع ولا تتكبر فإنك خلق ضعيف من خلق الله ~~المحصور بين حجارة وتراب فلا تفعل فعل المقتدر القوي : # ثم قال تعالى : { كل ذالك كان سيئه عند ربك مكروها } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الأكثرون قرؤا سيئه بضم الهاء والهمزة وقرى نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو سيئه منصوبة أما وجه قراءة الأكثرين فظاهر من وجهين : # / الوجه الأول : قال الحسن : إنه تعالى ذكر قبل هذا أشياء أمر ببعضا ونهى ~~عن بعضها ، فلو حكم على الكل بكونه سيئه لزم كون المأمور به سيئة وذلك لا ~~يجوز ، أما إذا قرأناه بالإضافة كان المعنى أن ما كان من تلك الأشياء ~~المذكورة سيئة فهو مكروه عند الله واستقام الكلام . PageV20P169 # والوجه الثاني : أنا لو حكمنا على كل ما تقدم ذكره بكونه سيئه لوجب أن ~~يقال : إنها مكروهة وليس الأمر كذلك لأنه تعالى قال : { مكروها } أما إذا ~~قرأناه بصيغة الإضافة كان المعنى أن سيىء تلك الأقسام يكون مكروها ، وحينئذ ~~يستقيم ms5745 الكلام . أما قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو : فيها وجوه : الأول : ~~أن الكلام ، تم عند قوله : { ذالك خير وأحسن تأويلا } ( النساء : 59 ) ثم ~~ابتدأ وقال : { ولا تقف ما ليس لك به علم } ( الإسراء : 36 ) { ولا تمش فى ~~الارض مرحا } ( الإسراء : 37 ) . # ثم قال : { كل ذالك كان سيئه } والمراد هذه الأشياء الأخيرة التي نهى ~~الله عنها . والثاني : أن المراد بقوله : { كل ذالك } أي كل ما نهى الله ~~عنه فيما تقدم . وأما قوله : { مكروها } فذكروا في تصحيحه على هذه القراءة ~~وجوها : الأول : التقدير : كل ذلك كان سيئة وكان مكروها . الثاني : قال ~~صاحب ( الكشاف ) : السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم ~~الصفات فلا اعتبار بتأنيثه ، ولا فرق بين من قرأ سيئة ومن قرأ سيئه . ألا ~~ترى أنك تقول : الزنا سيئة كما تقول السرقة سيئة ، فلا تفرق بين إسنادها ~~إلى مذكر ومؤنث . الثالث : فيه تقديم وتأخير ، والتقدير : كل ذلك كان ~~مكروها وسيئة عند ربك . الرابع : أنه محمول على المعنى لأن السيئة هي الذنب ~~وهو مذكر . # المسألة الثانية : قال القاضي : دلت هذه الآية على أن هذه الأعمال مكروهة ~~عند الله تعالى ، والمكروه لا يكون مرادا له ، فهذه الأعمال غير مرادة لله ~~تعالى فبطل قول من يقول : كل ما دخل في الوجود فهو مراد لله تعالى . وإذا ~~ثبت أنها ليست بإرادة الله تعالى وجب أن لا تكون مخلوقة له لأنها لو كانت ~~مخلوقة لله تعالى لكانت مرادة له لا يقال : المراد من كونها مكروهة أن الله ~~تعالى نهى عنها ، وأيضا معنى كونها مكروهة أن الله تعالى كره وقوعها وعلى ~~هذا التقدير فهذا لا يمنع أن الله تعالى أراد وجودها ، لأن الجواب عن الأول ~~أنه عدول عن الظاهر ، وأيضا فكونها سيئة عند ربك يدل على كونها منهيا عنها ~~فلو حملنا المكروه على النهي لزم التكرار . # والجواب عن الثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الزجر عن هذه ~~الأفعال ، ولا يليق بهذا الموضع أن يقال : إنه يكره وقوعها هذا تمام هذا ~~الاستدلال . # والجواب ms5746 : أن المراد من المكروه المنهي عنه ولا بأس بالتكرير لأجل ~~التأكيد والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال القاضي : دلت هذه الآية على أنه تعالى كما أنه ~~موصوف بكونه مريدا فكذلك أيضا موصوف بكونه كارها . وقال أصحابنا : الكراهية ~~في حقه تعالى محمولة إما على النهي أو على إرادة العدم . والله أعلم . # ! 7 < { ذالك ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلاها ءاخر ~~فتلقى فى جهنم ملوما مدحورا * أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 39 - 40 ) ذلك مما أوحى . . . . . # > > PageV20P170 # / اعلم أنه تعالى جمع في هذه الآية خمسة وعشرين نوعا من التكاليف . ~~فأولها : قوله : { ولا تجعل مع الله إلاها ءاخر } ( الإسراء : 22 ) وقوله : ~~{ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه } ( الإسراء : 23 ) مشتمل على تكليفين : ~~الأمر بعبادة الله تعالى ، والنهي عن عبادة غير الله ، فكان المجموع ثلاثة ~~. وقوله : { وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) هو الرابع ، ثم ذكر في ~~شرح ذلك الإحسان خمسة أخرى وهي : قوله : { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل ~~لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما } ( ~~الإسراء : 23 ، 24 ) فيكون المجموع تسعة ، ثم قال : { وءات ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل } وهو ثلاثة فيكون المجموع إثني عشر . ثم قال : { ولا ~~تبذر تبذيرا } ( الإسراء : 26 ) فيصير ثلاثة عشر . ثم قال : { وإما تعرضن ~~عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا } وهو الرابع عشر ثم ~~قال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } ( الإسراء : 28 ، 29 ) إلى آخر ~~الآية وهو الخامس عشر ، ثم قال : { ولا تقتلوا أولادكم } ( الإسراء : 31 ) ~~وهو السادس عشر ، ثم قال : { ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق } ~~وهو السابع عشر ثم قال : { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا } وهو ~~الثامن عشر ، ثم قال : { فلا يسرف فى القتل } ( الإسراء : 33 ) وهو التاسع ~~عشر ، ثم قال : { وأوفوا بالعهد } ( الإسراء : 34 ) وهو العشرون . ثم قال : ~~{ وأوفوا الكيل إذا كلتم } وهو الحادي والعشرون ، ثم قال : { وزنوا ~~بالقسطاس ms5747 المستقيم } ( الإسراء : 35 ) وهو الثاني والعشرون ، ثم قال : { ~~ولا تقف ما ليس لك به علم } ( الإسراء : 36 ) وهو الثالث والعشرون ، ثم قال ~~: { ولا تمش فى الارض مرحا } ( الإسراء : 37 ) وهو الرابع والعشرون ، ثم ~~قال : { ولا تجعل مع الله إلاها ءاخر } وهو الخامس والعشرون ، فهذه خمسة ~~وعشرون نوعا من التكاليف بعضها أوامر وبعضها نواه جمعها الله تعالى في هذه ~~الآيات وجعل فاتحتها قوله : { ولا تجعل مع الله إلاها ءاخر * فتقعد مذموما ~~مخذولا } ( الإسراء : 22 ) وخاتمتها قوله : { ولا تجعل مع الله إلاها ءاخر ~~فتلقى فى جهنم ملوما مدحورا } . # إذا عرفت هذا فنقول : ههنا فوائد : # الفائدة الأولى ؛ قوله : { ذالك } إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من التكاليف ~~وسماها حكمة ، وإنما / سماها بهذا الاسم لوجوه : أحدها : أن حاصلها يرجع ~~إلى الأمر بالتوحيد وأنواع الطاعات والخيرات والإعراض عن الدنيا والإقبال ~~على الآخرة ، والعقول تدل على صحتها . فالأتي بمثل هذه الشريعة لا يكون ~~داعيا إلى دين الشيطان بل الفطرة الأصلية تشهد بأنه يكون داعيا إلى دين ~~الرحمن ، وتمام تقرير هذا ما نذكره في سورة الشعراء في قوله : { هل أنبئكم ~~على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم } ( الشعراء : 221 ، 222 ) . ~~وثانيها : أن الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع واجبة الرعاية في جميع ~~الأديان والملل ولا تقبل النسخ والإبطال ، فكانت محكمة وحمكة من هذا ~~الاعتبار . وثالثها : أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل ~~العمل به ، فالأمر بالتوحيد عبارة عن القسم الأول وسائر التكاليف عبارة عن ~~تعليم الخيرات حتى يواظب الإنسان عليها ولا ينحرف عنها ، فثبت أن هذه ~~الأشياء المذكورة في هذه الآيات عين الحكمة ، وعن ابن عباس : أن هذه الآيات ~~كانت في ألواح موسى عليه الصلاة والسلام : أولها : { ولا تجعل مع الله ~~إلاها ءاخر } قال تعالى : { وكتبنا له فى الالواح من كل شىء موعظة وتفصيلا ~~لكل شىء } ( الأعراف : 145 ) . # والفائدة الثانية : من فوائد هذه الآية أنه تعالى بدأ في هذه التكاليف ~~بالأمر بالتوحيد ، والنهي عن الشرك PageV20P171 وختمها بعين هذا المعنى ، ~~والمقصود منه التنبيه على ms5748 أن أول كل عمل وقول وفكر وذكر يجب أن يكون ذكر ~~التوحيد ، وآخره يجب أن يكون ذكر التوحيد ، تنبيها على أن المقصود من جميع ~~التكاليف هو معرفة التوحيد والاستغراق فيه ، فهذا التكرير حسن موقعه لهذه ~~الفائدة العظيمة ثم إنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الشرك يوجب أن يكون ~~صاحبه مذموما مخذولا ، وذكر في الآية الأخيرة أن الشرك يوجب أن يلقي صاحبه ~~في جهنم ملوما مدحورا ، فاللوم والخذلان يحصل في الدنيا ، وإلقاؤه في جهنم ~~يحصل يوم القيامة ويجب علينا أن نذكر الفرق بين المذموم المخذول ، وبين ~~الملوم المدحور . فنقول : أما الفرق بين المذموم وبين الملوم ، فهو أن كونه ~~مذموما معناه : أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر ، فهذا معنى ~~كونه مذموما ، وإذا ذكر له ذلك فبعد ذلك يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل ، ~~وما الذي حملك عليه ، وما استفدت من هذا لعمل إلا إلحاق الضرر بنفسك ، وهذا ~~هو اللوم . فثبت أن أول الأمر هو أن يصير مذموما ، وآخره أن يصير ملوما ، ~~وأما الفرق بين المخذول وبين المدحور فهو أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال ~~: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت ، وأما المدحور فهو المطرود . والطرد عبارة عن ~~الاستخفاف والإهانة قال تعالى : { ويخلد فيه مهانا } فكونه مخذولا عبارة عن ~~ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه ، وكونه مدحورا عبارة عن إهانته والاستخفاف به ~~، فثبت أن أول الأمر أن يصير مخذولا ، وآخره أن يصير مدحورا والله أعلم ~~بمراده . # / وأما قوله : { أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملئكة إناثا } فاعلم ~~أنه تعالى لما نبه على فساد طريقة من أثبت لله شريكا ونظيرا نبه على طريقة ~~من أثبت له الولد وعلى كمال جهل هذه الفرقة ، وهي أنهم اعتقدوا أن الولد ~~قسمان ؛ فأشرف القسمين البنون ، وأخسهما البنات . ثم إنهم أثبتوا البنين ~~لأنفسهم مع علمهم بنهاية عجزهم ونقصهم وأثبتوا البنات لله مع علمهم بأن ~~الله تعالى هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له والجلال الذي لا غاية له ، ~~وذلك يدل على نهاية جهل القائل بهذا القول ونظيره ms5749 قوله تعالى : { أم له ~~البنات ولكم البنون } ( الطور : 39 ) وقوله : { ألكم الذكر وله الانثى } ( ~~النجم : 21 ) وقوله : { أفأصفاكم } يقال أصفاه بالشيء إذا آثر به ، ويقال ~~للضياع التي يستخصها السلطان بخاصية الصوافي . قال أبو عبيدة في قوله : { ~~أفأصفاكم } أفخصكم ، وقال المفضل : أخلصكم . قال النحويون هذه الهمزة همزة ~~تدل على الإنكار على صيغة السؤال عن مذهب ظاهر الفساد لا جواب لصاحبه إلا ~~بما فيه أعظم الفضيحة . # ثم قال تعالى : { إنكم لتقولون قولا عظيما } وبيان هذا التعظيم من وجهين ~~: الأول : أن إثبات الولد يقتضي كونه تعالى مركبا من الأجزاء والأبعاض ، ~~وذلك يقدح في كونه قديما واجب الوجود لذاته . وذلك عظيم من القول ومنكر من ~~الكلام . والثاني : أن بتقدير ثبوت الولد فقد جعلتم أشرف القسمين لأنفسكم ~~وأخس القسمين لله . وهذا أيضا جهل عظيم . # ! 7 < { ولقد صرفنا فى هاذا القرءان ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا * قل ~~لو كان معه ءالهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا * سبحانه ~~وتعالى عما يقولون علوا كبيرا * تسبح له السماوات السبع والا رض ومن فيهن ~~وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولاكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا } ~~> 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 41 - 44 ) ولقد صرفنا في . . . . . # > > PageV20P172 # اعلم أن التصريف في اللغة عبارة عن صرف الشيء من جهة إلى جهة ، نحو تصريف ~~الرياح وتصريف الأمور هذا هو الأصل في اللغة ، ثم جعل لفظ التصريف كناية عن ~~التبيين ، لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه من نوع إلى نوع آخر ومن ~~مثال إلى مثال آخر ليكمل الإيضاح ويقوي البيان فقوله : { ولقد صرفنا } أي ~~بينا ومفعول التصريف محذوف وفيه وجوه : أحدها : ولقد صرفنا في هذا القرآن ~~ضروبا من كل مثل . وثانيها : أن تكون لفظة ( في ) زائدة كقوله : { وأصلح لى ~~فى ذريتى } ( الأحقاف : 15 ) أي أصلح لي ذريتي . أما قوله : { ليذكروا } ~~ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ الجمهور { ليذكروا } بفتح الذال والكاف وتشديدهما ، ~~والمعنى : ليتذكروا فأدغمت التاء في الذال لقرب مخرجيهما ، وقرأ حمزة ~~والكسائي ليذكروا ساكنة الذال مضمومة الكاف ، وفي سورة الفرقان ms5750 مثله من ~~الذكر قال الواحدي : والتذكر ههنا أشبه من الذكر ، لأن المراد منه التدبر ~~والتفكر ، وليس المراد منه الذكر الذي يحصل بعد النسيان . ثم قال : وأما ~~قراءة حمزة والكسائي ففيها وجهان : الأول : أن الذكر قد جاء بمعنى التأمل ~~والتدبر كقوله تعالى : { خذوا ما ءاتيناكم بقوة واذكروا ما فيه } ( البقرة ~~: 63 ) والمعنى : وافهموا ما فيه . والثاني : أن يكون المعنى صرفنا هذه ~~الدلائل في هذا القرآن ليذكروه بألسنتهم فإن الذكر باللسان قد يؤدي إلى ~~تأثر القلب بمعناه . # المسألة الثانية : قال الجبائي : قوله : { ولقد صرفنا فى هاذا القرءان ~~ليذكروا } يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا القرآن ، وإنما أكثر فيه من ذكر ~~الدلائل لأنه تعالى أراد منهم فهمها والإيمان بها ، وهذا يدل على أنه تعالى ~~يفعل أفعاله لأغراض حكمية ، ويدل على أنه تعالى أراد الإيمان من الكل سواء ~~آمنوا أو كفروا والله أعلم . # ثم قال تعالى : { وما يزيدهم إلا نفورا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال الأصم : شبههم بالدواب النافرة ، أي ما ازدادوا من ~~الحق إلا بعدا وهو كقوله : { فزادتهم رجسا } ( التوبة : 125 ) . # المسألة الثانية ؛ احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى ما أراد ~~الإيمان من الكفار ، وقالوا : إنه تعالى عالم بأن تصريف القرآن لا يزيدهم ~~إلا نفورا ، فلو أراد الإيمان منهم لما أنزل عليهم ما يزيدهم نفرة ونبوة ~~عنه ، لأن الحكيم إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير ~~سببا لمزيد النفرة والنبوة عنه ، فإنه عندما يحاول تحصيل ذلك المقصود يحترز ~~عما يوجب مزيد النفرة والنبوة . فلما أخبر تعالى أن هذا التصريف يزيدهم ~~نفورا ، علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم . والله أعلم . # / أما قوله تعالى : { قل لو كان معه ءالهة كما * تقولون * إذا لابتغوا ~~إلى ذى العرش سبيلا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في تفسيره وجهان : PageV20P173 # الوجه الأول : أن المراد من قوله : { إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا } ~~هو أنا لو فرضنا وجود آلهة مع الله تعالى لغلب بعضهم بعضا / وحاصله يرجع ~~إلى دليل التمانع وقد شرحناه في سورة الأنبياء في ms5751 تفسير قوله : { لو كان ~~فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) فلا فائدة في الإعادة . # الوجه الثاني : أن الكفار كانوا يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى ، فقال الله لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله ~~زلفى لطلبت لأنفسها أيضا قربة إلى الله تعالى وسبيلا إليه ولطلبت لأنفسها ~~المراتب العالية ، والدرجات الشريفة من الأحوال الرفيعة ، فلما لم تقدر أن ~~تتخذ لأنفسها سبيلا إلى الله فكيف يعقل أن تقربكم إلى الله . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير كما يقولون وعما يقولون ويسبح بالياء في ~~هذه الثلاثة ، والمعنى كما يقول المشركون من إثبات الآلهة من دونه فهو مثل ~~قوله : { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون } ( آل عمران : 12 ) وقرأ حمزة ~~والكسائي كلها بالتاء ، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم في الأول ~~بالتاء على الخطاب ، وفي الثاني والثالث بالياء على الحكاية ، وقرأ حفص عن ~~عاصم الأولين بالياء ، والأخير بالتاء ، وقرأ أبو عمرو الأول والأخير ~~بالتاء والأوسط بالياء . # ثم قال تعالى : { سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : لما أقام الدليل القاطع على كونه منزها عن الشركاء . ~~وعلى أن القول بإثبات الآلهة قول باطل ، أردفه بما يدل على تنزيهه عن هذا ~~القول الباطل فقال : { سبحانه } وقد ذكرنا أن التسبيح عبارة عن تنزيه الله ~~تعالى عما لا يليق به ، ثم قال : { وتعالى } والمراد من هذا التعالي ~~الارتفاع وهو العلو ، وظاهر أن المراد من هذا التعالي ليس هو التعالي في ~~المكان والجهة ، لأن التعالي عن الشريك والنظير والنقائص والآفات لا يمكن ~~تفسيره بالتعالي بالمكان والجهة ، فعلمنا أن لفظ التعالي في حق الله تعالى ~~غير مفسر بالعلو بحسب المكان والجهة . # المسألة الثانية : جعل العلو مصدر التعالي فقال تعالى : { علوا كبيرا } ~~وكان يجب أن يقال تعالى تعاليا كبيرا إلا أن نظيره قوله تعالى : { والله ~~أنبتكم من الارض نباتا } ( نوح : 17 ) . # فإن قيل : ما الفائدة في وصف ذلك العلو بالكبير ؟ # قلنا : لأن المنافاة بين ذاته وصفاته سبحانه وبين ثبوت الصاحبة والولد ms5752 ~~والشركاء والأضداد والأنداد منافاة بلغت في القوة والكمال إلى حيث لا تعقل ~~الزيادة عليها ، لأن المنافاة بين الواجب / لذاته والممكن لذاته ، وبين ~~القديم والمحدث ، وبين الغني والمحتاج منافاة لا تعقل الزيادة عليها فلهذا ~~السبب وصف الله تعالى ذلك العلو بالكبير . # ثم قال تعالى : { تسبح له السماوات والارض * ومن فيهن } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أن الحي المكلف يسبح لله بوجهين : الأول : بالقول ~~كقوله باللسان سبحان الله . والثاني : بدلالة أحواله على توحيد الله تعالى ~~وتقديسه وعزته ، فأما الذي لا يكون مكلفا مثل البهائم ، ومن لا يكون حيا ~~مثل الجمادات فهي إنما تسبح لله تعالى بالطريق الثاني ، لأن التسبيح ~~بالطريق الأول لا يحصل إلا PageV20P174 مع الفهم والعلم والإدراك والنطق ~~وكل ذلك في الجماد محال ، فلم يبق حصول التسبيح في حقه إلا بالطريق الثاني ~~. # واعلم أنا لو جوزنا في الجماد أن يكون عالما متكلما لعجزنا عن الاستدلال ~~بكونه تعالى عالما قادرا على كونه حيا وحينئذ يفسد علينا باب العلم بكونه ~~حيا وذلك كفر فإنه يقال : إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله ~~تعالى وصفاته وتسبحه مع أنها ليست بأحياء فحينئذ لا يلزم من كون الشيء ~~عالما قادرا متكلما كونه حيا فلم يلزم من كونه تعالى عالما قادرا كونه حيا ~~وذلك جهل وكفر / لأن من المعلوم بالضرورة أن من ليس بحي لم يكن عالما قادرا ~~متكلما ، هذا هو القول الذي أطبق العلماء المحققون عليه ، ومن الناس من قال ~~: إن الجمادات وأنواع النبات والحيوان كلها تسبح الله تعالى ، واحتجوا على ~~صحة قولهم بأن قالوا : دل هذا النص على كونها مسبحة لله تعالى ولا يمكن ~~تفسير هذا التسبيح بكونها دلائل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته لأنه ~~تعالى قال : { ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } فهذا يقتضي أن تسبيح هذه الأشياء ~~غير معلوم لنا . ودلالتها على وجود قدرة الله وحكمته معلوم ، والمعلوم ~~مغاير لما هو غير معلوم فدل على أنها تسبح الله تعالى وأن تسبيحها غير ~~معلوم لنا ، فوجب أن يكون التسبيح المذكور في هذه الآية ms5753 مغايرا لكونها دالة ~~على وجود قدرة الله تعالى وحكمته . # والجواب عنه من وجوه : # الوجه الأول : أنك إذا أخذت تفاحة واحدة فتلك التفاحة مركبة من عدد كثر ~~من الأجزاء التي لا تتجزأ ، وكل واحد من تلك الأجزاء دليل تام مستقل على ~~وجود الإله ، ولكل واحد من تلك الأجزاء التي لا تتجزأ حفاة مخصوصة من الطبع ~~والطعم واللون والرائحة والحيز والجهة ، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك ~~الصفة المعينة من الجائزات فلا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر ~~حكيم . # / إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على ~~وجود الإله وكل صفة من الصفات القائمة بذلك الجزء الواحد فهو أيضا دليل تام ~~على وجود الإله تعالى ، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم ، وأحوال تلك الصفات ~~غير معلومة ، فلهذا المعنى قال تعالى : { ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } . # والوجه الثاني : هو أن الكفار وإن كانوا يقرون بألسنتهم بإثبات إله ~~العالم إلا أنهم ما كانوا يتفكرون في أنواع الدلائل ، ولهذا المعنى قال ~~تعالى : { وكأين من ءاية فى * السماوات والارض * يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون } فكان المراد من قوله : { ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } هذا المعنى . # والوجه الثالث : أن القوم وإن كانوا مقرين بألسنتهم بإثبات إله العالم ~~إلا أنهم ما كانوا عالمين بكمال قدرته . ولذلك فإنهم استبعدوا كونه تعالى ~~قادرا على الحشر والنشر فكان المراد ذلك . وأيضا فإنه تعالى قال لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم : { قل لو كان معه ءالهة كما * تقولون * إذا لابتغوا إلى ذى ~~العرش سبيلا } فهم ما كانوا عالمين بهذا الدليل فلما ذكر هذا الدليل قال : ~~{ تسبح له السماوات * السبع والارض ومن فيهن } فتسبيح السموات والأرض ومن ~~فيهن يشهد بصحة هذا الدليل وقوته وأنتم لا تفقهون هذا الدليل ولا تعرفونه ، ~~بل نقول : إن القوم كانوا غافلين عن أكثر دلائل التوحيد والعدل ، والنبوة ~~والمعاد ، فكان المراد من قوله : { ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } ذلك ومما يدل ~~على أن الأمر كما ذكرناه قوله : { إنه كان حليما غفورا } فذكر الحليم ~~PageV20P175 والغفور ههنا يدل ms5754 على أن كونهم بحيث لا يفقهون ذلك التسبيح جرم ~~عظيم صدر عنهم وهذا إنما يكون جرما إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها ~~دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ، ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم ما عرفوا ~~وجه دلالة تلك الدلائل . أما لو حملنا هذا التسبيح على أن هذه الجمادات ~~تسبح الله بأقوالها وألفاظها لم يكن عدم الفقه لتلك التسبيحات جرما ولا ~~ذنبا ، وإذا لم يكن ذلك جرما ولا ذنبا لم يكن قوله : { إنه كان حليما غفورا ~~} لائقا بهذا الموضع ، فهذا وجه قوي في نصرة القول الذي اخترناه . واعلم أن ~~القائلين بأن هذه الجمادات والحيوانات تسبح الله بألفاظها أضافوا إلى كل ~~حيوان نوعا آخر من التسبيح . وقالوا : إنها إذا ذبحت لم تسبح مع أنهم ~~يقولون إن الجمادات تسبح الله ، فإذا كان كونه جمادا لا يمنع من كونه مسبحا ~~، فكيف صار ذبح الحيوان مانعا له من التسبيح ، وقالوا أيضا : إن غصن الشجرة ~~إذا كسر لم يسبح ، وإذا كان كونه جمادا لم يمنع من كونه مسبحا فكسره كيف ~~يمنع من ذلك ، فعلم أن هذه الكلمات ضعيفة والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { تسبح له السماوات * السبع والارض ومن فيهن } ~~تصريح بإضافة التسبيح / إلى السموات والأرض وإلى المكلفين الحاصلين فيهن ~~وقد دللنا على أن التسبيح المضاف إلى الجمادات ليس إلا بمعنى الدلالة على ~~تنزيه الله تعالى وإطلاق لفظ التسبيح على هذا المعنى مجاز ، وأما التسبيح ~~الصادر عن المكلفين وهو قولهم : سبحان الله ، فهذا حقيقة ، فيلزم أن يكون ~~قوله : { تسبح } لفظا واحدا قد استعمل في الحقيقة والمجاز معا ، وأنه باطل ~~على ما ثبت دليله في أصول الفقه ، فالأولى أن يحمل هذا التسبيح على الوجه ~~المجازي في حق الجمادات لا في حق العقلاء لئلا يلزم ذلك المحذور والله أعلم ~~. # ! 7 < { وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالا خرة ~~حجابا مستورا * وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا وإذا ~~ذكرت ربك فى القرءان وحده ولوا على أدبارهم نفورا * نحن أعلم بما يستمعون ~~به إذ ms5755 يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الا مثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } > 7 @QB@ ~~< # | الإسراء : ( 45 - 48 ) وإذا قرأت القرآن . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما تكلم في الآية المتقدمة في المسائل الإلهية تكلم في ~~هذه الآية فيما يتعلق بتقرير النبوة . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { وإذا قرأت القرءان } قولان : # القول الأول : أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا قرأ القرآن على الناس . روي أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~كلما قرأ القرآن قام عن يمينه رجلان / ، وعن يساره آخران من ولد قصي يصفقون ~~ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار ، وعن أسماء أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~جالسا ومعه أبو بكر إذ أقبلت امرأة أبي لهب PageV20P176 ومعها فهر تريد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول : # مذمما أتينا ودينه قلينا وأمره عصينا # فقال أبو بكر : يا رسول الله معها فهر أخشاها عليك ، فتلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذه الآية فجاءت فما رأت رسول الله عليه الصلاة والسلام ~~وقالت : إن قريشا قد علمت أني ابنة سيدها وأن صاحبك هجاني فقال أبو بكر : ~~لا ورب هذا البيت ما هجاك . وروى ابن عباس : أن أبا سفيان والنضر بن الحرث ~~وأبا جهل وغيرهم كانوا يجالسون النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعون إلى ~~حديثه ، فقال النضر يوما : ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحرك ~~بشيء . وقال أبو سفيان : أني لأرى بعض ما يقوله حقا ، وقال أبو جهل : هو ~~مجنون . وقال أبو لهب هو كاهن . وقال حويطب بن عبد العزى هو شاعر ، فنزلت ~~هذه الآية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن قرأ ~~قبلها ثلاثة آيات وهي قوله في سورة الكهف : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه ~~فأعرض عنها ونسى ما } ( الكهف : 57 ) وفي النحل : { أولئك الذين طبع الله ~~على قلوبهم } ( النحل : 108 ) وفي حم الجاثية : { أفرأيت من اتخذ إلاهه ms5756 ~~هواه } ( الجاثية : 23 ) إلى آخر الآية فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه ~~الآيات عن عيون المشركين ، وهو المراد من قوله تعالى : { جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا } وفيه سؤال : وهو أنه كان يجب أن ~~يقال حجابا ساترا . # والجواب عنه من وجوه : # الوجه الأول : أن ذلك الحجاب حجاب يخلقه الله تعالى في عيونهم بحيث ~~يمنعهم ذلك الحجاب عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الحجاب شيء لا ~~يراه فكان مستورا من هذا الوجه ، احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في ~~أنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة ويكون المرئي حاضرا مع أنه لا يراه ذلك ~~الإنسان لأجل أن الله تعالى خلق في عينيه مانعا يمنعه عن رؤيته بهذه الآية ~~قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضرا وكانت حواس الكفار سليمة ، ~~ثم إنهم ما كانوا يرونه ، وأخبر الله تعالى أن ذلك إنما كان لأجل أنه جعل ~~بينه وبينهم حجابا مستورا / والحجاب المستور لا معنى له إلا المعنى الذي ~~خلقه الله تعالى في عيونهم ، وكان ذلك المعنى مانعا لهم من أن يروه ويبصروه ~~. # والوجه الثاني : في الجواب أنه كما يجوز أن يقال لابن وتامر بمعنى ذو لبن ~~وذو تمر فكذلك / لا يبعد أن يقال مستورا معناه ذو ستر والدليل عليه قوله ~~مرطوب أي ذو رطوبة ولا يقال رطيبة ويقال مكان مهول أي فيه هول ولا يقال : ~~هلت المكان بمعنى جعلت فيه الهول ، ويقال : جارية مغنوجة ذات غنج ولا يقال ~~غنجتها . # والوجه الثالث : في الجواب قال الأخفش : المستور ههنا بمعنى الساتر ، فإن ~~الفاعل قد يجيء بلفظ المفعول كما يقال : إنك لمشؤم علينا وميمون وإنما هو ~~شائم ويامن ، لأنه من قولهم شأمهم ويمنهم ، هذا قول الأخفش : وتابعه عليه ~~قوم ، إلا أن كثيرا منهم طعن في هذا القول ، والحق هو الجواب الأول . # القول الثاني : أن معنى الحجاب الطبع الذي على قلوبهم والطبع والمنع الذي ~~منعهم عن أن يدركوا لطائف القرآن ومحاسنه وفوائده ، فالمراد من الحجاب ~~المستور ذلك الطبع الذي خلقه ms5757 الله في قلوبهم . # ثم قال تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا } ~~وهذه الآية مذكورة بعينها في PageV20P177 سورة الأنعام وذكرنا استدلال ~~أصحابنا بها وذكرنا سؤالات المعتزلة ولا بأس بإعادة بعضها قال الأصحاب : ~~دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل قلوبهم في الأكنة . والأكنة جمع كنان وهو ~~ما ستر الشيء مثل كنان النبل وقوله : { أن يفقهوه } أي لئلا يفقهوه . وجعل ~~في آذانهم وقرا . ومعلوم أنهم كانوا عقلاء سامعين فاهمين ، فعلمنا أن ~~المراد منعهم عن الإيمان ومنعهم عن سماع القرآن بحيث لا يقفون على أسراره ~~ولا يفهمون دقائقه وحقائقه . قالت المعتزلة : ليس المراد من الآية ما ذكرتم ~~بل المراد منه وجوه أخرى . الأول : قال الجبائي : كانوا يطلبون موضعه في ~~الليالي لينتهوا إليه ويؤذونه ، ويستدلون على مبيته باستماع قراءته فأمنه ~~الله تعالى من شرهم ، وذكر له أنه جعل بينه وبينهم حجابا لا يمكنهم الوصول ~~إليه معه ، وبين أنه جعل في قلوبهم ما يشغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما ~~يمنع من سماع صوته ، ويجوز أن يكون ذلك مرضا شاغلا يمنعهم من المصير إليه ~~والتفرغ له ، لا أنه حصل هناك كن للقلب ووقر في الأذن . الثاني : قال ~~الكعبي : إن القوم لشدة امتناعهم عن قبول دلائل محمد صلى الله عليه وسلم ~~صاروا كأنه حصل بينهم وبين تلك الدلائل حجاب مانع وساتر ، وإنما نسب الله ~~تعالى ذلك الحجاب إلى نفسه لأنه لما خلاهم مع أنفسهم ، وما منعهم عن ذلك ~~الأعراض صارت تلك التخلية كأنها هي السبب لوقوعهم في تلك الحالة ، وهذا مثل ~~أن السيد إذا لم يراقب أحوال عبده فإذا ساءت سيرته فالسيد يقول : أنا الذي ~~ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك مع رأيك وما راقبت أحوالك . الثالث : ~~قال القفال : إنه تعالى لما خذلهم بمعنى أنه لم يفعل / الألطاف الداعية لهم ~~إلى الإيمان صح أن يقال : إنه فعل الحجاب السائر . # واعلم أن هذه الوجوه مع كلمات أخرى ذكرناها في سورة الأنعام وأجبنا عنها ~~، فلا فائدة في الإعادة . # ثم قال تعالى : { وجعلنا على قلوبهم ms5758 أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا وإذا ~~} واعلم أن المراد أن القوم كانوا عند استماع القرآن على حالتين ، لأنهم ~~إذا سمعوا من القرآن ما ليس فيه ذكر الله تعالى بقوا مبهوتين متحيرين لا ~~يفهمون منه شيئا ، وإذا سمعوا آية فيها ذكر الله تعالى وذم الشرك بالله ~~ولوا نفورا وتركوا ذلك المجلس ، وذكر الزجاج في قوله : { ولوا على أدبارهم ~~نفورا } وجهين : الأول : المصدر والمعنى ولوا نافرين نفورا ، والثاني : أن ~~يكون نفورا جمع نافر مثل شهود وشاهد وركوع وراكع وسجود وساجد وقعود وقاعد . # ثم قال تعالى : { نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك } أي نحن أعلم ~~بالوجه الذي يستمعون به وهو الهزؤ والتكذيب . و { به } في موضع الحال ، كما ~~تقول : مستمعين بالهزؤ و { إذ يستمعون } نصب بأعلم أي أعلم وقت استماعهم ~~بما به يستمعون { وإذا * هم نجوى } أي وبما يتناجون به إذ هم ذو نجوى : { ~~إذ يقول الظالمون } بدل من قوله : { وإذ هم نجوى إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ~~} وفيه مباحث : الأول : قال المفسرون : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عليا أن يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ، ففعل علي عليه ~~السلام ذلك ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن ~~ودعاهم إلى التوحيد وقال : قولوا لا إله إلا الله حتى تطيعكم العرب وتدين ~~لكم العجم فأبوا عليه ذلك ، وكانوا عند استماعهم من النبي صلى الله عليه ~~وسلم القرآن والدعوة إلى الله تعالى يقولون : بينهم متناجين هو ساحر وهو ~~مسحور وما أشبه ذلك من القول ، فأخبر الله تعالى نبيه بأنهم يقولون : { إن ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا } . # فإن قيل : إنهم لم يتبعوا رسول الله فكيف يصح أن يقولوا : { إن تتبعون ~~إلا رجلا مسحورا } . PageV20P178 # قلنا : معناه أنكم إن اتبعتموه فقد اتبعتم رجلا مسحورا ، والمسحور الذي ~~قد سحر فاختلط عليه عقله وزال عن حد الاستواء . هذا هو القول الصحيح ، وقال ~~بعضهم : المسحور هو الذي أفسد . يقال : طعام مسحور إذا أفسد عمله وأرض ~~مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي ms5759 فأفسدها . قال أبو عبيدة : يريد ~~بشرا ذا سحر أي ذارئة . قال ابن قتيبة : ولا أدري ما الذي حمله على هذا ~~التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة ، وقال مجاهد : { ~~مسحورا } أي مخدوعا لأن السحر حيلة وخديعة ، وذلك لأن المشركين كانوا ~~يقولون : إن محمدا يتعلم من بعض الناس هذه الكلمات / وأولئك الناس يخدعونه ~~بهذه الكلمات وهذه الحكايات ، فلذلك قالوا : إنه مسحور أي مخدوع ، وأيضا ~~كانوا يقولون : إن الشيطان يتخيل له فيظن أنه ملك فقالوا : إنه مخدوع من ~~قبل الشيطان . # ثم قال : { انظر كيف ضربوا لك الامثال } أي كل أحد شبهك بشيء آخر ، ~~فقالوا : إنه كاهن وساحر وشاعر ومعلم ومجنون ، فضلوا عن الحق والطريق ~~المستقيم فلا يستطيعون سبيلا إلى الهدى والحق . # ! 7 < { وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا * قل ~~كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر فى صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل ~~الذى فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون ~~قريبا * يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } > 7 @QB@ ~~< # | الإسراء : ( 49 - 52 ) وقالوا أئذا كنا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما تكلم أولا في الإلهيات ثم أتبعه بذكر شبهاتهم في ~~النبوات ، ذكر في هذه الآية شبهات القوم في إنكار المعاد والبعث والقيامة ، ~~وقد ذكرنا كثيرا أن مدار القرآن على المسائل الأربعة وهي : الإلهيات ~~والنبوات والمعاد والقضاء والقدر ، وأيضا أن القوم وصفوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بكونه مسحورا فاسد العقل ، فذكروا من جملة ما يدل على فساد ~~عقله أنه يدعي أن الإنسان بعدما يصير عظاما ورفاتا فإنه يعود حيا عاقلا كما ~~كان ، فذكروا هذا الكلام رواية عنه لتقرير كونه مختل العقل . قال الواحدي ~~رحمه الله : الرفت كسر الشيء بيدك ، تقول : رفته أرفته بالكسر كما يرفت ~~المدر والعظم البالي ، والرفات الأجزاء المتفتتة من كل شيء يكسر . يقال : ~~رفت عظام الجزور رفتا إذا كسرها ، ويقال للتبن : الرفت لأنه دقاق الزرع . ~~قال الأخفش : رفت رفتا ، / فهو مرفوت نحو حطم حطما فهو محطوم والرفات ms5760 ~~والحطام الاسم ، كالجذاد والرضاض والفتات ، فهذا ما يتعلق باللغة . أما ~~تقرير شبهة القوم : فهي أن الإنسان إذا مات جفت أعضاؤه وتناثرت وتفرقت في ~~حوالي العالم فاختلط بتلك الأجزاء سائر أجزاء العالم . أما الأجزاء المائية ~~في البدن فتختلط بمياه العالم ، وأما الأجزاء الترابية فتختلط بتراب العالم ~~، وأما الأجزاء الهوائية فتختلط بهواء العالم ، وأما الأجزاء النارية ~~فتختلط بنار العالم وإذا صار الأمر كذلك فكيف يعقل اجتماعها بأعيانها مرة ~~أخرى . وكيف يعقل عود الحياة PageV20P179 إليها بأعيانها مرة أخرى ، فهذا ~~هو تقرير الشبهة . # والجواب عنها : أن هذا الإشكال لا يتم إلا بالقدح في كمال علم الله وفي ~~كمال قدرته . أما إذا سلما كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات فحينئذ هذه ~~الأجزاء وإن اختلطت بأجزاء العالم إلا أنها متمايزة في علم الله تعالى ولما ~~سلمنا كونه تعالى قادرا على كل الممكنات كان قادرا على إعادة التأليف ~~والتركيب والحياة والعقل إلى تلك الأجزاء بأعيانها ، فثبت أنا متى سلمنا ~~كمال علم الله وكمال قدرته زالت هذه الشبهة بالكلية . # أما قوله تعالى : { قل كونوا حجارة أو حديدا } فالمعنى أن القوم استبعدوا ~~أن يردهم إلى حال الحياة بعد أن صاروا عظاما ورفاتا . وهي وإن كانت صفة ~~منافية لقبول الحياة بحسب الظاهر لكن قدروا انتهاء هذه الأجسام بعد الموت ~~إلى صفة أخرى أشد منافاة لقبول الحياة من كونها عظاما ورفاتا مثل أن تصير ~~حجارة أو حديدا ، فإن المنافاة بين الحجرية والحديدية وبين قبول الحياة أشد ~~من المنافاة بين العظمية وبين قبول الحياة ، وذلك أن العظم قد كان جزءا من ~~بدن الحي . أما الحجارة والحديد فما كانا البتة موصوفين بالحياة ، فبتقدير ~~أن تصير أبدان الناس موصوفة بصفة الحجرية والحديدية بعد الموت ، فإن الله ~~تعالى يعيد الحياة إليها ويجعلها حيا عاقلا كما كان ، والدليل على صحة ذلك ~~أن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل إذ لو لم يكن هذا القبول حاصلا لما حصل ~~العقل والحياة لها في أول الأمر . وإله العالم عالم بجميع الجزئيات فلا ~~تشتبه عليه أجزاء بدن زيد المطيع بأجزاء بدن عمر ms5761 والعاصي . وقادر على كل ~~الممكنات ، وإذا ثبت أن عود الحياة إلى تلك الأجزاء ممكن في نفسه وثبت أن ~~إله العالم عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات ، كان عود الحياة ~~إلى تلك الأجزاء ممكنا قطعا ، سواء صارت عظاما ورفاتا أو صارت شيئا أبعد من ~~العظم في قبول الحياة وهي أن تصير حجارة أو حديدا ، فهذا تقرير هذا الكلام ~~بالدليل العقلي القاطع ، وقوله : { كونوا حجارة أو حديدا } ليس المراد منه ~~الأمر بل المراد أنكم لو كنتم كذلك لما أعجزتم الله تعالى عن الإعادة ، ~~وذلك كقول القائل للرجل : أتطمع في وأنا فلان فيقول : كن من شئت كن ابن ~~الخليفة ، فسأطلب منك حقي . # / فإن قيل : ما المراد بقوله : { أو خلقا } . # قلنا : المراد أن كون الحجر والحديد قابلا للحياة أمر مستبعد ، فقيل لهم ~~: فافرضوا شيئا آخر أبعد عن قبول الحياة من الحجر والحديد بحيث يستبعد ~~عقلكم كونه قابلا للحياة وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى أن يتعين ذلك الشيء ، ~~لأن المراد أن أبدان الناس وإن انتهت بعد موتها إلى أي صفة فرضت وأي حالة ~~قدرت وإن كانت في غاية البعد عن قبول الحياة فإن الله تعالى قادر على إعادة ~~الحياة إليها ، وإذا كان المراد من الآية هذا المعنى فلا حاجة إلى تعيين ~~ذلك الشيء ، وقال ابن عباس : المراد منه الموت ، يعني لو صارت أبدانكم نفس ~~الموت فإن الله تعالى يعيد الحياة إليها ، واعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ~~ذكره على سبيل المبالغة مثل أن يقال : لو كنت عين الحياة فالله يميتك ولو ~~كنت عين الغنى فإن الله يفقرك ، فهذا قد ذكر على سبيل المبالغة ، أما في ~~نفس الأمر فهذا محال ، لأن أبدان الناس أجسام والموت عرض والجسم لا ينقلب ~~عرضا ثم بتقدير أن ينقلب عرضا فالموت لا يقبل الحياة لأن أحد الضدين يمتنع ~~اتصافه بالضد الآخر ، وقال مجاهد : يعني السماء والأرض . # ثم قال : { فسيقولون من يعيدنا قل الذى فطركم أول مرة } والمعنى أنه لما ~~قال لهم : كونوا حجارة أو PageV20P180 حديدا أو شيئا أبعد في ms5762 قبول الحياة ~~من هذين الشيئين فإن إعادة الحياة إليه ممكنة فعند ذلك قالوا : من هذا الذي ~~يقدر على إعادة الحياة إليه ، قال تعالى قل يا محمد : الذي فطركم أول مرة ~~يعني أن القول بصحة الإعادة فرع على تسليم أن خالق الحيوانات هو الله تعالى ~~. # فإذا ثبت ذلك فنقول : إن تلك الأجسام قابلة للحياة والعقل وإله العالم ~~قادر لذاته عالم لذاته فلا يبطل علمه وقدرته ألبتة ، فالقادر على الابتداء ~~يجب أن يبقى قادرا على الإعادة ، وهذا كلام تام وبرهان قوي . # ثم قال تعالى : { فسينغضون إليك } قال الفراء يقال : أنغض فلان رأسه ~~ينغضه إنغاضا إذا حركه إلى فوق وإلى أسفل وسمي الظليم نغضا لأنه يحرك رأسه ~~، وقال أبو الهيثم : يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إنكارا له قد أنغض ~~رأسه فقوله : { فسينغضون إليك } يعني يحركونها على سبيل التكذيب والاستبعاد ~~. ثم قال تعالى : { رؤوسهم ويقولون متى هو } واعلم أن هذا السؤال فاسد ~~لأنهم حكموا بامتناع الحشر والنشر بناء على الشبهة التي حكيناها ، ثم إن ~~الله تعالى بين بالبرهان الباهر كونه ممكنا في نفسه ، فقولهم متى هو كلام ~~لا تعلق له بالبحث الأول ، فإنه لما ثبت بالدليل العقلي كونه ممكن الوجود ~~في نفسه وجب الاعتراف بامكانه ، فأما أنه متى يوجد فذاك لا يمكن إثباته من ~~طريق العقل ، بل إنما يمكن إثباته بالدلائل السمعية فإن أخبر الله تعالى عن ~~ذلك الوقت المعين عرف / وإلا فلا سبيل إلى معرفته . # واعلم أنه تعالى بين في القرآن أنه لا يطلع أحدا من الخلق على وقته ~~المعين ، فقال : { إن الله عنده علم الساعة } ( لقمان : 34 ) وقال : { إنما ~~علمها عند ربي } ( الأعراف : 187 ) وقال : { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها } ~~( طه : 15 ) فلا جرم . قال تعالى : { قل عسى أن يكون قريبا } قال المفسرون ~~عسى من الله واجب معناه أنه قريب . # فإن قالوا : كيف يكون قريبا وقد انقرض ستمائة سنة ولم يظهر ؟ # قلنا : إذا كان ما مضى أكثر مما بقي كان الباقي قريبا قليلا ، ثم قال ~~تعالى : { يوم يدعوكم } وفيه قولان ms5763 : الأول : أنه خطاب مع الكفار بدليل أن ~~ما قبل هذه الآية كله خطاب مع الكفار ، ثم نقول انتصب يوما على البدل من ~~قوله قريبا ، والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم أي بالنداء الذي يسمعكم ~~وهو النفحة الأخيرة كما قال : { يوم يناد المناد من مكان قريب } ( ق : 41 ) ~~يقال : إن إسرافيل ينادي أيتها الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء ~~المتفرقة عودي كما كنت بقدرة الله تعالى وبإذنه وتكوينه ، وقال تعالى : { ~~يوم يدعو الداع إلى شىء نكر } ( القمر : 6 ) وقوله : { فتستجيبون بحمده } ~~أي تجيبون والاستجابة موافقة الداعي فيما دعا إليه وهي الإجابة إلا أن ~~الاستجابة تقتضي طلب الموافقة فهي أوكد من الإجابة ، وقوله : { بحمده } قال ~~سعيد بن جبير : يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون : سبحانك ~~وبحمدك ، فهو قوله : { فتستجيبون بحمده } وقال قتادة بمعرفته وطاعته ، ~~وتوجيه هذا القول أنهم لما أجابوا بالتسبيح والتحميد كان ذلك معرفة منهم ~~وطاعة ولكنهم لا ينفعهم ذلك في ذلك اليوم . فلهذا قال المفسرون : حمدوا حين ~~لا ينفعهم الحمد ، وقال أهل المعاني : تستجيبون بحمده . أي تستجيبون حامدين ~~كما يقال : جاء بغضبه أي جاء غضبان وركب الأمير بسيفه أي وسيفه معه وقال ~~صاحب ( الكشاف ) : بحمده حال منهم أي حامدين ، وهذا مبالغة في انقيادهم ~~للبعث كقولك لمن تأمره بعمل يشق عليه ستأتي به وأنت حامد شاكر ، أي ~~PageV20P181 ستنتهي إلى حالة تحمد الله وتشكره على أن اكتفي منك بذلك العمل ~~وهذا يذكر في معرض التهديد . # ثم قال : { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } قال ابن عباس يريد بين النفختين ~~الأولى والثانية فإنه يزال عنهم العذاب في ذلك الوقت ، والدليل عليه قوله ~~في سورة يس : { من بعثنا من مرقدنا } ( يس : 52 ) فظنهم بأن هذا لبث قليل ~~عائد إلى لبثهم فيما بين النفختين ، وقال الحسن : معناه تقريب وقت البعث ~~فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل فهذا يرجع إلى استقلال مدة اللبث في ~~الدنيا وقيل المراد استقلال لبثهم في عرصة القيامة ؛ لأنه لما كانت عاقبة ~~أمرهم الدخول في النار استقصروا مدة لبثهم في ms5764 برزخ القيامة . # / القول الثاني : أن الكلام مع الكفار تم عند قوله : { عسى أن يكون قريبا ~~} وأما قوله : { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده } فهو خطاب مع المؤمنين لا مع ~~الكافرين لأن هذا الكلام هو اللائق بالمؤمنين لأنهم يستجيبون لله بحمده ، ~~ويحمدونه على إحسانه إليهم ، والقول الأول هو المشهور ، والثاني ظاهر ~~الاحتمال . # ! 7 < { وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن ~~الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا * ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ ~~يعذبكم ومآ أرسلناك عليهم وكيلا * وربك أعلم بمن فى السماوات والا رض ولقد ~~فضلنا بعض النبيين على بعض وءاتينا داوود زبورا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 53 - 55 ) وقل لعبادي يقولوا . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { قل لعبادى } فيه قولان : # القول الأول : أن المراد به المؤمنون ، وذلك لأن لفظ العباد في أكثر آيات ~~القرآن مختص بالمؤمنين قال تعالى : { فبشر عباد * الذين يستمعون القول } ( ~~الزمر : 17 ، 18 ) وقال : { فادخلى فى عبادى } ( الفجر : 29 ) وقال : { ~~عينا يشرب بها عباد الله } ( الإنسان : 6 ) . # إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما ذكر الحجة اليقينية في إبطال الشرك ~~وهو قوله : { لو كان معه ءالهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا ~~} ( الإسراء : 42 ) وذكر الحجة اليقينية في صحة المعاد وهو قوله : { قل ~~الذى فطركم أول مرة } ( الإسراء : 51 ) قال في هذه الآية وقل يا محمد ~~لعبادي إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا تلك الدلائل بالطريق ~~الأحسن . وهو أن لا يكون ذكر الحجة مخلوطا بالشتم والسب ، ونظير هذه الآية ~~قوله : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ( النحل : 125 ) ~~وقوله : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن } ( العنكبوت : 46 ) ~~وذلك لأن ذكر الحجة لو اختلط به شيء من السب والشتم لقابلوكم بمثله كما قال ~~: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } ( ~~الأنعام : 108 ) ويزداد الغضب وتتكامل النفرة ويمتنع حصول المقصود ، أما ~~إذا وقع الاقتصار على ذكر الحجة بالطريق PageV20P182 الأحسن / الخالي عن ~~الشتم والإيذاء أثر في القلب تأثيرا شديدا ms5765 فهذا هو المراد من قوله : { وقل ~~لعبادى يقولوا التى هى أحسن } ثم إنه تعالى نبه على وجه المنفعة في هذا ~~الطريق فقال : { إن الشيطان ينزغ بينهم } جامعا للفريقين أي متى صارت الحجة ~~مرة ممزوجة بالبذاءة صارت سببا لثوران الفتنة . # ثم قال : { إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } والمعنى : أن العداوة ~~الحاصلة بين الشيطان وبين الإنسان عداوة قديمة قال تعالى حكاية عنه : { ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم } ( الأعراف : 17 ~~) وقال : { كمثل الشيطان * إذا * قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنى برىء ~~منك إنى أخاف الله رب العالمين } ( الحشر : 16 ) وقال : { وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم } ( الأنفال : 48 ) وقال : { لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم } إلى قوله : { إني برىء منكم } ( الأنفال : 48 ) . # ثم قال تعالى : { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم } واعلم ~~أنا إنما نتكلم الآن على تقدير أن قوله تعالى : { قل لعبادى } المراد به ~~المؤمنون ، وعلى هذا التقدير فقوله : { ربكم أعلم بكم } خطاب مع المؤمنين / ~~والمعنى : إن يشأ يرحمكم ، والمراد بتلك الرحمة الإنجاء من كفار مكة وأذاهم ~~أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم . ثم قال : { وما أرسلناك } يا محمد { ~~عليهم وكيلا } أي حافظا وكفيلا فاشتغل أنت بالدعوة ولا شيء عليك من كفرهم ~~فإن شاء الله هدايتهم هداهم ، وإلا فلا . # والقول الثاني : أن المراد من قوله : { وقل لعبادى } الكفار ، وذلك لأن ~~المقصود من هذه الآيات الدعوة ، فلا يبعد في مثل هذا الموضع أن يخاطبوا ~~بالخطاب الحسن ليصير ذلك سببا لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى قبول الدين الحق ~~، فكأنه تعالى قال : يا محمد قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عبادا لي يقولوا ~~التي هي أحسن . وذلك لأنا قبل النظر في الدلائل والبينات نعلم بالضرورة أن ~~وصف الله تعالى بالتوحيد والبراءة عن الشركاء والأضداد أحسن من إثبات ~~الشركاء والأضداد ، ووصفه بالقدرة على الحشر والنشر بعد الموت أحسن من وصفه ~~بالعجز عن ذلك ، وعرفهم أنه لا ينبغي لهم أن يصروا على تلك المذاهب ms5766 الباطلة ~~تعصبا للأسلاف ، لأن الحامل على مثل هذا التعصب هو الشيطان ، والشيطان عدو ~~، فلا ينبغي أن يلتفت إلى قوله ثم قال لهم : { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ~~} بأن يوفقكم للإيمان والهداية والمعرفة . وإن يشأ يمتكم ، على الكفر ~~فيعذبكم ، إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق ~~، ولا تصروا على الباطل والجهل لئلا تصيروا محرومين عن السعادات الأبدية ~~والخيرات السرمدية ، ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وما أرسلناك ~~عليهم وكيلا } أي لا تشدد الأمر عليهم ولا تغلظ لهم في القول ، والمقصود من ~~كل هذه الكلمات : إظهار اللين والرفق لهم عند الدعوة فإن ذلك هو الذي يؤثر ~~في القلب ويفيد حصول المقصود . # / ثم قال : { وربك أعلم بمن فى * السماوات والارض } والمعنى أنه لما قال ~~قبل ذلك : { ربكم أعلم بكم } قال بعده : { ربك * أعلم بمن فى * السماوات ~~والارض } بمعنى أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق ~~بجميع الموجودات والمعدومات ومتعلق بجميع ذوات الأرضين والسموات فيعلم حال ~~كل واحد ويعلم ما يليق به من المصالح والمفاسد ، فلهذا السبب فضل بعض ~~النبيين على بعض وآتى موسى التوراة وداود الزبور وعيسى الإنجيل ، فلم يبعد ~~أيضا أن يؤتي محمدا القرآن ولم يبعد أن يفضله على جميع الخلق . PageV20P183 # فإن قيل : ما السبب في تخصيص داود عليه الصلاة والسلام في هذا المقام ~~بالذكر 0 . # قلنا : فيه وجوه : # الوجه الأول : أنه تعالى ذكر أنه فضل بعض النبيين على بعض . # ثم قال : { وءاتينا * داوود * زبورا } يعني أن داود كان ملكا عظيما ، ثم ~~إنه تعالى لم يذكر ما آتاه من الملك وذكر ما آتاه من الكتاب ، تنبيها على ~~أن التفضيل الذي ذكره قبل ذلك ، المراد منه التفضيل بالعلم والدين لا ~~بالمال . # والوجه الثاني : أن السبب في تخصيصه بالدكر أنه تعالى كتب في الزبور أن ~~محمدا خاتم النبيين وأن أمته خير الأمم قال تعالى : { ولقد كتبنا فى الزبور ~~من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادى الصالحون } ( الأنبياء : 105 ) وهم محمد ~~وأمته . # فإن قيل ms5767 : هل عرف كما في فقوله : { ولقد كتبنا في الزبور 5 . # قلنا : التنكير ههنا يدل على تعظيم حاله ، لأن الزبور عبارة عن المزبور ~~فكان معناه الكتاب فكان معنى التنكير أنه كامل في كونه كتابا . # والوجه الثالث : أن السبب فيه أن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدل بل ~~كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات واليهود كانوا يقولون : إنه لا ~~نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة بنقض الله تعالى عليهم كلامهم بإنزال ~~الزبور على داود ، وقرأ حمزة : { زبورا } بضم الزاي ، وذكرنا وجه ذلك في ~~آخر سورة ( النساء : 163 ) . # ! 7 < { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا * أولائك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 56 - 57 ) قل ادعوا الذين . . . . . # > > # اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على المشركين وقد ذكرنا أن المشركين ~~كانوا يقولون ليس لنا أهلية أن نشتغل بعبادة الله تعالى فنحن نعبد بعض ~~المقربين من عباد الله وهم الملائكة ، ثم إنهم اتخذوا لذلك الملك الذي ~~عبدوه تمثالا وصورة واشتغلوا بعبادته على هذا التأويل والله تعالى احتج على ~~بطلان قولهم في هذه الآية فقال : { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه } وليس ~~المراد الأصنام لأنه تعالى قال في صفتهم : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ~~ربهم الوسيلة } وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام ألبتة . # إذا ثبت هذا فنقول : إن قوما عبدوا الملائكة فنزلت هذه الآية فيهم ، وقيل ~~: إنها نزلت في الذين عبدوا المسيح وعزيرا ، وقيل : إن قوما عبدوا نفرا من ~~الجن فأسلم النفر من الجن ، وبقي أولئك الناس متمسكين PageV20P184 بعبادتهم ~~فنزلت هذه الآية ، قال ابن عباس : كل موضع في كتاب الله تعالى ورد فيه لفظ ~~زعم فهو كذب ، ثم إنه تعالى احتج على فساد مذهب هؤلاء أن الإله المعبود هو ~~الذي يقدر على إزالة الضرر ، وإيصال المنفعة ، وهذه الأشياء التي يعبدونها ~~وهي الملائكة والجن والمسيح وعزير لا يقدرون على كشف الضر ms5768 ولا على تحصيل ~~النفع ، فوجب القطع بأنها ليست آلهة . # ولقائل أن يقول : هذا الدليل إنما يتم إذا دللتم على أن الملائكة لا قدرة ~~لها على كشف الضر ولا على تحصيل النفع فما الدليل على أن الأمر كذلك حتى ~~يتم دليلكم ؟ فإن قلتم : لأنا نرى أن أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها فلا ~~تحصل الإجابة . # قلنا : معارضة لذلك قد نرى أيضا أن المسلمين يتضرعون إلى الله تعالى فلا ~~تحصل الإجابة ، والمسلمون يقولون : إن القدر الحاصل من كشف الضر وتحصيل ~~النفع إنما يحصل من الله تعالى لا من الملائكة ، وأولئك الكفار يقولون إنه ~~يحصل من الملائكة لا من الله تعالى ، وعلى هذا التقدير فالدليل غير تام . # والجواب : أن الدليل تام كامل ، وذلك لأن الكفار كانوا مقرين بأن ~~الملائكة / عباد الله وخالق الملائكة ، وخالق العالم لا بد وأن يكون أقدر ~~من الملائكة ، وأقوى منهم ، وأكمل حالا منهم . # وإذا ثبت هذا فنقول : كمال قدرة الله تعالى معلوم متفق عليه ، وكمال قدرة ~~الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه ، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى ~~قدرة الله تعالى قليلة حقيرة ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة ~~الله تعالى أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة ، لأن كون الله مستحقا ~~للعبادة معلوم ، وكون الملائكة كذلك مجهول والأخذ بالمعلوم أولى ، وأما ~~أصحابنا المتكلمون من أهل السنة والجماعة فلهم في هذا الباب طريقة أخرى وهو ~~أنهم يقيمون بالحجة العقلية على أنه لا موجد إلا الله تعالى ولا مخرج لشيء ~~من العدم إلى الوجود إلا الله تعالى . # وإذا ثبت هذا ثبت أنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى ، فوجب القطع بأنه ~~لا معبود إلا الله تعالى ، وهذه الطريقة لا تتم للمعتزلة لأنهم لما ججوزوا ~~كون العبد موجدا لأفعاله امتنع عليهم الاستدلال على أن الملائكة لا قدرة ~~لها على الإحياء والإماتة وخلق الجسم . وإذا عجزوا عن ذلك لم يتم لهم هذا ~~الدليل فهذا هو ذكر الدليل القاطع على صحة قوله : { لا يملكون * كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا } والتحويل عبارة عن ms5769 النقل من حال إلى حال ومكان إلى مكان ~~يقال : حوله فتحول . # ثم قال تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة } وفيه ~~قولان : الأول : قال الفراء قوله : { يدعون } فعل الآدميين العابدين . ~~وقوله : { يبتغون } فعل المعبودين ومعناه أولئك المعبودين يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة ، فإنه لا نزاع أن الملائكة يرجعون إلى الله في طلب المنافع ودفع ~~المضار ويرجون رحمته ويخافون عذابه وإذا كان كذلك كانوا موصوفين بالعجز ~~والحاجة ، والله تعالى أغنى الأغنياء فكان الاشتغال بعبادته أولى . # فإن قالوا : لا نسلم أن الملائكة محتاجون إلى رحمة الله وخائفون من عذابه ~~، فنقول : هؤلاء الملائكة إما أن يقال : إنها واجبة الوجود لذواتها ، أو ~~يقال : ممكنة الوجود لذواتها ، والأول باطل لأن جميع الكفار كانوا ~~PageV20P185 معترفين بأن الملائكة عباد الله ومحتاجون إليه ، وأما الثاني ~~فهو يوجب القول بكون الملائكة محتاجين في ذواتها وفي كمالاتها إلى الله ~~تعالى ، فكان الاشتغال بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة . # والقول الثاني : أن قوله : { أولئك الذين يدعون } هم الأنبياء الذين ~~ذكرهم الله تعالى بقوله : { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } ( الإسراء : ~~55 ) وتعلق هذا الكلام بما سبق هو أن الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء لا ~~يعبدون إلا الله تعالى ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه ، فأنتم بالاقتداء بهم ~~حق فلا تعبدوا غبر الله تعالى / واحتج القائلون بهذا القول على صحته بأن ~~قالوا : الملائكة لا يعصون الله فلا يخافون عذابه ، فثبت أن هذا غير لائق ~~بالملائكة وإنما هو لائق بالأنبياء . # قلنا : الملائكة يخافون عذاب الله لو أقدموا على الذنب والدليل عليه قوله ~~تعالى : { ومن يقل منهم إنى إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم } ( الأنبياء : ~~29 ) . # أما قوله : { إن عذاب ربك كان محذورا } فالمراد أن من حقه أن يحذر ، فإن ~~لم يحذره بعض الناس لجهله فهو لا يخرج من كونه بحيث يجب الحذر عنه . # ! 7 < { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا ~~شديدا كان ذالك فى الكتاب مسطورا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 58 ) وإن من قرية . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى لما قال ms5770 : { إن عذاب ربك كان محذورا } ( الإسراء : 57 ) ~~بين أن كل قرية مع أهلها فلا بد وأن يرجع حالها إلى أحد أمرين : إما ~~الإهلاك وإما التعذيب قال مقاتل : أما الصالحة فبالموت ، وأما الطالحة ~~فبالعذاب ، وقيل : المراد من قوله : { وإن من قرية } قرى الكفار ، ولا بد ~~أن تكون عاقبتها أحد أمرين : إما الاستئصال بالكلية وهو المراد من الإهلاك ~~أو بعذاب شديد دون ذلك من قتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي ~~واغتنام الأموال وأخذ الجزية ، ثم بين تعالى أن هذا الحكم حكم مجزوم به ~~واقع فقال : { كان ذالك فى الكتاب مسطورا } ومعناه ظاهر . # ! 7 < { وما منعنآ أن نرسل بالا يات إلا أن كذب بها الا ولون وءاتينا ~~ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالا يات إلا تخويفا * وإذ قلنا لك ~~إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرءيا التى أريناك إلا فتنة للناس والشجرة ~~الملعونة فى القرءان ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 59 - 60 ) وما منعنا أن . . . . . # > > PageV20P186 # اعلم تعالى أنه لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد ~~أتبعه بذكر مسألة النبوة ، وذلك لأن كفار قريش اقترحوا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إظهار معجزات عظيمة قاهرة كما حكى الله عنهم أنهم قالوا : { ~~لولا يأتينا بئاية } ( طه : 133 ) { كما أرسل الاولون } ( الأنبياء : 5 ) ~~وقال آخرون : المراد ما طلبوه بقولهم : { لن نؤمن * ذالك * حتى تفجر لنا من ~~الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) وعن سعيد بن جبير أن القوم قالوا : إنك ~~تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم : من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي ~~الموتى فأتنا بشي من هذه المعجزات فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : ~~{ وما منعنا أن نرسل بالايات إلا أن كذب بها الاولون } وفي تفسير هذا ~~الجواب وجوه : # الوجه الأول : المعنى أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم ~~يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال ~~، لكن إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمة غير جائز ، لأن الله تعالى أعلم ~~أن ms5771 فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم ، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى ~~مطلوبهم وما أظهر تلك المعجزات القاهرة . روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن يزيل لهم الجبال حتى ~~يزرعوا تلك الأراضي ، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك من الله تعالى ~~فقال الله تعالى : إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط أنهم إن كفروا أهلكتهم ، فقال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا أريد ذلك بل تتأنى بهم ) فنزلت هذه الآية ~~. # الوجه الثاني : في تفسير هذا الجواب أنا لا نظهر هذه المعجزات لأن آباءكم ~~الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم ، فلو رأيتموها أنتم لم تؤمنوا ~~بها أيضا . # الوجه الثالث : أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوا بها ، فعلم الله ~~منكم أيضا أنكم لو شاهدتموها لكذبتم فكان إظهارها عبثا ، والعبث لا يفعله ~~الحكيم . # ثم قال تعالى : 6 وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } وفيه أبحاث : # البحث الأول : المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد ~~آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف ~~يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى . # البحث الثاني : قوله تعالى : { * } وفيه أبحاث : # البحث الأول : المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد ~~آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف ~~يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى . # البحث الثاني : قوله تعالى : { مبصرة } وفيه وجهان : الأول : قال الفراء ~~: { مبصرة } أي مضيئة . قال تعالى : { والنهار مبصرا } ( يونس : 67 ) أي ~~مضيئا . والثاني : { مبصرة } أي ذات أبصار أي فيها أبصار لمن تأملها يبصر ~~بها رشده ويستدل بها على صدق ذلك الرسول . # / البحث الثالث : قوله : { فظلموا بها } أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها ، ~~وقال ابن قتيبة : { ظلموا * بها } أي جحدوا بأنها من الله تعالى . # ثم قال تعالى : { وما نرسل بالايات إلا تخويفا } قيل : لا آية إلا وتتضمن ~~التخويف بها عند التكذيب إما من العذاب المعجل أو من ms5772 عذاب الآخرة . # فإن قيل : المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعي ~~فكيف حصر المقصود من إظهارها في التخويف . # قلنا : المقصود أن مدعي النبوة إذا أظهر الآية فإذا سمع الخلق أنه أظهر ~~آية فهم لا يعلمون أن تلك PageV20P187 الآية معجزة أو مخوفة ، إلا أنهم ~~يجوزون كونها معجزة ، وبتقدير أن تكون معجزة فلو لم يتفكروا فيها ولم ~~يستدلوا بها على الصدق لاستحقوا العقاب الشديد ، فهذا هو الخوف الذي يحملهم ~~على التفكر والتأمل في تلك المعجزات ، فالمراد من قوله : { وما نرسل ~~بالايات إلا تخويفا } هذا الذي ذكرناه ، والله أعلم . # واعلم أن القوم لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات ~~القاهرة ، وأجاب الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سببا لجرأة ~~أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له : لو كنت رسولا حقا من عند الله ~~تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها منك ، كما أتى بها موسى وغيره من ~~الأنبياء ، فعند هذا قوى الله قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال : ~~{ وإذا قلنا * لك إن ربك أحاط بالناس } وفيه قولان : # القول الأول : المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته ~~، ومتى كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره ، ~~والمقصود كأنه تعالى يقول له : ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا ~~. قال الحسن : حال بينهم وبين أن يقتلوه كما قال تعالى : { والله يعصمك من ~~الناس } ( المائدة : 67 ) . # والقول الثاني : أن المراد بالناس أهل مكة وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى ~~يفتحها للمؤمنين فكان المعنى : وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى ~~أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم ، ونظيره قوله تعالى : { سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر } ( القمر : 45 ) وقال : { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون } ~~( آل عمران : 12 ) إلى قوله : { أحاط بالناس } لما كان كل ما يخبر الله عن ~~وقوعه فهو واجب الوقوع ، فكان من هذا الاعتبار كالواقع فلا جرم قال : { ~~أحاط بالناس } وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله ms5773 صلى الله ~~عليه وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول : ( أللهم إني أسألك عهدك ~~ووعدك لي ) ثم خرج / وعليه الدرع يحرض الناس ويقول : { سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر } . # ثم قال تعالى : { وما جعلنا الرءيا التى أريناك إلا فتنة للناس } وفي هذه ~~الرؤيا أقوال : # القول الأول : أن الله أرى محمدا في المنام مصارع كفار قريش فحين ورد ماء ~~بدر قال : ( والله كأني أنظر إلى مصارع القوم ) ثم أخذ يقول : ( هذا مصرع ~~فلان هذا مصرع فلان ) فلما سمعت قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية ، وكانوا ~~يستعجلون بما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . # والقول الثاني : أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك ~~أصحابه ، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم ، ~~وقال عمر لأبي بكر أليس قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل ~~البيت ونطوف به ، فقال أبو بكر إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة ~~فسنفعل ذلك في سنة أخرى ، فلما جاء العام المقبل دخلها ، وأنزل الله تعالى ~~: { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } ( الفتح : 27 ) اعترضوا على هذين ~~القولين فقالوا : هذه السورة مكية ، وهاتان الواقعتان مدنيتان ، وهذا ~~السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان أما رؤيتهما في المنام فلا يبعد ~~حصولها في مكة . # والقول الثالث : قال سعيد بن المسيب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك ، وهذا قول ابن عباس في ~~رواية عطاء والإشكال المذكور عائد فيه لأن هذه الآية مكية وما كان ~~PageV20P188 لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة منبر ، ويمكن أن يجاب عنه ~~بأنه لا يبعد أن يرى بمكة أن له بالمدينة منبرا يتداوله بنو أمية . # والقول الرابع : وهو الأصح وهو قول أكثر المفسرين أن المراد بها ما أراه ~~الله تعالى ليلة الإسراء ، واختلفوا في معنى هذه الرؤيا فقال الأكثرون : لا ~~فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة ، يقال رأيت بعيني رؤية ورؤيا ، وقال ~~الأقلون : هذا يدل على ms5774 أن قصة الإسراء إنما حصلت في المنام ، وهذا القول ~~ضعيف باطل على ما قررناه في أول هذه السورة ، وقوله : { إلا فتنة للناس } ~~معناه : أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به ~~كثير ممن كان آمن به وازداد المخلصون إيمانا فلهذا السبب كان امتحانا . # ثم قال تعالى : { والشجرة الملعونة فى القرءان } وهذا على التقديم ~~والتأخير ، والتقدير : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في ~~القرآن إلا فتنة للناس وقيل المعنى : والشجرة الملعونة في القرآن كذلك . ~~واختلفوا في هذه الشجرة ، فالأكثرون قالوا : إنها شجرة الزقوم المذكورة في ~~القرآن في قوله : { إن شجرة الزقوم * طعام الاثيم } ( الدخان : 43 ، 44 ) ~~وكانت هذه الفتنة في ذكر هذه الشجرة من وجهين : الأول : / أن أبا جهل قال : ~~زعم صاحبكم بأن نار جهنم تحرق الحجر حيث قال : { وقودها الناس والحجارة } ( ~~التحريم : 6 ) ثم يقول : بأن في النار شجرا والنار تأكل الشجر فكيف تولد ~~فيها الشجر . والثاني : قال ابن الزبعري ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد ~~فتزقموا منه ، فأنزل الله تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر : { إنا ~~جعلناك * فتنة للظالمين } ( الصافات : 63 ) الآيات . # فإن قيل : ليس في القرآن لعن هذه الشجرة . # قلنا : فيه وجوه : الأول : المراد لعن الكفار الذين يأكلونها . الثاني : ~~العرب تقول لكل طعام مكروه ضار إنه ملعون . والثالث : أن اللعن في أصل ~~اللغة هو التبعيد فلما كانت هذه الشجرة الملعونة في القرآن مبعدة عن جميع ~~صفات الخير سميت ملعونة . # القول الثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : الشجرة بنو أمية يعني ~~الحكم بن أبي العاص قال ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام أن ~~ولد مروان يتداولون منبره فقص رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته ~~معهما فلما تفرقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فاشتد ذلك عليه ، واتهم عمر في إفشاء سره ، ثم ظهر ~~أن الحكم كان يتسمع إليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ms5775 . قال ~~الواحدي : هذه القصة كانت بالمدينة ، والسورة مكية فيبعد هذا التفسير إلا ~~أن يقال : هذه الآية مدنية ولم يقل به أحد ، ومما يؤكد هذا التأويل قول ~~عائشة لمروان لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنه الله . # والقول الثالث : أن الشجرة الملعونة في القرآن هي اليهود لقوله تعالى : { ~~لعن الذين كفروا } ( المائدة : 78 ) . # فإن قال قائل : إن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الإتيان بالمعجزات القاهرة فأجاب أنه لا مصلحة في إظهارها لأنها لو ظهرت ~~ولم تؤمنوا نزل الله عليكم عذاب الاستئصال / وذلك غير جائز وأي تعلق لهذا ~~الكلام بذكر الرؤيا التي صارت فتنة للناس وبذكر الشجرة التي صارت فتنة ~~للناس . PageV20P189 # قلنا : التقدير كأنه قيل : إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها ~~صار عدم ظهورها شبهة لهم في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه ~~الشبهة لا يوهن أمرك ولا يصير سببا لضعف حالك ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا ~~صار سببا لوقوع الشبهة العظيمة في القلوب ثم إن قوة تلك الشبهات ما أوجبت ~~ضعفا في أمرك ولا فتورا في اجتماع المحقين عليك فكذلك هذه الشبهة الحاصلة ~~بسبب عدم ظهور هذه المعجزات لا توجب فتورا في حالك ، ولا ضعفا في أمرك ، ~~والله أعلم . # / ثم قال تعالى : { ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } والمقصود منه ~~ذكر سبب آخر في أنه تعالى ما أظهر المعجزات التي اقترحوها ، وذلك لأن هؤلاء ~~خوفوا بمخاوف الدنيا والآخرة وبشجرة الزقوم فما زادهم هذا التخويف إلا ~~طغيانا كبيرا ، وذلك يدل على قسوة قلوبهم وتماديهم في الغي والطغيان ، وإذا ~~كان الأمر كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها لم ~~ينتفعوا بها ولا يزدادون إلا تماديا في الجهل والعناد ، وإذا كان كذلك ، ~~وجب في الحكمة أن لا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات والله ~~أعلم . # PageV20P190 ! 7 < { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ~~أءسجد لمن خلقت طينا * قال أرءيتك هاذا الذى ms5776 كرمت على لئن أخرتن إلى يوم ~~القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا * قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم ~~جزاء موفورا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 61 - 63 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : ي كيفية النظم وجوه : الأول : اعلم أنه تعالى لما ذكر ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه ، ~~بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك . ألا ترى أن أول الأولياء هو آدم ~~، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس . الثاني : أن القوم إنما نازعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين ~~الكبر والحسد ، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد ، وأما الحسد ~~فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة العالية ، فبين ~~تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان ~~والدخول في الكفر ، فهذه بلية قديمة ومحنة عظيمة للخلق . والثالث : أنه ~~تعالى لما وصفهم بقوله { فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } [ الإسراء : 60 ] ~~بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس { لأحتنكن ذريته إلا ~~قليلا } فلأجل هذا المقصود ذكر الله تعالى قصة إبليس وآدم ، فهذا هو الكلام ~~في كيفية النظم . # المسألة الثانية : اعلم أنه هذه القصة قد ذكرها الله تعالى في سور سبعة ، ~~وهي : البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص والكلام المستقصى ~~فيها قد تقدم في البقرة الأعراف والحجر فلا فائدة في الإعادة ولا بأس ~~بتعديد بعض المسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع ~~الملائكة أم ملائكة الأرض على التخصيص ؟ فظاهر لفظ الملائكة بفبد العموم ~~إلا أن قوله تعالى في آخر سورة الأعراف في صفة ملائكة السموات { وله يسجدون ~~} [ الأعراف : 206 ] يوجب خروج ملائكة السموات من هذا العموم . # المسألة الثانية : أن المراد من هذه السجدة وضع الجبهة على الأرض أو ~~التحية ، وعلى التقدير الأول PageV21P003 فآدم كان هو المسجود له أو يقال ~~كان المسجود له هو الله تعالى وآدم كان ms5777 قبلة للسجود ؟ # المسألة الثالثة : إن إبليس هل هو من الملائكة أم لا ؟ وإن لم يكن من ~~الملائكة فأمر الملائكة بالسجود كيف يتناوله ؟ # المسألة الرابعة : هل كان إبليس كافرا من أول الأمر أو يقال إنما كفر في ~~ذلك الوقت ؟ # المسالة الخامسة : الملائكة سجدوا لآدم من أول ما كملت حياته أو بعد ذلك ~~؟ # االمسألة السادسة : شبهة إبليس في الامتناع من السجود أهو قوله { أأسجد ~~لمن خلقت طينا } أو غيره ؟ # المسألة السابعة : دلت هذه الآيات على أن إبليس كان عارفا بربه ، إلا أنه ~~وقع في الكفر بسبب الكبر والحسد ، ومنهم من أنكر وقال ما عرف الله البتة . # المسألة الثامنة : ما سبب حكمة إمهال إبليس وتسليطه على الخلق بالوسوسة ؟ # ولنرجع إلى التفسير فنقول : إنه تعالى حكة في هذه الآية عن إبليس نوعا ~~واحدا من العمل ونوعين من القول ، أما العمل فهو أنه لم يسجد لآدم وهو ~~المراد من قوله { فسجدوا إلا إبليس } وأما النوعان من القول : فأولهما قوله ~~{ أأسجد لمن خلقت طينا } وهذا استفهام بمعنى الإنكار معناه أن أصلي أشرف من ~~أصله فوجب أن أكون أنا أشرف منه ، والأشرف يقبح في العقول أمره بخدمة ~~الأدنى . والنوع الثاني من كلامه : قوله { أرأيتك هذا الذي كرمت علي } قال ~~الزجاج : قوله { أرأيت } معناه أخبرني ، وقد استقصينا [ البحث ] في تفسير ~~هذه الكلمة في سورة الأنعام . وقوله { هذا الذي كرمت علي } فيه وجوه : ~~الأول : معناه : أخبرني عن هذا الذي فضلته علي لم فضلته علي وأنا خير منه ؟ ~~ثم اختصر الكلام لكونه مفهوما . الثاني : يمكن أن يقال خذا مبتدأ محذوف منه ~~حرف الاستفهام ، والذي مع صلته خبر ، تقديره أخبرني أهذا الذي كرمته علي ! ~~وذلك على وجه محذوف منه حرف الاستفهام ، والذي مع صلته خبر ، تقديره أخبرني ~~أهذا الذي كرمته علي ! أغنى عن تكراره . والوجه الثالث : أن يكون هذا مفعول ~~أرأيت لأن الكاف جاءت لمجرد الخطاب لا محل لها ، كأنه قال على وجه التعجب ~~والإنكار أبصرت أو علمت هذا الذي كرمت علي ، بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان ~~يجب أن لا ms5778 تكرمه علي ، هذا هو حقيقة هذه الكلمة . ثم قال تعالى حكاية [ عنه ~~] { لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا } وفيه مباحث : # البحث الأول : قرأ ابن كثير { لئن أخرتني إلى يوم القيامة } بإثبات الياء ~~في الوصل والوقف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالحذف نافع وأبو ~~عمرو بإثباته في الوصل دون الوقف . # البحث الثاني : في الاحتناك قولان : أحدهما : أنه عبارة عن الأخذ بالكلية ~~، يقال : احتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه وأخذه بالكلية ، ~~واحتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية . والثاني : أنه من قول العرب حنك ~~الدابة يحنكها ، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به ، وقال أبو مسلم : ~~الأحتناك افتعال من الحنك كأنهم يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه ، فعلى ~~القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالإغواء . وعلى القول الثاني لأقودنهم ~~إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها . # البحث الثالث : قوله { إلا قليلا } هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله { ~~إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [ البقرة : 30 ] PageV21P004 فإن قيل كيف ظن ~~إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم ؟ قلنا فيه وجوه : الأول : أنه سمع ~~الملائكة يقولون { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } [ البقرة : 30 ] ~~فعرف هذه الأحوال . الثاني : أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزما فقال الظاهر ~~أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم . الثالث : أنه عرف أنه مركب من قوة ~~بهيمية شهوانية ، وقوة سبعية غضبية ، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ~~ملكية ، وعرف أن القوى الثلاث أعني الشهوانية والغضبية والوهمية تكون هي ~~المستولية في أول الخلقة ، ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر ، ~~ومتى كان الأمر كذلك كان ما ذكره إبليس لازما . واعلم أنه تعالى لما حكى عن ~~إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب ، وهذا ليس من الذهاب الذي هو ~~نقيض المجيء وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته ، والمقصود التخلية وتفويض ~~الأمر إليه . # ثم قال { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا } ونظيره قول موسى ~~عليه الصلاة والسلام { فاذهب فإن ms5779 لك في الحياة أن تقول لا مساس } [ طه : 97 ~~] فإن قيل أليس الأولى أن يقال : فإن جهنم جزاؤهم جزاء موفورا ، ليكون هذا ~~الضمير راجعا إلى قوله { فمن تبعك } ؟ . قلنا فيه وجوه : الأول : التقدير ~~فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤكم ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم . والثاني ~~: يجوز أن يكون هذا الخطاب مع الغائبين على طريقة الالتفات . والثالث : أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال < < من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة > > فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل . # فلما كان إبليس هو الأصل في كل المعاصي صار المخاطب بالوعيد هو إبليس ، ~~ثم قال { جزاء موفورا } وهذه اللفظة قد تجيء متعديا ولازما ، أما المتعدي ~~فيقال : وفرته أفره وفرا [ و ] وفرة فهو موفور [ و ] موفر ، قال زهير # % ومن يجعل المعروف من دون عرضه % % يفره ومن لا يتق الشتم يشتم % # واللازم كقوله : وفر المال يفر وفورا فهو وافر ، فعلى التقدير الأول : ~~يكون المعنى جزاء موفورا موفرا ، وعلى الثاني : يكون المعنى جزاء موفورا ~~وافرا ، وانتصب قوله { جزاء } على المصدر . # قوله تعالى ! 7 < { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ~~ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ، إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 64 - 65 ) واستفزز من استطعت . . . . . # > > PageV21P005 # اعلم أن إبليس لما طلب من الله الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ~~ذرية آدم فالله تعالى ذكر أشياء . أولها : قوله : { اذهب } ومعناه : أمهلتك ~~هذه المدة . وثانيها : قوله تعالى : { واستفزز من استطعت منهم } يقال أفزه ~~الخوف واستفزه أي أزعجه واستخفه ، / وصوته دعاؤه إلى معصية الله تعالى ، ~~وقيل : أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب ، ومعنى صيغة الأمر هنا التهديد ~~كما يقال : اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك . وثالثها : { بصوتك وأجلب عليهم ~~بخيلك ورجلك } في قوله : { وأجلب } وجوه . الأول : قال الفراء : إنه من ~~الجلبة وهو الصياح وربما قالوا الجلب كما قالوا الغلبة والغلب والشفقة ~~والشفق ، وقال الليث وأبو عبيدة أجلبوا وجلبوا من الصياح ms5780 . الثاني : قال ~~الزجاج في فعل وأفعل ، أجلب على العدو إجلابا إذا جمع عليه الخيول . الثالث ~~: قال ابن السكيت يقال هم يجلبون عليه بمعنى أنهم يعينون عليه . والرابع : ~~روى ثعلب عن ابن الأعرابي أجلب الرجل على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه ~~الجمع ، فقوله : وأجلب عليهم معناه على قول الفراء صح عليهم بخيلك ورجلك ، ~~وعلى قول الزجاج : أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك وتكون الباء في ~~قوله : بخيلك زائدة على هذا القول ، وعلى قول ابن السكيت معناه أعن عليهم ~~بخيلك ورجلك ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف كأنه يستعين على إغوائهم ~~بخيله ورجله ، وهذا أيضا يقرب من قول ابن الأعرابي ، واختلفوا في تفسير ~~الخيل والرجل ، فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال : ( كل راكب أو راجل في ~~معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وجنوده ) ، ويدخل فيه كل راكب وماش في ~~معصية الله تعالى ، فعلى هذا التقدير خيله ورجله كل من شاركه في الدعاء إلى ~~المعصية . والقول الثاني : يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضهم ~~راكب وبعضهم راجل . والقول الثالث : أن المراد منه ضرب المثل كما تقول ~~للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك وهذا الوجه أقرب ، والخيل تقع على ~~الفرسان . قال عليه الصلاة والسلام : ( يا خيل الله اركبي ) وقد تقع على ~~الأفراس خاصة ، والمراد ههنا الأول والرجل جمع راجل كما قالوا تاجر وتجر ~~وصاحب وصحب وراكب وركب ، وروى حفص عن عاصم ورجلك بكسر الجيم وغيره بالضم ، ~~قال أبو زيد يقال رجل ورجل بمعنى واحد ومثله حدث وحدث وندس وندس ، قال ابن ~~الأنباري : أخبرنا ثعلب عن الفراء قال : يقال رجل ورجل ورجلان بمعنى واحد . ~~والنوع الرابع : من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس قوله : { وشاركهم ~~فى الاموال والاولاد } نقول : أما المشاركة في الأموال فهي عبارة عن كل ~~تصرف قبيح في المال سواء كان ذلك القبيح بسبب أخذه من غير حقه أو وضعه في ~~غير حقه ويدخل فيه الربا والغصب والسرقة والمعاملات الفاسدة ، وهكذا قاله ~~القاضي وهو ضبط ms5781 حسن / وأما المفسرون فقد ذكروا وجوها قال قتادة : المشاركة ~~في الأموال هي أن جعلوا بحيرة وسائبة ، وقال عكرمة هي عبارة عن تبتيكهم ~~آذان الأنعام ، وقيل هي أن جعلوا من أموالهم شيئا لغير / الله تعالى كما ~~قال تعالى : { فقالوا هاذا لله بزعمهم وهاذا لشركائنا } ( الأنعام : 136 ) ~~والأصوب ما قاله القاضي ، وأما المشاركة في الأولاد فذكروا فيه وجوها . ~~أحدها : أنها الدعاء إلى الزنا ، وزيف الأصم ذلك بأن قال إنه لا ذم على ~~الولد ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد وشاركهم في طريق تحصيل الولد وذلك ~~بالدعاء إلى الزنا . وثانيها : أن يسموا أولادهم بعبد اللات وعبد العزى . ~~وثالثها : أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية ~~وغيرهما . ورابعها : إقدامهم على قتل الأولاد ووأدهم . وخامسها : ترغيبهم ~~في حفظ الأشعار المشتملة على الفحش وترغيبهم في القتل والقتال والحرف ~~الخبيثة الخسيسة والضابط أن يقال إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يؤدي ~~إلى ارتكاب منكر أو PageV21P006 قبيح فهو داخل فيه . # والنوع الخامس : من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس في هذه الآية ~~قوله : { وعدهم } . # واعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الإعتقاد الباطل والعمل ~~الباطل والتنفير عن الإعتقاد الحق والعمل الحق ، ومعلوم أن الترغيب في ~~الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر البتة في فعله ومع ذلك فإنه ~~يفيد المنافع العظيمة ، والتنفير عن الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه ~~لا فائدة في فعله ، ومع ذلك فيفيد المضار العظيمة ، إذا ثبت هذا فنقول : إن ~~الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد وأن يقرر أولا أنه لا مضرة في فعله ~~البتة ، وذلك إنما يمكن إذا قال لا معاد ولا جنة ولا نار ، ولا حياة بعد ~~هذه الحياة ، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة البتة في فعل هذه المعاصي ~~، وإذا فرغ عن هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعا من اللذة ~~والسرور ولا حياة للإنسان في هذه الدنيا إلا به ، فتفويتها غبن وخسران كما ~~قال الشاعر : # % خذوا بنصيب ms5782 من سرور ولذة % % فكل وإن طال المدى يتصرم % # فهذا هو طريق الدعوة إلى المعصية ، وأما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن ~~يقرر أولا عنده أنه لا فائدة فيه وتقريره من وجهين . الأول : أن يقول لا ~~جنة ولا نار ولا ثواب ولا عذاب . والثاني : أن هذه العبادات لا فائدة فيها ~~للعابد والمعبود فكانت عبثا محضا فبهذين الطريقين يقرر الشيطان عند الإنسان ~~أنه لا فائدة فيها ، وإذا فرغ عن هذا المقام قال إنها توجب التعب والمحنة ~~وذلك أعظم المضار ، فهذه مجامع تلبيس الشيطان ، فقوله : { وعدهم } يتناول ~~كل هذه الأقسام ، قال المفسرون قوله : { وعدهم } أي بأنه لا جنة ولا نار ، ~~وقال آخرون : { وعدهم } بتسويف التوبة ، وقال آخرون { وعدهم } بالأماني ~~الباطلة مثل قوله لآدم : { ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين } ( الأعراف : 20 ) وقال آخرون : وعدهم بشفاعة ~~الأصنام عند الله تعالى وبالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ، ~~وبالجملة فهذه الأقسام كثيرة وكلها داخلة في الضبط الذي ذكرناه وإن أردت ~~الاستقصاء في هذا الباب فطالع كتاب ذم الغرور من كتاب إحياء علوم الدين ~~للشيخ الغزالي حتى يحيط عقلك بمجامع تلبيس إبليس ، واعلم أن الله تعالى لما ~~قال : { وعدهم } أردفه بما يكون زاجرا عن قبول وعده فقال : { وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا } والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى أحد أمور ثلاثة قضاء ~~الشهوة وإمضاء الغضب وطلب الرياسة وعلو الدرجة / ولا يدعو البتة إلى معرفة ~~الله تعالى ولا إلى خدمته ، وتلك الأشياء الثلاثة معنوية من وجوه كثيرة . ~~أحدها : أنها في الحقيقة ليست لذات بل هي خلاص عن الآلام . وثانيها : وإن ~~كانت لذات لكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب والديدان والخنافس ~~وغيرها . وثالثها : أنها سريعة الذهاب والانقضاء والانقراض . ورابعها : ~~أنها لا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة . وخامسها : أن لذات البطن ~~والفرج لا تتم إلا بمزاولة رطوبات عفنة مستقذرة . وسادسها : أنها غير باقية ~~بل يتبعها الموت والهرم والفقر والحسرة على الفوت والخوف من الموت . فلما ~~كانت هذه المطالب وإن كانت ms5783 لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات ~~العظيمة والمخالفات الجسيمة ، كان الترغيب فيها تغريرا ، ولهذا المعنى قال ~~تعالى : { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } . # واعلم أنه تعالى لما قال له افعل ما تقدر عليه فقال تعالى : { إن عبادى ~~ليس لك عليهم سلطان } وفيه قولان : PageV21P007 # الأول : أن المراد كل عباد الله من المكلفين ، وهذا قول أبي علي الجبائي ~~، قال والدليل عليه أن الله تعالى إستثنى منه في آيات كثيرة من يتبعه بقوله ~~: { إلا من اتبعك } ( الحجر : 42 ) ثم استدل بهذا على أنه لا سبيل لإبليس ~~وجنوده على تصريع الناس وتخبيط عقولهم وأنه لا قدرة له إلا على قدر الوسوسة ~~وأكد ذلك بقوله تعالى : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لى فلا تلومونى ولوموا أنفسكم } ( إبراهيم : 22 ) . وأيضا فلو قدر ~~على هذه الأعمال لكان يجب أن يتخبط أهل الفضل وأهل العلم دون سائر الناس ~~ليكون ضرره أعظم . ثم قال وإنما يزول عقله لا من جهة الشيطان لكن لغلبة ~~الأخلاط الفاسدة ولا يمتنع أن يكون أحد أسباب ذلك المرض اعتقاد أن الشيطان ~~يقدم عليه فيغلب الخوف فيحدث ذلك المرض . # والقول الثاني : أن المراد بقوله : { إن عبادى } أهل الفضل والعلم ~~والإيمان لما بينا فيما تقدم / أن لفظ العباد في القرآن مخصوص بأهل الإيمان ~~، والدليل عليه أنه قال في آية أخرى : { إنما سلطانه على الذين يتولونه } ( ~~النحل : 100 ) . # ثم قال : { وكفى بربك وكيلا } وفيه بحثان : # البحث الأول : أنه تعالى لما مكن إبليس من أن يأتي بأقصى ما يقدر عليه في ~~باب الوسوسة ، وكان ذلك سببا لحصول الخوف الشديد في قلب الإنسان قال : { ~~وكفى بربك وكيلا } ومعناه أن الشيطان وإن كان قادرا فالله تعالى أقدر منه ~~وأرحم بعباده من الكل فهو تعالى يدفع عنه كيد الشيطان ويعصمه من إضلاله ~~وإغوائه . # البحث الثاني : هذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله تعالى وأن ~~الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلالة ، لأنه لو كان الإقدام ~~على الحق والاحجام عن الباطل إنما ms5784 يحصل للإنسان من نفسه لوجب أن يقال : ~~وكفى الإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان ، فلما لم يقل ذلك بل قال : { ~~وكفى بربك } علمنا أن الكل من الله ، ولهذا قال المحققون : لا حول عن معصية ~~الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله . بقي في ~~الآية سؤالان : # السؤال الأول : أن إبليس هل كان عالما بأن الذي تكلم معه بقوله : { ~~واستفزز من استطعت منهم } هو إله العالم أو لم يعلم ذلك ؟ فإن علم ذلك ثم ~~إنه تعالى قال : { فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا } فكيف لم يصر هذا الوعيد ~~الشديد مانعا له من المعصية مع أنه سمعه من الله تعالى من غير واسطة ؟ وإن ~~لم يعلم أن هذا القائل هو إله العالم ، فكيف قال : { قال أرءيتك هاذا الذى ~~كرمت } . # والجواب : لعله كان شاكا في الكل أو كان يقول في كل قسم ما يخطر بباله ~~على سبيل الظن . # والسؤال الثاني : ما الحكمة في أنه تعالى أنظره إلى يوم القيامة ومكنه من ~~الوسوسة ؟ والحكيم إذا أراد أمرا وعلم أن شيئا من الأشياء يمنع من حصوله ~~فإنه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع . # والجواب : أما مذهبنا فظاهر في هذا الباب ، وأما المعتزلة فلهم قولان : ~~قال الجبائي : علم الله تعالى أن الذين كفروا عند وسوسة إبليس يكفرون ~~بتقدير أن لا يوجد إبليس ، وإذا كان كذلك لم يكن في وجوده PageV21P008 مزيد ~~مفسدة ، وقال أبو هاشم : لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة ، إلا أنه ~~تعالى أبقاه تشديدا للتكليف على الخلق ليستحقوا بسبب ذلك التشديد مزيد ~~الثواب ، وهذان الوجهان قد ذكرناهما في سورة الأعراف والحجر ، وبالغنا في ~~الكشف عنهما ، والله أعلم . # ! 7 < { ربكم الذى يزجى لكم الفلك فى البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم ~~رحيما * وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا * أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم ~~حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا * أم أمنتم أن يعيدكم فيه ms5785 تارة أخرى فيرسل ~~عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } ~~> 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 66 - 69 ) ربكم الذي يزجي . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على قدرته وحكمته ورحمته ، ~~وقد ذكرنا أن المقصود الأعظم في هذا الكتاب الكريم تقرير دلائل التوحيد ، ~~فإذا امتد الكلام في فصل من الفصول عاد الكلام بعده إلى ذكر دلائل التوحيد ~~، والمذكور ههنا الوجوه المستنبطة من الانعامات في أحوال ركوب البحر . # فالنوع الأول : كيفية حركة الفلك على وجه البحر وهو قوله : { ربكم الذى ~~يزجى لكم الفلك فى البحر } والإزجاء سوق الشيء حالا بعد حال ، وقد ذكرنا ~~ذلك في تفسير قوله : { ببضاعة مزجاة } والمعنى : ربكم الذي يسير الفلك على ~~وجه البحر لتبتغوا من فضله في طلب التجارة إنه كان بكم رحيما ، والخطاب في ~~قوله : { ربكم } وفي قوله : { إنه كان بكم } عام في حق الكل ، والمراد من ~~الرحمة منافع الدنيا ومصالحها . # والنوع الثاني : قوله : { وإذا مسكم الضر فى البحر } والمراد من الضر ، ~~الخوف الشديد كخوف الغرق : { ضل من تدعون إلا إياه } والمراد أن الإنسان في ~~تلك الحالة لا يتضرع إلى الصنم والشمس والقمر والملك والفلك . وإنما يتضرع ~~إلى الله تعالى ، فلما نجاكم من الغرق والبحر وأخرجكم إلى البر أعرضتم عن ~~الإيمان والإخلاص { وكان الإنسان كفورا } لنعم الله بسبب أن عند الشدة / ~~يتمسك بفضله ورحمته ، وعند الرخاء والراحة يعرض عنه ويتمسك بغيره . # والنوع الثالث : قوله : { أفأمنتم أن * يخسف * بكم جانب البر } قال الليث ~~: الخسف والخسوف هو دخول الشيء في الشيء . يقال : عين خاسفة وهي التي غابت ~~حدقتها في الرأس ، وعين من الماء خاسفة أي غائرة الماء ، وخسفت الشمس أي ~~احتجبت وكأنها وقعت تحت حجاب أو دخلت في جحر . فقوله : { ءان * يخسف * بكم ~~جانب البر } PageV21P009 أي نغيبكم من جانب البر وهو الأرض ، وإنما قال { ~~جانب البر } لأنه ذكر البحر في الآية الأولى فهو جانب ، والبر جانب ، خبر ~~الله تعالى أنه كما قدر على أن يغيبهم في الماء فهو قادر أيضا على أن ~~يغيبهم ms5786 في الأرض ، فالغرق تغييب تحت الماء كما أن الخسف تغييب تحت التراب ، ~~وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم كانوا خائفين من هول ~~البحر ، فلما نجاهم منه آمنوا ، فقال : هب أنكم نجوتم من هول البحر فكيف ~~أمنتم من هو البر ؟ فإنه تعالى قادر على أن يسلط عليكم آفات البر من جانب ~~التحت أو من جانب الفوق ، أما من جانب التحت فبالخسف . وأما من جانب الفوق ~~فبامطار الحجارة عليهم ، وهو المراد من قوله : { أو * نرسل * عليكم حاصبا } ~~فكما لا يتضرعون إلا إلى الله تعالى عند ركوب البحر ، فكذلك يجب أن لا ~~يتضرعوا إلا إليه في كل الأحوال . ومعنى الحصب في اللغة : الرمي . يقال : ~~حصبت أحصب حصبا إذا رميت والحصب المرمي . ومنه قوله تعالى : { حصب جهنم } ~~أي يلقون فيها / ومعنى قوله : { حاصبا } أي عذابا يحصبهم ، أي يرميهم ~~بحجارة ، ويقال للريح التي تحمل التراب والحصباء حاصب ، والسحاب الذي يرمي ~~بالثلج والبرد يسمى حاصبا لأنه يرمي بهما رميا . وقال الزجاج : الحاصب ~~التراب الذي فيه حصباء والحاصب على هذا ذو الحصباء مثل اللابن والتامر ~~وقوله : { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } يعني لا تجدوا ناصرا ينصركم ويصونكم من ~~عذاب الله ، ثم قال : { أم أمنتم أن * نعيدكم * فيه } أي في البحر تارة ~~أخرى وقوله : { فيرسل عليكم قاصفا } من الريح القاصف الكاسر يقال : قصف ~~الشيء يقصفه قصفا إذا كسره بشدة ، والقاصف من الريح التي تكسر الشجر ، ~~وأراد ههنا ريحا شديدة تقصف الفلك وتغرقهم وقوله : { فيغرقكم بما كفرتم } ~~أي بسبب كفركم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا . قال الزجاج : أي لا تجدوا ~~من يتبعنا بإنكار ما نزل بكم بأن يصرفه عنكم ، وتبيع بمعنى تابع . # واعلم أن هذه الآية مشتملة على ألفاظ خمسة : وهي قوله : { ءان * نخسف * ~~أو * نرسل * أو * نعيدكم } قرأ ابن كثير وأبو عمرو جميع هذه الخمسة بالنون ~~، والباقون بالياء ، فمن قرأ بالياء ، فلأن ما قبله على الواحد الغائب وهو ~~قوله : { من تدعون إلا إياه فلما نجاكم } ( الإسراء : 67 ) ومن قرأ بالنون ~~فلأن هذا البحر ms5787 من الكلام ، قد ينقطع بعضه من بعض وهو سهل لأن المعنى واحد ~~. ألا ترى أنه قد جاء { وجعلناه هدى لبنى إسراءيل ألا تتخذوا من دونى وكيلا ~~} فانتقل من الجمع إلى الأفراد وكذلك ههنا يجوز أن ينتقل من الغيبة إلى ~~الخطاب ، والمعنى واحد والكل جائز والله أعلم . # ! 7 < { ولقد كرمنا بنىءادم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } > 7 ! # < < # | الإسراء : ( 70 ) ولقد كرمنا بني . . . . . # > > اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر نعمة أخرى جليلة رفيعة من نعم الله ~~تعالى على الإنسان وهي الأشياء التي بها فضل الإنسان على غيره وقد ذكر الله ~~تعالى في هذه الآية أربعة أنواع : # النوع الأول : قوله : { ولقد كرمنا بنىءادم } واعلم أن الإنسان جوهر مركب ~~من النفس ، والبدن ، فالنفس PageV21P010 الإنسانية أشرف النفوس الموجودة في ~~العالم السفلي ، وبدنه أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي . وتقرير ~~هذه الفضيلة في النفس الإنسانية هي أن النفس الإنسانية قواها الأصلية ثلاث ~~. وهي الأغتذاء والنمو والتوليد ، والنفس الحيوانية لها قوتان الحساسة سواء ~~كانت ظاهرة أو باطنة ، والحركة بالاختيار ، فهذه القوى الخمسة أعني ~~الاغتذاء والنمو والتوليد والحس والحركة حاصلة للنفس الإنسانية ، ثم إن ~~النفس الإنسانية مختصة بقوة أخرى وهي القوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء ~~كما هي . وهي التي يتجلى فيها نور معرفة الله تعالى ويشرق فيها ضوء كبريائه ~~وهو الذي يطلع على أسرار عالمي الخلق والأمر ويحيط بأقسام مخلوقات الله من ~~الأرواح والأجسام كما هي وهذه القوة من تلقيح الجواهر القدسية والأرواح ~~المجردة الإلهية ، فهذه القوة لا نسبة لها في الشرف والفضل إلى تلك القوى ~~النباتية والحيوانية ، وإذا كان الأمر كذلك ظهر أن النفس الإنسانية أشرف ~~النفوس الموجودة في هذا العالم وإن أردت أن تعرف فضائل القوة العقلية ~~ونقصانات القوى الجسمية ، فتأمل ما كتبناه في هذا الكتاب في تفسير قوله ~~تعالى : { الله نور * السماوات والارض } ( النور : 35 ) فإنا ذكرنا هناك ~~عشرين وجها في بيان أن القوة العقلية أجل وأعلى من القوة الجسمية فلا فائدة ~~في الإعادة ، وأما بيان ms5788 أن البدن الإنساني أشرف أجسام هذا العالم ، ~~فالمفسرون إنما ذكروا في تفسير قوله تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } هذا ~~النوع من الفضائل وذكروا أشياء ، أحدها : روى ميمون بن مهران عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما في قوله : { ولقد كرمنا بنىءادم } قال : كل شيء يأكل بفيه ~~إلا ابن آدم فإنه يأكل بيديه . وقيل : إن الرشيد أحضرت عنده أطعمة فدعا ~~بالملاعق وعنده أبو يوسف ، فقال له : جاء في / التفسير عن جدك في قوله ~~تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } جعلنا لهم أصابع يأكلون بها فرد الملاعق ~~وأكل بأصابعه . وثانيها : قال الضحاك : بالنطق والتمييز وتحقيق الكلام أن ~~من عرف شيئا ، فأما أن يعجز عن تعريف غيره كونه عارفا بذلك الشيء أو يقدر ~~على هذا التعريف . # أما القسم الأول : فهو حال جملة الحيوانات سوى الإنسان ، فإنه إذا حصل في ~~باطنها ألم أو لذة فإنها تعجز عن تعريف غيرها تلك الأحوال تعريفا تاما ~~وافيا . # وأما القسم الثاني : فهو الإنسان ، فإنه يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه ~~ووقف عليه وأحاط به فكونه قادرا على هذا النوع من التعريف هو المراد بكونه ~~ناطقا ، وبهذا البيان ظهر أن الإنسان الأخرس داخل في هذا الوصف ، لأنه وإن ~~عجز عن تعريف غيره ما في قلبه بطريق اللسان ، فإنه يمكنه ذلك بطريق الإشارة ~~وبطريقة الكتابة وغيرهما ولا يدخل فيه الببغاء ، لأنه وإن قدر على تعريفات ~~قليلة ، فلا قدرة له على تعريف جميع الأحوال على سبيل الكمال والتمام . ~~وثالثها : قال عطاء : بامتداد القامة . # واعلم أن هذا الكلام غير تام لأن الأشجار أطور من قامة الإنسان بل ينبغي ~~أن يشترط فيه شرط / وهو طول القامة مع استكمال القوة العقلية ، والقوى ~~الحسية والحركية . ورابعها : قال بيان بحسن الصورة ، والدليل عليه قوله ~~تعالى : { وصوركم فأحسن صوركم } ( غافر : 64 ) لما ذكر الله تعالى خلقة ~~الإنسان قال : { فتبارك الله أحسن الخالقين } وقال : { صبغة الله ومن أحسن ~~من الله صبغة } ( البقرة : 138 ) وإن شئت فتأمل عضوا واحدا من أعضاء ~~الإنسان وهو العين فخلق الحدقة سوداء ثم أحاط بذلك السواد بياض العين ms5789 ثم ~~أحاط بذلك البياض سواد الأشفار ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان ثم خلق ~~فوق بياض PageV21P011 الجفن سواد الحاجبين ثم خلق فوق ذلك السواد بياض ~~الجبهة ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد الشعر ، وليكن هذا المثال الواحد ~~أنموذجا لك في هذا الباب . وخامسها : قال بعضهم من كرامات الآدمي أن آتاه ~~الله الخط . وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلم الذي يقدر الإنسان على ~~استنباطه يكون قليلا . أما إذا استنبط الإنسان علما وأودعه في الكتاب ، ~~وجاء الإنسان الثاني واستعان بذلك الكتاب ، وضم إليه من عند نفسه أشياء ~~أخرى ثم لا يزالون يتعاقبون ، ويضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم المتقدمين ~~كثرت العلوم وقويت الفضائل والمعارف وانتهت المباحث العقلية والمطالب ~~الشرعية إلى أقصى الغايات وأكمل النهايات ، ومعلوم أن هذا الباب لا يتأتى ~~إلا بواسطة الخط والكتبة ، ولهذه الفضيلة الكاملة قال تعالى : { اقرأ وربك ~~الاكرم * الذى علمكم * بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم } . وسادسها : أن ~~أجسام هذا العالم إما بسائط وإما مركبات ، أما البسائط فهي الأرض والماء / ~~والهواء والنار . والإنسان ينتفع بكل هذه الأربع ، أما الأرض فهي لنا كالأم ~~الحاضنة . قال تعالى : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ~~} ( طه : 55 ) وقد سماها الله تعالى بأسماء بالنسبة إلينا ، وهي الفراش ~~والمهد ، والمهاد ، وأما الماء فانتفاعنا به في الشرب والزراعة والحراثة ~~ظاهر ، وأيضا سخر البحر لنأكل منه لحما طريا ، ونستخرج منه حلية نلبسها ~~ونرى الفلك مواخر فيه ، وأما الهواء فهو مادة حياتنا ، ولولا هبوب الرياح ~~لاستولى النتن على هذه المعمورة ، وأما النار فيها طبخ الأغذية والأشربة ~~ونضجها ، وهي قائمة مقام الشمس والقمر في الليالي المظلمة ، وهي الدافعة ~~لضرر البرد كما قال الشاعر : # % ومن يرد في الشتاء فاكهة % % فإن نار الشتاء فاكهته % # وأما المركبات فهي إما الآثار العلوية ، وإما المعادن والنبات ، وأما ~~الحيوان والإنسان كالمستولي على هذه الأقسام والمنتفع بها والمستسخر لكل ~~أقسامها فهذا العالم بأسره جار مجرى قرية معمورة أو خان معد وجميع منافعها ~~ومصالحها مضروفة إلى الإنسان فيه كالرئيس المخدوم ، والملك المطاع ms5790 وسائر ~~الحيوانات بالنسبة إليه كالعبيد ، وكل ذلك يدل على كونه مخصوصا من عند الله ~~بمزيد التكريم والتفضيل والله أعلم . وسابعها : أن المخلوقات تنقسم إلى ~~أربعة أقسام إلى ما حصلت له القوة العقلية الحكمية ولم تحصل له القوة ~~الشهوانية الطبيعية وهم الملائكة ، وإلى ما يكون بالعكس وهم البهائم وإلى ~~ما خلا عن القسمين وهو النبات والجمادات وإلى ما حصل النوعان فيه وهو ~~الإنسان ، ولا شك أن الإنسان لكونه مستجمعا للقوة العقلية القدسية المحضة ، ~~وللقوى الشهوانية البهيمية والغضبية والسبعية يكون أفضل من البهيمية ومن ~~السبعية ، ولا شك أيضا أنه أفضل من الأجسام الخالية عن القوتين مثل النبات ~~والمعادن والجمادات ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن الله تعالى فضل الإنسان على أكثر ~~أقسام المخلوقات . بقي ههنا بحث في أن الملك أفضل أم البشر ؟ والمعنى أن ~~الجوهر البسيط الموصوف بالقوة العقلية القدسية المحضة أفضل أم البشر ~~المستجمع لهاتين القوتين ؟ وذلك بحث آخر . وثامنها : الموجود إما أن يكون ~~أزليا وأبديا معا وهو الله سبحانه وتعالى ، وإما أن يكون ولا أزليا لا ~~أبديا وهو عالم الدنيا مع كل ما فيه من المعادن والنبات والحيوان ، وهذا ~~أخس الأقسام ، وإما أن يكون أزليا لا أبديا وهو الممتنع الوجود لأن ما ثبت ~~قدمه امتنع عدمه ، وإما أن لا يكون أزليا ولكنه يكون أبديا ، وهو الإنسان ~~والملك ، ولا شك أن هذا القسم أشرف من القسم الثاني والثالث وذلك يقتضي كون ~~الإنسان أشرف من أكثر مخلوقات الله تعالى . وتاسعها : العالم العلوي أشرف ~~من العالم السفلي ، وروح PageV21P012 الإنسان من جنس الأرواح العلوية ~~والجواهر القدسية فليس في موجودات / العالم السفلي شيء حصل فيه شيء من ~~العالم العلوي إلا الإنسان فوجب كون الإنسان أشرف موجودات العالم السفلي . ~~وعاشرها : أشرف الموجودات هو الله تعالى ، وإذا كان كذلك فكل موجود كان ~~قربه من الله تعالى أتم ، وجب أن يكون أشرف ، لكن أقرب موجودات هذا العالم ~~من الله هو الإنسان بسبب أن قلبه مستنير بمعرفة الله تعالى ولسانه مشرف ~~بذكر الله وجوارحه وأعضاؤه مكرمة بطاعة الله تعالى فوجب ms5791 الجزم بأن أشرف ~~موجودات هذا العالم السفلي هو الإنسان ، ولما ثبت أن الإنسان موجود ممكن ~~لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ثبت أن كل ما حصل ~~للإنسان من المراتب العالية والصفات الشريفة فهي إنما حصلت بإحسان الله ~~تعالى وإنعامه فلهذا المعنى قال تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } ومن تمام ~~كرامته على الله تعالى أنه تعالى لما خلقه في أول الأمر وصف نفسه بأنه أكرم ~~فقال : { اقرأ باسم ربك الذى خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الاكرم ~~* الذى علمكم * بالقلم } ( العلق : 1 4 ) ووصف نفسه بالتكريم عند تربيته ~~للإنسان فقال : { ولقد كرمنا بنىءادم } ووصف نفسه بالكرم في آخر أحوال ~~الإنسان فقال : { وأخرت ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } ( الإنفطار : ~~6 ) وهذا يدل على أنه لا نهاية لكرم الله تعالى ولفضله وإحسانه مع الإنسان ~~والله أعلم . # والوجه الحادي عشر : قال بعضهم هذا التكريم معناه أنه تعالى خلق آدم بيده ~~وخلق غيره بطريق كن فيكون . ومن كان مخلوقا بيد الله كانت العناية به أتم ~~وأكمل ، وكان أكرم وأكمل ولما جعلنا من أولاده وجب كون بني آدم أكرم وأكمل ~~والله أعلم . # النوع الثاني : من المدائح المذكورة في هذه الآية قوله : { وحملناهم فى ~~البر والبحر } قال ابن عباس في البر على الخيل والبغال والحمير والإبل وفي ~~البحر على السفن ، وهذا أيضا من مؤكدات التكريم المذكور أولا ، لأنه تعالى ~~سخر هذه الدواب له حتى يركبها ويحمل عليها ويغزو ويقاتل ويذب عن نفسه ، ~~وكذلك تسخير الله تعالى المياه والسفن وغيرها ليركبها وينقل عليها ويتكسب ~~بها مما يختص به ابن آدم ، كل ذلك مما يدل على أن الإنسان في هذا العالم ~~كالرئيس المتبوع والملك المطاع وكل ما سواه فهو رعيته وتبع له . # النوع الثالث : من المدائح قوله : { ورزقناهم من الطيبات } وذلك لأن ~~الأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، وكلا القسمين إنما يتغذى الإنسان منه ~~بألطف أنواعها وأشرف أقسامها بعد التنقية التامة والطبخ الكامل والنضج ~~البالغ ، وذلك مما لا يحصل إلا للإنسان . # النوع الرابع : قوله : { وفضلناهم على ms5792 كثير ممن خلقنا تفضيلا } وههنا ~~بحثان : # البحث الأول : أنه قال في أول الآية : { ولقد كرمنا بنىءادم } وقال في ~~آخرها : { وفضلناهم } / ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل وإلا لزم ~~التكرار ، والأقرب أن يقال : إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات ~~بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والخط والصورة الحسنة والقامة ~~المديدة ، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد ~~الحقة والأخلاق الفاضلة ، فالأول هو التكريم والثاني هو التفضيل . # البحث الثاني : أنه تعالى لم يقل : وفضلناهم على الكل بل قال : { ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } PageV21P013 فهذا يدل على أنه حصل في ~~مخلوقات الله تعالى شيء لا يكون الإنسان مفضلا عليه ، وكل من أثبت هذا ~~القسم قال : إنه هو الملائكة . فلزم القول بأن الإنسان ليس أفضل من ~~الملائكة بل الملك أفضل من الإنسان ، وهذا القول مذهب ابن عباس واختيار ~~الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط . واعلم أن هذا الكلام مشتمل على ~~بحثين : # البحث الأول : أن الأنبياء عليهم السلام أفضل أم الملائكة ؟ وقد سبق ذكر ~~هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لادم } ( البقرة : 34 ) . # والبحث الثاني : أن عوام الملائكة وعوام المؤمنين أيهما أفضل ؟ منهم من ~~قال بتفضيل المؤمنين على الملائكة . واحتجوا عليه بما روي عن زيد بن أسلم ~~أنه قال : قالت الملائكة ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ~~ويتنعمون ولم تعطنا ذلك فأعطنا ذاك في الآخرة ، فقال : وعزتي وجلالي لا ~~أجعل ذرية من خلقت بيدي كما قلت له { كن } فكان . وقال أبو هريرة رضي الله ~~عنه : المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده . هكذا أورده الواحدي ~~في ( البسيط ) ، وأما القائلون بأن الملك أفضل من البشر على الإطلاق فقد ~~عولوا على هذه الآية ، وهو في الحقيقة تمسك بدليل الخطاب لأن تقرير الدليل ~~أن يقال : إن تخصيص الكثير بالذكر يدل على أن الحال في القليل بالضد ، وذلك ~~تمسك بدليل الخطاب والله أعلم . # ! 7 < { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ms5793 فمن أوتى كتابه بيمينه فأولائك يقرءون ~~كتابهم ولا يظلمون فتيلا * ومن كان فى هاذه أعمى فهو فى الا خرة أعمى وأضل ~~سبيلا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 71 - 72 ) يوم ندعوا كل . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا ذكر أحوال ~~درجاته في الآخرة في هذه الآية وفيها مسائل : # المسألة الأولى : قرىء يدعو بالياء والنون ويدعى كل أناس على البناء ~~للمفعول وقرأ الحسن يدعو كل أناس قال الفراء وأهل العربية لا يعرفون وجها ~~لهذه القراءة المنقولة عن الحسن ولعله قرأ يدعى بفتحة ممزوجة بالضم فظن ~~الراوي أنه قرأ يدعو . # المسألة الثانية : قوله يوم ندعو نصب بإضمار اذكر ولا يجوز أن يقال ~~العامل فيه قوله وفضلناهم لأنه فعل ماض ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد ~~ونفضلهم بما نعطيهم من الكرامة والثواب . # المسألة الثالثة : قوله : { بإمامهم } الإمام في اللغة كل من ائتم به قوم ~~كانوا على هدى أو ضلالة فالنبي إمام أمته ، والخليفة إمام رعيته ، والقرآن ~~إمام المسلمين وإمام القوم هو الذي يقتدي به في الصلاة وذكروا في تفسير ~~الإمام ههنا أقوال ، القول الأول : إمامهم نبيهم روي ذلك مرفوعا عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن PageV21P014 النبي صلى الله عليه وسلم ويكون المعنى ~~أنه ينادي يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد ~~فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بإيمانهم ثم ينادي يا ~~أتباع فرعون يا أتباع نمروذ يا أتباع فلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر ~~الكفر وعلى هذا القول فالباء في قوله بإمامهم فيه وجهان . الأول : أن يكون ~~التقدير يدعو كل أناس بإمامهم تبعا وشيعة لأمامهم كما تقول ادعوك باسمك . ~~والثاني : أن يتعلق بمحذوف وذلك المحذوف في موضع الحال كأنه قيل يدعو كل ~~أناس مختلطين بإمامهم أي يدعون وإمامهم فيهم نحو ركب بجنوده . والقول ~~الثاني : وهو قول الضحاك وابن زيد بإمامهم أي بكتابهم الذي أنزل عليهم وعلى ~~هذا التقدير ينادي في القيامة يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل ~~. والقول الثالث ms5794 : قال الحسن بكتابهم الذي فيه أعمالهم وهو قول الربيع وأبي ~~العالية والدليل على أن هذا الكتاب يسمى إماما قوله تعالى : { وكل شىء ~~أحصيناه فى إمام مبين } ( يس : 12 ) فسمى الله تعالى هذا الكتاب إماما ، ~~وتقدير الباء على هذا القول بمعنى مع أي ندعو كل أناس ومعهم كتابهم كقولك ~~ادفعه إليه برمته أي ومعه رمته . القول الرابع : قال صاحب ( الكشاف ) ومن ~~بدع التفاسير أن الإمام جمع أم ، وأن الناس يدعون يوم القيامة بإمهاتهم وأن ~~الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الآباء رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن ~~والحسين وأن لا يفتضح أولاد الزنا ثم قال صاحب ( الكشاف ) وليت شعري أيهما ~~أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته . والقول الخامس : أقول في اللفظ احتمال آخر ~~وهو أن أنواع الأخلاق الفاضلة والفاسدة كثيرة والمستولي على كل إنسان نوع ~~من تلك الأخلاق فمنهم من يكون الغالب عليه الغضب ومنهم من يكون الغالب عليه ~~شهوة النقود أو شهوة الضياع ومنهم من يكون الغالب عليه الحقد والحسد وفي ~~جانب الأخلاق الفاضلة منهم من يكون الغالب عليه العفة أو الشجاعة أو / ~~الكرم أو طلب العلم والزهد إذا عرفت هذا فنقول : الداعي إلى الأفعال ~~الظاهرة من تلك الأخلاق الباطنة فذلك الخلق الباطن كالإمام له والملك ~~المطاع والرئيس المتبوع فيوم القيامة إنما يظهر الثواب والعقاب بناء على ~~الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق فهذا هو المراد من قوله : { يوم ندعوا كل ~~أناس بإمامهم } فهذا الاحتمال خطر بالبال والله أعلم بمراده ثم قال تعالى : ~~{ فمن أوتى كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا } قال صاحب ~~( الكشاف ) إنما قال أولئك لأن من أوتي في معنى الجمع والفتيل القشرة التي ~~في شق النواة وسمي بهذا الاسم لأنه إذا أراد الإنسان استخراجه انفتل وهذا ~~يضرب مثلا للشيء الحقير التافه ومثله القطمير والنقير في ضرب المثل به ~~والمعنى لا ينقصون من الثواب بمقدار فتيل ونظيره قوله : { ولا يظلمون شيئا ~~} ( مريم : 60 ) ، { فلا يخاف ظلما ولا هضما } ( طه : 112 ) وروى مجاهد عن ~~ابن عباس أنه قال الفتيل ms5795 هو الوسخ الذي يظهر بفتل الإنسان إبهامه بسبابته ~~وهو فعيل من الفتل بمعنى مفتول فإن قيل لهم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم ~~مع أن أصحاب الشمال يقرؤونه أيضا قلنا الفرق أن أصحاب الشمال إذا طالعوا ~~كتابهم وجدوه مشتملا على المهلكات العظيمة والقبائح الكاملة والمخازي ~~الشديدة فيستولي الخوف والدهشة على قلوبهم ويثقل لسانهم فيعجزوا عن القراءة ~~وأما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك لا جرم أنهم يقرؤون كتابهم على أحسن ~~الوجوه وأثبتها ثم لا يكتفون بقراءتهم وحدهم بل يقول القارىء لأهل الحشر : ~~{ هاؤم اقرؤا كتابيه } ( الحاقه : 19 ) فظهر الفرق والله أعلم ثم قال تعالى ~~: { ومن كان فى هاذه أعمى فهو فى الاخرة أعمى وأضل سبيلا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ونصر عن الكسائي ومن كان ~~في هذه أعمى بالامالة PageV21P015 والكسر فهو في الآخرة أعمى بالفتح وقرأ ~~بالفتح والتفخيم فيهما ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وقرأ حمزة ~~والكسائي وأبو بكر عن عاصم في رواية بالامالة فيهما ، قال أبو علي الفارسي ~~الوجه في تصحيح قراءة أبي عمرو أن المراد بالأعمى في الكلمة الأولى كونه في ~~نفسه أعمى وبهذا التقدير تكون هذه الكلمة تامة فتقبل الامالة وأما في ~~الكلمة الثانية فالمراد من الأعمى أفعل التفضيل فكانت بمعنى أفعل من وبهذا ~~التقدير لا تكون لفظة أعمى تامة فلم تقبل الإمالة والحاصل أن إدخال الأمالة ~~في الأولى دل على أنه ليس المراد أفعل التفضيل وتركها في الثانية يدل على ~~أن المراد منها أفعل التفضيل والله أعلم . # المسألة الثانية : لا شك أنه ليس المراد من قوله تعالى : { ومن كان فى ~~هاذه أعمى فهو فى الاخرة أعمى } عمى البصر بل المراد منه عمى القلب ، أما ~~قوله فهو في الآخرة أعمى ففيه قولان : القول الأول : أن المراد منه أيضا ~~عمى القلب وعلى هذا التقدير ففيه وجوه . الأول : قال عكرمة : جاء نفر من ~~أهل / اليمن إلى ابن عباس فسأله رجل عن هذه الآية فقال : اقرأ ما قبلها ~~فقرأ { ربكم الذى * يزجى ms5796 لكم الفلك * فى البحر } ( الإسراء : 66 ) إلى قوله ~~{ تفضيلا } ( الإسراء : 66 70 ) قال ابن عباس من كان أعمى في هذه النعم ~~التي قد رأى وعاين فهو في أمر الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى وأضل سبيلا ~~وعلى هذا الوجه فقوله في هذه إشارة إلى النعم المذكورة في الآيات المتقدمة ~~. وثانيا : روى أبو ورق عن الضحاك عن ابن عباس قال من كان في الدنيا أعمى ~~عما يرى من قدرتي في خلق السموات والأرض والبحار والجبال والناس والدواب ~~فهو عن أمر الآخرة أعمى وأضل سبيلا وأبعد عن تحصيل العلم به وعلى هذا الوجه ~~فقوله فمن كان في هذه إشارة إلى الدنيا وعلى هذين القولين فالمراد من كان ~~في الدنيا أعمى القلب عن معرفة هذه النعم والدلائل فبأن يكون في الآخرة ~~أعمى القلب عن معرفة أحوال الآخرة أولى فالعمى في المرتين حصل في الدنيا . ~~وثالثها : قال الحسن من كان في الدنيا ضالا كافرا فهو في الآخرة أعمى وأضل ~~سبيلا لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته وفي الدنيا ~~يهتدي إلى التخلص من أبواب الآفات وفي الآخرة لا يهتدي إلى ذلك البتة . ~~ورابعها : أنه لا يمكن حمل العمى الثاني على الجهل بالله لأن أهل الآخرة ~~يعرفون الله بالضرورة فكان المراد منه العمى عن طريق الجنة أي ومن كان في ~~هذه الدنيا أعمى عن معرفة الله فهو في الآخرة أعمى عن طريق الجنة . وخامسها ~~: أن الذين حصل لهم عمى القلب في الدنيا إنما حصلت هذه الحالة لهم لشدة ~~حرصهم على تحصيل الدنيا وابتهاجهم بلذاتها وطيباتها فهذه الرغبة تزداد في ~~الآخرة وتعظم هناك حسرتها على فوات الدنيا وليس معهم شيء من أنوار معرفة ~~الله تعالى فيبقون في ظلمة شديدة وحسرة عظيمة فذاك هو المراد من العمى . ~~القول الثاني : أن يحمل العمى الثاني على عمى العين والبصر فمن كان في هذه ~~الدنيا أعمى القلب حشر يوم القيامة أعمى العين والبصر كما قال : { ونحشره ~~يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت ms5797 بصيرا * قال كذالك أتتك ~~اياتنا فنسيتها وكذالك اليوم تنسى } ( طه : 124 126 ) وقال : { ونحشرهم يوم ~~القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما } وهذا العمى زيادة في عقوبتهم والله ~~أعلم . # PageV21P016 ! 7 < { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينآ إليك لتفترى ~~علينا غيره وإذا لآتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا * إذا لأذقناك ضعف الحيواة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا } > ~~7 @QB@ < # | الإسراء : ( 73 - 75 ) وإن كادوا ليفتنونك . . . . . # > > # /إعلم أنه تعالى لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه وأتبعها ~~بذكر درجات الخلق في الآخرة وشرح أحوال السعداء أردفه بما يجري مجرى تحذير ~~السعداء من الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلامهم المشتمل على ~~المكر والتلبي فقال : { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك } وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس في رواية عطاء نزلت هذه الآية في وفد ثقيف ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا ، وقالوا متعنا باللات سنة ~~وحرم وادينا كما حرمت مكة شجرها وطيرها ووحشها فأبى ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يجبهم فكرروا ذلك الالتماس ، وقالوا إنا نحب أن تعرف العرب ~~فضلنا عليهم ، فإن كرهت ما نقول وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا ، ~~فقل : الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وداخلهم ~~الطمع ، فصاح عليهم عمر وقال : أما ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~أمسك عن الكلام كراهية لما تذكرونه ؟ فأنزل الله هذه الآية ، وروى صاحب ( ~~الكشاف ) أنهم جاءوا بكاتبهم فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من ~~محمد رسول الله إلى ثقيف لا يعشرون ولا يحشرون ، فقالوا ولا يجبون ، فسكت ~~رسول الله ، ثم قالوا للكاتب : اكتب ولا يجبون والكاتب ينظر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقام عمر بن الخطاب وسل سيفه ، وقال : أسعرتم قلب نبينا ~~يا معشر قريش ، أسعر الله قلوبكم نارا . فقالوا لسنا نكلمك إنما نكلم محمدا ~~، فنزلت هذه الآية واعلم أن هذه القصة إنما وقعت ms5798 بالمدينة فلهذا السبب ~~قالوا إن هذه الآيات مدنية . وروى أن قريشا قالوا له : اجعل آية رحمة آية ~~عذاب وآية عذاب آية رحمة ، حتى نؤمن بك . فنزلت هذه الآية وقال الحسن : ~~الكفار أخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بمكة قبل الهجرة فقالوا : ~~كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها فلو كان ذلك حقا كان فلان وفلان بهذا الأمر ~~أحق منك فوقع في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكف عن شتم آلهتهم . ~~وعلى هذا التقدير فهذه الآية مكية ، وعن سعيد بن جبير أنه عليه السلام كان ~~يستلم الحجر فتمنعه قريش ويقولون لا ندعك حتى تستلم آلهتنا فوقع في نفسه أن ~~يفعل ذلك مع كراهية ، فنزلت هذه الآية . # المسألة الثانية : قال الزجاج معنى الكلام كادوا يفتنونك ودخلت إن واللام ~~للتأكيد وإن مخففة من PageV21P017 الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين ~~النافية ، والمعنى إن الشأن ( أنهم ) قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين ( ~~و ) أصل الفتنة الاختبار يقال فتن الصائغ الذهب إذا أدخله النار وأذابه / ~~لتميز جيده من رديئه ثم استعملوه في كل من أزال الشيء عن حده وجهته فقالوا ~~فتنه فقوله : { وإن كادوا * ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك } أي يزيلونك ~~ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك يعني القرآن ، والمعنى عن حكمة وذلك لأن في ~~إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن ، وقوله : { لتفترى علينا غيره } أي ~~غير ما أوحينا إليك وهو قولهم : قل الله أمرني بذلك { وإذا لآتخذوك خليلا } ~~أي لو فعلت ما أرادوا لاتخذوك خليلا وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كونهم ~~وراض بشركهم ثم قال : { ولولا أن ثبتناك } أي على الحق بعصمتنا إياك { لقد ~~كدت تركن إليهم } أي تميل إليهم شيئا قليلا وقوله : { شيئا } عبارة عن ~~المصدر أي ركونا قليلا ، قال ابن عباس يريد حيث سكت عن جوابهم . قال قتادة ~~لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم لا تكلني إلى ~~نفسي طرفة عين ) ثم توعده في ذلك أشد التوعد فقال : { إذا لأذقناك ضعف ~~الحيواة وضعف الممات ms5799 } أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يريد عذاب ~~الدنيا وعذاب الآخرة والضعف عبارة عن أن يضم إلى الشيء مثله فإن الرجل إذا ~~قال لوكيله أعط فلانا شيئا فأعطاه درهما فقال أضعفه كان المعنى ضم إلى ذلك ~~الدرهم مثله إذا عرفت هذا فنقول : إنا حسن إضمار العذاب في قوله : { ضعف ~~الحيواة وضعف الممات } لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله : ~~{ ربنا من قدم لنا هاذا فزده عذابا ضعفا فى النار } ( ص : 61 ) وقال : { ~~لكل ضعف ولاكن لا تعلمون } ( الأعراف : 38 ) وحاصل الكلام أنك لو مكنت ~~خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همتك لاستحققت بذلك تضعيف ~~العذاب عليك في الدنيا والآخرة ولصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ~~ومثلي عذابه في الآخرة والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى ~~في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم فكانت العقوبة ~~المستحقة عليها أكثر ونظيره قوله تعالى : { عظيما يانساء النبى من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين } ( الأحزاب : 30 ) فإن قيل قال عليه ~~السلام : ( من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) ~~فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو رضي بما قالوه لكان وزره مثل وزر كل ~~أحد من أولئك الكفار وعلى هذا التقدير يكون عقابه زائدا على الضعف قلنا ~~إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب وهو ~~حجة ضعيفة ثم قال تعالى : { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } يعني إذا أذقناك ~~العذاب المضاعف لم تجد أحدا يخلصك من عذابنا وعقابنا والله أعلم . # المسألة الثالثة : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه ~~الآية فقالوا هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم عنهم من وجوه . الأول : ~~أن الآية دلت على أنه عليه السلام قرب من أن يفتري على الله ، والفرية على ~~الله من أعظم الذنوب . والثاني : أنها تدل على أنه لولا أن الله تعالى ثبته ~~وعصمه لقرب من أن يركن إلى ms5800 دينهم ويميل إلى مذهبهم . والثالث : أنه لولا ~~سبق جرم وجناية وإلا فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشديد والجواب عن الأول ~~: أن / كاد معناه المقاربة فكان معنى الآية أنه قرب وقوعه في الفتنة ، وهذا ~~القدر لا يدل على الوقوع في تلك الفتنة فإنا إذا قلنا كاد الأمير أن يضرب ~~فلانا لا يفهم منه أنه ضربه ، والجواب عن الثاني : أن كلمة لولا تفيد ~~انتفاء الشيء لثبوت غيره ، تقول لولا علي لهلك عمر ، معناه أن وجود علي منع ~~من حصول الهلاك لعمر ، فكذلك ههنا قوله : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم } معناه PageV21P018 أنه حصل تثبيت الله تعالى لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فكان حصول ذلك التثبيت مانعا من حصول ذلك الركون ، والجواب عن الثالث ~~: أن ذلك التهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها والدليل عليه آيات ~~منها قوله : { ولو تقول علينا بعض الاقاويل * لاخذنا منه باليمين * ثم ~~لقطعنا منه الوتين } ( الحاقة : 44 46 ) ومنها قوله : { لئن أشركت ليحبطن ~~عملك } ( الزمر : 65 ) ومنها قوله : { ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( ~~الأحزاب : 48 ) والله أعلم . # المسألة الرابعة : احتج أصحابنا على صحة قولهم بأنه لا عصمة عن المعاصي ~~إلا بتوفيق الله تعالى بقوله : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا } قالوا إنه تعالى بين أنه لولا تثبيت الله تعالى له لمال إلى طريقة ~~الكفار ولا شك أن محمد صلى الله عليه وسلم كان أقوى من غيره في قوة الدين ~~وصفاء اليقين فلما بين الله تعالى أن بقاءه معصوما عن الكفر والضلال لم ~~يحصل إلا باعانة الله تعالى وإغاثته كان حصول هذا المعنى في حق غيره أولى . ~~قالت المعتزلة : المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة له عن ذلك وهي ما خطر ~~بباله من ذكر وعده ووعيده ، ومن ذكر أن كونه نبيا من عند الله تعالى يمنع ~~من ذلك ، والجواب : لا شك أن هذا التثبيت عبارة عن فعل فعله الله يمنع ~~الرسول من الوقوع في ذلك العمل المحذور ، فنقول : لو لم يوجد المقتضى ~~للإقدام على ذلك ms5801 العمل المحذور في حق الرسول لما كان إلى إيجاد هذا المانع ~~حاجة وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أن المقتضى قد حصل في حق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وأن هذا المانع الذي فعله الله منع ذلك المقتضى ~~من العمل وهذا لا يتم إلا إذا قلنا إن القدرة مع الداعي توجب الفعل ، فإذا ~~حصلت داعية أخرى معارضة للداعية الأولى اختل المؤثر فامتنع الفعل ونحن لا ~~نريد إلا إثبات هذا المعنى والله أعلم . # المسألة الخامسة : قال القفال رحمه الله : قد ذكرنا في سبب نزول هذه ~~الآية الوجوه المذكورة ، ويمكن أيضا تأويلها من غير تقييد بسبب يضاف نزولها ~~فيه لأن من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأقصى ما يقدرون عليه ، فتارة كانوا يقولون : إن عبدت ~~آلهتنا عبدنا إلهك ، فأنزل الله تعالى : { قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا ~~أعبد ما تعبدون } ( الكافرون : 1 ، 2 ) وقوله : { ودوا لو تدهن فيدهنون } ( ~~القلم : 9 ) وعرضوا عليه الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء ~~النبوة فأنزل الله تعالى : { ولا تمدن عينيك } ( طه : 131 ) ودعوه إلى طرد ~~المؤمنين عن نفسه فأنزل الله تعالى قوله : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ( ~~الأنعام : 52 ) فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب / وذلك أنهم ~~قصدوا أن يفتنوه عن دينه وأن يزيلوه عن منهجه ، فبين تعالى أنه يثبته على ~~الدين القويم والمنهج المستقيم ، وعلى هذا الطريق فلا حاجة في تفسير هذه ~~الآيات إلى شيء من تلك الروايات . والله أعلم . # ! 7 < { وإن كادوا ليستفزونك من الا رض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون ~~خلافك إلا قليلا * سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا } ~~> 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 76 - 77 ) وإن كادوا ليستفزونك . . . . . # > > # في هذه الآية قولان : الأول : قال قتادة : هم أهل مكة هموا بإخراج النبي ~~صلى الله عليه وسلم من مكة ، ولو فعلوا ذلك ما أمهلوا ، ولكن الله منعهم من ~~اخراجه ، حتى أمره الله بالخروج ، ثم إنه قل لبثهم بعد خروج النبي ms5802 صلى الله ~~عليه وسلم من PageV21P019 مكة حتى بعث الله عليهم القتل يوم بدر وهذا قول ~~مجاهد . والقول الثاني : قال ابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم فقالوا : يا أبا ~~القاسم إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مسكن إبراهيم ~~فلو خرجت إلى الشام آمنا بك واتبعناك وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا ~~خوف الروم فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم . فعسكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أميال من المدينة قيل بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ~~ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في دين الله ~~فنزلت هذه الآية فرجع . فالقول الأول اختيار الزجاج وهو الوجه لأن السورة ~~مكية فإن صح القول الثاني كانت الآية مدنية ، والأرض في قوله : { ليستفزونك ~~من الارض } على القول الأول مكة وعلى القول الثاني المدينة وكثر في التنزيل ~~ذكر الأرض والمراد منها مكان مخصوص كقوله : { أو ينفوا من الارض } ( ~~المائدة : 33 ) يعني من مواضعهم وقوله : { فلن أبرح الارض } ( يوسف : 80 ) ~~يعني الأرض التي كان قصدها لطلب الميرة ، فإن قيل قال الله تعالى : { وكأين ~~من قرية هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك } ( محمد : 13 ) يعني مكة والمراد ~~أهلها فذكر أنهم أخرجوه وقال في هذه الآية : { وإن كادوا ليستفزونك من ~~الارض ليخرجوك منها } فكيف ( يمكن ) الجمع بينهما على قول من قال الأرض في ~~هذه الآية مكة ؟ قلنا : إنهم هموا بإخراجه وهو عليه السلام ما خرج بسبب ~~إخراجهم وإنما خرج بأمر الله تعالى ، فزال التناقض . ثم قال تعالى : { وإذا ~~لا يلبثون خلافك إلا قليلا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو عن عاصم خلفك بفتح الخاء ~~وسكون اللام / والباقون خلافك زعم الأخفش أن خلافك في معنى خلفك وروى ذلك ~~يونس عن عيسى وهذا كقوله : { بمقعدهم خلاف رسول الله } ( التوبة : 81 ) ~~وقال الشاعر : # % عفت الديار خلافهم فكأنما % % بسط الشواطب بينهن حصير % # قال صاحب ms5803 ( الكشاف ) قرىء لا يلبثون وفي قراءة أبي لا يلبثوا على إعمال ~~إذن ، فإن قيل : ما وجه القراءتين ؟ قلنا : أما السابقة فقد عطف فيها الفعل ~~على الفعل وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد والفعل في خير كاد واقع موقع الاسم ~~وأما قراءة أبي ففيها الجملة برأسها التي هي قوله : { إذا لابتغوا * يلبثون ~~} عطف على جملة قوله : { وإن كادوا ليستفزونك } ثم قال تعالى : { سنة من قد ~~أرسلنا قبلك من رسلنا } يعني أن كل قوم أخرجوا نبيهم من ظهرانيهم فسنة الله ~~أن يهلكهم فقوله : { سنة } نصب على المصدر المؤكد أي سننا ذلك سنة فيمن قد ~~أرسلنا قبلك ثم قال : { ولا تجد لسنتنا تحويلا } والمعنى أن ما أجرى الله ~~تعالى به العادة لم يتهيأ لأحد أن يقلب تلك العادة وتمام الكلام في هذا ~~الباب أن اختصاص كل حادث بوقته المعين وصفته المعينة ليس أمرا ثابتا له ~~لذاته وإلا لزم أن يدوم أبدا على تلك الحالة وأن لا يتميز الشيء عما يماثله ~~في تلك الصفات بل إنما يحصل ذلك الاختصاص بتخصيص المخصص وذلك التخصيص هو ~~أنه تعالى يريد تحصيله في ذلك الوقت ثم تتعلق قدرته بتحصيله في ذلك الوقت ~~ثم يتعلق علمه بحصوله في ذلك الوقت ثم نقول هذه الصفات الثلاثة التي هي ~~المؤثرة في حصول ذلك الاختصاص إن كانت حادثة افتقر حدوثها إلى تخصيص آخر ~~ولزم التسلل وهو محال وإن كانت قديمة فالقديم يمتنع تغيره لأن ما ثبت قدمه ~~امتنع عدمه ولما كان التغير على تلك الصفات المؤثرة في ذلك الاختصاص ممتنعا ~~كان التغير في تلك الأشياء المقدرة ممتنعا فثبت بهذا البرهان صحة قوله ~~تعالى : { ولا تجد لسنتنا تحويلا } . # PageV21P020 ! 7 < { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان الفجر ~~إن قرءان الفجر كان مشهودا * ومن اليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا * وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق واجعل لى من لدنك ~~سلطانا نصيرا * وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 78 - 81 ) أقم الصلاة ms5804 لدلوك . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في النظم وجوه . الأول : أنه تعالى لما قرر أمر ~~الالهيات والمعاد والنبوات أردفها بذكر الأمر بالطاعات بعد الإيمان وأشرف ~~الطاعات بعد الإيمان الصلاة فلهذا السبب أمر بها . الثاني : أنه تعالى لما ~~قال : { وإن كادوا ليستفزونك من الارض } أمره تعالى بالإقبال على عبادته ~~لكي ينصره عليهم فكأنه قيل له لا تبال بسعيهم في إخراجك من بلدتك ولا تلتفت ~~إليهم واشتغل بعبادة الله تعالى وداوم على أداء الصلوات فإنه تعالى يدفع ~~مكرهم وشرهم عنك ويجعل يدك فوق أيديهم ودينك غالبا على أديانهم ونظيره قوله ~~في سورة طه : { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها ومن ءاناء اليل فسبح وأطراف النهار لعلك } ( طه : 130 ) وقال : { ~~ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين * ~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 97 99 ) والوجه الثالث : في تقرير ~~النظم أن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء عزم صلى ~~الله عليه وسلم على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد ~~وما النصرة والدولة إلا بتأييده ونصرته فداوم على الصلوات وارجع إلى مقرك ~~ومسكنك وإذا دخلته ورجعت إليه فقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ~~واجعل لي في هذا البلد سلطانا نصيرا في تقرير دينك وإظهار شرعك والله أعلم ~~. # المسألة الثانية : اختلف أهل اللغة والمفسرون في معنى دلوك الشمس على ~~قولين . أحدهما : أن دلوكها غروبها وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة ، ~~فنقل الواحدي في البسيط عن علي عليه السلام أنه قال : دلوك الشمس غروبها . ~~وروى زر بن حبيش أن عبد الله بن مسعود قال : دلوك الشمس غروبها ، وروى سعيد ~~بن جبير هذا القول عن ابن عباس وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة من ~~المتأخرين . والقول الثاني : أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو ~~اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين واحتج القائلون بهذا القول على صحته ~~بوجوه . الحجة الأولى : روى الواحدي في البسيط ms5805 عن جابر أنه قال : ( طعم ~~عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا حين دلكت الشمس ) . الحجة الثانية : روى صاحب ~~( الكشاف ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أتاني جبريل عليه ~~السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر ) . الحجة الثالثة : قال ~~أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك PageV21P021 قيل للشمس ~~إذا زالت نصف النهار دالكة ، وقيل لها إذا أفلت دالكة لأنها في الحالتين ~~زائلة . هكذا قاله الأزهري وقال القفال : أصل الدلوك الميل ، يقال : مالت ~~الشمس للزوال ، ويقال : مالت للغروب ، إذا عرفت هذا / فنقول : وجب أن يكون ~~المراد من الدلوك ههنا الزوال عن كبد السماء وذلك لأنه تعالى علق إقامة ~~الصلاة بالدلوك / والدلوك عبارة عن الميل والزوال ، فوجب أن يقال إنه أول ~~ما حصل الميل والزوال تعلق به هذا الحكم فلما حصل هذا المعنى حال ميلها من ~~كبد السماء وجب أن يتعلق به وجوب الصلاة وذلك يدل على أن المراد من الدلوك ~~في هذه الآية ميلها عن كبد السماء وهذه حجة قوية في هذا الباب استنبطتها ~~بناء على ما اتفق عليه أهل اللغة : أن الدلوك عبارة عن الميل والزوال والله ~~أعلم . الحجة الرابعة : قال الأزهري الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف ~~النهار ، والمعنى { أقم الصلواة } أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق ~~الليل وعلى هذا التقدير فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم قال : ~~{ أقم الصلواة } فإذا حملنا الدلوك على الزوال دخلت الصلوات الخمس في هذه ~~الآية ، وإن حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات وهي المغرب ~~والعشاء والفجر وحمل كلام الله تعالى على ما يكون أكثر فائدة أولى فوجب أن ~~يكون المراد من الدلوك الزوال ، واحتج الفراء على قوله الدلوك هو الغروب ~~بقول الشاعر : # % هذا مقام قدمي رباح % % وقفت حتى دلكت براح % # وبراح اسم الشمس أي حتى غابت ، واحتج ابن قتيبة بقول ذي الرمة : # % مصابيح ليست باللواتي يقودها % % نجوم ms5806 ولا أفلاكهن الدوالك % # واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لأن عندنا الدلوك عبارة عن الميل والتغير ~~وهذا المعنى حاصل في الغروب فكان الغروب نوعا من أنواع الدلوك فكان وقوع ~~لفظ الدلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزوال كما أن وقوع لفظ الحيوان ~~على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس ومنهم من احتج أيضا على صحة هذا ~~القول بأن الدلوك اشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها ~~وهذا إنما يصح في الوقت الذي يمكن النظر إليها ومعلوم أنها عند كونها في ~~وسط السماء لا يمكن النظر إليها ، أما عند قربها من الغروب فيمكن النظر ~~إليها ( و ) عندما ينظر الإنسان إليها في ذلك الوقت يدلك عينيه ، فثبت أن ~~لفظ الدلوك مختص بالغروب . والجواب أن الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في ~~وسط السماء أتم فهذا الذي ذكرته بأن يدل على أن الدلوك عبارة عن الزوال من ~~وسط السماء أولى والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال الواحدي : اللام في قوله لدلوك الشمس لام الأجل ~~والسبب وذلك لأن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس فيجب على المصلي إقامتها لأجل ~~دلوك الشمس . # المسألة الرابعة : قوله : { أقم الصلواة لدلوك } غسق الليل سواده وظلمته ~~قال الكسائي : غسق الليل غسوقا ، والغسق : الاسم ، بفتح السين . وقال النضر ~~بن شميل : غسق الليل دخول أوله ، وأتيته حين غسق الليل ، أي حين يختلط ويسد ~~المناظر ، وأصل هذا الحرف من السيلان يقال : غسقت العين تغسق . وهو هملان ~~العين بالماء ، والغاسق السائل ، ومن هذا يقال لما يسيل من / أهل النار : ~~الغساق ، فمعنى غسق الليل أي انصب بظلامه ، وذلك أن الظلمة كأنها تنصب على ~~العالم ، وأما قول المفسرين ، قال ابن جريج : قلت لعطاء : ما غسق الليل ؟ ~~قال أوله حين يدخل . وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس ما الغسق : قال دخول ~~الليل PageV21P022 بظلمته ، وقال الأزهري : غسق الليل عند غيبوبة الشفق عند ~~تراكم الظلمة واشتدادها ، يقال : غسقت العين إذا امتلأت دمعا ، وغسقت ~~الجراحة إذا امتلأت دما ، قال لأنا لو حملنا الغسق على هذا المعنى دخلت ~~الصلوات ms5807 الأربع فيه وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ولو حملنا الغسق ~~على ظهور أول الظلمة لم يدخل فيه إلا الظهر والمغرب فوجب أن يكون الأول ~~أولى / واعلم أنه يتفرع على هذين القولين بحث شريف فإن فسرنا الغسق بظهور ~~أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير يكون المذكور ~~في الآية ثلاثة أوقات وقت الزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر وهذا يقتضي أن ~~يكون الزوال وقتا للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين ~~وأن يكون أول المغرب وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين ~~هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب ~~والعشاء مطلقا إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر ولا ~~يجوز فوجب أن يكون الجمع جائزا بعذر السفر وعذر المطر وغيره ، أما إن فسرنا ~~الغسق بالظلمة المتراكمة فنقول الظلمة المتراكمة إنما تحصل عند غيبوبة ~~الشفق الأبيض وكلمة إلى لانتهاء الغاية والحكم الممدود إلى غاية يكون ~~مشروعا قبل حصول تلك الغاية فوجب جواز إقامة الصلوات كلها قبل غيبوبة الشفق ~~الأبيض وهذا إنما يصح إذا قلنا إنها تجب عند غيبوبة الشفق الأحمر والله ~~أعلم . # المسألة الخامسة : قوله وقرآن الفجر أجمعوا على أن المراد منه صلاة الصبح ~~وانتصابه بالعطف على الصلاة في قوله أقم الصلاة والتقدير أقم الصلاة وأقم ~~قرآن الفجر وفيه فوائد . الأولى : أن هذه الآية تدل على أن الصلاة لا تتم ~~إلا بالقراءة . الفائدة الثانية : أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر ~~والتقدير أقم قرآن الفجر فوجب أن تتعلق القراءة بحصول الفجر وفي أول طلوع ~~الصبح قد حصل الفجر لأن الفجر سمى فجرا لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح ~~وظاهر الأمر للوجوب فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أول طلوعه ~~إلا أنا أجمعنا على أن هذا الوجوب غير حاصل ، فوجب أن يبقى الندب لأن ~~الوجوب عبارة عن رجحان مانع من الترك فإذا منع مانع من تحقق الوجوب وجب أن ~~يرتفع المنع من الترك وأن يبقى ms5808 أصل الرجحان حتى تنقل مخالفة الدليل فثبت أن ~~هذه الآية تقتضي أن إقامة الفجر في أول الوقت أفضل وهذا يدل على صحة مذهب ~~الشافعي في أن التغليس أفضل من التنوير والله أعلم . الفائدة الثالثة : أن ~~الفقهاء بينوا أن السنة أن تكون القراءة في هذه الصلاة أطول من القراءة في ~~سائر الصلوات فالمقصود من قوله وقرآن الفجر الحث على أن تطويل القراءة في ~~هذه الصلاة مطلوب لأن التخصيص بالذكر يدل / على كونه أكمل من غيره . ~~الفائدة الرابعة : أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهودا . قال الجمهور : معناه ~~أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام تنزل ~~ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة وقبل أن تعرج ملائكة الليل فإذا ~~فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار ثم إن ملائكة ~~الليل إذا صعدت قالت : يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك وتقول ملائكة النهار ~~ربنا أتينا عبادك وهم يصلون فيقول الله تعالى للملائكة اشهدوا أني قد غفرت ~~لهم . وأقول هذا أيضا دليل قوي في أن التغليس أفضل من التنوير لأن الإنسان ~~إذا شرع فيها من أول الصبح ففي ذلك الوقت الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل ~~حاضرين ثم إذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر ~~الضوء وحضرت ملائكة النهار فبهذا الطريق تحضر في هذه الصلاة ملائكة الليل ~~وملائكة النهار أما إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك ما بقيت ~~PageV21P023 الظلمة فلم يبق في ذلك الوقت أحد من ملائكة الليل فلا يحصل ~~المعنى المذكور فثبت أن قوله تعالى : { إنه كان * مشهودا } دليل قوي على أن ~~التغليس أفضل وعندي في تفسير قوله تعالى : { إنه كان * مشهودا } احتمال آخر ~~وذلك لأنه كلما كانت الحوادث الحادثة أعظم وأكمل كان الإستدلال بها على ~~كمال قدرة الله تعالى أكمل فالإنسان إذا شرع في أداء صلاة الصبح من أول هذا ~~الوقت كانت الظلمة القوية باقية في العالم / فإذا امتدت القراءة في أثناء ~~هذا الوقت ينقلب العالم من الظلمة إلى الضوء والظلمة ms5809 مناسبة للموت والعدم ، ~~والضوء مناسب للحياة والوجود . وعلى هذا التقدير فالإنسان لما قام من منامه ~~فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة ومن العدم إلى الوجود ثم إنه مع ذلك يشاهد ~~في أثناء صلاته انقلاب كلية هذا العالم من الظلمة إلى الضوء ومن الموت إلى ~~الحياة ومن السكون إلى الحركة ومن العدم إلى الوجود . وهذه الحالة حالة ~~عجيبة تشهد العقول والأرواح بأنه لا يقدر على هذا التقليب والتحويل ~~والتبديل إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقوة الغير المتناهية وحينئذ ~~يستنير العقل بنور هذه المعرفة وينفتح على العقل والروح أبواب المكاشفات ~~الروحانية الإلهية فتصير الصلاة التي هي عبارة عن أعمال الجوارح مشهودا ~~عليها بهذه المكاشفات الإلهية المقدسة ولذلك فكل من له ذوق سليم وطبع ~~مستقيم إذا قام من منامه وأدى صلاة الصبح في أول الوقت واعتبر اختلاف أحوال ~~العالم من الظلمة الحاصلة إلى النور ومن السكون إلى الحركة فإنه يجد في ~~قلبه روحا وراحة ومزيدا في نور المعرفة وقوة اليقين فهذا هو المراد من قوله ~~: { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى } وظهر أن هذا الاعتبار لا يحصل إلا عند ~~أداء صلاة الفجر على سبيل التغليس فهذا ما خطر بالبال والله أعلم بمراده . ~~وفي الآية احتمال ثالث وهو أن يكون المراد من قوله : { أقم الصلواة لدلوك ~~الشمس إلى } الترغيب في أن تؤدي هذه الصلاة بالجماعة ويكون المعنى كونه ~~مشهودا بالجماعة الكثيرة ومزيد التحقيق فيه أنا بينا أن تأثير هذه الصلاة ~~في تصفية القلب وفي تنويره أكثر من تأثير سائر الصلوات فإذا حضر جمع من ~~المسلمين في المسجد / لأداء هذه العبادة استنار قلب كل واحد منهم ثم بسبب ~~ذلك الاجتماع كأنه ينعكس نور معرفة الله تعالى ونور طاعته في ذلك الوقت من ~~قلب كل واحد إلى قلب الآخر فتصير أرواحهم كالمرايا المشرقة المتقابلة إذا ~~وقعت عليها أنوار الشمس فإنه ينعكس النور من كل واحدة من تلك المرايا إلى ~~الأخرى فكذا في هذه الصورة ولهذا السبب فإن كل من له ذوق سليم وأدى هذه ~~الصلاة في هذا ms5810 الوقت بالجماعة وجد من قلبه فسحة ونورا وراحة . الفائدة ~~الخامسة : قوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل } يحتمل أن يكون ~~السبب في كونه مشهودا هو أن الإنسان لما نام طول الليل فصار كالغافل في هذه ~~المدة عن مراقبة أحوال الدنيا فزالت صورة الحوادث الجسمانية عن لوح خياله ~~وفكره وعقله وصارت هذه الألواح كألواح سطرت فيها نقوش فاسدة ثم غسلت وأزيلت ~~تلك النقوش عنها ، ففي أول وقت القيام من المنام صارت ألواح عقله وفكره ~~وخياله مطهرة عن النقوش الفاسدة الباطلة . فإذا تسارع الإنسان في ذلك الوقت ~~إلى عبادة الله تعالى وقراءة الكلمات الدالة على تنزيهه والإقدام على ~~الأفعال الدالة على تعظيم الله تعالى انتقش في لوح عقله وفكره وخياله هذه ~~النقوش الطاهرة المقدسة ، ثم إن حصول هذه النقوش يمنع من استحكام النقوش ~~الفاسدة ، وهي النقوش المتولدة من الميل إلى الدنيا وشهواتها فبهذا الطريق ~~يترشح الميل إلى معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته ويضعف الميل إلى الدنيا ~~وشهواتها . إذا عرفت هذا فنقول هذه الحكمة إنما تحصل إذا شرع الإنسان في ~~الصلاة من أول قيامه من النوم عند التغليس . وذلك يدل على المقصود واعلم أن ~~أكثر الخلق وقعوا في أمراض القلوب وهي حب PageV21P024 الدنيا والحرص والحسد ~~والتفاخر والتكاثر وهذه الدنيا مثل دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى ~~والأنبياء كالأطباء الحاذقين والمريض ربما قد قوي مرضه فلا يعود إلى الصحة ~~إلا بمعالجات قوية وربما كان المريض جاهلا فلا ينقاد للطبيب ويخالفه في ~~أكثر الأمر / إلا أن الطبيب إذا كان مشفقا حاذقا فإنه يسعى في إزالة ذلك ~~المرض بكل طريق يقدر عليه فإن لم يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله ~~وتخفيفه . إذا عرفت هذا فنقول : مرض حب الدنيا مستول على الخلق ولا علاج له ~~إلا بالدعوة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق على النفوس ~~، وقل من يقبله وينقاد له . لا جرم ( أن ) الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا ~~المرض وحمل الخلق على الشروع في الطاعة والعبودية من أول وقت القيام من ms5811 ~~النوم مما ينفع في إزالة هذا المرض من الوجه الذي قررناه فوجب أن يكون ~~مشروعا والله أعلم بأسرار كلامه . # أما قوله تعالى : { ومن اليل * فتهجد به نافلة لك } فاعلم أنه تعالى لما ~~أمر بالصلوات الخمس على سبيل الرمز والإشارة أردفه بالحث على صلاة الليل ~~وفيه مباحث : # البحث الأول : التهجد عبارة عن صلاة الليل فقوله فتهجد به أي بالقرآن كما ~~قال : { قم اليل إلا قليلا } ( المزمل : 2 ) إلى قوله : { ورتل القرءان ~~ترتيلا } ( المزمل : 4 ) . # البحث الثاني : قال الواحدي الهجود في اللغة النوم وهو معروف كثير في ~~الشعر يقال : / أهجدته وهجدته أي أنمته ومنه قول لبيد : # هجدنا فقد طال السرى # كأنه قال : نومنا فإن السرى قد طال علينا حتى غلبنا النوم وروى أبو عبيد ~~عن أبي عبيدة الهاجد النائم والهاجد المصلي بالليل وروى ثعلب عن ابن ~~الأعرابي مثل هذا القول كأنه قال هجد الرجل إذا صلى من الليل وهجد إذا نام ~~بالليل فعند هؤلاء هذا اللفظ من الأضداد وأما الأزهري فإنه توسط في تفسير ~~هذا اللفظ وقال المعروف في كلام العرب أن الهاجد هو النائم ثم رأينا أن في ~~الشرع يقال لمن قام من النوم إلى الصلاة إنه متهجد فوجب أن يحمل هذا على ~~أنه سمي متهجدا لالقائه الهجود عن نفسه كما قيل للعابد متحنث لألقائه الحنث ~~عن نفسه وهو الإثم . ويقال فلان رجل متحرج ومتأثم ومتحوب أي يلقي الحرج ~~والإثم والحوب عن نفسه . وأقول فيه احتمال آخر وهو أن الإنسان إنما يترك ~~لذة النوم ويتحمل مشقة القيام إلى الصلاة ليطيب رقاده وهجوده عند الموت ~~فلما كان غرضه من ترك هذا الهجود أن يصل إلى الهجود اللذيذ عند الموت كان ~~هذا القيام طلبا لذلك الهجود فسمي تهجدا لهذا السبب . وفيه وجه ثالث : وهو ~~ما روي أن الحجاج بن عمرو المازني قال : أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى ~~حتى يصبح أنه قد تهجد إنما التهجد الصلاة بعد الرقاد ثم صلاة أخرى بعد رقدة ~~ثم صلاة أخرى بعد رقدة هكذا كانت صلاة رسول ms5812 الله صلى الله عليه وسلم . إذا ~~عرفت هذا فنقول كلما صلى الإنسان طلب هجودا ورقادا فلا يبعد أنه سمي تهجدا ~~لهذا السبب . # البحث الثالث : قوله : { من } في قوله : { ومن اليل } لا بد له من متعلق ~~والفاء في قوله : { فتهجد } لا بد له من معطوف عليه والتقدير قم من الليل ~~أي في بعض الليل فتهجد به وقوله : { به } أي بالقرآن والمراد منه الصلاة ~~المشتملة على القرآن . PageV21P025 # البحث الرابع : معنى النافلة في اللغة ما كان زيادة على الأصل ذكرناه في ~~قوله تعالى : { يسألونك عن الانفال } ( الأنفال : 1 ) ومعناها أيضا في هذه ~~الآية الزيادة وفي تفسير كونها زيادة قولان مبنيان على أن صلاة الليل هل ~~كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا فمن الناس من قال إنها كانت ~~واجبة عليه ثم نسخت فصارت نافلة ، أي تطوعا وزيادة على الفرائض ، وذكر ~~مجاهد والسدي في تفسير كونها ( نافلة ) وجها حسنا قالا إنه تعالى غفر للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكل طاعة يأتي بها سوى ~~المكتوبة فإنه لا يكون تأثيرها في كفارة الذنوب البتة بل يكون تأثيرها في ~~زيادة الدرجات وكثرة الثواب وكان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب ~~فلهذا سميت نافلة بخلاف الأمة / فإن لهم ذنوبا محتاجة إلى الكفارات فهذه ~~الطاعة محتاجون إليها لتكفير الذنوب والسيئات فثبت أن هذه الطاعات إنما ~~تكون زوائد ونوافل في حق النبي صلى الله عليه وسلم لا في حق غيره فلهذا ~~السبب قال : { نافلة لك } يعني أنها زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك ~~وتقريره ما ذكرناه . وأما الذين قالوا : إن صلاة الليل كانت واجبة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالوا معنى كونها نافلة له على التخصيص أنها ~~فريضة عليك زائدة على الصلوات الخمس خصصت بها من بين أمتك ويمكن نصرة هذا ~~القول بأن قوله فتهجد / أمر وصيغة الأمر للوجوب فوجب كون هذا التهجد واجبا ~~فلو حملنا قوله نافلة لك على عدم الوجوب لزم التعارض وهو خلاف الأصل فوجب ms5813 ~~أن يكون معنى كونها نافلة له ما ذكرناه من كون وجوبها زائدا على وجوب ~~الصلوات الخمس والله أعلم . # البحث الخامس : قوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرءان ~~الفجر } وإن كان ظاهر الأمر فيه مختصا بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه ~~في المعنى عام في حق الأمة والدليل عليه أنه قال ومن الليل فتهجد به نافلة ~~لك فبين أن الأمر بالتهجد مخصوص بالرسول وهذا يدل على أن الأمر بالصلاة ~~الخمس غير مخصوص بالرسول عليه السلام وإلا لم يكن لتقييد الأمر بالتهجد ~~بهذا القيد فائدة أصلا والله أعلم . ثم قال تعالى : { عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا } اتفق المفسرون على أن كلمة عسى من الله واجب قال أهل ~~المعاني لأن لفظة عسى تفيد الأطماع ومن أطمع إنسانا في شيء ثم حرمه كان ~~عارا والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدا في شيء ثم لا يعطيه ذلك . وقوله : { ~~مقاما محمودا } فيه بحثان : # البحث الأول : في انتصاب قوله محمودا وجهان . الأول : أن يكون انتصابه ~~على الحال من قوله يبعثك أي يبعثك محمودا . والثاني : أن يكون نعتا للمقام ~~وهو ظاهر . # البحث الثاني : في تفسير المقام المحمود أقوال . الأول : أنه الشفاعة قال ~~الواحدي أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في هذه الآية ( هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي ) وأقول اللفظ مشعر به ~~وذلك لأن الإنسان إنما يصير محمودا إذا حمده حامد والحمد إنما يكون على ~~الانعام فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاما أنعم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيه على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام وذلك الإنعام لا يجوز أن ~~يكون هو تبليغ الدين وتعليم الشرع لأن ذلك كان حاصلا في الحال وقوله : { ~~عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } تطميع وتطميع الإنسان في الشيء الذي وعده ~~في الحال محال فوجب أن يكون ذلك الانعام الذي لأجله يصير محمودا إنعاما ~~سيصل منه حصل له بعد ذلك إلى الناس وما ذاك إلا شفاعته عند الله فدل ms5814 هذا ~~على أن لفظ الآية وهو قوله : { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } يدل على ~~هذا المعنى وأيضا التنكير في قوله مقاما محمودا يدل على أنه يحصل للنبي ~~عليه السلام في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل ومن المعلم أن حمد ~~PageV21P026 الإنسان على سعيه في التخليص عن العقاب أعظم من حمده في السعي ~~في زيادة من الثواب لا حاجة به إليها لأن احتياج الإنسان إلى دفع الآلام ~~العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به ~~إلى تحصيلها وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله : { عسى أن يبعثك ربك ~~مقاما محمودا } هو الشفاعة في إسقاط العقاب على ما هو مذهب أهل السنة ولما ~~ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعارا قويا ثم وردت الأخبار الصحيحة في ~~تقرير هذا المعنى وجب حل اللفظ عليه ومما يؤكد هذا الوجه الدعاء المشهور ~~وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه به الأولون والآخرون / واتفق الناس ~~على أن المراد منه الشفاعة . والقول الثاني : قال حذيفة ، يجمع الناس في ~~صعيد فلا تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول ( لبيك وسعديك ~~والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجا ~~منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت ) فهذا هو المراد من قوله : { ~~عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } وأقول القول الأول أولى لأن سعيه في ~~الشفاعة يفيده إقدام الناس على حمده فيصير محمودا وأما ذكر هذا الدعاء فلا ~~يفيد إلا الثواب أما الحمد فلا فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى ~~يحمده على هذا القول قلنا لأن الحمد في اللغة مختص بالثناء المذكور في ~~مقابلة الأنعام فقط فإن ورد لفظ الحمد في غير هذا المعنى فعلى سبيل المجاز ~~. القول الثالث : المراد مقام تحمد عاقبته وهذا أيضا ضعيف للوجه الذي ~~ذكرناه في القول الثاني . القول الرابع : قال الواحدي روى عن ابن مسعود أنه ~~قال : ( يقعد الله محمدا على العرش ) وعن ms5815 مجاهد أنه قال يجلسه معه على ~~العرش ، ثم قال الواحدي وهذا قول رذل موحش فظيع ونص الكتاب ينادي بفساد هذا ~~التفسير ويدل عليه وجوه . الأول : أن البعث ضد الإجلاس يقال بعثت النازل ~~والقاعد فانبعث ويقال بعث الله الميت أي أقامه من قبره فتفسير البعث ~~بالإجلاس تفسير للضد بالضد وهو فاسد . والثاني : أنه تعالى قال مقاما ~~محمودا ولم يقل مقعدا والمقام موضع القيام لا موضع القعود . والثالث : لو ~~كان تعالى جالسا على العرش بحيث يجلس عنده محمد عليه الصلاة والسلام لكان ~~محدودا متناهيا ومن كان كذلك فهو محدث . والرابع : يقال إن جلوسه مع الله ~~على العرش ليس فيه كثير إعزاز لأن هؤلاء الجهال والحمقى يقولون في كل أهل ~~الجنة إنهم يزورون الله تعالى وإنهم يجلسون معه وإنه تعالى يسألهم عن ~~أحوالهم التي كانوا فيها في الدنيا وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكل ~~المؤمنين لم يكن لتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بها مزيد شرف ورتبة . ~~والخامس : أنه إذا قيل السلطان بعث فلانا فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح ~~مهماتهم ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه فثبت أن هذا القول كلام رذل ساقط ~~لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين والله أعلم ثم قال تعالى : { ~~وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق } وفيه مباحث : # البحث الأول : أنا ذكرنا في تفسير قوله : { وإن كادوا ليستفزونك من الارض ~~} ( الإسراء : 76 ) قولين : أحدهما : المراد منه سعي كفار مكة في إخراجه ~~منها . والثاني : المراد منه أن اليهود قالوا له الأولى لك أن تخرج من ~~المدينة إلى الشام ثم إنه تعالى قال له : { أقم الصلواة } واشتغل بعبادة ~~الله تعالى ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهال فإنه تعالى ناصرك ومعينك ثم عاد بعد ~~هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة فإن فسرنا تلك الآية أن المراد منها أن ~~كفار مكة أرادوا إخراجه من مكة كان معنى هذه الآية أنه تعالى أمره بالهجرة ~~إلى المدينة وقال له : { وقل رب أدخلنى مدخل صدق } وهو المدينة { وأخرجنى ms5816 ~~مخرج صدق } وهو مكة . وهذا قول الحسن وقتادة وإن فسرنا تلك الآية بأن ~~المراد منها أن اليهود / حملوه على الخروج من المدينة والذهاب إلى الشام ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم منها PageV21P027 ثم أمره الله بأن يرجع ~~إليها كان المراد أنه عليه الصلاة والسلام عند العود إلى المدينة قال : { ~~رب أدخلنى مدخل صدق } وهو المدينة { وأخرجنى مخرج صدق } يعني أخرجني منها ~~إلى مكة مخرج صدق أي افتحها لي . والقول الثاني : في تفسير هذه الآية وهو ~~أكمل مما سبق أن المراد { وقل رب أدخلنى } في الصلاة { وأخرجنى } منها مع ~~الصدق والإخلاص وحضور ذكرك والقيام بلوازم شكرك . والقول الثالث : وهو أكمل ~~مما سبق أن المراد : { وقل رب أدخلنى * فى * وقل رب أدخلنى مدخل صدق ~~وأخرجنى } منها بعد الفراغ منها إخراجا لا يبقى علي منها تبعة ربقية . ~~والقول الرابع : وهو أعلى مما سبق : { وقل رب أدخلنى } في بحار دلائل ~~توحيدك وتنزيهك وقدسك ثم أخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة ~~المدلول ومن التأمل في آثار حدوث المحدثات إلى الاستغراق في معرفة الأحد ~~الفرد المنزه عن التكثيرات والتغيرات . والقول الخامس : أدخلني في كل ما ~~تدخلني فيه مع الصدق في عبوديتك والاستغراق بمعرفتك وأخرجني عن كل ما ~~تخرجني عنه مع الصدق في العبودية والمعرفة والمحبة والمقصود منه أن يكون ~~صدق العبودية حاصلا في كل دخول وخروج وحركة وسكون . والقول السادس : أدخلني ~~القبر مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق . # البحث الثاني : مدخل بضم الميم مصدر كالإدخال يقال أدخلته مدخلا كما قال ~~: { وقل رب أنزلنى منزلا مباركا } ( المؤمنون : 29 ) ومعنى إضافة المدخل ~~والمخرج إلى الصدق مدحهما كأنه سأل الله تعالى إدخالا حسنا وإخراجا حسنا لا ~~يرى فيهما ما يكره ثم قال تعالى : { واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا } ( ~~الإسراء : 80 ) أي حجة بينة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني . ~~وبالجملة فقد سأل الله تعالى أن يرزقه التقوية على من خالفه بالحجة وبالقهر ~~والقدرة ، وقد أجاب الله تعالى دعاءه وأعلمه بأنه يعصمه من الناس فقال : { ~~والله ms5817 يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) وقال : { ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون } ( المجادلة : 22 ) وقال : { ليظهره على الدين كله } ( التوبة : ~~33 ) ولما سأل الله النصرة بين الله له أنه أجاب دعاءه فقال : { وقل جاء ~~الحق } وهو دينه وشرعه { وزهق الباطل } وهو كل ما سواه من الأديان والشرائع ~~، وزهق بطل واضمحل ، وأصله من زهقت نفسه تزهق أي هلكت ، وعن ابن مسعود : ( ~~أنه دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في ~~يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل فجعل الصنم ينكب على وجهه ) . وقوله : { إن ~~الباطل كان زهوقا } يعني أن الباطل وإن اتفقت له دولة وصولة إلا أنها الا ~~تبقى بل تزول على أسرع الوجوه والله أعلم . # ! 7 < { وننزل من القرءان ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين ~~إلا خسارا * وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان ~~يئوسا * قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 82 - 84 ) وننزل من القرآن . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الإلهيات والنبوات والحشر والمعاد والبعث ~~وإثبات القضاء والقدر ثم أتبعه بالأمر بالصلاة ونبه على ما فيها من الأسرار ~~، وإنما ذكر كل ذلك في القرآن أتبعه ببيان كون القرآن PageV21P028 شفاء ~~ورحمة فقال : { وننزل من القرءان ما هو شفاء ورحمة } ولفظة من ها هنا ليست ~~للتبعيض بل هي للجنس كقوله : { فاجتنبوا الرجس من الاوثان } ( الحج : 30 ) ~~والمعنى وننزل من هذا الجنس الذي هو قرآن ما هو شفاء . فجميع القرآن شفاء ~~للمؤمنين ، واعلم أن القرآن شفاء من الأمراض الروحانية ، وشفاء أيضا من ~~الأمراض الجسمانية ، أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر ، وذلك لأن ~~الأمراض الروحانية نوعان : الاعتقادات الباطلة والاخلاق المذمومة ، أما ~~الاعتقادات الباطلة فأشدها فسادا الاعتقادات الفاسدة في الإلهيات والنبوات ~~والمعاد والقضاء والقدر والقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه ~~المطالب ، وإبطال المذاهب الباطلة فيها ، ولما كان أقوى الأمراض الروحانية ~~هو الخطأ في هذه المطالب والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما ms5818 في هذه ~~المذاهب الباطلة من العيوب الباطنة لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من ~~المرض الروحاني . وأما الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريف ~~ما فيها من المفاسد والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة الكاملة والأعمال ~~المحمودة فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض فثبت أن القرآن شفاء من ~~جميع الأمراض الروحانية ، وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية فلأن التبرك ~~بقراءته يدفع كثيرا من الأمراض . ولما اعترف الجمهور من الفلاسفة وأصحاب ~~الطلسمات بأن لقراءة الرقي المجهولة والعزائم التي لا يفهم منها شيء آثارا ~~عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المفاسد ، فلأن تكون قراءة هذا القرآن العظيم ~~المشتمل على ذكر الله وكبريائه وتعظيم الملائكة المقربين وتحقير المردة ~~والشياطين سببا لحصول النفع في الدين والدنيا كان أولى ويتأكد ما ذكرنا بما ~~روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه ~~الله تعالى ) وأما كونه رحمة للمؤمنين فاعلم أنا بينا أن الأرواح البشرية ~~مريضة بسبب العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة والقرآن قسمان بعضهما يفيد / ~~الخلاص عن شبهات الضالين وتمويهات المبطلين وهو الشفاء . وبعضهما يفيد ~~تعليم كيفية اكتساب العلوم العالية ، والأخلاق الفاضلة التي بها يصل ~~الإنسان إلى جوار رب العالمين ، والاختلاط بزمرة الملائكة المقربين وهو ~~الرحمة ، ولما كان إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة لا ~~جرم بدأ الله تعالى في هذه الآية بذكر الشفاء ثم أتبعه بذكر الرحمة ، واعلم ~~أنه تعالى لما بين كون القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين بين كونه سببا للخسار ~~والضلال في حق الظالمين والمراد به المشركون وإنما كان كذلك لأن سماع ~~القرآن يزيدهم غيظا وغضبا وحقدا وحسدا وهذه الأخلاق الذميمة تدعوهم إلى ~~الأعمال الباطلة وتزيد في تقوية تلك الأخلاق الفاسدة في جواهر نفوسهم ثم لا ~~يزال الخلق الخبيث النفساني يحمل على الأعمال الفاسدة والإتيان بتلك ~~الأعمال يقوي تلك الأخلاق فبهذا الطريق يصير القرآن سببا لتزايد هؤلاء ~~المشركين الضالين في درجات الخزي والضلال والفساد والنكال ثم إنه تعالى ذكر ~~السبب الأصلي في وقوع هؤلا الجاهلين ms5819 الضالين في أودية الضلال ومقامات الخزي ~~والنكال وهو حب الدنيا والرغبة في المال والجاه واعتقادهم أن ذلك إنما يحصل ~~بسبب جدهم واجتهادهم فقال : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه } ~~وفيه مباحث : # الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الإنسان ها هنا هو الوليد بن ~~المغيرة وهذا بعيد ، بل المراد أن نوع الإنسان من شأنه أنه إذا فاز بمقصوده ~~ووصل إلى مطلوبه اغتر وصار غافلا عن عبودية الله تعالى متمردا عن طاعة الله ~~كما قال : { إن الإنسان ليطغى * أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 / 7 ) . # البحث الثاني : قوله أعرض أي ولى ظهره أي عرضه إلى ناحية ونأى بجانبه أي ~~تباعد ، ومعنى النأي PageV21P029 في اللغة البعد والإعراض عن الشيء أن ~~يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره وأراد ~~الاستكبار لأن ذلك عادة المتكبرين وفي قوله نأى قراءات . إحداها : وهي ~~قراءة العامة بفتح النون والهمزة وفي حم السجدة مثله وهي اللغة الغالبة ~~والنأي البعد يقال نأي أي بعد . وثانيها : قراءة ابن عامر ناء وله وجهان ~~تقديم اللام على العين كقولهم راء في رأى ويجوز أن يكون من نأى بمعنى نهض . ~~وثالثها : قراءة حمزة والكسائي بإمالة الفتحتين وذلك لأنهم أمالوا الهمزة ~~من نأى ثم كسروا النون إتباعا للكسرة مثل رأى . ورابعها : قرأ أبو عمرو ~~وعاصم في رواية أبي بكر ونصير عن الكسائي وحمزة نأى بفتح النون وكسر الهمزة ~~على الأصل في فتح النون وإمالة الهمزة . ثم قال تعالى : { وإذا مسه الشر ~~كان } أي إذا مسه فقر أو مرض أو نازلة من النوازل كان يؤوسا شديد اليأس من ~~رحمة الله : { ولا * يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا } ( يوسف : 87 ~~) والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها فنسي ذكر الله ، وإن بقي في ~~الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر الله تعالى ~~فهذا المسكين محروم أبدا عن ذكر الله ونظيره قوله تعالى : { فأما الإنسان ~~إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن } ( الفجر : 15 ) / إلى ms5820 ~~قوله : { ربى أهانن } ( الفجر : 16 ) وكذلك قوله : { إن الإنسان خلق هلوعا ~~* إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا } ( المعارج : 19 20 21 ) ثم ~~قال تعالى : { قل كل يعمل على شاكلته } قال الزجاج : الشاكلة الطريقة ~~والمذهب . والدليل عليه أنه يقال هذا طريق ذو شواكل أي يتشعب منه طرق كثيرة ~~ثم الذي يقوي عندي أن المراد من الآية ذلك قوله تعالى : { فربكم أعلم بمن ~~هو أهدى سبيلا } وفيه وجه آخروهو أن المراد أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل ~~جوهر نفسه ومقتضى روحه فإن كانت نفسه نفسا مشرقة خيرة طاهرة علوية صدرت عنه ~~أفعال فاضلة كريمة وإن كانت نفسه نفسا كدرة نذلة خبيثة مضلة ظلمانية صدرت ~~عنه أفعال خسيسة فاسدة ، وأقول : العقلاء اختلفوا في أن النفوس الناطقة ~~البشرية هل هي مختلفة بالماهية أم لا ؟ منهم من قال : إنها مختلفة بالماهية ~~وإن اختلاف أفعالها وأحوالها لأجل اختلاف جواهرها وماهياتها ، ومنهم من قال ~~إنها متساوية في الماهية واختلاف أفعالها لأجل اختلاف أمزجتها . والمختار ~~عندي هو القسم الأول والقرآن مشعر بذلك ، وذلك لأنه تعالى بين في الآية ~~المتقدمة أن القرآن بالنسبة إلى البعض يفيد الشفاء والرحمة وبالنسبة إلى ~~أقوام آخرين يفيد الخسارة والخزي ثم أتبعه بقوله : { قل كل يعمل على شاكلته ~~} ومعناه أن اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار ~~الذكاء والكمال ، وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي ~~والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه ~~. وهذا الكلام إنما يتم المقصود منه إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ~~بماهياتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور وبعضها كدرة ~~ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال على ضلال ونكال على نكال . # ! 7 < { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى ومآ أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا } > 7 ! # < < # | الإسراء : ( 85 ) ويسألونك عن الروح . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ختم الآية المتقدمة بقوله : { كل يعمل على شاكلته ~~} وذكرنا أن المراد منه مشاكلة الأرواح للأفعال ms5821 الصادرة عنها وجب البحث ها ~~هنا عن ماهية الروح وحقيقته فلذلك سألوا عن الروح وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : للمفسرين في الروح المذكورة في هذه الآية أقوال أظهرها ~~أن المراد منه الروح الذي PageV21P030 هو سبب الحياة ، روى أن اليهود قالوا ~~لقريش اسألوا محمدا عن ثلاث فإن أخبركم باثنتين وأمسك عن الثالثة فهو نبي : ~~اسألوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن هذه الثلاثة فقال عليه السلام : غدا أخبركم ولم يقل إن شاء / ~~الله فانقطع عنه الوحي أربعين يوما ثم نزل الوحي بعده : { ولا تقولن لشىء ~~إنى فاعل ذالك غدا * إلا أن يشاء الله } ( الكهف : 23 ، 24 ) ثم فسر لهم ~~قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وأبهم قصة الروح ونزل فيه قوله تعالى : { ~~ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى } وبين أن عقول الخلق قاصرة عن ~~معرفة حقيقة الروح فقال : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ومن الناس من ~~طعن في هذه الرواية من وجوه . أولها : أن الروح ليس أعظم شأنا ولا أعلى ~~مكانا من الله تعالى فإذا كانت معرفة الله تعالى ممكنة بل حاصلة فأي مانع ~~يمنع من معرفة الروح . وثانيها : أن اليهود قالوا : إن أجاب عن قصة أصحاب ~~الكهف وقصة ذي القرنين ولم يجب عن الروح فهو نبي وهذا كلام بعيد عن العقل ~~لأن قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين ليست إلا حكاية من الحكايات وذكر ~~الحكاية يمتنع أن يكون دليلا على النبوة وأيضا فالحكاية التي يذكرها إما أن ~~تعتبر قبل العلم بنبوته أو بعد العلم بنبوته فإن كان قبل العلم بنبوته ~~كذبوه فيها وإن كان بعد العلم بنبوته فحينئذ صارت نبوته معلومة قبل ذلك فلا ~~فائدة في ذكر هذه الحكاية . وأما عدم الجواب عن حقيقة الروح فهذا يبعد جعله ~~دليلا على صحة النبوة . وثالثها : أن مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة ~~وأراذل المتكلمين فلو قال الرسول صلى الله عليه وسلم إني لا أعرفها لأورث ~~ذلك ما يوجب التحقير والتنفير ms5822 فإن الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أي ~~إنسان كان فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماء وأفضل الفضلاء . ورابعها : أنه ~~تعالى قال في حقه : { الرحمان * علم القرءان } ( الرحمن : 1 ، 2 ) { وعلمك ~~ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ( النساء : 113 ) وقال : { وقل ~~رب زدنى علما } ( طه : 114 ) وقال في صفة القرآن : { ولا رطب ولا يابس إلا ~~فى كتاب مبين } ( الأنعام : 59 ) ، وكان عليه السلام يقول : ( أرنا الأشياء ~~كما هي ) فمن كان هذا حاله وصفته كيف يليق به أن يقول أنا لا أعرف هذه ~~المسألة مع أنها من المسائل المشهورة المذكورة بين جمهور الخلق بل المختار ~~عندنا أنهم سألوه عن الروح وأنه صلى الله عليه وسلم أجاب عنه على أحسن ~~الوجوه وتقريره أن المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح والسؤال عن الروح ~~يقع على وجوه كثيرة . أحدها : أن يقال ماهية الروح أهو متحيز أو حال في ~~المتحيز أو موجود غير متحيز ولا حال في التحيز . وثانيها ؛ أن يقال الروح ~~قديمة أو حادثة . وثالثها : أن يقال الأرواح هل تبقى بعد موت الأجسام أو ~~تفنى . ورابعها : أن يقال ما حقيقة سعادة الأرواح وشقاوتها وبالجملة ~~فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة / وقوله : { يسألونك عن * الروح } ليس فيه ~~ما يدل على أنهم عن هذه المسائل سألوا أو عن غيرها إلا أنه تعالى ذكر له في ~~الجواب عن هذا السؤال قوله : { قل الروح من أمر ربى } وهذا الجواب لا يليق ~~إلا بمسألتين من المسائل التي ذكرناها إحداهما السؤال عن ماهية الروح ~~والثانية عن قدمها وحدوثها . # أما البحث الأول : فهم قالوا ما حقيقة الروح وماهيته ؟ أهو عبارة عن ~~أجسام موجودة في داخل هذا البدن متولدة من امتزاج الطبائع والأخلاط ، أو ~~عبارة عن نفس هذا المزاج والتركيب أو هو عبارة عن عرض آخر قائم بهذه ~~الأجسام ، أو هو عبارة عن موجود يغاير هذه / الأجسام والأعراض ؟ فأجاب الله ~~عنه بأنه موجود مغاير لهذه الأجسام ولهذه الأعراض وذلك لأن هذه الأجسام ~~أشياء تحدث من امتزاج الأخلاط والعناصر ، وأما الروح ms5823 فإنه ليس كذلك بل هو ~~جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث قوله : { كن فيكون } ( النحل : 40 ) ~~PageV21P031 فقالوا لم كان شيئا مغايرا لهذه الأجسام ولهذه الأعراض فأجاب ~~الله عنه بأنه موجود يحدث بأمر الله وتكوينه وتأثيره في إفادة الحياة لهذا ~~الجسد ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه فإن أكثر حقائق الأشياء ~~وماهياتها مجهولة . فأنا نعلم أن السكنجبين له خاصية تقتضي قطع الصفراء ~~فأما إذا أردنا أن نعرف ماهية تلك الخاصية وحقيقتها المخصوصة فذاك غير ~~معلوم فثبت أن أكثر الماهيات والحقائق مجهولة ولم يلزم من كونها مجهولة ~~نفيها فكذلك ها هنا وهذا هو المراد من قوله : { وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا } ( الإسراء : 85 ) . # وأما المبحث الثاني : فهو أن لفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل قال تعالى : { ~~وما أمر فرعون برشيد } ( هود : 97 ) وقال : { فلما جاء أمرنا } ( هود : 66 ~~) أي فعلنا فقوله : { قل الروح من أمر ربى } أي من فعل ربي وهذا الجواب يدل ~~على أنهم سألوه أن الروح قديمة أو حادثة فقال بل هي حادثة وإنما حصلت بفعل ~~الله وتكوينه وإيجاده ثم احتج على حدوث الروح بقوله : { وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا } يعني أن الأرواح في مبدأ الفطرة تكون خالية عن العلوم ~~والمعارف ثم يحصل فيها العلوم والمعارف فهي لا تزال تكون في التغيير من حال ~~إلى حال وفي التبديل من نقصان إلى كمال والتغيير والتبديل من أمارات الحدوث ~~فقوله : { قل الروح من أمر ربى } يدل على أنهم سألوه أن الروح هل هي حادثة ~~فأجاب بأنها حادثة واقعة بتخليق الله وتكوينه وهو المراد من قوله : { قل ~~الروح من أمر ربى } ثم استدل على حدوث الأرواح بتغيرها من حال إلى حال وهو ~~المراد من قوله : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } فهذا ما نقوله في هذا ~~الباب والله أعلم . # المسألة الثانية : في ذكر سائر الأقوال المقولة في نفس الروح المذكورة في ~~هذه الآية . اعلم أن الناس ذكروا أقوالا أخرى سوى ما تقدم ذكره ، فالقول ~~الأول : أن المراد من ms5824 هذا الروح هو القرآن قالوا وذلك لأن الله تعالى سمى ~~القرآن في كثير من الآيات روحا واللائق بالروح المسؤول عنه في هذا الموضع ~~ليس إلا القرآن فلا بد من تقرير مقامين . المقام الأول : تسمية الله القرآن ~~بالروح يدل عليه قوله تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( ~~الشورى : 52 ) وقوله : { ينزل الملائكة بالروح من أمره } ( النحل : 2 ) ~~وأيضا السبب في تسمية القرآن بالروح أن بالقرآن تحصل حياة الأرواح والعقول ~~لأن به تحصل معرفة الله تعالى ومعرفة ملائكته ومعرفة كتبه ورسله والأرواح ~~إنما تحيا بهذه المعارف وتمام تقرير هذا الموضع ذكرناه في تفسير قوله : { ~~ينزل الملائكة بالروح من أمره } ( النحل : 2 ) ، وأما بيان المقام الثاني ~~وهو أن الروح اللائق بهذا الموضع هو القرآن لأنه تقدمه قوله : { وننزل من ~~القرءان ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } ( الإسراء : 82 ) والذي تأخر عنه قوله ~~: { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك } ( الإسراء : 86 ) إلى قوله : { ~~قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرءان لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } ( الإسراء : 88 ) فلما كان قبل هذه الآية في ~~وصف القرآن وما بعدها كذلك وجب أيضا أن يكون المراد من هذا الروح القرآن ~~حتى تكون آيات القرآن كلها متناسبة متناسقة وذلك لأن القوم استعظموا أمر ~~القرآن فسألوا أنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله تعالى بأنه ~~ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه وتنزيله فقال : { ~~قل الروح من أمر ربى } أي القرآن ظهر بأمر ربي وليس من جنس كلام البشر . ~~والقول الثاني : أن الروح المسؤول عنه في هذه الآية ملك من ملائكة السموات ~~وهو أعظمهم قدرا وقوة وهو المراد من قوله تعالى : { يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا } ( النبأ : 38 ) ونقلوا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~أنه قال : هو ملك له سبعون ألف وجه ، لكل وجه سبعون ألف وجه ، لكل وجه ~~سبعون ألف لسان ، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك ms5825 اللغات كلها ~~ويخلق PageV21P032 الله من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم ~~القيامة قالوا ولم يخلق الله تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش ولو شاء ~~أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيهن بلقمة واحدة لفعل ، ولقائل ~~أن يقول هذا القول ضعيف وبيانه من وجوه . الأول : أن هذا التفصيل لما عرفه ~~علي ، فالنبي أولى أن يكون قد عرفه فلم لم يخبرهم به ، وأيضا أن عليا ما ~~كان ينزل عليه الوحي ، فهذا التفصيل ما عرفه إلا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الشرح والبيان لعلي ولم يذكره ~~لغيره . الثاني : أن ذلك الملك إن كان حيوانا واحدا وعاقلا واحدا لم يكن في ~~تكثير تلك اللغات فائدة وإن كان المتكلم بكل واحدة من تلك اللغات حيوانا ~~آخر لم يكن ذلك ملكا واحدا بل يكون ذلك مجموع ملائكة . والثالث : أن هذا ~~شيء مجهول الوجود فكيف يسأل عنه ، أما الروح الذي هو سبب الحياة فهو شيء ~~تتوفر دواعي العقلاء على معرفته فصرف هذا السؤال إليه أولى . والقول الرابع ~~: وهو قول الحسن وقتادة أن هذا الروح جبريل والدليل عليه أنه تعالى سمى ~~جبريل بالروح في قوله : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ( الشعراء : ~~193 ، 194 ) وفي قوله : { فأرسلنا إليها روحنا } ( مريم : 17 ) ويؤكد هذا ~~أنه تعالى قال : { قل الروح من أمر ربى } ( في جبريل ) وقال ( حكاية عن ) ~~جبريل : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ( مريم : 64 ) فسألوا الرسول كيف جبريل ~~في نفسه وكيف قيامه بتبليغ الوحي إليه . والقول الخامس : قال مجاهد : الروح ~~خلق ليسوا من الملائكة على صورة بني آدم يأكلون ولهم أيد وأرجل ورؤوس وقال ~~أبو صالح يشبهون الناس وليسوا بالناس ولم أجد في القرآن ولا في الأخبار ~~الصحيحة شيئا يمكن التمسك به في إثبات هذا القول وأيضا فهذا شيء مجهول ~~فيبعد صرف هذا السؤال إليه فحاصل ما ذكرناه في تفسير الروح المذكور في هذه ~~الآية هذه الأقوال الخمسة والله أعلم بالصواب . # المسألة الثالثة : في شرح ms5826 مذاهب الناس في حقيقة الإنسان ، اعلم أن العلم ~~الضروري حاصل بأن ها هنا شيئا إليه يشير الإنسان بقوله أنا وإذا قال ~~الإنسان علمت وفهمت وأبصرت / وسمعت وذقت وشممت ولمست وغضبت فالمشار إليه ~~لكل أحد بقوله أنا إما أن يكون جسما أو عرضا أو مجموع الجسم والعرض أو شيئا ~~مغايرا للجسم والعرض أو من ذلك الشيء الثالث فهذا ضبط معقول . أما القسم ~~الأول : وهو أن يقال إن الإنسان جسم فذلك الجسم إما أن يكون هو هذه البنية ~~أو جسما داخلا في هذه البنية أو جسما خارجا عنها ، أما القائلون بأن ~~الإنسان عبارة عن هذه البنية المحسوسة وعن هذا الجسم المحسوس فهم جمهور ~~المتكلمين وهؤلاء يقولون الإنسان لا يحتاج تعريفه إلى ذكر حد أو رسم بل ~~الواجب أن يقال الإنسان هو الجسم المبني بهذه البنية المسحوسة واعلم أن هذا ~~القول عندنا باطل وتقريره أنهم قالوا : الإنسان هو هذا الجسم المحسوس ، ~~فإذا أبطلنا كون الإنسان عبارة عن هذا الجسم وأبطلنا كون الإنسان محسوسا ~~فقد بطل كلامهم بالكلية والذي يدل على أنه لا يمكن أن يكون الإنسان عبارة ( ~~عن ) هذا الجسم وجوه . الحجة الأولى : أن العلم البديهي حاصل بأن أجزاء هذه ~~الجثة متبدلة بالزيادة والنقصان تارة بحسب النمو والذبول وتارة بحسب السمن ~~والهزال والعلم الضروري حاصل بأن المتبدل المتغير مغاير للثابت الباقي ~~ويحصل من مجموع هذه المقدمات الثلاثة العلم القطعي بأن الإنسان ليس عبارة ~~عن مجموع هذه الجثة . الحجة الثانية : أن الإنسان حال ما يكون مشتغل الفكر ~~متوجه الهمة نحو أمر معين مخصوص فإنه في تلك الحالة يكون غافلا عن جميع ~~أجزاء بدنه وعن أعضائه وأبعاضه مجموعها ومفصلها وهو في تلك الحالة ~~PageV21P033 غير غافل عن نفسه المعينة بدليل أنه في تلك الحالة قد يقول ~~غضبت واشتهيت وسمعت كلامك وأبصرت وجهك ، وتاء الضمير كناية عن نفسه فهو في ~~تلك الحالة عالم بنفسه المخصوصة وغافل عن جملة بدنه وعن كل واحد من أعضائه ~~وأبعاضه و ( يكون ) المعلوم غير معلوم ، فالإنسان يجب أن يكون مغايرا لجملة ~~هذا ms5827 البدن ولكل واحد من أعضائه وأبعاضه . الحجة الثالثة : أن كل أحد يحكم ~~عقله بإضافة كل واحد من هذه الأعضاء إلى نفسه فيقول رأسي وعيني ويدي ورجلي ~~ولساني وقلبي والمضاف غير المضاف إليه فوجب أن يكون الشيء الذي هو الإنسان ~~مغايرا لجملة هذا البدن ولكل واحد من هذه الأعضاء . فإن قالوا : قد يقول ~~نفسي وذاتي فيضيف النفس والذات إلى نفسه فيلزم أن يكون الشيء وذاته مغايرة ~~لنفسه وهو محال قلنا قد يراد به هذا البدن المخصوص وقد يراد بنفس الشيء ~~وذاته الحقيقة المخصوصة التي يشير إليها كل أحد بقوله أنا فإذا قال نفسي ~~وذاتي فإن كان المراد البدن فعندنا أنه مغاير لجوهر الإنسان ، أما إذا أريد ~~بالنفس والذات المخصوصة المشار إليها بقوله : أنا فلا نسلم أن الإنسان ~~يمكنه أن يضيف ذلك الشيء إلى نفسه بقوله إنساني وذلك لأن عين الإنسان ذاته ~~فكيف يضيفه مرة أخرى إلى ذاته . الحجة الرابعة ؛ أن كل دليل على أن الإنسان ~~يمتنع أن يكون جسما فهو أيضا يدل على أنه يمتنع أن يكون عبارة عن هذا الجسم ~~وسيأتي تقرير تلك الدلائل . الحجة الخامسة : أن الإنسان قد يكون حيا حال ما ~~يكون البدن ميتا فوجب كون / الإنسان مغايرا لهذا البدن والدليل على صحة ما ~~ذكرناه قوله تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون } ( آل عمران : 169 ) فهذا النص صريح في أن أولئك ~~المقتولين أحياء والحس يدل على أن هذا الجسد ميت . # الحجة السادسة : أن قوله تعالى : { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } ( ~~غافر : 46 ) وقوله : { أغرقوا فأدخلوا نارا } ( نوح : 25 ) يدل على أن ~~الإنسان يحيا بعد الموت وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : ( أنبياء الله لا ~~يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار ) وكذلك قوله عليه السلام ( القبر روضة ~~من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ) وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : ( ~~من مات فقد قامت قيامته ) كل هذه النصوص تدل على أن الإنسان يبقى بعد موت ~~الجسد ، وبديهة العقل والفطرة شاهدان بأن ms5828 هذا الجسد ميت . ولو جوزنا كونه ~~حيا جاز مثله في جميع الجمادات / وذلك عين السفسطة . وإذا ثبت أن الإنسان ~~شيء وكان الجسد ميتا لزم أن الإنسان شيء غير هذا الجسد . # الحجة السابعة : قوله عليه السلام في خطبة طويلة له ( حتى إذا حمل الميت ~~على نعشه رفرف روحه فوق النعش ، ويقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم ~~الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال من حله وغير حله فالغنى لغيري والتبعة علي ~~فاحذروا مثل ما حل بي ) وجه الاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأن ~~حال ما يكون الجسد محمولا على النعش بقي هناك شيء ينادي ويقول يا أهلي ويا ~~ولدي جمعت المال من حله وغير حله ومعلوم أن الذي كان الأهل أهلا له وكان ~~جامعا للمال من الحرام والحلال والذي بقي في رقبته الوبال ليس إلا ذلك ~~الإنسان فهذا تصريح بأن في الوقت الذي كان فيه الجسد ميتا محمولا كان ذلك ~~الإنسان حيا باقيا PageV21P034 فاهما وذلك تصريح بأن الإنسان شيء مغاير ~~لهذا الجسد ولهذا الهيكل . # الحجة الثامنة : قوله تعالى : { أحد يأيتها النفس المطمئنة * ارجعى إلى ~~ربك راضية مرضية } ( الفجر : 27 ، 28 ) والخطاب بقوله ارجعي إنما هو متوجه ~~عليها حال الموت فدل هذا على أن الشيء الذي يرجع إلى الله بعد موت الجسد ~~يكون حيا راضيا عن الله ويكون راضيا عنه الله والذي يكون راضيا ليس إلا ~~الإنسان فهذا يدل على أن الإنسان بقي حيا بعد موت الجسد والحي غير الميت ~~فالإنسان مغاير لهذا الجسد . # الحجة التاسعة : قوله تعالى : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون * ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } ( الأنعام : 61 ، 62 ) أثبت ~~كونهم مردودين إلى الله الذي هو مولاهم حال كون الجسد ميتا فوجب أن يكون ~~ذلك المردود إلى الله مغايرا لذلك الجسد الميت . # الحجة العاشرة : نرى جميع فرق الدنيا من الهند والروم والعرب والعجم ~~وجميع أرباب الملل والنحل من اليهود والنصارى والمجوس والمسلمين وسائر فرق ~~العالم وطوائفهم يتصدقون عن موتاهم ويدعون ms5829 لهم بالخير ويذهبون إلى زياراتهم ~~، ولولا أنهم بعد موت الجسد بقوا / أحياء لكان التصدق عنهم عبثا ، والدعاء ~~لهم عبثا ، ولكان الذهاب إلى زيارتهم عبثا ، فالاطباق على هذه الصدقة وعلى ~~هذا الدعاء وعلى هذه الزيارة يدل على أن فطرتهم الأصلية السليمة شاهدة بأن ~~الإنسان شيء غير هذا الجسد وأن ذلك الشيء لا يموت ، بل ( الذي ) يموت هذا ~~الجسد . # الحجة الحادية عشرة : أن كثيرا من الناس يرى أباه أو ابنه بعد موته في ~~المنام ويقول له اذهب إلى الموضع الفلاني فإن فيه ذهبا دفنته لك وقد يراه ~~فيوصيه بقضاء دين عنه ثم عند اليقظة إذا فتش كان كما رآه في النوم من غير ~~تفاوت ، ولولا أن الإنسان يبقى بعد الموت لما كان كذلك ، ولما دل هذا ~~الدليل على أن الإنسان يبقى بعد الموت ودل الحس على أن الجسد ميت كان ~~الإنسان مغايرا لهذا الجسد الميت . # الحجة الثانية عشرة : أن الإنسان إذا ضاع عضو من أعضائه مثل أن تقطع يداه ~~أو رجلاه أو تقلع عيناه أو تقطع أذناه إلى غيرها من الأعضاء فإن ذلك ~~الإنسان يجد من قلبه وعقله أنه هو عين ذلك الإنسان ولم يقع في عين ذلك ~~الإنسان تفاوت حتى أنه يقول أنا ذلك الإنسان الذي كنت موجودا قبل ذلك إلا ~~أنه يقول إنهم قطعوا يدي ورجلي ، وذلك برهان يقيني على أن ذلك الإنسان شيء ~~مغاير لهذه الأعضاء والأبعاض وذلك يبطل قول من يقول الإنسان عبارة عن هذه ~~البنية المخصوصة . # الحجة الثالثة عشرة : أن القرآن والأحاديث يدلان على أن جماعة من اليهود ~~قد مسخهم الله وجعلهم في صورة القردة والخنازير فنقول : إن ذلك الإنسان هل ~~بقي حال ذلك المسخ أو لم يبق ؟ فإن لم يبق كان هذا إماتة لذلك الإنسان ~~وخلقا لذلك الخنزير وليس هذا من المسخ في شيء . وإن قلنا إن ذلك الإنسان ~~بقي حال حصول ذلك المسخ فنقول على ذلك التقدير : ذلك الإنسان باق وتلك ~~البنية وذلك الهيكل غير باق ، فوجب أن يكون ذلك الإنسان شيئا مغايرا لتلك ~~البنية ms5830 . # الحجة الرابعة عشرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى جبريل ~~عليه الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبي وكان يرى إبليس في صورة الشيخ ~~النجدي فها هنا بنية الإنسان وهيكله وشكله حاصل مع أن حقيقة الإنسان ~~PageV21P035 غير حاصلة وهذا يدل على أن الإنسان ليس عبارة عن هذه البنية ، ~~وهذا الهيكل . والفرق بين هذه الحجة والتي قبلها أنه حصلت صورة هذه البنية ~~مع عدم هذه البنية وهذا الهيكل . # الحجة الخامسة عشرة : أن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره فوجب أن يكون ~~الإنسان شيئا آخر سوى الفرج وسوى الظهر ، ويقال إن ذلك الشيء يستعمل الفرج ~~في عمل والظهر في عمل آخر ، فيكون المتلذذ والمتألم هو ذلك الشيء إلا أنه ~~تحصل تلك اللذة بواسطة ذلك العضو ويتألم بواسطة الضرب على هذا العضو . # الحجة السادسة عشرة : أني إذا تكلمت مع زيد وقلت له افعل كذا أو لا تفعل ~~كذا / فالمخاطب بهذا الخطاب والمأمور والمنهي ليس هو جبهة زيد ولا حدقته ~~ولا أنفه ولا فمه ولا شيئا من أعضائه بعينه ، فوجب أن يكون المأمور والمنهي ~~والمخاطب شيئا مغايرا لهذه الأعضاء ، وذلك يدل على أن ذلك المأمور والمنهي ~~غير هذا الجسد فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال المأمور والمنهي جملة هذا ~~البدن لا شيء من أعضائه وأبعاضه ؟ قلنا بوجه التكليف على الجملة إنما يصح ~~لو كانت الجملة فاهمة عالمة فنقول لو كانت الجملة فاهمة عالمة فإما أن يقوم ~~بمجموع البدن علم واحد أو يقوم بكل واحد من أجزاء البدن علم على حدة ، ~~والأول يقتضي قيام العرض بالمحال الكثيرة وهو محال ، والثاني يقتضي أن يكون ~~كل واحد من أجزاء البدن عالما فاهما مدركا على سبيل الاستقلال ، وقد بينا ~~أن العلم الضروري حاصل بأن الجزء المعين من البدن ليس عالما فاهما مدركا ~~بالاستقلال فسقط هذا السؤال . # الحجة السابعة عشرة : أن الإنسان يجب أن يكون عالما ، والعلم لا يحصل إلا ~~في القلب فيلزم أن يكون الإنسان عبارة عن الشيء الموجود في القلب وإذا ثبت ~~هذا بطل ms5831 القول بأن الإنسان عبارة عن هذا الهيكل ، وهذه الجثة إنما قلنا إن ~~الإنسان يجب أن يكون عالما لأنه فاعل مختار ، والفاعل المختار هو الذي يفعل ~~بواسطة القلب والاختيار وهما مشروطان بالعلم لأن ما لا يكون مقصودا امتنع ~~القصد إلى تكوينه فثبت أن الإنسان يجب أن يكون عالما بالأشياء وإنما قلنا ~~إن العلم لا يوجد إلا في القلب للبرهان والقرآن . أما البرهان فلأنا نجد ~~العلم الضروري بأنا نجد علومنا من ناحية القلب ، وأما القرآن فآيات نحو ~~قوله تعالى : { لهم قلوب لا يفقهون بها } ( الأعراف : 179 ) وقوله : { كتب ~~فى قلوبهم الإيمان } ( المجادلة : 22 ) وقوله : { نزل به الروح الامين * ~~على قلبك } ( الشعراء : 193 ، 194 ) وإذا ثبت أن الإنسان يجب أن يكون عالما ~~، وثبت أن العلم ليس إلا في القلب هو هذا الجسد وهذا الهيكل . # وأما البحث الثاني : وهو بيان أن الإنسان غير محسوس وهو أن حقيقة الإنسان ~~شيء مغاير للسطح واللون وكل ما هو مرئي فهو إما السطح وإما اللون وهما ~~مقدمتان قطعيتان وينتج هذا القياس أن حقيقة الإنسان غير مرئية ولا محسوسة ~~وهذا برهان يقيني . # المسألة الرابعة : في شرح مذاهب القائلين بأن الإنسان جسم موجود في داخل ~~البدن اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفلي إما أن تكون أحد ~~العناصر الأربعة أو ما يكون متولدا من امتزاجها ، ويمتنع أن يحصل في البدن ~~الإنساني جسم عنصري خالص بل لا بد وأن يكون الحاصل جسما متولدا من ~~PageV21P036 امتزاجات هذه الأربعة فنقول : أما الجسم الذي تغلب عليه ~~الأرضية فهو الأعضاء الصلبة الكثيفة كالعظم والغضروف والعصب والوتر والرباط ~~والشحم واللحم والجلد ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا : الإنسان شيء ~~مغاير لهذا الجسد بأنه عبارة عن عضو معين من هذه الأعضاء وذلك لأن هذه ~~الأعضاء كثيفة ثقيلة ظلمانية فلا جرم لم يقل أحد من العقلاء بأن الإنسان ~~عبارة عن أحد هذه الأعضاء ، وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية فهو / ~~الأخلاط الأربعة ولم يقل أحد في شيء منها إنه الإنسان إلا في الدم فإن منهم ~~من ms5832 قال إنه هو الروح بدليل أنه إذا خرج لزم الموت ، أما الجسم الذي تغلب ~~عليه الهوائية والنارية فهو الأرواح وهي نوعان . أحدهما : أجسام هوائية ~~مخلوطة بالحرارة الغريزية متولدة إما في القلب أو في الدماغ وقالوا إنها هي ~~الروح وإنها هي الإنسان ثم اختلفوا فمنهم من يقول الإنسان هو الروح الذي في ~~القلب ، ومنهم من يقول إنه جزء لا يتجزأ في الدماغ ، ومنهم من يقول الروح ~~عبارة عن أجزاء نارية مختلطة بهذه الأرواح القلبية والدماغية وتلك الأجزاء ~~النارية وهي المسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان ، ومن الناس من يقول ~~الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة ، والجوهر على طبيعة ضوء الشمس ~~وهي لا تقبل التحلل والتبدل ولا التفرق ولا التمزق فإذا تكون البدن وتم ~~استعداده وهو المراد بقوله : { فإذا سويته } نفذت تلك الأجسام الشريفة ~~السماوية الإلهية في داخل أعضاء البدن نفاذ النار في الفحم ونفاذ دهن ~~السمسم في السمسم ، ونفاذ ماء الورد في جسم الورد ، ونفاذ تلك الأجسام ~~السماوية في جوهر البدن هو المراد بقوله : { ونفخت فيه من روحى } ( ص : 72 ~~) ثم إن البدن ما دام يبقى سليما قابلا لنفاذ تلك الأجسام الشريفة بقي حيا ~~، فإذا تولدت في البدن أخلاط غليظة منعت تلك الأخلاط الغليظة من سريان تلك ~~الأجسام الشريفة فيها فانفصلت عن هذا البدن فحينئذ يعرض الموت ، فهذا مذهب ~~قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما ورد في الكتب الإلهية من ~~أحوال الحياة والموت ، فهذا تفصيل مذاهب القائلين بأن الإنسان جسم موجود في ~~داخل البدن ، وأما أن الإنسان جسم موجود خارج البدن فلا أعرف أحدا ذهب إلى ~~هذا القول . أما القسم الثاني : وهو أن يقال الإنسان عرض حال في البدن ، ~~فهذا لا يقول به عاقل لأن من المعلوم بالضرورة أن الإنسان جوهر لأنه موصوف ~~بالعلم والقدرة والتدبر والتصرف ، ومن كان كذلك كان جوهرا والجوهر لا يكون ~~عرضا بل الذي يمكن أن يقول به كل عاقل هو أن الإنسان يشترط أن يكون موصوفا ~~بأعراض مخصوصة ، وعلى هذا التقدير فللناس فيه ms5833 أقوال . القول الأول : أن ~~العناصر الأربعة إذا امتزجت وانكسرت سورة كل واحدة منها بسورة الآخر حصلت ~~كيفية معتدلة هي المزاج : ومراتب هذا المزاج غير متناهية فبعضها هي ~~الإنسانية وبعضها هي الفرسية ، فالإنسانية عبارة عن أجسام موصوفة متولدة عن ~~امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص ، هذا قول جمهور الأطباء ومنكري بقاء ~~النفس وقول أبي الحسين البصري من المعتزلة . والقول الثاني : أن الإنسان ~~عبارة عن أجسام مخصوصة بشرط كونها موصوفة بصفة الحياة والعلم والقدرة ~~والحياة عرض قائم بالجسم وهؤلاء أنكروا الروح والنفس وقالوا ليس ها هنا إلا ~~أجسام مؤتلفة موصوفة بهذه الأعراض المخصوصة وهي الحياة والعلم والقدرة ، ~~وهذا مذهب أكثر شيوخ المعتزلة . والقول الثالث : أن الإنسان عبارة عن أجسام ~~موصوفة بالحياة والعلم والقدرة والإنسان إنما يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل ~~جسده / وهيئة أعضائه وأجزائه إلا أن هذا مشكل فإن الملائكة قد يتشبهون بصور ~~الناس فها هنا صورة الإنسان حاصلة مع عدم الإنسانية وفي صورة المسخ معنى ~~الإنسانية حاصل مع أن هذه الصورة غير حاصلة PageV21P037 فقد بطل اعتبار هذا ~~الشكل في حصول معنى الإنسانية طردا وعكسا . أما القسم الثالث : وهو أن يقال ~~الإنسان موجود ليس بجسم ولا جسمانية فهو قول أكثر الإلهيين من الفلاسفة ~~القائلين ببقاء النفس المثبتين للنفس معادا روحانيا وثوابا وعقابا وحسابا ~~روحانيا وذهب إليه جماعة عظيمة من علماء المسلمين مثل الشيخ أبي القاسم ~~الراغب الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي رحمهما الله ، ومن قدماء ~~المعتزلة معمر بن عباد السلمي ، ومن الشيعة الملقب عندهم بالشيخ المفيد ، ~~ومن الكرامية جماعة ، واعلم أن القائلين بإثبات النفس فريقان ، الأول : وهم ~~المحققون منهم من قال الإنسان عبارة عن هذا الجوهر المخصوص ، وهذا البدن ~~وعلى هذا التقدير فالإنسان غير موجود في داخل العالم ولا في خارجه وغير ~~متصل في داخل العالم ولا في خارجه وغير متصل بالعالم ولا منفصل عنه ، ولكنه ~~متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعالم ~~إلا على سبيل التصرف والتدبير . والفريق الثاني : الذين قالوا النفس إذا ~~تعلقت بالبدن اتحدت ms5834 بالبدن فصارت النفس عين البدن ، والبدن عين النفس ~~ومجموعهما عند الاتحاد هو الإنسان فإذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد ~~وبقيت النفس وفسد البدن فهذه جملة مذاهب الناس في الإنسان وكان ثابت بن قرة ~~يثبت النفس ويقول إنها متعلقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للكون ~~والفساد التفرق والتمزق وأن تلك الأجسام تكون سارية في البدن وما دام يبقى ~~ذلك السريان بقيت النفس مدبرة للبدن فإذا انفصلت تلك الأجسام اللطيفة عن ~~جوهر البدن انقطع تعلق النفس عن البدن . # المسألة الخامسة : في دلائل مثبتي النفس من ناحية العقل احتج القوم بوجوه ~~كثيرة بعضها قوي وبعضها ضعيف والوجوه القوية بعضها قطعية وبعضها إقناعية ~~فلنذكر الوجوه القطعية . # الحجة الأولى : لا شك أن الإنسان جوهر فإما أن يكون جوهرا متحيزا أو غير ~~متحيز والأول باطل فتعين الثاني والذي يدل على أنه يمتنع أن يكون جوهرا ~~متحيزا أنه لو كان كذلك لكان كونه متحيزا غير تلك الذات ولو كان كذلك لكان ~~كل ما علم الإنسان ذاته المخصوصة وجب أن يعلم كونه متحيزا بمقدار مخصوص ~~وليس الأمر كذلك فوجب أن لا يكون الإنسان جوهرا متحيزا فنفتقر في تقرير هذا ~~الدليل إلى مقدمات ثلاثة . المقدمة الأولى : لو كان الإنسان جوهرا متحيزا ~~لكان كونه متحيزا عين ذاته المخصوصة والدليل عليه أنه لو كان تحيزه صفة ~~قائمة لكان ذلك المحل من حيث هو مع قطع النظر عن هذه الصفة . إما أن يكون ~~متحيزا أو لا يكون والقسمان باطلان فبطل القول بكون التحيز صفة قائمة ~~بالمحل إنما قلنا إنه يمتنع أن يكون محل التحيز لأنه يلزم كون الشيء الواحد ~~متحيزا مرتين ولأنه يلزم اجتماع المثلين ولأنه ليس جعل أحدهما / ذاتا ~~والآخر صفة أولى من العكس ولأن التحيز الثاني إن كان عين الذات فهو المقصود ~~وإن كان صفة لزم التسلسل وهو محال وإنما قلنا إنه يمتنع أن يكون محل التحيز ~~غير متحيز لأن حقيقة التحيز هو الذهاب في الجهات والامتداد فيها ، والشيء ~~الذي لا يكون متحيزا لم يكن له اختصاص بالجهات ms5835 وحصوله فيها ليس بمتحيز محال ~~، فثبت بهذا أنه لو كان الإنسان جوهرا متحيزا لكان تحيزه غير ذاته المخصوصة ~~. المقدمة الثانية : لو كان تحيز ذاته المخصوصة عين ذاته المخصوصة لكان متى ~~عرف ذاته المخصوصة فقد عرف كونها متحيزة ، والدليل عليه أنه لو صارت ذاته ~~المخصوصة معلومة وصار تحيزه مجهولا لزم اجتماع النفي والإثبات في الشيء ~~الواحد وهو محال . PageV21P038 المقدمة الثالثة : أنا قد نعرف ذاتنا حال ~~كوننا جاهلين بالتحيز والامتداد في الجهات الثلاثة وذلك ظاهر عند الاختبار ~~والامتحان فإن الإنسان حال كونه مشتغلا بشيء من المهمات مثل أن يقول لعبده ~~لم فعلت كذا ولم خالفت أمري وإني أبالغ في تأديبك وضربك فعندما يقول لم ~~خالفت أمري يكون عالما بذاته المخصوصة إذ لو لم يعلم ذاته المخصوصة لامتنع ~~أن يعلم أن ذلك الإنسان خالفه ولامتنع أن يخبر عن نفسه بأنه على عزم أن ~~يؤدبه ويضربه ففي هذه الحالة يعلم ذاته المخصوصة مع أنه في تلك الحالة لا ~~يخطر بباله حقيقة التحيز والامتداد في الجهات والحصول في الحيز فثبت بما ~~ذكرنا أنه لو كان ذات الإنسان جوهرا متحيزا لكان تحيزه عن عين المخصوصة ولو ~~كان كذلك لكان كل ما علم ذاته المخصوصة فقد علم التحيز وثبت أنه ليس كذلك ~~فيلزم أن يقال ذات الإنسان ليس جوهرا متحيزا وذلك هو المطلوب / فإن قالوا ~~هذا معارض بأنه لو كان جوهرا مجردا لكان كل من عرف ذات نفسه عرف كونه جوهرا ~~مجردا وليس الأمر كذلك قلنا الفرق ظاهر لأن كونه مجردا معناه أنه ليس ~~بمتحيز ولا حالا في المتحيز وهذا السلب ليس عين تلك الذات المخصوصة لأن ~~السلب ليس عين الثبوت ، وإذا كان كذلك لم يبعد أن تكون تلك الذات المخصوصة ~~معلومة وأن لا يكون ذلك السلب معلوما بخلاف كونه متحيزا فأنا قد دللنا على ~~أن تقدير كون الإنسان جوهرا متحيزا يكون تحيزه عين ذاته المخصوصة وعلى هذا ~~التقدير يمتنع أن تكون ذاته معلومة ويكون تحيزه مجهولا فظهر الفرق . # الحجة الثانية : النفس واحدة ومتى كانت واحدة وجب ms5836 أن تكون مغايرة لهذا ~~البدن ولكل واحد من أجزائه فهذه الحجة مبنية على مقدمات ، المقدمة الأولى : ~~هي قولنا النفس واحدة ولنا ها هنا مقامان تارة ندعي العلم البديهي فيه ~~وأخرى نقيم البرهان على صحته ، أما المقام الأول : وهو إدعاء البديهية ~~فنقول المراد من النفس هو الشيء الذي يشير إليه كل أحد بقوله أنا وكل أحد ~~يعلم بالضرورة أنه إذا أشار إلى ذاته المخصوصة بقوله أنا كان ذلك المشار ~~إليه واحدا غير متعدد فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المشار إليه لكل أحد ~~بقوله أنا وإن كان واحدا إلا أن ذلك الواحد يكون مركبا من أشياء كثيرة قلنا ~~إنه لا حاجة لنا في هذا المقام إلى دفع هذه السؤال بل نقول المشار إليه ~~بقول أنا معلوم بالضرورة أنه شيء واحد فأما أن ذلك الواحد هل هو واحد مركب ~~من أشياء / كثيرة أو هو واحد في نفسه واحد في حقيقته فهذا لا حاجة إليه في ~~هذا المقام . أما المقام الثاني : وهو مقام الاستدلال فالذي يدل على وحدة ~~النفس وجوه . # الحجة الأولى : أن الغضب حالة نفسانية تحدث عند إرادة دفع المنافر ~~والشهوة حالة نفسانية تحدث عند طلب الملايم مشروطا بالشعور بكون الشيء ~~ملايما ومنافرا فالقوة الغضبية التي هي قوة دافعة للمنافر إن لم يكن لها ~~شعور بكونه منافرا امتنع انبعاثها لدفع ذلك المنافر على سبيل القصد ~~والاختيار لأن القصد إلى الجذب تارة وإلى لدفع أخرى مشروط بالشعور بالشيء ~~فالشيء المحكوم عليه بكونه دافعا للمنافر على سبيل الاختيار لا بد وأن يكون ~~له شعور بكونه منافرا فالذي يغضب لا بد وأن يكون هو بعينه مدركا فثبت بهذا ~~البرهان اليقيني مباينة حاصلة في ذوات متباينة . # الحجة الثانية : أنا إذا فرضنا جوهرين مستقلين يكون كل واحد منهما مستقلا ~~بفعله الخاص امتنع أن يصير اشتغال أحدهما بفعله الخاص مانعا للآخر من ~~اشتغاله بفعله الخاص به . وإذا ثبت هذا فنقول لو كان محل الإدراك والفكر ~~جوهرا ومحل الغضب جوهرا آخر ومحل الشهوة جوهرا ثالثا وجب أن لا ms5837 يكون اشتغال ~~PageV21P039 القوة الغضبية بفعلها مانعا للقوة الشهوانية من الاشتغال ~~بفعلها ولا بالعكس لكن الثاني باطل فإن اشتغال الإنسان بالشهوة وانصبابه ~~إليها يمنعه من الاشتغال بالغضب وانصبابه إليه وبالعكس فعلمنا أن هذه ~~الأمور الثلاثة ليست مباديء مستقلة بل هي صفات مختلفة بجوهر واحد فلا جرم ~~كان اشتغال ذلك الجوهر بأحد هذه الأفعال عائقا له عن الإشتغال بالفعل الآخر ~~. # الحجة الثالثة : أنا إذا أدركنا أشياء فقد يكون الإدراك سببا لحصول ~~الشهوة وقد يصير سببا لحصول الغضب فلو كان الجوهر المدرك مغايرا للذي يغضب ~~والذي يشتهي فحين أدرك الجوهر المدرك لم يحصل عند الجوهر المشتهى من ذلك ~~الإدراك أثر ولا خبر فوجب أن لا يترتب على ذلك الإدراك لا حصول الشهوة ولا ~~حصول الغضب وحيث حصل هذا الترتيب والاستلزام علمنا أن صاحب الإدراك بعينه ~~هو صاحب الشهوة بعينها وصاحب الغضب بعينه . # الحجة الرابعة : أن حقيقة الحيوان أنه جسم ذو نفس حساسة متحركة بالإرادة ~~فالنفس لا يمكنها أن تتحرك بالإدارة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي ~~إلا الشعور بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه وهذا يقتضي أن يكون ~~المتحرك بالإرادة هو بعينه مدركا للخير والشر والملذ والمؤذي والنافع ~~والضار فثبت بما ذكرنا أن النفس الإنسانية شيء واحد وثبت أن ذلك الشيء هو ~~المبصر والسامع والشام والذائق واللامس والمتخيل والمتفكر والمتذكر ~~والمشتهي والغاضب وهو الموصوف بجميع الإدراكات وهو الموصوف بجميع الأفعال ~~الاختيارية والحركات الإرادية / وأما المقدمة الثانية : في بيان أنه لما ~~كانت النفس شيئا واحدا وجب أن لا تكون النفس في هذا البدن ولا شيئا من ~~أجزائه فنقول أما بيان أنه متى كان الأمر كذلك امتنع كون النفس عبارة عن ~~جملة هذا البدن وكذا القوة السامعة وكذا سائر القوى كالتخيل والتذكر / ~~والتفكر والعلم بأن هذه القوى غير سارية في جملة أجزاء البدن علم بديهي بل ~~هو من أقوى العلوم البديهية ، وأما بيان أنه يمتنع أن تكون النفس جزءا من ~~أجزاء هذا البدن فانا نعلم بالضرورة أنه ليس في البدن جزء ms5838 واحد وهو بعينه ~~موصوف بالأبصار والسماع والفكر والذكر بل الذي يتبادر إلى الخاطر أن ~~الأبصار مخصوص بالعين لا بسائر الأعضاء والسماع مخصوص بالأذن لا بسائر ~~الأعضاء والصوت مخصوص بالحلق لا بسائر الأعضاء . وكذلك القول في سائر ~~الإدراكات وسائر الأفعال فأما أن يقال إنه حصل في البدن جزء واحد موصوف بكل ~~هذه الإدراكات وبكل هذه الأفعال فالعلم الضروري حاصل بأنه ليس الأمر كذلك ~~فثبت بما ذكرنا أن النفس الإنسانية شيء واحد موصوف بجملة هذه الإدراكات ~~وبجملة هذه الأفعال وثبت بالبديهية أن جملة البدن ليست كذلك وثبت أيضا أن ~~شيئا من أجزاء البدن ليس كذلك فحينئذ يحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لهذا ~~البدن ولكل واحد من أجزائه وهو المطلوب . ولنقرر هذا البرهان بعبارة أخرى ~~فنقول : إنا نعلم بالضرورة أنا إذا أبصرنا شيئا عرفناه وإذا عرفناه ~~اشتهيناه وإذا اشتهيناه حركنا أبداننا إلى القرب منه فوجب القطع بأن الذي ~~أبصر هو الذي عرف وأن الذي عرف هو الذي اشتهى وأن الذي اشتهى هو الذي حرك ~~إلى القرب منه فيلزم القطع بأن المبصر لذلك الشيء والعارف به والمشتهي ~~والمتحرك إلى القرب منه شيء واحد إذ لو كان المبصر شيئا والعارف شيئا ثانيا ~~والمشتهي شيئا ثالثا والمتحرك شيئا رابعا لكان الذي أبصر لم يعرف ، والذي ~~عرف لم يشته والذي اشتهى لم يتحرك ، ومن المعلوم أن كون الشيء مبصرا لشيء ~~لا يقتضي PageV21P040 صيرورة شيء آخر عالما بذلك الشيء وكذلك القول في سائر ~~المراتب وأيضا فأنا نعلم بالضرورة أن الرائي للمرئيات لما كان رآها فقد ~~عرفها ولما عرفها فقد اشتهاها ولما اشتهاها طلبها وحرك الأعضاء إلى القرب ~~منها ونعلم أيضا بالضرورة أن الموصوف بهذه الرؤية وبهذا العلم وبهذ الشهوة ~~وبهذا التحرك هو لا غيره وأيضا العقلاء قالوا الحيوان لا بد أن يكون حساسا ~~متحركا بالإرادة فإنه إن لم يحس بشيء لم يشعر بكونه ملائما أو بكونه منافرا ~~وإذا لم يشعر بذلك امتنع كونه مريدا للجذب أو الدفع فثبت أن الشيء الذي ~~يكون متحركا بالإرادة فإنه بعينه يجب ms5839 أن يكون حساسا فثبت أن المدرك لجميع ~~المدركات يدرك بجميع أصناف الإدراكات وأن المباشر لجميع التحريكات ~~الاختيارية شيء واحد وأيضا فلأنا إذا تكلمنا بكلام نقصد منه تفهيم الغير ( ~~عقلنا ) معاني تلك الكلمات ثم لما عقلناها أردنا تعريف غيرنا تلك المعاني ~~ولما حصلت هذه الإرادة في قلوبنا حاولنا إدخال تلك الحروف والأصوات في ~~الوجود لنتوسل بها إلى تعريف غيرنا تلك المعاني . إذ ثبت هذا فنقول : إن ~~كان محمل العلم والإرادة ومحل تلك الحروف والأصوات جسما واحدا لزم أن يقال ~~إن محل العلوم والإرادات هو الحنجرة واللهاة واللسان ، ومعلوم أنه ليس كذلك ~~، وإن قلنا محل العلوم والإرادات هو القلب لزم أيضا أن يكون محل الصوت هو ~~القلب وذلك أيضا باطل بالضرورة ، / وإن قلنا محل الكلام هو الحنجرة واللهاة ~~واللسان ، ومحل العلوم والإرادات هو القلب ، ومحل القدرة هو الأعصاب ~~والأوتار والعضلات ، كنا قد وزعنا هذه الأمور على هذه الأعضاء المختلفة ~~لكنا أبطلنا ذلك . وبينا أن المدرك لجميع المدركات والمحرك لجميع الأضاء ~~بكل أنواع التحريكات يجب أن يكون شيئا واحدا / فلم يبق إلا أن يقال في ~~الإدراك والقدرة على التحريك ( أنه ) شيء سوى هذا البدن وسوى أجزاء هذا ~~البدن وأن هذه الأعضاء جارية مجرى الآلات والأدوات فكما أن الإنسان يعقل ~~أفعالا مختلفة بواسطة آلات محتلفة فكذلك النفس تبصر بالعين وتسمع بالأذن ~~وتتفكر بالدماغ وتعقل بالقلب ، فهذه الأعضاء آلات النفس وأدوات لها ، ~~والنفس جوهر مغاير لها مفارق عنها بالذات متعلق بها تعلق التصرف والتدبير ~~وهذا البرهان برهان شريف يقيني في ثبوت هذا المطلوب والله أعلم . # المقدمة الثالثة : لو كان الإنسان عبارة عن هذا الجسد لكان إما أن يقوم ~~بكل واحد من الأجزاء حياة وعلم وقدرة على حدة ، وإما أن يقوم بمجموع ~~الأجزاء حياة وعلم وقدرة ، والقسمان باطلان فبطل القول بكون الإنسان عبارة ~~عن هذا الجسد ، وأما بطلان القسم الأول فلأنه يقتضي كون كل واحد من أجزاء ~~الجسد حيا عالما قادرا على سبيل الاستقلال فوجب أن لا يكون الإنسان الواحد ~~حيوانا واحدا بل أحياء عالمين قادرين ms5840 وحينئذ لا يبقى فرق بين الإنسان ~~الواحد وبين أشخاص كثيرين من الناس وربط بعضهم بالبعض بالتسلسل لكنا نعلم ~~بالضرورة فساد هذا الكلام لأني أجد ذاتي ذاتا واحدة لا حيوانات كثيرين ، ~~وأيضا فبتقدير أن يكون كل واحد من أجزاء هذا الجسد حيوانا واحدا على حدة ~~فحينئذ لا يكون لكل واحد منهما خبر عن حال صاحبه فلا يمتنع أن يريد هذا أن ~~يتحرك إلى هذا الجانب ويريد الجزء الآن أن يتحرك إلى الجانب الآخر فحينئذ ~~يقع التدافع بين أجزاء بدن الإنسان الواحد كما يقع بين شخصين . وفساد ذلك ~~معلوم بالبديهة ، وأما بطلان القسم الثاني فلأنه يقضتي قيام الصفة الواحدة ~~بالمحال الكثيرة ، وذلك معلوم البطلان بالضرورة ولأنه لو جاز حلول الصفة ~~الواحدة في المحال الكثيرة لم يبعد أيضا حصول الجسم الواحد في الأحياز ~~الكثيرة ولأن بتقدير أن تحصل الصفة الواحدة في المحال المتعددة فحينئذ يكون ~~كل واحد من تلك الأجزاء حيا عاقلا PageV21P041 عالما فيتجرد الأمر إلى كون ~~هذه الجثة الواحدة أناسا كثيرين ، ولما ظهر فساد القسمين ثبت أن الإنسان ~~ليس هو هذه الجثة . فإن قالوا : لم لا يجوز أن تقوم الحياة الواحدة بالجزء ~~الواحد ، ثم إن تلك الحياة تقتضي صيرورة جملة الأجزاء أحياء قلنا هذا باطل ~~لأنه لا معنى للحياة إلا الحيية ، ولا معنى للعلم إلا العالمية ، وبتقدير ~~أن نساعد على أن الحياة معنى يوجب الحيية والعلم معنى يوجب العالمية إلا ~~أنا نقول إن حصل في مجموع جثة مجموع حياة واحدة وعالمية واحدة فقد حصلت ~~الصفة الواحدة في المحال الكثيرة وهو محال ، وإن حصل في كل جزء وجثة حياة ~~على حدة / وعالمية على حدة عاد ما ذكرنا من كون الإنسان الواحد أناسا ~~كثيرين وهو محال . # المقدمة الرابعة : أنا لما تأملنا في أحوال النفس رأينا أحوالها بالضد من ~~أحوال الجسم ، وذلك يدل على أن النفس ليست جسما ، وتقرير هذه المنافاة من ~~وجوه . الأول : أن كل جسم حصلت فيه صورة فإنه لا يقبل صورة أخرى من جنس ~~الصورة الأولى إلا بعد زوال الصورة الأولى زوالا ms5841 تاما مثاله : أن الشمع إذا ~~حصل فيه شكل التثليث امتنع أن يحصل فيه شكل التربيع والتدوير إلا بعد زوال ~~الشكل الأول عنه ، نعم إنا وجدنا الحال في تصور النفس بصور المعقولات بالضد ~~من ذلك فإن النفس التي لم تقبل صورة عقلية البتة يبعد قبولها شيئا من الصور ~~العقلية فإذا قبلت صورة واحدة صار قبولها للصورة الثانية أسهل ، ثم إن ~~النفس لا تزال تقبل صورة بعد صورة من غير أن تضعف ألبتة بل كلما كان قبولها ~~للصور أكثر صار قبولها للصور الآتية بعد ذلك أسهل وأسرع ، ولهذا السبب ~~يزداد الإنسان فهما وإدراكا كلما ازداد تخرجا وارتباطا في العلوم فثبت أن ~~قبول النفس للصور العقلية على خلاف قبول الجسم للصورة وذلك يوهم أن النفس ~~ليست بجسم . والثاني : أن المواظبة على الأفكار الدقيقة لها أثر في النفس ~~وأثر في البدن ، أما أثرها في النفس فهو تأثيرها في إخراج النفس من القوة ~~إلى الفعل في التعقلات والإدراكات وكلما كانت الأفكار أكثر كان حصول هذه ~~الأحوال أكمل وذلك غاية كمالها ونهاية شرفها وجلالتها ، وأما أثرها في ~~البدن فهو أنها توجب استيلاء اليبس على البدن واستيلاء الذبول عليه ، وهذه ~~الحالة لو استمرت لانتقلت إلى الماليخوليا وسوق الموت فثبت بما ذكرنا أن ~~هذه الأفكار توجب حياة النفس وشرفها وتوجب نقصان البدن وموته فلو كانت ~~النفس هي البدن لصار الشيء الواحد سببا لكماله ونقصانه معا ولحياته وموته ~~معا ، وأنه محال . والثالث : أنا إذا شاهدنا أنه ربما كان بدن الإنسان ~~ضعيفا نحيفا ، فإذا لاح له نور من الأنوار القدسية وتجلى له سر من أسرار ~~عالم الغيب حصل لذلك الإنسان جراءة عظيمة وسلطنة قوية . ولم يعبأ بحضور ~~أكابر السلاطين ولم يقم لهم وزنا ولولا أن النفس شيء سوى البدن لما كان ~~الأمر كذلك . الرابع : أن أصحاب الرياضات والمجاهدات كلما أمعنوا في قهر ~~القوى البدنية وتجويع الجسد قويت قواهم الروحانية وأشرقت أسرارهم بالمعارف ~~الإلهية وكلما أمعن الإنسان في الأكل والشرب وقضاء الشهوة الجسدانية صار ~~كالبهيمة وبقي محروما عن آثار النطق والعقل ms5842 والمعرفة ولولا أن النفس غير ~~البدن لما كان الأمر كذلك . الخامس : أنا نرى أن النفس تفعل أفاعيلها بآلات ~~بدنية فإنها تبصر بالعين وتسمع بالأذن وتأخذ باليد وتمشي بالرجل ، أما إذا ~~آل الأمر إلى العقل والإدراك فإنها مستقلة بذاتها في هذا الفعل من غير ~~إعانة شيء من الآلات ولذلك فإن الإنسان لا يمكنه أن يبصر شيئا إذا أغمض ~~عينيه وأن لا يسمع صوتا إذا سد أذنيه . كما لا يمكنه البتة أن يزيل عن قلبه ~~العلم بما كان عالما به فعلمنا أن النفس غنية بذاتها / في العلوم والمعارف ~~عن شيء من الآلات البدنية ، فهذه الوجوه الخمسة أمارات قوية في أن النفس ~~PageV21P042 ليست بجسم ، وفي المسألة الأولى كثير من دلائل المتقدمين ~~ذكرناها في كتبنا الحكمية فلا فائدة في الاعادة . # المسألة السادسة : في إثبات أن النفس ليست بجسم من الدلائل السمعية . # الحجة الأولى : قوله تعالى : { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم } ( الحشر : 19 ) ومعلوم أن أحدا من العقلاء لا ينسى هذا الهيكل ~~المشاهد فدل ذلك على أن النفس التي ينساها الإنسان عند فرط الجهل شيء آخر ~~غير هذا البدن . # الحجة الثانية : قوله تعالى : { أخرجوا أنفسكم } ( الأنعام : 93 ) وهذا ~~صريح أن النفس غير البدن وقد استقصينا في تفسير هذه فليرجع إليه . # الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال : { ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين } ( المؤمنون ~~: 12 ، 13 ) إلى قوله : { فكسونا العظام لحما } ( المؤمنون : 14 ) ولا شك ~~أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية ثم إنه تعالى لما ~~أراد أن يذكر نفخ الروح قال : { ثم خلقنا النطفة علقة } وهذا تصريح بأن ما ~~يتعلق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الأحوال ~~الجسمانية وذلك يدل على أن الروح شيء مغاير للبدن فإن قالوا هذه الآية حجة ~~عليكم لأنه تعالى قال : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } وكلمة من ~~للتبعيض وهذا يدل على أن الإنسان بعض من أبعاض الطين قلنا كلمة من ms5843 أصلها ~~لابتداء الغاية كقولك خرجت من البصرة إلى الكوفة فقوله تعالى : { ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين } يقتضي أن يكون ابتداء تخليق الإنسان حاصلا ~~من هذه السلالة ونحن نقول بموجبه لأنه تعالى يسوي المزاج أولا ثم ينفخ فيه ~~الروح فيكون ابتداء تخليقه من السلالة . # الحجة الرابعة : قوله : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى } ( الحجر : 29 ) ~~ميز تعالى بين البشرية وبين نفخ الروح فالتسوية عبارة عن تخليق الأبعاض ~~والأعضاء وتعديل المزاج والأشباح فلما ميز نفخ الروح عن تسوية الأعضاء ثم ~~أضاف الروح إلى نفسه بقوله : { من روحى } دل ذلك على أن جوهر الروح معنى ~~مغاير لجوهر الجسد . # الحجة الخامسة : قوله تعالى : { ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها ~~} ( الشمس : 7 ، 8 ) وهذه الآية صريحة في وجود شيء موصوف بالإدراك والتحريك ~~حقا لأن الإلهام عبارة عن الإدراك ، وأما الفجور والتقوى فهو فعل وهذه ~~الآية صريحة في أن الإنسان شيء واحد وهو موصوف أيضا بالإدراك والتحريك ~~وموصوف أيضا بفعل الفجور تارة وفعل التقوى تارة أخرى ومعلوم أن جملة البدن ~~غير موصوف بهذين الوصفين فلا بد من إثبات جوهر آخر يكون موصوفا بكل هذه ~~الأمور . # / الحجة السادسة : قوله تعالى : { ءان * خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ~~نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا } ( الإنسان : 2 ) فهذا تصريح بأن الإنسان شيء ~~واحد وذلك الشيء هو المبتلي بالتكاليف الإلهية والأمور الربانية وهو ~~الموصوف بالسمع والبصر ومجموع البدن ليس كذلك وليس عضوا من أعضاء البدن ~~كذلك فالنفس شيء مغاير لجملة البدن ومغاير لأجزاء البدن وهو موصوف بكل هذه ~~الصفات . واعلم أن الأحاديث PageV21P043 الواردة في صفة الأرواح قبل تعلقها ~~بالأجساد وبعد انفصالها من الأجساد كثيرة وكل ذلك يدل على أن النفس شيء غير ~~هذا الجسد ، والعجب ممن يقرأ هذه الآيات الكثيرة ويروي هذه الأخبار الكثيرة ~~ثم يقول توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان يعرف الروح وهذا من ~~العجائب والله أعلم . # المسألة السابعة : في دلالة الآية التي نحن في تفسيرها على صحة ما ذكرناه ~~أن الروح لو كان جسما منتقلا ms5844 من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة لكان مساويا ~~للبدن في كونه متولدا من أجسام اتصفت بصفات مخصوصة بعد أن كانت موصوفة ~~بصفات أخرى فإذا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وجب أن يبين ~~أنه جسم كان كذا ثم صار كذا حتى صار روحا مثل ما ذكر في كيفية تولد البدن ~~أنه كان نطفة ثم علقة ، ثم مضغة فلما لم يقل ذلك بل قال : { إنه من * أمر ~~ربي } بمعنى أنه لا يحدث ولا يدخل في الوجود إلا لأجل أن الله تعالى قال له ~~: { كن فيكون } ( البقرة : 117 ) دل ذلك على أنه جوهر ليس من جنس الأجسام ~~بل هو جوهر قدسي مجرد واعلم أن أكثر العارفين المكاشفين من أصحاب الرياضيات ~~وأرباب المكاشفات والمشاهدات مصرون على هذا القول جازمون بهذا المذهب قال ~~الواسطي : خلق الله الأرواح من بين الجمال والبهاء فلولا أنه سترها لسجد ~~لها كل كافر ، وأما بيان أن تعلقه الأول بالقلب ثم بواسطته يصل تأثيره إلى ~~جملة الأعضاء فقد شرحناه في تفسير قوله تعالى : { نزل به الروح الامين * ~~على قلبك لتكون من المنذرين } ( الشعراء : 193 ، 194 ) واحتج المنكرون ~~بوجوه . الأول : لو كانت مساوية لذات الله في كونه ليس بجسم ولا عرض لكانت ~~مساوية له في تمام الماهية وذلك محال . الثاني : قوله تعالى : { قتل ~~الإنسان ما أكفره * من أى شىء خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره ~~* ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره } ( عبس : 17 22 ) وهذا تصريح بأن ~~الإنسان شيء مخلوق من النطفة ، وأنه يموت ويدخل القبر ثم إنه تعالى يخرجه ~~من القبر ، ولو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه الجثة لم تكن الأحوال المذكورة ~~في هذه الآية صحيحة . الثالث : قوله : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل ~~الله } إلى قوله : { يرزقون * فرحين } ( آل عمران : 169 ، 170 ) وهذا يدل ~~على أن الروح جسم لأن الأرزاق والفرح من صفات الأجسام . الجواب عن الأول : ~~أن المساواة في أنه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز مساواة في صفة ms5845 سلبية ~~والمساواة في الصفة السلبية لا توجب المماثلة واعلم أن جماعة من الجهال ~~يظنون أنه لما كان الروح موجودا ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز وجب أن يكون ~~مثلا للإله أو جزءا للإله وذلك جهل فاحش وغلط قبيح وتحقيقه ما ذكرناه من أن ~~المساواة في السلوب / لو أوجبت المماثلة لوجب القول باستواء كل المختلفات ~~وأن كل ماهيتين مختلفتين فلا بد أن يشتركا في سلب كل ما عداهما ، فلتكن هذه ~~الدقيقة معلومة فإنها مغلطة عظيمة للجهال ، والجواب عن الثاني : أنه لما ~~كان الإنسان في العرف والظاهر عبارة عن هذه الجثة أطلق عليه اسم الإنسان في ~~العرف ، والجواب عن الثالث : أن الرزق المذكور في الآية محمول على ما يقوي ~~حالهم ويكمل كمالهم وهو معرفة الله ومحبته بل نقول هذا من أدل الدلائل على ~~صحة قولنا لأن أبدانهم قد بليت تحت التراب والله تعالى يقول إن أرواحهم ~~تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش وهذا يدل على أن الروح غير البدن وليكن ~~هذا آخر كلامنا في هذا الباب ولنرجع إلى علم التفسير ثم قال تعالى : { وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا } وعلى قولنا قد ذكرنا فيه احتمالين ، أما ~~المفسرون فقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا نحن ~~مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( بل نحن ~~وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا ) فقالوا ما أعجب شأنك يا محمد ساعة تقول ~~: PageV21P044 ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) وساعة تقول هذا . ~~فنزل قوله : { ولو أن * ما فى الارض * من شجرة أقلام } ( لقمان : 27 ) إلى ~~آخره وما ذكروه ليس بلازم لأن الشيء قد يكون قليلا بالنسبة إلى شيء كثيرا ~~بالنسبة إلى شيء آخر فالعلوم الحاصلة عند الناس قليلة جدا بالنسبة إلى علم ~~الله وبالنسبة إلى حقائق الأشياء ولكنها كثيرة بالنسبة إلى الشهوات ~~الجسمانية واللذات الجسدانية . # ! 7 < { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا ~~* إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك ms5846 كبيرا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 86 - 87 ) ولئن شئنا لنذهبن . . . . . # > > # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه ما آتاهم { ~~من العلم إلا قليلا } بين في هذه الآية أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل ~~أيضا لقدر عليه وذلك بأن يمحو حفظه من القلوب وكتابته من الكتب وهذا وإن ~~كان أمرا مخالفا للعادة إلا أنه تعالى قادر عليه . # المسألة الثانية : احتج الكعبي بهذه الآية على أن القرآن مخلوق فقال ~~والذي يقدر على إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديما بل يجب أن يكون ~~محدثا . وهذا الاستدلال بعيد لأن المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن ~~القلوب وإزالة النقوش الدالة عليه عن المصحف وذلك لا يوجب كون ذلك المعلوم ~~المدلول محدثا وقوله : { ثم لا تجد لك به علينا وكيلا } أي لا تجد من تتوكل ~~عليه في رد شيء منه ثم قال : { إلا رحمة من ربك } أي إلا أن يرحمك ربك ~~فيرده عليك أو يكون على الاستثناء المنقطع بمعنى ولكن رحمة ربك تركته غير ~~مذهوب به وهذا امتنان من الله / ببقاء القرآن على أنه تعالى من على جميع ~~العلماء بنوعين من المنة . أحدهما : تسهيل ذلك العلم عليه . الثاني : إبقاء ~~حفظه عليه وقوله : { إن فضله كان عليك كبيرا } فيه قولان : الأول : المراد ~~أن فضله كان عليك كبيرا بسبب إبقاء العلم والقرآن عليك . الثاني : المراد ~~أن فضله كان عليك كبيرا بسبب أنه جعلك سيد ولد آدم وختم بك النبيين وأعطاك ~~المقام المحمود فلما كان كذلك لا جرم أنعم عليك أيضا بإبقاء العلم والقرآن ~~عليك . # ( 88 ) # ! 7 < { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرءان لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } > 7 ! # < < # | الإسراء : ( 88 ) قل لئن اجتمعت . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { وإن ~~كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) ~~بالغنا في بيان إعجاز القرآن ، وللناس فيه قولان منهم من قال : القرآن معجز ms5847 ~~في PageV21P045 نفسه ، ومنهم من قال إنه ليس في نفسه معجزا إلا أنه تعالى ~~لما صرف دواعيهم عن الإثبات بمعارضته مع أن تلك الدواعي كانت قوية كانت هذه ~~الصرفة معجزة والمختار عندنا في هذا الباب أن نقول القرآن في نفسه إما أن ~~يكون معجزا أو لا يكون فإن كان معجزا فقد حصل المطلوب ، وإن لم يكن معجزا ~~بل كانوا قادرين على الإتيان بمعارضته وكانت الدواعي متوفرة على الإتيان ~~بهذه المعارضة وما كان لهم عنها صارف ومانع . وعلى هذا التقدير كان الإتيان ~~بمعارضته واجبا لازما فعدم الإتيان بهذه المعارضة مع التقديرات المذكورة ~~يكون نقضا للعادة فيكون معجزا فهذا هو الطريق الذي نختاره في هذا الباب . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول هب أنه قد ظهر عجز الإنسان عن معارضته ~~فكيف عرفتم عجز الجن عن معارضته ؟ وأيضا فلم لا يجوز أن يقال إن هذا الكلام ~~نظم الجن ألقوه على محمد صلى الله عليه وسلم وخصوه به على سبيل السعي في ~~إضلال الخلق فعلى هذا إنما تعرفون صدق محمد صلى الله عليه وسلم إذا عرفتم ~~أن محمدا صادق في قوله أنه ليس من كلام الجن بل هو من كلام الله تعالى ~~فحينئذ يلزم الدور وليس لأحد أن يقول كيف يعقل أن يكون هذا من قول الجن ~~لأنا نقول إن هذه الآية دلت على وقوع التحدي مع الجن ، وإنما يحسن هذا ~~التحدي لو كانوا فصحاء بلغاء ، ومتى كان الأمر كذلك كان الاحتمال المذكور ~~قائما . أجاب العلماء عن الأول بأن عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات ~~كونه معجزا وعن الثاني أن ذلك لو وقع لوجب في حكمة الله أن يظهر ذلك ~~التلبيس وحيث لم يظهر ذلك دل على عدمه وعلى أنه تعالى قد أجاب عن هذا / ~~السؤال بالأجوبة الشافية الكافية في آخر سورة الشعراء في قوله : { هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم } ( الشعراء : 221 ، ~~222 ) وقد شرحنا هذه الأجوبة هناك فلا فائدة في الإعادة . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة الآية دالة على ms5848 أن القرآن مخلوق لأن ~~التحدي بالقديم وهذه المسألة قد ذكرناها أيضا بالاستقصاء في سورة البقرة ~~فلا فائدة في الإعادة . # ! 7 < { ولقد صرفنا للناس فى هاذا القرءان من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا } > 7 ! # < < # | الإسراء : ( 89 ) ولقد صرفنا للناس . . . . . # > > وهذا الكلام يحتمل وجوها . أحدها : أنه وقع التحدي بكل القرآن كما في ~~هذه الآية ، ووقع التحدي أيضا بعشر سور منه كما في قوله تعالى : { فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات } ( هود : 13 ) ووقع التحدي بالسورة الواحدة كما في ~~قوله تعالى : { فأتوا بسورة من مثله } ووقع التحدي بكلام من سورة واحدة كما ~~في قوله : { فليأتوا بحديث مثله } ( الطور : 34 ) فقوله : { ولقد صرفنا ~~للناس فى هاذا القرءان من كل مثل } يحتمل أن يكون المراد منه التحدي كما ~~شرحناه ، ثم أنهم مع ظهور عجزهم في جميع هذه المراتب بقوا مصرين على كفرهم ~~. وثانيها : أن يكون المراد من قوله : { ولقد صرفنا للناس فى هاذا القرءان ~~من كل مثل } أنا أخبرناهم بأن الذين بقوا مصرين على الكفر مثل قوم نوح وعاد ~~وثمود كيف ابتلاهم بأنواع البلاء وشرحنا هذه الطريقة مرارا وأطوارا ثم إن ~~هؤلاء الأقوام يعني أهل مكة لم ينتفعوا بهذا البيان بل بقوا مصرين على ~~الكفر . وثالثها : أن يكون المراد أنه تعالى ذكر دلائل التوحيد ونفي ~~الشركاء والأضداد في هذا القرآن مرارا كثيرة ، وذكر شبهات منكري النبوة ~~والمعاد مرارا وأطوارا ، وأجاب عنها ثم أردفها بذكر الدلائل القاطعة على ~~صحة النبوة والمعاد ، PageV21P046 ثم إن هؤلاء الكفار لم ينتفعوا بسماعها ~~بل بقوا مصرين على الشرك وإنكار النبوة . # يريد ( أبى ) أكثر أهل مكة { إلا كفورا } أي جحودا للحق ، وذلك أنهم ~~أنكروا ما لا حاجة إلى إظهاره ، فإن قيل كيف جاز : { فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا } ولا يجوز أن يقال ضربت إلا زيدا ، قلنا لفظ أبى يفيد النفي كأنه ~~قيل فلم يرضوا إلا كفورا . # ! 7 < { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الا رض ينبوعا * أو تكون لك ~~جنة من نخيل وعنب فتفجر الا نهار خلالها تفجيرا * أو ms5849 تسقط السمآء كما زعمت ~~علينا كسفا أو تأتى بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ~~ترقى فى السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرءه قل سبحان ربى هل ~~كنت إلا بشرا رسولا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 90 - 93 ) وقالوا لن نؤمن . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا وظهر هذا المعجز على ~~وفق دعوى محمد صلى الله عليه وسلم فحينئذ تم الدليل على كونه نبيا صادقا ~~لأنا نقول إن محمدا ادعى النبوة وظهر المعجزة على وفق دعواه وكل من كان ~~كذلك فهو نبي صادق ، فهذا يدل على أن محمدالله صلى الله عليه وسلم صادق ~~وليس من شرط كونه نبيا صادقا تواتر المعجزات الكثيرة وتواليها لأنا لو ~~فتحنا هذا الباب للزم أن لا ينتهي الأمر فيه إلى مقطع وكلما أتى الرسول ~~بمعجز اقترحوا عليه معجزا آخر ولا ينتهي الأمر فيه إلى حد ينقطع عنده عناد ~~المعاندين وتغلب الجاهلين لأنه تعالى حكى عن الكفار أنهم بعد أن ظهر كون ~~القرآن معجزا التمسوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ستة أنواع من المعجزات ~~القاهرة كما حكى عن ابن عباس ( أن رؤساء أهل مكة أرسلوا إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وهم جلوس عند الكعبة فأتاهم فقالوا يا محمد إن أرض مكة ضيقة ~~فسير جبالها لننتفع فيها وفجر لنا فيها ينبوعا أي نهرا وعيونا نزرع فيها ~~فقال لا أقدر عليه ، فقال قائل منهم أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا فقال لا أقدر عليه ، فقيل أو يكون لك بيت من زخرف أي ~~من ذهب فيغنيك عنا فقال لا أقدر عليه ، فقيل له أما تستطيع أن تأتي قومك ~~بما يسألونك فقال لا أستطيع ، قالوا فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر ~~فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أي قطعا بالعذاب وقوله كما زعمت إشارة ~~إلى قوله : { إذا السماء انشقت } ( الإنشقاق : 1 ) ، { إذا السماء انفطرت } ~~( الانفطار : 1 ) فقال عبد الله بن أمية المخزومي وأمه عمة رسول الله ms5850 صلى ~~الله عليه وسلم لا والذي يحلف به لا أومن بك حتى تشد سلما فتصعد فيه ونحن ~~ننظر إليك فتأتي بأربعة من الملائكة يشهدون لك PageV21P047 بالرسالة ثم بعد ~~ذلك لا أدري أنؤمن بك أم لاا ) فهذا شرح هذه القصة كما رواها ابن عباس . # المسألة الثانية : اعلم أنهم اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنواعا من المعجزات أولها : قولهم / { حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } قرأ ~~عاصم وحمزة والكسائي تفجر بفتح التاء وسكون الفاء وضم الجيم مخففة واختاره ~~أبو حاتم قال لأن الينبوع واحد والباقون بالتشديد واختاره أبو عبيدة ولم ~~يختلفوا في الثانية مشددة لأجل الأنهار ، لأنها جمع يقال فجرت الماء فجرا ~~وفجرته تفجيرا ، فمن ثقل أراد به كثرة الأشجار من الينبوع وهو وإن كان ~~واحدا فلكثرة الانفجار فيه يحسن أن يثقل كما تقول ضرب زيد إذا كثر الضرب ~~منه فيكثر فعله وإن كان الفاعل واحدا ومن خفف فلأن الينبوع واحد ، وقوله ~~ينبوعا ، يعني : عينا ينبع الماء منه ، تقول نبع الماء ينبع نبعا ونبوعا ~~ونبعا ذكره الفراء ، قال القوم أزل عنا جبال مكة ، وفجر لنا الينبوع ليسهل ~~علينا أمر الزراعة والحراثة . وثانيها : قولهم : { أو تكون لك جنة من نخيل ~~وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا } والتقدير كأنهم قالوا هب أنك لا تفجر ~~هذه الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك . وثالثها : قولهم : { أو تسقط السماء ~~كما زعمت علينا كسفا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر كسفا بفتح السين ها هنا وفي سائر القرآن ~~بسكونها ، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم ها هنا ، وفي الروم بفتح السين ، وفي ~~باقي القرآن بسكونها ؛ وقرأ حفص في سائر القرآن بالفتح إلا في الروم ، وقرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي في الروم بفتح السين ، وفي سائر القرآن ~~بسكون السين ، قال الواحدي رحمه الله كسفا ، فيه وجهان من القراءة سكون ~~السين وفتحها ، قال أبو زيد يقال : كسفت الثوب أكسفه كسفا إذا قطعته قطعا ، ~~وقال الليث : الكسف ، قطع العرقوب ، والكسفة : القطعة ، وقال الفراء : سمعت ~~أعرابيا يقول لبزاز ms5851 : أعطني كسفة : يريد قطعة ، فمن قرأ بسكون السين احتمل ~~قوله وجوها ، أحدها : قال الفراء أن يكون جمع كسفة مثل : دمنة ودمن وسدرة ~~وسدر . وثانيها : قال أبو علي : إذا كان المصدر الكسف ، فالكسف الشيء ~~المقطوع كما تقول في الطحن والطبخ السقي ، ويؤكد هذا قوله : { وإن يروا ~~كسفا من السماء ساقطا } ( الطور : 44 ) . وثالثها : قال الزجاج : من قرأ : ~~كسفا كأنه قال أو يسقطها طبقا علينا واشتقاقه من كسفت الشيء إذا غطيته ، ~~وأما فتح السين فهو جمع كسفة مثل قطعة وقطع وسدرة وسدر ، وهو نصب على الحال ~~في القراءتين جميعا كأنه قيل أو تسقط السماء علينا مقطعة . # المسألة الثانية : قوله : { كما زعمت } فيه وجوه . الأول : قال عكرمة كما ~~زعمت يا محمد أنك نبي فأسقط السماء علينا . والثاني : قال آخرون كما زعمت ~~أن ربك إن شاء فعل . الثالث : يمكن أن يكون المراد ما ذكره الله تعالى في ~~هذه السورة في قوله : { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ~~} ( الإسراء : 68 ) فقيل اجعل السماء قطعا متفرقة كالحاصب وأسقطها علينا . ~~ورابعها : قولهم : { أو تأتى بالله والملئكة قبيلا } وفي لفظ القبيل وجوه . ~~الأول : القبيل بمعنى المقابل كالعشير بمعنى المعاشر ، وهذا القول منهم يدل ~~على جهلهم حيث لم يعلموا أنه لا يجوز عليه المقابلة ويقرب منه قوله : { ~~وحشرنا عليهم كل شىء قبلا } ( الأنعام : 111 ) . والقول الثاني : ما قاله ~~ابن عباس يريد فوجا / بعد فوج . قال الليث وكل جند من الجن والإنس قبيل ~~وذكرنا ذلك في قوله : { إنه يراكم هو وقبيله } . القول الثالث : إن قوله ~~قبيلا معناه ها هنا ضامنا وكفيلا ، قال الزجاج : يقال قبلت به أقبل كقولك ~~كفلت به أكفل ، وعلى PageV21P048 هذا القول فهو واحد أريد به الجمع كقوله ~~تعالى : { وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) . والقول الرابع : قال أبو ~~علي معناه المعاينة والدليل عليه قوله تعالى : { لولا أنزل علينا الملئكة ~~أو نرى ربنا } ( الفرقان : 21 ) . وخامسها : قولهم : { أو يكون لك بيت من ~~زخرف } قال مجاهد : كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأيت في قراءة عبد ms5852 الله : { ~~أو يكون لك بيت من * ذهب } قال الزجاج : الزخرف الزينة يدل عليه قوله تعالى ~~: { حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت } ( يونس : 24 ) أي أخذت كمال زينتها ~~ولا شيء في تحسين البيت وتزيينه كالذهب . وسادسها : قولهم : { أو ترقى فى ~~السماء } قال الفراء : يقال رقيت وأنا أرقى رقي ورقيا وأنشد : # % أنت الذي كلفتني رقي الدرج % % على الكلال والمشيب والعرج % # وقوله في السماء أي في معارج السماء فحذف المضاف ، يقال رقي السلم ورقي ~~الدرجة ثم قالوا : { ولن نؤمن لرقيك } أي لن نؤمن لأجل رقيك : { حتى تنزل ~~علينا كتابا * من السماء } فيه تصديقك قال عبد الله بن أمية : { لن نؤمن } ~~حتى نصنع على السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك ~~بصك منشور معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أن الأمر كما تقول . ولما حكى ~~الله تعالى عن الكفار اقتراح هذه المعجزات قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : ~~{ قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } وفيه مباحث : # المبحث الأول : أنه تعالى حكى من قول الكفار قولهم : { لن نؤمن لك حتى ~~تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) إلى قوله : { قل سبحان ربى } ~~وكل ذلك كلام القوم وإنا لا نجد بين تلك الكلمات وبين سائر آيات القرآن ~~تفاوتا في النظم فصح بهذا صحة ما قاله الكفار لو نشاء لقلنا مثل هذا . ~~والجواب : أن هذا القرآن قليل لا يظهر فيه التفاوت بين مراتب الفصاحة ~~والبلاغة فزال هذا السؤال . # البحث الثاني : هذه الآيات من أدل الدلائل على أن المجيء والذهاب على ~~الله محال لأن كلمة سبحان للتنزيه عما لا ينبغي ، وقوله سبحان ربي تنزيه ~~لله تعالى عن شيء لا يليق به أو نسب إليه مما تقدم ذكره وليس فيما تقدم ~~ذكره شيء لا يليق بالله إلا قولهم أو تأتي بالله فدل هذا على أن قوله : { ~~سبحان ربى } تنزيه لله عن الإتيان والمجيء وذلك يدل على فساد قول المشبهة ~~في أن الله تعالى يجيء ويذهب ، فإن قالوا : لم لا يجوز أن يكون ms5853 المراد ~~تنزيه الله تعالى عن أن يتحكم عليه المتحكمون في اقتراح الأشياء ؟ قلنا ~~القوم لم يتحكموا على الله ، وإنما قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن كنت ~~نبيا صادقا فاطلب من الله أن يشرفك بهذه المعجزات فالقوم تحكموا على الرسول ~~وما تحكموا على الله فلا يليق حمل قوله : { سبحان ربى } على هذا المعنى ~~فوجب حمله على قولهم أو تأتي بالله . # / البحث الثالث : تقرير هذا الجواب أن يقال : إما أن يكون مرادكم من هذا ~~الاقتراح أنكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء أو طلبتم مني أن ~~أطلب من الله تعالى إظهارها على يدي لتدل على كوني رسولا حقا من عند الله . ~~والأول باطل لأني بشر والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء والثاني أيضا باطل ~~لأني قد أتيتكم بمعجزة واحدة وهي القرآن والدلالة على كونها معجزة فطلب هذه ~~المعجزات طلب لما لا حاجة إليه ولا ضرورة فكأن طلبها يجري مجرى التعنت ~~والتحكم وأنا عبد مأمور ليس لي أن أتحكم على الله فسقط هذا السؤال فثبت أن ~~قوله : { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } جواب كاف في هذا الباب ، ~~وحاصل الكلام أنه سبحانه بين بقوله : { سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } ~~كونهم على الضلال في الإلهيات ، PageV21P049 وفي النبوات . أما في الإلهيات ~~فيدل على ضلالهم قوله سبحان ربي أي سبحانه عن أن يكون له إتيان ومجيء وذهاب ~~وأما في النبوات فيدل على ضلالهم قوله : { هل كنت إلا بشرا رسولا } وتقريره ~~ما ذكرناه . # ! 7 < { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله ~~بشرا رسولا * قل لو كان فى الا رض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السمآء ملكا رسولا * قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 94 - 96 ) وما منع الناس . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما حكى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزائدة وأجاب ~~عنها حكى عنهم شبهة أخرى وهي أن القوم استبعدوا أن يبعث الله إلى الخلق ~~رسولا من ms5854 البشر بل اعتقدوا أن الله تعالى لو أرسل رسولا إلى الخلق لوجب أن ~~يكون ذلك الرسول من الملائكة فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه . ~~الأول : قوله : { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } وتقرير هذا ~~الجواب أن بتقدير أن يبعث الله ملكا رسولا إلى الخلق فالخلق إنما يؤمنون ~~بكونه رسولا من عند الله لأجل قيام المعجز الدال على صدقه وذلك المعجز هو ~~الذي يهديهم إلى معرفة ذلك الملك في إدعاء رسالة الله تعالى فالمراد من ~~قوله تعالى : { إذ جاءهم الهدى } هو المعجز فقط فهذا المعجز سواء ظهر على ~~يد الملك أو على يد البشر وجب الإقرار برسالته فثبت أن يكون قولهم بأن ~~الرسول لا بد وأن يكون / من الملائكة تحكما فاسدا وتعنتا باطلا . الوجه ~~الثاني : من الأجوبة التي ذكرها الله في هذه الآية عن هذه الشبهة هو أن أهل ~~الأرض لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة لأن الجنس إلى ~~الجنس أميل أما لو كان أهل الأرض من البشر لوجب أن يكون رسولهم من البشر ~~وهو المراد من قوله : { لو كان فى الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم ~~من السماء ملكا رسولا } . الوجه الثالث : من الأجوبة المذكورة في هذه الآية ~~قوله : { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } وتقريره أن الله تعالى لما أظهر ~~المعجزة على وفق دعواي كان ذلك شهادة من الله تعالى على كوني صادقا ومن شهد ~~الله على صدقه فهو صادق فبعد ذلك قول القائل بأن الرسول يجب أن يكون ملكا ~~لا إنسانا تحكم فاسد لا يلتفت إليه ولما ذكر الله تعالى هذه الأجوبة ~~الثلاثة أردفها بما يجري مجرى التهديد والوعيد فقال : { إنه كان بعباده ~~خبيرا بصيرا } يعني يعلم ظواهرهم وبواطنهم ويعلم من قلوبهم أنهم لا يذكرون ~~هذه الشبهات إلا لمحض الحسد وحب الرياسة والاستنكاف من الانقياد للحق . # ! 7 < { ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه ~~ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما ms5855 خبت ~~زدناهم سعيرا * ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بأاياتنا وقالوا أءذا كنا عظاما ~~ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 97 - 98 ) ومن يهد الله . . . . . # > > PageV21P050 # اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة وأردفها بالوعيد ~~الإجمالي وهو قوله : { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } ذكر بعده الوعيد ~~الشديد على سبيل التفصيل ، أما قوله : { من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد * لهم أولياء من دونه } فالمقصود تسلية الرسول وهو أن الذين سبق ~~لهم حكم الله بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين ومن سبق لهم حكم الله ~~بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال واستحال أن يوجد من يصرفهم ~~عن ذلك الضلال ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على صحة مذهبهم في الهدى والضلال ~~والمعتزلة حملوا هذا الإضلال تارة على الإضلال عن طريق الجنة وتارة على منع ~~الألطاف وتارة على التخلية وعدم التعرض له بالمنع وهذه المباحث قد ذكرناها ~~مرارا فلا فائدة في الإعادة ، أما قوله تعالى : { ونحشرهم يوم القيامة على ~~وجوههم عميا وبكما وصما } فإن قيل كيف يمكنهم المشي على وجوههم قلنا الجواب ~~من وجهين : الأول : إنهم يسحبون على وجوههم قال تعالى : { يوم يسحبون فى ~~النار على وجوههم } ( القمر : 48 ) . الثاني : روى أبو هريرة قيل يا رسول ~~الله كيف يمشون على وجوههم ؟ قال : إن الذي / يمشيهم على أقدامهم قادر على ~~أن يمشيهم على وجوههم ، قال حكماء الإسلام الكفار أرواحهم شديدة التعلق ~~بالدنيا ولذاتها وليس لها تعلق بعالم الأبرار وحضرة الإله سبحانه وتعالى ~~فلما كانت وجوه قلوبهم وأرواحهم متوجهة إلى الدنيا لا جرم كان حشرهم على ~~وجوههم ، وأما قوله : { عميا وبكما وصما } فاعلم أن واحدا قال لابن عباس ~~رضي الله عنه : أليس أنه تعالى يقول : { ورأى المجرمون النار } ( الكهف : ~~53 ) وقال : { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ( الفرقان : 12 ) وقال : { دعوا ~~هنالك ثبورا } ( الفرقان : 13 ) وقال : { يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها } ~~( النحل : 111 ) وقال حكاية عن الكفار : { والله ربنا ما كنا مشركين } ( ~~الأنعام : 23 ) فثبت بهذه الآيات أنهم يرون ويسمعون ms5856 ويتكلمون فكيف قال ههنا ~~: { عميا وبكما وصما } أجاب ابن عباس وتلامذته عنه من وجوه . الأول : قال ~~ابن عباس عميا لا يرون شيئا يسرهم صما لا يسمعون شيئا يسرهم بكما لا ينطقون ~~بحجة . الثاني : قال في رواية عطاء عميا عن النظر إلى ما جعله الله ~~لأوليائه بكما عن مخاطبة الله ومخاطبة الملائكة المقربين صما عن ثناء الله ~~تعالى على أوليائه . الثالث : قال مقاتل إنه حين يقال لهم : { اخسئوا فيها ~~ولا تكلمون } ( المؤمنون : 108 ) يصيرون عميا بكما صما ، أما قبل ذلك فهم ~~يرون ويسمعون وينطقون . الرابع : أنهم يكونون رائين سامعين ناطقين في ~~الموقف ولولا ذلك لما قدروا على أن يطالعوا كتبهم ولا أن يسمعوا إلزام حجة ~~الله عليهم إلا أنهم إذا أخذوا يذهبون من الموقف إلى النار جعلهم الله عميا ~~وبكما وصما . والجواب : أن الآيات السابقة تدل على أنهم في النار يبصرون ~~ويسمعون ويصيحون ، أما قوله تعالى : { مأواهم جهنم } فظاهر ، وأما قوله : { ~~كلما خبت زدناهم سعيرا } ففيه مباحث : # البحث الأول : قال الواحدي الخبو سكون النار ، يقال : خبت النار تخبوا ~~إذا سكن لهبها ومعنى خبت سكنت وطفئت يقال في مصدره الخبو وأخبأها المخبىء ~~إخباء أي أخمدها ثم قال : { زدناهم سعيرا } قال ابن قتيبة زدناهم سعيرا أي ~~تلهبا . # البحث الثاني : لقائل أن يقول إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب وقوله : { ~~كلما خبت } يدل على أن العذاب يخف في ذلك الوقت قلنا كلما خبت يقتضي سكون ~~لهب النار ، أما لا يدل هذا على أنه يخف PageV21P051 العذاب في ذلك الوقت . # البحث الثالث : قوله : { كلما خبت زدناهم سعيرا } ظاهره يقتضي وجوب أن ~~تكون الحالة الثانية أزيد من الحالة الأولى وإذا كان كذلك كانت الحالة ~~الأولى بالنسبة إلى الحالة الثانية تخفيفا . والجواب : الزيادة حصلت في ~~الحالة الأولى أخف من حصولها في الحالة الثانية فكان العذاب شديدا ويحتمل ~~أن يقال لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في أوقاته غير مشعور به نعوذ ~~بالله منه ولما ذكر تعالى أنواع هذا الوعيد قال { ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا } ~~والباء في قوله : بأنهم ms5857 كفروا باء السببية وهو حجة لمن يقول العمل علة ~~الجزاء والله أعلم . # ! 7 < { أولم يروا أن الله الذى خلق السماوات والا رض قادر على أن يخلق ~~مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 99 ) أولم يروا أن . . . . . # > > # / قوله تعالى : { وقالوا * وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون ~~خلقا جديدا * أولم يروا أن الله الذى خلق السماوات والارض قادر على أن يخلق ~~مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا } . # اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات منكري النبوة عاد إلى حكاية شبهة منكري ~~الحشر والنشر ليجيب عنها وتلك الشبهة هي أن الإنسان بعد أن يصير رفاتا ~~ورميما يبعد أن يعود هو بعينه وأجاب الله تعالى عنه بأن من قدر على خلق ~~السموات والأرض لم يبعد أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم وفي قوله : { قادر ~~على أن يخلق مثلهم } قولان : الأول : المعنى قادر على أن يخلقهم ثانيا فعبر ~~عن خلقهم ثانيا بلفظ المثل كما يقول المتكلمون أن الإعادة مثل الابتداء . ~~القول الثاني : المراد قادر على أن يخلق عبيدا آخرين يوحدونه ويقرون بكمال ~~حكمته وقدرته ويتركون ذكر هذه الشبهات الفاسدة وعلى هذا التفسير فهو كقوله ~~تعالى : { ويأت بخلق جديد } ( إبراهيم : 19 ) وقوله : { ويستبدل قوما غيركم ~~} ( التوبة : 39 ) قال الواحدي والقول هو الأول لأنه أشبه بما قبله ولما ~~بين الله تعالى بالدليل المذكور أن البعث والقيامة أمر ممكن الوجود في نفسه ~~أردفه بأن لوقوعه ودخوله في الوجود وقتا معلوما عند الله وهو قوله : { وجعل ~~لهم أجلا لا ريب فيه } ( الإسراء : 99 ) ثم قال تعالى : { فأبى الظالمون ~~إلا كفورا } أي بعد هذه الدلائل الظاهرة أبوا إلا الكفر والنفور والجحود . # ! 7 < { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان ~~الإنسان قتورا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 100 ) قل لو أنتم . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أن الكفار لما قالوا ؛ { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) طلبوا PageV21P052 إجراء الأنهار والعيون ~~في بلدتهم ms5858 لتكثر أموالهم وتتسع عليهم معيشتهم فبين الله تعالى لهم أنهم لو ~~ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم ولما أقدموا على إيصال النفع ~~إلى أحد وعلى هذا التقدير فلا فائدة في إسعافهم بهذا المطلوب الذي التمسوه ~~فهذا هو الكلام في وجه النظم والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { لو أنتم } فيه بحث يتعلق بالنحو وبحث آخر ~~يتعلق بعلم البيان ، أما البحث النحوي : فهو أن كلمة { لو } من شأنها أن ~~تختص بالفعل لأن كلمة { لو } تفيد انتفاء الشيء / لانتفاء غيره والاسم يدل ~~على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال والمنتفى هو الأحوال ~~والآثار لا الذوات فثبت أن كلمة { لو } مختصة بالأفعال وأنشدوا قول المتلمس ~~: # % لو غير أخوالي أرادوا نقيصتي % % نصبت لهم فوق العرانين مأتما % # والمعنى لو أراد غير أخوالي وأما البحث المتعلق بعلم البيان فهو أن ~~التقديم بالذكر يدل على التخصيص فقوله : { أنتم تملكون } دلالة على أنهم هم ~~المختصون بهذه الحالة الخسيسة والشح الكامل . # المسألة الثالثة : خزائن فضل الله ورحمته غير متناهية فكان المعنى أنكم ~~لو ملكتم من الخير والنعم خزائن لا نهاية لها لبقيتم على الشح وهذا مبالغة ~~عظيمة في وصفهم بهذا الشيء ثم قال تعالى : { وكان الإنسان قتورا } أي بخيلا ~~يقال قتر يقتر قترا وأقتر إقتارا وقتر تقتيرا إذا قصر في الانفاق فإن قيل ~~فقد دخل في الإنسان الجواد الكريم فالجواب من وجوه . الأول : أن الأصل في ~~الإنسان البخل لأنه خلق محتاجا والمحتاج لا بد أن يحب ما به يدفع الحاجة ~~وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجود به لأسباب من خارج فثبت أن الأصل في ~~الإنسان البخل . الثاني : أن الإنسان إنما يبذل لطلب الثناء والحمد وللخروج ~~عن عهدة الواجب فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة ~~بخيل . الثالث : إن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق : { وهم * الذين ~~قالوا * لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) . # ! 7 < { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات فاسأل بنى إسراءيل إذ جآءهم ~~فقال له ms5859 فرعون إنى لأظنك ياموسى مسحورا * قال لقد علمت مآ أنزل هاؤلاء إلا ~~رب السماوات والا رض بصآئر وإنى لأظنك يافرعون مثبورا * فأراد أن يستفزهم ~~من الا رض فأغرقناه ومن معه جميعا * وقلنا من بعده لبنى إسراءيل اسكنوا الا ~~رض فإذا جآء وعد الا خرة جئنا بكم لفيفا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 101 - 104 ) ولقد آتينا موسى . . . . . # > > # في الآية مسائل : PageV21P053 # المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من هذا الكلام أيضا الجواب عن قولهم : ~~{ لن نؤمن لك } / حتى تأتينا بهذه المعجزات القاهرة فقال تعالى : { أنا * ~~موسى الكتاب } معجزات مساوية لهذه الأشياء التي طلبتموها بل أقوى منها ~~وأعظم فلو حصل في علمنا أن جعلها في زمانكم مصلحة لفعلناها كما فعلنا في حق ~~موسى فدل هذا على إنا إنما لم نفعلها في زمانكم لعلمنا أنه لا مصلحة في ~~فعلها . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى ذكر في القرآن أشياء كثيرة من معجزات ~~موسى عليه الصلاة والسلام . أحدها : أن الله تعالى أزال العقدة من لسانه ~~قيل في التفسير ذهبت العجمة وصار فصيحا . وثانيها : إنقلاب العصا حية . ~~وثالثها : تلقف الحية حبالهم وعصيهم مع كثرتها . ورابعها : اليد البيضاء ~~وخمسة أخر وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم . والعاشر : شق البحر ~~وهو قوله : { وإذ فرقنا بكم البحر } ( البقرة : 50 ) والحادي عشر : الحجر ~~وهو قوله : { أن اضرب بعصاك الحجر } ( الأعراف : 160 ) . الثاني عشر : ~~إظلال الجبل وهو قوله تعالى : { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة } . ~~والثالث عشر : إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه . والرابع عشر والخامس ~~عشر : قوله تعالى : { ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين ونقص من الثمرات } ( ~~الأعراف : 130 ) . والسادس عشر : الطمس على أموالهم من النحل والدقيق ~~والأطعمة والدراهم والدنانير ، روى ابن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب ~~عن قوله : { تسع ءايات بينات } فذكر محمد بن كعب في مسألة التسع حل عقدة ~~اللسان والطمس فقال عمر بن عبد العزيز هكذا يجب أن يكون الفقيه ثم قال : يا ~~غلام اخرج ذلك الجراب فأخرجه فنفضه فإذا فيه بيض مكسور نصفين وجوز مكسور ~~وفول وحمص وعدس ms5860 كلها حجارة إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى ذكر في القرآن هذه ~~المعجزات الستة عشر لموسى عليه الصلاة والسلام وقال في هذه الآية : { ولقد ~~ءاتينا موسى تسع ءايات بينات } وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت ~~الزائد عليه لأنا بينا في أصول الفقه أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي ~~الزائد بل نقول إنما يتمسك في هذه المسألة بهذه الآية ثم نقول : أما هذه ~~التسعة فقد اتفقوا على سبعة منها وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم وبقي الاثنان ولكل واحد من المفسرين قول آخر فيهما ولما لم ~~تكن تلك الأحوال مستندة إلى حجة ظنية فضلا عن حجة يقينية لا جرم تركت تلك ~~الروايات ، وفي تفسير قوله تعالى : { تسع ءايات بينات } أقوال أجودها ما ~~روى صفوان بن عسال أنه قال : إن يهوديا قال لصاحبه إذهب بنا إلى هذا النبي ~~نسأله عن تسع آيات فذهبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألاه عنها فاقل : ~~هن أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تسحروا ~~ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا الفرار يوم الزحف وعليكم ~~خاصة اليهود أن تعدلوا في السبت فقام اليهوديان فقبلا يديه ورجليه وقالوا ~~نشهد إنك نبي ولولا نخاف القتل وإلا اتبعناك . # المسألة الثالثة : قوله : { فاسأل بنى إسراءيل إذ جاءهم } فيه مباحث : # البحث الأول : فيه وجوه : الوجه الأول : أنه اعتراض دخل في الكلام ~~والتقدير : { ولقد ءاتينا موسى تسع ءايات بينات } إذ جاء بني إسرائيل ~~فاسألهم وعلى هذا التقدير فليس المطلوب من / سؤال بني إسرائيل أن يستفيد ~~هذا العلم منهم بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود وعلمائهم صدق ما ذكره ~~الرسول فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد . والوجه الثاني : أن يكون قوله ~~فاسأل بني إسرائيل أي سلهم عن فرعون . وقل له PageV21P054 أرسل معي بني ~~إسرائيل . والوجه الثالث : سل بني إسرائيل أي سلهم أن يوافقوك والتمس منهم ~~الإيمان الصالح . وعلى هذا التأويل فالتقدير فقلنا له سلهم أن يعاضدوك ~~وتكون قلوبهم وأيديهم معك . # البحث الثاني ms5861 : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يسأل بني إسرائيل ~~معناه الذين كانوا موجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم والذين جاءهم ~~موسى عليه الصلاة والسلام هم الذين كانوا في زمانه إلا أن الذين كانوا في ~~زمان محمد صلى الله عليه وسلم لما كانوا أولاد أولئك الذين كانوا في زمان ~~موسى حسنت هذه الكناية . ثم أخبر تعالى أن فرعون قال لموسى : { إنى لاظنك ~~ياموسى * موسى * مسحورا } ( الإسراء : 45 ) وفي لفظ المسحور وجوه . الأول : ~~قال الفراء : إنه بمعنى الساحر كالمشؤوم والميمون وذكرنا هذا في قوله : { ~~حجابا مستورا } أنه مفعول من السحر أي أن الناس سحروك وخبلوك فتقول هذه ~~الكلمات لهذا السبب . الثالث : قال محمد بن جرير الطبري معناه أعطيت علم ~~السحر ، فهذه العجائب التي تأتي بها من ذلك السحر ثم أجابه موسى عليه ~~الصلاة والسلام بقوله : { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب * السماوات والارض ~~} وفيه مباحث : # البحث الأول : قرأ الكسائي علمت بضم التاء أي علمت أنها من علم الله فإن ~~علمت وأقررت وإلا هلكت والباقون بالفتح وضم التاء قراءة علي وفتحها قراءة ~~ابن عباس وكان علي رضي الله عنه يقول والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو ~~الذي علم فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فاحتج بقوله : { وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم } ( النمل : 14 ) على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا صحة ~~أمر موسى عليه السلام قال الزجاج الأجود في القراءة الفتح لأن علم فرعون ~~بأنها آيات نازلة من عند الله أوكد في الحجة فاحتجاج موسى عليه الصلاة ~~والسلام على فرعون بعلم فرعون أوكد من الاحتجاج بعلم نفسه . وأجاب الناصرون ~~لقراءة علي عليه السلام عن دليل ابن عباس فقالوا قوله : : { وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم } يدل على أنهم استيقنوا شيئا ما فأما أنهم استيقنوا كون ~~هذه الآيات نازلة من عند الله فليس في الآية ما يدل عليه ، وأجابوا عن ~~الوجه الثاني بأن فرعون { قال إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } ( ~~الشعراء : 27 ) قال موسى : { لقد علمت } فكأنه نفي ms5862 ذلك وقال لقد علمت صحة ~~ما أتيت به علما صحيحا علم العقلاء . واعلم أن هذه الآيات من عند الله ولا ~~تشك في ذلك بسبب سفاهتك . # البحث الثاني : التقدير ما أنزل هؤلاء الآيات ونظيره قوله : والعيش بعد ~~أولئك الأقوام . # وقوله بصائر أي حججا بينة كأنها بصائر العقول وتحقيق الكلام أن المعجزة ~~فعل خارق للعادة فعله فاعله لغرض تصديق المدعى ومعجزات موسى عليه الصلاة ~~والسلام كانت موصوفة / بهذين الوصفين لأنها كانت أفعالا خارقة للعادة ~~وصرائح العقول تشهد بأن قلب العصا حية معجزة عظيمة لا يقدر عليها إلا الله ~~ثم إن تلك الحية تلقفت حبال السحرة وعصيهم على كثرتها ثم عادت عصا كما كانت ~~فأصناف تلك الأفعال لا يقدر عليها أحد إلا الله / وكذا القول في فرق البحر ~~وإظلال الجبل فثبت أن تلك الأشياء ما أنزلها إلا رب السموات . الصفة ~~الثانية : أنه تعالى إنما خلقها لتدل على صدق موسى في دعوة النبوة ، وهذا ~~هو المراد من قوله : { ما أنزل هؤلاء إلا رب * السماوات والارض } حال كونها ~~بصائر أي دالة على صدق موسى في دعواه وهذه الدقائق لا يمكن فهمها من القرآن ~~إلا بعد إتقان علم الأصول وأقول يبعد أن يصير غير علم الأصول العقلي قاهرا ~~في تفسير كلام الله ثم حكى تعالى أن موسى قال لفرعون : { إنى لاظنك ياموسى ~~* فرعون * مثبورا } ( الإسراء : 103 ) واعلم أن فرعون PageV21P055 قال ~~لموسى : { وإنى لاظنك يافرعون * موسى * مسحورا } فعارضه موسى وقال له : { ~~وإنى لاظنك يافرعون * فرعون * مثبورا } قال الفراء : المثبور الملعون ~~المحبوس عن الخير والعرب تقول ما ثبرك عن هذا أي ما منعك منه وما صرفك ، ~~وقال أبو زيد : يقال ثبرت فلانا عن الشيء أثبره أي رددته عنه ، وقال مجاهد ~~وقتادة هالكا ، وقال الزجاج : يقال ثبر الرجل فهو مثبور إذا هلك ، والثبور ~~الهلاك ، ومن معروف الكلام فلان يدعو بالويل والثبور عند مصيبة تناله ، ~~وقال تعالى : { دعوا هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ~~ثبورا كثيرا } ( الفرقان : 13 ، 14 ) واعلم أن فرعون لما وصف موسى بكونه ~~مسحورا أجابه ms5863 موسى بأنك مثبور يعني هذه الآيات ظاهرة ، وهذه المعجزات قاهرة ~~ولا يرتاب العاقل في أنها من عند الله وفي أنه تعالى إنما أظهرها لأجل ~~تصديقي وأنت تنكرها فلا يحملك على هذا الإنكار إلا الحسد والعناد والغي ~~والجهل وحب الدنيا ومن كان كذلك كانت عاقبته الدمار والثبور . ثم قال تعالى ~~: { فأراد أن يستفزهم من الارض } يعني أراد فرعون أن يخرجهم يعني موسى ~~وقومه بني إسرائيل ، ومعنى تفسير الاستفزاز تقدم في هذه السورة من الأرض ~~يعني أرض مصر ، قال الزجاج : لا يبعد أن يكون المراد من استفزازهم إخراجهم ~~منهم بالقتل أو بالتنحية ثم قال : { فأغرقناه ومن معه جميعا } المعنى ما ~~ذكره الله تعالى في قوله : { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } ( فاطر : ~~43 ) أراد فرعون أن يخرج موسى من أرض مصر لتخلص له تلك البلاد والله تعالى ~~أهلك فرعون وجعل ملك مصر خالصة لموسى ولقومه وقال : { لبنى إسراءيل اسكنوا ~~الارض } خالصة لكم خالية من عدوكم قال تعالى : { فإذا جاء وعد الاخرة } ~~يريد القيامة { جئنا بكم لفيفا } من ها هنا وها هنا ، واللفيف الجمع العظيم ~~من أخلاط شتى من الشريف والدنيء والمطيع والعاصي والقوي والضعيف . وكل شيء ~~خلطته بشيء آخر فقد لففته ، ومنه قيل لففت الجيوش إذا ضربت بعضها ببعض ~~وقوله التفت الزحوف ومنه ، التفت الساق بالساق ، والمعنى جئنا بكم من ~~قبوركم إلى المحشر أخلاطا يعني جميع الخلق المسلم والكافر والبر والفاجر . # ! 7 < { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * ~~وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا * قل ءامنوا به أو ~~لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للا ذقان ~~سجدا * ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 105 - 109 ) وبالحق أنزلناه وبالحق . . . . . # > > # /اعلم أنه تعالى لما بين أن القرآن معجز قاهر دال على الصدق في قوله : { ~~قل لئن اجتمعت الإنس والجن } PageV21P056 ( الإسراء : 88 ) ثم حكى عن ~~الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز بل طلبوا سائر المعجزات ، ثم أجاب الله ~~بأنه ms5864 لا حاجة إلى إظهار سائر المعجزات وبين ذلك بوجوه كثيرة ، منها أن قوم ~~موسى عليه الصلاة والسلام آتاهم الله تسع آيات بينات فلما جحدوا بها أهلكهم ~~الله فكذا ها هنا ، ثم إنه تعالى لو آتى قوم محمد تلك المعجزات التي ~~اقترحوها ثم كفروا بها وجب إنزال عذاب الاستئصال بهم وذلك غير جائز في ~~الحكمة لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن والذي لا يؤمن فسيظهر من نسله من يصير ~~مؤمنا ، ولما تم هذا الجواب عاد إلى تعظيم حال القرآن وجلالة درجته فقال : ~~{ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } والمعنى أنه ما أردنا بإنزاله إلا تقرير ~~الحق والصدق وكما أردنا هذا المعنى فكذلك وقع هذا المعنى وحصل وفي هذه ~~الآية فوائد . الفائدة الأولى : أن الحق هو الثابت الذي لا يزول كما أن ~~الباطل هو الزائل الذاهب ، وهذا الكتاب الكريم مشتمل على أشياء لا تزول ~~وذلك لأنه مشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام وعلى تعظيم ~~الملائكة وتقرير نبوة الأنبياء وإثبات الحشر والنشر والقيامة وكل ذلك مما ~~لا يقبل الزوال ومشتمل أيضا على شريعة باقية لا يتطرق إليها النسخ والنقض ~~والتحريف ، وأيضا فهذا الكتاب كتاب تكفل الله بحفظه عن تحريف الزائغين ~~وتبديل الجاهلين كما قال : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( ~~الحجر : 9 ) فكان هذا الكتاب حقا من كل الوجوه . الفائدة الثانية : أن قوله ~~: { وبالحق أنزلناه } يفيد الحصر / ومعناه أنه ما أنزل لمقصود آخر سوى ~~إظهار الحق وقالت المعتزلة ، وهذا يدل على أنه ما قصد بإنزاله إضلال أحد من ~~الخلق ولا إغواؤه ولا منعه عن دين الله . الفائدة الثالثة : قوله : { ~~وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } يدل على أن الإنزال غير النزول ، فوجب أن يكون ~~الخلق غير المخلوق وأن يكون التكوين غير المكون على ما ذهب إليه قوم . ~~الفائدة الرابعة : قال أبو علي الفارسي الباء في قوله : { وبالحق أنزلناه } ~~بمعنى مع كما تقول نزل بعدته وخرج بسلاحه ، والمعنى أنزلنا القرآن مع الحق ~~وقوله : { وبالحق نزل } فيه احتمالان ، أحدهما : أن يكون التقدير نزل بالحق ~~كما تقول نزلت ms5865 بزيد وعلى هذا التقدير الحق محمد صلى الله عليه وسلم لأن ~~القرآن نزل به أي عليه . الثاني : أن تكون بمعنى مع كما قلنا في قوله : { ~~وبالحق أنزلناه } ثم قال تعالى : { وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } ~~والمقصود أن هؤلاء الجهال الذين يقترحون عليك هذه المعجزات ويتمردون عن ~~قبول دينك لا شيء عليك من كفرهم فإني ما أرسلتك إلا مبشرا للمطيعين ونذيرا ~~للجاحدين فإن قبلوا الدين الحق انتفعوا به وإلا فليس عليك من كفرهم شيء . # ثم قال : { وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث } وفيه مباحث : # البحث الأول : أن القوم قالوا : هب إن هذا القرآن معجز إلا أنه بتقدير أن ~~يكون الأمر كذلك فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة واحدة ليظهر فيه ~~وجه الإعجاز فجعلوا إتيان الرسول بهذا القرآن متفرقا شبهة في أنه يتفكر في ~~فصل فصل ويقرأه على الناس فأجاب الله عنه بأنه إنما فرقه ليكون حفظه أسهل ~~ولتكون الإحاطة والوقوف على دقائقه وحقائقه أسهل . # البحث الثاني : قال سعيد بن جيبر نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء ~~العليا إلى السماء السفلى ، ثم فصل في السنين التي نزل فيها ، قال قتادة : ~~كان بين أوله وآخره عشرون سنة والمعنى قطعناه آية آية وسورة سورة ولم ننزله ~~جملة لتقرأه على الناس على مكث بالفتح والضم على مهل وتؤدة أي لا على فورة ~~. قال الفراء : يقال مكث ومكث يمكث ، والفتح قراءة عاصم في قوله : { فمكث ~~غير بعيد } ( النمل : 22 ) . PageV21P057 # البحث الثالثة : الاختيار عند الأئمة فرقناه بالتخفيف وفسره أبو عمرو ~~بيناه قال أبو عبيد : التخفيف أعجب إلي لأن تفسيره بيناه ومن قرأ بالتشديد ~~لم يكن له معنى إلا أنه أنزل متفرقا فالفرق يتضمن التبيين ويؤكده ما روى ~~ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال : فرقت أفرق بين الكلام وفرقت بين الأجسام ~~ويدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ~~) ولم يقل يفترقا والتفرق مطاوع التفريق والافتراق مطاوع الفرق ثم قال : { ~~ونزلناه تنزيلا } أي على الحد المذكور والصفة المذكورة ثم ms5866 قال : { قل ~~ءامنوا به أو لا تؤمنوا } يخاطب الذين اقترحوا تلك المعجزات العظيمة على ~~وجه التهديد والإنكار أي أنه تعالى أوضح البينات والدلائل وأزاح الأعذار ~~فاختاروا ما تريدون ثم قال تعالى : { إن الذين أوتوا العلم من قبله } أي من ~~قبل نزول القرآن قال مجاهد : هم ناس من أهل / الكتاب حين سمعوا ما أنزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم خروا سجدا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل ~~وعبد الله بن سلام ثم قال : { يخرون للاذقان سجدا } وفيه أقوال : القول ~~الأول : قال الزجاج : الذقن مجمع اللحيين وكلما يبتدىء الإنسان بالخرور إلى ~~السجود فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض الذقن . والقول الثاني : أن ~~الأذقان كناية عن اللحى والإنسان إذا بالغ عند السجود في الخضوع والخشوع ~~ربما مسح لحيته على التراب فإن اللحية يبالغ في تنظيفها فإذا عفرها الإنسان ~~بالتراب فقد أتى بغاية التعظيم . والقول الثالث : أن الإنسان إذا استولى ~~عليه خوف الله تعالى فربما سقط على الأرض في معرض السجود كالمغشي عليه ومتى ~~كان الأمر كذلك كان خروره على الذقن في موضع السجود فقوله : { يخرون ~~للاذقان } كناية عن غاية ولهه وخوفه وخشيته ثم بقي في الآية سؤالان . ~~السؤال الأول : لم قال : { يخرون للاذقان سجدا } ولم يقل يسجدون ؟ والجواب ~~المقصود من ذكر هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك حتى أنهم يسقطون . السؤال ~~الثاني : لم قال : { يخرون للاذقان } ولم يقل على الأذقان والجواب العرب ~~تقول إذا خر الرجل فوقع على وجهه خر للذقن والله أعلم . ثم قال تعالى : { ~~ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا } والمعنى أنهم يقولون في ~~سجودهم : { سبحان ربنا } أي ينزهونه ويعظمونه : { إن كان وعد ربنا لمفعولا ~~} أي بإنزال القرآن وبعث محمد وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا من أهل الكتاب ~~لأن الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم فهم كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد ثم ~~قال : { ويخرون للاذقان يبكون } والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين ~~وهما خرورهم للسجود وفي حال كونهم باكين عند استماع القرآن ويدل عليه قوله ms5867 ~~: { ويزيدهم خشوعا } ويجوز أن يكون تكرار القول دلالة على تكرار الفعل منهم ~~وقوله : { يبكون } معناه الحال : { ويزيدهم خشوعا } أي تواضعا واعلم أن ~~المقصود من هذه الآية تقرير تحقيرهم والازدراء بشأنهم وعدم الاكتراث بهم ~~وبإيمانهم وامتناعهم منه وأنهم وإن لم يؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منهم ~~. # ! 7 < { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الا سمآء ~~الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذالك سبيلا * وقل الحمد ~~لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل ~~وكبره تكبيرا } > 7 @QB@ < # | الإسراء : ( 110 - 111 ) قل ادعوا الله . . . . . # > > PageV21P058 # قال صاحب ( الكشاف ) المراد بهما الاسم لا المسمى والواو للتخيير بمعنى : ~~{ ادعوا الله أو ادعوا الرحمان } أي سموا بهذا الاسم أو بهذا أو اذكروا إما ~~هذا وإما هذا والتنوين في { أيا } عوض عن المضاف إليه و { ما } صلة للإبهام ~~المؤكد لما في أي والتقدير أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم { فله الاسماء ~~الحسنى } والضمير في قوله : { فله } ليس براجع إلى أحد الإسمين المذكورين ~~ولكن إلى مسماهما وهو ذاته عز وعلا والمعنى : { أيا ما تدعوا } فهو حسن ~~فوضع موضعه قوله : { فله الاسماء الحسنى } لأنه إذا حسنت أسماؤه فقد حسن ~~هذان الإسمان لأنهما منها ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التحميد ~~والتقديس وقد سبق الاستقصاء في هذا الباب في آخر سورة الأعراف في تفسير ~~قوله : { ولله الاسماء الحسنى } فادعوه بها واحتج الجبائي بهذه الآية فقال ~~: لو كان تعالى هو الخالق للظلم والجور لصح أن يقال يا ظالم وحينئذ يبطل ما ~~ثبت في هذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة . والجواب : أنا لا نسلم أنه ~~لو كان خالقا لأفعال العباد لصح وصفه بأنه ظالم وجائر كما أنه لا يلزم من ~~كونه خالقا للحركة والسكون والسواد والبياض أن يقال يا متحرك ويا ساكن ويا ~~أسود ويا أبيض فإن قالوا فيلزم جواز أن يقال يا خالق الظلم والجور قلنا ~~فيلزمكم أن تقولوا يا خالق العذرات ms5868 والديدان والخنافس وكما أنكم تقولون أن ~~ذلك حق في نفس الأمر ولكن الأدب أن يقال يا خالق السموات والأرض فكذا قولنا ~~هنا ، ثم قال تعالى : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } وفيه مباحث : # البحث الأول : قوله : { ولا تجهر بصلاتك } فيه أقوال . الأول : روى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يرفع صوته بالقراءة فإذا سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله ~~تعالى إليه : { ولا تجهر بصلاتك } فيسمع المشركون فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم : { ولا تخافت بها } فلا تسمع أصحابك وابتغ بين ذلك سبيلا . القول ~~الثاني : روى أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالليل على دور الصحابة ، ~~وكان أبو بكر يخفي صوته بالقراءة في صلاته وكان عمر يرفع صوته ، فلما جاء ~~النهار وجاء أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر لم ~~تخفي صوتك ؟ فقال أناجي ربي ، وقد علم حاجتي وقال لعمر لم ترفع صوتك ؟ فقال ~~أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفع ~~صوته قليلا وعمر أن يخفض صوته قليلا . القول الثالث : معناه : { ولا تجهر ~~بصلاتك } كلها { ولا تخافت بها } كلها وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة ~~الليل / وتخافت بصلاة النهار . والقول الرابع : أن المراد بالصلاة الدعاء ~~وهذا قول عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة ومجاهد قالت عائشة رضي الله عنها ~~هي في الدعاء وروى هذا مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه ~~الآية إنما ذلك في الدعاء والمسألة لا ترفع صوتك فتذكر ذنوبك فيسمع ذلك ~~فتعير بها فالجهر بالدعاء منهى عنه والمبالغة في الإسرار غير جائزة ~~والمستحب من ذلك التوسط وهو أن يسمع نفسه كما روي عن ابن مسعود أنه قال لم ~~يخافت من أسمع أذنيه . والقول الخامس : قال الحسن لا تراه بعلانيتها ولا ~~تسىء بسريتها . # البحث الثاني : الصلاة عبارة عن مجموع الأفعال والأذكار والجهر والمخافتة ~~من عوارض الصوت ، PageV21P059 فالمراد ههنا من ms5869 الصلوات بعض أجزاء ماهية ~~الصلاة وهو الأذكار والقرآن وهو من باب إطلاق اسم الكل لإرادة الجزء . # البحث الثالث : يقال خفت صوته يخفت خفتا وخفوتا إذا ضعف وسكن وصوت خفيت ~~أي خفيض ومنه يقال للرجل إذا مات قد خفت أي انقطع كلامه وخفت الزرع إذا ذبل ~~وخفت الرجل يخافت بقراءته إذا لم يبين قراءته برفع الصوت وقد تخافت القوم ~~إذا تساروا بينهم وأقول ثبت في كتب الأخلاق أن كلا طرفي الأمور ذميم والعدل ~~هو رعاية الوسط ولهذا المعنى مدح الله هذه الأمة بقوله : { وكذالك جعلناكم ~~أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) وقال في مدح المؤمنين : { والذين إذا أنفقوا ~~لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } ( الفرقان : 67 ) وأمر الله ~~رسوله فقال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } ( ~~الإسراء : 29 ) فكذا ههنا نهى عن الطرقين وهو الجهر والمخافتة وأمر بالتوسط ~~بينهما فقال : { وابتغ بين ذالك سبيلا } ومنهم من قال الآية منسوخة بقوله : ~~{ ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ( الأعراف : 55 ) وهو بعيد واعلم أنه تعالى لما ~~أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى علمه كيفية التحميد فقال : { ~~وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى ~~من الذل } فذكر ههنا من صفات التنزيه والجلال وهي السلوب ثلاثة أنواع من ~~الصفات . النوع الأول : من الصفات أنه لم يتخذ ولدا والسبب فيه وجوه . ~~الأول : أن الولد هو الشيء المتولد من جزء من أجزاء شيء آخر فكل من له ولد ~~فهو مركب من الأجزاء والمركب محدث والمحدث محتاج لا يقدر على كمال الإنعام ~~فلا يستحق كمال الحمد . الثاني : أن كل من له ولد فإنه يمسك جميع النعم ~~لولده فإذا لم يكن له ولد أفاض كل تلك النعم على عبيده . الثالث : أن الولد ~~هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه وفنائه فلو كان له ولد لكان منقضيا ~~ومن كان كذلك لم يقدر على كمال الإنعام في كل الأوقات فوجب أن لا يستحق ~~الحمد على الإطلاق ms5870 . والنوع الثاني : من الصفات السلبية قوله : { ولم يكن ~~له شريك فى الملك } والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو كان له شريك فحينئذ ~~لا يعرف كونه مستحقا للحمد والشكر . والنوع الثالث : قوله : { ولم يكن له ~~ولى من الذل } والسبب في اعتبار هذه الصفة أنه لو جاز عليه ولي من الذل لم ~~يجب شكره لتجويز أن غيره حمله / على ذلك الإنعام أو منعه منه ، أما إذا كان ~~منزها عن الولد وعن الشريك وكان منزها عن أن يكون له ولي يلي أمره كان ~~مستوجبا لأعظم أنواع الحمد ومستحقا لأجل أقسام الشكر ثم قال تعالى : { ~~وكبره تكبيرا } ومعناه أن التحميد يجب أن يكون مقرونا بالتكبير ويحتمل ~~أنواعا من المعاني . أولها : تكبيره في ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود ~~لذاته وأنه غني عن كل ما سواه . وثانيها : تكبيره في صفاته وذلك من ثلاثة ~~أوجه . أولها : أن يعتقد أن كل ما كان صفة له فهو من صفات الجلال والعز ~~والعظمة والكمال وهو منزه عن كل صفات النقائص . وثالثها : أن يعتقد أن كل ~~واحد من تلك الصفات متعلق بما لا نهاية له من المعلومات وقدرته متعلقة بما ~~لا نهاية له من المقدورات والممكنات . ورابعها : أن يعتقد أنه كما تقدست ~~ذاته عن الحدوث وتنزهت عن التغير والزوال والتحول والانتقال فكذلك صفاته ~~أزلية قديمة سرمدية منزهة عن التغير والزوال والتحول والانتقال . النوع ~~الثالث : من تكبير الله تكبيره في أفعاله وعند هذا تختلف أهل الجبر والقدر ~~فقال أهل السنة إنا نحمد الله ونكبره ونعظمه على أن يجري في سلطانه شيء لا ~~على وفق حكمه وإرادته فالكل واقع بقضاء الله وقدرته ومشيئته وإرادته ، ~~وقالت المعتزلة إنا نكبر الله ونعظمه عن أن يكون فاعلا لهذه القبائح ~~والفواحش بل نعتقد أن حكمته تقتضي التنزيه والتقديس عنها وعن إرادتها وسمعت ~~PageV21P060 أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني كان جالسا في دار الصاحب بن ~~عباد فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني فلما رآه قال سبحان من تنزه ~~عن الفحشاء فقال الأستاذ أبو إسحاق : سبحان ms5871 من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء ~~. النوع الرابع : تكبير الله في أحكامه وهو أن يعتقد أنه ملك مطاع وله ~~الأمر والنهي والرفع والخفض وأنه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أحكامه يعز ~~من يشاء ويذل من يشاء . النوع الخامس : تكبير الله في أسمائه وهو أن لا ~~يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة العالية المنزهة . ~~النوع السادس : من التكبير هو أن الإنسان بعد أن يبلغ في التكبير والتعظيم ~~والتنزيه والتقديس مقدار عقله وفهمه وخاطره يعترف أن عقله وفهمه لا يفي ~~بمعرفة جلال الله ، ولسانه لا يفي بشكره ، وجوارحه وأعضاؤه لا تفي بخدمته ~~فكبر الله عن أن يكون تكبيره وافيا بكنه مجده وعزته . وهذا أقصى ما يقدر ~~عليه العبد الضعيف من التكبير والتعظيم ونسأل الله تعالى الرحمة قبل الموت ~~وعند الموت وبعد الموت إنه الكريم الرحيم وبالله العصمة والتوفيق وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل . PageV21P061 < # > 1 ( سورة الكهف ) 1 < # > # مائة وإحدى عشرة آية مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما ~~لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا حسنا * ماكثين فيه أبدا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 1 - 3 ) الحمد لله الذي . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أما الكلام في حقائق قولنا : { الحمد لله } فقد سبق ، ~~والذي أقوله ههنا أن التسبيح أينما جاء فإنما جاء مقدما على التحميد ، ألا ~~ترى أنه يقال : { سبحان الله * والحمد لله } إذا عرفت هذا فنقول : إنه جل ~~جلاله ذكر التسبيح عندما أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال : { ~~سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } ( الإسراء : 1 ) وذكر التحميد عندما ذكر أنه ~~أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم فقال : { الحمد لله الذى أنزل على ~~عبده الكتاب } وفيه فوائد : # الفائدة الأولى : أن التسبيح أول الأمر لأنه عبارة عن تنزيه الله عما لا ~~ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملا في ذاته والتحميد عبارة عن كونه مكملا ~~لغيره ، ولا شك أن ms5872 أول الأمر هو كونه كاملا في ذاته . ونهاية الأمر كونه ~~مكملا لغيره . فلا جرم وقع الابتداء في الذكر بقولنا سبحان الله ثم ذكر ~~بعده الحمد لله تنبيها على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية . إذا ~~عرفت هذا فنقول : ذكر عند الإسراء لفظ التسبيح وعند إنزال الكتاب لفظ ~~التحميد . وهذا تنبيه على أن الإسراء به / أول درجات كماله وإنزال الكتاب ~~غاية درجات كماله ، والأمر في الحقيقة كذلك لأن الإسراء به إلى المعراج ~~يقتضي حصول الكمال له ، وإنزال الكتاب عليه يقتضي PageV21P062 كونه مكملا ~~للأرواح البشرية وناقلا لها من حضيض البهيمية إلى أعلى درجات الملكية ، ولا ~~شك أن هذا الثاني أكمل . وهذا تنبيه على أن أعلى مقامات العباد مقاما أن ~~يصير ( العبد ) عالما في ذاته معلما لغيره ولهذا روي في الخبر أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال : ( من تعلم وعلم فذاك يدعى عظيما في السموات ) . # الفائدة الثانية : أن الإسراء عبارة عن رفع ذاته من تحت إلى فوق وإنزال ~~الكتاب عليه عبارة عن إنزال نور الوحي عليه من فوق إلى تحت ، ولا شك أن هذا ~~الثاني أكمل . # الفائدة الثالثة : أن منافع الإسراء به كانت مقصورة عليه ألا ترى أنه ~~تعالى قال هنالك : { لنريه من ءاياتنا } ( الإسراء : 1 ) ومنافع إنزال ~~الكتاب عليه متعدية ، ألا ترى أنه قال : { لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر ~~المؤمنين } والفوائد المتعدية أفضل من القاصرة . # المسألة الثانية : المشبهة استدلوا بلفظ الإسراء في السورة المتقدمة ~~وبلفظ الإنزال في هذه السورة على أنه تعالى مختص بجهة فوق . والجواب عنه ~~مذكور بالتمام في سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى : { ثم استوى على العرش ~~} ( الأعراف : 54 ) . # المسألة الثالثة : إنزال الكتاب نعمة عليه ونعمة علينا ، أما كونه نعمة ~~عليه فلأنه تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علوم التوحيد ~~والتنزيه وصفات الجلال والإكرام وأسرار أحوال الملائكة والأنبياء وأحوال ~~القضاء والقدر ، وتعلق أحوال العالم السفلي بأحوال العالم العلوي ، وتعلق ~~أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا ، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب ، ~~وكيفية ارتباط عالم الجسمانيات بعالم الروحانيات ms5873 ، وتصيير النفس كالمرآة ~~التي يتجلى فيها عالم الملكوت وينكشف فيها قدس اللاهوت فلا شك أن ذلك من ~~أعظم النعم ، وأما كون هذا الكتاب نعمة علينا فلأنه مشتمل على التكاليف ~~والأحكام والوعد والوعيد والثواب والعقاب / وبالجملة فهو كتاب كامل في أقصى ~~الدرجات فكل واحد ينتفع به بمقدار طاقته وفهمه فلما كان كذلك وجب على ~~الرسول وعلى جميع أمته أن يحمدوا الله عليه فعلمهم الله تعالى كيفية ذلك ~~التحميد فقال : { الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب } ثم إنه تعالى وصف ~~الكتاب بوصفين فقال : { ولم يجعل له عوجا * قيما } وفيه أبحاث : # البحث الأول : أنا قد ذكرنا أن الشيء يجب أن يكون كاملا في ذاته ثم يكون ~~مكملا لغيره ويجب أن يكون تاما في ذاته ثم يكون فوق التمام بأن يفيض عليه ~~كمال الغير إذا عرفت هذا فنقول في قوله : { ولم يجعل له عوجا } إشارة إلى ~~كونه كاملا في ذاته وقوله : { قيما } إشارة إلى كونه مكملا لغيره لأن القيم ~~عبارة عن القائم بمصالح الغير ونظيره قوله في أول سورة البقرة في صفة ~~الكتاب : { لا ريب فيه هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) فقوله : { لا ريب فيه ~~} إشارة إلى كونه في نفسه بالغا في الصحة وعدم / الإخلال إلى حيث يجب على ~~العاقل أن لا يرتاب فيه وقوله : { هدى للمتقين } إشارة إلى كونه سببا ~~لهداية الخلق وإكمال حالهم فقوله : { ولم يجعل له عوجا } قائم مقام قوله : ~~{ لا ريب فيه } وقوله : { قيما } قائم مقام قوله : { هدى للمتقين } وهذه ~~أسرار لطيفة . PageV21P063 # البحث الثاني : قال أهل اللغة العوج في المعاني كالعوج في الأعيان ، ~~والمراد منه وجوه : أحدها : نفي التناقض عن آياته كما قال : { ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) . وثانيها : أن ~~كل ما ذكر الله من التوحيد والنبوة والأحكام والتكاليف فهو حق وصدق ولا خلل ~~في شيء منها البتة . وثالثها : أن الإنسان كأنه خرج من عالم الغيب متوجها ~~إلى عالم الآخرة وإلى حضرة جلال الله وهذه الدنيا كأنها رباط بني على طريق ~~عالم القيامة ms5874 حتى أن المسافر إذا نزل فيه اشتغل بالمهمات التي يجب رعايتها ~~في هذا السفر ثم يرتحل منه متوجها إلى عالم الآخرة فكل ما دعاه في الدنيا ~~إلى الآخرة ومن الجسمانيات إلى الروحانيات ومن الخلق إلى الحق ومن اللذات ~~الشهوانية الجسدانية إلى الاستنارة بالأنوار الصمدانية فثبت أنه مبرأ عن ~~العوج والانحراف والباطل فلهذا قال تعالى : { ولم يجعل له عوجا } . الصفة ~~الثانية : للكتاب وهي قوله : { قيما } قال ابن عباس يريد مستقيما وهذا عندي ~~مشكل لأنه لا معنى لنفي الإعوجاج إلا حصول الاستقامة فتفسير القيم ~~بالمستقيم يوجب التكرار وأنه باطل ، بل الحق ما ذكرناه وأن المراد من كونه ~~: { قيما } أنه سبب لهداية الخلق وأنه يجري مجرى من يكون قيما للأطفال ، ~~فالأرواح البشرية كالأطفال ، والقرآن كالقيم الشفيق القائم بمصالحهم . # البحث الثالث : قال الواحدي جميع أهل اللغة والتفسير قالوا هذا من ~~التقديم والتأخير والتقدير : أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا . ~~وأقول قد بينا ما يدل على فساد هذا الكلام لأنا بينا أن قوله : { ولم يجعل ~~له عوجا } يدل على كونه كاملا في ذاته ، وقوله : { قيما } يدل على كونه ~~مكملا لغيره وكونه كاملا في ذاته متقدم بالطبع على كونه مكملا لغيره فثبت ~~بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح هو الذي ذكره الله تعالى وهو قوله : { ~~ولم يجعل له عوجا * قيما } فظهر أن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد ~~يمتنع العقل من الذهاب إليه . # البحث الرابع : اختلف النحويون في انتصاب قوله : { قيما } وذكروا فيه ~~وجوها . الأول : قال صاحب ( الكشاف ) لا يجوز جعله حالا من الكتاب لأن قوله ~~: { ولم يجعل له عوجا } معطوف على قوله : { أنزل } فهو داخل في حيز الصلة ~~فجعله حالا من الكتاب يوجب الفصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة ، وأنه لا ~~يجوز . قال : ولما بطل هذا وجب أن ينتصب بمضمر والتقدير : { ولم يجعل له ~~عوجا } وجعله { قيما } . الوجه الثاني : قال الأصفهاني الذي نرى فيه أن ~~يقال قوله : { ولم يجعل له عوجا } حال وقوله : { قيما } حال أخرى وهما ~~حالان متواليان والتقدير أنزل على ms5875 عبده الكتاب غير مجعول له عوجا قيما . ~~الوجه الثالث : قال السيد صاحب ( حل العقد ) / يمكن أن يكون قوله : { قيما ~~} بدلا من قوله : { ولم يجعل له عوجا } لأن معنى : { لم يجعل * له عوجا } ~~أنه جعله مستقيما فكأنه قيل : { أنزل على عبده الكتاب } وجعله : { قيما } . ~~الوجه الرابع : أن يكون حالا من الضمير في قوله : { ولم يجعل له عوجا } أي ~~حال كونه قائما بمصالح العباد وأحكام الدين ، واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه ~~: { أنزل على عبده الكتاب } الموصوف بهذه الصفات المذكورة أردفه ببيان ما ~~لأجله أنزله فقال : { لينذر بأسا شديدا من لدنه } وأنذر متعد إلى مفعولين ~~كقوله : { إنا أنذرناكم عذابا قريبا } ( النبإ : 40 ) إلا أنه اقتصر ههنا ~~على أحدهما وأصله { لينذر } الذين كفروا { بأسا شديدا } كما قال في ضده : { ~~ويبشر المؤمنين } والبأس مأخوذ من قوله تعالى : { بعذاب بئيس } وقد بؤس ~~العذاب وبؤس الرجل PageV21P064 بأسا وبآسة وقوله : { من لدنه } أي صادرا من ~~عنده قال الزجاج وفي : { لدن } لغات يقال لدن ولدي ولد والمعنى واحد ، قال ~~وهي لا تتمكن تمكن عند لأنك تقول هذا القول صواب عندي ولا تقول صواب لدني ~~وتقول عندي مال عظيم والمال غائب عنك ولدني لما يليك لا غير وقرأ عاصم في ~~رواية أبي بكر بسكون الدال مع إشمام الضم وكسر النون والهاء وهي لغة بني ~~كلاب ثم قال تعالى : { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا ~~حسنا } واعلم أن المقصود من إرسال الرسل إنذار المذنبين وبشارة المطيعين ، ~~ولما كان دفع الضرر أهم عند ( ذوي ) لعقول من إيصال النفع لا جرم قدم ~~الإنذار على التبشير في اللفظ ، قال صاحب ( الكشاف ) وقرىء ويبشر بالتخفيف ~~والتثقيل وقوله : { ماكثين فيه أبدا } يعني خالدين وهو حال للمؤمنين من ~~قوله : { أن لهم أجرا } ، قال القاضي : الآية دالة على صحة قولنا في مسائل ~~، أحدها : أن القرآن مخلوق وبيانه من وجوه . الأول : أنه تعالى وصفه ~~بالإنزال والنزول وذلك من صفات المحدثات فإن القديم لا يجوز عليه التغير . ~~الثاني : وصفه بكونه كتابا والكتب هو الجمع وهو سمي كتابا ms5876 لكونه مجموعا من ~~الحروف والكلمات وما صح فيه التركيب والتأليف فهو محدث . الثالث : أنه ~~تعالى أثبت الحمد لنفسه على إنزال الكتاب والحمد إنما يستحق على النعمة ~~والنعمة محدثة مخلوقة . الرابع : أنه وصف الكتاب بأنه غير معوج وبأنه ~~مستقيم والقديم لا يمكن وصفه بذلك فثبت أنه محدث مخلوق . وثانيها : مسألة ~~خلق الأعمال فإن هذه الآيات تدل على قولنا في هذه المسألة من وجوه . الأول ~~: نفس الأمر بالحمد لأنه لو لم يكن للعبد فعل لم ينتفع بالكتاب إذ الانتفاع ~~به إنما يحصل إذا قدر على أن يفعل ما دل الكتاب على أنه يجب فعله ويترك ما ~~دل الكتاب على أنه يجب تركه وهو إنما يفعل ذلك لو كان مستقلا بنفسه ، أما ~~إذا لم يكن مستقلا بنفسه لم يكن لعوج الكتاب أثر في اعوجاج فعله ولم يكن ~~لكون الكتاب قيما أثر في استقامة فعله ، أما إذا كان العبد قادرا على الفعل ~~مختارا فيه بقي لعوج الكتاب واستقامته أثر في فعله . والثاني : أنه تعالى ~~لو كان أنزل بعض الكتاب ليكون سببا لكفر البعض وأنزل الباقي ليؤمن البعض ~~الآخر فمن أين أن الكتاب قيم لا عوج فيه ؟ لأنه لو كان فيه عوج لما زاد على ~~ذلك . والثالث : قوله : { لينذر } وفيه دلالة على أنه تعالى أراد منه صلى ~~الله عليه وسلم / إنذار الكل وتبشير الكل وبتقدير أنه يكون خالق الكفر ~~والإيمان هو الله تعالى لم يبق للإنذار والتبشير معنى لأنه تعالى إذا خلق ~~الإيمان فيه حصل شاء أو لم يشأ وإذا خلق الكفر فيه حصل شاء أو لم يشاء فبقي ~~الإنذار والتبشير على الكفر والإيمان جاريا مجرى الإنذار والتبشير على كونه ~~طويلا قصيرا وأسود وأبيض مما لا قدرة له عليه . والرابع : وصفه المؤمنين ~~بأنهم يعملون الصالحات فإن كان ما وقع خلق الله تعالى فلا عمل لهم البتة . ~~الخامس : إيجابه لهم الأجر الحسن على ما عملوا فإن كان الله تعالى يخلق ذلك ~~فيهم فلا إيجاب ولا استحقاق . # المسألة الرابعة : قال قوله : { لينذر } يدل على أنه تعالى إنما ms5877 يفعل ~~أفعاله لأغراض صحيحة وذلك يبطل قول من يقول إن فعله غير معلل بالغرض ، ~~واعلم أن هذه الكلمات قد تكررت في هذا الكتاب فلا فائدة في الإعادة . # ! 7 < { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا * ما لهم به من علم ولا ~~لأبآئهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا * فلعلك باخع نفسك ~~علىءاثارهم إن لم يؤمنوا بهاذا الحديث أسفا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 4 - 6 ) وينذر الذين قالوا . . . . . # > > PageV21P065 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله تعالى : { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا } معطوف على قوله : { لينذر بأسا شديدا من لدنه } ( الكهف : 2 ) ~~والمعطوف يجب كونه مغايرا للمعطوف عليه فالأول عام في حق كل من استحق ~~العذاب . والثاني خاص بمن أثبت لله ولدا ، وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر ~~قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي ~~كقوله تعالى : { وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) فكذا ههنا ~~العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى . # المسألة الثانية : الذين أثبتوا الولد لله تعالى ثلاث طوائف . أحدها : ~~كفار العرب الذين قالوا : الملائكة بنات الله . وثانيها : النصارى حيث ~~قالوا : المسيح ابن الله . وثالثها : اليهود الذين قالوا : عزيز ابن الله ، ~~والكلام في أن إثبات الولد لله كفر عظيم ويلزم منه محالات عظيمة قد ذكرناه ~~في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : { وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } ~~( الأنعام : 10 ) وتمامه مذكور في سورة مريم ، ثم إنه تعالى أنكر على ~~القائلين بإثبات الولد لله تعالى من وجهين . الأول : قوله : { ما لهم به من ~~علم ولا لائبائهم } فإن قيل اتخاذ الله ولدا محال في نفسه فكيف قيل ما لهم ~~به من علم ؟ قلنا : انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه ~~، وقد يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به . ونظيره قوله : { ومن ~~يدع مع الله إلها ءاخر لا برهان له به } ( المؤمنون : 117 ) واعلم أن نفاة ~~القياس تمسكوا بهذه الآية فقالوا : هذه الآية تدل ms5878 على أن القول في الدين ~~بغير علم باطل ، والقول بالقياس الظني قول في الدين بغير علم فيكون باطلا ~~وتمام تقريره مذكور في قوله : { ولا تقف ما ليس لك به علم } ( الإسراء : 36 ~~) وقوله : { ولا لائبائهم } أي ولا أحد من أسلافهم ، وهذا مبالغة في كون ~~تلك المقالة باطلة فاسدة . النوع الثاني : مما ذكره الله في إبطاله قوله : ~~{ كبرت كلمة تخرج من أفواههم } وفيه مباحث : # البحث الأول : قرىء : { كبرت كلمة } بالنصب على التمييز وبالرفع على ~~الفاعلية ، قال الواحدي ومعنى التمييز أنك إذا قلت كبرت المقالة أو الكلمة ~~جاز أن يتوهم أنها كبرت كذبا أو جهلا أو افتراء ، فلما قلت كلمة ميزتها من ~~محتملاتها فانتصبت على التمييز والتقدير كبرت الكلمة كلمة فحصل فيه الإضمار ~~، أما من رفع فلم يضمر شيئا كما تقول عظم فلان فلذلك قال النحويون والنصب ~~أقوى وأبلغ ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل ما أكبرها كلمة . # البحث الثاني : قوله : { كبرت } أي كبرت الكلمة . والمراد من هذه الكلمة ~~ما حكاه الله تعالى عنهم في قوله : { قالوا اتخذ الله ولدا } فصارت مضمرة ~~في كبرت وسميت كلمة كما يسمون القصيدة كلمة . # البحث الثالث : احتج النظام في إثبات قوله : أن الكلام جسم بهذه الآية ~~قال : إنه تعالى وصف الكلمة بأنها تخرج من أفواههم والخروج عبارة عن الحركة ~~؛ والحركة لا تصح إلا على الأجسام . والجواب أن الحروف إنما تحدث بسبب خروج ~~النفس عن الحلق / فلما كان خروج النفس سببا لحدوث الكلمة أطلق لفظ الخروج ~~على الكلمة . PageV21P066 # البحث الرابع : قوله : { تخرج من أفواههم } يدل على أن هذا الكلام مستكره ~~جدا عند العقل ؛ كأنه يقول : هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ~~البتة لكونه في غاية الفساد والبطلان ، فكأنه شيء يجري به لسانهم على سبيل ~~التقليد ، لأنهم مع أنها قولهم عقولهم وفكرهم تأباها وتنفر عنها ثم قال ~~تعالى : { إن يقولون إلا كذبا } ومعناه ظاهر ، واعلم أن الناس قد اختلفوا ~~في حقيقة الكذب . فعندنا أنه الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه سواء اعتقد ~~المخبر أنه مطابق أم لا ms5879 ؟ ومن الناس من قال شرط كونه كذبا أن لا يطابق ~~المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق ، وهذا القيد عندنا باطل ، والدليل ~~عليه هذه الآية فإنه تعالى وصف قولهم بإثبات الولد لله بكونه كذبا ، مع أن ~~الكثير منهم يقول ذلك ، ولا يعلم كونه باطلا ، فعلمنا أن كل خبر لا يطابق ~~المخبر عنه فهو كذب سواء علم القائل بكونه مطابقا أو لم يعلم ، ثم قال ~~تعالى : { فلعلك باخع نفسك علىءاثارهم إن لم يؤمنوا بهاذا الحديث أسفا } ~~وفيه مباحث : # / البحث الأول : المقصود منه أن يقال للرسول : لا يعظم حزنك وأسفك بسبب ~~كفرهم فإنا بعثناك منذرا ومبشرا فأما تحصيل الإيمان في قلوبهم فلا قدرة لك ~~عليه . والغرض تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عنه . # البحث الثاني : قال الليث : بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظا من شدة وجده ~~بالشيء . وقال الأخفش والفراء أصل البخع الجهد . يقال : بخعت لك نفسي أي ~~جهدتها ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت عمر فقالت : بخع الأرض أي ~~جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك . وقال الكسائي : بخعت الأرض ~~بالزراعة إذا جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة وبخع الرجل نفسه إذا نهكها ~~وعلى هذا معنى : { باخع نفسك } أي ناهكها وجاهدها حتى تهلكها ولكن أهل ~~التأويل كلهم قالوا : قاتل نفسك ومهلكها والأصل ما ذكرناه ، هكذا قال ~~الواحدي . # البحث الثالث : قوله : { علىءاثارهم } أي من بعدهم يقال مات فلان على أثر ~~فلان أي بعده وأصل هذا أن الإنسان إذا مات بقيت علاماته وآثاره بعد موته ~~مدة ثم إنها تنمحي وتبطله بالكلية ، فإذا كان موته قريبا من موت الأول كان ~~موته حاصلا حال بقاء آثار الأول فصح أن يقال مات فلان على أثر فلان . # البحث الرابع : قوله ؛ { إن لم يؤمنوا بهاذا الحديث } المراد بالحديث ~~القرآن . قال القاضي : وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث وذلك يدل على فساد ~~قول من يقول : إنه قديم وجوابه أنه محمول على الألفاظ وهي حادثة . # البحث الخامس : قوله : { أسفا } الأسف المبالغة في الحزن وذكرنا الكلام ~~فيه عند ms5880 قوله : { غضبان أسفا } في سورة الأعراف وعند قوله : { فلما دخلوا ~~على يوسف } وفي انتصابه وجوه . الأول : أنه نصب على المصدر ودل ما قبله من ~~الكلام على أنه يأسف . الثاني : يجوز أن يكون مفعولا له أي للأسف كقولك ~~جئتك ابتغاء الخير . والثالث : قال الزجاج : { أسفا } منصوب لأنه مصدر في ~~موضع الحال . # البحث السادس : الفاء في قوله : { فلعلك } جواب الشرط وهو قوله : { إن لم ~~يؤمنوا } قدم عليه ومعناه التأخير . # ! 7 < { إنا جعلنا ما على الا رض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا * وإنا ~~لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } > 7 < < # | الكهف : ( 7 - 8 ) إنا جعلنا ما . . . . . # > @QE@ PageV21P067 # في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : قال القاضي : وجه النظم كأنه تعالى يقول : يا محمد ~~إني خلقت الأرض وزينتها وأخرجت منها أنواع المنافع والمصالح والمقصود من ~~خلقها بما فيها من المنافع ابتلاء الخلق بهذه التكاليف ثم إنهم يكفرون ~~ويتمردون مع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم . فأنت أيضا يا محمد ينبغي ~~أن لا تنتهي في الحزن بسبب كفرهم إلى أن تترك الاشتغال بدعوتهم إلى الدين ~~الحق . # المسألة الثانية : اختلفوا في تفسير هذه الزينة فقال بعضهم النبات والشجر ~~وضم بعضهم إليه الذهب والفضة والمعادن ، وضم بعضهم إلى سائر الحيوانات وقال ~~بعضهم بل المراد الناس فهم زينة الأرض . وبالجملة فليس بالأرض إلا المواليد ~~الثلاثة وهي المعادن والنبات والحيوان ، وأشرف أنواع الحيوان الإنسان . ~~وقال القاضي : الأولى أنه لا يدخل في هذه الزينة المكلف لأنه تعالى قال : { ~~إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم } فمن يبلوه يجب أن لا يدخل في ~~ذلك فأما سائر النبات والحيوان فإنهم يدخلون فيه كدخول سائر ما ينتفع به ، ~~وقوله : { زينة لها } أي للأرض ولا يمتنع أن يكون ما يحسن به الأرض زينة ~~للأرض كما جعل الله السماء مزينة بزينة الكواكب . أما قوله : { لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ذهب هشام بن الحكم إلى أنه تعالى لا يعلم الحوادث إلا ~~عند دخولها في الوجود ، فعلى هذا الابتلاء والامتحان على الله جائز ، واحتج ~~عليه ms5881 بأنه تعالى لو كان عالما بالجزئيات قبل وقوعها لكان كل ما علم وقوعه ~~واجب الوقوع وكل ما علم عدمه ممتنع الوقوع وإلا لزم انقلاب علمه جهلا وذلك ~~محال والمفضي إلى المحال محال ولو كان ذلك واجبا فالذي علم وقوعه يجب كونه ~~فاعلا له ولا قدرة له على الترك والذي علم عدمه يكون ممتنع الوقوع ولا قدرة ~~له على الفعل وعلى هذا يلزم أن لا يكون الله قادرا على شيء أصلا بل يكون ~~موجبا بالذات وأيضا فيلزم أن لا يكون للعبد قدرة لا على الفعل ولا على ~~الترك لأن ما علم الله وقوعه امتنع من العبد تركه وما علم الله عدمه امتنع ~~منه فعله ، فالقول بكونه تعالى عالما بالأشياء قبل وقوعها يقدح في الربوبية ~~وفي العبودية وذلك باطل فثبت أنه تعالى إنما يعلم الأشياء عند وقوعها وعلى ~~هذا التقدير فالابتلاء والامتحان والاختبار جائز عليه وعند هذا قال : يجري ~~قوله تعالى : { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } على ظاهره . وأما جمهور علماء ~~الإسلام فقد استبعدوا هذا القول وقالوا : إنه تعالى من الأزل إلى الأبد ~~عالم بجميع الجزئيات فالابتلاء والامتحان محالان عليه وأينما وردت هذه ~~الألفاظ فالمراد أنه تعالى يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره ~~لكان ذلك على سبيل الإبتلاء والامتحان وقد ذكرنا هذه المسألة مرارا كثيرة . # المسألة الثانية : قال القاضي : معنى قوله : { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } ~~هو أنه يبلوهم ليبصرهم أيهم أطوع لله وأشد استمرارا على خدمته لأن من هذا ~~حاله هو الذي يفوز بالجنة فبين تعالى أنه كلف لأجل ذلك لا لأجل أن يعصى ، ~~فدل ذلك على بطلان قول من يقول : خلق بعضهم للنار . # / المسألة الثالثة : اللام في قوله : { لنبلوهم } تدل ظاهرا على أن أفعال ~~الله معللة بالأغراض عند المعتزلة ، وأصحابنا قالوا : هذا محال لأن التعليل ~~بالغرض إنما يصح في حق من لا يمكنه تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة / ~~وهذا يقتضي العجز وهو على الله محال . PageV21P068 # المسألة الرابعة : قال الزجاج : أيهم رفع بالإبتداء إلا أن لفظه لفظ ~~الاستفهام ، والمعنى لنختبر ms5882 ونمتحن هذا أحسن عملا أم ذاك ، ثم قال تعالى : ~~{ وأن * لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا } والمعنى أنه تعالى بين أنه إنما زين ~~الأرض لأجل الإمتحان والإبتلاء لا لأجل أن يبقى الإنسان فيها متنعما أبدا ~~لأنه يزهد فيها بقوله : { وإنا لجاعلون ما عليها } الآية ونظيره قوله : { ~~كل من عليها فان } ( الرحمن : 26 ) وقوله : { فيذرها قاعا } ( طه : 106 ) ~~الآية ، وقوله : { وإذا الارض مدت } ( الإنشقاق : 13 ) الآية . والمعنى أنه ~~لا بد من المجازاة بعد فناء ما على الأرض ، وتخصيص الإبطال والإهلاك بما ~~على الأرض يوهم بقاء الأرض إلا أن سائر الآيات دلت على أن الأرض أيضا لا ~~تبقى وهو قوله : { يوم تبدل الارض غير الارض } ( إبراهيم : 48 ) قال أبو ~~عبيدة : الصعيد المستوي من الأرض ، وقال الزجاج : هو الطريق الذي لا نبات ~~فيه ، وقد ذكرنا تفسير الصعيد في آية التيمم ، وأما الجرز فقال الفراء : ~~الجرز الأرض التي لا نبات عليها ، يقال : جرزت الأرض فهي مجروزة ، وجرزها ~~الجراد والشاء والإبل إذا أكلت ما عليها ، وامرأة جروز إذا كانت أكولا ، ~~وسيف جراز إذا كان مستأصلا ، ونظيره قوله تعالى : { نسوق الماء إلى الارض ~~الجرز } ( السجدة : 27 ) . # ! 7 < { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ءاياتنا عجبا * إذ أوى ~~الفتية إلى الكهف فقالوا ربنآ ءاتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا ~~* فضربنا علىءاذانهم فى الكهف سنين عددا * ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين ~~أحصى لما لبثوا أمدا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 9 - 12 ) أم حسبت أن . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنها ~~الرسول على سبيل الامتحان فقال تعالى : أم حسبت أنهم كانوا عجبا من آياتنا ~~فقط ، فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب ، فإن من كان قادرا على تخليق ~~السموات والأرض ثم يزين الأرض بأنواع المعادن / والنبات والحيوان ثم يجعلها ~~بعد ذلك صعيدا جرزا خالية عن الكل كيف يستبعدون من قدرته وحفظه ورحمته حفظ ~~طائفة مدة ثلاثمائة سنة وأكثر في النوم ، هذا هو الوجه في تقرير النظم ، ~~والله أعلم ms5883 . # المسألة الثانية : قد ذكرنا سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله : { ~~ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى } ( الإسراء : 85 ) وذكر محمد بن ~~إسحاق سبب نزول هذه القصة مشروحا فقال كان النضر بن الحارث من شياطين قريش ~~وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة وكان قد قدم ~~الحيرة وتعلم بها أحاديث رستم واسفنديار ، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا جلس مجلسا ذكر فيه الله وحدث قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم ~~، وكان النضر يخلفه في مجلسه إذا قام ، فقال : أنا والله يا معشر قريش أحسن ~~حديثا منه ، فهلموا فأنا أحدثكم بأحسن من حديثه ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ، ~~ثم إن قريشا بعثوه وبعثوا معه عتبة بن PageV21P069 أبي معيط إلى أحبار ~~اليهود بالمدينة وقالوا لهما سلوهم عن محمد وصفته وأخبروهم بقوله فإنهم أهل ~~الكتاب الأول ، وعندهم من العلم ما ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى ~~قدما إلى المدينة فسألوا أحبار اليهود عن أحوال محمد فقال أحبار اليهود : ~~سلوه عن ثلاث : عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإن حديثهم ~~عجب ، وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ، وسلوه عن ~~الروح وما هو ؟ فإن أخبركم فهو نبي وإلا فهو متقول ، فلما قدم النضر وصاحبه ~~مكة قالا : قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد ، وأخبروا بما قاله اليهود ~~فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ( أخبركم بما سألتم عنه غدا ) ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ومكث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة حتى أرجف أهل مكة به ، ~~وقالوا : وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة فشق عليه ذلك ، ثم جاءه ~~جبريل من عند الله بسورة أصحاب الكهف وفيها معاتبة الله إياه على حزنه ~~عليهم ، وفيها خبر أولئك الفتية ، وخبر الرجل الطواف . # المسألة الثالثة : الكهف الغار الواسع في الجبل فإذا صغر فهو الغار ، وفي ~~الرقيم ms5884 أقوال . الأول : روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : كل القرآن اعلمه ~~إلا أربعة غسلين وحنانا والأواه والرقيم . الثاني : روى عكرمة عن ابن عباس ~~أنه سئل عن الرقيم فقال زعم كعب أنها القرية التي خرجوا منها وهو قول السدي ~~. الثالث : قال سعيد بن جبير ومجاهد : الرقيم لوح من حجارة وقيل من رصاص ~~كتب فيه أسماؤهم وقصتهم وشد ذلك اللوح على باب الكهف ، وهذا قول جميع أهل ~~المعاني والعربية قالوا الرقيم الكتاب ، والأصل فيه المرقوم ، ثم نقل إلى ~~فعيل ، والرقم الكتابة ، ومنه قوله تعالى : { كتاب مرقوم } ( المطففين : 9 ~~) أي مكتوب ، قال الفراء : الرقيم لوح كان فيه أسماؤهم وصفاتهم ، ونظن أنه ~~إنما سمي رقيما لأن أسماءهم كانت مرقومة فيه ، وقيل الناس رقموا حديثهم ~~نقرا في جانب الجبل ، وقوله : { كانوا من ءاياتنا عجبا } المراد أحسبت أن ~~واقعتهم كانت عجيبة في / أحوال مخلوقاتنا فلا تحسب ذلك فإن تلك الواقعة ~~ليست عجيبة في جانب مخلوقاتنا ، والعجب ههنا مصدر سمي المفعول به ، ~~والتقدير كانوا معجوبا منهم ، فسموا بالمصدر والمفعول به من هذا يستعمل ~~باسم المصدر ، ثم قال تعالى : { إذ أوى الفتية إلى الكهف } لا يجوز أن يكون ~~إذ هنا متعلقا بما قبله على تقدير أم حسبت إذ أوى الفتية لأنه كان بين ~~النبي وبينهم مدة طويلة فلم يتعلق الحسبان بذلك الوقت الذي أووا فيه إلى ~~الكهف بل يتعلق بمحذوف ، والتقدير اذكر إذ أوى ، ومعنى أوى الفتية في الكهف ~~صاروا إليه وجعلوه مأواهم قال فقالوا : { ربنا ءاتنا من لدنك رحمة } أي ~~رحمة من خزائن رحمتك وجلائل فضلك وإحسانك وهي الهداية بالمعرفة والصبر ~~والرزق والأمن من الأعداء وقوله من لدنك يدل على عظمة تلك الرحمة وهي التي ~~تكون لائقة بفضل الله تعالى وواسع جوده وهيىء لنا أي أصلح من قولك هيأت ~~الأمر فتهيأ : { من أمرنا رشدا } الرشد والرشاد نقيض الضلال وفي تفسير ~~اللفظ وجهان . الأول : التقدير وهيىء لنا أمرا ذا رشد حتى نكون بسببه ~~راشدين مهتدين . الثاني : اجعل أمرنا رشدا كله كقولك رأيت منك رشدا ثم قال ~~تعالى ms5885 : { فضربنا علىءاذانهم } قال المفسرون : معناه أنمناهم وتقدير الكلام ~~أنه تعالى ضرب على آذانهم حجابا يمنع من أن تصل إلى أسماعهم الأصوات ~~الموقظة والتقدير ضربنا عليهم حجابا إلا أنه حذف المفعول الذي هو الحجاب ~~كما يقال بنى على امرأته يريدون بنى عليها القبة ثم إنه تعالى بين أنه ضرب ~~على آذانهم في الكهف وهو ظرف المكان وقوله سنين عددا ظرف الزمان وفي قوله ~~عددا بحثان . الأول : قال الزجاج ذكر العدد ههنا يفيد كثرة السنين وكذلك كل ~~شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف به أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقداره ~~بدون PageV21P070 التعديد أما إذا أكثر فهناك يحتاج إلى التعديد فإذا قلت ~~أقمت أياما عددا أردت به الكثرة . # البحث الثاني : في انتصاب قوله عددا وجهان . أحدهما : نعت لسنين المعنى ~~سنين ذات عدد أي معدودة هذا قول الفراء وقول الزجاج وعلى هذا يجوز في الآية ~~ضربان من التقدير ، أحدهما : حذف المضاف . والثاني : تسمية المفعول باسم ~~المصدر . قال الزجاج : ويجوز أن ينتصب على المصدر ، المعنى تعد عدا ثم قال ~~تعالى : { ثم بعثناهم } يريد من بعد نومهم يعني أيقظناهم بعد نومهم وقوله : ~~{ لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } فيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { ثم بعثناهم } لنعلم اللام لام الغرض فيدل على ~~أن أفعال الله معللة بالأغراض وقد سبق الكلام فيه . # المسألة الثانية : ظاهر اللفظ يقتضي أنه تعالى إنما بعثهم ليحصل له هذا ~~العلم وعند هذا يرجع إلى أنه تعالى هل يعلم الحوادث قبل وقوعها أم لا ، ~~فقال هشام : لا يعلمها إلا عند حدوثها واحتج بهذه الآية والكلام فيه قد سبق ~~، ونظائر هذه الآية كثيرة في القرآن منها ما سبق في هذه السورة ومنها قوله ~~في سورة البقرة : { إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } ( ~~البقرة : 143 ) وفي آل عمران / { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } ( ~~التوبة : 16 ) وقوله : { إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم } ( ~~الكهف : 7 ) وقوله : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم } ( محمد : 31 ) ~~. # المسألة الثالثة : { أي } رفع ms5886 بالإبتداء { وأحصى } خبره وهذه الجملة ~~بمجموعها متعلق العلم فلهذا السبب لم يظهر عمل قوله : { لنعلم } في لفظة { ~~أي } بل بقيت على ارتفاعها ونظيره قوله : اذهب فاعلم أيهم قام قال تعالى : ~~{ سلهم أيهم بذالك زعيم } ( القلم : 40 ) وقوله : { ثم لننزعن من كل شيعة ~~أيهم أشد على الرحمان عتيا } ( مريم : 69 ) وقرىء ليعلم على فعل ما لم يسم ~~فاعله وفي هذه القراءة فائدتان . إحداهما : أن على هذا التقدير لا يلزم ~~إثبات العلم المتجدد لله بل المقصود أنا بعثناهم ليحصل هذا العلم لبعض ~~الخلق . والثانية : أن على هذا التقدير يجب ظهور النصب في لفظة أي ، لكن ~~لقائل أن يقول : الإشكال بعد باق لأن ارتفاع لفظة أي بالإبتداء لا بإسناد ~~يعلم إليه . ولمجيب أن يجيب فيقول : إنه لا يمتنع اجتماع عاملين على معمول ~~واحد لأن العوامل النحوية علامات ومعرفات ولا يمتنع اجتماع المعرفات ~~الكثيرة على الشيء الواحد والله أعلم . # المسألة الرابعة : اختلفوا في الحزبين فقال عطاء عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما : المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك ، ~~فالملوك حزب وأصحاب الكهف حزب . والقول الثاني : قال مجاهد : الحزبان من ~~هذه الفتية لأن أصحاب الكهف لما انتبهوا اختلفوا في أنهم كم ناموا والدليل ~~عليه قوله تعالى : { قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } ( الكهف : 19 ) فالحزبان هما هذان ، وكان ~~الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول . القول ~~الثالث : قال الفراء : إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا ~~في مدة لبثهم . # المسألة الخامسة : قال أبو علي الفارسي قوله أحصى ليس من باب أفعل ~~التفضيل لأن هذا البناء من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس فأما قولهم ما ~~أعطاه للدرهم وما أولاه للمعروف وأعدى من الجرب وأفلس من ابن المدلق ، فمن ~~الشواذ والشاذ لا يقاس عليه بل الصواب أن أحصى فعل ماض وهو خبر المبتدأ ~~والمبتدأ PageV21P071 والخبر مفعول نعلم وأمدا مفعول به لأحصى وما في قوله ~~تعالى : { لما ms5887 لبثوا } مصدرية والتقدير أحصى أمدا للبثهم ، وحاصل الكلام ~~لنعلم أي الحزبين أحصى أمد ذلك اللبث ، ونظيره قوله : { أحصاه الله } ( ~~المجادلة : 6 ) وقوله : { وأحصى كل شىء عددا } ( الجن : 28 ) . # المسألة السادسة : احتج أصحابنا الصوفية بهذه الآية على صحة القول ~~بالكرامات وهو استدلال ظاهر ونذكر هذه المسألة ههنا على سبيل الاستقصاء ~~فنقول قبل الخوض في الدليل على جواز الكرامات نفتقر إلى تقديم مقدمتين : # المقدمة الأولى : في بيان أن الولي ما هو فنقول ههنا وجهان ، الأول : أن ~~يكون فعيلا مبالغة من الفاعل كالعليم والقدير فيكون معناه من توالت طاعاته ~~من غير تخلل معصية . الثاني : / أن يكون فعيلا بمعنى مفعول كقتيل وجريح ~~بمعنى مقتول ومجروح . وهو الذي يتولى الحق سبحانه حفظه وحراسته على التوالي ~~عن كل أنواع المعاصي ويديم توفيقه على الطاعات واعلم أن هذا الاسم مأخوذ من ~~قوله تعالى : { الله ولي الذين ءامنوا } ( البقرة : 257 ) وقوله : { وهو ~~يتولى الصالحين } ( الأعراف : 196 ) وقوله تعالى : { أنت مولانا فانصرنا ~~على القوم الكافرين } ( البقرة : 286 ) وقوله : { ذلك بأن الله مولى الذين ~~ءامنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) وقوله : { إنما وليكم ~~الله ورسوله } ( المائدة : 55 ) وأقول الولي هو القريب في اللغة فإذا كان ~~العبد قريبا من حضرة الله بسبب كثرة طاعاته وكثرة إخلاصه وكان الرب قريبا ~~منه برحمته وفضله وإحسانه فهناك حصلت الولاية . # المقدمة الثانية : إذا ظهر فعل خارق للعادة على الإنسان فذاك إما أن يكون ~~مقرونا بالدعوى أو لا مع الدعوى والقسم الأول وهو أن يكون مع الدعوى فتلك ~~الدعوى إما أن تكون دعوى الإلهية أو دعوى النبوة أو دعوى الولاية أو دعوى ~~السحر وطاعة الشياطين ، فهذه أربعة أقسام . القسم الأول : إدعاء الإلهية ~~وجوز أصحابنا ظهور خوارق العادات على يده من غير معارضة كما نقل ، أن فرعون ~~كان يدعي الإلهية وكانت تظهر خوارق العادات على يده وكما نقل ذلك أيضا في ~~حق الدجال . قال أصحابنا : وإنما جاز ذلك لأن شكله وخلقته تدل على كذبه ~~فظهور الخوارق على يده لا يفضي إلى التلبيس . والقسم الثاني : وهو ms5888 ادعاء ~~النبوة فهذا القسم على قسمين لأنه إما أن يكون ذلك المدعي صادقا أو كاذبا ~~فإن كان صادقا وجب ظهور الخوارق على يده وهذا متفق عليه بين كل من أقر بصحة ~~نبوة الأنبياء ، وإن كان كاذبا لم يجز ظهور الخوارق على يده وبتقدير أن ~~تظهر وجب حصول المعارضة . وأما القسم الثالث : وهو ادعاء الولاية والقائلون ~~بكرامات الأولياء اختلفوا في أنه هل يجوز أن يدعي الكرامات ثم إنها تحصل ~~على وفق دعواه أم لا . وأما القسم الرابع : وهو ادعاء السحر وطاعة الشيطان ~~فعند أصحابنا يجوز ظهور خوارق العادات على يده وعند المعتزلة لا يجوز . ~~وأما القسم الثاني : وهو أن تظهر خوارق العادات على يد إنسان من غير شيء من ~~الدعاوى ، فذلك الإنسان إما أن يكون صالحا مرضيا عند الله ، وإما أن يكون ~~خبيثا مذنبا . والأول هو القول بكرامات الأولياء ، وقد اتفق أصحابنا على ~~جوازه وأنكرها المعتزلة إلا أبا الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي . ~~وأما القسم الثالث : وهو أن تظهر خوارق العادات على بعض من كان مردودا عن ~~طاعة الله تعالى فهذا هو المسمى بالاستدراج فهذا تفصيل الكلام في هاتين ~~المقدمتين ، إذا عرفت ذلك فنقول : الذي يدل على جواز كرامات الأولياء ~~القرآن والأخبار والآثار والمعقول . أما القرآن فالمعتمد فيه عندنا آيات : ~~PageV21P072 # الحجة الأولى : قصة مريم عليها السلام ، وقد شرحناها في سورة آل عمران ~~فلا نعيدها . # الحجة الثانية : قصة أصحاب الكهف وبقاؤهم في النوم أحياء سالمين عن ~~الآفات مدة ثلثمائة سنة وتسع سنين وأنه تعالى كان يعصمهم من حر الشمس كما ~~قال : { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود } ( الكهف : 18 ) / إلى قوله : { وترى ~~الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين } ( الهف : 17 ) ومن الناس من ~~تمسك في هذه المسألة بقوله تعالى : { قال الذى عنده علم من الكتاب أنا ~~ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } ( النمل : 39 ) وقد بينا أن ذلك الذي كان ~~عنده علم من الكتاب هو سليمان فسقط هذا الاستدلال . أجاب القاضي عنه بأن ~~قال : لا بد من أن يكون فيهم أو ms5889 في ذلك الزمان نبي يصير ذلك علما له لما ~~فيه من نقض العادة كسائر المعجزات ، قلنا : إنه يستحيل أن تكون هذه الواقعة ~~معجزة لأحد من الأنبياء لأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى ~~يجعل ذلك معجزة لأن الناس لا يصدقونه في هذه الواقعة لأنهم لا يعرفون كونهم ~~صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين ~~جاؤوا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة سنين وتسع سنين وكل ~~هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء فلم ~~يبق إلا أن تجعل كرامة للأولياء وإحسانا إليهم . أما الأخبار فكثيرة : ~~الخبر الأول : ما أخرج في ( الصحيحين ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم ~~عليه السلام وصبي في زمن جريج الناسك وصبي آخر ، أما عيسى فقد عرفتموه ، ~~وأما جريج فكان رجلا عابدا ببني إسرائيل وكانت له أم فكان يوما يصلي إذ ~~اشتاقت إليه أمه فقالت : يا جريج فقال يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى ~~فدعته ثانيا فقال مثل ذلك حتى قال ثلاث مرات وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك ~~على أمه قالت : اللهم لا تمته حتى تريه المومسات ، وكانت زانية هناك فقالت ~~لهم : أنا أفتن جريجا حتى يزني فأتته فلم تقدر على شيء ، وكان هناك راع ~~يأوي بالليل إلى أصل صومعته قلما أعياها راودت الراعي على نفسها فأتاها ~~فولدت ثم قالت ولدي هذا من جريج فأتاها بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه ~~فصلى ودعا ثم نخس الغلام قال أبو هريرة : كأني أنظر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين قال بيده يا غلام من أبوك ؟ فقال : الراعي فندم القوم على ما ~~كان منهم واعتذروا إليه . وقالوا : نبني صومعتك من ذهب أو فضة فأبى عليهم ، ~~وبناها كما كانت ، وأما الصبي الآخر فإن امرأة كان معها صبي لها ترضعه إذ ~~مر بها شاب جميل ذو شارة حسنة ms5890 فقالت : اللهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي ~~: اللهم لا تجعلني مثله ثم مرت بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت ~~فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذا ، فقال الصبي : اللهم اجعلني مثلها . ~~فقالت له أمه في ذلك : فقال إن الشاب كان جبارا من الجبابرة فكرهت أن أكون ~~مثله وإن هذه قيل إنها زنت ولم تزن وقيل إنها سرقت ولم تسرق وهي تقول حسبي ~~الله ) . الخبر الثاني : وهو خبر الغار وهو مشهور في ( الصحاح ) عن الزهري ~~عن سالم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انطلق ~~ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من ~~الجبل وسدت عليهم باب الغار فقالوا : والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن ~~تدعوا الله بصالح أعمالكم ، فقال رجل منهم : كان لي أبوان شيخان كبيران ~~وكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوما فلم أبرح عنهما وحلبت لهما ~~غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما ~~/ فقمت والقدح في يدي انتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا ~~غبوقهما اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا PageV21P073 ما نحن ~~فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجا لا يستطيعون الخروج منه ، ثم قال الآخر ~~: كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إلي فراودتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت ~~بها سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالا عظيما على أن تخلي بيني وبين ~~نفسها فلما قدرت عليها قالت : لا يجوز لك أن تفك الخاتم إلا بحقها فتحرجت ~~من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ~~فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منه ، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال الثالث : اللهم إني استأجرت أجراء ~~فأعطيتهم أجورهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه ~~الأموال فجاءني بعد حين وقال : يا عبد الله أد إلي أجرتي ، فقلت له ms5891 : كل ما ~~ترى من أجرتك من الإبل والغنم والرقيق فقال : يا عبد الله أتستهزىء بي ؟ ~~فقلت : إني لا أستهزىء بك فأخذ ذلك كله اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ~~فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون ) . وهذا ~~حديث حسن صحيح متفق عليه . الخبر الثالث : قوله صلى الله عليه وسلم : ( رب ~~أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ) ولم يفرق بين شيء ~~وشيء فيما يقسم به على الله . الخبر الرابع : روى سعيد بن المسيب عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( بينا رجل يسوق بقرة قد ~~حمل عليها فالتفتت إليه البقرة فقالت : إني لم أخلق لهذا ، وإنما خلقت ~~للحرث فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ) . الخبر الخامس : عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بينما رجل يسمع رعدا أو صوتا في ~~السحاب : أن اسق حديقة فلان ، قال فعدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم ~~فيها فقلت له ما اسمك ؟ قال : فلان بن فلان بن فلان قلت : فما تصنع بحديقتك ~~هذه إذا صرمتها ؟ قال : ولم تسأل عن ذلك ؟ قلت : لأني سمعت صوتا في السحاب ~~أن اسق حديقة فلان ، قال : أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثا فأجعل لنفسي ~~وأهلي ثلثا وأجعل للمساكين وابن السبيل ثلثا وأنفق عليها ثلثا ) . ( أما ~~الآثار ) فلنبدأ بما نقل أنه ظهر عن الخلفاء الراشدين من الكرامات ثم بما ~~ظهر عن سائر الصحابة ، أما أبو بكر رضي الله عنه فمن كراماته أنه لما حملت ~~جنازته إلى باب قبر النبي صلى الله عليه وسلم ونودي السلام عليك يا رسول ~~الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد انفتح وإذا بهاتف يهتف من القبر ~~ادخلوا الحبيب إلى الحبيب ، وأما عمر رضي الله عنه فقد ظهرت أنواع كثيرة من ~~كراماته وأحدها ما روي أنه بعث جيشا وأمر عليهم رجلا يدعى ms5892 سارية بن الحصين ~~فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته وهو على المنبر : يا سارية ~~الجبل الجبل قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فكتبت تاريخ تلك الكلمة ~~فقدم رسول مقدم الجيش فقال : يا أمير المؤمنين غزونا يوم الجمعة في وقت ~~الخطبة فهزمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل الجبل فأسندنا ظهورنا إلى ~~الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة ببركة ذلك الصوت قلت سمعت ~~بعض / المذكرين قال : كان ذلك معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال ~~لأبي بكر وعمر أنتما مني بمنزلة السمع والبصر فلما كان عمر بمنزلة البصر ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم ، لا جرم قدر على أن يرى من ذلك البعد العظيم . ~~الثاني : روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا ~~يجري حتى يلقى فيه PageV21P074 جارية واحدة حسناء ، فلما جاء الإسلام كتب ~~عمرو بن العاص بهذه الواقعة إلى عمر ، فكتب عمر على خزفة : أيها النيل إن ~~كنت تجري بأمر الله فاجر ، وإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة بنا إليكا فألقيت ~~تلك الخزفة في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك . الثالث : وقعت الزلزلة في ~~المدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال : اسكني بإذن الله فسكنت وما حدثت ~~الزلزلة بالمدينة بعد ذلك . الرابع : وقعت النار في بعض دور المدينة فكتب ~~عمر على خزفة : يا نار اسكني بإذن الله فألقوها في النار فانطفأت في الحال ~~. الخامس : روى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر فطلب داره فظن أن داره مثل ~~قصور الملوك فقالوا : ليس له ذلك ، وإنما هو في الصحراء يضرب اللبن فلما ~~ذهب إلى الصحراء رأى عمر رضي الله عنه وضع درته تحت رأسه ونام على التراب ، ~~فعجب الرسول من ذلك وقال : إن أهل الشرق والغرب يخافون من هذا الإنسان وهو ~~على هذه الصفة ا ثم قال في نفسه : إني وجدته خاليا فأقتله وأخلص الناس منه ~~. فلما رفع السيف أخرج الله من الأرض أسدين فقصداه فخاف وألقى السيف ms5893 من يده ~~وانتبه عمر ولم ير شيئا فسأله عن الحال فذكر له الواقعة وأسلم . وأقول هذه ~~الوقائع رويت بالآحاد ، وههنا ما هو معلوم بالتواتر وهو أنه مع بعده عن ~~زينة الدنيا واحترازه عن التكلفات والتهويلات ساس الشرق والغرب وقلب ~~الممالك والدول لو نظرت في كتب التواريخ علمت أنه لم يتفق لأحد من أول عهد ~~آدم إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك ~~السياسات / ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات . وأما عثمان رضي الله عنه فروى ~~أنس قال : سرت في الطريق فرفعت عيني إلى امرأة ثم دخلت على عثمان فقال : ما ~~لي أراكم تدخلون علي وآثار الزنا ظاهرة عليكم ؟ فقلت : أجاء الوحي بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال لا ولكن فراسة صادقة . الثاني : أنه لما طعن ~~بالسيف فأول قطرة من دمه سقطت وقعت على المصحف على قوله تعالى : { ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } . ( البقرة : 137 ) الثالث : أن جهجاها ~~الغفاري انتزع العصا من يد عثمان وكسرها على ركبته فوقعت الأكلة في ركبته . ~~وأما علي كرم الله وجهه فيروي أن واحدا من محبيه سرق وكان عبدا أسود فأتى ~~به إلى علي فقال له : أسرقت ؟ قال نعم . فقطع يده فانصرف من عند علي عليه ~~السلام فلقيه سلمان الفارسي وابن الكرا ، فقال ابن الكرا : من قطع يدك فقال ~~أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول فقال قطع يدك ~~وتمدحه ؟ فقال : ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النارا فسمع سلمان ~~ذلك فأخبر به عليا فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا ~~بدعوات فسمعنا صوتا من السماء ارفع / الرداء عن اليد فرفعناه فإذا اليد قد ~~برأت بإذن الله تعالى وجميل صنعه . أما سائر الصحابة فأحوالهم في هذا الباب ~~كثيرة فنذكر منها شيئا قليلا . الأول : روى محمد بن المنكدر عن سفينة مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت ~~فيها فركبت لوحا من ألواحها فطرحني ms5894 اللوح في خيسة فيها أسد فخرج الأسد إلي ~~يريدني فقلت : يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم ~~ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع . الثاني : روى ثابت عن ~~أنس أن أسيد بن حضير ورجلا آخر من الأنصار تحدثا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حاجة لهما حتى ذهب من الليل زمان ثم خرجا من عنده وكانت ~~الليلة شديدة الظلمة وفي يد كل واحد منهما عصا فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى ~~مشيا في ضوئها فلما انفرق بينهما الطريق أضاءت للآخر عصاه فمشى في ضوئها ~~حتى بلغ منزله . الثالث : قالوا لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر ~~فركب فرسه ليلة فطاف بالعسكر فلقي رجلا على فرس ومعه زق خمر ، فقال ما هذا ~~؟ قال : خل ، فقال خالد : اللهم اجعله خلا . فذهب الرجل إلى PageV21P075 ~~أصحابه فقال : أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلهاا فلما فتحوا فإذا هو خل ~~فقالوا : والله ما جئتنا إلا بخل ؟ فقال هذا والله دعاء خالد بن الوليد . ~~الرابع : الواقعة المشهورة وهي أن خالد بن الوليد أكل كفا من السم على اسم ~~الله وماضره . الخامس : روي أن ابن عمر كان في بعض أسفاره فلقي جماعة وقفوا ~~على الطريق من خوف السبع فطرد السبع من طريقهم ثم قال : إنما يسلط على ابن ~~آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء . السادس : روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينهم وبين ~~المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم ومشوا على الماء . وفي كتب ~~الصوفية من هذا الباب روايات متجاوزة عن الحد والحصر فمن أرادها طالعها . ~~وأما الدلائل العقلية القطعية على جواز الكرامات فمن وجوه : # الحجة الأولى : أن العبد ولي الله قال الله تعالى : { ألا إن أولياء الله ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ( يونس : 62 ) والرب ولي العبد قال تعالى : { ~~الله ولي الذين ءامنوا } ( البقرة : 257 ) وقال : { وهو يتولى الصالحين ms5895 } ( ~~الأعراف : 166 ) وقال : { إنما وليكم الله ورسوله } ( المائدة : 55 ) وقال ~~: { أنت مولانا } ( البقرة : 286 ) وقال : { ذلك بأن الله مولى الذين ~~ءامنوا } ( محمد : 11 ) فثبت أن الرب ولي العبد وأن العبد ولي الرب وأيضا ~~الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب قال تعالى : { يحبهم ويحبونه } ( المائدة ~~: 54 ) وقال : { والذين ءامنوا أشد حبا لله } ( البقرة : 165 ) وقال : { إن ~~الله يحب التوبين ويحب المتطهرين } ( البقرة : 222 ) وإذا ثبت هذا فنقول : ~~العبد إذا بلغ في الطاعة إلى حيث يفعل كل ما أمره الله وكل ما فيه رضاه ~~وترك كل ما نهى الله وزجر عنه فكيف يبعد أن يفعل الرب الرحيم الكريم مرة ~~واحدة ما يريده العبد بل هو أولى لأن العبد مع لؤمه وعجزه لما فعل كل ما ~~يريده الله ويأمره به فلأن يفعل الرب الرحيم مرة واحدة ما أراده العبد كان ~~أولى ولهذا قال تعالى : { أوفوا * بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 45 ) . # الحجة الثانية : لو امتنع إظهار الكرامة لكان ذلك إما لأجل أن الله ليس ~~أهلا لأن يفعل مثل هذا الفعل أو لأجل أن المؤمن ليس أهلا لأن يعطيه الله ~~هذه العطية ، والأول : قدح في / قدرة الله وهو كفر ، والثاني : باطل فإن ~~معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه ومحبة الله وطاعاته ~~والمواظبة على ذكر تقديسه وتمجيده وتهليله أشرف من إعطاء رغيف واحد مني ~~مفازة أو تسخير حية أو أسد فلما أعطى المعرفة والمحبة والذكر والشكر من غير ~~سؤال فلأن يعطيه رغيفا في مفازة فأي بعد فيه ؟ # الحجة الثالثة : قال النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن رب العزة : ( ما ~~تقرب عبد إلي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا وقلبا ويدا ورجلا بي يسمع وبي ~~يبصر وبي ينطق وبي يمشي ) وهذا الخبر يدل على أنه لم يبق في سمعهم نصيب ~~لغير الله ولا في بصرهم ولا في سائر أعضائهم إذ لو بقي هناك نصيب لغير الله ~~لما قال أنا سمعه وبصره . إذا ms5896 ثبت هذا فنقول : لا شك أن هذا المقام أشرف من ~~تسخير الحية والسبع وإعطاء الرغيف وعنقود من العنب أو شربة من الماء فلما ~~أوصل الله برحمته عبده إلى هذه الدرجات العالية فأي بعد في أن يعطيه رغيفا ~~واحدا أو شربة ماء في مفازة . # الحجة الرابعة : قال عليه السلام حاكيا عن رب العزة : ( من آذى لي وليا ~~فقد بارزني بالمحاربة ) فجعل إيذاء الولي قائما مقام إيذائه وهذا قريب من ~~قوله تعالى : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) وقال ~~: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا } ( الأحزاب : 36 ) ~~وقال : { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والاخرة } ~~PageV21P076 ( الأحزاب : 57 ) فجعل بيعة محمد صلى الله عليه وسلم بيعة مع ~~الله ورضاء محمد صلى الله عليه وسلم رضاء الله وإيذاء محمد صلى الله عليه ~~وسلم إيذاء الله فلا جرم كانت درجة محمد صلى الله عليه وسلم أعلى الدرجات ~~إلى أبلغ الغايات فكذا ههنا لما قال : ( من آذى لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة ) دل ذلك على أنه تعالى جعل إيذاء الولي قائما مقام إيذاء نفسه ~~ويتأكد هذا بالخبر المشهور أنه تعالى يقول : ( يوم القيامة مرضت فلم تعدني ~~، استسقيتك فما سقيتني ، استطعمتك فما أطعمتني فيقول يا رب كيف أفعل هذا ~~وأنت رب العالمينا فيقول إن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته ~~لوجدت ذلك عندي ) وكذا في السقي والإطعام فدلت هذه الأخبار على أن أولياء ~~الله يبلغون إلى هذه الدرجات فأي بعد في أن يعطيه الله كسرة خبز أو شربة ~~ماء أو يسخر له كلبا أو وردا . # الحجة الخامسة : أنا نشاهد في العرف أن من خصه الملك بالخدمة الخاصة وأذن ~~له في الدخول عليه في مجلس الأنس فقد يخصه أيضا بأن يقدره على ما لا يقدر ~~عليه غيره ، بل العقل السليم يشهد بأنه متى حصل ذلك القرب فإنه يتبعه هذه ~~المناصب فجعل القرب أصلا والمنصب تبعا وأعظم الملوك هو رب العالمين فإذا ~~شرف عبدا بأنه أوصله ms5897 إلى عتبات خدمته ودرجات كرامته وأوقفه على أسرار ~~معرفته ورفع حجب البعد بينه وبين نفسه وأجلسه على بساط قربه فأي / بعد في ~~أن يظهر بعض تلك الكرامات في هذا العالم مع أن كل هذا العالم بالنسبة إلى ~~ذرة من تلك السعادات الروحانية والمعارف الربانية كالعدم المحض . # الحجة السادسة : لا شك أن المتولي للأفعال هو الروح لا البدن ولا شك أن ~~معرفة الله تعالى للروح كالروح للبدن على ما قررناه في تفسير قوله تعالى : ~~{ ينزل الملائكة بالروح من أمره } ( النمل : 20 ) وقال عليه السلام : ( ~~أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ) ولهذا المعنى نرى أن كل من كان أكثر علما ~~بأحوال عالم الغيب كان أقوى قلبا وأقل ضعفا ولهذا قال علي بن أبي طالب كرم ~~الله وجهه : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية . وذلك ~~لأن عليا كرم الله وجهه في ذلك الوقت انقطع نظره عن عالم الأجساد وأشرقت ~~الملائكة بأنوار عالم الكبرياء فتقوى روحه وتشبه بجواهر الأرواح الملكية ~~وتلألأت فيه أضواء عالم القدس والعظمة فلا جرم حصل له من القدرة ما قدر بها ~~على ما لم يقدر عليه غيره وكذلك العبد إذا واظب على الطاعات بلغ إلى المقام ~~الذي يقول الله كنت له سمعا وبصرا فإذا صار نور جلال الله سمعا له سمع ~~القريب والبعيد وإذا صار ذلك النور بصرا له رأى القريب والبعيد وإذا صار ~~ذلك النور يدا له قدر على التصرف في الصعب والسهل والبعيد والقريب . # الحجة السابعة : وهي مبنية على القوانين العقلية الحكمية ، وهي أنا قد ~~بينا أن جوهر الروح ليس من جنس الأجسام الكائنة الفاسدة المتعرضة للتفرق ~~والتمزق ، بل هو من جنس جواهر الملائكة وسكان عالم السموات ونوع المقدسين ~~المطهرين إلا أنه لما تعلق بهذا البدن واستغرق في تدبيره صار في ذلك ~~الاستغراق إلى حيث نسي الوطن الأول والمسكن المتقدم وصار بالكلية متشبها ~~بهذا الجسم الفاسد فضعفت قوته وذهبت مكنته ولم يقدر على شيء من الأفعال ، ~~أما إذا استأنست بمعرفة الله ومحبته وقل انغماسها في ms5898 تدبير PageV21P077 هذا ~~البدن ، وأشرقت عليها أنوار الأرواح السماوية العرشية المقدسة ، وفاضت ~~عليها من تلك الأنوار قويت على التصرف في أجسام هذا العالم مثل قوة الأرواح ~~الفلكية على هذه الأعمال ، وذلك هو الكرامات ، وفيه دقيقة أخرى وهي أن ~~مذهبنا أن الأرواح البشرية مختلفة بالماهية ففيها القوية والضعيفة ، وفيها ~~النورانية والكدرة ، وفيها الحرة والنذلة والأرواح الفلكية أيضا كذلك ، ألا ~~ترى إلى جبريل كيف قال الله في وصفه : { إنه لقول رسول كريم * ذى قوة عند ~~ذى العرش مكين * مطاع ثم أمين } ( التكوير : 19 20 ) وقال في قوم آخرين من ~~الملائكة : { وكم من ملك فى * السماوات * لا تغنى شفاعتهم شيئا } ( النجم : ~~26 ) فكذا ههنا فإذا اتفق في نفس من النفوس كونها قوية ، القوة القدسية ~~العنصرية مشرقة الجوهر علوية الطبيعة ، ثم انضاف إليها أنواع الرياضات التي ~~تزيل عن وجهها غبرة عالم الكون والفساد أشرقت وتلألأت وقويت على التصرف في ~~هيولي عالم الكون والفساد بإعانة نور معرفة الحضرة الصمدية وتقوية أضواء ~~حضرة الجلال والعزة . ولنقبض ههنا عنان البيان فإن وراءها أسرارا دقيقة ~~وأحوالا / عميقة من لم يصل إليها لم يصدق بها ، ونسأل الله الإعانة على ~~إدراك الخيرات / واحتج المنكرون للكرامات بوجوه . الشبهة الأولى : وهي التي ~~عليها يعولون وبها يضلون أن ظهور الخارق للعادة جعله الله دليلا على النبوة ~~فلو حصل لغير نبي لبطلت هذه الدلالة لأن حصول الدليل مع عدم المدلول يقدح ~~في كونه دليلا ، وذلك باطل . والشبهة الثانية : تمسكوا بقوله عليه السلام ~~حكاية عن الله سبحانه : ( لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت ~~عليهم ) قالوا : هذا يدل على أن التقرب إلى الله بأداء الفرائض أعظم من ~~التقرب إليه بأداء النوافل ، ثم إن المتقرب إليه بأداء الفرائض لا يحصل له ~~شيء من الكرامات فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى أن لا يحصل له ذلك . ~~الشبهة الثالثة : تمسكوا بقوله تعالى : { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الانفس } ( النحل : 7 ) والقول بأن الولي ينتقل من بلد إلى ~~بلد بعيد لا على الوجه طعن في هذه ms5899 الآية ، وأيضا أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم لم يصل من مكة إلى المدينة إلا في أيام كثيرة مع التعب الشديد فكيف ~~يعقل أن يقال أن الولي ينتقل من بلد نفسه إلى الحج في يوم واحد . الشبهة ~~الرابعة : قالوا : هذا الولي الذي تظهر عليه الكرامات إذا ادعى على إنسان ~~درهما فهل نطالبه بالبينة أم لا ؟ فإن طالبناه بالبينة كان عبثا لأن ظهور ~~الكرامات عليه يدل على أنه لا يكذب ، ومع قيام الدليل القاطع كيف يطلب ~~الدليل الظني ، وإن لم نطالبه بها فقد تركنا قوله عليه السلام : ( البينة ~~على المدعي ) فهذا يدل على أن القول بالكرامة باطل . الشبهة الخامسة : إذا ~~جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء جاز ظهورها على الباقين ، فإذا كثرت ~~الكرامات حتى خرقت العادة جرت وفقا للعادة وذلك يقدح في المعجزة والكرامة . ~~( والجواب ) عن الشبهة الأولى : أن الناس اختلفوا في أنه هل يجوز للولي ~~دعوى الولاية ؟ فقال قوم من المحققين : إن ذلك لا يجوز ، فعلى هذا القول ~~يكون الفرق بين المعجزات والكرامات أن المعجزة تكون مسبوقة بدعوى النبوة ~~والكرامة لا تكون مسبوقة بدعوى الولاية ، والسبب في هذا الفرق أن الأنبياء ~~عليهم السلام إنما بعثوا إلى الخلق ليصيروا دعاة للخلق من الكفر إلى ~~الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة فلو لم تظهر دعوى النبوة لم يؤمنوا به وإذا ~~لم يؤمنوا به بقوا على الكفر وإذا ادعوا النبوة وأظهروا المعجزة آمن القوم ~~بهم فإقدام الأنبياء على دعوى النبوة ليس الغرض منه تعظيم النفس بل المقصود ~~منه إظهار الشفقة على الخلق حتى ينتقلوا من الكفر إلى الإيمان ، أما ثبوت ~~الولاية للولي فليس الجهل بها كفرا ولا معرفتها إيمانا فكان دعوى الولاية ~~طلبا لشهوة النفس ، فعلمنا أن النبي يجب عليه إظهار دعوى النبوة ~~PageV21P078 والولي لا يجوز له دعوى الولاية فظهر الفرق ؛ أما الذين قالوا ~~: يجوز للولي دعوى الولاية فقد ذكروا الفرق بين المعجزة والكرامة من وجوه : ~~الأول : أن ظهور الفعل الخارق للعادة يدل على كون ذلك الإنسان مبرءا عن ~~المعصية ، ثم إن اقترن هذا ms5900 الفعل بادعاء النبوة دل على كونه صادقا في دعوى ~~النبوة ، وإن اقترن بادعاء الولاية دل على كونه صادقا في دعوى الولاية ، ~~وبهذا / الطريق لا يكون ظهور الكرامة على الأولياء طعنا في معجزات الأنبياء ~~عليهم السلام . الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعي المعجزة ويقطع ~~بها ، والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها لأن المعجزة يجب ظهورها ، أما ~~الكرامة ( ف ) لا يجب ظهورها . الثالث : أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ~~ولا يجب نفيها عن الكرامة . الرابع : أنا لا نجوز ظهور الكرامة على الولي ~~عند ادعاء الولاية إلا إذا أقر عند تلك الدعوى بكونه على دين ذلك النبي ~~ومتى كان الأمر كذلك صارت تلك الكرامة معجزة لذلك النبي ومؤكدة لرسالته ~~وبهذا التقدير لا يكون ظهور الكرامة طاعنا في نبوة النبي بل يصير مقويا لها ~~. ( والجواب ) عن الشبهة الثانية : أن التقرب بالفرائض وحدها أكمل من ~~التقرب بالنوافل ؛ أما الولي فإنما يكون وليا إذا كان آتيا بالفرائض ~~والنوافل ، ولا شك أنه يكون حاله أتم من حال من اقتصر على الفرائض فظهر ~~الفرق . ( والجواب ) على الشبهة الثالثة : أن قوله تعالى : { وتحمل أثقالكم ~~إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الانفس } محمول على المعهود المتعارف ، ~~وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة عن ذلك العموم . وهذا هو ( ~~الجواب ) عن الشبهة الرابعة وهي التمسك بقوله عليه السلام البينة على ~~المدعي . ( والجواب ) عن الشبهة الخامسة أن المطيعين فيهم قلة كما قال ~~تعالى : { وقليل من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وكما قال إبليس : { ولا ~~تجد أكثرهم شاكرين } ( الأعراف : 17 ) وإذا حصلت القلة فيهم لم يكن ما يظهر ~~عليهم من الكرامات في الأوقات النادرة قادحا في كونها على خلاف العادة . # المسألة السابعة : في الفرق بين الكرامات والاستدراج ، اعلم أن من أراد ~~شيئا فأعطاه الله مراده لم يدل ذلك على كون ذلك العبد وجيها عند الله تعالى ~~سواء كانت العطية على وفق العادة أو لم تكن على وفق العادة بل قد يكون ذلك ~~إكراما للعبد وقد يكون استدراجا له ولهذا الاستدراج أسماء ms5901 كثيرة من القرآن ~~، أحدها : الاستدراج قال الله تعالى : { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ( ~~الأعراف : 182 ) ومعنى الاستدراج أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ~~ليزداد غيه وضلاله وجهله وعناده فيزداد كل يوم بعدا من الله وتحقيقه أنه ~~ثبت في العلوم العقلية أن تكرر الأفعال سبب لحصول الملكة الراسخة فإذا مال ~~قلب العبد إلى الدنيا ثم أعطاه الله مراده فحينئذ يصل الطالب إلى المطلوب ~~وذلك يوجب حصول اللذة وحصول اللذة يزيد في الميل وحصول الميل يوجب مزيد ~~السعي ولا يزال يتأدى كل واحد منهما إلى الآخر وتتقوى كل واحدة من هاتين ~~الحالتين درجة فدرجة ومعلوم أن الاشتغال بهذه اللذات العاجلة مانع عن ~~مقامات المكاشفات ودرجات المعارف فلا جرم يزداد بعده عن الله درجة فدرجة ~~إلى أن يتكامل فهذا هو الاستدراج . وثانيها : المكر قال تعالى : { فلا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون } ( الأعراف : 99 ) ، { ومكروا ومكر الله ~~والله خير الماكرين } ( آل عمران : 54 ) وقال : { ومكروا مكرا ومكرنا مكرا ~~وهم لا يشعرون } ( النمل : 50 ) . وثالثها : الكيد قال تعالى : { يخادعون ~~الله وهو خادعهم } ( النساء : 142 ) وقال : { يخادعون الله والذين ءامنوا ~~وما يخدعون إلا أنفسهم } ( البقرة : 9 ) . ورابعها : الإملاء قال تعالى : { ~~ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم * خيرا * لانفسهم إنما نملى لهم ~~ليزدادوا إثما } ( آل PageV21P079 عمران : 178 ) . وخامسها : / الإهلاك قال ~~تعالى : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم } ( الأنعام : 44 ) وقال في ~~فرعون : { واستكبر هو وجنوده فى الارض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم } ( القصص : 39 ، 40 ) فظهر بهذه ~~الآيات أن الإيصال إلى المرادات لا يدل على كمال الدرجات والفوز بالخيرات ~~بقي علينا أن نذكر الفرق بين الكرامات وبين الاستدراجات . فنقول : إن صاحب ~~الكرامة لا يستأنس بتلك الكرامة بل عند ظهور الكرامة يصير خوفه من الله ~~تعالى أشد وحذره من قهر الله أقوى فإنه يخاف أن يكون ذلك من باب الاستدراج ~~/ وأما صاحب الاستدراج فإنه يستأنس بذلك الذي يظهر عليه ويظن أنه إنما وجد ~~تلك الكرامة لأنه كان ms5902 مستحقا لها وحينئذ يستحقر غيره ويتكبر عليه ويحصل له ~~أمن من مكر الله وعقابه ولا يخاف سوء العاقبة فإذا ظهر شيء من هذه الأحوال ~~على صاحب الكرامة دل ذلك على أنها كانت استدراجا لا كرامة . فلهذا المعنى ~~قال المحققون : أكثر ما اتفق من الانقطاع عن حضرة الله إنما وقع في مقام ~~الكرامات فلا جرم ترى المحققين يخافون من الكرامات كما يخافون من أنواع ~~البلاء . والذي يدل على أن الاستئناس بالكرامة قاطع عن الطريق وجوه : # الحجة الأولى : أن هذا الغرور إنما يحصل إذا اعتقد الرجل أنه مستحق لهذ ~~الكرامة لأن بتقدير أن لا يكون مستحقا لها امتنع حصول الفرح بها بل يجب أن ~~يكون فرحه بكرم المولى وفضله أكبر من فرحه بنفسه فثبت أن الفرح بالكرامة ~~أكثر من فرحه بنفسه وثبت أن الفرح بالكرامة لا يحصل إلا إذا اعتقد أنه أهل ~~ومستحق لها وهذا عين الجهل لأن الملائكة قالوا : { لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا } ( البقرة : 32 ) وقال تعالى : { وما قدروا الله حق قدره } ( ~~الأنعام : 91 ) وأيضا قد ثبت بالبرهان اليقيني أنه لا حق لأحد من الخلق على ~~الحق فكيف يحصل ظن الاستحقاق . # الحجة الثانية : أن الكرامات أشياء مغايرة للحق سبحانه فالفرح بالكرامة ~~فرح بغير الحق والفرح بغير الحق حجاب عن الحق والمحجوب عن الحق كيف يليق به ~~الفرح والسرور . # الحجة الثالثة : أن من اعتقد في نفسه أنه صار مستحقا للكرامة بسبب عمله ~~حصل لعمله وقع عظيم في قلبه ومن كان لعمله وقع عنده كان جاهلا ولو عرف ربه ~~لعلم أن كل طاعات الخلق في جنب جلال الله تقصير وكل شكرهم في جنب آلائه ~~ونعمائه قصور وكل معارفهم وعلومهم فهي في مقابلة عزته حيرة وجهل . رأيت في ~~بعض الكتب أنه قرأ المقرىء في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق قوله تعالى : { ~~إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } ( فاطر : 10 ) فقال علامة أن ~~الحق رفع عملك أن لا يبقى ( ذكره ) عندك فإن بقي عملك في نظرك فهو مدفوع ~~وإن لم يبق معك ms5903 فهو مرفوع مقبول . # الحجة الرابعة : أن صاحب الكرامة إنما وجد الكرامة لإظهار الذل والتواضع ~~في حضرة الله فإذا ترفع وتجبر وتكبر بسبب تلك الكرامات فقد بطل ما به وصل ~~إلى الكرامات فهذا طريق ثبوته يؤديه إلى عدمه فكان مردودا ولهذا المعنى لما ~~ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مناقب نفسه / وفضائلها كان يقول في آخر كل ~~واحد منها ولا فخر يعني لا أفتخر بهذه الكرامات وإنما أفتخر بالمكرم ~~والمعطي . # الحجة الخامسة : أن ظاهر الكرامات في حق إبليس وفي حق بلعام كان عظيما ثم ~~قيل لإبليس وكان من الكافرين وقيل لبلعام فمثله كمثل الكلب وقيل لعلماء بني ~~إسرائيل : { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا } PageV21P080 ( الجمعة : 5 ) وقيل أيضا في حقهم : { وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } ( آل عمران : ~~19 ) فبين أن وقوعهم في الظلمات والضلالات كان بسبب فرحهم بما أوتوا من ~~العلم والزهد . # الحجة السادسة : أن الكرامة غير المكرم وكل ما هو غير المكرم فهو ذليل ~~وكل من تعزز بالذليل فهو ذليل ، ولهذا المعنى قال الخليل صلوات الله عليه : ~~أما إليك فلا ، فالاستغناء بالفقير فقر والتقوي بالعاجز عجز والاستكمال ~~بالناقص نقصان والفرح بالمحدث بله والإقبال بالكلية على الحق خلاص ، فثبت ~~أن الفقير إذا ابتهج بالكرامة سقط عن درجته . أما إذا كان لا يشاهد في ~~الكرامات إلا المكرم ولا في الإعزاز إلا المعز ولا في الخلق إلا الخالق ~~فهناك يحق الوصول . # الحجة السابعة : أن الافتخار بالنفس وبصفاتها من صفات إبليس وفرعون ، قال ~~إبليس : { أنا خير منه } ( الأعراف : 12 ) وقال فرعون : { أليس لى ملك مصر ~~} ( الزخرف : 51 ) وكل من ادعى الإلهية أو النبوة بالكذب فليس له غرض إلا ~~تزيين النفس وتقوية الحرص والعجب ولهذا قال عليه السلام : ( ثلاث مهلكات ، ~~وختمها بقوله : وإعجاب المرء بنفسه ) . # الحجة الثامنة : أنه تعالى قال : { فخذ ما ءاتيتك وكن من الشاكرين } ( ~~الأعراف : 144 ) { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ) فلما أعطاه ~~الله العطية الكبرى أمره بالاشتغال ms5904 بخدمة المعطى لا بالفرح بالعطية . # الحجة التاسعة : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خيره الله بين أن يكون ~~ملكا نبيا وبين أن يكون عبدا نبيا ترك الملك ، ولا شك أن وجدان الملك الذي ~~يعم المشرق والمغرب من الكرامات بل من المعجزات ثم إنه صلى الله عليه وسلم ~~ترك ذلك الملك واختار العبودية لأنه إذا كان عبدا كان افتخاره بمولاه وإذا ~~كان ملكا كان افتخاره بعبيده ، فلما اختار العبودية لا جرم جعل السنة التي ~~في التحيات التي رواها ابن مسعود ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) وقيل في ~~المعراج : { سبحان الذى أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) . # الحجة العاشرة : أن محب المولى غير ، ومحب ما للمولى غير ، فمن أحب ~~المولى لم يفرح بغير المولى ولم يستأنس بغير المولى ، فالاستئناس بغير ~~المولى والفرح بغيره يدل على أنه ما كان محبا للمولى بل كان محبا لنصيب ~~نفسه ونصيب النفس إنما يطلب للنفس فهذا الشخص ما أحب إلا نفسه . وما كان ~~المولى محبوبا له بل جعل المولى وسيلة إلى تحصيل ذلك المطلوب . والصنم ~~الأكبر هو النفس كما قال تعالى : { أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه } ( الجاثية ~~: 23 ) فهذا الإنسان عابد للصنم الأكبر / حتى أن المحققين قالوا لا مضرة في ~~عبادة شيء من الأصنام مثل المضرة الحاصلة في عبادة النفس ولا خوف من عبادة ~~الأصنام كالخوف من الفرح بالكرامات . # الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه } وهذا يدل على أن من ~~لم يتق الله ولم يتوكل عليه لم يحصل له شيء PageV21P081 من هذه الأفعال ~~والأحوال . # المسألة الثامنة : في أن الولي هل يعرف كونه وليا ، قال الأستاذ أبو بكر ~~بن فورك لا يجوز وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري ~~يجوز ، وحجة المانعين وجوه : # الحجة الأولى : لو عرف الرجل كونه وليا لحصل له الأمن بدليل قوله تعالى : ~~{ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } لكن حصول الأمن غير ~~جائز ms5905 ويدل عليه وجوه : أحدها : قوله مالي : { فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون } واليأس أيضا غير جائز لقوله تعالى : { يبنى اذهبوا فتحسسوا من ~~يوسف وأخيه ولا تايئسوا من } ولقوله تعالى : { ومن يقنط من رحمة ربه إلا ~~الضآلون } والمعنى فيه أن الأمن لا يحصل إلا عند اعتقاد العجز ، واليأس لا ~~يحصل إلا عند اعتقاد البخل واعتقاد العجز والبخل في حق الله كفر ، فلا جرم ~~كان حصول الأمن والقنوط كفرا . الثاني : أن الطاعات وإن كثرت إلا أن قهر ~~الحق أعظم ومع كون القهر غالبا لا يحصل الأمن . الثالث : أن الأمن يقتضي ~~زوال العبودية وترك الخدمة والعبودية يوجب العداوة والأمن يقتضي ترك الخوف ~~. الرابع : أنه تعالى وصف المخلصين بقوله : { ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا ~~لنا خاشعين } قيل رغبا في ثوابنا / ورهبا من عقابنا . وقيل : رغبا في فضلنا ~~، ورهبا من عدلنا . وقيل رغبا في وصالنا ، ورهبا من فراقنا . والأحسن أن ~~يقال رغبا فينا ، ورهبا منا . # الحجة الثانية : على أن الولي لا يعرف كونه وليا ، أن الولي إنما يصير ~~وليا لأجل أن الحق يحبه لا لأجل أنه يحب الحق ، وكذلك القول في العدو ، ثم ~~إن محبة الحق وعداوته سران لا يطلع عليهما أحد فطاعات العباد ومعاصيهم لا ~~تؤثر في محبة الحق وعداوته لأن الطاعات والمعاصي محدثة ، وصفات الحق قديمة ~~غير متناهية ، والمحدث المتناهي لا يصير غالبا للقديم غير المتناهي . وعلى ~~هذا التقدير فربما كان العبد في الحال في عين المعصية إلا أن نصيبه من ~~الأزل عين المحبة . وربما كان العبد في الحال في عين الطاعة ولكن نصيبه من ~~الأزل عين العداوة وتمام التحقيق أن محبته وعداوته صفة ، وصفة الحق غير ~~معللة ، ومن كانت محبته لا لعلة ، فإنه يمتنع أن يصير عدوا بعلة المعصية ، ~~ومن كانت عدواته لا لعلة يمتنع أن يصير محبا لعلة الطاعة ، ولما كانت محبة ~~الحق وعداوته سرين لا يطلع عليهما لا جرم قال عيسى عليه السلام : { تعلم ما ~~فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك إنك أنت علام الغيوب } . # الحجة الثالثة : على أن ms5906 الولي لا يعرف كونه وليا ؛ أن الحكم بكونه وليا ~~وبكونه من أهل / الثواب والجنة يتوقف على الخاتمة ، والدليل عليه قوله ~~تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ولم يقل من عمل حسنة فله عشر ~~أمثالها ، وهذا يدل على أن استحقاق الثواب مستفاد من الخاتمة لا من أول ~~العمل ، والذي يؤكد ذلك أنه لو مضى عمره في الكفر ثم أسلم في آخر الأمر كان ~~من أهل الثواب وبالضد ، وهذا دليل على أن العبرة بالخاتمة لا بأول العمل ، ~~ولهذا قال تعالى : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } فثبت ~~أن العبرة في الولاية والعداوة وكونه من أهل الثواب أو من أهل العقاب ~~بالخاتمة ، فظهر أن الخاتمة غير معلومة لأحد ، فوجب القطع بأن الولي لا ~~يعلم كونه وليا ، أما الذين قالوا إن الولي قد يعرف كونه وليا فقد احتجوا ~~على صحة قولهم بأن الولاية لها ركنان . أحدهما : كونه في الظاهر منقادا ~~للشريعة . الثاني : كونه في الباطن مستغرقا في نور الحقيقة ، فإذا حصل ~~الأمران وعرف الإنسان حصولهما PageV21P082 عرف لا محالة كونه وليا ، أما ~~الانقياد في الظاهر للشريعة فظاهر ، وأما استغراق الباطن في نور الحقيقة ~~فهو أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله ، وأن لا يكون له استقرار ~~مع شيء سوى الله . والجواب : أن تداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة غامضة ~~والقضاء عسر ، والتجربة خطر ، والجزم غرور . ودون الوصول إلى عالم الربوبية ~~أستار ، تارة من النيران ، وأخرى من الأنوار ، والله العالم بحقائق الأسرار ~~، ولنرجع إلى التفسير . # ! 7 < { نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية ءامنوا بربهم وزدناهم هدى * ~~وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والا رض لن ندعوا من ~~دونه إلاها لقد قلنا إذا شططا * هاؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ءالهة لولا ~~يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 13 - 15 ) نحن نقص عليك . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى ذكر من قبل جملة من واقعتهم ثم قال : { نحن نقص عليك ~~نبأهم بالحق } أي على ms5907 وجه الصدق : { نحن نقص عليك نبأهم } كانوا جماعة من ~~الشبان آمنوا بالله ، ثم قال تعالى في صفاتهم : { وربطنا على قلوبهم } أي ~~ألهمناها الصبر وثبتناها : { إذ قاموا } وفي هذا القيام أقوال : الأول : ~~قال مجاهد كانوا عظماء مدينتهم فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد ~~، فقال رجل منهم أكبر القوم إني لأجد / في نفسي شيئا ما أظن أن أحدا يجده ، ~~قالوا ما تجد ؟ قال أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض . القول الثاني : ~~أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار ، وقالوا : ربنا رب السموات ~~والأرض ، وذلك لأنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت ، فثبت الله هؤلاء ~~الفتية ، وعصمهم حتى عصوا ذلك الجبار ، وأقروا بربوبية الله ، وصرحوا ~~بالبراءة عن الشركاء والأنداد . والقول الثالث : وهو قول عطاء ومقاتل أنهم ~~قالوا ذلك عند قيامهم من النوم وهذا بعيد لأن الله استأنف قصتهم بقوله : { ~~نحن نقص عليك } وقوله : { لقد قلنا إذا شططا } معنى الشطط في اللغة مجاوزة ~~الحد ، قال الفراء يقال قد أشط في السوم إذ جاوز الحد ولم يسمع إلا أشط يشط ~~أشطاطا وشططا ، وحكى الزجاج وغيره شط الرجل وأشط إذا جاوز الحد ، ومنه قوله ~~: { ولا تشطط } ( ص : 22 ) وأصل هذا من قولهم شطت الدار إذا بعدت ، فالشطط ~~البعد عن الحق ، وهو ههنا منصوب على المصدر ، والمعنى لقد قلنا إذا قولا ~~شططا ، أما قوله : { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ءالهة } هذا من قول أصحاب ~~الكهف ويعنون الذين كانوا في زمان دقيانوس عبدوا الأصنام { لولا يأتون لولا ~~يأتون عليهم بسلطان بين } بحجة بينة ، PageV21P083 ومعنى عليهم أي على ~~عبادة الآلهة ، ومعنى الكلام أن عدم البينة بعدم الدلائل على ذلك لا يدل ~~على عدم المدلول ، ومن الناس من يحتج بعدم الدليل على عدم المدلول ويستدل ~~على صحة هذه الطريقة بهذه الآية . فقال إنه تعالى استدل على عدم الشركاء ~~والأضداد بعدم الدليل عليها فثبت أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول ~~طريقة قوية ، ثم قال : { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } يعني أن الحكم ~~بثبوت الشيء مع ms5908 عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على الله وكذب عليه ، وهذا من ~~أعظم الدلائل على فساد القول بالتقليد . # ! 7 < { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ~~ربكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم مرفقا * وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن ~~كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم فى فجوة منه ذالك من ~~ءايات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } > 7 ~~@QB@ < # | الكهف : ( 16 - 17 ) وإذ اعتزلتموهم وما . . . . . # > > # اعلم أن المراد أنه قال بعضهم لبعض : { وإذا * اعتزلتموهم } واعتزلتم ~~الشيء الذي يعبدونه إلا الله فإنكم لم تعتزلوا عبادة الله : { فأووا إلى ~~الكهف } قال الفراء هو جواب إذ كما تقول إذ فعلت كذا فافعل كذا ، ومعناه : ~~إذهبوا إليه واجعلوه مأواكم : { ينشر لكم ربكم من رحمته } أي يبسطها عليكم ~~: { ويهيىء لكم من أمركم مرفقا } قرأن افع وابن عامر وعاصم في رواية مرفقا ~~بفتح الميم وكسر الفاء والباقون مرفقا بكسر الميم وفتح الفاء ، قال الفراء ~~: وهما لغتان واشتقاقهما من الإرتفاق ، وكان الكسائي ينكر في مرفق الإنسان ~~الذي في اليد إلا كسر الميم وفتح الفاء ، والفراء يجيزه في الأمر وفي اليد ~~وقيل هما لغتان إلا أن الفتح أقيس والكسر أكثر وقيل المرفق ما ارتفقت به ، ~~والمرفق بالفتح المرافق ثم قال تعالى : { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن ~~كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } وفيه مباحث : # البحث الأول : قرأ ابن عامر تزور ساكنة الزاي المعجمة مشددة الراء مثل ~~تحمر ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تزاور بالألف والتخفيف والباقون تزاور ~~بالتشديد والألف والكل بمعنى واحد ، والتزاور هو الميل والانحراف ، ومنه ~~زاره إذا مال إليه والزور الميل عن الصدق ، وأما التشديد فأصله تتزاور سكنت ~~التاء الثانية وأدغمت في الزاي ، وأما التخفيف فهو تفاعل من الزور وأما ~~تزور فهو من الإزورار . # البحث الثاني : قوله : { وترى الشمس } أي أنت أيها المخاطب ترى الشمس عند ~~طلوعها تميل عن كهفهم وليس المراد أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى ولكن ~~العادة ms5909 في المخاطبة تكون على هذا النحو ، ومعناه أنك لو رأيته على هذه ~~الصورة . # البحث الثالث : قوله : { ذات اليمين } أي جهة اليمين وأصله أن ذات صفة ~~أقيمت مقام الموصوف لأنها PageV21P084 تأنيث ذو في قولهم رجل ذو مال ، ~~وامرأة ذات مال ، والتقدير كأنه قيل تزاور عن كهفهم جهة ذات اليمين ، وأما ~~قوله : { وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } ففيه بحثان : # البحث الأول : قال الكسائي قرضت المكان أي عدلت عنه وقال أبو عبيدة القرض ~~في أشياء فمنها القطع ، وكذلك السير في البلاد أي إذا قطعها . تقول لصاحبك ~~هل وردت مكان كذا فيقول المجيب إنما قرضته فقوله : { تقرضهم ذات الشمال } ~~أي تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال . # البحث الثاني : للمفسرين ههنا قولان : القول الأول : أن باب ذلك الكهف ~~كان مفتوحا إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف وإذا غربت ~~كانت على شماله فضوء / الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف ، وكان الهواء ~~الطيب والنسيم الموافق يصل ، والمقصود أن الله تعالى صان أصحاب الكهف من أن ~~يقع عليهم ضوء الشمس وإلا لفسدت أجسامهم فهي مصونة عن العفونة والفساد . ~~والقول الثاني : أنه ليس المراد ذلك ، وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع ~~الله ضوء الشمس من الوقوع . وكذا القول حال غروبها / وكان ذلك فعلا خارقا ~~للعادة وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف ، وهذا قول الزجاج واحتج على ~~صحته بقوله : { ذالك من آيات الله } قال ولو كان الأمر كما ذكره أصحاب ~~القول الأول لكان ذلك أمرا معتادا مألوفا فلم يكن ذلك من آيات الله ، وأما ~~إذا حملنا الآية على هذا الوجه الثاني كان ذلك كرامة عجيبة فكانت من آيات ~~الله ، واعلم أنه تعالى أخبر بعد ذلك أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم ~~فيه برد الريح ونسيم الهواء ، قال : { وهم فى فجوة منه } أي من الكهف ، ~~والفجوة متسع في مكان ، قال أبو عبيدة وجمعها فجوات ، ومنه الحديث : ( فإذا ~~وجد فجوة نص ) ثم قال تعالى : { ذالك من آيات الله } وفيه قولان الذين ~~قالوا إنه ms5910 يمنع وصول ضوء الشمس بقدرته قالوا المراد من قوله ذلك أي ذلك ~~التزاور والميل ، والذين لم يقولوا به قالوا المراد بقوله ذلك أي ذلك الحفظ ~~الذي حفظهم الله في الغار تلك المدة الطويلة ، من آيات الله الدالة على ~~عجائب قدرته وبدائع حكمته ، ثم بين تعالى أنه كما أن بقاءهم هذه المدة ~~الطويلة مصونا عن الموت والهلاك من تدبيراته ولطفه وكرمه ، فكذلك رجوعهم ~~أولا عن الكفر ورغبتهم في الإيمان كان بإعانة الله ولطفه فقال : { من يهد ~~الله فهو المهتد } مثل أصحاب الكهف : { ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } ~~كدقيانوس الكافر وأصحابه ، ومناظرات أهل الجبر والقدر في هذه الآية معلومة ~~. # ! 7 < { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم ~~باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا } > ~~7 ! # < < # | الكهف : ( 18 ) وتحسبهم أيقاظا وهم . . . . . # > > اعلم أن معنى قوله : { وتحسبهم } على ما ذكرناه في قوله : { وترى ~~الشمس } أي لو رأيتهم لحسبتهم { أيقاظا } وهو جمع يقظ ويقظان قاله الأخفش ~~وأبو عبيدة والزجاج وأنشدوا لرؤبة : # ووجدوا إخوانهم أيقاظا PageV21P085 # / ومثله قوله نجد ونجدان وأنجاد ، وهم رقود أي نائمون وهو مصدر سمي ~~المفعول به كما يقال قوم ركوع وقعود وسجود يوصف الجمع بالمصدر ، ومن قال ~~إنه جمع راقد فقد أبعد لأنه لم يجمع فاعل على فعول ، قال الواحدي : وإنما ~~يحسبون { أيقاظا } لأن أعينهم مفتحة وهم نيام وقال الزجاج لكثرة تقلبهم يظن ~~أنهم أيقاظ ، والدليل عليه قوله تعالى : { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ~~} واختلفوا في مقدار مدة التقليب فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن لهم في كل ~~عام تقليبتين وعن مجاهد يمكثون على أيمانهم تسع سنين ثم يقلبون على شمائلهم ~~فيمكثون رقودا تسع سنين وقيل لهم تقليبة واحدة في يوم عاشوراء . وأقول هذه ~~التقديرات لا سبيل للعقل إليها ، ولفظ القرآن لا يدل عليه ، وما جاء فيه ~~خبر صحيح فكيف يعرف ؟ وقال ابن عباس رضي الله عنهما فائدة تقليبهم لئلا ~~تأكل الأرض لحومهم ولا تبليهم . وأقول هذا عجيب لأنه تعالى لما قدر ms5911 على أن ~~يمسك حياتهم مدة ثلثمائة سنة وأكثر فلم لا يقدر على حفظ أجسادهم أيضا من ~~غير تقليب ؟ وقوله : { ذات } منصوبة على الظرف لأن المعنى { * نقلبهم } في ~~ناحية { عن اليمين } أو على ناحية { اليمين } كما قلنا في قوله : { تزاور ~~عن كهفهم ذات اليمين } وقوله : { وكلبهم باسط ذراعيه } قال ابن عباس وأكثر ~~المفسرين قالوا إنهم هربوا ليلا من ملكهم ، فمروا براع معه كلب فتبعهم على ~~دينهم ومعه كلبه ، وقال كعب مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا مرارا ~~، فقال لهم الكلب ما تريدون مني لا تخشوا جانبي أنا أحب أحباء الله فناموا ~~حتى أحرسكم ، وقال عبيد بن عمير كان ذلك كلب صيدهم ومعنى : { باسط ذراعيه } ~~أي يلقيهما على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين ، ومنه الحديث في الصلاة : ( ~~أنه نهى عن افتراش السبع ) وقال : ( لا تفترش ذراعيك افتراش السبع ) قوله : ~~{ بالوصيد } يعني فناء الكهف قال الزجاج الوصيد فناء البيت وفناء الدار ~~وجمعه وصائد ووصد ، وقال يونس والأخفش والفراء الوصيد والأصيد لغتان مثل ~~الوكاف والإكاف ، وقال السدي : { * الوصيد } الباب والكهف لا يكون له باب ~~ولا عتبة وإنما أراد أن الكلب منه بموضع العتبة من البيت ، ثم قال : { ~~بالوصيد لو اطلعت عليهم } أي أشرفت عليهم يقال اطلعت عليهم أي أشرفت عليهم ~~، ويقال أطلعت فلانا على الشيء فاطلع وقوله : { لوليت منهم فرارا } قال ~~الزجاج قوله : { فرارا } منصوب على المصدر لأن معنى وليت منهم فررت : { ~~ولملئت منهم رعبا } أي فزعا وخوفا قيل في التفسير طالت شعورهم وأظفارهم ~~وبقيت أعينهم مفتوحة وهم نيام ، فلهذا السبب لو رآهم الرائي لهرب منهم ~~مرعوبا ، وقيل : إنه تعالى جعلهم بحيث كل من رآهم فزع فزعا شديدا ، فأما ~~تفصيل سبب الرعب فالله أعلم به . وهذا هو الأصح وقوله : { ولملئت منهم رعبا ~~} قرأ نافع وابن كثير لملئت بتشديد اللام والهمزة والباقون بتخفيف اللام ، ~~وروى عن ابن كثير بالتخفيف والمعنى واحد إلا أن في التشديد مبالغة / قال ~~الأخفش الخفيفة أجود في كلام العرب ، يقال : ملأتني رعبا ، ولا يكادون ~~يعرفون ملأتني ، ويدل على هذا أكثر استعمالهم ms5912 كقوله : # / فيملأ بيتنا أقطا وسمنا PageV21P086 # وقول الآخر : # % ومن مالىء عينيه من شيء غيره % % إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى % # وقال الآخر : # لا تملأ الدلو وعرق فيها # وقال الآخر : # امتلأ الحوض وقال قطني # وقد جاء التثقيل أيضا ، وأنشدوا للمخبل السعدي : # % وإذا قتل النعمان بالناس محرما % % فملأ من عوف بن كعب سلاسله % # وقرأ ابن عامر والكسائي رعبا بضم العين في جميع القرآن والباقون بالإسكان ~~. # ! 7 < { وكذالك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم ~~هاذه إلى المدينة فلينظر أيهآ أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا ~~يشعرن بكم أحدا * إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم فى ملتهم ولن ~~تفلحوا إذا أبدا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 19 - 20 ) وكذلك بعثناهم ليتساءلوا . . . . . # > > # اعلم أن التقدير وكما : { زدناهم * هدى * وربطنا على قلوبهم * فضربنا ~~علىءاذانهم } وأنمناهم وأبقيناهم أحياء لا يأكلون ولا يشربون ونقلبهم فكذلك ~~بعثناهم أي أحييناهم من تلك النومة التي تشبه الموت ليتساءلوا بينهم تساءل ~~تنازع واختلاف في مدة لبثهم ، فإن قيل : هل يجوز أن يكون الغرض من بعثهم أن ~~يتساءلوا ويتنازعوا ؟ قلنا : لا يبعد ذلك لأنهم إذا تساءلوا انكشف لهم من ~~قدرة الله تعالى أمور عجيبة وأحوال غريبة ، وذلك الانكشاف أمر مطلوب لذاته ~~. ثم قال تعالى : / { قال قائل منهم كم } أي كم مقدار لبثنا في هذا الكهف : ~~{ لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } قال المفسرون إنهم دخلوا الكهف غدوة ~~وبعثهم الله في آخر النهار ، فلذلك قالوا لبثنا يوما فلما رأوا الشمس باقية ~~قالوا أو بعض يوم ، ثم قال تعالى : { قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } ، قال ~~ابن عباس هو رئيسهم يمليخا رد علم ذلك إلى الله تعالى لأنه لما نظر إلى ~~أشعارهم وأظفارهم وبشرة وجوههم رأى فيها آثار التغير الشديد فعلم أن مثل ~~ذلك التغير لا يحصل إلا في الأيام PageV21P087 الطويلة . ثم قال : { ~~فابعثوا أحدكم بورقكم هاذه إلى المدينة } قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن ~~عاصم بورقكم ساكنة الراء مفتوحة ms5913 الواو ومنهم من قرأ ( ها ) مكسورة الواو ~~ساكنة الراء وقرأ ابن كثير بورقكم بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف وعن ~~ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم القاف في الكاف ، وهذا غير جائز ~~لالتقاء الساكنين على هذه ، والورق اسم للفضة سواء كانت مضروبة أم لا ، ~~ويدل عليه ما روى أن عرفجة اتخذ أنفا من ورق ، وفيه لغات ورق وورق وورق مثل ~~كبد وكبد وكبد ، ذكره الفراء والزجاج قال الفراء وكسر الواو أردؤها . ويقال ~~أيضا للورق الرقة ، قال الأزهري أصله ورق مثل صلة وعدة ، قال المفسرون كانت ~~معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم يعني بالمدينة التي يقال ~~لها اليوم طرسوس ، وهذه الآية تدل على أن السعي في إمساك الزاد أمر مهم ~~مشروع وأنه لا يبطل التوكل وقوله : { فلينظر أيها أزكى طعاما } . قال ابن ~~عباس : يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوسا وفيهم قوم ~~يخفون إيمانهم . وقال مجاهد : كان ملكهم ظالما فقولهم : { أزكى طعاما } ~~يريدون أيها أبعد عن الغضب ، وقيل أيها أطيب وألذ ، وقيل أيها أرخص ، قال ~~الزجاج : قوله : { أيها } رفع بالابتداء ، و { أزكى } خبره و { طعاما } نصب ~~على التمييز ، وقوله : { وليتلطف } أي يكون ذلك في سر وكتمان يعني دخول ~~المدينة وشراء الطعام { ولا يشعرن بكم أحدا } أي لا يخبرن بمكانكم أحدا من ~~أهل المدينة : { إنهم إن يظهروا عليكم } أي يطلعوا ويشرفوا على مكانكم أو ~~على أنفسكم من قولهم : ظهرت على فلان إذا علوته وظهرت على السطح إذا صرت ~~فوقه ، ومنه قوله تعالى : { فأصبحوا ظاهرين } ( الصف : 14 ) أي عالين ، ~~وكذلك قوله : { ليظهره على الدين كله } ( التوبة : 33 ) أي ليعليه وقوله : ~~{ يرجموكم } يقتلوكم ، والرجم بمعنى القتل كثير في التنزيل كقوله : { ولولا ~~رهطك لرجمناك } ( هود : 91 ) وقوله : { أن ترجمون } ( الدخان : 20 ) وأصله ~~الرمي ، قال الزجاج : أي يقتلوكم بالرجم ، والرجم أخبث أنواع القتل : { أو ~~يعيدوكم فى ملتهم } أي يردوكم إلى دينهم { ولن تفلحوا إذا أبدا } أي إذا ~~رجعتم إلى دينهم لن تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة ms5914 قال الزجاج قوله : { ~~إذا أبدا } يدل على الشرط أي ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبدا ، قال ~~القاضي : ما على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين فأحدهما فيه هلاك النفس ~~وهو الرجم الذي هو أخبث أنواع القتل ، والآخر هلاك الدين بأن يردوا إلى ~~الكفر ، فإن قيل : أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر حتى إنهم أظهروا الكفر لم ~~يكن عليهم مضرة فكيف قالوا : { ولن تفلحوا إذا أبدا } / قلنا يحتمل أن يكون ~~المراد أنهم لو ردوا هؤلاء المسلمين إلى الكفر على سبيل الإكراه بقوا ~~مظهرين لذلك الكفر مدة فإنه يميل قلبهم إلى ذلك الكفر ويصيرون كافرين في ~~الحقيقة ، فهذا الاحتمال قائم فكان خوفهم منه ، والله أعلم . # ! 7 < { وكذالك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب ~~فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال ~~الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا * سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ~~ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ~~ربىأعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت ~~فيهم منهم أحدا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 21 - 22 ) وكذلك أعثرنا عليهم . . . . . # > > PageV21P088 # اعلم أن المعنى كما زدناهم هدى وربطنا على قلوبهم وأنمناهم وقلبناهم ~~وبعثناهم لما فيها من الحكم الظاهرة ، فكذلك أعثرنا عليهم أي أطلعنا غيرهم ~~على أحوالهم يقال عثرت على كذا أي علمته وقالو : إن أصل هذا أن من كان ~~غافلا عن شيء فعثر به نظر إليه فعرفه ، فكان العثار سببا لحصول العلم ~~والتبين فأطلق اسم السبب على المسبب واختلفوا في السبب الذي لأجله عرف ~~الناس واقعة أصحاب الكهف على وجهين : الأول : أنه طالت شعورهم وأظفارهم ~~طولا مخالفا للعادة وظهرت في بشرة وجوههم آثار عجيبة تدل على أن مدتهم قد ~~طالت طولا خارجا عن العادة . والثاني : أن ذلك الرجل لما دخل إلى لسوق ~~ليشتري الطعام وأخرج الدراهم لثمن الطعام قال صاحب الطعام : هذه النقود غير ~~موجودة في هذا اليوم . وإنها كانت موجودة قبل هذا الوقت بمدة ms5915 طويلة ودهر ~~داهر فلعلك وجدت كنزا ، واختلف الناس فيه وحملوا ذلك الرجل إلى ملك البلد ~~فقال الملك من أين وجدت هذه الدراهم ؟ فقال : بعت بها أمس شيئا من التمر ، ~~وخرجنا فرارا من / الملك دقيانوس فعرف ذلك الملك أنه ما وجد كنزا وأن الله ~~بعثه بعد موته ثم قال تعالى : { ليعلموا أن وعد الله حق } يعني أنا إنما ~~أطلعنا القوم على أحوالهم ليعلم القوم أن وعد الله حق بالبعث والحشر والنشر ~~روى أن ملك ذلك الوقت كان ممن ينكر البعث إلا أنه كان مع كفرة منصفا فجعل ~~الله أمر الفتية دليلا للملك ، وقيل بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال ~~بعضهم : الجسد والروح يبعثان جميعا ، وقال آخرون : الروح تبعث ، وأما الجسد ~~فتأكله الأرض . ثم إن ذلك الملك كان يتضرع إلى الله أن يظهر له آية يستدل ~~بها على ما هو الحق في هذه المسألة فأطلعه الله تعالى على أمر أصحاب أهل ~~الكهف . فاستدل ذلك الملك بواقعتهم على صحة البعث للأجساد ، لأن انتباههم ~~بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث فقوله : { إذ يتنازعون بينهم } ~~متعلق باعثرنا أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم . واختلفوا في المراد ~~بهذا التنازع فقيل كانوا يتنازعون في صحة البعث ، فالقائلون به استدلوا ~~بهذه الواقعة على صحته ، وقالوا كما قدر الله على حفظ أجسادهم مدة ثلثمائة ~~سنة وتسع سنين فكذلك يقدر على حشر الأجساد بعد موتها ، وقيل : إن الملك ~~وقومه لما رأوا أصحاب الكهف ووقفوا على أحوالهم عاد القوم إلى كهفهم ~~فأماتهم الله فعند هذا اختلف الناس ، فقال قوم إنهم نيام كالكرة الأولى ~~وقال آخرون بل الآن ماتوا . والقول الثالث : أن بعضهم قال : الأولى أن يسد ~~باب الكهف لئلا يدخل عليهم أحد ولا يقف على أحوالهم إنسان . وقال آخرون : ~~بل الأولى أن يبني على باب الكهف مسجد وهذا القول يدل على أن أولئك الأقوام ~~كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة . والقول الرابع : أن الكفار ~~قالوا : إنهم كانوا على ديننا فنتخذ عليهم بنيانا / والمسلمون قالوا كانوا ~~على ديننا ms5916 فنتخذ عليهم مسجدا . والقول الخامس : أنهم تنازعوا في قدر مكثهم ~~. والسادس : أنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم ، ثم قال تعالى : { ربهم أعلم ~~بهم } وهذا فيه وجهان . أحدهما : أنه من كلام المتنازعين كأنهم لما تذاكروا ~~أمرهم وتناقلوا الكلام في أسمائهم وأحوالهم ومدة لبثهم ، فلما لم يهتدوا ~~إلى حقيقة ذلك قالوا ربهم أعلم بهم . الثاني : أن هذا من كلام الله تعالى ~~ذكره ردا للخائضين في حديثهم من PageV21P089 أولئك المتنازعين ثم قال تعالى ~~: { قال الذين غلبوا على أمرهم } قيل المراد به الملك المسلم ، وقيل : ~~أولياء أصحاب الكهف ، وقيل : رؤساء البلد : { لنتخذن عليهم مسجدا } نعبد ~~الله فيه ونستبقي آثار أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد ، ثم قال تعالى : { ~~سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } الضمير في قوله : { سيقولون } عائد إلى ~~المتنازعين . روى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبيا كانوا ~~ثلاثة رابعهم كلبهم ، وقال العاقب وكان نسطوريا كانوا خمسة سادسهم كلبهم ، ~~وقال المسلمون كانوا سبعة وثامنهم كلبهم ، قال أكثر المفسرين هذا الأخير هو ~~الحق ويدل عليه وجوه . الأول : أن الواو في قوله : { وثامنهم } هي الواو ~~التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن ~~المعرفة في نحو قولك / جاءني رجل ومعه آخر ، ومررت بزيد وفي يده سيف ، ومنه ~~قوله تعالى : { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } ( الحجر : 4 ) ~~وفائدتها توكيد ثبوت الصفة للموصوف والدلالة على أن اتصافه بها ) أمر ثابت ~~مستقر ، فكانت هذه الواو دالة على صدق الذين قالوا إنهم كانوا سبعة وثامنهم ~~كلبهم ، وأنهم قالوا قولا متقررا متحققا عن ثبات وعلم وطمأنينة نفس . الوجه ~~الثاني : قالوا : إنه تعالى خص هذا الموضع بهذا الحرف الزائد وهو الواو ~~فوجب أن تحصل به فائدة زائدة صونا للفظ عن التعطيل ، وكل من أثبت هذه ~~الفائدة الزائدة قال المراد منها تخصيص هذا القول بالإثبات والتصحيح . ~~الوجه الثالث : أنه تعالى أتبع القولين الأولين بقوله : { رجما بالغيب } ~~وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن ms5917 الحال في الباقي بخلافه ، فوجب أن يكون ~~المخصوص بالظن الباطل هو القولان الأولان ، وأن يكون القول الثالث مخالفا ~~لهما في كونهما رجما بالظن . والوجه الرابع : أنه تعالى لما حكى قولهم : { ~~ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم } قال بعده : { قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم ~~إلا قليل } فاتباع القولين الأولين بكونهما رجما بالغيب وإتباع هذا القول ~~الثالث بقوله : { قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل } يدل على أن هذا ~~القول ممتاز عن القولين الأولين بمزيد القوة والصحة . والوجه الخامس : أنه ~~تعالى قال : { ما يعلمهم إلا قليل } وهذا يقتضي أنه حصل العلم بعدتهم لذلك ~~القليل وكل من قال من المسلمين قولا في هذا الباب قالوا إنهم كانوا سبعة ~~وثامنهم كلبهم فوجب أن يكون المراد من ذلك القليل هؤلاء الذين قالوا هذا ~~القول . كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : كانوا سبعة وأسماؤهم هذا ~~: يمليخا ، مكسلمينا ، مسلثينا وهؤلاء الثلاثة كانوا أصحاب يمين الملك ، ~~وكان عن يساره : مرنوس ، ودبرنوس ، وسادنوس ، وكان الملك يستشير هؤلاء ~~الستة في مهماته ، والسابع هو الراعي الذي وافقهم لما هربوا من ملكهم واسم ~~كلبهم قطمير ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : أنا من ذلك العدد ~~القليل ، وكان يقول : إنهم سبعة وثامنهم كلبهم . # الوجه السادس : أنه تعالى لما قال : { ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى ~~أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل } والظاهر أنه تعالى لما حكى الأقوال فقد ~~حكى كل ما قيل من الحق والباطل لأنه يبعد أنه تعالى ذكر الأقوال الباطلة ~~ولم يذكر ما هو الحق . فثبت أن جملة الأقوال الحقة والباطلة ليست إلا هذه ~~الثلاثة ، ثم خص PageV21P090 الأولين بأنهما رجم بالغيب فوجب أن يكون الحق ~~هو هذا الثالث . الوجه السابع : أنه تعالى قال لرسوله ؛ { فلا تمار فيهم ~~إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا } فمنعه الله تعالى عن المناظرة ~~معهم وعن استفتائهم في هذا الباب ، وهذا إنما يكون لو علمه حكم هذه الواقعة ~~، وأيضا أنه تعالى قال : { ما يعلمهم إلا قليل } ويبعد أن يحصل العلم بذلك ms5918 ~~لغير النبي ولا يحصل للنبي ، فعلمنا أن العلم بهذه الواقعة حصل للنبي عليه ~~السلام ، والظاهر أنه لم يحصل ذلك العلم إلا بهذا الوحي ، لأن الأصل فيما ~~سواه العدم ، وأن يكون الأمر كذلك فكان الحق هو قوله : { ويقولون سبعة ~~وثامنهم كلبهم } واعلم أن هذه الوجوه وإن كان بعضها أضعف / من بعض إلا أنه ~~لما تقوى بعضها ببعض حصل فيه كمال وتمام والله أعلم . بقي في الآية مباحث . # البحث الأول : في الآية حذف والتقدير سيقولون هم ثلاثة فحذف المبتدأ ~~لدلالة الكلام عليه . # البحث الثاني : خص القول الأول بسين الاستقبال ، وهو قوله سيقولون ، ~~والسبب فيه أن حرف العطف يوجب دخول القولين الآخرين فيه . # البحث الثالث : الرجم هو الرمي ، والغيب ما غاب عن الإنسان فقوله : { ~~رجما بالغيب } معناه أن يرى ما غاب عنه ولا يعرفه بالحقيقة ، يقال فلان ~~يرمي بالكلام رميا ، أي يتكلم من غير تدبر . # البحث الرابع : ذكروا في فائدة الواو في قوله : { وثامنهم كلبهم } وجوها ~~الوجه الأول : ما ذكرنا أنه يدل على أن هذا القول أولى من سائر الأقوال . ~~وثانيها : أن السبعة عند العرب أصل في المبالغة في العدد قال تعالى : { إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة } وإذا كان كذلك فإذا وصلوا إلى الثمانية ذكروا لفظا ~~يدل على الاستئناف ، فقالوا وثمانية ، فجاء هذا الكلام على هذا القانون ، ~~قالوا : ويدل عليه نظيره في ثلاث آيات ، وهي قوله : { والناهون عن المنكر } ~~( التوبة : 112 ) لأن هذا هو العدد الثامن من الأعداد المتقدمة وقوله : { ~~حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها } ( الزمر : 73 ) لأن أبواب الجنة ثمانية ، ~~وأبواب النار سبعة ، وقوله : { ثيبات وأبكارا } ( التحريم : 5 ) هو العدد ~~الثامن مما تقدم ، والناس يسمون هذه الواو واو الثمانية ، ومعناه ما ذكرناه ~~، قال القفال : وهذا ليس بشيء ، والدليل عليه قوله تعالى : { هو الله الذى ~~لا إلاه إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ~~} ( الحشر : 23 ) ولم يذكر الواو في النعت الثامن ، ثم قال تعالى : { قل ~~ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل } وهذا هو الحق ، لأن العلم بتفاصيل ~~كائنات ms5919 العالم والحوادث التي حدثت في الماضي والمستقبل لا تحصل إلا عند ~~الله تعالى ، وإلا عند من أخبره الله عنها ، وقال ابن عباس أنا من أولئك ~~القليل ، قال القاضي : إن كان قد عرفه ببيان الرسول صح ، وإن كان قد تعلق ~~فيه بحرف الواو فضعيف ، ويمكن أن يقال : الوجوه السبعة المذكورة وإن كانت ~~لا تفيد الجزم إلا أنها تفيد الظن ، واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه القصة ~~أتبعه بأن نهي رسوله عن شيئين / عن المراء والاستفتاء ، أما النهي عن ~~المراء ، فقوله : { فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا } والمراد من المراء ~~الظاهر أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد ، بل يقول : هذا التعيين لا دليل ~~عليه ، فوجب التوقف وترك القطع . ونظيره قوله تعالى : { ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب إلا بالتى هى أحسن } ( العنكبوت : 46 ) وأما النهي عن الاستفتاء ~~فقوله : { ولا تستفت فيهم منهم أحدا } ، وذلك لأنه لما ثبت أنه ليس عندهم ~~علم في هذا الباب وجب المنع من استفتائهم ، واعلم أن نفاة القياس تمسكوا ~~بهذه الآية PageV21P091 قالوا لأن قوله : { رجما بالغيب } وضع الرجم فيه ~~موضع الظن فكأنه قيل : ظنا بالغيب لأنهم أكثروا أن يقولوا : رجم بالظن مكان ~~قولهم ظن ، حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين ، ألا ترى إلى قوله : # وما هو عنها بالحديث المرجم # / أي المظنون هكذا قاله صاحب الكشاف ، وذلك يدل على أن القول بالظن مذموم ~~عند الله ثم إنه تعالى لما ذم هذه الطريقة رتب عليه من استفتاء هؤلاء ~~الظانين ، فدل ذلك على أن الفتوى بالمظنون غير جائز عند الله ، وجواب مثبتي ~~القياس عنه قد ذكرناه مرارا . # ! 7 < { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا * إلا أن يشآء الله واذكر ربك ~~إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربى لاقرب من هاذا رشدا * ولبثوا فى كهفهم ثلاث ~~مئة سنين وازدادوا تسعا * قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والا رض ~~أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحدا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 23 - 26 ) ولا تقولن لشيء ms5920 . . . . . # > > # اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال المفسرون إن القوم لما سألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن المسائل الثلاثة ، قال عليه السلام أجيبكم عنها غدا ولم يقل إن شاء ~~الله ، فاحتبس الوحي خمسة عشر يوما وفي رواية أخرى أربعين يوما ، ثم نزلت ~~هذه الآية ، اعترض القاضي على هذا الكلام من وجهين . الأول : أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان عالما بأنه إذا أخبر عن أنه سيفعل الفعل الفلاني ~~غدا فربما جاءته الوفاة قبل الغد ، وربما عاقه عائق آخر عن الإقدام على ذلك ~~الفعل غدا ، وإذا كان كل هذه الأمور محتملا ، فلو لم يقل إن شاء الله ربما ~~خرج الكلام مخالفا لما عليه الوجود وذلك يوجب التنفير عنه ، وعن كلامه عليه ~~السلام ، أما إذا قال إن شاء الله كان محترزا عن هذا المحذور ، وإذا كان ~~كذلك كان من البعيد أن يعد بشيء ولم يقل فيه إن شاء الله . الثاني : أن هذه ~~الآية مشتملة على فوائد كثيرة وأحكام جمة فيبعد قصرها على هذا السبب ويمكن ~~أن يجاب عن الأول : أنه لا نزاع أن الأولى أن يقول إن شاء الله إلا أنه ~~ربما اتفق له أنه نسي هذا الكلام لسبب من الأسباب فكان ذلك من باب ترك ~~الأولى والأفضل ، وأن يجاب عن الثاني أن اشتماله على الفوائد الكثيرة لا ~~يمنع من أن يكون سبب نزوله واحدا منها . PageV21P092 # / المسألة الثانية : قوله : { إلا أن يشاء الله } ليس فيه بيان أنه شاء ~~الله ماذا ، وفيه قولان : الأول : التقدير : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ~~ذالك غدا * إلا أن يشاء الله } أن يأذن لك في ذلك القول ، والمعنى أنه ليس ~~لك أن تخبر عن نفسك أنك تفعل الفعل الفلاني إلا إذا أذن الله لك في ذلك ~~الإخبار . القول الثاني : أن يكون التقدير : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ~~ذالك غدا } إلا أن تقول : { إن شاء الله } والسبب في أنه لا بد من ذكر هذا ~~القول هو أن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غدا لم يبعد ms5921 أن يموت قبل ~~مجيء الغد ، ولم يبعد أيضا لو بقي حيا أن يعوقه عن ذلك الفعل شيء من ~~العوائق ، فإذا كان لم يقل إن شاء الله صار كاذبا في ذلك الوعد ، والكذب ~~منفرد وذلك لا يليق بالأنبياء عليهم السلام ، فلهذا السبب أوجب عليه أن ~~يقول : { إن شاء الله } حتى أن بتقدير أن يتعذر عليه الوفاء بذلك الموعود ~~لم يصر كاذبا فلم يحصل التنفير . # المسألة الثالثة : اعلم أن مذهب المعتزلة أن الله تعالى يريد الإيمان ~~والطاعة من العبد والعبد يريد الكفر والمعصية لنفسه فيقع مراد العبد ولا ~~يقع مراد الله فتكون إرادة العبد غالبة وإرادة الله تعالى مغلوبة ، وأما ~~عندنا فكل ما أراد الله تعالى فهو واقع فهو تعالى يريد الكفر من الكافر ~~ويريد الإيمان من المؤمن وعلى هذا التقرير فإرادة الله تعالى غالبة وإرادة ~~العبد مغلوبة إذا عرفت هذا فنقول إذا قال العبد لأفعلن كذا غدا إلا أن يشاء ~~الله والله إنما يدفع عنه الكذب إذا كانت إرادة الله غالبة على إرادة العبد ~~فإن على هذا القول يكون التقدير أن العبد قال أنا أفعل الفعل الفلاني إلا ~~إذا كانت إرادة الله بخلافه فأنا على هذا التقدير لا أفعل لأن إرادة الله ~~غالبة على إرادتي فعند قيام المانع الغالب لا أقوى على الفعل / أما بتقدير ~~أن تكون إرادة الله تعالى مغلوبة فإنها تلا تصلح عذرا في هذا الباب ، لأن ~~المغلوب لا يمنع الغالب . إذا ثبت هذا فنقول : أجمعت الأمة على أنه إذا قال ~~والله لأفعلن كذا ثم قال : إن شاء الله دافعا للحنث فلا يكون دافعا للحنث ~~إلا إذا كانت إرادة الله غالبة ، فلما حصل دفع الحنث بالإجماع وجب القطع ~~بكون إرادة الله تعالى غالبة وأنه لا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله ~~وأصحابنا أكدوا هذا الكلام في صورة معينة وهو أن الرجل إذا كان له على ~~إنسان دين وكان ذلك المديون قادرا على أداء الدين فقال والله لأقضين هذا ~~الدين غدا ، ثم قال إن شاء الله فإذا جاء الغد ms5922 ولم يقض هذا الدين لم يحنث ~~وعلى قول المعتزلة أنه تعالى يريد منه قضاء الدين وعلى هذا التقدير فقوله : ~~{ إن شاء الله } تعليق لذلك الحكم على شرط واقع فوجب أن يحنث ، ولما أجمعوا ~~على أن لا يحنث علمنا أن ذلك إنما كان لأن الله تعالى ما شاء ذلك الفعل مع ~~أن ذلك الفعل قد أمر الله به ورغب فيه وزجر عن الإخلال به وثبت أنه تعالى ~~قد ينهى عن الشيء ويريده وقد يأمر بالشيء ولا يريده وهو المطلوب ، فإن قيل ~~هب أن الأمر كما ذكرتم إلا أن كثيرا من الفقهاء قالوا : إذا قال الرجل ~~لامرأته أنت طالق إن شاء الله لم يقع الطلاق فما السبب فيه ؟ قلنا السبب هو ~~أنه لما علق وقوع الطلاق على مشيئة الله لم يقع إلا إذا عرفنا وقوع / ~~الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا أولا حصول هذه المشيئة لكن ~~مشيئة الله تعالى غيب فلا سبيل إلى العلم بحصولها إلا إذا علمنا أن متعلق ~~المشيئة قد وقع وحصل وهو الطلاق فعلى هذا الطريق لا نعرف حصول المشيئة إلا ~~إذا عرفنا وقوع الطلاق ولا نعرف وقوع الطلاق إلا إذا عرفنا وقوع المشيئة ~~فيتوقف العلم بكل واحد منها على العلم بالآخرة ، وهو دور والدور باطل فلهذا ~~السبب قالوا الطلاق غير واقع . # المسألة الرابعة : احتج القائلون بأن المعدوم شيء بقوله : { ولا تقولن ~~لشىء إنى فاعل ذالك غدا * أن يشاء الله } قالوا : الشيء الذي سيفعله الفاعل ~~غدا سماه الله تعالى في الحال بأنه شيء لقوله : PageV21P093 { ولا تقولن ~~لشىء } ومعلوم أن الشيء الذي سيفعله الفاعل غدا فهو معدوم في الحال ، فوجب ~~تسمية المعدوم بأنه شيء . والجواب أن هذا الاستدلال لا يفيد إلا أن المعدوم ~~مسمى بكونه شيئا وعندنا أن السبب فيه أن الذي سيصير شيئا يجوز تسميته بكونه ~~شيئا في الحال كما أنه قال : { أتى أمر الله } ( النحل : 1 ) والمراد سيأتي ~~أمر الله ، أما قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } ففيه وجهان : الأول : أنه ~~كلام متعلق بما قبله والتقدير أنه ms5923 إذا نسي أن يقول إن شاء الله فليذكره إذا ~~تذكره وعند هذا اختلفوا فقال ابن عباس رضي الله عنهما لو لم يحصل التذكر ~~إلا بعد مدة طويلة ثم ذكر إن شاء الله كفى في دفع الحنث وعن سعيد بن جبير ~~بعد سنة أو شهر أو أسبوع أو يوم ، وعن طاوس أنه يقدر على الاستثناء في ~~مجلسه ، وعن عطاء يستثني على مقدار حلب الناقة الغزيرة ، وعند عامة الفقهاء ~~أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولا ، واحتج ابن عباس بقوله : { ~~واذكر ربك إذا نسيت } لأن الظاهر أن المراد من قوله : { واذكر ربك إذا نسيت ~~} هو الذي تقدم ذكره في قوله : { إلا أن يشاء الله } وقوله : { واذكر ربك } ~~غير مختص بوقت معين بل هو يتناول كل الأوقات فوجب أن يجب عليه هذا الذكر في ~~أي وقت حصل هذا التذكر وكل من قال وجب هذا الذكر قال : إنه إنما وجب لدفع ~~الحنث وذلك يفيد المطلوب ، واعلم أن استدلال ابن عباس رضي الله عنهما ظاهر ~~في أن الاستثناء لا يجب أن يكون متصلا ، أما الفقهاء فقالوا إنا لو جوزنا ~~ذلك لزم أن لا يستقر شيء من العقود / والإيمان ، يحكى أنه بلغ المنصور أن ~~أبا حنيفة رحمه الله خالف ابن عباس في الأستثناء المنفصل فاستحضره لينكر ~~عليه فقال أبو حنيفة رحمه الله : هذا يرجع عليك ، فإنك تأخذ البيعة ~~بالإيمان أتفرض أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك ؟ فاستحسن المنصور ~~كلامه ورضي به . واعلم أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى تخصيص النص بالقياس ~~وفيه ما فيه . وأيضا فلو قال إن شاء الله على سبيل الخفية بلسانه بحيث لا ~~يسمعه أحد فهو معتبر ودافع للحنث بالإجماع مع أن المحذور الذي ذكرتم حاصل ~~فيه . فثبت أن الذي عولوا عليه ليس بقوي ، والأولى أن يحتجوا في وجوب كون ~~الاستثناء متصلا بأن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد . ~~قال تعالى : { أوفوا بالعقود } ( المائدة : 1 ) وقال : { وأوفوا بالعهد } ( ~~الإسراء : 34 ) فالآتي بالعهد يجب عليه الوفاء بمقتضاه لأجل ms5924 هذه الآيات / ~~خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان متصلا لأن الاستثناء مع المستثنى منه ~~كالكلام الواحد بدليل أن لفظ الاستثناء وحده لا يفيد شيئا ، فهو جار مجرى ~~نصف اللفظ الواحدة ، فجملة الكلام كالكلمة الواحدة المفيدة ، وعلى هذا ~~التقدير فعند ذكر الاستثناء عرفنا أنه لم يلزم شيء بخلاف ما إذا كان ~~الاستثناء متصلا فإنه حصل الالتزام التام بالكلام فوجب عليه الوفاء بذلك ~~الملتزم والقول الثاني أن قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } لا تعلق له بما ~~قبله بل هو كلام مستأنف وعلى هذا القول ففيه وجوه . أحدها : واذكر ربك ~~بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء ، والمراد منه الترغيب في ~~الاهتمام بذكر هذه الكلمة . وثانيها : واذكر ربك إذا اعتراك النسيان ليذكرك ~~المنسي . وثالثها : حمله بعضهم على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها ، وهذا ~~القول بما فيه من الوجوه الثلاثة بعيد لأن تعلق هذا الكلام بما قبله يفيد ~~إتمام الكلام في هذه القضية وجعله كلاما مستأنفا يوجب صيرورة الكلاء مبتدأ ~~منقطعا وذلك لا يجوز ثم قال PageV21P094 تعالى : { وقل عسى أن يهدين ربى ~~لاقرب من هاذا رشدا } وفيه وجوه : الأول : أن ترك قوله : { أن يشاء الله } ~~ليس بحسن وذكره أحسن من تركه وقوله : { لاقرب من هاذا رشدا } المراد منه ~~ذكر هذه الجملة . الثاني : إذا وعدهم بشيء وقال معه إن شاء الله فيقول عسى ~~أن يهديني ربي لشيء أحسن وأكمل مما وعدتكم به . والثالث : أن قوله : { ~~لاقرب من هاذا رشدا } إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من ~~البينات والدلائل على صحة أني نبي من عند الله صادق القول في ادعاء النبوة ~~ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف . وقد فعل الله ذلك ~~حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك ، وأما قوله ~~تعالى : { ولبثوا فى كهفهم مئة سنين وازدادوا تسعا * قل الله أعلم بما ~~لبثوا له غيب السماوات والارض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولى ولا ~~يشرك فى حكمه أحدا } فاعلم أن هذه ms5925 الآية آخر الآيات المذكورة في قصة أصحاب ~~الكهف وفي قوله : { ولبثوا فى كهفهم } قولان : الأول : أن هذا حكاية كلام ~~القوم والدليل عليه أنه تعالى قال : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } وكذا ~~إلى أن قال : { ولبثوا فى كهفهم } أي أن أولئك الأقوام قالوا ذلك ويؤكده ~~أنه تعالى قال بعده : { قل الله أعلم بما لبثوا } وهذا يشبه الرد على ~~الكلام المذكور قبله ويؤكده أيضا ما روي في مصحف عبد الله : وقالوا ولبثوا ~~في كهفهم . والقول الثاني : أن قوله : { ولبثوا فى كهفهم } هو كلام الله ~~تعالى فإنه أخبر عن كمية تلك المدة / وأما قوله : { سيقولون ثلاثة رابعهم ~~كلبهم } فهو كلام قد تقدم وقد تخلل بينه وبين هذه الآية ما يوجب انقطاع ~~أحدهما عن الآخر وهو قوله : { فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا } وقوله : { قل ~~الله أعلم بما لبثوا له غيب * السماوات والارض } لا يوجب أن ما قبله حكاية ~~، وذلك لأنه تعالى أراد : { قل الله أعلم بما لبثوا له غيب * السماوات ~~والارض } فارجعوا إلى خبر الله دون ما يقوله أهل الكتاب . # / المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي ثلثمائة سنين بغير تنوين والباقون ~~بالتنوين وذلك لأن قوله : { سنين } عطف بيان لقوله : { * ثلثمائة } لأنه ~~لما قال : { ولبثوا فى كهفهم } لم يعرف أنها أيام أم شهور أم سنون فلما قال ~~سنين صار هذا بيانا لقوله : { * ثلثمائة } فكان هذا عطف بيان له وقيل هو ~~على التقديم والتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة . وأما وجه قراءة حمزة فهو أن ~~الواجب في الإضافة ثلثمائة سنة إلا أنه يجوز وضع الجمع موضع الواحد في ~~التمييز كقوله : { ننبئكم بالاخسرين أعمالا } ( الكهف : 103 ) . # المسألة الثالثة : قوله : { وازدادوا تسعا } ؟ المعنى وازدادوا تسع سنين ~~فإن قالوا : لم لم يقل ثلثمائة وتسع سنين ؟ وما الفائدة في قوله { وازدادوا ~~تسعا } ؟ قلنا : قال بعضهم : كانت المدة ثلثمائة سنة من السنين الشمسية ~~وثلثمائة وتسع سنين من القمرية ، وهذا مشكل لأنه لا يصح بالحساب هذا القول ~~، ويمكن أن يقال : لعلهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الأنبياء ~~ثم اتفق ما أوجب بقاءهم ms5926 في النوم بعد ذلك تسع سنين ثم قال : { قل الله أعلم ~~بما لبثوا } معناه أنه تعالى أعلم بمقدار هذه المدة من الناس الذين اختلفوا ~~فيها ، وإنما كان أولى بأن يكون عالما به لأنه موجد للسموات والأرض ومدبر ~~للعالم ، وإذا كان كذلك كان عالما بغيب PageV21P095 السموات والأرض فيكون ~~عالما بهذه الواقعة لا محالة ثم قال تعالى : { أبصر به وأسمع } وهذه كلمة ~~تذكر في التعجب ، والمعنى ما أبصره وما أسمعه ، وقد بالغنا في تفسير كلمة ~~التعجب في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { فما أصبرهم على النار } ( ~~البقرة : 175 ) ثم قال تعالى : { ما لهم من دونه من ولى } وفيه وجوه . ~~الأول : ما لأصحاب الكهف من دون الله من ولي فإنه هو الذي يتولى حفظهم في ~~ذلك النوم الطويل . الثاني : ليس لهؤلاء المختلفين في مدة لبث أهل الكهف ~~ولي من دون الله يتولى أمرهم ويقيم لهم تدبير أنفسهم فإذا كانوا محتاجين ~~إلى تدبير الله وحفظه فكيف يعلمون هذه الواقعة من غير أعلامه . الثالث : أن ~~بعض القوم لما ذكروا في هذا الباب أقوالا على خلاف قول الله فقد استوجبوا ~~العقاب ، فبين الله أنه ليس لهم من دونه ولي يمنع الله من إنزال العقاب ~~عليهم . ثم قال : { ولا يشرك فى حكمه أحدا } والمعنى أنه تعالى لما حكم أن ~~لبثهم هو هذا المقدار فليس لأحد أن يقول قولا بخلافه . والأصل أن الاثنين ~~إذا كانا لشريكين فإن الاعتراض من كل واحد منهما على صاحبه يكثر ويصير ذلك ~~مانعا لكل واحد منهما من إمضاء الأمر على وفق ما يريده . وحاصله يرجع إلى ~~قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) ~~فالله تعالى نفى ذلك عن نفسه بقوله تعالى : { ولا يشرك فى حكمه أحدا } وقرأ ~~ابن عامر ولا تشرك بالتاء والجزم على النهي والخطاب عطفا على قوله : { ولا ~~تقولن لشىء } أو على قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } والمعنى ولا تسأل أحدا ~~عما أخبرك الله به من عدة أصحاب الكهف واقتصر على حكمه وبيانه ولا تشرك ~~أحدا ms5927 في طلب معرفة تلك الواقعة وقرأ الباقون بالياء والرفع على الخبر ~~والمعنى أنه تعالى لا يفعل ذلك . # / المسألة الرابعة : اختلف الناس في زمان أصحاب الكهف وفي مكانهم ، أما ~~الزمان الذي حصلوا فيه ، فقيل إنهم كانوا قبل موسى عليه السلام وإن موسى ~~ذكرهم في التوراة ، ولهذا السبب فإن اليهود سألوا عنهم ، وقيل : إنهم دخلوا ~~الكهف قبل المسيح وأخبر المسيح بخبرهم ثم بعثوا في الوقت الذي بين عيسى ~~عليه السلام وبين محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل إنهم دخلوا الكهف بعد ~~المسيح ، وحكى القفال هذا القول عن محمد بن إسحاق . وقال قوم : إنهم لم ~~يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة . وأما مكان هذا الكهف ، فحكى القفال عن ~~محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه ليعرف حال أصحاب الكهف إلى ~~الروم ، قال : فوجه ملك الروم معي أقواما إلى الموضع الذي يقال إنهم فيه ، ~~قال : وإن الرجل الموكل بذلك الموضع فزعني من الدخول عليهم ، قال : فدخلت ~~ورأيت الشعور على صدورهم قال وعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد ~~عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة لأبدان الموتى لتصونها عن البلى مثل ~~التلطيخ بالصبر وغيره ، ثم قال القفال : والذي عندنا لا يعرف أن ذلك الموضع ~~هو موضع أصحاب الكهف أو موضع آخر ، والذي أخبر الله عنه وجب القطع به ولا ~~عبرة بقول أهل الروم إن ذلك الموضع هو موضع أصحاب الكهف ، وذكر في الكشاف ~~عن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا ~~إليهم فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس لك ذلك قد منع الله من هو خير ~~منك ، فقال : لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ، فقال ~~لابن عباس : لا أنتهي حتى أعلم حالهم ، فبعث أناسا فقال لهم : اذهبوا ~~فانظروا فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأحرقتهم ، وأقول العلم بذلك ~~الزمان وبذلك المكان ليس للعقل فيه مجال ، وإنما يستفاد ذلك من نص ، وذلك ~~مفقود فثبت أنه لا سبيل إليه . PageV21P096 # المسألة الخامسة : اعلم أن مدار القول ms5928 بإثبات البعث والقيامة على أصول ~~ثلاثة . أحدها : أنه تعالى قادر على كل الممكنات . والثاني : أنه تعالى ~~عالم بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات . وثالثها : أن كل ما كان ممكن ~~الحصول في بعض الأوقات كان ممكن الحصول في سائر الأوقات فإذا ثبتت هذه ~~الأصول الثلاثة ثبت القول بإمكان البعث والقيامة ، فكذلك ها هنا ثبت أنه ~~تعالى عالم قادر على الكل ، وثبت أن بقاء الإنسان حيا في النوم مدة يوم ~~ممكن فكذلك بقاؤه مدة ثلثمائة سنة يجب أن يكون ممكنا بمعنى أن إله العالم ~~يحفظه ويصونه عن الآفة . وأما الفلاسفة فإنهم يقولون أيضا : لا يبعد وقوع ~~أشكال فلكية غريبة توجب في هيولي عالم الكون والفساد حصول أحوال غريبة ~~نادرة ، وأقول : هذه السور الثلاثة المتعاقبة اشتمل كل واحد منها على حصول ~~حالة عجيبة نادرة في هذا العالم فسورة بني إسرائيل اشتملت على الإسراء بجسد ~~محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الشام وهو حالة عجيبة ، وهذه السورة ~~اشتملت على بقاء القوم في النوم مدة ثلثمائة سنة وأزيد وهو أيضا حالة عجيبة ~~، وسورة مريم اشتملت على حدوث الولد لا من الأب وهو أيضا حالة عجيبة . / ~~والمعتمد في بيان إمكان كل هذه العجائب والغرائب المذكورة في هذه السور ~~الثلاثة المتوالية هو الطريقة التي ذكرناها . ومما يدل على أن هذا المعنى ~~من الممكنات أن أبا علي بن سينا ذكر في باب الزمان من كتاب الشفاء أن ~~أرسطاطاليس الحكيم ذكر أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب ~~الكهف ، ثم قال أبو علي : ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف . # ! 7 < { واتل مآ أوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ~~ملتحدا } > 7 ! # < < # | الكهف : ( 27 ) واتل ما أوحي . . . . . # > > اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى والخضر كلام واحد في قصة واحدة ، ~~وذلك أن أكابر كفار قريش احتجوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن ~~أردت أن نؤمن بك فاطرد من عندك هؤلاء الفقراء الذين آمنوا بك والله تعالى ~~نهاه ms5929 عن ذلك ومنعه عنه وأطنب في جملة هذه الآيات في بيان أن الذي اقترحوه ~~والتمسوه مطلوب فاسد واقتراح باطل ، ثم إنه تعالى جعل الأصل في هذا الباب ~~شيئا واحدا وهو أن يواظب على تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله إليه وعلى العمل ~~به وأن لا يلتفت إلى اقتراح المقترحين وتعنت المتعنتين فقال : { واتل ما ~~أوحى إليك من كتاب ربك } وفي الآية مسألة وهي : أن قوله : { اتل } يتناول ~~القراءة ويتناول الإتباع فيكون المعنى الزم قراءة الكتاب الذي أوحى إليك ~~والزم العمل به ثم قال : { لا مبدل لكلماته } أي يمتنع تطرق التغيير ~~والتبديل إليه وهذه الآية يمكن التمسك بها في إثبات أن تخصيص النص بالقياس ~~غير جائز لأن قوله : { اتل ما أوحى إليك من * كتاب ربك } معناه ألزم العمل ~~بمقتضى هذا الكتاب وذلك يقتضي وجوب العمل بمقتضى ظاهره ، PageV21P097 فإن ~~قيل فيجب ألا يتطرق النسخ إليه قلنا هذا هو مذهب أبي مسلم الأصفهاني فليس ~~يبعد ، وأيضا فالنسخ في الحقيقة ليس بتبديل لأن المنسوخ ثابت في وقته إلى ~~وقت طريان الناسخ فالناسخ كالغاية فكيف يكون تبديلا . أما قوله : { ولن تجد ~~من دونه ملتحدا } اتفقوا على أن الملتحد هو الملجأ قال أهل اللغة : هو من ~~لحد وألحد إذا مال ومنه قوله تعالى : { لسان الذى يلحدون إليه } ( النحل : ~~103 ) والملحد المائل عن الدين والمعنى ولن تجد من دونه ملجأ في البيان ~~والرشاد . # ! 7 < { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ولا ~~تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيواة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا } > 7 ! # / < < # | الكهف : ( 28 ) واصبر نفسك مع . . . . . # > > اعلم أن أكابر قريش اجتمعوا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء من عندك ، فإذا حضرنا لم يحضروا ، ~~وتعين لهم وقتا يجتمعون فيه عندك فأنزل الله تعالى : { ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم } ( الأنعام : 52 ) الآية فبين فيها إنه لا يجوز طردهم بل ~~تجالسهم وتوافقهم وتعظم شأنهم ولا تلتفت إلى أقوال ms5930 أولئك الكفار ولا تقيم ~~لهم في نظرك وزنا سواء غابوا أو حضروا . وهذه القصة منقطعة عما قبلها وكلام ~~مبتدأ مستقل . ونظير هذه الآية قد سبق في سورة الأنعام وهو قوله : { ولا ~~تطرد الذين يدعون * بهم * بالغداة والعشى } ( الأنعام : 52 ) ففي تلك الآية ~~نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن طردهم وفي هذه الآية أمره بمجالستهم ~~والمصابرة معهم فقوله : { واصبر نفسك } أصل الصبر الحبس ومنه نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن المصبورة وهي البهيمة تحبس فترمي ، أما قوله : { مع ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر بالغدوة بضم الغين والباقون بالغداة ~~وكلاهما لغة . # المسألة الثانية : في قوله : { بالغداة والعشى } وجوه : الأول : المراد ~~كونهم مواظبين على هذا العمل في كل الأوقات كقول القائل : ليس لفلان عمل ~~بالغداة والعشي إلا شتم الناس . الثاني : أن المراد صلاة الفجر والعصر . ~~الثالث : المراد أن الغداة هي الوقت الذي ينتقل الإنسان فيه من النوم إلى ~~اليقظة وهذا الانتقال شبيه بالانتقال من الموت إلى الحياة والعشي هو الوقت ~~الذي ينتقل الإنسان فيه من اليقظة إلى النوم ومن الحياة إلى الموت والإنسان ~~العاقل يكون في هذين الوقتين كثير الذكر لله عظيم الشكر لآلاء الله ونعمائه ~~، ثم قال : { ولا تعد عيناك عنهم } يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا ~~طوره وجاء القوم عدا زيدا وإنما عدي بلفظة عن لأنها تفيد المباعدة فكأنه ~~تعالى نهى عن تلك المباعدة وقرى : { ولا تعد * عينيك } ولا تعد عينيك من ~~أعداه وعداه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو ومنه قوله شعر : # فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له # والمقصود من الآية أنه تعالى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن ~~يزدرى فقراء المؤمنين وأن تنبو عيناه عنهم لأجل رغبته في مجالسة الأغنياء ~~وحسن صورتهم وقوله : { تريد زينة الحيواة الدنيا } نصب في موضع الحال . ~~يعني أنك ( إن ) فعلت ذلك لم يكن إقدامك عليه إلا لرغبتك في زينة الحياة ~~الدنيا ، ولما بالغ في أمره بمجالسة الفقراء من المسلمين بالغ في ms5931 النهي عن ~~الالتفات إلى أقوال الأغنياء والمتكبرين فقال : { ولا تطع من أغفلنا قلبه ~~عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } وفيه مسائل : PageV21P098 # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى هو الذي يخلق ~~الجهل والغفلة في قلوب الجهال لأن قوله : { أغفلنا } يدل على هذا المعنى ، ~~قالت المعتزلة : المراد بقوله تعالى : { أغفلنا قلبه عن ذكرنا } أنا وجدنا ~~قلبه غافلا وليس المراد خلق الغفلة فيه ، والدليل عليه ما روي عن عمرو بن ~~معديكرب الزبيدي أنه قال لبني سليم : قاتلناكم فما أجبناكم ، وسألناكم فما ~~ابخلناكم ، وهجوناكم فما أفحمناكم ، أي ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا ~~مفحمين . ثم نقول : حمل اللفظ على هذا المعنى أولى ويدل عليه وجوه : الأول ~~: أنه لو كان كذلك لما استحقوا الذم . الثاني : أنه تعالى قال بعد هذه ~~الآية : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ولو كان تعالى خلق الغفلة في ~~قلبه لما صح ذلك . الثالث : لو كان المراد هو أنه تعالى جعل قلبه غافلا ~~لوجب أن يقال : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه . لأن على هذا ~~التقدير يكون ذلك من أفعال المطاوعة ، وهي إنما تعطف بالفاء لا بالواو ، ~~ويقال : كسرته فانكسر ودفعته فاندفع ولا يقال : وانكسر واندفع . الرابع : ~~قوله تعالى : { واتبع هواه } ولو كان تعالى أغفل في الحقيقة قلبه لم يجز أن ~~يضاف ذلك إلى اتباعه هواه . والجواب : قوله المراد من قوله : { أغفلنا } أي ~~وجدناه غافلا ، وليس المارد تحصيل الغفلة فيه . قلنا : الجواب عنه من وجهين ~~. الأول : أن الاشتراك خلاف الأصل فوجب أن يعتقد أن وزن الأفعال حقيقة في ~~أحدهما مجاز في الآخر وجعله حقيقة في التكوين مجازا في الوجدان أولى من ~~العكس وبيانه من وجوه : أحدها : أن مجيء بناء الأفعال بمعنى التكوين أكثر ~~من مجيئه بمعنى الوجدان والكثرة دليل الرجحان . وثانيها : أن مبادرة الفهم ~~من هذا البناء إلى التكوين أكثر من مبادرته إلى الوجدان ومبادرة الفهم دليل ~~الرجحان . وثالثها : أنا إن جعلناه حقيقة في التكوين أمكن جعله مجازا في ~~الوجدان لأن العلم بالشيء تابع ms5932 لحصول المعلوم ، فجعل اللفظ حقيقة في ~~المتبوع ومجازا في التبع موافق للمعقول ، أما لو جعلناه حقيقة في الوجدان ~~مجازا في الإيجاد لزم جعله حقيقة في التبع مجازا في الأصل وأنه عكس المعقول ~~فثبت أن الأصل جعل هذا البناء حقيقة في الإيجاد لا في الوجدان . الوجه ~~الثاني : في الجواب عن السؤال أنا نسلم كون اللفظ مشتركا بالنسبة إلى ~~الإيجاد وإلى الوجدان إلا أنا نقول يجب حمل قوله : { أغفلنا } على إيجاد ~~الغفلة وذلك لأن الدليل العقلي دل على أنه يمتنع كون العبد موجدا للغفلة في ~~نفسه والدليل عليه أنه إذا حاول إيجاد الغفلة ، فأما أن يحاول إيجاد مطلق ~~الغفلة أو يحاول إيجاد الغفلة عن شيء معين والأول باطل ، وإلا لم يكن بأن ~~تحصل له الغفلة عن هذا الشيء أولى بأن تحصل له الغفلة عن شيء آخر ، لأن ~~الطبيعة المشترك فيها بين الأنواع الكثيرة تكون نسبتها إلى كل تلك الأنواع ~~على السوية ، أما الثاني فهو أيضا باطل لأن الغفلة عن كذا عبارة عن غفلة لا ~~تمتاز عن سائر أقسام الغفلات إلا بكونها منتسبة إلى ذلك الشيء المعين بعينه ~~، فعلى هذا لا يمكنه أن يقصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا إذا تصور أن تلك ~~الغفلة غفلة عن كذا ، ولا يمكنه أن يتصور كون تلك الغفلة غفلة عن كذا إلا ~~إذا تصور كذا لأن العلم بنسبة أمر إلى أمر آخر مشروط بتصور كل واحد من ~~المنتسبين . فثبت أنه لا يمكنه القصد إلى إيجاد الغفلة عن كذا إلا مع ~~الشعور بكذا لكن الغفلة عن كذا ضد الشعور بكذا ؛ فثبت / أن العبد لا يمكنه ~~إيجاد هذه اغفلة إلا عند اجتماع الضدين وذلك محال ، والموقوف على المحال ~~محال ، فثبت أن العبد غير قادر على إيجاد الغفلة ، فوجب أن يكون خالق ~~الغفلات وموجدها في العباد هو الله ، وهذه نكتة قاطعة في PageV21P099 إثبات ~~هذا المطلوب ، وعند هذا يظهر أن المراد بقوله تعالى : { ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه } هو إيجاد الغفلة لا وجدانها ، أما حديث المدح والذ فقد عارضناه ~~مرارا ms5933 وأطوارا بالعلم والداعي ، أما قوله تعالى بعد هذه الآية : { فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر } فالبحث عنه سيأتي إن شاء الله تعالى ، أما قوله : ~~{ ولا تطع من أغفلنا قلبه } لو كان المراد إيجاد الغفلة لوجب ذكر الفاء ، ~~لا ذكر الواو ، فنقول : هذا إنما يلزم لو كان خلق الغفلة في القلب من ~~لوازمه حصول اتباع الهوى كما أن الكسر من لوازمه حصول الإنكسار ، وليس ~~الأمر كذلك لأنه لا يلزم من حصول الغفلة عن الله حصول متابعة الهوى لاحتمال ~~أن يصير غافلا عن ذكر الله ، ومع ذلك فلا يتبع الهوى بل يبقى متوقفا لا ~~ينافي مقام الحيرة والدهشة والخوف من الكل فسقط هذا السؤال ، وذكر القفال ~~في تأويل الآية على مذهب المعتزلة وجوها أخرى . فأحدها : أنه تعالى لما صب ~~عليهم الدنيا صبا وأدى ذلك إلى رسوخ الغفلة في قلوبهم صح على هذا التأويل ~~أنه تعالى حصل الغفلة في قلوبهم كما في قوله تعالى : { فلم يزدهم دعائى إلا ~~فرارا } ( نوح : 6 ) . والوجه الثاني : أن معنى قوله : { أغفلنا } أي ~~تركناه غافلا فلم نسمه بسمة أهل الطهارة والتقوى وهو من قولهم بعير غفل أي ~~لا سمة عليه . وثالثها : أن المراد من قوله أغفلنا قلبه أي خلاه مع الشيطان ~~ولم يمنع الشيطان منه فيقال في : الوجه الأول : إن فتح باب لذات الدنيا ~~عليه هل يؤثر في حصول الغفلة في قلبه أو لا يؤثر ، فإن أثر كان أثر إيصال ~~اللذات إليه سببا لحصول الغفلة في قلبه . وذلك عين القول بأنه تعالى فعل ما ~~يوجب حصول الغفلة في قلبه ، وإن كان لا تأثير له في حصول هذه الغفلة بطل ~~إسناده إليه ، وقد يقال في : الوجه الثاني : إن قوله أغفلنا قلبه بمنزلة ~~قوله سودنا قلبه وبيضنا وجهه ولا يفيد إلا ما ذكرناه ، ويقال في الوجه ~~الثالث إن كان لتلك التخلية أثر في حصول تلك الغفلة فقد صح قولنا ، وإلا ~~بطل استناد تلك الغفلة إلى الله تعالى . # المسألة الثانية : قوله : { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه ~~} يدل ms5934 على أن شر أحوال الإنسان أن يكون قلبه خاليا عن ذكر الحق ويكون ~~مملوءا من الهوى الداعي إلى الاشتغال بالخلق وتحقيق القول أن ذكر الله نور ~~وذكر غيره ظلمة لأن الوجود طبيعة النور والعدم منبع الظلمة ، والحق تعالى ~~واجب الوجود لذاته فكان النور الحق هو الله ، وما سوى الله فهو ممكن الوجود ~~لذاته . والإمكان طبيعة عدمية فكان منبع الظلمة فالقلب إذا أشرق فيه ذكر ~~الله فقد حصل فيه النور والضوء والإشراق ، وإذا توجه القلب إلى الخلق فقد ~~حصل فيه الظلم والظلمة بل الظلمات ، فلهذا السبب إذا أعرض القلب عن الحق ~~وأقبل على الخلق فهو الظلمة الخالصة التامة ، فالإعراض عن الحق هو المراد ~~بقوله : { أغفلنا قلبه عن ذكرنا } والإقبال على الخلق هو المراد بقوله : { ~~واتبع هواه } . # / المسألة الثالثة : قيل : { فرطا } أي مجاوزا للحد من قولهم : فرس فرط ، ~~إذا كان متقدما الخيل ، قال الليث : الفرط الأمر الذي يفرط فيه يقال كل أمر ~~فلان فرط ، وأنشد شعرا : # % لقد كلفني شططا % % وأمرا خائبا فرطا % # أي مضيعا ، فقوله وكان أمره فرطا معناه أن الأمر الذي يلزمه الحفظ له ~~والاهتمام به وهو أمر دينه يكون مخصوصا بإيقاع التفريط والتقصير فيه ، وهذه ~~الحالة صفة من لا ينظر لدينه وإنما عمله لدنياه . فبين تعالى من حال ~~الغافلين عن ذكر الله التابعين لهواهم أنهم مقصرون في مهماتهم معرضون عما ~~وجب عليهم من التدبر PageV21P100 في الآيات والتحفظ بمهمات الدنيا والآخرة ~~، والحاصل أنه تعالى وصف أولئك الفقراء بالمواظبة على ذكر الله والإعراض عن ~~غير ذكر الله فقال : { مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه } ~~ووصف هؤلاء الأغنياء بالإعراض عن ذكر الله تعالى والإقبال على غير الله وهو ~~قوله : { أغفلنا قلبه * واتبع هواه } ثم أمر رسوله بمجالسة أولئك والمباعدة ~~عن هؤلاء ، روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنت جالسا في عصابة من ~~ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستر بعضا من العرى وقارىء يقرأ القرآن فجاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ماذا كنتم تصنعون ؟ قلنا : يا رسول ~~الله كان ms5935 واحد يقرأ من كتاب الله ونحن نستمع ، فقال عليه السلام : ( الحمد ~~لله الذي جعل من أمتي من أمرت إلى أن أصبر نفسي معهم ) ثم جلس وسطنا وقال : ~~( أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة ، تدخلون الجنة قبل ~~الأغنياء بمقدار خمسين ألف سنة ) . # ! 7 < { وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوى ~~الوجوه بئس الشراب وسآءت مرتفقا } > 7 ! # < < # | الكهف : ( 29 ) وقل الحق من . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في تقرير النظم وجوه . الأول : أنه تعالى لما أمر رسوله ~~بأن لا يلتفت إلى أولئك الأغنياء الذين قالوا إن طردت الفقراء آمنا بك ، ~~قال بعده : { وقل الحق من ربكم } أي قل لهؤلاء إن هذا الدين الحق إنما أتى ~~من عند الله فإن قبلتموه عاد النفع إليكم وإن لم تقبلوه عاد الضرر إليكم ~~ولا تعلق لذلك بالفقر والغنى والقبح والحسن والخمول والشهرة . الوجه الثاني ~~: في تقرير النظم يمكن أن يكون المراد أن الحق ما جاء من عند الله ، والحق ~~الذي / جاءني من عنده أن أصبر نفسي مع هؤلاء الفقراء ولا أطردهم ولا ألتفت ~~إلى الرؤساء وأهل الدنيا . والوجه الثالث : في تقرير النظم أن يكون المراد ~~هو أن الحق الذي جاء من عند الله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأن الله ~~تعالى لم يأذن في طرد من آمن وعمل صالحا لأجل أن يدخل في الإيمان جمع من ~~الكفار ، فإن قيل : أليس أن العقل يقتضي ترجيح الأهم على المهم فطرد أولئك ~~الفقراء لا يوجب إلا سقوط حرمتهم وهذا ضرر قليل . أما عدم طردهم فإنه يوجب ~~بقاء الكفار على الكفر ، وهذا ضرر عظيم ، قلنا : أما عدم طردهم فإنه يوجب ~~بقاء الكفار على الكفر فمسلم إلا أن من ترك الإيمان لأجل الحذر من مجالسة ~~الفقراء فإيمانه ليس بإيمان بل هو نفاق قبيح ، فوجب على العاقل أن لا يلتفت ~~إلى إيمان من هذا حاله وصفته . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة قوله تعالى : { فمن ms5936 شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر } صريح في أن الأمر في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية مفوض إلى ~~العبد واختياره . فمن أنكر ذلك فقد خالف صريح القرآن ، ولقد سألني بعضهم عن ~~هذه الآية فقلت : هذه الآية من أقوى الدلائل على صحة قولنا وذلك لأن الآية ~~صريحة في PageV21P101 أن حصول الإيمان وحصول الكفر موقوف على حصول مشيئة ~~الإيمان وحصول مشيئة الكفر وصريح العقل أيضا يدل له ، فإن العقل الاختياري ~~يمتنع حصوله بدون القصد إليه وبدون الاختيار له . إذا عرفت هذا فنقول حصول ~~ذلك القصد والاختيار إن كان بقصد آخر يتقدمه واختيار آخر يتقدمه لزمه أن ~~يكون كل قصد واختيار مسبوقا بقصد آخر إلى غير النهاية وهو محال . فوجب ~~انتهاء تلك القصود وتلك الاختيارت إلى قصد واختيار يخلقه الله تعالى في ~~العبد على سبيل الضرورة عند حصول ذلك القصد الضروري والاختيار الضروري يوجب ~~الفعل ، فالإنسان شاء أو لم يشأ إن لم تحصل في قلبه تلك المشيئة الجازمة ~~الخالية عن المعارض لم يترتب الفعل ، وإذا حصلت تلك المشيئة الجازمة شاء أو ~~لم يشأ يجب ترتب الفعل عليه ، فلا حصول المشيئة مترتب على حصول الفعل ، ولا ~~حصول الفعل مترتب على المشيئة . فالإنسان مضطر في صورة مختار ، ولقد قرر ~~الشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله هذا المعنى في باب التوكل من كتاب إحياء ~~علوم الدين فقال : فإن قلت إني أجد في نفسي وجدانا ضروريا أني إن شئت الفعل ~~قدرت على الفعل وإن شئت الترك قدرت على الترك فالفعل والترك بي لا بغيري . ~~وأجاب عنه ، وقال : هب أنك تجد من نفسك هذا المعنى ولكن هل تجد من نفسك أنك ~~إن شئت مشيئة الفعل حصلت تلك المشيئة ، وإن لم تشأ تلك المشيئة لم تحصل . ~~بل العقل يشهد بأنه يشاء الفعل لا بسبق مشيئة أخرى على تلك المشيئة ، وإذا ~~شاء الفعل وجب حصول الفعل من غير مكنة واختيار في هذا المقام فحصول المشيئة ~~في القلب أمر لازم وترتب الفعل على حصول المشيئة أيضا أمر لازم وهذا يدل ~~على أن الكل ms5937 من الله تعالى . # المسألة الثالثة : قوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } فيه فوائد : # / الفائدة الأولى : الآية تدل على أن صدور الفعل عن الفاعل بدون القصد ~~والداعي محال . # الفائدة الثانية : أن صيغة الأمر لا لمعنى الطلب في كتاب الله كثيرة ثم ~~نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال هذه الصيغة تهديد ووعيد وليست ~~بتخيير . # الفائدة الثالثة : أنها تدل على أنه تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا ~~يستضر بكفر الكافرين ، بل نفع الإيمان يعود عليهم ، وضرر الكفر يعود عليهم ~~، كما قال تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء ~~: 7 ) ، واعلم أنه تعالى لما وصف الكفر والإيمان والباطل والحق أتبعه بذكر ~~الوعيد على الكفر والأعمال الباطلة ، وبذكر الوعد على الإيمان والعمل ~~الصالح . أما الوعيد فقوله تعالى : { إنا أعتدنا للظالمين نارا } يقول ~~اعتدنا لمن ظلم نفسه ووضع العبادة في غير موضعها والأنفة في غير محلها ~~فعندما استحسن بهواه وأنف عن قبول الحق لأجل أن الذين قبلوه فقراء ومساكين ~~، فهذا كله ظلم ووضع للشيء في غير موضعه . فأخبر تعالى أنه أعد لهؤلاء ~~الأقوام نارا وهي الجحيم ، ثم وصف تعالى تلك النار بصفتين : الصفة الأولى : ~~قوله : { وأحاط * بهم سرادقها } والسرادق هو الحجزة التي تكون حول الفسطاط ~~فأثبت للنار شيئا شبيها بذلك يحيط بهم من جميع الجهات ، والمراد أنه لا ~~مخلص لهم منها ولا فرجة يتفرجون بالنظر إلى ما وراءها من غير النار بل هي ~~محيطة بهم من كل الجوانب . وقال بعضهم : المراد من هذا السرادق الدخان الذي ~~وصفه الله في قوله : { انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب } ( المرسلات : 30 ) ~~وقالوا : هذه الإحاطة بهم إنما تكون قبل دخولهم النار فيغشاهم هذا الدخان ~~ويحيط بهم كالسرادق حول الفسطاط . PageV21P102 والصفة الثانية : لهذه النار ~~قوله : { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل } قيل في حديث مرفوع إنه دردي ~~الزيت وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه دخل بيت المال وأخرج نفاثة كانت فيه ~~وأوقد عليها النار حتى تلألأت ثم قال : هذا هو المهل ، قال أبو ms5938 عبيدة ~~والأخفش كل شيء أذبته من ذهب أو نحاس أو فضة فهو المهل ، وقيل : إنه الصديد ~~والقيح ، وقيل إنه ضرب من القطران . ثم يحتمل أن تكون هذه الاستغاثة لأنهم ~~إذا طلبوا ماء للشرب فيعطون هذا المهل قال تعالى : { تصلى نارا حامية * ~~تسقى من عين ءانية } ( الغاشية : 4 ، 5 ) ويحتمل أن يستغيثوا من حر جهنم ~~فيطلبوا ماء يصبونه على أنفسهم للتبريد فيعطون هذا الماء . قال تعالى حكاية ~~عنهم : { أن أفيضوا علينا من الماء } ( الأعراف : 50 ) وقال في آية أخرى : ~~{ سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار } ( إبراهيم : 50 ) فإذا استغاثوا ~~من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص وقوله تعالى : { ~~يغاثوا بماء كالمهل } وارد على سبيل الاستهزاء كقوله : # تحية بينهم ضرب وجيع # ثم قال تعالى : { بئس الشراب } أي أن الماء الذي هو كالمهل بئس الشراب ~~لأن المقصود بشرب الشراب تسكين الحرارة وهذا يبلغ في احتراق الأجسام مبلغا ~~عظيما ثم قال تعالى : { وساءت مرتفقا } قال قائلون : ساءت النار منزلا ~~ومجتمعا للرفقة لأن أهل النار يجتمعون رفقاء كأهل الجنة . قال تعالى في صفة ~~أهل الجنة : { وحسن أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) وأما رفقاء النار فهم ~~الكفار والشياطين / والمعنى بئس الرفقاء هؤلاء وبئس موضع الترافق النار كما ~~أنه نعم الرفقاء أهل الجنة ونعم موضع الرفقاء الجنة . وقال آخرون مرتفقا أي ~~متكأ ، وسمي المرفق مرفقا لأنه يتكأ عليه ، فالإتكاء إنما يكون للاستراحة ، ~~والمرتفق موضع الاستراحة والله أعلم . # ! 7 < { أولائك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور ~~من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الا رآئك نعم ~~الثواب وحسنت مرتفقا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 30 - 31 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد المبطلين أردفه بوعد المحقين وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } يدل على أن ~~العمل الصالح مغاير للإيمان لأن العطف يوجب المغايرة . # المسألة الثانية : قوله : { إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } ظاهره يقتضي ~~أنه يستوجب المؤمن بحسن عمله على ms5939 الله أجرا ، وعند أصحابنا ذلك الاستيجاب ~~حصل بحكم الوعد وعند المعتزلة لذات الفعل وهو باطل لأن نعم الله كثيرة وهي ~~موجبة للشكر والعبودية فلا يصير الشكر والعبودية موجبين لثواب آخر لأن أداء ~~PageV21P103 الواجب لا يوجب شيئا آخر . # المسألة الثالثة : نظير قوله : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } الخ ~~قول الشاعر : # % إن الخليفة إن الله سربله % % سربال ملك به ترجى الخواتيم % # كرر أن تأكيدا للأعمال والجزاء عليها . # المسألة الرابعة : أولئك خبر إن وإنا لا نضيع اعتراض ولك أن تجعل إنا لا ~~نضيع وأولئك خبرين معا ولك أن تجعل أولئك كلاما مستأنفا بيانا للأجر المبهم ~~واعلم أنه تعالى لما أثبت الأجر المبهم أردفه بالتفصيل من وجوه : أولها : ~~صفة مكانهم وهو قوله : { أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الانهار } ~~والعدن في اللغة عبارة عن الإقامة فيجوز أن يكون المعنى أولئك لهم جنات ~~إقامة كما يقال هذه دار إقامة ، ويجوز أن يكون العدن إسما لموضع معين من ~~الجنة / وهو وسطها وأشرف أماكنها وقد استقصينا فيه فيما تقدم وقوله : { ~~جنات } لفظ جمع فيمكن أن يكون المراد ما قاله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان } ( الرحمن : 46 ) ويمكن أن يكون المراد أن نصيب كل واحد من المكلفين ~~جنة على حدة وذكر أن من صفات تلك الجنات أن الأنهار تجري من تحتها وذلك لأن ~~أفضل المساكن في الدنيا البساتين التي يجري فيها الأنهار . وثانيها : إن ~~لباس أهل الدنيا إما لباس التحلي ، وإما لباس التستر ، أما لباس التحلي ~~فقال تعالى في صفته : { يحلون فيها من أساور من ذهب } والمعنى أنه يحليهم ~~الله تعالى ذلك أو تحليهم الملائكة وقال بعضهم على كل واحد منهم ثلاثة ~~أسورة سوار من ذهب لأجل هذه الآية وسوار من فضة لقوله تعالى : { وحلوا ~~أساور من فضة } ( الإنسان : 21 ) وسوار من لؤلؤ لقوله تعالى : { ولؤلؤا ~~ولباسهم فيها حرير } ( الحج : 23 ) ، وأما لباس التستر فقوله : { ويلبسون ~~ثيابا خضرا من سندس وإستبرق } والمراد من سندس الآخرة واستبرق الآخرة ~~والأول هو الديباج الرقيق وهو الخز والثاني هو الديباج ms5940 الصفيق وقيل أصله ~~فارسي معرب وهو استبره ، أي غليظ ، فإن قيل : ما السبب في أنه تعالى قال في ~~الحلي : { يحلون } على فعل ما لم يسم فاعله وقال في السندس والاستبرق ~~ويلبسون فأضاف اللبس إليهم ، قلنا : يحتمل أن يكون اللبس إشارة إلى ما ~~استوجبوه بعملهم وأن يكون الحلي إشارة إلى ما تفضل الله عليهم ابتداء من ~~زوائد الكرم . وثالثها : كيفية جلوسهم فقال في صفتها متكئين فيها على ~~الأرائك . قالوا : الأرائك جمع أريكة وهي سرير في حجلة ، أما للسرير وحده ~~فلا يسمى أريكة . ولما وصف الله تعالى هذه الأقسام قال : { نعم الثواب ~~وحسنت مرتفقا } والمراد أن يكون هذا في مقابلة ما تقدم ذكره من قوله : { ~~وساءت مرتفقا } . # ! 7 < { واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من أعناب وحففناهما ~~بنخل وجعلنا بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ~~وفجرنا خلالهما نهرا * وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك ~~مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هاذه أبدا * ~~ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا * قال له ~~صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا * لكن ~~هو الله ربى ولا أشرك بربى أحدا * ولولاإذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله لا ~~قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا * فعسى ربى أن يؤتين خيرا من ~~جنتك ويرسل عليها حسبانا من السمآء فتصبح صعيدا زلقا * أو يصبح مآؤها غورا ~~فلن تستطيع له طلبا * وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها وهى ~~خاوية على عروشها ويقول ياليتنى لم أشرك بربى أحدا * ولم تكن له فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا * هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا ~~وخير عقبا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 32 - 44 ) واضرب لهم مثلا . . . . . # > > PageV21P104 # / اعلم أن المقصود من هذا أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء ~~المسلمين فبين الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب ms5941 الافتخار لاحتمال أن يصير ~~الفقير غنيا والغني فقيرا ، أما الذي يجب / حصول المفاخرة به فطاعة الله ~~وعبادته وهي حاصلة لفقراء المؤمنين وبين ذلك بضرب هذا المثل المذكور في ~~الآية فقال : { واضرب لهم مثلا رجلين } أي مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال ~~رجلين كانا أخوين في بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه براطوس والآخر مؤمن اسمه ~~يهوذا وقيل هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى : { قال قائل منهم ~~إنى كان لى قرين } ( الصافات : 51 ) ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فأخذ ~~كل واحد منهما النصف فاشترى الكافر أرضا فقال المؤمن اللهم إني أشتري منك ~~أرضا في الجنة بألف فتصدق به ثم بنى أخوه دارا بألف فقال المؤمن : اللهم ~~إني اشتري منك دارا في الجنة بألف فتصدق به ثم تزوج أخوه امرأة بألف فقال ~~المؤمن اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور العين ثم اشترى أخوه خدما وضياعا ~~بألف فقال المؤمن : PageV21P105 اللهم إني اشتريت منك الولدان بألف فتصدق ~~به ثم أصابه حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه فتعرض له فطرده ~~ووبخه على التصدق بماله وقوله تعالى : { جعلنا لاحدهما جنتين } ، فاعلم أن ~~الله تعالى وصف تلك الجنة بصفات : الصفة الأولى : كونها جنة وسمى البستان ~~جنة لاستتار ما يستتر فيها بظل الأشجار وأصل الكلمة من الستر والتغطية ، ~~والصفة الثانية : قوله : { وحففناهما بنخل } أي وجعلنا النخل محيطا ~~بالجنتين نظيره قوله تعالى : { وترى الملائكة حافين من حول العرش } ( الزمر ~~: 75 ) أي واقفين حول العرش محيطين به ، والحفاف جانب الشيء والأحفة جمع ~~فمعنى قول القائل حف به القوم أي صاروا في أحفته وهي جوانبه قال الشاعر : # % له لحظات في حفافي سريره % % إذا كرها فيها عقاب ونائل % # قال صاحب ( الكشاف ) : حفوه إذا طافوا به ، وحففته بهم أي جعلتهم حافين ~~حوله وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولا ثانيا كقوله : غشيته ~~وغشيته به ، قال : وهذه الصفة مما يؤثرها الدهاقين في كرومهم وهي أن ~~يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة ، وهو أيضا حسن في المنظر . الصفة الثالثة ~~: { وجعلنا بينهما زرعا ms5942 } والمقصود منه أمور . أحدها : أن تكون تلك الأرض ~~جامعة للأقوات والفواكه . وثانيها : أن تكون تلك الأرض متسعة الأطراف ~~متباعدة الأكناف ومع ذلك فإنها لم يتوسطها ما يقطع بعضها عن بعض . وثالثها ~~: أن مثل هذه الأرض تأتي في كل وقت بمنفعة أخرى وهي ثمرة أخرى فكانت ~~منافعها دارة متواصلة . الصفة الرابعة : قوله تعالى : { كلتا الجنتين اتت ~~أكلها ولم تظلم منه شيئا } كلا إسم مفرد معرفة يؤكد به مذكران معرفتان ، ~~وكلتا اسم مفرد يؤكد به مؤنثان معرفتان . وإذا أضيفا إلى المظهر كانا ~~بالألف في الأحوال الثلاثة كقولك جاءني كلا أخويك ، ورأيت كلا أخويك ، ~~ومررت بكلا أخويك . وجاءني كلتا أختيك ، ورأيت كلتا أختيك ، ومررت بكلتا ~~أختيك ، وإذا أضيفا إلى المضمر كانا في الرفع بالألف ، وفي الجر والنصب ~~بالياء وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضا . وقوله : { ~~اتت أكلها } حمل على اللفظ لأن كلتا لفظه لفظ مفرد ولو قيل أتتا على المعنى ~~لجاز ، وقوله : { ولم تظلم منه شيئا } أي لم تنقص والظلم النقصان ، يقول ~~الرجل : ظلمني حقي أي نقصني . الصفة الخامسة : قوله تعالى : { وفجرنا ~~خلالهما نهرا } أي كان النهر يجري في داخل تلك الجنتين . وفي قراءة يعقوب ~~وفجرنا مخففة وفي قراءة الباقين وفجرنا مشددة والتخفيف هو الأصل لأنه نهر ~~واحد والتشديد على المبالغة لأن النهر يمتد فيكون كأنهار و { خلالهما } أي ~~وسطهما وبينهما . ومنه قوله تعالى : { ولاوضعوا خلالكم } ( التوبة : 47 ) . ~~ومنه يقال خللت القوم أي دخلت بين القوم . الصفة السادسة : قوله تعالى : { ~~وكان له ثمر } قرأ عاصم بفتح الثاء والميم في الموضعين وهو جمع ثمار أو ~~ثمرة ، وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وسكون الميم في الحرفين والباقون بضم الثاء ~~والميم في الحرفين ذكر أهل اللغة : أنه بالضم أنواع الأموال من الذهب ~~والفضة وغيرهما ، وبالفتح حمل الشجر قال قطرب : كان أبو عمرو بن العلاء ~~يقول : الثمر المال والولد ، وأنشد للحارث بن كلدة : # % ولقد رأيت معاشرا % % قد أثمروا مالا وولدا % # % مهلا فداء لك الأقوام كلهم % % ما أثمروه أمن مال ومن ولد % % ~~PageV21P106 # وقوله : { وكان له ms5943 ثمر } أي أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثر . وعن ~~مجاهد الذهب والفضة : أي كان مع الجنتين أشياء من النقود ، ولما ذكر الله ~~تعالى هذه الصفات قال بعده : { فقال له * صاحبه وهو يحاوره * أنا أكثر منك ~~مالا وأعز نفرا } والمعنى أن المسلم كان يحاوره بالوعظ والدعاء إلى الإيمان ~~بالله وبالبعث والمحاورة مراجعة الكلام من قولهم : حار إذا رجع ، قال تعالى ~~: { إنه ظن أن لن يحور * بلى } ( الانشقاق : 14 ، 15 ) ، فذكر تعالى أن عند ~~هذه المحاورة قال الكافر : { أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } والنفر عشيرة ~~الرجل وأصحابه الذين يقومون بالذب عنه وينفرون معه / وحاصل الكلام أن ~~الكافر ترفع على المؤمن بجاهه وماله ، ثم إنه أراد أن يظهر لذلك المسلم ~~كثرة ماله فأخبر الله تعالى عن هذه الحالة فقال : { ودخل جنته } وأراه ~~إياها على الحالة الموجبة للبهجة والسرور وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ، ~~فإن قيل : لم أفرد الجنة بعد التثنية ؟ قلنا : المراد أنه ليس له جنة ولا ~~نصيب في الجنة التي وعد المتقون المؤمنون وهذا الذي ملكه في الدنيا هو جنته ~~لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدا منهما ، ثم قال تعالى : { وهو ظالم ~~لنفسه } وهو اعتراض وقع في أثناء الكلام ، والمراد التنبيه على أنه لما ~~اعتز بتلك النعم وتوسل بها إلى الكفران والجحود لقدرته على البعث كان واضعا ~~تلك النعم في غير موضعها ، ثم حكى تعالى عن الكافر أنه قال : { وما أظن * ~~أن تبيد هاذه أبدا وما أظن الساعة قائمة } فجمع بين هذين ، فالأول قطعه بأن ~~تلك الأشياء لا تهلك ولا تبيد أبدا مع أنها متغيرة متبدلة . فإن قيل : هب ~~أنه شك في القيامة فكيف قال : ما أظن أن تبيد هذه أبدا مع أن الحدس يدل على ~~أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية ؟ قلنا : المراد أنها لا ~~تبيد مدة حياته ووجوده ، ثم قال : { ولئن رددت إلى ربى لاجدن خيرا منها ~~منقلبا } أي مرجعا وعاقبة وانتصابه على التمييز ونظيره قوله تعالى : { ولئن ~~رجعت إلى ربى إن لى ms5944 عنده للحسنى } وقوله : { لاوتين مالا وولدا } والسبب في ~~وقوع هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه المال في الدنيا ظن أنه إنما أعطاه ~~ذلك لكونه مستحقا له ، والاستحقاق باق بعد الموت فوجب حصول العطاء . ~~والمقدمة الأولى كاذبة فإن فتح باب الدنيا على الإنسان يكون في أكثر الأمر ~~للاستدراج والتملية ، قرأ نافع وابن كثير خيرا منهما ، والمقصود عود ~~الكناية إلى الجنتين ، والباقون منها ، والمقصود عود الكناية إلى الجنة ~~التي دخلها ، ثم ذكر تعالى جواب المؤمن فقال جل جلاله : { قال له صاحبه وهو ~~يحاوره أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا } وفيه بحثان : # البحث الأول : أن الإنسان الأول قال : { وما أظن الساعة قائمة } وهذا ~~الثاني كفره حيث قال : { أكفرت بالذى خلقك من تراب } وهذا يدل على أن الشاك ~~في حصول البعث كافر . # البحث الثاني : هذا الاستدلال يحتمل وجهين : الأول : يرجع إلى الطريقة ~~المذكورة في القرآن وهو أنه تعالى لما قدر على الابتداء وجب أن يقدر على ~~الإعادة فقوله : { خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا } إشارة إلى خلق ~~الإنسان في الابتداء . الوجه الثاني : أنه لما خلقك هكذا فلم يخلقك عبثا ، ~~وإنما خلقك للعبودية وإذا خلقك لهذا المعنى وجب أن يحصل للمطيع ثواب ~~وللمذنب عقاب وتقريره ما ذكرناه في سورة يس ، ويدل على هذا الوجه قوله : { ~~ثم سواك رجلا } أي هيأك هيئة تعقل وتصلح للتكليف فهل يجوز في العقل مع هذه ~~الحالة إهماله أمرك ثم قال المؤمن : { لكنا * هو الله ربى } وفيه بحثان : # البحث الأول : قال أهل اللغة لكنا أصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت ~~حركتها على نون لكن فاجتمعت النونان فادغمت نون لكن في النون التي بعدها ~~ومثله : PageV21P107 # وتقلينني لكن إياك لا أقلى # أي لكن أنا لا أقليك وهو في قوله : { هو الله ربى } ضمير الشأن وقوله : { ~~الله ربى } جملة من المبتدأ والخبر واقعة في معرض الخبر لقوله : هو فإن قيل ~~قوله : { لكنا } استدراك لماذا ؟ قلنا لقوله : { أكفرت } كأنه قال لأخيه : ~~أكفرت بالله لكني مؤمن موحد كما ms5945 تقول زيد غائب لكن عمرو حاضر . # والبحث الثاني : قرأ ابن عامر ويعقوب الحضرمي ونافع في رواية : { لكنا * ~~هو الله ربى } في الوصل بالألف . وفي قراءة الباقين : { لكن هو الله ربى } ~~بغير ألف والمعنى واحد ثم قال المؤمن : { ولا أشرك بربى أحدا } ذكر القفال ~~فيه وجوها : أحدها : إني لا أرى الفقر والغنى إلا منه فأحمده إذا أعطى ~~وأصبر إذا ابتلي ولا أتكبر عندما ينعم علي ولا أرى كثرة المال والأعوان من ~~نفسي وذلك لأن الكافر لما اعتز بكثرة المال والجاه فكأنه قد أثبت لله شريكا ~~في إعطاء العز والغنى . وثانيها : لعل ذلك الكافر مع كونه منكرا للبعث كان ~~عابد صنم فبين هذا المؤمن فساد قوله بإثبات الشركاء . وثالثها : أن هذا ~~الكافر لما عجز الله عن البعث والحشر فقد جعله مساويا للخلق في هذا العجز ~~وإذا أثبت المساواة فقد أثبت الشريك ثم قال المؤمن للكافر : { ولولا إذ ~~دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } فأمره أن يقول هذين الكلامين ~~الأول قوله : { ما شاء الله } وفيه وجهان : الأول : أن تكون ( ما ) شرطية ~~ويكون الجزاء محذوفا والتقدير أي شيء شاء الله كان . والثاني : أن تكون ما ~~موصولة مرفوعة المحل على أنها خبر مبتدأ محذوف وتقديره الأمر ما شاء الله ، ~~واحتج أصحابنا بهذا على أن كل ما أراده الله وقع وكل ما لم يرده لم يقع ~~وهذا يدل على أنه ما أراد الله الإيمان من الكافر وهو صريح في إبطال قول ~~المعتزلة أجاب الكعبي عنه بأن تأويل قولهم : ما شاء مما تولى فعله لا مما ~~هو فعل العباد كما قالوا : لا مرد لأمر الله لم يرد ما أمر به العباد ثم ~~قال : لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريده كما يحصل فيه ما نهى عنه ، ~~واعلم أن الذي ذكر الكعبي ليس جوابا عن الاستدلال بل هو التزام المخالفة ~~لظاهر النص وقياس الإرادة على الأمر ، باطل لأن هذا النص دال على أنه لا ~~يوجد إلا ما أراده الله وليس في النصوص ms5946 ما يدل على أنه لا يدخل في الوجود ~~إلا ما أمر به فظهر الفرق وأجاب القفال عنه بأن قال : هلا إذا دخلت بستانك ~~قلت ما شاء الله كقول الإنسان هذه الأشياء الموجودة في هذا البستان ما شاء ~~الله ، ومثله قوله : { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } وهم ثلاثة وقوله : { ~~وقولوا حطة } ( البقرة : 58 ) أي قولوا هذه حطة وإذا كان كذلك كان المراد ~~من هذا الشيء الموجود في البستان شيء شاء الله تكوينه وعلى هذا التقدير لم ~~يلزم أن يقال كل ما شاء الله وقع لأن هذا الحكم غير عام في الكل بل مختص ~~بالأشياء المشاهدة في البستان وهذا التأويل الذي ذكره القفال أحسن بكثير ~~مما ذكره الجبائي والكعبي ، وأقول : إنه على جوابه لا يدفع الإشكال على ~~المعتزلة لأن عمارة ذلك البستان ربما حصلت بالغصوب والظلم الشديد فلا يصح ~~أيضا على قول المعتزلة أن يقال : هذا واقع بمشيئة الله . اللهم إلا أن نقول ~~المراد أن هذه الثمار حصلت بمشيئة الله تعالى إلا أن هذا تخصيص لظاهر النص ~~من غير دليل . والكلام الثاني : الذي أمر المؤمن الكافر بأن يقوله هو قوله ~~: { لا قوة إلا بالله } أي لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله ~~وإقداره . والمقصود إنه قال المؤمن للكافر : هلا قلت عند دخول جنتك الأمر ~~ما شاء الله والكائن ما قدره الله PageV21P108 اعترافا بأنها وكل خير فيها ~~بمشيئة الله وفضله فإن أمرها بيده إن شاء تركها وإن شاء خربها ، وهلا قلت ~~لا قوة إلا بالله إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها فهو ~~بمعونة الله وتأييده لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله ثم إن ~~المؤمن لما علم الكافر الإيمان أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال : { إن ~~ترن أنا أقل منك مالا وولدا } من قرأ أقل بالنصب فقد جعل أنا فصلا وأقل ~~مفعولا ثانيا ومن قرأ بالرفع جعل قوله : { أنا } مبتدأ وقوله { أقل } خبر ~~والجملة مفعولا ثانيا لترن واعلم أن ذكر الولد ههنا يدل على ms5947 أن المراد ~~بالنفر المذكور في قوله : { وأعز نفرا } الأعوان والأولاد كأنه يقول له : ~~إن كنت تراني : { أقل * مالا وولدا } وأنصارا في الدنيا الفانية : { فعسى ~~ربى أن يؤتين خيرا من جنتك } إما في الدنيا ، وإما في الآخرة . ويرسل على ~~جنتك : { حسبانا من السماء } أي عذابا وتخريبا والحسبان مصدر كالغفران ~~والبطلان بمعنى الحساب / أي مقدارا قدره الله وحسبه وهو الحكم بتخريبها . ~~قال الزجاج : عذاب حسبان وذلك الحسبان حسبان ما كسبت يداك وقيل حسبانا أي ~~مرامي الواحد منها حسبانة وهي الصواعق : { فتصبح صعيدا زلقا } أي فتصبح ~~جنتك أرضا ملساء لا نبات فيها والصعيد وجه الأرض ، زلقا أي تصير بحيث تزلق ~~الرجل عليها زلقا ثم قال : { أو يصبح ماؤها غورا } أي يغوص ويسفل في الأرض ~~: { فلن تستطيع له طلبا } أي فيصير بحيث لا تقدر على رده إلى موضعه . قال ~~أهل اللغة في قوله : { ماؤها غورا } أي غائرا وهو نعت على لفظ المصدر كما ~~يقال : فلان زور وصوم للواحد والجمع والمذكر والمؤنث ويقال نساء نوح أي ~~نوائح ثم أخبر الله تعالى أنه حقق ما قدره هذا المؤمن فقال : { وأحيط بثمره ~~} وهو عبارة عن إهلاكه بالكلية وأصله من إحاطة العدو لأنه إذا أحاط به فقد ~~ملكه واستولى عليه ثم استعمل في كل إهلاك ومنه قوله : { إلا أن يحاط بكم } ~~( يوسف : 66 ) ومثله قولهم : أتى عليه إذا أهلكه من أتى عليهم العدو إذا ~~جاءهم مستعليا عليهم . ثم قال تعالى : { فأصبح يقلب كفيه } وهو كناية عن ~~الندم والحسرة فإن من عظمت حسرته يصفق إحدى يديه على الأخرى ، وقد يمسح ~~إحداهما على الأخرى ، وإنما يفعل هذا ندامة على ما أنفق في الجنة التي وعظه ~~أخوه فيها وعذله : { وهى خاوية على عروشها } أي ساقطة على عروشها فيمكن أن ~~يكون المراد بالعروش عروش الكرم فهذه العروش سقطت ثم سقطت الجدران عليها ~~ويمكن أن يراد من العروش السقوف وهي سقطت على الجدران . وحاصل الكلام أن ~~هذه اللفظة كناية عن بطلانها وهلاكها ، ثم قال تعالى : { ويقول ياليتنى * ~~ليتنى لم * أشرك بربى أحدا } والمعنى ms5948 أن المؤمن لما قال : { لكنا * هو الله ~~ربى ولا أشرك بربى أحدا } فهذا الكافر تذكر كلامه وقال : { ويقول ياليتنى ~~لم أشرك بربى أحدا } فإن قيل هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنته بشؤم شركه ~~وليس الأمر كذلك لأن أنواع البلاء أكثرها إنما يقع للمؤمنين قال تعالى : { ~~ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون } ( الزخرف : 33 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~: ( خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ) وأيضا فلما قال : ~~{ ويقول ياليتنى لم أشرك بربى أحدا } فقد ندم على الشرك ورغب في التوحيد ~~فوجب أن يصير مؤمنا فلم قال بعده : { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله ~~وما كان منتصرا } والجواب عن السؤال الأول : أنه لما عظمت حسرته لأجل أنه ~~أنفق عمره في تحصيل الدنيا وكان معرضا في كل عمره عن طلب الدين فلما ضاعت ~~الدنيا بالكلية بقي الحرمان عن الدنيا والدين عليه . فلهذا السبب عظمت ~~حسرته والجواب عن السؤال الثاني : أنه إنما ندم على الشرك لاعتقاده أنه لو ~~كان موحدا غير مشرك لبقيت عليه جنته فهو إنما رغب في التوحيد والرد عن ~~الشرك لأجل طلب PageV21P109 الدنيا فلهذا السبب ما صار توحيده مقبولا عند ~~الله ثم قال تعالى : { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله } وفيه بحثان : # البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي : ( ولم يكن له فئة ) بالياء لأن قوله : ~~{ فئة } جمع فإذا / تقدم على الكناية جاز التذكير ، ولأنه رعاية للمعنى . ~~والباقون بالتاء المنقوطة باثنتين من فوق لأن الكناية عائدة إلى اللفظة وهي ~~الفئة . # البحث الثاني : المراد من قوله : { ينصرونه من دون الله } هو أنه ما حصلت ~~له فئة يقدرون على نصرته من دون الله أي هو الله تعالى وحده القادر على ~~نصرته ولا يقدر أحد غيره أن ينصره ثم قال تعالى : { هنالك الولاية لله الحق ~~هو خير ثوابا وخير * عقبى } . # المسألة الأولى : اختلف القراء في ثلاثة مواضع من هذه الآية . أولها : في ~~لفظ الولاية ففي قراءة ms5949 حمزة والكسائي بكسر الواو وفي قراءة الباقين بالفتح ~~وحكى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال : كسر الواو لحن قال صاحب الكشاف : ~~الولاية بالفتح النصرة والتولي وبالكسر السلطان والملك . وثانيها : قرأ أبو ~~عمرو والكسائي قوله : الحق بالرفع والتقدير هنالك الولاية الحق لله وقرأ ~~الباقون بالجر صفة لله . وثالثها : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي ~~وابن عامر عقبا بضم القاف وقرأ عاصم وحمزة عقبى بتسكين القاف . # المسألة الثانية : { هنالك الولاية لله } فيه وجوه . الأول : أنه تعالى ~~لما ذكر من قصة الرجلين ما ذكر علمنا أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت ~~للمؤمن على الكافر وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقال : { ~~هنالك الولاية لله الحق } أي في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام تكون ~~الولاية لله يوالي أولياءه فيغلبهم على أعدائه ويفوض أمر الكفار إليهم ~~فقوله هنالك إشارة إلى الموضع والوقت الذي يريد الله إظهار كرامة أوليائه ~~وإذلال أعدائه ( فيهما ) . والوجه الثاني : في التأويل أن يكون المعنى في ~~مثل تلك الحالة الشديدة يتولى الله ويلتجيء إليه كل محتاج مضطر يعني أن ~~قوله : { ويقول ياليتنى لم أشرك بربى أحدا } كلمة ألجيء إليها ذلك الكافر ~~فقالها جزعا مما ساقه إليه شؤم كفره ولولا ذلك لم يقلها . والوجه الثالث : ~~المعنى هنالك الولاية لله ينصر بها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم ~~ويشفي صدورهم من أعدائهم يعني أنه تعالى نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمن ~~وصدق قوله في قوله : { فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا ~~من السماء } ويعضده قوله : { هو خير ثوابا وخير * عقبى } أي لأوليائه . ~~والوجه الرابع : أن قوله هنالك إشارة إلى الدار الآخرة أي في تلك الدار ~~الآخرة الولاية لله كقوله لمن الملك اليوم لله ثم قال تعالى : { هو خير ~~ثوابا } أي في الآخرة لمن آمن به والتجأ إليه : { وخير * عقبى } أي هو خير ~~عاقبة لمن رجاه وعمل لوجهه وقد ذكرنا أنه قرىء عقبى بضم القاف وسكونها ~~وعقبى على فعلى وكلها بمعنى العاقبة . # ! 7 < { واضرب ms5950 لهم مثل الحيواة الدنيا كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الا رض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شىء مقتدرا } > 7 ~~@QB@ < # | الكهف : ( 45 ) واضرب لهم مثل . . . . . # > > PageV21P110 # اعلم أن المقصود : اضرب مثلا آخر يدل على حقارة الدنيا وقلة بقائها ~~والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين فقال ~~: { واضرب لهم } أي لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء ~~المسلمين : { مثل الحيواة الدنيا } ثم ذكر المثل فقال : { كماء أنزلناه من ~~السماء فاختلط به نبات الارض } وحينئذ يربو ذلك النبات ويهتز ويحسن منظره ~~كما قال تعالى : { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } ( الحج : 5 ) ثم ~~إذا انقطع ذلك مدة جف ذلك النبات وصار هشيما ، وهو النبت المتكسر المتفتت . ~~ومنه قوله : هشمت أنفه وهشمت الثريد . وأنشد : # % عمرو الذي هشم الثريد لأهله % % ورجال مكة مسنتون عجاف % # وإذا صار النبات كذلك طيرته الرياح وذهبت بتلك الأجزاء إلى سائر الجوانب ~~: { وكان الله على كل شىء مقتدرا } بتكوينه أولا وتنميته وسطا وإبطاله آخرا ~~وأحوال الدنيا أيضا كذلك تظهر أولا في غاية الحسن والنضارة ثم تتزايد قليلا ~~قليلا ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الهلاك والفناء ؛ ومثل هذا ~~الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به . والباء في قوله : { فاختلط به نبات الارض } ~~فيه وجوه . الأول : التقدير فاختلط بعض أنواع النبات بسائر الأنواع بسبب ~~هذا الماء وذلك لأن عند نزول المطر يقوي النبات ويختلط بعضه بالبعض ويشتبك ~~بعضه بالبعض ويصير في المنظر في غاية الحسن والزينة . والثاني : فاختلط ذلك ~~الماء بالنبات واختلط ذلك النبات بالماء حتى روى ورف رفيفا . وكان حق اللفظ ~~على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض ووجه صحته أن كل مختلطين موصوف كل واحد ~~منها بصفة صاحبه . # ! 7 < { المال والبنون زينة الحيواة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ~~ربك ثوابا وخير أملا } > 7 ! # < < # | الكهف : ( 46 ) المال والبنون زينة . . . . . # > > لما بين تعالى أن الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزوال ~~والبوار والفناء بين تعالى أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا والمقصود ~~إدخال هذا ms5951 الجزء تحت ذلك الكل وسنعقد منه قياس الإنتاج وهو أن المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا وكل ما كان من زينة الدنيا فهو سريع الانقضاء ~~والانقراض ينتج إنتاجا بديهيا أن المال والبنين سريعة الانقضاء والانقراض . ~~ومن المقتضى البديهي أن ما كان كذلك فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به أو يفرح ~~بسببه أو يقيم له / في نظره وزنا فهذا برهان باهر على فساد قول أولئك ~~المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال والأولاد ثم ذكر ~~ما يدل على رجحان أولئك الفقراء على أولئك الكفار من الأغنياء فقال : { ~~والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } وتقرير هذا الدليل أن ~~خيرات الدنيا منقرضة منقضية وخيرات الآخرة دائمة باقية والدائم الباقي خير ~~من المنقرض المنقضي وهذا معلوم بالضرورة ، لا سيما إذا ثبت أن خيرات الدنيا ~~خسيسة حقيرة وأن خيرات الآخرة عالية رفيعة ، لأن خيرات PageV21P111 الدنيا ~~حسية وخيرات الآخرة عقلية والعقلية أشرف من الحسية بكثير بالدلائل المذكورة ~~في تفسير قوله تعالى : { الله نور * السماوات والارض } في بيان أن ~~الإدراكات العقلية أفضل من الحسية وإذا كان كذلك كان مجموع السعادات ~~العقلية والحسية هي السعادات الأخروية فوجب أن تكون أفضل من السعادات ~~الحسية الدنيوية والله أعلم . والمفسرون ذكروا في الباقيات الصالحات أقوالا ~~قيل إنها قولنا : ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ) ~~وللشيخ الغزالي رحمه الله في تفسير هذه الكلمات وجه لطيف ، فقال : روي أن ~~من قال سبحان الله حصل له من الثواب عشر مرات ، فإذا قال والحمد لله صارت ~~عشرين ، فإذا قال : ولا إله إلا الله صارت ثلاثين ، فإذا قال والله أكبر ~~صارت أربعين . قال وتحقيق القول فيه أن أعظم مراتب الثواب هو الاستغراق في ~~معرفة الله وفي محبته فإذا قال سبحان الله فقد عرف كونه سبحانه منزها عن كل ~~ما لا ينبغي فحصول هذا العرفان سعادة عظيمة وبهجة كاملة فإذا قال مع ذلك ~~والحمد لله فقد أقر بأن الحق سبحانه مع كونه منزها عن كل ما لا ينبغي فهو ~~المبدأ لإفادة ms5952 كل ما ينبغي ولإفاضة كل خير وكمال فقد تضاعفت درجات المعرفة ~~فلا جرم قلنا تضاعف الثواب فإذا قال مع ذلك ولا إله إلا الله فقد أقر بأن ~~الذي تنزه عن كل ما لا ينبغي فهو المبدأ لكل ما ينبغي وليس في الوجود موجود ~~هكذا إلا الواحد فقد صارت مراتب المعرفة ثلاثة فلا جرم صارت درجات الثواب ~~ثلاثة فإذا قال والله أكبر معناه أنه أكبر وأعظم من أن يصل العقل إلى كنه ~~كبريائه وجلاله فقد صارت مراتب المعرفة أربعة لا جرم صارت درجات الثواب ~~أربعة . والقول الثاني : أن الباقيات الصالحات هي الصلوات الخمس . والقول ~~الثالث : أنها الطيب من القول كما قال تعالى : { وهدوا إلى الطيب من القول ~~} ( الحج : 24 ) . والقول الرابع : أن كل عمل وقول دعاك إلى الاشتغال ~~بمعرفة الله وبمحبته وخدمته فهو الباقيات الصالحات وكل عمل وقول دعاك إلى ~~الاشتغال بأحوال الخلق فهو خارج عن ذلك وذلك أن كل ما سوى الحق سبحانه فهو ~~فان لذاته هالك لذاته فكان الاشتغال به والالتفات إليه عملا باطلا وسعيا ~~ضائعا . أما الحق لذاته فهو الباقي لا يقبل الزوال لا جرم كان الاشتغال ~~بمعرفة الله ومحبته وطاعته هو الذي يبقى بقاء لا يزول ولا يفنى ثم قال ~~تعالى : { خير عند ربك ثوابا وخير أملا } أي كل عمل أريد به وجه الله فلا ~~شك أن ما يتعلق به من الثواب وما يتعلق به من الأمل يكون خيرا وأفضل ، لأن ~~صاحب تلك الأعمال يؤمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة . # ( 47 ) # ! 7 < { ويوم نسير الجبال وترى الا رض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم ~~أحدا * وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن ~~نجعل لكم موعدا * ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ~~ياويلتنا ما لهاذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 47 - 49 ) ويوم نسير الجبال . . . . . # > > PageV21P112 # / اعلم أنه تعالى لما بين خساسة الدنيا وشرف القيامة أردفه بأحوال ms5953 ~~القيامة فقال : { ويوم نسير الجبال } والمقصود منه الرد على المشركين الذي ~~افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأعوان واختلفوا في الناصب ~~لقوله : { ويوم نسير الجبال } على وجوه : أحدها : أنه يكون التقدير واذكر ~~لهم : { يوم * نسير الجبال } عطفا على قوله : { واضرب لهم مثل الحيواة ~~الدنيا } ( الكهف : 45 ) . الثاني : أنه يكون التقدير : { ويوم نسير الجبال ~~} حصل كذا وكذا يقال لهم : { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } لأن القول ~~مضمر في هذا الموضع فكان المعنى أنه يقال لهم : هذا في هذا الموضع . الثالث ~~: أن يكون التقدير { خير * أملا } في { يوم * نسير الجبال } والأول أظهر . ~~إذا عرفت هذا فنقول : إنه ذكر في الآية من أحوال القيامة أنواعا . النوع ~~الأول : قوله : { ويوم نسير الجبال } وفيه بحثان : # البحث الأول : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير على فعل ما لم يسم ~~فاعله الجبال بالرفع بإسناد تسير إليه اعتبارا بقوله تعالى : { وإذا الجبال ~~سيرت } ( التكوير : 3 ) والباقون نسير باسناد فعل التسيير إلى نفسه ( تعالى ~~و ) الجبال بالنصب لكونه مفعول نسير ، والمعنى نحن نفعل بها ذلك اعتبارا ~~بقوله : { وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا } والمعنى واحد لأنها إذا سيرت ~~فمسيرها ليس إلا الله سبحانه . ونقل صاحب الكشاف قراءة أخرى وهي تسير ~~الجبال بإسناد تسير إلى الجبال . # البحث الثاني : قوله : { ويوم نسير الجبال } ليس في لفظ الآية ما يدل على ~~أنها إلى أين تسير ، فيحتمل أن يقال : إنه تعالى يسيرها إلى الموضع الذي ~~يريده ولم يبين ذلك الموضع لخلقه / والحق أن المراد أنه تعالى يسيرها إلى ~~العدم لقوله تعالى : { ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا * فيذرها ~~قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } ( طه : 105 107 ) ولقوله : { ~~وبست الجبال بسا * فكانت هباء منبثا } ( الواقعة : 5 ، 6 ) و النوع الثاني ~~: من أحوال القيامة قوله تعالى : { وترى الارض بارزة } وفي تفسيره وجوه : ~~أحدها : أنه لم يبق على وجهها شيء من العمارات ، ولا شيء من الجبال ، ولا ~~شيء من الأشجار ، فبقيت بارزة ظاهرة ليس عليها ما يسترها ، وهو المراد من ms5954 ~~قوله : { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } . وثانيها : أن المراد من كونها ~~بارزة أنها أبرزت ما في بطنها وقذفت الموتى المقبورين فيها فهي بارزة الجوف ~~والبطن فحذف ذكر الجوف ، ودليله قوله تعالى : { وألقت ما فيها وتخلت } ( ~~الانشقاق : 4 ) وقوله : { وأخرجت الارض أثقالها } ( الزلزلة : 2 ) وقوله : ~~{ وبرزوا لله جميعا } . وثالثها : أن وجوه الأرض كانت مستورة بالجبال ~~والبحار / فلما أفنى الله تعالى الجبال والبحار فقد برزت وجوه تلك البقاع ~~بعد أن كانت مستورة . والنوع الثالث : من أحوال القيامة قوله : { وحشرناهم ~~فلم نغادر منهم أحدا } والمعنى جمعناهم للحساب فلم نغادر منهم أحدا ، أي لم ~~نترك من الأولين والآخرين أحدا إلا وجمعناهم لذلك اليوم ، ونظيره قوله ~~تعالى : { قل إن الاولين والاخرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } ( ~~الواقعة : 49 ، 50 ) ومعنى لم نغادر لم نترك ، يقال : غادره وأغدره إذا ~~تركه ومنه الغدر ترك الوفاء ، ومنه الغدير لأنه ما تركته السيول ، ومنه ~~سميت ضفيرة المرأة بالغديرة لأنها تجعلها خلفها . # ولما ذكر الله تعالى حشر الخلق ذكر كيفية عرضهم ، فقال : { وعرضوا على ~~ربك صفا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في تفسير الصف وجوه . أحدها : أنه تعرض الخلق كلهم على ~~الله صفا واحدا ظاهرين بحيث لا يحجب بعضهم بعضا ، قال القفال : ويشبه أن ~~يكون الصف راجعا إلى الظهور والبروز ، ومنه اشتق الصفصف للصحراء . وثانيها ~~: لا يبعد أن يكون الخلق صفوفا يقف بعضهم وراء بعض مثل الصفوف PageV21P113 ~~المحيطة بالكعبة التي يكون بعضها خلف بعض ، وعلى هذا التقدير فالمراد من ~~قوله صفا صفوفا كقوله : { يخرجكم طفلا } ( غافر : 67 ) أي أطفالا . وثالثها ~~: صفا أي قياما ، كما قال تعالى : { فاذكروا اسم الله عليها صواف } ( الحج ~~: 36 ) قالوا قياما . # المسألة الثانية : قالت المشبهة قوله تعالى : { وجاء ربك والملك صفا صفا ~~} ( الفجر : 22 ) يدل على أنه تعالى يحضر في ذلك المكان وتعرض عليه أهل ~~القيامة صفا ، وكذلك قوله تعالى : { لقد جئتمونا } يدل على أنه تعالى يحضر ~~في ذلك المكان ، وأجيب عنه بأنه تعالى جعل وقوفهم في الموضع الذي يسألهم ~~فيه عن أعمالهم ويحاسبهم عليها عرضا ms5955 عليه ، لا على أنه تعالى يحضر في مكان ~~وعرضوا عليه ليراهم بعد أن لم يكن يراهم ، ثم قال تعالى : { لقد جئتمونا ~~كما خلقناكم أول مرة } وليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه ، لأنهم ~~خلقوا صغارا ولا عقل لهم ولا تكليف عليهم بل المراد أنه قال للمشركين ~~المنكرين للبعث المفتخرين في الدنيا على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار ~~: / { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } عراة حفاة بغير أموال ولا أعوان ~~ونظيره قوله تعالى : { لقد جئتمونا * فرادى كما خلقناكم * وتركتم * مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } وقال تعالى : { أفرأيت الذى كفر بئاياتنا ~~وقال لاوتين مالا وولدا * إلى * قوله * ويأتينا فردا } ( مريم : 77 80 ) ثم ~~قال تعالى : { بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا } أي كنتم مع التعزز على ~~المؤمنين بالأموال والأنصار تنكرون البعث والقيامة فالآن قد تركتم الأموال ~~والأنصار في الدنيا وشاهدتم أن البعث والقيامة حق ، ثم قال تعالى : { ووضع ~~الكتاب } والمراد أنه يوضع في هذا اليوم كتاب كل إنسان في يده إما في ~~اليمين أو في الشمال ، والمراد الجنس وهو صحف الأعمال : { فترى المجرمين ~~مشفقين مما فيه } أي خائفين مما في الكتاب من أعمالهم الخبيثة وخائفين من ~~ظهور ذلك لأهل الموقف فيفتضحون ، وبالجملة يحصل لهم خوف العقاب من الحق ~~وخوف الفضيحة عند الخلق ويقولون يا ويلتنا ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة ~~من بين الهلكات : { مال * هاذا * الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها } وهي عبارة عن الإحطاة بمعنى لا يترك شيئا من المعاصي سواء كانت أو ~~كبيرة إلا وهي مذكورة في هذا الكتاب ونظيره قوله تعالى : { وإن عليكم ~~لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون } ( الانفطار : 10 12 ) وقوله : ~~{ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ( الجاثية : 29 ) وإدخال تاء التأنيث في ~~الصغيرة والكبيرة على تقدير أن المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة : { إلا ~~أحصاها } إلا ضبطها وحصرها ، قال بعض العلماء : ضجوا من الصغائر قبل ~~الكبائر . لأن تلك الصغائر هي التي جرتهم إلى الكبائر فاحترزوا من الصغائر ~~جدا : { ووجدوا ما عملوا حاضرا } في الصحف عتيدا أو ms5956 جزاء ما عملوا : { ولا ~~يظلم ربك أحدا } معناه أنه لا يكتب عليه ما لم يفعل ، ولا يزيد في عقابه ~~المستحق ، ولا يعذب أحدا بجرم غيره ، بقي في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الجبائي : هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة في ~~مسائل : أحدها : أنه لو عذب عباده من غير فعل صدر منهم لكان ظالما . ~~وثانيها : أنه لا يعذب الأطفال بغير ذنب . وثالثها : بطلان قولهم لله ~~PageV21P114 أن يفعل ما يشاء ويعذب من غير جرم لأن الخلق خلقه إذ لو كان ~~كذلك لما كان لنفي الظلم عنه معنى لأن بتقدير أنه إذا فعل أي شيء أراد لم ~~يكن ظلما منه لم يكن لقوله إنه لا يظلم فائدة فيقال له . أما الجواب عن ~~الأولين فهو المعارضة بالعلم والداعي ، وأما الجواب عن هذا الثالث فهو أنه ~~تعالى قال : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) ولم يدل هذا على ~~أن اتخاذ الولد صحيح عليه فكذا ههنا . # المسألة الثانية : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يحاسب ~~الناس في القيامة على ثلاثة يوسف ، وأيوب ، وسليمان . فيدعو بالمملوك ويقول ~~له : ما شغلك عني فيقول جعلتني عبدا للآدمي فلم تفرغني ، فيدعو يوسف عليه ~~السلام ، ويقول : كان هذا عبدا مثلك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي فيؤمر به إلى ~~النار ، / ثم يدعو بالمبتلي فإذا قال شغلتني بالبلاء دعا بأيوب عليه السلام ~~فيقول : قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي فيؤمر به إلى ~~النار ، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع ما آتاه الله من الغنى والسعة فيقول : ~~ماذا عملت فيما آتيتك فيقول شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان عليه السلام ~~فيقول : هذا عبدي سليمان آتيته أكثر ما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب ~~فلا عذر لك ويؤمر به إلى النار ) ، وعن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( لن يزول قدم العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن ~~جسده فيما أبلاه ، وعن عمره فيما أفناه ، وعن ماله ms5957 من أين أكتسبه وفيم ~~أنفقه ، وعن علمه كيف عمل به ) . # المسألة الثالثة : دلت الآية على إثبات صغائر وكبائر في الذنوب ، وهذا ~~متفق عليه بين المسلمين إلا أنهم اختلفوا في تفسيره فقالت المعتزلة : ~~الكبيرة ما يزيد عقابه على ثواب فاعله ، والصغيرة ما ينقص عقابه عن ثواب ~~فاعله ، واعلم أن هذا الحد إنما يصح لو ثبت أن الفعل يوجب ثوابا وعقابا ~~وذلك عندنا باطل لوجوه كثيرة ذكرناها في سورة البقرة ، في إبطال القول ~~بالإحباط والتكفير بل الحق عندنا أن الطاعات محصورة في نوعين : التعظيم ~~لأمر الله والشفقة على خلق الله فكل ما كان أقوى في كونه جهلا بالله كان ~~أعظم في كونه كبيرة ، وكل ما كان أقوى في كونه إضرارا بالغير كان أكثر في ~~كونه ذنبا أو معصية فهذا هو الضبط . # ! 7 < { وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ~~ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أوليآء من دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين ~~بدلا * مآ أشهدتهم خلق السماوات والا رض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ ~~المضلين عضدا * ويوم يقول نادوا شركآئى الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم وجعلنا بينهم موبقا * ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم ~~يجدوا عنها مصرفا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 50 - 53 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . # > > PageV21P115 # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم ~~الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المقصود من ~~ذكرها عين هذا المعنى ، وذلك لأن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ~~ونسبه وقال : خلقتني من نار وخلقته من طين فأنا أشرف منه في الأصل والنسب ~~فكيف أسجد وكيف أتواضع لها وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بعين هذه ~~المعاملة فقالوا : كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء مع أنا من أنساب شريفة وهم من ~~أنساب نازلة ونحن أغنياء وهم فقراء ، فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا ~~تنبيها على أن هذه الطريقة هي بعينها طريقة إبليس ثم إنه تعالى حذر عنها ~~وعن الاقتداء بها في قوله ms5958 : { أفتتخذونه وذريته أولياء } فهذا هو وجه النظم ~~وهو حسن معتبر ، وذكر القاضي وجها آخر فقال : إنه تعالى لما ذكر من قبل أمر ~~القيامة وما يجري عند الحشر ووضع الكتاب وكأن الله تعالى يريد أن يذكر ههنا ~~أنه ينادي المشركين ويقول لهم أين شركائي الذي زعمتم وكان قد علم تعالى أن ~~إبليس هو الذي يحمل الإنسان على إثبات هؤلاء الشركاء ، لا جرم قدم قصته في ~~هذه الآية إتماما لذلك الغرض ثم قال القاضي : وهذه القصة وإن كان تعالى قد ~~كررها في سور كثيرة إلا أن في كل موضع منها فائدة مجددة . # المسألة الثانية : أنه تعالى بين في هذه الآية أن إبليس كان من الجن ~~وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال : الأول : أنه من الملائكة وكونه من ~~الملائكة لا ينافي كونه من الجن ولهم فيه وجوه . الأول : أن قبيلة من ~~الملائكة يسمون بذلك لقوله تعالى : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } ( ~~الصافات : 158 ) { وجعلوا لله شركاء الجن } ( الأنعام : 100 ) . والثاني : ~~أن الجن سموا جنا للاستتار والملائكة كذلك فهم داخلون في الجن . الثالث : ~~أنه كان خازن الجنة ونسب إلى الجنة كقولهم كوفي وبصري وعن سعيد بن جبير أنه ~~كان من الجنانين الذين يعملون في الجنات حي من الملائكة يصوغون حلية أهل ~~الجنة مذ خلقوا رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبير . والقول ~~الثاني : أنه من الجن الذين هم الشياطين والذين خلقوا من نار وهو أبوهم . ~~والقول الثالث : قول من قال كان من الملائكة فمسخ وغير . وهذه المسألة قد ~~أحكمناها في سورة البقرة وأصل ما يدل على أنه ليس من الملائكة أنه تعالى ~~أثبت له ذرية ونسلا في هذه الآية وهو قوله : { أفتتخذونه وذريته أولياء من ~~دونى } والملائكة ليس لهم ذرية ولا نسل فوجب أن لا يكون إبليس من الملائكة ~~. بقي أن يقال : إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود فلو لم يكن إبليس من ~~الملائكة فكيف تناوله ذلك الأمر ، وأيضا / لو لم يكن من الملائكة فكيف يصح ~~استثناؤه منهم ، وقد أجبنا عن ms5959 كل ذلك بالاستقصاء ثم قال تعالى : { ففسق عن ~~أمر ربه } وفي ظاهره إشكال لأن الفاسق لا يفسق عن أمر ربه ، فلهذا السبب ~~ذكروا فيه وجوها . الأول : قال الفراء : ففسق عن أمر ربه أي خرج عن طاعته . ~~والعرب تقول فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت ، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها ~~من جحرها من البابين وقال رؤبة : # % يهوين في نجد وغور غائرا % % فواسقا عن قصدها جوائرا % % PageV21P116 # الثاني : حكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه قال : لما أمر فعصى كان سبب ~~فسقه هو ذلك الأمر ، والمعنى أنه لولا ذلك الأمر السابق لما حصل الفسق ، ~~فلأجل هذا المعنى حسن أن يقال : فسق عن أمر ربه . الثالث : قال قطرب : فسق ~~عن أمر ربه رده كقوله واسأل القرية واسأل العير قال تعالى : { أفتتخذونه ~~وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المقصود من هذا الكلام أن إبليس تكبر على آدم وترفع ~~عليه لما ادعى أن أصله أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون هو أشرف من آدم ، ~~فكأنه تعالى قال لأولئك الكافرين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بشرف ~~نسبهم وعلو منصبهم ، إنكم في هذا القول اقتديتم بإبليس في تكبره على آدم ~~فلما علمتم أن إبليس عدو لكم فكيف تقتدون به في هذه الطريقة المذمومة . هذا ~~هو تقرير الكلام . فإن قيل : إن هذا الكلام لا يتم إلا بإثبات مقدمات . ~~فأولها : إثبات إبليس . وثانيها : إثبات ذرية إبليس . وثالثها : إثبات ~~عداوة بين إبليس وذريته وبين أولاد آدم . ورابعها : أن هذا القول الذي قاله ~~أولئك الكفار اقتدوا فيه بإبليس . وكل هذه المقدمات الأربعة لا سبيل إلى ~~إثباتها إلا بقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم . فالجاهل بصدق النبي جاهل ~~بها . إذا عرفت هذا فنقول المخاطبون بهذه الآيات هل عرفوا كون محمد نبيا ~~صادقا أو ما عرفوا ذلك ؟ فإن عرفوا كونه نبيا صادقا قبلوا قوله في كل ما ~~يقوله فكلما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن قول انتهو عنه ، وحينئذ فلا ~~حاجة إلى قصة إبليس وإن لم يعرفوا كونه ms5960 نبيا جهلوا كل هذه المقدمات الأربعة ~~ولم يعرفوا صحتها فحينئذ لا يكون في إيرادها عليهم فائدة والجواب أن ~~المشركين كانوا قد سمعوا قصة إبليس وآدم من أهل الكتاب واعتقدوا صحتها ~~وعلموا أن إبليس إنما تكبر على آدم بسبب نسبه ، فإذا أوردنا عليهم هذه ~~القصة كان ذلك زاجرا لهم عما أظهروه مع فقراء المسلمين من التكبر والترفع . # المسألة الثانية : قال الجبائي في هذه الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد ~~الكفر ولا يخلقه في العبد ، إذ لو أراده وخلقه فيه ثم عاقبه عليه لكان ضرر ~~إبليس أقل من ضرر الله عليهما فكيف يوبخهم بقوله : { بئس للظالمين بدلا } ! ~~؟ تعالى الله عنه علوا كبيرا . بل على هذا المذهب لا ضرر البتة من إبليس بل ~~الضرر كله من الله . والجواب : المعارضة بالداعي والعلم . # المسألة الثالثة : إنما قال للكفار المفتخرين بأنسابهم وأموالهم على ~~فقراء المسلمين / أفتتخذون إبليس وذريته أولياء من دون الله ، لأن الداعي ~~لهم إلى ترك دين محمد صلى الله عليه وسلم هو النخوة وإظهار العجب . فهذا ~~يدل على أن كل من أقدم على عمل أو قول بناء على هذا الداعي فهو متبع لإبليس ~~حتى أن من كان غرضه في إظهار العلم والمناظرة التفاخر والتكبر والترفع فهو ~~مقتد بإبليس وهو مقام صعب غرق فيه أكثر الخلق فنسأل الله الخلاص منه ثم قال ~~تعالى : { بئس للظالمين بدلا } أي بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله به ~~فأطاعه بدل طاعته ، ثم قال : { ما أشهدتهم خلق * السماوات والارض ولا * خلق ~~أنفسهم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن الضمير في قوله : { ما أشهدتهم } إلى من ~~يعود ؟ فيه وجوه : أحدها : وهو الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى ما أشهدت ~~الذي اتخذتموهم أولياء خلق السموات والأرض ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله : ~~{ اقتلوا أنفسكم } ( النساء : 66 ) يعني ما أشهدتهم لأعتضد بهم والدليل ~~عليه قوله : { وما كنت متخذ المضلين عضدا } أي وما كنت متخذهم فوضع الظاهر ~~موضع المضمر بيانا لإضلالهم وقوله : { عضدا } أي أعوانا . وثانيها : وهو ~~أقرب عندي أن الضمير ms5961 عائد إلى الكفار الذين قالوا PageV21P117 للرسول صلى ~~الله عليه وسلم إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى ~~قال : إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا ~~شركاء لي في تدبير العالم بدليل قوله تعالى : { ما أشهدتهم خلق * السماوات ~~والارض ولا * خلق أنفسهم } ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة ، بل هم ~~قوم كسائر الخلق ، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد ؟ ونظيره أن من ~~اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد ولا ذرية المملكة ~~حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة ، فلم تقدم عليها والذي يؤكد هذا أن ~~الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات . وفي هذه الآية المذكورة الأقرب هو ~~ذكر أولئك الكفار وهو قوله تعالى : { بئس للظالمين بدلا } والمراد ~~بالظالمين أولئك الكفار . وثالثها : أن يكون المراد من قوله : { ما أشهدتهم ~~خلق * السماوات والارض ولا * خلق أنفسهم } كون هؤلاء الكفار جاهلين بما جرى ~~به القلم في الأزل من أحوال السعادة والشقاوة . فكأنه قيل لهم السعيد من ~~حكم الله بسعادته في الأزل والشقي من حكم الله بشقاوته في الأزل ، وأنتم ~~غافلون عن أحوال الأزل كأنه تعالى قال : { ما أشهدتهم خلق * السماوات ~~والارض ولا * خلق أنفسهم } وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا ~~لأنفسكم بالرفعة والعلو والكمال ولغيركم بالدناءة والذل ، بل ربما صار ~~الأمر في الدنيا والآخرة على العكس فيما حكمتم به . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء وما كنت بالفتح ، والخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم ، وما ~~ينبغي لك أن تعتز بهم . وقرأ علي رضوان الله عليه : { متخذ المضلين } ~~بالتنوين على الأصل . وقرأ الحسن : { عضدا } بسكون الضاد ونقل ضمتها إلى ~~العين ، وقرىء : { عضدا } بالفتح وسكون الضاد { * وعضدا } بضمتين { * وعضدا ~~} / بفتحتين جمع عاضد كخادم وخدم وراصد ورصد من عضده إذا قواه وأعانه ، ~~واعلم أنه تعالى لما قرر أن القول الذي قالوه في الافتخار على الفقراء ~~اقتداء بإبليس عاد بعده إلى التهويل بأحوال يوم القيامة فقال ms5962 : { عضدا ويوم ~~يقول نادوا شركائى الذين زعمتم } وفيه أبحاث : # البحث الأول : قرأ حمزة : ( نقول ) بالنون عطفا على قوله : { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لادم } و { أولياء من دونى } { وما * أشهدتهم خلق * ~~السماوات والارض * وما كنت متخذ المضلين عضدا } والباقون قرأوا بالياء . # البحث الثاني : واذكر يوم نقول عطفا على قوله : { وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا } . # البحث الثالث : المعنى واذكر لهم يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم ~~القيامة إذ يقول الله لهم : { نادوا شركائى } أي ادعوا من زعمتم أنهم شركاء ~~لي حيث أهلتموهم للعبادة ، ادعوهم يشفعوا لكم وينصروكم والمراد بالشركاء ~~الجن فدعوهم ولم يذكر تعالى في هذه الآية أنهم كيف دعوا الشركاء لأنه تعالى ~~بين ذلك في آية أخرى وهو أنهم قالوا : { إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون ~~عنا } ( غافر : 47 ) ثم قال تعالى : { فلم يستجيبوا لهم } أي لم يجيبوهم ~~إلى ما دعوهم إليه ولم يدفعوا عنهم ضررا وما أوصلوا إليهم نفعا . ثم قال ~~تعالى : { وجعلنا بينهم موبقا } وفيه وجوه : الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : ~~الموبق المهلك من وبق يبق وبوقا ووبقا . إذا هلك وأوبقه غيره فيجوز أن يكون ~~مصدرا كالمورد والموعد وتقرير هذا الوجه أن يقال : إن هؤلاء المشركين الذين ~~اتخذوا من دون الله آلهة كالملائكة وعيسى دعوا هؤلاء فلم يستجيبوا لهم ~~PageV21P118 ثم حيل بينهم وبينهم فأدخل الله تعالى هؤلاء المشركين جهنم ~~وأدخل عيسى الجنة وصار الملائكة إلى حيث أراد الله من دار الكرامة وحصل بين ~~أولئك الكفار وبين الملائكة وعيسى عليه السلام هذا الموبق وهو ذلك الوادي ~~في جهنم . الوجه الثاني : قال الحسن : ( موبقا ) أي عداوة والمعنى عداوة هي ~~في شدتها هلاك . ومنه قوله : لا يكن حبك كلفا ، ولا بغضك تلفا . الوجه ~~الثالث : قال الفراء البين المواصلة أي جعلنا مواصلتهم في الدنيا هلاكا في ~~يوم القيامة . الوجه الرابع : الموبق البرزخ البعيد أي جعلنا بين هؤلاء ~~الكفار وبين الملائكة وعيسى برزخا بعيدا يهلك فيه الساري لفرط بعده ، لأنهم ~~في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان ثم قال تعالى : { ورأى المجرمون النار ~~فظنوا أنهم ms5963 مواقعوها } وفي هذا الظن قولان : الأول : أن الظن ههنا بمعنى ~~العلم واليقين . والثاني : وهو الأقرب أن المعنى أن هؤلاء الكفار يرون ~~النار من مكان بعيد فيظنون أنهم مواقعوها في تلك الساعة من غير تأخير ومهلة ~~، لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها . كما قال : { إذا رأتهم من مكان بعيد ~~سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ( الفرقان : 12 ) وقوله : { مواقعوها } أي ~~مخالطوها فإن مخالطة الشيء لغيره إذا كانت قوية تامة يقال لها مواقعة ثم ~~قال تعالى : { ولم يجدوا عنها مصرفا } أي لم يجدوا عن النار معدلا إلى ~~غيرها لأن الملائكة تسوقهم إليها . # ! 7 < { ولقد صرفنا فى هاذا القرءان للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر ~~شىء جدلا * وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن ~~تأتيهم سنة الا ولين أو يأتيهم العذاب قبلا * وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا ءاياتى وما ~~أنذروا هزوا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 54 - 56 ) ولقد صرفنا في . . . . . # > > # /اعلم أن أولئك الكفرة لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ~~وأتباعهم وبين تعالى بالوجوه الكثيرة أن قولهم فاسد وشبهتهم باطلة وذكر فيه ~~المثلين المتقدمين ، قال بعده : { ولقد صرفنا فى هاذا القرءان للناس من كل ~~مثل } وهو إشارة إلى ما سبق والتصريف يقتضي التكرير والأمر كذلك لأنه تعالى ~~أجاب عن شبهتهم التي ذكروها من وجوه كثيرة ومع تلك الجوابات الشافية ~~والأمثلة المطابقة فهؤلاء الكفار لا يتركون المجادلة الباطلة فقال وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل وانتصاب قوله ~~جدلا على التمييز قال بعض المحققين والآية دالة على أن الأنبياء عليهم ~~السلام جادلوهم في الدين حتى صاروا هم مجادلين لأن المجادلة لا تحصل إلا من ~~الطرفين وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل ، ثم قال : { وما منع الناس ~~أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم } وفيه بحثان : PageV21P119 # البحث الأول : قالت المعتزلة : الآية دالة على أنه لم يوجد ما يمنع من ~~الإقدام على الإيمان وذلك يدل على فساد قول ms5964 من يقول إنه حصل المانع . قال ~~أصحابنا : العلم بأنه لا يؤمن مضاد لوجود الإيمان . فإذا كان ذلك العلم ~~قائما كان المانع قائما . وأيضا حصول الداعي إلى الكفر قائم وإلا لما وجب ~~لأن الفعل الاختياري بدون الداعي محال ، ووجود الداعي إلى الكفر مانع من ~~حصول الإيمان . وإذا ثبت هذا ظهر أن المراد مقدار الموانع المحسوسة . # البحث الثاني : المعنى أنه لما جاءهم الهدى وهو الدليل الدال على صحة ~~الإسلام ، وثبت أنه / لا مانع لهم من الإيمان ولا من الاستغفار والتوبة ~~والتخلية حاصلة . والأعذار زائلة فلم لم يقدموا على الإيمان ثم قال تعالى : ~~{ إلا أن تأتيهم سنة الاولين } وهو عذاب الاستئصال { أو يأتيهم العذاب قبلا ~~} قرأ حمزة وعاصم والكسائي قبلا بضم القاف والباء جميعا وهو جمع قبيل بمعنى ~~ضروب من العذاب تتواصل مع كونهم أحياء وقيل مقابلة وعيانا والباقون قبلا ~~بكسر القاف وفتح الباء أي عيانا أيضا ، وروى صاحب الكشاف قبلا بفتحتين أي ~~مستقبلا . والمعنى أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا عند نزول عذاب الاستئصال ~~فيهلكوا ، أو أن يتواصل أنواع العذاب والبلاء حال بقائهم في الحياة الدنيا ~~، واعلم أنهم لا يقدمون على الإيمان إلا على هذين الشرطين ، لأن العاقل لا ~~يرضى بحصول هذين الأمرين إلا أن حالهم شبيه بحال من وقف العمل على هذين ~~الشرطين . ثم بين تعالى أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ~~ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعا وبين مع هذه الأحوال أنه يوجد ~~من الكفار المجادلة بالباطل لغرض دحض الحق . وهذا يدل على أن الأنبياء ~~كانوا يجادلونهم لما بينا أن المجادلة إنما تحصل من الجانبين وبين تعالى ~~أيضا أنهم اتخذوا آيات الله وهي القرآن وإنذارات الأنبياء هزوا وكل ذلك يدل ~~على استيلاء الجهل والقسوة . قال النحويون ما في قوله : { وما أنذروا } ~~يجوز أن تكون موصولة ويكون العائد من الصلة محذوفا ويجوز أن تكون مصدرية ~~بمعنى إنذارهم . # ! 7 < { ومن أظلم ممن ذكر بأايات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا ~~جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم ms5965 وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن ~~يهتدوا إذا أبدا * وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم ~~العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا * وتلك القرى أهلكناهم لما ~~ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 57 - 59 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > PageV21P120 # إعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار جدالهم بالباطل وصفهم بعده بالصفات ~~الموجبة للخزي / والخذلان . الصفة الأولى : قوله : { ومن أظلم ممن ذكر ~~بئايات ربه } أي لا ظلم أعظم من كفر من ترد عليه الآيات والبينات فيعرض ~~عنها وينسى ما قدمت يداه أي مع إعراضه عن التأمل في الدلائل والبينات ~~يتناسى ما قدمت يداه من الأعمال المنكرة والمذاهب الباطلة والمراد من ~~النسيان التشاغل والتغافل عن كفره المتقدم . الصفة الثانية : ( قوله ) : { ~~ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن } وقد مر تفسير هذه الآية على الاستقصاء في سورة الأنعام ، ~~والعجب أن قوله : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت ~~يداه } متمسك القدرية ، وقوله : { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } ~~إلى آخر الآية متمسك الجبرية وقلما نجد في القرآن آية لأحد هذين الفريقين ~~إلا ومعها آية للفريق الآخر ، والتجربة تكشف عن صدق قولنا . وما ذاك إلا ~~امتحان شديد من الله تعالى ألقاه على عباده ليتميز العلماء الراسخون من ~~المقلدين ثم قال تعالى : { وربك الغفور ذو الرحمة } الغفور البليغ المغفرة ~~وهو إشارة إلى دفع المضار ذو الرحمة الموصوف بالرحمة ، وإنما ذكر لفظ ~~المبالغة في المغفرة لا في الرحمة ، لأن المغفرة ترك الإضرار وهو تعالى قد ~~ترك مضار لا نهاية لها مع كونه قادرا عليها ، أما فعل الرحمة فهو متناه لأن ~~ترك ما لا نهاية له ممكن ، أما فعل ما لا نهاية له فمحال ويمكن أن يقال : ~~المراد أنه يغفر كثيرا لأنه ذو الرحمة ولا حاجة به إليها فيهبها من ~~المحتاجين كثيرا ثم استشهد بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلا من غير إمهال مع ~~إفراطهم في عداوة رسول ms5966 الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : { بل لهم موعد } ~~وهو إما يوم القيامة ، وإما في الدنيا وهو يوم بدر وسائر أيام الفتح ( ~~وقوله ) : { لن يجدوا من دونه موئلا } ( أي ) منجى ولا ملجأ ، يقال وأل إذا ~~لجأ ، ووأل إليه إذا لجأ إليه ، ثم قال تعالى : { وتلك القرى } يريد قرى ~~الأولين من ثمود وقوم لوط وغيرهم أشار إليها ليعتبروا ، وتلك مبتدأ ، ~~والقرى صفة لأن أسماء الإشارة توصف بأصناف الأجناس وأهلكناهم خبر والمعنى ، ~~وتلك أصحاب القرى أهلكناهم لما ظلموا مثل ظلم أهل مكة : { وجعلنا لمهلكهم ~~موعدا } أي وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة ~~يوم بدر ، والمهلك الإهلاك أو وقته ، وقرىء لمهلكهم بفتح الميم واللام ~~مفتوحة أو مكسورة ، أي لهلاكهم أو وقت هلاكهم ، والموعد وقت أو مصدر ، ~~والمراد إنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتا ليكونوا إلى ~~التوبة أقرب . # ! 7 < { وإذ قال موسى لفتاه لاأبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا * ~~فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله فى البحر سربا * فلما جاوزا ~~قال لفتاه ءاتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هاذا نصبا * قال أرأيت إذ أوينآ ~~إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله ~~فى البحر عجبا * قال ذالك ما كنا نبغ فارتدا علىءاثارهما قصصا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 60 - 64 ) وإذ قال موسى . . . . . # > > PageV21P121 # / اعلم أن هذا ابتداء قصة ثالثة ذكرها الله تعالى في هذه السورة وهي أن ~~موسى عليه السلام ذهب إلى الخضر عليه السلام ليتعلم منه العلم ، وهذا وإن ~~كان كلاما مستقلا في نفسه إلا أنه يعين على ما هو المقصود في القصتين ~~السابقتين . أما نفع هذه القصة في الرد على الكفار الذين افتخروا على فقراء ~~المسلمين بكثرة الأموال والأنصار ، فهو أن موسى عليه السلام مع كثرة علمه ~~وعمله وعلو منصبه واستجماع موجبات الشرف التام في حقه ذهب إلى الخضر لطلب ~~العلم وتواضع له وذلك يدل على أن التواضع خير من التكبر ، وأما نفع هذه ~~القصة ms5967 في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا لكفار مكة : إن أخبركم محمد ~~عن هذه القصة فهو نبي وإلا فلا ، وهذا ليس بشيء لأنه لا يلزم من كونه نبيا ~~من عند الله تعالى أن يكون عالما بجميع القصص والوقائع ، كما أن كون موسى ~~عليه السلام نبيا صادقا من عند الله لم يمنع من أمر الله إياه بأن يذهب إلى ~~الخضر ليتعلم منه فظهر مما ذكرنا أن هذه القصة قصة مستقلة بنفسها ، ومع ذلك ~~فهي نافعة في تقرير المقصود في القصتين المتقدمتين . # المسألة الثانية : أكثر العلماء على أن موسى المذكور في هذه الآية هو ~~موسى بن عمران صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة . وعن سعيد بن جبير أنه ~~قال لابن عباس : إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس صاحب موسى بن ~~عمران ، وإنما هو صاحب موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب ، وقيل هو كان نبيا ~~قبل موسى بن عمران فقال ابن عباس كذب عدو الله ، واعلم أنه كان ليوسف عليه ~~السلام ولدان أفرائيم وميشا فولد افرائيم نون وولد نون يوشع بن نون وهو ~~صاحب موسى وولي عهده بعد وفاته ، وأما ولد ميشا فقيل إنه جاءته النبوة قبل ~~موسى بن عمران ، ويزعم أهل التوراة أنه هو الذي طلب هذا العلم ليتعلم ~~والخضر هو الذي خرق / السفينة ، وقتل الغلام ، وأقام الجدار ، وموسى بن ~~ميشا معه ، هذا هو قول جمهور اليهود ، واحتج القفال على صحة قولنا إن موسى ~~هذا هو صاحب التوراة ، قال إن الله تعالى ما ذكر موسى في كتابه إلا وأراد ~~به صاحب التوراة فاطلاق هذا الإسم يوجب الإنصراف إليه ، ولو كان المراد ~~شخصا آخر مسمى بموسى غيره لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز وإزالة الشبهة ، ~~كما أنه لما كان المشهور في العرف من أبي حنيفة رحمه الله هو الرجل المعين ~~فلو ذكرنا هذا الاسم وأردنا به رجلا سواء لقيدناه مثل أن نقول قال أبو ~~حنيفة الدينوري ، وحجة الذين قالوا : موسى هذا غير صاحب التوراة أنه تعالى ~~بعد أن أنزل التوراة ms5968 عليه وكلمه بلا واسطة وحج خصمه بالمعجزات القاهرة ~~العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء يبعد أن PageV21P122 ~~يبعثه بعد ذلك لتعلم الاستفادة ، وأجيب عنه بأنه لا يبعد أن العالم الكامل ~~في أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء فيحتاج في تعلمها إلى من دونه وهذا أمر ~~متعارف معلوم . # المسألة الثالثة : اختلفوا في فتى موسى فالأكثرون على أنه يوشع بن نون / ~~وروى القفال عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس عن أبي هريرة عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول فتاه ~~يوشع بن نون . والقول الثاني : أن فتى موسى أخو يوشع وكان صاحبا لموسى عليه ~~السلام في هذا السفر . والقول الثالث : روى عمرو بن عبيد عن الحسن في قوله ~~: { وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح } قال يعني عبده ، قال القفال واللغة تحتمل ~~ذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يقولن أحدكم عبدي ~~وأمتي ، وليقل فتاي وفتاتي ) وهذا يدل على أنهم كانوا يسمون العبد فتى ~~والأمة فتاة . # المسألة الرابعة : قيل إن موسى عليه السلام لما أعطي الألواح وكلمه الله ~~تعالى قال : من الذي أفضل مني وأعلم ؟ فقيل عبد لله يسكن جزائر البحر وهو ~~الخضر ، وفي رواية أخرى أن موسى عليه السلام لما أوتي من العلم ما أوتي ظن ~~أنه لا أحد مثله فأتاه جبريل عليه السلام وهو بساحل البحر قال : يا موسى ~~انظر إلى هذا الطير الصغير يهوي إلى البحر يضرب بمنقاره فيه ثم يرتفع فأنت ~~فيما أوتيت من العلم دون قدر ما يحمل هذا الطير بمنقاره من البحر ، قال ~~الأصوليون : هذه الرواية ضعيفة لأن الأنبياء يجب أن يعلموا أن معلومات الله ~~لا نهاية لها وأن يعلموا أن معلومات الخلق يجب كونها متناهية وكل قدر متناه ~~فإن الزائد عليه ممكن فلا مرتبة من مراتب العلم إلا وفوقها مرتبة ولهذا قال ~~تعالى : { وفوق كل ذى علم عليم } وإذا كانت هذه المقدمات معلومة فمن ~~المستبعد جدا أن يقطع العاقل ms5969 بأنه لا أحد أعلم مني لا سيما موسى عليه ~~السلام مع علمه الوافر بحقائق الأشياء وشدة براءته عن الأخلاق الذميمة ~~كالعجب والتيه والصلف . والرواية الثالثة : قيل إن موسى / عليه السلام سأل ~~ربه : أي عبادك أحب إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينساني ، قال فأي عبادك ~~أقضى ؟ قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى . قال : فأي عبادك أعلم ؟ قال ~~: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ~~ردي ، فقال موسى عليه السلام : إن كان في عبادك من هو أعلم مني فادللني ~~عليه ، فقال : اعلم منك الخضر ، قال فأين أطلبه ؟ قال : على الساحل عند ~~الصخرة . قال يا رب : كيف لي به ؟ قال : تأخذ حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو ~~هناك . فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان ورقد موسى واضطرب ~~الحوت وطفر إلى البحر فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه ~~بوقوعه في البحر فرجع من ذلك الموضع إلى الموضع الذي طفر الحوت فيه إلى ~~البحر فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى عليه السلام فقال : وأني بأرضك ~~السلاما فعرفه نفسه ، فقال : يا موسى أنا على علم علمني الله لا تعلمه أنت ~~وأنت على علم علمك الله لا أعلمه أنا ، فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع ~~على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر : ما ينقص علمي وعلمك من علم الله ~~مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر أقول نسبة ذلك القدر القليل الذي أخذه ~~ذلك العصفور من ذلك الماء إلى كلية ماء البحر نسبة متناه إلى متناه ونسبة ~~معلومات جميع المخلوقات إلى معلومات الله تعالى نسبة متناه إلى غير متناه ، ~~فأين إحدى النسبتين من PageV21P123 الأخرى والله العالم بحقائق الأمور ، ~~ونرجع إلى التفسير ، أما قوله تعالى : { لا أبرح } قال الزجاج قوله : { لا ~~أبرح } ليس معناه لا أزول ، لأنه لو كان كذلك لم يقطع أرضا ، أقول يمكن أن ~~يجاب عنه بأن الزوال عن الشيء عبارة عن تركه والإعراض عنه ، يقال : زال ~~فلان عن طريقته ms5970 في الجود أي تركها ، فقوله : لا أبرح بمعنى لا أزول عن ~~السير والذهاب بمعنى لا أترك هذا العمل وهذا الفعل وأقول المشهور عند ~~الجمهور أن قوله لا أبرح معناه لا أزول / والعرب تقول : لا أبرح ولا أزال ~~ولا انفك ولا افتأ بمعنى واحد . قال القفال : وقالوا أصل قولهم لا أبرح من ~~البراح كما أن أصل لا أزال من الزوال . يقال : زال يزال ويزول كما يقال دام ~~يدام ويدوم ومات يمات ويموت إلا أن المستعمل في هذه اللفظة يزال فقوله : لا ~~أبرح أي أقيم لأن البراح هو العدم فقوله لا أبرح يكون عدما للعدم فيكون ~~ثبوتا ، فقوله : لا أزال ولا أبرح يفيد الدوام والثبات على العمل فإن قيل : ~~إذا كان قوله لا أبرح بمعنى لا أزال فلا بد من الخبر ، قلنا : حذف الخبر ~~لأن الحال والكلام يدلان عليه ، أما الحال فلأنها كانت حال سفر ، وأما ~~الكلام فلأن قوله : { حتى أبلغ مجمع البحرين } غاية مضروبة تستدعي شيئا هي ~~غاية له فيكون المعنى لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين ويحتمل أن يكون ~~المعنى لا أبرح مما أنا عليه يعني ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه ~~حتى أبلغ كما تقول لا أبرح المكان . وأما مجمع البحرين فهو المكان الذي وعد ~~فيه موسى بلقاء الخضر عليهما السلام وهو ملتقى بحري فارس والروم مما يلي ~~المشرق وقيل غيره وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين فإن صح ~~بالخبر الصحيح شيء فذاك وإلا فالأولى السكوت عنه ، ومن الناس من قال : ~~البحران موسى والخضر / لأنهما كانا بحري العلم وقرىء مجمع بكسر الميم ثم ~~قال أو أمضى حقبا أي أسير زمانا طويلا وقيل الحقب : ثمانون سنة وقد تكلمنا ~~في هذا اللفظ في قوله تعالى : { لابثين فيها أحقابا } ( النبأ : 23 ) وحاصل ~~الكلام أن الله عز وجل كان أعلم موسى حال هذا العالم ، وما أعلمه موضعه ~~بعينه ، فقال موسى عليه السلام : لا أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا ~~بحرا واحدا أو أمضي دهرا طويلا حتى أجد هذا ms5971 العالم ، وهذا إخبار من موسى ~~بأنه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم في السفر لأجل طلب ~~العلم وذلك تنبيه على أن المتعلم لو سافر من المشرق إلى المغرب لطلب مسألة ~~واحدة لحق له ذلك ثم قال تعالى : { فلما بلغا مجمع بينهما } والمعنى ~~فانطلقا إلى أن بلغا مجمع بينهما والضمير في قوله بينهما إلى ماذا يعود ؟ ~~فيه قولان ، الأول : مجمع بينهما أي مجمع البحرين وهو كأنه إشارة إلى ( قول ~~) موسى لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أي فحقق ( الله ) ما قاله . والقول ~~الثاني : أن المعنى فلما بلغ الموضع الذي يجتمع ( فيه ) موسى وصاحبه الذي ~~كان يقصده لأن ذلك الموضع الذي وقع فيه نسيان الحوت هو الموضع الذي كان ~~يسكنه الخضر أو يسكن بقربه ولأجل هذا المعنى لما رجع موسى وفتاه بعد أن ذكر ~~الحوت صار إليه وهو معنى حسن ، والمفسرون على القول الأول ، ثم قال تعالى : ~~{ نسيا حوتهما } وفيه مباحث : # البحث الأول : الروايات تدل على أنه تعالى بين لموسى عليه السلام أن هذا ~~العالم موضعه مجمع البحرين إلا أنه تعالى جعل انقلاب الحوت حيا علامة على ~~مسكنه المعين كمن يطلب إنسانا فيقال له : إن موضعه محلة كذا من الري فإذا ~~انتهيت إلى المحلة فسل فلانا عن داره وأين ما ذهب بك فاتبعه فإنك تصل إليه ~~فكذا ههنا قيل له إن موضعه مجمع البحرين فإذا وصلت إليه رأيت الحوت انقلب ~~حيا وطفر إلى البحر ، فيحتمل أنه قيل له فهنالك موضعه ويحتمل أنه قيل له ~~فاذهب على موافقة ذهاب ذلك الحوت فإنك تجده . PageV21P124 إذا عرفت هذا ~~فنقول : إن موسى وفتاه لما بلغا مجمع بينهما طفرت السمكة إلى البحر وسارت ~~وفي كيفية طفرها روايات أيضا قيل إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت ~~مملحة فطفرت وسارت وقيل إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على الحوت ~~المالح فعاش ووثب في الماء وقيل انفجر ( ت ) هناك عين من الجنة ووصلت قطرات ~~من تلك العين إلى السمكة فحييت وطفرت إلى البحر فهذا هو ms5972 الكلام في صفة ~~الحوت . # البحث الثاني : المراد من قوله : { نسيا حوتهما } أنهما نسيا كيفية ~~الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب ، فإن قيل انقلاب ~~السمكة المالحة حية حالة عجيبة فلما جعل الله حصول هذه الحالة العجيبة ~~دليلا على الوصول إلى المطلوب فكيف يعقل حصول النسيان في هذا المعنى ؟ أجاب ~~العلماء عنه بأن يوشع كان قد شاهد المعجزات القاهرة من موسى عليه السلام ~~كثيرا فلم يبق لهذه المعجزة عنده وقع عظيم فجاز حصول النسيان . وعندي فيه ~~جواب آخر وهو أن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب ~~صاحبه هذا العلم الضروري تنبيها / لموسى عليه السلام على أن العلم لا يحصل ~~إلا بتعليم الله وحفظه على القلب والخاطر ، أما قوله : { فاتخذ سبيله فى ~~البحر سربا } ففيه وجوه . الأول : أن يكون التقدير سرب في البحر سربا إلا ~~أنه أقيم قوله فاتخذ مقام قوله سرب والسرب هو الذهاب ومنه قوله : { وسارب ~~بالنهار } ( الرعد : 10 ) . الثاني : أن الله تعالى أمسك إجراء الماء على ~~البحر وجعله كالطاق والكوة حتى سرى الحوت فيه فلما جاوز أي موسى وفتاه ~~الموعد المعين وهو الوصول إلى الصخرة بسبب النسيان المذكور وذهبا كثيرا ~~وتعبا وجاعا : { قال لفتاه ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هاذا نصبا * ~~قال } الفتى : { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة } الهمزة في أرأيت همزة ~~الاستفهام ورأيت على معناه الأصلي وقد جاء هذا الكلام على ما هو المتعارف ~~بين الناس فإنه إذا حدث لأحدهم أمر عجيب قال لصاحبه أرأيت ما حدث لي ؟ كذلك ~~ههنا كأنه قال : أرأيت ما وقع لي منه إذ أوينا إلى الصخرة ، فحذف مفعول ~~أرأيت لأن قوله : { فإنى نسيت الحوت } يدل عليه ثم قال : { وما أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره } وفيه مباحث : # البحث الأول : أنه اعتراض وقع بين المعطوف والمعطوف عليه والتقدير فإني ~~نسيت الحوت واتخذ سبيله في البحر عجبا ، والسبب في وقوع هذا الاعتراض ما ~~يجري مجرى العذر والعلة لوقوع ذلك النسيان . # البحث الثاني : قال الكعبي : { وما أنسانيه إلا الشيطان أن ms5973 أذكره } يدل ~~على أنه تعالى ما خلق ذلك النسيان وما أراده وإلا كانت إضافته إلى الله ~~تعالى أوجب من إضافته إلى الشيطان لأنه تعالى إذا خلقه فيه لم يكن لسعي ~~الشيطان في وجوده ولا في عدمه ، أثر قال القاضي : والمراد بالنسيان أن ~~يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان الذي يضاد الذكر ~~لأن ذلك لا يصح أن يكون إلا من قبل الله تعالى . # البحث الثالث : قوله : أن اذكره بدل من الهاء في أنسانيه أي : وما أنساني ~~ذكره إلا الشيطان ثم قال : { واتخذ سبيله فى البحر عجبا } وفيه وجوه : ~~الأول : أن قوله عجبا صفة لمصدر محذوف كأنه قيل واتخذ سبيله في البحر ~~اتخاذا عجبا ووجه كونه عجبا انقلابه من المكتل وصيرورته حيا وإلقاء نفسه في ~~البحر على غفلة منهما . والثاني : أن يكون المراد منه ما ذكرنا أنه تعالى ~~جعل الماء عليه كالطاق وكالسرب . الثالث : قيل إنه تم الكلام عند قوله : { ~~واتخذ سبيله فى البحر } ثم قال بعده : عجبا والمقصود منه تعجبه من تلك ~~العجيبة PageV21P125 التي رآها ومن نسيانه لها وقيل إن قوله عجبا حكاية ~~لتعجب موسى وهو ليس بقوله ، ثم قال تعالى : { قال ذالك ما كنا نبغ } أي قال ~~موسى ذلك الذي كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب وهو لقاء الخضر وقوله ~~نبغ أصله نبغي فحذفت الياء طلبا للتخفيف لدلالة الكسرة عليه ، وكان القياس ~~أن لا يحذف لأنهم إنما يحذفون الياء في الأسماء وهذا فعل إلا أنه قد يجوز ~~على ضعف القياس حذفها لأنها تحذف مع الساكن الذي يكون بعدها كقولك ما نبغي ~~اليوم ؟ فلما حذفت مع الساكن حذفت أيضا مع غير الساكن ثم قال فارتدا على ~~آثارهما أي / فرجعا وقوله : { قصصا } فيه وجهان : أحدهما : أنه مصدر في ~~موضع الحال أي رجعا على آثارهما مقتصين آثارهما . والثاني : أن يكون مصدرا ~~لقوله فارتدا على آثارهما ، لأن معناه فاقتصا على آثارهما . وحاصل الكلام ~~أنهما لما عرفا أنهما تجاوزا عن الموضع الذي يسكن فيه ذلك العالم رجعا ~~وعادا إليه والله أعلم ms5974 . # ! 7 < { فوجدا عبدا من عبادنآ ءاتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما * قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن ~~تستطيع معى صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدنىإن شآء ~~الله صابرا ولا أعصى لك أمرا * قال فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث ~~لك منه ذكرا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 65 - 70 ) فوجدا عبدا من . . . . . # > > # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { فوجدا عبدا من عبادنا } فيه بحثان : # البحث الأول : قال الأكثرون إن ذلك العبد كان نبيا واحتجوا عليه بوجوه . ~~الأول : أنه تعالى قال : { رحمة من عندنا وعلمناه } والرحمة هي النبوة ~~بدليل قوله تعالى : { أهم يقسمون رحمة ربك } ( الزخرف : 32 ) وقوله : { وما ~~كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك } ( القصص : 86 ) والمراد من ~~هذه الرحمة النبوة ، ولقائل أن يقول نسلم أن النبوة رحمة أما لا يلزم أن ~~يكون كل رحمة نبوة . # الحجة الثانية : قوله تعالى : { وعلمناه من لدنا علما } وهذا يقتضي أنه ~~تعالى علمه لا بواسطة تعليم معلم ولا إرشاد مرشد وكل من علمه الله لا ~~بواسطة البشر وجب أن يكون نبيا يعلم الأمور بالوحي من الله . وهذا ~~الاستدلال ضعيف لأن العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله وذلك لا يدل ~~على النبوة . # الحجة الثالثة : أن موسى عليه السلام قال : { هل أتبعك على أن } ( الكهف ~~: 66 ) والنبي لا يتبع غير النبي / في التعليم وهذا أيضا ضعيف ، لأن النبي ~~لا يتبع غير النبي في العلوم التي باعتبارها صار نبيا أما في غير تلك ~~العلوم فلا . PageV21P126 # الحجة الرابعة : أن ذلك العبد أظهر الترفع على موسى حيث قال له : { صبرا ~~وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } وأما موسى فإنه أظهر التواضع له حيث قال ~~: { لا * أعصى لك أمرا } وكل ذكل يدل على أن ذلك العالم كان فوق موسى ، ومن ~~لا يكون نبيا لا يكون فوق النبي وهذا أيضا ضعيف لأنه يجوز أن يكون غير ~~النبي فوق النبي في ms5975 علوم لا تتوقف نبوته عليها . فلم قلتم إن ذلك لا يجوز ~~فإن قالوا لأنه يوجب التنفير . قلنا فارسال موسى إلى التعلم منه بعد إنزال ~~الله عليه التوراة وتكليمه بغير واسطة يوجب التنفير ، فإن قالوا : إن هذا ~~لا يوجب التنفير فكذا القول فيما ذكروه . # الحجة الخامسة : احتج الأصم على نبوته بقوله في أثناء القصة : { وما ~~فعلته عن أمرى } ومعناه فعلته بوحي الله ، وهو يدل على النبوة . وهذا أيضا ~~دليل ضعيف وضعفه ظاهر . # الحجة السادسة : ما روي أن موسى عليه السلام لما وصل إليه قال السلام ~~عليك ، فقال وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل . فقال موسى عليه السلام من ~~عرفك هذا ؟ قال : الذي بعثك إلي . قالوا وهذا يدل على أنه إنما عرف ذلك ~~بالوحي والوحي لا يكون إلا مع النبوة ، ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن ~~يكون ذلك من باب الكرامات والإلهامات . # البحث الثاني : قال الأكثرون إن ذلك العبد هو الخضر ، وقالوا إنما سمي ~~بالخضر لأنه كان لا يقف موقفا إلا أخضر ذلك الموضع ، قال الجبائي قد ظهرت ~~الرواية أن الخضر إنما بعث بعد موسى عليه السلام من بني إسرائيل . فإن صح ~~ذلك لم يجز أن يكون هذا العبد هو الخضر . وأيضا فبتقدير أن يكون هذا العبد ~~هو الخضر ، وقد ثبت أنه يجب أن يكون نبيا فهذا يقتضي أن يكون الخضر أعلى ~~شأنا من موسى صاحب التوراة / لأنا قد بينا أن الألفاظ المذكورة في هذه ~~الآيات تدل على أن ذلك كان يترفع على موسى ، وكان موسى يظهر التواضع له إلا ~~أن كون الخضر أعلى شأنا من موسى غير جائز لأن الخضر إما أن يقال إنه كان من ~~بني إسرائيل أو ما كان من بني إسرائيل ، فإن قلنا : إنه كان من بني إسرائيل ~~( فقد ) كان من أمة موسى لقوله تعالى : حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال ~~لفرعون : { أرسل معنا بنى إسراءيل } ( الشعراء : 17 ) والأمة لا تكون أعلى ~~حالا من النبي ، وإن قلنا إنه ما كان من بني إسرائيل لم يجز أن ms5976 يكون أفضل ~~من موسى لقوله تعالى لبني إسرائيل : { وأنى فضلتكم على العالمين } ( البقرة ~~: 47 ) وهذه الكلمات تقوي قول من يقول : إن موسى هذا غير موسى صاحب التوراة ~~. # المسألة الثالثة : قوله : { وعلمناه من لدنا علما } يفيد أن تلك العلوم ~~حصلت عنده من عند الله من غير واسطة ، والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق ~~المكاشفات العلوم اللدنية ، وللشيخ أبي حامد الغزالي رسالة في إثبات العلوم ~~اللدنية ، وأقول تحقيق الكلام في هذا الباب أن نقول : / إذا أدركنا أمرا من ~~الأمور وتصورنا حقيقة من الحقائق فإما أن نحكم عليه بحكم وهو التصديق أو لا ~~نحكم وهو التصور ، وكل واحد من هذين القسمين فإما أن يكون نظريا حاصلا من ~~غير كسب وطلب ، وإما أن يكون كسبيا ، أم العلوم النظرية فهي تحصل في النفس ~~والعقل من غير كسب وطلب ، مثل تصورنا الألم واللذة ، والوجود والعدم ، ومثل ~~تصديقنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وأن الواحد نصف ~~الإثنين . وأما العلوم الكسبية فهي التي لا تكون حاصلة في جوهر النفس ~~ابتداء بل لا بد من طريق يتوصل به إلى اكتساب تلك العلوم ، وهذا الطريق ~~PageV21P127 على قسمين . أحدهما : أن يتكلف الإنسان تركب تلك العلوم ~~البديهية النظرية حتى يتوصل بتركبها إلى استعلام المجهولات . وهذا الطريق ~~هو المسمى بالنظر والتفكر والتدبر والتأمل والتروي والاستدلال ، وهذا النوع ~~من تحصيل العلوم هو الطريق الذي لا يتم إلا بالجهد والطلب . والنوع الثاني ~~: أن يسعى الإنسان بواسطة الرياضات والمجاهدات في أن تصير القوى الحسية ~~والخيالية ضعيفة فإذا ضعفت قويت القوة العقلية وأشرقت الأنوار الإلهية في ~~جوهر العقل ، وحصلت المعارف وكملت العلوم من غير واسطة سعي وطلب في التفكر ~~والتأمل ، وهذا هو المسمى بالعلوم اللدنية ، إذا عرفت هذا فنقول : جواهر ~~النفس الناطقة مختلفة بالماهية فقد تكون النفس نفسا مشرقة نورانية إلهية ~~علوية قليلة التعلق بالجواذب البدنية والنوازع الجسمانية فلا جرم كانت أبدا ~~شديدة الاستعداد لقبول الجلايا القدسية والأنوار الإلهية ، فلا جرم فاضت ~~عليها من عالم الغيب تلك الأنوار على سبيل الكمال والتمام ، وهذا هو المراد ~~بالعلم ms5977 اللدني وهو المراد من قوله : { رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ~~قال } وأما النفس التي ما بلغت في صفاء الجوهر وإشراق العنصر فهي النفس ~~الناقصة البليدة التي لا يمكنها تحصيل المعارف والعلوم إلا بمتوسط بشري ~~يحتال في تعليمه وتعلمه والقسم الأول بالنسبة إلى القسم الثاني كالشمس ~~بالنسبة إلى الأضواء الجزئية وكالبحر بالنسبة إلى الجداول الجزئية وكالروح ~~الأعظم بالنسبة إلى الأرواح الجزئية . فهذا تنبيه قليل على هذا المأخذ ، ~~ووراءه أسرار لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب . ثم قال تعالى : { قال له موسى ~~هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ويعقوب { رشدا } بفتح الراء والشين وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما بضم الراء والشين والباقون بضم الراء وتسكين الشين ~~قال القفال وهي لغات في معنى واحد يقال رشد ورشد مثل نكر ونكر كما يقال سقم ~~وسقم وشغل وشغل وبخل وبخل وعدم وعدم وقوله { رشدا } أي علما ذا رشد قال ~~القفال قوله : { رشدا } يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الرشد راجعا إلى ~~الخضر أي مما علمك الله وأرشدك به . والثاني : أن يرجع ذلك إلى موسى ويكون ~~المعنى على أن تعلمني وترشدني مما علمت . # المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآيات تدل على أن موسى عليه السلام راعى ~~أنواعا كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر . فأحدها : أنه ~~جعل نفسه تبعا له لأنه قال : { هل أتبعك } . وثانيها : أن استأذن في إثبات ~~هذا التبعية فإنه قال هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعا لك وهذا مبالغة عظيمة ~~في التواضع . وثالثها : أنه قال على أن : { * تعلمني } وهذا إقرار له على ~~نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم . ورابعها : أنه قال : { تعلمن مما علمت } ~~وصيغة من للتبعيض فطلب منه تعليم بعض ما علمه الله ، وهذا أيضا مشعر ~~بالتواضع كأنه يقول له لا أطلب منك أن تجعلني مساويا في العلم لك ، بل أطلب ~~منك أن تعطيني جزأ من أجزاء علمك ، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه ~~جزأ من ms5978 أجزاء ماله . وخامسها : أن قوله : { مما علمت } اعتراف بأن الله ~~علمه ذلك العلم . وسادسها : أن قوله : { رشدا } طلب منه للإرشاد والهداية ~~والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية والضلال . وسابعها : أن ~~قوله : { تعلمن مما علمت } معناه أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله ~~به وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك علي عند هذا التعليم شبيها بإنعام الله ~~تعالى عليك في هذا PageV21P128 التعليم ولهذا المعنى قيل أنا عبد من تعلمت ~~منه حرفا . وثامنها : أن المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل ~~كونه فعلا لذلك الغير ، فإنا إذا قلنا : لا إله إلا الله فاليهود الذين ~~كانوا قبلنا كانوا يذكرون هذه الكلمة فلا يجب كوننا متبعين لهم في ذكر هذه ~~الكلمة ، لأنا لا نقول هذه الكلمة لأجل أنهم قالوها بل إنما نقولها لقيام ~~الدليل على أنه يجب ذكرها ، أما إذا أتينا بهذه الصلوات الخمس على موافقة ~~فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما أتينا بها لأجل أنه عليه السلام ~~أتى بها لا جرم كنا متابعين في فعل هذه الصلوات لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، إذا ثبت هذا فنقول قوله : { هل أتبعك } يدل على أنه يأتي بمثل أفعال ~~ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتيا بها . وهذا يدل على أن المتعلم يجب ~~عليه في أول الأمر التسليم وترك المنازعة والاعتراض . وتاسعها : أن قوله : ~~{ اتبعك } يدل على طلب متابعته مطلقا في جميع الأمور غير مقيد بشيء دون شيء ~~. وعاشرها : أنه ثبت بالإخبار أن الخضر عرف أولا أنه نبي بني إسرائيل وأنه ~~هو موسى صاحب التوراة وهو الرجل الذي كلمه الله عز وجل من غير واسطة وخصه ~~بالمعجزات القاهرة الباهرة ، ثم إنه عليه السلام مع هذه المناصب الرفيعة ~~والدرجات العالية الشريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع وذلك يدل ~~على كونه عليه السلام آتيا في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة وهذا هو ~~اللائق به لأن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة ~~والسعادة أكثر فكان ms5979 طلبه لها أشد وكان تعظيمه لأرباب العلم أكمل وأشد . ~~والحادي عشر : أنه قال : { هل أتبعك على أن } فأثبت كونه تبعا له أولا ثم ~~طلب ثانيا أن يعلمه وهذا منه ابتداء بالخدمة ثم في المرتبة الثانية طلب منه ~~التعليم . والثاني عشر : أنه قال : { هل أتبعك على أن } فلم يطلب على تلك ~~المتابعة على التعليم شيئا كان قال لا أطلب منك على هذه المتابعة المال ~~والجاه ولا غرض لي إلا طلب العلم ثم إنه تعالى / حكى عن الخضر أنه قال : { ~~إنك لن تستطيع معى صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المتعلم على قسمين متعلم ليس عنده شيء من العلم ~~ولم يمارس القيل والقال ولم يتعود التقرير والاعتراض ، ومتعلم حصل العلوم ~~الكثيرة ومارس الاستدلال والاعتراض . ثم إنه يريد أن يخالط إنسانا أكمل منه ~~ليبلغ درجة التمام والكمال والتعلم في هذا القسم الثاني شاق شديد ، وذلك ~~لأنه إذا رأى شيئا أو سمع كلاما فربما كان ذلك بحسب الظاهر منكرا إلا أنه ~~كان في الحقيقة حقا صوابا ، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف القيل والقال وتعود ~~الكلام والجدال يغتر ظاهره ولأجل عدم كماله لا يقف على سره وحقيقته ، ~~وحينئذ يقدم على النزاع والاعتراض والمجادلة ، وذلك مما يثقل سماعه على ~~الأستاذ الكامل المتبحر فإذا اتفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة حصلت ~~النفرة التامة والكراهة الشديدة ، وهذا هو الذي أشار إليه الخضر بقوله : { ~~إنك لن تستطيع معى صبرا } إشارة إلى أنه ألف الكلام وتعود الإثبات والإبطال ~~والاستدلال والاعتراض ، وقوله : { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } إشارة ~~إلى كونه غير عالم بحقائق الأشياء كما هي ، وقد ذكرنا أنه متى حصل الأمران ~~صعب السكوت وعسر التعليم وانتهى الأمر بالآخرة إلى النفرة والكراهية وحصول ~~التقاطع والتنافر . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بقوله : { إنك لن تستطيع معى صبرا } على ~~أن الاستطاعة لا تحصل قبل PageV21P129 الفعل . قالوا : لو كانت الاستطاعة ~~على الفعل حاصلة قبل حصول الفعل لكانت الاستطاعة على الصبر حاصلة لموسى ms5980 ~~عليه السلام قبل حصول الصبر فيلزم أن يصير قوله : { إنك لن تستطيع معى صبرا ~~} كذبا ، ولما بطل ذلك علمنا أن الاستطاعة لا توجد قبل الفعل . أجاب ~~الجبائي عنه : أن المراد من هذا القول أنه يثقل عليه الصبر لا أنه لا ~~يستطيعه ، يقال في العرف : إن فلانا لا يستطيع أن يرى فلانا و ( لا ) أن ~~يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ونظيره قوله تعالى : { ما كانوا يستطيعون ~~السمع } أي كان يشق عليهم الاستماع ، فيقال له : هذا عدول عن الظاهر من غير ~~دليل وإنه لا يجوز . وأقول مما يؤكد هذا الاستدلال الذي ذكره الأصحاب قوله ~~تعالى : { وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا } استبعد حصول الصبر على ما لم ~~يقف الإنسان على حقيقته ، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على ~~العلم حاصلة قبل حصول ذلك العلم ، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ~~ذلك العلم مستبعدا لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ~~، ولما حكم الله باستبعاده علمنا أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل . ثم حكى ~~الله تعالى عن موسى أنه قال : { ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا ~~} وفيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج الطاعنون في عصمة الله الأنبياء بهذه الآية فقالوا ~~: إن الخضر قال لموسى : { إنك لن تستطيع معى صبرا } وقال موسى : { ستجدنى ~~إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا } وكل واحد من هذين القولين يكذب الآخر ~~فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما وعلى التقديرين فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء ~~عليهم السلام ، والجواب أن يحمل قوله : { إنك لن تستطيع معى صبرا } على ~~الأكثر الأغلب وعلى هذا التقدير فلا يلزم ما ذكروه . # المسألة الثانية : لفظة إن كان كذا تفيد الشك فقوله : { ستجدنى إن شاء ~~الله صابرا } معناه ستجدني صابرا إن شاء الله كوني صابرا ، وهذا يقتضي وقوع ~~الشك في أن الله هل يريد كونه صابرا أم لا . ولا شك أن الصبر في مقام ~~التوقف واجب ، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد لا يريد ms5981 من العبد ما أوجبه عليه ~~/ وهذا يدل على صحة قولنا : إن الله تعالى قد يأمر بالشيء مع أنه لا يريده ~~، قالت المعتزلة : هذه الكلمة إنما تذكر رعاية للأدب فيما يريد الإنسان أن ~~يفعله في المستقبل فيقال لهم هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت المطلوب ، وإن ~~فسد فأي أدب في ذكر هذا الكلام الباطل ؟ # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ولا أعصى لك أمرا } يدل على أن ظاهر ~~الأمر يفيد الوجوب لأن تارك المأمور به عاص بدلالة هذه الآية ، والعاصي ~~يستحق العقاب لقوله تعالى : { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم } ( ~~الجن : 23 ) وهذا يدل على أن ظاهر الأمر يفيد الوجوب . # المسألة الرابعة : قول الخضر لموسى عليه السلام : { وكيف تصبر على ما لم ~~تحط به خبرا } نسبة إلى قلة العلم والخبر ، وقول موسى له : { ستجدنى إن شاء ~~الله صابرا ولا أعصى لك أمرا } تواضع شديد وإظهار للتحمل التام والتواضع ~~الشديد ، وكل ذلك يدل على أن الواجب على المتعلم إظهار التواضع بأقصى ~~الغايات ، وأما المعلم فإن رأى أن في التغليظ على المتعلم ما يفيده نفعا ~~وإرشادا إلى الخير . فالواجب عليه ذكره فإن السكوت عنه يوقع المتعلم في ~~الغرور والنخوة وذلك يمنعه من التعلم ثم قال : { فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن ~~شىء حتى أحدث لك منه ذكرا } أي لا تستخبرني عما تراه مني مما لا تعلم وجهه ~~حتى أكون أنا PageV21P130 المبتدىء لتعليمك إياه وإخبارك به ، وفي قراءة ~~ابن عامر فلا تسألن محركة اللام مشددة النون بغير ياء . وروى عنه لا تسألني ~~مثقلة مع الياء وهي قراءة نافع ، وفي قراءة الباقين لا تسألن خفيفة والمعنى ~~واحد . # ! 7 < { فانطلقا حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها ~~لقد جئت شيئا إمرا * قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا * قال لا تؤاخذنى ~~بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 71 - 73 ) فانطلقا حتى إذا . . . . . # > > # /اعلم أن موسى وذلك العالم لما تشارطا على الشرط المذكور وسارا فانتهيا ~~إلى موضع احتاجا فيه إلى ms5982 ركوب السفينة فركباها وأقدم ذلك العالم على خرق ~~السفينة ، وأقول لعله أقدم على خرق جدار السفينة لتصير السفينة بسبب ذلك ~~الخرق معيبة ظاهرة العيب فلا يتسارع الغرق إلى أهلها فعند ذلك قال موسى له ~~: { أخرقتها لتغرق أهلها } وفيه بحثان : # البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي : { أعزة أهلها } بفتح الياء على إسناد ~~الغرق إلى الأهل والباقون لتغرق أهلها على الخطاب ، والتقدير لتغرق أنت أهل ~~هذه السفينة . # البحث الثاني : أن موسى عليه السلام لما شاهد ذلك الأمر المنكر بحسب ~~الظاهر نسي الشرط المتقدم فلهذا المعنى قال ما قال ، واحتج الطاعنون في ~~عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجهين . الأول : أنه ثبت بالدليل ~~أن ذلك العالم كان من الأنبياء ، ثم قال موسى عليه السلام : { أخرقتها ~~لتغرق أهلها } فإن صدق موسى في هذا القول دل ذلك على صدور الذنب العظيم عن ~~ذلك النبي ، وإن كذب دل على صدور الكذب عن موسى عليه السلام . الثاني : أنه ~~التزم أن لا يعترض على ذلك العالم . وجرت العهود المؤكدة لذلك ، ثم إنه ~~خالف تلك العهود وذلك ذنب . والجواب عن الأول : أنه لما شاهد موسى عليه ~~السلام منه الأمر الخارج عن العادة قال هذا الكلام ، لا لأجل أنه اعتقد فيه ~~أنه فعل قبيحا ، بل لأنه أحب أن يقف على وجهه وسببه ، وقد يقال في الشيء ~~العجيب الذي لا يعرف سببه إنه أمر يقال أمر الأمر إذا عظم وقال الشاعر : # داهية دهياء # وعلى الثاني : أنه فعل بناء على النسيان ، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك ~~العالم أنه لما خالف الشرط لم يزد على أن قال : { ألم أقل إنك لن تستطيع ~~معى صبرا } فعند هذا اعتذر موسى عليه السلام بقوله : { لا تؤاخذنى بما نسيت ~~} أراد أنه نسي وصيته ولا مؤاخذة على الناسي بشيء : { ولا ترهقنى من أمرى ~~عسرا } يقال : رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه أي ولا تغشني من أمري عسرا ، وهو ~~اتباعه إياه يعني ولا تعسر على متابعتك ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة ~~، وقرىء : { عسرا } بضمتين . # ! 7 < { فانطلقا حتى إذا لقيا ms5983 غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس ~~لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا * قال إن سألتك ~~عن شىء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذرا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 74 - 76 ) فانطلقا حتى إذا . . . . . # > > PageV21P131 # / اعلم أن لفظ الغلام قد يتناول الشاب البالغ بدليل أنه يقال رأى الشيخ ~~خير من مشهد الغلام جعل الشيخ نقيضا للغلام وذلك يدل على أن الغلام هو ~~الشاب وأصله من الاغتلام وهو شدة الشبق وذلك إنما يكون في الشباب ، وأما ~~تناول هذا اللفظ للصبي الصغير فظاهر ، وليس في القرآن كيف لقياه هل كان ~~يلعب مع جمع من الغلمان الصبيان أو كان منفردا ؟ وهل كان مسلما أو كان ~~كافرا ؟ وهل كان منعزلا ؟ وهل كان بالغا أو كان صغيرا ؟ وكان اسم الغلام ~~بالصغير أليق وإن احتمل الكبير إلا أن قوله : { بغير نفس } أليق بالبالغ ~~منه بالصبي لأن الصبي لا يقتل وإن قتل ، وأيضا فهل قتله بأن حز رأسه أو بأن ~~ضرب رأسه بالجدار أو بطريق آخر فليس في لفظ القرآن ما يدل على شيء من هذه ~~الأقسام فعند هذا قال موسى عليه السلام : { أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد ~~جئت شيئا نكرا } وفيه مباحث : # البحث الأول : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو زاكية بالألف والباقون زكية ~~بغير ألف قال الكسائي : الزاكية والزكية لغتان ومعناهما الطاهرة ، وقال أبو ~~عمرو الزاكية التي لم تذنب والزكية التي أذنبت ثم تابت . # البحث الثاني : ظاهر الآية يدل على أن موسى عليه السلام استبعد أن يقتل ~~النفس إلا لأجل القصاص بالنفس وليس الأمر كذلك لأنه قد يحل دمه بسبب من ~~الأسباب ، وجوابه أن السبب الأقوى هو ذلك . # البحث الثالث : النكر أعظم من الإمر في القبح ، وهذا إشارة إلى أن قتل ~~الغلام أقبح من خرق السفينة لأن ذلك ما كان اتلافا للنفس لأنه كان يمكن أن ~~لا يحصل الغرق ، أما ههنا حصل الإتلاف قطعا فكان أنكر وقيل إن قوله : { لقد ~~جئت شيئا إمرا } أي عجبا والنكر أعظم من ms5984 العجب وقيل النكر ما أنكرته العقول ~~ونفرت عنه النفوس فهو أبلغ في تقبيح الشيء من الإمر ومنهم من قال : الإمر ~~أعظم . قال : لأن خرق السفينة يؤدي إلى إتلاف نفوس كثيرة وهذ القتل ليس إلا ~~إتلاف شخص واحد وأيضا الإمر هو الداهية العظيمة فهو أبلغ من النكر وأنه ~~تعالى حكى عن ذلك العالم أنه ما زاد على أن ذكره ما عاهده عليه فقال : { ~~ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا } وهذا عين ما ذكره في المسألة الأولى ~~إلا أنه زاد ههنا لفظة لك لأن هذه اللفظة تؤكد التوبيخ فعند هذا قال موسى : ~~{ إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى } مع العلم بشدة حرصه على مصاحبته ~~وهذا كلام نادم شديد الندامة ثم قال : { قد بلغت من لدنى عذرا } والمراد ~~منه أنه يمدحه بهذه الطريقة من حيث احتمله مرتين أولا وثانيا ، مع قرب ~~المدة وبقي مما يتعلق بالقراءة في هذه الآية ثلاثة مواضع : الأول : قرأ ~~نافع برواية ورش وقالون وابن عامر وأبو بكر عن عاصم نكرا بضم الكاف في جميع ~~القرآن والباقون ساكنة الكاف حيث كان وهما لغتان . الثاني : الكل قرأوا : { ~~لا * تصاحبنى } بالألف إلا يعقوب PageV21P132 فإنه قرأ : ( لا تصحبني ) من ~~صحب والمعنى واحد / الثالث : في { لدنى } قراءات . الأولى : قراءة نافع ~~وأبي بكر في بعض الروايات عن عاصم : { من لدنى } بتخفيف النون وضم الدال . ~~الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم : ~~{ * لندي } مشددة النون وضم الدال . الثالثة : قرأ أبو بكر عن عاصم ~~بالإشمام وغير إشباع . الرابعة : { من لدنى } بضم اللام وسكون الدال في بعض ~~الروايات عن عاصم وهذه القراءات كلها لغات في هذه اللفظة . # ! 7 < { فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما ~~فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا * قال ~~هاذا فراق بينى وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } > 7 ! # < < # | الكهف : ( 77 - 78 ) فانطلقا حتى إذا . . . . . # > > اعلم أن تلك القرية هي أنطاكية وقيل هي ms5985 الأيلة وههنا سؤالات : الأول ~~: إن الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدم عليه موسى وذلك العالم لأن ~~موسى كان من عادته عرض الحاجة وطلب الطعام ألا ترى أنه تعالى حكى عنه أنه ~~قال في قصة موسى عند ورود ماء مدين : { رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير } ~~( القصص : 24 ) . الجواب : أن إقدام الجائع على الاستطعام أمر مباح في كل ~~الشرائع بل ربما وجب ذلك عند خوف الضرر الشديد . السؤال الثاني : لم قال : ~~{ حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها } وكان من الواجب أن يقال استطعما ~~منهم ، والجواب أن التكرير قد يكون للتأكيد كقول الشاعر : # % ليت الغراب غداة ينعب دائما % % كان الغراب مقطع الأوداج % # السؤال الثالث : إن الضيافة من المندوبات فتركها ترك للمندوب وذلك أمر ~~غير منكر فكيف يجوز من موسى عليه السلام مع علو منصبه أنه غضب عليهم الغضب ~~الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه مع ذلك العالم في قوله : { إن ~~سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى } وأيضا مثل هذا الغضب لأجل ترك الأكل في ~~ليلة واحدة لا يليق بأدون الناس فضلا عن كليم الله . الجواب : أما قوله ~~الضيافة من المندوبات قلنا : قد تكون من المندوبات ، وقد تكون من الواجبات ~~بأن كان الضيف قد بلغ في الجوع إلى حيث لو لم يأكل لهلك وإذا كان التقدير ~~ما ذكرناه لم يكن الغضب الشديد لأجل ترك الأكل يوما ، فإن قالوا : ما بلغ ~~في الجوع إلى حد الهلاك بدليل أنه قال : { لو شئت لاتخذت عليه أجرا } وكان ~~يطلب على إصلاح ذلك الجدار أجرة ، ولو كان قد بلغ في الجوع إلى حد الهلاك ~~لما قدر على ذلك العمل فكيف يصح منه طلب الأجرة قلنا لعل ذلك الجوع كان ~~شديدا إلا أنه ما بلغ حد الهلاك ، ثم قال تعالى : { فأبوا أن يضيفوهما } ~~وفيه بحثان : # البحث الأول : يضيفوهما يقال ضافه إذا كان له ضيفا ، وحقيقته مال إليه من ~~ضاف السهم عن الغرض . ونظيره : زاره من الإزورار ، وأضافه وضيفه أنزله ، ~~وجعله ضيفه ، وعن النبي صلى ms5986 الله عليه وسلم كانوا أهل قرية لئاما . ~~PageV21P133 # البحث الثاني : رأيت في كتب الحكايات أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول ~~هذه الآية استحيوا وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من الذهب ~~وقالوا : يا رسول الله نشتري بهذا الذهب أن تجعل الباء تاءا حتى تصير ~~القراءة هكذا : فأتوا أن يضيفوهما . أي أتوا لأن يضيفوهما ، أي كان إتيان ~~أهل تلك القرية إليهما لأجل الضيافة ، وقالوا : غرضنا منه أن يندفع عنا هذا ~~اللؤم فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن تغيير هذه النقطة ~~يوجب دخول الكذب في كلام الله ، وذلك يوجب القدح في الإلهية . فعلمنا أن ~~تغيير النقطة الواحدة من القرآن يوجب بطلان الربوبية والعبودية ، ثم قال ~~تعالى : { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه } أي فرأيا في القرية ~~حائطا مائلا ، فإن قيل كيف يجوز وصف الجدار بالإرادة مع أن الإرادة من صفات ~~الأحياء قلنا هذا اللفظ ورد على سبيل الاستعارة / وله نظائر في الشعر قال : # % يريد الرمح صدر أبي براء % % ويرغب عن دماء بني عقيل % # وأنشد الفراء : # % إن دهرا يلف شملي بجمعل % % لزمان يهم بالإحسان % # % في مهمة فلقت به هاماتها % % فلق الفؤوس إذا أردن نصولا % # ونظيره من القرآن قوله تعالى : { ولما سكت عن موسى الغضب } وقوله : { أن ~~يقول له كن فيكون } وقوله : { قالتا أتينا طائعين } وقوله : { أن ينقض } ~~يقال انقض إذا أسرع سقوطه من انقضاض الطائر وهو انفعل مطاوع قضضته . وقيل : ~~انقض فعل من النقض كأحمر من الحمرة ، وقرىء أن ينقض من النقض ، وأن ينقاض ~~من انقاضت العين إذا انشقت طولا ، وأما قوله : { فأقامه } قيل نقضه ثم بناه ~~، وقيل : أقامه بيده ، وقيل : مسحه بيده فقام واستوى وكان ذلك من معجزاته ، ~~واعلم أن ذلك العالم لما فعل ذلك . وكانت الحالة حالة اضطرار وافتقار إلى ~~الطعام فلأجل تلك الضرورة نسي موسى ما قاله من قوله : { إن سألتك عن شىء ~~بعدها فلا تصاحبنى } فلا جرم قال : { لو شئت لاتخذت عليه أجرا } أي طلبت ~~على عملك أجرة تصرفها في تحصيل المطعوم ms5987 وتحصيل سائر المهمات ، وقرىء : { ~~لاتخذت عليه أجرا } والتاء تخذت أصل كما في تبع ، واتخذ / افتعل منه كقولنا ~~اتبع من قولنا تبع ، واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر هذا الكلام قال ~~العالم : { هاذا فراق بينى وبينك } وههنا سؤالات . السؤال الأول : قوله : ~~هذه إشارة إلى ماذا ؟ والجواب من وجهين : الأول : أن موسى عليه السلام قد ~~شرط أنه إن سأله بعد ذلك سؤالا آخر يحصل الفراق حيث قال : { إن سألتك عن ~~شىء بعدها فلا تصاحبنى } فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك العالم وقال : { ~~هاذا فراق بينى وبينك } أي هذا الفراق الموعود . الثاني : أن يكون قوله هذا ~~إشارة إلى السؤال الثالث أي هذا الاعتراض هو سبب الفراق . السؤال الثاني : ~~ما معنى قوله : { هاذا فراق بينى وبينك } ؟ الجواب : معناه هذا فراق حصل ~~بيني وبينك ، فأضيف المصدر إلى الظرف ، حكى القفال عن بعض أهل العربية أن ~~البين هو الوصل لقوله تعالى : { لقد تقطع بينكم } فكان المعنى هذا فراق ~~بيننا ، أي اتصالنا ، كقول القائل : أخزى الله الكاذب مني ومنك ، أي أحدنا ~~هكذا قاله الزجاج ، ثم قال العالم لموسى عليه السلام : { سأنبئك بتأويل ما ~~لم تستطع عليه صبرا } أي سأخبرك بحكمة هذه المسائل الثلاثة ، وأصل التأويل ~~راجع إلى قولهم آل الأمر إلى كذا أي صار إليه ، فإذا قيل : ما تأويله ~~فالمعنى ما مصيره . # PageV21P134 ! 7 < { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر فأردت أن ~~أعيبها وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا * وأما الغلام فكان أبواه ~~مؤمنين فخشينآ أن يرهقهما طغيانا وكفرا * فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا منه ~~زكواة وأقرب رحما * وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة وكان تحته ~~كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما ~~رحمة من ربك وما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا * ويسألونك ~~عن ذى القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 79 - 83 ) أما السفينة فكانت . . . . . # > > # في الآية مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أن هذه المسائل الثلاثة مشتركة في شيء واحد وهو ~~أن ms5988 أحكام الأنبياء صلوات الله عليهم مبنية على الظواهر كما قال عليه السلام ~~: ( نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ) وهذا العالم ما كانت أحكامه ~~مبنية على ظواهر الأمور بل كانت مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس ~~الأمر وذلك لأن الظاهر أنه يحرم التصرف في أموال الناس وفي أرواحهم في ~~المسألة الأولى وفي الثانية من غير سبب ظاهر يبيح ذلك التصرف لأن تخريق ~~السفينة تنقيص لملك الإنسان من غير سبب ظاهر ، وقتل الغلام تفويت لنفس ~~معصومة من غير سبب ظاهر ، والإقدام على إقامة ذلك الجدار المائل في المسألة ~~الثالثة تحمل التعب والمشقة من غير سبب ظاهر ، وفي هذه المسائل الثلاثة ليس ~~حكم ذلك العالم فيها مبنيا عن الأسباب الظاهرة المعلومة ، بل كان ذلك الحكم ~~مبنيا على أسباب معتبرة في نفس الأمر ، وهذا يدل على أن ذلك العالم كان قد ~~آتاه الله قوة عقلية قدر بها أن يشرف على بواطن الأمور ويطلع بها على حقائق ~~الأشياء فكانت مرتبة موسى عليه السلام في معرفة الشرائع والأحكام بناء ~~الأمر على الظواهر وهذا العالم كانت مرتبته الوقوف على بواطن الأشياء ~~وحقائق الأمور والإطلاع على أسرارها الكامنة ، فبهذا الطريق ظهر أن مرتبته ~~في العلم كانت فوق مرتبة موسى عليه السلام . إذا عرفت هذا فنقول : المسائل ~~الثلاثة مبنية على حرف واحد وهو أن عند تعارض الضررين يجب تحمل الأدنى لدفع ~~الأعلى ؛ فهذا هو الأصل المعتبر في المسائل الثلاثة . # أما المسألة الأولى : فلأن ذلك العالم علم أنه لو لم يعب تلك السفينة ~~بالتخريق لغصبها ذلك الملك ، وفاتت منافعها عن ملاكها بالكلية فوقع التعارض ~~بين أن يخرقها ويعيبها فتبقى مع ذلك على ملاكها ، وبين أن لا يخرقها ~~فيغصبها الملك فتفوت منافعها بالكلية على ملاكها ، ولا شك أن الضرر الأول ~~أقل فوجب تحمله لدفع الضرر الثاني الذي هو أعظمهما . PageV21P135 # وأما المسألة الثانية : فكذلك لأن بقاء ذلك الغلام حيا كان مفسدة ~~للوالدين في دينهم وفي دنياهم ، ولعله علم بالوحي أن المضار الناشئة من قتل ~~ذلك الغلام أقل من المضار الناشئة بسبب ms5989 حصول تلك المفاسد للأبوين ، فهلذا ~~السبب أقدم على قتله . # والمسألة الثالثة : أيضا كذلك لأن المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على إقامة ~~ذلك الجدار ضررها أقل من سقوطه لأنه لو سقط لضاع مال تلك الأيتام . وفيه ~~ضرر شديد ، فالحاصل أن ذلك العالم كان مخصوصا بالوقوف على بواطن الأشياء ~~وبالأطلاع على حقائقها كما هي عليها في أنفسها ، وكان مخصوصا ببناء الأحكام ~~الحقيقية على تلك الأحوال الباطنة ، وأما موسى عليه السلام فما كان كذلك بل ~~كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور فلا جرم ظهر التفاوت بينهما في العلم / ~~فإن قال قائل فحاصل الكلام أنه تعالى أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها في ~~نفسها ، وهذا النوع من العلم لا يمكن تعلمه ، وموسى عليه السلام إنما ذهب ~~إليه ليتعلم منه العلم فكان من الواجب / على ذلك العالم أن يظهر له علما ~~يمكن له تعلمه ، وهذه المسائل الثلاثة علوم لا يمكن تعلمها فما الفائدة في ~~ذكرها وإظهارها . والجواب : أن العلم بظواهر الأشياء يمكن تحصيله بناء على ~~معرفة الشرائع الظاهرة ، وأما العلم ببواطن الأشياء فإنما يمكن تحصيله بناء ~~على تصفية الباطن وتجريد النفس وتطهير القلب عن العلائق الجسدانية ، ولهذا ~~قال تعالى في صفة علم ذلك العالم : { وعلمناه من لدنا علما } ( الكهف : 65 ~~) ، ثم إن موسى عليه السلام لما كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله إلى ~~هذا العالم ليعلم موسى عليه السلام أن كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من ~~علوم الشريعة المبنية على الظواهر إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على ~~البواطن والتطلع على حقائق الأمور . # المسألة الثانية : اعلم أن ذلك العالم أجاب عن المسألة الأولى بقوله : { ~~أما السفينة فكانت لمساكين يعملون فى البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ~~ملك يأخذ كل سفينة غصبا } وفيه فوائد . الفائدة الأولى : أن تلك السفينة ~~كانت لأقوام محتاجين متعيشين بها في البحر والله تعالى سماهم مساكين ، ~~واعلم أن الشافعي رحمه الله احتج بهذه الآية على أن حال الفقير في الضر ~~والحاجة أشد من حال المسكين لأنه تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا ms5990 يملكون ~~تلك السفينة . الفائدة الثانية : أن مراد ذلك العالم من هذا الكلام أنه ما ~~كان مقصودي من تخريق تلك السفينة تغريق أهلها بل مقصودي أن ذلك الملك ~~الظالم كان يغصب السفن الخالية عن العيوب فجعلت هذه السفينة معيبة لئلا ~~يغصبها ذلك الظالم فإن ضرر هذا التخريق أسهل من الضرر الحاصل من ذلك الغصب ~~، فإن قيل وهل يجوز للأجنبي أن يتصرف في ملك الغير لمثل هذا الغرض ، قلنا ~~هذا مما يختلف أحواله بحسب اختلاف الشرائع فلعل هذا المعنى كان جائزا في ~~تلك الشريعة ، وأما في شريعتنا فمثل هذا الحكم غير بعيد ، فإنا إذا علمنا ~~أن الذين يقطعون الطريق ويأخذون جميع ملك الإنسان ، فإن دفعنا إلى قاطع ~~الطريق بعض ذلك المال سلم الباقي فحينئذ يحسن منا أن ندفع بعض مال ذلك ~~الإنسان إلى قاطع الطريق ليسلم الباقي وكان هذا منا يعد إحسانا إلى ذلك ~~المالك . الفائدة الثالثة : أن ذلك التخريق وجب أن يكون واقعا على وجه لا ~~تبطل به تلك السفينة بالكلية إذ لو كان كذلك لم يكن الضرر الحاصل من غصبها ~~أبلغ من الضرر الحاصل من تخريقها ، وحينئذ لم يكن تخريقها جائزا . الفائدة ~~الرابعة : لفظ الوراء على قوله : { وكان وراءهم } فيه قولان : الأول : أن ~~المراد منه وكان أمامهم ملك يأخذ ، هكذا قاله الفراء PageV21P136 وتفسيره ~~قوله تعالى : { من ورائهم جهنم } ( الجاثية : 10 ) أي أمامهم ، وكذلك قوله ~~تعالى : { ويذرون وراءهم يوما ثقيلا } ( الإنسان : 27 ) وتحقيقه أن كل ما ~~غاب عنك فقد توارى عنك وأنت متوار عنه ، فكل ما غاب عنك فهو وراءك وأمام ~~الشيء وقدامه إذا كان غائبا عنه متواريا عنه فلم يبعد إطلاق لفظ وراء عليه ~~. والقول الثاني : يحتمل أن يكون الملك كان من وراء الموضع الذي يركب منه ~~صاحبه وكان مرجع السفينة عليه . # وأما المسألة الثانية : وهي قتل الغلام فقد أجاب العالم عنها بقوله : { ~~وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين } قيل : إن ذلك الغلام كان بالغا وكان يقطع ~~الطريق ويقدم على الأفعال المنكرة ، وكان أبواه يحتاجان إلى دفع شر الناس ~~عنه والتعصب ms5991 له وتكذيب من يرميه بشيء من المنكرات وكان يصير ذلك سببا ~~لوقوعهما في الفسق . وربما أدى ذلك الفسق إلى الكفر ، وقيل : إنه كان صبيا ~~إلا أن الله تعالى علم منه أنه لو صار بالغا لحصلت منه هذه المفاسد ، وقوله ~~: { فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا } الخشية بمعنى الخوف وغلبة الظن والله ~~تعالى قد أباح له قتل من غلب على ظنه تولد مثل هذا الفساد منه ، وقوله : { ~~أن يرهقهما طغيانا } فيه قولان : الأول : أن يكون المراد أن ذلك الغلام ~~يحمل أبويه على الطغيان والكفر كقوله : { ولا ترهقنى من أمرى عسرا } ( ~~الكهف : 73 ) أي لا تحملني على عسر وضيق وذلك لأن أبويه لأجل حب ذلك الولد ~~يحتاجان إلى الذب عنه ، وربما احتاجا إلى موافقته في تلك الأفعال المنكرة . ~~والثاني : أن يكون المعنى أن ذلك الولد كان يعاشرهما معاشرة الطغاة الكفار ~~، فإن قيل : هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان لمثل هذا الظن ؟ قلنا : إذا ~~تأكد ذلك الظن بوحي الله جاز ثم قال تعالى : { فأردنا أن يبدلهما ربهما ~~خيرا منه زكواة } أي أردنا أن يرزقهما الله تعالى ولدا خيرا من هذا الغلام ~~زكاة أي دينا وصلاحا ، وقيل : إن ذكره الزكاة ههنا على مقابلة قول موسى ~~عليه السلام : { أقتلت نفسا * نفسا بغير نفس } فقال العالم : أردنا أن يرزق ~~الله هذين الأبوين خيرا بدلا عن ابنهما هذا ولدا يكون خيرا منه كما ذكرته ~~من الزكاة ، ويكون المراد من الزكاة الطهارة فكأن موسى عليه السلام قال : ~~أقتلت نفسا طاهرة لأنها ما وصلت إلى حد البلوغ فكانت زاكية طاهرة من ~~المعاصي فقال العالم : إن تلك النفس وإن كانت زاكية طاهرة في الحال إلا أنه ~~تعالى علم منها أنها إذا بلغت أقدمت على الطغيان والكفر فأردنا أن يجعل ~~لهما ولدا أعظم زكاة وطهارة منه وهو الذي يعلم الله منه أنه عند البلوغ لا ~~يقدم على شيء من هذه المحظورات ومن قال إن ذلك الغلام كان بالغا قال : ~~المراد من صفة نفسه بكونها زاكية أنه لم يظهر عليه ما يوجب قتله ms5992 ثم قال : { ~~وأقرب رحما } أي يكون هذا البدل أقرب عطفا ورحمة بأبويه بأن يكون أبر بهما ~~وأشفق عليهما والرحم الرحمة والعطف . روى أنه ولدت لهما جارية تزوجها نبي ~~فولدت نبيا هدى الله على يديه أمة عظيمة . # بقي من مباحث هذه الآية موضعان في القراءة . الأول : قرأ نافع وأبو عمرو ~~يبدلهما بفتح الباء وتشديد الدال وكذلك في التحريم : { أن يبدله أزواجا } ~~وفي القلم : { عسى ربنا أن يبدلنا } والباقون ساكنة الباء خفيفة الدال وهما ~~لغتان أبدل يبدل وبدل يبدل . الثاني : قراءة ابن عامر في إحدى الروايتين عن ~~أبي عمرو رحما بضم الحاء والباقون بسكونها وهما لغتان مثل نكر ونكر وشغل ~~وشغل . # وأما المسألة الثالثة : وهي إقامة الجدار فقد أجاب العالم عنها بأن ~~الداعي له إليها أنه كان تحت ذلك الجدار كنز وكان ذلك ليتيمين في تلك ~~المدينة وكان أبوهما صالحا ولما كان ذلك الجدار مشرفا على السقوط ~~PageV21P137 ولو سقط لضاع ذلك الكنز فأراد الله إبقاء ذلك الكنز على ذينك ~~اليتيمين / رعاية لحقهما ورعاية لحق صلاح أبيهما فأمرني بإقامة ذلك الجدار ~~رعاية لهذه المصالح ، وفي الآية فوائد . الفائدة الأولى : أنه تعالى سمى ~~ذلك الموضع قرية حيث قال : { إذا أتيا أهل قرية } وسماه أيضا مدينة حيث قال ~~: { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة } . الفائدة الثانية : ~~اختلفوا في هذا الكنز فقيل : إنه كان مالا وهذا هو الصحيح لوجهين . الأول : ~~أن المفهوم من لفظ الكنز هو المال . والثاني : أن قوله : { ويستخرجا كنزهما ~~} يدل على أن ذلك الكنز هو المال وقيل إنه كان علما بدليل أنه قال : { وكان ~~أبوهما صالحا } والرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال إذ كنز المال لا ~~يليق بالصلاح بدليل قوله تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } ( التوبة : 34 ) وقيل : كان ~~لوحا من ذهب مكتوب فيه : عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ، وعجبت لمن يؤمن ~~بالرزق كيف يتعب ، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن يؤمن ~~بالحساب كيف يغفل ، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها ms5993 بأهلها كيف يطمئن إليها ~~، لا إله إلا الله محمد رسول الله . الفائدة الثالثة : قوله : { وكان ~~أبوهما صالحا } يدل على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء وعن ~~جعفر بن محمد كان بين الغلامين وبين الأب الصالح سبعة آباء وعن الحسن ابن ~~علي أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما : بم حفظ الله مال الغلامين ؟ ~~قال : بصلاح أبيهما قال فأبي وجدي خير منه ؟ قال : قد أنبأنا الله أنكم قوم ~~خصمون . وذكروا أيضا أن ذلك الأب الصالح كان الناس يضعون الودائع إليه ~~فيردها إليهم بالسلامة ، فإن قيل : اليتيمان هل عرف أحد منهما حصول الكنزل ~~تحت ذلك الجدار أو ما عرف أحد منهما ؟ فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ~~ذلك الجدار . وإن كان الثاني فكيف يمكنهم بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز ~~والانتفاع به ؟ الجواب : لعل اليتيمين كانا جاهلين به إلا أن وصيهما كان ~~عالما به ثم ( إن ) ذلك الوصي غاب وأشرف ذلك الجدار في غيبته على السقوط ~~ولما قرر العالم هذه الجوابات قال : { رحمة من ربك } يعني إنما فعلت هذه ~~الفعال لغرض أن تظهر رحمة الله تعالى لأنها بأسرها ترجع إلى حرف واحد وهو ~~تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى كما قررناه ثم قال : { وما فعلته عن ~~أمرى } يعني ما فعلت ما رأيت من هذه الأحوال عن أمري واجتهادي ورأيي وإنما ~~فعلته بأمر الله ووحيه لأن الإقدام على تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم لا ~~يجوز إلا بالوحي والنص القاطع بقي في الآية سؤال ، وهو أنه قال : { فأردت ~~أن أعيبها } وقال : { فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكواة } وقال : { ~~فأراد ربك أن يبلغا أشدهما } كيف اختلفت الإضافة في هذه الإرادات الثلاث ~~وهي كلها في قصة واحدة وفعل واحد ؟ والجواب : أنه لما ذكر العيب أضافه إلى ~~إرادة نفسه فقال : أردت أن أعيبها ولما ذكر القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع ~~تنبيها على أنه من العظماء في علوم الحكمة فلم يقدم على هذا القتل إلا ~~لحكمة عالية ، ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين لأجل صلاح ms5994 أبيهما أضافه إلى ~~الله تعالى ، لأن المتكفل بمصالح الأبناء لرعاية حق الآباء ليس إلا الله ~~سبحانه وتعالى . # ! 7 < { إنا مكنا له فى الا رض وآتيناه من كل شىء سببا * فأتبع سببا } > ~~7 @QB@ < # | الكهف : ( 84 - 85 ) إنا مكنا له . . . . . # > > PageV21P138 # اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وفيها ~~مسائل : # المسألة الأولى : قد ذكرنا في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين ~~أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة أصحاب الكهف وعن قصة ذي ~~القرنين وعن الروح فالمراد من قوله : { ويسألونك عن ذى القرنين } ( الكهف : ~~83 ) هو ذلك السؤال . # المسألة الثانية : اختلف الناس في أن ذا القرنين من هو وذكروا فيه أقوالا ~~: الأول : أنه هو الاسكندر بن فيلبوس اليوناني قالوا والدليل عليه أن ~~القرآن دل على أن الرجل المسمى بذي القرنين بلغ ملكه إلى أقصى المغرب بدليل ~~قوله : { حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى عين حمئة } ( الكهف : 86 ) ~~وأيضا بلغ ملكه أقصى المشرق بدليل قوله : { حتى إذا بلغ مطلع الشمس } ( ~~الكهف : 90 ) وأيضا بلغ ملكه أقصى الشمال بدليل أن يأجوج ومأجوج قوم من ~~الترك يسكنون في أقصى الشمال ، وبدليل أن السد المذكور في القرآن يقال في ~~كتب التواريخ إنه مبني في أقصى الشمال فهذا الإنسان المسمى بذي القرنين في ~~القرآن قد دل القرآن على أن ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق وهذا هو تمام ~~القدر المعمور من الأرض ، ومثل هذا الملك البسيط لا شك أنه على خلاف ~~العادات وما كان كذلك وجب أن يبقى ذكره مخلدا على وجه الدهر وأن لا يبقى ~~مخفيا مستترا ، والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا ~~الحد ليس إلا الإسكندر وذلك لأنه لما مات أبوه جمع ملوك الروم بعد أن كانوا ~~طوائف ثم جمع ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد ~~إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل ~~وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم ms5995 انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له ~~العراقيون والقبط والبربر . ثم توجه نحو دارا بن دارا وهزمه مرات إلى أن ~~قتله صاحب حرسه فاستولى الإسكندر على ممالك الفرس ثم قصد الهند والصين وغزا ~~الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة ورجع إلى العراق ومرض ~~بشهرزور ومات بها . فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلا ملك الأرض ~~بالكلية ، أو ما يقرب منها ، وثبت بعلم التواريخ أن الذي هذا شأنه ما كان ~~إلا الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس ~~اليوناني ثم ذكروا في سبب تسميته بهذا الإسم وجوها : الأول : أنه لقب بهذا ~~اللقب لأجل بلوغه قرني الشمس أي / مطلعها ومغربها كما لقب أردشير بن بهمن ~~بطويل اليدين لنفوذ أمره حيث أراد . والثاني : أن الفرس قالوا : إن دارا ~~الأكبر كان قد تزوج بابنة فيلبوس فلما قرب منها وجد منها رائحة منكرة فردها ~~على أبيها فيلبوس وكانت قد حملت منه بالإسكندر فولدت الإسكندر بعد عودها ~~إلى أبيها فبقي الإسكندر عند فيلبوس وأظهر فيلبوس أنه ابنه وهو في الحقيقة ~~ابن دارا الأكبر قالوا والدليل عليه أن الإسكندر لما أدرك دارا بن دارا وبه ~~رمق وضع رأسه في حجره وقال لدارا : يا أبي أخبرني عمن فعل هذا لأنتقم لك ~~منها فهذا ما قاله الفرس قالوا وعلى هذا التقدير فالإسكندر أبوه دارا ~~الأكبر وأمه بنت فيلبوس فهو إنما تولد من أصلين PageV21P139 مختلفين الفرس ~~والروم وهذا الذي قاله الفرس إنما ذكروه لأنهم أرادوا أن يجعلوه من نسل ~~ملوك العجم حتى لا يكون ملك مثله من نسب غير نسب ملوك العجم وهو في الحقيقة ~~كذب ، وإنما قال الإسكندر لدارا يا أبي على سبيل التواضع وأكرم دارا بذلك ~~الخطاب . والقول الثاني : قال أبو الريحان الهروي المنجم في كتابه الذي ~~سماه بالآثار الباقية عن القرون الخالية ، قيل : إن ذا القرنين هو أبو كرب ~~شمر بن عبير بن أفريقش الحميري فإنه بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وهو ~~الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير حيث ms5996 قال : # % قد كان ذو القرنين قبلي مسلما % % ملكا علا في الأرض غير مفندي % # % بلغ المشارق والمغارب يبتغي % % أسباب ملك من كريم سيد % # ثم قال أبو الريحان ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لأن الأذواء كانوا من ~~اليمن وهم الذين لا تخلو أساميهم من ذي كذا كذي النادي وذي نواس وذي النون ~~وغير ذلك . والقول الثالث : أنه كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض وأعطاه ~~العلم والحكمة وألبسه الهيبة ، وإن كنا لا نعرف أنه من هو ثم ذكروا في ~~تسميته بذي القرنين وجوها : الأول : سأل ابن الكوا عليا رضي الله عنه عن ذي ~~القرنين وقال أملك هو أم نبي فقال : لا ملك ولا نبي كان عبدا صالحا ضرب على ~~قرنه الأيمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات ~~فبعثه الله فسمى بذي القرنين وملك ملكه . الثاني : سمي بذي القرنين لأنه ~~انقرض في وقته قرنان من الناس . الثالث : قيل كان صفحتا رأسه من نحاس . ~~الرابع : كان على رأسه ما يشبه القرنين . الخامس : ( كان ) لتاجه قرنان . ~~السادس : عن النبي صلى الله عليه وسلم سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا ~~يعني شرقها وغربها . السابع : كان له قرنان أي ضفيرتان . الثامن : أن الله ~~تعالى سخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتمده الظلمة من ~~ورائه . التاسع : يجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا كأنه ~~ينطح أقرانه . العاشر : رأى في المنام كأنه صعد الفلك فتعلق بطرفي الشمس ~~وقرنيها وجانبيها فسمي / لهذا السبب بذي القرنين . الحادي عشر : سمي بذلك ~~لأنه دخل النور والظلمة . والقول الرابع : أن ذا القرنين ملك من الملائكة ~~عن عمر أنه سمع رجلا يقول : يا ذا القرنين فقال : اللهم اغفر . أما رضيتم ~~أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسموا بأسماء الملائكة ا فهذا جملة ما قيل في ~~هذا الباب ، والقول الأول أظهر لأجل الدليل الذي ذكرناه وهو أن مثل هذا ~~الملك العظيم يجب أن يكون معلوم الحال عند أهل الدنيا والذي هو معلوم الحال ~~بهذا ms5997 الملك العظيم هو الإسكندر فوجب أن يكون المراد بذي القرنين هو هو إلا ~~أن فيه إشكالا قويا وهو أنه كان تلميذ أرسططاليس الحكيم وكان على مذهبه ~~فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسططاليس حق وصدق وذلك مما لا سبيل ~~إليه والله أعلم . # المسألة الثالثة : اختلفوا في ذي القرنين هل كان من الأنبياء أم لا ؟ ~~منهم من قال : إنه كان نبيا واحتجوا عليه بوجوه . الأول : قوله : { إنا ~~مكنا له فى الارض } والأولى حمله على التمكين في الدين والتمكين الكامل في ~~الدين هو النبوة . والثاني : قوله : { واتيناه من كل شىء سببا } ومن جملة ~~الأشياء النبوة فمقتضى العموم في PageV21P140 قوله : { واتيناه من كل شىء ~~سببا } هو أنه تعالى آتاه في النبوة سببا . الثالث : قوله تعالى : { قلنا ~~ياذا * ذا * القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا } والذي يتكلم ~~الله معه لا بد وأن يكون نبيا ومنهم من قال إنه كان عبدا صالحا وما كان ~~نبيا . # المسألة الرابعة : في دخول السين في قوله : { سأتلوا } معناه إني سأفعل ~~هذا إن وفقني الله تعالى عليه وأنزل فيه وحيا وأخبرني عن كيفية تلك الحال / ~~وأما قوله تعالى : { إنا مكنا له فى الارض } فهذا التمكين يحتمل أن يكون ~~المراد منه التمكين بسبب النبوة ويحتمل أن يكون المراد منه التمكين بسبب ~~الملك من حيث إنه ملك مشارق الأرض ومغاربها والأول أولى لأن التمكين بسبب ~~النبوة أعلى من التمكين بسبب الملك وحمل كلام الله على الوجه الأكمل الأفضل ~~أولى ثم قال : { واتيناه من كل شىء سببا } قالوا : السبب في أصل اللغة ~~عبارة عن الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود وهو يتناول العلم ~~والقدرة والآلة فقوله : { واتيناه من كل شىء سببا } معناه : أعطيناه من كل ~~شيء من الأمور التي يتوصل بها إلى تحصيل ذلك الشيء ثم إن الذين قالوا : إنه ~~كان نبيا قالوا : من جملة الأشياء النبوة فهذه الآية تدل على أنه تعالى ~~أعطاه الطريق الذي به يتوصل إلى تحصيل النبوة ، والذين أنكروا كونه نبيا ~~قالوا ms5998 : المراد به وآتيناه من كل شيء يحتاج إليه في إصلاح ملكه سببا ، إلا ~~أن لقائل أن يقول : إن تخصيص العموم خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا بدليل ، ~~ثم قال : { فأتبع سببا } ومعناه أنه تعالى لما أعطاه من كل شيء سببه فإذا ~~أراد شيئا أتبع سببا يوصله إليه ويقربه منه قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~فاتبع بتشديد التاء ، وكذلك ثم اتبع أي سلك وسار والباقون فأتبع بقطع الألف ~~وسكون التاء مخففة . # ! 7 < { حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى عين حمئة ووجد عندها قوما ~~قلنا ياذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا * قال أما من ظلم ~~فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل صالحا فله ~~جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا * ثم أتبع سببا } > 7 ! # / < < # | الكهف : ( 86 - 89 ) حتى إذا بلغ . . . . . # > > اعلم أن المعنى أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سببا يوصله إليه حتى بلغه ~~، أما قوله : { وجدها تغرب فى عين حمئة } ففيه مباحث : # الأول : قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم في عين حامية ~~بالألف من غير همزة أي حارة ، وعن أبي ذر ، قال : كنت رديف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال : أتدري يا أبا ذر أين ~~تغرب هذه ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها تغرب في عين حامية ؛ وهي ~~قراءة ابن مسعود وطلحة PageV21P141 وابن عامر ، والباقون حمئة ، وهي قراءة ~~ابن عباس واتفق أن ابن عباس كان عند معاوية فقرأ معاوية حامية بألف فقال ~~ابن عباس حمئة ، فقال معاوية لعبد الله بن عمر كيف تقرأ ؟ قال : كما يقرأ ~~أمير المؤمنين ، ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب ؟ قال : في ماء ~~وطين كذلك نجده في التوراة ، والحمئة ما فيه ماء ، وحمأة سوداء ، واعلم أنه ~~لا تنافي بين الحمئة والحامية ، فجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعا . # البحث الثاني : أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها ، ولا ms5999 ~~شك أن الشمس في الفلك ، وأيضا قال : { ووجد عندها قوما } ومعلوم أن جلوس ~~قوم في قرب الشمس غير موجود ، وأيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف ~~يعقل دخولها في عين من عيون الأرض ، إذا ثبت هذا فنقول : تأويل قوله : { ~~تغرب فى عين حمئة } من وجوه . الأول : أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في ~~المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة ~~مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب ~~/ في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر ، هذا هو ~~التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره . الثاني : أن للجانب الغربي ~~من الأرض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك ~~البحار ، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية وهي أيضا حمئة ~~لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء والماء فقوله : { تغرب فى عين حمئة } ~~إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط به البحر وهو موضع شديد ~~السخونة . الثالث : قال أهل الأخبار : إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء ~~والحمأة وهذا في غاية البعد ، وذلك لأنا إذا رصدنا كسوفا قمريا فإذا ~~اعتبرناه ورأينا أن المغربيين قالوا : حصل هذا الكسوف في أول الليل ورأينا ~~المشرقيين قالوا : حصل في أول النهار فعلمنا أن أول الليل عند أهل المغرب ~~هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا ~~فهو وقت العصر في بلد ووقت الظهر في بلد آخر ، ووقت الضحوة في بلد ثالث . ~~ووقت طلوع الشمس في بلد رابع ، ونصف الليل في بلد خامس ، وإذا كانت هذه ~~الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاعتبار . وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في ~~كل هذه الأوقات كان الذي يقال : إنها تغيب في الطين والحمأة كلاما على خلاف ~~اليقين وكلام الله تعالى مبرأ عن هذه التهمة ، فلم يبق إلا أن يصار إلى ~~التأويل الذي ذكرناه ثم قال تعالى ms6000 : { ووجد عندها قوما } الضمير في قوله ~~عندها إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه عائد إلى الشمس ويكون ~~التأنيث للشمس لأن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان هذا ~~الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس . والقول الثاني : أن يكون الضمير ~~عائدا إلى العين الحامية ، وعلى هذا القول فالتأويل ما ذكرناه ، ثم قال ~~تعالى : { قلنا ياذا * ذا * القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا } ~~وفيه مباحث : # الأول : أن قوله تعالى : { قلنا ياذا * ذا * القرنين إما أن تعذب وإما أن ~~تتخذ فيهم حسنا } يدل على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة ، وذلك يدل على ~~أنه كان نبيا وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض ~~الأنبياء فهو عدول عن الظاهر . # البحث الثاني : قال أهل الأخبار في صفة ذلك الموضع أشياء عجيبة ، قال ابن ~~جريج : هناك مدينة لها إثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجبة ~~الشمس حين تغيب . # البحث الثالث : قوله تعالى : { قلنا ياذا * ذا * القرنين إما أن تعذب ~~وإما أن تتخذ فيهم حسنا } يدل على أن PageV21P142 سكان آخر المغرب كانوا ~~كفارا فخير الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب لهم إن أقاموا على كفرهم وبين ~~المن عليهم والعفو عنهم وهذا التخيير على معنى الإجتهاد في أصلح الأمرين ~~كما خير نبيه عليه السلام بين المن على المشركين وبين قتلهم ، وقال ~~الأكثرون : هذا التعذيب هو القتل ، وأما اتخاذ الحسنى فيهم فهو تركهم أحياء ~~، ثم قال ذو القرنين : { أما من ظلم * نفسه } أي ظلم نفسه بالإقامة على ~~الكفر . والدليل على أن هذا هو المراد أنه ذكر في مقابلته : { وأما من امن ~~وعمل صالحا } ثم قال : { فسوف نعذبه } أي بالقتل في الدنيا : { ثم يرد إلى ~~ربه فيعذبه عذابا نكرا } أي منكرا فظيعا : { وأما من امن وعمل صالحا فله ~~جزاء الحسنى } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم : { جزاء الحسنى } بالنصب ~~والتنوين والباقون بالرفع والإضافة ، فعلى القراءة الأولى يكون التقدير فله ~~الحسنى جزاء كما تقول لك هذا الثوب ms6001 هبة ، وأما على القراءة الثانية ففي ~~التفسير وجهان . الأول : فله جزاء الفعلة الحسنى والفعلة الحسنى هي الإيمان ~~والعمل الصالح . والثاني : أن يكون التقدير فله جزاء المثوبة الحسنى ويكون ~~المعنى فله ذا الجزاء الذي هو المثوبة الحسنى والجزاء موصوف بالمثوبة ~~الحسنى وإضافة الموصوف إلى الصفة مشهورة كقوله : { ولدار الاخرة } ( ~~الأنعام : 32 ) و { حق اليقين } ( الواقعة : 95 ) ثم قال : { وسنقول له من ~~أمرنا يسرا } أي لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل الميسر من الزكاة ~~والخراج وغيرهما وتقدير هذا يسر كقوله : { قولا ميسورا } ( الإسراء : 28 ) ~~وقرىء يسرا بضمتين . # ! 7 < { حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ~~سترا * كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا } > 7 ! # < < # | الكهف : ( 90 - 91 ) حتى إذا بلغ . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أولا أنه قصد أقرب الأماكن المسكونة من مغرب ~~الشمس أتبعه ببيان أنه قصد أقرب الأماكن المسكونة من مطلع الشمس فبين الله ~~تعالى أنه وجد الشمس تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا وفيه قولان . ~~الأول : أنه ليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع من وقوع شعاع الشمس عليهم ~~فلهذا السبب إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب واغلة في الأرض أو غاصوا في ~~الماء فيكون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش وعند غروبها ~~يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش حالهم بالضد من أحوال سائر الخلق . والقول ~~الثاني : أن معناه أنه لا ثياب لهم ويكونون كسائر الحيوانات عراة أبدا ~~ويقال في كتب الهيئة إن حال أكثر الزنج كذلك وحال كل من يسكن البلاد ~~القريبة من خط الاستواء كذلك ، وذكر في كتب التفسير أن بعضهم قال : سافرت ~~حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء القوم ، فقيل : بينك وبينهم مسيرة يوم ~~وليلة فبلغتهم فإذا أحدهم يفرش أذنه الواحدة ويلبس الأخرى ولما قرب طلوع ~~الشمس سمعت كهيئة الصلصلة فغشي علي ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن فلما طلعت ~~الشمس إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سربا لهم فلما ارتفع النهار ~~جعلوا يصطادون السمك ويطرحونه ms6002 في الشمس فينضج ثم قال تعالى : { كذلك وقد ~~أحطنا بما لديه خبرا } وفيه وجوه : الأول : أي كذلك فعل ذو القرنين اتبع ~~هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من / الصلاحية ~~لذلك الملك والاستقلال به . والثاني : كذلك جعل PageV21P143 الله أمر هؤلاء ~~القوم على ما قد أعلم رسوله عليه السلام في هذا الذكر . والثالث : كذلك ~~كانت حالته مع أهل المطلع كما كانت مع أهل المغرب ، قضى في هؤلاء كما قضى ~~في أولئك ، من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين . والرابع : أنه تم ~~الكلام عند قوله كذلك والمعنى أنه تعالى قال : أمر هؤلاء القوم كما وجدهم ~~عليه ذو القرنين ثم قال بعده : { وقد أحطنا بما لديه خبرا } أي كنا عالمين ~~بأن الأمر كذلك . # ! 7 < { ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا ~~يكادون يفقهون قولا * قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون فى الا رض ~~فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا * قال ما مكنى فيه ربى خير ~~فأعينونى بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما } > 7 ! # < < # | الكهف : ( 92 - 95 ) ثم أتبع سببا # > > اعلم أن ذا القرنين لما بلغ المشرق والمغرب أتبع سببا آخر وسلك ~~الطريق حتى بلغ بين السدين ، وقد آتاه الله من العلم والقدرة ما يقوم بهذه ~~الأمور . وههنا مباحث : # الأول : قرأ حمزة والكسائي السدين بضم السين وسدا بفتحها حيث كان ، وقرأ ~~حفص عن عاصم بالفتح فيهما في كل القرآن ، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن ~~عاصم بالضم فيهما في كل القرآن ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو السدين وسدا ههنا ~~بفتح السين فيهما وضمها في يس في الموضعين قال الكسائي : هما لغتان ، وقيل ~~: ما كان من صنعة بني آدم فهو السد بفتح السين ، وما كان من صنع الله فهو ~~السد بضم السين والجمع سدد ، وهو قول أبي عبيدة وابن الأنباري ، قال صاحب ~~الكشاف : السد بالضم فعل بمعنى مفعول أي هو مما فعله الله وخلقه ، والسد ~~بالفتح مصدر حدث يحدثه الناس ms6003 . # البحث الثاني : الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال ، وقيل : جبلان ~~بين أرمينية وبين أذربيجان ، وقيل : هذا المكان في مقطع أرض الترك ، وحكى ~~محمد بن جرير الطبري في / تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنسانا ~~إليه من ناحية الخزر فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق عميق وثيق منيع ~~، وذكر ابن خردا ( ذبة ) في كتاب المسالك والممالك أن الواثق بالله رأى في ~~المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب ~~الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه فوصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشدود ~~بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل ، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم ~~الدليل على البقاع المحاذية لسمرقند ، قال أبو الريحان : مقتضى هذا أن ~~موضعه في الربع الشمالي الغربي من المعمورة ، والله أعلم بحقيقة الحال . # البحث الثالث : أن ذا القرنين لما بلغ ما بين السدين وجد من دونهما أي من ~~ورائهما مجاوزا عنهما { قوما } أي أمة من الناس : { لا يكادون يفقهون قولا ~~} قرأ حمزة والكسائي يفقهون بضم الياء وكسر القاف PageV21P144 على معنى لا ~~يمكنهم تفهيم غيرهم والباقون بفتح الياء والقاف ، والمعنى أنهم لا يعرفون ~~غير لغة أنفسهم وما كانوا يفهمون اللسان الذي يتكلم به ذو القرنين ، ثم قال ~~تعالى : { قالوا يأبانا * ذا * القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون فى الارض } ~~فإن قيل : كيف فهم ذو القرنين منهم هذا الكلام بعد أن وصفهم الله بقوله : { ~~لا يكادون يفقهون قولا } والجواب : أن نقول كاد فيه قولان . الأول : أن ~~إثباته نفي ، ونفيه إثبات ، فقوله : { لا يكادون يفقهون قولا } لا يدل على ~~أنهم لا يفهمون شيئا ، بل يدل على أنهم قد يفهمون على مشقة وصعوبة . والقول ~~الثاني : أن كاد معناه المقاربة ، وعلى هذا القول فقوله : { لا يكادون ~~يفقهون قولا } أي لا يعلمون وليس لهم قرب من أن يفقهوا . وعلى هذا القول ~~فلا بد من إضمار ، وهو أن يقال : لا يكادون يفهمونه إلا بعد تقريب ومشقة من ~~إشارة ونحوها ، وهذه الآية تصلح أن يحتج بها على صحة ms6004 القول الأول في تفسير ~~كاد . # البحث الرابع : في يأجوج ومأجوج قولان : الأول : أنهما إسمان أعجميان ~~موضوعان بدليل منع الصرف . والقول الثاني : أنهما مشتقان ، وقرأ عاصم يأجوج ~~ومأجوج بالهمز . وقرأ الباقون ياجوج وماجوج . وقرىء في رواية آجوج ومأجوج ، ~~والقائلون بكون هذين الإسمين مشتقين ذكروا وجوها . الأول : قال الكسائي : ~~يأجوج مأخوذ من تأجج النار وتلهبها فلسرعتهم في الحركة سموا بذلك ومأجوج من ~~موج البحر . الثاني : أن يأجوج مأخوذ من تأجج الملح وهو شدة ملوحته فلشدتهم ~~في الحركة سموا بذلك . الثالث : قال القتيبي : هو مأخوذ من قولهم أج الظليم ~~في مشيه يئج أجا إذا هرول وسمعت حفيفه في عدوه . الرابع : قال الخليل : ~~الأج حب كالعدس والمج مج الريق فيحتمل أن يكونا مأخوذين منهما واختلفوا في ~~أنهما من أي الأقوام فقيل : إنهما من الترك ، وقيل : { يأجوج } من الترك { ~~ومأجوج } من الجيل والديلم ثم من الناس من وصفهم بقصر القامة وصغر الجثة ~~بكون طول أحدهم شبرا ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبتوا لهم ~~مخاليب في / الأظفار وأضراسا كأضراس السباع واختلفوا في كيفية إفسادهم في ~~الأرض فقيل : كانوا يقتلون الناس وقيل كانوا يأكلون لحوم الناس وقيل كانوا ~~يخرجون أيام الربيع فلا يتركون لهم شيئا أخضر وبالجملة فلفظ الفساد محتمل ~~لكل هذه الأقسام والله أعلم بمراده ، ثم إنه تعالى حكى عن أهل ما بين ~~السدين أنهم قالوا لذي القرنين : { فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا } قرأ حمزة والكسائي خراجا والباقون خرجا . قيل : الخراج والخرج ~~واحد ، وقيل هما أمران متغايران ، وعلى هذا القول اختلفوا : قيل : الخرج ~~بغير ألف هو الجعل لأن الناس يخرج كل واحد منهم شيئا منه فيخرج هذا أشياء ~~وهذا أشياء ، والخراج هو الذي يجبيه السلطان كل سنة . وقال الفراء : الخراج ~~هو الإسم الأصلي والخرج كالمصدر وقال قطرب : الخرج الجزية والخراج في الأرض ~~. فقال ذو القرنين : { ما مكنى فيه ربى خير فأعينونى } أي ما جعلني مكينا ~~من المال الكثير واليسار الواسع خير مما تبذلون من الخراج فلا حاجة بي إليه ms6005 ~~، وهو كما قال سليمان عليه السلام : { فما ءاتانى الله خير مما ءاتاكم } ( ~~النمل : 36 ) قرأ ابن كثير : ( ما مكنني ) بنونين على الإظهار والباقون ~~بنون واحدة مشددة على الإدغام ، ثم قال ذو القرنين : { فأعينونى بقوة أجعل ~~بينكم وبينهم ردما } أي لا حاجة لي في مالكم ولكن { * أعينوني } برجال وآلة ~~أبني بها السد ، وقيل المعنى : { * أعينوني } بمال أصرفه إلى هذا المهم ولا ~~أطلب المال لآخذه لنفسي ، والردم هو السد . يقال : ردمت الباب أي سددته ~~وردمت الثوب رقعته لأنه يسد الخرق بالرقعة والردم أكثر من السد من قولهم : ~~ثوب مردوم أي وضعت عليه رقاع . # PageV21P145 ! 7 < { ءاتونى زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال ~~انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتونىأفرغ عليه قطرا * فما اسطاعوا أن يظهروه ~~وما استطاعوا له نقبا * قال هاذا رحمة من ربى فإذا جآء وعد ربى جعله دكآء ~~وكان وعد ربى حقا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 96 - 98 ) آتوني زبر الحديد . . . . . # > > # اعلم أن { ءاتونى زبر الحديد } قطعة قال الخليل الزبرة من الحديد القطعة ~~الضخمة ، قراءة الجميع آتوني بمد الألف إلا حمزة فإنه قرأ ائتوني من ~~الإتيان ، وقد روى ذلك عن عاصم والتقدير ائتوني بزبر الحديد ثم حذف الباء ~~كقوله : شكرته وشكرت له وكفرته وكفرت له ، وقوله : { حتى إذا ساوى بين ~~الصدفين } فيه إضمار أي فأتوه بها فوضع تلك الزبر بعضها على بعض حتى صارت ~~بحيث تسد ما بين الجبلين إلى أعلاهما ثم وضع المنافخ عليها حتى إذا صارت ~~كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فالتصق بعضه ببعض وصار جبلا ~~صلدا ، واعلم أن هذا معجز قاهر لأن هذه الزبر الكثيرة إذا نفخ عليها حتى ~~صارت كالنار لم يقدر الحيوان على القرب منها ، والنفخ عليها لا يمكن إلا مع ~~القرب منها فكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك ~~النافخين عليها . قال صاحب الكشاف : قيل بعدما بين : { السدين } مائة فرسخ ~~. { * والصدفان } بفتحتين جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان وقرىء ~~: { بين الصدفين } بضمتين . { * والصدفين } بضمة وسكون والقطر النحاس ~~المذاب لأنه يقطر ms6006 ، وقوله : { عليه قطرا } منصوب بقوله : { أفرغ } وتقديره ~~آتوني قطرا : { أفرغ عليه قطرا } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ثم قال : { ~~فما اسطاعوا } فحذف التاء للخفة لأن التاء قريبة المخرج من الطاء وقرىء : { ~~فما } بقلب السين صادا { اسطاعوا أن يظهروه } أن يعلوه أي ما قدروا على ~~الصعود عليه لأجل ارتفاعه وملاسته ولا على نقبه لأجل صلابته وثخانته ، ثم ~~قال ذو القرنين : { هاذا رحمة من ربى } فقوله هذا إشارة إلى السد ، أي هذا ~~السد نعمة من الله ورحمة على عباده أو هذا الاقتدار والتمكين من تسويته : { ~~فإذا جاء وعد ربى } يعني فإذا دنا مجيء القيامة جعل السد دكا أي مدكوكا ~~مسوى بالأرض . وكل ما انبسط بعد الارتفاع فقد اندك وقرىء دكاء بالمد أي ~~أرضا مستوية { وكان وعد ربى حقا } وههنا آخر حكاية ذي القرنين . # ! 7 < { وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض ونفخ فى الصور فجمعناهم جمعا * ~~وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا * الذين كانت أعينهم فى غطآء عن ذكرى ~~وكانوا لا يستطيعون سمعا } > 7 ! # < < # | الكهف : ( 99 - 101 ) وتركنا بعضهم يومئذ . . . . . # > > اعلم أن الضمير في قوله بعضهم عائد إلى : { يأجوج ومأجوج } وقوله : { ~~يومئذ } فيه وجوه : الأول : أن يوم السد PageV21P146 ماج بعضهم في بعض خلفه ~~لما منعوا من الخروج . الثاني : أن عند الخروج يموج بعضهم في بعض قيل إنهم ~~حين يخرجون من وراء السد يموجون مزدحمين في البلاد يأتون البحر فيشربون ~~ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ويأكلون لحوم الناس ولا يقدرون أن ~~يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس ثم يبعث الله عليهم حيوانات فتدخل آذانهم ~~فيموتون . والقول الثالث : أن المراد من قوله : { يومئذ } يوم القيامة وكل ~~ذلك محتمل إلا أن الأقرب أن / المراد الوقت الذي جعل الله ذلك السد دكا ~~فعنده ماج بعضهم في بعض وبعده نفخ في الصور وصار ذلك من آيات القيامة ، ~~والكلام في الصور قد تقدم وسيجيء من بعد ، وأما عرض جهنم وإبرازه حتى يصير ~~مكشوفا بأهواله فذلك يجري مجرى عقاب الكفار لما يتداخلهم من الغم العظيم ، ~~وبين تعالى أنه يكشفه للكافرين الذين ms6007 عموا وصموا ، أما العمى فهو المراد من ~~قوله : { كانت أعينهم فى غطاء عن ذكرى } والمراد منه شدة انصرافهم عن قبول ~~الحق ، وأما الصمم فهو المراد من قوله : { وكانوا لا يستطيعون سمعا } يعني ~~أن حالتهم أعظم من الصمم لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء زالت ~~عنهم تلك الاستطاعة واحتج الأصحاب بقوله : { وكانوا لا يستطيعون سمعا } على ~~أن الاستطاعة مع الفعل وذلك لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا ، قال القاضي ~~: المراد منه نفرتهم عن سماع ذلك الكلام واستثقالهم إياه كقول الرجل : لا ~~أستطيع النظر إلى فلان . # ! 7 < { أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونىأوليآء إنآ أعتدنا ~~جهنم للكافرين نزلا * قل هل ننبئكم بالا خسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم فى ~~الحيواة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولائك الذين كفروا بأايات ~~ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا * ذلك جزآؤهم ~~جهنم بما كفروا واتخذوا ءاياتى ورسلى هزوا } > 7 ! # < < # | الكهف : ( 102 - 106 ) أفحسب الذين كفروا . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين من حال الكافرين أنهم أعرضوا عن ~~الذكر وعن استماع ما جاء به الرسول أتبعه بقوله : { أفحسب الذين كفروا أن ~~يتخذوا عبادى من دونى أولياء } والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع ~~إعراضهم عن تدبر الآيات وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله وهو استفهام على ~~سبيل التوبيخ . # المسألة الثانية ؛ قرأ أبو بكر ولم يرفعه إلى عاصم : { أفحسب الذين كفروا ~~} بسكون السين ورفع الباء . وهي من الأحرف التي خالف فيها عاصما ، وذكر أنه ~~قراءة أمير المؤمنين علي بن / أبي طالب ، وعلى هذا التقدير فقوله : حسب ~~مبتدأ ، أن يتخذوا خبر ، والمعنى أفكافيهم وحسبهم أن يتخذوا كذا وكذا ، ~~وأما الباقون PageV21P147 فقرأوا فحسب على لفظ الماضي ، وعلى هذا التقدير ~~ففيه حذف والمعنى : أفحسب الذين كفروا اتخاذ عبادي أولياء نافعا . # المسألة الثالثة : في العباد أقوال قيل : أراد عيسى والملائكة ، وقيل : ~~هم الشياطين يوالونهم ويطيعونهم ، وقيل : هي الأصنام سماهم عبادا كقوله : { ~~عباد أمثالكم } ، ثم قال تعالى : { إنا أعتدنا جهنم للكافرين ms6008 نزلا } وفي ~~النزل قولان : الأول : قال الزجاج إنه المأوى والمنزل . والثاني : أنه الذي ~~يقام للنزيل وهو الضيف ، ونظيره قوله : { فبشرهم بعذاب أليم } ثم ذكر تعالى ~~ما نبه به على جهل القوم فقال : { قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا * الذين ~~ضل سعيهم فى الحيواة الدنيا } قيل إنهم هم الرهبان كقوله تعالى : { عاملة ~~ناصبة } وعن مجاهد أهل الكتاب وعن علي أن ابن الكواء سأله عنهم فقال : هم ~~أهل حروراء والأصل أن يقال هو الذي يأتي بالأعمال يظنها طاعات وهي في ~~أنفسها معاصي وإن كانت طاعات لكنها لا تقبل منهم لأجل كفرهم فأولئك إنما ~~أتوا بتلك الأعمال لرجاء الثواب ، وإنما أتبعوا أنفسهم فيها لطلب الأجر ~~والفوز يوم القيامة فإذا لم يفوزوا بمطالبهم بين أنهم كانوا ضالين ، ثم إنه ~~تعالى بين صنعهم فقال : { أولئك الذين كفروا بئايات ربهم ولقائه فحبطت ~~أعمالهم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : لقاء الله عبارة عن رؤيته بدليل أنه يقال : لقيت فلانا ~~أي رأيته ، فإن قيل : اللقاء عبارة عن الوصول ، قال تعالى : { فالتقى الماء ~~على أمر قد قدر } ( القمر : 12 ) وذلك في حق الله تعالى محال ، فوجب حمله ~~على لقاء ثواب الله ، والجواب أن لفظ اللقاء ، وإن كان في الأصل عبارة عن ~~الوصول والملاقاة إلا أن استعماله في الرؤية مجاز ظاهر مشهور ، والذي ~~يقولونه من أن المراد منه لقاء ثواب الله فهو لا يتم إلا بالإضمار ، ومن ~~المعلوم أن حمل اللفظ على المجاز المتعارف المشهور أولى من حمله على ما ~~يحتاج معه إلى الإضمار . # المسألة الثانية ؛ استدلت المعتزلة بقوله تعالى : { فحبطت أعمالهم } على ~~أن القول بالإحباط والتكفير حق ، وهذه المسألة قد ذكرناه بالاستقصاء في ~~سورة البقرة فلا نعيدها ، ثم قال تعالى : { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ~~} وفيه وجوه . الأول : أنا نزدري بهم وليس لهم عندنا وزن ومقدار . الثاني : ~~لا نقيم لهم ميزانا لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من ~~الموحدين لتمييز مقدار الطاعات ومقدار السيئات . الثالث : قال القاضي : إن ~~من غلبت معاصيه صار ما في فعله من الطاعة كأن لم ms6009 يكن فلا يدخل في الوزن شيء ~~من طاعته . وهذا التفسير بناء على قوله بالإحباط والتكفير ، ثم قال تعالى : ~~{ ذلك جزاؤهم جهنم } فقوله : { ذالك } أي ذلك الذي ذكرناه وفصلناه من أنواع ~~الوعيد هو جزاؤهم على أعمالهم الباطلة ، وقوله : { جهنم } عطف بيان لقوله : ~~{ جزآؤهم } ثم بين تعالى أن ذلك الجزاء جزاء على مجموع أمرين : أحدهما : ~~كفرهم . الثاني : أنهم أضافوا إلى / الكفر أن اتخذوا آيات الله واتخذوا ~~رسله هزوا ، فلم يقتصروا على الرد عليهم وتكذيبهم حتى استهزأوا بهم . # ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا * ~~خالدين فيها لا يبغون عنها حولا } > 7 @QB@ < # | الكهف : ( 107 - 108 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > PageV21P148 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد ، ولما ذكر ~~في الكفار أن جهنم نزلهم ، أتبعه بذكر ما يرغب في الإيمان والعمل الصالح . ~~فقال : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا } . # المسألة الثانية : عطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف ~~عليه وذلك يدل على أن الأعمال الصالحة مغايرة للإيمان . # المسألة الثالثة : عن قتادة الفردوس وسط الجنة وأفضلها ، وعن كعب ليس في ~~الجنان أعلى من جنة الفردوس ، وفيها الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، ~~وعن مجاهد الفردوس هو البستان بالرومية ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : ( الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها ~~درجة ، ومنها الأنهار الأربعة والفردوس من فوقها ، فإذا سألتم الله الجنة ~~فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنها تتفجر أنهار الجنة ) . # المسألة الرابعة : قال بعضهم إنه تعالى جعل الجنة بكليتها نزلا للمؤمنين ~~والكريم إذا أعطى النزل أولا فلا بد أن يتبعه بالخلعة وليس بعد الجنة ~~بكليتها إلا رؤية الله ، فإن قالوا : أليس أنه تعالى جعل في الآية الأولى ~~جملة جهنم نزلا الكافرين ولم يبق بعد جملة جهنم عذاب آخر ، فكذلك ههنا جعل ~~جملة الجنة نزلا للمؤمنين مع أنه ليس له شيء آخر بعد الجنة ، والجواب : ~~قلنا للكافر بعد حصول جهنم مرتبة أعلى منها وهو ms6010 كونه محجوبا عن رؤية الله ~~كما قال تعالى : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالوا ~~الجحيم } ( المطففين : 15 ، 16 ) فجعل الصلاء بالنار متأخر في المرتبة عن ~~كونه محجوبا عن الله ، ثم قال تعالى : { لا يبغون عنها حولا } الحول التحول ~~، يقال : حال من مكانه حولا كقوله عاد في حبها عودا يعني لا مزيد على ~~سعادات الجنة وخيراتها حتى يريد أشياء غيرها ، وهذا الوصف يدل على غاية ~~الكمال لأن الإنسان في الدنيا إذا وصل إلى أي درجة كانت في السعادات فهو ~~طامح الطرف إلى ما هو أعلى منها . # ! 7 < { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ~~ربى ولو جئنا بمثله مددا * قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنمآ إلاهكم ~~إلاه واحد فمن كان يرجو لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا } > 7 ! # < < # | الكهف : ( 109 - 110 ) قل لو كان . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواع الدلائل ~~والبينات وشرح أقاصيص PageV21P149 الأولين نبه على كمال حال القرآن فقال : ~~{ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى } والمداد اسم لما تمد به الدواة من ~~الحبر ولما يمد به السراج من السليط ، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله ~~وحكمه وكان البحر مدادا لها والمراد بالبحر الجنس لنفد قبل أن تنفد الكلمات ~~، تقرير الكلام أن البحار كيفما فرضت في الاتساع والعظمة فهي متناهية ~~ومعلومات الله غير متناهية والمتناهي لا يفي البتة بغير المتناهي ، قرأ ~~حمزة والكسائي ينفد بالياء لتقدم الفعل على الجمع والباقون بالتاء لتأنيث ~~كلمات ، وروي أن حيي بن أخطب قال : في كتابكم : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى ~~خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) ثم تقرأون : { وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا } ( الإسراء : 85 ) فنزلت هذه الآية يعني أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة ~~من بحر كلمات الله . # المسألة الثانية : احتج المخالفون على الطعن في قول أصحابنا أن كلام الله ~~تعالى واحد بهذه الآية ، وقالوا : إنها صريحة في إثبات كلمات ms6011 الله تعالى ~~وأصحابنا حملوا الكلمات على متعلقات علم الله تعالى ، قال الجبائي : وأيضا ~~قوله : { قبل أن تنفد كلمات ربى } يدل على أن كلمات الله تعالى قد تنفد في ~~الجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه ، وأيضا قال : { لو * جئنا بمثله * مدادا } ~~وهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يجيء بمثل كلامه والذي يجاء به يكون ~~محدثا والذي يكون المحدث مثلا له فهو أيضا محدث وجواب أصحابنا أن المراد ~~منه الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية ، واعلم أنه تعالى لما ~~بين كمال كلام الله أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يسلك طريقة التواضع ~~فقال : { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى } أي لا امتياز بيني وبينكم في ~~شيء من الصفات إلا أن الله تعالى أوحى إلي أنه لا إله إلا الله الواحد ~~الأحد الصمد ، والآية تدل على مطلوبين : الأول : أن كلمة { إنما } تفيد ~~الحصر / وهي قوله : { أنما إلاهكم إلاه واحد } . والثاني : أن كون الإله ~~تعالى : { إلاها واحدا } يمكن إثباته بالدلائل السمعية ، وقد قررنا هذين ~~المطلوبين في سائر السور بالوجوه القوية ، ثم قال : { فمن كان يرجو لقاء ~~ربه } والرجاء هو ظن المنافع الواصلة إليه والخوف ظن المضار الواصلة إليه ، ~~وأصحابنا حملوا لقاء الرب على رؤيته والمعتزلة حملوه على لقاء ثواب الله ~~وهذه المناظرة قد تقدمت والعجب أنه تعالى أورد في آخر هذه السورة ما يدل ~~على حصول رؤية الله في ثلاث آيات : أولها : قوله : { أولئك الذين كفروا ~~بئايات ربهم ولقائه } ( الكهف : 105 ) . وثانيها : قوله : { كانت لهم جنات ~~الفردوس نزلا } ( الكهف : 107 ) وثالثها : قوله : { فمن كان يرجو لقاء ربه ~~} ولا بيان أقوى من ذلك ثم قال : { فليعمل عملا صالحا } أي من حصل له رجاء ~~لقاء الله فليشتغل بالعمل الصالح / ولما كان العمل الصالح قد يؤتي به لله ~~وقد يؤتى به للرياء والسمعة لا جرم اعتبر فيه قيدان : أن يؤتى به لله ، وأن ~~يكون مبرأ عن جهات الشرك ، فقال : { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } . قيل : ~~نزلت هذه الآية في جندب بن زهير ms6012 قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني ~~أعمل العمل لله تعالى فإذا اطلع عليه أحد سرني ) فقال عليه الصلاة والسلام ~~: ( إن الله لا يقبل ما شورك فيه ) وروي أيضا أنه قال له : ( لك أجران أجر ~~السر وأجر العلانية ) فالرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء ~~والسمعة ، والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدى به ، والمقام ~~الأول مقام المبتدئين ، والمقام الثاني مقام الكاملين والحمد صلى الله عليه ~~وسلم رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . # PageV21P150 < # > 1 ( سورة مريم ) 1 < # > عليها السلام # ( وهي ثمان وتسعون آية مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { كهيعص} > 7 ! # < < # | مريم : ( 1 ) كهيعص # > > قبل الخوض في القراءات لا بد من مقدمات ثلاثة . المقدمة الأولى : / ~~أن حروف المعجم على نوعين ثنائي وثلاثي ، وقد جرت عادة العرب أن ينطقوا ~~بالثنائيات مقطوعة ممالة فيقولوا : با تا ثا وكذلك أمثالها ، وأن ينطقوا ~~بالثلاثيات التي في وسطها الألف مفتوحة مشبعة فيقولوا دال ذال صاد ضاد ~~وكذلك أشكالها ، أما الزاي وحده من بين حروف المعجم فمعتاد فيه الأمران ، ~~فإن من أظهر ياءه في النطق حتى يصير ثلاثيا لم يمله ، ومن لم يظهر ياءه في ~~النطق حتى يشبه الثنائي يمله . أما المقدمة الثانية : ينبغي أن يعلم أن ~~إشباع الفتحة في جميع المواضع أصل والإمالة فرع عليه ولهذا يجوز إشباع كل ~~ممال ولا يجوز إمالة كل مشبع من الفتحات . المقدمة الثالثة : للقراء في ~~القراءات المخصوصة بهذا الموضع ثلاثة طرق : أحدها : أن يتمسكوا بالأصل وهو ~~إشباع فتحة الهاء والياء . وثانيها : أن يميلوا الهاء والياء . وثالثها : ~~أن يجمعوا بين الأصل والفرع فيقع الاختلاف بين الهاء والياء فيفتحوا أحدهما ~~أيهما كان ويكسروا الآخر ولهم في السبب الموجب لهذا الاختلاف قولان : الأول ~~: أن الفتحة المشبعة أصل والإمالة فرع مشهور كثير الاستعمال فأشبع أحدهما ~~وأميل الآخر ليكون جامعا لمراعاة الأصل والفرع وهو أحسن من مراعاة أحدهما ~~وتضييع الآخر . القول الثاني : أن الثنائية من حروف المعجم إذا كانت مقطوعة ~~كانت بالإمالة ، وإذا كانت موصولة ms6013 كانت بالإشباع وها ويا في قوله تعالى : { ~~كهيعص } مقطوعان في اللفظ موصولان في الخط فأميل أحدهما وأشبع الآخر ليكون ~~كلا الجانبين مرعيا جانب القطع اللفظي وجانب الوصل الخطي ، إذا عرفت هذا ~~فنقول فيه قراءات : إحداها : وهي القراءة المعروفة فيه فتحة الهاء والياء ~~جميعا . وثانيها : كسر الهاء وفتح الياء وهي قراءة أبي عمرو وابن مبادر ~~والقطعي عن أيوب ، وإنما كسروا الهاء دون الياء ليكون فرقا بينه وبين الهاء ~~الذي للتنبيه فإنه لا يكسر قط . وثالثها : فتح الهاء وكسر الياء وهو قراءة ~~حمزة والأعمش وطلحة والضحاك عن PageV21P151 عاصم ، وإنما كسروا الياء دون ~~الهاء ، لأن الياء أخت الكسرة وإعطاء الكسرة أختها أولى من إعطائها إلى ~~أجنبية مفتوحة للمناسبة . ورابعها : إمالتهما جميعا وهي قراءة الكسائي ~~والمفضل ويحيى عن عاصم والوليد بن أسلم عن ابن عامر والزهري وابن جرير ~~وإنما أمالوهما للوجهين المذكورين في إمالة الهاء وإمالة الياء . وخامسها : ~~قراءة الحسن وهي ضم الهاء وفتح الياء ، وعنه أيضا فتح الهاء وضم الياء ، ~~وروى صاحب ( الكشاف ) عن الحسن بضمهما ، فقيل له لم تثبت هذه الرواية عن ~~الحسن لأنه أورد ابن جنى في كتاب ( المكتسب ) أن قراءة الحسن ضم أحدهما ~~وفتح الآخر لا على التعيين ، وقال بعضهم : إنما أقدم الحسن على ضم أحدهما ~~لا على التعيين لأنه تصور أن عين الفعل في الهاء والياء ألف منقلب عن الواو ~~كالدار والمال ، وذلك لأن هذه الألفات وإن كانت مجهولة لأنها لا اشتقاق لها ~~فإنها تحمل على ما هو مشابه لها في اللفظ . والألف إذا وقع عينا فالواجب أن ~~يعتقد أنه منقلب عن الواو لأن الغالب / في اللغة ذلك فلما تصور الحسن أن ~~ألف الهاء والياء منقلب عن الواو جعله في حكم الواو وضم ما قبله لأن الواو ~~أخت الضمة . وسادسها : ها يا بإشمامهما شيئا من الضمة . # المسألة الثالثة : قرأ أبو جعفر كهيعص يفصل الحروف بعضها من بعض بأدنى ~~سكتة مع إظهار نون العين وباقي القراء يصلون الحروف بعضها ببعض ويخفون ~~النون . # المسألة الثالثة : القراءة المعروفة صاد ، ذكر بالإدغام ، وعن ms6014 عاصم ~~ويعقوب بالإظهار . # البحث الثاني : المذاهب المذكورة في هذه الفواتح قد تقدمت لكن الذي يختص ~~بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى كهيعص ثناء ~~من الله على نفسه / فمن الكاف وصفه بأنه كاف ومن الهاء هاد ومن العين عالم ~~ومن الصاد صادق . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا أنه حمل الكاف على ~~الكبير والكريم ، ويحكى أيضا عنه أنه حمل الياء على الكريم مرة وعلى الحكيم ~~أخرى ، وعن الربيع بن أنس في الياء أنه من مجير ، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في العين أنه من عزيز ومن عدل ، وهذه الأقوال ليست قوية لما بينا أنه ~~لا يجوز من الله تعالى أن يودع كتابه ما لا تدل عليه اللغة لا بالحقيقة ولا ~~بالمجاز لأنا إن جوزنا ذلك فتح علينا قول من يزعم أن لكل ظاهر باطنا ، ~~واللغة لا تدل على ما ذكروه فإنه ليست دلالة الكاف أولى من دلالته على ~~الكريم أو الكبير أو على اسم آخر من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم أو ~~الملائكة أو الجنة أو النار فيكون حمله على بعضها دون البعض تحكما لا تدل ~~عليه اللغة أصلا . # ! 7 < { ذكر رحمت ربك عبده زكريآ } > 7 ! # < < # | مريم : ( 2 ) ذكر رحمة ربك . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : في لفظة ذكر أربع قراءات صيغة المصدر أو الماضي مخففة ~~أو مشددة أو الأمر ، أما صيغة المصدر فلا بد فيها من كسر رحمة ربك على ~~الإضافة ثم فيها ثلاثة أوجه : أحدها : نصب الدال من عبده والهمزة من زكرياء ~~وهو المشهور . وثانيها : برفعهما والمعنى وتلك الرحمة هي عبده زكرياء عن ~~ابن عامر . PageV21P152 وثالثها : بنصب الأول وبرفع الثاني والمعنى رحمة ~~ربك عبده وهو زكرياء . وأما صيغة الماضي بالتشديد فلا بد فيها من نصب رحمة ~~. وأما صيغة الماضي بالتخفيف ففيها وجهان . أحدهما : رفع الباء من ربك ~~والمعنى ذكر ربك عبده زكرياء . وثانيها : نصب الباء من ربك والرفع في عبده ~~زكرياء وذلك بتقديم المفعول على الفاعل وهاتان القراءتان للكلبي ، وأما ms6015 ~~صيغة الأمر فلا بد من نصب رحمة وهي قراءة ابن عباس . واعلم أن على تقدير ~~جعله صيغة المصدر والماضي يكون التقدير هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك ~~. # المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد من قوله رحمة ربك أعني عبده ~~زكرياء ثم في كونه رحمة وجهان : أحدهما : أن يكون رحمة على أمته لأنه هداهم ~~إلى الإيمان والطاعات . والآخر : أن / يكون رحمة على نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعلى أمة محمد لأن الله تعالى لما شرح لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~طريقه في الإخلاص والإبتهال في جميع الأمور إلى الله تعالى صار ذلك لفظا ~~داعيا له ولأمته إلى تلك الطريقة فكان زكرياء رحمة ، ويحتمل أن يكون المراد ~~أن هذه السورة فيها ذكر الرحمة التي رحم بها عبدة زكرياء . # ! 7 < { إذ نادى ربه ندآء خفيا } > 7 ! # قوله تعالى : { إذ نادى ربه نداء خفيا } < < # | مريم : ( 3 ) إذ نادى ربه . . . . . # > > راعى سنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان فكان ~~الإخفاء أولى لأنه أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص . وثانيها : أخفاه لئلا ~~يلام على طلب الولد في زمان الشيخوخة . وثالثها : أسره من مواليه الذين ~~خافهم . ورابعها : خفي صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ صوته خفات ~~وسمعه تارات ، فإن قيل من شرط النداء الجهر فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيا ~~، والجواب من وجهين : الأول : أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا ~~أن الصوت كان ضعيفا لنهاية الضعف بسبب الكبر فكان نداء نظرا إلى قصده وخفيا ~~نظرا إلى الواقع . الثاني : أنه دعا في الصلاة لأن الله تعالى أجابه في ~~الصلاة لقوله تعالى : { فنادته الملئكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله ~~يبشرك بيحيى } ( آل عمران : 39 ) فكون الإجابة في الصلاة يدل على كون ~~الدعاء في الصلاة فوجب أن يكون النداء فيها خفيا . # ! 7 < { قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب ~~شقيا * وإني خفت الموالى من ورآئى وكانت امرأتى عاقرا فهب لى ms6016 من لدنك وليا ~~* يرثنى ويرث من ءال يعقوب واجعله رب رضيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 4 - 6 ) قال رب إني . . . . . # > > القراءة فيها مسائل : # المسألة الأولى : قرىء { وهن } بالحركات الثلاث . # المسألة الثانية : إدغام السين في الشين ( من الرأس شيبا ) عن أبي عمرو . # المسألة الثالثة : { وإني خفت الموالى } بفتح الياء وعن الزهري بإسكان ~~الياء من الموالي وقرأ عثمان PageV21P153 وعلي بن الحسين ومحمد بن علي ~~وسعيد بن جبير وزيد بن ثابت وابن عباس خفت بفتح الخاء والفاء مشددة وكسر ~~التاء وهذا يدل على معنيين : أحدهما : أن يكون ورائي بمعنى بعدي والمعنى / ~~أنهم قلوا وعجزوا عن إقامة الدين بعده فسأل ربه تقويتهم بولي يرزقه . ~~والثاني : أن يكون بمعنى قدامي والمعنى أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق من ~~به تقو واعتضاد . # المسألة الرابعة : القراءة المعروفة : { من ورائى } بهمزة مكسورة بعدها ~~ياء ساكنة وعن حميد بن مقسم كذلك لكن بفتح الياء وقرأ ابن كثير { * وراي } ~~كعصاي . # المسألة الخامسة : من يرثني ويرث وجوه : أحدها : القراءة المعروفة بالرفع ~~فيهما صفة . وثانيها : وهي قراءة أبي عمرو والكسائي والزهري والأعمش وطلحة ~~بالجزم فيهما جوابا للدعاء . وثالثها : عن علي ابن أبي طالب وابن عباس ~~وجعفر بن محمد والحسن وقتادة : { وليا يرثنى } جزم وارث بوزن فاعل . ~~ورابعها : عن ابن عباس : { يرثنى } وارث من آل يعقوب . وخامسها : عن ~~الجحدري { ويرث } تصغير وارث على وزن أفيعل ( اللغة ) الوهن ضعف القوة قال ~~في ( الكشاف ) شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وأنارته وانتشاره في الشعر ~~وفشوه فيه وأخذه كل مأخذ كاشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة ثم أسند ~~الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزا ولم يضف الرأس ~~اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا فمن ثم فصحت هذه الجملة ، وأما الدعاء ~~فطلب الفعل ومقابله الإجابة كما أن مقابل الأمر الطاعة ، وأما أصل التركيب ~~في ( ولي ) فيدل على معنى القرب والدنو يقال وليته أليه وليا أي دنوت ~~وأوليته أدنيته منه وتباعد ما بعده وولي ومنه قول ساعدة ( ابن جؤبة ) : # وعدت عواد دون وليك تشغب # وكل مما ms6017 يليك وجلست مما ايليه ومنه الولي وهو المطر الذي يلي الوسمي ، ~~والولية البرذعة لأنها تلي ظهر الدابة وولي اليتيم والقتيل وولي البلد لأن ~~من تولى أمرا فقد قرب منه ، وقوله تعالى : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ~~من قولهم ولاه بركنه أي جعله مما يليه ، أما ولي عني إذا أدبر فهو من باب ~~تثقيل الحشو للسلب وقولهم فلان أولى من فلان أي أحق أفعل التفضيل من الوالي ~~أو الولي كالأدنى والأقرب من الداني والقريب وفيه معنى القرب أيضا لأن من ~~كان أحق بالشيء كان أقرب إليه والمولى اسم لموضع الولي كالمرمى والمبني اسم ~~لموضع والمرمي والبناء ، وأما العاقر فهي التي لا تلد والعقر في اللغة ~~الجرح ومنه أخذ العاقر لأنه نقص أصل الخلقة وعقرت الفرس بالسيف إذا ضربت ~~قوائمه ، وأما الآل فهم خاصة الرجل الذين يؤول أمرهم إليه ثم قد يؤول أمرهم ~~إليه للقرابة تارة وللصحبة أخرى كآل فرعون وللموافقة في الدين كآل النبي ~~صلى الله عليه وسلم واعلم أن زكرياء عليه السلام قدم على السؤال أمورا ~~ثلاثة : أحدها : كونه ضعيفا . والثاني : أن الله تعالى ما رد دعاءه البتة . ~~والثالث : كون المطلوب بالدعاء سببا للمنفعة في الدين ثم بعد تقرير هذه ~~الأمور الثلاثة صرح بالسؤال . PageV21P154 أما المقام الأول : وهو كونه ~~ضعيفا فأثر الضعف ، / إما أن يظهر في الباطن أو في الظاهر ، والضعف الذي ~~يظهر في الباطن يكون أقوى مما يظهر في الظاهر فلهذا السبب ابتدأ ببيان ~~الضعف الذي في الباطن وهو قوله : { وهن العظم منى } وتقريره هو أن العظام ~~أصلب الأعضاء التي في البدن وجعلت كذلك لمنفعتين : إحداهما : لأن تكون ~~أساسا وعمدا يعتمد عليها سائر الأعضاء الأخر إذ كانت الأعضاء كلها موضوعة ~~على العظام والحامل يجب أن يكون أقوى من المحمول . والثانية : أنه احتيج ~~إليها في بعض المواضع لأن تكون جنة يقوى بها ما سواها من الأعضاء بمنزلة ~~قحف الرأس وعظام الصدر ، وما كان كذلك فيجب أن يكون صلبا ليكون صبورا على ~~ملاقاة الآفات بعيدا من القبول لها إذا ثبت هذا ms6018 فنقول : إذا كان العظم أصلب ~~الأعضاء فمتى وصل الأمر إلى ضعفها كان ضعف ما عداها مع رخاوتها أولى ، ولأن ~~العظم إذا كان حاملا لسائر الأعضاء كان تطرق الضعف إلى الحامل موجبا لتطرقه ~~إلى المحمول فلهذا السبب خص العظم بالوهن من بين سائر الأعضاء وأما أثر ~~الضعف في الظاهر فذلك استيلاء الشيب على الرأس فثبت أن هذا الكلام يدل على ~~استيلاء الضعف على الباطن والظاهر وذلك مما يزيد الدعاء توكيدا لما فيه من ~~الارتكان على حول الله وقوته والتبري عن الأسباب الظاهرة . المقام الثاني : ~~أنه ما كان مردود الدعاء ألبتة ووجه التوسل به من وجهين : أحدهما : ما روي ~~أن محتاجا سأل واحدا من الأكابر وقال : أنا الذي أحسنت إلى وقت كذا ، فقال ~~: مرحبا بمن توسل بنا إلينا ثم قضى حاجته . وذلك أنه إذا قبله أولا فلو أنه ~~رده ثانيا لكان الرد محبطا للأنعام الأول والمنعم لا يسعى في إحباط أنعامه ~~. والثاني : وهو أن مخالفة العادة شاقة على النفس فإذا تعود الإنسان إجابة ~~الدعاء فلو صار مردودا بعد ذلك لكان في غاية المشقة ولأن الجفاء ممن يتوقع ~~منه الإنعام يكون أشق فقال زكرياء عليه السلام إنك ما رددتني في أول الأمر ~~مع أني ما تعودت لطفك وكنت قوي البدن قوي القلب فلو رددتني الآن بعد ما ~~عودتني القبول مع نهاية ضعفي لكان ذلك بالغا إلى الغاية القصوى في ألم ~~القلب ، واعلم أن العرب تقول سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها وشقي بها إذا خاب ~~ولم ينلها ومعنى بدعائك أي بدعائي إياك فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة ~~وإلى المفعول أخرى . المقام الثالث : بيان كون المطلوب منتفعا به في الدين ~~وهو قوله : { وإني خفت الموالى من ورائى } وفيه أبحاث : الأول : قال ابن ~~عباس والحسن : إني خفت الموالي أي الورثة من بعدي وعن مجاهد العصبة وعن أبي ~~صالح الكلالة وعن الأصم بنو العم وهم الذين يلونه في النسب وعن أبي مسلم ~~المولي يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من يقوم ms6019 بميراثه ~~مقام الولد ، والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في ~~السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين فقد كانت العادة ~~جارية أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب فإنه كان متعينا في الحياة . ~~الثاني : اختلفوا في خوفه من الموالي فقال بعضهم : خافهم على إفساد الدين ، ~~وقال بعضهم بل خاف أن ينتهي أمره إليهم بعد موته في مال وغيره مع أنه عرف ~~من حالهم قصورهم في / العلم والقدرة عن القيام بذلك المنصب ، وفيه قول ثالث ~~وهو أنه يحتمل أن يكون الله تعالى قد اعلمه أنه لم يبق من أنبياء بني ~~إسرائيل نبي له أب إلا واحد فخاف أن يكون ذلك من بني عمه إذ لم يكن له ولد ~~فسأل الله تعالى أن يهب له ولدا يكون هو ذلك النبي ، وذلك يقتضي أن ~~PageV21P155 يكون خائفا من أمر يهتم بمثله الأنبياء وإن لم يدل على تفصيل ~~ذلك . ولا يمتنع أن زكرياء كان إليه مع النبوة السياسة من جهة الملك وما ~~يتصل بالإمامة فخاف منهم بعده على أحدهما أو عليهما . أما قوله : { وإني ~~خفت } فهو وإن خرج على لفظ الماضي لكنه يفيد أنه في المستقبل أيضا ، كذلك ~~يقول الرجل قد خفت أن يكون كذا وخشيت أن يكون كذا أي أنا خائف لا يريد أنه ~~قد زال الخوف عنه وهكذا قوله : { وكانت امرأتى عاقرا } أي أنها عاقر في ~~الحال وذلك لأن العاقر لا تحول ولودا في العادة ففي الإخبار عنه بلفظ ~~الماضي إعلام بتقادم العهد في ذلك وغرض زكرياء من هذا الكلام بيان استبعاد ~~حصول الولد فكان إيراده بلفظ الماضي أقوى وإلى هذا يرجع الأمر في قوله : ~~وإني خفت الموالي من ورائي لأنه إنما قصد به الإخبار وعن تقادم الخوف ثم ~~استغنى بدلالة الحال وما يوجب مسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود ~~الخوف في الحال وأيضا فقد يوضع الماضي مكان المستقبل وبالعكس قال الله ~~تعالى : { وإذ قال الله ياعيسى * عيسى ابن مريم * قلت للناس اتخذونى ms6020 } ( ~~المائدة : 116 ) والله أعلم وأما قوله من ورائي ففيه قولان : الأول : قال ~~أبو عبيدة أي قدامي وبين يدي وقال آخرون أي بعد موتي وكلاهما محتمل فإن قيل ~~كيف خافهم من بعده وكيف علم أنهم يبقون بعده فضلا من أن يخاف شرهم ؟ قلنا : ~~إن ذلك قد يعرف بالأمارات والظن وذلك كاف في حصول الخوف فربما عرف ببعض ~~الإمارات استمرارهم على عادتهم في الفساد والشر واختلف في تفسير قوله : { ~~فهب لى من لدنك وليا } فالأكثرون على أنه طلب الولد وقال آخرون بل طلب من ~~يقوم مقامه ولدا كان أو غيره والأقرب هو الأول لثلاثة أوجه . الأول : قوله ~~تعالى في سورة آل عمران حكاية عنه : { قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة } ( ~~آل عمران : 38 ) . والثاني : قوله في هذه السورة : { هب لى من لدنك * وليا ~~* يرثنى ويرث من ءال يعقوب } . والثالث : قوله تعالى في سورة الأنبياء : { ~~وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرنى فردا } ( الأنبياء : 89 ) وهذا يدل على أنه ~~سأل الولد لأنه قد أخبر في سورة مريم أن له موالي وأنه غير منفرد عن الورثة ~~وهذا وإن أمكن حمله على وارث يصلح أن يقوم مقامه لكن حمله على الولد أظهر ~~واحتج أصحاب القول الثالث بأنه لما بشر بالولد استعظم على سبيل التعجب فقال ~~أنى يكون لي غلام ولو كان دعاؤه لأجل الولد لما استعظم ذلك . ( الجواب ) : ~~أنه عليه السلام سأل عما يوهب له أيوهب له وهو وامرأته على هيئتهما أو يوهب ~~بأن يحولا شابين يكون لمثلهما ولد ؟ وهذا يحكي عن الحسن وقال غيره إن قول ~~زكرياء عليه السلام في الدعاء : { وكانت امرأتى عاقرا } إنما هو على معنى ~~مسألته ولدا من غيرها أو منها بأن يصلحها الله للولد فكأنه عليه السلام قال ~~إني أيست أن يكون لي منها ولد فهب لي من لدنك وليا كيف شئت إما بأن تصلحها ~~فيكون الولد منها أو بأن / تهب لي من غيرها فلما بشر بالغلام سأل أيرزق ~~منها أو من غيرها فأخبر بأنه يرزق منها واختلفوا ms6021 في المراد بالميراث على ~~وجوه . أحدها : أن المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال وهذا قول ~~ابن عباس والحسن والضحاك . وثانيها : أن المراد به في الموضعين وراثة ~~النبوة وهو قول أبي صالح . وثالثها : يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوة ~~وهو قول السدي ومجاهد والشعبي وروي أيضا عن ابن عباس والحسن والضحاك . ~~ورابعها : يرثني العلم ويرث من آل يعقوب النبوة وهو مروي عن مجاهد واعلم أن ~~هذه الروايات ترجع إلى أحد أمور خمسة وهي المال ومنصب الحبورة والعلم ~~والنبوة والسيرة الحسنة ولفظ الإرث مستعمل في كلها أما في المال ~~PageV21P156 فلقوله تعالى : { وأورثكم أرضهم وديارهم وأمولهم } وأما في ~~العلم فلقوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بنى إسراءيل الكتاب ~~} ( غافر : 53 ) وقال عليه السلام : ( العلماء ورثة الأنبياء ، وإن ~~الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم ) وقال تعالى : { ~~ولقد ءاتينا * داوود * وسليمان علما وقالا الحمد لله الذى فضلنا على كثير ~~من عباده المؤمنين * وورث سليمان * داوود } ( النمل : 15 ، 6 ) وهذا يحتمل ~~وراثة الملك ووراثة النبوة وقد يقال أورثني هذا غما وحزنا ، وقد ثبت أن ~~اللفظ محتمل لتلك الوجوه . واحتج من حمل اللفظ على وراثة المال بالخبر ~~والمعقول أما الخبر فقوله عليه السلام : ( رحم الله زكريا ما كان له من ~~يرثه ) وظاهره يدل على أن المراد إرث المال وأما المعقول فمن وجهين . الأول ~~: أن العلم والسيرة والنبوة لا تورث بل لا تحصل إلا بالاكتساب فوجب حمله ~~على المال . الثاني : أنه قال { واجعله رب رضيا } ولو كان المراد من الإرث ~~إرث النبوة لكان قد سأل جعل النبي صلى الله عليه وسلم رضيا وهو غير جائز ~~لأن النبي لا يكون إلا رضيا معصوما ، وأما قوله عليه السلام : ( إنا معشر ~~الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ) فهذا لا يمنع أن يكون خاصا به واحتج من ~~حمله على العلم أو المنصب والنبوة بما علم من حال الأنبياء أن اهتمامهم لا ~~يشتد بأمر المال كما يشتد بأمر ، وقيل لعله أوتي من الدنيا ما كان عظيم ~~النفع ms6022 في الدين فلهذا كان مهتما به أما قوله النبوة كيف تورث قلنا المال ~~إنما يقال ورثه الابن بمعنى قام فيه مقام أبيه وحصل له من فائدة التصرف فيه ~~ما حصل لأبيه وإلا فملك المال من قبل الله لا من قبل المورث فكذلك إذا كان ~~المعلوم في الإبن أن يصير نبيا بعده فيقوم بأمر الدين بعده جاز أن يقال ~~ورثه أما قوله عليه السلام : ( إنا معشر الأنبياء ) فهذا وإن جاز حمله على ~~الواحد كما في قوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) لكنه ~~مجاز وحقيقته الجمع والعدول عن الحقيقة من غير موجب لا يجوز لا سيما وقد ~~روي قوله : ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ) والأولى أن يحمل ذلك على كل ما ~~فيه نفع وصلاح في الدين وذلك يتناول النبوة والعلم والسيرة الحسنة والمنصب ~~النافع في الدين والمال الصالح ، فإن كل هذه الأمور مما يجوز توفر الدواعي ~~على بقائها ليكون ذلك النفع دائما مستمرا . السابع : اتفق أكثر المفسرين ~~على أن يعقوب ههنا هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام لأن زوجة ~~زكرياء هي أخت مريم وكانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهوذا بن يعقوب ~~وأما زكرياء / عليه السلام فهو من ولد هرون أخى موسى عليه السلام وهرون ~~وموسى عليهما السلام من ولد لاوي بن يعقوب بن إسحاق وكانت النبوة في سبط ~~يعقوب لأنه هو إسرائيل صلى الله عليه وسلم وقال بعض المفسرين ليس المراد من ~~يعقوب ههنا ولد إسحاق بن إبراهيم عليه السلام بل يعقوب بن ماثان أخو عمران ~~بن ماثان وكان آل يعقوب أخوال يحيى بن زكرياء وهذا قول الكلبي ومقاتل . ~~وقال الكلبي كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا رأس ~~الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولده حبورته ويرث من بني ماثان ملكهم ، واعلم ~~أنهم ذكروا في تفسير الرضى وجوها . أحدها : أن المراد واجعله رضيا من ~~الأنبياء وذلك لأن كلهم مرضيون فالرضي منهم مفضل على جملتهم فائق لهم في ~~كثير من أمورهم فاستجاب الله تعالى ms6023 له ذلك فوهب له سيدا وحصورا ونبيا من ~~الصالحين لم يعص ولم يهم بمعصية ، وهذا غاية ما يكون به المرء رضيا . ~~وثانيها : المراد بالرضي أن يكون رضيا في أمته لا يتلقى بالتكذيب ولا يواجه ~~بالرد . وثالثها : المراد بالرضي أن لا يكون متهما في شيء ولا PageV21P157 ~~يوجد فيه مطعن ولا ينسب إليه شيء من المعاصي . ورابعها : أن إبراهيم ~~وإسماعيل عليهما السلام قالا في الدعاء : { ربنا واجعلنا مسلمين لك } ( ~~البقرة : 182 ) وكانا في ذلك الوقت مسلمين ، وكأن المراد هناك ثبتنا على ~~هذا أو المراد اجعلنا فاضلين من أنبيائك المسلمين فكذا ههنا واحتج أصحابنا ~~في مسألة خلق الأفعال بهذه الآية لأنه إنما يكون رضيا بفعله ، فلما سأل ~~الله تعالى جعله رضيا دل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى . فإن قيل : ~~المراد منه أن يلطف له بضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضيا فينسب ذلك إلى ~~الله تعالى . والجواب من وجهين : الأول : أن جعله رضيا لو حملناه على جعل ~~الألطاف وعندها يصير المرء باختياره رضيا لكان ذلك مجازا وهو خلاف الأصل . ~~والثاني : أن جعل تلك الألطاف واجبة على الله تعالى لا يجوز الإخلال به وما ~~كان واجبا لا يجوز طلبه بالدعاء والتضرع . # ! 7 < { يازكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا } > 7 ~~! # < < # | مريم : ( 7 ) يا زكريا إنا . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في من المنادي بقوله : يا زكريا ، فالأكثرون ~~على أنه هو الله تعالى وذلك لأن ما قبل هذه الآية يدل على أن زكريا عليه ~~السلام إنما كان يخاطب الله تعالى ويسأله وهو قوله : { رب إنى وهن العظم ~~منى } ( مريم : 4 ) وقوله : { ولم أكن بدعائك رب شقيا } ( مريم : 4 ) وقوله ~~: { فهب لى } ( مريم : 5 ) وما بعدها يدل على أنه كان يخاطب الله تعالى وهو ~~يقول : { رب أنى يكون لي غلام } إذا كان ما قبل هذه الآية وما بعدها خطابا ~~مع الله تعالى وجب أن يكون النداء من الله تعالى وإلا لفسد النظم ، ومنهم ~~من قال هذا نداء الملك واحتج عليه ms6024 بوجهين . الأول : قوله تعالى في سورة آل ~~عمران : { فنادته الملئكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يبشرك بيحيى } ~~( آل عمران : 39 ) . الثاني : أن زكريا / عليه السلام لما قال : { أنى يكون ~~لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا * قال كذالك قال ربك هو ~~على هين } ( مريم : 8 ، 9 ) وهذا لا يجوز أن يكون كلام الله فوجب أن يكون ~~كلام الملك . والجواب عن الأول : أنه يحتمل أن يقال حصل النداءان نداء الله ~~ونداء الملائكة . وعن الثاني : أنا نبين إن شاء تعالى أن قوله : { قال ~~كذالك قال ربك هو على هين } يمكن أن يكون كلام الله . # المسألة الثانية ؛ فإن قيل إن كان الدعاء بإذن فما معنى البشارة ، وإن ~~كان بغير إذن فلماذا أقدم عليه ؟ والجواب هذا أمر يخصه فيجوز أن يسأل بغير ~~إذن ، ويحتمل أنه أذن له فيه ولم يعلم وقته فبشر به . # المسألة الثالثة : اختلف المفسرون في قوله : { لم نجعل له من قبل سميا } ~~على وجهين : أحدهما : وهو قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة ~~أنه لم يسم أحد قبله بهذا الاسم . الثاني : أن المراد بالسمي النظير كما في ~~قوله : { هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) واختلفوا في ذلك على وجوه . ~~أحدها : أنه سيد وحصور لم يعص ولم يهم بمعصية كأنه جواب لقوله : { واجعله ~~رب رضيا } ( مريم : 6 ) فقيل له إنا نبشرك بغلام لم نجعل له من قبل شبيها ~~في الدين ، ومن كان هكذا فهو في غاية الرضا . وهذا الوجه ضعيف لأنه يقتضي ~~تفضيله على الأنبياء الذين كانوا قبله كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وذلك باطل ~~بالإتفاق . وثانيها : أن كل الناس إنما يسميهم آباؤهم وأمهاتهم بعد دخولهم ~~في الوجود ، وأما يحيى عليه السلام فإن الله تعالى هو الذي سماه ~~PageV21P158 قبل دخوله في الوجود فكان ذلك من خواصه فلم يكن له مثل وشبيه ~~في هذه الخاصية . وثالثها : أنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر ، واعلم أن ~~الوجه الأول أولى وذلك لأن حمل السمي على النظير وإن كان يفيد ms6025 المدح ~~والتعظيم ولكنه عدول عن الحقيقة من غير ضرورة وإنه لا يجوز ، وأما قول الله ~~تعالى : { هل تعلم له سميا } فهناك إنما عدلنا عن الظاهر لأنه قال : { ~~فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا } ( مريم : 65 ) ومعلوم أن مجرد ~~كونه تعالى مسمى بذلك الاسم لا يقتضي وجوب عبادته ، فلهذه العلة عدلنا عن ~~الظاهرة ، أما ههنا لا ضرورة في العدول عن الظاهر فوجب اجراؤه عليه ولأن في ~~تفرده بذلك الاسم ضربا من التعظيم لأنا نشاهد أن الملك إذا كان له لقب ~~مشهور فإن حاشيته لا يتلقبون به بل يتركونه تعظيما له فكذلك ههنا . # المسألة الرابعة : في أنه عليه السلام سمي بيحيى روى الثعلبي فيه وجوها . ~~أحدها : عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أحيا به عقر أمه . ~~وثانيها : عن قتادة أن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان والطاعة والله تعالى ~~سمى المطيع حيا والعاصي ميتا بقوله تعالى : { أو من كان ميتا فأحييناه } ( ~~الأنعام : 122 ) وقال : { إذا دعاكم لما } ( الأنفال : 24 ) . وثالثها : ~~إحياؤه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية لما روى عكرمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من أحد إلا وقد عصى ~~أو هم إلا يحيى بن زكريا فإنه لم يهم ولم يعملها ) . ورابعها : عن أبي ~~القاسم بن حبيب أنه استشهد وأن الشهداء أحياء عند ربهم لقوله تعالى : { ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم } ( آل عمران : 169 ) . وخامسها : ما قاله / عمرو ~~بن عبد الله المقدسي : أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام أن قل ~~ليسارة ، وكان اسمها كذلك ، بأني مخرج منها عبدا لا يهم بمعصية اسمه حيي . ~~فقال : هبي له من اسمك حرفا فوهبته حرفا من اسمها فصار يحيى وكان اسمها ~~يسارة فصار اسمها سارة . وسادسها : أن يحيى عليه السلام أول من آمن بعيسى ~~فصار قلبه حيا بذلك الإيمان وذلك أن أم يحيى كانت حاملا به فاستقبلتها مريم ~~وقد حملت بعيسى فقالت لها أم يحيى : يا مريم أحامل أنت ؟ فقالت : لماذا ms6026 ~~تقولين ؟ فقالت : إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك . وسابعها : أن ~~الدين يحيا به لأنه إنما سأله زكريا لأجل الدين ، واعلم أن هذه الوجوه ~~ضعيفة لأن أسماء الألقاب لا يطلب فيها وجه الإشتقاق ، ولهذا قال أهل ~~التحقيق أسماء الألقاب قائمة مقام الإشارات وهي لا تفيد في المسمى صفة ~~البتة . # ! 7 < { قال رب أنى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر ~~عتيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 8 ) قال رب أنى . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي عتيا وصليا وجثيا وبكيا بكسر العين ~~والصاد والجيم والباء ، وقرأ حفص عن عاصم بكيا بالضم والباقي بالكسر ~~والباقون جميعا بالضم ، وقرأ ابن مسعود بفتح العين والصاد من عتيا وصليا . ~~وقرأ أبي بن كعب وابن عباس عسيا بالسين غير المعجمة والله أعلم . # المسألة الثانية : في الألفاظ وهي ثلاثة : الأول : الغلام الإنسان الذكر ~~في ابتداء شهوته للجماع ومنه اغتلم إذا اشتدت شهوته للجماع ثم يستعمل في ~~التلميذ يقال : غلام ثعلب . الثاني : العتي والعبسي واحد PageV21P159 تقول ~~عتا يعتو عتوا وعتيا فهو عات وعسا يعسو عسوا وعسيا فهو عاص والعاسي هو الذي ~~غيره طول الزمان إلى حال البؤس وليل عات طويل وقيل شديد الظلمة . الثالث : ~~لم يقل عاقرة لأن ما كان على فاعل من صفة المؤنث مما لم يكن للمذكر فإنه لا ~~تدخل فيه الهاء نحو امرأة عاقر وحائض قال الخليل : هذه الصفات مذكرة وصف ~~بها المؤنث كما وصفوا المذكر بالمؤنث حين قالوا : رجل ملحة وربعة وغلام ~~نفعة . # المسألة الثالثة : في هذه الآية سؤالان : الأول : أن زكريا عليه السلام ~~لم تعجب بقوله : { أنى يكون لي غلام } مع أنه هو الذي طلب الغلام ؟ السؤال ~~الثاني : أن قوله أنى يكون لي غلام لم يكن هذا مذكورا بين أمته لأنه كان ~~يخفي هذه الأمور عن أمته فدل على أنه ذكره في نفسه ، وهذا التعجب يدل على ~~كونه شاكا في قدرة الله تعالى على ذلك وذلك كفر وهو غير جائز على الأنبياء ~~عليهم / السلام . والجواب عن السؤال الأول : أما ms6027 على قول من قال إنه لم ~~يطلب خصوص الولد فالسؤال زائل ، وأما على قول من قال إنه طلب الولد فالجواب ~~عنه أن المقصود من قوله : { أنى يكون لي غلام } هو التعجب من أنه تعالى ~~يجعلهما شابين ثم يرزقهما الولد أو يتركهما شيخين ويرزقهما الولد مع ~~الشيخوخة بطريق الاستعلام لا بطريق التعجب ، والدليل عليه قوله تعالى : { ~~وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرنى فردا وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ~~ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه } ( الأنبياء : 89 ، 90 ) وما هذا الإصلاح ~~إلا أنه أعاد قوة الولادة وقد تقدم تقرير هذا الكلام ، وذكر السدي في ~~الجواب وجها آخر فقال : إنه لما سمع النداء بالبشارة جاءه الشيطان فقال : ~~إن هذا الصوت ليس من الله تعالى بل هو من الشيطان يسخر منك ، فلما شك زكريا ~~قال : { أنى يكون لي غلام } واعلم أن غرض السدي من هذا أن زكريا عليه ~~السلام لو علم أن المبشر بذلك هو الله تعالى لما جاز له أن يقول ذلك فارتكب ~~هذا ، وقال بعض المتكلمين هذا باطل قطعا إذ لو جوز الأنبياء في بعض ما يرد ~~عن الله تعالى أنه من الشيطان لجوزوا في سائره ولزالت الثقة عنهم في الوحي ~~وعنا فيما يوردونه إلينا ويمكن أن يجاب عنه بأن هذا الاحتمال قائم في أول ~~الأمر وإنما يزول بالمعجزة فلعل المعجزة لم تكن حاصلة في هذه الصورة فحصل ~~الشك فيها دون ما عداها والله أعلم ، والجواب عن السؤال الثاني من وجوه : ~~الأول : أن قوله : { إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى } ( مريم : 7 ) ليس نصا في ~~كون ذلك الغلام ولدا له بل يحتمل أن زكريا عليه السلام راعى الأدب ولم يقل ~~هذا الكلام هل يكون لي ولد أم لا ، بل ذكر أسباب تعذر حصول الولد في العادة ~~حتى أن تلك البشارة إن كانت بالولد فالله تعالى يزيل الإبهام ويجعل الكلام ~~صريحا فلما ذكر ذلك صرح الله تعالى بكون ذلك الولد منه فكان الغرض من كلام ~~زكريا هذا لا أنه كان شاكا في قدرة ms6028 الله تعالى عليه . الثاني : أنه ما ذكر ~~ذلك للشك لكن على وجه التعظيم لقدرته وهذا كالرجل الذي يرى صاحبه قد وهب ~~الكثير الخطير فيقول أنى سمحت نفسك بإخراج مثل هذا من ملككا تعظيما وتعجبا ~~. الثالث : أن من شأن من بشر بما يتمناه أن يتولد له فرط السرور به عند أول ~~ما يرد علي استثبات ذلك الكلام إما لأن شدة فرحه به توجب ذهوله عن مقتضيات ~~العقل والفكر وهذا كما أن امرأة إبراهيم عليه السلام بعد أن بشرت باسحق ~~قالت : { وأنا عجوز وهاذا بعلى شيخا إن هاذا لشىء عجيب قالوا } ( هود : 72 ~~) فأزيل تعجبها بقوله : { أتعجبين من أمر الله } ( هود : 73 ) وإما طلبا ~~للالتذاذ بسماع ذلك الكلام مرة أخرى ، وإما مبالغة في تأكيد التفسير . # ! 7 < { قال كذالك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } > ~~7 @QB@ < # | مريم : ( 9 ) قال كذلك قال . . . . . # > > PageV21P160 # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { قال ربك هو هين } وجوه . أحدها : أن الكاف ~~رفع أي الأمر كذلك تصديقا له ثم ابتدأ قال ربك . وثانيها : نصب يقال وذلك ~~إشارة إلى مبهم تفسيره / هو علي هين وهو كقوله تعالى : { وقضينا * إليك * ~~ذلك الامر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } ( الحجر : 66 ) وثالثها ؛ أن ~~المراد لا تعجب فإنه كذلك قال ربك لا خلف في قوله ولا غلط ثم قال بعده هو ~~علي هين بدليل خلقتك من قبل ولم تك شيئا . ورابعها : أن اذكرنا أن قوله أنى ~~يكون لي غلام معناه تعطيني الغلام بأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا ~~على الشيخوخة ومع ذلك تعطينا الولد ، وقوله : { كذلك قال ربك } أي نهب ~~الولد مع بقائك وبقاء زوجتك على الحاصلة في الحال . # المسألة الثانية ؛ قرأ الحسن وهو علي هين وهذا لا يخرج إلا على الوجه ~~الأول أي الأمر كما قلت ولكن قال ربك هو مع ذلك علي هين . # المسألة الثالثة : إطلاق لفظ الهين في حق الله تعالى مجاز لأن ذلك إنما ~~يجوز في حق من يجوز أن يصعب عليه شيء ولكن ms6029 المراد أنه إذا أراد شيئا كان . # المسألة الرابعة : في وجه الاستدلال بقوله تعالى : { وقد خلقتك من قبل ~~ولم تك شيئا } فنقول : إنه لما خلقه من العدم الصرف والنفي المحض كان قادرا ~~على خلق الذوات والصفات والآثار وأما الآن فخلق الولد من الشيخ والشيخة لا ~~يحتاج فيه إلا إلى تبديل الصفات والقادر على خلق الذوات والصفات والآثار ~~معا أولى أن يكون قادرا على تبديل الصفات وإذا أوجده عن عدم فكذا يرزقه ~~الولد بأن يعيد إليه وإلى صاحبته القوة التي عنها يتولد الماءان اللذان من ~~اجتماعهما يخلق الولد ولذلك قال : { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له ~~زوجه } ( الأنبياء : 90 ) فهذا وجه الاستدلال . # المسألة الخامسة : الجمهور على أن قوله قال كذلك قال ربك يقتضي أن القائل ~~لذلك ملك مع الاعتراف بأن قوله : { رضيا يازكريا إنا نبشرك } ( مريم : 7 ) ~~قول الله تعالى وقوله : { هو على هين } قول الله تعالى وهذا بعيد لأنه إذا ~~كان ما قبل هذا الكلام وما بعده قول الله تعالى فكيف يصح إدراج هذه الألفاظ ~~فيما بين هذين القولين ، والأولى أن يقال قائل هذا القول أيضا هو الله ~~تعالى كما أن الملك العظيم إذا وعد عبده شيئا عظيما فيقول العبد من أين ~~يحصل لي هذا فيقول إن سلطانك ضمن لك ذلك كأنه ينبه بذلك على أن كونه سلطانا ~~مما يوجب عليه الوفاء بالوعد فكذا ههنا . # ! 7 < { قال رب اجعل لىءاية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } > ~~7 ! # < < # | مريم : ( 10 ) قال رب اجعل . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال بعضهم طلب الآية لتحقيق البشارة وهذا بعيد لأن بقول ~~الله تعالى قد تحققت البشارة فلا يكون إظهار الآية أقوى من ذلك من صريح ~~القول وقال آخرون : البشارة بالولد وقعت مطلقة فلا يعرف وقتها بمجرد ~~البشارة فطلب الآية ليعرف بها وقت الوقوع وهذا هو الحق . PageV21P161 # / المسألة الثانية : اتفقوا على أن تلك الآية هي تعذر الكلام عليه فإن ~~مجرد السكوت مع القدرة على الكلام لا يكون معجزة ثم اختلفوا على قولين : ~~أحدهما : أنه ms6030 اعتقل لسانه أصلا . والثاني : أنه امتنع عليه الكلام مع القوم ~~على وجه المخاطبة مع أنه كان متمكنا من ذكر الله ومن قراءة التوراة وهذا ~~القول عندي أصح لأن اعتقال اللسان مطلقا قد يكون لمرض وقد يكون من فعل الله ~~فلا يعرف زكريا عليه السلام أن ذلك الاعتقال معجزا إلا إذا عرف أنه ليس ~~لمرض بل لمحض فعل الله تعالى مع سلامة الآلات وهذا مما لا يعرف إلا بدليل ~~آخر فتفتقر تلك الدلالة إلى دلالة أخرى ، أما لو اعتقل لسانه عن الكلام مع ~~القوم مع اقتداره على التكلم بذكر الله تعالى وقراءة التوراة علم بالضرورة ~~أن ذلك الاعتقال ليس لعلة ومرض بل هو لمحض فعل الله فيتحقق كونه آية ومعجزة ~~ومما يقوي ذلك قوله تعالى : { ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج } خص ذلك ~~بالتكلم مع الناس وهذا يدل بطريق المفهوم أنه كان قادرا على التكلم مع غير ~~الناس . # المسألة الثالثة : اختلفوا في معنى { سويا } فقال بعضهم : هو صفة لليالي ~~الثلاث وقال أكثر المفسرين هو صفة لزكريا والمعنى : آيتك أن لا تكلم الناس ~~في هذه المدة مع كونك سويا لم يحدث بك مرض . # ! 7 < { فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } > 7 ~~! # < < # | مريم : ( 11 ) فخرج على قومه . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { فخرج على قومه من المحراب } قيل كان له ~~موضع ينفرد فيه بالصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه فعند ذلك أوحى إليهم ، ~~وقيل : كان موضعا يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا ~~بإذنه وأنهم اجتمعوا ينتظرون خروجه للإذن فخرج إليهم وهو لا يتكلم فأوحى ~~إليهم . # المسألة الثانية : لا يجوز أن يكون المراد من قوله أوحى إليهم الكلام لأن ~~الكلام كان ممتنعا عليه فكان المراد غير الكلام وهو أن يعرفهم ذلك إما ~~بالإشارة أو برمز مخصوص أو بكتابة لأن كل ذلك يفهم منه المراد فعلموا أنه ~~قد كان ما بشر به فكما حصل السرور له حصل لهم فظهر لهم إكرام الله تعالى ms6031 له ~~بالإجابة ، واعلم أن الأشبه بالآية هو الإشارة لقوله تعالى في سورة آل ~~عمران : { ثلاثة أيام إلا رمزا } ( آل عمران : 41 ) والرمز لا يكون كناية ~~للكلام . # المسألة الثالثة : اتفق المفسرون على أنه أراد بالتسبيح الصلاة وهو جائز ~~في اللغة يقال : سبحه الضحى أي صلاة الضحى وعن عائشة رضي الله عنها في صلاة ~~الضحى : ( إني لأسبحها ) أي لأصليها إذا ثبت هذا فنقول روي عن أبي العالية ~~أن البكرة صلاة الفجر والعشي صلاة العصر / ويحتمل أن يكون إنما كانوا يصلون ~~معه في محرابه هاتين الصلاتين فكان يخرج إليهم فيأذن لهم بلسانه ، فلما ~~اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته فأذن لهم بغير كلام والله أعلم . # ! 7 < { يايحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا * وحنانا من لدنا ~~وزكواة وكان تقيا * وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا * وسلام عليه يوم ولد ~~ويوم يموت ويوم يبعث حيا } > 7 @QB@ < # | مريم : ( 12 - 15 ) يا يحيى خذ . . . . . # > > PageV21P162 # اعلم أنه تعالى وصف { يحيى } في هذه الآية بصفات تسع : الصفة الأولى : ~~كونه مخاطبا من الله تعالى بقوله : { وعشيا يايحيى خذ الكتاب بقوة } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : أن قوله : { وعشيا يايحيى خذ الكتاب } يدل على أن الله ~~تعالى بلغ بيحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطبه بذلك فحذف ذكره لدلالة الكلام ~~عليه . # المسألة الثانية : الكتاب المذكور يحتمل أن يكون هو التوراة التي هي نعمة ~~الله على بني إسرائيل لقوله تعالى : { ولقد ءاتينا بنى إسراءيل الكتاب ~~والحكم والنبوة } ( الجاثية : 16 ) ويحتمل أن يكون كتابا خص الله به يحيى ~~كما خص الله تعالى الكثير من الأنبياء بذلك والأول أولى لأن حمل الكلام ~~ههنا على المعهود السابق أولى ولا معهود ههنا إلا التوراة . # المسألة الثالثة : قوله : { بقوة } ليس المراد منه القدرة على الأخذ لأن ~~ذلك معلوم لكل أحد فيجب حمله على معنى يفيد المدح وهو الجد والصبر على ~~القيام بأمر النبوة وحاصلها يرجع إلى حصول ملكة تقتضي سهولة الإقدام على ~~المأمور به والإحجام عن المنهي عنه . الصفة الثانية : قوله تعالى : { ~~واتيناه الحكم صبيا } اعلم أن في الحكم ms6032 أقوالا . الأول : أنه الحكمة ومنه ~~قول الشاعر : # % واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت % % إلى حمام سراع وارد الثمد % # وهو الفهم في التوراة والفقه في الدين . والثاني : وهو قول معمر أنه ~~العقل روي أنه قال ما للعب خلقنا . والثالث : أنه النبوة فإن الله تعالى ~~أحكم عقله في صباه وأوحى إليه وذلك لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى عليهما ~~السلام وهما صبيان لا كما بعث موسى ومحمدا عليهما السلام ، وقد بلغا الأشد ~~والأقرب حمله على النبوة لوجهين : الأول : أن الله تعالى ذكر في هذه الآية ~~صفات شرفه ومنقبته ومعلوم أن النبوة أشرف صفات الإنسان فذكرها في معرض ~~المدح أولى من ذكر غيرها فوجب أن تكون نبوته مذكورة في هذه الآية ولا لفظ ~~يصلح للدلالة على النبوة إلا هذه / اللفظة فوجب حملها عليها . الثاني : أن ~~الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره ولغيره على الإطلاق وذلك لا يكون ~~إلا بالنبوة فإن قيل كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا ؟ قلنا ~~: هذا السائل ، إما أن يمنع من خرق العادة أو لا يمنع منه ، فإن منع منه ~~فقد سد باب النبوات لأن بناء الأمر فيها على المعجزات ولا معنى لها إلا خرق ~~العادات ، وإن لم يمنع فقد زال هذا الاستبعاد فإنه ليس استبعاد صيرورة ~~الصبي عاقلا أشد من استبعاد انشقاق القمر وانفلاق البحر . الصفة الثالثة ؛ ~~قوله تعالى : { وحنانا من لدنا } اعلم أن الحنان أصله من الحنين وهو ~~الارتياح والجزع للفراق كما يقال : حنين الناقة وهو صوتها إذا اشتاقت إلى ~~ولدها ذكر الخليل ذلك في الحديث : ( أنه عليه السلام كان يصلي إلى جذع من ~~المسجد فلما اتخذ له المنبر وتحول إليه حنت تلك الخشبة حتى سمع حنينها ) . ~~فهذا هو الأصل ثم قيل : تحنن فلان على فلان إذا تعطف عليه ورحمه ، وقد ~~اختلف الناس في وصف الله بالحنان فأجازه بعضهم ، وجعله بمعنى الرؤوف الرحيم ~~، ومنهم من أباه لما يرجع إليه أصل الكلمة قالوا : لم يصح الخبر بهذه ~~اللفظة في أسماء الله تعالى ، إذا عرفت ms6033 هذا فنقول : الحنان هنا فيه وجهان . ~~PageV21P163 أحدهما : أن يجعل صفة لله . وثانيهما : أن يجعل صفة ليحيى أما ~~إذا جعلناه صفة لله تعالى فنقول : التقدير وآتيناه الحكم حنانا أي رحمة منا ~~، ثم ههنا احتمالات : الأول : أن يكون الحنان من الله ليحيى ، المعنى : ~~آتيناه الحكم صبيا ، ثم قال : { وحنانا من لدنا } أي إنما آتيناه الحكم ~~صبيا حنانا من لدنا عليه أي رحمة عليه وزكاة أي وتزكية له وتشريفا له . ~~الثاني : أن يكون الحنان من الله تعالى لزكريا عليه السلام فكأنه تعالى قال ~~: إنما استجبنا لزكريا دعوته بأن أعطيناه ولدا ثم آتيناه الحكم صبيا وحنانا ~~من لدنا عليه أي على زكريا فعلنا ذلك . { وزكواة } أي وتزكية له عن أن يصير ~~مردود الدعاء . والثالث : أن يكون الحنان من الله تعالى لأمة يحيى عليه ~~السلام كأنه تعالى قال : { واتيناه الحكم صبيا * وحنانا } منا على أمته ~~لعظيم انتفاعهم بهدايته وإرشاده ، أما إذا جعلناه صفة ليحيى عليه السلام ~~ففيه وجوه . الأول : آتيناه الحكم والحنان على عبادنا أي التعطف عليهم وحسن ~~النظر على كافتهم فيما أوليه من الحكم عليهم كما وصف نبيه فقال : { فبما ~~رحمة من الله لنت لهم } ( آل عمران : 159 ) وقال : { حريص عليكم بالمؤمنين ~~* رءوف * رحيم } ( التوبة : 128 ) ثم أخبر تعالى أنه آتاه زكاة ، ومعناه أن ~~لا تكون شفقته داعية له إلى الإخلال بالواجب لأن الرأفة واللين ربما أورثا ~~ترك الواجب ألا ترى إلى قوله تعالى : { ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله } ~~( النور : 2 ) وقال : { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } ~~( التوبة : 123 ) وقال : { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } ( المائدة : 54 ) فالمعنى إنما جعلنا له ~~التعطف على عباد الله مع الطهارة عن الإخلال بالواجبات ، ويحتمل آتيناه ~~التعطف على الخلق والطهارة عن المعاصي فلم يعص ولم يهم بمعصية ، وفي الآية ~~وجه آخر وهو المنقول عن عطاء بن رباح : { وحنانا من لدنا } والمعنى آتيناه ~~الحكم صبيا تعظيما إذ جعلناه نبيا وهو صبي ولا تعظيم أكثر من ms6034 هذا والدليل ~~عليه ما روى أنه مر ورقة بن / نوفل على بلال وهو يعذب قد ألصق ظهره برمضاء ~~البطحاء ، ويقول : أحد أحد فقال : والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه ~~حنانا أي معظما . الصفة الرابعة : قوله : { وزكواة } وفيه وجوه : أحدها : ~~أن المراد وآتيناه زكاة أي عملا صالحا زكيا ، عن ابن عباس وقتادة والضحاك ~~وابن جريج . وثانيها : زكاة لمن قبل منه حتى يكونوا أزكياء عن الحسن . ~~وثالثها : زكيناه بحسن الثناء كما تزكى الشهود الإنسان . ورابعها : صدقة ~~تصدق الله بها على أبويه عن الكبي . وخامسها : بركة ونماء وهو الذي قال ~~عيسى عليه الصلاة والسلام : { وجعلنى مباركا * أينما * كنت } ( مريم : 31 ) ~~واعلم أن هذا يدل على أن فعل العبد خلق لله تعالى لأنه جعل طهارته وزكاته ~~من الله تعالى وحمله على الألطاف بعيد لأنه عدول عن الظاهر . الصفة الحامسة ~~: قوله : { وكان تقيا } وقد عرفت معناه وبالجملة فإنه يتضمن غاية المدائح ~~لأنه هو الذي يتقي نهي الله فيجتنبه ويتقي أمره فلا يهمله ، وأولى الناس ~~بهذا الوصف من لم يعص الله ولا يهم بمعصية وكان يحيى عليه الصلاة والسلام ~~كذلك ، فإن قيل ما معنى : { وكان تقيا } وهذا حين ابتداء تكليفه قلنا : ~~إنما خاطب الله تعالى بذلك الرسول وأخبر عن حاله حيث كان كما أخبر عن نعم ~~الله عليه . الصفة السادسة : قوله : { وبرا بوالديه } وذلك لأنه لا عبادة ~~بعد تعظيم الله تعالى مثل تعظيم الوالدين ، ولهذا السبب قال : { وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) . الصفة السابعة ~~: قوله : { ولم يكن جبارا } والمراد وصفه بالتواضع ولين الجانب وذلك من ~~صفات المؤمنين كقوله تعالى : { واخفض جناحك للمؤمنين } ( الحجر : 88 ) وقال ~~PageV21P164 تعالى : { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ( آل ~~عمران : 159 ) ولأن رأس العبادات معرفة الإنسان نفسه بالذل ومعرفة ربه ~~بالعظمة والكمال ومن عرف نفسه بالذل وعرف ربه بالكمال كيف يليق به الترفع ~~والتجبر ، ولذلك فإن إبليس لما تجبر وتمرد صار مبعدا عن رحمة الله تعالى ~~وعن الدين وقيل الجبار هو الذي لا يرى لأحد ms6035 على نفسه حقا وهو من العظم ~~والذهاب بنفسه عن أن يلزمه قضاء حق أحد ، وقال سفيان في قوله : { جبارا ~~عصيا } إنه الذي يقبل على الغضب والدليل عليه قوله تعالى : { أتريد أن ~~تقتلنى كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الارض } ( القصص ~~: 19 ) وقيل : كل من عاقب على غضب نفسه من غير حق فهو جبار لقوله تعالى : { ~~وإذا بطشتم بطشتم جبارين } ( الشعراء : 130 ) . الصفة الثامنة : قوله : { ~~عصيا } وهو أبلغ من العاصي كما أن العليم أبلغ من العالم . الصفة التاسعة : ~~قوله : { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا } وفيه أقوال : أحدها ~~: قال محمد بن جرير الطبري : { وسلام عليه } أي أمان من الله يوم ولد من أن ~~يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم : { ويوم يموت } أي وأمان عليه من ~~عذاب القبر : { ويوم يبعث حيا } أي ومن عذاب القيامة . وثانيها : قال سفيان ~~بن عيينة أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما ~~كان فيه ، ويوم يموت فيرى قوما ما شاهدهم قط ، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر ~~عظيم فأكرم الله يحيى عليه الصلاة والسلام فخصه بالسلام عليه في هذه ~~المواطن الثلاثة . وثالثها : قال عبد الله بن نفطوية : { وسلام عليه يوم ~~ولد } أي أول ما يرى الدنيا { ويوم يموت } أي أول يوم يرى فيه أول أمر ~~الآخرة { ويوم يبعث حيا } أي أول يوم يرى فيه الجنة والنار وهو يوم القيامة ~~. وإنما قال : { حيا } تنبيها على كونه من الشهداء لقوله تعالى : { بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون } ( آل عمران : 169 ) فروع . الأول : هذا لاسلام ~~يمكن أن يكون من الله تعالى وأن يكون من الملائكة وعلى التقديرين فدلالة ~~شرفه وفضله لا تختلف لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله تعالى . ~~الثاني : ليحيى مزية في هذا السلام على ما لسائر الأنبياء عليهم السلام ~~كقوله : { سلام على نوح فى العالمين } ( الصافات : 79 ) . { سلام على ~~إبراهيم } ( الصافات : 109 ) لأنه قال و { يوم ولد } وليس ذلك لسائر ~~الأنبياء عليهم ms6036 السلام . الثالث : روي أن عيسى عليه السلام قال ليحيى عليه ~~السلام : أنت أفضل مني لأن الله تعالى سلم عليك وأنا سلمت على نفسي ، وهذا ~~ليس يقوى لأن سلام عيسى على نفسه يجري مجرى سلام الله على يحيى لأن عيسى ~~معصوم لا يفعل إلا ما أمره الله به . الرابع : السلام عليه يوم ولد لا بد ~~وأن يكون تفضلا من الله تعالى لأنه لم يتقدم منه ما يكون ذلك جزاء له ، ~~وأما السلام عليه يوم يموت ويوم يبعث في المحشر ، فقد يجوز أن يكون ثوابا ~~كالمدح والتعظيم والله تعالى أعلم . القول في فوائد هذه القصة . الفائدة ~~الأولى : تعليم آداب الدعاء وهي من جهات . أحدها : قوله : { نداء خفيا } ( ~~مريم : 3 ) وهو يدل على أن أفضل الدعاء ما هذا حاله ويؤكد قوله تعالى : { ~~ادعوا ربكم تضرعا وخفية } ( الأعراف : 55 ) ولأن رفع الصوت مشعر بالقوة ~~والجلادة وإخفاء الصوت مشعر بالضعف والانكسار وعمدة الدعاء الإنكسار ~~والتبري عن حول النفس وقوتها والاعتماد على فضل الله تعالى وإحسانه . ~~وثانيها : أن المحتسب أن يذكر في مقدمة الدعاء عجز النفس وضعفها كما في ~~قوله تعالى عنه : { وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا } ( مريم : 4 ) ثم ~~يذكر كثرة نعم الله PageV21P165 على ما في قوله : { ولم أكن بدعائك رب شقيا ~~} ( مريم : 4 ) . وثالثها : أن يكون الدعاء لأجل شيء متعلق بالدين لا لمحض ~~الدنيا كما قال : { وإني خفت الموالى من ورائى } ( مريم : 5 ) . ورابعها : ~~أن يكون الدعاء بلفظ يا رب على ما في هذا الموضع . الفائدة الثانية : ظهور ~~درجات زكريا ويحيى عليهما السلام أما زكريا فأمور : أحدها : نهاية تضرعه في ~~نفسه وانقطاعه إلى الله تعالى بالكلية . وثانيها : إجابة الله تعالى دعاءه ~~. وثالثها : أن الله تعالى ناداه وبشره أو الملائكة أو حصل الأمران معا . ~~ورابعها : اعتقال لسانه عن الكلام دون التسبيح . وخامسها : أنه يجوز ~~للأنبياء عليهم السلام طلب الآيات لقوله رب اجعل لي آية . الفائدة الثالثة ~~: كونه تعالى قادرا على خلق الولد وإن كان الأبوان في نهاية الشيخوخة ردا ~~على أهل الطبائع . الفائدة الرابعة ms6037 : صحة الاستدلال في الدين لقوله تعالى : ~~{ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } . الفائدة الخامسة : أن المعدوم ليس بشيء ~~والآية نص في ذلك فإن قيل المراد ولم تك شيئا مذكورا كما في قوله تعالى : { ~~هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } ( الإنسان : 1 ) ~~قلنا : الإضمار خلاف الأصل وللخصم أن يقول الآية تدل على أن الإنسان لم يكن ~~شيئا ونحن نقول به لأن الإنسان عبارة عن جواهر متألفة قامت بها أعراض ~~مخصوصة والجواهر المتألفة الموصوفة بالأعراض المخصوصة / غير ثابتة في العدم ~~إنما الثابت هو أعيان تلك الجواهر مفردة غير مركبة وهي ليست بإنسان فظهر أن ~~الآية لا دلالة فيها على المطلوب . الفائدة السادسة : أن الله تعالى ذكر ~~هذه القصة في سورة آل عمران وذكرها في هذا الموضع فلنعتبر حالها في ~~الموضعين فنقول : الأول : أنه تعالى بين في هذه السورة أنه دعا ربه ولم ~~يبين الوقت وبينه في آل عمران بقوله : { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد ~~عندها رزقا قال يامريم * مريم * أنى لك هاذا قالت هو من عند الله إن الله ~~يرزق من يشاء بغير حساب * هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية ~~طيبة } ( آل عمران : 37 ، 38 ) والمعنى أن زكريا عليه السلام لما رأى خرق ~~العادة في حق مريم عليها السلام طمع فيه في حق نفسه فدعا . الثاني : وهو أن ~~الله تعالى صرح في آل عمران بأن المنادي هو الملائكة لقوله : { فنادته ~~الملئكة وهو قائم يصلى فى المحراب } ( آل عمران : 39 ) وفي هذه السورة ~~الأظهر أن المنادي بقوله : { رضيا يازكريا إنا نبشرك } ( مريم : 7 ) هو ~~الله تعالى وقد بينا أنه لا منافاة بين الأمرين . الثالث : أنه قال في آل ~~عمران : { أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر } ( آل عمران : ~~40 ) فذكر أولا كبر نفسه ثم عقر المرأة وهو في هذه السورة قال : { أنى يكون ~~لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا } ( مريم : 8 ) وجوابه ~~أن الواو لا ms6038 تقتضي الترتيب . الرابع : قال في آل عمران : { وقد بلغني الكبر ~~} وقال ههنا وقد بلغت من الكبر وجوابه أن ما بلغك فقد بلغته . الخامس : قال ~~في آل عمران : { ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر } ( آل عمران : ~~41 ) وقال ههنا : { ثلاث ليال سويا } ( مريم : 10 ) وجوابه : دلت الآيتان ~~على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن والله أعلم . القصة الثانية : قصة مريم ~~وكيفية ولادة عيسى عليه السلام اعلم أنه تعالى إنما قدم قصة يحيى على قصة ~~عيسى PageV21P166 عليهما السلام لأن خلق الولد من شيخين فانيين أقرب إلى ~~مناهج العادات من تخليق الولد لا من الأب البتة وأحسن الطرق في التعليم ~~والتفهيم الأخذ من الأقرب فالأقرب مترقيا إلى الأصعب فالأصعب . # ! 7 < { واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا * فاتخذت ~~من دونهم حجابا فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 16 - 17 ) واذكر في الكتاب . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إذ بدل من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما ~~فيها وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكر وقت هذا الوقوع لهذه القصة العجيبة فيه ~~. # المسألة الثانية : النبذ أصله الطرح والإلقاء والانتباذ افتعال منه ومنه ~~: { فنبذوه وراء ظهورهم } ( آل عمران : 187 ) وانتبذت تنحت يقال جلس نبذة ~~من الناس ونبذة بضم النون وفتحها أي ناحية وهذا إذا جلس قريبا منك حتى لو ~~نبذت إليه شيئا وصل إليه ونبذت الشيء رميته ومنه النبيذ لأنه يطرح في ~~الإناء / وأصله منبوذ فصرف إلى فعيل ومنه قيل للقيط منبوذ لأنه يرمى به ~~ومنه النهي عن المنابذة في البيع وهو أن يقول : إذا نبذت إليك هذا الثوب أو ~~الحصاة فقد وجب البيع إذ عرفت هذا فنقول قوله تعالى : { إذ انتبذت من أهلها ~~مكانا شرقيا } معناه تباعدت وانفردت على سرعة إلى مكان يلي ناحية الشرق ثم ~~بين تعالى أنها مع ذلك اتخذت من دون أهلها حجابا مستورا وظاهر ذلك أنها لم ~~تقتصر على أن انفردت إلى موضع بل جعلت بينها وبينهم حائلا من حائط أو غيره ~~ويحتمل ms6039 أنها جعلت بين نفسها وبينهم سترا وهذا الوجه الثاني أظهر من الأول ~~ثم لا بد من احتجابها من أن يكون لغرض صحيح وليس مذكورا واختلف المفسرون ~~فيه على وجوه . الأول : أنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد ~~للعبادة لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود فلما طهرت جاءها جبريل عليه السلام . ~~والثاني : أنها طلبت الخلوة لئلا تشتغل عن العبادة . والثالث : قعدت في ~~مشرقة للاغتسال من الحيض محتجبة بشيء يسترها . والرابع : أنها كان لها في ~~منزل زوج أختها زكرياء محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها ~~فتمنت ( على ) الله ( أن ) تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفرج السقف لها ~~فخرجت إلى المفازة فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك . وخامسها : ~~عطشت فخرجت إلى المفازة لتستقي واعلم أن كل هذه الوجوه محتمل وليس في اللفظ ~~ما يدل على ترجيح واحد منها . # المسألة الثالثة : المكان الشرقي هو الذي يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي ~~دارها وعن ابن عباس رضي الله عنهما : إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت ~~النصارى المشرق قبلة لقوله تعالى : { مكانا شرقيا } فاتخذوا ميلاد عيسى ~~قبلة . # المسألة الرابعة : أنها لما جلست في ذلك المكان أرسل الله إليها الروح ~~واختلف المفسرون في هذا الروح فقال الأكثرون : إنه جبريل عليه السلام وقال ~~أبو مسلم إنه الروح الذي تصور في بطنها بشرا والأول أقرب لأن جبريل عليه ~~السلام يسمى روحا قال الله تعالى : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ( ~~الشعراء : 193 194 ) PageV21P167 وسمي روحا لأنه روحاني وقيل خلق من الروح ~~وقيل لأن الدين يحيا به أو سماه الله تعالى بروحه على المجاز محبة له ~~وتقريبا كما تقول لحبيبك روحي وقرأ أبو حيوة روحنا بالفتح لأنه سبب لما فيه ~~روح العباد وإصابة الروح عند الله الذي هو عدة المتقين في قوله : { فأما إن ~~كان من المقربين * فروح وريحان * وجنة * نعيم } ( الواقعة : 88 ، 89 ) أو ~~لأنه من المقربين وهم الموعودون بالروح أي مقربنا وذا روحنا وإذا ثبت أنه ~~يسمى روحا فهو هنا يجب ms6040 أن يكون المراد به هو لأنه قال : { إنما أنا رسول ~~ربك لاهب لك غلاما زكيا } ( مريم : 19 ) ولا يليق ذلك إلا بجبريل عليه ~~السلام واختلفوا في أنه كيف ظهر لها . فالأول : أنه ظهر لها على صورة شاب ~~أمرد حسن الوجه سوي الخلق . والثاني : أنه ظهر لها على صورة ترب لها اسمه ~~يوسف من خدم بيت المقدس وكل ذلك محتمل ولا دلالة في اللفظ على التعيين ثم ~~قال : وإنما تمثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه فلو ظهر ~~لها / في صورة الملائكة لنفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه ثم ههنا ~~إشكالات . أحدهما : وهو أنه لو جاز أن يظهر الملك في صورة إنسان معين ~~فحينئذ لا يمكننا القطع بأن هذا الشخص الذي أراه في الحال هو زيد الذي ~~رأيته بالأمس لاحتمال أن الملك أو الجني تمثل في صورته وفتح هذا الباب يؤدي ~~إلى السفسطة ، لا يقال هذا إنما يجوز في زمان جواز البعثة فأما في زماننا ~~هذا فلا يجوز لأنا نقول هذا الفرق إنما يعلم بالدليل ، فالجاهل بذلك الدليل ~~يجب أن لا يقطع بأن هذا الشخص الذي أراه الآن هو الشخص الذي رأيته بالأمس . ~~وثانيها : أنه جاء في الأخبار أن جبريل عليه السلام شخص عظيم جدا فذلك ~~الشخص العظيم كيف صار بدنه في مقدار جثة الإنسان أبأن تساقطت أجزاؤه وتفرقت ~~بنيته فحينئذ لا يبقى جبريل أو بأن تداخلت أجزاؤه وذلك يوجب تداخل الأجزاء ~~وهو محال . وثالثها : وهو أنا لو جوزنا أن يتمثل جبريل عليه السلام في صورة ~~الآدمي فلم لا يجوز تمثله في صورة جسم أصغر من الآدمي حتى الذباب والبق ~~والبعوض ومعلوم أن كل مذهب جر إلى ذلك فهو باطل . ورابعها : أن تجويزه يفضي ~~إلى القدح في خبر التواتر فلعل الشخص الذي حارب يوم بدر لم يكن محمدا بل ~~كان شخصا آخر تشبه به وكذا القول في الكل . والجواب عن الأول أن ذلك ~~التجويز لازم على الكل لأن من اعترف بافتقار العالم إلى الصانع المختار فقد ~~قطع ms6041 بكونه تعالى قادرا على أن يخلق شخصا آخر مثل زيد في خلقته وتخطيطه وإذا ~~جوزنا ذلك فقد لزم الشك في أن زيدا المشاهد الآن هو الذي شاهدناه بالأمس أم ~~لا ، ومن أنكر الصانع المختار وأسند الحوادث إلى اتصالات الكواكب وتشكلات ~~الفلك لزمه تجويز أن يحدث اتصال غريب في الأفلاك يقتضي حدوث شخص مثل زيد في ~~كل الأمور وحينئذ يعود التجويز المذكور . ( وعن الثاني ) : أنه لا يمتنع أن ~~يكون جبريل عليه السلام له أجزاء أصلية وأجزاء فاضلة والأجزاء الأصلية ~~قليلة جدا فحينئذ يكون متمكنا من التشبه بصورة الإنسان ، هذا إذا جعلناه ~~جسمانيا أما إذا جعلناه روحانيا فأي استبعاد في أن يتدرع تارة بالهيكل ~~العظيم وأخرى بالهيكل الصغير . ( وعن الثالث ) : أن أصل التجويز قائم في ~~العقل وإنما عرف فساده بدلائل السمع وهو الجواب عن السؤال الرابع والله ~~أعلم . # ! 7 < { قالت إنىأعوذ بالرحمان منك إن كنت تقيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 18 ) قالت إني أعوذ . . . . . # > > وفيه وجوه : أحدها : أرادت أن كان يرجى منك أن تتقي الله ويحصل ذلك ~~بالاستعاذة به فإني عائذة به منك وهذا في نهاية الحسن لأنها علمت أنه لا ~~تؤثر PageV21P168 الاستعاذة إلا في التقي وهو كقوله : { وذروا ما بقى من ~~الربواا إن كنتم مؤمنين } ( البقرة : 278 ) أي أن شرط الإيمان يوجب هذا لا ~~أن الله تعالى يخشى في حال دون حال . وثانيها : أن معناه / ما كنت تقيا حيث ~~استحللت النظر إلي وخلوت بي . وثالثها ؛ أنه كان في ذلك الزمان إنسان فاجر ~~اسمه تقى يتبع النساء فظنت مريم عليها السلام أن ذلك الشخص المشاهد هو ذلك ~~التقي والأول هو الوجه . # ! 7 < { قال إنمآ أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 19 ) قال إنما أنا . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لما علم جبريل خوفها قال : { إنما أنا رسول ربك } ليزول ~~عنها ذلك الخوف ولكن الخوف لا يزول بمجرد هذا القول بل لا بد من دلالة تدل ~~على أنه جبريل عليه السلام وما كان من الناس فههنا يحتمل أن يكون قد ظهر ~~معجز عرفت ms6042 به جبريل عليه السلام ويحتمل أنها من جهة زكريا عليه السلام عرفت ~~صفة الملائكة فلما قال لها : { إنما أنا رسول ربك } أظهر لها من باطن جسده ~~ما عرفت أنه ملك فيكون ذلك هو العلم وسأل القاضي عبد الجبار في تفسيره نفسه ~~فقال : إذا لم تكن نبية عندكم وكان من قولكم أن الله تعالى لم يرسل إلى ~~خلقه إلا رجالا فكيف يصح ذلك وأجاب أن ذلك إنما وقع في زمان زكريا عليه ~~السلام وكان رسولا وكل ذلك كان عالما به وهذا ضعيف لأن المعجز إذا كان ~~مفعولا للنبي فأقل ما فيه أن يكون عليه السلام عالما به وزكريا ما كان عنده ~~علم بهذه الوقائع فكيف يجوز جعله معجزا له بل الحق أن ذلك إما أن يكون ~~كرامة لمريم أو إرهاصا لعيسى عليه السلام . # المسألة الثانية : قرأ ابن عامر ونافع ليهب بياء مفتوحة بعد اللام أي ~~ليهب الله لك والباقون بهمزة مفتوحة بعدها أما قوله لأهب لك ففي مجازه ~~وجهان . الأول : أن الهبة لما جرت على يده بأن كان هو الذي نفخ في جيبها ~~بأمر الله تعالى جعل نفسه كأنه هو الذي وهب لها وإضافة الفعل إلى ما هو سبب ~~له مستعمل قال تعالى في الأصنام : { إنهن أضللن كثيرا من الناس } ( إبراهيم ~~: 36 ) . الثاني : أن جبريل عليه السلام لما بشرها بذلك كانت تلك البشارة ~~الصادقة جارية مجرى الهبة فإن قال قائل ما الدليل على أن جبريل عليه السلام ~~لا يقدر على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والعقل والنطق فيها والذي يقال فيه ~~: إن جبريل عليه السلام جسم والجسم لا يقدر على هذه الأشياء أما أنه جسم ~~فلأنه محدث وكل محدث إما متحيز أو قائم بالمتحيز وأما أن الجسم لا يقدر على ~~هذه الأشياء فلأنه لو قدر جسم على ذلك لقدر عليه كل جسم لأن الأجسام ~~متماثلة وهو ضعيف لأن للخصم أن يقول لا نسلم أن كل محدث إما متحيز أو قائم ~~به ، بل ههنا موجودات قائمة بأنفسها لا متحيزة ولا قائمة بالمتحيز ولا ms6043 يلزم ~~من كونها كذلك كونها أمثالا لذات الله تعالى لأن الاشتراك في الصفات ~~الثبوتية لا يقتضي التماثل فكيف في الصفات السلبية سلمنا كونه جسما فلم قلت ~~الجسم لا يقدر عليه قوله الأجسام متماثلة قلنا نعني به أنها متماثلة في ~~كونها حاصلة في الأحياز ذاهبة في الجهات أو نعني به / أنها متماثلة في تمام ~~ماهياتها . والأول مسلم لكن حصولها في الأحياز صفات لتلك الذوات والاشتراك ~~في الصفات لا يوجب الاشتراك في ماهيات المواصفات سلمنا أن الأجسام متماثلة ~~فلم لا يجوز أن يقال : إن الله تعالى خص بعضها بهذه القدرة دون البعض حتى ~~أنه يصح منها ذلك ولا يصح من البشر ذلك والجواب PageV21P169 الحق أن ~~المعتمد في دفع هذا الاحتمال اجماع الأمة فقط والله أعلم . # المسألة الثالثة : الزكي يفيد أمورا ثلاثة : الأول : أنه الطاهر من ~~الذنوب . والثاني : أنه ينمو على التزكية لأنه يقال فيمن لا ذنب له زكي ، ~~وفي الزرع النامي زكي . والثالث : النزاهة والطهارة فيما يجب أن يكون عليه ~~ليصح أن يبعث نبيا وقال بعض المتكلمين الأولى أن يحمل على الكل وهو ضعيف ~~لما عرفت في أصول الفقه أن اللفظ الواحد لا يجوز حمله على المعنيين سواء ~~كان حقيقة فيهما أو في أحدهما مجازا وفي الآخر حقيقة . # المسألة الرابعة : سماه زكيا مع أنه لم يكن له شيء من الدنيا وأنت إذا ~~نظرت في سوقك فمن لم يملك شيئا فهو شقي عندك . وإنما الزكي من يملك المال ~~والله يقول كان زكيا ، لأن سيرته الفقر وغناه الحكمة والكتاب وأنت فإنما ~~تسمى بالزكي من كانت سيرته الجهل وطريقته المال . # ! 7 < { قالت أنى يكون لى غلام ولم يمسسنى بشر ولم أك بغيا * قال كذالك ~~قال ربك هو على هين ولنجعله ءاية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 20 - 21 ) قالت أنى يكون . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنها إنما تعجبت بما بشرها جبريل عليه السلام لأنها ~~عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل والعادات عند أهل المعرفة ~~معتبرة في الأمور وإن جوزوا ms6044 خلاف ذلك في القدرة فليس في قولها هذا دلالة ~~على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداء وكيف وقد عرفت أنه ~~تعالى خلق أبا البشر على هذا الحد ولأنها كانت منفردة بالعبادة ومن يكون ~~كذلك لا بد من أن يعرف قدرة الله تعالى على ذلك . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول قولها : { ولم يمسسنى بشر } يدخل تحته ~~قولها : { ولم أك بغيا } فلماذا أعادتها ومما يؤكد هذا السؤال أن في سورة ~~آل عمران قالت : { رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر قال كذالك الله يخلق ~~ما يشاء } ( آل عمران : 47 ) فلم تذكر البغاء والجواب من وجوه : أحدها : ~~أنها جعلت المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه لقوله : { من قبل أن ~~تمسوهن } ( الأحزاب : 49 ) والزنا ليس كذلك إنما يقال فجر بها أو ما أشبه ~~ذلك ولا يليق به رعاية الكنايات . وثانيها : أن أعادتها لتعظيم حالها كقوله ~~: { حافظوا على الصلوات والصلواة الوسطى } ( البقرة : 238 ) وقوله : { ~~وملئكته ورسله وجبريل وميكال } / فكذا ههنا إن من لم تعرف من النساء بزوج ~~فأغلظ أحوالها إذا أتت بولد أن تكون زانية فأفراد ذكر البغاء بعد دخوله في ~~الكلام الأول لأنه أعظم ما في بابه . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) البغي الفاجرة التي تبغي الرجال ~~وهو فعول عند المبرد بغوي فأدغمت الواو في الياء ، وقال ابن جني في كتاب ( ~~التمام ) هو فعيل ولو كان فعولا لقيل بغوا كما قيل نهوا عن المنكر . ~~PageV21P170 # المسألة الرابعة : أن جبريل عليه السلام أجابها بقوله : { قال كذالك قال ~~ربك هو على هين } وهو كقوله في آل عمران : { كذالك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ( آل عمران : 47 ) لا يمتنع عليه فعل ما ~~يريد خلقه ولا يحتاج في إنشائه إلى الآلات والمواد . # المسألة الخامسة : الكناية في : { هو على هين } وفي قوله : { ولنجعله ~~ءاية للناس } تحتمل وجهين : الأول : أن تكون راجعة إلى الخلق أي أن خلقه ~~علي هين ولنجعل خلقه آية للناس إذ ولد من غير ms6045 ذكر ورحمة منا يرحم عبادنا ~~بإظهار هذه الآيات حتى تكون دلائل صدقه أبهر فيكون قبول قوله أقرب . الثاني ~~: أن ترجع الكنايات إلى الغلام وذلك لأنها لما تعجبت من كيفية وقوع هذا ~~الأمر على خلاف العادة أعلمت أن الله تعالى جاعل ولدها آية على وقوع ذلك ~~الأمر الغريب ، فأما قوله تعالى : { ورحمة منا } فيحتمل أن يكون معطوفا على ~~{ ولنجعله ءاية للناس } أي فعلنا ذلك : { ورحمة منا } فعلنا ذلك ويحتمل أن ~~يكون معطوفا على الآية أي : ولنجعله آية ورحمة فعلنا ذلك . # المسألة السادسة : قوله : { وكان أمرا مقضيا } المراد منه أنه معلوم لعلم ~~الله تعالى فيمتنع وقوع خلافه لأنه لو لم يقع لانقلب علم الله جهلا وهو ~~محال والمفضي إلى المحال محال فخلافه محال فوقوعه واجب وأيضا فلأن جميع ~~الممكنات منتهية في سلسلة القضاء والقدر إلى واجب الوجود والمنتهي إلى ~~الواجب انتهاء واجبا يكون واجب الوجود وإذا كان واجب الوجود فلا فائدة في ~~الحزن والأسف وهذا هو سر قوله عليه السلام : ( من عرف سر الله في القدر ~~هانت عليه المصائب ) . # ! 7 < { فحملته فانتبذت به مكانا قصيا * فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة ~~قالت ياليتنى مت قبل هاذا وكنت نسيا منسيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 22 - 23 ) فحملته فانتبذت به . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكر الله تعالى أمر النفخ في آيات فقال : { فنفخنا فيه ~~من روحنا } ( التحريم : 12 ) أي في عيسى عليه السلام كما قال لآدم عليه ~~السلام : { ونفخت فيه من روحى } ( الحجر : 29 ) وقال فنفخنا فيها لأن عيسى ~~/ عليه السلام كان في بطنها واختلفوا في النافخ فقال بعضهم كان النفخ من ~~الله تعالى لقوله : { فنفخنا فيه من روحنا } وظاهره يفيد أن النافخ هو الله ~~تعالى لقوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب } ( آل ~~عمران : 59 ) ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل ، وفي حق ~~آدم النافخ هو الله تعالى لقوله تعالى : { ونفخت فيه من روحى } فكذا ههنا ~~وقال آخرون : النافخ هو جبريل عليه السلام لأن الظاهر من قول جبريل عليه ms6046 ~~السلام : { لاهب لك } ( مريم : 19 ) أنه أمر أن يكون من قبله حتى يحصل ~~الحمل لمريم عليها السلام فلا بد من إحالة النفخ إليه ، ثم اختلفوا في ~~كيفية ذلك النفخ على قولين : الأول : قول وهب إنه نفخ جبريل في جيبها حتى ~~وصلت إلى الرحم . الثاني : في ذيلها فوصلت إلى الفرج . الثالث : قول السدي ~~أخذ بكمها فنفخ في جنب درعها فدخلت النفخة صدرها فحملت فجاءتها أختها امرأة ~~زكريا PageV21P171 تزورها فالتزمتها فلما التزمتها علمت أنها حبلى وذكرت ~~مريم حالها ، فقالت امرأة زكريا إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك ~~قوله تعالى : { مصدقا بكلمة من الله } ( آل عمران : 39 ) . الرابع : أن ~~النفخة كانت في فيها فوصلت إلى بطنها فحملت في الحال ، إذ عرفت هذا ظهر أن ~~في الكلام حذفا وهو ، وكان أمرا مقضيا ، فنفخ فيها فحملته . # المسألة الثانية : قيل حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة ، وقيل بنت عشرين وقد ~~كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل . وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه ~~الأحوال . # المسألة الثالثة : { فانتبذت به } أي اعتزلت وهو في بطنها كقوله : { تنبت ~~بالدهن } ( المؤمنون : 20 ) أي تنبت والدهن فيها ، واختلفوا في علة ~~الإنتباذ على وجوه . أحدها : ما رواه الثعلبي في ( العرائس ) عن وهب قال : ~~إن مريم لما حملت بعيسى عليه السلام كان معها ابن عم لها يقال له يوسف ~~النجار وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون ، وكان يوسف ومريم ~~يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم في أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا ولا عبادة ~~منهما ، وأول من عرف حمل مريم يوسف فتحير في أمرها فكلما أراد أن يتهمها ~~ذكر صلاحها وعبادتها ، وأنها لم تغب عنه ساعة قط ، وإذا أراد أن يبرئها رأى ~~الذي ظهر بها من الحمل فأول ما تكلم أنه قال إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ~~وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري ، فقالت : ~~قل قولا جميلا قال : أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل تنبت شجرة ms6047 ~~من غير غيث ، وهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت نعم : ألم تعلم أن الله أنبت ~~الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنما حصل من الزرع الذي أنبته من غير ~~بذر ، ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث ~~حياة الشجر بعد ما خلق كل واحد منهما على حدة ، أو تقول إن الله تعالى لا ~~يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء ، ولولا ذلك لم يقدر على ~~إنباتها ، فقال يوسف : لا أقول هذا ولكني أقول إن الله قادر على ما يشاء ~~فيقول له كن فيكون / فقالت له مريم : أو لم / تعلم أن الله خلق آدم وامرأته ~~من غير ذكر ولا أنثى ؟ فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في ~~خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل وضيق القلب ، فلما دنا نفاسها ~~أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى ~~أرض مصر على حمار له ، فلما بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فألجأها إلى أصل ~~نخلة ، وذلك في زمان برد فاحتضنتها فوضعت عندها . وثانيها : أنها استحيت من ~~زكريا فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا . وثالثها : أنها كانت مشهورة ~~في بني إسرائيل بالزهد لنذر أمها وتشاح الأنبياء في تربيتها وتكفل زكريا ~~بها ، ولأن الرزق كان يأتيها من عند الله تعالى ، فلما كانت في نهاية ~~الشهرة استحيت من هذه الواقعة فذهبت إلى مكان بعيد لا يعلم بها زكريا . ~~ورابعها : أنها خافت على ولدها لو ولدته فيما بين أظهرهم ، واعلم أن هذه ~~الوجوه محتملة ، وليس في القرآن ما يدل على شيء منها . # المسألة الرابعة : اختلفوا في مدة حملها على وجوه : الأول : قول ابن عباس ~~رضي الله عنهما إنها كانت تسعة أشهر كما في سائر النساء بدليل أن الله ~~تعالى ذكر مدائحها في هذا الموضع فلو كانت عادتها في مدة حملها بخلاف عادات ~~النساء لكان ذلك أولى بالذكر . الثاني : أنها كانت ثمانية أشهر ، ولم يعش ~~مولود وضع لثمانية ms6048 إلا عيسى ابن مريم عليه السلام . الثالث : وهو قول عطاء ~~وأبي العالية والضحاك سبعة أشهر . PageV21P172 الرابع : أنها كانت ستة أشهر ~~. الخامس : ثلاث ساعات حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة . السادس ~~: وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما أيضا كانت مدة الحمل ساعة واحدة ويمكن ~~الاستدلال عليه من وجهين : الأول : قوله تعالى : { فحملته فانتبذت به } ( ~~مريم : 23 ) { فأجاءها المخاض } ( مريم : 23 ) ، { فناداها من تحتها } ( ~~مريم : 24 ) والفاء للتعقيب فدلت هذه الفاءات على أن كل واحد من هذه ~~الأحوال حصل عقيب الآخر من غير فصل وذلك يوجب كون مدة الحمل ساعة واحدة لا ~~يقال انتباذها مكانا قصيا كيف يحصل في ساعة واحدة لأنا نقول : السدي فسره ~~بأنها ذهبت إلى أقصى موضع في جانب محرابها . الثاني : أن الله تعالى قال في ~~وصفه : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ~~} ( آل عمران : 59 ) فثبت أن عيسى عليه السلام كما قال الله تعالى له : { ~~كن فيكون } وهذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل ، وإنما تعقل تلك المدة في حق ~~من يتولد من النطفة . # المسألة الخامسة : { قصيا } أي بعيد من أهلها ، يقال مكان قاص ، وقصي ~~بمعنى واحد مثل عاص وعصي ، ثم اختلفوا فقيل : أقصى الدار ، وقيل وراء الجبل ~~، وقيل : سافرت مع ابن عمها يوسف وقد تقدمت هذه الحكاية . # المسألة السادسة : قال صاحب ( الكشاف ) : { * أجاء } منقول من جاء إلا أن ~~استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء فإنك لا تقول جئت المكان ، ~~وأجاءنيه زيد كما تقول بلغنيه وأبلغته ، والمعنى أن طلقها ألجأها إلى جذع ~~النخلة ثم يحتمل أنها إنما ذهبت إلى النخلة طلبا لسهولة الولادة / للتشبث ~~بها . ويحتمل للتقوية والاستناد إليها ، ويحتمل للتستر بها ممن يخشى منه ~~القالة إذا رآها ، ولذلك حكى الله عنها أنها تمنت الموت . # المسألة السابعة : قال في ( الكشاف ) قرأ ابن كثير في رواية المخاض ~~بالكسر يقال مخضت الحامل ومخاضا وهو تمخض الولد في بطنها . # المسألة الثامنة : قال في ( الكشاف ) كان جذع ms6049 نخلة يابسة في الصحراء ليس ~~لها رأس ولا ثمر ولا خضرة ، وكان الوقت شتاء والتعريف إما أن يكون من تعريف ~~الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق كأن تلك الصحراء كان فيها جذع نخلة ~~مشهور عند الناس / فإذا قيل : جذع النخلة فهم منه ذلك دون سائره وإما أن ~~يكون تعريف الجنس أي إلى جذع هذه الشجرة خاصة كان الله أرشدها إلى النخلة ~~ليطعمها منها الرطب الذي هو أشد الأشياء موافقة للنفساء ، ولأن النخلة أقل ~~الأشياء صبرا على البرد ولا تثمر إلا عند اللقاح ، وإذا قطعت رأسها لم تثمر ~~، فكأنه تعالى قال كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر فكذا النخلة لا تثمر ~~إلا عند اللقاح ، ثم إني أظهر الرطب من غير اللقاح ليدل ذلك على جواز ظهور ~~الولد من غير ذكر . # المسألة التاسعة : لم قالت : { قالت ياليتنى مت قبل هاذا } مع أنها كانت ~~تعلم أن الله تعالى بعث جبريل إليها وخلق ولدها من نفخ جبريل عليه السلام ~~ووعدها بأن يجعلها وابنها آية للعالمين ، والجواب من وجهين : الأول : قال ~~وهب : أنساها كربة الغربة وما سمعته من الناس ( من ) بشارة الملائكة بعيسى ~~عليه السلام . الثاني : أن عادة الصالحين إذا وقعوا في بلاء أن يقولوا ذلك ~~. وروى عن أبي بكر أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال : طوبى لك يا طائر تقع ~~على الشجرة وتأكل من الثمرا وددت أبي ثمرة ينقرها الطائرا وعن عمر أنه أخذ ~~تبنة من PageV21P173 الأرض وقال : ليتني هذه التبنة يا ليتني لم أك شيئا ! ~~وقال علي يوم الجمل : يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ، وعن بلال : ~~ليت بلال لم تلده أمه . فثبت أن هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد ~~الأمر عليهم . الثالث : لعلها قالت ذلك لكي لا تقع المعصية ممن يتكلم فيها ~~، وإلا فهي راضية بما بشرت به . # المسألة العاشرة : قال صاحب ( الكشاف ) النسي ما من حقه أن يطرح وينسى ~~كخرقة الطمث ونحوها كالذبح اسم ما من شأنه أن يذبح كقوله : { وفديناه بذبح ~~عظيم } ( الصافات : 107 ) تمنت لو ms6050 كانت شيئا تافها لا يؤبه به ومن حقه أن ~~ينسى في العادة وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة نسيا بالفتح والباقون نسيا ~~بالكسر قال الفراء : هما لغتان كالوتر والوتر والجسر والجسر ، وقرأ محمد بن ~~كعب القرظي نسيئا بالهمزة وهو الحليب المخلوط بالماء ينساه أهله لقلته وقرأ ~~الأعمش منسيا بالكسر على الإتباع كالمغير والمنخر والله أعلم . # ! 7 < { فناداها من تحتهآ ألا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا * وهزىإليك ~~بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا * فكلى واشربى وقرى عينا فإما ترين من ~~البشر أحدا فقولىإنى نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 24 - 26 ) فناداها من تحتها . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : فناداها من تحتها القراءة المشهورة فناداها وقرأ زر ~~وعلقمة فخاطبها وفي الميم فيها قراءتان فتح الميم وهو المشهور وكسره وهو ~~قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص وفي المنادي ثلاثة أوجه : الأول : أنه عيسى ~~عليه السلام وهو قول الحسن وسعيد بن جبير . والثاني : أنه جبريل عليه ~~السلام وأنه كان كالقابلة للولد . والثالث : أن المنادي على القراءة بالكسر ~~هو الملك وعلى القراءة بالفتح هو عيسى عليه السلام وهو مروي عن ابن عيينة ~~وعاصم والأول أقرب لوجوه : الأول : أن قوله : { فناداها من تحتها } بفتح ~~الميم إنما يستعمل إذا كان قد علم قبل ذلك أن تحتها أحدا والذي علم كونه ~~حاصلا تحتها هو عيسى عليه السلام فوجب حمل اللفظ عليه ، وأما القراءة بكسر ~~الميم فهي لا تقتضي كون المنادي جبريل عليه السلام ، فقد صح قولنا . الثاني ~~: أن ذلك الموضع موضع اللوث والنظر إلى العورة وذلك لا يليق بالملائكة . ~~الثالث : أن قوله فناداها فعل ولا بد وأن يكون فاعله قد تقدم ذكره ولقد ~~تقدم قبل هذه الآية ذكر جبريل وذكر عيسى عليهما السلام إلا أن ذكر عيسى ~~أقرب لقوله تعالى : { فحملته فانتبذت به } ( مريم : 22 ) والضمير ههنا عائد ~~إلى المسيح فكان حمله عليه أولى . والرابع : وهو دليل الحسن بن علي عليه ~~السلام أن عيسى عليه السلام لو لم يكن كلمها لما علمت أنه ينطق فما ms6051 كانت ~~تشير إلى عيسى عليه السلام بالكلام فأما من قال المنادي هو عيسى عليه ~~السلام فالمعنى أنه تعالى أنطقه لها حين وضعته تطييبا لقلبها وإزالة للوحشة ~~عنها حتى تشاهد في أول الأمر ما بشرها به جبريل عليه السلام من علو شأن ذلك ~~الولد ومن قال المنادي جبريل عليه السلام قال إنه أرسل إليها ليناديها بهذه ~~الكلمات كما أرسل إليها في أول الأمر ليكون ذلك تذكيرا لها بما تقدم من ~~أصناف البشارات ، وأما PageV21P174 قوله : { من تحتها } فإن حملناه على ~~الولد فلا سؤال وإن حملناه على الملك ففيه وجهان : الأول : أن يكونا معا في ~~مكان مستو ويكون هناك مبدأ معين كتلك النخلة ههنا فكل من كان أقرب منها كان ~~فوق وكل من كان أبعد منها كان تحت وفسر الكلبي قوله تعالى : { إذ جاءوكم من ~~فوقكم ومن أسفل منكم } ( الأحزاب : 10 ) بذلك وعلى هذا الوجه قال بعضهم : / ~~إنه ناداها من أقصى الوادي . والثاني : أن يكون موضع أحدهما أعلى من موضع ~~الآخر فيكون صاحب العلو فوق صاحب السفل وعلى هذا الوجه روي عن عكرمة أنها ~~كانت حين ولدت على مثل رابية وفيه وجه ثالث : يحكى عن عكرمة وهو أن جبريل ~~عليه السلام ناداها من تحت النخلة ثم على التقديرات الثلاثة يحتمل أن تكون ~~مريم قد رأته وأنها ما رأته وليس في اللفظ ما يدل على شيء من ذلك . # المسألة الثانية : اتفق المفسرون إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد أن السري ~~هو النهر والجدول سمي بذلك لأن الماء يسري فيه وأما الحسن وابن زيد فجعلا ~~السري عيسى والسري هو النبيل الجليل يقال فلان من سروات قومه أي من أشرافهم ~~وروي أن الحسن رجع عنه وروي عن قتادة وغيره أن الحسن تلا هذه الآية وبجنبه ~~حميد بن عبد الرحمن الحميري : { قد جعل ربك تحتك سريا } فقال : إن كان ~~لسريا وإن كان لكريما / فقال له حميد : يا أبا سعيد إنما هو الجدول فقال له ~~الحسن من ثم تعجبنا مجالستك ، واحتج من حمله على النهر بوجهين : أحدهما : ~~أنه ms6052 سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن السري فقال : هو الجدول . والثاني : ~~أن قوله : { فكلى واشربى } يدل على أنه نهر حتى ينضاف الماء إلى الرطب ~~فتأكل وتشرب واحتج من حمله ( على ) عيسى بوجهين : الأول : أن النهر لا يكون ~~تحتها بل إلى جانبها ولا يجوز أن يجاب عنه بأن المراد منه أنه جعل النهر ~~تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله : { وهاذه الانهار تجرى من ~~تحتى } ( الزخرف : 51 ) لأن هذا حمل للفظ على مجازه ولو حملناه على عيسى ~~عليه السلام لم يحتج إلى هذا المجاز . الثاني : أنه موافق لقوله تعالى : { ~~وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية وءاويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } ( ~~المؤمنون : 50 ) والجواب عنه ما تقدم أن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ ~~معين فكل من كان أقرب منه كان فوق وكل من كان أبعد منه كان من تحت فرعان : ~~الأول : إن حملنا السري على النهر ففيه وجهان : أحدهما : أن جبريل عليه ~~السلام ضرب برجله فظهر ماء عذب . والثاني : أنه كان هناك ماء جار . والأول ~~: أقرب لأن قوله : { قد جعل ربك تحتك سريا } مشعر بالحدوث في ذلك الوقت ~~ولأن الله تعالى ذكره تعظيما لشأنها وذلك لا يثبت إلا على الوجه الذي قلناه ~~. الثاني : اختلفوا في أن السري هو النهر مطلقا وهو قول أبي عبيدة والفراء ~~أو النهر الصغير على ما هو قول الأخفش . # المسألة الثالثة : قال القفال : الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس ~~الذي عليه الثمرة وقال قطرب : كل خشبة في أصل شجرة فهي جذع وأما الباء في ~~قوله بجذع النخلة فزائدة والمعنى هزي إليك أي حركي جذع النخلة ، قال الفراء ~~: العرب تقول هزه وهز به وخذ الخطام وخذ بالخطام وزوجتك فلانة وبفلانة ، ~~وقال الأخفش : يجوز أن يكون على معنى هزي إليك رطبا بجذع النخلة أي على ~~جذعها ، إذا عرفت هذا فنقول : قد تقدم أن الوقت كان شتاء وأن النخلة كانت ~~يابسة ، واختلفوا في أنه هل أثمر الرطب وهو على حاله أو تغير ، وهل أثمر مع ms6053 ~~الرطب غيره ؟ والظاهر / يقتضي أنه صار نخلة لقوله بجذع النخلة وأنه ما أثمر ~~إلا الرطب . # المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) : تساقط فيه تسع قراءات تساقط ~~بادغام التاء وتتساقط بإظهار PageV21P175 التاءين وتساقط بطرح الثانية ~~ويساقط بالياء وإدغام التاء وتساقط وتسقط ويسقط وتسقط ويسقط التاء للنخلة ~~والياء للجذع . # المسألة الخامسة : رطبا تمييز أو مفعول على حسب القراءة الجني المأخوذ ~~طريا وعن طلحة بن سليمان جنيا بكسر الجيم للأتباع والمعنى جمعنا لك في ~~السري والرطب فائدتين : إحداهما : الأكل والشرب . والثانية : سلوة الصدر ~~بكونهما معجزتين فإن قال قائل : فتلك الأفعال الخارقة للعادات لمن ؟ قلنا : ~~قالت المعتزلة : إنها كانت معجزة لزكريا وغيره من الأنبياء وهذا باطل لأن ~~زكرياء عليه السلام ما كان له علم بحالها ومكانها فكيف بتلك المعجزات ، بل ~~الحق أنها كانت كرامات لمريم أو إرهاصا لعيسى عليه السلام . # المسألة السادسة : فكلي واشربي وقري عينا قرىء بكسر القاف لغة نجد ونقول ~~قدم الأكل على الشرب لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى ~~شرب الماء لكثرة ما سال منها من الدماء ، ثم قال : وقري عينا ، وههنا سؤال ~~، وهو أن مضرة الخوف أشد من مضرة الجوع والعطش والدليل عليه أمران : أحدهما ~~: أن الخوف ألم الروح والجوع ألم البدن وألم الروح أقوى من ألم البدن . ~~والثاني : ما روي أنه أجيعت شاة ثم قدم العلف إليها وربط عندها ذئب فبقيت ~~الشاة مدة مديدة لا تتناول العلف مع جوعها الشديد خوفا من الذئب ثم كسرت ~~رجلها وقدم العلف إليها فتناولت العلف مع ألم البدن دلت هذه الحكاية على أن ~~ألم الخوف أشد من ألم البدن . إذا ثبت هذا فنقول : فلم قدم الله تعالى في ~~الحكاية دفع ضرر الجوع والعطش على دفع ضرر الخوف ، والجواب أن هذا الخوف ~~كان قليلا لأن بشارة جبريل عليه السلام كانت قد تقدمت فما كانت تحتاج إلى ~~التذكير مرة أخرى . # المسألة السابعة : قال صاحب ( الكشاف ) قرأ ترئن بالهمزة ابن الرومي عن ~~أبي عمرو وهذا من لغة من يقول لبأت بالحج وحلأت السويق ms6054 وذلك لتآخ بين الهمز ~~وحرف اللين في الإبدال { صوما } صمتا وفي مصحف عبد الله صمتا وعن أنس بن ~~مالك مثله وقيل صياما إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم فعلى هذا كان ~~ذكر الصوم دالا على الصمت وهذا النوع من النذر كان جائزا في شرعهم ، وهل ~~يجوز مثل هذا النذر في شرعنا قال القفال لعله يجوز لأن الاحتراز عن كلام ~~الآدميين وتجريد الفكر لذكر الله تعالى قربة ، ولعله لا يجوز لما فيه من ~~التضييق وتعذيب النفس كنذر القيام في الشمس ، وروي أنه دخل أبو بكر على ~~امرأة قد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر : إن الإسلام هدم هذا فتكلمي ~~والله أعلم . # المسألة الثامنة : أمرها الله تعالى بأن تنذر الصوم لئلا تشرع مع من ~~اتهمها في الكلام / لمعنيين : أحدهما : أن كلام عيسى عليه السلام أقوى في ~~إزالة التهمة من كلامها وفيه دلالة على أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى . ~~والثاني : كراهة مجادلة السفهاء وفيه أن السكوت عن السفيه واجب ، ومن أذل ~~الناس سفيه لم يجد مسافها . # المسألة التاسعة : اختلفوا في أنها هل قالت معهم : { إنى نذرت للرحمان ~~صوما } فقال قوم : إنها ما تكلمت معهم بذلك لأنها كانت مأمورة بأن تأتي ~~بهذا النذر عند رؤيتها فإذا أتت بهذا النذر فلو تكلمت معهم بعد ذلك لوقعت ~~في المناقضة ولكنها أمسكت وأومأت برأسها ، وقال آخرون : إنها ما نذرت في ~~الحال بل صبرت حتى أتاها القوم فذكرت لهم : { إنى نذرت للرحمان صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا } وهذه الصيغة وإن PageV21P176 كانت عامة إلا أنها صارت ~~بالقرينة مخصوصة في حق هذا الكلام . # ! 7 < { فأتت به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا * ياأخت ~~هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا * فأشارت إليه قالوا كيف ~~نكلم من كان فى المهد صبيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 27 - 29 ) فأتت به قومها . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أنها كيف أتت بالولد على أقوال : الأول : ما ~~روي عن وهب قال : أنساها كرب الولادة وما سمعته من الناس ms6055 ما كان من كلام ~~الملائكة من البشارة بعيسى عليه السلام فلما كلمها جاءها مصداق ذلك ~~فاحتملته وأقبلت به إلى قومها . الثاني : ما روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن يوسف انتهى بمريم إلى غار فأدخلها فيه أربعين يوما حتى طهرت من ~~النفاس ثم أتت به قومها تحمله فكلمها عيسى في الطريق ، فقال : يا أماه ~~أبشري فإني عبد الله ومسيحه . وهذان الوجهان محتملان وليس في القرآن ما يدل ~~على التعيين . # المسألة الثانية : الفريء ، البديع وهو من فري الجلد يروى أنهم لما رأوها ~~ومعها عيسى عليه السلام قالوا لها : { لقد جئت شيئا فريا } فيحتمل أن يكون ~~المراد شيئا عجيبا خارجا عن العادة من غير تعيير وذم ويحتمل أن يكون مرادهم ~~شيئا عظيما منكرا فيكون ذلك منهم على وجه الذم وهذا أظهر لقولهم بعده : { ~~فريا ياأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } لأن هذا القول ~~ظاهره التوبيخ وأما هرون ففيه أربعة أقوال : الأول : أنه رجل صالح من بني ~~إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح ، والمراد أنك كنت في الزهد كهرون ~~فكيف صرت هكذا ، وهو قول / قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة ذكر أن ~~هرون الصالح تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمون هرون تبركا به وباسمه . ~~الثاني : أنه أخو موسى عليه السلام وعن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنوا ~~هرون النبي وكانت من أعقابه وإنما قيل أخت هرون كما يقال يا أخا همدان أي ~~يا واحدا منهم . والثالث : كان رجلا معلنا بالفسق فنسبت إليه بمعنى التشبيه ~~لا بمعنى النسبة . الرابع : كان لها أخ يسمى هرون من صلحاء بني إسرائيل ~~فعيرت به ، وهذا هو الأقرب لوجهين : الأول : أن الأصل في الكلام الحقيقة ~~وإنما يكون ظاهر الآية محمولا على حقيقتها لو كان لها أخ مسمى بهرون . ~~الثاني : أنها أضيفت إليه ووصف أبواها بالصلاح وحينئذ يصير التوبيخ أشد لأن ~~من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة يكون صدور الذنب عنه أفحش . # المسألة الثالثة : القراءة المشهورة : { ما كان أبوك امرأ ms6056 سوء } وقرأ ~~عمرو بن رجاء التميمي : ( ما كان أباك امرؤ سوء } . PageV21P177 # المسألة الرابعة : أنهم لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إليه أي إلى ~~عيسى عليه السلام أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه وعن السدي لما أشارت إليه ~~غضبوا غضبا شديدا وقالوا : لسخريتها بنا أشد من زناها ، روي أنه كان يرضع ~~فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته ~~، وقيل : كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان . وقيل ~~إن زكرياء عليه السلام أتاها عند مناظرة اليهود إياها ، فقال لعيسى عليه ~~السلام انطق بحجتك إن كنت أمرت بها فقال عيسى عليه السلام عند ذلك : { } . # المسألة الرابعة : أنهم لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إليه أي إلى ~~عيسى عليه السلام أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه وعن السدي لما أشارت إليه ~~غضبوا غضبا شديدا وقالوا : لسخريتها بنا أشد من زناها ، روي أنه كان يرضع ~~فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته ~~/ وقيل : كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان . وقيل ~~إن زكرياء عليه السلام أتاها عند مناظرة اليهود إياها ، فقال لعيسى عليه ~~السلام انطق بحجتك إن كنت أمرت بها فقال عيسى عليه السلام عند ذلك : { إنى ~~عبد الله } ( مريم : 30 ) فإن قيل كيف عرفت مريم من حال عيسى عليه السلام ~~أنه يتكلم ؟ قلنا : إن جبريل عليه السلام أو عيسى عليه السلام ناداها من ~~تحتها أن لا تحزني وأمرها عند رؤية الناس بالسكوت ، فصار ذلك كالتنبيه لها ~~على أن المجيب هو عيسى عليه السلام أو لعلها عرفت ذلك بالوحي إلى زكرياء أو ~~لعلها عرفت بالوحي إليها على سبيل الكرامة ، بقي ههنا بحثان : # البحث الأول : قوله : { كيف نكلم من كان فى المهد صبيا } أي حصل في { ~~المهد } فكان ههنا بمعنى حصل ووجد وهذا هو الأقرب في تأويل هذا اللفظ ، وإن ~~كان الناس قد ذكروا وجوها أخر . # البحث الثاني : اختلفوا في المهد فقيل هو حجرها لما روى ms6057 أنها أخذته في ~~خرقة فأتت به قومها فلما رأوها قالوا لها ما قالوا فأشارت إليه وهو في ~~حجرها ولم يكن لها منزل معد حتى يعد لها المهد أو المعنى : كيف نكلم صبيا ~~سبيله أن ينام في المهد . # ! 7 < { قال إنى عبد الله ءاتانى الكتاب وجعلنى نبيا * وجعلنى مباركا أين ~~ما كنت وأوصانى بالصلواة والزكواة ما دمت حيا * وبرا بوالدتى ولم يجعلنى ~~جبارا شقيا * والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 30 - 33 ) قال إني عبد . . . . . # > > اعلم أنه وصف نفسه بصفات تسع : الصفة الأولى : قوله : { إنى عبد الله ~~} وفيه فوائد : الفائدة الأولى : أن الكلام منه في ذلك الوقت كان سببا ~~للوهم الذي ذهبت إليه النصارى ، فلا جرم أول ما تكلم إنما تكلم بما يرفع ~~ذلك الوهم فقال : { إنى عبد الله } وكان ذلك الكلام وإن كان موهما من حيث ~~إنه صدر عنه في تلك الحالة ، ولكن ذلك الوهم يزول ولا يبقى من حيث إنه ~~تنصيص على العبودية . الفائدة الثانية : أنه لما أقر بالعبودية فإن كان ~~صادقا في مقاله فقد حصل الغرض وإن كان كاذبا لم تكن القوة قوة إلهية بل قوة ~~شيطانية فعلى التقديرين يبطل كونه إلها . الفائدة الثالثة : أن الذي اشتدت ~~الحاجة إليه في ذلك الوقت إنما هو نفي تهمة الزنا عن مريم عليها السلام ثم ~~إن عيسى عليه السلام لم ينص على ذلك وإنما نص على إثبات عبودية نفسه كأنه ~~جعل إزالة PageV21P178 التهمة عن الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم ~~، فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها . الفائدة الرابعة : وهي أن التكلم ~~بإزالة هذه التهمة عن الله تعالى يفيد إزالة التهمة عن الأم لأن الله ~~سبحانه لا يخص الفاجرة بولد في هذه الدرجة العالية والمرتبة العظيمة . وأما ~~التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى فكان ~~الاشتغال بذلك أولى فهذا مجموع ما في هذا اللفظ من الفوائد ، واعلم أن مذهب ~~النصارى متخبط جدا ، وقد اتفقوا على أنه سبحانه ليس بجسم ms6058 ولا متحيز ، ومع ~~ذلك فإنا نذكر تقسيما حاصرا يبطل مذهبهم على جميع الوجوه فنقول : إما أن ~~يعتقدوا كونه متحيزا أو لا ، فإن اعتقدوا كونه متحيزا أبطلنا قولهم بإقامة ~~الدلالة على حدوث الأجسام ، وحينئذ يبطل كل ما فرعوا عليه . وإن اعتقدوا ~~أنه ليس بمتحيز يبطل ما يقوله بعضهم من أن الكلمة اختلطت بالناسوت اختلاط ~~الماء بالخمر وامتزاج النار بالفحم لأن ذلك لا يعقل إلا في الأجسام فإذا لم ~~يكن جسما استحال ذلك ثم نقول للناس قولان في الإنسان : منهم من قال إنه هو ~~هذه البنية أو جسم موجود في داخلها ومنهم من يقول إنه جوهر مجرد عن الجسمية ~~والحلول في الأجسام فنقول : هؤلاء النصارى ، إما أن يعتقدوا أن الله أو صفة ~~من صفاته اتحد ببدن / المسيح أو بنفسه أو يعتقدوا أن الله أو صفة من صفاته ~~حل في بدن المسيح أو في نفسه ، أو يقولوا لا نقول بالاتحاد ولا بالحلول ~~ولكن نقول إنه تعالى أعطاه القدرة على خلق الأجسام والحياة والقدرة وكان ~~لهذا السبب إلها ، أو لا يقولوا بشيء من ذلك ولكن قالوا : إنه على سبيل ~~التشريف اتخذه ابنا كما اتخذ إبراهيم على سبيل التشريف خليلا فهذه هي ~~الوجوه المعقولة في هذا الباب ، والكل باطل ، أما القول الأول بالاتحاد فهو ~~باطل قطعا ، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد ، إما أن يكونا ~~موجودين أو معدومين أو يكون أحدهما موجودا والآخر معدوما ، فإن كانا ~~موجودين فهما اثنان لا واحد فالاتحاد باطل ، وإن عدما وحصل ثالث فهو أيضا ~~لا يكون اتحادا بل يكون قولا بعدم ذينك الشيئين ، وحصول شيء ثالث ، وإن بقي ~~أحدهما وعدم الآخر فالمعدوم يستحيل أن يتحد بالوجود لأنه يستحيل أن يقال : ~~المعدوم بعينه هو الموجود فظهر من هذا البرهان الباهر أن الاتحاد محال . ~~وأما الحلول فلنا فيه مقامان : الأول : أن التصديق مسبوق بالتصور فلا بد من ~~البحث عن ماهية الحلول حتى يمكننا أن نعلم أنه هل يصح على الله تعالى أو لا ~~يصح وذكروا للحلول تفسيرات ثلاثة : أحدها : كون الشيء ms6059 في غيره ككون ماء ~~الورد في الورد والدهن في السمسم والنار في الفحم ، واعلم أن هذا باطل لأن ~~هذا إنما يصح لو كان الله تعالى جسما وهم وافقونا على أنه ليس بجسم . ~~وثانيها : حصوله في الشيء على مثال حصول اللون في الجسم فنقول : المعقول من ~~هذه التبعية حصول اللون في ذلك الحيز تبعا لحصول محله فيه ، وهذا أيضا إنما ~~يعقل في حق الأجسام لا في حق الله تعالى . وثالثها : حصوله في الشيء على ~~مثال حصول الصفات الإضافية للذوات فنقول : هذا أيضا باطل لأن المعقول من ~~هذه التبعية الاحتياج فلو كان الله تعالى في شيء بهذا المعنى لكان محتاجا ~~فكان ممكنا فكان مفتقرا إلى المؤثر ، وذلك محال ، وإذا ثبت أنه لا يمكن ~~تفسير هذا الحلول بمعنى ملخص يمكن إثباته في حق الله تعالى امتنع إثباته . ~~المقام الثاني : احتج الأصحاب على نفي الحلول مطلقا بأن قالوا : لو حل لحل ~~، إما مع وجوب أن يحل أو مع جواز أن يحل والقسمان باطلان ، فالقول بالحلول ~~باطل ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يحل مع وجوب أن PageV21P179 يحل لأن ~~ذلك يقتضي إما حدوث الله تعالى أو قدم المحل وكلاهما باطلان ، لأنا دللنا ~~على أن الله قديم . وعلى أن الجسم محدث ، ولأنه لو حل مع وجوب أن يحل لكان ~~محتاجا إلى المحل والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته لا يكون واجبا لذاته ، ~~وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يحل مع جواز أن يحل لأنه لما كانت ذاته واجبة ~~الوجود لذاته وحلوله في المحل أمر جائز ، والموصوف بالوجوب غير ما هو موصوف ~~بالجواز فيلزم أن يكون حلوله في المحل أمرا زائدا على ذاته وذلك محال ~~لوجهين : أحدهما : أن حلوله في المحل لو كان زائدا على ذاته لكان حلول ذلك ~~الزائد في محله زائدا على ذاته أو لزم التسلسل وهو محال . والثاني : أن ~~حلوله في ذلك لما كان زائدا على ذاته فإذا حل في محل وجب أن يحل فيه صفة ~~محدثة ، وذلك محال لأنه لو كان قابلا للحوادث / لكانت ms6060 تلك القابلية من ~~لوازم ذاته ، وكانت حاصلة أزلا ، وذلك محال لأن وجود الحوادث في الأزل محال ~~، فحصول قابليتها وجب أن يكون ممتنع الحصول فإن قيل لم لا يجوز أن يحل مع ~~وجوب أن يحل . لأنه يلزم ، إما حدوث الحال أو قدم المحل ، قلنا : لا نسلم ~~وجوب أحد الأمرين ، ولم لا يجوز أن يقال : إن ذاته تقتضي الحلول بشرط وجود ~~المحل ففي الأزل ما وجد المحل فلم يوجد شرط هذا الوجوب فلا جرم لم يجب ~~الحلول ، وفيما لا يزال حصل هذا الشرط فلا جرم وجب سلمنا أنه يلزم ، إما ~~حدوث الحال أو قدم المحل فلم لا يجوز . قوله : إنا دللنا على حدوث الأجسام ~~، قلنا : لم لا يجوز أن يكون محله ليس بجسم ولكنه يكون عقلا أو نفسا أو ~~هيولى على ما يثبته بعضهم ، ودليلكم على حدوث الأجسام لا يقبل حدوث هذه ~~الأشياء ، قوله ثانيا : لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجا إلى المحل ، قلنا ~~: لا نسلم وجوب أحد الأمرين بل ههنا احتمالان آخران : أحدهما : أن العلة ~~وإن امتنع انفكاكها عن المعلول لكنها لا تكون محتاجة إلى المعلول فلم لا ~~يجوز أن يقال : إن ذاته غنية عن ذلك المحل ولكن ذاته توجب حلول نفسها في ~~ذلك المعلول فيكون وجوب حلولها في ذلك المحل من معلولات ذاته ، وقد ثبت أن ~~العلة وإن استحال انفكاكها عن المعلول لكن ذلك لا يقتضي احتياجها إلى ~~المعلول . الثاني : أن يقال إنه في ذاته يكون غنيا عن المحل وعن الحلول ، ~~إلا أن المحل يوجب لذاته صفة الحلول ، فالمفتقر إلى المحل صفة من صفاته وهي ~~حلوله في ذلك المحل فأما ذاته فلا ولا يلزم من افتقار صفة من صفاته ~~الإضافية إلى الغير افتقار ذاته إلى الغير وذلك لأن جميع الصفات الإضافية ~~الحاصلة له مثل كونه أولا وآخرا ومقارنا ومؤثرا ومعلوما ومذكورا مما لا ~~يتحقق إلا عند حصول التحيز / وكيف لا والإضافات لا بد في تحققها من أمرين ، ~~سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يحل مع جواز أن يحل ms6061 . قوله يلزم أن يكون حلوله ~~فيه زائدا عليه ، ويلزم التسلسل ، قلنا : حلوله في المحل لما كان جائزا كان ~~حلوله في المحل زائدا عليه . أما كون ذلك الحلول حالا في المحل أمر واجب ~~فلا يلزم أن يكون حلول الحلول زائدا عليه فلا يلزم التسلسل . قوله ثانيا : ~~يلزم أن يصير محل الحوادث ، قلنا : لم لا يجوز ذلك قوله يلزم أن يكون قابلا ~~للحوادث في الأزل ، قلنا : لا شك أن تمكنه من الإيجاد ثابت له إما لذاته أو ~~لأمر ينتهي إلى ذاته ، وكيف كان فيلزم صحة كونه مؤثرا في الأزل فكل ما ~~ذكرتموه في المؤثرية فنحن نذكره في القابلية ، والجواب : أنا نقرر هذه ~~الدلالة على وجه آخر PageV21P180 بحيث تسقط عنها هذه الأسئلة ، فنقول : ~~ذاته ، إما أن تكون كافية اقتضاء هذا الحلول أو لا تكون كافية في ذلك فإن ~~كان الأول استحال توقف ذلك الاقتضاء على حصول شرط فيعود ما قلنا إنه يلزم ~~إما قدم المحل أو حدوث الحال . وإن كان الثاني كان كونه مقتضيا لذلك الحلول ~~أمرا زائدا على ذاته حادثا فيه فعلى التقديرات كلها يلزم من حدوث حلوله في ~~محل حدوث شيء فيه لكن يستحيل أن يكون قابلا للحوادث ، وإلا لزم أن يكون في ~~الأزل قابلا لها وهو محال على ما بيناه ، وأما المعارضة بالقدرة فغير واردة ~~لأنه تعالى لذاته قادر على الإيجاد في الأزل فهو قادر على الإيجاد فيما لا ~~يزال فههنا أيضا لو كانت ذاته قابلة / للحوادث لكانت في الأزل قابلة لها ~~فحينئذ يلزم المحال المذكور . هذا تمام القول في هذه الأدلة ولنا في إبطال ~~قول النصارى وجوه أخر . أحدها : أنهم وافقونا على أن ذاته سبحانه وتعالى لم ~~تحل في ناسوت عيسى عليه السلام بل قالوا الكلمة حلت فيه ، والمراد من ~~الكلمة العلم . فنقول : العلم لما حل في عيسى ففي تلك الحالة إما أن يقال ~~إنه بقي في ذات الله تعالى أو ما بقي فيها فإن كان الأول لزم حصول الصفة ~~الواحدة في محلين . وذلك غير معقول ولأنه لو جاز ms6062 أن يقال العلم الحاصل في ~~ذات عيسى عليه السلام هو العلم الحاصل في ذات الله تعالى بعينه ، فلم لا ~~يجوز في حق كل واحد ذلك حتى يكون العلم الحاصل لكل واحد هو العلم الحاصل ~~لذات الله تعالى ، وإن كان الثاني لزم أن يقال : إن الله تعالى لم يبق ~~عالما بعد حلول علمه في عيسى عليه السلام وذلك مما لا يقوله عاقل . وثانيها ~~: مناظرة جرت بيني وبين بعض النصارى ، فقلت له هل تسلم أن عدم الدليل لا ~~يدل على عدم المدلول أم لا ؟ فإن أنكرت لزمك أن لا يكون الله تعالى قديما ~~لأن دليل وجوده هو العالم فإذا لزم من عدم الدليل عدم المدلول لزم من عدم ~~العالم في الأزل عدم الصانع في الأزل ، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل ~~عدم المدلول ، فنقول إذا جوزت اتحاد كلمة الله تعالى بعيسى أو حلولها فيه ~~فكيف عرفت أن كلمة الله تعالى ما دخلت في زيد وعمرو بل كيف أنها ما حلت في ~~هذه الهرة وفي هذا الكلب ، فقال لي : إن هذا السؤال لا يليق بك لأنا إنما ~~أثبتنا ذلك الاتحاد أو الحلول بناء على ما ظهر على يد عيسى عليه السلام من ~~إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص ، فإذا لم نجد شيئا من ذلك ظهر على يد ~~غيره فكيف نثبت الاتحاد أو الحلول ، فقلت له : إني عرفت من هذا الكلام أنك ~~ما عرفت أول الكلام لأنك سلمت لي أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول ~~فإذا كان هذا الحلول غير ممتنع في الجملة فأكثر ما في الباب أنه وجد ما يدل ~~على حصوله في حق عيسى عليه السلام ولم يوجد ذلك الدليل في حق زيد وعمرو ~~ولكن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول فلا يلزم من عدم ظهور هذه الخوارق ~~على يد زيد وعمرو وعلى السنور والكلب عدم ذلك الحلول ، فثبت أنك مهما جوزت ~~القول بالاتحاد والحلول لزمك تجويز حصول ذلك الاتحاد وذلك الحلول في حق كل ~~واحد بل في ms6063 حق كل حيوان ونبات ولا شك أن المذهب الذي يسوق قائله إلى مثل ~~هذا القول الركيك يكون باطلا قطعا / ثم قلت له : وكيف دل إحياء الموتى ~~وإبراء الأكمة والأبرص على ما قلت ؟ أليس أن انقلاب العصا ثعبانا أبعد من ~~انقلاب الميت حيا فإذا ظهر ذلك على يد موسى عليه السلام ولم يدل على إهليته ~~فبأن لا يدل هذا على آلهية عيسى أولى . PageV21P181 وثالثها : أنا نقول ~~دلالة أحوال عيسى على العبودية أقوى من دلالتها على الربوبية لأنه كان ~~مجتهدا في العبادة والعبادة لا تليق إلا بالعبيد فإنه كان في نهاية البعد ~~عن الدنيا والاحتراز عن أهلها حتى قالت النصارى إن اليهود قتلوه ومن كان في ~~الضعف هكذا فكيف تليق به الربوبية . ورابعها : المسيح إما أن يكون قديما أو ~~محدثا والقول بقدمه باطل لأنا نعلم / بالضرورة أنه ولد وكان طفلا ثم صار ~~شابا وكان يأكل ويشرب ويعرض له ما يعرض لسائر البشر ، وإن كان محدثا كان ~~مخلوقا ولا معنى للعبودية إلا ذلك ، فإن قيل : المعنى بإلهيته أنه حلت صفة ~~الآلهية فيه ، قلنا : هب أنه كان كذلك لكن الحال هو صفة الإله والمسيح هو ~~المحل والمحل محدث مخلوق فما هو المسيح ( إلا ) عبد محدث فكيف يمكن وصفه ~~بالإلهية . وخامسها : أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد فإن كان لله ~~ولد فلا بد وأن يكون من جنسه فإذن قد اشتركا من بعض الوجوه ، فإن لم يتميز ~~أحدهما عن الآخر بأمر ما فكل واحد منهما هو الآخر ، وإن حصل الإمتياز فما ~~به الإمتياز غير ما به الاشتراك ، فيلزم وقوع التركيب في ذات الله وكل مركب ~~ممكن ، فالواجب ممكن هذا خلف محال هذا كله على الإتحاد والحلول . أما ~~الاحتمال الثالث : وهو أن يقال معنى كونه إلها أنه سبحانه خص نفسه أو بدنه ~~بالقدرة على خلق الأجسام والتصرف في هذا العالم فهذا أيضا باطل لأن النصارى ~~حكوا عنه الضعف والعجز وأن اليهود قتلوه ولو كان قادرا على خلق الأجسام لما ~~قدروا على قتله بل كان ms6064 هو يقتلهم ويخلق لنفسه عسكرا يذبون عنه . وأما ~~الاحتمال الرابع : وهو أنه اتخذه ابنا لنفسه على سبيل التشريف فهذا قد قال ~~به قوم من النصارى يقال لهم الأرميوسية وليس فيه كثير خطأ إلا في اللفظ ~~فهذا جملة الكلام على النصارى وبه ثبت صدق ما حكاه الله تعالى عنه أنه قال ~~: إني عبد الله . الصفة الثانية : قوله تعالى : { الكتاب وجعلنى } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : اختلف الناس فيه فالجمهور على أنه قال هذا الكلام حال ~~صغره وقال أبو القاسم البلخي إنه إنما قال ذلك حين كان كالمراهق الذي يفهم ~~وإن لم يبلغ حد التكليف أما الأولون فلهم قولان : أحدهما : أنه كان في ذلك ~~الصغر نبيا . الثاني : روى عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ~~المراد بأن حكم وقضى بأنه سيبعثني من بعد ولما تكلم بذلك سكت وعاد إلى حال ~~الصغر . ولما بلغ ثلاثين سنة بعثه الله نبيا ، واحتج من نص على فساد القول ~~الأول بأمور : أحدها : أن النبي لا يكون إلا كاملا والصغير ناقص الخلقة ~~بحيث يعد هذا التحدي من الصغير منفرا بل هو في التنفير أعظم من أن يكون ~~امراأة . وثانيها : أنه لو كان نبيا في هذا الصغر لكان كمال عقله مقدما على ~~ادعائه للنبوة إذ النبي لا بد وأن يكون كامل العقل لكن كمال عقله في ذلك ~~الوقت خارق للعادة فيكون المعجز متقدما على التحدي وإنه غير جائز . وثالثها ~~: أنه لو كان نبيا في ذلك الوقت لوجب أن يشتغل ببيان الأحكام ، وتعريف ~~الشرائع ولو وقع ذلك لاشتهر ولنقل فحيث لم يحصل ذلك علمنا أنه ما كان نبيا ~~في ذلك الوقت . أجاب الأولون عن الكلام الأول بأن كون الصبي ناقصا ليس ~~لذاته بل الأمر يرجع إلى صغر جسمه ونقصان فهمه ، فإذا أزال الله تعالى هذه ~~الأشياء لم تحصل النفرة بل تكون الرغبة إلى استماع قوله وهو على هذه الصفة ~~أتم وأكمل . وعن الكلام الثاني لم لا يجوز أن يقال إكمال عقله وإن حصل ~~مقدما على دعواه إلا أنه ms6065 معجزة لزكريا عليه السلام / أو يقال : إنه إرهاص ~~لنبوته أو كرامة لمريم / عليها السلام وعندنا الإرهاص والكرامات جائزة ، ~~وعن الكلام الثالث لم لا يجوز أن يقال مجرد بعثته إليهم من غير بيان شيء من ~~الشرائع والأحكام جائز ثم بعد البلوغ أخذ في شرح تلك الأحكام ، فثبت ~~PageV21P182 بهذا أنه لا امتناع في كونه نبيا في ذلك الوقت وقوله : { ~~الكتاب وجعلنى } يدل على كونه نبيا في ذلك الوقت فوجب إجراؤه على ظاهره ~~بخلاف ما قاله عكرمة ، أما قول أبي القاسم البلخي فبعيد وذلك لأن الحاجة ~~إلى كلام عيسى عليه السلام إنما كانت عند وقوع التهمة على مريم عليها ~~السلام . # المسألة الثانية : اختلفوا في ذلك الكتاب فقال بعضهم هو التوراة لأن ~~الألف واللام في الكتاب تنصرف للمعهود والكتاب المعهود لهم هو التوراة ، ~~وقال أبو مسلم : المراد هو الإنجيل لأن الألف واللام ههنا للجنس أي آتاني ~~من هذا الجنس ، وقال قوم : المراد هو التوراة والإنجيل لأن الألف واللام ~~تفيد الاستغراق . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه متى آتاه الكتاب ومتى جعله نبيا لأن ~~قوله : { الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى } يدل على أن ذلك كان قد حصل من قبل ~~إما ملاصقا لذلك الكلام أو متقدما عليه بأزمان ، والظاهر أنه من قبل أن ~~كلمهم آتاه الله الكتاب وجعله نبيا وأمره بالصلاة والزكاة وأن يدعو إلى ~~الله تعالى وإلى دينه وإلى ما خص به من الشريعة فقيل هذا الوحي نزل عليه ~~وهو في بطن أمه وقيل لما انفصل من الأم آتاه الله الكتاب والنبوة وأنه تكلم ~~مع أمه وأخبرها بحاله وأخبرها بأنه يكلمهم بما يدل على براءة حالها فلهذا ~~أشارت إليه بالكلام . الصفة الثالثة : قوله : { وجعلنى نبيا } قال بعضهم ~~أخبر أنه نبي ولكنه ما كان رسولا لأنه في ذلك الوقت ما جاء بالشريعة ومعنى ~~كونه نبيا أنه رفيع القدر على الدرجة وهذا ضعيف لأن النبي في عرف الشرع هو ~~الذي خصه الله بالنبوة وبالرسالة خصوصا إذا قرن إليه ذكر الشرع وهو قوله ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة . الصفة الرابعة : قوله : { وجعلنى ms6066 مباركا * أينما ~~* كنت } فلقائل أن يقول كيف جعله مباركا والناس كانوا قبله على الملة ~~الصحيحة فلما جاء صار بعضهم يهودا وبعضهم نصارى قائلين بالتثليث ولم يبق ~~على الحق إلا القليل ، والجواب ذكروا في ( تفسير المبارك ) وجوها : أحدها : ~~أن البركة في اللغة هي الثبات وأصله من بروك البعير فمعناه جعلني ثابتا على ~~دين الله مستقرا عليه . وثانيها : أنه إنما كان مباركا لأنه كان يعلم الناس ~~دينهم ويدعوهم إلى طريق الحق فإن ضلوا فمن قبل أنفسهم لا من قبله وروى ~~الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أسلمت أم عيسى عليها السلام عيسى ~~إلى الكتاب فقالت للمعلم : أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له المعلم : ~~اكتب فقال : أي شيء أكتب ، فقال : اكتب أبجد فرفع عيسى عليه السلام رأسه ~~فقال : هل تدري ما أبجد ؟ فعلاه بالدرة ليضربه فقال : يا مؤدب لا تضربني إن ~~كنت لا تدري فاسألني فأنا أعلمك الألف من آلاء الله والباء من بهاء الله ~~والجيم من جمال الله والدال من أداء الحق إلى الله . وثالثها : البركة ~~الزيادة والعلو فكأنه قال : جعلني في جميع الأحوال غالبا مفلحا منجحا لأني ~~ما دمت أبقى في الدنيا / أكون على الغير مستعليا بالحجة فإذا جاء الوقت ~~المعلوم يكرمني الله تعالى بالرفع إلى السماء . ورابعها : مبارك على الناس ~~بحيث يحصل بسبب دعائي إحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص ، عن قتادة أنه ~~رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمة والأبرص فقالت : طوبى لبطن حملك ~~وثدي أرضعت به ، فقال عيسى عليه السلام مجيبا لها : طوبى لمن تلا كتاب الله ~~واتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا . أما قوله : { أين ما كنت } فهو يدل على ~~أن حاله لم يتغير كما قيل إنه عاد إلى حال الصغر وزوال التكليف . الصفة ~~الخامسة : قوله : { وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصانى } فإن قيل كيف أمر ~~بالصلاة والزكاة مع أنه كان طفلا صغيرا والقلم مرفوع عنه على ما قاله صلى ~~الله عليه وسلم : ( رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ ) الحديث وجوابه ms6067 ~~PageV21P183 من وجهين : الأول : أن قوله : { وجعلنى مباركا أين } لا يدل ~~على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال بل بعد البلوغ فلعل المراد أنه ~~تعالى أوصاه بهما وبأدائهما في الوقت المعين له وهو وقت البلوغ . الثاني : ~~لعل الله تعالى لما انفصل عيسى عن أمه صيره بالغا عاقلا تام الأعضاء ~~والخلقة وتحقيقه قوله تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم } ( آل ~~عمران : 59 ) فكما أنه تعالى خلق آدم تاما كاملا دفعة فكذا القول في عيسى ~~عليه السلام ، وهذا القول الثاني أقرب إلى الظاهر لقوله : { ما دمت حيا } ~~فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه عليه في جميع زمان حيائه ولكن لقائل أن ~~يقول لو كان الأمر كذلك لكان القوم حين رأوه فقد رأوه شخصا كامل الأعضاء ~~تام الخلقة وصدور الكلام عن مثل هذا الشخص لا يكون عجبا فكان ينبغي أن لا ~~يعجبوا فلعل الأول أن يقال إنه تعالى جعله مع صغر جثته قوي التركيب كامل ~~العقل بحيث كان يمكنه أداء الصلاة والزكاة والآية دالة على أن تكليفه لم ~~يتغير حين كان في الأرض وحين رفع إلى السماء وحين ينزل مرة أخرى . الصفة ~~السادسة : قوله تعالى : { وبرا بوالدتى } أي جعلني برا بوالدتي وهذا يدل ~~على قولنا : إن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن الآية تدل على أن كونه برا ~~إنما حصل بجعل الله وخلقه وحمله على الألطاف عدول عن الظاهر ثم قوله : { ~~وبرا بوالدتى } إشارة إلى تنزيه أمه عن الزنا إذ لو كانت زانية لما كان ~~الرسول المعصوم مأمورا بتعظيمها . قال صاحب ( الكشاف ) : جعل ذاته برا لفرط ~~بره ونصبه بفعل في معنى أوصاني وهو كلفني لأن أوصاني بالصلاة وكلفني بها ~~واحد . الصفة السابعة ؛ قوله : { ولم يجعلنى جبارا شقيا } وهذا أيضا يدل ~~على قولنا لأنه لما بين أنه جعله برا وما جعله جبارا فهذا إنما يحسن لو أن ~~الله تعالى جعل غير جبارا وغيره بار بأمه ، فإن الله تعالى لو فعل ذلك بكل ~~أحد لم يكن لعيسى عليه السلام مزيد تخصيص بذلك ، ومعلوم أنه ms6068 عليه السلام ~~إنما ذكر ذلك في معرض التخصيص وقوله : { ولم يجعلنى جبارا } أي ما جعلني ~~متكبرا بل أنا خاضع لأني متواضع لها ولو كنت جبارا لكنت عاصيا شقيا . وروي ~~أن عيسى عليه السلام قال : قلبي لين وأنا صغير في نفسي وعن بعض العلماء لا ~~تجد العاق إلا جبارا شقيا وتلا : { وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا } ~~ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالا فخورا وقرأ : { وما ملكت أيمانكم إن الله ~~لا يحب من كان مختالا فخورا } . الصفة / الثامنة : هي قوله : { والسلام على ~~يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال بعضهم : لام التعريف في السلام منصرف إلى ما تقدم ~~في قصتي يحيى عليه السلام من قوله : { وسلام عليه } ( مريم : 15 ) أي ~~السلام الموجه إليه في المواطن الثلاثة موجه إلي أيضا وقال صاحب ( الكشاف ) ~~: الصحيح أن يكون هذا التعريف تعويضا باللعن على من اتهم مريم بالزنا ~~وتحقيقه أن اللام للاستغراق فإذا قال : { والسلام على } فكأنه قال وكل ~~السلام علي وعلى أتباعي فلم يبق للأعداء إلا اللعن ونظيره قول موسى عليه ~~السلام : { والسلام على من اتبع الهدى } ( طه : 47 ) بمعنى أن العذاب على ~~من كذب وتولى ، وكان المقام مقام اللجاج والعناد ويليق به مثل هذا التعريض ~~. # المسألة الثانية : روى بعضهم عن عيسى عليه السلام أنه قال ليحيى أنت خير ~~مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي وأجاب الحسن فقال : إن تسليمه على نفسه ~~بتسليم الله عليه . PageV21P184 # المسألة الثالثة : قال القاضي : السلام عبارة عما يحصل به الأمان ومنه ~~السلامة في النعم وزوال الآفات فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى ~~أنه فعله بيحيى ، ولا بد في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة وأعظم ~~أحوال الإنسان احتياجا إلى السلامة هي هذه الأحوال الثلاثة وهي يوم الولادة ~~ويوم الموت ويوم البعث فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع ~~السعادة من قبله تعالى طلبها ليكون مصونا عن الآفات والمخافات في كل ~~الأحوال ، واعلم أن اليهود والنصارى ينكرون أن عيسى عليه ms6069 السلام تكلم في ~~زمان الطفولية واحتجوا عليه بأن هذا من الوقائع العجيبة التي تتوافر ~~الدواعي على نقلها فلو وجدت لنقلت بالتواتر ولو كان ذلك لعرفه النصارى لا ~~سيما وهم من أشد الناس بحثا عن أحواله وأشد الناس غلوا فيه حتى زعموا كونه ~~إلها ولا شك أن الكلام في الطفولية من المناقب العظيمة والفضائل التامة ~~فلما لم تعرفه النصارى مع شدة الحب وكمال البحث عن أحواله علمنا أنه لم ~~يوجد ولأن اليهود أظهروا عداوته حال ما أظهر ادعاء النبوة فلو أنه عليه ~~السلام تكلم في زمان الطفولية وادعى الرسالة لكانت عداوتهم معه أشد ولكان ~~قصدهم قتله أعظم فحيث لم يحصل شيء من ذلك علمنا أنه ما تكلم ، أما المسلمون ~~فقد احتجوا من جهة العقل على أنه تكلم فإنه لولا كلامه الذي دلهم على براءة ~~أمه من الزنا لما تركوا إقامة الحد على الزنا عليها ففي تركهم لذلك دلالة ~~على أنه عليه السلام تكلم في المهد وأجابوا عن الشبهة الأولى بأنه ربما كان ~~الحاضرون عند كلامه قليلين فلذلك لم يشتهر وعن الثاني لعل اليهود ما حضروا ~~هناك وما سمعوا كلامه فلذلك لم يشتغلوا بقصد قتله . # ! 7 < { ذالك عيسى ابن مريم قول الحق الذى فيه يمترون * ما كان لله أن ~~يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } > 7 ! # < < # | مريم : ( 34 - 35 ) ذلك عيسى ابن . . . . . # > > وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : قرأ عاصم وابن عامر : { قول الحق } بالنصب وعن ابن ~~مسعود : { قال * الحق } و { قال الله } وعن الحسن : { قول الحق } بضم القاف ~~وكذلك في الأنعام قوله : { الحق } والقول والقال القول في معنى واحد كالرهب ~~والرهب والرهب ، أما ارتفاعه فعلى أنه خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ، ~~وأما انتصابه فعلى المدح إن فسر بكلمة الله أو على أنه مصدر مؤكد لمضمون ~~الجملة كقولك هو عند الله الحق لا الباطل والله أعلم . # المسألة الثانية : لا شبهة أن المراد بقوله : { ذالك عيسى ابن مريم } ~~الإشارة إلى ما تقدم وهو قوله : { قال إنى عبد ms6070 الله ءاتانى } ( مريم : 30 ) ~~أي ذلك الموصوف بهذه الصفات هو عيسى ابن مريم وفي قوله : { عيسى ابن مريم } ~~إشارة إلى أنه ولد هذه المرأة وابنها لا أنه ابن الله . فأما قوله { الحق } ~~ففيه وجوه : أحدها : وهو أن نفس عيسى عليه السلام هو قول الحق وذلك لأن ~~الحق هو اسم الله فلا فرق بين أن نقول عيسى كلمة الله وبين أن نقول عيسى ~~قول الحق . وثانيها : أن يكون المراد : ( ذلك عيسى ابن مريم القول الحق ) ~~إلا أنك أضفت الموصوف إلى الصفة فهو كقوله : { إن هاذا لهو حق اليقين } ( ~~الواقعة : 95 ) وفائدة قولك : القول الحق تأكيد PageV21P185 ما ذكرت أولا ~~من كون عيسى عليه السلام ابنا لمريم . وثالثها : أن يكون { قول الحق } خبرا ~~لمبتدأ محذوف كأنه قيل ذلك عيسى ابن مريم ووصفنا له هو قول الحق فكأنه ~~تعالى وصفه أولا ثم ذكر أن هذا الموصوف هو عيسى ابن مريم ثم ذكر أن هذا ~~الوصف أجمع هو قول الحق على معنى أنه ثابت لا يجوز أن يبطل كما بطل ما يقع ~~منهم من المرية ويكون في معنى إن هذا لهو الحق اليقين . فأما امتراؤهم في ~~عيسى عليه السلام فالمذاهب التي حكيناها من قول اليهود والنصارى وقد تقدم ~~ذكر ذلك في سورة آل عمران ، روي أن عيسى عليه السلام لما رفع حضر أربعة من ~~أكابرهم وعلمائهم فقيل للأول ما تقول في عيسى ؟ فقال : هو إله والله إله ~~وأمه إله ، فتابعه على ذلك ناس وهم الإسرائيلية ، وقيل للرابع ما تقول ؟ ~~فقال : هو عبد الله ورسوله وهو المؤمن المسلم ، وقال أما تعلمون أن عيسى ~~كان يطعم وينام وأن الله تعالى لا يجوز عليه ذلك ؟ فخصمهم . أما قوله : { ~~ما كان لله أن يتخذ من ولد } فهو يحتمل أمرين : أحدهما : أن ثبوت الولد له ~~محال فقولنا : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } كقوله ما كان لله أن يقول ~~لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمة الله تعالى وكماله ~~فقوله : { ما كان لله أن يتخذ ms6071 من ولد } كقولنا : ما كان لله أن يظلم أي لا ~~يليق ذلك بحكمته وكمال إلهيته ، واحتج الجبائي بالآية بناء على هذا التفسير ~~أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأنه تعالى صرح بأنه ليس له هذا الإيجاد أي ليس ~~له هذا الاختيار وأجاب أصحابنا عنه بأنه الكذب محال على الله تعالى فلا جرم ~~قال : { ما كان لله أن يتخذ من ولد } أما قوله : { سبحانه إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال { سبحانه } ثم قال عقيبه : { إذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون } كان كالحجة على تنزيهه عن الولد وبيان ذلك ~~أن الذي يجعل ولدا لله / إما أن يكون / قديما أزليا أو يكون محدثا فإن كان ~~أزليا فهو محال لأنه لو كان واجبا لذاته لكان واجب الوجود أكثر من واحد . ~~هذا خلف . وإن كان ممكنا لذاته كان مفتقرا في وجوده إلى الواجب لذاته غنيا ~~لذاته فيكون الممكن محتاجا لذاته فيكون عبدا له لأنه لا معنى للعبودية إلا ~~ذلك ، وأما إن كان الذي يجعل ولدا يكون محدثا فيكون وجوده بعد عدمه بخلق ~~ذلك القديم وإيجاده وهو المراد من قوله : { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون } فيكون عبدا له لا ولدا له فثبت أنه يستحيل أن يكون لله ولد . # المسألة الثانية : احتج الأصحاب بقوله : { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون } على قدم كلام الله تعالى قالوا : لأن الآية تدل على أنه تعالى إذا ~~أراد إحداث شيء قال له : كن فيكون فلو كان قوله كن محدثا لافتقر حدوثه إلى ~~قول آخر ولزم التسلسل وهو محال ، فثبت أن قول الله قديم لا محدث ، واحتج ~~المعتزلة بالآية على حدوث كلام الله تعالى من وجوه : أحدها : أنه تعالى ~~أدخل عليه كلمة إذا وهذه الكلمة دالة على الاستقبال فوجب أن لا يحصل القول ~~إلا في الاستقبال . وثانيها : أن حرف الفاء للتعقيب والفاء في قوله : { ~~فإنما يقول له } يدل على تأخر ذلك القول عن ذلك ms6072 القضاء والمتأخر عن غيره ~~محدث . وثالثها : الفاء في قوله : { فيكون } يدل على حصول ذلك الشيء عقيب ~~ذلك القول من غير فصل فيكون قول الله متقدما على حدوث الحادث تقدما بلا فصل ~~والمتقدم على المحدث تقدما بلا فصل يكون محدثا ، فقول الله محدث . واعلم أن ~~استدلال الفريقين ضعيف ، أما استدلال الأصحاب فلأنه يقتضي أن يكون قوله : { ~~كن } قديما وذلك باطل بالاتفاق ، وأما استدلال المعتزلة فلأنه يقتضي أن ~~يكون قول الله تعالى هو المركب من الحروف PageV21P186 والأصوات وهو محدث ~~وذلك لا نزاع فيه إنما المدعي قدم شيء آخر . # المسألة الثالثة : من الناس من أجرى الآية على ظاهرها فزعم أنه تعالى إذا ~~أحدث شيئا قال له كن وهذا ضعيف لأنه ، إما أن يقول له كن قبل حدوثه أو حال ~~حدوثه . فإن كان الأول كان ذلك خطابا مع المعدوم وهو عبث وإن كان الثاني ~~فهو حال حدوثه قد وجد بالقدرة والإرادة فأي تأثير لقوله كن فيه ، ومن الناس ~~من زعم أن المراد من قوله : { كن } هو الخليق والتكوين وذلك لأن القدرة على ~~الشيء غير وتكوين الشيء غير فإن الله سبحانه قادر في الأزل وغير مكون في ~~الأزل ، ولأنه الآن قادر على عوالم سوى هذا العالم وغير مكون لها ، ~~والقادرية غير المكونية والتكوين ليس هو نفس المكون لأنا نقول المكون إنما ~~حدث لأن الله تعالى كونه فأوجده ، فلو كان التكوين نفس المكون لكان قولنا ~~المكون إنما وجد بتكوين الله تعالى نازلا منزلة قولنا المكون إنما وجد ~~بنفسه وذلك محال ، فثبت أن التكوين غير المكون فقوله : { كن } إشارة إلى ~~الصفة المسماة بالتكوين ، وقال آخرون قوله : { كن } عبارة عن نفاذ قدرة ~~الله تعالى ومشيئته في الممكنات . فإن وقوعها بتلك القدرة والإرادة من غير ~~امتناع واندفاع / يجري مجرى العبد المطيع المسخر المنقاد لأوامر مولاه ، ~~فعبر الله تعالى عن ذلك المعنى بهذه العبارة على سبيل الاستعارة . # ! 7 < { وإن الله ربى وربكم فاعبدوه هاذا صراط مستقيم * فاختلف الا حزاب ~~من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم * أسمع بهم ms6073 وأبصر يوم يأتوننا ~~لاكن الظالمون اليوم فى ضلال مبين * وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الا مر وهم ~~فى غفلة وهم لا يؤمنون * إنا نحن نرث الا رض ومن عليها وإلينا يرجعون } > 7 ~~@QB@ < # | مريم : ( 36 - 40 ) وإن الله ربي . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { وإن الله ربى وربكم فاعبدوه } فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ المدنيون وأبو عمرو بفتح أن ، ومعناه ولأنه ربي ~~وربكم فاعبدوه ، وقرأ الكوفيون وأبو عبيدة بالكسر على الابتداء ، وفي حرف ~~أبي { إن الله } بالكسر من غير واو أي بسبب ذلك فاعبدوه . # المسألة الثانية : أنه لا يصح أن يقول الله : { وإن الله ربى وربكم ~~فاعبدوه } فلا بد وأن يكون قائل هذا غير الله تعالى ، وفيه قولان : الأول : ~~التقدير فقل يا محمد إن الله ربي وربكم بعد إظهار البراهين الباهرة في أن ~~عيسى هو عبد الله . الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني : الواو في وإن الله ~~عطف على قول عيسى عليه السلام : { قال إنى عبد الله ءاتانى } ( مريم : 30 ) ~~كأنه قال : إني عبد الله وإنه ربي وربكم فاعبدوه ، وقال وهب بن منبه عهد ~~إليهم حين أخبرهم عن بعثه ومولده ونعته أن الله ربي وربكم أي كلنا عبيد ~~الله تعالى . PageV21P187 # المسألة الثالثة : قوله : { وإن الله ربى وربكم } يدل على أن مدبر الناس ~~ومصلح أمورهم هو الله تعالى على خلاف قول المنجمين إن مدبر الناس ومصلح ~~أمورهم في السعادة والشقاوة هي الكواكب ويدل أيضا على أن الإله واحد لأن ~~لفظ الله اسم علم له سبحانه فلما قال : { إن الله ربى وربكم } / أي لا رب ~~للمخلوقات سوى الله تعالى وذلك يدل على التوحيد ، أما قوله : { فاعبدوه } ~~فقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ~~فههنا الأمر بالعبادة وقع مرتبا على ذكر وصف الربوبية فدل على أنه إنما ~~تلزمنا عبادته سبحانه لكونه ربا لنا ، وذلك يدل على أنه تعالى إنما تجب ~~عبادته لكونه منعما على الخلائق بأصول النعم وفروعها ، ولذلك فإن إبراهيم ~~عليه السلام لما منع أباه من عبادة الأوثان قال : { لم ms6074 تعبد ما لا يسمع ولا ~~يبصر ولا يغنى عنك شيئا } يعني أنها لما لم تكن منعمة على العباد لم تجز ~~عبادتها ، وبهذه الآية ثبت أن الله تعالى لما كان ربا ومربيا لعباده وجب ~~عبادته ، فقد ثبت طردا وعكسا تعلق العبادة بكون المعبود منعما ، أما قوله : ~~{ هاذا صراط مستقيم } يعني القول بالتوحيد ونفي الولد والصاحبة صراط مستقيم ~~وأنه سمي هذا القول بالصراط المستقيم تشبيها بالطريق لأنه المؤدي إلى الجنة ~~، أما قوله تعالى : { فاختلف الاحزاب من بينهم } ففي الأحزاب أقوال : الأول ~~: المراد فرق النصارى على ما بينا أقسامهم . الثاني : المراد النصارى ~~واليهود فجعله بعضهم ولدا وبعضهم كذابا . الثالث : المراد الكفار الداخل ~~فيهم اليهود والنصارى والكفار الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم ~~وإذا قلنا المراد بقوله : { وإن الله ربى وربكم فاعبدوه } أي قل يا محمد إن ~~الله ربي وربكم ، فهذا القول أظهر لأنه لا تخصيص فيه ، وكذا قوله : { فويل ~~للذين كفروا } مؤكد لهذا الاحتمال ، وأما قوله : { من مشهد يوم عظيم } ~~فالمشهد إما أن يكون هو الشهود وما يتعلق به أو الشهادة وما يتعلق بها . ~~أما الأول : فيحتمل أن يكون المراد من المشهد نفس شهودهم هول الحساب ، ~~والجزاء في القيامة أو مكان الشهود فيه وهو الموقف ، أو وقت الشهود ، وأما ~~الشهادة فيحتمل أن يكون المراد شهادة الملائكة والأنبياء وشهادة ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء الأعمال ، وأن يكون مكان الشهادة أو وقتها ، ~~وقيل : هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه ، وإنما وصف ذلك المشهد بأنه ~~عظيم لأنه لا شيء أعظم مما يشاهد في ذلك اليوم من محاسبة ومساءلة ، ولا شيء ~~من المنافع أعظم مما هنالك من الثواب ولا بد من المضار أعظم مما هنالك من ~~العقاب ، أما قوله تعالى : { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قالوا : التعجب هو استعظام الشيء مع الجهل بسبب عظمه ، ~~ثم يجوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من ~~غير أن يكون للعظم سبب حصول ، قال الفراء قال سفيان ms6075 : قرأت عند شريح : { بل ~~عجبت ويسخرون } ( الصافات : 12 ) فقال : إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب ~~من لا يعلم فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال : إن شريحا شاعر يعجبه علمه ، ~~وعبد الله أعلم بذلك منه قرأها : { بل عجبت ويسخرون } ومعناه أنه صدر من ~~الله تعالى فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم ، ~~وبهذا التأويل يضاف المكر والاستهزاء إلى الله تعالى ، وإذا عرفت هذا فنقول ~~: للتعجب صفتان : إحداهما : ما أفعله . / والثانية : أفعل به كقوله تعالى : ~~{ أسمع بهم وأبصر } والنحويون ذكروا له تأويلات : الأول : قالوا : أكرم ~~بزيد أصله أكرم زيد أي صار ذا كرم كأغد البعير أي صار ذا غدة إلا أنه خرج ~~على لفظ الأمر ومعناه الخبر كما خرج على لفظ الخبر ما معناه الأمر كقوله ~~تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن } PageV21P188 ( البقرة : 228 ) ، { ~~والوالدات يرضعن أولادهن } ( البقرة : 233 ) ، { قل من كان فى الضلالة ~~فليمدد له الرحمان مدا } ( مريم : 75 ) أي يمد له الرحمن مدا ، وكذا قولهم ~~: رحمه الله خبر وإن كان معناه الدعاء والباء زائدة . الثاني : أن يقال إنه ~~أمر لكل أحد بأن يجعل زيدا كريما أي بأن يصفه بالكرم ، والباء زائدة مثل ~~قوله : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( البقرة : 195 ) ولقد سمعت لبعض ~~الأدباء فيه تأويلا . ثالثا : وهو أن قولك أكرم بزيد يفيد أن زيدا بلغ في ~~الكرم إلى حيث كأنه في ذاته صار كرما حتى لو أردت جعل غيره كريما فهو الذي ~~يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك ، كما أن من قال : أكتب بالقلم فمعناه أن ~~القلم هو الذي يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك . # المسألة الثانية : قوله { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا } فيه ثلاثة أوجه . ~~أحدها : وهو المشهور الأقوى أن معناه ما أسمعهم وما أبصرهم والتعجب على ~~الله تعالى محال كما تقدم ، وإنما المراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير ~~بأن يتعجب منهما بعدما كانوا صما وعميا في الدنيا ، وقيل : معناه التهديد ~~مما سيسمعون وسيبصرون مما يسوء بصرهم ويصدع قلوبهم . وثانيها : قال القاضي ~~ويحتمل أن يكون المراد ms6076 أسمع هؤلاء وأبصرهم أي عرفهم حال القوم الذين ~~يأتوننا ليعتبروا وينزجروا . وثالثها : قال الجبائي : ويجوز أسمع الناس ~~بهؤلاء وأبصرهم بهم ليعرفوا أمرهم وسوء عاقبتهم فينزجروا عن الإتيان بمثل ~~فعلهم أما قوله : { لاكن الظالمون اليوم فى ضلال مبين } ففيه قولان : الأول ~~: لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وفي الآخرة يعرفون الحق . والثاني : { ~~لاكن الظالمون اليوم فى ضلال مبين } وهم في الآخرة في ضلال عن الجنة بخلاف ~~المؤمنين / وأما قوله تعالى : { وأنذرهم } فلا شبهة في أنه أمر لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم بأن ينذر من في زمانه فيصلح بأن يجعل هذا كالدلالة على أن ~~قوله فاختلف الأحزاب أراد به اختلاف جميعهم في زمن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأما الإنذار فهو التخويف من العذاب لكي يحذروا من ترك عبادة الله ~~تعالى وأما يوم الحسرة فلا شبهة في أنه يوم القيامة من حيث يكثر التحسر من ~~أهل النار وقيل يتحسر أيضا في الجنة إذا لم يكن من السابقين الواصلين إلى ~~الدرجات العالية والأول هو الصحيح لأن الحسرة غم وذلك لا يليق بأهل الثواب ~~، أما قوله تعالى : { إذ قضى الامر } ففيه وجوه : أحدها : إذ قضى الأمر ~~ببيان الدلائل وشرح أمرالثواب والعقاب . وثانيها : إذ قضى الأمر يوم الحسرة ~~بفناء الدنيا وزوال التكليف والأول أقرب لقوله : { وهم لا يؤمنون } فكأنه ~~تعالى بين أنه ظهرت الحجج والبينات وهم في غفلة وهم لا يؤمنون . وثالثها : ~~روي أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله : قضى الأمر : ( فقال حين ~~يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيذبح والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة ~~فرحا على فرح وأهل النار غما على غم ) واعلم أن الموت عرض فلا يجوز أن يصير ~~/ جسما حيوانيا بل المراد أنه لا موت البتة بعد ذلك وأما قوله : { وهم فى ~~غفلة } أي عن ذلك اليوم وعن كيفية حسرته وهم لا يؤمنون أي بذلك اليوم ثم ~~قال بعده : { إنا نحن نرث الارض ومن عليها } أي هذه الأمور تؤول إلى أن لا ~~يملك الضر والنفع إلا الله تعالى : { وإلينا ms6077 يرجعون } أي إلى محل حكمنا ~~وقضائنا لأنه تعالى منزه عن المكان حتى يكون الرجوع إليه وهذا تخويف عظيم ~~وزجر بليغ للعصاة . PageV21P189 # القصة الثالثة : قصة إبراهيم عليه السلام . # ! 7 < { واذكر فى الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لابيه ~~ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا * ياأبت إنى قد جآءنى ~~من العلم ما لم يأتك فاتبعنىأهدك صراطا سويا * ياأبت لا تعبد الشيطان إن ~~الشيطان كان للرحمان عصيا * ياأبت إنىأخاف أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون ~~للشيطان وليا } > 7 @QB@ < # | مريم : ( 41 - 45 ) واذكر في الكتاب . . . . . # > > # اعلم أن الغرض من هذه السورة بيان التوحيد والنبوة والحشر ، والمنكرون ~~للتوحيد هم الذين أثبتوا معبودا سوى الله تعالى ، وهؤلاء فريقان : منهم من ~~أثبت معبودا غير الله حيا عاقلا فاهما وهم النصارى ، ومنهم من أثبت معبودا ~~غير الله جمادا ليس بحي ولا عاقل ولا فاهم وهم عبدة الأوثان والفريقان وإن ~~اشتركا في الضلال إلا أن ضلال الفريق الثاني أعظم فلما بين تعالى ضلال ~~الفريق الأول تكلم في ضلال الفريق الثاني وهم عبدة الأوثان فقال : { واذكر ~~فى الكتاب } والواو في قوله واذكر عطف على قوله : { ذكر رحمت ربك عبده ~~زكريا } كأنه لما انتهت قصة عيسى وزكريا عليهما السلام قال قد ذكرت حال ~~زكريا فاذكر حال إبراهيم وإنما أمر بذكره لأنه عليه السلام ما كان هو ولا ~~قومه ولا أهل بلدته مشتغلين بالعلم ومطالعة الكتب فإذا أخبر عن هذه القصة ~~كما كانت من غير زيادة ولا نقصان كان ذلك إخبارا عن الغيب الغيب ومعجزا ~~قاهرا دالا على نبوته . وإنما شرع في قصة إبراهيم عليه السلام لوجوه : ~~أحدها : أن إبراهيم عليه السلام كان أب العرب وكانوا مقرين / بعلو شأنه ~~وطهارة دينه على ما قال تعالى : { ملة أبيكم إبراهيم } ( الحج : 78 ) وقال ~~تعالى : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ( البقرة : 130 ) ~~فكأنه تعالى قال للعرب إن كنتم مقلدين لآبائكم على ما هو قولكم : { وكذلك ~~ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير ms6078 } ( الزخرف : 23 ) PageV21P190 ومعلوم ~~أن أشرف آبائكم وأجلهم قدرا هو إبراهيم عليه السلام فقلدوه في ترك عبادة ~~الأوثان وإن كنتم من المستدلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم ~~عليه السلام لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا إبراهيم إما ~~تقليدا وإما استدلالا . وثانيها : أن كثيرا من الكفار في زمن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كانوا يقولون كيف نترك دين آبائنا وأجدادنا فذكر الله تعالى ~~قصة إبراهيم عليه السلام وبين أنه ترك دين أبيه وأبطل قوله بالدليل ورجح ~~متابعة الدليل على متابعة أبيه ليعرف الكفار أن ترجيح جانب الأب على جانب ~~الدليل رد على الأب الأشرف الأكبر الذي هو إبراهيم عليه السلام . وثالثها : ~~أن كثيرا من الكفار كانوا يتمسكون بالتقليد وينكرون الاستدلال على ما قال ~~الله تعالى : { قالوا إنا وجدنا ءاباءنا على أمة } ( الزخرف : 22 ) و { ~~قالوا وجدنا ءاباءنا لها عابدين } ( الأنبياء : 53 ) فحكى الله تعالى عن ~~إبراهيم عليه السلام التمسك بطريقة الاستدلال تنبيها لهؤلاء على سقوط هذه ~~الطريقة ثم قال تعالى في وصف إبراهيم عليه السلام : { إنه كان صديقا نبيا } ~~وفي الصديق قولان : أحدهما : أنه مبالغة في كونه صادقا وهو الذي يكون عادته ~~الصدق لأن هذا البناء ينبىء عن ذلك يقال رجل خمير وسكير للمولع بهذه ~~الأفعال . والثاني : أنه الذي يكون كثير التصديق بالحق حتى يصير مشهورا به ~~والأول أولى وذلك لأن المصدق بالشيء لا يوصف بكونه صديقا إلا إذا كان صادقا ~~في ذلك التصديق فيعود الأمر إلى الأول فإن قيل أليس قد قال تعالى : { ~~والذين ءامنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء } ( الحديد : 19 ) ~~قلنا : المؤمنون بالله ورسله صادقون في ذلك التصديق واعلم أن النبي يجب أن ~~يكون صادقا في كل ما أخبر عنه لأن الله تعالى صدقه ومصدق الله صادق وإلا ~~لزم الكذب في كلام الله تعالى فيلزم من هذا كون الرسول صادقا في كل ما يقول ~~، ولأن الرسل شهداء الله على الناس على ما قال الله تعالى : { فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ms6079 شهيدا } ( النساء : 41 ) والشهيد ~~إنما يقبل قوله : إذا لم يكن كاذبا . فإن قيل : فما قولكم في إبراهيم عليه ~~السلام في قوله : { بل فعله كبيرهم } ( الأنبياء : 63 ) و { إنى سقيم } ~~قلنا قد شرحنا في تأويل هذه الآيات بالدلائل الظاهرة أن شيئا من ذلك ليس ~~بكذب فلما ثبت أن كل نبي يجب أن يكون صديقا ولا يجب في كل صديق أن يكون ~~نبيا ظهر بهذا قرب مرتبة الصديق من مرتبة النبي فلهذا انتقل من ذكر كونه ~~صديقا إلى ذكر كونه نبيا . وأما النبي فمعناه كونه رفيع القدر عند الله ~~وعند الناس وأي رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطة بينه وبين عباده . ~~وقوله : { كان صديقا } قيل : إنه صار وقيل إن معناه وجد صديقا نبيا أي كان ~~من أول وجوده إلى انتهائه موصوفا بالصدق والصيانة . قال صاحب ( الكشاف ) : ~~هذه الجملة وقعت اعتراضا بين المبدل منه وبدله أعني إبراهيم وإذ قال ونظيره ~~قولك رأيت زيدا ونعم الرجل أخاك ويجوز أن يتعلق إذ بكان أو بصديقا نبيا أي ~~كان جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه بتلك المخاطبات / أما ~~قوله : { * يا أبت } فالتاء عوض عن ياء الإضافة ولا يقال يا أبتي لئلا يجمع ~~بين العوض والمعوض عنه وقد يقال : يا أبتا لكون الألف بدلا من الياء واعلم ~~أنه تعالى حكى أن إبراهيم عليه السلام تكلم مع أبيه بأربعة أنواع من الكلام ~~. النوع الأول : قوله : { لابيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يغنى عنك شيئا } ووصف الأوثان بصفات ثلاثة كل واحدة منها قادحة في الإلهية ~~وبيان ذلك من وجوه : أحدها : أن العبادة غاية التعظيم فلا يستحقها إلا من ~~له غاية الانعام وهو الإله الذي منه أصول النعم وفروعها على ما قررناه في ~~تفسير قوله : و { إن الله ربى وربكم فاعبدوه } ( آل عمران : 51 ) وقال : { ~~كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ( البقرة : 28 ) الآية وكما يعلم ~~بالضرورة أنه لا يجوز الاشتغال بشكرها ما لم تكن منعمة وجب أن لايجوز ~~الاشتغال بعبادتها . وثانيها : أنها ms6080 إذا لم تسمع ولم تبصر ولم تميز من ~~يطيعها عمن يعصيها فأي فائدة في عبادتها ، وهذا ينبهك على أن الإله يجب أن ~~يكون عالما بكل المعلومات حتى يكون العبد آمنا من وقوع الغلط للمعبود . ~~وثالثها : أن الدعاء مخ العبادة فالوثن إذا لم يسمع دعاء الداعي فأي منفعة ~~في عبادته وإذا كانت لا تبصر بتقرب من يقترب إليها فأي منفعة في ذلك التقرب ~~. ورابعها : أن السامع المبصر الضار النافع أفضل ممن كان عاريا عن كل ذلك ، ~~والإنسان موصوف بهذه الصفات فيكون أفضل وأكمل من الوثن فكيف يليق بالأفضل ~~عبادة الأخس . PageV21P191 وخامسها : إذا كانت لا تنفع ولا تضر فلا يرجى ~~منها منفعة ولا يخاف من ضررها فأي فائدة في عبادتها . وسادسها : إذا كانت ~~لا تحفظ أنفسها عن الكسر والإفساد على ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه ~~السلام أنه كسرها وجعلها جذاذا فأي رجاء للغير فيها واعلم أنه عاب الوثن من ~~ثلاثة أوجه . أحدها : لا يسمع . وثانيها : لا يبصر . وثالثها : لا يغني عنك ~~شيئا كأنه قال له : بل الإلهية ليست إلا لربي فإنه يسمع ويجيب دعوة الداعي ~~ويبصر / كما قال : { إننى معكما أسمع وأرى } ( طه : 46 ) ويقضي الحوائج : { ~~أمن يجيب المضطر إذا دعاه } ( النمل : 62 ) واعلم أن قوله ههنا { لم تعبد } ~~محمول على نفس العبادة وأما قوله في المقام الثالث : { لا تعبد الشيطان } ~~لا يقال ذلك بل المراد الطاعة لأنهم ما كانوا يعبدون الشيطان فوجب حمله على ~~الطاعة ولأنا نقول ليس إذا تركنا الظاهر ههنا لدليل وجب ترك الظاهر في ~~المقام الأول بغير دليل فإن قيل : إما أن يقال إن أبا إبراهيم كان يعتقد في ~~تلك الأوثان أنها آلهة بمعنى أنها قادرة مختارة موجدة للناس والحيوانات أو ~~يقال إنه ما كان يعتقد ذلك بل كان يعتقد أنها تماثيل الكواكب والكواكب هي ~~الآلهة المدبرة لهذا العالم ، فتعظيم تماثيل الكواكب بموجب تعظيم الكواكب ~~أو كان يعتقد أن هذه الأوثان تماثيل أشخاص معظمة عند الله تعالى من البشر ~~فتعظيمها يقتضي كون أولئك الأشخاص شفعاء لهم ms6081 عند الله تعالى أو كان يعتقد ~~أن تلك الأوثان طلسمات ركبت بحسب اتصالات مخصوصة للكواكب قلما يتفق مثلها ، ~~وأنها مشفع بها ، أو غير ذلك من الأعذار المنقولة عن عبدة الأوثان ، فإن ~~كان أبو إبراهيم من القسم الأول كان في نهاية الجنون لأن العلم بأن هذا ~~الخشب المنحوت في هذه الساعة ليس خالقا للسموات والأرض من / أجلى العلوم ~~الضرورية ، فالشاك فيه يكون فاقدا لأجلى العلوم الضرورية فكان مجنونا ~~والمجنون لا يجوز إيراد الحجة عليه والمناظرة معه ، وإن كان من القسم ~~الثاني فهذه الدلائل لا تقدح في شيء من ذلك لأن ذلك المذهب إنما يبطل ~~بإقامة الدلالة على أن الكواكب ليست أحياء ولا قادرة على خلق الأجسام وخلق ~~الحياة ومعلوم أن الدليل المذكور ههنا لا يفيد ذلك المطلوب فعلمنا أن هذه ~~الدلالة عديمة الفائدة على كل التقديرات ، قلنا : لا نزاع أنه لا يخفى على ~~العاقل أن الخشبة المنحوتة لا تصلح لخلق العالم وإنما مذهبهم هذا على الوجه ~~الثاني ، وإنما أورد إبراهيم عليه السلام هذه الدلالة عليهم لأنهم كانوا ~~يعتقدون أن عبادتها تفيد نفعا إما على سبيل الخاصية الحاصلة من الطلسمات أو ~~على سبيل أن الكواكب تنفع وتضر ، فبين إبراهيم عليه السلام أنه لا منفعة في ~~طاعتها ولا مضرة في الإعراض عنها فوجب أن لا تحسن عبادتها . النوع الثاني : ~~قوله : { شيئا ياأبت إنى قد جاءنى من العلم ما لم يأتك فاتبعنى أهدك صراطا ~~سويا } ومعناه ظاهر وطمع في التمسك به أهل التعليم وأهل التقليد أما أهل ~~التعليم فقالوا : إنه أمره بالإتباع في الدين وما أمره بالتمسك بدليل لا ~~يستفاد إلا من الإتباع ، وأما أهل التقليد فقد تمسكوا به أيضا من هذا الوجه ~~، ومن الناس من طعن أنه أمره بالإتباع لتحصل الهداية ، فإذن لا تحصل ~~الهداية إلا باتباعه ، ولا تبعية إلا إذا اهتدى لقولنا إنه لا بد من اتباعه ~~فيقع الدور وإنه باطل . ( والجواب ) عن الأول : أن المراد بالهداية بيان ~~الدليل وشرحه وإيضاحه ، فعند هذا عاد السائل فقال : أنا لا أنكر أنه لا بد ms6082 ~~من الدلالة ، ولكني أقول الوقوف على تلك الدلالة لا يستفاد إلا ممن له نفس ~~كاملة بعيدة عن النقص والخطأ ، وهي نفس النبي المعصوم أو الإمام المعصوم ~~فإذا سلمت أنه لا بد من النبي في هذا المقصود فقد سلمت حصول الغرض ، أجاب ~~المجيب وقال أنا ما سلمت أنه لا بد في الوقوف على الدلائل من هداية النبي ، ~~ولكني أقول هذا الطريق أسهل وإن إبراهيم عليه السلام PageV21P192 دعاه إلى ~~الأسهل والجواب عن سؤال الدور أن قوله : { فاتبعنى } ليس أمر إيجاب بل أمر ~~إرشاد . والنوع الثالث : قوله : { سويا ياأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان ~~كان للرحمان عصيا } أي لا تطعه لأنه عاص لله فنفره بهذه الصفة عن القبول ~~منه / لأنه أعظم الخصال المنفرة ، واعلم أن إبراهيم عليه السلام لإمعانه في ~~الإخلاص لم يذكر من جنايات الشيطان إلا كونه عاصيا لله ولم يذكر معاداته ~~لآدم عليه السلام كأن النظر في عظم ما ارتكبه من ذلك العصيان غمى فكره ~~وأطبق على ذهنه ، وأيضا فإن معصية الله تعالى لا تصدر إلا عن ضعيف الرأي ، ~~ومن كان كذلك كان حقيقا أن لا يلتفت إلى رأيه ولا يجعل لقوله وزن فإن قيل : ~~إن هذا القول يتوقف على إثبات أمور : أحدها : إثبات الصانع . وثانيها : ~~إثبات الشيطان . وثالثها : إثبات أن الشيطان عاص لله . ورابعها : أنه لما ~~كان عاصيا لم تجز طاعته في شيء من الأشياء . وخامسها : أن الإعتقاد الذي ~~كان عليه ذلك الإنسان كان مستفادا من طاعة الشيطان ، ومن شأن الدلالة التي ~~تورد على الخصم أن تكون مركبة من مقدمات معلومات مسلمة ، ولعل أبا إبراهيم ~~كان منازعا في كل هذه المقدمات ، / وكيف والمحكى عنه أنه ما كان يثبت إلها ~~سوى نمروذ فكيف يسلم وجود الإله الرحمن وإذا لم يسلم وجوده ، فكيف يمكنه ~~تسليم أن الشيطان كان عاصيا للرحمن ، ثم إن على تسليم ذلك فكيف يسلم الخصم ~~بمجرد هذا الكلام أن مذهبه مقتبس من الشيطان ، بل لعله يقلب ذلك على خصمه ، ~~قلنا : الحجة المعول عليها في إبطال مذهب آزر هو الذي ms6083 ذكره أولا من قوله : ~~{ لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } فأما هذا الكلام فيجري ~~مجرى التخويف والتحذير الذي يحمله على النظر في تلك الدلالة ، وعلى هذا ~~التقدير يسقط السؤال . النوع الرابع : قوله : { عصيا ياأبت إنى أخاف أن ~~يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا } قال الفراء : معنى أخاف أعلم . ~~والأكثرون على أنه محمول على ظاهره ، والقول الأول إنما يصح لو كان إبراهيم ~~عليه السلام عالما بأن أباه سيموت على ذلك الكفر وذلك لم يثبت فوجب إجراؤه ~~على ظاهره فإنه كان يجوز أن يؤمن فيصير من أهل الثواب ويجوز أن يصر فيموت ~~على الكفر ، فيكون من أهل العقاب ، ومن كان كذلك كان خائفا لا قاطعا ، ~~واعلم أن من يظن وصول الضرر إلى غيره فإنه لا يسمى خائفا إلا إذا كان بحيث ~~يلزم من وصول ذلك الضرر إليه تألم قلبه كما يقال أنا خائف على ولدي أما ~~قوله : { فتكون للشيطان وليا } فذكروا في الولي وجوها : أحدها : أنه إذا ~~استوجب عذاب الله كان مع الشيطان في النار والولاية سبب للمعية وإطلاق اسم ~~السبب على المسبب مجاز وإن لم يجز حمله إلى الولاية الحقيقية لقوله تعالى : ~~{ الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) وقال : { ثم ~~يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } ( العنكبوت : 25 ) وحكى عن ~~الشيطان أنه يقول لهم : { إنى كفرت بما أشركتمون من قبل } ( إبراهيم : 22 ) ~~واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا كان المراد من العذاب عذاب الآخرة ، ~~أما إذا كان المراد منه عذاب الدنيا فالإشكال ساقط . وثانيها ؛ أن يحمل ~~العذاب على الخذلان أي إني أخاف أن يمسك خذلان الله فتصير مواليا للشيطان ~~ويبرأ الله منك على ما قال تعالى : { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ~~فقد خسر خسرانا مبينا } ( النساء : 119 ) . وثالثها : وليا أي تاليا ~~للشيطان ، تليه كما يسمى المطر الذي يأتي تاليا وليا فإن قيل قوله : { أخاف ~~أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا } يقتضي أن تكون ولاية الشيطان ms6084 ~~أسوأ حالا من العذاب نفسه وأعظم ، فما السبب لذلك . ( والجواب ) : أن رضوان ~~الله تعالى أعظم من الثواب على ما قال : PageV21P193 { ورضوان من الله أكبر ~~ذالك هو الفوز العظيم } ( التوبة : 72 ) فوجب أن تكون ولاية الشيطان التي ~~هي في مقابلة رضوان الله أكبر من العذاب نفسه وأعظم . واعلم أن إبراهيم ~~عليه السلام رتب هذا الكلام في غاية الحسن لأنه نبه أولا على ما يدل على ~~المنع من عبادة الأوثان ثم أمره باتباعه في النظر والاستدلال وترك التقليد ~~ثم نبه على أن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول ثم ختم الكلام بالوعيد ~~الزاجر عن الإقدام على ما لا ينبغي ثم إنه عليه السلام أورد هذا الكلام ~~الحسن مقرونا باللطف والرفق فإن قوله في مقدمة كل كلام { * يا أبت } دليل ~~على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب وإرشاده إلى الصواب ، وختم الكلام ~~بقوله / { إليك لاقتلك إنى أخاف } وذلك يدل على شدة تعلق قلبه بمصالحه ~~وإنما فعل ذلك لوجوه : أحدها : قضاء لحق الأبوة على ما قال تعالى : { ~~وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : 23 ) والإرشاد إلى الدين من أعظم أنواع ~~الإحسان ، فإذا انضاف إليه رعاية الأدب والرفق كان ذلك نورا على نور . ~~وثانيها : أن الهادي إلى الحق لا بد وأن يكون رفيقا لطيفا يورد الكلام لا ~~على سبيل العنف لأن إيراده على سبيل العنف يصير كالسبب في إعراض المستمع ~~فيكون ذلك في الحقيقة سعيا في الإغواء . وثالثها : ما روى أبو هريرة أنه ~~قال عليه السلام : ( أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام أنك خليلي فحسن ~~خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن ~~أظله تحت عرشي وأن أسكنه حظيرة قدسي وأدنيه من جواري ) والله أعلم . # ! 7 < { قال أراغب أنت عن آلهتى ياإبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرنى ~~مليا * قال سلام عليك سأستغفر لك ربيإنه كان بى حفيا * وأعتزلكم وما تدعون ~~من دون الله وأدعو ربى عسىألا أكون بدعآء ربى شقيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 46 - 48 ) قال أراغب أنت . . . . . # > > اعلم أن إبراهيم عليه ms6085 السلام لما دعا أباه إلى التوحيد ، وذكر ~~الدلالة على فساد عبادة الأوثان ، وأردف تلك الدلالة بالوعظ البليغ ، وأورد ~~كل ذلك مقرونا باللطف والرفق ، قابله أبوه بجواب يضاد ذلك ، فقابل حجته ~~بالتقليد ، فإنه لم يذكر في مقابلة حجته إلا قوله : { أراغب أنت عن الهتى ~~ياإبراهيم * إبراهيم } فأصر على ادعاء إلهيتها جهلا وتقليدا وقابل وعظه ~~بالسفاهة حيث هدده بالضرب والشتم ، وقابل رفقه في قوله : { * يا أبت } ( ~~مريم : 44 ) بالعنف حيث لم يقل له يا بني بل قال : { ضيف إبراهيم } وإنما ~~حكى الله تعالى ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم ليخفف على قلبه ما كان يصل ~~إليه من أذى المشركين فيعلم أن الجهال منذ كانوا على هذه السيرة المذمومة ، ~~أما قوله : { أراغب أنت عن الهتى ياإبراهيم * إبراهيم } فإن كان ذلك على ~~وجه الاستفهام فهو خذلان لأنه قد عرف منه ما تكرر منه من وعظه وتنبيهه على ~~الدلالة وهو يفيد أنه راغب عن ذلك أشد رغبة فما فائدة هذا القول . وإن كان ~~ذلك على سبيل التعجب فأي تعجب في الإعراض عن حجة لا فائدة فيها ، وإنما ~~التعجب كله من الإقدام على عبادتها فإن الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه ~~السلام كما أنه يبطل جواز عبادتها فهو يفيد التعجب من أن العاقل كيف يرضى ~~PageV21P194 بعبادتها فكأن أباه قابل ذلك التعجب الظاهر المبني على الدليل ~~بتعجب / فاسد غير مبني على دليل وشبهة ، ولا شك أن هذا التعجب جدير بأن ~~يتعجب منه ، أما قوله : { لئن لم تنته لارجمنك واهجرنى مليا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في الرجم ههنا قولان : الأول : أنه الرجم باللسان ، وهو ~~الشتم والذم ، ومنه قوله : { والذين يرمون المحصنات } ( النور : 4 ) أي ~~بالشتم ، ومنه الرجم ، أي المرمي باللعن ، قال مجاهد : الرجم في القرآن كله ~~بمعنى الشتم . والثاني : أنه الرجم باليد ، وعلى هذا التقدير ذكروا وجوها : ~~أحدها : لأرجمنك بإظهار أمرك للناس ليرجموك ويقتلوك . وثانيها : لأرجمنك ~~بالحجارة لتتباعد عني . وثالثها : عن المؤرج لأقتلنك بلغة قريش . ورابعها : ~~قال أبو مسلم لأرجمنك المراد منه الرجم بالحجارة إلا أنه قد يقال ذلك ms6086 في ~~معنى الطرد والإبعاد اتساعا ، ويدل على أنه أراد الطرد قوله تعالى : { ~~واهجرنى مليا } واعلم أن أصل الرجم هو الرمي بالرجام فحمله عليه أولى ، فإن ~~قيل : أفما يدل قوله تعالى : { واهجرنى مليا } على أن المراد به الرجم ~~بالشتم ؟ قلنا : لا ، وذلك لأنه هدده بالرجم إن بقي على قربه منه وأمره أن ~~يبعد هربا من ذلك فهو في معنى قوله : { واهجرنى مليا } . # المسألة الثانية : في قوله تعالى : { واهجرنى مليا } قولان : أحدهما : ~~المراد واهجرني بالقول . والثاني : بالمفارقة في الدار والبلد وهي هجرة ~~الرسول والمؤمنين أي تباعد عني لكي لا أراك وهذا الثاني أقرب إلى الظاهر . # المسألة الثالثة : في قوله : { مليا } قولان : الأول : مليا أي مدة بعيدة ~~مأخوذ من قولهم أتى على فلان ملاوة من الدهر أي زمان بعيد . والثاني : مليا ~~بالذهاب عني والهجران قبل أن أثخنك بالضرب حتى لا تقدر أن تبرح يقال فلان ~~ملي بكذا إذا كان مطيقا له مضطلعا به . # المسألة الرابعة : عطف اهجرني على معطوف عليه محذوف يدل عليه لأرجمنك ، ~~أي فاحذرني واهجرني لئلا أرجمنك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام لما سمع من ~~أبيه ذلك أجاب عن أمرين . أحدهما : أنه وعده التباعد منه ، وذلك لأن أباه ~~لما أمره بالتباعد أظهر الإنقياد لذلك الأمر وقوله : { سلام عليك } توادع ~~ومتاركة كقوله تعالى : { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى ~~الجاهلين } ( القصص : 55 ) ، { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ( ~~الفرقان : 63 ) وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح إذا ظهر منه اللجاج ، ~~وعلى أنه تحسن مقابلة الإساءة بالإحسان ، ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة ~~استمالة له ، ألا ترى أنه وعده بالاستغفار ، ثم إنه لما ودع أباه بقوله : { ~~سلام عليك } ضم إلى ذلك ما دل به على أنه وإن بعد عنه فاشفاقه باق عليه كما ~~كان وهو قوله : { سأستغفر لك ربي } واحتج بهذه الآية من طعن في عصمة ~~الأنبياء ، وتقريره أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز لأنه استغفر ~~لأبيه وهو كافر والاستغفار للكافر لا يجوز ، فثبت بمجموع هذه المقدمات أن ~~إبراهيم ms6087 عليه السلام فعل ما لا يجوز ، إنما قلنا إنه استغفر لأبيه لقوله ~~تعالى حكاية عن إبراهيم : { سلام عليك سأستغفر لك ربي } وقوله : { واغفر ~~لابى إنه كان من الضالين } ( الشعراء : 86 ) وأما أن أباه كان كافرا فذاك ~~بنص القرآن / وبالإجماع ، وأما أن الاستغفار للكافر لا يجوز فلوجهين . ~~الأول : قوله تعالى : { ما كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين } ~~( التوبة : 113 ) . الثاني : قوله في سورة الممتحنة : { قد كانت لكم أسوة ~~حسنة فى إبراهيم } PageV21P195 إلى قوله { لاستغفرن لك } وأمر الناس إلا في ~~هذا الفعل فوجب أن يكون ذلك معصية منه ، ( والجواب ) : لا نزاع إلا في ~~قولكم الاستغفار للكافر لا يجوز فإن الكلام عليه من وجوه : أحدها : أن ~~القطع على أن الله تعالى يعذب الكافر لا يعرف إلا بالسمع ، فلعل إبراهيم ~~عليه السلام لم يجد في شرعه ما يدل على القطع بعذاب الكافر فلا جرم استغفر ~~لأبيه . وثانيها : أن الاستغفار قد يكون بمعنى الاستماحة ، كما في قوله : { ~~قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } ( الجاثية : 14 ) ~~والمعنى سأسأل ربي أن لا يجزيك بكفرك ما كنت حيا بعذاب الدنيا المعجل . ~~وثالثها : أنه عليه السلام إنما استغفر لأبيه لأنه كان يرجو منه الإيمان ~~فلما أيس من ذلك ترك الاستغفار ولعل في شرعه جواز الاستغفار للكافر الذي ~~يرجي منه الإيمان ، والدليل على وقوع هذا الاحتمال قوله تعالى : { ما كان ~~للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم } ( التوبة : 113 ) فبين أن المنع من الاستغفار ~~إنما يحصل بعد أن يعرفوا أنهم من أصحاب الجحيم . ثم قال بعد ذلك : { وما ~~كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو ~~لله تبرأ منه } ( التوبة : 114 ) فدلت الآية على أنه وعده بالاستغفار لو ~~آمن ، فلما لم يؤمن لم يستغفر له بل تبرأ منه ، فإن قيل فإذا كان الأمر ~~كذلك فلم منعنا من التأسي به في قوله : { قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم ~~} إلى ms6088 قوله { إلا قول إبراهيم لابيه لاستغفرن لك } ( الممتحنة : ) قلنا ~~الآية تدل على أنه لا يجوز لنا التأسي به في ذلك لكن المنع من التأسي به في ~~ذلك لا يدل على أن ذلك كان معصية . فإن كثيرا من الأشياء هي من خواص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لنا التأسي به مع أنها كانت مباحة له ~~عليه السلام . ورابعها : لعل هذا الاستغفار كان من باب ترك الأولى وحسنات ~~الأبرار سيئآت المقربين ، أما قوله : { إنه كان بى حفيا } أي لطيفا رفيقا ~~يقال أحفى فلان في المسألة بفلان إذا لطف به وبالغ في الرفق ، ومنه قوله ~~تعالى : { ؤإن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا } ( محمد : 37 ) أي وإن لطفت ~~المسألة والمراد أنه سبحانه للطفه بي وإنعامه على عودني الإجابة فإذا أنا ~~استغفرت لك حصل المراد فكأنه جعله بذلك على يقين إن هو تاب أن يحصل له ~~الغفران . ( الجواب الثاني ) من الجوابين قوله : { وأعتزلكم وما تدعون من ~~دون الله } الاعتزال للشيء هو التباعد عنه والمراد أني أفارقكم في المكان ~~وأفارقكم في طريقتكم أيضا وأبعد عنكم وأتشاغل بعبادة ربي الذي ينفع ويضر ~~والذي خلقني وأنعم علي فإنكم بعبادة الأصنام سالكون طريقة الهلاك ، فواجب ~~على مجانبتكم ومعنى قوله : { عسى أن * لا * أكون بدعاء ربى شقيا } أرجو أن ~~لا أكون كذلك ، وإنما ذكر ذلك على سبيل التواضع كقوله : { والذى أطمع أن ~~يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) وأما قوله : { شقيا } مع ما ~~فيه من التواضع لله ففيه تعريض بشقاوتهم في دعاء آلهتهم على ما قرره أولا ~~في / قوله : { لم * تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } . # ! 7 < { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا ~~جعلنا نبيا * ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا } > 7 @QB@ < # | مريم : ( 49 - 50 ) فلما اعتزلهم وما . . . . . # > > PageV21P196 # اعلم أنه ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم عليه السلام لما اعتزلهم في ~~دينهم وفي بلدهم واختار الهجرة إلى ربه إلى حيث أمره لم يضره ذلك ms6089 دينا ~~ودنيا ، بل نفعه فعوضه أولادا أنبياء ولا حالة في الدين والدنيا للبشر أرفع ~~من أن يجعل الله له رسولا إلى خلقه ويلزم الخلق طاعته والإنقياد له مع ما ~~يحصل فيه من عظيم المنزلة في الآخرة فصار جعله تعالى إياهم أنبياء من أعظم ~~النعم في الدنيا والآخرة ، ثم بين تعالى أنه مع ذلك وهب لهم من رحمته أي ~~وهب لهم من النبوة ما وهب ويدخل فيه المال والجاه والأتباع والنسل الطاهر ~~والذرية الطيبة ثم قال : { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } ولسان الصدق الثناء ~~الحسن وعبر باللسان عما يوجد باللسان ، كما عبر باليد عما يعطي باليد وهو ~~العطية ، واستجاب الله دعوته في قوله : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } ( ~~الشعراء : 84 ) فصيره قدوة حتى ادعاه أهل الأديان كلهم وقال عز وجل : { ملة ~~أبيكم إبراهيم } ( الحج : 78 ) { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ~~} ( النحل : 123 ) قال بعضهم : إن الخليل اعتزل عن الخلق على ما قال : { ~~وأعتزلكم وما تدعون من دون الله } ( مريم : 48 ) فلا جرم بارك الله في ~~أولاده فقال : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب * وكلا جعلنا نبيا } . وثانيها : ~~أنه تبرأ من أبيه في الله تعالى على ما قال : { فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لاواه حليم } ( التوبة : 114 ) لا جرم أن الله سماه ~~أبا للمسلمين فقال : { ملة أبيكم إبراهيم } . وثالثها : تل ولده للجبين ~~ليذبحه على ما قال : { فلما أسلما وتله للجبين } ( الصافات : 103 ) لا جرم ~~فداه الله تعالى على ما قال : { وفديناه بذبح عظيم } ( الصافات : 107 ) . ~~ورابعها : أسلم نفسه فقال : { أسلمت لرب العالمين } ( البقرة : 131 ) فجعل ~~الله تعالى النار عليه بردا وسلاما فقال : { قلنا ياذا * نار * كونى بردا ~~وسلاما على إبراهيم } ( الأنبياء : 69 ) . وخامسها : أشفق على هذه الأمة ~~فقال : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } ( البقرة : 129 ) لا جرم أشركه الله ~~تعالى في الصلوات الخمس ، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم . ~~وسادسها : في حق سارة في قوله : { وإبراهيم الذى وفى } ( النجم : 37 ) لا ~~جرم جعل ms6090 موطىء قدميه مباركا : { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ( البقرة : ~~125 ) . وسابعها : عادى كل الخلق في الله فقال : { فإنهم عدو لى إلا رب ~~العالمين } ( الشعراء : 77 ) لا جرم اتخذه الله خليلا على ما قال : { واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا } ( النساء : 125 ) ليعلم صحة قولنا أنه ما خسر على ~~الله أحد . # / ( القصة الرابعة قصة موسى عليه السلام ) # ! 7 < { واذكر فى الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا * وناديناه ~~من جانب الطور الا يمن وقربناه نجيا * ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا ~~} > 7 @QB@ < # | مريم : ( 51 - 53 ) واذكر في الكتاب . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى وصف موسى عليه السلام بأمور : أحدها : أنه كان مخلصا فإذا ~~قرىء بفتح اللام فهو من الإصطفاء والإختباء كأن الله تعالى اصطفاه واستخلصه ~~وإذا قرىء بالكسر فمعناه أخلص لله في التوحيد في العبادة والإخلاص هو القصد ~~في العبادة إلى أن يعبد المعبود بها وحده ، ومتى ورد القرآن بقراءتين فكل ~~واحدة منهما ثابت مقطوع به ، فجعل الله تعالى من صفة موسى عليه السلام كلا ~~الأمرين . وثانيها : كونه PageV21P197 رسولا نبيا ولا شك أنهما وصفان ~~مختلفان لكن المعتزلة زعموا كونهما متلازمين فكل رسول نبي وكل نبي رسول ومن ~~الناس من أنكر ذلك وقد بينا الكلام فيه في سورة الحج في قوله تعالى : { وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى } ( الحج : 52 ) . وثالثها : قوله تعالى : ~~{ وناديناه من جانب الطور الايمن } من اليمين أي من ناحية اليمين والأيمن ~~صفة الطور أو الجانب . ورابعها : قوله : { وقربناه نجيا } ولما ذكر كونه ~~رسولا قال : { وقربناه نجيا } وفي قوله : { * قربناه } قولان : أحدهما : ~~المراد قرب المكان عن أبي العالية قربه حتى سمع صرير القلم حيث كتبت ~~التوراة في الألواح . والثاني : قرب المنزلة أي رفعنا قدره وشرفناه ~~بالمناجاة ، قال القاضي : وهذا أقرب لأن استعمال القرب في الله قد صار ~~بالتعارف لا يراد به إلا المنزلة وعلى هذا الوجه يقال في العبادة تقرب ، ~~ويقال في الملائكة عليهم السلام إنهم مقربون وأما { وقربناه نجيا } فقيل ~~فيه أنجيناه من أعدائه وقيل هو من المناجاة ms6091 في المخاطبة وهو أولى . وخامسها ~~: قوله : { ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا } قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : كان هرون عليه السلام أكبر من موسى عليهما السلام ، وإنما وهب الله ~~له نبوته لا شخصه وأخوته وذلك إجابة لدعائه في قوله : { واجعل لى وزيرا من ~~أهلى * هارون * أخى * اشدد به أزرى } ( طه : 29 ، 30 ، 31 ) فأجابه الله ~~تعالى إليه بقوله : { قد أوتيت سؤلك ياموسى * موسى } ( طه : 36 ) وقوله : { ~~سنشد عضدك بأخيك } . # ( القصة الخامسة قصة إسماعيل عليه السلام ) # ! 7 < { واذكر فى الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا * ~~وكان يأمر أهله بالصلواة والزكواة وكان عند ربه مرضيا } > 7 @QB@ < # | مريم : ( 54 - 55 ) واذكر في الكتاب . . . . . # > > # اعلم أن إسماعيل هذا هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، واعلم أن ~~الله تعالى وصف إسماعيل عليه السلام بأشياء : أولها : قوله : { إنه كان ~~صادق الوعد } وهذا الوعد يمكن أن يكون المراد فيما بينه وبين الله تعالى ~~ويمكن أن يكون المراد فيما بينه وبين الناس . أما الأول : فهو أن يكون ~~المراد أنه كان لا يخالف شيئا مما يؤمر به من طاعة ربه وذلك لأن الله تعالى ~~إذا أرسل الملك إلى الأنبياء وأمرهم بتأدية الشرع فلا بد من ظهور وعد منهم ~~يقتضي القيام بذلك ويدل على القيام بسائر ما يخصه من العبادة . وأما الثاني ~~: فهو أنه عليه السلام كان إذا وعد الناس بشيء أنجز وعده فالله تعالى وصفه ~~بهذا الخلق الشريف وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه وعد صاحبا له أن ~~ينتظره في مكان فانتظره سنة ، وأيضا وعد من نفسه الصبر على الذبح فوفى به ~~حيث قال : { ستجدنى إن شاء الله من الصابرين } ( الصافات : 102 ) ويروى أن ~~عيسى عليه السلام قال له رجل : انتظرني حتى آتيك فقال عيسى عليه السلام : ~~نعم وانطلق الرجل ونسي الميعاد فجاء لحاجة إلى ذلك المكان وعيسى عليه ~~السلام هنالك للميعاد ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنه واعد ~~رجلا ونسي ذلك الرجل فانتظره من الضحى إلى قريب من غروب ms6092 الشمس ) . وسئل ~~الشعبي عن الرجل يعد ميعادا إلى أي وقت ينتظره فقال : إن PageV21P198 واعده ~~نهارا فكل النهار وإن واعده ليلا فكل الليل ، وسئل إبراهيم بن زيد عن ذلك ~~فقال : إذا واعدته في وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى . وثانيها : ~~قوله : { وكان رسولا نبيا } وقد مر تفسيره . وثالثها : قوله : { وكان يأمر ~~أهله بالصلواة والزكواة } والأقرب في الأهل أن المراد به من يلزمه أن يؤدي ~~إليه الشرع فيدخل فيه كل أمته من حيث لزمه في جميعهم ما يلزم المرء في أهله ~~خاصة ، هذا إذا حمل الأمر على المفروض من الصلاة والزكاة فإن حمل على الندب ~~فيهما كان المراد أنه كما كان يتهجد بالليل يأمر أهله أي من كان في داره في ~~ذلك الوقت بذلك وكان نظره لهم في الدين يغلب على شفقته عليهم في الدنيا ~~بخلاف ما عليه أكثر الناس ، وقيل : كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح ~~والعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم كما قال تعالى : { وأنذر عشيرتك الاقربين ~~} ( الشعراء : 214 ) { وأمر أهلك بالصلواة واصطبر عليها } ( طه : 132 ) { ~~قوا أنفسكم وأهليكم نارا } ( التحريم : 6 ) وأيضا فهم أحق أن يتصدق عليهم ~~فوجب أن يكونوا بالإحسان الديني أولى ، فأما الزكاة فعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنها طاعة الله تعالى والاخلاص فكأنه تأوله على ما يزكو به الفاعل ~~عند ربه والظاهر أنه إذا قرنت الزكاة إلى الصلاة أن يراد بها الصدقات ~~الواجبة وكان يعرف من خاصة أهله أن يلزمهم الزكاة فيأمرهم بذلك أو يأمرهم ~~أن يتبرعوا بالصدقات على الفقراء . ورابعها : قوله ؛ { وكان عند ربه مرضيا ~~} وهو في نهاية المدح لأن المرضى عند الله هو الفائز في كل طاعاته بأعلى ~~الدرجات . # / ( القصة السادسة قصة إدريس عليه السلام ) # ! 7 < { واذكر فى الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا * ورفعناه مكانا عليا ~~} > 7 @QB@ < # | مريم : ( 56 - 57 ) واذكر في الكتاب . . . . . # > > # اعلم أن إدريس عليه السلام هو جد أبي نوح عليه السلام وهو نوح بن لمك بن ~~متوشلخ بن أخنوخ قيل سمي إدريس لكثرة دراسته واسمه أخنوخ ووصفه الله تعالى ms6093 ~~بأمور : أحدها : أنه كان صديقا . وثانيها : أنه كان نبيا وقد تقدم القول ~~فيهما . وثالثها : قوله : { ورفعناه مكانا عليا } وفيه قولان : أحدهما : ~~أنه من رفعة المنزلة كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { ورفعنا لك ~~ذكرك } ( الشرح : 4 ) فإن الله تعالى شرفه بالنبوة وأنزل عليه ثلاثين صحيفة ~~وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب وأول من خاط الثياب ~~ولبسها وكانوا يلبسون الجلود . الثاني : أن المراد به الرفعة في المكان إلى ~~موضع عال وهذا أولى ، لأن الرفعة المقرونة بالمكان تكون رفعة في المكان لا ~~في الدرجة ثم اختلفوا فقال بعضهم إن الله رفعه إلى السماء وإلى الجنة وهو ~~حي لم يمت ، وقال آخرون : بل رفع إلى السماء وقبض روحه سأل ابن عباس رضي ~~الله عنهما كعبا عن قوله : { ورفعناه مكانا عليا } قال : جاءه خليل له من ~~الملائكة فسأله حتى يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه فحمله ذلك الملك بين ~~جناحيه فصعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة فإذا ملك الموت يقول ~~بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة ، وأنا أقول كيف ذلك وهو في ~~الأرض فالتفت إدريس فرآه ملك الموت فقبض روحه هناك . واعلم أن الله تعالى ~~إنما مدحه بأن رفعه إلى السماء لأنه جرت العادة أن لا يرفع إليها إلا من ~~كان عظيم القدر والمنزلة ، ولذلك قال في حق الملائكة : { ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته } ( الأنبياء : 19 ) وههنا آخر القصص . # PageV21P199 ! 7 < { أولائك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ~~ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسراءيل وممن هدينا واجتبينآ إذا ~~تتلى عليهم ءايات الرحمان خروا سجدا وبكيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 58 ) أولئك الذين أنعم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى أثنى على كل واحد ممن تقدم ذكره من الأنبياء بما يخصه ~~من الثناء ثم جمعهم آخرا فقال : { أولئك الذين أنعم الله عليهم } أي ~~بالنبوة وغيرها مما تقدم وصفه وأولئك إشارة إلى المذكورين / في السورة من ~~لدن زكريا إلى إدريس ، ثم جمعهم في كونهم ms6094 من ذرية آدم ثم خص بعضهم بأنه من ~~ذرية من حمل مع نوح ، والذي يختص بأنه من ذرية آدم دون من حمل مع نوح هو ~~إدريس عليه السلام ، فقد كان سابقا على نوح على ما ثبت في الأخبار والذين ~~هم من ذرية من حمل مع نوح هو إبراهيم عليه السلام لأنه من ولد سام بن نوح ~~وإسمعيل وإسحق ويعقوب من ذرية إبراهيم ثم خص بعضهم بأنهم من ولد إسرائيل أي ~~يعقوب وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من قبل الأم فرتب الله سبحانه ~~وتعالى أحوال الأنبياء عليهم السلام الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبها ~~بذلك على أنهم كما فضلوا بأعمالهم فلهم مزيد في الفضل بولادتهم من هؤلاء ~~الأنبياء ، ثم بين أنهم ممن هدينا واجتبينا منبها بذلك على أنهم اختصوا ~~بهذه المنازل لهداية الله تعالى لهم ، ولأنه اختارهم للرسالة ثم قال : { ~~أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من } تتلى عليهم أي على هؤلاء ~~الأنبياء فبين تعالى أنهم مع نعم الله عليهم قد بلغوا الحد الذي عند تلاوة ~~آيات الله يخرون سجدا وبكيا خضوعا وخشوعا وحذرا وخوفا ، والمراد بآيات الله ~~ما خصهم الله تعالى به من الكتب المنزلة عليهم . وقال أبو مسلم المراد ~~بالآيات التي فيها ذكر العذاب المنزل بالكفار وهو بعيد لأن سائر الأيات ~~التي فيها ذكر الجنة والنار إلى غير ذلك أولى أن يسجدوا عنده ويبكوا فيجب ~~حمله على كل آية تتلى مما يتضمن الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، لأن كل ~~ذلك إذا فكر فيه المتفكر صح أن يسجد عنده وأن يبكي ، واختلفوا فقال بعضهم ~~في السجود : إنه الصلاة وقال بعضهم : المراد سجود التلاوة على حسب ما ~~تعبدنا به وقيل : المراد الخضوع والخشوع والظاهر يقتضي سجودا مخصوصا عند ~~التلاوة ثم يحتمل أن يكون المراد سجود التلاوة للقرآن ويحتمل أنهم عند ~~الخوف كانوا قد تعبدوا بالسجود فيفعلون ذلك لا لأجل ذكر السجود في الآية ، ~~قال الزجاج في بكيا : جمع باك مثل شاهد وشهود وقاعد وقعود ثم قال الإنسان ~~في حال خروره ms6095 لا يكون ساجدا فالمراد خروا مقدرين للسجود ومن قال في بكيا ~~إنه مصدر فقد أخطأ لأن سجدا جمع ساجد وبكيا معطوف عليه وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( اتلو القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ) وعن صالح ~~المري قال : قرأت القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال ~~لي : يا صالح هذه القراءة فأين البكاء ؟ وعن ابن عباس رضي الله عنهما إذا ~~قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم فليبك ~~قلبه . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( القرآن نزل بحزن فاقرأوه بحزن ~~) وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما اغرورقت عين به بماء إلا حرم ~~الله على النار جسدها ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه : ( لا يلج النار من ~~بكى من خشية الله ) وقال العلماء : يدعو في سجود التلاوة بما يليق بها فإن ~~قرأ آية تنزيل السجدة قال : اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين ~~PageV21P200 بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك وإن قرأ سجدة ~~سبحان قال : اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وإن قرأ هذه السجدة ~~قال : اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهتدين الساجدين لك الباكين ~~عند تلاوة آيات كتابك . # ! 7 < { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلواة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون ~~غيا * إلا من تاب وءامن وعمل صالحا فأولائك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا } ~~> 7 ! # / < < # | مريم : ( 59 - 60 ) فخلف من بعدهم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما وصف هؤلاء الأنبياء بصفات المدح ترغيبا لنا في ~~التأسي بطريقتهم ذكر بعدهم من هو بالضد منهم فقال : فخلف من بعدهم خلف ، ~~وظاهر الكلام أن المراد من بعد هؤلاء الأنبياء خلف من أولادهم يقال : خلفه ~~إذا أعقبه ثم قيل في عقب الخبر خلف بفتح اللام وفي عقب الشر خلف بالسكون ، ~~كما قالوا : وعد في ضمان الخير ووعيد في ضمان الشر وفي الحديث : ( في الله ~~خلف من كل هالك ) وفي الشعر للبيد : # % ذهب الذين يعاش في أكنافهم % % وبقيت في خلف كجلد ms6096 الأجرب % # ثم وصفهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات فإضاعة الصلاة في مقابلة قوله : { ~~خروا سجدا } ( السجدة : 15 ) واتباع الشهوات في مقابلة قوله : { وبكيا } ~~لأن بكاءهم يدل على خوفهم واتباع هؤلاء لشهواتهم يدل على عدم الخوف لهم ~~وظاهر قوله : { فخلف من } تركوها لكن تركها قد يكون بأن لا تفعل أصلا وقد ~~يكون بأن لا تفعل في وقتها وإن كان الأظهر هو الأول وأما اتباع الشهوات ~~فقال ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا ~~الخمر واستحلوا نكاح الأخت من الأب واحتج بعضهم بقوله : { إلا من تاب وءامن ~~} على أن تارك الصلاة كافر ، واحتج أصحابنا بها في أن الإيمان غير العمل ~~لأنه تعالى قال : { وامن وعمل صالحا } فعطف العمل على الإيمان والمعطوف غير ~~المعطوف عليه ، أجاب الكعبي عنه : بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان ~~والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما ، ~~وهذا الجواب ضعيف لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي وقوع المغايرة بينهما ~~لأن التوبة عزم على الترك والإيمان إقرار بالله تعالى وهما متغايران ، فكذا ~~في هذه الصورة . ثم بين تعالى أن من هذه صفته { يلقون غيا } وذكروا في الغي ~~وجوها : أحدها : أن كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد ، قال الشاعر : # % فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره % % ومن يغو لا يعدم على الغي لائما % # وثانيها : قال الزجاج : { يلقون غيا } أي يلقون جزاء الغي ، كقوله تعالى ~~: { يلق أثاما } ( الفرقان : 68 ) أي مجازاة الآثام . وثالثها : غيا عن ~~طريق الجنة . ورابعها : الغي واد في جهنم يستعيذ منه أوديتها / والوجهان ~~الأولان أقرب فإن كان في جهنم موضع يسمى بذلك جاز ولا يخرج من أن يكون ~~المراد ما قدمنا لأنه المعقول في اللغة ، ثم بين سبحانه أن هذا الوعيد فيمن ~~لم يتب ، وأما من تاب وآمن وعمل صالحا فلهم الجنة لا PageV21P201 يلحقهم ~~ظلم ، وههنا سؤالان : الأول : الاستثناء دل على أنه لا بد من التوبة ~~والإيمان والعمل الصالح وليس الأمر كذلك ، لأن من تاب عن كفره ولم يدخل وقت ms6097 ~~الصلاة ، أو كانت المرأة حائضا فإنه لا يجب عليها الصلاة والزكاة أيضا غير ~~واجبة ، وكذا الصوم فههنا لو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم ~~يصدر عنه عمل فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح ، و ( الجواب ) أن هذه ~~الصورة نادرة ، والمراد منه الغالب . السؤال الثاني : قوله : { ولا يظلمون ~~شيئا } هذا إنما يصح لو كان الثواب مستحقا على العمل ، لأنه لو كان الكل ~~بالتفضل لاستحال حصول الظلم لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا ~~بالوعد . ( الجواب ) : أنه لما أشبهه أجرى على حكمه . # ! 7 < { جنات عدن التى وعد الرحمان عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا * لا ~~يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا * تلك الجنة التى ~~نورث من عبادنا من كان تقيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 61 - 63 ) جنات عدن التي . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في التائب أنه يدخل الجنة وصف الجنة بأمور : ~~أحدها : قوله ؛ { جنات عدن التى وعد الرحمان عباده بالغيب } والعدن الإقامة ~~وصفها بالدوام على خلاف حال الجنان في الدنيا التي لا تدوم ولذلك فإن حالها ~~لا يتغير في مناظرها فليست كجنان الدنيا التي حالها يختلف في خضرة الورق ~~وظهور النور والثمر وبين تعالى أنها : وعد الرحمن لعباده وأما قوله : { ~~بالغيب } ففيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى وعد ( هم إيا ) ها وهي غائبة ~~عنهم غير حاضرة أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها . والثاني : أن المراد وعد ~~الرحمن للذين يكونون عبادا بالغيب أي الذين يعبدونه في السر بخلاف ~~المنافقين فإنهم يعبدونه في الظاهر ولا يعبدونه في السر وهو قول أبي مسلم . ~~والوجه الأول : أقوى لأنه تعالى بين أن الوعد منه تعالى وإن كان بأمر غائب ~~فهو كأنه مشاهد حاصل ، لذلك قال بعده : { إنه كان وعده مأتيا } أما قوله : ~~{ مأتيا } فقيل إنه مفعول بمعنى فاعل والوجه أن الوعد هو الجنة وهم يأتونها ~~، قال الزجاج : كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه وما أتاك فقد أتيته والمقصود ~~من قوله : { إنه كان وعده مأتيا } بيان أن ms6098 الوعد منه تعالى وإن كان بأمر ~~غائب فهو كأنه مشاهد وحاصل / والمراد تقرير ذلك في القلوب . وثانيها : قوله ~~: { لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما } ( مريم : 62 ) واللغو من الكلام ما ~~سبيله أن يلغي ويطرح وهو المنكر من القول ونظيره قوله : { لا تسمع فيها ~~لاغية } ( الغاشية : 11 ) وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب اللغو حيث نزه ~~الله تعالى عنه الدار التي لا تكليف فيها وما أحسن قوله : { وإذا مروا ~~باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) ، { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ~~وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين } ( القصص : ~~55 ) أما قوله : { إلا سلاما } ففيه بحثان : # البحث الأول : أن فيه إشكالا وهو أن السلام ليس من جنس اللغو فكيف استثنى ~~السلام من اللغو والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن معنى السلام هو الدعاء ~~بالسلامة وأهل الجنة لا حاجة بهم إلى هذا الدعاء فكان ظاهره من باب اللغو ~~وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام . وثانيها : أن يحمل ذلك على ~~الاستثناء المنقطع . وثالثها : أن يكون هذا من جنس قول الشاعر : ~~PageV21P202 # % ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم % % بهن فلول من قراع الكتائب % # البحث الثاني : أن ذلك السلام يحتمل أن يكون من سلام بعضهم على بعض أو من ~~تسليم الملائكة أو من تسليم الله تعالى على ما قال تعالى : { والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد ~~: 23 ، 24 ) وقوله : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس: 58 ) . ورابعها : قوله ~~تعالى : { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } وفيه سؤالان : السؤال الأول : أن ~~المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بأحوال مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة ~~وعشيا ليس من الأمور المستعظمة . ( والجواب ) من وجهين : الأول : قال الحسن ~~أراد الله تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا ولذلك ذكر أساور من ~~الذهب والفضة ولبس الحرير التي كانت عادة العجم والأرائك التي هي الحجال ~~المضروبة على الأسرة وكانت من عادة أشراف العرب في اليمن ولا شيء كان أحب ~~إلى العرب ms6099 من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك . الثاني : أن المراد دوام الرزق ~~كما تقول أنا عند فلان صباحا ومساء وبكرة وعشيا تريد الدوام ولا تقصد ~~الوقتين المعلومين . السؤال الثاني : قال تعالى : { لا يرون فيها شمسا ولا ~~زمهريرا } ( الإنسان : 13 ) وقال عليه السلام : ( لا صباح عند ربك ولا مساء ~~) والبكرة والعشي لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء . ( والجواب ) ~~المراد أنهم يأكلون عند مقدار الغداة والعشي إلا أنه ليس في الجنة غدوة ~~وعشي إذ لا ليل فيها ويحتمل ما قيل إنه تعالى جعل لقدر اليوم علامة يعرفون ~~بها مقادير الغداة والعشي ويحتمل أن يكون المراد لهم رزقهم متى شاءوا كما ~~جرت العادة في الغداة والعشي . وخامسها : قوله : { تلك الجنة التى نورث من ~~عبادنا من كان تقيا } وفيه أبحاث : الأول : قوله : { تلك الجنة } هذه ~~الإشارة إنما صحت لأن الجنة غائبة . وثانيها : ذكروا في نورث وجوها الأول : ~~نورث استعارة أي نبقي عليه الجنة كما نبقي على الوارث مال المورث . الثاني ~~: أن المراد أنا ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين ~~اتقوا ربهم فجعل هذا النقل إرثا قاله الحسن . الثالث : أن الإتقياء يلقون ~~ربهم يوم القيامة وقد انقضت أعمالهم وثمراتها باقية وهي الجنة فإذا أدخلهم ~~/ الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يرث الوارث المال من المتوفى . ورابعها : ~~معنى من كان تقيا من تمسك باتقاء معاصيه وجعله عادته واتقى ترك الواجبات ، ~~قال القاضي : فيه دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقيا والفاسق ~~المرتكب للكبائر لا يوصف بذلك . ( والجواب ) : الآية تدل على أن المتقي ~~يدخلها وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها وأيضا فصاحب الكبيرة ~~متق عن الكفر ومن صدق عليه أنه متق عن الكفر فقد صدق عليه أنه متق لأن ~~المتقي جزء من مفهوم قولنا المتقي عن الكفر وإذا كان صاحب الكبيرة يصدق ~~عليه أنه متق وجب أن يدخل تحته فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل ~~الجنة أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها . # ! 7 < { وما ms6100 نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذالك ~~وما كان ربك نسيا * رب السماوات والا رض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته ~~هل تعلم له سميا } > 7 @QB@ < # | مريم : ( 64 - 65 ) وما نتنزل إلا . . . . . # > > PageV21P203 # اعلم أن في الآية إشكالا وهو أو قوله : { تلك الجنة التى نورث من عبادنا ~~من كان تقيا } ( مريم : 63 ) كلام الله وقوله : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ~~كلام غير الله فكيف جاز عطف هذا على ما قبله من غير فصل . ( والجواب ) أنه ~~إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح كما أن قوله سبحانه : { إذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون } ( البقرة : 117 ) هو كلام الله وقوله : { وإن الله ربى ~~وربكم } ( آل عمران : 51 ) كلام غير الله وأحدهما معطوف على الآخر ، واعلم ~~أن ظاهر قوله تعالى : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } خطاب جماعة لواحد وذلك لا ~~يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول ويحتمل في سببه ما روي أن ~~قريشا بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وهل يجدونه في كتابهم فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا يعرفونه قوالت ~~اليهود : نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمن اليمامة عن خصال ثلاث ~~فلم يعرف فاسألوه عنهن فإن أخبركم بخصلتين منهما فاتبعوه ، فاسألوه عن فتية ~~أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح قال فجاءوا فسألوه عن ذلك لم يدر كيف ~~يجيب فوعدهم أن يجيبهم بعد ذلك ، ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه ~~أربعين يوما وقيل خمسة عشر يوما فشق عليه ذلك مشقة شديدة وقال المشركون ~~ودعه ربه وقلاه ، فنزل جبريل عليه السلام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~أبطأت عني حتى ساء ظني واشتقت إليك قال إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا ~~بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله : { ولا ~~تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا * إلا أن يشاء الله } ( الكهف : 23 ) وسورة ~~الضحى ثم أكدوا ذلك بقولهم : { له ما ms6101 بين أيدينا وما خلفنا } أي هو المدبر ~~لنا في كل الأوقات الماضي والمستقبل وما بينهما أو الدنيا والآخرة وما ~~بينهما فإنه يعلم إصلاح التدبير مستقبلا وماضيا وما بينهما والغرض أن أمرنا ~~موكول إلى الله تعالى يتصرف فينا بحسب مشيئته وإرادته وحكمته لا اعتراض ~~لأحد عليه فيه وقال أبو مسلم قوله : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } يجوز أن ~~يكون قول أهل الجنة والمراد وما نتنزل الجنة إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا ~~أي في الجنة مستقبلا وما خلفنا مما كان في الدنيا وما بين ذلك أي ما بين ~~الوقتين وما كان ربك نسيا لشيء مما خلق فيترك إعادته لأنه عالم الغيب لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة وقوله : { وما كان ربك نسيا } ابتداء كلام منه تعالى في ~~مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم ويتصل به : { رب * السماوات والارض } أي ~~بل هو { رب * السماوات والارض * وما بينهما فاعبده } قال القاضي وهذا مخالف ~~للظاهر من وجوه : أحدها : أن ظاهر التنزل نزول الملائكة إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لقوله بأمر ربك وظاهر والأمر بحال التكليف أليق ، وثانيها : ~~أنه خطاب من جماعة لواحد وذلك لا يليق بمخاطبة بعضهم لبعض في الجنة . ~~وثالثها : أن ما في سياقه من قوله : { وما كان ربك نسيا * رب * السماوات ~~والارض * وما بينهما } لا يليق إلا بحال التكليف ولا يوصف به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فكأنهم قالوا للرسول وما كان ربك يا محمد نسيا يجوز عليه ~~السهو حتى يضرك إبطاؤنا بالتنزل عليك إلى مثل ذلك ثم ههنا أبحاث : # / البحث الأول : قال صاحب ( الكشاف ) التنزل على معنيين : أحدهما : ~~النزول على مهل . والثاني : بمعنى النزول على الإطلاق والدليل عليه أنه ~~مطاوع نزل ونزل يكون بمعنى أنزل وبمعنى التدريج واللائق بمثل هذا الموضع هو ~~النزول على مهل والمراد أن نزولنا في الأحايين وقتا بعد وقت ليس إلا بأمر ~~الله تعالى . # البحث الثاني : ذكروا في قوله : { ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذالك ~~} وجوها : أحدها : له ما قدامنا وما خلفنا من الجهات ms6102 وما نحن فيه فلا ~~نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومن مكان إلى مكان إلا بأمره ومشيئته فليس ~~لنا أن ننقلب من السماء إلى الأرض إلا بأمره . وثانيها : له ما بين أيدينا ~~ما سلف من أمر الدنيا PageV21P204 وما خلفنا ما يستقبل من أمر الآخرة وما ~~بين ذلك وما بين النفختين وهو أربعون سنة . وثالثها : ما مضى من أعمارنا ~~وما غبر من ذلك والحال التي نحن فيها . ورابعها : ما قبل وجودنا وما بعد ~~فنائنا . وخامسها : الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا والسماء التي وراءنا ~~وما بين السماء والأرض وعلى كل التقديرات فالمقصود أنه المحيط بكل شيء لا ~~تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة فكيف نقدم على فعل إلا بأمره وحكمه ~~. # البحث الثالث : قوله : { وما كان ربك نسيا } أي تاركا لك كقوله : { ما * ~~وعدك * ربك وما قلى } ( الضحى : 3 ) أي ما كان امتناع النزول إلا لامتناع ~~الأمر به ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك ، أما قوله : { رب * ~~السماوات والارض * وما بينهما } فالمراد أن من يكون ربا لها أجمع لا يجوز ~~عليه النسيان إذ لا بد من أن يمسكها حالا بعد حال وإلا بطل الأمر فيهما ~~وفيمن يتصرف فيهما ، واحتج / أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق الله ~~تعالى ، لأن فعل العبد حاصل بين السماء والأرض . والآية دالة على أنه رب ~~لكل شيء حصل بينهما ، قال صاحب ( الكشاف ) : رب السموات والأرض بدل من ربك ~~ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو رب السموات والأرض فاعبده واصطبر ~~لعبادته فهو أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بالعبادة والمصابرة على مشاق ~~التكاليف في الأداء والإبلاغ وفيما يخصه من العبادة فإن قيل لم لم يقل ~~واصطبر على عبادته بل قال واصطبر لعبادته قلنا : لأن العبادة جعلت بمنزلة ~~القرن في قولك للمحارب اصطبر لقرنك أي اثبت له فيما يورد عليك من شداته . ( ~~والمعنى ) أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق فاثبت لها ولا تهن ولا يضق ~~صدرك من إلقاء أهل الكتاب ms6103 إليك الأغاليط عن احتباس الوحي عنك مدة وشماتة ~~المشركين بك ، أما قوله تعالى : { هل تعلم له سميا } فالظاهر يدل على أنه ~~تعالى جعل علة الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سمي له ، ~~والأقرب هو كونه منعما بأصول النعم وفروعها وهي خلق الأجسام والحياة والعقل ~~وغيرها فإنه لا يقدر على ذلك أحد سواه سبحانه ، فإذا كان هو قد أنعم عليك ~~بغاية الإنعام وجب أن تعظمه بغاية التعظيم وهي العبادة ، ومن الناس من قال ~~: المراد أنه سبحانه ليس له شريك في اسمه وبينوا ذلك من وجهين : الأول : ~~أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله على شيء ~~سواه وعن ابن عباس رضي الله عنهما لا يسمى بالرحمن غيره . الثاني : هل تعلم ~~من سمى باسمه على الحق دون الباطل ؟ لأن التسمية على الباطل في كونها غير ~~معتد بها كلا تسمية ، والقول الأول هو الصواب والله أعلم . # ! 7 < { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا * أولا يذكر إلإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا * فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم جثيا * ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمان عتيا * ثم لنحن ~~أعلم بالذين هم أولى بها صليا } > 7 @QB@ < # | مريم : ( 66 - 70 ) ويقول الإنسان أئذا . . . . . # > > PageV21P205 # اعلم أنه تعالى لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها فكأن سائلا سأل وقال ~~هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا ، وأما في الآخرة فقد أنكرها قوم فلا ~~بد من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى / يظهر أن الاشتغال بالعبادة مفيد ~~فلهذا حكى الله تعالى قول منكري الحشر فقال : { ويقول الإنسان أإذا ما مت ~~لسوف أخرج حيا } وإما قالوا ذلك على وجه الإنكار والاستبعاد ، وذكروا في ~~الإنسان وجهين : أحدهما : أن يكون المراد الجنس بأسره فإن قيل كلهم غير ~~قائلين بذلك فكيف يصح هذا القول ؟ قلنا الجواب من وجهين : الأول : أن هذه ~~المقالة لما كانت موجودة فيما هو من جنسهم صح إسنادها إلى جميعهم ، كما ~~يقال : بنو فلان قتلوا فلانا وإنما القاتل رجل ms6104 منهم . والثاني : أن هذا ~~الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلا أن بعضهم ترك ذلك الاستبعاد ~~المبني على محض الطبع بالدلالة القاطعة التي قامت على صحة القول به . ~~الثاني : أن المراد بالإنسان شخص معين فقيل : هو أبو جهل ، وقيل : هو أبي ~~بن خلف ، وقيل : المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث ، ثم إن الله تعالى ~~أقام الدلالة على صحة البعث بقوله : { أو لا * يذكر إلإنسان أنا خلقناه من ~~قبل ولم يك شيئا } والقراء كلهم على { يذكر } بالتشديد إلا نافعا وابن عامر ~~وعاصما فقد خففوا ، أي أو لا يتذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل وإذا قرىء أو ~~لا يذكر فهو أقرب إلى المراد إذ الغرض التفكر والنظر في أنه إذا خلق من قبل ~~لا من شيء فجائز أن يعاد ثانيا . قال بعض العلماء : لو اجتمع كل الخلائق ~~على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها إذ لا شك أن ~~الإعادة ثانيا أهون من الإيجاد أولا ، ونظيره قوله : { قل يحييها الذى ~~أنشأها أول مرة } ( يس: 79 ) وقوله : { وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ~~أهون عليه } ( الروم : 27 ) واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن المعدوم ليس ~~بشيء وهو ضعيف لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض ~~وهذا المجموع ما كان شيئا ، ولكن لم قلت إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان ~~شيئا قبل كونه موجودا ؟ فإن قيل : كيف أمر تعالى الإنسان بالذكر مع أن ~~الذكر هو العلم بما قد علمه من قبل ثم تخللهما سهو ؟ قلنا : المراد أو لا ~~يتفكر فيعلم خصوصا إذا قرىء أو لا يذكر الإنسان بالتشديد أما إذا قرىء أو ~~لا يذكر بالتخفيف فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأن كل أحد يعلم أنه ~~لم يكن حيا في الدنيا ثم صار حيا ، ثم إنه سبحانه لما قرر المطلوب بالدليل ~~أردفه بالتهديد من وجوه . أحدها : قوله : { فوربك لنحشرنهم والشياطين } ~~وفائدة القسم أمران : أحدهما : أن العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين . ~~والثاني : أن ms6105 في إقسام الله تعالى باسمه مضافا إلى اسم رسوله صلى الله عليه ~~وسلم تفخيم لشأنه صلى الله عليه وسلم ورفع منه كما رفع من شأن السماء ~~والأرض في قوله : { فورب السماء والارض إنه لحق } ( الذاريات : 23 ) والواو ~~في { الشياطين } ويجوز أن تكون للعطف وأن تكون بمعنى مع وهي بمعنى مع أوقع ~~، والمعنى أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم يقرن كل كافر ~~مع شيطان في سلسلة . وثانيها : قوله : { ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا } وهذا ~~الإحضار يكون قبل إدخالهم جهنم ثم إنه تعالى يحضرهم على أذل صورة لقوله ~~تعالى : { جثيا } لأن البارك على ركبتيه صورته صورة الذليل أو صورته صورة ~~العاجز ، فإن قيل هذا المعنى حاصل للكل بدليل قوله تعالى : { وترى كل أمة ~~جاثية } ( الجاثية : 28 ) والسبب فيه جريان العادة أن الناس في مواقف ~~المطالبات من / الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من الاستنظار والقلق ، ~~أو لما يدهمهم من شدة الأمر الذي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم ، وإذا ~~كان هذا عاما للكل فكيف يدل على مزيد ذل الكفار ؟ قلنا : لعل المراد أنهم ~~يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحالة وذلك ~~PageV21P206 يوجب مزيد الذل في حقهم . وثالثها : قوله : { ثم لننزعن من كل ~~شيعة أيهم أشد على الرحمان عتيا } والمراد بالشيعة وهي فعلة كفرقة وفئة ~~الطائفة التي شاعت أي تبعت غاويا من الغواة قال تعالى : { إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا } ( الأنعام : 159 ) والمراد أنه تعالى يحضرهم أولا حول ~~جهنم جثيا ثم يميز البعض من البعض فمن كان أشدهم تمردا في كفره خص بعذاب ~~أعظم لأن عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعا لغيره ، وليس ~~عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد وليس عذاب من يورد الشبه في الباطل ~~كعذاب من يقتدي به مع الغفلة قال تعالى : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون } ( النحل : 88 ) . وقال : { ~~وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } ( العنكبوت : 13 ) فبين تعالى ms6106 أنه ~~ينزع من كل فرقة من كان أشد عتوا وأشد تمردا ليعلم أن عذابه أشد ، ففائدة ~~هذه التمييز التخصيص بشدة العذاب لا التخصيص بأصل العذاب ، فلذلك قال في ~~جميعهم : { ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا } ولا يقال أولى إلا مع ~~اشتراك القوم في العذاب ، واختلفوا في إعراب أيهم فعن الخليل أنه مرتفع على ~~الحكاية تقديره لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد وسيبويه على أنه مبني على ~~الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلة حتى لو جيء به لأعرب وقيل أيهم هو أشد . # ! 7 < { وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجى الذين ~~اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 71 - 72 ) وإن منكم إلا . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما قال من قبل : { فوربك لنحشرنهم والشياطين } ثم ~~قال : { ثم لنحضرنهم حول جهنم } ( مريم : 68 ) أردفه بقوله : { وإن منكم ~~إلا واردها } يعني جهنم واختلفوا فقال بعضهم المراد من تقدم ذكره من الكفار ~~فكنى عنهم أولا كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة ، قالوا : إنه لا يجوز ~~للمؤمنين أن يردوا النار ويدل عليه أمور : أحدها : قوله تعالى : { إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } ( الأنبياء : 101 ) والمبعد عنها ~~لا يوصف بأنه واردها . والثاني : قوله : { لا يسمعون حسيسها } ( الأنبياء : ~~102 ) ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها . وثالثها : قوله : { وهم من فزع يومئذ ~~ءامنون } ( النحل : 89 ) وقال الأكثرون : إنه عام في كل مؤمن وكافر لقوله ~~تعالى : { وإن منكم إلا واردها } فلم يخص . وهذا الخطاب مبتدأ / مخالف ~~للخطاب الأول ، ويدل عليه قوله : { ثم ننجى الذين اتقوا } أي من الواردين ~~من اتقى ولا يجوز أن يقال : { ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ~~} إلا والكل واردون والأخبار المروية دالة على هذا القول ، ثم هؤلاء ~~اختلفوا في تفسير الورود فقال بعضهم : الورود الدنو من جهنم وأن يصيروا ~~حولها وهو موضع المحاسبة ، واحتجوا على أن الورود قد يراد به القرب بقوله ~~تعالى : { فأرسلوا واردهم } ( يوسف : 19 ) ومعلوم أن ذلك الوارد ما دخل ~~الماء وقال ms6107 تعالى : { ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون } ( ~~القصص : 23 ) وأراد به القرب . ويقال : وردت القافلة البلدة وإن لم تدخلها ~~فعلى هذا معنى الآية أن الجن والإنس يحضرون حول PageV21P207 جهنم : { كان ~~على ربك حتما مقضيا } ( مريم : 71 ) أي واجبا مفروغا منه بحكم الوعيد ثم ~~ننجي أي نبعد الذين اتقوا عن جهنم وهو المراد من قوله تعالى : { أولئك عنها ~~مبعدون } ( الأنبياء : 101 ) ومما يؤكد هذا القول ما روي أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية فقالت حفصة : أليس الله ~~يقول : { وإن منكم إلا واردها } فقال عليه السلام فمه ثم ننجي الذين اتقوا ~~) ، ولو كان الورود عبارة عن الدخول لكان سؤال حفصة لازما . القول الثاني : ~~أن الورود هو الدخول ويدل عليه الآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى : { ~~إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون } ( الأنبياء : 98 ) ~~وقال : { فأوردهم النار وبئس الورد } ( هود : 98 ) ويدل عليه قوله تعالى : ~~{ الحسنى أولئك عنها مبعدون } والمبعد هو الذي لولا التبعيد لكان قريبا ~~فهذا إنما يحصل لو كانوا في النار ، ثم إنه تعالى يبعدهم عنها ويدل عليه ~~قوله تعالى : { ونذر الظالمين فيها جثيا } وهذا يدل على أنهم يبقون في ذلك ~~الموضع الذي وردوه وهم إنما يبقون في النار فلا بد وأن يكونوا قد دخلوا ~~النار ، وأما الخبر فهو أن عبد الله بن رواحة قال : ( أخبر الله عن الورود ~~ولم يخبر بالصدور ، فقال عليه السلام : يا ابن رواحة اقرأ ما بعدها ثم ننجي ~~الذين اتقوا ) ، وذلك يدل على أن ابن رواحة فهم من الورود الدخول والنبي ~~صلى الله عليه وسلم ما أنكر عليه في ذلك وعن جابر : ( أنه سئل عن هذه الآية ~~فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الورود الدخول لا يبقى بر ~~ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما حتى أن للناس ضجيجا من ~~بردها ) . والقائلون بهذا القول يقولون : المؤمنون يدخلون النار من غير خوف ~~وضرر ألبتة بل مع ms6108 الغبطة والسرور وذلك لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم : { ~~لا يحزنهم الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ) ولأن الآخرة دار الجزاء لا ~~دار التكليف ، وإيصال الغم والحزن إنما يجوز في دار التكليف ، ولأنه صحت ~~الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الملائكة تبشر في القبر من ~~كان من أهل الثواب بالجنة حتى يرى مكانه في الجنة ويعلمه ) . وكذلك القول ~~في حال المعاينة فكيف يجوز أن يردوا القيامة وهم شاكون في أمرهم ، وإنما ~~تؤثر هذه الأحوال في أهل النار لأنهم لا يعلمون كونهم من أهل النار والعقاب ~~، ثم اختلفوا في أنه كيف يندفع عنهم ضرر النار ، فقال بعضهم : البقعة ~~المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه ، ويكون من ~~المواضع التي يسلك فيها إلى دركات جهنم ، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يدخل ~~الكل في جهنم فالمؤمنون يكونون في تلك المواضع الخالية عن النار ، والكفار ~~يكونون في وسط / النار . وثانيها : أن الله تعالى يخمد النار فيعبرها ~~المؤمنون وتنهار بغيرهم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( يردونها كأنها ~~إهالة ) وعن جابر بن عبد الله : ( أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس وعدنا ربنا بأن نرد ~~النار فيقال لهم : قد وردتموها وهي خامدة ) . وثالثها : أن حرارة النار ~~ليست بطبعها فالأجزاء الملاصقة لأبدان الكفار يجعلها الله عليهم محرقة ~~مؤذية والأجزاء الملاصقة لأبدان المؤمنين يجعلها الله بردا وسلاما عليهم ، ~~كما في حق إبراهيم عليه السلام . وكما أن الكوز الواحد من الماء يشربه ~~القبطي فكان يصير دما ويشربه الإسرائيلي فكان يصير ماء عذبا . واعلم أنه لا ~~بد من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع ~~المعاقبين ، فإن قيل : إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم النار فما ~~الفائدة في ذلك الدخول ؟ قلنا فيه وجوه : PageV21P208 أحدها : أن ذلك مما ~~يزيدهم سرورا إذا علموا الخلاص منه . وثانيها : أن فيه مزيد غم على أهل ~~النار حيث يرون المؤمنين ms6109 الذين هم أعداؤهم يتخلصون منها وهم يبقون فيها . ~~وثالثها : أن فيه مزيد غم على أهل النار من حيث تظهر فضيحتهم عند المؤمنين ~~بل وعند الأولياء وعند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إليه . ~~ورابعها : أن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فزاد ذلك غما ~~للكفار وسرورا للمؤمنين . وخامسها : أن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر ~~والنشر ويقيمون عليهم صحة الدلائل فما كانوا يقبلون تلك الدلائل ، فإذا ~~دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوا ، وأن المكذبين ~~بالحشر والنشر كانوا كاذبين . وسادسها : أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار ~~ذلك سببا لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة كما قال الشاعر : # وبضدها تتبين الأشياء # فأما الذين تمسكوا بقوله تعالى : { أولئك عنها مبعدون } ( الأنبياء : 101 ~~) فقد بينا أنه أحد ما يدل على الدخول في جهنم وأيضا فالمراد عن عذابها ~~وكذا قوله : { لا يسمعون حسيسها } ( الأنبياء : 102 ) فإن قيل : هل ثبت ~~بالأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها إلى الجنة ؟ قلنا : ثبت ~~بالأخبار أن المحاسبة تكون في الأرض أو حيث كانت الأرض ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى : { يوم تبدل الارض غير الارض } ( إبراهيم : 48 ) وجهنم قريبة من ~~الأرض والجنة في السماء ففي موضع المحاسبة يكون الاجتماع فيدخلون من ذلك ~~الموضع إلى جهنم ثم يرفع الله أهل الجنة وينجيهم ويدفع أهل النار فيها . ~~أما قوله : { كان على ربك حتما مقضيا } فالحتم مصدر حتم الأمر إذا أوجبه ~~فسمى المحتوم بالحتم كقولهم : خلق الله وضرب الأسير ، واحتج من أوجب العقاب ~~عقلا فقال : إن قوله : { كان على ربك حتما مقضيا } يدل على وجوب ما جاء من ~~جهة الوعيد والأخبار لأن كلمة على للوجوب والذي ثبت بمجرد الأخبار لا يسمى ~~واجبا . ( والجواب ) أن وعد الله تعالى لما استحال تطرق الخلف إليه جرى ~~مجرى الواجب أما قوله : { ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين } قرىء ننجي ~~وننجي وينجي على ما لم يسم فاعله ، قال القاضي : الآية دالة على قولنا في ~~الوعيد لأن الله تعالى بين أن الكل يردونها ثم بين ms6110 صفة من ينجو وهم المتقون ~~والفاسق / لا يكون متقيا ، ثم بين تعالى أن من عدا المتقين يذرهم فيها جثيا ~~فثبت أن الفاسق يبقى في النار أبدا . قال ابن عباس : المتقي هو الذي اتقى ~~الشرك بقول لا إله إلا الله ، واعلم أن الذي قاله ابن عباس هو الحق الذي ~~يشهد الدليل بصحته ، وذلك لأن من آمن بالله وبرسله صح أن يقال : إنه متق عن ~~الشرك ومن صدق عليه أنه متق عن الشرك صدق عليه أنه متق لأن المتقي جزء من ~~المتقي عن الشرك ومن صدق عليه المركب صدق عليه المفرد ، فثبت أن صاحب ~~الكبيرة متق وإذا ثبت ذلك وجب أن يخرج من النار لعموم قوله : { ثم ننجى ~~الذين اتقوا } فصارت هذه الآية التي توهموها دليلا من أقوى الدلائل على ~~فساد قولهم : قال القاضي : وتدل الآية أيضا ، على فساد قول من يقول : إن من ~~المكلفين من لا يكون في الجنة ولا في النار ، قلنا : هذا ضعيف لأن الآية ~~تدل على أنه تعالى ينجي الذين اتقوا وليس فيها ما يدل على أنه ينجيهم إلى ~~الجنة ، ثم هب أنها تدل على ذلك ولكن الآية تدل على أن المتقين يكونون في ~~الجنة والظالمين يبقون في النار فيبقى ههنا قسم ثالث خارج عن القسمين وهو ~~الذي استوت طاعته ومعصيته فتسقط كل واحدة منهما بالأخرى فيبقى لا مطيعا ولا ~~عاصيا ، فهذا القسم إن بطل فإنما يبطل بشيء سوى هذه الآية فلا تكون هذه ~~الآية دالة على الحصر الذي ادعاه ومن المعتزلة من تمسك في الوعيد بقوله : { ~~ونذر الظالمين فيها جثيا } PageV21P209 ولفظ الظالمين لفظ جمع دخل عليه حرف ~~التعريف فيفيد العموم والكلام على التمسك بصيغ العموم قد تقدم مرارا كثيرة ~~في هذا الكتاب ، أما قوله : { جثيا } قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { ونذر ~~الظالمين فيها جثيا } دليل على أن المراد بالورود الجثو حواليها وأن ~~المؤمنين يفارقون الكفرة إلى الجنة بعد نجاتهم وتبقى الكفرة في مكانهم ~~جاثين . # ! 7 < { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين كفروا للذين ءامنوا أى ~~الفريقين خير ms6111 مقاما وأحسن نديا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 73 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على مشركي قريش المنكرين للبعث أتبعه ~~بالوعيد على ما تقدم ذكره عنهم أنهم عارضوا حجة الله بكلام فقالوا : لو ~~كنتم أنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن وأطيب من ~~حالنا ، لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في العذاب والذل ~~وأعداءه المعروضين عن خدمته في العز والراحة ، ولما كان الأمر بالعكس فإن ~~الكفار كانوا في النعمة والراحة والاستعلاء ، والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت ~~في الخوف والذل دل على أن الحق ليس مع المؤمنين ، هذا حاصل شبهتهم في هذا ~~الباب ونظيره قوله تعالى : { لو كان خيرا ما سبقونا إليه } ( الأحقاف : 11 ~~) ويروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون / بالزينة ~~الفاخرة ثم يدعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله منهم . ~~بقي بحثان : # الأول : قوله : { بينات تعرف } يحتمل وجوها : أحدها : أنها مرتلات ~~الألفاظ مبينات المعاني إما محكمات أو متشابهات فقد تبعها البيان بالمحكمات ~~أو بتبيين الرسول قولا أو فعلا . وثانيها : أنها ظاهرات الإعجاز تحدى بها ~~فما قدروا على معارضتها . وثالثها : المراد بكونها آيات بينات أي دلائل ~~ظاهرة واضحة لا يتوجه عليها سؤال ولا اعتراض مثل قوله تعالى في إثبات صحة ~~الحشر : { أو لا * يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } ( مريم : ~~67 ) . # البحث الثاني : قرأ ابن كثير : { مقاما } بالضم وهو موضع الإقامة والمنزل ~~، والباقون بالفتح وهو موضع القيام ، والمراد والندى المجلس يقال : ندى ~~وناد ، والجمع الأندية ، ومنه قوله : { وتأتون فى ناديكم المنكر } ( ~~العنكبوت : 29 ) وقال : { فليدع ناديه } ( العلق : 17 ) ويقال : ندوت القوم ~~أندوهم إذا جمعتهم في المجلس ، ومنه دار الندوة بمكة وكانت مجتمع القوم . ~~ثم أجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : # ! 7 < { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 74 ) وكم أهلكنا قبلهم . . . . . # > > وتقرير هذا الجواب أن يقال : إن من كان أعظم نعمة منكم في الدنيا قد ~~أهلكهم الله تعالى وأبادهم ، فلو ms6112 دل حصول نعم الدنيا للإنسان على كونه ~~حبيبا لله تعالى لوجب في حبيب الله أن لا يوصل إليه غما في الدنيا ووجب ~~عليه أن لا يهلك أحدا من المنعمين في دار الدنيا وحيث أهلكهم دل إما على ~~فساد المقدمة الأولى PageV21P210 وهي أن من وجد الدنيا كان حبيبا لله تعالى ~~، أو على فساد المقدمة الثانية وهي أن حبيب الله لا يوصل الله إليه غما ، ~~وعلى كلا التقديرين فيفسد ما ذكرتموه من الشبهة ، بقي البحث عن تفسير ~~الألفاظ فنقول : أهل كل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم وهم أحسن في محل ~~النصب صفة لكم ، ألا ترى أنك لو تركت هم لم يكن لك بد من نصب أحسن على ~~الوصفية ، والأثاث متاع البيت ، أما رئيا فقرىء على خمسة أوجه لأنها إما أن ~~تقرأ بالراء التي ليس فوقها نقطة ، أو بالزاي التي فوقها نقطة فأما الأول ، ~~فإما أن يجمع بين الهمزة والياء أو يكتفي بالياء . أما إذا جمع بين الهمزة ~~والياء ففيه وجهان : أحدهما : بهمزة ساكنة بعدها ياء وهو المنظر والهيئة ~~فعل بمعنى مفعول من رأيت رئيا . والثاني : ريئا على القلب كقولهم راء في ~~رأى ، أما إن اكتفينا بالياء فتارة بالياء المشددة على قلب الهمزة ياء ، ~~والإدغام ، أو من الري الذي هو النعمة والترفه ، من قولهم : ريان من النعيم ~~. والثاني : بالياء على حذف الهمزة رأسا ووجهه أن يخفف المقلوب وهو ريئا ~~بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الياء الساكنة قبلها ، وأما بالزاي المنقطة ~~من فوق زيا فاشتقاقه من الزي وهو الجمع ، لأن الزي محاسن مجموعة ، والمعنى ~~أحسن من هؤلاء ، والله أعلم . # ! 7 < { قل من كان فى الضلالة فليمدد له الرحمان مدا حتى إذا رأوا ما ~~يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا * ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى والبقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا } > ~~7 ! # / < < # | مريم : ( 75 - 76 ) قل من كان . . . . . # > > اعلم أن هذا الجواب الثاني عن تلك الشبهة وتقريره لنفرض أن هذا الضال ~~المتنعم في الدنيا قد مد ms6113 الله في أجله وأمهله مدة مديدة حتى ينضم إلى ~~النعمة العظيمة المدة الطويلة ، فلا بد وأن ينتهي إلى عذاب في الدنيا أو ~~عذاب في الآخرة بعد ذلك سيعلمون أن نعم الدنيا ما تنقذهم من ذلك العذاب ~~فقوله : { فسيعلمون من هو شر مكانا } مذكور في مقابلة قولهم : { خير مقاما ~~} ( مريم : 73 ) { وأضعف جندا } في مقابلة قولهم : { أحسن * نديا } ( مريم ~~: 73 ) فبين تعالى أنهم وإن ظنوا في الحال أن منزلتهم أفضل من حيث فضلهم ~~الله تعالى بالمقام والندى فسيعلمون من بعد أن الأمر بالضد من ذلك وأنهم شر ~~مكانا فإنه لا مكان شر من النار والمناقشة في الحساب . { وأضعف جندا } فقد ~~كانوا يظنون وهم في الدنيا أن اجتماعهم ينفع فإذا رأوا أن لا ناصر لهم في ~~الآخرة عرفوا عند ذلك أنهم كانوا في الدنيا مبطلين فيما ادعوه . بقي البحث ~~عن الألفاظ وهو من وجوه : أحدها : مد له الرحمن أي أمهله وأملى له في العمر ~~فأخرج على لفظ الأمر إيذانا بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور ~~الممتثل ليقطع معاذير الضال ، ويقال له يوم القيامة : { أو لم * نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر } ( فاطر : 37 ) وكقولهم : { إنما نملى لهم ليزدادوا ~~إثما } . PageV21P211 وثانيها : أن قوله : { إما العذاب وإما الساعة } يدل ~~على أن المراد بالعذاب عذاب يحصل قبل يوم القيامة لأن قوله { وإما الساعة } ~~المراد منه يوم القيامة ثم العذاب الذي يحصل قبل يوم القيامة يمكن أن يكون ~~هو عذاب القبر ويمكن أن يكون هو العذاب الذي سيكون عند المعاينة لأنهم عند ~~ذلك يعلمون ما يستحقون ، ويمكن أيضا أن يكون المراد تغير أحوالهم في الدنيا ~~من العز إلى الذل ، ومن الغنى إلى الفقر ، ومن الصحة إلى المرض ، ومن الأمن ~~إلى الخوف ، ويمكن أن يكون المراد تسليط المؤمنين عليهم ، ويمكن أيضا أن ~~يكون المراد ما نالهم يوم بدر ، وكل هذه الوجوه مذكورة ، واعلم أنه تعالى ~~بين بعد ذلك أنه كما يعامل الكفار بما / ذكره فكذلك يزيد المؤمنين المهتدين ~~هدى ، واعلم أنا نبين إمكان ذلك بحسب العقل ms6114 ، فنقول : إنه لا يبعد أن يكون ~~بعض أنواع الاهتداء مشروطا بالبعض فإن حاصل الاهتداء يرجع إلى العلم ولا ~~امتناع في كون بعض العلم مشروطا بالبعض ، فمن اهتدى بالهداية التي هي الشرط ~~صار بحيث لا يمتنع أن يعطي الهداية التي هي المشروط ، فصح قوله : { ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى } مثاله الإيمان هدى والإخلاص في الإيمان زيادة هدى ~~ولا يمكن تحصيل الإخلاص إلا بعد تحصيل الإيمان فمن اهتدى بالإيمان زاده ~~الله الهداية بالإخلاص ، هذا إذا أجرينا لفظ الهداية على ظاهره ومن الناس ~~من حمل الزيادة في الهدى على الثواب أي ويزيد الله الذين اهتدوا ثوابا على ~~ذلك الاهتداء ومنهم من فسر هذه الزيادة بالعبادات المترتبة على الإيمان ، ~~قال صاحب ( الكشاف ) : يزيد معطوف على موضع فليمدد لأنه واقع موقع الخبر ~~وتقديره من كان في الضلالة يمد له الرحمن مدا ويزيد أي يزيد في ضلال الضلال ~~بخذلانه بذلك المد ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه / ثم إنه تعالى بين أن ما ~~عليه المهتدون هو الذي ينفع في العاقبة فقال : { والباقيات الصالحات خير ~~عند ربك ثوابا } وذلك لأن ما عليه المهتدون ضرر قليل متناه يعقبه نفع عظيم ~~غير متناه ، والذي عليه الضالون نفع قليل متناه يعقبه ضرر عظيم غير متناه ، ~~وكل أحد يعلم بالضرورة أن الأول أولى ، وبهذا الطريق تسقط الشبهة التي ~~عولوا عليها واختلفوا في المراد بالباقيات الصالحات فقال المحققون إنها ~~الإيمان والأعمال الصالحة سماها باقية لأن نفعها يدوم ولا يبطل ومنهم من ~~قال المراد بها بعض العبادات ولعلهم ذكروا ما هو أعظم ثوابا فبعضهم ذكر ~~الصلوات وبعضهم ذكر التسبيح وروي عن أبي الدرداء قال : ( جلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذات يوم وأخذ عودا يابسا فأزال الورق عنه ثم قال : إن قول ~~لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله يحط الخطايا حطا كما يحط ورق هذه ~~الشجرة الريح خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن هن الباقيات ~~الصالحات وهن من كنوز الجنة ، وكان أبو الدرداء يقول : لأعلمن ذلك ولأكثرن ~~منه حتى ms6115 إذا رآني جاهل حسب أني مجنون ) . والقول الأول أولى لأنه تعالى ~~إنما وصفها بالباقيات الصالحات من حيث يدوم ثوابها ولا ينقطع فبعض العبادات ~~وإن كان أنقص ثوابا من البعض فهي مشتركة في الدوام فهي بأسرها باقية صالحة ~~نظرا إلى آثارها التي هي الثواب ثم إنه تعالى أخبر أنها : { خير عند ربك ~~ثوابا وخير مردا } ولا يجوز أن يقال : هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره ~~فالمراد إذن أنها خير مما ظنه الكفار بقولهم : { خير مقاما وأحسن نديا } ( ~~مريم : 73 ) . # ! 7 < { أفرأيت الذى كفر بأاياتنا وقال لأوتين مالا وولدا * أطلع الغيب ~~أم اتخذ عند الرحمان عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ~~ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } > 7 @QB@ < # | مريم : ( 77 - 80 ) أفرأيت الذي كفر . . . . . # > > PageV21P212 # / اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل أولا على صحة البعث ثم أورد شبهة ~~المنكرين ، وأجاب عنها أورد عنهم الآن ما ذكروه على سبيل الاستهزاء طعنا في ~~القول بالحشر فقال : { أفرأيت الذى كفر بئاياتنا وقال لاوتين مالا وولدا } ~~قرأ حمزة والكسائي ولدا وهو جمع ولد كأسد في أسد أو بمعنى الولد كالعرب في ~~العرب ، وعن يحيى بن يعمر ولدا بالكسر ، وعن الحسن نزلت الآية في الوليد بن ~~المغيرة والمشهورة أنها في العاص بن وائل ، قال خباب بن الأرت : كان لي ~~عليه دين فاقتضيته فقال : لا والله حتى تكفر بمحمد قلت : لا والله لا أكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم لا حيا ولا ميتا ولا حين تبعث فقال : فإني إذا مت ~~بعثت ؟ قلت : نعم . قال : إني بعثت وجئتني فسيكون لي ثم مال وولد فأعطيك ، ~~وقيل : صاغ خباب له حليا فاقتضاه فطلب الأجرة فقال : إنكم تزعمون أنكم ~~تبعثون ، وأن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا فأنا أقضيك ثم ، فإني أوتي مالا ~~وولدا حينئذ ثم أجاب الله تعالى عن كلامه بقوله : { أطلع الغيب أم اتخذ عند ~~الرحمان عهدا } قال صاحب ( الكشاف ) : أطلع الغيب من قولهم أطلع الجبل أي ~~ارتقى إلى أعلاه ويقال مر مطلعا لذلك الأمر أي غالبا ms6116 له مالكا له والاختيار ~~في هذه الكلمة أن تقول : أو قد بلغ من عظم شأنه أنه ارتقى إلى علم الغيب ~~الذي توحد به الواحد القهار ، والمعنى أن الذي ادعى أن يكون حاصلا له لا ~~يتوصل إليه إلا بأحد هذين الأمرين ، إما علم الغيب وإما عهد من عالم الغيب ~~فبأيهما توصل إليه ؟ وقيل : في العهد كلمة الشهادة عن قتادة هل له عمل صالح ~~قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول ؟ ثم إنه سبحان بين من حاله ضد ما ادعاه ، فقال ~~: { كلا } وهي كلمة ردع وتنبيه على الخطأ أي هو مخطىء فيما يقوله ويتمناه ~~فإن قيل لم قال : { سنكتب ما يقول } بسين التسويف وهو كما قاله كتب من غير ~~تأخير قال تعالى : { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق : 18 ) قلنا ~~فيه وجهان : أحدهما : سيظهر له ويعلم أنا كتبنا . الثاني : أن المتوعد يقول ~~للجاني سوف أنتقم منك وإن كان في الحال في الانتقام ويكون غرضه من هذا ~~الكلام محض التهديد فكذا ههنا ، أما قوله تعالى : { ونمد له من العذاب مدا ~~} أي نطول له من العذاب ما يستأهله ونزيده من العذاب ونضاعف له من المدد ~~ويقال مده وأمده بمعنى ويدل عليه قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام ويمد ~~له بالضم ، أما قوله ونرثه ما يقول أي يزول عنه ما وعده من مال وولد فلا ~~يعود كما لا يعود الإرث إلى من خلفه وإذا سلب ذلك في الآخرة يبقى فردا ~~فلذلك قال : { ويأتينا فردا } فلا يصح أن ينفرد في الآخرة بمال وولد : { ~~ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } ( الأنعام : 94 ) والله أعلم . # ! 7 < { واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون ~~بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا * ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا * فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا * يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمان وفدا * ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا * لا يملكون الشفاعة إلا من ~~اتخذ عند الرحمان عهدا * وقالوا اتخذ الرحمان ولدا } > 7 @QB@ < # | مريم : ( 81 - 87 ms6117 ) واتخذوا من دون . . . . . # > > PageV21P213 # / اعلم أنه تعالى لما تكلم في مسألة الحشر والنشر ، تكلم الآن في الرد ~~على عباد الأصنام فحكى عنهم أنهم إنما اتخذوا آلهة لأنفسهم ليكونوا لهم عزا ~~، حيث يكونون لهم عند الله شفعاء وأنصارا ، ينقذونهم من الهلاك . ثم أجاب ~~الله تعالى بقوله : { كلا } وهو ردع لهم وإنكار لتعززهم بالآلهة ، وقرأ ابن ~~نهيك : { كلا سيكفرون بعبادتهم } أي كلهم سيكفرون بعبادة هذه الأوثان وفي ( ~~محتسب ) ابن جني كلا بفتح الكاف والتنوين وزعم أن معناه كل هذا الإعتقاد ~~والرأي كلا ، قال صاحب ( الكشاف ) : إن صحت هذه الرواية فهي كلا التي هي ~~للردع قلب الواقف عليها ألفها نونا كما في قواريرا واختلفوا في أن الضمير ~~في قوله : { سيكفرون } يعود إلى المعبود أو إلى العابد فمنهم من قال إنه ~~يعود إلى المعبود ، ثم قال بعضهم : أراد بذلك الملائكة لأنهم في الآخرة ~~يكفرون بعبادتهم ويتبرءون منهم ويخاصمونهم وهو المراد من قوله : { أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون } ( سبأ : 40 ) وقال آخرون : إن الله تعالى يحيي ~~الأصنام يوم القيامة حتى يوبخوا عبادهم ويتبرؤا منهم فيكون ذلك أعظم ~~لحسرتهم ومن الناس من قال الضمير يرجع إلى العباد أي أن هؤلاء المشركين يوم ~~القيامة ينكرون أنهم عبدوا الأصنام ثم قال تعالى : { ثم لم تكن فتنتهم إلا ~~أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) أما قوله : { ~~ويكونون عليهم ضدا } فذكر ذلك في مقابلة قوله : { لهم عزا } ( مريم : 81 ) ~~والمراد ضد العز وهو الذل والهوان أن يكونون عليهم ضدا لما قصدوه وأرادوه ~~كأنه قيل : ويكونون عليهم ذلالهم لا عزا أو يكونون عليهم عونا والضد العون ~~، يقال من أضدادكم أي من أعوانكم وكأن العون يسمى ضدا / لأنه يضاد عدوك ~~وينافيه باعانته لك عليه ، فإن قيل : ولم وحد ؟ قلنا : وحد توحيد قوله عليه ~~السلام : ( وهم يد على من سواهم ) لاتفاق كلمتهم فإنهم كشيء واحد لفرط ~~انتظامهم وتوافقهم ، ومعنى كون الآلهة عونا عليهم أنهم وقود النار وحصب ~~جهنم ولأنهم عذبوا بسبب عبادتها واعلم أنه تعالى لما ذكر حال هؤلاء الكفار ~~مع الأصنام ms6118 في الآخرة ذكر بعده حالهم مع الشياطين في الدنيا فإنهم يسألونهم ~~وينقادون لهم فقال : { أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الله تعالى مريد لجميع ~~الكائنات فقالوا قول القائل : أرسلت فلانا على فلان موضوع في اللغة لإفادة ~~أنه سلطه عليه لإرادة أن يستولي عليه . قال عليه السلام : سم الله وأرسل ~~كلبك عليه إذا ثبت هذا فقوله : { أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } يفيد ~~أنه تعالى سلطهم عليهم لإرادة أن يستولوا عليهم وذلك يفيد المقصود ثم يتأكد ~~هذا بقوله : { تؤزهم أزا } فإن معناه إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~لتؤزهم أزا ويتأكد بقوله : { واستفزز من استطعت منهم } ( الإسراء : 64 ) ~~قال القاضي : حقيقة اللفظ توجب أنه تعالى أرسل الشياطين إلى الكفار كما ~~أرسل الأنبياء بأن حملهم رسالة يؤدونها إليهم PageV21P214 فلا يجوز في تلك ~~الرسالة إلا ما أرسل عليه الشياطين من الإغواء فكان يجب في الكفار أن ~~يكونوا بقبولهم من الشياطين مطيعين وذلك كفر من قائله ، ولأن من العجب تعلق ~~المجبرة بذلك لأن عندهم أن ضلال الكفار من قبله تعالى بأن خلق فيهم الكفر ~~وقدر الكفر فلا تأثير لما يكون من الشيطان وإذا بطل حمل اللفظ في ظاهره فلا ~~بد من التأويل فنحمله على أنه تعالى خلى بين الشياطين وبين الكفار وما ~~منعهم من إغوائهم وهذه التخلية تسمى إرسالا في سعة اللغة . كما إذا لم يمنع ~~الرجل كلبه من دخول بيت جيرانه يقال : أرسل كلبه عليه وإن لم يرد أذى الناس ~~، وهذه التخلية وإن كان فيها تشديد للمحنة عليهم فهم متمكنون من أن لا ~~يقبلوا منهم ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم والدليل عليه قوله تعالى : { ~~وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى ولوموا ~~أنفسكم } ( إبراهيم : 22 ) هذا تمام كلامه ونقول لا نسلم أنه لا يمكن حمله ~~على ظاهره فإن قوله : { أرسلنا الشياطين } لو أرسلهم الله إلى الكفار لكان ~~الكفار مطيعين له بقبول قول الشياطين ، قلنا الله تعالى ما ms6119 أرسل الشياطين ~~إلى الكفار بل أرسلها عليهم والإرسال عليهم هو التسليط لإرادة أن يصير ~~مستوليا عليه ، فأين هذا من الإرسال إليهم ، قوله : ضلال الكافر من قبل ~~الله تعالى فأي تأثير للشيطان فيه ؟ قلنا : لم لا يجوز أن يقال : إن إسماع ~~الشيطان إياه تلك الوسوسة يوجب في قلبه ذلك الضلال بشرط سلامة فهم السامع ~~لأن كلام الشيطان من خلق الله تعالى فيكون ذلك الضلال الحاصل في قلب الكافر ~~منتسبا إلى الشيطان وإلى الله تعالى من هذين الوجهين ، قوله لم لا يجوز أن ~~يكون المراد بالإرسال التخلية قلنا : كما خلى بين الشيطان والكفرة فقد خلى ~~بينهم وبين الأنبياء ثم إنه تعالى خص الكافر بأنه أرسل الشيطان عليه فلا بد ~~من فائدة زائدة ههنا ولأن قوله : { تؤزهم أزا } أي تحركهم تحريكا شديدا ~~كالغرض من ذلك الإرسال فوجب أن يكون الأز مرادا / لله تعالى ويحصل المقصود ~~منه فهذا ما في هذا الموضع والله أعلم . # المسألة الثانية : قال ابن عباس : { تؤزهم أزا } أي تزعجهم في المعاصي ~~إزعاجا نزلت في المستهزئين بالقرآن وهم خمسة رهط قال صاحب ( الكشاف ) : ~~الأز والهز والاستفزاز أخوات في معنى التهييج وشدة الإزعاج أي تغريهم على ~~المعاصي وتحثهم وتهيجهم لها بالوساس والتسويلات ، أما قوله تعالى : { فلا ~~تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا } يقال : عجلت عليه بكذا إذا استعجلته به أي ~~لا تعجل عليهم بأن يهلكوا أو يبيدوا حتى تستريح أنت والمسلمون من شرورهم ~~فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة ، ونظيره ~~قوله تعالى : { ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار بلاغ } ( الأحقاف : 35 ) عن ابن عباس أنه كان إذا قرأها بكى ~~وقال : آخر العدد خروج نفسك ، آخر العدد دخول قبرك ، آخر العدد فراق أهلك . ~~وعن ابن السماك رحمه الله أنه كان عند المأمون فقرأها فقال : إذا كانت ~~الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد . وذكروا في قوله : { نعد ~~لهم عدا } وجهين آخرين : الأول : نعد أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم ms6120 على قليلها ~~وكثيرها . والثاني : نعد الأوقات إلى وقت الأجل المعين لكل أحد الذي لا ~~يتطرق إليه الزيادة والنقصان / ثم بين سبحانه ما سيظهر في ذلك اليوم من ~~الفصل بين المتقين وبين المجرمين في كيفية الحشر فقال : { يوم نحشر المتقين ~~إلى الرحمان وفدا } قال صاحب ( الكشاف ) : نصب يوم بمضمر أي يوم نحشر ونسوق ~~نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف أو اذكر يوم نحشر ويجوز أن ينتصب بلا ~~يملكون عن علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ~~والذي نفسي بيده إن المتقين إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها ~~أجنحة عليها رحال الذهب ) ثم تلا هذه الآية . وفيها مسائل : PageV21P215 # المسألة الأولى : قال القاضي هذه الآية أحد ما يدل على أن أهوال يوم ~~القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من ~~الكرامة فهم آمنون من الخوف فكيف يجوز أن تنالهم الأهوال ؟ # المسألة الثانية ؛ المشبهة احتجوا بالآية وقالوا قوله : { إلى الرحمان } ~~يفيد أن انتهاء حركتهم يكون عند الرحمن وأهل التوحيد يقولون المعنى يوم ~~نحشر المتقين إلى محل كرامة الرحمن . # المسألة الثالثة : طعن الملحد فيه فقال قوله : { يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمان وفدا } هذا إنما يستقيم أن لو كان الحاشر غير الرحمن أما إذا كان ~~الحاشر هو الرحمن فهذا الكلام لا ينتظم ، أجاب المسلمون بأن التقدير يوم ~~نحشر المتقين إلى كرامة الرحمن أما قوله : { ونسوق المجرمين إلى جهنم } ~~وردا فقوله : { نسوق } يدل على أنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف ~~كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء ، والورد اسم للعطاش ، لأن من يرد الماء لا ~~يرده إلا للعطش . وحقيقة الورود السير إلى الماء فسمي به الواردون أما قوله ~~: { لا يملكون الشفاعة } أي فليس لهم والظاهر أن المراد شفاعتهم لغيرهم / ~~أو شفاعة غيرهم لهم فلذلك اختلفوا ، وقال بعضهم : لا يملكون أن يشفعوا ~~لغيرهم كما يملك المؤمنون وقال بعضهم : بل المراد لا يملك غيرهم أن يشفعوا ~~لهم وهذا الثاني أولى لأن حمل الآية على الأول يجري مجرى إيضاع الواضحات ms6121 ~~وإذا ثبت ذلك دلت الآية على حصول الشفاعة لأهل الكبائر لأنه قال عقيبه : { ~~إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا } والتقدير أن هؤلاء لا يستحقون أن يشفع لهم ~~غيرهم إلا إذا كانوا قد اتخذوا عند الرحمن عهدا التوحيد والنبوة فوجب أن ~~يكون داخلا تحته ومما يؤكد قولنا : ما روى ابن مسعود أنه عليه السلام قال ~~لأصحابه ذات يوم : ( أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا ؟ ~~قالوا ؛ وكيف ذلك ؟ قال : يقول كل صباح ومساء اللهم فاطر السموات والأرض ~~عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا ~~شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر ~~وتبعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عهدا توفينيه يوم ~~القيامة إنك لا تخلف الميعاد . فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت ~~العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند الرحمن عهد ~~فيدخلون الجنة ) ، فظهر بهذا الحديث أن المراد من العهد كلمة الشهادة وظهر ~~وجه دلالة الآية على أن الشفاعة لأهل الكبائر وقال القاضي : الآية دالة على ~~مذهبه وقد ظهر أن الآية قوية في الدلالة على قولنا والله أعلم . # ! 7 < { لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الا رض وتخر ~~الجبال هدا * أن دعوا للرحمان ولدا * وما ينبغى للرحمان أن يتخذ ولدا * إن ~~كل من فى السماوات والا رض إلا آتى الرحمان عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * ~~وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا } > 7 @QB@ < # | مريم : ( 88 - 95 ) وقالوا اتخذ الرحمن . . . . . # > > PageV21P216 # اعلم أنه تعالى لما رد على عبده الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ~~ولدا : { وقالت اليهود * عزيز * ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله } ~~( التوبة : 30 ) وقالت العرب الملائكة بنات الله والكل داخلون في هذه الآية ~~ومنهم من خصها بالعرب الذي أثبتوا أن الملائكة بنات الله قالوا لأن الرد ~~على النصارى تقدم في أول السورة أما الآن فإنه لما رد على ms6122 العرب الذين ~~قالوا بعبادة الأوثان تكلم في إفساد / قول الذين قالوا بعبادة الملائكة ~~لكونهم بنات الله أما قوله : { لقد جئتم شيئا إدا } فقرىء إدا بالكسر ~~والفتح . قال ابن خالويه الإد والأد العجب وقيل المنكر العظيم والأدة الشدة ~~وأدنى الأمر وآدنى أثقلي . قرىء يتفطرن بالتاء بعد الياء أعني المعجمة من ~~تحتها واختلفوا في يكاد فقرأ بعضهم بالياء المعجمة من تحتها وبعضهم بالتاء ~~من فوق ، والانفطار من فطرة إذا شقه والتفطر من فطره إذا شققه وكرر الفعل ~~فيه وقرأ ابن مسعود يتصدعن وقوله : { وتخر الجبال هدا } أي تهد هدا أو ~~مهدودة أو مفعول له أي لأنها تهد والمعنى أنها تتساقط أشد ما يكون تساقط ~~البعض على البعض ، فإن قيل من أين يؤثر القول بإثبات الولد لله تعالى في ~~انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال ؟ قلنا فيه وجوه : أحدها : أن ~~الله سبحانه وتعالى يقول أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه ~~الكلمة غضبا مني على من تفوه بها لولا حلمي وأني لا أعجل بالعقوبة كما قال ~~: { إن الله يمسك * السماوات والارض * أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من ~~أحد من بعده إنه كان حليما غفورا } ( فاطر : 41 ) . وثانيها : أن يكون ~~استعظاما للكلمة وتهويلا من فظاعتها وتصويرا لأثرها في الدين وهدمها ~~لأركانه وقواعده . وثالثها : أن السموات والأرض والجبال تكاد أن تفعل ذلك ~~لو كانت تعقل من غلظ هذا القول وهذا تأويل أبي مسلم . ورابعها : أن السموات ~~والأرض والجبال كانت سليمة من كل العيوب فلما تكلم بنو آدم بهذا القول ظهرت ~~العيوب فيها أما قوله : { أن دعوا للرحمان ولدا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في إعرابه ثلاثة أوجه . أحدها : أن يكون مجرورا بدلا من ~~الهاء في منه أو منصوبا بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل أي هذا لأن دعوا أو ~~مرفوعا بأنه فاعل { هدا } أي هدها دعاء الولد للرحمن ، والحاصل أنه تعالى ~~بين أن سبب تلك الأمور العظيمة هذا القول . # المسألة الثانية : إنما كرر لفظ الرحمن مرات تنبيها على أنه سبحانه ~~وتعالى هو الرحمن وحده من ms6123 قبل أن أصول النعم وفروعها ليست إلا منه . # المسألة الثالثة : قوله : { دعوا للرحمان } هو من دعا بمعنى سمى المتعدي ~~إلى مفعولين فاقتصر على أحدهما الذي هو الثاني طلبا للعموم والإحاطة بكل من ~~ادعى له ولدا أو من دعا بمعنى نسب الذي هو مطاوعة ما في قوله صلى الله عليه ~~وسلم : ( من ادعى إلى غير مواليه ) . قال الشاعر : # إنا بني نهشل لا ندعى لأب # أي لا ننتسب إليه / ثم قال تعالى : { وما ينبغى للرحمان أن يتخذ ولدا } ~~أي هو محال ، أما الولادة المعروفة فلا مقال في امتناعها ، وأما التبني ~~فلأن الولد لا بد وأن يكون شبيها بالوالد ولا مشبه لله تعالى ولأن اتخاذ ~~الولد إنما يكون لأغراض لا تصح في الله من سروره به واستعانته به وذكر جميل ~~، وكل ذلك لا يليق به ، ثم قال : { إن كل من فى * السماوات والارض * إلا ~~اتى الرحمان عبدا } والمراد أنه ما من معبود لهم في السموات PageV21P217 ~~والأرض من الملائكة والناس إلا وهو يأتي / الرحمن أي يأوي إليه ويلتجىء إلى ~~ربوبيته عبدا منقادا مطيعا خاشعا راجيا كما يفعل العبيد ، ومنهم من حمله ~~على يوم القيامة خاصة والأول أولى لأنه لا تخصيص فيه وقوله : { لقد أحصاهم ~~وعدهم عدا } أي كلهم تحت أمره وتدبيره وقهره وقدرته فهو سبحانه ميحط بهم ، ~~ويعلم مجمل أمورهم وتفاصيلها لا يفوته شيء من أحوالهم وكل واحد منهم يأتيه ~~يوم القيامة منفردا ليس معه من هؤلاء المشركين أحد وهم براء منهم . # ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا * فإنما ~~يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا * وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } > 7 ! # < < # | مريم : ( 96 - 98 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما رد على أصناف الكفرة وبالغ في شرح أحوالهم في ~~الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين فقال : { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا } وللمفسرين في قوله : { ودا } ~~قولان : الأول : وهو قول الجمهور أنه تعالى ms6124 سيحدث لهم في القلوب مودة ~~ويزرعها لهم فيها من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي يكتسب الناس بها ~~مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك ، وإنما هو ~~اختراع منه تعالى وابتداء تخصيصا لأوليائه بهذه الكرامة كما قذف في قلوب ~~أعدائهم الرعب والهيبة إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم ، والسين في سيجعل إما ~~لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله تعالى ~~ذلك إذا جاء الإسلام ، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما ~~يعرض من حسناتهم وينشر من ديوان أعمالهم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~هذه الآية : ( إذا أحب الله عبدا نادى جبريل قد أحببت فلانا فأحبوه فينادي ~~جبريل عليه السلام بذلك في السماء والأرض وإذا أبغض عبدا فمثل ذلك ) . وعن ~~كعب قال : مكتوب في التوراة والإنجيل لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ~~ابتداؤها من الله تعالى ينزلها على أهل السماء ، ثم على أهل الأرض وتصديق ~~ذلك في القرآن قوله : { سيجعل لهم الرحمان ودا } . القول الثاني : وهو ~~اختيار أبي مسلم معنى : { سيجعل لهم الرحمان ودا } أي يهب لهم ما يحبون ~~والود والمحبة سواء ، يقال : آتيت فلانا محبته ، وجعل لهم ما يحبون ، وجعلت ~~له وده ، ومن كلامهم : يود لو كان كذا ، ووددت أن / لو كان كذا أي أحببت ، ~~ومعناه سيعطيهم الرحمن ودهم أي محبوبهم في الجنة . والقول الأول : أولى لأن ~~حمل المحبة على المحبوب مجاز ، ولأنا ذكرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قرأ هذه الآية وفسرها بذلك فكان ذلك أولى ، وقال أبو مسلم : بل القول ~~الثاني أولى لوجوه : PageV21P218 أحدها : كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن ~~المسلم المتقي يبغضه الكفار وقد يبغضه كثير من المسلمين . وثانيها : أن مثل ~~هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر فكيف يمكن جعله إنعاما في حق ~~المؤمنين . وثالثها : أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا أن الله تعالى فعله ~~فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى . ( والجواب ) عن الأول : ~~أن المراد يجعل ms6125 لهم الرحمن محبة عند الملائكة والأنبياء ، وروى عنه عليه ~~السلام : أنه حكى عن ربه عز وجل أنه قال : ( إذا ذكرني عبدي المؤمن في نفسه ~~ذكرته في نفسي . وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أطيب منهم وأفضل ) وهذا هو ~~( الجواب ) عن الكلام الثاني لأن الكافر والفاسق ليس كذلك . ( والجواب ) عن ~~الثالث : أنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم ، أما ~~قوله تعالى : { فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين } فهو كلام مستأنف ~~بين به عظيم موقع هذه السورة لما فيها من التوحيد والنبوة والحشر والنشر ~~والرد على فرق المضلين المبطلين فبين تعالى أنه يسر ذلك بلسانه ليبشر به ~~وينذر ، ولولا أنه تعالى نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسر ذلك على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فأما أن القرآن يتضمن تبشير المتقين وإنذار من ~~خرج منهم فبين / لكنه تعالى لما ذكر أنه يبشر به المتقين ذكر في مقابلته من ~~هو في مخالفة التقوى أبلغ وأبلغهم الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه ~~ويتشدد وهو معنى لدا ، ثم إنه تعالى ختم السورة بموعظة بليغة فقال : { وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن } لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا ~~والانتهاء إلى الموت خافوا ذلك وخافوا أيضا سوء العاقبة في الآخرة فكانوا ~~فيها إلى الحذر من المعاصي أقرب ، ثم أكد تعالى في ذلك فقال : { هل تحس ~~منهم من أحد } لأن الرسول عليه السلام إذا لم يحس منهم برؤية أو إدراك أو ~~وجدان : { ولا يسمع * لهم ركزا } وهو الصوت الخفي ، ومنه ركز الرمح إذا غيب ~~طرفه في الأرض والركاز المال المدفون دل ذلك على انقراضهم وفنائهم بالكلية ~~، والأقرب في قوله : { أهلكنا } أن المراد به الانقراض بالموت وإن كان من ~~المفسرين من حمله على العذاب المعجل في الدنيا ، والله أعلم بالصواب وإليه ~~المرجع والمآب ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي ~~الأمي ، وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV21P219 < # > 1 ( سورة طه ) 1 < # > # وهي مائة وثلاثون وخمس آيات # ! 7 < { طه * مآ أنزلنا عليك ms6126 القرءان لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * ~~تنزيلا ممن خلق الا رض والسماوات العلى * الرحمان على العرش استوى * له ما ~~في السماوات وما في الا رض وما بينهما وما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول ~~فإنه يعلم السر وأخفى * الله لاإلاه إلا هو له الا سمآء الحسنى } > 7 @QB@ ~~< # | طه : ( 1 - 8 ) طه # > > # سورة طه # اعلم أن قوله { طه } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء وقرأ أهل المدينة ~~بين الفتح والكسر وقرأ ابن كثير وابن عامر بفتح الطاء وقرأ حمزة والكسائي ~~بكسر الطاء والهاء ، قال الزجاج وقرىء طه بفتح الطاء وسكون الهاء وكلها ~~لغات . قال الزجاج من فتح الطاء والهاء فلأن ما قبل الألف مفتوح ومن كسر ~~الطاء والهاء فأمال الكسرة لأن الحرف مقصور والمقصور يغلب عليه الإمالة إلى ~~الكسرة . # المسألة الثانية : للمفسرين فيه قولان : أحدهما : أنه من حروف التهجي ~~والآخر أنه كلمة مفيدة ، أما على القول الأول فقد تقدم الكلام فيه في أول ~~سورة البقرة والذي زادوه ههنا أمور : / أحدها : قال الثعلبي : طا شجرة طوبى ~~والهاء الهاوية فكأنه أقسم بالجنة والنار . وثانيها : يحكى عن جعفر الصادق ~~عليه السلام الطاء طهارة أهل البيت والهاء هدايتهم . وثالثها : يا مطمع ~~الشفاعة للأمة ويا هادي الخلق إلى الملة . ورابعها : قال سعيد بن جبير ~~PageV22P003 هو افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي . وخامسها : الطاء من ~~الطهارة والهاء من الهداية كأنه قيل يا طاهرا من الذنوب ويا هاديا إلى علام ~~الغيوب . وسادسها : الطاء طول القراء والهاء هيبتهم في قلوب الكفار . قال ~~الله تعالى : { سنلقى * فى قلوب الذين كفروا الرعب } ( آل عمران : 151 ) . ~~وسابعها : الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة تكون أربعة عشر ومعناه يا أيها ~~البدر وقد عرفت فيما تقدم أن أمثال هذه الأقوال لا يجب أن يعتمد عليها . ~~القول الثاني : قول من قال : إنها كلمة مفيدة وعلى هذا القول ذكروا وجهين : ~~أحدهما : معناه يا رجل وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير ~~وقتادة وعكرمة والكلبي رضي الله عنهم ثم قال سعيد ms6127 بن جبير بلسان النبطية ~~وقال قتادة بلسان السريانية وقال عكرمة بلسان الحبشة وقال الكلبي بلغة عك ~~وأنشد الكلبي لشاعرهم : # % إن السفاهة طه في خلائقكم % % لا قدس الله أرواح الملاعين % # وقد تكلم الناس على هذا القول من وجهين : الأول : أنه بمعنى يا رجل في ~~اللغة حمل عليه لكنه لا يجوز إن ثبت على هذا المعنى إلا في لغة العرب إذ ~~القرآن بهذه اللغة نزل فيحتمل أن تكون لغة العرب في هذه اللفظة موافقة ~~لسائر اللغات التي حكيناها ، فأما على غير هذا الوجه فلا يحتمل ولا يصح . ~~الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : إن كان طه في لغة عك بمعنى يا رجل فلعلهم ~~تصرفوا في يا هذا فقلبوا الياء طاء فقالوا : طا واختصروا في هذا واقتصروا ~~على ها فقوله طه بمعنى يا هذا واعترض بعضهم عليه وقالوا : لو كان كذلك لوجب ~~أن يكتب أربعة أحرف طا ها . وثانيهما : أنه عليه السلام كان يقوم في تهجده ~~على إحدى رجليه فأمر أن يطأ الأرض بقدميه معا وكان الأصل طأ فقلبت همزته ~~هاء كما قالوا هياك في إياك وهرقت في أرقت ويجوز أن يكون الأصل من وطىء على ~~ترك الهمزة فيكون أصله طأ يا رجل ثم أثبت الهاء فيها للوقف والوجهان ذكرهما ~~الزجاج ، أما قوله تعالى : { ما أنزلنا عليك * الكتاب * لتشقى } ففيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : إن جعلت طه تعديدا لأسماء الحروف ~~فهذا ابتداء كلام وإن جعلتها اسما للسورة احتمل أن يكون قوله : { ما أنزلنا ~~عليك القرءان لتشقى } خبرا عنها وهي في موضع المبتدأ والقرآن ظاهر أوقع ~~موقع المضمر لأنها قرآن وأن يكون جوابا لها وهي قسم . # المسألة الثانية : قرىء { ما نزل * عليك القرءان لتشقى } . # المسألة الثالثة : ذكروا في سبب نزول الآية وجوها : أحدها : قال مقاتل إن ~~أبا جهل والوليد بن المغيرة ومطعم بن عدي والنضر بن الحارث قالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك فقال عليه السلام ~~: ( بل بعثت رحمة للعالمين ) قالوا : بل أنت تشقى فأنزل الله تعالى ms6128 / هذه ~~الآية ردا عليهم وتعريفا لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن دين الإسلام هو ~~السلام وهذا القرآن هو السلام إلى نيل كل فوز والسبب في إدراك كل سعادة وما ~~فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها . وثانيها : أنه عليه السلام صلى بالليل حتى ~~تورمت قدماه فقال له جبريل عليه السلام : ( أبق على نفسك فإن لها عليك حقا ~~) أي ما أنزلناه لتهلك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة العظيمة وما بعثت إلا ~~بالحنيفية السمحة ، وروى أيضا أنه عليه السلام : ( كان إذا قام من الليل ~~ربط صدره بحبل حتى لا ينام ) وقال بعضهم كان يقوم على رجل واحدة ، وقال ~~بعضهم كان يسهر طول الليل فأراد بقوله : { لتشقى } ذلك ، قال القاضي هذا ~~بعيد لأنه عليه السلام إن فعل شيئا من ذلك فلا بد وأن يكون قد فعله بأمر ~~الله تعالى ، وإذا فعله بأمره فهو من باب السعادة فلا يجوز أن يقال له : ما ~~أمرناك بذلك . وثالثها : قال بعضهم يحتمل أن يكون المراد لا تشق على نفسك ~~ولا تعذبها PageV22P004 بالأسف على كفر هؤلاء فإنا إنما أنزلنا عليك القرآن ~~لتذكر به ، فمن آمن وأصلح فلنفسه ومن كفر فلا يحزنك كفره فما عليك إلا ~~البلاغ وهو كقوله تعالى : { لعلك باخع نفسك } ( الكهف : 6 ) الآية ، { ولا ~~يحزنك قولهم } ( يونس ) 65 ) . ورابعها : أنك لا تلام على كفر قومك كقوله ~~تعالى : { لست عليهم } ( الغاشية : 22 ) ، { حفيظا وما أنت عليهم بوكيل } ( ~~الأنعام : 107 ) أي ليس عليك كفرهم إذا بلغت ولا تؤاخذ بذنبهم . وخامسها : ~~أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وفي ذلك الوقت كان عليه السلام مقهورا ~~تحت ذل أعدائه فكأنه سبحانه قال له لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة أبدا بل ~~يعلو أمرك ويظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقيا فيما ~~بينهم بل تصير معظما مكرما . وأما قوله تعالى : { إلا تذكرة لمن يخشى } ~~ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في كلمة إلا ههنا قولان ، أحدهما : أنه استثناء منقطع ~~بمعنى لكن . والثاني : التقدير ما أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ ms6129 ~~إلا ليكون تذكرة كما يقال ما شافهناك بهذا الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك ~~غيرك . # المسألة الثانية : إنما خص من يخشى بالتذكرة لأنهم المنتفعون بها وإن كان ~~ذلك عاما في الجميع وهو كقوله : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) وقال ~~سبحانه وتعالى : { تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } ~~( الفرقان : 1 ) وقال : { لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم فهم غافلون } ( يس : ~~6 ) وقال : { وتنذر به قوما لدا } ( مريم : 97 ) وقال : { وذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين } . # المسألة الثالثة : وجه كون القرآن تذكرة أنه عليه السلام كان يعظمهم به ~~وببيانه فيدخل تحت قوله لمن يخشى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه في الخشية ~~والتذكرة بالقرآن كان فوق الكل . وأما قوله تعالى : { تنزيلا ممن خلق الارض ~~والسماوات العلى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في نصب تنزيلا وجوها . أحدها : تقديره نزل تنزيلا ~~ممن خلق الأرض فنصب تنزيلا بمضمر . وثانيها : أن ينصب بأنزلنا لأن معنى ما ~~أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه / تذكرة . وثالثها : أن ينصب على المدح ~~والاختصاص . ورابعها : أن ينصب بيخشى مفعولا به أي أنزله الله تعالى : { ~~تذكرة لمن يخشى } تنزيل الله وهو معنى حسن وإعراب بين وقرىء تنزيل بالرفع ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف . # المسألة الثانية : فائدة الانتقال من لفظ التكلم إلى لفظ الغيبة أمور ، ~~أحدها : أن هذه الصفات لا يمكن ذكرها إلا مع الغيبة . وثانيها : أنه قال ~~أولا أنزلنا ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع ثم ثنى بالنسبة إلى ~~المختص بصفات العظمة والتمجيد فتضاعفت الفخامة من طريقين . وثالثها : يجوز ~~أن يكون أنزلنا حكاية لكلام جبريل عليه السلام والملائكة النازلين معه . # المسألة الثالثة : أنه تعالى عظم حال القرآن بأن نسبه إلى أنه تنزيل ممن ~~خلق الأرض وخلق السموات على علوها وإنما قال ذلك لأن تعظيم الله تعالى يظهر ~~بتعظيم خلقه ونعمه وإنما عظم القرآن ترغيبا في تدبره والتأمل في معانيه ~~وحقائقه وذلك معتاد في الشاهد فإنه تعظم الرسالة بتعظيم حال المرسل ليكون ~~المرسل إليه أقرب إلى الامتثال . # المسألة الرابعة : يقال سماء عليا وسموات علا وفائدة وصف ms6130 السموات بالعلا ~~الدلالة على عظم قدرة من PageV22P005 يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها أما ~~قوله تعالى : { الرحمان على العرش استوى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء الرحمن مجرورا صفة لمن خلق والرفع أحسن لأنه إما ~~أن يكون رفعا على المدح والتقدير هو الرحمن وإما أن يكون مبتدأ مشارا بلامه ~~إلى من خلق فإن قيل الجملة التي هي على العرش استوى ما محلها إذا جررت ~~الرحمن أو رفعته على المدح ؟ قلنا : إذا جررت فهو خبر مبتدأ محذوف لا غير ~~وإن رفعت جاز أن يكون كذلك وأن يكون مع الرحمن خبرين للمبتدأ . # المسألة الثانية : المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على ~~العرش وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه . أحدها : أنه سبحانه وتعالى كان ~~ولا عرش ولا مكان ، ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان بل كان غنيا عنه فهو ~~بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن يزعم زاعم أنه لم يزل مع الله عرش . ~~وثانيها : أن الجالس على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين ~~العرش غير الحاصل في يسار العرش فيكون في نفسه مؤلفا مركبا وكل ما كان كذلك ~~احتاج إلى المؤلف والمركب وذلك محال . وثالثها : أن الجالس على العرش إما ~~أن يكون متمكنا من الإنتقال والحركة أو لا يمكنه ذلك فإن كان الأول فقد صار ~~محل الحركة والسكون فيكون محدثا لا محالة وإن كان الثاني كان كالمربوط بل ~~كان كالزمن بل أسوأ منه فإن الزمن إذا شاء الحركة في رأسه وحدقته أمكنه ذلك ~~وهو غير ممكن على معبودهم . ورابعها : هو أن معبودهم إما أن يحصل في كل ~~مكان أو في مكان دون مكان فإن حصل في كل مكان لزمهم أن يحصل في مكان ~~النجاسات والقاذورات وذلك لا يقوله عاقل ، وإن حصل في مكان دون مكان افتقر ~~إلى مخصص يخصصه / بذلك المكان فيكون محتاجا وهو على الله محال . وخامسها : ~~أن قوله : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) يتناول نفي المساواة من جميع ~~الوجوه بدليل صحة الاستثناء فإنه يحسن ms6131 أن يقال ليس كمثله شيء إلا في الجلوس ~~وإلا في المقدار وإلا في اللون وصحة الاستثناء تقتضي دخول جميع هذه الأمور ~~تحته ، فلو كان جالسا لحصل من يماثله في الجلوس فحينئذ يبطل معنى الآية . ~~وسادسها : قوله تعالى : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ( الحاقة : ~~17 ) فإذا كانوا حاملين للعرش والعرش مكان معبودهم فيلزم أن تكون الملائكة ~~حاملين لخالقهم ومعبودهم وذلك غير معقول لأن الخلق هو الذي يحفظ المخلوق ~~أما المخلوق فلا يحفظ الخالق ولا يحمله . وسابعها : أنه لو جاز أن يكون ~~المستقر في المكان إلها فكيف يعلم أن الشمس والقمر ليس بإله لأن طريقنا إلى ~~نفس إلهية الشمس والقمر أنهما موصوفان بالحركة والسكون وما كان كذلك كان ~~محدثا ولم يكن إلها فإذا أبطلتم هذا الطريق انسد عليكم باب القدح في إلهية ~~الشمس والقمر . وثامنها : أن العالم كرة فالجهة التي هي فوق بالنسبة إلينا ~~هي تحت بالنسبة إلى ساكني ذلك الجانب الآخر من الأرض وبالعكس ، فلو كان ~~المعبود مختصا بجهة فتلك الجهة وإن كانت فوقا لبعض الناس لكنها تحت لبعض ~~آخرين ، وباتفاق العقلاء لا يجوز أن يقال المبعود تحت جميع الأشياء . ~~وتاسعها : أجمعت الأمة على أن قوله : { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) ~~من المحكمات لا من المتشابهات فلو كان مختصا بالمكان لكان الجانب الذي منه ~~يلي ما على يمينه غير الجانب الذي منه يلي ما على يساره فيكون مركبا منقسما ~~فلا يكون أحدا في الحقيقة فيبطل قوله : { قل هو الله أحد } . وعاشرها : أن ~~الخليل عليه السلام قال : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) ولو كان ~~المعبود جسما لكان آفلا أبدا غائبا أبدا فكان يندرج تحت قوله : { لا أحب ~~الافلين } فثبت بهذه الدلائل أن الإستقرار على الله تعالى محال وعند هذا ~~للناس فيه PageV22P006 قولان ، الأول : أنا لا نشتغل بالتأويل بل نقطع بأن ~~الله تعالى منزه عن المكان والجهة ونترك تأويل الآية وروي الشيخ الغزالي عن ~~بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل أنه أول ثلاثة من الأخبار : قوله عليه ~~السلام ( الحجر الأسود يمين ms6132 الله في الأرض ) ، وقوله عليه السلام : ( قلب ~~المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ) وقوله عليه السلام : ( إني لأجد نفس ~~الرحمن من قبل اليمن ) واعلم أن هذا القول ضعيف لوجهين : الأول : أنه إن ~~قطع بأن الله تعالى منزه عن المكان والجهة فقد قطع بأن ليس مراد الله تعالى ~~من الإستواء الجلوس وهذا هو التأويل . وإن لم يقطع بتنزيه الله تعالى عن ~~المكان والجهة بل بقي شاكا فيه فهو جاهل بالله تعالى ، اللهم إلا أن يقول ~~أنا قاطع بأنه ليس مراد الله تعالى ما يشعر به ظاهره بل مراده به شيء آخر ~~ولكني لا أعين ذلك المراد خوفا من الخطأ فهذا يكون قريبا ، وهو أيضا ضعيف ~~لأنه تعالى لما خاطبنا بلسان العرب وجب أن لا يريد باللفظ إلا موضوعه في ~~لسان العرب وإذا كان لا معنى للاستواء في اللغة إلا الاستقرار والإستيلاء ~~وقد تعذر حمله على الإستقرار فوجب حمله على الإستيلاء وإلا لزم تعطيل اللفظ ~~وإنه غير جائز . والثاني : وهو دلالة قاطعة على أنه لا بد من المصير إلى ~~التأويل وهو أن / الدلالة العقلية لما قامت على امتناع الاستقرار ودل ظاهر ~~لفظ الاستواء على معنى الاستقرار ، فإما أن نعمل بكل واحد من الدليلين ، ~~وإما أن نتركهما معا ، وإما أن نرجح النقل على العقل ، وإما أن نرجح العقل ~~ونؤول النقل . والأول باطل وإلا لزم أن يكون الشيء الواحد منزها عن المكان ~~وحاصلا في المكان وهو محال . والثاني : أيضا محال لأنه يلزم رفع النقيضين ~~معا وهو باطل . والثالث : باطل لأن العقل أصل النقل فإنه ما لم يثبت ~~بالدلائل العقلية وجود الصانع وعلمه وقدرته وبعثته للرسل لم يثبت النقل ~~فالقدح في العقل يقتضي القدح في العقل والنقل معا ، فلم يبق إلا أن نقطع ~~بصحة العقل ونشتغل بتأويل النقل وهذا برهان قاطع في المقصود إذا ثبت هذا ~~فنقول قال بعض العلماء المراد من الإستواء الإستيلاء قال الشاعر : # % قد استوى بشر على العراق % % من غير سيف ودم مهراق % # فإن قيل هذا التأويل غير جائز لوجوه . أحدها : أن ms6133 الإستيلاء معناه حصول ~~الغلبة بعد العجز وذلك في حق الله تعالى محال . وثانيها : أنه إنما يقال ~~فلان استولى على كذا إذا كان له منازع ينازعه ، وكان المستولى عليه موجودا ~~قبل ذلك ، وهذا في حق الله تعالى محال ، لأن العرش إنما حدث بتخليقه ~~وتكوينه . وثالثها : الاستيلاء حاصل بالنسبة إلى كل المخلوقات فلا يبقى ~~لتخصيص العرش بالذكر فائدة . والجواب : أنا إذا فسرنا الاستيلاء بالاقتدار ~~زالت هذه المطاعن بالكلية ، قال صاحب الكشاف لما كان الاستواء على العرش ، ~~وهو سرير الملك لا يحصل إلامع الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا : استوى ~~فلان على البلد يريدون ملك ، وإن لم يقعد على السرير البتة ، وإنما عبروا ~~عن حصول الملك بذلك لأنه أصرح وأقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك ونحوه ~~قولك : يد فلان مبسوطة ، ويد فلان مغلولة ، بمعنى أنه جواد وبخيل لا فرق ~~بين العبارتين إلا فيما قلت حتى أن من لم تبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له ~~يد رأسا قيل فيه يده مبسوطة لأنه لا فرق عندهم بينه وبين قوله جواد ، ومنه ~~قوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم } ( المائدة : 64 ) ~~أي هو بخيل { بل يداه مبسوطتان } ( المائدة : 64 ) أي هو جواد من غير تصور ~~يد ولا غل ولا بسط ، والتفسير بالنعمة والتمحل بالتسمية من ضيق العطن . ~~وأقول : إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية فإنهم أيضا ~~يقولون المراد من قوله : { فاخلع نعليك } ( طه : 12 ) الاستغراق في خدمة ~~الله تعالى من غير تصور فعل ، وقوله : { قلنا يانار كونى بردا وسلاما على ~~إبراهيم } PageV22P007 ( إبراهيم : 69 ) المراد منه تخليص إبراهيم عليه ~~السلام من يد ذلك الظالم من غير أن يكون هناك نار وخطاب البتة ، وكذا القول ~~في كل ما ورد في كتاب الله تعالى ، بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في ~~القرآن على حقيقته إلا إذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه ، ~~وليت من لم يعرف شيئا لم يخض فيه ، فهذا تمام الكلام في هذه الآية ، ومن ~~أراد ms6134 الاستقصاء في الآيات والأخبار المتشابهات فعليه بكتاب تأسيس التقديس ~~وبالله التوفيق . أما قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الارض * وما ~~بينهما وما تحت الثرى } فاعلم أنه سبحانه لم شرح ملكه بقوله : { الرحمان ~~على العرش استوى } والملك لا ينتظم إلا بالقدرة والعلم ، لا جرم عقبه ~~بالقدرة ثم بالعلم . أما القدرة فهي هذه الآية والمراد أنه سبحانه مالك ~~لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السموات من ملك ونجم وغيرهما ، ومالك ~~لما في الأرض من المعادن والفلزات ومالك لما بينهما من الهواء . ومالك لما ~~تحت الثرى ، فإن قيل الثرى هو السطح الأخير من العالم فلا يكون تحته شيء ~~فكيف يكون الله مالكا له قلنا : الثرى في اللغة التراب الندي فيحتمل أن ~~يكون تحته شيء وهو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على ~~اختلاف الروايات ، أما العلم فقوله تعالى : { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم ~~السر وأخفى } وفيه قولان ، أحدهما : أن قوله : { وأخفى } بناء المبالغة ، ~~وعلى هذا القول نقول إنه تعالى قسم الأشياء إلى ثلاثة أقسام : الجهر ، ~~والسر . والأخفى . فيحتمل أن يكون المراد من الجهر القول الذي يجهر به ، ~~وقد يسر في النفس وإن ظهر البعض ، وقد يسر ولا يظهر على ما قال بعضهم . ~~ويحتمل أن يكون المراد بالسر وبالأخفى ما ليس بقول وهذا أظهر فكأنه تعالى ~~بين أنه يعلم السر الذي لا يسمع وما هو أخفى منه فكيف لا يعلم الجهر ، ~~والمقصود منه زجر المكلف عن القبائح ظاهرة كانت أو باطنة ، والترغيب في ~~الطاعات ظاهرة كانت أو باطنة / فعلى هذا الوجه ينبغي أن يحمل السر والأخفى ~~على ما فيه ثواب أو عقاب ، والسر هو الذي يسره المرء في نفسه من الأمور ~~التي عزم عليها ، والأخفى هو الذي لم يبلغ حد العزيمة ، ويحتمل أن يفسر ~~الأخفى بما عزم عليه وما وقع في وهمه الذي لم يعزم عليه ، ويتحمل ما لم يقع ~~في سره بعد فيكون أخفى من السر ، ويحتمل أيضا ما سيكون من قبل الله تعالى ~~من الأمور ms6135 التي لم تظهر ، وإن كان الأقرب ما قدمناه مما يدخل تحت الزجر ~~والترغيب . القول الثاني : أن أخفى فعل يعني أنه يعلم أسرار العباد وأخفى ~~عنهم ما يعلمه وهو كقوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء ~~من علمه } ( البقرة : 255 ) فإن قيل كيف يطابق الجزاء الشرط ؟ قلنا معناه ~~إن تجهر بذكر الله تعالى من دعاء أو غيره ، فاعلم أنه غني عن جهرك ، وإما ~~أن يكون نهيا عن الجهر كقوله : { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر ~~من القول } ( الأعراف : 205 ) وإما تعليما للعباد أن الجهر ليس لاستماع ~~الله تعالى ، وإنما هو لغرض آخر ، واعلم أن الله تعالى لذاته عالم وأنه ~~عالم بكل المعلومات في كل الأوقات بعلم واحد وذلك العلم غير متغير ، وذلك ~~العلم من لوازم ذاته من غير أن يكون موصوفا بالحدوث أو الإمكان والعبد لا ~~يشارك الرب إلا في السدس الأول وهو أصل العلم ثم هذا السدس بينه وبين عباده ~~أيضا نصفان فخمسة دوانيق ونصف جزء من العلم مسلم له والنصف الواحد لجملة ~~عباده ، ثم هذا الجزء الواحد مشترك بين الخلائق كلهم من الملائكة الكروبية ~~PageV22P008 والملائكة الروحانية وحملة / العرش وسكان السموات وملائكة ~~الرحمة وملائكة العذاب وكذا جميع الأنبياء الذين أولهم آدم وآخرهم محمد صلى ~~الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وكذا جميع الخلائق كلهم في علومهم الضرورية ~~والكسبية والحرف والصناعات وجميع الحيوانات في إدراكاتها وشعوراتها ~~والاهتداء إلى مصالحها في أغذيتها ومضارها ومنافعها ، والحاصل لك من ذلك ~~الجزء أقل من الذرة المؤلفة ، ثم إنك بتلك الذرة عرفت أسرار إلهيته وصفاته ~~الواجبة والجائزة والمستحيلة . فإذا كنت بهذه الذرة عرفت هذه الأسرار فكيف ~~يكون علمه بخمس دوانيق ونصف . أفلا يعلم بذلك العلم أسرار عبوديتك ؟ فهذا ~~تحقيق قوله : { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى } بل الحق أن الدينار ~~بتمامه له ، لأن الذي علمته فإنما علمته بتعليمه على ما قال : { أنزله ~~بعلمه } ( النساء : 166 ) وقال : { ألا يعلم من خلق } ( الملك : 14 ) ولهذا ~~مثال وهو الشمس فإن ضوءها يجعل العالم مضيئا ms6136 ، ولا ينتقص ألبتة من ضوئها ~~شيء ، فكذا ههنا فكيف لا يكون عالما بالسر والأخفى ، فإن من تدبيراته في ~~خلق الأشجار وأنواع النبات أنها ليس لها فم ولا سائر آلات الغذاء فلا جرم ~~أصولها مركوزة في الأرض تمتص بها الغذاء فيتأدى ذلك الغذاء إلى الأغصان ~~ومنها إلى العروق ومنها إلى الأوراق ، ثم إنه تعالى جعل عروقها كالأطناب ~~التي بها يمكن ضرب الخيام . وكما أنه لا بد من مد الطنب من كل جانب لتبقى ~~الخيمة واقفة ، كذلك العروق تذهب من كل جانب لتبقى الشجرة واقفة ، ثم لو ~~نظرت إلى كل ورقة وما فيها من العروق الدقيقة المبثوثة فيها ليصل الغذاء ~~منها إلى كل جانب من الورقة ليكون ذلك تقوية لجرم الورقة فلا يتمزق سريعا ، ~~وهي شبه العروق المخلوقة في بدن الحيوان لتكون مسالك للدم والروح فتكون ~~مقوية للبدن ، ثم انظر إلى الأشجار فإن أحسنها في المنظر الدلب والخلاف ، ~~ولا حاصل لهما ، وأقبحها شجرة التين والعنب ، و ( لكن ) انظر إلى منفعتهما ~~، فهذه الأشياء وأشباهها تظهر أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ~~ولا في الأرض . # أما قوله تعالى : { الله لا إلاه إلا هو له الاسماء الحسنى } فالكلام فيه ~~على قسمين . الأول : في التوحيد اعلم أن دلائل التوحيد ستأتي إن شاء الله ~~في تفسير قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : ~~22 ) وإنما ذكره ههنا ليبين أن الموصوف بالقدرة وبالعلم على الوجه الذي ~~تقدم واحد لا شريك له ، وهو الذي يستحق العبادة دون غيره ، ولنذكر ههنا ~~نكتا متعلقة بهذا الباب وهي أبحاث : # البحث الأول : اعلم أن مراتب التوحيد أربع . أحدها : الإقرار باللسان . ~~والثاني : الإعتقاد بالقلب . والثالث : تأكيد ذلك الإعتقاد بالحجة . ~~والرابع : أن يصير العبد مغمورا في بحر التوحيد بحيث لا يدور في خاطره شيء ~~غير عرفان الأحد الصمد . أما الإقرار باللسان فإن وجد خاليا عن الإعتقاد ~~بالقلب فذلك هو المنافق ، وأما الإعتقاد بالقلب إذا وجد خاليا عن الإقرار ~~باللسان ففيه صور . الصورة الأولى : أن من نظر وعرف الله تعالى ms6137 وكما عرفه ~~مات قبل أن يمضي عليه من الوقت ما يمكنه التلفظ بكلمة الشهادة فقال قوم إنه ~~لا يتم إيمانه والحق أنه يتم لأنه أدى ما كلف به وعجز عن التلفظ به فلا ~~يبقى مخاطبا ، ورأيت في ( بعض ) الكتب أن ملك الموت / مكتوب على جبهته لا ~~إله إلا الله لكي إذا رآه المؤمن تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك التذكر عن ~~الذكر . الصورة الثانية : أن من عرف الله ومضى عليه من الوقت ما يمكنه ~~التلفظ بالكلمة ولكنه قصر فيه ، قال الشيخ الغزالي : يحتمل أن يقال اللسان ~~ترجمان القلب فإذا حصل المقصود في القلب كان امتناعه من التلفظ جاريا مجرى ~~امتناعه من الصلاة والزكاة وكيف يكون من أهل النار ، وقد قال عليه السلام : ~~( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ) وقلب هذا الرجل ~~مملوء من PageV22P009 الإيمان ؟ وقال آخرون : الإيمان والكفر أمور شرعية ~~نحن نعلم أن الممتنع من هذه الكلمة كافر . الصورة الثالثة : من أقر باللسان ~~واعتقد بالقلب من غير دليل فهو مقلد والاختلاف في صحة إيمانه مشهور . أما ~~المقام الثالث : وهو إثبات التوحيد بالدليل والبرهان فقد بينا في تفسير ~~قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) أنه ~~يمكن إثبات هذا المطلوب بالدلائل العقلية والسمعية واستقصينا القول فيها ~~هناك . أما المقام الرابع : وهو الفناء في بحر التوحيد فقال المحققون : ~~العرفان مبتدأ من تفريق ونقض وترك ورفض ممكن في جميع صفات هي من صفات الحق ~~للذات المريدة بالصدق منتبه إلى الواحد القهار ، ثم وقوف هذه الكلمات محيطة ~~بأقصى نهايات درجات السائرين إلى الله تعالى . # البحث الثاني : في الأخبار الواردة في التهليل ، أولها : عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( أفضل الذكر لا إله إلا الله ، وأفضل الدعاء : ~~أستغفر الله ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه لا إله إلا ~~الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ) . وثانيها : قال عليه السلام : ( ~~إن الله تعالى خلق ملكا من الملائكة قبل أن خلق السموات والأرض وهو يقول : ~~أشهد ms6138 أن لا إله إلا الله مادا بها صوته لا يقطعها ولا يتنفس فيها ولا يتمها ~~، فإذا أتمها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور وقامت القيامة تعظيما لله عز وجل ~~) . وثالثها : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال عليه السلام : ( ما ~~زلت أشفع إلى ربي ويشفعني وأشفع إليه ويشفعني حتى قلت : يا رب شفعني فيمن ~~قال لا إله إلا الله قال يا محمد هذه ليست لك ولا لأحد وعزتي وجلالي لا أدع ~~أحدا في النار قال لا إله إلا الله ) . وثانيها : قال سفيان الثوري : سألت ~~جعفر بن محمد عن حم عسق قال : الحاء حكمه والميم ملكه والعين عظمته والسين ~~سناؤه والقاف قدرته / يقول الله جل ذكره : بحكمي وملكي وعظمتي وسنائي ~~وقدرتي لا أعذب بالنار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله . وخامسها : ~~أن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قام في السوق فقال ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا ~~يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، كتب له الله ألف ألف حسنة ومحا عنه ~~ألف ألف سيئة وبنى له بيتا في الجنة ) . # البحث الثالث : في النكت . أحدها : ينبغي لأهل لا إله إلا الله أن يحصلوا ~~أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إله إلا الله : التصديق والتعظيم ~~والحلاوة والحرية ، فمن ليس له التصديق فهو / منافق ومن ليس له التعظيم فهو ~~مبتدع ومن ليس له الحلاوة فهو مراء ومن ليس له الحرية فهو فاجر . وثانيها : ~~قال بعضهم قوله : { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة } ( ~~إبراهيم : 24 ) إنه لا إله إلا الله : { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه } ( فاطر : 10 ) لا إله إلا الله : { وتواصوا بالحق } ( العصر ~~: 3 ) لا إله إلا الله : { قل إنما أعظكم بواحدة } ( سبأ : 46 ) لا إله إلا ~~الله : { وقفوهم إنهم } ( الصافات : 24 ) عن قول لا إله إلا الله : { مجنون ~~بل جاء بالحق وصدق المرسلين } ( الصافات ms6139 : 37 ) هو لا إله إلا الله : { ~~يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت فى الحيواة الدنيا وفى الاخرة } ( ~~إبراهيم : 27 ) هو لا إله إلا الله : { ويضل الله الظالمين } ( إبراهيم : ~~27 ) عن قول لا إله إلا الله . وثالثها : أن موسى بن عمران عليه السلام قال ~~: ( يا رب علمني شيئا أذكرك به ، قال : قل لا إله إلا الله قال كل عبادك ~~يقولون لا إله إلا الله فقال : قل لا إله إلا الله قال إنما أردت شيئا ~~تحصني بها قال يا موسى لو أن السموات السبع ومن فيهن في كفة ولا إله إلا ~~الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله ) . # البحث الرابع : في إعرابه قالوا كلمة لا ههنا دخلت على الماهية ، فانتفت ~~الماهية ، وإذا انتفت الماهية انتفت كل أفراد الماهية . وأما الله فإنه اسم ~~علم للذات المعينة إذ لو كان اسم معنى لكان كلها محتملا للكثرة فلم ~~PageV22P010 تكن هذه الكلمة مفيدة للتوحيد ، فقالوا : لا استحقت عمل أن ~~لمشابهتها لها من وجهين ، أحدهما : ملازمة الأسماء ، والآخر تناقضهما فإن ~~أحدهما لتأكيد الثبوت والآخر لتأكيد النفي ، ومن عادتهم تشبيه أحد الضدين ~~بالآخر في الحكم ، إذا ثبت هذا فنقول لما قالوا : إن زيدا ذاهب كان يجب أن ~~يقولوا لا رجلا ذاهب إلا أنهم بنوا لا مع ما دخل عليه من الاسم المفرد على ~~الفتح ، أما البناء فلشدة اتصال حرف النفي بما دخل عليه كأنهما صارا اسما ~~واحدا ، وأما الفتح فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توفيقا بين ~~الدليل الموجب للإعراب والدليل الموجب للبناء . الثاني : خبره محذوف والأصل ~~لا إله في الوجود ولا حول ولا قوة لنا وهذا يدل على أن الوجود زائد على ~~الماهية . # البحث الخامس : قال بعضهم تصور الثبوت مقدم على تصور السلب ، فإن السلب ~~ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره فكيف قدم ههنا السلب على الثبوت . ~~وجوابه : أنه لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه . القسم ~~الثاني : من الكلام في الآية البحث عن أسماء الله تعالى وفيه أبحاث ms6140 : # البحث الأول : قال عليه السلام : ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيها ~~الناس أنا جعلت لكم نسبا وأنتم جعلتم لأنفسكم نسبا ، أنا جعلت أكرمكم عندي ~~أتقاكم وأنتم جعلتم أكرمكم أغناكم فالآن أرفع نسبي وأضع نسبكم ، أين ~~المتقون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنونا ) / واعلم أن الأشياء في قسمة ~~العقول على ثلاثة أقاسم : كامل لا يحتمل النقصان ، وناقص لا يحتمل الكمال ، ~~وثالث يقبل الأمرين ، أما الكامل الذي لا يحتمل النقصان فهو الله تعالى ~~وذلك في حقه بالوجوب الذاتي وبعده الملائكة فإن من كمالهم أنهم : { لا ~~يعصون الله ما أمرهم } ( التحريم : 6 ) ومن صفاتهم أنهم : { عباد مكرمون } ~~( الأنبياء : 26 ) ومن / صفاتهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا ، وأما الناقص ~~الذي لا يحتمل الكمال فهو الجمادات والنبات والبهائم ، وأما الذي يقبل ~~الأمرين جميعا فهو الإنسان تارة يكون في الترقي بحيث يخبر عنه بأنه { فى ~~مقعد صدق عند مليك مقتدر } ( القمر : 55 ) وتارة في التسفل بحيث يقال : { ~~ثم رددناه أسفل سافلين } ( التين : 5 ) وإذا كان كذلك استحال أن يكون ~~الإنسان كاملا لذاته ، وما لا يكون كاملا لذاته استحال أن يصير موصوفا ~~بالكمال إلى أن يصير منتسبا إلى الكامل لذاته . لكن الانتساب قسمان : قسم ~~يعرض للزوال وقسم لا يكون يعرض للزوال . أما الذي يكون يعرض للزوال ، فلا ~~فائدة فيه ومثاله الصحة والمال والجمال ، وأما الذي لا يكون يعرض للزوال ~~فعبوديتك لله تعالى فإنه كما يمتنع زوال صفة الإلهية عنه يمتنع زوال صفة ~~العبودية عنك فهذه النسبة لا تقبل الزوال ، والمنتسب إليه وهو الحق سبحانه ~~لا يقبل الخروج عن صفة الكمال . ثم إذا كنت من بلد أو منتسبا إلى قبيلة ~~فإنك لا تزال تبالغ في مدح تلك البلدة والقبيلة بسبب ذلك الانتساب العرضي ~~فلأن تشتغل بذكر الله تعالى ونعوت كبريائه بسبب الانتساب الذاتي كان أولى ~~فلهذا قال : { ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها } ( الأعراف : 180 ) وقال : ~~{ الله لا إلاه إلا هو له الاسماء الحسنى } . # البحث الثاني : في تقسيم أسماء الله تعالى . اعلم أن اسم كل شيء ، إما أن ms6141 ~~يكون واقعا عليه بحسب ذاته أو بحسب أجزاء ذاته أو بحسب الأمور الخارجة عن ~~ذاته . أما القسم الأول : فقد اختلفوا في أنه هل لله تعالى اسم على هذا ~~الوجه وهذه المسألة مبنية على أن حقيقة الله تعالى هل هي معلومة للبشر أم ~~لا ؟ فمن قال إنها غير معلومة للبشر قال : ليس لذاته المخصوصة اسم ، لأن ~~المقصود من الاسم أن يشار به إلى المسمى وإذا كانت الذات المخصوصة غير ~~معلومة امتنعت الإشارة العقلية إليها ، فامتنع وضع الاسم لها ، وقد تكلمنا ~~في تحقيق PageV22P011 ذلك في تفسير اسم الله ، وأما الاسم الواقع عليه بحسب ~~أجزاء ذاته فذلك محال لأنه ليس لذاته شيء من الأجزاء لأن كل مركب ممكن ~~وواجب الوجود لا يكون ممكنا فلا يكون مركبا ، وأما الاسم الواقع بحسب ~~الصفات الخارجة عن ذاته ، فالصفات إما أن تكون ثبوتية حقيقية أو ثبوتية ~~إضافية أو سلبية أو ثبوتية مع إضافية أو ثبوتية مع سلبية أو إضافية مع ~~سلبية أو ثبوتية وإضافية وسلبية ولما كانت الإضافات الممكنة غير متناهية ، ~~وكذا السلوب غير متناهية ، أمكن أن يكون للباري تعالى أسماء متباينة لا ~~مترادفة غير متناهية . فهذا هو التنبيه على المأخذ . # البحث الثالث : يقال : إن لله تعالى أربعة آلاف اسم ، ألف لا يعلمها إلا ~~الله تعالى وألف لا يعلمها إلا الله والملائكة وألف لا يعلمها إلا الله ~~والملائكة والأنبياء . وأما الألف الرابع فإن المؤمنين يعلمونها فلثمائة ~~منها في التوراة وثلثمائة في الإنجيل وثلثمائة في الزبور ومائة في الفرقان ~~تسع وتسعون منها ظاهرة وواحد مكتوم فمن أحصاها دخل الجنة . # البحث الرابع : الأسماء الواردة في القرآن منها ما ليس بانفراده ثناء ~~ومدحا ، كقوله جاعل / وفالق وخالق فإذا قيل : { فالق الإصباح وجعل اليل ~~سكنا } ( الأنعام : 96 ) صار مدحا / وأما الاسم الذي يكون مدحا فمنه ما إذا ~~قرن بغيره صار أبلغ نحو قولنا : حي فإذا قيل الحي القيوم أو الحي الذي لا ~~يموت كان أبلغ وأيضا قولنا بديع فإنك إذا قلت بديع السموات والأرض ازداد ~~المدح ، ومن هذا الباب ما كان ms6142 اسم مدح ولكن لا يجوز إفراده كقولك : دليل . ~~وكاشف فإذا قيل : يا دليل المتحيرين ، ويا كاشف الضر والبلوى جاز ، ومنه ما ~~يكون اسم مدح مفردا أو مقرونا كقولنا الرحمن الرحيم . # البحث الخامس : من الأسماء ما يكون مقارنتها أحسن كقولك الأول الآخر ~~المبدىء المعيد الظاهر الباطن ومثاله قوله تعالى في حكاية قول المسيح : { ~~إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ( المائدة : ~~118 ) وبقية الأبحاث قد تقدمت في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم . # البحث السادس : في النكت ( أولها ) رأى بشر الحافي كاغدا مكتوبا فيه : ~~بسم الله الرحمن الرحيم فرفعه وطيبه بالمسك وبلعه فرأى في النوم قائلا يقول ~~: يا بشر طيبت اسمنا فنحن نطيب اسمك في الدنيا والآخرة . وثانيها : قوله ~~تعالى : { ولله الاسماء الحسنى } ( الأعراف : 180 ) وليس حسن الأسماء ~~لذواتها لأنها ألفاظ وأصوات بل حسنها لحسن معانيها ثم ليس حسن أسماء الله ~~حسنا يتعلق بالصورة والخلقة فإن ذلك محال على من ليس بجسم بل حسن يرجع إلى ~~معنى الإحسان مثلا اسم الستار والغفار والرحيم إنا كانت حسناء لأنها دالة ~~على معنى الإحسان ، وروى أن حكيما ذهب إليه قبيح وحسن والتمسا الوصية فقال ~~للحسن : أنت حسن والحسن لا يليق به الفعل القبيح ، وقال للآخر أنت قبيح ~~والقبيح إذا فعل الفعل القبيح عظم قبحه . فنقول : إلهنا أسماؤك حسنة وصفاتك ~~حسنة فلا تظهر لنا من تلك الأسماء الحسنة والصفات الحسنة إلا الإحسان ، ~~إلهنا يكفينا قبح أفعالنا وسيرتنا فلا نضم إليه قبح العقاب ووحشة العذاب . ~~وثالثها : قوله عليه السلام : ( اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه ) إلهنا ~~حسن الوجه عرضى أما حسن الصفات والأسماء فذاتي فلا تردنا عن إحسانك خائبين ~~خاسرين . رابعها : ذكر أن صيادا كان يصيد السمك فصاد سمكة وكان له ابنة ~~فأخذتها ابنته فطرحتها الماء وقالت : إنها ما وقعت في الشبكة إلا لغفلتها ، ~~إلهنا تلك الصبية رحمت غفلة هاتيك السمكة وكانت تلقيها مرة أخرى في البحر ~~ونحن قد اصطادتنا وسوسة إبليس وأخرجتنا من بحر رحمتك فارحمنا بفضلك وخلصنا ~~منها وألقنا في بحار رحمتك ms6143 مرة PageV22P012 أخرى . وخامسها : ذكرت من ~~الأسماء خمسة في الفاتحة ، وهي الله والرب والرحمن والرحيم والملك فذكرت ~~الإلهية وهي إشارة إلى القهارية والعظمة فعلم أن الأرواح لا تطيق ذلك القهر ~~والعلو فذكر بعده أربعة أسماء تدل على اللطف ، الرب وهو يدل على التربية ~~والمعتاد أن من ربى أحدا فإنه لا يهمل أمره ثم ذكر الرحمن الرحيم وذلك هو ~~النهاية في اللطف والرأفة ثم ختم الأمر بالملك والملك العظيم لا ينتقم من ~~الضعيف العاجز ولأن عائشة قالت لعلي عليه السلام : ( ملكت فأشجع فأنت أولى ~~بأن تعفو عن هؤلاء الضعفاء ) . وسادسها : عن محمد بن كعب القرظي قال موسى ~~عليه السلام : ( إلهي أي خلقك أكرم عليك ؟ قال / الذي لا يزال لسانه رطبا ~~من ذكري ، قال : فأي خلقك أعلم ؟ قال : الذي يلتمس إلى علمه علم غيره ، قال ~~: فأي خلقك أعدل ؟ قال : الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس ، قال : ~~فأي خلقك أعظم جرما ؟ قال : الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما ~~قضيته له ) . إلهنا إنا لا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت به فهو فضل وكل ~~ما تفعله فهو عدل فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا . وسابعها : قال الحسن إذا كان ~~يوم القيامة نادى مناد سيعلم الجمع من أولى بالكرم ، أين الذين كانت تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع ؟ فيقومون فيتخطون رقاب الناس ، ثم يقال : أين الذين ~~كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ؟ ثم ينادي مناد أين الحامدون ~~لله على كل حال ؟ ثم تكون التبعة والحساب على من بقي إلهنا فنحن حمدناك ~~وأثنينا عليك بمقدار قدرتنا ومنتهى طاقتنا فاعف عنا بفضلك ورحمتك . ومن ~~أراد الاستقصاء في الأسماء والصفات فعليه بكتاب لوامع البينات في الأسماء ~~والصفات وبالله التوفيق . # ! 7 < { وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إنىءانست ~~نارا لعلىآتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلمآ أتاها نودى ياموسى * ~~إنىأنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى } > 7 ! # < < # | طه : ( 9 - 12 ) وهل أتاك حديث . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما عظم ms6144 حال القرآن وحال الرسول فيما كلفه اتبع ذلك ~~بما يقوي قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر أحوال الأنبياء عليهم ~~السلام تقوية لقلبه في الإبلاغ كقوله : { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما ~~نثبت به فؤادك } ( هود : 120 ) وبدأ بموسى عليه السلام لأن المحنة والفتنة ~~الحاصلة له كانت أعظم ليسلي قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ويصبره على ~~تحمل المكاره فقال : { وهل أتاك حديث موسى } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وهل أتاك } يحتمل أن يكون هذا أول ما أخبر به ~~من أمر موسى عليه السلام فقال : { وهل أتاك } أي لم يأتك إلى الآن وقد أتاك ~~الآن فتنبه له ، وهذا قول الكلبي . ويحتمل أن يكون قد أتاه ذلك في الزمان ~~المتقدم فكأنه قال : أليس قد أتاك ، وهذا قول مقاتل والضحاك عن ابن عباس . # المسألة الثانية : قوله : { وهل أتاك } وإن كان على لفظ الاستفهام الذي ~~لا يجوز على الله / تعالى لكن المقصود منه تقرير الجواب في قلبه ، وهذه ~~الصيغة أبلغ في ذلك كما يقول المرء لصاحبه هل بلغك خبر كذا ؟ فيتطلع السامع ~~إلى معرفة ما يرمى إليه ، ولو كان المقصود هو الاستفهام لكان الجواب يصدر ~~من قبل النبي عليه PageV22P013 السلام لا من قبل الله تعالى . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { إذ رأى نارا } أي هل أتاك حديثه حين ~~رأى نارا قال المفسرون : استأذن موسى عليه السلام شعيبا في الرجوع إلى ~~والدته فأذن له فخرج فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وكانت ليلة ~~الجمعة وقد حاد عن الطريق فقدح موسى عليه السلام النار فلم تور المقدحة ~~شيئا ، فبينا هو مزاولة ذلك إذ نظر نارا من بعيد عن يسار الطريق . قال ~~السدي : ظن أنها نار من نيران الرعاة وقال آخرون : إنه عليه السلام رآها في ~~شجرة وليس في لفظ القرآن ما يدل على ذلك ، واختلفوا فقال بعضهم الذي رآه لم ~~يكن نارا بل تخيله نارا والصحيح أنه رأى نارا ليكون صادقا في خبره إذ الكذب ~~لا يجوز على الأنبياء ms6145 ، قيل : النارس أربعة أقسام : نار تأكل ولا تشرب وهي ~~نار الدنيا ، ونار تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر لقوله تعالى : { جعل لكم من ~~الشجر الاخضر نارا } ( يس : 80 ) ونار تأكل وتشرب وهي نار المعدة ، ونار لا ~~تأكل ولا تشرب وهي نار موسى عليه السلام وقيل أيضا النار على أربعة أقسام : ~~أحدها : نار لها نور بلا حرقة وهي نار موسى عليه السلام . وثانيها : حرقة ~~بلا نور وهي نار جهنم . وثالثها : الحرقة والنور وهي نار الدنيا . ورابعها ~~: لا حرقة ولا نور وهي نار الأشجار ، فلما أبصر النار توجه نحوها ( فقال ~~لأهله امثكثوا } . فيجوز أن يكون الخطاب للمرأة وولدها والخادم الذي معها ~~ويجوز أن يكون للمرأة وحدها ولكن خرج على ظاهر لفظ الأهل فإن الأهل يقع على ~~الجمع ، وأيضا فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيما أي أقيموا في مكانكم : ~~{ * } . فيجوز أن يكون الخطاب للمرأة وولدها والخادم الذي معها ويجوز أن ~~يكون للمرأة وحدها ولكن خرج على ظاهر لفظ الأهل فإن الأهل يقع على الجمع ، ~~وأيضا فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيما أي أقيموا في مكانكم : { إنى ~~آنست نارا } أي أبصرت / والإيناس الإبصار البين الذي لا شبهة فيه ومنه ~~إنسان العين فإنه يبين به الشيء والإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم ~~وقيل هو أيضا ما يؤنس به ولما وجد منه الإيناس وكان منتفيا حقيقة لهم أتى ~~بكلمة إني لتوطين أنفسهم ولما كان الإيناس بالقبس ووجود الهدى مترقبين ~~متوقعين بني الأمر فيهما على الرجاء والطمع فقال : { فلما قضى } ولم يقطع ~~فيقول إني آتيكم لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به . والنكتة فيه أن قوما ~~قالوا : كذب إبراهيم للمصلحة وهو محال لأن موسى عليه السلام قبل نبوته ~~احترز عن الكذب فلم يقل آتيكم ولكن قال لعلي آتيكم ولم يقطع فيقول إني ~~آتيكم لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو ~~فتيلة أو غيرهما : { أو أجد على النار هدى } والهدى ما يهتدى به وهو اسم ~~مصدر فكأنه قال أجد على النار ms6146 ما أهتدي به من دليل أو علامة ، ومعنى ~~الاستعلاء على النار أن أهل النار يستعلون المكان القريب منها ولأن ~~المصطلين بها إذا أحاطوا بها كانوا مشرفين عليها { فلما أتاها } أي أتى ~~النار قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء ~~فوقف متعجبا من شدة ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة فلا النار تغير ~~خضرتها ولا كثرة ماء الشجرة / تغير ضوء النار فسمع تسبيح الملائكة ورأى ~~نورا عظيما ، قال وهب : فظن موسى عليه السلام أنها نار أوقدت فأخذ من دقاق ~~الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده فتأخر عنها وهابها ثم لم تزل ~~تطمعه ويطمع فيها ثم لم يكن أسرع من خمودها فكأنها لم تكن ثم رمى موسى ~~بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء . وإذا نور بين السماء والأرض ~~له شعاع تكل عنه الأبصار فلما رأى موسى ذلك وضع يده على عينيه فنودي يا ~~موسى قال القاضي الذي يروى من أن الزند ما كان يورى فهذا جائز وأما الذين ~~يروى من أن النار كانت تتأخر عنه فإن كانت النبوة قد تقدمت له جاز ذلك وإلا ~~فهو ممتنع إلا أن يكون معجزة لغيره من الأنبياء عليهم السلام وفي قوله : { ~~وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى } ( طه : 13 ) دلالة على أن هذه الحالة ~~PageV22P014 أوحى الله إليه وجعله نبيا ، وعلى هذا الوجه يبعد ما ذكروه من ~~تأخر النار عنه وبين فساد ذلك قوله تعالى : { فلما أتاها نودى ياموسى * ~~موسى } وإن كانت تتأخر عنه حالا بعد حال لما صح ذلك ولما بقي لفاء التعقيب ~~فائدة قلنا : القاضي إنما بنى هذا الاعتراض على مذهبه في أن الإرهاص غير ~~جائز وذلك عندنا باطل فبطل قوله وأما التمسك بفاء التعقيب فقريب لأن تخلل ~~الزمان القليل فيما بين المجيء والنداء لا يقدح في فاء التعقيب . # المسألة الرابعة : قرأ أبو عمرو وابن كثير ( أنى ) بالفتح أي نودي بأني ~~أنا ربك والباقون بالكسر أي نودي فقيل : يا موسى أو لأن النداء ضرب من ms6147 ~~القول فعومل معاملته . # المسألة الخامسة : قال الأشعري إن الله تعالى أسمعه الكلام القديم الذي ~~ليس بحرف ولا صوت ، وأما المعتزلة فإنهم أنكروا وجود ذلك الكلام فقالوا : ~~إنه سبحانه خلق ذلك النداء في جسم من الأجسام كالشجرة أو غيرها لأن النداء ~~كلام الله تعالى والله قادر عليه ومتى شاء فعله ، وأما أهل السنة من أهل ما ~~وراء النهر فقد أثبتوا الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى ~~عليه السلام صوت خلقه الله تعالى في الشجرة واحتجوا بالآية على أن المسموع ~~هو الصوت المحدث قالوا : إنه تعالى رتب النداء على أنه أتى النار والمرتب ~~على المحدث محدث فالنداء محدث . # المسألة السادسة : اختلفوا في أن موسى عليه السلام كيف عرف أن المنادي هو ~~الله تعالى فقال أصحابنا : يجوز أن يخلق الله تعالى له علما ضروريا بذلك ~~ويجوز أن يعرفه بالمعجزة / قالت المعتزلة : أما العلم الضروري فغير جائز ~~لأنه لو حصل العلم الضروري بكون هذا النداء كلام الله تعالى لحصل العلم ~~الضروري بوجود الصانع العالم القادر لاستحالة أن تكون الصفة معلومة ~~بالضرورة والذات تكون معلومة بالاستدلال ولو كان وجود الصانع تعالى معلوما ~~له بالضرورة لخرج موسى عن كونه مكلفا لأن حصول العلم الضروري ينافي التكليف ~~، وبالإتفاق لم يخرج موسى عن التكليف فعلمنا أن الله تعالى عرفه ذلك ~~بالمعجز ثم اختلفوا في ذلك المعجز على وجوه . أولها : منهم من قال نعلم ~~قطعا أن الله تعالى عرفه ذلك بواسطة المعجز ولا حاجة بنا إلى أن نعرف ذلك ~~المعجز ما هو . وثانيها : يروى أن موسى عليه السلام لما شاهد النور الساطع ~~من الشجرة إلى السماء وسمع تسبيح الملائكة / وضع يديه على عينيه فنودي يا ~~موسى ؟ فقال : لبيك إني أسمع صوتك ولا أراك فأين أنت ؟ قال : أنا معك ~~وأمامك وخلفك ومحيط بك وأقرب إليك منك . ثم إن إبليس أخطر بباله هذا الشك ~~وقال : ما يدريك أنك تسمع كلام الله ؟ فقال : لأني أسمعه من فوقي ومن تحتي ~~ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي كما أسمعه من قدامي ms6148 ، فعلمت أنه ليس بكلام ~~المخلوقين . ومعنى إطلاقه هذه الجهات أنى أسمعه بجميع أجزائي وأبعاضي حتى ~~كأن كل جارحة مني صارت أذنا . وثالثها : لعله سمع النداء من جماد كالحصى ~~وغيرها فيكون ذلك معجزا . ورابعها : أنه رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث ~~أن تلك الخضرة ما كانت تطفىء تلك النار وتلك النار ما كانت تضر تلك الخضرة ~~، وهذا لا يقدر عليه أحد إلا الله سبحانه . # المسألة السابعة : قالوا : إن تكرير الضمير في { إنى أنا ربك } كان ~~لتوليد الدلالة وإزالة الشبهة . # المسألة الثامنة : ذكروا في قوله : { فاخلع نعليك } وجوها . أحدها : ~~كانتا من جلد حمار ميت فلذلك أمر بخلعهما صيانة للوادي المقدس ولذلك قال ~~عقيبه : { إنك * إذ ناداه ربه } وهذا قول علي عليه السلام PageV22P015 وقول ~~مقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي . والثاني : إنما أمر بخلعهما لينال ~~قدميه بركة الوادي وهذا قول الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد . وثالثها : أن ~~يحمل ذلك على تعظيم البقعة من أن يطأها إلا حافيا ليكون معظما لها وخاضعا ~~عند سماع كلام ربه ، والدليل عليه أنه تعالى قال عقيبه : { إنك * إذ ناداه ~~ربه } وهذا يفيد التعليل فكأنه قال تعالى : اخلع نعليك لأنك بالوادي المقدس ~~طوى . وأما أهل الإشارة فقد ذكروا فيها وجوها : أحدها : أن النعل في النوم ~~يفسر بالزوجة والولد فقوله : { فاخلع نعليك } إشارة إلى أن لا يلفت خاطره ~~إلى الزوجة والولد وأن لا يبقى مشغول القلب بأمرهما . وثانيها : المراد ~~بخلع النعلين ترك الالتفات إلى الدنيا والآخرة كأنه أمره بأن يصير مستغرق ~~القلب بالكلية في معرفة الله تعالى ولا يلتفت بخاطره إلى ما سوى الله تعالى ~~والمراد من الوادي المقدس قدس جلال الله تعالى وطهارة عزته يعني أنك لما ~~وصلت إلى بحر المعرفة فلا تلتفت إلى المخلوقات . وثالثها : أن الإنسان حال ~~الاستدلال على الصانع لا يمكنه أن يتوصل إليه إلا بمقدمتين مثل أن يقول ~~العالم المحسوس محدث أو ممكن وكل ما كان كذلك فله مدبر ومؤثر وصانع وهاتان ~~المقدمتان تشبهان النعلين لأن بهما يتوصل العقل إلى المقصود ويتنقل من ~~النظر في الخلق ms6149 إلى معرفة الخالق ثم بعد الوصول إلى معرفة الخالق وجب أن لا ~~يبقى ملتفتا إلى تينك المقدمتين لأن بقدر الاشتغال بالغير يبقى محروما عن ~~الاستغراق فيه فكأنه قيل له لا تكن مشتغل القلب والخاطر بتينك المقدمتين ~~فإنك وصلت إلى الوادي المقدس الذي هو بحر معرفة الله تعالى ولجة ألوهيته . # المسألة التاسعة : استدلت المعتزلة بقوله : { فاخلع نعليك } على أن كلام ~~الله تعالى ليس بقديم إذ لو كان قديما لكان الله قائلا قبل وجود موسى اخلع ~~نعليك يا موسى ومعلوم أن ذلك سفه فإن / الرجل في الدار الخالية إذا قال : ~~يا زيد افعل ويا عمرو لا تفعل مع أن زيدا وعمرا لا يكونان حاضرين بعد ذلك ~~جنونا وسفها فكيف يليق ذلك بالإله سبحانه وتعالى وأجاب أصحابنا عنه من ~~وجهين : الأول : أن كلامه تعالى وإن كان قديما إلا أنه في الأزل لم يكن ~~أمرا ولا نهيا . والثاني : أنه كان أمرا بمعنى أنه وجد في الأزل شيء لما ~~استمر إلى ما لا يزال صار الشخص به مأمورا من غير وقوع التغير في ذلك الشيء ~~كما أن القدرة تقتضي صحة الفعل ثم إنها كانت موجودة في الأزل من غير هذه ~~الصحة فلما استمرت إلى ما لا يزال حصلت الصحة كذا ههنا وهذا الكلام فيه ~~غموض وبحث دقيق . # المسألة العاشرة : ليس في الآية دلالة على كراهة الصلاة والطواف في النعل ~~والصحيح عدم الكراهة وذلك لأنا إن عللنا الأمر بخلع النعلين بتعظيم الوادي ~~وتعظيم كلام الله كان الأمر مقصورا على تلك الصورة ، وإن عللناه بأن ~~النعلين كانا من جلد حمار ميت فجائز أن يكون قد كان محظورا لبس جلد الحمار ~~الميت وإن كان مدبوغا فإن كان كذلك فهو منسوخ بقوله عليه السلام : ( أيما ~~إيهاب دبغ فقد طهر ) وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه ثم خلعهما ~~في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما سلم قال : ( ما لكم خلعتم نعالكم ) قالوا ~~: خلعت فخلعنا قال : ( فإن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا ) فلم يكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms6150 الصلاة في النعل وأنكر على الخالعين خلعهما وأخبرهم ~~بأنه إنما خلعهما لما فيهما من القذر . # المسألة الحادية عشر : قرىء طوى بالضم والكسر منصرفا وغير منصرف فمن نونه ~~فهو اسم الوادي ومن لم ينونه ترك صرفه لأنه معدول عن طاوي فهو مثل عمر ~~المعدول عن عامر ويجوز أن يكون اسما للبقعة . PageV22P016 # المسألة الثانية عشرة : في طوى وجوه : الأول : أنه اسم للوادي وهو قول ~~عكرمة وابن زيد . والثاني : معناه مرتين نحو مثنى أي قدس الوادي مرتين أو ~~نودي موسى عليه السلام نداءين يقال ناديته طوى أي مثنى . والثالث : طوى أي ~~طيا قال ابن عباس رضي الله عنهما إنه مر بذلك الوادي ليلا فطواه فكان ~~المعنى بالوادي المقدس الذي طويته طيا أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه ومن ~~ذهب إلى هذا قال طوى مصدر خرج عن لفظه كأنه قال : طويته طوى كما يقال هدى ~~يهدي هدي والله أعلم . # ! 7 < { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى* إننىأنا الله لاإلاه إلاأنا ~~فاعبدنى وأقم الصلواة لذكرى} > 7 ! # < < # | طه : ( 13 - 14 ) وأنا اخترتك فاستمع . . . . . # > > قرأ حمزة : ( وإنا اخترناك ) وقرأ أبي بن كعب : ( وإني اخترتك ) ههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : معناه اخترتك للرسالة وللكلام الذي خصصتك به ، وهذه ~~الآية تدل على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق لأن قوله : { وأنا اخترتك } ~~يدل على أن ذلك المنصب العلي إنما حصل لأن الله تعالى اختاره له ابتداء لا ~~أنه استحقه على الله تعالى . # المسألة الثانية : قوله : { فاستمع لما يوحى } فيه نهاية الهيبة والجلالة ~~فكأنه قال : لقد جاءك أمر عظيم هائل فتأهب له واجعل كل عقلك وخاطرك مصروفا ~~إليه فقوله : { وأنا اخترتك } يفيد نهاية اللطف والرحمة وقوله : { فاستمع } ~~يفيد نهاية الهيبة فيحصل له من الأول نهاية الرجاء ومن الثاني نهاية الخوف ~~. # المسألة الثالثة : قوله : { إننى أنا الله لا إلاه إلا أنا فاعبدنى } يدل ~~على أن علم الأصول مقدم على علم الفروع لأن التوحيد في علم الأصول والعبادة ~~من علم الفروع وأيضا الفاء في قوله : { فاعبدنى } تدل على أن عبادته إنما ~~لزمت لإلهيته وهذا هو ms6151 تحقيق العلماء أن الله هو المستحق للعبادة . # المسألة الرابعة : أنه سبحانه بعد أن أمره بالتوحيد ، أولا ثم بالعبادة ~~ثانيا ، أمره بالصلاة ثالثا احتج أصحابنا بهذه الآية على أن تأخير البيان ~~عن وقت الحاجة جائز من وجهين : الأول : أنه أمره بالعبادة ولم يذكر كيفية ~~تلك العبادة فثبت أنه يجوز ورود المجمل منفكا عن البيان . الثاني : أنه قال ~~: { إننى أنا الله } ولم يبين كيفية الصلاة قال : القاضي لا يمتنع أن موسى ~~عليه السلام قد عرف الصلاة التي تعبد الله تعالى بها شعيبا عليه السلام ~~وغيره من الأنبياء فصار الخطاب متوجها إلى ذلك ويحتمل أنه تعالى بين له في ~~الحال وأن كان المنقول في القرآن لم يذكر فيه إلا هذا القدر . والجواب : ~~أما العذر الأول فإنه لا يتوجه في قوله تعالى : { فاعبدنى } وأيضا فحمل مثل ~~هذا الخطاب العظيم على فائدة جديدة أولى من حمله على أمر معلوم لأن موسى ~~عليه السلام ما كان يشك في وجوب الصلاة التي جاء بها شعيب عليه السلام فلو ~~حملنا قوله : { اتل ما } على ذلك لم يحصل من هذا الخطاب العظيم فائدة زائدة ~~، أما لو حملناه على صلاة أخرى لحصلت الفائدة الزائدة ، قوله : لعل الله ~~تعالى بينه في ذلك الموضع وإن لم يحكه في القرآن قلنا لا نشك أن البيان ~~أكثر فائدة من المجمل فلو كان مذكورا لكان أولى بالحكاية . PageV22P017 # المسألة الخامسة : في قوله : { لذكرى } وجوه : أحدها : لذكري يعني ~~لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلي لي . وثانيها : لتذكرني فيها لاشتمال ~~الصلاة على الأذكار عن مجاهد . وثالثها : لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها . ~~ورابعها : لأن أذكرك بالمدح والثناء واجعل لك لسان صدق . وخامسها : لذكري ~~خاصة لا تشوبه بذكر غيري . وسادسها : لإخلاص ذكري وطلب وجهي لا ترائي بها ~~ولا تقصد بها غرضا آخر . وسابعها : لتكون لي ذاكرا غير ناس فعل المخلصين في ~~جعلهم ذكر ربهم على بال منهم كما قال تعالى : { لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله } ( النور : 37 ) / وثامنها : لأوقات ذكرى وهي مواقيت الصلاة ~~لقوله تعالى : { فإذا ms6152 قضيتم الصلواة فاذكروا الله قياما وقعودا } ( النساء ~~: 103 ) . وتاسعها : { أقم الصلواة } حين تذكرها أي أنك إذا نسيت صلاة ~~فاقضها إذا ذكرتها . روى قتادة عن أنس رضي الله عنهما قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ( من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ~~ذلك ) ثم قرأ : { إننى أنا الله } قال الخطابي يحتمل هذا الحديث وجهين . ~~أحدهما : أنه لا يكفرها غير قضائها والآخر أنه لا يلزم في نسيانها غرامة ~~ولا كفارة كما تلزم الكفارة في ترك صوم رمضان من غير عذر وكما يلزم المحرم ~~إذا ترك شيئا من نسكه فدية من إطعام أو دم . وإنما يصلي ما ترك فقط فإن قيل ~~حق العبارة أن يقول أقم الصلاة لذكرها كما قال عليه السلام : ( فليصلها إذا ~~ذكرها ) قلنا قوله : { لذكرى } معناه للذكر الحاصل بخلقي أو بتقدير حذف ~~المضاف أي لذكر صلاتي . # المسألة السادسة : لو فاتته صلوات يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء فلو ~~ترك الترتيب في قضائها جاز عند الشافعي رحمه الله ولو دخل عليه وقت فريضة ~~وتذكر فائتة نظر إن كان في الوقت سعة استحب أن يبدأ بالفائتة ولو بدأ بصلاة ~~الوقت جاز وإن ضاق الوقت بحيث لو بدأ بالفائتة فات الوقت يجب أن يبدأ بصلاة ~~الوقت حتى لا تفوت ولو تذكر الفائتة بعدما شرع في صلاة الوقت أتمها ثم قضى ~~الفائتة ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها ولا يجب وقال أبو حنيفة رحمه الله ~~يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم تزد على صلاة يوم وليلة حتى قال : لو ~~تذكر في خلال صلاة الوقت فائتة تركها اليوم يبطل فرض الوقت فيقضي الفائتة ~~ثم يعيد صلاة الوقت إلا أن يكون الوقت ضيقا فلا تبطل حجة أبي حنيفة رحمه ~~الله الآية والخبر والأثر والقياس ، أما الآية فقوله تعالى : { أقم الصلواة ~~* لذكرى } أي لتذكرها واللام بمعنى عند كقوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس ~~} ( الإسراء : 78 ) أي عند دلوكها فمعنى الآية أقم الصلاة المتذكرة عند ~~تذكرها وذلك يقتضي رعاية الترتيب وأما الخبر فقوله ms6153 عليه السلام : ( من نسي ~~صلاة فليصلها إذا ذكرها ) والفاء للتعقيب وأيضا روى جابر بن عبد الله قال : ~~( جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~الخندق فجعل يسب كفار قريش ويقول يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت ~~تغيب الشمس قال النبي صلى الله عليه وسلم وأنا والله ما صليتها بعد قال ~~فنزل إلى البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها وهذا ~~الحديث مذكور في ( الصحيحين ) قالت الحنفية والاستدلال به من وجهين : ~~أحدهما : أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) فلما ~~صلى الفوائت على الولاء وجب علينا ذلك . والثاني : إن فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا خرج مخرج البيان للمجمل كان حجة وهذا الفعل خرج بيانا لمجمل ~~قوله تعالى : { وأن أقيموا } ( النور : 56 ) ولهذا قلنا إن الفوائت إذا ~~كانت في حد القلة يجب مراعاة الترتيب فيها وإذا دخلت في حد الكثرة يسقط ~~الترتيب وأما الأثر فما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : ( من ~~فاتته صلاة فلم يذكرها إلا في صلاة الإمام فليمض في صلاته فإذا قضى صلاته ~~مع الإمام / يصلي ما فاته ثم ليعد التي صلاها مع الإمام ) وقد يروى هذا ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما القياس فهو أنهما PageV22P018 ~~صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة ~~والمزدلفة فلما لم يجب إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون حكم الفوائت فيما ~~دون اليوم والليلة كذلك حجة الشافعي رحمه الله أنه روى في حديث أبي قتادة : ~~( أنهم لما ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس أمرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها ) ولو كان وقت التذكر معينا ~~للصلاة لما جاز ذلك فعلمنا أن ذلك الوقت وقت لتقرر الوجوب عليه لكن لا على ~~سبيل التضييق بل على سبيل التوسع إذا ثبت هذا فنقول إيجاب قضاء الفوائت ~~وإيجاب أداء فرض الوقت الحاضر يجري مجرى ms6154 التخيير بين الواجبين فوجب أن يكون ~~المكلف مخيرا في تقديم أيهما شاء ولأنه لو كان الترتيب في الفوائت شرطا لما ~~سقط بالنسيان ألا ترى أنه إذا صلى الظهر والعصر بعرفة في يوم غيم ثم تبين ~~أنه صلى الظهر قبل الزوال والعصر بعد الزوال فإنه يعيدهما جميعا ولم يسقط ~~الترتيب بالنسيان لما كان شرطا فيهما فههنا أيضا لو كان شرطا فيهما لما كان ~~يسقط بالنسيان . # ! 7 < { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك ~~عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى } > 7 ! # < < # | طه : ( 15 - 16 ) إن الساعة آتية . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما خاطب موسى عليه السلام بقوله : { إننى أنا الله ~~لا } ( طه : 14 ) أتبعه بقوله : { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها } وما أليق ~~هذا بتأويل من تأول قوله { لذكرى } أي لأذكرك بالأمانة والكرامة فقال عقيب ~~ذلك : { إن الساعة ءاتية } لأنها وقت الإثابة ووقت المجازاة ثم قال : { ~~أكاد أخفيها } وفيه سؤالان : # السؤال الأول : هو أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي بدليل قوله : { وما ~~كادوا يفعلون } ( البقرة : 71 ) أي وفعلوا ذلك فقوله : { أكاد أخفيها } ~~يقتضي أنه ما أخفاها وذلك باطل لوجهين ، أحدهما : قوله : { إن الله عنده ~~علم الساعة } ( لقمان : 34 ) . والثاني : أن قوله : { لتجرى * كل نفس بما ~~تسعى } إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار . والجواب : من وجوه ، أحدها : أن ~~كاد موضوع للمقاربة فقط من غير بيان النفي والإثبات فقوله : { أكاد أخفيها ~~} معناه قرب الأمر فيه من الإخفاء وأما أنه هل حصل ذلك الإخفاء أو ما حصل ~~فذلك غير مستفاد من اللفظ بل من قرينة قوله : { لتجزى كل نفس بما تسعى } ~~فإن ذلك إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار . وثانيها : أن كاد من الله واجب ~~فمعنى قوله : { أكاد أخفيها } أي أنا أخفيها / عن الخلق كقوله : { عسى أن ~~يكون قريبا } ( الإسراء : 51 ) أي هو قريب قاله الحسن . وثالثها : قال أبو ~~مسلم : { أكاد } بمعنى أريد وهو كقوله : { كذالك كدنا ليوسف } ( يوسف : 76 ~~) ومن أمثالهم المتداولة لا أفعل ذلك ولا أكاد أي ولا أريد أن ms6155 أفعله . ~~ورابعها : معناه : { أكاد أخفيها } من نفسي وقيل إنها كذلك في مصحف أبي وفي ~~حرف ابن مسعود : { أكاد أخفيها } من نفسي فكيف أعلنها لكم قال القاضي هذا ~~بعيد لأن الإخفاء إنما يصح فيمن يصلح له الإظهار وذلك مستحيل على الله ~~تعالى لأن كل معلوم معلوم له فالإظهار والإسرار منه مستحيل ، ويمكن أن يجاب ~~عنه بأن ذلك واقع على التقدير يعني لو صح مني إخفاؤه على نفسي لأخفيته عني ~~والإخفاء وإن كان محالا في نفسه إلا أنه لا يمتنع أن يذكر ذلك على هذا ~~التقدير مبالغة في عدم PageV22P019 إطلاع الغير عليه ، قال قطرب : هذا على ~~عادة العرب في مخاطبة بعضهم بعضا يقولون : إذا بالغوا في كتمان الشيء كتمته ~~حتى من نفسي فالله تعالى بالغ في إخفاء الساعة فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب ~~في مثله . وخامسها : { أكاد } صلة في الكلام والمعنى : إن الساعة آتية ~~أخفيها ، قال زيد الخيل : # % سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه % % فما إن يكاد قرنه يتنفس % # والمعنى فما يتنفس قرنه . وسادسها : قال أبو الفتح الموصلي { أكاد أخفيها ~~} تأويله أكاد أظهرها وتلخيص هذا اللفظ أكاد أزيل عنها إخفاءها لأن أفعل قد ~~يأتي بمعنى السلب والنفي كقولك أعجمت الكتاب وأشكلته أي أزلت عجمته وإشكاله ~~وأشكيته أي أزلت شكواه . وسابعها : قرىء أخفيها بفتح الألف أي أكاد أظهرها ~~من خفاه إذا أظهره أي قرب إظهاره كقوله ) { اقتربت الساعة } ( القمر : 1 ) ~~قال امرؤ القيس : # % فإن تدفنوا الداء لا نخفه % % وإن تمنعوا الحرب لا نقعد % # معنى هذاأي لا نظهره قال الزجاج وهذه القراءة أبين لأن معنى أكاد أظهرها ~~يفيد أنه قد أخفاها . وثامنها : أراد أن الساعة آتية أكاد وانقطع الكلام ثم ~~قال أخفيها ثم رجع الكلام الأول إلى أن الأولى الإخفاء : { لتجزى كل نفس ~~بما تسعى } وهذا الوجه بعيد والله أعلم . السؤال الثاني : ما الحكمة في ~~إخفاء الساعة وإخفاء وقت الموت ؟ الجواب : لأن الله تعالى وعد قبول التوبة ~~فلو عرف وقت الموت لاشتغل بالمعصية إلى قريب من ذلك الوقت ثم يتوب فيتخلص ~~من عقاب المعصية فتعريف ms6156 وقت الموت كالإغراء بفعل المعصية ، وإنه لا يجوز . ~~أما قوله : { لتجزى كل نفس بما تسعى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما حكم بمجيء يوم القيامة ذكر الدليل عليه ~~وهو أنه لولا القيامة لما تميز المطيع عن العاصي والمحسن عن المسيء وذلك ~~غير جائز وهو الذي عناه الله تعالى بقوله : { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين فى الارض أم نجعل المتقين كالفجار } ( ص : 28 ) . # المسألة الثانية : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الثواب مستحق على ~~العمل لأن الباء للالصاق فقوله : { بما تسعى } يدل على أن المؤثر في ذلك ~~الجزاء هو ذلك السعي . # / المسألة الثالثة : احتجوا بها على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى ~~وذلك لأن الآية صريحة في إثبات سعي العبد ولو كان الكل مخلوقا لله تعالى لم ~~يكن للعبد سعي ألبتة أما قوله : { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها } فالصد ~~المنع وههنا مسائل : # المسألة الأولى : في هذين الضميرين وجهان . أحدهما : قال أبو مسلم لا ~~يصدنك عنها أي عن الصلاة التي أمرتك بها من لا يؤمن بها أي بالساعة فالضمير ~~الأول عائد إلى الصلاة والثاني إلى الساعة ومثل هذا جائز في اللغة فالعرب ~~تلف الخبرين ثم ترمي بجوابهما جملة ليرد السامع إلى كل خبر حقه . وثانيهما ~~: قال ابن عباس فلا يصدنك عن الساعة أي عن الإيمان بمجيئها من لا يؤمن بها ~~فالضميران عائدان إلى يوم القيامة . قال القاضي : وهذا أولى لأن الضمير يجب ~~عوده إلى أقرب المذكورين وههنا الأقرب هو الساعة وما قاله أبو مسلم فإنما ~~يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة ههنا . # المسألة الثانية : الخطاب في قوله : { فلا يصدنك } يحتمل أن يكون مع موسى ~~عليه السلام وأن يكون مع PageV22P020 محمد صلى الله عليه وسلم والأقرب أنه ~~مع موسى لأن الكلام أجمع خطاب له وعلى كلا الوجهين فلا معنى لقول الزجاج ~~إنه ليس بمراد وإنما أريد به غيره وذلك لأنه ظن أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما لم يجز عليه مع النبوة أن يصده أحد عن ms6157 الإيمان بالساعة لم يجز أن ~~يكون مخاطبا بذلك وليس الأمر كما ظن ، لأنه إذا كان مكلفا بأن لا يقبل ~~الكفر بالساعة من أحد وكان قادرا على ذلك جاز أن يخاطب به ويكون المراد هو ~~وغيره ، ويحتمل أيضا أن يكون المراد بقوله : { فلا يصدنك عنها } النهي له ~~عن الميل إليهم ومقاربتهم . # المسألة الثالثة : المقصود نهي موسى عليه السلام عن التكذيب بالبعث ولكن ~~ظاهر اللفظ يقتضي نهي من لم يؤمن عن صد موسى عليه السلام وفيه وجهان ، ~~أحدهما : أن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على ~~المسبب . والثاني : أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين فذكر المسبب ~~ليدل حمله على السبب كقوله : لا أرينك ههنا المراد نهيه عن مشاهدته والكون ~~بحضرته ، فكذا ههنا كأنه قيل : لا تكن رخوا بل كن في الدين شديدا صلبا . # المسألة الرابعة : الآية تدل على أن تعلم علم الأصول واجب لأن قوله : { ~~فلا يصدنك } يرجع معناه إلى صلابته في الدين وتلك الصلابة إن كان المراد ~~بها التقليد لم يتميز المبطل فيه من المحق فلا بد وأن يكون المراد بهذه ~~الصلابة كونه قويا في تقرير الدلائل وإزالة الشبهات حتى لا يتمكن الخصم من ~~إزالته عن الدين بل هو يكون متمكنا من إزالة المبطل عن بطلانه . # المسألة الخامسة : قال القاضي قوله : { فلا يصدنك } يدل على أن العباد هم ~~الذين يصدون ولو كان تعالى هو الخالق لأفعالهم لكان هو الصاد دونهم فدل ذلك ~~على بطلان القول بالجبر ، والجواب : المعارضة بمسألة العلم والداعي والله ~~أعلم ، أما قوله تعالى : { واتبع هواه } فالمعنى أن منكر / البعث إنما ~~أنكره اتباعا للهوى لا لدليل وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد لأن ~~المقلد متبع للهوى لا الحجة أما قوله : { فتردى } فهو بمعنى ولا يصدنك ~~فتردى وإن صدوك وقبلت فليس إلا الهلاك بالنار . واعلم أن المتوغلين في ~~أسرار المعرفة قالوا : المقام مقامان . أحدهما : مقام المحو والفناء عما ~~سوى الله تعالى . والثاني : مقام البقاء بالله والأول مقدم على الثاني لأن ~~من أراد ms6158 أن يكتب شيئا في لوح مشغول بكتابة أخرى فلا سبيل له إليه إلا ~~بإزالة الكتابة الأولى ثم بعد ذلك يمكن إثبات الكتابة الثانية والحق سبحانه ~~راعى هذا الترتيب الحسن في هذا الباب لأنه قال لموسى عليه السلام اولا : { ~~فاخلع نعليك } وهو إشارة إلى تطهير السر عما سوى الله تعالى ثم بعد ذلك ~~أمره بتحصيل ما يجب تحصيله وأصول هذا الباب ترجع إلى ثلاثة : علم المبدأ ~~وعلم الوسط وعلم المعاد ، فعلم المبدأ هو معرفة الحق سبحانه وتعالى وهو ~~المراد بقوله : { إننى أنا الله لا إلاه إلا أنا } ( طه : 14 ) وأما علم ~~الوسط فهو علم العبودية ومعناها الأمر الذي يجب أن يشتغل الإنسان به في هذه ~~الحياة الجسمانية وهو المراد بقوله : { إننى أنا الله لا } ( طه : 14 ) ثم ~~في هذا أيضا تعثر لأن قوله : { فاعبدنى } إشارة إلى الأعمال الجسمانية ~~وقوله : { لذكرى } إشارة إلى الأعمال الروحانية والعبودية أولها الأعمال ~~الجسمانية وآخرها الأعمال الروحانية وأما علم المعاد فهو قوله : { إن ~~الساعة ءاتية أكاد أخفيها } ثم إنه تعالى افتتح هذه التكاليف بمحض اللطف ~~وهو قوله : { إنى أنا ربك } ( طه : 12 ) واختتمها بمحض القهر وهو قوله : { ~~فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى } تنبيها على أن رحمته ~~سبقت غضبه وإشارة إلى أن العبد لا بد له في العبودية من الرغبة والرهبة ~~والرجاء والخوف ، وعند الوقوف على هذه الجملة تعرف أن هذا الترتيب هو ~~النهاية في الحسن والجودة وأن ذلك لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات . # PageV22P021 ! 7 < { وما تلك بيمينك ياموسى * قال هى عصاى أتوكؤا عليها ~~وأهش بها على غنمى ولى فيها مأرب أخرى * قال ألقها ياموسى * فألقاها فإذا ~~هى حية تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الا ولى } > 7 ! # < < # | طه : ( 17 - 21 ) وما تلك بيمينك . . . . . # > > اعلم أن قوله : { وما تلك بيمينك } لفظتان ، فقوله : { وما تلك } ~~إشارة إلى العصا ، وقوله : { بيمينك } إشارة إلى اليد ، وفي هذا نكت ، ~~إحداها : أنه سبحانه لما أشار إليهما جعل كل واحدة منهما معجزا قاهرا ~~وبرهانا باهرا ، ونقله ms6159 من حد الجمادية إلى مقام الكرامة ، فإذا صار / ~~الجماد بالنظر الواحد حيوانا ، وصار الجسم الكثيف نورانيا لطيفا ، ثم إنه ~~تعالى ينظر كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد ، فأي عجب لو انقلب ~~قلبه من موت العصيان إلى سعادة الطاعة ونور المعرفة . وثانيها : أن بالنظر ~~الواحد صار الجماد ثعبانا يبتلع سحر السحرة ، فأي عجب لو صار القلب بمدد ~~النظر الإلهي بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء . وثالثها : كانت العصا ~~في يمين موسى عليه السلام فبسبب بركة يمينه انقلبت ثعبانا وبرهانا ، وقلب ~~المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن فإذا حصلت ليمين موسى عليه السلام هذه ~~الكرامة والبركة ، فأي عجب لو انقلب قلب المؤمن بسبب إصبعي الرحمن من ظلمة ~~المعصية إلى نور العبودية ، ثم ههنا سؤالات : الأول : قوله : { وما تلك ~~بيمينك ياموسى * موسى } سؤال ، والسؤال إنما يكون لطلب العلم وهو على الله ~~تعالى محال فما الفائدة فيه . والجواب فيه فوائد : إحداها : أن من أراد أن ~~يظهر من الشيء الحقير شيئا شريفا فإنه يأخذه ويعرضه على الحاضرين ويقول لهم ~~: هذا ما هو ؟ فيقولون هذا هو الشيء الفلاني ثم إنه بعد إظهار صفته الفائقة ~~فيه يقول لهم خذا منه كذا وكذا . فالله تعالى لما أراد أن يظهر من العصا ~~تلك الآيات الشريفة كانقلابها حية ، وكضربه البحر حتى انفلق ، وفي الحجر ~~حتى انفجر منه الماء ، عرضه أولا على موسى فكأنه قال له : يا موسى هل تعرف ~~حقيقة هذا الذي بيدك وأنه خشبة لا تضر ولا تنفع ، ثم إنه قلبه ثعبانا عظيما ~~، فيكون بهذا الطريق قد نبه العقول على كمال قدرته ونهاية عظمته من حيث إنه ~~أظهر هذه الآيات العظيمة من أهون الأشياء عنده فهذا هو الفائدة من قوله : { ~~وما تلك بيمينك ياموسى * موسى } . وثانيها : أنه سبحانه لما أطلعه على تلك ~~الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه ~~كلام نفسه ، ثم إنه مزج اللطف بالقهر فلاطفه أولا بقوله : { وأنا اخترتك } ~~ثم قهره بإيراد التكاليف الشاقة عليه وإلزامه علم المبدأ والوسط والمعاد ثم ms6160 ~~ختم كل ذلك بالتهديد العظيم ، تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من ~~الشمال فقيل له : { وما تلك بيمينك ياموسى * موسى } ليعرف موسى عليه السلام ~~أن يمينه هي التي فيها العصا ، أو لأنه لما تكلم معه أولا بكلام الإلهية ~~وتحير موسى من الدهشة تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة ، ~~والنكتة فيه أنه لما غلبت الدهشة على موسى في الحضرة أراد رب العزة إزالتها ~~فسأله عن العصا وهو لا يقع الغلط فيه . كذلك المؤمن إذا مات ووصل إلى حضرة ~~ذي الجلال فالدهشة تغلبه والحياء يمنعه عن الكلام فيسألونه عن الأمر الذي ~~لم يغلط فيه في الدنيا وهو التوحيد ، فإذا ذكره زالت الدهشة والوحشة عنه . ~~وثالثها : أنه تعالى لما عرف موسى كمال الإلهية PageV22P022 أراد أن يعرفه ~~نقصان البشرية ، فسأله عن منافع العصا فذكر بعضها فعرفه الله تعالى أن فيها ~~منافع أعظم مما ذكر / تنبيها على أن العقول قاصرة عن معرفة صفات النبي ~~الحاضر فلولا التوفيق والعصمة كيف يمكنهم الوصول إلى معرفة أجل الأشياء ~~وأعظمها . ورابعها : فائدة هذا السؤال أن يقرر عنده أنه خشبة حتى إذا قلبها ~~ثعبانا لا يخافها . السؤال الثاني : قوله : { وما تلك بيمينك ياموسى * موسى ~~} خطاب من الله تعالى مع موسى عليه السلام بلا واسطة ، ولم يحصل ذلك لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فيلزم أن يكون موسى أفضل من محمد . الجواب من وجهين : ~~الأول : أنه تعالى كما خاطب موسى فقد خاطب محمدا عليه السلام في قوله : { ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى } ( النجم : 10 ) إلا أن الفرق بينهما أن الذي ذكره ~~مع موسى عليه السلام أفشاه الله إلى الخلق ، والذي ذكره مع محمد صلى الله ~~عليه وسلم كان سرا لم يستأهل له أحد من الخلق . والثاني : إن كان موسى تكلم ~~معه وهو ( تكلم ) مع موسى فأمة محمد صلى الله عليه وسلم يخاطبون الله في كل ~~يوم مرات على ما قال صلى الله عليه وسلم : ( المصلي يناجي ربه ) والرب ~~يتكلم مع آحاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ms6161 بالتسليم والتكريم ~~والتكليم في قوله : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) . السؤال الثالث ~~: ما إعراب قوله : { وما تلك بيمينك ياموسى * موسى } الجواب ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) : ( تلك بيمينك ) كقوله : { وهاذا بعلى شيخا } ( هود : 72 ) في ~~انتصاب الحال بمعنى الإشارة ويجوز أن يكون تلك اسما موصولا وصلته { بيمينك ~~} قال الزجاج : معناه وما التي بيمينك ، قال الفراء : معناه ما هذه التي في ~~يمينك ، واعلم أنه سبحانه لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك أجاب موسى عليه ~~السلام بأربعة أشياء ، ثلاثة على التفصيل وواحد على الإجمال . الأول : قوله ~~: { هى عصاى } قرأ ابن أبي إسحاق : ( هي عصي ) ومثلها : ( يا بشرى ) قرأ ~~الحسن ( هي عصاي ) بسكون الياء والنكث ههنا ثلاثة . إحداها : أنه قال : { ~~هى عصاى } فذكر العصا ومن كان قلبه مشغولا بالعصا ومنافعها كيف يكون ~~مستغرقا في بحر معرفة الحق ولكن محمدا صلى الله عليه وسلم عرض عليه الجنة ~~والنار فلم يلتفت إلى شيء : { ما زاغ البصر وما طغى } ( النجم : 17 ) ولما ~~قيل له امدحنا ، قال : ( لا أحصي ثناء عليك ) ثم نسي نفسه ونسي ثناءه فقال ~~: ( أنت كما أثنيت على نفسك ) . وثانيها : لما قال : { عصاى } قال الله ~~سبحانه وتعالى : { ألقاها } ، فلما ألقاها { فإذا هى حية تسعى } ليعرف أن ~~كل ما سوى الله فالالتفات إليه شاغل وهو كالحية المهلكة لك . ولهذا قال ~~الخليل عليه السلام : { فإنهم عدو لى إلا رب العالمين } وفي الحديث : ( ~~يجاء يوم القيامة بصاحب المال الذي لم يؤد زكاته ويؤتي بذلك المال على صورة ~~شجاع أقرع ) الحديث بتمامه . وثالثها : أنه قال هي عصاي فقد تم الجواب ، ~~إلا أنه عليه السلام ذكر الوجوه الأخر لأنه كان يحب المكالمة مع ربه فجعل ~~ذلك كالوسيلة إلى تحصيل هذا الغرض . الثاني : قوله : { قال هى } والتوكي ، ~~والإتكاء ، واحد كالتوقي ، والإتقاء معناه اعتمد عليها إذا عييت أو وقفت ~~على رأس القطيع أو عند الطفرة فجعل موسى عليه السلام نفسه متوكئا على العصا ~~وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : ( اتكىء على رحمتي ) بقوله ~~تعالى : { حكيم ياأيها النبى حسبك ms6162 الله ومن اتبعك من المؤمنين } ( الأنفال ~~: 64 ) وقال : { والله يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) فإن قيل : أليس ~~قوله : { ومن اتبعك من المؤمنين } يقتضي كون محمد يتوكأ على المؤمنين ؟ ~~قلنا قوله : { ومن اتبعك من المؤمنين } معطوف على الكاف في قوله : { حسبك ~~الله } والمعنى الله حسبك ، وحسب من اتبعك من المؤمنين . الثالث : قوله : { ~~وأهش بها على غنمى } أي أخبط بها فأضرب أغصان الشجر ليسقط ورقها على غنمي ~~فتأكله . وقال أهل / اللغة : هش على غنمه ، يهش بضم الهاء في المستقبل ، ~~وهششت الرجل أهش بفتح الهاء في المستقبل ، وهش الرغيف يهش بكسر الهاء . ~~قاله ثعلب ، وقرأ PageV22P023 عكرمة : ( وأهس ) بالسين غير المنقوطة ، ~~والهش زجر الغنم ، واعلم أن غنمه رعيته فبدأ بمصالح نفسه في قوله : { قال ~~هى } ثم بمصالح رعيته في قوله : { وأهش بها على غنمى } فكذلك في القيامة ~~يبدأ بنفسه فيقول : نفسي نفسي ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يشتغل في الدنيا ~~إلا بإصلاح أمر الأمة : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ( الأنفال : 33 ~~) . ( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) فلا جرم يوم القيامة يبدأ أيضا ~~بأمته فيقول : ( أمتي أمتي ) . والرابع : قوله : { ولى فيها مأرب أخرى } أي ~~حوائج ومنافع واحدتها مأربة بفتح الراء وضمها ، وحكى ابن الأعرابي وقطرب ~~بكسر الراء أيضا ، والأرب بفتح الراء ، والإربة بكسر الألف وسكون الراء ~~الحاجة ، وإنما قال أخرى لأن المآرب في معنى جماعة فكأنه قال : جماعة من ~~الحاجات أخرى ولو جاءت أخر لكان صوابا كما قال : { فعدة من أيام أخر } ( ~~البقرة : 184 ) ثم ههنا نكت . إحداها : أنه لما سمع قول الله تعالى : { وما ~~تلك بيمينك } عرف أن لله فيه أسرارا عظيمة فذكر ما عرف وعبر عن البواقي ~~التي ما عرفها إجمالا لا تفصيلا بقوله : { ولى فيها مأرب أخرى } . وثانيها ~~: أن موسى عليه السلام أحس بأنه تعالى إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة ~~. فقال موسى : إلهي ما هذه العصا إلا كغيرها ، لكنك لما سألت عنها عرفت أن ~~لي فيها مآرب أخرى ومن جملتها أنك كلمتني بسببها فوجدت هذا الأمر العظيم ms6163 ~~الشريف بسببها . وثالثها : أن موسى عليه السلام أجمل رجاء أن يسأل ربه عن ~~تلك المآرب فيسمع كلام الله مرة أخرى ويطول أمر المكالمة بسبب ذلك . ~~ورابعها : أنه بسبب اللطف انطلق لسانه ثم غلبته الدهشة فانقطع لسانه وتشوش ~~فكره فأجمل مرة أخرى ، ثم قال وهب : كانت ذات شعبتين كالمحجن ، فإذا طال ~~الغصن حناه بالمحجن ، وإذا حاول كسره لواه بالشعبتين ، ( و ) إذا سار وضعها ~~على عاتقه يعلق فيها أدواته من القوس والكنانة والثياب ، وإذا كان في ~~البرية ركزها وألقى كساء عليها فكانت ظلا . وقيل : كان فيها من المعجزات ~~أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها دلوا ويصيران شمعتين في ~~الليالي ، وإذا ظهر عدو حاربت عنه . وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت . ~~وكان يحمل عليها زاده وماءه وكانت تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها ~~نصب وكانت تقيه الهوام . واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكر هذه الجوابات ~~أمره الله تعالى بإلقاء العصا فقال : { ألقها ياموسى * موسى } وفيه نكت ، ~~إحداها : أنه عليه السلام لما قال : { ولى فيها مأرب أخرى } أراد الله أن ~~يعرفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها ولا يعرفها وأنها أعظم من سائر مآربه ~~فقال : { ألقها ياموسى ياموسى * فألقاها فإذا هى حية تسعى } . وثانيتها : ~~كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا ، والرجل آلة الهرب واليد ~~آلة الطلب فقال أولا : { فاخلع نعليك } ( طه : 12 ) إشارة إلى ترك الهرب ، ~~ثم قال ألقها يا موسى وهو إشارة إلى ترك الطلب . كأنه سبحانه قال : إنك ما ~~دمت في مقام الهرب والطلب كنت مشتغلا بنفسك / وطالبا لحظك فلا تكون خالصا ~~لمعرفتي فكن تاركا للهرب والطلب لتكون خالصا لي . وثالثتها : أن موسى عليه ~~السلام مع علو درجته / وكمال منقبته لما وصل إلى الحضرة ولم يكن معه إلا ~~النعلان والعصا أمره بالقائهما حتى أمكنه الوصول إلى الحضرة فأنت مع ألف ~~وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابة . ورابعتها : أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم كان مجردا عن الكل ما زاغ البصر ms6164 فلا جرم وجد الكل ، لعمرك أما ~~موسى لما بقي معه تلك العصا لا جرم أمره بإلقاء العصا ، واعلم أن الكعبي ~~تمسك به في أن الاستطاعة قبل الفعل فقال : القدرة على إلقاء العصا ، إما أن ~~توجد والعصا في يده أو خارجة من يده فإن أتته القدرة وهي في يده فذاك قولنا ~~: { وأن الله ليس بظلام للعبيد } ( آل عمران : 182 ) وإذا أتته وليست في ~~يده وإنما استطاع أن يلقي من يده ما ليس في يده فذلك محال ، أما قوله : { ~~فألقاها فإذا هى حية تسعى } ففيه أسئلة : PageV22P024 السؤال الأول : ما ~~الحكمة في قلب العصا حية في ذلك الوقت ؟ الجواب فيه وجوه : أحدها : أنه ~~تعالى قلبها حية لتكون معجزة لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه وذلك ~~لأنه عليه السلام إلى هذا الوقت ما سمع إلا النداء ، والنداء وإن كان ~~مخالفا للعادات إلا أنه لم يكن معجزا لاحتمال أن يكون ذلك من عادات ~~الملائكة أو الجن فلا جرم قلب الله العصا حية ليصير ذلك دليلا قاهرا والعجب ~~أن موسى عليه السلام قال : أتوكأ عليها فصدقه الله تعالى فيه وجعلها متكأ ~~له بأن جعلها معجزة له . وثانيها : أن النداء كان إكراما له فقلب العصا حية ~~مزيدا في الكرامة ليكون توالي الخلع والكرامات سببا لزوال الوحشة عن قلبه . ~~وثالثها : أنه عرض عليه ليشاهده أولا فإذا شاهده عند فرعون لا يخافه . ~~ورابعها : أنه كان راعيا فقيرا ثم إنه نصب للمنصب العظيم فلعله بقي في قلبه ~~تعجب من ذلك فقلب العصا حية تنبيها على أني لما قدرت على ذلك فكيف يستبعد ~~مني نصرة مثلك في إظهار الدين . وخامسها : أنه لما قال : { قال هى عصاى ~~أتوكؤا } إلى قوله : { ولى فيها مأرب أخرى } فقيل له : { ألقاها } فلما ~~ألقاها وصارت حية فر موسى عليه السلام منها فكأنه قيل له : ادعيت أنها عصاك ~~وأن لك فيها مآرب أخرى فلم تفر منها ، تنبيها على سر قوله : { ففروا إلى ~~الله } ( الذاريات : 50 ) وقوله ؛ { قل الله ثم ذرهم } ( الأنعام : 91 ) . ~~السؤال الثاني : قال ههنا حية ms6165 وفي موضع آخر ثعبان وجان ، أما الحية فاسم ~~جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير ، وأما الثعبان والجان فبينهما ~~تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات والجان الدقيق وفيه وجهان : أحدهما : ~~أنها كانت وقت انقلابها حية صغيرة دقيقة ثم تورمت وتزايد جرمها حتى صارت ~~ثعبانا فأريد بالجان أول حالها وبالثعبان مآلها . والثاني : أنها كانت في ~~شخص الثعبان وسرعة حركة الجان ، والدليل عليه قوله تعالى : { فلما رءاها ~~تهتز كأنها جان } . السؤال الثالث : كيف كانت صفة الحية . الجواب كان لها ~~عرف كعرف الفرس وكان بين لحييها أربعون ذراعا ، وابتلعت كل ما مرت به من ~~الصخور والأشجار حتى سمع موسى صرير الحجر في فمها وجوفها ، أما قوله تعالى ~~: { قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى } ففيه سؤالات : السؤال الأول ~~: لما نودي موسى / وخص بتلك الكرامات العظيمة وعلم أنه معبوث من عند الله ~~تعالى إلى الخلق فلم خاف . والجواب من وجوه : أحدها : أن ذلك الخوف كان من ~~نفرة الطبع لأنه عليه السلام ما شاهد مثل ذلك قط . وأيضا فهذه الأشياء ~~معلومة بدلائل العقول . وعند الفزع الشديد قد يذهل الإنسان عنه . قال الشيخ ~~أبو القاسم الأنصاري رحمه الله تعالى وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه ~~في النبوة لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه ألبتة . وثانيها ~~: قال بعضهم : خافها لأنه عليه السلام عرف ما لقي آدم منها . وثالثها : أن ~~مجرد قوله : { لا تخف } لا يدل على حصول الخوف كقوله تعالى : { ولا تطع ~~الكافرين } ( الأحزاب : 1 ) لا يدل على وجود تلك الطاعة لكن قوله : { فلما ~~رءاها تهتز كأنها جان ولى مدبرا } ( النمل : 10 ) يدل عليه ، ولكن ذلك ~~الخوف إنما ظهر ليظهر الفرق بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم فإنه عليه ~~السلام أظهر تعلق القلب بالعصا والنفرة عن الثعبان ، وأما محمد عليه السلام ~~فما أظهر الرغبة في الجنة ولا النفرة عن النار . السؤال الثاني : متى أخذها ~~، بعد انقلابها عصا أو قبل ذلك . والجواب : روي أنه أدخل يده بين أسنانها ~~فانقلبت خشبة والقرآن يدل ms6166 عليه أيضا بقوله : { سنعيدها سيرتها الاولى } ~~وذلك يقع في الاستقبال ، وأيضا فهذا أقرب للكرامة لأنه كما أن انقلاب العصا ~~حية معجزة فكذلك إدخال يده في فمها من غير ضرر معجزة وانقلابها PageV22P025 ~~خشبا معجز آخر فيكون فيه توالي المعجزات فيكون أقوى في الدلالة . السؤال ~~الثالث : كيف أخذه ، أمع الخوف أو بدونه . والجواب : روي مع الخوف ولكنه ~~بعيد ، لأن بعد توالي الدلائل يبعد ذلك . وإذا علم موسى عليه السلام أنه ~~تعالى عند الأخذ سيعيدها سيرتها الأولى فكيف يستمر خوفه ، وقد علم صدق هذا ~~القول وقال بعضهم لما قال له ربه : { لا تخف } بلغ من ذلك ذهاب خوفه ~~وطمأنينة نفسه إلى أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها . السؤال الرابع : ما ~~معنى سيرتها الأولى ، والجواب : قال صاحب ( الكشاف ) : السيرة من السير ~~كالركبة من الركوب يقال : سار فلان سيرة حسنة ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى ~~المذهب والطريقة . السؤال الخامس : علام انتصب سيرتها ، الجواب فيه وجهان : ~~أحدهما : بنزع الخافض يعني إلى سيرتها . وثانيهما : أن يكون سنعيدها مستقلا ~~بنفسه غير متعلق بسيرتها بمعنى أنها كانت أولا عصا فصارت حية فسنجعلها عصا ~~كما كانت فنصب سيرتها بفعل مضمر أي تسير سيرتها الأولى يعني سنيعدها سائرة ~~بسيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها . # ! 7 < { واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضآء من غير سوء ءاية أخرى * لنريك من ~~ءاياتنا الكبرى * اذهب إلى فرعون إنه طغى } > 7 ! # / < < # | طه : ( 22 - 24 ) واضمم يدك إلى . . . . . # > > اعلم أن هذا هو المعجزة الثانية وفيه مسائل : # المسألة الأولى : يقال لك ناحيتين جناحان كجناحي العسكر لطرفيه وجناحا ~~الإنسان جنباه والأصل المستعار منه جناحا الطائر لأنه يجنحهما عند الطيران ~~، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما إلى جناحك إلى صدرك والأول أولى لأن يدي ~~الإنسان يشبهان جناحي الطائر لأنه قال : { تخرج بيضاء } ولو كان المراد ~~بالجناح الصدر لم يكن لقوله : { تخرج } معنى واعلم أن معنى ضم اليد إلى ~~الجناح ما قال في آية أخرى : { وأدخل يدك فى جيبك } ( النمل : 12 ) لأنه ~~إذا ms6167 أدخل يده في جيبه كان قد ضم يده إلى جناحه والله أعلم . # المسألة الثانية : السوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما ~~كنى عن العورة بالسوأة والبرص أبغض شيء إلى العرب فكان جديرا بأن يكنى عنه ~~يروى أنه عليه السلام كان شديد الأدمة فكان إذا أدخل يده اليمنى في جيبه ~~وأدخلها تحت إبطه الأيسر وأخرجها كانت تبرق مثل البرق وقيل مثل الشمس من ~~غير برص ثم إذا ردها عادت إلى لونها الأول بلا نور . # المسألة الثالثة : بيضاء وآية حالان معا ومن غير سوء من صلة البيضاء كما ~~تقول ابيضت من غير سوء وفي نصب آية وجه آخر وهو أن يكون بإضمار نحو خذ ~~ودونك وما أشبه ذلك حذف لدلالة الكلام ، وقد تعلق بهذا المحذوف لنريك أي خذ ~~هذه الآية أيضا بعد قلب العصا لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى أو ~~لنريك بهما PageV22P026 الكبرى من آياتنا أو لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ~~ذلك ، فإن قيل الكبرى من نعت الآيات فلم لم يقل الكبر ؟ قلنا : بل هي نعت ~~الآية والمعنى لنريك الآية الكبرى ولئن سلمنا ذلك فهو كما قدمنا في قوله : ~~{ مأرب أخرى } ( طه : 18 ) ، و { الاسماء الحسنى } ( طه : 8 ) . # المسألة الرابعة : قال الحسن : اليد أعظم في الإعجاز من العصا لأنه تعالى ~~: ذكر { لنريك من ءاياتنا الكبرى } عقيب ذكر اليد وهذا ضعيف لأنه ليس في ~~اليد إلا تغير اللون ، وأما العصا ففيه تغير اللون وخلق الزيادة في الجسم ~~وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة وابتلاع الحجر والشجر ، ثم عاد عصا ~~بعد ذلك . فقد وقع التغير مرة أخرى في كل هذه الأمور فكانت العصا أعظم ، ~~وأما قوله : { لنريك من ءاياتنا الكبرى } فقد بينا أنه عائد إلى الكل وأنه ~~غير مختص باليد . # المسألة الخامسة : أنه سبحانه وتعالى لما أظهر له هذه الآية عقبها بأن ~~أمره بالذهاب إلى فرعون وبين العلة في ذلك وهي أنه طغى ، وإنما خص فرعون ~~بالذكر مع أن موسى عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل لأنه ادعى الإلهية ~~وتكبر ms6168 وكان متبوعا فكان ذكره أولى . قال وهب : قال الله تعالى لموسى عليه ~~السلام : ( اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي وإن ~~معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري أبعثك ~~إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ~~ربوبيتي ، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي ~~لبطشت به بطشة جبار ولكن هان علي وسقط / من عيني فبلغه عني رسالتي وادعه ~~إلى عبادتي وحذره نقمتي : وقل له قولا لينا لا يغترن بلباس الدنيا فإن ~~ناصيته بيدي ، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي ، في كلام طويل ، قال فسكت موسى ~~سبعة أيام لا يتكلم ثم جاءه ملك فقال أجب ربك فيما أمرك بعبده ) . # ! 7 < { قال رب اشرح لى صدرى * ويسر لىأمرى * واحلل عقدة من لسانى * ~~يفقهوا قولي * واجعل لى وزيرا من أهلى * هارون أخى * اشدد به أزرى * وأشركه ~~فىأمرى * كى نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا } > 7 ! # < < # | طه : ( 25 - 35 ) قال رب اشرح . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون وكان ~~ذلك تكليفا شاقا فلا جرم سأل ربه أمورا ثمانية ، ثم ختمها بما يجري مجرى ~~العلة لسؤال تلك الأشياء . # المطلوب الأول : قوله : { رب اشرح لى صدرى } واعلم أنه يقال شرحت الكلام ~~أي بينته وشرحت صدره أي وسعته والأول يقرب منه لأن شرح الكلام لا يحصل إلا ~~ببسطة . والسبب في هذا السؤال ما حكى الله تعالى عنه في موضع آخر وهو قوله ~~: { ويضيق صدرى ولا ينطلق لسانى } ( الشعراء : 13 ) فسأل الله تعالى أن ~~يبدل ذلك الضيق بالسعة ، وقال : { رب اشرح لى صدرى } فأفهم عنك ما أنزلت ~~علي من الوحي ، وقيل : PageV22P027 شجعني لأجترىء به على مخاطبة فرعون ثم ~~الكلام فيه يتعلق بأمور . أحدها : فائدة الدعاء وشرائطه . وثانيها : ما ~~السبب في أن الإنسان لا يذكر وقت الدعاء من أسماء الله تعالى إلا الرب . ~~وثالثها : ما معنى شرح الصدر . ورابعها : بماذا يكون ms6169 شرح الصدر . وخامسها : ~~كيف كان شرح الصدر في حق موسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم . ~~وسادسها : صفة صدر موسى عليه السلام هل كان منشرحا أو لم يكن منشرحا ، فإن ~~كان منشرحا كان طلب شرح الصدر تحصيلا للحاصل وهو محال ، وإن لم يكن منشرحا ~~فهو باطل من وجهين . الأول : أنه سبحانه بين له فيما تقدم كل ما يتعلق ~~بالأديان من معرفة الربوبية والعبودية وأحوال المعاد وكل ما يتعلق بشرح ~~الصدر في باب الدين فقد حصل ، ثم إنه سبحانه تلطف له بقوله : { وأنا اخترتك ~~فاستمع لما يوحى } ( طه : 13 ) ثم كلمه على سبيل الملاطفة بقوله : { وما ~~تلك بيمينك ياموسى * موسى } ( طه : 17 ) ثم أظهر له المعجزات / العظيمة ~~والكرامات الجسيمة ، ثم أعطاه منصب الرسالة بعد أن كان فقيرا وكل ما يتعلق ~~به الإعزاز والإكرام فقد حصل ، ولو أن ذرة من هذه المناصب حصلت لأدون الناس ~~لصار منشرح الصدر فبعد حصولها لكليم الله تعالى يستحيل أن لا يصير منشرح ~~الصدر . والثاني : أنه لما لم يصر منشرح الصدر بعد هذه الأشياء لم يجز من ~~الله تعالى تفويض النبوة إليه فإن من كان ضيق القلب مشوش الخاطر لا يصلح ~~للقضاء على ما قال عليه السلام : ( لا يقضي القاضي وهو غضبان ) فكيف يصلح ~~للنبوة التي أقل مراتبها القضاء ؟ فهذا مجموع الأمور التي لا بد من البحث ~~عنها في هذه الآية . # أما البحث الأول : وهو فائدة الدعاء وشرائطه فقد تقدم في تفسير قوله : { ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( البقرة : 286 ) إلا أنه نذكر منها ~~ههنا بعض الفوائد المتعلقة بهذا الموضع فنقول : اعلم أن للكمال مراتب ~~ودرجات وأعلاها أن يكون كاملا في ذاته مكملا لغيره ، أما كونه كاملا في ~~ذاته فكل ما كان كذلك كان كماله من لوازم ذاته ، وكل ما كان كذلك كان كاملا ~~في الأزل ولكنه يستحيل أن يكون مكملا في الأزل لأن التكميل عبارة عن جعل ~~الشيء كاملا وذلك لا يتحقق إلا عند عدم الكمال ، فإنه لو كان حاصلا في ~~الأزل لاستحال ms6170 التأثير فيه ، فإن تحصيل الحاصل محال وتكوين الكائن ممتنع ~~فلا جرم أنه سبحانه ، وإن كان كاملا في الأزل إلا أنه يصير مكملا فيما لا ~~يزال ، فإن قيل : إذا كان التكميل من صفات الكمال فحيث لم يكن مكملا في ~~الأزل فقد كان عاريا عن صفات الكمال فيكون ناقصا وهو محال / قلنا : النقصان ~~إنما يلزم لو كان ذلك ممكنا في الأزل لكنا بينا أن الفعل الأزلي محال ~~فالتكميل الأزلي محال فعدمه لا يكون نقصانا ، كما أن قولنا : إنه لا يقدر ~~على تكوين مثل نفسه لا يكون نقصانا لأنه غير ممكن الوجود في نفسه ، وكقولنا ~~: إنه لا يعلم عددا مفصلا كحركات أهل الجنة لأن كل ما له عدد مفصل فهو ~~متناه ، وحركات أهل الجنة غير متناهية فلا يكون له عدد مفصل ، فامتنع ذلك ~~لا لقصور في العلم ، بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول . إذا ثبت هذا فنقول : ~~إنه سبحانه وتعالى لما قصد إلى التكوين وكان الغرض منه تكميل الناقصين لأن ~~الممكنات قابلة للوجود وصفة الوجود صفة كمال فاقتضت قدرة الله تعالى على ~~التكميل وضع مائدة الكمال للممكنات فأجلس على المائدة بعض المعدومات دون ~~البعض لأسباب . أحدها : أن المعدومات غير متناهية فلو أجلس الكل على مائدة ~~الوجود لدخل ما لا نهاية له PageV22P028 في الوجود . وثانيها : أنه لو أوجد ~~الكل لما بقي بعد ذلك قادرا على الإيجاد لأن إيجاد الموجود محال ، فكان ذلك ~~وإن كان كمالا للناقص لكنه يقتضي نقصان الكامل فإنه ينقلب القادر من القدرة ~~إلى العجز . وثالثها : أنه لو دخل الكل في الوجود لما بقي فيه تمييز فلا ~~يتميز القادر على الموجب والقدرة كمال والإيجاب بالطبع نقصان ، فلهذه ~~الأسباب أخرج بعض الممكنات إلى الوجود فإن قيل عليه سؤالان : أحدهما : أن ~~الموجودات متناهية والمعدومات غير متناهية ولا نسبة للمتناهي / إلى غير ~~المتناهي ، فتكون أيضا الضيافة ضيافة للأقل ، وأما الحرمان فإنه عدد لما لا ~~نهاية له ، وهذا لا يكون وجودا . الثاني : أن البعض الذي خصه بهذه الضيافة ~~إن كان لاستحقاق حصل فيه دون غيره فذلك ms6171 الاستحقاق ممن حصل ؟ وإن كان لا ~~لهذا الاستحقاق كان ذلك عبثا وهو محال كما قيل : # % يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما % % # وإنه لا يليق بأكرم الأكرمين . والجواب عن الكل أن هذه الشبهات إنما تدور ~~في العقول والخيالات لأن الإنسان يحاول قياس فعله على فعلنا ، وذلك باطل ~~لأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . إذا عرفت هذا فهذا الوجود الفائض من ~~نور رحمته على جميع الممكنات هو الضيافة العامة والمائدة الشاملة وهو ~~المراد من قوله : { ورحمتى وسعت كل شىء } ( الأعراف : 156 ) ثم إن ~~الموجودات انقسمت إلى الجمادات وإلى الحيوانات ، ولا شك أن الجماد بالنسبة ~~إلى الحيوان كالعدم بالنسبة إلى الوجود لأن الجماد لا خبر عنده من وجوده ~~فوجوده بالنسبة إليه كالعدم وعدمه كالوجود ، وأما الحيوان فهو الذي يميز ~~بين الموجود والمعدوم ويتفاوتان بالنسبة إليه ولأن الجماد بالنسبة إلى ~~الحيوان آلة لأن الحيوانات تستعمل الجمادات في أغراض أنفسها ومصالحها وهي ~~كالعبد المطيع المسخر والحيوان كالمالك المستولي ، فكانت الحيوانية أفضل من ~~الجمادية فكما أن إحسان الله ورحمته اقتضيا وضع مائدة الوجود لبعض ~~المعدومات دون البعض كذلك اقتضيا وضع مائدة الحياة لبعض الموجودات دون ~~البعض ، فلا جرم جعل بعض الموجودات أحياء دون البعض . والحياة بالنسبة إلى ~~الجمادية كالنور بالنسبة إلى الظلمة والبصر بالنسبة إلى العمى والوجود ~~بالنسبة إلى العدم ، فعدن ذلك صار بعض الموجودات حيا مدركا للمنافي ~~والملائم واللذة والألم والخير والشر ، فمن ثم قالت الأحياء عند ذلك : يا ~~رب الأرباب إنا وإن وجدنا خلعة الوجود وخلعة الحياة وشرفتنا بذلك ، لكن ~~ازدادت الحاجة لأنا حال العدم وحال الجمادية ما كنا نحتاج إلى الملائم ~~والموافق وما كنا نخاف المنافي والمؤذي ، ولما حصل الوجود والحياة احتجنا ~~إلى طلب الملائم ودفع المنافي فإن لم تكن لنا قدرة على الهرب والطلب والدفع ~~والجذب لبقينا كالزمن المقعد على الطريق عرضة للآفات وهدفا لسهام البليات ~~فأعطنا من خزائن رحمتك القدرة والقوة التي بها نتمكن من الطلب تارة والهرب ~~أخرى / فاقتضت الرحمة التامة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما اقتضت تخصيص ~~بعض ms6172 الموجودات بالحياة وتخصيص بعض المعدومات بالوجود . فقال القادرون عند ~~ذلك : إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون إلا لأحد ~~القسمين إما للمجانين المقيدين بالسلاسل والأغلال ، وإما للبهائم المستعملة ~~في حمل الأثقال وكل ذلك من صفات النقصان وأنت قد رقيتنا من حضيض النقصان ~~إلى أوج الكمال فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف مخلوقاتك وأعز مبدعاتك ~~الذي شرفته بقولك : ( بك أهين وبك أثيب وبك أعاقب ) حتى تفوز من خزائن ~~رحمتك بالخلع الكاملة والفضيلة التامة فأعطاهم العقل وبعث في أرواحهم نور / ~~البصيرة وجوهر الهداية PageV22P029 فعند هذه الدرجة فازوا بالخلع الأربعة ، ~~الوجود والحياة والقدرة والعقل ، فالعقل خاتم الكل والخاتم يجب أن يكون ~~أفضل ألا ترى أن رسولنا صلى الله عليه وسلم لما كان خاتم النبيين كان أفضل ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والإنسان لما كان خاتم المخلوقات ~~الجسمانية كان أفضلها فكذلك العقل لما كان خاتم الخلع الفائضة من حضرة ذي ~~الجلال كان أفضل الخلع وأكملها ، ثم نظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالجفنة ~~المملوءة من الجواهر النفيسة بل كأنها سماء مملوءة من الكواكب الزاهرة وهي ~~العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بدائه العقول وصرائح الأذهان ، وكما ~~أن الكواكب المركوزة في السموات علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، ~~فكذلك الجواهر المركوزة في سماء العقل كواكب زاهرة يهتدي بها السائرون في ~~ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار العالم الروحانية وفسحة السموات وأضوائها . ~~فلما نظر العقل إلى تلك الكواكب الزاهرة والجواهر الباهرة رأى رقم الحدوث ~~على تلك الجواهر وعلى جميع تلك الخلع فاستدل بتلك الأرقام على راقم ، وبتلك ~~النقوش على ناقش . وعند ذلك عرف أن النقاش بخلاف النقش والباني بخلاف ~~البناء ، فانفتح له من أعلى سماء عالم المحدثات روازن إلى أضواء لوائح عالم ~~القدم وطالع عالم القدم الأزلية والجلال وكان العقل إنما نظر إلى أضواء ~~عالم الأزلية من ظلمات عالم الحدوث والإمكان فغلبته دهشة أنوار الأزلية ~~فعميت عيناه فبقي متحيرا فالتجأ بطبعه إلى مفيض الأنوار ، فقال : { رب اشرح ~~لى صدرى } فإن البحار عميقة والظلمات متكاثفة ms6173 ، وفي الطريق قطاع من الأعداء ~~الداخلة والخارجة وشياطين الإنس والجن كثيرة فإن لم تشرح لي صدري ولم تكن ~~لي عونا في كل الأمور انقطعت ، وصارت هذه الخلع سببا لنيل الآفات لا للفوز ~~بالدرجات . فهذا هو المراد من قوله : { رب اشرح لى صدرى } ثم قال : { ويسر ~~لى أمرى } وذلك لأن كل ما يصدر من العبد من الأفعال والأقوال والحركات ~~والسكنات فما لم يصر العبد مريدا له استحال أن يصير فاعلا له ، فهذه ~~الإرادة صفة محدثة ولا بد لها من فاعل وفاعلها إن كان هو العبد افتقر في ~~تحصيل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ، ولزم التسلسل بل لا بد من الانتهاء إلى ~~إرادة يخلقها مدبر العالم فيكون في الحقيقة هو الميسر للأمور وهو المتمم ~~لجميع الأشياء وتمام التحقيق أن حدوث الصفة لا بد له من قابل وفاعل فعبر عن ~~استعداد القابل بقوله : { رب اشرح لى صدرى } وعبر عن حصول الفاعل بقوله : { ~~ويسر لى أمرى } وفيه التنبيه على أنه سبحانه وتعالى هو الذي يعطي القابل ~~قابليته والفاعل فاعليته ، ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يقولون : يا ~~مبتدئا بالنعم قبل استحقاقها . ومجموع هذين الكلامين كالبرهان القاطع على ~~أن جميع الحوادث في هذا العالم واقعة بقضائه وقدره وحكمته وقدرته . ويمكن ~~أن يقال أيضا : كأن موسى عليه السلام قال : إلهي لا أكتفي بشرح الصدر ولكن ~~أطلب منك تنفيذ الأمر وتحصيل الغرض فلهذا قال : { ويسر لى أمرى } أو يقال : ~~إنه سبحانه وتعالى لما أعطاه الخلع الأربع وهي الوجود والحياة والقدرة ~~والعقل فكأنه قال له يا موسى أعطيتك هذه الخلع الأربع فلا بد في / مقابلتها ~~من خدمات أربع لتقابل كل نعمة بخدمة . فقال موسى عليه السلام : ما تلك ~~الخدمات ؟ فقال : وأقم الصلاة لذكري فإن فيها أنواعا أربعة من الخدمة ، ~~القيام والقراءة والركوع والسجود فإذا أتيت بالصلاة فقد قابلت كل نعمة ~~بخدمة ، ثم إنه تعالى لما أعطاه الخلعة الخامسة وهي خلعة الرسالة قال : { ~~رب اشرح لى صدرى } حتى أعرف أني بأي خدمة أقابل هذه النعمة فقيل له بأن ~~تجتهد ms6174 في أداء هذه الرسالة على الوجه المطلوب فقال موسى : يا رب إن هذا لا ~~يتأتى مني مع عجزي وضعفي وقلة آلاتي وقوة خصمي فاشرح لي صدري ويسر لي أمري ~~. PageV22P030 الفصل الثاني : في قوله : { رب اشرح لى صدرى } اعلم أن ~~الدعاء سبب القرب من الله تعالى وإنما اشتغل موسى بهذا الدعاء طلبا للقرب ~~فتفتقر إلى بيان أمرين إلى بيان أن الدعاء سبب القرب ثم إلى بيان أن موسى ~~عليه السلام طلب القرب بهذا الدعاء ، أما بيان أن الدعاء سبب القرب فيدل ~~عليه وجوه . الأول : أن الله تعالى ذكر السؤال والجواب في كتابه في عدة ~~مواضع منها أصولية ومنها فروعية ، أما الأصولية فأولها في البقرة : { ~~يسئلونك عن الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج } ( البقرة : 189 ) . وثانيها ~~: في بني إسرائيل { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى } . وثالثها : { ~~ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا } ( طه : 105 ) . ورابعها : { ~~يسألونك عن الساعة أيان مرساها } ( النازعات : 42 ) وأما الفروعية فستة ~~منها في البقرة على التوالي . أحدها : { يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم ~~من خير فللوالدين والاقربين } ( البقرة : 215 ) وثانيها : { يسئلونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير } ( البقرة : 217 ) . وثالثها : { ~~يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير } ( البقرة : 219 ) . ورابعها ~~: { يسئلونك عن الخمر والميسر قل } ( البقرة : 219 ) . وخامسها : { فى ~~الدنيا والاخرة ويسئلونك عن اليتامى قل } ( البقرة : 220 ) . وسادسها : { ~~ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى } ( البقرة : 222 ) . وسابعها : { يسألونك عن ~~الانفال قل الانفال لله والرسول } ( الأنفال : 1 ) . وثامنها : { ويسألونك ~~عن ذى القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا } ( الكهف : 83 ) . وتاسعها : { ~~ويستنبئونك أحق هو قل إى وربى إنه لحق } ( يونس : 53 ) . وعاشرها : { ~~يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة } ( النساء : 176 ) . والحادية عشر : { ~~وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ( البقرة : 186 ) إذا عرفت هذا فنقول جاءت ~~هذه الأسئلة والأجوبة على صور مختلفة ، فالأغلب فيها أنه سبحانه وتعالى لما ~~ذكر السؤال قال لمحمد صلى الله عليه وسلم قل وفي صورة أخرى جاء الجواب ~~بصيغة فقل ms6175 مع فاء التعقيب وفي صورة ثالثة ذكر السؤال ولم يذكر الجواب ، وهو ~~قوله تعالى : { يسئلونك عن الساعة أيان مرساها } ( الأعراف : 187 ) وفي ~~صورة رابعة ذكر الجواب ولم يذكر فيه لفظ قل ولا لفظ فقل وهو قوله تعالى : { ~~وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ولا بد لهذه الأشياء من الفائدة فنقول : ~~أما الأجوبة الواردة بلفظ قل فلا إشكال فيها لأن قوله تعالى قل كالتوقيع ~~المحدد في ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكالتشريف المحدد في كونه ~~مخاطبا من الله تعالى بأداء الوحي والتبليغ . وأما الصورة الثانية وهي قوله ~~: { فقل ينسفها ربى نسفا } ( طه : 105 ) فالسبب أن قولهم : { ويسئلونك عن ~~الجبال } ( طه : 105 ) سؤال إما عن قدمها أو عن وجوب بقائها وهذه المسألة ~~من أمهات مسائل أصول الدين فلا جرم أمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أن يجيب بلفظ / الفاء المفيد للتعقيب كأنه سبحانه قال يا محمد أجب عن ~~هذا السؤال في الحال ولا تقتصر فإن الشك فيه كفر ولا تمهل هذا الأمر لئلا ~~يقعوا في الشك والشبهة ، ثم كيفية الجواب أنه قال : { فقل ينسفها ربى نسفا ~~} ولا شك أن النسف ممكن لأنه ممكن في حق كل جزء من أجزاء الجبل والحس يدل ~~عليه فوجب أن يكون ممكنا في حق كل الجبل وذلك يدل على أنه ليس بقديم ولا ~~واجب الوجود لأن القديم لا يجوز عليه التغير والنسف ، فإن قيل : إنهم قالوا ~~: أخبرنا عن إلهك أهو ذهب أو فضة أو حديد فقال : { قل هو الله أحد } ( ~~الإخلاص : 1 ) ولم يقل فقل هو الله أحد مع أن هذه المسألة من المهمات قلنا ~~إنه تعالى لم يحك في هذا الموضع سؤالهم وحرف الفاء من الحروف العاطفة ~~فيستدعي سبق كلام فلما لم يوجد ترك الفاء بخلاف ههنا فإنه PageV22P031 ~~تعالى حكى سؤالهم فحسن عطف الجواب عليه بحرف الفاء . وأما الصورة الثالثة : ~~فإنه تعالى لم يذكر الجواب في قوله : { يسئلونك عن الساعة أيان مرساها } ~~فالحكمة فيه أن معرفة وقت الساعة على التعيين مشتملة على ms6176 المفاسد التي ~~شرحناها فيما سبق فلهذا لم يذكر الله تعالى ذلك الجواب وذلك يدل على أن من ~~الأسئلة ما لا يجاب عنها . وأما الصورة الرابعة : وهي قوله : { فإني قريب } ~~ولم يذكر في جوابه قل ففيه وجوه . أحدها : أن ذلك يدل على تعظيم حال الدعاء ~~وأنه من أعظم العبادات فكأنه سبحانه قال : يا عبادي أنت إنما تحتاج إلى ~~الواسطة في غير الدعاء أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك يدل عليه ~~أن كل قصة وقعت لم تكن معرفتها من المهمات . قال لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~: اذكر لهم تلك القصة كقوله تعالى : { واتل عليهم نبأ ابنى ءادم بالحق } ( ~~المائدة : 27 ) . { واتل عليهم نبأ الذىءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها } ( ~~الأعراف : 175 ) . { واذكر فى الكتاب موسى } ( مريم : 51 ) ، { واذكر فى ~~الكتاب * إسماعيل } ( مريم : 54 ) . { واذكر فى الكتاب إدريس } ( مريم : 56 ~~) . { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } ( الحجر : 51 ) ، ثم قال في قصة يوسف : { ~~نحن نقص عليك أحسن القصص } ( يوسف : 3 ) وفي أصحاب الكهف : { نحن نقص عليك ~~نبأهم بالحق } ( الكهف : 13 ) . وما ذاك إلالما في هاتين القصتين من ~~العجائب والغرائب ، والحاصل كأنه سبحانه وتعالى قال : يا محمد إذا سئلت عن ~~غيري فكن أنت المجيب ، وإذا سئلت عني فاسكت أنت حتى أكون أنا القائل . ~~وثانيها : أن قوله : { وإذا سألك عبادي عني } يدل على أن العبد له ( أن ~~يسأل ) وقوله : { فإني قريب } يدل على أن الرب قريب من العبد . وثالثها : ~~لم يقل فالعبد مني قريب ، بل قال أنا منه قريب ، وهذا فيه سر نفيس فإن ~~العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو ، هو في مركز العدم وحضيض الفناء ، فكيف ~~يكون قريبا ، بل القريب هو الحق سبحانه وتعالى فإنه بفضله وإحسانه جعله ~~موجودا وقربه من نفسه فالقرب منه لا من العبد فلهذا قال : { فإني قريب } . ~~ورابعها : أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولا بغير الله تعالى فإنه لا ~~يكون داعيا لله تعالى فإذا فنى عن الكل وصار مستغرقا بمعرفة الله الأحد ~~الحق امتنع أن يبقى في مقام الفناء عن ms6177 غير الله مع الالتفات إلى غير الله ~~تعالى فلا جرم رفعت الواسطة من البين فما قال : فقل إني قريب بل قال : { ~~فإني قريب } فثبت بما تقرر فضل الدعاء وأنه من أعظم القربات ثم من شأن ~~العبد إذا أراد أن يتحف مولاه أن لا يتحفه إلا بأحسن التحف والهدايا فلا / ~~جرم أول ما أراد موسى أن يتحف الحضرة الإلهية بتحف الطاعات والعبادات ~~أتحفها بالدعاء فلا جرم قال : { رب اشرح لى صدرى } . والوجه الثاني : في ~~بيان فضل الدعاء قوله عليه السلام : ( الدعاء مخ العبادة ) ثم إن أول شيء ~~أمر الله تعالى به موسى عليه السلام ( العبادة ) لأن قوله : { إننى أنا ~~الله } ( طه : 14 ) إخبار وليس بأمر إنما الأمر قوله : { فاعبدنى } ( طه : ~~14 ) فلما كان أول ما أورد على موسى من الأوامر هو الأمر بالعبادة لا جرم ~~أول ما أتحف به موسى عليه السلام حضرة الربوبية من تحف العبادة هو تحفة ~~الدعاء فقال : { رب اشرح لى صدرى } . والوجه الثالث : وهو أن الدعاء نوع من ~~أنواع العبادة فكما أنه سبحانه وتعالى أمر بالصلاة والصوم فكذلك أمر ~~بالدعاء ويدل عليه قوله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب } ( ~~البقرة : 186 ) . { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) . { وادعوه ~~خوفا وطمعا } ( الأعراف : 56 ) . { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } PageV22P032 ( ~~الأعراف : 55 ) . { هو الحى لا إلاه إلا هو فادعوه مخلصين له الدين } ( ~~غافر : 65 ) . { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان } ( الإسراء : 110 ) . { ~~واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة } ( الأعراف : 205 ) وقال صلى الله عليه ~~وسلم : ( ادعوا بياذا الجلال والإكرام ) فبهذه الآيات عرفنا أن الدعاء ~~عبادة قال بعض الجهال : الدعاء على خلاف العقل من وجوه : أحدها : أنه علام ~~الغيوب يعلم ما في الأنفس وما تخفي الصدور ، فأي حاجة بنا إلى الدعاء . ~~وثانيها : أن المطلوب إن كان معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الدعاء وإن كان ~~معلوم اللاوقوع فلا فائدة فيه . وثالثها : الدعاء يشبه الأمر والنهي وذلك ~~من العبد في حق المولى سوء أدب . ورابعها : المطلوب بالدعاء إن كان من ~~المصالح ms6178 فالحكيم لا يهمله وإن لم يكن من المصالح لم يجز طلبه . وخامسها : ~~فقد جاء أن أعظم مقامات الصديقين الرضا بقضاء الله تعالى . وقد ندب إليه ~~والدعاء ينافي ذلك لأنه اشتغال بالالتماس والطلب . وسادسها : قال عليه ~~السلام رواية عن الله تعالى : ( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما ~~أعطى السائلين ) فدل على أن الأولى ترك الدعاء والآيات التي ذكرتموها تقتضي ~~وجوب الدعاء . وسابعها : أن إبراهيم عليه السلام لما ترك الدعاء واكتفى ~~بقوله : ( حسبي من سؤالي علمه بحالي ) استحق المدح العظيم فدل على أن ~~الأولى ترك الدعاء . والجواب عن الأول أنه ليس الغرض من الدعاء الأعلام بل ~~هو نوع تضرع كسائر التضرعات . وعن الثاني : أنه يجري مجرى أن نقول للجائع ~~والعطشان إن كان الشبع معلوم الوقوع فلا حاجة إلى الأكل والشرب وإن كان ~~معلوم اللاوقوع فلا فائدة فيه . وعن الثالث : أن الصيغة وإن كانت صيغة ~~الأمر إلا أن صورة التضرع والخشوع تصرفه عن ذلك . وعن الرابع : يجوز أن ~~يصير مصلحة بشرط سبق الدعاء . وعن الخامس : أنه إذا دعا إظهارا للتضرع ثم ~~رضي بما قدره الله تعالى فذاك أعظم المقامات وهو الجواب عن البقية إذا ثبت ~~أنه من العبادات ، ثم إنه تعالى أمره بالعبادة وبالصلاة أمرا ورد مجملا لا ~~جرم شرع في أجل العبادات وهو الدعاء . الوجه الرابع : في فضل الدعاء أنه ~~سبحانه لم يقتصر في بيان فضل الدعاء على الأمر به بل بين في آية أخرى أنه ~~يغضب إذا لم يسأل فقال : { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولاكن قست قلوبهم ~~وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } ( الأنعام : 43 ) وقال عليه السلام : ( ~~لا يقولون أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ) ولكن يجزم فيقول : اللهم اغفر لي ~~فلهذا السر جزم موسى عليه السلام بالدعاء وقال رب اشرح لي صدري . الوجه ~~الخامس : في فضل الدعاء قوله تعالى : { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } ( ~~غافر : 60 ) وفيه كرامة عظيمة لأمتنا لأن بني إسرائيل فضلهم الله تفضيلا ~~عظيما فقال في حقهم : { وأنى فضلتكم على العالمين } ( البقرة : 47 ms6179 ) وقال ~~أيضا : { وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة } ( المائدة : 20 ) ثم مع ~~هذه الدرجة العظيمة قالوا لموسى عليه السلام : { ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~هى } ( البقرة : 68 ) وأن الحواريين مع جلالتهم في قولهم : { نحن أنصار ~~الله } ( آل عمران : 52 ) سألوا عيسى عليه السلام أن يسأل لهم مائدة تنزل ~~من السماء ثم إنه سبحانه وتعالى رفع هذه الواسطة في أمتنا فقال مخاطبا لهم ~~من غير واسطة : { ادعونى أستجب لكم } وقال : { واسألوا الله من فضله } ( ~~النساء : 32 ) فلهذا السبب لما حصلت هذه الفضيلة لهذه الأمة وكان موسى عليه ~~السلام قد عرفها لا جرم فقال : ( اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ) فلا جرم رفع يديه ابتداء فقال : PageV22P033 { رب اشرح لى صدرى } ~~واعلم أنه تعالى قال : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب } ( البقرة : 186 ) ~~ثم إنه تعالى جعل العباد على سبعة أقسام : أحدها : عبد العصمة : { إن عبادى ~~ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصا بمزيد ~~العصمة : { واصطنعتك لنفسى } ( طه : 41 ) فلا جرم طلب زوائد العصمة فقال : ~~{ رب اشرح لى صدرى } . وثانيها : عبد الصفوة : { وسلام على عباده الذين ~~اصطفى } ( النمل : 59 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصا بمزيد الصفوة : { قال ~~ياموسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } ( الأعراف : 144 ) فلا ~~جرم أراد مزيد الصفوة فقال : { رب اشرح لى صدرى } . وثالثها : عبد البشارة ~~: { فبشر * عبادى * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ( الزمر : 17 ، 18 ~~) وكان موسى عليه السلام مخصوصا بذلك : { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى } ( ~~طه : 13 ) فأراد مزيد البشارة فقال : { رب اشرح لى صدرى } . ورابعها : عبد ~~الكرامة : { المتقين ياعباد لا خوف عليكم } ( الزخرف : 68 ) وموسى عليه ~~السلام كان مخصوصا بذلك : { لا تخافا إننى معكما } ( طه : 46 ) فأراد ~~الزيادة عليها فقال : { رب اشرح لى صدرى } . وخامسها : عبد المغفرة : { ~~نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم } ( الحجر : 49 ) ، وكان موسى عليه ~~السلام مخصوصا بذلك : { رب اغفر لى } ( ص : 35 ) فغفر له فأراد الزيادة ~~فقال : { رب اشرح لى صدرى } . وسادسها : عبد الخدمة ms6180 : { اعبدوا ربكم } ( ~~البقرة : 21 ) وموسى عليه السلام كان مخصوصا بذلك : { واصطنعتك لنفسى } ~~فطلب الزيادة فيها فقال : { اشرح لى صدرى } . وسابعها : عبد القربة : { ~~وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } ( البقرة : 186 ~~) وموسى عليه السلام كان مخصوصا بالقرب : { وناديناه من جانب الطور الايمن ~~وقربناه نجيا } ( مريم : 52 ) فأراد كمال القرب فقال : { رب اشرح لى صدرى } ~~. # الفصل الثالث : في قوله : { رب اشرح لى صدرى } وفيه وجوه : أحدها : أنه ~~تعالى لما خاطبه بالأشياء الستة ( التي ) أحدها : معرفة التوحيد : { إننى ~~أنا الله لا إلاه إلا أنا } ( طه : 14 ) ، وثانيها : أمره بالعبادة والصلاة ~~: { إننى أنا الله لا } ( طه : 14 ) ، وثالثها : معرفة الآخرة : { إن ~~الساعة ءاتية } ( طه : 15 ) / ورابعها : حكمة أفعاله في الدنيا : { وما تلك ~~بيمينك ياموسى * موسى } ( طه : 17 ) ، وخامسها : عرض المعجزات الباهرة عليه ~~: { لنريك من ءاياتنا الكبرى } ( طه : 23 ) ، وسادسها : إرساله إلى أعظم ~~الناس كفرا وعتوا فكانت هذه التكاليف الشاقة سببا للقهر فأراد موسى عليه ~~السلام جبر هذا القهر بالمعجز فعرفه أن كل من سأله قرب منه فقال : { رب ~~اشرح لى صدرى } فأراد جبر القهر الحاصل من هذه التكاليف بالقرب منه فقال : ~~{ رب اشرح لى صدرى } أو يقال خاف شياطين الإنس والجن فدعا ليصل بسبب الدعاء ~~إلى مقام القرب فيصير مأمونا من غوائل شياطين الجن والإنس . وثانيها : أن ~~المراد أنه أراد الذهاب إلى فرعون وقومه فأراد أن يقطع طمع الخلق عن نفسه ~~بالكلية فعرف أن من دعا ربه قربه له وقربه لديه فحينئذ تنقطع الأطماع ~~بالكلية فقال : { رب اشرح لى صدرى } . وثالثها : الوجود كالنور والعدم ~~كالظلمة وكل ما سوى الله تعالى فهو عدم محض فكل شيء هالك إلا وجهه فالكل ~~كأنهم في ظلمات العدم وإظلال عالم الأجسام والإمكان فقال : { رب اشرح لى ~~صدرى } حتى يجلس قلبي في بهي ضوء المعرفة وسادة شرح الصدر والجالس في الضوء ~~لا يرى من كان جالسا في الظلمة فحين جلس في ضوء شرح الصدر لا يرى أحدا في ~~الوجود فلهذا عقبه بقوله : { ويسر لى أمرى ms6181 } فإن العبد في مقام الاستغراق ~~لا يتفرغ لشيء من المهمات . ورابعها : رب اشرح لي صدري فإن عين العين ضعيفة ~~فأطلع يا إلهي شمس التوفيق حتى أرى كل شيء كما PageV22P034 هو ، وهذا في ~~معنى قول محمد صلى الله عليه وسلم : ( أرنا الأشياء كما هي ) واعلم أن شرح ~~الصدر مقدمة لسطوع الأنوار الإلهية في القلب والاستماع مقدمة الفهم الحاصل ~~من سماع الكلا فالله تعالى أعطى موسى عليه السلام المقدمة الثانية وهي ~~فاستمع لما يوحى فلا جرم نسج موسى على ذلك المنوال فطلب المقدمة الأخرى ~~فقال : { رب اشرح لى صدرى } ولما آل الأمر إلى محمد صلى الله عليه وسلم قيل ~~له : { وقل رب زدنى علما } ( طه : 114 ) والعلم هو المقصود ، فلما كان موسى ~~عليه السلام كالمقدمة لمقدم محمد صلى الله عليه وسلم لا جرم أعطى المقدمة ، ~~ولما كان محمد كالمقصود لا جرم أعطى المقصود فسبحانه ما أدق حكمته في كل ~~شيء . وسادسها : الداعي له صفتان : إحداهما : أن يكون عبدا للرب : { وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب } ( البقرة : 186 ) . وثانيتهما : أن يكون الرب ~~له : { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } ( غافر : 60 ) أضاف نفسه إلينا وما ~~أضافنا إلى نفسه والمشتغل بالدعاء قد صار كاملا من هذين الوجهين فأراد موسى ~~عليه السلام أن يرتع في هذا البستان فقال : { رب اشرح لى صدرى } . وسابعها ~~: أن موسى عليه السلام شرفه الله تعالى بقوله : { وقربناه نجيا } ( مريم : ~~52 ) فكأن موسى عليه السلام قال إلهي لما قلت : { وقربناه نجيا } صرت قريبا ~~منك ولكن أريد قربك مني فقال يا موسى أما سمعت قولي : { وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب } فأشتغل بالدعاء حتى أصير قريبا منك فعند ذلك : { قال رب ~~اشرح لى صدرى } . وثامنها : قال موسى عليه السلام : { رب اشرح لى صدرى } ~~وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { ألم نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ) ثم ~~إنه تعالى ما تركه على هذه الحالة بل قال : { وسراجا منيرا } ( الأحزاب : ~~46 ) فانظر إلى التفاوت فإن شرح الصدر هو أن يصير الصدر / قابلا للنور ~~والسراج المنير ms6182 هو أن يعطي النور فالتفاوت بين موسى عليه السلام ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم كالتفاوت بين الآخذ والمعطي ثم نقول إلهنا إن ديننا وهي ~~كلمة لا إله إلا الله نور ، والوضوء نور ، والصلاة نور ، والقبر نور ، ~~والجنة نور ، فبحق أنوارك التي أعطيتنا في الدنيا لا تحرمنا أنوار فضلك ~~وإحسانك يوم القيامة . الفصل الرابع : في قوله : { رب اشرح لى صدرى } سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال : نور يقذف في القلب ، ~~فقيل : وما أمارته فقال : التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ~~والاستعداد للموت قبل النزول ، ويدل على أن شرح الصدر عبارة عن النور قوله ~~تعالى : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } ( الزمر : 22 ) ~~واعلم أن الله تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور ، أحدها : وصف ذاته ~~بالنور : { الله نور * السماوات والارض } ( النور : 35 ) . وثانيها : ~~الرسول : { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } ( المائدة : 15 ) . وثالثها ~~: القرآن : { واتبعوا النور الذى أنزل معه } ( الأعراف : 157 ) . ورابعها : ~~الإيمان : { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } ( التوبة : 32 ) . ~~وخامسها : عدل الله : { وأشرقت الارض بنور ربها } ( الزمر : 69 ) . وسادسها ~~: ضياء القمر : { وجعل القمر فيهن نورا } ( نوح : 16 ) ، وسابعها : النهار ~~: { وجعل الظلمات والنور } ( الأنعام : 1 ) . وثامنها : البينات : { إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( المائدة : 44 ) . وتاسعها : الأنبياء : { ~~نور على نور } ( النور : 35 ) . وعاشرها : المعرفة : { مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح } ( النور : 35 ) إذا ثبت هذا فنقول كأن موسى عليه السلام قال : ~~{ رب اشرح لى صدرى } بمعرفة أنوار جلالك وكبريائك . وثانيها : رب اشرح لي ~~صدري ، بالتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك . وثالثها : رب اشرح لي صدري ، باتباع ~~وحيك وامتثال أمرك ونهيك . ورابعها : رب اشرح لي صدري ، بنور الإيمان ~~PageV22P035 والإيقان بإلهيتك . وخامسها : رب اشرح صدري بالإطلاع على أسرار ~~عدلك في قضائك وحكمك . وسادسها : رب اشرح لي صدري بالإنتقال من نور شمسك ~~وقمرك إلى أنوار جلال عزتك كما فعله إبراهيم عليه السلام حيث انتقل من ~~الكوكب والقمر والشمس إلى حضرة العزة . وسابعها : رب اشرح لي ms6183 صدري من ~~مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل عدلك . وثامنها : رب اشرح لي ~~صدري بالإطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمواتك . وتاسعها : ~~رب اشرح لي صدري في أن أكون خلف صور الأنبياء المتقدمين ومتشبها بهم في ~~الإنقياد لحكم رب العالمين . وعاشرها : رب اشرح لي صدري بأن تجعل سراج ~~الإيمان في قلبي كالمشكاة التي فيها المصباح ، واعلم أن شرح الصدر عبارة عن ~~إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب كالسراج وذلك النور كالنار ، ومعلوم ~~أن من أراد أن يستوقد سراجا احتاج إلى سبعة أشياء : زند وحجر وحراق وكبريت ~~ومسرجة وفتيلة ودهن . فالعبد إذا طلب النور الذي هو شرح الصدر افتقر إلى ~~هذه السبعة . فأولها : لا بد من زند المجاهدة : { والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا } ( العنكبوت : 69 ) . وثانيها : حجر التضرع : { ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية } ( الأعراف : 55 ) . وثالثها : حراق منع الهوى : { ونهى النفس ~~عن الهوى } ( النازعات : 40 ) . ورابعها : كبريت الإنابة : { وأنيبوا إلى ~~ربكم } الزمر : 54 ) ملطخا رؤوس تلك / الخشبات بكبريت توبوا إلى الله . ~~وخامسها : مسرجة الصبر : { واستعينوا بالصبر والصلواة } ( البقرة : 45 ) . ~~وسادسها : فتيلة الشكر : { لئن شكرتم لازيدنكم } ( إبراهيم : 7 ) . وسابعها ~~: دهن الرضا : { واصبر لحكم ربك } ( الطور : 48 ) أي ارض بقضاء ربك فإذا ~~صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن لا تطلب المقصود إلا من حضرته ~~: { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها } ( فاطر : 2 ) ثم اطلبها ~~بالخشوع والخضوع : { وخشعت الاصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا } ( طه : 108 ~~) فعند ذلك ترفع يد التضرع وتقول : { رب اشرح لى صدرى } فهنالك تسمع ؛ { قد ~~أوتيت سؤلك ياموسى * موسى } ( طه : 36 ) ثم نقول هذا النور الروحاني المسمى ~~بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه : أحدها : الشمس تحجبها غمامة ~~وشمس المعرفة لا يحجبها السموات السبع : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر ~~: 10 ) . وثانيها : الشمس تغيب ليلا وتعود نهارا قال إبراهيم عليه السلام : ~~{ لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) أما شمس المعرفة فلا تغيب ليلا : { إن ~~ناشئة اليل هى أشد } ( المزمل : 6 ) { والمنفقين والمستغفرين ms6184 بالاسحار } ( ~~آل عمران : 17 ) بل أكمل الخلع الروحانية تحصل في الليل : { سبحان الذى ~~أسرى بعبده ليلا } ( الإسراء : 1 ) . وثالثها : الشمس تفنى : { إذا الشمس ~~كورت } ( التكوير : 1 ) وشمس المعرفة لا تفنى : { سلام قولا من رب رحيم } ( ~~يس : 58 ) . ورابعها : الشمس إذا قابلها القمر انكسفت أما ههنا فشمس ~~المعرفة وهي معرفة أشهد أن لا إله إلا الله ما لم يقابلها قمر أشهد أن ~~محمدا رسول الله لم يصل نوره إلى عالم الجوارح . وخامسها : الشمس تسود ~~الوجوه والمعرفة تبيضها : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } ( آل عمران : 106 ) ~~. وسادسها : الشمس تحرق والمعرفة تنجي من الحرق ، جزيا مؤمن فإن نورك قد ~~أطفأ لهبي . وسابعها : الشمس تصدع والمعرفة تصعد : { إليه يصعد الكلم الطيب ~~} ( فاطر : 10 ) . وثامنها : الشمس منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في ~~العقبى : { والباقيات الصالحات خير } ( الكهف : 46 ) . وتاسعها : الشمس في ~~السماء زينة لأهل الأرض والمعرفة في الأرض زينة لأهل السماء . وعاشرها : ~~الشمس فوقاني الصورة تحتاني المعنى PageV22P036 وذلك يدل على الحسد مع ~~التكبر ، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى ، وذلك يدل على ~~التواضع مع الشرف . وحادي عشرها : الشمس تعرف أحوال الخلق وبالمعرفة يصل ~~القلب إلى الخالق . وثاني عشرها : الشمس تقع على الولي والعدو والمعرفة لا ~~تحصل إلا للولي فلما كانت المعرفة موصوفة بهذه الصفات النفيسة لا جرم قال ~~موسى : { رب اشرح لى صدرى } وأما النكت : فإحداها : الشمس سراج استوقدها ~~الله تعالى للفناء : { كل من عليها فان } ( الرحمن : 26 ) والمعرفة ~~استوقدها للبقاء فالذي خلقها للفناء لو قرب الشيطان منها لاحترق : { شهابا ~~رصدا } ( الجن : 9 ) والمعرفة التي خلقها للبقاء كيف يقرب منها الشيطان : { ~~رب اشرح لى صدرى } . وثانيتها : استوقد الله الشمس في السماء وإنها تزيل ~~الظلمة عن بيتك مع بعدها عن بيتك ، وأوقد شمس المعرفة في قلبك أفلا تزيل ~~ظلمة المعصية والكفر عن قلبك مع قربها منك . وثالثتها : من استوقد سراجا ~~فإنه لا يزال يتعهده ويمده والله تعالى هو الموقد لسراج المعرفة : { ولاكن ~~الله حبب إليكم الايمان } ( الحجرات : 7 ) أفلا يمده وهو معنى قوله : { رب ~~اشرح لى ms6185 صدرى } . ورابعتها : اللص إذا رأى السراج يوقد في البيت لا يقرب ~~منه والله قد أوقد سراج المعرفة في / قلبك فكيف يقرب الشيطان منه فلهذا قال ~~: { رب اشرح لى صدرى } . وخامستها : المجوس أوقدوا نارا فلا يريدون إطفاءها ~~والملك القدوس أوقد سراج الإيمان في قلبك فكيف يرضى بإطفائه ، واعلم أنه ~~سبحانه وتعالى أعطى قلب المؤمن تسع كرامات ، أحدها : الحياة : { أو من كان ~~ميتا فأحييناه } ( الأنعام : 122 ) فلما رغب موسى عليه السلام في الحياة ~~الروحانية قال : { رب اشرح لى صدرى } ثم النكتة أنه عليه السلام قال من ~~أحيا أرضا ميتة فهي له فالعبد لما أحيا أرضا فهي له فالرب لما خلق القلب ~~وأحياه بنور الإيمان فكيف يجوز أن يكون لغيره فيه نصيب : { قل الله ثم ذرهم ~~} ( الأنعام : 91 ) وكما أن الإيمان حياة القلب بالكفر موته : { أموات غير ~~أحياء وما يشعرون } ( النحل : 21 ) . وثانيها : الشفاء : { ويشف صدور قوم ~~مؤمنين } ( التوبة : 14 ) فلما رغب موسى في الشفاء رفع الأيدي قال : { رب ~~اشرح لى صدرى } والنكتة أنه تعالى لما جعل الشفاء في العسل بقي شفاء أبدا ~~فههنا لما وضع الشفاء في الصدر فكيف لا يبقى شفاء أبدا . وثالثها : الطهارة ~~: { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } ( الحجرات : 3 ) فلما رغب موسى ~~عليه السلام في تحصيل طهارة التقوى قال : { رب اشرح لى صدرى } والنكتة أن ~~الصائغ إذا امتحن الذهب مرة فبعد ذلك لا يدخله في النار فههنا لما امتحن ~~الله قلب المؤمن فكيف يدخله النار ثانيا ولكن الله يدخل في النار قلب ~~الكافر : { ليميز الله الخبيث من الطيب } ( الأنفال : 37 ) . ورابعها : ~~الهداية ومن يؤمن بالله يهد قلبه فرغب موسى عليه السلام في طلب زوائد ~~الهداية فقال : { رب اشرح لى صدرى } والنكتة أن الرسول يهدي نفسك والقرآن ~~يهدي روحك والمولى يهدي قلبك فلما كانت الهداية من الكفر من محمد صلى الله ~~عليه وسلم لا جرم تارة تحصل وأخرى لا تحصل : { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن ~~الله يهدى من يشاء } ( القصص : 56 ) وهداية الروح لما كانت من القرآن فتارة ms6186 ~~تحصل وأخرى لا تحصل : { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ( البقرة : 26 ) أما ~~هداية القلب فلما كانت من الله تعالى فإنها لا تزول لأن الهادي لا يزول : { ~~ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } ( يونس : 25 ) . وخامسها : الكتابة : { ~~أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان } ( المجادلة : 22 ) فلما رغب موسى عليه ~~السلام في تلك الكتابة قال : { رب اشرح لى صدرى } وفيه نكت : PageV22P037 ~~الأولى : أن الكاغدة ليس لها خطر عظيم وإذا كتب فيها القرآن لم يجز إحراقها ~~فقلب المؤمن كتب فيه جميع أحكام ذات الله تعالى وصفاته فكيف يليق بالكريم ~~إحراقه . الثانية : بشر الحافي أكرم كاغدا فيه اسم الله تعالى فنال سعادة ~~الدارين فإكرام قلب فيه معرفة الله تعالى أولى بذلك . والثالثة : كاغد ليس ~~فيه خط إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى أنه لا يجوز للجنب ~~والحائض أن يمسه بل قال الشافعي رحمه الله تعالى ليس له أن يمس جلد المصحف ~~، وقال الله تعالى : { لا يمسه إلا المطهرون } ( الواقعة : 79 ) فالقلب ~~الذي فيه أكرم المخلوقات : { ولقد كرمنا بنىءادم } ( الإسراء : 70 ) كيف ~~يجوز للشيطان الخبيث أن يمسه والله أعلم . وسادسها : السكينة : { هو الذى ~~أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين } ( الفتح : 4 ) فلما رغب موسى عليه السلام ~~في طلب السكينة قال : { رب اشرح لى صدرى } والنكتة أن أبا بكر رضي الله عنه ~~كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان خائفا فلما نزلت السكينة عليه ~~قال : لا تحزن فلما نزلت سكينة / الإيمان فرجوا أن يسمعوا خطاب : { ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا } ( فصلت : 30 ) وأيضا لما نزلت السكينة صار من الخلفاء ~~: { وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الارض } ( ~~النور : 55 ) أي أن يصيروا خلفاء الله في أرضه . وسابعها : المحبة والزينة ~~: { ولاكن الله حبب إليكم الايمان * وزينة * في قلوبكم } ( الحجرات : 7 ) ~~والنكتة أن من ألقى حبة في أرض فإنه لا يفسدها ولا يحرقها فهو سبحانه ~~وتعالى ألقى حبة المحبة في أرض القلب فكيف يحرقها . وثامنها : { وألف بين * ~~قلوبكم } ( الأنفال : 63 ) والنكتة أن محمدا ms6187 صلى الله عليه وسلم ألف بين ~~قلوب أصحابه ثم إنه ما تركهم ( في ) غيبة ولا حضور : ( سلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين ) فالرحيم كيف يتركهم . وتاسعها : الطمأنينة : { ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) وموسى طلب الطمأنينة فقال : { رب ~~اشرح لى صدرى } والنكتة أن حاجة العبد لا نهاية لها فلهذا لو أعطى كل ما في ~~العالم من الأجسام فإنه لا يكفيه لأن حاجته غير متناهية والأجسام متناهية ~~والمتناهي لا يصير مقابلا لغير المتناهي بل الذي يكفي في الحاجة الغير ~~المتناهية الكمال الذي لا نهاية له وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى فلهذا ~~قال : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ولما عرفت حقيقة شرح الصدر للمؤمنين ~~فاعرف صفات قلوب الكافرين لوجوه : أحدها : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم . ~~وثانيها : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم . وثالثها : في قلوبهم مرض . ورابعها ~~: جعلنا قلوبهم قاسية . وخامسها : إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه . ~~وسادسها : ختم الله على قلوبهم . وسابعها : أم على قلوب أقفالها . وثامنها ~~: كلا بل ران على قلوبهم . وتاسعها : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم . ~~إلهنا وسيدنا بفضلك وإحسانك أغلق هذه الأبواب التسعة من خذلانك عنا واجبرنا ~~بإحسانك وافتح لنا تلك الأبواب التسعة من إحسانك بفضلك ورحمتك إنك على ما ~~تشاء قدير . الفصل الخامس : في حقيقة شرح الصدر ، ذكر العلماء فيه وجهين : ~~الأول : أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا لا بالرغبة ولا بالرهبة أما ~~الرغبة فهي أن يكون متعلق القلب بالأهل والولد وبتحصيل مصالحهم ودفع المضار ~~عنهم ، وأما الرهبة فهي أن يكون خائفا من الأعداء والمنازعين فإذا شرح الله ~~صدره صغر كل ما يتعلق بالدنيا في عين همته ، فيصير كالذباب والبق والبعوض ~~لا تدعوه رغبة إليها ولا تمنعه رهبة عنها ، فيصير الكل عنده كالعدم وحينئذ ~~يقبل القلب بالكلية نحو طلب مرضاة الله تعالى ، فإن القلب في المثال كينبوع ~~من الماء والقوة البشرية لضعفها كالينبوع الصغير فإذا فرقت ماء العين ~~PageV22P038 الواحدة على الجداول الكثيرة ضعفت الكل فأما إذا انصب الكل في ~~موضع واحد قوي فسأل ms6188 موسى عليه السلام ربه أن يشرح له صدره بأن يوفقه على ~~معايب الدنيا وقبح صفاتها حتى يصير قلبه نفورا عنها فإذا حصلت النفرة توجه ~~إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات بالكلية . الثاني : أن موسى عليه السلام ~~لما نصب لذلك المنصب العظيم احتاج إلى تكاليف شاقة منها ضبط الوحي ~~والمواظبة على خدمة الخالق سبحانه وتعالى ومنها إصلاح العالم الجسداني ~~فكأنه صار مكلفا بتدبير العالمين والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال ~~بالآخر ، ألا ترى أن المشتغل بالإبصار يصير / ممنوعا عن السماع والمشتغل ~~بالسماع يصير ممنوعا عن الإبصار والخيال ، فهذه القوى متجاذبة متنازعة وأن ~~موسى عليه السلام كان محتاجا إلى الكل ومن استأنس بجمال الحق استوحش من ~~جمال الخلق فسأل موسى ربه أن يشرح صدره بأن يفيض عليه كمالا من القوة لتكون ~~قوته وافية بضبط العالمين فهذا هو المراد من شرح الصدر . وذكر العلماء لهذا ~~المعنى أمثلة . المثال الأول : اعلم أن البدن بالكلية كالمملكة والصدر ~~كالقلعة والفؤاد كالقصر والقلب كالتخت والروح كالملك والعقل كالوزير ~~والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة والغضب كالاسفهسالار ~~الذي يشتغل بالضرب والتأديب أبدا والحواس كالجواسيس وسائر القوى كالخدم ~~والعملة والصناع ثم إن الشيطان خصم لهذه البلدة ولهذه القلعة ولهذا الملك ~~فالشيطان هو الملك والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده فأول ما أخرج ~~الروح وزيره وهو العقل فكذا الشيطان أخرج في مقابلته الهوى فجعل العقل يدعو ~~إلى الله تعالى والهوى يدعو إلى الشيطان ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة ~~للعقل فأخرج الشيطان في مقابلة الفطنة الشهوة ، فالفطنة توقفك على معايب ~~الدنيا والشهوة تحركك إلى لذات الدنيا ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة ~~لتقوي الفطنة بالفكرة فتقف على الحاضر والغائب من المعائب على ما قال عليه ~~السلام : ( تفكر ساعة خير من عبادة سنة ) فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة ~~الغفلة ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحا والقبيح ~~حسنا والحلم يوقف العقل على قبح الدنيا فأخرج الشيطان في مقابلته العجلة ~~والسرعة فلهذا قال عليه السلام : ( ما دخل الرفق ms6189 في شيء إلا زانه ولا الخرق ~~في شيء إلا شانه ) ولهذا خلق السموات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق ~~والثبات فهذه هي الخصومة الواقعة بين الصنفين ، وقلبك وصدرك هو القلعة . ثم ~~إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقا وهو الزهد في الدنيا وعدم الرغبة فيها ~~وله سور وهو الرغبة الآخرة ومحبة الله تعالى فإن كان الخندق عظيما والسور ~~قويا عجز عسكر الشيطان عن تخريبه فرجعوا وراءهم وتركوا القلعة كما كانت وإن ~~كان خندق الزهد غير عميق وسور حب الآخرة غير قوي قدر الخصم على استفتاح ~~قلعة الصدر فيدخلها ويبيت فيها جنوده من الهوى والعجب والكبر والبخل وسوء ~~الظن بالله تعالى والنميمة والغيبة فينحصر الملك في القصر ويضيق الأمر عليه ~~فإذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح الأمر وانشرح الصدر ~~وخرجت ظلمات الشيطان ودخلت أنوار هداية رب العالمين وذلك هو المراد بقوله : ~~{ رب اشرح لى صدرى } . المثال الثاني : اعلم أن معدن النور هو القلب ~~واشتغال الإنسان بالزوجة والولد والرغبة في مصاحبة الناس والخوف من الأعداء ~~هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر فإذا قوى الله ~~PageV22P039 بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة فائدتهم في الدارين صغروا ~~في عينه ولا شك في أنهم من حيث هم عدم محض على ما قال تعالى : { كل شىء ~~هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) فلا يزال العبد يتأمل فيما سوى الله تعالى ~~إلى أن يشاهد أنهم عدم محض فعند ذلك يزول / الحجاب بين قلبه وبين أنوار ~~جلال الله تعالى وإذا زال الحجاب امتلأ القلب من النور فذلك هو انشراح ~~الصدر . # الفصل السادس : في الصدر علم أنه يجيء والمراد منه القلب : { أفمن شرح ~~الله صدره للإسلام } ( الزمر : 22 ) ، { رب اشرح لى صدرى } ، { وحصل ما فى ~~الصدور } ( العاديات : 10 ) ، { يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور } ( ~~غافر : 19 ) وقد يجيء والمراد الفضاء الذي فيه الصدر : { فإنها لا تعمى ~~الابصار ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) واختلف الناس في ~~أن محل ms6190 العقل هل هو القلب أو الدماغ وجمهور المتكلمين على أنه القلب ، وقد ~~شرحنا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله : { نزل به الروح الامين ~~* على قلبك } ( الشعراء : 193 ، 194 ) وقال بعضهم المواد أربعة : الصدر ~~والقلب والفؤاد واللب فالصدر مقر الإسلام : { أفمن شرح الله صدره للإسلام } ~~( الزمر : 22 ) والقلب مقر الإيمان : { ولاكن الله حبب إليكم الايمان * ~~وزينة * في قلوبكم } ( الحجرات : 7 ) والفؤاد مقر المعرفة : { ما كذب ~~الفؤاد ما رأى } ( النجم : 11 ) ، { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولائك كان ~~عنه مسؤولا } ( الإسراء : 36 ) واللب مقر التوحيد : { إنما يتذكر أولو ~~الالباب } ( الرعد : 19 ) واعلم أن القلب أول ما بعث إلى هذا العالم بعث ~~خاليا عن النقوش كاللوح الساذج وهو في عالم البدن كاللوح المحفوظ ، ثم إنه ~~تعالى يكتب فيه بقلم الرحمة والعظمة كل ما يتعلق بعالم العقل من نقوش ~~الموجودات وصور الماهيات وذلك يكون كالسطر الواحد إلى آخر قيام القيامة ~~لهذا العالم الأصغر وذلك هو الصورة المجردة والحالة المطهرة ، ثم إن العقل ~~يركب سفينة التوفيق ويلقيها في بحار أمواج المعقولات وعوالم الروحانيات ~~فيحصل من مهاب رياح العظمة والكبرياء رخاء السعادة تارة ودبور الإدبار أخرى ~~، فربما وصلت سفينة النظر إلى جانب مشرق الجلال فتسطع عليه أنوار الإلهية ~~ويتخلص العقل عن ظلمات الضلالات ، وربما توغلت السفينة في جنوب الجهالات ~~فتنكسر وتغرق فحيثما تكون السفينة في ملتطم أمواج العزة يحتاج حافظ السفينة ~~إلى التماس الأنوار والهدايات فيقول هناك : { رب اشرح لى صدرى } واعلم أن ~~العقل إذا أخذ في الترقي من سفل الإمكان إلى علو الوجوب كثر اشتغاله ~~بمطالعة الماهيات ومقارفة المجردات والمفارقات ، ومعلوم أن كل ماهية فهي ~~إما هي معه أو هي له ، فإن كانت هي معه امتلأت البصيرة من أنوار جلال العزة ~~الإلهية فلا يبقى هناك مستطلعا لمطالعة سائر الأنوار فيضمحل كل ما سواه من ~~بصر وبصيرة ، وإن وقعت المطالعة لما هو له حصلت هناك حالة عجيبة ، وهي أنه ~~لو وضعت كرة صافية من البلور فوقع عليها شعاع الشمس فينعكس ذلك الشعاع إلى ~~موضع ms6191 معين فذلك الموضع الذي إليه تنعكس الشعاعات يحترق فجميع الماهيات ~~الممكنة كالبلور الصافي الموضوع في مقابلة شمس القدس ونور العظمة ومشرق ~~الجلال ، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت للقلب نسبة إليها بأسرها فينعكس ~~شعاع كبرياء الإلهية عن كل واحد منها إلى القلب فيحترق القلب ، ومعلوم أنه ~~كلما كان المحرق أكثر ، كان الإحتراق أتم فقال : { رب اشرح لى صدرى } حتى ~~أقوى على إدراك درجات الممكنات فأصل إلى / مقام الاحتراق بأنوار الجلال ، ~~وهذا هو المراد بقوله عليه السلام : ( أرنا الأشياء كما هي ) فلما شاهد ~~احتراقها بأنوار الجلال قال : ( لا أحصى ثناء عليك ) . PageV22P040 # الفصل السابع : في بقية الأبحاث إنما قال : { رب اشرح لى صدرى } ولم يقل ~~رب اشرح صدري ليظهر أن منفعة ذلك الشرح عائدة إلى موسى عليه السلام لا إلى ~~الله ، وأما كيفية شرح صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمفاضلة بينه ~~وبين شرح صدر موسى عليه السلام فنذكره إن شاء الله في تفسير قوله : { ألم ~~نشرح لك صدرك } ( الشرح : 1 ) والله أعلم بالصواب . # المطلوب الثاني : قوله : { ويسر لى أمرى } والمراد منه عند أهل السنة ~~خلقها وعند المعتزلة تحريك الدواعي والبواعث بفعل الألطاف المسهلة ، فإن ~~قيل : كل ما أمكن من اللطف فقد فعله الله تعالى فأي فائدة في هذا السؤال ، ~~قلنا يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن فعلها إلا بعد هذا السؤال ~~ففائدة السؤال حسن فعل تلك الألطاف . # المطلوب الثالث : قوله : { واحلل عقدة من لسانى * يفقهوا قولي } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن النطق فضيلة عظيمة ويدل عليه وجوه . أحدها : ~~قوله تعالى : { خلق الإنسان * علمه البيان } ( الرحمن : 3 ، 4 ) ولم يقل ~~وعلمه البيان لأنه لو عطفه عليه لكان مغايرا له ، أما إذا ترك الحرف العاطف ~~صار قوله : { علمه البيان } كالتفسير لقوله : { خلق الإنسان } كأنه إنما ~~يكون خالقا للإنسان إذا علمه البيان ، وذلك يرجع إلى الكلام المشهور من أن ~~ماهية الإنسان هي الحيوان الناطق . وثانيها : اتفاق العقلاء على تعظيم أمر ~~اللسان ، قال زهير : # % لسان الفتى نصف ونصف فؤاده % % فلم ms6192 يبق إلا صورة اللحم والدم % # وقال علي : ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة . ~~والمعنى أنا لو أزلنا الإدراك الذهني والنطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا ~~القدر الحاصل في البهائم ، وقالوا : المرء بأصغريه قلبه ولسانه . وقال صلى ~~الله عليه وسلم : ( المرء مخبوء تحت لسانه ) . وثالثها : أن في مناظرة آدم ~~مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال : { قال ياءادم أنبئهم ~~بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والارض } ( البقرة : 33 ) . ورابعها : أن الإنسان جوهر مركب من الروح ~~والقالب وروحه من عالم الملائكة فهو يستفيد أبدا صور المغيبات من عالم ~~الملائكة ثم بعد تلك الاستفادة يفيضها على عالم الأجسام وواسطته في تلك ~~الاستفادة هي الفكر الذهني وواسطته في هذه الإفادة هي النطق اللساني فكما ~~أن تلك الواسطة أعظم العبادات حتى قيل : ( تفكر ساعة خير من عبادة سنة ) ~~فكذلك الواسطة في الإفادة يجب أن تكون أشرف الإعضاء فقوله : { رب اشرح لى ~~صدرى } إشارة إلى طلب النور الواقع في الروح ، وقوله : { ويسر لى أمرى } ~~إشارة إلى تحصيل ذلك وتسهيل ذلك التحصيل ، وعند ذلك يحصل الكمال في تلك ~~الاستفادة الروحانية فلا يبقى بعد هذا إلا المقام البياني وهو إفاضة ذلك ~~الكمال على الغير وذلك لا يكون / إلا باللسان . فلهذا قال : { واحلل عقدة ~~من لسانى } . وخامسها : وهو أن العلم أفضل المخلوقات على ما ثبت والجود ~~والإعطاء أفضل الطاعات ، وليس في الأعضاء أفضل من اليد ، فاليد لما كانت ~~آلة في العطية الجسمانية قيل : ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) فالعلم ~~الذي هو خير من المال لما كانت آلة إعطائه اللسان وجب أن يكون أشرف الأعضاء ~~، ولا شك أن اللسان هو الآلة في إعطاء المعارف فوجب أن يكون أشرف الأعضاء ، ~~ومن الناس من مدح الصمت لوجوه ، PageV22P041 أحدها : قوله عليه السلام : ( ~~الصمت حكمة وقليل فاعله ) ويروى أن الإنسان تفكر أعضاؤه اللسان ويقلن اتق ~~الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا . وثانيها : أن ~~الكلام على أربعة أقسام ms6193 منه ما ضرره خالص أو راجح ، ومنه ما يستوي الضرر ~~والنفع فيه ومنه ما نفعه راجح ومنه ما هو خالص النفع ، أما الذي ضرره خالص ~~أو راجح فواجب الترك ، والذي يستوي الأمران فيه فهو عيب ، فبقي القسمان ~~الأخيران وتخليصهما عن زيادة الضرر عسر ، فالأولى ترك الكلام . وثالثها : ~~أن ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق معلوم أو موهوم إلا واللسان يتناوله ~~ويتعرض له بإثبات أو نفي ، فإن كل ما يتناوله الضمير يعبر عنه اللسان بحق ~~أو باطل ، وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء ، فإن العين لا تصل إلى غير ~~الألوان ، والصور والآذان لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف ، واليد لا تصل ~~إلى غير الأجسام ، وكذا سائر الأعضاء بخلاف اللسان فإنه رحب الميدان ليس له ~~نهاية ولا حد فله في الخير مجال رحب وله في الشر بحر سحب ، وإنه خفيف ~~المؤنة سهل التحصيل بخلاف سائر المعاصي فإنه يحتاج فيها إلى مؤن كثيرة لا ~~يتيسر تحصيلها في الأكثر فلذلك كان الأولى ترك الكلام . ورابعها : قالوا : ~~ترك الكلام له أربعة أسماء الصمت والسكوت والإنصات والإصاخة ، فأما الصمت ~~فهو أعمها لأنه يستعمل فيما يقوى على النطق وفيما لا يقوى عليه ولهذا يقال ~~: مال ناطق وصامت وأما السكوت فهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام والانصات ~~سكوت مع استماع ومتى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له إنصات قال تعالى : { ~~فاستمعوا له وأنصتوا } ( الأعراف : 204 ) والإصاخة استماع إلى ما يصعب ~~إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد . واعلم أن الصمت عدم ولا فضيلة فيه ~~بل النطق في نفسه فضيلة والرذيلة في محاورته ولولاه لما سأل كليم الله ذلك ~~في قوله تعالى : { واحلل عقدة من لسانى } . # المسألة الثانية : اختلفوا في تلك العقدة التي كانت في لسان موسى عليه ~~السلام على قولين ، الأول : كان ذلك التعقد خلقة الله تعالى فسأل الله ~~تعالى إزالته . الثاني : السبب فيه أنه عليه السلام حال صباه أخذ لحية ~~فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال هذا هو الذي يزول ملكي على يده ms6194 فقالت ~~آسية : إنه صبي لا يعقل وعلامته أن تقرب منه التمرة والجمرة فقربا إليه ~~فأخذ الجمرة فجعلها في فيه وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال لم تحترق اليد ولا ~~اللسان لأن اليد آلة أخذ العصا وهي الحجة / واللسان آلة الذكر فكيف يحترق ~~ولأن إبراهيم عليه السلام لم يحترق بنار نمروذ وموسى عليه السلام لم يحترق ~~حين ألقى في التنور فكيف يحترق هنا ؟ ومنهم من قال : احترقت اليد دون ~~اللسان لئلا يحصل حق المواكلة والممالحة . الثالث : احترق اللسان دون اليد ~~لأن الصولة ظهرت باليد أما اللسان فقد خاطبه بقوله يا أبت . والرابع : ~~احترقا معا لئلا تحصل المواكلة والمخاطبة . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه عليه السلام لم طلب حل تلك العقدة على ~~وجوه . أحدها : لئلا يقع في أداء الرسالة خلل ألبتة . وثانيها : لإزالة ~~التنفير لأن العقدة في اللسان قد تفضي إلى الإستخفاف بقائلها وعدم الالتفات ~~إليه . وثالثها : إظهارا للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عليه السلام عن ~~الكلام كان معجزا في حقه فكذا إطلاق لسان موسى عليه السلام معجز في حقه . ~~ورابعها : طلب السهولة لأن إيراد مثل هذا الكلام على مثل فرعون في جبروته ~~وكبره عسر جدا فإذا انضم إليه تعقد اللسان بلغ العسر إلى النهاية ، فسأل ~~ربه إزالة تلك العقدة تخفيفا وتسهيلا . # المسألة الرابعة : قال الحسن رحمه الله : إن تلك العقدة زالت بالكلية ~~بدليل قوله تعالى : { قد أوتيت سؤلك ياموسى * موسى } PageV22P042 ( طه : 36 ~~) وهو ضعيف لأنه عليه السلام لم يقل واحلل العقدة من لساني بل قال : { ~~واحلل عقدة من لسانى } فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله ، والحق أنه ~~انحل أكثر العقد وبقي منها شيء قليل لقوله : حكاية عن فرعون { أم أنا خير ~~من هاذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين } ( الزخرف : 52 ) أي يقارب أن لا يبين ~~وفي ذلك دلالة على أنه كان يبين مع بقاء قدر من الانعقاد في لسانه وأجيب ~~عنه من وجهين . أحدهما : المراد بقوله : ولا يكاد يبين أي لا يأتي ببيان ~~ولا حجة . والثاني : إن كاد ms6195 بمعنى قرب ولو كان المراد هو البيان اللساني ~~لكان معناه أنه لا يقارب البيان فكان فيه نفي البيان بالكلية وذلك باطل ~~لأنه خاطب فرعون والجمع وكانوا يفقهون كلامه فكيف يمكن نفي البيان أصلا بل ~~إنما قال ذلك تمويها ليصرف الوجوه عنه قال أهل الإشارة إنما قال : { واحلل ~~عقدة من لسانى } لأن حل العقد كلها نصيب محمد صلى الله عليه وسلم وقال ~~تعالى : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن } ( الأنعام : 152 ) ~~فلما كان ذلك حقا ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله والله أعلم . # المطلوب الرابع : قوله : { واجعل لى وزيرا من أهلى } واعلم أن طلب الوزير ~~إما أن يكون لأنه خاف من نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر فطلب المعين أو ~~لأنه رأى أن للتعاون على الدين والتظاهر عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة ~~مزية عظيمة في أمر الدعاء إلى الله ولذلك قال عيسى ابن مريم : { من أنصارى ~~إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله } ( آل عمران : 52 ) وقال لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم : { حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } ( الأنفال : 64 ) ~~وقال عليه السلام : ( إن لي في السماء وزيرين وفي الأرض وزيرين ، فاللذان ~~في السماء جبريل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر ) وههنا مسائل : # المسألة الأولى : الوزير من الوزر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنه أو ~~من الوزر / وهو الجبل الذي يتحصن به لأن الملك يعتصم برأيه في رعيته ويفوض ~~إليه أموره أو من الموازرة وهي المعاونة ، والموازرة مأخوذة من إزار الرجل ~~وهو الموضع الذي يشده الرجل إذا استعد لعمل أمر صعب قاله الأصمعي وكان ~~القياس أزيرا فقلبت الهمزة إلى الواو . # المسألة الثانية : قال عليه السلام : ( إذا أراد الله بملك خيرا قيض له ~~وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن نوى خيرا أعانه وإن أراد شرا كفه ) وكان ~~أنوشروان يقول : لا يستغني أجود السيوف عن الصقل ، ولا أكرم الدواب عن ~~السوط ، ولا أعلم الملوك عن الوزير . # المسألة الثالثة : إن قيل الإستعانة بالوزير إنما يحتاج إليها الملوك أما ms6196 ~~الرسول المكلف بتبليغ الرسالة والوحي من الله تعالى إلى قوم على التعيين ~~فمن أين ينفعه الوزير ؟ وأيضا فإنه عليه السلام سأل ربه أن يجعله شريكا له ~~في النبوة فقال : { وأشركه فى أمرى } فكيف يكون وزيرا . والجواب : عن الأول ~~أن التعاون على الأمر والتظاهر عليه مع مخالصة الود وزوال التهمة له مزية ~~عظيمة في تأثير الدعاء إلى الله تعالى فكان موسى عليه السلام واثقا بأخيه ~~هرون فسأل ربه أن يشد به أزره حتى يتحمل عنه ما يمكن من الثقل في الإبلاغ . # المطلوب الخامس : أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه . # المطلوب السادس : أن يكون الوزير الذي من أهله هو أخوه هارون وإنما سأل ~~ذلك لوجهين . أحدهما : أن التعاون على الدين منقبة عظيمة فأراد أن لا تحصل ~~هذه الدرجة إلا لأهله ، أو لأن كل واحد منهما كان في PageV22P043 غاية ~~المحبة لصاحبه والموافقة له ، وقوله هارون في انتصابه وجهان . أحدهما : أنه ~~مفعول الجعل على تقدير اجعل هارون أخي وزيرا لي . والثاني : على البدل من ~~وزيرا وأخي نعت لهرون أو بدل ، واعلم أن هارون عليه السلام كان مخصوصا ~~بأمور منها الفصاحة لقوله تعالى عن موسى : { وأخى * هرون هو أفصح * منى ~~لسانا } ( القصص : 34 ) ومنها أنه كان فيه رفق قال : { أمرى قال يبنؤم لا ~~تأخذ بلحيتى ولا برأسى } ( طه : 94 ) ومنها أنه كان أكبر سنا منه . # المطلوب السابع : قوله : أشدد به أزري وفيه مسائل : # المسألة الأولى : القراءة العامة : { اشدد به * وأشركه } على الدعاء وقرأ ~~ابن عامر وحده : { اشدد * وأشركه } على الجزاء والجواب ، حكاية عن موسى ~~عليه السلام أي أنا أفعل ذلك ويجوز لمن قرأ على لفظ الأمر أن يجعل { أخى } ~~مرفوعا على الابتداء { واشدد * به } خبره ويوقف على هارون . # المسألة الثانية : الأزر القوة وآزره قواه قال تعالى : { فازره } أي ~~أعانه قال أبو عبيدة { أزرى } أي ظهري وفي كتاب الخليل : الأزر الظهر . # المسألة الثالثة : أنه عليه السلام لما طلب من الله تعالى أن جعل هرون ~~وزيرا له طلب منه أن يشد به أزره ويجعله ms6197 ناصرا له لأنه لا اعتماد على ~~القرابة . # / المطلوب الثامن : قوله : { وأشركه فى أمرى } والأمر ههنا النبوة ، ~~وإنما قال ذلك لأنه عليه السلام علم أنه يشد به عضده وهو أكبر منه سنا ~~وأفصح منه لسانا ثم إنه سبحانه وتعالى حكى عنه ما لأجله دعا بهذا الدعاء ~~فقال : { كى نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا } والتسبيح يحتمل أن يكون باللسان ~~وأن يكون بالاعتقاد ، وعلى كلا التقديرين فالتسبيح تنزيه الله تعالى في ~~ذاته وصفاته وأفعاله عما لا يليق به ، وأما الذكر فهو عبارة عن وصف الله ~~تعالى بصفات الجلال والكبرياء ولا شك أن النفي مقدم على الإثبات ، أما قوله ~~تعالى : { إنك كنت بنا بصيرا } ففيه وجوه : أحدها : إنك عالم بأنا لا نريد ~~بهذه الطاعات إلا وجهك ورضاك ولا نريد بها أحدا سواك . وثانيها : { كنت بنا ~~بصيرا } لأن هذه الاستعانة بهذه الأشياء لأجل حاجتي في النبوة إليها . ~~وثالثها : إنك بصير بوجوه مصالحنا فأعطنا ما هو أصلح لنا ، وإنما قيد ~~الدعاء بهذا إجلالا لربه عن أن يتحكم عليه وتفويضا للأمر بالكلية إليه . # ! 7 < { قال قد أوتيت سؤلك ياموسى * ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينآ ~~إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه فى التابوت فاقذفيه فى اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لى وعدو له وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عينى* إذ ~~تمشىأختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها ولا ~~تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين فىأهل مدين ثم ~~جئت على قدر ياموسى * واصطنعتك لنفسى * اذهب أنت وأخوك بأاياتى ولا تنيا فى ~~ذكرى * اذهبآ إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ~~> 7 @QB@ < # | طه : ( 36 - 44 ) قال قد أوتيت . . . . . # > > PageV22P044 # / اعلم أن السؤال هو الطلب فعل بمعنى مفعول كقولك خبز بمعنى مخبوز وأكل ~~بمعنى مأكول ، واعلم أن موسى عليه السلام لما سأل ربه تلك الأمور الثمانية ~~، وكان من المعلوم أن قيامه بما كلف به تكليف لا يتكامل إلا بإجابته إليها ~~، لا جرم أجابه الله ms6198 تعالى إليها ليكون أقدر على الإبلاغ على الحد الذي كلف ~~به فقال : { قد أوتيت سؤلك ياموسى * موسى } وعد ذلك من النعم العظام عليه ~~لما فيه من وجوه المصالح ثم قال : { ولقد مننا عليك مرة أخرى } فنبه بذلك ~~على أمور : أحدها : كأنه تعالى قال : إني راعيت مصلحتك قبل سؤالك فكيف لا ~~أعطيك مرادك بعد السؤال . وثانيها : إني كنت قد ربيتك فلو منعتك الآن ~~مطلوبك لكان ذلك ردا بعد القبول وإساءة بعد الإحسان فكيف يليق بكرمي . ~~وثالثها : إنا لما أعطيناك في الأزمنة السالفة كل ما احتجت إليه ورقيناك من ~~حالة نازلة إلى درجة عالية دل هذا على أن نصبناك لمنصب عال ومهم عظيم فكيف ~~يليق بمثل هذه الرتبة المنع من المطلوب ، وههنا سؤالان : # السؤال الأول : لم ذكر تلك النعم بلفظ المنة مع أن هذه اللفظة لفظة مؤذية ~~والمقام مقام التلطف ؟ والجواب إنما ذكر ذلك ليعرف موسى عليه السلام أن هذه ~~النعم التي وصلت إليه ما كان مستحقا لشيء منها بل إنما خصه الله تعالى بها ~~بمحض التفضل والإحسان . # السؤال الثاني : لم قال مرة أخرى مع أنه تعالى ذكر مننا كثيرة ؟ والجواب ~~: لم يعن بمرة أخرى مرة واحدة من المنن لأن ذلك قد يقال في القليل والكثير ~~. واعلم أن المنن المذكورة ههنا ثمانية : المنة الأولى : قوله : { إذ ~~أوحينا إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه فى التابوت فاقذفيه فى اليم فليلقه ~~اليم بالساحل يأخذه عدو لى وعدو له } أما قوله : { إذ أوحينا } فقد اتفق ~~الأكثرون على أن أم موسى عليه السلام ما كانت من الأنبياء والرسل فلا يجوز ~~أن يكون المراد من هذا الوحي هو الوحي الواصل إلى الأنبياء وكيف لا نقول ~~ذلك والمرأة لا تصلح للقضاء والإمامة بل عند الشافعي رحمه الله لا تمكن من ~~تزويجها نفسها فكيف تصلح للنبوة ويدل عليه قوله تعالى : { وما أرسلنا قبلك ~~إلا رجالا نوحى إليهم } ( الأنبياء : 7 ) وهذا صريح في الباب ، وأيضا ~~فالوحي قد جاء في القرآن لا بمعنى النبوة قال تعالى : { وأوحى ربك إلى ~~النحل } ( النحل ms6199 : 68 ) وقال : { وإذ أوحيت إلى الحواريين } ( المائدة : ~~111 ) ثم اختلفوا في المراد بهذا الوحي على وجوه : أحدها : المراد رؤيا ~~رأتها أم موسى عليه السلام وكان تأويلها وضع موسى عليه السلام في التابوت ~~وقذفه في البحر وأن الله تعالى يرده إليها . وثانيها : أن المراد عزيمة ~~جازمة وقعت في قلبها دفعة واحدة فكل من تفكر فيما وقع إليه ظهر له الرأي ~~الذي هو أقرب إلى الخلاص ويقال لذلك الخاطر إنه وحي . وثالثها : المراد منه ~~الإلهام لكنا / متى بحثنا عن الإلهام كان معناه خطور رأي بالبال وغلبة على ~~القلب فيصير هذا هوالوجه الثاني وهذه الوجوه الثلاثة يعترض عليها بأن ~~الإلقاء في البحر قريب من الإهلاك وهو مساو للخوف الحاصل من القتل المعتاد ~~من فرعون فكيف PageV22P045 يجوز الإقدام على أحدهما لأجل الصيانة عن الثاني ~~. والجواب : لعلها عرفت بالاستقراء صدق رؤياها فكان إفضاء الإلقاء في البحر ~~إلى السلامة أغلب على ظنها من وقوع الولد في يد فرعون . ورابعها : لعله ~~أوحى إلى بعض الأنبياء في ذلك الزمان كشعيب عليه السلام أو غيره ثم إن ذلك ~~النبي عرفها ، إما مشافهة أو مراسلة ، واعترض عليه بأن الأمر لو كان كذلك ~~لما لحقها من أنواع الخوف ما لحقها . والجواب : أن ذلك الخوف كان من لوازم ~~البشرية كما أن موسى عليه السلام كان يخاف فرعون مع أن الله تعالى كان ~~يأمره بالذهاب إليه مرارا . وخامسها : لعل الأنبياء المتقدمين كإبراهيم ~~وإسحق ويعقوب عليهم السلام أخبروا بذلك وانتهى ذلك الخبر إلى تلك المرأة . ~~وسادسها : لعل الله تعالى بعث إليها ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى ~~مريم في قوله : { فتمثل لها بشرا سويا } ( مريم : 17 ) وأما قوله : { ما ~~يوحى } فمعناه وأوحينا إلى أمك ما يجب أن يوحى وإنما وجب ذلك الوحي لأن ~~الواقعة واقعة عظيمة ولا سبيل إلى معرفة المصلحة فيها إلا بالوحي فكان ~~الوحي واجبا أما قوله تعالى : { أن اقذفيه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أن هي المفسرة لأن الوحي بمعنى القول . # المسألة الثانية : القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع ومنه ms6200 قوله تعالى ~~: { وقذف فى قلوبهم الرعب } ( الأحزاب : 26 ) . # المسألة الثالثة : روى أنها اتخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت ~~فيه موسى عليه السلام وقيرت رأسه وشقوقه بالقار ثم ألقته في النيل وكان ~~يشرع منه نهر كبير في دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته ~~آسية إذ بتابوت يجيء به الماء فلما رآه فرعون أمر الغلمان والجواري بإخراجه ~~فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجها فلما رآه فرعون أحبه ~~وسيأتي تمام القصة في سورة القصص ، قال مقاتل : إن الذي صنع التابوت حزقيل ~~مؤمن آل فرعون . # المسألة الرابعة : اليم هو البحر والمراد به ههنا نيل مصر في قول الجميع ~~واليم اسم يقع على البحر وعلى النهر العظيم . # المسألة الخامسة : قال الكسائي الساحل فاعل بمعنى مفعول سمي بذلك لأن ~~الماء يسحله أي يقذفه إلى أعلاه . # المسألة السادسة : قال صاحب ( الكشاف ) الضمائر كلها راجعة إلى موسى عليه ~~السلام ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت يؤدي إلى تنافر النظم فإن قيل ~~المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل قلنا لا بأس بأن يقال ~~المقذوف والملقى هو موسى عليه السلام / في جوف التابوت حتى لا تتفرق ~~الضمائر ولا يحصل التنافر . # المسألة السابعة : لما كان تقدير الله تعالى أن يجري ماء اليم ويلقي بذلك ~~التابوت إلى الساحل سلك في ذلك سبيل المجاز وجعل اليم كأنه ذو تمييز أمر ~~بذلك ليطيع الأمر ويمتثل رسمه فقيل فليلقه اليم بالساحل أما قوله : { يأخذه ~~عدو لى وعدو له } ففيه أبحاث : # البحث الأول : قوله : { يأخذه } جواب الأمر أي اقذفيه يأخذه . ~~PageV22P046 # البحث الثاني : في كيفية الأخذ قولان / أحدهما : أن امرأة فرعون كانت ~~بحيث تستسقي الجواري فبصرت بالتابوت فأمرت به فأخذت التابوت فيكون المراد ~~من أخذ فرعون التابوت قبوله له واستحبابه إياه . الثاني : أن البحر ألقى ~~التابوت بموضع من الساحل فيه فوهة نهر فرعون ثم أداه النهر إلى بركة فرعون ~~فلما رآه أخذه . # البحث الثالث : قوله : { يأخذه عدو لى وعدو له } فيه إشكال وهو أن موسى ~~عليه ms6201 السلام لم يكن ذلك الوقت بحيث يعادى . وجوابه : أما كونه عدوا لله من ~~جهة كفره وعتوه فظاهر وأما كونه عدوا لموسى عليه السلام فيحتمل من حيث إنه ~~لو ظهر له حالة لقتله ويحتمل أنه من حيث يؤول أمره إلى ما آل إليه من ~~العداوة . المنة الثانية : قوله : { وألقيت عليك محبة منى } وفيه قولان : ~~الأول : وألقيت عليك محبة هي مني قال الزمخشري : { مني } لا يخلو إما أن ~~يتعلق بألقيت فيكون المعنى على أني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ، ~~وإما أن يتعلق بمحذوف وهذا هو القول الثاني ويكون ذلك المحذوف صفة لمحبة أي ~~وألقيت عليك محبة حاصلة مني واقعة بخلقي فلذلك أحبتك امرأة فرعون حتى قالت ~~: { قرة عين لى ولك لا تقتلوه } ( القصص : 9 ) يروى أنه كانت على وجهه مسحة ~~جمال وفي عينيه ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه وهو كقوله تعالى : { سيجعل ~~لهم الرحمان ودا } ( مريم : 96 ) قال القاضي : هذا الوجه أقرب لأنه في حال ~~صغره لا يكاد يوصف بمحبة الله تعالى التي ظاهرها من جهة الدين لأن ذلك إنما ~~يستعمل في المكلف من حيث استحقاق الثواب والمراد أن ما ذكرنا من كيفيته في ~~الخلقة يستحلي ويغتبط فكذلك كانت حاله مع فرعون وامرأته وسهل الله تعالى له ~~منهما في التربية ما لا مزيد عليه ويمكن أن يقال بل الاحتمال الأول أرجح ~~لأن الاحتمال الثاني يحوج إلى الإضمار وهو أن يقال : وألقيت عليك محبة ~~حاصلة مني وواقعة بتخليقي وعلى التقدير الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار بقي ~~قوله : إنه حال صباه لا يحصل له محبة الله تعالى قلنا : لا نسلم فإن محبة ~~الله تعالى يرجع معناها إلى إيصال النفع إلى عباده وهذا المعنى كان حاصلا ~~في حقه في حال صباه وعلم الله تعالى أن ذلك يستمر إلى آخر عمره فلا جرم ~~أطلق عليه لفظ المحبة . المنة الثالثة : قوله : { ولتصنع على عينى } قال ~~القفال : لترى على عيني أي على وفق إرادتي ، ومجاز هذا أن من صنع لإنسان ~~شيئا وهو حاضر ينظر ms6202 إليه صنعه له كما يحب ولا يمكنه أن يفعل ما يخالف غرضه ~~فكذا ههنا وفي كيفية المجاز قولان : الأول : المراد من العين العلم أن ترى ~~على علم مني ولما كان العالم بالشيء يحرسه عن الآفات / كما أن الناظر إليه ~~يحرسه عن الآفات أطلق لفظ العين على العلم لاشتباههما من هذا الوجه . ~~الثاني : المراد من العين الحراسة وذلك لأن الناظر إلى الشيء يحرسه عما ~~يؤذيه فالعين كأنها سبب الحراسة فأطلق اسم السبب على المسبب مجازا وهو ~~كقوله تعالى : { إننى معكما أسمع وأرى } ( طه : 46 ) ويقال : عين الله عليك ~~إذا دعا لك بالحفظ والحياطة ، قال القاضي ظاهر القرآن يدل على أن المراد من ~~قوله : { ولتصنع على عينى } الحفظ والحياطة كقوله تعالى : { إذ تمشى أختك ~~فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها ولا تحزن } فصار ~~ذلك كالتفسير لحياطة الله تعالى له ، بقي ههنا بحثان : # الأول : الواو في قوله : { ولتصنع على عينى } فيه ثلاثة أوجه . أحدها : ~~كأنه قيل : { ولتصنع على عينى } ألقيت عليك محبة مني ثم يكون قوله : { إذ ~~تمشى أختك } متعلقا بأول الكلام وهو قوله : { ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ ~~أوحينا إلى أمك ما يوحى } وإذ تمشي أختك . وثانيها : يجوز أن يكون قوله : { ~~ولتصنع على عينى } PageV22P047 متعلقا بما بعده وهو قوله : { إذ تمشى } ~~وذكرنا مثل هذين الوجهين في قوله : { وليكون من الموقنين } ( الأنعام : 75 ~~) . وثالثها : يجوز أن تكون الواو مقحمة أي وألقيت عليك محبة مني لتصنع ~~وهذا ضعيف . # الثاني : قرىء ولتصنع بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر وقرىء ~~ولتصنع بفتح التاء والنصب أي وليكون عملك وتصرفك على علم مني . المنة ~~الرابعة : قوله : { إذ تمشى أختك } واعلم أن العامل في إذ تمشى ألقيت أو ~~تصنع ، يروى أنه لما فشا الخبر بمصر أن آل فرعون أخذوا غلاما في النيل وكان ~~لا يرتضع من ثدي كل امرأة يؤتى بها لأن الله تعالى قد حرم عليه المراضع غير ~~أمه اضطروا إلى تتبع النساء فلما رأت ذلك أخت موسى جاءت إليهم ms6203 متنكرة فقالت ~~: { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } ( القصص : 12 ) ثم جاءت بالأم فقبل ~~ثديها فرجع إلى أمه بما لطف الله تعالى له من هذا التدبير . أما قوله تعالى ~~: { فرجعناك إلى أمك } أي رددناك ، وقال في موضع آخر : { فرددناه إلى أمه } ~~( القصص : 13 ) وهو كقوله : { قال رب ارجعون } ( المؤمنون : 99 ) أي ردوني ~~إلى الدنيا ، أما قوله : { كى تقر عينها ولا تحزن } فالمراد أن المقصود من ~~ردك إليها حصول السرور لها وزوال الحزن عنها ، فإن قيل : لو قال كي لا تحزن ~~وتقر عينها كان الكلام مفيدا لأنه لا يلزم من نفي الحزن حصول السرور لها ، ~~وأما لما قال أولا كي تقر عينها كان قوله بعد ذلك : { ولا تحزن } فضلا لأنه ~~متى حصل السرور وجب زوال الغم لا محالة ، قلنا : المراد أنه تقر عينها بسبب ~~وصولك إليها فيزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك . والمنة ~~الخامسة : قوله : { وقتلت نفسا فنجيناك من الغم } فالمراد به وقتلت بعد ~~كبرك نفسا وهو الرجل الذي قتله خطأ بأن وكزه حيث استغاثه الإسرائيلي عليه ~~وكان قبطيا فحصل له الغم من وجهين ، أحدهما : من عقاب الدنيا وهو اقتصاص ~~فرعون منه ما حكى الله تعالى عنه : { فأصبح فى المدينة خائفا يترقب } ( ~~القصص : 18 ) والآخر من عقاب الله تعالى حيث قتله لا بأمر الله فنجاه الله ~~تعالى من الغمين ، أما من فرعون فحين وفق له المهاجرة إلى مدين / وأما من ~~عقاب الآخرة فلأنه سبحانه وتعالى غفر له ذلك . المنة السادسة : قوله : { ~~وفتناك فتونا } وفيه أبحاث : # البحث الأول : في قوله : { فتونا } وجهان : أحدهما : أنه مصدر كالعكوف ~~والجلوس والمعنى وفتناك حقا وذلك على مذهبهم في تأكيد الأخبار بالمصادر ~~كقوله تعالى : { وكلم الله موسى تكليما } ( النساء : 164 ) ، والثاني : أنه ~~جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزة وبدرة ~~أي فتناك ضروبا من الفتن وههنا سؤالان . السؤال الأول : إن الله تعالى عدد ~~أنواع مننه على موسى عليه السلام في هذا المقام فكيف يليق بهذا الموضع ms6204 قوله ~~: { وفتناك فتونا } . الجواب عنه من وجهين : أحدهما : أن الفتنة تشديد ~~المحنة ، يقال فتن فلان عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال ~~تعالى : { فإذا أوذى فى الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } ( العنكبوت : 10 ~~) وقال تعالى : { الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا ~~يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين } ( العنكبوت : 1 3 ) وقال : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول } ( البقرة : 214 ) فالزلزلة المذكورة في الآية ومس البأساء والضراء ~~هي الفتنة والفتون ، ولما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب لا ~~جرم عده الله تعالى من جملة النعم . وثانيها : { وفتناك فتونا } ~~PageV22P048 أي خلصناك تخليصا من قولهم : فتنت الذهب من الفضة إذا أردت ~~تخليصه وسأل سعيد بن جبير بن عباس عن الفتون فقال : نستأنف له نهارا يا ابن ~~جبير . ثم لما أصبح أخذ ابن عباس يقرأ عليه الآيات الواردة في شأن موسى ~~عليه السلام من ابتداء أمره فذكر قصة فرعون وقتله أولاد بني إسرائيل ثم قصة ~~إلقاء موسى عليه السلام في اليم والتقاط آل فرعون إياه وامتناعه من ~~الإرتضاع من الأجانب ، ثم قصة أن موسى عليه السلام أخذ لحية فرعون ووضعه ~~الجمرة في فيه ، ثم قصة قتل القبطي ، ثم هربه إلى مدين وصيرورته أجيرا ~~لشعيب عليه السلام ، ثم عوده إلى مصر وأنه أخطأ الطريق في الليلة المظلمة ~~واستئناسة بالنار من الشجرة وكان عند تمام كل واحدة منها يقول هذا من ~~الفتون يا ابن جبير . # السؤال الثاني : هل يصح إطلاق اسم الفتان عليه سبحانه اشتقاقا من قوله : ~~{ وفتناك فتونا } والجواب لا لأنه صفة ذم في العرف وأسماء الله تعالى ~~توقيفية لا سيما فيما يوهم ما لا ينبغي . المنة السابعة : قوله تعالى : { ~~فلبثت سنين فى أهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى * موسى } واعلم أن التقدير : ~~{ وفتناك فتونا } فخرجت خائفا إلى أهل مدين فلبثت سنين فيهم ، أما ms6205 مدة ~~اللبث فقال أبو مسلم : إنها مشروحة في قوله تعالى : { ولما توجه تلقاء مدين ~~} إلى قوله { فلما قضى موسى الاجل } ( القصص : 29 ) وهي إما عشرة وإما ثمان ~~لقوله تعالى : { على أن تأجرنى ثمانى حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك } ( ~~القصص : 27 ) وقال وهب : لبث موسى عليه السلام عند شعيب عليه السلام ثمانيا ~~وعشرين سنة منها عشر سنين / مهر امرأته ، والآية تدل على أنه عليه السلام ~~لبث عنده عشر سنين وليس فيها ما ينفي الزيادة على العشر ، واعلم أن قوله : ~~{ فلبث * سنين فى أهل مدين } بعد قوله : { وفتناك فتونا } كالدلالة على أن ~~لبثه في مدين من الفتون وكذلك كان ، فإنه عليه السلام تحمل بسبب الفقر ~~والغربة محنا كثيرة ، واحتاج إلى أن آجر نفسه ، أما قوله تعالى : { ثم جئت ~~على قدر ياموسى * موسى } فلا بد من حذف في الكلام لأنه على قدر أمر من ~~الأمور ، وذكروا في ذلك المحذوف وجوها . أحدها : أنه سبق في قضائي وقدري أن ~~أجعلك رسولا لي في وقت معين عينته لذلك فما جئت إلا على ذلك القدر لا قبله ~~ولا بعده ، ومنه قوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) ، ~~وثانيها : على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء ، وهو رأس أربعين سنة ~~. وثالثها : أن القدر هو الموعد فإن ثبت أنه تقدم هذا الموعد صح حمله عليه ~~، ولا يمتنع ذلك لاحتمال أن شعيبا عليه السلام أو غيره من الأنبياء كانوا ~~قد عينوا ذلك الموعد ، فإن قيل : كيف ذكر الله تعالى مجيء موسى عليه السلام ~~في ذلك الوقت من جملة مننه عليه ، قلنا : لأنه لولا توفيقه له لما تهيأ شيء ~~من ذلك . المنة الثامنة : قوله تعالى : { واصطنعتك لنفسى } والاصطناع اتخاذ ~~الصنعة ، وهي افتعال من الصنع . يقال : اصطنع فلان فلانا أي اتخذه صنيعه ، ~~فإن قيل : إنه تعالى غني عن الكل فما معنى قوله لنفسي . والجواب عنه من ~~وجوه : الأول : أن هذا تمثيل لأنه تعالى لما أعطاه من منزلة التقريب ~~والتكريم والتكليم مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصال ms6206 فيه أهلا ~~لأن يكون أقرب الناس منزلة إليه وأشدهم قربا منه . وثانيها : قالت المعتزلة ~~: إنه سبحانه وتعالى إذا كلف عباده وجب عليه أن يلطف بهم ومن جملة الألطاف ~~ما لا يعلم إلا سمعا فلو لم يصطنعه بالرسالة لبقي في عهدة الواجب فصار موسى ~~عليه السلام كالنائب عن ربه في أداء ما وجب على الله تعالى ، فصح أن يقول : ~~واصطنعتك لنفسي ، قال القفال واصطنعتك أصله من قولهم اصطنع فلان فلانا إذا ~~أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال : هذا صنيع فلان وجريح فلان وقوله ~~PageV22P049 لنفسي : أي لأصرفك في أوامري لئلا تشتغل بغير ما أمرتك به وهو ~~إقامة حجتي وتبليغ رسالتي وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لنفسك ولا ~~لغيرك ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد عليه المنن الثمانية في مقابلة ~~تلك الالتماسات الثمانية رتب على ذكر ذلك أمرا ونهيا ، أما الأمر فهو أنه ~~سبحانه وتعالى أعاد الأمر بالأول فقال : { اذهب أنت وأخوك بئاياتى } واعلم ~~أنه سبحانه وتعالى لما قال : { واصطنعتك لنفسى } عقبه بذكر ماله اصطنعه وهو ~~الإبلاغ والأداء ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : الباء ههنا بمعنى مع وذلك لأنهما لو ذهبا إليه بدون آية ~~معهما لم يلزمه الإيمان وذلك من أقوى الدلائل على فساد التقليد . # المسألة الثانية : اختلفوا في الآيات المذكورة ههنا على ثلاثة أقوال : ~~أحدها : أنها اليد والعصا لأنهما اللذان جرى ذكرهما في هذا الموضع وفي سائر ~~المواضع التي اقتص الله تعالى فيها / حديث موسى عليه السلام فإنه تعالى لم ~~يذكر في شيء منها أنه عليه السلام قد أوتي قبل مجيئه إلى فرعون ولا بعد ~~مجيئه حتى لقي فرعون فالتمس منه آية غير هاتين الآيتين قال تعالى عنه : { ~~قال فأت * ما أنت إلا بشر مثلنا * فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين * ونزع ~~يده فإذا هى بيضاء للناظرين } ( الشعراء : 31 33 ) وقال : { فذانك برهانان ~~من ربك إلى فرعون وملئه } ( القصص : 32 ) فإذا قيل لهؤلاء كيف يطلق لفظ ~~الجمع على الاثنين أجابوا بوجوه : الأول : أن العصا ما كانت آية واحدة بل ~~كانت ms6207 آيات فإن انقلاب العصا حيوانا آية ثم إنها في أول الأمر كانت صغيرة ~~لقوله تعالى : { تهتز كأنها جان } ( النمل : 10 ) ثم كانت تعظم وهذه آية ~~أخرى ، ثم كانت تصير ثعبانا وهذه آية أخرى . ثم إن موسى عليه السلام كان ~~يدخل يده في فيها فما كانت تضر موسى عليه السلام فهذه آية أخرى ثم كانت ~~تنقلب خشبة فهذه آية أخرى ، وكذلك اليد فإن بياضها آية وشعاعها آية أخرى ثم ~~زوالهما بعد حصولهما آية أخرى فصح أنهما كانتا آيات كثيرة لا آيتان . ~~الثاني : هب أن العصا أمر واحد لكن فيها آيات كثيرة لأن انقلابها حية يدل ~~على وجود إله قادر على الكل عالم بالكل حكيم ويدل على نبوة موسى عليه ~~السلام ويدل على جواز الحشر حيث انقلب الجماد حيوانا فهذه آيات كثيرة ولذلك ~~قال : { إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا } إلى قوله : { فيه ءايات ~~بينات مقام إبراهيم } ( آل عمران : 96 ، 97 ) فإذا وصف الشيء الواحد بأن ~~فيه آيات فالشيئان أولى بذلك . الثالث : من الناس من قال : أقل الجمع إثنان ~~على ما عرفت في أصول الفقه . القول الثاني : أن قوله : { اذهبا * بآياتي } ~~معناه أني أمدكما بآياتي وأظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح به العلل من ~~فرعون وقومه فاذهبا فإن آياتي معكما كما يقال اذهب فإن جندي معك أي أني ~~أمدك بهم متى احتجت . القول الثالث : أن الله تعالى آتاه العصا واليد وحل ~~عقدة لسانه وذلك أيضا معجز فكانت الآيات ثلاثة هذا هو شرح الأمر أما النهي ~~فهو قوله تعالى : { ولا تنيا فى ذكرى } الوني الفتور والتقصير وقرىء ولا ~~تنيا بكسر حرف المضارعة للاتباع ثم قيل فيه أقوال : أحدها : المعنى لا تنيا ~~بل اتخذا ذكرى آلة لتحصيل المقاصد واعتقدا أن أمرا من الأمور لا يتمشى لأحد ~~إلا بذكري والحكمة فيه أن من ذكر جلال الله استحقر غيره فلا يخاف أحدا ولأن ~~من ذكر جلال الله تقوى روحه بذلك الذكر فلا يضعف في المقصود ، ولأن ذاكر ~~الله تعالى لا بد وأن يكون ms6208 ذاكرا لإحسانه وذاكر PageV22P050 إحسانه لا يفتر ~~في أداء أوامره . وثانيها : المراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على ~~كل العبادات وتبليغ الرسالة من أعظمها فكان جديرا بأن يطلق عليه اسم الذكر ~~. وثالثها : قوله : { ولا تنيا فى ذكرى } عند فرعون وكيفية الذكر هو أن ~~يذكرا لفرعون وقومه أن الله تعالى لا يرضى منهم بالكفر ويذكرا لهم أمر ~~الثواب والعقاب والترغيب والترهيب . ورابعها : أن يذكرا لفرعون آلاء الله ~~ونعماءه وأنواع إحسانه إليه ثم قال بعد ذلك : { اذهبا إلى فرعون إنه طغى } ~~وفيه سؤالان : الأول : ما الفائدة في ذلك بعد قوله : { اذهب أنت وأخوك ~~بئاياتى } قال القفال فيه وجهان . أحدهما : أن قوله : { اذهب أنت وأخوك ~~بئاياتى } يحتمل أن يكون كل واحد منهما / مأمورا بالذهاب على الانفراد فقيل ~~مرة أخرى اذهبا ليعرفا أن المراد منه أن يشتغلا بذلك جميعا لا أن ينفرد به ~~هرون دون موسى . والثاني : أن قوله : { اذهب أنت وأخوك بئاياتى } أمر ~~بالذهاب إلى كل الناس من بني إسرائيل وقوم فرعون ، ثم إن قوله : { اذهبا ~~إلى فرعون } أمر بالذهاب إلى فرعون وحده . # السؤال الثاني : قوله : { اذهبا إلى فرعون } خطاب مع موسى وهارون عليهما ~~السلام وهذا مشكل لأن هارون عليه السلام لم يكن حاضرا هناك وكذلك في قوله ~~تعالى : { قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى } ( طه : 45 ) ~~أجاب القفال عنه من وجوه . أحدها : أن الكلام كان مع موسى عليه السلام وحده ~~إلا أنه كان متبوع هارون فجعل الخطاب معه خطابا مع هارون وكلام هارون على ~~سبيل التقدير فالخطاب في تلك الحالة وإن كان مع موسى عليه السلام وحده إلا ~~أنه تعالى أضافه إليهما كما في قوله : { وإذ قتلتم نفسا } ( البقرة : 72 ) ~~وقوله : { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل } ( المنافقون : ~~8 ) وحكي أن القائل هو عبد الله بن أبي وحده . وثانيها : يحتمل أن الله ~~تعالى لما قال : { قد أوتيت سؤلك ياموسى * موسى } سكت حتى لقي أخاه ، ثم إن ~~الله تعالى خاطبهما بقوله : { اذهبا إلى فرعون } . وثالثها : أنه حكى ms6209 أنه ~~في مصحف ابن مسعود وحفصة : { قال ربنا * إننا نخاف } أي قال موسى : أنا ~~وأخي نخاف فرعون أما قوله تعالى : { فقولا له قولا لينا } ففيه سؤالان : # السؤال الأول : لم أمر الله تعالى موسى عليه السلام باللين مع الكافر ~~الجاحد . الجواب لوجهين : الأول : أنه عليه السلام كان قد رباه فرعون فأمره ~~أن يخاطبه بالرفق رعاية لتلك الحقوق وهذا تنبيه على نهاية تعظيم حق الأبوين ~~. الثاني : أن من عادة الجبابرة إذا غلظ لهم في الوعظ أن يزدادوا عتوا ~~وتكبرا ، والمقصود من البعثة حصول النفع لا حصول زيادة الضرر فلهذا أمر ~~الله تعالى بالرفق . # السؤال الثاني : كيف كان ذلك الكلام اللين . الجواب : ذكروا فيه وجوها . ~~أحدها : ما حكى الله تعالى بعضه فقال : { هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ~~ربك فتخشى } ( النازعات : 18 ، 19 ) وذكر أيضا في هذه السورة بعض ذلك فقال ~~: { فأتياه فقولا إنا رسولا ربك } ( طه : 47 ) إلى قوله : { والسلام على من ~~اتبع الهدى } ( طه : 47 ) . وثانيها : أن تعداه شبابا لا يهرم بعده وملكا ~~لا ينزع منه إلا بالموت وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين ~~موته . وثالثها : كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث أبو العباس وأبو الوليد ~~وأبو مرة . ورابعها : حكى عن عمرو بن دينار قال : بلغني أن فرعون عمر ~~أربعمائة سنة وتسع سنين فقال له موسى عليه السلام : إن أطعتني عمرت مثل ما ~~عمرت فإذا مت فلك الجنة واعترضوا على هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة . أما ~~الأول : فقيل لو حصلت له هذه الأمور الثلاثة في هذه المدة الطويلة لصار ذلك ~~كالإلجاء إلى معرفة الله تعالى وذلك لا يصح مع التكليف . وأما الثاني : ~~فلأن خطابه بالكنية أمر سهل فلا يجوز أن يجعل PageV22P051 ذلك هو المقصود ~~من قوله : { فقولا له قولا لينا } / بل يجوز أن يكون ذلك من جملة المراد . ~~وأما الثالث : فالاعتراض عليه كما في الأول أما قوله تعالى : { لعله يتذكر ~~أو يخشى } فاعلم أنه ليس المراد أنه تعالى كان شاكا في ذلك لأن ذلك محال ~~عليه تعالى وإنما ms6210 المراد : فقولا له قولا لينا ، على أن تكونا راجيين لأن ~~يتذكر هو أو يخشى . واعلم أن أحوال القلب ثلاثة . أحدها : الإصرار على الحق ~~. وثانيها : الإصرار على الباطل . وثالثها : التوقف في الأمرين ، وأن فرعون ~~كان مصرا على الباطل وهذا القسم أردأ الأقسام فقال تعالى : { فقولا له قولا ~~لينا لعله يتذكر أو يخشى } فيرجع من إنكاره إلى الإقرار بالحق وإن لم ينتقل ~~من الإنكار إلى الإقرار لكنه يحصل في قلبه الخوف فيترك الإنكار وإن كان لا ~~ينتقل إلى الإقرار فإن هذا خير من الإصرار على الإنكار واعلم أن هذا ~~التكليف لا يعلم سره إلا الله تعالى لأنه تعالى لما علم أنه لا يؤمن قط كان ~~إيمانه ضدا لذلك العلم الذي يمتنع زواله فيكون سبحانه عالما بامتناع ذلك ~~الإيمان وإذا كان عالما بذلك فكيف أمر موسى عليه السلام بذلك الرفق وكيف ~~بالغ في ذلك الأمر بتلطيف دعوته إلى الله تعالى مع علمه استحالة حصول ذلك ~~منه ؟ ثم هب أن المعتزلة ينازعون في هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة ~~قادحة في هذا السؤال ولكنهم سلموا أنه كان عالما بأنه لايحصل ذلك الإيمان ~~وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى عليه السلام إلا استحقاق العقاب ~~والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكينا إلى من علم قطعا أنه يمزق بها ~~بطن نفسه ثم يقول : إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان إليه ؟ يا ~~أخى العقول قاصرة عن معرفة هذه الأسرار ولا سبيل فيها إلا التسليم وترك ~~الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان ، ويروى عن كعب أنه قال : والذي يحلف به ~~كعب إنه لمكتوب في التوراة : فقولا له قولا لينا وسأقسي قلبه فلا يؤمن . # ! 7 < { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن يطغى * قال لا تخافآ ~~إننى معكمآ أسمع وأرى * فأتياه فقولاإنا رسولا ربك فأرسل معنا بنىإسراءيل ~~ولا تعذبهم قد جئناك بأاية من ربك والسلام على من اتبع الهدى * إنا قد أوحى ~~إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى } > 7 ! # < < # | طه : ( 45 - 48 ) قالا ms6211 ربنا إننا . . . . . # > > اعلم أن قوله : { قالا ربنا إننا نخاف } فيه أسئلة : # / السؤال الأول : قوله : { قالا ربنا } يدل على أن المتكلم بذلك موسى ~~وهرون عليهما السلام وهرون لم يكن حاضرا هذا المقال فكيف ذلك وجوابه قد ~~تقدم . # السؤال الثاني : أن موسى عليه السلام قال : { رب اشرح لى صدرى } ( طه : ~~25 ) فأجابه الله تعالى بقوله : { قد أوتيت سؤلك ياموسى * موسى } ( طه : 36 ~~) وهذا يدل على أنه قد انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قال بعده : { إننا نخاف ~~} فإن PageV22P052 حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر . والجواب : أن شرح ~~الصدر عبارة عن تقويته على ضبط تلك الأوامر والنواحي وحفظ تلك الشرائع على ~~وجه لا يتطرق إليه السهو والتحريف وذلك شيء آخر غير زوال الخوف . # السؤال الثالث : أما علم موسى وهرون وقد حملهما الله تعالى الرسالة أنه ~~تعالى يؤمنهما من القتل الذي هو مقطعة عن الأداء . الجواب : قد أمنا ذلك ~~وإن جوزا أن ينالهما السوء من قبل تمام الأداء أو بعده وأيضا فإنهما ~~استظهرا بأن سألا ربهما ما يزيد في ثبات قلبهما على دعائه وذلك بأن ينضاف ~~الدليل النقلي إلى العقلي زيادة في الطمأنينة كما قال : { ولاكن ليطمئن ~~قلبى } ( البقرة : 260 ) . # السؤال الرابع : لما تكرر الأمر من الله تعالى بالذهاب فعدم الذهاب ~~والتعلل بالخوف هل يدل على المعصية . الجواب : لو اقتضى الأمر الفور لكان ~~ذلك من أقوى الدلائل على المعصية لا سيما وقد أكثر الله تعالى من أنواع ~~التشريف وتقوية القلب وإزالة الغم ولكن ليس الأمر على الفور فزال السؤال ~~وهذا من أقوى الدلائل على أن الأمر لا يقتضي الفور إذا ضممت إليه ما يدل ~~على أن المعصية غير جائزة على الرسل أما قوله تعالى : { أن يفرط علينا أو ~~أن يطغى } فاعلم أن في : { أن يفرط } وجوها . أحدها : فرط سبق وتقدم ومنه ~~الفارط الذي يتقدم الواردة وفرس فرط يسبق الخيل والمعنى نخاف أن يعجل علينا ~~بالعقوبة . وثانيها : أنه مأخوذ من أفرط غيره إذا حمله على العجلة فكان ~~موسى وهارون عليهما السلام خافا من أن يحمله ms6212 حامل على المعاجلة بالعقوبة ~~وذلك الحامل هو إما الشيطان أو إدعاؤه للربوبية أو حبه للرياسة أو قومه وهم ~~القبط المتمردون الذين حكى الله تعالى عنهم : { قال الملا من قومه } ( ~~الأعراف : 60 ) . وثالثها : يفرط من الإفراط في الأذية أما قوله : { أو أن ~~يطغى } فالمعنى يطغى بالتخطي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته عليك ~~واعلم أن من أمر بشيء فحاول دفعه بأعذار يذكرها فلا بد وأن يختم كلامه بما ~~هو الأقوى وهذا كما أن الهدهد ختم عذره بقوله : { وجدتها وقومها يسجدون ~~للشمس من دون الله } ( النمل : 24 ) فكذا ههنا بدأ موسى بقوله : { أن يفرط ~~علينا } وختم بقوله : { أو أن يطغى } لما أن طغيانه في حق الله تعالى أعظم ~~من إفراطه في حق موسى وهارون عليهما السلام . أما قوله : { قال لا تخافا ~~إننى معكما أسمع وأرى } فالمراد لا تخافا مما عرض في قلبكما من الإفراط ~~والطغيان لأن ذلك هو المفهوم من الكلام يبين ذلك أنه تعالى لم يؤمنهما من ~~الرد ولا من التكذيب بالآيات ومعارضة السحرة أما قوله : { إننى معكما } فهو ~~عبارة عن الحراسة والحفظ وعلى هذا الوجه يقال : الله معك على وجه الدعاء ~~وأكد ذلك بقوله : { أسمع وأرى } فإن من يكون مع الغير وناصرا له وحافظا / ~~يجوز أن لا يعلم كل ما يناله وإنما يحرسه فيما يعلم فبين سبحانه وتعالى أنه ~~معهما بالحفظ والعلم في جميع ما ينالهما وذلك هو النهاية في إزالة الخوف ~~قال القفال قوله : { أسمع وأرى } يحتمل أن يكون مقابلا لقوله : { أن يفرط ~~علينا أو أن يطغى } والمعنى : { يفرط علينا } بأن لا يسمع منا : { أو أن ~~يطغى } بأن يقتلنا فقال الله تعالى : { إننى معكما } أسمع كلامه معكما ~~فأسخره للاستماع منكما وأرى أفعاله فلا أتركه حتى يفعل بكما ما تكرهانه ، ~~واعلم أن هذه الآية تدل على أن كونه تعالى سميعا وبصيرا صفتان زائدتان على ~~العلم لأن قوله : { إننى معكما } دل على العلم فقوله : { أسمع وأرى } لو دل ~~على العلم لكان ذلك تكريرا وهو خلاف الأصل ثم إنه سبحانه ms6213 أعاد ذلك التكليف ~~فقال : { فأتياه } لأنه سبحانه وتعالى قال في المرة الأولى : { لنريك من ~~ءاياتنا الكبرى * اذهب إلى فرعون } ( طه : 23 ، 24 ) وفي PageV22P053 ~~الثانية : { اذهب أنت وأخوك } وفي الثالثة : { قال * اذهبا إلى فرعون } ( ~~طه : 43 ) وفي الرابعة قال ههنا فأتياه فإن قيل إنه تعالى أمرهما في المرة ~~الثانية بأن يقولا له : { قولا لينا } ( طه : 44 ) وفي هذه المرة الرابعة ~~أمرهما : { ءان * يقولا * إنا رسولا ربك فأرسل معنا بنى إسراءيل } وفيه ~~تغليظ من وجوه : أحدها : أن قوله : { إنا رسولا ربك } فيه أبحاث : # البحث الأول : انقياده إليهما والتزامه لطاعتهما وذلك يعظم على الملك ~~المتبوع . # البحث الثاني : قوله : { فأرسل معنا بنى إسراءيل } فيه إدخال النقص على ~~ملكه لأنه كان محتاجا إليهم فيما يريده من الأعمال من بناء أو غيره . # البحث الثالث : قوله : { ولا تعذبهم } . # البحث الرابع : قوله : { قد جئناك بئاية من ربك * بك } فما الفائدة في ~~التليين أولا والتغليظ ثانيا ؟ قلنا : لأن الإنسان إذا ظهر لجاجه فلا بد له ~~من التغليظ فإن قيل : أليس كان من الواجب أن يقولا إنا رسولا ربك قد جئناك ~~بآية فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ، لأن ذكر المعجز مقرونا بادعاء ~~الرسالة أولى من تأخيره عنه ؟ قلنا : بل هذا أولى من تأخيره عنه لأنهم ~~ذكروا مجموع الدعاوى ثم استدلوا على ذلك المجموع بالمعجزة ، أما قوله : { ~~قد جئناك بئاية من ربك } ففيه سؤال وهو أنه تعالى أعطاه آيتين وهما العصا ~~واليد ثم قال : { اذهب أنت وأخوك بئاياتى } ( طه : 42 ) وذلك يدل على ثلاث ~~آيات وقال ههنا : { جئناك بئاية } وهذا يدل على أنها كانت واحدة فكيف الجمع ~~؟ أجاب القفال بأن معنى الآية الإشارة إلى جنس الآيات كأنه قال : قد جئناك ~~ببيان من عند الله ثم يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججا كثيرة ، وأما ~~قوله : { والسلام على من اتبع الهدى } فقال بعضهم هو من قول الله تعالى ~~لهما كأنه قال : فقولا إنا رسولا ربك ، وقولا له : والسلام على من اتبع ~~الهدى ، وقال آخرون بل كلام الله تعالى قد تم ms6214 عند قوله : { قد جئناك بئاية ~~من ربك } فقوله بعد ذلك : { والسلام على من اتبع الهدى } وعد من قبلهما لمن ~~آمن وصدق بالسلامة له من عقوبات الدنيا والآخرة ، والسلام بمعنى السلامة ~~كما يقال رضاع ورضاعة واللام وعلى ههنا بمعنى واحد كما قال / { لهم اللعنة ~~ولهم سوء الدار } ( الرعد : 25 ) على معنى عليهم وقال تعالى : { من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } ( فصلت : 46 ) وفي موضع آخر : { إن أحسنتم ~~أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ( الإسراء : 7 ) ، أما قوله : { إنا قد ~~أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) فاعلم أن هذه الآية ~~من أقوى الدلائل على أن عقاب المؤمن لا يدوم وذلك لأن الألف واللام في قوله ~~: { العذاب } تفيد الاستغراق أو تفيد الماهية وعلى التقديرين يقتضي انحصار ~~هذا الجنس فيمن كذب وتولى فوجب في غير المكذب المتولي أن لا يحصل هذا الجنس ~~أصلا ، وظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأنه لا يعاقب أحدا من المؤمنين بترك ~~العمل به في بعض الأوقات فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام لأن العقاب ~~المتناهي إذا حصل بعده السلامة مدة غير متناهية صار ذلك العقاب كأنه لا ~~عقاب فلذلك يحسن مع حصول ذلك القدر أن يقال : إنه لا عقاب ، وأيضا فقوله : ~~{ والسلام على من اتبع الهدى } ، وقد فسرنا السلام بالسلامة فظاهره يقتضي ~~حصول السلامة لكل من اتبع الهدى ، والعارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن ~~يكون صاحب السلامة . # ! 7 < { قال فمن ربكما ياموسى * قال ربنا الذىأعطى كل شىء خلقه ثم هدى * ~~قال فما بال القرون الا ولى * قال علمها عند ربى فى كتاب لا يضل ربى ولا ~~ينسى * الذى جعل لكم الا رض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السمآء مآء ~~فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم إن فى ذالك لأيات لا ~~ولى النهى * منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } > 7 @QB@ ~~< # | طه : ( 49 - 55 ) قال فمن ربكما . . . . . # > > PageV22P054 # اعلم أنهما عليهما السلام لما قالا : إنا رسولا ربك قال لهما ms6215 : فمن ربكما ~~يا موسى ، فيه مسائل : # المسألة الأولى : أن فرعون كان شديد القوة عظيم الغلبة كثير العسكر ثم إن ~~موسى عليه / السلام لما دعاه إلى الله تعالى لم يشتغل معه بالبطش والإيذاء ~~بل خرج معه في المناظرة لما أنه لو شرع أولا في الإيذاء لنسب إلى الجهل ~~والسفاهة فاستنكف من ذلك وشرع أولا في المناظرة وذلك يدل على أن السفاهة من ~~غير الحجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن ~~يدعي الإسلام والعلم ثم إن فرعون لما سأل موسى عليه السلام عن ذلك قبل موسى ~~ذلك السؤال واشتغل بإقامة الدلالة على وجود الصانع وذلك يدل على فساد ~~التقليد ويدل أيضا على فساد قول التعليمية الذين يقولون نستفيد معرفة الإله ~~من قول الرسول لأن موسى عليه السلام اعترف ههنا بأن معرفة الله تعالى يجب ~~أن تكون مقدمة على معرفة الرسول وتدل على فساد قول الحشوية الذين يقولون ~~نستفيد معرفة الله والدين من الكتاب والسنة . # المسألة الثانية : تدل الآية على أنه يجوز حكاية كلام المبطل لأنه تعالى ~~حكى كلام فرعون في إنكاره الإله وحكى شبهات منكري النبوة وشبهات منكري ~~الحشر ، إلا أنه يجب أنك متى أوردت السؤال فاقرنه بالجواب لئلا يبقى الشك ~~كما فعل الله تعالى في هذه المواضع . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن المحق يجب عليه استماع كلام المبطل ~~والجواب عنه من غير إيذاء ولا إيحاش كما فعل موسى عليه السلام بفرعون ههنا ~~وكما أمر الله تعالى رسوله في قوله : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة } ( النحل : 125 ) وقال : { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله } ( التوبة : 6 ) . # المسألة الرابعة : اختلف الناس في أن فرعون هل كان عارفا بالله تعالى ~~فقيل إنه كان عارفا إلا أنه كان يظهر الإنكار تكبرا وتجبرا وزورا وبهتانا ، ~~واحتجوا عليه بستة أوجه . أحدها : قوله : { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~* السماوات والارض } ( الإسراء : 102 ) فمتى نصبت التاء في علمت كان ذلك ~~خطابا من موسى ms6216 عليه السلام مع فرعون فدل ذلك على أن فرعون كان عالما بذلك ~~وكذا قوله تعالى : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } ( النمل : ~~14 ) . وثانيها : أنه كان عاقلا وإلا لم يجز تكليفه وكل من كان عاقلا قد ~~علم بالضرورة أنه وجد بعد العدم وكل من كان كذلك افتقر إلى مدبر وهذان ~~العلمان الضروريان يستلزمان العلم بوجود المدبر . وثالثها : قول موسى عليه ~~السلام ههنا : { ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } وكلمة الذي ~~PageV22P055 تقتضي وصف المعرفة بجملة معلومة فلا بد وأن تكون هذه الجملة قد ~~كانت معلومة له . ورابعها : قوله في سورة القصص في صفة فرعون وقومه وظنوا ~~أنهم إلينا لا يرجعون فذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بالمبدأ إلا أنهم ~~كانوا منكرين للمعاد . وخامسها : أن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ ~~الشام ولما هرب موسى عليه السلام إلى مدين قال له شعيب : { لا تخف نجوت من ~~القوم الظالمين } ( القصص : 25 ) فمع هذا كيف يعتقد أنه إله العالم ؟ ~~وسادسها : أنه لما قال : { وما رب العالمين } قال موسى عليه السلام : { رب ~~* السماوات والارض * وما بينهما } ( الشعراء : 24 ) قال : { إن رسولكم الذى ~~أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح ~~الوصف / فهو لم ينازع موسى في الوجود بل طلب منه الماهية فدل هذا على ~~اعترافه بأصل الوجود ، ومن الناس من قال إنه كان جاهلا بربه واتفقوا على أن ~~العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق هذه السموات والأرضين والشمس ~~والقمر وأنه خالق نفسه لأنه يعلم بالضرورة عجزه عنها ويعلم بالضرورة أنها ~~كانت موجودة قبله فيحصل العلم الضروري بأنه ليس موجودا لها ولا خالقا لها ، ~~واختلفوا في كيفية جهله بالله تعالى فيحتمل أنه كان دهريا نافيا للمؤثر ~~أصلا ، ويحتمل أنه كان فلسفيا قائلا بالعلة لموجبه ، ويحتمل أنه كان من ~~عبدة الكواكب ، ويحتمل أنه كان من الحلولية المجسمة . وأما ادعاؤه الربوبية ~~لنفسه فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد له وعدم الاشتغال بطاعة غيره . # المسألة الخامسة : أنه سبحانه حكى ms6217 عنه في هذه السورة أنه قال : { فمن ~~ربكما ياموسى * موسى } وقال في سورة الشعراء : { وما رب العالمين } فالسؤال ~~ههنا بمن وهو عن الكيفية وفي سورة الشعراء بما وهو عن الماهية وهما سؤالان ~~مختلفان والواقعة واحدة والأقرب أن يقال سؤال من كان مقدما على سؤال ما ~~لأنه كان يقول إني أنا الله والرب فقال فمن ربكما فلما أقام موسى الدلالة ~~على الوجود وعرف أنه لا يمكنه أن يقاومه في هذا المقام لظهوره وجلائه عدل ~~إلى المقام الثاني وهو طلب الماهية وهذا أيضا مما ينبه على أنه كان عالما ~~بالله لأنه ترك المنازعة في هذا المقام لعلمه بغاية ظهوره وشرع في المقام ~~الصعب لأن العلم بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر . # المسألة السادسة : إنما قال : { فمن ربكما } ولم يقل فمن إلهكما لأنه ~~أثبت نفسه ربا في قوله : { ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين } ~~( الشعراء : 18 ) فذكر ذلك على سبيل التعجب كأنه قال له أنا ربك فلم تدعى ~~ربا آخر وهذا الكلام شبيه بكلام نمروذ لأن إبراهيم عليه السلام لما قال : { ~~ربي الذى يحى ويميت } ( البقرة : 258 ) قال نمروذ له : { ألم تر إلى } ( ~~البقرة : 258 ) ولم يكن الإحياء والإماتة التي ذكرهما إبراهيم عليه السلام ~~هما الذي عارضه بهما نمروذ إلا في اللفظ فكذا ههنا لما ادعى موسى ربوبية ~~الله تعالى ذكر فرعون هذا الكلام ومراده أني أنا الرب لأني ربيتك ومعلوم أن ~~الربوبية التي ادعاها موسى لله سبحانه وتعالى غير هذه الربوبية في المعنى ~~وأنه لا مشاركة بينهما إلا في اللفظ . # المسألة السابعة : اعلم أن موسى عليه السلام استدل على إثبات الصانع ~~بأحوال المخلوقات وهو قوله : { ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } وهذه ~~الدلالة هي التي ذكرها الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله : { ~~سبح اسم ربك الاعلى * الذى خلق فسوى * والذى قدر فهدى } ( الأعلى : 1 3 ) ~~قال إبراهيم عليه السلام : { فإنهم عدو لى إلا رب العالمين * الذى خلقنى ~~فهو يهدين } وإن موسى عليه السلام في ms6218 أكثر الأمور PageV22P056 يعول على ~~دلائل إبراهيم عليه السلام وسيأتي تقرير ذلك في سورة الشعراء إن شاء الله ~~تعالى واعلم أنه يشبه أن يكون الخلق عبارة عن تركيب القوالب والأبدان ~~والهداية عبارة عن إبداع القوى المدركة والمحركة في تلك الأجسام وعلى هذا ~~التقدير يكون الخلق مقدما على الهداية ولذلك قال : { فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحى } ( الحجر : 29 ) فالتسوية راجعة إلى القالب ونفخ الروح إشارة / ~~إلى إبداع القوى وقال : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون ~~: 12 ) إلى أن قال : { ثم خلقنا النطفة علقة } ( المؤمنون : 14 ) فظهر أن ~~الخلق مقدم على الهداية ، والشروع في بيان عجائب حكمة الله تعالى في الخلق ~~والهداية شروع في بحر لا ساحل له . ولنذكر منه أمثلة قريبة إلى الأفهام . ~~أحدها : أن الطبيعي يقول : الثقيل هابط والخفيف صاعد وأشد الأشياء ثقلا ~~الأرض ثم الماء وأشدها خفة النار ثم الهواء فلذلك وجب أن تكون النار أعلى ~~العنصريات والأرض أسفلها ، ثم إنه سبحانه قلب هذا الترتيب في خلقة الإنسان ~~فجعل أعلى الأشياء منه العظم والشعر وهما أيبس ما في البدن وهما بمنزلة ~~الأرض ثم جعل تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو ~~بمنزلة الهواء وجعل تحته الحرارة الغريزية التي في القلب التي هي بمنزلة ~~النار فجعل مكان الأرض من البدن الأعلى وجعل مكان النار من البدن الأسفل ~~ليعرف أن ذلك بتدبير القادر الحكيم الرحيم لا باقتضاء العلة والطبيعة . ~~وثانيها : إنك إذا نظرت إلى عجائب النحل في تركيب البيوت المسدسة وعجائب ~~أحوال البق والبعوض في اهتدائها إلى مصالح أنفسها لعرفت أن ذلك لا يمكن إلا ~~بالهام مدبر عالم بجميع المعلومات . وثالثها : أنه تعالى هو الذي أنعم على ~~الخلائق بما به قوامهم من المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح ثم هداهم إلى ~~كيفية الانتفاع بها ويستخرجون الحديد من الجبال واللآلى من البحار ويركبون ~~الأدوية والدرياقات النافعة ويجمعون بين الأشياء المختلفة فيستخرجون لذات ~~الأطعمة فثبت أنه سبحانه هو الذي خلق كل الأشياء ثم أعطاهم العقول التي بها ~~يتوصلون إلى ms6219 كيفية الانتفاع بها ، وهذا غير مختص بالإنسان بل عام في جميع ~~الحيوانات فأعطى الإنسان إنسانة والحمار حمارة والبعير ناقة ثم هداه لها ~~ليدوم التناسل وهدى الأولاد لثدي الأمهات ، بل هذا غير مختص بالحيوانات بل ~~هو حاصل في أعضائها فإنه خلق اليد على تركيب خاص وأودع فيها قوة الأخذ وخلق ~~الرجل على تركيب خاص وأودع فيها قوة المشي وكذا العين والأذن وجميع الأعضاء ~~ثم ربط البعض بالبعض على وجوه يحصل من ارتباطها مجموع واحد ، وهو الإنسان . ~~وإنما دلت هذه الأشياء على وجود الصانع سبحانه لأن اتصاف كل جسم من هذه ~~الأجسام بتلك الصفة أعني التركيب والقوة والهداية ، إما أن يكون واجبا أو ~~جائزا والأول باطل لأنا نشاهد تلك الأجسام بعد الموت منفكة عن تلك التراكيب ~~والقوى فدل على أن ذلك جائز ، والجائز لا بد له من مرجح وليس ذلك المرجح هو ~~الإنسان ولا أبواه لأن فعل ذلك يستدعي قدرة عليه وعلما بما فيه من المصالح ~~والمفاسد ، والأمران نائيان عن الإنسان لأنه بعد كمال عقله يعجز عن تغيير ~~شعرة واحدة ، وبعد البحث الشديد عن كتب التشريح لايعرف من منافع الأعضاء ~~ومصالحها إلا القدر القليل فلا بد أن يكون المتولي لتدبيرها وترتيبها ~~موجودا آخر وذلك الموجود لا يجوز أن يكون جسما لأن الأجسام متساوية في ~~الجسمية فاختصاص ذلك الجسم بتلك المؤثرية لا بد وأن يكون جائزا وإن كان ~~جائزا افتقر إلى سبب آخر والدور والتسلسل محالان ، فلا بد من الانتهاء في ~~سلسلة الحاجة / إلى موجود مؤثر ومدبر ليس بجسم ولا جسماني ثم تأثير ذلك ~~المؤثر إما أن يكون بالذات أو بالاختيار ، والأول محال لأن PageV22P057 ~~الموجب لا يميز مثلا عن مثل وهذه الأجسام متساوية في الجسمية فلم اختص ~~بعضها بالصورة الفلكية وبعضها بالصورة العنصرية وبعضها بالنباتية وبعضها ~~بالحيوانية ؟ فثبت أن المؤثر والمدبر قادر والقادر لا يمكنه مثل هذه ~~الأفعال العجيبة إلا إذا كان عالما / ثم إن هذا المدبر الذي ليس بجسم ولا ~~جسماني لا بد وأن يكون واجب الوجود في ذاته وفي صفاته وإلا ms6220 لافتقر إلى مدبر ~~آخر ويلزم التسلسل وهو محال ، وإذا كان واجب الوجود في قادريته وعالميته ~~والواجب لذاته لا يتخصص ببعض الممكنات دون البعض وجب ( أن ) يكون عالما بكل ~~ما صح أن يكون معلوما وقادرا على كل ما صح أن يكون مقدورا فظهر بهذه ~~الدلالة التي تمسك بها موسى عليه السلام ونبه على تقريرها استناد العالم ~~إلى مدبر ليس بجسم ولا جسماني وهو واجب الوجود في ذاته وفي صفاته عالم بكل ~~المعلومات قادر على كل المقدورات وذلك هو الله سبحانه وتعالى . # المسألة الثامنة : أن فرعون خاطب الاثنين بقوله : { فمن ربكما } ثم وجه ~~النداء إلى أحدهما وهو موسى عليه السلام لأنه الأصل في النبوة وهرون وزيره ~~وتابعه ، وإما لأن فرعون كان لخبثه يعلم الرتة التي في لسان موسى عليه ~~السلام فأراد استنطاقه دون أخيه لما عرف من فصاحته والرتة التي في لسان ~~موسى عليه السلام ويدل عليه قوله : { أم أنا خير من هاذا الذى هو مهين ولا ~~يكاد يبين } ( الزخرف : 52 ) . # المسألة التاسعة : في قوله : { الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } وجهان : ~~أحدهما : التقديم والتأخير أي أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به . ~~وثانيهما : أن يكون المراد من الخلق الشكل والصورة المطابقة للمنفعة فكأنه ~~سبحانه قال : أعطى كل شيء الشكل الذي يطابق منفعته ومصلحته ، وقرىء خلقه ~~صفة للمضاف أو المضاف إليه ، والمعنى أن كل شيء خلقه الله لم يخله من ~~إعطائه وإنعامه ، وأما قوله تعالى : { قال فما بال القرون الاولى } فاعلم ~~أن في ارتباط هذا الكلام بما قبله وجوها . أحدها : أن موسى عليه السلام لما ~~قرر على فرعون أمر المبدأ والمعاد قال فرعون : إن كان إثبات المبدأ في هذا ~~الحد من الظهور : { فما بال القرون الاولى } ما أثبتوه وتركوه ؟ فكان موسى ~~عليه السلام لما استدل بالدلالة القاطعة على إثبات الصانع قدح فرعون في تلك ~~الدلالة بقوله إن كان الأمر في قوة هذه الدلالة على ما ذكرت وجب على أهل ~~القرون الماضية أن لا يكونوا غافلين عنها فعارض الحجة بالتقليد . وثانيها ms6221 : ~~أن موسى عليه السلام هدد بالعذاب أولا في قوله : { إنا قد أوحى إلينا أن ~~العذاب على من كذب وتولى } ( طه : 48 ) فقال فرعون : { فما بال القرون ~~الاولى } فإنها كذبت ثم إنهم ما عذبوا ؟ وثالثها : وهو الأظهر أن فرعون لما ~~قال : { فمن ربكما ياموسى * موسى } فذكر موسى عليه السلام دليلا ظاهرا ~~وبرهانا باهرا على هذا المطلوب / فقال : { ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم ~~هدى } فخاف فرعون أن يريد في تقرير تلك الحجة فيظهر للناس صدقه وفساد طريق ~~فرعون فأراد أن يصرفه عن ذلك الكلام وأن يشغله بالحكايات فقال : { فما بال ~~القرون الاولى } فلم يلتفت موسى عليه السلام إلى ذلك الحديث بل قال : { ~~علمها عند ربى فى كتاب } ولا يتعلق غرضي بأحوالهم فلا أشتغل بها ، ثم عاد ~~إلى تتميم كلامه الأول وإيراد الدلائل الباهرة على الوحدانية فقال : { الذى ~~خلق لكم * الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا } وهذا الوجه هو المعتمد في صحة ~~هذا النظم ، ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في قوله : { علمها عند ربى فى كتاب } فإن العلم ~~الذي يكون عند الرب كيف يكون في الكتاب ؟ وتحقيقه هو أن علم الله تعالى ~~صفته وصفة الشيء قائمة به ، فأما أن تكون صفة الشيء PageV22P058 حاصلة في ~~كتاب فذاك غير معقول فذكروا فيه وجهين : الأول : معناه أنه سبحانه أثبت تلك ~~الأحكام في كتاب عنده لكون ما كتبه فيه يظهر للملائكة فيكون ذلك زيادة لهم ~~في الاستدلال على أنه تعالى عالم بكل المعلومات منزه عن السهو والغفلة ، ~~ولقائل أن يقول قوله : { فى كتاب } يوهم احتياجه سبحانه وتعالى في ذلك ~~العلم إلى ذلك الكتاب وهذا وإن كان غير واجب لا محالة ولكنه لا أقل من أنه ~~يوهمه في أول الأمر لا سيما للكافر فكيف يحسن ذكره مع معاند مثل فرعون في ~~وقت الدعوة ؟ الوجه الثاني : أن تفسير ذلك بأن بقاء تلك المعلومات في علمه ~~سبحانه كبقاء المكتوب في الكتاب فيكون الغرض من هذا الكلام تأكيد القول بأن ~~أسرارها معلومة لله تعالى بحيث لا يزول شيء ms6222 منها عن علمه ، وهذا التفسير ~~مؤكد بقوله بعد ذلك : { لا يضل ربى ولا ينسى } . # المسألة الثانية : اختلفوا في قوله : { لا يضل ربى ولا ينسى } فقال بعضهم ~~معنى اللفظين واحد أي لا يذهب عليه شيء ولا يخفى عليه وهذا قول مجاهد ~~والأكثرون على الفرق بينهما ، ثم ذكروا وجوها . أحدها : وهو الأحسن ما قاله ~~القفال لا يضل عن الأشياء ومعرفتها وما علم من ذلك لم ينسه فاللفظ الأول ~~إشارة إلى كونه عالما بكل المعلومات واللفظ الثاني وهو قوله : ولا ينسى ~~دليل على بقاء ذلك العلم أبد الآباد وهو إشارة إلى نفي التغير . وثانيها : ~~قال مقاتل : لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه . وثالثها : قال ~~الحسن لا يخطىء وقت البعث ولا ينساه . ورابعها : قال أبو عمرو أصل الضلال ~~الغيبوبة والمعنى لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء . وخامسها : قال ابن ~~جرير لا يخطىء في التدبير فيعتقد في غير الصواب كونه صوابا وإذا عرفه لا ~~ينساه وهذه الوجوه متقاربة والتحقيق هو الأول . # المسألة الثالثة : أنه لما سأله عن الإله وقال : { فمن ربكما ياموسى * ~~موسى } وكان ذلك مما سبيله الإستدلال أجاب بما هو الصواب بأوجز عبارة وأحسن ~~معنى ، ولما سأله عن شأن القرون الأولى وكان ذلك مما سبيله الإخبار ولم ~~يأته في ذلك خبر وكله إلى عالم الغيوب ، واعلم أن موسى عليه السلام / لما ~~ذكر الدلالة الأولى وهي دلالة عامة تتناول جميع المخلوقات من الإنسان وسائر ~~الحيوانات وأنواع النبات والجمادات ذكر بعد ذلك دلائل خاصة وهي ثلاثة . ~~أولها : قوله تعالى : { الذى جعل لكم الارض مهدا } وفيه أبحاث : # البحث الأول : قرأ أهل الكوفة ههنا وفي الزخرف { مهادا } والباقون قرؤوا ~~مهادا فيهما قال أبو عبيدة : الذي اختاره مهادا وهو اسم والمهد اسم الفعل ، ~~وقال غيره : المهد الاسم والمهاد الجمع كالفرش والفراش أجاب أبو عبيدة بأن ~~الفراش اسم والفرش فعل ، وقال المفضل هما مصدران لمهد إذا وطأ له فراشا ~~يقال مهد مهدا ومهادا وفرش فرشا وفراشا . # البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : { الذى جعل } مرفوع لأنه ms6223 خبر مبتدأ ~~محذوف أو لأنه صفة لربي أو منصوب على المدح وهذا من مظانه ومجازه ، واعلم ~~أنه يجب الجزم بكونه خبرا لمبتدأ محذوف إذ لو حملناه على الوجهين الباقيين ~~لزم كونه من كلام موسى عليه السلام ولو كان كذلك لفسد النظم بسبب قوله : { ~~فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . # البحث الثالث : المراد من كون الأرض مهدا أنه تعالى جعلها بحيث يتصرف ~~العباد وغيرهم عليها بالقعود والقيام والنوم والزراعة وجميع وجوه المنافع ~~وقد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : PageV22P059 { ~~الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء } . وثانيها : قوله تعالى : { وسلك ~~لكم فيها سبلا } قال صاحب ( الكشاف ) سلك من قوله : { ما سلككم فى سقر } ( ~~المدثر : 42 ) { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين } ( الشعراء : 200 ) أي جعل ~~لكم فيها سبلا ووسطها بين الجبال والأودية والبراري . وثالثها : قوله : { ~~وأنزل من السماء ماء } والكلام فيه قد مر في سورة البقرة أما قوله : { ~~فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { فأخرجنا } فيه وجوه . أحدها : أن يكون هذا من ~~تمام كلام موسى عليه السلام كأنه يقول ربي الذي جعل لكم كذا وكذا فأخرجنا ~~نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة أزواجا من نبات شتى . وثانيها : أن ~~عند قوله : { وأنزل من السماء ماء } تم كلام موسى عليه السلام ثم بعد ذلك ~~أخبر الله تعالى عن صفة نفسه متصلا بالكلام الأول بقوله : { فأخرجنا به } ~~ثم يدل على هذا الاحتمال قوله : { كلوا وارعوا أنعامكم } . وثالثها : قال ~~صاحب ( الكشاف ) انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع للإيذان ~~بأنه سبحانه وتعالى مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره ومثله قوله تعالى : ~~{ وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شىء } ( الأنعام : 99 ) ~~{ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها } ( ~~فاطر : 27 ) { أمن خلق * السماوات والارض * وأنزل لكم من السماء ماء ~~فأنبتنا به حدائق ذات بهجة } ( النمل : 60 ) واعلم أن قوله : { فأخرجنا ms6224 } ~~إما أن يكون من كلام موسى عليه السلام أو من كلام الله تعالى والأول باطل ~~لأن قوله بعد ذلك : { كلوا وارعوا أنعامكم إن فى ذالك لأيات لاولى النهى * ~~منها خلقناكم وفيها نعيدكم } لا يليق بموسى عليه السلام وأيضا فقوله : { ~~فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } لا يليق بموسى لأن أكثر ما في قدرة موسى ~~عليه السلام صرف المياه إلى سقي الأراضي وأما إخراج النبات على اختلاف ~~ألوانها وطبائعها فليس من موسى عليه السلام فثبت أن هذا كلام الله ولا يجوز ~~أن يقال كلام الله ابتداؤه من قوله : { فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } ~~لأن الفاء يتعلق بما قبله فلا يجوز جعل هذا كلام الله تعالى وجعل ما قبله ~~كلام موسى عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال : إن كلام موسى عليه السلام تم ~~عند قوله : { لا يضل ربى ولا ينسى } ثم ابتدىء كلام الله تعالى من قوله : { ~~الذى جعل لكم الارض مهدا } ويكون التقدير هو الذي { جعل لكم الارض مهدا } ~~فيكون الذي خبر مبتدأ محذوف ويكون الانتقال من الغيبة إلى الخطاب التفاتا . # المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أنه سبحانه إنه يخرج النبات من ~~الأرض بواسطة إنزال الماء فيكون للماء فيه أثر وهذا بتقدير ثبوته لا يقدح ~~في شيء من أصول الإسلام لأنه سبحانه وتعالى هو الذي أعطاها هذه الخواص ~~والطبائع لكن المتقدمين من المتكلمين ينكرونه ويقولون لا تأثير له فيه ~~ألبتة . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { أزواجا } أي أصنافا سميت بذلك لأنها ~~مزدوجة مقرونة بعضها مع بعض { شتى } صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى ~~ويجوز أن يكون صفة للنبات والنبات مصدر سمي به النابت كما يسمى بالنبت ~~فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها شتى مختلفة النفع والطعم والطبع بعضها ~~يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم أما قوله : { كلوا وارعوا أنعامكم } فهو ~~حال من الضمير في أخرجنا والمعنى أخرجنا أصناف النبات آذنين في الانتفاع ~~بها مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها . وقد تضمن قوله كلوا سائر وجوه ~~المنافع فهو كقوله : { ولا تأكلوا ms6225 أموالكم بينكم بالباطل } ( البقرة : 188 ~~) وقوله : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } ( النساء : 10 ) وقوله : ~~{ كلوا } أمر إباحة { إن فى ذلك } أي فيما ذكرت من هذه PageV22P060 النعم { ~~لايات } أي لدلالات لذوي النهى أي العقول والنهية العقل . قال أبو علي ~~الفارسي : النهي يجوز أن يكون مصدرا كالهدى ويجوز أن يكون جمعا أما قوله : ~~{ منها خلقناكم } فاعلم أنه سبحانه لما ذكر منافع الأرض والسماء بين أنها ~~غير مطلوبة لذاتها بل هي مطلوبة لكونها وسائل إلى منافع الآخرة فقال : { ~~منها خلقناكم } وفيه سؤالان : # السؤال الأول : ما معنى قوله : { منها خلقناكم } مع أنه سبحانه وتعالى ~~خلقنا من نطفة على ما بين ذلك في سائر الآيات . والجواب من وجهين : الأول : ~~أنه لما خلق أصلنا وهو آدم عليه السلام من التراب على ما قال : { كمثل ءادم ~~خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) لا جرم أطلق ذلك علينا . الثاني : أن ~~تولد الإنسان إنما هو من النطفة ودم الطمث وهما يتولدان من الأغذية ، ~~والغذاء إما حيواني أو نباتي والحيواني ينتهي إلى النبات والنبات إنما يحدث ~~من امتزاج الماء والتراب فصح أنه تعالى خلقنا منها وذلك لا ينافي كوننا ~~مخلوقين / من النطفة . والثالث : ذكرنا في قوله تعالى : { هو الذي يصوركم ~~في الارحام } ( آل عمران : 6 ) خبر ابن مسعود أن الله يأمر ملك الأرحام أن ~~يكتب الأجل والرزق والأرض التي يدفن فيها وأنه يأخذ من تراب تلك البقعة ~~ويذره على النطفة ثم يدخلها في الرحم . # السؤال الثاني : ظاهر الآية يدل على أن الشيء قد يكون مخلوقا من الشيء ~~وظاهر قول المتكلمين يأباه . والجواب : إن كان المراد من خلق الشيء من ~~الشيء إزالة صفة الشيء الأول عن الذات وأحداث صفة الشيء الثاني فيه فذلك ~~جائز لأنه لا منافاة فيه ، أما قوله تعالى : { وفيها نعيدكم } فلا شبهة في ~~أن المراد الإعادة إلى القبور حتى تكون الأرض مكانا وظرفا لكل من مات إلا ~~من رفعه الله إلى السماء ، ومن هذا حاله يحتمل أن يعاد إليها أيضا بعد ذلك ~~، أما قوله تعالى : { ومنها نخرجكم ms6226 تارة أخرى } ففيه وجوه : أحدها : وهو ~~الأقرب : { ومنها نخرجكم } يوم الحشر والبعث . وثانيها : ومنها نخرجكم ~~ترابا وطينا ثم نحييكم بعد الإخراج وهذا مذكور في بعض الأخبار . وثالثها : ~~المراد عذاب القبر عن البراء قال : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في جنازة رجل من الأنصار فذكر عذاب القبر وما يخاطب به المؤمن والكافر ~~وأنه ترد روحه في جسده ويرد إلى الأرض وأنه تعالى يقول عند إعادتهم إلى ~~الأرض إني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ) ، ~~واعلم أن الله تعالى عدد في هذه الآيات منافع الأرض وهي أنه تعالى جعلها ~~لهم فراشا ومهادا يتقلبون عليها وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف ~~أرادوا وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم وعلف دوابهم وهي أصلهم ~~الذي منه يتفرعون ثم هي كفاتهم إذا ماتوا ، ومن ثم قال عليه السلام : ( ~~بروا بالأرض فإنها بكم برة ) . # ! 7 < { ولقد أريناه ءاياتنا كلها فكذب وأبى * قال أجئتنا لتخرجنا من ~~أرضنا بسحرك ياموسى * فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه ~~نحن ولا أنت مكانا سوى } > 7 @QB@ < # | طه : ( 56 - 58 ) ولقد أريناه آياتنا . . . . . # > > PageV22P061 # اعلم أنه تعالى بين أنه أرى فرعون الآيات كلها ثم إنه لم يقبلها واختلفوا ~~في المراد بالآيات ، فقال بعضهم أراد كل الأدلة ما يتصل بالتوحيد وما يتصل ~~بالنبوة ، أما التوحيد فما ذكر في هذه السورة من قوله : { ربنا الذى أعطى ~~كل شىء خلقه ثم هدى } ( طه : 50 ) وقوله : { الذى جعل لكم الارض مهدا } ( ~~طه : 53 ) / الآية ، وما ذكر في سورة الشعراء : { قال فرعون وما رب ~~العالمين * قال رب * السماوات والارض } ( الشعراء : 23 ، 24 ) الآيات ، ~~وأما النبوة فهي الآيات التسع التي خص الله بها موسى عليه السلام وهي العصا ~~واليد وفلق البحر والحجر والجراد والقمل والضفادع والدم ونتق الجبل وعلى ~~هذا التقرير معنى أريناه عرفناه صحتها وأوضحنا له وجه الدلالة فيها ، ومنهم ~~من حمل ذلك على ما يتصل بالنبوة وهي هذه المعجزات ، وإنما أضاف الآيات إلى ~~نفسه سبحانه وتعالى مع ms6227 أن المظهر لها موسى عليه السلام لأنه أجراها على ~~يديه كما أضاف نفخ الروح إلى نفسه فقال : { فنفخنا فيها من روحنا } ( ~~الأنبياء : 91 ) مع أن النفخ كان من جبريل عليه السلام ، فإن قيل قوله : ~~كلها يفيد العموم والله تعالى ما أراه جميع الآيات لأن من جملة الأيات ما ~~أظهرها على الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا قبل موسى عليه السلام والذين ~~كانوا بعده قلنا : لفظ الكل وإن كان للعموم لكن قد يستعمل في الخصوص عند ~~القرينة كما يقال دخلت السوق فاشتريت كل شيء أو يقال إن موسى عليه السلام ~~أراه آياته وعدد عليه آيات غيره من الأنبياء عليهم السلام فكذب فرعون بالكل ~~أو يقال تكذيب بعض المعجزات يقتضي تكذيب الكل فحكى الله تعالى ذلك على ~~الوجه الذي يلزم ثم إنه سبحانه وتعالى حكى عنه أنه كذب وأبى قال القاضي : ~~الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به إلا من يتمكن من الفعل والترك ولأن الله ~~تعالى ذمه بأنه كذب وبأنه أبى ولو لم يقدر على ما هو فيه لم يصح ، واعلم أن ~~هذا السؤال مر في سورة البقرة في قوله : { إلا إبليس أبى واستكبر } ( ~~البقرة : 34 ) والجواب مذكور هناك ، ثم حكى الله تعالى شبهة فرعون وهي قوله ~~: { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى * موسى } وتركيب هذه الشبهة عجيب ~~وذلك لأنه ألقى في مسامعهم ما يصيرون به مبغضين له جدا وهو قوله : { أجئتنا ~~لتخرجنا من أرضنا } وذلك لأن هذا مما يشق على الإنسان في النهاية ولذلك ~~جعله الله تعالى مساويا للقتل في قوله : { أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ~~دياركم } ( النساء : 66 ) ثم لما صاروا في نهاية البغض له أورد الشبهة ~~الطاعنة في نبوته عليه السلام وهي أن ما جئتنا به سحر لا معجز ، ولما علم ~~أن المعجز إنما يتميز عن السحر لكون المعجز مما يتعذر معارضته والسحر مما ~~يمكن معارضته قال : { فلنأتينك بسحر مثله } أما قوله تعالى : { فاجعل بيننا ~~وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت } فاعلم أن الموعد يجوز أن يكون مصدرا ms6228 ~~ويجوز أن يكون اسما لمكان الوعد كقوله : { وإن جهنم لموعدهم أجمعين } ( ~~الحجر : 43 ) وأن يكون اسما لزمان الوعد كقوله : { إن موعدهم الصبح } ( هود ~~: 81 ) والذي في هذه الآية بمعنى المصدر أي اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه ~~لأن الوعد هو الذي يصح وصفه بالخلف . أما الزمان والمكان فلا يصح وصفهما ~~بذلك ، ومما يؤكد ذلك أن الحسن قرأ يوم الزينة بالنصب وذلك لا يطابق المكان ~~والزمان وإنما نصب مكانا لأنه هو المفعول الثاني للجعل والتقدير اجعل مكان ~~موعد لا نخلفه مكانا سوى . أما قوله : { سوى } فاعلم أنه قرأ عاصم وحمزة ~~وابن عامر { سوى } بضم السين والباقون بكسرها وهما لغتان مثل طوى وطوى ، ~~وقرىء أيضا منونا وغير منون ، وذكروا في معناه وجوها : / أحدها : قال أبو ~~علي مكانا تستوي مسافته على الفريقين وهو المراد من قول مجاهد قال قتادة ~~منصفا بيننا . وثانيها : قال ابن زيد : { سوى } أي مستويا لا يحجب العين ما ~~فيه من الارتفاع والانخفاض فسوى على التقدير الأول صفة المسافة وعلى هذا ~~التقدير صفة المكان والمقصود PageV22P062 أنهم طلبوا موضعا مستويا لا يكون ~~فيه ارتفاع ولا انخفاض حتى يشاهد كل الحاضرين كل ما يجري . وثالثها : مكانا ~~يستوي حالنا في الرضاء به . ورابعها : قال الكلبي : مكانا سوى هذا المكان ~~الذي نحن فيه الآن . # ! 7 < { قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى * فتولى فرعون فجمع ~~كيده ثم أتى * قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب ~~وقد خاب من افترى * فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى } > 7 ! # < < # | طه : ( 59 - 62 ) قال موعدكم يوم . . . . . # > > إعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : يحتمل أن قوله تعالى : { قال موعدكم } أن يكون من قول ~~فرعون فبين الوقت ويحتمل أن يكون من قول موسى عليه السلام ، قال القاضي ~~والأول أظهر لأنه المطالب بالاجتماع دون موسى عليه السلام ، وعندي الأظهر ~~أنه من كلام موسى عليه السلام لوجوه . أحدها : أنه جواب لقول فرعون فاجعل ~~بيننا وبينك موعدا . وثانيها : وهو أن تعيين يوم الزينة يقتضي اطلاع الكل ~~على ما ms6229 سيقع فتعيينه إنما يليق بالمحق الذي يعرف أن اليد له لا المبطل الذي ~~يعرف أنه ليس معه إلا التلبيس . وثالثها : أن قوله : موعدكم خطاب للجمع فلو ~~جعلناه من فرعون إلى موسى وهرون لزم إما حمله على التعظيم وذلك لا يليق ~~بحال فرعون معهما أو على أن أقل الجمع إثنان وهو غير جائز أما لو جعلناه من ~~موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه استقام الكلام . # المسألة الثانية : يوم الزينة قرأ بعضهم بضم الميم وقرأ الحسن بالنصب قال ~~الزجاج : إذا رفع فعلى خبر المبتدأ والمعنى وقت موعدكم يوم الزينة ومن نصب ~~فعلى الظرف معناه موعدكم يقع يوم الزينة وقوله : { وأن يحشر الناس ضحى } ~~معناه موعدكم حشر الناس ضحى فموضع أن يكون رفعا ويجوز فيه الخفض عطفا على ~~الزينة كأنه قال موعدكم يوم الزينة ويوم يحشر الناس ضحى فإن قيل ألستم قلتم ~~في تفسير قوله : { أجعل * بيننا وبينك موعدا } إن التقدير اجعل مكان موعد ~~لا نخلفه مكانا سوى فهذا كيف يطابقه الجواب بذكر الزمان ؟ قلنا هو مطابق ~~معنى وإن لم يطابق لفظا / لأنهم لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في ~~مكان معين مشهود باجتماع الناس في ذلك اليوم فبذكر الزمان علم المكان . # المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في يوم الزينة وجوها . أحدها : أنه يوم ~~عيد لهم يتزينون فيه . وثانيها : قال مقاتل يوم النيروز . وثالثها : قال ~~سعيد بن جبير يوم سوق لهم . ورابعها : قال ابن عباس يوم عاشوراء ، وإنما ~~قال يحشر فإنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حاشر لهم ، وقرىء وأن ~~يحشر الناس بالياء والتاء يريد وأن تحشر الناس يا فرعون وأن يحشر اليوم ~~ويجوز أن يكون فيه ضمير فرعون ذكره بلفظ الغيبة ، إما على العادة التي ~~تخاطب بها الملوك أو خاطب القوم بقوله : { موعدكم } وجعل ضمير يحشر لفرعون ~~وإنما أوعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله تعالى وظهور دينه وكبت الكافر ~~وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد في المجمع العام ليكثر المحدث بذلك الأمر ~~PageV22P063 العجيب في كل بدو وحضر ويشيع في جميع ms6230 أهل الوبر والمدر ، قال ~~القاضي : إنه عين اليوم بقوله : { يوم الزينة } ثم عين من اليوم وقتا معينا ~~بقوله : { وأن يحشر الناس ضحى } وأما قوله : { فتولى فرعون فجمع كيده ثم ~~أتى } فاعلم أن التولي قد يكون إعراضا وقد يكون انصرافا والظاهر ههنا أنه ~~بمعنى الانصراف وهو مفارقته موسى عليه السلام على الموعد الذي تواعدوا ~~للاجتماع ( فيه ) ، قال مقاتل : فتولى أي أعرض وثبت على إعراضه عن الحق ~~ودخل تحت قوله : { فجمع كيده } السحرة وسائر من يجتمع لذلك ويدخل فيه ~~الآلات وسائر ما أوردته السحرة { ثم أتى } دخل تحت أتى الموضع بالسحرة ~~وبالقوم وبالآلات قال ابن عباس : كانوا اثنين وسبعين ساحرا مع كل واحد منهم ~~حبل وعصا وقيل كانوا أربعمائة وقيل أكثر من ذلك ثم ضربت لفرعون قبة فجلس ~~فيها ينظر إليهم وكان طول القبة سبعين ذراعا ثم بين تعالى أن موسى عليه ~~السلام قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير مما قالوه وأقدموا عليه فقال : { ~~ويلكم لا تفتروا على الله كذبا } بأن تزعموا بأن الذي جئت به ليس بحق وأنه ~~سحر فيمكنكم معارضتي ، قال الزجاج : يجوز في انتصاب ويلكم أن يكون المعنى ~~ألزمهم الله ويلا إن افتروا على الله كذبا ويجوز على النداء كقوله : { ~~ياويلتا ءألد وأنا عجوز وهاذا } ( هود : 72 ) ، { قالوا ياويلنا من بعثنا ~~من مرقدنا } ( يس : 52 ) وقوله : { فيسحتكم بعذاب } أي يعذبكم عذابا مهلكا ~~مستأصلا وقرأ حمزة وعاصم والكسائي برفع الياء من الإسحات والباقون بفتحها ~~من السحت والإسحات لغة أهل نجد وبني تميم والسحت لغة أهل الحجاز فكأنه ~~تعالى قال : من افترى على الله كذبا حصل له أمران : أحدهما : عذاب ~~الاستئصال في الدنيا أو العذاب الشديد في الآخرة وهو المراد من قوله : { ~~فيسحتكم بعذاب } . والثاني : الخيبة والحرمان عن المقصود وهو المراد بقوله ~~: { وقد خاب من افترى } ثم بين سبحانه وتعالى أنه لم قال موسى عليه السلام ~~ذلك أعرضوا عن قوله : { فتنازعوا أمرهم بينهم } وفي تنازعوا قولان : أحدهما ~~: تفاوضوا وتشاوروا ليستقروا على شيء واحد . والثاني : قال مقاتل : اختلفوا ~~فيما بينهم ثم قال ms6231 بعضهم : دخل في التنازع فرعون / وقومه ومنهم من يقول : ~~بل هم السحرة وحدهم والكلام محتمل وليس في الظاهر ما يدل على الترجيح ~~وذكروا في قوله : { وأسروا النجوى } وجوها . أحدها : أنهم أسروها من فرعون ~~وعلى هذا التقدير فيه وجوه . الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما إن ~~نجواهم قالوا : إن غلبنا موسى اتبعناه . والثاني : قال قتادة إن كان ساحرا ~~فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر . الثالث : قال وهب لما قال : { ويلكم } ~~الآية قالوا ما هذا بقول ساحر . القول الثاني : أنهم أسروا النجوى من موسى ~~وفرعون ونجواهم هو قولهم : { إن هاذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ~~} ( طه : 63 ) وهو قول السدي . الوجه الثالث : أنهم أسروا النجوى من موسى ~~وهرون ومن فرعون وقومه أيضا وكان نجواهم أنهم كيف يجب تدبير أمر الحبال ~~والعصي وعلى أي وجه يجب إظهارها فيكون أوقع في القلوب للعيوب وهو قول ~~الضحاك . # ! 7 < { قالوا إن هاذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ~~ويذهبا بطريقتكم المثلى * فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من ~~استعلى } > 7 @QB@ < # | طه : ( 59 - 62 ) قال موعدكم يوم . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : PageV22P064 # المسألة الأولى : القراءة المشهورة : { إن هاذان لساحران } ومنهم من ترك ~~هذه القراءة وذكروا وجوها أخر . أحدها : قرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر : ( إن ~~هذين لساحران ) قالوا : هي قراءة عثمان وعائشة وابن الزبير وسعيد بن جبير ~~والحسن رضي الله تعالى عنه واحتج أبو عمرو وعيسى على ذلك بما روى هشام بن ~~عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سئلت عن قوله : { إن هاذان ~~لساحران } وعن قوله : { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى } ~~( المائدة : 69 ) في المائدة ، وعن قوله : { لاكن الراسخون فى العلم منهم * ~~إلى * قوله * والمقيمين الصلواة والمؤتون الزكواة } ( النساء : 162 ) فقالت ~~يا ابن أخي هذا خطأ من الكاتب ، وروى عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : ~~أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها ، وعن أبي عمرو أنه قال : إني لأستحي ~~أن أقرأ : { إن هاذان لساحران } ، وثانيها : قرأ ابن ms6232 كثير : ( إن هذان ) ~~بتخفيف إن وتشديد نون هذان . وثالثها : قرأ حفص عن عاصم إن هذان بتخفيف ~~النونين . ورابعها : قرأ عبد الله بن مسعود : { وأسروا النجوى * إن هاذان } ~~بفتح الألف وجزم نونه ( و ) ساحران بغير لام . وخامسها : عن الأخفش : { ~~قالوا إن هاذان لساحران } خفيفة في معنى ثقيلة وهي لغة قوم يرفعون بها / ~~ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى ما . وسادسها : روى عن ~~أبي بن كعب : ( ما هذان إلا ساحران ) وروي عنه أيضا : ( إن هذان لساحران ) ~~وعن الخليل مثل ذلك ، وعن أبي أيضا : ( إن ذان لساحران ) فهذه هي القراءات ~~الشاذة المذكورة في هذه الآية ، واعلم أن المحققين قالوا : هذه القراءات لا ~~يجوز تصحيحها لأنها منقولة بطريق الآحاد ، والقرآن يجب أن يكون منقولا ~~بالتواتر إذ لو جوزنا إثبات زيادة في القرآن بطريق الآحاد لما أمكننا القطع ~~بأن هذا الذي هو عندنا كل القرآن لأنه لما جاز في هذه القراءات أنها مع ~~كونها مع القرآن ما نقلت بالتواتر جاز في غيرها ذلك ، فثبت أن تجويز كون ~~هذه القراءات من القرآن يطرق جواز الزيادة والنقصان والتغيير إلى القرآن ~~وذلك يخرج القرآن عن كونه حجة ولما كان ذلك باطلا فكذلك ما أدى إليه ، وأما ~~الطعن في القراءة المشهورة فهو أسوأ مما تقدم من وجوه : أحدها : أنه لما ~~كان نقل هذه القراءة في الشهرة كنقل جميع القرآن فلو حكمنا ببطلانها جاز ~~مثله في جميع القرآن وذلك يفضي إلى القدح في التواتر وإلى القدح في كل ~~القرآن وأنه باطل ، وإذا ثبت ذلك امتنع صيرورته معارضا بخبر الواحد المنقول ~~عن بعض الصحابة . وثانيها : أن المسلمين أجمعوا على أن ما بين الدفتين كلام ~~الله تعالى وكلام الله تعالى لا يجوز أن يكون لحنا وغلطا فثبت فساد ما نقل ~~عن عثمان وعائشة رضي الله عنهما أن فيه لحنا وغلطا . وثالثها : قال ابن ~~الأنباري إن الصحابة هم الأئمة والقدوة فلو وجدوا في المصحف لحنا لما فوضوا ~~إصلاحه إلى غيرهم من بعدهم مع تحذيرهم من الإبتداع وترغيبهم في الاتباع ، ~~حتى ms6233 قال بعضهم : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم . فثبت أنه لا بد من تصحيح ~~القراءة المشهورة . واختلف النحويون فيه وذكروا وجوها : الوجه الأول : وهو ~~الأقوى أن هذه لغة لبعض العرب وقال بعضهم هي لغة بلحارث بن كعب / والزجاج ~~نسبها إلى كنانة وقطرب نسبها إلى بلحارث بن كعب ومراد وخثعم وبعض بني عذرة ~~، ونسبها ابن جني إلى بعض بني ربيعة أيضا وأنشد الفراء على هذه اللغة : # % فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى % % مساغا لناباه الشجاع لصمما % # وأنشد غيره : # % تزود منا بين أذناه ضربة % % دعته إلى هابي التراب عقيم % # قال الفراء وحكى بعض بني أسد أنه قال هذا خط يدا أخي أعرفه . وقال قطرب ~~هؤلاء يقولون : رأيت رجلان PageV22P065 واشتريت ثوبان قال رجل من بني ضبة ~~جاهلي : # % أعرف منها الجيد والعينانا % % ومنخرين أشبها ظبيانا % # وقوله ومنخرين على اللغة الفاشية وما وراء ذلك على لغة هؤلاء . # وقال آخر : # % طاروا علاهن فطر علاها % % واشدد بمثنى حقب حقواها % # / وقال آخر : # % كأن صريف ناباه إذا ما % % أمرهما صرير الأخطبان % # قال بعضهم : الأخطبان ذكر الصردان ، فصيرهما واحدا فبقي الاستدلال بقوله ~~صريف ناباه ، قال : وأنشدني يونس لبعض بني الحرث : # % كأن يمينا سحبل ومصيفه % % مراق دم لن يبرح الدهر ثاويا % # وأنشدوا أيضا : # % إن أباها وأبا أباها % % قد بلغا في المجد غايتاها % # وقال ابن جني روينا عن قطرب : # % هناك أن تبكي بشعشعان % % رحب الفؤاد طائل اليدان % # ثم قال الفراء وذلك وإن كان قليلا أقيس لأن ما قبل حرف التثنية مفتوح ، ~~فينبغي أن يكون ما بعده ألفا ولو كان ما بعده ياء ينبغي أن تنقلب ألفا ~~لانفتاح ما قبلها وقطرب ذكر أنهم يفعلون ذلك فرارا إلى الألف التي هي أخف ~~حروف المد هذا أقوى الوجوه في هذه الآية ويمكن أن يقال أيضا : الألف في هذا ~~من جوهر الكلمة والحرف الذي يكون من جوهر الكلمة لا يجوز تغييره بسبب ~~التثنية والجمع لأن ما بالذات لا يزول بالعرض فهذا الدليل يقتضي أن لا يجوز ~~أن يقال : ( إن هذين ) فلما جوزناه فلا أقل من أن يجوز معه ms6234 أن يقال إن هذان ~~. الوجه الثاني : في الجواب أن يقال إن ههنا بمعنى نعم قال الشاعر : # % ويقلن شيب قد علا % % ك وقد كبرت فقلت إنه % # أي فقلت نعم فالهاء في إنه هاء السكت كما في قوله تعالى : { هلك عنى ~~سلطانيه } ( الحاقة : 29 ) وقال أبو ذؤيب : # % شاب المفارق إن إن من البلى % % شيب القذال مع العذار الواصل % # أي نعم إن من البلى فصار إن كأنه قال نعم هذان لساحران ، واعترضوا عليه ~~فقالوا : اللام لا تدخل في الخبر على الاستحسان إلا إذا كانت إن داخلة في ~~المبتدأ ، فأما إذا لم تدخل أن على المبتدأ فمحل اللام المبتدأ إذ يقال ~~لزيد اعلم من عمرو ولا يقال زيد لأعلم من عمرو ، وأجابوا عن هذا الاعتراض ~~من وجهين ، الأول : لا نسلم أن اللام لا يحسن دخولها على الخبر والدليل ~~عليه قوله : PageV22P066 # % أم الحليس لعجوز شهر به % % ترضى من اللحم بعظم الرقبه % # وقال آخر : # % خالي لأنت ومن جرير خاله % % ينل العلاء ويكرم الأخوالا % # وأنشد قطرب : # % ألم تكن حلفت بالله العلي % % أن مطاياك لمن خير المطي % # وإن رويت إن بالكسر لم يبق الاستدلال إلا أن قطربا قال : سمعناه مفتوح ~~الهمزة وأيضا فقد / أدخلت اللام في خبر أمسى ، قال ابن جني أنشدنا أبو علي ~~: # % مروا عجالى فقالوا كيف صاحبكم % % فقال من سئلوا أمسى لمجهودا % # وقال قطرب وسمعنا بعض العرب يقول : أراك المسالمي وإني رأيته لشيخا وزيد ~~والله لواثق بك وقال كثير : # % وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها % % لكالهائم المقصى بكل بلاد % # وقال آخر : # % ولكنني من حبها لعميد % % وقال المعترض هذه الأشعار من الشواذ وإنما ~~جاءت كذا لضرورة الشعر وجل كلام الله تعالى عن الضرورة وإنما تقرر هذا ~~الكلام إذا بينا أن المبتدأ إذا لم يدخل عليه إن وجب إدخال اللام عليه لا ~~على الخبر وتحقيقه أن اللام تفيد تأكيد موصوفية المبتدأ بالخبر واللام تدل ~~على حالة من حالات المبتدأ وصفة من صفاته فوجب دخولها على المبتدأ لأن ~~العلة الموجبة لحكم في محل لا بد وأن تكون مختصة ms6235 بذلك المحل لا يقال هذا ~~مشكل بما إذا دخلت إن على المبتدأ فإن ههنا يجب إدخال اللام على الخبر مع ~~أن ما ذكرتموه حاصل فيه لأنا نقول ذلك لأجل الضرورة وذلك لأن كلمة إن ~~للتأكيد واللام للتأكيد فلو قلنا : إن لزيدا قائم لكنا قد أدخلنا حرف ~~التأكيد على حرف التأكيد وذلك ممتنع فلما تعذر إدخالها على المبتدأ لا جرم ~~أدخلناها على الخبر لهذه الضرورة ، وأما إذا لم يدخل حرف إن على المبتدأ ~~كانت هذه الضرورة زائلة فوجب إدخال اللام على المبتدأ لا يقال إذا جاز ~~إدخال حرف النفي على حرف النفي في قوله : # % ما إن رأيت ولا سمعت به % % كاليوم طالبني أنيق أجرب % # والغرض به تأكيد النفي فلم لا يجوز إدخال حرف التأكيد على حرف التأكيد ~~والغرض به تأكيد الإثبات لأنا نقول الفرق بين البابين أن قولك زيد قائم يدل ~~على الحكم بموصوفية زيد بالقيام فإذا قلت إن زيدا قائم فكلمة إن تفيد تأكيد ~~ذلك الحكم فلو ذكرت مؤكدا آخر مع كلمة إن صار عبثا ، أما لو قلت : رأيت ~~فلانا فهذا للثبوت فإذا أدخلت عليه حرف النفي أفاد حرف النفي معنى النفي ~~ولا يفيد التأكيد لأنه مستقل بإفادة الأصل فكيف يفيد الزيادة فإذا ضممت ~~إليه حرف نفي آخر صار الحرف الثاني مؤكدا للأول فلا يكون عبثا فهذا هو ~~الفرق بين البابين فهذا منتهى تقرير هذا الاعتراض وهو عندي ضعيف ، لأن الكل ~~اتفقوا على أنه إذا اجتمع النقل والقياس فالنقل أولى ، ولأن هذه العلل في ~~نهاية الضعف فكيف يدفع بها النقل الظاهر . الوجه الثاني : في الجواب عن ~~قولهم اللام لا يحسن دخولها على الخبر إلا إذا دخلت كلمة إن على المبتدأ ~~كما ذكره الزجاج فقال : إن وقعت موقع نعم واللام في موقعها والتقدير ~~PageV22P067 نعم هذان لهما ساحران فكانت اللام داخلة على المبتدأ لا على ~~الخبر . قال : وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلى إسماعيل بن إسحاق ~~فارتضياه وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا . قال ابن جنى : هذا القول غير ms6236 ~~صحيح لوجوه : الوجه / الأول : أن الأصل أن المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان ~~أمرا معلوما جليا ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل به ضرب من تكليف علم ~~الغيب للمخاطب وإذا كان معروفا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام لأن ~~التأكيد إنما يحتاج إليه حيث لم يكن العلم به حاصلا . الوجه الثاني : أن ~~الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب فالجمع بينهما غير جائز ~~ولأن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس . الوجه الثالث : ~~امتناع أصحابنا البصريين من تأكيد الضمير المحذوف العائد على المبتدأ في ~~نحو قولك زيد ضربت فلا يجيزون زيد ضربت نفسه على أن يجعل النفس توكيدا ~~للهاء المؤكدة المقدرة في ضربت أي ضربته لأن الحذف لا يكون إلا بعد التحقيق ~~والعلم به ، وإذا كان كذلك فقد استغنى عن تأكيده فكذا ههنا . الوجه الرابع ~~: أن جميع النحويين حملوا قول الشاعر : أم الحليس لعجوز شهر به . على أن ~~الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة ولو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزا لما ~~عدل عنه النحويون ولما حملوا الكلام عليه على الإضطرار إذا وجدوا له وجها ~~ظاهرا ، ويمكن الجواب عن اعتراض ابن جنى بأنه إنما حسن حذف المبتدأ لأن في ~~اللفظ ما يدل عليه وهو قوله : هذان أما لو حذف التأكيد فليس في اللفظ ما ~~يدل عليه فلا جرم كان حذف المبتدأ أولى من حذف التأكيد ، وأما امتناعهم من ~~تأكيد الضمير في قولهم : زيد ضربت نفسه فذاك إنما كان لأن إسناد الفعل إلى ~~المظهر أولى من إسناده إلى المضمر فإذا قال زيد : ضربت نفسه كان قوله نفسه ~~مفعولا فلا يمكن جعله تأكيدا للضمير فتأكيد المحذوف إنما امتنع ههنا لهذه ~~العلة لا لأن تأكيد المحذوف مطلقا ممتنع وأما قوله : النحويون حملوا قول ~~الشاعر : أم الحليس لعجوز شهر به . على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ~~ضرورة فلو جاز ما قاله الزجاج لما عدل عنه النحويون ، فهذا اعتراض في نهاية ~~السقوط لأن ذهول المتقدمين عن هذا الوجه لا يقتضي ms6237 كونه باطلا فما أكثر ما ~~ذهل المتقدم عنه وأدركه المتأخر فهذا تمام الكلام في شرح هذا . الوجه ~~الثالث : في الجواب أن كلمة إن ضعيفة في العمل لأنها تعمل بسبب مشابهة ~~الفعل فوجب كونها ضعيفة في العمل وإذا ضعفت جاز بقاء المبتدأ على إعرابه ~~الأصلي وهو الرفع . # المقدمة الأولى : أنها تشبه الفعل وهذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى ~~. أما اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء ~~كالأفعال ، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الإسم وهو تأكيد موصوفيته ~~بالخبر كما أنك إذا قلت : قام زيد فقولك قام أفاد حصول معنى في الإسم . # المقدمة الثانية : أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل فذلك ~~ظاهر بناء على الدوران . # المقدمة الثالثة : أنها لم تنصب الاسم وترفع الخبر فتقريره أن يقال : ~~إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معا أو تنصبهما معا أو ~~ترفع المبتدأ وتنصب الخبر أو بالعكس والأول / باطل لأن المبتدأ والخبر كانا ~~قبل دخول إن عليهما مرفوعين فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له ~~أثر ألبتة ولأنها أعطيت عمل الفعل ، والفعل لا يرفع الإسمين فلا معنى ~~للاشتراك . والقسم الثاني : أيضا باطل لأن هذا أيضا مخالف لعمل الفعل لأن ~~الفعل لا ينصب شيئا مع خلوه عما يرفعه . والقسم الثالث : أيضا باطل لأنه ~~يؤدي إلى التسوية بين PageV22P068 الأصل والفرع فإن الفعل يكون عمله في ~~الفاعل أولا بالرفع وفي المفعول بالنصب فلو جعل النصب ههنا كذلك لحصلت ~~التسوية بين الأصل والفرع ، ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين . القسم الرابع ~~: وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر ، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف ~~دخيلة في العمل لا أصيلة لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب العمل عدول ~~عن الأصل فذلك يدل على أن العمل بهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل ~~بطريق عارض . # المقدمة الرابعة : لما ثبت أن تأثيرها في نصب الاسم بسبب هذه المشابهة ~~وجب جواز الرفع أيضا ، وذلك لأن كون الاسم مبتدأ يقتضي الرفع ودخول إن ms6238 على ~~المبتدأ لا يزيل عنه وصف كونه مبتدأ لأنه يفيد تأكيد ما كان لا زوال ما كان ~~إذا ثبت هذا فنقول : وصف كونه مبتدأ يقتضي الرفع وحرف إن يقتضي النصب ولكن ~~المقتضى الأول أولى بالاقتضاء من وجهين : أحدهما : أن وصف كونه مبتدأ صفة ~~أصلية للمبتدأ ودخول إن عليه صفة عرضية والأصل راجح على العارض . والثاني : ~~أن اقتضاء وصف المبتدأ للرفع أصلي واقتضاء حرف إن للنصب صفة عارضة بسبب ~~مشابهتها بالفعل فيكون الأول أولى فثبت بمجموع ما قررنا أن الرفع أولى من ~~النصب فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من أصل الجواز ولهذا السبب إذا جئت ~~بخبر إن ثم عطفت على الاسم إسما آخر جاز فيه الرفع والنصب معا . الوجه ~~الرابع : في الجواب قال الفراء : هذا أصله ذا زيدت الهاء لأن ذا كلمة ~~منقوصة فكملت بالهاء عند التنبيه وزيدت ألفا للتثنية فصارت هذا إن فاجتمع ~~ساكنان من جنس واحد فاحتيج إلى حذف واحد ولا يمكن حذف ألف الأصل لأن أصل ~~الكلمة منقوصة فلا تجعل أنقص فحذف ألف التثنية لأن النون يدل عليه فلا جرم ~~لم تعمل إن لأن عملها في ألف التثنية ، وقال آخرون : الألف الباقي إما ألف ~~الأصل أو ألف التثنية . فإن كان الباقي ألف الأصل لم يجز حذفها لأن العامل ~~الخارجي لا يتصرف في ذات الكلمة ، وإن كان الباقي ألف التثنية فلا شك أنهم ~~أنابوها مناب ألف الأصل ، وعوض الأصل أصل لا محالة فهذا الألف أصل فلا يجوز ~~حذفه ويرجع حاصل هذا إلى الجواب الأول . الوجه الخامس : في الجواب حكى ~~الزجاج عن قدماء النحويين أن الهاء ههنا مضمرة والتقدير إنه هذان لساحران ، ~~وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن ، فهذا ما قيل في هذا الموضع ، فأما من ~~خفف فقرأ إن هذان لساحران فهو حسن فإن ما بعد الخفيفة رفع واللام بعدها في ~~الخبر لازمة واجبة وإن كانت في إن الثقيلة جائزة ليظهر الفرق بين إن ~~المؤكدة وإن النافية . قال الشاعر : # % / وإن مالك للمرتجى إن تضعضعت % % رحا الحرب أو دارت على ms6239 خطوب % # وقال آخر : # % إن القوم والحي الذي أنا منهم % % لأهل مقامات وشاء وجامل % # الجامل جمع جمل ، ثم من العرب من يعمل إن ناقصة كما يعملها تامة اعتبارا ~~بكان فإنها تعمل وإن نقصت في قولك : لم يكن لبقاء معنى التأكيد ، وإن زال ~~الشبه اللفظي بالفعل لأن العبرة للمعنى ، وهذه اللغة تدل على أن العبرة في ~~باب الإعمال الشبه المعنوي بالفعل وهو إثبات التوكيد دون الشبه اللفظي كما ~~أن التعويل في باب كان على المعنى دون اللفظ لكونه فعلا محضا ، وأما اللغة ~~الظاهرة وهي ترك إعمال إن الخفيفة دالة على أن الشبه اللفظي في إن الثقيلة ~~أحد جزأي العلة في حق عملها وعند الخفة زال الشبه فلم تعمل بخلاف السكون ~~فإنه عامل بمعناه لكونه فعلا محضا ولا عبرة للفظه . # المسألة الثانية : أنه سبحانه وتعالى لما ذكر ما أسروه من النجوى حكى ~~عنهم ما أظهروه ومجموعه يدل على التنفير عن موسى عليه السلام ومتابعة دينه ~~. فأحدها : قولهم : { هاذان لساحران } وهذا طعن منهم في معجزات PageV22P069 ~~موسى عليه السلام ثم مبالغة في التنفير عنه لما أن كل طبع سليم يقتضي ~~النفرة عن السحر وكراهة رؤية الساحر ، ومن حيث إن الإنسان يعلم أن السحر لا ~~بقاء له فإذا اعتقدوا فيه السحر قالوا : كيف نتبعه فإنه لا بقاء له ولا ~~لدينه ولا لمذهبه . وثانيها : قوله : { يريدان أن يخرجاكم من أرضكم } وهذا ~~في نهاية التنفير لأن المفارقة عن المنشأ ، والمولد شديدة على القلوب ، ~~وهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن فرعون في قوله : { أجئتنا لتخرجنا من ~~أرضنا بسحرك ياموسى * موسى } ( طه : 57 ) وكأن السحرة تلقفوا هذه الشبهة من ~~فرعون ثم أعادوها . وثالثها : قوله : { ويذهبا بطريقتكم المثلى } وهذا أيضا ~~له تأثير شديد في القلب فإن العدو إذا جاء واستولى على جميع المناصب ~~والأشياء التي يرغب فيها فذلك يكون في نهاية المشقة على النفس فهم ذكروا ~~هذه الوجوه للمبالغة في التنفير عن موسى والترغيب في دفعه وإبطال أمره ~~وههنا بحثان : # البحث الأول : قال الفراء : الطريقة الرجال الأشراف الذين هم قدوة ms6240 لغيرهم ~~يقال هم طريقة قومهم ، ويقال للواحد أيضا : هو طريقة قومه ، وجعل الزجاج ~~الآية من باب حذف المضاف أي ويذهبا بأهل طريقتكم المثلى ، وعلى التقديرين ، ~~فالمراد أنهم كانوا يحرضون القوم بأن موسى وهارون عليهما السلام يريدان أن ~~يذهبا بأشراف قومكم وأكابركم وهم بنوا اسرائيل لقول موسى عليه السلام : { ~~أرسل معنا بنى إسراءيل } ( الشعراء : 17 ) وإنما سموا بني إسرائيل بذلك ~~لأنهم كانوا أكثر القوم يومئذ عددا وأموالا ومن المفسرين من فسر الطريقة ~~المثلى بالدين سموا دينهم بالطريقة المثلى : { وكل * حزب بما لديهم فرحون } ~~( الروم : 32 ) ومنهم من فسرها بالجاه والمنصب والرياسة . # البحث الثاني : { المثلى } مؤنثة لتأنيث الطريقة ، واختلفوا في أنه لم ~~سمى الأفضل بالأمثل / فقال بعضهم : الأمثل : الأشبه بالحق ، وقيل : الأمثل ~~الأوضح والأظهر ، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم مبالغتهم في التنفير عن موسى ~~عليه السلام والترغيب في إبطال أمره حكى عنهم أنهم قالوا : { فأجمعوا كيدكم ~~ثم ائتوا صفا } قرأ أبو عمرو بوصل الألف وفتح الميم من أجمعوا يعني لا ~~تدعوا شيئا من كيدهم إلا جئتم به دليله قوله : { فجمع كيده } وقرأ الباقون ~~بقطع الألف وكسر الميم وله وجهان : أحدهما : قال الفراء : الإجماع الأحكام ~~والعزيمة على الشيء ، يقال : أجمعت على الخروج مثل أزمعت . والثاني : بمعنى ~~الجمع وقد مضى الكلام في هذا عند قوله : { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } ( يونس ~~: 71 ) قال الزجاج : ليكن عزمكم كلكم كاليد مجمعا عليه لا تختلفوا ثم ائتوا ~~صفا ، ذكر أبو عبيدة والزجاج وجهين : أحدهما : أن الصف موضع الجمع والمعنى ~~ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم ، والمعنى : ائتوا مصلى من ~~المصليات أو كان الصف علما للمصلى بعينه فأمروا بأن يأتوه . والثاني : أن ~~يكون الصف مصدرا والمعنى ثم ائتوا مصطفين مجتمعين لكي يكون أنظم لأمركم ~~وأشد لهيبتكم ، وهذا قول عامة المفسرين ، وقوله : { وقد أفلح اليوم من ~~استعلى } اعتراض ، يعني : وقد فاز من غلب فكانوا يقرون بذلك أنفسهم فيما ~~اجتمعوا عليه من إظهار ما يظهرونه من السحر . # ! 7 < { قالوا ياموسى إمآ أن تلقى وإمآ أن نكون أول من ألقى * قال ms6241 بل ~~ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى * فأوجس فى نفسه ~~خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك أنت الا على * وألق ما فى يمينك تلقف ما صنعوا ~~إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى } > 7 @QB@ < # | طه : ( 65 - 69 ) قالوا يا موسى . . . . . # > > PageV22P070 # اعلم أنه لما تقدم ذكر الموعد وهو يوم الزينة وتقدم أيضا قوله : { ثم ~~ائتوا صفا } ( طه : 64 ) صار ذلك مغنيا عن قوله فحضروا هذا الموضع وقالوا : ~~{ إما أن تلقى } لدلالة ما تقدم عليه وقوله : { إما أن تلقى وإما أن نكون ~~أول من ألقى } معناه إما أن تلقى ما معك قبلنا ، وإما أن نلقى ما معنا قبلك ~~، وهذا التخيير مع تقديمه في الذكر حسن أدب منهم وتواضع له ، فلا جرم رزقهم ~~الله تعالى الإيمان ببركته ، ثم إن موسى عليه السلام قابل أدبهم بأدب فقال ~~: { بل ألقوا } أما قوله : { بل ألقوا } ففيه سؤالان : # / السؤال الأول : كيف يجوز أن يقول موسى عليه السلام : { بل ألقوا } ~~فيأمرهم بما هو سحر وكفر لأنهم إذا قصدوا بذلك تكذيب موسى عليه السلام كان ~~كفرا . والجواب من وجوه : أحدها : لا نسلم أن نفس الإلقاء كفر ومعصية لأنهم ~~إذا ألقوا وكان غرضهم أن يظهر الفرق بين ذلك الإلقاء وبين معجزة الرسول ~~عليه السلام وهو موسى كان ذلك الإلقاء إيمانا وإنما الكفر هو القصد إلى ~~تكذيب موسى وهو عليه السلام إنما أمر بالإلقاء لا بالقصد إلى التكذيب فزال ~~السؤال . وثانيها : ذلك الأمر كان مشروطا والتقدير : { ألقوا ما أنتم ملقون ~~} ( الشعراء : 43 ) إن كنتم محقين كما في قوله تعالى : { فأتوا بسورة من ~~مثله إن كنتم صادقين } ( البقرة : 23 ) أي إن كنتم قادرين . وثالثها : أنه ~~لما تعين ذلك طريقا إلى كشف الشبهة صار ذلك جائزا . وهذا كالمحق إذا علم أن ~~في قلب واحد شبهة وأنه لو لم يطالبه بذكرها وتقريرها بأقصى ما يقدر عليه ~~لبقيت تلك الشبهة في قلبه ، ويخرج بسببها عن الدين فإن للمحق أن يطالبه ~~بتقريرها على أقصى الوجوه ويكون غرضه من ذلك أن ms6242 يجيب عنها ويزيل أثرها عن ~~قلبه فمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض تكون جائزة فكذا ههنا . ورابعها : أن ~~لا يكون ذلك أمرا بل يكون معناه إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حسا لكي ~~ينكشف الحق . وخامسها : أن موسى عليه السلام لا شك أنه كان كارها لذلك ولا ~~شك أنه نهاهم عن ذلك بقوله : { ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب } ( طه : 61 ) وإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون قوله أمرا لهم ~~بذلك لأن الجمع بين كونه ناهيا وآمرا بالفعل الواحد محال ، فعلمنا أن قوله ~~غير محمول على ظاهره وحينئذ يزول الإشكال . # السؤال الثاني : لم قدمهم في الإلقاء على نفسه مع أن تقديم استماع الشبهة ~~على استماع الحجة غير جائز فكذا تقديم إيراد الشبهة على إيراد الحجة وجب أن ~~لا يجوز لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة ثم لا يتفرغ لإدراك الحجة بعده فيبقى ~~حينئذ في الكفر والضلال وليس لأحد أن يقول إن ذلك كان بسبب أنهم لما قدموه ~~على أنفسهم فهو عليه السلام قابل ذلك بأن قدمهم على نفسه لأن أمثال ذلك ~~إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس ، فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير ~~جائز . والجواب أنه عليه السلام كان قد أظهر المعجزة مرة واحدة فما كان به ~~حاجة إلى إظهارها مرة أخرى والقوم إنما جاؤوا لمعارضته فقال عليه السلام : ~~لو أني بدأت بإظهار المعجزة أولا لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر ~~وقصد إبطال المعجزة وذلك غير جائز ، ولكني أفوض الأمر إليهم حتى أنهم ~~باختيارهم يظهرون ذلك السحر ثم أنا أظهر المعجز الذي يبطل سحرهم فيكون على ~~هذا التقدير سببا لإزالة الشبهة ، وأما على التقدير الأول فإنه يكون سببا ~~لوقوع الشبهة فكان ذلك PageV22P071 أولى . أما قوله : { فإذا حبالهم وعصيهم ~~يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : { ألقوا * حبالهم وعصيهم ~~} ميلا من هذا الجانب وميلا من هذا الجانب فخيل إلى موسى عليه السلام أن ~~الأرض كلها حيات وأنها ms6243 تسعى / فخاف فلما قيل له : { ألق * ما فى يمينك تلقف ~~ما صنعوا } ألقى موسى عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم ثم أخذت تزداد عظما حتى ~~ملأت الوادي ثم صعدت وعلت حتى علقت ذنبها بطرف القبة ثم هبطت فأكلت كل ما ~~عملوا في الميلين والناس ينظرون إليها لا يحسبون إلا أنه سحر ثم أقبلت نحو ~~فرعون لتبتلعه فاتحة فاها ثمانين ذراعا فصاح بموسى عليه السلام فأخذها فإذا ~~هي عصى كما كانت ونظرت السحرة فإذا هي لم تدع من حبالهم وعصيهم شيئا إلا ~~أكلته فعرفت السحرة أنه ليس بسحر وقالوا أين حبالنا وعصينا لو لم تكن سحرا ~~لبقيت فخروا سجدا وقالوا : { برب العالمين رب * رب موسى وهارون } ( الأعراف ~~: 121 / 122 ) . # المسألة الثانية : اختلفوا في عدد السحرة قال القاسم بن سلام : كانوا ~~سبعين ألفا مع كل واحد عصا وحبل . وقال السدي : كانوا بضعة وثلاثين ألفا مع ~~كل واحد عصا وحبل ، وقال وهب : كانوا خمسة عشر ألفا ، وقال ابن جريج وعكرمة ~~كانوا تسعمائة : ثلثمائة من الفرس وثلثمائة من الروم وثلثمائة من ~~الاسكندرية . وقال الكلبي : كانوا اثنين وسبعين ساحرا اثنان منهم من القبط ~~وسبعون من بني إسرائيل أكرههم فرعون على ذلك ، واعلم أن الاختلاف والتفاوت ~~واقع في عدد كثير وظاهر القرآن لا يدل على شيء منه والأقوال إذا تعارضت ~~تساقطت . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : يقال في إذا هذه إذا المفاجأة ~~والتحقيق فيها أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت الطالبة ناصبا لها وجملة تضاف ~~إليها خصت في بعض المواضع بأن تكون ناصبا فعلا مخصوصا وهو فعل المفاجأة ~~والجملة ابتدائية لا غير فتقدير قوله تعالى : { فإذا حبالهم وعصيهم } ففاجأ ~~موسى وقت تخيل سعي حبالهم وعصيهم وهذا تمثيل ، والمعنى على مفاجأته حبالهم ~~وعصيهم مخيلة إليه السعي اه . # المسألة الرابعة : قرىء عصيهم بالضم وهو الأصل والكسر إتباع نحو دلي ودلي ~~وقسي وقسي وقرىء تخيل بالتاء المنقوطة من فوق بإسناد الفعل إلى الحبال ~~والعصي وقرىء بالضم بالياء المنقطة من تحت بإسناد الفعل إلى الكيد والسحر ~~وقال الفراء أي يخيل إليه ms6244 سعيها . # المسألة الخامسة : الهاء في قوله : { يخيل إليه } كناية عن موسى عليه ~~السلام والمراد أنهم بلغوا في سحرهم المبلغ الذي صار يخيل إلى موسى عليه ~~السلام أنها تسعى كسعي ما يكون حيا من الحيات لا أنها كانت حية في الحقيقة ~~ويقال إنهم حشوها بما إذا وقعت الشمس عليه يضطرب ويتحرك . ولما كثرت واتصل ~~بعضها ببعض فمن رآها كان يظن أنها تسعى ، فأما ما روي عن وهب أنهم سحروا ~~أعين الناس وعين موسى عليه السلام حتى تخيل ذلك مستدلا بقوله تعالى : { ~~فلما ألقوا سحروا أعين الناس } ( الأعراف : 116 ) وبقوله تعالى : { يخيل ~~إليه من سحرهم أنها تسعى } فهذا غير جائز لأن ذلك الوقت وقت إظهار المعجزة ~~والأدلة وإزالة الشبهة فلو صار بحيث لا يميز الموجود عن الخيال الفاسد / لم ~~يتمكن من إظهار المعجزة فحينئذ يفسد المقصود / PageV22P072 فإذن المراد أنه ~~شاهد شيئا لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى ، أما ~~قوله تعالى : { فأوجس فى نفسه خيفة موسى } فالإيجاس استشعار الخوف أي وجد ~~في نفسه خوفا ، فإن قيل : إنه لا مزيد في إزالة الخوف على ما فعله الله ~~تعالى في حق موسى عليه السلام فإنه كلمه أولا وعرض عليه المعجزات الباهرة ~~كالعصا واليد ، ثم إنه تعالى صيرها كما كانت بعد أن كانت كأعظم ثعبان ، ثم ~~إنه أعطاه الاقتراحات الثمانية وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن الثمانية ثم ~~قال له بعد ذلك كله : { إننى معكما أسمع وأرى } ( طه : 46 ) فمع هذه ~~المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه والجواب عنه من وجوه . أحدها : أن ~~ذلك الخوف إنما كان لما طبع الآدمي عليه من ضعف القلب وإن كان قد علم موسى ~~عليه السلام أنهم لا يصلون إليه وأن الله ناصره وهذا قول الحسن . وثانيها : ~~أنه خاف أن تدخل على الناس شبهة فيما يرونه فيظنوا أنهم قد ساووا موسى عليه ~~السلام ويشتبه ذلك عليهم وهذا التأويل متأكد بقوله : { لا تخف إنك أنت ~~الاعلى } وهذا قول مقاتل . وثالثها : أنه خاف حيث بدأوا وتأخر ms6245 إلقاؤه أن ~~ينصرف بعض القوم قبل مشاهدة ما يلقيه فيدوموا على اعتقاد الباطل . ورابعها ~~: لعله عليه السلام كان مأمورا بأن لا يفعل شيئا إلا بالوحي فلما تأخر نزول ~~الوحي عليه في ذلك الوقت خاف أن لا ينزل الوحي في ذلك الوقت فيبقى في ~~الخجالة . وخامسها : لعله عليه السلام خاف من أنه لو أبطل سحر أولئك ~~الحاضرين فلعل فرعون قد أعد أقواما آخرين فيأتيه بهم فيحتاج مرة أخرى إلى ~~إبطال سحرهم وهكذا من غير أن يظهر له مقطع وحينئذ لا يتم الأمر ولا يحصل ~~المقصود ، ثم إنه تعالى أزال ذلك الخوف بالإجمال أولا وبالتفصيل ثانيا ، ~~أما الإجمال فقوله تعالى : { قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى } ودلالته على أن ~~خوفه كان لأمر يرجع إلى أن أمره لا يظهر للقوم فآمنه الله تعالى بقوله : { ~~إنك أنت الاعلى } وفيه أنواع من المبالغة . أحدها : ذكر كلمة التأكيد وهي ~~إن . وثانيها : تكرير الضمير . وثالثها : لام التعريف . ورابعها : لفظ ~~العلو وهو الغلبة الظاهرة وأما التفصيل فقوله : { وألق ما فى يمينك } وفيه ~~سؤال ، وهو أنه لم لم يقل وألق عصاك . والجواب : جاز أن يكون تصغيرا لها أي ~~لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي بيمينك ~~فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها وجائز أن ~~يكون تعظيما لها أي لا تحتفل بهذه الأجرام الكثيرة فإن في يمينك شيئا أعظم ~~منها كلها وهذه على كثرتها أقل شيء عندها فألقه يتلقفها بإذن الله تعالى ~~ويمحقها ، أما قوله : { تلقف } أي فإنك إذا ألقيتها فإنها تلقف ما صنعوا ~~قراءة العامة تلقف بالجزم والتشديد أي فألقها تتلقفها وقرأ ابن عامر تلقف ~~بالتشديد وضم الفاء على معنى الحال أي ألقها متلقفة أو بالرفع على ~~الاستئناف ، وروى حفص عن عاصم بسكون اللام مع التخفيف أي تأخذ بفيها ~~ابتلاعا بسرعة واللقف والتلقف جميعا يرجعان إلى هذا المعنى ، وصنعوا ههنا ~~بمعنى اختلقوا وزوروا والعرب تقول في الكذب : هو كلام مصنوع وموضوع وصحة ~~قوله : { تلقف } أنه إذا ألقى ذلك وصارت حية تلقفت ms6246 / ما صنعوا وفي قوله : { ~~فألقى السحرة سجدا } ( طه : 70 ) دلالة على أنه ألقى العصا وصارت حية ~~وتلقفت ما صنعوه وفي التلقف دلالة على أن جميع ما ألقوه تلقفته وذلك لا ~~يكون إلا مع عظم جسدها وشدة قوتها . وقد حكى عن السحرة أنهم عند التلقف ~~أيقنوا بأن ما جاء به موسى عليه السلام ليس من مقدور البشر من وجوه : أحدها ~~: ظهور حركة PageV22P073 العصا على وجه لا يكون مثله بالحيلة . وثانيها : ~~زيادة عظمه على وجه لا يتم ذلك بالحيلة . وثالثها : ظهور الأعضاء عليه من ~~العين والمنخرين والفم وغيرها ولا يتم ذلك بالحيلة . ورابعها : تلقف جميع ~~ما ألقوه على كثرته وذلك لا يتم بالحيلة . وخامسها : عوده خشبة صغيرة كما ~~كانت وشيء من ذلك لا يتم بالحيلة ثم بين سبحانه وتعالى أن ما صنعوا كيد ~~ساحر والمعنى أن الذي معك يا موسى معجزة إلهية والذي معهم تمويهات باطلة ~~فكيف يحصل التعارض . وقرىء كيد ساحر بالرفع والنصب فمن رفع فعلى أن ما ~~موصولة ومن نصب فعلى أنها كافة وقرىء كيد سحر بمعنى ذي سحر أو ذوي سحر أو ~~هم لتوغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه وبذاته أو بين الكيد لأنه يكون سحرا ~~وغير سحر ، كما يبين المائة بدرهم ونحوه علم فقه وعلم نحو ، بقي سؤالات : # السؤال الأول : لم وحد الساحر ، ولم يجمع . الجواب : لأن القصد في هذا ~~الكلام إلى معنى الجنسية لا إلى معنى العدد فلو جمع تخيل أن المقصود هو ~~العدد ألا ترى إلى قوله : { ولا يفلح الساحر حيث أتى } أي هذا الجنس . # السؤال الثاني : لم نكر أولا ثم عرف ثانيا . الجواب : كأنه قال : هذا ~~الذي أتوا به قسم واحد من أقسام السحر وجميع أقسام السحر لا فائدة فيه ولا ~~شك أن هذا الكلام على هذا الوجه أبلغ . # السؤال الثالث : قوله : { ولا يفلح الساحر حيث أتى } يدل على أن الساحر ~~لا يحصل له مقصوده بالسحر خيرا كان أو شرا وذلك يقتضي نفي السحر بالكلية . ~~الجواب : الكلام في السحر وحقيقته قد تقدم في سورة البقرة ms6247 فلا وجه للإعادة ~~والله أعلم . # ! 7 < { فألقى السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى * قال ءامنتم له ~~قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذى علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف ولأصلبنكم فى جذوع النخل ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى } > 7 @QB@ < # | طه : ( 70 - 71 ) فألقي السحرة سجدا . . . . . # > > # / اعلم أن في قوله : { فألقى السحرة سجدا } دلالة على أنه ألقى ما في ~~يمينه وصار حية تلقف ما صنعوا وظهر الأمر فخروا عند ذلك سجدا وذلك لأنهم ~~كانوا في الطبقة العليا من علم السحر فلما رأوا ما فعله موسى PageV22P074 ~~عليه السلام خارجا عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر ألبتة ويقال : قال ~~رئيسهم كنا نغالب الناس بالسحر وكانت الآلات تبقى علينا لو غلبنا فلو كان ~~هذا سحرا فأين ما ألقيناه فاستدلوا بتغير أحوال الأجسام على الصانع العالم ~~القادر وبظهورها على يد موسى عليه السلام على كونه رسولا صادقا من عند الله ~~تعالى ، فلا جرم تابوا وآمنوا وأتوا بما هو النهاية في الخضوع وهو السجود ، ~~أما قوله تعالى : { فألقى السحرة سجدا } فليس المراد منه أنهم أجبروا على ~~السجود إلا لما كانوا محمودين بل التأويل فيه ما قال الأخفش وهو أنهم من ~~سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا ، وقال صاحب ( الكشاف ) : ما أعجب أمرهم قد ~~ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر ~~والسجود . فما أعظم الفرق بين الإلقاءين ، وروى أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى ~~رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها . وعن عكرمة : لما خروا سجدا أراهم ~~الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة . قال القاضي : هذا ~~بعيد لأنه تعالى لو أراهم عيانا لصاروا ملجئين ، وذلك لا يليق به قولهم : { ~~إنا امنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } ( طه : 73 ) . وجوابه : لما جاز ~~لإبراهيم عليه السلام مع قطعه بكونه مغفورا له أن يقول : { والذى أطمع أن ~~يغفر لى خطيئتى } ( الشعراء : 82 ) فلم لا يجوز مثله في حق السحرة ، واعلم ~~أن هذه القصة تنبه على أسرار عجيبة من أمور الربوبية ونفاذ القضاء الإلهي ~~وقدره ms6248 في جملة المحدثات ، وذلك لأن ظهور تلك الأدلة كانت بمرأى من الكل ~~ومسمع فكان وجه الاستدلال فيها جليا ظاهرا وهو أنه حدثت أمور فلا بد لها من ~~مؤثر والعلم بذلك ضروري ، وذلك المؤثر إما الخلق ، وإما غيرهم . والأول ~~بديهي البطلان لأن كل عاقل يعلم بالضرورة من نفسه أنه لا يقدر على إيجاد ~~الحيوانات وتعظيم جثتها دفعة واحدة ثم يصغرها مرة أخرى كما كانت وهذه ~~العلوم الجلية متى حصلت في العقل أفادت القطع بأنه لا بد من مدبر لهذا ~~العالم ، فماذا يقول ألا ترى أن أولئك المنكرين جهلوا صحة هذه المقدمات ~~وهذا في نهاية البعد ، لأنا بينا أن كل واحد منها بحيث لا يمكن ارتياب ~~العاقل فيه وإذا فقد عرفوا صحتها لكنهم أصروا على الجهل وكرهوا تحصيل العلم ~~والسعادة لأنفسهم وأحبوا تحصيل الجهل والشقاوة لأنفسهم ما أرى أن عاقلا ~~يرضى بذلك لنفسه قط ، فلم يبق إلا أن يقال : العقل والدليل لا يكفي بل لا ~~بد من مدبر يخلق هذه المقدمات في القلوب ، ويخلق الشعور بكيفية ترتيبها ~~وبكيفية استنتاجها / للنتيجة حتى أنه متى فعل ذلك حصلت النتائج في القلوب ~~وذلك يدل على أن الكل بقضائه وقدره فإنه لا اعتماد على العقول والقلوب في ~~مجاريها وتصرفاتها ومن طرح التعصب عن قلبه ونظر إلى أحوال نفسه في مجاري ~~أفكاره وأنظاره ازداد وثوقا بما ذكرناه . أما قوله : { قالوا امنا برب ~~هارون وموسى } فاعلم أن التعليمية احتجوا بهذه الآية وقالوا : إنهم آمنوا ~~بالله الذي عرفوه من قبل هارون وموسى فدل ذلك على أن معرفة الله لا تستفاد ~~إلا من الإمام ، وهذا القول ضعيف بل في قولهم : { امنا برب هارون وموسى } ~~فائدتان سوى ما ذكروه . # الفائدة الأولى : وهي أن فرعون ادعى الربوبية في قوله : { أنا ربكم ~~الاعلى } ( النازعات : 24 ) والإلهية في قوله : { ما علمت لكم من إلاه غيرى ~~} ( القصص : 38 ) فلو أنهم قالوا : آمنا برب العالمين لكان فرعون يقول : ~~إنهم آمنوا بي لا بغيري فلقطع هذه التهمة اختاروا هذه العبارة ، والدليل ~~عليه أنهم قدموا ذكر هارون على ms6249 موسى لأن فرعون كان يدعي ربوبيته لموسى بناء ~~على أنه رباه في قوله : { ألم نربك فينا وليدا } ( الشعراء : 18 ) فالقوم ~~لما احترزوا عن إيهامات فرعون لا جرم قدموا ذكر هارون على موسى قطعا لهذا ~~الخيال . PageV22P075 # الفائدة الثانية : وهي أنهم لما شاهدوا أن الله تعالى خصهما بتلك ~~المعجزات العظيمة والدرجات الشريفة لا جرم قالوا : رب هارون وموسى لأجل ذلك ~~، ثم إن فرعون لما شاهد منهم السجود والإقرار خاف أن يصير ذلك سببا لاقتداء ~~سائر الناس بهم في الإيمان بالله تعالى وبرسوله ففي الحال ألقى شبهة أخرى ~~في النبي فقال : { قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذى علمكم } ~~وهذا الكلام مشتمل على شبهتين . إحداهما : قوله : { قال ءامنتم له قبل أن ~~ءاذن } وتقريره أن الاعتماد على الخاطر الأول غير جائز بل لا بد فيه من ~~البحث والمناظرة والاستعانة بالخواطر ، فلما لم تفعلوا شيئا من ذلك بل في ~~الحال : { له قبل } دل ذلك على أن إيمانكم ليس عن البصيرة بل عن سبب آخر . ~~وثانيها : قوله : { إنه لكبيركم الذى علمكم السحر } يعني أنكم تلامذته في ~~السحر فاصطلحتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجا لأمره وتفخيما لشأنه ~~، ثم بعد إيراد الشبهة اشتغل بالتهديد تنفيرا لهم عن الإيمان وتنفيرا ~~لغيرهم عن الاقتداء بهم في ذلك فقال : { لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } ~~قرىء لأقطعن ولأصلبن بالتخفيف . والقطع من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل ~~اليسرى لأن كل واحد من العضوين خلاف الآخر ، فإن هذا يد وذاك رجل وهذا يمين ~~وذاك شمال وقوله : { من خلاف } في محل النصب على الحال أي : لأقطعنها ~~مختلفات لأنها إذا خالف بعضها بعضا فقد اتصفت بالاختلاف ثم قال : { ~~ولاصلبنكم فى جذوع النخل } فشبه تمكن المصلوب في الجذع يتمكن الشيء الموعى ~~في وعائه فلذلك قال في جذوع النخل والذي يقال في المشهور أن في بمعنى على ~~فضعيف ثم قال : { ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } أراد بقوله : { أينا } ~~نفسه لعنه الله لأن قوله : { أينا } يشعر بأنه أراد نفسه وموسى عليه السلام ~~بدليل ms6250 قوله : { له قبل } وفيه تصالف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب ~~الناس بأنواع العذاب واستضعاف موسى عليه السلام مع الهزء به لأن موسى عليه ~~السلام قط لم / يكن من التعذيب في شيء ، فإن قيل : إن فرعون مع قرب عهده ~~بمشاهدة انقلاب العصا حية بتلك العظمة التي شرحتموها وذكرتم أنها قصدت ~~ابتلاع قصر فرعون وآل الأمر إلى أن استغاث بموسى عليه السلام من شر ذلك ~~الثعبان فمع قرب عهده بذلك وعجزه عن دفعه كيف يعقل أن يهدد السحرة ويبالغ ~~في وعيدهم إلى هذا الحد ويستهزىء بموسى عليه السلام في قوله : { أينا أشد ~~عذابا وأبقى } قلنا لم لا يجوز أن يقال : إنه كان في أشد الخوف في قلبه إلا ~~أنه كان يظهر تلك الجلادة والوقاحة تمشية لناموسه وترويجا لأمره ، ومن ~~استقرى أحوال أهل العالم علم أن العاجز قد يفعل أمثال هذه الأشياء / ومما ~~يدل على صحة ذلك أن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عذاب الله أشد من عذاب البشر ~~، ثم إنه أنكر ذلك ، وأيضا فقد كان عالما بكذبه في قوله : { إنه لكبيركم ~~الذى علمكم السحر } لأنه علم أن موسى عليه السلام ما خالطهم ألبتة وما ~~لقيهم وكان يعرف من سحرته أن أستاذ كل واحد من هو وكيف حصل ذلك العلم ، ثم ~~إنه مع ذلك كان يقول هذه الأشياء فثبت أن سبيله في كل ذلك ما ذكرناه وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : ( كانوا في أول النهار سحرة ، وفي آخره شهداء ) ~~. # ! 7 < { قالوا لن نؤثرك على ما جآءنا من البينات والذى فطرنا فاقض مآ أنت ~~قاض إنما تقضى هاذه الحيواة الدنيآ * إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ومآ ~~أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى * إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم ~~لا يموت فيها ولا يحيى * ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولائك لهم ~~الدرجات العلى * جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذالك جزآء من ~~تزكى } > 7 @QB@ < # | طه : ( 72 - 76 ) قالوا لن نؤثرك . . . . . # > > PageV22P076 # / اعلم أنه تعالى لما حكى تهديد ms6251 فرعون لأولئك حكى جوابهم عن ذلك بما يدل ~~على حصول اليقين التام والبصيرة الكاملة لهم في أصول الدين ، فقالوا : { لن ~~نؤثرك على ما جاءنا من البينات } وذلك يدل على أن فرعون طلب منهم الرجوع عن ~~الإيمان وإلا فعل بهم ما أوعدهم فقالوا : { لن نؤثرك } جوابا لما قاله ~~وبينوا العلة وهي أن الذي جاءهم بينات وأدلة ، والذي يذكره فرعون محض ~~الدنيا ، ومنافع الدنيا ومضارها لا تعارض منافع الآخرة ومضارها ، أما قوله ~~: { والذى فطرنا } ففيه وجهان : الأول : أن التقدير لن نؤثرك يا فرعون على ~~ما جاءنا من البينات وعلى الذي فطرنا أي وعلى طاعة الذي فطرنا وعلى عبادته ~~. الوجه الثاني : يجوز أن يكون خفضا على القسم . واعلم أنهم لما علموا أنهم ~~متى أصروا على الإيمان فعل فرعون ما أوعدهم به فقالوا : { فاقض ما أنت قاض ~~} لا على معنى أنهم أمروه بذلك لكن أظهروا أن ذلك الوعيد لا يزيلهم ألبتة ~~عن إيمانهم وعما عرفوه من الحق علما وعملا ، ثم بينوا ما لأجله يسهل عليهم ~~احتمال ذلك فقالوا : { قالوا لن نؤثرك على ما } وقرىء : ( نقضي هذه الحياة ~~الدنيا ) ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة منتصبة على الظرف فاتسع في ~~الظرف باجرائه مجرى المفعول به كقولك : في صمت يوم الجمعة صيم والمعنى أن ~~قضاءك وحكمك إنما يكون في هذه الحياة الدنيا وهي كيف كانت فانية وإنما ~~مطلبنا سعادة الآخرة وهي باقية ، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني المتوصل ~~به إلى السعادة الباقية ثم قالوا : { إنا امنا بربنا ليغفر لنا خطايانا } ~~ولما كان أقرب خطاياهم عهدا ما أظهروه من السحر ، قالوا : { وما أكرهتنا ~~عليه من السحر } وذكروا في ذلك الإكراه وجوها . أحدها : أن الملوك في ذلك ~~الزمان كانوا يأخذون البعض من رعيتهم ويكلفونهم تعلم السحر فإذا شاخ بعثوا ~~إليه أحداثا ليعلمهم ليكون في كل وقت من يحسنه فقالوا هذا القول لأجل ذلك ~~أي كنا في التعلم أولا والتعليم ثانيا مكرهين قاله ابن عباس . وثانيها : أن ~~رؤساء السحرة كانوا اثنين وسبعين ، إثنان من القبط ، والباقي من بني ~~إسرائيل ms6252 فقالوا لفرعون : أرنا موسى نائما فرأوه فوجدوه تحرسه عصاه فقالوا : ~~ما هذا بساحر ، الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه . وثالثها : ~~قال الحسن : إن السحرة حشروا من المدائن ليعارضوا موسى عليه السلام فأحضروا ~~بالحشر وكانوا مكرهين في الحضور وربما كانوا مكرهين أيضا في إظهار السحر . ~~ورابعها : قال عمرو بن عبيد : دعوة السلطان إكراه وهذا ضعيف لأن دعوة ~~السلطان إذا لم يكن PageV22P077 معها خوف لم تكن إكراها ، ثم قالوا : { ~~والله خير } ثوابا لمن أطاعه . { وأبقى } عقابا لمن عصاه ، وهذا جواب لقوله ~~: { ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } ( طه : 71 ) . قال الحسن : سبحان الله ~~القوم كفار وهم أشد الكافرين كفرا ثبت في قلوبهم الإيمان في طرفة عين فلم ~~يتعاظم عندهم أن قالوا : { فاقض ما أنت قاض } في ذات الله تعالى والله إن ~~أحدكم اليوم ليصحب القرآن ستين عاما ثم إنه يبيع دينه بثمن حقير ، ثم ختموا ~~هذا الكلام بشرح أحوال المؤمنين وأحوال المجرمين في عرصة القيامة ، فقالوا ~~في المجرمين : / { إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم يموت فيها ولا يحيى } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الهاء في قوله : { أنه } ضمير الشأن يعني أن الأمر ~~والشأن كذا وكذا . # المسألة الثانية : استدلت المعتزلة بهذه الآية في القطع على وعيد أصحاب ~~الكبائر قالوا : صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم لقوله : { إنه من ~~يأت ربه مجرما } وكلمة من في معرض الشرط تفيد العموم بدليل أنه يجوز ~~استثناء كل واحد منها والإستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، واعترض ~~بعض المتكلمين من أصحابنا على هذا الكلام ، فقال : لا نسلم أن صاحب الكبيرة ~~مجرم والدليل عليه أنه تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فإنه قال في هذه ~~الآية : { ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات } وقال : { إن الذين أجرموا ~~كانوا من الذين ءامنوا يضحكون } ( المطففين : 29 ) وأيضا فإنه قال : { فإن ~~له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى } والمؤمن صاحب الكبيرة وإن عذب بالنار لا ~~يكون بهذا الوصف ، وفي الخبر الصحيح : ( يخرج من النار من كان في ms6253 قلبه ~~مثقال ذرة من الإيمان ) . واعلم أن هذه الاعتراضات ضعيفة ، أما قوله : إن ~~الله تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فهذا مسلم لكن هذا إنما ينفع لو ~~ثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ، ومذهب المعتزلة أنه ليس بمؤمن فهذا المعترض ~~كأنه بنى هذا الاعتراض على مذهب نفسه وذلك ساقط ، قوله ثانيا : إنه لا يليق ~~بصاحب الكبيرة أن يقال في حقه : إن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ، قلنا : ~~لا نسلم فإن عذاب جهنم في غاية الشدة قال تعالى : { ربنا إنك من تدخل النار ~~فقد أخزيته } ( آل عمران : 192 ) وأما الحديث فيقال : ( القرآن متواتر فلا ~~يعارضه خبر الواحد ) . ويمكن أن يقال : ثبت في أصول الفقه أنه يجوز تخصيص ~~القرآن بخبر الواحد وللخصم أن يجيب فيقول ذلك يفيد الظن فيجوز الرجوع إليه ~~في العمليات ، وهذه المسألة ليست من العمليات بل من الاعتقادات ، فلا يجوز ~~المصير إليها ههنا . فإن اعترض إنسان آخر ، وقال : أجمعنا على أن هذه الآية ~~مشروطة بنفي التوبة وبأن لا يكون عقابه محبطا بثواب طاعته والقدر المشترك ~~بين الصورتين هو أن لا يوجد ما يحبط ذلك العقاب ولكن عندنا العفو محبط ~~للعقاب ، وعندنا أن المجرم الذي لا يوجد في حقه العفو لا بد وأن يدخل جهنم ~~، واعلم أن هذا الاعتراض أيضا ضعيف أما شرط نفي التوبة فلا حاجة إليه لأنه ~~قال : { من يأت ربه مجرما } أي حال كونه مجرما والتائب لا يصدق عليه أنه ~~أتى ربه حال كونه مجرما . وأما صاحب الصغيرة فلأنه لا يسمى مجرما لأن ~~المجرم اسم للذم فلا يجوز إطلاقه على صاحب الصغيرة ، بل الاعتراض الصحيح أن ~~نقول : عموم هذا الوعيد معارض بما جاء بعده من عموم الوعد وهو قوله تعالى : ~~{ ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } وكلامنا فيمن ~~أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم أتى بعد ذلك ببعض الكبائر . فإن قيل : ~~عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة ، قلنا : لم لا يجوز أن يقال : ثواب الإيمان ~~يدفع عقاب المعصية فإن قالوا : لو كان كذلك لوجب ms6254 أن لا يجوز لعنه وإقامة ~~الحد عليه . قلنا : أما PageV22P078 اللعن الغير جائز عندنا ، وأما إقامة ~~الحد عليه فقد تكون على سبيل المحنة كما في حق التائب وقد تكون / على سبيل ~~التنكيل . قالت المعتزلة قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~جزاء بما كسبا نكالا من الله } ( المائدة : 38 ) فالله تعالى نص على أنه ~~يجب عليه إقامة الحد على سبيل التنكيل ، وكل من كان كذلك استحال أن يكون ~~مستحقا للمدح والتعظيم ، وإذا لم يبق ذلك لم يبق الثواب كما قلنا . فدلنا ~~ذلك على أن عقاب الكبيرة أولى بإزالة ثواب الطاعة المتقدمة من الطاعات بدفع ~~عقاب الكبيرة الطارئة . هذا منتهى كلامهم في مسألة الوعيد قلنا حاصل الكلام ~~يرجع إلى أن النص الدال على إقامة الحد عليه على سبيل التنكيل صار معارضا ~~للنصوص الدالة على كونه مستحقا للثواب ، فلم كان ترجيح أحدهما على الآخر ~~أولى من العكس وذلك لأن المؤمن كان ينقسم إلى السارق وغير السارق ، فالسارق ~~ينقسم إلى المؤمن وإلى غير المؤمن فلم يكن لأحدهما مزية على الآخر في ~~العموم والخصوص فإذا تعارضا تساقطا . ثم نقول : لا نسلم أن كلمة من في ~~إفادة العموم قطعية بل ظنية ومسألتنا قطعية فلا يجوز التعويل على ما ذكرته ~~، وتمام الكلام فيه مذكور في كتاب المحصول في الأصول . # المسألة الثالثة : تمسكت المجسمة بقوله : { إنه من يأت ربه مجرما } ~~فقالوا : الجسم إنما يأتي ربه لو كان الرب في المكان . وجوابه : أن الله ~~تعالى جعل إتيانهم موضع الوعد إتيانا إلى الله مجازا كقول إبراهيم عليه ~~السلام : { إنى ذاهب إلى ربى سيهدين } ( الصافات : 99 ) . # المسألة الرابعة : الجسم الحي لا بد وأن يبقى إما حيا أو يصير ميتا فخلوه ~~عن الوصفين محال ، فمعناه في الآية أنه يكون في جهنم بأسوء حال لا يموت ~~موتة مريحة ولا يحيا حياة ممتعة . ثم ذكر حال المؤمنين فقال : { ومن يأته ~~مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى } واعلم أن قوله : { قد ~~عمل الصالحات } يقتضي أن يكون آتيا بكل الصالحات . وذلك بالإتفاق غير معتبر ~~ولا ms6255 ممكن فينبغي أن يحمل ذلك على أداء الواجبات ، ثم ذكر أن من أتى ~~بالإيمان والأعمال الصالحات كانت له الدرجات العلى ، ثم فسرها فقال : { ~~جنات عدن تجرى من تحتها الانهار } وفي الآية تنبيه على حصول العفو لأصحاب ~~الكبائر لأنه تعالى جعل الدرجات العلى من الجنة لمن أتى ربه بالإيمان ~~والأعمال الصالحة فسائر الدرجات التي هي غير عالية لا بد وأن تكون لغيرهم . ~~ما هم إلا العصاة من أهل الإيمان ، أما قوله : { وذالك جزاء من تزكى } فقال ~~ابن عباس : يريد من قال لا إله إلا الله ، وأقول لما دلت هذه الآية على أن ~~الدرجات العالية هي جزاء من تزكى أي تطهر عن الذنوب وجب بحكم ذلك الخطاب أن ~~الدرجات التي لا تكون عالية أن لا تكون جزاء من تزكى فهي لغيرهم ممن يكون ~~قد أتى بالمعاصي وعفا الله بفضله ورحمته عنهم ، واعلم أنه ليس في القرآن أن ~~فرعون فعل بأولئك القوم المؤمنين ما أوعدهم به ولكن ثبت ذلك في الأخبار . # ! 7 < { ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادى فاضرب لهم طريقا فى البحر ~~يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى * فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم * وأضل فرعون قومه وما هدى } > 7 @QB@ < # | طه : ( 77 - 79 ) ولقد أوحينا إلى . . . . . # > > PageV22P079 # / واعلم أن في قوله : { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى } دلالة على ~~أن موسى عليه السلام في تلك الحالة كثر مستجيبوه . فأراد الله تعالى ~~تمييزهم من طائفة فرعون وخلاصهم فأوحى إليه أن يسري بهم ليلا ، والسري اسم ~~لسير الليل والإسراء مثله ، فإن قيل : ما الحكمة في أن يسري بهم ليلا ، ~~قلنا لوجوه : أحدها : أن يكون اجتماعهم لا بمشهد من العدو فلا يمنعهم عن ~~استكمال مرادهم في ذلك . وثانيها : ليكون عائقا عن طلب فرعون ومتبعيه . ~~وثالثها : ليكون إذا تقارب العسكران لا يرى عسكر موسى عسكر فرعون فلا ~~يهابوهم ، أما قوله : { فاضرب لهم طريقا فى البحر يبسا } ففيه وجهان : ~~الأول : أي فاجعل لهم من قولهم ضرب له في ماله سهما ، وضرب اللبن عمله . ~~والثاني ms6256 : بين لهم طريقا في البحر بالضرب بالعصا وهو أن يضرب البحر بالعصا ~~حتى ينفلق ، فعدى الضرب إلى الطريق . والحاصل أنه أريد بضرب الطريق جعل ~~الطريق بالضرب يبسا ثم بين تعالى أن جميع أسباب الأمن كان حاصلا في ذلك ~~الطريق . أحدها : أنه كان يبسا قرىء يابسا ويبسا بفتح الياء وتسكين الباء ~~فمن قال : يابسا جعله بمعنى الطريق ومن قال يبسا بتحريك الباء فاليبس ~~واليابس شيء واحد والمعنى طريقا أيبس . ومن قال : يبسا بتسكين الباء فهو ~~مخفف عن اليبس ، والمراد أنه ما كان فيه وحل ولا نداوة فضلا عن الماء . ~~وثانيها : قوله : { لا تخاف دركا ولا تخشى } أي لا تخاف أن يدركك فرعون ~~فإني أحول بينك وبينه بالتأخير ، قال سيبويه : قوله : { تخاف } رفعه على ~~وجهين : أحدهما : على الحال كقولك غير خائف ولا خاش . والثاني : على ~~الإبتداء أي أنت لا تخاف وهذا قول الفراء ، قال الأخفش والزجاج : المعنى لا ~~تخاف فيه كقوله : { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس } ( البقرة : 48 ) أي ~~لا تجزي فيه نفس وقرأ حمزة لا تخف وفيه وجهان . أحدهما : أنه نهي . والثاني ~~: قال أبو علي : جعله جواب الشرط على معنى إن تضرب لا تخف وعلى هذه القراءة ~~ذكروا في قوله : { ولا تخشى } ثلاثة أوجه . أحدهما : أن يستأنف كأنه قيل ~~وأنت لا تخشى أي ومن شأنك أنك آمن لا تخشى . وثانيها : أن لا تكون الألف هي ~~الألف المنقلبة عن الياء التي هي لام الفعل ولكن زائدة للإطلاق من أجل ~~الفاصلة كقوله تعالى : { فأضلونا السبيلا } ( الأحزاب : 48 ) { وتظنون ~~بالله الظنونا } ( الأحزاب : 10 ) . وثالثها : أن يكون مثل قوله : # % وتضحك مني شيخة عبشمية < / 1 > % كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا % # / وثالثها : قوله : { ولا تخشى } والمعنى أنك لا تخاف إدراك فرعون ولا ~~تخشى الغرق بالماء أما قوله : { فأتبعهم فرعون بجنوده } قال أبو مسلم : زعم ~~رواة اللغة أن أتبعهم وتبعهم واحد وذلك جائز ويحتمل أن تكون الباء زائدة ~~والمعنى أتبعهم فرعون جنوده كقوله تعالى : { لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } ( ~~طه : 94 ) أسرى بعبده وقال الزجاج ms6257 : قرىء : ( فأتبعهم فرعون PageV22P080 ~~وجنوده ) أي ومعه جنوده وقرىء : { بجنوده } ومعناه ألحق جنوده بهم ويجوز أن ~~يكون بمعنى معهم أما قوله : { فغشيهم } فالمعنى : علاهم وسترهم وما غشيهم ~~تعظيم للأمر أي غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى وقرىء : ( فغشاهم من ~~اليم ما غشيهم ) وفاعل غشاهم إما الله سبحانه وتعالى أو ما غشيهم أو فرعون ~~لأنه الذي ورط جنوده وتسبب في هلاكهم أما قوله : { وأضل فرعون قومه وما هدى ~~} فاحتج القاضي به وقال لو كان الضلال من خلق الله تعالى لما جاز أن يقال ~~وأضل فرعون قومه بل وجب أن يقال الله تعالى أضلهم ولأن الله تعالى ذمه بذلك ~~فكيف يجوز أن يكون خالقا للكفر لأن من ذم غيره بشيء لا بد وأن يكون هو غير ~~فاعل لذلك الفعل وإلا لاستحق ذلك الذم وقوله : { وما هدى } تهكم به في قوله ~~: { وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } ( غافر : 29 ) ولنذكر القصة وما فيها من ~~المباحث . قال ابن عباس رضي الله عنهما لما أمر الله تعالى موسى أن يقطع ~~بقومه البحر وكان موسى عليه السلام وبنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون ~~الحلى والدواب لعيد يخرجون إليه فخرج بهم ليلا وهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف ~~ونيف ليس فيهم ابن ستين ولا عشرين وقد كان يوسف عليه السلام عهد إليهم عند ~~موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر فلم يخرجوا بها فتحير القوم حتى دلتهم ~~عجوز على موضع العظام فأخذوها فقال موسى عليه السلام للعجوز : احتكمي فقالت ~~: أكون معك في الجنة . وذكر ابن عباس أن محمدا صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ~~هجموا على رجل من العرب وامرأة ليس لهم إلا عنز فذبحوها لهما فقال عليه ~~السلام : إذا سمعت برجل قد ظهر بيثرب فاته فلعل الله يرزقك منه خيرا ، فلما ~~سمع بظهور الرسول صلى الله عليه وسلم أتاه مع امرأته فقال : أتعرفني ؟ قال ~~: نعم عرفتك فقال له : احتكم ، فقال : ثمانون ضانية فأعطاه إياها وقال له : ~~( أما إن عجوز بني إسرائيل خير منك ) وخرج فرعون في طلب ms6258 موسى عليه السلام ~~وعلى مقدمته ألف ألف وخمسمائة ألف سوى الجنبين والقلب فلما انتهى موسى إلى ~~البحر قال : ههنا أمرت ثم قال موسى عليه السلام للبحر : انفرق فأبى ، فأوحى ~~الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فقال لهم موسى عليه السلام : ~~ادخلوا فيه فقالوا : كيف وأرضه رطبة فدعا الله فهبت عليه الصبا فجفت فقالوا ~~: نخاف الغرق في بعضنا فجعل بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضا ثم دخلوا حتى ~~جاوزوا البحر فأقبل فرعون إلى تلك الطرق فقال قومه له : إن موسى قد سحر ~~البحر فصار كما ترى وكان على فرس حصان وأقبل جبريل عليه السلام على فرس ~~أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة فصار جبريل عليه السلام بين يدي فرعون ~~وأبصر الحصان الفرس الحجر فاقتحم بفرعون على أثرها وصاحت الملائكة في الناس ~~/ الحقوا الملك حتى إذا دخل آخرهم وكاد أولهم أن يخرج التقى البحر عليهم ~~فغرقوا فسمع بنو إسرائيل خفقة البحر عليهم ، فقالوا : ما هذا يا موسى ؟ قال ~~: قد أغرق الله فرعون وقومه فرجعوا لينظروا إليهم فقالوا : يا موسى ادع ~~الله أن يخرجهم لنا حتى ننظر إليهم ، فدعا فلفظهم البحر إلى الساحل وأصابوا ~~من سلاحهم ، وذكر ابن عباس أن جبريل عليه السلام قال : يا محمد لو رأيتني ~~وأنا أدس فرعون في الماء والطين مخافة أن يتوب فهذا معنى قوله : { فغشيهم ~~من اليم ما غشيهم } وفي القصة أبحاث . # البحث الأول : روي في الأخبار أن موسى عليه السلام لما ضرب بعصاه البحر ~~حصل اثنا عشر طريقا يابسا يتهيأ طروقه وبقي الماء قائما بين الطريق والطريق ~~كالطود العظيم وهو الجبل . فأخذ كل سبط من بني إسرائيل في طريق من هذه ~~الطرق . ومنهم من قال : بل حصل طريق واحد وحجة القول الأول الأخبار ومن ~~القرآن قوله تعالى : { فكان كل فرق كالطود العظيم } ( الشعراء : 63 ) وذلك ~~لا يحصل إلا إذا حصل هناك طرق PageV22P081 حتى يكون الماء القائم بين ~~الطريقين كالطود العظيم وحجة القول الثاني ظاهر قوله : { فاضرب لهم طريقا ~~فى البحر يبسا } وذلك يتناول الطريق ms6259 الواحد وإن أمكن حمله على الطرق نظرا ~~إلى الجنس . # البحث الثاني : روي أن بني إسرائيل بعد أن أظهر موسى عليه السلام لهم ~~الطريق وبينها لهم تعنتوا وقالوا : نريد أن يرى بعضنا بعضا وهذا كالبعيد ~~وذلك أن القوم لما أبصروا مجيء فرعون صاروا في نهاية الخوف والخائف إذا وجد ~~طريق الفرار والخلاص كيف يتفرغ للتعنت البارد . # البحث الثالث : أن فرعون كان عاقلا بل كان في نهاية الدهاء فكيف اختار ~~إلقاء نفسه إلى التهلكة فإنه كان يعلم من نفسه أن انفلاق البحر ليس بأمره ~~فعند هذا ذكروا وجهين . أحدهما : أن جبريل عليه السلام كان على الرمكة ~~فتبعه فرس فرعون ، ولقائل أن يقول : هذا بعيد لأنه يبعد أن يكون خوض الملك ~~في أمثال هذه المواضع مقدما على خوض جميع العسكر وما ذكروه إنما يتم إذا ~~كان الأمر كذلك وأيضا فلو كان الأمر على ما قالوه لكان فرعون في ذلك الدخول ~~كالمجبور وذلك مما يزيده خوفا ويحمله على الإمساك في أن لا يدخل وأيضا فأي ~~حاجة لجبريل عليه السلام إلى هذه الحيلة وقد كان يمكنه أن يأخذه مع قومه ~~ويرميه في الماء ابتداء ، بل الأولى أن يقال : إنه أمر مقدمة عسكره بالدخول ~~فدخلوا وما غرقوا فغلب على ظنه السلامة فلما دخل الكل أغرقهم الله تعالى . # البحث الرابع : أن الذي نقل عن جبريل عليه السلام أنه كان يدسه في الماء ~~والطين خوفا من أن يؤمن فبعيد لأن المنع من الإيمان لا يليق بالملائكة ~~والأنبياء عليهم السلام . # البحث الخامس : الذي روي أن موسى عليه السلام كلم البحر قال له : انفلق ~~لي لأعبر عليك ، فقال البحر : لا يمر علي رجل عاص . فهو غير ممتنع على ~~أصولنا لأن عندنا البنية ليست شرطا للحياة وعند المعتزلة أن ذلك على لسان ~~الحال لا على لسان المقال . والله أعلم . # ! 7 < { يابنى إسراءيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الا ~~يمن ونزلنا عليكم المن والسلوى * كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه ~~فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه غضبى فقد ms6260 هوى * وإنى لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى } > 7 ! # / < < # | طه : ( 80 - 82 ) يا بني إسرائيل . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أنعم على قوم موسى عليه السلام بأنواع النعم ~~ذكرهم إياها ولا شك أن إزالة المضرة يجب أن تكون متقدمة على إيصال المنفعة ~~ولا شك أن إيصال المنفعة الدينية أعظم في كونه نعمة من إيصال المنفعة ~~الدنيوية ، فلهذا بدأ الله تعالى بقوله : { أنجيناكم من عدوكم } وهو إشارة ~~إلى إزالة الضرر فإن فرعون كان ينزل بهم من أنواع الظلم كثيرا من القتل ~~والإذلال والإخراج والإتعاب في الأعمال ، ثم ثنى بذكر PageV22P082 المنفعة ~~الدينية وهي قوله : { وواعدناكم جانب الطور الايمن } ووجه المنفعة فيه أنه ~~أنزل في ذلك الوقت عليهم كتابا فيه بيان دينهم وشرح شريعتهم ثم ثلث بذكر ~~المنفعة الدنيوية وهي قوله : { ونزلنا عليكم المن والسلوى * كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم } ثم زجرهم عن العصيان بقوله : { ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى ~~} ثم بين أن من عصى ثم تاب كان مقبولا عند الله بقوله : { وإنى لغفار لمن ~~تاب } وهذا بيان المقصود من الآية ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي قد أنجيتكم ووعدتكم إلى قوله : { من ~~طيبات ما رزقناكم } كلها بالتاء إلا قوله : { ونزلنا عليكم المن والسلوى } ~~فإنها بالنون وقرأ الباقون كلها بالنون وقرأ نافع وعاصم وواعدناكم وقرأ ~~حمزة والكسائي وواعدتكم . # المسألة الثانية : قال الكلبي : لما جاوز موسى عليه السلام ببني إسرائيل ~~البحر قالوا له : أليس وعدتنا أن تأتينا من ربنا بكتاب فيه الفرائض ~~والأحكام . قال بلى ، ثم تعجل موسى إلى ربه ليأتيهم بالكتاب ووعدهم أن ~~يأتيهم إلى أربعين ليلة من يوم انطلق ، وإنما قال : { وواعدناكم } لأنه ~~إنما واعد موسى أن يؤتيه التوراة لأجلهم وقال مقاتل : إنما قال : واعدناكم ~~لأن الخطاب له وللسبعين المختارة والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال المفسرون : ليس للجبل يمين ولا يسار بل المراد أن ~~طور سيناء عن / يمين من انطلق من مصر إلى الشام وقرىء الأيمن بالجر على ~~الجوار نحو حجر ضب خرب وانتفاع القوم بذلك إما لأن ms6261 الله تعالى أنزل التوراة ~~عليهم وفيها شرح دينهم ، وإما لأن الله تعالى لما كلم موسى على الطور حصل ~~للقوم بسبب ذلك شرف عظيم . # المسألة الرابعة : قوله : { كلوا } ليس أمر إيجاب بل أمر إباحة كقوله : { ~~وإذا حللتم فاصطادوا } ( المائدة : 2 ) . # المسألة الخامسة : في الطيبات قولان : أحدهما : اللذائذ لأن المن والسلوى ~~من لذائذ الأطعمة . والثاني : وهو قول الكلبي ومقاتل الحلال لأنه شيء أنزله ~~الله تعالى إليهم ولم تمسه يد الآدميين ويجوز الجمع بين الوجهين لأن بين ~~المعنيين معنى مشتركا . وتمام القول في هذه القصة تقدم في سورة البقرة . # المسألة السادسة : في قوله تعالى : { ولا تطغوا } فيه وجوه . أحدها : قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : لا تطغوا ، أي لا يظلم بعضكم بعضا فيأخذه من ~~صاحبه . وثانيها : قال مقاتل والضحاك : لا تظلموا فيه أنفسكم بأن تتجاوزوا ~~حد الإباحة . وثالثها : قال الكلبي : لا تكفروا النعمة أي لا تستعينوا ~~بنعمتي على مخالفتي ولا تعرضوا على الشكر ولا تعدلوا عن الحلال إلى الحرام ~~. # المسألة السابعة : قرأ الأعمش والكسائي فيحل ومن يحلل كلاهما بالضم وروى ~~الأعمش عن أصحاب عبد الله فيحل بالكسر ومن يحلل بالرفع وقراءة العامة ~~بالكسر في الكلمتين أما من كسر فمعناه الوجوب من حل الدين يحل إذا وجب ~~أداؤه ومنه قوله تعالى : { حتى يبلغ الهدى محله } ( البقرة : 196 ) ~~والمضموم في معنى النزول وقوله : { فقد هوى } أي شقي وقيل فقد وقع في ~~الهاوية ، يقال : هوى يهوي هويا إذا سقط من علو إلى أسفل . PageV22P083 # المسألة الثامنة : اعلم أن الله تعالى وصف نفسه بكونه غافرا وغفورا ~~وغفارا ، وبأن له غفرانا ومغفرة وعبر عنه بلفظ الماضي والمستقبل والأمر . ~~أما إنه وصف نفسه بكونه غافرا فقوله : { غافر الذنب } ( غافر : 3 ) وأما ~~كونه غفورا فقوله : { وربك الغفور ذو الرحمة } ( الكهف : 58 ) وأما كونه ~~غفارا فقوله : { وإنى لغفار لمن تاب } وأما الغفران فقوله : { غفرانك ربنا ~~} ( البقرة : 285 ) وأما المغفرة فقوله : { وإن ربك لذو مغفرة للناس } ( ~~الرعد : 6 ) وأما صيغة الماضي فقوله : في حق داود عليه السلام { فغفرنا له ~~ذالك } ( ص : 25 ) وأما ms6262 صيغة المستقبل فقوله : { إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) وقوله : { إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا } ( الزمر : 53 ) وقوله في حق محمد صلى الله عليه وسلم : { ~~ليغفر لك الله } ( الفتح : 2 ) وأما لفظ الاستغفار فقوله : { واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات } ( محمد : 19 ) وفي حق نوح عليه السلام : { فقلت ~~استغفروا ربكم إنه كان غفارا } ( نوح : 10 ) وفي الملائكة : { ويستغفرون ~~لمن فى الارض } ( الشورى : 5 ) واعلم أن الأنبياء عليهم السلام كلهم طلبوا ~~المغفرة أما آدم عليه السلام فقال : { وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين } ( الأعراف : 23 ) ، وأما نوح عليه السلام فقال : { وإلا تغفر لى ~~وترحمنى } ( هود : 47 ) ، وأما إبراهيم عليه السلام فقال : { والذى أطمع أن ~~يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) وطلبها لأبيه : { سأستغفر لك ~~ربي } ( مريم : 47 ) وأما يوسف عليه السلام فقال في إخوته : { لا تثريب ~~عليكم اليوم يغفر الله لكم } ( يوسف : 92 ) وأما موسى عليه السلام ففي قصة ~~القبطي : { رب اغفر لى ولاخى } ( الأعراف : 151 ) وأما داود عليه السلام : ~~{ فاستغفر ربه } ( ص : 24 ) أما سليمان عليه السلام : { رب اغفر لى وهب لى ~~ملكا } ( ص : 35 ) وأما عيسى عليه السلام : { وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم } ( المائدة : 118 ) وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقول : { واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ( محمد : 19 ) وأما الأمة فقوله : { والذين * ~~جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا } ( الحشر : 10 ) واعلم أن ~~بسط الكلام ههنا أن نبين أولا حقيقة المغفرة ثم نتكلم في كونه تعالى غافرا ~~وغفورا وغفارا ثم نتكلم في أن مغفرته عامة ثم نبين أن مغفرته في حق ~~الأنبياء عليهم السلام كيف تعقل مع أنه لا ذنب لهم ، ويتفرع على هذه الجملة ~~استدلال أصحابنا في إثبات العفو وتقريره أن الذنب إما أن يكون صغيرا أو ~~كبيرا بعد التوبة أو قبل التوبة والقسمان الأولان يقبح من الله عذابهما ~~ويجب عليه التجاوز عنهما وترك القبيح لا يسمى غفرانا فتعين أن لا يتحقق ~~الغفران إلا في ms6263 القسم الثالث وهو المطلوب / فإن قيل : هذا يناقض صريح الآية ~~لأنه أثبت الغفران في حق من استجمع أمورا أربعة : التوبة والإيمان والعمل ~~الصالح والاهتداء ، قلنا : إن من تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ثم أذنب بعد ~~ذلك كان تائبا ومؤمنا وآتيا بالعمل الصالح ، ومهتديا ومع ذلك يكون مذنبا ~~فحينئذ يستقيم كلامنا ، وههنا نكتة ، وهي أن العبد له أسماء ثلاثة : الظالم ~~والظلوم والظلام . فالظالم : { فمنهم ظالم لنفسه } ( فاطر : 32 ) والظلوم : ~~{ إنه كان ظلوما جهولا } ( الأحزاب : 72 ) والظلام إذا كثر ذلك منه ، ولله ~~في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسم فكأنه تعالى يقول : إن كنت ظالما ~~فأنا غافر وإن كنت ظلوما فأنا غفور ، وإن كنت ظلاما فأنا غفار : { وإنى ~~لغفار لمن تاب وامن } ( طه : 82 ) . # المسألة التاسعة : كثير اختلاف المفسرين في قوله تعالى : { ثم اهتدى } ~~وسبب ذلك أن من تاب وآمن وعمل صالحا فلا بد وأن يكون مهتديا ، فما معنى ~~قوله ثم اهتدى بعد ذكر هذه الأشياء ؟ والوجوه الملخصة فيه ثلاثة . أحدها : ~~المراد منه الاستمرار على تلك الطريقة إذ المهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في ~~الفوز بالنجاة حتى يستمر عليه في المستقبل ويموت عليه ويؤكده قوله تعالى : ~~{ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } PageV22P084 ( فصلت : 30 ) وكلمة ~~ثم للتراخي في هذه الآية وليست لتباين المرتبتين بل لتباين الوقتين فكأنه ~~تعالى قال : الإتيان بالتوبة والإيمان والعمل الصالح مما قد يتفق لكل أحد ~~ولا صعوبة في ذلك إنما الصعوبة في المداومة على ذلك والاستمرار عليه . ~~وثانيها : المراد من قوله : { ثم اهتدى } أي علم أن ذلك بهداية الله ~~وتوفيقه وبقي مستعينا بالله في إدامة ذلك من غير تقصير ، عن ابن عباس . ~~وثالثها : المراد من الإيمان الإعتقاد المبني على الدليل والعمل الصالح ~~إشارة إلى أعمال الجوارح بقي بعد ذلك ما يتعلق بتطهير القلب من الأخلاق ~~الذميمة وهو المسمى بالطريقة في لسان الصوفية ، ثم انكشاف حقائق الأشياء له ~~وهو المسمى بالحقيقة في / لسان الصوفية فهاتان المرتبتان هما المرادتان ~~بقوله : { ثم اهتدى } . # المسألة العاشرة : منهم من ms6264 قال : تجب التوبة عن الكفر أولا ثم الإتيان ~~بالإيمان ثانيا واحتج عليه بهذه الآية فإنه تعالى قدم التوبة على الإيمان ، ~~واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن العمل الصالح غير داخل في الإيمان لأنه ~~تعالى عطف العمل الصالح على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه . # ! 7 < { ومآ أعجلك عن قومك ياموسى * قال هم أولاء على أثرى وعجلت إليك رب ~~لترضى } > 7 @QB@ < # | طه : ( 83 - 84 ) وما أعجلك عن . . . . . # > > # اعلم أن في قوله : { وما أعجلك عن قومك ياموسى * موسى } دلالة على أنه قد ~~تقدم قومه في المسير إلى المكان ويجب أن يكون المراد ما نبه عليه في قوله ~~تعالى : { وواعدناكم جانب الطور الايمن } ( طه : 80 ) في هذه السورة ، وفي ~~سائر السور كقوله : { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة } ( الأعراف : 142 ) يريد ~~الميقات عند الطور وعلى الآية سؤالات : # السؤال الأول : قوله : { وما أعجلك } استفهام وهو على الله محال . الجواب ~~أنه إنكار في صيغة الاستفهام ولا امتناع فيه . # السؤال الثاني : أن موسى عليه السلام لا يخلو إما أن يقال إنه كان ممنوعا ~~عن ذلك التقدم أو لم يكن ممنوعا عنه ، فإن كان ممنوعا كان ذلك التقدم معصية ~~فيلزم وقوع المعصية من الأنبياء ، وإن قلنا إنه ما كان ممنوعا كان ذلك ~~الإنكار غير جائز من الله تعالى . والجواب : لعله عليه السلام ما وجد نصا ~~في ذلك إلا أنه باجتهاده تقدم فأخطأ في ذلك الاجتهاد فاستوجب العتاب . # السؤال الثالث : قال : { وعجلت } والعجلة مذمومة . والجواب : إنها ممدوحة ~~في الدين . قال تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة } ( آل عمران : ~~133 ) . # السؤال الرابع : قوله : { لترضى } يدل على أنه عليه السلام إنما فعل ذلك ~~لتحصيل الرضا لله تعالى وذلك باطل من وجهين . أحدهما : أنه يلزم تجدد صفة ~~الله تعالى ، والآخر أنه تعالى قبل حصول ذلك الرضا وجب أن يقال : إنه تعالى ~~ما كان راضيا عن موسى لأن تحصيل الحاصل محال ، ولما لم يكن راضيا عنه وجب ~~PageV22P085 أن يكون ساخطا عليه ، وذلك لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام ~~. الجواب : المراد تحصيل دوام الرضا كما ms6265 أن قوله : { ثم اهتدى } المراد ~~دوام الاهتداء . # السؤال الخامس : قوله : { وعجلت إليك } يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل ~~الوقت الذي / عينه الله تعالى له ، وإلا لم يكن ذلك تعجيلا ثم ظن أن مخالفة ~~أمر الله تعالى سبب لتحصيل رضاه وذلك لا يليق بأجهل الناس فضلا عن كليم ~~الله تعالى . والجواب : ما ذكرنا أن ذلك كان بالاجتهاد وأخطأ فيه . # السؤال السادس : قوله : { إليك } يقتضي كون الله في الجهة لأن إلى ~~لانتهاء الغاية . الجواب : توافقنا على أن الله تعالى لم يكن في الجبل ~~فالمراد إلى مكان وعدك . # السؤال السابع : { ما * أعجلك } سؤال عن سبب العجلة فكان جوابه اللائق به ~~أن يقول : طلبت زيادة رضاك والشوق إلى كلامك ، وأما قوله : { هم أولاء على ~~أثرى } فغير منطبق عليه كما ترى والجواب من وجهين : الأول : أن سؤال الله ~~تعالى يتضمن شيئين : أحدهما : إنكار نفس العجلة . والثاني : السؤال عن سبب ~~التقدم فكان أهم الأمرين عند موسى عليه السلام بالجواب هذا الثاني فقال : ~~لم يوجد مني إلا تقدم يسير لا يحتفل به في العادة وليس بيني وبين من سبقته ~~إلا تقدم يسير يتقدم بمثله الوفد عن قومهم ثم عقبه بجواب السؤال عن العجلة ~~فقال : { وعجلت إليك رب لترضى } . الثاني : أنه عليه السلام لما ورد عليه ~~من هيبة عتاب الله تعالى ما ورد ذهل عن الجواب المنطبق المترتب على حدود ~~الكلام ، واعلم أن في قوله : { وما أعجلك عن قومك ياموسى * موسى } دلالة ~~على أنه تعالى أمره بحضور الميقات مع قوم مخصوصين ، واختلفوا في المراد ~~بالقوم فقال بعضهم : هم النقباء السبعون الذين قد اختارهم الله تعالى ~~ليخرجوا معه إلى الطور فتقدمهم موسى عليه السلام شوقا إلى ربه . وقال آخرون ~~: القوم جملة بني إسرائيل وهم الذين خلفهم موسى مع هارون وأمره أن يقيم ~~فيهم خليفة له إلى أن يرجع هو مع السبعين فقال : { هم أولاء على أثرى } ~~يعني بالقرب مني ينتظرونني ، وعن أبي عمرو ويعقوب إثري بالكسر وعن عيسى بن ~~عمر أثري بالضم ، وعنه أيضا أولى بالقصر ، والأثر أفصح ms6266 من الأثر . وأما ~~الأثر فمسموع في فرند السيف وهو بمعنى الأثر غريب . # ! 7 < { قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامرى * فرجع موسى إلى ~~قومه غضبان أسفا قال ياقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم ~~أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدى * قالوا مآ أخلفنا موعدك ~~بملكنا ولاكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامرى * ~~فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هاذآ إلاهكم وإلاه موسى فنسى * أفلا ~~يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } > 7 @QB@ < # | طه : ( 85 - 89 ) قال فإنا قد . . . . . # > > PageV22P086 # / اعلم أنه تعالى لما قال لموسى : { وما أعجلك عن قومك } ( طه : 83 ) ~~وقال موسى في جوابه : { وعجلت إليك رب لترضى } ( طه : 84 ) عرفه الله تعالى ~~ما حدث من القوم بعد أن فارقهم مما كان يبعد أن يحدث لو كان معهم فقال : { ~~فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامرى } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قالت المعتزلة : لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى ~~خلق فيهم الكفر لوجهين ، الوجه الأول : الدلائل العقلية الدالة على أنه لا ~~يجوز من الله أن يفعل ذلك . الثاني : أنه قال : { وأضلهم السامرى } ولو كان ~~الله خلق الضلال فيهم لم يكن لفعل السامري فيه أثر وكان يبطل قوله : { ~~وأضلهم السامرى } وأيضا فلأن موسى عليه السلام لما طالبهم بذكر سبب تلك ~~الفتنة قال : { أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } فلو ~~حصل ذلك بخلق الله تعالى لكان لهم أن يقولوا السبب فيه أن الله خلقه فينا ~~لا ما ذكرت فكان يبطل تقسيم موسى عليه السلام وأيضا فقال : { أم أردتم أن ~~يحل عليكم غضب من ربكم } ولو كان ذلك بخلقه لاستحال أن يغضب عليهم فيما هو ~~الخالق له ولما بطل ذلك وجب أن يكون لقوله : { فتنا } معنى آخر وذلك لأن ~~الفتنة قد تكون بمعنى الامتحان . يقال : فتنت الذهب بالنار إذا امتحنته ~~بالنار لكي يتميز الجيد من الرديء فههنا شدد الله التكليف ms6267 عليهم وذلك لأن ~~السامري لما أخرج لهم ذلك العجل صاروا مكلفين بأن يستدلوا بحدوث جملة ~~العالم والأجسام على أن لها إلها ليس بجسم وحينئذ يعرفون أن العجل لا يصلح ~~للإلهية فكان هذا التعبد تشديدا في التكليف فكان فتنة والتشديد في التكليف ~~موجود قال تعالى : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون } ~~( العنكبوت : 2 ) هذا تمام كلام المعتزلة قال الأصحاب : ليس في ظهور صوت عن ~~عجل متخذ من الذهب شبهة أعظم مما في الشمس والقمر والدليل الذي ينفي كون ~~الشمس والقمر إلها أولى بأن ينفي كون ذلك العجل إلها فحينئذ لا يكون حدوث ~~ذلك العجل تشديدا في التكليف فلا يصح حمل الآية عليه فوجب حمله على خلق ~~الضلال / فيهم ، قولهم : أضاف الإضلال إلى السامري قلنا : أليس أن جميع ~~المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن كان الموجد لها هو الله ~~تعالى فكذا ههنا وأيضا قرىء وأضلهم السامري أي وأشدهم ضلالا السامري وعلى ~~هذا لا يبقى للمعتزلة الاستدلال ، ثم الذي يحسم مادة الشغب التمسك بفصل ~~الداعي على ما سبق تقريره في هذا الكتاب مرارا كثيرة . # المسألة الثانية : المراد بالقوم ههنا هم الذين خلفهم مع هارون عليه ~~السلام على ساحل البحر وكانوا ستمائة ألف افتتنوا بالعجل غير أثني عشر ألفا ~~. # المسألة الثالثة : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية سعيد بن جبير : ~~كان السامري علجا من أهل كرمان وقع إلى مصر وكان من قوم يعبدون البقر والذي ~~عليه الأكثرون أنه كان من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة ، ~~قال الزجاج وقال عطاء عن ابن عباس : بل كان رجلا من القبط جارا لموسى عليه ~~السلام وقد آمن به . PageV22P087 # المسألة الرابعة : روى في القصة أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة ~~وحسبوها أربعين مع أيامها وقالوا : قد أكملنا العدة ثم كان أمر العجل بعد ~~ذلك والتوفيق بين هذا وبين قوله لموسى عند مقدمه : { فإنا قد فتنا قومك من ~~بعدك } من وجهين . الأول : أنه تعالى أخبر عن الفتنة المترقبة بلفظ ms6268 ~~الموجودة الكائنة على عادته . الثاني : أن السامري شرع في تدبير الأمر لما ~~غاب موسى عليه السلام وعزم على إضلالهم حال مفارقة موسى عليه السلام وكأنه ~~قدر الفتنة موجودة . # المسألة الخامسة : إنما رجع موسى عليه السلام بعد ما استوفى الأربعين ذا ~~القعدة وعشر ذي الحجة . # المسألة السادسة : ذكروا في الأسف وجوها . أحدها : أنه شدة الغضب وعلى ~~هذا التقدير لا يلزم التكرار لأن قوله : غضبان يفيد أصل الغضب وقوله : أسفا ~~يفيد كماله . وثانيها : قال الأكثرون حزنا وجزعا يقال أسف يأسف أسفا إذا ~~حزن فهو آسف . وثالثها : قال قوم : الآسف المغتاظ وفرقوا بين الاغتياط ~~والغضب بأن الله تعالى لا يوصف بالغيظ ويوصف بالغضب من حيث كان الغضب إرادة ~~الإضرار بالمغضوب عليه والغيظ تغير يلحق المغتاظ وذلك لا يصح إلا على ~~الأجسام كالضحك والبكاء ثم إن الله تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه ~~عاتبهم بعد رجوعه إليهم قالت المعتزلة : وهذا يدل على أنه ليس المراد من ~~قوله : { فإنا قد فتنا قومك من بعدك } أنه تعالى خلق الكفر فيهم وإلا لما ~~عاتبهم بل يجب أن يعاتب الله تعالى قال الأصحاب : وقد فعل ذلك بقوله : { إن ~~هى إلا فتنتك } ( الأعراف : 155 ) ومجموع تلك المعاتبات أمور . أحدها : ~~قوله : { قال ياقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } وفيه سؤالان : # السؤال الأول : قوله : { ألم يعدكم ربكم } هذا الكلام إنما يتوجه عليهم ~~لو كانوا معترفين بإله آخر سوى العجل أما لما اعتقدوا أنه لا إله سواه على ~~ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا هذا / إلهكم وإله موسى كيف يتوجه عليهم ~~هذا الكلام . الجواب : أنهم كانوا معترفين بالإله لكنهم عبدوا العجل على ~~التأويل الذي يذكره عبدة الأصنام . # السؤال الثاني : ما المراد بذلك الوعد الحسن . الجواب : ذكروا وجوها . ~~أحدها : أن المراد ما وعدهم من إنزال التوراة عليهم ليقفوا على الشرائع ~~والأحكام ويحصل لهم بسبب ذلك مزية فيما بين الناس وهو الذي ذكره الله تعالى ~~فيما تقدم من قوله : { وواعدناكم جانب الطور الايمن } ( طه : 80 ) . ~~وثانيها : أن الوعد الحسن هو الوعد الصدق ms6269 بالثواب على الطاعات . وثالثها : ~~الوعد هو العهد وهو قول مجاهد وذلك العهد هو قوله تعالى : { ولا تطغوا فيه ~~فيحل عليكم غضبى } ( طه : 81 ) إلى قوله : { ثم اهتدى } ( طه : 82 ) ~~والدليل عليه قوله بعد ذلك : { أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم ~~غضب من ربكم } فكأنه قال : أفنسيتم ذلك الذي قال الله لكم ولا تطغوا فيه . ~~ورابعها : الوعد الحسن ههنا يحتمل أن يكون وعدا حسنا في منافع الدين وأن ~~يكون في منافع الدنيا ، أما منافع الدين فهو الوعد بإنزال الكتاب الشريف ~~الهادي إلى الشرائع والأحكام والوعد بحصول الثواب العظيم في الآخرة . وأما ~~منافع الدنيا فهو أنه تعالى قبل إهلاك فرعون كان قد وعدهم أرضهم وديارهم / ~~وقد فعل ذلك ثم قال : { أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ~~ربكم } فالمراد أفنسيتم ذلك العهد أم تعمدتم المعصية ، واعلم أن طول العهد ~~يحتمل أمورا : أحدها : أفطال عليكم العهد بنعم الله تعالى من إنجائه إياكم ~~من فرعون وغير ذلك من النعم المعدودة PageV22P088 المذكورة في أوائل سورة ~~البقرة وهذا كقوله : { فطال عليهم الامد فقست قلوبهم } ( الحديد : 16 ) . ~~وثانيها : يروى أنهم عرفوا أن الأجل أربعون ليلة فجعلوا كل يوم بأزاء ليلة ~~وردوه إلى عشرين . قال القاضي : هذا ركيك لأن ذلك لا يكاد يشتبه على أحد . ~~وثالثها : أن موسى عليه السلام وعدهم ثلاثين ليلة فلما زاد الله تعالى فيها ~~عشرة أخرى كان ذلك طول العهد ، وأما قوله : { أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ~~ربكم } فهذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحدا لا يريد ذلك ولكن المعصية ~~لما كانت توجب ذلك ، ومريد السبب مريد للمسبب بالعرض صح هذا الكلام واحتج ~~العلماء بذلك على أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات ~~الله تعالى لا تنزل في شيء من الأجسام . أما قوله : { فأخلفتم موعدى } فهذا ~~يدل على موعد كان منه عليه السلام مع القوم وفيه وجهان : أحدهما : أن ~~المراد ما وعدوه من اللحاق به والمجيء على أثره . والثاني : ما وعدوه ms6270 من ~~الإقامة على دينه إلى أن يرجع إليهم من الطور ، فعند هذا قالوا : { ما ~~أخلفنا موعدك بملكنا } وفي أن قائل هذا الجواب من هو وجهان : الأول : أنهم ~~الذين لم يعبدوا العجل فكأنهم قالوا : إنا ما أخلفنا موعدك بملكنا أي بأمر ~~كنا نملكه وقد يضيف الرجل فعل قريبه إلى نفسه كقوله تعالى : { وإذ فرقنا ~~بكم البحر } ( البقرة : 50 ) ، { وإذ قتلتم نفسا } ( البقرة : 72 ) وإن كان ~~الفاعل لذلك آباءهم لا هم فكأنهم قالوا : الشبهة قويت على عبدة العجل فلم ~~نقدر على منعهم عنه ولم نقدر أيضا على مفارقتهم لأنا خفنا / أن يصير ذلك ~~سببا لوقوع التفرقة وزيادة الفتنة . الوجه الثاني : أن هذا قول عبدة العجل ~~والمراد أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا وفاعل السبب فاعل المسبب ومخلف ~~الوعد هو الذي أوقع الشبهة فإنه كان كالمالك لنا . فإن قيل : كيف يعقل رجوع ~~قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة ~~إلى عبادة العجل الذي يعرف فسادها بالضرورة ، ثم إن مثل هذا الجمع لما ~~فارقوا الدين وأظهروا الكفر فكيف يعقل رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك الدين بسبب ~~رجوع موسى عليه السلام وحده إليهم ، قلنا : هذا غير ممتنع في حق البله من ~~الناس ، واعلم أن في بملكنا ثلاث قراءات ، قرأ حمزة والكسائي بضم الميم ~~ونافع وعاصم بفتح الميم وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالكسر ، أما الكسر ~~والفتح فهما واحد وهما لغتان مثل رطل ورطل . وأما الضم فهو السلطان ، ثم إن ~~القوم فسروا ذلك العذر المجمل فقالوا : { ولاكنا حملنا أوزارا من زينة ~~القوم } قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر حملنا مخففة ~~من الحمل وقرأ ابن كثير ونافع وحفص وابن عامر : حملنا مشددة ، فمن قرأ ~~بالتخفيف فمعناه حملنا مع أنفسنا ما كنا استعرناه من القوم ومن قرأ ~~بالتشديد ففيه وجوه : أحدها : أن موسى عليه السلام حملهم على ذلك أي أمرهم ~~باستعارة الحلي والخروج بها فكأنه ألزمهم ذلك . وثانيها : جعلنا كالضامن ~~لها إلى أن نؤديها إلى حيث يأمرنا ms6271 الله . وثالثها : أن الله تعالى حملهم ~~ذلك على معنى أنه ألزمهم فيه حكم المغنم ، أما الأوزار فهي الأثقال ومن ذلك ~~سمي الذنب وزرا لأنه ثقل ثم فيه احتمالات . أحدها : أنه لكثرتها كانت ~~أثقالا . وثانيها : أن المغانم كانت محرمة عليهم فكان يجب عليهم حفظها من ~~غير فائدة فكانت أثقالا . وثالثها : المراد بالأوزار الآثام والمعنى حملنا ~~آثاما ، روي في الخبر أن هارون عليه السلام قال : إنها نجسة فتطهروا منها ، ~~وقال السامري : إن موسى عليه السلام إنما احتبس عقوبة بالحلي فيجوز أن ~~يكونوا أرادوا هذا القول . وقد يقول الإنسان للشيء الذي يلزمه رده هذا كله ~~إثم وذنب . ورابعها : أن ذلك الحلي كان القبط يتزينون به في مجامع لهم يجري ~~فيها الكفر لا جرم أنها وصفت بكونها PageV22P089 أوزارا كما يقال مثله في ~~آلات المعاصي . أما قوله : { فقذفناها } فذكروا فيه وجوها في أنهم أين ~~قذفوها ؟ الوجه الأول : قذفوها في حفرة كان هارون عليه السلام أمرهم بجمع ~~الحلي فيها انتظارا لعود موسى عليه السلام . والوجه الثاني : قذفوها في ~~موضع أمرهم السامري بذلك . الوجه الثالث : في موضع جمع فيه النار ثم قالوا ~~: فكذلك ألقى السامري أي فعل السامري مثل ما فعلنا ، أما قوله : { فأخرج ~~لهم عجلا جسدا له خوار } فاختلفوا في أنه هل كان ذلك الجسد حيا أم لا ؟ ~~فالقول الأول : لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد الضال بل السامري ~~صور صورة على شكل العجل وجعل فيها منافذ ومخارق بحيث تدخل فيها الرياح ~~فيخرج صوت يشبه صوت العجل . والقول الثاني : أنه صار حيا وخار كما يخور ~~العجل واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : قوله : { فقبضت قبضة من أثر الرسول } ( ~~طه : 96 ) ولو لم يصر حيا لما بقي لهذا الكلام فائدة . وثانيها : أنه تعالى ~~/ سماه عجلا والعجل حقيقة في الحيوان وسماه جسدا وهو إنما يتناول الحي . ~~وثالثها : أثبت له الخوار وأجابوا عن حجة الأولين بأن ظهور خوارق العادة ~~على يد مدعي الإلهية جائز لأنه لا يحصل الإلتباس وههنا كذلك فوجب أن لا ~~يمتنع ، وروى عكرمة عن ابن ms6272 عباس أن هارون عليه السلام مر بالسامري وهو يصنع ~~العجل فقال : ما تصنع ؟ فقال : أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي فقال : اللهم ~~أعطه ما سأل فلما مضى هارون قال السامري : اللهم إني أسألك أن يخور فخار ~~وعلى هذا التقدير يكون ذلك معجزا للنبي ، أما قوله : { فقالوا هاذا إلاهكم ~~وإلاه موسى } ففيه إشكال وهو أن القوم إن كانوا في الجهالة بحيث اعتقدوا أن ~~ذلك العجل المعمول في تلك الساعة هو الخالق للسموات والأرض فهم مجانين ~~وليسوا بمكلفين ولأن مثل هذا الجنون على مثل ذلك الجمع العظيم محال وإن لم ~~يعتقدوا ذلك فكيف قالوا : هذا إلهكم وإله موسى ، وجوابه : لعلهم كانوا من ~~الحلولية فجوزوا حلول الإله أو حلول صفة من صفاته في ذلك الجسم ، وإن كان ~~ذلك أيضا في غاية البعد لأن ظهور الخوار لا يناسب الإلهية ، ولكن لعل القوم ~~كانوا في نهاية البلادة والجلافة ، وأما قوله : فنسي ففيه وجوه . الأول : ~~أنه كلام الله تعالى كأنه أخبر عن السامري أنه نسي الاستدلال على حدوث ~~الأجسام وأن الإله لايحل في شيء ولا يحل فيه شيء ثم إنه سبحانه بين المعنى ~~الذي يجب الاستدلال به وهو قوله : { أفلا يرون أنا * لا يرجعون * إليهم ~~قولا ولا يملك لهم ضرا } أي لم يخطر ببالهم أن من لا يتكلم ولا يضر ولا ~~ينفع لا يكون إلها ولا يكون للإله تعلق به في الحالية والمحلية . الوجه ~~الثاني : أن هذا قول السامري وصف به موسى عليه السلام والمعنى أن هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسي موسى أن هذا هو الإله فذهب يطلبه في موضع آخر وهو قول ~~الأكثرين . الوجه الثالث : فنسي وقت الموعد في الرجوع أما قوله : { يرون ~~ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا } فهذا استدلال على عدم ~~إلهيتها بأنها لا تتكلم ولا تنفع ولا تضر وهذا يدل على أن الإله لا بد وأن ~~يكون موصوفا بهذه الصفات وهو كقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام : { ~~لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى ms6273 عنك شيئا } ( مريم : 42 ) وإن موسى ~~عليه السلام في أكثر الأمر لا يعول إلا على دلائل إبراهيم عليه السلام بقي ~~ههنا بحثان . # البحث الأول : قال الزجاج : الاختيار أن لا يرجع بالرفع بمعنى أنه لا ~~يرجع وهذا كقوله : { وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا } ( المائدة : 71 ) ~~بمعنى أنه لا تكون وقرىء بالنصب أيضا على أن أن هذه هي PageV22P090 الناصبة ~~للأفعال . # البحث الثاني : هذه الآية تدل على وجوب النظر في معرفة الله تعالى وقال ~~في آية أخرى : { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا } ( الأعراف : ~~148 ) وهو قريب في المعنى من قوله في ذم عبدة الأصنام : { ألهم أرجل يمشون ~~بها } ( الأعراف : 195 ) وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان ~~إلها لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطا بشروط كثيرة ففوات واحد منها يقتضي ~~فوات المشروط ، ولكن / حصول الواحد فيها لا يقتضي حصول المشروط . الثالث : ~~قال بعض اليهود لعلي عليه السلام : ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم ؟ فقال : ~~إنما اختلفنا عنه وما اختلفنا فيه ، وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر حتى ~~قلتم لنبيكم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ؟ # ! 7 < { ولقد قال لهم هارون من قبل ياقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمان ~~فاتبعونى وأطيعوا أمرى * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } ~~> 7 @QB@ < # | طه : ( 90 - 91 ) ولقد قال لهم . . . . . # > > # اعلم أن هارون عليه السلام إنما قال ذلك شفقة منه على نفسه وعلى الخلق ~~أما شفقته على نفسه فلأنه كان مأمورا من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر وكان مأمورا من عند أخيه موسى عليه السلام بقوله : { اخلفنى فى ~~قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } ( الأعراف : 142 ) فلو لم يشتغل ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكان مخالفا لأمر الله تعالى ولأمر موسى ~~عليه السلام وذلك لا يجوز ، أوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون أني مهلك من ~~قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم ، فقال : يا رب هؤلاء ~~الأشرار فما بال الأخيار ؟ فقال : إنهم لم ms6274 يغضبوا لغضبي . وقال ثابت ~~البناني قال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أصبح وهمه غير الله ~~تعالى فليس من الله في شيء ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم . وعن ~~الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنين ~~في تواددهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر ~~الجسد بالسهر والحمى ) وقال أبو علي الحسن الغوري : كنت في بعض المواضع ~~فرأيت زورقا فيها دنان مكتوب عليها لطيف فقلت للملاح : إيش هذا فقال : أنت ~~صوفي فضولي وهذه خمور المعتضد ، فقلت له : أعطني ذلك المدرى ، فقال لغلامه ~~: اعطه حتى نبصر إيش يعمل ، فأخذت المدرى وصعدت الزورق فكنت أكسر دنا دنا ~~والملاح يصيح حتى بقي واحد فأمسكت فجاء صاحب السفينة فأخذني وحملني إلى ~~المعتضد وكان سيفه قبل كلامه فلما وقع بصره علي قال من أنت ؟ قلت المحتسب ، ~~قال من ولاك الحسبة ؟ قلت : الذي ولاك الخلافة . قال : لم كسرت هذه الدنان ~~؟ قلت شفقة عليك إذا لم تصل يدي إلى دفع مكروه عنك . قال : فلم أبقيت هذا ~~الواحد قلت إني لما كسرت هذه الدنان فإني إنما كسرتها حمية في دين الله ~~فلما وصلت إلى هذا أعجبت فأمسكت ولو بقيت كما كنت لكسرته ، فقال : اخرج يا ~~شيخ فقد وليتك الحسبة ، فقلت كنت أفعله لله تعالى فلا أحب أن أكون شرطيا . ~~وأما الشفقة على / المسلمين فلأن الإنسان PageV22P091 يجب أن يكون رقيق ~~القلب مشفقا على أبناء جنسه وأي شفقة أعظم من أن يرى جمعا يتهافتون على ~~النار فيمنعهم منها ، وعن أبي سعيد الخدري عنه عليه السلام : ( يقول الله ~~تعالى اطلبوا الفضل عند الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم فإني جعلت فيهم ~~رحمتي ولا تطلبوها في القاسية قلوبهم فإن فيهم غضبي ) ، وعند عبد الله بن ~~أبي أوفى قال : ( خرجت أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أبو بكر وعمر ~~معه فجاء صغير فبكى فقال لعمر : ضم الصبي إليك فإنه ضال فأخذه عمر فإذا ~~امرأة تولول كاشفة رأسها جزعا ms6275 على ابنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: أدرك المرأة فناداها فجاءت فأخذت ولدها وجعلت تبكي والصبي في حجرها ~~فالتفتت فرأت النبي صلى الله عليه وسلم فاستحيت فقال عليه السلام عند ذلك : ~~أترون هذه رحيمة بولدها ؟ قالوا : يا رسول الله كفى بهذه رحمة فقال ( والذي ~~نفسي بيده إن الله أرحم بالمؤمنين من هذه بولدها ) . ويروى : ( أنه بينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أصحابه إذ نظر إلى شاب على باب ~~المسجد فقال : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا فسمع ~~الشاب ذلك فولى ، فقال : إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد علي بأني من أهل النار ~~وأنا أعلم أنه صادق / فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وتشعل النار بي حتى تبر يمينه ولا تشعل النار بأحد آخر ~~، فهبط جبريل عليه السلام وقال : ( يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقذته من ~~النار بتصديقه لك وفدائه أمتك بنفسه وشفقته على الخلق ) . إذا ثبت ذلك ~~فاعلم أن الأمر بالمعروف والشفقة على المسلمين واجب . ثم إن هارون عليه ~~السلام رأى القوم متهافتين على النار ولم يبال بكثرتهم ولا بقوتهم بل صرح ~~بالحق فقال : { قبل ياقوم إنما فتنتم به } الآية وههنا دقيقة وهي أن ~~الرافضة تمسكوا بقوله عليه السلام لعلي : ( أنت مني بمنزلة هرون من موسى ) ~~ثم إن هرون ما منعته التقية في مثل هذا الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ~~ودعا الناس إلى متابعة نفسه والمنع من متابعة غيره ، فلو كانت أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم على الخطأ لكان يجب على علي عليه السلام أن يفعل ما فعله ~~هارون عليه السلام وأن يصعد على المنبر من غير تقية وخوف وأن يقول : { ~~فاتبعونى وأطيعوا أمرى } فلما لم يفعل ذلك علمنا أن الأمة كانوا على الصواب ~~، واعلم أن هرون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه لأنه زجرهم عن ~~الباطل أولا بقوله : { إنما فتنتم به } ثم دعاهم إلى معرفة الله ms6276 تعالى ~~ثانيا بقوله : { وإن ربكم الرحمان } ثم دعاها ثالثا إلى معرفة النبوة بقوله ~~: { فاتبعونى } ثم دعاهم إلى الشرائع رابعا بقوله : { وأطيعوا أمرى } وهذا ~~هو الترتيب الجيد لأنه لا بد قبل كل شيء من إماطة الأذى عن الطريق وهو ~~إزالة الشبهات ثم معرفة الله تعالى هي الأصل ثم النبوة ثم الشريعة ، فثبت ~~أن هذا الترتيب على أحسن الوجوه ، وإنما قال : { وإن ربكم الرحمان } فخص ~~هذا الموضع باسم الرحمن لأنه كان ينبئهم بأنهم متى تابوا قبل الله توبتهم ~~لأنه هو الرحمن الرحيم ، ومن رحمته أن خلصهم من آفات فرعون ثم إنهم لجهلهم ~~قابلوا هذا الترتيب الحسن في الاستدلال بالتقليد والجحود فقالوا : { لن ~~نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } كأنهم قالوا : لا نقبل حجتك ولكن ~~نقبل قول / موسى وعادة المقلد ليس إلا ذاك . # ! 7 < { قال ياهارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمرى * ~~قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنىإسرءيل ~~ولم ترقب قولى } > 7 @QB@ < # | طه : ( 92 - 94 ) قال يا هارون . . . . . # > > PageV22P092 # اعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون بهذه الآية من ~~وجوه . أحدها : أن موسى عليه السلام إما أن يكون قد أمر هرون باتباعه أو لم ~~يأمره ، فإن أمره به فإما أن يكون هرون قد اتبعه أو لم يتبعه ، فإن اتبعه ~~كانت ملامة موسى لهارون معصية وذنبا لأن ملامة غير المجرم معصية . وإن لم ~~يتبعه كان هارون تاركا للواجب فكان فاعلا للمعصية ، وأما إن قلنا : إن موسى ~~عليه السلام ما أمره باتباعه كانت ملامته إياه بترك الاتباع معصية فثبت أن ~~على جميع التقديرات يلزم إسناد المعصية إما إلى موسى أو إلى هرون . وثانيها ~~: قول موسى عليه السلام : { أفعصيت أمرى } استفهام على سبيل الإنكار فوجب ~~أن يكون هارون قد عصاه ، وأن يكون ذلك العصيان منكرا ، وإلا لكان موسى عليه ~~السلام كاذبا وهو معصية ، فإذا فعل هارون ذلك فقد فعل المعصية . وثالثها : ~~قوله : { أمرى قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } وهذا معصية لأن ms6277 هارون ~~عليه السلام قد فعل ما قدر عليه من النصيحة والوعظ والزجر ، فإن كان موسى ~~عليه السلام قد بحث عن الواقعة ، وبعد أن علم أن هرون قد فعل ما قدر عليه ~~كان الأخذ برأسه ولحيته معصية وإن فعل ذلك قبل تعرف الحال كان ذلك أيضا ~~معصية . ورابعها : إن هارون عليه السلام قال : { لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى ~~} فإن كان الأخذ بلحيته وبرأسه جائزا كان قول هارون لا تأخذ منعا له عما ~~كان له أن يفعله فيكون ذلك معصية ، وإن لم يكن ذلك الأخذ جائزا كان موسى ~~عليه السلام فاعلا للمعصية فهذه أمثلة لطيفة في هذا الباب . والجواب عن ~~الكل : أنا بينا في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { فأزلهما الشيطان ~~عنها } ( البقرة : 36 ) أنواعا من الدلائل الجلية في أنه لا يجوز صدور ~~المعصية من الأنبياء ، وحاصل هذه الوجوه تمسك بظواهر قابلة للتأويل ومعارضة ~~ما يبعد عن التأويل بما يتسارع إليه التأويل غير جائز ، إذا ثبتت هذه ~~المقدمة فاعلم أن لنا في الجواب عن هذه الإشكالات وجوها . أحدها : أنا وإن ~~اختلفنا في جواز المعصية على الأنبياء لكن اتفقنا على جواز ترك الأولى ~~عليهم ، وإن كان كذلك فالفعل الذي يفعله أحدهما ويمنعه الآخر أعني بهما / ~~موسى وهارون عليهما السلام لعله كان أحدهما أولى والآخر كان ترك الأولى ~~فلذلك فعله أحدهما وتركه الآخر ، فإن قيل هذا التأويل غير جائز لأن كل واحد ~~منهما كان جازما فيما يأتي به فعلا كان أو تركا وفعل المندوب وتركه لا يجزم ~~به ، قلنا : تقييد المطلق بالدليل غير ممتنع ، فنحن نحمل ذلك الجزم في ~~الفعل والترك على أن المراد افعل ذلك أو اتركه إن كنت تريد الأصلح ، وقد ~~يترك ذلك الشرط إذا كان تواطؤهما على رعايته معلوما متقررا . وثانيها : أن ~~موسى عليه السلام أقبل وهو غضبان على قومه فأخذ برأس أخيه وجره إليه كما ~~يفعل الإنسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب فإن الغضبان المتفكر قد يعض على ~~شفتيه ويفتل أصابعه ويقبض لحيته فأجرى موسى عليه السلام أخاه هرون ms6278 ~~PageV22P093 مجرى نفسه لأنه كان أخاه وشريكه فصنع به ما يصنع الرجل بنفسه ~~في حال الفكر والغضب فأما قوله : { لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } فلا يمتنع ~~أن يكون هرون عليه السلام خاف من أن يتوهم بنو إسرائيل من سوء ظنهم أنه ~~منكر عليه غير معاون له / ثم أخذ في شرح القصة فقال : { إنى خشيت أن تقول ~~فرقت بين بنى إسرءيل } ، وثالثها : أن بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء ~~الظن بموسى عليه السلام حتى أن هارون غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى عليه ~~السلام : أنت قتلته ، فلما واعد الله تعالى موسى عليه السلام ثلاثين ليلة ~~وأتمها بعشر وكتب له في الألواح من كل شيء ثم رجع فرآى في قومه ما رآى فأخذ ~~برأس أخيه ليدنيه فيتفحص عن كيفية الواقعة فخاف هارون عليه السلام أن يسبق ~~إلى قلوبهم ما لا أصل له فقال إشفاقا على موسى : لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ~~لئلا يظن القوم ما لا يليق بك . ورابعها : قال صاحب ( الكشاف ) : كان موسى ~~عليه السلام رجلا حديدا مجبولا على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء شديد ~~الغضب لله تعالى ولدينه فلم يتمالك حين رآى قومه يعبدون عجلا من دون الله ~~تعالى من بعد ما رأوا من الآيات العظام أن ألقى ألواح التوراة لما غلب على ~~ذهنه من الدهشة العظيمة غضبا لله تعالى وحمية وعنف بأخيه وخليفته على قومه ~~فأقبل عليه إقبال العدو المكاشر ، واعلم أن هذا الجواب ساقط لأنه يقال : هب ~~أنه كان شديد الغضب ولكن مع ذلك الغضب الشديد هل كان يبقى عاقلا مكلفا أم ~~لا ؟ فإن بقي عاقلا مكلفا فالأسئلة باقية بتمامها أكثر ما في الباب أنك ~~ذكرت أنه أتى بغضب شديد وذلك من جملة المعاصي فقد زدت إشكالا آخر . فإن ~~قلتم بأنه في ذلك الغضب لم يبق عاقلا ولا مكلفا فهذا مما لا يرتضيه مسلم ~~ألبتة فهذه أجوبة من لم يجوز الصغائر وأما من جوزها فلا شك في سقوط السؤال ~~والله أعلم . أما قوله : { ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا ms6279 تتبعن } ففيه ~~وجهان : الأول : أن لا صلة والمراد ما منعك أن تتبعني . والثاني : أن يكون ~~المراد ما دعاك إلى أن لا تتبعني فأقام منعك مقام دعاك وفي الاتباع قولان : ~~أحدهما : ما منعك من اتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم ~~وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء . والثاني : أن تتبعني في وصيتي إذ قلت لك ~~: { اخلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } ( الأعراف : 142 ) فلم ~~تركت قتالهم وتأديبهم وهذا قول مقاتل ثم قال : { أفعصيت أمرى } ومعناه ظاهر ~~/ وهذا يدل على أن تارك المأمور به عاص والعاصي مستحق للعقاب لقوله : { ومن ~~يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها } ( الجن : 23 ) ولقوله : { ~~ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها } ( النساء : 14 ) ~~فمجموع الآيتين يدل على أن الأمر للوجوب ، فأجاب هارون عليه السلام وقال : ~~{ قال ابن أم } قيل : إنما خاطبه بذلك ليدفعه عنه فيتركه ، وقيل : كان أخاه ~~لأمه : { لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } واعلم أنه ليس في القرآن دلالة على ~~أنه فعل ذلك ، فإن النهي عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلا للمنهى عنه ~~كقوله : { ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب : 48 ) وقوله : { لئن ~~أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) والذي فيه أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه ~~وهذا القدر لا يدل على الاستخفاف به بل قد يفعل ذلك لسائر الأغراض على ما ~~بيناه ، ومن الناس من يقول إنه أخذ ذؤابتيه بيمينه ولحيته بيساره ثم قال : ~~{ إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرءيل ولم ترقب قولى } ولقائل أن يقول : ~~إن قول موسى عليه السلام : ( ما منعك أن لا تتبعن أفعصيت أمري ) يدل على ~~أنه أمره بشيء فكيف يحسن في جوابه أن يقال : إنما لم أمتثل قولك خوفا من أن ~~تقول : { ولم ترقب قولى } فهل يجوز مثل هذا الكلام على العاقل . والجواب : ~~لعل موسى عليه السلام إنما أمره بالذهاب إليه بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى فساد ~~في القوم فلما قال موسى : PageV22P094 ( ما منعك أن لا ms6280 تتبعن ) قال لأنك ~~إنما أمرتني باتباعك إذا لم يحصل الفساد فلو جئتك مع حصول الفساد ما كنت ~~مراقبا لقولك . قال الإمام أبو القاسم الأنصاري : الهداية أنفع من الدلالة ~~فإن السحرة كانوا أجانب عن الإيمان وما رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا ~~العذاب الشديد في الدنيا ولم يرجعوا عن الإيمان ، وأما قومه فإنهم رأوا ~~انقلاب العصا ثعبانا والتقم كل ما جمعه السحرة ثم عاد عصا ورأوا اعتراف ~~السحرة بأن ذلك ليس بسحر وأنه أمر إلهي ورأوا الآيات التسع مدة مديدة ثم ~~رأوا انفراق البحر إثني عشر طريقا وأن الله تعالى أنجاهم من الغرق وأهلك ~~أعداءهم مع كثرة عددهم ، ثم إن هؤلاء مع ما شاهدوا من هذه الآيات لما خرجوا ~~من البحر ورأوا قوما يعبدون البقر قالوا : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، ~~ولما سمعوا صوتا من عجل عكفوا على عبادته ، وذلك يدل على أنه لا يحصل الغرض ~~بالدلائل بل بالهداية ، قرأ حمزة والكسائي : ( يا ابن أم ) بكسر الميم ~~والإضافة ودلت كسرة الميم على الياء والباقون بالفتح وتقديره يا ابن أماه ~~والله أعلم . # ! 7 < { قال فما خطبك ياسامري * قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من ~~أثر الرسول فنبذتها وكذالك سولت لى نفسى * قال فاذهب فإن لك فى الحيواة أن ~~تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلاهك الذى ظلت عليه عاكفا ~~لنحرقنه ثم لننسفنه فى اليم نسفا * إنمآ إلاهكم الله الذى لاإلاه إلا هو ~~وسع كل شىء علما } > 7 ! # < < # | طه : ( 95 - 98 ) قال فما خطبك . . . . . # > > اعلم أن موسى عليه السلام لما فرغ من مخاطبة هارون عليه السلام وعرف ~~العذر له في التأخير أقبل على السامري ويجوز أن يكون قد كان حاضرا مع هارون ~~عليه السلام فلما قطع موسى الكلام مع هارون أخذ في التكلم مع السامري ، ~~ويجوز أن يكون بعيدا ثم حضر السامري من بعد أو ذهب إليه موسى ليخاطبه ، ~~فقال موسى عليه السلام : { ما خطبكما } والخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه ، ~~فإذا قيل لمن يفعل شيئا ms6281 ما خطبك ؟ معناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار ~~عليه وتعظيم صنعه ثم ذكر السامري عذره في ذلك فقال : { ياسامري قال بصرت ~~بما لم يبصروا به } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرىء { بصرت بما لم يبصروا به } بالكسر وقرأ حمزة ~~والكسائي بما لم تبصروا بالتاء المعجمة من فوق والباقون بالياء أي بما لم ~~يبصر به بنو إسرائيل . # المسألة الثانية : في الإبصار قولان : قال أبو عبيدة : علمت بما لم ~~يعلموا به ومنه قولهم : رجل بصير أي PageV22P095 عالم وهذا قول ابن عباس ~~رضي الله عنهما وقال الزجاج في تقريره : أبصرته بمعنى رأيته وبصرت به بمعنى ~~صرت به بصيرا عالما . وقال آخرون : رأيت ما لم يروه فقوله بصرت به بمعنى ~~أبصرته وأراد أنه رأى دابة جبريل عليه السلام فأخذ من موضع حافر دابته قبضة ~~من تراب ثم قال : { فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الحسن قبضة بضم القاف وهي اسم للمقبوض كالغرفة ~~والضفة وأما القبضة فالمرة من القبض وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول ~~بالمصدر كضرب الأمير وقرىء أيضا فقبصت قبصة بالضاد والصاد فالضاد بجميع ~~الكف والصاد بأطراف الأصابع ونظيرهما الخضم والقضم الخاء بجميع الفم والقاف ~~بمقدمه . قرأ ابن مسعود من أثر فرس الرسول . # المسألة الثانية : عامة المفسرين قالوا : المراد بالرسول جبريل عليه ~~السلام وأراد بأثره التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته ثم اختلفوا أنه ~~متى رآه فقال الأكثرون : إنما رآه يوم فلق البحر . وعن علي عليه السلام أن ~~جبريل عليه السلام لما نزل ليذهب بموسى عليه السلام إلى الطور أبصره ~~السامري من بين الناس ، واختلفوا في أن السامري كيف اختص برؤية جبريل عليه ~~السلام ومعرفته من بين سائر الناس ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية ~~الكلبي : إنما عرفه / لأنه رآه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح ~~أولاد بني إسرائيل ، فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون ~~فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس فكان ~~السامري ممن أخذه ms6282 جبريل عليه السلام وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل ~~واللبن فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه ، فلما رآه عرفه ، قال ابن جريج : فعلى ~~هذا قوله : { بصرت بما لم يبصروا به } بمعنى رأيت ما لم يروه ومن فسر ~~الكلمة بالعلم فهو صحيح ويكون المعنى علمت أن تراب فرس جبريل عليه السلام ~~له خاصية الإحياء / قال أبو مسلم الأصفهاني : ليس في القرآن تصريح بهذا ~~الذي ذكره المفسرون فههنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالرسول موسى عليه ~~السلام وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به فقد يقول الرجل : فلان يقفو أثر فلان ~~ويقبض أثره إذا كان يمتثل رسمه والتقدير أن موسى عليه السلام لما أقبل على ~~السامري باللوم والمسئلة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في باب العجل ~~، فقال : بصرت بما لم يبصروا به ، أي عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق وقد ~~كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول أي شيئا من سنتك ودينك فقذفته أي طرحته ~~، فعند ذلك أعلمه موسى عليه السلام بما له من العذاب في الدنيا والآخرة ، ~~وإنما أورد بلفظ الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له ما ~~يقول الأمير في كذا وبماذا يأمر الأمير ، وأما دعاؤه موسى عليه السلام ~~رسولا مع جحده وكفره فعلى مثل مذهب من حكى الله عنه قوله : { وقالوا يأيها ~~الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) وإن لم يؤمنوا بالإنزال . ~~واعلم أن هذا القول الذي ذكره أبو مسلم ليس فيه إلا مخالفة المفسرين ولكنه ~~أقرب إلى التحقيق لوجوه . أحدها : أن جبريل عليه السلام ليس بمشهور باسم ~~الرسول ولم يجر له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه فإطلاق ~~لفظ الرسول لإرادة جبريل عليه السلام كأنه تكليف بعلم الغيب . وثانيها : ~~أنه لا بد فيه من الإضمار وهو قبضة من أثر حافر فرس الرسول والإضمار خلاف ~~الأصل . وثالثها : أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين ~~جميع الناس برؤية جبريل عليه السلام ms6283 ومعرفته ثم كيف PageV22P096 عرف أن ~~لتراب حافر فرسه هذا الأثر والذي ذكروه من أن جبريل عليه السلام هو الذي ~~رباه فبعيد ، لأن السامري إن عرف جبريل حال كمال عقله عرف قطعا أن موسى ~~عليه السلام نبي صادق فكيف يحاول الإضلال وإن كان ما عرفه حال البلوغ فأي ~~منفعة لكون جبريل عليه السلام مربيا له في الطفولية في حصول تلك المعرفة . ~~ورابعها : أنه لو جاز إطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه لكان لقائل أن ~~يقول : فلعل موسى عليه السلام اطلع على شيء آخر يشبه ذلك فلأجله أتى ~~بالمعجزات ويرجع حاصله إلى سؤال من يطعن في المعجزات ويقول : لم لا يجوز أن ~~يقال إنهم لاختصاصهم بمعرفة بعض الأدوية التي لها خاصية أن تفيد حصول تلك ~~المعجزة ، أتوا بتلك المعجزة ، وحينئذ ينسد باب المعجزات بالكلية . أما ~~قوله : { وكذالك سولت لى نفسى } فالمعنى فعلت ما دعتني إليه نفسي وسولت ~~مأخوذ من السؤال فالمعنى لم / يدعني إلى ما فعلته أحد غيري بل اتبعت هواي ~~فيه ، ثم إن موسى عليه السلام لما سمع ذلك من السامري أجابه بأن بين حاله ~~في الدنيا والآخرة وبين حال إلهه أما حاله في الدنيا فقوله : { فاذهب فإن ~~لك فى الحيواة أن تقول لا مساس } وفيه وجوه : أحدها : أن المراد : أني لا ~~أمس ولا أمس قالوا : وإذا مسه أحد حم الماس والمسوس فكان إذا أراد أحد أن ~~يمسه صاح خوفا من الحمى وقال لا مساس . وثانيها : أن المراد بقوله : { لا ~~مساس } المنع من أن يخالط أحدا أو يخالطه أحد وقال مقاتل : إن موسى عليه ~~السلام أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له : اخرج أنت وأهلك فخرج طريدا إلى ~~البراري ، اعترض الواحدي عليه فقال الرجل : إذا صار مهجورا فلا يقول هو لا ~~مساس وإنما يقال له ذلك ، وهذا الاعتراض ضعيف لأن الرجل إذا بقي طريدا ~~فريدا فإذا قيل له : كيف حالك فله أن يقول لا مساس أي لا يماسني أحد ولا ~~أماس أحدا ، والمعنى إني أجعلك يا سامري في المطرودية بحيث ms6284 لو أردت أن تخبر ~~غيرك عن حالك لم تقل إلا أنه لا مساس وهذا الوجه أحسن وأقرب إلى نظم الكلام ~~من الأول . وثالثها : ما ذكره أبو مسلم وهو أنه يجوز في حمله ما أريد مسي ~~النساء فيكون من تعذيب الله إياه انقطاع نسله فلا يكون له ولد يؤنسه فيخليه ~~الله تعالى من زينتي الدنيا اللتين ذكرهما بقوله : { المال والبنون زينة ~~الحيواة الدنيا } ( الكهف : 46 ) وقرىء لا مساس بوزن فجاز وهو إسم علم ~~للمرة الواحدة من المس ، وأما شرح حاله في الآخرة فهو قوله : { وإن لك ~~موعدا لن تخلفه } والموعد بمعنى الوعد أي هذه عقوبتك في الدنيا ثم لك الوعد ~~بالمصير إلى عذاب الآخرة فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران ~~المبين ، قرأ أهل المدينة والكوفة : لن تخلفه بفتح اللام أي لن تخلف ذلك ~~الوعد أي سيأتيك به الله ولن يتأخر عنك وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن ~~بكسر اللام أي تجيء إليه ولن تغيب عنه ولن تتخلف عنه وفتح اللام اختيار أبي ~~عبيد كأنه قال : موعدا حقا لا خلف فيه وعن ابن مسعود : لن نخلفه بالنون ~~فكأنه عليه السلام حكى قول الله تعالى بلفظه كما مر بيانه في قوله : { لاهب ~~لك } ( مريم : 19 ) وأما شرح حال إلهه فهو قوله : { وانظر إلى إلاهك الذى ~~ظلت عليه عاكفا } قال المفضل في ظلت : إنه يقرأ بفتح الظاء وكسرها وكذلك : ~~{ فظلتم تفكهون } ( الواقعة : 65 ) وأصله ظللت فحذفت اللام الأولى وذلك ~~إنما يكون إذا كانت اللام الثانية ساكنة تستحب العرب طرح الأولى ومن كسر ~~الظاء نقل كسرة اللام الساقطة إليها ومن فتحها ترك الظاء على حالها وكذلك ~~يفعلون في المضاعف يقولون : مسته ومسسته ثم قال : { لنحرقنه ثم لننسفنه فى ~~اليم نسفا } وفي قوله : { لنحرقنه } وجهان . PageV22P097 أحدهما : المراد ~~إحراقه بالنار وهذا أحد ما يدل على أنه صار لحما ودما ، لأن الذهب لا يمكن ~~إحراقه بالنار ، وقال السدي : أمر موسى عليه السلام بذبح العجل فذبح فسال ~~منه الدم ثم أحرق ثم نسف رماده وفي حرف ابن ms6285 مسعود لنذبحنه ولنحرقنه ~~وثانيهما لنحرقنه أي لنبردنه بالمبرد ، يقال : حرقه يحرقه إذا برده وهذه ~~القراءة تدل على أنه لم ينقلب لحما ولا دما فإن ذلك لا يصح أن يبرد بالمبرد ~~، ويمكن أن يقال : إنه صار لحما فذبح ثم بردت عظامه بالمبرد / حتى صارت ~~بحيث يمكن نسفها ، قراءة العامة بضم النون وتشديد الراء ومعناه لنحرقنه ~~بالنار ، وقرأ أبو جعفر وابن محيصن لنحرقنه بفتح النون وضم الراء خفيفة ~~يعني لنبردنه ، واعلم أن موسى عليه السلام لما فرغ من إبطال ما ذهب إليه ~~السامري عاد إلى بيان الدين الحق فقال : { إنما إلاهكم } أي المستحق ~~للعبادة والتعظيم : { الله الذى لا إلاه إلا هو وسع كل شىء علما } قال ~~مقاتل : يعلم من يعبده ومن لا يعبده . # ! 7 < { كذالك نقص عليك من أنبآء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا * من ~~أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا * خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة ~~حملا * يوم ينفخ فى الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا * يتخافتون بينهم إن ~~لبثتم إلا عشرا * نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا ~~يوما } > 7 ! # < < # | طه : ( 99 - 104 ) كذلك نقص عليك . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع فرعون أولا ~~ثم مع السامري ثانيا أتبعه بقوله : { كذالك نقص عليك } من سائر أخبار الأمم ~~وأحوالهم تكثيرا لشأنك وزيادة في معجزاتك وليكثر الاعتبار والاستبصار ~~للمكلفين بها في الدين : { وقد اتيناك من لدنا ذكرا } يعني القرآن كما قال ~~تعالى : { وهاذا ذكر مبارك أنزلناه } ( الأنبياء : 50 ) { وإنه لذكر لك } ( ~~الزخرف : 44 ) { ص والقرءان ذى } ( ص : 1 ) { ما يأتيهم من ذكر } ( ~~الأنبياء : 2 ) { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر } ( الحجر : 6 ) ثم في ~~تسمية القرآن بالذكر وجوه : أحدها : أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس ~~من أمر دينهم ودنياهم . وثانيها : أنه يذكر أنواع آلاء الله تعالى ونعمائه ~~ففيه التذكير والمواعظ . وثالثها : فيه الذكر والشرف لك ولقومك على ما قال ~~: { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) ، واعلم أن الله ms6286 تعالى سمى كل ~~كتبه ذكرا فقال : { فاسألوا أهل الذكر } ( النحل : 43 ) وكما بين نعمته ~~بذلك بين شدة الوعيد لمن أعرض عنه ولم يؤمن به من وجوه : أولها : قوله : { ~~من أعرض عنه } فإنه يحمل يوم القيامة وزرا والوزر هو العقوبة الثقيلة سماها ~~وزرا تشبيها في ثقلها / على المعاقب وصعوبة احتمالها الذي يثقل على الحامل ~~وينقض ظهره أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم وقرىء يحمل ، ثم بين تعالى صفة ~~ذلك PageV22P098 الوزر من وجهين : أحدهما : أنه يكون مخلدا مؤبدا . والثاني ~~: قوله : { وساء لهم يوم القيامة حملا } أي وما أسوأ هذا الوزر حملا أي ~~محمولا وحملا منصوب على التمييز . وثانيها : { يوم ينفخ فى الصور } فالمراد ~~بيان أن يوم القيامة هو يوم ينفخ في الصور وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ننفخ بفتح النون كقوله : { ونحشر } وقرأ ~~الباقون ينفخ على ما لم يسم فاعله ونحشر بالنون لأن النافخ ملك التقم الصور ~~والحاشر هو الله تعالى ، وقرىء يوم ينفخ بالياء المفتوحة على الغيبة ~~والضمير لله تعالى أو لإسرافيل عليه السلام ، وأما : يحشر المجرمين فلم ~~يقرأ به إلا الحسن وقرىء في الصور بفتح الواو جمع صورة . # المسألة الثانية : { فى الصور } قولان : أحدهما : أنه قرن ينفخ فيه يدعي ~~به الناس إلى المحشر . والثاني : أنه جمع صورة والنفخ نفخ الروح فيه ويدل ~~عليه قراءة من قرأ : الصور بفتح الواو والأول أولى لقوله تعالى : { فإذا ~~نقر فى الناقور } ( المدثر : 8 ) والله تعالى يعرف الناس أمور الآخرة ~~بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في البوق عند الأسفار وفي ~~العساكر . # المسألة الثالثة : المراد من هذا النفخ هو النفخة الثانية لأن قوله بعد ~~ذلك : { ونحشر المجرمين يومئذ زرقا } كالدلالة على أن النفخ في الصور ~~كالسبب لحشرهم فهو نظير قوله : { يوم ينفخ فى الصور فتأتون أفواجا } ( ~~النبأ : 18 ) ، أما قوله : { ونحشر المجرمين يومئذ زرقا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قالت المعتزلة قوله : { المجرمين } يتناول الكفار ~~والعصاة فيدل على عدم العفو عن العصاة ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~يريد بالمجرمين الذين ms6287 اتخذوا مع الله إلها آخر ، وقد تقدم هذا الكلام . # المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بالزرقة على وجوه : أحدها : قال ~~الضحاك ومقاتل : يعني زرق العيون سود الوجوه وهي زرقة تتشوه بها خلقتهم ~~والعرب تتشاءم بذلك ، فإن قيل : أليس أن الله تعالى أخبر أنهم : يحشرون ~~عميا فكيف يكون أعمى وأزرق ؟ قلنا : لعله يكون أعمى في حال وأزرق في حال . ~~وثانيها : المراد من الزرقة العمى . قال الكلبي : زرقا أي عميا ، قال ~~الزجاج : يخرجون بصراء في أول مرة ويعمون في المحشر . وسواد العين إذا ذهب ~~تزرق فإن قيل : كيف يكون أعمى ، وقد قال تعالى : { إنما يؤخرهم ليوم تشخص ~~فيه الابصار } وشخوص البصر من الأعمى محال ، وقد قال في حقهم : { اقرأ ~~كتابك } ( الإسراء : 14 ) والأعمى كيف يقرأ . فالجواب : أن أحوالهم قد ~~تختلف . وثالثها : قال أبو مسلم : المراد بهذه الزرقة شخوص أبصارهم والأزرق ~~شاخص لأنه لضعف بصره يكون محدقا نحو الشيء يريد أن يتبينه وهذه حال الخائف ~~المتوقع لما يكره وهو كقوله : { إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار } ( ~~إبراهيم : 41 ) . ورابعها : زرقا عطاشا هكذا رواه ثعلب عن ابن الأعرابي قال ~~: لأنهم من شدة / العطش يتغير سواد عيونهم حتى تزرق ويدل على هذا التفسير ~~قوله تعالى : { ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } ( مريم : 86 ) . وخامسها : ~~حكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال : طامعين فيما لا ينالونه . الصفة الثالثة : ~~من صفات الكفار يوم القيامة قوله تعالى : { يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا ~~عشرا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : يتخافتون أي يتسارون . يقال : خفت يخفت وخافت مخافتة ~~والتخافت السرار وهو نظير PageV22P099 قوله تعالى : { فلا تسمع إلا همسا } ~~( طه : 108 ) وإنما يتخافتون لأنه امتلأت صدورهم من الرعب والهول أو لأنهم ~~صاروا بسبب الخوف في نهاية الضعف فلا يطيقون الجهر . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن المراد بقوله : { إن لبثتم } اللبث في ~~الدنيا أو في القبر ، فقال قوم أرادوا به اللبث في الدنيا ، وهذا قول الحسن ~~وقتادة والضحاك ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : { قال كم لبثتم فى الارض عدد ~~سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل ms6288 العادين } ( المؤمنون : 112 ، ~~113 ) فإن قيل : إما أن يقال إنهم نسوا قدر لبثهم في الدنيا ، أو ما نسوا ~~ذلك ، والأول غير جائز إذ لو جاز ذلك لجاز أن يبقى الإنسان خمسين سنة في ~~بلد ثم ينساه . والثاني : غير جائز لأنه كذب وأهل الآخرة لا يكذبون لا سيما ~~وهذا الكذب لا فائدة فيه قلنا فيه وجوه : أحدها : لعلهم إذا حشروا في أول ~~الأمر وعاينوا تلك الأهوال فلشدة وقعها عليهم ذهلوا عن مقدار عمرهم في ~~الدينا وما ذكروا إلا القليل فقالوا : ليتنا ما عشنا إلا تلك الأيام ~~القليلة في الدنيا حتى لا نقع في هذه الأهوال ، والإنسان عند الهول الشديد ~~قد يذهل عن أظهر الأشياء وتمام تقريره مذكور في سورة الأنعام في قوله : { ~~ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ~~) . وثانيها : أنهم عالمون بمقدار عمرهم في الدنيا إلا أنهم لما قابلوا ~~أعمارهم في الدنيا بأعمار الآخرة وجدوها في نهاية القلة فقال بعضهم : ما ~~لبثنا في الدنيا إلا عشرة أيام وقال أعقلهم : بل ما لبثنا إلا يوما واحدا ~~أي قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى قدر لبثنا في الآخرة كعشرة أيام بل ~~كاليوم الواحد بل كالعدم / وإنما خص العشرة والواحد بالذكر لأن القليل في ~~أمثال هذه الواضع لا يعبر عنه إلا بالعشرة والواحد . وثالثها : أنهم لما ~~عاينوا الشدائد تذكروا أيام النعمة والسرور وتأسفوا عليها فوصفوها بالقصر ~~لأن أيام السرور قصار . ورابعها : أن أيام الدنيا قد انقضت وأيام الآخرة ~~مستقبلة والذاهب وإن طالت مدته قليل بالقياس إلى الآتي وإن قصرت مدته فكيف ~~والأمر بالعكس ولهذه الوجوه رجح الله تعالى قول من بالغ في التقليل فقال : ~~{ إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما } . القول الثاني : أن المراد ~~منه اللبث في القبر ويعضده قوله تعالى : { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ~~ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون } ( الروم : 55 ) وقال : { الذين ~~أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم فى كتاب الله إلى يوم البعث } ( الروم : 56 ~~) فأما من جوز الكذب ms6289 على أهل القيامة فلا إشكال له في الآية ، أما من لم ~~يجوز ، قال : إن الله تعالى لما أحياهم في القبر وعذبهم ثم أماتهم ثم بعثهم ~~يوم القيامة لم يعرفوا أن قدر لبثهم في القبر كم كان ، فخطر ببال بعضهم أنه ~~في تقدير عشرة أيام ، وقال آخرون : إنه يوم / واحد ، فلما وقعوا في العذاب ~~مرة أخرى ، تمنوا زمان الموت الذي هو زمان الخلاص لما نالهم من هول العذاب ~~. # المسألة الثالثة : الأكثرون على أن قوله : { إن لبثتم إلا عشرا } أي عشرة ~~أيام ، فيكون قول من قال : { إن لبثتم إلا يوما } أقل وقال مقاتل : { إن ~~لبثتم إلا عشرا } أي عشر ساعات كقوله : { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا ~~عشية أو ضحاها } ( النازعات : 46 ) وعلى هذا التقدير يكون اليوم أكثر ، ~~والله أعلم واعلم أنه سبحانه وتعالى بين بهذا القول أعظم ما نالهم من ~~الحيرة التي دفعوا عندها إلى هذا الجنس من التخافت . # ! 7 < { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * ~~لا ترى فيها عوجا ولاأمتا * يومئذ يتبعون الداعى لا عوج له وخشعت الأصوات ~~للرحمان فلا تسمع إلا همسا * يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمان ~~ورضى له قولا * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما * وعنت ~~الوجوه للحى القيوم وقد خاب من حمل ظلما * ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ~~فلا يخاف ظلما ولا هضما } > 7 @QB@ < # | طه : ( 105 - 112 ) ويسألونك عن الجبال . . . . . # > > PageV22P100 # اعلم أنه تعالى لما وصف أمر يوم القيامة حكى سؤال من لم يؤمن بالحشر فقال ~~: { ويسئلونك عن الجبال } وفي تقرير هذا السؤال وجوه . أحدها : أن قوله : { ~~يتخافتون } ( طه : 103 ) وصف من الله تعالى لكل المجرمين بذلك ، فكأنهم ~~قالوا : كيف يصح ذلك والجبال حائلة ومانعة من هذا التخافت / وثانيها : قال ~~الضحاك : نزلت في مشركي مكة قالوا : يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة ؟ ~~وكان سؤالهم على سبيل الاستهزاء . وثالثها : لعل قومه قالوا : يا محمد إنك ~~تدعي أن الدنيا ستنقضي فلو صح ما قلته لوجب أن ms6290 تبتدىء أولا بالنقصان ثم ~~تنتهي إلى البطلان ، لكن أحوال العالم باقية كما كانت في أول الأمر ، فكيف ~~يصح ما قلته من خراب الدنيا ؟ وهذه شبهة تمسك بها جالينوس في أن السموات لا ~~تفنى ، قال : لأنها لو فنيت لابتدأت في النقصان أولا حتى ينتهي نقصانها إلى ~~البطلان ، فلما لم يظهر فيها النقصان علمنا أن القول بالبطلان باطل ، ثم ~~أمر الله تعالى رسوله بالجواب عن هذا السؤال وضم إلى الجواب أمورا أخر في ~~شرح أحوال القيامة وأهوالها . # الصفة الأولى : قوله : { فقل ينسفها ربى نسفا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إنما قال : { فقل } مع فاء التعقيب لأن مقصودهم من هذا ~~السؤال الطعن في الحشر والنشر ، فلا جرم أمره بالجواب مقرونا بفاء التعقيب ~~. لأن تأخير البيان في مثل هذه المسألة الأصولية غير جائز ، أما في المسائل ~~الفروعية فجائزة ، لذلك ذكر هناك قل من غير حرف التعقيب . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { ينسفها } عائد إلى الجبال والنسف ~~التذرية ، أي تصير الجبال كالهباء المنثور تذرى تذرية فإذا زالت الجبال ~~الحوائل فيعلم صدق قوله : { يتخافتون } قال الخليل : { ينسفها } أي يذهبها ~~ويطيرها ، أما الضمير في قوله : { فيذرها } فهو عائد إلى الأرض فاستغنى عن ~~تقديم ذكرها كما في عادة الناس من الإخبار عنها بالإضمار كقولهم : ما عليها ~~أكرم من فلان وقال تعالى : { ما ترك على ظهرها من دابة } PageV22P101 وإنما ~~قال : { فيذرها قاعا صفصفا } ليبين أن ذلك النسف لا يزيل الاستواء لئلا ~~يقدر أنها لما زالت من موضع إلى موضع آخر صارت هناك حائلة ، هذا كله إذا ~~كان المقصود من سؤالهم الاعتراض على كيفية المخافتة ، أما لو كان الغرض من ~~السؤال ما ذكرنا من أنه لا نقصان فيها في الحال فوجب أن لا ينتهي أمرها إلى ~~البطلان ، كان تقرير الجواب : أن بطلان الشيء قد يكون بطلانا يقع توليديا ، ~~فحينئذ يجب تقديم النقصان على البطلان وقد يكون بطلانا يقع دفعة واحدة ، ~~وههنا لا يجب تقديم النقصان على البطلان ، فبين الله تعالى أنه يفرق ~~تركيبات هذا العالم الجسماني دفعة بقدرته ومشيئته فلا حاجة ms6291 ههنا إلى تقديم ~~النقصان على البطلان . # المسألة الثالثة : أنه تعالى وصف الأرض ذلك الوقت بصفات . أحدها : كونها ~~قاعا وهو المكان المطمئن وقيل مستنقع الماء . وثانيها : الصفصف وهو الذي لا ~~نبات عليه . وقال أبو مسلم : القاع الأرض الملساء المستوية وكذلك الصفصف . ~~وثالثها : قوله : { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } وقال صاحب ( الكشاف ) : قد ~~فرقوا بين العوج والعوج فقالوا : العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في ~~الأعيان ، فإن قيل : الأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين ؟ قلنا : اختيار ~~هذا اللفظ له موقع بديع في وصف الأرض بالاستواء ونفي الاعوجاج ، وذلك لأنك ~~لو عمدت إلى قطعة / أرض فسويتها وبالغت في التسوية فإذا قابلتها المقاييس ~~الهندسية وجدت فيها أنواعا من العوج خارجة عن الحس البصري . قال فذاك القدر ~~في الاعوجاج لما لطف جدا ألحق بالمعاني فقيل فيه : عوج بالكسر ، واعلم أن ~~هذه الآية تدل على أن الأرض تكون ذلك اليوم كرة حقيقية لأن المضلع لا بد ~~وأن يتصل بعض سطوحه بالبعض لا على الاستقامة بل على الاعوجاج وذلك يبطله ~~ظاهر الآية . ورابعها : الأمت النتوء اليسير ، يقال : مد حبله حتى ما فيه ~~أمت وتحصل من هذه الصفات الأربع أن الأرض تكون ذلك اليوم ملساء خالية عن ~~الارتفاع والانخفاض وأنواع الانحراف والإعوجاج . # الصفة الثانية : ليوم القيامة قوله : { يومئذ يتبعون الداعى لا عوج له } ~~وفي الداعي قولان : الأول : أن ذلك الداعي هو النفخ في الصور وقوله : { لا ~~عوج له } أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل . الثاني : أنه ملك قائم ~~على صخرة بيت المقدس ينادي ويقول : أيتها العظام النخرة ، والأوصال ~~المتفرقة ، واللحوم المتمزقة ، قومي إلى ربك للحساب والجزاء . فيسمعون صوت ~~الداعي فيتبعونه ، ويقال : إنه إسرافيل عليه السلام يضع قدمه على الصخرة ~~فإن قيل هذا الدعاء يكون قبل الإحياء أو بعده ؟ قلنا : إن كان المقصود ~~بالدعاء إعلامهم وجب أن يكون ذلك بعد الإحياء لأن دعاء الميت عبث وإن لم ~~يكن المقصود إعلامهم بل المقصود مقصود آخر مثل أن يكون لطفا للملائكة ~~ومصلحة لهم فذلك جائز قبل ms6292 الإحياء . # الصفة الثالثة : قوله : { وخشعت الاصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا } ~~وفيه وجوه : أحدها : خشعت الأصوات من شدة الفزع وخضعت وخفيت فلا تسمع إلا ~~همسا وهو الذكر الخفي ، قال أبو مسلم : وقد علم الإنس والجن بأن لا مالك ~~لهم سواه فلا يسمع لهم صوت يزيد على الهمس وهو أخفى الصوت ويكاد يكون كلاما ~~يفهم بتحريك الشفتين لضعفه . وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف ~~صوته ويختلط قوله ويطول غمه . وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~والحسن وعكرمة وابن زيد : الهمس وطء الأقدام ، PageV22P102 فالمعنى أنه لا ~~تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر . # الصفة الرابعة : قوله : { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمان ~~ورضى له قولا } قال صاحب ( الكشاف ) : من يصلح أن يكون مرفوعا ومنصوبا ~~فالرفع على البدل من الشفاعة بتقدير حذف المضاف إليه أي لا تنفع الشفاعة ~~إلا شفاعة من أذن له الرحمن والنصب على المفعولية ، وأقول : الاحتمال ~~الثاني أولى لوجوه : الأول : أن الأول يحتاج فيه إلى الإضمار وتغيير ~~الأعراب والثاني : لا يحتاج فيه إلى ذلك . والثاني : أن قوله تعالى : { لا ~~تنفع الشفاعة } يراد به من يشفع بها والاستثناء يرجع إليهم فكأنه قال : لا ~~تنفع الشفاعة أحدا من الخلق إلا شخصا مرضيا . والثالث : وهو أن من المعلوم ~~بالضرورة أن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن أذن الله له فيها ~~وكان عند الله مرضيا ، فلو حملنا الآية على ذلك صارت جارية مجرى إيضاح ~~الواضحات ، أما لو حملنا الآية على المشفوع له لم يكن ذلك إيضاح الواضحات ~~فكان ذلك أولى / إذا ثبت هذا فنقول : المعتزلة / قالوا : الفاسق غير مرضي ~~عند الله تعالى فوجب أن لا يشفع الرسول في حقه لأن هذه الآية دلت على أن ~~المشفوع له لا بد وأن يكون مرضيا عند الله . واعلم أن هذه الآية من أقوى ~~الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق لأن قوله ورضي له قولا يكفي في صدقه ~~أن يكون الله تعالى قد رضي له قولا واحدا ms6293 من أقواله ، والفاسق قد ارتضى ~~الله تعالى قولا واحدا من أقواله وهو : شهادة أن لا إله إلا الله . فوجب أن ~~تكون الشفاعة نافعة له لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن قيل إنه تعالى ~~استثنى عن ذلك النفي بشرطين : أحدهما : حصول الإذن . والثاني : أن يكون قد ~~رضي له قولا ، فهب أن الفاسق قد حصل فيه أحد الشرطين وهو أنه تعالى قد رضي ~~له قولا ، لكن لم قلتم إنه أذن فيه ، وهذا أول المسألة قلنا : هذا القيد ~~وهو أنه رضي له قولا كاف في حصول الاستثناء بدليل قوله تعالى : { ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) فاكتفى هناك بهذا القيد ودلت هذه ~~الآية على أنه لا بد من الإذن فظهر من مجموعهما أنه إذا رضي له قولا يحصل ~~الإذن في الشفاعة ، وإذا حصل القيدان حصل الاستثناء وتم المقصود . # الصفة الخامسة : قوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به ~~علما } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الضمير في قوله : { بين أيديهم } عائد إلى الذين يتبعون ~~الداعي ومن قال إن قوله : { من أذن له الرحمان } المراد به الشافع . قال ~~ذلك الضمير عائد إليه والمعنى لا تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء إلا لمن ~~أذن له الرحمن في أن تشفع له الملائكة والأنبياء ، ثم قال : { يعلم ما بين ~~أيديهم } يعني ما بين أيدي الملائكة كما قال في آية الكرسي ، وهذا قول ~~الكلبي ومقاتل وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له . قال مقاتل : يعلم ~~ما كان قبل أن يخلق الملائكة وما كان منهم بعد خلقهم . # المسألة الثانية : ذكروا في قوله تعالى : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~} وجوها : أحدها : قال الكلبي : { ما بين أيديهم } من أمر الآخرة { وما ~~خلفهم } من أمر الدنيا . وثانيها : قال مجاهد : { ما بين أيديهم } من أمر ~~الدنيا والأعمال { وما خلفهم } من أمر الآخرة والثواب والعقاب . وثالثها : ~~قال الضحاك يعلم ما مضى وما بقي ومتى تكون القيامة . # المسألة الثالثة : ذكروا في قوله : { ولا يحيطون به علما } وجهين : الأول ~~: أنه تعالى بين أنه يعلم ما بين ms6294 أيدي العباد وما خلفهم . ثم قال : { ولا ~~يحيطون به علما } أي العباد لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم ~~PageV22P103 علما . الثاني : المراد لا يحيطون بالله علما والأول أولى ~~لوجهين : أحدهما : أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات والأقرب ههنا ~~قوله : { ما بين أيديهم وما خلفهم } . وثانيهما : أنه تعالى أورد ذلك مورد ~~الزجر ليعلم أن سائر ما يقدمون عليه وما يستحقون به المجازاة معلوم لله ~~تعالى . # الصفة السادسة : قوله : { وعنت الوجوه للحى القيوم وقد خاب من حمل ظلما } ~~ومعناه أن في ذلك اليوم تعنوا الوجوه أي تذل ويصير الملك والقهر لله تعالى ~~دون غيره ومن / لفظ العنو أخذوا العاني وهو الأسير ، يقال : عنا يعنو عناء ~~إذا صار أسيرا وذكر الله تعالى : { الوجوه } وأراد به المكلفين أنفسهم لأن ~~قوله : { وعنت } من صفات المكلفين لا من صفات الوجوه وهو كقوله : { وجوه ~~يومئذ ناعمة * لسعيها راضية } ( الغاشية : 8 ، 9 ) وإنما خص الوجوه بالذكر ~~لأن الخضوع بها يبين وفيها يظهر وتفسير { الحى القيوم } قد تقدم / وروى أبو ~~أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( اطلبوا اسم الله ~~الأعظم في هذه السور الثلاث البقرة وآل عمران وطه } . قال الراوي : فوجدنا ~~المشترك في السور الثلاث : { * } . قال الراوي : فوجدنا المشترك في السور ~~الثلاث : { الله لا إلاه إلا هو الحى القيوم } فبين تعالى على وجه التحذير ~~أن ذلك اليوم لا يصح الإمتناع مما ينزل بالمرء من المجازاة ، وأن حاله ~~مخالفة لحال الدنيا التي يختار فيها المعاصي ويمتنع من الطاعات ، أما قوله ~~تعالى : { وقد خاب من حمل ظلما } فالمراد بالخيبة الحرمان أي حرم الثواب من ~~حمل ظلما والمراد به من وافى بالظلم ولم يتب عنه واستدلت المعتزلة بهذه ~~الآية في المنع من العفو فقالوا قوله : { وقد خاب من حمل ظلما } يعم كل ~~ظالم ، وقد حكم الله تعالى فيه بالخيبة والعفو ينافيه والكلام على عمومات ~~الوعيد قد تقدم مرارا ، واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال يوم القيامة ختم ~~الكلام فيها بشرح أحوال المؤمنين فقال : { ومن يعمل من الصالحات ms6295 وهو مؤمن ~~فلا يخاف ظلما ولا هضما } يعني ومن يعمل شيئا من الصالحات والمراد به ~~الفرائض فكان عمله مقرونا بالإيمان وهو قوله : { ومن يأته مؤمنا قد عمل ~~الصالحات } ( طه : 75 ) فقوله : { فلا يخاف } في موضع جزم لكونه في موضع ~~جواب الشرط والتقدير فهو لا يخاف ونظيره : { ومن عاد فينتقم الله منه } ( ~~المائدة : 95 ) ، { فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا } ( الجن : 13 ) ~~وقرأ ابن كثير : فلا يخف على النهي وهو حسن لأن المعنى فليأمن والنهي عن ~~الخوف أمر بالأمن والظلم هو أن يعاقب لا على جريمة أم يمنع من الثواب على ~~الطاعة ، والهضم أن ينقص من ثوابه ، والهضيمة النقيصة ومنه هضيم الكشح أي ~~ضامر البطن ومنه : { طلعها هضيم } ( الشعراء : 148 ) أي لازق بعضه ببعض ~~ومنه انهضم طعامي ، وقال أبو مسلم : الظلم أن ينقص من الثواب والهضم أن لا ~~يوفي حقه من الإعظام لأن الثواب مع كونه من اللذات لا يكون ثوابا إلا إذا ~~قارنه التعظيم وقد يدخل النقص في بعض الثواب ويدخل فيما يقارنه من التعظيم ~~فنفى الله تعالى عن المؤمنين كلا الأمرين . # ! 7 < { وكذالك أنزلناه قرءانا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون ~~أو يحدث لهم ذكرا * فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرءان من قبل إن ~~يقضى إليك وحيه وقل رب زدنى علما } > 7 @QB@ < # | طه : ( 113 - 114 ) وكذلك أنزلناه قرآنا . . . . . # > > PageV22P104 # / اعلم أن قوله : { وكذالك } عطف على قوله : { كذالك نقص } أي ومثل ذلك ~~لا نزال وعلى نهجه أنزلنا القرآن كله ثم وصف القرآن بأمرين : أحدهما : كونه ~~عربيا لتفهمه العرب فيقفوا على إعجازه ونظمه وخروجه عن جنس كلام البشر . ~~والثاني : قوله : { وصرفنا فيه من الوعيد } أي كررناه وفصلناه ويدخل تحت ~~الوعيد بيان الفرائض والمحارم لأن الوعيد فعل يتعلق فتكريره يقتضي بيان ~~الأحكام فلذلك قال : { لعلهم يتقون } والمراد اتقاء المحرمات وترك الواجبات ~~ولفظ لعل قد تقدم تفسيره في سورة البقرة في قوله : { والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون } ( البقرة : 183 ) أما قوله : { أو يحدث لهم ذكرا } ففيه وجهان . ~~الأول : أن يكون ms6296 المعنى إنا إنما أنزلنا القرآن لأجل أن يصيروا متقين أي ~~محترزين عما لا ينبغي أو يحدث القرآن لهم ذكرا يدعوهم إلى الطاعات وفعل ما ~~ينبغي ، وعليه سؤالات : # السؤال الأول : القرآن كيف يكون محدثا للذكر . الجواب : لما حصل الذكر ~~عند قراءته أضيف الذكر إليه . # السؤال الثاني : لم أضيف الذكر إلى القرآن وما أضيفت التقوى إليه . ~~الجواب : أن التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح ، وذلك استمرار على العدم ~~الأصلي فلم يجز إسناده إلى القرآن ، أما حدوث الذكر فأمر حدث بعد أن لم يكن ~~فجازت إضافته إلى القرآن . # السؤال الثالث : كلمة أو للمنافاة ولا منافاة بين التقوى وحدوث الذكر بل ~~لايصح الإتقاء إلا مع الذكر فما معنى كلمة أو . الجواب : هذا كقولهم جالس ~~الحسن أو ابن سيرين أي لا تكن خاليا منهما فكذا ههنا . الوجه الثاني : أن ~~يقال : إنا أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يحدث ~~القرآن لهم ذكرا وشرفا وصيتا حسنا ، فعلى هذين التقديرين يكون إنزاله تقوى ~~، ثم إنه تعالى لما عظم أمر القرآن ردفه بأن عظم نفسه فقال : { فتعالى الله ~~الملك الحق } تنبيها على ما يلزم خلقه من تعظيمه وإنما وصفه بالحق لأن ملكه ~~لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره أولى به فلهذا وصف ~~بذلك ، وتعالى تفاعل من العلو وقد ثبت أن علوه وعظمته وربوبيته بمعنى واحد ~~وهو اتصافه بنعوت الجلال وأنه لا تكفيه الأوهام ولا تقدره العقول وهو منزه ~~عن المنافع والمضار فهو تعالى إنما أنزل القرآن ليحترزوا عما لا ينبغي ~~وليقدموا على ما ينبغي ، وأنه تعالى منزه عن التكمل بطاعاتهم والتضرر ~~بمعاصيهم ، فالطاعات إنما تقع بتوفيقه وتيسيره ، والمعاصي إنما تقع عدلا ~~منه وكل ميسر لما خلق له أما قوله : { ولا تعجل بالقرءان من قبل إن يقضى ~~إليك وحيه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في تعلقه بما قبله وجهان . الوجه الأول : قال أبو مسلم ~~: إن من قوله : { ويسئلونك عن الجبال } ( طه : 105 ) إلى ههنا يتم الكلام ~~وينقطع ثم قوله : { ولا ms6297 تعجل بالقرءان } خطاب / مستأنف فكأنه قال : ~~ويسألونك ولا تعجل بالقرآن . الوجه الثاني : روى أنه عليه السلام كان يخاف ~~من أن يفوته منه شيء فيقرأ مع الملك فأمره بأن يسكت حال قراءة الملك ثم ~~يأخذ بعد فراغه في القراءة فكأنه تعالى شرح كيفية نفع القرآن للمكلفين وبين ~~أنه سبحانه متعال عن كل ما لا ينبغي وأنه موصوف بالإحسان والرحمة ومن كان ~~كذلك وجب أن يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي / وإذ حصل الأمان ~~عن السهو والنسيان قال : { ولا تعجل بالقرءان } . PageV22P105 # المسألة الثانية ؛ قوله : { ولا تعجل بالقرءان } ويحتمل أن يكون المراد ~~لا تعجل بقراءته في نفسك ، ويحتمل أن لا تعجل في تأديته إلى غيرك ، ويحتمل ~~في اعتقاد ظاهره ، ويحتمل في تعريف الغير ما يقتضيه ظاهره ، وأما قوله : { ~~من قبل إن يقضى إليك وحيه } فيحتمل أن يكون المراد من قبل أن يقضى إليك ~~تمامه ، ويحتمل أن يكون المراد من قبل أن يقضى إليك بيانه ، لأن هذين ~~الأمرين لا يمكن تحصيلهما إلا بالوحي ، ومعلوم أنه عليه السلام لا ينهى عن ~~قراءته لكي يحفظه ويؤديه فالمراد إذن أن لا يبعث نفسه ولا يبعث غيره عليه ~~حتى يتبين بالوحي تمامه أو بيانه أو هما جميعا ، لأنه يجب التوقف في معنى ~~الكلام ما لم يأت عليه الفراغ لما يجوز أن يحصل عقيبه من استثناء أو شرط أو ~~غيرهما من المخصصات فهذا هو التحقيق في تفسير الآية . ولنذكر أقوال ~~المفسرين : أحدها : أن هذا كقوله تعالى : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } ( ~~القيامة : 16 ) وكان عليه السلام يحرص على أخذ القرآن من جبريل عليه السلام ~~فيعجل بقراءته قبل استتمام جبريل مخافة النسيان فقيل له : لا تعجل إلى أن ~~يستتم وحيه فيكون أخذك إياه عن تثبت وسكون والله تعالى يزيدك فهما وعلما ، ~~وهذا قول مقاتل والسدي ورواه عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما . وثانيها : ~~لا تعجل بالقرآن فتقرأه على أصحابك قبل أن يوحى إليك بيان معانيه وهذا قول ~~مجاهد وقتادة . وثالثها : قال الضحاك : إن أهل مكة وأسقف ms6298 نجران قالوا : يا ~~محمد أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلا ثلاثة أيام فأبطأ الوحي عليه ~~وفشت المقالة بأن اليهود قد غلبوا محمدا فأنزل الله تعالى هذه الآية : { ~~ولا تعجل بالقرءان } أي بنزوله من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ ~~إلى إسرافيل ومنه إلى جبريل ومنه إليك : { وقل رب زدنى علما } . ورابعها : ~~روى الحسن أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : زوجي لطم وجهي ~~فقال : بينكما القصاص فنزل قوله : { ولا تعجل بالقرءان } فأمسك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن القصاص حتى نزول قوله تعالى : { الرجال قوامون على ~~النساء } ( النساء : 34 ) وهذا بعيد والاعتماد على التفصيل الأول أما قوله ~~تعالى : { وقل رب زدنى علما } فالمعنى أنه سبحانه وتعالى أمره بالفزع إلى ~~الله سبحانه في زيادة العلم التي تظهر بتمام القرآن أو بيان ما نزل عليه . # المسألة الثالثة : الاستعجال الذي نهى عنه إن كان فعله بالوحي فكيف نهى ~~عنه . الجواب : لعله فعله بالاجتهاد ، وكان الأولى تركه ، فلهذا نهى عنه . # ! 7 < { ولقد عهدنآ إلىءادم من قبل فنسى ولم نجد له عزما * وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى * فقلنا ياأادم إن هاذا عدو لك ~~ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك ~~لا تظمؤا فيها ولا تضحى } > 7 ! # / < < # | طه : ( 115 - 119 ) ولقد عهدنا إلى . . . . . # > > اعلم أن هذا هي المرة السادسة من قصة آدم عليه السلام في القرآن : ~~أولها في سورة البقرة ثم في الأعراف PageV22P106 ثم في الحجر ثم في الإسراء ~~ثم في الكهف ، ثم ههنا . واعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها . ~~أحدها : أنه تعالى لما قال : { كذالك نقص عليك من أنباء ما قد سبق } ( طه : ~~99 ) ثم إنه عظم أمر القرآن وبالغ فيه ذكر هذه القصة انجازا للوعد في قوله ~~: { كذالك نقص عليك من أنباء ما قد سبق } . وثانيها : أنه لما قال : { ~~وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا } ( طه : 113 ) أردفه ~~بقصة ms6299 آدم عليه السلام كأنه قال : إن طاعة بني آدم للشيطان وتركهم التحفظ من ~~وساوسه أمر قديم فإنا قد عهدنا إلى آدم من قبل أي من قبل هؤلاء الذين صرفنا ~~لهم الوعيد وبالغنا في تنبيهه حيث قلنا : { إن هاذا عدو لك ولزوجك } ثم إنه ~~مع ذلك نسي وترك ذلك العهد فأمر البشر في ترك التحفظ من الشيطان أمر قديم . ~~وثالثها : أنه لما قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وقل رب زدنى علما } ( ~~طه : 114 ) ذكر بعده قصة آدم عليه السلام فإنه بعدما عهد الله إليه وبالغ ~~في تجديد العهد وتحذيره من العدو نسي ، فقد دل ذلك على ضعف القوة البشرية ~~عن التحفظ فيحتاج حينئذ إلى الاستعانة بربه في أن يوفقه لتحصيل العلم ~~ويجنبه عن السهو والنسيان . ورابعها : أن محمدا صلى الله عليه وسلم لما قيل ~~له : { ولا تعجل بالقرءان من قبل إن يقضى إليك وحيه } ( طه : 114 ) دل على ~~أنه كان في الجد في أمر الدين بحيث زاد على قدر الواجب فلما وصفه بالإفراط ~~وصف آدم بالتفريط في ذلك فإنه تساهل في ذلك ولم يتحفظ حتى نسي فوصف الأول ~~بالتفريط والآخر بالإفراط ليعلم أن البشر لا ينفك عن نوع زلة . وخامسها : ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم لما قيل له : { ولا تعجل } ضاق قلبه وقال في ~~نفسه : لولا أني أقدمت على ما لا ينبغي وإلا لما نهيت عنه فقيل له : إن كنت ~~فعلت ما نهيت عنه فإنما فعلته حرصا منك على العبادة ، وحفظا لأداء الوحي / ~~وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي للتساهل وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره ~~، أما قوله تعالى : { ولقد عهدنا إلى * من ربه * قبل } فلا شك أن المراد ~~بالعهد أمر من الله تعالى أو نهي منه كما يقال في أوامر الملوك ووصاياهم ~~أشار الملك إليه وعهد إليه . قال المفسرون : عهدنا إليه أن لا يأكل من ~~الشجرة ولا يقربها ، وفي قوله تعالى : { من قبل } وجوه . أحدها : من قبل ~~هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد في القرآن . وثانيها : قال ms6300 ابن عباس : من قبل ~~أن يأكل من الشجرة عهدنا إليه أن لا يأكل منها . وثالثها : أي من قبل محمد ~~صلى الله عليه وسلم والقرآن وهو قول الحسن ، أما قوله : { فنسى } فقد ~~تكلمنا فيه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة ، ونعيد ههنا منه شيئا قليلا ~~، وفي النسيان قولان : أحدهما : المراد ما هو نقيض الذكر ، وإنما عوتب على ~~ترك التحفظ والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان / وكان الحسن رحمه ~~الله يقول : والله ما عصى قط إلا بنسيان . والثاني : أن المراد بالنسيان ~~الترك وأنه ترك ما عهد إليه من الاحتراز عن الشجرة وأكل من ثمرتها ، وقرىء ~~: فنسي أي فنساه الشيطان ، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يقال : أقدم على ~~المعصية من غير تأويل وأن يقال : أقدم عليها مع التأويل ، والكلام فيه قد ~~تقدم في سورة البقرة ، وأما قوله : { ولم نجد له عزما } ففيه أبحاث : # البحث الأول : الوجود يجوز أن يكون بمعنى العلم ومنه ولم نجد له عزما وأن ~~يكون نقيض العدم كأنه قال : وعدمنا له عزما . # البحث الثاني : العزم هو التصميم والتصلب ، ثم قوله : { ولم نجد له عزما ~~} يحتمل ولم نجد له عزما على القيام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب ، ~~ويحتمل أن يكون المراد ولم نجد له عزما على ترك المعصية أو لم نجد له عزما ~~على التحفظ والاحتراز عن الغفلة ، أو لم نجد له عزما على الاحتياط في كيفية ~~الاجتهاد إذا قلنا : إنه عليه السلام إنما أخطأ بالاجتهاد . وأما قوله : { ~~وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى } PageV22P107 فهذا ~~يشتمل على مسائل : إحداها : أن المأمورين كل الملائكة أو بعضهم . وثانيتها ~~: أنه ما معنى السجود . وثالثتها : أن إبليس هل كان من الملائكة أم لا ؟ ~~وإن لم يكن فكيف صح الاستثناء وبأي شيء صار مأمورا بالسجود ؟ ورابعتها : أن ~~هذا يدل على أن آدم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم أم لا ؟ وخامستها : أن ~~قوله في صفة إبليس أنه أبى كيف لزم الكفر من ذلك الإباء وأنه هل كان كافرا ~~ابتداء أو ms6301 كفر بسبب ذلك . واعلم أن هذه المسائل مرت على سبيل الاستقصاء في ~~سورة البقرة ، أما قوله : { فقلنا يائادم * أن لا * هاذا عدو لك ولزوجك فلا ~~يخرجنكما من الجنة فتشقى } ففيه سؤالات : الأول : ما سبب تلك العداوة ؟ ~~الجواب من وجوه : أحدها : أن إبليس كان حسودا فلما رآى آثار نعم الله تعالى ~~في حق آدم عليه السلام حسده فصار عدوا له . وثانيها : أن آدم كان شابا ~~عالما لقوله وعلم آدم الأسماء كلها ، وإبليس كان شيخا جاهلا لأنه أثبت فضله ~~بفضيلة أصله وذلك جهل ، والشيخ الجاهل / أبدا يكون عدوا للشاب العالم . ~~وثالثها : أن إبليس مخلوق من النار وآدم مخلوق من الماء والتراب فبين ~~أصليهما عداوة فبقيت تلك العداوة . # السؤال الثاني : لم قال : { فلا يخرجنكما من الجنة } مع أن المخرج لهما ~~من الجنة هو الله تعالى . الجواب : لما كان بوسوسته هو الذي فعل ما ترتب ~~عليه الخروج صح ذلك . # السؤال الثالث : لم أسند إلى آدم وحده فعل الشقاء دون حواء مع اشتراكهما ~~في الفعل . الجواب من وجهين : أحدهما : أن في ضمن شقاء الرجل وهو قيم أهله ~~وأميرهم شقاءهم كما أن في ضمن سعادته سعادتهم فاختص الكلام بإسناده إليه ~~دونها مع المحافظة على رعاية الفاصلة . الثاني : أريد بالشقاء التعب في طلب ~~القوت وذلك على الرجل دون المرأة ، وروي أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان ~~يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه أما قوله : { إلا أن * لا * تجوع فيها ولا ~~تعرى * وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء وإنك بالفتح والكسر ووجه الفتح العطف على أن لا ~~تجوع فيها ، فإن قيل : أن لا تدخل على أن فلا يقال أن أن زيدا منطلق والواو ~~نائبة عن أن وقائمة مقامها فلم أدخلت عليها ؟ قلنا : الواو لم توضع لتكون ~~أبدا نائبة عن أن ، إنما هي نائبة عن كل عامل ، فلما لم تكن حرفا موضوعا ~~للتحقيق خاصة كان لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع أن وأن . # المسألة الثانية : الشبع والري والكسوة والإكتنان في الظل هي الأقطاب ms6302 ~~التي يدور عليها أمر الإنسان . فذكر الله تعالى حصول هذه الأشياء له في ~~الجنة من غير حاجة إلى الكسب والطلب وذكرها بلفظ النفي لأضدادها التي هي ~~الجوع والعري والظمأ والضحى ليطرق سمعه شيئا من أصناف الشقوة التي حذره ~~منها حتى يبالغ في الاحتراز عن السبب الذي يوقعه فيها ، وهذه الأشياء كلها ~~كأنها تفسير الشقاء المذكور في قوله : { فتشقى } . # ! 7 < { فوسوس إليه الشيطان قال ياأادم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~وعصىءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } > 7 @QB@ < # | طه : ( 120 - 122 ) فوسوس إليه الشيطان . . . . . # > > PageV22P108 # / واعلم أنه سبحانه بين أنه عظم آدم عليه السلام بأن جعله مسجودا ~~للملائكة وبين أنه عرفه شدة عداوة إبليس له ولزوجه وأنه لعداوته يدعوهم إلى ~~المعصية التي إذا وقعت زالت تلك النعم بأسرها ، ثم إنه مع ذلك اتفق منه ومن ~~حواء الإقدام على الزلة ما اتفق ، والعجب ما روي عن أبي أمامة الباهلي قال ~~: ( لو أن أحلام بني آدم إلى قيام الساعة وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم ~~في الأخرى لرجح حلمه بأحلامهم ) ولكن المكادحة مع قضاء الله تعالى ممتنعة ، ~~واعلم أن واقعة آدم عجيبة وذلك لأن الله تعالى رغبه في دوام الراحة وانتظام ~~المعيشة بقوله : { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا ~~تعرى * وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى } ( طه : 117 119 ) ورغبه إبليس أيضا ~~في دوام الراحة بقوله : { هل أدلك على شجرة الخلد } وفي انتظام المعيشة ~~بقوله : { وملك لا يبلى } فكان الشيء الذي رغب الله آدم فيه هو الذي رغبه ~~إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة وإبليس ~~وقفه على الإقدام عليها ، ثم إن آدم عليه السلام مع كمال عقله وعلمه بأن ~~الله تعالى مولاه وناصره ومربيه أعلمه بأن إبليس عدوه حيث امتنع من السجود ~~له وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته ، كيف قبل في الواقعة الواحدة والمقصود ~~الواحد ms6303 قول إبليس مع علمه بكمال عداوته له وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه ~~بأنه هو الناصر والمربي . ومن تأمل في هذا الباب طال تعجبه وعرف آخر الأمر ~~أن هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله ولا مانع منه ، وأن ~~الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا ~~قضى الله تعالى ذلك وقدره . وأما قوله : { فوسوس إليه الشيطان } ( الأعراف ~~: 20 ) فقد تقدم في سورة البقرة أنه كيف وسوس ، وبماذا وسوس . فإن قيل : ~~كيف عدى وسوس تارة باللام في قوله : { فوسوس لهما الشيطان } وأخرى بإلى ؟ ~~قلنا قوله : فوسوس له معناه لأجله وقوله : { ءاوى إليه } معناه أنهى إليه ~~الوسوسة كقوله حدث له وأسر إليه ثم بين أن تلك الوسوسة كانت بتطميعه في ~~أمرين : أحدهما : قوله : { هل أدلك على شجرة الخلد } أضاف الشجرة إلى الخلد ~~وهو الخلود لأن من أكل منها صار مخلدا بزعمه . الثاني : قوله : { وملك لا ~~يبلى } أي من أكل من هذه الشجرة دام ملكه ، قال القاضي : ليس في الظاهر أن ~~آدم قبل ذلك منه بل لوجدت هذه الوسوسة حال كون آدم عليه السلام نبيا ~~لاستحال أن يكون آدم عليه السلام قبل ذلك منه ، لأنه لا بد وأن تحصل بين ~~حال التكليف وحال المجازاة فترة بالموت ، وبالمعنى فآدم لما كان نبيا امتنع ~~أن لا يعلم ذلك . قلنا : لا نسلم بأنه لا بد من حصول هذه الفترة بين حال ~~التكليف وحال المجازاة ، ولم لا يجوز أن يقال : لا حاجة إلى الفترة أصلا ، ~~وإن كان ولا بد فيكفي حصول الفترة بغشي أو نوم خفيف . ثم إن كان ولا بد من ~~حصول الفترة بالموت فلم قلت : النبي لا بد وأن يعلم ذلك ، أليس قوم منكم ~~يقولون إن موسى عليه السلام إنما سأل الرؤية لأنه ما كان يعرف امتناعها على ~~الله تعالى فإذا جاز ذلك الجهل فلم لا يجوز هذا الجهل / ثم ما الدليل على ~~أن آدم كان نبيا في ذلك الوقت فإن مذهبنا أن واقعة ms6304 الزلة إنما حصلت قبل ~~رسالته لا بعدها ، / ثم إن الذي يدل على أن آدم عليه السلام قبل ذلك قوله ~~تعالى عقيب ذكر الوسوسة فأكلا منها ، وهذا الترتيب مشعر بالعلية كقولهم : ( ~~زنى ماعز فرجم ) ( وسها رسول الله PageV22P109 فسجد ) فإن هذه الفاء تدل ~~على أن الرجم كالمسبب للزنا والسجود كالمسبب للسهو فكذلك ههنا يجب أن يكون ~~الأكل كالمعلل باستماع قوله : { هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } ~~وإنما يحصل هذا التعليل لو قبل آدم ذلك منه ، فإنه لو رد قوله لما أقدم على ~~الأكل بناء على قوله ، فثبت أن آدم عليه السلام قبل ذلك من إبليس ثم إنه ~~سبحانه بين أنهما لما أكلا بدت لهما سوآتهما ، قال ابن عباس : عريا من ~~النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما وإنما جمع فقيل سوآتهما كما ~~قال : { صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ) فإن قيل : هل كان ظهور سوآتهما ~~كالجزاء على معصيتهما ، قلنا : لا شك أن ذلك كالمعلق على ذلك الأكل ، لكن ~~يحتمل أن لا يكون عقابا عليه ، بل إنما ترتب عليه لمصلحة أخرى أما قوله : { ~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } ففيه أبحاث : # البحث الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل وأخذ ~~وأنشأ وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلا مضارعا وبينها وبينه مسافة قصيرة ~~، وهي للشروع في أول الأمر ، وكاد لمقاربته والدنو منه . # البحث الثاني : قرى يخصفان للتكثير والتكرير من خصف النعل ، وهو أن يخرز ~~عليها الخصاف أي يلزقان الورقة على سوآتهما للستر وهو ورق التين ، أما قوله ~~: { وعصى * ءادم * ربه فغوى } فمن الناس من تمسك بهذا في صدور الكبيرة عنه ~~من وجهين : الأول : أن العاصي اسم للذم فلا ينطلق إلا على صاحب الكبيرة ~~لقوله تعالى : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها } ~~( النساء : 14 ) ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فعل فعلا يعاقب عليه . ~~والوجه الثاني : أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان والغي ضد الرشد ومثل ~~هذا الإسم لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه . أجاب قوم ms6305 عن الكلام ~~الأول فقالوا : المعصية مخالفة الأمر ، والأمر قد يكون بالواجب والندب ~~فإنهم يقولون : أشرت عليه في أمر ولده في كذا فعصاني ، وأمرته بشرب الدواء ~~فعصاني ، وإذا كان الأمر كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم لا لكونه ~~تاركا للواجب بل لكونه تاركا للمندوب ، فأجاب المستدل عن هذا الاعتراض بأنا ~~بينا أن ظاهر القرآن يدل على أن العاصي مستحق للعقاب والعرف يدل على أنه ~~اسم ذم فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب ، ولأنه لو كان تارك المندوب ~~عاصيا لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة في كل حال لأنهم لا ينفكون من ~~ترك المندوب ، فإن قيل : وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد ، ~~قلنا : لما سلمت كونه مجازا فالأصل عدمه ، أما قوله : أشرت عليه في أمر ~~ولده في كذا فعصاني وأمرته بشرب الدواء فعصاني قلنا : لا نسلم أن هذا ~~الاستعمال مروي عن العرب ، ولئن سلمنا ذلك ولكنهم إنما يطلقون ذلك إذا ~~جزموا على المستشير بأنه لا بد وأن يفعل ذلك الفعل وأنه لا يجوز الإخلال ~~بذلك الفعل / وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلا وإن لم يكن الوجوب حاصلا ، ~~وذلك يدل على أن لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الإيجاب ، لكنا ~~أجمعنا على أن الإيجاب من الله تعالى يقتضي الوجوب ، فيلزم أن يكون إطلاق ~~لفظ العصيان على آدم عليه السلام إنما كان لكونه تاركا للواجب ، ومن الناس ~~من سلم أن الآية تدل على صدور المعصية منه لكنه زعم أن المعصية كانت من ~~الصغائر لا من الكبائر / وهذا قول عامة المعتزلة وهو أيضا ضعيف ، لأنا بينا ~~أن اسم العاصي اسم للذم ، ولأن ظاهر القرآن يدل على أنه يستحق العقاب وذلك ~~لا يليق بالصغيرة ، وأجاب أبو مسلم الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا ~~فيما يتصل بالتكاليف وكذلك القول في غوى ، وهذا أيضا بعيد لأن مصالح الدنيا ~~تكون مباحة ، ومن يفعلها لا يوصف بالعصيان الذي هو اسم للذم ولا يقال : ( ~~فدلالهما PageV22P110 بغرور ) وأما التمسك بقوله تعالى : { فغوى } فأجابوا ~~عنه من ms6306 وجوه : أحدها : أنه خاب من نعيم الجنة وذلك لأنه لما أكل من تلك ~~الشجرة ليصير ملكه دائما ثم لما أكل زال فلما خاب سعيه وما نجح قيل إنه غوى ~~، وتحقيقه أن الغي ضد الرشد ، والرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء يوصل إلى ~~المقصود فمن توصل بشيء إلى شيء فحصل له ضد مقصوده كان ذلك غيا . وثانيها : ~~قال بعضهم : غوى أي بشم من كثرة الأكل . قال صاحب الكشاف : هذا وإن صح على ~~لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفا ، فيقول في فنى وبقى فنا وبقا ، ~~وهم بنو طيء فهو تفسير خبيث ، واعلم أن الأولى عندي في هذا الباب والأحسم ~~للشغب أن يقال : هذه الواقعة كانت قبل النبوة وقد شرحنا ذلك في سورة البقرة ~~. وههنا بحث لا بد منه وهو أن ظاهر القرآن وإن دل على أن آدم عصى وغوى لكن ~~ليس لأحد أن يقول : إن آدم كان عاصيا غاويا ، ويدل على صحة قولنا أمور : ~~أحدها : قال العتبي : يقال لرجل قطع ثوبا وخاطه قد قطعه وخاطه ، ولا يقال : ~~خائط ولا خياط حتى يكون معاودا لذلك الفعل معروفا به ، ومعلوم أن هذه الزلة ~~لم تصدر عن آدم عليه السلام إلا مرة واحدة فوجب أن لا يجوز إطلاق هذا الاسم ~~عليه . وثانيها : أن على تقدير أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة ، ~~لم يجز بعد أن قبل الله توبته وشرفه بالرسالة والنبوة ، إطلاق هذا الاسم ~~عليه كما لا يقال لمن أسلم بعد الكفر إنه كافر بمعنى أنه كان كافرا ، بل ~~وبتقدير أن يقال : هذه الواقعة وقعت بعد النبوة لم يجز أيضا أن يقال ذلك ~~لأنه عليه السلام تاب عنها ، كما أن الرجل المسلم إذا شرب الخمر أو زنى ثم ~~تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك إنه شارب خمر أو زان فكذا ههنا . ~~وثالثها : أن قولنا : عاص وغاو يوهم كونه عاصيا في أكثر الأشياء وغاويا عن ~~معرفة الله تعالى ولم ترد هاتان اللفظتان في القرآن مطلقتين بل مقرونتين ~~بالقصة التي ms6307 عصى فيها فكأنه قال : عصى في كيت وكيت وذلك لا يوهم التوهم ~~الباطل الذي ذكرناه . ورابعها : أنه يجوز من الله تعالى ما لا يجوز من غيره ~~، كما يجوز للسيد في عبيده وولده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز ~~لغير السيد في عبده وولده ، أما قوله : { ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } ~~فالمعنى ثم اصطفاه فتاب عليه أي عاد / عليه بالعفو والمغفرة وهداه رشده حتى ~~رجع إلى الندم والاستغفار وقبل الله منه ذلك ، روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود كان بكاؤه أكثر ، ~~ولو جمع كل ذلك إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر ، وإنما سمي نوحا لنوحه ~~على نفسه ، ولو جمع كل ذلك إلى بكاء آدم لكان بكاء آدم على خطيئته أكثر ) ~~وقال وهب : إنه لما كثر بكاؤه أوحى الله تعالى إليه وأمره بأن يقول : ( لا ~~إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين ~~) فقالها آدم عليه السلام ثم قال قل : ( لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت ~~سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين ) ثم قال قل : ( لا إله إلا ~~أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم ) ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذه الكلمات هي التي تلقاها آدم عليه السلام ~~من ربه . # ! 7 < { قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن ~~اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتنىأعمى وقد كنت بصيرا * قال كذالك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذالك اليوم تنسى * وكذالك نجزى من أسرف ولم يؤمن بأايات ~~ربه ولعذاب الا خرة أشد وأبقى } > 7 @QB@ < # | طه : ( 123 - 127 ) قال اهبطا منها . . . . . # > > PageV22P111 # اعلم أن على أول هذه الآية سؤالا وهو أن قوله : { اهبطا } ، إما أن يكون ~~خطابا مع شخصين أو أكثر فإن كان خطابا لشخصين فكيف قال ms6308 بعده : { فإما ~~يأتينكم منى هدى } وهو خطاب الجمع وإن كان خطابا لأكثر من شخصين فكيف قال : ~~{ اهبطا } وذكروا في جوابه وجوها : أحدها : قال أبو مسلم : الخطاب لآدم ~~ومعه ذريته ولإبليس ومعه ذريته فلكونهما جنسين صح قوله : { اهبطا } ولأجل ~~اشتمال كل واحد من الجنسين على الكثرة صح قوله : { فإما يأتينكم } قال صاحب ~~( الكشاف ) : لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلا للبشر والسبب اللذين ~~منهما تفرعوا جعلا كأنهما / البشر أنفسهم فخوطبا مخاطبتهم فقال : { فإما ~~يأتينكم } على لفظ الجماعة ، أما قوله : { بعضكم لبعض عدو } فقال القاضي : ~~يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس والشياطين أعداء للناس والناس ~~أعداء لهم ، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في ~~الكلام ، وقوله : { فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى } فيه دلالة على أن ~~المراد الذرية ، وقد اختلفوا في المراد بالهدى ، فقال بعضهم : الرسل وبعضهم ~~قال : الآخر والأدلة وبعضهم قال القرآن ، والتحقيق أن الهدى عبارة عن ~~الدلالة فيدخل فيه كل ذلك ، وفي قوله : { فلا يضل ولا يشقى } دلالة على أن ~~المراد بالهدى الذي ضمن الله على اتباعه ذلك اتباع الأدلة ، واتباعها لا ~~يتكامل إلا بأن يستدل بها وبأن يعمل بها ، ومن هذا حاله فقد ضمن الله تعالى ~~له أن لا يضل ولا يشقى ، وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : لا يضل في الدنيا ولا ~~يشقى في الآخرة . وثانيها : لا يضل ولا يشقى في الآخرة لأنه تعالى يهديه ~~إلى الجنة ويمكنه فيها . وثالثها : لا يضل ولا يشقى في الدنيا فإن قيل : ~~المتبع لهدى الله قد يحلقه الشقاء في الدنيا ، قلنا : المراد لا يضل في ~~الدين ولا يشقى بسبب الدين فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس ، ولما وعد ~~الله تعالى من يتبع الهدى أتبعه بالوعيد فيمن أعرض ، فقال : { ومن أعرض عن ~~ذكرى } والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتب الله تعالى على ما تقدم بيانه ~~ويحتمل أن يراد به الأدلة ، وقوله : { فإن له معيشة ضنكا } فالضنك أصله ~~الضيق والشدة وهو مصدر ثم يوصف به ms6309 فيقال : منزل ضنك ، وعيش ضنك ، فكأنه قال ~~: معيشة ذات ضنك ، واعلم أن هذا الضيق المتوعد به إما أن يكون في الدنيا أو ~~في القبر أو في الآخرة أو في الدين أو في كل ذلك أو أكثره . أما الأول : ~~فقال به جمع من المفسرين وذلك لأن المسلم لتوكله على الله يعيش في الدنيا ~~عيشا طيبا كما قال : { فلنحيينه حيواة طيبة } ( النحل : 97 ) والكافر بالله ~~يكون حريصا على الدنيا طالبا للزيادة أبدا فعيشته ضنك PageV22P112 وحالته ~~مظلمة ، وأيضا فمن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة لكفره قال تعالى ~~: { وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذالك بأنهم كانوا ~~يكفرون بآيات الله } ( البقرة : 61 ) وقال : { ولو أنهم أقاموا التوراة ~~والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ( ~~المائدة : 66 ) وقال تعالى : { ولو أن أهل القرىءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم ~~بركات من السماء والارض } ( الأعراف : 96 ) وقال : { استغفروا ربكم إنه كان ~~غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين } ( نوح : 10 12 ~~) وقال : { وألو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا } ( الجن : 16 ) ~~. وأما الثاني : وهو عذاب القبر ، فهذا قول عبد الله بن مسعود وأبي سعيد ~~الخدري وعبد الله بن عباس ورفعه أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( إن عذاب القبر للكافر قال والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه في قبره ~~تسعة وتسعون تنينا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت الآية في الأسود ~~بن عبد العزى المخزومي والمراد ضغطة القبر تختلف فيها أضلاعه . وأما الثالث ~~: وهو الضيق في الآخرة في جهنم ، فإن طعامهم فيها الضريع والزقوم ، وشرابهم ~~الحميم والغسلين فلا يموتون فيها / ولا يحيون وهذا قول الحسن وقتادة ~~والكلبي . وأما الرابع : وهو الضيق في أحوال الدين فقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : المعيشة الضنك هي أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها . ~~سئل الشبلي عن قوله عليه السلام : ( إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله ~~العافية ) فقال أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله تعالى فعقوبتهم ms6310 أن يردهم ~~الله تعالى إلى أنفسهم وأي معيشة أضيق وأشد من أن يرد الإنسان إلى نفسه ، ~~وعن عطاء قال : المعيشة الضنك هي معيشة الكافر لأنه غير موقن بالثواب ~~والعقاب . وأما الخامس : وهو أن يكون المراد الضيق في كل ذلك أو أكثره فروي ~~عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( عقوبة المعصية ~~ثلاثة : ضيق المعيشة والعسر في الشدة ، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية ~~الله تعالى ) أما قوله تعالى : { ونحشره يوم القيامة أعمى } ففيه وجوه : ~~أحدها : هذا مثل قوله : { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ~~} ( الإسراء : 97 ) وكما فسرت الزرقة بالعمى ، ثم قيل : إنه يحشر بصيرا ~~فإذا سيق إلى المحشر عمى والكلام فيه وعليه قد تقدم في قوله : { زرقا } ( ~~طه : 132 ) . وثانيها : قال مجاهد والضحاك ومقاتل : يعني أعمى عن الحجة ، ~~وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال القاضي : هذا القول ~~ضعيف لأن في القيامة لا بد أن يعلمهم الله تعالى بطلان ما كانوا عليه حتى ~~يتميز لهم الحق من الباطل ، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازا ، والمراد ~~به أنه كان من قبل ذلك كذلك ولا يليق بهذا قوله : { وقد كنت بصيرا } ولم ~~يكن كذلك في حال الدنيا أقول ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه تعالى علل ذلك ~~العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا فلو كان العمى الحاصل في الآخرة ~~بين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر ، كما أنه ما كان له في الدنيا ~~بسبب ذلك ضرر ، واعلم أن تحقيق الجواب عن هذا الاعتراض مأخوذ من أمر آخر ~~وهو أن الأرواح الجاهلة في الدنيا المفارقة عن أبدانها على جهالتها تبقى ~~على تلك الجهالة في الآخرة وأن تلك الجهالة تصير هناك سببا لأعظم الآلام ~~الروحانية . وبين هذه الطريقة وبين طريقة القاضي المبنية على أصول الاعتزال ~~بون شديد . وثالثها : قال الجبائي : المراد من حشره أعمى أنه لا يهتدي يوم ~~القيامة إلى طريق ينال منه خيرا بل ms6311 يبقى واقفا متحيرا كالأعمى الذي لا ~~يهتدي إلى شيء / أما قوله : { قال رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا * قال ~~كذالك أتتك اياتنا فنسيتها وكذالك اليوم تنسى } ففي تقرير هذا الجواب وجهان ~~: أحدهما : أنه تعالى إنما أنزل به هذا PageV22P113 العمى جزاء على تركه ~~اتباع الهدى والإعراض عنه . والثاني : هو أن الأرواح البشرية إذا فارقت ~~أبدانها جاهلة ضالة عن الاتصال بالروحانيات بقيت على تلك الحالة بعد ~~المفارقة وعظمت الآلام الروحانية ، فلهذا علل الله تعالى حصول العمى في ~~الآخرة بالإعراض عن الدلائل في الدنيا ، ومن فسر المعيشة الضنك بالضيق في ~~الدنيا ، قال إنه تعالى بين أن من أعرض عن ذكره في الدنيا فله المعيشة ~~الضنك في الدنيا ، والعمى في الآخرة ، أما قوله : { وكذالك نجزى من أسرف ~~ولم يؤمن بئايات ربه } فقد / اختلفوا فيه فبعضهم قال : أشرك وكفر ، وبعضهم ~~قال : أسرف في أن عصى الله وقد بين تعالى المراد بذلك بقوله : { ولم يؤمن ~~بئايات ربه } لأن ذلك كالتفسير لقوله : أسرف وبين أنه يجزي من هذا حاله بما ~~تقدم ذكره من المعيشة الضنك والعمى وبين بعد ذلك أن : { عذاب الاخرة * أشد ~~وأبقى } أما الأشد فلعظمه ، وأما الأبقى فلأنه غير منقطع . # ! 7 < { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون فى مساكنهم إن فى ~~ذلك لأيات لا ولى النهى * ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى * ~~فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن ءانآء ~~اليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى } > 7 ! # < < # | طه : ( 128 - 130 ) أفلم يهد لهم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن من أعرض عن ذكره كيف يحشر يوم القيامة ~~أتبعه بما يعتبر ( به ) المكلف من الأحوال الواقعة في الدنيا بمن كذب الرسل ~~فقال : { أفلم يهد لهم } والقراءة العامة أفلم يهد بالياء المعجمة من تحت ~~وفاعله هو قوله : { كم أهلكنا } قال القفال : جعل كثرة ما أهلك من القرون ~~مبينا لهم ، كما جعل مثل ذلك واعظا لهم وزاجرا ، وقرأ أبو عبد الرحمن ~~السلمي أفلم نهد لهم ms6312 بالنون ، قال الزجاج : يعني أفلم نبين لهم بيانا ~~يهتدون به لو تدبروا وتفكروا ، وأما قوله : { كم أهلكنا } فالمراد به ~~المبالغة في كثرة من أهلكه الله تعالى من القرون الماضية وأراد بقوله : { ~~يمشون فى مساكنهم } أن قريشا يشاهدون تلك الآيات العظيمة الدالة على ما ~~كانوا عليه من النعم ، وما حل بهم من ضروب الهلاك ، وللمشاهدة في ذلك من ~~الاعتبار ما ليس لغيره ، وبين أن في تلك الآيات آيات لأولى النهى ، أي لأهل ~~العقول والأقرب أن للنهية مزية على العقل ، والنهي لا يقال إلا فيمن له عقل ~~ينتهي به عن القبائح ، كما أن لقولنا : أولو العزم مزية على أولو الحزم ، ~~فلذلك قال بعضهم : أهل الورع وأهل التقوى ، ثم بين تعالى الوجه الذي لأجله ~~لا ينزل العذاب معجلا على / من كذب وكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال : { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى } وفيه تقديم وتأخير ، ~~والتقدير : ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما ، ولا شبهة في أن ~~الكلمة هي إخبار الله تعالى ملائكته وكتبه في اللوح المحفوظ ، أن أمته عليه ~~السلام وإن كذبوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال ، ~~واختلفوا فيما لأجله لم يفعل ذلك بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال بعضهم ~~: لأنه علم أن فيهم من يؤمن ، PageV22P114 وقال آخرون : علم أن في نسلهم من ~~يؤمن ولو أنزل بهم العذاب لعمهم الهلاك ، وقال آخرون : المصلحة فيه خفية لا ~~يعلمها إلا هو ، وقال أهل السنة : له بحكم المالكية أن يخص من شاء بفضله ~~ومن شاء بعذابه من غير علة ، إذ لو كان فعله لعلة لكانت تلك العلة إن كانت ~~قديمة لزم قدم الفعل ، وإن كانت حادثة افتقرت إلى علة أخرى ولزم التسلسل ، ~~فلهذا قال أهل التحقيق : كل شيء صنيعه لا لعلة ، وأما الأجل المسمى ففيه ~~قولان : أحدهما : ولولا أجل مسمى في الدنيا لذلك العذاب وهو يوم بدر . ~~والثاني : ولولا أجل مسمى في الآخرة لذلك العذب وهو أقرب ، ويكون المراد ~~ولولا كلمة سبقت تتضمن ms6313 تأخير العذاب إلى الآخرة كقوله : { بل الساعة موعدهم ~~} ( القمر : 46 ) لكان العقاب لازما لهم فيما يقدمون عليه من تكذيب الرسول ~~وأذيتهم له ، ثم إنه تعالى لما أخبر نبيه بأنه لا يهلك أحدا قبل استيفاء ~~أجله أمره بالصبر على ما يقولون ولا شبهة في أن المراد أن يصبر على ما ~~يكرهه من أقوالهم ، فيحتمل أن يكون ذلك قول بعضهم : إنه ساحر أو مجنون أو ~~شاعر إلى غير ذلك ، ويحتمل أن يكون المراد تكذيبهم له فيما يدعيه من النبوة ~~، ويحتمل أيضا تركهم القبول منه لأن كل ذلك مما يغمه ويؤذيه فرغبه تعالى في ~~الصبر وبعثه على الإدامة على الدعاء إلى الله تعالى وإبلاغ ما حمل من ~~الرسالة وأن لا يكون ما يقدمون عليه صارفا له عن ذلك / ثم قال الكلبي ~~ومقاتل : هذه الآية منسوخة بآية القتال ، ثم قال : { وسبح بحمد ربك } وهو ~~نظير قوله : { واستعينوا بالصبر والصلواة } ( البقرة : 45 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { بحمد ربك } في موضع الحال وأنت حامد لربك على أن وفقك ~~للتسبيح وأعانك عليه . # المسألة الثانية : إنما أمر عقيب الصبر بالتسبيح لأن ذكر الله تعالى يفيد ~~السلوة والراحة إذ لا راحة للمؤمنين دون لقاء الله تعالى . # المسألة الثالثة : اختلفوا في التسبيح على وجهين ، فالأكثرون على أن ~~المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أوجه . أحدها : أن الآية تدل ~~على أن الصلوات الخمس لا أزيد ولا أنقص ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~دخلت الصلوات الخمس فيه ، فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر ، وقبل غروبها هو ~~الظهر والعصر لأنهما جميعا قبل الغروب ، ومن آناء الليل فسبح المغرب ~~والعشاء الأخيرة ويكون قوله : { وأطراف النهار } كالتوكيد للصلاتين ~~الواقعتين في طرفي النهار وهما صلاة الفجر وصلاة المغرب كما اختصت في قوله ~~: { حافظوا على } ( البقرة : 238 ) بالتوكيد . القول / الثاني : أن الآية ~~تدل على الصلوات الخمس وزيادة ، أما دلالتها على الصلوات الخمس فلأن الزمان ~~إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها ، فالليل والنهار داخلان في ~~هاتين العبارتين ، فأوقات الصلوات الواجبة دخلت فيهما ، بقي ms6314 قوله : { ومن ~~ءاناء اليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى } وأطراف النهار للنوافل . القول ~~الثالث : أنها تدل على أقل من الخمس ، فقوله : قبل طلوع الشمس للفجر ، وقبل ~~غروبها للعصر ، ومن آناء الليل للمغرب والعتمة ، فيبقى الظهر خارجا . ~~والقول الأول أقوى وبالاعتبار أولى . هذا كله إذا حملنا التسبيح على الصلاة ~~، قال أبو مسلم : لا يبعد حمله على التنزيه والإجلال ، والمعنى اشتغل ~~بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات ، وهذا القول أقرب إلى الظاهر وإلى ما ~~تقدم ذكره ، وذلك لأنه تعالى صبره أولا على ما يقولون من تكذيبه ومن إظهار ~~الشرك والكفر ، PageV22P115 والذي يليق بذلك أن يأمر بتنزيهه تعالى عن ~~قولهم حتى يكون دائما مظهرا لذلك وداعيا إليه فلذلك قال ما يجمع كل الأوقات ~~. # المسألة الرابعة : أفضل الذكر ما كان بالليل لأن الجمعية فيه أكثر . وذلك ~~لسكون الناس وهدء حركاتهم وتعطيل الحواس عن الحركات وعن الأعمال ، ولذلك ~~قال سبحانه وتعالى : { إن ناشئة اليل هى أشد وطأ وأقوم قيلا } ( المزمل : 6 ~~) وقال : { أم من * هو قانت ءاناء اليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة } ( الزمر ~~: 9 ) ولأن الليل وقت السكون والراحة . فإذا صرف إلى العبادة كانت على ~~الأنفس أشق وللبدن أتعب فكانت أدخل في استحقاق الأجر والفضل . # المسألة الخامسة : لقائل أن يقول : النهار له طرفان فكيف قال : { وأطراف ~~النهار } بل الأولى أن يقول كما قال : { وأقم الصلواة طرفى النهار } ( هود ~~: 114 ) ، وجوابه من الناس من قال أقل الجمع اثنان فسقط السؤال ، ومنهم من ~~قال : إنما جمع لأنه يتكرر في كل نهار ويعود ، أما قوله تعالى : { لعلك ~~ترضى } ففيه وجوه . أحدها : أن هذا كما يقول الملك الكبير : يا فلان اشتغل ~~بالخدمة فلعلك تنتفع به ويكون المراد إني أوصلك إلى درجة عالية في النعمة ، ~~وهو إشارة إلى قوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ( الضحى : 5 ) وقوله : { ~~عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } ، وثانيها : لعلك ترضى ما تنال من الثواب ~~. وثالثها : لعلك ترضى ما تنال من الشفاعة . وقرأ الكسائي وعاصم : لعلك ~~ترضى بضم التاء والمعنى لا يختلف لأن الله تعالى إذا ms6315 أرضاه فقد رضيه وإذا ~~رضيه فقد أرضاه . # ! 7 < { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيواة الدنيا ~~لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى * وأمر أهلك بالصلواة واصطبر عليها لا ~~نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى * وقالوا لولا يأتينا بأاية من ربه ~~أولم تأتهم بينة ما فى الصحف الا ولى * ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله ~~لقالوا ربنا لولاأرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك من قبل أن نذل ونخزى * قل ~~كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى } > 7 ! # / < < # | طه : ( 131 - 135 ) ولا تمدن عينيك . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله عليه السلام على ما يقولون ، وأمره بأن ~~يعدل إلى التسبيح أتبع ذلك PageV22P116 بنهيه عن مد عينيه إلى ما متع به ~~القوم فقال تعالى : { ولا تمدن عينيك } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { ولا تمدن عينيك } وجهان : أحدهما : المراد ~~منه نظر العين وهؤلاء قالوا : مد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحسانا ~~للمنظور إليه إعجابا به كما فعل نظارة قارون حيث قالوا : { الدنيا ياليت ~~لنا مثل ما أوتى قارون إنه لذو حظ عظيم } ( القصص : 79 ) حتى واجههم أولوا ~~العلم والإيمان بقولهم : { ويلكم ثواب الله خير لمن ءامن وعمل صالحا } ( ~~القصص : 80 ) وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه وذلك كما إذا نظر الإنسان ~~إلى شيء مرة ثم غض ، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع قيل : ~~{ ولا تمدن عينيك } أي لا تفعل ما أنت معتاد له . ولقد شدد المتقون في وجوب ~~غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في اللباس والمركوب وغير ذلك لأنهم ~~اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة ، فالناظر إليها محصل لغرضهم وكالمقوى ~~لهم على اتخاذها . القول الثاني : قال أبو مسلم الذي نهى عنه بقوله : { ولا ~~تمدن عينيك } ليس هو النظر ، بل هو الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوه ~~من حظ الدنيا . # المسألة الثانية : قال أبو رافع : ( نزل ضيف بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~فبعثني إلى يهودي لبيع أو سلف ، فقال : والله ms6316 لا أفعل ذلك إلا برهن فأخبرته ~~بقوله فأمرني أن أذهب بدرعه إليه فنزل قوله تعالى : { ولا تمدن عينيك } ) ~~وقال عليه السلام : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر ~~إلى قلوبكم وإلى أعمالكم ) وقال أبو الدرداء : الدنيا دار من لا دار له ~~ومال / من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له . وعن الحسن : لولا حمق الناس ~~لخربت الدنيا . وعن عيسى ابن مريم عليه السلام قال : لا تتخذوا الدنيا ربا ~~فتتخذكم لها عبيدا ، وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رآى ما عند السلاطين ~~يتلو هذه الآية ، وقال الصلاة يرحمكم الله ، أما قوله عز وجل : { إلى ما ~~متعنا به } ( أي ) ألذذنا به ، والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر ~~الحسنة ويسمع من الأصوات المطربة ويشم من الروائح الطيبة وغير ذلك من ~~الملابس والمناكح ، يقال أمتعه إمتاعا ومتعه تمتيعا والتفعيل يقتضي التكثير ~~، أما قوله : { أزواجا منهم } أي أشكالا وأشباها من الكفار وهي من المزاوجة ~~بين الأشياء وهي المشاكلة ، وذلك لأنهم أشكال في الذهاب عن الصواب ، وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : أصنافا منهم ، وقال الكلبي والزجاج : رجالا منهم ~~/ أما قوله : { زهرة الحيواة الدنيا } ففي انتصابه أربعة أوجه . أحدها : ~~على الذم وهو النصب على الاختصاص أو على تضمين متعنا معنى أعطينا وكونه ~~مفعولا ثانيا له أو على إبداله من محل الجار والمجرور أو على إبداله من ~~أزواجا على تقدير ذوي ، فإن قيل : ما معنى الزهرة فيمن حرك قلنا معنى ~~الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة كما جاء في الجهرة . قرىء : أرنا الله ~~جهرة ، وأن يكون جمع زاهر وصفا لهم بأنهم زهرة هذه الدنيا لصفاء ألوانهم ~~وتهلل وجوههم بخلاف ما عليه الصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب ، ~~أما قوله : { لنفتنهم فيه } فذكروا فيه وجوها . أحدها : لنعذبهم به كقوله : ~~{ فلا تعجبك أموالهم * وأولادهم إنما يريد الله * ليعذبهم بها في الحيواة ~~الدنيا } ( التوبة : 55 ) . وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~إضلالا مني لهم . وثالثها : قال الكبي ومقاتل تشديدا في التكاليف عليهم ms6317 لأن ~~الإعراض عن الدنيا عند حضورها والإقبال إلى الله أشد من ذلك عند عدم حضورها ~~ولذلك كان رجوع الفقراء إلى خدمة الله تعالى والتضرع إليه أكثر من تضرع ~~الأغنياء ، ولأن على من أوتي الدنيا ضروبا من التكليف لولاها لما لزمتهم ~~تلك التكاليف ولأن القادر على المعاصي يكون الاجتناب PageV22P117 عن ~~المعاصي أشق عليه من العاجز الفقير ، فمن هذه الجهات تكون الزيادة في ~~الدنيا تشديدا في التكليف ثم قال لرسوله : { ورزق ربك خير وأبقى } والأظهر ~~أن المراد أن مطلوبك الذي تجده من الثواب خير من مطلوبهم وأبقى ، لأنه يدوم ~~ولا ينقطع وليس كذلك حال ما أوتوه من في الدنيا ، ويحتمل أن يكون المراد ما ~~أوتيته من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة خير لك من حيث العاقبة وأبقى ، ~~فذكر الرزق في الدنيا ووصفه بحسن عاقبته إذا رضي به وصبر عليه ، ويحتمل أن ~~يكون المراد ما أعطى من النبوة والدرجات الرفيعة ، وأما قوله : { وأمر أهلك ~~بالصلواة } فمنهم من حمله على أقاربه ومنهم من حمله على كل أهل دينه ، وهذا ~~أقرب وهو كقوله : { وكان يأمر أهله بالصلواة والزكواة } ( مريم : 55 ) وإن ~~احتمل أن يكون المراد من يضمه المسكن إذ التنبيه على الصلاة والأمر بها في ~~أوقاتها ممكن فيهم دون سائر الأمة يعنى كما أمرناك بالصلاة فامر أنت قومك ~~بها ، أما قوله : { واصطبر عليها } فالمراد كما تأمرهم فحافظ عليها فعلا ، ~~فإن الوعظ بلسان الفعل أتم منه بلسان القول ، وكان رسول الله / صلى الله ~~عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي عليهما السلام كل صباح ~~ويقول : ( الصلاة ) وكان يفعل ذلك أشهرا ، ثم بين تعالى أنه إنما يأمرهم ~~بذلك لمنافعهم وأنه متعال عن المنافع بقوله : { لا نسألك رزقا نحن نرزقك } ~~وفيه وجوه . أحدها : قال أبو مسلم : المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم ~~العبادة ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج ، وهو ~~كقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق ~~وما أريد أن يطعمون } ( الذاريات : 56 ms6318 ، 57 ) . وثانيها : { لا نسألك رزقا ~~} لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك ونرزق أهلك ، ففرغ بالك لأمر الآخرة ، وفي ~~معناه قول الناس : من كان في عمل الله كان الله في عمله . وثالثها : المعنى ~~أنا لما أمرناك بالصلاة فليس ذلك لأنا ننتفع بصلاتك . فعبر عن هذا المعنى ~~بقوله : { لا نسألك رزقا } بل نحن نرزقك في الدنيا بوجوه النعم وفي الآخرة ~~بالثواب ، قال عبد الله بن سلام : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل ~~بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية ) واعلم أنه ليس في الآية ~~رخصة في ترك التكسب لأنه تعالى قال في وصف المتقين : { رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله } ( النور : 37 ) ، أما قوله : والعاقبة للتقوى ~~فالمراد والعاقبة الجميلة لأهل التقوى يعني تقوى الله تعالى ، ثم إنه ~~سبحانه بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهتهم ، فكأنه من تمام قوله : { فاصبر على ~~ما يقولون } ( طه : 130 ) وهي قولهم : { لولا يأتينا بئاية من ربه } أوهموا ~~بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية ، وقالوا في موضع آخر : { بل ~~قالوا أضغاث أحلام بل } ( الأنبياء : 5 ) وأجاب الله تعالى عنه بقوله : { ~~أو لم * تأتهم بينة ما فى الصحف الاولى } وفيه وجوه : أحدها : أن ما في ~~القرآن إذ وافق ما في كتبهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشتغل ~~بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذا ألبتة كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون ~~معجزا . وثانيها : أن بينة ما في الصحف الأولى ما فيها من البشارة بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبعثته . وثالثها : ذكر ابن جرير والقفال ( أن ~~) المعنى : { أو لم * تأتهم بينة ما فى الصحف الاولى } من أنباء الأمم التي ~~أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤمنهم ~~أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك ، وإنما أتاهم هذا البيان في ~~القرآن ، فلهذا وصف القرآن بكونه : { بينة ما فى الصحف الاولى } واعلم أنه ~~إنما ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل ، ثم بين ~~أنه ms6319 تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة في التكليف ، فقال : { ولو أنا أهلكناهم ~~بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } والمراد كان لهم أن ~~يقولوا ذلك فيكون عذرا لهم ، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما ~~PageV22P118 عليهم وما لهم فلا حجة لهم البتة بل الحجة عليهم . ومعنى : { ~~من قبله } يحتمل من قبل إرساله ويحتمل من قبل ما أظهره من البينات فإن قيل ~~فما معنى قوله : { ولو أنا أهلكناهم * لقالوا } ( طه : 134 ) والهالك لا ~~يصح أن يقول قلنا المعنى لكان لهم أن يقولوا ذلك يوم القيامة ولذلك قال : { ~~من قبل أن نذل ونخزى } وذلك لا يليق إلا بعذاب الآخرة ، روي أن أبا سعيد ~~الخدري رضي الله عنه قال قال عليه السلام : ( يحتج على الله تعالى يوم ~~القيامة ثلاثة : الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك ~~لك . وتلا قوله : { لولا أرسلت إلينا رسولا } والمغلوب على عقله يقول لم ~~تجعل لي عقلا أنتفع به ، ويقول الصبي : كنت صغيرا لا أعقل فترفع لهم نار ، ~~ويقال لهم : ادخلوها فيدخلها من كان في علم الله تعالى أنه شقي ويبقى من في ~~علمه أنه سعيد ، فيقول الله تعالى لهم : ( عصيتم اليوم فكيف برسلي لو أتوكم ~~) والقاضي طعن في الخبر وقال : لا يحسن العقاب على من لا يعقل ، واعلم أن ~~في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الجبائي : هذه الآية تدل على وجوب فعل اللطف إذ ~~المراد أنه يجب أن يفعل بالمكلفين ما يؤمنون عنده ولو لم يفعل لكان لهم أن ~~يقولوا هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن ؟ وهلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ؟ وإن ~~كان المعلوم أنهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم الرسول لم يكن في ذلك حجة ، فصح ~~أنه إنما يكون حجة لهم إذا كان في المعلوم أنهم يؤمنون عنده إذا أطاعوه . # المسألة الثانية : قال الكعبي قوله : { لولا أرسلت إلينا رسولا } أوضح ~~دليل على أنه تعالى يقبل الاحتجاج من عباده ، وأنه ليس قوله : { لا يسأل ~~عما يفعل } ( الأنبياء : 23 ) كما ms6320 ظنه أهل الجبر من أن ما هو جور منا يكون ~~عدلا منه بل تأويله : أنه لا يقع منه إلا العدل فإذا ثبت أنه تعالى يقبل ~~الحجة فلو لم يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة . # المسألة الثالثة : قال أصحابنا : الآية تدل على أن الوجوب لا يتحقق إلا ~~بالشرع إذ لو تحقق العقاب قبل مجيء الشرع لكان العقاب حاصلا قبل مجيء الشرع ~~. # ثم إنه سبحانه ختم السورة بضرب من الوعيد فقال : { قل كل متربص } أي كل ~~منا ومنكم منتظر عاقبة أمره وهذا الانتظار يحتمل أن يكون قبل الموت ، إما ~~بسبب الأمر بالجهاد أو بسبب ظهور الدولة والقوة ، ويحتمل أن يكون بالموت ~~فإن كل واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه ، ويحتمل أن يكون بعد الموت وهو ~~ظهور أمر الثواب والعقاب ، فإنه يتميز في الآخرة المحق من المبطل بما يظهر ~~على المحق من أنواع كرامة الله تعالى ، وعلى المبطل من أنواع إهانته { ~~فستعلمون } عند ذلك { من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى } إليه وليس هو ~~بمعنى الشك والترديد ، بل هو على سبيل التهديد والزجر للكفار ، والله أعلم ~~. # / PageV22P119 < # > 1 ( سورة الأنبياء عليهم السلام ) 1 < # > # مائة واثنتا عشرة آية مكية # ! 7 < { اقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون * ما يأتيهم من ذكر من ~~ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون * لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا هل هاذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 1 - 3 ) اقترب للناس حسابهم . . . . . # > > # اعلم أن قوله تعالى : { اقترب للناس حسابهم } فيه مسائل : # المسألة الأولى : القرب لا يعقل إلا في المكان والزمان ، والقرب المكاني ~~ههنا ممتنع فتعين القرب الزماني ، والمعنى اقترب للناس وقت حسابهم . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول كيف وصف بالاقتراب ، وقد عبر بعد هذا ~~القول قريب من ستمائة عام والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مقترب عند ~~الله تعالى والدليل عليه قوله تعالى : { ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله ~~وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون } ( الحج : 47 ) . وثانيها : أن ~~كل آت ms6321 قريب وإن طالت أوقات ترقبه ، وإنما البعيد هو الذي انقرض قال الشاعر ~~: # % فلا زال ما تهواه أقرب من غد % % ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس % # وثالثها : أن المعاملة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر ، فإنه ~~لا يقال اقترب الأجل أما إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال : اقترب ~~الأجل ، فعلى هذا الوجه قال العلماء : إن فيه دلالة على قرب PageV22P120 ~~القيامة ، ولهذا الوجه قال عليه السلام : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) وهذا ~~الوجه قيل إنه عليه السلام ختم به النبوة ، كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة ~~التكليف أقل من الماضي . # / المسألة الثالثة : إنما ذكر تعالى هذا الاقتراب لما فيه من المصلحة ~~للمكلفين فيكون أقرب إلى تلافي الذنوب والتحرر عنها خوفا من ذلك والله أعلم ~~. # المسألة الرابعة : إنما لم يعين الوقت لأجل أن كتمانه أصلح ، كما أن ~~كتمان وقت الموت أصلح . # المسألة الخامسة : الفائدة في تسمية يوم القيامة بيوم الحساب أن الحساب ~~هو الكاشف عن حال المرء فالخوف من ذكره أعظم . # المسألة السادسة : يجب أن يكون المراد بالناس من له مدخل في الحساب وهم ~~المكلفون دون من لا مدخل له ، ثم قال ابن عباس : المراد بالناس المشركون . ~~وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات ~~المشركين أما قوله تعالى : { وهم فى غفلة معرضون } فاعلم أنه تعالى وصفهم ~~بأمرين الغفلة والإعراض . أما الغفلة فالمعنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون ~~لا يتفكرون في عاقبتهم مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء المحسن والمسىء ~~ثم إذا انتبهوا من سنة الغفلة ورقدة الجهالة مما يتلى عليهم من الآيات ~~والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم . # أما قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن أبي عبلة محدث بالرفع صفة للمحل . # المسألة الثانية : إنما ذكر الله تعالى ذلك بيانا لكونهم معرضين ، وذلك ~~لأن الله تعالى يجدد لهم الذكر وقتا فوقتا ويظهر لهم الآية بعد الآية ~~والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم التنبيه ms6322 والموعظة لعلهم يتعظون ، فما ~~يزيدهم ذلك إلا لعبا واستسخارا . # المسألة الثالثة : المعتزلة احتجوا على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا : ~~القرآن ذكر والذكر محدث فالقرآن محدث ، بيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في ~~صفة القرآن : { إن هو إلا ذكر للعالمين } ( ص : 87 ) وقوله : { وإنه لذكر ~~لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) وقوله : { ص والقرءان ذى الذكر } ( ص : 1 ) ~~وقوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) وقوله : { وما علمناه الشعر ~~وما ينبغى له } ( يس : 69 ) وقوله : { وهاذا ذكر مبارك أنزلناه } ( ~~الأنبياء : 5 ) وبيان أن الذكر محدث قوله في هذا الموضع : { ما يأتيهم من ~~ذكر من ربهم محدث } وقوله في سورة الشعراء : { ما يأتيهم من ذكر من * ~~الرحمان محدث } ثم قالوا : فصار مجموع هاتين المقدمتين المنصوصتين كالنص في ~~أن القرآن محدث والجواب من وجهين : الأول : أن قوله : { إن هو إلا ذكر ~~للعالمين } وقوله : { وهاذا ذكر مبارك } إشارة إلى المركب من الحروف ~~والأصوات فإذا ضممنا إليه قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } لزم ~~حدوث المركب من الحروف والأصوات وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم ~~بالضرورة ، وإنما النزاع في قدم كلام الله تعالى بمعنى آخر . الثاني : أن ~~قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } لا يدل على حدوث كل ما كان ذكرا ~~بل على ذكر ما محدث كما أن قول القائل لا يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا ~~يبغضونه ، فإنه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون / فاضلا بل PageV22P121 ~~على أن في الرجال من هو فاضل وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض ~~الذكر محدث فيصير نظم الكلام هكذا القرآن ذكر وبعض الذكر محدث وهذا لا ينتج ~~شيئا كما أن قول القائل : الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس لا ينتج شيئا ~~فظهر أن الذي ظنوه قاطعا لا يفيد ظنا ضعيفا فضلا عن القطع . أما قوله : { ~~إلا استمعوه وهم يلعبون * لاهية قلوبهم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أن ذلك ذم للكفار وزجر لغيرهم عن مثله لأن الإنتفاع بما ~~يسمع لا ms6323 يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر ، وإذا كانوا عند ~~استماعه لاعبين حصلوا على مجرد الاستماع الذي قد تشارك البهيمة فيه الإنسان ~~ثم أكد تعالى ذمهم بقوله : { لاهية قلوبهم } واللاهية من لهى عنه إذا ذهل ~~وغفل ، وإنما ذكر اللعب مقدما على اللهو كما في قوله تعالى : { إنما ~~الحيواة الدنيا لعب ولهو } ( محمد : 36 ) تنبيها على أن اشتغالهم باللعب ~~الذي معناه السخرية والإستهزاء معلل باللهو الذي معناه الذهول والغفلة ، ~~فإنهم أقدموا على اللعب للهوهم وذهولهم عن الحق ، والله أعلم بالصواب . # المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : { وهم يلعبون * لاهية قلوبهم } ~~حالان مترادفان أو متداخلان ومن قرأ لاهية بالرفع فالحال واحدة لأن لاهية ~~قلوبهم خبر بعد خبر لقوله : { وهم } . # أما قوله : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } ففيه سؤالان : # السؤال الأول : النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية فما معنى ~~قوله : { وأسروا النجوى } . الجواب : معناه بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث ~~لا يفطن أحد لتناجيهم . # السؤال الثاني : لم قال : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } . الجواب : أبدل ~~الذين ظلموا من أسروا إشعارا بأنهم هم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا ~~به أو جاء على لغة من قال : أكلوني البراغيث أو هو منصوب المحل على الذم أو ~~هو مبتدأ خبره : { أسروا * النجوى } قدم عليه والمعنى وهؤلاء أسروا النجوى ~~فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم . # أما قوله : { هل هاذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من ~~النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويحتمل أن يكون التقدير وأسروا النجوى وقالوا ~~هذا الكلام . # المسألة الثانية : إنما أسروا هذا الحديث لوجهين : أحدهما : أنه كان ذلك ~~شبهة التشاور فيما بينهم والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره ، وعادة ~~المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم . الثاني : يجوز أن يسروا ~~نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين إن كان ما تدعونه حقا فأخبرونا ~~بما أسررناه . # المسألة الثالثة : أنهم طعنوا في نبوته بأمرين : أحدهما : أنه ms6324 بشر مثلهم ~~. والثاني : أن الذي أتى به سحر ، وكلا الطعنين فاسد . أما الأول : فلأن ~~النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل / لا على الصور إذ لو بعث الملك ~~إليهم لما علم كونه نبيا لصورته ، وإنما كان يعلم بالعلم فإذا ظهر ذلك على ~~من هو بشر فيجب أن يكون نبيا ، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشرا ~~لأن المرء إلى القبول من أشكاله أقرب PageV22P122 وهو به آنس . وأما الثاني ~~: وهو أن ما أتى به الرسول عليه السلام سحر وأنهم يرون كونه سحرا فجهل أيضا ~~، لأن كل ما أتى به الرسول من القرآن وغيره ظاهر الحال لا تمويه فيه ولا ~~تلبيس فيه . فقد كان عليه السلام يتحداهم بالقرآن حالا بعد حال مدة من ~~الزمان وهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره ~~وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن فلو قدروا على المعارضة لامتنع ~~أن لا يأتوا بها لأن الفعل عند توافر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع ، ~~فلما لم يأتوا بها دلنا ذلك على أنه في نفسه معجزة وأنهم عرفوا حاله . فكيف ~~يجوز أن يقال : إنه سحر والحال على ما ذكرناه ، وكل ذلك يدل على أنهم كانوا ~~عالمين بصدقه ، إلا أنهم كانوا يموهون على ضعفائهم بمثل هذا القول وإن ~~كانوا فيه مكابرين . # ! 7 < { قال ربى يعلم القول فى السمآء والا رض وهو السميع العليم * بل ~~قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بأاية كمآ أرسل الا ولون * ~~مآ ءامنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 4 - 6 ) قال ربي يعلم . . . . . # > > # أما قوله : { قال ربى يعلم القول فى السماء والارض وهو السميع العليم } ~~ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء { قال ربى } حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهي قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وقرأ الباقون قل بضم القاف وحذف ~~الألف وسكون اللام . # المسألة الثانية : أنه تعالى لما أورد هذا الكلام عقيب ما حكى عنهم وجب ~~أن يكون كالجواب لما قالوه فكأنه قال إنكم وإن ms6325 أخفيتم قولكم ، وطعنكم فإن ~~ربي عالم بذلك وإنه من وراء عقوبته ، فتوعدوا بذلك لكي لا يعودوا إلى مثله ~~. # المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : فإن قلت فهلا قيل له يعلم السر ~~لقوله : { وأسروا النجوى } ( الأنبياء : 3 ) قلت القول علام يشمل السر ~~والجهر فكأن في العلم به العلم بالسر وزيادة فكأن آكد في بيان الإطلاع على ~~نجواهم من أن يقول : { يعلم السر } كما أن قوله تعالى : { يعلم السر } آكد ~~من أن يقول يعلم سرهم فإن قلت فلم ترك الآكد في سورة الفرقان في قوله : { ~~قل أنزله الذى يعلم السر فى * السماوات والارض } ( الفرقان : 6 ) قلت : ليس ~~بواجب أن يجيء بالآكد في قوله في كل موضع ، ولكن يجيء بالتوكيد مرة وبالآكد ~~مرة أخرى ، ثم الفرق أنه قدم ههنا أنهم أسروا النجوى ، فكأنه أراد أن يقول ~~: إن ربي يعلم ما أسروه ، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة وثمة قصد وصف ذاته ~~بأن قال : { أنزله الذى يعلم السر فى * السماوات والارض } فهو كقوله : { ~~علام الغيوب } ( سبأ : 48 ) ، { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة } ( سبأ ~~: 3 ) . # المسألة الرابعة : إنما قدم السميع على العليم لأنه لا بد من سماع الكلام ~~أولا ثم من حصول العلم بمعناه ، أما قوله : { بل قالوا أضغاث أحلام بل ~~افتراه بل هو شاعر فليأتنا بئاية كما أرسل الاولون } فاعلم أنه PageV22P123 ~~تعالى عاد إلى حكاية قولهم المتصل بقوله : { هل هاذا إلا بشر مثلكم أفتأتون ~~السحر } ( الأنبياء : 3 ) ثم قال : { بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو ~~شاعر } فحكى عنهم ثم هذه الأقوال الخمسة فترتيب كلامهم كأنهم قالوا : ندعي ~~أن كونه بشرا مانع من كونه رسولا لله تعالى . سلمنا أنه غير مانع ، ولكن لا ~~نسلم أن هذا القرآن معجز ، ثم إما أن يساعد على أن فصاحة القرآن خارجة عن ~~مقدور البشر ، قلنا : لم لا يجوز أن يكون ذلك سحرا وإن لم يساعد عليه فإن ~~ادعينا كونه في نهاية الركاكة قلنا : إنها أضغاث أحلام ، وإن ادعينا أنه ~~متوسط بين الركاكة والفصاحة قلنا إنه افتراه ، وإن ms6326 ادعينا إنه كلام فصيح ~~قلنا إنه من جنس فصاحة سائر الشعراء ، وعلى جميع هذه التقديرات فإنه لا ~~يثبت كونه معجزا ، ولما فرغوا من تعديد هذه الاحتمالات قالوا : { بل قالوا ~~أضغاث أحلام بل } فالمراد أنهم طلبوا آية جلية لا يتطرق إليها شيء من هذه ~~الاحتمالات كالآيات المنقولة عن موسى وعيسى عليهما السلام ، ثم إن الله ~~تعالى بدأ بالجواب عن هذا السؤال الأخير بقوله : { ما ءامنت قبلهم من قرية ~~أهلكناها أفهم يؤمنون } والمعنى أنهم في العتو أشد من الذين اقترحوا على ~~أنبيائهم الآيات وعهدوا أنهم يؤمنون عندها فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا / ~~فأهلكهم الله ، فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أشد نكثا . قال الحسن رحمه ~~الله تعالى : إنهم لم يجابوا لأن حكم الله تعالى أن من كذب بعد الإجابة إلى ~~ما اقترحه من الآيات فلا بد من أن ينزل به عذاب الاستئصال وقد مضى حكمه في ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة بخلافه فلذلك لم يجبهم . # ! 7 < { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحىإليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم ~~لا تعلمون * وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين * ثم ~~صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشآء وأهلكنا المسرفين * لقد أنزلنآ إليكم ~~كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 7 - 10 ) وما أرسلنا قبلك . . . . . # > > اعلم أنه تعالى أجاب عن سؤالهم الأول وهو قولهم : { ما هاذا إلا بشر ~~مثلكم } ( المؤمنون : 33 ) بقوله : { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى إليهم ~~} فبين أن هذه عادة الله تعالى في الرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ~~ولم يمنع ذلك من كونهم رسلا للآيات التي ظهرت عليهم فإذا صح ذلك فيهم فقد ~~ظهر على محمد مثل آياتهم فلا مقال عليه في كونه بشرا فأما قوله تعالى : { ~~فاسئلوا أهل الذكر } فالمعنى أنه تعالى أمرهم أن يسألوا أهل الذكر وهم أهل ~~الكتاب حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرا ولم يكونوا ملائكة ~~، وإنما أحالهم على هؤلاء لأنهم كانوا يتابعون المشركين في معاداة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال ms6327 تعالى : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } ( آل عمران : 186 ) فإن PageV22P124 ~~قيل إذا لم يوثق باليهود والنصارى ، فكيف يجوز أن يأمرهم بأن يسألوهم عن ~~الرسل قلنا : إذا تواتر خبرهم وبلغ حد الضرورة جاز ذلك ، كما قد يعمل بخبر ~~الكفار إذا تواتر ، مثل ما يعمل بخبر المؤمنين . ومن الناس من قال : المراد ~~بأهل الذكر أهل القرآن وهو بعيد لأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فأما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية في أن للعامي أن ~~يرجع إلى فتيا العلماء وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر فبعيد لأن ~~هذه الآية خطاب مشافة وهي واردة في هذه الواقعة المخصوصة ومتعلقة باليهود ~~والنصارى على التعيين . ثم بين تعالى أنه لم يجعل الرسل قبله جسدا لا ~~يأكلون الطعام وفيه أبحاث : # البحث الأول : قوله : { لا يأكلون الطعام } صفة جسد والمعنى وما جعلنا ~~الأنبياء ذوي جسد غير طاعمين . # البحث الثاني : وحد الجسد لإرادة الجنس كأنه قال ذوي ضرب من الأجساد . # البحث الثالث : أنهم كانوا يقولون : { ما لهاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى ~~فى الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } ( الفرقان : 7 ) فأجاب ~~الله بقوله : { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } فبين تعالى أن هذه ~~عادة الله في الرسل من قبل وأنه لم يجعلهم جسدا لا يأكلون بل جسدا يأكلون ~~الطعام ولا يخلدون في الدنيا بل يموتون كغيرهم ، ونبه بذلك على أن الذي ~~صاروا به رسلا غير ذلك وهو ظهور المعجزات على أيديهم وبراءتهم عن الصفات ~~القادحة في التبليغ ، أما قوله تعالى : { ثم صدقناهم الوعد } فقال صاحب ( ~~الكشاف ) : هو مثل قوله : { واختار موسى قومه سبعين رجلا } ( الأعراف : 155 ~~) والأصل في الوعد ومن قومه ومنه صدقوهم المقال : { ومن نشاء } هم المؤمنون ~~، قال المفسرون : المراد منه / أنه تقدم وعده جل جلاله بأنه إنما يهلك ~~بعذاب الاستئصال من كذب الرسل دون نفس الرسل ودون من صدق بهم ، وجعل الوفاء ~~بما وعد صدقا من حيث يكشف عن الصدق ms6328 ومعنى : { وأهلكنا المسرفين } أي بعذاب ~~الاستئصال وليس المراد عذاب الآخرة لأنه إخبار عما مضى وتقدم / ثم بين ~~تعالى بقوله : { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم } عظيم نعمته عليهم ~~بالقرآن في الدين والدنيا ، فلذلك قال فيه : { ذكركم } وفيه ثلاثة أوجه : ~~أحدها ؛ ذكركم شرفكم وصيتكم ، كما قال : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف ~~: 44 ) . وثانيها : المراد فيه تذكرة لكم لتحذروا ما لا يحل وترغبوا فيما ~~يجب ، ويكون المراد بالذكر الوعد والوعيد ، كما قال : { وذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين } ( الذاريات : 55 ) . وثالثها : المراد ذكر دينكم ما يلزم ~~وما لا يلزم لتفوزوا بالجنة إذا تمسكتم به وكل ذلك محتمل ، وقوله : { أفلا ~~تعقلون } كالبعث على التدبر في القرآن لأنهم كانوا عقلاء لأن الخوض من ~~لوازم الغفلة والتدبر دافع لذلك الخوض ودفع الضرر عن النفس من لوازم الفعل ~~فمن لم يتدبر فكأنه خرج عن العقل . # ! 7 < { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما ءاخرين * فلمآ ~~أحسوا بأسنآ إذا هم منها يركضون * لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ~~ومساكنكم لعلكم تسألون * قالوا ياويلنآ إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك ~~دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 11 - 15 ) وكم قصمنا من . . . . . # > > PageV22P125 # اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الاعتراضات وكانت تلك الاعتراضات ظاهرة ~~السقوط لأن شرائط الإعجاز لما تمت في القرآن ظهر حينئذ لكل عاقل كونه معجزا ~~، وعند ذلك ظهر أن اشتغالهم بإيراد تلك الاعتراضات كان لأجل حب الدنيا وحب ~~الرياسة فيها فبالغ سبحانه في زجرهم عن ذلك فقال : { وكم قصمنا من قرية } ~~قال صاحب ( الكشاف ) القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء ~~بخلاف القصم وذكر القرية وأنها ظالمة وأراد أهلها توسعا لدلالة العقل على ~~أنها لا تكون ظالمة ولا مكلفة ولدلالة قوله تعالى : { وكم قصمنا من قرية } ~~فالمعنى أهلكنا قوما وأنشأنا قوما آخرين وقال : { فلما أحسوا بأسنا } إلى ~~قوله { قالوا يأبانا * قالوا إنا كنا ظالمين } وكل ذلك لا يليق إلا بأهلها ~~الذين كلفوا بتصديق الرسل فكذبوهم ولولا هذه / الدلائل لما جاز منه ms6329 سبحانه ~~ذكر المجاز لأنه يكون ذلك موهما للكذب ، واختلفوا في هذا الإهلاك فقال ابن ~~عباس : المراد منه القتل بالسيوف والمراد بالقرية حضور وهي وسحول قريتان ~~باليمن ينسب إليهما الثياب . وفي الحديث : ( كفن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ثوبين سحوليين ) وروى : ( حضوريين بعث الله إليهم نبيا فقتلوه فسلط ~~الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم ) وروى : ( أنه ~~لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء ) فندموا ~~واعترفوا بالخطأ ، وقال الحسن : المراد عذاب الاستئصال ، واعلم أن هذا أقرب ~~لأن إضافة ذلك إلى الله تعالى أقرب من إضافته إلى القاتل ، ثم بتقدير أن ~~يحمل ذلك على عذاب القتل فما الدليل على قول ابن عباس ولعل ابن عباس ذكر ~~حضور بأنها إحدى القرى التي أرادها الله تعالى بهذه الآية ، وأما قوله ~~تعالى : { فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون } فالمعنى لما علموا شدة ~~عذابنا وبطشنا علم حس ومشاهدة ركضوا في ديارهم ، والركض ضرب الدابة بالرجل ~~، ومنه قوله تعالى : { اركض برجلك } فيجوز أن يكونوا ركبوا دوابهم يركضونها ~~هاربين منهزمين من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب ، ويجوز أن يشبهوا في ~~سرعة عدوهم على أرجلهم بالراكبين الراكضين ، أما قوله : { لا تركضوا } قال ~~صاحب ( الكشاف ) : القول محذوف ، فإن قلت من القائل قلنا يحتمل أن يكون بعض ~~الملائكة ومن ثم من المؤمنين ، أو يكونوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم ~~يقل ، أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم أو يلهمهم ذلك ~~فيحدثون به نفوسهم ، أما قوله : { وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم } أي ~~من العيش والرفاهية والحال الناعمة ، والإتراف إبطار النعمة وهي الترفه ، ~~أما قوله تعالى : { لعلكم تسألون } فهو تهكم بهم وتوبيخ ، ثم فيه وجوه : ~~أحدها : أي ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل ~~بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة . وثانيها : ارجعوا كما ~~كنتم في مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم بم ~~تأمرون وماذا ترسمون كعادة المخدومين . وثالثها : تسألكم ms6330 الناس في أنديتكم ~~لتعاونوهم في نوازل الخطوب ويستشيرونكم في المهمات ويستعينون بآرائكم . ~~ورابعها : يسألكم الوافدون عليكم والطامعون فيكم إما لأنهم كانوا أسخياء ~~ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكما ~~إلى تهكم وتوبيخا إلى توبيخ ، أما قوله تعالى : { فما زالت تلك دعواهم * ~~فقال } لأنها عدوى كأنه قيل فما زالت تلك الدعوى دعواهم ، PageV22P126 ~~والدعوى بمعنى الدعوة قال تعالى : { تجرى من تحتهم الانهار في جنات النعيم ~~دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) فإن قلت : لم ~~سميت دعوى ؟ قلت : لأنهم كانوا دعوا بالويل : { فقالوا ياليتنا } أي يا ويل ~~احضر فهذا وقتك ، وتلك مرفوع أو منصوب إسما أو خبرا وكذلك : { كان دعواهم } ~~قال المفسرون : لم يزالوا يكررون هذه الكلمة فلم ينفعهم ذلك كقوله تعالى : ~~{ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } ( غافر : 85 ) أما قوله : { حتى ~~جعلناهم حصيدا خامدين } / فالحصيد الزرع المحصود أي جعلناهم مثل الحصيد ~~شبههم به في استئصالهم ، كما تقول جعلناهم رمادا أي مثل الرماد فإن قيل : ~~كيف ينصب جعل ثلاثة مفاعيل ، قلت : حكم الاثنين الأخيرين حكم الواحد ~~والمعنى جعلناهم جامعين لهذين الوصفين ، والمراد أنهم أهلكوا بذلك العذاب ~~حتى لم يبق لهم حس ولا حركة وجفوا كما يجف الحصيد ، وخمدوا كما تخمد النار ~~. # ! 7 < { وما خلقنا السمآء والا رض وما بينهما لاعبين * لو أردنآ أن نتخذ ~~لهوا لاتخذناه من لدنآ إن كنا فاعلين * بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ~~فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 16 - 18 ) وما خلقنا السماء . . . . . # > > اعلم أن فيه مسائل : # المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى ~~لما بين إهلاك أهل القرية لأجل تكذيبهم اتبعه بما يدل على أنه فعل ذلك عدلا ~~منه ومجازاة على ما فعلوا فقال : { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما ~~لاعبين } أي وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما ~~من العجائب والغرائب كما تسوى الجبابرة سقوفهم وفرشهم للهو واللعب ، وإنما ~~سويناهم لفوائد دينية ودنيوية أما ms6331 الدينية فليتفكر المتفكرون فيها على ما ~~قال تعالى : { ويتفكرون فى خلق * السماوات والارض } ( آل عمران : 191 ) ~~وأما الدنيوية فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تعد ولا تحصى وهذا كقوله ~~: { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا } ( ص : 27 ) وقوله : { ما ~~خلقناهما إلا بالحق } ( الدخان : 39 ) . والثاني : أن الغرض منه تقرير نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم والرد على منكريه لأنه أظهر المعجزة عليه فإن كان ~~محمد كاذبا كان إظهار المعجزة عليه من باب اللعب وذلك منفي عنه وإن كان ~~صادقا فهو المطلوب وحينئذ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن . # المسألة الثانية : قال القاضي عبد الجبار : دلت الآية على أن اللعب ليس ~~من قبله تعالى إذ لو كان كذلك لكان لاعبا فإن اللاعب في اللغة اسم لفاعل ~~اللعب فنفى الاسم الموضوع للفعل يقتضي نفي الفعل . والجواب : يبطل ذلك ~~بمسألة الداعي عن ما مر غيره مرة أما قوله : { لو أردنا أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين } فاعلم أن قوله : { لاتخذناه من لدنا } ~~معناه من جهة قدرتنا . وقيل : اللهو الولد بلغة اليمن وقيل : المرأة وقيل ~~من لدنا أي من الملائكة لا من الإنس ردا لمن قال بولادة المسيح وعزيز فأما ~~قوله تعالى : { بل نقذف بالحق على الباطل } فاعلم أن قوله : { بل } / اضراب ~~عن اتخاذ اللهو واللعب وتنزيه منه لذاته كأنه قال سبحاننا PageV22P127 أن ~~نتخذ اللهو واللعب بل من عادتنا وموجب حكمتنا أن نغلب اللعب بالجد وندحض ~~الباطل بالحق ، واستعار لذلك القذف والدمغ تصويرا لإبطاله فجعله كأنه جرم ~~صلب كالصخرة مثلا قذف به على جرم رخو فدمغه ، فأما قوله تعالى : { ولكم ~~الويل مما تصفون } يعني من تمسك بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ونسب ~~القرآن إلى أنه سحر وأضغاث أحلام إلى غير ذلك من الأباطيل ، وهو الذي عناه ~~بقوله : { مما تصفون } . # ! 7 < { وله من فى السماوات والا رض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 19 - 20 ) وله من في . . . . . # > > # وفيه مسائل ms6332 : # المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان . الأول : أنه تعالى ~~لما نفى اللعب عن نفسه ونفي اللعب لا يصح إلا بنفي الحاجة ونفي الحاجة لا ~~يصح إلا بالقدرة التامة ، لا جرم عقب تلك الآية بقوله : { وله من فى * ~~السماوات والارض } لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة . الثاني : وهو ~~الأقرب أنه تعالى لما حكى كلام الطاعنين في النبوات وأجاب عنها وبين أن ~~غرضهم من تلك المطاعن التمرد وعدم الإنقياد بين في هذه الآية أنه تعالى ~~منزه عن طاعتهم لأنه هو المالك لجميع المحدثات والمخلوقات ، ولأجل أن ~~الملائكة مع جلالتهم مطيعون له خائفون منه فالبشر مع نهاية الضعف أولى أن ~~يطيعوه . # المسألة الثانية : قوله : { وله من فى * السماوات والارض } معناه أن كل ~~المكلفين في السماء والأرض فهم عبيده وهو الخالق لهم والمنعم عليهم بأصناف ~~النعم ، فيجب على الكل طاعته والانقياد لحكمه . # المسألة الثالثة : دلالة قوله : { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } على ~~أن الملك أفضل من البشر من ثلاثة أوجه قد تقدم بيانها في سورة البقرة . # المسألة الرابعة : قوله : { ومن عنده } المراد بهم الملائكة بإجماع الأمة ~~ولأنه تعالى وصفهم بأنهم : { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } وهذا لا ~~يليق بالبشر وهذه العندية عندية الشرف والرتبة لا عندية المكان والجهة ، ~~فكأنه تعالى قال : الملائكة مع كمال شرفهم ونهاية جلالتهم لا يستكبرون عن ~~طاعته فكيف يليق بالبشر الضعيف التمرد عن طاعته . # المسألة الخامسة : قال الزجاج : ولا يستحسرون ولا يتعبون ولا يعيون قال ~~صاحب ( الكشاف ) : فإن قلت الاستحسار مبالغة في الحسور فكأن الأبلغ في ~~وصفهم أن ينفي عنهم أدنى / الحسور قلت في الأستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب ~~غاية الحسور وأقصاه وأنهم أحقاء لتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا فيما ~~يفعلون أما قوله تعالى : { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } فالمعنى أن ~~تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم لا يتخلله فترة بفراغ أو بشغل آخر ، روي ~~عن عبد الله بن الحرث بن نوفل ، قال : قلت لكعب : أرأيت قول الله تعالى : { ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون ms6333 } ثم قال : { جاعل الملائكة رسلا } ( فاطر ~~: 1 ) أفلا تكون تلك الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح وأيضا قال : { أولئك ~~عليهم لعنة الله والملئكة والناس أجمعين } ( البقرة : 161 ) PageV22P128 ~~فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح ؟ أجاب كعب الأحبار فقال : ~~التسبيح لهم كالتنفس لنا فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام ~~فكذا اشتغالهم بالتبسيح لا يمنعهم من سائر الأعمال . فإن قيل هذا القياس ~~غير صحيح لأن الإشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام ، لأن آلة التنفس ~~غير آلة الكلام أما التسبيح واللعن فهمنا من جنس الكلام فاجتماعهما محال . ~~والجواب : أي استبعاد في أن يخلق الله تعالى لهم ألسنة كثيرة ببعضها يسبحون ~~الله وببعضها يلعنون أعداء الله ، أو يقال معنى قوله : { لا يفترون } أنهم ~~لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال : إن إفلانا ~~يواظب على الجماعات لا يفتر عنها لا يراد به أنه أبدا مشتغل بها بل يراد به ~~أنه مواظب على العزم على أدائها في أوقاتها . # ! 7 < { أم اتخذوا آلهة من الا رض هم ينشرون * لو كان فيهمآ آلهة إلا ~~الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون * لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ~~* أم اتخذوا من دونه ءالهة قل هاتوا برهانكم هاذا ذكر من معى وذكر من قبلى ~~بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون * ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحىإليه أنه لاإلاه إلا أنا فاعبدون } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 21 - 25 ) أم اتخذوا آلهة . . . . . # > > اعلم أن الكلام من أول السورة إلى ههنا كان في النبوات وما يتصل بها ~~من الكلام سؤالا وجوابا ، وأما هذه الآيات فإنها في بيان التوحيد ونفي ~~الأضداد والأنداد . # / أما قوله تعالى : { أم اتخذوا الهة من الارض هم ينشرون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : أم ههنا هي المنقطعة الكائنة ~~بمعنى بل والهمزة قد أذنت بالإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها ، والمنكر ~~هو اتخاذهم آلهم من الأرض ينشرون الموتى ، ولعمري إن من أعظم المنكرات أن ~~ينشر الموتى بعض الموات ، فإن قلت ms6334 : كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة ينشرون وما ~~كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى ، فإنهم ~~كانوا مع إقرارهم بالله وبأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث ، ويقولون ~~: { من يحى العظام وهى رميم } فكيف يدعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة ~~ألبتة ؟ قلت : لأنهم لما اشتغلوا بعبادتها ولا بد للعبادة من فائدة هي ~~الثواب فإقدامهم على عبادتها يوجب عليهم الإقرار بكونهم قادرين على الحشر ~~والنشر والثواب والعقاب ، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم والتجهيل ، يعني ~~إذا كانوا غير قادرين على أن يحيوا ويميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز ~~اتخاذهم آلهة . # المسألة الثانية : قوله : { من الارض } كقولك فلان من مكة أو من المدينة ~~، تريد مكي أو مدني إذ معنى PageV22P129 نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنها ~~الأصنام التي تعبد في الأرض لأن الآلهة على ضربين : أرضية وسماوية ويجوز أن ~~يراد آلهة من جنس الأرض ، لأنها إما أن تكون منحوتة من بعض الحجارة أو ~~معمولة من بعض جواهر الأرض . # المسألة الثالثة : النكتة في { هم ينشرون } معنى الخصوصية كأنه قيل : أم ~~اتخذوا آلهة من الأرض لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم . # المسألة الرابعة : قرأ الحسن ( ينشرون ) وهما لغتان أنشر الله الموتى ~~ونشرها . # أما قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال أهل النحو إلا ههنا بمعنى غير أي لو كان يتولاهما ~~ويدير أمورهما شيء غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا ، ولا يجوز أن يكون ~~بمعنى الاستثناء لأنا لو حملناه على الإستثناء لكان المعنى لو كان فيهما ~~آلهة ليس معهم الله لفسدتا وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو كان فيهما آلهة ~~معهم الله أن لا يحصل الفساد ، وذلك باطل لأنه لو كان فيهما آلهة فسواء لم ~~يكن الله معهم أو كان فالفساد لازم . ولما بطل حمله على الاستثناء ثبت أن ~~المراد ما ذكرناه . # المسألة الثانية : قال المتكلمون : القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال ~~فوجب أن يكون القول بوجود إلهين محالا ، إنما قلنا إنه يفضي إلى المحال ~~لأنا ms6335 لو فرضنا وجود إلهين فلا بد وأن يكون كل واحد منهما قادرا على كل ~~المقدورات ولو كان كذلك لكان كل واحد منهما قادرا على تحريك زيد وتسكينه ~~فلو فرضنا أن أحدهما أراد تحريكه والآخر تسكينه / فإما أن يقع المرادان وهو ~~محال لاستحالة الجمع بين الضدين أو لا يقع واحد منهما وهو محال لأن المانع ~~من وجود مراد كل واحد منهما مراد الآخر ، فلا يمتنع مراد هذا إلا عند وجود ~~مراد ذلك وبالعكس ، فلو امتنعا معا لوجدا / معا وذلك محال أو يقع مراد ~~أحدهما دون الثاني وذلك محال أيضا لوجهين : أحدهما : أنه لو كان كل واحد ~~منهما قادرا على ما لا نهاية له امتنع كون أحدهما أقدر من الآخر بل لا بد ~~وأن يستويا في القدرة . وإذا استويا في القدرة استحال أن يصير مراد أحدهما ~~أولى بالوقوع من مراد الثاني وإلا لزم ترجيح الممكن من غير مرجح . وثانيهما ~~: أنه إذا وقع مراد أحدهما دون الآخر فالذي وقع مراده يكون قادرا والذي لم ~~يقع مراده يكون عاجزا والعجز نقص وهو على الله محال . فإن قيل الفساد إنما ~~يلزم عند اختلافهما في الإرادة وأنتم لا تدعون وجوب اختلافهما في الإرادة ~~بل أقصى ما تدعونه أن اختلافهما في الإرادة ممكن ، فإذا كان الفساد مبنيا ~~على الإختلاف في الإرادة وهذا الإختلاف ممكن والمبني على الممكن ممكن فكان ~~الفساد ممكنا لا واقعا فكيف جزم الله تعالى بوقوع الفساد ؟ قلنا الجواب من ~~وجهين : أحدهما : لعله سبحانه أجرى الممكن مجرى الواقع بناء على الظاهر من ~~حيث إن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب . والثاني : ~~وهو الأقوى أن نبين لزوم الفساد لا من الوجه الذي ذكرناه بل من وجه آخر ، ~~فنقول : لو فرضنا إلهين لكان كل واحد منهما قادرا على جميع المقدورات فيفضي ~~إلى وقوع مقدور من قادرين مستقلين من وجه واحد وهو محال لأن استناد الفعل ~~إلى الفاعل لإمكانه فإذا كان كل واحد منهما مستقلا بالإيجاد فالفعل لكونه ~~مع هذا يكون واجب الوقوع فيستحيل إسناده ms6336 إلى هذا لكونه حاصلا منهما ~~PageV22P130 جميعا فيلزم استغناؤه عنهما معا واحتياجه إليهما معا وذلك محال ~~. وهذه حجة تامة في مسألة التوحيد ، فنقول القول بوجود الإلهين يفضي إلى ~~امتناع وقوع المقدور لواحد منهما وإذا كان كذلك وجب أن لا يقع ألبتة وحينئذ ~~يلزم وقوع الفساد قطعا ، أو نقول لو قدرنا إلهين ، فإما أن يتفقا أو يختلفا ~~فإن اتفقا على الشيء الواحد فذلك الواحد مقدور لهما ومراد لهما فيلزم وقوعه ~~بهما وهو محال وإن اختلفا ، فإما أن يقع المرادان أو لا يقع واحد منهما أو ~~يقع أحدهما دون الآخر والكل محال فثبت أن الفساد لازم على كل التقديرات ، ~~فإن قلت : لم لا يجوز أن يتفقا على الشيء الواحد ولا يلزم الفساد لأن ~~الفساد إنما يلزم لو أراد كل واحد منهما أن يوجده هو وهذا اختلاف ، أما إذا ~~أراد كل واحد منهما أن يكون الموجد له أحدهما بعينه فهناك لا يلزم وقوع ~~مخلوق بين خالقين ، قلت : كونه موجدا له ، إما أن يكون نفس القدرة والإرادة ~~أو نفس ذلك الأثر أو أمرا ثالثا ، فإن كان الأول لزم الإشتراك في القدرة ~~والإرادة والاشتراك في الموجد ، وإن كان الثاني فليس وقوع ذلك الأثر بقدرة ~~أحدهما وإرادته أولى من وقوعه بقدرة الثاني ، لأن لكل واحد منهما إرادة ~~مستقلة بالتأثير ، وإن كان الثالث وهو أن يكون الموجد له أمرا ثالثا فذلك ~~الثالث إن كان قديما استحال كونه متعلق الإرادة . وإن كان حادثا فهو نفس ~~الأثر ، ويصير هذا القسم هو القسم الثاني الذي ذكرناه . واعلم أنك لما وقفت ~~على حقيقة هذه الدلالة عرفت أن جميع ما في هذا العالم العلوي والسفلي من ~~المحدثات والمخلوقات فهو دليل وحدانية الله تعالى بل / وجود كل واحد من ~~الجواهر والأعراض دليل تام على التوحيد من الوجه الذي بيناه . وهذه الدلالة ~~قد ذكرها الله تعالى في مواضع من كتابه ، واعلم أن ههنا أدلة أخرى على ~~وحدانية الله تعالى . أحدها : وهو الأقوى أن يقال : لو فرضنا موجودين واجبي ~~الوجود لذاتيهما فلا بد وأن يشتركا في ms6337 الوجود ولا بد وأن يمتاز كل واحد ~~منهما عن الآخر بنفسه وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيكون كل واحد ~~منهما مركبا مما به يشارك الآخر ومما به امتاز عنه / وكل مركب فهو مفتقر ~~إلى جزئه وجزؤه غيره ، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ~~ممكن لذاته ، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته . هذا خلف ، فإذن واجب ~~الوجود ليس إلا الواحد وكل ما عداه فهو ممكن مفتقر إليه وكل مفتقر في وجوده ~~إلى الغير فهو محدث فكل ما سوى الله تعالى محدث ، ويمكن جعل هذه الدلالة ~~تفسيرا لهذه الآية . لأنا إنما دللنا على أنه يلزم من فرض موجودين واجبين ~~أن لا يكون شيء منهما واجبا وإذا لم يوجد الواجب لم يوجد شيء من هذه ~~الممكنات ، وحينئذ يلزم الفساد فثبت أنه يلزم من وجود إلهين وقوع الفساد في ~~كل العالم . وثانيها : أنا لو قدرنا إلهين لوجب أن يكون كل واحد منهما ~~مشاركا للآخر في الإلهية ، ولا بد وأن يتميز كل واحد منهما عن الآخر بأمر ~~ما وإلا لما حصل التعدد ، فما به الممايزة إما أن يكون صفة كمال أو لا يكون ~~فإن كان صفة كمال فالخالي عنه يكون خاليا عن الكمال فيكون ناقصا والناقص لا ~~PageV22P131 يكون إلها ، وإن لم يكن صفة كمال فالموصوف به يكون موصوفا بما ~~لايكون صفة كمال فيكون ناقصا ، ويمكن أن يقال : ما به الممايزة إن كان ~~معتبرا في تحقق الإلهية فالخالي عنه لا يكون إلها وإن لم يكن معتبرا في ~~الإلهية لم يكن الاتصاف به واجبا ، فيفتقر إلى المخصص فالموصوف به مفتقر ~~ومحتاج . وثالثها : أن يقال : لو فرضنا إلهين لكان لا بد وأن يكونا بحيث ~~يتمكن الغير من التمييز بينهما ، لكن الامتياز في عقولنا لا يحصل إلا ~~بالتباين في المكان أو في الزمان أو في الوجوب والإمكان وكل ذلك على الإله ~~محال فيمتنع حصول الإمتياز . ورابعها : أن أحد الإلهين إما أن يكون كافيا ~~في تدبير العالم أو لا يكون فإن كان كافيا كان ms6338 الثاني ضائعا غير محتاج إليه ~~، وذلك نقص والناقص لا يكون إلها . وخامسها : أن العقل يقتضي احتياج المحدث ~~إلى الفاعل ولا امتناع في كون الفاعل الواحد مدبرا لكل العالم . فأما ما ~~وراء ذلك فليس عدد أولى من عدد فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها وذلك ~~محال فالقول بوجود الآلهة محال . وسادسها : أن أحد الإلهين إما أن يقدر على ~~أن يخص نفسه بدليل يدل عليه ولا يدل على غيره أو لا يقدر عليه . والأول ~~محال لأن دليل الصانع ليس إلا بالمحدثات وليس في حدوث المحدثات ما يدل على ~~تعيين أحدهما دون الثاني والتالي محال لأنه يفضي إلى كونه عاجزا عن تعريف ~~نفسه على التعيين والعاجز لا يكون إلها . وسابعها : أن أحد الإلهين إما أن ~~يقدر على أن يستر شيئا من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر ، فإن قدر لزم أن ~~يكون المستور عنه جاهلا ، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزا . وثامنها : لو / ~~قدرنا إلهين لكان مجموع قدرتيهما بينهما أقوى من قدرة كل واحد منهما وحده ، ~~فيكون كل واحد من القدرتين متناهيا والمجموع ضعف المتناهي فيكون الكل ~~منتاهيا . وتاسعا : العدد ناقص لاحتياجه إلى الواحد ، والواحد الذي يوجد من ~~جنسه عدد ناقص ناقص ، لأن العدد أزيد منه ، والناقص لا يكون إلها فالإله ~~واحد لا محالة . وعاشرها : أنا لو فرضنا معدوما ممكن الوجود ثم قدرنا إلهين ~~فإن لم يقدر واحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزا والعاجز لا ~~يكون إلها ، وإن قدر أحدهما دون الآخر فهذا الآخر يكون إلها ، وإن قدرا ~~جميعا فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون كل واحد منهما محتاجا إلى إعانة الآخر ~~، وإن قدر كل واحد على إيجاده بالاستقلال فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى ~~الثاني قادرا عليه وهو محال لأن إيجاد الموجود محال ، وإن لم يبق فحينئذ ~~يكون الأول قد أزال قدرة الثاني وعجزه فيكون مقهورا تحت تصرفه فلا يكون ~~إلها . فإن قيل الواجد إذا أوجد مقدوره فقد زالت قدرته عنه فيلزمكم العجز ، ~~قلنا : الواحد إذا أوجده فقد ms6339 نفذت قدرته فنفاذ القدرة لا يكون عجزا / أما ~~الشريك فإنه لما نفذت قدرته لم يبق لشريكه قدرة ألبتة بل زالت قدرته بسبب ~~قدرة الأول فيكون تعجيزا . الحادي عشر : أن نقرر هذه الدلالة على وجه آخر ~~وهو أن نعين جسما وتقول هل يقدر كل واحد منهما على خلق الحركة فيه بدلا عن ~~السكون وبالعكس ، فإن لم يقدر كان عاجزا وإن قدر فنسوق الدلالة إلى أن نقول ~~إذا خلق أحدهما فيه حركة امتنع على الثاني خلق السكون ، فالأول أزال قدرة ~~الثاني وعجزه فلا يكون إلها ، وهذان الوجهان يفيدان العجز نظرا إلى ~~قدرتيهما والدلالة الأولى إنما تفيد العجز بالنظر إلى أرادتيهما . وثاني ~~عشرها : أنهما لما كانا عالمين بجميع المعلومات كان علم كل واحد منهما ~~متعلقا بعين معلوم الآخر فوجب تماثل علميهما والذات القابلة لأحد المثلين ~~قابلة للمثل الآخر ، فاختصاص كل واحد منهما بتلك الصفة مع جواز اتصافه بصفة ~~الآخر على البدل يستدعي مخصصا يخصص كل واحد منهما بعلمه وقدرته فيكون كل ~~واحد منهما عبدا فقيرا ناقصا . وثالث عشرها : أن الشركة عيب ونقص في الشاهد ~~، والفردانية والتوحد صفة كمال ، ونرى الملوك يكرهون الشركة في الملك ~~الحقير المختصر أشد الكراهية . ونرى أنه كلما كان الملك أعظم كانت النفرة ~~عن الشركة أشد ، فما ظنك بملك الله عز وجل وملكوته فلو أراد أحدهما استخلاص ~~الملك لنفسه ، فإن قدر عليه كان المغلوب فقيرا عاجزا فلا يكون إلها ، وإن ~~لم يقدر عليه كان في أشد الغم والكراهية فلا يكون إلها . ورابع عشرها : أنا ~~لو قدرنا إلهين لكان إما أن يحتاج كل واحد منهما إلى الآخر أو يستغني كل ~~واحد منهما عن الآخر أو يحتاج أحدهما إلى الآخر والآخر يستغني عنه ، فإن ~~كان الأول كان كل واحد منهما ناقصا لأن المحتاج ناقص وإن كان الثاني كان كل ~~واحد منهما مستغنيا عنه ، والمستغني عنه ناقص ، ألا ترى أن البلد إذا كان ~~له رئيس والناس يحصلون مصالح البلد PageV22P132 من غير رجوع منهم إليه ومن ~~غير التفات منهم إليه عد ذلك الرئيس ناقصا ms6340 ، فالإله هو الذي يستغني به ولا ~~يستغنى عنه ، وإن احتاج أحدهما إلى الآخر من غير عكس / كان المحتاج ناقصا ~~والمحتاج إليه هو الإله . واعلم أن هذه الوجوه ظنية إقناعية والاعتماد على ~~الوجوه المتقدمة ، أما الدلائل السمعية فمن وجوه : أحدها : قوله تعالى : { ~~هو الاول والاخر والظاهر والباطن } ( الحديد : 3 ) فالأول هو الفرد السابق ~~، ولذلك لو قال أول عبد اشتريته فهو حر فلو اشترى أولا عبدين لم يحنث لأن ~~شرط الأول أن يكون فردا . وهذا ليس بفرد فلو اشترى بعد ذلك واحدا لم يحنث ~~أيضا لأن شرط الفرد أن يكون سابقا وهذا ليس بسابق . فلما وصف الله تعالى ~~نفسه بكونه أولا وجب أن يكون فردا سابقا فوجب أن لا يكون له شريك . وثانيها ~~: قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( الأنعام : 59 ) ~~فالنص يقتضي أن لا يكون له شريك . وثالثها : أن الله تعالى صرح بكلمة { لا ~~إلاه إلا هو } ( البقرة : 163 ) في سبعة وثلاثين موضعا من كتابه وصرح ~~بالوحدانية في مواضع نحو قوله : { وإلاهكم إلاه واحد } ( البقرة : 163 ) ~~وقوله : { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) وكل ذلك صريح في الباب . ~~ورابعها : قوله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } حكم بهلاك كل ما سواه ، ~~ومن عدم بعد وجوده لا يكون قديما ، ومن لا يكون قديما لا يكون إلها . ~~وخامسها : قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } وهو كقوله : ~~{ ولعلا بعضهم على بعض } ( المؤمنون : 91 ) وقوله : { إذا لابتغوا إلى ذى ~~العرش سبيلا } ( الإسراء : 42 ) . وسادسها : قوله : { وإن يمسسك الله بضر ~~فلا كاشف له إلا هو } ( الأنعام : 17 ) { وإن يردك بخير فلا راد لفضله } ( ~~يونس : 107 ) وقال في آية أخرى : { قل أفرايتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل } ( الزمر : 38 ) . ~~وسابعها : قوله تعالى : { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على ~~قلوبكم من إلاه غير الله يأتيكم به } ( الأنعام : 46 ) وهذا الحصر يدل على ~~نفي الشريك . وثامنها : قوله تعالى ms6341 : { الله خالق كل شىء } ( الزمر : 62 ) ~~فلو وجد الشريك لم يكن خالقا فلم يكن فيه فائدة ، واعلم أن كل مسألة لا ~~تتوقف معرفة صدق الرسل عليها فإنه يمكن إثباتها بالسمع والوحدانية لا تتوقف ~~معرفة صدق الرسل عليها ، فلا جرم يمكن إثباتها بالدلائل السمعية ، واعلم أن ~~من طعن في دلالة التمانع فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض ~~آلهة تقول بإلهيتها عبدة الأوثان لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على ~~تدبير العالم فيلزم فساد العالم قالوا وهذا أولى لأنه تعالى حكى عنهم قوله ~~: { أم اتخذوا الهة من الارض هم ينشرون } ثم ذكر الدلالة على فساد هذا فوجب ~~أن يختص الدليل به وبالله التوفيق . # أما قوله تعالى : { فسبحان الله رب العرش عما يصفون } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : أنه سبحانه لما أقام الدلالة القاطعة على التوحيد قال ~~بعده : { فسبحان الله رب العرش عما يصفون } أي هو منزه لأجل هذه الأدلة عن ~~وصفهم بأن معه إلها ، وهذا تنبيه على أن الإشتغال بالتسبيح إنما ينفع بعد ~~إقامة الدلالة على كونه تعالى منزها وعلى أن طريقة التقليد طريقة مهجورة . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول أي فائدة لقوله : { فسبحان الله رب ~~العرش عما يصفون } / ولم لم يكتف بقوله : { فسبحان الله * عما يصفون } ؟ ~~وجوابه أن هذه المناظرة إنما وقعت مع عبدة الأصنام ، إلا أن الدليل الذي ~~ذكره الله تعالى يعم جميع المخالفين ، ثم إنه تعالى بعد ذكر الدليل العام ~~نبه PageV22P133 على نكتة خاصة بعبدة الأصنام ، وهي أنه كيف يجوز للعاقل أن ~~يجعل الجماد الذي لا يعقل ولا يحس شريكا في الإلهية لخالق العرش العظيم ~~وموجد السموات والأرضين ومدبر الخلائق من النور والظلمة واللوح والقلم ~~والذات والصفات والجماد والنبات وأنواع الحيوانات أجمعين . # أما قوله تعالى : { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } فاعلم أنه مشتمل على ~~بحثين : أحدهما : أن الله تعالى لا يسأل عن شيء من أفعاله ولا يقال له لم ~~فعلت . والثاني : أن الخلائق مسؤولون عن أفعالهم ، أما البحث الأول ففيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : وجه تعلق ms6342 هذه الآية بما قبلها أن عمدة من أثبت لله ~~شريكا ليست إلا طلب اللمية في أفعال الله تعالى ، وذلك لأن الثنوية والمجوس ~~وهم الذين أثبتوا الشريك لله تعالى قالوا : رأينا في العالم خيرا وشرا ولذة ~~وألما وحياة وموتا وصحة وسقما وغنى وفقرا ، وفاعل الخير خير وفاعل الشر ~~شرير ، ويستحيل أن يكون الفاعل الواحد خيرا وشريرا معا ، فلا بد من فاعلين ~~ليكون أحدهما فاعلا للخير والآخر فاعلا للشر . ويرجع حاصل هذه الشبهة إلى ~~أن مدبر العالم لو كان واحدا لما خص هذا بالحياة والصحة والغنى ، وخص ذلك ~~بالموت والألم والفقر . فيرجع حاصله إلى طلب اللمية في أفعال الله تعالى . ~~فلما كان مدار أمر القائلين بالشريك على طلب اللمية لا جرم أنه سبحانه ~~وتعالى بعد أن ذكر الدليل على التوحيد ذكر ما هو النكتة الأصلية في الجواب ~~عن شبهة القائلين بالشريك / لأن الترتيب الجيد في المناظرة أن يقع الإبتداء ~~بذكر الدليل المثبت للمطلوب . ثم يذكر بعده ما هو الجواب عن شبهة الخصم . # المسألة الثانية : في الدلالة على أنه سبحانه : { لا يسأل عما يفعل } أما ~~أهل السنة فإنهم استدلوا عليه بوجوه : أحدها : أنه لو كان كل شيء معللا ~~بعلة لكانت علية تلك العلة معللة بعلة أخرى ويلزم التسلسل فلا بد في قطع ~~التسلسل من الإنتهاء إلى ما يكون غنيا عن العلة وأولى الأشياء بذلك ذات ~~الله تعالى وصفاته ، وكما أن ذاته منزهة عن الإفتقار إلى المؤثر والعلة ، ~~وصفاته مبرأة عن الافتقار إلى المبدع والمخصص فكذا فاعليته يجب أن تكون ~~مقدسة عن الإستناد إلى الموجب والمؤثر . وثانيها : أن فاعليته لو كانت ~~معللة بعلة لكانت تلك العلة ، إما أن تكون واجبة أو ممكنة فإن كانت واجبة ~~لزم من وجوبها وجوب كونه فاعلا ، وحينئذ يكون موجبا بالذات لا فاعلا ~~بالاختيار ، وإن كانت ممكنة كانت تلك العلة فعلا لله تعالى أيضا فتفتقر ~~فاعليته لتلك العلة إلى علة أخرى ولزم التسلسل وهو محال . وثالثها : أن علة ~~فاعلية الله تعالى للعالم إن كانت قديمة لزم أن تكون فاعليته للعالم ms6343 قديمة ~~فيلزم قدم العالم وإن كانت محدثة افتقر إلى علة أخرى ولزم التسلسل . ~~ورابعها : أن من فعل فعلا لغرض ، فإما أن يكون متمكنا من تحصل ذلك الغرض ~~بدون تلك الواسطة أو لا يكون متمكنا / منه . فإن كان متمكنا منه كان توسط ~~تلك الواسطة عبثا وإن لم يكن متمكنا منه كان عاجزا والعجز على الله تعالى ~~محال ، أما العجز علينا فغير ممتنع فلذلك كانت أفعالنا معللة بالأغراض ، ~~وكل ذلك في حق الله تعالى محال . وخامسها : أنه لو كان فعله معللا بغرض ~~لكان ذلك الغرض إما أن يكون عائدا إلى الله تعالى أو إلى العباد والأول ~~محال لأنه منزه عن النفع والضر ، وإذا بطل ذلك تعين أن الغرض لا بد وأن ~~يكون عائدا إلى العباد ، ولا غرض للعباد إلا حصول اللذات وعدم حصول الآلام ~~، والله تعالى قادر على تحصيلها ابتداء من غير شيء من الوسائط . وإذا كان ~~كذلك استحال أن يفعل شيئا لأجل PageV22P134 شيء . وسادسها : هو أنه لو فعل ~~فعلا لغرض لكان وجود ذلك الغرض وعدمه بالنسبة إليه إما أن يكون على السواء ~~أو لا يكون ، فإن كان على السواء استحال أن يكون غرضا ، وإن لم يكن على ~~السواء لزم كونه تعالى ناقصا بذاته كاملا بغيره وذلك محال ، فإن قلت وجود ~~ذلك الغرض وعدمه وإن كان بالنسبة إليه على السواء . أما بالنسبة إلى العباد ~~فالوجود أولى من العدم ، قلنا : تحصيل تلك الأولوية للعبد وعدم تحصيلها له ~~إما أن يكون بالنسبة إليه على السوية أو لا على السوية ، ويعود التقسيم ~~الأول . وسابعها : وهو أن الموجود إما هو سبحانه أو ملكه وملكه ومن تصرف في ~~ملك نفسه لا يقال له لم فعلت ذلك . وثامنها : وهو أن من قال لغيره لم فعلت ~~ذلك ؟ فهذا السؤال إنما يحسن حيث يحتمل أن يقدر السائل على منع المسؤول منه ~~عن فعله وذلك من العبد في حق الله تعالى محال ، فإنه لو فعل أي فعل شاء ~~فالعبد كيف يمنعه عن ذلك ؟ إما بأن يهدده بالعقاب والإيلام وذلك على الله ms6344 ~~تعالى محال ، أو بأن يهدده باستحقاق الذم والخروج عن الحكمة والإنصاف ~~بالسفاهة على ما يقوله المعتزلة وذلك أيضا محال ، لأن استحقاقه للمدح ~~واتصافه بصفات الحكمة والجلال أمور ذاتية له ، وما ثبت للشيء لذاته يستحيل ~~أن يتبدل لأجل تبدل الصفات العرضية الخارجية ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا ~~يجوز أن يقال لله في أفعاله لم فعلت هذا الفعل ؟ فإن كل شيء صنعه ولا علة ~~لصنعه ، وأما المعتزلة فإنهم سلموا أنه لا يجوز أن يقال لله لم فعلت هذا ~~الفعل ولكنهم بنوا ذلك على أصل آخر ، وهو أنه تعالى عالم بقبح القبائح ، ~~وعالم بكونه غنيا عنها ، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح / وإذا ~~عرفنا ذلك عرفنا إجمالا أن كل ما يفعله الله تعالى فهو حكمة وصواب ، وإذا ~~كان كذلك لم يجز للعبد أن يقول لله لم فعلت هذا . # أما البحث الثاني : وهو قوله تعالى : { وهم يسئلون } فهذا يدل على كون ~~المكلفين مسؤولين عن أفعالهم وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : أن الكلام في هذا السؤال إما في الإمكان العقلي أو في ~~الوقوع السمعي ، أما الإمكان العقلي فالخلاف فيه مع منكري التكاليف ، ~~واحتجوا على قولهم بوجوه . أحدها : قالوا : التكليف إما أن يتوجه على العبد ~~حال استواء داعيته إلى الفعل والترك ، أو حال رجحان أحدهما على الآخر . ~~والأول محال لأن حال الاستواء يمتنع الترجيح وحال امتناع الترجيح يكون ~~التكليف / بالترجيح تكليفا بالمحال ، والثاني محال لأن حال الرجحان يكون ~~الراجح واجب الوقوع والمرجوع ممتنع الوقوع . والتكليف بإيقاع ما يكون واجب ~~الوقوع عبث ، وبإيقاع ما هو ممتنع الوقوع تكليف بما لا يطاق . وثانيها : ~~قالوا كل ما علم الله وقوعه فهو واجب الوقوع فيكون التكليف به عبثا ، وكل ~~ما علم الله تعالى عدمه كان ممتنع الوقوع ، فيكون التكليف به تكليفا بما لا ~~يطاق . وثالثها : قالوا : سؤال العبد ما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة فإن ~~كان لفائدة فتلك الفائدة إن عادت إلى الله تعالى كان محتاجا وهو محال ، وإن ~~عادت إلى العبد فهو محال ، لأن سؤاله لما كان ms6345 سببا لتوجيه العقاب عليه ، لم ~~يكن هذا نفعا عائدا إلى العبد بل ضررا عائدا إليه ، وإن لم يكن في السؤال ~~فائدة كان عبثا وهو غير جائز على الحكيم ، بل كان إضرارا وهو غير جائز على ~~الرحيم . والجواب عنها من وجهين : الأول : أن غرضكم من إيراد هذه الشبهة ~~النافية للتكليف أن تلزمونا نفي التكليف فكأنكم تكلفونا بنفي التكليف وهو ~~متناقض . والثاني : وهو أن مدار كلامكم في هذه الشبهات على حرف واحد وهو أن ~~التكاليف كلها تكاليف بما لا يطاق فلا يجوز من الحكيم أن يوجبها على العباد ~~فيرجع حاصل هذه الشبهات إلى أنه يقال له تعالى : لم PageV22P135 كلفت عبادك ~~، إلا أن قد بينا أنه سبحانه : { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } فظهر بهذا ~~أن قوله : { لا يسأل عما يفعل } كالأصل والقاعدة لقوله : { وهم يسئلون } ~~فتأمل في هذه الدقائق العجيبة لتقف على طرف من أسرار علم القرآن ، وأما ~~الوقوع السمعي فلقائل أن يقول إن قوله : { وهم يسئلون } وإن كان متأكدا ~~بقوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } ( الحجر : 92 ) وبقوله : { وقفوهم إنهم ~~} ( الصافات : 24 ) إلا أنه يناقضه قوله : { تكذبان فيومئذ لا يسئل عن ذنبه ~~إنس ولا جان } ( الرحمن : 39 ) والجواب : أن يوم القيامة يوم طويل وفيه ~~مقامات فيصرف كل واحد من السلب والإيجاب إلى مقام آخر دفعا للتناقض . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة فيه وجوه : أحدها : أنه تعالى لو كان هو ~~الخالق للحسن والقبيح لوجب أن يسأل عما يفعل ، بل كان يذم بما حقه الذم ، ~~كما يحمد بما حقه المدح . وثانيها : أنه كان يجب أن لا يسأل عن الأمور إذا ~~كان لا فاعل سواه . وثالثها : أنه كان لا يجوز أن يسألوا عن عملهم إذ لا ~~عمل لهم . ورابعها : أن أعمالهم لا يمكنهم أن يعدلوا عنها من حيث خلقها ~~وأوجدها فيهم . وخامسها : أنه تعالى صرح في كثير من المواضع بأنه يقبل حجة ~~العباد عليه كقوله : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل } ( النساء : 165 ) وهذا يقتضي أن لهم عليه الحجة قبل بعثة الرسل ms6346 ~~، وقال : { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع ءاياتك من قبل أن نذل ونخزى } ( طه : 134 ) ونظائر هذه الآيات ~~كثيرة وكلها تدل على أن حجة العبد متوجهة على الله تعالى . وسادسها : قال ~~ثمامة إذا وقف العبد يوم القيامة فيقول الله تعالى : ما حملك على معصيتي ؟ ~~فيقول على مذهب الجبر : يا رب إنك خلقتني كافرا وأمرتني بما لا أقدر عليه ~~وحلت بيني وبينه ، ولا شك أنه على مذهب الجبر يكون صادقا ، وقال الله تعالى ~~: { هاذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } ( المائدة : 119 ) فوجب أن ينفعه هذا ~~الكلام فقيل له ، ومن يدعه يقول : هذا الكلام أو يحتج ؟ فقال ثمامة : أليس ~~إذا منعه الله الكلام والحجة فقد علم أنه منعه مما لو لم يمنعه منه لانقطع ~~في يده ، وهذا نهاية الانقطاع . والجواب عن هذه الوجوه : أنها معارضة ~~بمسألة الداعي ومسألة العلم ثم بالوجوه الثمانية التي بينا فيها أنه يستحيل ~~طلب لمية أفعال الله تعالى وأحكامه . # وأما قوله تعالى : { أم اتخذوا من دونه ءالهة قل هاتوا برهانكم } فاعلم ~~أنه سبحانه كرر قوله : { أم اتخذوا من دونه ءالهة } استعظاما لكفرهم أي ~~وصفتم الله بأن له شريكا فهاتوا برهانكم على ذلك . أما من جهة العقل ، أو ~~من جهة النقل فإنه سبحانه لما ذكر دليل التوحيد أولا وقرر الأصل الذي عليه ~~تخرج شبهات القائلين بالتثنية ثانيا ، أخذ يطالبهم بذكر شبهتهم ثالثا . # أما قوله تعالى : { هاذا ذكر من معى وذكر من قبلى } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في تفسيره وفيه أقوال : أحدها : { هاذا ذكر من معى } أي ~~هذا هو الكتاب المنزل على من معي : { وهاذا ذكر * من قبلى } أي الكتاب ~~المنزل على من تقدمني من الأنبياء وهو التوراة والإنجيل والزبور والصحف ، ~~وليس في شيء منها أنى أذنت بأن تتخذوا إلها من دوني بل ليس فيها إلا : { ~~إنى أنا الله * لا إلاه إلا أنا } كما قال بعد هذا : { وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول إلا * يوحى * إليه أنه لا إلاه إلا أنا فاعبدون } وهذا قول ms6347 ابن ~~عباس واختيار القفال والزجاج . والثاني : وهو قول سعيد ابن جبير وقتادة ~~ومقاتل والسدي أن قوله : { وذكر من قبلى } صفة للقرآن فإنه كما يشتمل على ~~أحوال هذه الأمة فكذا يشتمل على أحوال الأمم PageV22P136 الماضية . الثالث ~~: ما ذكره القفال وهو أن المعنى قل لهم هذا الكتاب الذي جئتكم به قد اشتمل ~~على بيان أحوال من معي من المخالفين والموافقين وعلى بيان أحوال من قبلي من ~~المخالفين والموافقين فاختاروا لأنفسكم ، كأن الغرض منه التهديد . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء : { هاذا ذكر من معى وذكر من ~~قبلى } بالتنوين ومن مفعول منصوب بالذكر كقوله : { أو إطعام فى يوم ذى ~~مسغبة * يتيما } ( البلد : 14 ، 15 ) وهو الأصل والإضافة من إضافة المصدر ~~إلى المفعول كقوله : { غلبت الروم * فى أدنى الارض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون } ( الروم : 2 ، 3 ) وقرىء : من معي ومن قبلي ، بكسر ميم من على ~~ترك الإضافة في هذه القراءة وإدخال الجار على مع غريب والعذر فيه أنه اسم ~~هو ظرف نحو قبل وبعد فدخل من عليه كما يدخل على إخواته وقرىء : ذكر معي ~~وذكر قبلي . # وأما قوله : { بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه سبحانه لما ذكر دليل التوحيد وطالبهم بالدلالة على ~~ما ادعوه وبين أنه لا دليل لهم ألبتة عليه لا من جهة العقل ولا من جهة ~~السمع ، ذكر بعده أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه ~~، بل ذلك لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد كله وهو عدم العلم / ثم ترتب ~~على عدم العلم الإعراض عن استماع الحق وطلبه . # / المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء : { الحق } بالرفع على ~~توسط التوكيد بين السبب والمسبب ، والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق ~~لا الباطل . # أما قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا ~~إلاه إلا أنا فاعبدون } فاعلم أن يوحى ونوحى قراءتان مشهورتان ، وهذه الآية ~~مقررة لما سبقها من آيات التوحيد . # ! 7 < { وقالوا اتخذ الرحمان ولدا سبحانه بل ms6348 عباد مكرمون * لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ومن يقل منهم إنىإلاه من دونه فذالك نجزيه ~~جهنم كذلك نجزى الظالمين } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 26 - 29 ) وقالوا اتخذ الرحمن . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين بالدلائل الباهرة كونه منزها عن ~~الشريك والضد والند أردف ذلك ببراءته عن اتخاذ الولد فقال : { وقالوا اتخذ ~~الرحمان ولدا } نزلت في خزاعة حيث قالوا : الملائكة بنات الله وأضافوا إلى ~~ذلك أنه تعالى صاهر الجن على ما حكى الله تعالى عنهم فقال : { وجعلوا بينه ~~وبين الجنة نسبا } PageV22P137 ( الصافت : 158 ) ثم إنه سبحانه وتعالى نزه ~~نفسه عن ذلك بقوله سبحانه لأن الولد لا بد وأن يكون شبيها بالوالد فلو كان ~~لله ولد لأشبهه من بعض الوجوه ، ثم لا بد وأن يخالفه من وجه آخر وما به ~~المشاركة غير ما به الممايزة فيقع التركيب في ذات الله سبحانه وتعالى وكل ~~مركب ممكن ، فاتخاذه للولد يدل على كونه ممكنا غير واجب . وذلك يخرجه عن حد ~~الإلهية ويدخله في حد العبودية ، ولذلك نزه نفسه عنه . # أما قوله : { بل عباد مكرمون } فاعلم أنه سبحانه لما نزه نفسه عن الولد ~~أخبر عنهم بأنهم عباد والعبودية تنافي الولادة إلا أنهم مكرمون مفضلون على ~~سائر العباد وقرىء : { مكرمون * لا يسبقونه } من سابقته فسبقته أسبقه . ~~والمعنى أنهم يتبعونه في قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله فلا يسبق قولهم ~~قوله ، وكما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضا كذلك مبني على أمره لا يعملون ~~عملا ما لم يؤمروا به . # ثم إنه سبحانه ذكر ما يجري مجرى السبب لهذه الطاعة فقال : { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } والمعنى أنهم لما علموا كونه سبحانه عالما بجميع ~~المعلومات علموا كونه عالما بظواهرهم هم وبواطنهم ، فكان ذلك داعيا لهم إلى ~~نهاية الخضوع وكمال العبودية . وذكر / المفسرون فيه وجوها . أحدها : قال ~~ابن عباس : يعلم ما قدموا وما أخروا من أعمالهم . وثانيها : ما بين أيديهم ~~الآخرة وما خلفهم الدنيا وقيل ms6349 على عكس ذلك . وثالثها : قال مقاتل : يعلم ما ~~كان قبل أن يخلقهم وما يكون بعد خلقهم . وحقيقة المعنى أنهم يتقلبون تحت ~~قدرته في ملكوته وهو محيط بهم ، وإذا كانت هذه حالتهم فكيف يستحقون العبادة ~~وكيف يتقدمون بين يدي الله تعالى فيشفعون لمن لم يأذن الله تعالى له . ثم ~~كشف عن هذا المعنى فقال : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } أي لمن هو عند الله ~~مرضي : { وهم من خشيته مشفقون } أي من خشيتهم منه ، فأضيف المصدر إلى ~~المفعول ومشفقون خائفون ولا يأمنون مكره وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: ( أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله ~~تعالى ) ونظيره قوله تعالى : { لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان } ( ~~النساء : 38 ) . # أما قوله تعالى : { ومن يقل منهم إنى إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم } ~~فالمعنى أن كل من يقول من الملائكة ذلك القول فإنا نجازي ذلك القائل بهذا ~~الجزاء ، وهذا لا يدل على أنهم قالوا ذلك أو ما قالوه وهو قريب من قوله ~~تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : هذه الصفات تدل على العبودية وتنافي الولادة لوجوه . ~~أحدها : أنهم لما بالغوا في الطاعة إلى حيث لا يقولون قولا ولا يعملون عملا ~~إلا بأمره فهذه صفات للعبيد لا صفات الأولاد . وثانيها : أنه سبحانه لما ~~كان عالما بأسرار الملائكة وهم لا يعلمون أسرار الله تعالى وجب أن يكون ~~الإله المستحق للعبادة هو لا هؤلاء الملائكة وهذه الدلالة هي نفس ما ذكره ~~عيسى عليه السلام في قوله : { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } ( ~~المائدة : 116 ) . وثالثها : أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى ومن يكن إلها أو ~~ولدا للإله لا يكون كذلك . ورابعها : أنهم على نهاية الإشفاق والوجل وذلك ~~ليس إلا من صفات العبيد . وخامسها : نبه تعالى بقوله : { ومن يقل منهم إنى ~~إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم } على أن حالهم حال سائر العبيد المكلفين في ~~الوعد والوعيد فكيف يصح كونهم آلهة . # المسألة الثانية : احتجت المعتزلة ms6350 بقوله تعالى : { ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى } على أن الشفاعة في الآخرة لا تكون لأهل الكبائر لأنه لا يقال في ~~أهل الكبائر إن الله يرتضيهم . والجواب : قال ابن عباس رضي الله ~~PageV22P138 عنهما والضحاك : { إلا لمن ارتضى } أي لمن قال لا إله إلا الله ~~. واعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل لنا في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر ~~وتقريره هو أن من قال لا إله إلا الله فقد ارتضاه تعالى في ذلك ومتى صدق ~~عليه أنه ارتضاه الله تعالى في ذلك فقد صدق عليه أنه ارتضاه الله لأن ~~المركب متى صدق فقد صدق لا محالة كل واحد من أجزائه ، وإذا ثبت أن الله قد ~~ارتضاه وجب اندراجه تحت هذه الآية فثبت بالتقرير الذي ذكرناه أن هذه الآية ~~من أقوى الدلائل لنا على ما قرره ابن عباس رضي الله عنهما . # المسألة الثالثة : هذه الآية تدل على أمور ثلاثة : أحدها : تدل على كون ~~الملائكة مكلفين / من حيث قال : { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } { ~~وهم من خشيته مشفقون } ومن حيث الوعيد . وثانيها : تدل أيضا على أن ~~الملائكة معصومون لأنه قال : { وهم بأمره يعملون } . وثالثها : قال القاضي ~~عبد الجبار قوله : { كذالك نجزى الظالمين } يدل على أن كل ظالم يجزيه الله ~~جهنم كما توعد الملائكة به وذلك يوجب القطع على أنه تعالى لا يغفر لأهل ~~الكبائر في الآخرة . والجواب : أقصى ما في الباب أن هذا العموم مشعر ~~بالوعيد وهو معارض بعمومات الوعيد . # ! 7 < { أولم ير الذين كفروا أن السماوات والا رض كانتا رتقا ففتقناهما ~~وجعلنا من المآء كل شىء حى أفلا يؤمنون * وجعلنا فى الا رض رواسى أن تميد ~~بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون * وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم ~~عن ءاياتها معرضون * وهو الذى خلق اليل والنهار والشمس والقمر كل فى فلك ~~يسبحون } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 30 - 33 ) أولم ير الذين . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى شرع الآن في الدلائل الدالة على وجود الصانع ~~، وهذه الدلائل أيضا دالة على كونه منزها عن الشريك ، لأنها دالة على ms6351 حصول ~~الترتيب العجيب في العالم ، ووجود الإلهين يقتضي وقوع الفساد . فهذه ~~الدلائل تدل من جهة على التوحيد فتكون كالتوكيد لما تقدم . وفيها أيضا رد ~~على عبدة الأوثان من حيث إن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات الشريفة ~~كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع . فهذا ~~وجه تعلق هذه الآية بما قبلها ، واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر ههنا ستة ~~أنواع من الدلائل : # النوع الأول : قوله : { أو لم * ير الذين كفروا أن * السماوات والارض * ~~كانتا رتقا ففتقناهما } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ألم ير بغير الواو والباقون بالواو وإدخال ~~الواو يدل على العطف لهذا القول على أمر تقدمه . قال صاحب ( الكشاف ) : ~~قرىء رتقا بفتح التاء ، وكلاهما في معنى / المفعول كالخلق والنفض ~~PageV22P139 أي كانتا مرتوقتين ، فإن قلت الرتق صالح أن يقع موقع مرتوقتين ~~لأنه مصدر فما بال الرتق ؟ قلت : هو على تقدير موصوف أي كانتا شيئا رتقا . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول : المراد من الرؤية في قوله تعالى : { ~~أو لم * ير الذين كفروا } ، إما الرؤية ، وإما العلم والأول مشكل ، أما ~~أولا فلأن القوم ما رأوهما كذلك البتة ، وأما ثانيا فلقوله سبحانه وتعالى : ~~{ ما أشهدتهم خلق * السماوات والارض } ( الكهف : 51 ) ، وأما العلم فمشكل ~~لأن الأجسام ، قابلة للفتق والرتق في أنفسها ، فالحكم عليها بالرتق أولا ~~وبالفتق ثانيا لا سبيل إليه إلا السمع ، والمناظرة مع الكفار الذين ينكرون ~~الرسالة ، فكيف يجوز التمسك بمثل هذا الاستدلال . والجواب : المراد من ~~الرؤية هو العلم وما ذكروه من السؤال فدفعه من وجوه : أحدها : أنا نثبت ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسائر المعجزات ثم نستدل بقوله : ثم نجعله ~~دليلا على حصول النظام في العالم وانتقاء الفساد عنه وذلك يؤكد الدلالة ~~المذكورة في التوحيد . وثانيا : أن يحمل الرتق والفتق على إمكان الرتق ~~والفتق والعقل ، يدل عليه لأن الأجسام يصح عليها الاجتماع والافتراق ~~فاختصاصها بالاجتماع دون الافتراق أو بالعكس يستدعي مخصصا . وثالثها : أن ~~اليهود والنصارى كانوا عالمين بذلك فإنه جاء في التوراة ms6352 إن الله تعالى خلق ~~جوهرة ، ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ، ثم خلق السموات والأرض منها ~~وفتق بينها ، وكان بين عبدة الأوثان وبين اليهود نوع صداقة بسبب الاشتراك ~~في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فاحتج الله تعالى عليهم بهذه الحجة بناء ~~على أنهم يقبلون قول اليهود في ذلك . # المسألة الثالثة : إنما قال كانتا رتقا ولم يقل كن رتقا لأن السموات لفظ ~~الجمع والمراد به الواحد الدال على الجنس ، قال الأخفش : السموات نوع ~~والأرض نوع ، ومثله : { إن الله يمسك * السماوات والارض * أن تزولا } ومن ~~ذلك قولهم أصلحنا بين القومين / ومرت بنا غنمان أسودان ، لأن هذا القطيع ~~غنم وذلك غنم . # المسألة الرابعة : الرتق في اللغة السد ، يقال : رتقت الشيء فارتتق ~~والفتق الفصل بين الشيئين الملتصقين . قال الزجاج : الرتق مصدر والمعنى ~~كانتا ذواتي رتق ، قال المفضل : إنما لم يقل كانتا رتقين كقوله : { وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } ( الأنبياء : 8 ) لأن كل واحد جسد كذلك ~~فيما نحن فيه كل واحد رتق . # المسألة الخامسة : اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال : ~~أحدها : وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهم أن المعنى كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع ~~السماء إلى حيث هي وأقر الأرض وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق ~~السماء لأنه تعالى لما فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماوية ~~، قال كعب : خلق الله السموات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحا توسطتهما ~~ففتقهما بها . وثانيها : وهو قول أبي صالح ومجاهد أن المعنى كانت السموات ~~مرتفعة فجعلت سبع سموات / وكذلك الأرضون . وثالثها : وهو قول ابن عباس ~~والحسن وأكثر المفسرين أن السموات والأرض كانتا رتقا بالاستواء والصلابة ~~ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر ، ونظيره قوله تعالى : { ~~والسماء ذات الرجع * والارض ذات الصدع } ( الطارق : 11 ، 12 ) ورجحوا هذا ~~الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك : { وجعلنا من الماء كل شىء حى } وذلك ~~لا يليق إلا وللماء تعلق بما ms6353 تقدم ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ~~ذكرنا . فإن قيل : هذا الوجه مرجوح لأن المطر لا ينزل من السموات بل ~~PageV22P140 من سماء واحدة وهي سماء الدنيا ، قلنا : إنما أطلق عليه لفظ ~~الجمع ، لأن كل قطعة منها سماء ، كما يقال : ثوب أخلاق وبرمة أعشار . واعلم ~~أن هذا التأويل يجوز حمل الرؤية على الإبصار . ورابعها : قول أبي مسلم ~~الأصفهاني : يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله : { فاطر * ~~السماوات والارض } ( الشورى : 11 ) وكقوله : { قال بل ربكم رب * السماوات ~~والارض * الذى فطرهن } ( الأنبياء : 56 ) فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق وعن ~~الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق . أقول وتحقيقه أن العدم نفي محض ، فليس فيه ~~ذوات مميزة وأعيان متباينة ، بل كأنه أمر واحد متصل متشابه ، فإذا وجدت ~~الحقائق فعند الوجود والتكون يتميز بعضها عن بعض وينفصل بعضها عن بعض ، ~~فبهذا الطريق حسن جعل الرتق مجازا عن العدم والفتق عن الوجود . وخامسها : ~~أن الليل سابق على النهار ، لقوله تعالى : { وءاية لهم اليل نسلخ منه ~~النهار } ( يس : 37 ) وكانت السموات والأرض مظلمة أولا ففتقهما الله تعالى ~~بإظهار النهار المبصر ، فإن قيل : فأي الأقاويل أليق بالظاهر ؟ قلنا : ~~الظاهر يقتضي أن السماء على ما هي عليه ، والأرض على ما هي عليه كانتا رتقا ~~، ولا يجوز كونهما كذلك إلا وهما موجودان ، والرتق ضد الفتق فإذا كان الفتق ~~هو المفارقة فالرتق يجب أن يكون هو الملازمة ، وبهذا الطريق صار الوجه ~~الرابع والخامس مرجوحا ، ويصير الوجه الأول أولى الوجوه ويتلوه الوجه ~~الثاني . وهو أن كل واحد منهما كان رتقا ففتقهما بأن جعل كل واحد منهما ~~سبعا ، ويتلوه الثالث وهو أنهما كانا صلبين من غير فطور وفرج ، ففتقهما ~~لينزل المطر من السماء ، ويظهر النبات على الأرض . # المسألة السادسة : دلالة هذه الوجوه على إثبات الصانع وعلى وحدانيته ~~ظاهرة ، لأن أحدا لا يقدر على مثل ذلك ، والأقرب أنه سبحانه خلقهما رتقا ~~لما فيه من المصلحة للملائكة ، ثم لما أسكن الله الأرض أهلها جعلهما فتقا ~~لما فيه من منافع العباد . # النوع الثاني من الدلائل : قوله ms6354 تعالى : { وجعلنا من الماء كل شىء حى ~~أفلا يؤمنون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) قوله : وجعلنا لا يخلو إما أن ~~يتعدى إلى واحد أو اثنين ، فإن تعدى إلى واحد فالمعنى خلقنا من الماء كل ~~حيوان كقوله : { والله خلق كل دابة من ماء } ( النور : 45 ) أو كأنما ~~خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره عنه كقوله : { خلق ~~الإنسان من عجل } ( الأنبياء : 37 ) وإن تعدى إلى اثنين فالمعنى صيرنا كل ~~شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه ومن هذا نحو من / في قوله عليه السلام : ~~( ما أنا من دد ولا الدد مني ) وقرىء حيا وهو المفعول الثاني . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول كيف قال : وخلقنا من الماء كل حيوان ، ~~وقد قال : { والجآن خلقناه من قبل من نار السموم } ( الحجر : 27 ) وجاء في ~~الأخبار أن الله تعالى خلق الملائكة من النور وقال تعالى في حق عيسى عليه ~~السلام : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا ~~بإذنى } ( المائدة : 110 ) وقال في حق آدم : { خلقه من تراب } ( آل عمران : ~~59 ) والجواب : اللفظ وإن كان عاما إلا أن القرينة المخصصة قائمة ، فإن ~~الدليل لا بد وأن يكون مشاهدا محسوسا ليكون أقرب إلى المقصود ، وبهذا ~~الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى عليهم السلام ، لأن الكفار ~~لم يروا شيئا من ذلك . # المسألة الثالثة : اختلف المفسرون فقال بعضهم المراد من قوله : { كل شىء ~~حى } الحيوان فقط ، وقال آخرون بل يدخل فيه النبات والشجر لأنه من الماء ~~صار ناميا وصار فيه الرطوبة والخضرة والنور والثمر ، وهذا PageV22P141 ~~القول أليق بالمعنى المقصود ، كأنه تعالى قال : ففتقنا السماء لإنزال المطر ~~وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره حيا ، حجة القول الأول أن ~~النبات لا يسمى حيا ، قلنا لا نسلم والدليل عليه قوله تعالى : { كيف يحى ~~الارض بعد موتها } ( الروم : 50 ) أما قوله تعالى : { أفلا يؤمنون } ~~فالمراد أفلا يؤمنون بأن يتدبروا هذه الأدلة فيعلموا بها الخالق الذي لا ~~يشبه ms6355 غيره ويتركوا طريقة الشرك . # النوع الثالث : قوله تعالى : { وجعلنا فى الارض رواسى أن تميد بهم } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : أن تميد بهم كراهة أن تميد بهم أو لئلا تميد بهم فحذف ~~لا واللام الأولى وإنما جاز حذف لا لعدم الالتباس كما ترى ذلك في قوله : { ~~لئلا يعلم أهل الكتاب } . # المسألة الثانية : الرواسي الجبال ، والراسي هو الداخل في الأرض . # المسألة الثالثة : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الأرض بسطت على ~~الماء فكانت تنكفىء بأهلها كما تنكفىء السفينة ، لأنها بسطت على الماء ~~فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال . # النوع الرابع : قوله تعالى : { وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الفج الطريق الواسع ، فإن قلت في ~~الفجاج معنى الوصف فمالها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى : { ~~لتسلكوا منها سبلا فجاجا } قلت لم تقدم وهي صفة ، ولكنها جعلت حالا كقوله : # % لعزة موحشا طلل قديم % % # والفرق من جهة المعنى أن قوله سبلا فجاجا ، إعلام بأنه سبحانه جعل فيها ~~طرقا واسعة ، وأما قوله : { فجاجا سبلا } فهو إعلام بأنه سبحانه حين خلقها ~~جعلها على تلك الصفة ، فهذه الآية بيان لما أبهم في الآية الأولى . # المسألة الثانية : في قوله { فيها } قولان : أحدهما أنها عائدة إلى ~~الجبال ، أي وجعلنا في الجبال التي هي رواسي فجاجا سبلا ، أي طرقا واسعة ~~وهو قول مقاتل والضحاك ورواية عطاء عن ابن عباس وعن ابن عمر قال كانت ~~الجبال منضمة فلما أغرق الله قوم نوح فرقها فجاجا وجعل فيها طرقا . الثاني ~~: / أنها عائدة إلى الأرض ، أي وجعلنا في الأرض فجاجا وهي المسالك والطرق ~~وهو قول الكلبي . # المسألة الثالثة : قوله : { لعلهم يهتدون } معناه لكي يهتدوا إذ الشك لا ~~يجوز على الله تعالى . # المسألة الرابعة : في يهتدون قولان : الأول : ليهتدوا إلى البلاد . ~~والثاني : ليهتدوا إلى وحدانية الله تعالى بالاستدلال ، قالت المعتزلة وهذا ~~التأويل يدل على أنه تعالى أراد من جميع المكلفين الاهتداء . والكلام عليه ~~قد تقدم ، وفيه قول ثالث وهو أن الإهتداء إلى البلاد والاهتداء إلى وحدانية ms6356 ~~الله تعالى يشتركان في مفهوم واحد وهو أصل الاهتداء فيحمل اللفظ على ذلك ~~المشترك وحينئذ تكون الآية متناولة للأمرين ولا يلزم منه كون اللفظ المشترك ~~مستعملا في مفهوميه معا . # النوع الخامس : قوله تعالى : { وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن ءاياتها ~~معرضون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : سمى السماء سقفا لأنها للأرض كالسقف للبيت . ~~PageV22P142 # المسألة الثانية : في المحفوظ قولان : أحدهما : أن محفوظ من الوقوع ~~والسقوط الذين يجري مثلهما على سائر السقوف كقوله : { ويمسك السماء أن تقع ~~على الارض إلا بإذنه } ( الحج : 65 ) وقال : { ومن ءاياته أن تقوم السماء ~~والارض بأمره } ( الروم : 25 ) وقال تعالى : { إن الله يمسك * السماوات ~~والارض * أن تزولا } ( فاطر : 41 ) وقال : { ولا * يؤده * حفظهما } ( ~~البقرة : 255 ) . الثاني : محفوظا من الشياطين قال تعالى : { وحفظناها من ~~كل شيطان رجيم } ( الحجر : 17 ) ثم ههنا قولان : أحدهما : أنه محفوظ ~~بالملائكة من الشياطين . والثاني : أنه محفوظ بالنجوم من الشياطين ، والقول ~~الأول أقوى لأن حمل الآيات عليه مما يزيد هذه النعمة عظما لأنه سبحانه ~~كالمتكفل بحفظه وسقوطه على المكلفين بخلاف القول الثاني لأنه لا يخاف على ~~السماء من استراق سمع الجن . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { وهم عن ءاياتها معرضون } معناه عما وضع ~~الله تعالى فيها من الأدلة والعبر في حركاتها وكيفية حركاتها وجهات حركاتها ~~ومطالعها ومغاربها واتصالات بعضها ببعض وانفصالاتها على الحساب القويم ~~والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة . # المسألة الرابعة : قرىء عن آيتها على التوحيد والمراد الجنس أي هم ~~متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنيوية كالاستضاءة بقمرها ~~والاهتداء بكواكبها ، وحياة الأرض بأمطارها وهم عن كونها آية بينة على وجود ~~الخالق ووحدانيته معرضون . # النوع السادس : قوله تعالى : { وهو الذى خلق اليل والنهار والشمس والقمر ~~كل فى فلك يسبحون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه لما قال : { وهم عن ءاياتها معرضون } ~~فصل تلك الآيات ههنا لأنه تعالى لو خلق السماء والأرض ولم يخلق الشمس ~~والقمر ليظهر بهما الليل والنهار ويظهر بهما من المنافع بتعاقب الحر والبرد ~~لم تتكامل نعم الله ms6357 تعالى على عباده بل إنما يكون / ذلك بسبب حركاتها في ~~أفلاكها ، فلهذا قال : { كل فى فلك يسبحون } وتقريره أن نقول قد ثبت ~~بالأرصاد أن للكواكب حركات مختلفة فمنها حركة تشملها بأسرها آخذة من المشرق ~~إلى المغرب وهي حركة الشمس اليومية / ثم قال جمهور الفلاسفة وأصحاب الهيئة ~~، وههنا حركة أخرى من المغرب إلى المشرق قالوا وهي ظاهرة في السبعة السيارة ~~خفية في الثابتة ، واستدلوا عليها بأنا وجدنا الكواكب السيارة كلما كان ~~منها أسرع حركة إذا قارن ما هو أبطأ حركة فإنه بعد ذلك يتقدمه نحو المشرق ~~وهذا في القمر ظاهر جدا فإنه يظهر بعد الإجتماع بيوم أو يومين من ناحية ~~المغرب على بعد من الشمس ثم يزداد كل ليلة بعدا منها إلى أن يقابلها على ~~قريب من نصف الشهر وكل كوكب كان شرقيا منه على طريقته في ممر البروج يزداد ~~كل ليلة قربا منه ثم إذا أدركه ستره بطرفه الشرقي وتنكسف تلك الكواكب عنه ~~بطرفه الغربي فعرفنا أن لهذه الكواكب السيارة حركة من المغرب إلى المشرق ، ~~وكذلك وجدنا للكواكب الثابتة حركة بطيئة على توالي البروج فعرفنا أن لها ~~حركة من المغرب إلى المشرق . هذا ما قالوه ونحن خالفناهم فيه ، وقلنا : إن ~~ذلك محال لأن الشمس مثلا لو كانت متحركة بذاتها من المغرب إلى المشرق حركة ~~بطيئة ولا شك أنها متحركة بسبب الحركة اليومية من المغرب إلى المشرق لزم ~~كون الجرم الواحد متحركا حركتين إلى جهتين مختلفتين دفعة احدة وذلك محال ~~لأن الحركة إلى الجهة تقتضي حصول PageV22P143 المتحرك في الجهة المنتقل ~~إليها فلو تحرك الجسم الواحد دفعة واحدة إلى جهتين لزم حصوله دفعة واحدة في ~~مكانين وهو محال . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : الشمس حال حركتها إلى ~~الجانب الشرقي تنقطع حركتها إلى الجانب الغربي وبالعكس ، وأيضا فما ذكرتموه ~~ينتقض بحركة الرحى إلى جانب والنملة التي تكون عليها تتحرك إلى خلاف ذلك ~~الجانب ، قلنا : أما الأول فلا يستقيم عل أصولكم لأن حركات الأفلاك مصونة ~~عن الانقطاع عندكم ، وأما الثاني فهو مثال ms6358 محتمل وما ذكرناه برهان قاطع فلا ~~يتعارضان ، أما الذي احتجوا به على أن للكواكب حركة من المغرب إلى المشرق ~~فهو ضعيف ، فإنه يقال لم لا يجوز أن يقال إن جميع الكواكب متحركة من المشرق ~~إلى المغرب إلا أن بعضها أبطأ من البعض فيتخلف بعضها عن بعض بسبب ذلك ~~التخلف فيظن أنها تتحرك إلى خلاف تلك الجهة مثلا الفلك الأعظم استدارته من ~~أول اليوم الأول إلى أول اليوم الثاني دورة تامة وفلك الثوابت استدارته من ~~أول اليوم الأولى إلى أول اليوم الثاني دورة تامة إلا مقدار ثانية فيظن أن ~~فلك الثوابت تحرك من الجهة الأخرى مقدار ثانية ولا يكون كذلك بل ذلك لأنه ~~تخلف بمقدار ثانية ، وعلى هذا التقدير فجميع الجهات شرقية وأسرعها الحركة ~~اليومية ، ثم يليها في السرعة فلك الثوابت ثم يليها زحل وهكذا إلى أن ينتهي ~~إلى فلك القمر فهو أبطأ الأفلاك حركة وهذا الذي قلناه مع ما يشهد له ~~البرهان المذكور فهو أقرب إلى ترتيب الوجود ، فإن على هذا التقدير تكون ~~نهاية الحركة الفلك المحيط وهو الفلك الأعظم / ونهاية السكون الجرم الذي هو ~~في غاية البعد وهو الأرض ، ثم إن كل ما كان أقرب إلى الفلك المحيط كان أسرع ~~حركة وما كان منه أبعد كان أبطأ فهذا ما نقوله في حركات الأفلاك في أطوالها ~~وأما حركاتها في عروضها فظاهرة وذلك بسبب اختلاف ميولها إلى الشمال والجنوب ~~. إذا ثبت هذا فنقول لو لم يكن للكواكب حركة في الميل لكان التأثير مخصوصا ~~ببقعة واحدة ، فكان سائر الجوانب تخلو عن المنافع الحاصلة منه ، وكان الذي ~~يقرب منه متشابه الأحوال وكانت القوة هناك لكيفية واحدة ، فإن كانت حارة ~~أفنت الرطوبات فأحالتها كلها إلى النارية ، وبالجملة فيكون الموضع المحاذي ~~لممر الكواكب على كيفية وخط ما لا يحاذيه على كيفية أخرى وخط المتوسط ~~بينهما على كيفية أخرى فيكون في موضع شتاء دائم ويكون فيه الهواء والعجاجة ~~وفي موضع آخر صيف دائم يوجب الاحتراق وفي موضع آخر ربيع أو خريف لا يتم فيه ~~النضج ولو ms6359 لم تكن عودات متتالية / وكان الكوكب يتحرك بطيئا لكان الميل قليل ~~المنفعة والتأثير شديد الإفراط ، وكان يعرض قريبا مما لو لم يكن ميل ولو ~~كانت الكواكب أسرع حركة من هذه لما كملت المنافع وما تمت ، وأما إذا كان ~~هناك ميل يحفظ الحركة في جهة مدة ثم ينتقل إلى جهة أخرى بمقدار الحاجة ~~ويبقى في كل جهة برهة تم بذلك تأثيره بحيث يبقى مصونا عن طرفي الإفراط ~~والتفريط . وبالجملة ، فالعقول لا تقف إلا على القليل من أسرار المخلوقات ~~فسبحان الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقدرة الغير المتناهية . # المسألة الثانية : أنه لا يجوز أن يقول : { وكل فى فلك يسبحون } إلا ~~ويدخل في الكلام مع الشمس والقمر النجوم ليثبت معنى الجمع ومعنى الكل فصارت ~~النجوم وإن لم تكن مذكورة أولا فإنها مذكورة لعود هذا الضمير إليها والله ~~أعلم . # المسألة الثالثة : الفلك في كلام العرب كل شيء دائر وجمعه أفلاك ، واختلف ~~العقلاء فيه فقال بعضهم : الفلك ليس بجسم وإنما هو مدار هذه النجوم وهو قول ~~الضحاك ، وقال الأكثرون : بل هي أجسام تدور النجوم PageV22P144 عليها ، ~~وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن ، ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم : الفلك موج ~~مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه ، وقال الكلبي : ماء مجموع تجري فيه ~~الكواكب واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء ، قلنا ؛ لا نسلم فإنه ~~يقال في الفرس الذي يمد يديه في الجري سابح ، وقال جمهور الفلاسفة وأصحاب ~~الهيئة : إنها أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والإلتئام ~~والنمو والذبول ، فأما الكلام على الفلاسفة فهو مذكور في الكتب اللائقة به ~~، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة صفات السموات إلا بالخبر . # المسألة الرابعة : اختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة فيها ~~ثلاثة فإنه إما أن يكون الفلك ساكنا والكواكب تتحرك فيه كحركة السمك في ~~الماء الراكد ، وإما أن يكون الفلك متحركا والكواكب تتحرك فيه أيضا إما ~~مخالفا لجهة حركته أو موافقا لجهته إما / بحركة مساوية لحركة الفلك في ~~السرعة والبطء أو مخالفة ، وإما أن يكون الفلك متحركا ms6360 والكوكب ساكنا ، أما ~~الرأي الأول فقالت الفلاسفة إنه باطل لأنه يوجب خرق الأفلاك وهو محال ، ~~وأما الرأي الثاني فحركة الكواكب إن فرضت مخالفة لحركة الفلك فذاك أيضا ~~يوجب الخرق وإن كانت حركتها إلى جهة الفلك فإن كانت مخالفة لها في السرعة ~~والبطء لزم الانخراق وإن استويا في الجهة والسرعة والبطء فالخرق أيضا لازم ~~لأن الكواكب تتحرك بالعرض بسبب حركة الفلك فتبقى حركته الذاتية زائدة فيلزم ~~الخرق فلم يبق إلا القسم الثالث وهو أن يكون الكوكب مغروزا في الفلك واقفا ~~فيه والفلك يتحرك فيتحرك الكوكب بسبب حركة الفلك ، واعلم أن مدار هذا ~~الكلام على امتناع الخرق على الأفلاك وهو باطل بل الحق أن الأقسام الثلاثة ~~ممكنة والله تعالى قادر على كل الممكنات والذي يدل عليه لفظ القرآن أن تكون ~~الأفلاك واقفة والكواكب تكون جارية فيها كما تسبح السمكة في الماء . # المسألة الخامسة : قال صاحب ( الكشاف ) : { كل } التنوين فيه عوض عن ~~المضاف إليه أي كلهم في فلك يسبحون والله أعلم . # المسألة السادسة : احتج أبو علي بن سينا على كون الكواكب أحياء ناطقة ~~بقوله : { يسبحون } قال والجمع بالواو والنون لا يكون إلا للعقلاء ، وبقوله ~~تعالى : { والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين } ( يوسف : 4 ) ، والجواب : إنما ~~جعل واو الضمير للعقلاء للوصف بفعلهم وهو السباحة قال صاحب ( الكشاف ) : ~~فإن قلت الجملة ما محلها قلت النصب على الحال من الشمس والقمر أو لا محل ~~لها لاستئنافها ، فإن قلت : لكل واحد من القمرين فلك على حدة فكيف قيل ~~جميعهم يسبحون في فلك ؟ قلت : هذا كقولهم كساهم الأمير حلة وقلدهم سيفا أي ~~كل واحد منهم . # ! 7 < { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون * كل نفس ~~ذآئقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون * وإذا رآك الذين ~~كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهاذا الذى يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمان هم ~~كافرون } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 34 - 36 ) وما جعلنا لبشر . . . . . # > > PageV22P145 # / اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استدل بالأشياء الستة التي شرحناها في ~~الفصل المتقدم وكانت تلك الأشياء من أصول النعم ms6361 الدنيوية أتبعه بما نبه به ~~على أن هذه الدنيا جعلها كذلك لا لتبقى وتدوم أو يبقى فيها من خلقت الدنيا ~~له ، بل خلقها سبحانه وتعالى للإبتلاء والامتحان ، ولكي يتوصل بها إلى ~~الآخرة التي هي دار الخلود . # فأما قوله تعالى : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } ففيه ثلاثة أوجه : ~~أحدها : قال مقاتل : أنا أناسا كانوا يقولون إن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لا يموت فنزلت هذه الآية . وثانيها : كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته ~~فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذا أي قضى الله تعالى أن لا يخلد في الدنيا ~~بشرا فلا أنت ولا هم إلا عرضة للموت أفائن مت أنت أيبقى هؤلاء لا وفي معناه ~~قول القائل : # % فقل للشامتين بنا أفيقوا % % سيلقى الشامتون كما لقينا % # وثالثها : يحتمل أنه لما ظهر أنه عليه السلام خاتم الأنبياء جاز أن يقدر ~~مقدر أنه لا يموت إذ لو مات لتغير شرعه فنبه الله تعالى على أن حاله كحال ~~غيره من الأنبياء عليهم السلام في الموت . # أما قوله تعالى : { كل نفس ذائقة الموت } ففيه أبحاث : # البحث الأول : أن هذا العموم مخصوص فإنه تعالى نفس لقوله : { تعلم ما فى ~~نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } ( المائدة : 116 ) مع أن الموت لا يجوز عليه ~~وكذا الجمادات لها نفوس وهي لا تموت ، والعام المخصوص حجة فيبقى معمولا به ~~فيما عدا هذه الأشياء ، وذلك يبطل قول الفلاسفة في أن الأرواح البشرية ~~والعقول المفارقة والنفوس الفلكية لا تموت . والثاني : الذوق ههنا لا يمكن ~~إجراؤه على ظاهره لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق بل الذوق إدراك ~~خاص فيجوز جعله مجازا عن أصل الإدراك ، وأما الموت فالمراد منه ههنا ~~مقدماته من الآلام العظيمة لأن الموت قبل دخوله في الوجود يمتنع إدراكه ~~وحال وجوده يصير الشخص ميتا ولا يدرك شيئا . والثالث : الإضافة في ذائقة ~~الموت في تقدير الإنفصال لأنه لما يستقبل كقوله : { غير محلى الصيد } ( ~~المائدة : 1 ) ، و { هديا بالغ الكعبة } ( المائدة : 95 ) . # أما قوله تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ms6362 } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : الابتلاء لا يتحقق إلا مع التكليف ، فالآية دالة على ~~حصول التكليف وتدل على أنه سبحانه وتعالى لم يقتصر بالمكلف على ما أمر ونهى ~~وإن كان فيه صعوبة بل ابتلاه بأمرين : أحدهما : ما سماه خيرا وهو نعم ~~الدنيا من الصحة واللذة والسرور والتمكين من المرادات . والثاني : ما سماه ~~شرا وهو المضار الدنيوية من الفقر والآلام وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين ~~، فبين تعالى أن العبد مع التكليف يتردد بين هاتين الحالتين ، لكي يشكر على ~~المنح ويصبر في المحن ، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم . # المسألة الثانية : إنما سمي ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال ~~العالمين قبل وجودهم / لأنه في PageV22P146 صورة الاختبار . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : { فتنة } مصدر مؤكد لنبلوكم من ~~غير لفظه . # المسألة الرابعة : احتجت التناسخية بقوله : { وإلينا ترجعون } فإن الرجوع ~~إلى موضع مسبوق بالكون فيه . والجواب : أنه مذكور مجازا . # المسألة الخامسة : المراد من قوله : { وإلينا ترجعون } أنهم يرجعون إلى ~~حكمه ومحاسبته ومجازاته ، فبين بذلك بطلان قولهم في نفي البعث والمعاد ، ~~واستدلت التناسخية بهذه الآية ، وقالوا : إن الرجوع إلى موضع مسبوق بالكون ~~فيه ، وقد كنا موجودين قبل دخولنا في هذا العالم واستدلت المجسمة بأنا ~~أجسام ، فرجوعنا إلى الله تعالى يقتضي كون الله تعالى جسما . والجواب عنه ~~قد تقدم في مواضع كثيرة . # أما قوله تعالى : { وإذا راك الذين كفروا إن يتخذونك إلا } قال السدي ~~ومقاتل : نزلت هذه الآية في أبي جهل مر به النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~أبو سفيان مع أبي جهل ، فقال أبو جهل لأبي سفيان : هذا نبي بني عبد مناف ، ~~فقال أبو سفيان : وما تنكر أن يكون نبيا في بني عبد مناف . فسمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم قولهما فقال لأبي جهل : ( ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل ~~بعمك الوليد بن المغيرة ، وأما أنت يا أبا سفيان : فإنما قلت ما قلت حمية ) ~~فنزلت هذه الآية ، ثم فسر الله تعالى ذلك بقوله : { هزوا أهاذا الذى يذكر ~~الهتكم } والذكر يكون بخير وبخلافه ، فإذا ms6363 دلت الحال على أحدهما أطلق ولم ~~يقيد كقولك للرجل سمعت فلانا يذكرك ، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء ، وإن ~~كان عدوا فهو ذم ، ومنه قوله تعالى : { سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } ~~( الأنبياء : 60 ) والمعنى أنه يبطل كونها معبودة ويقبح عبادتها . # وأما قوله تعالى : { وهم بذكر الرحمان هم كافرون } فالمعنى أنه يعيبون ~~عليه ذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء ، مع { أنهم * بذكر الرحمان } ~~الذي هو المنعم الخالق المحيي المميت { كافرون } ولا فعل أقبح من ذلك ، ~~فيكون الهزؤ واللعب والذم عليهم يعود من حيث لا يشعرون ، ويحتمل أن يراد { ~~بذكر الرحمان } القرآن والكتب ، والمعنى في أعادتهم أن الأولى إشارة إلى ~~القوم الذين كانوا يفعلون ذلك الفعل ، والثانية إبانة لاختصاصهم به ، وأيضا ~~فإن في أعادتها تأكيدا وتعظيما لفعلهم . # ! 7 < { خلق الإنسان من عجل سأوريكم ءاياتى فلا تستعجلون * ويقولون متى ~~هاذا الوعد إن كنتم صادقين * لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم ~~النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون * بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ~~ردها ولا هم ينظرون * ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما ~~كانوا به يستهزءون } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 37 - 41 ) خلق الإنسان من . . . . . # > > PageV22P147 # / أما قوله تعالى : { خلق الإنسان من عجل } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في المراد من الإنسان قولان : أحدهما : أنه النوع ، ~~والثاني : أنه شخص معين . أما القول الأول فتقريره أنهم كانوا يستعجلون ~~عذاب الله تعالى وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار : { ويقولون متى هاذا ~~الوعد } ( الملك : 25 ) فأراد زجرهم عن ذلك ، فقدم أولا ذم الإنسان على ~~إفراط العجلة ثم نهاهم وزجرهم كأنه قال : لا يبعد منكم أن تستعجلوا فإنكم ~~مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسجيتمك ، فإن قيل : مقدمة الكلام لا بد وأن ~~تكون مناسبة للكلام ، وكون الإنسان مخلوقا من العجل يناسب كونه معذورا فيه ~~فلم رتب على هذه المقدمة قوله : { فلا تستعجلون } قلنا : لأن العائق كلما ~~كان أشد ، كانت القدرة عليه مخالفته أكمل ، فكأنه سبحانه نبه بهذا على أن ~~ترك الاستعجال حالة شريفة ms6364 عالية مرغوب فيها . أما القول الثاني : وهو أن ~~المراد شخص معين فهذا فيه وجهان : أحدهما : أن المراد آدم عليه السلام ، ~~وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك ، وروى ~~ابن جريج وليث بن أبي سليم عن مجاهد قال : خلق الله آدم عليه السلام بعد كل ~~شيء من آخر نهار الجمعة ، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ أسفله ، قال : يا ~~رب استعجل خلقي قبل غروب الشمس ، قال ليث : فذلك قوله تعالى : { خلق ~~الإنسان من عجل } وعن السدي لما نفخ فيه الروح فدخل في رأسه عطس ، فقالت له ~~الملائكة : قل الحمد لله ، فقال ذلك : فقال الله له : يرحمك ربك . فلما دخل ~~الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، ولما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام ~~، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه إلى ثمار الجنة . وهذا هو الذي أورث أولاده ~~العجلة . وثانيهما : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء : نزلت هذه ~~الآية في النضر بن الحرث والمراد بالإنسان هو ، واعلم أن القول الأول أولى ~~لأن الغرض ذم القوم ، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا لفظ الإنسان على النوع . # المسألة الثانية : من المفسرين من أجرى هذه الآية على ظاهرها ومنهم من ~~قلبها ، أما الأولون فلهم فيها أقوال : أحدها : قول المحققين وهو أن قوله : ~~{ خلق الإنسان من عجل } أي خلق / عجولا ، وذلك على المبالغة كما قيل للرجل ~~الذكي : هو نار تشتعل ، والعرب قد تسمي المرء بما يكثر منه فتقول : ما أنت ~~إلا أكل ونوم ، وما هو إلا إقبال وإدبار ، قال الشاعر : # % أما إذا ذكرت حتى إذا غفلت % % فإنما هي إقبال وإدبار % # وهذا الوجه متأكد بقوله تعالى : { وكان الإنسان عجولا } ( الإسراء : 11 ) ~~قال المبرد : { خلق الإنسان من عجل } أي من شأنه العجلة كقوله : { خلقكم من ~~ضعف } ( الروم : 54 ) أي ضعفاء . وثانيها : قال أبو عبيد : العجل الطين ~~بلغة حمير وأنشدوا : # % والنخل يثبت بين الماء والعجل PageV22P148 # وثالثها : قال الأخفش : ( من عجل ) أي من تعجيل من الأمر وهو قوله كن . ~~ورابعها : من عجل ، أي ms6365 من ضعف عن الحسن . أما الذين قلبوها فقالوا المعنى : ~~خلق العجل من الإنسان ، كقوله : { ويوم يعرض الذين كفروا على النار } ( ~~الأحقاف : 20 ) أي تعرض النار عليهم والقول الأول أقرب إلى الصواب وأبعد ~~الأقوال هذا القلب لأنه إذا أمكن حمل الكلام على معنى صحيح وهو على ترتيبه ~~فهو أولى من أن يحمل على أنه مقلوب ، وأيضا فإن قوله : خلقت العجلة من ~~الإنسان فيه وجوه من المجاز . فما الفائدة في تغيير النظم إلى ما يجري ~~مجراه في المجاز . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : القوم استعجلوا الوعد على وجه التكذيب ~~ومن هذا حاله لا يكون مستعجلا على الحقيقة . قلنا : استعجالهم على هذا ~~الوجه أدخل في الذم لأنه إذا ذم المرء استعجال الأمر المعلوم فبأن يذم على ~~استعجال ما لا يكون معلوما له كان أولى ، وأيضا فإن استعجالهم بما توعدهم ~~من عقاب الآخرة أو هلاك الدنيا يتضمن استعجال الموت وهم عالمون بذلك فكانوا ~~مستعجلين في الحقيقة . # أما قوله تعالى : { ءاياتى فلا تستعجلون ويقولون } فقد اختلفوا في المراد ~~بالآيات على أقوال : أحدها : أنه هي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة ، ولذلك قال : { فلا تستعجلون } أي أنها ستأتي لا محالة في وقتها . ~~وثانيها : أنها أدلة التوحيد وصدق الرسول . وثالثها : أنها آثار القرون ~~الماضية بالشام واليمن والأول أقرب إلى النظم . # أما قوله تعالى : { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين } فاعلم أن ~~هذا هو الاستعجال المذموم المذكور على سبيل الاستهزاء وهو كقوله : { ~~ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب } ( العنكبوت : 53 ) فبين ~~تعالى أنهم يقولون ذلك لجهلهم وغفلتهم ، ثم إنه سبحانه ذكر في رفع هذا ~~الحزن عن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهين : الأول : بأن بين ما ~~لصاحب هذا الاستهزاء من العقاب الشديد فقال : { لو يعلم الذين كفروا حين لا ~~يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون } قال صاحب ( الكشاف ) ~~: جواب لو محذوف وحين مفعول به ليعلم أي لو يعلمون الوقت الذي يسألون عنه ~~بقولهم : { متى هاذا الوعد } وهو وقت صعب ms6366 شديد تحيط بهم فيه النار من قدام ~~ومن خلف فلا يقدرون على دفعها عن أنفسهم ولا يجدون أيضا ناصرا ينصرهم لقوله ~~تعالى : / { فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا } ( غافر : 29 ) لما كانوا ~~بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال ولكن جهلهم به هو الذي هونه ~~عليهم وإنما حسن حذف الجواب لأن ما تقدم يدل عليه . وهذا أبلغ ومثله : { ~~ولو يرى الذين ظلموا } ( البقرة : 165 ) ، { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~} ( الأنفال : 50 ) ، { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } ( الرعد : 31 ) ~~وإنما خص الوجوه والظهور لأن مس العذاب لهما أعظم موقعا ولكثرة ما يستعمل ~~ذكرهما في دفع المضرة عن النفس ثم إنه تعالى لما بين شدة هذا العذاب بين أن ~~وقت مجيئه غير معلوم لهم بل تأتيهم الساعة بغتة وهم لها غير محتسبين ولا ~~لأمرها مستعدين فتبهتهم أي تدعهم حائرين واقفين لا يستطيعون حيلة في ردها ~~ولا عما يأتيهم منها مصرفا ولا هم ينظرون أي لا يمهلون لتوبة ولا معذرة ، ~~واعلم أن الله تعالى إنما لم يعلم المكلفين وقت الموت والقيامة لما فيه من ~~المصلحة لأن المرء مع كتمان ذلك أشد حذرا وأقرب إلى التلافي ، ثم إنه ~~سبحانه ذكر الوجه الثاني في دفع الحزن عن قلب رسوله فقال : { ولقد استهزىء ~~برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون } PageV22P149 ~~والمعنى { ولقد استهزئ برسل من قبلك } يا محمد كما استهزأ بك قومك { فحاق } ~~أي نزل وأحاط { بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون } أي عقوبة ~~استهزائهم وحاق وحق بمعنى كزال وزل وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~/ والمعنى فكذلك يحيق بهؤلاء وبال استهزائهم . # ! 7 < { قل من يكلؤكم باليل والنهار من الرحمان بل هم عن ذكر ربهم معرضون ~~* أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون * ~~بل متعنا هاؤلاء وءابآءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتى الا رض ~~ننقصها من أطرافهآ أفهم الغالبون } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 42 - 44 ) قل من يكلؤكم . . . . . # > > اعلم ms6367 أنه تعالى لما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم ~~النار بسائر ما وصفهم به أتبعه بأنهم في الدنيا أيضا لولا أن الله تعالى ~~يحرسهم ويحفظهم لما بقوا في السلامة فقال لرسوله : قل لهؤلاء الكفار الذين ~~يستهزءون ويغترون بما هم عليه : { من يكلؤكم باليل والنهار } وهذا كقول ~~الرجل لمن حصل في قبضته ولا مخلص له منه إلى أين مقرك منى هل لك محيص عنيا ~~والكالىء الحافظ . # / وأما قوله : { من الرحمان } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في معناه وجوه : أحدها : { من يكلؤكم * من الرحمان } أي ~~مما يقدر على إنزاله بكم من عذاب تستحقونه . وثانيها : من بأس الله في ~~الآخرة . وثالثها : من القتل والسبي وسائر ما أباحه الله لكفرهم فبين ~~سبحانه أنه لا حافظ لهم ولا دافع عن هذه الأمور لو أنزلها بهم ولولا تفضله ~~بحفظهم لما عاشوا ولما متعوا بالدنيا . # المسألة الثانية : إنما خص ههنا اسم الرحمن بالذكر تلقينا للجواب حتى ~~يقول العاقل : أنت الكالىء يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك ، كما في قوله : { ~~ما غرك بربك الكريم } ( الانفطار : 6 ) إنما خص اسم الكريم بالذكر تلقينا ~~للجواب . # المسألة الثالثة : إنما ذكر الليل والنهار لأن لكل واحد من الوقتين آفات ~~تختص به والمعنى من يحفظكم بالليل إذا نمتم وبالنهار إذا تصرفتم في معايشكم ~~. # أما قوله : { بل هم عن ذكر ربهم معرضون } فالمعنى أنه تعالى مع إنعامه ~~عليهم ليلا ونهارا بالحفظ والحراسة فهم عن ذكر ربهم الذي هو الدلائل ~~العقلية والنقلية ولطائف القرآن معرضون فلا يتأملون في شيء منها ليعرفوا ~~أنه لا كالىء لهم سواه ويتركون عبادة الأصنام التي لا حظ لها في حفظهم ولا ~~في الإنعام عليهم . PageV22P150 # أما قوله تعالى : { أم لهم الهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ~~ولا هم منا يصحبون } فاعلم أن الميم صلة يعني ألهم آلهة تكلؤهم من دوننا ، ~~والتقدير ألهم آلهة من تمنعهم . وتم الكلام ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال : { ~~لا يستطيعون نصر أنفسهم } وهذا خبر مبتدأ محذوف أي فهذه الآلهة لا تستطيع ~~حماية أنفسها عن ms6368 الآفات ، وحماية النفس أولى من حماية الغير . فإذا لم تقدر ~~على حماية نفسها فكيف تقدر على حماية غيرها ، وفي قوله : { ولا هم منا ~~يصحبون } قولان : الأول : قال المازني : أصحبت الرجل إذا منعته فقوله : { ~~ولا هم منا يصحبون } من ذلك لا من الصحبة . الثاني : أن الصحبة ههنا بمعنى ~~النصرة والمعونة وكلها سواء في المعنى يقال : صحبك الله ونصرك الله ويقال ~~للمسافر : في صحبة الله وفي حفظ الله فالمعنى ولا هم منا في نصرة ولا إعانة ~~، والحاصل أن من لا يكون قادرا على دفع الآفات ولا يكون مصحوبا من الله ~~بالإعانة ، كيف يقدر على شيء ثم بين سبحانه تفضله عليهم مع كل ذلك بقوله : ~~{ بل متعنا هؤلاء وءاباءهم حتى طال عليهم العمر } يعني ما حملهم على ~~الإعراض إلا الإغترار بطول المهلة . يعني طالت أعمارهم في الغفلة فنسوا ~~عهدنا وجهلوا موقع مواقع نعمتنا واغتروا بذلك . # أما قوله تعالى : { أفلا يرون أنا نأتى الارض ننقصها } فالمعنى أفلا يرى ~~هؤلاء المشركون بالله المستعجلون بالعذاب آثار قدرتنا في إتيان الأرض من ~~جوانبها نأخذ الواحد بعد الواحد ونفتح البلاد والقرى مما حول مكة ونزيدها ~~في ملك محمد صلى الله عليه وسلم ونميت رؤساء المشركين الممتعين بالدنيا / ~~وننقص من الشرك بإهلاك أهلم أما كان لهم في ذلك عبرة فيؤمنوا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ويعلموا أنهم لا يقدرون على الامتناع من الله وإرادته ~~فيهم ولا يقدرون على مغالبته ثم قال : { أفهم الغالبون } أي فهؤلاء هم ~~الغالبون أم نحن وهو استفهام بمعنى التقرير والتقريع والمعنى بل نحن ~~الغالبون وهم المغلوبون وقد مضى الكلام في هذه الآية في سورة الرعد . وفي ~~تفسير النقصان وجوه : أحدها : قال ابن عباس ومقاتل والكلبي رضي الله عنهم ~~ننقصها بفتح البلدان . وثانيها : قال ابن عباس في رواية أخرى يريد نقصان ~~أهلها وبركتها . وثالثها : قال عكرمة : تخريب القرى عند موت أهلها . ~~ورابعها : بموت العلماء وهذه الرواية إن صحت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلا يعدل عنها وإلا فالأظهر من الأقاويل ما يتعلق بالغلبة ms6369 فلذلك قال : ~~{ أفهم الغالبون } والذي يليق بذلك أنه ينقصها عنهم ويزيدها في بلاد ~~الإسلام ، قال القفال : نزلت هذه الآية في كفار مكة فكيف يدخل فيها العلماء ~~والفقهاء فبين تعالى أن كل ذلك من العبر التي لو استعملوا عقلهم فيها ~~لأعرضوا عن جهلهم . # ! 7 < { قل إنمآ أنذركم بالوحى ولا يسمع الصم الدعآء إذا ما ينذرون * ~~ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن ياويلنآ إنا كنا ظالمين * ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل ~~أتينا بها وكفى بنا حاسبين } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 45 - 47 ) قل إنما أنذركم . . . . . # > > PageV22P151 # اعلم أنه سبحانه لما كرر في القرآن الأدلة وبالغ في التنبيه عليها على ما ~~تقدم أتبعه بقوله : { قل إنما أنذركم بالوحى } أي بالقرآن الذي هو كلام ~~ربكم فلا تظنوا أن ذلك من قبلي بل الله آتيكم به وأمرني بإنذاركم فإذا قمت ~~بما ألزمني ربي فلم يقع منكم القبول والإجابة فالوبال عليكم يعود ، ومثلهم ~~من حيث لم ينتفعوا بما سمعوا من إنذاره مع كثرته وتواليه بالصم الذين لا ~~يسمعون أصلا إذ الغرض بالإنذار ليس السماع بل التمسك به في إقدام على واجب ~~وتحرز عن محرم ومعرفة بالحق . فإذا لم يحصل هذا الغرض صار كأنه لم يسمع . ~~قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء ولا تسمع الصم الدعاء بالتاء والياء أي لا تسمع ~~أنت أو لا يسمع رسول الله أو لا يسمع الصم من أسمع ، فإن قلت : الصم لا ~~تسمع دعاء البشر كما لا يسمعون دعاء المنذر . فكيف قال إذا ما ينذرون ؟ قلت ~~: اللام في الصم / إشارة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس ، والأصل ~~ولا يسمعون الدعاء إذا ما ينذرون فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على ~~تصاممهم وسدهم أسماعهم إذا أنذروا أي هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة ~~على التصامم عن آيات الإنذار . ثم بين تعالى أن حالهم سيتغير إلى أن يصيروا ~~بحيث إذا شاهدوا اليسير مما أنذروا به فعنده يسمعون ويعتذرون ويعترفون حين ~~لا ينتفعون وهذا هو المراد بقوله : { ولئن ms6370 مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن ~~ياويلنا * قالوا إنا كنا ظالمين } وأصل النفح من الريح اللينة والمعنى ولئن ~~مسهم شيء قليل من عذاب الله كالرائحة من الشيء دون جسمه لتنادوا بالويل ~~واعترفوا على أنفسهم بالظلم . قال صاحب ( الكشاف ) في المس والنفحة ثلاث ~~مبالغات : لفظ المس وما في النفح من معنى القلة والنزارة ، يقال : نفحته ~~الدابة وهو رمح يسير ونفحه بعطية رضخه ، ولفظ المرة . ثم بين سبحانه وتعالى ~~أن جميع ما ينزل بهم في الآخرة لا يكون إلا عدلا فهم وإن ظلموا أنفسهم في ~~الدنيا فلن يظلموا في الآخرة وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى : { ونضع ~~الموازين * بالقسط } وصفها الله تعالى بذلك لأن الميزان قد يكون مستقيما ~~وقد يكون بخلافه ، فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل والقسط ، وأكد ~~ذلك بقوله : { فلا تظلم نفس شيئا } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : معنى وضعها إحضارها ، قال الفراء : القسط صفة الموازين ~~وإن كان موحدا وهو كقولك للقوم : أنتم عدل ، وقال الزجاج : ونضع الموازين ~~ذوات القسط وقوله : { ليوم القيامة } قال الفراء في يوم القيامة وقيل لأهل ~~يوم القيامة . # المسألة الثانية : في وضع الموازين قولان : أحدهما : قال مجاهد هذا مثل ~~والمراد بالموازين العدل ويروى مثله عن قتادة والضحاك والمعنى بالوزن القسط ~~بينهم في الأعمال فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه يعني أن حسناته ~~تذهب بسيئاته ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفت موازينه أي أن سيئاته تذهب ~~بحسناته ، حكاه ابن جرير هكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما . الثاني : وهو ~~قول أئمة السلف أنه سبحانه يضع الموازين الحقيقية فتوزن بها الأعمال / وعن ~~الحسن : هو ميزان له كفتان ولسان وهو بيد جبريل عليه السلام . ويروى : ( أن ~~داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فلما رآه غشي عليه ، فلما أفاق ~~قال : يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات ، فقال : يا داود إني إذا ~~رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة ) ثم على هذا القول في كيفية وزن الأعمال طريقان ~~. أحدهما : أن توزن صحائف الأعمال . والثاني : يجعل في PageV22P152 كفة ~~الحسنات ms6371 جواهر بيض مشرقة وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة فإن قيل : أهل ~~القيامة إما أن يكونوا عالمين بكونه سبحانه وتعالى عادلا غير ظالم أو لا ~~يعلمون ذلك . فإن علموا ذلك كان مجرد حكمة كافيا في معرفة أن الغالب هو ~~الحسنات أو السيئات فلا يكون في وضع الميزان فائدة ألبتة ، وإن لم يعلموا ~~لم تحصل الفائدة في وزن الصحائف لاحتمال أنه سبحانه جعل إحدى الصحيفتين ~~أثقل أو أخف ظلما فثبت أن وضع الميزان على كلا التقديرين خال عن الفائدة . ~~وجوابه على قولنا قوله تعالى : { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } ( الأنبياء ~~: 23 ) وأيضا ففيه ظهور حال الولي من العدو في مجمع الخلائق ، فيكون لأحد ~~القبيلين في ذلك أعظم السرور وللآخر أعظم الغم ، ويكون ذلك بمنزلة نشر ~~الصحف وغيره . إذا ثبت هذا فنقول : الدليل على وجود الموازين الحقيقية أن ~~حمل هذا اللفظ على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من ~~غير ضرورة غير جائز ، لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة ~~في هذا الباب . # المسألة الثالثة : قال قوم : إن هذه الآية يناقضها قوله تعالى : { فلا ~~نقيم لهم يوم القيامة وزنا } ( الكهف : 105 ) ، والجواب : أنه لا يكرمهم ~~ولا يعظمهم . # المسألة الرابعة : إنما جمع الموازين لكثرة من توزن أعمالهم وهو جمع ~~تفخيم ، ويجوز أن يرجع إلى الموزونات . # أما قوله تعالى : { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها } فالمعنى أنه ~~لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيىء ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء : { مثقال حبة } على كان التامة كقوله تعالى : { ~~وإن كان ذو عسرة } وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما { أتينا بها } وهي مفاعلة ~~من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء ، ~~وقرأ حميد : أثبنا بها من الثواب ، وفي حرف أبي جئنا بها . # المسألة الثانية : لم أنث ضمير المثقال ؟ قلنا : لإضافته إلى الحبة ~~كقولهم ذهبت بعض أصابعه . # المسألة الثالثة : زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى ~~بطاعة يستحق بها خمسين جزء من الثواب ms6372 فهذا الأقل يتحبط بالأكثر ويبقى ~~الأكثر كما كان . واعلم أن هذه الآية تبطل قوله لأن الله تعالى تمدح بأن ~~اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من ~~غير فائدة . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة قوله : { فلا تظلم نفس شيئا } فيه دلالة ~~على أن مثل ذلك لو ابتدأه الله تعالى لكان قد ظلم ، فدل هذا الوجه على أنه ~~تعالى لا يعذب من لا يستحق ولا يفعل المضار في الدنيا إلا للمنافع والمصالح ~~. والجواب : الظلم هو التصرف في ملك الغير وذلك في حق الله تعالى محال لأنه ~~المالك المطلق ، ثم الذي يدل على استحالة الظلم عليه عقلا أن الظلم عند ~~الخصم مستلزم للجهل أو الحاجة المحالين على الله تعالى ومستلزم المحال محال ~~، فالظلم على الله تعالى محال . وأيضا فإن الظالم سفيه خارج عن الإلهية فلو ~~صح منه الظلم لصح خروجه عن الإلهية ، فحينئذ يكون كونه إلها من الجائزات لا ~~من الواجبات ، وذلك يقدح في إلهيته . # المسألة الخامسة : إن قيل الحبة أعظم من الخردلة ، فكيف قال حبة من خردل ~~؟ قلنا : الوجه فيه أن PageV22P153 تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة ~~من ذلك الدينار . والغرض المبالغة في أن شيئا من الأعمال صغيرا كان أو ~~كبيرا غير ضائع عند الله تعالى . # أما قوله تعالى : { وكفى بنا حاسبين } فالغرض منه التحذير فإن المحاسب ~~إذا كان في العلم بحيث / لا يمكن أن يشتبه عليه شيء ، وفي القدرة بحيث لا ~~يعجز عن شيء ، حقيق بالعاقل أن يكون في أشد الخوف منه ، ويروي عن الشبلي ~~رحمه الله تعالى أنه رئي في المنام فقيل له : ما فعل الله بك فقال : # % حاسبونا فدققوا % % ثم منوا فأعتقوا % # ! 7 < { ولقد ءاتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين * الذين ~~يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون * وهاذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم ~~له منكرون } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 48 - 50 ) ولقد آتينا موسى . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في ~~قصص الأنبياء عليهم السلام ، تسلية للرسول عليه السلام ms6373 فيما يناله من قومه ~~وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على كل عارض دونها وذكر ههنا منها ~~قصصا . # ( القصة الأولى ، قصة موسى عليه السلام ) # ووجه الإتصال أنه تعالى لما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول : { ~~إنما أنذركم بالوحى } ( الأنبياء : 45 ) أتبعه بأن هذه عادة الله تعالى في ~~الأنبياء قبله فقال : { ولقد ءاتينا موسى * وهارون الفرقان وضياء * وذكرى * ~~للمتقين } واختلفوا في المراد بالفرقان على أقوال : أحدها : أنه هو التوراة ~~، فكان فرقانا إذ كان يفرق به بين الحق والباطل ، وكان ضياء إذ كان لغاية ~~وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى وسبل النجاة في معرفة الله تعالى ومعرفة ~~الشرائع ، وكان ذكرى أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم أو ~~الشرف أما الواو في قوله : { وضياء } فروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قرأ ضياء بغير واو وهو حال من الفرقان ، وأما القراءة المشهورة ~~فالمعنى آتيناهم الفرقان وهو التوراة وآتينا به ضياء وذكرى للمتقين . ~~والمعن أنه في نفسه ضياء وذكرى أو آتيناهما بما فيه الشرائع والمواعظ ضياء ~~وذكرى . القول الثاني : أن المراد من الفرقان ليس التوراة ثم فيه وجوه : ~~أحدها : عن ابن عباس رضي الله عنهما الفرقان هو النصر الذي أوتي موسى عليه ~~السلام كقوله : { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } PageV22P154 ( ~~الأنفال : 41 ) يعني يوم بدر حين فرق بين الحق وغيره من الأديان الباطلة . ~~/ وثانيها : هو البرهان الذي فرق به دين الحق عن الأديان الباطلة عن ابن ~~زيد . وثالثها : فلق البحر عن الضحاك . ورابعها : الخروج عن الشبهات ، قال ~~محمد بن كعب واعلم أنه تعالى إنما خصص الذكرى بالمتقين لما في قوله : { هدى ~~للمتقين } ( البقرة : 2 ) أما قوله تعالى : { الذين يخشون ربهم بالغيب } ~~فقال صاحب ( الكشاف ) : محل الذين جر على الوصفية أو نصب على المدح أو رفع ~~عليه وفي معنى الغيب وجوه : أحدها : يخشون عذاب ربهم فيأتمرون بأوامره ~~وينتهون عن نواهيه وإيمانهم بالله غيبي استدلالي ، فالعباد يعملون لله في ~~الغيب والله لا يغيب عنه شيء عن ابن عباس ms6374 رضي الله عنهما . وثانيها : يخشون ~~ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها . وثالثها : يخشون ربهم في الخلوات إذا ~~غابوا عن الناس وهذا هو الأقرب ، والمعنى أن خشيتهم من عقاب الله لازم ~~لقلوبهم إلا أن ذلك مما يظهرونه في الملا دون الخلا { وهم من } عذاب { ~~الساعة } وسائر ما يجري فيها من الحساب والسؤال { مشفقون } فيعدلون بسبب ~~ذلك الإشفاق عن معصية الله تعالى ، ثم قال وكما أنزلت عليهم الفرقان فكذلك ~~هذا القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله : { وهاذا ذكر مبارك } بركته كثرة ~~منافعه وغزارة علومه وقوله : { أفأنتم له منكرون } فالمعنى أنه لا إنكار في ~~إتزانه وفي عجائب ما فيه فقد آتينا موسى وهرون التوراة ، ثم هذا القرآن ~~معجز لاشتماله على النظم العجيب والبلاغة البديعة واشتماله على الأدلة ~~العقلية وبيان الشرائع ، فمثل هذا الكتاب مع كثرة منافعه كيف يمكنكم إنكاره ~~. # ( القصة الثانية ، ( قصة ) إبراهيم عليه السلام ) # ! 7 < { ولقد ءاتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لابيه ~~وقومه ما هاذه التماثيل التىأنتم لها عاكفون * قالوا وجدنآ ءابآءنا لها ~~عابدين * قال لقد كنتم أنتم وءابآؤكم فى ضلال مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم ~~أنت من اللاعبين } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 51 - 55 ) ولقد آتينا إبراهيم . . . . . # > > # اعلم أن قوله تعالى : { ولقد ءاتينا إبراهيم رشده } فيه مسائل : # المسألة الأولى : في الرشد قولان : الأول : أنه النبوة واحتجوا عليه ~~بقوله : { وكنا به عالمين } قالوا : لأنه تعالى إنما يخص بالنبوة من يعلم ~~من حاله أنه في المستقبل يقوم بحقها ويجتنب / ما لا يليق بها ويحترز عما ~~ينفر قومه من القبول . والثاني : أنه الاهتداء لوجوه الصلاح في الدين ~~والدنيا قال تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن } وفيه ~~قول ثالث وهو أن تدخل النبوة والاهتداء تحت الرشد إذ لا يجوز أن يبعث نبي ~~إلا وقد دله الله تعالى على ذاته وصفاته ودله أيضا على مصالح نفسه ومصالح ~~قومه وكل ذلك من الرشد . PageV22P155 # المسألة الثانية : احتج أصحابنا في أن الإيمان مخلوق لله تعالى بهذه ~~الآية فإنه لو كان الرشد هو التوفيق والبيان ms6375 فقد فعل الله تعالى ذلك ~~بالكفار فيجب أن يكون قد آتاهم رشدهم . أجاب الكعبي : بأن هذا يقال فيمن ~~قبل لا فيمن رد ، وذلك كمن أعطى المال لولدين فقبله أحدهما وثمره ورده ~~الآخر أو أخذه ثم ضيعه . فيقال : أغنى فلان ابنه فيمن أثمر المال ، ولا ~~يقال مثله فيمن ضيع . والجواب عنه : هذا الجواب لا يتم إلا إذا جعلنا قبوله ~~جزءا من مسمى الرشد وذلك باطل ، لأن المسمى إذا كان مركبا من جزأين ولا ~~يكون أحدهما مقدور الفاعل لم يجز إضافة ذلك المسمى إلى ذلك الفاعل فكان ~~يلزم أن لا يجوز إضافة الرشد إلى الله تعالى بالمفعولية لكن النص وهو قوله ~~: { ولقد ءاتينا إبراهيم رشده } صريح أن ذلك الرشد إنما حصل من الله تعالى ~~فبطل ما قالوه . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء رشده كالعدم والعدم ، ~~ومعنى إضافته إليه أنه رشد مثله وأنه رشد له شأن . # أما قوله تعالى : { من قبل } ففيه وجوه : أحدها ؛ آتينا إبراهيم نبوته ~~واهتداءه من قبل موسى عليه السلام عن ابن عباس وابن جرير . وثانيها : في ~~صغره قبل بلوغه حين كان في السرب وظهرت له الكواكب فاستدل بها . وهذا على ~~قول من حمل الرشد على الاهتداء وإلا لزمه أن يحكم بنبوته عليه السلام قبل ~~البلوغ عن مقاتل . وثالثها : يعني حين كان في صلب آدم عليه السلام حين أخذ ~~الله ميثاق النبيين عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الضحاك . # أما قوله تعالى : { وكنا به عالمين } فالمراد أنه سبحانه علم منه أحوالا ~~بديعة وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها حتى أهله لأن يكون خليلا له ، وهذا ~~كقولك في رجل كبير : أنا عالم بفلان فإن هذا الكلام في الدلالة على تعظيمه ~~أدل مما إذا شرحت جلال كماله . # أما قوله تعالى : { إذ قال لابيه وقومه } فقال صاحب ( الكشاف ) : إذ إما ~~أن تتعلق بآتينا أو برشده أو بمحذوف أي اذكر من أوقات رشده هذا الوقت . # أما قوله : { ما هاذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : التمثال اسم للشيء المصنوع ms6376 مشبها بخلق من خلق الله ~~تعالى ، وأصله من مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به واسم ذلك الممثل تمثال . # المسألة الثانية : أن القوم كانوا عباد أصنام على صور مخصوصة كصورة ~~الإنسان أو غيره / فجعل عليه السلام هذا القول منه ابتداء كلامه لينظر فيما ~~عساهم يوردونه من شبهة فيبطلها عليهم . # / المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : لم ينو للعاكفين مفعولا ~~وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقولك فاعلون للعكوف أو واقفون لها ، قال : فإن ~~قلت هلا قيل عليها عاكفون كقوله : { يعكفون على أصنام لهم } ؟ قلت : لو قصد ~~التعدية لعداه بصلته التي هي على . # أما قوله : { قالوا وجدنا ءاباءنا لها عابدين } فاعلم أن القوم لم يجدوا ~~في جوابه إلا طريقة التقليد الذي يوجب مزيد النكير لأنهم إذا كانوا على خطأ ~~من أمرهم لم يعصمهم من هذا الخطأ أن آباءهم أيضا سلكوا PageV22P156 هذا ~~الطريق فلا جرم أجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله : { لقد كنتم أنتم ~~وءاباؤكم فى ضلال مبين } فبين أن الباطل لا يصير حقا بسبب كثرة المتمسكين ~~به ، فلما حقق عليه السلام ذلك عليهم ولم يجدوا من كلامه مخلصا ورأوه ثابتا ~~على الإنكار قوى القلب فيه وكانوا يستبعدون أن يجري مثل هذا الإنكار عليهم ~~مع كثرتهم وطول العهد بمذهبهم ، فعند ذلك قالوا له : { أجئتنا بالحق أم أنت ~~من اللاعبين } موهمين بهذا الكلام أنه يبعد أن يقدم على الإنكار عليهم جادا ~~في ذلك فعنده عدل صلى الله عليه وسلم إلى بيان التوحيد . # ! 7 < { قال بل ربكم رب السماوات والا رض الذى فطرهن وأنا على ذالكم من ~~الشاهدين * وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين * فجعلهم جذاذا إلا ~~كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون * قالوا من فعل هاذا بأالهتنآ إنه لمن ~~الظالمين * قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 56 - 60 ) قال بل ربكم . . . . . # > > اعلم أن القوم لما أوهموا أنه يمازح بما خاطبهم به في أصنامهم أظهر ~~عليه السلام ما يعلمون به أنه مجد في إظهار الحق الذي هو التوحيد وذلك ~~بالقول أولا وبالفعل ثانيا ، أما الطريقة ms6377 القولية فهي قوله : { بل ربكم رب ~~* السماوات والارض * الذى فطرهن } وهذه الدلالة تدل على أن الخالق الذي ~~خلقهما لمنافع العباد هو الذي يحسن أن يعبد لأن من يقدر على ذلك يقدر على ~~أن يضر وينفع في الدار الآخرة بالعقاب والثواب . فيرجع حاصل هذه الطريقة ~~إلى الطريقة التي ذكرها لأبيه في قوله : { لابيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ~~ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا } ( مريم : 42 ) قال صاحب ( الكشاف ) : الضمير ~~في فطرهن للسموات والأرض أو للتماثيل ، وكونه للتماثيل أدخل في الاحتجاج ~~عليهم . # / أما قوله : { وأنا على ذالكم من الشاهدين } ففيه وجهان : الأول : أن ~~المقصود منه المبالغة في التأكيد والتحقيق كقول الرجل إذا بالغ في مدح أحد ~~أو ذمه أشهد أنه كريم أو ذميم . والثاني : أنه عليه السلام عنى بقوله : { ~~وأنا على ذالكم من الشاهدين } ادعاء أنه قادر على إثبات ما ذكره بالحجة ، ~~وأني لست مثلكم فأقول ما لا أقدر على إثباته بالحجة ، كما لم تقدروا على ~~الاحتجاج لمذهبكم ولم تزيدوا على أنكم وجدتم عليه آباءكم ، وأما الطريقة ~~الفعلية فهي قوله : { وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فإن ~~القوم لما لم ينتفعوا بالدلالة العقلية عدل إلى أن أراهم عدم الفائدة في ~~عبادتها ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قرأ معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~وبالله ، وقرىء تولوا بمعنى تتولوا ويقويها قوله : { فتولوا عنه مدبرين } ~~فإن قلت : ما الفرق بين الباء والتاء ؟ قلت : إن الباء هي الأصل والتاء بدل ~~من الواو المبدل منها والتاء فيها زيادة معنى وهو التعجب ، كأنه تعجب من ~~تسهيل الكيد على يده لأن PageV22P157 ذلك كان أمرا مقنوطا منه لصعوبته . # المسألة الثانية : إن قيل لماذا قال : { لاكيدن أصنامكم } والكيد هو ~~الاحتيال على الغير في ضرر لا يشعر به وذلك لا يتأتى في الأصنام . وجوابه : ~~قال ذلك توسعا لما كان عندهم أن الضرر يجوز عليها ، وقيل : المراد لأكيدنكم ~~في أصنامكم لأنه بذلك الفعل قد أنزل بهم الغم . # المسألة الثالثة : في كيفية أول القصة وجهان : أحدهما : قال السدي ms6378 : ~~كانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها ثم عادوا إلى ~~منازلهم ، فلما كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم عليه السلام : لو خرجت معنا ~~فخرج معهم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي فلما ~~مضوا وبقي ضعفاء الناس نادى وقال : { تالله * لاكيدن أصنامكم } واحتج هذا ~~القائل بقوله تعالى : { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } . ~~وثانيها : قال الكلبي : كان إبراهيم عليه السلام من أهل بيت ينظرون في ~~النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يتركوا إلا مريضا فلما هم إبراهيم ~~بالذي هم به من كسر الأصنام نظر قبل يوم العيد إلى السماء فقال لأصحابه : ~~أراني أشتكي غدا فذلك قوله ؛ { فنظر نظرة فى النجوم * فقال إنى سقيم } ( ~~الصافات : 88 ، 89 ) وأصبح من الغد معصوبا رأسه فخرج القوم لعيدهم ولم ~~يتخلف أحد غيره فقال : أما والله لأكيدن أصنامكم ، وسمع رجل منهم هذا القول ~~فحفظه عليه ثم إن ذلك الرجل أخبر غيره وانتشر ذلك في جماعة فلذلك قال تعالى ~~: { قالوا سمعنا فتى يذكرهم } واعلم أن كلا الوجهين ممكن . ثم تمام القصة ~~أن إبراهيم عليه السلام لما دخل بيت الأصنام وجد سبعين صنما مصطفة ، وثم ~~صنم عظيم مستقبل الباب وكان من ذهب وكان في عينيه جوهرتان تضيئان بالليل ، ~~فكسرها كلها بفأس في يده حتى لم يبق إلا الكبير ، ثم علق الفأس في عنقه . # أما قوله تعالى : { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : إن قيل لم قال : { فجعلهم جذاذا } وهذا جمع لا يليق إلا ~~بالناس ، جوابه : من حيث اعتقدوا فيها أنها كالناس في أنها تعظم ويتقرب ~~اليها ، ولعل كان فيهم من يظن أنها تضر وتنفع . # / المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : جذاذا قطعا من الجذ وهو القطع ~~، وقرىء بالكسر والفتح وقرىء جذاذا جمع جذيذ وجذذا جمع جذة . # المسألة الثالثة : إن قيل ما معنى : { إلا كبيرا لهم } قلنا : يحتمل ~~الكبير في الخلقة ويحتمل في التعظيم ويحتمل في الأمرين . # وأما قوله : { لعلهم إليه يرجعون } فيحتمل رجوعهم ms6379 إلى إبراهيم عليه ~~السلام ، ويحتمل رجوعهم إلى الكبير . أما الأول : فتقريره من وجهين : الأول ~~: أن المعنى أنهم لعلهم يرجعون إلى مقالة إبراهيم ويعدلون عن الباطل . ~~والثاني : أنه غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لما تسامعوه من إنكاره ~~لدينهم وسبه لآلهتهم فبكتهم بما أجاب به من قوله : { بل فعله كبيرهم هاذا ~~فاسئلوهم } ( الأنبياء : 63 ) أما إذا قلنا : الضمير راجع إلى الكبير ففيه ~~وجهان : الأول : أن المعنى لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل ~~المشكلات فيقولون ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحا والفأس على عاتقك . وهذا ~~قول الكلبي ، وإنما قال ذلك بناء على كثرة جهالاتهم PageV22P158 فلعلهم ~~كانوا يعتقدون فيها أنها تجيب وتتكلم . والثاني : أنه عليه السلام قال ذلك ~~مع علمه أنهم لا يرجعون إليه استهزاء بهم ، وإن قياس حال من يسجد له ويؤهل ~~للعبادة أن يرجع إليه في حل المشكلات . # المسألة الرابعة : إن قيل أولئك الأقوام إما أن يقال إنهم كانوا عقلاء أو ~~ما كانوا عقلاء . فإن كانوا عقلاء وجب أن يكونوا عالمين بالضرورة أن تلك ~~الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ، فأي حاجة في إثبات ذلك إلى ~~كسرها ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : القوم كانوا يعظمونها كما يعظم الواحد ~~منا المصحف والمسجد والمحراب ، وكسرها لا يقدح في كونها معظمة من هذا الوجه ~~. وإن قلنا : إنهم ما كانوا عقلاء وجب أن لا تحسن المناظرة معهم ولا بعثة ~~الرسل إليهم . الجواب : أنهم كانوا عقلاء وكانوا عالمين بالضرورة أنها ~~جمادات ولكن لعلهم كانوا يعتقدون فيها أنها تماثيل الكواكب وأنها طلسمات ~~موضوعة بحيث أن كل من عبدها انتفع بها وكل من استخف بها ناله منها ضرر شديد ~~، ثم إن إبراهيم عليه السلام كسرها مع أنه ما ناله منها ألبتة ضرر فكان ~~فعله دالا على فساد مذهبهم من هذا الوجه . # أما قوله تعالى : { قالوا من فعل هاذا بئالهتنا إنه لمن الظالمين } أي ( ~~أن ) من فعل هذا الكسر والحطم لشديد الظلم معدود في الظلمة إما لجراءته على ~~الآلهة الحقيقة ms6380 بالتوقير والإعظام ، وإما لأنهم رأوا إفراطا في كسرها ~~وتماديا في الاستهانة بها . # أما قوله تعالى : { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } ففيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : قال الزجاج : ارتفع إبراهيم على وجهين : أحدهما : على ~~معنى يقال هو إبراهيم . والثاني : على النداء على معنى يقال له يا إبراهيم ~~، قال صاحب ( الكشاف ) والصحيح أنه فاعل يقال لأن المراد الاسم دون المسمى ~~. # / المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن القائلين جماعة لا واحد ، ~~فكأنهم كانوا من قبل قد عرفوا منه وسمعوا ما يقوله في آلهتهم فغلب على ~~قلوبهم أنه الفاعل ولو لم يكن إلا قوله ما هذه التماثيل إلى غير ذلك لكفى . # ! 7 < { قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون * قالوا ءأنت فعلت ~~هاذا بأالهتنا ياإبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هاذا فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على ~~رءوسهم لقد علمت ما هاؤلاء ينطقون * قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ~~شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 61 - 67 ) قالوا فأتوا به . . . . . # > > PageV22P159 # اعلم أن القوم لما شاهدوا كسر الأصنام ، وقيل إن فاعله إبراهيم عليه ~~السلام قالوا فيما بينهم : { فأتوا به على أعين الناس } قال صاحب ( الكشاف ~~) : على أعين الناس في محل الحال أي فأتوا به مشاهدا أي بمرأى منهم ومنظر . ~~فإن قلت : ما معنى الاستعلاء في على ؟ قلت : هو وارد على طريق المثل أي ~~يثبت إثباته في الأعين ثبات الراكب على المركوب . أما قوله تعالى : { لعلهم ~~يشهدون } ففيه وجهان : أحدهما : أنهم كرهوا أن يأخذوه بغير بينة فأرادوا أن ~~يجيئوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عليه بما قاله فيكون حجة عليه بما ~~فعل . وهذا قول الحسن وقتادة والسدي وعطاء وابن عباس رضي الله عنهم . ~~وثانيهما : وهو قول محمد بن إسحاق أي يحضرون فيبصرون ما يصنع به فيكون ذلك ~~زاجرا لهم عن الإقدام على مثل فعله ، وفيه قول ثالث : وهو قول مقاتل ~~والكلبي أن المراد مجموع الوجهين ms6381 فيشهدون عليه بفعله ويشهدون عقابه . # أما قوله تعالى : { قالوا ءأنت فعلت هاذا } فاعلم أن في الكلام حذفا ، ~~وهو : فأتوا به وقالوا أأنت / فعلت ، طلبوا منه الاعتراف بذلك ليقدموا على ~~إيذائه ، فظهر منه ما انقلب الأمر عليهم حتى تمنوا الخلاص منه ، فقال : { ~~بل فعله كبيرهم هاذا } وقد علق الفأس على رقبته لكي يورد هذا القول فيظهر ~~جهلهم في عبادة الأوثان ، فإن قيل قوله : بل فعله كبيرهم كذب . والجواب ~~للناس فيه قولان : أحدهما : وهو قول كافة المحققين أنه ليس بكذب ، وذكروا ~~في الاعتذار عنه وجوها . أحدها : أن قصد إبراهيم عليه السلام لم يكن إلى أن ~~ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم ، إنما قصد تقرير لنفسه وإثباته لها على ~~أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم ، وهذا كما لو قال ~~لك صاحبك ، وقد كتبت كتابا بخط رشيق ، وأنت شهير بحسن الخط ، أأنت كتبت هذا ~~؟ وصاحبك أمي لا يحسن الخط ولا يقدر إلا على خرمشة فاسدة ، فقلت له : بل ~~كتبته أنت ، كأن قصدك بهذا الجواب تقرير ذلك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك ~~وإثباته للأمي أو المخرمش ، لأن إثباته والأمر دائر بينهما للعاجز منهما ~~استهزاء به وإثبات للقادر . وثانيها : أن إبراهيم عليه السلام غاظته تلك ~~الأصنام حين أبصرها مصطفة مزبنة . وكان غيظه من كبيرها أشد لما رأى من ~~زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو السبب في استهانته بها وحطمه ~~لها ، والفعل كما يسند إلى مباشره يسد إلى الحامل عليه . وثالثها : أن يكون ~~حكاية لما يلزم على مذهبهم كأنه قال لهم : ما تنكرون أن يفعله كبيرهم ، فإن ~~من حق من يعبد ويدعي إلها أن يقدر على هذا وأشد منه . وهذه الوجوه الثلاثة ~~ذكرها صاحب ( الكشاف ) . ورابعها : أنه كناية عن غير مذكور ، أي فعله من ~~فعله وكبيرهم هذا ابتداء الكلام ويروى عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله بل ~~فعله ثم يبتدىء كبيرهم هذا . وخامسها : أنه يجوز أن يكون فيه وقف عند قوله ~~كبيرهم ثم يبتدىء فيقول هذا فاسألوهم / والمعنى بل فعله ms6382 كبيرهم وعنى نفسه ~~لأن الإنسان أكبر من كل صنم . وسادسها : أن يكون في الكلام تقديم وتأخير ~~كأنه قال : بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم فتكون إضافة الفعل ~~إلى كبيرهم مشروطا بكونهم ناطقين فلما لم يكونوا ناطقين امتنع أن يكونوا ~~فاعلين . وسابعها : قرأ محمد بن السميفع فعله كبيرهم أي فلعل الفاعل كبيرهم ~~. القول الثاني : وهو قول طائفة من أهل الحكايات ، أن ذلك كذب واحتجوا بما ~~PageV22P160 روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لم يكذب إبراهيم ~~إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله تعالى ، قوله : { إنى سقيم } وقوله : { بل ~~فعله كبيرهم هاذا } وقوله لسارة هي أختي ) وفي خبر آخر : ( أن أهل الموقف ~~إذا سألوا إبراهيم الشفاعة قال : إني كذبت ثلاث كذبات ) ثم قرروا قولهم من ~~جهة العقل وقالوا : الكذب ليس قبيحا لذاته ، فإن النبي عليه السلام إذا هرب ~~من ظالم واختفى في دار إنسان ، وجاء الظالم وسأل عن حاله فإنه يجب الكذب ~~فيه ، وإذا كان كذلك فأي بعد في أن يأذن الله تعالى في ذلك لمصلحة لا ~~يعرفها إلا هو ، واعلم أن هذا القول مرغوب عنه . أما الخبر الأول وهو الذي ~~رووه فلأن يضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام ، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذبوا لمصلحة ويأذن الله ~~تعالى فيه ، فلنجوز هذا / الاحتمال في كل ما أخبروا عنه ، وفي كل ما أخبر ~~الله تعالى عنه وذلك يبطل الوثوق بالشرائع وتطرق التهمة إلى كلها ، ثم إن ~~ذلك الخبر لو صح فهو محمول على المعاريض على ما قال عليه السلام : ( إن في ~~المعاريض لمندوحة عن الكذب ) . # فأما قوله تعالى : { إنى سقيم } فلعله كان به سقم قليل واستقصاء الكلام ~~فيه يجيء في موضعه . # وأما قوله : { بل فعله كبيرهم } فقط ظهر الجواب عنه . # أما قوله لسارة : إنها أختي ، فالمراد أنها أخته في الدين ، وإذا أمكن ~~حمل الكلام على ظاهره من غير نسبة الكذب إلى الأنبياء عليهم السلام فحينئذ ~~لا يحكم بنسبة الكذب إليهم ms6383 إلا زنديق . # أما قوله تعالى : { فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون } ففيه ~~وجوه : الأول : أن إبراهيم عليه السلام لما نبههم بما أورده عليهم على قبح ~~طريقهم تنبهوا فعلموا أن عبادة الأصنام باطلة ، وأنهم على غرور وجهل في ذلك ~~. والثاني : قال مقاتل : فرجعوا إلى أنفسهم فلاموها وقالوا إنكم أنتم ~~الظالمون لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي الصنم الكبير ~~. وثالثها : المعنى أنكم أنتم الظالمون لأنفسكم حيث سألتم منه عن ذلك حتى ~~أخذ يستهزىء بكم في الجواب ، والأقرب هو الأول . # أما قوله تعالى : { ثم نكسوا على * رؤوسهم * لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } ~~فقال صاحب ( الكشاف ) : نكسه قلبه فجعل أسفله أعلاه وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في المعنى وجوه : أحدها : أن المراد استقاموا حين رجعوا ~~إلى أنفسهم وأتوا بالفكرة الصالحة ، ثم انتكسوا فقلبوا عن تلك الحالة ، ~~فأخذوا ( في ) المجادلة بالباطل وأن هؤلاء مع تقاصر حالها عن حال الحيوان ~~الناطق آلهة معبودة . وثانيها : قلبوا على رؤوسهم حقيقة لفرط إطراقهم خجلا ~~وانكسارا وانخذالا مما بهتهم به إبراهيم فما أحاروا جوابا إلا ما هو حجة ~~عليهم . وثالثها : قال ابن جرير ثم نكسوا على رؤوسهم في الحجة عليهم ~~لإبراهيم حين جادلهم . أي قلبوا في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو الحجة ~~لإبراهيم عليهم ، فقالوا : { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } فأقروا بهذه ~~للحيرة التي لحقتهم ، قال والمعنى نكست حجتهم فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر ~~عن حجتهم . # المسألة الثانية : قرىء نكسوا بالتشديد ونكسوا على لفظ ما لم يسم فاعله ، ~~أي نكسوا أنفسهم على رؤوسهم وهي قراءة رضوان بن عبد المعبود . PageV22P161 # أما قوله تعالى : { قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا ~~يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } فالمعنى ظاهر . قال ~~صاحب ( الكشاف ) : أف صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر ، وإن إبراهيم ~~عليه السلام أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم ، وبعد ~~وضوح الحق وزهوق الباطل ، فتأفف بهم . ثم يحتمل أنه قال لهم ذلك وقد عرفوا ms6384 ~~صحة قوله . ويحتمل أنه قال لهم ذلك وقد ظهرت الحجة وإن لم يعقلوا . وهذا هو ~~الأقرب لقوله : / { أفتعبدون } ولقوله : { أفلا تعقلون } . # ! 7 < { قالوا حرقوه وانصروا ءالهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا يانار كونى ~~بردا وسلاما على إبراهيم * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الا خسرين * ونجيناه ~~ولوطا إلى الا رض التى باركنا فيها للعالمين } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 68 - 71 ) قالوا حرقوه وانصروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين ما أظهره إبراهيم عليه السلام من دلائل ~~التوحيد وإبطال ما كانوا عليه من عبادة التماثيل أتبعه بما يدل على جهلهم ، ~~وأنهم : { قالوا حرقوه وانصروا ءالهتكم } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : ليس في القرآن من القائل لذلك والمشهور أنه نمروذ بن ~~كنعان بن سنجاريب بن نمروذ بن كوش بن حام بن نوح ، وقال مجاهد : سمعت ابن ~~عمر يقول : إنما أشار بتحريق إبراهيم عليه السلام رجل من الكرد من أعراب ~~فارس ، وروى ابن جريج عن وهب عن شعيب الجبائي قال : إن الذي قال حرقوه رجل ~~اسمه هبرين ، فخسف الله تعالى به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . # المسألة الثانية : أما كيفية القصة فقال مقاتل : لما اجتمع نمروذ وقومه ~~لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنيانا كالحظيرة ، وذلك قوله : { قالوا ~~ابنوا له بنيانا فألقوه فى الجحيم } ( الصافات : 97 ) ثم جمعوا له الحطب ~~الكثير حتى أن المرأة لو مرضت قالت : إن عافاني الله لأجعلن حطبا لإبراهيم ~~، ونقلوا له الحطب على الدواب أربعين يوما ، فلما اشتعلت النار اشتدت وصار ~~الهواء بحيث لو مر الطير في أقصى الهواء لاحترق ، ثم أخذوا إبراهيم عليه ~~السلام ورفعوه على رأس البنيان وقيدوه ، ثم اتخذوا منجنيقا ووضعوه فيه ~~مقيدا مغلولا ، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة إلا الثقلين صيحة ~~واحدة ، أي ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غير إبراهيم ، وإنه يحرق فيك فأذن ~~لنا في نصرته ، فقال سبحانه : إن استغاث بأحد منكم فأغيثوه ، وإن لم يدع ~~غيري فأنا أعلم به وأنا وليه ، فخلوا بيني وبينه ، فلما أرادوا إلقاءه في ~~النار ، أتاه خازن الرياح فقال : إن شئت ms6385 طيرت النار في الهواء ، فقال ~~إبراهيم عليه السلام : لا حاجة بي إليكم ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : ( ~~اللهم أنت الواحد في السماء ، وأنا الواحد في الأرض ، ليس في الأرض أحد ~~يعبدك غيري ، أنت حسبنا ونعم الوكيل ) وقيل إنه حين ألقي في النار قال : ( ~~لا إله إلا أنت سبحانك ربك العالمين ، لك الحمد / ولك الملك ، لا شريك لك ) ~~ثم وضعوه في المنجنيق ورموا به النار ، فأتاه جبريل عليه السلام وقال : يا ~~إبراهيم هل لك حاجة ، قال : أما إليك فلا ؟ قال : فاسأل ربك ، قال : حسبي ~~من سؤالي ، علمه PageV22P162 بحالي . فقال الله تعالى : { قلنا يانار كونى ~~بردا وسلاما على إبراهيم } ( الأنبياء : 69 ) وقال السدي : إنما قال ذلك ~~جبريل عليه السلام ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية مجاهد : ولو لم ~~يتبع بردا سلاما لمات إبراهيم من بردها ، قال : ولم يبق يومئذ في الدنيا ~~نار إلا طفئت ، ثم قال السدي : فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم وأقعدوه في ~~الأرض ، فإذا عين ماء عذب ، وورد أحمر ، ونرجس . ولم تحرق النار منه إلا ~~وثاقه ، وقال المنهال بن عمرو أخبرت أن إبراهيم عليه السلام لما ألقى في ~~النار كان فيها إما أربعين يوما أو خمسين يوما ، وقال : ما كنت أياما أطيب ~~عيشا مني إذ كنت فيها ، وقال ابن إسحق : بعث الله ملك الظل في صورة إبراهيم ~~، فقعد إلى جنب إبراهيم يؤنسه ، وأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة ، وقال : ~~يا إبراهيم إن ربك يقول : أما علمت أن النار لا تضر أحبابي ، ثم نظر نمروذ ~~من صرح له وأشرف على إبراهيم فرآه جالسا في روضة / ورأى الملك قاعدا إلى ~~جنبه وما حوله نار تحرق الحطب ، فناداه نمروذ : يا إبراهيم هل تستطيع أن ~~تخرج منها ؟ قال : نعم ، قال : قم فاخرج ، فقام يمشي حتى خرج منها ، فلما ~~خرج قال له نمروذ : من الرجل الذي رأيته معك في صورتك ؟ قال : ذاك ملك الظل ~~أرسله ربي ليؤنسني فيها . فقال نمروذ : إني مقرب إلى ربك قربانا لما رأيت ~~من قدرته وعزته فيما صنع بك ms6386 . فإني ذابح له أربعة آلاف بقرة ، فقال إبراهيم ~~عليه السلام : لا يقبل الله منك ما دمت على دينك ، فقال نمروذ : لا أستطيع ~~ترك ملكي ، ولكن سوف أذبحها له ، ثم ذبحها له وكف عن إبراهيم عليه السلام ، ~~ورويت هذه القصة على وجه آخر ، وهي أنهم بنوا لإبراهيم بنيانا وألقوه فيه ، ~~ثم أوقدوا عليه النار سبعة أيام ، ثم أطبقوا عليه ، ثم فتحوا عليه من الغد ~~، فإذا هو غير محترق يعرق عرقا ، فقال لهم هاران أبو لوط : إن النار لا ~~تحرقه لأنه سحر النار ، ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله ~~، فجعلوه فوق بئر وأوقدوا تحته ، فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط ~~فأحرقته . # المسألة الثالثة : إنما اختاروا المعاقبة بالنار لأنها أشد العقوبات ، ~~ولهذا قيل : { إن كنتم فاعلين } أي إن كنتم تنصرون آلهتكم نصرا شديدا ، ~~فاختاروا أشد العقوبات وهي الإحراق . # أما قوله تعالى : { قلنا ياذا * نار * كونى بردا وسلاما على إبراهيم } ~~ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو مسلم الأصفهاني في تفسير قوله تعالى : { قلنا ~~ياذا * نار * كونى بردا } المعنى أنه سبحانه جعل النار بردا وسلاما ، لا أن ~~هناك كلاما كقوله : { أن يقول له كن فيكون } أي يكونه ، وقد احتج عليه بأن ~~النار جماد فلا يجوز خطابه ، والأكثرون على أنه وجد ذلك القول . ثم هؤلاء ~~لهم قولان : أحدهما : وهو قول سدي : أن القائل هو جبريل عليه السلام . ~~والثاني : وهو قول الأكثرين أن القائل هو الله تعالى ، وهذا هو الأليق ~~الأقرب بالظاهر ، وقوله : النار جماد فلا / يكون في خطابها فائدة ، قلنا : ~~لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذلك الأمر مصلحة عائدة إلى الملائكة . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن النار كيف بردت على ثلاثة أقوال : أحدها ~~: أن الله تعالى أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق ، وأبقى ما فيها من ~~الإضاءة والإشراق والله على كل شيء قدير . وثانيها : أن الله تعالى خلق في ~~جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار إليه ، كما يفعل بخزنة جهنم في ~~الآخرة ، وكما أنه ركب بنية النعامة ms6387 بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة ~~وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في النار . وثالثها : أنه سبحانه خلق بينه ~~وبين النار حائلا يمنع من وصول أثر النار إليه ، قال المحققون : والأول ~~أولى لأن PageV22P163 ظاهر قوله : { قلنا يانار كونى بردا } أن نفس النار ~~صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تأثيرها ، لا أن النار بقيت كما كانت ، فإن ~~قيل : النار جسم موصوف بالحرارة واللطافة ، فإذا كانت الحرارة جزء من مسمى ~~النار امتنع كون النار باردة ، فإذا وجب أن يقال : المراد من النار الجسم ~~الذي هو أحد أجزاء مسمى النار وذلك مجاز فلم كان مجازكم أولى من المجازين ~~الآخرين ؟ قلنا : المجاز الذي ذكرناه يبقى معه حصول البرد وفي المجازين ~~اللذين ذكرتموهما لا يبقى ذلك فكان مجازنا أولى . # أما قوله تعالى : { كونى بردا وسلاما على إبراهيم } فالمعنى أن البرد إذا ~~أفرط أهلك كالحر بل لا بد من الإعتدال ثم في حصول الاعتدال ثلاثة أوجه : ~~أحدها : أنه يقدر الله تعالى بردها بالمقدار الذي لا يؤثر . وثانيها : أن ~~بعض النار صار بردا وبقي بعضها على حرارته فتعادل الحر والبرد . وثالثها : ~~أنه تعالى جعل في جسمه مزيد حر فسلم من ذلك البرد بل قد انتفع به والتذ ثم ~~ههنا سؤالات : # السؤال الأول : أو كل النار زالت وصارت بردا . الجواب : أن النار هو اسم ~~الماهية فلا بد وأن يحصل هذا البرد في الماهية ويلزم منه عمومه في كل أفراد ~~الماهية ، وقيل : بل اختص بتلك النار لأن الغرض إنما تعلق ببرد تلك النار ~~وفي النار منافع للخلق فلا يجوز تعطيلها ، والمراد خلاص إبراهيم عليه ~~السلام لا إيصال الضرر إلى سائر الخلق . # السؤال الثاني : هل يجوز ما روي عن الحسن من أنه سلام من الله تعالى على ~~إبراهيم عليه السلام . الجواب الظاهر كما أنه جعل النار بردا جعلها سلاما ~~عليه حتى يخلص ، فالذي قاله يبعد وفيه تشتيت الكلام المرتب . # السؤال الثالث : أفيجوز ما روي من أنه لو لم يقل وسلاما لأتى البرد عليه ~~. والجواب : ذلك بعيد لأن برد النار لم ms6388 يحصل منها وإنما حصل من جهة الله ~~تعالى فهو القادر على الحر والبرد فلا يجوز أن يقال : كان البرد يعظم لولا ~~قوله سلاما . # السؤال الرابع : أفيجوز ما قيل من أنه كان في النار أنعم عيشا منه في ~~سائر أحواله . والجواب : لا يمتنع ذلك لما فيه من مزيد النعمة عليه وكمالها ~~، ويجوز أن يكون إنما صار أنعم / عيشا هناك لعظم ما ناله من السرور بخلاصه ~~من ذلك الأمر العظيم ولعظم شروره بظفره بأعدائه وبما أظهره من دين الله ~~تعالى . # أما قوله تعالى : { وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين } أي أرادوا أن ~~يكيدوه فما كانوا إلا مغلوبين ، غالبوه بالجدال فلقنه الله تعالى الحجة ~~المبكتة ، ثم عدلوا القوة والجبروت فنصره وقواه عليهم ، ثم إنه سبحانه أتم ~~النعمة عليه بأن نجاه ونجى لوطا معه وهو ابن أخيه وهو لوط بن هاران إلى ~~الأرض التي بارك فيها للعالمين . وفي الأخبار أن هذه الواقعة كانت في حدود ~~بابل فنجاه الله تعالى من تلك البقعة إلى الأرض المباركة ، ثم قيل : إنها ~~مكة وقيل أرض الشام لقوله تعالى : { إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله } ~~( الإسراء : 1 ) والسبب في بركتها ، أما في الدين فلأن أكثر الأنبياء عليهم ~~السلام بعثوا منها وانتشرت شرائعهم وآثارهم الدينية فيها ، وأما في الدنيا ~~فلأن الله تعالى بارك فيها بكثرة الماء والشجر والثمر والخصب وطيب العيش ، ~~وقيل : ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس . # PageV22P164 ! 7 < { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين * ~~وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينآ إليهم فعل الخيرات وإقام الصلواة ~~وإيتآء الزكواة وكانوا لنا عابدين } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 72 - 73 ) ووهبنا له إسحاق . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بعد ذكره لإنعامه على إبراهيم وعلى لوط بأن نجاهما ~~إلى الأرض المباركة أتبعه بذكر غيره من النعم ، وإنما جمع بينهما لأن في ~~كون لوط معه مع ما كان بينهما من القرابة والشركة في النبوة مزيد إنعام ، ~~ثم إنه سبحانه ذكر النعم التي أفاضها على إبراهيم عليه السلام ثم النعم ~~التي أفاضها على ms6389 لوط ، أما الأول فمن وجوه ؛ أحدها : { ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب نافلة } واعلم أن النافلة العطية خاصة وكذلك النفل ويسمى الرجل ~~الكثير العطايا نوفلا ، ثم للمفسرين ههنا قولان : الأول : أنه ههنا مصدر من ~~وهبنا له مصدر من غير لفظه ولا فرق بين ذلك وبين قوله : { ووهبنا له } هبة ~~أي وهبناهما له عطية وفضلا من غير أن يكون جزاء مستحقا ، وهذا قول مجاهد ~~وعطاء . والثاني : وهو قول أبي بن كعب وابن عباس وقتادة والفراء والزجاج : ~~أن إبراهيم عليه السلام لما سأل الله ولدا قال : { رب هب لى من الصالحين } ~~( الصافات : 100 ) فأجاب الله دعاءه : ووهب له إسحق وأعطاه يعقوب من غير ~~دعائه فكان ذلك : { نافلة } كالشيء المتطوع به من الآدميين فكأنه قال : { ~~ووهبنا له إسحاق } إجابة / لدعائه : ووهبنا له يعقوب نافلة على ما سأل ~~كالصلاة النافلة التي هي زيادة على الفرض وعلى هذا النافلة يعقوب خاصة . # والوجه الأول : أقرب لأنه تعالى جمع بينهما ، ثم ذكر قوله : نافلة فإذا ~~صلح أن يكون وصفا لهما فهو أولى . # النعمة الثانية : قوله تعالى : { وكلا جعلنا صالحين } أي وكلا من إبراهيم ~~وإسحق ويعقوب أنبياء مرسلين ، هذا قول الضحاك وقال آخرون عاملين بطاعة الله ~~عز وجل مجتنبين محارمه . # والوجه الثاني : أقرب لأن لفظ الصلاح يتناول الكل لأنه سبحانه قال بعد ~~هذه الآية : { وأوحينا إليهم فعل الخيرات } فلو حملنا الصلاح على النبوة ~~لزم التكرار واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله ~~تعالى لأن قوله ؛ { وكلا جعلنا صالحين } يدل على أن ذلك الصلاح من قبله ، ~~أجاب الجبائي بأنه لو كان كذلك لما وصفهم بكونهم صالحين وبكونهم أئمة ~~وبكونهم عابدين . ولما مدحهم بذلك ، ولما أثنى عليهم ، وإذا ثبت ذلك فلا بد ~~من التأويل وهو من وجهين : الأول : أن يكون المراد أنه سبحانه آتاهم من ~~لطفه وتوفيقه ما صلحوا به . والثاني : أن يكون المراد أنه سماهم بذلك كما ~~يقال : زيد فسق فلانا وضلله وكفره إذا وصفه بذلك وكان مصدقا عند الناس ، ~~وكما يقال في الحاكم : زكى فلانا وعدله وجرحه ms6390 إذا حكم بذلك . واعلم أن هذه ~~الوجوه مختلة ، أما اعتمادهم على المدح والذم . فالجواب المعهود أن نعارضه ~~بمسألتي الداعي والعلم ، وأما الحمل على اللطف فباطل لأن فعل الإلطاف عام ~~في المكلفين فلا بد في هذا التخصيص من PageV22P165 مزيد فائدة ، وأيضا فلأن ~~قوله : جعلته صالحا ، كقوله جعلته متحركا ، فحمله على تحصيل شيء سوى الصلاح ~~ترك للظاهر ، وأما الحمل على التسمية فهو أيضا مجاز أقصى ما في الباب أنه ~~قد يصار إليه عند الضرورة في بعض المواضع وههنا لا ضرورة إلا أن يرجعوا مرة ~~أخرى إلى فصل المدح والذم ، فحينئذ نرجع أيضا إلى مسألتي الداعي والعلم . # النعمة الثالثة : قوله تعالى : { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا } وفيه ~~قولان : أحدهما : أي جعلناهم أئمة يدعون الناس إلى دين الله تعالى والخيرات ~~بأمرنا وإذننا . الثاني : قول أبي مسلم أن هذه الإمامة هي النبوة ، والأول ~~أولى لئلا يلزم التكرار ، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أمرين : أحدهما : ~~على خلق الأفعال بقوله : { وجعلناهم أئمة } وتقريره ما مضى . والثاني : على ~~أن الدعوة إلى الحق والمنع عن الباطل لا يجوز إلا بأمر الله تعالى لأن ~~الأمر لو لم يكن معتبرا لما كان في قوله بأمرنا فائدة . # النعمة الرابعة : قوله تعالى : { وأوحينا إليهم فعل الخيرات } وهذا يدل ~~على أنه سبحانه خصهم بشرف النبوة وذلك من أعظم النعم على الأب ، قال الزجاج ~~: حذف الهاء من إقامة الصلاة لأن الإضافة عوض عنه ، وقال غيره : الإقام ~~والإقامة مصدر ، قال أبو القاسم الأنصاري : الصلاة / أشرف العبادات البدنية ~~وشرعت لذكر الله تعالى ، والزكاة أشرف العبادات المالية ومجموعهما التعظيم ~~لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، واعلم أنه سبحانه وصفهم أولا ~~بالصلاح لأنه أول مراتب السائرين إلى الله تعالى ثم ترقى فوصفهم بالإمامة . ~~ثم ترقى فوصفهم بالنبوة والوحي . وإذا كان الصلاح الذي هو العصمة أول مراتب ~~النبوة دل ذلك على أن الأنبياء معصومون فإن المحروم عن أول المراتب أولى ~~بأن يكون محروما عن النهاية ، ثم إنه سبحانه كما بين أصناف نعمه عليهم بين ~~بعد ذلك اشتغالهم بعبوديته فقال : { وكانوا ms6391 لنا عابدين } كأنه سبحانه ~~وتعالى لما وفى بعهد الربوبية في الإحسان والإنعام فهم أيضا وفوا بعهد ~~العبودية وهو الاشتغال بالطاعة والعبادة . # القصة الثالثة ، قصة لوط عليه السلام # ! 7 < { ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التى كانت تعمل ~~الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين * وأدخلناه فى رحمتنآ إنه من الصالحين } ~~> 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 74 - 75 ) ولوطا آتيناه حكما . . . . . # > > # اعلم أنه سبحانه بعد بيان ما أنعم به على إبراهيم عليه السلام أتبعه بذكر ~~نعمه على لوط عليه السلام لما جمع بينهما من قبل ، وههنا مسألتان : # المسألة الأولى : في الواو في قوله : { ولوطا } قولان : أحدهما : وهو قول ~~الزجاج أنه عطف على قوله : { وأوحينا إليهم } ( الأنبياء : 73 ) . والثاني ~~: قول أبي مسلم أنه عطف على قوله : { إبراهيم رشده من } ( الأنبياء : 51 ) ~~ولا بد من ضمير في قوله : { ولوطا } فكأنه قال وآتينا لوطا فأضمر ذكره . ~~PageV22P166 # المسألة الثانية : في أصناف النعم وهي أربعة وجوه : أحدها : الحكم أي ~~الحكمة وعي التي يجب فعلها أو الفصل بين الخصوم وقيل هي النبوة . وثانيها : ~~العلم ، واعلم أن إدخال التنوين عليهما يدل على علو شأن ذلك العلم وذلك ~~الحكم . وثالثها : قوله : { ونجيناه من القرية التى كانت تعمل الخبائث } ~~والمراد أهل القرية لأنهم هم الذين يعملون الخبائث دون نفس القرية ولأن ~~الهلاك بهم نزل فنجاه الله تعالى من ذلك ، ثم بين سبحانه وتعالى بقوله : { ~~إنهم كانوا قوم سوء فاسقين } ما أراده بالخبائث ، وأمرهم فيما كانوا يقدمون ~~عليه ظاهر . ورابعها : قوله : { وأدخلناه فى رحمتنا إنه من الصالحين } وفي ~~تفسير الرحمة قولان : الأول : أنه النبوة أي أنه لما كان صالحا للنبوة ~~أدخله الله في رحمته لكي يقوم بحقها عن مقاتل . الثاني : أنه الثواب عن ابن ~~عباس والضحاك ، ويحتمل أن يقال : إنه عليه السلام لما آتاه الله الحكم ~~والعلم وتخلص عن جلساء السوء فتحت عليه أبواب المكاشفات وتجلت له أنوار ~~الإلهية وهي بحر لا ساحل له وهي الرحمة في الحقيقة . # / ( القصة الرابعة ، قصة نوح عليه السلام ) # ! 7 < { ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله ms6392 من الكرب العظيم ~~* ونصرناه من القوم الذين كذبوا بأاياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم ~~أجمعين } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 76 - 77 ) ونوحا إذ نادى . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { إذ نادى من قبل } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : لا شبهة في أن المراد من هذا النداء دعاؤه على قومه ~~بالعذاب ويؤكده حكاية الله تعالى عنه ذلك تارة على الإجمال وهو قوله : { ~~فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر } ( القمر : 10 ) وتارة على التفصيل وهو قوله : ~~{ وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ( نوح : 26 ) ويدل ~~عليه أيضا أن الله تعالى أجابه بقوله : { فاستجبنا له فنجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم } وهذا الجواب يدل على أن الإنجاء المذكور فيه كان هو المطلوب ~~في السؤال فدل هذا على أن نداءه ودعاءه كان بأن ينجيه مما يلحقه من جهتهم ~~من ضروب الأذى بالتكذيب والرد عليه وبأن ينصره عليهم وأن يهلكهم . فلذلك ~~قال بعده : { ونصرناه من القوم الذين كذبوا بئاياتنا } . # المسألة الثانية : أجمع المحققون على أن ذلك النداء كان بأمر الله تعالى ~~لأنه لو لم يكن بأمره لم يؤمن أن يكون الصلاح أن لايجاب إليه فيصير ذلك ~~سببا لنقصان حال الأنبياء ، ولأن الإقدام على أمثال هذه المطالب لو لم يكن ~~بالأمر لكان ذلك مبالغة في الإضرار ، وقال آخرون : إنه عليه السلام لم يكن ~~مأذونا له في ذلك . وقال أبو أمامة : لم يتحسر أحد من خلق الله تعالى كحسرة ~~آدم ونوح ، فحسرة آدم على قبول وسوسة إبليس ، وحسرة نوح على دعائه على قومه ~~. فأوحى الله تعالى إليه أن لا تتحسر فإن دعوتك وافقت قدري . # أما قوله تعالى : { فنجيناه وأهله من الكرب العظيم } فالمراد بالأهل ههنا ~~أهل دينه ، وفي تفسير الكرب وجوه : أحدها : أنه العذاب النازل بالكفار وهو ~~الغرق وهو قول أكثر المفسرين . وثانيها : أنه تكذيب قومه إياه PageV22P167 ~~وما لقي منهم من الأذى . وثالثها : أنه مجموع الأمرين وهو قول ابن عباس رضي ~~الله عنهما وهو الأقرب لأنه عليه السلام كان قد دعاهم إلى الله تعالى مدة ~~طويلة وكان قد ينال منهم ms6393 كل مكروه ، وكان الغم يتزايد بسبب ذلك وعند إعلام ~~الله تعالى إياه أنه يغرقهم وأمره باتخاذ الفلك كان أيضا على غم وخوف من ~~حيث لم يعلم من الذي يتخلص / من الغرق ومن الذي يغرق فأزال الله تعالى عنه ~~الكرب العظيم بأن خلصه من جميع ذلك وخلص جميع من آمن به معه . # أما قوله تعالى : { ونصرناه من القوم } فقراءة أبي بن كعب ونصرناه على ~~القوم ثم قال المبرد : تقديره ونصرناه من مكروه القوم ، وقال تعالى : { فمن ~~ينصرنا من بأس الله } ( غافر : 29 ) أي يعصمنا من عذابه ، قال أبو عبيدة : ~~من بمعنى على . وقال صاحب ( الكشاف ) : إنه نصر الذي مطاوعه انتصر وسمعت ~~هذليا يدعو على سارق : اللهم انصرهم منه ، أي اجعلهم منتصرين منه . # أما قوله تعالى : { إنهم كانوا قوم سوء } فالمعنى أنهم كانوا قوم سوء ~~لأجل ردهم عليه وتكذيبهم له فأغرقناهم أجمعين ، فبين ذلك الوجه الذي به ~~خلصه منهم . # ( القصة الخامسة ، قصة داود وسليمان عليهما السلام } # ! 7 < { } # ! 7 < { وداوود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا ءاتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود ~~الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين * وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم ~~فهل أنتم شاكرون * ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره إلى الا رض التى باركنا ~~فيها وكنا بكل شىء عالمين * ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ~~ذالك وكنا لهم حافظين } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 78 - 82 ) وداود وسليمان إذ . . . . . # > > # اعلم أن قوله تعالى : وداود وسليمان وأيوب وزكريا وذا النون ، كله نسق ~~على ما تقدم من قوله : { ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل } ( الأنبياء : ~~51 ) ومن قوله : { ولوطا اتيناه حكما وعلما } ( الأنبياء : 74 ) واعلم أن ~~المقصود ذكر نعم الله تعالى على داود وسليمان فذكر أولا النعمة المشتركة ~~بينهما ، ثم ذكر ما يختص به كل / واحد منهما من النعم . أما النعمة ~~المشتركة فهي القصة المذكورة وهي قصة الحكومة ، ووجه النعمة فيها أن الله ~~تعالى زينهما بالعلم PageV22P168 والفهم في قوله : { وكلا ءاتينا حكما ~~وعلما ms6394 } ثم في هذا تنبيه على أن العلم أفضل الكمالات وأعظمها ، وذلك لأن ~~الله تعالى قدم ذكره ههنا على سائر النعم الجليلة مثل تسخير الجبال والطير ~~والريح والجن . وإذا كان العلم مقدما على أمثال هذه الأشياء فما ظنك بغيرها ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن السكيت النفش أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا ~~راع ، وهذا قول جمهور المفسرين ، وعن الحسن أنه يجوز ذلك ليلا ونهارا . # المسألة الثانية : أكثر المفسرين على أن الحرث هو الزرع ، وقال بعضهم : ~~هو الكرم والأول أشبه بالعرف . # المسألة الثالثة : احتج من قال : أقل الجمع إثنان بقوله تعالى : { وكنا ~~لحكمهم شاهدين } مع أن المراد داود وسليمان . جوابه : أن الحكم كما يضاف ~~إلى الحاكم فقد يضاف إلى المحكوم له ، فإذا أضيف الحكم إلى المتحاكمين كان ~~المجموع أكثر من الإثنين ، وقرىء وكنا لحكمهما شاهدين . # المسألة الرابعة : في كيفية القصة وجهان . الأول : قال أكثر المفسرين : ~~دخل رجلان على داود عليه السلام ، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم فقال ~~صاحب الحرث : إن غنم هذا دخلت حرثي وما أبقت منه شيئا ، فقال داود عليه ~~السلام : اذهب فإن الغنم لك . فخرجا فمرا على سليمان ، فقال : كيف قضى ~~بينكما ؟ فأخبراه : فقال : لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا . فأخبر بذلك ~~داود عليه السلام فدعاه وقال : كيف كنت تقضي بينهما ، فقال : ادفع الغنم ~~إلى صاحب الحرث فيكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا كان الحرث ~~من العام المستقبل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم إلى أهلها وقبض صاحب الحرث ~~حرثه . الثاني : قال ابن مسعود وشريح ومقاتل رحمهم الله : أن راعيا نزل ذات ~~ليلة بجنب كرم ، فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان وأفسدت ~~الكرم ، فذهب صاحب الكرم من الغد إلى داود عليه السلام فقضى له بالغنم لأنه ~~لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الغنم تفاوت ، فخرجوا ومروا بسليمان فقال لهم : ~~كيف قضى بينكما ؟ فأخبراه به ، فقال غير هذا أرفق بالفريقين ، فأخبر داود ~~عليه السلام بذلك فدعا سليمان وقال له : بحق الأبوة والنبوة إلا أخبرتني ms6395 ~~بالذي هو أرفق بالفريقين ، فقال : تسلم الغنم إلى صاحب الكرم حتى يرتفق ~~بمنافعها ويعمل الراعي في إصلاح الكرم حتى يصير كما كان / ثم ترد الغنم إلى ~~صاحبها ، فقال داود عليه السلام : إنما القضاء ما قضيت وحكم بذلك . قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : حكم سليمان بذلك وهو ابن إحدى عشرة سنة ، وههنا أمور ~~ولا بد من البحث عنها . # السؤال الأول : هل في الآية دلالة على أنهما عليهما السلام اختلفا في ~~الحكم أم لا ؟ فإن أبا بكر الأصم قال : إنهما لم يختلفا ألبتة ، وأنه تعالى ~~بين لهما الحكم لكنه بينه على لسان سليمان عليه السلام . الجواب : الصواب ~~أنهما اختلفا والدليل إجماع الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على / ما ~~رويناه ، وأيضا فقد قال الله تعالى : { وكنا لحكمهم شاهدين } ثم قال : { ~~ففهمناها سليمان } والفاء للتعقيب فوجب أن يكون ذلك الحكم سابقا على هذا ~~التفهيم ، وذلك الحكم السابق إما أن يقال : اتفقا فيه أو اختلفا فيه ، فإن ~~اتفقا فيه لم يبق لقوله : { ففهمناها سليمان } فائدة وإن اختلفا فيه فذلك ~~هو المطلوب . # السؤال الثاني : سلمنا أنهما اختلفا في الحكم ولكن هل كان الحكمان صادرين ~~عن النص أو عن PageV22P169 الاجتهاد . الجواب : الأمران جائزان عندنا وزعم ~~الجبائي أنهما كانا صادرين عن النص ، ثم إنه تارة يبني ذلك على أن الاجتهاد ~~غير جائز من الأنبياء ، وأخرى على أن الاجتهاد وإن كان جائزا منهم في ~~الجملة ، ولكنه غير جائز في هذه المسألة . # أما المأخذ الأول : فقد تكلمنا فيه في الجملة في كتابنا المسمى بالمحصول ~~في الأصول ولنذكر ههنا أصول الكلام من الطرفين احتج الجبائي على أن ~~الاجتهاد غير جائز من الأنبياء عليهم السلام بأمور : أحدها : قوله تعالى : ~~{ قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ( يونس ~~: 15 ) وقوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى } ( النجم : 3 ) . وثانيها : أن ~~الاجتهاد طريقه الظن وهو قادر على إدراكه يقينا فلا يجوز مصيره إلى الظن ~~كالمعاين للقبلة لا يجوز له أن يجتهد . ثالثها : أن مخالفة الرسول توجب ms6396 ~~الكفر لقوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } ( ~~النساء : 65 ) ومخالفة المظنون والمجتهدات لا توجب الكفر . ورابعها : لو ~~جاز أن يجتهد في الأحكام غير جائز عليه . وخامسها : أن الاجتهاد إنما يجوز ~~المصير إليه عند فقد النص ، لكن فقدان النص في حق الرسول كالممتنع فوجب أن ~~لا يجوز الاجتهاد منه . وسادسها : لو جاز الاجتهاد من الرسول لجاز أيضا من ~~جبريل عليه السلام وحينئذ لا يحصل الأمان بأن هذه الشرائع التي جاء بها أهي ~~من نصوص الله تعالى أو من اجتهاد جبريل ؟ والجواب عن الأول : أن قوله تعالى ~~: { قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ( ~~يونس : 15 ) لا يدل على قولكم لأنه وارد في إبدال آية بآية لأنه عقيب قوله ~~: { قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءان غير هاذا أو بدله } ( يونس : 15 ~~) ولا مدخل للاجتهاد في ذلك . وأما قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى } ( ~~النجم : 3 ) فبعيد لأن من يجوز له الاجتهاد يقول إن الذي اجتهد فيه هو عن ~~وحي على الجملة وإن لم يكن كذلك على التفصيل ، وإن الآية واردة في الأداء ~~عن الله تعالى لا في حكمه الذي يكون بالعقل . والجواب عن الثاني : أن الله ~~تعالى إذا قال له إذا غلب على ظنك كون الحكم معللا في الأصل بكذا ، ثم غلب ~~على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بذلك فههنا الحكم مقطوع به ~~والظن غير واقع فيه بل في طريقه . والجواب عن الثالث : أنا لا نسلم أن ~~مخالفة المجتهدات جائزة مطلقا بل جواز مخالفتها مشروط بصدورها عن غير ~~المعصوم والدليل عليه أنه يجوز على الأمة أن يجمعوا اجتهادا ثم يمتنع ~~مخالفتهم وحال الرسول أؤكد . والجواب عن الرابع : لعله عليه السلام كان ~~ممنوعا من الاجتهاد في بعض الأنواع أو كان مأذونا مطلقا لكنه لم يظهر له في ~~تلك الصورة وجه الاجتهاد ، فلا جرم / أنه توقف . والجواب عن الخامس : لم لا ~~يجوز أن يحبس النص عنه في ms6397 بعض الصور فحينئذ يحصل شرط جواز الاجتهاد . ~~والجواب عن السادس : أن هذا الاحتمال مدفوع باجماع الأمة على خلافه فهذا هو ~~الجواب عن شبه المنكرين والذي يدل على جواز الاجتهاد عليهم وجوه : أحدها : ~~أنه عليه السلام إذا غلب على ظنه أن الحكم في الأصل معلل بمعنى ثم علم أو ~~ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فلا بد وأن يغلب على ظنه أن حكم الله ~~تعالى في هذه الصورة مثل ما في الأصل ، وعنده مقدمة يقينية وهي أن مخالفة ~~حكم الله تعالى سبب لاستحقاق العقاب فيتولد من هاتين المقدمتين ظن استحقاق ~~العقاب لمخالفة هذا الحكم المظنون . وعند هذا ، إما أن يقدم على الفعل ~~والترك معا وهو محال لاستحالة الجمع بين النقيضين . أو يتركهما وهو محال ~~لاستحالة الخلو عن النقيضين ، أو يرجح المرجوح على الراجح وهو باطل ببديهة ~~العقل ، أو يرجح PageV22P170 الراجح على المرجوح وذلك هو العمل بالقياس . ~~وهذه النكتة هي التي عليها التعويل في العمل بالقياس وهي قائمة أيضا في حق ~~الأنبياء عليهم السلام . وهذا يتوجه على جواز الاجتهاد من جبريل عليه ~~السلام . وثانيها : قوله تعالى : { فاعتبروا } أمر للكل بالإعتبار فوجب ~~اندراج الرسول عليه السلام فيه لأنه إمام المعتبرين وأفضلهم . وثالثها : أن ~~الإستنباط أرفع درجات العلماء فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل وإلا لكان كل ~~واحد من آحاد المجتهدين أفضل منه في هذا الباب . فإن قيل هذا إنما يلزم لو ~~لم تكن درجة أعلى من الإعتبار ، وليس الأمر كذلك ، لأنه كان يستدرك الأحكام ~~وحيا على سبيل اليقين ، فكان أرفع درجة من الاجتهاد الذي ليس قصاراه إلا ~~الظن . قلنا : لا يمتنع أن لا يجد النص في بعض المواضع ، فلو لم يتمكن من ~~الاجتهاد لكان أقل درجة من المجتهد الذي يمكنه أن يعرف ذلك الحكم من ~~الإجتهاد ، وأيضا قد بينا أن الله تعالى لما أمره بالإجتهاد كان ذلك مفيدا ~~للقطع بالحكم . ورابعها : قال عليه السلام : ( العلماء ورثة الأنبياء ) ~~فوجب أن يثبت للأنبياء درجة الإجتهاد ليرث العلماء عنهم ذلك . هذا تمام ~~القول في هذه ms6398 المسألة . وخامسها : أنه تعالى قال : { عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم } فذاك الإذن إن كان بإذن الله تعالى استحال أن يقول : لم أذنت لهم ، ~~وإن كان بهوى النفس فهو غير جائز ، وإن كان بالاجتهاد فهو المطلوب . # المأخذ الثاني : قال الجبائي : لو جوزنا الاجتهاد من الأنبياء عليهم ~~السلام ففي هذه المسألة يجب أن لا يجوز لوجوه ؛ أحدها : أن الذي وصل إلى ~~صاحب الزرع من در الماشية ومن منافعها مجهول المقدار ، فكيف يجوز في ~~الاجتهاد جعل أحدهما عوضا عن الآخر . وثانيها : أن اجتهاد داود عليه السلام ~~إن كان صوابا لزم أن لا ينقض لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد . وإن كان خطأ ~~وجب أن يبين الله تعالى توبته كسائر ما حكاه عن الأنبياء عليهم السلام ، ~~فلما مدحهما بقوله : { وكلا ءاتينا حكما وعلما } دل على أنه لم يقع الخطأ ~~من داود . وثالثها : لو حكم بالاجتهاد لكان الحاصل هناك ظنا لا علما لأن ~~الله تعالى قال : { وكلا ءاتينا حكما وعلما } . ورابعها : كيف يجوز أن يكون ~~/ عن اجتهاد من مع قوله : { ففهمناها سليمان } . والجواب عن الأول : أن ~~الجهالة في القدر لا تمنع من الاجتهاد كالجعالات وحكم المصراة . وعن الثاني ~~: لعله كان خطأ من باب الصغائر . وعن الثالث : بينا أن من تمسك بالقياس ~~فالظن واقع في طريق إثبات الحكم فأما الحكم فمقطوع به . وعن الرابع : أنه ~~إذا تأمل واجتهد فأداه اجتهاده إلى ما ذكرنا كان الله تعالى فهمه من حيث ~~بين له طريق ذلك . فهذه جملة الكلام في بيان أنه لا يمتنع أن يكون اختلاف ~~داود وسليمان عليهما السلام في ذلك الحكم إنما كان بسبب الاجتهاد . وأما ~~بيان أنه لا يمتنع أيضا أن يكون اختلافهما فيه بسبب النص فطريقه أن يقال : ~~إن داود عليه السلام كان مأمورا من قبل الله تعالى في هذه المسألة بالحكم ~~الذي حكم به ، ثم إنه سبحانه نسخ ذلك بالوحي إلى سليمان عليه السلام خاصة ~~وأمره أن يعرف داود ذلك فصار ذلك الحكم حكمهما جميعا فقوله : { ففهمناها ~~سليمان } أي أوحينا إليه فإن قيل ms6399 هذا باطل لوجهين : الأول : لما أنزل الله ~~تعالى الحكم الأول على داود وجب أن ينزل نسخه أيضا على داود لا على سليمان ~~. الثاني : أن الله تعالى مدح كلا منهما على الفهم ولو كان ذلك على سبيل ~~النص لم يكن في فهمه كثير مدح إنما المدح الكثير على قوة الخاطر والحذاقة ~~في الاستنباط . # المسألة الثالثة : إذا أثبتم أنه يجوز أن يكون اختلافهما لأجل النص وأن ~~يكون لأجل الاجتهاد فأي PageV22P171 القولين أولى . والجواب : الاجتهاد ~~أرجح لوجوه : أحدها : أنه روى في الأخبار الكثيرة أن داود عليه السلام لم ~~يكن قد بت الحكم في ذلك حتى سمع من سليمان أن غير ذلك أولى ، وفي بعضها أن ~~داود عليه السلام ناشده لكي يورد ما عنده وكل ذلك لا يليق بالنص ، لأنه لو ~~كان نصا لكان يظهره ولا يكتمه . # السؤال الرابع : بينوا أنه كيف كان طريق الاجتهاد . الجواب : أن وجه ~~الاجتهاد فيه ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من أن داود عليه السلام قوم ~~قدر الضرر بالكرم فكان مساويا لقيمة الغنم فكان عنده أن الواجب في ذلك ~~الضرر أن يزال بمثله من النفع فلا جرم سلم الغنم إلى المجنى عليه كما قال ~~أبو حنيفة رحمه الله في العبد إذا جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو ~~يفديه ، وأما سليمان عليه السلام فإن اجتهاده أدى إلى أن يجب مقابلة الأصول ~~بالأصول والزوائد بالزوائد ، فأما مقابلة الأصول بالزوائد فغير جائز لأنه ~~يقتضي الحيف والجور ، ولعل منافع الغنم في تلك السنة كانت موازية لمنافع ~~الكرم فحكم به ، كما قال الشافعي رضي الله عنه : فيمن غصب عبدا فأبق من يده ~~أنه يضمن القيمة لينتفع بها المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع ~~العبد فإذا ظهر ترادا . # السؤال الخامس : على تقدير أن ثبت قطعا أن تلك المخالفة كانت مبنية على ~~الاجتهاد ، فهل تدل هذه القصة على أن المصيب واحد أو الكل مصيبون . الجواب ~~: أما القائلون بأن المصيب واحد ففيهم من استدل بقوله تعالى : { ففهمناها ~~سليمان } قال ولو كان الكل ms6400 مصيبا لم يكن لتخصيص / سليمان عليه السلام بهذا ~~التفهيم فائدة ، وأما القائلون بأن الكل مصيبون ففيهم من استدل بقوله : { ~~وكلا ءاتينا حكما وعلما } ولو كان المصيب واحدا ومخالفه مخطئا لما صح أن ~~يقال : { وكلا ءاتينا حكما وعلما } واعلم أن الإستدلالين ضعيفان . أما ~~الأول : فلأن الله تعالى لم يقل إنه فهمه الصواب فيحتمل أنه فهمه الناسخ ~~ولم يفهم ذلك داود عليه السلام لأنه لم يبلغه وكل واحد منهما مصيب فيما حكم ~~به ، على أن أكثر ما في الآية أنها دالة على أن داود وسليمان عليهما السلام ~~ما كانامصيبين وذلك لا يوجب أن يكون الأمر كذلك في شرعنا . وأما الثاني : ~~فلأنه تعالى لم يقل إن كلا آتيناه حكما وعلما بما حكم به ، بل يجوز أن يكون ~~آتيناه حكما وعلما بوجوه الاجتهاد وطرق الأحكام ، على أنه لا يلزم من كون ~~كل مجتهد مصيبا في شرعهم أن يكون الأمر كذلك في شرعنا . # السؤال السادس : لو وقعت هذه الواقعة في شرعنا ما حكمها ؟ الجواب : قال ~~الحسن البصري : هذه الآية محكمة ، والقضاة بذلك يقضون إلى يوم القيامة ، ~~واعلم أن كثيرا من العلماء يزعمون أنه منسوخ بالإجماع ثم اختلفوا في حكمه ~~فقال الشافعي رحمه الله : إن كان ذلك بالنهار لا ضمان لأن لصاحب الماشية ~~تسييب ماشيته بالنهار ، وحفظ الزرع بالنهار على صاحبه . وإن كان ليلا يلزمه ~~الضمان لأن حفظها بالليل عليه . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا ضمان عليه ~~ليلا كان أو نهارا إذا لم يكن متعديا بالإرسال ، لقوله صلى الله عليه وسلم ~~: ( جرج العجماء جبار ) واحتج الشافعي رحمه الله بما روي عن البراء بن عازب ~~أنه قال : ( كانت ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدته فذكروا ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها ، وأن حفظ ~~الماشية بالليل على أهلها ، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل ) ~~وهذا تمام القول في هذه الآية . ثم إن الله تعالى ذكر بعد ذلك من النعم ~~التي خص بها داود عليه أمرين : الأول : قوله تعالى ms6401 : { وسخرنا مع * داوود * ~~الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين } وفيه مسائل : PageV22P172 # المسألة الأولى : في تفسير هذا التسبيح وجهان : أحدهما : أن الجبال كانت ~~تسبح ثم ذكروا وجوها . أحدها : قال مقاتل إذا ذكر داود عليه السلام ربه ~~ذكرت الجبال والطير ربها معه . وثانيها : قال الكلبي : إذا سبح داود أجابته ~~الجبال . وثالثها : قال سليمان بن حيان : كان داود عليه السلام إذا وجد ~~فترة أمر الله تعالى الجبال فسبحت فيزداد نشاطا واشتياقا . القول الثاني : ~~وهو اختيار بعض أصحاب المعاني أنه يحتمل أن يكون تسبيح الجبال والطير ~~بمثابة قوله : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) وتخصيص داود ~~عليه السلام بذلك إنما كان بسبب أنه عليه السلام كان يعرف ذلك ضرورة فيزداد ~~يقينا وتعظيما ، والقول الأول أقرب لأنه لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره . ~~وأما المعتزلة فقالوا : لو حصل الكلام من الجبل لحصل إما بفعله أو بفعل ~~الله تعالى فيه . والأول : محال لأن بنية الجبل لا تحتمل الحياة والعلم ~~والقدرة ، وما لا يكون حيا / عالما قادرا يستحيل منه الفعل . والثاني : ~~أيضا محال لأن المتكلم عندهم من كان فاعلا للكلام لا من كان محلا للكلام ، ~~فلو كان فاعل ذلك الكلام هو الله تعالى لكان المتكلم هو الله تعالى لا ~~الجبل ، فثبت أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره فعند هذا قالوا في : { وسخرنا ~~مع * داوود * الجبال يسبحن } ومثله قوله تعالى : { فضلا ياجبال أوبى معه } ~~( سبإ : 10 ) معناه تصرفي معه وسيري بأمره ويسبحن من السبح الذي السباحة ~~خرج اللفظ فيه على التكثير ولو لم يقصد التكثير لقيل يسبحن فلما كثر قيل ~~يسبحن معه ، أي سيرى وهو كقوله : { إن لك فى النهار سبحا طويلا } ( المزمل ~~: 7 ) أي تصرفا ومذهبا . إذا ثبت هذا فنقول : إن سيرها هو التسبيح لدلالته ~~على قدرة الله تعالى وعلى سائر ما تنزه عنه واعلم أن مدار هذا القول على أن ~~بنية الجبل لا تقبل الحياة ، وهذا ممنوع وعلى أن التكلم من فعل الله وهو ~~أيضا ممنوع . # المسألة الثانية : أما الطير فلا امتناع في أن ms6402 يصدر عنها الكلام ، ولكن ~~أجمعت الأمة على أن المكلفين إما الجن أو الإنس أو الملائكة فيمتنع فيها أن ~~تبلغ في العقل إلى درجة التكليف ، بل تكون على حالة كحال الطفل في أن يؤمر ~~وينهي وإن لم يكن مكلفا فصار ذلك معجزة من حيث جعلها في الفهم بمنزلة ~~المراهق ، وأيضا فيه دلالة على قدرة الله تعالى وعلى تنزهه عما لا يجوز ~~فيكون القول فيه كالقول في الجبال . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : يسبحن حال بمعنى مسبحات أو ~~استئناف كأن قائلا قال : كيف سخرهن ؟ فقال : يسبحن . والطير إما معطوف على ~~الجبال وإما مفعول معه . فإن قلت : لم قدمت الجبال على الطير ؟ قلت : لأن ~~تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز / لأنها جماد ~~والطير حيوان ناطق . # أما قوله : { وكنا فاعلين } فالمعنى أنا قادرون على أن نفعل هذا وإن كان ~~عجبا عندكم وقيل نفعل ذلك بالأنبياء عليهم السلام . # الإنعام الثالث : قوله تعالى : { وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم ~~فهل أنتم شاكرون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اللبوس اللباس ، قال ألبس لكل حالة لبوسها . # المسألة الثانية : لتحصنكم قرىء بالنون والياء والتاء وتخفيف الصاد ~~وتشديدها ، فالنون لله عز وجل والتاء للصنعة أو للبوس على تأويل الدرع ~~والياء لله تعالى أو لداود أو للبوس . PageV22P173 # المسألة الثالثة : قال قتادة : أول من صنع الدرع داود عليه السلام ، ~~وإنما كانت صفائح قبله فهو أول من سردها واتخذها حلقا ، ذكر الحسن أن لقمان ~~الحكيم عليه السلام حضره وهو يعمل الدرع ، فأراد أن يسأل عما يفعل ثم سكت ~~حتى فرغ منها ولبسها على نفسه ، فقال : الصمت حكمة وقليل فاعله قالوا إن ~~الله تعالى ألان الحديد له يعمل منه بغير نار كأنه طين . # المسألة الرابعة : البأس ههنا الحرب وإن وقع على السوء كله ، والمعنى ~~ليمنعكم ويحرسكم من / بأسكم أي من الجرح والقتل والسيف والسهم والرمح . # المسألة الخامسة : فيه دلالة على أن أول من عمل الدرع داود ثم تعلم الناس ~~منه ، فتوارث الناس عنه ذلك . فعمت النعمة بها كل المحاربين من الخلق ms6403 إلى ~~آخر الدهر ، فلزمهم شكر الله تعالى على النعمة فقال : { فهل أنتم شاكرون } ~~أي اشكروا الله على ما يسر عليكم من هذه الصنعة ، واعلم أنه سبحانه لما ذكر ~~النعم التي خص داود بها ذكر بعده النعم التي خص بها سليمان عليه السلام ، ~~وقال قتادة : ورث الله تعالى سليمان من داود ملكه ونبوته وزاده عليه أمرين ~~سخر له الريح والشياطين . # الإنعام الأول : قوله تعالى : { ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره } أي ~~جعلناها طائعة منقادة له بمعنى أنه إن أرادها عاصفة كانت عاصفة وإن أرادها ~~لينة كانت لينة والله تعالى مسخرها في الحالتين ، فإن قيل : العاصف الشديدة ~~الهبوب ، وقد وصفها الله تعالى بالرخاوة في قوله : { رخاء حيث أصاب } فكيف ~~يكون الجمع بينهما . والجواب : من وجهين : الأول : أنها كانت في نفسها رخية ~~طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال : { ~~غدوها شهر ورواحها شهر } وكانت جامعة بين الأمرين رخاء في نفسها وعاصفة في ~~عملها مع طاعتها لسليمان عليه السلام وهبوبها على حسب ما يريد ويحكم آية ~~إلى آية ومعجزة إلى معجزة . الثاني : أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفا ~~، لأجل هبوبها على حكم إرادته . # المسألة السادسة : قرىء الريح والرياح بالرفع والنصب فيهما فالرفع على ~~الابتداء والنصب للعطف على الجبال ، فإن قيل : قال في دواد : { وسخرنا مع * ~~داوود * الجبال } وقال في حق سليمان : { ولسليمان الريح } فذكره في حق داود ~~عليه السلام بكلمة مع وفي حق سليمان عليه السلام باللام وراعى هذا الترتيب ~~أيضا في قوله : { فضلا ياجبال أوبى معه والطير } وقال : { فسخرنا له الريح ~~تجرى بأمره } فما الفائدة في تخصيص داود عليه السلام بلفظ مع ، وسليمان ~~باللام قلنا يحتمل أن الجبل لما اشتغل بالتسبيح حصل له نوع شرف ، فما أضيف ~~إليه بلام التمليك ، أما الريح فلم يصدر عنه إلا ما يجري مجرى الخدمة ، فلا ~~جرم أضيف إلى سليمان بلام التمليك ، وهذا إقناعي . # أما قوله : { إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين } أي إلى المضي إلى ~~بيت المقدس ، قال الكلبي : كانت ms6404 تسير في اصطخر إلى الشام يركب عليها سليمان ~~وأصحابه . # أما قوله : { وكنا بكل شىء عالمين } أي لعلمنا بالأشياء صح منا أن ندبر ~~هذا التدبير في رسلنا وفي PageV22P174 خلقنا ، وأن نفعل هذه المعجزات ~~القاهرة . # الإنعام الثاني : قوله تعالى : { ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا ~~دون ذالك وكنا لهم حافظين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المراد أنهم يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر ~~ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدن والقصور واختراع الصنائع ~~العجيبة كما قال : { يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان } وأما ~~الصناعات فكاتخاذ الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون . # المسألة الثانية : قوله : { ومن الشياطين من يغوصون له } يعني وسخرنا ~~لسليمان من الشياطين من يغوصون له ، فيكون في موضع النصب نسقا على الريح ~~قال الزجاج ويجوز أن يكون في موضع رفع من وجهين : أحدهما : النسق على الريح ~~، وأن يكون المعنى : { ولسليمان الريح وله من يغوصون له من الشياطين ، ~~ويجوز أن يكون رفعا على الابتداء ويكون له هو الخبر . # المسألة الثالثة : يحتمل أن يكون من يغوص منهم هو الذي يعمل سائر الأعمال ~~، ويحتمل أنهم فرقة أخرى ويكون الكل داخلين في لفظة من وإن كان الأول هو ~~الأقرب . # المسألة الرابعة : ليس في الظاهر إلا أنه سخرهم ، لكنه قد روى أنه تعالى ~~سخر كفارهم دون المؤمنين وهو الأقرب من وجهين : أحدهما : إطلاق لفظ ~~الشياطين . والثاني : قوله : { وكنا لهم حافظين } فإن المؤمن إذا سخر في ~~أمر لا يجب أن يحفظ لئلا يفسد ، وإنما يجب ذلك في الكافر . # المسألة الخامسة : في تفسير قوله : { وكنا لهم حافظين } وجوه : أحدها : ~~أنه تعالى وكل بهم جمعا من الملائكة أو جمعا من مؤمني الجن . وثانيها : ~~سخرهم الله تعالى بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم من مخالفته . وثالثها : قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : يريد وسلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء ، فإن ~~قيل وعن أي شيء كانوا محفوظين قلنا فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه تعالى كان ~~يحفظهم عليه لئلا يذهبوا ويتركوه . وثانيها ؛ قال الكلبي كان يحفظهم من أن ~~يهيجوا أحدا ms6405 في زمانه . وثالثها : كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا فكان ~~دأبهم أنهم يعملون بالنهار ثم يفسدونه في الليل . # المسألة السادسة : سأل الجبائي نفسه ، وقال : كيف يتهيأ لهم هذه الأعمال ~~وأجسامهم رقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل ، وإنما يمكنهم الوسوسة ؟ وأجاب ~~بأنه سبحانه كثف أجسامهم خاصة وقواهم وزاد في عظمهم ليكون ذلك معجزا ~~لسليمان عليه السلام ، فلما مات سليمان ردهم الله إلى الخلقة الأولى لأنه ~~لو بقاهم على الخلقة الثانية لصار شبهة على الناس ، ولو ادعى متنبى النبوة ~~وجعله دلالة لكان كمعجزات الرسل فلذا ردهم إلى خلقتهم الأولى ، واعلم أن ~~هذا الكلام ساقط من وجوه : أحدها : لم قلت إن الجن من الأجسام ، ولم لا ~~يجوز وجود محدث ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ويكون الجن منهم ؟ فإن قلت : ~~لو كان الأمر كذلك لكان مثلا للباري تعالى ، قلت : هذا ضعيف لأن الاشتراك ~~في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فكيف اللوازم ~~السلبية ، سلمنا أنه جسم ، لكن لا يجوز حصول القدرة على هذه الأعمال الشاقة ~~في الجسم اللطيف ، وكلامه بناء على البنية شرط وليس في يده إلا الاستقراء ~~الضعيف . سلمنا أنه لا PageV22P175 بد من تكثيف أجسامهم لكن لم قلت بأنه لا ~~بد من ردها إلى الخلقة الأولى بعد موت سليمان عليه السلام ، فإن قال : لئلا ~~يفضي إلى التلبيس / قلنا التلبيس غير لازم ، لأن المتنبي إذا جعل ذلك معجزة ~~لنفسه فللمدعي أن يقول : لم لا يجوز أن يقال إن قوة أجسادهم كانت معجزة ~~لنبي آخر قبلك / ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبي من الاستدلال به ، ~~واعلم أن أجسام هذا العالم إما كثيفة أو لطيفة ، أما الكثيف فأكثف الأجسام ~~الحجارة والحديد وقد جعلهما الله تعالى معجزة لداود عليه السلام ، فأنطق ~~الحجر ولين الحديد وكل واحد منهما كما يدل على التوحيد والنبوة يدل على صحة ~~الحشر ، لأنه لما قدر على إحياء الحجارة فأي بعد في إحياء العظام الرميمة ، ~~وإذا قدر على أن يجعل في إصبع داود عليه السلام قوة النار مع كون الإصبع ms6406 في ~~نهاية اللطافة ، فأي بعد في أن يجعل التراب اليابس جسما حيوانيا ، وألطف ~~الأشياء في هذا العالم الهواء والنار ، وقد جعلهما الله معجزة لسليمان عليه ~~السلام ، أما الهواء فقوله تعالى : { فسخرنا له الريح } وأما النار فلأن ~~الشياطين مخلوقون منها وقد سخرهم الله تعالى فكان يأمرهم بالغوص في المياه ~~والنار تنطفيء بالماء وهم ما كان يضرهم ذلك ، وذلك يدل على قدرته على إظهار ~~الضد من الضد . # ( القصة السادسة ، قصة أيوب عليه السلام ) # ! 7 < { وأيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا ~~له فكشفنا ما به من ضر وءاتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى ~~للعابدين } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 83 - 84 ) وأيوب إذ نادى . . . . . # > > # اعلم أن في أمر أيوب عليه السلام وما ذكره الله تعالى من شأنه ههنا وفي ~~غيره من ا لقرآن من العبر والدلائل ما ليس في غيره ، لأنه تعالى مع عظيم ~~فضله أنزل به من المرض العظيم ما أنزله مما كان غيره له ولغيره ولسائر من ~~سمع بذلك وتعريفا لهم أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وأن الواجب على المرء أن ~~يصبر على ما يناله من البلاء فيها ، ويجتهد في القيام بحق الله تعالى ويصبر ~~على حالتي الضراء والسراء وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال وهب بن منبه : كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم ~~وهو أيوب ابن أنوص وكان من ولد عيص بن إسحاق وكانت أمه من ولد لوط ، وكان ~~الله تعالى قد اصطفاه وجعله نبيا ، وكان مع ذلك قد أعطاه من الدنيا حظا ~~وافرا من النعم والدواب والبساتين وأعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء ، وكان ~~رحيما بالمساكين ، وكان يكفل الأيتام والأرامل ويكرم / الضيف وكان معه ~~ثلاثة نفر قد آمنوا به وعرفوا فضله ، قال وهب : وإن لجبريل عليه السلام بين ~~يدي الله تعالى مقاما ليس لأحد من الملائكة مثله في القربة والفضيلة ، وهو ~~الذي يتلقى الكلام فإذا ذكر الله عبدا بخير تلقاه جبريل عليه السلام ثم ~~تلقاه ميكائيل عليه السلام ثم من حوله من الملائكة المقربين ، فإذا شاع ms6407 ذلك ~~فهم يصلون عليه . ثم صلت ملائكة السموات ثم ملائكة الأرض . وكان إبليس لم ~~يحجب عن شيء من السموات ، وكان يقف فيهن حيثما أراد ، ومن هناك وصل إلى ~~PageV22P176 آدم عليه السلام حتى أخرجه من الجنة . ولم يزل على ذلك حتى رفع ~~عيسى عليه السلام فحجب عن أربع . فكان يصعد بعد ذلك إلى ثلاث إلى زمان ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فحجب عند ذلك عن جميع السموات إلا من استرق ~~السمع ، قال : فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب فأدركه الحسد ، ~~فصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه ، فقال : يا رب إنك أنعمت على ~~عبدك أيوب فشكرك وعافيته فحمدك ثم لم تجربه بشدة ولا بلاء وأنا لك زعيم لئن ~~ضربته بالبلاء ليكفرن بك ، فقال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ماله . ~~فانقض الملعون حتى وقع إلى الأرض وجمع عفاريت الشياطين ، وقال لهم : ماذا ~~عندكم من القوة فإني سلطت على مال أيوب ؟ قال عفريت : أعطيت من القوة ما ~~إذا شئت تحولت إعصارا من نار فأحرقت كل شيء آتى عليه ، فقال إبليس : فأت ~~الإبل ورعاءها فذهب ولم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا ~~يدنو منها شيء إلا احترق فلم يزل يحرقها ورعاءها حتى أتى على آخرها ، فذهب ~~إبليس على شكل بعض أولئك الرعاة إلى أيوب فوجده قائما يصلي ، فلما فرغ من ~~الصلاة قال : يا أيوب هل تدري ما صنع ربك الذي اخترته بإبلك ورعائها ؟ فقال ~~أيوب : إنها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء نزعه . قال إبليس : فإن ربك ~~أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت ورعاؤها كلها وتركت الناس مبهوتين ~~متعجبين منها . فمن قائل يقول : ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور ~~، ومن قائل يقول : لو كان إله أيوب يقدر على شيء لمنع من وليه ، ومن قائل ~~آخر يقول : بل هو الذي فعل ما فعل ليشمت عدوه به ويفجع به صديقه . فقال ~~أيوب عليه السلام : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني ms6408 ، عريانا خرجت من ~~بطن أمي ، وعريانا أعود في التراب ، وعريانا أحشر إلى الله تعالى ، ولو علم ~~الله فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيدا وآجرني فيك ~~/ ولكن الله علم منك شرا فأخرك . فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا . فقال عفريت ~~آخر : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت روحه ، ~~فقال إبليس : فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاؤها . فخرج ~~إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول : ورد عليه أيوب ~~الرد الأول ، فرجع إبليس صاغرا . فقال عفريت آخر : عندي من القوة ما إذا ~~شئت تحولت ريحا عاصفة أقلع كل شيء أتيت عليه ، قال فاذهب إلى الحرث ~~والثيران فأتاهم فأهلكهم ثم رجع إبليس متمثلا حتى جاء أيوب وهو يصلي ، فقال ~~مثل قوله الأول فرد عليه أيوب الرد الأول ، فجعل / إبليس يصيب أمواله شيئا ~~فشيئا حتى أتى على جميعها . فلما رأى إبليس صبره على ذلك وقف الموقف الذي ~~كان يقفه عند الله تعالى ، وقال : يا إلهي هل أنت مسلطي على ولده ، فإنها ~~الفتنة المضلة . فقال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ولده ، فأتى أولاد ~~أيوب في قصرهم فلم يزل يزلزله بهم من قواعده حتى قلب القصر عليهم ، ثم جاء ~~إلى أيوب متمثلا بالمعلم وهو جريح مشدوخ الرأس يسيل دمه ودماغه ، فقال : لو ~~رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل أدمغتهم من أنوفهم لتقطع ~~قلبك ، فلم يزل يقول هذا ويرققه حتى رق أيوب عليه السلام وبكى وقبض قبضة من ~~التراب ووضعها على رأسه ، فاغتنم ذلك إبليس ، ثم لم يلبث أيوب عليه السلام ~~حتى استغفر واسترجع فصعد إبليس ووقف موقفه وقال : يا إلهي إنما يهون على ~~أيوب خطر المال والولد ، لعلمه أنك تعيد له المال والولد فهل أنت مسلطي على ~~جسده وإني لك زعيم لو ابتليته في جسده ليكفرن بك ، فقال تعالى : انطلق فقد ~~سلطتك على جسده وليس لك سلطان على عقله وقلبه ولسانه فانقض عدو الله سريعا ~~فوجد ms6409 أيوب عليه السلام ساجدا لله تعالى فأتاه من قبل الأرض فنفخ في منخره ~~نفخة اشتعل منها جسده وخرج به من فرقه إلى قدمه PageV22P177 ثآليل وقد وقعت ~~فيه حكة لا يملكها ، وكان يحك بأظفاره حتى سقطت أظفاره ، ثم حكها بالمسوح ~~الخشنة ثم بالفخار والحجارة ، ولم يزل يحكها حتى تقطع لحمه وتغير ونتن ، ~~فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشا ورفضه الناس كلهم غير ~~امرأته رحمة بنت افرايم بن يوسف عليه السلام فكانت تصلح أموره ، ثم إن وهبا ~~طول في الحكاية إلى أن قال : إن أيوب عليه السلام أقبل على الله تعالى ~~مستغيثا متضرعا إليه فقال : يا رب لأي شيء خلقتني يا ليتني كنت حيضة ألقتني ~~أمي ، ويا ليتني كنت عرفت الذنب الذي أذنبته ، والعمل الذي عملت حتى صرفت ~~وجهك الكريم عني ، ألم أكن للغريب دارا ، وللمسكين قرارا ، ولليتيم وليا ، ~~وللأرملة قيما ، إلهي أنا عبد ذليل إن أحسنت فالمن لك وإن أسأت فبيدك ~~عقوبتي ، جعلتني للبلاء غرضا ، وللفتنة نصبا ، وسلطت علي ما لو سلطته على ~~جبل لضعف من حمله . إلهي تقطعت أصابعي ، وتساقطت لهواتي ، وتناثر شعري وذهب ~~المال ، وصرت أسأل اللقمة فيطعمني من يمن بها علي ويعيرني بفقري وهلاك ~~أولادي . قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله ، وفي جملة هذا الكلام ~~: ليتك لو كرهتني لم تخلقني ، ثم قال : ولو كان ذلك صحيحا لاغتنمه إبليس ، ~~فإن قصده أن يحمله على الشكوى ، وأن يخرجه عن حلية الصابرين ، والله تعالى ~~لم يخبر عنه إلا قوله : { أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين } ثم قال : { ~~إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب } ( ص : 44 ) واختلف العلماء في السبب ~~الذي قال لأجله : { أنى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين } وفي مدة بلائه . ~~فالرواية الأولى : روى ابن شهاب عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ( إن أيوب عليه السلام بقي في البلاء ثماني عشرة سنة ~~/ فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان ويروحان إيه ، ~~فقال أحدهما للآخر ذات يوم : والله ms6410 لقد أذنب أيوب ذنبا / ما أذنبه أحد من ~~العالمين ، فقال له صاحبه : وما ذاك ؟ فقال : منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه ~~الله تعالى ولم يكشف ما به . فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك ~~لأيوب عليه السلام . فقال أيوب : ما أدري ما تقولون ، غير أن الله تعالى ~~يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله عز وجل فأرجع إلى بيتي ~~فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق . وفي رواية أخرى أن الرجلين ~~لما دخلا عليه وجدا ريحا فقالا : لو كان لأيوب عند الله خير ما بلغ إلى هذه ~~الحالة ، قال : فما شق على أيوب شيء مما ابتلى به أشد مما سمع منهما ، فقال ~~: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعانا وأنا أعلم بمكان جائع فصدقني فصدقه ~~وهما يسمعان ، ثم خر أيوب عليه السلام ساجدا ثم قال : اللهم إني لا أرفع ~~رأسي حتى تكشف ما بي قال فكشف الله ما به . الرواية الثانية : قال الحسن ~~رحمه الله : مكث أيوب عليه السلام بعد ما ألقى على الكناسة سبع سنين وأشهرا ~~، ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته رحمة صبرت معه وكانت تأتيه ~~بالطعام وتحمد الله تعالى مع أيوب وكان أيوب مواظبا على حمد الله تعالى ~~والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه ، فصرخ إبليس صرخة جزعا من صبر أيوب ، ~~فاجتمع جنوده من أقطار الأرض وقالوا له ما خبرك ؟ قال : أعياني هذا العبد ~~الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده فلم أدع له مالا ولا ولدا ~~ولم يزدد بذلك إلا صبرا وحمدا لله تعالى ، ثم سلطت على جسده فتركته ملقى في ~~كناسة وما يقربه إلا امرأته ، وهو مع ذلك لا يفتر عن الذكر والحمد لله ، ~~فاستعنت بكم لتعينوني عليه فقالوا له : أين مكركا أين عملك الذي أهلكت به ~~من مضى ؟ قال : بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا علي ، قالوا : أدليت آدم حين ~~أخرجته من الجنة من أين أتيته ؟ قال من قبل امرأته ms6411 ، قالوا : PageV22P178 ~~فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها لأنه لا يقر به أحد ~~غيرها . قال : أصبتم فانطلق حتى أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل ، فقال : ~~أين بعلك يا أمة الله ؟ قالت : هو هذا يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده ، ~~فلما سمعها طمع أن يكون ذلك كله جزعا ، فوسوس إليها وذكرها ما كان لها من ~~النعم والمال ، وذكرها جمال أيوب وشبابه . قال الحسن رحمه الله : فصرخت ، ~~فلما صرخت علم أنها قد جزعت فأتاها بسخلة ، وقال ليذبح هذه لي أيوب ويبرأ ، ~~قال : فجاءت تصرخ إلى أيوب يا أيوب حتى متى يعذبك ربك ، ألا يرحمك أين ~~المال ، أين الماشية ، أين الولد ، أين الصديق ، أين اللون الحسن ، أين ~~جسمك الذي قد بلى وصار مثل الرماد ، وتردد فيه الدواب أذبح هذه السخلة ~~واسترح ؟ فقال أيوب عليه السلام : أتاك عدو الله ونفخ فيك فأجبتيها ويلك ~~أترين ما تبكين عليه مما تذكرين مما كنا فيه من المال والولد والصحة ، من ~~أعطانا ذلك ؟ قالت الله . قال : فكم متعنا به ؟ قالت : ثمانين سنة . قال : ~~فمنذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء ؟ قالت : منذ سبع سنين وأشهر ، قال ويلك ~~، والله ما أنصفت ربك ، ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ~~ثمانين سنة . والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة . أمرتيني أن أذبح ~~لغير الله ، وحرام علي أن أذوق بعد هذا شيئا من طعامك وشرابك الذي تأتيني ~~به ، فطردها فذهبت ، فلما نظر / أيوب في شأنه وليس عنده طعام ولا شراب ولا ~~صديق ، وقد ذهبت امرأته خر ساجدا ، وقال : { رب إنى * مسنى الضر وأنت أرحم ~~الراحمين } فقال : ارفع رأسك فقد استجبت لك { اركض برجلك } فركض برجله ~~فنبعت عين ماء فاغتسل منها ، فلم يبق في ظاهر بدنه دابة إلا سقطت منه ، ثم ~~ضرب برجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها / فلم يبق في جوفه داء إلا ~~خرج وقام صحيحا ، وعاد إليه شبابه وجماله حتى صار أحسن ما كان ، ثم كسى حلة ~~فلما قام جعل يلتفت فلا ms6412 يرى شيئا مما كان له من الأهل والولد والمال ، إلا ~~وقد ضعفه الله تعالى حتى صار أحسن مما كان ، حتى ذكر أن الماء الذي اغتسل ~~منه تطاير على صدره جرادا من ذهب ، قال : فجعل يضمه بيده فأوحى الله إليه ~~يا أيوب ألم أغنك ؟ قال : بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها ، قال : فخرج حتى ~~جلس على مكان مشرف ، ثم إن امرأته قالت : هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت ~~جوعا وتأكله السباع لأرجعن إليه ، فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة ولا تلك ~~الحال وإذا بالأمور قد تغيرت ، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك ~~بعين أيوب عليه السلام ، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه وتسأله عنه فأرسل إليها ~~أيوب عليه السلام ودعاها وقال : ما تريدين يا أمة الله ؟ فبكت وقالت : أردت ~~ذلك المبتلي الذي كان ملقى على الكناسة ، فقال لها أيوب عليه السلام : ما ~~كان منك ، فبكت وقالت بعلي ، فقال : أتعرفينه إذا رأيتيه ، قالت وهل يخفى ~~على أحد يراها فتبسم وقال : أنا هو ، فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال إنك ~~أمرتيني أن أذبح سخلة لإبليس ، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله ~~تعالى فرد علي ما ترين . الرواية الثالثة : قال الضحاك ومقاتل : بقي في ~~البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات وقال وهب رحمه الله بقي ~~في البلاء ثلاث سنين ، فلما غلب أيوب إبليس لعنه الله ذهب إبليس إلى امرأته ~~على هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس ~~وقال لها : أنت صاحبة أيوب ؟ قالت : نعم ، قال : فهل تعرفيني ؟ قالت لا : ~~قال : أنا إله الأرض أنا صنعت بأيوب ما صنعت ، وذلك أنه عبد إله السماء ~~وتركني فأغضبني ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليك وعليه جميع مالكما من مال ~~وولد فإن ذلك عندي ، قال وهب وسمعت أنه قال : لو أن صاحبك أكل طعاما ولم ~~يسم الله تعالى لعوفي مما هو فيه PageV22P179 من البلاء ، وفي رواية أخرى : ~~بل قال لها لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد ms6413 عليك المال والولد وأعافي ~~زوجك ، فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها ، فقال لها أيوب : أتاك عدو ~~الله ليفتنك عن دينك ، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجدلنك مائة جلدة ، وقال ~~عند ذلك { مسنى الضر } يعني من طمع إبليس في سجودي له وسجود زوجتي ودعائه ~~إياها وإياي إلى الكفر . الرواية الرابعة : قال وهب : كانت امرأة أيوب عليه ~~السلام تعمل للناس وتأتيه بقوته ، فلما طال عليه البلاء سئمها الناس فلم ~~يستعملوها فالتمست ذات يوم شيئا من الطعام فلم تجد شيئا فجزت قرنا من رأسها ~~فباعته برغيف فأتته به فقال لها : أين قرنك فأخبرته بذلك ، فحينئذ قال : { ~~مسنى الضر } . الرواية الخامسة : قال إسماعيل السدي : لم يقل أيوب مسني ~~الضر إلا لأشياء / ثلاث . أحدها : قول الرجلين له لو كان عملك الذي كنا نرى ~~لله تعالى لما أصابك الذي أصابك . وثانيها : كان لامرأته ثلاث ذوائب فعمدت ~~إلى إحداها وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزا ولحما فجاءت إلى أيوب عليه ~~السلام فقال من أين هذا ؟ فقالت : كل فإنه حلال فلما كان من الغد لم تجد ~~شيئا فباعت الثانية وكذلك فعلت في اليوم الثالث ، وقالت : كل فإنه حلال ~~فقال : لا آكل ما لم تخبريني فأخبرته ، فبلغ ذلك من أيوب ما الله به عليم ، ~~وقيل : إنما باعت ذوائبها لأن إبليس تمثل لقوم في صورة بشر ، وقال : لئن ~~تركتم أيوب في قريتكم فإني أخاف أن يعدي إليكم ما به من العلة فأخرجوه إلى ~~باب البلد ، ثم قال لهم : إن امرأته تدخل في بيوتكم وتعمل وتمس زوجها أما ~~تخافون أن تعدي إليكم علته ، فحينئذ لم يستعملها أحد فباعت ضفيرتها . ~~وثالثها : حين قالت له امرأته ما قالت فحينئذ دعا . الرواية السادسة : قيل ~~: سقطت دودة من فخذه فرفعها وردها إلى موضعها ، وقال قد جعلني الله تعالى ~~طعمة لك فعضته عضة شديدة ، فقال : مسني الضر . فأوحى الله تعالى إليه لولا ~~أني جعلت تحت كل شعرة منك صبرا لما صبرت . # المسألة الثانية : إعلم أن المعتزلة قد طعنوا في هذه القصة من وجوه . ~~أحدها : قال الجبائي ms6414 : ذهب بعض الجهال إلى أن ما كان به من المرض كان فعلا ~~للشيطان سلطه الله عليه ، لقوله تعالى حكاية عنه : { مسنى الشيطان بنصب ~~وعذاب } وهذا جهل ، أما أولا فلأنه لو قدر على إحداث الأمراض والأسقام ~~وضدهما من العافية لتهيأ له فعل الأجسام ، ومن هذا حاله يكون إلها ، وأما ~~ثانيا فلأن الله تعالى أخبر عنه وعن جنوده بأنه قال : { وما كان لى عليكم ~~من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) والواجب تصديق خبر ~~الله تعالى ، دون الرجوع إلى ما يروى عن وهب بن منبه رضي الله عنه . واعلم ~~أن هذا الاعتراض ضعيف لأن المذكور في الحكاية أن الشيطان نفخ في منخره ~~فوقعت الحكة فيه ، فلم قلتم إن القادر على النفخة التي تولد مثل هذه الحكة ~~لا بد وأن يكون قادرا على خلق الأجسام ، وهل هذا إلا محض التحكم ، وأما ~~التمسك بالنص فضعيف لأنه إنما يقدم على هذا الفعل متى علم أنه لو أقدم عليه ~~لما منعه الله تعالى عنه ، وهذه الحالة لم تحصل إلا في حق أيوب عليه السلام ~~على ما دلت الحكاية عليه من أنه استأذن الله تعالى فأذن له فيه ، ومتى كان ~~كذلك لم يبق بين ذلك النص وبين هذه الحكاية مناقضة . وثانيها : قالوا : ما ~~روي أنه عليه السلام لم يسأل إلا عند أمور مخصوصة فبعيد ، لأن الثابت في ~~العقل أنه يحسن من المرء أن يسأل في ذلك ربه ويفزع إليه كما يحسن منه ~~المداواة ، وإذا جاز أن يسأل ربه عند الغم مما يراه من إخوانه وأهله جاز ~~أيضا أن يسأل ربه PageV22P180 من قبل نفسه ، فإن قيل : أفلا يجوز أنه تعالى ~~تعبده بأن لا يسأل الكشف إلا في آخر أمره ، قلنا : يجوز ذلك بأن يعلمه بأن ~~إنزال ذلك به مدة مخصوصة من مصالحه ومصالح غيره لا محالة ، فعلم عليه ~~السلام أنه لا وجه للمسألة في هذا الأمر الخاص ، فإذا قرب الوقت جاز أن ~~يسأل ذلك ، من حيث يجوز أن يدوم ويجوز أن ينقطع . وثالثها : قالوا : انتهاء ~~ذلك ms6415 المرض إلى حد التنفير عنه غير / جائز ، لأن الأمراض المنفرة من القبول ~~غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام فهذا جملة ما قيل في هذه الحكاية . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) قوله تعالى : { أنى مسنى الضر } ~~أي ناداه بأني مسني الضر ، وقرىء إني بالكسر على إضمار القول أو لتضمين ~~النداء معناه ، والضر بالفتح الضرر في كل شيء ، وبالضم الضرر في النفس من ~~مرض وهزال . # المسألة الرابعة : أنه عليه السلام ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب ~~الرحمة وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب ، فإن قيل : أليس أن ~~الشكوى تقدح في كونه صابرا . والجواب : قال سفيان بن عيينة رحمه الله من ~~شكا إلى الله تعالى فإنه لا يعد ذلك جزعا إذا كان في شكواه راضيا بقضاء ~~الله إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء ، ألم تسمع قول يعقوب عليه السلام ~~: { إنما * أشكو بثى وحزنى إلى الله } ( يوسف : 86 ) أما قوله : { وأنت ~~أرحم الرحمين } فالدليل على أنه سبحانه : { أرحم الرحمين } أمور . أحدها : ~~أن كل من رحم غيره فأما أن يرحمه طلبا للثناء في الدنيا أو الثواب في ~~الآخرة أو دفعا للرقة الجنسية عن الطبع ، وحينئذ يكون مطلوب ذلك الراحم ~~منفعة نفسه ، أما الحق سبحانه فإنه يرحم عباده من غير وجه من هذه الوجوه ، ~~ومن غير أن يعود إليه من تلك الرحمة زيادة ولا نقصان من الثناء ومن صفات ~~الكمال ، فكان سبحانه أرحم الراحمين . وثانيها : أن كل من يرحم غيره فلا ~~يكون ذلك إلا بمعونة رحمة الله تعالى لأن من أعطى غيره طعاما أو ثوبا أو ~~دفع عنه بلاء ، فلولا أنه سبحانه خلق المطعوم والملبوس والأدوية والأغذية ~~وإلا لما قدر أحد على إعطاء ذلك الشيء ، ثم بعد وصول تلك العطية إليه ، ~~فلولا أنه سبحانه جعله سببا للراحة لما حصل النفع بذلك ، فإذا رحمة العباد ~~مسبوقة برحمة الله تعالى وملحوقة برحمته بل رحمتهم فيما بين الطرفين ~~كالقطرة في البحر ، فوجب أن يكون تعالى هو أرحم الراحمين . وثالثها : أن ~~الله تعالى لو لم يخلق ms6416 في قلب العبد تلك الدواعي والإرادات لاستحال صدور ~~ذلك الفعل عنه ، فكان الراحم هو الحق سبحانه ، من حيث إنه هو الذي أنشأ تلك ~~الداعية ، فثبت أنه أرحم الراحمين فإن قيل كيف يكون أرحم الراحمين مع أنه ~~سبحانه ملأ الدنيا من الآفات والأسقام والأمراض والآلام وسلط البعض على ~~البعض بالذبح والكسر والإيذاء ، وكان قادرا على أن يغني كل واحد عن إيلام ~~الآخر وإيذائه ؟ والجواب : أن كونه سبحانه ضارا لا ينافي كونه نافعا ، بل ~~هو الضار النافع فإضراره ليس لدفع مشقة وإنفاعه ليس لجلب منفعة ، بل لا ~~يسأل عما يفعل . # أما قوله تعالى : { فاستجبنا له } فإنه يدل على أنه دعا ربه ، لكن هذا ~~الدعاء قد يجوز أن يكون واقعا منه على سبيل التعريض ، كما يقال إن رأيت أو ~~أردت أو أحببت فافعل كذا . ويجوز أن يكون على سبيل التصريح وإن كان الأليق ~~بالأدب وبدلالة الآية هو الأول ، ثم إنه سبحانه بين أن كشف ما به من ضر ~~وذلك يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله ، وبين الله تعالى أنه آتاه ~~أهله ويدخل / فيه من ينسب إليه من زوجة وولد PageV22P181 وغيرهما ثم فيه ~~قولان : أحدهما : وهو قول ابن مسعود وابن عباس وقتادة ومقاتل والكلبي وكعب ~~رضي الله عنهم أن الله تعالى أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم . والثاني ~~: روى الليث رضي الله عنه ، قال : أرسل مجاهد إلى عكرمة وسأله عن الآية ~~فقال : قيل له إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا ، وإن ~~شئت كانوا لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في الدنيا . فقال : يكونون لي في ~~الآخرة وأوتي مثلهم في الدنيا . والقول الأول أولى لأن قوله : { فاستجبنا ~~له } يدل بظاهره على أنه تعالى أعادهم في الدنيا وأعطاه معهم مثلهم أيضا . # وأما قوله تعالى : { وذكرى للعابدين } ففيه دلالة على أنه تعالى فعل ذلك ~~لكي يتفكر فيه فيكون داعية للعابدين في الصبر والإحتساب ، وإنما خص ~~العابدين بالذكر ( ى ) لأنهم يختصون بالانتفاع بذلك . # ( القصة السابعة ) # ! 7 < { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من ms6417 الصابرين * وأدخلناهم فى رحمتنا ~~إنهم من الصالحين } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 85 - 86 ) وإسماعيل وإدريس وذا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر صبر أيوب عليه السلام وانقطاعه إليه أتبعه بذكر ~~هؤلاء فإنهم كانوا أيضا من الصابرين على الشدائد والمحن والعبادة ، أما ~~إسماعيل عليه السلام فلأنه صبر على الإنقياد للذبح ، وصبر على المقام ببلد ~~لا زرع فيه ولا ضرع ولا بناء ، وصبر في بناء البيت ، فلا جرم أكرمه الله ~~تعالى وأخرج صلبه خاتم النبيين ، وأما إدريس عليه السلام فقد تقدمت قصته في ~~سورة مريم عليها السلام ، قال ابن عمر رضي الله عنهما : ( بعث إلى قومه ~~داعيا لهم إلى الله تعالى فأبوا فأهلكهم الله تعالى ورفع إدريس إلى السماء ~~الرابعة ) وأما ذوا الكفل ففيه مسائل : # المسألة الأولى : فيها بحثان : # الأول : قال الزجاج الكفل في اللغة الكساء الذي يجعل على عجز البعير ، ~~والكفل أيضا النصيب واختلفوا في أنه لم سمي بهذا الاسم على وجوه . أحدها : ~~وهو قول المحققين أنه كان له ضعف عمل الأنبياء عليهم السلام في زمانه وضعف ~~ثوابهم . وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية : ( إن نبيا من ~~أنبياء بني إسرائيل آتاه الله الملك والنبوة ثم أوحى الله إليه أني أريد ~~قبض روحك ، فأعرض ملكك على بني إسرائيل ، فمن تكفل لك أنه يصلي بالليل حتى ~~يصبح ويصوم بالنهار فلا يفطر ، ويقضي بين الناس فلا يغضب فادفع ملكك إليه ، ~~فقام ذلك النبي في بني إسرائيل / وأخبرهم بذلك ، فقام شاب وقال : أنا أتكفل ~~لك بهذا . فقال في القوم : من هو أكبر منك فاقعد ثم صاح الثانية والثالثة ~~فقام الرجل وقال : أتكفل لك بهذه الثلاث فدفع إليه ملكه ، ووفى بما ضمن . ~~فحسده إبليس فأتاه وقت ما يريد أن يقيل ، فقال : إن لي غريما قد مطلني ~~PageV22P182 حقي وقد دعوته إليك فأبى فأرسل معي من يأتيك به ، فأرسل معه ~~وقعد حتى فاتته القيلولة ودعا إلى صلاته وصلى ليله إلى الصباح ، ثم أتاه من ~~الغد عند القيلولة فقال : إن الرجل الذي استأذنتك له في موضع كذا فلا تبرح ms6418 ~~حتى آتيك به ، فذهب وبقي منتظرا حتى فاتته القيلولة ، ثم أتاه فقال له : ~~هرب مني فمضى ذو الكفل إلى صلاته فصلى ليلته حتى أصبح ، فأتاه إبليس وعرفه ~~نفسه ، وقال له : حسدتك على عصمة الله إياك فأردت أن أخرجك حتى لا تفي بما ~~تكفلت به ، فشكره الله تعالى على ذلك ونبأه ، فسمي ذا الكفل ) . وعلى هذا ~~فالمراد بالكفل هنا الكفالة . وثالثها : قال مجاهد : لما كبر اليسع عليه ~~السلام ، قال : لو أني استخلفت رجلا على الناس في حياتي حتى أنظر كيف يعمل ~~، فجمع الناس وقال من يتقبل مني حتى استخلفه ثلاثا يصلي بالليل ويصوم ~~بالنهار ويقضي فلا يغضب ، وذكر علي كرم الله وجهه نحو ما ذكره ابن عباس رضي ~~الله عنه من فعل إبليس وتفويته عليه القيلولة ثلاثة أيام . وزاد أن ذا ~~الكفل قال للبواب في اليوم الثالث : قد غلب علي النعاس فلا تدعن أحدا يقرب ~~هذا الباب حتى أنام فإني قد شق علي النعاس ، فجاء إبليس فلم يأذن له البواب ~~فدخل من كوة في البيت وتسور فيها فإذا هو يدق الباب من داخل ، فاستيقظ ~~الرجل وعاتب البواب ، فقال : أما من قبلي فلم تؤت . فقام إلى الباب فإذا هو ~~مغلق وإبليس على صورة شيخ معه في البيت ، فقال له : أتنام والخصوم على ~~الباب . فعرفه فقال : أنت إبليس ، قال نعم أعييتني في كل شيء ففعلت هذه ~~الأفعال لأغضبك فعصمك الله مني . فسمي ذا الكفل لأنه قد وفى بما تكفل به . # المسألة الثانية : قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ومجاهد ذو الكفل لم ~~يكن نبيا ولكن كان عبدا صالحا ، وقال الحسن والأكثرون إنه من الأنبياء ~~عليهم السلام وهذا أولى الوجوه : أحدها : أن ذا الكفل يحتمل أن يكون لقبا ~~وأن يكون اسما ، والأقرب أن يكون مفيدا ، لأن الاسم إذا أمكن حمله على ما ~~يفيد فهو أولى من اللقب . إذا ثبت هذا فنقول الكفل هو النصيب والظاهر أن ~~الله تعالى إنما سماه بذلك على سبيل التعظيم ، فوجب أن يكون ذلك الكفل هو ~~كفل الثواب فهو ms6419 إنما سمي بذلك لأن عمله وثواب عمله كان ضعف عمل غيره وضعف ~~ثواب غيره ولقد كان في زمنه أنبياء على ما روي ومن ليس بنبي لا يكون أفضل ~~من الأنبياء . وثانيها : أنه تعالى قرن ذكره بذكر إسماعيل وإدريس والغرض ~~ذكر الفضلاء من عباده ليتأسى بهم وذلك يدل على نبوته . وثالثها : أن السورة ~~ملقبة بسورة الأنبياء فكل من ذكره الله تعالى فيها فهو نبي . # المسألة الثالثة : قيل إن ذا الكفل زكريا وقيل يوشع وقيل إلياس ، ثم ~~قالوا خمسة من الأنبياء سماهم الله تعالى باسمين : إسرائيل ويعقوب ، إلياس ~~وذو الكفل ، عيسى والمسيح ، يونس / وذو النون ، محمد وأحمد . # وأما قوله تعالى : { كل من الصابرين } أي على القيام بأمر الله تعالى ~~واحتمال الأذى في نصرة دينه . وقوله : { وأدخلناهم فى رحمتنا } قال مقاتل : ~~الرحمة النبوة ، وقال آخرون بل يتناول جميع أعمال البر والخير . # ( القصة الثامنة ، قصة يونس عليه السلام ) # ! 7 < { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى فى الظلمات ~~أن لا إلاه إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من ~~الغم وكذالك ننجى المؤمنين } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 87 - 88 ) وذا النون إذ . . . . . # > > PageV22P183 # اعلم أن هنها مسائل : # المسألة الأولى : أنه لا خلاف في أن ذا النون هو يونس عليه السلام لأن ~~النون هو السمكة ، وقد ذكرنا أن الاسم إذا دار بين أن يكون لقبا محضا وبين ~~أن يكون مفيدا ، فحمله على المفيد أولى ، خصوصا إذا علمت الفائدة التي يصلح ~~لها ذلك الوصف . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن وقوعه عليه السلام في بطن السمكة كان ~~قبل اشتغاله بأداء رسالة الله تعالى أو بعده . أما القول الأول : فقال ابن ~~عباس رضي الله عنه : كان يونس عليه السلام وقومه يسكنون فلسطين ، فغزاهم ~~ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفا ، وبقي سبطان ونصف . فأوحى الله تعالى إلى ~~شعيب النبي عليه السلام أن اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبيا قويا ~~أمينا فإني ألقى في قلوب أولئك أن يرسلوا معه بني إسرائيل . فقال له ms6420 الملك ~~: فمن ترى وكان في مملكته خمسة من الأنبياء ، فقال يونس بن متى : فإنه قوي ~~أمين فدعا الملك بيونس وأمره أن يخرج فقال يونس : هل أمرك الله بإخراجي ؟ ~~قال : لا ، قال فهل سماني لك ؟ قال : لا قال فههنا أنبياء غيري ، فألحوا ~~عليه فخرج مغاضبا للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوما هيأوا سفينة فركب ~~معهم فلما تلججت السفينة تكفأت بهم وكادوا أن يغرقوا ، فقال الملاحون : ~~ههنا رجل عاص أو عبد آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح إلا وفيها رجل ~~عاص ، ومن رسمنا أنا إذا ابتلينا بمثل هذا البلاء أن نقترع فمن وقعت عليه ~~القرعة ألقيناه في البحر ، ولأن يغرق ( و ) أحد خير من أن تغرق السفينة ، ~~فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة فيها كلها على يونس عليه السلام ، فقال : ~~أنا / الرجل العاصي والعبد الآبق ، وألقى نفسه في البحر فجاء حوت فابتلعه ، ~~فأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة . فإني جعلت بطنك سجنا له ولم ~~أجعله طعاما لك ، ثم لما نجاه الله تعالى من بطن الحوت نبذه بالعراء كالفرخ ~~المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد ، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين يستظل ~~بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد ، فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس عليه ~~السلام فقيل له : أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون ، حيث لم ~~تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم . ثم أوحى الله إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه ~~يونس عليه السلام نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فأتاهم يونس عليه ~~السلام ، وقال لملكهم إن الله تعالى أرسلني إليك لترسل معي بني إسرائيل ، ~~فقالوا : ما نعرف ما تقول ، ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ، ولقد أتيناكم في ~~دياركم وسبيناكم فلو كان كما تقول لمنعنا الله عنكم ، فطاف ثلاثة أيام ~~يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله تعالى إليه : قل لهم إن لم تؤمنوا ~~جاءكم العذاب فأبلغهم فأبوا ، فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم ~~فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه ms6421 ، ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس للعلماء ~~الذين كانوا في دينهم ، فقالوا انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها ~~فليس مما ذكر من نزول العذاب شيء ، وإن كان قد خرج فهو كما قال : فطلبوه ~~فقيل لهم إنه خرج العشي فلما آيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم ~~ولا غنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات ، ثم قاموا ~~ينتظرون الصبح . فلما انشق الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ~~ووضعت الحوامل ما في بطونها / وصاح الصبيان وثغت الأغنام والبقر ، فرفع ~~الله تعالى عنهم PageV22P184 العذاب ، فبعثوا إلى يونس عليه السلام فآمنوا ~~به ، وبعثوا معه بني إسرائيل . فعلى هذا القول كانت رسالة يونس عليه السلام ~~بعد ما نبذه الحوت ، ودليل هذا القول قوله تعالى في سورة الصافات : { ~~فنبذناه بالعراء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * وأرسلناه إلى ~~مائة ألف أو يزيدون } ( الصافات : 145 147 ) وفي هذا القول رواية أخرى وهي ~~أن جبريل عليه السلام قال ليونس عليه السلام : انطلق إلى أهل نينوى وأنذرهم ~~أن العذاب قد حضرهم ، فقال يونس عليه السلام : التمس دابة فقال الأمر أعجل ~~من ذلك فغضب وانطلق إلى السفينة ، وباقي الحكاية كما مرت إلى أن التقمه ~~الحوت فانطلق إلى أن وصل إلى نينوى فألقاه هناك . أما القول الثاني : وهو ~~أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم قالوا ~~إنهم لما لم يؤمنوا وعدهم بالعذاب ، فلما كشف العذاب عنهم بعد ما توعدهم به ~~خرج منهم مغاضبا ، ثم ذكروا في سبب الخروج والغضب أمورا . أحدها : أنه ~~استحى أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الكذب . وثانيها : أنه كان من عادتهم ~~قتل الكاذب . وثالثها : أنه دخلته الأنفة . ورابعها : لما لم ينزل العذاب ~~بأولئك ، وأكثر العلماء على القول بأن قصة الحوت وذهاب يونس عليه السلام ~~مغاضبا بعد أن أرسله الله تعالى إليهم ، وبعد رفع العذاب عنهم . # المسألة الثالثة : احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء عليهم السلام ~~بهذه الآية من / وجوه . أحدها : أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس ms6422 مغاضبا ~~لربه ويقال ، هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ~~ووهب واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير فإذا كان كذلك فيلزم أن مغاضبته لله ~~تعالى من أعظم الذنوب ، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله تعالى ~~بل كانت مع ذلك الملك أو مع القوم فهو أيضا كان محظورا لأن الله تعالى قال ~~: { فاصبر لحكم ربك * ولا تكن كصاحب الحوت } ( القلم : 48 ) وذلك يقتضي أن ~~ذلك الفعل من يونس كان محظورا . وثانيها : قوله تعالى : { فظن أن لن نقدر ~~عليه } وذلك يقتضي كونه شاكا في قدرة الله تعالى . وثالثها : قوله : { إنى ~~كنت من الظالمين } والظلم من أسماء الذم لقوله تعالى : { ألا لعنة الله على ~~الظالمين } ( هود : 18 ) . ورابعها : أنه لو لم يصدر منه الذنب ، فلم عاقبه ~~الله بأن ألقاه في بطن الحوت . وخامسها : قوله تعالى في آية أخرى : { ~~فالتقمه الحوت وهو مليم } ( الصافات : 142 ) والمليم هو ذو الملامة ، ومن ~~كان كذلك فهو مذنب . وسادسها : قوله : { ولا تكن كصاحب الحوت } فإن لم يكن ~~صاحب الحوت مذنبا لم يجز النهي عن التشبه به وإن كان مذنبا فقد حصل الغرض . ~~وسابعها : أنه قال : { ولا تكن كصاحب الحوت } وقال : { فاصبر كما صبر أولوا ~~العزم من الرسل } ( الأحقاف : 35 ) فلزم أن لا يكون يونس من أولي العزم ~~وكان موسى من أولي العزم ، ثم قال : في حقه لو كان ابن عمران حيا ما وسعه ~~إلا اتباعي ، وقال في يونس : ( لا تفضلوني على يونس بن متى ) وهذا خارج عن ~~تفسير الآية . والجواب عن الأول أنه ليس في الآية من غاضبه ، لكنا نقطع على ~~أنه لا يجوز على نبي الله أن يغاضب ربه ؛ لأن ذلك صفة من يجهل كون الله ~~مالكا للأمر والنهي والجاهل بالله لا يكون مؤمنا فضلا عن أن يكون نبيا ، ~~وأما ما روي أنه خرج مغاضبا لأمر يرجع إلى الاستعداد ، وتناول النفل فمما ~~يرتفع حال الأنبياء عليهم السلام عنه ، لأن الله تعالى إذا أمرهم بشيء فلا ~~يجوز أن يخالفوه لقوله ms6423 تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } ( الأحزاب : 36 ) وقوله : { فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم } إلى قوله : { ثم لا يجدوا فى ~~أنفسهم حرجا مما قضيت } PageV22P185 ( النساء : 65 ) فإذا كان في الاستعداد ~~مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم ، وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة ~~إلى الله تعالى ، وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضبا لغير الله ، والغالب ~~أنه إنما يغاضب من يعصيه فيما يأمره به فيحتمل قومه أو الملك أو هما جميعا ~~، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العذاب عليهم عندها ~~، وقرأ أبو شرف مغضبا . # أما قوله مغاضبة القوم أيضا كانت محظورة لقوله تعالى : { ولا تكن كصاحب ~~الحوت } ( القلم : 48 ) قلنا لا نسلم أنها كانت محظورة ، فإن الله تعالى ~~أمره بتبليغ تلك الرسالة إليهم ، وما أمره بأن يبقى معهم أبدا مظاهر الأمر ~~لا يقتضي التكرار ، فلم يكن خروجه من بينهم معصية ، وأما الغضب فلا نسلم ~~أنه معصية وذلك لأنه لما لم يكن منهيا عنه قبل ذلك فظن أن ذلك جائز ، من ~~حيث إنه لم يفعله إلا غضبا لله تعالى وأنفة لدينه وبغضا للكفر وأهله ، بل ~~كان الأولى له أن يصابر وينتظر الإذن من الله / تعالى في المهاجرة عنهم ، ~~ولهذا قال تعالى : { ولا تكن كصاحب الحوت } كأن الله تعالى أراد لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم أفضل المنازل وأعلاها . والجواب عن الشبهة الثانية : وهي ~~التمسك بقوله تعالى : { فظن أن لن نقدر عليه } أن نقول من ظن عجز الله ~~تعالى فهو كافر ، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين ، فكيف ~~إلى الأنبياء عليهم السلام فإذن لا بد فيه من التأويل وفيه وجوه : أحدها : ~~{ فظن أن لن نقدر عليه } لن نضيق عليه وهو كقوله تعالى : { الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء من عباده ويقدر } ( العنكبوت : 12 ) أي يضيق : { ومن قدر عليه ~~رزقه } ( الفجر : 16 ) أي ضيق : { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } ( ~~الطلاق ms6424 : 7 ) أي ضيق ومعناه أن لن نضيق عليه ، واعلم أن على هذا التأويل ~~تصير الآية حجة لنا ، وذلك لأن يونس عليه السلام ظن أنه مخير إن شاء أقام ~~وإن شاء خرج ، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره ، وكان في المعلوم أن ~~الصلاح في تأخر خروجه ، وهذا من الله تعالى بيان لما يجري مجرى العذر له من ~~حيث خرج ، لا على تعمد المعصية لكن لظنه أن الأمر في خروجه موسع يجوز أن ~~يقدم ويؤخر ، وكان الصلاح خلاف ذلك . وثانيها : أن يكون هذا من باب التمثيل ~~بمعنى فكانت حالته ممثلة بحالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من ~~غير انتظار لأمر الله تعالى . وثالثها : أن تفسر القدرة بالقضاء فالمعنى ~~فظن أن لن نقضي عليه بشدة ، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي ، ورواية ~~العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهم واختيار الفراء والزجاج ، قال الزجاج : ~~نقدر بمعنى نقدر . يقال : قدر الله الشيء قدرا وقدره تقديرا ، فالقدر بمعنى ~~التقدير وقرأ عمر بن عبد العزيز والزهري : ( فظن أن لن نقدر عليه بضم ) ~~النون والتشديد من التقدير ، وقرأ عبيد بن عمر بالتشديد على المجهول وقرأ ~~يعقوب : ( يقدر عليه ) بالتخفيف على المجهول ، وروي أنه دخل ابن عباس رضي ~~الله عنهما على معاوية رضي الله عنه ، فقال معاوية : لقد ضربتني أمواج ~~القرآن البارحة فعرفت فيها فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك فقال : وما هي ؟ قال ~~: يظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما هذا ~~من القدر لا من القدرة . ورابعها : فظن أن لن نقدر : أي فظن أن لن نفعل لأن ~~بين القدرة والفعل مناسبة فلا يبعد جعل أحدهما مجازا عن الآخر . وخامسها : ~~أنه استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه عن ابن زيد . ~~وسادسها : أن على قول من يقول هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس عليه السلام ~~كان هذا الظن حاصلا قبل الرسالة ، ولا يبعد في حق غير الأنبياء والرسل أن ~~يسبق ذلك إلى وهمه ms6425 بوسوسة الشيطان . ثم إنه يرده بالحجة والبرهان . والجواب ~~عن الثالث : وهو التمسك بقوله : { إنى كنت من الظالمين } فهو أن نقول إنا ~~لو حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام ، ولو حملناه على ما بعدها فهي واجبة ~~PageV22P186 التأويل لأنا لو أجريناها على ظاهرها ، لوجب القول بكون النبي ~~مستحقا للعن ، وهذا لا يقوله مسلم ، وإذا وجب التأويل فنقول لا شك أنه كان ~~تاركا للأفضل مع القدرة على تحصيل الأفضل فكان ذلك ظلما . والجواب عن ~~الرابع : أنا لا نسلم أن ذلك كان عقوبة إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا ، ~~بل المراد به المحنة ، لكن كثير من المفسرين يذكرون في كل مضرة تفعل / لأجل ~~ذنب أنها عقوبة . والجواب عن الخامس : أن الملامة كانت بسبب ترك الأفضل . # المسألة الرابعة : قال صاحب ( الكشاف ) في الظلمات أي في الظلمة الشديدة ~~المتكاثفة في بطن الحوت كقوله تعالى : { ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات } ~~( البقرة : 17 ) وقوله : { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ( البقرة : 257 ~~) ومنهم من اعتبر أنواعا مختلفة من الظلمات فإن كان النداء في الليل فهناك ~~ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت ، وإن كان في النهار أضيف إليه ظلمة أمعاء ~~الحوت ، أو أن حوتا ابتلع الحوت الذي هو في بطنه ، أو لأن الحوت إذا عظم ~~غوصه في قعر البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة ، أما قول من قال : ~~إن الحوت الذي ابتلعه غاص في الأرض السابعة فإن ثبت ذلك بخبر فلا كلام ، ~~وإن قيل بذلك لكي يقع نداؤه في الظلمات فما قدمناه يغني عن ذلك . # أما قوله : { أن لا إلاه إلا أنت } فالمعنى بأنه لا إله إلا أنت ، أو ~~بمعنى أي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من مكروب يدعو بهذا ~~الدعاء إلا استجيب له ) وعن الحسن : ما نجاه الله تعالى إلا بإقراره عن ~~نفسه بالظلم . # أما قوله سبحانك فهو تنزيه عن كل النقائص ومنها العجز ، وهذا يدل على أنه ~~ما كان مراده من قوله : { فظن أن لن نقدر عليه } أنه ظن العجز ms6426 ، وإنما قال ~~: { سبحانك } لأن تقديره سبحانك أن تفعل ذلك جورا أو شهوة للانتقام ، أو ~~عجزا عن تخليصي عن هذا الحبس ، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة . # أما قوله : { إنى كنت من الظالمين } فالمعنى ظلمت نفسي بفراري من قومي ~~بغير إذنك ، كأنه قال : كنت من الظالمين ، وأنا الآن من التائبين النادمين ~~، فاكشف عني المحنة ، يدل عليه قوله : { فاستجبنا له } وفيه وجه آخر وهو ~~أنه عليه السلام وصفه بقوله : { لا إلاه إلا أنت } بكمال الربوبية ووصف ~~نفسه بقوله : { إنى كنت من الظالمين } بضعف البشرية والقصور في أداء حق ~~الربوبية ، وهذا القدر يكفي في السؤال على ما قال المتنبي : # % وفي النفس حاجات وفيك فطانة % % سكوتي كلام عندها وخطاب % # وروى عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~لما أراد الله حبس يونس عليه السلام ، أوحى إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له ~~لحما ، ولا تكسر له عظما ) فأخذه وهوى به إلى أسفل البحر ، فسمع يونس عليه ~~السلام حسا ، فقال في نفسه : ما هذا ؟ فأوحى الله إليه هذا تسبيح دواب ~~البحر / قال فسبح ، فسمعت الملائكة تسبيحه ، فقالوا مثله . # أما قوله : { ونجيناه من الغم } أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت ، ~~وبسبب خطيئته ، وكما أنجينا يونس عليه السلام من كرب الحبس إذ دعانا : كذلك ~~ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا . روى سعد بن أبي وقاص عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( دعوة ذي النون في بطن الحوت لا إله إلا أنت ~~سبحانك ، إني كنت من الظالمين ، ما دعا بها عبد مسلم قط وهو مكروب إلا ~~استجاب الله دعاءه ) . / قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء PageV22P187 ننجي ~~وننجي ونجى والنون لا تدغم في الجيم ، ومن تمحل لصحته فجعله فعل وقال : نجى ~~النجاء المؤمنين فأرسل الياء وأسنده إلى مصدره ، ونصب المؤمنين بالنجاء ، ~~فتعسف بارد التعسف . # ( القصة التاسعة ، قصة زكريا عليه السلام ) # ! 7 < { وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرنى فردا وأنت خير الوارثين * ~~فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه ms6427 إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات ~~ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 89 - 90 ) وزكريا إذ نادى . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى بين انقطاع زكريا عليه السلام إلى ربه تعالى لما مسه الضر ~~بتفرده ، وأحب من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه ويكون قائما مقامه بعد ~~موته ، فدعا الله تعالى دعاء مخلص عارف بأنه قادر على ذلك ، وإن انتهت ~~الحال به وبزوجته من كبر وغيره إلى اليأس من ذلك بحكم العادة . وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : كان سنه مائة وسن زوجته تسعا وتسعين . # أما قوله : { وأنت خير الوارثين } ففيه وجهان : أحدهما : أنه عليه السلام ~~إنما ذكره في جملة دعائه على وجه الثناء على ربه ليكشف عن علمه بأن مآل ~~الأمور إلى الله تعالى . والثاني : كأنه عليه السلام قال : ( إن لم ترزقني ~~من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث ) . # وأما قوله تعالى : { فاستجبنا له } أي فعلنا ما أراده لأجل سؤاله ، وفي ~~ذلك إعظام له ، فلذلك تقول العلماء بأن الاستجابة ثواب لما فيه من الإعظام ~~. # وأما قوله تعالى : { ووهبنا له يحيى } فهو كالتفسير للاستجابة وفي تفسير ~~قوله : { وأصلحنا له زوجه } ثلاثة أقوال : أحدها : أصلحها للولادة بأن أزال ~~عنها المانع بالعادة ، وهذا أليق بالقصة . والثاني : أنه أصلحها في أخلاقها ~~وقد كانت على طريقة من سوء الخلق وسلاطة اللسان تؤذيه وجعل ذلك من نعمه ~~عليه . والثالث : أنه سبحانه جعلها مصلحة في الدين ، فإن صلاحها في الدين ~~من أكبر أعوانه في كونه داعيا إلى الله تعالى فكأنه عليه السلام سأل ربه ~~المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعا . وهذا كأنه أقرب إلى ~~الظاهر لأنه إذا قيل : أصلح الله فلانا فالأظهر فيه ما يتصل بالدين ، واعلم ~~أن قوله : { ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه } يدل على أن الواو لا تفيد ~~الترتيب / لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ ~~وبين تعالى مصداق ما ذكرناه فقال : { إنهم كانوا يسارعون فى الخيرات } ~~وأراد بذلك زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ما طلبوه وعضد ms6428 بعضهم ببعض من ~~حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات ، والمسارعة في طاعة الله تعالى ~~من أكبر ما يمدح المرء به لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة . # أما قوله تعالى : { ويدعوننا رغبا ورهبا } قرىء رغبا ورهبا وهو كقوله : { ~~يحذر الاخرة ويرجوا * رحمة ربه } PageV22P188 والمعنى أنهم ضموا إلى فعل ~~الطاعات والمسارعة فيها أمرين : أحدهما : الفزع إلى الله تعالى لمكان ~~الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه . والثاني : الخشوع وهو المخافة الثابتة ~~في القلب ، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفا من الإثم . # ( القصة العاشرة ، قصة مريم عليها السلام ) # ! 7 < { والتىأحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنهآ ءاية ~~للعالمين } > 7 @QB@ < # | الأنبياء : ( 91 ) والتي أحصنت فرجها . . . . . # > > # اعلم أن التقدير واذكر التي أحصنت فرجها ، ثم فيه قولان : أحدهما : أنها ~~أحصنت فرجها إحصانا كليا من الحلال والحرام جميعا كما قالت : { ولم يمسسنى ~~بشر ولم أك بغيا } ( مريم : 20 ) . والثاني : من نفخة جبريل عليه السلام ~~حيث منعته من جيب درعها قبل أن تعرفه والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ . # وأما قوله : { فنفخنا فيها من روحنا } فلقائل أن يقول : نفخ الروح في ~~الجسد عبارة عن إحيائه قال تعالى : { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى } ( ~~الحجر : 29 ) أي أحييته وإذا ثبت ذلك كان قوله : { فنفخنا فيها من روحنا } ~~ظاهر الأشكال لأنه يدل على إحياء مريم عليها السلام . والجواب من وجوه : ~~أحدها : معناه فنفخنا الروح في عيسى فيها ، أي أحييناه في جوفها كما يقول ~~الزمار نفخت في بيت فلان أي في المزمار في بيته . وثانيها : فعلنا النفخ في ~~مريم عليها السلام من جهة روحنا وهو جبريل عليه السلام لأنه نفخ في جيب ~~درعها فوصل النفخ إلى جوفها ثم بين تعالى بأخصر الكلام ما خص به مريم وعيسى ~~عليهما السلام من الآيات فقال : { وجعلناها وابنها ءاية للعالمين } أما ~~مريم فآياتها كثيرة : أحدها : ظهور الحبل فيها لا من ذكر فصار ذلك آية ~~ومعجزة خارجة عن العادة . وثانيها : أن رزقها كان يأتيها به الملائكة من ~~الجنة وهو قوله ms6429 تعالى : { أنى لك هاذا قالت هو من عند الله } . وثالثها ~~ورابعها : قال الحسن إنها لم تلتقم ثديا يوما قط وتكلمت هي أيضا في صباها ~~كما تكلم عيسى عليه السلام ، وأما آيات عيسى عليه السلام فقد تقدم بيانها ~~فبين سبحانه أنه جعلهما آية للناس يتدبرون فيما خصا به من الآيات ويستدلون ~~به على قدرته وحكمته سبحانه / وتعالى فإن قيل : هلا قيل آيتين كما قال : { ~~وجعلنا اليل والنهار ءايتين } ( الإسراء : 12 ) قلنا ؛ لأن حالهما ~~بمجموعهما آية واحدة ، وهي ولادتها إياه من غير فحل . وهنا آخر القصص . # ! 7 < { إن هاذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون * وتقطعوا أمرهم ~~بينهم كل إلينا راجعون } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 92 - 93 ) إن هذه أمتكم . . . . . # > > قال صاحب ( الكشاف ) : الأمة الملة وهو إشارة إلى ملة الإسلام ، أي ~~أن ملة الإسلام هي ملتكم التي PageV22P189 يجب أن تكونوا عليها يشار إليها ~~بملة واحدة غير مختلفة ، وأنا إلهكم إله واحد فاعبدون ، ونصب الحسن ( أمتكم ~~) على البدل من هذه ورفع أمة خبرا وعنه رفعهما جميعا خبرين أو نوى للثاني ~~المبتدأ . # أما قوله تعالى : { وتقطعوا أمرهم بينهم } والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام ~~صرف إلى الغيبة على طريق الالتفات كأنه ينقل عنهم ما أفسدوه إلى آخرين ~~ويقبح عندهم فعلهم ويقول لهم : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء ، والمعنى ~~جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما تتوزع الجماعة الشيء ويقسمونه فيصير ~~لهذا نصيب ولذلك نصيب تمثيلا لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى . # أما قوله تعالى : { كل إلينا راجعون } فقد توعدهم بأن هؤلاء الفرق ~~المختلفة إليه يرجعون ، فهو محاسبهم ومجازيهم ، وروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة فهلكت سبعون ~~وخلصت فرقة ، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة فتهلك إحدى وسبعون ~~فرقة وتخلص فرقة واحدة ، قالوا : يا رسول الله من تلك الفرقة الناجية ؟ قال ~~: الجماعة الجماعة الجماعة ) فتبين بهذا الخبر أن المراد بقوله تعالى : { ~~وإن هاذه أمتكم } الجماعة المتمسكة بما بينه الله تعالى في هذه السورة من ms6430 ~~التوحيد والنبوات ، وأن في قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الناجية إنها ~~الجماعة إشارة إلى أن هذه أشار بها إلى أمة الإيمان وإلا كان قوله في تعريف ~~الفرقة الناجية إنها الجماعة لغوا إذ لا فرقة تمسكت بباطل أو بحق إلا وهي ~~جماعة من حيث العدد وطعن بعضهم في صحة هذا الخبر ، فقال : إن أراد بالثنتين ~~والسبعين فرقة أصول الأديان فلم يبلغ هذا القدر ، وإن أراد الفروع فإنها ~~تتجاوز هذا القدر إلى أضعاف ذلك ، وقيل أيضا : قد روى ضد ذلك ، وهو أنها ~~كلها ناجية إلا فرقة واحدة . والجواب : المراد ستفترق أمتي في حال ما وليس ~~فيه دلالة على افتراقها في سائر الأحوال لا يجوز أن يزيد وينقص . # ! 7 < { فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون * ~~وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون * حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم ~~من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا ~~ياويلنا قد كنا فى غفلة من هاذا بل كنا ظالمين } > 7 ! # / < < # | الأنبياء : ( 94 - 97 ) فمن يعمل من . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما ذكر أمر الأمة من قبل وذكر تفرقهم وأنهم أجمع ~~راجعون إلى حيث لا أمر إلا له أتبع ذلك بقوله : { فمن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا كفران لسعيه } بين أن من جمع بين أن يكون مؤمنا وبين أن يعمل ~~الصالحات فيدخل في الأول العلم والتصديق بالله ورسوله وفي الثاني فعل ~~الواجبات وترك المحظورات : { فلا كفران لسعيه } أي لا بطلان لثواب عمله وهو ~~كقوله تعالى : { ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا } PageV22P190 ( الإسراء : 19 ) فالكفران مثل في حرمان الثواب ~~والشكر مثل في إعطائه وقوله : { فلا كفران } المراد نفي الجنس ليكون في ~~نهاية المبالغة لأن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها . # وأما قوله تعالى : { وإنا له كاتبون } فالمراد وإنا لسعيه كاتبون ، فقيل ~~: المراد حافظون لنجازي عليه ، وقيل : كاتبون إما في أم الكتاب أو في الصحف ~~التي تعرض يوم القيامة ، والمراد ms6431 بذلك ترغيب العباد في التمسك بطاعة الله ~~تعالى . # أما قوله : { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } فاعلم أن قوله : ~~{ وحرام } خبر فلا بد له من مبتدأ وهو إما قوله : { أنهم لا يرجعون } أو ~~شيء آخر أما الأول فالتقدير أن عدم رجوعهم حرام أي ممتنع وإذا كان عدم ~~رجوعهم ممتنعا كان رجوعهم واجبا فهذا الرجوع إما أن يكون المراد منه الرجوع ~~إلى الآخرة أو إلى الدنيا . أما الأول : فيكون المعنى أن رجوعهم إلى الحياة ~~في الدار الآخرة واجب ، ويكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث ، وتحقيق ~~ما تقدم أنه لا / كفران لسعي أحد فإنه سبحانه سيعطيه الجزاء على ذلك يوم ~~القيامة وهو تأويل أبي مسلم بن بحر . وأما الثاني : فيكون المعنى أن رجوعهم ~~إلى الدنيا واجب لكن المعلوم أنهم لم يرجعوا إلى الدنيا فعند هذا ذكر ~~المفسرون وجهين : الأول : أن الحرام قد يجيء بمعنى الواجب والدليل عليه ~~الآية والاستعمال والشعر ، أما الآية فقوله تعالى : { قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم * أن لا * تشركوا به شيئا } ( الأنعام : 151 ) وترك الشرك واجب ~~وليس بمحرم ، وأما الشعر فقول الخنساء : # % وإن حراما لا أرى الدهر باكيا % % على شجوه إلا بكيت على عمرو % # يعني وإن واجبا ، وأما الاستعمال فلأن تسمية أحد الضدين باسم الآخر مجاز ~~مشهور كقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) إذا ثبت ~~هذا فالمعنى أنه واجب على أهل كل قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ، ثم ذكروا ~~في تفسير الرجوع أمرين : أحدهما : أنهم لا يرجعون عن الشرك ولا يتولون عنه ~~وهو قول مجاهد والحسن . وثانيها : لا يرجعون إلى الدنيا وهو قول قتادة ~~ومقاتل . الوجه الثاني : أن يترك قوله وحرام على ظاهره ويجعل في قوله : { ~~لا يرجعون } صلة زائدة كما أنه صلة في قوله : { ما منعك أن * لا تسجدوا } ( ~~الأعراف : 12 ) والمعنى حرام على قرية أهلكناها رجوعهم إلى الدنيا وهو ~~كقوله : { فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } ( يس : 50 ) أو يكون ~~المعنى وحرام عليهم رجوعهم عن الشرك وترك الأيمان ، وهذا ms6432 قول طائفة من ~~المفسرين ، وهذا كله إذا جعلنا قوله وحرام خبرا لقوله : { أنهم لا يرجعون } ~~أما إذا جعلناه خبرا لشيء آخر فالتقدير وحرام على قرية أهلكناها ذاك ، وهو ~~المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير المكفور ثم ~~علل فقال : { أنهم لا يرجعون } عن الكفر فكيف لا يمتنع ، ذلك هذا على قراءة ~~إنهم بالكسر والقراءة بالفتح يصح حملها أيضا على هذا أي أنهم لا يرجعون . # أما قوله تعالى : { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * ~~واقترب الوعد الحق فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أن حتى متعلقة بحرام فأما على تأويل أبي مسلم فالمعنى ~~أن رجوعهم إلى الآخرة واجب حتى أن وجوبه يبلغ إلى حيث أنه إذا فتحت يأجوج ~~ومأجوج ، واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة PageV22P191 أبصار الذين كفورا ، ~~والمعنى أنهم يكونون أول الناس حضورا في محفل القيامة ، فحتى متعلقة بحرام ~~وهي غاية له ولكنه غاية من جنس الشيء كقولك دخل الحاج حتى المشاة . وحتى ~~ههنا هي التي يحكى بعدها الكلام . والكلام المحكى هو هذه الجملة من الشرط ~~والجزاء أعني قوله : { وإذا * فتحت يأجوج ومأجوج * واقترب الوعد الحق } ~~فهناك يتحقق شخوص أبصار الذين كفروا ، وذلك غير جائز لأن الشرط إنما يحصل ~~في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل في يوم القيامة ، والشرط والجزاء لا ~~بد وأن يكونا متقاربين ، قلنا التفاوت القليل يجري مجرى المعدوم ، وأما على ~~التأويلات الباقية فالمعنى أن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم الساعة . # / المسألة الثانية : قوله : { حتى إذا فتحت } المعنى فتح سد يأجوج ومأجوج ~~فحذف المضاف وأدخلت علامة التأنيث في فتحت لما حذف المضاف لأن يأجوج ومأجوج ~~مؤنثان بمنزلة القبيلتين ، وقيل حتى إذا فتحت جهة يأجوج . # المسألة الثالثة : هما قبيلتان من جنس الإنس ، يقال : الناس عشرة أجزاء ~~تسعة منها يأجوج ومأجوج يخرجون حين يفتح السد . # المسألة الرابعة : قيل : السد يفتحه الله تعالى ابتداء ، وقيل : بل إذا ~~جعل الله تعالى الأرض دكا زالت الصلابة عن أجزاء الأرض فحينئذ ms6433 ينفتح السد . # أما قوله تعالى : { وهم من كل حدب ينسلون } فحشو في أثناء الكلام ، ~~والمعنى إذا فتحت يأجوج واقترب الوعد الحق شخصت أبصار الذين كفروا ، والحدب ~~النشز من الأرض ، ومنه حدبة الأرض ، ومنه حدبة الظهر ، وقرأ ابن عباس رضي ~~الله عنهما { من كل * حدب ينسلون } ، اعتبارا بقوله : { فإذا هم من الاجداث ~~إلى ربهم ينسلون } ( يس : 51 ) وقرىء بضم السين ونسل وعسل أسرع ثم فيه ~~قولان ، قال أكثر المفسرين إنه كناية عن يأجوج ومأجوج ، وقال مجاهد : هو ~~كناية عن جميع المكلفين أي يخرجون من قبورهم من كل موضع فيحشرون إلى موقف ~~الحساب ، والأول هو الأوجه وإلا لتفكك النظم ، وأن يأجوج ومأجوج إذا كثروا ~~على ما روى في ( الخبر ) ، فلا بد من أن ينشروا فيظهر إقبالهم على الناس من ~~كل موضع مرتفع . # أما قوله تعالى : { واقترب الوعد الحق } فلا شبهة أن الوعد المذكور هو ~~يوم القيامة . # أما قوله : { فإذا هى } فاعلم أن إذا ههنا للمفاجأة فسمى الموعد وعدا ~~تجوزا ، وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء كقوله : { إذا هم يقنطون } ( ~~الروم : 36 ) فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد ~~ولو قيل : { إذا * هى شاخصة } أو فهي شاخصة كان سديدا ، أما لفظة { هى } ~~فقد ذكر النحويون فيها ثلاثة أوجه . أحدها : أن تكون كناية عن الأبصار ، ~~والمعنى فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة أبصارهم كني عن الإبصار ثم أظهر . ~~والثاني : أن تكون عمادا ويصلح في موضعها هو فيكون كقوله : { إنه أنا الله ~~} ومثله : { فإنها لا تعمى الابصار } وجاز التأنيث لأن الأبصار مؤنثة وجاز ~~التذكير للعماد وهو قول الفراء ، وقال سيبويه الضمير للقصة بمعنى فإذا ~~القصة شاخصة ، يعني أن القصة أن أبصار الذين كفروا تشخص عند ذلك ، ومعنى ~~الكلام أن القيامة إذا قامت شخصت أبصار هؤلاء من شدة الأهوال ، فلا تكاد ~~تطرف من شدة ذلك اليوم ، ومن توقع ما يخافونه ، ويقولون : { كفروا ياويلنا ~~قد كنا فى غفلة من هاذا } يعني في الدنيا PageV22P192 حيث كذبناه وقلنا : ~~إنه غير كائن بل كنا ظالمين أنفسنا بتلك ms6434 الغفلة وبتكذيب محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعبادة الأوثان ، واعلم أنه لا بد قبل قوله يا ويلنا من حذف والتقدير ~~يقولون يا ويلنا . # ! 7 < { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان ~~هاؤلاء ءالهة ما وردوها وكل فيها خالدون * لهم فيها زفير وهم فيها لا ~~يسمعون } > 7 ! # / < < # | الأنبياء : ( 98 - 100 ) إنكم وما تعبدون . . . . . # > > اعلم أن قوله : { إنكم } خطاب لمشركي مكة وعبدة الأوثان . # أما قوله تعالى : { وما تعبدون من دون الله } روي أنه عليه السلام دخل ~~المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجلس إليهم ~~فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفحمه ثم تلا ~~عليهم : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } الآية فأقبل عبد الله بن ~~الزبعري فرآهم يتهامسون فقال : فيم خوضكم ؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عبد الله أما والله لو وجدته لخصمته ~~فدعوه ، فقال ابن الزبعري أأنت قلت ذلك ؟ قال نعم ، قال قد خصمتك ورب ~~الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيرا والنصارى عبدوا المسيح وبنوا مليح عبدوا ~~الملائكة ثم روى في ذلك روايتان : إحداهما : أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سكت ولم يجب فضحك القوم فنزل قوله تعالى : { ولما ضرب ابن مريم مثلا ~~إذا قومك منه يصدون * وقالوا ءأالهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل ~~هم قوم خصمون } ( الزخرف : 57 ، 58 ) ونزل في عيسى والملائكة : { إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى } ( الأنبياء : 101 ) الآية هذا قول ابن عباس . ~~الرواية الثانية : أنه عليه السلام أجاب وقال بل هم عبدوا الشياطين التي ~~أمرتهم بذلك فأنزل الله سبحانه : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } ( ~~الأنبياء : 101 ) الآية يعني عزيرا والمسيح والملائكة واعلم أن سؤال ابن ~~الزبعري ساقط من وجوه : أحدها : أن قوله : { إنكم } خطاب مشافهة وكان ذلك ~~مع مشركي مكة وهم كانوا يعبدون الأصنام فقط . وثانيها : أنه لم يقل ومن ~~تعبدون بل قال ما تعبدون وكلمة ms6435 ما لا تتناول العقلاء . # أما قوله تعالى : { والسماء وما بناها } ( الشمس : 5 ) وقوله : { لا أعبد ~~ما تعبدون } ( الكافرون : 2 ) فهو محمول على الشيء ونظيره ههنا أن يقال : ~~إنكم والشيء الذي تعبدون من دون الله لكن لفظ الشيء لا يفيد العموم فلا ~~يتوجه سؤال ابن الزبعري . وثالثها : أن من عبد الملائكة لا يدعي أنهم آلهة ~~، وقال سبحانه : { لو كان هؤلاء ءالهة ما وردوها } . ورابعها : هب أنه ثبت ~~العموم لكنه / مخصوص بالدلائل العقلية والسمعية في حق الملائكة والمسيح ~~وعزير لبراءتهم من الذنوب والمعاصي ، ووعد الله إياهم بكل مكرمة ، ~~PageV22P193 وهذا هو المراد من قوله سبحانه : { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون } ( الأنبياء : 101 ) . وخامسها : الجواب الذي ~~ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أنهم كانوا يعبدون الشياطين ، فإن ~~قيل الشياطين عقلاء ، ولفظ ما لا يتناولهم فكيف قال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ذلك ؟ قلنا كأنه عليه السلام قال : لو ثبت لكم أنه يتناول العقلاء ~~فسؤالكم أيضا غير لازم من هذا الوجه . وأما ما قيل : إنه عليه السلام سكت ~~عند إيراد ابن الزبعري هذا السؤال فهو خطأ لأنه لا أقل من أنه عليه السلام ~~كان يتنبه لهذه الأجوبة التي ذكرها المفسرون ، لأنه عليه السلام كان أعلم ~~منهم باللغة وبتفسير القرآن ، فكيف يجوز أن تظهر هذه الأجوبة لغيره ، ولا ~~يظهر شيء منها له عليه السلام . فإن قيل : جوزوا أن يسكت عليه السلام ~~انتظارا للبيان قلنا : لما كان البيان حاضرا معه لم يجز عليه السكوت لكي لا ~~يتوهم فيه الانقطاع عن سؤالهم ، ومن الناس من أجاب عن سؤال ابن الزبعري ~~فقال : إن الله تعالى يصور لهم في النار ملكا على صورة من عبدوه ، وحينئذ ~~تبقى الآية على ظاهرها واعلم أن هذا ضعيف من وجهين . الأول : أن القوم لم ~~يعبدوا تلك الصورة وإنما عبدوا شيئا آخر لم يحصل معهم في النار . الثاني : ~~وهو أن الملك لا يصير حصب جهنم في الحقيقة وإن صح أن يدخلها ، فإن خزنة ~~النار يدخلونها مع أنهم ليسوا حصب ms6436 جهنم . # المسألة الثانية : الحكمة في أنهم قرنوا بآلهتهم أمور . أحدها : أنهم لا ~~يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة ، لأنهم ما وقعوا في ذلك العذاب إلا ~~بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب . وثانيها : أن القوم قدروا ~~أنهم يشفعون لهم في الآخرة في دفع العذاب ، فإذا وجدوا الأمر على عكس ما ~~قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم . وثالثها : أن إلقاءها في النار يجري ~~مجرى الاستهزاء بعبادها . ورابعها : قيل ما كان منها حجرا أو حديدا يحمى ~~ويلزق بعبادها ، وما كان خشبا يجعل جمرة يعذب بها صاحبها . # أما قوله تعالى : { حصب جهنم } فالمراد يقذفون في نار جهنم فشبههم ~~بالحصباء التي يرمى بها الشيء فلما رمى بها كرمي الحصباء ، جعلهم حصب جهنم ~~تشبيها ، قال صاحب ( الكشاف ) : الحصب الرمي وقرىء بسكون الصاد وصفا ~~بالمصدر ، وقرىء حطب وحضب بالضاد المنقوطة متحركا وساكنا . # أما قوله تعالى : { أنتم لها واردون } فإنما جاز مجيء اللام في لها ~~لتقدمها على الفعل تقول أنت لزيد ضارب كقوله تعالى : { والذين هم لاماناتهم ~~وعهدهم } ( المؤمنون : 8 ) { والذين هم لفروجهم } ( المؤمنون : 5 ) أي أنتم ~~فيها داخلون ، والمعنى أنه لا بد وأن تردوها ولا معدل لكم عن دخولها . # أما قوله تعالى : { لو كان هؤلاء ءالهة ما وردوها } فاعلم أن قوله : { ~~إنكم وما تعبدون من دون الله } بالأصنام أليق لدخول لفظة ما ، وهذا الكلام ~~بالشياطين أليق لقوله هؤلاء ويحتمل أن يريد / الشياطين والأصنام فيغلب بأن ~~يذكروا بعبارة العقلاء ، ونبه الله تعالى على أن من يرمى إلى النار لا يمكن ~~أن يكون إلها . وههنا سؤال : وهو أن قوله : { لو كان هؤلاء ءالهة ما وردوها ~~} لكنهم وردوها فهم ليسوا آلهة حجة ، وهذه الحجة إما أن يكون ذكرها لنفسه ~~أو لغيره ، فإن ذكرها لنفسه فلا فائدة فيه لأنه كان عالما بأنها ليست آلهة ~~PageV22P194 وإن ذكرها لغيره ، فإما أن يذكرها لمن يصدق بنبوته أو لمن يكذب ~~بنبوته ، فإن ذكرها لمن صدق بنبوته فلا حاجة إلى هذه الحجة لأن كل من صدق ~~بنبوته لم يقل بإلهية هذه الأصنام وإن ms6437 ذكرها لمن يكذب بنبوته ، فذلك المكذب ~~لا يسلم أن تلك الآلهة يردون النار ويكذبونه في ذلك ، فكان ذكره هذه الحجة ~~ضائعا كيف كان ، وأيضا فالقائلون بآلهيتها لم يعتقدوا فيها كونها مدبرة ~~للعالم وإلا لكانوا مجانين ، بل اعتقدوا فيها كونها تماثيل الكواكب أو صور ~~الشفعاء ، وذلك لا يمنع من دخولها في النار . وأجيب عن ذلك بأن المفسرين ~~قالوا : المعنى لو كان هؤلاء يعني الأصنام آلهة على الحقيقة ما وردوها أي ~~ما دخل عابدوها النار ، ثم إنه سبحانه وصف ذلك العذاب بأمور ثلاثة : أحدها ~~: الخلود فقال : { وكل فيها خالدون } يعني العابدين والمعبودين وهو تفسير ~~لقوله : { إنكم وما تعبدون من دون الله } . وثانيها : قوله : { لهم فيها ~~زفير } قال الحسن : الزفير هو اللهيب ، أي يرتفعون بسبب لهب النار حتى إذا ~~ارتفعوا ورجوا الخروج ضربوا بمقامع الحديد فهووا إلى أسفلها سبعين خريفا / ~~قال الخليل : الزفير أن يملأ الرجل صدره غما ثم ينتفس قال أبو مسلم وقوله ~~لهم : عام لكل معذب ، فنقول لهم : زفير من شدة ما ينالهم والضمير في قوله : ~~{ وهم فيها * يسمعون } يرجع إلى المعبودين أي لا يسمعون صراخهم وشكواهم . ~~ومعناه : أنهم لا يغيثونهم وشبهه سمع الله لمن حده أي أجاب الله دعاءه . ~~وثالثها : قوله : { وهم فيها لا يسمعون } وفيه وجهان : أحدهما : أنه محمول ~~على الأصنام خاصة على ما حكيناه عن أبي مسلم . والثاني : أنها محمولة على ~~الكفار ، ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه . أحدها : أن الكفار يحشرون صما كما ~~يحشرون عميا زيادة في عذابهم . وثانيها : أنهم لا يسمعون ما ينفعهم لأنهم ~~إنما يسمعون أصوات المعذبين أو كلام من يتولى تعذيبهم من الملائكة . ~~وثالثها : قال ابن مسعود إن الكفار يجعلون في توابيت من نار والتوابيت في ~~توابيت أخر فلذلك لا يسمعون شيئا والأول ضعيف لأن أهل النار يسمعون كلام ~~أهل الجنة فلذلك يستغيثون بهم على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف . # ! 7 < { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولائك عنها مبعدون * لا يسمعون ~~حسيسها وهم فى ما اشتهت أنفسهم خالدون * لا يحزنهم الفزع الا ms6438 كبر وتتلقاهم ~~الملائكة هاذا يومكم الذى كنتم توعدون } > 7 ! # / < < # | الأنبياء : ( 101 - 103 ) إن الذين سبقت . . . . . # > > اعلم أن من الناس من زعم أن ابن الزبعري لما أورد ذلك السؤال على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بقي ساكتا حتى أنزل الله تعالى هذه الآية جوابا ~~عن سؤاله لأن هذه الآية كالإستثناء من تلك الآية . وأما نحن فقد بينا فساد ~~هذا القول وذكرنا أن سؤاله لم يكن واردا ، وأنه لا حاجة في دفع سؤاله إلى ~~نزول هذه الآية ، وإذا ثبت هذا لم يبق ههنا إلا أحد أمرين : الأول : أن ~~يقال : إن عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب ~~الأبرار ، فلهذا السبب ذكر هذه الآية عقيب تلك فهي عامة في حق كل المؤمنين ~~. الثاني : أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ~~ابن الزبعري ، ثم من قال العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهو الحق ~~أجراها على عمومها فتكون الملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام داخلين فيها ~~، لا أن PageV22P195 الآية مختصة بهم ، ومن قال : العبرة بخصوص السبب خصص ~~قوله : { إن الذين } بهؤلاء فقط . # أما قوله تعالى : { سبقت لهم منا الحسنى } فقال صاحب ( الكشاف ) : الحسنى ~~الخصلة المفضلة والحسنى تأنيث الأحسن ، وهي إما السعادة وإما البشرى ~~بالثواب ، وإما التوفيق للطاعة . والحاصل أن مثبتي العفو حملوا الحسنى على ~~وعد العفو ومنكري العفو حملوه على وعد الثواب ، ثم إنه سبحانه وتعالى شرح ~~من أحوال ثوابهم أمور خمسة : أحدها : قوله : { أولئك عنها مبعدون } فقال ~~أهل العفو معناه أولئك عنها مخرجون ، واحتجوا عليه بوجهين : الأول : قوله : ~~{ وإن منكم إلا واردها } ( مرمي : 71 ) أثبت الورود وهو الدخول ، فدل على ~~أن هذا الإبعاد هو الإخراج . الثاني : أن أبعاد الشيء عن الشيء لا يصح إلا ~~إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن اخر ، ~~لأن تحصيل الحاصل محال ، واحتج القاضي عبد الجبار على فساد هذا القول الأول ~~بأمور : أحدها : أن قوله تعالى : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } يقتضي ~~أن الوعد بثوابهم قد ms6439 تقدم في الدنيا وليس هذا حال من يخرج من النار لو صح ~~ذلك . وثانيها : أنه تعالى قال : { أولئك عنها مبعدون } وكيف يدخل في ذلك ~~من وقع فيها . وثالثها : قوله تعالى : { لا يسمعون حسيسها } وقوله : { لا ~~يحزنهم الفزع الاكبر } يمنع من ذلك . والجواب عن الأول : لا نسلم أن ( يقال ~~) المراد من قوله : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } هو أن الوعد بثوابهم ~~قد تقدم ، ولم لا يجوز أن المراد من الحسنى تقدم الوعد بالعفو ، سلمنا أن ~~المراد من الحسنى تقدم الوعد بالثواب ، لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا ~~يليق بحال من يخرج من النار فإن عندنا المحابطة باطلة ويجوز الجمع بين ~~استحقاق الثواب والعقاب . وعن الثاني : أنا بينا أن قوله : { أولئك عنها ~~مبعدون } لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلا في حق من كان في النار . وعن الثالث ~~: أن قوله : { لا يسمعون حسيسها } مخصوص بما بعد الخروج . # / أما قوله : { لا يحزنهم الفزع الاكبر } فالفزع الأكبر هو عذاب الكفار ، ~~وهذا بطريق المفهوم يقتضي أنهم يحزنهم الفزع الأصغر ، فإن لم يدل عليه فلا ~~أقل من أن لا يدل على ثبوته ولا على عدمه . الوجه الثاني : في تفسير قوله : ~~{ أولئك عنها مبعدون } أن المراد الذين سبقت لهم منا الحسنى لا يدخلون ~~النار ولا يقربونها ألبتة ، وعلى هذا القول بطل قول من يقول : إن جميع ~~الناس يردون النار ثم يخرجون إلى الجنة ، لأن هذه الآية مانعة منه وحينئذ ~~يجب التوفيق بينه وبين قوله : { وإن منكم إلا واردها } ( مريم : 71 ) وقد ~~تقدم . الصفة الثانية : قوله تعالى : { لا يسمعون حسيسها } والحسيس الصوت ~~الذي يحس ، وفيه سؤالان : الأول : أي وجه في أن لا يسمعوا حسيسها من ~~البشارة ولو سمعوه لم يتغير حالهم . قلنا : المراد تأكيد بعدهم عنها لأن من ~~لم يدخلها وقرب منها قد يسمع حسيسها . السؤال الثاني : أليس أن أهل الجنة ~~يرون أهل النار فكيف لا يسمعون حسيس النار ؟ الجواب : إذا حملناه على ~~التأكيد زال هذا السؤال . الصفة الثالثة : قوله : { وهم * فيما * اشتهت ~~أنفسهم خالدون } والشهوة طلب ms6440 النفس للذة يعني نعيمها مؤبد ، قال العارفون : ~~للنفوس شهوة وللقلوب شهوة وللأرواح شهوة ، وقال الجنيد : سبقت العناية في ~~البداية ، فظهرت الولاية في النهاية . الصفة الرابعة : قوله : { لا يحزنهم ~~الفزع الاكبر } وفيه وجوه : أحدها : أنها النفخة الأخيرة لقوله تعالى : { ~~ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى * السماوات * ومن فى الارض } ( النمل : 87 ) ~~. وثانيها : أنه الموت قالوا : إذا استقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في ~~النار بعث الله تعالى جبريل عليه السلام ومعه الموت في صورة كبش أملح فيقول ~~لأهل الدارين أتعرفون هذا فيقولون : لا فيقول هذا الموت ثم يذبحه ثم ينادي ~~يا أهل الجنة خلود ولا موت أبدا ، وكذلك لأهل النار ، PageV22P196 واحتج ~~هذا القائل بأن قوله : { لا يحزنهم الفزع الاكبر } إنما ذكر بعد قوله : { ~~وهم فيها خالدون } ( البقرة : 25 ) فلا بد وأن يكون لأحدهما تعلق بالآخر ، ~~والفزع الأكبر الذي هو ينافي الخلود هو الموت . وثالثها : قال سعيد بن جبير ~~هو إطباق النارعلى أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة ، قال القاضي عبد الجبار ~~: الأولى في ذلك إنه الفزع من النار عند مشاهدتها لأنه لا فزع أكبر من ذلك ~~، فإذا بين تعالى أن ذلك لا يحزنهم فقد صح أن المؤمن آمن من أهوال يوم ~~القيامة ، وهذا ضعيف لأن عذاب النار على مراتب فعذاب الكفار أشد من عذاب ~~الفساق ، وإذا كانت مراتب التعذيب بالنار متفاوتة كانت مراتب الفزع منها ~~متفاوتة ، فلا يلزم من نفي الفزع الأكبر نفي الفزع من النار . # الصفة الخامسة : قوله : { وتتلقاهم الملئكة هاذا يومكم الذى كنتم توعدون ~~} قال الضحاك : هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم وأقوالهم ويقولون لهم مبشرين ~~: { هاذا يومكم الذى كنتم توعدون } . # ! 7 < { يوم نطوى السمآء كطى السجل للكتب كما بدأنآ أول خلق نعيده وعدا ~~علينآ إنا كنا فاعلين * ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الا رض يرثها ~~عبادى الصالحون * إن فى هاذا لبلاغا لقوم عابدين * ومآ أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين } > 7 ! # / < < # | الأنبياء : ( 104 - 107 ) يوم نطوي السماء . . . . . # > > اعلم أن التقدير لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء ms6441 ، أو ~~وتتلقاهم الملائكة يوم نطوي السماء . وقرىء يوم تطوى السماء على البناء ~~للمفعول والسجل بوزن العتل والسجل بوزن الدلو وروى فيه الكسر ، وفي السجل ~~قولان : أحدهما : أنه اسم للطومار الذي يكتب فيه والكتاب أصله المصدر ~~كالبناء ، ثم يوقع على المكتوب ، ومن جمع فمعناه للمكتوبات أي لما يكتب فيه ~~من المعاني الكثيرة ، فيكون معنى طي السجل للكتاب كون السجل ساترا لتلك ~~الكتابة ومخفيا لها لأن الطي ضد النشر الذي يكشف والمعنى نطوي السماء كما ~~يطوى الطومار الذي يكتب فيه . # القول الثاني : أنه ليس اسما للطومار ثم قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~السجل اسم ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه ، وهو مروي عن علي عليه ~~السلام ، وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه إسم كاتب كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا بعيد ؛ لأن كتاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانوا معروفين وليس فيهم من سمي بهذا ، وقال الزجاج : هو الرجل ~~بلغة الحبشة ، وعلى هذه الوجوه فهو على نحو ما يقال : كطي زيد الكتاب ~~واللام في للكتاب زائدة كما في قوله ردف لكم ، وإذا قلنا : المراد بالسجل ~~الطومار فالمصدر وهو الطي مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف والتقدير كطي ~~الطاوي السجل ، وهذا الأخير هو قول الأكثرين . PageV22P197 # أما قوله تعالى : { كما بدأنا أول خلق نعيده } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الفراء : انقطع الكلام عند قوله الكتاب ثم ابتدأ ~~فقال : { كما بدأنا } ومنهم من قال : إنه تعالى لما قال : { وتتلقاهم ~~الملئكة هاذا يومكم الذى كنتم توعدون } ( الأنبياء : 103 ) عقبه بقوله : { ~~يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب } فوصف اليوم بذلك ، ثم وصفه بوصف آخر ~~فقال : { كما بدأنا أول خلق نعيده } . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) رحمه الله : { أول خلق } مفعول ~~نعيد الذي يفسره نعيده والكاف مكفوفة بما والمعنى نعيد أول الخلق كما ~~بدأناه تشبيها للإعادة بالابتداء ، فإن قلت : ما بال خلق منكرا ؟ قلت : هو ~~كقولك أول رجل جاءني زيد ، تريد أول الرجال ولكنك وحدته ونكرته إرادة ~~تفصيلهم رجلا ms6442 رجلا ، فكذلك معنى أول خلق أول الخلق بمعنى أول الخلائق لأن ~~الخلق مصدر لا يجمع . # / المسألة الثالثة : اختلفوا في كيفية الإعادة فمنهم من قال : إن الله ~~تعالى يفرق أجزاء الأجسام ولا يعدمها ثم إنه يعيد تركيبها فذلك هو الإعادة ~~، ومنهم من قال : إنه تعالى يعدمها بالكلية ثم إنه يوجدها بعينها مرة أخرى ~~وهذه الآية دلالة على هذا الوجه لأنه سبحانه شبه الإعادة بالإبتداء . ولما ~~كان الابتداء ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة بل عن الوجود بعد العدم ~~، وجب أن يكون الحال في الإعادة كذلك واحتج القائلون بالمذهب الأول بقوله ~~تعالى : { والسماوات مطويات بيمينه } ( الزمر : 67 ) فدل هذا على أن ~~السموات حال كونها مطوية تكون موجودة ، وبقوله تعالى : { يوم تبدل الارض ~~غير الارض } ( إبراهيم : 48 ) وهذا يدل على أن أجزاء الأرض باقية لكنها ~~جعلت غير الأرض . # أما قوله تعالى : { وعدا علينا } ففيه قولان : أحدهما : أن وعدا مصدر ~~مؤكد لأن قوله : { نعيده } عدة للإعادة . الثاني : أن يكون المراد حقا ~~علينا بسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم بوقوعه مع أن وقوع ما علم الله ~~وقوعه واجب ، ثم إنه تعالى حقق ذلك بقوله : { إنا كنا فاعلين } أي سنفعل ~~ذلك لا محالة وهو تأكيد لما ذكره من الوعد . # أما قوله تعالى : { ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة بضم الزاي والباقون بفتحها يعني الزبور ~~كالحلوب والركوب يقال : زبرت الكتاب أي كتبته والمزبور بضم الزاي جمع زبر ~~كقشر وقشور ، ومعنى القراءتين واحد لأن الزبور هو الكتاب . # المسألة الثانية : في الزبور والذكر وجوه : أحدها : وهو قول سعيد بن جبير ~~ومجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد الزبور هو الكتب المنزلة والذكر الكتاب ~~الذي هو أم الكتاب في السماء ، لأن فيها كتابة كل ما سيكون اعتبارا ~~للملائكة وكتب الأنبياء عليهم السلام من ذلك الكتاب تنسخ . وثانيها : ~~الزبور هو القرآن والذكر هو التوراة وهو قول قتادة والشعبي . وثالثها : ~~الزبور زبور داود عليه السلام ، والذكر هو الذي يروى عنه عليه السلام ، قال ~~: كان الله تعالى ولم ms6443 يكن معه شيء ، ثم خلق الذكر . وعندي فيه وجه رابع : ~~وهو أن المراد بالذكر العلم أي كتبنا ذلك في الزبور بعد أن كنا عالمين علما ~~لا يجوز السهو والنسيان علينا ، فإن من كتب شيئا والتزمه ولكنه يجوز السهو ~~عليه فإنه لا يعتمد عليه ، أما من لم يجز عليه السهو والخلف فإذا التزم ~~شيئا كان ذلك الشيء واجب الوقوع . PageV22P198 # أما قوله تعالى : { أن الارض يرثها عبادى الصالحون } ففيه وجوه : أحدها : ~~الأرض أرض الجنة والعباد الصالحون هم المؤمنون العاملون بطاعة الله تعالى ~~فالمعنى أن الله تعالى كتب في كتب الأنبياء عليهم السلام وفي اللوح المحفوظ ~~أنه سيورث الجنة من كان صالحا من عباده وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ~~ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وأبي العالية وهؤلاء أكدوا هذا القول ~~بأمور : أما أولا : فقوله تعالى : { وأورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ~~فنعم أجر العاملين } ( الزمر : 74 ) ، وأما ثانيا : فلأنها الأرض التي يختص ~~بها الصالحون لأنها لهم خلقت ، وغيرهم إذا حصل معهم في الجنة فعلى وجه ~~التبع ، فأما أرض الدنيا فلأنها للصالح وغير الصالح . وأما ثالثا : فلأن ~~هذه الأرض مذكورة عقيب الإعادة وبعد الإعادة الأرض التي هذا وصفها لا تكون ~~إلا الجنة . وأما رابعا : فقد روى في الخبر أنها أرض الجنة فإنها بيضاء ~~نقية . وثانيها : أن المراد من الأرض أرض الدنيا فإنه سبحانه وتعالى ~~سيورثها المؤمنين في الدنيا وهو قول الكلبي وابن عباس في بعض الروايات ~~ودليل هذا القول قوله سبحانه : { وعد الله الذين ءامنوا } إلى قوله : { ~~ليستخلفنهم فى الارض } ( النور : 55 ) وقوله تعالى : { قال موسى لقومه ~~استعينوا بالله واصبروا إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده } ( الأعراف ~~: 128 ) . وثالثها : هي الأرض المقدسة يرثها الصالحون ، ودليله قوله تعالى ~~؛ { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الارض ومغاربها التى باركنا ~~فيها } ( الأعراف : 137 ) ثم بالآخرة يورثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام . # أما قوله تعالى : { إن فى هاذا لبلاغا لقوم عابدين } فقوله هذا إشارة ms6444 إلى ~~المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة والبلاغ ~~الكفاية وما تبلغ به البغية وقيل في العابدين إنهم العالمون وقيل بل ~~العاملون والأولى أنهم الجامعون بين الأمرين / لأن العلم كالشجر والعمل ~~كالثمر ، والشجر بدون الثمر غير مفيد ، والثمر بدون الشجر غير كائن . # أما قوله تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا ، أما في ~~الدين فلأنه عليه السلام بعث والناس في جاهلية وضلالة ، وأهل الكتابين ~~كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في ~~كتبهم فبعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق ~~سبيل إلى الفوز والثواب ، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب ، وشرع لهم ~~الأحكام وميز الحلال من الحرام ، ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته ~~طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والإستكبار وكان التوفيق ~~قرينا له قال الله تعالى : { قل هو للذين ءامنوا هدى وشفاء } إلى قوله : { ~~وهو عليهم عمى } ( فصلت : 44 ) وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير ~~من الذل والقتال والحروب ونصروا ببركة دينه . فإن قيل : كيف كان رحمة وقد ~~جاء بالسيف واستباحة الأموال ؟ قلنا : الجواب من وجوه : أحدها : إنما جاء ~~بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر ، ومن أوصاف الله الرحمن ~~الرحيم ، ثم هو منتقم من العصاة . وقال : { ونزلنا من السماء ماء مباركا } ~~( ق : 9 ) ثم قد يكون سببا للفساد . وثانيها : أن كل نبي قبل نبينا كان إذا ~~كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق وأنه تعالى أخر عذاب من ~~كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال تعالى : { وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم } ( الأنفال : 33 ) لا يقال : أليس أنه تعالى قال : { قاتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم } PageV22P199 ( التوبة : 14 ) وقال تعالى : { ليعذب ~~الله المنافقين والمنافقات } ( الأحزاب : 73 ) لأنا نقول تخصيص العام لا ~~يقدح فيه . وثالثها : أنه عليه السلام كان في / نهاية حسن الخلق قال ms6445 تعالى ~~: { وإنك لعلى خلق عظيم } ( القلم : 4 ) وقال أبو هريرة رضي الله عنه : ( ~~قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أدع على المشركين ، قال : إنما بعثت ~~رحمة ولم أبعث عذابا ) وقال في رواية حذيفة : ( إنما أنا بشر أغضب كما يغضب ~~البشر ، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة يوم القيامة ) . ~~ورابعها : قال عبد الرحمن بن زيد : { إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : 107 ~~) يعني المؤمنين خاصة ، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري والقولان يرجعان ~~إلى معنى واحد ، لما بينا أنه كان رحمة للكل لو تدبروا في آيات الله وآيات ~~رسوله ، فأما من أعرض واستكبر ، فإنما وقع في المحنة من قبل نفسه كما قال : ~~{ وهو عليهم عمى } ( فصلت : 44 ) . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة لو كان الله تعالى أراد من الكافرين ~~الكفر ولم يرد منهم القبول من الرسول ، بل ما أراد منهم إلا الرد عليه وخلق ~~ذلك فيهم ولم يخلقهم إلا كذلك كما يقوله أهل السنة ، لوجب أن يكون إرساله ~~نقمة وعذابا عليهم لا رحمة وذلك على خلاف هذا النص ، لا يقال : إن رسالته ~~عليه السلام رحمة للكفار من حيث لم يعجل عذابهم في الدنيا ، كما عجل عذاب ~~سائر الأمم ، لأنا نقول : إن كونه رحمة للجميع على حد واحد وما ذكرتموه ~~للكفار فهو حاصل للمؤمنين أيضا ، فإذا يجب أن يكون رحمة للكافرين من الوجه ~~الذي صار رحمة للمؤمنين . وأيضا فإن الذي ذكروه من نعم الدنيا كانت حاصلة ~~للكفار قبل بعثته صلى الله عليه وسلم كحصولها بعده ، بل كانت نعمهم في ~~الدنيا قبل بعثته أعظم لأن بعد بعثته نزل بهم الغم والخوف منه ، ثم أمر ~~بالجهاد الذي فني أكثرهم فيه فلا يجوز أن يكون هذا هو المراد . والجواب : ~~أن نقول لما علم الله سبحانه وتعالى أن أبا لهب لا يؤمن ألبتة وأخبر عنه ~~أنه لا يؤمن كان أمره إياه بالإيمان أمرا يقلب علمه جهلا وخبره الصدق كذبا ~~وذلك محال ، فكان قد أمره بالمحال . وإن كانت البعثة مع هذا القول رحمة ، ~~فلم لا يجوز أن ms6446 يقال البعثة رحمة مع أنه خلق الكفر في الكافر ؟ ولأن قدرة ~~الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط فالسؤال عليهم لازم ، وإن كانت صالحة ~~للضدين توقف للترجيح على مرجح من قبل الله تعالى ، قطعا للتسلسل . وحينئذ ~~يعود الإلزام ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون رحمة للكافر بمعنى تأخير عذاب ~~الاستئصال عنه ؟ قوله : أولا لما كان رحمة للجميع على حد واحد وجب أن يكون ~~رحمة للكفار من الوجه الذي كان رحمة للمؤمنين ، قلنا : ليس في الآية أنه ~~عليه السلام رحمة للكل باعتبار واحد أو باعتبارين مختلفين ، فدعواك بكون ~~الوجه واحدا تحكم . قوله نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار من قبل قلنا : نعم ~~ولكنه عليه السلام لكونه رحمة للمؤمنين لما بعث حصل الخوف للكفار من نزول ~~العذاب ، فلما اندفع ذلك عنهم بسبب حضوره كان ذلك رحمة في حق الكفار . # المسألة الثالثة : تمسكوا بهذه الآية في أنه أفضل من الملائكة ، قالوا : ~~لأن الملائكة من العالمين . فوجب بحكم هذه الآية أن يكون عليه السلام رحمة ~~للملائكة ، فوجب أن يكون أفضل منهم . والجواب : أنه معارض بقوله تعالى في ~~حق الملائكة : { ويستغفرون للذين ءامنوا } ( غافر : 7 ) وذلك رحمة / منهم ~~في حق المؤمنين ، والرسول عليه السلام داخل في المؤمنين ، وكذا قوله تعالى ~~: { إن الله وملائكته يصلون على النبى } ( الأحزاب : 56 ) . # PageV22P200 ! 7 < { قل إنمآ يوحى إلى أنمآ إلاهكم إلاه واحد فهل أنتم ~~مسلمون * فإن تولوا فقل ءاذنتكم على سوآء وإن أدرىأقريب أم بعيد ما توعدون ~~* إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون * وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع ~~إلى حين * قال رب احكم بالحق وربنا الرحمان المستعان على ما تصفون } > 7 ! # < < # | الأنبياء : ( 108 - 112 ) قل إنما يوحى . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أورد على الكفار الحجج في أن لا إله سواه من ~~الوجوه التي تقدم ذكرها ، وبين أنه أرسل رسوله رحمة للعالمين ، أتبع ذلك ~~بما يكون إعذارا وإنذارا في مجاهدتهم والإقدام عليهم ، فقال : { قل إنما ~~يوحى إلى } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : إنما يقصر الحكم على ms6447 شيء أو يقصر ~~الشيء على حكم ، كقولك إنما زيد قائم أو إنما يقوم زيد ، وقد اجتمع ~~المثالان في هذه الآية . لأن : { إنما يوحى إلى } مع فاعله بمنزلة إنما ~~يقوم زيد : { وإنما * إلاهكم إلاه واحد } بمنزلة إنما زيد قائم ، وفائدة ~~اجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصور ~~على إثبات وحدانية الله تعالى وفي قوله ؛ { فهل أنتم مسلمون } أن الوحي ~~الوارد على هذا السنن يوجب أن تخلصوا التوحيد له وأن تتخلصوا من نسبة ~~الأنداد ، وفيه أنه يجوز إثبات التوحيد بالسمع . فإن قيل : لو دلت إنما على ~~الحصر لزم أن يقال : إنه لم يوح إلى الرسول شيء إلا التوحيد ومعلوم أن ذلك ~~فاسد ، قلنا : المقصود منه المبالغة ، أما قوله : { فإن تولوا فقل ءاذنتكم ~~على سواء } فقال صاحب ( الكشاف ) : آذن منقول من أذن إذا علم ولكنه كثر ~~استعماله في الجري مجرى الإنذار ، ومنه قوله : { فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله } ( البقرة : 279 ) إذا عرفت هذا فنقول : المفسرون ذكروا فيه وجوها ~~. أحدها : قال أبو مسلم : الإيذان على / السواء الدعاء إلى الحرب مجاهرة ~~لقوله تعالى : { فانبذ إليهم على سواء } ( الأنفال : 58 ) وفائدة ذلك أنه ~~كان يجوز أن يقدر على من أشرك من قريش أن حالهم مخالف لسائر الكفار في ~~المجاهدة ، فعرفهم بذلك أنهم كالكفار في ذلك . وثانيها : أن المراد فقد ~~أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من التوحيد وغيره على السواء ، فلم أفرق في ~~الإبلاغ والبيان بينكم ، لأني بعثت معلما . والغرض منه إزاحة العذر لئلا ~~يقولوا : { ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } ( طه : 134 ) . وثالثها : على ~~سواء على إظهار وإعلان . ورابعها : على مهل ، والمراد أني لا أعاجل بالحرب ~~الذي آذنتكم به بل أمهل وأؤخر رجاء الإسلام منكم . # أما قوله : { وإن أدرى أقريب أم بعيد ما توعدون } ففيه وجهان : أحدهما : ~~{ أقريب أم بعيد ما توعدون } من يوم القيامة ، ومن عذاب الدنيا ثم قيل : ~~نسخه قوله : { واقترب الوعد الحق } ( الأنبياء : 97 ) يعني منهما ، فإن مثل ~~هذا الخبر لا يجوز نسخه . وثانيها : المراد أن الذي آذنهم ms6448 فيه من الحرب لا ~~يدري هو قريب PageV22P201 أم بعيد لئلا يقدر أنه يتأخر كأنه تعالى أمره بأن ~~ينذرهم بالجهاد الذي يوحى إليه أن يأتيه من بعد ولم يعرفه الوقت ، فلذلك ~~أمره أن يقول : إنه لا يعلم قربه أم بعده . تبين بذلك أن السورة مكية ، ~~وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة . وثالثها : أن ما يوعدون به من غلبة ~~المسلمين عليهم كائن لا محالة ولا بد أن يلحقهم بذلك الذل والصغار ، وإن ~~كنت لا أدري متى يكون / وذلك لأن الله تعالى لم يطلعني عليه . # أما قوله تعالى : { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } فالمقصود ~~منه الأمر بالإخلاص وترك النفاق ، لأنه تعالى إذا كان عالما بالضمائر وجب ~~على العاقل أن يبالغ في الإخلاص . # أما قوله تعالى : { وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين } ففيه وجوه ؛ ~~أحدها : لعل تأخير العذاب عنكم . وثانيها : لعل إبهام الوقت الذي ينزل بكم ~~العذاب فيه فتنة لكم أي بلية واختبار لكم ليرى صنعكم وهل تحدثون توبة ~~ورجوعا عن كفركم أم لا . وثالثها : قال الحسن : لعل ما أنتم فيه من الدنيا ~~بلية لكم والفتنة البلوى والاختبار . ورابعها : لعل تأخير الجهاد فتنة لكم ~~إذا أنتم دمتم على كفركم ، لأن ما يؤدي إلى الضرر العظيم يكون فتنة ، وإنما ~~قال لا أدري لتجويز أن يؤمنوا فلا يكون تبقيتهم فتنة بل ينكشف عن نعمة ~~ورحمة . وخامسها : أن يكون المراد وإن أدرى لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت فتنة ~~لكم ، لأنه زيادة في عذابكم إن لم تؤمنوا لأن المعرض عن الإيمان مع البيان ~~حالا بعد حال يكون عذابه أشد ، وإذا متعه الله تعالى بالدنيا يكون ذلك ~~كالحجة عليه . # أما قوله تعالى : { قال رب احكم بالحق } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء : قل رب أحكم بالحق على الإكتفاء بالكسرة ( ورب ~~احكم ) على الضم ( وربي أحكم ) أفعل التفضيل ( وربي أحكم ) من الإحكام . # المسألة الثانية : { رب احكم بالحق } فيه وجوه : أحدها أي ربي اقض بيني ~~وبين قومي / بالحق أي بالعذاب . كأنه قال : اقص بيني وبين من كذبني بالعذاب ms6449 ~~، وقال قتادة : أمره الله تعالى أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا ~~يقولون : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } ( الأعراف : 89 ) فلا جرم ~~حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر . وثانيها : افصل بيني وبينهم بما ~~يظهر الحق للجميع وهو أن تنصرني عليهم . # أما قوله تعالى : { وربنا الرحمان المستعان على ما تصفون } ففيه وجهان ؛ ~~أحدهما : أي من الشرك والكفر وما تعراضون به دعوتي من الأباطيل والتكذيب ~~كأنه سبحانه قال : قل داعيا لي : { رب احكم بالحق } وقل متوعدا للكفار : { ~~وربنا الرحمان المستعان على ما تصفون } قرأ ابن عامر بالياء المنقوطة من ~~تحت ، أي قل لأصحابك المؤمنين ، وربنا الرحمن المستعان على ما يصف الكفار ~~من الأباطيل ، أي من العون على دفع أباطيلهم . وثانيها : كانوا يطمعون أن ~~تكون لهم الشوكة والغلبة فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين وخذلهم ، قال القاضي : إنما ختم الله هذه السورة بقوله ~~: { قل رب * احكم بالحق } لأنه عليه السلام كان قد بلغ في البيان الغاية ~~لهم وبلغوا النهاية في أذيته وتكذيبه فكان قصارى أمره تعالى بذلك تسلية له ~~وتعريفا أن المقصود مصلحتهم ، فإذا أبوا إلا التمادي في كفرهم ، فعليك ~~بالانقطاع إلى ربك ليحكم بينك وبينهم بالحق ، إما بتعجيل العقاب بالجهاد أو ~~بغيره ، وإما بتأخير ذلك فإن أمرهم وإن تأخر فما هو كائن قريب ، وما روي ~~أنه عليه السلام كان يقول ذلك في حروبه كالدلالة على أنه تعالى أمره أن ~~يقول هذا القول PageV22P202 كالإستعجال للأمر بمجاهدتهم وبالله التوفيق ، ~~وصلاته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه وسلم تسليما آمين . # # PageV22P203 < # > 1 ( سورة الحج ) 1 < # > # سبعون وست آيات وهي مكية # إلا ثلاث آيات هذان خصمان إلى قوله صراط الحميد # ! 7 < { ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم * يوم ترونها ~~تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم ~~بسكارى ولاكن عذاب الله شديد } . > 7 ! # < < # | الحج : ( 1 - 2 ) يا أيها الناس . . . . . # > > اعلم أنه تعالى أمر الناس بالتقوى فدخل فيه أن ms6450 يتقي كل محرم ويتقي ~~ترك كل واجب وإنما دخل فيه الأمران ، لأن المتقي إنما يتقي ما يخافه من ~~عذاب الله تعالى فيدع لأجله المحرم ويفعل لأجله الواجب ، ولا يكاد يدخل فيه ~~النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب ، وإنما يرجو بفعلها الثواب فإذا ~~قال : { اتقوا ربكم } فالمراد اتقوا عذاب ربكم . # أما قوله : { إن زلزلة الساعة شىء عظيم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الزلزلة شدة حركة الشيء ، قال صاحب الكشاف ولا تخلو ~~الساعة من أن تكون على تقدير الفاعلة لها كأنها هي التي تزلزل الأشياء على ~~المجاز الحكمي فتكون الزلزلة مصدرا مضافا إلى فاعله أو على تقدير المفعول ~~فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى : { ~~بل مكر اليل والنهار } ( سبأ : 33 ) وهي الزلزلة المذكورة في قوله : { إذا ~~زلزلت الارض زلزالها } ( الزلزلة : 1 ) . # المسألة الثانية : اختلفوا في وقتها فعن علقمة والشعبي أن هذه الزلزلة ~~تكون في الدنيا وهي التي يكون معها طلوع الشمس من مغربها . وقيل هي التي ~~تكون معها الساعة . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الصور ( ~~إنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات : نفخة الفزع ، ونفخة الصعقة ، ونفخة ~~القيام لرب العالمين ، وإن عند نفخة الفزع يسير الله الجبال وترجف الراجفة ~~، تتبعها الرادفة ، قلوب / يومئذ واجفة ، وتكون الأرض PageV23P003 كالسفينة ~~تضربها الأمواج أو كالقنديل المعلق ترجرجه الرياح ) وقال مقاتل وابن زيد ~~هذا في أول يوم من أيام الآخرة . واعلم أنه ليس في اللفظ دلالة على شيء من ~~هذه الأقسام ، لأن هذه الإضافة تصح وإن كانت الزلزلة قبلها ، وتكون من ~~أماراتها وأشراطها ، وتصح إذا كانت فيها ومعها ، كقولنا آيات الساعة ~~وأمارات الساعة . # المسألة الثالثة : روى ( أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل والناس يسيرون ~~فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم ، فلم ~~ير باكيا أكثر من تلك الليلة ، فلما أصبحوا لم يحطوا السرج ولم يضربوا ~~الخيام ولم يطبخوا القدور ، والناس بين باك وجالس حزين متفكر . فقال عليه ~~السلام : ( أتدرون أي ذلك اليوم ms6451 هو ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال ذلك يوم ~~يقول الله لآدم عليه السلام قم فابعث بعث النار من ولدك ، فيقول آدم وما ~~بعث النار ؟ يعني من كم كم ؟ فيقول الله عز وجل من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة ، فعند ذلك يشيب الصغير ، وتضع كل ذات ~~حمل حملها ، وترى الناس سكارى ، فكبر ذلك على المؤمنين وبكوا ، وقالوا فمن ~~ينجو يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام أبشروا وسددوا وقاربوا فإن ~~معكم خليقتين ما كانا في قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ، ثم قال إني لأرجو ~~أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبروا ، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل ~~الجنة فكبروا وحمدوا الله ، ثم قال إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة ، ~~إن أهل الجنة مائة وعشرون صفا ثمانون منها أمتي وما المسلمون في الكفار إلا ~~كالشامة في جنب البعير أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ، ثم قال ويدخل ~~من أمتي سبعون ألفا إلى الجنة بغير حساب ، فقال عمر سبعون ألفا ؟ قال نعم ~~ومع كل واحد سبعون ألفا / فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ادع الله ~~أن يجعلني منهم ، فقال أنت منهم ، فقام رجل من الأنصار فقال مثل قوله ، ~~فقال سبقك بها عكاشة ) فخاض الناس في السبعين ألفا فقال بعضهم هم الذين ~~ولدوا على الإسلام ، وقال بعضهم هم الذين آمنوا وجاهدوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا فقال : ( ~~هم الذين لا يكتوون ولا يكوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ) ~~. # المسألة الرابعة : أنه سبحانه أمر الناس بالتقوى ثم علل وجوبها عليهم ~~بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة ، والمعنى أن التقوى تقتضي دفع مثل هذا الضرر ~~العظيم عن النفس ، ودفع الضرر عن النفس معلوم الوجوب ، فيلزم أن تكون ~~التقوى واجبة . # المسألة الخامسة : احتجت المعتزلة بقوله تعالى : { إن زلزلة الساعة شىء ~~عظيم } وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة ، واحتجوا أيضا بقوله تعالى : { إن ~~الله على كل شىء ms6452 قدير } ( البقرة : 20 ) فالشيء الذي قدر الله عليه إما أن ~~يكون موجودا أو معدوما ، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادرا على إيجاد ~~الموجود ، وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر الله عليه معدوم فالمعدوم ~~شيء . واحتجوا أيضا بقوله تعالى : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا } ( ~~الكهف : 23 ) أطلق اسم الشيء في الحال على ما يصير مفعولا / غدا ، والذي ~~يصير مفعولا غدا يكون معدوما في الحال ، فالمعدوم شيء والله أعلم والجواب : ~~عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة وهي جواهر قامت بها أعراض ~~وتحقق ذلك في المعدوم محال ، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئا حال عدمها ، فلا ~~بد من التأويل بالاتفاق . ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئا ، وهذا هو ~~الجواب عن البواقي . # المسألة السادسة : وصف الله تعالى الزلزلة بالعظيم ولا عظيم أعظم مما ~~عظمه الله تعالى . أما قوله PageV23P004 تعالى : { يوم ترونها } فهو منصوب ~~بتذهل أي تذهل في ذلك اليوم والضمير في ترونها يحتمل أن يرجع إلى الزلزلة ~~وأن يرجع إلى الساعة لتقدم ذكرهما ، والأقرب رجوعه إلى الزلزلة لأن ~~مشاهدتها هي التي توجب الخوف الشديد . واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر من ~~أهوال ذلك اليوم أمورا ثلاثة أحدها : قوله : { تذهل كل مرضعة عما أرضعت } ~~أي تذهلها الزلزلة والذهول الذهاب عن الأمر مع دهشة ، فإن قيل : لم قال ~~مرضعة دون مرضع ؟ قلت المرضعة هي التي في حال الإرضاع وهي ملقمة ثديها ~~الصبي والمرضع شأنها أن ترضع ، وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به ، ~~فقيل مرضعة ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها ~~نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة ، وقوله : { عما أرضعت } أي عن إرضاعها ~~أو عن الذي أرضعته وهو الطفل فتكون ما بمعنى من على هذا التأويل . وثانيها ~~: قوله : { وتضع كل ذات حمل حملها } والمعنى أنها تسقط ولدها لتمام أو لغير ~~تمام من هول ذلك اليوم وهذا يدل على أن هذه الزلزلة إنما تكون قبل البعث ، ~~قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها ms6453 بغير فطام وألقت الحوامل ما في بطونها ~~لغير تمام ، وقال القفال : يحتمل أن يقال من ماتت حاملا أو مرضعة تبعث ~~حاملا أو مرضعة تضع حملها من الفزع ، ويحتمل أن يكون المراد من ذهول ~~المرضعة ووضع الحمل على جهة المثل كما قد تأول قوله : { يوم * يجعل الولدان ~~شيبا } ، وثالثها : قوله : { وترى الناس سكارى } وفيه مسائل : PageV23P005 # المسألة الأولى : قرىء وترى بالضم تقول أريتك قائما أو رأيتك قائما ~~والناس بالنصب والرفع ، أما النصب فظاهر ، وأما الرفع فلأنه جعل الناس اسم ~~ما لم يسم فاعله وأنثه على تأويل الجماعة / وقرىء سكرى وسكارى ، وهو نظير ~~جوعى وعطشى في جوعان وعطشان ، سكارى وسكارى نحو كسالى وعجالى ، وعن الأعمش ~~: سكرى وسكرى بالضم وهو غريب . # المسألة الثانية : المعنى وتراهم سكارى على التشبيه { وما هم بسكارى } ~~على التحقيق ، ولكن ما أرهقهم من هول عذاب الله تعالى هو الذي أذهب عقولهم ~~وطير تمييزهم ، وقال ابن عباس والحسن ونراهم سكارى من الخوف وما هم بسكارى ~~من الشراب ، فإن قلت لم قيل أولا ترون ثم قيل ترى على الإفراد ؟ قلنا لأن ~~الرؤية أولا علقت بالزلزلة ، فجعل الناس جميعا رائين لها ، وهي معلقة آخرا ~~بكون الناس على حال من السكر ، فلا بد وأن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم ~~. # المسألة الثالثة : إن قيل أتقولون إن شدة ذلك اليوم تحصل لكل أحد أو لأهل ~~النار خاصة ؟ قلنا قال قوم إن الفزع الأكبر وغيره يختص بأهل النار ، وإن ~~أهل الجنة يحشرون وهم آمنون . وقيل بل يحصل للكل لأنه سبحانه لا اعتراض ~~لأحد عليه في شيء من أفعاله ، وليس لأحد عليه حق . # ! 7 < { ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب ~~عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } . > 7 ! # < < # | الحج : ( 3 - 4 ) ومن الناس من . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في كيفية النظم وجهان : الأول : أخبر تعالى فيما تقدم ~~عن أهوال يوم القيامة وشدتها ، ودعا الناس إلى تقوى الله . ثم بين في هذه ~~الآية قوما من الناس الذين ذكروا ms6454 في الأول . وأخبر عن مجادلتهم الثاني : ~~أنه تعالى بين أنه مع هذا التحذير الشديد بذكر زلزلة الساعة وشدائدها ، فإن ~~من الناس من يجادل في الله بغير علم ، ثم في قوله : { ومن الناس } وجهان : ~~الأول : أنهم الذين ينكرون البعث ، ويدل عليه قوله : { أو لم * ير الإنسان ~~أنا خلقناه من نطفة } ( يس : 77 ) إلى آخر الآية . وأيضا فإن ما قبل هذه ~~الآية وصف البعث وما بعدها في الدلالة على البعث ، فوجب أن يكون المراد من ~~هذه المجادلة هو المجادلة في البعث والثاني : أنها نزلت في النضر بن الحرث ~~، كان يكذب بالقرآن ويزعم أنه أساطير الأولين ، ويقول ما يأتيكم به محمد ~~كما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما . # المسألة الثانية : هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة ، لأن ~~تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة ~~، فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله : { ما ضربوه لك إلا جدلا } ( ~~الزخرف : 58 ) والمجادلة الحقة هي المراد من قوله : { وجادلهم بالتى هى ~~أحسن } ( النحل : 125 ) . # المسألة الثالثة : في قوله : { ويتبع كل شيطان مريد } قولان : أحدهما : ~~يجوز أن يريد شياطين الإنس وهم رؤساء الكفار الذين يدعون من دونهم إلى ~~الكفر والثاني : أن يكون المراد بذلك إبليس وجنوده ، قال الزجاج المريد ~~والمارد المرتفع الأملس ، يقال صخرة مرداء أي ملساء ، ويجوز أن يستعمل في ~~غير الشيطان إذا جاوز حد مثله . # أما قوله : { كتب عليه } ففيه وجهان : أحدهما : أن الكتبة عليه مثل أي ~~كأنما كتب إضلال من عليه ورقم به لظهور ذلك في حاله والثاني : كتب عليه في ~~أم الكتاب ، واعلم أن هذه الهاء بعد ذكر من يجادل وبعد ذكر الشيطان ، يحتمل ~~أن يكون راجعا إلى كل واحد منهما ، فإن رجع إلى من / يجادل فإنه يرجع إلى ~~لفظه الذي هو موحد ، فكأنه قال كتب على من يتبع الشيطان أنه من تولى ~~الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار . وذلك زجر منه تعالى فكأنه تعالى ~~قال كتب على من ms6455 هذا حاله أنه يصير أهلا لهذا الوعيد ، فإن رجع إلى الشيطان ~~كان المعنى ويتبع كل شيطان مريد قد كتب عليه أنه من يقبل منه فهو في ضلال . ~~وعلى هذا الوجه أيضا يكون زجرا عن اتباعه ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال القاضي عبد الجبار إذا قيل المراد بقوله : { كتب ~~عليه } قضى عليه فلا جائز أن يرد إلا إلى من يتبع الشيطان ، لأنه تعالى لا ~~يجوز أن يقضي على الشيطان أنه يضل ، ويجوز أن يقضي على من يقبله بقوله ، قد ~~أضله عن الجنة وهداه إلى النار . قال أصحابنا رحمهم الله لما كتب ذلك عليه ~~فلو لم يقع لانقلب خبر الله الصدق كذبا ، وذلك محال ومستلزم المحال محال ، ~~فكان لا وقوعه محالا . # المسألة الثانية : دلت الآية على أن المجادل في الله إن كان لا يعرف الحق ~~فهو مذموم معاقب ، فيدل على أن المعارف ليست ضرورية . # المسألة الثالثة : قال القاضي فيه دلالة على أن المجادلة في الله ليست من ~~خلق الله تعالى وبإرادته ، وإلا لما كانت مضافة إلى اتباع الشيطان / وكان ~~لا يصح القول بأن الشيطان يضله بل كان الله تعالى قد أضله PageV23P006 ~~والجواب : المعارضة بمسألة العلم وبمسألة الداعي . # المسألة الرابعة : قرىء أنه بالفتح والكسر فمن فتح فلأن الأول فاعل كتب ~~والثاني عطف عليه ، ومن كسر فعلى حكاية المكتوب كما هو كأنما كتب عليه هذا ~~الكلام ، كما يقول كتبت أن الله هو الغني الحميد ، أو على تقدير قيل أو على ~~أن كتب فيه معنى القول . # ! 7 < { ياأيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم ~~من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر فى الا ~~رحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ~~ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الا رض هامدة ~~فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج * ذالك بأن الله ~~هو الحق وأنه ms6456 يحى الموتى وأنه على كل شىء قدير * وأن الساعة ءاتية لا ريب ~~فيها وأن الله يبعث من فى القبور } . > 7 @QB@ < # | الحج : ( 5 - 7 ) يا أيها الناس . . . . . # > > # / القراءة قرأ الحسن { من البعث } بالتحريك ونظيره الحلب والطرد في الحلب ~~وفي الطرد { مخلقة وغير مخلقة } بجر التاء والراء ، وقرأ ابن أبي عبلة ~~بنصبهما القراءة المعروفة بالنون في قوله : { لنبين } وفي قوله : { ونقر } ~~وفي قوله : { ثم نخرجكم طفلا } ابن أبي عبلة بالياء في هذه الثلاثة ، أما ~~القراءة بالنون ففيها وجوه : أحدها : القراءة المشهورة وثانيها : روى ~~السيرافي عن داود عن يعقوب ونقر بفتح النون وضم القاف والراء وهو من قر ~~الماء إذا صبه ، وفي رواية أخرى عنه كذلك إلا أنه بنصب الراء وثالثها : ~~ونقر ونخرجكم بنصب الراء والجيم أما القراءة بالياء ففيها وجوه : أحدها : ~~يقر ويخرجكم بفتح القاف والراء والجيم وثانيها : يقر ويخرجكم بضم القاف ~~والراء والجيم وثالثها : بفتح الياء وكسر القاف وضم الراء أبو حاتم { ومنكم ~~من يتوفى } بفتح الياء أي يتوفاه الله تعالى ابن عمرة والأعمش { العمر } ~~بإسكان الميم القراءة المعروفة { ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل ~~العمر } وفي حرف عبدالله ومنكم من يتوفى ومنكم من يكون شيوخا بغير القراءة ~~المعروفة وربت أبو جعفر وربأت أي ارتفعت ، وروى العمري عنه بتليين الهمزة ~~وقرىء وأنه باعث . PageV23P007 # المعاني : اعلم أنه سبحانه لما حكى عنهم الجدال بغير العلم في إثبات ~~الحشر والنشر وذمهم عليه فهو سبحانه أورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين : ~~أحدهما : الاستدلال بخلقة الحيوان أولا وهو موافق لما أجمله في قوله : { قل ~~يحييها الذى أنشأها أول مرة } ( يس : 79 ) وقوله : { فسيقولون من يعيدنا قل ~~الذى فطركم أول مرة } ( الإسراء : 51 ) فكأنه سبحانه وتعالى قال : إن كنتم ~~في ريب مما وعدناكم من البعث ، فتذكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر ~~على خلقكم أولا قادر على خلقكم ثانيا ، ثم إنه سبحانه ذكر من مراتب الخلقة ~~الأولى أمورا سبعة : المرتبة الأولى : قوله : { فإنا خلقناكم من تراب } ~~وفيه وجهان : أحدهما : إنا خلقنا أصلكم وهو آدم ms6457 عليه السلام من تراب ، ~~لقوله : { كمثل ءادم خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) وقوله : { منها ~~خلقناكم } ( طه : 55 ) ، والثاني : أن خلقة الإنسان من المنى ودم الطمث ~~وهما إنما يتولدان من الأغذية ، والأغذية إما حيوان أو نبات وغذاء الحيوان ~~ينتهي قطعا للتسلسل إلى النبات ، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء ، فصح ~~قوله : { إنا خلقناكم من * تراب } / المرتبة الثانية : قوله : { ثم من نطفة ~~} والنطفة اسم للماء القليل أي ماء كان / وهو ههنا ماء الفحل فكأنه سبحانه ~~يقول : أنا الذي قلبت ذلك التراب اليابس ماء لطيفا ، مع أنه لا مناسبة ~~بينهما ألبتة المرتبة الثالثة : قوله : { ثم من علقة } العلقة قطعة الدم ~~الجامدة ، ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة المرتبة ~~الرابعة : قوله : { ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر فى الارحام ~~ما نشاء } فالمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ ، والمخلقة المسواة الملساء ~~السالمة من النقصان والعيب ، يقال خلق السواك والعود إذا سواه وملسه ، من ~~قولهم صخرة خلقاء إذا كانت ملساء . ثم للمفسرين فيه أقوال : أحدها : أن ~~يكون المراد من تمت فيه أحوال الخلق ومن لم تتم ، كأنه سبحانه قسم المضغة ~~إلى قسمين : أحدهما : تامة الصور والحواس والتخاطيط وثانيهما : الناقصة في ~~هذه الأمور فبين أن بعد أن صيره مضعة منها ما خلقه إنسانا تاما بلا نقص ~~ومنها ما ليس كذلك وهذا قول قتادة والضحاك ، فكأن الله تعالى يخلق المضغ ~~متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب ومنها ما هو على عكس ذلك ~~فتبع ذلك التفاوت ، تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ~~ونقصانهم وثانيها : المخلقة الولد الذي يخرج حيا وغير المخلقة السقط وهو ~~قول مجاهد وثالثها : المخلقة المصورة وغير المخلقة أي غير المصورة وهو الذي ~~يبقى لحما من غير تخطيط وتشكيل واحتجوا بما روى علقمة عن عبدالله قال : ( ~~إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكا وقال يا رب مخلقة أو غير مخلقة ، ~~فءن قال غير مخلقة مجتها الأرحام دما ، وإن قال مخلقة ، قال يا رب ms6458 فما ~~صفتها ، أذكر أم أنثى ، ما رزقها ، ما أجلها ، أشقى ، أم سعيد ؟ فيقول الله ~~سبحانه انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة ، فينطلق الملك ~~فينسخها ، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفتها ) ورابعها : قال القفال : ~~التخليق مأخوذ من الخلق فما تتابع عليه الأطوار وتوارد عليه الخلق بعد ~~الخلق فذاك هو المخلق لتتابع الخلق عليه ، قالوا فما تم فهو المخلق وما لم ~~يتم فهو غير المخلق ، لأنه لم يتوارد عليه التخليقات . والقول الأول أقرب ~~لأنه تعالى قال في أول الآية : { فإنا خلقناكم } وأشار إلى الناس فيجب أن ~~تحمل مخلقة وغير مخلقة على من سيصير إنسانا وذلك يبعد في السقط لأنه قد ~~يكون سقطا ولم يتكامل فيه الخلقة فإن قيل هلا حملتم ذلك على السقط لأجل ~~قوله : { ونقر فى الارحام ما نشاء } وذلك كالدلالة على أن فيه مالا يقره في ~~الرحم وهو السقط ، فلنا إن ذلك لا يمنع من صحة ما ذكرنا PageV23P008 في كون ~~المضغة مخلقة وغير مخلقة ، لأنه بعد أن تمم خلقة البعض ونقص خلقة البعض لا ~~يجب أن يتكامل ذلك بل فيه ما يقره الله في الرحم وفيه مالا يقره وإن كان قد ~~أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط . # أما قوله تعالى : { لنبين لكم } ففيه وجهان : أحدهما : لنبين لكم أن ~~تغيير المضغة إلى المخلقة هو باختيار الفاعل المختار ، ولولاه لما صار بعضه ~~مخلقا وبعضه غير مخلق وثانيهما : التقدير إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~أخبرناكم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبين لكم ما يزيل عنكم ذلك الريب / في ~~أمر بعثكم ، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يكون عاجزا عن الإعادة . # أما قوله تعالى : { ونقر فى الارحام ما نشاء إلى أجل مسمى } فالمراد منه ~~من يبلغه الله تعالى حد الولادة ، والأجل المسمى هو الوقت المضروب للولادة ~~وهو آخر ستة أشهر ، أو تسعة ، أو أربع سنين أو كما شاء وقدر الله تعالى فإن ~~كتب ذلك صار أجلا مسمى المرتبة الخامسة : قوله : { ثم ms6459 * يخرجكم طفلا } ~~وإنما وحد الطفل لأن الغرض الدلالة على الجنس ويحتمل أن يخرج كل واحد منكم ~~طفلا كقوله : { والملئكة بعد ذالك ظهير } ( التحريم : 4 ) المرتبة السادسة ~~: قوله : { ثم لتبلغوا أشدكم } والأشد كمال القوة والعقل والتمييز وهو من ~~ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد وكأنها شدة في غير شيء واحد فبنيت ~~لذلك على لفظ الجمع ، والمراد والله أعلم ثم سهل في تربيتكم وأغذيتكم أمورا ~~لتبلغوا أشدكم فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين ~~بلوغ الأشد ويكون بين الحالتين وسائط ، وذكر بعضهم أنه ليس بين حال ~~الطفولية وبين ابتداء حال بلوغ الأشد واسطة حتى جوز أن يبلغ في السن ويكون ~~طفلا كما يكون غلاما ثم يدخل في الأشد المرتبة السابعة : قوله : { ومنكم من ~~يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } والمعنى ~~أن منكم من يتوفى على قوته وكماله ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو الهرم ~~والخرف ، فيصير كما كان في أول طفوليته ضعيف البنية ، سخيف العقل ، قليل ~~الفهم . فإن قيل كيف قال : { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } مع أنه يعلم بعض ~~الأشياء كالطفل ؟ قلنا المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئا لأن ~~مثل ذلك قد يذكر في النفي لأجل المبالغة ، ومن الناس من قال هذه الحالة لا ~~تحصل للمؤمنين لقوله تعالى : { ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات } وهو ضعيف . لأن معنى قوله : { ثم رددناه أسفل سافلين } ( ~~التين : 5 ) هو دلالة على الذم فالمراد به ما يجري مجرى العقوبة ولذلك قال ~~: { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون } ( التين : 6 ) ~~فهذا تمام الاستدلال بحال خلقة الحيوان على صحة البعث الوجه الثاني : ~~الاستدلال بحال خلقة النبات على ذلك وهو قوله سبحانه وتعالى : { وترى الارض ~~هامدة } وهمودها يبسها وخلوها عن النبات والخضرة { فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت } والاهتزاز الحركة على سرور فلا يكاد يقال اهتز فلان لكيت وكيت ~~إلا إذا كان الأمر من ms6460 المحاسن والمنافع فقوله : { اهتزت وربت } أي تحركت ~~بالنبات وانتفخت . # أما قوله : { وأنبتت من كل زوج بهيج } فهو مجاز لأن الأرض ينبت منها ~~والله تعالى هو المنبت لذلك ، لكنه يضاف إليها توسعا ، ومعنى { من كل زوج ~~بهيج } من كل نوع من أنواع النبات من زرع وغرس ، والبهجة حسن الشيء ونضارته ~~، والبهيج بمعنى المبهج قال المبرد وهو الشيء المشرق الجميل ، ثم إنه ~~PageV23P009 سبحانه لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب ~~والنتيجة وذكر أمورا خمسة أحدها : قوله ذلك : { بأن الله هو الحق } والحق ~~هو الموجود الثابت فكأنه سبحانه بين أن هذه الوجوه دالة على وجود الصانع ~~وحاصلها راجع إلى أن / حدوث هذه الأمراض المتنافية وتواردها على الأجسام ~~يدل على وجود الصانع وثانيها : قوله تعالى : { ذالك بأن الله } فهذا تنبيه ~~على أنه لما لم يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء فكيف يستبعد منه إعادة ~~الأموات وثالثها : قوله : { وأنه على كل شىء قدير } يعني أن الذي يصح منه ~~إيجاد هذه الأشياء لا بد وأن يكون واجب الإنصاف لذاته بالقدرة ومن كان كذلك ~~كان قادرا على جميع الممكنات ومن كان كذلك فإنه لا بد وأن يكون قادرا على ~~الإعادة ورابعها : قوله : { وأن الساعة ءاتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من ~~فى القبور } والمعنى أنه لما أقام الدلائل عى أن الإعادة في نفسها ممكنة ~~وأنه سبحانه وتعالى قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادرا على ~~الإعادة في نفسها / وإذا ثبت الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه فلا بد من ~~القطع بوقوعه ، واعلم أن تحرير هذه الدلالة على الوجه النظري أن يقال ~~الإعادة في نفسها ممكنة والصادق أخبر عن وقوعها فلا بد من القطع بوقوعها ، ~~أما بيان الإمكان فالدليل عليه أن هذه الأجسام بعد تفرقها قابلة لتلك ~~الصفات التي كانت قائمة بها حال كونها حية عاقلة والبارىء سبحانه عالم بكل ~~المعلومات قادر على كل المقدورات الممكنة وذلك يقتضي القطع بإمكان الإعادة ~~لما قلنا إن تلك الإجسام بعد تفرقها قابلة لتلك الصفات لأنها لو لم تكن ms6461 ~~قابلة لها في وقت لما كانت قابلة لها في شيء من الأوقات لأن الأمور الذاتية ~~لا تزول ، ولو لم تكن قابلة لها في شيء من الأوقات لما كانت حية عاقلة في ~~شيء من الأوقات ، لكنها كانت حية عاقلة فوجب أن تكون قابلة أبدا لهذه ~~الصفات . وأما أن البارىء سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن فلأنه سبحانه عالم ~~بكل المعلومات فيكون عالما بأجزاء كل واحد من المكلفين على التعيين وقادرا ~~على كل الممكنات ، فيكون قادرا على إيجاد تلك الصفات في تلك الذوات . فثبت ~~أن الإعادة في نفسها ممكنة وأنه سبحانه يمكنه تحصيل ذلك الممكن . فثبت أن ~~الإعادة ممكنة في نفسها . فإذا أخبر الصادق عن وقوعها فلا بد من القطع ~~بوقوعها ، فهذا هو الكلام في تقرير هذا الأصل . فإن قيل فأي منفعة لذكر ~~مراتب خلقة الحيوانات وخلقة النبات في هذه الدلالة ؟ قلنا إنها تدل على أنه ~~سبحانه قادر على كل الممكنات وعالم بكل المعلومات ، ومتى صح ذلك فقد صح كون ~~الإعادة ممكنة فإن الخصم لا ينكر المعاد إلا بناء على إنكار أحد هذين ~~الأصلين ، ولذلك فإن الله تعالى حيث أقام الدلالة على البعث في كتابه ذكر ~~معه كونه قادرا عالما كقوله : { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق ~~عليم } فقوله : { قل يحييها الذى أنشأها } بيان للقدرة وقوله : { وهو بكل ~~خلق عليم } ( يس : 79 ) بيان للعلم والله أعلم . # ! 7 < { ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * ~~ثانى عطفه ليضل عن سبيل الله له فى الدنيا خزى ونذيقه يوم القيامة عذاب ~~الحريق * ذالك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد } . > 7 @QB@ < # | الحج : ( 8 - 10 ) ومن الناس من . . . . . # > > PageV23P010 # / القراءة : { ثانى عطفه } بكسر العين الحسن وحده بفتح العين { ليضل } ~~قرىء بضم الياء وفتحها القراءة المعروفة { ونذيقه } بالنون وقرأ زيد بن علي ~~أذيقه ، المعاني في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن المراد بقوله : { ومن الناس من يجادل فى ~~الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد } ( الحج : 3 ) من ms6462 هم ؟ على وجوه : ~~أحدها : قال أبو مسلم الآية الأولى وهي قوله : { ومن الناس من يجادل فى ~~الله بغير علم } ويتبع كل شيطان مريد واردة في الأتباع المقلدين وهذه الآية ~~واردة في المتبوعين المقلدين ، فإن كلا المجادلين جادل بغير علم وإن كان ~~أحدهما تبعا والآخر متبوعا وبين ذلك قوله : { ولا هدى ولا كتاب منير } فإن ~~مثل ذلك لا يقال في المقلد ، وإنما يقال فيمن يخاصم بناء على شبهة ، فإن ~~قيل : كيف يصح ما قلتم والمقلد لا يكون مجادلا ؟ قلنا قد يجادل تصويبا ~~لتقليده وقد يورد الشبهة الظاهرة إذا تمكن منها وإن كان معتمده الأصلي هو ~~التقليد وثانيها : أن الآية الأولى نزلت في النضر بن الحرث ، وهذه الآية في ~~أبي جهل وثالثها : أن هذه الآية نزلت أيضا في النضر وهو قول ابن عباس رضي ~~الله عنهما وفائدة التكرير المبالغة في الذم وأيضا ذكر في الآية الأولى ~~اتباعه للشيطان تقليدا بغير حجة ، وفي الثانية مجادلته في الدين وإضلاله ~~غيره بغير حجة والوجه الأول أقرب لما تقدم . # المسألة الثانية : الآية دالة على أن الجدال مع العلم والهدى والكتاب ~~المنير حق حسن على ما مر تقريره . # المسألة الثالثة : المراد بالعلم العلم الضروري ، وبالهدى الاستدلال ~~والنظر لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير الوحي ، والمعنى أنه يجادل ~~من غير مقدمة ضرورية ولا نظرية ولا سمعية وهو كقوله : { ويعبدون من دون ~~الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم } ( الحج : 71 ) وقوله : { ~~ائتونى بكتاب من قبل هاذا } ( الأحقاف : 4 ) أما قوله : { ثانى عطفه ليضل ~~عن سبيل الله } فاعلم أن ثنى العطف عبارة عن الكبر والخيلاء كتصعير الخد ~~ولي الجيد وقوله : { ليضل عن سبيل الله } فأما القراءة بضم الياء فدلالة ~~على أن هذا المجادل فعل الجدال وأظهر التكبر لكي يتبعه غيره فيضله عن طريق ~~الحق فجمع بين الضلال والكفر وإضلال الغير . وأما القراءة بفتح الياء ~~فالمعنى أنه لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه ، ثم إنه سبحانه ~~وتعالى شرح حاله في الدنيا والآخرة . أما في ms6463 الدنيا فيوم / بدر روينا عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنهما نزلت في النضر بن الحرث وأنه قتل يوم بدر ، ~~وأما الذين لم يخصصوا هذه الآية بواحد معين قالوا المراد بالخزي في الدنيا ~~ما أمر المؤمنون بذمه ولعنه ومجاهدته وأما في الآخرة فقوله : { ونذيقه يوم ~~القيامة عذاب الحريق } ثم بين تعالى أن هذا الخزي المعجل وذلك العقاب ~~المؤجل لأجل ما قدمت يداه ، قالت المعتزلة هذه الآية تدل على مطالب : # الأول : دلت الآية على أنه إنما وقع في ذلك العقاب بسبب عمله وفعله فلو ~~كان فعله خلقا لله تعالى لكان حينما خلقه الله سبحانه وتعالى استحال منه أن ~~ينفك عنه / وحينما لا يخلقه الله تعالى استحال منه أن PageV23P011 يتصف به ~~، فلا يكون ذلك العقاب بسبب فعله فإذا عاقبه عليه كان ذلك محض الظلم وذلك ~~على خلاف النص . # الثاني : أن قوله بعد ذلك { وأن الله ليس بظلام للعبيد } دليل على أنه ~~سبحانه إنما لم يكن ظالما بفعل ذلك العذاب لأجل أن المكلف فعل فعلا استحق ~~به ذلك العقاب وذلك يدل على أنه لو عاقبه لا بسبب فعل يصدر من جهته لكان ~~ظالما ، وهذا يدل على أنه لا يجوز تعذيب الأطفال بكفر آبائهم . # الثالث : أنه سبحانه تمدح بأنه لا يفعل الظلم فوجب أن يكون قادرا عليه ~~خلاف ما يقوله النظام ، وأن يصح ذلك منه خلاف ما يقوله أهل السنة . # الرابع : وهو أن لا يجوز الاستدلال بهذه الآية على أنه تعالى لا يظلم لأن ~~عندهم صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم موقوفة على نفي الظلم فلو أثبتنا ~~ذلك بالدليل السمعي لزم الدور والجواب : عن الكل المعارضة بالعلم والداعي . # ! 7 < { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والا خرة ذالك هو الخسران المبين * ~~يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذالك هو الضلال البعيد * يدعو ~~لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير } . > 7 @QB@ < # | الحج : ( 11 - 13 ms6464 ) ومن الناس من . . . . . # > > # / القراءة : قرىء { فى الدنيا والاخرة } بالنصب والرفع فالنصب على الحال ~~والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وفي حرف عبدالله { من * ضره } بغير لام ، ~~واعلم أنه تعالى لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه على ما ذكرنا ~~عقبه بذكر المنافقين فقال : { ومن الناس من يعبد الله على حرف } وفي تفسير ~~الحرف وجهان : الأول : ما قاله الحسن وهو أن المرء في باب الدين معتمدة ~~القلب واللسان فهما حرفا الدين ، فإذا وافق أحدهما الآخر فقد تكامل في ~~الدين وإذا أظهر بلسانه الدين لبعض الأغراض وفي قلبه النفاق جاز أن يقال ~~فيه على وجه الذم يعبد الله على حرف الثاني : قوله : { على حرف } أي على ~~طرف من الدين لا في وسطه وقلبه ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم ~~لا على سكون طمأنينة كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بغنيمة قر ~~واطمأن وإلا فر وطار على وجهه . وهذا هو المراد { فإن أصابه خير اطمأن به ~~وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه } لأن الثبات في الدين إنما يكون لو كان ~~الغرض منه إصابة الحق وطاعة الله والخوف من عقابه فأما إذا كان غرضه الخير ~~المعجل فإنه يظهر الدين عند السراء ويرجع عنه عند الضراء فلا يكون إلا ~~منافقا مذموما وهو مثل قوله تعالى : { يتخذوا بين ذالك } ( النساء : 143 ) ~~وكقوله : { فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم } PageV23P012 ( ~~النساء : 141 ) . # المسألة الثانية : قال الكلبي : نزلت هذه الآية في أعراب كانوا يقدمون ~~على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا ~~صح بها جسمه ونتجت فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته غلاما وكثر ماله وماشيته ~~رضي به واطمأن إليه وإن أصابه وجع وولدت امرأته جارية أو أجهضت رماكه وذهب ~~ماله وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان وقال له ما جاءتك هذه الشرور إلا بسبب ~~هذا الدين فينقلب عن دينه . وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن ~~جبير والحسن ومجاهدة وقتادة وثانيها : وهو قول الضحاك نزلت ms6465 في المؤلفة ~~قلوبهم ، منهم عيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس قال بعضهم ~~لبعض ندخل في دين محمد فإن أصبنا خيرا عرفنا أنه حق ، وإن أصبنا غير ذلك ~~عرفنا أنه باطل وثالثها : قال أبو سميد الخدري : ( أسلم رجل من اليهود فذهب ~~بصره وماله وولده فقال يا رسول الله أقلني فإني لم أصب من ديني هذا خيرا ، ~~ذهب بصري وولدي ومالي . فقال صلى الله عليه وسلم : إن الإسلام لا يقال ، إن ~~الإسلام ليسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة ) فنزلت هذه الآية ~~. # وأما قوله : { وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه } ففيه سؤالات : الأول : ~~كيف قال : { وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه } والخير أيضا فتنة لأنه ~~امتحان وقال تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ، والجواب : مثل هذا ~~كثير في اللغة لأن النعمة بلاء وابتلاء لقوله : { فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه } ( الفجر : 15 ) ولكن إنما يطلق اسم البلاء على ~~ما يثقل على الطبع ، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي ، وليس ~~عنده الشر إلا الشر الدنيوي ، لأنه لا دين له . فلذلك وردت / الآية على ما ~~يعتقدونه ، وإن كان الخير كله فتنة ، لكن أكثر ما يستعمل فيما يشتد ويثقل . # السؤال الثاني : إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله : { انقلب على ~~وجهه } وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب ويرتد ؟ والجواب : المراد أنه ~~أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه ~~وذلك انقلاب في الحقيقة . # السؤال الثالث : قال مقاتل : الخير هو ضد الشر فلما قال : { فإن أصابه ~~خير اطمأن به } كان يجب أن يقول : وإن أصابه شر انقلب على وجهه الجواب : ~~لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى وإن أصابه شر بل وصفه بما لا يفيد ~~فيه القبح . # أما قوله تعالى : { خسر الدنيا والاخرة } فذلك لأنه يخسر في الدنيا العزة ~~والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ولا يبقى ماله ~~ودمه مصونا ، وأما في الآخرة فيفوته الثواب الدائم ويحصل له العقاب ms6466 الدائم ~~{ وذالك هو * الخسران المبين } . # أما قوله : { يدعو من * الله * مالا * يضره وما لا ينفعه } فالأقرب أنه ~~المشرك الذي يعبد الأوثان وهذا كالدلالة على أن الآية لم ترد في اليهودي ~~لأنه ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام ، والأقرب أنها واردة في المشركين ~~الذين انقطعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه النفاق وبين تعالى ~~أن : { ذالك هو الضلال البعيد } ، وأراد به عظم ضلالهم وكفرهم ، ويحتمل أن ~~يعني بذلك بعد ضلالهم عن الصواب لأن جميعه وإن كان PageV23P013 يشترك في ~~أنه خطأ فبعضه أبعد من الحق من البعض ، واستعير الضلال البعيد من ضلال من ~~أبعد في التيه ضالا وطالت وبعدت مسافة ضلاله . # أما قوله تعالى : { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : اختلفوا في تفسيره على وجهين : أحدهما : أن المراد ~~رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم لأنه يصح منهم أن يضروا ، وحجة هذا القول ~~أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم ، وهذه ~~الآية تقتضي كون المذكور فيها ضارا نافعا ، فلو كان المذكور في هذه الآية ~~هو الأوثان لزم التناقض . القول الثاني : أن المراد الوثن وأجابوا عن ~~التناقض بأمور : أحدها : أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن عبادتها سبب ~~الضرر وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها ، كقوله تعالى : { رب إنهن أضللن ~~كثيرا من الناس } ( إبراهيم : 36 ) فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سببا ~~للضلال ، فكذا ههنا نفي الضرر عنهم في الآية الأولى بمعنى كونها فاعلة ~~وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر . وثانيها : ~~كأنه سبحانه وتعالى بين في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع ، ~~ثم قال في الآية الثانية : لو سلمنا كونها ضارة نافعة لكن ضررها أكثر من ~~نفعها . وثالثها : كان الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها نفع ولا ~~ضرر في الدنيا ، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها ، ~~فكأنهم يقولون لها في الآخرة : إن ضرركم أعظم من نفعكم . # المسألة الثانية ms6467 : اختلف النحويون في إعراب قوله : { لمن ضره أقرب } . # أما قوله : { لبئس المولى ولبئس العشير } فالمولى هو الولي والناصر ، ~~والعشير الصاحب والمعاشر ، واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق لأن ذلك لا ~~يكاد يستعمل في الأوثان ، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله تعالى الذي ~~يجمع خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء / ثم ذم ~~الرؤساء بقوله : { لبئس المولى } والمراد ذم من انتصر بهم والتجأ إليهم . # ! 7 < { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها ~~الا نهار إن الله يفعل ما يريد * من كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا ~~والا خرة فليمدد بسبب إلى السمآء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ * ~~وكذالك أنزلناه ءايات بينات وأن الله يهدى من يريد } . > 7 ! # < < # | الحج : ( 14 - 16 ) إن الله يدخل . . . . . # > > إعلم أنه سبحانه لما بين في الآية السابقة حال عبادة المنافقين وحال ~~معبودهم ، بن في هذه الآية صفة عبادة المؤمنين وصفة معبودهم ، أما عبادتهم ~~فقد كانت على الطريق الذي لا يمكن صوابه ، وأما معبودهم PageV23P014 فلا ~~يضر ولا ينفع . وأما المؤمنون فعبادتهم حقيقية ومعبودهم يعطيهم أعظم ~~المنافع وهو الجنة ، ثم بين كمال الجنة التي تجمع بين الزرع والشجر وأن ~~تجري من تحتها الأنهار وبين تعالى أنه يفعل ما يريد بهم من أنواع الفضل ~~والإحسان زيادة على أجورهم كما قال تعالى : { فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله } واحتج أصحابنا في خلق الأفعال بقوله سبحانه : { إن الله يفعل ما ~~يريد } قالوا : أجمعنا على أنه سبحانه يريد الإيمان ولفظة ما للعموم فوجب ~~أن يكون فاعلا للإيمان لقوله : { إن الله يفعل ما يريد } أجاب الكعبي عنه ~~بأن الله تعالى يفعل ما يريد أن يفعله لا ما يريد أن يفعله غيره . والجواب ~~: أن قوله ما يريد أعم من قولنا ما يريد أن يفعله ومن قولنا ما يريد أن ~~يفعله غيره فالتقييد خلاف النص . # أما قوله : { من كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا والاخرة } فالهاء ~~إلى ماذا يرجع ؟ فيه وجهان : الأول : وهو ms6468 قول ابن عباس والكلبي ومقاتل ~~والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي ، واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم يريد أن من ظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم في الدنيا بإعلاء كلمته / وإظهار دينه ، وفي الآخرة بإعلاء درجته ~~والانتقام ممن كذبه والرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر في الآية ~~ففيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في قوله : { إن الله يدخل الذين ءامنوا ~~} والإيمان لا يتم إلا بالله ورسوله فيجب البحث ههنا عن أمرين : أحدهما : ~~أنه من الذي كان يظن أن الله تعالى لا ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم ؟ ~~والثاني : أنه ما معنى قوله : { فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع } ؟ . # أما البحث الأول : فذكروا فيه وجوها : أحدها : كان قوم من المسلمين لشدة ~~غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر فنزلت هذه ~~الآية . وثانيها : قال مقاتل : نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا نخاف أن ~~الله لا ينصر محمدا فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ~~. وثالثها : أن حساده وأعداءه كانوا يتوقعون أن لا ينصره الله وأن لا يعليه ~~على أعدائه ، فمتى شاهدوا أن الله نصره غاظهم ذلك . # وأما البحث الثاني : فاعلم أن في لفظ السبب قولين : أحدهما : أنه الحبل ~~وهؤلاء اختلفوا في السماء فمنهم من قال هو سماء البيت ، ومنهم من قال هو ~~السماء في الحقيقة ، فقالوا المعنى : من كان يظن أن لن ينصره الله ، ثم ~~يغيظه أنه لا يظفر بمطلوبه فليستقص وسعه في إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما ~~يفعل من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى مد حبلا إلى سماء بيته فاختنق ، فلينظر ~~أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه . وعلى هذا القول اختلفوا في ~~القطع فقال بعضهم : سمى الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه ، ~~وسمى فعله كيدا لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره ، أو على سبيل ~~الاستهزاء إلا أنه لم يكد به ms6469 محسوده وإنما كاد به نفسه ، والمراد ليس في ~~يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ . وهذا قول الكلبي ومقاتل وقال ابن عباس رضي ~~الله عنه : يشد الحبل في عنقه وفي سقف البيت ، ثم ليقطع الحبل حتى يختنق ~~ويهلك ، هذا كله إذا حملنا السماء على سقف البيت وهو قول كثير من المفسرين ~~. وقال آخرون : المراد منه نفس السماء فإنه يمكن حمل الكلام على نفس السماء ~~فهو أولى من حمله على سماء البيت ، لأن ذلك لا يفهم منه إلا مقيدا ، ولأن ~~الغرض ليس الأمر بأن يفعل ذلك ، بل الغرض أن يكون ذلك صارفا له عن الغيظ ~~إلى طاعة الله تعالى ، وإذا كان كذلك فكل ما كان المذكور أبعد من الإمكان ~~كان أولى بأن يكون هو المراد PageV23P015 ومعلوم أن مد الحبل إلى سماء ~~الدنيا والاختناق به أبعد في الإمكان من مده إلى سقف البيت ، لأن ذلك ممكن ~~. أما الذين قالوا السبب ليس هو الحبل فقد ذكروا وجهين : الأول : كأنه قال ~~فليمدد بسبب إلى السماء ، ثم ليقطع بذلك السبب المسافة ، ثم لينظر فإنه ~~يعلم أن مع تحمل المشقة فيما ظنه خاسر الصفقة كأن لم يفعل شيئا وهو قول أبي ~~مسلم . والثاني : كأنه قال فليطلب سببا يصل به إلى السماء فليقطع نصر الله ~~لنبيه ، ولينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بحيلة ، وهل يتهيأ له أن ~~يقطع بذلك نصر الله عن رسوله ، فإذا كان ذلك ممتنعا كان غيظه عديم الفائدة ~~، واعلم أن المقصد على كل هذه الوجوه معلوم فإنه زجر للكفار عن الغيظ فيما ~~لا فائدة فيه ، وهو في معنى قوله : { فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى الارض أو ~~سلما فى السماء } ( الأنعام : 35 ) مبينا بذلك أنه لا حيلة له في الآيات ~~التي اقترحوها القول الثاني : أن الهاء في قوله : { لن ينصره الله } راجع ~~إلى من في أول الآية لأنه المذكور ومن حق الكناية أن ترجع إلى مذكور إذا ~~أمكن ذلك ومن قال بذلك حمل النصرة على الرزق . وقال أبو عبيدة وقف علينا ~~سائل من ms6470 بني بكر فقال : من ينصرني نصره الله . أي من يعطيني أعطاه الله ، ~~فكأنه قال من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة ، فلهذا الظن ~~يعدل عن التمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم كما وصفه تعالى في قوله : { ~~وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه } ( الحج : 11 ) فيبلغ غاية الجزع وهو ~~الاختناق فإن ذلك لا يغلب التسمية ويجعله مرزوقا . # أما قوله : { وكذالك أنزلناه ءايات بينات } فمعناه ومثل ذلك الإنزال ~~أنزلنا القرآن كله آيات بينات . # أما قوله : { وأن الله يهدى من يريد } فقد احتج أصحابنا به فقالوا : ~~المراد من الهداية ، إما وضع الأدلة أو خلق المعرفة والأول غير جائز لأنه ~~تعالى فعل ذلك في حق كل المكلفين ولأن قوله : { يهدى من يريد } دليل على أن ~~الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته سبحانه ووضع الأدلة عند الخصم ~~واجب فبقي أن المراد منه خلق المعرفة قال القاضي عبد الجبار في الاعتذار ~~هذا يحتمل وجوها : أحدها : يكلف من يريد لأن من كلف أحدا شيئا فقد وصفه له ~~وبينه له . وثانيها : أن يكون المراد يهدي إلى الجنة والإثابة من يريد ممن ~~آمن وعمل صالحا . وثالثها : أن يكون المراد أن الله تعالى يلطف بمن يريد ~~ممن علم أنه إذا زاده هدى ثبت على إيمانه كقوله تعالى : { والذين اهتدوا ~~زادهم هدى } وهذا الوجه هو الذي أشار الحسن إليه بقوله : إن الله يهدي من ~~قبل لا من لم يقبل ، والوجهان الأولان ذكرهما أبو علي والجواب : عن الأول ~~أن الله تعالى ذكر ذلك بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله ~~على محض التكليف / وأما الوجهان الأخيران فمدفوعان لأنهما عندك واجبان على ~~الله تعالى وقوله : { يهدى من يريد } يقتضي عدم الوجوب . # ! 7 < { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين ~~أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شىء شهيد * ألم تر ~~أن الله يسجد له من فى السماوات ومن فى الا رض والشمس والقمر والنجوم ~~والجبال والشجر والدوآب وكثير من ms6471 الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله ~~فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشآء } . > 7 @QB@ < # | الحج : ( 17 - 18 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > PageV23P016 # / القراءة : قرى { حق } بالضم وقرىء حقا أي حق عليه العذاب حقا وقرىء { ~~مكرم } بفتح الراء بمعنى الإكرام ، واعلم أنه تعالى لما قال : { وأن الله ~~يهدى من يريد } أتبعه في هذه الآية ببيان من يهديه ومن لا يهديه ، واعلم أن ~~المسلم لا يخالفه في المسائل الأصولية إلا طبقات ثلاثة : أحدها : الطبقة ~~المشاركة له في نبوة نبيه كالخلاف بين الجبرية والقدرية في خلق الأفعال ~~البشرية والخلاف بين مثبتي الصفات والرؤية ونفاتها . وثانيها : الذين ~~يخالفونه في النبوة ولكن يشاركونه في الاعتراف بالفاعل المختار كالخلاف بين ~~المسلمين واليهود والنصارى في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى وموسى ~~عليهما السلام . وثالثها : الذين يخالفونه في الإله وهؤلاء هم السوفسطائية ~~المتوقفون في الحقائق ، والدهرية الذين لا يعترفون بوجود مؤثر في العالم ، ~~والفلاسفة الذين يثبتون مؤثرا موجبا لا مختارا . فإذا كانت الاختلافات ~~الواقعة في أصول الأديان محصورة في هذه الأقسام الثلاثة ، ثم لا يشك أن ~~أعظم جهات الخلاف هو من جهة القسم الأخير منها . وهذا القسم الأخير بأقسامه ~~الثلاثة لا يوجدون في العام المتظاهرين بعقائدهم ومذاهبهم بكل يكونون ~~مستترين ، أما القسم الثاني وهو الاختلاف الحاصل بسبب الأنبياء عليهم ~~السلام ، فتقسيمه أن يقال القائلون بالفاعل المختار ، إما أن يكونوا ~~معترفين بوجود الأنبياء ، أو لا يكونوا معترفين بذلك ، فإما أن يكونوا ~~أتباعا لمن كان نبيا في الحقيقة أو لمن كان متنبئا ، أما أتباع الأنبياء ~~عليهم السلام فهم المسلمون واليهود والنصارى ، وفرقة أخرى بين اليهود ~~والنصارى وهم الصابئون ، وأما أتباع المتنبىء فهم المجوس ، وأما المنكرون ~~للأنبياء على الإطلاق فهم عبدة الأصنام والأوثان ، وهم المسمون بالمشركين ، ~~ويدخل فيهم البراهمة على اختلاف طبقاتهم . فثبت أن الأديان الحاصلة بسبب ~~الاختلافات في الأنبياء عليهم السلام هي هذه الستة التي ذكرها الله تعالى ~~في هذه الآية ، قال قتادة ومقاتل الأديان ستة واحدة لله تعالى وهو الإسلام ~~وخمسة للشيطان ، وتمام الكلام في ms6472 هذه الآية قد تقدم في سورة البقرة . # أما قوه : { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال الزجاج هذا خبر لقول الله تعالى : { إن الذين ~~ءامنوا } كما تقول إن أخاك ، إن الدين عليه لكثير . قال جرير : # % إن الخليفة إن الله سربله % % سربال ملك به ترجى الخواتيم % # المسألة الثانية : الفصل مطلق فيحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن ~~جميعا فلا يجازيهم / جزاء واحدا بغير تفاوت ولا يجمعهم في موطن واحد وقيل ~~يفصل بينهم يقضي بينهم . # أما قوله تعالى : { إن الله على كل شىء شهيد } فالمراد أنه يفصل بينهم ~~وهو عالم بما يستحقه كل منهم فلا يجري في ذلك الفصل ظلم ولا حيف . ~~PageV23P017 # أما قوله سبحانه وتعالى : { ألم تر أن الله يسجد له } ففيه أسئلة : # السؤال الأول : ما الرؤية ههنا الجواب : أنها العلم أي ألم تعلم أن الله ~~يسجد له من في السموات ومن في الأرض وإنما عرف ذلك بخبر الله لا أنه رآه . # السؤال الثاني : ما السجود ههنا قلنا فيه وجوه : أحدها : قال الزجاج أجود ~~الوجوه في سجود هذه الأمور أنها تسجد مطيعة لله تعالى وهو كقوله : { ثم ~~استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين } ( فصلت : 11 ) ، { أن نقول له كن فيكون } ( النحل : 40 ) ، { وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله } ( البقرة : 74 ) ، { وإن من شىء إلا يسبح ~~بحمده } ( الإسراء : 44 ) ، PageV23P018 { وسخرنا مع * داوود * الجبال ~~يسبحن } والمعنى أن هذه الأجسام لما كانت قابلة لجميع الأعراض التي يحدثها ~~الله تعالى فيها من غير امتناع ألبتة أشبهت الطاعة والانقياد وهو السجود ~~فإن قيل هذا التأويل يبطله قوله : { وكثير من الناس } فإن السجود بالمعنى ~~الذي ذكرته عام في كل الناس فإسناده إلى كثير منهم يكون تخصيصا من غير ~~فائدة والجواب من وجوه : أحدها : أن السجود بالمعنى الذي ذكرناه وإن كان ~~عاما في حق الكل إلا أن بعضهم تمرد وتكبر وترك السجود في الظاهر ، فهذا ~~الشخص وإن كان ساجدا بذاته لكنه متمرد بظاهره ، أما المؤمن ms6473 فإنه ساجد بذاته ~~وبظاهره فلأجل هذا الفرق حصل التخصيص بالذكر . وثانيها : أن نقطع قوله : { ~~وكثير من الناس } عما قبله ثم فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن نقول تقدير ~~الآية : ولله يسجد من في السموات ومن في الأرض ويسجد له كثير من الناس ~~فيكون السجود الأول بمعنى الانقياد والثاني بمعنى الطاعة والعبادة ، وإنما ~~فعلنا ذلك لأنه قامت الدلالة على أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في ~~معنييه جميعا . الثاني : أن يكون قوله : { وكثير من الناس } مبتدأ وخبره ~~محذوف وهو مثاب لأن خبر مقابله يدل عليه وهو قوله : { حق عليه العذاب } ، ~~والثالث : أن يبالغ في تكثير المحقوقين بالعذاب فيعطف كثير على كثير ثم ~~يخبر عنهم بحق عليهم العذاب كأنه قيل وكثير من الناس وكثير حق عليهم العذاب ~~وثالثها : أن من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه جميعا يقول : ~~المراد بالسجود في حق الأحياء العقلاء العبادة وفي حق الجمادات الانقياد ، ~~ومن ينكر ذلك يقول إن الله تعالى تكلم بهذه اللفظة مرتين ، فعنى بها في حق ~~العقلاء ، الطاعة وفي حق الجمادات الانقياد . # السؤال الثالث : قوله : { ولله يسجد من فى * السماوات * الارض } ( الرعد ~~: 15 ) لفظه لفظ العموم فيدخل فيه الناس فلم قال مرة أخرى { وكثير من الناس ~~} الجواب : لو اقتصر على ما تقدم لأوهم أن كل الناس يسجدون كما أن كل ~~الملائكة يسجدون فبين أن كثيرا منهم يسجدون طوعا / دون كثير منهم فإنه ~~يمتنع عن ذلك وهم الذين حق عليهم العذاب . القول الثاني : في تفسير السجود ~~أن كل ما سوى الله تعالى فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يترجح وجوده على ~~عدمه إلا عند الانتهاء إلى الواجب لذاته كما قال : { وأن إلى ربك المنتهى } ~~( النجم : 42 ) وكما أن الإمكان لازم للممكن حال حدوثه وبقائه فافتقاره إلى ~~الواجب حاصل حال حدوثه وحال بقائه ، وهذا الافتقار الذاتي اللازم للماهية ~~أدل على الخضوع والتواضع من وضع الجبهة على الأرض فإن ذلك علامة وضعية ~~للافتقار الذاتي ، قد يتطرق إليها الصدق والكذب ، أما نفس الافتقار الذاتي ~~فإنه ممتنع التغير والتبدل ، فجميع ms6474 الممكنات ساجدة بهذا المعنى لله تعالى ~~أي خاضعة متذللة معترفة بالفاقة إليه والحاجة إلى تخليفه وتكوينه / وعلى ~~هذا تأولوا قوله : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) وهذا ~~قول القفال رحمه الله . القول الثالث : أن سجود هذه الأشياء سجود ظلها ~~كقوله تعالى : { يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم داخرون } ( ~~النحل : 48 ) وهو قول مجاهد . # وأما قوله : { كثير من * الناس وكثير حق عليه العذاب } فقال ابن عباس في ~~رواية عطاء وكثير من الناس يوحده وكثير حق عليه العذاب ممن لا يوحده ، وروى ~~عنه أيضا أنه قال وكثير من الناس في الجنة . وهذه الرواية تؤكد ما ذكرنا أن ~~قوله : { وكثير من الناس } مبتدأ وخبره محذوف ، وقال آخرون : الوقف على ~~قوله : { وكثير من الناس } ثم استأنف فقال : { وكثير حق عليه العذاب } أي ~~وجب بإبائه وامتناعه من السجود . # وأما قوله تعالى : { ومن يهن الله فما له من مكرم } فالمعنى أن الذين حق ~~عليهم العذاب ليس لهم أحد يقدر على إزالة ذلك الهوان عنهم فيكون مكرما لهم ~~، ثم بين بقوله : { إن الله يفعل ما يشاء } أنه الذي يصح منه الإكرام ~~والهوان يوم القيامة بالثواب والعقاب ، والله أعلم . # ! 7 < { هاذان خصمان اختصموا فى ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ~~يصب من فوق رءوسهم الحميم * يصهر به ما فى بطونهم والجلود * ولهم مقامع من ~~حديد * كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق * ~~إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الا نهار ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير * وهدوا إلى الطيب من ~~القول وهدوا إلى صراط الحميد } . > 7 ! # / < < # | الحج : ( 19 - 24 ) هذان خصمان اختصموا . . . . . # > > القراءة : روي عن الكسائي { خصمان } بكسر الخاء ، وقرىء { قطعت } ~~بالتخفيف كان الله يقدر لهم نيرانا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع ~~الثياب الملبوسة ، قرأ الأعمش : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم * ردوا ~~* فيها } الحسن { يصهر } بتشديد الهاء للمبالغة ، وقرىء { ولؤلؤا } بالنصب ~~على تقدير ويؤتون ms6475 لؤلؤا كقوله وحورا عينا ولؤلؤا بقلب الهمزة الثانية واوا ~~، واعلم أنه سبحانه لما بين أن الناس قسمان منهم من يسجد لله ومنهم من حق ~~عليه العذاب ذكر ههنا كيفية اختصامهم ، وفيه مسائل : PageV23P019 # المسألة الأولى : احتج من قال أقل الجمع اثنان بقوله : { هاذان خصمان ~~اختصموا } ، والجواب : الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق فكأنه قيل : هذان ~~فوجان أو فريقان يختصمان ، فقوله : { هاذان } للفظ واختصموا للمعنى كقوله : ~~{ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا } . # المسألة الثانية : ذكروا في تفسير الخصمين وجوها : أحدها : المراد طائفة ~~المؤمنين وجماعتهم وطائفة الكفار وجماعتهم وأن كل الكفار يدخلون في ذلك ، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما يرجع إلى أهل الأديان الستة { فى ربهم } أي في ~~ذاته وصفاته وثانيها : روى أن أهل الكتاب قالوا نحن أحق بالله وأقدم منكم ~~كتابا ونبينا قبل نبيكم ، وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا ~~بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب ، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه ~~وكفرتم به حسدا ، فهذه خصومتهم في ربهم وثالثها : روى قيس بن عبادة عن أبي ~~ذر الغفاري رحمه الله أنه كان يحلف بالله أن هذه الآية نزلت في ستة نفر من ~~قريش تبارزوا يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ~~والوليد بن عتبة ، وقال علي عليه السلام أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي ~~الله تعالى يوم القيامة . ورابعها : قال عكرمة : هما الجنة والنار قالت ~~النار خلقني الله لعقوبته . وقالت الجنة خلقني الله لرحمته فقص الله من ~~خبرهما على محمد صلى الله عليه وسلم ذلك ، والأقرب هو الأول لأن السبب وإن ~~كان خاصا فالواجب حمل الكلام على ظاهره / قوله : { هاذان } كالإشارة إلى من ~~تقدم ذكره وهم أهل الأديان الستة ، وأيضا ذكر صنفين أهل طاعته وأهل معصيته ~~ممن حق عليه العذاب ، فوجب أن يكون رجوع ذلك إليهما ، فمن خص به مشركي ~~العرب أو اليهود من حيث قالوا في كتابهم ونبيهم ما حكيناه فقد أخطأ ، وهذا ~~هو الذي يدل عليه قوله : { إن الله يفصل ms6476 بينهم } أراد به الحكم لأن ذكر ~~التخاصم يقتضي الواقع بعده يكون حكما فبين الله تعالى حكمه في الكفار ، ~~وذكر من أحوالهم أمورا ثلاثة : أحدها : قوله : { قطعت لهم ثياب من نار } ~~والمراد بالثياب إحاطة النار بهم كقوله : { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم ~~غواش } ( الأعراف : 41 ) عن أنس ، وقال سعيد بن جبير من نحاس أذيب بالنار ~~أخذا من قوله تعالى : { سرابيلهم من قطران } ( إبراهيم : 5 ) وأخرج الكلام ~~بلفظ الماضي كقوله تعالى : { ونفخ فى الصور } ( الكهف : 99 ) ، { وجاءت كل ~~نفس معها سائق وشهيد } ( ق : 21 ) لأن ما كان من أمر الآخرة فهو كالواقع . ~~وثانيها : قوله : { يصب من فوق * رؤوسهم * الحميم } يصهر به ما في بطونهم ~~والجلود ، الحميم الماء الحار ، قال ابن عباس رضي الله عنهما لو سقطت منه ~~قطرة على جبال الدنيا لأذابتها ، يصهر أي يذاب أي إذا صب الحميم على رؤوسهم ~~كان تأثيره في الباطن نحو تأثيره في الظاهر فيذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما ~~يذيب جلودهم وهو أبلغ من قوله : { وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } ( محمد : ~~15 ) . وثالثها : قوله : { ولهم مقامع من حديد } المقامع السياط وفي الحديث ~~( لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها ) وأما قوله ~~: { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها } فاعلم أن الإعادة لا ~~تكون إلا بعد الخروج والمعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا ~~أعيدوا فيها ، ومعنى الخروج ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها ~~فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقاطع فهووا فيها سبعين خريفا ~~وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق ، والحريق الغليظ من النار العظيم الإهلاك ، ثم ~~إنه سبحانه ذكر حكمه في المؤمنين من أربعة أوجه : PageV23P020 أحدها : ~~المسكن ، وهو قوله : { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجرى من تحتها الانهار } ، وثانيها : الحلية ، وهو قوله : { يحلون فيها من ~~أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } فبين تعالى أنه موصلهم في الآخرة ~~إلى ما حرمه عليهم في الدنيا من هذه الأمور وإن كان من أحله لهم أيضا ms6477 ~~شاركهم فيه لأن المحلل للنساء في الدنيا يسير بالإضافة إلى ما سيحصل لهم في ~~الآخرة . وثالثها : الملبوس وهو قوله : { ولباسهم فيها حرير } ، ورابعها : ~~قوله : { وهدوا إلى الطيب من القول } وفيه وجوه : أحدها : شهادة أن لا إله ~~إلا الله هو الطيب من القول لقوله : { ومثلا * كلمة طيبة } ( إبراهيم : 24 ~~) وقوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) وهو صراط الحميد لقوله ~~: { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } ( الشورى : 52 ) ، وثانيها : قال السدي ~~وهدوا إلى الطيب من القول هو القرآن . وثالثها : قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما في رواية عطاء هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده . ورابعها : أنهم ~~إذا ساروا إلى الدار الآخرة هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من قبل الله ~~تعالى بدوام النعيم والسرور والسلام ، وهو معنى قوله : { والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 23 ، ~~24 ) وعندي فيه وجه . خامس : وهو أن العلاقة البدنية جارية مجرى الحجاب ~~للأرواح البشرية في الاتصال بعالم القدس فإذا فارقت أبدانها انكشف الغطاء ~~ولاحت الأنوار الإلهية ، وظهور تلك الأنوار هو المراد من قوله : { وهدوا ~~إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد } والتعبير عنها هو المراد من ~~قوله : { وهدوا إلى الطيب من القول } . # ! 7 < { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذى جعلناه ~~للناس سوآء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } ~~. > 7 ! # < < # | الحج : ( 25 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمه البيت ~~وعظم كفر هؤلاء فقال : { إن الذين كفروا } بما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم { ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام } وذلك بالمنع من الهجرة ~~والجهاد لأنهم كانوا يأبون ذلك . وفيه إشكال وهو أنه كيف عطف المستقبل وهو ~~قوله : { ويصدون عن سبيل الله } الماضي وهو قوله : { كفروا } والجواب : عنه ~~من وجهين : الأول : أنه يقال فلان يحسن إلى الفقراء ويعين الضعفاء لا يراد ~~به حال ولا استقبال وإنما يراد استمرار وجود الإحسان ms6478 منه في جميع أزمنته ~~وأوقاته ، فكأنه قيل إن الذين كفروا من شأنهم الصد عن سبيل الله ، ونظيره ~~قوله : { الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله } . وثانيهما : قال أبو علي ~~الفارسي التقدير إن الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون ويدخل فيه أنهم ~~يفعلون ذلك في الحال والمستقبل ، أما قوله : { والمسجد الحرام } يعني ~~ويصدوهم أيضا عن المسجد الحرام ، قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت الآية ~~في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~الحديبية عن المسجد الحرام عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدى فكره ~~PageV23P021 رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم وكان محرما بعمرة ثم ~~صالحوه على أن يعود في العام القابل . # أما قوله : { الذى جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو علي الفارسي أي جعلناه للناس منسكا ومتعبدا ~~وقوله : { سواء العاكف فيه والباد } رفع على أنه خبر مبتدأ مقدم أي العاكف ~~والباد فيه سواء ، وتقدير الآية المسجد الحرام الذي جعلناه للناس منسكا ~~فالعاكف والبادي فيه سواء وقرأ عاصم ويعقوب سواء بالنصب بإيقاع الجعل عليه ~~لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين والله أعلم . # / المسألة الثانية : العاكف المقيم به الحاضر . والبادي الطارىء من البدو ~~وهو النازع إليه من عربته ، وقال بعضهم يدخل في العاكف القريب إذا جاور ~~ولزمه للتعبد وإن لم يكن من أهله . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أنهما في أي شيء يستويان قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما في بعض الروايات إنهما يستويات في سكنى مكة والنزول بها فليس ~~أحدهما أحق بالمنزل الذي يكون فيه من الآخر إلا أن يكون واحد سبق إلى ~~المنزل وهو قول قتادة وسعيد بن جبير ومن مذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها ~~حرام واحتجوا عليه بالآية . والخبر ، أما الآية فهي هذه قالوا إن أرض مكة ~~لا تملك فإنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي ، فلما استويا ثبت أن ~~سبيله سبيل المساجد ، وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( مكة مباح لمن سبق ~~إليها ) وهذا مذهب ms6479 ابن عمر وعمر بن عبد العزيز ومذهب أبي حنيفة وإسحق ~~الحنظلي رضي الله عنهم وعلى هذا المراد بالمسجد الحرام الحرم كله لأن إطلاق ~~لفظ المسجد الحرام والمراد منه البلد جائز بدليل قوله تعالى : { سبحان الذى ~~أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام } ( الإسراء : 1 ) وههنا قد دل الدليل ~~وهو قوله : { العاكف } لأن المراد منه المقيم إقامة ، وإقامته لا تكون في ~~المسجد بل في المنازل فيجب أن يقال ذكر المسجد وأراد مكة . القول الثاني : ~~المراد جعل الله الناس في العبادة في المسجد سواء ليس للمقيم أن يمنع ~~البادي وبالعكس قال عليه السلام : ( يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور ~~الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة من ليل أو نهار ~~) وهذا قول الحسن ومجاهد وقول من أجاز بيع دور مكة . وقد جرت مناظرة بين ~~الشافعي وإسحق الحنظلي بمكة وكان إسحق لا يرخص في كراء بيوت مكة ، واحتج ~~الشافعي رحمه الله بقوله تعالى : { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } ( ~~الحج : 4 ) فأضيفت الدار إلى مالكها وإلى غير مالكها ، وقال عليه السلام ~~يوم فتح مكة : ( من أغلق بابه فهو آمن ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( هل ~~ترك لنا عقيل من ربع ) وقد اشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما دار السجن ، ~~أترى أنه اشتراها من مالكها أو من غير مالكها ؟ قال إسحق : فلما علمت أن ~~الحجة قد لزمتني تركت قولي . أما الذي قالوه من حمل لفظ المسجد على مكة ~~بقرينة قوله العاكف ، فضعيف لأن العاكف قد يراد به الملازم للمسجد المعتكف ~~فيه على الدوام ، أو في الأكثر فلا يلزم ما ذكروه ، ويحتمل أن يراد بالعاكف ~~المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه فلا وجه لصرف الكلام عن ~~ظاهره مع هذه الاحتمالات . # أما قوله : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم } ففيه مسائل : PageV23P022 # المسألة الأولى : قرىء { يرد } بفتح الياء من الورود ، ومعناه من أتى فيه ~~بإلحاد وعن الحسن ومن يرد إلحاده بظلم ، والمعنى ومن يرد إيقاع إلحاد فيه ms6480 ، ~~فالإضافة صحيحة على الاتساع في الظرف كمكر الليل والنهار ، ومعناه ومن يرد ~~أن يلحد فيه ظالما . # / المسألة الثانية : الإلحاد العدول عن القصد وأصله إلحاد الحافر ، وذكر ~~المفسرون في تفسير الإلحاد وجوها : أحدها : أنه الشرك ، يعني من لجأ إلى ~~حرم الله ليشرك به عذبه الله تعالى ، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس وقول ~~عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل . وثانيها : قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : نزلت في عبدالله بن سعد حيث استسلمه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فارتد مشركا ، وفي قيس بن ضبابة . وقال مقاتل : نزلت في عبدالله بن ~~خطل حين قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافرا ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتله يوم الفتح كافرا . وثالثها : قتل ما نهى الله تعالى عنه من الصيد . ~~ورابعها : دخول مكة بغير إحرام وارتكاب ما لا يحل للمحرم . وخامسها : أنه ~~الاحتكار عن مجاهد وسعيد بن جبير . وسادسها : المنع من عمارته . وسابعها : ~~عن عطاء قول الرجل في المبايعة لا والله وبلى والله . وعن عبد الله بن عمر ~~أنه كان له قسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب ~~أهله عاتبهم في الحل ، فقيل له فقال : كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول ~~الرجل لا والله وبلى والله . وثامنها : وهو قول المحققين : أن الإلحاد بظلم ~~عام في كل المعاصي ، لأن كل ذلك صغر أم كبر يكون هناك أعظم منه في سائر ~~البقاع حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه : لو أن رجلا بعدن هم بأن يعمل سيئة ~~عند البيت أذاقه الله عذابا أليما . وقال مجاهد : تضاعف السيئات فيه كما ~~تضاعف الحسنات ، فإن قيل كيف يقال ذلك مع أن قوله : { نذقه من عذاب أليم } ~~غير لائق بكل المعاصي قلنا لا نسلم ، فإن كل عذاب يكون أليما ، إلا أنه ~~تختلف مراتبه على حسب اختلاف المعصية . # المسألة الثالثة : الباء في قوله : { بإلحاد } فيه قولاه : أحدهما : وهو ~~الأولى وهو اختيار صاحب ( الكشاف ) أن قوله : { بإلحاد بظلم } حالان ~~مترادفان ومفعول يرد متروك ms6481 ليتناول كل متناول كأنه قال ومن يرد فيه مرادا ~~ما عادلا عن القصد ظالما نذقه من عذاب أليم ، يعني أن الواجب على من كان ~~فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهم به ويقصده . ~~الثاني : قال أبو عبيدة : مجازه ومن يرد فيه إلحادا والباء من حروف الزوائد ~~. # المسألة الرابعة : لما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بين الله ~~تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ما يكون ميلا إلى الظلم ، فلهذا قرن الظلم ~~بالإلحاد لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا وهو ظلم ، ولذلك قال تعالى : { إن ~~الشرك لظلم عظيم } . # أما قوله تعالى : { نذقه من عذاب أليم } فهو بيان الوعيد وفيه مسائل : # المسألة الأولى : من قال الآية نزلت في ابن خطل قال : المراد بالعذاب أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله يوم الفتح ، ولا وجه للتخصيص إذا أمكن ~~التعميم ، بل يجب أن يكون المراد العذاب في الآخرة لأنه من أعظم ما يتوعد ~~به . # / المسألة الثانية : أن هذه الآية تدل على أن المرء يستحق العذاب بإرادته ~~للظلم كما يستحقه على عمل جوارحه . PageV23P023 # المسألة الثالثة : ذكروا قولين في خبر إن المذكور في أول الآية : الأول : ~~التقدير إن الذين كفروا ويصدون ومن يرد فيه بإلحاد نذقه من عذاب فهو عائد ~~إلى كلتا الجملتين . الثاني : أنه محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره : ~~إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم . وكل من ~~ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك . # ! 7 < { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بى شيئا وطهر بيتى ~~للطآئفين والقآئمين والركع السجود * وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى ~~كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فىأيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الا نعام فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ~~* ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } . > 7 ! # < < # | الحج : ( 26 - 29 ) وإذ بوأنا لإبراهيم . . . . . # > > اعلم أن قوله : { وإذ بوأنا } أي واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان ~~البيت مباءة ms6482 ، أي مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة . وكان قد رفع البيت ~~إلى السماء أيام الطوفان وكان من ياقوتة حمراء ، فأعلم الله تعالى إبراهيم ~~عليه السلام مكانه بريح أرسلها فكشفت ما حوله فبناه على وضعه الأول ، وقيل ~~أمر إبراهيم بأن يأتي موضع البيت فيبنى ، فانطلق فخفي عليه مكانه فبعث الله ~~تعالى على قدر البيت الحرام في العرض والطول غمامة وفيها رأس يتكلم وله ~~لسان وعينان فقال يا إبراهيم ابن علي قدري وحيالى فأخذ في البناء وذهبت ~~السحابة ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : لا شك أن ( أن ) هي المفسرة فكيف يكون النهي عن الشرك ~~والأمر / بتطهير البيت تفسيرا للتبوئة الجواب : أنه سبحانه لما قال جعلنا ~~البيت مرجعا لإبراهيم ، فكأنه قيل ما معنى كون البيت مرجعا له ، فأجيب عنه ~~بأن معناه أن يكون بقلبه موحدا لرب البيت عن الشريك والنظير ، وبقالبه ~~مشتغلا بتنظيف البيت عن الأوثان والأصنام . # السؤال الثاني : أن إبراهيم لما لم يشرك بالله فكيف قال أن لا تشرك بي ~~الجواب : المعنى لا تجعل في العبادة لي شريكا ، ولا تشرك بي غرضا آخر في ~~بناء البيت . # السؤال الثالث : البيت ما كان معمورا قبل ذلك فكيف قال وطهر بيتي الجواب ~~: لعل ذلك المكان كان صحراء وكانوا يرمون إليها الأقذار ، فأمر إبراهيم ~~ببناء البيت في ذلك المكان وتطهيره من الأقذار ، وكانت PageV23P024 معمورة ~~فكانوا قد وضعوا فيها أصناما فأمره الله تعالى بتخريب ذلك البناء ووضع بناء ~~جديد وذلك هو التطهير عن الأوثان ، أو يقال المراد أنك بعد أن تبنيه فطهره ~~عما لا ينبغي من الشرك وقول الزور . # وأما قوله : { للطائفين والقائمين } فقال ابن عباس رضي الله عنهما ~~للطائفين بالبيت من غير أهل مكة { والقائمين } أي المقيمين بها { والركع ~~السجود } أي من المصلين من الكل ، وقال آخرون القائمون وهم المصلون ، لأن ~~المصلي لا بد وأن يكون في صلاته جامعا بين القيام والركوع والسجود والله ~~أعلم . # أما قوله تعالى : { وأذن فى الناس بالحج } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن محيصن { وأذن } بمعنى أعلم . # المسألة الثانية : في المأمور قولان : أحدهما ms6483 : وعليه أكثر المفسرين أنه ~~هو إبراهيم عليه السلام قالوا لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت ~~قال سبحانه : { وأذن فى الناس بالحج } قال يا رب وما يبلغ صوتي ؟ قال عليك ~~الأذان وعلى البلاغ . فصعد إبراهيم عليه السلام الصفا وفي رواية أخرى أبا ~~قبيس ، وفي رواية أخرى على المقام قال إبراهيم كيف أقول ؟ قال جبريل عليه ~~السلام : قل لبيك اللهم لبيك فهو أول من لبى ، وفي رواية أخرى أنه صعد ~~الصفا فقال : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم حج البيت العتيق فسمعه ما ~~بين السماء والأرض ، فما بقي شيء سمع صوته إلا أقبل يلبي يقول : لبيك اللهم ~~لبيك ، وفي رواية أخرى إن الله يدعوكم إلى حج البيت الحرام ليثيبكم به ~~الجنة ويخرجكم من النار ، فأجابه يومئذ من كان في أصلاب الرجال وأرحام ~~النساء ، وكل من وصل إليه صوته من حجر أو شجر ومدر وأكمة أو تراب ، قال ~~مجاهد : فما حج إنسان ولا يحج أحد حتى تقوم الساعة إلا وقد أسمعه ذلك ~~النداء ، فمن أجاب مرة حج مرة ، ومن أجاب مرتين أو أكثر . فالحج مرتين أو ~~أكثر على ذلك المقدار ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أمر إبراهيم ~~عليه السلام بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت وارتفعت له القرى ، قال القاضي ~~عبد الجبار : يبعد قولهم إنه أجابه الصخر والمدر ، لأن الإعلام لا يكون إلا ~~لمن يؤمر بالحج / دون الجماد ، فأما من يسمع من أهل المشرق والمغرب نداءه ~~فلا يمتنع إذا قواه الله تعالى ورفع الموانع ومثل ذلك قد يجوز في زمان ~~الأنبياء عليهم السلام . القول الثاني : أن المأمور بقوله : { وأذن } هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الحسن واختيار أكثر المعتزلة واحتجوا عليه ~~بأن ما جاء في القرآن وأمكن حمله على أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو ~~المخاطب به فهو أولى وتقدم قوله : { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } لا ~~يوجب أن يكون قوله : { وأذن } يرجع إليه إذ قد بينا أن معنى قوله : { وإذ ~~بوأنا } أي واذكر يا ms6484 محمد { إذ * بوأنا } فهو في حكم المذكور ، فإذا قال ~~تعالى : { وأذن } فإليه يرجع الخطاب وعلى هذا القول ذكروا في تفسير قوله ~~تعالى : { وأذن } وجوها : أحدها : أن الله تعالى أمر محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بأن يعلم الناس بالحج . وثانيها : قال الجبائي أمره الله تعالى أن ~~يعلن التلبية فيعلم الناس أنه حاج فيحجوا معه قال وفي قوله : { يأتوك } ~~دلالة على أن المراد أن يحج فيقتدي به . وثالثها : أنه ابتداء فرض الحج من ~~الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم . # أما قوله : { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } ففيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : الرجال المشاة واحدهم راجل كنيام ونائم وقرىء رجال بضم ~~الراء مخفف الجيم ومثقله ورجال كعجال عن ابن عباس رضي الله عنهما وقوله : { ~~وعلى كل ضامر } أي ركبانا والضمور الهزال PageV23P025 ضمر يضمر ضمورا ، ~~والمعنى أن الناقة صارت ضامرة لطول سفرها . وإنما قال : { يأتين } أي جماعة ~~الإبل وهي الضوامر لأن قوله : { وعلى كل ضامر } معناه على إبل ضامرة فجعل ~~الفعل بمعنى كل ولو قال يأتي على اللفظ صح وقرىء يأتون صفة للرجال والركبان ~~، والفج الطريق بين الجبلين ، ثم يستعمل في سائر الطرق اتساعا ، والعميق ~~البعيد قرأ ابن مسعود معيق يقال بئر بعيدة العمق والمعق . # المسألة الثانية : المعنى : وأذن ، ليأتوك رجالا وعلى كل ضامر ، أي وأذن ~~، ليأتوك على هاتين الصفتين ، أو يكون المراد : وأذن فإنهم يأتوك على هاتين ~~الصفتين . # المسألة الثالثة : بدأ الله بذكر المشاة تشريفا لهم ، وروى سعيد بن جبير ~~بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الحاج الراكب له بكل ~~خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة حسنة من حسنات الحرم ، قيل ~~يا رسول الله وما حسنات الحرم قال الحسنة بمائة ألف حسنة ) . # المسألة الرابعة : إنما قال : { يأتوك رجالا } لأنه هو المنادي فمن أتى ~~بمكة حاجا فكأنه أتى إبراهيم عليه السلام لأنه يجيب نداءه . # أما قوله : { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما أمر بالحج ms6485 في قوله : { وأذن فى الناس ~~بالحج } ذكر حكمة ذلك الأمر في قوله : { ليشهدوا منافع لهم } واختلفوا فيها ~~فبعضهم حملها على منافع الدنيا . وهي أن يتجرو في أيام الحج ، وبعضهم حملها ~~على منافع الآخرة ، وهي العفو والمغفرة عن محمد الباقر عليه السلام ، ~~وبعضهم حملها على الأمرين جميعا ، وهو الأولى . # / المسألة الثانية : إنما نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه ~~العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات . # المسألة الثالثة : كنى عن الذبح والنحر بذكر اسم الله تعالى لأن أهل ~~الإسلام لا ينفكون عن دكر اسمه إذا نحروا وذبحوا وفيه تنبيه على أن الغرض ~~الأصلي فيما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر اسم الله تعالى ، وأن يخالف ~~المشركين في ذلك فإنهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان قال مقاتل إذا ذبحت ~~فقل بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك وتستقبل القبلة ، وزاد الكلبي ~~فقال إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، قال القفال : وكان ~~المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدى نفسه بما يعادلها فكأنه ~~يبذل تلك الشاة بدل مهجته طلبا لمرضاة الله تعالى ، واعترافا بأن تقصيره ~~كاد يستحق مهجته . # المسألة الرابعة : أكثر العلماء صاروا إلى أن الأيام المعلومات عشر ذي ~~الحجة والمعدودات أيام التشريق ، وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ، ~~ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله ، ~~واحتجوا بأنها معلومة عند الناس لحرصهم على علمها من أجل أن وقت الحج في ~~آخرها . ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة ، والمشعر الحرام ~~وكذلك الذبائح لها وقت منها وهو يوم النحر ، وقال ابن عباس في رواية عطاء ~~إنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده وهو اختيار أبي مسلم قال لأنها كانت ~~معروفة عند العرب بعدها وهي أيام النحر وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ~~. PageV23P026 # أما قوله : { بهيمة الانعام } فقال صاحب ( الكشاف ) : البهمة مبهمة في كل ~~ذات أربع في البر والبحر ، فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز ~~. # أما قوله تعالى : { فكلوا منها } فمن الناس ms6486 من قال إنه أمر وجوب لأن أهل ~~الجاهلية كانوا لا يأكلون منها ترفعا على الفقراء ، فأمر المسلمين بذلك لما ~~فيه من مخالفة الكفار ومساواة الفقراء واستعمال التواضع ، وقال الأكثرون ~~إنه ليس على الوجوب . ثم قال العلماء من أهدى أو ضحى فحسن أن يأكل النصف ~~ويتصدق بالنصف لقوله تعالى : { فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير } ومنهم ~~من قال يأكل الثلث ويدخر الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث ، ومذهب الشافعي ~~رحمه الله أن الأكل مستحب والإطعام واجب فإن أطعم جميعها أجزأه وإن أكل ~~جميعها لم يجزه ، هذا فيما كان تطوعا ، فأما الواجبات كالنذور والكفارات ~~والجبرانات لنقصان مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة ودماء القلم ~~والحلق فلا يؤكل منها . # أما قوله : { وأطعموا البائس الفقير } فلا شبهة في أنه أمر إيجاب ، ~~والبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقيرة الذي أضعفه الإعسار وهو مأخوذ من ~~فقار الظهر . قال ابن عباس البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه ، ~~والفقير الذي لا يكون كذلك فتكون ثيابه نقية ووجهه وجه غني . # / أما قوله : { ثم ليقضوا تفثهم } قال الزجاج : إن أهل اللغة لا يعرفون ~~التفث إلا من التفسير ، وقال المبرد أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة ~~تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها . والمراد ههنا قص الشارب والأظفار ونتف ~~الإبط وحلق العامة ، والمراد من القضاء إزالة التفث ، وقال القفال قال ~~نفطويه : سألت أعرابيا فصيحا ما معنى قوله : { ثم ليقضوا تفثهم } ؟ فقال ما ~~أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل ما أتفثك وما أدرنك / ثم قال القفال وهذا ~~أولى من قول الزجاج لأن القول قول المثبت لا قول النافي . # أما قوله : { وليوفوا نذورهم } فقرىء بتشديد الفاء ثم يحتمل ذلك ما أوجبه ~~الدخول في الحج من أنواع المناسك ، ويحتمل أن يكون المراد ما أوجبوه بالنذر ~~الذي هو القول ، وهذا القول هو الأقرب فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب ~~على نفسه من الهدى وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه فأمر الله ~~تعالى بالوفاء بذلك . # أما قوله : { وليطوفوا بالبيت العتيق } فالمراد الطواف ms6487 الواجب وهو طواف ~~الإفاضة والزيارة ، أما كون هذا الطواف بعد الوقوف ورمي الجمار والحلق ، ثم ~~هو في يوم النحر أو بعده ففيه تفصيل ، وسمى البيت العتيق لوجوه : أحدها : ~~العتيق القديم لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن . وثانيها : لأنه أعتق من ~~الجبابرة فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى وهو قول ابن عباس ~~وقول ابن الزبير ، ورووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما قصد أبرهة ~~فعل به ما فعل ، فإن قيل فقد تسلط الحجاج عليه فالجواب : قلنا ما قصد ~~التسلط على البيت وإنما تحصن به عبدالله بن الزبير فاحتال لإخراجه ثم بناه ~~وثالثها : لم يملك قط عن ابن عيينة ورابعها : أعتق من الغرق عن مجاهد ~~وخامسها : بيت كريم من قولهم عتاق الطير والخيل ، واعلم أن اللام في ليقضوا ~~وليوفوا وليطوفوا لام الأمر ، وفي قراءة ابن كثير ونافع والأكثرين تخفيف ~~هذه اللامات وفي قراءة أبي عمرو تحريكها بالكسر . PageV23P027 # ! 7 < { ذالك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الا نعام ~~إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الا وثان واجتنبوا قول الزور * حنفآء ~~لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو ~~تهوى به الريح فى مكان سحيق * ذالك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب } . > 7 @QB@ < # | الحج : ( 30 - 32 ) ذلك ومن يعظم . . . . . # > > # قال صاحب ( الكشاف ) { ذالك } خبر مبتدأ محذوف أي الأمر والشأن ذلك كما ~~يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني فإذا أراد الخوض في معنى آخر قال ~~هذا وقد كان كذا ، والحرمة ما لا يحل هتكه وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه ~~الصفة من مناسك الحج وغيرها يحتمل أن يكون عاما في جميع تكاليفه ، ويحتمل ~~أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج ، وعن زيد بن أسلم الحرمات خمس : الكعبة ~~الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمشعر الحرام ، وقال ~~المتكلمون ولا تدخل النوافل في حرمات الله تعالى : { فهو خير له عند ربه } ~~أي فالتعظيم خير له ms6488 للعلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظها ، وقوله : { ~~عند ربه } يدل على الثواب المدخر لأنه لا يقال عند ربه فيما قد حصل من ~~الخيرات ، قال الأصم فهو خير له من التهاون بذلك ، ثم إنه تعالى عاد إلى ~~بيان حكم الحج فقال : { وأحلت لكم الانعام } فقد كان يجوز أن يظن أن ~~الإحرام إذا حرم الصيد وغيره فالأنعام أيضا تحرم فبين الله تعالى أن ~~الإحرام لا يؤثر فيها فهي محللة ، واستثنى منه ما يتلى في كتاب الله من ~~المحرمات من النعم وهو المذكور في سورة المائدة ، وهو قوله تعالى : { غير ~~محلى الصيد وأنتم حرم } وقوله : { حرمت عليكم } وقوله : { ولا تأكلوا مما ~~لم يذكر اسم الله عليه } ( الأنعام : 121 ) ، ثم إنه سبحانه لما حث على ~~تعظيم حرماته وحمد من يعظمها أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان وقول الزور . ~~لأن توحيد الله تعالى وصدق القول أعظم الخيرات ، وإنما جمع الشرك وقول ~~الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور ، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق ~~له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور ، واجتنبوا ~~قول الزور كله ، ولا تقربوا منه شيئا لتماديه في القبح والسماجة ، وما ظنك ~~بشيء من قبيله عبادة الأوثان وسمى الأوثان رجسا لا للنجاسة ، لكن لأن وجوب ~~تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس ولأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات . ~~ثم قال الأصم إنما وصفها بذلك لأن عادتهم في المتقربات أن يتعمدوا سقوط ~~الدماء عليها وهذا بعيد وقيل إنه إنما وصفها بذلك استحقارا واستخفافا وهذا ~~أقرب ، وقوله : { من الاوثان } بيان للرجس وتمييز له كقوله عندي عشرون من ~~الدراهم لأن الرجس لما فيه من الإيهام يتناول كل شيء ، فكأنه قال فاجتنبوا ~~الرجس الذي هو الأوثان ، وليس المراد أن بعضها ليس كذلك ، والزور من الزور ~~والإزورار وهو الانحراف ، كما أن الأفك من أفكه إذا صرفه ، والمفسرون ذكروا ~~في قول PageV23P028 الزور / وجوها : أحدها : أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام ~~وما أشبه ذلك من افترائهم وثانيها : شهادة الزور عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ( أنه ms6489 صلى الصبح فلما سلم قام قائما واستقبل الناس بوجهه وقال عدلت ~~شهادة الزور الإشراك بالله ) وتلا هذه الآية وثالثها : الكذب والبهتان ~~ورابعها : قول أهل الجاهلية في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ~~تملكه وما ملك . # أما قوله تعالى : { حنفاء لله } فقد تقدم ذكر تفسير ذلك وأنه الاستقامة ~~على قول بعضهم والميل إلى الحق على قول البعض ، والمراد في هذا الموضع ما ~~قيل من أنه الإخلاص فكأنه قال تمسكوا بهذه الأمور التي أمرت ونهيت على وجه ~~العبادة لله وحده لا على وجه إشراك غير الله به . ولذلك قال غير مشركين به ~~. وهذا يدل على أن الواجب على المكلف أن ينوي بما يأتيه من العبادة الإخلاص ~~فبين تعالى مثلين للكفر لا مزيد عليهما في بيان أن الكافر ضار بنفسه غير ~~منتفع بها . وهو قوله : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير ~~أو تهوى به الريح فى مكان سحيق } قال صاحب ( الكشاف ) إن كان هذا تشبيها ~~مركبا فكأنه قيل من أشرك بالله فقد أهلك نسه إهلاكا ليس وراءه هلاك بأن صور ~~حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرقت أجزاؤه في حواصلها ~~أو عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المهالك البعيدة . وإن كان تشبيها ~~مفرقا فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء ، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله ~~كالساقط من السماء والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة والشيطان ~~الذي يطرحه في وادي الضلالة بالريح التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوي ~~المختلفة . وقرىء بكسر الخاء والطاء وبكسر الفاء مع كسرهما وهي قراءة الحسن ~~وأصلها تختطفه وقرىء الرياح ، ثم إنه سبحانه أكد ما تقدم فقال ذلك ومن يعظم ~~شعائر الله واختلفوا فقال بعضهم يدخل فيه كل عبادة وقال بعضهم بل المناسك ~~في الحج وقال بعضهم بل المراد الهدى خاصة والأصل في الشعائر الأعلام التي ~~بها يعرف الشيء فإذا فسرنا الشعائر بالهدايا فتعظيمها على وجهين : أحدهما : ~~أن يختارها عظام الأجسام حسانا جساما سمانا غالية الأثمان ويترك المكاس ms6490 في ~~شرائها ، فقد كانوا يتغالون في ثلاثة ويكرهون المكاس فيهن الهدى والأضحية ~~والرقبة . روي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن أبيه ( أنه أهدى نجيبة طلبت ~~منه بثلثمائة دينار فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري ~~بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك ، وقال بل أهدها ) ( وأهدى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب ) والوجه الثاني ~~: في تعظيم شعائر الله تعالى أن يعتقد أن طاعة الله تعالى في التقرب بها ~~وإهدائها إلى بيته المعظم أمر عظيم لا بد وأن يحتفل به ويتسارع فيه { فإنها ~~من تقوى القلوب } أي إن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه ~~المضافات ، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء ~~إلى من ارتبط به وإنما ذكرت القلوب لأن المنافق قد يظهر التقوى من نفسه . ~~ولكن لما كان قلبه خاليا عنها لا جرم لا يكون مجدا في أداء الطاعات ، أما ~~المخلص الذي تكون التقوى متمكنة في قلبه / فإنه يبالغ في أداء الطاعات على ~~سبيل الإخلاص ، فإن قال قائل : ما الحكمة في أن الله تعالى بالغ في تعظيم ~~ذبح الحيوانات هذه المبالغة ؟ فالجواب . # ! 7 < { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلهآ إلى البيت العتيق * ولكل ~~أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الا نعام فإلاهكم ~~إلاه واحد فله أسلموا وبشر المخبتين * الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~والصابرين على مآ أصابهم والمقيمى الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } . > 7 ~~@QB@ < # | الحج : ( 33 - 35 ) لكم فيها منافع . . . . . # > > PageV23P029 # اعلم أن قوله تعالى : { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى } لا يليق إلا بأن ~~تحمل الشعائر على الهدى الذي فيه منافع إلى وقت النحر ، ومن يحمل ذلك على ~~سائر الواجبات يقول لكم فيها أي في التمسك بها منافع إلى أجل ينقطع التكليف ~~عنده ، والأول هو قول جمهور المفسرين ، ولا شك أنه أقرب . وعلى هذا القول ~~فالمنافع مفسرة بالدر والنسل والأوبار وركوب طهورها ، فأما ms6491 قوله إلى أجل ~~مسمى ففيه قولان : أحدهما : أن لكم أن تنتفعوا بهذه البهائم إلى أن تسموها ~~ضحية وهديا فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها ، وهذا قول ابن عباس ~~ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك وقال آخرون لكم فيها أي في البدن منافع مع ~~تسميتها هديا بأن تركبوها إن احتجتم إليها وأن تشربوا ألبانها إذا اضطررتم ~~إليها إلى أجل مسمى يعني إلى أن تنحروها هذه هي الرواية الثانية عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما وهو اختيار الشافعي ، وهذا القول أولى لأنه تعالى قال ~~: { لكم فيها منافع } أي في الشعائر ولا تسمى شعائر قبل أن تسمى هديا وروى ~~أبو هريرة أنه عليه السلام ( مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد ، فقال عليه ~~السلام اركبها فقال يا رسول الله إنها هدى فقال اركبها ويلك ) وروى جابر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( اركبوا الهدى بالمعروف حتى تجدوا ~~ظهرا ) واحتج أبو حنيفة رحمه الله على أنه لا يملك منافعها بأن لا يجوز له ~~أن يؤجرها للركوب فلو كان مالكا لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع ~~سائر المملوكات ، وهذا ضعيف لأن أم الولد لا يمكنه بيعها ، ويمكنه الانتفاع ~~بها فكذا ههنا . # / أما قوله تعالى : { ثم محلها إلى البيت العتيق } فالمعنى أن لكم في ~~الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم وأعظم هذه المنافع محلها إلى البيت ~~العتيق أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت ، كقوله : { هديا ~~بالغ الكعبة } وبالجملة فقوله : { محلها } يعني حيث يحل نحرها ، وأما البيت ~~العتيق فالمراد به الحرم كله ، ودليله قوله تعالى : { فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هاذا } ( التوبة : 28 ) أي الحرم كله فالمنحر على هذا ~~القول كل مكة ، ولكنها تنزهت عن الدماء إلى منى ومنى من مكة ، قال عليه ~~السلام : ( كل فجاج مكة منحر وكل فجاج منى منحر ) قال القفال هذا إنما يختص ~~بالهدايا التي بلغت منى فأما الهدى المتطوع به إذا عطب قبل بلوغ مكة فإن ~~محله موضعه . # أما قوله تعالى : { ولكل أمة جعلنا ms6492 منسكا ليذكروا اسم الله } فالمعنى ~~شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من عهد إبراهيم عليه السلام إلى من بعده ~~ضربا من القربان وجعل العلة في ذلك أن يذكروا اسم الله تقدست أسماؤه على ~~المناسك ، وما كانت العرب تذبحه للصنم يسمى العتر والعتيرة كالذبح والذبيحة ~~، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما منسكا بكسر السين وقرأ الباقون بالفتح وهو ~~مصدر بمعنى النسك والمكسور بمعنى الموضع . PageV23P030 # أما قوله تعالى : { فإلاهكم إلاه واحد } ففي كيفية النظم وجهان : أحدهما ~~: أن الإله واحد وإنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف ~~المصالح الثاني : { فإلاهكم إلاه واحد } فلا تذكروا على ذبائحكم غير اسم ~~الله { فله أسلموا } أي اخلصوا له الذكر خاصة بحيث لا يشوبه إشراك ألبتة ، ~~والمراد الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه ، ومن انقاد له كان مخبتا ~~فلذلك قال بعده { وبشر المخبتين } والمخبت المتواضع الخاشع . قال أبو مسلم ~~: حقيقة المخبت من صار في خبت من الأرض ، يقال أخبت الرجل إذا صار في الخبت ~~كما يقال أنجد وأشأم وأتهم ، والخبت هو المطمئن من الأرض . وللمفسرين فيه ~~عبارات أحدها : المخبتين المتواضعين عن ابن عباس وقتادة وثانيها : ~~المجتهدين في العبادة عن الكلبي وثالثها : المخلصين عن مقاتل ورابعها : ~~الطمئنين إلى ذكر الله تعالى والصالحين عن مجاهد وخامسها : هم الذين لا ~~يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا عن عمرو بن أوس . # ثم وصفهم الله تعالى بقوله : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } فيظهر ~~عليهم الخوف من عقاب الله تعالى والخشوع والتواضع لله ، ثم لذلك الوجل ~~أثران أحدهما : الصبر على المكاره وذلك هو المراد بقوله : { والصابرين على ~~ما أصابهم } وعلى ما يكون من قبل الله تعالى ، لأنه الذي يجب الصبر عليه ~~كالأمراض والمحن والمصائب . فأما ما يصيبهم من قبل الظلمة فالصبر عليه غير ~~واجب بل إن أمكنه دفع ذلك لزمه الدفع ولو بالمقاتلة والثاني : الاشتغال ~~بالخدمة وأعز الأشياء عند الإنسان نفسه وماله . أما الخدمة بالنفس فهي ~~الصلاة ، وهو المراد بقوله : { الذين إذا } وأما الخدمة بالمال فهو المراد ~~من قوله : { ومما رزقناهم ينفقون } قرأ الحسن { الذين ms6493 إذا } بالنصب على ~~تقدير النون ، وقرأ ابن مسعود والمقيمين الصلاة على الأصل . # ! 7 < { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله ~~عليها صوآف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذالك ~~سخرناها لكم لعلكم تشكرون * لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولاكن يناله ~~التقوى منكم كذالك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين } . ~~> 7 @QB@ < # | الحج : ( 36 - 37 ) والبدن جعلناها لكم . . . . . # > > # / اعلم أن قوله تعالى : { والبدن } فيه مسائل : # المسألة الأولى : البدن جمع بدنة كخشب وخشبة ، سميت بذلك إذا أهديت للحرم ~~لعظم بدنها وهي الإبل خاصة ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق البقر ~~بالإبل حين قال : ( البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة ) ولأنه قال : ~~PageV23P031 { فإذا وجبت جنوبها } وهذا يختص بالإبل فإنها تنحر قائمة دون ~~البقر ، وقال قوم البدن الإبل والبقر التي يتقرب بها إلى الله تعالى في ~~الحج والعمرة ، لأنه إنما سمى بذلك لعظم البدن فالأولى دخولها فيه ، أما ~~الشاة فلا تدخل وإن كانت تجوز في النسك لأنها صغيرة الجسم فلا تسمى بدنة . # المسألة الثانية : قرأ الحسن والبدن بضمتين كثمر في جمع ثمرة ، وابن أبي ~~إسحاق بالضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف ، وقرىء بالنصب والرفع كقوله : ~~{ والقمر قدرناه منازل } والله أعلم . # المسألة الثالثة : إذا قال لله على بدنة ، هل يجوز له نحرها في غير مكة ؟ ~~قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز ~~إلا بمكة واتفقوا فيمن نذر هديا أن عليه ذبحه بمكة ، ولو قال : لله على ~~جزور ، أنه يذبحه حيث شاء ، وقال أبو حنيفة رحمه الله البدنة بمنزلة الجزور ~~فوجب أن يجوز له نحرها حيث يشاء بخلاف الهدى فإنه تعالى قال : { هديا بالغ ~~الكعبة } ( يس : 39 ) فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدى ، واحتج أبو يوسف رحمه ~~الله بقوله تعالى : { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } فكان اسم البدنة ~~يفيد كونها قربة فكان كاسم الهدى ، أجاب أبو حنيفة رحمه الله / بأنه ليس كل ~~ما كان ذبحه قربة ms6494 اختص بالحرم فإن الأضحية قربة وهي جائزة في سائر الأماكن ~~. # أما قوله تعالى : { جعلناها لكم } فاعلم أنه سبحانه لما خلق البدن وأوجب ~~أن تهدي في الحج جاز أن يقول { جعلناها لكم من شعائر الله } أما قوله : { ~~لكم فيها خير } فالكلام فيه ما تقدم في قوله : { لكم فيها منافع } ( الحج : ~~33 ) وإذا كان قوله : { لكم فيها خير } كالترغيب فالأولى أن يراد به الثواب ~~في الآخرة وما أخلق العاقل بالحرص على شيء شهد الله تعالى بأن فيه خيرا ~~وبأن فيه منافع ، أما قوله : { فاذكروا اسم الله عليها } ففيه حذف أي ~~اذكروا اسم الله على نحرها ، قال المفسرون هو أن يقال عند النحر أو الذبح ~~بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك ، أما قوله : { صواف } ، فالمعنى ~~قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن وقرىء صوافن من صفون الفرس ، وهو أن تقوم ~~على ثلاث وتنصب الرابعة على طرف سنبكه لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم ~~على ثلاث ، وقرىء صوافي أي خوالص لوجه الله تعالى لا تشركوا بالله في ~~التسمية على نحرها أحدا كما كان يفعله المشركون ، وعن عمرو بن عبيد صوافيا ~~بالتنوين عوضا عن حرف الإطلاق عند الوقف ، وعن بعضهم صوافي نحو قول العرب ~~اعط القوس باريها ولا يبعد أن تكون الحكمة في إصفافها ظهور كثرتها للناظرين ~~فتقوى نفوس المحتاجين ويكون التقرب بنحرها عند ذلك أعظم أجرا وأقرب إلى ~~ظهور التكبير وإعلاء اسم الله وشعائر دينه / وأما قوله : { فإذا وجبت ~~جنوبها } فاعلم أن وجوب الجنوب وقوعها على الأرض من وجب الحائط وجبة إذا ~~سقط ، ووجبت الشمس وجبة إذا غربت ، والمعنى إذا سقطت على الأرض وذلك عند ~~خروج الروح منها { فكلوا منها } وقد ذكرنا اختلاف العلماء فيما يجوز أكله ~~منها { وأطعموا القانع والمعتر } القانع السائل يقال قنع يقنع قنوعا إذا ~~سأل قال أبو عبيد هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم ويسأل معروفهم ونحوه ، ~~قال الفراء والمعنى الثاني القانع هو الذي لا يسأل من القناعة يقال قنع ~~يقنع قناعة إذا رضي بما قسم له وترك السؤال ، أما ms6495 المعتر فقيل إنه المتعرض ~~بغير سؤال ، وقيل إنه المتعرض بالسؤال قال الأزهري قال PageV23P032 ابن ~~الأعرابي يقال عروت فلانا وأعررته وعروته واعتريته إذا أتيته تطلب معروفه ~~ونحوه ، قال أبو عبيد والأقرب أن القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير ~~سؤال وإلحاح ، والمعتر هو الذي يتعرض ويطلب ويعتريهم حالا بعد حال فيفعل ما ~~يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبدا وقرأ الحسن والمعتري وقرأ أبو رجاء ~~القنع وهو الراضي لا غير يقال قنع فهو قنع وقانع . # أما قوله : { كذالك سخرناها لكم } فالمعنى أنها أجسم وأعظم وأقوى من ~~السباع وغيرها مما يمتنع علينا التمكن منه ، فالله تعالى جعل الإبل والبقر ~~بالصفة التي يمكننا تصريفها على ما نريد ، وذلك نعمة عظيمة من الله تعالى ~~في الدين والدنيا ، ثم لما بين تعالى هذه النعمة قال بعده { لعلكم تشكرون } ~~والمراد لكي تشكروا . قالت المعتزلة : هذا يدل على أنه سبحانه أراد من ~~جميعهم أن يشكروا فدل هذا / على أنه يريد كل ما أمر به ممن أطاع وعصى ، لا ~~كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لم يرد ذلك إلا من المعلوم أن يطيع ، ~~والكلام عليه قد تقدم غير مرة . # أما قوله تعالى : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : لما كانت عادة الجاهلية على ما روي في القربان أنهم ~~يلوثون بدمائها ولحومها الوثن وحيطان الكعبة بين تعالى ما هو القصد من ~~النحر فقال : { لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولاكن يناله التقوى منكم } ~~فبين أن الذي يصل إليه تعالى ويرتفع إليه من صنع المهدي من قوله ونحره وما ~~شاكله من فرائضه هو تقوى الله دون نفس اللحم والدم ، ومعلوم أن شيئا من ~~الأشياء لا يوصف بأنه يناله سبحانه فالمراد وصول ذلك إلى حيث يكتب يدل عليه ~~قوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أمور : أحدها : أن ~~الذي ينتفع به المرء فعله دون الجسم الذي ينتفع بنحره وثانيها : أنه سبحانه ~~غني عن كل ذلك ms6496 ، وإنما المراد أن يجتهد العبد في امتثال أوامره وثالثها : ~~أنه لما لم ينتفع بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن ~~تكون تقواه فعلا وإلا لكانت تقواه بمنزلة اللحوم ورابعها : أنه لما شرط ~~القبول بالتقوى وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يكون عمله مقبولا وأنه لا ~~ثواب له والجواب : أما الأولان فحقان ، وأما الثالث فمعارض بالداعي والعلم ~~، وأما الرابع فصاحب الكبيرة وإن لم يكن متقيا مطلقا ولكنه متق فيما أتى به ~~من الطاعة على سبيل الإخلاص فوجب أن تكون طاعته مقبولة وعند هذا تنقلب ~~الآية حجة عليهم . # المسألة الثالثة : كلهم قرأوا { ينال الله } ويناله بالياء إلا يعقوب ~~فإنه قرأ بالتاء في الحرفين فمن أنث فقد رده إلى اللفظ ومن ذكر فللحائل بين ~~الاسم والفعل . ثم قال : { كذالك سخرها لكم } والمراد أنه إنما سخرها كذلك ~~لتكبروا الله وهو التعظيم ، بما نفعله عند النحر وقبله وبعده على ما هدانا ~~ودلنا عليه وبينه لنا / ثم قال بعده على وجه الوعد لمن امتثل أمره { وبشر ~~المحسنين } كما قال من قبل { وبشر المخبتين } ( الحج : 34 ) والمحسن هو ~~الذي يفعل الحسن من الأعمال ويتمسك به فيصير محسنا إلى نفسه بتوفير الثواب ~~عليه . # PageV23P033 ! 7 < { إن الله يدافع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل ~~خوان كفور * أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * ~~الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز * الذين إن مكناهم فى الا رض ~~أقاموا الصلواة وآتوا الزكواة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ~~الا مور } . > 7 ! # / < < # | الحج : ( 38 - 41 ) إن الله يدافع . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم الحج ومناسكه وما فيه من منافع ~~الدنيا والآخرة ، وقد ذكرنا من قبل أن الكفار صدوهم أتبع ذلك ببيان ما يزيل ~~الصد ويؤمن معه التمكن من الحج فقال : { إن الله يدافع ms6497 عن الذين ءامنوا } ( ~~الحج : 38 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بالألف ومثله { ولولا دفع ~~الله } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف فيهما . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ~~{ إن الله يدافع } بالألف { ولولا دفع } بغير ألف ، فمن قرأ يدافع فمعناه ~~يبالغ في الدفع عنهم ، وقال الخليل يقال دفع الله المكروه عنك دفعا ودافع ~~عنك دفاعا والدفاع أحسنهما . # المسألة الثانية : ذكر { إن الله يدافع عن الذين ءامنوا } ولم يذكر ما ~~يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم ، وإن كان في الحقيقة أنه يدافع بأس ~~المشركين . فلذلك قال بعده { إن الله لا يحب كل خوان كفور } ( الحج : 38 ) ~~فنبه بذلك على أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذا صفته . # المسألة الثالثة : قال مقاتل : إن الله يدافع كفار مكة عن الذين آمنوا ~~بمكة ، هذا حين أمر المؤمنين بالكف عن كفار مكة قبل الهجرة حين آذوهم ~~فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في قتلهم سرا فنهاهم . # المسألة الرابعة : هذه الآية بشارة للمؤمنين بإعلائهم على الكفار وكف ~~بواثقهم عنهم وهي كقوله : { لن يضروكم إلا أذى } ( آل عمران : 111 ) وقوله ~~: { إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا } ( غافر : 51 ) وقال : { إنهم لهم ~~المنصورون } ( الصافات : 172 ) { وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب } ( ~~الصف : 13 ) . # أما قوله تعالى : { إن الله لا يحب كل خوان كفور } ( الحج : 38 ) فالمعنى ~~أنه سبحانه جعل العلة في أنه يدافع / عن PageV23P034 الذين آمنوا أن الله ~~لا يحب صدهم ، وهو الخوان الكفور أي خوان في أمانة الله كفور لنعمته ونظيره ~~قوله : { لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم } ( الأنفال : 27 ) قال ~~مقاتل أقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذه ؟ # أما قوله تعالى : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم في رواية حفص { أذن } ~~بضم الألف والباقون بفتحها أي أذن الله لهم في القتال ، وقرأ أهل المدينة ~~وعاصم { يقاتلون } بنصب التاء ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { أذن } بنصب ~~الف { * ويقاتلون } بكسر التاء . قال الفراء والزجاج : يعني ms6498 أذن الله للذين ~~يحرصون على قتال المشركين في المستقبل / ومن قرأ بفتح التاء فالتقدير أذن ~~للذين يقاتلون في القتال . # المسألة الثانية : في الآية محذوف والتقدير أذن للذين يقاتلون في القتال ~~فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه . # أما قوله : { يقاتلون بأنهم ظلموا } فالمراد أنهم أذنوا في القتال بسبب ~~كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشركوا مكة ~~يؤذونهم أذى شديدا وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ~~ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم اصبروا فإني لم أومر بقتال حتى هاجر فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف ~~وسبعين آية ، وقيل نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركوا مكة فأذن في ~~مقاتلتهم . # أما قوله : { وإن الله على نصرهم لقدير } فذلك وعد منه تعالى بنصرهم كما ~~يقول المرء لغيره إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك لا يعني بذلك القدرة بل ~~يريد أنه سيفعل ذلك . # أما قوله تعالى : { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } فاعلم أنه تعالى ~~لما بين أنهم إنما أذنوا في القتال لأجل أنهم ظلموا فبين ذلك الظلم بقوله : ~~{ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } فبين تعالى ~~ظلمهم لهم بهذين الوجهين : أحدهما : أنهم أخرجوهم من ديارهم والثاني : أنهم ~~أخرجوهم بسبب أنهم قالوا : { ربنا الله } وكل واحد من الوجهين عظيم في ~~الظلم ، فإن قيل كيف استثنى من غير حق قولهم : { ربنا الله } وهو من الحق ؟ ~~قلنا تقدير الكلام أنهم أخرجوا بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون ~~موجب الإقرار والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير ، ومثله { هل تنقمون منا ~~إلا أن ءامنا بالله } ثم بين سبحانه بقوله : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لهدمت } أن عادته جل جلاله أن يحفظ دينه بهذا الأمر قرأ نافع { لهدمت ~~} بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد وههنا سؤالات : # السؤال الأول : ما المراد بهذا الدفاع الذي أضافه إلى نفسه ؟ الجواب : هو ~~إذنه لأهل دينه بمجاهدة الكفار فكأنه قال ms6499 تعالى : ولولا دفاع الله أهل ~~الشرك بالمؤمنين ، من حيث يأذن لهم في جهادهم وينصرهم على أعدائهم لاستولى ~~أهل الشرك على أهل الأديان وعطلوا ما يبنونه من / مواضع العبادة ، ولكنه ~~دفع عن PageV23P035 هؤلاء بأن أمر بقتال أعداء الدين ليتفرغ أهل الدين ~~للعبادة وبناء البيوت لها ، ولهذا المعنى ذكر الصوامع والبيع والصلوات وإن ~~كانت لغير أهل الإسلام ، وذكر المفسرون وجوها أخر : أحدها : قال الكلبي ~~يدفع الله بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين عن الجهاد وثانيها ~~: روى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال يدفع الله بالمحسن عن ~~المسيء ، وبالذي يصلي عن الذي لا يصلي ، وبالذي يتصدق عن الذي لا يتصدق ~~وبالذي يحج عن الذي لا يحج ، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ~~إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ) ثم تلا هذه ~~الآية وثالثها : قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما يدفع بدين الإسلام ~~وبأهله عن أهل الذمة ورابعها : قال مجاهد يدفع عن الحقوق بالشهود وعن ~~النفوس بالقصاص . # السؤال الثاني : لماذا جمع الله بين مواضع عبادات اليهود والنصارى وبين ~~مواضع عبادة المسلمين ؟ الجواب : لأجل ما سألت عنه اختلفوا على وجوه : ~~أحدها : قال الحسن المراد بهذه المواضع أجمع مواضع المؤمنين ، وإن اختلفت ~~العبارات عنها وثانيها : قول الزجاج ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم ~~في شرع كل نبي المكان الذي يصلي فيه ، فلولا ذلك الدفع لهدم في زمن موسى ~~الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه / وفي زمن عيسى الصوامع ، وفي زمن ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المساجد فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا ~~على الحق قبل التحريف وقبل النسخ وثالثها : بل المراد لهدمت هذه الصوامع في ~~أيام الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها على كل حال يجري فيها ذكر الله تعالى ~~فليست بمنزلة عبادة الأوثان . # السؤال الثالث : ما الصوامع والبيع والصلوات والمساجد ؟ الجواب : ذكروا ~~فيها وجوها : أحدها : الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين ~~والمساجد للمسلمين عن أبي العالية رضي ms6500 الله عنه وثانيها : الصوامع للنصارى ~~وهي التي بنوها في الصحارى والبيع لهم أيضا وهي التي يبنونها في البلد ~~والصلوات لليهود ، قال الزجاج وهي بالعبرانية صلوتا وثالثها : الصوامع ~~للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود عن قتادة ورابعها : أنها بأسرها ~~أسماء المساجد عن الحسن ، أما الصوامع فلأن المسلمين قد يتخذون الصوامع ، ~~وأما البيع فأطلق هذا الاسم على المساجد على سبيل التشبيه ، وأما الصلوات ~~فالمعنى أنه لولا ذلك الدفع لانقطعت الصلوات ولخربت المساجد . # السؤال الرابع : الصلوات كيف تهدم خصوصا على تأويل من تأوله على صلاة ~~المسلمين ؟ الجواب : من وجوه : أحدها : المراد بهدم الصلاة إبطالها وإهلاك ~~من يفعلها كقولهم هدم فلان إحسان فلان إذا قابله بالكفر دون الشكر وثانيها ~~: بل المراد مكان الصلوات لأنه الذي يصح هدمه كقوله : { واسئل القرية } ( ~~يوسف : 82 ) أي أهلها وثالثها : لما كان الأغلب فيما ذكر ما يصح أن / أن ~~يهدم جاز ضم ما لا يصح أن يهدم إليه ، كقولهم متقلدا سيفا ورمحا ، وإن كان ~~الرمح لا يتقلد . # السؤال الخامس : قوله : { يذكر فيها اسم الله كثيرا } مختص بالمساجد أو ~~عائد إلى الكل ؟ الجواب : قال الكلبي ومقاتل عائد إلى الكل لأن الله تعالى ~~يذكر في هذه المواضع كثيرا ، والأقرب أنه مختص بالمساجد تشريفا لها بأن ذكر ~~الله يحصل فيها كثيرا . # السؤال السادس : لم قدم الصوامع والبيع في الذكر على المساجد ؟ الجواب : ~~لأنها أقدم في PageV23P036 الوجود ، وقيل أخرها في الذكر كما في قوله : { ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله } ( فاطر : 32 ) ولأن أول الفكر آخر العمل ، ~~فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الرسل وأمته خير الأمم لا جرم ~~كانوا آخرهم ولذلك قال عليه السلام : ( نحن الآخرون السابقون ) . # أما قوله تعالى : { ولينصرن الله من ينصره } فقال بعضهم من ينصره بتلقى ~~الجهاد بالقبول نصرة لدين الله تعالى ، وقال آخرون : بل المراد من يقوم ~~بسائر دينه ، وإنما قالوا ذلك لأن نصرة الله على الحقيقة لا تصح ، وإنما ~~المراد من نصرة الله نصرة دينه كما يقال في ولاية الله وعداوته مثل ذلك وفي ~~قوله : { ولينصرن ms6501 الله من ينصره } وعد بالنصر لمن هذه حاله ونصر الله تعالى ~~للعبد أن يقويه على أعدائه حتى يكون هو الظافر ويكون قائما بإيضاح الأدلة ~~والبينات ، وبكون بالإعانة على المعارف والطاعات ، وفيه ترغيب في الجهاد من ~~حيث وعدهم النصر ، ثم بين تعالى أنه قوي على هذه النصرة التي وعدها ~~المؤمنين ، وأنه لا يجوز عليه المنع وهو معنى قوله { عزيز } لأن العزيز هو ~~الذي لا يضام ولا يمنع مما يريده . ثم إنه سبحانه وتعالى وصف الذين أذن لهم ~~في القتال في الآية الأولى فقال : { الذين إن مكناهم فى الارض } والمراد من ~~هذا التمكن السلطنة ونفاذ القول على الخلق لأن المتبادر إلى الفهم من قوله ~~: { مكناهم فى الارض } ليس إلا هذا ، ولأنا لو حلمناه على أصل القدرة لكان ~~كل العباد كذلك وحينئذ يبطل ترتب الأمور الأربعة المذكورة عليه في معرض ~~الجزاء / لأنه ليس كل من كان قادرا على الفعل أتى بهذه الأشياء . إذا ثبت ~~هذا فنقول : المراد بذلك هم المهاجرون لأن قوله : { الذين إن مكناهم } صفة ~~لمن تقدم وهو قوله : { الذين أخرجوا من ديارهم } والأنصار ما أخرجوا من ~~ديارهم فيصير معنى الآية أن الله تعالى وصف المهاجرين بأنه إن مكنهم من ~~الأرض وأعطاهم السلطنة ، فإنهم أتوا بالأمور الأربعة ، وهي إقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لكن قد ثبت أن الله ~~تعالى مكن الأئمة الأربعة من الأرض وأعطاهم السلطنة عليها فوجب كونهم آتين ~~بهذه الأمور الأربعة . وإذا كانوا آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر وجب ~~أن يكونوا على الحق ، فمن هذا الوجه دلت هذه الآية على إمامة الأربعة . ولا ~~يجوز حمل الآية على علي عليه السلام وحده لأن الآية دالة على الجمع ، وفي ~~قوله : { ولله عاقبة الامور } دلالة على أن الذي تقدم ذكره من سلطنتهم ~~وملكهم كائن لا محالة . ثم إن الأمور ترجع إلى الله تعالى بالعاقبة فإنه ~~سبحانه هو الذي / لا يزول ملكه أبدا وهو أيضا يؤكد ما قلناه . # ! 7 < { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود ms6502 * وقوم إبراهيم ~~وقوم لوط * وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ~~* فكأين من قرية أهلكناها وهى ظالمة فهى خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر ~~مشيد * أفلم يسيروا فى الا رض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو ءاذان يسمعون ~~بها فإنها لا تعمى الا بصار ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } . > 7 @QB@ ~~< # | الحج : ( 42 - 46 ) وإن يكذبوك فقد . . . . . # > > PageV23P037 # إعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير ~~حق ، وأذن في مقاتلتهم وضمن للرسول والمؤمنين النصرة وبين أن لله عاقبة ~~الأمور ، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر ~~على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره ، فقال : وإن ~~يكذبوك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم ، وذكر الله سبعة منهم . فإن ~~قيل : ولم قال : { وكذب موسى } ولم يقل قوم موسى ؟ فالجواب : من وجهين : ~~الأول : أن موسى عليه السلام ما كذبه قومه بنوا إسرائيل وإنما كذبه غير ~~قومه وهم القبط الثاني : كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسوله ، وكذب ~~موسى أيضا مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره . # أما قوله تعالى : { فأمليت للكافرين } يعني أمهلتهم إلى الوقت المعلوم ~~عندي ثم أخذتهم بالعقوبة { فكيف كان نكير } استفهام تقرير ( ي ) ، أي فكيف ~~كان إنكاري عليهم بالعذاب ، أليس كان واقعا / قطعا ؟ ألم أبدلهم بالنعمة ~~نقمة وبالكثرة قلة وبالحياة موتا وبالعمارة خرابا ؟ ألست أعطيت الأنبياء ~~جميع ما وعدتهم من النصرة على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض . فينبغي أن ~~تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم ، فإنه تعالى إنما يمهل للمصلحة فلا بد من ~~الرضاء والتسليم ، وإن شق ذلك على القلب . واعلم أن بدون ذلك يحصل التسلية ~~لمن حاله دون حال الرسول عليه السلام ، فكيف بذلك مع منزلته ، لكنه في كل ~~وقت يصل إليه من جهتهم ما يزيده غما ، فأجرى الله عادته بأن يصبره حالا بعد ~~حال ، وقد تقدم ذكر هؤلاء المكذبين وبأي جنس من عذاب الاستئصال هلكوا . # وههنا بحث ، وهو أن ms6503 هذه الآية تدل على أنه سبحانه يفعل به وبقومه كل ما ~~فعل بهم وبقومهم إلا عذاب الاستئصال فإنه لا يفعله بقوم محمد صلى الله عليه ~~وسلم وإن كان قد مكنهم من قتل أعدائهم وثبتهم . قال الحسن : السبب في تأخر ~~عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين : أحدهما : أن عند ~~الله حد ( ا ) من الكفر من بلغه عذبه ومن لم يبلغه لم يعذبه والثاني : أن ~~الله لا يعذب قوما حتى يعلم أن أحدا منهم لا يؤمن ، فأما إذا حصل الشرطان ~~وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر وعلم الله أن أحدا منهم لا يؤمن ، فحينئذ ~~يأمر الأنبياء فيدعون على أممهم فيستجيب الله دعاءهم فيعذبهم بعذاب ~~الاستئصال وهو المراد من قوله : { حتى إذا استيئس الرسل } ( يوسف : 110 ) ~~أي من إجابة القوم ، وقوله لنوح : { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا ~~} ( هود : 36 ) وإذا عذبهم الله تعالى فإنه ينجي المؤمنين لقوله : { فلما ~~جاء أمرنا } ( هود : 66 ) أي بالعذاب نجينا هودا ، واعلم أن الكلام في هذه ~~المسألة قد تقدم فلا فائدة في الإعادة ، فإن قيل كيف يوصف ما ينزله بالكفار ~~من الهلاك بالعذاب المعجل بأنه نكير ؟ قلنا إذا كان رادعا لغيره وصادعا له ~~عن مثل ما أوجب ذلك صار نكيرا . # أما قوله : { فكأين من * قربة * أهلكناها } ففيه مسائل : PageV23P038 # المسألة الأولى : قال بعضهم : المراد من قوله : { فكأين } فكم على وجه ~~التكثير ، وقيل أيضا معناه ، ورب قرية والأول أولى لأنه أوكد في الزجر ، ~~فكأنه تعالى لما بين حال قوم من المكذبين وأنه عجل إهلاكهم أتبعه بما دل ~~على أن لذلك أمثالا وإن لم يذكر مفصلا . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأهل الكوفة والمدينة { أهلكناها } ~~بالنون ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب { * أهلكتها } وهو اختيار أبي عبيد لقوله في ~~الآية الأولى { موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم } . # المسألة الثالثة : قوله : { أهلكناها } أي أهلها ودل بقوله وهي ظالمة على ~~ما ذكرنا ، ويحتمل أن يكون المراد إهلاك نفس القرية ، فيدخل تحت إهلاكها ~~إهلاك من فيها لأن العذاب ms6504 النازل إذا بلغ أن يهلك القرية فتصير منهدمة حصل ~~بهلاكها هلاك من فيها وإن كان الأول أقرب . # أما قوله وهي : { خاوية على عروشها } ففيه سؤالان : # السؤال الأول : ما معنى هذه اللفظة ؟ فقال صاحب الكشاف : كل مرتفع أظلك ~~من سقف بيت أو خيمة أو ظلة فهو عرش ، والخاوي الساقط من خوى النجم إذا سقط ~~أو الخالي من / خوى المنزل إذا خلا من أهله ، فإن فسرنا الخاوي بالساقط ، ~~كان المعنى أنها ساقطة على سقوفها ، أي خرت سقوفها على الأرض ، ثم تهدمت ~~حيطانها فسقطت فوق السقوف ، وإن فسرناه بالخالي كان المعنى أنها خالية عن ~~الناس مع بقاء عروشها وسلامتها ، قال ويمكن أن يكون خبرا بعد خبر ، كأنه ~~قيل هي خاوية وهي على عروشها ، بمعنى أن السقوف سقطت على الأرض فصارت في ~~قرار الحيطان وبقيت الحيطان قائمة فهي مشرفة على السقوف الساقطة ، وبالجملة ~~فالآية دالة على أنها بقيت محلا للاعتبار . # السؤال الثاني : ما محل هاتين الجملتين من الإعراب . أعني { وهى ظالمة ~~فهى خاوية على عروشها } الجواب : الأولى : في محل النصب على الحال والثانية ~~: لا محل لها لأنها معطوفة على أهلكناها وهذا الفعل ليس له محل . قال أبو ~~مسلم : المعنى فكأين من قرية أهلكناها وهي كانت ظالمة وهي الآن خاوية . # أما قوله : { وبئر معطلة وقصر مشيد } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الحسن { معطلة } من أعطله بمعنى معطلة ومعنى ~~المعطلة أنها عامرة فيها الماء ويمكن الاستقاء منها إلا أنها عطلت أي تركت ~~لا يستقي منها لهلاك أهلها وفي المشيد قولان : أحدهما : أنه المجصص لأن ~~الجص بالمدينة يسمى الشيد والثاني : أنه المرفوع المطول ، والمعنى أنه ~~تعالى بين أن القرية مع تكلف بنائهم لها واغتباطهم بها جعلت لأجل كفرهم ~~بهذا الوصف ، وكذلك البئر التي كلفوها وصارت شربهم صارت معطلة بلا شارب ولا ~~وارد ، والقصر الذي أحكموه بالجص وطولوه صار ظاهرا خاليا بلا ساكن ، وجعل ~~ذلك تعالى عبرة لمن اعتبر وتدبر . وفيه دلالة على أن تفسير على بمع أولى ~~لأن التقدير وهي خاوية مع عروشها ومعلوم أنها إذا كانت ms6505 كذلك كانت أدخل في ~~الاعتبار وهو كقوله تعالى : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } ( الصافات : 137 ~~) والله أعلم بالصواب . # المسألة الثانية : روى أبو هريرة رضي الله عنه أن هذه البئر نزل عليها ~~صالح مع أربعة آلاف نفر ممن PageV23P039 آمن به ، ونجاهم الله تعالى من ~~العذاب وهم بحضرموت ، وإنما سميت بذلك لأن صالحا حين حضرها مات ثم ، وثم ~~بلدة عند البئر اسمها حاضورا بناها قوم صالح ، وأمروا عليها حاسر بن جلاس ~~وجعلوا وزيره سنجاريب وأقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما ، وأرسل الله ~~تعالى إليهم حنظلة بن صفوان فقتلوه في السوق فأهلكهم الله تعالى ، وعطل ~~بئرهم وخرب قصورهم / قال الإمام أبو القاسم الإنصاري ، وهذا عجيب لأني زرت ~~قبر صالح بالشام ببلدة يقال لها عكة فكيف يقال إنه بحضرموت . # أما قوله تعالى : { أفلم يسيروا فى الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو ~~ءاذان يسمعون بها } فالمقصود منه ذكر ما يتكامل به ذلك الاعتبار لأن الرؤية ~~لها حظ عظيم في الاعتبار وكذلك / استماع الأخبار فيه مدخل ، ولكن لا يكمل ~~هذان الأمران إلا بتدبر القلب لأن من عاين وسمع ثم لم يتدبر ولم يعتبر لم ~~ينتفع ألبتة ولو تفكر فيها سمع لانتفع ، فلهذا قال : { فإنها لا تعمى ~~الابصار ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } كأنه قال لا عمى في أبصارهم ~~فإنهم يرون بها لكن العمى في قلوبهم حيث لم ينتفعوا بما أبصروه ، وههنا ~~سؤالات : # السؤال الأول : قوله : { أفلم يسيروا فى الارض } هل يدل على الأمر بالسفر ~~الجواب : يحتمل أنهم ما سافروا فحثهم على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله ~~بكفرهم ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا ، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ~~ولكن لم يعتبروا فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا . # السؤال الثاني : ما معنى الضمير في قوله : { فإنها لا تعمى الابصار } ~~والجواب : هذا الضمير ضمير القصة والشأن يجيء مؤنثا ومذكرا وفي قراءة ابن ~~مسعود { فإنه } ويجوز أن يكون ضميرا مبهما يفسره الأبصار . # السؤال الثالث : أي فائدة في ذكر الصدور مع أن كل أحد يعلم أن القلب لا ms6506 ~~يكون إلا في الصدر ؟ الجواب : أن المتعارف أن العمى مكانه الحدقة ، فلما ~~أريد إثباته للقلب على خلاف المتعارف احتيج إلى زيادة بيان كما تقول : ليس ~~المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك ، فقولك الذي بين فكيك تقرير لما ~~ادعيته للسان وتثبيت ، لأن محل المضاء هو هو لا غير ، وكأنك قلت ما نفيت ~~المضاء عن السيف وأثبته للسانك سهوا ، ولكني تعمدته على اليقين . وعندي فيه ~~وجه آخر وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر كقوله تعالى : { إن ~~فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب } ( ق: 37 ) وعند قوم أن محل التفكر هو ~~الدماغ فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر . # السؤال الرابع : هل تدل الآية على أن العقل هو العلم وعلى أن محل العلم ~~هو القلب ؟ الجواب : نعم لأن المقصود من قوله : { قلوب يعقلون بها } العلم ~~وقوله : { يعقلون بها } كالدلالة على أن القلب آلة لهذا التعقل ، فوجب جعل ~~القلب محلا للتعقل ويسمى الجهل بالعمى لأن الجاهل لكونه متحيرا بشبه الأعمى ~~. # ! 7 < { ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف ~~سنة مما تعدون * وكأين من قرية أمليت لها وهى ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير ~~* قل ياأيها الناس إنمآ أنا لكم نذير مبين } . > 7 @QB@ < # | الحج : ( 47 - 49 ) ويستعجلونك بالعذاب ولن . . . . . # > > PageV23P040 # / إعلم أنه تعالى لما حكى من عظم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزئون ~~باستعجال العذاب فقال : { ويستعجلونك بالعذاب } وفي ذلك دلالة على أنه عليه ~~السلام كان يخوفهم بالعذاب إن استمروا على كفرهم ولأن قولهم : { لو ما ~~تأتينا بالملئكة } يدل على ذلك فقال تعالى : { ولن يخلف الله وعده } لأن ~~الوعد بالعذاب إذا كان في الآخرة دون الدنيا فاستعجاله يكون كالخلف ثم بين ~~أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة فقال : { وإن يوما عند ربك } ~~يعني فيما ينالهم من العذاب وشدته { كألف سنة } لو بقي وعذب في كثرة الآلام ~~وشدتها فبين سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة وأنه بهذا الوصف لما ~~استعجلوه ، وهذا قول أبي مسلم ms6507 وهو أولى الوجوه : الوجه الثاني : أن المراد ~~طول أيام الآخرة في المحاسبة ويرجع معناه إلى قريب مما تقدم ، وذلك أن ~~الأيام القصيرة إذا مرت في الشدة كانت مستطيلة فكيف تكون الأيام المستطيلة ~~إذا مرت في الشدة . ثم إن العذاب الذي يكون طول أيامها إلى هذا الحد لا ~~ينبغي للعاقل أن يستعجله والوجه الثالث : أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة ~~إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء ، فإذا لم يستبعدوا إمهال ~~يوم فلا يستبعدوا أيضا إمهال ألف سنة . # أما قوله : { وكأين من قرية أمليت لها وهى ظالمة } فالمراد وكم من قرية ~~أخرت إهلاكهم مع استمرارهم على ظلمهم فاغتروا بذلك التأخير ثم أخذتهم بأن ~~أنزلت العذاب بهم ، ومع ذلك فعذابهم مدخر إذا صاروا إلي وهو تفسير قوله : { ~~وإلى المصير } فإن قيل فلم قال فيما قبل { فكأين من قرية أهلكناها وهى ~~ظالمة } ( الحج : 45 ) وقال ههنا : { وكأين من قرية أمليت لها } الأولى ~~بالفاء وهذه بالواو ؟ قلنا : الأولى وقعت بدلا عن قوله : { فكيف كان نكير } ~~( الحج : 44 ) وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين ~~بالواو ، أعني قوله : { ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون } . # أما قوله : { قل ياأهل * أيها الناس * إنما أنا لكم * عدو مبين } فالمعنى ~~أنه تعالى أمر رسوله بأن يديم لهم التخويف والإنذار ، وأن لا يصده ما يكون ~~منهم من الاستعجال للعذاب على سبيل الهزؤ عن إدامة التخويف والإنذار ، وأن ~~يقول لهم إنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه . # ! 7 < { فالذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم * والذين ~~سعوا فىءاياتنا معاجزين أولائك أصحاب الجحيم } . > 7 ! # < < # | الحج : ( 50 - 51 ) فالذين آمنوا وعملوا . . . . . # > > إعلم أنه تعالى لما بين للرسول صلى الله عليه وسلم أنه يجب أن يقول ~~لهم أنا نذير مبين أردف ذلك بأن أمره بوعدهم ووعيدهم ، لأن الرجل إنما يكون ~~منذرا بذكر الوعد للمطيعين / والوعيد للعاصين . فقال والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فجمع بين الوصفين وهذا دليل على أن العمل الصالح خارج عن ms6508 مسمى ~~الإيمان وبه يبطل قول PageV23P041 المعتزلة ويدخل في الإيمان كل ما يجب من ~~الإعتقاد بالقلب والإقرار باللسان ، ويدخل في العمل الصالح أداء كل واجب ~~وترك كل محظور ، ثم بين سبحانه أن من جمع بينهما فالله تعالى يجمع له بين ~~المغفرة والرزق الكريم . أما المغفرة فإما أن تكون عبارة عن غفران الصغائر ~~، أو عن غفران الكبائر بعد التوبة ، أو عن غفرانها قبل التوبة ، والأولان ~~واجبان عند الخصم ، وأداء الواجب لا يسمى غفرانا ، فبقي الثالث وهو دلالته ~~على العفو عن أصحاب الكبائر من أهل القبلة . وأما الرزق الكريم فهو إشارة ~~إلى الثواب ، وكرمه يحتمل أن يكون للصفات السلبية ، وهو أن الإنسان هناك ~~يستغني عن المكاسب وتحمل المشاق والذل فيها وارتكاب المآثم والدناءة بسببها ~~، وأن يكون للصفات الثبوتية ، وهو أن يكون رزقا كثيرا دائما خالصا عن شوائب ~~الضرر ، مقرونا بالتعظيم والتبجيل . والأولى جعل الكريم دالا على كل هذه ~~الصفات ، فهذا شرح حال المؤمنين . وأما حال الكفار فقال : { والذين سعوا ~~فىءاياتنا معاجزين } والمراد اجتهدوا في ردها والتكذيب بها حيث سموها سحرا ~~وشعرا وأساطير الأولين ، ويقال لمن بذل جهده في أمر : إنه سعى فيه توسعا من ~~حيث بلغ في بذل الجهد النهاية ، كما إذا بلغ الماشي نهاية طاقته فيقال له ~~سعى ، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازا . قال صاحب ( الكشاف ) : يقال ~~سعى في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه ، أما المعاجز فيقال عاجزته ، أي ~~طمعت في إعجازه ، واختلفوا في المراد ، هل معاجزين لله أو للرسول وللمؤمنين ~~، والأقرب هو الثاني لأنهم إن أنكروا الله استحال منهم أن يطمعوا في إعجازه ~~وإن أثبتوه فيبعد أن يعتقدوا أنهم يعجزونه ويغلبونه ، ويصح منهم أن يظنوا ~~ذلك في الرسول بالحيل والمكايد . أما الذين قالوا المراد معاجزين لله ، فقد ~~ذكروا وجوها : أحدها : المراد بمعاجزين مغالبين مفوتين لربهم من عذابهم ~~وحسابهم حيث جحدوا البعث وثانيها : أنهم يثبطون غيرهم عن التصديق بالله ~~ويثبطونهم بسبب الترغيب والترهيب وثالثها : يعجزون الله بإدخال الشبه في ~~قلوب الناس والجواب : عن الأول أن من جحد أصل الشيء ms6509 لا يوصف بأنه مغالب لمن ~~يفعل ذلك الشيء ، ومن تأول الآية على ذلك فيجب أن يكون مراده أنهم ظنوا ~~مغالبة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان يقوله من أمر الحشر والنشر ~~والجواب : عن الثاني والثالث أن المغالبة في الحقيقة ترجع إلى الرسول ~~والأمة ، لا إلى الله تعالى . # أما قوله تعالى : { أولائك أصحاب الجحيم } فالمراد أنهم يدومون فيها ~~وشبههم من حيث الدوام بالصاحب ، فإن قيل إنه عليه السلام في هذه الآية بشر ~~المؤمنين أولا وأنذر الكافرين ثانيا ، فكان القياس أن يقال : قل يا أيها ~~الناس إنما أنا لكم بشير ونذير ، قلنا الكلام مسوق إلى المشركين ، ويا أيها ~~الناس نداء لهم ، وهم الذين قيل فيهم { أفلم يسيروا فى الارض } ( الحج : 46 ~~) ووصفوا بالاستعجال وإنما ألقى ذكر المؤمنين وثوابهم في البين زيادة ~~لغيظهم وإيذائهم . # ! 7 < { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان ~~فىأمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله ءاياته والله عليم حكيم ~~* ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن ~~الظالمين لفى شقاق بعيد * وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ~~فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين ءامنوا إلى صراط مستقيم * ~~ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب ~~يوم عقيم * الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين ءامنوا وعملوا الصالحات فى ~~جنات النعيم * والذين كفروا وكذبوا بأاياتنا فأولائك لهم عذاب مهين } . > 7 ~~@QB@ < # | الحج : ( 52 - 57 ) وما أرسلنا من . . . . . # > > PageV23P042 # / أما قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان فى أمنيته } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : من الناس من قال : الرسول هو الذي حدث وأرسل ، والنبي ~~هو الذي لم / يرسل ولكنه ألهم أو رأى في النوم ، ومن الناس من قال : إن كل ~~رسول نبي ، وليس كل نبي يكون رسولا ، وهو قول الكلبي والفراء . وقالت ~~المعتزلة كل رسول نبي ، وكل نبي رسول ، ولا فرق بينهما ، واحتجوا ms6510 على فساد ~~القول الأول بوجوه : أحدها : هذه الآية فإنها دالة على أن النبي قد يكون ~~مرسلا ، وكذا قوله تعالى : { وما أرسلنا فى قرية من نبى } ( الأعراف : 94 ) ~~، وثانيها : أن الله تعالى خاطب محمدا مرة بالنبي ومرة بالرسول ، فدل على ~~أنه لا منافاة بين الأمرين ، وعلى القول الأول المنافاة حاصلة وثالثها : ~~أنه تعالى نص على أنه خاتم النبيين ورابعها : أن اشتقاق لفظ النبي إما من ~~النبأ وهو الخبر ، أو من قولهم نبأ إذا ارتفع ، والمعنيان لا يحصلان إلا ~~بقبول الرسالة . أما القول الثاني : فاعلم أن شيئا من تلك الوجوه لا يبطله ~~، بل هذه الآية دالة عليه لأنه عطف النبي على الرسول ، وذلك يوجب المغايرة ~~وهو من باب عطف العام على الخاص . وقال في موضع آخر { وكم أرسلنا من نبي فى ~~الاولين } ( الزخرف : 6 ) وذلك يدل على أنه كان نبيا ، فجعله الله مرسلا ~~وهو يدل على قولنا : ( وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كم المرسلون ؟ ~~فقال ثلثمائة وثلاثة عشرة ، فقيل وكم الأنبياء ؟ فقال مائة ألف وأربعة ~~وعشرون ألفا الجم الغفير ) إذا ثبت هذا فنقول : ذكروا في الفرق بين الرسول ~~والنبي أمورا : أحدها : أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب ~~المنزل عليه ، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب ، وإنما أمر أن يدعو ~~إلى كتاب من قبله والثاني : أن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع ~~من قبله فهو الرسول ، ومن لم يكن مستجمعا لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول ~~، وهؤلاء PageV23P043 يلزمهم أن لا يجعلوا إسحق ويعقوب وأيوب ويونس وهرون ~~وداود وسليمان رسلا لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ والثالث : أن من جاءه الملك ~~ظاهرا وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول ، ومن لم يكن كذلك بل رأى في النوم ~~كونه رسولا ، أو أخبره أحد من الرسال بأنه رسول الله ، فهو النبي الذي لا ~~يكون رسولا وهذا هو الأولى . # المسألة الثانية : ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لما رأى إعراض قومه عنه وشق عليه ms6511 ما رأى من مباعدتهم عما ~~جاءهم به تمنى في نفسه أن يأتيهم من الله ما يقارب بينه وبين قومه وذلك ~~لحرصه على إيمانهم فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله وأحب يومئذ ~~أن لا يأتيه من الله شيء ينفروا عنه وتمنى ذلك فأنزل الله تعالى سورة { ~~والنجم إذا هوى } ( النجم : 1 ) فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~بلغ قوله { أفرءيتم اللات والعزى * ومنواة الثالثة الاخرى } ( النجم : 19 ، ~~20 ) ألقى الشيطان على لسانه ( تلك العرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ) ~~فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته ~~فقرأ السورة كلها فسجد وسجد المسلمون لسجوده وسجد جميع من في المسجد من ~~المشركين فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد سوى الوليد بن المغيرة ~~وأبي أحيحة سعيد بن العاصي فإنهما أخذا حفنة من التراب من البطحاء ورفعاها ~~إلى / جبهتيهما وسجدا عليها لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود ~~وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فلما ~~أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام فقال ماذا صنعت ~~تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله وقلت ما لم أقل لك ؟ ا فحزن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من الله خوفا عظيما حتى نزل قوله تعالى ~~: { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى ~~أمنيته } الآية . هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين ، أما أهل التحقيق فقد ~~قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول . ~~أما القرآن فوجوه : أحدها : قوله تعالى : { ولو تقول علينا بعض الاقاويل * ~~لاخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه } ( الحاقة : 44 46 ) ، وثانيها : قوله ~~: { بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ~~( يونس : 15 ) وثالثها : قوله : { وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى ~~} فلو أنه قرأ عقيب هذه ms6512 الآية تلك الغرانيق العلي لكان قد ظهر كذب الله ~~تعالى في الحال وذلك لا يقوله مسلم ورابعها : قوله تعالى : { وإن كادوا ~~ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذا لآتخذوك * إبراهيم ~~خليلا } ( الإسراء : 73 ) وكلمة كاد عند بعضهم معناه قرب أن يكون الأمر ~~كذلك مع أنه لم يحصل وخامسها : قوله : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا } ( الإسراء : 74 ) وكلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء ~~غيره فدل على أن ذلك الركون القليل لم يحصل وسادسها : قوله : { كذالك * ~~نثبت به فؤادك } ( الفرقان : 32 ) . وسابعها : قوله : { سنقرئك فلا تنسى } ~~( الأعلى : 6 ) . وأما السنة فهي ما روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه سئل ~~عن هذه القصة فقال هذا وضع من الزنادقة وصنف فيه كتابا . وقال الإمام أبو ~~بكر أحمد بن الحسين البيهقي هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم أخذ يتكلم ~~في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم ، وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أن ~~النبي عليه السلام قرأ سورة النجم وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس ~~والجن وليس فيه حديث الغرانيق . وروي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها ~~ألبتة حديث الغرانيق . وأما المعقول فمن وجوه : أحدها : أن من جوز على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم الأوثان فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة ~~أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان وثانيها : أنه عليه السلام ما كان يمكنه ~~في أول الأمر أن يصلى ويقرأ القرآن عند الكعبة PageV23P044 آمنا أذى ~~المشركين له حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه وإنما كان يصلي إذا لم ~~يحضروها ليلا أو في أوقات خلوة وذلك يبطل قولهم وثالثها : أن معاداتهم ~~للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة دون أن يقفوا على ~~حقيقة الأمر فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجدا مع أنه لم يظهر ~~عندهم موافقته لهم ورابعها : قوله : { فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم ~~الله * ءاياته } وذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول ms6513 ~~أقوى من نسخه بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها ، فإذا أراد الله إحكام ~~الآيات لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآنا ، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلا ~~أولى وخامسها : وهو أقوى الوجوه / أنا لو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه ~~وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك ويبطل قوله تعالى : { ~~يعملون ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) فإنه لا فرق في العقل بين النقصان ~~عن الوحي وبين الزيادة فيه فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه ~~القصة موضوعة أكثر ما في الباب أن جمعا من المفسرين ذكروها لكنهم ما بلغوا ~~حد التواتر ، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة ، ~~ولنشرع الآن في التفصيل فنقول التمني جاء في اللغة لأمرين : أحدهما : تمنى ~~القلب والثاني : القراءة قال الله تعالى : { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ~~إلا أمانى } أي إلا قراءة لأن الأمي لا يعلم القرآن من المصحف وإنما يعلمه ~~قراءة ، وقال حسان : # % تمنى كتاب الله أول ليلة % % وآخرها لاقى حمام المقادر % # قيل إنما سميت القراءة أمنية لأن القارىء إذا انتهى إلى آية رحمة تمنى ~~حصولها وإذا انتهى إلى آية عذاب تمنى أن لا يبتلى بها ، وقال : أبو مسلم ~~التمني هو التقدير وتمنى هو تفعل من منيت والمنية وفاة الإنسان في الوقت ~~الذي قدره الله تعالى ، ومنى الله لك أي قدر لك . وقال رواة اللغة الأمنية ~~القراءة واحتجوا ببيت حسان ، وذلك راجع إلى الأصل الذي ذكرناه فإن التالي ~~مقدر للحروف ويذكرها شيئا فشيئا ، فالحاصل من هذا البحث أن الأمنية ، إما ~~القراءة ، وإما الخاطر ، أما إذا فسرناها بالقراءة ففيه قولان : الأول : ~~أنه تعالى أراد بذلك ما يجوز أن يسهو الرسول صلى الله عليه وسلم فيه ويشتبه ~~على القارىء دون ما رووه من قوله تلك الغرانيق العلى الثاني : المراد منه ~~وقوع هذه الكلمة في قراءته ثم اختلف القائلون بهذا على وجوه : الأول : أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms6514 لم يتكلم بقوله تلك الغرانيق العلى ولا الشيطان ~~تكلم به ولا أحد تكلم به لكنه عليه السلام لما قرأ سورة النجم اشتبه الأمر ~~على الكفار فحسبوا بعض ألفاظه ما رووه من قولهم تلك الغرانيق العلى وذلك ~~على حسب ما جرت العادة به من توهم بعض الكلمات على غير ما يقال وهذا الوجه ~~ذهب إليه جماعة وهو ضعيف لوجوه : أحدها : أن التوهم في مثل ذلك إنما يصح ~~فيما قد جرت العادة بسماعه فأما غير المسموع فلا يقع ذلك فيه وثانيها : أنه ~~لو كان كذلك لوقع هذا التوهم لبعض السامعين دون البعض فإن العادة مانعة من ~~اتفاق الجم العظيم في الساعة الواحدة على خيال واحد فاسد في المحسوسات ~~وثالثها : لو كان كذلك لم يكن مضافا إلى الشيطان الوجه الثاني : قالوا إن ~~ذلك الكلام كلام شيطان الجن وذلك بأن تلفظ بكلام من تلقاء نفسه أوقعه في ~~درج تلك التلاوة في بعض وقفاته ليظن أنه من جنس الكلام المسموع من الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قالوا والذي يؤكده أنه لا خلاف في أن الجن والشياطين ~~متكلمون فلا يمتنع أن يأتي الشيطان بصوت مثل صوت الرسول عليه PageV23P045 ~~السلام فيتكلم بهذه الكلمات في أثناء كلام الرسول عليه السلام وعند سكوته ~~فإذا سمع الحاضرون تلك الكلمة بصوت مثل صوت الرسول وما رأوا شخصا آخر ظن ~~الحاضرون أنه كلام / الرسول / ثم هذا لا يكون قادحا في النبوة لما لم يكن ~~فعلا له ، وهذا أيضا ضعيف فإنك إذا جوزت أن يتكلم في أثناء الشيطان كلام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بما يشتبه على كل السامعين كونه كلاما للرسول ~~بقي هذا الاحتمال في كل ما يتكلم به الرسول فيفضي إلى ارتفاع الوثوق عن كل ~~الشرع فإن قيل هذا الاحتمال قائم في الكل ولكنه لو وقع لوجب في حكمة الله ~~تعالى أن يشرح الحال فيه كما في هذه الواقعة إزالة للتلبيس ، قلنا لا يجب ~~على الله إزالة الاحتمالات كما في المتشابهات وإذا لم يجب على الله ذلك ~~تمكن الاحتمال من الكل ms6515 الوجه الثالث : أن يقال المتكلم بذلك بعض شياطين ~~الإنس وهم الكفرة فإنه عليه السلام لما انتهى في قراءة هذه السورة إلى هذا ~~الموضع وذكر أسماء آلهتهم وقد علموا من عادته أنه يعيبها فقال بعض من حضر ~~تلك الغرانيق العلى فاشتبه الأمر على القوم لكثرة لغط القوم وكثرة صياحهم ~~وطلبهم تغليطه وإخفاء قراءته ، ولعل ذلك كان في صلاته لأنهم كانوا يقربون ~~منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلغون فيها ، وقيل إنه عليه السلام كان ~~إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات فألقى بعض الحاضرين ذلك ~~الكلام في تلك الوقفات فتوهم القوم أنه من قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ثم أضاف الله تعالى ذلك إلى الشيطان لأنه بوسوسته يحصل أولا ولأنه سبحانه ~~جعل ذلك المتكلم في نفسه شيطانا وهذا أيضا ضعيف لوجهين : أحدهما : أنه لو ~~كان كذلك لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم إزالة الشبهة وتصريح الحق ~~وتبكيت ذلك القائل وإظهار أن هذه الكلمة منه صدرت وثانيهما : لو فعل ذلك ~~لكان ذلك أولى بالنقل ، فإن قيل إنما لم يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ذلك لأنه كان قد أدى السورة بكمالها إلى الأمة من دون هذه الزيادة فلم يكن ~~ذلك مؤديا إلى التلبيس كما يؤدي سهوه في الصلاة بعد أن وصفها إلى اللبس ، ~~قلنا إن القرآن لم يكن مستقرا على حالة واحدة في زمان حياته لأنه كان تأتيه ~~الآيات فيلحقها بالسور فلم يكن تأدية تلك السورة بدون هذه الزيادة سببا ~~لزوال اللبس ، وأيضا فلو كان كذلك لما استحق العتاب من الله تعالى على ما ~~رواه القوم الوجه الرابع : هو أن المتكلم بهذا هو الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ثم هذا يحتمل ثلاثة أوجه فإنه إما أن يكون قال هذه الكلمة سهوا أو ~~قسرا أو اختيارا أما الوجه الأول : وهو أنه عليه السلام قال هذه الكلمة ~~سهوا فكما يروى عن قتادة ومقاتل أنهما قالا إنه عليه السلام كان يصلي عند ~~المقام فنعس وجرى على لسانه هاتان الكلمتان فلما ms6516 فرغ من السورة سجد وسجد كل ~~من في المسجد وفرح المشركون بما سمعوه وأتاه جبريل عليه السلام فاستقرأه ، ~~فلما انتهى إلى الغرانيق قال لم آتك بهذا ، فحزن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى أن نزلت هذه الآية وهذا ضعيف أيضا لوجوه : أحدها : أنه لو جاز هذا ~~السهو لجاز في سائر المواضع وحينئذ تزول الثقة عن الشرع وثانيها : أن ~~الساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقتها ~~ومعناها ، فإنا نعلم بالضرورة أن واحدا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى ~~يتفق منه بيت شعر في وزنها ومعناها وطريقتها وثالثها : هب أنه تكلم / بذلك ~~سهوا ، فكيف لم ينبه لذلك حين قرأها على جبريل عليه السلام وذلك ظاهر أما ~~الوجه الثاني : وهو أنه عليه السلام تكلم بذلك قسرا وهو الذي قال قوم إن ~~الشيطان أجبر النبي صلى الله عليه وسلم PageV23P046 على أن يتكلم بهذا فهذا ~~أيضا فاسد لوجوه : أحدها : أن الشيطان لو قدر على ذلك في حق النبي عليه ~~السلام لكان اقتداره علينا أكثر فوجب أن يزيل الشيطان الناس عن الدين ولجاز ~~في أكثر ما يتكلم به الواحد منا أن يكون ذلك بإجبار الشياطين وثانيها : أن ~~الشيطان لو قدر على هذا الإجبار لارتفع الأمان عن الوحي لقيام هذا الاحتمال ~~وثالثها : أنه باطل بدلالة قوله تعالى حاكيا عن الشيطان { وما كان لى عليكم ~~من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلومونى ولوموا أنفسكم } ( إبراهيم ~~: 22 ) وقال تعالى : { إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه } ( النحل : 99 ، 100 ) وقال : { ~~إلا عبادك منهم المخلصين } ( الحجر : 40 ) ولا شك أنه عليه السلام كان سيد ~~المخلصين أما الوجه الثالث : وهو أنه عليه السلام تكلم بذلك اختيارا فههنا ~~وجهان : أحدهما : أن نقول إن هذه الكلمة باطلة والثاني : أن نقول إنها ليست ~~كلمة باطلة أما على الوجه الأول فذكروا فيه طريقين : الأول : قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما في رواية عطاء إن شيطانا يقال ms6517 له الأبيض أتاه على صورة ~~جبريل عليه السلام وألقى عليه هذه الكلمة فقرأها فلما سمع المشركون ذلك ~~أعجبهم فجاء جبريل عليه السلام فاستعرضه فقرأها فلما بلغ إلى تلك الكلمة ~~قال جبريل عليه السلام أنا ما جئتك بهذه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنه أتاني آت على صورتك فألقاها على لساني الطريق الثاني : قال بعض الجهال ~~إنه عليه السلام لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من عند نفسه ثم ~~رجع عنها ، وهذان القولان لا يرغب فيهما مسلم ألبتة لأن الأول يقتضي أنه ~~عليه السلام ما كان يميز بين الملك المعصوم والشيطان الخبيث والثاني يقتضي ~~أنه كان خائنا في الوحي وكل واحد منهما خروج عن الدين أما الوجه الثاني : ~~وهو أن هذه الكلمة ليست باطلة فههنا أيضا طرق الأول : أن يقال الغرانيق هم ~~الملائكة وقد كان ذلك قرآنا منزلا في وصف الملائكة . فلما توهم المشركون ~~أنه يريد آلهتهم نسخ الله تلاوته الثاني : أن يقال المراد منه الاستفهام ~~على سبيل الإنكار ، فكأنه قال : أشفاعتهن ترتجى ؟ الثالث : أن يقال إنه ذكر ~~الإثبات وأراد النفي كقوله تعالى : { يبين الله لكم أن تضلوا } ( النساء : ~~176 ) أي لا تضلوا كما قد يذكر النفي ويريد به الإثبات كقوله تعالى : { قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا } ( الأنعام : 151 ) ~~والمعنى أن تشركوا ، وهذان الوجهان الأخيران يعترض عليهما بأنه لو جاز ذلك ~~بناء على هذا التأويل فلم لا يجوز أن يظهروا كلمة الكفر في جملة القرآن أو ~~في الصلاة بناء على هذا التأويل ، ولكن الأصل في الدين أن لا يجوز عليهم ~~شيء من ذلك لأن الله تعالى قد نصبهم حجة واصطفاهم للرسالة فلا يجوز عليهم ~~ما يطعن في ذلك أو ينفر ، ومثل ذلك في التنفير أعظم من الأمور التي حثه ~~الله تعالى على تركها كنحو الفظاظة والكتابة وقول الشعر فهذه الوجوه ~~المذكورة / في قوله تلك الغرانيق العلا قد طهر على القطع كذبها ، فهذا كله ~~إذا فسرنا التمني بالتلاوة . وأما إذا فسرناها بالخاطر ms6518 وتمنى القلب فالمعنى ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور يوسوس ~~الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ~~ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته ، ثم اختلفوا في كيفية تلك ~~الوسوسة على وجوه : أحدها : أنه يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ذكر ~~آلهتهم بالثناء قالوا إنه عليه السلام كان يحب أن يتألفهم وكان يردد ذلك في ~~نفسه فعندما لحقه النعاس زاد تلك الزيادة من حيث كانت في نفسه وهذا أيضا ~~PageV23P047 خروج عن الدين وبيانه ما تقدم وثانيها : ما قال مجاهد من أنه ~~عليه السلام كان يتمنى إنزال الوحي عليه على سرعة دون تأخير فنسخ الله ذلك ~~بأن عرفه بأن إنزال ذلك بحسب المصالح في الحوادث والنوازل وغيرها وثالثها : ~~يحتمل أنه عليه السلام عند نزول الوحي كان يتفكر في تأويله إن كان مجملا ~~فيلقى الشيطان في جملته ما لم يرده ، فبين تعالى أنه ينسخ ذلك بالإبطال ~~ويحكم ما أراده الله تعالى بأدلته وآياته ورابعها : معنى الآية إذا تمنى ~~إذا أراد فعلا مقربا إلى الله تعالى ألقى الشيطان في فكره ما يخالفه فيرجع ~~إلى الله تعالى في ذلك وهو كقوله تعالى : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طئف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } ( الأعراف : 201 ) وكقوله : { وإما ينزغنك ~~من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } ( الأعراف : 200 ) ومن الناس من قال لا يجوز ~~حمل الأمنية على تمني القلب لأنه لو كان كذلك لم يكن ما يخطر ببال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتنة للكفار وذلك يبطله قوله تعالى : { ليجعل ما ~~يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم } ، والجواب : لا ~~يبعد أنه إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة ~~بسببه فيصير ذلك فتنة للكفار فهذا آخر القول في هذه المسألة . # المسألة الثالثة : يرجع حاصل البحث إلى أن الغرض من هذه الآية بيان أن ~~الرسل الذين أرسلهم الله تعالى وإن عصمهم عن الخطأ مع العلم ms6519 فلم يعصمهم من ~~جواز السهو ووسوسة الشيطان بل حالهم في جواز ذلك كحال سائر البشر فالواجب ~~أن لا يتبعوا إلا فيما يفعلونه عن علم فذلك هو المحكم ، وقال أبو مسلم معنى ~~الآية أنه لم يرسل نبيا إلا إذا تمنى كأنه قيل : وما أرسلنا إلى البشر ملكا ~~وما أرسلنا إليهم نبيا إلا منهم ، وما أرسلنا نبيا خلا عند تلاوته الوحي من ~~وسوسة الشيطان وأن يلقي في خاطره وما يضاد الوحي ويشغله عن حفظه فيثبت الله ~~النبي على الوحي وعلى حفظه ويعلمه صواب ذلك وبطلان ما يكون من الشيطان ، ~~قال وفيما تقدم من قوله : { قل ياأهل * أيها الناس * إنما أنا لكم نذير ~~مبين } تقوية لهذا التأويل فكأنه تعالى أمره أن يقول للكافرين أنا نذير لكم ~~لكني من البشر لا من الملائكة ، ولم يرسل الله تعالى مثلي ملكا بل أرسل ~~رجالا فقد وسوس الشيطان إليهم ، فإن قيل هذا إنما يصح لو كان السهو لا يجوز ~~على الملائكة ، قلنا إذا كانت الملائكة أعظم درجة من الأنبياء لم يلزم من ~~استيلائهم بالوسوسة على الأنبياء استيلاؤهم بالوسوسة على الملائكة ، واعلم ~~أنه سبحانه لما شرح حال هذه الوسوسة أردف ذلك ببحثين : # / البحث الأول : كيفية إزالتها وذلك هو قوله تعالى : { فينسخ الله ما ~~يلقى الشيطان } فالمراد إزالته وإزالة تأثيره فهو النسخ اللغوي لا النسخ ~~الشرعي المستعمل في الأحكام . أما قوله : { ثم يحكم الله ءاياته } فإذا حمل ~~التمني على القراءة فالمراد به آيات القرآن وإلا فيحمل على أحكام الأدلة ~~التي لا يجوز فيها الغلط . # البحث الثاني : أنه تعالى بين أثر تلك الوسوسة ، ثم إنه سبحانه شرح أثرها ~~في حق الكفار أولا ثم في حق المؤمنين ثانيا ، أما في حق الكفار فهو قوله : ~~{ ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة } والمراد به تشديد التبعيد لأن عندما يظهر ~~من الرسول صلى الله عليه وسلم الاشتباه في القرآن سهوا يلزمهم البحث عن ذلك ~~ليميزوا السهو من العمد وليعلموا أن العمد صواب والسهو قد لا يكون صوابا . # أما قوله : { للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ms6520 } ففيه سؤالان : # السؤال الأول : لم قال : { فتنة للذين فى قلوبهم مرض } ولم خصهم بذلك ~~الجواب : لأنهم مع PageV23P048 كفرهم يحتاجون إلى ذلك التدبر ، وأما ~~المؤمنون فقد تقدم علمهم بذلك فلا يحتاجون إلى التدبر . # السؤال الثاني : ما مرض القلب الجواب : أنه الشك والشبهة وهم المنافقون ~~كما قال : { فى قلوبهم مرض } وأما القاسية قلوبهم فهم المشركون المصرون على ~~جهلهم ظاهرا وباطنا . # أما قوله تعالى : { وإن الظالمين لفى شقاق بعيد } يريد أن هؤلاء ~~المنافقين والمشركين فأصله وإنهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر قضاء عليهم ~~بالظلم والشقاق والمشاقة والمعاداة والمباعدة سواء ، وأما في حق المؤمنين ~~فهو قوله : { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك } وفي الكناية ~~ثلاثة أوجه : أحدها : أنها عائدة إلى نسخ ما ألقاه الشيطان ، عن الكلبي . ~~وثانيها : أنه الحق أي القرآن عن مقاتل وثالثها : أن تمكن الشيطان من ذلك ~~الإلقاء هو الحق ، أما على قولنا فلأنه سبحانه وتعالى أي شيء فعل فقد تصرف ~~في ملكه وملكه بضم الميم وكسرها فكان حقا ، وأما على قول المعتزلة فلأنه ~~سبحانه حكيم فتكون كل أفعاله صوابا فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم أي تخضع ~~وتسكن لعلمهم بأن المقضي كائن ، وكل ميسر لما خلق له ، { وليعلم الذين ~~أوتوا العلم أنه } إلى أن يتأولوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة ~~ويطلبوا ما أشكل منه من المجمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم ~~حيرة ولا تعتريهم شبهة وقرىء لهاد الذين آمنوا بالتنوين ، ولما بين سبحانه ~~حال الكافرين أولا ثم حال المؤمنين ثانيا عاد إلى شرح حال الكافرين مرة ~~أخرى فقال : { ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه } أي من القرآن أو من ~~الرسول ، وذلك يدل على أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن هذا وصفه . # أما قوله تعالى : { حتى تأتيهم الساعة بغتة } أي فجأة من دون أن يشعروا ~~ثم جعل الساعة غاية لكفرهم ، وأنهم يؤمنون عند أشراط الساعة على وجه ~~الإلجاء . واختلف في المراد باليوم العقيم / وفيه قولان : أحدهما : أنه يوم ~~بدر وإنما وصف يوم الحرب بالعقيم لوجوه أربعة ms6521 : أحدها : أن أولاد النساء ~~يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن وثانيها : أن المقاتلين يقال لهم أبناء ~~الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم على سبيل المجاز وثالثها : هو الذي ~~لا خير فيه يقال ريح عقيم إذا لم تنشىء مطرا ولم تلقح شجرا ورابعها : أنه ~~لا مثل له في عظم أمره ، وذلك لقتال الملائكة فيه القول الثاني : أنه يوم ~~القيامة ، وإنما وصف بالعقيم لوجوه : أحدها : أنهم لا يرون فيه خيرا ~~وثانيها : أنه لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على تعطل الولادة وثالثها ~~: أن كل ذات حمل تضع حملها في ذلك اليوم فكيف يحصل الحمل فيه ، وهذا القول ~~أولى لأنه لا يجوز أن يقول الله تعالى { ولا يزال الذين كفروا } ويكون ~~المراد يوم بدر ، لأن من المعلوم أنهم في مرية بعد يوم بدر ، فإن قيل لما ~~ذكر الساعة . فلو حملتم اليوم العقيم على يوم القيامة لزم التكرار ؛ قلنا ~~ليس كذلك لأن الساعة من مقدمات القيامة واليوم العقيم هو نفس ذلك اليوم ، ~~وعلى أن الأمر لو كان كما قاله لم يكن تكرارا لأن في الأول ذكر الساعة ، ~~وفي الثاني ذكر عذاب ذلك اليوم ، ويحتمل أن يكون المراد بالساعة وقت موت كل ~~أحد وبعذاب يوم عقيم القيامة . # أما قوله : { الملك يومئذ لله } فمن أقوى ما يدل على أن اليوم العقيم هو ~~ذلك اليوم وأراد بذلك أنه لا مالك في ذلك اليوم سواه فهو بخلاف أيام الدنيا ~~التي ملك الله الأمور غيره ، وبين أنه الحاكم بينهم لا حاكم سواه وذلك زجر ~~عن معصيته ثم بين كيف يحكم بينهم ، وأنه يصير المؤمنين إلى جنات النعيم ، ~~والكافرين PageV23P049 في العذاب المهين ، وقد تقدم وصف الجنة والنار فإن ~~قيل التنوين في يومئذ عن أي جملة ينوب ؟ قلنا تقديره : الملك يوم يؤمنون أو ~~يوم تزول مريتهم لقوله تعالى : { ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه حتى ~~تأتيهم الساعة } . # ! 7 < { والذين هاجروا فى سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله ~~رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين * ليدخلنهم مدخلا ms6522 يرضونه وإن الله ~~لعليم حليم * ذالك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن ~~الله لعفو غفور * ذالك بأن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل ~~وأن الله سميع بصير * ذالك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل وأن الله هو العلى الكبير } . > 7 ! # / < < # | الحج : ( 58 - 62 ) والذين هاجروا في . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر أن الملك له يوم القيامة وأنه يحكم بينهم ~~ويدخل المؤمنين الجنات أتبعه بذكر وعده الكريم للمهاجرين ، وأفردهم بالذكر ~~تفخيما لشأنهم فقال عز من قائل { والذين هاجروا } واختلفوا فيمن أريد بذلك ~~، فقال بعضهم من هاجر إلى المدينة طالبا لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتقربا إلى الله تعالى ، وقال آخرون بل المراد من جاهد فخرج مع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أو في سراياه لنصرة الدين ولذلك ذكر القتل بعده ، ومنهم من ~~حمله على الأمرين . واختلفوا من وجه آخر فقال قوم المراد قوم مخصوصون ، روى ~~مجاهد أنها نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون ~~فقاتلوهم ، وظاهر الكلام للعموم . ثم إنه سبحانه وتعالى وصفهم برزقهم ~~ومسكنهم ، أما الرزق فقوله تعالى : { ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو ~~خير الرزقين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لا شبهة في أن الرزق الحسن هو نعيم الجنة ، وقال الأصم ~~إنه العلم والفهم كقول شعيب عليه السلام { ورزقنى منه رزقا حسنا } ( هود : ~~88 ) فهذا في الدنيا وفي الآخرة الجنة ، وقال الكلبي رزقا حسنا حلالا وهو ~~الغنيمة وهذان الوجهان ضعيفان ، لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل ~~الله بعد القتل والموت وبعدهما لا يكون إلا نعيم الجنة . PageV23P050 # المسألة الثانية : لا بد من شرط اجتناب الكبائر في كل وعد في القرآن لأن ~~هذا المهاجر لو ارتكب كبيرة لكان حكمه في المشيئة على قولنا ، ولخرج عن أن ~~يكون أهلا للجنة قطعا على قول المعتزلة . فإن قيل فما فضله على سائر ~~المؤمنين في الوعد إن كان كما قلتم ؟ قلنا فضلهم يظهر لأن ms6523 ثوابهم أعظم وقد ~~قال تعالى : { لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } ( الحديد : 10 ) ~~فمعلوم أن من هاجر مع الرسول صلى الله عليه وسلم وفارق دياره وأهله لتقويته ~~ونصرة دينه مع شدة قوة الكفار وطهور صولتهم صار فعله كالسبب لقوة الدين ، ~~وعلى هذا الوجه عظم محل الأنصار حتى صار ذكرهم والثناء عليهم تاليا لذكر ~~المهاجرين لما آووه ونصروه . # المسألة الثالثة : اختلفوا في معنى قوله : { وإن الله لهو خير الرزقين } ~~مع العلم بأن كل الرزق من عنده على وجوه : أحدها : التفاوت إنما كان بسبب ~~أنه سبحانه مختص بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره وثانيها : أن يكون المراد ~~أنه الأصل في الرزق ، وغيره إنما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة الله تعالى ~~وثالثها : أن غيره ينقل الرزق من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل / نفس الرزق ~~ورابعها : أن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه به ، إما لأجل أن يخرج عن ~~الواجب ، وإما لأجل أن يستحق به حمدا أو ثناء ، وإما لأجل دفع الرقة ~~الجنسية ، فكان الواحد منا إذا رزق فقد طلب العوض / أما الحق سبحانه فإن ~~كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شيء كمالا زائدا فكان الرزق الصادر منه ~~لمحض الإحسان وخامسها : أن غيره إنما يرزق لو حصل في قلبه إرادة ذلك الفعل ~~، وتلك الإرادة من الله ، فالرازق في الحقيقة هو الله تعالى وسادسها : أن ~~المرزوق يكون تحت منة الرازق ومنة الله تعالى أسهل تحملا من منة الغير ، ~~فكان هو { خير الرازقين } وسابعها : أن الغير إذا رزق فلولا أن الله تعالى ~~أعطى ذلك الإنسان أنواع الحواس وأعطاه السلامة والصحة والقدرة على الانتفاع ~~بذلك الرزق لما أمكنه الانتفاع به ، ورزق الغير لا بد وأن يكون مسبوقا برزق ~~الله وملحوقا به حتى يحصل الانتفاع . وأما رزق الله تعالى فإنه لا حاجة به ~~إلى رزق غيره ، فثبت أنه سبحانه { خير الرازقين } . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة الآية تدل على أمور ثلاثة : أحدها : أن ~~الله تعالى قادر وثانيها : أن غير الله ms6524 يصح منه أن يرزق ويملك ، ولولا كونه ~~قادرا فاعلا لما صح ذلك وثالثها : أن الرزق لا يكون إلا حلالا لأن قوله { ~~خير الرازقين } دلالة على كونهم ممدوحين والجواب : لا نزاع في كون العبد ~~قادرا ، فإن عندنا القدرة مع الداعي مؤثرة في الفعل بمعنى الاستلزام . وأما ~~الثالث فبحث لفظي وقد سبق الكلام فيه . # المسألة الخامسة : لما قال تعالى : { ثم قتلوا أو ماتوا } فسوى بينهما في ~~الوعد ، ظن قوم أن حال المقتول في الجهاد والميت على فراشه سواء ، وهذا إن ~~أخذوه من الظاهر فلا دلالة فيه ، لأن الجمع بينهما في الوعد لا يدل على ~~تفضيل ولا تسوية ، كما أن الجمع بين المؤمنين لا يدل على ذلك . وإن أخذوه ~~من دليل آخر فهو حق ، فإنه روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~المقتول في سبيل الله تعالى ، والمتوفى في سبيل الله بغير قتل ، هما في ~~الخير والأجر شريكان ) ولفظ الشركة مشعر بالتسوية ، وإلا فلا يبقى ~~لتخصيصهما بالذكر فائدة . وروى أيضا : أن طوائف من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم قالوا يا رسول الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله ~~من الخير ، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا ، فما لنا إن متنا معك . فأنزل الله ~~تعالى هاتين الآيتين وهذا يدل على التسوية لأنهم لما طلبوا مقدار الأجر ، ~~فلولا التسوية لم يكن الجواب مفيدا . أما المسكن فقوله تعالى : { ليدخلنهم ~~مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم } وفيه مسائل : PageV23P051 # المسألة الأولى : قرىء مدخلا بضم الميم وهو من الإدخال ، ومن قرأ بالفتح ~~فالمراد الموضع . # المسألة الثانية : قيل في المدخل الذي يرضونه إنه خيمة من درة بيضاء لا ~~فصم فيها ولا وصم لها سبعون ألف مصراع ، وقال أبو القاسم القشيري هو أن ~~يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما قال ~~يرضونه ، لأنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت / ولا أذن سمعت ، ولا خطر على ~~قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولا ، ونظيره قوله تعالى : { ومساكن ~~ترضونها } ( التوبة : 24 ) وقوله ms6525 : { فى عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) ~~وقوله : { ارجعى إلى ربك راضية مرضية } ( الفجر : 28 ) وقوله : { ومساكن ~~طيبة فى جنات عدن ورضوان من الله أكبر } ( التوبة : 72 ) . # المسألة الثالثة : إن قيل ما معنى { وإن الله لعليم حليم } وما تعلقه بما ~~تقدم ؟ قلنا يحتمل أنه عليم بما يستحقونه فيفعله بهم ويزيدهم ، ويحتمل أن ~~يكون المراد أنه عليم بما يرضونه فيعطيهم ذلك في الجنة ، وأما الحليم ~~فالمراد أنه لحلمه لا يعجل بالعقوبة فيمن يقدم على المعصية ، بل يمهل ليقع ~~منه التوبة فيستحق منه الجنة . # أما قوله : { ذالك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن ~~الله لعفو غفور } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { ذالك } قد مضى الكلام فيه في هذه الآية في هذه ~~السورة . وقال الزجاج أي الأمر ما قصصنا عليك من إنجاز الوعد للمهاجرين ~~الذين قتلوا أو ماتوا . # المسألة الثانية : قوله : { ذالك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه } ~~معناه : قاتل من كان يقاتله ، ثم كان المقاتل مبغيا عليه بأن اضطر إلى ~~الهجرة ومفارقة الوطن وابتدىء بالقتال ، قال مقاتل : نزلت في قوم من ~~المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم ، فقال بعضهم لبعض ~~: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم ، فناشدهم ~~المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر ، فأبوا وقاتلوهم . فذلك بغيهم ~~عليهم ، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم . فوقع في أنفس المسلمين من القتال ~~في الشهر الحرام ما وقع ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : وعفا عنهم وغفر لهم ~~وههنا سؤالات : # السؤال الأول : أي تعلق لهذه الآية بما قبلها ؟ الجواب : كأنه سبحانه ~~وتعالى قال مع إكرامي لهم في الآخرة بهذا الوعد لا أدع نصرتهم في الدنيا ~~على من بغى عليهم . # السؤال الثاني : هل يرجع ذلك إلى المهاجرين خاصة أو إليهم وإلى المؤمنين ~~؟ الجواب : الأقرب أنه يعود إلى الفريقين فإنه تقدم ذكرهما ، وبين ذلك قوله ~~تعالى : { لينصرنه الله } وبعد القتل والموت لا يمكن ذلك في الدنيا . # السؤال الثالث : ما المراد بالعقوبة المذكورة ؟ الجواب : فيه ms6526 وجهان : ~~أحدهما : المراد ما فعله مشركو مكة مع المهاجرين بمكة من طلب آثارهم ، ورد ~~بعضهم إلى غير ذلك ، فبين تعالى أن من عاقب هؤلاء الكفار بمثل ما فعلوا ~~فسينصره عليهم ، وهذه النصرة المذكورة تقوي تأويل من تأوله على مجاهدة ~~الكفار لا على القصاص ، لأن ظاهر النص لا يليق إلا بذلك والجواب الثاني : ~~أن هذه الآية في القصاص والجراحات ، وهي آية مدنية عن الضحاك . PageV23P052 # السؤال الرابع : لم سمى ابتداء فعلهم بالعقوبة ؟ الجواب : أطلق اسم ~~العقوبة على الأول / للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى : { وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها } { يخادعون الله وهو خادعهم } . # السؤال الخامس : أي تعلق لقوله : { وإن الله لعفو غفور } بما تقدم ؟ ~~الجواب : فيه وجوه : أحدها : أن الله تعالى ندب المعاقب إلى العفو عن ~~الجاني بقوله : { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } ( الشورى : 40 ) { وأن ~~تعفوا أقرب للتقوى } ( البقرة : 237 ) ، { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم ~~الامور } ( الشورى : 40 ) فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة ، فكأنه ~~سبحانه قال : إني قد عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها ، فإني أنا الذي أذنت لك ~~فيه وثانيها : أنه سبحانه وإن ضمن له النصر على الباغي ، لكنه عرض مع ذلك ~~بما كان أولى به من العفو والمغفرة فلوح بذكر هاتين الصفتين وثالثها : أنه ~~سبحانه دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة ، لأنه لا يوصف ~~بالعفو إلا القادر على ضده . # السؤال السادس : أي تعلق لقوله : { ذالك بأن الله يولج اليل فى النهار ~~ويولج النهار فى اليل } بما قبله ؟ والجواب : من وجهين : أحدهما : ذلك أي ~~ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن آيات قدرته البالغة كونه خالقا لليل والنهار ~~ومتصرفا فيهما ، فوجب أن يكون قادرا عالما بما يجري فيهما ، وإذا كان كذلك ~~كان قادرا على النصر مصيبا فيه وثانيها : المراد أنه سبحانه مع ذلك النصر ~~ينعم في الدنيا بما يفعله من تعاقب الليل والنهار وولوج أحدهما في الآخر . # السؤال السابع : ما معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل ~~الجواب : فيه وجهان : أحدهما ms6527 : يحصل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك بغيبوبة ~~الشمس ، وضياء ذلك في مكان ظلمة هذا بطلوعها ، كما يضيء البيت بالسراج ~~ويظلم بفقده وثانيهما : أنه سبحانه يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر من ~~الساعات . # السؤال الثامن : أي تعلق لقوله : { وأن الله سميع بصير } بما تقدم ؟ ~~الجواب : المراد أنه كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره ، فكذلك يدرك ~~المسموع والمبصر ، ولا يجوز المنع عليه ، ويكون ذلك كالتحذير من الإقدام ~~على ما لا يجوز في المسموع والمبصر . # السؤال التاسع : ما معنى قوله : { ذالك بأن الله هو الحق } وأي تعلق له ~~بما تقدم ؟ الجواب : فيه وجهان : أحدهما : المراد أن ذلك الوصف الذي تقدم ~~ذكره من القدرة على هذه الأمور إنما حصل لأجل أن الله هو الحق أي هو ~~الموجود الواجب لذاته الذي يمتنع عليه التغير والزوال فلا جرم أتى بالوعد ~~والوعيد ثانيهما : أن ما يفعل من عبادته هو الحق وما يفعل من عبادة غيره ~~فهو الباطل كما قال : { ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الاخرة } ( غافر : 43 ~~) . # السؤال العاشر : أي تعلق لقوله : { وأن الله هو العلى الكبير } بما تقدم ~~؟ والجواب : معنى العلي القاهر المقتدر الذي لا يغلب فنبه بذلك على أنه ~~القادر على الضر والنفع دون سائر من يعبد مرغبا بذلك في عبادته زاجرا عن ~~عبادة غيره ، فأما الكبير فهو العظيم في قدرته وسلطانه ، وذلك أيضا يفيد ~~كمال القدرة . PageV23P053 # / المسألة الثالثة : قوله : { لينصرنه الله } إخبار عن الغيب فإنه وجد ~~مخبره كما أخبر فكان من المعجزات . # المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : من حرق حرقناه ، ومن غرق ~~غرقناه . وقال أبو حنيفة رحمه الله : بل يقتل بالسيف . واحتج الشافعي رحمه ~~الله بهذه الآية ، فإن الله تعالى جوز للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به ~~ووعده النصر عليه . # المسألة الخامسة : قرأ نافع وابن عامر { تدعون } بالتاء ههنا وفي لقمان ~~وفي المؤمنين وفي العنكبوت . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو كلها بالياء على ~~الخبر ، والعرب قد تنصرف من الخطاب إلى الإخبار ومن الإخبار إلى الخطاب . # ! 7 ms6528 < { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح الا رض مخضرة إن الله ~~لطيف خبير * له ما فى السماوات وما فى الا رض وإن الله لهو الغنى الحميد * ~~ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الا رض والفلك تجرى فى البحر بأمره ويمسك ~~السمآء أن تقع على الا رض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم * وهو ~~الذىأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } . > 7 ! # < < # | الحج : ( 63 - 66 ) ألم تر أن . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما دل على قدرته من قبل بما ذكره من ولوج الليل في ~~النهار ونبه به على نعمه ، أتبعه بأنواع أخر من الدلائل على قدرته ونعمته ~~وهي ستة . # أولها : قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض ~~مخضرة إن الله لطيف خبير } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في قوله : { ألم تر } وجوها ثلاثة : أحدها : أن ~~المراد هو الرؤية الحقيقية ، قالوا لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين ~~واخضرار النبات على الأرض مرئي ، وإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته فهو أولى ~~وثانيها : أن المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام / وثالثها : المراد ألم ~~تعلم والقول الأول ضعيف لأن الماء وإن كان مرئيا إلا أن كون الله منزلا له ~~من السماء غير مرئي إذا ثبت هذا وجب حمله على العلم ، لأن المقصود من تلك ~~الرؤية هو العلم ، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل . # المسألة الثانية : قرىء { مخضرة } كمبقلة ومسبعة أي ذات خضرة ، وههنا ~~سؤالات : PageV23P054 # السؤال الأول : لم قال : { فتصبح } الأرض ولم يقل فأصبحت ؟ الجواب : ~~لنكتة فيه وهي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان ، كما تقول أنعم على ~~فلان عام كذا فأروح وأغد شاكرا له ، ولو قلت فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع ~~. # السؤال الثاني : لم رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام ؟ والجواب : لو نصب ~~لأعطى عكس ما هو الغرض ، لأن معناه إثبات الإخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي ~~الإخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر ms6529 . وإن نصبته ~~فأنت ناف لشكره شاك لتفريطه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر . # السؤال الثالث : لم أورد تعالى ذلك دلالة على قدرته على الإعادة ، كما ~~قال أبو مسلم . الجواب : يحتمل ذلك ويحتمل أنه نبه به على عظيم قدرته وواسع ~~نعمه . # السؤال الرابع : ما تعلق قوله : { إن الله لطيف خبير } بما تقدم ؟ الجواب ~~: من وجوه أحدها : أراد أنه رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم ~~به ، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة والسماء إذا أمطرت كان ذلك سببا لعيش ~~الحيوانات على اختلافها أجمع . ومعنى { خبير } أنه عالم بمقادير مصالحهم ~~فيفعل على قدر ذلك من دون زيادة ونقصان وثانيها : قال ابن عباس { لطيف } ~~بأرزاق عباده { خبير } بما في قلوبهم من القنوط وثالثها : قال الكلبي { ~~لطيف } في أفعاله { خبير } بأعمال خلقه ورابعها : قال مقاتل : { لطيف } ~~باستخراج النبت { خبير } بكيفية خلقه . # الدلالة الثانية : قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الارض * وإن ~~الله لهو الغنى الحميد } والمعنى أن كل ذلك منقاد له غير ممتنع من التصرف ~~فيه وهو غني عن الأشياء كلها وعن حمد الحامدين أيضا لأنه كامل لذاته ، ~~والكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور ، ولكنه لما خلق الحيوان فلا ~~بد في الحكمة من قطر ونبات فخلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات وإنعاما عليهم ~~/ لا لحاجة به إلى ذلك . وإذا كان كذلك كان إنعامه خاليا عن غرض عائد إليه ~~فكان مستحقا للحمد . فكأنه قال إنه لكونه غنيا لم يفعل ما فعله إلا للإحسان ~~، ومن كان كذلك كان مستحقا للحمد فوجب أن يكون حميدا . فلهذا قال : { وإن ~~الله لهو الغنى الحميد } . # الدلالة الثالثة : قوله : { ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الارض } أي ذلل ~~لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر ولا أحد من الحديد ولا أكثر هيبة من النار ، ~~وقد سخرها لكم وسخر الحيوانات أيضا حتى ينتفع بها من حيث الأكل والركوب ~~والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ، فلولا أن سخر الله / تعالى الإبل ~~والبقر مع قوتهما حتى يذللهما الضعيف من ms6530 الناس ويتمكن منهما لما كان ذلك ~~نعمة . # الدلالة الرابعة : قوله تعالى : { والفلك تجرى فى البحر بأمره } والأقرب ~~أن المراد وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ، وكيفية تسخيره الفلك هو من حيث ~~سخر الماء والرياح لجريها ، فلولا صفتهما على ما هما عليه لما جرت بل كانت ~~تغوص أو تقف أو تعطب . فنبه تعالى على نعمه بذلك ، وبأن خلق ما تعمل منه ~~السفن ، وبأن بين كيف تعمل ، وإنما قال بأمره لأنه سبحانه لما كان المجرى ~~لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعا ، لأن ذلك يفيد تعظيمه بأكثر مما يفيد ~~لو أضافه إلى فعل بناء على عادة الملوك في مثل هذه اللفظة . # الدلالة الخامسة : قوله تعالى : { ويمسك السماء أن تقع على الارض إلا ~~بإذنه إن الله بالناس * لرؤوف رحيم } PageV23P055 واعلم أن النعم المتقدمة ~~لا تكمل إلا بهذه لأن السماء مسكن الملائكة فوجب أن يكون صلبا . ووجب أن ~~يكون ثقيلا ، وما كان كذلك فلا بد من الهوى لولا مانع يمنع منه ، وهذه ~~الحجة مبنية على ظاهر الأوهام ، وقوله تعالى : { أن تقع } قال الكوفيون : ~~كي لا تقع ، وقال البصريون كراهية أن تقع ، وهذا بناء على مسألة كلامية وهي ~~أن الإرادات والكراهات هل تتعلق بالعدم ؟ فمن منع من ذلك صار إلى التأويل ~~الأول ، والمعنى أنه أمسكها لكي لا تقع فتبطل النعم التي أنعم بها . # أما قوله تعالى : { إن الله بالناس * لرؤوف رحيم } فالمعنى أن المنعم ~~بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية في الإحسان ~~والإنعام ، فهو إذن رؤوف رحيم . # الدلالة السادسة : قوله : { وهو الذى أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن ~~الإنسان لكفور } والمعنى أن من سخر له هذه الأمور ، وأنعم عليه بها فهو ~~الذي أحياه فنبه بالإحياء الأول على إنعام الدنيا علينا بكل ما تقدم . ونبه ~~بالإماتة والإحياء الثاني على نعم الدين علينا ، فإنه سبحانه وتعالى خلق ~~الدنيا بسائر أحوالها للآخرة وإلا لم يكن للنعم على هذا الوجه معنى . يبين ~~ذلك أنه لولا أمر الآخرة لم يكن للزراعات وتكلفها ولا لركوب الحيوانات ~~وذبحها إلى ms6531 غير ذلك معنى ، بل كان تعالى يخلقه ابتداء من غير تكلف الزرع ~~والسقي ، وإنما أجرى الله العادة بذلك ليعتبر به في باب الدين ولما فصل ~~تعالى هذه النعم قال : { إن الإنسان لكفور } وهذا كما قد يعدد المرء نعمه ~~على ولده ، ثم يقول إن الولد لكفور لنعم الوالد زجرا له عن الكفران وبعثا ~~له على الشكر ، فلذلك أورد تعالى ذلك في الكفار ، فبين أنهم دفعوا هذه ~~النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع وضوح أمرها ونظيره قوله تعالى : { وقليل ~~من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وقال ابن عباس رضي الله عنهما الإنسان ههنا ~~هو الكافر ، وقال أيضا هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف ~~، والأولى تعميمه في كل المنكرين . # ! 7 < { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك فى الا مر وادع إلى ~~ربك إنك لعلى هدى مستقيم * وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون * الله ~~يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } . > 7 ! # / < < # | الحج : ( 67 - 69 ) لكل أمة جعلنا . . . . . # > > إعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه وبين أنه رؤوف رحيم بعباده وإن كان ~~منهم من يكفر ولا يشكر ، أتبعه بذكر نعمه بما كلف فقال : { لكل أمة جعلنا ~~منسكا هم ناسكوه } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إنما حذف الواو في قوله : { لكل أمة } لأنه لا تعلق ~~لهذا الكلام بما قبله فلا جرم حذف العاطف . # المسألة الثانية : في المنسك أقوال : أحدها : قال ابن عباس عيد ( ا ) ~~يذبحون فيه وثانيها : قربانا ولفظ PageV23P056 المنسك مختص بالذبائح عن ~~مجاهد وثالثها : مألفا يألفونه إما مكانا معينا أو زمانا معينا لأداء ~~الطاعات ورابعها : المنسك هو الشريعة والمنهاج وهو قول ابن عباس في رواية ~~عطاء واختيار القفال وهو الأقرب لقوله تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا } ( المائدة : 48 ) ولأن المنسك مأخوذ من النسك وهو العبادة ، وإذا ~~وقع الإسم على كل عبادة فلا وجه للتخصيص . فإن قيل هلا حملتموه على الذبح ، ~~لأن المنسك في العرف لا يفهم منه إلا الذبح ؟ وهلا حملتموه على موضع ~~العبادة أو على ms6532 وقتها ؟ الجواب : عن الأول لا نسلم أن المنسك في العرف ~~مخصوص بالذبح ، والدليل عليه أن سائر ما يفعل في الحج يوصف بأنه مناسك ~~ولأجله قال عليه السلام : ( خذوا عني مناسككم ) وعن الثاني : أن قوله : { ~~هم ناسكوه } أليق بالعبادة منه بالوقت والمكان . # المسألة الثالثة : زعم قوم أن المراد من قوله : { هم ناسكوه } من كان في ~~زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متمسكا بشرع كاليهود والنصارى ، ولا يمتنع ~~أن يريد كل من تعبد من الأمم سواء بقيت آثارهم أو لم تبق ، لأن قوله : { هم ~~ناسكوه } كالوصف للأمم وإن لم يعبدوا في الحال . # أما قوله تعالى : { فلا ينازعنك فى الامر } فقرىء { فلا ينازعنك } أي ~~أثبت في دينك ثباتا لا يطمعون أن يخدعوك ليزيلوك عنه . وأما قوله : { فلا ~~ينازعنك } ففيه قولان : أحدهما : وهو قول الزجاج : أنه نهى لهم عن منازعتهم ~~، كما تقول لا يضاربنك فلان أي لا تضاربه والثاني : أن المراد أن عليهم ~~اتباعك وترك مخالفتك ، وقد استقر الأمر الآن على شرعك وعلى أنه ناسخ لكل / ~~ما عداه . فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت منها بقية أن تستمر على تلك العادة ~~، وألزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك قال : { ~~وادع إلى ربك } أي لا تخص بالدعاء أمة دون أمة فكلهم أمتك فادعهم إلى ~~شريعتك فإنك على هدى مستقيم ، والهدى يحتمل نفس الدين ويحتمل أدلة الدين ~~وهو أولى . كأنه قال ادعهم إلى هذا الدين فإنك من حيث الدلالة على طريقة ~~واضحة ولهذا قال : { وإن جادلوك } والمعنى فإن عدلوا عن النظر في هذه ~~الأدلة إلى طريقة المراء والتمسك بالعادة فقد بينت وأظهرت ما يلزمك { فقل ~~الله أعلم بما تعملون } لأنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا الجنس الذي يجري ~~مجرى الوعيد والتحذير من حكم يوم القيامة الذي يتردد بين جنة وثواب لمن قبل ~~، وبين نار وعقاب لمن رد وأنكر . فقال : { الله يحكم بينكم يوم القيامة ~~فيما كنتم فيه تختلفون } فتعرفون حينئذ الحق من الباطل والله أعلم . # ! 7 < { ألم تعلم أن الله يعلم ms6533 ما فى السمآء والا رض إن ذالك فى كتاب إن ~~ذالك على الله يسير * ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس ~~لهم به علم وما للظالمين من نصير * وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات تعرف فى ~~وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ءاياتنا قل ~~أفأنبئكم بشر من ذالكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير } . > 7 ~~@QB@ < # | الحج : ( 70 - 72 ) ألم تعلم أن . . . . . # > > PageV23P057 # إعلم أنه تعالى لما قال من قبل { فالله يحكم بينكم يوم القيامة } ( ~~النساء : 141 ) أتبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم ~~، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله : { ألم تعلم أن الله ~~يعلم ما فى السماء والارض } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { ألم تعلم } هو على لفظ الاستفهام لكن معناه ~~تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل ~~فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى . # المسألة الثانية : الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد سائر ~~العباد ولأن الرسالة لا تثبت / إلا بعد العلم بكونه تعالى عالما بكل ~~المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق ، فحينئذ ~~لا يكون إظهار المعجز دليلا على الصدق ، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون ~~الرسول عالما بذلك . فثبت أن المراد أن يكون خطابا مع الغير . # أما قوله : { إن ذالك فى كتاب } ففيه قولان : أحدهما : وهو قول أبي مسلم ~~أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها ~~فحفظت بذلك ما فيها ، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به ، ~~فالمراد من قوله : { إن ذالك فى كتاب } أنه محفوظ عنده { * والتالي } وهو ~~قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السموات والأرض فقد كتبه في اللوح ~~المحفوظ قالوا وهذا أولى ، لأن القول الأول وإن كان صحيحا نظرا إلى ~~الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف ، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب ~~فيه الأمور فكان ms6534 حمله عليه أولى . فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من ~~الكتاب وأيضا فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول : أن كتبه تلك ~~الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه ~~سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني : أن الملائكة ينظرون فيه ثم ~~يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلا لهم زائدا على كونه ~~سبحانه عالما بكل المعلومات . # أما قوله : { كتاب إن ذالك على الله يسير } فمعناه أن كتبه جملة الحوادث ~~مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى ~~كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير ، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث ~~تسهل وتصعب علينا الأمور ، وتعالى الله عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم ~~الكفار عليه مع عظيم نعمه ، ووضوح دلائله . فقال : { ويعبدون من دون الله ~~ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم } فبين أن عبادتهم لغير الله ~~تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعي وهو المراد من قوله : { ما لم ينزل به ~~سلطانا } ولا عن دليل عقلي وهو المراد من قوله : { وما ليس لهم به علم } ~~وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة / فوجب في كل قول هذا شأنه ~~أن يكون باطلا ، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافرا ، وإن لم ~~يعلم كونه كافرا ، ويدل أيضا على فساد التقليد . # أما قوله : { وما للظالمين من نصير } ففيه وجهان : أحدهما : أنهم ليس لهم ~~أحد ينتصر لهم من الله كما PageV23P058 قد تتفق النصرة في الدنيا والثاني : ~~ما لهم في كفرهم ناصر بالحجة فإن الحجة ليست إلا للحق ، واحتجت المعتزلة ~~بهذه الآية في نفي الشفاعة والكلام عليه معلوم . # أما قوله تعالى : { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات } يعني من تقدم ذكره ~~وهذه الآيات هي القرآن ، ووصفها بأنها بينات لكونها متضمنة للدلائل العقلية ~~وبيان الأحكام ، فبين أنهم مع جهلهم إذا نبهوا على الأدلة وعرضت ms6535 عليهم ~~المعجزة ظهر في وجوههم المنكر والمراد دلالة الغيظ والغضب ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) المنكر الفظيع من التهجم والفجور والنشوز والإنكار ، كالمكرم ~~بمعنى الإكرام / وقرىء تعرف على ما لم يسم فاعله ، وللمفسرين في المنكر ~~عبارات : أحدها : قال الكلبي تعرف في وجوههم الكراهية للقرآن ثانيها : قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : التجبر والترفع وثالثها : قال مقاتل أنكروا أن ~~يكون من الله تعالى . # أما قوله تعالى : { يكادون يسطون } فقال الخليل والفراء والزجاج : السطو ~~شدة البطش والوثوب ، والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيما لإنكار ما خوطبوا ~~، به فحكى تعالى عظيم تمردهم على الأنبياء والمؤمنين ثم أمر رسوله بأن ~~يقابلهم بالوعيد فقال : { قل أفأنبئكم بشر من ذالكم النار } قال صاحب ( ~~الكشاف ) قوله : { من ذالكم } أي من غيظكم على الناس وسطوكم عليهم أو مما ~~أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلى عليكم ، فقوله : { من ذالكم } فيه ~~وجهان : أحدهما : المراد أن الذي ينالكم من النار التي تكادون تقتحمونها ~~بسوء فعالكم أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب ومن هذا الغم ~~والثاني : أن يكون المراد { بشر من ذالكم } ما تهمون به فيمن يحاجكم فإن ~~أكبر ما يمكنكم فيه الإهلاك ثم بعده مصيرهم إلى الجنة وأنتم تصيرون إلى ~~النار الدائمة التي لا فرج لكم عنها ، وأما { النار } فقال صاحب ( الكشاف ) ~~قرىء { النار } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأن قائلا يقول ما شر من ~~ذلك ؟ فقيل النار أي هو النار . وبالنصب على الاختصاص وبالجر على البدل من ~~شر . ثم بين سبحانه أنه وعدها الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وهو بئس ~~المصير ، قال صاحب ( الكشاف ) { وعدها الله } استئناف كلام ويحتمل أن تكون ~~النار مبتدأ و { وعدها } خبرا . # ! 7 < { ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن ~~يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف ~~الطالب والمطلوب * ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز } . > 7 ! # < < # | الحج : ( 73 - 74 ) يا أيها الناس . . . . . # > > إعلم أنه سبحانه لما بين من ms6536 قبل أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة ~~لهم فيه ولا علم ، ذكر في هذه الآية ما يدل على إبطال قولهم . PageV23P059 # / أما قوله تعالى : { ضرب مثل } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلا ؟ والجواب : لما كان ~~المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل ما كان كذلك مثلا . # السؤال الثاني : قوله : { ضرب } يفيد فيما مضى والله تعالى هو المتكلم ~~بهذا الكلام ابتداء ؟ الجواب : إذا كان ما يورد من الوصف معلوما من قبل جاز ~~ذلك فيه ، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم . # أما قوله : { فاستمعوا له } أي تدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع ، ~~وإنما ينفع التدبر . واعلم أن الذباب لما كان في غاية الضعف احتج الله ~~تعالى به على إبطال قولهم من وجهين : الأول : قوله : { إن الذين تدعون من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } قرىء يدعون بالياء والتاء ~~ويدعون مبنيا للمفعول { ولن } أصل في نفي المستقبل إلا أنه ينفيه نفيا ~~مؤكدا فكأنه سبحانه قال : إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة ~~على ضعفها ، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا ، فقوله : { ولو اجتمعوا له } ~~نصب على الحال كأنه قال يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال ~~انفرداهم والثاني : أن قوله : { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } ~~كأنه سبحانه قال : أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه ، فإن ~~الذباب إن سلب منها شيئا ، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب ، ~~واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح والملائكة ~~آلهة ، أما الثانية فلا ، فإن قيل هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون ~~الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة ، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم والأول : ~~فاسد لأن نفي كونها كذلك معلوم بالضرورة ، فأي فائدة في إقامة الدلالة عليه ~~وأما الثاني : فهذه الدلالة لا تفيده لأنه لا يلزم من نفي كونها حية أن لا ~~تكون معظمة ، فإن جهات التعظيم مختلفة ، فالقوم ms6537 كانوا يعتقدون فيها أنها ~~طلسمات موضوعة على صورة الكواكب ، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء ~~المتقدمين ، وكانوا يعظمونها على أن تعظيمها يوجب تعظيم الملائكة ، وأولئك ~~الأنبياء المتقدمين والجواب : أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث ~~يحصل منها الإضرار والانتفاع ، فهو يبطل بهذه الدلالة فإنها لما لم تنفع ~~نفسها في هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى ، ~~وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، فقد تقرر في العقل أن ~~تعظيم غير الله تعالى ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله تعالى ، والقوم ~~كانوا يعظمونها غاية التعظيم ، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق ~~سبحانه في التعظيم ، فمن ههنا صاروا مستوجبين للذم والملام . # أما قوله تعالى : { ضعف الطالب والمطلوب } ففيه قولان : أحدهما : المراد ~~منه الصنم والذباب فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ~~ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة / المطلوب الثاني : أن الطالب من عبد ~~الصنم / والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها ، وهذا أقرب لأن كون الصنم طالبا ~~ليس حقيقة بل هو على سبيل التقدير ، أما ههنا فعلى سبيل التحقيق لكن المجاز ~~فيه حاصل لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفا ، لأن الضعف لا يجوز إلا على من ~~يصح أن يقوى ، وههنا وجه ثالث وهو أن يكون معنى قوله : { ضعف } لا من حيث ~~القوة ولكن لظهور قبح هذا المذهب ، كما يقال للمرء عند المناظرة : ما أضعف ~~هذا المذهب وما أضعف هذا الوجه . PageV23P060 # أما قوله : { ما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه ، حيث جعلوا ~~هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية ، وهذه الكلمة مفسرة ~~في سورة الأنعام ، وهو { قوى } لا يتعذر عليه فعل شيء و { عزيز } لا يقدر ~~أحد على مغالبته ، فأي حاجة إلى القول بالشريك . قال الكلبي في هذه الآية ~~ونظيرها في سورة الأنعام : إنها نزلت في جماعة من اليهود وهم مالك ابن ~~الصيف وكعب بن الأشرف وكعب بن أسد وغيرهم لعنهم الله ، حيث قالوا إنه ~~سبحانه لما فرغ من خلق ms6538 السموات والأرض أعيا من خلقها فاستلقى واستراح ووضع ~~إحدى رجليه على الأخرى ، فنزلت هذه الآية تكذيبا لهم ونزل قوله تعالى : { ~~وما مسنا من لغوب } . واعلم أن منشأ هذه الشبهات هو القول بالتشبيه فيجب ~~تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة ، ~~وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية ، وتنزيه ~~أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال ، أعني الغرض والداعي واستحقاق المدح والذم ~~خلاف ما تقوله المعتزلة ، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله ، فهو ~~سبحانه جبار النعت عزيز الوصف فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره والعقول ~~لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده ، صمدي الذت سرمدي ~~الصفات . # ! 7 < { الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير * يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الا مور } . > 7 ! # < < # | الحج : ( 75 - 76 ) الله يصطفي من . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما قدم ما يتعلق بالإلهيات ذكر ههنا ما يتعلق ~~بالنبوات ، قال مقاتل : قال الوليد ابن المغيرة : أأنزل عليه الذكر من ~~بيننا ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وههنا سؤالان : # السؤال الأول : كلمة { من } للتبعيض فقوله : { الله يصطفى من الملائكة ~~رسلا } ( فاطر : 1 ) يقتضي أن تكون الرسل بعضهم لا كلهم ، وقوله : { جاعل ~~الملائكة رسلا } يقتضي كون كلهم رسلا فوقع التناقض والجواب : جاز أن يكون ~~المذكور ههنا من كان رسلا إلى بني آدم ، وهم أكابر الملائكة / كجبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والحفظة صلوات الله عليهم ، وأما كل الملائكة ~~فبعضهم رسل إلى البعض فزال التناقض . # السؤال الثاني : قال في سورة الزمر : { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى ~~مما يخلق ما يشاء } ( الزمر : 4 ) فدل على أن ولده يجب أن يكون مصطفى ، ~~وهذه الآية دلت على أن بعض الملائكة وبعض الناس من المصطفين ، فيلزم بمجموع ~~الآيتين إثبات الولد والجواب : أن قوله : { لو أراد الله أن يتخذ ولدا ~~لاصطفى } يدل على أن كل ولد مصطفى ، ولا يدل على أن كل مصطفى ولد ، فلا ~~يلزم من دلالة هذه الآية ms6539 على وجود مصطفى كونه ولدا ، وفي هذه الآية وجه آخر ~~، وهو أن المراد تبكيت من عبد غير الله تعالى من الملائكة ، كأنه سبحانه ~~أبطل في الآية الأولى قول عبدة الأوثان . وفي هذه الآية أبطل قول عبدة ~~الملائكة ، فبين أن علو درجة PageV23P061 الملائكة ليس لكونهم آلهة ، بل ~~لأن الله تعالى اصطفاهم لمكان عبادتهم ، فكأنه تعالى بين أنهم ما قدروا ~~الله حق قدره أن جعلوا الملائكة معبودين مع الله ، ثم بين سبحانه بقوله : { ~~إن الله سميع بصير } أنه يسمع ما يقولون ويرى ما يفعلون ، ولذلك أتبعه ~~بقوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } فقال بعضهم ما تقدم في الدنيا ~~وما تأخر ، وقال بعضهم : { ما بين أيديهم } أمر الآخرة ، { وما خلفهم } أمر ~~الدنيا ، ثم أتبعه بقوله : { وإلى الله ترجع الامور } فقوله : { يعلم ما ~~بين أيديهم } إشارة إلى العلم التام وقوله : { وإلى الله ترجع الامور } ~~إشارة إلى القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكم ، ومجموعهما يتضمن نهاية ~~الزجر عن الإقدام على المعصية . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير ~~لعلكم تفلحون * وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى ~~الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هاذا ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على الناس فأقيموا الصلواة وءاتوا ~~الزكواة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } . > 7 ! # < < # | الحج : ( 77 - 78 ) يا أيها الذين . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما تكلم في الإلهيات ثم في النبوات أتبعه بالكلام ~~في الشرائع وهو من أربع أوجه أولها : تعيين المأمور وثانيها : أقسام ~~المأمور به وثالثها : ذكر ما يوجب قبول تلك الأوامر ورابعها : تأكيد ذلك ~~التكليف . # أما النوع الأول : وهو تعيين المأمور فهو قوله تعالى : { ذلك بأن الذين ~~كفروا } وفيه قولان : أحدهما : المراد منه كل المكلفين سواء كان مؤمنا أو ~~كافرا ، لأن التكليف بهذه الأشياء عام في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص ~~المؤمنين بذلك والثاني : أن المراد بذلك المؤمنون فقط أما أولا : فلأن ~~اللفظ صريح فيه ، وأما ثانيا : فلأن قوله بعد ms6540 ذلك { هو اجتباكم } وقوله : { ~~هو سماكم المسلمين } وقوله : { وتكونوا شهداء على الناس } كل ذلك لا يليق ~~إلا بالمؤمنين . أقصى ما في الباب أن يقال لما كان ذلك واجبا على الكل فأي ~~فائدة في تخصيص المؤمنين ؟ لكنا نقول تخصيصهم بالذكر لا يدل على نفي ذلك ~~عما عداهم بل قد دلت هذه الآية على كونهم على التخصيص مأمورين بهذه الأشياء ~~ودلت سائر الآيات على كون الكل مأمورين بها . ويمكن أن يقال فائدة التخصيص ~~أنه لما جاء الخطاب العام مرة بعد أخرى ثم إنه ما قبله إلا المؤمنون خصهم ~~الله تعالى بهذا الخطاب ليكون ذلك كالتحريض لهم على المواظبة على قبوله ~~وكالتشريق لهم في ذلك الإقرار والتخصيص . PageV23P062 # أما النوع الثاني : وهو المأمور به فقد ذكر الله أمورا أربعة : الأول : ~~الصلاة وهو المراد من قوله : { اركعوا واسجدوا } وذلك لأن أشرف أركان ~~الصلاة هو الركوع والسجود والصلاة هي المختصة بهذين الركنين فكان ذكرهما ~~جاريا مجرى ذكر الصلاة وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس في أول ~~إسلامهم كانوا يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية الثاني : قوله : { ~~واعبدوا ربكم } وذكروا فيه وجوها : أحدها : اعبدوه ولا تعبدوا غيره وثانيها ~~: واعبدوا ربكم في سائر المأمورات والمنهيات وثالثها : افعلوا الركوع ~~والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة لأنه لا يكفي أن يفعل فإنه ما لم ~~يقصد به عبادة الله تعالى لا ينفع في باب الثواب فلذلك عطف هذه الجملة على ~~الركوع والسجود الثالث : قوله تعالى : { وافعلوا الخير } قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما يزيد به صلة الرحم ومكارم الأخلاق والوجه عندي في هذا الترتيب ~~أن الصلاة نوع من أنواع العبادة والعبادة نوع من أنواع فعل الخير ، لأن فعل ~~الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله وإلى ~~الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف ~~والصدقة على الفقراء وحسن القول للناس فكأنه سبحانه قال كلفتكم بالصلاة بل ~~كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل كلفتكم بما هو أعم ms6541 من العبادة وهو ~~فعل الخيرات . # أما قوله تعالى : { لعلكم تفلحون } فقيل معناه لتفلحوا ، والفلاح الظفر ~~بنعيم الآخرة / وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري لعل كلمة للترجية فإن ~~الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من تقصير / وليس هو على يقين من أن الذي ~~أتي به هل هو مقبول عند الله تعالى والعواقب أيضا مستورة ( وكل ميسر لما ~~خلق له ) الرابع : قوله تعالى : { وجاهدوا فى الله حق جهاده } قال صاحب ( ~~الكشاف ) { فى الله } أي في ذات الله ، ومن أجله . يقال هو حق عالم وجد ~~عالم أي عالم حقا وجدا ومنه { حق جهاده } وههنا سؤالات : # السؤال الأول : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق ~~جهادكم فيه كما قال : { وجاهدوا فى الله حق جهاده } ؟ والجواب : الإضافة ~~تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول ~~لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه . # السؤال الثاني : ما هذا الجهاد ؟ الجواب : فيه وجوه : أحدها : أن المراد ~~قتال الكفار خاصة ، ومعنى { حق جهاده } أن لا يفعل إلا عبادة لا رغبة في ~~الدنيا من حيث الإسم أو الغنيمة والثاني : أن يجاهدوا آخرا كما جاهدوا أولا ~~فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر ، روي عن ~~عمر رضي الله عنه أنه قال لعبد الرحمن بن عوف : أما علمت أنا كنا نقرأ { ~~وجاهدوا فى الله حق جهاده } في آخر الزمان كما جاهدتموه في أوله ، فقال عبد ~~الرحمن ومتى ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو ~~المغيرة الوزراء ، واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن وإلا لنقل ~~كنقل نظائره ، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية ، وروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ : وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم ~~أول مرة . فقال عمر من الذي أمرنا بجهاده ؟ فقال قبيلتان من قريش مخزوم ~~وعبد شمس ، فقال صدقت والثالث : قال ابن عباس : حق جهاده ، لا تخافوا في ~~الله لومة لائم والرابع ms6542 : قال الضحاك : واعملوا لله حق عمله والخامس : ~~استفرغوا وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حقوقه بالحرب باليد واللسان وجميع ~~ما يمكن وردوا أنفسكم عن الهوى والميل والوجه السادس : قال عبدالله بن ~~المبارك : حق جهاده ، PageV23P063 مجاهدة النفس والهوى . ولما رجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك قال : ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى ~~الجهاد الأكبر ) والأولى أن يحمل ذلك على كل التكاليف ، فكل ما أمر به ونهى ~~عنه فالمحافظة عليه جهاد . # السؤال الثالث : هل يصح ما نقل عن مقاتل والكلبي أن هذه الآية منسوخة ~~بقوله : { فاتقوا الله ما استطعتم } ( التغابن : 16 ) كما أن قوله : { ~~اتقوا الله حق تقاته } ( آل عمران : 102 ) منسوخ بذلك ؟ الجواب : هذا بعيد ~~لأن التكليف مشروط بالقدرة لقوله تعالى : { لا يكلف * لله * نفسا إلا وسعها ~~} فكيف يقول الله وجاهدوا في الله على وجه لا تقدرون عليه ، وكيف وقد كان ~~الجهاد في الأول مضيقا حتى لا يصح أن يفر الواحد من عشرة ، ثم خففه الله ~~بقوله : { الئان خفف الله عنكم } أفيجوز مع ذلك أن يوجبه على وجه لا يطاق ~~حتى يقال إنه منسوخ . # / النوع الثالث : بيان ما يوجب قبول هذه الأوامر وهو ثلاثة : الأول : ~~قوله : { هو اجتباكم } ومعناه أن التكليف تشريف من الله تعالى للعبد ، فلما ~~خصكم بهذا التشريف فقد خصكم بأعظم التشريفات واختاركم لخدمته والاشتغال ~~بطاعته ، فأي رتبة أعلى من هذا ، وأي سعادة فوق هذا ، ويحتمل في اجتباكم ~~خصكم بالهداية والمعونة والتيسير . # أما قوله تعالى : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } فهو كالجواب عن سؤال ~~يذكر وهو أن التكليف وإن كان تشريفا واجبا كما ذكرتم لكنه شاق شديد على ~~النفس ؟ فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } ~~روي أن أبا هريرة رضي الله عنه قال كيف قال الله تعالى : { وما جعل عليكم ~~فى الدين من حرج } مع أنه منعنا عن الزنا والسرقة ؟ فقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : بلى ولكن الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم ، وههنا سؤالات ms6543 ~~: # السؤال الأول : ما الحرج في أصل اللغة ؟ الجواب : روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال لبعض هذيل ما تعدون الحرج فيكم ؟ قال الضيق ، وعن عائشة ~~رضي الله عنها : ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال الضيق ) ~~. # السؤال الثاني : ما المراد من الحرج في الآية ؟ الجواب : قيل هو الإتيان ~~بالرخص ، فمن لم يستطع أن يصلي قائما فليصل جالسا ومن لم يستطع ذلك فليؤم ، ~~وأباح للصائح الفطر في السفر والقصر فيه . وأيضا فإنه سبحانه لم يبتل عبده ~~بشيء من الذنوب إلا وجعل له مخرجا منها إما بالتوبة أو بالكفارة ، وعن ابن ~~عمر رضي الله عنهما ( إنه من جاءته رخصة فرغب عنها كلف يوم القيامة أن يحمل ~~ثقل تنين حتى يقضي بين الناس ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا اجتمع ~~أمران فأحبهما إلى الله تعالى أيسرهما ) وعن كعب : أعطى الله هذه الأمة ~~ثلاثا لم يعطهم إلا للأنبياء : ( جعلهم شهداء على الناس ، وما جعل عليهم في ~~الدين من حرج ، وقال أدعوني أستجب لكم ) . # السؤال الثالث : استدلت المعتزلة بهذه الآية في المنع من تكليف مالا يطاق ~~، فقالوا : لما خلق الله الكفر والمعصية في الكافر والعاصي ثم نهاه عنهما ~~كان ذلك من أعظم الحرج وذلك منفي بصريح هذا النص والجواب : لما أمره بترك ~~الكفر وترك الكفر يقتضي انقلاب علمه جهلا فقد أمر الله المكلف بقلب علم ~~الله جهلا وذلك من أعظم الحرج ، ولما استوى القدمان زال السؤال . ~~PageV23P064 # الموجب الثاني : لقبول التكليف قوله : { ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم ~~المسلمين من قبل } وفي نصب الملة وجهان : أحدهما : وهو قول الفراء أنها ~~منصوبة بمضمون ما تقدمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم ، ثم ~~حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والثاني : أن يكون منصوبا على المدح ~~والتعظيم أي أعني بالدين ملة أبيكم إبراهيم ، واعلم أن المقصود من ذكره ~~التنبيه على أن هذه التكاليف والشرائع هي شريعة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام . والعرب كانوا محبين لإبراهيم عليه السلام لأنهم من أولاده ، فكان ~~التنبيه على ms6544 ذلك كالسبب لصيروتهم منقادين لقبول هذا الدين وههنا سؤالات : # / السؤال الأول : لم قال : { ملة أبيكم إبراهيم } ولم يدخل في الخطاب ~~المؤمنون الذين كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن من ولده ؟ ~~والجواب : من وجهين : أحدهما : لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع ~~العرب جاز ذلك وثانيهما : وهو قول الحسن أن الله تعالى جعل حرمة إبراهيم ~~عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على ولده ، ومنه قوله تعالى { النبى ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم } ( الأحزاب : 6 ) فجعل حرمته كحرمة الوالد على ~~الولد ، وحرمة نسائه كحرمة الوالدة على ما قال تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } ~~( الأحزاب : 6 ) . # السؤال الثاني : هذا يقتضي أن تكون ملة محمد كملة إبراهيم عليهما السلام ~~سواء ، فيكون الرسول ليس له شرع مخصوص ويؤكده قوله تعالى : { أن اتبع ملة ~~إبراهيم } ، الجواب : هذا الكلام إنما وقع مع عبدة الأوثان ، فكأنه تعالى ~~قال : عبادة الله وترك الأوثان هي ملة إبراهيم فأما تفاصيل الشرائع فلا ~~تعلق لها بهذا الموضع . # السؤال الثالث : ما معنى قوله تعالى : { هو سماكم المسلمين من قبل } ؟ ~~الجواب : فيه قولان : أحدهما : أن الكناية راجعة إلى إبراهيم عليه السلام ، ~~فإن لكل نبي دعوة مستجابة وهو قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : { ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } ( البقرة : 128 ) فاستجاب ~~الله تعالى له فجعلها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وروي أنه عليه الصلاة ~~والسلام أخبر بأن الله تعالى سيبعث محمدا بمثل ملته وأنه ستسمى أمته ~~بالمسلمين والثاني : أن الكناية راجعة إلى الله تعالى في قوله : { هو ~~اجتباكم } فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله سماكم ~~المسلمين من قبل ) أي في كل الكتب ، وفي هذا أي في القرآن . وهذا الوجه ~~أقرب لأنه تعالى قال : { ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ~~} فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض وهذا لا يليق إلا بالله ، ويدل عليه أيضا ~~قراءة أبي بن كعب { الله * سماكم } والمعنى أنه سبحانه في سائر الكتب ~~المتقدمة على القرآن ، وفي القرآن ms6545 أيضا بين فضلكم على الأمم وسماكم بهذا ~~الاسم الأكرم ، لأجل الشهادة المذكورة . فلما خصكم الله بهذه الكرامة ~~فاعبدوه ولا تردوا تكاليفه . وهذا هو العلة الثالثة : الموجبة لقبول ~~التكليف ، وأما الكلام في أنه كيف يكون الرسول شهيدا علينا ، وكيف تكون ~~أمته شهداء على الناس ؟ فقد تقدم في سورة البقرة ، وبينا أنه أخذ منه ما ~~يدل على أن الإجماع حجة . # النوع الرابع : شرح ما يجري مجرى المؤكد لما مضى ، وهو قوله : { فأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة } PageV23P065 ويجب صرفها إلى المفروضات لأنها هي ~~المعهودة واعتصموا بالله أي بدلائله العقلية والسمعية وألطافه وعصمته ، قال ~~ابن عباس : ( سلوا الله العصمة عن كل المحرمات ) وقال القفال : اجعلوا الله ~~عصمة لكم مما تحذرون هو مولاكم وسيدكم المتصرف فيكم فنم المولى ونعم البصير ~~، فكأنه سبحانه قال أنا مولاك بل أنا ناصرك وحسبك ، واعلم أن المعتزلة ~~احتجوا بهذه الآيات / من وجوه : أحدها : أن قوله : { لتكونوا شهداء على ~~الناس } يدل على أنه سبحانه أراد الإيمان من الكل ، لأنه تعالى لا يجعل ~~الشهيد على عباده إلا من كان عدلا مرضيا ، فإذا أراد أن تكونوا شهداء على ~~الناس فقد أراد تكونوا جميعا صالحين عدولا ، وقد علمنا أن منهم فاسقا ، فدل ~~ذلك على أن الله تعالى أراد من الفسق كونه عدلا وثانيها : قوله : { ~~واعتصموا بالله } وكيف يمكن الاعتصام به مع أن الشر لا يوجد إلا منه ؟ ~~وثالثها : قوله : { فنعم المولى } لأنه لو كان كما يقوله أهل السنة من أنه ~~خلق أكثر عباده ليخلق فيهم الكفر والفساد ثم يعذبهم لما كان نعم المولى ، ~~بل كان لا يوجد من شرار الموالي أحد إلا وهو شر منه . فكان يجب أن يوصف ~~بأنه بئس المولى وذلك باطل فدل على أنه سبحانه ما أراد من جميعهم إلا ~~الصلاح . فإن قيل لم لا يجوز أن يكون نعم المولى للمؤمنين خاصة كما أنه نعم ~~النصير لهم خاصة ؟ قلنا إنه تعالى مولى المؤمنين والكافرين جميعا فيجب أن ~~يقال إنه نعم المولى للمؤمنين وبئس المولى للكافرين . فإن ارتكبوا ذلك فقد ~~ردوا القرآن والإجماع ms6546 وصرحوا بشتم الله تعالى ، ورابعها : أن قوله : { ~~سماكم المسلمين من قبل } يدل على إثبات الأسماء الشرعية وأنها من قبل الله ~~تعالى لأنها لو كانت لغة لما أضيفت إلى الله تعالى على وجه الخصوص . ~~والجواب : عن الأول وهو قوله كونه تعالى مريدا لكونه شاهدا يستلزم كونه ~~مريدا لكونه عدلا ، فنقول : إن كانت إرادة الشيء مستلزمة لإرادة لوازمه ~~فإرادة الإيمان من الكافر توجب أن تكون مستلزمة لإرادة جهل الله تعالى ~~فيلزم كونه تعالى مريدا لجهل نفسه . وإن لم يكن ذلك واجبا سقط الكلام . # وأما قوله : { واعتصموا بالله } فيقال هذا أيضا وارد عليكم فإنه سبحانه ~~خلق الشهوة في قلب الفاسق وأكدها وخلق المشتهي وقربه منه ورفع المانع ثم ~~سلط عليه الشياطين من الإنس والجن وعلم أنه لا محالة يقع في الفجور والضلال ~~، وفي الشاهد كل من فعل ذلك فإنه يكون بئس المولى ، فإن صح قياس الغائب على ~~الشاهد فهذا لازم عليكم وإن بطل سقط كلامكم بالكلية . # # PageV23P066 < # > 1 ( سورة المؤمنون ) 1 < # > # مائة وثمان عشرة آية مكية # ! 7 < { قد أفلح المؤمنون * الذين هم فى صلاتهم خاشعون * والذين هم عن ~~اللغو معرضون * والذين هم للزكواة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى ورآء ذالك ~~فأولائك هم العادون * والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون * أولائك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون } . > 7 ! # / < < # | المؤمنون : ( 1 - 11 ) قد أفلح المؤمنون # > > إعلم أنه سبحانه حكم بحصول الفلاح لمن كان مستجمعا لصفات سبع ، وقبل ~~الخوض في شرح تلك الصفات لا بد من بحثين : # البحث الأول : أن { قد } نقيضة لما فقد تثبت المتوقع ولما تنفيه ولا شك ~~أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة ، وهي الإخبار بثبات الفلاح ~~لهم فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه . # / البحث الثاني : الفلاح الظفر بالراد وقيل البقاء في الخير ، وأفلح دخل ~~في الفلاح كأبشر دخل في البشارة ، ويقال أفلحه صيره إلى الفلاح ، وعليه ~~قراءة طلحة بن مصرف أفلح على البناء ms6547 للمفعول ، وعنه أفلحوا على لغة أكلوني ~~البراغيث أو على الإبهام والتفسير . PageV23P067 # الصفة الأولى : قوله : { المؤمنون } وقد تقدم القول في الإيمان في سورة ~~البقرة . # الصفة الثانية : قوله : { الذين هم فى صلاتهم خاشعون } واختلفوا في ~~الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة ، ومنهم من جعله من ~~أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات ، ومنهم من جمع بين الأمرين وهو ~~الأولى . فالخاشع في صلاته لا بد وأن يحصل له مما يتعلق بالقلب من الأفعال ~~نهاية الخضوع والتذلل للمعبود ، ومن التروك أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى ~~شيء سوى التعظيم ، ومما يتعلق بالجوارح أن يكون ساكنا مطرقا ناظرا إلى موضع ~~سجوده ، ومن التروك أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا ، ولكن الخشوع الذي يرى ~~على الإنسان ليس إلا ما يتعلق بالجوارح فإن ما يتعلق بالقلب لا يرى ، قال : ~~الحسن وابن سيرين كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا ~~يجاوز بصره مصلاه ، فإن قيل فهل تقولون إن ذلك واجب في الصلاة ؟ قلنا إنه ~~عندنا واجب ويدل عليه أمور : أحدها : قوله تعالى : { أفلا يتدبرون القرءان ~~أم على قلوب أقفالها } ( محمد : 24 ) والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على ~~المعنى ، وكذا قوله تعالى : { ورتل القرءان ترتيلا } ( المزمل : 4 ) معناه ~~قف على عجائبه ومعانيه وثانيها : قوله تعالى : { إننى أنا الله } ( طه : 14 ~~) وظاهر الأمر للوجوب والغفلة تضاد الذكر فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون ~~مقيما للصلاة لذكره وثالثها : قوله تعالى : { ولا تكن من الغافلين } ( ~~الأعراف : 205 ) وظاهر النهي للتحريم ورابعها : قوله : { حتى تعلموا ما ~~تقولون } النساء : 43 ) تعليل لنهي السكران وهو مطرد في الغافل المستغرق ~~المهتم بالدنيا وخامسها : قوله عليه السلام : ( إنما الخشوع لمن تمسكن ~~وتواضع ) وكلمة إنما للحصر ، وقوله عليه السلام : ( من لم تنهه صلاته عن ~~الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا ) وصلاة الغافل لا تمنع من ~~الفحشاء ، وقال عليه السلام : ( كم من قائم حظه من قيامه التعب والنصب ms6548 ) ~~وما أراد به إلا الغافل ، وقال أيضا : ( ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل ) ~~وسادسها : قال الغزالي رحمه الله : المصلي يناجي ربه كما ورد به الخبر ~~والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة ألبتة ، وبيانه أن الإنسان إذا أدى الزكاة ~~حال الغفلة فقد حصل المقصود منها على بعض الوجوه ، وهو كسر الحرص وإغناء ~~الفقير ، وكذا الصوم قاهر للقوى كاسر لسطوة الهوى التي هي عدوة الله تعالى ~~. فلا يبعد أن يحصل منه مقصوده مع الغفلة ، وكذا الحج أفعال شاقة ، وفيه من ~~المجاهدة ما يحصل به الابتلاء سواء كان القلب حاضرا أو لم يكن . أما الصلاة ~~فليس فيها إلا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود ، أما الذكر فإنه مناجاة ~~مع الله تعالى . فإما أن يكون المقصود منه كونه مناجاة ، أو المقصود مجرد ~~الحروف والأصوات ، / ولا شك في فساد هذا القسم فإن تحريك اللسان بالهذيان ~~ليس فيه غرض صحيح . فثبت أن المقصود منه المناجاة وذلك لا يتحقق إلا إذا ~~كان اللسان معبرا عما في القلب من التضرعات فأي سؤال في قوله { اهدنا ~~الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) وكان القلب غافلا عنه ؟ بل أقول لو حلف ~~إنسان ، وقال : والله لأشكرن فلانا وأثنى عليه وأسأله حاجة . ثم جرت ~~الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في اليوم لم يبر في يمينه ولو ~~PageV23P068 جرى على لسانه في ظلمة الليل وذلك الإنسان حاضر وهو لا يعرف ~~حضوره ولا يراه لا يصير بارا في يمينه ، ولا يكون كلامه خطابا معه ما لم ~~يكن حاضرا بقلبه ، ولو جرت هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر في بياض النهار ~~إلا أن المتكلم غافل لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار ولم يكن له قصد ~~توجيه الخطاب عليه عند نطقه لم يصر بارا في يمينه ، ولا شك أن المقصود من ~~القراءة الأذكار والحمد والثناء والتضرع والدعاء والمخاطب هو الله تعالى ، ~~فإذا كان القلب محجوبا بحجاب الغفلة وكان غافلا عن جلال الله وكبريائه ، ثم ~~إن لسانه يتحرك بحكم العادة فما أبعد ذلك عن القبول . وأما الركوع والسجود ms6549 ~~فالمقصود منهما التعظيم ، ولو جاز أن يكون تعظيما لله تعالى مع أنه غافل ~~عنه ، لجاز أن يكون تعظيما للصنم الموضوع بين يديه وهو غافل عنه ، ولأنه ~~إذا لم يحصل التعظيم لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس ، وليس فيها من ~~المشقة ما يصير لأجله عمادا للدين ، وفاصلا بين الكفر والإيمان ، ويقدم على ~~الحج والزكاة والجهاد وسائر الطاعات الشاقة ، ويجب القتل بسببه على الخصوص ~~، وبالجملة فكل عاقل يقطع بأن مشاهدة الخواص العظيمة ليس أعمالها الظاهرة ~~إلا أن ينضاف إليها مقصود هذه المناجاة ، فدلت هذه الاعتبارات على أن ~~الصلاة لا بد فيها من الحضور وسابعها : أن الفقهاء اختلفوا فيما ينويه ~~بالسلام عند الجماعة والانفراد ، هل ينوي الحضور أو الغيبة والحضور معا . ~~فإذا احتيج إلى التدبر في معنى السلام الذي هو آخر الصلاة فلأن يحتاج إلى ~~التدبر في معنى التكبير والتسبيح التي هي الأشياء المقصودة من الصلاة ~~بالطريق الأولى ، واحتج المخالف بأن اشتراط الخضوع والخشوع على خلاف اجتماع ~~الفقهاء فلا يلتفت إليه والجواب : من وجوه : أحدها : أن الحضور عندنا ليس ~~شرطا للأجزاء ، بل شرط للقبول ، والمراد من الإجزاء أن لا يجب القضاء ، ~~والمراد من القبول حكم الثواب . والفقهاء إنما يبحثون عن حكم الإجزاء لا عن ~~حكم الثواب ، وغرضنا في هذا المقام هذا ، ومثاله في الشاهد من استعار منك ~~ثوبا ثم رده على الوجه الأحسن ، فقد خرج عن العهدة واستحق المدح ، ومن رماه ~~إليك على وجه الاستخفاف خرج عن العهدة ، ولكنه استحق الذم ، كذا من عظم ~~الله تعالى حال أدائه العبادة صار مقيما للفرض مستحقا للثواب ، ومن استهان ~~بها صار مقيما للفرض ظاهرا لكنه استحق الذم وثانيها : أنا نمنع هذا الإجماع ~~، أما المتكلمون فقد اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع ، واحتجوا ~~عليه بأن السجود لله تعالى طاعة وللصنم كفر / وكل واحد منهما يماثل الآخر ~~في ذاته ولوازمه ، فلا بد من أمر لأجله صار السجود في إحدى الصورتين طاعة ، ~~/ وفي الأخرى معصية ، قالوا وما ذاك إلا القصد والإرادة ، والمراد من القصد ~~إيقاع تلك ms6550 الأفعال لداعية الامتثال ، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند ~~الحضور ، فلهذا اتفقوا على أنه لا بد من الحضور ، أما الفقهاء فقد ذكر ~~الفقيه أبو الليث رحمه الله في تنبيه الغافلين : أن تمام القراءة أن يقرأ ~~بغير لحن وأن يقرأ بالتفكر . وأما الغزالي رحمه الله فإنه نقل عن أبي طالب ~~المكي عن بشر الحافي أنه قال : من لم يخشع فسدت صلاته . وعن الحسن رحمه ~~الله : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع . وعن معاذ بن جبل ~~: من عرف من على يمينه وشماله متعمدا وهو في الصلاة فلا صلاة له . وروي ~~أيضا مسندا قال عليه السلام : ( إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ~~ولا عشرها ، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها ) . وقال عبد الواحد بن ~~زيد : أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل ، وادعى فيه ~~الإجماع إذا ثبت هذا فنقول هب أن الفقهاء بأسرهم حكموا بالجواز ، أليس ~~الأصوليون وأهل الورع ضيقوا الأمر فيها ، فهلا أخذت بالاحتياط فإن بعض ~~العلماء اختار PageV23P069 الإمامة ، فقيل له في ذلك فقال : أخاف إن تركت ~~الفاتحة أن يعاتبني الشافعي ، وإن قرأتها مع الإمام أن يعاتبني أبو حنيفة ، ~~فاخترت الإمامة طلبا للخلاص عن هذا الاختلاف والله أعلم . # الصفة الثالثة : قوله تعالى : { والذين هم عن اللغو معرضون } وفي اللغو ~~أقوال : أحدها : أنه يدخل فيه كل ما كان حراما أو مكروها أو كان مباحا ، ~~ولكن لا يكون بالمرء إليه ضرورة وحاجة وثانيها : أنه عبارة عن كل ما كان ~~حراما فقط ، وهذا التفسير أخص من الأول وثالثها : أنه عبارة عن المعصية في ~~القول والكلام خاصة ، وهذا أخص من الثاني ورابعها : أنه المباح الذي لا ~~حاجة إليه ، واحتج هذا القائل بقوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو فى ~~أيمانكم } ( المائدة : 89 ) فكيف يحمل ذلك على المعاصي التي لا بد فيها من ~~المؤاخذة ، واحتج الأولون بأن اللغو إنما سمي لغوا بما أنه يلغي وكل ما ~~يقتضي الدين إلغاءه كان أولى باسم اللغو ، فوجب أن ms6551 يكون كل حرام لغوا ، ثم ~~اللغو قد يكون كفرا لقوله : { لا تسمعوا لهاذا القرءان والغوا فيه } ( فصلت ~~: 26 ) وقد يكون كذبا لقوله : { لا تسمع فيها لاغية } ( الغاشية : 11 ) ~~وقوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } ( الواقعة : 25 ) ثم إنه ~~سبحانه وتعالى مدحهم بأنهم يعرضون عن هذا اللغو والإعراض عنه ، هو بأن لا ~~يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه ، وعلى هذا الوجه قال تعالى : { وإذا ~~مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ~~وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ، ليجمع لهم الفعل ~~والترك الشاقين على الأنفس الذين هما قاعدتا بناء التكليف وهو أعلم . # الصفة الرابعة : قوله تعالى : { والذين هم للزكواة فاعلون } وفي الزكاة ~~قولان : أحدهما : قول أبي مسلم : أن فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي ~~، كقوله : { قد أفلح من تزكى } ( الأعلى : 14 ) وقوله : { فلا تزكوا أنفسكم ~~} ( النجم : 32 ) ومن جملته ما يخرج من حق المال ، وإنما سمى بذلك لأنها ~~تطهر من الذنوب لقوله / تعالى : { تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) . ~~والثاني : وهو قول الأكثرين أنه الحق الواجب في الأموال خاصة وهذا هو ~~الأقرب . لأن هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى ، فإن قيل إنه لا ~~يقال في الكلام الفصيح إنه فعل الزكاة / قلنا قال صاحب ( الكشاف ) : الزكاة ~~اسم مشترك بين عين ومعنى ، فالعين القدر الذي يخرجه المزكى من النصاب إلى ~~الفقير ، والمعنى فعل المزكى الذي هو التزكية وهو الذي أراده الله تعالى ~~فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره ، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن ~~معناه بالفعل . ويقال لمحدثه فاعل ، يقال للضارب فاعل الضرب ، وللقاتل فاعل ~~القتل ، وللمزكى فاعل الزكاة ، وعلى هذا الكلام كله يجوز أن يراد بالزكاة ~~العين ، ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء فإن قيل إن الله تعالى هناك لم يفصل ~~بين الصلاة والزكاة ، فلم فصل ههنا بينهما بقوله : { والذين هم عن اللغو ~~معرضون } ؟ قلنا لأن الإعراض عن اللغو من متممات الصلاة . # الصفة الخامسة : قوله تعالى : { والذين هم ms6552 لفروجهم حافظون * إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } وفيه سؤالات : # السؤال الأول : لم لم يقل إلا عن أزواجهم الجواب : قال الفراء معناه إلا ~~من أزواجهم وذكر صاحب ( الكشاف ) فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه في موضع ~~الحال أي إلا والين على أزواجهم أو قوامين عليهن من قولك كان فلان على ~~فلانة ، ونظيره كان زياد على البصرة أي واليا عليها ، ومنه قولهم فلانة تحت ~~فلان ومن ثم PageV23P070 سميت المرأة فراشا . والمعنى أنهم لفروجهم حافظون ~~في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم وثانيها : أنه متعلق بمحذوف ~~يدل عليه غير ملومين كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل ~~مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه وهو قول الزجاج وثالثها ~~: أن تجعله صلة لحافظين . # السؤال الثاني : هلا قيل من ملكت الجواب : لأنه اجتمع في السرية وصفان : ~~أحدهما : الأنوثة وهي مظنة نقصان العقل والآخر كونها بحيث تباع وتشتري ~~كسائر السلع ، فلاجتماع هذين الوصفين فيها جعلت كأنها ليست من العقلاء . # السؤال الثالث : هذه الآية تدل على تحريم المتعة على ما يروى عن القاسم ~~بن محمد الجواب : نعم وتقريره أنها ليست زوجة له فوجب أن لا تحل له ، وإنما ~~قلنا إنها ليست زوجة له لأنهما لا يتوارثان بالإجماع ولو كانت زوجة له لحصل ~~التوارث لقوله تعالى : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } ( النساء : 12 ) وإذا ~~ثبت أنها ليست بزوجة له وجب أن لا تحل له لقوله تعالى : { إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم } وهو أعلم . # السؤال الرابع : أليس لا يحل له في الزوجة وملك اليمين الاستمتاع في ~~أحوال كحال الحيض وحال العدة وفي الأمة حال تزويجها من الغير وحال عدتها ، ~~وكذا الغلام داخل في ظاهر قوله وتعالى : { أو ما ملكت أيمانهم } والجواب : ~~من وجهين : أحدهما : أن مذهب أبي حنيفة / رحمه الله أن الاستثناء من النفي ~~لا يكون إثباتا واحتج عليه بقوله عليه السلام : ( لا صلاة إلا بطهور ولا ~~نكاح إلا بولي ) فإن ذلك لا يقتضي حصول ms6553 الصلاة بمجرد حصول الطهور وحصول ~~النكاح بمجرد حصول الولي . وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به ~~فقوله : { والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم } معناه أنه يجب حفظ ~~الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا ~~بالإثبات الثاني : أنا إن سلمنا أن الاستثناء من النفي إثبات ، فغايته أنه ~~عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى فيما وراءه حجة . # أما قوله تعالى : { فأولئك هم العادون } يعني الكاملون في العدوان ~~المتناهون فيه . # الصفة السادسة : قوله تعالى : { والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } قرأ ~~نافع وابن كثير { * لأمانتهم } واعلم أنه يسمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد ~~عليه أمانة وعهدا / ومنه قوله تعالى : { ظليلا إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الاحمانات إلى أهلها } وقال : { وتخونوا أماناتكم } ( الأنفال : 27 ) وإنما ~~تؤدي العيون دون المعاني فكان المؤتمن عليه الأمانة في نفسه والعهد ، ما ~~عقده على نفسه فيما يقربه إلى ربه ويقع أيضا على ما أمر الله تعالى به ~~كقوله : { الذين قالوا إن الله عهد إلينا } ( آل عمران : 183 ) والراعي ~~القائم على الشيء لحفظ وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية ، ويقال من راعى ~~هذا الشيء ؟ أي موليه . واعلم أن الأمانة تتناول كل ما تركه يكون داخلا في ~~الخيانة وقد قال تعالى : { تشكرون يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله ~~والرسول وتخونوا أماناتكم } ( الأنفال : 270 ) فمن ذلك العبادات التي المرء ~~مؤتمن عليها وكل العبادات تدخل في ذلك ، لأنها إما أن تخفي أصلا كالصوم ~~وغسل الجنابة وإسباغ الوضوء أو تخفي كيفية إتيانه بها وقال عليه السلام : ( ~~أعظم الناس خيانة من لم يتم صلاته ) وعن ابن مسعود رضي الله عنه : ( أول ما ~~تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة ) ومن جملة ذلك ما يلتزمه ~~بفعل أو قول فيلزمه الوفاء به كالودائع والعقود وما يتصل بهما . ومن ذلك ~~PageV23P071 الأقوال التي يحرم بها العبيد والنساء لأنه مؤتمن في ذلك ، ومن ~~ذلك أن يراعى أمانته فلا يفسدها بغصب أو غيره ، وأما العهد فإنه دخل فيه ~~العقود والإيمان والنذور ، فبين سبحانه أن مراعاة ms6554 هذه الأمور والقيام بها ~~معتبر في حصول الفلاح . # الصفة السابعة : قوله : { والذين هم على صلواتهم يحافظون } وإنما أعاد ~~تعالى ذكرها لأن الخشوع والمحافظة متغايران غير متلازمين ، فإن الخشوع صفة ~~للمصلي في حال الأداء لصلاته والمحافظة إنما تصح حال ما لم يؤدها بكمالها . ~~بل المراد بالمحافظة التعهد لشروطها من وقت وطهارة وغيرهما والقيام على ~~أركانها وإتمامها حتى يكون ذلك دأبه في كل وقت ، ثم لما ذكر الله تعالى ~~مجموع هذه الأمور قال : { أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون } وههنا سؤالات : # السؤال الأول : لم سمي ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث ؟ مع أنه ~~سبحانه حكم بأن الجنة حقهم في قوله : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة } الجواب : من / وجوه : الأول : ما روي عن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وهو أبين على ما يقال فيه وهو : أنه لا مكلف إلا أعد ~~الله له في النار ما يستحقه إن عصى وفي الجنة ما يستحقه إن أطاع وجعل لذلك ~~علامة . فإذا آمن منهم البعض ولم يؤمن البعض صار منزل من لم يؤمن كالمنقول ~~إلى المؤمنين وصار مصيرهم إلى النار الذي لا بد معه من حرمان الثواب كموتهم ~~، فسمى ذلك ميراثا لهذا الوجه ، وقد قال الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه ~~الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه يورث عنه كذلك قالوا في الدية التي ~~تجب بالقتل إنها تورث مع أنه ما ملكها على التحقيق وذلك يشهد بما ذكرنا ، ~~فإن قيل إنه تعالى وصف كل الذي يستحقونه إرثا وعلى ما قلتم يدخل في الإرث ~~ما كان يستحقه غيرهم لو أطاع . قلنا لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو منزلة ~~لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك وكان يزيد في ~~المنازل فإذا آمن هذا عدل بذلك إليه وثانيها : أن انتقال الجنة إليهم بدون ~~محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث وثالثها : أن الجنة ~~كانت مسكن أبينا آدم عليه السلام فإذا انتقلت إلى أولاده ms6555 صار ذلك شبيها ~~بالميراث . # السؤال الثاني : كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبع بالفلاح مع أنه ~~تعالى ما تمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج والطهارة والجواب : أن ~~قوله : { والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } يأتي على جميع الواجبات من ~~الأفعال والتروك كما قدمنا والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات ~~الخمس لكونها من شرائطها . # السؤال الثالث : أفيدل قوله تعالى : { أولئك هم الوارثون } على أنه لا ~~يدخلها غيرهم ؟ الجواب : أن قوله : { هم الوارثون } يفيد الحصر لكنه يجب ~~ترك العمل به لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور ~~العين ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو ، لقوله تعالى : { ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء } . # السؤال الرابع : أفكل الجنة هو الفردوس ؟ الجواب : الفردوس هو الجنة ~~بلسان الحبشة وقيل بلسان الروم ، وروى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( الفردوس مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار ) ~~PageV23P072 وروى أبو أمامة عنه عليه السلام أنه قال : ( سلوا الله الفردوس ~~فإنها أعلى الجنان ، وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش ) . # السؤال الخامس : هل تدل الآية على أن هذه الصفات هي التي لها ولأجلها ~~يكونون مؤمنين أم لا ؟ الجواب : ادعى القاضي أن الأمر كذلك بناء على مذهبه ~~أن الإيمان اسم شرعي موضوع لأداء كل الواجبات ، وعندنا أن الآية لا تدل على ~~ذلك ، لأن قوله : { قد أفلح المؤمنون * الذين هم فى صلاتهم خاشعون } مثل قد ~~أفلح الناس الأذكياء العدول ، فإن هذا لا يدل على أن الزكاة والعدالة ~~داخلان في مسمى الناس فكذا ههنا . # السؤال السادس : روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لما خلق الله تعالى ~~جنة عدن قال / لها تكلمي فقالت : قد أفلح المؤمنون ) وقال كعب : ( خلق الله ~~آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده ، ثم قال لها تكلمي فقالت ~~: قد أفلح المؤمنون ) ، وروي أنه عليه السلام قال : ( إذا أحسن العبد ~~الوضوء وصلى الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها قالت حفظك ~~الله كما حافظت علي ، وشفعت لصاحبها . وإذا أضاعها قالت أضاعك الله كما ~~ضيعتني ms6556 وتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها ) الجواب : أما كلام ~~الجنة فالمراد به أنها أعدت للمؤمنين فصار ذلك كالقول منها ، وهو كقوله ~~تعالى : { قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) وأما أنه تعالى خلق الجنة ~~بيده فالمراد تولى خلقها لا أنه وكله إلى غيره ، وأما أن الصلاة تثنى على ~~من قام بحقها فهو في الجواز أبعد من كلام الجنة ، لأن الصلاة حركات وسكنات ~~ولا يصح عليها أن تتصور وتتكلم فالمراد منه ضرب المثل كما يقول القائل ~~للمنعم إن إحسانك إلي ينطق بالشكر . # السؤال السابع : هل تدل الآية على أن الفردوس مخلوقة ؟ الجواب : قال ~~القاضي دل قوله تعالى : { أكلها دائم } ( الرعد : 35 ) على أنها غير مخلوقة ~~فوجب تأويل هذه الآية ، كأنه تعالى قال إذا كان يوم القيامة يخلق الله ~~الجنة ميراثا للمؤمنين أو وإذا خلقها تقول على مثال ما تأولنا عليه قوله ~~تعالى : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } ( الأعراف : 50 ) وهذا ضعيف ~~لأنه ليس إضمار ما ذكره في هذه الآية أولى من أن يضمر في قوله : { أكلها ~~دائم } ( الرعد : 35 ) ثم إن أكلها دائم ، يوم القيامة ، وإذا تعارض هذان ~~الظاهران فنحن نتمسك في أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى : { أعدت للمتقين } ( ~~آل عمران : 133 ) . # ! 7 < { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة فى قرار ~~مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ءاخر فتبارك الله أحسن الخالقين * ثم ~~إنكم بعد ذالك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون * ولقد خلقنا فوقكم سبع ~~طرآئق وما كنا عن الخلق غافلين } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 12 - 16 ) ولقد خلقنا الإنسان . . . . . # > > PageV23P073 # اعلم أنه سبحانه لما أمر بالعبادات في الآية المتقدمة ، والاشتغال بعبادة ~~الله لا يصح إلا بعد معرفة الإله الخالق ، لا جرم عقبها بذكر ما يدل على ~~وجوده واتصافه بصفات الجلال والوحدانية فذكر من الدلائل أنواعا : # / النوع الأول : الاستدلال يتقلب الإنسان في أدوار الخلقة وأكوان الفطرة ~~وهي تسعة : # المرتبة الأولى : قوله سبحانه تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من ms6557 سلالة من ~~طين } والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر ، فعالة وهو بناء يدل على ~~القلة كالقلامة والقمامة ، واختلف أهل التفسير في الإنسان فقال ابن عباس ~~وعكرمة وقتادة ومقاتل : المراد منه آدم عليه السلام فآدم سل من الطين وخلقت ~~دريته من ماء مهين ، ثم جعلنا الكناية راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم ، ~~والإنسان شامل لآدم عليه السلام ولولده ، وقال آخرون : الإنسان ههنا ولد ~~آدم والطين ههنا اسم آدم عليه السلام ، والسلالة هي الأجزاء الطينية ~~المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت وحصلت في أوعية المنى صارت منيا ، وهذا ~~التفسير مطابق لقوله تعالى : { وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من ~~سلالة من ماء * معين } ( السجدة : 7 ، 8 ) وفيه وجه آخر ، وهو أن الإنسان ~~إنما يتولد من النطفة وهي إنما تتولد من فضل الهضم الرابع وذلك إنما يتولد ~~من الأغذية ، وهي إما حيوانية وإما نياتية ، والحيوانية تنتهي إلى النباتية ~~، والنبات إنما يتولد من صفو الأرض والماء فالإنسان بالحقيقة يكون متولدا ~~من سلالة من طين ، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت على أطوار الخلقة ~~وأدوار الفطرة صارت منيا ، وهذا التأويل مطابق للفظ ولا يحتاج فيه إلى ~~التكلفات . # المرتبة الثانية : قوله تعالى : { ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين } ومعنى ~~جعل الإنسان نطفة أنه خلق جوهر الإنسان أولا طينا ، ثم جعل جوهره بعد ذلك ~~نطفة في أصلاب الآباء فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم المرأة فصار الرحم قرارا ~~مكينا لهذه النطفة والمراد بالقرار موضع القرار وهو المستقر فسماه بالمصدر ~~ثم وصف الرحم بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها كقولك طريق سائر أو ~~لمكانتها في نفسها لأنها تمكنت من حيث هي وأحرزت . # المرتبة الثالثة : قوله تعالى : { ثم خلقنا النطفة علقة } أي حولنا ~~النطفة عن صفاتها إلى صفات العلقة وهي الدم الجامد . # المرتبة الرابعة : قوله تعالى : { فخلقنا العلقة مضغة } أي جعلنا ذلك ~~الدم الجامد مضغة أي قطعة لحم كأنها مقدار ما يمضغ كالغرفة وهي مقدار ما ~~يغترف ، وسمى التحويل خلقا لأنه سبحانه يفني بعض أعراضها ms6558 ويخلق أعراضا ~~غيرها فسمى خلق الأعراض خلقا لها وكأنه سبحانه وتعالى يخلق فيها أجزاء ~~زائدة . # المرتبة الخامسة : قوله : { فخلقنا المضغة عظاما } أي صيرناها كذلك وقرأ ~~ابن عامر عظما والمراد منه الجمع كقوله : { والملك صفا صفا } . # المرتبة السادسة : قوله تعالى : { فكسونا العظام لحما } وذلك لأن اللحم ~~يستر العظم فجعله كالكسوة لها . # المرتبة السابعة : قوله تعالى : { ثم خلقنا النطفة علقة } أي خلقا مباينا ~~للخلق الأول مباينة / ما أبعدها حيث جعله حيوانا وكان جمادا ، وناطقا وكان ~~أبكم ، وسميعا وكان أصم ، وبصيرا وكان أكمه ، وأودع باطنه وظاهره ~~PageV23P074 بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة ~~لا يحيط بها وصف الواصفين ، ولا شرح الشارحين ، وروى العوفي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال : هو تصريف الله إياه بعد الولادة في أطواره في زمن ~~الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب ، وخلق الفهم والعقل وما بعده إلى أن ~~يموت ، ودليل هذا القول إنه عقبه بقوله : { ثم إنكم بعد ذالك لميتون } وهذا ~~المعنى مروي أيضا عن ابن عباس وابن عمر ، وإنما قال : { أنشأناه } لأنه جعل ~~إنشاء الروح فيه ، وإتمام خلقه إنشاء له قالوا في الآية دلالة على بطلان ~~قول النظام في أن الإنسان هو الروح لا البدن فإنه سبحانه بين أن الإنسان هو ~~المركب من هذه الصفات ، وفيها دلالة أيضا على بطلان قول الفلاسفة الذين ~~يقولون إن الإنسان شيء لا ينقسم ، وإنه ليس بجسم . # أما قوله : { فتبارك الله } أي فتعالى الله فإن البركة يرجع معناها إلى ~~الامتداد والزيادة ، وكل ما زاد على الشيء فقد علاه ، ويجوز أن يكون المعنى ~~، والبركات والخيرات كلها من الله تعالى ، وقيل أصله من البروك وهو الثبات ~~، فكأنه قال والبقاء والدوام . والبركات كلها منه فهو المستحق للتعظيم ~~والثناء ، وقوله : { أحسن الخالقين } أي أحسن المقدرين تقديرا فترك ذكر ~~المميز لدلالة الخالقين عليه وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قالت المعتزلة لولا أن الله تعالى قد يكون خالقا لفعله ~~إذا قدره لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين ، كما لو لم يكن في عباده ms6559 من ~~يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ، والخلق في ~~اللغة هو كل فعل وجد من فاعله مقدرا لا على سهو وغفلة ، والعباد قد يفعلون ~~ذلك على هذا الوجه ، قال الكعبي هذه الآية ، وإن دلت على أن العبد خالق إلا ~~أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد كما أنه يجوز أن يقال رب ~~الدار ، ولا يجوز أن يقال رب بلا إضافة ، ولا يقول العبد لسيده هو ربي ، ~~ولا يقال إنما قال الله تعالى ذلك لأنه سبحانه وصف عيسى عليه السلام بأنه ~~يخلق من الطين كهيئة الطير لأنا نجيب عنه من وجهين : أحدهما : إن ظاهر ~~الآية يقتضي أنه سبحانه { أحسن الخالقين } الذين هم جمع فحمله على عيسى ~~خاصة لا يصح الثاني : أنه إذا صح وصف عيسى بأنه يخلق صح وصف غيره من ~~المصورين أيضا بأنه يخلق ؟ وأجاب أصحابنا بأن هذه الآية معارضة بقول الله ~~تعالى : { الله خالق كل شىء } ( الزمر : 62 ) فوجب حمل هذه الآية على أنه { ~~أحسن الخالقين } في اعتقادكم وظنكم ، كقوله تعالى : { وهو أهون عليه } ( ~~الروم : 27 ) أي هو أهون عليه في اعقتادكم وظنكم والجواب الثاني : هو أن ~~الخالق هو المقدر لأن الخلق هو التقدير والآية تدل على أنه سبحانه أحسن ~~المقدرين ، والتقدير يرجع معناه إلى الطن والحسبان ، وذلك في حق الله ~~سبحانه محال ، فتكون الآية من المتشابهات والجواب الثالث : أن الآية تقتضي ~~/ كون العبد خالقا بمعنى كونه مقدرا ، لكن لم قلت بأنه خالق بمعنى كونه ~~موجدا . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة الآية تدل على أن كل ما خلقه حسن وحكمة ~~وصواب وإلا لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين ، وإذا كان كذلك وجب أن لا ~~يكون خالقا للكفر والمعصية فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما ؟ والجواب : ~~من الناس من حمل الحسن على الإحكام والاتقان في التركيب والتأليف ، ثم لو ~~حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من الله تعالى كل الأشياء لأنه ليس ~~فوقه أمر ونهي حتى يكون ذلك مانعا له عن ms6560 فعل شيء . # المسألة الثالثة : روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عبدالله بن ~~سعد بن أبي سرح كان PageV23P075 يكتب هذه الآيات لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلما انتهى إلى قوله تعالى : { خلقا ءاخر } عجب من ذلك فقال : { ~~فتبارك الله أحسن الخالقين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اكتب ~~فهكذا نزلت ) فشك عبدالله وقال إن كان محمد صادقا فيما يقول فإنه يوحى إلي ~~كما يوحى إليه ، وإن كان كاذبا فلا خير في دينه فهرب إلى مكة فقيل إنه مات ~~على الكفر ، وقيل إنه أسلم يوم الفتح ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ~~لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا نزلت يا عمر . وكان عمر يقول : ~~وافقني ربي في أربع ، في الصلاة خلف المقام ، وفي ضرب الحجاب على النسوة ، ~~وقولي لهن : لتنتهن أو ليبدلنه الله خيرا منكن ، فنزل قوله تعالى : { عسى ~~ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن } ( التحريم : 5 ) والرابع قلت : { ~~فتبارك الله أحسن الخالقين } فقال هكذا نزلت . قال العارفون هذه الواقعة ~~كانت سبب السعادة لعمر ، وسبب الشقاوة لعبد الله كما قال تعالى : { يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا } ( البقرة : 26 ) فإن قيل فعلى كل الروايات قد تكلم ~~البشر ابتداء بمثل نظم القرآن ، وذلك يقدح في كونه معجزا كما ظنه عبدالله ~~والجواب : هذا غير مستبعد إذا كان قدره القدر الذي لا يظهر فيه الإعجاز ~~فسقطت شبهة عبدالله . # المرتبة الثامنة : قوله : { ثم إنكم بعد ذالك لميتون } قرأ ابن أبي عبلة ~~وابن محيصن { * لمائتون } والفرق بين الميت والمائت ، أن الميت كالحي صفة ~~ثابتة ، وأما المائت فيدل على الحدوث تقول زيد ميت الآن ومائت غدا ، وكقولك ~~يموت ونحوهما ضيق وضائق في قوله : { إليك وضائق به صدرك } ( هود : 12 ) . # المرتبة التاسعة : قوله : { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } فالله سبحانه ~~جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه ~~دليلين أيضا على ms6561 اقتدار عظيم بعد الإنشاء والاختراع وههنا سؤالات : # السؤال الأول : ما الحكمة في الموت ، وهلا وصل نعيم الآخرة وثوابها بنعيم ~~الدنيا فيكون ذلك في الأنعام أبلغ ؟ والجواب : هذا كالمفسدة في حق المكلفين ~~لأنه متى عجل للمرء الثواب فيما يتحمله من المشقة في الطاعات صار إتيانه ~~بالطاعات لأجل تلك المنافع لا لأجل طاعة الله ، يبين ذلك أنه لو قيل لمن ~~يصلي ويصوم إذا فعلت ذلك أدخلناك الجنة في الحال ، فإنه لا يأتي بذلك الفعل ~~/ إلا لطلب الجنة ، فلاجرم أخره الله تعالى وبعده بالإماتة ثم الإعادة ~~ليكون العبد عابدا لربه بطاعته لا لطلب الانتفاع . # السؤال الثاني : هذه الآية تدل على نفي عذاب القبر لأنه قال : { ثم إنكم ~~بعد ذالك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } ولم يذكر بين الأمرين ~~الإحياء في القبر والإماتة والجواب : من وجهين : الأول : أنه ليس في ذكر ~~الحياتين نفي الثالثة والثاني : أن الغرض من ذكر هذه الأجناس الثلاثة ~~الإنشاء والإماتة والإعادة ، والذي ترك ذكره فهو من جنس الإعادة . < < # | المؤمنون : ( 17 ) ولقد خلقنا فوقكم . . . . . # > > # النوع الثاني : من الدلائل الاستدلال بخلقة السموات وهو قوله تعالى : { ~~ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين } ( المؤمنون : 17 ) . # فقوله : { سبع طرائق } ( المؤمنون : 17 ) أي سبع سموات وإنما قيل لها ~~طرائق لتطارقها بمعنى كون بعضها فوق بعض PageV23P076 يقال طارق الرجل نعليه ~~إذا أطبق نعلا على نعل وطارق بين ثوبين إذا لبس ثوبا فوق ثوب . هذا قول ~~الخليل والزجاج والفراء قال الزجاج هو كقوله : { سبع سماوات * طباقا } ( ~~نوح : 15 ) وقال علي بن عيسى سميت بذلك لأنها طرائق للملائكة في العروج ~~والهبوط والطيران ، وقال آخرون لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها والوجه في ~~إنعامه علينا بذلك أنه تعالى جعلها موضعا لأرزاقنا بإنزال الماء منها ، ~~وجعلها مقرا للملائكة ، ولأنها موضع الثواب ، ولأنها مكان إرسال الأنبياء ~~ونزول الوحي . # أما قوله : { وما كنا عن الخلق غافلين } ( المؤمنون : 17 ) ففيه وجوه : ~~أحدها : ما كنا غافلين بل كنا للخلق حافظين من أن تسقط عليهم الطرائق السبع ~~فتهلكهم وهذا قول سفيان بن ms6562 عيينة ، وهو كقوله تعالى : { إن الله يمسك * ~~السماوات والارض * أن تزولا } ( فاطر : 41 ) وثانيها : إنما خلقناها فوقهم ~~لننزل عليهم الأرزاق والبركات منها عن الحسن وثالثها : أنا خلقنا هذه ~~الأشياء فدل خلقنا لها على كمال قدرتنا ثم بين كمال العلم بقوله : { وما ~~كنا عن الخلق غافلين } ( المؤمنون : 17 ) يعني عن أعمالهم وأقوالهم ~~وضمائرهم وذلك يفيد نهاية الزجر ورابعها : وما كنا عن خلق السموات غافلين ~~بل نحن لها حافظون لئلا تخرج عن التقدير الذي أردنا كونها عليه كقوله تعالى ~~: { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت } ( الملك : 3 ) . # واعلم أن هذه الآية دالة على كثير من المسائل : إحداها : أنها دالة على ~~وجود الصانع فإن انقلاب هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى تضاد الأولى مع ~~إمكان بقائها على تلك الصفة يدل على أنه لابد من محول ومغير . وثانيتها : ~~أنها تدل على فساد القول بالطبيعة فإن شيئا من تلك الصفات لو حصل بالطبيعة ~~لوجب بقاؤها وعدم تغيرها ولو قلت إنما تغيرت تلك الصفات لتغير تلك الطبيعة ~~افتقرت تلك الطبيعة إلى خالق وموجود وثالثتها : تدل على أن المدبر قادر ~~عالم لأن الموجب / والجاهل لا يصدر عنه هذه الأفعال العجيبة ورابعتها : تدل ~~على أنه عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات وخامستها : تدل على جواز ~~الحشر والنشر نظرا إلى صريح الآية ونظرا إلى أن الفاعل لما كان قادرا على ~~كل الممكنات وعالما بكل المعلومات وجب أن يكون قادرا على إعادة التركيب إلى ~~تلك الأجزاء كما كانت وسادستها : أن معرفة الله تعالى يجب أن تكون ~~استدلالية لا تقليدية وإلا لكان ذكر هذه الدلائل عبثا . # النوع الثالث : الاستدلال بنزول الأمطار وكيفية تأثيراتها في النبات . # ! 7 < { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه فى الا رض وإنا على ذهاب به ~~لقادرون * فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها ~~تأكلون * وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ للأكلين } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 18 - 20 ) وأنزلنا من السماء . . . . . # > > PageV23P077 # اعلم أن الماء في نفسه نعمة وأنه مع ذلك ms6563 سبب لحصول النعم فلا جرم ذكره ~~الله تعالى أولا ثم ذكر ما يحصل به من النعم ثانيا . # أما قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء بقدر } فقد اختلفوا في السماء ~~فقال الأكثرون من المفسرين إنه تعالى ينزل الماء في الحقيقة من السماء وهو ~~الظاهر من اللفظ ويؤكده قوله : { وفى السماء رزقكم وما توعدون } ( الذاريات ~~: 22 ) وقال بعضهم المراد السحاب وسماه سماء لعلوه ، والمعنى أن الله تعالى ~~أصعد الأجزاء المائية من قعر الأرض إلى البحار ومن البحار إلى السماء حتى ~~صارت عذبة صافية بسبب ذلك التصعيد ، ثم إن تلك الذرات تأتلف وتتكون ثم ~~ينزله الله تعالى على قدر الحاجة إليه ، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه ~~لتفرقها في قعر الأرض ولا بماء البحار لملوحته ولأنه لا حيلة في إجراء مياه ~~البحار على وجه الأرض لأن البحار هي الغاية في العمق ، واعلم أن هذه الوجوه ~~إنما يتمحلها من ينكر الفاعل المختار فأما من أقربه فلا حاجة به إلى شيء ~~منها . # أما قوله تعالى : { بقدر } فمعناه بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون ~~إلى المنفعة في الزرع والغرس والشرب ، أو بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ~~ومصالحهم . # / أما قوله : { فأسكناه فى الارض } قيل معناه جعلناه ثابتا في الأرض ، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما أنزل الله تعالى من الجنة خمسة أنهار سيحون ~~وجيحون ودجلة والفرات والنيل ، ثم يرفعها عند خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضا ~~القرآن . # أماقوله : { وإنا على ذهاب به لقادرون } أي كما قدرنا على إنزاله فكذلك ~~نقدر على رفعه وإزالته ، قال صاحب ( الكشاف ) وقوله : { على ذهاب به } من ~~أوقع النكرات وأخرها للفصل . والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من ~~طرقه . وفيه إيذان بكمال اقتدار المذهب وأنه لا يعسر عليه شيء وهو أبلغ في ~~الإيعاد من قوله : { قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين } ~~( الملك : 30 ) ثم إنه سبحانه لما نبه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر بعده ~~النعم الحاصلة من الماء فقال : { فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب } ~~وإنما ms6564 ذكر تعالى النخيل والأعناب لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام ~~ومقام الأدام ومقام الفواكه رطبا ويابسا وقوله : { لكم فيها فواكه كثيرة } ~~أي في الجنات ، فكما أن فيها النخيل والأعناب ففيها الفواكه الكثيرة وقوله ~~: { ومنها تأكلون } قال صاحب ( الكشاف ) يجوز أن يكون هذا من قولهم فلان ~~يأكل من حرفة يحترفها ومن صنعة يعملها يعنون أنها طعمته وجهته التي منها ~~يحصل رزقه ، كأنه قال وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها تتعيشون . # أما قوله تعالى : { وشجرة تخرج من طور سيناء } فهو عطف على جنات وقرئت ~~مرفوعة على الابتداء أي ومما أنشأنا لكم شجرة ، قال صاحب ( الكشاف ) طور ~~سيناء وطور سينين لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء ~~وسينون ، وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف إليه كامرىء القيس ~~وبعلبك فيمن أضاف ، فمن كسر سين سيناء فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو ~~التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون PageV23P078 ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء ~~/ ومن فتح لم يصرفه لأن ألفه للتأنيث كصحراء ، وقيل هو جبل فلسطين وقيل بين ~~مصر وأيلة ، ومنه نودي موسى عليه السلام وقرأ الأعمش سينا على القصر . # أما قوله تعالى : { تنبت بالدهن } فهو في موضع الحل أي تنبت وفيها الدهن ~~، كما يقال ركب الأمير بجنده ، أي ومعه الجند وقرىء تنبت وفيه وجهان : ~~أحدهما : أن أنبت بمعنى نبت قال زهير : # % ف رأيت ذوي لحاجات حول بيوتهم % % قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل % # والثاني : أن مفعوله محذوف ، أي تنبت زيتونها وفيه الزيت ، قال المفسرون ~~: وإنما أضافها الله تعالى إلى هذا الجبل لأن منها تشعبت في البلاد وانتشرت ~~ولأن معظمها هناك . أما قوله : / { وصبغ للاكلين } فعطف على الدهن ، أي ~~إدام للآكلين ، والصبغ والصباغ ما يصطبغ به ، أي يصبغ به الخبز ، وجملة ~~القول أنه سبحانه وتعالى نبه على إحسانه بهذه الشجرة ، لأنها تخرج هذه ~~الثمرة التي يكثر بها الانتفاع وهي طرية ومدخرة ، وبأن تعصر فيظهر الزيت ~~منها ويعظم وجوه الانتفاع به . # النوع الرابع : الاستدلال بأحوال الحيوانات . # ! 7 < { وإن لكم فى الا ms6565 نعام لعبرة نسقيكم مما فى بطونها ولكم فيها منافع ~~كثيرة ومنها تأكلون * وعليها وعلى الفلك تحملون } . > 7 ! # < < # | المؤمنون : ( 21 - 22 ) وإن لكم في . . . . . # > > إعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن فيها عبرة مجملا ثم أردفه بالتفصيل من ~~أربعة أوجه : أحدها : قوله : { نسقيكم مما فى بطونها } والمراد منه جميع ~~وجوه الانتفاع بألبانها ، ووجه الاعتبار فيه أنها تجتمع في الضروع وتتخلص ~~من بين الفرث والدم بإذن الله تعالى ، فتستحيل إلى طهارة وإلى لون وطعم ~~موافق للشهوة وتصير غذاء ، فمن استدل بذلك على قدرة الله وحكمته . كان ذلك ~~معدودا في النعم الدينية ومن انتفع به فهو في نعمة الدنيا ، وأيضا فهذه ~~الألبان التي تخرج من بطونها إلى ضروعها تجدها شرابا طيبا ، وإذا ذبحتها لم ~~تجد لها أثرا ، وذلك يدل على عظيم قدرة الله تعالى . قال صاحب ( الكشاف ) ~~وقرىء تسقيكم بتاء مفتوحة ، أي تسقيكم الأنعام وثانيها : قوله : { ولكم ~~فيها منافع كثيرة } وذلك بيعها والانتفاع بأثمانها وما يجري مجرى ذلك ~~وثالثها : قوله : { ومنها تأكلون } يعني كما تنتفعون بها وهي حية تنتفعون ~~بها بعد الذبح أيضا بالأكل ورابعها : قوله : { وعليها وعلى الفلك تحملون } ~~لأن وجه الانتفاع بالإبل في المحمولات على البر بمنزلة الانتفاع بالفلك في ~~البحر ، ولذلك جمع بين الوجهين في إنعامه لكي يشكر على ذلك ويستدل به ، ~~واعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين دلائل التوحيد أردفها بالقصص كما هو ~~العادة في سائر السور وهي ههنا . PageV23P079 # القصة الأولى قصة نوح عليه السلام # ! 7 < { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إلاه غيره أفلا تتقون * فقال الملؤا الذين كفروا من قومه ما هاذا إلا بشر ~~مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شآء الله لانزل ملائكة ما سمعنا بهاذا ~~فىءابآئنا الا ولين * إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين } . > 7 ~~@QB@ < # | المؤمنون : ( 23 - 25 ) ولقد أرسلنا نوحا . . . . . # > > # قال قوم : إن نوحا كان اسمه يشكر ، ثم سمي نوحا لوجوه : أحدها : لكثرة ما ~~ناح على نفسه حين دعا على قومه بالهلاك ، فأهلكهم بالطوفان فندم ms6566 على ذلك ~~وثانيها : لمراجعة ربه في شأن ابنه وثالثها : أنه مر بكلب مجذوم ، فقال له ~~إخسا يا قبيح ، فعوتب على ذلك ، فقال الله له : أعبتني إذ خلقته ، أم عبت ~~الكلب . وهذه الوجوه مشكلة لما ثبت أن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى . # أما قوله : { اعبدوا الله } فالمعنى أنه سبحانه أرسله بالدعاء إلى عبادة ~~الله تعالى وحده ، ولا يجوز أن يدعوهم إلى ذلك إلا وقد دعاهم إلى معرفته ~~أولا ، لأن عبادة من لا يكون معلوما غير جائزة وإنما يجوز ويجب بعد المعرفة ~~. # أما قوله : { ما لكم من إلاه غيره } فالمراد أن عبادة غير الله لا تجوز ~~إذ لا إله سواه . ومن حق العبادة أن تحسن لمن أنعم بالخلق والإحياء وما ~~بعدهما ، فإذا لم يصح ذلك إلا منه تعالى فكيف يعبد ما لا يضر ولا ينفع ؟ ~~وقرىء غيره بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ ، ثم إنه لما لم ينفع فيهم ~~هذا الدعاء واستمروا على عبادة غير الله تعالى حذرهم بقوله : { أفلا تتقون ~~} لأن ذلك زجر ووعيد باتقاء العقوبة لينصرفوا عما هم عليه . ثم إنه سبحانه ~~حكى عنهم شبههم في إنكار نبوة نوح عليه السلام . # الشبهة الأولى : قولهم : { ما هاذا إلا بشر مثلكم } وهذه الشبهة تحتمل ~~وجهين : أحدهما : أن يقال إنه لما كان مساويا لسائر الناس في القوة والفهم ~~والعلم والغنى والفقر والصحة والمرض امتنع كونه رسولا لله ، لأن الرسول لا ~~بد وأن يكون عظيما عند الله تعالى وحبيبا له ، والحبيب لا بد وأن يختص عن ~~غير الحبيب بمزيد الدرجة والمعزة ، فلما فقدت هذه الأشياء علمنا انتفاء ~~الرسالة والثاني : أن يقال هذا الإنسان مشارك لكم في جميع الأمور ، ولكنه ~~أحب الرياسة والمتبوعية فلم يجد إليهما سبيلا إلا بادعاء النبوة ، فصار ذلك ~~شبهة لهم في القدح في نبوته ، فهذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى خبرا عنهم { ~~يريد أن يتفضل عليكم } أي يريد أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله تعالى : ~~{ وتكون لكما الكبرياء فى الارض } . PageV23P080 # الشبهة الثانية : قولهم : { ولو شاء الله لانزل ملائكة } وشرحه أن الله ms6567 ~~تعالى لو شاء إرشاد البشر لوجب أن يسلك الطريق الذي يكون أشد إفضاء إلى ~~المقصود ، ومعلوم أن بعثة الملائكة أشد / إفضاء إلى هذا المقصود من بعثة ~~البشر ، لأن الملائكة لعلو شأنهم وشدة سطوتهم وكثرة علومهم ، فالخلق ~~ينقادون إليهم ، ولا يشكون في رسالتهم ، فلما لم يفعل ذلك علمنا أنه ما ~~أرسل رسولا ألبتة . # الشبهة الثالثة : قولهم : { ما هاذا إلا بشر مثلكم يريد } وقوله بهذا ~~إشارة إلى نوح عليه السلام ، أو إلى ما كلمهم به من الحث على عبادة الله ~~تعالى ، أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام ، أو بمثل هذا الذي يدعى وهو بشر أنه ~~رسول الله ، وشرح هذه الشبهة أنهم كانوا أقواما لا يعولون في شيء من ~~مذاهبهم إلا على التقليد والرجوع إلى قول الآباء / فلما لم يجدوا في نبوة ~~نوح عليه السلام هذه الطريقة حكموا بفسادها . قال القاضي : يحتمل أن يريدوا ~~بذلك كونه رسولا مبعوثا ، لأنه لا يمتنع فيما تقدم من زمان آبائهم أنه كان ~~زمان فترة ، ويحتمل أن يريدوا بذلك دعاءهم إلى عبادة الله تعالى وحده ، لأن ~~آباءهم كانوا على عبادة الأوثان . # الشبهة الرابعة : قولهم : { إن هو إلا رجل به جنة } والجنة : الجنون أو ~~الجن ، فإن جهال العوام يقولون في المجنون زال عقله بعمل الجن ، وهذه ~~الشبهة من باب الترويج على العوام ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل ~~أفعالا على خلاف عاداتهم ، فأولئك الرؤساء كانوا يقولون للعوام إنه مجنون ، ~~ومن كان مجنونا فكيف يجوز أن يكون رسولا . # الشبهة الخامسة : قولهم : { فتربصوا به حتى حين } وهذا يحتمل أن يكون ~~متعلقا بما قبله أي أنه مجنون فاصبروا إلى زمان حتى يظهر عاقبة أمره فإن ~~أفاق وإلا قتلتموه ويحتمل أن يكون كلاما مستأنفا وهو أن يقولوا لقومهم ~~اصبروا فإنه إن كان نبيا حقا فالله ينصره ويقوي أمره فنحن حينئذ نتبعه وإن ~~كان كاذبا فالله يخذله ويبطل أمره ، فحينئذ نستريح منه ، فهذه مجموع الشبه ~~التي حكاها الله تعالى عنهم ، واعلم أنه سبحانه ما ذكر الجواب عنها ~~لركاكتها ووضوح فسادها ، وذلك لأن كل عاقل ms6568 يعلم أن الرسول لا يصير رسولا ~~إلا لأنه من جنس الملك وإنما يصير كذلك بأن يتميز من غيره بالمعجزات فسواء ~~كان من جنس الملك أو من جنس البشر فعند ظهور المعجز عليه يجب أن يكون رسولا ~~، بل جعل الرسول من جملة البشر أولى لما مر بيانه في السور المتقدمة وهو أن ~~الجنسية مظنة الألفة والمؤانسة ، وأما قولهم { يريد أن يتفضل عليكم } فإن ~~أرادوا به إرادته لإظهار فضله حتى يلزمهم الانقياد لطاعته فهذا واجب على ~~الرسول ، وأن إرادوا به أن يرتفع عليهم على سبيل التجبر والتكبر والانقياد ~~فالأنبياء منزهون عن ذلك ، وأما قولهم ما سمعنا بهذا فهو استدلال بعدم ~~التقليد على عدم وجود الشيء وهو في غاية السقوط لأن وجود التقليد لا يدل ~~على وجود الشيء فعدمه من أين يدل على عدمه ، وأما قولهم به جنة ، فقد كذبوا ~~لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة كمال عقله ، وأما قولهم : فتربصوا به ، فضعيف ~~لأنه إن ظهرت الدلالة على نبوته وهي المعجزة وجب عليهم قبول قوله في الحال ~~، ولا يجوز توقيف ذلك إلى ظهور دولته لأن الدولة لا تدل على الحقية ، وإن ~~لم يظهر المعجز لم يجز قبول / قوله سواء ظهرت الدولة أو لم تظهر ، ولما ~~كانت هذه الأجوبة في نهاية الظهور لا جرم تركها الله سبحانه . # ! 7 < { قال رب انصرنى بما كذبون * فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ~~ووحينا فإذا جآء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا ~~من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون * فإذا ~~استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين ~~* وقل رب أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين * إن فى ذالك لأيات وإن ~~كنا لمبتلين } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 26 - 30 ) قال رب انصرني . . . . . # > > PageV23P081 # أما قوله : { رب انصرنى بما كذبون } ففيه وجوه : أحدها : أن في نصره ~~إهلاكهم فكأنه قال أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي وثانيها : انصرني بدل ما ~~كذبوني كما تقول هذا بذاك أي بدل ذلك ومكانه ، والمعنى أبدلني ms6569 من غم ~~تكذيبهم سلوة النصر عليهم وثالثها : انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب وهو ~~ما كذبوه فيه حين قال لهم : { إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ( الأعراف : ~~59 ) ولما أجاب الله دعاءه قال : { فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا } ~~أي بحفظنا وكلئنا كأن معه من الله حافظا بكلؤه بعينه لئلا يتعرض له ولا ~~يفسد عليه مفسد عمله ، ومنه قولهم : عليه من الله عين كالئة ، وهذه الآية ~~دالة على فساد قول المشبهة في تمسكهم بقوله عليه السلام : ( إن الله خلق ~~آدم على صورته ) لأن ثبوت الأعين يمنع من ذلك ، واختلفوا في أنه عليه ~~السلام كيف صنع الفلك فقيل إنه كان نجارا وكان عالما بكيفية اتخاذها ، وقيل ~~إن جبريل عليه السلام علمه عمل السفينة ووصف له كيفية اتخاذها ، وهذا هو ~~الأقرب لقوله { بأعيننا ووحينا } . # / أما قوله : { فإذا جاء أمرنا } فاعلم أن لفظ الأمر كما هو حقيقة في طلب ~~الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء ، فكذا هو حقيقة في الشأن العظيم ، ~~والدليل عليه أنك إذا قلت هذا أمر بقي الذهن يتردد بين المفهومين وذلك يدل ~~على كونه حقيقة فيهما وتمام تقريره مذكور في كتاب المحصول في الأصول ، ومن ~~الناس من قال : إنما سماه أمرا على سبيل التعظيم والتفخيم ، مثل قوله : { ~~ثم قال * لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها } . # أما قوله : { وفار التنور } فاختلفوا في التنور ، فالأكثرون على أنه هو ~~التنور المعروف . روي أنه قيل لنوح إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب ~~أنت ومن معك في السفينة ، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب ، ~~وقيل كان تنور آدم وكان من حجارة فصار إلى نوح ، واختلف في مكانه ، فعن ~~الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة ، وكان نوح عليه ~~السلام عمل السفينة في وسط المسجد ، وقيل بالشام بموضع يقال له عين وردة ~~وقيل بالهند القول الثاني : أن التنور وجه الأرض عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما الثالث : أنه أشرف موضع في الأرض أي أعلاه عن قتادة والرابع : { وفار ~~التنور } أي ms6570 طلع للفجر عن علي عليه السلام ، وقيل إن فوران التنور كان عند ~~طلوع الفجر والخامس : هو مثل قولهم حمى الوطيس والسادس : أنه الموضع ~~المنخفض من السفينة الذي يسيل الماء إليه عن الحسن رحمه الله والقول الأول ~~هو PageV23P082 الصواب لأن العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل لا ~~يجوز ، واعلم أن الله تعالى جعل فوران التنور علامة لنوح عليه السلام حتى ~~يركب عنده السفينة طلبا لنجاته ونجاة من آمن به من قومه . # أما قوله : { فاسلك فيها } أي أدخل فيها يقال سلك فيه أي دخل فيه وسلك ~~غيره وأسلكه { من كل زوجين اثنين } أي من كل زوجين من الحيوان الذي يحضره ~~في الوقت اثنين الذكر والأنثى لكي لا ينقطع نسل ذلك الحيوان / وكل واحد ~~منهما زوج لا كما تقوله العامة من أن الزوج هو الاثنان ، روي أنه لم يحمل ~~إلا ما يلد ويبيض ، وقرىء من كل بالتنوين ، أي من كل أمة زوجين ، واثنين ~~تأكيد وزيادة بيان . # أما قوله : { وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم } أي وأدخل أهلك ولفظ على ~~إنما يستعمل في المضار . قال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( ~~البقرة : 286 ) واعلم أن هذه الآية تدل على أمرين أحدهما : أنه سبحانه أمره ~~بإدخال سائر من آمن به وإن لم يكن من أهله ، وقيل المراد بأهله من آمن دون ~~من يتصل به نسبا أو سببا وهذا ضعيف . وإلا لما جاز استثناء قوله : { إلا من ~~سبق عليه القول } والثاني : أنه قال : { ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا } يعني ~~كنعان فإنه سبحانه لما أخبر بإهلاكهم وجب أن ينهاه عن أن يسأله في بعضهم ~~لأنه إن أجابه إليه ، فقد صير خبره الصدق كذبا ، وإن لم يجبه إليه كان ذلك ~~تحقيرا لشأن نوح عليه السلام فلذلك قال : { إنهم مغرقون } أي الغرق نازل ~~بهم لا محالة . # / أما قوله : { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك } قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : كان في السفينة ثمانون إنسانا ، نوح وامرأته سوى التي غرقت ، ~~وثلاثة بنين : سام وحام ms6571 ويافث ، وثلاث نسوة لهم ، واثنان وسبعون إنسانا فكل ~~الخلائق نسل من كان في السفينة . # أما قوله : { فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : إنما قال : { فقل } ولم يقل فقولوا لأن نوحا كان نبيا ~~لهم وإماما لهم ، فكان قوله قولا لهم مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة ~~وإظهار كبرياء الربوبية ، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلا ملك أو ~~نبي . # المسألة الثانية : قال قتادة علمكم الله أن تقولوا عند ركوب السفينة { ~~بسم الله مجراها ومرساها } ( هود : 41 ) وعند ركوب الدابة { سبحان الذى سخر ~~لنا هاذا وما كنا له مقرنين } ( الزخرف : 13 ) وعند النزول { وقل رب أنزلنى ~~منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } ( المؤمنون : 29 ) قال الأنصاري : وقال ~~لنبينا { وقل رب أدخلنى مدخل صدق وأخرجنى مخرج صدق } ( الإسراء : 80 ) وقال ~~: { فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله من الشيطان } ( النحل : 98 ) كأنه ~~سبحانه أمرهم أن لا يكونوا عن ذكره وعن الاستعاذة به في جميع أحوالهم ~~غافلين . # المسألة الثالثة : هذه مبالغة عظيمة في تقبيح صورتهم حيث أتبع النهي عن ~~الدعاء لهم الأمر بالحمد على إهلاكهم والنجاة منهم كقوله تعالى : { فقطع ~~دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } ( الأنعام : 45 ) وإنما ~~جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق لأنه سبحانه كان عرفه أنه ~~بذلك ينجيه ومن تبعه ، فيصح أن يقول : { نجانا } من حيث جعله آمنا بهذا ~~الفعل ووصف قومه بأنهم الظالمون لأن الكفر منهم ظلم لأنفسهم لقوله : { إن ~~الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) ثم إنه سبحانه بعد أن أمره بالحمد على ~~إهلاكهم PageV23P083 أمره بأن يدعو لنفسه فقال : { وقل رب أنزلنى منزلا ~~مباركا } وقرىء { منزلا } بمعنى إنزالا أو موضع إنزال كقوله ليدخلنهم مدخلا ~~يرضونه . واختلفوا في المنزل على قولين : أحدهما : أن المراد هو نفس ~~السفينة فمن ركبها خلصته مما جرى على قومه من الهلاك والثاني : أن المراد ~~أن ينزله الله بعد خروجه من السفينة من الأرض منزلا مباركا والأول أقرب ~~لأنه أمر بهذا الدعاء في حال استقراره في السفينة ms6572 / فيجب أن يكون المنزل ~~ذلك دون غيره . ثم بين سبحانه بقوله : { وأنت خير المنزلين } أن الإنزال في ~~الأمكنة قد يقع من غير الله كما يقع من الله تعالى وإن كان هو سبحانه خير ~~من أنزل لأنه يحفظ من أنزله في سائر أحواله ويدفع عنه المكاره بحسب ما ~~يقتضيه الحكم والحكمة ، ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة نوح وقومه لآيات ~~ودلالات وعبرا في الدعاء إلى الإيمان والزجر عن الكفر فإن إظهار تلك المياه ~~العظيمة ثم الإذهاب بها لا يقدر عليه إلا القادر على كل المقدورات ، وظهور ~~تلك الواقعة على وفق قول نوح عليه السلام يدل على المعجز العظيم وإفناء ~~الكفار وبقاء الأرض لأهل الدين والطاعة من أعظم أنواع العبر . # أما قوله : { وإن كنا لمبتلين } فيمكن أن يكون المراد ، وإن كنا لمبتلين ~~فيما قبل ، ويحتمل أن يكون وإن كنا لمبتلين فيما بعد ، وهذا هو الأقرب لأنه ~~كالحقيقة في الاستقبال ، وإذا حمل على ذلك احتمل وجوها : أحدها : أن يكون ~~المراد المكلفين في المستقبل أي فيجب فيمن كلفناه أن يعتبر بهذا الذي ~~ذكرناه وثانيها : أن يكون المراد لمعاقبين لمن سلك في تكذيب الأنبياء مثل ~~طريقة قوم نوح وثالثها : أن يكون المراد كما نعاقب من كذب بالغرق وغيره فقد ~~نمتحن بالغرق من لم يكذب على وجه المصلحة لا على وجه التعذيب ، لكي لا يقدر ~~أن كل الغرق يجري على وجه واحد . # القصة الثانية قصة هود أو صالح عليهما السلام # ! 7 < { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين * فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن ~~اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره أفلا تتقون * وقال الملأ من قومه الذين ~~كفروا وكذبوا بلقآء الا خرة وأترفناهم فى الحيواة الدنيا ما هاذا إلا بشر ~~مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم ~~إذا لخاسرون * أيعدكم أنكم إذا مت م وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * ~~هيهات هيهات لما توعدون * إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين * إن هو إلا رجل افترى على ms6573 الله كذبا وما نحن له بمؤمنين * قال رب ~~انصرنى بما كذبون * قال عما قليل ليصبحن نادمين * فأخذتهم الصيحة بالحق ~~فجعلناهم غثآء فبعدا للقوم الظالمين } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 31 - 41 ) ثم أنشأنا من . . . . . # > > PageV23P084 # / اعلم أن هذه القصة هي قصة هود عليه السلام في قول ابن عباس رضي الله ~~عنهما وأكثر المفسرين واحتجوا عليه بحكاية الله تعالى قول هود عليه السلام ~~: { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } ( الأعراف : 69 ) ومجيء قصة ~~هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء . وقال بعضهم المراد ~~بهم صالح وثمود ، لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة ، أما كيفية ~~الدعوى فكما تقدم في قصة نوح عليه السلام وههنا سؤالات : # السؤال الأول : حق { أرسل } أن يتعدى بإلى كأخواته التي هي وجه وأنفذ ~~وبعث فلم عدى في القرآن بإلى تارة وبفي أخرى كقوله تعالى : { كذلك أرسلناك ~~فى أمة } { وما أرسلنا فى قرية } ( الأعراف : 94 ) { فأرسلنا فيهم رسولا } ~~( المؤمنون : 32 ) أي في عاد ، وفي موضع آخر { وإلى عاد أخاهم هودا } ( هود ~~: 50 ) ؟ الجواب : لم يعد بفي كما عدي بإلى ولكن الأمة أو القرية جعلت ~~موضعا للإرسال وعلى هذا المعنى جاء بعث في قوله : { ولو شئنا لبعثنا فى كل ~~قرية نذيرا } ( الفرقان : 51 ) . # السؤال الثاني : هل يصح ما قاله بعضهم أن قوله : { أفلا تتقون } غير ~~موصول بالأول ، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه ، وردوا عليه بعد إقامة الحجة ~~عليهم فعند ذلك قال لهم مخوفا مما هم عليه { أفلا تتقون } هذه الطريقة ~~مخافة العذاب الذي أنذرتكم به ؟ الجواب : يجوز أن يكون موصولا بالكلام ~~الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان ، فدعاهم إلى ~~عبادة الله وحذرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان . ثم اعلم أن ~~الله تعالى حكى صفات أولئك القوم وحكى كلامهم ، أما الصفات فثلاث هي شر ~~الصفات : أولها : الكفر بالخالق سبحانه وهو المراد من قوله : { كفروا } ~~وثانيها : الكفر بيوم القيامة وهو المراد من قوله : { وكذبوا بلقاء الاخرة ~~} وثالثها : الانغماس في حب الدنيا وشهواتها ms6574 وهو المراد من قوله : { وقال ~~الملا من قومه } أي نعمناهم فإن قيل ذكر الله مقالة قوم هود في جوابه في ~~سورة الأعراف وسورة هود بغير واو { قال الملا الذين كفروا من قومه إنا ~~لنراك في سفاهة } ( الأعراف : 66 ) ، قالوا { ما نراك إلا بشرا مثلنا } ( ~~هود : 27 ) وههنا مع الواو فأي فرق بينهما ؟ قلنا الذي بغير واو على تقدير ~~سؤال سائل قال فما قال قومه ؟ فقيل له كيت وكيت ، وأما الذي مع الواو فعطف ~~لما قالوه على ما قاله ومعناه أنه اجتمع في هذه الواقعة هذا الكلام الحق ~~وهذا الكلام الباطل . وأما شبهات القوم فشيئان : أولهما : قولهم : { ما ~~هاذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون } ، وقد مر شرح ~~هذه الشبهة في القصة الأولى وقوله : { مما تشربون } أي من مشروبكم أو حذف ~~منه لدلالة ما قبله عليه وهو قوله : { ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا ~~لخاسرون } فجعلوا اتباع الرسول خسرانا ، ولم يجعلوا عبادة الأصنام خسرانا ، ~~أي لئن كنتم أعطيتموه الطاعة من غير PageV23P085 أن يكون لكم بإزائها منفعة ~~فذلك هو الخسران وثانيهما : أنهم طعنوا في صحة الحشر والنشر ، ثم طعنوا في ~~نبوته بسبب إتيانه بذلك . أما الطعن في صحة الحشر فهو قولهم : { أيعدكم ~~أنكم إذا مت م وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون } معادون أحياء للمجازاة ، ~~ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم وهو قولهم { ~~هيهات هيهات لما توعدون } ثم أكدوا الشبهة بقولهم : { إن هى إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا } ولم يريدوا بقولهم نموت ونحيا الشخص الواحد ، بل ~~أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا ، وأنه لا إعادة ولا حشر . فلذلك قالوا : ~~{ وما نحن له * بمبعوثين } ولما فرغوا من الطعن في صحة الحشر بنوا عليه ~~الطعن في نبوته ، فقالوا لما أتى بهذا الباطل فقد { افترى على الله كذبا } ~~ثم لما قرروا الشبهة الطاعنة في نبوته قالوا : { وما نحن له بمؤمنين } لأن ~~القوم كالتبع لهم ، واعلم أن الله تعالى ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور ~~فسادهما أما الشبهة ms6575 الأولى : فقد تقدم بيان ضعفها وأما الثانية : فلأنهم ~~استبعدوا الحشر ، ولا يستبعد الحشر لوجهين : الأول : أنه سبحانه لما كان ~~قادرا على كل الممكنات عالما بكل المعلومات وجب أن يكون قادرا على الحشر ~~والنشر والثاني : وهو أنه لولا الإعادة لكن تسليط القوى على الضعيف في ~~الدنيا ظلما . وهو غير لائق بالحكيم على ما قرره سبحانه في قوله : { إن ~~الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } ( طه : 15 ) وههنا مسائل ~~: # المسألة الأولى : ثنى إنكم للتوكيد وحسن ذلك الفصل ما بين الأول والثاني ~~بالظرف ، ومخرجون خبر عن الأول . وفي قراءة ابن مسعود : { وكنتم ترابا ~~وعظاما أنكم مخرجون } ( المؤمنون : 35 ) . # المسألة الثانية : قرىء { هيهات } بالفتح والكسر ، كلها بتنوين وبلا ~~تنوين ، وبالسكون على لفظ الوقف . # المسألة الثالثة : هي في قوله : { إن هى إلا حياتنا الدنيا } ضمير لا ~~يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه وأصله : إن الحياة إلا حياتنا ~~الدنيا ، ثم وضع هي موضع الحياة ، لأن الخبر يدل عليه ومنه ( قول الشاعر ) ~~: # % هي النفس ما حملتها تتحمل % % # والمعنى لا حياة إلا هذه الحياة ، ولأن إن النافية دخلت على هي التي في ~~معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها ، فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي ~~الجنس . # واعلم أن ذلك الرسول لما يئس من قبول الأكابر والأصاغر فزع إلى ربه وقال ~~: { رب انصرنى بما كذبون } وقد تقدم تفسيره فأجابه الله تعالى فيما سأل ~~وقال : { عما قليل ليصبحن نادمين } ( المؤمنون : 40 ) / والأقرب أن يكون ~~المراد بأن يظهر لهم علامات الهلاك / فعند ذلك يحصل منهم الحسرة والندامة ~~على ترك القبول ، ويكون الوقت وقت إيمان اليأس فلا ينتفعون بالندامة ، وبين ~~تعالى الهلاك الذي أنزله عليهم بقوله : { فأخذتهم الصيحة بالحق } وذكروا في ~~الصيحة وجوها : أحدها : أن جبريل عليه السلام صاح بهم ، وكانت الصيحة عظيمة ~~فماتوا عندها وثانيها : الصيحة هي الرجفة عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~وثالثها : الصيحة هي نفس العذاب والموت كما يقال فيمن يموت : دعي فأجاب عن ~~الحسن ورابعها : أنه العذاب المصطلم ، قال الشاعر : PageV23P086 # % صاخ ms6576 الزمان بآل برمك صيحة % % خروا لشدتها على الأذقان % # والأول أولى لأنه هو الحقيقة . # وأما قوله : { بالحق } فمعناه أنه دمرهم بالعدل من قولك ، فلان يقضي ~~بالحق إذا كان عادلا في قضاياه . وقال المفضل : بالحق أي بما لا يدفع ، ~~كقوله : { وجاءت سكرة الموت بالحق } . # أما قوله : { فجعلناهم غثاء } فالغثاء حميل السيل مما بلي واسود من الورق ~~والعيدان ، ومنه قوله تعالى : { فجعله غثاء أحوى } . # وأما قوله تعالى : { فبعدا للقوم الظالمين } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { بعدا } وسحقا ودمرا ونحوها مصادر موضوعة مواضع ~~أفعالها ، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل ~~إظهارها ومعنى بعدا بعدوا ، أي هلكوا يقال بعد بعدا وبعدا بفتح العين نحو ~~رشد رشدا ورشدا بفتح الشين والله أعلم . # المسألة الثانية : قوله : { بعدا } بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من ~~الخير ، والله تعالى ذكر ذلك على وجه الاستخفاف والإهانة لهم ، وقد نزل بهم ~~العذاب دالا بذلك على أن الذي ينزل بهم في الآخرة من البعد من النعيم ~~والثواب أعظم مما حل بهم حالا ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم . # القصة الثالثة # ! 7 < { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ءاخرين * ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون * ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جآء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم ~~بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 42 - 44 ) ثم أنشأنا من . . . . . # > > # / إعلم أنه سبحانه يقص القصص في القرآن تارة على سبيل التفصيل كما تقدم ~~وأخرى على سبيل الإجمال كههنا ، وقيل المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف ~~عليهم السلام . # فأما قوله : { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ءاخرين } فالمعنى أنه ما أخلى ~~الديار من مكلفين أنشأهم وبلغهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كان قبلهم في ~~عمارة الدنيا . # أما قوله : { ما تسبق من أمة أجلها وما يستخرون } فيحتمل في هذا الأجل أن ~~يكون المراد آجال حياتها وتكليفها ، ويحتمل آجال موتها وهلاكها ، وإن كان ~~الأظهر في الأجل إذا أطلق أن يراد به وقت الموت ، فبين أن كل أمة لها آجال ~~مكتوبة في ms6577 الحياة والموت ، لا يتقدم ولا يتأخر ، منبها بذلك على أنه عالم ~~بالأشياء قبل كونها ، فلا توجد إلا على وفق العلم ، ونظيره قوله تعالى : { ~~إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } PageV23P087 وههنا مسألتان : # المسألة الأولى : قال أصحابنا : هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله ~~إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر ، وذلك ينافيه هذا النص . # المسألة الثانية : قال الكعبي : المراد من قوله : { ما تسبق من أمة } أي ~~لا يتقدمون الوقت المؤقت لعذابهم إن لم يؤمنوا ولا يتأخرون عنه ، ولا ~~يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عنادا وأنهم لا يلدون مؤمنا ~~، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ، ولا ضرر على أحد في هلاكهم ، وهو كقول ~~نوح عليه السلام : { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } ~~( نوح : 27 ) . # أما قوله تعالى : { ثم أرسلنا رسلنا } فالمعنى أنه كما أنشأنا بعضهم بعد ~~بعض أرسل إليهم الرسل على هذا الحد قرأ ابن كثير تترى منونة والباقون بغير ~~تنوين وهو اختيار أكثر أهل اللغة لأنها فعلى من المواترة وهي المتابعة ~~وفعلى لا ينون كالدعوى والتقوى والتاء بدل من الواو فإنه مأخوذ من الوتر ~~وهو الفرد ، قال الواحدي تترى على القراءتين مصدر أو اسم أقيم مقام الحال ~~لأن المعنى متواترة . # أما قوله تعالى : { كلما جاءهم * أمة رسولها كذبوه } ( المؤمنون : 44 ) ~~يعني أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله ~~بالغرق والصيحة فلذلك قال : { فأتبعنا بعضهم بعضا } أي بالهلاك . # ( وقوله ) : { وجعلناهم أحاديث } يمكن أن يكون المراد جمع الحديث ومنه ~~أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى أنه سبحانه بلغ في إهلاكهم ~~مبلغا صاروا معه أحاديث فلا يرى منهم عين ولا أثر ولم يبق منهم إلا الحديث ~~الذي يذكر ويعتبر به . # ويمكن أيضا أن يكون جمع أحدوثة مثل الأضحوكة والأعجوبة ، وهي ما يتحدث به ~~الناس تلهيا وتعجبا . # ثم قال : { فبعدا لقوم لا يؤمنون } على وجه الدعاء والذم والتوبيخ ، ودل ~~بذلك على ms6578 أنهم كما أهلكوا عاجلا فهلاكهم بالتعذيب آجلا على التأبيد مترقب ~~وذلك وعيد شديد . # القصة الرابعة قصة موسى عليه السلام # ! 7 < { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بأاياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون ~~وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين * فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما ~~لنا عابدون * فكذبوهما فكانوا من المهلكين * ولقد ءاتينا موسى الكتاب لعلهم ~~يهتدون } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 45 - 49 ) ثم أرسلنا موسى . . . . . # > > PageV23P088 # اختلفوا في { الايات } فقال ابن عباس رضي الله عنهما هي الآيات التسع وهي ~~العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفلاق البحر والسنون والنقص ~~من الثمرات ، وقال الحسن قوله : { بئاياتنا } أي بديننا واحتج بأن المراد ~~بالآيات لو كانت هي المعجزات والسلطات المبين أيضا هو المعجز فحينئذ يلزم ~~عطف الشيء على نفسه والأقرب هو الأول لأن لفظ الآيات إذا ذكر في الرسل ~~فالمراد منها المعجزات ، وأما الذي احتجوا به فالجواب : عنه من وجوه : ~~أحدها : أن المراد بالسلطان المبين يجوز أن يكون أشرف معجزاته وهو العصا ~~لأنه قد تعلقت بها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة ~~وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها بها وكونها حارسا وشمعة ~~وشجرة مثمرة ودلوا ورشاء ، فلأجل انفراد العصا بهذه الفضائل أفردت بالذكر ~~كقوله جبريل وميكال وثانيها : يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك ~~المعجزات وبالسلطان المبين كيفية دلالتها على الصدق ، وذلك لأنها وإن شاركت ~~سائر آيات الأنبياء في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قوة موسى ~~عليه السلام وثالثها : أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى عليه ~~السلام عليهم في الاستدلال على وجود الصانع وإثبات النبوة وأنه ما كان يقيم ~~لهم قدرا ولا وزنا . # واعلم أن الآية تدل على أن معجزات موسى عليه السلام كانت معجزات هرون ~~عليه السلام أيضا ، وأن النبوة كما أنها مشتركة بينهما فكذلك المعجزات ، ثم ~~إنه سبحانه حكى عن فرعون وقومه صفتهم ثم ذكر شبهتهم أما صفتهم فأمران ~~أحدهما : الاستكبار والأنفة والثاني : أنهم كانوا قوما عالين أي رفيعي ~~الحال في أمور الدنيا ، ويحتمل الاقتدار بالكثرة والقوة وأما شبهتهم فهي ms6579 / ~~قولهم : { أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون } قال صاحب ( الكشاف ) لم ~~يقل مثلينا كما قال : { إنكم إذا مثلهم } ( النساء : 14 ) ولم يقل أمثالهم ~~وقال : { كنتم خير أمة } ( آل عمران : 110 ) ولم يقل أخيار أمة كل ذلك لأن ~~الإيجاز أحب إلى العرب من الإكثار والشبهة مبنية على أمرين : أحدهما : ~~كونهما من البشر وقد تقدم الجواب عنه والثاني : أن قوم موسى وهرون كانوا ~~كالخدم والعبيد لهم قال أبو عبيدة العرب تسمى كل من دان لملك عابدا له ~~ويحتمل أن يقال إنه كان يدعي الإلهية فادعى أن الناس عباده وأن طاعتهم له ~~عبادة على الحقيقة ثم بين سبحانه أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا ~~بالتكذيب وهو المراد من قوله : { فكذبوهما } . # ولما كان ذلك التكذيب كالعلة لكونهم من المهلكين لا جرم رتبه عليه بفاء ~~التعقيب فقال وكانوا ممن حكم الله عليهم بالغرق فإن حصول الغرق لم يكن ~~حاصلا عقيب التكذيب ، إنما الحاصل عقيب التكذيب حكم الله تعالى بكونهم كذلك ~~في الوقت اللائق به . # أما قوله : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون } فقال القاضي معناه ~~أنه سبحانه خص موسى عليه السلام بالكتاب الذي هو التوراة لا لذلك التكذيب ~~لكن لكي يهتدوا به فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا أن ~~يهلكوا ، واعترض صاحب ( الكشاف ) عليه فقال لا يجوز أن يرجع الضمير في ~~لعلهم إلى فرعون وملائه لأن التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق ~~فرعون وملائه بدليل قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب من بعد ما ~~أهلكنا القرون الاولى } ( القصص : 43 ) بل المعنى الصحيح : ولقد آتينا موسى ~~الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها ومواعظها فذكر موسى والمراد آل موسي كما يقال ~~هاشم وثقيف والمراد قولهما . PageV23P089 # القصة الخامسة قصة عيسى وقصة مريم عليهما السلام # ! 7 < { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية وءاويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين } ~~. > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 50 ) وجعلنا ابن مريم . . . . . # > > # اعلم أن ابن مريم هو عيسى عليه السلام جعله الله تعالى آية بأن خلقه من ~~غير ذكر وأنطقه في المهد في الصغر وأجرى على ms6580 يديه إبراء الأكمه والأبرص ~~وإحياء الموتى ، وأما مريم فقد جعلها الله تعالى آية لأنها حملته من غير ~~ذكر . وقال الحسن تكلمت مريم في صغرها كما تكلم عيسى عليه السلام وهو قولها ~~: { هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } ( آل عمران : 37 ) ~~ولم تلقم ثديا قط ، قال القاضي إن ثبت ذلك فهو معجزة لزكريا عليه السلام ~~لأنها لم تكن نبية ، قلنا القاضي إنما قال ذلك لأن عنده الإرهاص غير جائز ~~وكرامات الأولياء غير جائزة وعندنا هما جائزان فلا حاجة إلى ما قال ، ~~والأقرب أنه جعلهما آية بنفس الولادة لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ~~ذكر فاشتركا جميعا في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة والذي يدل على أن هذا ~~التفسير أولى وجهان : أحدهما : أنه تعالى / قال : { وجعلنا ابن مريم وأمه ~~ءاية } لأن نفس الإعجاز طهر فيهما لا أنه ظهر على يدهما وهذا أولى من أن ~~يحمل على الآيات التي ظهرت على يده نحو إحياء الموتى وذلك لأن الولادة فيه ~~وفيها آية فيهما وكذلك أن نطقا في المهد وما عدا ذلك من الآيات ظهر على يده ~~لا أنه آية فيه الثاني : أنه تعالى قال آية ولم يقل آيتين ، وحمل هذا اللفظ ~~على الأمر الذي لا يتم إلا بمجموعهما أولى وذلك هو أمر الولادة لا المعجزات ~~التي كان عيسى عليه السلام مستقلا بها . # أما قوله تعالى : { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية } أي جعلنا مأواهما الربوة ~~والربوة والرباوة في راءيهما الحركات الثلاث وهي الأرض المرتفعة ، ثم قال ~~قتادة وأبو العالية هي إيلياء أرض بيت المقدس ، وقال أبو هريرة رضي الله ~~عنه إنها الرملة . وقال الكلبي وابن زيد هي بمصر وقال الأكثرون إنها دمشق ~~وقال مقاتل والضحاك هي غوطة دمشق ، والقرار المستقر من ( كل ) أرض مستوية ~~مبسوطة ، وعن قتادة ذات ثمار وماء ، يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ~~ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض . فنبه سبحانه على كمال ~~نعمه عليها بهذا اللفظ على اختصاره . ثم في المعين قولان ms6581 : أحدهما : أنه ~~مفعول لأنه لظهوره يدرك بالعين من عانه إذا أدركه بعينه وقال الفراء ~~والزجاج إن شئت جعلته فعيلا من الماعون ويكون أصله من المعن والماعون فاعول ~~منه قال أبو علي والمعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى والماعون ما سهل على ~~معطيه ، ثم قالوا وسبب الإيواء أنها فرت بإبنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها ~~اثنتي عشرة سنة ، وإنما ذهب بهما ابن عمها يوسف ثم رجعت إلى أهلها بعد أن ~~مات ملكهم ، وههنا آخر القصص والله أعلم . # ! 7 < { ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إنى بما تعملون عليم ~~* وإن هاذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ~~كل حزب بما لديهم فرحون * فذرهم فى غمرتهم حتى حين * أيحسبون أنما نمدهم به ~~من مال وبنين * نسارع لهم فى الخيرات بل لا يشعرون } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 51 - 56 ) يا أيها الرسل . . . . . # > > PageV23P090 # / إعلم أن ظاهر قوله : { لما كذبوا الرسل } خطاب مع كل الرسل وذلك غير ~~ممكن لأن الرسل إنما أرسلوا متفرقين في أزمنة متفرقة مختلفة فكيف يمكن ~~توجيه هذا الخطاب إليهم ، فلهذا الإشكال اختلفوا في تأويله على وجوه : ~~أحدها : أن المعنى الإعلام بأن كل رسول فهو في زمانه نودي بهذا المعنى ووصى ~~به ليعتقد السامع أن أمرا نودي له جميع الرسل ووصوا به حقيق بأن يؤخذ به ~~ويعمل عليه وثانيها : أن المراد نبينا عليه الصلاة والسلام لأنه ذكر ذلك ~~بعد انقضاء أخبار الرسل ، وإنما ذكر على صيغة الجمع كما يقال للواحد أيها ~~القوم كفوا عني أذاكم ومثله { الذين قال لهم الناس } ( آل عمران : 173 ) ~~وهو نعيم بن مسعود كأنه سبحانه لما خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك بين ~~أن الرسل بأسرهم لو كانوا حاضرين مجتمعين لما خوطبوا إلا بذلك ليعلم رسولنا ~~أن هذا التثقيل ليس عليه فقط ، بل لازم على جميع الأنبياء عليهم السلام ~~وثالثها : وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى عليه السلام لأنه إنما ~~ذكر ذلك بعدما ذكر مكانه الجامع للطعام والشراب ولأنه روى أن عيسى ms6582 عليه ~~السلام كان يأكل من غزل أمه ، والقول الأول أقرب لأنه أوفق للفظ الآية ، ~~ولأنه روي عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول ~~إليها وقال من أين لك هذا ؟ فقالت من شاة لي ، ثم رده وقال : من أين هذه ~~الشاة ؟ فقالت اشتريتها بمالي فأخذه . ثم إنها جاءته وقالت : يا رسول الله ~~لم رددته ؟ فقال عليه السلام بذلك أمرت الرسل أن لا يأكلوا إلا طيبا ولا ~~يعملوا إلا صالحا . # أما قوله تعالى : { من الطيبات } ففيه وجهان : الأول : أنه الحلال وقيل ~~طيبات الرزق حلال وصاف وقوام فالحلال الذي لا يعصى الله فيه ، والصافي الذي ~~لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل والثاني : أنه ~~المستطاب المستلذ من المأكل والفواكه فبين تعالى أنه وإن ثقل عليهم بالنبوة ~~وبما ألزمهم القيام بحقها ، فقد أباح لهم أكل الطيبات كما أباح لغيرهم . ~~واعلم أنه سبحانه كما قال لمرسلين { ومعين يأيها الرسل كلوا من الطيبات } ~~فقال للمؤمنين : { يعقلون يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ، ~~واعلم أن تقديم قوله : { كلوا من الطيبات } على قوله : { واعملوا صالحا } ~~كالدلالة على أن العمل الصالح لا بد وأن يكون مسبوقا بأكل الحلال ، فأما ~~قوله : { إنى بما تعملون عليم } فهو تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان ~~ذلك تحذيرا للرسل مع علو شأنهم فبأن يكون تحذيرا لغيرهم أولى . # أما قوله : { وإن هاذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } فقد فسرناه في ~~سورة الأنبياء وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المعنى أنه كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال ~~الصالحة فكذلك هم متفقون على التوحيد وعلى الاتقاء من معصية الله تعالى . ~~فإن قيل لما كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحدا ؟ قلنا المراد من ~~الدين ما لا يختلفون فيه من معرفة ذات الله تعالى وصفاته ، وأما الشرائع ~~فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافا في الدين ، فكما يقال في الحائض ms6583 والطاهر ~~/ من النساء إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا ههنا ، ويدل على ذلك ~~قوله : { وأنا ربكم فاتقون } فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع PageV23P091 ~~واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه فلا مدخل للشرائع ، وإن ~~اختلفت في ذلك . # المسألة الثانية : قرىء وإن بالكسر على الاستئناف وإن بمعنى ولأن وإن ~~مخففة من الثقيلة وأمتكم مرفوعة معها . # أما قوله تعالى : { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا } فالمعنى فإن أمم الأنبياء ~~عليهم السلام تقطعوا أمرهم بينهم وفي قوله : { فتقطعوا } معنى المبالغة في ~~شدة اختلافهم والمراد بأمرهم ما يتصل بالدين . # أما قوله { زبرا } فقرىء زبرا جمع زبور أي كتبا مختلفة يعني جعلوا دينهم ~~أديانا وزبرا قطعا استعيرت من زبر الفضة والحديد وزبرا مخففة الباء كرسل في ~~رسل قال الكلبي ومقاتل والضحاك يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى . # أما قوله تعالى : { كل حزب بما لديهم فرحون } فمعناه أن كل فريق منهم ~~مغتبط بما اتخذه دينا لنفسه معجب به يرى المحق أنه الرابح ، وأن غيره ~~المبطل الخاسر ، ولما ذكر الله تعالى تفرق هؤلاء في دينهم أتبعه بالوعيد ، ~~وقال : { فذرهم فى غمرتهم } حين حتى الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم يقول ~~: ( فدع هؤلاء الكفار في جهلهم والغمرة الماء الذي يغمر القامة فكأن ما هم ~~فيه من الجهل والحيرة صار غامرا ساترا لعقولهم ) ، وعن علي عليه السلام : { ~~فى * ليسجننه حتى حين } وذكروا في الحين وجوها : أحدها : إلى حين الموت ~~وثانيها : إلى حين المعاينة وثالثها : إلى حين العذاب ، والعادة في ذلك أن ~~يذكر في الكلام ، والمراد به الحالة التي تقترن بها الحسرة والندامة ، وذلك ~~يحصل إذا عرفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرفهم سوء منقلبهم ، ويحصل أيضا ~~عند المحاسبة في الآخرة ، ويحصل عند عذاب القبر والمساءلة فيجب أن يحمل على ~~كل ذلك . # ولما كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم ~~كالثواب المعجل لهم على أديانهم ، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك ، فقال : ~~{ أيحسبون أنما * ما * نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم فى ms6584 الخيرات } ~~قرىء يمدهم ويسارع بالياء والفاعل هو الله سبحانه وفي المعنى وجهان : ~~أحدهما : أن هدا الإمداد ليس إلا استدراجا لهم في المعاصي ، واستجرارا لهم ~~في زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات وبل للاستدراك لقوله : { ~~أيحسبون } يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في ~~ذلك ، أهو استدراج أم مسارعة في الخير ، وهذه الآية كقوله : { ولا تعجبك ~~أموالهم وأولادهم } ( التوبة : 85 ) روي عن يزيد بن ميسرة : أوحى الله ~~تعالى إلى نبي من الأنبياء ( أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني ~~، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني ) ثم تلا : { أيحسبون أنما * ~~ما * نمدهم به من مال وبنين } وعن الحسن : لما أتى عمر بسوار كسرى فأخذه ~~ووضعه في يد سراقة فبلغ منكبه . فقال عمر اللهم إني قد علمت أن نبيك عليه ~~الصلاة / والسلام ، كان يحب أن يصيب مالا لينفقه في سبيلك ، فزويت ذلك عنه ~~نظرا . ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك ، اللهم لا يكن ذلك مكرا منك بعمر . ثم ~~تلا : { أيحسبون أنما * ما * نمدهم به من مال وبنين } الوجه الثاني : وهو ~~أنه سبحانه إنما أعطاهم هذه النعم ليكونوا فارغي البال ، متمكنين من ~~الاشتغال بكلف الحق ، فإذا أعرضوا عن الحق والحالة هذه ، كان لزوم الحجة ~~عليهم أقوى ، فلذلك قال : { بل لا يشعرون } . # PageV23P092 ! 7 < { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون * والذين هم بأايات ~~ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون * والذين يؤتون مآ ءاتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * أولائك يسارعون فى الخيرات وهم لها سابقون } . ~~> 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 57 - 61 ) إن الذين هم . . . . . # > > # إعلم أنه تعالى لما ذم من تقدم ذكره بقوله : { أيحسبون أنما * ما * نمدهم ~~به من مال وبنين * نسارع لهم فى الخيرات } ثم قال : { بل لا يشعرون } بين ~~بعده صفات من يسارع في الخيرات ويشعر بذلك وهي أربعة : # الصفة الأولى : قوله : { إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون } والإشفاق ~~يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف ، فمنهم من قال : جمع ms6585 بينهما للتأكيد ، ~~ومنهم من حمل الخشية على العذاب ، والمعنى الذين هم من عذاب ربهم مشفقون ، ~~وهو قول الكلبي ومقاتل ، ومنهم من حمل الإشفاق على أثره وهو الدوام في ~~الطاعة ، والمعنى الذين هم من خشية ربهم دائمون في طاعته ، جادون في طلب ~~مرضاته . والتحقيق أن من بلغ في الخشية إلى حد الإشفاق وهو كمال الخشية ، ~~كان في نهاية الخوف من سخط الله عاجلا ، ومن عقابة آجلا ، فكان في نهاية ~~الاحتراز عن المعاصي . # الصفة الثانية : قوله : { والذين هم بئايات ربهم يؤمنون } واعلم أن آيات ~~الله تعالى هي المخلوقات الدالة على وجوده ، والإيمان بها هو التصديق بها ، ~~والتصديق بها إن كان بوجودها فذلك معلوم بالضرورة ، وصاحب هذا التصديق لا ~~يستحق المدح ، وإن كان بكونها آيات ودلائل على وجود الصانع فذلك مما لا ~~يتوصل إليه إلا بالنظر والفكر ، وصاحبه لا بد وأن يصير عارفا / بوجود ~~الصانع وصفاته ، وإذا حصلت المعرفة بالقلب حصل الإقرار باللسان ظاهرا وذلك ~~هو الإيمان . # الصفة الثالثة : قوله : { والذين هم بربهم لا يشركون } وليس المراد منه ~~الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله تعالى لأن ذلك داخل في قوله : { والذين ~~هم بئايات ربهم يؤمنون } بل المراد منه نفي الشرك الخفي ، وهو أن يكون ~~مخلصا في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله تعالى وطلب رضوانه والله ~~أعلم . # الصفة الرابعة : قوله : { والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة } معناه ~~يعطون ما أعطوا فدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان ذلك من حق الله تعالى ~~: كالزكاة والكفارة وغيرهما ، أو من حقوق الآدميين : كالودائع والديون ~~وأصناف الإنصاف والعدل ، وبين أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه وقلوبهم وجلة ، ~~لأن من يقدم على العبادة وهو وجل من تقصيره وإخلاله بنقصان أو غيره ، فإنه ~~يكون لأجل ذلك الوجل مجتهدا في أن يوفيها حقها في الأداء . وسألت عائشة رضي ~~الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : { والذين يؤتون ما ءاتوا ~~وقلوبهم وجلة } أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق وهو على ذلك يخاف الله ~~تعالى ؟ فقال عليه الصلاة والسلام ms6586 : ( لا يا ابنة PageV23P093 الصديق ، ~~ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله تعالى ) . # واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن ، لأن الصفة الأولى دلت على ~~حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي . # والصفة الثانية : دلت على ترك الرياء في الطاعات . # والصفة الثالثة : دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاثة يأتي بالطاعات ~~مع الوجل والخوف من التقصير ، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين رزقنا الله ~~سبحانه الوصول إليها / فإن قيل : أفتقولون إن قوله : { وقلوبهم وجلة } يرجع ~~إلى يؤتون ، أو يرجع إلى كل ما تقدم من الخصال ؟ قلنا بل الأولى أن يرجع ~~إلى الكل لأن العطية ليست بذلك أولى من سائر الأعمال ، إذ المراد أن يؤدي ~~ذلك على وجل من تقصيره ، فيكون مبالغا في توفيته حقه ، فأما إذا قرىء { ~~والذين * يأتون * ما ءاتوا } فالقول فيه أظهر ، إذ المراد بذلك أي شيء أتوه ~~وفعلوه من تحرز عن معصية وإقدام على إيمان وعمل ، فإنهم يقدمون عليه مع ~~الوجل ، ثم إنه سبحانه بين علة ذلك الوجل وهي علمهم بأنهم إلى ربهم راجعون ~~، أي للمجازاة والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال ، وأن هناك لا تنفع ~~الندامة ، فليس إلا الحكم القاطع من جهة مالك الملك . ثم إنه سبحانه لما ~~ذكر هذه الصفات للمؤمنين المخلصين قال بعده : { أولئك يسارعون فى الخيرات } ~~وفيه وجهان : أحدهما : أن المراد يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها ~~لئلا تفوت عن وقتها ولكيلا تفوتهم دون الاحترام . والثاني : أنهم يتعجلون ~~في الدنيا أنواع النفع ووجوه الإكرام ، كما قال : { فاتاهم الله ثواب ~~الدنيا وحسن ثواب الاخرة } ( آل عمران : 148 ) . { ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب } ( العنبكوت : 27 ) لأنهم إذا سورع لهم ~~بها فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها ، وهذا الوجه أحسن طباقا للآية المتقدمة ~~، لأن فيه إثبات ما نفي عن الكفار للمؤمنين وقرىء يسرعون في الخيرات . # أما قوله : { وهم لها سابقون } فالمعنى فاعلون السبق لأجلها أو سابقون ~~الناس لأجلها أو وهم لها سابقون أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في ms6587 ~~الدنيا ، ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر . والمعنى وهم لها كما يقال أنت لها ~~وهي لك ، ثم قال سابقون أي وهم سابقون . # ! 7 < { ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون * ~~بل قلوبهم فى غمرة من هاذا ولهم أعمال من دون ذالك هم لها عاملون * حتى إذآ ~~أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون * لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ~~} . > 7 ! # < < # | المؤمنون : ( 62 - 65 ) ولا نكلف نفسا . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما ذكر كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من ~~أحكام أعمال العباد PageV23P094 فالأول : قوله : { ولا نكلف نفسا إلا وسعها ~~} وفي الوسع قولان : أحدهما : أنه الطاقة عن المفضل والثاني : أنه دون ~~الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي واحتجوا عليه بأن الوسع ~~إنما سمى وسعا لأنه يتسع عليه فعله ولا يصعب ولا يضيق ، فبين أن أولئك ~~المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا . قال مقاتل من لم يستطع أن يصلي قائما ~~فليصل جالسا ومن لم يستطع جالسا فليوم إيماء لأنا لا نكلف نفسا إلا وسعها ، ~~واستدلت المعتزلة به في نفي تكليف ما لا يطاق وقد تقدم القول فيه الثاني : ~~قوله : { ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون } ونظيره قوله { هاذا ~~كتابنا ينطق عليكم بالحق } ( الجاثية : 29 ) وقوله : { لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) . # واعلم أنه تعالى شبه الكتاب بمن يصدر عنه البيان فإن الكتاب لا ينطق لكنه ~~يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان محقا ، فإن قيل هؤلاء الذين ~~يعرض عليهم ذلك الكتاب إما أن يكونوا محيلين الكذب على الله تعالى أو ~~مجوزين ذلك عليه ، فإن أحالوه عليه فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد ~~الكتاب أو لم يوجد ، وإن جوزوه عليه لم يثقوا بذلك الكتاب لتجويزهم أنه / ~~سبحانه كتب فيه خلاف ما حصل . فعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب ؟ ~~قلنا يفعل الله ما يشاء وعلى أنه لا يبعد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من ~~الملائكة . # وأما قوله : { وهم لا يظلمون ms6588 } فنظيره قوله : { ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا } ( الكهف : 49 ) فقالت المعتزلة الظلم إما أن يكون ~~بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من الثواب أو بأن يعذب على ما لم يعلم أو ~~بأن يكلفهم ما لا يطيقون فتكون الآية دالة على كون العبد موجدا لفعله وإلا ~~لكان تعذيبه عليه ظلما ودالة على أنه سبحانه لا يكلف ما لا يطاق الجواب : ~~أنه لما كلف أبا لهب أن يؤمن ، والإيمان يقتضي تصديق الله تعالى في كل ما ~~أخبر عنه ومما أخبر عنه أن أبا لهب لا يؤمن فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن ~~فيلزمكم كل ما ذكرتموه . # وأما قوله تعالى : { بل قلوبهم فى غمرة من هاذا } ففيه قولان : أحدهما : ~~أنه راجع إلى الكفار وهم الذين يليق بهم قوله : { بل قلوبهم فى غمرة من ~~هاذا } ولا يليق ذلك بالمؤمنين إذ المراد في غمرة من هذا الذي بيناه في ~~القرآن أو من هذا الكتاب الذي ينطق بالحق أو من هذا الذي هو وصف المشفقين ~~ولهم أي لهؤلاء الكفار أعمال من دون ذلك أي أعمال سوى ذلك أي سوى جهلهم ~~وكفرهم ثم قال بعضهم أراد أعمالهم في الحال ، وقال بعضهم بل أراد المستقبل ~~وهذا أقرب لأن قوله : { هم لها عاملون } إلى الاستقبال أقرب وإنما قال : { ~~هم لها عاملون } لأنها مثبتة في علم الله تعالى وفي حكم الله وفي اللوح ~~المحفوظ ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الله من ~~الشقاوة القول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات ~~المشفقين كأنه سبحانه قال بعد وصفهم : { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } ونهايته ~~ما أتى به هؤلاء المشفقون { ولدينا كتاب } يحفظ أعمالهم { ينطق بالحق وهم ~~لا يظلمون } بل نوفر عليهم ثواب كل أعمالهم { بل قلوبهم فى غمرة من هاذا } ~~هو أيضا وصف لهم بالحيرة كأنه قال وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في ~~جعل أعمالهم مقبولة أو مردودة ولهم أعمال من دون ذلك أي لهم أيضا من ~~النوافل ووجوه البر ms6589 سوى ما هم عليه إما أعمالا قد عملوها في الماضي أو ~~سيعملونها في المستقبل ، ثم إنه سبحانه رجع بقوله : PageV23P095 { حتى إذا ~~أخذنا مترفيهم بالعذاب } إلى وصف الكفار . # واعلم أن قول أبي مسلم أولى لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به من ~~ذكر المشفقين كان أولى من رده إلى ما بعد منه خصوصا ، وقد يرغب المرء في ~~فعل الخير بأن يذكر أن أعماله محفوظة كما قد يحذر بذلك من الشر ، وقد يوصف ~~المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة ويراد أنه قد استولى عليه ~~الفكر في قبول عمله أورده وفي أنه هل أداه كما يجب أو قصر . فإن قيل فما ~~المراد بقوله من هذا ، وهو إشارة إلى ماذا ؟ قلنا هو إشارة إلى إشفاقهم ~~ووجلهم مع أنهما مستوليان على قلوبهم . # أما قوله تعالى : { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب } فقال صاحب ( الكشاف ~~) حتى هذه هي التي / يبتدأ بعدها الكلام والكلام الجملة الشرطية . # واعلم أنه لا شبهة ( في ) أن الضمير في مترفيهم راجع إلى من تقدم ذكره من ~~الكفار لأن العذاب لا يليق إلا بهم وفي هذا العذاب وجهان : أحدهما : أراد ~~بالعذاب ما نزل بهم يوم بدر والثاني : أنه عذاب الآخرة ثم بين سبحانه أن ~~المنعمين منهم إذا نزل بهم العذاب يجأرون أي يرتفع صوتهم بالاستغاثة ~~والضجيج لشدة ما هم عليه ويقال لهم على وجه التبكيت { لا تجئروا اليوم إنكم ~~منا لا تنصرون } فلا يدفع عنكم ما يريد إنزاله بكم ، دل بذلك سبحانه على ~~أنهم سينتهون يوم القيامة إلى هذه الدرجة من الحسرة والندامة وهو كالباعث ~~لهم في الدنيا على ترك الكفر والإقدام على الإيمان والطاعة فإنهم الآن ~~ينتفعون بذلك . # ! 7 < { قد كانت ءايتى تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون * مستكبرين ~~به سامرا تهجرون * أفلم يدبروا القول أم جآءهم ما لم يأت ءابآءهم الا ولين ~~* أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون * أم يقولون به جنة بل جآءهم بالحق ~~وأكثرهم للحق كارهون * ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والا ms6590 رض ومن ~~فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون * أم تسألهم خرجا فخراج ربك ~~خير وهو خير الرازقين } . > 7 ! # < < # | المؤمنون : ( 66 - 72 ) قد كانت آياتي . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما بين فيما قبل أنه لا ينصر أولئك الكفار أتبعه ~~بعلة ذلك وهي أنه متى تليت آيات الله عليهم أتوا بأمور ثلاثة : أحدها : ~~أنهم كانوا على أعقابهم ينكصون وهذا مثل يضرب فيمن تباعد عن الحق كل ~~PageV23P096 التباعد وهو قوله : { فكنتم على أعقابكم تنكصون } أي تنفرون عن ~~تلك الآيات وعمن يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه ~~وثانيها : قوله : { مستكبرين به } والهاء / في به إلى ماذا تعود ؟ فيه وجوه ~~: أولها : إلى البيت العتيق أو الحرم كانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا ~~أهل الحرم والذي يسوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت وإن لم يكن لهم ~~مفخرة إلا أنهم ولاته والقائمون به وثانيها : المراد مستكبرين بهذا التراجع ~~والتباعد وثالثها : أن تتعلق الباء بسامرا أي يسمرون بذكر القرآن وبالطعن ~~فيه ، وهذا هو الأمر الثالث الذي يأتون به عند تلاوة القرآن عليهم ، وكانوا ~~يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحرا ~~وشعرا وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهجرون ، والسامر نحو الحاضر في ~~الإطلاق على الجمع وقرىء سمرا وسامرا يهجرون من أهجر في منطقه إذا أفحش ~~والهجر بالفتح الهذيان والهجر بالضم الفحش أو من هجر الذي هو مبالغة في هجر ~~إذا هدى . ثم إنه سبحانه لما وصف حالهم رد عليهم بأن بين أن إقدامهم على ~~هذه الأمور لا بد وأن يكون لأحد أمور أربعة : أحدها : أن لا يتأملوا في ~~دليل ثبوته وهو المراد من قوله : { أفلا يتدبرون القرءان } فبين أن القول ~~الذي هو القرآن كان معروفا لهم وقد مكنوا من التأمل فيه من حيث كان مباينا ~~لكلام العرب في الفصاحة ، ومبرأ عن التناقض في طول عمره ، ومن حيث ينبه على ~~ما يلزمهم من معرفة الصانع ومعرفة الوحدانية فل لا يتدبرون فيه ليتركوا ~~الباطل ويرجعوا إلى الحق وثانيها : أن ms6591 يعتقدوا أن مجيء الرسل أمر على خلاف ~~العادة وهو المراد من قوله : { أم جاءهم * تهجرون * أفلم يدبروا القول } ~~وذلك لأنهم عرفوا بالتواتر أن الرسل كانت تتواتر على الأمم وتظهر المعجزات ~~عليها وكانت الأمم بين مصدق ناج ، وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال أفما ~~دعاهم ذلك إلى تصديق الرسول وثالثها : أن لا يكونوا عالمين بديانته وحسن ~~خصاله قبل ادعائه للنبوة وهو المراد من قوله : { أم لم يعرفوا رسولهم فهم ~~له منكرون } نبه سبحانه بذلك على أنهم عرفوا منه قبل ادعائه الرسالة كونه ~~في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار من الكذب والأخلاق الذميمة فكيف ~~كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين ورابعها : أن يعتقدوا فيه ~~الجنون فيقولون إنما حمله على ادعائه الرسالة جنونه وهو المراد من قوله : { ~~أم يقولون به جنة } وهذا أيضا ظاهر الفساد لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه ~~أعفل الناس / والمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل ~~القاطعة والشرائع الكاملة ، ولقد كان من المبغضين له عليه السلام من سماه ~~بذلك وفيه وجهان : أحدهما : أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في ~~انقيادهم له وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم فنسبوه إلى الجنون لذلك والثاني ~~: أنهم قالوا ذلك إيهاما لعوامهم لكي لا ينقادوا له فأوردوا ذلك مورد ~~الاستحقار له . ثم إنه سبحانه بعد أن عد هذه الوجوه ، ونبه على فسادها قال ~~: { بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون } من حيث تمسكوا بالتقليد ومن حيث ~~علموا أنهم لو أقروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لزالت مناصبهم ولاختلت ~~رياساتهم فلذلك كرهوه فإن قيل قوله : { وأكثرهم } فيه دليل على أن أقلهم لا ~~يكرهون الحق ، قلنا كان فيهم من يترك الإيمان أنفة من توبيخ قومه وأن / ~~يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق كما حكى عن أبي طالب ثم بين سبحانه أن ~~الحق لا يتبع الهوى ، بل الواجب على المكلف أن يطرح الهوى ويتبع الحق فبين ~~سبحانه أن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم فقال : { ولو اتبع الحق ~~أهواءهم لفسدت * السماوات ms6592 والارض * ومن فيهن } وفي تفسيره وجوه : الأول : ~~أن القوم كانوا يرون أن الحق في اتخاذ آلهة مع الله تعالى ، لكن لو ~~PageV23P097 صح ذلك لوقع الفساد في السموات والأرض على ما قررناه في دليل ~~التمانع في قوله : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ~~) والثاني : أن أهواءهم في عبادة الأوثان وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهما منشأ المفسدة ، والحق هو الإسلام . فلو اتبع الإسلام قولهم لعلم الله ~~حصول المفاسد عند بقاء هذا العالم ، وذلك يقتضي تخريب العالم وإفناءه ~~والثالث : أن آراءهم كانت متناقضة فلو اتبع الحق أهواءهم لوقع التناقض ~~ولاختل نظام العالم عن القفال . # أما قوله : { بل أتيناهم بذكرهم } فقيل إنه القرآن والأدلة وقيل بل شرفهم ~~وفخرهم بالرسول وكلا القولين متقارب لأن في مجيء الرسول بيان الأدلة وفي ~~مجيء الأدلة بيان الرسول فأحدهما مقرون بالآخر ، وقيل الذكر هو الوعظ ~~والتحذير ، وقيل هو الذي كانوا يتمنونه ويقولون : { لو أن عندنا ذكرا من ~~الاولين * لكنا عباد الله المخلصين } ( الصافات : 168 ، 169 ) وقرىء ~~بذكراهم . ثم بين سبحانه أنه عليه الصلاة والسلام لا يطمع فيهم حتى يكون ~~ذلك سببا للنفرة فقال : { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير } وقرىء خراجا ، ~~قال أبو عمرو بن العلاء الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه والوجه أن ~~الخرج أخص من الخراج كقولك خراج القرية وخرج الكردة زيادة اللفظ لزيادة ~~المعنى ولذلك حسنت قراءة من قرأ { خرجا فخراج ربك } يعني أم تسألهم على ~~هدايتهم قليلا من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخلق خير . فنبه سبحانه بذلك ~~على أن هذه التهمة بعيدة عنه ، فلا يجوز أن ينفروا عن قبول قوله لأجلها . ~~فنبه سبحانه بهذه الآيات على أنهم غير معذورين ألبته وأنهم محجوجون من جميع ~~الوجوه ، قال الجبائي دل قوله تعالى : { وهو خير الرزقين } على أن أحدا من ~~العباد لا يقدر على مثل نعمه ورزقه ولا يساويه في الإفضال على عباده ودل ~~أيضا على أن العباد قد يرزق بعضهم بعضا ولولا ذلك لما جاز أن يقول : { وهو ~~خير ms6593 الرزقين } . # ! 7 < { وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم * وإن الذين لا يؤمنون بالا خرة عن ~~الصراط لناكبون * ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا فى طغيانهم يعمهون ~~} . > 7 ! # / < < # | المؤمنون : ( 73 - 75 ) وإنك لتدعوهم إلى . . . . . # > > إعلم أنه سبحانه وتعالى لما زيف طريقة القوم أتبعه ببيان صحة ما جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : { وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم } لأن ~~ما دل الدليل على صحته فهو في باب الاستقامة أبلغ من الطريق المستقيم { وإن ~~الذين لا يؤمنون بالاخرة عن الصراط لناكبون } أي لعادلون عن هذا الطريق ، ~~لأن طريق الاستقامة واحدة وما يخالفه فكثير . # أما قوله تعالى : { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر } ففيه وجوه : أحدها ~~: المراد ضرر الجوع وسائر مضار الدنيا وثانيها : المراد ضرر القتل والسبي ~~وثالثها : أنه ضرر الآخرة وعذابها فبين أنهم قد بلغوا في التمرد والعناد ~~المبلغ الذي لا مرجع فيه إلى دار الدنيا ، وأنهم { لو * ردوا لعادوا لما ~~نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) لشدة لجاجهم فيما هم عليه من الكفر . ~~PageV23P098 # أما قوله تعالى : { للجوا فى طغيانهم يعمهون } فالمعنى لتمادوا في ضلالهم ~~وهم متحيرون . # ! 7 < { ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون * حتى إذا ~~فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون * وهو الذىأنشأ لكم السمع ~~والا بصار والا فئدة قليلا ما تشكرون * وهو الذى ذرأكم فى الا رض وإليه ~~تحشرون * وهو الذى يحاى ويميت وله اختلاف اليل والنهار أفلا تعقلون } . > 7 ~~@QB@ < # | المؤمنون : ( 76 - 80 ) ولقد أخذناهم بالعذاب . . . . . # > > # اختلفوا في قوله : { ولقد أخذناهم بالعذاب } على وجوه : أحدها : أنه لما ~~أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة منغ الميرة عن أهل مكة فأخذهم ~~الله بالسنين حتى أكلوا الجلود والجيف ، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال : ألست تزعم أنك بعثت رحمة العالمين ، ثم قتلت الآباء ~~بالسيف والأبناء بالجوع ، فادع الله يكشف عنا هذا القحط . فدعا فكشف عنهم ~~فأنزل الله هذه الآية ، والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا وثانيها : هو ~~الذي نالهم يوم بدر ms6594 من القتل والأسر ، يعني أن ذلك مع شدته ما دعاهم إلى ~~الإيمان عن الأصم وثالثها : المراد / من عذب من الأمم الخوالي { فما ~~استكانوا } أي مشركي العرب لربهم عن الحسن ورابعها : أن شدة الدنيا أقرب ~~إلى المكلف من شدة الآخرة ، فإذا لم تؤثر فيهم شدة الدنيا فشدة الآخرة كذلك ~~، وهذا يدل على أنهم { لو * ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) . # أما قوله تعالى : { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد } ففيه وجهان ~~: أحدهما : حتى إذا فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشد من القتل والأسر ~~والثاني : إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون كقوله : { ويوم تقوم الساعة ~~يبلس المجرمون * لا يفتر عنهم وهم * مبلسون } والإبلاس اليأس من كل خير ، ~~وقيل السكون مع التحسير . وههنا سؤالات : # السؤال الأول : ما وزن استكان ؟ الجواب : استفعل من السكون أي انتقل من ~~كون إلى كون ، كما قيل استحال إذا انتقل من حال إلى حال ، ويجوز أن يكون ~~افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه . # السؤال الثاني : لم جاء { استكانوا } بلفظ الماضي و { يتضرعون } بلفظ ~~المستقبل ؟ الجواب : لأن المعنى امتحناهم فما وجدنا منهم عقيب المحنة ~~استكانة ، وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد ~~وقرىء فتحنا . # السؤال الثالث : العطف لا يحسن إلا مع المجانسة فأي مناسبة بين قوله : { ~~وهو الذى أنشأ لكم السمع والابصار } وبين ما قبله ؟ الجواب : كأنه سبحانه ~~لما بين مبالغة أولئك الكفار في الأعراض عن سماع الأدلة PageV23P099 ورؤية ~~العبر والتأمل في الحقائق قال للمؤمنين ، وهو الذي أعطاكم هذه الأشياء ~~ووقفكم عليها ، تنبيها على أن من لم يستعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو ~~بمنزلة عادمها كما قال تعالى : { فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شىء إذ كانوا يجحدون بئايات الله } تنبيها على أن حرمان أولئك ~~الكفار ووجدان هؤلاء المؤمنين ليس إلا من الله . واعلم أنه سبحانه بين عظيم ~~نعمه من وجوه : أحدها : بإعطاء السمع والأبصار والأفئدة وخص هذه الثلاثة ~~بالذكر لأن الاستدلال موقوف عليها ، ثم بين أنه ms6595 يقل منهم الشاكرون ، قال ~~أبو مسلم وليس المراد أن لهم شكرا وإن قل ، لكنه كما يقال للكفور الجاحد ~~للنعمة ما أقل شكر فلان وثانيها : قوله : { وهو الذى ذرأكم فى الارض } قيل ~~في التفسير { خلقكم } قال أبو مسلم : ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض ~~حتى كثرتم كقوله تعالى : { ذرية من حملنا مع نوح } ( الإسراء : 3 ) فنقول : ~~هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين ، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم ~~فيها سواه ، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشرا إليه لا بمعنى المكان وثالثها ~~: قوله : { وهو الذى يحى ويميت } أي نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم ~~فهي منقطعة وأنه سبحانه وإن أنعم بها فالمقصود منها الانتقال إلى دار ~~الثواب ورابعها : قوله : { وله اختلاف اليل والنهار } ووجه النعمة بذلك ~~معلوم ، ثم إنه سبحانه حذر من ترك النظر في هذه الأمور فقال : { أفلا ~~تعقلون } لأن ذلك دلالة الزجر والتهديد وقرىء { أفلا يعقلون } . # ! 7 < { بل قالوا مثل ما قال الا ولون * قالوا أءذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أءنا لمبعوثون * لقد وعدنا نحن وءابآؤنا هاذا من قبل إن هاذآ إلا ~~أساطير الا ولين } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 81 - 83 ) بل قالوا مثل . . . . . # > > # /اعلم أنه سبحانه لما أوضح القول في دلائل التوحيد عقبه بذكر المعاد فقال ~~: { بل قالوا مثل ما قال الاولون } في إنكار البعث مع وضوح الدلائل ونبه ~~بذلك على أنهم إنما أنكروا ذلك تقليدا للأولين وذلك يدل على فساد القول ~~بالتقليد ، ثم حكى الشبهة عنهم من وجهين : أحدهما : قولهم : { أءذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون } وهو مشهور وثانيهما : قولهم : { لقد ~~وعدنا نحن وءاباؤنا هاذا من قبل } كأنهم قالوا إن هذا الوعد كما وقع منه ~~عليه الصلاة والسلام فقد وقع قديما من الأنبياء ، ثم لم يوجد مع طول العهد ~~، فظنوا أن الإعادة PageV23P100 تكون في دار الدنيا ، ثم قالوا لما كان ~~كذلك فهو من أساطير الأولين والأساطير جمع أسطار والأسطار جمع سطر أي ما ~~كتبه الأولون مما لا حقيقة له ، وجمع أسطورة أوفق . # ! 7 < { قل لمن الا ms6596 رض ومن فيهآ إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا ~~تتقون * قل من بيده ملكوت كل شىء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون * بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون } . > 7 @QB@ ~~< # | المؤمنون : ( 84 - 90 ) قل لمن الأرض . . . . . # > > # اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات / الرد على منكري الإعادة ~~وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان ، وذلك لأن القوم كانوا مقرين ~~بالله تعالى فقالوا نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى ، ثم إنه سبحانه ~~احتج عليهم بأمور ثلاثة : أحدها : قوله : { قل لمن الارض ومن فيها } ووجه ~~الاستدلال به على الإعادة أنه تعالى لما كان خلقا للأرض ولمن فيها من ~~الأحياء ، وخالقا لحياتهم وقدرتهم وغيرها ، فوجب أن يكون قادرا على أن ~~يعيدهم بعد أن أفناهم . ووجه الاستدلال به على نفي عبادة عبادة الأوثان ، ~~من حيث إن عبادة من خلقكم وخلق الأرض وكل ما فيها من النعم هي الواجبة دون ~~عبادة ما لا يضر ولا ينفع ، وقوله : { أفلا تذكرون } معناه الترغيب في ~~التدبر ليعلموا بطلان ما هم عليه وثانيها : قوله : { من رب * السماوات * ~~السبع ورب العرش العظيم } ووجه الاستدلال على الأمرين كما تقدم ، وإنما قال ~~: { أفلا تتقون } تنبيها على أن اتقاء عذاب الله لا يحصل إلا بترك عبادة ~~الأوثان والاعتراف بجواز الإعادة وثالثها : قوله تعالى : { قل من بيده ~~ملكوت كل شىء } . # إعلم أنه سبحانه لما ذكر الأرض أولا والسماء ثانيا عمم الحكم ههنا ، فقال ~~من بيده ملكوت كل شيء ، ويدخل في الملكوت الملك والملك على سبيل المبالغة ، ~~وقوله : { وهو يجير ولا يجار عليه } يقال أجرت فلانا على فلان إذا أغثته ~~منه ومنعته . يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ، ولا يغيث أحد منه أحدا . # أما قوله تعالى : { فأنى تسحرون } فالمعنى أنى تخدعون عن توحيده وطاعته ، ~~والخادع هو الشيطان والهوى . ثم بين تعالى بقوله : { بل أتيناهم بالحق } ~~أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات ms6597 وغيرها وهم مع ذلك كاذبون ، وذلك ~~كالتوعد والتهديد ، وقرىء أتيتهم ، وأتيتهم بالضم والفتح وههنا سؤالات : # السؤال الأول : قرىء { قل لله } في الجواب الأول باللام لا غير ، وقرىء ~~الله في الأخيرين بغير اللام في مصاحف أهل الحرمين والكوفة والشام وباللام ~~في مصاحف أهل البصرة فما الفرق ؟ الجواب : لا فرق في المعنى ، لأن قولك من ~~ربه ، ولمن هو ؟ في معنى واحد . # السؤال الثاني : كيف قال : { إن كنتم تعلمون } ثم حكى عنهم سيقولون الله ~~وفيه تناقض ؟ الجواب : لا تناقض لأن قوله : { إن كنتم تعلمون } لا ينفي ~~عملهم بذلك . وقد يقال مثل ذلك في الحجاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث ~~على اعترافهم بما يورد من ذلك . # ! 7 < { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إلاه بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون * عالم الغيب والشهادة ~~فتعالى عما يشركون * قل رب إما ترينى ما يوعدون * رب فلا تجعلنى فى القوم ~~الظالمين * وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون * ادفع بالتى هى أحسن السيئة ~~نحن أعلم بما يصفون } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 91 - 96 ) ما اتخذ الله . . . . . # > > PageV23P101 # / إعلم أنه سبحانه ادعى أمرين أحدهما : قوله : { ما اتخذ الله من ولد } ~~وهو كالتنبيه على أن ذلك من قول هؤلاء الكفار ، فإن جمعا منهم كانوا يقولون ~~الملائكة بنات الله والثاني : قوله : { وما كان معه من إله } وهو قولهم ~~باتخاذ الأصنام آلهة ، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية ، ثم ~~إنه سبحانه وتعالى ذكر الدليل المعتمد بقوله : { إذا لذهب كل إلاه بما خلق ~~ولعلا بعضهم على بعض } والمعنى لانفرد على ( ذلك ) كل واحد من الآلهة بخلقه ~~الذي خلقه واستبد به ، ولرأيتم ملك كل واحد منهم متميزا عن ملك الآخر ، ~~ولغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متميزة وهم متغالبون ~~، وحيث لم تروا أثر التمايز في الممالك والتغالب ، فاعلموا أنه إله واحد ~~بيده ملكوت كل شيء . فإن قيل : { إذا } لا يدخل إلا على كلام هو جزاء وجواب ~~، فكيف وقع قوله ms6598 لذهب جزاء وجوابا ؟ ولم يتقدمه شرط ولا سؤال سائل ، قلنا ~~الشرط محذوف وتقديره ولو كان معه آلهة ، وإنما حذف لدلالة قوله : { وما كان ~~معه من إله } عليه ، ثم إنه سبحانه نزه نفسه عن قولهم بقوله : { سبحان الله ~~عما يصفون } من إثبات الولد والشريك . # أما قوله : { عالم الغيب والشهادة } فقرىء بالجر صفة لله ، وبالرفع خبر ~~مبدتأ محذوف ، والمعنى أنه سبحانه هو المختص بعلم الغيب والشهادة ، فغيره ~~وإن علم الشهادة فلن يعلم معها الغيب ، والشهادة التي يعلمها لا يتكامل بها ~~النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم ، فلذلك قال : { فتعالى عما ~~يشركون } ثم أمره سبحانه بالانقطاع إليه وأن يدعوه بقوله : { رب إما ترينى ~~ما يوعدون * رب فلا تجعلنى فى القوم الظالمين } قال صاحب ( الكشاف ) : ما ~~والنون مؤكدتان ، أي إن كان ولا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في ~~الدنيا أو في الآخرة ، فلا تجعلني قرينا لهم ولا تعذبني بعذابهم ، فإن قيل ~~كيف يجوز أن يجعل الله نبيه المعصوم مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم ~~؟ قلنا يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله ، وأن يستعيذ به مما علم ~~أنه لا يفعله إظهارا للعبودية وتواضعا لربه . وما أحسن قول الحسن في قول ~~الصديق : وليتكم ولست بخيركم ، مع أنه كان يعلم / أنه خيرهم ، ولكن المؤمن ~~يهضم نفسه ، وإنما ذكر رب مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في ~~التضرع . # أما قوله تعالى : { وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون } ففيه قولان : ~~أحدهما : أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب ويضحكون منه ، فقيل لهم : إن ~~الله قادر على إنجاز ما وعد ويحتمل عذابا في الدنيا مؤخرا PageV23P102 عن ~~أيامه عليه السلام ، فلذلك قال بعضهم : هو في أهل البغى ، وبعضهم في الكفار ~~الذين قوتلوا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم والثاني : أن المراد عذاب ~~الآخرة . # أما قوله : { ادفع بالتى هى أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون } فالمراد ~~منه أن الأولى به عليه السلام أن يعامل به الكفار فأمر باحتمال ما يكون ~~منهم ms6599 من التكذيب وضروب الأذى / وأن يدفعه بالكلام الجميل كالسلام وبيان ~~الأدلة على أحسن الوجوه ، وبين له أنه أعلم بحالهم منه عليه السلام وأنه ~~سبحانه لما لم يقطع نعمه عنهم ، فينبغي أن يكون هو عليه السلام مواظبا على ~~هذه الطريقة ، قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { ادفع بالتى هى أحسن السيئة } ( ~~المؤمنون : 96 ) أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل ، ~~والمعنى الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من الإحسان ، حتى إذا اجتمع ~~الصفح والإحسان وبذل الطاقة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء السيئة . وقيل هذه ~~الآية منسوخة بآية السيف ، وقيل محكمة ، لأن المداراة محثوث عليها ما لم ~~تؤد إلى نقصان دين أو مروءة . # ! 7 < { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون * حتى ~~إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلىأعمل صالحا فيما تركت كلا إنها ~~كلمة هو قآئلها ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 97 - 100 ) وقل رب أعوذ . . . . . # > > # اعلم أنه سبحانه لما أدب رسوله بقوله : { ادفع بالتى هى أحسن السيئة } ( ~~المؤمنون : 96 ) أتبعه بما به يقوى على ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين : ~~أحدهما : من همزات الشياطين ، والهمزات جمع الهمزة ، وهو الدفع والتحريك ~~الشديد ، وهو كالهز والأز ، ومنه مهماز الرائض ، وهمزاته هو كيده بالوسوسة ~~، ويكون ذلك منه في الرسول بوجهين : أحدهما : بالوسوسة والآخر بأن / يبعث ~~أعداءه على إيذائه ، وكذلك القول في المؤمنين ، لأن الشيطان يكيدهم بهذين ~~الوجهين ، ومعلوم أن من ينقطع إلى الله تعالى ويسأله أن يعيذه من الشيطان ، ~~فإنه يجب أن يكون متذكرا متيقظا فيما يأتي ويذر ، فيكون نفس هذا الانقطاع ~~إلى الله تعالى داعية إلى التمسك بالطاعة وزاجرا عن المعصية ، قال الحسن ~~كان عليه السلام يقول بعد استفتاح الصلاة ( لا إله إلا الله ثلاثا ، الله ~~أكبر ثلاثا ، اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفثه ونفخه ، فقيل ~~يا رسول الله وما همزه ؟ قال الموتة التي تأخذ ابن آدم أي الجنون الذي يأخذ ~~ابن آدم قيل فما نفثه ؟ قال الشعر قيل ms6600 فما نفخه ؟ قال الكبر وثانيها : قوله ~~: { وأعوذ بك رب أن يحضرون } وفيه وجهان : أحدهما : أن يحضرون عند قراءة ~~القرآن لكي يكون متذكرا فيقل سهوه ، وقال آخرون بل استعاذ بالله من نفس ~~حضورهم لأنه الداعي إلى وسوستهم كما يقول المرء أعوذ بالله من خصومتك بل ~~أعوذ بالله من لقائك ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اشتكى ~~إليه رجل أرقا يجده فقال : ( إذا أردت النوم فقل أعوذ بالله وبكلمات الله ~~التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده PageV23P103 ومن همزات الشياطين وأن ~~يحضرون ) . # أما قوله : { حتى إذا جاء أحدهم الموت } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) حتى متعلق بيصفون أي لا يزالون على ~~سوء الذكر إلى هذا الوقت والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد ~~للإغضاء عنهم مستعينا بالله على الشيطان أنه يستزله عن الحلم والله أعلم . # المسألة الثانية : اختلفوا في قوله : { حتى إذا جاء أحدهم الموت } ~~فالأكثرون على أنه راجع إلى الكفار وقال الضحاك كنت جالسا عند ابن عباس ، ~~فقال من لم يترك ولم يحج سأل الرجعة عند الموت ، فقال واحد إنما يسأل ذلك ~~الكفار فقال ابن عباس رضي الله عنهما أنا أقرأ عليك به قرآنا { وأنفقوا من ~~ما رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب ~~فأصدق } ( المنافقون : 10 ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا حضر ~~الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده يقول رب ارجعون ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت ) والأقرب هو الأول إذا عرف المؤمن منزلته في ~~الجنة فإذا شاهدها لا يتمنى أكثر منها ، ولولا ذلك لكان أدونهم ثوابا يغتم ~~بفقد ما يفقد من منزلة غيره وأما ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من قوله ~~: { وأنفقوا مما * رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت } فهو إخبار عن حال ~~الحياة في الدنيا لا عن حال الثواب فلا يلزم على ما ذكرنا . # المسألة الثالثة : اختلفوا في وقت مسألة الرجعة فالأكثرون على أنه يسأل ms6601 ~~في حال المعاينة لأنه عندها يضطر إلى معرفة الله تعالى وإلى أنه كان عاصيا ~~ويصير ملجأ إلى أنه لا يفعل القبيح بأن يعلمه الله تعالى أنه لو رامه لمنع ~~منه ، ومن هذا حاله يصير كالممنوع من القبائح بهذا الإلجاء فعند ذلك يسأل ~~الرجعة ، ويقول : { رب ارجعون * لعلى أعمل صالحا فيما تركت } وقال آخرون بل ~~يقول ذلك عند معاينة النار في الآخرة ، ولعل هذا القائل إنما ترك ظاهر هذه ~~الآية لما أخبر الله تعالى في كتابه / عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون ~~الرجعة لكن ذلك مما لا يمنع أن يكونوا سائلين الرجعة في حال المعاينة ، ~~والله تعالى يقول : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون } فعلق قولهم ~~هذا بحال حضور الموت وهو حال المعاينة فلا وجه لترك هذا الظاهر . # المسألة الرابعة : اختلفوا في قوله سبحانه وتعالى : { ارجعون } من المراد ~~به ؟ فقال بعضهم : الملائكة الذين يقبضون الأرواح وهم جماعة فلذلك ذكره ~~بلفظ الجمع ، وقال آخرون بل المراد هو الله تعالى لأن قوله رب بمنزلة أن ~~يقول يا رب وإنما ذكر بلفظ الجمع للتعظيم كما يخاطب العظيم بلفظه فيقول ~~فعلنا وصنعنا وقال الشاعر : # فإن شئت حرمت النساء سواكم # ومن يقول بالأول يجعل ذكر الرب للقسم ، فكأنه عند المعاينة قال بحق الرب ~~ارجعون ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : كيف يسألون الرجعة وقد علموا صحة الدين بالضرورة ، ومن ~~الدين أن لا رجعة ؟ الجواب : أنه وإن كان كذلك فلا يمتنع أن يسألوه لأن ~~الاستعانة بهذا الجنس من المسألة تحسن وإن علم أنه PageV23P104 لا يقع فأما ~~إرادته للرجعة فلا يمتنع أيضا على سبيل ما يفعله المتمني . # السؤال الثاني : ما معنى قوله : { لعلى أعمل صالحا } أفيجوز أن يسأل ~~الرجعة مع الشك ؟ الجواب : ليس المراد بلعل الشك فإنه في هذا الوقت باذل ~~للجهد في العزم على الطاعة إن أعطى ما سأل ، بل هو مثل من قصر في حق نفسه ~~وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير فيقول مكنوني من التدارك لعلي أتدارك فيقول هذه ~~الكلمة مع كونه جازما بأنه سيتدارك ms6602 ، ويحتمل أيضا أن الأمر المستقبل إذا لم ~~يعرفوه أوردوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين ، فقد قال تعالى : { ~~ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) . # السؤال الثالث : ما المراد بقوله فيما تركت ؟ الجواب : قال بعضهم فيما ~~خلفت من المال ليصير عند الرجعة مؤديا لحق الله تعالى منه ، والمعقول من ~~قوله : { تركت } التركة وقال آخرون بل المراد أعمل صالحا فيما قصرت فيدخل ~~فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق ، وهذا أقرب كأنهم تمنوا الرجعة ~~ليصلحوا ما أفسدوه ويطيعوا في كل ما عصوا . # السؤال الرابع : ما المراد بقوله كلا ؟ الجواب : فيه قولان : أحدهما : ~~أنه كالجواب لهم في المنع مما طلبوا ، كما يقال لطالب الأمر المستبعد هيهات ~~، روي أنه عليه السلام قال لعائشة رضي الله عنها : ( إذا عاين المؤمن ~~الملائكة قالوا نرجعك إلى دار الدنيا فيقول إلى دار الهموم والأحزان لا بل ~~قدوما على الله ، وأما الكافر فيقال له نرجعك فيقول ارجعون فيقال له إلى أي ~~شيء ترغب إلى جمع المال أو غرس الغراس أو بناء البنيان أو شق الأنهار ؟ ~~فيقول لعلي أعمل صالحا فيما تركتا فيقول فيقول الجبار كلا ) الثاني : يحتمل ~~أن يكون على وجه الإخبار بأنهم يقولون ذلك وأن هذا الخبر حق فكأنه قال : ~~حقا إنها كلمة هو قائلها ، والأقرب الأول . # / أما قوله : { إنها كلمة هو } ففيه وجهان : الأول : أنه لا يخليها ولا ~~يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه الثاني : أنه قائلها وحده ولا يجاب إليها ~~ولا يسمع منه . # أما قوله تعالى : { قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } فالبرزخ هو ~~الحاجز والمانع كقوله في البحرين { بينهما برزخ لا يبغيان } ( الرحمن : 20 ~~) أي فهؤلاء صائرون إلى حالة مانعة من التلافي حاجزة عن الاجتماع وذلك هو ~~الموت ، وليس المعنى أنهم يرجعون يوم البعث ، إنما هو إقناط كلي لما علم ~~أنه لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة . # ! 7 < { فإذا نفخ فى الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون * فمن ~~ثقلت موازينه فأولائك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولائك الذين خسروا ~~أنفسهم فى جهنم خالدون ms6603 * تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون * ألم تكن ~~ءاياتى تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 101 - 105 ) فإذا نفخ في . . . . . # > > PageV23P105 # إعلم أنه سبحانه لما قال : { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } ( ~~المؤمنون : 100 ) ذكر أحوال ذلك اليوم فقال { فإذا نفخ فى الصور } وفيه ~~ثلاثة أقوال : أحدها : أن الصور آلة إذا نفخ فيها يظهر صوت عظيم ، جعله ~~الله تعالى علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات ، روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قرن ينفخ فيه وثانيها : أن المراد من الصور مجموع الصور ~~، والمعنى فإذا نفخ في الصور أرواحها وهو قول الحسن فكان يقرأ بفتح الواو ~~والفتح والكسر عن أبي رزين وهو حجة لمن فسر الصور بجمع صورة وثالثها : أن ~~النفخ في الصور استعارة والمراد منه البعث والحشر ، والأول أولى للخبر وفي ~~قوله : { ثم نفخ فيه أخرى } ( الزمر : 68 ) دلالة على أنه ليس المراد نفع ~~الروح والإحياء لأن ذلك لا يتكرر . # أما قوله : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } فمن المعلوم أنه ~~سبحانه إذا أعادهم فالأنساب ثابتة لأن المعاد هو الولد والوالد ، فلا يجوز ~~أن يكون المراد نفي النسب في الحقيقة بل المراد نفي حكمه . وذلك من وجوه : ~~أحدها : أن من حق النسب أن يقع به التعاطف والتراحم كما يقال في الدنيا : ~~أسألك بالله والرحم أن تفعل كذا . فنفى سبحانه ذلك من حيث إن كل أحد من أهل ~~النار / يكون مشغولا بنفسه وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب ، وهكذا الحال ~~في الدنيا لأن الرجل متى وقع في الأمر العظيم من الآلام ينسى ولده ووالده ~~وثانيها : أن من حق النسب أن يحصل به التفاخر في الدنيا ، وأن يسأل بعضهم ~~عن كيفية نسب البعض ، وفي الآخرة لا يتفرغون لذلك وثالثها : أن يجعل ذلك ~~استعارة عن الخوف الشديد فكل امرىء مشغول بنفسه عن بنيه وأخيه وفصيلته التي ~~تؤويه فكيف بسائر الأمور ، قال ابن مسعود رضي الله عنه يؤخذ العبد والأمة ~~يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وينادي مناد ألا إن هذا فلان فمن له ms6604 عليه حق ~~فليأت إلى حقه فتفرح المرأة حينئذ أن يثبت لها حق على أمها أو أختها أو ~~أبيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } ~~وعن قتادة لا شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة ~~أن يثبت له عليه شيء ثم تلا { يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه } ( عبس ~~: 34 ) وعن الشعبي قال : قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله ، أما ~~نتعارف يوم القيامة ، أسمع الله تعالى يقول : { فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون } فقال عليه الصلاة والسلام ( ثلاث مواطن تذهل فيها كل نفس ؛ حين ~~يرمي إلى كل إنسان كتابه ، وعند الموازين ، وعلى جسر جهنم ) وطعن بعض ~~الملحدة فقال قوله : { ولا يتساءلون } وقوله : { ولا يسئل حميم حميما } ( ~~المعارج : 10 ) يناقض قوله : { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ( الصافات : ~~27 ) وقوله : { يتعارفون بينهم } ( يونس : 45 ) الجواب : عنه من وجوه : ~~أحدها : أن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة ففيه أزمنة وأحوال مختلفة ~~فيتعارفون ويتساءلون في بعضها / ويتحيرون في بعضها لشدة الفزع وثانيها : ~~أنه إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شغلوا بأنفسهم عن التساؤل ، فإذا نفخ فيه ~~أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا : { قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ~~ما وعد الرحمان } ( يس : 52 ) وثالثها : المراد لا يتساءلون بحقوق النسب ~~ورابعها : أن قوله : { لا يتساءلون } صفة للكفار وذلك لشدة خوفهم . ~~PageV23P106 # أما قوله : { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } فهو صفة أهل الجنة إذا ~~دخلوها ، واعلم أنه سبحانه قد بين أن بعد النفخ في الصور تكون المحاسبة ، ~~وشرح أحوال السعداء والأشقياء ، وقيل لما بين سبحانه أنه ليس في الآخرة إلا ~~ثقل الموازين وخفتها ، وجب أن يكون كل مكلف لا بد وأن يكون من أهل الجنة ~~وأهل الفلاح أو من أهل النار فيبطل بذلك القول بأن فيهم من لا يستحق الثواب ~~والعقاب أو من يتساوى له الثواب والعقاب ، ثم إنه سبحانه شرح حال السعداء ~~بقوله : { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون } ( المؤمنون : 102 ) وفي ms6605 ~~الموازين أقوال : أحدها : أنه استعارة من العدل وثانيها : أن الموازين هي ~~الأعمال الحسنة فمن أتي بما له قدر وخطر فهو الفائز الظافر ، ومن أتى بما ~~لا وزن له كقوله تعالى : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمان ~~ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا } ( النور : 39 ) فهو خالد في جهنم . قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال أي ~~الصالحات التي لها وزن وقدر عند الله تعالى من قوله : { فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا } ( الكهف : 105 ) أي قدرا وثالثها : أنه ميزان له لسان ~~وكفتان يوزن فيه الحسنات في أحسن صورة ، والسيئات في أقبح صورة فمن ثقلت ~~حسناته سيق إلى الجنة ومن ثقلت سيئاته فإلى النار ، وتمام الكلام في هذا ~~الباب قد تقدم في سورة الأنبياء عليهم السلام . وأما الأشقياء فقد وصفهم ~~الله تعالى بأمور أربعة : أحدها : أنهم خسروا أنفسهم ، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما غبنوها بأن صارت منازلهم للمؤمنين ، وقيل امتنع انتفاعهم ~~بأنفسهم لكونهم في العذاب وثانيها : قوله : { فى جهنم خالدون } ودلالته على ~~خلود الكفار في النار بينة . قال صاحب ( الكشاف ) : { فى جهنم خالدون } بدل ~~من خسروا أنفسهم أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف وثالثها : قوله ~~: { تلفح وجوههم النار } قال ابن عباس رضي الله عنهما أي تضرب وتأكل لحومهم ~~وجلودهم ، قال الزجاج : اللفح والنفخ واحد إلا أن اللفح أشد تأثيرا ورابعها ~~: قوله : { وهم فيها كالحون } والكلوح أن تتقلص الشفتان ويتباعدا عن ~~الأسنان ، كما ترى الرؤوس المشوية ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~: ( تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى ~~حتى تبلغ سرته ) ، وقرىء ( كلحون ) ، ثم إنه سبحانه لما شرح عذابهم ، حكى ~~ما يقال لهم عند ذلك تقريعا وتوبيخا ، وهو قوله تعالى : { ألم تكن ءاياتى ~~تتلى عليكم } ثم إنكم كنتم تكذبون بها مع وضوحها ، فلا جرم صرتم مستحقين ~~لما أنتم فيه من العذاب الأليم . قالت المعتزلة : الآية تدل على أنهم إنما ~~وقعوا في ذلك ms6606 العذاب لسوء أفعالهم ، ولو كان فعل العباد بخلق الله تعالى ~~لما صح ذلك والجواب : أن القادر على الطاعة والمعصية إن صدرت المعصية عنه ~~لا لمرجح ألبتة كان صدورها عنه اتفاقيا لا اختياريا ، فوجب أن لا يستحق ~~العقاب ، وإن كان لمرجح ، فذاك المرجح ليس من فعله وإلا لزم التسلسل ، ~~فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عند اضطراريا لا اختياريا ، فوجب أن لا يستحق ~~الثواب . # ! 7 < { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين * ربنآ أخرجنا ~~منها فإن عدنا فإنا ظالمون * قال اخسئوا فيها ولا تكلمون * إنه كان فريق من ~~عبادى يقولون ربنآ ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * فاتخذتموهم ~~سخريا حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون * إنى جزيتهم اليوم بما صبروا ~~أنهم هم الفآئزون } . > 7 @QB@ < # | المؤمنون : ( 106 - 111 ) قالوا ربنا غلبت . . . . . # > > PageV23P107 # / اعلم أنه سبحانه لما قال : { ألم تكن ءاياتى تتلى عليكم فكنتم بها ~~تكذبون } ( المؤمنون : 105 ) ذكروا ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين : ~~الأول : قولهم : { ربنا غلبت علينا شقوتنا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : غلبت علينا ملكتنا من قولك غلبني ~~فلان على كذا إذا أخذه منك ، والشقاوة سوء العاقبة ، قرىء : ( شقوتنا ) و ( ~~شقاوتنا ) بفتح الشين وكسرها فيهما ، قال أبو مسلم : الشقوة من الشقاء ~~كجرية الماء ، والمصدر الجري ، وقد يجيء لفظ فعله ، والمراد به الهيئة ~~والحال ، فيقول جلسة حسنة وركبة وقعدة وذلك من الهيئة ، وتقول عاش فلان ~~عيشة طيبة ومات ميتة كريمة ، وهذا هو الحال والهيئة ، فعلى هذا المراد من ~~الشقوة حال الشقاء . # المسألة الثانية : قال الجبائي : المراد أن طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا ~~على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة ، فأطلق اسم المسبب على السبب . ~~وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه ، ولكنه اعتراف بقيام حجة ~~الله تعالى عليهم في سوء صنيعهم ، قلنا إنك حملت الشقاوة على طلب تلك ~~اللذات المحرمة ، وطلب تلك اللذات حصل باختيارهم أو لا باختيارهم فإن حصل ~~باختيارهم فذلك الاختيار محدث ، فإن استغنى عن المؤثر فلم لا يجوز في كل ~~الحوادث ms6607 ذلك ، وحينئذ ينسد عليك باب إثبات الصانع ، وإن افتقر إلى محدث ~~فمحدثه إما العبد أو الله تعالى ؟ فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه : ~~أحدها : أن قدرة العبد صالحة للفعل والترك ، فإن توقف صدور تلك الإرادة ~~عنها إلى مرجح آخر ، عاد الكلام فيه ولزم التسلسل ، وإن لم يتوقف على ~~المرجح فقد جوزت رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح ، وذلك يسد باب ~~إثبات الصانع وثانيها : أن العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال ولا كيفيتها ، ~~والجاهل بالشيء لا يكون محدثا له ، وإلا لبطلت دلالة الإحكام والإتقان على ~~العلم والثاني : أن أحدا في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل ، بل لا يقصد ~~إلا تحصيل العلم ، فالكافر ما قصد إلا تحصيل العلم ، فإن كان الموجد لفعله ~~هو فوجب أن لا يحصل إلا ما قصد إيقاعه ، لكنه لم يقصد إلا العلم فكيف حصل ~~الجهل ؟ فثبت أن الموجد للدواعي والبواعث هو الله تعالى ، ثم إن الداعية إن ~~كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة ، وإن كانت سائقة إلى الشر كانت شقاوة ~~الوجه الثاني : لهم في الجواب قولهم : { وكنا قوما ضالين } وهذا الضلال ~~الذي جعلوه كالعلة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس ذلك التكذيب لزم ~~تعليل الشيء بنفسه ، ولما بطل ذلك لم يبق إلا أن يكون ذلك الضلال عبارة عن ~~شيء آخر ترتب عليه فعلهم وما ذاك إلا PageV23P108 خلق الداعي إلى الضلال ، ~~ثم إن القوم لما أوردوا هذين / العذرين ، قال لهم سبحانه : { اخسئوا فيها ~~ولا تكلمون } وهذا هو صريح قولنا في أن المناظرة مع الله تعالى غير جائزة ، ~~بل لا يسأل عما يفعل . قال القاضي في قوله : { ربنا غلبت علينا شقوتنا } ~~دلالة على أنه لا عذر لهم إلا الاعتراف / فلو كان كفرهم من خلقه تعالى ~~وبإرادته وعلموا ذلك لكانوا بأن يذكروا ذلك أجدر وإلى العذر أقرب ، فنقول ~~قد بينا أن الذي ذكروه ليس إلا ذلك ولكنهم مقرون أن لا عذر لهم فلا جرم ، ~~قال لهم : { اخسئوا فيها ولا تكلمون } . # أما قوله : { ربنا أخرجنا منها ms6608 فإن عدنا فإنا ظالمون } فالمعنى : أخرجنا ~~من هذه الدار إلى دار الدنيا ، فإن عدنا إلى الأعمال السيئة فإنا ظالمون ، ~~فإن قيل كيف يجوز أن يطلبوا ذلك وقد علموا أن عقابهم دائم ؟ قلنا يجوز أن ~~يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة . ويحتمل أن يكون ~~مع علمهم بذلك يسألون ذلك على وجه الغوث والاسترواح . # أما قوله : { وأنزلنا فيها } فالمعنى ذلوا فيها وانزجروا كما يزجر الكلاب ~~إذا زجرت ، يقال : خسأ الكلب وخسأ بنفسه . # أما قوله : { ولا تكلمون } فليس هذا نهيا لأنه لا تكليف في الآخرة ، بل ~~المراد لا تكلمون في رفع العذاب فإنه لا يرفع ولا يخفف ، قيل هو آخر كلام ~~يتكلمون به ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق والزفير ، والعواء كعواء الكلاب ~~، لا يفهمون ولا يفهمون . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن لهم ست دعوات ، ~~إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة { ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا } ( السجدة : ~~12 ) فيجابون { حق القول منى } ( السجدة : 13 ) فينادون ألف سنة ثانية { ~~ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } فيجابون { ذلكم بأنه إذا دعى الله ~~وحده كفرتم } ( غافر : 12 ) فينادون ألف ثالثة { ونادوا يامالك ليقض علينا ~~ربك } ( الزخرف : 77 ) فيجابون { إنكم ماكثون } ( الزخرف : 77 ) فينادون ~~ألفا رابعة { ربنا أخرجنا } فيجابون { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من ~~زوال } ( إبراهيم : 44 ) فينادون ألفا خامسة { أخرجنا نعمل صالحا } ( فاطر ~~: 37 ) فيجابون { أولم نعمركم } ( فاطر : 37 ) فينادون ألفا سادسة { رب ~~ارجعون } ( المؤمنون : 99 ) فيجابون { وأنزلنا فيها } ثم بين سبحانه وتعالى ~~، أن فزعهم بأمر يتصل بالمؤمنين ، وهو قوله : { إنه كان فريق من عبادى ~~يقولون ربنا ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الرحمين * فاتخذتموهم سخريا ~~} فوصف تعالى أحد ما لأجه عذبوا وبعدوا من الخير ، وهو ما عاملوا به ~~المؤمنين . وفي حرف أبي { إنه كان فريق } بالفتح بمعنى لأنه . وقرأ نافع ~~وأهل المدينة وأهل الكوفة عن عاصم بضم السين في جميع القرآن ، وقرأ الباقون ~~بالكسر ههنا وفي ص قال الخليل وسيبويه هما لغتان كدرى ودرى . وقال الكسائي ~~والفراء ms6609 الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول ، والضم بمعنى السخرية . قال مقاتل : ~~إن رؤساء قريش مثل أبي جهل وعتبة وأبي بن خلف كانوا يستهزئون بأصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويضحكون بالفقراء منهم مثل بلال وخباب وعمار وصهيب ~~، والمعنى اتخذتموهم هزوا حتى أنسوكم بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ذكرى وأكد ~~ذلك بقوله : { وكنتم منهم تضحكون } ثم بين سبحانه ما يقتضي فيهم الأسف ~~والحسرة بأن وصف ما جازى به أولئك المؤمنين فقال : { إنى جزيتهم اليوم بما ~~صبروا أنهم هم الفائزون } / قرأ حمزة والكسائي أنهم بالكسر والباقون بالفتح ~~فالكسر استئناف أي قد فازوا حيث صبروا فجوزوا بصبرهم أحسن الجزاء ، والفتح ~~على أنه في موضع المفعول الثاني من جزيت ، ويجوز أن يكون نصبا بإضمار ~~الخافض أي جزيتهم الجزاء الوافر لأنهم هم الفائزون . # PageV23P109 ! 7 < { قال كم لبثتم فى الا رض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم فاسأل العآدين * قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون * ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق ~~لا إلاه إلا هو رب العرش الكريم } . > 7 ! # < < # | المؤمنون : ( 112 - 116 ) قال كم لبثتم . . . . . # > > اعلم أن في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) في مصاحف أهل الكوفة { قال } وهو ~~ضمير الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة ، و { قل } في مصاحف أهل الحرمين ~~والبصرة والشام وهو ضمير الملك أو بعض رؤساء أهل النار . # المسألة الثانية : الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ ، فقد كانوا ~~ينكرون اللبث في الآخرة أصلا ولا يعدون اللبث إلا في دار الدنيا ويظنون أن ~~بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة فلما حصلوا في النار وأيقنوا أنها دائمة ~~وهم فيها مخلدون سألهم { كم لبثتم فى الارض } تنبيها لهم على أن ما ظنوه ~~دائما طويلا فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه ، فحينئذ تحصل لهم الحسرة على ~~ما كانوا يعتقدونه في الدنيا من حيث أيقنوا خلافه ، فليس الغرض السؤال بل ~~الغرض ما ذكرنا . فإن قيل فكيف يصح في جوابهم أن يقولوا : { لبثنا يوما أو ms6610 ~~بعض يوم } ولا يقع من أهل النار الكذب قلنا لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه ~~من الأهوال وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا : { فاسأل العادين } قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين وقيل ~~مرادهم بقولهم : { لبثنا يوما * أو بعض يوم } تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة ~~إلى ما وقعوا فيه وعرفوه من أليم العذاب والله أعلم . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن السؤال عن أي لبث وقع ، فقال بعضهم ~~لبثهم إحياؤهم في / الدنيا ويكون المراد أنهم أمهلوا حتى تمكنوا من العلم ~~والعمل فأجابوا بأن قدر لبثهم كان يسيرا بناء على أن الله تعالى أعلمهم أن ~~الدنيا متاع قليل وأن الآخرة هي دار القرار ، وهذا القائل احتج على قوله ~~بأنهم كانوا يزعمون أن لا حياة سواها ، فلما أحياهم الله تعالى في النار ~~وعذبوا سألوا عن ذلك توبيخا لأنه إلى التوبيخ أقرب ، وقال آخرون بل المراد ~~اللبث في حال الموت ، واحتجوا على قولهم بأمرين : الأول : أن قوله في الأرض ~~يفيد الكون في القبر ومن كان حيا فالأقرب أن يقال إنه على الأرض وهذا ضعيف ~~لقوله : { ولا تفسدوا فى الارض } ( الأعراف : 56 ) ، الثاني : قوله تعالى : ~~{ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة } ( الروم : 55 ) ثم ~~بين سبحانه أنهم كذبوا في ذلك وأخبر عن المؤمنين قولهم : { لقد لبثتم فى ~~كتاب الله إلى يوم البعث } ( الروم : 56 ) . PageV23P110 # المسألة الرابعة : احتج من أنكر عذاب القبر بهذه الآية فقال قوله : { كم ~~لبثتم فى الارض } يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض وزمان كونهم أمواتا في ~~بطن الأرض فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة مكثهم في الأرض طويلة ~~فما كانوا يقولون : { لبثنا يوما أو بعض يوم } والجواب : من وجهين : أحدهما ~~: أن الجواب لا بد وأن يكون بحسب السؤال ، وإنما سألوا عن موت لا حياة بعده ~~إلا في الآخرة ، وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر والثاني : يحتمل أن ~~يكونوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه ، فلا يدخل في ذلك ms6611 تقدم موت ~~بعضهم على البعض ، فيصح أن يكون جوابهم { لبثنا يوما أو بعض يوم } عند ~~أنفسنا . # أما قوله : { فاسأل العادين } ففيه وجوه : أحدها : المراد بهم الحفظة ~~وأنهم كانوا يحصون الأعمال وأوقات الحياة ويحسبون أوقات موتهم وتقدم من ~~تقدم وتأخر من تأخر ، وهو معنى قول عكرمة فاسأل العادين أي الذين يحسبون ~~وثانيها : فاسأل الملائكة الذين يعدون أيام الدنيا وساعاتها وثالثها : أن ~~يكون المعنى سل من يعرف عدد ذلك فإنا قد نسيناه ورابعها : قرىء العادين ~~بالتخفيف أي الظلمة فإنهم يقولون مثل ما قلنا وخامسها : قرىء العاديين أي ~~القدماء المعمرين ، فإنهم يستقصرونها فكيف بمن دونهم ؟ # أما قوله : { لبثتم إلا قليلا } فالمعنى أنهم قالوا : { لبثنا يوما * أو ~~بعض يوم } على معنى أنا لبثنا في الدنيا قليلا ، فكأنه قيل لهم صدقتم ما ~~لبثتم فيها إلا قليلا إلا أنها انقضت ومضت ، فظهر أن الغرض من هذا السؤال ~~تعريف قلة أيام الدنيا في مقابلة أيام الآخرة . # فأما قوله تعالى : { لو أنكم كنتم تعلمون } فبين في هذا الوجه أنه أراد ~~أنه قليل لو علمتم البعث والحشر ، لكنكم لما أنكرتم ذلك كنتم تعدونه طويلا ~~. # ثم بين تعالى ما هو في التوبيخ أعظم بقوله : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) { عبثا } حال أي عابثين كقوله : { ~~لاعبين } أو مفعول به أي ما خلقناكم للعبث . # المسألة الثانية : أنه سبحانه لما شرح صفات القيامة ختم الكلام فيها ~~بإقامة الدلالة على وجودها وهي أنه لولا القيامة لما تميز المطيع من العاصي ~~والصديق من الزنديق ، وحينئذ يكون خلق هذا العالم عبثا ، وأما الرجوع إلى ~~الله تعالى فالمراد إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه لا أنه رجوع من مكان إلى ~~مكان لاستحالة ذلك على الله تعالى ثم إنه تعالى نزه نفسه عن العبث بقوله : ~~{ فتعالى الله الملك الحق } والملك هو المالك للأشياء الذي لا يبيد ولا ~~يزول ملكه وقدرته ، وأما الحق فهو الذي يحق له الملك لأن كل شيء منه وإليه ~~، وهو الثابت الذي لا يزول ms6612 ولا يزول ملكه ، وبين أنه لا إله سواه وأن ما ~~عداه فمصيره إلى الفناء وما يفنى لا يكون إلها وبين أنه تعالى : { رب العرش ~~الكريم } . قال أبو مسلم والعرش ههنا السموات بما فيها من العرش الذي تطوف ~~به الملائكة ويجوز أن يعني به الملك العظيم ، وقال الأكثرون المراد هو ~~العرش حقيقة وإنما وصفه بالكريم لأن الرحمة تنزل منه والخير والبركة ~~ولنسبته إلى أكرم الأكرمين كما يقال بيت كريم إذا كان ساكنوه كراما وقرىء ~~الكريم بالرفع ونحوه ذو العرش المجيد . # PageV23P111 ! 7 < { ومن يدع مع الله إلها ءاخر لا برهان له به فإنما ~~حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون * وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ~~} . > 7 ! # < < # | المؤمنون : ( 117 - 118 ) ومن يدع مع . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما بين أنه هو الملك الحق لا إله إلا هو أتبعه بأن ~~من ادعى إلها آخر فقد ادعى باطلا من حيث لا برهان لهم فيه ، ونبه بذلك على ~~أن كل ما لا برهان فيه لا يجوز إثباته ، وذلك يوجب صحة النظر وفساد التقليد ~~ثم ذكر أن من قال بذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله : { فإنما حسابه عند ربه ~~} كأنه قال إن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلا الله تعالى ~~وقرىء أنه لا يفلح بفتح الهمزة ومعناه حسابه عدم الفلاح جعل فاتحة السورة { ~~قد أفلح المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) وخاتمتها { إنه لا يفلح الكافرون } ~~فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة . ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن ~~يقول رب اغفر وارحم ويثني عليه بأنه خير الراحمين ، وقد تقدم بيان أنه ~~سبحانه خير الراحمين فإن قيل كيف تتصل هذه الخاتمة بما قبلها ؟ قلنا لأنه ~~سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر ~~بالانقطاع إلى الله تعالى والالتجاء إلى دلائل غفرانه ورحمته ، فإنهما هما ~~العاصمان عن كل الآفات والمخافات ، وروي أن أول سورة { قد أفلح } وآخرها من ~~كنوز العرش من عمل بثلاث آيات من أولها ، واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا ms6613 ~~وأفلح . والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب والحمد لله وحده وصلاته ~~على خير خلقه سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه وعترته وأهل بيته . # # PageV23P112 < # > 1 ( سورة النور ) 1 < # > # مدنية كلها وهي اثنتان وقيل أربع وستون آية # ! 7 < { سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيهآ ءايات بينات لعلكم تذكرون } ~~. > 7 ! # / < < # | النور : ( 1 ) سورة أنزلناها وفرضناها . . . . . # > > قرأ العامة سورة بالرفع ، وقرأ طلحة بن مصرف بالنصب ، أما الذين ~~قرأوا بالرفع فالجمهور قالوا الابتداء بالنكرة لا يجوز ، والتقدير هذه سورة ~~أنزلناها ، أو نقول سورة أنزلناها مبتدأ موصوف ، والخبر محذوف أي فيما ~~أوحينا إليك سورة أنزلناها ، وقال الأخفش لا يبعد الابتداء بالنكرة فسورة ~~مبتدأ وأنزلنا خبره ، ومن نصب فعلى معنى الفعل ، يعني اتبعوا سورة أو أتل ~~سورة أو أنزلنا سورة ، وأما معنى السورة ومعنى الإنزال فقد تقدم ، فإن قيل ~~الإنزال إنما يكون من صعود إلى نزول ، فهذا يدل على أنه تعالى في جهة ، ~~قلنا : الجواب من وجوه : أحدها : أن جبريل عليه السلام كان يحفظها من اللوح ~~المحفوظ ثم ينزلها عليه صلى الله عليه وسلم ، فلهذا جاز أن يقال أنزلناها ~~توسعا وثانيها : أن الله تعالى أنزلها من أم الكتاب في السماء الدنيا دفعة ~~واحدة ثم أنزلها بعد ذلك نجوما على لسان جبريل عليه السلام وثالثها : معنى ~~{ أنزلناها } أي أعطيناها الرسول ، كما يقول العبد إذا كلم سيده رفعت إليه ~~حاجتي ، كذلك يكون من السيد إلى العبد الإنزال قال الله تعالى : { إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } ( فاطر : 10 ) . # أما قوله : { وفرضناها } فالمشهور قراءة التخفيف ، وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو بالتشديد . # أما قراءة التخفيف فالفرض هو القطع والتقدير قال الله تعالى : { فنصف ما ~~فرضتم } ( البقرة : 237 ) أي قدرتم { إن الذى فرض عليك القرءان } ( القصص : ~~85 ) أي قدر ، ثم إن السورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت في الوجود وتحصيل ~~الحاصل محال ، فوجب أن يكون المراد وفرضنا ما بين فيها ، وإنما قال ذلك لأن ~~أكثر ما في هذه السورة من باب الأحكام والحدود فلذلك عقبها بهذا الكلام ، ~~وأما قراءة التشديد فقال الفراء ms6614 : التشديد للمبالغة والتكثير ، أما ~~المبالغة فمن حيث إنها حدود وأحكام فلا بد من المبالغة في إيجابها ليحصل ~~الانقياد لقبولها ، وأما التكثير فلوجهين : أحدهما : أن الله تعالى بين ~~فيها أحكاما مختلفة والثاني : أنه سبحانه PageV23P113 وتعالى أوجبها على كل ~~المكلفين إلى آخر / الدهر ، أما قوله : { سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا } ~~ففيه وجوه : أحدها : أنه سبحانه ذكر في أول السورة أنواعا من الأحكام ~~والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله : { وفرضناها } إشارة إلى الأحكام ~~التي بينها أولا ثم قوله : { سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا } إشارة إلى ~~ما بين من دلائل التوحيد ، والذي يؤكد هذا التأويل قوله : { لعلكم تذكرون } ~~فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكيرها . أما دلائل ~~التوحيد فقد كانت كالمعلومة لهم لظهورها فأمروا بتذكيرها . وثانيها : قال ~~أبو مسلم يجوز أن تكون الآيات البينات ما ذكر فيها من الحدود والشرائع ~~كقوله : { رب اجعل لىءاية قال ءايتك * أن لا * تكلم الناس ثلاث * ليال سويا ~~} ( آل عمران : 41 ) سأل ربه أن يفرض عليه عملا وثالثها : قال القاضي إن ~~السورة كما اشتملت على عمل الواجبات فقد اشتملت على كثير من المباحثات بأن ~~بينها الله تعالى ، ولما كان بيانه سبحانه لها مفصلا وصف الآيات بأنها ~~بينات . # أما قوله تعالى : { لعلكم تذكرون } فقرىء بتشديد الذال وتخفيفها ، ومعنى ~~لعل قد تقدم في سورة البقرة ، قال القاضي لعل بمعنى كي ، وهذا يدل على أنه ~~سبحانه أراد من جميعهم أن يتذكروا والجواب : أنه سبحانه لو أراد ذلك من ~~الكل لما قوى دواعيهم إلى جانب المعصية ، ولو لم توجد تلك التقوية لزم وقوع ~~الفعل لا لمرجح ، ولو جاز ذلك لما جاز الاستدلال بالإمكان والحدوث على وجود ~~المرجح ويلزم نفي الصانع ، وإذا كان كذلك وجب حمل لعل على سائر الوجوه ~~المذكورة في سورة البقرة واعلم أنه سبحانه ذكر في هذه السورة أحكاما كثيرة ~~: # الحكم الأول # ! 7 < { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم ~~بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الا خر وليشهد عذابهما ~~طآئفة من المؤمنين } . > 7 ms6615 @QB@ < # | النور : ( 2 ) الزانية والزاني فاجلدوا . . . . . # > > # إعلم أن قوله تعالى : { الزانية والزانى } رفعهما على الابتداء والخبر ~~محذوف عند الخليل وسيبويه على معنى : فيما فرض الله عليكم الزانية والزاني ~~أي فاجلدوهما ، ويجوز أن يكون الخبر فاجلدوا وإنما دخلت الفاء لكون الألف ~~واللام بمعنى الذي وتضمنه معنى الشرط تقديره التي زنت والذي زنى فاجلدوهما ~~كما تقول من زنا فاجلدوه ، وقرىء بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر ، ~~وقرىء والزان بلا ياء ، واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين : أحدهما : ~~ما يتعلق / بالشرعيات والثاني : ما يتعلق بالعقليات ونحن نأتي على البابين ~~بقدر الطاقة إن شاء الله تعالى . # النوع الأول : الشرعيات ، واعلم أن الزنا حرام وهو من الكبائر ويدل عليه ~~أمور : أحدها : أن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى : { ~~والذين لا يدعون مع الله إلاها ءاخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل } ( الفرقان : 68 ) وقال : { ولا تقربوا الزنى ~~إنه كان فاحشة وساء سبيلا } ( الإسراء : 32 ) ، وثانيها : أنه تعالى أوجب ~~المائة فيها بكمالها بخلاف حد القذف وشرب الخمر ، وشرع PageV23P114 فيه ~~الرجم ، ونهى المؤمنين عن الرأفة وأمر بشهود الطائفة للتشهير وأوجب كون تلك ~~الطائفة من المؤمنين ، لأن الفاسق من صلحاء قومه أخجل وثالثها : ما روى ~~حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يا معشر الناس اتقوا الزنا ~~فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة ، أما التي في الدنيا ~~فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر ، وأما التي في الآخرة فسخط الله ~~سبحانه وتعالى وسوء الحساب وعذاب النار ) وعن عبد الله قال قلت يا رسول ~~الله : أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ، قلت ~~ثم أي ؟ قال ، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك قلت : ثم أي ؟ قال : وأن ~~تزني بحليلة جارك ) فأنزل الله تعالى تصديقها : { والذين لا يدعون مع الله ~~إلاها ءاخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } ( ~~الفرقان : 68 ) واعلم أنه يجب البحث في ms6616 هذه الآية عن أمور : أحدها : عن ~~ماهية الزنا وثانيها : عن أحكام الزنا وثالثها : عن الشرائط المعتبرة في ~~كون الزنا موجبا لتلك الأحكام ورابعها : عن الطريق الذي به يعرف حصول الزنا ~~وخامسها : أن المخاطبين بقوله : { فاجلدوهم } ( النور : 4 ) من هم ؟ ~~وسادسها : أن الرجم والجلد المأمور بهما في الزنا كيف يكون حالهما ؟ . # البحث الأول : عن ماهية الزنا قال بعض أصحابنا إنه عبارة عن إيلاج فرج في ~~فرج مشتهى طبعا محرم قطعا وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن اللواطة هل ينطلق عليها اسم الزنا أم لا ~~؟ فقال قائلون نعم . واحتج عليه بالنص والمعنى ، أما النص فما روى أبو موسى ~~الأشعري رضى الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( إذا أتى الرجل الرجل ~~فهما زانيان ) وأما المعنى فهو أن اللواط مثل الزنا صورة ومعنى . أما ~~الصورة فلأن الزنا عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم قطعا ، ~~والدبر أيضا فرج لأن القبل إنما سمى فرجا لما فيه من الانفراج ، وهذا ~~المعنى حاصل في الدبر أكثر ما في الباب أن في العرف لا تسمى اللواطة زنا ~~ولكن هذا لا يقدح في أصل اللغة / كما يقال هذا طبيب وليس بعالم مع أن الطب ~~علم ، وأما المعنى فلأن الزنا قضاء للشهوة من محل مشتهى طبعا على جهة ~~الحرام المحض ، وهذا موجود في اللواط لأن القبل والدبر يشتهيان لأنهما ~~يشتركان في المعاني التي هي متعلق الشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل ، ~~ولذلك فإن من يقول بالطبائع لا يفرق / بين المحلين ، وإنما المفرق هو الشرع ~~في التحريم والتحليل ، فهذا حجة من قال اللواط داخل تحت اسم الزنا ، وأما ~~الأكثرون من أصحابنا فقد سلموا أن اللواط غير داخل تحت اسم الزنا واحتجوا ~~عليه بوجوه : أحدها : العرف المشهور من أن هذا لواط وليس بزنا وبالعكس ~~والأصل عدم التغيير وثانيها : لو حلف لا يزني فلاط لا يحنث وثالثها : أن ~~الصحابة اختلفوا في حكم اللواط وكانوا عالمين باللغة فلو سمي اللواط زنا ~~لأغناهم نص الكتاب في حد الزنا عن الاختلاف والاجتهاد ms6617 ، وأما الحديث فهو ~~محمول على الإثم بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا أتت المرأة المرأة ~~فهما زانيتان ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( اليدان تزنيان والعينان ~~تزنيان ) وأما القياس فبعيد لأن الفرج وإن كان سمى فرجا لما فيه من ~~الانفراج فلا يجب أن يسمى كل ما فيه انفراج بالفرج وإلا لكان الفم والعين ~~فرجا ، وأيضا فهم سموا النجم نجما لظهوره ، ثم ما سموا كل ظاهر نجما . ~~وسموا الجنين جنينا لاستناره ، وما سموا كل مستتر جنينا ، واعلم أن للشافعي ~~رحمه الله في فعل PageV23P115 اللواط قولان أصحهما عليه حد الزنا إن كان ~~محصنا يرجم ، وإن لم يكن محصنا يجلد مائة ويغرب عاما وثانيهما : يقتل ~~الفاعل والمفعول به سواء كان محصنا أو لم يكن محصنا ، لما روى ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ~~فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) ثم في كيفية قتله أوجه : أحدها : تحز رقبته ~~كالمرتد وثانيها : يرجم بالحجارة وهو قول مالك وأحمد وإسحق وثالثها : يهدم ~~عليه جدار ، يروى ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ورابعها : يرمى من ~~شاهق جبل حتى يموت ، يروى ذلك عن علي عليه السلام وإنما ذكروا هذه الوجوه : ~~لأن الله تعالى عذب قوم لوط بكل ذلك فقال تعالى : { فجعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } ( هود : 82 ) وعند أبي حنيفة رحمه الله لا ~~يحد اللوطي بل يعذر ، أما المفعول به فإن كان عاقلا بالغا طائعا فإن قلنا ~~على الفاعل القتل فيقتل المفعول به على صفة قتل الفاعل للخبر ، وإن قلنا ~~على الفاعل حد الزنا فعلى المفعول به مائة جلدة وتغريب عام محصنا كان أو ~~غير محصن ، وقيل إن كانت امرأة محصنة فعليها الرجم ، وليس بصحيح لأنها لا ~~تصير محصنة بالتمكين في الدبر فلا يلزمها حد المحصنات كما لو كان المفعول ~~به ، ذكر حجة الشافعي رحمه الله على وجوب الحد من وجوه : الأول : أن اللواط ~~، إما أن يساوي الزنا في الماهية أو يساويه في لوازم هذه الماهية وإذا كان ms6618 ~~كذلك وجب الحد بيان الأول : قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا أتى الرجل ~~الرجل فهما زانيان ) فاللفظ دل على كون اللائط زانيا ، واللفظ الدال ~~بالمطابقة على ماهية دال بالالتزام على حصول جميع لوازمها ، ودلالة ~~المطابقة والالتزام مشتركان في أصل الدلالة ، فاللفظ الدال على حصول الزنا ~~دال على حصول جميع اللوازم ، ثم بعد هذا إن تحقق مسمى الزنا في اللواط دخل ~~تحت قوله : { الزانية والزانى فاجلدوا } وإن لم يتحقق مسمى الزنا وجب أن ~~يتحقق لوازم مسمى الزنا لما ثبت أن اللفظ الدال على تحقق ماهية دال على ~~تحقق جميع تلك اللوازم ترك العمل به في حق الماهية / فوجب أن يبقى معمولا ~~به في الدلالة على جميع تلك اللوازم ، لكن من لوازم الزنا وجوب الحد فوجب ~~أن يتحقق ذلك في اللواط . أكثر ما في الباب أنه ترك العمل بذلك في قوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ) لكن لا يلزم ~~من ترك العمل هناك تركه ههنا الثاني : أن اللائط يجب قتله فوجب أن يقتل ~~رجما بيان الأول : قوله عليه السلام : ( من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل ~~منهما والمفعول به ) وبيان الثاني : أنه لما وجب قتله وجب أن يكون زانيا ~~وإلا لما جاز قتله لقوله عليه السلام : ( لا يحل دم امرىء مسلم إلا لإحدى ~~ثلاث ) وههنا لم يوجد كفر بعد إيمان ولا قتل نفس بغير حق فلو لم يوجد الزنا ~~بعد الإحصان لوجب أن لا يقتل ، وإذا ثبت أنه وجد الزنا بعد الإحصان وجب ~~الرجم لهذا الحديث الثالث : نقيس اللواط على الزنا ، والجامع أن الطبع داع ~~إليه لما فيه من الالتذاذ وهو قبيح فيناسب الزجر ، والحد يصلح زاجرا عنه . ~~قالوا : والفرق من وجهين : أحدهما : أنه وجد في الزنا داعيات ، فكان وقوعه ~~أكثر فسادا فكانت الحاجة إلى الزاجر أتم الثاني : أن الزنا يقتضي فساد ~~الأنساب والجواب : إلغاؤهما بوطء العجوز الشوهاء واحتج أبو حنيفة رحمه الله ~~بوجوه : أحدها : اللواط ليس بزنا على ما تقدم فوجب أن لا PageV23P116 يقتل ~~لقوله عليه الصلاة والسلام ms6619 : ( لا يحل دم امرىء مسلم إلا لإحدى ثلاث ) ~~وثانيها : أن اللواط لا يساوي الزنا في الحاجة إلى شرع الزاجر ، ولا في ~~الجناية فلا يساويه في الحد بيان عدم المساواة في الحاجة . أن اللواطة وإن ~~كانت يرغب فيها الفاعل لكن لا يرغب فيها المفعول طبعا بخلاف الزنا ، فإن ~~الداعي حاصل من الجانبين ، وأما عدم المساواة في الجناية فلأن في الزنا ~~إضاعة النسب ولا كذلك اللواط ، إذا ثبت هذا فوجب أن لا يساويه في العقوبة ، ~~لأن الدليل ينفي شرع الحد لكونه ضررا ترك العمل به في الزنا ، فوجب أن يبقى ~~في اللواط على الأصل وثالثها : أن الحد كالبدل عن المهر فلما لم يتعلق ~~باللواط المهر فكذا الحد والجواب : عن الأول أن اللواط وإن لم يكن مساويا ~~للزنا في ماهيته لكنه يساويه في الأحكام وعن الثاني : أن اللواط وإن كان لا ~~يرغب فيه المفعول لكن ذلك بسبب اشتداد رغبة الفاعل ، لأن الإنسان حريص على ~~ما منع وعن الثالث : أنه لا بد من الجامع والله أعلم . # المسألة الثانية : أجمعت الأمة على حرمة إتيان البهائم . وللشافعي رحمه ~~الله في عقوبته أقوال : أحدها : يجب به حد الزنا فيرجم المحصن ويجلد غير ~~المحصن ويغرب والثاني : أنه يقتل محصنا كان أو غير محصن . لما روي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أتى ~~بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه ) فقيل لابن عباس : ما شأن البهيمة ؟ فقال : ما ~~أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها ، وقد عمل بها ذلك العمل والقول ~~الثالث : وهو الأصح وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري وأحمد رحمهم الله : أن ~~عليه التعزيز لأن الحد شرح للزجر عما تميل النفس إليه ، وهذا الفعل لا تميل ~~النفس إليه ، وضعفوا حديث ابن عباس رضي الله عنهما لضعف إسناده وإن ثبت فهو ~~معارض بما روي أنه عليه السلام نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله . # / المسألة الثالثة : السحق من النسوان وإتيان الميتة والاستمناء باليد لا ~~يشرع فيها إلا التعزيز . # البحث الثاني : عن ms6620 أحكام الزنا . واعلم أنه كان في أول الإسلام عقوبة ~~الزاني الحبس إلى الممات في حق الثيب ، والأذى بالكلام في حق البكر . قال ~~الله تعالى : { واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم فإن شهدوا فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل * واللذان ~~يأتيانها منكم فئاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما } ( النساء : 15 ، ~~16 ) ثم نسخ ذلك فجعل حد الزنا على الثيب الرجم وحد البكر الجلد والتغريب ، ~~ولنذكر هاتين المسألتين : # المسألة الأولى : الخوارج أنكروا الرجم واحتجوا فيه بوجوه : أحدها : قوله ~~تعالى : { فعليهن نصف ما على المحصنات } ( النساء : 25 ) فلو وجب الرجم على ~~المحصن لوجب نصف الرجم على الرقيق لكن الرجم لا نصف لها وثانيها : أن الله ~~سبحانه ذكر في القرآن أنواع المعاصي من الكفر والقتل والسرقة ، ولم يستقص ~~في أحكامها كما استقصى في بيان أحكام الزنا ، ألا ترى أنه تعالى نهى عن ~~الزنا بقوله : { ولا تقربوا الزنى } ( الإسراء : 32 ) ثم توعد عليه ثانيا ~~بالنار كما في كل المعاصي ، ثم ذكر الجلد ثالثا ثم خص الجلد بوجوب إحضار ~~المؤمنين رابعا ، ثم خصه بالنهي عن الرأفة عليه بقوله : { ولا تأخذكم بهما ~~رأفة فى دين الله } خامسا ، ثم أوجب على من رمى مسلما بالزنا ثمانين جلدة ، ~~وسادسا ، لم يجعل ذلك على من رماه بالقتل والكفر وهما أعظم منه ، ثم قال ~~سابعا : { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } ثم ذكر ثامنا من رمى زوجته بما يوجب ~~PageV23P117 التلاعن واستحقاق غضب الله تعالى ثم ذكر تاسعا أن { الزانية * ~~لا ينكحها إلا زان أو مشرك } ( النور : 3 ) ، ثم ذكر عاشرا أن ثبوت الزنا ~~مخصوص بالشهود الأربعة فمع المبالغة في استقصاء أحكام الزنا قليلا وكثيرا ~~لا يجوز إهمال ما هو أجل أحكامها وأعظم آثارها ، ومعلوم أن الرجم لو كان ~~مشروعا لكان أعظم الآثار فحيث لم يذكره الله تعالى في كتابه دل على أنه غير ~~واجب وثالثها : قوله تعالى : { الزانية والزانى فاجلدوا } يقتضي وجوب الجلد ~~على كل الزناة ، وإيجاب الرجم على البعض بخبر الواحد يقتضي تخصيص عموم ~~الكتاب بخبر ms6621 الواحد ، وهو غير جائز . لأن الكتاب قاطع في متنه ، وخبر ~~الواحد غير قاطع في متنه ، والمقطوع راجح على المظنون ، واحتج الجمهور من ~~المجتهدين على وجوب رجم المحصن لما ثبت بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام ~~فعل ذلك ، قال أبو بكر الرازي روى الرجم أبو بكر وعمر وعلي وجابر بن ~~عبدالله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين ~~من الصحابة وبعض هؤلاء الرواة روى خبر رجم ماعز وبعضهم خبر اللخمية ~~والغامدية وقال عمر رضي الله عنه : لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب ~~الله لأثبته في المصحف . والجواب : عما احتجوا به أولا أنه مخصوص بالجلد . ~~فإن قيل فيلزم تخصيص القرآن بخبر الواحد قلنا بل بالخبر المتواتر لما بينا ~~أن الرجم منقول بالتواتر ، وأيضا فقد بينا في أصول الفقه أن تخصيص القرآن ~~بخبر الواحد جائز والجواب : عن الثاني أنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية ~~بحسب تجدد المصالح / فلعل المصلحة التي تقضي وجوب الرجم حدثت بعد نزول تلك ~~الآيات والجواب : عن الثالث أنه نقل عن علي عليه السلام أنه كان يجمع بين ~~الجلد والرجم وهو اختيار أحمد وإسحق وداود واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن ~~عموم هذه الآية يقتضي وجوب الجلد والخبر المتواتر يقتضي وجوب الرجم ولا ~~منافاة فوجب الجمع وثانيها : قوله عليه السلام : ( البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم PageV23P118 بالحجارة ) وثالثها : ~~روى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن ابن جريج عن ابن الزبير عن جابر ( ~~أن رجلا زنى بامرأة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فجلد ثم أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان محصنا فأمر به فرجم ) ورابعها : روي أن عليا عليه ~~السلام جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها وقال جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . # واعلم أن أكثر المجتهدين متفقون على أن المحصن يرجم ولا يجلد / واحتجوا ~~عليه بأمور : أحدها : قصة العسيف فإنه عليه السلام قال : ( يا أنيس اغد إلى ~~امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها ms6622 ) ولم يذكر الجلد ولو وجب الجلد مع الرجم ~~لذكره وثانيها : أن قصة ماعز رويت من جهات مختلفة ولم يذكر في شيء منها مع ~~الرجم جلد ، ولو كان الجلد معتبرا مع الرجم لجلده النبي عليه السلام ولو ~~جلده لنقل كما نقل الرجم إذ ليس أحدهما بالنقل أولى من الآخر ، وكذا في قصة ~~الغامدية حين أقرت بالزنا فرجمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن وضعت ~~ولو جلدها لنقل ذلك وثالثها : ما روى الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن ~~عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهم قال قال عمر رضي الله عنه قد خشيت أن يطول ~~بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك ~~فريضة أنزلها الله تعالى ، وقد قرأنا : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها ~~ألبتة ، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمنا بعده ، فأخبر أن الذي ~~فرضه الله تعالى هو الرجم ولو كان الجلد واجبا مع الرجم لذكره أما الجواب : ~~عن التمسك بالآية فهو أنها مخصوصة في حق المحصن وتخصيص عموم القرآن بالخبر ~~المتواتر غير ممتنع ، وأما قوله عليه السلام : ( الثيب بالثيب جلد مائة ~~ورجم بالحجارة ) فلعل ذلك كان قبل قوله : ( يا أنيس اغد إلى امرأة هذا فإن ~~اعترفت فارجمها ) وأما أنه عليه السلام جلد امرأة ثم رجمها ، فلعله عليه ~~السلام ما علم إحصانها فجلدها ، ثم لما علم إحصانها رجمها ، وهو الجواب عن ~~فعل علي عليه السلام ، فهذا ما يمكن من التكلف في هذه الأجوبة والله أعلم . # المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله يجمع بين الجلد والتغريب في حد ~~البكر ، وقال أبو حنيفة رحمه الله يجلد ، وأما التغريب فمفوض إلى رأي ~~الإمام ، وقال مالك يجلد الرجل ويغرب وتجلد المرأة ولا تغرب ، حجة الشافعي ~~رحمه الله حديث عبادة أنه عليه السلام قال : ( خذوا عني خذوا عني قد جعل ~~الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ~~ورجم بالحجارة ) ويدل أيضا عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه وزيد ms6623 بن ~~خالد : ( أن رجلا جاء إلى / النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن ~~ابني كان عسيفا على هذا وزني بامرأته فافتديت منه بوليدة ومائة شاة ، ثم ~~أخبرني أهل العلم أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم ~~فاقض بيننا ، فقال عليه الصلاة والسلام والذي نفسي بيده لأقضين بينكما ~~بكتاب الله أما الغنم والوليدة فرد عليك ، وأما ابنك فإن عليه جلد مائة ~~وتغريب عام ، ثم قال لرجل من أسلم أغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت ~~فارجمها ) واحتج أبو حنيفة رحمه الله على نفي التغريب بوجوه : أحدها : أن ~~إيجاب التغريب يقتضي نسخ الآية ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز وقرروا ~~النسخ من ثلاثة أوجه : الأول : أنه سبحانه رتب الجلد على فعل الزنا بالفاء ~~وحرف الفاء للجزاء إلا أن أئمة اللغة قالوا اليمين بغير لله ذكر شرط وجزاء ~~وفسروا الشرط بالذي دخل عليه كلمة إن والجزاء بالذي دخل عليه حرف الفاء ~~والجزاء اسم له يقع به الكفاية مأخوذ من قولهم جازيناه أي كافأناه ، وقال ~~عليه السلام : ( تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك ) أي تكفيك ، ومنه قول القائل : ~~اجتزت الإبل بالعشب بالماء وإنما تقع الكفاية بالجلد إذا لم يجب معه شيء ~~آخر فإيجاب شيء آخر يقتضي نسخ كونه كافيا الثاني : أن المذكور في الآية لما ~~كان هو الجلد فقط كان ذلك كمال الحد فلو جعلنا النفي معتبرا مع الجلد لكان ~~الجلد بعض الحد لا كل الحد فيفضي إلى نسخ كونه كل الحد الثالث : إن بتقدير ~~كون الجلد كمال الحد فإنه يتعلق بذلك رد الشهادة ولو جعلناه بعض الحد لزال ~~ذلك الحكم ، فثبت أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ الآية ثانيها : قال أبو بكر ~~الرازي لو كان النفي مشروعا مع الجلد لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم ~~عند تلاوة الآية توقيف الصحابة عليه لئلا يعتقدوا عند سماع الآية أن الجلد ~~هو كمال الحد ولو كان كذلك لكان اشتهاره مثل اشتهار الآية ، فلما لم يكن ~~خبر النفي بهذه ms6624 المنزلة بل كان وروده من طريق الآحاد علم أنه غير معتبر ~~وثالثها : ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأمة ~~: ( إذا زنت فاجلدوها ، فإن زنت فاجلدوها ، فإن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو ~~بطفير ) وفي رواية أخرى : ( فليجلدها الحد ولا تثريب عليه ) ووجه الاستدلال ~~به أنه لو كان النفي ثابتا لذكره مع الجلد ورابعها : أنه إما أن يشرع ~~التغريب في حق الأمة أو لا يشرع ، ولا جائز أن يكون مشروعا لأنه يلزم منه ~~الإضرار بالسيد من غير جناية صدرت منه وهو غير جائز ، ولأنه قال صلى الله ~~عليه وسلم : ( بيعوها ولو بطفير ) ولو وجب نفيها لما جاز بيعها لأن المكنة ~~من تسليمها إلى المشتري لا تبقى بالنفي ولا جائز أن لا يكون مشروعا لقوله ~~تعالى : { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } ( النساء : 25 ) ~~PageV23P119 وخامسها : أن التغريب لو كان مشروعا في حق الرجل لكان إما أن ~~يكون مشروعا في حق المرأة أو لا يكون ، والثاني باطل لأن التساوي في ~~الجناية قد وجد في حقهما ، وإن كان مشروعا في حق المرأة فإما أن يكون ~~مشروعا في حقها وحدها أو مع ذي محرم والأول غير جائز للنص والمعقول ، أما ~~النص فقوله عليه السلام : ( لا يحل لامرأة أن تسافر من غير ذي محرم ) وأما ~~المعقول فهو أن / الشهوة غالبة في النساء ، والانزجار بالدين إنما يكون في ~~الخواص من الناس ، فإن الغالب لعدم الزنا من النساء بوجود الحفاظ من الرجال ~~، وحيائهن من الأقارب . وبالتغريب تخرج المرأة من أيدي القرباء والحفاظ ، ~~ثم يقل حياؤها لبعدها عن معارفها فينفتح عليها باب الزنا ، فربما كانت ~~فقيرة فيشتد فقرها في السفر ، فيصير مجموع ذلك سببا لفتح باب هذه الفاحشة ~~العظيمة عليها . ولا جائز أن يقال إنا نغربها مع الزوج أو المحرم ، لأن ~~عقوبة غير الجاني لا تجوز لقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( ~~الأنعام : 164 ) وسادسها : ما روي عن عمر أنه غرب ربيعة بن أمية بن خلف في ~~الخمر إلى خيبر فلحق ms6625 بهرقل ، فقال عمر لا أغرب بعدها أحدا ولم يستثن الزنا ~~. وروي عن علي عليه السلام أنه قال في البكرين إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان ~~وإن نفيهما من الفتنة ، وعن ابن عمر أن أمة له زنت فجلدها ولم ينفها ، ولو ~~كان النفي معتبرا في حد الزنا لما خفي ذلك على أكابر الصحابة وسابعها : ما ~~روي ( أن شيخا وجد على بطن جارية يحنث بها في خربة فأتى به إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال اجلدوه مائة ، فقيل إنه ضعيف من ذلك فقال خذوا عثكالا ~~فيه مائة شمراخ فاضربوه بها وخلوا سبيله ) . ولو كان النفي واجبا لنفاه ، ~~فإن قيل إنما لم ينفه لأنه كان ضعيفا عاجزا عن الحركة ، قلنا كان ينبغي أن ~~يكتري له دابة من بيت المال ينفى عليها . فإن قيل كان عسى يضعف عن الركوب ، ~~قلنا من قدر على الزنا كيف لا يقدر على الاستمساكا وثامنها : أن التغريب ~~نظير القتل لقوله تعالى : { أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } ~~فنزلهما منزلة واحدة ، فإذا لم يشرع القتل في زنا البكر وجب أن لا يشرع ~~أيضا نظيره وهو التغريب . والجواب : عن الأول أنه ليس في كلام الله تعالى ~~إلا إدخال حرف الفاء على الأمر بالجلد ، فأما أن الذي دخل عليه هذا الحرف ~~فإنه يسمى جزاء ، فليس هذا من كلام الله ولا من كلام رسوله ، بل هو قول بعض ~~الأدباء فلا يكون حجة . # أما قوله ثانيا : لو كان النفي مشروعا لما كان الجلد كل الحد / فنقول لا ~~نزاع في أنه زال أمره لأن إثبات كل شيء لا أقل من أن يقتضي زوال عدمه الذي ~~كان ، إلا أن الزائل ههنا ليس حكما شرعيا ، بل الزائل محض البراءة الأصلية ~~، ومثل هذه الإزالة لا يمتنع إثباتها بخبر الواحد ، وإنما قلنا إن الزائل ~~محض العدم الأصلي ، وذلك لأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب التغريب ~~وبين إيجابه مع نفي التغريب . والقدر المشترك بين القسمين لا إشعار له ~~بواحد من القسمين . # فإذن إيجاب الجلد لا إشعار فيه ألبتة ms6626 لا بإيجاب التغريب ولا بعدم إيجابه ~~، إلا أن نفي التغريب كان معلوما بالعقل نظرا إلى البراءة الأصلية ، فإذا ~~جاء خبر الواحد ودل على وجوب التغريب ، فما أزال ألبتة شيئا من مدلولات ~~اللفظ الدال على وجوب الجلد بل أزال البراءة الأصلية ، فأما كون الجلد وحده ~~مجزيا ، وكونه وحده كمال الحد . وتعلق رد الشهادة عليه ، فكل ذلك ~~PageV23P120 تابع لنفي وجوب الزيادة . فلما كان ذلك النفي معلوما بالعقل ~~جاز قبول خبر الواحد فيه ، كما أن الفروض لو كانت خمسا لتوقف على أدائها ~~الخروج عن عهدة التكليف ، وقبول الشهادة / ولو زيد فيها شيء آخر لتوقف ~~الخروج عن العهدة وقبول الشهادة على أداء تلك الزيادة ، مع أنه يجوز إثباته ~~بخبر الواحد والقياس فكذا ههنا . أما لو قال الله تعالى الجلد كمال الحد ~~وعلمنا أنها وحدها متعلق رد الشهادة ، فلا يقبل ههنا في إثبات الزيادة خبر ~~الواحد لأن نفي وجوب الزيادة ثبت بدليل شرعي متواتر والجواب : عن الثاني ~~أنه لو صح ما ذكره لوجب في كل ما خصص آية عامة أن يبلغ في الاشتهار مبلغ ~~تلك الآية ، ومعلوم أنه ليس كذلك والجواب : عن الثالث أن قوله : ( ثم ~~بيعوها ) لا يفيد التعقيب فلعلها تنفى ثم بعد النفي تباع والجواب : عن ~~الرابع أنه معارض بما روى الترمذي في جامعه أنه عليه السلام جلد وغرب ، وأن ~~أبا بكر جلد وغرب والجواب : عن الخامس أن للشافعي رحمه الله في تغريب العبد ~~قولين : أحدهما : لا يغرب لأنه عليه السلام قال : ( إذا زنت أمة أحدكم ~~فليجلدها الحد ) ولم يأمر بالتغريب ، ولأن التغريب للمعرة ولا معرة على ~~العبد فيه ، لأنه ينقل من يد إلى يد ، ولأن منافعه للسيد ففي نفيه إضرار ~~بالسيد والثاني : وهو الأصح أنه يغرب لقوله تعالى : { فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب } ( النساء : 25 ) ولا ينظر إلى ضرر المولى كما يقتل ~~العبد بسبب الردة ويجلد العبد في الزنا والقذف ، وإن تضرر به المولى فعلى ~~هذا كم يغرب فيه قولان : أحدهما : يغرب نصف سنة لأنه يقبل التنصيف كما يجلد ~~نصف ms6627 حد الأحرار والثاني : يغرب سنة لأن التغريب المقصود منه الإيحاش وذلك ~~معنى يرجع إلى الطبع فيستوي فيه الحر والعبد كمدة الإيلاء أو العنة والجواب ~~: عن السادس أن المرأة لا تغرب وحدها بل مع محرم ، فإن لم يتبرع المحرم ~~بالخروج معها أعطى أجرته من بيت المال ، وإن لم يكن لها محرم تغرب مع ~~النساء الثقات ، كما يجب عليها الخروج إلى الحج معهن . قوله التغريب يفتح ~~عليها باب الزنا ، قلنا لا نسلم فإن أكثر الزنا بالإلف والمؤانسة وفراغ ~~القلب ، وأكثر هذه الأشياء تبطل بالغربة ، فإن الإنسان يقع في الوحشة ~~والتعب والنصب فلا يتفرغ للزنا والجواب : عن السابع ، أي استبعاد في أن ~~يكون الإنسان الذي يعجز عن ركوب الدابة يقدر على الزنا ؟ والجواب : عن ~~الثامن أنه ينتقض بالتغريب إذا وقع على سبيل التعزير والله أعلم . # المسألة الثالثة : اتفقت الأمة على أن قوله سبحانه وتعالى : { الزانية ~~والزانى } يفيد الحكم في كل الزناة ، لكنهم اختلفوا في كيفية تلك الدلالة ~~فقال قائلون لفظ الزاني يفيد العموم ، والمختار أنه ليس كذلك ويدل عليه ~~أمور : أحدها : أن الرجل إذا قال لبست الثوب أو شربت الماء لا يفيد العموم ~~وثانيها : أنه لا يجوز توكيده بما يؤكد به الجمع ، فلا يقال جاءني الرجل ~~أجمعون وثالثها : لا ينعت بنعوت الجمع فلا يقال جاءني الرجل الفقراء ، ~~وتكلم الفقيه الفضلاء ، فأما قولهم أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الصفر ~~، فمجاز بدليل أنه لا يطرد ، وأيضا فإن كان الدينار الصفر حقيقة وجب أن ~~يكون الدينار الأصفر مجازا ، كما أن الدنانير الصفر لما كانت / حقيقة كان ~~الدنانير الأصفر مجازا ورابعها : أن الزاني جزئي من هذا الزاني ، فإيجاب ~~جلد هذا الزاني إيجاب جلد الزاني ، فلو كان إيجاب جلد الزاني إيجابا لجلد ~~كل زان لزم أن يكون PageV23P121 إيجاب جلد هذا الزاني إيجاب جلد كل زان ، ~~ولما لم يكن كذلك بطل ما قالوه . فإن قيل لم لا يجوز أن يقال اللفظ المطلق ~~إنما يفيد العموم بشرط العراء عن لفظ التعيين ، أو يقال اللفظ المطلق وإن ~~اقتضى العموم إلا أن ms6628 لفظ التعيين يقتضي الخصوص ، قلنا أما الأول فباطل لأن ~~العدم لا دخل له في التأثير ، أما الثاني فلأنه يقتضي التعارض وهو خلاف ~~الأصل وخامسها : أن يقال الإنسان هو الضحاك فلو كان المفهوم من قولنا ~~الإنسان هو كل الإنسان لنزل ذلك منزلة ما يقال كل إنسان هو الضحاك ، وذلك ~~متناقض لأنه يقتضي حصر الإنسانية في كل واحد من الناس ومعنى الحصر هو أن ~~يثبت فيه لا في غيره فيلزم أن يصدق على كل واحد من أشخاص الناس أنه هو ~~الضحاك لا غير واحتج المخالف بوجهين : الأول : أنه يجوز الاستثناء منه ~~لقوله تعالى : { إن الإنسان * لفى * خسر * إلا الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات } والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته الثاني : أن ~~الألف واللام للتعريف ، وليس ذلك لتعريف الماهية ، فإن ذلك قد حصل بأصل ~~الإسم ، ولا لتعريف واحد بعينه ، فإنه ليس في اللفظ دلالة عليه ، ولا ~~لتعريف بعض مراتب الخصوص فإنه ليس بعض المراتب أولى من بعض ، فوجب حمله على ~~تعريف الكل والجواب : عن الأول أن ذلك الاستثناء مجاز بدليل أنه لا يصح أن ~~يقال رأيت الإنسان إلا المؤمنين ، وعن الثاني أنه يشكل بدخول الألف واللام ~~على صيغة الجمع ، فإن جعلتها هناك للتأكيد فكدا ههنا ، ومن الناس من قال إن ~~قوله تعالى : { الزانية والزانى } وإن كان لا يفيد العموم بحسب اللفظ ، ~~لكنه يفيده بحسب القرينة وذلك من وجهين : الأول : أن ترتيب الحكم على الوصف ~~المشتق يفيد كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، لا سيما إذا كان الوصف مناسبا ~~وههنا كذلك ، فيدل ذلك على أن الزنا علة لوجوب الجد ، فيلزم أن يقال أينما ~~تحقق الزنا يتحقق وجوب الجلد ضرورة أن العلة لا تنفك عن المعلول الثاني : ~~أن المراد من قوله : { الزانية والزانى } إما أن يكون كل الزناة أو البعض ، ~~فإن كان الثاني صارت الآية مجملة وذلك يمنع من إمكان العمل به ، لكن العمل ~~به مأمور وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فوجب حمله على العموم حتى ~~يمكن العمل به والله أعلم ms6629 . # البحث الثالث : في الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجبا للرجم تارة ~~والجلد أخرى ، فنقول : أجمعوا على أن كون الزنا موجبا لهذين الحكمين مشروط ~~بالعقل وبالبلوغ فلا يجب الرجم والحد على الصبي والمجنون وهذان الشرطان ~~ليسا من خواص هذين الحكمين بل هما معتبران في كل العقوبات ، أما كونهما ~~موجبين للرجم فلا بد مع العقل والبلوغ من أمور أخر : الشرط الأول : الحرية ~~وأجمعوا على أن الرقيق لا يجب عليه الرجم ألبتة الشرط الثاني : التزوج ~~بنكاح صحيح ، فلا يحصل الإحصان بالإصابة بملك اليمين ولا بوطء الشبهة ولا ~~بالنكاح الفاسد الشرط / الثالث : الدخول ولا بد منه لقوله عليه السلام : ( ~~الثيب بالثيب ) وإنما تصير ثيبا بالوطء وههنا مسألتان : # المسألة الأولى : هل يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح بعد البلوغ والحرية ~~والعقل / فيه وجهان : أحدهما : لا يشترط حتى لو أصاب عبد أمة بنكاح صحيح أو ~~في حال الجنون والصغر ثم كمل حاله فزنى يجب عليه الرجم ، لأنه وطء يحصل به ~~التحليل للزوج الأول فيحصل به الإحصان كالوطء في حال الكمال ، PageV23P122 ~~ولأن عقد النكاح يجوز أن يكون قبل الكمال فكذلك الوطء والثاني : وهو الأصح ~~وهو ظاهر النص ، وقول أبي حنيفة رحمه الله يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح ~~بعد البلوغ والحرية والعقل ، لأنه لما شرط أكمل الإصابات وهو أن يكون بنكاح ~~صحيح شرط أن يكون تلك الإصابة في حال الكمال . # المسألة الثانية : هل يعتبر الكمال في الطرفين أو يعتبر في كل واحد منهما ~~كماله بنفسه دون صاحبه فيه قولان : أحدهما : معتبر في الطرفين حتى لو وطىء ~~الصبي بالغة حرة عاقلة فإنه لا يحصنها وهو قول أبي حنيفة ومحمد والثاني : ~~يعتبر في كل واحد منهما كماله بنفسه وهو قول أبي يوسف رحمه الله . # حجة القول الأول : أنه وطء لا يفيد الإحصان لأحد الوطئين فلا يفيد في ~~الآخر كوطء الأمة . # حجة القول الثاني : أنه لا يشترط كونهما على صفة الإحصان وقت النكاح وكذا ~~عند الدخول الشرط الرابع : الإسلام ليس شرطا في كون الزنا موجبا للرجم عند ~~الشافعي رحمه الله وأبي يوسف ms6630 ، وقال أبو حنيفة رحمه الله شرط ، احتج ~~الشافعي بأمور : أحدها : قوله عليه السلام : ( فإذا قبلوا الجزية فانبئوهم ~~أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ) ومن جملة ما على المسلم كونه ~~بحيث يجب عليه الرجم عند الإقدام على الزنا ، فوجب أن يكون الذمي كذلك ~~لتحصل التسوية وثانيها : حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أنه عليه السلام رجم ~~يهوديا ويهودية زنيا فإما أن يقال إنه عليه السلام حكم بذلك بشريعته أو ~~بشريعة من قبله ، فإن كان الأول فالاستدلال به بين ، وإن كان الثاني فكذلك ~~لأنه صار شرعا له وثالثها : أن زنا الكافر مثل زنا المسلم فيجب عليه مثل ما ~~يجب على المسلم وذلك لأن الزنا محرم قبيح فيناسب الزجر وإيجاب الرجم يصلح ~~زاجرا له ولا يبقى إلا التفاوت بالكفر والإيمان ، والكفر وإن كان لا يوجب ~~تغليظ الجناية فلا يوجب تخفيفها واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه : أحدها : ~~التمسك بعموم قوله : { الزانية والزانى } وجب العمل به في حق المسلم ولا ~~يجب في الذمي لمعنى مفقود في الذمي ، ووجه الفرق أن القتل بالأحجار عقوبة ~~عظيمة فلا يجب إلا بجناية عظيمة ، والجناية تعظم بكفران النعم في حق الجاني ~~عقلا وشرعا ، أما العقل فلأن المعصية كفران النعمة وكلما كانت النعم أكثر ~~وأعظم كان كفرانها أعظم وأقبح ، وأما الشرح فلأن الله تعالى قال في حق نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم : { عظيما يانساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين } ( الأحزاب : 30 ) فلما كانت نعم الله تعالى في ~~حقهن أكثر كان العذاب في حقهن أكثر ، وقال في حق الرسول : { لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا * إذا لأذقناك ضعف الحيواة وضعف الممات } ( الإسراء : 74 ~~، 75 ) وإنما عظمت معصيته لأن النعمة في حقه أعظم وهي نعمة النبوة ، ومن ~~المعلوم أن نعم الله تعالى في حق المسلم المحصن أكثر منها في حق الذمي ، ~~فكانت معصية المسلم أعظم فوجب أن تكون عقوبته أشد وثانيها : أن الذمي لم ~~يزن بعد الإحصان فلا يجب عليه القتل بيان الأول ms6631 : قوله عليه السلام : ( من ~~أشرك بالله طرفة عين فليس بمحصن ) بيان الثاني : أن المسلم الذي لا يكون ~~محصنا لا يجب عليه القتل لقوله عليه السلام : ( لا يحل دم امرىء مسلم إلا ~~لإحدى ثلاث ) وإذا كان المسلم كذلك وجب أن يكون الذمي كذلك لقوله عليه ~~السلام : ( إذا قبلوا عقد الجزية فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على ~~المسلمين ) وثالثها : أجمعنا على أن إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام ، فكان ~~إحصان الرجم والجامع ما ذكرنا من كمال النعمة والجواب : عن الأول أنه خص ~~عنه الثيب المسلم فكذا الثيب الذمي ، وما ذكروه من حديث زيادة النعمة على ~~المؤمنين فنقول نعمة PageV23P123 الإسلام حصلت بكسب العبد فيصير ذلك ~~كالخدمة الزائدة ، وزيادة الخدمة إن لم تكن سببا للعذر فلا أقل من أن لا ~~تكون سببا لزيادة العقوبة ، وعن الثاني لا نسلم أن الذمي مشرك سلمناه ، لكن ~~الإحصان قد يراد به التزوج لقوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات } ( ~~النور : 40 ) وفي التفسير : { فإذا أحصن } ( النساء : 25 ) يعني فإذا تزوجن ~~إذا ثبت هذا فنقول الذمي الثيب محصن بهذا التفسير فوجب رجمه لقوله صلى الله ~~عليه وسلم أو زنا بعد إحصان رتب الحكم في حق المسلم على هذا الوصف فدل على ~~كون الوصف علة والوصف قائم في حق الذمي فوجب كونه مستلزما للحكم بالرجم وعن ~~الثالث أن حد القذف لدفع العار كرامة للمقذوف ، والكافر لا يكون محلا ~~للكرامة وصيانة العرض بخلاف ما ههنا والله أعلم ، أما ما يتعلق بالجلد ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : اتفقوا على أن الرقيق لا يرجم واتفقوا على أنه يجلد ، ~~وثبت بنص الكتاب أن على الإماء نصف ما على المحصنات من العذاب ، فلا جرم ~~اتفقوا على أن الأمة تجلد خمسين جلدة ، أما العبد فقد اتفق الجمهور على أنه ~~يجلد أيضا خمسين إلا أهل الظاهر فإنهم قالوا عموم قوله : { الزانية والزانى ~~} يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة إلا أنه ورد النص بالتنصيف في حق ~~الأمة ، فلو قسنا العبد عليها كان ذلك تخصيصا لعموم الكتاب بالقياس وأنه ~~غير جائز ms6632 ، ومنهم من قال الأمة إذا تزوجت فعليها خمسون جلدة وإذا لم تتزوج ~~فعليها المائة ، لظاهر قوله تعالى : { فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ~~وذكروا أن قوله : { فإذا أحصن } أي تزوجن { فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب } ( النساء : 25 ) . # المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله ، الذمي يجلد ، ~~وقال مالك رحمه الله لا يجلد لنا وجوه : أحدها : عموم قوله : { الزانية ~~والزانى } وثانيها : قوله عليه السلام : ( إذا زنت / أمة أحدكم فليجلدها ) ~~وقوله : ( أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ) ولم يفرق بين الذمي والمسلم ~~وثالثها : أنه عليه السلام رجم اليهوديين ، فذاك الرجم إن من كان من شرع ~~محمد صلى الله عليه وسلم فقد حصل المقصود ، وإن كان من شرعهم فلما فعله ~~الرسول صلى الله عليه وسلم صار ذلك من شرعه ، وحقيقة هذه المسألة ترجع إلى ~~أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع . # البحث الرابع : فيما يدل على صدور الزنا منه ، اعلم أن ذلك لا يحصل إلا ~~من أحد ثلاثة أوجه ، إما بأن يراه الإمام بنفسه أو بأن يقر أو بأن يشهد ~~عليه الشهود ، أما الوجه الأول : وهو ما إذا رآه الإمام قال الإمام محيي ~~السنة في كتاب التهذيب لا خلاف أن على القاضي أن يمتنع عن القضاء بعلم نفسه ~~مثل ما إذا ادعى رجل على آخر حقا وأقام عليه بينة ، والقاضي يعلم أنه قد ~~أبرأه ، أو ادعى أنه قتل أباه وقت كذا ، وقد رآه القاضي حيا بعد ذلك ، أو ~~ادعى نكاح امرأة وقد سمعه القاضي طلقها ، لا يجوز أن يقضي به وإن أقام عليه ~~شهودا ، وهل يجوز للقاضي أن يقضي بعلم نفسه مثل أن ادعى عليه ألفا وقد رآه ~~القاضي أقرضه أو سمع المدعي عليه أقربه فيه قولان أصحهما وبه قال أبو يوسف ~~ومحمد والمزني رحمهم الله ، أنه يجوز له أن يقضي بعلمه لأنه لما جاز له أن ~~يحكم بشهادة الشهود وهو من قولهم على ظن فلأن يجوز بما رآه وسمعه وهو منه ~~على علم أولى ، قال الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة ms6633 أقضي بعلمي وهو أقوى ~~من شاهدين أو بشاهدين وشاهد وامرأتين وهو أقوى من شاهد ويمين أو بشاهد ~~ويمين وهو أقوى من النكول ورد اليمين . # والقول الثاني : لا يقضي بعلمه وهو قول ابن أبي ليلى ، لأن انتفاء التهمة ~~شرط في القضاء ولم يوجد هذا في المال ، أما في العقوبات فينظر إن كان ذلك ~~من حقوق العباد كالقصاص وحد القذف هل يحكم فيه PageV23P124 بعلم نفسه يرتب ~~على المال إن قلنا هناك لا يقضي فههنا أولى وإلا فقولان ، والفرق أن مبنى ~~حقوق الله تعالى على المساهلة والمسامحة ، ولا فرق على القولين أن يحصل ~~العلم للقاضي في بلد ولايته وزمان ولايته أو في غيره ، وقال أبو حنيفة رحمه ~~الله إن حصل له العلم في بلد ولايته أو في زمان ولايته له أن يقضي بعلمه ~~وإلا فلا ، فنقول العلم لا يختلف باختلاف هذه الأحوال ، فوجب أن لا يختلف ~~الحكم باختلافها والله أعلم . # الطريق الثاني : الإقرار قال الشافعي رحمه الله الإقرار بالزنا مرة واحدة ~~يوجب الحد ، وقال أبو حنيفة رحمه الله بل لا بد من الإقرار أربع مرات في ~~أربع مجالس ، وقال أحمد لا بد من الإقرار أربع مرات لكن لا فرق بين أن يكون ~~في أربع مجالس أو في مجلس واحد ، حجة الشافعي رحمه الله أمران : الأول : ~~قصة العسيف فإنه قال عليه السلام فإن اعترفت فارجمها ، وذلك دليل عل أن ~~الاعتراف مرة واحدة كاف والثاني : أنه لما أقر بالزنا وجب الحد عليه لقوله ~~عليه السلام اقض بالظاهر ، والإقرار مرة واحدة يوجب الظهور لا سيما ههنا ، ~~وذلك لأن الصارف عن الإقرار بالزنا قوي ، لما أنه سبب العار في الحال ~~والألم الشديد في المآل ، والصارف عن الكذب أيضا / قائم وعند اجتماع ~~الصارفين يقوى الانصراف ، فثبت أنه إنما أقدم على هذا الإقرار لكونه صادقا ~~. وإذا ظهر اندرج تحت الحديث وتحت الآية ، أو نقيسه على الإقرار بالقتل ~~والردة ، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه : أحدها : قصة ماعز والاستدلال ~~بها من وجوه : الأول : أنه عليه السلام أعرض عنه في المرة ms6634 الأولى ، ولو وجب ~~عليه الحد لم يعرض عنه ، لأن الإعراض عن إقامة حد الله تعالى بعد كمال ~~الحجة لا يجوز الثاني : أنه عليه السلام قال : ( إنك شهدت على نفسك أربع ~~مرات ) ولو كان الواحد مثل الأربع في إيجاب الحد كان هذا القول لغوا ~~والثالث : روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لماعز بعدما أقر ~~ثلاث مرات : ( لو أقررت الرابعة لرجمك رسول الله ) والرابع : عن بريدة ~~الأسلمي قال : ( كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نقول لو لم يقر ~~ماعز أربع مرات ما رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وثانيها : أنهم ~~قاسوا الإقرار على الشهادة فكما أنه لا يقبل في الزنا إلا أربع شهادات فكذا ~~في الإقرار به والجامع السعي في كتمان هذه الفاحشة وثالثها : أن الزنا لا ~~ينتفي إلا بأربع شهادات أو بأربع أيمان في اللعان فجاز أيضا أن لا يثبت إلا ~~بالإقرار أربع مرات ، وبه يفارق سائر الحقوق فإنها تنتفي بيمين واحد ، فجاز ~~أيضا أن يثبت بإقرار واحد والجواب : عن الأول أنه ليس في الحديث إلا أنه ~~عليه السلام حكم بالشهادات الأربع وذلك لا ينافي جواز الحكم بالشهادة ~~الواحدة وعن الثاني : أن الفرق بينهما أن المقذوف لو أقر بالزنا مرة لسقط ~~الحد عن القاذف ، ولولا أن الزنا ثبت لما سقط كما لو شهد اثنان بالزنا لا ~~يسقط الحد عن القاذف حيث لم يثبت به الزنا والله أعلم . # والطريق الثالث : الشهادة وقد أجمعوا على أنه لا بد من أربع شهادات ، ~~ويدل عليه قوله تعالى : { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } ( النساء : 15 ) ~~والكلام فيه سيأتي إن شاء الله تعالى في قوله : { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~} . # البحث الخامس : في أن المخاطب بقوله تعالى : { فاجلدوا } من هو ؟ أجمعت ~~الأمة على أن المخاطب بذلك هو الإمام ، ثم احتجوا بهذا على وجوب نصب الإمام ~~، قالوا لأنه سبحانه أمر بإقامة الحد / وأجمعوا على أنه لا يتولى إقامته ~~إلا الإمام وما لا يتم الواجب المطلق إلا به ، وكان مقدورا للمكلف فهو واجب ms6635 ~~فكان PageV23P125 نصب الإمام واجبا ، وقد مر بيان هذه الدلالة في قوله : { ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } ( المائدة : 38 ) بقي ههنا ثلاث مسائل ~~: # المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله السيد يملك إقامة الحد على ~~مملوكه . وهو قول ابن مسعود وابن عمر وفاطمة وعائشة . وعند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله لا يملك ، وقال مالك يحده المولى من الزنا وشرب ~~الخمر والقذف ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام وهو قول الليث ، ~~واحتج الشافعي رحمه الله بوجوه : أحدها : قوله عليه السلام : ( أقيموا ~~الحدود على ما ملكت أيمانكم ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال عليه ~~السلام : ( إذا زنت أمة أحدكم / فليجلدها ) وفي رواية أخرى ( فليجلدها الحد ~~) قال أبو بكر الرازي لا دلالة في هذه الأخبار ، لأن قوله : ( أقيموا ~~الحدود على ما ملكت أيمانكم ) هو كقوله : { الزانية والزانى فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة } ومعلوم أن المراد منه رفعه إلى الإمام لإقامة الحد ~~والمخاطبون بإقامة الحد هم الأئمة ، وسائر الناس مخاطبون برفع الأمر إليهم ~~حتى يقيموا عليهم الحدود فكذلك قوله : ( أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ~~) على هذا المعنى ، وأما قوله : ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ) فإنه ليس ~~كل جلد حدا ، لأن الجلد قد يكون على وجه التعزير ، فإذا عزرنا فقد وفينا ~~بمقتضى الحديث . والجواب : أن قوله : ( أقيموا الحدود ) أمر بإقامة الحد ~~فحمل هذا اللفظ على رفع الواقعة إلى الإمام عدول عن الظاهر ، أقصى ما في ~~الباب أنه ترك الظاهر في قوله فاجلدوا ، لكن لا يلزم من ترك الظاهر هناك ~~تركه ههنا ، أما قوله : ( فليجلدها ) المراد هو التعزير فباطل لأن الجلد ~~المذكور عقيب الزنا لا يفهم منه إلا الحد وثانيها : أن السلطان لما ملك ~~إقامة الحد عليه فسيده به أولى لأن تعلق السيد بالعبد أقوى من تعلق السلطان ~~به ، لأن الملك أقوى من عقد البيعة ، وولاية السادة على العبيد فوق ولاية ~~السلطان على الرعية ، حتى إذا كان للأمة سيد وأب فإن ولاية النكاح للسيد ~~دون الأب ، ثم إن الأب مقدم على ms6636 السلطان في ولاية النكاح فيكون السيد مقدما ~~على السلطان بدرجات فكان أولى ، ولأن السيد يملك من التصرفات في هذا المحل ~~ما لا يملكه الإمام فثبت أن المولى أولى وثالثها : أجمعنا على أن السيد ~~يملك التعزير فكذا الحد ، لأن كل واحد نظير الآخر وإن كان أحدهما مقدرا ~~والآخر غير مقدر ، واحتج أبو بكر الرازي على مذهب أبي حنيفة بوجوه : أحدها ~~: قال قوله تعالى : { الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ~~لا شك أنه خطاب مع الأئمة دون عامة الناس ، فالتقدير فاجلدوا أيها الأئمة ~~والحكام كل واحد منهما مائة جلدة ، ولم يفرق في هذه الآية بن المحدودين من ~~الأحرار والعبيد ، فوجب أن تكون الأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود على ~~الأحرار والعبيد دون الموالي وثانيها : أنه لو جاز للمولى أن يسمع شهادة ~~الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه ، فلو رجعوا عن شهادتهم لوجب أن يتمكن من ~~تضمين الشهود ، لأن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة ، لأنه لو لم ~~يكن يحكم بشهادتهم لم يضمنوا شيئا فكان يصير حاكما لنفسه بإيجاب الضمان ~~عليهم وذلك باطل لأنه ليس لأحد من الناس أن يحكم لنفسه . فعلمنا أن المولى ~~لا يملك استماع البينة على عبده بذلك ولا قطعه وثالثها : أن المالك ربما لا ~~يستوفي الحد بكماله لشفقته على ملكه ، وإذا كان متهما وجب أن لا يفوض إليه ~~والجواب : عن الأول أن قوله { فاجلدوا } ليس بصريحه خطابا مع الإمام / لكن ~~بواسطة أنه لما انعقد الإجماع على أن غير الإمام لا يتولاه حملنا ذلك ~~الخطاب على الإمام ، وههنا لم ينعقد الإجماع PageV23P126 على أن الإمام لا ~~يتولاه لأنه عين النزاع والجواب : عن الثاني قال محيي السنة في كتاب ( ~~التهذيب ) هل يجوز للمولى قطع يد عبده بسبب السرقة أو قطع الطريق ؟ فيه ~~وجهان أصحهما أنه يجوز ، نص عليه في رواية البويطي لما روي / عن ابن عمر ~~أنه قطع عبدا له سرق وكما يجلده في الزنا وشرب الخمر والثاني : لا بل القطع ~~إلى الإمام بخلاف الجلد لأن المولى يملك جنس الجلد وهو التعزير ms6637 ولا يملك ~~جنس القطع ، ثم قال وكل حد يقيمه المولى على عبده إنما يقيمه إذا ثبت ~~باعتراف العبد ، فإن كانت عليه بينة فهل يسمع المولى الشهادة ، فيه وجهان : ~~أحدهما : يسمع لأنه ملك الإقامة بالاعتراف فيملك بالبينة كالإمام والثاني : ~~لا يسمع بل ذاك إلى الحكام والجواب : عن الثالث أنه منقوض بالتعزير . # المسألة الثانية : إذا فقد الإمام فليس لآحاد الناس إقامة هذه الحدود ، ~~بل الأولى أن يعينوا واحدا من الصالحين ليقوم به . # المسألة الثالثة : الخارجي المتغلب هل له إقامة الحدود ؟ قال بعضهم له ~~ذلك وقال آخرون : ليس له ذلك ، لأن إقامة الحد من جهة من لم يلزمنا أن نزيل ~~ولايته أبعد من أن نفوض ذلك إلى رجل من الصالحين . # البحث السادس : في كيفية إقامة الحد ، أما الجلد ، فاعلم أن المذكور في ~~الآية هو الجلد ، وهذا مشترك بين الجلد الشديد ، والجلد الخفيف ، والجلد ~~على كل الأعضاء أو على بعض الأعضاء ، فحينئذ لا يكون في الآية إشعار بشيء ~~من هذه القيود ، بل مقتضى الآية أن يكون الآتي بالجلد كيف كان خارجا عن ~~العهدة ، لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج من العهدة ، قال صاحب ( الكشاف ~~) وفي لفظ الجلد إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم ، ولأن ~~الجلد ضرب الجلد ، يقال جلده كقولك ظهره بفتح الهاء وبطنه ورأسه ، إلا أنا ~~لما عرفنا أن المقصود منه الزجر والزجر لا يحصل إلا بالجلد الخفيف لا جرم ~~تكلم العلماء في صفة الجلد على سبيل القياس ثم هنا مسائل : # المسألة الأولى : المحصن يجلد مع ثيابه ولا يجرد ، ولكن ينبغي أن يكون ~~بحيث يصل الألم إليه ، وينزع من ثيابه الحشو والفرو . روي أن أبا عبيدة بن ~~الجراح أتى برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه ، وقال ما ينبغي لجسدي هذا ~~المذنب أن يضرب وعليه قميص ، فقال أبو عبيدة : لا تدعوه ينزع قميصه فضربه ~~عليه . أما المرأة فلا خلاف في أنه لا يجوز تجريدها ، بل يربط عليها ثيابها ~~حتى لا تنكشف ، ويلي ذلك منها امرأة . # المسألة الثانية ms6638 : لا يمد ولا يربط بل يترك حتى يتقي بيديه ، ويضرب الرجل ~~قائما والمرأة جالسة . قال أبو يوسف رحمه الله : ضرب ابن أبي ليلى المرأة ~~القاذفة قائمة فخطأه أبو حنيفة . # المسألة الثالثة : يضرب بسوط وسط لا جديد يجرح ولا خلق لم يؤلم ، ويضرب ~~ضربا بين ضربين لا شديد ولا واه . روى أبو عثمان النهدي قال أتى عمر برجل ~~في حد ثم جيء بسوط فيه شدة ، فقال أريد ألين من هذا ، فأتى بسوط فيه لين ، ~~فقال أريد أشد من هذا ، فأتى بسوط بين السوطين فرضي به . # المسألة الرابعة : تفرق السياط على أعضائه ولا يجمعها في موضع واحد ، ~~واتفقوا على / أنه يتقي المهالك كالوجه والبطن والفرج ، ويضرب على الرأس ~~عند الشافعي رحمه الله . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا PageV23P127 يضرب ~~على الرأس ، وهو قول على حجة الشافعي رحمه الله . قال أبو بكر أضرب على ~~الرأس فإن الشيطان فيه . وعن عمر أنه ضرب صبيغ بن عسيل على رأسه حين سأل عن ~~الذاريات على وجه التعنت ، حجة أبي حنيفة رحمه الله ، أجمعنا على أنه لا ~~يضرب على الوجه فكذا الرأس والجامع الحكم والمعنى . أما الحكم فلأن الشين ~~الذي يلحق الرأس بتأثير الضرب كالذي يلحق الوجه / بدليل أن الموضحة وسائر ~~الشجاج حكمها في الرأس والوجه واحد ، وفارقا سائر البدن ، لأن الموضحة فيما ~~سوى الرأس والوجه إنما يجب فيها حكومة ولا يجب فيها أرش الموضحة والواقعة ~~في الرأس والوجه ، فوجب استواء الرأس والوجه في وجوب صونهما عن الضرب . ~~وأما المعنى فهو إنما منع من ضرب الوجه لما كان فيه من الجناية على البصر ، ~~وذلك موجود في الرأس ، لأن ضرب الرأس يظلم منه البصر ، وربما حدث منه الماء ~~في العين ، وربما حدث منه اختلاط العقل . أجاب أصحابنا عنه بأن الفرق بين ~~الوجه والرأس ثابت ، لأن الضربة إذا وقعت على الوجه ، فعظم الجبهة رقيق ~~فربما انكسر بخلاف عظم القفا ، فإنه في نهاية الصلابة ، وأيضا فالعين في ~~نهاية اللطافة ، فالضرب عليها يورث العمى ، وأيضا فالضرب على الوجه يكسر ~~الأنف لأنه ms6639 من غضروف لطيف ، ويكسر الأسنان لأنها عظام لطيفة ، ويقع على ~~الخدين وهما لحمان قريبان من الدماغ ، والضربة عليهما في نهاية الخطر لسرعة ~~وصول ذلك الأثر إلى جرم الدماغ ، وكل ذلك لم يوجد في الضرب على الرأس . # المسألة الخامسة : لو فرق سياط الحد تفريقا لا يحصل به التنكيل ، مثل أن ~~يضرب كل يوم سوطا أو سوطين لا يحسب ، وإن ضرب كل يوم عشرين أو أكثر يحسب ، ~~والأولى أن لا يفرق . # المسألة السادسة : إن وجب الحد على الحبلى لا يقام حتى تضع ، روى عمران ~~بن الحصين : أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى ~~من الزنا ، فقالت يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي ، فدعا نبي الله وليها ~~فقال أحسن إليها ، فإذا وضعت فاتني بها ففعل ، فأمر بها نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ، ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها ، ولأن ~~المقصود التأديب دون الإتلاف . # المسألة السابعة : إن وجب الجلد على المريض نظر ، فإن كان به مرض يرجى ~~زواله من صداع أو ضعف أو ولادة يؤخر حتى يبرأ ، كما لو أقيم عليه حد أو قطع ~~لا يقام عليه حد آخر حتى يبرأ من الأول ، وإن كان به مرض لا يرجى زواله ، ~~كالسل والزمانة فلا يؤخر ولا يضرب بالسياط فإنه يموت وليس المقصود موته ، ~~وذلك لا يختلف سواء كان زناه في حال الصحة ثم مرض أو في حال المرض ، بل ~~يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ فيقول ذلك مقام مائة جلدة . كما قال تعالى في ~~قصة أيوب عليه السلام : { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث } ( ص : 44 ) ~~وعند / أبي حنيفة رحمه الله : يضرب بالسياط ، دليلنا ما روي أن رجلا مقعدا ~~أصاب امرأة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ~~ضربة واحدة ، ولأن الصلاة إذا كانت تختلف باختلاف حاله فالحد أولى بذلك . # المسألة الثامنة : يقام الحد في وقت اعتدال الهواء ، فإن كان في حال شدة ~~حر أو برد نظر إن كان ms6640 الحد رجما يقام عليه كما يقام في المرض لأن المقصود ~~قتله ، وقيل إن كان الرجم ثبت عليه بإقراره فيؤخر إلى اعتدال الهواء وزوال ~~المرض الذي يرجى زواله ، لأنه ربما رجع عن إقراره في خلال الرجم وقد أثر ~~الرجم في جسمه فتعين شدة الحر والبرد والمرض على أهلاكه بخلاف ما لو ثبت ~~بالبينة لأنه لا يسقط ، وإن كان الحد PageV23P128 جلدا لم يجز إقامته في ~~شدة الحر والبرد كما لا يقام في المرض . أما الرجم ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله ، ومالك رحمه الله : يجوز للإمام ~~أن يحضر رجمه وأن لا يحضر ، وكذا الشهود لا يلزمهم الحضور . وقال أبو حنيفة ~~رحمه الله : إن ثبت الزنا بالبينة وجب على الشهود أن يبدأوا بالرجم ثم ~~الإمام ثم الناس ، وإن ثبت بإقرار بدأ الإمام ثم الناس . حجة الشافعي رحمه ~~الله : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر ~~رجمهما . # المسألة الثانية : إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك / وقع به بعض الحد ~~أو لم يقع . وبه قال أبو حنيفة رحمه الله والثوري وأحمد وإسحق ، وقال الحسن ~~وابن أبي ليلى وداود لا يقبل رجوعه ، وعن مالك رحمه الله روايتان . # حجة القول الأول : أن ماعزا لما مسته الحجارة وهرب ، فقال عليه السلام : ~~( هلا تركتموه ) . # المسألة الثالثة : يحفر للمرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها ، ولا ~~يحفر للرجل ، لما روى أبو سعيد الخدري ( أن ماعزا أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فقال يا رسول الله إني أصبت فاحشة فأقم على الحد ، فرده النبي ~~عليه السلام مرارا ، ثم سأل قومه ، فقالوا : لا نعلم به بأسا فأمرنا أن ~~نرجمه ، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد فما أوثقناه ولا حفرنا له ، قال ~~فرميناه بالعظام والمدر والخزف ، قال فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض ~~الحرة وانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكن ) وجه الاستدلال أنه قال : ~~( فما أوثقناه ولا حفرنا له ) ولأنه هرب ، ولو كان في حفرة لما أمكنه ذلك . # المسألة الرابعة : إذا مات في ms6641 الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر ~~المسلمين ، فهذا ما أردنا ذكره من بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه ~~الآية . # أما المباحث العقلية : فاعلم أن من الناس من قال : لا شك أن البدن مركب ~~من أجزاء كثيرة ، فإما أن يقوم بكل جزء حياة وعلم وقدرة على حدة أو يقوم ~~بكل الأجزاء حياة واحدة وعلم واحد وقدرة واحدة ، والثاني محال لاستحالة ~~قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة فتعين / الأول ، وإذا كان كذلك كان كل ~~جزء من أجزاء البدن حيا على حدة وعالما على حدة وقادرا على حدة ، وإذا ثبت ~~هذا فنقول الزاني هو الفرج لا الظهر ، فكيف يحسن من الحكيم أن يأمر بجلد ~~الظهر ، ولأنه ربما كان الإنسان حال إقدامه على الزنا عجيفا نحيفا ثم يسمن ~~بعد ذلك فكيف يجوز إيلام تلك الأجزاء الزائدة مع أنها كانت بريئة عن فعل ~~الزنا ، فإن قال قائل هذا مدفوع من وجهين : الأول : وهو أنه ليس كل واحد من ~~أجزاء البدن فاعلا على حدة وحيا على حدة وذلك محال ، بل الحياة والعلم ~~والقدرة تقوم بالجزء الواحد ثم توجب حكم الحيية والعالمية والقادرية لمجموع ~~الأجزاء ، فيكون المجموع حيا واحدا عالما واحدا قادرا واحدا ، وعلى هذا ~~التقدير يزول السؤال الثاني : أن يقال الذي هو الفاعل والمحرك والمدرك شيء ~~ليس بجسم ولا جسماني . وإنما هو مدبر لهذا البدن ، وعلى هذا التقدير أيضا ~~يزول السؤال والجواب : أما الأول فضعيف ، وذلك لأن العلم إذا قام بجزء واحد ~~، فإما أن يحصل بمجموع الأجزاء عالمية واحدة فيلزم قيام الصفة الواحدة ~~بالمحال الكثيرة وهو محال ، أو يقوم بكل جزء عالمية على حدة فيعود المحذور ~~المذكور ، وأما الثاني ففي نهاية البعد لأنه إذا كان الفاعل للقبيح هو ذلك ~~المباين فلم يضرب هذا الجسد ؟ واعلم أن المقصود من أحكام الشرع رعاية ~~المصالح ، ونحن نعلم أن PageV23P129 شرع الحد يفيد الزجر ، فكان المقصود ~~حاصلا والله أعلم . # أما قوله تعالى : { ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : الرأفة الرقة والرحمة وقراءة العامة بسكون الهمزة وقرىء ms6642 ~~رأفة بفتح الهمزة ورآفة على فعالة . # المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد أن لا تأخذكم رأفة بأن يعطل الحد ~~أو ينقص منه ، والمعنى لا تعطلوا حدود الله ولا تتركوا إقامتها للشفقة ~~والرحمة ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير واختيار الفراء والزجاج ، ~~ويحتمل أن لا تأخذكم رأفة بأن يخفف الجلد وهو قول سعيد بن المسيب والحسن ~~وقتادة ، ويحتمل كلا الأمرين والأول أولى لأن الذي تقدم ذكره الأمر بنفس ~~الجلد ، ولم يذكر صفته ، فما يعقبه يجب أن يكون راجعا إليه وكفى برسول الله ~~أسوة في ذلك حيث قال : ( لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ) ونبه بقوله ~~في دين الله على أن الدين إذا أوجب أمرا لم يصح استعمال الرأفة في خلافه . # أما قوله تعالى : { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر } فهو من باب ~~التهييج والنهاب الغضب لله تعالى ولدينه . قال الجبائي تقدير الآية : إن ~~كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود ، وهذا يدل على أن الاشتغال بأداء ~~الواجبات من الإيمان بخلاف ما تقوله المرجئة والجواب : أن الرأفة لا تحصل ~~إلا إذا حكم الإنسان بطبعه أن الأولى أن لا تقام تلك الحدود ، وحينئذ يكون ~~منكرا للدين فيخرج عن الإيمان في الحديث ( يؤتى بوال نقص من الحد سوطا ، ~~فيقال له لم فعلت ذاك ؟ / فيقول رحمة لعبادك ، فيقال له أنت أرحم بهم منيا ~~فيؤمر به إلى النار ، ويؤتى بمن زاد سوطا فيقال له لم فعلت ذلك ؟ فيقول ~~لينتهوا عن معاصيك ، فيقول أنت أحكم به منيا فيؤمر به إلى النار ) . # أما قوله تعالى : { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { وليشهد عذابهما طائفة } أمر وظاهره ~~للوجوب ، لكن الفقهاء قالوا يستحب حضور الجمع والمقصود إعلان إقامة الحد ، ~~لما فيه من مزيد الردع ، ولما فيه من رفع التهمة عمن يجلد ، وقيل أراد ~~بالطائفة الشهود لأنه يجب حضورهم ليعلم بقاؤهم على الشهادة . # المسألة الثانية : اختلفوا في أقل الطائفة على أقوال : أحدها : أنه رجل ~~واحد وهو قول النخعي ومجاهد . واحتجا بقوله تعالى : { وإن طائفتان من ms6643 ~~المؤمنين اقتتلوا } ( الحجرات : 9 ) وثانيها : أنه اثنان وهو قول عكرمة ~~وعطاء واحتجا بقوله تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى ~~الدين } ( التوبة : 122 ) وكل ثلاثة فرقة والخارج من الثلاثة واحد أو اثنان ~~، والاحتياط يوجب الأخذ بالأكثر وثالثها : أنه ثلاثة وهو قول الزهري وقتادة ~~، قالوا الطائفة هي الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة ، كأنها الجماعة الحافة ~~حول الشيء ، وهذه الصورة أقل ما لا بد في حصولها هو الثلاثة ورابعها : أنه ~~أربعة بعدد شهود الزنا ، وهو قول ابن عباس والشافعي رضي الله عنهم وخامسها ~~: أنه عشرة وهو قول الحسن البصري ، لأن العشرة هي العدد الكامل . # المسألة الثالثة : تسميته عذابا يدل على أنه عقوبة ، ويجوز أن يسمى عذابا ~~لأنه يمنع المعاودة كما سمي نكالا لذلك ، ونبه تعالى بقوله : { من المؤمنين ~~} على أن الذين يشهدون يجب أن يكونوا بهذا الوصف ، PageV23P130 لأنهم إذا ~~كانوا كذلك عظم موقع حضورهم في الزجر وعظم موقع إخبارهم عما شاهدوا فيخاف ~~المجلود من حضورهم الشهرة ، فيكون ذلك أقوى في الانزجار . والله أعلم . # الحكم الثاني # ! 7 < { الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان ~~أو مشرك وحرم ذالك على المؤمنين } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 3 ) الزاني لا ينكح . . . . . # > > # قرىء { لا ينكح } بالجزم عن النهي ، وقرىء { وحرم } بفتح الحاء ثم إن في ~~الآية سؤالات : # السؤال الأول : قوله : { الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة } ظاهره خبر ~~، ثم إنه ليس الأمر كما يشعر به هذا الظاهر ، لأنا نرى أن الزاني قد ينكح ~~المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف . # السؤال الثاني : أنه قال : { وحرم ذالك على المؤمنين } وليس كذلك ، فإن ~~المؤمن يحل له / التزوج بالمرأة الزانية والجواب : اعلم أن المفسرين لأجل ~~هذين السؤالين ذكروا وجوها : أحدها : وهو أحسنها ، ما قاله القفال : وهو أن ~~اللفظ وإن كان عاما لكن المراد منه الأعم الأغلب ، وذلك لأن الفاسق الخبيث ~~الذي من شأنه الزنا والفسق لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء ، وإنما يرغب ~~في فاسقة خبيثة مثله أو في مشركة ، والفاسقة ms6644 الخبيثة لا يرغب في نكاحها ~~الصلحاء من الرجال وينفرون عنها ، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من ~~الفسقة والمشركين ، فهذا على الأعم الأغلب كما يقال لا يفعل الخير إلا ~~الرجل التقي ، وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي فكذا ههنا . # وأما قوله : { وحرم ذالك على المؤمنين } فالجواب من وجهين : أحدهما : أن ~~نكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها ، وانخراطه بذلك في سلك ~~الفسقة المتسمين بالزنا محرم عليه ، لما فيه من التشبه بالفساق وحضور مواضع ~~التهمة ، والتسبب لسوء المقالة فيه والغيبة . ومجالسة الخاطئين كم فيها من ~~التعرض لاقتراف الآثام ، فكيف بمزاوجة الزواني والفجار الثاني : وهو أن صرف ~~الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات محرم على المؤمنين ، ~~لأن قوله : { الزانى لا ينكح إلا زانية } معناه أن الزاني لا يرغب إلا في ~~الزانية فهذا الحصر محرم على المؤمنين ، ولا يلزم من حرمة هذا الحصر حرمة ~~التزوج بالزانية ، فهذا هو المعتمد في تفسير الآية : الوجه الثاني : أن ~~الألف واللام في قوله : { الزانى } وفي قوله : { وحرم ذالك على المؤمنين } ~~وإن كان للعموم ظاهرا لكنه ههنا مخصوص بالأقوام الذين نزلت هذه الآية فيهم ~~، قال مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة ، قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء ~~ليس لهم أموال ولا عشائر ، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن وهن يومئذ ~~أخصب أهل المدينة ، ولكل واحدة منهن علامة على بابها كعلامة البيطار ، ~~ليعرف أنها زانية ، وكان لا يدخل عليها إلا زان أو مشرك فرغب في كسبهن ناس ~~من فقراء المسلمين ، وقالوا نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن ، فاستأذنوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فتقدير الآية أولئك الزواني ~~لا ينكحون إلا تلك الزانيات ، وتلك الزانيات لا ينكحهن إلا أولئك الزواني ~~وحرم نكاحهن على المؤمنين PageV23P131 الوجه الثالث : في الجواب أن قوله : ~~{ الزانى لا ينكح إلا زانية } وإن كان خبرا في الظاهر ، لكن المراد النهي ، ~~والمعنى أن كل من كان زانيا فلا ينبغي أن ينكح إلا زانية وحرم ذلك على ~~المؤمنين . وهكذا كان الحكم ms6645 في ابتداء الإسلام ، وعلى هذا الوجه ذكروا ~~قولين : أحدهما : أن ذلك الحكم باق إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية ~~التزوج بالعفيفة والعفيف وبالعكس ويقال هذا مذهب أبي بكر وعمر وعلي وابن ~~مسعود وعائشة ، ثم في هؤلاء من يسوي بين الابتداء والدوام . فيقول كما لا ~~يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك لا يحل له إذا زنت تحته أن يقيم عليها ~~/ ومنهم من يفصل لأن في جملة ما يمنع من التزويج ما لا يمنع من دوام النكاح ~~كالإحرام والعدة . # / والقول الثاني : أن هذا الحكم صار منسوخا واختلفوا في ناسخه ، فعن ~~الجبائي أن ناسخه هو الإجماع وعن سعيد بن المسيب أنه منسوخ بعموم قوله ~~تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ( النساء : 3 ) { وأنكحوا ~~الايامى } ( النور : 32 ) قال المحققون هذان الوجهان ضعيفان أما الأول : ~~فلأنه ثبت في أصول الفقه أن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به ، وأيضا فالإجماع ~~الحاصل عقيب الخلاف لا يكون حجة ، والإجماع في هذه المسألة مسبوق بمخالفة ~~أبي بكر وعمر وعلي فكيف يصح ؟ # وأما قوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم } فهو لا يصح أن يكون ناسخا ، ~~لأنه لا بد من أن يشترط فيه أن لا يكون هناك مانع من النكاح من سبب أو نسب ~~أو غيرهما ، ولقائل أن يقول لا يدخل فيه تزويج الزانية من المؤمن ، كما لا ~~يدخل فيه تزويجها من الأخ وابن الأخ ، ونقول إن للزنا تأثيرا في الفرقة ما ~~ليس لغيره ، ألا ترى أنه إذا قذفها بالزنا يتبعها بالفرقة على بعض الوجوه ، ~~ولا يجب مثل ذلك في سائر ما يوجب الحد ، ولأن من حق الزنا أن يورث العار ~~ويؤثر في الفراش ففارق غيره . ثم احتج هؤلاء الذين يدعون هذا النسخ ، بأنه ~~سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل زنى بامرأة فهل له أن يتزوجها ؟ فأجازه ~~ابن عباس وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه سئل عن ذلك فقال : ( أوله سفاح وآخره نكاح ) والحرام لا يحرم الحلال . ~~الوجه الرابع ms6646 : أن يحمل النكاح على الوطء والمعنى أن الزاني لا يطأ حين ~~يزني إلا زانية أو مشركة وكذا الزانية { وحرم ذالك على المؤمنين } أي وحرم ~~الزنا على المؤمنين وعلى هذا تأويل أبي مسلم ، قال الزجاج هذا التأويل فاسد ~~من وجهين : الأول : أنه ما ورد النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى ~~التزويج ، ولم يرد ألبتة بمعنى الوطء الثاني : أن ذلك يخرج الكلام عن ~~الفائدة ، لأنا لو قلنا المراد أن الزاني لا يطأ إلا الزانية فالإشكال عائد ~~، لأنا نرى أن الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها ولو قلنا المراد أن ~~الزاني لا يطأ إلا الزانية حين يكون وطؤه زنا فهذا الكلام لا فائدة فيه ، ~~وهذا آخر الكلام في هذا المقام . # السؤال الثالث : أي فرق بين قوله : { الزانى لا ينكح إلا زانية } وبين ~~قوله : { والزانية لا ينكحها إلا زان } ؟ والجواب : الكلام الأول يدل على ~~أن الزاني لا يرغب إلا في نكاح الزانية وهذا لا يمنع من أن يرغب في نكاح ~~الزانية غير الزاني فلا جرم بين ذلك بالكلام الثاني . # السؤال الرابع : لم قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وههنا ~~بالعكس الجواب : سبقت تلك الآية لعقوبتها على جنايتها ، والمرأة هي المادة ~~في الزنا ، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه هو الراغب ~~والطالب . PageV23P132 # الحكم الثالث # القذف # ! 7 < { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولائك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من ~~بعد ذالك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 4 - 5 ) والذين يرمون المحصنات . . . . . # > > # / اعلم أن ظاهر الآية لا يدل على الشيء الذي به رموا المحصنات وذكر الرمي ~~لا يدل على الزنا ، إذ قد يرميها بسرقة وشرب خمر وكفر ، بل لا بد من قرينة ~~دالة على التعيين ، وقد أجمع العلماء على أن المراد الرمي بالزنا وفي الآية ~~أقوال تدل عليه أحدها : تقدم ذكر الزنا وثانيها : أنه تعالى ذكر المحصنات ~~وهن العفائف ، فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميهن بضد العفاف ms6647 وثالثها : ~~قوله : { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } يعني على صحة ما رموهن به ، ومعلوم أن ~~هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا ورابعها : انعقاد الإجماع على ~~أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو الرمي بالزنا ، ~~إذا عرفت هذا فالكلام في هذه الآية يتعلق بالرمي والرامي والمرمي . # البحث الأول : في الرمي وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض ، فالصريح أن ~~يقول يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك ، ولو قال زنى بدنك فيه وجهان : ~~أحدها : أنه كناية كقوله : زنى يدك ، لأن حقيقة الزنا من الفرج فلا يكون من ~~سائر البدن إلا المعونة والثاني : وهو الأصح أنه صريح ، لأن الفعل إنما ~~يصدر من جملة البدن . والفرج آلة في الفعل . أما الكنايات فمثل أن يقول يا ~~فاسقة ، يا فاجرة ، يا خبيثة ، يا مؤاجرة ، يا ابنة الحرام ، أو امرأتي لا ~~ترد يد لامس ، وبالعكس فهذا لا يكون قذفا إلا أن يريده ، وكذلك لو قال ~~لعربي يا نبطي ، فهذا لا يكون قذفا إلا أن يريده ، فإن أراد به القذف فهو ~~قذف لأم المقول له وإلا فلا ، فإن قال عنيت به نبطي الدار واللسان ، وادعت ~~أم المقول له أنه أراد القذف ، فالقول قوله مع يمينه . أما التعريض فليس ~~بقذف وإن أراده ، وذلك مثل قوله : يا ابن الحلال ، أما أنا فما زنيت وليست ~~أمي زانية ، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة ~~والثوري والحسن بن صالح رحمهم الله . وقال مالك رحمه الله : يجب الحد فيه ، ~~وقال أحمد وإسحق : هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا ، لنا ، أن التعريض ~~بالقذف محتمل للقذف ولغيره ، فوجب أن لا يجب الحد ، لأن الأصل براءة الذمة ~~فلا يرجع عنه بالشك ، وأيضا فلقوله عليه السلام : ( أدرأوا الحدود بالشبهات ~~) ولأن الحدود شرعت على خلاق النص النافي للضرر . والإيذاء الحاصل بالتصريح ~~فوق الحاصل بالتعريض ، واحتج المخالف بما روى الأوزاعي عن الزهري عن سالم ~~عن ابن عمر قال ms6648 : كان عمر / يضرب الحد في التعريض . وروي أيضا أن رجلين ~~استبا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أحدهما للآخر : والله ما أنا ~~بزان ولا أمي بزانية ، فاستشار عمر الناس في ذلك ، فقال قائل : مدح أباه ~~وأمه ، وقال آخرون : قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا ، فجلده عمر ثمانين ~~جلدة PageV23P133 والجواب : أن في مشاورة عمر الصخابة في حكم التعريض دلالة ~~على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف ، وأنهم قالوا رأيا واجتهادا . # المسألة الثانية : في تعدد القذف اعلم أنه إما أن يقذف شخصا واحدا مرارا ~~أو يقذف جماعة ، فإن قذف واحدا مرارا نظر إن كان أراد بالكل زانية واحدة ~~بأن قال : زنيت بعمرو قاله مرارا لا يجب إلا حد واحد ، ولو أنشأ الثاني ~~بعدما حد للأول عزر للثاني ، وإن قذفها بزنيات مختلفة بأن قال زنيت بزيد ، ~~ثم قال زنيت بعمرو / فهل يتعدد الحد أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما : يتعدد ~~اعتبارا باللفظ ولأنه من حقوق العباد فلا يقع فيه التداخل كالديون والثاني ~~: وهو الأصح يتداخل فلا يجب فيه إلا حد واحد لأنهما حدان من جنس واحد ~~لمستحق واحد فوجب أن يتداخل كحدود الزنا ، ولو قذف زوجته مرارا ، فالأصح ~~أنه يكتفي بلعان واحد سواء قلنا يتعدد الحد أو لا يتعدد . أما إذا قذف ~~جماعة معدودين نظر ، إن قذف كل واحد بكلمة يجب عليه لكل واحد حد كامل ، ~~وعند أبي حنيفة رحمه الله : لا يجب عليه إلا حد واحد . واحتج أبو بكر ~~الرازي على قول أبي حنيفة بالقرآن والسنة والقياس . # أما القرآن فهو قوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات } والمعنى أن كل ~~أحد يرمي المحصنات وجب عليه الجلد ، وذلك يقتضي أن قاذف جماعة من المحصنات ~~لا يجلد أكثر من ثمانين فمن أوجب على قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد ~~فقد خالف الآية . # وأما السنة : فما روى عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء ، فقال النبي عليه السلام : ( لا ~~، البينة أو ms6649 حد في ظهرك ) فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على هلال إلا ~~حدا واحدا مع قذفه لإمرأته ولشريك بن سحماء ، إلى أن نزلت آية اللعان فأقيم ~~اللعان في الزوجات مقام الحد في الأجنبيات . # وأما القياس : فهو أن سائر ما يوجب الحد إذا وجد منه مرارا لم يجب إلا حد ~~واحد كمن زنى مرارا أو شرب مرارا أو سرق مرارا فكذا ههنا ، والمعنى الجامع ~~دفع مزيد الضرر والجواب : عن الأول أن قوله : { والذين } صيغة جمع ، وقوله ~~: { المحصنات } صيغة جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل الفرد بالفرد ~~فيصير المعنى كل من رمى محصنا واحدا وجب عليه الجد ، وعند ذلك يظهر وجه ~~تمسك الشافعي رحمه الله بالآية ، ولأن قوله : { والذين يرمون المحصنات ~~فاجلدوهم } يدل على ترتيب الجلد على رمي المحصنات وترتيب الحكم على الوصف ، ~~لا سيما إذا كان مناسبا فإنه مشعر بالعلية ، فدلت الآية على أن رمي المحصن ~~من حيث إنه هذا المسمى يوجب الجلد إذا ثبت / هذا فنقول : إذا قذف واحدا صار ~~ذلك القذف موجبا للحد ، فإذا قذف الثاني وجب أن يكون القذف الثاني موجبا ~~للحد أيضا ، ثم موجب القذف الثاني لا يجوز أن يكون هو الحد الأول لأن ذلك ~~قد وجب بالقذف الأول وإيجاب الواجب محال ، فوجب أن يحد بالقذف الثاني حدا ~~ثانيا ، أقصى ما في الباب أن يورد على هذه الدلالة حدود الزنا . لكنا نقول ~~ترك العمل هناك بهذا الدليل لأن حد الزنا أغلظ من حد القذف ، وعند ظهور ~~الفارق يتعذر الجمع . # وأما السنة فلا دلالة فيها على هذه المسألة لأن قذفهما بلفظ واحد ، ولنا ~~في هذه المسألة تفصيل سيأتي إن شاء . PageV23P134 # وأما القياس ففاسد لأن حد القذف حق الآدمي . بدليل أنه لا يحد إلا ~~بمطالبة المقذوف وحقوق الآدمي لا تتداخل بخلاف حد الزنا ، فإنه حق الله ~~تعالى . هذا كله إذا قذف جماعة كل واحد منهم بكلمة على حدة . أما إذا قذفهم ~~بكلمة واحدة فقال أنتم زناة أو زنيتم ، ففيه قولان أصحهما وهو قوله في ( ~~الجديد ) : يجب لكل واحد ms6650 حد كامل لأنه من حقوق العباد فلا يتداخل ، ولأنه ~~أدخل على كل واحد منهم معرة فصار كما لو قذفهم بكلمات . وفي ( القديم ) لا ~~يجب للكل إلا حد واحد اعتبارا باللفظ ، فإن اللفظ واحد والأول أصح لأنه ~~أوفق لمفهوم الآية . فعلى هذا لو قال لرجل يا ابن الزانيين يكون قذفا ~~لأبويه بكلمة واحدة فعليه حدان . # المسألة الثالثة : فيما يبيح القذف : القذف ينقسم إلى محظور ومباح وواجب ~~، وجملة الكلام أنه إذا لم يكن ثم ولد يريد نفيه فلا يجب ، وهل يباح أم لا ~~ينظر إن رآها بعينه تزني أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها أو سمع ~~ممن يثق بقوله أو لم يسمع / لكنه استفاض فيما بين الناس أن فلانا يزني ~~بفلانة ، وقد رآه الزوج يخرج من بيتها أو رآه معها في بيت ، فإنه يباح له ~~القذف لتأكد التهمة ، ويجوز أن يمسكها ويستر عليها . # لما روي ( أن رجلا قال يا رسول الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس ، قال ~~طلقها . قال إني أحبها ، قال فأمسكها ) أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله أو ~~استفاض من بين الناس ولكن الزوج لم يره معها أو بالعكس لم يحل له قذفها ، ~~لأنه قد يذكره من لا يكون ثقة فينتشر ويدخل بيتها خوفا من قاصد أو لسرقة أو ~~لطلب فجور فتأبى المرأة قال الله تعالى : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة ~~منكم } ( النور : 11 ) أما إذا كان ثم ولد يريد نفيه ، نظر فإن تيقن أنه ~~ليس منه بأن لم يكن وطئها الزوج أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة أشهر من ~~وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من ~~استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه ، لما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله ~~في شيء ولم يدخلها الله جنته ) فلما حرم على المرأة أن تدخل على قوم من ليس ~~منهم كان ms6651 الرجل أيضا كذلك ، أما إن احتمل أن يكون منه بأن أتت به لأكثر من ~~ستة أشهر من وقت الوطء ولدون أربع سنين ، نظر إن لم / يكن قد استبرأها ~~بحيضة ، أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء ، لا يحل له ~~القذف والنفي وإن اتهمها بالزنا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيما ~~رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس ~~الأولين والآخرين ) فإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت ~~الاستبراء يباح له القذف والنفي . والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم ~~على الحبل وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه بأن كانا أبيضين فأتت به أسود ، ~~نظر إن لم يكن يتهمها بالزنا فليس له نفيه ، لما روى أبو هريرة رضي الله ~~عنه : ( أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاما أسود ، ~~فقال هل لك من إبل ؟ قال نعم ، قال ما ألوانها ؟ قال حمر ، قال فهل فيها ~~أورق ؟ قال نعم ، قال فكيف ذاك ؟ قال نزعه عرق قال فلعل هذا نزعه عرق ) وإن ~~كان يتهمها بزنا أو يتهمها برجل فأتت بولد يشبهه هل يباح له نفيه فيه وجهان ~~: أحدهما : لا لأن العرق ينزع والثاني : له ذلك لأن التهمة قد تأكدت ~~بالشبهة . # البحث الثاني : في الرامي وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إذا قذف الصبي أو المجنون امرأته أو أجنبيا فلا حد ~~عليهما ولا لعان ، لا في الحال PageV23P135 ولا بعد البلوغ ، لقوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( رفع القلم عن ثلاث ) ولكن يعزران للتأديب إن كان لهما ~~تمييز ، فلو لم تتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ ، قال القفال يسقط ~~التعزير لأنه كان للزجر عن إساءة الأدب وقد حدث زاجر أقوى وهو البلوغ . # المسألة الثانية : الأخرس إذا كانت له إشارة مفهومة أو كتابة معلومة وقذف ~~بالإشارة أو بالكناية لزمه الحد ، وكذلك يصح لعانه بالإشارة والكناية ، ~~وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يصح قذف الأخرس ولا لعانه ، وقول الشافعي رحمه ~~الله أقرب إلى ms6652 ظاهر الآية لأن من كتب أو أشار إلى القذف فقد رمى المحصنة ~~وألحق العار بها فوجب اندراجه تحت الظاهر ، ولأنا نقيس قذفه ولعانه على ~~سائر الأحكام . # المسألة الثالثة : اختلفوا فيما إذا قذف العبد حرا فقال الشافعي وأبو ~~حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان القن عليه أربعون جلدة ، روى ~~الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا عليه السلام قال : ( يجلد العبد في ~~القذف أربعين ) وعن عبدالله بن عمر أنه قال : ( أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ~~ومن بعدهم من الخلفاء وكلهم يضربون المملوك في القذف أربعين ) وقال ~~الأوزاعي يجلد ثمانين وهو مروي عن ابن مسعود / وروي أنه جلد عمر بن عبد ~~العزيز العبد في الفرية ثمانين . ومدار المسألة على حرف واحد وهو أن هذه ~~الآية صريحة في إيجاب الثمانين فمن رد هذا الحد إلى أربعين فطريقه أن الله ~~تعالى قال : { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب } ( النساء : 25 ) فنص على أن حد الأمة في الزنا نصف حد الحرة ، ثم ~~قاسوا العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا ، ثم قاسوا تنصيف حد قذف العبد ~~على تنصيف حد الزنا في حقه ، فرجع حاصل الأمر إلى تخصيص عموم الكتاب بهذا ~~القياس . # / المسألة الرابعة : اتفقوا على دخول الكافر تحت عموم قوله : { والذين ~~يرمون المحصنات } لأن الاسم يتناوله ولا مانع ، فاليهودي إذا قذف المسلم ~~يجلد ثمانين والله أعلم . # البحث الثالث : في المرمى وهي المحصنة ، قال أبو مسلم : اسم الإحصان يقع ~~على المتزوجة وعلى العفيفة وإن لم تتزوج ، لقوله تعالى في مريم : { والتى ~~أحصنت فرجها } ( الأنبياء : 91 ) وهو مأخوذ من منع الفرج فإذا تزوجت منعته ~~إلا من زوجها ، وغير المتزوجة تمنعه كل أحد ، ويتفرع عليه مسائل : # المسألة الأولى : ظاهر الآية يتناول جميع العفائف سواء كانت مسلمة أو ~~كافرة وسواء كانت حرة أو رقيقة ، إلا أن الفقهاء قالوا : شرائط الإحصان ~~خمسة الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا ، وإنما اعتبرنا ~~الإسلام لقوله عليه السلام : ( من أشرك بالله فليس بمحصن ) وإنما ms6653 اعتبرنا ~~العقل والبلوغ لقوله عليه السلام : ( رفع القلم عن ثلاث ) وإنما اعتبرنا ~~الحرية لأن العبد ناقص الدرجة فلا يعظم عليه التعيير بالزنا ، وإنما ~~اعتبرنا العفة عن الزنا لأن الحد مشروع لتكذيب القاذف ، فإذا كان المقذوف ~~زانيا فالقاذف صادق في القذف . وكذلك إذا كان المقذوف وطىء امرأة بشبهة أو ~~نكاح فاسد لأن فيه شبهة الزنا كما فيه شبهة الحل ، فكما أن إحدى الشبهتين ~~أسقطت الحد عن الواطىء فكذا الأخرى تسقطه عن قاذفه أيضا ، ثم نقول من قذف ~~كافرا أو مجنونا أو صبيا أو مملوكا ، أو من قد رمى امرأة ، فلا حد عليه ، ~~بل يعزر للأذى ، حتى لو زنى في عنفوان شبابه مرة ثم تاب وحسن حاله وشاخ في ~~الصلاح لا يحد قاذفه ، وكذلك لو زنى كافر أو رقيق ثم أسلم وعتق وصلح حاله ~~فقذفه قاذف لا حد عليه ، بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو ~~أفاق فقذفه PageV23P136 قاذف يحد ، لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا ، ~~ولو قذف محصنا فقبل أن يحد القاذف زنا المقذوف سقط الحد عن قاذفه لأن صدور ~~الزنا يورث ريبة في حالة فيما مضى لأن الله تعالى كريم لا يهتك ستر عبده في ~~أول ما يرتكب المعصية ، فبظهوره يعلم أنه كان متصفا به من قبل ، روي أن ~~رجلا زنى في عهد عمر ، فقال والله ما زنيت إلا هذه ، فقال عمر كذبت إن الله ~~لا يفضح عبده في أول مرة ، وقال المزني وأبو ثور : الزنا الطارىء لا يسقط ~~الحد عن القاذف . # المسألة الثانية : قال الحسن البصري قوله : { والذين * يرون * المحصنات } ~~يقع على الرجال والنساء ، وسائر العلماء أنكروا ذلك لأن لفظ المحصنات جمع ~~لمؤنث فلا يتناول الرجال ، بل الإجماع دل على أنه لا فرق في هذا الباب بين ~~المحصنين والمحصنات . # المسألة الثالثة : رمي غير المحصنات لا يوجب الحد بل يوجب التعزير إلا أن ~~يكون المقذوف معروفا بما قذف به فلا حد هناك ولا تعزير ، فهذا مجموع الكلام ~~في تفسير قوله سبحانه : { والذين يرمون المحصنات ms6654 } . # أما قوله سبحانه : { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } ففيه بحثان : # البحث الأول : اعلم أن الله تعالى حكم في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء ~~بثلاثة أحكام / أحدها : جلد ثمانين وثانيها : بطلان الشهادة وثالثها : ~~الحكم بفسقه إلى أن يتوب ، واختلف أهل العلم في كيفية ثبوت هذه الأحكام ، ~~بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة البينة على ~~الزنا ، فقال قائلون قد بطلت شهادته ولزمه سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه ~~وهو قول الشافعي والليث بن سعد . وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر شهادته مقبولة ما لم يحد . قال أبو بكر الرازي وهذا مقتضى قولهم إنه ~~غير موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد . لأنه لو لزمته سمة الفسق لما ~~جازت شهادته إذ كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها ، ثم احتج أبو بكر ~~على صحة قول أبي حنيفة رحمه الله بأمور : أحدها : قوله سبحانه : { والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } ظاهر ~~الآية يقتضي ترتب وجوب الحد على مجموع القذف والعجز عن إقامة الشهادة ، فلو ~~علقنا هذا الحكم على القذف وحده قدح ذلك في كونه معلقا على الأمرين وذلك ~~بخلاف الآية ، وأيضا فوجوب الجلد حكم مرتب على مجموع أمرين فوجب أن لا يحصل ~~بمجرد حصول أحدهما ، كما لو قال لامرأته إن دخلت الدار وكلمت فلانا فأنت ~~طالق ، فأتت بأحد الأمرين دون الآخر لم يوجد الجزاء فكذا ههنا وثانيها : أن ~~القاذف لا يحكم عليه بالكذب بمجرد قذفه وإذا كان كذلك وجب أن لا ترد شهادته ~~بمجرد القذف . بيان الأول من ثلاثة أوجه : الأول : أن مجرد قذفه لو أوجب ~~كونه كاذبا لوجب أن لا تقبل بعد ذلك بينته على الزنا إذ قد وقع الحكم بكذبه ~~، والحكم بكذبه في قذفه حكم ببطلان شهادة من شهد بصدقه في كون المقذوف ~~زانيا ، ولما أجمعوا على قبول بينته ثبت أنه لم يحكم عليه بالكذب بمجرد ~~قذفه الثاني : أن قاذف امرأته بالزنا لا يحكم بكذبه بنفس ms6655 قذفه ، وإلا لما ~~جاز إيجاب اللعان بينه وبين امرأته ، ولما أمر بأن يشهد بالله أنه لصادق ~~فيما رماها به من الزنا مع الحكم بكذبه . ولما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعدما لاعن بين الزوجين ( الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب ~~) فأخبر أن أحدهما بغير تعيين هو الكاذب ولم يحكم بكذب القاذف ، وفي ذلك ~~دليل على أن PageV23P137 نفس القذف لا يوجب كونه كاذبا الثالث : قوله تعالى ~~: { لولا جاءو عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون } ( النور : 13 ) فلم يحكم بكذبهم بنفس القذف فقط ، فثبت بهذه ~~الوجوه أن القاذف غير محكوم عليه بكونه كاذبا بمجرد القذف ، وإذا كان كذلك ~~وجب أن لا تبطل شهادته بمجرد القذف لأنه كان عدلا ثقة والصادر عنه غير ~~معارض ، ولما كان يجب أن يبقى على عدالته فوجب أن يكون مقبول الشهادة ~~وثالثها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا ~~محدودا في قذف ) أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء عدالة القاذف ما لم ~~يحد ورابعها : ما روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هلال بن ~~أمية لما قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله : ( ~~يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ) فأخبر أن بطلان شهادته متعلق بوقوع ~~الجلد به وذلك يدل على أن مجرد القذف / لا يبطل الشهادة وخامسها : أن ~~الشافعي رحمه الله زعم أن شهود القذف إذا جاءوا متفرقين قبلت شهادتهم ، فإن ~~كان القذف قد أبطل شهادته فواجب أن لا يقبلها بعد ذلك ، وإن شهد معه ثلاثة ~~لأنه قد فسق بقذفه ووجب الحكم بكذبه ، وفي قبول شهادتهم إذا جاءوا متفرقين ~~ما يلزمه أن لا تبطل شهادتهم بنفس القذف ، وأما وجه قول الشافعي رحمه الله ~~فهو أن الله تعالى رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أمورا ~~ثلاثة معطوفا بعضها على بعض بحرف الواو / وحرف الواو لا يقتضي الترتيب . ~~فوجب أن لا يكون بعضها مرتبا على البعض ، فوجب ms6656 أن لا يكون رد الشهادة مرتبا ~~على إقامة الحد ، بل يجب أن يثبت رد الشهادة سواء أقيم الحد عليه أو ما ~~أقيم والله أعلم . # البحث الثاني : في كيفية الشهادة على الزنا قال الله تعالى : { واللاتى ~~يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } ( النساء : 15 ) ~~وقال تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } وقال سعد ~~بن عبادة : ( يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي ~~بأربعة شهداء ؟ قال نعم ) ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : الإقرار بالزنا هل يثبت بشهادة رجلين فيه قولان : ~~أحدهما : لا يثبت إلا بأربعة كفعل الزنا والثاني : يثبت بخلاف فعل الزنا ، ~~لأن الفعل يغمض الاطلاع عليه فاحتيط فيه باشتراط الأربع والإقرار أمر ظاهر ~~فلا يغمض الإطلاع عليه . # المسألة الثانية : إذا شهدوا على فعل الزنا يجب أن يذكروا الزاني ومن زنى ~~بها ، لأنه قد يراه على جارية له فيظن أنها أجنبية ، ويجب أن يشهدوا أنا ~~رأينا ذكره يدخل في فرجها دخول الميل في المكحلة ، فلو شهدوا مطلقا أنه زنى ~~لا يثبت ، لأنهم ربما يرون المفاخذة زنا ، بخلاف ما لو قذف إنسانا فقال ~~زنيت يجب الحد ولا يستفسر ، ولو أقر على نفسه بالزنا ، هل يشترط أن يستفسر ~~؟ فيه وجهان : أحدهما : نعم كالشهود والثاني : لا يجب كما في القذف . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله لا فرق بين أن يجيء الشهود ~~متفرقين أو مجتمعين ، وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا شهدوا متفرقين لا يثبت ~~وعليهم حد القذف ، حجة الشافعي رحمه الله من وجوه : الأول : أن الإتيان ~~بأربعة شهداء قدر مشترك بين الإتيان بهم مجتمعين أو متفرقين واللفظ الدال ~~على ما به الاشتراك لا إشعار له بما به الامتياز ، فالآتي بهم متفرقين يكون ~~عاملا بالنص فوجب أن يخرج عن العهدة الثاني : كل PageV23P138 حكم يثبت ~~بشهادة الشهود إذا جاءوا مجتمعين يثبت إذا جاءوا متفرقين كسائر الأحكام ، ~~بل هذا أولى لأنهم إذا جاءوا متفرقين كان أبعد عن التهمة ، وعن أن يتلقن ~~بعضهم من بعض ، فلذلك قلنا إذا ms6657 وقعت ريبة للقاضي في شهادة الشهود فرقهم ~~ليظهر على عورة إن كانت في شهادتهم الثالث : أنه لا يشترط أن يشهدوا معا في ~~حالة واحدة ، بل إذا اجتمعوا عند القاضي وكان يقدم واحد بعد آخر ويشهد فإنه ~~تقبل شهادتهم ، فكذا إذا اجتمعوا على بابه . ثم كان يدخل واحد بعد واحد ، ~~حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجهين : الأول : أن الشاهد الواحد / لما شهد ~~فقد قذفه ولم يأت بأربعة من الشهداء فوجب عليه الحد لقوله تعالى : { والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } أقصى ما في الباب أنهم عبروا عن ~~ذلك القذف بلفظ الشهادة ، وذلك لا عبرة به لأنه يؤدي إلى إسقاط حد القذف ~~رأسا ، لأن كل قاذف لا يعجزه لفظ الشهادة ، فيجعل ذلك وسيلة إلى إسقاط الحد ~~عن نفسه ، ويحصل مقصوده من القذف الثاني : ما روي ( أن المغيرة بن شعبة شهد ~~عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب أربعة : أبو بكرة ونافع ونفيع وقال زياد ~~وكان رابعهم رأيت إستا تنبو ونفسا يعلو ورجلاها على عاتقه كأذني حمار ، ولا ~~أدري ما وراء ذلك ، فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر ) فلو قبل ~~بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف ، لأن الحدود مما يتوقف فيها ويحتاط . # المسألة الرابعة : لو شهد على الزنا أقل من أربعة لا يثبت الزنا ، وهل ~~يجب حد القذف على الشهود فيه قولان : أحدهما : لا يجب لأنهم جاءوا مجيء ~~الشهود ، ولأنا لو حددنا لانسد باب الشهادة على الزنا ، لأن كل واحد لا ~~يأمن أن لا يوافقه صاحبه فيلزمه الحد والقول الثاني : وهو الأصح ، وبه قال ~~أبو حنيفة رحمه الله : يجب عليهم الحد ، والدليل عليه الوجهان اللذان ~~ذكرناهما في المسألة الثالثة . # المسألة الخامسة : إذا قذف رجل رجلا فجاء بأربعة فساق فشهدوا على المقذوف ~~بالزنا ، قال أبو حنيفة رحمه الله : يسقط الحد عن القاذف ولا يجب الحد على ~~الشهود . وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه : يحدون ، وجه قول أبي حنيفة ~~قوله : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } وهذا قد ms6658 أتى ~~بأربعة شهداء فلا يلزمه الحد . ولأن الفاسق من أهل الشهادة وقد وجدت شرائط ~~شهادة الزنا من اجتماعهم عند القاضي ، إلا أنه لم تقبل شهادتهم لأجل التهمة ~~، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك وجب اعتبارها في ~~نفي الحد عنهم ، ووجه قول الشافعي رحمه الله أنهم غير موصوفين بالشرائط ~~المعتبرة في قبول الشهادة فخرجوا عن أن يكونوا شاهدين ، فبقوا محض القاذفين ~~، وههنا آخر الكلام في تفسير قوله تعالى : { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } . # أما قوله تعالى : { فاجلدوهم ثمانين جلدة } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المخاطب بقوله : { فاجلدوهم } هو الإمام على ما بيناه ~~في آية الزنا ، أو المالك على مذهب الشافعي ، أو رجل صالح ينصبه الناس عند ~~فقد الإمام . # المسألة الثانية : خص من عموم هذه الآية صور : أحدها : الوالد يقذف ولده ~~أو أحدا من نوافله ، فلا يجب عليه الحد ، كما لا يجب عليه القصاص بقتله ~~الثانية : القاذف إذا كان عبدا فالواجب جلد أربعين ، وكذا المكاتب وأم ~~الولد ، ومن بعضه حر وبعضه رقيق فحدهم حد العبيد الثالثة : من قذف رقيقة ~~عفيفة أو من زنت في قديم الأيام ثم تابت فهي بموجب اللغة محصنة ، ومع ذلك ~~لا يجب الحد بقذفها . PageV23P139 # / المسألة الثالثة : قالوا أشد الضرب في الحدود ضرب الزنا ، ثم ضرب شرب ~~الخمر ، ثم ضرب القاذف ، لأن سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب ، إلا أنه عوقب ~~صيانة للأعراض وزجرا عن هتكها . # المسألة الرابعة : قال مالك والشافعي حد القذف يورث ، فإذا مات المقذوف ~~قبل استيفاء الحد وقبل العفو يثبت لوارثه حد القذف ، وكذلك إذا كان الواجب ~~بقذفه التعزير ، فإنه يورث عنه ، وكذا لو أنشأ القذف بعد موت المقذوف ثبت ~~لوارثه طلب الحد . وعند أبي حنيفة رحمه الله : حد القذف لا يورث ويسقط ~~بالموت . حجة الشافعي رحمه الله ، أن حد القذف هو حق الآدمي لأنه يسقط ~~بعفوه ولا يستوفي إلا بطلبه ويحلف فيه المدعى عليه إذا أنكر ، وإذا كان حق ~~الآدمي وجب أن يورث لقوله عليه السلام : ( ومن ترك حقا فلورثته ) حجة أبي ~~حنيفة ms6659 رحمه الله : أنه لو كان موروثا لكان للزوج أو الزوجة فيه نصيب ، ~~ولأنه حق ليس فيه معنى المال والوثيقة فلا يورث كالوكالة والمضاربة والجواب ~~: عن الأول أن الأصح عند الشافعية أنه يرثه جميع الورثة كالمال ، وفيه وجه ~~ثان أنه يرثه كلهم إلا الزوج والزوجة ، لأن الزوجية ترتفع بالموت ، ولأن ~~المقصود من الحد دفع العار عن النسب ، وذلك لا يلحق الزوج والزوجة . # المسألة الخامسة : إذا قدف إنسان إنسانا بين يدي الحاكم ، أو قذف امرأته ~~برجل بعينه والرجل غائب ، فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن ~~فلانا قذفك وثبت لك حد القذف عليه ، كما لو ثبت له مال على آخر وهو لا ~~يعلمه يلزمه إعلامه ، وعلى هذا المعنى ( بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنيسا ليخبرها بأن فلانا قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها ) قال ~~الشافعي رحمه الله وليس للإمام إذا رمى رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله عن ~~ذلك لأن الله تعالى قال : { ولا تجسسوا } وأراد به إذا لم يكن القاذف معينا ~~، مثل إن قال رجل بين يدي الحاكم الناس يقولون إن فلانا زنى فلا يبعث ~~الحاكم إليه فيسأله . # أما قوله تعالى : { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } فاختلف الفقهاء فيه ، ~~فقال أكثر الصحابة والتابعين إنه إذا تاب قبلت شهادته وهو قول الشافعي رحمه ~~الله ، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح رحمهم الله لا تقبل ~~شهادة المحدود في القذف إذا تاب ، وهذه المسألة مبنية على أن قوله : { إلا ~~الذين تابوا } هل عاد إلى جميع الأحكام المذكورة أو اختص بالجملة الأخيرة ، ~~فعند أبي حنيفة رحمه الله الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة مختص ~~بالجملة الأخيرة ، وعند الشافعي رحمه الله يرجع إلى الكل ، وهذه المسألة قد ~~لخصناها في أصول الفقه ، ونذكر ههنا ما يليق بهذا الموضع إن شاء الله تعالى ~~، احتج الشافعي رحمه الله على أن شهادته مقبولة بوجوه : أحدها : قوله عليه ~~السلام : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) ومن لا ذنب له مقبول الشهادة ، ~~فالتائب يجب أن يكون أيضا ms6660 مقبول الشهادة وثانيها : أن الكافر يقذف فيتوب عن ~~الكفر فتقبل شهادته بالإجماع ، فالقاذف / المسلم إذا تاب عن القذف وجب أن ~~تقبل شهادته ، لأن القذف مع الإسلام أهون حالا من القذف مع الكفر ، فإن قيل ~~المسلمون لا يألمون بسب الكفار ، لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل ~~، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنآن ما يلحقه بقذف مسلم مثله ~~، فشدد على القاذف من المسلمين زجرا عن إلحاق العار والشنآن ، وأيضا ~~فالتائب من الكفر لا يجب عليه الحد والتائب من القذف لا يسقط عنه الحد ، ~~قلا هذا الفرق ملغى بقوله عليه السلام : ( أنبئهم أن لهم ما للمسلمين ~~وعليهم ما على PageV23P140 المسلمين ) وثالثها : أجمعنا على أن التائب عن ~~الكفر والقتل والزنا مقبول الشهادة فكذا التائب عن القذف ، لأن هذه الكبيرة ~~ليست أكبر من نفس الزنا ورابعها : أن أبا حنيفة رحمه الله يقبل شهادته إذ ~~تاب قبل الحد مع أن الحد حق المقذوف فلا يزول بالتوبة . فلأن تقبل شهادته ~~إذا تاب بعد إقامة الحد وقد حسنت حالته وزال اسم الفسق عنه كان أولى ~~وخامسها : أن قوله : { إلا الذين تابوا } استثناء مذكور عقيب جمل فوجب عوده ~~إليها بأسرها ويدل عليه أمور : أحدها : أجمعنا على أنه لو قال عبده حر ~~وامرأته طالق إن شاء الله ، فإنه يرجع الاستثناء إلى الجميع فكذا فيما نحن ~~فيه ، فإن قيل الفرق أن قوله : { إن شاء الله } ( يوسف : 99 ) يدخل لرفع ~~حكم الكلام حتى لا يثبت فيه شيء ، والاستثناء المذكور بحرف الاستثناء لا ~~يجوز دخوله لرفع حكم الكلام رأسا . ألا ترى أنه يجوز أن يقول أنت طالق إن ~~شاء الله فلا يقع شيء ، ولو قال أنت طالق إلا طلاقا كان الطلاق واقعا ~~والاستثناء باطلا لاستحالة دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية ، فثبت أنه لا ~~يلزم من رجوع قوله : { إن شاء الله } إلى جميع ما تقدم صحة رجوع الاستثناء ~~بحرفه إلى جميع ما تقدم ، قلنا هذا فرق في غير محل الجمع ، لأن إن شاء الله ~~جاز دخوله لرفع حكم الكلام بالكلية ، فلا جرم ms6661 جاز رجوعه إلى جميع الجمل ~~المذكورة وإلا جاز دخوله لرفع بعض الكلام فوجب جواز رجوعه إلى جميع الجمل ~~على هذا الوجه ، حتى يقتضي أن يخرج من كل واحد من الجمل المذكورة بعضه ~~وثانيها : أن الواو للجمع المطلق فقوله : { فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون } صار الجمع كأنه ذكر معا لا ~~تقدم للبعض على البعض ، فلما دخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى ~~بعضها أولى من رجوعه إلى الباقي إذ لم يكن لبعضها على بعض تقدم في المعنى ~~ألبتة فوجب رجوعه إلى الكل ، ونظيره على قول أبي حنيفة رحمه الله قوله ~~تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى } ( المائدة : 6 ) فإن فاء ~~التعقيب ما دخلت على غسل الوجه بل على مجموع هذه الأمور من حيث إن الواو لا ~~تفيد الترتيب . فكذا ههنا كلمة إلا ما دخلت على واحد بعينه لأن حرف الواو ~~لا يفيد الترتيب بل دخلت على المجموع ، فإن قيل الواو قد تكون للجمع على ما ~~ذكرت وقد تكون للاستئناف وهي في قوله : { وأولئك هم الفاسقون } لأنها إنما ~~تكون للجمع فيما لا يختلف معناه ونظمه جملة واحدة ، فيصير الكل كالمذكور ~~معا مثل آية الوضوء فإن الكل أمر / واحد كأنه قال فاغسلوا هذه الأعضاء فإن ~~الكل قد تضمنه لفظ الأمر . وأما آية القذف فإن ابتداءها أمر وآخرها خبر فلا ~~يجوز أن ينظمهما جملة واحدة ، وكان الواو للاستئناف فيختص الاستثناء به ، ~~قلنا لم لا يجوز أن نجعل الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط كأنه قيل ومن ~~قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم ، أي فاجمعوا لهم الجلد والرد ~~والفسق ، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله يغفر لهم فينقبون غير ~~مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين وثالثها : أن قوله : { وأولئك هم الفاسقون ~~} عقيب قوله : { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } يدل على أن العلة في عدم قبول ~~تلك الشهادة كونه فاسقا ، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، لا ~~سيما إذا كان الوصف مناسبا وكونه فاسقا يناسب أن لا ms6662 يكون مقبول الشهادة ، ~~إذا ثبت أن العلة لرد الشهادة ليست إلا كونه فاسقا ، ودل الاستثناء على ~~زوال الفسق فقد زالت العلة فوجب أن يزول الحكم لزوال العلة ورابعها : أن ~~مثل هذا الاستثناء موجود في القرآن ، قال الله تعالى : { إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله } إلى قوله : { إلا الذين تابوا } ( البقرة : 160 ) ~~ولا خلاف أن هذا الاستثناء راجع إلى ما تقدم من أول الآية ، وأن التوبة ~~حاصلة لهؤلاء جميعا وكذلك قوله : { لا تقربوا الصلواة وأنتم سكارى } ~~PageV23P141 إلى قوله : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } ( النساء : 43 ) وصار ~~التيمم لمن وجب عليه الاغتسال ، كما أنه مشروع لمن وجب عليه الوضوء ، وهذا ~~الوجه ذكره أبو عبيد في إثبات مذهب الشافعي رحمه الله ، واحتج أصحاب أبي ~~حنيفة على أن حكم الاستثناء مختص بالجملة الأخيرة بوجوه : أحدها : أن ~~الاستثناء من الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة ، فكذا في جميع الصور طردا ~~للباب وثانيها : أن المقتضي لعموم الجمل المتقدمة قائم والمعارض وهو ~~الاستثناء يكفي في تصحيحه تعليقه بجملة واحدة ، لأن بهذا القدر يخرج ~~الاستثناء عن أن يكون لغوا فوجب تعليقه بالجملة الواحدة فقط وثالثها : أن ~~الاستثناء لو رجع إلى كل الجمل المتقدمة لوجب أنه إذا تاب أن لا يجلد وهذا ~~باطل بالإجماع فوجب أن يختص الاستثناء بالجملة الأخيرة والجواب : عن الأول ~~أن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ، فالاستثناء عقيب لو رجع إلى ~~الاستثناء الأول وإلى المستثنى فبقدر ما نفي من أحدهما أثبت في الآخر ~~فينجبر الناقص بالزائد ويصير الاستثناء الثاني عديم الفائدة ، فلهذا السبب ~~قلنا في الاستثناء من الاستثناء إنه يختص بالجملة الأخيرة والجواب : عن ~~الثاني أنا بينا أن واو العطف لا تقتضي الترتيب فلم يكن بعض الجمل متأخرا ~~في التقدير عن البعض ، فلم يكن تعليقه بالبعض أولى من تعليقه بالباقي ، ~~فوجب تعليقه بالكل والجواب : عن الثالث أنه ترك العمل به في حق البعض فلم ~~يترك العمل به في حق الباقي ، واحتج أصحاب أبي حنيفة رحمه الله في المسألة ~~بوجوه من الأخبار أحدها : ما روى ابن عباس رضي ms6663 الله عنهما في قصة هلال بن ~~أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ~~يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ) فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~/ أن وقوع الجلد به يبطل شهادته من غير شرط التوبة في قبولها وثانيها : أن ~~قوله عليه السلام : ( المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف ) ولم ~~يشترط فيه وجود التوبة منه وثالثها : ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تجوز شهادة محدود في الإسلام ) ~~قالت الشافعية هذا معارض بوجوه : أحدها : قوله عليه السلام : ( إذا علمت ~~مثل الشمس فاشهد ) والأمر للوجوب فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو ~~لم تكن مقبولة لما وجبت لأنها تكون عبثا وثانيها : قوله عليه السلام : ( ~~نحن نحكم بالظاهر ) وههنا قد حصل الظهور لأن دينه وعقله وعفته الحاصلة ~~بالتوبة تفيد ظن كونه صادقا وثالثها : ما روي عن عمر بن الخطاب ( أنه ضرب ~~الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع ، ثم قال لهم من ~~أكذب نفسه قبلت شهادته ومن لم يفعل لم أجز شهادته فأكذب نافع ونفيع أنفسهما ~~وتابا وكان يقبل شهادتهما . وأما أبو بكرة فكان لا يقبل شهادته ) وما أنكر ~~عليه أحد من الصحابة فيه ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة . # أما قوله تعالى : { وأولئك هم الفاسقون } فاعلم أنه يدل على أمرين : ~~الأول : أن القذف من جملة الكبائر لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب ~~الكبيرة الثاني : أنه اسم لمن يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقا من فعله ~~لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب وبأنه رام ~~إلى غير ذلك . # وأما قوله تعالى : { إلا الذين تابوا } فاعلم أنهم اختلفوا في أن التوبة ~~عن القذف كيف تكون ، قال الشافعي رحمه الله التوبة منه إكذابه نفسه ، ~~واختلف أصحابه في معناه فقال الأصطخري يقول : كذبت فيما قلت فلا أعود لمثله ~~، وقال أبو إسحق لا ms6664 يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقا فيكون قوله كذبت كذبا ~~والكذب PageV23P142 معصية ، والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى ~~، بل يقول القاذف باطلا ندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه . # أما قوله : { وأصلحوا } فقال أصحابنا إنه بعد التوبة لا بد من مضي مدة ~~عليه في حسن الحال حتى تقبل شهادته وتعود ولايته ، ثم قدروا تلك المدة بسنة ~~حتى تمر عليه الفصول الأربع التي تتغير فيها الأحوال والطباع كما يضرب ~~للعنين أجل سنة ، وقد علق الشرع أحكاما بالسنة من الزكاة والجزية وغيرهما . # وأما قوله تعالى : { فإن الله غفور رحيم } فالمعنى أنه لكونه غفورا رحيما ~~يقبل التوبة وهذا يدل على أن قبول التوبة غير واجب عقلا إذ لو كان واجبا ~~لما كان في قبوله غفورا رحيما ، لأنه إذا كان واجبا فهو إنما يقبله خوفا ~~وقهرا لعلمه بأنه لو لم يقبله لصار سفيها ، ولخرج عن حد الإلهية . أما إذا ~~لم يكن واجبا فقبله . فهناك تتحقق الرحمة والإحسان وبالله التوفيق . # / الحكم الرابع # حكم اللعان # ! 7 < { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان ~~من الكاذبين * ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليهآ إن كان من الصادقين * ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 6 - 10 ) والذين يرمون أزواجهم . . . . . # > > # إعلم أنه سبحانه لما ذكر أحكام قذف الأجنبيات عقبه بأحكام قذف الزوجات ، ~~ثم هذه الآية مشتملة على أبحاث : # البحث الأول : في سبب نزوله وذكروا فيه وجوها : أحدها : قال ابن عباس ~~رحمهم الله : ( لما تزل قوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء } قال عاصم بن عدي الأنصاري إن دخل منا رجل بيته فوجد رجلا ~~على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدوا بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج ~~، وإن قتله قتل به ، وإن قال وجدت فلانا مع تلك المرأة ضرب وإن سكت ms6665 سكت على ~~غيظ . اللهم افتح . وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر وله امرأة يقال ~~لها خولة بنت قيس فأتى عويمر عاصما فقال : لقد رأيت شريك بن سحماء على بطن ~~امرأتي خولة فاسترجع عاصم وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول ~~الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وما ذاك ؟ فقال أخبرني عويمر ابن عمي بأنه رأى شريك بن سحماء على بطن ~~امرأته خولة وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بنو عم عاصم فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بهم جميعا وقال لعويمر اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا ~~تقذفها فقال يا رسول الله أقسم بالله أني رأيت شريكا على بطنها PageV23P143 ~~وأني ماقربتها منذ أربعة أشهر وأنها حبلى من غيري ، فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت فقالت يا رسول الله إن ~~عويمرا رجل غيور وإنه رأى شريكا يطيل النظر إلي ويتحدث فحملته الغيرة على ~~ما قال ، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى نودي الصلاة جامعة فصلى العصر / ثم قال لعويمر قم وقل أشهد بالله أن ~~خولة لزانية وإني لمن الصادقين ، ثم قال في الثانية قل أشهد بالله أني رأيت ~~شريكا على بطنها وإني لمن الصادقين ، ثم قال في الثالثة قل أشهد بالله أنها ~~حبلى من غيري وإني لمن الصادقين ، ثم قال في الرابعة قل أشهد بالله أنها ~~زانية وأني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين . ثم قال في الخامس ~~قل لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قال . ثم قال ~~اقعد ، وقال لخولة قومي ، فقامت وقالت أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي ~~عويمرا لمن الكاذبين ، وقالت في الثانية أشهد بالله ما رأى شريكا على بطني ~~وإنه لمن الكاذبين ، وقالت في الثالثة أشهد بالله أني حبلى منه وإنه لمن ~~الكاذبين ، وقالت في الرابعة أشهد ms6666 بالله أنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن ~~الكاذبين ، وقالت في الخامسة غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين ~~في قوله ، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ) وثانيها : قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما في رواية الكلبي : ( أن عاصما ذات يوم رجع إلى أهله ~~فوجد شريك بن سحماء على بطن امرأته فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ~~وتمام الحديث كما تقدم وثالثها : ما روى عكرمة عن ابن عباس ( لما نزل { ~~والذين يرمون المحصنات } قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار لو وجدت رجلا ~~على بطنها فإني إن جئت بأربعة من الشهداء يكون قد قضى حاجته وذهب / فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر الأنصار أما تسمعون ما يقول سيدكم ؟ ~~فقالوا يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور ، فقال سعد يا رسول الله والله ~~إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ، ولكني عجبت منه ، فقال عليه السلام فإن ~~الله يأبى إلا ذلك ، قال فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عمر له يقال له ~~هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم ، فقال يا رسول الله ~~إني وجدت مع امرأتي رجلا رأيت بعيني وسمعت بأذني ، فكره رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما جاء به ، فقال هلال والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في ~~وجهك مما أخبرتك به والله يعلم أني لصادق وما قلت إلا حقا ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ( إما البيتة وإما إقامة الحد عليك ) فاجتمعت الأنصار ~~فقالوا ابتلينا بما قال سعد ، فبينا هم كذلك إذ نزل عليه الوحي وكان إذا ~~نزل عليه الوحي اربد وجهه وعلا جسده حمرة فلما سرى عنه قال عليه السلام ~~أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ، قال قد كنت أرجو ذلك من الله تعالى ~~فقرأ عليهم هذه الآيات فقال عليه السلام ادعوها فدعيت فكذبت هلالا ، فقال ~~عليه السلام الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب وأمر بالملاعنة ms6667 فشهد ~~هلال أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين فقال عليه السلام له عند الخامسة ~~اتق الله يا هلال فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، فقال والله لا ~~يعذبني الله عليها كما لم يجلدني رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد ~~الخامسة ، ثم قال رسول الله أتشهدين فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن ~~الكاذبين فلما أخذت في الخامسة قال لها اتقي الله فإن الخامسة هي الموجبة ، ~~فتفكرت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت والله لا أفضح قومي وشهدت الخامسة أن ~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بينهما ، ثم قال : انظروها إن جاءت به أثيبج أصهب أحمش الساقين فهو لهلال ، ~~وإن / جاءت به خدلج الساقين أورق جعدا فهو لصاحبه ، فجاءت به أورق خدلج ~~الساقين فقال عليه السلام لولا الإيمان لكان لي ولها شأن ) قال عكرمة لقد ~~رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار ولا يدري من أبوها . PageV23P144 # البحث الثاني : ما يتعلق بالقراءة قرىء ولم تكن بالتاء لأن الشهداء جماعة ~~أو لأنهم في معنى الأنفس ووجه من قرأ أربع أن ينصب لأنه في حكم المصدر ~~والعامل فيه المصدر الذي هو فشهادة أحدهم وهي مبتدأ محذوف الخبر فتقديره ~~فواجب شهادة أحدهم أربع شهادات ، وقرىء أن لعنة الله وأن غضب الله على ~~تخفيف أن ورفع ما بعدها ، وقرىء أن غضب الله على فعل الغضب ، وقرىء بنصب ~~الخامستين على معنى ويشهد الخامسة . # البحث الثالث : ما يتعلق بالأحكام ، والنظر فيه يتعلق بأطراف : # الطرف الأول : في موجب اللعان وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه إذا رمى الرجل امرأته بالزنا يجب عليه الحد إن ~~كانت محصنة والتعزير إن لم تكن محصنة ، كما في رمي الأجنبية لا يختلف ~~موجبهما غير أنهما يختلفان في المخلص ففي قذف الأجنبي لا يسقط الحد عن ~~القاذف إلا بإقرار المقذوف أو ببينة تقوم على زناها ، وفي قذف الزوجة يسقط ~~عنه الحد بأحد هذين الأمرين أو باللعان ، وإنما اعتبر الشرع اللعان في هذه ~~الصورة دون الأجنبيات لوجهين : الأول ms6668 : أنه لا معرة عليه في زنا الأجنبية ~~والأولى له ستره ، أما إذا زنى بزوجته فيلحقه العار والنسب الفاسد ، فلا ~~يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمعتذر ، فلا جرم خص الشرع هذه ~~الصورة باللعان الثاني : أن الغالب في المتعارف من أحوال الرجل مع امرأته ~~أنه لا يقصدها بالقذف إلا عن حقيقة ، فإذا رماها فنفس الرمي يشهد بكونه ~~صادقا إلا أن شهادة الحال ليست بكاملة فضم إليها ما يقويها من الإيمان / ~~كشهادة المرأة لما ضعفت قويت بزيادة العدد والشاهد الواحد يتقوى باليمين ~~على قول كثير من الفقهاء . # المسألة الثانية : قال أبو بكر الرازي كان حد قاذف الأجنبيات والزوجات ~~والجلد ، والدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف ~~امرأته بشريك بن سحماء ( ائتني بأربعة يشهدون لك وإلا فحد في ظهرك ) فثبت ~~بهذا أن حد قاذف الزوجات كان كحد قاذف الأجنبيات إلا أنه نسخ عن الأزواج ~~الجلد باللعان ، وروى نحو ذلك في الرجل الذي قال أرأيتم لو أن رجلا وجد مع ~~امرأته رجلا فإن تكلم جلدتموه ، وإن قتل قتلتموه ، وإن سكت سكت على غيظ . ~~فدلت هذه الأخبار على أن حد قاذف الزوجة كان الجلد وأن الله نسخه باللعان . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله إذا قذف الزوج زوجته فالواجب هو ~~الحد ولكن المخلص منه باللعان ، كما أن الواجب بقذف الأجنبية الحد والمخلص ~~منه بالشهود ، فإذا نكل الزوج عن اللعان يلزمه الحد للقذف ، فإذا لاعن ~~ونكلت عن اللعان يلزمها حد الزنا ، وقال أبو حنيفة رحمه / الله إذا نكل ~~الزوج عن اللعان حبس حتى يلاعن ، وكذا المرأة إذا نكلت حبست حتى لا تلاعن ~~حجة الشافعي وجوه : أحدها : أن الله تعالى قال في أول السورة : { والذين ~~يرمون المحصنات } ( النور : 4 ) يعني غير الزوجات { ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } ( النور : 4 ) ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال ~~: { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم } ~~الآية فكما أن مقتضى قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد فكذا موجب ms6669 قذف ~~الزوجات الإتيان باللعان أو الحد وثانيها : قوله تعالى : { ويدرؤا عنها ~~العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله } والألف واللام الداخلان على العذاب لا ~~يفيدان العموم لأنه لم يجب عليها جميع أنواع العذاب فوجب صرفهما إلى ~~PageV23P145 المعهود السابق والمعهود السابق هو الحد لأنه تعالى ذكر في أول ~~السورة { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } ( النور : 2 ) والمراد منه ~~الحد وإذا ثبت أن المراد من العذاب في قوله : { ويدرؤا عنها العذاب } هو ~~الحد ثبت أنها لو لم تلاعن لحدت وأنها باللعان دفعت الحد ، فإن قيل المراد ~~من العذاب هو الحبس . قلنا قد بينا أن الألف واللام للمعهود المذكور ، ~~وأقرب المذكورات في هذه السورة العذاب بمعنى الحد ، وأيضا فلو حملناه على ~~الحد لا تصير الآية مجملة . أما لو حملناه على الحبس تصير الآية مجملة لأن ~~مقدار الحبس غير معلوم وثالثها : قال الشافعي رحمه الله ومما يدل على بطلان ~~الحبس في حق المرأة أنها تقول إن كان الرجل صادقا فحدوني وإن كان كاذبا ~~فخلوني فما بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا الإجماع ~~ولا القياس ورابعها : أن الزوج قذفها ولم يأت بالمخرج من شهادة غيره أو ~~شهادة نفسه ، فوجب عليه الحد لقوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم } ( النور : 4 ) وإذا ثبت ذلك في حق الرجل ثبت ~~في حق المرأة لأنه لا قائل بالفرق وخامسها : قوله عليه السلام لخولة : ( ~~فالرجم أهون عليك من غضب الله ) وهو نص في الباب حجة أبي حنيفة رحمه الله ، ~~أما في حق المرأة فلأنها ما فعلت سوى أنها تركت اللعان ، وهذا الترك ليس ~~بينة على الزنا ولا إقرارا منها به ، فوجب أن لا يجوز رجمها ، لقوله عليه ~~السلام : ( لا يحل دم امرىء ) الحديث . وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة ~~لم يجب الجلد في غير المحصن لأنه لا قائل بالفرق ، وأيضا فالنكول ليس بصريح ~~في الإقرار فلم يجز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا ولغيره . # المسألة الرابعة : قال الجمهور إذا قال لها ms6670 يا زانية وجب اللعان . وقال ~~مالك رحمه الله لا يلاعن إلا أن يقول رأيتك تزني أو ينفي حملا لها أو ولدا ~~منها ، حجة الجمهور أن عموم قوله { والذين يرمون المحصنات } يتناول الكل ، ~~ولأنه لا تفاوت في قذف الأجنبية بين الكل ، فكذا في حق قذف الزوجة . # الطرف الثاني : الملاعن قال الشافعي رحمه الله من صح يمينه صح لعانه ، ~~فيجري اللعان بين الرقيقين والذميين والمحدودين ، وكذا إذا كان أحدهما ~~رقيقا أو كان الزوج مسلما والمرأة ذمية ، قال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح ~~في صورتين إحداهما : أن تكون الزوجة ممن لا يجب على / قاذفها الحد إذا كان ~~أجنبيا نحو أن تكون الزوجة مملوكة أو ذمية والثاني : أن يكون أحدهما من غير ~~أهل الشهادة بأن يكون محدودا في قذف أو عبدا أو كافرا ، ثم زعم أن الفاسق ~~والأعمى مع أنهما ليسا من أهل الشهادة يصح لعانهما ، وجه قول الشافعي رحمه ~~الله أن ظاهر قوله تعالى : { والذين يرمون أزواجهم } يتناول الكل ولا معنى ~~للتخصيص والقياس أيضا ظاهر من وجهين : الأول : أن المقصود دفع العار عن ~~النفس ، ودفع ولد الزنا عن النفس ، وكما يحتاج غير المحدود إليه فكذا ~~المحدود محتاج إليه والثاني : أجمعنا على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى ، ~~وإن لم يكونا من أهل الشهادة فكذا القول في غيرهما ، والجامع هو الحاجة إلى ~~دفع عار الزنا ، ووجه قول أبو حنيفة رحمه الله النص والمعنى ، أما النص فما ~~روى عبدالله بن عمرو بن العاص أنه عليه السلام قال : ( أربع من النساء ليس ~~بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحرة تحت ~~المملوك والمملوكة تحت الحر ) أما المعنى فنقول أما في الصورة الأولى فلأنه ~~كان الواجب على قاذف الزوجة والأجنبية الحد بقوله : { والذين يرمون ~~المحصنات } ( النور : 40 ) ثم نسخ ذلك عن الأزواج وأقيم اللعان مقامه فلما ~~كان اللعان مع الأزواج قائما مقام الحد في الأجنبيات لم يجب اللعان على من ~~لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي ، وأما في الصورة PageV23P146 الثانية ~~فالوجه فيه أن اللعان شهادة ms6671 فوجب أن لا يصح إلا من أهل الشهادة وإنما قلنا ~~إن اللعان شهادة لوجهين : الأول : قوله تعالى : { ولم يكن لهم شهداء إلا ~~أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } فسمى الله تعالى لعانهما شهادة ~~كما قال : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } ( البقرة : 282 ) وقال : { ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } ( النساء : 15 ) الثاني : أنه عليه السلام ~~حين لاعن بين الزوجين أمرهما باللعان بلفظ الشهادة ، ولم يقتصر على لفظ ~~اليمين ، إذا ثبت أن اللعان شهادة وجب أن لا تقبل من المحدود في القذف ~~لقوله تعالى : { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } ( النور : 4 ) وإذا ثبت ذلك ~~في المحدود ثبت في العبد والكافر ، إما للإجماع على أنهما ليسا من أهل ~~الشهادة أو لأنه لا قائل بالفرق ، أجاب الشافعي رحمه الله بأن اللعان ليس ~~شهادة في الحقيقة بل هو يمين لأنه لا يجوز أن يشهد الإنسان لنفسه ، ولأنه ~~لو كان شهادة لكانت المرأة تأتي بثمان شهادات ، لأنها على النصف من الرجل ، ~~ولأنه يصح من الأعمى والفاسق ولا يجوز شهادتهما ، فإن قيل الفاسق والفاسقة ~~قد يتوبان قلنا ، وكذلك العبد قد يعتق فتجوز شهادته ، ثم أكد الشافعي رحمه ~~الله بأن العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال والفاسق إذا تاب لا تقبل ~~شهادته في الحال ، ثم ألزم أبا حنيفة رحمه الله بأن شهادة أهل الذمة مقبولة ~~بعضهم على بعض ، فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية ، وهذا كله كلام ~~الشافعي رحمه الله . ثم قال بعد ذلك : وتختلف الحدود بمن وقعت له ، ومعناه ~~أن الزوج إن لم يلاعن تنصف حد القذف عليه لرقه ، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف ~~حدها بإحصانها وعدم إحصانها وحريتها ورقها . # الطرف الثالث : الأحكام المرتبة على اللعان قال الشافعي رحمه الله يتعلق ~~باللعان خمسة أحكام درء الحد ونفي الولد والفرقة والتحريم المؤبد ووجوب ~~الحد عليها ، وكلها تثبت بمجرد لعانه / ولا يفتقر فيه إلى لعانها ولا إلى ~~حكم الحاكم ، فإن حكم الحاكم به كان تنفيذا منه لا إيقاعا للفرقة . فلنتكلم ~~في هذه المسائل : # المسألة الأولى : اختلف المجتهدون في وقوع ms6672 الفرقة باللعان على أربعة ~~أقوال : أحدها : قال عثمان ألبتي : لا أرى ملاعنة الزوج امرأته تقتضي شيئا ~~يوجب أن يطلقها وثانيها : قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا تقع الفرقة ~~بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما وثالثها : قال مالك والليث وزفر ~~رحمهم الله إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق الحاكم ورابعها : ~~قال الشافعي رحمه الله إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش ~~امرأته ولا تحل له أبدا التعنت أو لم تلتعن ، حجة عثمان البتي وجوه : أحدها ~~: أن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة فوجب أن لا يفيد الفرقة كسائر ~~الأقوال التي لا إشعار لها بالفرقة لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقا في ~~قوله وهو لا يوجب تحريما ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها لم يوجب ذلك ~~تحريما فإذا كان كاذبا والمرأة صادقة يثبت أنه لا دلالة فيه على التحريم ~~وثانيها : لو تلاعنا فيما بينهما لم يوجب الفرقة فكذا لو تلاعنا عند الحاكم ~~وثالثها : أن اللعان قائم مقام الشهود في قذف الأجنبيات فكما أنه لا فائدة ~~في إحضار الشهود هناك إلا إسقاط الحد ، فكذا اللعان لا تأثير له إلا إسقاط ~~الحد ورابعها : إذا أكذب الزوج نفسه في قذفه إياها ثم حد لم يوجب ذلك فرقة ~~فكذا إذا لاعن لأن اللعان قائم مقام درء الحد ، قال وأما تفريق النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين المتلاعنين فكان ذلك في قصة العجلاني وكان قد طلقها ~~ثلاثا بعد اللعان فلذلك فرق بينهما ، وأما قول أبي حنيفة وهو أن الحاكم ~~يفرق بينهما فلا بد من بيان أمرين : أحدهما : أنه يجب على الحاكم أن يفرق ~~بينهما ودليله ما روى سهل بن سعد في قصة العجلاني PageV23P147 مضت السنة في ~~المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا والثاني : أن الفرقة لا تحصل ~~إلا بحكم الحاكم ، واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : روى في قصة عويمر أنهما ~~لما فرغا ( قال عويمر : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها ، هي طالق ~~ثلاثا ) فطلقها ثلاثا ms6673 قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~والاستدلال بهذا الخبر من وجوه : أحدها : أنه لو وقعت الفرقة باللعان لبطل ~~قوله : ( كذبت عليها إن أمسكتها ) لأن إمساكها غير ممكن وثانيها : ما روي ~~في هذا الخبر أنه طلقها ثلاث تطليقات فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، وتنفيذ الطلاق إنما يمكن لو لم تقع الفرقة بنفس اللعان وثالثها : ما قال ~~سهل بن سعد في هذا الخبر مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا ~~يجتمعان أبدا ، ولو كانت الفرقة واقعة باللعان استحال التفريق بعدها ~~وثانيها : قال أبو بكر الرازي قول الشافعي رحمه الله خلاف الآية ، لأنه لو ~~وقعت الفرقة بلعان الزوج للاعنت المرأة وهي أجنبية وذلك خلاف الآية لأن ~~الله تعالى إنما أوجب اللعان بين الزوجين وثالثها : أن اللعان شهادة لا ~~يثبت حكمه إلا عند الحاكم فوجب أن لا يوجب الفرقة إلا بحكم الحاكم كما لا ~~يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم ورابعها : / اللعان تستحق به المرأة نفسها ~~كما يستحق المدعي بالبينة ، فلما لم يجز أن يستحق المدعي مدعاه إلا بحكم ~~الحاكم وجب مثله في استحقاق المرأة نفسها وخامسها : أن اللعان لا إشعار فيه ~~بالتحريم لأن أكثر ما فيه أنها زنت ولو قامت البينة على زناها أو هي أقرت ~~بذلك فذاك لا يوجب التحريم فكذا اللعان وإذا لم يوجد فيها دلالة على ~~التحريم وجب أن لا تقع الفرقة به ، فلا بد من إحداث التفريق إما من قبل ~~الزوج أو من قبل الحاكم ، أما قول مالك وزفر فحجته أنهما لو تراضيا على ~~البقاء على النكاح لم يخليا بل يفرق بينهما ، فدل على أن اللعان قد أوجب ~~الفرقة ، أما قول الشافعي رحمه الله فله دليلان الأول : قوله تعالى : { ~~ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد } الآية فدل هذا على أنه لا تأثير للعان المرأة ~~إلا في دفع العذاب عن نفسها ، وأن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع ~~بلعان الزوج الثاني : أن لعان الزوج وحده مستقل بنفي الولد فوجب أن يكون ~~الاعتبار بقوله ms6674 في الإلحاق لا بقولها ، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد ~~به ونحن ننفيه عنه فيعتبر نفي الزوج لا إلحاق المرأة ، ولهذا إذا أكذب ~~الزوج نفسه ألحق به الولد وما دام يبقى مصرا على اللعان فالولد منفي عنه ~~إذا ثبت أن لعانه مستقل بنفي الولد وجب أن يكون مستقلا بوقوع الفرقة ، لأن ~~الفرقة لو لم تقع لم ينتف الولد لقوله عليه السلام : ( الولد للفراش ) فما ~~دام يبقى الفراش التحق به ، فلما انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أنه يزول ~~الفراش عنه بمجرد لعانه ، وأما الأخبار التي استدل بها أبو حنيفة رحمه الله ~~فالمراد به أن النبي عليه السلام أخبر عن وقوع الفرقة وحكم بها وذلك لا ~~ينافي أن يكون المؤثر في الفرقة شيئا آخر ، وأما الأقيسة التي ذكرها ~~فمدارها على أن اللعان شهادة وليس الأمر كذلك بل هو يمين على ما بينا ، ~~وأما قوله : اللعان لا إشعار فيه بوقوع الحرمة . قلنا بينته على نفي الولد ~~مقبولة ونفي الولد يتضمن نفي حلية النكاح والله أعلم . # المسألة الثانية : قال مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري وإسحق والحسن ~~المتلاعنان لا يجتمعان أبدا ، وهو قول علي وعمر وابن مسعود ، وقال أبو ~~حنيفة ومحمد إذا أكذب نفسه وحد زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد . حجة ~~الشافعي رحمه الله أمور : أحدها : قوله عليه السلام للملاعن بعد اللعان ( ~~لا سبيل لك عليها ) ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان الإكذاب غاية لهذه ~~الحرمة لردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية ، كما قال في ~~المطلقة بالثلاث { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ( ~~البقرة : 230 ) . وثانيها : PageV23P148 ما روي عن علي وعمر وابن مسعود ~~أنهم قالوا لا يجتمع المتلاعنان أبدا ، وهذا قد روي أيضا مرفوعا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وثالثها : ما روى الزهري عن سهل بن سعد في قصة ~~العجلاني ( مضت السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا ) ~~حجة أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى : { وأحل ms6675 لكم ما وراء ذلكم } وقوله : { ~~فانكحوا ما طاب لكم } . # المسألة الثالثة : اتفق أهل العلم على أن الولد قد ينفى عن الزوج باللعان ~~، وحكى عن / بعض من شذ أنه للزوج ولا ينتفي نسبه باللعان ، واحتج بقوله ~~عليه السلام : ( الولد للفراش ) وهذا ضعيف لأن الأخبار الدالة على أن النسب ~~ينتفي باللعان كالمتواترة فلا يعارضها هذا الواحد . # المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : لو أتى أحدهما ببعض كلمات ~~اللعان لا يتعلق به الحكم ، وقال أبو حنيفة رحمه الله أكثر كلمات اللعان ~~تعمل عمل الكل إذا حكم به الحاكم ، والظاهر مع الشافعي لأنه يدل على أنها ~~لا تدرأ العذاب عن نفسها إلا بتمام ما ذكره الله تعالى ، ومن قال بخلاف ذلك ~~فإنما يقوله بدليل منفصل . # الطرف الرابع : في كيفية اللعان والآية دالة عليها صريحا / فالرجل يشهد ~~أربع شهادات بالله بأن يقول : أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به ~~من الزنا ، ثم يقول من بعد ، وعليه لعنة الله إن كان من الكاذبين . ويتعلق ~~بلعان الزوج تلك الأحكام الخمسة على قول الشافعي رحمه الله ، ثم المرأة إذا ~~أرادت إسقاط حد الزنا عن نفسها عليها أن تلاعن ولا يتعلق بلعانها إلا هذا ~~الحكم الواحد ، ثم ههنا فروع الفرع الأول : أجمعوا على أن اللعان كالشهادة ~~فلا يثبت إلا عند الحاكم الثاني : قال الشافعي رحمه الله يقام الرجل حتى ~~يشهد والمرأة قاعدة ، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد ، ويأمر الإمام من ~~يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب ويقول له أني أخاف إن لم ~~تك صادقا أن تبوء بلعنة الله الثالث : اللعان بمكة بين المقام والركن ~~وبالمدينة عند المنبر وبيت المقدس في مسجده وفي غيرها في المواضع المعظمة ~~ولعان المشرك كغيره في الكيفية ، وأما الزمان فيوم الجمعة بعد العصر ، ولا ~~بد من حضور جماعة من الأعيان أقلهم أربعة . # الطرف الخامس : في سائر الفوائد وفيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان قول الخوارج في أن ~~الزنا والقذف كفر من وجهين : الأول : أن الرامي إن ms6676 صدق فهي زانية ، وإن كذب ~~فهو قاذف فلا بد على قولهم من وقوع الكفر من أحدهما ، وذلك يكون ردة فيجب ~~على هذا أن تقع الفرقة ولا لعان أصلا ، وأن تكون فرقة الردة حتى لا يتعلق ~~بذلك توارث ألبتة الثاني : أن الكفر إذا ثبت عليها بلعانه ، فالواجب أن ~~تقتل لا أن تجلد أو ترجم ، لأن عقوبة المرتد مباينة للحد في الزنا . # المسألة الثانية : الآية دالة على بطلان قول من يقول إن وقوع الزنا يفسد ~~النكاح ، وذلك لأنه يجب إذا رماها بالزنا أن يكون قوله هذا كأنه معترف ~~بفساد النكاح حتى يكون سبيله سبيل من يقر بأنها أخته من الضراع أو بأنها ~~كافرة ، ولو كان كذلك لوجب أن تقع الفرقة بنفس الرمي من قبل اللعان وقد ثبت ~~بالإجماع فساد ذلك . PageV23P149 # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة دلت الآية على أن القاذف مستحق للعن ~~الله تعالى إذا كان كاذبا وأنه قد فسق ، وكذلك الزاني والزانية يستحقان غضب ~~الله تعالى وعقابه وإلا لم يحسن منهما أن يلعنا أنفسهما ، كما لا يجوز أن ~~يدعو أحد ربه أن يلعن الأطفال والمجانين ، وإذا صح ذلك فقد / استحق العقاب ~~، والعقاب يكون دائما كالثواب ولا يجتمعان فثوابهما أيضا محبط ، فلا يجوز ~~إذا لم يتوبا أن يدخلا الجنة ، لأن الأمة مجمعة على أن من دخل الجنة من ~~المكلفين فهو مثاب على طاعاته وذلك يدل على خلود الفساق في النار ، قال ~~أصحابنا لا نسلم أن كونه مغضوبا عليه بفسقه ينافي كونه مرضيا عنه لجهة ~~إيمانه ، ثم لو سلمناه فلم نسلم أن الجنة لا يدخلها إلا مستحق الثواب ~~والإجماع ممنوع . # المسألة الرابعة : إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظا عليها ~~لأنها هي أصل الفجور ومنبعه بخيلائها وإطماعها ولذلك كانت مقدمة في آية ~~الجلد . # واعلم أنه سبحانه لما بين حكم الرامي للمحصنات والأزواج على ما ذكرنا ~~وكان في ذلك من الرحمة والنعمة ما لا خفاء فيه ، لأنه تعالى جعل باللعان ~~للمرء سبيلا إلى مراده ، ولها سبيلا إلى دفع العذاب عن نفسها ، ولهما ~~السبيل إلى ms6677 التوبة والإنابة ، فلأجل هذا بين تعالى بقوله : { ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته } عظم نعمه فيما بينه من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ~~ومكن من التوبة ولا شبهة في أن في الكلام حذفا إذ لا بد من جواب إلا أن ~~تركه يدل على أنه أمر عظيم لا يكتنه ، ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به . # الحكم الخامس # قصة الإفك # ! 7 < { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير ~~لكم لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم } ~~. > 7 @QB@ < # | النور : ( 11 ) إن الذين جاؤوا . . . . . # > > # الكلام في هذه الآية من وجهين : أحدهما : تفسيره والثاني : سبب نزوله : # أما التفسير فاعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أشياء : أولها : ~~أنه حكى الواقعة وهو قوله : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم } والإفك ~~أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء ، وقيل هو البهتان وهو الأمر الذي لا تشعر ~~به حتى يفجأك وأصله الإفك وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه ، وأجمع ~~المسلمون على أن المراد ما أفك به على عائشة ، وإنما وصف الله تعالى ذلك ~~الكذب بكونه إفكا لأن المعروف من حال عائشة خلاف ذلك لوجوه : أحدها : أن ~~كونها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم يمنع من ذلك . لأن الأنبياء ~~مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم / ويستعطفوهم ، فوجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم ~~عنهم وكون الإنسان بحيث تكون زوجته مسافحة من أعظم المنفرات ، فإن قيل كيف ~~جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن PageV23P150 ~~تكون فاجرة وأيضا فلو لم يجز ذلك لكان الرسول أعرف الناس بامتناعه ولو عرف ~~ذلك لما ضاق قلبه ، ولما سأل عائشة عن كيفية الواقعة قلنا الجواب عن الأول ~~أن الكفر ليس من المنفرات ، أما كونها فاجرة فمن المنفرات والجواب : عن ~~الثاني أنه عليه السلام كثيرا ما كان يضيق قلبه من أقوال الكفار مع علمه ~~بفساد تلك الأقوال ، قال تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } ( ~~الحجر ms6678 : 97 ) فكان هذا من هذا الباب وثانيها : أن المعروف من حال عائشة قبل ~~تلك الواقعة إنما هو الصون والبعد عن مقدمات الفجور ، ومن كان كذلك كان ~~اللائق إحسان الظن به وثالثها : أن القاذفين كانوا من المنافقين وأتباعهم ، ~~وقد عرف أن كلام العدو المفترى ضرب من الهذيان ، فلمجموع هذه القرائن كان ~~ذلك القول معلوم الفساد قبل نزول الوحي . أما العصبة فقيل إنها الجماعة من ~~العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة واعصوصبوا اجتمعوا ، وهم عبدالله بن أبي ~~بن سلول رأس النفاق ، وزيد بن رفاعة ، وحسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، ~~وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم . # أما قوله : { منكم } فالمعنى أن الذين أتوا بالكذب في أمر عائشة جماعة ~~منكم أيها المؤمنون ، لأن عبدالله كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهرا ~~ورابعها : أنه سبحانه شرح حال المقذوفة ومن يتعلق بها بقوله : { لا تحسبوه ~~شرا لكم بل هو خير لكم } والصحيح أن هذا الخطاب ليس مع القاذفين ، بل مع من ~~قذفوه وآذوه ، فإن قيل هذا مشكل لوجهين : أحدهما : أنه لم يتقدم ذكرهم ~~والثاني : أن المقذوفين هما عائشة وصفوان فكيف تحمل عليهما صيغة الجمع في ~~قوله : { لا تحسبوه شرا لكم } ، والجواب عن الأول : أنه تقدم ذكرهم في قوله ~~: { منكم } وعن الثاني : أن المراد من لفظ الجمع كل من تأذى بذلك الكذب ~~واغتم ، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم تأذى بذلك وكذلك أبو بكر ومن يتصل ~~به ، فإن قيل فمن أي جهة يصير خيرا لهم مع أنه مضرة في العاجل ؟ قلنا لوجوه ~~: أحدها : أنهم صبروا على ذلك الغم طلبا لمرضاة الله تعالى فاستوجبوا به ~~الثواب وهذه طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم وثانيها : أنه لولا إظهارهم ~~للإفك كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض ، وعند الإظهار انكشف ~~كذب القوم على مر الدهر وثالثها : أنه صار خيرا لهم لما فيه من شرفهم وبيان ~~فضلهم من حيث نزلت ثمان عشرة آية كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة وشهد ~~الله تعالى بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم ms6679 اللعن والذم وهذا ~~غاية الشرف والفضل ورابعها : صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ~~ومدحها فإن الله / تعالى لما نص على كون تلك الواقعة إفكا وبالغ في شرحه ~~فكل من يشك فيه كان كافرا قطعا وهذه درجة عالية ، ومن الناس من قال قوله ~~تعالى : { لا تحسبوه شرا لكم } خطاب مع القاذفين وجعله الله تعالى خيرا لهم ~~من وجوه : أحدها : أنه صار ما نزل من القرآن مانعا لهم من الاستمرار عليه ~~فصار مقطعة لهم عن إدامة هذا الإفك وثانيها : صار خيرا لهم من حيث كان هذا ~~الذكر عقوبة معجلة كالكفارة وثالثها : صار خيرا لهم من حيث تاب بعضهم عنده ~~، واعلم أن هذا القول ضعيف لأنه تعالى خاطبهم بالكاف ، ولما وصف أهل الإفك ~~جعل الخطاب بالهاء بقوله تعالى : { لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم } ~~PageV23P151 ومعلوم أن نفس ما اكتسبوه لا يكون عقوبة ، فالمراد لهم جزاء ما ~~اكتسبوه من العقاب في الآخرة والمذمة في الدنيا ، والمعنى أن قدر العقاب ~~يكون مثل قدر الخوض . # أما قوله : { والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء كبره بالضم والكسر وهو عظمه . # المسألة الثانية : قال الضحاك : الذي تولى كبره حسان ومسطح فجلدهما صلى ~~الله عليه وسلم حين أنزل الله عذرها . وجلد معهما امرأة من قريش ، وروي أن ~~عائشة رضي الله عنها ذكرت حسانا وقالت : ( أرجو له الجنة ، فقيل أليس هو ~~الذي تولى كبره ؟ فقالت إذا سمعت شعره في مدح الرسول رجوت له الجنة ) وقال ~~عليه الصلاة والسلام : ( إن الله يؤيد حسانا بروح القدس في شعره ) وفي ~~رواية أخرى ( وأي عذاب أشد من العمى ) ولعل الله جعل ذلك العذاب العظيم ~~ذهاب بصره ، والأقرب في الرواية أن المراد به عبدالله بن أبي بن سلول فإنه ~~كان منافقا يطلب ما يكون قدحا في الرسول عليه السلام ، وغيره كان تابعا له ~~فيما كان يأتي ، وكان فيهم من لا يتهم بالنفاق . # المسألة الثالثة : المراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئا بذلك القول ~~، فلا جرم حصل له من ms6680 العقاب مثل ما حصل لكل من قال ذلك لقوله عليه الصلاة ~~والسلام ( من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ~~) وقيل سبب تلك الإضافة شدة الرغبة في إشاعة تلك الفاحشة وهو قول أبي مسلم ~~. # المسألة الرابعة : قال الجبائي قوله تعالى : { لكل امرىء منهم ما اكتسب ~~من الإثم } أي عقاب ما اكتسب ، ولو كانوا لا يستحقون على ذلك عقابا لما جاز ~~أن يقول تعالى ذلك ، وفيه دلالة على أن من لم يتب منهم صار إلى العذاب ~~الدائم في الآخرة ، لأن مع استحقاق العذاب لا يجوز استقاق الثواب والجواب : ~~أن الكلام في المحابطة قد مر غير مرة فلا وجه للإعادة والله أعلم . # أما سبب النزول فقد روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة ~~بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبدالله بن عقبة بن مسعود كلهم رووا عن عائشة ~~قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ~~فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه ، قالت فأقرع بيننا في / غزوة غزاها قبل غزوة ~~بني المصطلق فخرج فيها اسمى فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ~~بعد نزول آية الحجاب فحملت في هودج فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقرب من المدينة نزل منزلا ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل ~~ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني وأقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد ~~لي من جزع أظفار قد انقطع فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه ، وأقبل الرهط ~~الذين كانوا يرحلونني فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي ، فإني كنت ~~جارية حديث السن ، فظنوا أني في الهودج وذهبوا بالبعير ، فلما رجعت لم أجد ~~في المكان أحدا فجلست وقلت لعلهم يعودون في طلبي فنمت / وقد كان صفوان بن ~~المعطل يمكث في العسكر يتتبع أمتعة الناس فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا ~~يذهب منهم شيء فلما رآني عرفني ، وقال ما خلفك عن الناس ؟ فأخبرته الخبر ~~فنزل وتنحى حتى ركبت ، ثم ms6681 قاد البعير وافتقدني الناس حين نزلوا وماج الناس ~~في ذكرى ، فبينا الناس كذلك إذ هجمت عليهم فتكلم الناس وخاضوا في حديثي ، ~~وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولحقني PageV23P152 وجع ، ولم ~~أر منه عليه السلام ما عهدته من اللطف الذي كنت أعرف منه حين أشتكى ، إنما ~~يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقول كيف تيكم فذاك الذي يريبني ، ~~ولا أشعر بعد بما جرى حتى نقهت فخرجت في بعض الليالي مع أم مسطح لمهم لنا ، ~~ثم أقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها ~~فقالت تعس مسطح ، فأنكرت ذلك وقلت أتسبين رجلا شهد بدرا ! فقالت وما بلغك ~~الخبرا فقلت وما هو فقال ( ت ) أشهد أنك من المؤمنات الغافلات ، ثم أخبرتني ~~بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي فرجعت أبكي ، ثم دخل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال كيف تيكم ، فقلت ائذن لي أن آتي أبوي فأذن لي فجئت ~~أبوي وقلت لأمي يا أمه ماذا يتحدث الناس ؟ قالت يا بنية هوني عليك فوالله ~~لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ، ثم ~~قالت ألم تكوني علمت ما قيل حتى الآن ؟ فأقبلت أبكي فبكيت تلك الليلة ثم ~~أصبحت أبكي فدخل علي أبي وأنا أبكي فقال لأمي ما يبكيها ؟ قالت لم تكن علمت ~~ما قيل فيها حتى الآن فأقبل يبكي ثم قال اسكتي يا بنية ، ودعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام وأسامة بن زيد واستشارهما ~~في فراق أهله فقال أسامة يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا ، وأما ~~علي فقال لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة وسألها عن أمري قالت بريرة يا ~~رسول الله والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أكثر من أنها جارية ~~حديثة السن تنام عن عجين أهلها حتى تأتي الداجن فتأكله ms6682 ، قالت فقام النبي ~~صلى الله عليه وسلم خطيبا على المنبر ، فقال يا معشر المسلمين من يعذرني من ~~رجل قد بلغني أذاه في أهلي يعني عبدالله بن أبي فوالله ما علمت على أهلي ~~إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي ~~إلا معي ، فقام سعد بن معاذ فقال أعذرك يارسول الله منه إن كان من الأوس ~~ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه ، فقام سعد بن ~~عبادة وهو سيد الخزرج / وكان رجلا صالحا ولكن أخذته الحمية فقال لسعد بن ~~معاذ كذبت والله لا تقدر على قتله ، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن ~~معاذ وقال كذبت لعمر الله لنقتلنه وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين ، فثار ~~الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا ، قالت ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ~~وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي ، فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ ~~دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس ، قالت ولم يجلس عندي ~~منذ قيل في ما قيل ولقد لبث شهرا لا يوحي الله إليه في شأني شيئا ، ثم قال ~~: أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ~~تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا تاب ~~تاب الله عليه قالت فما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ، فاض ~~دمعي ثم قلت لأبي أجب عني رسول الله ، فقال والله ما أدري ما أقول ، فقلت ~~لأمي أجيبي عني رسول الله فقالت والله لا أدري ما أقول ، فقلت وأنا جارية ~~حديثة السن ما أقرأ من القرآن كثيرا إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا ~~حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به فإن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني وإن ~~اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقوني والله لا أجد ms6683 لي ولكم مثلا ~~إلا كما قال العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر اسمه { فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون } ( يوسف : 18 ) قالت ثم تحولت واضطجعت على فراشي ، ~~وأنا والله أعلم أن الله تعالى يبرئني ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في ~~شأني وحيا يتلى فشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ، ~~ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها . قالت ~~فوالله ما قام رسول الله من مجلسه ولا خرج من أهل البيت PageV23P153 أحد ~~حتى أنزل الله الوحي على نبيه ، فأخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحي حتى إنه ~~ليتحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي ، فسجى بثوب ~~ووضعت وسادة تحت رأسه فوالله ما فرغت ولا باليت لعلمي ببراءتي ، وأما أبواي ~~فوالله ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت أن نفسي أبوي ~~ستخرجان فرقا من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس ، فلما سرى عنه وهو يضحك ~~فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : ابشري يا عائشة أما والله لقد برأك الله . ~~فقلت بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك ، فقالت أمي قومي إليه ، فقلت ~~والله لا أقوم إليه ولا أحمد أحدا إلا الله أنزل براءتي ، فأنزل الله تعالى ~~: { إن الذين * جاءوا بالإفك عصبة منكم } العشر آيات ، فقال أبو بكر والله ~~لا أنفق على مسطح بعد هذا وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره ، فأنزل الله ~~تعالى : { ولا يأتل أولوا الفضل منكم } إلى قوله : { ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم } ( النور : 22 ) فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله ~~لي فرجع النفقة على مسطح قالت فلما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل ضرب عبدالله بن أبي ومسطحا ~~وحمنة وحسان الحد ) . # واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر القصة وذكر حال المقذوفين والقاذفين ~~عقبها بما يليق بها من الآداب ms6684 والزواجر ، وهي أنواع : # / النوع الأول # ! 7 < { لولاإذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هاذآ ~~إفك مبين } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 12 ) لولا إذ سمعتموه . . . . . # > > # وهذا من جملة الآداب التي كان يلزمهم الإتيان بها ، و { لولا } معناه هلا ~~وذلك كثير في اللغة إذا كان يليه الفعل كقوله : { لولا أخرتنى } ( ~~المنافقون : 10 ) وقوله : { فلولا كانت قرية ءامنت } ( يونس : 98 ) فأما ~~إذا وليه الاسم فليس كذلك كقوله : { لولا أنتم لكنا مؤمنين } ( سبأ : 31 ) ~~وقوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ( انور : 10 ) والمراد كان الواجب ~~على المؤمنين إذ سمعوا قول القاذف أن يكذبوه ويشتغلوا بإحسان الظن ولا ~~يسرعوا إلى التهمة فيمن عرفوا فيه الطهارة ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم فلم ~~عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن المضمر إلى الظاهر ؟ الجواب : ليبالغ في ~~التوبيخ بطريقة الالتفات ، وفي التصريح بلفظ الإيمان دلالة على أن الاشتراك ~~فيه يقتضي أن لا يظن بالمسلمين إلا خيرا ، لأن دينه يحكم بكون المعصية منشأ ~~للضرر وعقله يهديه إلى وجوب الاحتراز عن الضرر ، وهذا يوجب حصول الظن ~~باحترازه عن المعصية ، فإذا وجد هذا المقتضى للاحتراز ولم يوجد في مقابلته ~~راجح يساويه في القوة وجب إحسان الظن ، وحرم الإقدام على الطعن . # السؤال الثاني : ما المراد من قوله بأنفسهم ؟ الجواب : فيه وجهان : الأول ~~: المراد أن يظن بعضهم ببعض خيرا ونظيره قوله : { ولا تلمزوا أنفسكم } ( ~~الحجرات : 11 ) وقوله : { فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) وقوله : { فإذا ~~دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } ( النور : 61 ) ومعناه أي بأمثالكم من ~~المؤمنين الذين هم كأنفسكم ، PageV23P154 روي أن أبا أيوب الأنصاري رضي ~~الله عنه قال لأم أيوب أما ترين ما يقال ؟ فقالت لو كنت بدل صفوان أكنت تظن ~~بحرم رسول الله سوءا ؟ قال لا ، قالت ولو كنت بدل عائشة ما خنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فعائشة خير مني وصفوان خير منك . وقال ابن زيد ذلك ~~معاتبة للمؤمنين إذ المؤمن لا يفجر بأمه ولا الأم بابنها وعائشة رضي الله ~~عنها هي أم المؤمنين والثاني ms6685 : أنه جعل المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري ~~عليها من الأمور فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم . عن ~~النعمان بن بشير قال عليه السلام : ( مثل المسلمين في تواصلهم وتراحمهم ~~كمثل الجسد إذا وجع بعضه بالسهر والحمى وجع كله ) وعن أبي بردة قال عليه ~~السلام : ( المؤمنون للؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضا ) . # السؤال الثالث : ما معنى قوله : { هاذا إفك مبين } وهل يحل لمن يسمح ما ~~لا يعرفه / أن يقول ذلك ؟ الجواب : من وجهين : الأول : كذلك يجب أن يقول ، ~~لكنه يخبر بذلك عن قول القاذف الذي لا يستند إلى أمارة ولا عن حقيقة الشيء ~~الذي لا يعلمه الثاني : أن ذلك واجب في أمر عائشة لأن كونها زوجة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم المعصوم عن جميع المنفرات كالدليل القاطع في كون ذلك ~~كذبا ، قال أبو بكر الرازي هذا يدل على أن الواجب فيمن كان ظاهره العدالة ~~أن يظن به خيرا ، ويوجب أن يكون عقود المسلمين وتصرفاتهم محمولة على الصحة ~~والجواز ، ولذلك قال أصحابنا فيمن وجد رجلا مع امرأة أجنبية فاعترفا ~~بالتزويج إنه لا يجوز تكذيبهما بل يجب تصديقهما وزعم مالك أنه يحدهما أن لم ~~يقيما بينة على النكاح ، ومن ذلك أيضا ما قال أصحابنا رضي الله عنهم فيمن ~~باع درهما ودينارا بدرهمين ودينارين إنه يخالف بينهما لأنا قد أمرنا بحسن ~~الظن بالمؤمنين فوجب حمله على ما يجوز وهو المخالفة بينهما / وكذلك إذا باع ~~سيفا محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم إنا نجعل المائة بالمائة والفضل ~~بالسيف ، وهو يدل أيضا على قول أبي حنيفة رحمه الله في أن المسلمين عدول ما ~~لم يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن ، وذلك يوجب قبول الشهادة ما لم ~~يظهر منه ريبة توجب التوقف عنها أوردها ، قال تعالى : { إن الظن لا يغنى من ~~الحق شيئا } ( النجم : 28 ) . # النوع الثاني # ! 7 < { لولا جآءو عليه بأربعة شهدآء فإذ لم يأتوا بالشهدآء فأولائك عند ~~الله هم الكاذبون } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 13 ) لولا جاؤوا عليه . . . . . # > > # وهذا من باب الزواجر ، والمعنى هلا أتوا ms6686 على ما ذكروه بأربعة شهداء ~~يشهدون على معاينتهم فيما رموها به { فإذ لم يأتوا بالشهداء } ( النور : 13 ~~) أي فحين لم يقيموا بينة على ما قالوا ، فأولئك عند الله أي في حكمه هم ~~الكاذبون ، فإن قيل : أليس إذا لم يأتوا بالشهداء فإنه يجوز كونهم صادقين ~~كما يجوز كونهم كاذبين فلم جزم بكونهم كاذبين ؟ والجواب من وجهين : الأول : ~~أن المراد بذلك الذين رموا عائشة خاصة وهم كانوا عند الله كاذبين الثاني : ~~المراد فأولئك عند الله في حكم الكاذبين فإن الكاذب يجب زجره عن الكذب ، ~~والقاذف إن لم يأت بالشهود فإنه يجب زجره فلما كان شأنه شأن الكاذب في ~~الزجر لا جرم أطلق عليه لفظ الكاذب مجازا . PageV23P155 # النوع الثالث # ! 7 < { ولولا فضل الله عليكم ورحمته فى الدنيا والا خرة لمسكم فى مآ ~~أفضتم فيه عذاب عظيم } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 14 ) ولولا فضل الله . . . . . # > > # / وهذا من باب الزواجر أيضا ، ولولا ههنا لامتناع الشيء لوجود غيره ، ~~ويقال أفاض في الحديث واندفع وخاض ، وفي المعنى وجهان : الأول : ولولا أني ~~قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة ~~، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم ~~فيه من حديث الإفك والثاني : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم ~~فيه عذاب عظيم في الدنيا والآخرة معا ، فيكون فيه تقديم وتأخير ، والخطاب ~~للقذفة وهو قول مقاتل ، وهذا الفضل هو حكم الله تعالى من تأخيره العذاب ~~وحكمه بقبول التوبة لمن تاب . # النوع الرابع # ! 7 < { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه ~~هينا وهو عند الله عظيم } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 15 ) إذ تلقونه بألسنتكم . . . . . # > > # وهذا أيضا من الزواجر قال صاحب ( الكشاف ) إذ ظرف لمسكم أو لأفضتم ومعنى ~~تلقونه يأخذه بعضكم من بعض يقال تلقى القول وتلقنه وتلقفه ومنه قوله تعالى ~~: { فتلقىءادم من ربه كلمات } ( البقرة : 37 ) وقرىء على الأصل تتلقونه ~~وإتلقونه بإدغام الذال في التاء وتلقونه من لقيه بمعنى لفقه وتلقونه من ~~إلقائه بعضهم على بعض وتلقونه ، وتألقونه من ms6687 الولق والألف وهو الكذب ، ~~وتلقونه محكية عن عائشة ، وعن سفيان : سمعت أمي تقرأ إذ تثقفونه ، وكان ~~أبوها يقرأ بحرف عبدالله بن مسعود ، واعلم أن الله تعالى وصفهم بارتكاب ~~ثلاثة آثام وعلق مس العذاب العظيم بها أحدها : تلقي الإفك بألسنتهم وذلك أن ~~الرجل كان يلقى الرجل فيقول له ما وراءك ؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع ~~واشتهر فلم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه ، فكأنهم سعوا في إشاعة الفاحشة ~~وذلك من العظائم وثانيها : أنهم كانوا يتكلمون بما لا علم لهم به ، وذلك ~~يدل على أنه لا يجوز الإخبار إلا مع العلم فأما الذي لا يعلم صدقه فالإخبار ~~عنه كالإخبار عما علم كذبه في الحرمة ، ونظيره قوله : { ولا تقف ما ليس لك ~~به علم } ( الإسراء : 36 ) فإن قيل ما معنى قوله : { بأفواهكم } والقول لا ~~يكون إلا بالفم ؟ قلنا معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم ~~عنه باللسان وهذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم من غير أن يحصل في ~~القلب علم به ، كقوله : { يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم } ( آل عمران : ~~167 ) وثالثها : أنهم كانوا يستصغرون ذلك وهو عظيم من العظائم ، ويدل على ~~أمور ثلاثة : الأول : يدل على أن القذف من الكبائر لقوله : { وهو عند الله ~~عظيم } الثاني : نبه بقوله : { وتحسبونه هينا } على أن عظم المعصية لا ~~يختلف بظن فاعلها وحسبانه ، بل ربما كان ذلك مؤكدا لعظمها من حيث جهل كونها ~~عظيما ، / الثالث : الواجب على المكلف في كل محرم أن يستعظم الإقدام عليه ، ~~إذ لا يأمن أنه من الكبائر ، وقيل لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع ~~الاستغفار . PageV23P156 # النوع الخامس # ! 7 < { ولولاإذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم بهاذا سبحانك هاذا ~~بهتان عظيم } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 16 ) ولولا إذ سمعتموه . . . . . # > > # وهذا من باب الآداب ، أي هلا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ~~، وإنما وجب عليهم الامتناع منه لوجوه : أحدها : أن المقتضى لكونهم تاركين ~~لهذا الفعل قائم وهو العقل والدين ، ولم يوجد ما يعارضه فوجب أن يكون ms6688 ظن ~~كونهم تاركين للمعصية أقوى من ظن كونهم فاعلين لها ، فلو أنه أخبر عن صدور ~~المعصية لكان قد رجح المرجوح على الراجح وهو غير جائز وثانيها : وهو أنه ~~يتضمن إيذاء الرسول وذلك سبب للعن لقوله تعالى : { إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والاخرة } ( الأحزاب : 57 ) وثالثها : أنه سبب ~~لإيذاء عائشة وإيذاء أبويها ومن يتصل بهم من غير سبب عرف إقدامهم عليه ، ~~ولا جناية عرف صدورها عنهم ، وذلك حرام ورابعها : أنه إقدام على ما يجوز أن ~~يكون سببا للضرر مع الاستغناء عنه ، والعقل يقتضي التباعد عنه لأن القاذف ~~بتقدير كونه صادقا لا يستحق الثواب على صدقه بل يستحق العقاب لأنه أشاع ~~الفاحشة ، وبتقدير كونه كاذبا فإنه يستحق العقاب العظيم ، ومثل ذلك مما ~~يقتضي صريح العقل الاحتراز عنه وخامسها : أنه تضييع للوقت بما لا فائدة فيه ~~، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) ~~وسادسها : أن في إظهار محاسن الناس وستر مقابحهم تخلقا بأخلاق الله تعالى ، ~~وقال عليه السلام : ( تخلقوا بأخلاق الله ) فهذه الوجوه توجب على العاقل ~~أنه إذا سمع القذف أن يسكت عنه وأن يجتهد في الاحتراز عن الوقوع فيه ، فإن ~~قيل كيف جاز الفصل بين لولا وبين قلتم بالظرف ؟ قلنا الفائدة فيه أنه كان ~~الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به . # أما قوله : { سبحانك هاذا بهتان عظيم } ففيه سؤالان : # / السؤال الأول : كيف يليق سبحانك بهذا الموضع ؟ الجواب : من وجوه : ~~الأول : المراد منه التعجب من عظم الأمر ، وإنما استعمل في معنى التعجب ~~لأنه يسبح الله عند رؤية العجيب من صانعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب ~~منه الثاني : المراد تنزيه الله تعالى عن أن تكون زوجة نبيه فاجرة الثالث : ~~أنه منزه عن أن يرضى بظلم هؤلاء الفرقة المفترين الرابع : أنه منزه عن أن ~~لا يعاقب هؤلاء القذفة الظلمة . # / السؤال الثاني : لم أوجب عليهم أن يقولوا هذا بهتان عظيم مع أنهم ما ~~كانوا عالمين بكونه كذبا قطعا ؟ والجواب : من وجهين ms6689 : الأول : أنهم كانوا ~~متمكنين من العلم بكونه بهتانا ، لأن زوجة الرسول لا يجوز أن تكون فاجرة ~~الثاني : أنهم لما جزموا أنهم ما كانوا ظانين له بالقلب كان إخبارهم عن ذلك ~~الجزم كذبا ، ونظيره قوله : { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ( ~~المنافقون : 1 ) . # النوع السادس # ! 7 < { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ويبين الله ~~لكم الا يات والله عليم حكيم } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 17 - 18 ) يعظكم الله أن . . . . . # > > PageV23P157 # وهذا من باب الزواجر ، والمعنى يعظكم الله بهذه المواعظ التي بها تعرفون ~~عظم هذا الذنب وأن فيه الحد والنكال في الدنيا والعذاب في الآخرة ، لكي لا ~~تعودوا إلى مثل هذا العمل أبدا وأبدهم ما داموا أحياء مكلفين ، وقد دخل تحت ~~ذلك من قال ومن سمع فلم ينكر ، لأن حالهما سواء في أن فعلا ما لا يجوز وإن ~~كان من أقدم عليه أعظم ذنبا ، فبين أن الغرض بما عرفهم من هذه الطريقة أن ~~لا يعودوا إلى مثل ما تقدم منهم وههنا مسائل : # المسألة الأولى : استدلت المعتزلة بقوله : { إن كنتم مؤمنين } على أن ترك ~~القذف من الإيمان وعلى أن فعل القذف لا يبقى معه الإيمان ، لأن المعلق على ~~الشرط عدم عند عدم الشرط والجواب : هذا معارض بقوله : { إن الذين جاءوا ~~بالإفك عصبة منكم } ( النور : 11 ) أي منكم أيها المؤمنون فدل ذلك على أن ~~القذف لا يوجب الخروج عن الإيمان وإذا ثبت التعارض حملنا هذه الآية على ~~التهييج في الإتعاظ والانزجار . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أنه تعالى أراد من ~~جميع من وعظه مجانبه مثل ذلك في المستقبل وإن كان فيهم من لا يطيع ، فمن ~~هذا الوجه تدل على أنه تعالى يريد من كلهم الطاعة وإن عصوا ، لأن قوله : { ~~يعظكم الله أن تعودوا } معناه لكي لا تعودوا لمثله وذلك دلالة الإرادة ~~والجواب : عنه قد تقدم مرارا . # المسألة الثالثة : هل يجوز أن يسمى الله تعالى واعظا لقوله : { يعظكم ~~الله أن تعودوا } ؟ الأظهر أنه لا يجوز كما لا يجوز أن يسمى معلما لقوله : ~~{ الرحمان ms6690 * علم القرءان } ( الرحمن : 1 / 2 ) . # أما قوله تعالى : { ويبين الله لكم الايات والله عليم حكيم } فالمراد من ~~الآيات ما به يعرف المرء ما ينبغي أن يتمسك به ، ثم بين أنه لكونه عليما ~~حكيما يؤثر بما يجب أن يبينه ويجب أن يطاع لأجل ذلك ، لأن من لا يكون عالما ~~لا يجب قبول تكليفه ، لأنه قد يأمر بما لا ينبغي ، ولأن / المكلف إذا أطاعه ~~فقد لا يعلم أنه أطاعه ، وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة ، وأما من كان عالما ~~لكنه لا يكون حكيما فقد يأمره بما لا ينبغي فإذا أطاعه المكلف فقد يعذب ~~المطيع وقد يثيب العاصي ، وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة ، وأما إذا كان ~~عليما حكيما فإنه لا يأمر إلا بما ينبغي ولا يهمل جزاء المستحقين ، فلهذا ~~ذكر هاتين الصفتين وخصهما بالذكر ، وههنا سؤالات : # الأول : الحكيم هو الذي لا يأتي بما لا ينبغي ، وإنما يكون كذلك لو كان ~~عالما بقبح القبيح وعالما بكونه غنيا عنه فيكون العليم داخلا في الحكيم ، ~~فكان ذكر الحكيم مغنيا عنه . هذا على قول المعتزلة ، وأما على قول أهل ~~السنة والجماعة فالحكمة هي العلم فقط ، فذكر العليم الحكيم يكون تكرارا ~~محضا الجواب : يحمل ذلك على التأكيد . # السؤال الثاني : قالت المعتزلة دلت الآية على أنه إنما يجب قبول بيان ~~الله تعالى لمجرد كونه عالما حكيما ، والحكيم هو الذي لا يفعل القبائح فتدل ~~الآية على أنه لو كان خالقا للقبائح لما جاز الاعتماد على وعده ووعيده ~~والجواب : الحكم عندنا هو العليم ، وإنما يجوز الاعتماد على قوله لكونه ~~عالما بكل المعلومات ، فإن الجاهل لا اعتماد على قوله ألبتة . # السؤال الثالث : قالت المعتزلة قوله : { يبين الله لكم } أي لأجلكم ، ~~وهذا يدل على أن أفعاله معللة PageV23P158 بالأغراض ، ولأن قوله : { لكم } ~~لا يجوز حمله على ظاهره لأنه ليس الغرض نفس ذواتهم بل الغرض حصول انتفاعهم ~~وطاعتهم وإيمانهم / فدل هذا على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل والجواب : ~~المراد أنه سبحانه فعل بهم ما لو فعله غيره لكان ذلك غرضا . # النوع السابع # ! 7 < { إن الذين ms6691 يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين ءامنوا لهم عذاب أليم ~~فى الدنيا والا خرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 19 ) إن الذين يحبون . . . . . # > > # اعلم أنه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك وما على من سمع منهم ، وما ~~ينبغي أن يتمسكوا به من آداب الدين أتبعه بقوله : { إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة } ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا الذم كما شارك فيه من فعله ~~ومن لم ينكره ، وليعلم أن أهل الأفك كما عليهم العقوبة فيما أظهروه ، فكذلك ~~يستحقون العقاب بما أسروه من محبة إشاعة الفاحشة في المؤمنين ، وذلك يدل ~~على وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضربهم ، وههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : معنى الإشاعة الانتشار يقال في هذا العقار سهم شائع إذا ~~كان في الجميع ولم يكن منفصلا ، وشاع الحديث إذا ظهر في العامة . # / المسألة الثانية : لا شك أن ظاهر قوله : { إن الذين يحبون } يفيد ~~العموم وأنه يتناول كل من كان بهذه الصفة ، ولا شك أن هذه الآية نزلت في ~~قذف عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فوجب إجراؤها على ~~ظاهرها في العموم ، ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيصها بقذفة عائشة قوله ~~تعالى في : { الذين كفروا } فإنه صيغة جمع ولو أراد عائشة وحدها لم يجز ذلك ~~، والذين خصصوه بقذفة عائشة منهم من حمله على عبدالله بن أبي ، لأنه هو ~~الذي سعى في إشاعة الفاحشة قالوا معنى الآية : { إن الذين يحبون } والمراد ~~عبدالله أن تشيع الفاحشة أي الزنا في الذين آمنوا أي في عائشة وصفوان . # المسألة الثالثة : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إني ~~لأعرف قوما يضربون صدورهم ضربا يسمعه أهل النار ، وهم الهمازون اللمازون ~~الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون فيهم من الفواحش ما ~~ليس فيهم ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( لا يستر عبد مؤمن عورة عبد مؤمن ~~إلا ستره الله يوم القيامة ومن أقال مسلما صفقته أقال الله عثرته يوم ~~القيامة ومن ستر ms6692 عورته ستر الله عورته يوم القيامة ) وعنه عليه الصلاة ~~والسلام : ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما ~~نهى الله عنه ) وعن عبدالله بن عمر عنه عليه الصلاة والسلام قال : ( من سره ~~أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله ويحب أن يؤتى إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ) وعن أنس ~~قال : قال عليه الصلاة والسلام : ( لا يؤمن العبد حتى يجب لأخيه ما يحب ~~لنفسه من الخير ) . # المسألة الرابعة : اختلفوا في عذاب الدنيا ، فقال بعضهم إقامة الحد عليهم ~~، وقال بعضهم هو الحد PageV23P159 واللعن والعداوة من الله والمؤمنين ، ضرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبي وحسان ومسطح ، وقعد صفوان ~~لحسان فضربه ضربة بالسيف فكف بصره ، وقال الحسن عنى به المنافقين لأنهم ~~قصدوا أن يغموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أراد غم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فهو كافر ، وعذابهم في الدنيا هو ما كانوا يتعبون فيه ~~وينفقون لمقاتلة أوليائهم مع أعدائهم ، وقال أبو مسلم : الذين يحبون هم ~~المنافقون يحبون ذلك فأوعدهم الله تعالى العذاب في الدنيا على يد الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالمجاهدة لقوله : { جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم } ( التوبة : 73 ) والأقرب أن المراد بهذا العذاب ما استحقوه بإفكهم ~~وهو الحد واللعن والذم . فأما عذاب الآخرة فلا شك أنه في القبر عذابه / وفي ~~القيامة عذاب النار . # أما قوله : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } فهو حسن الموقع بهذا الموضع ~~لأن محبة القلب كامنة ونحن لا نعلمها إلا بالأمارات ، أما الله سبحانه فهو ~~لا يخفى عليه شيء ، فصار هذا الذكر نهاية في الزجر لأن من أحب إشاعة ~~الفاحشة وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله تعالى يعلم ذلك منه ~~وإن علمه سبحانه بذلك الذي أخفاه كعلمه بالذي أظهره ويعلم قدر الجزاء عليه ~~. # / المسألة الخامسة : الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم عظيم ، وأن ~~إرادة الفسق فسق ، لأنه ms6693 تعالى علق الوعيد بمحبة إشاعة الفاحشة . # المسألة السادسة : قال الجبائي دلت الآية على أن كل قاذف لم يتب من قذفه ~~فلا ثواب له من حيث استحق هذا العذاب الدائم ، وذلك يمنع من استحقاق ضده ~~الذي هو الثواب ، فمن هذا الوجه تدل على ما نقوله في الوعيد ، واعلم أن ~~حاصله يرجع إلى مسألة المحابطة وقد تقدم الكلام عليه . # المسألة السابعة : قالت المعتزلة : إن الله تعالى بالغ في ذم من أحب ~~إشاعة الفاحشة ، فلو كان تعالى هو الخالق لأفعال العباد لما كان مشيع ~~الفاحشة إلا هو ، فكان يجب أن لا يستحق الذم على إشاعة الفاحشة إلا هو ، ~~لأنه هو الذي فعل تلك الإشاعة وغيره لم يفعل شيئا منها ، والكلام عليه أيضا ~~قد تقدم . # المسألة الثامنة : قال أبو حنيفة رحمه الله : المصابة بالفجور لا تستنطق ~~، لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وذلك ممنوع منه . # النوع الثامن # ! 7 < { ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 20 ) ولولا فضل الله . . . . . # > > # وفيه وجوه : أحدها : أن جوابه محذوف وكأنه قال لهلكتم أو لعذبكم الله ~~واستأصلكم لكنه رؤوف رحيم ، قال ابن عباس الخطاب لحسان ومسطح وحمنة ، ويجوز ~~أن يكون الخطاب عاما والثاني : جوابه في قوله : { زكى منكم من أحد أبدا } ( ~~النور : 21 ) والثالث : جوابه لكانت الفاحشة تشيع فتعظم المضرة وهو قول أبي ~~مسلم ، والأقرب أن جوابه محذوف لأن قوله من بعد { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكى منكم من أحد } ( النور : 21 ) كالمنفصل من الأول فلا يجب أن ~~يكون جوابا للأول ، خصوصا وقد وقع بين الكلامين كلام آخر ، والمراد أنه ~~لولا إنعامه بأن بقي وأمهل ومكن من التلافي لهلكوا ، لكنه لرأفته لا يدع ما ~~هو للعبد أصلح وإن جنى على نفسه . PageV23P160 # النوع التاسع # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات ~~الشيطان فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى ~~منكم من أحد أبدا ولاكن الله يزكى من يشآء والله سميع عليم } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 21 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # / قرىء ms6694 خطوات بضم الطاء وسكونها ، والخطوات جمع خطوة وهو من خطا الرجل ~~يخطو خطوا ، فإذا أردت الواحدة قلت خطوة مفتوحة الأول ، والجمع يفتح أوله ~~ويضم ، والمراد بذلك السيرة والطريقة ، والمعنى لا تتبعوا آثار الشيطان ولا ~~تسلكوا مسالكه في الإصغاء إلى الإفك والتلقي له وإشاعة الفاحشة في الذين ~~آمنوا ، والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنين فهو نهي لكل المكلفين وهو قوله : ~~{ ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } ومعلوم أن كل ~~المكلفين ممنوعون من ذلك ، وإنما قلنا إنه تعالى خص المؤمنين بذلك لأنه ~~توعدهم على اتباع خطواته بقوله : { ومن يتبع خطوات الشيطان } وظاهر ذلك ~~أنهم لم يتبعوه ، ولو كان المراد به الكفار لكانوا قد اتبعوه ، فكأنه ~~سبحانه لما بين ما على أهل الإفك من الوعيد أدب المؤمنين أيضا ، بأن خصهم ~~بالذكر ليتشددوا في ترك المعصية ، لئلا يكون حالهم كحال أهل الإفك والفحشاء ~~والفاحشة ما أفرط قيحه ، والمنكر ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه . # أما قوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا } ( ~~النور : 21 ) فقرأ يعقوب وابن محيصن ما زكى بالتشديد ، واعلم أن الزكي من ~~بلغ في طاعة الله مبلغ الرضا ومنه يقال زكى الزرع ، فإذا بلغ المؤمن من ~~الصلاح في الدين إلى ما يرضاه الله تعالى سمى زكيا ، ولا يقال زكى إلا إذا ~~وجد زكيا ، كما لا يقال لمن ترك الهدى هداه الله تعالى مطلقا ، بل يقال ~~هداه الله فلم يهتد ، واحتج أصحابنا في مسألة المخلوق بقوله : { ولاكن الله ~~يزكى من يشاء } ( النور : 21 ) فقالوا التزكية كالتسويد والتحمير فكما أن ~~التسويد تحصيل السواد ، فكذا التزكية تحصيل الزكاء في المحل ، قالت ~~المعتزلة ههنا تأويلان : أحدهما : حمل التزكية على فعل الألطاف والثاني : ~~حملها على الحكم بكون العبد زكيا ، قال أصحابنا : الوجهان على خلاف الظاهر ~~، ثم نقيم الدلالة العقلية على بطلانهما أيضا أما الوجه الأول : فيدل على ~~فساده وجوه : أحدها : أن فعل اللطف هل يرجح الداعي أو لا يرجحه فإن لم ~~يرجحه ألبتة لم يكن به تعلق فلا ms6695 يكون لطفا ، وإن رجحه فنقول المرجح لا بد ~~وأن يكون منتهيا إلى حد الوجوب ، فإنه مع ذلك القدر من الترجيح إما أن ~~يمتنع وقوع الفعل عنده أو يمكن أو يجب ، فإن امتنع كان مانعا لا داعيا ، ~~وإن أمكن أن يكون وأن لا يكون ، فكل ما يمكن لا يلزم من فرض وقوعه محال ، ~~فليفرض تارة واقعا وأخرى غير واقع ، فامتياز وقت الوقوع عن وقت اللاوقوع ، ~~إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أو لا يتوقف ، فإن توقف كان المرجح هو ~~المجموع الحاصل بعد انضمام هذا القيد ، فلا يكون الحاصل أولا مرجحا ، وإن ~~لم يتوقف كان اختصاص أحد الوقتين بالوقوع والآخر باللاوقوع ترجيحا للممكن ~~من غير PageV23P161 مرجح وهو محال ، وأما إن اللطف مرجحا موجبا كان فاعل ~~اللطف فاعلا للملطوف فيه ، فكان تعالى فاعلا لفعل العبد الثاني : أنه تعالى ~~قال : { ولاكن الله يزكى من يشاء } علق التزكية على المشيئة وفعل اللطف ~~واجب ، والواجب لا يتعلق بالمشيئة الثالث : أنه علق التزكية على الفضل ~~والرحمة وخلق / الألطاف واجب فلا يكون معلقا بالفضل والرحمة وأما الوجه ~~الثاني : وهو الحكم بكونه زكيا فذلك واجب لأنه لو يحكم به لكان كذبا والكذب ~~على الله تعالى محال ، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة ؟ فثبت أن قوله : { ولاكن ~~الله يزكى من يشاء } نص في الباب . # أما قوله : { والله سميع عليم } فالمراد أنه يسمع أقوالكم في القذف ~~وأقوالكم في إثبات البراءة ، عليم بما في قلوبكم من محبة إشاعة الفاحشة أو ~~من كراهيتها ، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته . # ! 7 < { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى ~~والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم والله غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | النور : ( 22 ) ولا يأتل أولوا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى كما أدب أهل الإفك ومن سمع كلامهم كما قدمنا ذكره ، ~~فكذلك أدب أبا بكر لما حلف أن لا ينفق على مسطح أبدا ، قال المفسرون : نزلت ~~الآية في أبي بكر حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن ms6696 خالة أبي بكر ، وقد ~~كان يتيما في حجره وكان ينفق عليه وعلى قرابته ، فلما نزلت الآية قال لهم ~~أبو بكر قوموا فلستم مني ولست منكم ولا يدخلن على أحد منكم ، فقال مسطح ~~أنشدك الله والإسلام وأنشدك القرابة والرحم أن لا تحوجنا إلى أحد ، فما كان ~~لنا في أول الأمر من ذنب ، فقال لمسطح إن لم تتكلم فقد ضحكتا فقال قد كان ~~ذلك تعجبا من قول حصان فلم يقبل عذره ، وقال انطلقوا أيها القوم فإن الله ~~لم يجعل لكم عذرا ولا فرجا ، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من ~~الأرض ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بأن الله تعالى قد أنزل ~~علي كتابا ينهاك فيه أن تخرجهم فكبر أبو بكر وسره ، وقرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الآية عليه فلما وصل إلى قوله : { ألا تحبون أن يغفر الله ~~لكم } قال بلى يا رب إني أحب أن يغفر لي ، وقد تجاوزت عما كان ، فذهب أبو ~~بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه ، وقال قبلت ما أنزل الله على الرأس ~~والعين ، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم ، أما إذا عفا عنكم ~~فمرحبا بكم ، وجعل له مثلي ما كان له قبل ذلك اليوم ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في قوله : { ولا يأتل } وجهين : الأول : وهو ~~المشهور أنه من ائتلى إذا حلف ، افتعل من الألية ، والمعنى لا يحلف ، قال ~~أبو مسلم هذا ضعيف لوجهين : أحدهما : / أن ظاهر الآية على هذا التأويل ~~يقتضي المنع من الحلف على الإعطاء وهم أرادوا المنع من الحلف على ترك ~~الإعطاء ، فهذا المتأول قد أقام النفي مكان الإيجاب وجعل المنهي عنه مأمورا ~~به ؛ وثانيهما : أنه قلما يوجد في الكلام افتعلت مكان أفعلت ، وإنما يوجد ~~مكان فعلت ، وهنا آليت من الألية افتعلت . فلا يقال أفعلت كما لا يقال من ~~ألزمت PageV23P162 التزمت ومن أعطيت اعتطيت ، ثم قال في يأتل إن أصله يأتلي ~~ذهبت الياء للجزم لأنه نهى وهو من قولك ما آلوت فلانا نصحا ، ولم آل ms6697 في ~~أمري جهدا ، أي ما قصرت ولا يأل ولا يأتل واحدا ، فالمراد لا تقصروا في أن ~~تحسنوا إليهم ويوجد كثيرا افتعلت مكان فعلت تقول كسبت واكتسبت وصنعت ~~واصطنعت ورضيت وارتضيت ، فهذا التأويل هو الصحيح دون الأول ، ويروى هذا ~~التأويل أيضا عن أبي عبيدة . أجاب الزجاج عن السؤال الأول بأن لا تخذف في ~~اليمين كثيرا قال الله تعالى : { ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا } ~~( البقرة : 224 ) يعني أن لا تبروا ، وقال امرؤ القيس : # % فقلت يمين الله أبرح قاعدا % % ولو قطعوا رأسي إليك وأوصالي % # أي لا أبرح ، وأجابوا عن السؤال الثاني ، أن جميع المفسرين الذين كانوا ~~قبل أبي مسلم فسروا اللفظة باليمين وقول كل واحد منهم حجة في اللغة فكيف ~~الكل ، ويعضده قراءة الحسن ولا يتأل . # المسألة الثانية : أجمع المفسرون على أن المراد من قوله : { أولوا الفضل ~~} أبو بكر ، وهذه الآية تدل على أنه رضي الله عنه كان أفضل الناس بعد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الفضل المذكور في هذه الآية إما في الدنيا ~~وإما في الدين / والأول باطل لأنه تعالى ذكره في معرض المدح له ، والمدح من ~~الله تعالى بالدنيا غير جائز ، ولأنه لو كان كذلك لكان قوله : { والسعة } ~~تكريرا فتعين أن يكون المراد منه الفضل في الدين ، فلو كان غيره مساويا له ~~في الدرجات في الدين لم يكن هو صاحب الفضل لأن المساوي لا يكون فاضلا ، ~~فلما أثبت الله تعالى له الفضل مطلقا غير مقيد بشخص دون شخص وجب أن يكون ~~أفضل الخلق ترك العمل به في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فيبقى معمولا به ~~في حق الغير ، فإن قيل نمنع إجماع المفسرين على اختصاص هذه الآية بأبي بكر ~~، قلنا كل من طالع كتب التفسير والأحاديث علم أن اختصاص هذه الآية بأبي بكر ~~بالغ إلى حد التواتر ، فلو جاز منعه لجاز منع كل متواتر ، وأيضا فهذه الآية ~~دالة على أن المراد منها أفضل الناس ، وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو ~~بكر أو علي ، فإذا بينا أنه ms6698 ليس المراد عليا تعينت الآية لأبي بكر ، وإنما ~~قلنا إنه ليس المراد منه عليا لوجهين : الأول : أن ما قبل هذه الآية وما ~~بعدها يتعلق بابنة أبي بكر فيكون حديث علي في البين سمجا الثاني : أنه ~~تعالى وصفه بأنه من أولي السعة ، وإن عليا لم يكن من أولي السعة في الدنيا ~~في ذلك الوقت ، فثبت أن المراد منه أبو بكر قطعا ، واعلم أن الله تعالى وصف ~~أبا بكر في هذه الآية بصفات عجيبة دالة على علو شأنه في الدين أحدها : أنه ~~سبحانه كنى عنه بلفظ الجمع والواحد إذا كنى عنه بلفظ الجمع دل على علو شأنه ~~/ كقوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) ، { إنا أعطيناك ~~الكوثر } ( الكوثر : 1 ) فانظر إلى الشخص الذي كناه الله سبحانه مع جلاله ~~بصيغة الجمع كيف يكون علو شأنها وثانيها : وصفه بأنه صاحب الفضل على ~~الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص ، والفضل يدخل فيه الإفضال ، وذلك ~~يدل على أنه رضي الله عنه كما كان فاضلا على الإطلاق كان مفضلا على الإطلاق ~~وثالثها : أن الإفضال إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فمن يهب السكين لمن يقتل ~~نفسه لا يسمى مفضلا لأنه أعطى مالا ينبغي ، ومن أعطى ليستفيد منه عوضا إما ~~ماليا أو مدحا أو ثناء فهو مستفيض والله تعالى قد وصفه PageV23P163 بذلك ~~فقال : { وسيجنبها الاتقى * الذى * يؤتى ماله يتزكى * وما لاحد عنده من ~~نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى } ( الليل : 17 20 ) وقال في حق علي ~~: { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا ~~يوما عبوسا قمطريرا } ( الإنسان : 9 ، 10 ) فعلي أعطى للخوف من العقاب ، ~~وأبو بكر ما أعطى إلا لوجه ربه الأعلى ، فدرجة أبي بكر أعلى فكانت عطيته في ~~الإفضال أتم وأكمل ورابعها : أنه قال : { أولوا الفضل منكم } فكلمة من ~~للتمييز ، فكأنه سبحانه ميزه عن كل المؤمنين بصفة كونه أولي الفضل ، والصفة ~~التي بها يقع الامتياز يستحيل حصولها في الغير ، وإلا لما كانت مميزة له ~~بعينه ، فدل ذلك ms6699 على أن هذه الصفة خاصة فيه لا في غيره ألبتة وخامسها : ~~أمكن حمل الفضل على طاعة الله تعالى وخدمته وقوله : { والسعة } على الإحسان ~~إلى المسلمين ، فكأنه كان مستجمعا للتعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق ~~الله وهما من أعلى مراتب الصديقين ، وكل من كان كذلك كان الله معه لقوله : ~~{ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } ولأجل اتصافه بهاتين الصفتين ~~قال له : { لا تحزن إن الله معنا } ( التوبة : 40 ) وسادسها : إنما يكون ~~الإنسان موصوفا بالسعة لو كان جوادا بذولا ، ولقد قال عليه الصلاة والسلام ~~: ( خير الناس من ينفع الناس ) فدل على أنه خير الناس من هذه الجهة / ولقد ~~كان رضي الله عنه جوادا بذولا في كل شيء ، ومن جوده أنه لما أسلم بكرة ~~اليوم جاء بعثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلموا على يده ، وكان جوده في ~~التعليم والإرشاد إلى الدين والبذل بالدينا كما هو مشهور ، فيحق له أن يوصف ~~بأنه من أهل السعة ، وأيضا فهب أن الناس اختلفوا في أنه هل كان إسلامه قبل ~~إسلام علي أو بعده ، ولكن اتفقوا على أن عليا حين أسلم لم يشتغل بدعوة ~~الناس إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم وأن أبا بكر اشتغل بالدعوة فكان أبو ~~بكر أول الناس اشتغالا بالدعوة إلى دين محمد ، ولا شك أن أجل المراتب في ~~الدين هذه المرتبة فوجب أن يكون أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~هو أبو بكر من هذه الجهة ولأنه عليه السلام قال : ( من سن سنة حسنة فله ~~أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) فوجب أن يكون لأبي بكر مثل أجر كل ~~من يدعو إلى الله ، فيدل على الأفضلية من هذه الجهة أيضا وسابعها : أن ~~الظلم من ذوي القربى أشد ، قال الشاعر : # % وظلم ذوي القربى أشد مضاضة % % على المرء من وقع الحسام المهند % # / وأيضا فالإنسان إذا أحسن إلى غيره فإذا قابله ذلك الغير ms6700 بالإساءة كان ~~ذلك أشد عليه مما إذا صدرت الإساءة من الأجنبي ، والجهتان كانتا مجتمعتين ~~في حق مسطح ثم إنه آذى أبا بكر بهذا النوع من الإيذاء الذي هو أعظم أنواع ~~الإيذاء ، فانظر أين مبلغ ذلك الضرر في قلب أبي بكر ، ثم إنه سبحانه أمره ~~بأن لا يقطع عنه بره وأن يرجع معه إلى ما كان عليه من الإحسان ، وذلك من ~~أعظم أنواع المجاهدات ، ولا شك أن هذا أصعب من مقاتلة الكفار لأن هذا ~~مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكافر ومجاهدة النفس أشق ، ولهذا قال عليه ~~الصلاة والسلام : ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) وثامنها : ~~أن الله تعالى لما أمر أبا بكر بذلك لقبه بأولي الفضل وأولي السعة كأنه ~~سبحانه يقول أنت PageV23P164 أفضل من أن تقابل إساءته بشيء وأنت أوسع قلبا ~~من أن تقيم للدنيا وزنا ، فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن تقطع برك عنه بسبب ~~ما صدر منه من الإساءة ، ومعلوم أن مثل هذا الخطاب يدل على نهاية الفضل ~~والعلو في الدين وتاسعها : أن الألف واللام يفيدان العموم فالألف واللام في ~~الفضل والسعة يدلان على أن كل الفضل وكل السعة لأبي بكر كما يقال فلان هو ~~العالم يعني قد بلغ في الفضل إلى أن صار كأنه كل العالم وما عداه كالعدم ، ~~وهذا وأيضا منقبة عظيمة وعاشرها : قوله : { وليعفوا وليصفحوا } وفيه وجوه : ~~منها : أن العفو قرينة التقوى وكل من كان أقوى في العفو كان أقوى في التقوى ~~، ومن كان كذلك كان أفضل لقوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( ~~الحجرات : 13 ) ومنها : أن العفو والتقوى متلازمان فلهذا السبب اجتمعا فيه ~~، أما التقوى فلقوله تعالى : { وسيجنبها الاتقى } ( الليل : 17 ) وأما ~~العفو فلقوله تعالى : { وليعفوا وليصفحوا } وحادي عاشرها : أنه سبحانه قال ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم : { فاعف عنهم واصفح } ( المائدة : 13 ) وقال في ~~حق أبي بكر { وليعفوا وليصفحوا } فمن هذا الوجه يدل على أن أبا بكر كان ~~ثاني اثنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأخلاق حتى في العفو ms6701 ~~والصفح وثاني عشرها : قوله : { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } فإنه سبحانه ~~ذكره بكناية الجمع على سبيل التعظيم ، وأيضا فإنه سبحانه علق غفرانه له على ~~إقدامه على العفو والصفح فلما حصل الشرط منه وجب ترتيب الجزاء عليه / ثم ~~قوله : { يغفر الله لكم } بصيغة المستقبل وأنه غير مقيد بشيء دون شيء فدلت ~~الآية على أنه سبحانه قد غفر له في مستقبل عمره على الإطلاق فكان من هذا ~~الوجه ثاني اثنين للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : { ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر } ( الفتح : 2 ) ودليلا على صحة إمامته رضي الله عنه ~~فإن إمامته لو كانت على خلاف الحق لما كان مغفورا له على الإطلاق ودليلا ~~على صحة ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في خبر بشارة العشرة بأن أبا ~~بكر في الجنة وثالث عشرها : أنه سبحانه وتعالى لما قال : { ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم } وصف نفسه بكونه غفورا رحيما ، والغفور مبالغة في الغفران ~~فعظم أبا بكر حيث خاطبه بلفظ الجمع الدل على التعظيم ، وعظم نفسه سبحانه ~~حيث وصفه بمبالغة الغفران ، والعظيم إذا عظم نفسه ثم عظم مخاطبه فالعظمة ~~الصادرة منه لأجله لا بد وأن تكون في غاية التعظيم ، ولهذا قلنا بأنه ~~سبحانه لما قال : { إنا أعطيناك الكوثر } ( الكوثر : 1 ) وجب أن تكون / ~~العطية عظيمة ، فدلت الآية على أن أبا بكر ثاني اثنين للرسول صلى الله عليه ~~وسلم في هذه المنقبة أيضا ورابع عشرها : أنه سبحانه لما وصفه بأنه أولوا ~~الفضل والسعة على سبيل المدح وجب أن يقال إنه كان خاليا عن المعصية ، لأن ~~الممدوح إلى هذا الحد لا يجوز أن يكون من أهل النار ، ولو كان عاصيا لكان ~~كذلك لقوله تعالى : { ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا ~~فيها } ( النساء : 14 ) وإذا ثبت أنه كان خاليا عن المعاصي فقوله : { يغفر ~~الله لكم } لا يجوز أن يكون المراد غفران معصية لأن المعصية التي لا تكون ~~لا يمكن غفرانها وإذا ثبت أنه لا يمكن حمل ms6702 الآية على ذلك وجب حملها على وجه ~~آخر ، فكأنه سبحانه قال PageV23P165 والله أعلم : { ألا تحبون أن يغفر الله ~~لكم } لأجل تعظيمكم هؤلاء القذفة العصاة ، فيرجع حاصل الآية إلى أنه سبحانه ~~قال يا أبا بكر إن قبلت هؤلاء العصاة فأنا أيضا أقبلهم وإن رددتهم ، فأنا ~~أيضا أردهم فكأنه سبحانه أعطاه مرتبة الشفاعة في الدنيا ، فهذا ما حضرنا في ~~هذه الآية والله أعلم فإن قيل : هذه الآية تقدم في فضيلة أبي بكر من وجه ~~آخر وذلك لأنه نهاه عن هذا الحلف فدل على صدور المعصية منه قلنا الجواب : ~~عنه من وجوه : أحدها : أن النهي لا يدل على وقوعه ، قال الله تعالى لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم : { ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب : 48 ) ~~ولم يدل ذلك على أنه عليه الصلاة والسلام أطاعهم بل دلت الأخبار الظاهرة ~~على صدور هذا الحلف منه ، ولكن على هذا التقدير لا تكون الآية دالة على ~~قولكم وثانيها : هب أنه صدر عنه ذلك الحلف ، فلم قلتم إنه كان معصية ، وذلك ~~لأن الامتناع من التفضل قد يحسن خصوصا فيمن يسيء إلى من أحسن إليه أو في حق ~~من يتخذه ذريعة إلى الأفعال المحرمة لا يقال فلو لم تكن معصية لما جاز أن ~~ينهى الله عنه بقوله : { ولا يأتل أولوا الفضل } لأنا نقول هذا النهي ليس ~~نهي زجر وتحريم بل هو نهي عن ترك الأولى كأنه سبحانه قال لأبي بكر اللائق ~~بفضلك وسعة همتك أن لا تقطع هذا فكان هذا إرشادا إلى الأولى لا منعا عن ~~المحرم . # المسألة الثالثة : أجمعوا على أن المراد من قوله : { أولى القربى ~~والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله } مسطح لأنه كان قريبا لأبي بكر وكان من ~~المساكين وكان من المهاجرين ، واختلفوا في الذنب الذي وقع منه فقال بعضهم ~~قذف كما فعله عبدالله بن أبي فإنه عليه الصلاة والسلام حده وأنه تاب عن ذلك ~~/ وقال ابن عباس رضي الله عنهما كان تاركا للنكر ومظهرا للرضا ، وأي ~~الأمرين كان فهو ذنب . # المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان ms6703 المحابطة وقالوا ~~إنه سبحانه وصفه بكونه من المهاجرين في سبيل الله بعد أن أتى بالقذف ، وهذه ~~صفة مدح ، فدل على أن ثواب كونه مهاجرا لم يحبط بإقدامه على القذف . # المسألة الخامسة : أجمعوا على أن مسطحا كان من البدريين وثبت بالرواية ~~الصحيحة أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال ~~افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) فكيف / صدرت الكبيرة منه بعد أن كان بدريا ؟ ~~والجواب : أنه لا يجوز أن يكون المراد منه افعلوا ما شئتم من المعاصي فيأمر ~~بها أو يقيمها لأنا نعلم بالضرورة أن التكليف كان باقيا عليهم لو حملناه ~~على ذلك لاقتضى زوال التكليف عنهم ، ولأنه لو كان كذلك لما جاز أن يحد مسطح ~~على ما فعل ويلعن ، فوجب حمله على أحد أمرين : الأول : أنه تعالى اطلع على ~~أهل بدر وقد علم توبتهم وإنابتهم فقال افعلوا ما شئتم من النوافل من قليل ~~أو كثير فقد غفرت لكم وأعطيتكم الدرجات العالية في الجنة الثاني : يحتمل أن ~~يكون المراد أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال : قد غفرت لكم لعلمي بأنكم ~~تموتون على التوبة والإنابة فذكر حالهم في الوقت وأراد العاقبة . # المسألة السادسة : العفو والصفح عن المسيء حسن مندوب إليه ، وربما وجب ~~ذلك ولو لم يدل عليه إلا هذه الآية لكفي ، ألا ترى إل قوله : { ألا تحبون ~~أن يغفر الله لكم } ( النور : 22 ) فعلق الغفران بالعفو والصفح وعنه عليه ~~الصلاة والسلام : ( من لم يقبل عذرا لمتنصل كاذبا كان أو صادقا فلا يرد على ~~حوضي يوم القيامة ) وعنه عليه الصلاة والسلام : ( أفضل أخلاق المسلمين ~~العفو ) وعنه أيضا : ( ينادي مناد يوم القيامة ألا من كان له على الله أجر ~~PageV23P166 فليقم فلا يقوم إلا أهل العفو ، ثم تلا فمن عفا وأصلح فأجره ~~على الله ) وعنه عليه الصلاة والسلام أيضا : ( لا يكون العبد ذا فضل حتى ~~يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ) . # المسألة السابعة : في هذه الآية دلالة على أن اليمين على الامتناع من ~~الخير غير جائزة ، وإنما تجوز إذا ms6704 جعلت داعية للخير لا صارفة عنه . # المسألة الثامنة : مذهب الجمهور الفقهاء أنه من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها أنا ينبغي له أن يأتي الذي هو خير ثم يكفر عن يمينه ، وقال بعضهم ~~إنه يأتي بالذي هو خير ، وذلك كفارته واحتج ذلك القائل بالآية والخبر ، أما ~~الآية فهي أن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة ، وأما ~~الخبر فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من حلف على يمين ~~فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وذلك كفارته ) وأما دليل قول ~~الجمهور فأمور : أحدها : قوله تعالى : { ولاكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان } ~~( المائدة : 89 ) فكفارته وقوله : { ذالك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } ( ~~المائدة : 89 ) وذلك عام في الحانث في الخير وغيره وثانيها : قوله تعالى في ~~شأن أيوب حين حلف على امرأته أن يضربها { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ~~} ( ص : 44 ) وقد علمنا أن الحنث كان خيرا من تركه وأمره الله بضرب لا يبلغ ~~منها ، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها بل كان يحنث بلا كفارة ~~وثالثها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ) أما الجواب : عما ذكره أولا فهو ~~أنه تعالى لم يذكر أمر الكفارة في قصة أبي بكر لا نفيا ولا إثباتا لأن حكمه ~~كان معلوما في سائر الآيات والجواب : عما ذكره ثانيا في قوله : ( وليأت ~~الذي هو خير وذلك كفارته ) فمعناه تكفير الذنب لا الكفارة / المذكورة في ~~الكتاب / وذلك لأنه منهي عن نقض الأيمان فأمره ههنا بالحنث والتوبة ، وأخبر ~~أن ذلك يكفر ذنبه الذي ارتكبه بالحلف . # المسألة التاسعة : روى القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها أنها : ( ~~قالت فضلت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعشر خصال تزوجني رسول صلى الله ~~عليه وسلم بكرا دون غيري ، وأبواي مهاجران ، وجاء جبريل عليه السلام بصورتي ~~في حريرة وأمره أن يتزوج بي ، وكنت أغتسل معه في إناء واحد ms6705 ، وجبريل عليه ~~السلام ينزل عليه بالوحي وأنا معه في لحاف واحد ، وتزوجني في شوال وبنى بي ~~في ذلك الشهر ، وقبض بين سحري ونحري ، وأنزل الله تعالى عذري من السماء ، ~~ودفن في بيتي وكل ذلك لم يساوني غيري فيه ) وقال بعضهم برأ الله أربعة ~~بأربعة : برأ يوسف عليه السلام بلسان الشاهد ، وشهد شاهد من أهلها ، وبرأ ~~موسى عليه السلام من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه ، وبرأ مريم بإنطاق ~~ولدها ، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه ~~الدهر ، وروى أنه لما قربت وفاة عائشة جاء ابن عباس يستأذن عليها ، فقالت : ~~يجيء الآن فيثني علي ، فخبره ابن الزبير فقال ما أرجع حتى تأذن لي ، فأذنت ~~له فدخل فقالت عائشة : أعوذ بالله من النار ، فقال ابن عباس يا أم المؤمنين ~~مالك والنار قد أعاذك الله منها ، وأنزل براءتك تقرأ في المساجد وطيبك فقال ~~: { الطيبات * للطيبين والطيبون للطيبات } ( النور : 26 ) كنت أحب نساء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، ولم يحب صلى الله عليه وسلم إلا طيبا ~~وأنزل بسببك التيمم فقال : { فتيمموا صعيدا طيبا } ( النساء : 43 ) وروي أن ~~عائشة وزينب تفاخرتا ، فقالت زينب : أنا التي أنزل ربي تزويجي ، وقالت ~~عائشة أنا التي برأني ربي حين حملني ابن المعطل على الراحلة ، فقالت لها ~~زينب : ما قلت حين ركبتيها ؟ قالت قلت : حسبي الله ونعم الوكيل . فقالت قلت ~~كلمة المؤمنين . # PageV23P167 ! 7 < { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا فى ~~الدنيا والا خرة ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ~~بما كانوا يعملون * يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 23 - 25 ) إن الذين يرمون . . . . . # > > # / وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اختلفوا في قوله : { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~} هل المراد منه كل من كان بهذه الصفة أو المراد منه الخصوص ؟ أما ~~الأصوليون فقالوا الصيغة عامة ولا مانع من إجرائها على ظاهرها فوجب حمله ~~على العموم فيدخل فيه قذفة عائشة وقذفة غيرها ، ومن الناس من خالف فيه ms6706 ذكر ~~وجوها : أحدها : أن المراد قذفة عائشة قالت عائشة : ( رميت وأنا غافلة ~~وإنما بلغني بعد ذلك ، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي إذ أوحى ~~الله إليه فقال أبشري وقرأ : { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ~~} ، وثانيها : أن المراد جملة أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهن ~~لشرفهن خصصن بأن من قذفهن فهذا الوعيد لاحق به واحتج هؤلاء بأمور : الأول : ~~أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله تعالى في أول السورة : { والذين ~~يرمون المحصنات } إلى قوله : { وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا } ( ~~النور : 54 ) وأما القاذف في هذه الآية ، فإنه لا تقبل توبته لأنه سبحانه ~~قال : { لعنوا فى الدنيا والاخرة } ولم يذكر الاستثناء ، وأيضا فهذه صفة ~~المنافقين في قوله : { ملعونين أينما ثقفوا } ( الأحزاب : 61 ) ، الثاني : ~~أن قاذف سائر المحصنات لا يكفر ، والقاذف في هذه الآية يكفر لقوله تعالى : ~~{ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم } وذلك صفة الكفار والمنافقين ~~كقوله : { ويوم يحشر أعداء الله إلى النار } ( فصلت : 19 ) الآيات الثلاث . ~~الثالث : أنه قال : { ولهم عذاب عظيم } والعذاب العظيم يكون عذاب الكفر ، ~~فدل على أن عقاب هذا القاذف عقاب الكفر ، وعقاب قذفه سائر المحصنات لا يكون ~~عقاب الكفر الرابع : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان بالبصرة يوم ~~عرفة ، وكان يسأل عن تفسير القرآن ، فسئل عن تفسير هذه الآية فقال : من ~~أذنب ذنبا ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة ، أجاب الأصوليون عنه ~~بأن الوعيد المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون مشروطا بعدم التوبة لأن ~~الذنب سواء كان كفرا أو فسقا ، فإذا حصلت التوبة منه صار مغفورا فزال ~~السؤال ، ومن الناس ذكر فيه قولا آخر ، وهو أن هذه الآية نزلت في مشركي مكة ~~حين كان بينهم وبين رسول الله عهد فكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة ~~مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة . وقالوا إنما خرجت لتفجر ، فنزلت فيهم ~~والقول الأول هو الصحيح . # المسألة الثانية : أن الله تعالى ذكر فيمن يرمي المحصنات الغافلات ~~المؤمنات ms6707 ثلاثة أشياء : أحدها : كونهم ملعونين في الدنيا والآخرة وهو وعيد ~~شديد ، واحتج الجبائي بأن التقييد باللعن عام في جميع القذفة ومن كان ~~ملعونا في الدنيا فهو ملعون في الآخرة والملعون في الآخرة لا يكون من أهل ~~الجنة وهو بناء على المحابطة وقد تقدم القول فيه وثانيها : وقوله : { يوم ~~تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } ونظيره PageV23P168 ~~قوله : { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ( فصلت : 21 ) وعندنا البنية ~~ليست شرطا للحياة فيجوز أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علما وقدرة ~~وكلاما ، وعند المعتزلة لا يجوز ذلك فلا جرم ذكروا في تأويل هذه الآية ~~وجهين : الأول : أنه سبحانه يخلق في هذه / الجوارح هذا الكلام ، وعندهم ~~المتكلم فاعل الكلام ، فتكون تلك الشهادة من الله تعالى في الحقيقة إلا أنه ~~سبحانه أضافها إلى الجوارح توسعا الثاني : أنه سبحانه بيني هذه الجوارح على ~~خلاف ما هي عليه ويلجئها أن تشهد على الإنسان وتخبر عنه بأعماله ، قال ~~القاضي وهذا أقرب إلى الظاهر ، لأن ذلك يفيد أنها تفعل الشهادة وثالثها : ~~قوله تعالى : { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } ولا شبهة في أن نفس دينهم ~~ليس هو المراد لأن دينهم هو عملهم . بل المراد جزاء عملهم ، والدين بمعنى ~~الجزاء مستعمل كقولهم كما تدين تدان ، وقيل الدين هو الحساب كقوله ذلك ~~الدين القيم أي الحساب الصحيح ومعنى قوله : { الحق } أي أن الذي نوفيهم من ~~الجزاء هو القدر المستحق لأنه الحق وما زاد عليه هو الباطل ، وقرىء الحق ~~بالنصب صفة للدين وهو الجزاء وبالرفع صفة لله . # وأما قوله : { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } ( النور : 25 ) فمن ~~الناس من قال إنه سبحانه إنما سمي بالحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره ~~أو لأنه الحق فيما يأمر به دون غيره ومعنى { المبين } يؤيد ما قلنا لأن ~~المحق فيما يخاطب به هو المبين من حيث يبين الصحيح بكلامه دون غيره ، ومنهم ~~من قال الحق من أسماء الله تعالى ومعناه الموجود ، لأن نقيضه الباطل وهو ~~المعدوم ، ومعنى المبين المظهر ومعناه أن بقدرته ms6708 ظهر وجود الممكنات ، فمعنى ~~كونه حقا أنه الموجود لذاته ، ومعنى كونه مبينا أنه المعطي وجود غيره . # ! 7 < { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون ~~للطيبات أولائك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم } . > 7 ! # < < # | النور : ( 26 ) الخبيثات للخبيثين والخبيثون . . . . . # > > اعلم أن الخبيثات يقع على الكلمات التي هي القذف الواقع من أهل الإفك ~~، ويقع أيضا على الكلام الذي هو كالذم واللعن ، ويكون المراد من ذلك لا نفس ~~الكلمة التي هي من قبل الله تعالى ، بل المراد مضمون الكلمة ، ويقع أيضا ~~على الزواني من النساء ، وفي هذه الآية كل هذه الوجوه محتملة ، فإن حملناها ~~على القذف الواقع من أهل الإفك كان المعنى الخبيثات من قول أهل الإفك ~~للخبيثين من الرجال ، وبالعكس والطيبات من قول منكري الإفك للطيبين من ~~الرجال وبالعكس ، وإن حلمناها على الكلام الذي هو كالذم واللعن ، فالمعنى ~~أن الذم واللعن معدان للخبيثين من الرجال ، والخبيثون منهم معرضون للعن ~~والذم . وكذا القول في الطيبات وأولئك إشارة إلى الطيبين وأنهم مبرءون مما ~~يقول الخبيثون من خبيثات الكلمات ، وإن حملناه حملناه على الزواني فالمعنى ~~الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال وبالعكس ، على معنى قوله تعالى : / ~~{ الزانى لا ينكح إلا زانية } ( النور : 3 ) والطيبات من النساء للطيبين من ~~الرجال ، والمعنى أن مثل ذلك الرمي الواقع من المنافقين لا يليق إلا ~~بالخبيثات والخبيثين لا بالطيبات والطيبين ، كالرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأزواجه . فإن قيل فعلى هذا الوجه يلزم أن لا يتزوج الرجل العفيف بالزانية ~~والجواب : ما تقدم في قوله : { الزانى لا ينكح إلا زانية } PageV23P169 ~~وقوله : { أولئك مبرءون } يعني الطيبات والطيبين مما يقوله أصحاب الإفك ، ~~سوى قول من حمله على الكلمات فكأنه قال الطيبون مبرءون مما يقوله الخبيثون ~~، ومتى حمل أولئك على هذا الوجه كان لفظه كمعناه في أنه جمع ، ومتى حملته ~~على عائشة وصفوان وهما اثنان فكيف يعبر عنهما بلفظ الجمع ؟ فجوابه من وجهين ~~: الأول : أن ذلك الرمي قد تعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبعائشة وصفوان ~~فبرأ الله تعالى كل واحد منهم من التهمة ms6709 اللائقة به الثاني : أن المراد به ~~كل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فكأنه تعالى برأهن من هذا الإفك . لكن ~~لا يقدح فيهن أحد كما أقدموا على عائشة ، ونزه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بذلك عن أمثال هذا الأمر وهذا أبين كأنه تعالى بين أن الطيبات من النساء ~~للطيبين من الرجال ، ولا أحد أطيب ولا أطهر من الرسول ، فأزواجه إذن لا ~~يجوز أن يكن إلا طيبات ، ثم بين تعالى أن : { لهم مغفرة } يعني براءة من ~~الله ورسوله ورزق كريم في الآخرة ، ويحتمل أن يكون ذلك خبرا مقطوعا به ، ~~فيعلم بذلك أن أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام هن معه في الجنة ، وقد ~~وردت الأخبار بذلك ويحتمل أن يكون المراد بشرط اجتناب الكبائر والتوبة ، ~~والأول أولى لأنا إنما نحتاج إلى الشرط إذا لم يمكن حمل الآية عليه ، أما ~~إذا أمكن فلا وجه لطلب الشرط ، وهذا يدل على أن عائشة رضي الله عنها تصير ~~إلى الجنة بخلاف مذهب الرافضة الذين يكفرونها بسبب حرب يوم الجمل فإنهم ~~يردون بذلك نص القرآن فإن قيل القطع بأنها من أهل الجنة إغراء لها بالقبيح ~~. قلنا أليس أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أعلمه الله تعالى بأنه من أهل ~~الجنة ولم يكن ذلك إغراء له بالقبيح ، وكذا العشرة المبشرة بالجنة فكذا ~~ههنا ، والله أعلم تمت قصة أهل الإفك . # الحكم السادس # في الاستئذان # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها ذالكم خير لكم لعلكم تذكرون * فإن لم تجدوا فيهآ أحدا ~~فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله ~~بما تعملون عليم * ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع ~~لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 27 - 29 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # / اعلم أنه تعالى عدل عما يتصل بالرمي والقذف وما يتعلق بهما من الحكم ~~إلى ما يليق به لأن أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت ~~الخلوة فصارت ms6710 كأنها طريق التهمة ، فأوجب الله تعالى أن لا يدخل المرء بيت ~~غيره إلا بعد الاستئذان والسلام ، لأن في الدخول لا على هذا الوجه وقوع ~~التهمة ، وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به فقال : { ذلك بأن الذين كفروا } ~~الخ وفي الآية سؤالات : PageV23P170 # السؤال الأول : الاستئناس عبارة عن الأنس الحاصل من جهة المجالسة ، قال ~~تعالى ولا مستأنسين لحديث ، وإنما يحصل ذلك بعد الدخول والسلام فكان الأولى ~~تقديم السلام على الاستئناس فلم جاء على العكس من ذلك ؟ والجواب : عن هذا ~~من وجوه : أحدها : ما يروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير ، إنما هو حتى ~~تستأذنوا فأخطأ الكاتب ، وفي قراءة أبي : حتى تستأذنوا لكم والتسليم خير ~~لكم من تحية الجاهلية والدمور ، وهو الدخول بغير إذن واشتقاقه من الدمار ~~وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب ، وفي الحديث ( من سبقت عينه ~~استئذانه فقد دمر ، واعلم أن هذا القول من ابن عباس فيه نظر لأنه يقتضي ~~الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل ~~بالتواتر وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وأنه باطل وثانيها : ~~ما روي عن الحسن البصري أنه قال إن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والمعنى : ~~حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا ، وذلك لأن السلام مقدم على الاستئناس ، ~~وفي قراءة عبدالله : حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ، وهذا أيضا ضعيف لأنه ~~خلاف الظاهر وثالثها : أن تجري الكلام على ظاهره . ثم في تفسير الاستئناس ~~وجوه : الأول : حتى تستأنسوا بالإذن وذلك لأنهم إذا استأذنوا وسلموا أنس ~~أهل البيت ، ولو دخلوا بغير إذن لاستوحشوا وشق عليهم الثاني : تفسير ~~الاستئناس بالاستعلام والاستكشاف استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرا ~~مكشوفا ، والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم . ومنه ~~قولهم استأنس هل ترى أحدا ، واستأنست فلم أر أحدا أي تعرفت واستعلمت ، فإن ~~قيل وإذا حمل على الأنس ينبغي أن يتقدمه السلام كما روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان يقول : ( السلام عليكم أأدخل ) قلنا المستأذن ربما لا يعلم أن ~~أحدا في المنزل فلا معنى ms6711 لسلامه والحالة هذه ، والأقرب أن يستعلم ~~بالاستئذان هل هناك من يأذن ، فإذا أذن ودخل صار مواجها له فيسلم عليه ~~والثالث : أن يكون اشتقاق الاستئناس / من الإنس وهو أن يتعرف هل ثم إنسان ، ~~ولا شك أن هذا مقدم على السلام والرابع : لو سلمنا أن الاستئناس إنما يقع ~~بعد السلام ولكن الواو لا توجب الترتيب ، فتقديم الاستئناس على السلام في ~~اللفظ لا يوجب تقديمه عليه في العمل . # السؤال الثاني : ما الحكم في إيجاب تقديم الاستئذان ؟ والجواب : تلك ~~الحكمة هي التي نبه الله تعالى عليها في قوله : { ليس عليكم جناح أن تدخلوا ~~بيوتا غير مسكونة } فدل بذلك على أن الذي لأجله حرم الدخول إلا على هذا ~~الشرط هو كون البيوت مسكونة / إذ لا يأمن من يهجم عليها بغير استئذان أن ~~يهجم على ما لا يحل له أن ينظر إليه من عورة ، أو على ما لا يحب القوم أن ~~يعرفه غيرهم من الأحوال ، وهذا من باب العلل المنبه عليها بالنص ، ولأنه ~~تصرف في ملك الغير فلا بد وأن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب . # السؤال الثالث : كيف يكون الاستئذان ؟ الجواب : استأذن رجل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال أألج ؟ فقال عليه الصلا والسلام لامرأة يقال لها ~~روضة ( قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام ~~عليكم أأدخل فسمعها الرجل فقالها ، فقال ادخل فدخل وسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن أشياء وكان يجيب ، فقال هل في العلم ما لا تعلمه ، فقال عليه ~~الصلاة والسلام : لقد آتاني خيرا كثيرا وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله ~~، وتلا إن الله عنده علم الساعة إلى آخره ) وكان أهل الجاهلية يقول الرجل ~~منهم إذا دخل بيتا غير بيته حييتم صباحا وحييتم مساء ، ثم يدخل فربما أصاب ~~الرجل مع امرأته في لحاف واحد ، فصدق الله تعالى عن PageV23P171 ذلك وعلم ~~الأحسن والأجمل ، وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ، وقال عكرمة هو ~~التسبيح والتكبير ونحوه . # السؤال الرابع : كم عدد الاستئذان الجواب : روى أبو ms6712 هريرة رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الاستئذان ) ثلاث بالأولى ~~يستنصتون ، وبالثانية يستصلحون ، وبالثالثة يأذنون أو يردون ) وعن جندب قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا استأذن أحدكم ثلاثا ، فلم ~~يؤذن له فليرجع ) وعن أبي سعيد الخدري قال : ( كنت جالسا في مجلس من مجالس ~~الأنصار ، فجاء أبو موسى فزعا ، فقلنا له ما أفزعك ؟ فقال أمرني عمر أن ~~آتيه فأتيته ، فاستأذنت ثلاثا ، فلم يؤذن لي فرجعت ، فقال ما منعك أن ~~تأتيني ؟ فقلت قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي . وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام : إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع فقال لتأتيني على هذا ~~بالبينة ، أو لأعاقبنك . فقال أبي لا يقوم معك إلا أصغر القوم ، قال فقام ~~أبو سعيد فشهد له ) وفي بعض الأخبار أن عمر قال لأبي موسى إني لم أتهمك ، ~~ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن قتادة ~~الاستئذان ثلاثة : الأولى يسمع الحي ، والثاني ليتأهبوا والثالث إن شاءوا ~~أذنوا ، وإن شاءوا ردوا ، واعلم أن هذا من محاسن الآداب ، لأن في أول مرة / ~~ربما منعهم بعض الأشغال من الإذن ، وفي المرة الثانية ربما كان هناك ما ~~يمنع أو يقتضي المنع أو يقتضي التساوي ، فإذا لم يجب في الثالثة يستدل بعدم ~~الإذن على مانع ثابت ، وربما أوجب ذلك كراهة قربه من الباب فلذلك يسن له ~~الرجوع ، ولذلك يقول يجب في الاستئذان ثلاثا ، أن لا يكون متصلا ، بل يكون ~~بين كل واحدة والأخرى وقت ، فأما قرع الباب بعنف والصياح بصاحب الدار ، ~~فذاك حرام لأنه يتضمن الإيذاء والإيحاش ، وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما نزل ~~فيها من قوله تعالى : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ~~} ( الحجرات : 4 ) . # السؤال الخامس : كيف يقف على الباب الجواب : روي أن أبا سعيد استأذن على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل الباب ، فقال عليه الصلاة والسلام : ~~لا تستأذن وأنت مستقبل الباب . وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا ms6713 أتى ~~باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ~~فيقول السلام عليكم ، وذلك لأن الدور لم يكن عليها حينئذ ستور . # السؤال السادس : أن كلمة ( حتى ) للغاية والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما ~~قبلها فقوله : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } يقتضي جواز ~~الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن فما قولكم فيه ؟ الجواب ~~: من وجوه : أحدها : أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس لا الاستئذان ، ~~والاستئناس لا يحصل إلا إذا حصل الإذن بعد الاستئذان وثانيها : أنا لما ~~علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان أن لا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه ~~فإن ذلك مما يسوءه ، وعلمنا أن هذا المقصود لا يحصل إلا بعد حصول الإذن ، ~~علمنا أن الاستئذان ما لم يتصل به الإذن وجب أن لا يكون كافيا وثالثها : أن ~~قوله تعالى : { فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم } فحظر ~~الدخول إلا بإذن ، فدل على أن الإذن مشروط بإباحة الدخول في الآية الأولى ، ~~فإن قيل إذا ثبت أنه لا بد من الإذن فهل يقوم مقامه غيره أم لا ؟ قلنا روى ~~أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( رسول الرجل ~~إلى الرجل إذنه ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام ~~قال : ( إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن ) وهذا الخبر يدل على ~~معنيين PageV23P172 أحدهما : أن الإذن محذوف من قوله : { حتى تستأنسوا } ~~وهو المراد منه والثاني : أن الدعاء إذن إذا جاء مع الرسول وأنه لا يحتاج ~~إلى استئذن ثان ، وقال بعضهم إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير ~~محتاج إلى الاستئذان . # السؤال السابع : ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه ؟ الجواب : قال ~~الشافعي رحمه الله : لو فقئت عينه فهي هدر ، وتمسك بما روى سهل بن سعد قال ~~: ( اطلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدري يحك بها ~~رأسه ms6714 فقال : لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك إنما الاستئذان قبل ~~النظر ) وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( من / ~~اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه ) قال أبو بكر الرازي ~~: هذا الخبر يرد لوروده على خلاف قياس الأصول ، فإنه لا خلاف أنه لو دخل ~~داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامنا وكان عليه القصاص إن كان عامدا والأرش ~~إن كان مخطئا ، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع ، فظاهر الحديث ~~مخالف لما حصل عليه الاتفاق ، فإن صح فمعناه : من اطلع في دار قوم ونظر إلى ~~حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر ، فأما ~~إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي ، ثم جاء إنسان ففقأ عينه ~~، فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى : { العين * بالعين } إلى ~~قوله : { والجروح قصاص } ( المائدة : 45 ) واعلم أن التمسك بقوله تعالى : { ~~والعين بالعين } في هذه المسألة ضعيف ، لأنا أجمعنا على أن هذا النص مشروط ~~بما إذا لم تكن العين مستحقة ، فإنها لو كانت مستحقة لم يلزم القصاص ، فلم ~~قلت : إن من اطلع في دار إنسان لم تكن عينه مستحقة ؟ وهذا أول المسألة . # أما قوله : إنه لو دخل لم يجز فقء عينه ، فكذا إذا نظر قلنا الفرق بين ~~الأمرين ظاهر ، لأنه إذا دخل علم القوم دخوله عليهم فاحترزوا عنه وتستروا ، ~~فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع ~~عليه ، فلا يبعد في حكم الشرع أن يبالغ ههنا في الزجر حسما لباب هذه ~~المفسدة ، وبالجملة فرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا القدر من ~~الكلام غير جائز . # السؤال الثامن : لما بينتم أنه لا بد من الإذن فهل يكفي الإذن كيف كان أو ~~لا بد من إذن مخصوص ؟ الجواب : ظاهر الآية يقتضي قبول الإذن مطلقا سواء كان ~~الآذان صبيا أو امرأة أو عبدا أو ذميا فإنه لا يعتبر ms6715 في هذا الإذن صفات ~~الشهادة وكذلك قبول أخبار هؤلاء في الهدايا ونحوها . # السؤال التاسع : هل يعتبر الاستئذان على المحارم ؟ والجواب : نعم ، عن ~~عطاء بن يسار : ( أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أستأذن على ~~أختي ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام نعم أتحب أن تراها عريانة ) وسأل ~~رجل حذيفة أستأذن على أختي ، فقال إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوؤك ، وقال ~~عطاء سألت ابن عباس رضي الله عنهما استأذن على أختي ومن أنفق عليها ؟ قال ~~نعم إن الله تعالى يقول : { وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما ~~استأذن الذين من قبلهم } ( النور : 59 ) ولم يفرق بين من كان أجنبيا أو ذا ~~رحم محرم . # واعلم أن ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز إلا أنه أيسر لجواز ~~النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء . والتحقيق فيه أن المنع ~~من الهجوم على الغير إن كان لأجل أن ذلك الغير ربما كان منكشف الأعضاء فهذا ~~دخل فيه الكل إلا الزوجات وملك اليمين ، وإن كان لأجل أنه ربما كان مشتغلا ~~PageV23P173 بأمر يكره إطلاع الغير عليه وجب أن يعم في الكل ، حتى لا يكون ~~له أن يدخل على الزوجة والأمة إلا بإذن . # / السؤال العاشر : إذا عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر ~~فهل يجب الاستئذان ؟ الجواب : كل ذلك مستثنى بالدليل فهذا جملة الكلام في ~~الاستئذان ، وأما السلام فهو من سنة المسلمين التي أمروا بها ، وأمان للقوم ~~وهو تحية أهل الجنة ومجلبة للمودة وناف للحقد والضغينة ، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لما خلق الله تعالى آدم عليه ~~السلام ونفخ فيه الروح عطس ، فقال الحمد لله ، فحمد الله بإذن الله ، فقال ~~له ربه يرحمك ربك يا آدم اذهب إلى هؤلاء الملائكة ، وهم ملأ منهم جلوس فقل ~~السلام عليكم ، فلما فعل ذلك رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية ذريتك ) وعن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله ms6716 صلى الله عليه وسلم : ( حق ~~المسلم على المسلم ست ؛ يسلم عليه إذا لقيه ، ويجيبه إذا دعاه ، وينصح له ~~بالغيب ، ويشمته إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، ويشهد جنازته إذا مات ) وعن ~~ابن عمر قال قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : ( إن سركم أن يسل الغل من ~~صدوركم فأفشوا السلام بينكم ) . # أما قوله تعالى : { ذالكم خير لكم } فالمعنى فيه ظاهر ، إذ المراد أن فعل ~~ذلك خير لكم وأولى لكم من الهجوم بغير إذن { لعلكم تذكرون } أي لكي تتذكروا ~~هذا التأديب فتتمسكوا به ، ثم قال : { فإن لم تجدوا فيها } أي في البيوت ~~أحدا { فلا تدخلوها } لأن العلة في الصورتين واحدة وهي جواز أن يكون هناك ~~أحوال مكتومة يكره إطلاع الداخل عليها ، ثم قال : { وإن قيل لكم ارجعوا ~~فارجعوا } وذلك لأنه كما يكون الدخول قد يكرهه صاحب الدار فكذا الوقوف على ~~الباب قد يكرهه ، فلا جرم كان الأولى والأزكى له أن يرجع إزالة للإيحاش ~~والإيذاء ، ولما ذكر الله تعالى حكم الدور المسكونة ذكر بعده حكم الدور ~~التي هي غير مسكونة ، فقال : { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ~~} وذلك لأن المانع من الدخول إلا بإذن زائل عنها واختلف المفسرون في المراد ~~من قوله : { بيوتا غير مسكونة } على أقوال : أحدها : وهو قول محمد بن ~~الحنفية أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة ، ~~كالاستكنان من الحر والبرد ، وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع ، يروى ~~أن أبا بكر قال يا رسول الله إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان وإنا ~~نختلف في تجارتنا فننزل هذه الخانات ، أفلا ندخلها إلا بإذن ؟ فنزلت هذه ~~الآية . وثانيها : أنها الخربات يتبرز فيها والمتاع التبرز وثالثها : ~~الأسواق ورابعها : أنها الحمامات ، والأولى أن يقال إنه لا يمتنع دخول ~~الجميع تحت الآية فيحمل على الكل ، والعلة في ذلك أنها إذا كانت كذلك فهي ~~مأذون بدخولها من جهة العرف / فكذلك نقول إنها لو كانت غير مسكونة ولكنها ~~كانت مغصوبة ، فإنه لا يجوز للداخل أن يدخل فيها لكن الظاهر من حال الخانات ~~أنها موضوعة لدخول ms6717 الداخل . # وأما قوله : { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } فهو وعيد للذين يدخلون ~~الخربات والدور الخالية من أهل الريبة . # / الحكم السابع # حكم النظر # ! 7 < { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذالك أزكى لهم إن ~~الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا ~~يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن ~~إلا لبعولتهن أو ءابآئهن أو ءابآء بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بنىإخوانهن أو بنى أخواتهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن أو ~~التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النسآء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا ~~أيه المؤمنون لعلكم تفلحون } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 30 - 31 ) قل للمؤمنين يغضوا . . . . . # > > PageV23P174 # اعلم أنه تعالى قال : { قل للمؤمنين } وإنما خصهم بذلك لأن غيرهم لا ~~يلزمه غض البصر عما لا يحل له ويحفظ الفرج عما لا يحل له ، لأن هذه الأحكام ~~كالفروع للإسلام والمؤمنون مأمورون بها ابتداء ، والكفار مأمورون قبلها بما ~~تصير هذه الأحكام تابعة له ، وإن كان حالهم كحال المؤمنين في استحقاق ~~العقاب على تركها ، لكن المؤمن يتمكن من هذه الطاعة من دون مقدمة ، والكافر ~~لا يتمكن إلا بتقديم مقدمة من قبله ، وذلك لا يمنع من لزوم التكاليف له . # / واعلم أنه سبحانه أمر الرجال بغض البصر وحفظ الفرج ، وأمر النساء بمثل ~~ما أمر به الرجال وزاد فيهن أن لا يبدين زينتهن إلا لأقوام مخصوصين . # أما قوله تعالى : { يغضوا من أبصارهم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الأكثرون ( من ) ههنا للتبعيض والمراد غض البصر عما ~~يحرم والاقتصار به على ما يحل ، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة ، ونظيره قوله : ~~{ ما لكم من إلاه غيره } ( الأعراف : 85 ) { فما منكم من أحد عنه حاجزين } ~~( الحاقة : 47 ) وأباه سيبويه ، فإن قيل كيف دخلت في غض البصر دون حفظ ~~الفرج ؟ قلنا دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس ~~بالنظر إلى شعورهن ms6718 وصدورهن وكذا الجواري المستعرضات ، وأما أمر الفرج فمضيق ~~، وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى ~~منه ، ومنهم من قال : { يغضوا من أبصارهم } أي ينقصوا من نظرهم فالبصر إذا ~~لم يمكن من عمله فهو مغضوض ممنوع عنه ، وعلى هذا من ليست بزائدة ولا هي ~~للتبعيض بل هي من صلة الغض يقال غضضت PageV23P175 من فلان إذا نقصت من قدره ~~. # المسألة الثانية : اعلم أن العورات على أربعة أقسام عورة الرجل مع الرجل ~~وعورة المرأة مع المرأة وعورة المرأة مع الرجل وعورة الرجل مع المرأة ، ~~فأما الرجل مع الرجل فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه إلا عورته وعورته ما ~~بين السرة والركبة ، والسرة والركبة ليستا بعورة ، وعند أبي حنيفة رحمه ~~الله الركبة عورة ، وقال مالك الفخذ ليست بعورة ، والدليل على أنها عورة ما ~~روي عن حذيفة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به في المسجد وهو كاشف عن ~~فخذه فقال عليه السلام غط فخذك فإنها من العورة ) وقال لعلي رضي الله عنه : ~~( لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت ) فإن كان في نظره إلى وجهه أو ~~سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه ، ولا يجوز ~~للرجل مضاجعة الرجل / وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش ، لما روى ~~أبو سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( لا يفضي الرجل إلى الرجل ~~في ثوب واحد ، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد ) وتكره المعانقة ~~وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة ، وتستحب المصافحة لما روى أنس قال : ( قال ~~رجل يا رسول الله الرجل منا يلقي أخاه أو صديقه أينحني له ؟ قال لا ، قال ~~أيلتزمه ويقبله ؟ قال لا ، قال أفيأخذ بيده ويصافحه ؟ قال نعم ) أما عورة ~~المرأة مع المرأة فكعورة الرجل مع الرجل ، فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ~~ما بين السرة والركبة ، وعند خوف الفتنة لا يجوز ، ولا يجوز المضاجعة . ~~والمرأة الذمية هل يجوز لها النظر إلى ms6719 بدن المسلمة ، قيل يجوز كالمسلمة مع ~~المسلمة ، والأصح أنه لا يجوز لأنها أجنبية ، في الدين والله تعالى يقول : ~~{ أو نسائهن } وليست الذمية من نسائنا ، أما عورة المرأة مع الرجل فالمرأة ~~إما أن تكون أجنبية أو ذات رحم محرم ، أو مستمتعة ، فإن كانت أجنبية فإما ~~أن تكون حرة أو أمة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة ، ولا يجوز له أن ينظر ~~إلى شيء منها إلا الوجه والكفين ، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في البيع ~~والشراء ، وإلى إخراج / الكف للأخذ والعطاء ، ونعني بالكف ظهرها وبطنها إلى ~~الكوعين ، وقيل ظهر الكف عورة . # واعلم أنا ذكرنا أنه لا يجوز النظر إلى شيء من بدنها ، ويجوز النظر إلى ~~وجهها وكفها ، وفي كل واحد من القولين استثناء . أما قوله يجوز النظر إلى ~~وجهها وكفها ، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام لأنه إما أن لا يكون فيه غرض ولا ~~فيه فتنة ، وإما أن يكون فيه فتنة ولا غرض فيه ، وإما أن يكون فيه فتنة ~~وغرض أما القسم الأول : فاعلم أنه لا يجوز أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية ~~لغير غرض وإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره ، لقوله تعالى : { قل للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم } وقيل يجوز مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة ، وبه قال أبو ~~حنيفة رحمه الله ولا يجوز أن يكرر النظر إليها لقوله تعالى : { إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولائك كان عنه مسؤولا } ( الإسراء : 36 ) ولقوله عليه ~~السلام : ( يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة ) ~~وعن جابر قال : ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني ~~أن أصرف بصري ) ولأن الغالب أن الاحتراز عن الأولى لا يمكن فوقع عفوا قصد ~~أو لم يقصد PageV23P176 أما القسم الثاني : وهو أن يكون فيه غرض ولا فتنة ~~فيه فذاك أمور : أحدها : بأن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفيها ، روى ~~أبو هريرة رضي الله عنه : ( أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار ، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم ms6720 انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا ) ~~وقال عليه الصلاة والسلام : ( إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر ~~إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة ) وقال المغبرة بن شعبة ( خطبت امرأة ~~فقال عليه السلام نظرت إليها ، فقلت لا ، قال فانظر فإنها أحرى أن يدوم ~~بينكما ) فكل ذلك يدل على جواز النظر إلى وجهها وكفيها للشهوة إذا أراد أن ~~يتزوجها ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : { لا يحل لك النساء من بعد ولا أن ~~تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن } ( الأحزاب : 52 ) ولا يعجبه حسنهن إلا ~~بعد رؤية وجوههن وثانيها : إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس ~~بعورة منها وثالثها : أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملا حتى يعرفها ~~عند الحاجة إليه ورابعها : ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى غير ~~الوجه لأن المعرفة تحصل به أما القسم الثالث : وهو أن ينظر إليها للشهوة ~~فذاك محظور ، قال عليه الصلاة والسلام : ( العينان تزنيان ) وعن جابر قال : ~~( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري ) ~~وقيل : مكتوب في التوراة النظرة تزرع في القلب الشهوة ، ورب شهوة أورثت ~~حزنا طويلا . أما الكلام الثاني : وهو أنه لا يجوز للأجنبي النظر إلى بدن ~~الأجنبية فقد استثنوا منه صورا إحداها : يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إليها ~~للمعالجة ، كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون ، لأنه موضع ضرورة . ~~وثانيتها : يجوز أن يتعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنا ~~، وكذلك ينظر إلى / فرجها لتحمل شهادة الولادة ، وإلى ثدي المرضعة لتحمل ~~الشهادة على الرضاع ، وقال أبو سعيد الإصطخري لا يجوز للرجل أن يقصد النظر ~~في هذه المواضع ، لأن الزنا مندوب إلى ستره ، وفي الولادة والرضاع تقبل ~~شهادة النساء فلا حاجة إلى نظر الرجال للشهادة وثالثتها : لو وقعت في غرق ~~أو حرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها ، أما إذا كانت الأجنبية أمة فقال ~~بعضهم عورتها ما بين السرة والركبة ، وقال آخرون عورتها ما لا يبين ms6721 للمهنة ~~فخرج منه أن رأسها ساعديها وساقيها ونحرها وصدرها ليس بعورة ، وفي ظهرها ~~وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف المذكور ، ولا يجوز لمسها ولا لها لمسه بحال ~~لا لحجامة ولا اكتحال ولا غيره ، لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال ~~باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطره ، وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز أن ~~يمس من الأمة ما يحل النظر إليه أما إن كانت المرأة ذات محرم له بنسب أو ~~رضاع أو صهرية فعورتها معه ما بين السرة والركبة كعورة الرجل ، وقال آخرون ~~بل عورتها ما لا يبدو عند المهنة ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله فأما سائر ~~التفاصيل فستأتي إن شاء الله تعالى في تفسير الآية ، أما إذا كانت المرأة ~~مستمتعة كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها ، فيجوز له أن ينظر إلى ~~جميع بدنها حتى إلى فرجها غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج وكذا إلى فرج ~~نفسه ، لأنه يروي أنه PageV23P177 يورث الطمس ، وقيل لا يجوز النظر إلى ~~فرجها ولا فرق بين أن تكون الأمة قنة أو مدبرة أو أم ولد أو مرهونة . فإن ~~كانت مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو متزوجة أو ~~مكاتبة فهي كالأجنبية ، روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما ~~دون السرة وفوق الركبة ) وأما عورة الرجل مع المرأة ( ففيه ) نظر إن كان ~~أجنبيا منها فعورته معها ما بين السرة والركبة ، وقيل جميع بدنه إلا الوجه ~~والكفين كهي معه ، والأول أصح بخلاف المرأة في حق الرجل ، لأن بدن المرأة ~~في ذاته عورة بدليل أنه لا تصح صلاتها مكشوفة البدن وبدن الرجل بخلافه ، ~~ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر إلى وجهه لما روي ~~عن أم سلمة : ( أنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة إذ أقبل ~~ابن أم مكتوم فدخل عليها فقال عليه الصلاة والسلام : احتجبا ms6722 منه ، فقلت يا ~~رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام أفعمياوان ~~أنتما ألستما تبصرانه ) وإن كان محرما لها فعورته معها ما بين السرة ~~والركبة وإن كان زوجها أو سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع ~~بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها ، ولا يجوز للرجل أن يجلس ~~عاريا في بيت خال وله ما يستر عورته ، لأنه روي أنه عليه الصلاة والسلام ~~سئل عنه فقال : ( الله أحق أن يستحيي منه ) . وروي أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال : ( إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط ، وحين يفضي ~~الرجل إلى أهله ) والله أعلم . # المسألة الثالثة : سئل الشبلي عن قوله : { يغضوا من أبصارهم } فقال أبصار ~~الرؤوس عن المحرمات / وأبصار القلوب عما سوى الله تعالى . # / وأما قوله تعالى : { ويحفظوا فروجهم } فالمراد به عما لا يحل ، وعن أبي ~~العالية أنه قال : كل ما في القرآن من قوله : { ويحفظوا فروجهم } ، ويحفظن ~~فروجهن ، من الزنا إلا التي في النور : { من أبصارهن ويحفظن فروجهن } أن لا ~~ينظر إليها أحد ، وهذا ضعيف لأنه تخصيص من غير دلالة ، والذي يقتضيه الظاهر ~~أن يكون المعنى حفظها عن سائر ما حرم الله عليه من الزنا والمس والنظر ، ~~وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فالمس والوطء أيضا مرادان بالآية ، إذ ~~هما أغلظ من النظر ، فلو نص الله تعالى على النظر لكان في مفهوم الخطاب ما ~~يوجب حظر الوطء والمس ، كما أن قوله تعالى : { فلا تقل لهما أف } ( الإسراء ~~: 23 ) اقتضى حظر ما فوق ذلك من السب والضرب . # أما قوله تعالى : { ذالك أزكى لهم } ( النور : 30 ) أي تمسكهم بذلك أزكى ~~لهم وأطهر ، لأنه من باب ما يزكون به ويستحقون الثناء والمدح ، ويمكن أن ~~يقال إنه تعالى خص في الخطاب المؤمنين لما أراده من تزكيتهم بذلك ، ولا ~~يليق ذلك بالكافر . # أما قوله تعالى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن } ~~فالقول فيه على ما تقدم ، فإن قيل فلم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج ms6723 ، ~~قلنا لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور والبلوى فيه أشد وأكثر ، ولا يكاد ~~يقدر على الاحتراس منه . # أما قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } فمن الأحكام التي ~~تختص بها النساء في الأغلب ، وإنما قلنا في الأغلب لأنه محرم على الرجل أن ~~يبدي زينته حليا ولباسا إلى غير ذلك للنساء الأجنبيات ، لما فيه من الفتنة ~~وههنا مسائل : PageV23P178 # المسألة الأولى : اختلفوا في المراد بزينتهن ، واعلم أن الزينة اسم يقع ~~على محاسن الخلق التي خلقها الله تعالى وعلى سائر ما يتزين به الإنسان من ~~فضل لباس أو حلى وغير ذلك ، وأنكر بعضهم وقوع اسم الزينة عل الخلقة ، لأنه ~~لا يكاد يقال في الخلقة إنها من زينتها . وإنما يقال ذلك فيما تكتسبه من ~~كحل وخضاب وغيره ، والأقرب أن الخلقة داخلة في الزينة ، ويدل عليها وجهان : ~~الأول : أن الكثير من النساء ينفردن بخلقتهن عن سائر ما يعد زينة ، فإذا ~~حملناه على الخلقة وفينا العموم حقه ، ولا يمنع دخول ما عدا الخلقة فيه ~~أيضا الثاني : أن قوله : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } يدل على أن المراد ~~بالزينة ما يعم الخلقة وغيرها فكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقتهن بأن ~~أوجب سترها بالخمار ، وأما الذين قالوا الزينة عبارة عما سوى الخلقة فقد ~~حصروه في أمور ثلاثة : أحدها : الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها ~~والغمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها وثانيها : الحلى كالخاتم ~~والسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط . وثالثها : ~~الثياب قال الله تعالى : { خذوا زينتكم عند كل مسجد } ( الأعراف : 31 ) ~~وأراد الثياب . # المسألة الثانية : اختلفوا في المراد من قوله : { إلا ما ظهر منها } أما ~~الذين حملوا الزينة على الخلقة ، فقال القفال معنى الآية إلا ما يظهره ~~الإنسان في العادة الجارية ، وذلك في النساء الوجه والكفان ، وفي الرجل ~~الأطراف من الوجه واليدين والرجلين ، فأمروا بستر ما لا تؤدي / الضرورة إلى ~~كشفه ورخص لهم في كشف ما اعتيد كشفه وأدت الضرورة إلى إظهاره إذ كانت شرائع ~~الإسلام حنيفية سهلة سمحة ، ولما كان ظهور الوجه والكفين ms6724 كالضروري لا جرم ~~اتفقوا على أنهما ليسا بعورة ، أما القدم فليس ظهوره بضروري فلا جرم ~~اختلفوا في أنه هل هو من العورة أم لا ؟ فيه وجهان : الأصح أنه عورة كظهر ~~القدم ، وفي صوتها وجهان أصحهما أنه ليس بعورة ، لأن نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم كن يروين الأخبار للرجال ، وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا ~~الخلقة فقالوا إنه سبحانه إنما ذكر الزينة لأنه لا خلاف أنه يحل النظر ~~إليها حالما لم تكن متصلة بأعضاء المرأة ، فلما حرم الله سبحانه النظر ~~إليها حال اتصالها ببدن المرأة كان ذلك مبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء ~~المرأة ، وعلى هذا القول يحل النظر إلى زينة وجهها من الوشمة والغمرة وزينة ~~بدنها من الخضاب والخواتيم وكذا الثياب ، والسبب في تجويز النظر إليها أن ~~تسترها فيه حرج لأن المرأة لا بد لها من مناولة الأشياء بيديها والحاجة إلى ~~كشف وجهها في الشهادة والمحاكمة والنكاح . # المسألة الثالثة : اتفقوا على تخصيص قوله : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها } بالحرائر دون الإماء ، والمعنى فيه ظاهر ، وهو أن الأمة مال فلا ~~بد من الاحتياط في بيعها وشرائها ، وذلك لا يمكن إلا بالنظر إليها على ~~الاستقصاء بخلاف الحرة . # أما قوله تعالى : { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } فالخمر واحدها خمار ، ~~وهي المقانع . قال المفسرون : إن نساء الجاهلية كن يشددن خمرهن من خلفهن ، ~~وإن جيوبهن كانت من قدام فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن ، فأمرن أن يضربن ~~مقانعهن على الجيوب ليتغطى بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط به من شعر وزينة ~~من الحلى في الأذن والنحر وموضع العقدة منها ، وفي لفظ الضرب مبالغة في ~~الإلقاء ، والباء للإلصاق ، وعن عائشة رضي الله عنها ( ما رأيت خيرا من ~~نساء الأنصار ، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة PageV23P179 منهن إلى ~~مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرت فأصبحن على رؤوسهن الغربان ) وقرىء { جيوبهن ~~} بكسر الجيم لأجل الياء وكذلك { بيوتا غير بيوتكم } . # فأما قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن } فاعلم أنه سبحانه لما تكلم في ~~مطلق الزينة تكلم بعد ذلك في الزينة ms6725 الخفية التي نهاهن عن إبدائها للأجانب ~~، وبين أن هذه الزينة الخفية يجب إخفاؤها عن الكل ، ثم استثنى اثنتي عشرة ~~صورة أحدها : أزواجهن وثانيها : آباؤهن وإن علون من جهة الذكران والإناث ~~كآباء الآباء وآباء الأمهات وثالثها : آباء أزواجهن ورابعها وخامسها : ~~أبناؤهن وأبناء بعولتهن ، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سفلوا من الذكران ~~والإناث كبني البنين وبني البنات وسادسها : إخوانهن سواء كانوا من الأب أو ~~من الأم أو منهما وسابعها : بنو إخوانهن وثامنها : بنو أخواتهن وهؤلاء كلهم ~~محارم ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : أفيحل لذوي المحرم في المملوكة والكافرة ما لا يحل له في ~~المؤمنة ؟ / الجواب : إذا ملك المرأة وهي من محارمه فله أن ينظر منها إلى ~~بطنها وظهرها لا على وجه الشهوة ، بل لأمر يرجع إلى مزية الملك على اختلاف ~~بين الناس في ذلك . # السؤال الثاني : كيف القول في العم والخال ؟ الجواب : القول الظاهر أنهما ~~كسائر المحارم في جواز النظر وهو قول الحسن البصري ، قال لأن الآية لم يذكر ~~فيها الرضاع وهو كالنسب وقال في سورة الأحزاب { لا جناح عليهن فىءابائهن } ~~( الأحزاب : 55 ) الآية . ولم يذكر فيها البعولة ولا أبناءهم وقد ذكروا ~~ههنا ، وقد يذكر البعض لينبه على الجملة . قال الشعبي : إنما لم يذكرهما ~~الله لئلا يصفهما العم عند ابنه الخال كذلك ، ومعناه أن سائر القرابات ~~تشارك الأب والابن في المحرمية إلا العم والخال وأبناءهما ، فإذا رآها الأب ~~فربما وصفها لابنه وليس بمحرم فيقرب تصوره لها بالوصف من نظره إليها ، وهذا ~~أيضا من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهم في التستر . # السؤال الثالث : ما السبب في إباحة نظر هؤلاء إلى زينة المرأة ؟ الجواب : ~~لأنهم مخصوصون بالحاجة إلى مداخلتهن ومخالطتهن ولقلة توقع الفتنة بجهاتهن ، ~~ولما في الطباع من النفرة عن مجالسة الغرائب ، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم فى ~~الأسفار وللنزول والركوب وتاسعها : قوله تعالى : { أو نسائهن } وفيه قولان ~~: أحدهما : المراد والنساء اللاتي هن على دينهن ، وهذا قول أكثر السلف . ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ~~ولا تبدي ms6726 للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها لقوله تعالى : { ~~أو ما ملكت أيمانهن } وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من ~~دخول الحمام مع المؤمنات وثانيهما : المراد بنسائهن جميع النساء ، وهذا هو ~~المذهب وقول السلف محمول على الاستحباب والأولى وعاشرها : قوله تعالى : { ~~أو ما ملكت أيمانهن } وظاهر الكلام يشمل العبيد والإماء ، واختلفوا فمنهم ~~من أجرى الآية على ظاهرها ، وزعم أنه لا بأس عليهن في أن يظهرن لعبيدهن من ~~زينتهن ما يظهرن لذوي محارمهن ، وهو مروي عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما ~~، واحتجوا بهذه الآية وهو ظاهر . وبما روى أنس : ( أنه عليه الصلاة والسلام ~~أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، ~~وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما بها ، قال : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك ) وعن مجاهد : كان ~~أمهات المؤمنن لا يحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه درهم . وعن PageV23P180 ~~عائشة رضي الله عنها : أنها قالت لذكوان : ( إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت ~~فأنت حر . وروي أن عائشة رضي الله عنها : كانت تمتشط والعبد ينظر إليها ، ~~وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم : ~~إن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، واحتجوا ~~عليه بأمور : أحدها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم ) والعبد ليس ~~بذي محرم منها فلا يجوز أن يسافر بها ، وإذا لم يجز له السفر بها لم / يجز ~~له النظر إلى شعرها كالحر الأجنبي وثانيها : أن ملكها للعبد لا يحلل ما ~~يحرم عليه قبل الملك إذ ملك النساء للرجال ليس كملك الرجال للنساء ، فإنهم ~~لم يختلفوا في أنها لا تستبيح بملك العبد منه شيئا من التمتع كما يملكه ~~الرجل من الأمة وثالثها : أن العبد وإن لم يجز له أن ms6727 يتزوج بمولاته إلا أن ~~ذلك التحريم عارض كمن عنده أربع نسوة فإنه لا يجوز له التزوج بغيرهن فلما ~~لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب . إذا ثبت هذا ظهر ~~أن المراد من قوله : { أو ما ملكت أيمانهن } الإماء فإن قيل الإماء دخلن في ~~قوله : { نسائهن } فأي فائدة في الإعادة ؟ قلنا الظاهر أنه عنى بنسائهن وما ~~ملكت أيمانهن من في صحبتهن من الحرائر والإماء ، وبيانه أنه سبحانه ذكر ~~أولا أحوال الرجال بقوله : { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } إلى آخر ما ~~ذكر فجاز أن يظن ظان أن الرجال مخصوصون بذلك إذ كانوا ذوي المحارم أو غير ~~ذات المحارم ، ثم عطف على ذلك الإماء بقوله : { أو ما ملكت أيمانهن } لئلا ~~يظن أن الإباحة مقصورة على الحرائر من النساء إذ كان ظاهر قوله : { أو ~~نسائهن } يقتضي الحرائر دون الإماء كقوله : { شهيدين من رجالكم } ( البقرة ~~: 282 ) على الأحرار لإضافتهم إلينا كذلك قوله : { أو نسائهن * على * أبناء ~~بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت ~~أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قيل هم الذين يتبعونكم لينالوا من فضل طعامكم ، ولا ~~حاجة بهم إلى النساء ، لأنهم بله لا يعرفون من أمرهن شيئا ، أو شيوخ صلحاء ~~إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم ، ومعلوم أن الخصى والعنين ومن شاكلهما قد لا ~~يكون له إربة في نفس الجماع ويكون له إربة قوية فيما عداه من التمتع ، وذلك ~~يمنع من أن يكون هو المراد . فيجب أن يحمل المراد على من المعلوم منه إنه ~~لا إربة له في سائر وجوه التمتع ، إما لفقد الشهوة ، وإما لفقد المعرفة ، ~~وإما للفقر والمسكنة ، فعلى هذه الوجوه الثلاثة اختلف العلماء . فقال بعضهم ~~هم الفقراء الذين بهم الفاقة ، وقال بعضهم : المعتوه والأبله والصبي ، وقال ~~بعضهم : الشيخ ، وسائر من لا شهوة له ، ولا يمتنع دخول الكل في ذلك ، وروى ~~هشام بن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة ( أن النبي صلى الله ms6728 عليه ~~وسلم دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة فقال يا عبد الله إن فتح ~~الله لكم غدا الطائف دللتك على بنت غيلان ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان ) ~~فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا يدخلن عليكم هذا ) فأباح النبي عليه ~~الصلاة والسلام دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولى الإربة ، فلما ~~علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولى الإربة فحجبه ، وفي ~~الخصى والمجبوب ثلاثة أوجه : أحدها : استباحة الزينة الباطنة معهما والثاني ~~: تحريمها عليهما والثالثة : تحريمها على الخصى دون المجبوب . PageV23P181 # المسألة الثانية : الإربة الفعلة من الأرب كالمشية والجلسة من المشي ~~والجلوس والأرب / الحاجة والولوع بالشيء والشهوة له ، والإربة الحاجة في ~~النساء ، والإربة العقل ومنه الأريب . # المسألة الثالثة : في { غير } قراءتان قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ~~وأبو جعفر غير بالنصب على الاستثناء أو الحال يعني أو التابعين عاجزين عنهن ~~والقراءة الثانية بالخفض على الوصفية وثاني عشرها : قوله تعالى : { أو ~~الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الطفل اسم للواحد لكنه وضع ههنا موضع الجمع لأنه يفيد ~~الجنس ، ويبين ما بعده أنه يراد به الجمع ونظيره قوله تعالى : { ثم نخرجكم ~~طفلا } ( الحج : 5 ) . # المسألة الثانية : الظهور على الشيء على وجهين : الأول : العلم به كقوله ~~تعالى : { إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم } ( الكهف : 20 ) أي إن يشعروا بكم ~~والثاني : الغلبة له والصولة عليه كقوله : { فأصبحوا ظاهرين } ( الصف : 14 ~~) فعلى الوجه الأول يكون المعنى أو الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء ~~ولم يدروا ما هي من الصغر وهو قول ابن قتيبة ، وعلى الثاني الذين لم يبلغوا ~~أن يطيقوا إتيان النساء ، وهو قول الفراء والزجاج . # المسألة الثالثة : أن الصغير الذي لم يتنبه لصغره على عورات النساء فلا ~~عورة للنساء معه ، وإن تنبه لصغره ولمراهقته لزم أن تستر عنه المرأة ما بين ~~سرتها وركبتها ، وفي لزوم ستر ما سواه وجهان : أحدهما : لا يلزم لأن القلم ~~غير جار عليه والثاني : يلزم كالرجل لأنه يشتهي والمرأة قد تشتهيه ms6729 وهو معنى ~~قوله : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } واسم الطفل شامل له ~~إلى أن يحتلم ، وأما الشيخ إن بقيت له شهوة فهو كالشاب ، وإن لم يبق له ~~شهوة ففيه وجهان : أحدهما : أن الزينة الباطنة معه مباحة والعورة معه ما ~~بين السرة والركبة والثاني : أن جميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة ، ~~وههنا آخر الصور التي استثناها الله تعالى ، قال الحسن هؤلاء وإن اشتركوا ~~في جواز رؤية الزينة الباطنة فهم على أقسام ثلاثة ، فأولهم الزوج وله حرمة ~~ليست لغيره يحل له كل شيء منها / والحرمة الثانية للابن والأب والأخ والجد ~~وأبي الزوج وكل ذي محرم والرضاع كالنسب يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر ~~والساقين والذراع وأشباه ذلك ، والحرمة الثالثة هي للتابعين غير أولي ~~الإربة من الرجال وكذا مملوك المرأة فلا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي ~~هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة ، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعرا ~~ولا بشرا والستر في هذا كله أفضل ، ولا يحل للشابة أن تقوم بين يدي الغريب ~~حتى تلبس الجلباب ، فهذا ضبط هؤلاء المراتب . # أما قوله تعالى : { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } فقال ~~ابن عباس وقتادة كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجلها ليسمع قعقعة خلخالها ~~، ومعلوم أن الرجل الذي يغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال يصير ~~ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن ، وقد علل تعالى ذلك بأن قال : { ليعلم ما ~~يخفين من زينتهن } فنبه به على أن الذي لأجله نهى عنه أن يعلم زينتهن من ~~الحلى وغيره وفي الآية فوائد : الفائدة الأولى : لما نهى عن استماع الصوت ~~الدال على وجود الزينة فلأن يدل على المنع من إظهار الزينة أولى الثانية : ~~أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب إذ كان صوتها ~~أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها ، ولذلك كرهوا أذان النساء لأنه يحتاج فيه ~~إلى رفع الصوت والمرأة منهية عن ذلك الثالثة : PageV23P182 تدل الآية على ~~حظر النظر إلى وجهها بشهوة ms6730 إذا كان ذلك أقرب إلى الفتنة . # أما قوله سبحانه وتعالى : { وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم ~~تفلحون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في التوبة وجهان : أحدهما : أن تكاليف الله تعالى في كل ~~باب لا يقدر العبد الضعيف على مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد ، ولا ينفك من ~~تقصير يقع منه ، فلذلك وصى المؤمنين جميعا بالتوبة والاستغفار وتأميل ~~الفلاح إذا تابوا واستغفروا والثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما توبوا ~~مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة ، فإن قيل قد ~~صحت التوبة بالإسلام والإسلام يجب ما قبله فما معنى هذه التوبة ؟ قلنا قال ~~بعض العلماء إن من أذنب ذنبا ثم تاب عنه لزمه كلما ذكره أن يجدد عنه التوبة ~~، لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه إلى أن يلقى ربه . # المسألة الثانية : قرىء { أيه المؤمنون } بضم الهاء ، ووجهه أنها كانت ~~مفتوحة لوقوعها قبل الألف ، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكينن أتبعت حركتها ~~حركة ما قبلها والله أعلم . # المسألة الثالثة : تفسير لعل قد تقدم في سورة البقرة في قوله : { اعبدوا ~~ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } والله أعلم . # الحكم الثامن # ما يتعلق بالنكاح # ! 7 < { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا ~~فقرآء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 32 ) وأنكحوا الأيامى منكم . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بغض الأبصار وحفظ الفروج بين من بعد أن ~~الذي أمر به إنما هو فيما لا يحل ، فبين تعالى بعد ذلك طريق الحل فقال : { ~~وأنكحوا الايامى منكم } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف الأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم ~~فقلبا ، وقال النضر بن شميل الأيم في كلام العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل ~~أنثى لا ذكر معها ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الضحاك ، ~~تقول : زوجوا أيامكم بعضكم من بعض ، وقال الشاعر : # % فإن تنكحي انكح وإن تتأيمي % % وإن كنت أفتى منكمنوا أتأيم % # / المسألة الثانية : قوله تعالى : { وأنكحوا الايامى } ( النور : 32 ) ~~أمر وظاهر الأمر ms6731 للوجوب على ما بيناه مرارا ، فيدل على أن الولي يجب عليه ~~تزويج مولاته وإذا ثبت هذا وجب أن لا يجوز النكاح إلا بولي ، إما لأن كل من ~~أوجب ذلك على الولي حكم بأنه لا يصح من المولية ، وإما لأن المولية لو فعلت ~~ذلك لفوتت على الولي التمكن من أداء هذا الواجب وأنه غير جائز ، وإما ~~لتطابق هذه الآية مع الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا جاءكم من ~~ترضون دينه وخلقه فزوجوه ، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) قال ~~أبو بكر الرازي هذه الآية وإن اقتضت بظاهرها الإيجاب إلا أنه أجمع السلف ~~على أنه لم يرد به الأيجاب ، ويدل عليه أمور : PageV23P183 أحدها : أنه لو ~~كان ذلك واجبا لورد النقل بفعله من النبي صلى الله عليه وسلم ومن السلف ~~مستفيضا شائعا لعموم الحاجة إليه ، فلما وجدنا عصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وسائر الأعضاء بعده قد كان في الناس أيامى من الرجال والنساء ، فلم ~~ينكروا عدم تزويجهن ثبت أنه ما أريد به الإيجاب وثانيها : أجمعنا على أن ~~الأيم الثيب لو أبت التزوج لم يكن للولي إجبارها عليه وثالثها : اتفاق الكل ~~على أنه لا يجبر على تزويج عبده وأمته وهو معطوف على الأيامى ، فدل على أنه ~~غير واجب في الجميع بل ندب في الجميع ورابعها : أن اسم الأيامى ينتظم فيه ~~الرجال والنساء وهو في الرجال ما أريد به الأولياء دون غيرهم كذلك في ~~النساء والجواب : أن جميع ما ذكرته تخصيصات تطرقت إلى الآية والعام بعد ~~التخصيص يبقى حجة ، فوجب أن يبقى حجة فيما إذا التمست المرأة الأيم من ~~الولي التزويج وجب ، وحينئذ ينتظم وجه الكلام . # المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله ، الآية تقتضي جواز تزويج البكر ~~البالغة بدون رضاها ، لأن الآية والحديث يدلان على أمر الولي يتزويجها ، ~~ولولا قيام الدلالة على أنه لا يزوج الثيب الكبيرة بغير رضاها لكان جائزا ~~له تزويجها أيضا بغير رضاها ، لعموم الآية ، قال أبو بكر الرازي قوله تعالى ~~: { وأنكحوا الايامى } لا يختص بالنساء دون الرجال ms6732 على ما بينا فلما كان ~~الاسم شاملا للرجال والنساء وقد أضمر في الرجال تزويجهم بإذنهم فوجب ~~استعمال ذلك الضمير في النساء ، وأيضا فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~باستئمار البكر بقوله : ( البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها ) وذلك أمر ~~وإن كان في صورة الخبر ، فثبت أنه لا يجوز تزويجها إلا بإذنها والجواب : ~~أما الأول فهو تخصيص للنص وهو لا يقدح في كونه حجة والفرق أن الأيم من ~~الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب على الولي تعهده أمره بخلاف المرأة ، فإن ~~احتياجها إلى من يصلح أمرها في التزويج أظهر / وأيضا فلفظ الأيامى وإن ~~تناول الرجال والنساء ، فإذا أطلق لم يتناول إلا النساء ، وإنما يتناول ~~الرجال إذا قيد وأما الثاني : ففي تخصيص الآية بخبر الواحد كلام مشهور . # المسألة الرابعة : قال أبو حنيفة رحمه الله العم والأخ يليان تزويج البنت ~~الصغيرة ، ووجه الاستدلال بالآية كما تقدم . # / المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله ، الناس في النكاح قسمان منهم ~~من تتوق نفسه في النكاح فيستحب له أن ينكح إن وجد أهبة النكاح سواء كان ~~مقبلا على العبادة أو لم يكن كذلك ، ولكن لا يجب أن ينكح ، وإن لم يجد أهبة ~~النكاح يكسر شهوته لما روى عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ~~، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإن الصوم له ~~وجاء ، أما الذي لا تتوق نفسه إلى النكاح فإن كان ذلك لعلة به من كبر أو ~~مرض أو عجز يكره له أن ينكح ، لأنه يلتزم ما لا يمكنه القيام بحقه ، وكذلك ~~إذا كان لا يقدر على النفقة وإن لم يكن به عجز وكان قادرا على القيام بحقه ~~لم يكره له النكاح ، لكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله تعالى ، وقال أبو ~~حنيفة رحمه الله : النكاح أفضل من التخلي للعبادة ، وحجة الشافعي رحمه الله ~~وجوه : أحدها : قوله تعالى : { وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين } ( آل ~~عمران : 39 ms6733 ) مدح يحيى عليه السلام بكونه حصورا والحصور الذي لا يأتي ~~النساء مع القدرة عليهن ، ولا يقال هو الذي لا يأتي النساء مع العجز عنهن ، ~~لأن مدح الإنسان بما يكون عيبا غير جائز ، وإذا ثبت أنه مدح في حق يحيى وجب ~~أن يكون مشروعا PageV23P184 في حقنا لقوله تعالى : { أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده } ولا يجوز حمل الهدى على الأصول لأن التقليد فيها غير جائز ~~فوجب حمله على الفروع وثانيها : قوله عليه الصلاة والسلام : ( استقيموا ولن ~~تحصوا واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة ) ويتمسك أيضا بما روي عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال : ( أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن ) وثالثها : أن ~~النكاح مباح لقوله عليه الصلاة والسلام : ( أحب المباحات إلى الله تعالى ~~النكاح ) ويحمل الأحب على الأصلح في الدنيا لئلا يقع التناقض بين كونه أحب ~~وبين كونه مباحا ، والمباح ما استوى طرفاه في الثواب والعقاب ، والمندوب ما ~~ترجح وجوده على عدمه فتكون العبادة أفضل ورابعها : أن النكاح ليس بعبادة ~~بدليل أنه يصح من الكافر والعبادة لا تصح منه ، فوجب أن تكون العبادة أفضل ~~منه لقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) ~~والاشتغال بالمقصود أولى وخامسها : أن الله تعالى سوى بين التسري والنكاح ~~ثم التسري مرجوح بالنسبة إلى العبادة ومساوى المرجوح مرجوح ، فالنكاح مرجوح ~~، وإنما قلنا إنه سوى بين التسري والنكاح لقوله تعالى : { فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم } ( النساء : 3 ) وذكر كلمة أو للتخيير ~~بين الشيئين ، والتخيير بين الشيئين أمارة التساوي ، كقول الطبيب للمريض كل ~~الرمان أو التفاح ، وإذا ثبت الاستواء فالتسري مرجوح ، ومساوى المرجوح ~~مرجوح ، فالنكاح يجب أن يكون مرجوحا وسادسها : أن النافلة أشق فتكون أكثر ~~ثوابا بيان أنها أشق أن ميل الطباع إلى النكاح أكثر ، ولولا ترغيب الشرع ~~لما رغب أحد في النوافل ، وإذا ثبت أنها أشق وجب أن تكون أكثر ثوابا لقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( أفضل العبادات أحمزها ) وقوله صلى الله عليه وسلم ~~لعائشة : ( أجرك على قدر نصبك ) وسابعها : لو كان النكاح مساويا للنوافل ms6734 في ~~الثواب مع / أن النوافل أشق منه لما كانت النوافل مشروعة . لأنه إذا حصل ~~طريقان إلى تحصيل المقصود وكانا في الإفضاء إلى المقصود سيين وكان أحدهما ~~شاقا والآخر سهلا ، فإن العقلاء يستقبحون تحصيل ذلك المقصود بالطريق الشاق ~~مع المكنة من الطريق السهل ، ولما كانت النوافل مشروعة علمنا أنها أفضل ~~وثامنها : لو كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لكان الاشتغال بالحراثة ~~والزراعة أولى من النافلة بالقياس على النكاح والجامع كون كل واحد منهما ~~سببا لبقاء هذا العالم ومحصلا لنظامه وتاسعها : أجمعنا على أنه يقدم واجب ~~العبادة على واجب النكاح ، فيقدم مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب وعاشرها ~~: أن النكاح اشتغال بتحصيل اللذات الحسية الداعية إلى الدنيا ، والنافلة ~~قطع العلائق الجسمانية وإقبال على الله تعالى فأين أحدهما من الآخر ؟ ولذلك ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت ~~قرة عيني في الصلاة ) فرجح الصلاة على النكاح ، حجة أبي حنيفة رحمه الله من ~~وجوه : الأول : أن النكاح يتضمن صون النفس عن الزنا فيكون ذلك دفعا للضرر ~~عن النفس ، والنافلة جلب النفع ودفع الضرر أولى من جلب النفع الثاني : أن ~~النكاح يتضمن العدل والعدل أفضل من العبادة لقوله عليه الصلاة والسلام : ( ~~لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة ) الثالث : النكاح سنة مؤكدة لقوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( من رغب عن سنتي فليس مني ) وقال في الصلاة وإنها خير ~~موضوع : ( فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل ) فوجب أن يكون النكاح أفضل . # المسألة السادسة : قوله تعالى : { وأنكحوا الايامى } ( النور : 32 ) وإن ~~كانت تتناول جميع الأيامى بحسب الظاهر PageV23P185 لكنهم أجمعوا على أنه لا ~~بد فيها من شروط ، وقد تقدم شرحها في قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ( ~~النساء : 24 ) . # أما قوله تعالى : { منكم } فقد حمله كثير من المفسرين على أن المراد هم ~~الأحرار لينفصل الحر من العبد ، وقال بعضهم بل المراد بذلك من يكون تحت ~~ولاية المأمور من الولد أو القريب ، ومنهم من قال الإضافة تفيد الحرية ~~والإسلام . # أما قوله تعالى : { والصالحين من عبادكم وإمائكم ms6735 } ( النور : 32 ) ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ظاهر أنه أيضا أمر للسادة بتزويج هذين الفريقين إذا ~~كانوا صالحين ، وأنه لا فرق بين هذا الأمر وبين الأمر بتزويج الأيامى في ~~باب الوجوب ، لكنهم اتفقوا على أنه إباحة أو ترغيب ، فأما أن يكون واجبا ~~فلا ، وفرقوا بينه وبين تزويج الأيامى بأن في تزويج العبد التزام مؤنة ~~وتعطيل خدمة ، وذلك ليس بواجب على السيد وفي تزويج الأمة استفادة مهر وسقوط ~~نفقة ، وليس ذلك بلازم على المولى . # المسألة الثانية : إنما خص الصالحين بالذكر لوجوه : الأول : ليحصن دينهم ~~ويحفظ عليهم صلاحهم الثاني : لأن الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم ~~يشفقون عليهم ( و ) ينزلونهم منزلة / الأولاد في المودة ، فكانوا مظنة ~~للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم وتقبل الوصية فيهم ، وأما المفسدون منهم ~~فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك الثالث : أن يكون المراد الصلاح لأمر ~~النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم لها ، وتقوم الأمة بما يلزم للزوج الرابع : ~~أن يكون المراد الصلاح في نفس النكاح بأن لا تكون صغيرة فلا تحتاج إلى ~~النكاح . # المسألة الثالثة : ظاهر الآية يدل على أن العبد لا يتزوج بنفسه ، وإنما ~~يجوز أن يتولى المولى تزويجه ، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز ~~أن يتولى تزويج نفسه ، فيكون توليه بإذنه بمنزلة أن يتولى ذلك نفس السيد ، ~~فأما الإماء فلا شبهة في أن المولى يتولى تزويجهن خصوصا على قول من لا يجوز ~~النكاح إلى بولي . # أما قوله تعالى : { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } ( النور : 32 ) ~~ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : الأصح أن هذا ليس وعدا من الله تعالى بإغناء من يتزوج . ~~بل المعنى لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم أو فقر من تريدون تزويجها ففي ~~فضل الله ما يغنيهم ، والمال غاد ورائح ، وليس في الفقر ما يمنع من الرغبة ~~في النكاح ، فهذا معنى صحيح وليس فيه أن الكلام قصد به وعد الغني حتى لا ~~يجوز أن يقع فيه خلف ، وروي عن قدماء الصحابة ما يدل على أنهم رأوا ذلك ~~وعدا ، عن أبي بكر ms6736 قال : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما ~~وعدكم من الغنى ، وعن عمر وابن عباس مثله قال ابن عباس : التمسوا الرزق ~~بالنكاح ، وشكى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاجة فقال : ( عليك ~~بالباءة ) وقال طلحة بن مطرف : تزوجوا فإنه أوسع لكم في رزقكم وأوسع لكم في ~~أخلاقكم ويزيد في مروءتكم ، فإن قيل : فنحن نرى من كان غنيا فيتزوج فيصير ~~فقيرا ؟ قلنا الجواب عنه من وجوه : أحدها : أن هذا الوعد مشروط بالمشيئة ~~كما في قوله تعالى : { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء * ~~الله إن الله عليم * حكيم } ( التوبة : 28 ) المطلق محمول على المقيد ، ~~وثانيها : أن اللفظ وإن كان عاما إلا أنه يكون خاصا في بعض المذكورين دون ~~البعض وهو في PageV23P186 الأيامى الأحرار الذين يملكون فيستغنون بما ~~يملكون وثالثها : أن يكون المراد الغنى بالعفاف فيكون المعنى وقوع الغنى ~~بملك البضع والاستغناء به عن الوقوع في الزنا . # المسألة الثانية : من الناس من استدل بهذه الآية على أن العبد والأمة ~~يملكان ، لأن ذلك راجع إلى كل من تقدم فتقتضي الآية بيان أن العبد قد يكون ~~فقيرا وقد يكون غنيا ، فإن دل ذلك على الملك ثبت أنهما يملكان ، ولكن ~~المفسرون تأولوه على الأحرار خاصة . فكأنهم قالوا هو راجع إلى الأيامى ، ~~أما إذا فسرنا الغنى بالعفاف فالاستدلال به على ذلك ساقط . # أما قوله : { والله واسع عليم } فالمعنى أنه سبحانه في الإفضال لا ينتهي ~~إلى حد تنقطع قدرته على الإفضال دونه ، لأنه قادر على المقدورات التي لا ~~نهاية لها ، وهو مع ذلك عليم بمقادير ما يصلحهم من الإفضال والرزق . # ! 7 < { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين ~~يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وءاتوهم من ~~مال الله الذىءاتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا ~~عرض الحيواة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } . > 7 ~~@QB@ < # | النور : ( 33 ) وليستعفف الذين لا . . . . . # > > # اعلم أنه سبحانه لما ذكر ms6737 تزويج الحرائر والإماء ، ذكر حال من يعجز عن ذلك ~~، فقال : { وليستعفف } أي وليجتهد في العفة ، كأن المستعفف طالب من نفسه ~~العفاف وحاملها عليه . # وأما قوله : { لا يجدون نكاحا } فالمعنى لا يتمكنون من الوصول إليه ، ~~يقال لا يجد المرء الشيء إذا لم يتمكن منه ، قال الله تعالى : { فمن لم يجد ~~فصيام شهرين } والمراد به بالإجماع من لم يتمكن ، ويقال في أحدنا هو غير ~~واجد للماء وإن كان موجودا ، إذا لم يمكنه أن يشتريه ، ويجوز أن يراد ~~بالنكاح ما ينكح به من المال ، فبين سبحانه وتعالى أن من لا يتمكن من ذلك ~~فليطلب التعفف ، ولينتظر أن يغنيه الله من فضله ، ثم يصل إلى بغيته من ~~النكاح ، فإن قيل أفليس ملك اليمين يقوم مقام نفس النكاح ؟ قلنا لكن من لم ~~يجد المهر والنفقة ، فبأن لا يجد ثمن الجارية أولى والله أعلم . # الحكم التاسع # في الكتابة # إعلم أنه تعالى لما بعث السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإماء مع ~~الرق ، رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك ، ليصيروا أحرارا فيتصرفوا في ~~أنفسهم كالأحرار ، فقال : { والذين يبتغون الكتاب } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { والذين يبتغون } مرفوع على الابتداء ، أو ~~منصوب بفعل مضمر يفسره PageV23P187 فكاتبوهم ، كقولك زيدا فاضربه ، ودخلت ~~الفاء لتضمن معنى الشرط . # المسألة الثانية : الكتاب والكتابة كالعتاب والعتابة ، وفي اشتقاق لفظ ~~الكتابة وجوه : أحدها : أن أصل الكلمة من الكتب وهو الضم والجمع ومنه ~~الكتيبة سميت بذلك لأنها تضم النجوم بعضها إلى بعض وتضم ماله إلى ماله ~~وثانيها : يحتمل أن يكون اللفظ مأخوذا من الكتاب ومعناه كتبت لك على نفسي ~~أن تعتق مني إذا وفيت بالمال ، وكتبت لي على نفسك أن تفي لي بذلك ، أو كتبت ~~لي كتابا عليك بالوفاء بالمال وكتبت على العتق ، وهذا ما ذكره الأزهري ~~وثالثها : إنما سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل بالمال المعقود عليه ، ~~لأنه لا يجوز أن يقع على مال هو في يد العبد حين يكاتب ، لأن ذلك مال لسيده ~~اكتسبه في حال ما كانت يد السيد غير / مقبوضة ms6738 عن كسبه ، فلا يجوز لهذا ~~المعنى أن يقع هذا العقد حالا ولكنه يقع مؤجلا ليكون متمكنا من الاكتساب ~~وغيره حين ما انقبضت يد السيد عنه ، ثم من آداب الشريعة أن يكتب على من ~~عليه المال المؤجل كتاب ، فسمى لهذا المعنى هذا العقد كتاب لما يقع فيه من ~~الأجل ، قال تعالى : { لكل أجل كتاب } ( الرعد : 38 ) . # المسألة الثالثة : قال محي السنة : الكتابة أن يقول لمملوكه كاتبتك على ~~كذا ويسمى مالا معلوما يؤديه في نجمين أو أكثر ، ويبين عدد النجوم وما يؤدي ~~في كل نجم ، ويقول إذا أديت ذلك المال فأنت حر ، أو نوي ذلك بقلبه ويقول ~~العبد قبلت ، وفي هذا الضبط أبحاث . # البحث الأول : قال الشافعي رحمه الله : إن لم يقل بلسانه أو لم ينو بقلبه ~~إذا أديت ذلك المال فأنت حر لم يعتق ، وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر رحمهم الله لا حلاجة إلى ذلك / حجة أبي حنيفة رحمه الله أن قوله ~~تعالى : { فكاتبوهم } خال عن هذا الشرط فوجب أن تصح الكتابة بدون هذا الشرط ~~، وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع ، حجة الشافعي رحمه الله : ~~أن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة ، لأن ما في يد العبد فهو ملك السيد ~~والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بملكه ، بل قوله كاتبتك كتابة في العتق فلا بد ~~من لفظ العتق أو نيته . # البحث الثاني : لا تجوز الكتابة الحالة عند الشافعي ، وتجوز عند أبي ~~حنيفة ، وجه قول الشافعي رحمه الله أن العبد لا يتصور له ملك يؤديه في ~~الحال ، وإذا عقد حالا توجهت المطالبة عليه في الحال ، فإذا عجز عن الأداء ~~لم يحصل مقصود العقد ، كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند المحل لا يصح بخلاف ~~ما لو أسلم إلى معسر فإنه يجوز ، لأنه حين العقد يتصور أن يكون له ملك في ~~الباطن ، فالعجز لا يتحقق عن أدائه ، وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن قوله ~~تعالى : { فكاتبوهم } مطلق يتناول الكتابة الحالة والمؤجلة ، وأيضا لما كان ~~مال الكتابة بدلا عن ms6739 الرقبة كان بمنزلة أثمان السلع المبيعة فيجوز عاجلا ~~وآجلا ، وأيضا أجمعوا على جواز العتق معلقا على مال حال فوجب أن تكون ~~الكتابة مثله ، لأنه بدل عن العتق في الحالين إلا أن في أحدهما العتق معلق ~~على شرط الأداء وفي الآخر معجل ، فوجب أن لا يختلف حكمهما . # البحث الثالث : قال الشافعي رحمه الله : لا تجوز الكتابة على أقل من ~~نجمين ، يروى ذلك عن علي وعثمان وابن عمر ، روى أن عثمان رضي الله عنه غضب ~~على عبده ، فقال : لأضيقن الأمر عليك ، ولأكاتبنك على نجمين ، ولو جاز على ~~أقل من ذلك لكاتبه على الأقل ، لأن التضييق فيه أشد ، وإنما شرطنا التنجيم ~~لأنه عقد PageV23P188 إرفاق ، ومن شرط الإرفاق التنجيم ليتيسر عليهم الأداء ~~. وقال أبو حنيفة رحمه الله : تجوز الكتابة على نجم واحد ، لأن ظاهر قوله : ~~{ فكاتبوهم } ليس فيه تقييد . # المسألة الرابعة : تجوز كتابة المملوك عبدا كان أو أمة ، ويشترط عند ~~الشافعي رحمه الله أن يكون عاقلا بالغا ، فإذا كان صبيا أو مجنونا لا تصح ~~كتابته ، لأن الله تعالى قال : { والذين يبتغون الكتاب } ولا يتصور ~~الابتغاء من الصبي والمجنون . وعند أبي حنيفة رحمه الله : تجوز كتابة الصبي ~~ويقبل عنه المولى . # المسألة الخامسة : يشرط أن يكون المولى مكلفا مطلقا ، فإن كان صبيا أو ~~مجنونا أو محجورا عليه بالسفه لا تصح كتابته كما لا يصح بيعه ، ولأن قوله : ~~{ فكاتبوهم } خطاب فلا يتناول غير العاقل ، وعند أبي حنيفة رحمه لله تصح ~~كتابة الصبي بإذن الولي . # المسألة السادسة : اختلف العلماء في أن قوله : { فكاتبوهم } أمر إيجاب أو ~~أمر استحباب ؟ فقال قائلون هو أمر إيجاب ، فيجب على الرجل أن يكاتب مملوكه ~~إذا سأله ذلك بقيمته أو أكثر إذا علم فيه خيرا ، ولو كان بدون قيمته لم ~~يلزمه ، وهذا قول عمرو بن دينار وعطاء ، وإليه ذهب داود بن علي ومحمد بن ~~جرير ، واحتجوا عليه بالآية والأثر . أما الآية فظاهر قوله تعالى : { ~~فكاتبوهم } لأنه أمر وهو للإيجاب ، ويدل عليه أيضا سبب نزول الآية ، فإنها ~~نزلت في غلام لحويطب ابن عبد العزى يقال ms6740 له صبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى ~~عليه ، فنزلت الآية فكاتبه على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا ، ~~وأما الأثر فما روي أن عمر أمر أنسا أن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى ~~، فرفع عليه الدرة وضربه وقال : { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } وحلف عليه ~~ليكاتبنه ، ولو لم يكن ذلك واجبا لكان ضربه بالدرة ظلما ، وما أنكر على عمر ~~أحد من الصحابة فجرى ذلك مجرى الإجماع ، وقال أكثر الفقهاء إنه أمر استحباب ~~وهو ظاهر قول ابن عباس والحسن والشعبي وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي ~~والثوري واحتجوا عليه بقوله عليه الصلاة والسلام ( لا يحل مال امرىء مسلم ~~إلا بطيب من نفسه ) وأنه لا فرق أن يطلب الكتابة أو يطلب بيعه ممن يعتقه في ~~الكفارة / فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة وهذه طريقة المعاوضات أجمع وههنا ~~سؤالان : # السؤال الأول : كيف يصح أن يبيع ماله بماله ؟ قلنا إذا ورد الشرع به فيجب ~~أن يجوز كما إذا علق عتقه على مال يكتسبه فيؤديه أو يؤدي عنه صار سببا ~~لعتقه . # السؤال الثاني : هل يستفيد العبد بعقد الكتابة ما لا يملكه ؟ لولا ~~الكتابة ؟ قلنا نعم لأنه لو دفع إليه الزكاة ، ولم يكاتب لم يحل له أن ~~يأخذها وإذا صار مكاتبا حل له وإذا دفع إلى مولاه حل له ، سواء أدى فعتق أو ~~عجز فعاد إلى الرق ، ويستفيد أيضا أن الكتابة تبعثه على الجد والاجتهاد في ~~الكسب ، فلولاها لم يكن ليفعل ذلك ، ويستفيد المولى الثواب لأنه إذا باعه ~~فلا ثواب ، وإذا كاتبه ففيه ثواب ، ويستفيد أيضا الولاء لأنه لو عتق من قبل ~~غيره لم يكن له ولاء وإذا عتق بالكتابة فالولاء له ، فورد الشرع بجواز ~~الكتابة لما ذكرناه من الفوائد . # أما قوله تعالى : { إن علمتم فيهم خيرا } فذكروا في الخير وجوها : أحدها ~~: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن علمتم لهم حرفة ، فلا تدعوهم ~~كلا على الناس ) وثانيها : قال عطاء الخير / المال وتلا { كتب عليكم إذا ~~حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا ms6741 } أي ترك مالا ، قال وبلغني ذلك عن ابن عباس ~~وثالثها : عن ابن سيرين PageV23P189 قال إذا صلى وقال النخعي وفاء وصدقا ~~وقال الحسن صلاحا في الدين ورابعها : قال الشافعي رحمه الله المراد بالخير ~~الأمانة والقوة على الكسب ، لأن مقصود الكتابة قلما يحصل إلا بهما فإنه ~~ينبغي أن يكون كسوبا يحصل المال ويكون أمينا يصرفه في نجومه ولا يضيعه فإذا ~~فقد الشرطان أو أحدهما لا يستحب أن يكاتبه ، والأقرب أنه لا يجوز حمله على ~~المال لوجهين : الأول : أن المفهوم من كلام الناس إذا قالوا فلان فيه خير ~~إنما يريدون به الصلاح في الدين ولو أراد المال لقال إن علمتم لهم خيرا ، ~~لأنه إنما يقال لفلان مال ولا يقال فيه مال الثاني : أن العبد لا مال له بل ~~المال لسيده ، فالأولى أن يحمل على ما يعود على كتابته بالتمام ، وهو الذي ~~ذكره الشافعي رحمه الله وهو أن يتمكن من الكسب ويوثق به بحفظ ذلك لأن كل ~~ذلك مما يعود على كتابته بالتمام ودخل فيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم ~~الخير لأنه عليه الصلاة والسلام فسره بالكسب وهو داخل في تفسير الشافعي ~~رحمه الله . # أما قوله : { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : اختلفوا في المخاطب بقوله : { وءاتوهم } على وجوه : ~~أحدها : أنه هو المولى يحط عنه جزءا من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءا مما ~~أخذ منه ، وهؤلاء اختلفوا في قدره فمنهم من جعل الخيار له وقال يجب أن يحط ~~قدرا يقع به الاستغناء ، وذلك يختلف بكثرة المال وقلته ومنهم من قال يحط ~~ربع المال ، روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاما له فترك ~~له ربع مكاتبته ، وقال إن عليا كان يأمرنا بذلك ويقول وهو قول الله تعالى : ~~{ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى } فإن لم يفعل فالسبع ، لما روى عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما أنه كاتب عبدا له بخمس وثلاثين ألفا ووضع عنه خمسة ~~آلاف ، ويروى أن عمر كاتب عبدا له فجاء بنجمه فقال ms6742 له اذهب فاستعن به على ~~أداء مال الكتابة ، فقال المكاتب لو تركته إلى آخر نجم ؟ فقال إني أخاف أن ~~لا أدرك ذلك ثم قرأ هذه الآية ، وكان ابن عمر يؤخره إلى آخر النجوم مخافة ~~أن يعجز . وثانيها : المراد وآتوهم سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات في ~~قوله : { وفي الرقاب } وعلى هذا فالخطاب لغير السادة وهو قول الحسن والنخعي ~~، ورواية عطاء عن ابن عباس ، وأجمعوا على أنه لا يجوز للسيد أن يدفع صدقته ~~المفروضة إلى مكاتب نفسه . وثالثها : أن هذا أمر من الله تعالى للسادة ~~والناس أن يعينوا المكاتب على كتابته بما يمكنهم ، وهذا قول الكلبي وعكرمة ~~والمقاتلين والنخعي وقال عليه الصلاة والسلام : ( من أعان مكاتبا على فك ~~رقبته أظله الله تعالى في ظل عرشه ) ، وروي أن رجلا قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم علمني عملا يدخلني الجنة قال : ( لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعظمت ~~المسألة ، أعتق النسمة وفك الرقبة ، فقال أليسا واحدا ؟ فقال لا ، عتق ~~النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها ) قالوا ويؤكد هذا ~~القول وجوه : أحدها : أنه أمر بإعطائه / من مال الله تعالى وما أطلق عليه ~~هذه الإضافة فهو ما كان سبيله الصدقة وصرفه في وجوه القرب . وثانيها : أن ~~قوله : { من فضله والذين يبتغون الكتاب } هو الذي قد صح ملكه للمالك وأمر ~~بإخراج بعضه ، ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه على عبده والمولى لا يثبت ~~له على عبده دين صحيح . وثالثها : أن ما آتاه الله فهو الذي يحصل في يده ~~ويمكنه التصرف فيه ، وما سقط عقيب العقد لم يحصل له عليه يد ملك ، فلا ~~يستحق الصفة بأنه من مال الله الذي آتاه ، فإن قيل ههنا وجهان يقدحان في ~~صحة هذا التأويل أحدهما : أنه كيف يحل لمولاه إذا كان غينا أن يأخذ من مال ~~الصدقة . والثاني : أن قوله : { وءاتوهم } معطوف على قوله : { فكاتبوهم } ~~فيجب أن يكون المخاطب في الموضعين واحدا ، وعلى هذا التأويل يكون المخاطب ~~PageV23P190 في الآية الأولى السادات ، وفي الثانية سائر المسلمين قلنا : ~~أما ms6743 الأول فجوابه أن تلك الصدقة تحل لمولاه وكذلك إذا لم تقف الصدقة بجميع ~~النجوم وعجز عن أداء الباقي كان للمولى ما أخذه لأنه لم يأخذه بسبب الصدقة ~~، ولكن بسبب عقد الكتابة كمن اشترى الصدقة من الفقير أو ورثها منه . يدل ~~عليه قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريرة ( هو لها صدقة ولنا هدية ) ~~والجواب : عن الثاني أنه قد يصح الخطاب لقوم ثم يعطف عليه بمثل لفظه خطابا ~~لغيرهم ، كقوله تعالى : { وإذا طلقتم النساء } ( البقرة : 231 ) فالخطاب ~~للأزواج ثم خاطب الأولياء بقوله : { فلا تعضلوهن } وقوله : { مبرءون مما ~~يقولون } والقائلون غير المبرئين فكذا ههنا قال للسادة { فكاتبوهم } وقال ~~لغيرهم { وءاتوهم } أو قال لهم ولغيرهم . # المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله يجب على المولى إيتاء المكاتب ~~وهو أن يحط عنه جزءا من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءا مما أخذ منه ، وقال ~~مالك وأبو حنيفة وأصحابه إنه مندوب إليه لكنه غير واجب ، حجة الشافعي رحمه ~~الله ظاهر قوله : { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى } والأمر للوجوب ~~فقيل عليه إن قوله : { فكاتبوهم } وقوله : { وءاتوهم } أمران وردا في صورة ~~واحدة فلم جعلت الأولى ندبا والثاني إيجابا ؟ وأيضا فقد ثبت أن قوله { ~~وءاتوهم } ليس خطابا مع الموالي بل مع عامة المسلمين . حجة أبي حنيفة رحمه ~~الله من حيث السنة والقياس ، أما السنة فما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها ~~إلا عشر أواق فهو عبد ) فلو كان الحط واجبا لسقط عنه بقدره ، وعن عروة عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت : ( جاءتني بريرة فقالت يا عائشة إني قد كاتبت ~~أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعيتني ولم تكن قضت من كتابتها شيئا ~~فقالت عائشة رضي الله عنها ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعا ~~ويكون ولاؤك لي فعلت ، فأبوا فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا ~~يمنعك ذلك منها ابتاعي وأعتقي ، فإنما الولاء لمن أعتق ) وجه الاستدلال ~~أنها ms6744 ما قضت من كتابتها شيئا وأرادت عائشة أن تؤدي عنها كتابتها بالكلية ~~وذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وترك رسول الله النكر عليها / ولم ~~يقل إنها تستحق أن يحط عنها بعض كتابتها فثبت قولنا . وأما القياس فمن ~~وجهين الأول : لو كان الإيتاء واجبا لكان وجوبه متعلقا بالعقد فيكون العقد ~~موجبا / له ومسقطا له وذلك محال لتنافي الإسقاط والإيجاب الثاني : لو كان ~~الحط واجبا لما أحتاج إلى أن يضع عنه بل كان يسقط القدر المستحق كمن له على ~~إنسان دين ثم حصل لذلك الآخر على الأول مثله فإنه يصير قصاصا ، ولو كان ~~كذلك لكان قدر الإيتاء إما أن يكون معلوما أو مجهولا فإن كان معلوما وجب أن ~~تكون الكتابة بألفين فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف . والكتابة أربعة آلاف وذلك ~~باطل لأن أداء جميعها مشروط فلا يعتق بأداء بعضها ، ولأنه عليه السلام قال ~~: ( المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ) وإن كان مجهولا صارت الكتابة مجهولة ~~لأن الباقي بعد الحط مجهول فيصير بمنزلة من كاتب عبده على ألف درهم إلا ~~شيئا وذلك غير جائز والله أعلم . # الحكم العاشر # الإكراه على الزنا # قوله تعالى : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض ~~الحيواة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن } . PageV23P191 # اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم من تزويج العبيد والإماء وكتابتهم أتبع ~~ذلك بالمنع من إكراه الإماء على الفجور ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في سبب نزولها على وجوه الأول : كان لعبد الله ~~بن أبي المنافق ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة يكرههن على ~~البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت ( ا ) ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت الآية وثانيها : أن عبد الله بن أبي أسر رجلا فراود الأسير ~~جارية عبدالله وكانت الجارية مسلمة فامتنعت الجارية لإسلامها وأكرهها ابن ~~أبي على ذلك ، رجاء أن تحمل من الأسير فيطلب فداء ولده فنزلت وثالثها : روى ~~أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( جاء عبدالله بن ms6745 أبي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومعه جارية من أجمل النساء تسمى معاذة ، فقال يا ~~رسول الله هذه لأيتام فلان أفلا نأمرها بالزنا فيصيبون من منافعها ؟ فقال ~~عليه الصلاة والسلام لا فأعاد الكلام ) فنزلت الآية وقال جابر بن عبدالله ( ~~جاءت جارية لبعض الناس فقالت إن سيدي يكرهني على البغاء ) فنزلت الآية . # المسألة الثانية : الإكراه إنما يحصل متى حصل التخويف بما يقتضي تلف ~~النفس فأما باليسير من الخوف فلا تصير مكرهة ، فحال الإكراه على الزنا كحال ~~الإكراه على كلمة الكفر والنص وإن كان مختصا بالإماء إلا أن حال الحرائر ~~كذلك . # المسألة الثالثة : العرب تقول للمملوك فتى وللمملوكة فتاة ، قال تعالى : ~~{ فلما جاوزا قال لفتاه } ( الكهف : 62 ) وقال : { تراود فتاها } ( يوسف : ~~30 ) وقال : { فمن ما ملكت أيمانكم من * نكحتم المؤمنات } ( النساء : 25 ) ~~وفي الحديث / ( ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي ) . # المسألة الرابعة : البغاء الزنا يقال بغت تبغي بغاء فهي بغي . # المسألة الخامسة : الذي نقول به أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند ~~عدم ذلك الشيء ، والدليل عليه اتفاق أهل اللغة على أن كلمة إن للشرط ~~واتفاقهم على أن الشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه ، ومجموع هاتين ~~المقدمتين النقليتين ، يوجب الحكم بأن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند ~~عدم ذلك الشيء ، واحتج المخالف بهذه الآية فقال إنه سبحانه علق المنع من ~~الإكراه على البغاء على إرادة التحصن بكلمة إن فلو كان الأمر كما ذكرتموه ~~لزم أن لا ينتفي المنع من الإكراه على الزنا إذا لم توجد إرادة التحصن وذلك ~~باطل ، فإنه سواء وجدت إدارة التحصن أو لم توجد فإن المنع من الإكراه على ~~الزنا حاصل والجواب : لا نزاع أن ظاهر الآية يقتضي جواز الإكراه على الزنا ~~عند عدم إرادة التحصن ولكنه فسد ذلك لامتناعه في نفسه لأنه متى لم توجد ~~إرادة التحصن في حقها لم تكن كارهة للزنا ، وحال كونها غير كارهة للزنا ~~يمتنع إكراهها على الزنا فامتنع ذلك لامتناعه في نفسه وذاته ، ومن الناس من ~~ذكر ms6746 فيه جوابا آخر وهو أن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة ~~التحصن ، والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما أن ~~الخلع يجوز في غير حالة الشقاق ولكن لما كان الغالب وقوع الخلع في حالة ~~الشقاق لا جرم لم يكن لقوله تعالى : { فإن خفتم * أن لا * يقيما حدود الله ~~فلا جناح عليهما فيما افتدت به } مفهوم ومن هذا القبيل قوله : { وإذا ضربتم ~~فى الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا } PageV23P192 ( النساء : 101 ) والقصر لا يختص بحال الخوف ولكنه ~~سبحانه أجراه على سبيل الغالب ، فكذا ههنا والجواب : الثالث معناه إذا أردن ~~تحصنا لأن القصة التي وردت الآية فيها كانت كذلك على ما روينا أن جارية ~~عبدالله بن أبي أسلمت وامتنعت عليه طلبا للعفاف فأكرهها فنزلت الآية موافقة ~~لذلك ، نظيره قوله تعالى : { وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا } ( ~~البقرة : 23 ) أي وإذا كنتم في ريب . # المسألة السادسة : أنه تعالى لما منع من إكراههن على الزنا ففيه ما يدل ~~على أن لهم إكراههن على النكاح فليس لها أن تمتنع على السيد إذا زوجها بل ~~له أن يكرهها على ذلك وهذه الدلالة دلالة دليل الخطاب . # أما قوله { إن أردن تحصنا } أي تعففا { لتبتغوا عرض الحيواة الدنيا } ~~يعني كسبهن وأولادهن . # أما قوله : { ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } فاعلم أنه ~~ليس في الآية ( بيان ) أنه تعالى غفور رحيم للمكره أو للمكرهة لا جرم ذكروا ~~فيه وجهين : أحدهما : فإن الله غفور رحيم بهن ، لأن الإكراه أزال الأثم ~~والعقوبة ، لأن الإكراه عذر للمكرهة ، أما المكره فلا عذر له فيما فعل ~~الثاني : المراد فإن الله غفور رحيم بالمكره بشرط التوبة وهذا ضعيف لأن على ~~التفسير / الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار ، وعلى التفسير الثاني يحتاج إليه ~~. # ! 7 < { ولقد أنزلنآ إليكم ءايات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ~~وموعظة للمتقين } . > 7 ! # < < # | النور : ( 34 ) ولقد أنزلنا إليكم . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما ms6747 ذكر في هذه السورة هذه الأحكام وصف القرآن بصفات ~~ثلاثة : أحدها : قوله : { ولقد أنزلنا إليكم ءايات مبينات } أي مفصلات ، ~~وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم مبينات بكسر الياء على معنى ~~أنها تبين للناس كما قال : { بلسان عربى مبين } ( الشعراء : 19 ) أو تكون ~~من بين بمعنى تبين ، ومنه المثل : قد بين الصبح لذي عينين وثانيها : قوله : ~~{ ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } وفيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى يريد ~~بالمثل ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود فأنزل في القرآن مثله ، ~~وهو قول الضحاك والثاني : قوله : { ومثلا } أي شبها من حالهم بحالكم في ~~تكذيب الرسل ، يعني بينا لكم ما أحللنا بهم من العقاب لتمردهم على الله ~~تعالى ، فجعلنا ذلك مثلا لكم لتعلموا أنكم إذا شاركتموهم في المعصية كنتم ~~مثلهم في استحقاق العقاب ، وهو قول مقاتل وثالثها : قوله : { وموعظة ~~للمتقين } والمراد به الوعيد والتحذير من فعل المعاصي ولا شبهة في أنه ~~موعظة للكل ، لكنه تعالى خص المتقين بالذكر للعلة التي ذكرناها في قوله : { ~~هدى للمتقين } وههنا آخر الكلام في الأحكام . # القول في الإلهيات # اعلم أنه تعالى ذكر مثلين : أحدهما : في بيان أن دلائل الإيمان في غاية ~~الظهور الثاني : في بيان أن PageV23P193 أديان الكفرة في نهاية الظلمة ~~والخفاء . # [ بم أما المثل الأول فهو قوله سبحانه وتعالى : # ! 7 < { الله نور السماوات والا رض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح ~~فى زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من ~~يشآء ويضرب الله الا مثال للناس والله بكل شىء عليم } . > 7 ! # / < < # | النور : ( 35 ) الله نور السماوات . . . . . # > > اعلم أن الكلام في هذه الآية مرتب على فصول : # الفصل الأول في إطلاق اسم النور على الله تعالى # اعلم أن لفظ النور موضوع في اللغة لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر ~~والنار على الأرض والجدران وغيرهما ، وهذه الكيفية يستحيل أن تكون إلها ~~لوجوه : أحدها : أن هذه الكيفية إن ms6748 كانت عبارة عن الجسم كان الدليل الدال ~~على حدوث الجسم دالا على حدوثها ، وإن كانت عرضا فمتى ثبت حدوث جميع ~~الأعراض القائمة به ولكن هذه المقدمة إنما تثبت بعد إقامة الدلالة على أن ~~الحلول على الله تعالى محال وثانيها : أنا سواء قلنا النور جسم أو أمر حال ~~في الجسم فهو منقسم ، لأنه إن كان جسما فلا شك في أنه منقسم ، وإن كان حالا ~~فيه ، فالحال في المنقسم منقسم ، وعلى التقديرين فالنور منقسم وكل منقسم ~~فإنه يفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره ، وكل مفتقر ~~فهو في تحققه مفتقر إلى غيره ، والمفتقر إلى الغير ممكن لذاته محدث بغيره ، ~~فالنور محدث فلا يكون إلها وثالثها : أن هذا النور المحسوس لو كان هو الله ~~لوجب أن لا يزول هذا النور لامتناع الزوال على الله تعالى ورابعها : أن هذا ~~النور المحسوس يقع بطلوع الشمس والكواكب . وذلك على الله محال وخامسها : أن ~~هذه الأنوار لو كانت أزلية لكانت إما أن تكون متحركة أو ساكنة ، لا جائز أن ~~تكون متحركة لأن الحركة معناها الانتقال من مكان إلى مكان فالحركة مسبوقة ~~بالحصول في المكان الأول . والأزلى يمتنع أن يكون مسبوقا بالغير فالحركة ~~الأزلية محال . ولا جائز أن تكون ساكنة لأن السكون لو كان أزليا لكان ممتنع ~~الزوال لكن السكون جائز الزوال ، لأنا نرى الأنوار تنتقل من مكان إلى مكان ~~فدل ذلك على حدوث الأنوار وسادسها : أن النور إما أن يكون جسما أو كيفية ~~قائمة بالجسم ، والأول محال لأنا قد نعقل الجسم جسما مع الذهول عن كونه ~~نيرا ولأن الجسم قد يستنير بعد أن كان مظلما فثبت الثاني لكن الكيفية ~~القائمة بالجسم محتاجة إلى الجسم ، والمحتاج إلى الغير لا يكون إلها ، ~~وبمجموع هذه الدلائل يبطل قول المانوية الذين يعتقدون أن الإله سبحانه هو ~~النور الأعظم . وأما المجسمة PageV23P194 المعترفون بصحة القرآن فيحتج على ~~فساد قولهم بوجهين : الأول : قوله : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) ولو ~~كان نورا لبطل ذلك لأن الأنوار كلها متماثلة الثاني : أن قوله ms6749 تعالى : { ~~مثل نوره } صريح في أنه ليس ذاته نفس النور بل النور مضاف إليه . وكذا قوله ~~: { يهدى الله لنوره من يشاء } فإن قيل قوله : { الله نور * السماوات } ~~يقتضي ظاهره أنه في ذاته نور . وقوله : { مثل نوره } يقتضي أن لا يكون هو ~~في ذاته نورا وبينهما تناقض ، قلنا نظير هذه الآية قولك زيد / كرم وجود ، ~~ثم تقول ينعش الناس بكرمه وجوده ، وعلى هذا الطريق لا تناقض الثالث : قوله ~~سبحانه وتعالى : { وجعل الظلمات والنور } ( الأنعام : 1 ) وذلك صريح في أن ~~ماهية النور مجعولة لله تعالى فيستحيل أن يكون الإله نورا ، فثبت أنه لا بد ~~من التأويل ، والعلماء ذكروا فيه وجها : أحدها : أن النور سبب للظهور ~~والهداية لما شاركت النور في هذا النور في هذا المعنى صح إطلاق اسم النور ~~على الهداية وهو كقوله تعالى : { الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور } ( البقرة : 257 ) . # وقوله : { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا } ( الأنعام : 122 ) ~~وقال : { ولاكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا } ( الشورى : 52 ) ~~فقوله : { الله نور * السماوات والارض } أي ذو نور السموات والأرض والنور ~~هو الهداية ولا تحصل إلا لأهل السموات ، والحاصل أن المراد الله هادي أهل ~~السموات والأرض وهو قول ابن عباس والأكثرين رضي الله عنهم وثانيها : المراد ~~أنه مدبر السموات والأرض بحكمة بالغة وحجة نيرة فوصف نفسه بذلك كما يوصف ~~الرئيس العالم بأنه نور البلد ، فإنه إذا كان مدبرهم تدبيرا حسنا فهو لهم ~~كالنور الذي يهتدى به إلى مسالك الطرق ، قال جرير : # % وأنت لنا نور وغيث وعصمة % % # وهذا اختيار الأصم والزجاج وثالثها : المراد ناظم السموات والأرض على ~~الترتيب الأحسن فإنه قد يعبر بالنور على النظام ، يقال ما أرى لهذا الأمر ~~نورا ورابعها : معناه منور السموات والأرض ثم ذكروا في هذا القول ثلاثة ~~أوجه : أحدها : أنه منور السماء بالملائكة والأرض بالأنبياء والثاني : ~~منورها بالشمس والقمر والكواكب والثالث : أنه زين السماء بالشمس والقمر ~~والكواكب وزين الأرض بالأنبياء والعلماء ، وهو مروي عن أبي بن كعب والحسن ~~وأبي العالية ms6750 والأقرب هو القول الأول لأن قوله في آخر الآية : { يهدى الله ~~لنوره من يشاء } يدل على أن المراد بالنور الهداية إلى العلم والعمل . ~~واعلم أن الشيخ الغزالي رحمه الله صنف في تفسير هذه الآية الكتاب المسمى ~~بمشكاة الأنوار ، وزعم أن الله نور في الحقيقة بل ليس النور إلا هو ، وأنا ~~أنقل محصل ما ذكره مع زوائد كثيرة تقوي كلامه ثم ننظر في صحته وفساده على ~~سبيل الإنصاف فقال : اسم النور إنما وضع للكيفية الفائضة من الشمس والقمر ~~والنار على ظواهر هذه الأجسام الكثيفة ، فيقال استنارت الأرض ووقع نور ~~الشمس على الثوب ونور السراج على الحائط ، ومعلوم أن هذه الكيفية إنما ~~اختصت بالفضيلة والشرف لأن المرئيات تصير بسببها ظاهرة منجلية ، ثم من ~~المعلوم أنه كما يتوقف إدراك هذه المرئيات على كونها مستنيرة فكذا يتوقف ~~على وجود العين الباصرة إذ المرئيات بعد استنارتها لا تكون ظاهرة في حق ~~العميان فقد ساوى الروح الباصرة النور الظاهرة في كونه ركنا لا بد منه ~~للظهور ، ثم يرجح عليه في أن الروح الباصرة هي المدركة وبها الإدراك ، وأما ~~النور الخارج فليس بمدرك ولا به الإدراك بل عنده الإدراك ، PageV23P195 ~~فكان وصف الإظهار بالنور الباصر أحق منه بالنور المبصر فلا جرم أطلقوا / ~~اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش إن نور عينه ضعيف ، وفي ~~الأعمش إنه ضعف نور بصره . وفي الأعمى إنه فقد نور البصر . إذا ثبت هذا ~~فنقول إن للإنسان بصرا وبصيرة فالبصر هو العين الظاهرة المدركة للأضواء ~~والألوان ، والبصيرة هي القوة العاقلة وكل واحد من الإدراكين يقتضي ظهور ~~المدرك ، فكل واحد من الإدراكين نور إلا أنهم عددوا لنور العين عيوبا لم ~~يحصل شيء منها في نور العقلي ، والغزالي رحمه الله ذكر منها سبعة ، ونحن ~~جعلناها عشرين الأول : أن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ~~ولا تدرك آلتها ، أما أنها لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها فلأن القوة ~~الباصرة وإدراك القوة الباصرة ليسا من الأمور المبصرة بالعين الباصرة ، ~~وأما آلتها فهي العين / والقوة ms6751 الباصرة بالعين لا تدرك العين ، وأما القوة ~~العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب ~~والدماغ ، فثبت أن نور العقل أكمل من نور البصر الثاني : أن القوة الباصرة ~~لا تدرك الكليات والقوة العاقلة تدركها ، ومدرك الكليات وهو القلب أشرف من ~~مدرك الجزئيات ، أما أن القوة الباصرة لا تدرك الكليات فلأن القوة الباصرة ~~لو أدركت كل ما في الوجود فهي ما أدركت الكل لأن الكل عبارة عن كل ما يمكن ~~دخوله في الوجود في الماضي والحاضر والمستقبل ، وأما أن القوة العاقلة تدرك ~~الكليات فلأنا نعرف أن الأشخاص الإنسانية مشتركة في الإنسانية ومتمايزة ~~بخصوصياتها ، وما به المشاركة غير ما به الممايزة ، فالإنسانية من حيث هي ~~إنسانية أمر مغاير لهذه المشخصات فقد عقلنا الماهية الكلية ، وأما أن إدراك ~~الكليات أشرف فلأن إدراك الكليات ممتنع التغير ، وإدراك الجزئيات واجب ~~التغير ، ولأن إدراك الكلي يتضمن إدراك الجزئيات الواقعة تحته ، لأن ما ثبت ~~للماهية ثبت لجميع أفرادها ولا ينعكس ، فثبت أن الإدراك العقلي أشرف الثالث ~~: الإدراك الحسي غير منتج والإدراك العقلي منتج فوجب أن يكون العقل أشرف ، ~~أما كون الإدراك الحسي غير منتج فلأن من أحس بشيء لا يكون ذلك الإحساس سببا ~~لحصول إحساس آخر له ، بل لو استعمل له الحس مرة أخرى لأحس به مرة أخرى ولكن ~~ذلك لا يكون إنتاج الإحساس لإحساس آخر ، وأما أن الإدراك العقلي منتج فلأنا ~~إذا عقلنا أمورا ثم ركبناها في عقولنا توسلنا بتركيبها إلى اكتساب علوم ~~أخرى ، وهكذا كل تعقل حاصل فإنه يمكن التوسل به إلى تحصيل تعقل آخر إلى ما ~~لا نهاية له ، فثبت أن الإدراك العقلي أشرف الرابع : الإدراك الحسي لا يتسع ~~للأمور الكثيرة والإدراك العقلي ، يتسع لها فوجب أن يكون الإدراك العقلي ~~أشرف . أما أن الإدراك الحسي لا يتسع لها فلأن البصر إذا توالى عليه ألوان ~~كثيرة عجز عن تمييزها ، فأدرك لونا كأنه حاصل من اختلاط تلك الألوان ( و ) ~~السمع إذا توالت عليه كلمات كثيرة التبست عليه تلك الكلمات ولم يحصل ~~التمييز ms6752 ، وأما أن الإدراك العقلي متسع لها فلأن كل من كان تحصيله للعلوم ~~أكثر كانت قدرته على كسب الجديد أسهل ، وبالعكس وذلك يوجب الحكم بأن ~~الإدراك العقلي أشرف الخامس : القوة الحسية إذا / أدركت المحسوسات القوية ~~ففي ذلك الوقت تعجز عن إدراك الضعيفة ، فإن من سمع الصوت الشديد ففي تلك ~~الحالة لا يمكنه أن يسمع الصوت الضعيف والقوة العقلية لا يشغلها معقول عن ~~معقول PageV23P196 السادس : القوى الحسية تضعف بعد الأربعين ، وتضعف عند ~~كثرة الأفكار التي هي موجبا لاستيلاء النفس على البدن الذي هو موجب لخراب ~~البدن ، والقوى العقلية تقوى بعد الأربعين وتقوى عند كثرة الأفكار الموجبة ~~لخراب البدن ، فدل ذلك على استغناء القوة العقلية عن هذه الآلات واحتياج ~~القوى الحسية إليها السابع : القوة الباصرة لا تدرك المرئي مع القرب القريب ~~ولا مع البعد البعيد ، والقوة العقلية لا يختلف حالها بحسب القرب والبعد ، ~~فإنها تترقى إلى ما فوق العرش وتنزل إلى ما تحت الثرى في أقل من لحظة واحدة ~~، بل تدرك ذات الله وصفاته مع كونه منزها عن القرب والبعد والجهة فكانت ~~القوة العقلية أشرف الثامن : القوة الحسية لا تدرك من الأشياء إلا ظواهرها ~~فإذا أدركت الإنسان فهي في الحقيقة ما أدركت الإنسان لأنها ما أدركت إلا ~~السطح الظاهر من جسمه ، وإلا اللون القائم بذلك السطح ، وبالاتفاق فليس ~~الإنسان عبارة عن مجرد السطح واللون فالقوة الباصرة عاجزة عن النفوذ في ~~الباطن ، أما القوة العاقلة فإن باطن الأشياء وظاهرها بالنسبة إليها على ~~السواء فإنها تدرك البواطن والظواهر وتغوص فيها وفي أجزائها ، فكانت القوة ~~العاقلة نورا بالنسبة إلى الباطن والظاهر / أما القوة الباصرة فهي بالنسبة ~~إلى الظاهر نور وبالنسبة إلى الباطن ظلمة ، فكانت القوة العاقلة أشرف من ~~القوة الباصرة التاسع : أن مدرك القوة العاقلة هو الله تعالى وجميع أفعاله ~~، ومدرك القوة الباصرة هو الألوان والأشكال ، فوجب أن تكون نسبة شرف القوة ~~العاقلة إلى شرف القوة الباصرة كنسبة شرف ذات الله تعالى إلى شرف الألوان ~~والأشكال العاشر : القوة العاقلة تدرك جميع الموجودات والمعدومات والماهيات ~~التي هي ms6753 معروضات الموجودات والمعدومات ، ولذلك فإن أول حكمه أن الوجود ~~والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وذلك مسبوق لا محالة بتصور مسمى الوجود ~~ومسمى العدم فكأنه بهذين التصورين قد أحاط بجميع الأمور من بعض الوجوه . ~~وأما القوة الباصرة فإنها لا تدرك إلا الأضواء والألوان وهما من أخس عوارض ~~الأجسام والأجسام أخس من الجواهر الروحانية ، فكان متعلق القوة الباصرة أخس ~~الموجودات . وأما متعلق القوة العاقلة فهو جميع الموجودات والمعدومات فكانت ~~القوة العاقلة أشرف . الحادي عشر : القوة العاقلة تقوى على توحيد الكثير ~~وتكثير الواحد ، والقوة الباصرة لا تقوى على ذلك . أما أن القوة العاقلة ~~تقوى على توحيد الكثير ، فذاك لأنها تضم الجنس إلى الفصل فيحدث منهما طبيعة ~~نوعية واحدة ، وأما أنها تقوى على تكثير الواحد فلأنها تأخذ الإنسان وهي ~~ماهية واحدة فتقسمها إلى مفهوماتها وإلى عوارضها اللازمة وعوارضها المفارقة ~~، ثم تقسم مقوماته إلى الجنس وجنس الجنس ، والفصل وفصل الفصل ، وجنس الفصل ~~وفصل الجنس ، / إلى سائر الأجزاء المقومة التي لا تعد من الأجناس ولا من ~~الفصول ، ثم لا تزال تأتي بهذا لتقسيم في كل واحد من هذه الأقسام حتى تنتهي ~~من تلك المركبات إلى البسائط الحقيقية ، ثم تعتبر في العوارض اللازمة أن ~~تلك العوارض مفردة أو مركبة ولازمة بوسائط أو بوسط ، أو بغير وسط ، فالقوة ~~العاقلة كأنها نفذت في أعماق الماهيات وتغلغلت فيها وميزت كل واحد من ~~أجزائها عن صاحبه ، وأنزلت كل واحد منها في المكان اللائق به . فأما القوة ~~الباصرة فلا تطلع على أحوال الماهيات ، بل PageV23P197 لا ترى إلا أمرا ~~واحدا ولا تدري ما هو وكيف هو ، فظهر أن القوة العاقلة أشرف الثاني عشر : ~~القوة العاقلة تقوى على إدراكات غير متناهية ، والقوة الحاسة لا تقوى على ~~ذلك : بيان الأول من وجوه : الأول : القوة العاقلة يمكنها أن تتوصل ~~بالمعارف الحاضرة إلى استنتاج المجهولات ، ثم إنها تجعل تلك النتائج مقدمات ~~في نتائج أخرى لا إلى نهاية ، وقد عرفت أن القوة الحاسة لا تقوى على ~~الاستنتاج أصلا الثاني : أن القوة العاقلة تقوى على تعقل مراتب الأعداد ولا ms6754 ~~نهاية لها الثالث : أن القوة العاقلة يمكنها أن تعقل نفسها ، وأن تعقل أنها ~~عقلت وكذا إلى غير النهاية الرابع : النسب والإضافات غير متناهية وهي ~~معقولة لا محسوسة فظهر أن القوة العاقلة أشرف الثالث عشر : الإنسان بقوته ~~العاقلة يشارك الله تعالى في إدراك الحقائق وبقوته الحاسة يشارك البهائم ، ~~والنسبة معتبرة فكانت القوة العاقلة أشرف الرابع عشر : القوة العاقلة غنية ~~في إدراكها العقلي عن وجود المعقول في الخارج ، والقوة الحاسة محتاجة في ~~إدراكها الحسي إلى وجود المحسوس في الخارج ، والغني أشرف من المحتاج . ~~الخامس عشر : هذه الموجودات الخارجية ممكنة لذواتها وأنها محتاجة إلى ~~الفاعل ، والفاعل لا يمكنه الإيجاد على سبيل الاتقان إلا بعد تقدم العلم ، ~~فإذن وجود هذه الأشياء في الخارج تابع للإدراك العقلي ، وأما الإحساس بها ~~فلا شك أنه تابع لوجودها في الخارج ، فإذن القوة الحساسة تبع لتبع القوة ~~العاقلة السادس عشر : القوة العاقلة غير محتاجة في العقل إلى الآلات بدليل ~~أن الإنسان لو اختلت حواسه الخمس ، فإنه يعقل أن الواحد نصف الاثنين / وأن ~~الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية . وأما القوة الحساسة فإنها محتاجة إلى ~~آلات كثيرة ، والغني أفضل من المحتاج ، السابع عشر : الإدراك البصري لا ~~يحصل إلا للشيء الذي في الجهات ، ثم إنه غير متصرف في كل الجهات بل لا ~~يتناول إلا المقابل أو ما هو في حكم المقابل ، واحترزنا بقولنا في حكم ~~المقابل عن أمور أربعة : الأول : العرض فإنه ليس بمقابل لأنه ليس في المكان ~~، ولكنه في حكم المقابل لأجل كونه قائما بالجسم الذي هو مقابل الثاني : ~~رؤية الوجه في المرآة ، فإن الشعاع يخرج من العين إلى المرآة ، ثم يرتد ~~منها إلى الوجه فيصير الوجه مرئيا ، وهو من هذا الاعتبار كالمقابل لنفسه . ~~الثالث : رؤية الإنسان قفاه إذا جعل إحدى المرآتين محاذية لوجهه والأخرى ~~لقفاه . والرابع : رؤية ما لا يقابل بسبب انعطاف الشعاع في الرطوبات ما هو ~~مشروح في كتاب المناظر وأما / القوة العاقلة فإنها مبرأة عن الجهات ، فإنها ~~تعقل الجهة والجهة ليست في الجهة ، ولذلك تعقل أن الشيء إما ms6755 أن يكون في ~~الجهة ، وإما أن لا يكون في الجهة ، وهذا الترديد لا يصح إلا بعد تعقل معنى ~~قولنا ليس في الجهة . الثامن عشر : القوة الباصرة تعجز عند الحجاب ، وأما ~~القوة العاقلة فإنها لا يحجبها شيء أصلا فكانت أشرف . PageV23P198 التاسع ~~عشر : القوة العاملة كالأمير ، والحاسة كالخادم والأمير أشرف من الخادم ، ~~وتقرير ( الفرق بين ) الإمارة والخدمة مشهور . العشرون : القوة الباصرة قد ~~تغلط كثيرا فإنها قد تدرك المتحرك ساكنا وبالعكس ، كالجالس في السفينة ، ~~فإنه قد يدرك السفينة المتحركة ساكنة والشط الساكن متحركا ، ولولا العقل ~~لما تميز خطأ البصر عن صوابه ، والعقل حاكم والحس محكوم ، فثبت بما ذكرنا ~~أن الإدراك العقل أشرف من الإدراك البصري ، وكل واحد من الإدراكين يقتضي ~~الظهور الذي هو أشرف خواص النور ، فكان الإدراك العقلي أولى بكونه نورا من ~~الإدراك البصري ، وإذا ثبت هذا فنقول هذه الأنوار العقلية قسمان : أحدهما : ~~واجب الحصول عند سلامة الأحوال وهي التعقلات الفطرية والثاني : ما يكون ~~مكتسبا وهي التعقلات النظرية أما الفطرية فليست هي من لوازم جوهر الإنسان ~~لأنه حال الطفولية لم يكن عالما ألبتة فهذه الأنوار الفطرية إنما حصلت بعد ~~أن لم تكن فلا بد لها من سبب وأما النظريات فمعلوم أن الفطرة الإنسانية قد ~~يعتريها الزيغ في الأكثر وإذا كان كذلك فلا بد من هاد مرشد ولا مرشد فوق ~~كلام الله تعالى وفوق إرشاد الأنبياء ، فتكون منزلة آيات القرآن عند عين ~~العقل بمنزلة نور الشمس عند العين الباصرة إذ به يتم الإبصار ، فبالحري أن ~~يسمى القرآن نورا كما يسمى نور الشمس نورا ، فنور القرآن يشبه نور الشمس ~~ونور العقل يشبه نور العين وبهذا يظهر معنى قوله : { فئامنوا بالله ورسوله ~~والنور الذى أنزلنا } ( التغابن : 61 ) وقوله : { قد جاءكم برهان من ربكم } ~~( النساء : 174 ) { وأنزلنا إليكم نورا مبينا } ( النساء : 174 ) وإذا ثبت ~~أن بيان الرسول أقوى من نور الشمس وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في ~~النورانية من الشمس ، وكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيره ولا ~~تستفيده من غيره فكذا نفس ms6756 النبي صلى الله عليه وسلم تفيد الأنوار العقلية ~~لسائر الأنفس البشرية ، ولا تستفيد الأنوار العقلية من شيء من الأنفس ~~البشرية ، فلذلك وصف الله تعالى الشمس بأنها سراج حيث قال : { وجعل فيها ~~سراجا وقمرا منيرا } ( الفرقان : 61 ) ووصف محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه ~~سراج منير ، إذا عرفت هذا فنقول ثبت بالشواهد العقلية والنقلية أن الأنوار ~~الحاصلة في أرواح الأنبياء مقتبسة من الأنوار الحاصلة في أرواح الملائكة ~~قال تعالى : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده } ( ~~النحل : 2 ) وقال : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ( الشعراء : 193 ، ~~194 ) وقال : { قل نزله روح القدس من ربك بالحق } ( النحل : 102 ) وقال ~~تعالى : { إن هو إلا وحى يوحى * علمه شديد القوى } ( النجم : 4 ، 5 ) ~~والوحي لا يكون إلا بواسطة الملائكة فإذا جعلنا أرواح الأنبياء أعظم ~~استنارة من الشمس فأرواح الملائكة التي هي كالمعادن لأنوار عقول الأنبياء ~~لا بد وأن تكون أعظم من أنوار أرواح الأنبياء ، لأن السبب لا بد وأن يكون ~~أقوى من المسبب . ثم نقول ثبت أيضا بالشواهد العقلية والنقلية أن الأرواح ~~السماوية مختلفة فبعضها مستفيدة وبعضها / مفيدة ، قال تعالى في وصف جبريل ~~عليه السلام : { مطاع ثم أمين } ( التكوير : 21 ) وإذا كان هو مطاع ~~الملائكة فالمطيعون لا بد وأن يكونوا تحت أمره وقال : { وما منا إلا له ~~مقام معلوم } ( الصافات : 164 ) وإذا ثبت هذا فالمفيد أولى بأن يكون نورا ~~من المستفيد للعلة المذكورة ولمراتب الأنوار في عالم الأرواح مثال وهو أن ~~ضوء الشمس إذا وصل إلى القمر ثم دخل في كوة بيت ووقع على مرآة منصوبة على ~~حائط ثم انعكس منها إلى حائط آخر نصب عليه مرآة أخرى ثم انعكس منها إلى طست ~~مملوء من الماء موضوع على الأرض انعكس منه إلى سقف البيت فالنور الأعظم في ~~الشمس التي هي المعدن ، وثانيا في القمر ، وثالثا ما وصل إلى المرآة الأولى ~~، ورابعا ما وصل إلى المرآة الثانية ، وخامسا ما وصل إلى الماء ، وسادسا ما ~~وصل إلى السقف ، وكل ما كان أقرب ms6757 إلى المنبع الأول فإنه أقوى مما هو أبعد ~~منه فكذا الأنوار السماوية لما كانت مرتبة PageV23P199 لا جرم كان نور ~~المفيد أشد إشراقا من نور المستفيد ، ثم تلك الأنوار لا تزال تكون مترقية ~~حتى تنتهي إلى النور الأعظم والروح الذي هو أعظم الأرواح منزلة عند الله ~~الذي هو المراد من قوله سبحانه : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } ( النبأ ~~: 38 ) ثم نقول لا شك أن هذه الأنوار الحسية إن كانت سفلية كانت كأنوار ~~النيران أو علوية كانت كأنوار الشمس والقمر والكواكب ، وكذا الأنوار ~~العقلية سفلية كانت كالأرواح السفلية التي للأنبياء والأولياء أو علوية ~~كالأرواح العلوية التي هي الملائكة ، فإنها بأسرها ممكنة لذواتها والممكن ~~لذاته يستحق العدم من ذاته والوجود من غيره ، والعدم هو الظلمة الحاصلة ~~والوجود هو النور ، فكل ما سوى الله مظلم لذاته مستنير بإنارة الله تعالى ~~وكذا جميع معارفها بعد وجودها حاصل من وجود الله تعالى ، فالحق سبحانه هو ~~الذي أظهرها بالوجود بعد أن كانت في ظلمات العدم وأفاض عليها أنوار المعارف ~~بعد أن كانت في ظلمات الجهالة ، فلا ظهور لشيء من الأشياء إلا بإظهاره ، ~~وخاصة النور إعطاء الإظهار والتجلي والانكشاف ، وعند هذا يظهر أن النور ~~المطلق هو الله سبحانه وأن إطلاق النور على غيره مجاز إذ كل ما سوى الله ، ~~فإنه من حيث هو هو ظلم محضة لأنه من حيث إنه هو عدم محض ، بل الأنوار إذا ~~نظرنا إليها من حيث هي هي فهي ظلمات ، لأنها من حيث هي هي ممكنات ، والممكن ~~من حيث هو هو معدوم ، والمعدوم مظلم . فالنور إذا نظر إليه من حيث هو هو ~~ظلمة ، فأما إذا التفت إليها من حيث أن الحق سبحانه أفاض عليها نور الوجود ~~فبهذا الاعتبار صارت أنوارا . فثبت أنه سبحانه هو النور . وأن كل ما سواه ~~فليس بنور إلا على سبيل المجاز . ثم إنه رحمه الله تكلم بعد هذا في أمرين : ~~الأول : أنه سبحانه لم أضاف النور إلى السموات والأرض ؟ وأجاب فقال قد عرفت ~~أن السموات والأرض مشحونة بالأنوار العقلية والأنوار ms6758 الحسية / أما الحسية ~~فما يشاهد في السموات من الكواكب والشمس والقمر وما يشاهد في الأرض من ~~الأشعة المنبسطة على سطوح الأجسام حتى ظهرت به الألوان المختلفة ، ولولاها ~~لم يكن للألوان ظهور بل وجود ، وأما الأنوار العقلية فالعالم الأعلى مشحون ~~بها وهي جواهر الملائكة والعالم الأسفل / مشحون بها وهي القوى النباتية ~~والحيوانية والإنسانية وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام عالم السفل كما ~~بالنور الملكي ظهور نظام عالم العلو ، وهو المعنى بقوله تعالى : { ~~ليستخلفنهم فى الارض } ( النور : 55 ) وقال : { ويجعلكم حلفاء الارض } ( ~~النمل : 62 ) فإذا عرفت هذا عرفت أن العالم بأسره مشحون بالأنوار الظاهرة ~~البصرية والباطنية العقلية ، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان ~~النور من السراج فإن السراج هو الروح النبوي ، ثم إن الأنوار النبوية ~~القدسية مقتبسة من الأرواح العلوية اقتباس السراج من النور ، وأن العلويات ~~مقتبسة بعضها من بعض وأن بينها ترتيبا في المقامات ، ثم ترتقي جملتها إلى ~~نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول ، وأن ذلك هو الله وحده لا شريك له ، ~~فإذن الكل نوره فلهذا قال : { الله نور * السماوات والارض } . # السؤال الثاني : فإذا كان الله النور فلم احتيج في إثباته إلى البرهان ؟ ~~أجاب فقال إن معنى كونه نور السموات والأرض معروف بالنسبة إلى النور الظاهر ~~البصري ، فإذا رأيت خضرة الربيع في ضياء النهار فلست تشك في أنك ترى ~~الألوان فربما ظننت أنك لا ترى مع الألوان غيرها ، فإنك تقول لست أرى مع ~~الخضرة غير الخضرة إلا أنك عند غروب الشمس تدرك تفرقة ضرورية بين اللون حال ~~وقوع الضوء عليه وعدم وقوعه PageV23P200 عليه ، فلا جرم تعرف أن النور معنى ~~غير اللون يدرك مع الألوان إلا أنه كان لشدة اتحاده به لا يدرك ولشدة ظهوره ~~يختفي وقد يكون الظهور سبب الخفاء ، إذا عرفت هذا فاعلم أنه كما ظهر كل شيء ~~للبصر بالنور الظاهر فقد ظهر كل شيء للبصيرة الباطنة بالله ونوره حاصل مع ~~كل شيء لا يفارقه ، ولكن بقي ههنا تفاوت وهو أن النور الظاهر يتصور أن يغيب ~~بغروب الشمس ، ويحجب ms6759 فحينئذ يظهر أنه غير اللون ، وأما النور الإلهي الذي ~~به يظهر كل شيء لا يتصور غيبته بل يستحيل تغيره فيبقى مع الأشياء دائما ، ~~فانقطع طريق الاستدلال بالتفرقة ، ولو تصورت غيبته لانهدمت السموات والأرض ~~ولأدرك عنده من التفرقة ما يحصل العلم الضروري به ، ولكن لما تساوت الأشياء ~~كلها على نمط واحد في الشهادة على وجود خالقها ، وأن كل شيء يسبح بحمده لا ~~بعض الأشياء ، وفي جميع الأوقات لا في بعض الأوقات ارتفعت التفرقة وخفي ~~الطريق ، إذ الطريق الظاهر معرفة الأشياء بالأضداد فما لا ضد له ولا تغير ~~له بتشابه أحواله ، فلا يبعد أن يخفى ويكون خفاؤه لشدة ظهوره وجلائه ، ~~فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره واحتجب عنهم بإشراق نوره ، واعلم أن ~~هذا الكلام الذي رويناه عن الشيخ الغزالي رحمه الله كلام مستطاب ولكن يرجع ~~حاصله بعد التحقيق إلى أن معنى كونه سبحانه نورا أنه خالق للعالم وأنه خالق ~~للقوى الدراكة ، وهو المعنى من قولنا معنى كونه نور السموات والأرض أنه ~~هادي أهل السموات والأرض ، فلا تفاوت بين ما قاله وبين الذي نقلناه عن ~~المفسرين في المعنى والله أعلم . # الفصل الثاني : في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام : ( إن لله سبعين ~~حجابا من نور / وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره ) وفي ~~بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون ألفا ، فأقول : لما ثبت أن الله ~~سبحانه وتعالى متجل في ذاته لذاته كان الحجاب بالإضافة إلى المحجوب لا ~~محالة والمحجوب لا بد وأن يكون محجوبا ، إما بحجاب مركب من نور وظلمة ، ~~وإما بحجاب مركب من نور فقط / أو بحجاب مركب من ظلمة فقط ، أما المحجوبون ~~بالظلمة المحضة فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لم ~~يلتفت خاطرهم إلى أنه هل يمكن الاستدلال بوجود هذه المحسوسات على وجود واجب ~~الوجود أم لا ؟ وذلك لأنك قد عرفت أن ما سوى الله تعالى من حيث هو هو مظلم ~~، وإنما كان مستنيرا من حيث استفاد النور من حضرة الله تعالى ، فمن اشتغل ~~بالجسمانيات ms6760 من حيث هي هي وصار ذلك الاشتغال حائلا له عن الالتفات إلى جانب ~~النور كان حجابه محض الظلمة ، ولما كانت أنواع الاشتغال بالعلائق البدنية ~~خارجة عن الحد والحصر فكذا أنواع الحجب الظلمانية خارجة عن الحد والحصر . # القسم الثاني : المحجوبوبن بالحجب الممزوجة من النور والظلمة # اعلم أن من نظر إلى هذه المحسوسات فإما أن يعتقد فيها أنها غنية عن ~~المؤثر ، أو يعتقد فيها أنها محتاجة ، فإن اعتقد أنها غنية فهذا حجاب ممزوج ~~من نور وظلمة { أما * النور } فلأنه تصور ماهية الاستغناء عن الغير ، وذلك ~~من صفات جلال الله تعالى وهو من صفات النور { وأما } فلأنه اعتقد حصول ذلك ~~الوصف في هذه الأجسام مع أن ذلك الوصف لا يليق بهذا الوصف وهذا ظلمة ، فثبت ~~أن هذا حجاب ممزوج من نور وظلمة ، ثم أصناف هذا القسم كثيرة ، فإن من الناس ~~من يعتقد أن الممكن غني عن المؤثر ، ومنهم من يسلم ذلك لكنه يقول المؤثر ~~فيها طبائعها أو حركاتها أو اجتماعها وافتراقها أو نسبتها إلى حركات ~~الأفلاك أو إلى محركاتها وكل هؤلاء من هذا القسم . PageV23P201 # القسم الثالث : الحجب النورانية المحضة # واعلم أنه لا سبيل إلى معرفة الحق سبحانه إلا بواسطة تلك الصفات السلبية ~~والإضافية ولا نهاية لهذه الصفات ولمراتبها ، فالعبد لا يزال يكون مترقيا ~~فيها فإن وصل إلى درجة وبقي فيها كان استغراقه في مشاهدة تلك الدرجة حجابا ~~له عن الترقي إلى ما فوقها ، ولما كان لا نهاية لهذه الدرجات كان العبد ~~أبدا في السير والانتقال ، وأما حقيقته المخصوصة فهي محتجبة عن الكل فقد ~~أشرنا إلى كيفية مراتب الحجب ، وأنت تعرف أنه عليه الصلاة والسلام إنما ~~حصرها في سبعين ألفا تقريبا لا تحديدا فإنها لا نهاية لها في الحقيقة . # الفصل الثالث في شرح كيفية التمثيل # اعلم أنه لا بد في التشبيه من أمرين : المشبه والمشبه به ، واختلف الناس ~~ههنا في أن المشبه أي شي هو ؟ وذكروا وجوها : أحدها : وهو قول جمهور ~~المتكلمين ونصره القاضي أن المراد / من الهدى التي هي الآيات البينات ، ~~والمعنى أن ms6761 هداية الله تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات ~~وصارت في ذلك بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية . وفي الزجاجة ~~مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء ، فإن قيل لم شبهه بذلك وقد علمنا ~~أن ضوء الشمس أبلغ من ذلك بكثير ، قلنا إنه سبحانه أراد أن يصف الضوء ~~الكامل الذي يلوح وسط الظلمة لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو ~~الشبهات التي هي كالظلمات وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي ~~يظهر فيما بين الظلمات ، وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس لأن ضوءها إذا ~~ظهر امتلأ العالم من النور الخالص ، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة ~~الخالصة فلا جرم كان ذلك المثل ههنا أليق وأوفق ، واعلم أن الأمور التي ~~اعتبرها الله تعالى في هذا المثال مما توجب كمال الضوء فأولها : المصباح ~~لأن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته ، أما إذا وضع في المشكاة ~~اجتمعت أشعته فكانت أكثر إنارة ، والذي يحقق ذلك أن المصباح إذا كان في بيت ~~صغير فإنه يظهر من ضوئه أكثر مما يظهر في البيت الكبير وثانيها : أن ~~المصباح إذا كان في زجاجة صافية فإن الأشعة المنفصلة عن المصباح تنعكس من ~~بعض جوانب الزجاجة إلى البعض لما في الزجاجة من الصفاء والشفافية وبسبب ذلك ~~يزداد الضوء والنور / والذي يحقق ذلك أن شعاع الشمس إذا وقع على الزجاجة ~~الصافية تضاعف الضوء الظاهر حتى أنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك الضوء ، فإن ~~انعكست تلك الأشعة من كل واحد من جوانب الزجاجة إلى الجانب الآخر كثرت ~~الأنوار والأضواء وبلغت النهاية الممكنة وثالثها : أن ضوء المصباح يختلف ~~بحسب اختلاف ما يتقد به ، فإذا كان ذلك الدهن صافيا خالصا كانت حالته بخلاف ~~حالته إذا كان كدرا وليس في الأدهان التي توقد ما يظهر فيه من الصفاء مثل ~~الذي يظهر في الزيت فربما يبلغ في الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض ~~فيه وشعاع يتردد في أجزائه ورابعها : أن هذا الزيت يختلف بحسب اختلاف شجرته ~~، فإذا ms6762 كانت لا شرقية ولا غربية بمعنى أنها كانت بارزة للشمس في كل حالاتها ~~يكون زيتونها أشد نضجا ، فكان زيته أكثر صفاء وأقرب إلى أن يتميز صفوه من ~~كدره لأن زيادة الشمس تؤثر في ذلك ، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة ~~وتعاونت صار ذلك الضوء خالصا كاملا فيصلح أن يجعل مثلا لهداية الله تعالى ~~وثانيها : أن المراد من النور في قوله : { والارض مثل نوره } القرآن ويدل ~~عليه قوله تعالى : { قد جاءكم من الله نور } ( المائدة : 15 ) وهو قول ~~الحسن وسفيان بن عيينة وزيد بن أسلم وثالثها : أن المراد PageV23P202 هو ~~الرسول لأنه المرشد ، ولأنه تعالى قال في وصفه : { وسراجا منيرا } ( ~~الأحزاب : 46 ) وهو قول عطاء ، وهذان القولان داخلان في القول الأول ، لأن ~~من جملة أنواع الهداية إنزال الكتب وبعثة الرسل . قال تعالى في صفة الكتب : ~~{ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( ~~الشورى : 52 ) وقال في صفة الرسل : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس ~~على الله حجة بعد الرسل } ( لنساء : 165 ) ورابعها : أن المراد منه ما في ~~قلب المؤمنين من معرفة / الله تعالى ومعرفة الشرائع ، ويدل عليه أن الله ~~تعالى وصف الإيمان بأنه نور والكفر بأنه ظلمة ، فقال : { أفمن شرح الله ~~صدره للإسلام فهو على نور من ربه } ( الزمر : 22 ) وقال تعالى : { ليخرج * ~~الناس من الظلمات إلى النور } وحاصله أنه حمل الهدى على الاهتداء ، ~~والمقصود من التمثيل أن إيمان المؤمن قد بلغ في الصفاء عن الشبهات ، ~~والامتياز عن ظلمات الضلالات مبلغ السراج المذكور ، وهو قول أبي ابن كعب ~~وابن عباس ، قال أبي : مثل نور المؤمن ، وهكذا كان يقرأ ، وقيل إنه كان ~~يقرأ : مثل نور من آمن به ، وقال ابن عباس : مثل نوره في قلب المؤمن ~~وخامسها : ما ذكره الشيخ الغزالي رحمه الله وهو : أنا بينا أن القوى ~~المدركة أنوار ، ومراتب القوى المدركة الإنسانية خمسة أحدها : القوة ~~الحساسة ، وهي التي تتلقى ما تورده الحوسا الخمس وكأنها أصل الروح الحيواني ~~، وأوله إذ به يصير الحيوان حيوانا وهو موجود للصبي ms6763 الرضيع وثانيها : القوة ~~الخيالية وهي التي تستثبت ما أورده الحواس وتحفظه مخزونا عندها لتعرضه على ~~القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه . وثالثها : القوة العقلية ~~المدركة للحقائق الكلية ورابعها : القوة الفكرية وهي التي تأخذ المعارف ~~العقلية فتؤلفها تأليفا فتستنتج من تأليفها علما بمجهول وخامسها : القوة ~~القدسية التي تختص بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبعض الأولياء ، ~~وتتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ~~وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولاكن ~~جعلناه نورا نهدى به من } ( والشورى : 52 ) وإذا عرفت هذه القوى فهي ~~بجملتها أنوار / إذ بها تظهر أصناف الموجودات ، وأن هذه المراتب الخمسة ~~يمكن تشبيهها بالأمور الحسنة التي ذكرها الله تعالى وهي : المشكاة والزجاجة ~~والمصباح والشجرة والزيت . أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصيته وجدت ~~أنواره خارجة من عدة أثقب كالعينين والأذنين والمنخرين وأوفق مثال له من ~~عالم الأجسام المشكاة وأما الثاني : وهو الروح الحيالي فنجد له خواص ثلاثة ~~: الأولى : أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو قدر ~~وشكل وحيز ، ومن شأن العلائق الجسمانية أن تحجب عن الأنوار العقلية المحضة ~~التي هي التعقلات الكلية المجردة والثانية : أن هذا الخيال الكثيف إذا صفا ~~ورق وهذب صار موازنا للمعاني العقلية ومؤديا لأنوارها وغير حائل عن إشراق ~~نورها ، ولذلك فإن المعبر يستدل بالصور الخيالية على المعاني العقلية ، كما ~~يستدل بالشمس على الملك ، وبالقمر على الوزير ، وبمن يختم فروج PageV23P203 ~~الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح والثالثة : أن الخيال في بداية ~~الأمر محتاج إليه جدا ليضبط بها المعارف العقلية ولا تضطرب ، فنعم المثالات ~~الخيالية الجالبة للمعارف العقلية ، وأنت لا تجد شيئا في الأجسام يشبه ~~الخيال في هذه الصفات الثلاثة إلا الزجاجة ، فإنها في الأصل من جوهر كثيف ~~ولكن صفا ورق حتى صار لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه ، ثم يحفظه ~~على الانطفاء بالرياح العاصفة وأما الثالث : وهو القوة العقلية فهي القوية ~~على إدراك الماهيات الكلية والمعارف / الإلهية ، فلا يخفى ms6764 عليك وجه تمثيله ~~بالمصباح ، وقد عرفت هذا حيث بينا كون الأنبياء سرجا منيرة وأما الرابع : ~~وهو القوة الفكرية فمن خواصها أنها تأخذ ماهية واحدة ، ثم تقسمها إلى قسمين ~~كقولنا الموجود إما واجب وإما ممكن ، ثم تجعل كل قسم مرة أخرى قسمين وهكذا ~~إلى أن تكثر الشعب بالتقسيمات العقلية ، ثم تقضي بالآخرة إلى نتائج وهي ~~ثمراتها ، ثم تعود فتجعل تلك الثمرات بذورا لأمثالها حتى تتأدى إلى ثمرات ~~لا نهاية لها ، فبالحري أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة ، وإذا كانت ~~ثمارها مادة لتزايد أنوار المعارف ونباتها ، فبالحري أن لا يمثل بشجرة ~~السفرجل والتفاح ، بل بشجرة الزيتون خاصة ، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو ~~مادة المصابيح ، وله من بين سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان ~~، وإذا كانت الماشية التي يكثر درها ونسلها والشجرة التي تكثر ثمرتها تسمى ~~مباركة فالذي لا يتناهى إلى حد محدود أولى أن يسمى شجرة مباركة ، وإذا كانت ~~شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ، فبالحري أن تكون لا ~~شرقية ولا غربية وأما الخامس : وهو القوة القدسية النبوية فهي في نهاية ~~الشرف والصفاء ، فإن القوة الفكرية تنقسم إلى ما يحتاج إلى تعليم وتنبيه ~~وإلى ما لا يحتاج إليه ، ولا بد من وجود هذا القسم قطعا للتسلسل ، فبالحري ~~أن يعبر عن هذا القسم بكماله وصفائه وشدة استعداده بأنه يكاد زيتها يضيء ~~ولو لم تمسسه نار ، فهذا المثال موافق لهذا القسم ، ولما كانت هذه الأنوار ~~مرتبة بعضها على بعض فالحس هو الأول وهو كالمقدمة للخيال والخيال كالمقدمة ~~للعقل ، فبالحري أن تكون المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح ~~وسادسها : ما ذكره أبو علي بن سينا فإنه نزل هذه الأمثلة الخمسة على مراتب ~~إدراكات النفس الإنسانية ، فقال لا شك أن النفس الإنسانية قابلة للمعارف ~~الكلية والإدراكات المجردة ، ثم إنها في أول الأمر تكون خالية عن جميع هذه ~~المعارف فهناك تسمى عقلا هيوليا وهي المشكاة وفي المرتبة الثانية : يحصل ~~فيها العلوم البديهية التي يمكن التوصل بتركيباتها إلى اكتساب العلوم ~~النظرية ms6765 ، ثم إن أمكنة الانتقال إن كانت ضعيفة فهي الشجرة ، وإن كانت أقوى ~~من ذلك فهي الزيت / وإن كانت شديدة القوة جدا فهي الزجاجة التي تكون كأنها ~~الكوكب الدري ، وإن كانت في النهاية القصوى وهي النفس القدسية التي ~~للأنبياء فهي التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار وفي المرتبة الثالثة : ~~يكتسب من العلوم الفطرية الضرورية العلوم النظرية إلا أنها لا تكون حاضرة ~~بالفعل ولكنها تكون بحيث متى شاء صاحبها استحضارها قدر عليه وهذا يسمى عقلا ~~بالفعل وهذا المصباح وفي المرتبة الرابعة : أن تكون تلك المعارف الضرورية ~~والنظرية حاصلة بالفعل ويكون صاحبها كأنه ينظر إليها وهذا يسمى عقلا ~~مستفادا وهو نور على نور لأن الملكة نور وحصول ما عليه الملكة نور آخر ، ثم ~~زعم أن هذه العلوم التي تحصل في الأرواح البشرية ، إنما تحصيل من جوهر ~~روحاني يسمى بالعقل الفعال وهو مدبر ما تحت كرة القمر وهو النار وسابعها : ~~قول بعض الصوفية هو أنه سبحانه شبه الصدر بالمشكاة والقلب / بالزجاجة ~~والمعرفة بالمصباح ، PageV23P204 وهذا المصباح إنما توقد من شجرة مباركة ~~وهي إلهامات الملائكة لقوله تعالى : { ينزل الملائكة بالروح من أمره } ( ~~النحل : 2 ) وقوله : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ( الشعراء : 193 ) ~~وإنما شبه الملائكة بالشجرة المباركة لكثرة منافعهم ، وإنما وصفها بأنها لا ~~شرقية ولا غربية لأنها روحانية وإنما وصفهم بقوله : { يكاد زيتها يضىء ولو ~~لم تمسسه نار } لكثرة علومها وشدة إطلاعها على أسرار ملكوت الله تعالى ~~والظاهر ههنا أن المشبه غير المشبه به وثامنها : قال مقاتل مثل نوره أي مثل ~~نور الإيمان في قلب محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة فيها مصباح ، فالمشكاة ~~نظير صلب عبدالله والزجاجة نظير جسد محمد صلى الله عليه وسلم والمصباح نظير ~~الإيمان في قلب محمد أو نظير النبوة في قلبه وتاسعها : قال قوم المشكاة ~~نظير إبراهيم عليه السلام والزجاجة نظير إسماعيل عليه السلام والمصباح نظير ~~جسد محمد صلى الله عليه وسلم والشجرة النبوة والرسالة وعاشرها : أن قوله ~~مثل نوره يرجع إلى المؤمن وهو قول أبي بن كعب ms6766 وكان يقرأها مثل نور المؤمن ، ~~وهو قول سعيد بن جبير والضحاك ، واعلم أن القول الأول هو المختار لأنه ~~تعالى ذكر قبل هذه الآية : { ولقد أنزلنا إليكم ءايات مبينات } فإذا كان ~~المراد بقوله : { مثل نوره } أي مثل هذه وبيانه كان ذلك مطابقا لما قبله ، ~~ولأن لما فسرنا قوله : { الله نور * السماوات والارض } بأنه هادي أهل ~~السموات والأرض فإذا فسرنا قوله : { مثل نوره } بأن المراد مثل هداه كان ~~ذلك مطابقا لما قبله . # الفصل الرابع في بقية المباحث المتعلقة بهذه الآية # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة ، هذا هو القول ~~المشهور ، وذكروا فيه وجوها أخر : أحدها : قال ابن عباس وأبو موسى الأشعري ~~المشكاة القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة ، وهو قول مجاهد ~~والقرظي والثاني : قال الزجاج هي ههنا قصبة القنديل من الزجاجة التي توضع ~~فيها الفتيلة الثالث : قال الضحاك إنها الحلقة التي يعلق بها القنديل ~~والأول هو الأصح . # المسألة الثانية : زعموا أن المشكاة هي الكوة بلغة الحبشة ، قال الزجاج ~~المشكاة من كلام العرب ومثلها المشكاة وهي الدقيق الصغير . # المسألة الثالثة : قال بعضهم هذه الآية من المقلوب ، والتقدير مثل نوره ~~كمصباح في مشكاة لأن المشبه به هو الذي يكون معدنا للنور ومنبعا له وذلك هو ~~المصباح لا المشكاة . # المسألة الرابعة : المصباح السراج وأصله من الضوء ومنه الصبح . # المسألة الخامسة : قرىء { زجاجة } الزجاجة بالضم والفتح والكسر / أما { ~~درى } فقرىء بضم الدال وكسرها وفتحها ، أما الضم ففيه ثلاثة أوجه : الأول : ~~ضم الدال وتشديد الراء والياء من غير همز وهو القراءة المعروفة ، ومعناه ~~أنه يشبه الدر لصفائه ولمعانه ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( إنكم لترون ~~أهل الدرجات العلى كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء ) الثاني : / أنه ~~كذلك إلا أنه بالمد والهمزة وهو قراءة حمزة وعاصم PageV23P205 في رواية أبي ~~بكر وصار بعض أهل العربية إلى أنه لحن قال سيبويه وهذا أضعف اللغات وهو ~~مأخوذ من الضوء والتلألؤ وليس بمنسوب إلى الدر ، قال أبو علي وجه هذه ~~القراءة أنه فعيل من الدرء ms6767 بمعنى الدفع وأنه صفة وأنه في الصفة مثل المرىء ~~في الاسم والثالث : ضم الدال وتخفيف الراء والياء من غير مد ولا همز ، أما ~~الكسر ففيه وجهان : الأول : درىء بكسر الدال وتشديد الراء والمد والهمز ، ~~وهي قراءة أبي عمرو والسكائي قال الفراء هو فعيل من الدرء وهو الدفع ~~كالسكير والفسيق فكان ضوأه يدفع بعضه بعضا من لمعانه الثاني : بكسر الدال ~~وتشديد الراء من غير همز ولا مد وهي قراءة ابن خليد وعتبة بن حماد عن نافع ~~، أما الفتح ففيه وجوه أربعة : الأول : بفتح الدال وتشديد الراء والمد ~~والهمز عن الأعمش الثاني : بفتح الدال وتشديد الراء من غير مد ولا همز عن ~~الحسن ومجاهد وقتادة الثالث : بفتح الدال وتخفيف الراء مهموزا من غير مد ~~ولا ياء عن عاصم الرابع : كذلك إلا أنه غير مهموز وبياء خفيفة بدل الهمزة ، ~~أما قوله : { * توقد } القراءة المعروفة توقد بالفتحات الأربعة مع تشديد ~~القاف بوزن تفعل وعن الحسن ومجاهد وقتادة كذلك إلا أنه يضم الدال ، وذكر ~~صاحب ( الكشاف ) يوقد بفتح الياء المنقوطة من تحت بنقطتين والواو والقاف ~~وتشديدها ورفع الدال قال وحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين وهو غريب ، وعن ~~سعيد بن جبير بياء مضمومة وإسكان الواو وفتح القاف مخففة ورفع الدال وعن ~~نافع وحفص كذلك إلا أنه بالتاء ، وعن عاصم بياء مضمومة وفتح الواو وتشديد ~~القاف وفتحها ، وعن أبي عمرو كذلك إلا أنه بالتاء ، وعن طلحة توقد بتاء ~~مضمومة وواو ساكن وكسر القاف وتخفيفها . # المسألة السادسة : قوله : { الزجاجة كأنها كوكب درى } أي ضخم مضيء ودراري ~~النجوم عظامها ، واتفقوا على أن المراد به كوكب من الكواكب المضيئة كالزهرة ~~والمشتري والثوابت التي في العظم الأول . # المسألة السابعة : قوله : { من شجرة مباركة } أي من زيت شجرة مباركة أي ~~كثيرة البركة والنفع ، وقيل هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان وقد بارك فيها ~~سبعون نبيا ، منهم الخليل ، وقيل المراد زيتون الشام ، لأنها هي الأرض ~~المباركة فلهذا جعل الله هذه شجرة مباركة . # المسألة الثامنة : اختلفوا في معنى وصف الشجرة بأنها لا شرقية ولا ms6768 غربية ~~على وجوه : أحدها : قال الحسن إنها شجرة الزيت من الجنة إذ لو كانت من شجر ~~الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية وهذا ضعيف لأنه تعالى إنما ضرب المثل بما ~~شاهدوه وهم ما شاهدوا شجرة الجنة وثانيها : أن المراد شجرة الزيتون في ~~الشام لأن الشام وسط الدنيا فلا يوصف شجرها بأنها شرقية أو غربية وهذا أيضا ~~ضعيف لأن من قال الأرض كرة لم يثبت المشرق والمغرب موضعين معينين بل لكل ~~بلد مشرق ومغرب على حدة ، ولأن المثل مضروب لكل من يعرف الزيت ، وقد يوجد ~~في / غير الشام كوجوده فيها وثالثها : أنها شجرة تلتف بها الأشجار فلا ~~تصيبها الشمس في شرق ولا غرب ، ومنهم من قال هي شجرة يلتف بها ورقها ~~التفافا شديدا فلا تصل الشمس إليها سواء كانت الشمس شرقية أو غربية ، وليس ~~في الشجر ما يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان ، وهذا أيضا ~~ضعيف لأن الغرض صفاء الزيت وذلك لا يحصل إلا بكمال نضج الزيتون وذلك إنما ~~يحصل في العادة بوصول أثر الشمس إليه لا بعدم وصوله ورابعها : قال ابن عباس ~~المراد الشجرة التي تبرز على جبل عال أو صحراء واسعة فتطلع الشمس عليها ~~PageV23P206 حالتي الطلوع والغروب ، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ~~وقتادة واختيار الفراء والزجاج ، قالا ومعناه لا شرقية وحدها ولا غربية ~~وحدها ولكنها شرقية وغربية وهو كما يقال فلان لا مسافر ولا مقيم إذا كان ~~يسافر ويقيم ، وهذا القول هو المختار لأن الشجرة متى كانت كذلك كان زيتها ~~في نهاية الصفاء وحينئذ يكون مقصود التمثيل أكمل وأتم وخامسها : المشكاة ~~صدر محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه والمصباح ما في قلبه صلى الله ~~عليه وسلم من الدين ، توقد من شجرة مباركة ، يعني واتبعوا ملة أبيكم ~~إبراهيم صلوات الله عليه فالشجرة هي إبراهيم عليه السلام ، ثم وصف إبراهيم ~~فقال لا شرقية ولا غربية أي لم يكن يصلي قبل المشرق ولا قبل المغرب كاليهود ~~والنصارى بل كان عليه الصلاة والسلام يصلي إلى الكعبة . # المسألة ms6769 التاسعة : وصف الله تعالى زيتها بأنه يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ~~لأن الزيت إذا كان خالصا صافيا ثم رؤي من بعيد يرى كأن له شعاعا ، فإذا مسه ~~النار ازداد ضوأ على ضوء ، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه ~~العلم ، فإذا جاءه العلم ازداد نورا على نور وهدى على هدى ، قال يحيى بن ~~سلام قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له لموافقته له ، وهو المراد من ~~قوله عليه الصلاة والسلام : ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) ~~وقال كعب الأحبار المراد من الزيت نور محمد صلى الله عليه وسلم أي يكاد ~~نوره يبين للناس قبل أن يتكلم ، وقال الضحاك يكاد محمد صلى الله عليه وسلم ~~يتكلم بالحكمة قبل الوحي ، وقال عبدالله بن رواحة : # % لو لم تكن فيه آيات مبينة % % كانت بديهته تنبيك بالخبر % # المسألة العاشرة : قوله تعالى : { نور على نور } المراد ترادف هذه ~~الأنوار واجتماعها ، قال أبي بن كعب : المؤمن بين أربع خلال أن أعطى شكر ~~وإن ابتلى صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل ، فهو في سائر الناس كالرجل الحي ~~الذي يمشي بين الأموات يتقلب في خمس من النور ، كلامه نور وعمله نور ومدخله ~~نور ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة ، قال الربيع سألت أبا ~~العالية عن مدخله ومخرجه فقال سره وعلانيته . # المسألة الحادية عشرة : قال الجبائي دلت الآية على أن كل من جهل فمن قبله ~~أتى وإلا فالأدلة واضحة ولو نظروا فيها لعرفوا ، قال أصحابنا هذه الآية ~~صريح مذهبنا فإنه سبحانه بعد أن / بين أن هذه الدلائل بلغت في الظهور ~~والوضوح إلى هذا الحد الذي لا يمكن الزيادة عليه ، قال : { يهدى الله لنوره ~~من يشاء } يعني وضوح هذه الدلائل لا يكفي ولا ينفع ما لم يخلق الله الإيمان ~~ولا يمكن أن يكون المراد من قوله : { يهدى الله } إيضاح الأدلة والبيانات ~~لأنا لو حملنا النور على إيضاح الأدلة لم يجز حمل الهدى عليه أيضا ، وإلا ~~لخرج الكلام عن الفائدة ، فلم يبق إلا حمل الهدى ms6770 ههنا على خلق العلم أجاب ~~أبو مسلم بن بحر عنه من وجهين : الأول : أن قوله : { يهدى الله لنوره من ~~يشاء } محمول على زيادات الهدى الذي هو كالضد للخذلان الحاصل للضال الثاني ~~: أنه سبحانه يهدي لنوره الذي هو طريق الجنة من يشاء وشبهه بقوله : { يسعى ~~نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات } ( الحديد : 12 ) وزيف ~~القاضي عبد الجبار هذين الجوابين أما الأول : فلأن الكلام المتقدم هو في ~~ذكر الآيات المنزلة فإذا حلمناه على الهدى دخل الكل فيه وإذا حملناه على ~~الزيادة لم يدخل فيه إلا البعض ، وإذا حمل على طريق الجنة لا يكون داخلا ~~فيه أصلا إلا من حيث المعنى لا من حيث اللفظ ولما زيف هذين الجوابين / قال ~~الأولى أن يقال إنه تعالى هدى بذلك البعض دون البعض وهم الذين بلغهم حد ~~التكليف . PageV23P207 # واعلم أن هذا الجواب أضعف من الجوابين الأولين ، لأن قوله : { يهدى الله ~~لنوره من يشاء } يفهم منه أن هذه الآيات مع وضوحها لا تكفي ، وهذا لا ~~يتناول الصبي والمجنون فسقط ما قالوه . # المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى : { ويضرب الله الامثال للناس } ~~والمراد للمكلفين من الناس وهو النبي ومن بعث إليه ، فإنه سبحانه ذكر ذلك ~~في معرض النعمة العظيمة ، واستدلت المعتزلة به فقالوا إنما يكون ذلك نعمة ~~عظيمة لو أمكنهم الانتفاع به ، ولو كان الكل بخلق الله تعالى لما تمكنوا من ~~الانتفاع به ، وجوابه ما تقدم ، ثم بين أنه سبحانه { بكل شىء عليم } وذلك ~~كالوعيد لمن لا يعتبر ولا يتفكر في أمثاله ولا ينظر في أدلته فيعرف وضوحها ~~وبعدها عن الشبهات . # # PageV23P208 ! 7 < { فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له ~~فيها بالغدو والا صال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام ~~الصلواة وإيتآء الزكواة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والا بصار * ليجزيهم ~~الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشآء بغير حساب } . > 7 ~~! # / < < # | النور : ( 36 - 38 ) في بيوت أذن . . . . . # > > اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { فى ms6771 بيوت أذن الله } يقتضي محذوفا يكون ~~فيها وذكروا فيه وجوه : أحدها : أن التقدير كمشكاة فيها مصباح في بيوت أذن ~~الله وهو اختيار كثير من المحققين ، اعترض أبو مسلم بن بحر الأصفهاني عليه ~~من وجهين : الأول : أن المقصود من ذكر المصباح المثل وكون المصباح في بيوت ~~أذن الله لا يزيد في هذا المقصود لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضارة ~~الثاني : أن ما تقدم ذكره فيه وجوه تقتضي كونه واحدا كقوله : { كمشكاة } ~~وقوله : { فيها مصباح } وقوله : { فى زجاجة } وقوله : { كأنها كوكب درى } ( ~~النور : 35 ) ولفظ البيوت جمع ولا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت والجواب ~~عن الأول أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان ~~أعظم وأضخم فكان أضوأ ، فكان التمثيل به أتم وأكمل وعن الثاني : أنه لما ~~كان القصد بالمثل هو الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل كمشكاة فيها مصباح في ~~زجاجة تتوقد من الزيت ، وتكون الفائدة في ذلك أن ضوأها يظهر في هذه البيوت ~~بالليالي عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى ، ولو أن رجلا قال الذي يصلح ~~لخدمتي رجل يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته لكان وإن ذكره بلفظ ~~الواحد فالمراد النوع فكذا ما ذكره الله سبحانه في هذه الآية وثانيها : ~~التقدير توقد من شجرة مباركة في بيوت أذن الله أن ترفع وثالثها : وهو قول / ~~أبي مسلم أنه PageV24P003 راجع إلى قوله : { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ~~} ( النور : 34 ) أي ومثلا من الذين خلوا من قبلكم في بيوت أذن الله أن ~~ترفع ، ويكون المراد بالذين خلوا الأنبياء والمؤمنين والبيوت المساجد ، وقد ~~اقتص الله أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذكر أماكنهم فسماها محاريب ~~بقوله : { إذ تسوروا المحراب } و { كلما دخل عليها زكريا المحراب } ( ص : ~~21 ) فيقول : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ، وأنزلنا أقاصيص من بعث قبلكم ~~من الأنبياء والمؤمنين في بيوت أذن الله أن ترفع ورابعها : قول الجبائي إنه ~~كلام مستأنف لا تعلق له بما تقدم والتقدير صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع ms6772 ~~وخامسها : وهو قول الفراء والزجاج إنه لا حذف في الآية بل فيه تقديم وتأخير ~~كأنه قال يسبح في بيوت أذن الله أن ترفع رجال صفتهم كيت وكيت ، وأما قول ~~أبي مسلم فقد اعترض عليه القاضي من وجهين : الأول : أن قوله : { ومثلا من ~~الذين خلوا من قبلكم } ( النور : 34 ) المراد منه خلا من المكذبين للرسل ~~لتعلقه بما تقدم من الإكراه على الزنا ابتغاء للدنيا فلا يليق ذلك بوصف هذه ~~البيوت لأنها بيوت أذن أن يذكر فيها اسمه الثاني : أن هذه الآية صارت ~~منقطعة عن تلك الآية بما تخلل بينهما من قوله تعالى : { الله نور * ~~السماوات والارض } ( النور : 35 ) وأما قول الجبائي فقيل الإضمار لا يجوز ~~المصير إليه إلا عند الضرورة وعلى التأويل الذي ذكره الفراء والزجاج لا ~~حاجة إليه فلا يجوز المصير إليه فإن قيل على قول الزجاج يتوجه عليه إشكال ~~أيضا لأن على قوله يصير المعنى في بيوت أذن الله يسبح له فيها فيكون قوله ~~فيها تكرارا من غير فائدة / فلم قلتم إن تحمل هذه الزيادة أولى من تحمل مثل ~~ذلك النقصان ؟ قلنا الزيادة لأجل التأكيد كثيرة فكان المصير إليها أولى . # المسألة الثانية : أكثر المفسرين قالوا المراد من قوله : { فى بيوت } ~~المساجد وعن عكرمة { فى بيوت } قال هي البيوت كلها والأول أولى لوجهين : ~~الأول : أن في البيوت ما لا يمكن أن يوصف بأن الله تعالى أذن أن ترفع ~~الثاني : أنه تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة وذلك لا يليق إلا ~~بالمساجد ثم للقائلين بأن المراد هو المساجد قولان : أحدهما : أن المراد ~~أربع مساجد الكعبة بناها إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام ، وبيت ~~المقدس بناه داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ، ومسجد المدينة بناه ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء الذي أسس على التقوى بناه نبي صلى ~~الله عليه وسلم وعن الحسن هو بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل والثاني ~~: أن المراد هو جميع المساجد والأول ضعيف لأنه تخصيص بلا دليل فالأول حمل ~~اللفظ على جميع المساجد ، قال ابن عباس رضي الله ms6773 عنهما المساجد بيوت الله ~~في الأرض وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض . # المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد من قوله : { أن ترفع } على أقوال ~~أحدها : المراد من رفعها بناؤها لقوله : { بناها * رفع سمكها فسواها } ( ~~النازعات : 27 ، 28 ) وقوله : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } ( ~~البقرة : 127 ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي المساجد أمر الله أن تبنى ~~وثانيها : ترفع أي تعظم وتطهر عن الأنجاس وعن اللغو من الأقوال عن الزجاج ~~وثالثها : المراد مجموع الأمرين . PageV24P004 # / والقول الثاني أولى لأن قوله : { فى بيوت أذن الله أن ترفع } ظاهره ~~أنها كانت بيوتا قبل الرفع فأذن الله أن ترفع . # المسألة الرابعة : اختلفوا في المراد من قوله : { ويذكر فيها اسمه } ~~فالقول الأول : أنه عام في كل ذكر والثاني : أن يتلى فيها كتابه عن ابن ~~عباس والثالث : لا يتكلم فيها بما لا ينبغي والأول أولى لعموم اللفظ . # المسألة الخامسة : قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم { يسبح } بفتح الباء ~~والباقون بكسرها فعلى القراءة الأولى يكون القول ممتدا إلى آخر الظروف ~~الثلاثة أعني له فيها بالغدو والآصال ، ثم قال الزجاج { رجال } مرفوع لأنه ~~لما قال { يسبح له فيها } فكأنه قيل من يسبح ؟ فقيل يسبح رجال . # المسألة السادسة : اختلفوا في هذا التسبيح فالأكثرون حملوه على نفس ~~الصلاة ، ثم اختلفوا فمنهم من حمله على كل الصلوات الخمس ومنهم من حمله على ~~صلاتي الصبح والعصر فقال كانتا واجبتين في ابتداء الحال ثم زيد فيهما ، ~~ومنهم من حمله على التسبيح الذي هو تنزيه الله تعالى عما لا يليق به في ~~ذاته وفعله ، واحتج عليه بأن الصلاة والزكاة قد عطفهما على ذلك من حيث قال ~~عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهذا الوجه أظهر . # المسألة السابعة : الآصال جمل أصل والأصل جميع أصيل وهو العشي وإنما وجد ~~الغدو لأنه في الأصل مصدر لا يجمع والأصيل اسم جمع ، قال صاحب ( الكشاف ) ~~بالغدو أي بأوقات الغدو أي بالغدوات وقرىء { * والإيصال } وهو الدخول في ~~الأصيل يقال آصال كأعتم وأظهر ، قال ابن عباس ms6774 رحمهما الله إن صلاة الضحى ~~لفي كتاب الله تعالى مذكورة وتلا هذه الآية وروى أبو هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من أحد يغدو ويروح إلى المسجد يؤثره على ما ~~سواه إلا وله عند الله نزل يعد له في الجنة ) وفي رواية سهل بن سعد مرفوعا ~~( من غدا إلى المسجد وراح ليعلم خيرا أو ليتعلمه كما كمثل المجاهد في سبيل ~~الله يرجع غانما ) . # المسألة الثامنة : اختلفوا في قوله تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة } ~~فقال بعضهم نفى كونهم تجارا وباعة أصلا ، وقال بعضهم بل أثبتهم تجارا وباعة ~~وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم عنها شاغل من ضروب منافع التجارات ، وهذا قول ~~الأكثرين ، قال الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ، ولكن إذا جاءت فرائض ~~الله لم يلههم عنها شيء فقاموا بالصلاة والزكاة ، وعن سالم نظر إلى قوم من ~~أهل السوق تركوا بياعاتهم وذهبوا إلى الصلاة فقال هم الذين قال تعالى فيهم ~~: { لا تلهيهم تجارة } ، وعن ابن مسعود مثله ، واعلم أن هذا القول أولى من ~~الأول ، لأنه لا يقال إن فلانا لا تلهيه التجارة عن كيت وكيت إلا وهو تاجر ~~، وإن احتمل الوجه الأول وههنا سؤالات : # السؤال الأول : لما قال : { لا تلهيهم تجارة } دخل فيه البيع فلم أعاد ~~ذكر البيع ؟ قلنا الجواب عنه من وجوه : الأول : أن التجارة جنس يدخل تحت ~~أنواع الشراء والبيع إلا أنه / سبحانه خص البيع بالذكر لأنه في الإلهاء ~~أدخل ، لأن الربح الحاصل في البيع يقين ناجز ، والربح الحاصل في الشراء شك ~~مستقبل الثاني : أن البيع يقتضي تبديل العرض بالنقد ، والشراء بالعكس ~~والرغبة في تحصيل النقد أكثر من العكس الثالث : قال الفراء : التجارة لأهل ~~الجلب ، يقال : اتجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده ، والبيع ما باعه ~~على يديه . PageV24P005 # السؤال الثاني : لم خص الرجال بالذكر ؟ والجواب : لأن النساء لسن من أهل ~~التجارات أو الجماعات . # المسألة التاسعة : اختلفوا في المراد بذكر الله تعالى ، فقال قوم : ~~المراد الثناء على الله تعالى والدعوات ، وقال آخرون : المراد الصلوات ms6775 ، ~~فإن قيل فما معنى قوله : { ليس البر } ؟ قلنا عنه جوابان : أحدهما : قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما المراد بإقام الصلاة إقامتها لمواقيتها والثاني : ~~يجوز أن يكون قوله : { ليس البر } ( البقرة : 3 ) تفسيرا لذكر الله فهم ~~يذكرون الله قبل الصلاة وفي الصلاة . # المسألة العاشرة : قد ذكرنا في أول تفسير سورة البقرة في قوله : { ~~ويقيمون الصلواة } أن إقام الصلاة هو القيام بحقها على شروطها ، والوجه في ~~حذف الهاء ما قاله الزجاج ، يقال أقمت الصلاة إقامة وكان الأصل إقواما ، ~~ولكن قلبت الواو ألفا فاجتمع ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي ~~أقمت الصلاة إقاما ، فأدخلت الهاء عوضا من المحذوف وقامت الإضافة ههنا في ~~التعويض مقام الهاء المحذوفة ، قال وهذا إجماع من النحويين . # المسألة الحادية عشرة : اختلفوا في الصلاة فمنهم من قال هي الفرائض ، ~~ومنهم من أدخل فيه النقل على ما حكيناه في صلاة الضحى عن ابن عباس ، والأول ~~أقرب لأنه إلى التعريف أقرب وكذلك القول في الزكاة أن المراد المفروض لأنه ~~المعروف في الشرع المسمى بذلك ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما المراد من ~~الزكاة طاعة الله تعالى والإخلاص ، وكذا في قوله : { وكان يأمر أهله ~~بالصلواة والزكواة } ( مريم : 55 ) وقوله : { ما زكى منكم من أحد } ( النور ~~: 21 ) وقوله : { تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) وهذا ضعيف لما ~~تقدم ولأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء ، وهذا لا يحمل إلا على ما يعطى من ~~حقوق المال . # المسألة الثانية عشرة : أنه سبحانه بين أن هؤلاء الرجال وإن تعبدوا بذكر ~~الله والطاعات فإنهم مع ذلك موصوفون بالوجل والخوف فقال : { يخافون يوما ~~تتقلب فيه القلوب والابصار } وذلك الخوف إنما كان لعلمهم بأنهم ما عبدوا ~~الله حق عبادته . واختلفوا في المراد بتقلب القلوب والأبصار على أقوال : ~~فالقول الأول أن القلوب تضطرب من الهول والفزع وتشخص الأبصار لقوله : { وإذ ~~زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر } ( الأحزاب : 10 ) الثاني : أنها تتغير ~~أحوالها فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعا عليها لا تفقه وتبصر الأبصار بعد ~~أن كانت لا تبصر ، فكأنهم انقلبوا من الشك إلى الظن ، ومن ms6776 الظن إلى اليقين ~~، ومن اليقين إلى المعاينة ، لقوله : { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } ( الزمر : 47 ) وقوله : { لقد كنت فى غفلة من هاذا فكشفنا عنك ~~غطاءك } ( ق : 22 ) ، الثالث : أن القلوب تتقلب في ذلك اليوم طمعا في ~~النجابة وحذرا من الهلاك والأبصار تنقلب من أي ناحية يؤمر بهم ، أمن ناحية ~~اليمين أم من ناحية الشمال ؟ ومن أي ناحية يعطون كتابهم أمن قبل الإيمان أم ~~من قبل الشمائل ؟ والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل ، فإنهم قالوا إن أهل ~~الثواب لا خوف عليهم ألبتة في ذلك اليوم ، وأهل العقاب لا يرجون العفو ، ~~لكنا بينا فساد هذا المذهب غير مرة الرابع : أن القلوب تزول عن أماكنها ~~فتبلغ الحناجر ، والأبصار تصير زرقا ، قال الضحاك : يحشر الكافر وبصره حديد ~~وتزرق عيناه ثم يعمى ، ويتقلب القلب من الخوف حيث لا يجد مخلصا حتى يقع في ~~الحنجرة فهو قوله : { إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين } ( غافر : 18 ) ، ~~الخامس : قال الجبائي المراد بتقلب القلوب والأبصار تغير هيئاتهما بسبب ~~PageV24P006 ما ينالها من العذاب ، فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار ومرة ~~بهيئة ما احترق ، قال ويجوز أن يريد به تقلبها على جمر جهنم وهو معنى قوله ~~تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة } ( الأنعام : ~~110 ) . # المسألة الثالثة عشرة : قوله : { ليجزيهم الله أحسن ما عملوا } أي يفعلون ~~هذه القربات ليجزيهم الله ويثيبهم على أحسن ما عملوا ، وفيه وجوه : الأول : ~~المراد بالأحسن الحسنات أجمع ، وهي الطاعات فرضها ونفلها ، قال مقاتل : ~~إنما ذكر الأحسن تنبيها على أنه لا يجازيهم على مساوىء أعمالهم بل يغفرها ~~لهم . الثاني : أنه سبحانه يجزيهم جزاء أحسن ما عملوا على الواحد عشرا إلى ~~سبعمائة الثالث : قال القاضي : المراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة ~~لمعاصيهم وإنما يجزيهم الله تعالى بأحسن الأعمال ، وهذا مستقيم على مذهبه ~~في الإحباط والموازنة . # أما قوله تعالى : { ويزيدهم من فضله } فالمعنى أنه تعالى يجزيهم بأحسن ~~الأعمال ولا يقتصر على قدر استحقاقهم بل يزيدهم من فضله على ما ذكره تعالى ~~في سائر الآيات ms6777 من التضعيف ، فإن قيل فهذا يدل على أن لفعل الطاعة أثرا في ~~استحقاق الثواب ، لأنه تعالى ميز الجزاء عن الفضل وأنتم لا تقولون بذلك ، ~~فإن عندكم العبد لا يستحق على ربه شيئا ، قلنا نحن نثبت الاستحقاق لكن ~~بالوعد فذاك القدر هو المستحق والزائد عليه هو الفضل ثم قال : { والله يرزق ~~من يشاء بغير حساب } نبه به على كمال قدرته وكمال جوده ونفاذ مشيئته وسعة ~~إحسانه ، فكان سبحانه لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة ، ومع ذلك ~~يكونون في نهاية الخوف ، فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم ، ~~ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم . # ! 7 < { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه ~~لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب * أو كظلمات فى ~~بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذآ أخرج ~~يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } . > 7 ! # / < < # | النور : ( 39 - 40 ) والذين كفروا أعمالهم . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما بين حال المؤمن ، وأنه في الدنيا يكون في النور ~~وبسببه يكون متمسكا بالعمل الصالح ، ثم بين أنه في الآخرة يكون فائزا ~~بالنعيم المقيم والثواب العظيم ، أتبع ذلك بأن بين أن الكافر يكون في ~~الآخرة في أشد الخسران ، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات ، وضرب لكل واحد ~~منهما مثلا ، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فهو قوله : { والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } قال الأزهري : السراب ما يتراءى للعين وقت ~~الضحى الأكبر في الفلوات شبيه الماء الجاري وليس بماء ولكن الذي ينظر إليه ~~من PageV24P007 بعيد يظنه ماء جاريا يقال سرب الماء يسرب سروبا إذا جرى فهو ~~سارب ، أما الآل فهو ما يتراءى للعين في أول النهار فيرى الناظر الصغير ~~كبيرا ، وظاهر كلام الخليل أن الآل والسراب واحد ، وأما القيعة فقال الفراء ~~: هو جمع قاع مثل جار وجيرة والقاع المنبسط المستوي من الأرض وقال صاحب ( ~~الكشاف ) القيعة بمعنى القاع ، وقال ms6778 الزجاج الظمآن : قد يخفف همزه ، وهو ~~الشديد العطش ، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال ~~البر فهو لا يستحق عليه ثوابا ، مع أنه يعتقد أن له ثوابا عليه ، وإن كان ~~من أفعال الإثم فهو يستحق عليه عقابا مع أنه يعتقد أنه يستحق عليه ثوابا ، ~~فكيف كان فهو يعتقد أن له ثوابا عند الله تعالى ، فإذا وافى عرصات القيامة ~~، ولم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه ، فيشبه حاله ~~حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الماء فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به ويرجو ~~به النجاة ويقوى طمعه فإذا جاءه وأيس مما كان يرجوه فيعظم ذلك عليه وهذا ~~المثال في غاية الحسن ، قال مجاهد السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ~~ومفارقة الدنيا فإن قيل قوله : { حتى إذا جاءه } يدل على كونه شيئا وقوله : ~~{ لم يجده شيئا } مناقض له ؟ قلنا الجواب عنه من وجوه ثلاثة : الأول : ~~المراد معناه أنه لم يجده شيئا نافعا كما يقال فلان ما عمل شيئا وإن كان قد ~~اجتهد الثاني : / حتى إذا جاءه أي جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا ~~فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه الثالث : الكناية للسراب لأن السراب يرى ~~من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء ~~. # أما قوله : { ووجد الله عنده فوفاه حسابه } أي وجد عقاب الله الذي توعد ~~به الكافر عند ذلك فتغير ما كان فيه من ظن النفع العظيم إلى تيقن الضرر ~~العظيم ، أو وجد زبانية الله عنده يأخذونه فيقبلون به إلى جهنم فيسقونه ~~الحميم والغساق ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم { عاملة ناصبة } ( الغاشية ~~: 3 ) ، { وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } ( الكهف : 104 ) ، { وقدمنا إلى ~~ما عملوا من عمل } ( الفرقان : 23 ) وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية ، ~~كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام . # أما قوله : { والله سريع الحساب } فذاك لأنه سبحانه عالم بجميع المعلومات ~~فلا يشق عليه الحساب / وقال ms6779 بعض المتكلمين معناه لا يشغله محاسبة واحد عن ~~آخر كنحن ، ولو كان يتكلم بآلة كما يقوله المشبهة لما صح ذلك ، وأما المثل ~~الثاني فهو قوله : { أو كظلمات فى بحر لجى } وفي لفظة ( أو ) ههنا وجوه : ~~أحدها : اعلم أن الله تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها ~~السراب وإن كانت قبيحة فهي الظلمات وثانيها : تقدير الكلام أن أعمالهم إما ~~كسراب بقيعة وذلك في الآخرة وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا وثالثها : ~~الآية الأولى في ذكر أعمالهم وأنهم لا يتحصلون منها على شيء ، والآية ~~الثانية في ذكر عقائدهم فإنها تشبه الظلمات كما قال : { يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور } ( البقرة : 257 ) أي من الكفر إلى الإيمان يدل عليه قوله تعالى ~~: { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } ( النور : 40 ) وأما البحر ~~اللجي فهو ذو اللجنة التي هي معظم الماء الغمر البعيد القعر ، وفي اللجى ~~لغتان كسر اللام وضمها ، وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره ~~مظلما جدا بسبب غمورة الماء ، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة فإذا ~~كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى ، فالواقع في قعر هذا ~~البحر اللجى يكون في نهاية شدة الظلمة ، ولما كانت العادة في اليد أنها من ~~أقرب ما يراها ومن أبعد ما يظن أنه لا يراها فقال تعالى : { لم يكد يراها } ~~وبين سبحانه بهذا البلوغ تلك الظلمة إلى أقصى النهايات ثم شبه به الكافر في ~~اعتقاده وهو ضد PageV24P008 المؤمن في قوله تعالى : { نور على نور } ( ~~النور : 35 ) وفي قوله : { يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } ( الحديد : ~~12 ) ولهذا قال أبي بن كعب الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه وعمله ~~ومدخله ومخرجه ومصيره إلى النار ، وفي كيفية هذا التشبيه وجوه أخر : أحدها ~~: أن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج ~~وظلمة السحاب وكذا الكافر له ظلمات ثلاثة ظلمة الإعتقاد وظلمة القول وظلمة ~~العمل عن الحسن وثانيها : شبهوا قلبه وبصره وسمعه بهذه الظلمات الثلاث عن ~~ابن ms6780 عباس وثالثها : أن الكافر لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ويعتقد أنه ~~يدري ، فهذه المراتب الثلاث تشبه تلك الظلمات ورابعها : أن هذه الظلمات ~~متراكمة فكذا الكفار لشدة إصراره على كفره ، قد تراكمت عليه / الضلالات حتى ~~أن أظهر الدلائل إذا ذكرت عنده لا يفهمها وخامسها : قلب مظلم في صدر مظلم . # أما قوله : { ظلمات بعضها فوق بعض } فروي عن ابن كثير أنه قرأ ( سحاب ) ~~وقرأ ( ظلمات ) بالجر على البدل من قوله : { أو كظلمات } وعنه أيضا أنه قرأ ~~{ سحاب ظلمات } كما يقال سحاب رحمة وسحاب عذاب على الإضافة وقراءة الباقين ~~{ سحاب ظلمات } كلاهما بالرفع والتنوين وتمام الكلام عند قوله : { سحاب } ~~ثم ابتدأ { ظلمات } أي ما تقدم ذكره ظلمات بعضها فوق بعض . # أما قوله : { لم يكد يراها } ففيه قولان : أحدهما : أن كاد نفيه إثبات ~~وإثباته نفي فقوله : { وما كادوا يفعلون } ( البقرة : 71 ) نفي في اللفظ ~~ولكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام : ( كاد ~~الفقر أن يكون كفرا ) إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا ~~ههنا قوله : { لم يكد يراها } معناه أنه رآها والثاني : أن كاد معناه ~~المقاربة فقوله : { لم يكد يراها } معناه لم يقارب الوقوع ومعلوم أن الذي ~~لم يقارب الوقوع لم يقع أيضا وهذا القول هو المختار والأول ضعيف لوجهين : ~~الأول : أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فإنه لا يرى فيه شيء فكيف مع هذه ~~الظلمات الثاني : أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة في جهالة الكفار وذلك ~~إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية ألبتة مع هذه الظلمات . # أما قوله : { ومن لم يجعل الله نورا فما له من نور } فقال أصحابنا إنه ~~سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال ~~: { يهدى الله لنوره من يشاء } ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية ~~الظلمة عقبها بقوله : { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } والمقصود ~~من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان وظلمة الطريق ms6781 لا ~~تمنع منه ، فإن الكل مربوط بخلق الله تعالى وهدايته وتكوينه ، وقال القاضي ~~المراد بقوله : { ومن لم يجعل الله له نورا } أي في الدنيا بالألطاف { فما ~~له من نور } أي لا يهتدي فيتحير ويحتمل { ومن لم يجعل الله له نورا } أي ~~مخلصا في الآخرة وفوزا بالثواب { فما له من نور } والكلام عليه تزييفا ~~وتقريرا معلوم . # ! 7 < { ألم تر أن الله يسبح له من فى السماوات والا رض والطير صآفات كل ~~قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون * ولله ملك السماوات والا رض ~~وإلى الله المصير * < < # | النور : ( 41 - 42 ) ألم تر أن . . . . . # > > PageV24P009 # اعلم أنه سبحانه لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ~~ذلك بدلائل التوحيد : # فالنوع الأول : ما ذكره في هذه الآية ولا شبهة في أن المراد ألم تعلم لأن ~~التسبيح لا / تتناوله الرؤية بالبصر ويتناوله العلم بالقلب ، وهذا الكلام ~~وإن كان ظاهره استفهاما فالمراد التقرير والبيان ، فنبه تعالى على ما يلزم ~~من تعظيمه بأن من في السموات يسبح له وكذلك من في الأرض . # واعلم أنه إما أن يكون المراد من التسبيح دلالة هذه الأشياء على كونه ~~تعالى منزها عن النقائص موصوفا بنعوت الجلال ، وإما أن يكون المراد منه ~~أنها تنطق بالتسبيح وتتكلم به ، وإما أن يكون المراد منه في حق البعض ~~الدلالة على التنزيه وفي حق الباقين النطق باللسان ، والقسم الأول أقرب لأن ~~القسم الثاني متعذر ، لأن في الأرض من لا يكون مكلفا لا يسبح بهذا المعنى ، ~~والمكلفون منهم من لا يسبح أيضا بهذا المعنى كالكفار ، أما القسم الثالث ~~وهو أن يقال إن من في السموات وهم الملائكة يسبحون باللسان ، وأما الذين في ~~الأرض فمنهم من يسبح باللسان ومنهم من يسبح على سبيل الدلالة فهذا يقتضي ~~استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معا وهو غير جائز فلم يبق إلا ~~القسم الأول وذلك لأن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة على ~~تنزيه الله سبحانه وتعالى وعلى قدرته وإلهيته وتوحيده وعدله فسمى ذلك ~~تنزيها على وجه التوسع ms6782 . فإن قيل فالتسبيح بهذا المعنى حاصل لجميع ~~المخلوقات فما وجه تخصيصه ههنا بالعقلاء ؟ قلنا لأن خلقة العقلاء أشد دلالة ~~على وجود الصانع سبحانه لأن العجائب والغرائب في خلقهم أكثر وهي العقل ~~والنطق والفهم . # أما قوله تعالى : { والطير صافات } فلقائل أن يقول ما وجه اتصال هذا بما ~~قبله ؟ والجواب : أنه سبحانه لما ذكر أن أهل السموات وأهل الأرض يسبحون ذكر ~~أن الذين استقروا في الهواء الذي هو بين السماء والأرض وهو الطير يسبحون / ~~وذلك لأن إعطاء الجرم الثقيل القوة التي بها يقوى على الوقوف في جو السماء ~~صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة ~~الصانع المدبر سبحانه وجعل طيرانها سجودا منها له سبحانه ، وذلك يؤكد ما ~~ذكرناه من أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأحوال على التنزيه لا النطق ~~اللساني . # أما قوله : { كل قد علم صلاته وتسبيحه } ففيه ثلاثة أوجه : الأول : ~~المراد كل قد علم الله صلاته وتسبيحه قالوا ويدل عليه قوله سبحانه : { ~~والله عليم بما يفعلون } وهو اختيار جمهور المتكلمين والثاني : أن يعود ~~الضمير في الصلاة والتسبيح على لفظ { كل } أي إنهم يعلمون ما يجب عليهم من ~~الصلاة والتسبيح والثالث : أن تكون الهاء راجعة على ذكر الله يعني قد علم ~~كل مسبح وكل مصل صلاة الله التي كلفه إياها وعلى هذين التقديرين فقوله : { ~~والله عليم } استئناف وروي عن أبي ثابت قال كنت جالسا عند محمد بن جعفر ~~الباقر رضي الله عنه فقال لي : أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس ~~وبعد طلوعها ؟ قال لا ، قال فإنهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن . واستبعد ~~المتكلمون ذلك فقالوا الطير لو كانت عارفة بالله تعالى لكانت كالعقلاء ~~الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا لكنها ليست كذلك ، فإنا نعلم بالضرورة أنها ~~أشد نقصانا من الصبي الذي / لا يعرف هذه الأمور فبأن يمتنع ذلك فيها أولى ، ~~وإذا ثبت أنها لا تعرف الله تعالى استحال كونها مسبحة له بالنطق ، فثبت ~~أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال على ما تقدم تقريره . PageV24P010 # قال ms6783 بعض العلماء إنا نشاهد أن الله تعالى ألهم الطيور وسائر الحشرات ~~أعمالا لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن ~~يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه ، وبيان أنه سبحانه ألهمها الأعمال اللطيفة ~~من وجوه : أحدها : احتيالها في كيفية الاصطياد فتأمل في العنكبوت كيف يأتي ~~بالحيل اللطيفة في اصطياد الذباب ، ويقال إن الدب يستلقي في ممر الثور فإذا ~~أرام نطحه شبث ذراعيه بقرينه ولا يزال ينهش ما بين ذراعيه حتى يثخنه ، وأنه ~~يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويضرب الإنسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه وربما ~~عاود يتشممه ويتجسس نفسه ويصعد الشجر أخف صعود ويهشم الجوز بين كفيه تعريضا ~~بالواحدة وصدمة بالأخرى ثم ينفخ فيه فيذر قشره ويستف لبه ، ويحكى عن الفأر ~~في سرقته أمور عجيبة . وثانيها : أمر النحل ومالها من الرياسة وبناء البيوت ~~المسدسة التي لا يتمكن من بنائها أفاضل المهندسين وثالثها : انتقال الكراكي ~~من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طلبا لما يوافقها من الأهوية ، ~~ويقال إن من خواص الخيل أن كل واحد منها يعرف صوت الفرس الذي قابله وقتا ما ~~والكلاب تتصايح بالعية المعروفة لها ، والفهد إذا سقي أو شرب من الدواء ~~المعروف بخانق الفهد عمد إلى زبل الإنسان فأكله ، والتماسيح تفتح أفواهها ~~لطائر يقع عليها كالعقعق وينظف ما بين أسنانها ، وعلى رأس ذلك الطير كالشوك ~~فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من ذلك الشوك فيفتح فاه فيخرج ~~الطائر ، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية صعترا جبليا ثم تعود وقد عوفيت من ~~ذلك ، وحكى بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى ~~وتنهزم عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعود ولا يزال ذلك دأبه فكان ذلك الشيخ ~~قاعدا في كن غائر فعل القنصة وكانت البقلة قريبة من مكمنه فما اشتغل ~~الحبارى بالأفعى قلع البقلة فعادت الحبارى إلى منبتها ففقدته وأخذت تدور ~~حول منبتها دورانا متتابعا حتى خر ميتا فعلم الشيخ أنه كان يتعالج بأكلها ~~من اللسع ، وتلك البقلة كانت هي الجرجير البري ، وأما ابن عرس فيستظهر ms6784 في ~~قتال الحية بأكل السذاب فإن النكهة السذابية مما تنفر منها الأفعى والكلاب ~~إذا دودت بطونها أكلت سنبل القمح / وإذا جرحت اللقالق بعضها بعضا داوت ~~جراحها بالصعتر الجبلى ورابعها : القنافذ قد تحس بالشمال والجنوب قبل ~~الهبوب فتغير المدخل إلى جحرها وكان بالقسطنطينية رجل قد أثرى بسبب أنه كان ~~ينذر بالرياح قبل هبوبها وينتفع الناس بإنذاره وكان السبب فيه قنفذا في ~~داره يفعل الصنيع المذكور فيستدل به ، والخطاف صانع جيد في اتخاذ العش من ~~الطين وقطع الخشب فإن أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدرا ~~من الطين ، وإذا أفرخ بالغ في تعهد الفراخ ويأخذ ذرقها بمنقاره ويرميها عن ~~العش ، ثم يعلمها إلقاء الذرق نحو طرف العش ، وإذا دنا الصائد من مكان فراخ ~~القبجة ظهرت له القبجة وقربت منه مطمعة له / ليتبعها ثم تذهب إلى جانب آخر ~~سوى جانب فراخها ، وناقر الخشب قلما يقع على الأرض بل على الشجر ينقر ~~الموضع الذي يعلم أن فيه دودا ، والغرانيق تصعد في الجو جدا عند الطيران ~~فإن حجب بعضها عن بعض ضباب أو سحاب أحدثت عن أجنحتها حفيفا مسموعا يلزم به ~~بعضها بعضا ، فإذا نامت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها إلا القائد ~~فإنه ينام مكشوف PageV24P011 الرأس فيسرع انتباهه ، وإذا سمع حرسا صاح ، ~~وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضا أمر عجيب ~~، واعلم أن الاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب طبائع الحيوان ، والمقصود ~~أن الأكياس من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز ~~أن يقال إنها ملهمة من عند الله تعالى بمعرفته والثناء عليه وإن كانت غير ~~عارفة بسائر الأمور التي يعرفها الناس ؟ ولله در شهاب الإسلام السمعاني حيث ~~قال : جل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال . # أما قوله سبحانه : { ولله ملك * السماوات والارض * وإلى الله المصير } ~~فهو مع وجازته فيه دلالة على تمام علم المبدأ والمعاد ، فقوله : { ولله ملك ~~* السماوات والارض } تنبيه على أن الكل منه لأن كل ما ms6785 سواه ممكن ومحدث ~~والممكن والمحدث لا يوجدان إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب فدخل في هذه ~~القضية جميع الأجرام والأعراض وأفعال العباد وأقوالهم وخواطرهم . # وأما قوله : { وإلى الله المصير } فهو عبارة تامة في معرفة المعاد وهو ~~أنه لا بد من مصير الكل إليه سبحانه ، وله وجه آخر وهو أن الوجود يبدأ من ~~الأشرف فالأشرف نازلا إلى الأخس فالأخس ثم يأخذ من الأخس فالأخس مترقيا إلى ~~الأشرف فالأشرف ، فإنه يكون جسما ثم يصيره موصوفا بالنباتية ثم الحيوانية ~~ثم الإنسانية ثم الملكية ثم ينتهي إلى واجب الوجود لذاته ، فالاعتبار الأول ~~هو قوله : { ولله ملك * السماوات والارض } والثاني هو قوله : { وإلى الله ~~المصير } . # ! 7 < } . > 7 ! # / < < # | النور : ( 43 - 44 ) ألم تر أن . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدلائل وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { خالدون ألم تر } بعين عقلك والمراد التنبيه ~~والإزجاء السوق قليلا قليلا ، ومنه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد ~~وإزجاء السير في الإبل الرفق بها حتى تسير شيئا فشيئا ثم يؤلف بينه ، قال ~~الفراء ( بين ) لا يصلح إلا مضافا إلى اسمين فما زاد ، وإنما قال { بينه } ~~لأن السحاب واحد في اللفظ ، ومعناه الجمع والواحد سحابة ، قال الله تعالى : ~~{ وينشىء السحاب الثقال } ( الرعد : 12 ) والتأليف ضم شيء إلى شيء أي يجمع ~~بين قطع السحاب فيجعلها سحابا واحدا { ثم يجعله ركاما } أي مجتمعا ، والركم ~~جمعك شيئا فوق شيء حتى تجعله مركوما ، والودق : المطر ، قاله ابن عباس وعن ~~مجاهد : القطر ، وعن أبي مسلم الأصفهاني : الماء . { من خلاله } من ( شقوقه ~~ومخارقه ) جمع خلل كجبال في جمع جبل ، وقرىء { من } . PageV24P012 # المسألة الثانية : اعلم أن قوله : { الله يزجى سحابا } يحتمل أنه سبحانه ~~ينشئه شيئا بعد شيء ، ويحتمل أن يغيره من سائر الأجسام لا في حالة واحدة ، ~~فعلى الوجه الأول يكون نفس السحاب محدثا ، ثم إنه سبحانه يؤلف بين أجزائه ، ~~وعلى الثاني يكون المحدث من قبل الله تعالى تلك الصفات التي باعتبارها صارت ~~تلك الأجسام سحابا ، وفي قوله : { ثم يؤلف بينه } دلالة على وجودها متقدما ~~متفرقا إذ ms6786 التأليف لا يصح إلا بين موجودين ، ثم إنه سبحانه يجعله ركاما ، ~~وذلك بتركب بعضها على البعض ، وهذا مما لا بد منه لأن السحاب إنما يحمل ~~الكثير من الماء إذا كان بهذه الصفة وكل ذلك من عجائب خلقه ودلالة ملكه ~~واقتداره ، قال أهل الطبائع إن تكون السحاب والمطر والثلج والبرد والطل ~~والصقيع في أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار وفي الأقل من تكاثف الهواء ، ~~أما الأول فالبخار الصاعد إن كان قليلا وكان في الهواء من الحرارة ما يحلل ~~ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء . وأما إن كان البخار كثيرا ولم يكن في ~~الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فتلك الأبخرة المتصاعدة إما أن تبلغ ~~في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ فإن بلغت فإما أن يكون ~~البرد هناك قويا أو لا يكون ، فإن لم يكن البرد هناك قويا تكاثف ذلك البخار ~~بذلك القدر من البرد ، واجتمع وتقاطر فالبخار المجتمع هو السحاب ، ~~والمتقاطر هو المطر ، والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم ، ~~وأما إن كان البرد شديدا فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الأجزاء البخارية ~~قبل اجتماعها وانحلالها حبات كبارا أو بعد صيرورتها كذلك ، فإن كان على ~~الوجه الأول نزل ثلجا ، وإن كان على الوجه الثاني نزل بردا ، وأما إذا لم ~~تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فهي إما أن تكون كثيرة أو تكون قليلة ، ~~فإن كانت كثيرة فهي قد تنعقد سحابا ماطرا وقد لا تنعقد ، أما الأول فذاك ~~لأحد أسباب خمسة : أحدها : إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة ~~وثانيها : أن تكون الرياح ضاغطة إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام ~~الريح . وثالثها : / أن تكون هناك رياح متقابلة متصادمة فتمنع صعود الأبخرة ~~حينئذ ورابعها : أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته ، ثم يلتصق ~~به سائر الأجزاء الكثيرة المدد وخامسها : لشدة برد الهواء القريب من الأرض ~~. وقد نشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعودا يسيرا حتى كأنه مكبة موضوعة ~~على وهدة ، ويكون الناظر إليها فوق ms6787 تلك الغمامة والذين يكونون تحت الغمامة ~~يمطرون والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس ، وأما إذا كانت الأبخرة ~~القليلة الارتفاع قليلة لطيفة فإذا ضربها برد الليل كثفها وعقدها ماء ~~محسوسا فنزل نزولا متفرقا لا يحس به إلا عند اجتماع شيء يعتد به / فإن لم ~~يجمد كان طلا ، وإن جمد كان صقيعا ، ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى ~~المطر ، وأما تكون السحاب من انقباض الهواء فذلك عندما يبرد الهواء وينقبض ~~، وحينئذ يحصل منه الأقسام المذكورة والجواب : أنا لما دللنا على حدوث ~~الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه قادرا مختارا يمكنه إيجاد الأجسام لم يمكنا ~~القطع بما ذكرتموه لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق ~~الذي ذكرتموه ، وأيضا فهب أن الأمر كما ذكرتم ، ولكن الأجسام بالاتفاق ~~ممكنة في ذواتها فلا بد لها من مؤثر . ثم إنها متماثلة ، فاختصاص كل واحد ~~منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط واللطافة والكثافة والحرارة والبرودة ~~لا بد له من مخصص ، فإذا كان هو سبحانه خالقا لتلك الطبائع وتلك الطبائع ~~مؤثرة في هذه الأحوال وخالق السبب خالق المسبب ، فكان سبحانه هو الذي يزجي ~~سحابا ، لأنه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض ~~إلى جو الهواء ، ثم إن تلك الأبخرة إذا ترادفت في صعودها والتصق بعضها ~~بالبعض فهو سبحانه PageV24P013 هو الذي جعلها ركاما ، فثبت على جميع ~~التقديرات أن وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة ظاهر بين . # أما قوله سبحانه : { وينزل من السماء من جبال فيها من برد } ففيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : أحدهما : أن في السماء جبالا من ~~برد خلقها الله تعالى كذلك ، ثم ينزل منها ما شاء وهذا القول عليه أكثر ~~المفسرين ، قال مجاهد والكلبي : جبال من برد في السماء والقول الثاني : أن ~~السماء هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس سمي بذلك لسموه وارتفاعه ، وأنه ~~تعالى أنزل من هذا الغيم الذي هو سماء البرد وأراد بقوله { من جبال } ~~السحاب العظام لأنها إذا عظمت أشبهت الجبال ، كما يقال فلان يملك ms6788 جبالا من ~~مال ووصفت بذلك توسعا وذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه الله تعالى في ~~السحاب ، ثم أنزله إلى الأرض ، وقال بعضهم إنما سمى الله ذلك الغيم جبالا ، ~~لأنه سبحانه خلقها من البرد ، وكل جسم شديد متحجر فهو من الجبال ، ومنه ~~قوله تعالى : { واتقوا الذى خلقكم والجبلة الاولين } ( الشعراء : 184 ) ~~ومنه فلان مجبول على كذا ، قال المفسرون والأول أولى لأن السماء اسم لهذا ~~الجسم المخصوص ، فجعله اسما للسحاب بطريقة الاشتقاق مجاز ، وكما يصح أن ~~يجعل الله الماء فى السحاب ثم ينزله بردا ، فقد يصح أن يكون في / السماء ~~جبال من برد ، وإذا صح في القدرة كلا الأمرين فلا وجه لترك الظاهر . # المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي قوله تعالى : { من السماء من جبال ~~فيها من برد } فمن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء ، ~~والثانية للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السماء ، ~~والثالثة للتبيين لأن جنس تلك الجبال جنس البرد ، ثم قال ومفعول الإنزال ~~محذوف والتقدير وينزل من السماء من جبال فيها من برد ، إلا أنه حذف للدلالة ~~عليه . # أما قوله : { فيصيب به من يشاء ويصرفه * ما يشاء } فالظاهر أنه راجع إلى ~~البرد ، ومعلوم من حاله أنه قد يضر ما يقع عليه من حيوان ونبات ، فبين ~~سبحانه أنه يصيب به من يشاء على وفق المصلحة ويصرفه ، أي يصرف ضرره عمن ~~يشاء بأن لا يسقط عليه ، ومن الناس من حمل البرد على الحجر وجعل نزوله ~~جاريا مجرى عذاب الاستئصال وذلك بعيد . # أما قوله تعالى : { يكاد سنا برقه يذهب بالابصار } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء { يكاد سنا برقه } على الإدغام وقرىء ( برقه ) جمع ~~برقة وهي المقدار من البرق وبرقه بضمتين للاتباع كما قيل في جمع فعلة فعلات ~~كظلمات / و ( سناء برقه ) على المد والمقصور بمعنى الضوء والممدود بمعنى ~~العلو والارتفاع من قولك سنى للمرتفع و { يذهب بالابصار } على زيادة الباء ~~كقوله : { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ( البقرة : 195 ) عن أبي جعفر ~~المدني . # المسألة الثانية : وجه الاستدلال ms6789 بقوله : { يكاد سنا برقه يذهب بالابصار ~~} أن البرق الذي يكون صفته ذلك لا بد وأن يكون نارا عظيمة خالصة ، والنار ~~ضد الماء والبرد فظهوره من البرد يقتضي ظهور الضد من الضد ، وذلك لا يمكن ~~إلا بقدرة قادر حكيم . # المسألة الثالثة : اختلف النحويون في أنك إذا قلت ذهبت بزيد إلى الدار ~~فهل يجب أن تكون ذاهبا معه PageV24P014 إلى الدار ، فالمنكرون احتجوا بهذه ~~الآية . # أما قوله : { يقلب الله اليل والنهار } فقيل فيه وجوه : منها تعاقبهما ~~ومجيء أحدهما بعد الآخر وهو كقوله : { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة } ( ~~الفرقان : 62 ) ومنها ولوج أحدهما في الآخر وأخذ أحدهما من الآخر . ومنها ~~تغير أحوالهما في البرد والحر وغيرهما ولا يمتنع في مثل ذلك أن يريد تعالى ~~معاني الكل لأنه في الإنعام والاعتبار أولى وأقوى . # أما قوله تعالى : { إن فى ذالك لعبرة لاولى الابصار } فالمعنى أن فيما ~~تقدم ذكره دلالة لمن يرجع إلى بصيرة ، فمن هذا الوجه يدل أن الواجب على ~~المرء أن يتدبر ويتفكر في هذه الأمور ، ويدل أيضا على فساد التقليد . # ! 7 < } . > 7 ! # / < < # | النور : ( 45 - 46 ) والله خلق كل . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الدلائل على الوحدانية وذلك لأنه لما ~~استدل أولا بأحوال السماء والأرض وثانيا بالآثار العلوية استدل ثالثا ~~بأحوال الحيوانات ، واعلم أن على هذه الآية سؤالات : # السؤال الأول : لم قال الله تعالى : { الابصار والله خلق كل دابة من ماء ~~} مع أن كثيرا من الحيوانات غير مخلوقة من الماء ؟ أما الملائكة فهم أعظم ~~الحيوانات عددا وهم مخلوقون من النور ، وأما الجن فهم مخلوقون من النار ، ~~وخلق الله آدم من التراب لقوله : { خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) وخلق ~~عيسى من الريح لقوله : { فنفخنا فيه من روحنا } ( التحريم : 12 ) وأيضا نرى ~~أن كثيرا من الحيوانات متولد لا عن النطفة والجواب من وجوه : أحدها : وهو ~~الأحسن ما قاله القفال وهو أن قوله : { من ماء } صلة كل دابة وليس هو من ~~صلة خلق ، والمعنى أن كل دابة متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى ms6790 ~~وثانيها : أن أصل جميع المخلوقات الماء على ما يروى ( أول ما خلق الله ~~تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم من ذلك الماء خلق النار ~~والهواء والنور ) ، ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان ~~الأصل الأول هو الماء لا جرم ذكره على هذا الوجه وثالثها : أن المراد من ~~الدابة التي تدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك فيخرج عنه الملائكة والجن ، ~~ولما كان الغالب جدا من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء ، إما لأنها ~~متولدة من النطفة ، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق لفظ الكل ~~تنزيلا للغالب منزلة الكل . # السؤال الثاني : لم نكر الماء في قوله : { من ماء } وجاء معرفا في قوله : ~~{ وجعلنا من الماء كل شىء حى } PageV24P015 ( الأنبياء : 30 ) والجواب : ~~إنما جاء ههنا منكرا لأن المعنى أنه خلق كل دابة من نوع من الماء يختص بتلك ~~الدابة ، وإنما جاء معرفا في قوله : { وجعلنا من الماء كل شىء حى } لأن ~~المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس ، وههنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم ~~إلى أنواع كثيرة . # السؤال الثالث : قوله : { فمنهم } ضمير العقلاء وكذلك قوله : { من } فلم ~~استعمله في غير العقلاء ؟ والجواب : أنه تعالى ذكر ما لا يعقل مع من يعقل ~~وهم الملائكة والإنس والجن فغلب / اللفظ اللائق بمن يعقل ، لأن جعل الشريف ~~أصلا والخسيس تبعا أولى من العكس ، ويقال في الكلام : من المقبلان ؟ لرجل ~~وبعير . # السؤال الرابع : لم سمى الزحف على البطن مشيا ؟ ويبين صحة هذا السؤال أن ~~الصبي قد يوصف بأنه يحبو ولا يقال إنه يمشي وإن زحف على حد ما تزحف الحية ~~والجواب : هذا على سبيل الاستعارة كما قالوا في الأمر المستمر قد مشى هذا ~~الأمر ، ويقال فلان لا يتمشى له أمر أو على طريق المشاكلة ( لذلك ) الزاحف ~~مع الماشين . # السؤال الخامس : أنه لم يستوف القسمة لأنا نجد ما يمشي على أكثر من أربع ~~مثال العناكب والعقارب والرتيلات بل مثل الحيوان الذي له أربعة وأربعون ~~رجلا الذي يسمى دخال الأذن والجواب ms6791 : القسم الذي ذكرتم كالنادر فكان ملحقا ~~بالعدم ولأن الفلاسفة يقرون بأن ما له قوائم كثيرة فاعتماده إذا مشى على ~~أربع جهاته لا غير فكأنه يمشي على أربع ، ولأن قوله تعالى : { يخلق الله ما ~~يشاء } كالتنبيه على سائر الأقسام . # السؤال السادس : لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب ؟ والجواب : قد ~~قدم ما هو ( أعجب ) وهو الماشي بغير آله مشى من أجل أو قوائم ثم الماشي على ~~رجلين ثم الماشي على أربع ، واعلم أن قوله : { يخلق الله ما يشاء } تنبيه ~~على أن الحيوانات كما اختلفت بحسب كيفية المشي فكذا هي مختلفة بحسب أمور ~~أخر / فلنذكر ههنا بعض التقسيمات : # التقسيم الأول : الحيوانات قد تشترك في أعضاء وقد تتباين بأعضاء ، أما ~~الشركة فمثل اشتراك الإنسان والفرس في أن لهما لحما وعصبا وعظما ، وأما ~~التباين فإما أن يكون في نفس العضو أو في صفته ، أما التباين في نفس العضو ~~فعلى وجهين : أحدهما : أن لا يكون العضو حاصلا للآخر ، وإن كانت أجزاؤه ~~حاصلة للثاني كالفرس والإنسان ، فإن الفرس له ذنب والإنسان ليس له ذنب ولكن ~~أجزاء الذنب ليست إلا العظم والعصب واللحم والجلد والشعر ، وكل ذلك حاصل ~~للإنسان والثاني : أن لا يكون ذلك العضو حاصلا للثاني لا بذاته ولا بأجزائه ~~مثل أن للسلحفاة صدفا يحيط به وليس للإنسان ذلك وكذا للسمك فلوس وللقنفذ ~~شوك وليس شيء منها للإنسان وأما التباين في صفة العضو ، فإما أن يكون من ~~باب الكمية أو الكيفية أو الوضع أو الفعل أو الانفعال ، أما الذي في الكم ، ~~فإما أن يتعلق بالمقدار مثل أن عين البوم كبيرة وعين العقاب صغيرة أو ~~بالعدد مثل أن أرجل ضرب من العناكب ستة وأرجل ضرب آخر ثمانية أو عشرة ، ~~والذي في الكيف فكاختلافها في الألوان والأشكال والصلابة واللين ، والذي في ~~الوضع فمثل اختلاف وضع ثدي الفيل فإنه يكون قريبا من الصدر وثدي الفرس فإنه ~~عند السرة . وأما الذي في الفعل فمثل كون أذن الفيل صالحا للذب مع كونه آلة ~~للسمع وليس كذلك في الإنسان وكون / أنفه آلة ms6792 للقبض دون أنف غيره . وأما ~~الذي في PageV24P016 الانفعال فمثل كون عين الخفاش سريعة التحير في الضوء ~~وعين الخطاف بخلاف ذلك . # التقسيم الثاني : الحيوان إما أن يكون مائيا بمعنى أن مسكنه الأصلي هو ~~الماء أو أرضيا أو يكون مائيا ثم يصير أرضيا ، أما الحيوانات المائية فتغير ~~أحوالها من وجوه : الأول : أنه إما أن يكون مكانه وغذاؤه ونفسه مائيا فله ~~بدل التنفس في الهواء التنشق المائي فهو يقبل الماء إلى باطنه ثم يرده ولا ~~يعيش إذا فارقه ، والسمك كله كذلك ومنه ما مكانه وغذاؤه مائي ولكنه يتنفس ~~من الهواء مثل السلحفاة المائية ، ومنه ما مكانه وغذاؤه مائي وليس يتنفس ~~ولا يستنشق مثل أصناف من الصدف لا تظهر للهواء ولا تستدخل الماء إلى باطنها ~~الوجه الثاني : الحيوانات المائية بعضها مأواها مياه الأنهار الجارية ~~وبعضها مياه البطائح مثل الضفادع وبعضها مأواها مياه البحر الوجه الثالث : ~~منها لجية ومنها شطية ومنها طينية ومنها صخرية الوجه الرابع : الحيوان ~~المنتقل في الماء منه ما يعتمد في غوصه على رأسه وفي السباحة على أجنحته ~~كالسمك ومنه ما يعتمد في السباحة على رجليه كالضفدع ومنه ما يمشي في قعر ~~الماء كالسرطان ومنه ما يزحف مثل ضرب من السمك لا جناح له وكالدود ، أما ~~الحيوانات البرية فتغير أحوالها أيضا من وجهين : الأول : أن منها ما يتنفس ~~من طريق واحد كالفم والخيشوم ومنها ما لا يتنفس كذلك بل على نحو آخر من ~~مسامه مثل الزنبور والنحل الثاني : أن الحيوانات الأرضية منها ما له مأوى ~~معلوم ، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة واللواتي لها ~~مأوى فبعضها مأواه شق وبعضها حفر وبعضها مأواه قلة رابية وبعضها مأواه وجه ~~الأرض الثالث : الحيوان البري كل طائر منه ذو جناح فإنه يمشي برجليه ، ومن ~~جملة ذلك ما مشيه صعب عليه كالخطاف الكبير الأسود والخفاش . وأما الذي ~~جناحه جلد أو غشاء فقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات الحبشية يطير الرابع ~~: الطير يختلف فبعضها يتعايش معا كالكراكي وبعضها يؤثر التفرد كالعقاب ~~وجميع الجوارح ms6793 التي تتنازع على الطعم لاحتياجها إلى الاحتيال لتصيد ~~ومنافستها فيه ، ومنها ما يتعايش زوجا ويكون معا كالقطا ، ومنه ما يجتمع ~~تارة وينفرد أخرى والحيوانات المنفردة قد تكون مدنية وقد تكون برية صرفة ~~وقد تكون بستانية والإنسان من بين الحيوان هو الذي لا يمكنه أن يعيش وحده ~~فإن أسباب حياته ومعيشته تلتئم بالمشاركة المدنية والنحل والنمل وبعض ~~الغرانيق يشارك الإنسان في ذلك لكن النحل والكراكي تطيع رئيسا واحدا والنمل ~~له اجتماع ولا رئيس الخامس : الطير منه آكل لحم ومنه لاقط حب ومنه آكل عشب ~~، وقد يكون لبعض الطير طعم معين كالنحل فإن غذاءه زهر والعنكبوت فإن غذاءه ~~الذباب وقد يكون بعضه متفق الطعم أما القسم الثالث : وهو الحيوان الذي يكون ~~تارة مائيا ، وأخرى بريا فيقال إنه حيوان يكون في البحر ويعيش فيه ثم إنه ~~يبرز إلى البر ويبقى فيه . # / التقسيم الثالث : الحيوان منه ما هو إنسي بالطبع كالإنسان ومنه ما هو ~~إنسي بالمولد كالهرة والفرس ومنه ما هو إنسي بالقسر كالفهد ومنه ما لا يأنس ~~كالنمر والمستأنس بالقسر منه ما يسرع استئناسه ويبقى مستأنسا كالفيل ومنه ~~ما يبطىء كالأسد ويشبه أن يكون من كل نوع صنف إنسي وصنف وحشي حتى من الناس ~~. # التقسيم الرابع : من الحيوان ما هو مصوت ومنه ما لا صوت له وكل مصوت فإنه ~~يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتا إلا الإنسان ، وأيضا لبعض ~~الحيوان شبق يشتد كل وقت كالديك ومنه عفيف له وقت معين . PageV24P017 # التقسيم الخامس : بحسب الأخلاق بعض الحيوانات هادىء الطبع قليل الغضب مثل ~~البقرة وبعضه شديد الجهل حاد الغضب كالخنزير البري وبعضها حليم خدوع ~~كالبعير وبعضها رديء الحركات مغتال كالحية وبعضها جريء قوي شهم كبير النفس ~~كريم الطبع كالأسد ومنها قوي مغتال وحشي كالذئب وبعضها محتال مكار رديء ~~الحركات كالثعلب وبعضها غضوب شديد الغضب سفيه إلا أنه ملق متودد كالكلب ~~وبعضها شديد الكيس مستأنس كالفيل والقرد وبعضها حسود متباه بجماله كالطاووس ~~وبعضها شديد التحفظ كالجمل والحمار . # التقسيم السادس : من الحيوان ما تناسله بأن ms6794 تلد أنثاه حيوانا وبعضها ما ~~تناسله بأن تلد أنثاه دودا كالنحل والعنكبوت فإنها تلد دودا ، ثم إن أعضاءه ~~تستكمل بعد وبعضها تناسله بأن تبيض أنثاه بيضا . # واعلم أن العقول قاصرة عن الإحاطة بأحوال أصغر الحيوانات على سبيل الكمال ~~، ووجه الاستدلال بها على الصانع ظاهر لأنه لو كان الأمر بتركيب الطبائع ~~الأربع فذلك بالنسبة إلى الكل على السوية فاختصاص كل واحد من هذه الحيوانات ~~بأعضائها وقواها ومقادير أبدانها وأعمارها وأخلاقها لا بد وأن يكون بتدبير ~~مدبر قاهر حكيم سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون . وأحسن كلام في هذا ~~الموضع قوله سبحانه : { يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شىء قدير } لأنه ~~هو القادر على الكل والعالم بالكل فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات ، ~~فأي عقل يقف عليها وأي خاطر يصل إلى ذرة من أسرارها ، بل هو الذي يخلق ما ~~يشاء ولا يمنعه منه مانع ولا دافع . # وأما قوله : { لقد أنزلنا ءايات مبينات } فالأولى حمله على كل الأدلة ~~والعبر ، ولما كان القرآن كالمشتمل على كل ذلك صح أن يكون هو المراد . # أما قوله : { والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } فاستدلال أصحابنا به ~~كما تقدم والجواب : أجاب القاضي عنه بأن المراد يهدي من بلغه حد التكليف ~~دون غيره ، أو يكون المراد من أطاعه واستحق الثواب فيهديه إلى الجنة على ما ~~تقدم في نظائره ، وجوابنا عن هذا الجواب أيضا كما تقدم في نظائره والله ~~أعلم . # ! 7 < } . > 7 ! # < < # | النور : ( 47 - 50 ) ويقولون آمنا بالله . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين ~~بألسنتهم ولكنهم ل يقبلوه بقلوبهم وفيه مسائل : PageV24P018 # المسألة الأولى : قال مقاتل : نزلت هذه الآية في بشر المنافق وكان قد ~~خاصم يهوديا في أرض وكان اليهودي يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليحكم بينهما ، وجعل المنافق يجره إلى كعب بن الأشرف ، ويقول إن محمدا يحيف ~~علينا وقد مضت قصتهما في سورة النساء ، وقال الضحاك : نزلت في المغيرة بن ~~وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض ms6795 فتقاسما فوقع إلى علي منها ما لا ~~يصيبه الماء إلا بمشقة ، فقال المغيرة بعني أرضك فباعها إياه وتقابضا فقيل ~~للمغيرة أخذت سبخة لا ينالها الماء . فقال لعلي اقبض أرضك فإنما اشتريتها ~~إن رضيتها ولم أرضها فلا ينالها الماء فقال علي بل اشتريتها ورضيتها ~~وقبضتها وعرفت حالها لا أقبلها منك ، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال المغيرة أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإنه ~~يبغضني وأنا أخاف أن يحيف علي فنزلت هذه الآية ، وقال الحسن نزلت هذه الآية ~~في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر . # المسألة الثانية : قوله : { مستقيم ويقولون امنا } إلى قوله : { وما ~~أولئك بالمؤمنين } يدل على أن الإيمان لا يكون بالقول إذ لو كان به لما صح ~~أن ينفي كونهم مؤمنين . وقد فعلوا ما هو إيمان في الحقيقة ، فإن قيل إنه ~~تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون آمنا ، ثم حكى عن فريق منهم التولي / فكيف ~~يصح أن يقول في جميعهم { وما أولئك بالمؤمنين } مع أن الذي تولى منهم هو ~~البعض ؟ قلنا إن قوله : { وما أولئك بالمؤمنين } راجع إلى الذين تولوا لا ~~إلى الجملة الأولى ، وأيضا فلو رجع إلى الأول يصح ويكون معنى قوله : { ثم ~~يتولى فريق منهم } أي يرجع هذا الفريق إلى الباقين منهم فيظهر بعضهم لبعض ~~الرجوع عما أظهروه ، ثم بين سبحانه أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم إذا فريق منهم معرضون ، وهذا ترك للرضا بحكم الرسول ، ونبه بقوله ~~تعالى : { وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين } على أنهم إنما يعرضون متى ~~عرفوا الحق لغيرهم أوشكوا فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الإعراض بل ~~سارعوا إلى الحكم وأذعنوا ببذل الرضا ، وفي ذلك دلالة على أنه ليس بهم ~~اتباع الحق ، وإنما يريدون النفع المعجل ، وذلك أيضا نفاق . # أما قوله تعالى : { أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله ~~عليهم ورسوله } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : كلمة ( أم ) للاستفهام وهو غير جائز على الله تعالى ~~والجواب : اللفظ استفهام ومعناه ms6796 الخبر كما قال جرير : # % ألستم خير من ركب المطايا # % وأندى العالمين بطون راح % # السؤال الثاني : أنهم لو خافوا أن يحيف الله عليهم فقد ارتابوا في الدين ~~وإذ ارتابوا ففي قلوبهم مرض ، فالكل واحد ، فأي فائدة في التعديد ؟ الجواب ~~: قوله : { أفى قلوبهم مرض } إشارة إلى النفاق وقوله : { أم ارتابوا } ~~إشارة إلى أنه حدث هذا الشك والريب بعد تقرير الإسلام في القلب ، وقوله : { ~~أم يخافون أن يحيف الله عليهم } إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث ~~يتركون الدين بسببه . # السؤال الثالث : هب أن هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل ~~عليها كلمة ( أم ) ؟ PageV24P019 الجواب : الأقرب أنه تعالى ذمهم على كل ~~واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق ، وكان فيها شك وارتياب ~~، وكانوا يخافون الحيف من الرسول عليه الصلاة والسلام وكل واحد من ذلك كفر ~~ونفاق ، ثم بين تعالى بقوله : { بل أولئك هم الظالمون } بطلان ما هم عليه ~~لأن الظلم يتناول كل معصية كما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } إذ ~~المرء لا يخلو من أن يكون ظالما لنفسه أو ظالما لغيره ، ويمكن أن يقال أيضا ~~لما ذكر تعالى في الأقسام كونهم خائفين من الحيف ، أبطل ذلك بقوله : { بل ~~أولئك هم الظالمون } أي لا يخافون أن يحيف الرسول عليه الصلاة والسلام ~~عليهم لمعرفتهم بأمانته وصيانته وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له ~~الحق عليهم وهم له جحود ، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم يأبون المحاكمة إليه . # ! 7 < { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا وأولائك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ~~ويتقه فأولائك هم الفآئزون * وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن ~~قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون * قل أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه ~~تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين } . > 7 ! # < < # | النور : ( 51 - 54 ) إنما ms6797 كان قول . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى قول المنافقين وما قالوه وما فعلوه أتبعه ~~بذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون فقال تعالى : { إنما ~~كان قول المؤمنين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الحسن { قول المؤمنين } بالرفع ، والنصب أقوى لأن ~~أولى الاسمين بكونه اسما لكان أوغلهما في التعريف و { أن يقولوا } أوغل ~~لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف { قول المؤمنين } . # المسألة الثانية : قوله : { إنما كان قول المؤمنين } معناه كذلك يجب أن ~~يكون قولهم وطريقتهم إذا دعوا إلى حكم كتاب الله ورسوله أن يقولوا سمعنا ~~وأطعنا ، فيكون إتيانهم إليه وانقيادهم له سمعا وطاعة ، ومعنى { سمعنا } ~~أجبنا على تأويل قول المسلمين سمع الله لمن حمده أي قبل وأجاب ، ثم قال : { ~~ومن يطع الله ورسوله } أي فيما ساءه وسره { ويخش الله } فيما صدر عنه من ~~الذنوب في الماضي { ويتقه } فيما بقي من PageV24P020 عمره { فأولئك هم ~~المفلحون } وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه ~~. # أما قوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن } فقال مقاتل ~~: من حلف بالله / فقد أجهد في اليمين ، ثم قال لما بين الله تعالى كراهية ~~المنافقين لحكم رسول الله ، فقالوا والله لئن أمرتنا أن نخرج من ديارنا ~~وأموالنا ونسائنا لخرجنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا ، ثم إنه تعالى أمر ~~رسوله أن ينهاهم عن هذا القسم بقوله : { قل لا تقسموا } ولو كان قسمهم كما ~~يجب لم يجز النهي عنه لأن من حلف على القيام بالبر والواجب لا يجوز أن ينهى ~~عنه ، وإذا ثبت ذلك ثبت أن قسمهم كان لنفاقهم وأن باطنهم خلاف ظاهرهم ، ومن ~~نوى الغدر لا الوفاء فقسمه لا يكون إلا قبيحا . # أما قوله : { طاعة معروفة } فهو إما خبر مبتدأ محذوف ، أي المطلوب منكم ~~طاعة معروفة لا أيمان كاذبة ، أو مبتدأ خبره محذوف أي طاعة معروفة أمثل من ~~قسمكم بما لا تصدقون فيه ، وقيل معناه دعوا القسم ولا تغتروا به وعليكم ~~طاعة معروفة فتمسكوا بها . وقرأ اليزيدي { طاعة معروفة } بالنصب على معنى ~~أطيعوا طاعة ms6798 ( الله ) { إن الله خبير بما تعملون } أي بصير لا يخفى عليه ~~شيء من سرائركم ، وإنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم . # أما قوله : { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم } فاعلم أنه تعالى صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على ~~طريقة الالتفات ، وهو أبلغ في تبكيتهم { فإن تولوا } يعني إن تولوا عن طاعة ~~الله وطاعة رسوله فإنما على الرسول ما حمل من تبليغ الرسالة وعليكم ما ~~حملتم من الطاعة { وإن تطيعوه تهتدوا } أي تصيبوا الحق وإن عصيتموه فما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين / والبلاغ بمعنى التبليغ ، والمبين الواضح ، ~~والموضح لما بكم إليه الحاجة ، وعن نافع أنه قرأ { فإنما عليه ما حمل } ~~بفتح الحاء والتخفيف أي فعليه إثم ما حمل من المعصية . # ! 7 < { وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الا ~~رض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم ~~من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا ومن كفر بعد ذالك فأولائك هم ~~الفاسقون } . > 7 ! # / < < # | النور : ( 55 ) وعد الله الذين . . . . . # > > اعلم أن تقدير النظم بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون ، فقد ~~وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان ~~والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين ~~كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود وسليمان عليهما السلام وغيرهما ، ~~وأنه يمكن PageV24P021 لهم دينهم وتمكينه ذلك هو أن يؤيدهم بالنصرة ~~والإعزاز ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنا بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم ~~ويأمنوا بذلك شرهم ، فيعبدونني آمنين لا يشركون بي شيئا ولا يخافون { ومن ~~كفر } أي من بعد هذا الوعد وارتد { فأولئك هم الفاسقون } . # واعلم أن هذه الآية مشتملة على بيان أكثر المسائل الأصولية الدينية فلنشر ~~إلى معاقدها : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { وعد الله الذين ءامنوا منكم } يدل على ~~أنه سبحانه متكلم لأن الوعد نوع من أنواع الكلام والموصوف بالنوع موصوف ~~بالجنس ، ولأنه سبحانه ملك مطاع والملك المطاع لا بد وأن ms6799 يكون بحيث يمكنه ~~وعد أوليائه ووعيد أعدائه فثبت أنه سبحانه متكلم . # المسألة الثانية : الآية تدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها ~~خلافا لهشام بن الحكم ، فإنه قال لا يعلمها قبل وقوعها ووجه الاستدلال به ~~أنه سبحانه أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إخبارا على التفصيل وقد وقع ~~المخبر مطابقا للخبر ومثل هذا الخبر لا يصح إلا مع العلم . # المسألة الثالثة : الآية تدل على أنه سبحانه حي قادر على جميع الممكنات ~~لأنه قال : { ليستخلفنهم فى الارض وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } وقد فعل كل ذلك وصدور هذه الأشياء لا يصح ~~إلا من القادر على كل المقدورات . # المسألة الرابعة : الآية تدل على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة لأنه قال ~~{ يعبدوننى } ، وقالت المعتزلة الآية تدل على أن فعل الله تعالى معلل ~~بالغرض لأن المعنى لكي يعبدوني وقالوا أيضا الآية دالة على أنه سبحانه يريد ~~العبادة من الكل ، لأن من فعل فعلا لغرض فلا بد وأن يكون مريدا لذلك الغرض ~~. # المسألة الخامسة : دلت الآية على أنه تعالى منزه عن الشريك لقوله : { لا ~~يشركون بى شيئا } وذلك يدل على نفي الإله الثاني ، وعلى أنه لا يجوز عبادة ~~غير الله تعالى سواء كان كوكبا كما تقوله الصابئة أو صنما كما تقوله عبدة ~~الأوثان . # المسألة السادسة : دلت الآية على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ~~أخبر عن الغيب في قوله : { ليستخلفنهم فى الارض وليمكنن لهم دينهم الذى ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } وقد وجد هذا المخبر موافقا للخبر ~~ومثل هذا الخبر معجز ، والمعجز دليل الصدق فدل على صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم . # المسألة السابعة : دلت الآية على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان ، ~~خلافا للمعتزلة لأنه عطف العمل الصالح عن الإيمان والمعطوف خارج عن المعطوف ~~عليه . # / المسألة الثامنة : دلت الآية على إمامة الأئمة الأربعة وذلك لأنه تعالى ~~وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه ~~وسلم وهو المراد بقوله ms6800 ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وأن ~~يمكن لهم دينهم المرضي وأن يبدلهم بعد الخوف أمنا ، ومعلوم أن المراد بهذا ~~الوعد بعد الرسول هؤلاء لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده ومعلوم أنه لا ~~نبي بعده لأنه خاتم الأنبياء ، فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة ~~ومعلوم أن بعد الرسول الاستخلاف الذي هذا وصفه إنما كان في أيام أبي بكر ~~وعمر وعثمان لأن في أيامهم كانت الفتوح العظيمة وحصل التمكين وظهور الدين ~~والأمن ولم يحصل PageV24P022 ذلك في أيام علي رضي الله عنه لأنه لم يتفرغ ~~لجهاد الكفار لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة فثبت بهذا دلالة ~~الآية على صحة خلافة هؤلاء ، فإن قيل الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي حصول ~~الخلافة لكل من آمن وعمل صالحا ولم يكن الأمر كذلك . نزلنا عنه ، لكن لم لا ~~يجوز أن يكون المراد من قوله : { ليستخلفنهم } هو أنه تعالى يسكنهم الأرض ~~ويمكنهم من التصرف لا أن المراد منه خلافة الله تعالى ومما يدل عليه قوله : ~~{ كما استخلف الذين من قبلهم } واستخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الإمامة ~~فوجب أن يكون الأمر في حقهم أيضا كذلك . نزلنا عنه ، لكن ههنا ما يدل على ~~أنه لا يجوز حمله على خلافة رسول الله لأن من مذهبكم أنه عليه الصلاة ~~والسلام لم يستخلف أحدا وروي عن علي عليه السلام أنه قال أترككم كما ترككم ~~رسول الله . نزلنا عنه ، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه عليا عليه ~~السلام والواحد قد يعبر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كقوله تعالى : { ~~إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) وقال في حق علي عليه السلام : { ~~والذين * يقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة وهم راكعون } ( المائدة : 55 ) ~~نزلنا عنه ، ولكن نحمله على الأئمة الإثني عشر والجواب عن الأول أن كلمة من ~~للتبعيض فقوله : { منكم } يدل على أن المراد بهذا الخطاب بعضهم وعن الثاني ~~: أن الاستخلاف بالمعنى الذي ذكرتموه حاصل لجميع الخلق فالذكور ههنا في ~~معرض البشارة لا بد وأن يكون مغايرا ms6801 له . # وأما قوله تعالى : { كما استخلف الذين من قبلهم } فالذين كانوا قبلهم ~~كانوا خلفاء تارة بسبب النبوة وتارة بسبب الإمامة والخلافة حاصلة في ~~الصورتين وعن الثالث : أنه وإن كان من مذهبنا أنه عليه الصلاة والسلام لم ~~يستخلف أحدا بالتعيين ولكنه قد استخلف بذكر الوصف والأمر بالاختيار فلا ~~يمتنع في هؤلاء الأئمة الأربعة أنه تعالى يستخلفهم وأن الرسول استخلفهم ، ~~وعلى هذا الوجه قالوا في أبي بكر يا خليفة رسول الله ، فالذي قيل إنه عليه ~~السلام لم يستخلف أريد به على وجه التعيين وإذا قيل استخلف فالمراد على ~~طريقة الوصف والأمر وعن الرابع : أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز وهو ~~خلاف الأصل وعن الخامس : أنه باطل لوجهين : أحدهما : قوله تعالى : { منكم } ~~يدل على أن هذا الخطاب كان مع الحاضرين وهؤلاء الأئمة ما كانوا حاضرين ~~الثاني : أنه تعالى وعدهم القوة والشوكة والنفاذ في العالم ولم يوجد ذلك ~~فيه فثبت بهذا صحة إمامة الأئمة / الأربعة وبطل قول الرافضة الطاعنين على ~~أبي بكر وعمر وعثمان وعلى بطلان قول الخوراج الطاعنين على عثمان وعلي ، ~~ولنرجع إلى التفسير . # أما قوله : { ليستخلفنهم } فلقائل أن يقول أين القسم المتلقى باللام ~~والنون في { ليستخلفنهم } ، قلنا : هو محذوف تقديره : وعدهم الله ( وأقسم ) ~~ليستخلفنهم أو نزل وعد الله في تحققه منزلة القسم فتلقى بما يتلقى به القسم ~~كأنه قال اقسم الله ليستخلفنهم . # أما قوله : { كما استخلف الذين من قبلهم } يعني { كما استخلف } هارون ~~ويوشع وداود وسليمان وتقدير النظم ليستخلفنهم استخلافا كاستخلاف من قبلهم ~~من هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ، وقرىء كما استخلف بضم التاء وكسر اللام ، ~~وقرىء بالفتح . # أما قوله تعالى : { وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم } فالمعنى أنه يثبت ~~لهم دينهم الذي ارتضى لهم وهو الإسلام ، وقرأ ابن كثير وعاصم ويعقوب { ~~وليبدلنهم } ومن الإبدال بالتخفيف والباقون بالتشديد ، وقد PageV24P023 ~~ذكرنا الفرق بينهما في قوله تعالى : { بدلناهم جلودا غيرها } ( النساء : 56 ~~) . # أما قوله : { يعبدوننى لا يشركون بى شيئا } ففيه دلالة على أن الذين ~~عناهم لا يتغيرون عن عبادة الله تعالى إلى الشرك . وقال ms6802 الزجاج يجوز أن ~~يكون في موضع الحال على معنى : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~في حال عبادتهم وإخلاصهم لله ليفعلن بهم كيت وكيت ويجوز أن يكون استئنافا ~~على طريق الثناء عليهم . # أما قوله : { ومن كفر بعد ذالك } أي جحد حق هذه النعم { فأولئك هم ~~الفاسقون } أي العاصون . # ! 7 < { وأقيموا الصلواة وآتوا الزكواة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون * لا ~~تحسبن الذين كفروا معجزين فى الا رض ومأواهم النار ولبئس المصير } . > 7 ! # < < # | النور : ( 56 - 57 ) وأقيموا الصلاة وآتوا . . . . . # > > أما تفسير إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، ولفظة لعل ولفظة الرحمة ، ~~فالكل قد تقدم مرارا . # وأما قوله : { لا تحسبن الذين كفروا معجزين فى الارض } فالمعنى لا تحسبن ~~يا محمد الذين كفروا سابقين فائقين حتى يعجزونني عن إدراكهم . وقرىء { لا * ~~يحسبن } بالياء المعجمة من تحتها ، وفيه أوجه : أحدها : أن يكون معجزين في ~~الأرض هما المفعولان ، والمعنى لا يحسبن الذين / كفروا أحدا يعجز الله في ~~الأرض حتى يطمعوا هم في مثل ذلك وثانيها : أن يكون فيه ضمير الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لتقدم ذكره في قوله : { وأطيعوا الرسول } ( النور : 54 ) ~~والمعنى : لا يحسبن الذين كفروا معجزين وثالثها : أن يكون الأصل ولا ~~يحسبنهم الذين كفروا معجزين ، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول . # وأما قوله : { ومأواهم النار ولبئس المصير } فقال صاحب ( الكشاف ) : ~~النظم لا يحتمل أن يكون متصلا بقوله : { لا تحسبن } لأن ذلك نفي وهذا إيجاب ~~، فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره لا تحسبن الذين كفروا معجزين ~~في الأرض بل هم مقهورون ومأواهم النار . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلواة الفجر وحين تضعون ثيابكم من ~~الظهيرة ومن بعد صلواة العشآء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح ~~بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الا يات والله عليم ~~حكيم * وإذا بلغ الا طفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ~~كذالك يبين الله لكم ءاياته والله عليم حكيم ms6803 * والقواعد من النسآء اللاتى ~~لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن ~~يستعففن خير لهن والله سميع عليم } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 58 - 60 ) يا أيها الذين . . . . . # > > PageV24P024 # / اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال القاضي : قوله تعالى : { المصير ياأيها الذين ~~ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } وإن كان ظاهره الرجال فالمراد به ~~الرجال والنساء لأن التذكير يغلب على التأنيث فإذا لم يميز فيدخل تحت قوله ~~: { المصير ياأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم } الكل ويبين ذلك قوله تعالى : { ~~الذين ملكت أيمانكم } لأن ذلك يقال في الرجال والنساء والأولى عندي أن ~~الحكم ثابت في النساء بقياس جلي ، وذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشد ~~حالا من الرجال ، فهذا الحكم لما ثبت في الرجال فثبوته في النساء بطريق ~~الأولى ، كما أنا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلي على حرمة التأفيف . # المسألة الثانية : ظاهر قوله : { الذين ملكت أيمانكم } يدخل فيه البالغون ~~والصغار ، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد الصغار ، واحتجوا بأن ~~الكبير من المماليك ليس له أن ينظر من المالك إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر ~~إليه ، قال ابن المسيب : لا يغرنكم قوله : { وما ملكت أيمانكم } لا ينبغي ~~للمرأة أن ينظر عبدها إلى قرطها وشعرها وشيء من محاسنها ، وقال الآخرون : ~~بل البالغ من المماليك له أن ينظر إلى شعر مالكته وما شاكله ، وظاهر الآية ~~يدل على اختصاص عبيد المؤمنين والأطفال من الأحرار بإباحة ما حظره الله ~~تعالى من قبل على جماعة المؤمنين بقوله : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } ( ~~النور : 27 ) فإنه أباح لهم إلا في الأوقات الثلاثة وجوز دخولهم مع من لم ~~يبلغ بغير إذن ودخول الموالي عليهم بقوله تعالى : { ليس عليكم ولا عليهم ~~جناح بعدهن طوفون عليكم } أي يطوف بعضكم على بعض فيما عدا الأوقات الثلاثة ~~، وأكد ذلك بأن أوجب على من بلغ الحلم الجري على سنة من قبلهم من البالغين ~~في الاستئذان في سائر الأوقات وألحقهم بمن دخل تحت قوله : { لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ms6804 وتسلموا على أهلها } . # المسألة الثالثة : قوله : { ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } إن أريد به ~~العبيد والإماء إذا كانوا بالغين فغير ممتنع أن يكون أمرا لهم في الحقيقة ، ~~وإن أريد { الذين لم * يبلغوا الحلم } لم يجز أن يكون أمرا لهم ، ويجب أن ~~يكون أمرا لنا بأن نأمرهم بذلك ونبعثهم عليه كما أمرنا بأمر الصبي / وقد ~~عقل الصلاة أن يفعلها لا على وجه التكليف لهم ، لكنه تكليف لنا لما فيه من ~~المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ ، ولا يبعد أن يكون لفظ الأمر وإن كان في ~~الظاهر متوجها عليهم إلا أنه يكون في الحقيقة متوجها على المولى كقولك ~~للرجل : ليخفك أهلك PageV24P025 وولدك ، فظاهر الأمر لهم وحقيقة الأمر له ~~بفعل ما يخافون عنده . # المسألة الرابعة : قال ابن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار إلى عمر ليدعوه فوجده نائما في البيت فدفع ~~الباب وسلم فلم يستيقظ عمر فعاد ورد الباب / وقام من خلفه وحركه فلم يستيقظ ~~فقال الغلام اللهم أيقظه لي ودفع الباب ثم ناداه فاستيقظ وجلس ودخل الغلام ~~فانكشف من عمر شيء وعرف عمر أن الغلام رأى ذلك منه فقال وددت أن الله نهى ~~أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا في هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق ~~معه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فوجده قد نزل عليه { المصير ياأيها ~~الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم } فحمد الله تعالى عمر عند ذلك ~~فقال عليه السلام وما ذاك يا عمر ؟ فأخبره بما فعل الغلام فتعجب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من صنعه وتعرف اسمه ومدحه ، وقال : إن الله يحب الحليم ~~الحي العفيف المتعفف ، ويبغض البذيء الجريء السائل الملحف ) فهذه الآية ~~إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر . وقال بعضهم : نزلت في أسماء بنت أبي مرثد ~~قالت إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف واحد ، وقيل دخل ~~عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه فأتت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت إن خدمنا وغلماننا ms6805 يدخلون علينا في حال نكرهها فنزلت الآية . # المسألة الخامسة : قال ابن عمر ومجاهد قوله : { ليستأذنكم } عنى به ~~الذكور دون الإناث لأن قوله : { الذين ملكت أيمانكم } صيغة الذكور لا صيغة ~~الإناث ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي في الرجال والنساء يستأذنون على ~~كل حال بالليل والنهار ، والصحيح أنه يجب إثبات هذا الحكم في النساء ، لأن ~~الإنسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضا اطلاع النساء ~~عليها ولكن الحكم يثبت في النساء بالقياس لا بظاهر اللفظ على ما قدمناه . # المسألة السادسة : من العلماء من قال الأمر في قوله : { ليستأذنكم } على ~~الندب والاستحباب ومنهم من قال إنه على الإيجاب وهذا أولى ، لما ثبت أن ~~ظاهر الأمر للوجوب . # أما قوله تعالى : { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عمر { الحلم } بالسكون . # المسألة الثانية : اتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ واختلفوا إذا بلغ ~~خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة رحمه الله لا يكون الغلام بالغا حتى ~~يبلغ ثماني عشرة سنة ويستكملها وفي الجارية سبع عشرة سنة ، وقال الشافعي ~~وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله في الغلام والجارية خمس عشرة سنة قال أبو بكر ~~الرازي قوله تعالى : { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } يدل على بطلان قول من ~~جعل حد البلوغ خمس عشرة إذا لم يحتلم لأن الله تعالى لم يفرق بين من بلغها ~~وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم ، وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من جهات كثيرة : ( رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ ، وعن ~~المجنون حتى يفيق ، وعن الصبي حتى يحتلم ) ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة ~~سنة وبين من لم يبلغها ، فإن قيل فهذا الكلام يبطل التقدير أيضا بثماني ~~عشرة سنة أجاب بأنا قد علمنا بأن العادة في البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان ~~مبنيا على طريق العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان منه / وقد وجدنا من ~~بلغ في اثنتي عشرة سنة ، وقد بينا أن الزيادة ms6806 على / المعتاد جائزة كالنقصان ~~منه فجعل أبو حنيفة رحمه الله الزيادة كالنقصان ، وهي ثلاث سنين ، وقد ~~PageV24P026 حكى عن أبي حنيفة رحمه الله تسع عشرة سنة للغلام ، وهو محمول ~~على استكمال ثماني عشرة سنة والدخول في التاسعة عشرة . حجة الشافعي رحمه ~~الله ما روى ابن عمر أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله ~~أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه ~~اعترض أبو بكر الرازي عليه فقال هذا الخبر مضطرب لأن أحدا كان في سنة ثلاث ~~والخندق في سنة خمس فكيف يكون بينهما سنة ؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في ~~القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأنه قد يرد البالغ لضعفه ويؤذن غير البالغ ~~لقوته ولطاقته حمل السلاح ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام ما سأله عن ~~الاحتلام والسن . # البحث الثاني : اختلفوا في الإنبات هل يكون بلوغا ، فأبو حنيفة وأصحابه ~~ما جعلوه بلوغا والشافعي رحمه الله جعله بلوغا ، قال أبو بكر الرازي رحمه ~~الله ظاهر قوله : { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } ينفي أن يكون الإنبات ~~بلوغا إذا لم يحتلم كما نفى كون خمس عشرة سنة بلوغا وكذلك قوله عليه السلام ~~( وعن الصبي حتى يحتمل ) حجة الشافعي رحمه الله تعالى ما روى عطية القرظي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ~~ينبت قال فنظروا إلى فلم أكن قد أنبت فاستبقاني قال أبو بكر الرازي هذا ~~الحديث لا يجوز إثبات الشرع به وبمثله لوجوه : أحدها : أن عطية هذا مجهول ~~لا يعرف إلا من هذا الخبر لا سيما مع اعتراضه على الآية ، والخبر في نفي ~~البلوغ إلا بالاحتلام وثانيها : أنه مختلف الألفاظ ففي بعضها أنه أمر بقتل ~~من جرت عليه الموسى ، وفي بعضها من اخضر عذاره ومعلوم أنه لا يبلغ هذه ~~الحال إلا وقد تقدم بلوغه ولا يكون قد جرت عليه الموسى إلا وهو رجل كبير ، ~~فجعل الإنبات وجرى الموسى عليه كناية عن بلوغ القدر الذي ms6807 ذكرنا من السن وهي ~~ثماني عشرة سنة فأكثر وثالثها : أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر ~~بالقتل لذاك لا للبلوغ ، قال الشافعي رحمه الله هذه الاحتمالات مردودة بما ~~روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سئل عن غلام فقال هل اخضر عذاره ؟ وهدا ~~يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة . # البحث الثالث : ويروى عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ ~~الإنسان في طوله خمسة أشبار ، روي عن علي عليه السلام أنه قال إذا بلغ ~~الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتص له ويقتص منه ، وعن ابن ~~سيرين عن أنس قال أتى أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلى ~~عنه ، وهذا المذهب أخذ به الفرزدق في قوله : # % ما زال مذ عقدت يداه إزاره % % وسما فأدرك خمسة الأشبار % # وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب ، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ~~ويكون طويلا ، وفوق البلوغ ويكون قصيرا فلا عبرة به . # / المسألة الثالثة : قال أبو بكر الرازي دلت هذه الآية على أن من لم يبلغ ~~، وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح فإن الله أمرهم ~~بالاستئذان في هذه الأوقات ، وقال عليه السلام : ( مروهم بالصلاة وهم أبناء ~~سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ) وعن ابن عمر رضي الله عنه قال نعلم ~~الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله ، وعن زين العابدين أنه كان يأمر ~~الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا ، فقيل له ~~يصلون الصلاة لغير وقتها فقال خير من أن يتناهوا عنها ، وعن ابن مسعود رض ~~الله عنه إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات ~~حتى يحتلم / ثم قال أبو بكر PageV24P027 الرازي إنما يؤمر بذلك على وجه ~~التعليم وليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفورا منه ، ~~وكذلك يجنب شرب الخمر ولحم الخنزير وينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم ~~يمنع منه في الصغر لصعب عليه الامتناع بعد الكبر ، وقال ms6808 الله تعالى : { قوا ~~أنفسكم وأهليكم نارا } ( التحريم : 6 ) قيل في التفسير أدبوهم وعلموهم . # المسألة الرابعة : قال الأخفش : يقال في الحلم حلم الرجل بفتح اللام ، ~~يحلم حلما بضم اللام ، ومن الحلم حلم بضم اللام ، يحلم حلما بكسر اللام . # أما قوله تعالى : { ثلاث مرات من قبل صلواة الفجر وحين تضعون ثيابكم من ~~الظهيرة ومن بعد صلواة العشاء ثلاث عورات لكم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { ثلاث مرات } يعني ثلاث أوقات ، لأنه تعالى ~~فسرهن بالأوقات ، وإنما قيل ثلاث مرات للأوقات لأنه أراد مرة في كل وقت من ~~هذه الأوقات ، لأنه يكفيهم أن يستأذنوا في كل واحد من هذه الأوقات مرة ~~واحدة ، ثم بين الأوقات فقال : { من قبل صلواة الفجر وحين تضعون ثيابكم من ~~الظهيرة ومن بعد صلواة العشاء } ، يعني الغالب في هذه الأوقات الثلاثة أن ~~يكون الإنسان متجردا عن الثياب مكشوف العورة . # المسألة الثانية : قوله : { ثلاث عورات } قرأ أهل الكوفة : { ثلاث } ~~بالنصب على البدل من قوله : { ثلاث مرات } وكأنه قال في أوقات ثلاث عورات ~~لكم ، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه وقراءة الباقين بالرفع أي ~~: هي ثلاث عورات فارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف ، قال القفال فكأن المعنى ~~ثلاث انكشافات والمراد وقت الانكشاف . # المسألة الثالثة : العورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان والأعور ~~المختل العين ، فسمى الله تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة ، لأن الناس ~~يختل حفظهم وتسترهم فيها . # المسألة الرابعة : الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا ~~أمكن لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين : أحدهما : ~~بقوله تعالى : { ثلاث عورات لكم } والثاني : بالتنبيه على الفرق بين هذه ~~الأوقات الثلاثة وبين ما عداها بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف في هذه ~~الأوقات الثلاثة ، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها وليس كذلك ما عدا هذه ~~الأوقات . # / المسألة الخامسة : من الناس من قال إن قوله تعالى : { كريم يأيها الذين ~~ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ( ~~النور : 27 ) فهذا يدل على أن الاستئذان ms6809 واجب في كل حال ، وصار ذلك منسوخا ~~بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة ، ومن الناس من قال الآية الأولى ~~أريد بها المكلف لأنه خطاب لمن آمن ، وما ذكره الله تعالى في هذه الآية فهو ~~فيمن ليس بمكلف فقيل فيه إن في بعض الأحوال لا يدخل إلا بإذن ، وفي بعضها ~~بغير إذن . فلا وجه لحمل ذلك على النسخ ، لأن ما تناولته الآية الأولى من ~~المخاطبين لم تتناوله الآية الثانية أصلا ، فإن قيل بتقدير أن يكون قوله ~~تعالى : { الذين ملكت أيمانكم } يدخل فيه من قد بلغ فالنسخ لازم ، قلنا لا ~~يجب ذلك أيضا ، لأن قوله : { كريم يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم } لا PageV24P028 يدخل إلا من يملك البيوت لحق هذه الإضافة ، وإذا ~~صح ذلك لم يدخل تحت العبيد والإماء ، فلا يجب النسخ أيضا على هذا القول ، ~~فأما إن حمل الكلام على صغار المماليك فالقول فيه أبين . # المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رحمه الله : لم يصر أحد من العلماء إلى ~~أن الأمر بالاستئذان منسوخ . وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال : ثلاث آيات من ~~كتاب الله تركهن الناس ولا أرى أحدا يعمل بهن ، قال عطاء حفظت اثنتين ونسيت ~~واحدة ، وقرأ هذه الآية وقوله : { رحيم يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى } ( الحجرات : 13 ) وذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة قوله : { ~~وإذا حضر القسمة أولوا * القربى } ( النساء : 8 ) الآية . # أما قوله تعالى : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوفون عليكم بعضكم ~~على بعض } ففيه سؤالات : # السؤال الأول : أتقولون في قوله : { ليس عليكم ولا عليهم جناح } أنه ~~يقتضي الإباحة على كل حال ؟ الجواب : قد بينا أن ذلك هو في الصغار خاصة ، ~~فمباح لهم الدخول للخدمة بغير الإذن في غير الأوقات الثلاثة ، ومباح لنا ~~تمكينهم من ذلك والدخول عليهم أيضا . # السؤال الثاني : فهل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة لهم ؟ الجواب : لا وإنما ~~أباح الله تعالى ذلك من حيث كانت العادة أن لا تكشف العورة في غير تلك ~~الأوقات ، فمتى كشفت المرأة عورتها ms6810 مع ظن دخول الخدم إليها فذلك يحرم عليها ~~، فإن كان الخادم ممن يتناوله التكليف فيحرم عليه الدخول أيضا إذا ظن أن ~~هناك كشف عورة ، فإن قيل أليس من الناس من جوز للبالغ من المماليك أن ينظر ~~إلى شعر مولاته ؟ قلنا من جوز ذلك أخرج الشعر من أن يكون عورة لحق الملك ، ~~كما يخرج من أن يكون عورة لحق الرحم ، إذ العورة تنقسم ففيه ما يكون عورة ~~على كل حال . وفيه ما يختلف حاله بالإضافة فيكون عورة مع الأجنبي غير عورة ~~غيره على ما تقدم ذكره . # السؤال الثالث : أتقولون هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم ؟ ~~الجواب : نعم / وفي قوله : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } دلالة عى أن ~~هذا الحكم يختص بالصغار دون البالغين على ما تقدم ذكره وقد نص تعالى على ~~ذلك من بعد فقال : { وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن ~~الذين من قبلهم } والمراد من تجدد منه البلوغ يجب أن يكون بمنزلة من تقدم ~~بلوغه في وجوب الاستئذان ، فهذا معنى قوله : { كما استأذن الذين من قبلهم } ~~وقد يجوز أن يظن ظان أن من خدم في حال الصغر ، فإذا بلغ يجوز له أن لا ~~يستأذن ويفارق حاله حال من لم يخدم ولم يملك ، فبين تعالى أنه كما حظر على ~~البالغين الدخول إلا بالاستئذان فكذلك على هؤلاء إذا بلغوا وإن تقدمت لهم ~~خدمة أو ثبت فيهم ملك لهن . # السؤال الرابع : الأمر بالاستئذان هل هو مختص بالمملوك ومن لم يبلغ الحلم ~~أو يتناول الكل من ذوي الرحم ؟ والأجنبي أيضا لو كان المملوك من ذوي الرحم ~~هل يجب عليه الاستئذان ؟ الجواب : أما الصورة الأولى فنعم ، إما لعموم قوله ~~تعالى : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } ( النور : 27 ) أو ~~بالقياس على المملوك ، ومن لم يبلغ الحلم بطريق الأولى ، وأما الصورة ~~الثانية فيجب عليه الاستئذان لعموم الآية . # السؤال الخامس : ما محل { ليس عليكم } ؟ الجواب : إذا رفعت { ثلاث عورات ~~} كان ذلك في محل الرفع على الوصف ، والمعنى هن ثلاث عورات مخصوصة ~~بالاستئذان ms6811 ، وإذا نصبت لم يكن له محل ، وكان كلاما PageV24P029 مقررا ~~للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة . # السؤال السادس : ما معنى قوله : { طوفون عليكم } ؟ الجواب : قال الفراء ~~والزجاج إنه كلام مستأنف كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم ، ~~والطوافون الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد ، وأصله من الطواف ، ~~والمعنى يطوف بعضكم على بعض بغير إذن . # السؤال السابع : بم ارتفع { بعضكم } ؟ الجواب : بالابتداء وخبره { على ~~بعض } على معنى طائف على بعض ، وإنما حذف لأن { طوفون } يدل عليه . # أما قوله : { والقواعد من النساء اللاتى لا يرجون نكاحا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن السكيت : امرأة قاعد إذا قعدت عن الحيض والجمع ~~قواعد ، وإذا أردت القعود قلت قاعدة ، وقال المفسرون : القواعد هن اللواتي ~~قعدن عن الحيض والولد من الكبر ولا مطمع لهن في الأزواج ، والأولى أن لا ~~يعتبر قعودهن عن الحيض لأن ذلك ينقطع والرغبة فيهن باقية ، فالمراد قعودهن ~~عن حال الزوج ، وذلك لا يكون إلا إذا بلغن في السن بحيث لا يرغب فيهن ~~الرجال . # المسألة الثانية : قوله تعالى في النساء : { لا يرجون } كقوله : { إلا أن ~~يعفون } ( البقرة : 237 ) . # المسألة الثالثة : لا شبهة أنه تعالى لم يأذن في أن يضعن ثيابهن أجمع لما ~~فيه من كشف كل عورة ، فلذلك قال المفسرون : المراد بالثياب ههنا الجلباب ~~والبرد والقناع الذي فوق الخمار ، وروي / عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قرأ { أن يضعن * جلابيبهن } وعن السدي عن شيوخه ( أن يضعن خمرهن رؤوسهن ) ~~وعن بعضهم أنه قرأ ( أن يضعن من ثيابهن ) ، وإنما خصهن الله تعالى بذلك لأن ~~التهمة مرتفعة عنهن ، وقد بلغن هذا المبلغ فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم ~~يحل لهن وضع الثياب ولذلك قال : { وأن يستعففن خير لهن } وإنما جعل ذلك ~~أفضل من حيث هو أبعد من المظنة وذلك يقتضي أن عند المظنة يلزمهن أن لا يضعن ~~ذلك كما يلزم مثله في الشابة . # المسألة الرابعة : حقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم سفينة ~~بارج لا غطاء عليها ، والبرج سعة العين التي يرى بياضها ms6812 محيطا بسوادها كله ~~، لا يغيب منه شيء إلا أنه اختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها ~~وإظهار محاسنها . # ! 7 < { ليس على الا عمى حرج ولا على الا عرج حرج ولا على المريض حرج ولا ~~على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ءابآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الا يات لعلكم تعقلون } . > 7 @QB@ < # | النور : ( 61 ) ليس على الأعمى . . . . . # > > PageV24P030 # اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في المراد من رفع الحرج عن الأعمى والأعرج ~~والمريض فقال / ابن زيد : المراد أنه لا حرج عليهم ولا إثم في ترك الجهاد ، ~~وقال الحسن نزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع الله الجهاد عنه وكان أعمى وهذا ~~القول ضعيف لأنه تعالى عطف عليه قوله : { أن تأكلوا } فنبه بذلك على أنه ~~إنما رفع الحرج في ذلك ، وقال الأكثرون المراد منه أن القوم كانوا يحظرون ~~الأكل مع هؤلاء الثلاثة وفي هذه المنازل ، فالله تعالى رفع ذلك الحظر ~~وأزاله ، واختلفوا في أنهم لأي سبب اعتقدوا ذلك الحظر ، أما في حق الأعمى ~~والأعرج والمريض فذكروا فيه وجوها : أحدها : أنهم كانوا لا يأكلون مع ~~الأعمى لأنه لا يبصر الطعام الجيد فلا يأخذه ، ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن ~~من الجلوس فإلى أن يأكل لقمة يأكل غيره لقمتين ، وكذا المريض لأنه لا يتأتى ~~له أن يأكل كما يأكل الصحيح ، قال الفراء : فعلى هذا التأويل تكون ( على ) ~~بمعنى في يعني ليس عليكم في مواكلة هؤلاء حرج وثانيها : أن العميان ~~والعرجان والمرضى تركوا مواكلة الأصحاء ، أما الأعمى فقال إني لا أرى شيئا ~~فربما آخذ الأجود وأترك الأردأ ، وأما الأعرج والمريض فخافا أن يفسدا ~~الطعام على الأصحاء لأمور تعتري المرضى ، ولأجل أن الأصحاء يتكرهون منهم ~~ولأجل أن ms6813 المريض ربما حمله الشره على أن يتعلق نظره وقلبه بلقمة الغير ، ~~وذلك مما يكرهه ذلك الغير فلهذه الأسباب احترزوا عن مواكلة الأصحاء ، فالله ~~تعالى أطلق لهم في ذلك وثالثها : روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعبيد الله ~~بن عبدالله في هذه الآية أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا ~~يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في ~~بيوتنا فكانوا يتحرجون من ذلك قالوا لا ندخلها وهم غائبون ، فنزلت هذه ~~الآية رخصة لهم وهذا قول عائشة رضي الله عنها فعلى هذا معنى الآية نفي ~~الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج إلى الغزو ~~ورابعها : نقل عن ابن عباس ومقاتل بن حيان نزلت هذه الآية في الحارث بن ~~عمرو وذلك أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا وخلف بن مالك بن ~~زيد على أهله فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال تحرجت أن آكل من ~~طعامك بغير إذنك ، وأما في حق سائر الناس فذكروا وجهين : الأول : كان ~~المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم ~~وقراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها ، فلما نزل قوله تعالى : { لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة } ( النساء : 29 ) أي بيعا فعند ~~ذلك امتنع الناس أن يأكل بعضهم من طعام بعض فنزلت هذه الآية الثاني : قال ~~قتادة : كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا ~~PageV24P031 استغنوا / قال السدي كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو ~~أخته فتتحفه المرأة بشيء من الطعام فيتحرج ، لأنه ليس ثم رب البيت . فأنزل ~~الله تعالى هذه الرخصة . # المسألة الثانية : قال الزجاج الحرج في اللغة الضيق ومعناه في الدين ~~الإثم . # المسألة الثالثة : أنه سبحانه أباح الأكل للناس من هذه المواضع وظاهر ~~الآية يدل على / أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان ، واختلف العلماء ~~فيه فنقل عن قتادة أن الأكل مباح ولكن لا يجمل ، وجمهور العلماء أنكروا ذلك ~~ثم اختلفوا على ms6814 وجوه : الأول : كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ لك بقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه ) ومما ~~يدل على هذا النسخ قوله : { لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام ~~غير ناظرين إناه } ( الأحزاب : 53 ) وكان في أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم من لهن الآباء والأخوة والأخوات ، فعم بالنهي عن ذهول بيوتهن إلا بعد ~~الإذن في الدخول وفي الأكل ، فإن قيل إنما أذن تعالى في هذا لأن المسلمين ~~لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا من بيوتهم حضروا أو غابوا ، ~~فجاز أن يرخص في ذلك ، قلنا لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب ~~بالذكر معنى لأن غيرهم كهم في ذلك الثاني : قال أبو مسلم الأصفهاني : ~~المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين ، وذلك لأنه تعالى نهى من ~~قبل عن مخالطتهم بقوله : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله } ( المجادلة : 22 ) ثم إنه سبحانه أباح في هذه الآية ~~ما حظره هناك ، قال ويدل عليه أن في هذه السورة أمر بالتسليم على أهل ~~البيوت فقال : { حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ( النور : 27 ) وفي بيوت ~~هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك ، بل أمر أن يسلموا على أنفسهم ، والحاصل أن ~~المقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة ، لا إثبات الإباحة في جميع ~~الأقات الثالث : أنه لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل من ~~يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك ، فيجوز أن يقال خصهم الله بالذكر ، لأن ~~هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق ، ولما علمنا أن هذه ~~الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا فيها ، فلا حاجة إلى ~~القول بالنسخ . # المسألة الرابعة : أن الله تعالى ذكر أحد عشر موضعا في هذه الآية أولها : ~~قوله : { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } وفيه سؤال وهو أن يقال أي ~~فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه في بيته ؟ وجوابه المراد ms6815 في بيوت أزواجكم ~~وعيالكم أضافه إليهم ، لأن بيت المرأة كبيت الزوج ، وهذا قول الفراء . وقال ~~ابن قتيبة : أراد بيوت أولادهم فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء لأن الولد كسب ~~والده وماله كماله ، قال عليه السلام : ( إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه ، ~~وإن ولده من كسبه ) والدليل على هذا أنه سبحانه وتعالى عدد الأقارب ولم ~~يذكر الأولاد لأنه إذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان الذي هو أقرب منهم ~~أولى وثانيها : بيوت الآباء وثالثها : بيوت الأمهات ورابعها : بيوت الإخوان ~~وخامسها : بيوت الأخوات وسادسها : بيوت الأعمام وسابعها : بيوت العمات ~~وثامنها : بيوت الأخوال وتاسعها : بيوت الخالات وعاشرها : قوله تعالى : { ~~أو ما ملكتم مفاتحه } وقرىء { * مفتاحه } وفيه وجوه : الأول : قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما : وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، لا بأس عليه أن يأكل ~~من ثمر / ضيعته ، ويشرب من لبن ماشيته ، وملك المفاتح كونها في يده وفي ~~حفظه الثاني : قال الضحاك : يريد الزمنى الذين كانوا يحرسون للغزاة الثالث ~~: المراد بيوت المماليك لأن PageV24P032 مال العبد لمولاه قال الفضل ~~المفاتح واحدها مفتح بفتح الميم ، وواحد المفاتيح مفتح بالكسر الحادي عشر : ~~قوله : { مفاتحه أو صديقكم } والمعنى أو بيوت أصدقائكم ، والصديق يكون ~~واحدا وجمعا ، وكذلك الخليط والقطين والعدو ويحكى عن الحسن أنه دخل داره ~~وإذا حلقة من أصدقائه وقد ( أخرجوا ) سلالا من تحت سريره فيها الخبيص ~~وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون ، فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك ~~وقال هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ~~الصديق أكثر من الوالدين ، لأن أهل الجنة لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء ~~والأمهات بل بالأصدقاء ، فقالوا مالنا من شافعين ولا صديق حميم ، وحكي أن ~~أخا للربيع بن خيثم في الله دخل منزله في حال غيبته فانبسط إلى جاريته حتى ~~قدمت إليه ما أكل ، فلما عاد أخبرته بذلك ، فلسروره بذلك قال إن صدقت فأنت ~~حرة . # المسألة الخامسة : احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن من سرق من ~~ذي رحم محرم أنه لا يقطع لإباحة الله تعالى ms6816 بهذه الآية الأكل من بيوتهم ~~ودخولها بغير إذنهم ، فلا يكون ماله محرزا منهم ، فإن قيل فيلزم أن لا يقطع ~~إذا سرق من مال صديقه ، قلنا من أراد سرقة ماله لا يكون صديقا له . # أما قوله تعالى : { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } فقال ~~أكثر المفسرين : نزلت الآية في بني ليث بن عمرو وهم حي من كنانة ، كان ~~الرجل منهم لا يأكل وحده يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا ، ~~وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه ، فأعلم ~~الله تعالى أن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه ، هذا قول ابن عباس رضي الله ~~عنهما ، وقال عكرمة وأبو صالح رحمهما الله : كانت الأنصار إذا نزل بواحد ~~منهم ضيف لم يأكل إلا وضيفه معه ، فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا ~~مجتمعين ومتفرقين . وقال الكلبي : كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاما عزلوا ~~للأعمى طعاما على حدة ، وكذلك للزمن والمريض ، فبين الله لهم أن ذلك غير ~~واجب ، وقال آخرون : كانوا يأكلون فرادى خوفا من أن يحصل عند الجمعية ما ~~ينفر أو يؤذي ، فبين الله تعالى أنه غير واجب وقوله : { جميعا } نصب على ~~الحال { * وأشتاتا } جمع شت وشتى جمع شتيت وشتان تثنية شت قاله المفضل وقيل ~~الشت مصدر بمعنى التفرق ثم يوصف به ويجمع . # أما قوله تعالى : { أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } فالمعنى ~~أنه تعالى جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة على مثال قوله تعالى : { ولا ~~تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) قال ابن عباس : فإن لم يكن أحد فعلى نفسه ~~ليقل السلام علينا من قبل ربنا ، وإذا دخل المسجد فليقل السلام على رسول ~~الله وعلينا من ربنا . قال قتادة : وحدثنا أن الملائكة ترد عليه . قال ~~القفال : وإن كان في البيت أهل الذمة / فليقل السلام على من اتبع الهدى ~~وقوله { تحية } نصب على المصدر ، كأنه قال : فحيوا تحية من عند الله ، أي ~~مما أمركم الله به . قال ابن عباس رضي الله عنهما : من قال السلام ms6817 عليكم ~~معناه اسم الله عليكم وقوله : { مباركة طيبة } قال الضحاك : معنى البركة ~~فيه تضعيف الثواب وقال الزجاج : أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك ثابت لما ~~فيه من الأجر والثواب وأنه إذا أطاع الله فيه أكثر خيره وأجزل أجره { كذالك ~~يبين الله لكم الآيات } أي يفصل الله شرائعه PageV24P033 لكم { لعلكم ~~تعقلون } لتفهموا عن الله أمره ونهيه ، وروى حميد عن أنس قال : ( خدمت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لم فعلته ولا ~~قال لي في شيء تركته لم تركته / وكنت واقفا على رأس النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصب الماء على يديه فرفع رأسه إلي وقال : ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع ~~بهن ؟ قلت بأبي وأمي أنت يا رسول الله بلى ، فقال من لقيت من أمتي فسلم ~~عليهم يطل عمرك ، وإذا دخلت بيتا فسلم عليهم يكثر خير بيتك ، وصل صلاة ~~الضحى فإنها صلاة ( الأبرار ) الأوابين ) . # ! 7 < { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر ~~جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولائك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن ~~الله غفور رحيم * لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم ~~الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم * ألاإن لله ما فى السماوات والا رض قد يعلم مآ ~~أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شىء عليم } . > 7 ~~@QB@ < # | النور : ( 62 - 64 ) إنما المؤمنون الذين . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : قرىء { على أمر * جميع } ثم ذكروا في قوله { على أمر ~~جامع } وجوها : أحدها : أن الأمر الجامع هو الأمر الموجب للاجتماع عليه ~~فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز ، وذلك نحو مقاتلة عدو أو تشاور في خطب ~~مهم أو الأمر الذي يعم ضرره ونفعه وفي قوله : { إذا * كانوا معه على أمر ~~جامع } إشارة إلى أنه خطب جليل لا بد لرسول صلى ms6818 الله عليه وسلم من أرباب ~~التجارب والآراء ليستعين بتجاربهم فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يشق على ~~قلبه وثانيها : عن الضحاك في أمر جامع الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه ~~الخطبة وثالثها : عن مجاهد في الحرب وغيره . # المسألة الثانية : اختلفوا في سبب نزوله قال الكلبي : كان صلى الله عليه ~~وسلم يعرض في خطبته بالمنافقين ويعيبهم فينظر المنافقون يمينا وشمالا فإذا ~~لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا ، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفا ، ~~فنزلت هذه الآية فكان بعد نزول هذه الآية لا يخرج المؤمن لحاجته حتى يستأذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان PageV24P034 المنافقون يخرجون بغير إذن ~~. # المسألة الثالثة : قال الجبائي هذا يدل على أن استئذانهم الرسول من ~~إيمانهم ، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان ، ~~وذلك يدل على أن كل فرض لله تعالى واجتناب محرم من الإيمان والجواب : هذا ~~بناء على أن كلمة { إنما } للحصر وأيضا فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان ~~استخفافا ولا نزاع في أنه كفر . # أما قوله تعالى : { إن الذين يستذنونك } إلى قوله : { إن الله غفور رحيم ~~} ففيه مسائل : # المسألة الأولى : { إن الذين يستذنونك } المعنى تعظيما لك ورعاية للأدب { ~~أولائك هم * الذين يؤمنون بالله ورسوله } أي يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه ~~، قال الضحاك ومقاتل : المراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وذلك لأنه ~~استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله فأذن له وقال له انطلق فوالله ما ~~أنت بمنافق يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام ، فلما سمعوا ذلك قالوا ما ~~بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم ، وإذا استأذناه لم يأذن لنا فوالله ~~ما نراه يعدل ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن عمر استأذن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في العمرة فأذن له ، ثم قال يا أبا حفص لا تنسنا من صالح ~~دعائك ، وفي قوله : { واستغفر لهم الله } وجهان : أحدهما : أن يستغفر لهم ~~تنبيها على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن / لأن الاستغفار ~~يدل على الذنب وربما ذكر عند ms6819 بعض الرخص الثاني : يحتمل أنه تعالى أمره بأن ~~يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب الله تعالى في الاستئذان . # المسألة الثانية : قال قتادة نسخت هذه الآية قوله تعالى : { لم أذنت لهم ~~} ( التوبة : 43 ) . # المسألة الثالثة : الآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله بعض أمر الدين ~~ليجتهد فيه برأيه . # أما قوله تعالى : { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } ففيه ~~وجوه : أحدها : وهو اختيار المبرد والقفال ، ولا تجعلوا أمره إياكم ودعاءه ~~لكم كما يكون من بعضكم لبعض إذ كان / أمره فرضا لازما ، والذي يدل على هذا ~~قوله عقيب هذا { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } وثانيها : لا تنادوه كما ~~ينادي بعضكم بعضا يا محمد ، ولكن قولوا يا رسول الله يا نبي الله ، عن سعيد ~~بن جبير وثالثها : لا ترفعوا أصواتكم في دعائه وهو المراد من قوله : { إن ~~الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله } ( الحجرات : 3 ) عن ابن عباس ورابعها ~~: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره ، ~~والوجه الأول أقرب إلى نظم الآية . # أما قوله تعالى : { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } فالمعنى ( ~~يتسللون ) قليلا قليلا ، ونظير تسلل تدرج وتدخل ، واللواذ : الملاوذة وهي ~~أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا ، يعني ( يتسللون ) عن الجماعة ( على سبيل ~~الخفية ) واستتار بعضهم ببعض ، و ( لواذا ) حال أي ملاوذين وقيل كان بعضهم ~~يلوذ بالرجل إذا استأذن فيؤذن له فينطلق الذي لم يؤذن له معه ، وقرىء { ~~لواذا } بالفتح ثم اختلفوا على وجوه : أحدها : قال مقاتل : كان المنافقون ~~تثقل عليهم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحابه ~~ويخرجون من غير استئذان وثانيها : قال مجاهد يتسللون من الصف في القتال ~~وثالثها : قال ابن قتيبة هذا كان في حفر الخندق ورابعها : يتسللون عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعن كتابه وعن ذكره ، وقوله : { قد يعلم الله } ~~معناه التهديد بالمجازاة . PageV24P035 # أما قوله : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الأخفش ( عن ) صلة والمعنى يخالفون أمره وقال غيره ~~معناه ms6820 يعرضون عن أمره ويميلون عن سنته فدخلت ( عن ) لتضمين المخالفة معنى ~~الإعراض . # المسألة الثانية : كما تقدم ذكر الرسول فقد تقدم ذكر الله تعالى لكن ~~القصد هو الرسول فإليه ترجع الكناية ، وقال أبو بكر الرازي : الأظهر أنها ~~لله تعالى لأنه يليه ، وحكم الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها . # المسألة الثالثة : الآية تدل على أن ظاهر الأمر للوجوب ، ووجه الاستدلال ~~به أن نقول : تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف الأمر مستحق للعقاب ~~فتارك المأمور به مستحق للعقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك ، إنما قلنا إن ~~تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ، لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان ~~بمقتضاه ، والمخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال ~~بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف ، وإنما قلنا إن مخالف الأمر مستحق ~~للعقاب لقوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم } فأمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العقاب ، والأمر بالحذر ~~عن العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضى لنزول العقاب ، فثبت أن مخالف أمر ~~الله تعالى أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب ، فإن قيل لا ~~نسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر قوله موافقة الأمر عبارة عن الإتيان ~~بمقتضاه ومخالفته عبارة عن الإخلال بمقتضاه / قلنا لا نسلم أن موافقة الأمر ~~عبارة عن الإتيان بمقتضاه ، فما الدليل عليه ؟ ثم / إنا نفسر موافقة الأمر ~~بتفسيرين أحدهما : أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على ~~الوجه الذي يقتضيه الأمر فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب ، وأنت تأتي ~~به على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة للأمر الثاني : أن موافقة الأمر عبارة ~~عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقا واجب القبول فمخالفته تكون عبارة عن إنكار ~~كونه حقا واجب القبول ، سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن مخالفة الأمر عبارة ~~عن ترك مقتضاه لكنه معارض بوجوه أخر ، وهو أنه لو كان ترك المأمور به ~~مخالفة للأمر لكان ترك المندوب لا محالة مخالفة لأمر الله ms6821 تعالى ، وذلك ~~باطل وإلا لاستحق العقاب على ما بينتموه في المقدمة الثانية ، سلمنا أن ~~تارك المأمور به مخالف للأمر فلم قلت إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله ~~تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ؟ قلنا لا نسلم أن هذه الآية ~~دالة على أمر من يكون مخالفا للأمر بالحذر بل هي دالة على الأمر بالحذر عن ~~مخالفة الأمر ، فلم لا يجوز أن يكون كذلك ؟ سلمنا ذلك لكنها دالة على أن ~~المخالف عن الأمر يلزمه الحذر ، فلم قلت إن مخالف الأمر لا يلزمه الحذر ؟ ~~فإن قلت لفظة ( عن ) صلة زائدة فنقول الأصل في الكلام لا سيما في كلام الله ~~تعالى أن لا يكون زائدا ، سلمنا دلالة الآية على أن مخالف أمر الله تعالى ~~مأمور بالحذر عن العذاب ، فلم قلت إنه يجب عليه الحذر عن العذاب ؟ أقصى ما ~~في الباب أنه ورد الأمر به لكن لم قلت إن الأمر للوجوب ؟ وهذا أول المسألة ~~، فإن قلت هب أنه لا يدل على وجوب الحذر لكن لا بد وأن يدل على حسن الحذر ، ~~وحسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب قلت : لا نسلم أن حسن ~~الحذر مشروط بقيام المقتضي لنزول العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول ~~العذاب ولهذا يحسن الاحتياط وعندنا مجرد الاحتمال قائم لأن هذه المسألة ~~احتمالية لا قطعية ، سلمنا دلالة الآية على وجود ما يقتضي نزول PageV24P036 ~~العقاب ، لكن لا في كل أمر بل في أمر واحد لأن قوله { عن أمره } لا يفيد ~~إلا أمرا واحدا ، وعندما أن أمرا واحدا يفيد الوجوب ، فلم قلت إن كل أمر ~~كذلك ؟ سلمنا أن كل أمر كذلك ، لكن الضمير في قوله : { عن أمره } يحتمل ~~عوده إلى الله تعالى وعوده إلى الرسول ، والآية لا تدل إلا على أن الأمر ~~للوجوب في حق أحدهما ، فلم قلتم إنه في حق الآخر كذلك ؟ الجواب : قوله لم ~~قلتم إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ؟ قلنا الدليل عليه أن ~~العبد إذا امتثل أمر السيد حسن أن يقال إن هذا العبد موافق للسيد ms6822 ويجري على ~~وفق أمره ، ولو لم يمتثل أمره يقال إنه ما وافقه بل خالفه ، وحسن هذا ~~الإطلاق معلوم بالضرورة من أهل اللغة فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن ~~الإتيان بمقتضاه ، قوله الموافقة عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على ~~الوجه الذي يقتضيه الأمر ، قلنا لما سلمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند ~~الإتيان بمقتضى الأمر ، فنقول لا شك أن مقتضى الأمر هو الفعل لأن قوله : ~~افعل لا يدل إلا على اقتضاء الفعل ، وإذا لم يوجد الفعل لم يوجد مقتضى ~~الأمر ، فلا توجد الموافقة فوجب حصول المخالفة لأنه ليس بين الموافقة ~~والمخالفة واسطة قوله : الموافقة عبارة عن اعتقاد كون ذلك / الأمر حقا واجب ~~القبول ، قلنا هذا لا يكون موافقة للأمر بل يكون موافقة للدليل الدال على ~~أن ذلك الأمر حق ، فإن موافقة الشيء عبارة عن الإتيان بما يقتضي تقرير ~~مقتضاه ، فإذا دل على حقية الشيء كان الاعتراف بحقيته يقتضي تقرير مقتضى ~~ذلك الدليل ، أما الأمر فلما اقتضى دخول الفعل في الوجود كانت موافقته ~~عبارة عما يقرر ذلك الدخول وإدخاله في الوجود يقتضي تقرير دخوله في الوجود ~~فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه . قوله لو كان كذلك لكان تارك ~~المندوب مخالفا فوجب أن يستحق العقاب ، قلنا هذا الإلزام إنما يصح أن لو ~~كان المندوب مأمورا به وهو ممنوع ، قوله لم لا يجوز أن يكون قوله : { ~~فليحذر } أمرا بالحذر عن المخالف لا أمرا للمخالف بالحذر ؟ قلنا لو كان ~~كذلك لصار التقدير فليحذر المتسللون لواذا عن الذين يخالفون أمره وحينئذ ~~يبقى قوله : { أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } ضائعا لأن الحذر ليس ~~فعلا يتعدى إلى مفعولين . قوله كلمة ( عن ) ليست بزائدة ، قلنا ذكرنا ~~اختلاف الناس فيها في المسألة الأولى . قوله لم قلتم إن قوله : { فليحذر } ~~يدل على وجوب الحذر عن العقاب ؟ قلا لا ندعي وجوب الحذر ، ولكن لا أقل من ~~جواز الحذر ، وذلك مشروط بوجود ما يقتضي وقوع العقاب . قوله لم قلت إن ~~الآية تدل على أن كل مخالف للأمر يستحق ms6823 العقاب ؟ قلنا لأنه تعالى رتب نزول ~~العقاب على المخالفة فوجب أن يكون معللا به ، فيلزم عمومه لعموم العلة . ~~قوله هب أن أمر الله أو أمر رسوله للوجوب ، فلم قلتم إن الأمر كذلك ؟ قلنا ~~لأنه لا قائل بالفرق والله أعلم . # المسألة الرابعة : من الناس من قال لفظ الأمر مشترك بين الأمر القولي ~~وبين الشأن والطريق ، كما يقال أمر فلان مستقيم . وإذا ثبت ذلك كان قوله ~~تعالى : { عن أمره } يتناول قول الرسول وفعله وطريقته ، وذلك يقتضي أن كل ~~ما فعله عليه الصلاة والسلام يكون واجبا علينا ، وهذه المسألة مبنية على أن ~~الكناية في قوله { عن أمره } راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أما لو ~~كانت راجعة إلى الله تعالى فالبحث ساقط بالكلية ، وتمام تقرير ذلك ذكرناه ~~في أصول الفقه ، والله أعلم . # أما قوله تعالى : { أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } فالمراد أن ~~مخالفة الأمر توجب أحد هذين PageV24P037 الأمرين ، والمراد بالفتنة العقوبة ~~في الدنيا ، والعذاب الأليم عذاب الآخرة ، وإنما ردد الله تعالى حال ذلك ~~المخالف بين هذين الأمرين لأن ذلك المخالف قد يموت من دون عقاب الدنيا وقد ~~يعرض له ذلك في الدنيا ، فلهذا السبب أورده تعالى على سبيل الترديد ، ثم ~~قال الحسن : الفتنة هي ظهور نفاقهم ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : القتل ~~. وقيل : الزلازل والأهوال ، وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر . # أما قوله تعالى : { ألا إن لله ما فى * السماوات والارض } فذاك كالدلالة ~~على قدرته تعالى عليهما / وعلى ما بينهما وما فيهما ، واقتداره على المكلف ~~فيما يعامل به من المجازاة بثواب أو بعقاب ، وعلمه بما يخفيه ويعلنه ، وكل ~~ذلك كالزجر عن مخالفة أمره . # أما قوله تعالى : { قد يعلم ما أنتم عليه } فإنما أدخل { قد } لتوكيد ~~علمه بما هم عليه من المخالفة في الدين والنفاق . ويرجع توكيد العلم إلى ~~توكيد الوعيد : وذلك لأن قد إذا أدخلت على المضارع كانت بمعنى ربما ، ~~فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير . كما في قوله الشاعر : # % فإن يمس مهجور الفناء فربما % % أقام ms6824 به بعد الوفود وفود % # والخطاب والغيبة في قوله تعالى : { قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون ~~إليه } يجوز أن يكونا جميعا للمنافقين على طريق الالتفات ، ويجوز أن يكون ~~ما أنتم عليه عاما ويرجعون للمنافقين ، وقد تقدم في غير موضع أن الرجوع ~~إليه هو الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له فلا وجه لإعادته والله أعلم . # وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم # # PageV24P038 < # > 1 ( سورة الفرقان ) 1 < # > # سبع وسبعون آية مكية # ! 7 < { تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا * الذى له ~~ملك السماوات والا رض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك وخلق كل شىء ~~فقدره تقديرا } . > 7 ! # / < < # | الفرقان : ( 1 - 2 ) تبارك الذي نزل . . . . . # > > اعلم أن الله سبحانه وتعالى تكلم في هذه السورة في التوحيد والنبوة ~~وأحوال القيامة ، ثم ختمها بذكر صفات العباد المخلصين الموقنين ، ولما كان ~~إثبات الصانع وإثبات صفات جلاله يجب أن يكون مقدما على الكل لا جرم افتتح ~~الله هذه السورة بذلك فقال : { تبارك الذى نزل الفرقان على عبده } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال الزجاج : تبارك : تفاعل من البركة ، والبركة كثرة ~~الخير وزيادته وفيه معنيان : أحدهما : تزايد خيره وتكاثر ، وهو المراد من ~~قوله : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) والثاني : ~~تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في ذاته وصفاته وأفعاله ، وهو المراد من قوله : ~~{ ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) وأما تعاليه عن كل شيء في ذاته ، فيحتمل ~~أن يكون المعنى جل بوجوب وجوده وقدمه عن جواز الفناء والتغير عليه ، وأن ~~يكون المعنى جل بفردانيته ووحدانيته عن مشابهة شيء من الممكنات ، وأما ~~تعاليه عن كل شيء في صفاته فيحتمل أن يكون المعنى جل أن يكون علمه ضروريا ~~أو كسبيا أو تصورا أو تصديقا وفي قدرته أن يحتاج إلى مادة ومدة ومثال وجلب ~~غرض ومنال ، وأما في أفعاله فجل أن يكون الوجود والبقاء وصلاح حال الوجود ~~إلا من قبله ، وقال آخرون : أصل الكلمة تدل على البقاء ، وهو مأخوذ من بروك ms6825 ~~البعير ، ومن بروك الطير على الماء ، وسميت البركة بركة لثبوت الماء فيها ، ~~والمعنى أنه سبحانه وتعالى باق في ذاته أزلا وأبدا ممتنع التغير وباق / في ~~صفاته ممتنع التبدل ، ولما كان سبحانه وتعالى هو الخالق لوجوه المنافع ~~والمصالح والمبقى لها وجب وصفه سبحانه بأنه تبارك وتعالى . PageV24P039 # المسألة الثانية : قال أهل اللغة : كلمة ( الذي ) موضوعة للإشارة إلى ~~الشيء عند محاولة تعريفه بقضية معلومة ، وعند هذا يتوجه الإشكال ، وهو أن ~~القوم ما كانوا عالمين بأنه سبحانه هو الذي نزل الفرقان فكيف حسن ههنا لفظ ~~( الذي ) ؟ وجوابه : أنه لما قامت الدلالة على كون القرآن معجزا ظهر بحسب ~~الدليل كونه من عند الله ، فلقوة الدليل وظهوره أجراه سبحانه وتعالى مجرى ~~المعلوم . # المسألة الثالثة : لا نزاع أن الفرقان هو القرآن وصف بذلك من حيث إنه ~~سبحانه فرق به بين الحق والباطل في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبين ~~الحلال والحرام ، أو لأنه فرق في النزول كما قال : { وقرءانا فرقناه لتقرأه ~~على الناس على مكث } ( الإسراء : 106 ) وهذا التأويل أقرب لأنه قال : { نزل ~~الفرقان } ولفظة ( نزل ) تدل على التفريق ، وأما لفظة ( أنزل ) فتدل على ~~الجمع ، ولذلك قال في سورة آل عمران : { نزل عليك الكتاب بالحق وأنزل ~~التوراة والإنجيل } ( آل عمران : 3 ) واعلم أنه سبحانه وتعالى لما قال أولا ~~{ تبارك } ومعناه كثرة الخير والبركة ، ثم ذكر عقبه أمر القرآن دل ذلك على ~~أن القرآن منشأ الخيرات وأعم البركات ، لكن القرآن ليس إلا منبعا للعلوم ~~والمعارف والحكم ، فدل هذا على أن العلم أشرف المخلوقات وأعظم الأشياء خيرا ~~وبركة . # المسألة الرابعة : لا نزاع أن المراد من العبد ههنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، وعن ابن الزبير على عباده وهم رسول الله وأمته كما قال : { لقد ~~أنزلنا إليكم } ( الأنبياء : 10 ) ، { قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا } ~~( البقرة : 136 ) ، وقوله : { ليكون للعالمين نذيرا } فالمراد ليكون هذا ~~العبد نذيرا للعالمين ، وقول من قال : إنه راجع إلى الفرقان فأضاف الإنذار ~~إليه كما أضاف الهداية إليه في قوله : { إن هاذا القرءان يهدى } ( الأسراء ~~: 9 ms6826 ) فبعيد وذلك لأن المنذر والنذير من صفات الفاعل للتخويف ، وإذا وصف به ~~القرآن فهو مجاز ، وحمل الكلام على الحقيقة إذا أمكن هو الواجب ، ثم قالوا ~~هذه الآية تدل على أحكام : الأول : أن العالم كل ما سوى الله تعالى ويتناول ~~جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة ، لكنا أجمعنا أنه عليه السلام لم ~~يكن رسولا إلى الملائكة فوجب أن يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعا ، ويبطل ~~بهذا قول من قال إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض الثاني : أن لفظ { ~~العالمين } يتناول جميع المخلوقات فدلت الآية على أنه رسول للخلق إلى يوم ~~القيامة ، فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل الثالث : قالت المعتزلة دلت ~~الآية على أنه سبحانه أراد الإيمان وفعل الطاعات من الكل ، لأنه إنما بعثه ~~إلى الكل ليكون نذيرا للكل ، وأراد من الكل الاشتغال بالحسن والإعراض عن ~~القبيح وعارضهم أصحابنا بقوله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم } ( لأعراف : 179 ~~) الآية ، الرابع : لقائل أن يقول إن قوله { تبارك } كما دل على كثرة الخير ~~والبركة لا بد وأن يكون المذكور عقيبه ما يكون سببا لكثرة الخير / والمنافع ~~، والإنذار يوجب الغم والخوف فكيف يليق هذا لهذا الموضع ؟ جوابه : أن هذا ~~الإنذار يجري مجرى تأديب الولد ، وكما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب ~~الولد أكثر كان الإحسان إليه أكثر ، لما أن ذاك يؤدي في المستقبل إلى ~~المنافع العظيمة ، فكذا ههنا كلما كان الإنذار كثيرا كان رجوع الخلق إلى ~~الله أكثر ، فكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر ، وهذا كالتنبيه على أنه لا ~~التفات إلى المنافع العاجلة ، وذلك لأنه سبحانه لما وصف نفسه بأنه الذي ~~يعطي الخيرات الكثيرة لم يذكر إلا منافع الدين ، ولم يذكر ألبتة شيئا من ~~منافع الدنيا . PageV24P040 # ثم إنه سبحانه وصف ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء أولها : قوله : { ~~الذى له ملك * السماوات والارض } وهذا كالتنبيه على الدلالة على وجوده ~~سبحانه لأنه لا طريق إلى إثباته إلا بواسطة احتياج أفعاله إليه ، فكان ~~تقديم هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب وقوله : { له ما في ~~السماوات * والارض } إشارة ms6827 إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه بزمان ~~حدوثها وزمان بقائها في ماهيتها وفي وجودها ، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها ~~كيف يشاء وثانيها : قوله : { ولم يتخذ ولدا } فبين سبحانه أنه هو المعبود ~~أبدا ، ولا يصح أن يكون غيره معبودا ووارثا للملك عنه فتكون هذه الصفة ~~كالمؤكدة لقوله : { تبارك } ولقوله : { الذى له ملك * السماوات والارض } ~~وهذا كالرد على النصارى وثالثها : قوله : { ولم يكن له شريك فى الملك } ~~والمراد أنه هو المنفرد بالإلهية ، وإذا عرف العبد ذلك انقطع خوفه ورجاؤه ~~عن الكل ، ولا يبقى مشغول القلب إلا برحمته وإحسانه . وفيه الرد على ~~الثنوية والقائلين بعبادة النجوم والقائلين بعبادة الأوثان ورابعها : قوله ~~: { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } وفيه سؤالات : # الأول : هل في قوله : { وخلق كل شىء } دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال ~~العباد ؟ والجواب : نعم من وجهين : الأول : أن قوله : { وخلق كل شىء } ~~يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد ، والثاني : وهو أنه تعالى بعد ~~أن نفى الشريك ذكر ذلك / والتقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلا قال ~~: ههنا أقوام يعترفون بنفي الشركاء والأنداد ، ومع ذلك يقولون إنهم يخلقون ~~أفعال أنفسهم فذكر الله تعالى هذه الآية لتكون معينة في الرد عليهم ، قال ~~القاضي الآية لا تدل عليه لوجوه : أحدها : أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقا ~~في قوله : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } ( المائدة : 110 ) وقال : { ~~فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) وثانيها : أنه سبحانه تمدح ~~بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد وثالثها : أنه سبحانه تمدح بأنه قدره ~~تقديرا ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره ، فثبت بهذه الوجوه ~~أنه لا بد من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه ، فكيف ولا دلالة فيها ~~ألبتة ، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير ~~، وذلك إنما يظهر في الأجسام لا في الأعراض والجواب : # أما قوله : { وإذ تخلق } وقوله : { أحسن الخالقين } فهما معارضان بقوله : ~~{ الله خالق كل شىء } ( الزمر : 62 ) / وبقوله : { هل من خالق غير الله } ( ~~فاطر ms6828 : 3 ) وأما قوله لا يجوز التمدح بخلق الفساد ، قلنا لم لا يجوز أن يقع ~~التمدح به نظرا إلى تقادير القدرة وإلى أن صفة الإيجاد من العدم والإعدام ~~من الوجود ليست إلا له ؟ وأما قوله : الخلق لا يتناول إلا الأجسام ، فنقول ~~لو كان كذلك لكان قوله { خلق كل * شىء } خطأ لأنه يقتضي إضافة الخلق إلى ~~جميع الأشياء مع أنه لا يصح في العقل إضافته إليها . # السؤال الثاني : في الخلق معنى التقدير ( فقوله ) : { وخلق كل شىء فقدره ~~تقديرا } ( معناه ) وقدر كل شيء فقدره تقديرا ؟ والجواب : المعنى ( أنه ) ~~أحدث كل شيء إحداثا يراعي فيه التقدير والتسوية ، فقدره تقديرا وهيأه لما ~~يصلح له ، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر ( المستوي ) الذي ~~تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة ( به في باب ) الدين والدنيا ، ~~وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة ~~والتدبير فقدره لأمر ما ومصلحة ما مطابقا لما قدر ( له ) غير ( متخلف ) عنه ~~. # السؤال الثالث : هل في قوله : { فقدره تقديرا } دلالة على مذهبكم ؟ ~~الجواب : نعم وذلك من وجوه : PageV24P041 أحدها : أن التقدير في حقنا يرجع ~~إلى الظن والحسبان ، أما في حقه سبحانه فلا معنى له إلا العلم به والإخبار ~~عنه ، وذلك متفق عليه بيننا وبين المعتزلة ، فلما علم في الشيء الفلاني أنه ~~لا يقع فلو وقع ذلك الشيء لزم انقلاب علمه جهلا وانقلاب خبره الصدق كذبا ، ~~وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فإذن وقوع ذلك الشيء محال والمحال غير ~~مراد فذلك الشيء غير مراد وإنه مأمور به ، فثبت أن الأمر والإرادة لا ~~يتلازمان ، وظهر أن السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه ~~وثانيها : أنه عند حصول القدرة والداعية الخالصة إن وجب الفعل ، كان فعل ~~العبد يوجب فعل الله تعالى ، وحينئذ يبطل قول المعتزلة ، وإن لم يجب فإن ~~استغنى عن المرجح فقد وقع الممكن لا عن مرجح وتجويزه يسد باب إثبات الصانع ~~وإن لم يستغن عن المرجح ، فالكلام يعود في ذلك المرجح ، ولا ينقطع إلا عند ms6829 ~~الانتهاء إلى واجب الوجود وثالثها : أن فعل العبد لو وقع بقدرته لما وقع ~~إلا الشيء الذي أراد تكوينه وإيجاده ، لكن الإنسان لا يريد إلا العلم والحق ~~فلا يحصل له إلا الجهل والباطل ، فلو كان الأمر بقدرته لما كان كذلك ، فإن ~~قيل إنما كان لأنه اعتقد شبهة أوجبت له ذلك الجهل ، قلنا إن اعتقد تلك ~~الشبهة لشبهة أخرى لزم التسلسل وهو محال فلا بد من الانتهاء إلى جهل أول ، ~~ووقع في قلب الإنسان لا بسبب جهل سابق / بل الإنسان أحدثه ابتداء من غير ~~موجب ، وذلك محال لأن الإنسان قط لا يرضى لنفسه بالجهل ولا يحاول تحصيل ~~الجهل لنفسه بل لا يحاول إلا العلم ، فوجب أن لا يحصل له إلا ما قصده ~~وأراده ، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الكل بقضاء سار وقدر نافذ ، وهو المراد ~~من قوله : { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } . # ! 7 < { واتخذوا من دونه ءالهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون ~~لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حيواة ولا نشورا } . > 7 ! # < < # | الفرقان : ( 3 ) واتخذوا من دونه . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو ~~أردف ذلك بتزييف مذهب عبدة الأوثان وبين نقصانها من وجوه : أحدها : أنها ~~ليست خالقة للأشياء ، والإله يجب أن يكون قادرا على الخلق والإيجاد وثانيها ~~: أنها مخلوقة والمخلوق محتاج ، والإله يجب أن يكون غنيا وثالثها : أنها لا ~~تملك لأنفسها ضرا ولا نفعا ، ومن كان كذلك فهو لا يملك لغيره أيضا نفعا ، ~~ومن كان كذلك فلا فائدة في عبادته ورابعها : أنها لا تملك موتا ولا حياة ~~ولا نشورا ، أي لا تقدر على الإحياء والإماتة في زمان التكليف وثانيا في ~~زمان المجازاة ، ومن كان كذلك كيف يسمى إلها ؟ وكيف يحسن عبادته مع أن حق ~~من يحق له العبادة أن ينعم بهذه النعم المخصوصة ، وههنا سؤالات : # الأول : قوله : { واتخذوا من دونه ءالهة } هل يختص بعبدة الأوثان أو يدخل ~~فيه النصارى وعبدة الكواكب وعبدة الملائكة ؟ والجواب : قال القاضي : بعيد ~~أن يدخل فيه النصارى لأنهم ms6830 لم يتخذوا من دون الله آلهة على الجمع ، فالأقرب ~~أن المراد به عباد الأصنام ، ويجوز أن يدخل فيه من عبد الملائكة لأن ~~PageV24P042 لمعبودهم كثرة ، ولقائل أن يقول قوله { واتخذوا } صيغة جمع ~~وقوله { ءالهة } جمع ، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل المفرد بالمفرد ، فلم ~~يكن كون معبود النصارى واحدا مانعا من دخوله تحت هذا اللفظ . # السؤال الثاني : احتج بعض أصحابنا بقوله : { واتخذوا من دونه ءالهة لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون } على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقال : إن الله ~~تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئا ، وذلك يدل على أن من ~~خلق يستحق أن يعبد ، فلو كان العبد خالقا لكان معبودا إلها ، أجاب الكعبي ~~عنه بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله تعالى . وقال بعض أصحابنا في ~~الخلق إنه الإحداث لا بعلاج وفكر وتعب ، ولا يكون ذلك إلا لله تعالى ، ثم ~~قال : وقد قال تعالى : { ألهم أرجل يمشون بها } ( الأعراف : 195 ) في وصف ~~الأصنام أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد ؟ فإذا قالوا لا قيل ~~فكذلك ما ذكرتم ، وقد قال تعالى : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ( ~~المؤمنون : 14 ) هذا كله كلام الكعبي والجواب : قوله لا يطلق اسم الخالق ~~على العبد ، قلنا بل يجب ذلك لأن الخلق في اللغة هو التقدير ، والتقدير ~~يرجع إلى الظن والحسبان ، فوجب أن يكون اسم الخالق حقيقة في / العبد مجازا ~~في الله تعالى ، فكيف يمكنكم منع إطلاق لفظ الخالق على العبد ؟ أما قوله ~~تعالى : { ألهم أرجل يمشون بها } فالعيب إنما وقع عليهم بالعجز فلا جرم أن ~~كل من تحقق العجز في حقه من بعض الوجوه لم يحسن عبادته . وأما قوله تعالى : ~~{ فتبارك الله أحسن الخالقين } فقد تقدم الكلام عليه . # واعلم أن هذه الآية لا يقوى استدلال أصحابنا بها لاحتمال أن العيب لا ~~يحصل إلا بمجموع أمرين : أحدهما أنهم ليسوا بخالقين ، والثاني أنهم مخلوقون ~~، والعبد وإن كان خالقا إلا أنه مخلوق فلزم أن لا يكون إلها معبودا . # السؤال الثالث : هل ms6831 تدل هذه الآية على البعث ؟ الجواب : نعم لأنه تعالى ~~ذكر النشور ومعناه أن المعبود يجب أن يكون قادرا على إيصال الثواب إلى ~~المطيعين والعقاب إلى العصاة ، فمن لا يكون كذلك وجب أن لا يصلح للإلهية . # ! 7 < { وقال الذين كفروا إن هاذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ءاخرون ~~فقد جآءوا ظلما وزورا * وقالوا أساطير الا ولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة ~~وأصيلا * قل أنزله الذى يعلم السر فى السماوات والا رض إنه كان غفورا رحيما ~~* وقالوا ما لهاذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الا سواق لولاأنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الا مثال فضلوا ~~فلا يستطيعون سبيلا } . > 7 @QB@ < # | الفرقان : ( 4 - 9 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > PageV24P043 # / اعلم أنه سبحانه تكلم أولا في التوحيد ، وثانيا في الرد على عبدة ~~الأوثان ، وثالثا في هذه الآية تكلم في مسألة النبوة ، وحكى سبحانه شبههم ~~في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الشبهة الأولى : قولهم : { إن هاذا ~~إلا إفك افتراه } وأعانه عليه قوم آخرون ، ونظيره قوله تعالى : { إنما ~~يعلمه بشر } ( النحل : 103 ) واعلم أنه يحتمل أن يريدوا به أنه كذب في نفسه ~~، ويحتمل أن يريدوا به أنه كذب في إضافته إلى الله تعالى ، ثم ههنا بحثان : # الأول : قال أبو مسلم : الافتراء افتعال من فريت ، وقد يقال في تقدير ~~الأديم فريت الأديم ، فإذا أريد قطع الإفساد قيل أفريت وافتريت وخلقت ~~واختلقت ، ويقال فيمن شتم امرءا بما ليس فيه افترى عليه . # البحث الثاني : قال الكلبي ومقاتل : نزلت في النضر بن الحارث فهو الذي ~~قال هذا القول { وقال الذين كفروا إن } يعني عداس مولى حويطب بن عبد العزى ~~ويسار ( غلام عامر ) بن الحضرمي ، وجبر مولى عامر ، وهؤلاء الثلاثة كانوا ~~من أهل الكتاب ، وكانوا يقرأون التوراة ويحدثون أحاديث منها فلما أسلموا ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعهدهم ، فمن أجل ذلك قال النضر ما قال . ~~واعلم أن الله تعالى ms6832 أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { فقد جاءوا ظلما وزورا } ~~وفيه أبحاث : # الأول : أن هذا القدر إنما يكفي جوابا عن الشبهة المذكورة ، لأنه قد علم ~~كل عاقل أنه عليه السلام تحداهم بالقرآن وهم النهاية في الفصاحة ، وقد ~~بلغوا في الحرص على إبطال أمره كل غاية ، حتى أخرجهم ذلك إلى ما وصفوه به ~~في هذه الآيات ، فلو أمكنهم أن يعارضوه لفعلوا ، ولكان ذلك أقرب إلى أن ~~يبلغوا مرادهم فيه مما أوردوه في هذه الآية وغيرها ، ولو استعان محمد عليه ~~السلام في ذلك بغيره لأمكنهم أيضا أن يستعينوا بغيرهم ، لأن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم كأولئك المنكرين في معرفة اللغة وفي المكنة من الاستعانة ، فلما ~~لم يفعلوا ذلك والحالة هذه علم أن القرآن قد بلغ النهاية في الفصاحة وانتهى ~~إلى حد الإعجاز ، ولما تقدمت هذه الدلالة مرات وكرات في القرآن وظهر بسببها ~~سقوط هذا السؤال ، ظهر أن إعادة هذا السؤال بعد تقدم هذه الأدلة الواضحة لا ~~يكون إلا للتمادي في الجهل والعناد ، فلذلك اكتفى الله في الجواب بقوله : { ~~فقد جاءوا ظلما وزورا } . # البحث الثاني : قال الكسائي : قوله تعالى : { فقد جاءوا ظلما وزورا } أي ~~أتوا ظلما وكذبا وهو كقوله : { لقد جئتم شيئا إدا } فانتصب بوقوع المجيء ~~عليه ، وقال الزجاج : انتصب بنزع الخافض ، أي جاءوا بالظلم والزور . # البحث الثالث : أن الله تعالى وصف كلامهم بأنه ظلم وبأنه زور / أما أنه ~~ظلم فلأنهم نسبوا هذا الفعل القبيح إلى من كان مبرأ عنه ، فقد وضعوا الشيء ~~في غير موضعه وذلك هو الظلم ، وأما الزور فلأنهم كذبوا فيه ، وقال أبو مسلم ~~: الظلم تكذيبهم الرسول والرد عليه ، والزور كذبهم عليهم . PageV24P044 # / الشبهة الثانية لهم : قوله تعالى : { وقالوا أساطير الاولين اكتتبها ~~فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } وفيه أبحاث : # البحث الأول : الأساطير ما سطره المتقدمون كأحاديث رستم واسفنديار ، جمع ~~أسطار أو أسطورة كأحدوثة { اكتتبها } انتسخها محمد من أهل الكتاب يعني ~~عامرا ويسارا وجبرا ، ومعنى اكتتب ههنا أمر أن يكتب له كما يقال احتجم ~~وافتصد إذا أمر بذلك { فهى تملى عليه } أي تقرأ ms6833 عليه والمعنى أنها كتبت له ~~وهو أمي فهي تلقي عليه من كتابه ليحفظها لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة ~~الإلقاء على الكاتب . # أما قوله : { بكرة وأصيلا } قال الضحاك ما يملى عليه بكرة يقرؤه عليكم ~~عشية ، وما يملى عليه عشية يقرؤه عليكم بكرة . # البحث الثاني : قال الحسن قوله : { فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } كلام ~~الله ذكره جوابا عن قولهم كأنه تعالى قال إن هذه الآيات تملى عليه بالوحي ~~حالا بعد حال ، فكيف ينسب إلى أنه أساطير الأولين ، وأما جمهور المفسرين ~~فقد اتفقوا على أن ذلك من كلام القوم ، وأرادوا به أن أهل الكتاب أملوا ~~عليه في هذه الأوقات هذه الأشياء ولا شك أن هذا القول أقرب لوجوه : أحدها : ~~شدة تعلق هذا الكلام بما قبله ، فكأنهم قالوا اكتتب أساطير الأولين فهي ~~تملى عليه وثانيها : أن هذا هو المراد بقولهم : { وقال الذين كفروا إن } ~~وثالثها : أنه تعالى أجاب بعد ذلك عن كلامهم بقوله : { قل أنزله الذى يعلم ~~السر } قال صاحب ( الكشاف ) ، وقول الحسن إنما يستقيم أن لو فتحت الهمزة ~~للاستفهام الذي في معنى الإنكار وحق الحسن أن يقف على { الاولين } ، وأجاب ~~الله عن هذه الشبهة بقوله : { قل أنزله الذى يعلم السر فى * السماوات ~~والارض * إنه كان غفورا رحيما } وفيه أبحاث : # البحث الأول : في بيان أن هذا كيف يصلح أن يكون جوابا عن تلك الشبهة ؟ ~~وتقريره ما قدمنا أنه عليه السلام تحداهم بالمعارضة وظهر عجزهم عنها ولو ~~كان عليه السلام أتى بالقرآن بأن استعان بأحد لكان من الواجب عليهم أيضا أن ~~يستعينوا بأحد فيأتوا بمثل هذا القرآن ، فلما عجزوا عنه ثبت أنه وحي الله ~~وكلامه ، فلهذا قال : { قل أنزله الذى يعلم السر } وذلك لأن القادر على ~~تركيب ألفاظ القرآن لا بد وأن يكون عالما بكل المعلومات ظاهرها وخافيها من ~~وجوه : أحدها : أن مثل هذه الفصاحة لا يتأتى إلا من العالم بكل المعلومات ~~وثانيها : أن القرآن مشتمل على الإخبار عن الغيوب ، وذلك لا يتأتى إلا من ~~العالم بكل المعلومات وثالثها : أن القرآن مبرأ عن النقص ms6834 وذلك لا يتأتى إلا ~~من العالم على ما قال تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) ورابعها : اشتماله على الأحكام التي هي ~~مقتضية لمصالح العالم ونظام العباد ، وذلك لا يكون إلا من العالم بكل ~~المعلومات وخامسها : اشتماله على أنواع العلوم وذلك لا يتأتى إلا من العالم ~~بكل / المعلومات ، فلما دل القرآن من هذه الوجوه على أنه ليس إلا كلام بكل ~~المعلومات لا جرم اكتفى في جواب شبههم بقوله : { قل أنزله الذى يعلم السر } ~~. # البحث الثاني : اختلفوا في المراد بالسر ، فمنهم من قال المعنى أن العالم ~~بكل سر في السموات والأرض هو الذي يمكنه إنزال مثل هذا الكتاب / وقال أبو ~~مسلم : المعنى أنه أنزله من يعلم السر فلو كذب عليه لانتقم منه لقوله تعالى ~~: { ولو تقول علينا بعض الاقاويل * لاخذنا منه باليمين } ( الحاقة : 44 ) ~~وقال آخرون : المعنى PageV24P045 أنه يعلم كل سر خفي في السموات والأرض ، ~~ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله مع علمكم بأن ما يقوله حق ضرورة ~~، وكذلك باطن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما تتهمونه به ، ~~وهو سبحانه مجازيكم ومجازيه على ما علم منكم وعلم منه . # البحث الثالث : إنما ذكر الغفور الرحيم في هذا الموضع لوجهين : الأول : ~~قال أبو مسلم المعنى أنه إنما أنزله لأجل الإنذار فوجب أن يكون غفورا رحيما ~~غير مستعجل في العقوبة الثاني : أنه تنبيه على أنهم استوجبوا بمكايدتهم هذه ~~أن يصب عليهم العذاب صبا ولكن صرف ذلك عنهم كونه غفورا رحيما يمهل ولا يعجل ~~. # الشبهة الثالثة : وهي في نهاية الركاكة ذكروا له صفات خمسة فزعموا أنها ~~تخل بالرسالة إحداها : قولهم : { مال * هاذا * الرسول يأكل الطعام } ~~وثانيتها : قولهم : { ويمشى فى الاسواق } يعني أنه لما كان كذلك فمن أين له ~~الفضل علينا وهو مثلنا في هذه الأمور وثالثتها : قولهم : { لولا أنزل إليه ~~ملك فيكون معه نذيرا } يصدقه أو يشهد له ويرد على من خالفه ورابعتها : ~~قولهم : { أو يلقى إليه كنز } أي من السماء فينفقه فلا يحتاج ms6835 إلى التردد ~~لطلب المعاش وخامستها : قولهم : { أو تكون له جنة يأكل منها } قرأ حمزة ~~والكسائي { نأكل منها } بالنون وقرأ الباقون بالياء والمعنى إن لم يكن لك ~~كنز فلا أقل من أن تكون كواحد من الدهاقين فيكون لك بستان تأكل منه ~~وسادستها : قولهم : { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } وقد تقدمت هذه القصة في ~~آخر سورة بني إسرائيل فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه : أحدها : ~~قوله : { انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } وفيه أبحاث ~~: # الأول : أن هذا كيف يصلح أن يكون جوابا عن تلك الشبهة ؟ وبيانه أن الذي ~~يتميز الرسول به عن غيره هو المعجزة وهذه الأشياء التي ذكروها لا يقدح شيء ~~منها في المعجزة فلا يكون شيء منها قادحا في النبوة ، فكأنه تعالى قال انظر ~~كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها لأجل أنهم لما ضلوا ~~وأرادوا القدح في نبوتك لم يجدوا إلى القدح فيه سبيلا ألبتة إذ الطعن عليه ~~إنما يكون بما يقدح في المعجزات التي ادعاها لا بهذا الجنس من القول وفيه ~~وجه آخر وهو أنهم لما ضلوا لم يبق فيهم استطاعة قبول الحق ، وهذا إنما يصح ~~على مذهبنا وتقريره بالعقل ظاهر ، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون مستوى ~~الداعي إلى الحق والباطل ، وإما أن يكون داعيته إلى أحدهما أرجح من داعيته ~~إلى الثاني ، فإن كان الأول فحال الاستواء ممتنع الرجحان فيمتنع الفعل / ~~وإن كان الثاني فحال رجحان أحد الطرفين يكون حصول الطرف الآخر ممتنعا ، ~~فثبت أن حال رجحان الضلالة في قلبه استحال منه قبول الحق ، وما كان محالا ~~لم يكن عليه قدرة ، فثبت أنهم لما ضلوا ما كانوا مستطيعين . # PageV24P046 ! 7 < { تبارك الذىإن شآء جعل لك خيرا من ذالك جنات تجرى من ~~تحتها الا نهار ويجعل لك قصورا * بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة ~~سعيرا * إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * وإذآ ألقوا منها ~~مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ~~ثبورا ms6836 كثيرا } . > 7 ! # < < # | الفرقان : ( 10 - 14 ) تبارك الذي إن . . . . . # > > اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة فقوله : { تبارك الذى إن ~~شاء جعل لك خيرا من ذالك } أي من الله ذكروه من نعم الدنيا كالكنز والجنة ~~وفسر ذلك الخير بقوله : { جنات تجرى من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا } نبه ~~بذلك سبحانه على أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه ، ولكنه تعالى ~~يدبر عباده بحسب الصالح أو على وفق المشيئة ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من ~~أفعاله ، فيفتح على واحد أبواب المعارف والعلوم ، ويسد عليه أبواب الدنيا ، ~~وفي حس الآخر بالعكس وما ذاك إلا أنه فعال لما يريد ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : خير من ذلك مما عيروك بفقده الجنة ، ~~لأنهم عيروك بفقد الجنة الواحدة وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة ، ~~وقال في رواية عكرمة : { خيرا من ذالك } أي من المشي في الأسواق وابتغاء ~~المعاش . # المسألة الثانية : قوله : { إن شاء } معناه أنه سبحانه قادر على ذلك لا ~~أنه تعالى شاك لأن الشك لا يجوز على الله تعالى ، وقال قوم : { ءان } ههنا ~~بمعنى إذا ، أي قد جعلنا لك في الآخرة جنات وبنينا لك قصورا وإنما أدخل إن ~~تنبيها للعباد على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته ، وأنه معلق على / محض ~~مشيئته وأنه ليس لأحد من العباد على الله حق لا في الدنيا ولا في الآخرة . # المسألة الثالثة : القصور جماعة قصر وهو المسكن الرفيع ويحتمل أن يكون ~~لكل جنة قصر فيكون مسكنا ومتنزها ، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات ~~مجموعة . وقال مجاهد : إن شاء جعل لك جنات في الآخرة وقصورا في الدنيا . # المسألة الرابعة : اختلف الفراء في قوله { ويجعل } فرفع ابن كثير وابن ~~عامر وعاصم اللام وجزمه الآخرون ، فمن جزم فلأن المعنى إن شاء يجعل لك جنات ~~ويجعل لك قصورا ومن رفع فعلى الاستئناف والمعنى سيجعل لك قصورا ، هذا قول ~~الزجاج : قال الواحدي وبين القراءتين فرق في المعنى ، فمن جزم فالمعنى إن ~~شاء يجعل لك قصورا ms6837 في الدنيا ولا يحسن الوقوف على الأنهار ، ومن رفع حسن له ~~الوقوف على الأنهار ، واستأنف أي ويجعل لك قصورا في الآخرة . وفي مصحف أبي ~~وابن مسعود : ( تبارك الذي إن شاء يجعل ) . # المسألة الخامسة : عن طاوس عن ابن عباس قال : ( بينما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جالس وجبريل عليه السلام عنده قال جبريل عليه السلام هذا ملك قد ~~نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء الملك وسلم ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( إن الله يخيرك بين أن يعطيك ~~مفاتيح كل شيء لم يعطها أحدا قبلك ولا يعطيه أحدا بعدك من غير أن ينقصك مما ~~ادخر لك شيئا ، فقال عليه السلام بل يجمعها جميعا لي في الآخرة ، فنزل قوله ~~تبارك الذي إن شاء ) الآية ، وعن ابن عباس قال عليه السلام ( عرض علي جبريل ~~بطحاء PageV24P047 مكة ذهبا فقلت بل شبعة وثلاث جوعات ) وذلك أكثر لذكري ~~ومسألتي لربي ، وفي رواية صفوان بن سليم عن عبد الوهاب قال عليه السلام : ( ~~أشبع يوما وأجوع ثلاثا / فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت ) وعن الضحاك ~~( لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة حزن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لذلك فنزل جبريل عليه السلام معزيا له ، وقال إن الله ~~يقرؤك السلام ويقول : { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون ~~الطعام } ( الفرقان : 20 ) الآية ، قال فبينما جبريل عليه السلام والنبي ~~صلى الله عليه وسلم يتحدثان إذ فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك ~~، ثم قال أبشر يا محمد هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضا من ربك فسلم ~~عليه وقال إن ربك يخيرك بين أن تكون نبيا ملكا وبين أن تكون نبيا عبدا ومعه ~~سفط من نور يتلألأ ثم قال هذه مفاتيح خزائن الدنيا فاقبضها من غير أن ينقصك ~~الله مما أعد لك في الآخرة جناح بعوضة فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~جبريل كالمستشير فأومأ بيده أن تواضع فقال ms6838 رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~بل نبيا عبدا ) قال فكان عليه السلام بعد ذلك لم يأكل متكئا حتى فارق ~~الدنيا . # أما قوله تعالى : { بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } ~~فهذا جواب ثالث عن تلك الشبهة كأنه سبحانه قال ليس ما تعلقوا به شبهة عيلمة ~~في نفس المسألة ، بل الذي حملهم على تكذيبك تكذيبهم بالساعة استثقالا ~~للاستعداد لها ، ويحتمل أن يكون المعنى أنهم يكذبون / بالساعة فلا يرجون ~~ثوابا ولا عقابا ولا يتحملون كلفة النظر والفكر ، فلهذا لا ينتفعون بما ~~يورد عليهم من الدلائل ، ثم قال : { وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو مسلم : { وأعتدنا } أي جعلناها عتيدا ومعدة لهم ~~، والسعير النار الشديدة الاستعار ، وعن الحسن أنه اسم من أسماء جهنم . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى : { ~~أعدت للمتقين } ( آل عمران : 133 ) وعلى أن النار التي هي دار العقاب ~~مخلوقة بهذه الآية وهي قوله : { وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } وقوله : { ~~أعتدنا } إخبار عن فعل وقع في الماضي ، فدلت الآية على أن دار العقاب ~~مخلوقة قال الجبائي يحتمل وأعتدنا النار في الدنيا وبها نعذب الكفار ~~والفساق في قبورهم ويحتمل نار الآخرة ويكون معنى { وأعتدنا } أي سنعدها لهم ~~كقوله : { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } ( الأعراف : 44 ) واعلم أن هذا ~~السؤال في نهاية السقوط لأن المراد من السعير ، إما نار الدنيا وإما نار ~~الآخرة ، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في الدنيا ~~بنار الدنيا أو يعذبهم في الآخرة بنار الدنيا ، والأول باطل لأنه تعالى ما ~~عذبهم بالنار في الدنيا ، والتالي أيضا باطل لأنه لم يقل أحد من الأمة أنه ~~تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا ، فثبت أن المراد نار الآخرة ~~وثبت أنها معدة ، وحمل الآية على أن الله سيجعلها معدة ترك للظاهر من غير ~~دليل ، وعلى أن الحسن قال السعير اسم من أسماء جهنم فقوله : { وأعتدنا لمن ~~كذب بالساعة سعيرا } صريح في أنه تعالى أعد جهنم . # المسألة الثالثة : احتج ms6839 أصحابنا بهذه الآية على أن السعيد من سعد في بطن ~~أمه فقالوا إن الذين أعد الله تعالى لهم السعير وأخبر عن ذلك وحكم به أن ~~صاروا مؤمنين من أهل الثواب انقلب حكم الله بكونهم من أهل السعير كذبا ~~وانقلب بذلك علمه جهلا ، وهذا الانقلاب محال والمؤدي إلى المحال محال ~~فصيرورة أولئك مؤمنين من أهل الثواب محال ، فثبت أن السعيد لا ينقلب شقيا ، ~~والشقي لا ينقلب سعيدا ، ثم إنه PageV24P048 سبحانه وتعالى وصف السعير ~~بصفات إحداها قوله : { إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : السعير مذكر ولكن جاء ههنا مؤنثا لأنه تعالى قال : { ~~رأتهم } وقال : { سمعوا لها } وإنما جاء مؤنثا على معنى النار . # المسألة الثانية : مذهب أصحابنا أن البنية ليست شرطا في الحياة ، فالنار ~~على ما هي عليه يجوز أن يخلق الله الحياة والعقل والنطق فيها ، وعند ~~المعتزلة ذلك غير جائز ، وهؤلاء المعتزلة ليس لهم في هذا الباب حجة إلا ~~استقراء العادات ، ولو صدق ذلك لوجب التكذيب بانخراق العادات في حق الرسل ، ~~فهؤلاء قولهم متناقض ، بل إنكار العادات لا يليق إلا بأصول الفلاسفة ، فعلى ~~هذا قال أصحابنا قول الله تعالى في صفة النار : { إذا رأتهم من مكان بعيد ~~سمعوا لها تغيظا وزفيرا } يجب إجراؤه على الظاهر ، لأنه لا امتناع في أن ~~تكون النار حية رائية مغتاظة على الكفار ، أما / المعتزلة فقد احتاجوا إلى ~~التأويل وذكروا فيه وجوها : أحدها : قالوا معنى رأتهم ظهرت لهم من قولهم ~~دورهم تتراءى وتتناظر ، وقال عليه السلام : ( إن المؤمن والكافر لا تتراءى ~~ناراهما ) أي لا تتقابلان لما يجب على المؤمن من مجانبة الكافر والمشرك ، ~~ويقال دور فلان متناظرة ، أي متقابلة وثانيها : أن النار لشدة اضطرامها ~~وغليانها صارت ترى الكفار وتطلبهم وتتغيظ عليهم وثالثها : قال الجبائي : إن ~~الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلة بتعذيب أهل النار ، لأن الرؤية ~~تصح منهم ولا تصح من النار فهو كقوله : { واسئل القرية } ( يوسف : 82 ) ~~أراد أهلها . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول التغيظ عبارة عن شدة الغضب ms6840 وذلك لا يكون ~~مسموعا ، فكيف قال الله تعالى : { سمعوا لها تغيظا وزفيرا } ؟ والجواب عنه ~~من وجوه : أحدها : أن التغيظ وإن لم يسمع فإنه قد يسمع ما يدل عليه من ~~الصوت وهو كقوله : رأيت غضب الأمير على فلان إذا رأى ما يدل عليه ، وكذلك ~~يقال في المحبة فكذا ههنا ، والمعنى سمعوا لها صوتا يشبه صوت المتغيظ وهو ~~قول الزجاج وثانيها : المعنى علموا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرا وهذا قول ~~قطرب ، وهو كقول الشاعر : مقلدا سيفا ورمحا وثالثها : المراد تغيظ الخزنة . # المسألة الرابعة : قال عبيد بن عمير : إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى أحد ~~إلا وترعد فرائصه حتى إن إبراهيم عليه السلام يجثو على ركبتيه ويقول نفسي ~~نفسي . # الصفة الثانية للسعير : قوله تعالى : { وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا ~~مقرنين دعوا هنالك ثبورا } واعلم أن الله سبحانه لما وصف حال الكفار حينما ~~يكونون بالبعد من جهنم وصف حالهم عند ما يلقون فيها ، نعوذ بالله منه بما ~~لا شيء أبلغ منه ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في { ضيقا } قراءتان التشديد والتخفيف وهو قراءة ابن ~~كثير . # المسألة الثانية : نقل في تفسير الضيق أمور ، قال قتادة : ذكر لنا ~~عبدالله بن عمر قال : ( إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج على الرمح ) ~~وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : ( والذي نفسي بيده إنهم ~~يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ) قال الكلبي : الأسفلون ~~يرفعهم اللهيب ، والأعلون يخفضهم الداخلون PageV24P049 فيزدحمون في تلك ~~الأبواب الضيقة ، قال صاحب ( الكشاف ) : الكرب مع الضيق ، كما أن الروح مع ~~السعة ، ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض ، وجاء في الأحاديث ~~( إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا ) ولقد جمع الله على أهل النار ~~أنواع ( البلاء حيث ضم إلى العذاب الشديد الضيق ) . # المسألة الثالثة : قالوا في تفسير قوله تعالى : { مقرنين فى الاصفاد } إن ~~أهل النار مع ما هم فيه من العذاب الشديد والضيق الشديد / يكونون مقرنين في ~~السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم وقيل يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة ms6841 ، ~~وفي أرجلهم الأصفاد ، ثم إنه سبحانه حكى عن أهل النار أنهم حين ما يشاهدون ~~هذا النوع من العقاب الشديد دعوا ثبورا ، والثبور الهلاك ، ودعاؤهم / أن ~~يقولوا واثبوراه ، أي يقولوا يا ثبور هذا حينك وزمانك ، وروى أنس مرفوعا : ~~( أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على جانبيه ويسحبها من خلفه ذريته ~~وهو يقول يا ثبوراه وينادون يا ثبورهم حتى يردوا النار ) . # أما قوله : { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا } أي يقال لهم ذلك ، وهم أحقاء ~~بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثم قول ، ومعنى { وادعوا ثبورا كثيرا } ، أنكم ~~وقعتم فيما ليس ثبوركم منه واحدا ، إنما هو ثبور كثير ، إما لأن العذاب ~~أنواع وألوان لكل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم ~~بدلوا غيرها ، أو لأن ذلك العذاب دائم خالص عن الشوب فلهم في كل وقت من ~~الأوقات التي لا نهاية لها ثبور ، أو لأنهم ربما يجدون بسبب ذلك القول نوعا ~~من الخفة ، فإن المعذب إذا صاحب وبكى وجد بسببه نوعا من الخفة فيزجرون عن ~~ذلك ، ويخبرون بأن هذا الثبور سيزداد كل يوم ليزداد حزنهم وغمهم نعوذ بالله ~~منه ، قال الكلبي نزل هذا كله في حق أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك ~~الشبهات . # ! 7 < { قل أذالك خير أم جنة الخلد التى وعد المتقون كانت لهم جزآء ~~ومصيرا * لهم فيها ما يشآءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا } . > 7 ! # < < # | الفرقان : ( 15 - 16 ) قل أذلك خير . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما وصف حال العقاب المعد للمكذبين ~~بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة ، فقال لرسوله : { قل أذالك خير أم ~~جنة الخلد } أن يلتمسوها بالتصديق والطاعة ، فإن قيل : كيف يقال العذاب خير ~~أم جنة الخلد ، وهل يجوز أن يقول العاقل السكر أحلى أم الصبر ؟ قلنا هذا ~~يحسن في معرض التفريع ، كما إذا أعطى السيد عبده مالا فتمرد وأبى واستكبر ~~فيضربه ضربا وجيعا ، ويقول على سبيل التوبيخ : هذا أطيب أم ذاك ؟ # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بقوله : { وعد المتقون } على ms6842 أن الثواب ~~غير واجب على الله تعالى ، لأن من قال السلطان وعد فلانا أن يعطيه كذا ، ~~فإنه يحمل ذلك على التفضيل ، فأما لو كان ذلك الإعطاء واجبا لا يقال إنه ~~وعده به ، أما المعتزلة فقد احتجوا به أيضا على مذهبهم قالوا لأنه سبحانه ~~أثبت ذلك الوعد للموصوفين بصفة التقوى ، وترتيب الحكم على الوصف مشعر ~~بالعلية فكذا يدل هذا على أن ذلك الوعد PageV24P050 إنما حصل معللا بصفة ~~التقوى ، والتفضيل غير مختص بالمتقين فوجب أن يكون المختص بهم واجبا . # المسألة الثالثة : قال أبو مسلم : جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها ، ~~والخلد والخلود سواء ، كالشكر / والشكور قال الله تعالى : { لا نريد منكم ~~جزاء ولا شكورا } ( الإنسان : 9 ) فإن قيل : الجنة اسم لدار الثواب وهي ~~مخلدة فأي فائدة في قوله : { جنة الخلد } ؟ قلنا الإضافة قد تكون للتمييز ~~وقد تكون لبيان صفة الكمال ، كما يقال الله الخالق البارىء ، وما هنا من ~~هذا الباب . # أما قوله : { كانت لهم جزاء ومصيرا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على إثبات الاستحقاق من ~~وجهين : الأول : أن اسم الجزاء لا يتناول إلا المستحق ، فأما الوعد بمحض ~~التفضيل فإنه لا يسمى جزاء ، والثاني : لو كان المراد من الجزاء الأمر الذي ~~يصيرون إليه بمجرد الوعد فحينئذ لا يبقى بين قوله : { جزاء } وبين قوله : { ~~مصيرا } تفاوت فيصير ذلك تكرارا من غير فائدة . قال أصحابنا رحمهم الله لا ~~نزاع في كونه { جزاء } ، إنما النزاع في أن كونه جزاء ثبت بالوعد أو ~~بالاستحقاق ، وليس في الآية ما يدل على التعيين . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة الآية تدل على أن الله تعالى لا يعفو عن ~~صاحب الكبيرة من وجهين : الأول : أن صاحب الكبيرة يستحق العقاب فوجب أن لا ~~يكون مستحقا للثواب ، لأن الثواب هو النفع الدائم الخالص عن شوب الضرر ، ~~والعقاب هو الضرر الدائم الخالص عن شوب النفع ، والجمع بينهما محال ، وما ~~كان ممتنع الوجود امتنع أن يحصل استحقاقه ، فإذن متى ثبت استحقاق العقاب ~~وجب أن يزول استحقاق الثواب فنقول : لو عفا الله عن ms6843 صاحب الكبيرة لكان إما ~~أن يخرجه من النار ولا يدخله الجنة ، وذلك باطل بالإجماع لأنهم أجمعوا على ~~أن المكلفين يوم القيامة ، إما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار ، ~~لأنه تعالى قال : { فريق فى الجنة وفريق فى السعير } ( الشورى : 7 ) وإما ~~أن يخرجه من النار ويدخله الجنة وذلك باطل لأن الجنة حق المتقين لقوله ~~تعالى : { كانت لهم جزاء ومصيرا } فجعل الجنة لهم ومختصة بهم وبين أنها ~~إنما كانت لهم لكونها جزاء لهم على أعمالهم فكانت حقا لهم ، وإعطاء حق ~~الإنسان لغيره لا يجوز / ولما بطلت الأقسام ثبت أن العفو غير جائز أجاب ~~أصحابنا لم لا يجوز أن يقال : المتقون يرضون بإدخال الله أهل العفو في ~~الجنة ؟ فحينئذ لا يمتنع دخولهم فيها ، الوجه الثاني : قالوا : المتقي في ~~عرف الشرع مختص بمن اتقى الكفر والكبائر ، وإن اختلفنا في أن صاحب الكبيرة ~~هل يسمى مؤمنا أم لا ، لكنا اتفقنا على أنه لا يسمى متقيا ، ثم قال في وصف ~~الجنة إنها كانت لهم جزاء ومصيرا وهذا للحصر ، والمعنى أنها مصير للمتقين ~~لا لغيرهم ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يدخلها صاحب الكبيرة ، قلنا أقصى ما ~~في الباب أن هذا العموم صريح في الوعيد فتخصه بآيات الوعد . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيرا ، ~~لكنها بعد ما صارت كذلك ، فلم قال الله تعالى : { كانت لهم جزاء ومصيرا } ؟ ~~جوابه من وجهين : الأول : أن ما وعد الله فهو في تحققه كأنه قد كان والثاني ~~: أنه كان مكتوبا في اللوح قبل أن يخلقهم / الله تعالى بأزمنة متطاولة أن ~~الجنة جزاؤهم ومصيرهم . PageV24P051 # أما قوله تعالى : { لهم فيها ما يشاءون خالدين } فهو نطير قوله : { ولكم ~~فيها ما تشتهى أنفسكم } ( فصلت : 31 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات ~~العالية لا بد وأن يريدوها ، فإذا سألوها ربهم ، فإن أعطاهم إياها لم يبق ~~بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة ، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله : { ~~لهم فيها ما يشاءون ms6844 } وأيضا فالأب إذا كان ولده في درجات النيران وأشد ~~العذاب إذا اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب فلا بد وأن يسأل ربه ~~أن يخلصه منه ، فإن فعل الله تعالى ذلك قدح في أن عذاب الكافر مخلد ، وإن ~~لم يفعل قدح ذلك في قوله : { ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم } وفي قوله : { لهم ~~فيها ما يشاءون } وجوابه : أن الله تعالى يزيل ذلك الخاطر عن قلوب أهل ~~الجنة بل يكون اشتغال كل واحد منهم بما فيه من اللذات شاغلا عن الالتفات ~~إلى حال غيره . # المسألة الثانية : شرط نعيم الجنة أن يكون دائما ، إذ لو انقطع لكان ~~مشوبا بضرب من الغم ولذلك قال المتنبي : # % أشد الغم عندي في سرور % % تيقن عنه صاحبه انتقالا % # ولذلك اعتبر الخلود فيه فقال : { لهم فيها ما يشاءون خالدين } . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { لهم فيها ما يشاءون } كالتنبيه على أن ~~حصول المرادات بأسرها لا يكون إلا في الجنة فأما في غيرها فلا يحصل ذلك ، ~~بل لا بد في الدنيا من أن تكون راحاتها مشوبة بالجراحات ، ولذلك قال عليه ~~السلام : ( من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل وما هو يا رسول ~~الله ؟ فقال سرور يوم ) . # أما قوله : { كان على ربك وعدا * مسؤولا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : كلمة ( على ) للوجوب قال عليه السلام : ( من نذر وسمى ~~فعليه الوفاء بما سمى ) فقوله : { كان على ربك } يفيد أن ذلك واجب على الله ~~تعالى ، والواجب هو الذي لو لم يفعل لاستحق تاركه بفعله الذم ، أو أنه الذي ~~يكون عدمه ممتنعا ، فإن كان الوجوب على التفسير الأول كان تركه محالا ، لأن ~~تركه لما استلزم استحقاق الذم واستحقاق الله تعالى الذم محال ، ومستلزم ~~المحال محال كان ذلك الترك محالا والمحال غير مقدور ، فلم يكن الله تعالى ~~قادرا على أن لا يفعل فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل ، وإن كان الوجوب على ~~التفسير الثاني وهو أن يقال الواجب ما يكون عدمه ممتنعا يكون القول ~~بالإلجاء لازما ، فلم يكن الله قادرا ، فإن قيل إنه ms6845 ثبت بحكم الوعد / فنقول ~~لو لم يفعل لانقلب خبره الصدق كذبا وعلمه جهلا وذلك محال ، والمؤدي إلى ~~المحال محال فالترك محال فيلزم أن يكون ملجأ إلى الفعل والملجأ إلى الفعل ~~لا يكون قادرا ، ولا يكون مستحقا للثناء والمدح ، / تمام السؤال وجوابه : ~~أن فعل الشيء متقدم على الإخبار عن فعله وعن العلم بفعله ، فيكون ذلك الفعل ~~فعلا لا على سبيل الإلجاء ، فكان قادرا ومستحقا للثناء والمدح . # المسألة الثانية : قوله : { وعدا } يدل على أن الجنة حصلت بحكم الوعد لا ~~بحكم الاستحقاق وقد تقدم تقريره . PageV24P052 # المسألة الثالثة : قوله : { مسؤولا } ذكروا فيه وجوها أحدها : أن ~~المكلفين سألوه بقولهم : { ربنا ءاتنا * ما وعدتنا على رسلك } ( آل عمران : ~~194 ) ، وثانيها : أن المكلفين سألوه بلسان الحال لأنهم لما تحملوا المشقة ~~الشديدة في طاعته كان ذلك قائما مقام السؤال ، قال المتنبي : # % وفي النفس حاجات وفيك فطانة % % سكوتي كلام عندها وخطاب % # وثالثها : الملائكة سألوا الله تعالى ذلك بقولهم : { ربنا وأدخلهم جنات ~~عدن } ( غافر : 8 ) ورابعها : { وعدا * مسؤولا } أي واجبا ، يقال لأعطينك ~~ألفا وعدا مسؤولا أي واجبا وإن لم تسأل ، قال الفراء . وسائر الوجوه أقرب ~~من هذا لأن سائر الوجوه أقرب إلى الحقيقة ، وما قاله الفراء مجاز وخامسها : ~~مسؤولا أي من حقه أن يكون مسؤولا لأنه حق واجب ، إما بحكم الاستحقاق على ~~قول المعتزلة ، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة . # ! 7 < { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أءنتم أضللتم عبادى ~~هاؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغى لنآ أن نتخذ من دونك ~~من أوليآء ولاكن متعتهم وءابآءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا * فقد ~~كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا ~~كبيرا * ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون فى ~~الا سواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا } . > 7 ! # / < < # | الفرقان : ( 17 - 20 ) ويوم يحشرهم وما . . . . . # > > اعلم أن قوله تعالى : { ويوم يحشرهم } راجع إلى قوله : { واتخذوا من ~~دونه ءالهة } ( الفرقان : 3 ) ثم ههنا مسائل ms6846 : # المسألة الأولى : { يحشرهم } فنقول كلاهما بالنون والياء وقرىء { نحشرهم ~~} بكسر الشين . # المسألة الثانية : ظاهر قوله : { وما يعبدون } أنها الأصنام ، وظاهر قوله ~~: { فيقول أءنتم أضللتم عبادى } أنه من عبد من الأحياء كالملائكة والمسيح ~~وغيرهما ، لأن الإضلال وخلافه منهم يصح فلأجل هذا اختلفوا ، PageV24P053 ~~فمن الناس من حمله على الأوثان ، فإن قيل لهم الوثن جماد فكيف خاطبه الله ~~تعالى ، وكيف قدر على الجواب ؟ فعند ذلك ذكروا وجهين : أحدهما : أن الله ~~تعالى يخلق فيهم الحياة ، فعند ذلك يخاطبهم فيردون الجواب وثانيها : أن ~~يكون ذلك الكلام لا بالقول اللساني بل على سبيل لسان الحال كما ذكر بعضهم ~~في تسبيح الموات وكلام الأيدي والأرجل ، وكما قيل : سل الأرض من شق أنهارك ~~، وغرس أشجارك ؟ فإن لم تجبك حوارا ، أجابتك اعتبارا ! وأما الأكثرون ~~فزعموا أن المراد هو الملائكة وعيسى وعزير عليهم السلام ، قالوا ويتأكد هذا ~~القول بقوله تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم ~~كانوا يعبدون } ( سبأ : 40 ) وإذا قيل لهم : لفظة ( ما ) لا تستعمل في ~~العقلاء أجابوا عنه من وجهين : الأول : لا نسلم أن كلمة ( ما ) لما لا يعقل ~~بدليل أنهم قالوا ( من ) لما لا يعقل والثاني : أريد به الوصف كأنه قيل ( ~~ومعبودهم ) ، وقوله تعالى : { والسماء وما بناها } ( الشمس : 5 ) { ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد } ( لكافرون : 3 ) لا يستقيم إلا على أحد هذين الوجهين ~~، وكيف كان فالسؤال ساقط . # المسألة الثالثة : حاصل الكلام أن الله تعالى يحشر المعبودين ، ثم يقول ~~لهم أأنتم أوقعتم عبادي في الضلال عن طريق الحق ، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم ؟ ~~قالت المعتزلة : وفيه كسر بين لقول من يقول إن الله يضل عباده في الحقيقة ~~لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الجواب الصحيح أن يقولوا إلهنا ههنا قسم ثالث ~~غيرهما هو الحق وهو أنك أنت أضلتهم ، فلما لم يقولوا ذلك بل نسبوا إضلالهم ~~إلى أنفسهم ، علمنا أن الله تعالى لا يضل أحدا من عباده . فإن قيل لا نسلم ~~أن المعبودين ما تعرضوا لهذا القسم بل ذكروه ، فإنهم قالوا : { ولاكن ~~متعتهم وءاباءهم حتى نسوا ms6847 الذكر } وهذا تصريح بأن ضلالهم إنما حصل لأجل ما ~~فعل الله بهم وهو أنه سبحانه وتعالى متعهم وآباءهم بنعيم الدنيا . قلنا : ~~لو كان الأمر كذلك لكان يلزمهم أن يصير الله محجوبا في يد أولئك المعبودين ~~، ومعلوم أنه ليس الغرض ذلك بل الغرض أن يصير الكافر محجوجا مفحما ملزما ~~هذا تمام تقرير المعتزلة في الآية / أجاب أصحابنا بأن القدرة على الضلال إن ~~لم تصلح للاهتداء فالإضلال من الله تعالى ، وإن صلحت له لم تترجح مصدريتها ~~للإضلال على مصدريتها للاهتداء إلا لمرجح من الله تعالى ، وعند / لذلك يعود ~~السؤال ، وأما ظاهر هذه الآية فهو وإن كان لهم لكنه معارض بسائر الظواهر ~~المطابقة لقولنا . # المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أن هذا السؤال من الله تعالى وإن ~~احتمل أن يكون ذلك من الملائكة بأمر الله تعالى . بقي على الآية سؤالات . # الأول : ما فائدة أنتم وهم ؟ وهلا قيل أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا ~~السبيل ؟ الجواب : ليس السؤال عن الفعل ووجوده ، لأنه لولا وجوده لما توجه ~~هذا العتاب ، وإنما هو عن فاعله فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى ~~يعلم أنه المسؤول عنه . # السؤال الثاني : أنه سبحانه كان عالما في الأزل بحال المسؤول عنه فما ~~فائدة هذا السؤال ؟ الجواب : هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين كما ~~قال لعيسى : { قلت للناس اتخذونى وأمى إلاهين من دون الله قال } ( المائدة ~~: 116 ) ولأن أولئك المعبودين لما برؤا أنفسهم ، وأحالوا ذلك الضلال عليهم ~~صار تبرؤ PageV24P054 المعبودين عنهم أشد في حسرتهم وحيرتهم . # السؤال الثالث : قال تعالى : { أم هم ضلوا السبيل } والقياس أن يقال ضل ~~عن السبيل ، الجواب : الأصل ذلك ، إلا أن الإنسان إذا كان متناهيا في ~~التفريط وقلة الاحتياط ، يقال ضل السبيل . # أما قوله : { سبحانك } فاعلم أنه سبحانه حكى جوابهم ، وفي قوله : { ~~سبحانك } وجوه : أحدها : أنه تعجب منهم فقد تعجبوا مما قيل لهم لأنهم ~~ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه ~~وثانيها : أنهم نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون ( المقدسون ~~المؤمنون ) بذلك فكيف يليق ms6848 بحالهم أن يضلوا عباده وثالثها : قصدوا به ~~تنزيهه عن الأنداد ، سواء كان وثنا أو نبيا أو ملكا ورابعها : قصدوا تنزيهه ~~أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إيذاء من كان بريئا عن الجرم ~~، بل إنه إنما سألهم تقريعا للكفار وتوبيخا لهم . # أما قوله : { ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من أولياء } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : القراءة المعروفة { أن نتخذ } بفتح النون وكسر الخاء ~~وعن أبي جعفر وابن عامر برفع النون وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله ، قال ~~الزجاج أخطأ من قرأ { أن نتخذ } بضم النون لأن ( من ) إنما تدخل في هذا ~~الباب في الأسماء إذا كان مفعولا أولا ولا تدخل على مفعول الحال تقول ما ~~اتخذت من أحد وليا ، ولا يجوز ما اتخذت أحدا من ولي ، قال صاحب ( الكشاف ) ~~اتخذ يتعدى إلى مفعول واحد كقولك اتخذ وليا ، وإلى مفعولين كقولك اتخذ ~~فلانا وليا ، قال الله تعالى : { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ( النساء : ~~125 ) والقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد وهو { من أولياء } ، والأصل أن ~~نتخذ أولياء فزيدت من لتأكيد معنى النفي ، والثانية من المتعدي إلى مفعولين ~~، فالأول ما بني له الفعل ، والثاني { من أولياء } من للتبعيض ، أي لا نتخذ ~~بعض أولياء وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام . # المسألة الثانية : ذكروا في تفسير هذه الآية وجوها : أولها : وهو الأصح ~~الأقوى ، أن المعنى إذا كنا لا نرى أن نتخذ من دونك أولياء فكيف ندعو غيرنا ~~إلى ذلك وثانيها : ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم ~~الكفار كما يوليهم الكفار ، قال تعالى : { فقاتلوا أولياء الشيطان } ( ~~النساء : 76 ) يريد الكفرة ، وقال { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } ( ~~البقرة : 257 ) عن أبي مسلم وثالثها : ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من ~~أولياء ، أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلناه ، والحاصل أنه حذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ورابعها : قالت الملائك إنهم عبيدك ، فلا ~~ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دون إذنك وليا ولا ms6849 حبيبا ، فضلا عن أن يتخذ عبد ~~عبدا آخر إلها لنفسه وخامسها : أن على قراءة أبي جعفر الإشكال زائل ، فإن ~~قيل هذه القراءة غير جائزة لأنه لا مدخل لهم في أن يتخذهم غيرهم أولياء ، ~~قلنا : المراد إنا لا نصلح لذلك ، فكيف ندعوهم إلى عبادتنا وسادسها : أن ~~هذا قول الأصنام ، وأنها قالت لا يصح منا أن نكون من العابدين ، فكيف ~~يمكننا ادعاؤنا أنا من المعبودين . # المسألة الثالثة : الآية تدل على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن ~~الله ، فكل ولاية مبنية على ميل النفس ونصيب الطبع فذاك على خلاف الشرع . # أما قوله تعالى : { ولاكن متعتهم وءاباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما ~~بورا } ففيه مسائل : PageV24P055 # المسألة الأولى : معنى الآية أنك يا إلهنا أكثرت عليهم وعلى آبائهم من ~~النعم وهي توجب الشكر والإيمان لا الإعراض والكفران ، والمقصود من ذلك بيان ~~أنهم ضلوا من عند أنفسهم لا بإضلالنا ، فإنه لولا عنادهم الظاهر ، وإلا فمع ~~ظهور هذه الحجة لا يمكن الإعراض عن طاعة الله تعالى وقال آخرون إن هذا ~~الكلام كالرمز فيما صرح به موسى عليه السلام في قوله : { إن هى إلا فتنتك } ~~( الأعراف : 155 ) وذلك لأن المجيب قال : إلهي أنت الذي أعطيته جميع مطالبه ~~من الدنيا حتى صار كالغريق في بحر الشهوات ، واستغراقه فيها صار صادا له عن ~~التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك ، فإن هي إلا فتنتك . # المسألة الثانية : الذكر ذكر الله والإيمان به ( و ) القرآن والشرائع ، ~~أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة . # المسألة الثالثة : قال أبو عبيدة : يقال رجل بور ورجلان بور ورجال بور ، ~~وكذلك الأنثى ، ومعناه هالك ، وقد يقال رجل بائر وقوم بور ، وهو مثل هائر ~~وهور ، والبوار الهلاك ، وقد احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة القضاء ~~والقدر ، ولا شك أن المراد منه وكانوا من الذين حكم عليهم في الآخرة ~~بالعذاب والهلاك ، فالذي حكم الله عليه بعذاب الآخرة وعلم ذلك وأثبته / في ~~اللوح المحفوظ وأطلع الملائكة عليه ، لو صار مؤمنا لصار الخبر الصدق كذبا ، ~~ولصار العلم جهلا ولصارت الكتابة المثبتة في ms6850 اللوح المحفوظ باطلة ، ولصار ~~اعتقاد الملائكة جهلا وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال ، فصدور الإيمان ~~منه محال ، فدل على أن السعيد لا يمكنه أن ينقلب شقيا ، والشقي لا يمكنه أن ~~ينقلب سعيدا ، ومن وجه آخر هو أنهم ذكروا أن الله تعالى آتاهم أسباب الضلال ~~وهو إعطاء المرادات في الدنيا واستغراق النفس فيها ، ودلت الآية على أن ذلك ~~السبب بلغ مبلغا يوجب البوار ، فإن ذكر البوار عقيب ذلك السبب يدل على أن ~~البوار إنما حصل لأجل ذلك السبب ، فرجع حاصل الكلام إلى أنه تعالى فعل ~~بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر ، وحينئذ ظهر أن السعيد لا ~~ينقلب شقيا ، وأن الشقي لا ينقلب سعيدا . # أما قوله تعالى : { فقد كذبوكم بما تقولون } فاعلم أنه قرىء { يقولون } ~~بالياء والتاء ، فمعنى من قرأ بالتاء فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة ، أي ~~كذبوكم في قولكم إنهم آلهة ، ومن قرأ بالياء المنقوطة من تحت ، فالمعنى ~~أنهم كذبوكم ( بقولكم ) { سبحانك } ، ومثاله قولك كتبت بالقلم . # أما قوله : { فما تستطيعون صرفا ولا نصرا } فاعلم أنه قرىء { يستطيعون } ~~بالياء والتاء أيضا ، يعني فما تستطيعون أنتم يا أيها الكفار صرف العذاب ~~عنكم ، وقيل الصرف التوبة / وقيل الحيلة من قولهم إنه ليتصرف ، أي يحتال أو ~~فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب ( و ) أن يحتالوا لكم . # أما قوله تعالى : { ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرىء { * يذقه } بالياء وفيه ضمير الله تعالى أو ضمير ( ~~الظلم ) . # المسألة الثانية : أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في القطع بوعيد أهل ~~الكبائر ، فقالوا ثبت أن ( من ) للعموم في معرض الشرط ، وثبت أن الكافر ~~ظالم لقوله : { بالله إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) والفاسق ظالم ~~لقوله : { ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } ( الحجرات : 11 ) فثبت بهذه ~~الآية أن الفاسق لا يعفى عنه ، بل يعذب لا محالة PageV24P056 والجواب : أنا ~~لا نسلم أن كلمة ( من ) في معرض الشرط للعموم ، والكلام فيه مذكور في أصول ~~الفقه ، سلمنا أنه للعموم ولكن قطعا أم ظاهرا ؟ ودعوى القطع ممنوعة ms6851 ، فإنا ~~نرى في العرف العام المشهور استعمال صيغ العموم ، مع أن المراد هو الأكثر ، ~~أو لأن المراد أقوام معينون ، والدليل عليه قوله تعالى : { إن الذين كفروا ~~سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ( البقرة : 6 ) ثم إن كثيرا ~~من الذين كفروا قد آمنوا فلا دافع له إلا أن يقال قوله : { الذين كفروا } ~~وإن كان يفيد العموم ، لكن المراد منه الغالب أو المراد منه أقوام مخصوصون ~~، وعلى التقديرين ثبت أن استعمال ألفاظ العموم في الأغلب عرف ظاهر ، وإذا ~~كان كذلك كانت دلالة هذه الصيغ على العموم دلالة ظاهرة لا قاطعة ، وذلك لا ~~ينفي تجويز العفو . سلمنا دلالته قطعا ، ولكنا أجمعنا على أن قوله : { ومن ~~يظلم منكم } مشروط بأن لا يوجد ما يزيله ، وعند هذا نقول هذا مسلم ، لكن لم ~~قلت بأن لم يوجد ما يزيله ؟ فإن العفو عندنا أحد الأمور التي تزيله ، وذلك ~~هو أحد الثلاثة أول المسألة سلمنا / دلالته على ما قال ، ولكنه معارض بآيات ~~الوعد كقوله : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس ~~نزلا } ( الكهف : 107 ) فإن قيل آيات الوعيد أولى لأن السارق يقطع على سبيل ~~التنكيل ومن لم يكن مستحقا للعقاب لا يجوز قطع يده على سبيل التنكيل ، فإذا ~~ثبت أنه مستحق للعقاب ثبت أن استحقاق الثواب أحبط لما بينا أن الجمع بين ~~الاستحقاقين محال . قلنا لا نسلم أن السارق يقطع على سبيل التنكيل ، ألا ~~ترى أنه لو تاب فإنه يقطع لا على سبيل التنكيل بل على سبيل المحنة ، نزلنا ~~عن هذه المقامات ، ولكن قوله تعالى : { ومن يظلم منكم } إنه خطاب مع قوم ~~مخصوصين معينين فهب أنه لا يعفو عنهم فلم قلت إنه لا يعفو عن غيرهم ؟ # أما قوله تعالى : { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون فى الاسواق } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا جواب عن قولهم : { ما لهاذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشى فى الاسواق } ( الفرقان : 7 ) بين الله تعالى أن هذه عادة مستمرة من ~~الله في كل رسله فلا وجه لهذا ms6852 الطعن . # المسألة الثانية : حق الكلام أن يقال : { ألا إنهم } بفتح الألف لأنه ~~متوسط والمكسورة لا تليق إلا بالابتداء ، فلأجل هذا ذكروا وجوها : أحدها : ~~قال الزجاج : الجملة بعد ( إلا ) صفة لموصوف محذوف ، والمعنى وما أرسلنا ~~قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين ، وإنما حذف لأن في قوله : { من ~~المرسلين } دليلا عليه ، ونظيره قوله تعالى : { وما منا إلا له مقام معلوم ~~} ( الصافات : 164 ) على معنى وما منا أحد وثانيها : قال الفراء إنه صلة ~~لاسم متروك اكتفى بقوله : { من المرسلين } عنه ، والمعنى إلا من أنهم كقوله ~~: { وما منا إلا له مقام معلوم } أي من له مقام معلوم ، وكذلك قوله : { وإن ~~منكم إلا واردها } ( مريم : 71 ) أي إلا من يردها فعلى قول الزجاج : ~~الموصوف محذوف ، وعلى قول الفراء : الموصول هو المحذوف ، ولا يجوز حذف ~~الموصول وتبقية الصلة عند البصريين ، وثالثها : قال ابن الأنباري : تكسر إن ~~بعد الاستثناء بإضمار واو على تقدير إلا وإنهم ورابعها : قال بعضهم المعنى ~~إلا قيل إنهم . # المسألة الثالثة : قرىء { يمشون } على البناء للمفعول أي تمشيهم حوائجهم ~~أو الناس ، ولو قرىء { يمشون } لكان أوجه لولا الرواية . PageV24P057 # أما قوله تعالى : { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : فيه أقوال : أحدها : أن هذا في رؤساء المشركين وفقراء ~~الصحابة ، فإذا رأى الشريف الوضيع قد أسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره ~~لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه ، ودليله قوله تعالى : { لو كان خيرا ~~ما سبقونا إليه } ( الأحقاف : 11 ) وهذا قول الكلبي والفراء والزجاج ~~وثانيها : أن هذا عام في جميع الناس ، روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( ويل للعالم من الجاهل ، وويل للسلطان من الرعية ، ~~وويل للرعية من السلطان ، وويل للمالك من / المملوك ، وويل للشديد من ~~الضعيف ، وللضعيف من الشديد ، بعضهم لبعض فتنة ) وقرأ هذه الآية وثالثها : ~~أن هذا في أصحاب البلاء والعافية ، هذا يقول لم لم أجعل مثله في الخلق ~~والخلق وفي العقل وفي العلم وفي الرزق وفي الأجل ؟ وهذا قول ابن عباس ~~والحسن ورابعها : هذا احتجاج ms6853 عليهم في تخصيص محمد بالرسالة مع مساواته ~~إياهم في البشرية وصفاتها ، فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وأنواع أذاهم ~~على ما قال : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا ~~أذى كثيرا } ( آل عمران : 186 ) والمرسل إليهم يتأذون أيضا من المرسل بسبب ~~الحسد وصيرورته مكلفا بالخدمة وبذل النفس والمال بعد أن كان رئيسا مخدوما ، ~~والأولى حمل الآية على الكل لأن بين الجميع قدرا مشتركا . # المسألة الثانية : قال أصحابنا الآية تدل على القضاء والقدر لأنه تعالى ~~قال : { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } قال الجبائي هذا الجعل هو بمعنى التعريف ~~كما يقال فيمن سرق ، إن فلانا لص جعله لصا ، وهذا التأويل ضعيف لأنه تعالى ~~أضاف الجعل إلى وصف كونه فتنة لا إلى الحكم بكونه كذلك ، بل العقل يدل على ~~أن المراد غير ما ذكره وذلك لأن فاعل السبب فاعل للمسبب ، فمن خلقه الله ~~تعالى على مزاج الصفراء والحرارة وخلق الغضب فيه ثم خلق فيه الإدراك الذي ~~يطلعه على الشيء المغضب فمن فعل هذا المجموع كان هو الفاعل للغضب لا محالة ~~، وكذا القول في الحسد وسائر الأخلاق والأفعال ، وعند هذا يظهر أنه سبحانه ~~هو الذي جعل البعض فتنة للبعض . سلمنا أن المراد ما قاله الجبائي أن المراد ~~من الجعل هو الحكم ولكن المجعول إن انقلب لزم انقلابه انقلاب حكم الله ~~تعالى من الصدق إلى الكذب وذلك محال ، فانقلاب ذلك الجعل محال ، فانقلاب ~~المجعول أيضا محال ، وعند ذلك يظهر القول بالقضاء والقدر . # المسألة الثالثة : الوجه في تعلق هذه الآية بما قبلها أن القوم لما طعنوا ~~في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأنه ~~فقير كانت هذه الكلمات جارية مجرى الخرافات ، فإنه لما قامت الدلالة على ~~النبوة لم يكن لشيء من هذه الأشياء أثر في القدح فيها ، فكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يتأذى منهم من حيث إنهم كانوا يشتمونه ، ومن حيث إنهم كانوا ~~يذكرون الكلام المعوج الفاسد وما كانوا يفهمون الجواب الجيد / فلا جرم صبره ~~الله تعالى على كل تلك ms6854 الأذية ، وبين أنه جعل الخلق بعضهم فتنة للبعض . # أما قوله تعالى : { أتصبرون وكان ربك بصيرا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قالت المعتزلة لو كان المراد من قوله : { وجعلنا بعضكم ~~لبعض فتنة } الخبر لما ذكر عقيبه { أتصبرون } لأن أمر العاجز غير جائز . # المسألة الثانية : المعنى أتصبرون على البلاء فقد علمتم ما وعد الله ~~الصابرين { وكان ربك بصيرا } PageV24P058 أي هو العالم بمن يصبر ومن لا ~~يصبر ، فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب وعقاب . # / المسألة الثالثة : قوله : { أتصبرون } استفهام والمراد منه التقرير ~~وموقعه بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله : { ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا } . # ! 7 < { وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ~~ربنا لقد استكبروا فىأنفسهم وعتوا عتوا كبيرا * يوم يرون الملائكة لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا * وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هبآء منثورا * أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } . > 7 @QB@ < # | الفرقان : ( 21 - 24 ) وقال الذين لا . . . . . # > > # اعلم أن قوله تعالى : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا ~~الملئكة أو نرى ربنا } هو الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وحاصلها : لم لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمدا محق في دعواه ~~{ أو نرى ربنا } حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا ؟ وتقرير هذه الشبهة أن من ~~أراد تحصيل شيء ، وكان له إلى تحصيله طريقان ، أحدهما يفضي إليه قطعا ~~والآخر قد يفضي وقد لا يفضي ، فالحكيم يجب عليه في حكمته أن يختار في تحصيل ~~ذلك المقصود الطريق الأقوى والأحسن ، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا ~~بصدق محمد صلى الله عليه وسلم أكثر إفضاء إلى المقصود ، فلو أراد الله ~~تعالى تصديق محمد صلى الله عليه وسلم لفعل ذلك وحيث لم يفعل ذلك علمنا أنه ~~ما أراد تصديقه هذا حاصل الشبهة ، ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال الفراء قوله تعالى : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا ~~} معناه لا يخافون لقاءنا ووضع الرجاء في موضع الخوف لغة تهامية ، إذا كان ~~معه جحد ، ومثله قوله ms6855 تعالى : { مالكم * لا ترجون لله وقارا } ( نوح : 13 ) ~~أي لا تخافون له عظمة ، وقال القاضي لا وجه لذلك ، لأن الكلام متى أمكن ~~حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز ، ومعلوم أن من حال عباد الأصنام ~~أنهم كما لا يخافون العقاب لتكذيبهم بالمعاد ، فكذلك لا يرجون لقاءنا ~~ووعدنا على الطاعة من الجنة والثواب ، ومعلوم أن من / لا يرجو ذلك لا يخاف ~~العقاب أيضا ، فالخوف تابع لهذا الرجاء . # المسألة الثانية : المجسمة تمسكوا بقوله تعالى : { لقاءنا } أنه جسم ~~وقالوا اللقاء هو الوصول يقال هذا الجسم لقي ذلك أي وصل إليه واتصل به ، ~~وقال تعالى : { فالتقى الماء على أمر قد قدر } ( القمر : 12 ) فدلت الآية ~~على أنه سبحانه جسم والجواب على طريقين الأول : طريق بعض أصحابنا قال ~~المراد من اللقاء هو الرؤية ، وذلك لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي ~~فسمى اللقاء أحد أنواع الرؤية والنوع الآخر الاتصال والمماسة ، فدلت الآية ~~من هذا الوجه على جواز الرؤية الطريق الثاني : وهو كلام المعتزلة ، قال ~~PageV24P059 القاضي تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة ، فيقال في الدعاء ~~لقاك الله الخير وقد يقول القائل لم ألق الأمير وإن رآه من بعد أو حجب عنه ~~، ويقال في الضرير لقي الأمير إذا أذن له ولم يحجب وقد يلقاه في الليلة ~~الظلماء ، ولا يراه بل المراد من اللقاء ههنا هو المصير إلى حكمه حيث لا ~~حكم لغيره في يوم لا تملك نفس لنفس شيئا لا أن رؤية البصر ، واعلم أن هذا ~~الكلام ضعيف لأنا لا نفسر اللقاء برؤية البصر بل نفسره بمعنى مشترك بين ~~رؤية البصر ، وبين الاتصال والمماسة وهو الوصول إلى الشيء ، وقد بينا أن ~~الرائي يصل برؤيته إلى المرئي واللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة ، ~~ينطلق على كل واحد من تلك المعاني فيصح قوله لقاك الخير ، ويصح قول الأعمى ~~لقيت الأمير ، ويصح قول البصير لقيته بمعنى رأيته وما لقيته بمعنى ما وصلت ~~إليه / وإذا ثبت هذا فنقول قوله : { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } مذكور في ~~معرض الذم لهم ms6856 ، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلا ، ومسمى اللقاء مشترك بين ~~الوصول المكاني ، وبين الوصول بالرؤية ، وقد تعذر الأول فتعين الثاني ، ~~وقوله المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل ، ~~فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها ، بل على أن إنكارها ليس ~~إلا من دين الكفار . # المسألة الثالثة : قوله : { لولا أنزل } معناه هلا أنزل ، قال الكلبي ~~ومقاتل : نزلت هذه الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما الذين كانوا منكرين ~~للنبوة والبعث . # أما قوله تعالى : { لقد استكبروا فى أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } فاعلم أن ~~هذا هو الجواب عن تلك الشبهة ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في تقرير كونه جوابا ، وذلك من وجوه : أحدها : أن ~~القرآن لما ظهر كونه معجزا فقد ثبتت دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض الاستكبار والتعنت ~~وثانيها : أن نزول الملائكة لو حصل لكان أيضا من جملة المعجزات ولا يدل على ~~الصدق لخصوص كونه بنزول الملك ، بل لعموم كونه معجزا ، فيكون قبول ذلك ~~المعجز ورد ذلك المعجز الآخر ترجيحا لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد ~~فائدة ومرجح ، وهو محض الاستكبار والتعنت وثالثها : أنهم بتقدير أن يروا ~~الرب ويسألوه عن / صدق محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه يقول نعم هو ~~رسولي ، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، لأنا بينا أن المعجز يقوم مقام التصديق بالقول إذ لا فرق وقد ~~ادعى النبوة بين أن يقول اللهم إن كنت صادقا فأحيى هذا الميت فيحييه الله ~~تعالى والعادة لم تجر بمثله وبين أن يقول له صدقت ، وإذا كان التصديق ~~الحاصل بالقول أو الحاصل بالمعجز . . . . . في كونه تصديقا للمدعى كان ~~تعيين أحدهما محض الاستكبار والتعنت ورابعها : وهو أنا نعتقد أن الله ~~سبحانه وتعالى يفعل بحسب المصالح على ما يقوله المعتزلة ، أن نقول إن الله ~~تعالى يفعل بحسب المشيئة عى ما يقوله أصحابنا ، فإن كان الأول لم يجز لهم ms6857 ~~أن يعينوا المعجز إذ ربما كان إظهار ذلك المعجز مشتملا على مفسدة لا يعرفها ~~إلا الله تعالى ، وكان التعيين استكبارا وعتوا من حيث إنه لما ظنه مصلحة ~~قطع بكونه مصلحة ، فمن قال ذلك فقد اعتقد في نفسه أنه عالم بكل المعلومات ، ~~وذلك استكبار عظيم ، وإن كان الثاني وهو قول أصحابنا فليس للعبد أن يقترح ~~على ربه فإنه سبحانه فعال لما يريد فكان الاقتراح استكبارا وعتوا وخروجا عن ~~حد العبودية إلى مقام المنازعة والمعارضة وخامسها : وهو أن المقصود من بعثة ~~الأنبياء الإحسان إلى الخلق فالملك الكبير إذا أحسن إلى PageV24P060 بعض ~~الضعفاء رحمة عليه فأخذ ذلك الضعيف إلى اللجاج والنزاع ، ويقول لا أريد هذا ~~بل أريد ذاك ، حسن أن يقال إن هذا المكدى قد استكبر في نفسه وعتا عتوا ~~شديدا من حيث لا يعرف قدر نفسه ومنتهى درجته فكذا ههنا وسادسها : يمكن أن ~~يكون المراد أن الله تعالى قال لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل ~~الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم ، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا ~~الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به فلا ~~جرم لا أعطيهم ذلك ، وهذا التأويل يعرف من اللفظ وسابعها : لعلهم سمعوا من ~~أهل الكتاب أن الله تعالى لا يرى في الدنيا ، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة ~~في الدنيا على عوام الخلق ، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل التعنت ~~أو على سبيل الاستهزاء . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : الآية دلت على أن الله تعالى لا تجوز ~~رؤيته لأن رؤيته لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتوا واستكبارا / قالوا ~~وقوله : { لقد استكبروا فى أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا } ليس إلا لأجل سؤال ~~الرؤية حتى لو أنهم اقتصروا على نزول الملائكة لما خوطبوا بذلك ، والدليل ~~عليه أن الله تعالى ذكر أمر الرؤية في آية أخرى على حدة وذكر الاستعظام وهو ~~قوله : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة } ( البقرة : 55 ) ~~وذكر نزول الملائكة على حدة في آية أخرى فلم يذكر الاستعظام وهو قولهم : { ~~لولا ms6858 أنزل علينا الملئكة } وهل نرى الملائكة فثبت بهذا أن الاستكبار والعتو ~~في هذه الآية إنما حصل لأجل سؤال الرؤية . # واعلم أن الكلام على ذلك قد تقدم في سورة البقرة ، والذي نريده ههنا أنا ~~بينا أن قوله / { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } يدل على الرؤية ، وأما ~~الاستكبار والعتو ، فلا يمكن أن يدل ذلك على أن الرؤية مستحيلة لأن من طلب ~~شيئا محالا ، لا يقال إنه عتا واستكبر ، ألا ترى أنهم لما قالوا : { اجعل ~~لنا إلاها كما لهم ءالهة } لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتوا واستكبارا ، ~~بل قال : { إنكم قوم تجهلون } ( الأعراف : 138 ) بل العتو والاستكبار لا ~~يثبت إلا إذا طلب الإنسان ما لا يليق به ممن فوقه أو كان لائقا به ، ولكنه ~~يطلبه على سبيل التعنت . وبالجملة فقد ذكرنا وجوها كثيرة في تحقيق معنى ~~الاستكبار والعتو سواء كانت الرؤية ممتنعة أو ممكنة ، ومما يدل عليه أن ~~موسى لما سأل الرؤية ما وصفه الله تعالى بالاستكبار والعتو ، لأنه عليه ~~السلام طلب الرؤية شوقا ، وهؤلاء طلبوها امتحانا وتعنتا ، لا جرم وصفهم ~~بذلك فثبت فساد ما قاله المعتزلة . # المسألة الثالثة : إنما قال { فى أنفسهم } لأنهم أضمروا الاستكبار ( عن ~~الحق وهو الكفر والعناد ) في قلوبهم واعتقدوه كما قال : { إن فى صدورهم إلا ~~كبر ما هم ببالغيه } ( غافر : 56 ) وقوله : { وعتوا عتوا كبيرا } أي ~~تجاوزوا الحد في الظلم يقال عتا ( عتا ) فلان وقد وصف العتو بالكبر فبالغ ~~في إفراطه ، يعني أنهم لم يجترئوا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا ~~غاية الاستكبار وأقصى العتو . # أما قوله تعالى : { يوم يرون الملئكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون ~~حجرا محجورا } فهو جواب لقولهم : { لولا أنزل علينا الملئكة } فبين تعالى ~~أن الذي سألوه سيوجد ، ولكنهم يلقون منه ما يكرهون ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في انتصاب { يوم } وجهين : الأول : أن العامل ما ~~دل عليه { لا بشرى } أي يوم يرون الملائكة PageV24P061 ( يبغون البشرى ) و ~~{ يومئذ } للتكرير الثاني : أن التقدير اذكر يوم يرون الملائكة . # المسألة الثانية : اختلفوا في ذلك اليوم ، فقال ms6859 ابن عباس يريد عند الموت ~~، وقال الباقون يريد يوم القيامة . # المسألة الثالثة : إنما يقال للكافر لا بشرى لأن الكافر وإن كان ضالا ~~مضلا إلا أنه يعتقد في نفسه أنه كان هاديا مهتديا ، فكان يطمع في ذلك ~~الثواب العظيم ، ولأنهم ربما عملوا ما رجوا فيه النفع كنصرة المظلوم وعطية ~~الفقير وصلة الرحم ، ولكنه أبطلها بكفره فبين سبحانه أنهم في أول الأمر ~~يشافهون بما يدل على نهاية اليأس والخيبة ، وذلك هو النهاية في الإيلام وهو ~~المراد من قوله : { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ( الزمر : 47 ~~) . # المسألة الرابعة : حق الكلام أن يقال يوم يرون الملائكة لا بشرى لهم ، ~~لكنه قال لا بشرى للمجرمين وفيه وجهان : أحدهما : أنه ظاهر في موضع ضمير ~~والثاني : أنه عام فقد تناولهم بعمومه ، قالت المعتزلة تدل الآية على القطع ~~بوعيد الفساق وعدم العفو لأن قوله : { لا بشرى * للمجرمين } نكرة في سياق ~~النفي فيعم جميع أنواع البشرى في جميع الأوقات بدليل أن من / أراد تكذيب ~~هذه القضية قال بل له بشرى في الوقت الفلاني ، فلما كان ثبوت البشرى في وقت ~~من الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية ، علمنا أن قوله تعالى : { لا بشرى } ~~يقتضي نفي جميع أنواع البشرى في كل الأوقات ، ثم إنه سبحانه أكد هذا النفي ~~بقوله : { حجرا محجورا } والعفو من الله من أعظم البشرى ، والخلاص من النار ~~بعد دخولها من أعظم البشرى ، وشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم ~~البشرى فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين ، والكلام على التمسك بصيغ ~~العموم قد تقدم غير مرة ، قال المفسرون المراد بالمجرمين ههنا الكفار بدليل ~~قوله : { إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة } ( المائدة : 72 ) . # المسألة الخامسة : في تفسير قوله : { حجرا محجورا } ذكر سيبويه في باب ~~المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو معاذ الله وقعدك ( ~~الله ) وعمرك ( الله ) ، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو ( موتور ~~) أو هجوم نازلة ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة ، قال سيبويه : يقول ~~الرجل للرجل ( يفعل ) كذا ms6860 وكذا فيقول حجرا ، وهي من حجره إذا منعه لأن ~~المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه ، فكان المعنى أسأل الله ~~أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا ومجيئه على فعل أو فعل في قراءة الحسن تصرف ~~فيه لاختصاصه بموضع واحد ، فإن قيل : لما ثبت أنه من باب المصادر فما معنى ~~وصفه بكونه محجورا ؟ قلنا : جاءت هذه الصفة لتأكيد معنى الحجر كما قالوا ( ~~ذبل ذابل فالذبل ) الهوان وموت مائت وحرام محرم . # المسألة السادسة : اختلفوا في أن الذين يقولون حجرا محجورا من هم ؟ على ~~ثلاثة أقوال : القول الأول : أنهم هم الكفار وذلك لأنهم كانوا يطلبون نزول ~~الملائكة ويقترحونه ، ( ثم ) إذا رأوهم عند الموت ( و ) يوم القيامة كرهوا ~~لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون ، فقالوا عند رؤيتهم ~~ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو ( الموتور ) ونزول الشدة القول الثاني : ~~أن القائلين هم الملائكة ومعناه حراما محرما عليكم الغفران والجنة والبشرى ~~، أي جعل الله ذلك حراما عليكم ، ثم اختلفوا على هذا القول فقال بعضهم إن ~~الكفار إذا خرجوا من قبورهم ، قالت الحفظة لهم حجرا محجورا ، وقال الكلبي ~~الملائكة على أبواب الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين حجرا ~~محجورا ، وقال عطية إذا كان يوم القيامة يلقى الملائكة المؤمنين بالبشرى ~~PageV24P062 فإذا رأى الكفار ذلك قالوا لهم بشرونا فيقولون حجرا محجورا ~~القول الثالث : وهو قول القفال والواحدي وروي عن الحسن أن الكفار يوم ~~القيامة إذا شاهدوا ما يخافونه فيتعوذون منه ويقولون حجرا محجورا ، فتقول ~~الملائكة لا يعاذ من شر هذا اليوم . # أما قوله تعالى : { وقدمنا } فقد استدلت المجسمة بقوله : { وقدمنا } لأن ~~القدوم لا يصح إلا على الأجسام ، وجوابه أنه لما قامت الدلالة على امتناع ~~القدوم عليه لأن القدوم حركة والموصوف بالحركة محدث ، ولذلك استدل الخليل ~~عليها السلام بأفول الكواكب على حدوثها وثبت أن الله عز / وجل لا يجوز أن ~~يكون محدثا ، فوجب تأويل لفظ القدوم وهو من وجوه : أحدها : { وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل } أي وقصدنا إلى أعمالهم ، فإن القادم إلى الشيء قاصد ms6861 له ، ~~فالقصد هو المؤثر في المقدوم إليه وأطلق المسبب على السبب مجازا وثانيها : ~~المراد قدوم الملائكة إلى موضع الحساب في الآخرة ، ولما كانوا بأمره يقدمون ~~جاز أن يقول { وقدمنا } على سبيل التوسع ونظيره قوله : { فلما ءاسفونا ~~انتقمنا منهم } ( الزخرف : 55 ) وثالثها : { إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها } ( النمل : 34 ) فلما أباد الله أعمالهم وأفسدها بالكلية صارت ~~شبيهة بالمواضع التي يقدمها الملك فلا جرم قال { وقدمنا } . # أما قوله : { إلى ما عملوا من عمل } يعني الأعمال التي اعتقدوها برا ~~وظنوا أنها تقربهم إلى الله تعالى ، والمعنى إلى ما عملوا من أي عمل كان . # أما قوله : { فجعلناه هباء منثورا } فالمراد أبطلناه وجعلناه بحيث لا ~~يمكن الانتفاع به كالهباء المنثور الذي لا يمكن القبض عليه ونظيره قوله ~~تعالى : { كسراب بقيعة } ( النور : 39 ) { كرماد اشتدت به الريح } ( ~~إبراهيم : 18 ) { كعصف مأكول } ( الفيل : 5 ) قال أبو عبيدة والزجاج : ~~الهباء مثل الغبار يدخل من الكوة مع ضوء الشمس . وقال مقاتل : إنه الغبار ~~الذي يستطير من حوافر الدواب . # أما قوله : { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } فاعلم أنه ~~سبحانه لما بين حال الكفار في الخسار الكلي والخيبة التامة شرح وصف أهل ~~الجنة تنبيها على أن الحظ كل الحظ في طاعة الله تعالى ، وههنا سؤالات : # الأول : كيف يكون أصحاب الجنة خيرا مستقرا من أهل النار ، ولا خير في ~~النار ، ولا يقال في العسل هو أحل من الخل ؟ والجواب من وجوه : الأول : ما ~~تقدم في قوله : { أذالك خير أم جنة الخلد } ( الفرقان : 15 ) والثاني : ~~يجوز أن يريد أنهم في غاية الخير ، لأن مستقر خير من النار ، كقول الشاعر : # % ف إن الذي سمك السماء بنى لنا % % بيتا دعائمه أعز وأطول % # الثالث : التفاضل الذي ذكر بين المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع ، والموضع ~~من حيث إنه موضع لا شر فيه الرابع : هذا التفاضل واقع على هذا التقدير ، أي ~~لو كان لهم مستقر فيه خير لكان مستقر أهل الجنة خيرا منه . # السؤال الثاني : الآية دلت على أن مستقرهم غير مقيلهم فكيف ذلك ؟ والجواب ms6862 ~~من وجوه : الأول : أن المستقر مكان الاستقرار ، والمقيل زمان القيلولة ، ~~فهذا إشارة إلى أنهم من المكان في أحسن مكان ، ومن PageV24P063 الزمان في ~~أطيب زمان الثاني : أن مستقر أهل الجنة غير مقيلهم ، فإنهم يقيلون في ~~الفردوس ، ثم يعودون إلى مستقرهم الثالث : أن بعد الفراغ من المحاسبة ~~والذهاب إلى الجنة يكون الوقت وقت القيلولة ، قال ابن مسعود : ( لا ينتصف ~~النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ~~) وقرأ ابن مسعود : ( ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ) . / وقال سعيد بن جبير : ~~إن الله تعالى إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم بقدر ما بين صلاة الغداة ~~إلى انتصاف النهار ، فيقيل أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار . ~~وقال مقاتل : يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون بمقدار نصف يوم من أيام ~~الدنيا ، ثم يقيلون من يومهم ذلك في الجنة . # السؤال الثالث : كيف يصح القيلولة في الجنة والنار ، وعندكم أن أهل الجنة ~~في الآخرة لا ينامون ، وأهل النار أبدا في عذاب يعرفونه ، وأهل الجنة في ~~نعيم يعرفونه ؟ والجواب : قال الله تعالى : { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } ~~( مريم : 62 ) وليس في الجنة بكرة وعشى ، لقوله تعالى : { لا يرون فيها ~~شمسا ولا زمهريرا } ( الإنسان : 13 ) ولأنه إذا لم يكن هناك شمس لم يكن ~~هناك نصف النهار ولا وقت القيلولة ، بل المراد منه بيان أن ذلك الموضع أطيب ~~المواضع وأحسنها ، كما أن موضع القيلولة يكون أطيب المواضع والله أعلم . # ! 7 < { ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملئكة تنزيلا * الملك يومئذ ~~الحق للرحمان وكان يوما على الكافرين عسيرا * ويوم يعض الظالم على يديه ~~يقول ياليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا * ياويلتا ليتنى لم أتخذ فلانا خليلا * ~~لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جآءنى وكان الشيطان للإنسان خذولا } . > 7 ! # < < # | الفرقان : ( 25 - 29 ) ويوم تشقق السماء . . . . . # > > اعلم أن هذا الكلام مبني على ما استدعوه من إنزال الملائكة فبين ~~سبحانه أنه يحصل ذلك في يوم له صفات : # الصفة الأولى : أن في ذلك اليوم تشقق السماء بالغمام ، وفيه ms6863 مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { إذا السماء انفطرت } ( الانفطار : 1 ) يدل على ~~التشقق وقوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } ( ~~البقرة : 210 ) يدل على الغمام فقوله : { تشقق السماء بالغمام } جامع لمعنى ~~الآيتين ونظيره قوله تعالى : { وفتحت السماء فكانت أبوابا } ( النبأ : 19 ) ~~وقوله : { فهى يومئذ واهية } ( الحاقة : 16 ) . # / المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين ههنا وفي ~~سورة ق ، والباقون بالتشديد ، قال أبو عبيدة : الاختيار التخفيف كما يخفف ~~تساءلون ومن شدد فمعناه تتشقق . PageV24P064 # المسألة الثالثة : قال الفراء : المراد من قوله : { بالغمام } أي عن ~~الغمام ، لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام ، وقال القاضي : لا ~~يمتنع أن يجعل تعالى الغمام بحيث تشقق السماء باعتماده عليه وهو كقوله : { ~~السماء منفطر به } ( المزمل : 18 ) . # المسألة الرابعة : لا بد من أن يكون لهذا التشقق تعلق بنزول الملائكة ، ~~فقيل الملائكة في أيام الأنبياء عليهم السلام كانوا ينزلون من مواضع مخصوصة ~~والسماء على اتصالها ، ثم في ذلك اليوم تتشقق السماء فإذا انشقت خرج من أن ~~يكون حائلا بين الملائكة وبين الأرض فنزلت الملائكة إلى الأرض . # المسألة الخامسة : قوله : { ونزل الملائكة } صيغة عموم فيتناول الكل ، ~~ولأن السماء مقر الملائكة فإذا تشقق وجب أن ينزلوا إلى الأرض ، ثم قال ~~مقاتل : تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر من سكان الدنيا ، كذلك ~~تتشقق سماء سماء ، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش ، ثم ينزل الرب تعالى . ~~وروى الضحاك عن ابن عباس : قال تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ~~ويصيرون سبع صفوف حول العالم ، واعلم أن نزول الرب بالذات باطل قطعا ، لأن ~~النزول حركة والموصوف بالحركة محدث والإله لا يكون محدثا . وأما نزول ~~الملائكة إلى الأرض فعليه سؤال ، وذلك لأنه ثبت أن الأرض بالقياس إلى سماء ~~الدنيا كحلقة في فلاة ، فكيف بالقياس إلى الكرسي والعرش فملائكة هذه ~~المواضع بأسرها كيف تتسع لهم الأرض جميعا ؟ فلعل الله تعالى يزيد في طول ~~الأرض وعرضها ويبلغها مبلغا يتسع لكل هؤلاء ، ومن المفسرين من قال : ~~الملائكة يكونون في الغمام منه ms6864 ، والله تعالى يسكن الغمام فوق أهل القيامة ~~ويكون ذلك الغمام مقر الملائكة . قال الحسن : والغمام سترة بين السماء ~~والأرض تعرج الملائكة فيه بنسخ أعمال بني آدم والمحاسبة تكون في الأرض . # المسألة السادسة : أما نزول الملائكة فظاهر ، ومعنى { تنزيلا } توكيد ~~للنزول ودلالة على إسراعهم فيه . # المسألة السابعة : الألف واللام في الغمام ليس للعموم فهو للمعهود ، ~~والمراد ما ذكروه في قوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة } ( البقرة : 210 ) . # المسألة الثامنة : قرىء : { وننزل * الملائكة } ، { وننزل * الملائكة } ، ~~{ ونزل الملائكة } ، { ونزل الملائكة } { ونزل الملائكة } على حذف النون ~~الذي هو فاء الفعل من ننزل قراءة أهل مكة . # الصفة الثانية لذلك اليوم : قوله : { الملك يومئذ الحق * الرحمان } قال ~~الزجاج الحق صفة للملك وتقديره الملك الحق يومئذ للرحمن ، ويجوز الحق ~~بالنصب على تقدير أعني ولم يقرأ به ومعنى / وصفه بكونه حقا أنه لا يزول ولا ~~يتغير ، فإن قيل : مثل هذا الملك لم يكن قط إلا للرحمن فما الفائدة في قوله ~~{ يومئذ } ؟ قلنا : لأن في ذلك اليوم لا مالك سواه لا في الصورة ولا في ~~المعنى ، فتخضع له الملوك وتعنو له الوجوه وتذل له الجبابرة بخلاف سائر ~~الأيام ، واعلم أن هذه الآية دالة على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على ~~الله الثواب والعوض وذلك لأنه لو وجب لاستحق الذم بتركه فكان خائفا من أن ~~لا يفعل فلم يكن ملكا مطلقا وأيضا فقوله : { الملك يومئذ الحق للرحمان } ~~يفيد أنه ليس لغيره ملك وذلك لا يتم على قول المعتزلة ، لأن كل من استحق ~~عليه شيئا فإنه يكون مالكا له ، ولا يكون هو سبحانه مالكا لذلك المستحق ، ~~لأنه سبحانه إذا استحق على أحد شيئا أمكنه أن يعفو عنه ، أما غيره إذا ~~استحق عليه شيئا فإنه لا يصح إبراؤه عنه ، فكانت العبودية ههنا أتم ، ولأن ~~من كفر بالله إلى آخر عمره ثم في آخر عمره عرف الله لحظة ومات فهو سبحانه ~~لو أعطاه ألف ألف PageV24P065 سنة أنواع الثواب وأراد بعد ذلك أن لا يعطيه ~~لحظة واحدة ms6865 صار سفيها ، وهذا نهاية العبودية والذل فكيف يليق بمن هذا حاله ~~أن يقال له : { الملك يومئذ الحق للرحمان } وأيضا فكل من فعل فعلا لو لم ~~يفعله لكان مستوجبا للذم وكان بذلك الفعل مكتسبا للكمال وبتركه مكتسبا ~~للنقصان فلم يكن ملكا بل فقيرا مستحقا ، فثبت أن قوله سبحانه : { الملك ~~يومئذ الحق للرحمان } غير لائق بأصول المعتزلة . # الصفة الثالثة : قوله : { وكان يوما على الكافرين عسيرا } فالمعنى ظاهر ~~لأنه تعالى عالم بالأحوال قادر على كل ما يريده وأما غيره فالكل في ربقة ~~العجز ولجام القهر ، فكان في نهاية العسر على الكافر . # الصفة الرابعة : قوله : { ويوم يعض الظالم على يديه } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الألف واللام في الظالم فيه قولان : أحدهما : أنه ~~للعموم والثاني : أنه للمعهود ، والقائلون بالمعهود على قولين : الأول : ~~قال ابن عباس المراد عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس كان لا يقدم من ~~مقر إلا صنع طعاما يدعو إليه جيرته من أهل مكة ويكثر مجالسة الرسول ويعجبه ~~حديثه فصنع طعاما ودعا الرسول فقال صلى الله عليه وسلم ما آكل من طعامك حتى ~~تأتي بالشهادتين ففعل فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه فبلغ ~~أمية بن خلف فقال صبوت يا عقبة وكان خليله فقال إنما ذكرت ذلك ليأكل من ~~طعامي فقال لا أرضى أبدا حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ على عنقه ففعل ، ~~فقال عليه السلام لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فنزل { ويوم ~~يعض الظالم على يديه } ندامة يعني عقبة يقول : يا ليتني لم أتخذ أمية خليلا ~~لقد أضلني عن الذكر . أي صرفني عن الذكر وهو القرآن والإيمان بعد إذ جاءني ~~مع محمد صلى الله عليه وسلم فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبرا ولم يقتل يومئذ من ~~الأسارى غيره وغير النضر بن الحارث الثاني : قالت الرافضة : هذا الظالم هو ~~رجل بعينه وإن المسلمين غيروا اسمه / وكتموه وجعلوا فلانا بدلا من اسمه / ~~وذكروا فاضلين من أصحاب رسول الله ، واعلم أن إجراء اللفظ على العموم ليس ms6866 ~~لنفس اللفظ ، لأنا بينا في أصول الفقه أن الألف واللام إذا دخل على الاسم ~~المفرد لا يفيد العموم بل إنما يفيده للقرينة من حيث إن ترتيب الحكم على ~~الوصف مشعر بعلية الوصف ، فدل ذلك على أن المؤثر في العض على اليدين كونه ~~ظالما وحينئذ يعم الحكم لعموم علته وهذا القول أولى من التخصيص بصورة واحدة ~~لأن هذا الذي ذكرناه يقتضي العموم ، ونزوله في واقعة أخرى خاصة لا ينافي أن ~~يكون المراد هو العموم حتى يدخل فيه تلك الصورة وغيرها ولأن المقصود من ~~الآية زجر الكل عن الظلم وذلك لا يحصل إلا بالعموم ، وأما قول الرافضة فذلك ~~لا يتم إلا بالطعن في القرآن وإثبات أنه غير وبدل ولا نزاع في أنه كفر . # المسألة الثانية : استدلت المعتزلة بقوله : { ويوم يعض الظالم على يديه } ~~قالوا الظالم يتناول الكافر والفاسق ، فدل على أن الله تعالى لا يعفو عن ~~صاحب الكبيرة والكلام عليه تقدم . # المسألة الثالثة : قوله : { يعض الظالم على يديه } قال الضحاك : يأكل ~~يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت ، وقال أهل التحقيق ~~هذه اللفظة مشعرة بالتحسر والغم ، يقال عض أنامله وعض على يديه . # المسألة الرابعة : كما بينا أن الظالم غير مخصوص بشخص واحد بل يعم جميع ~~الظلمة فكذا المراد بقوله فلانا ليس شخصا واحدا بل كل من أطيع في معصية ~~الله ، واستشهد القفال بقوله : { وكان الكافر على ربه ظهيرا } PageV24P066 ~~( الفرقان : 55 ) ، { ويقول الكافر الكافر ياليتنى كنت ترابا } ( النبأ : ~~40 ) يعني به جماعة الكفار . # المسألة الخامسة : قرىء { * يا ويلتي } بالياء وهو الأصل لأن الرجل ينادي ~~ويلته وهي هلكته يقول لها : تعالى فهذا أوانك ، وإنما قلبت الياء ألفا كما ~~في صحارى و ( عذارى ) . # المسألة السادسة : قوله : { لقد أضلنى عن الذكر } أي عن ذكر الله أو ~~القرآن وموعظة الرسول ويجوز أن يريد نطقه بشهادة الحق ( وغيرته ) على ~~الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله سماه شيطانا لأنه أضله كما يضل الشيطان ~~ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة ، أو أراد إبليس فإنه هو الذي حمله ms6867 على أن ~~صار خليلا لذلك المضل ومخالفة الرسول ثم خذله أو أراد الجنس وكل من تشيطن ~~من الجن والإنس ، ويحتمل أن يكون { وكان الشيطان } حكاية كلام الظالم وأن ~~يكون كلام الله . # ! 7 < { وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا هاذا القرءان مهجورا * وكذلك ~~جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا } . > 7 ! # / < < # | الفرقان : ( 30 - 31 ) وقال الرسول يا . . . . . # > > اعلم أن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق ~~صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وشكاهم إلى الله تعالى وقال : { الرسول يارب ~~إن قومى اتخذوا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أكثر المفسرين أنه قول واقع من الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وقال أبو مسلم بل المراد أن الرسول عليه السلام يقوله في الآخرة وهو ~~كقوله : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( ~~النساء : 41 ) والأول أولى لأنه موافق للفظ ولأن ما ذكره الله تعالى من ~~قوله : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين } ( الفرقان : 31 ) تسلية ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ولا يليق إلا إذا كان وقع ذلك القول منه . # المسألة الثانية : ذكروا في المهجور قولين : الأول : أنه من الهجران أي ~~تركوا الإيمان به ولم يقبلوه وأعرضوا عن استماعه الثاني : أنه من أهجر أي ~~مهجورا فيه ثم حذف الجار ويؤكده قوله تعالى : { مستكبرين به سامرا تهجرون } ~~( المؤمنون : 67 ) ثم هجرهم فيه أنهم كانوا يقولون إنه سحر وشعر وكذب وهجر ~~أي هذيان ، وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من تعلم ~~القرآن ( وعلمه ) وعلق مصحفا لم يتعهده ولم ينطر فيه جاء يوم القيامة ~~متعلقا به يقول يا رب العالمين عبدك هذا اتخذني مهجورا ، اقض بيني وبينه ) ~~ثم إنه تعالى قال مسليا لرسوله عليه الصلاة والسلام ومعزيا له { وكذلك ~~جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين } وبين بذلك أن له أسوة بسائر الرسل ، ~~فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا ثم فيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خلق الخير ms6868 والشر ~~لأن قوله تعالى : { جعلنا لكل نبى عدوا } يدل على أن تلك العداوة من جعل ~~الله ولا شك أن تلك العداوة كفر قال الجبائي : المراد من الجعل التبيين ، ~~فإنه تعالى لما بين أنهم أعداؤه ، جاز أن يقول : جعلناهم أعداءه ، كما إذا ~~بين الرجل أن فلانا PageV24P067 لص يقال جعله لصا كما يقال في الحاكم عدل ~~فلانا وفسق فلانا وجرحه ، قال الكعبي : إنه تعالى لما أمر الأنبياء بعداوة ~~الكفار وعداوتهم للكفار تقتضي عداوة الكفار لهم ، فلهذا جاز أن يقول : { ~~وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين } لأنه سبحانه هو الذي حمله ودعاه ~~إلى ما استعقب تلك العداوة ، وقال أبو مسلم : يحتمل في العدو أنه البعيد لا ~~القريب إذ المعاداة المباعدة كما أن النصر القرب والمظاهرة ، وقد باعد الله ~~تعالى بين المؤمنين والكافرين والجواب عن الأول : أن التبيين لا يسمونه ~~ألبتة جعلا لأن من بين لغيره وجود الصانع وقدمه لا يقال إنه جعل الصانع ~~وجعل قدمه والجواب عن الثاني : أن الذي أمره الله تعالى به هل له تأثير في ~~وقوع العداوة في قلوبهم أو ليس له تأثير ؟ فإن كان الأول فقد تم الكلام لأن ~~عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم كفر فإذا أمر الله الرسول بما له أثر في ~~تلك العداوة فقد أمره بما له أثر في وقوع الكفر وإن لم يكن فيه تأثير ألبتة ~~كان منقطعا عنه بالكلية فيمتنع إسناده إليه ، وهذا هو الجواب عن قول أبي ~~مسلم . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول إن قول محمد عله السلام : { للإنسان ~~خذولا وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا } في المعنى كقول نوح عليه السلام { ~~رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ( نوح : 5 ، 6 ~~) وكما أن المقصود من هذا إنزال العذاب فكذا ههنا فكيف يليق هذا بمن وصفه ~~الله بالرحمة في قوله : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( الأنبياء : ~~107 ) ؟ جوابه : أن نوحا عليه السلام لما ذكر ذلك دعا عليهم ، وأما محمد ~~عليه الصلاة والسلام فلما ذكر هذا ما دعا عليهم ms6869 بل انتظر فلما قال تعالى : ~~{ وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين } كان ذلك كالأمر له بالصبر على ~~ذلك وترك الدعاء عليهم فظهر الفرق . # المسألة الثالثة : قوله { جعلنا } صيغة العظماء والتعظيم إذا ذكر نفسه في ~~كل معرض من التعظيم وذكر أنه يعطي فلا بد وأن تكون تلك العطية عظيمة كقوله ~~: { ولقد ءاتيناك سبعا من المثاني } ( الحجر : 87 ) وقوله : { إنا أعطيناك ~~الكوثر } ( الكوثر : 1 ) فكيف يليق بهذه الصيغة أن تكون تلك العطية هي ~~العداوة التي هي منشأ الضرر في الدين والدنيا ؟ وجوابه : أن خلق العداوة ~~سبب لازدياد المشقة التي هي موجبة لمزيد الثواب والله أعلم . # المسألة الرابعة : يجوز أن يكون العدو واحدا وجمعا كقوله : { فإنهم عدو ~~لى } ( الشعراء : 77 ) وجاء في التفسير أن عدو الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أبو جهل . # أما قوله : { وكفى بربك هاديا ونصيرا } فقال الزجاج الباء زائدة يعني كفى ~~ربك وهاديا ونصيرا منصوبان على الحال هاديا إلى مصالح الدين والدنيا ، ~~ونصيرا على الأعداء ، ونظيره { حكيم ياأيها النبى حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين } . ( الأنفال : 64 ) # ! 7 < { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان جملة واحدة كذلك لنثبت ~~به فؤادك ورتلناه ترتيلا * ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا * ~~الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولائك شر مكانا وأضل سبيلا } . > 7 @QB@ ~~< # | الفرقان : ( 32 - 34 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > PageV24P068 # اعلم أن هذا هو الشبهة الخامسة لمنكري نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وأن أهل مكة قالوا تزعم أنك رسول من عند الله أفلا تأتينا بالقرآن جملة ~~واحدة كما أنزلت التوراة جملة على موسى والإنجيل على عيسى / والزبور على ~~داود ، وعن ابن جريج بين أوله وآخره اثنتان أو ثلاث وعشرون سنة وأجاب الله ~~بقوله : { كذلك لنثبت به فؤادك } وبيان هذا الجواب من وجوه : أحدها : أنه ~~عليه السلام لم يكن من أهل القراءة والكتابة فلو نزل عليه ذلك جملة واحدة ~~كان لا يضبطه ولجاز عليه الغلط والسهو ، وإنما نزلت التوراة جملة لأنها ~~مكتوبة يقرؤها موسى وثانيها : أن من كان الكتاب عنده ms6870 ، فربما اعتمد على ~~الكتاب وتساهل في الحفظ فالله تعالى ما أعطاه الكتاب دفعة واحدة بل كان ~~ينزل عليه وظيفة ليكون حفظه له أكمل فيكون أبعد له عن المساهلة وقلة ~~التحصيل وثالثها : أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة على الخلق لنزلت ~~الشرائع بأسرها دفعة واحدة على الخلق فكان يثقل عليهم ذلك ، أما لما نزل ~~مفرقا منجما لا جرم نزلت التكاليف قليلا قليلا فكان تحملها أسهل ورابعها : ~~أنه إذا شاهد جبريل حالا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته فكان أقوى على أداء ما ~~حمل ، وعلى الصبر على عوارض النبوة وعلى احتماله أذية قومه وعلى الجهاد ~~وخامسها : أنه لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجما ثبت كونه معجزا ، فإنه ~~لو كان ذلك في مقدور البشر لوجب أن يأتوا بمثله منجما مفرقا وسادسها : كان ~~القرآن ينزل بحسب أسئلتهم والوقائع الواقعة لهم فكانوا يزدادون بصيرة ، لأن ~~بسبب ذلك كان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب وسابعها : أن القرآن لما ~~نزل منجما مفرقا وهو عليه السلام كان يتحداهم من أول الأمر فكأنه تحداهم ~~بكل واحد من نجوم القرآن فلما عجزوا عنه كان عجزهم عن معارضة الكل أولى ~~فبهذا الطريق ثبت في فؤاده أن القوم عاجزون عن المعارضة لا محالة وثامنها : ~~أن السفارة بين الله تعالى وبين أنبيائه وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم ~~فيحتمل أن يقال إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم دفعة ~~واحدة لبطل ذلك المنصب على جبريل عليه السلام فلما أنزله مفرقا منجما بقي ~~ذلك المنصب العالي عليه فلأجل ذلك جعله الله سبحانه وتعالى مفرقا منجما . # أما قوله : { كذالك } ففيه وجهان : الأول : أنه من تمام كلام المشركين أي ~~جملة واحدة كذلك أي كالتوراة والإنجيل ، وعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار في ~~الآية وهو أن يقول : أنزلناه مفرقا لتثبت به فؤادك الثاني : أنه كلام الله ~~تعالى ذكره جوابا لهم أي كذلك أنزلناه مفرقا فإن قيل : ذلك في { كذالك } ~~يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدمه والذي تقدم فهو إنزاله ms6871 جملة ( واحدة ) ~~فكيف فسر به كذلك أنزلناه مفرقا ؟ قلنا لأن قولهم { لولا نزل عليه * جملة ~~واحدة } معناه لم نزل مفرقا فذلك إشارة إليه . # أما قوله تعالى : { ورتلناه ترتيلا } فمعنى الترتيل في الكلام أن يأتي ~~بعضه على أثر بعض على تؤدة وتمهل وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفلجها يقال ~~ثغر رتل وهو ضد المتراص ، ثم إنه سبحانه وتعالى لما بين فساد قولهم بالجواب ~~الواضح قال : { ولا يأتونك بمثل } من الجنس الذي تقدم ذكره من الشبهات إلا ~~جئناك بالحق الذي يدفع قولهم ، كما قال تعالى : { بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق } ( الأنبياء : 18 ) PageV24P069 وبين أن الذي يأتي به ~~أحسن تفسيرا لأجل ما فيه من المزية في البيان والظهور ، ولما كان التفسير ~~هو الكشف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه ، فقالوا تفسير هذا الكلام ~~كيت وكيت كما قيل معناه كذا وكذا . # أما قوله : { الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحشر ~~الناس على ثلاثة أصناف صنف على الدواب وصنف على الأقدام وصنف على الوجوه ) ~~وعنه عليه السلام : ( إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن مشيهم على ~~وجوههم ) . # المسألة الثانية : الأقرب أنه صفة للقوم الذين أوردوا هذه الأسئلة على ~~سبيل التعنت ، وإن كان غيرهم من أهل النار يدخل معهم . # المسألة الثالثة : حمله بعضهم على أنهم يمشون في الآخرة مقلوبين ، وجوههم ~~إلى القرار وأرجلهم إلى فوق ، روي ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقال ~~آخرون المراد أنهم يحشرون ويسحبون على وجوههم ، وهذا أيضا مروي عن الرسول ~~عليه الصلاة والسلام وهو أولى ، وقال الصوفية : الذين تعلقت قلوبهم بما سوى ~~الله فإذا ماتوا بقي ذلك التعلق فعبر عن تلك الحالة بأنهم يحشرون على ~~وجوههم إلى جهنم ، ثم بين تعالى أنهم شر مكانا من أهل الجنة وأضل سبيلا ~~وطريقا ، والمقصود منه الزجر عن طريقهم والسؤال عليه كما ذكرناه على قوله : ~~{ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا } ( الفرقان : 24 ) وقد تقدم ms6872 الجواب عنه . # واعلم أنه تعالى بعد أن تكلم في التوحيد ونفي الأنداد وإثبات النبوة ~~والجواب عن شبهات المنكرين لها وفي أحوال القيامة شرع في ذكر القصص على ~~السنة المعلومة . # القصة الأولى قصة موسى عليه السلام # ! 7 < { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا * فقلنا ~~اذهبآ إلى القوم الذين كذبوا بأاياتنا فدمرناهم تدميرا } . > 7 @QB@ < # | الفرقان : ( 35 - 36 ) ولقد آتينا موسى . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما قال : { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا } ( الفرقان : 31 ) ~~أتبعه بذكر جماعة من الأنبياء وعرفه بما نزل بمن كذب من أممهم فقال : { ~~ولقد ءاتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا } والمعنى : لست يا ~~محمد بأول من أرسلناه فكذب ، وآتيناه الآيات فرد ، فقد آتينا موسى التوراة ~~وقوينا عضده بأخيه هرون ومع ذلك فقد رد ، وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : كونه وزيرا لا يمنع من كونه شريكا له في النبوة ، فلا ~~وجه لقول من قال في قوله : { فقلنا اذهبا } إنه خطاب لموسى عليه السلام ~~وحده بل يجري مجرى قوله : { اذهبا إلى فرعون إنه طغى } ( طه : 43 ) ~~PageV24P070 فإن قيل إن كونه وزيرا كالمنافي لكونه شريكا بل يجب أن يقال ~~إنه لما صار شريكا خرج عن كونه وزيرا ، قلنا لا منافاة بين الصفتين لأنه لا ~~يمتنع أن يشركه في النبوة ويكون وزيرا وظهيرا ومعينا له . # المسألة الثانية : قال الزجاج الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ويتحصن ~~برأيه والوزر ما يعتصم به ومنه { كلا لا وزر } ( القيامة : 11 ) أي لا منجى ~~ولا ملجأ ، قال القاضي : ولذلك لا يوصف تعالى بأن له وزيرا ولا يقال فيه ~~أيضا بأنه وزير لأن الالتجاء إليه في المشاورة والرأي على هذا الحد لا يصح ~~. # المسألة الثالثة : { دمرناهم } أهلكناهم إهلاكا فإن قيل : الفاء للتعقيب ~~والإهلاك لم يحصل عقيب ذهاب موسى وهرون إليهم بل بعد مدة مديدة ، قلنا : ~~التعقيب محمول ههنا على الحكم لا على الوقوع ، وقيل : إنه تعالى أراد ~~اختصار القصة فذكر حاشيتيها أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة بطولها ~~أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير ms6873 بتكذيبهم . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بئاياتنا ~~} إن حملنا تكذيب الآيات على تكذيب آيات الإلهية فلا إشكال ، وإن حملناه ~~على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ، وإن كان للماضي إلا أن المراد هو المستقبل ~~. # القصة الثانية قصة نوح عليه السلام # ! 7 < { وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس ءاية وأعتدنا ~~للظالمين عذابا أليما } . > 7 @QB@ < # | الفرقان : ( 37 ) وقوم نوح لما . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى إنما قال : { كذبوا الرسل } إما لأنهم كانوا من البراهمة ~~المنكرين لكل الرسل أو لأنه كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيبا للجميع ، لأن ~~تكذيب الواحد منهم لا يمكن إلا بالقدح في المعجز ، وذلك يقتضي تكذيب الكل ، ~~أو لأن المراد بالرسل وإن كان نوحا عليه السلام وحده ولكنه كما يقال فلان ~~يركب الأفراس . # أما قوله : { أغرقناهم } فقال الكلبي : أمظر الله عليهم السماء أربعين ~~يوما وأخرج ماء الأرض أيضا في تلك الأربعين فصارت الأرض بحرا واحدا { ~~وجعلناهم } أي وجعلنا إغراقهم أو قصتهم آية ، { وأعتدنا للظالمين } أي لكل ~~من سلك سبيلهم في تكذيب الرسل عذابا أليما ، ويحتمل أن يكون المراد قوم نوح ~~. # / القصة الثالثة قصة عاد وثمود وأصحاب الرس # ! 7 < { وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذالك كثيرا * وكلا ضربنا له ~~الا مثال وكلا تبرنا تتبيرا } . > 7 @QB@ < # | الفرقان : ( 38 - 39 ) وعادا وثمود وأصحاب . . . . . # > > PageV24P071 # المسألة الأولى : عطف { عادا } على ( هم ) في { وجعلناهم } أو على ( ~~الظالمين ) لأن المعنى ووعدنا الظالمين . # المسألة الثانية : قرىء و { ثمود } على تأويل القبيلة ، وأما على المنصرف ~~فعلى تأويل الحي أو لأنه اسم للأب الأكبر . # المسألة الثالثة : قال أبو عبيدة الرس هو البئر غير المطوية ، قال أبو ~~مسلم : في البلاد موضع يقال له الرس فجائز أن يكون ذلك الوادي سكنا لهم ، ~~والرس عند العرب الدفن ، ويسمى به الحفر يقال رس الميت إذا دفن وغيب في ~~الحفرة ، وفي التفسير أنه البئر ، وأي شيء كان فقد أخبر الله تعالى عن أهل ~~الرس بالهلاك انتهى . # المسألة الرابعة : ذكر المفسرون في أصحاب الرس وجوها : أحدها : كانوا ~~قوما من عبدة الأصنام أصحاب آبار ms6874 ومواش ، فبعث الله تعالى إليهم شعيبا عليه ~~السلام فدعاهم إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه فبينما هم حول ~~الرس خسف الله بهم وبدارهم وثانيها : الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم ~~فهلكوا وهم بقية ثمود وثالثها : أصحاب النبي حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين ~~بالعنقاء ، وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها وكانت تسكن ~~جبلهم الذي يقال له فتح وهي تنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا ~~عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ، ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا ورابعها : هم ~~أصحاب الأخدود ، والرس هو الأخدود وخامسها : الرس أنطاكية قتلوا فيها حبيبا ~~النجار ، وقيل ( كذبوه ) ورسوه في بئر أي دسوه فيها وسادسها : عن علي عليه ~~السلام أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة الصنوبر وإنما سموا بأصحاب الرس لأنهم ~~رسوا نبيهم في الأرض وسابعها : أصحاب الرس قوم كانت لهم قرى على شاطىء نهر ~~يقال له الرس من بلاد المشرق فبعث الله تعالى إليهم نبيا من ولد يهودا بن ~~يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زمنا فشكى إلى الله تعالى منهم فحفروا بئرا ورسوه ~~فيها وقالوا نرجو أن يرضى عنا إلهنا وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم ~~يقول : إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي وقلة حيلتي فعجل قبض ~~روحي حتى مات ، فأرسل الله تعالى ريحا / عاصفة شديدة الحمرة فصارت الأرض من ~~تحتهم حجر كبريت متوقد وأظلتهم سحابة سوداء فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص ~~وثامنها : روى ابن جرير عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله بعث نبيا إلى ~~أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا عبد أسود ثم عدوا على الرسول فحفروا ~~له بئرا فألقوه فيها ، ثم أطبقوا عليه حجرا ضخما ، وكان ذلك العبد يحتطب ~~فيشتري له طعاما وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه فكان ذلك ما شاء الله ~~فاحتطب يوما فلما أراد أن يحملها وجد نوما فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع ~~سنين نائما ، ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين أخرى ، ثم هب ~~فحمل حزمته فظن أنه ms6875 نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته واشترى ~~طعاما وشرابا وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحدا ، وكان قومه قد استخرجوه وآمنوا ~~به وصدقوه ، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود ، فيقولون لا ندري حاله حتى ~~قبض الله النبي وقبض ذلك الأسود ، فقال عليه السلام : ( إن ذلك الأسود لأول ~~من يدخل الجنة ) PageV24P072 واعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئا ~~من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن ، ولا بخبر قوي الإسناد ، ولكنهم كيف ~~كانوا فقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم أهلكوا بسبب كفرهم . # المسألة الخامسة : قال النخعي : القرن أربعون سنة / وقال علي عليه السلام ~~: بل سبعون سنة ، وقيل مائة وعشرون . # المسألة السادسة : قوله بين ذلك أي { بين ذالك } المذكور وقد يذكر الذاكر ~~أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ، ثم يقول ~~فذلك كيت وكيت على معنى فذلك المحسوب أو المعدود . # أما قوله : { وكلا ضربنا له الامثال } فالمراد بينا لهم وأزحنا عللهم ~~فلما كذبوا تبرناهم تتبيرا ويحتمل { وكلا ضربنا له الامثال } بأن أجبناهم ~~عما أوردوه من الشبه في تكذيب الرسل كما أورده قومك يا محمد ، فلما لم ينجع ~~فيه تبرناهم تتبيرا ، فحذر تعالى بذلك قوم محمد صلى الله عليه وسلم في ~~الاستمرار على تكذيبه لئلا ينزل بهم مثل الذي نزل بالقوم عاجلا وآجلا . # المسألة السابعة : ( كلا ) الأول منصوب بما دل عليه { ضربنا له الامثال } ~~وهو أنذرنا أو حذرنا ، والثاني بتبرنا لأنه فارغ له . # المسألة الثامنة : التتبير التفتيت والتكسير ، ومنه التبر وهو كسارة ~~الذهب والفضة والزجاج . # القصة الرابعة قصة لوط عليه السلام # ! 7 < { ولقد أتوا على القرية التىأمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل ~~كانوا لا يرجون نشورا } . > 7 @QB@ < # | الفرقان : ( 40 ) ولقد أتوا على . . . . . # > > # / واعلم أنه تعالى أراد بالقرية سدوم من قرى قوم لوط عليه السلام وكانت ~~خمسا أهلك الله تعالى أربعا بأهلها وبقيت واحدة ، و ( مطر السوء ) الحجارة ~~يعني أن قريشا مروا مرارا كثيرة في متاجرهم إلى الشأم PageV24P073 على تلك ~~القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء ، { أفلم ms6876 يكونوا } في ( مرار ) ~~مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله تعالى ونكاله ( ويذكرون ) { بل كانوا } ~~قوما كفرة { لا يرجون نشورا } وذكروا في تفسير { يرجون } وجوها : أحدها : ~~وهو الذي قاله القاضي وهو الأقوى أنه محمول على حقيقة الرجاء لأن الإنسان ~~لا يتحمل متاعب التكاليف ومشاق النظر والاستدلال إلا لرجاء ثواب الآخرة ~~فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يرج ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق والمتاعب وثانيها ~~: معناه لا يتوقعون نشورا ( وعاقبة ) ، فوضع الرجاء موضع التوقع لأنه إنما ~~يتوقع العاقبة من يؤمن ، وثالثها : معناه لا يخافون على اللغة التهامية ، ~~وهو ضعيف والأول هو الحق . # ! 7 < { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهاذا الذى بعث الله رسولا * إن ~~كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من ~~أضل سبيلا * أرءيت من اتخذ إلاهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا * أم تحسب أن ~~أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالا نعام بل هم أضل سبيلا } . > 7 ! # < < # | الفرقان : ( 41 - 44 ) وإذا رأوك إن . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته وفي إيراد ~~الشبهات في ذلك ، بين بعد ذلك أنهم إدا رأوا الرسول اتخذوه هزوا فلم ~~يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار ، ويقول ~~بعضهم لبعض { أهاذا الذى بعث الله رسولا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) ( إن ) الأولى نافية والثانية ~~مخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة بينهما . # / المسألة الثانية : جواب ( إذا ) هو ما أضمر من القول يعني وإذا رأوك ~~مستهزئين قالوا أبعث الله هذا رسولا ، وقوله : { إن يتخذونك } جملة اعترضت ~~بين ( إذا ) وجوابها . # المسألة الثالثة : اتخذوه هزوا في معنى استهزؤا به والأصل اتخذوه موضع ~~هزء أو مهزوءا به . # المسألة الرابعة : اعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا ~~الرسول أتوا بنوعين من الأفعال أحدهما أنهم يستهزئون به ، وفسر ذلك ~~الاستهزاء بقوله : { أهاذا الذى بعث الله رسولا } وذلك جهل عظيم لأن ~~الاستهزاء إما أن يقع بصورته أو بصفته . أما الأول فباطل لأنه عليه الصلاة ~~والسلام ms6877 كان أحسن منهم صورة وخلقة ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك ، لكنه عليه ~~السلام ما كان يدعي التمييز عنهم بالصورة بل بالحجة . وأما الثاني فباطل ~~لأنه عليه السلام ادعى التميز عنهم في ظهور المعجز عليه دونهم ، وأنهم ما ~~قدروا على القدح في حجته ودلالته ، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ ~~بهم ، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية واستهزؤا بالرسول عليه السلام ، وذلك ~~يدل على أنه ليس للمبطل في كل الأوقات إلا السفاهة والوقاحة . وثانيهما ~~أنهم كانوا يقولون فيه : { إن كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا عليها } ~~وذلك يدل على أمور : الأول : أنهم سموا ذلك إضلالا ، وذلك يدل على أنهم ~~كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم وفي استعظام صنيعه صلى الله عليه وسلم في ~~صرفهم عنه ، وذلك يدل على أنهم كانوا يعتقدون أن هذا هو الحق ، فمن هذا ~~الوجه يبطل قول أصحاب المعارف في أنه لا يكفر إلا من يعرف الدلائل لأنهم ~~جهلوه ، ثم نسبهم الله تعالى إلى الكفر واضلال ، وقولهم : { لولا أن صبرنا ~~عليها } يدل أيضا على ذلك الثاني : يدل هذا القول منهم على جد الرسول عليه ~~السلام واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان ، ولولا ذلك لما قالوا : { إن ~~كاد ليضلنا عن ءالهتنا لولا أن صبرنا عليها } PageV24P074 وهكذا كان عليه ~~السلام فإنه في أول الأمر بالغ في إيراد الدلائل والجواب عن الشبهات وتحمل ~~ما كانوا يفعلونه من أنواع السفاهة وسوء الأدب الثالث : أن هذا يدل على ~~اعتراف القوم بأنهم لم يعترضوا ألبتة على دلائل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وما عارضوها إلا بمحض الجحود والتقليد لأن قولهم : { لولا أن صبرنا عليها } ~~إشارة إلى الجحود والتقليد ، ولو ذكروا اعتراضا على دلائل الرسول عليه ~~السلام لكان ذكر ذلك أولى من ذكر مجرد الجحود والإصرار الذي هو دأب الجهال ~~/ وذلك يدل على أن القوم كانوا مقهورين تحت حجته عليه السلام ، وأنه ما كان ~~في أيديهم إلا مجرد الوقاحة الرابع : الآية تدل على أن القوم صاروا في ظهور ~~حجته عليه السلام عليهم كالمجانين لأنهم استهزؤا ms6878 به أولا ، ثم وصفوه بأنه ~~كاد يضلنا عن آلهتنا لولا أن قابلناه بالجحود والإصرار ، فهذا الكلام ~~الأخير يدل على أن القوم سلموا له قوة الحجة وكمال العقل والكلام الأول وهو ~~السخرية والاستهزاء لا يليق إلا بالجاهل العاجز ، فالقوم لما جمعوا بين ~~هذين الكلامين دل ذلك على أنهم كانوا كالمتحيرين في أمره ، فتارة بالوقاحة ~~يستهزئون منه ، وتارة يصفونه بما لا يليق إلا بالعالم الكامل ، ثم إنه ~~سبحانه لما حكى عنهم هذا / الكلام زيف طريقتهم في ذلك من ثلاثة أوجه أولها ~~: قوله : { وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا } لأنهم لما وصفوه ~~بالإضلال في قولهم : { إن كان } بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن ~~الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه فهو وعيد شديد لهم على ~~التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر وثانيها : قوله تعالى : { سبيلا ~~أرءيت من اتخذ إلاهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا } والمعنى أنه سبحانه بين ~~أن بلوغ هؤلاء في جهالتهم وإعراضهم عن الدلائل إنما كان لاستيلاء التقليد ~~عليهم وأنهم اتخذوا أهواءهم آلهة ، فكل ما دعاهم الهوى إليه انقادوا له ، ~~سواء منع الدليل منه أو لم يمنع ، ثم ههنا أبحاث : # الأول : قوله : { أرأيت } كلمة تصلح للإعلام والسؤال ، وههنا هي تعجيب من ~~جهل من هذا وصفه ونعته . # الثاني : قوله : { اتخذ إلاهه هواه } معناه اتخذ إلهه ما يهواه أو إلها ~~يهواه ، وقيل هو مقلوب ومعناه اتخذ هواه إلهه وهذا ضعيف ، لأن قوله : { ~~اتخذ إلاهه هواه } يفيد الحصر ، أي لم يتخذ لنفسه إلها إلا هواه ، وهذا ~~المعنى لا يحصل عند القلب . قال ابن عباس : الهوى إله يعبد ، وقال سعيد بن ~~جبير : كان الرجل من المشركين يعبد الصنم فإذا رأى أحسن منه رماه واتخذ ~~الآخر وعبده . # الثالث : قوله : { أفأنت تكون عليه وكيلا } أي حافظا تحفظه من اتباع هواه ~~أي لست كذلك . # الرابع : نظير هذه الآية قوله تعالى : { لست عليهم بمسيطر } ( الغاشية : ~~22 ) وقوله : { وما أنت عليهم بجبار } ( ق : 45 ) وقوله : { لا إكراه فى ~~الدين } ( البقرة : 256 ) قال الكلبي : نسختها آية ms6879 القتال وثالثها : قوله : ~~{ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون } أم ههنا منقطعة ، معناه بل تحسب ، ~~وذلك يدل على أن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها ~~إليها ، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول ، لأنهم لشدة عنادهم لا يصغون ~~إلى الكلام ، وإذا سمعوه لا يتفكرون فيه ، فكأنه ليس لهم عقل ولا سمع ألبتة ~~، فعند ذلك شبههم بالأنعام في عدم انتفاعهم بالكلام وعدم إقدامهم على ~~التدبر والتفكر وإقبالهم على اللذات الحاضرة الحسية وإعراضهم عن طلب ~~السعادات الباقية العقلية وها هنا سؤالات : PageV24P075 # السؤال الأول : لم قال : { أم تحسب أن أكثرهم } فحكم بذلك على الأكثر دون ~~الكل ؟ والجواب : لأنه كان فيهم من يعرف الله تعالى ويعقل الحق ، إلا أنه ~~ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة لا للجهل . # السؤال الثاني : لم جعلوا أضل من الأنعام ؟ الجواب : من وجوه : أحدها : ~~أن الأنعام تنقاد لأربابها وللذي يعلفها ويتعهدها وتميز بين من يحسن إليها ~~وبين من يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها ، وهؤلاء لا ينقادون ~~لربهم ولا يميزون بين إحسانه إليهم وبين إساءة الشيطان إليهم الذين هو عدو ~~لهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع / ولا يحترزون من العقاب ~~الذي هو أعظم المضار وثانيها : أن قلوب الأنعام كما أنها تكون خالية عن ~~العلم فهي / خالية عن الجهل الذي هو اعتقاد المعتقد على خلاف ما هو عليه مع ~~التصميم . وأما هؤلاء فقلوبهم كما خلت عن العلم فقد اتصفت بالجهل فإنهم لا ~~يعلمون ولا يعلمون أنهم لا يعلمون ، بل هم مصرون على أنهم يعلمون وثالثها : ~~أن عدم علم الأنعام لا يضر بأحد أما جهل هؤلاء فإنه منشأ للضرر العظيم ، ~~لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجا ورابعها : أن الأنعام لا ~~تعرف شيئا ولكنهم عاجزون عن الطلب وأما هؤلاء الجهال فإنهم ليسوا عاجزين عن ~~الطلب ، والمحروم عن طلب المراتب العالية إذا عجز عنه لا يكون في استحقاق ~~الذم كالقادر عليه التارك له لسوء اختياره وخامسها : أن البهائم لا تستحق ~~عقابا على عدم العلم ، أما هؤلاء ms6880 فإنهم يستحقون عليه أعظم العقاب وسادسها : ~~أن البهائم تسبح الله تعالى على مذهب بعض الناس على ما قال { وإن من شىء ~~إلا يسبح بحمده } ( الأسراء : 44 ) وقال : { ألم تر أن الله يسجد له من فى ~~* السماوات } إلى قوله : { والدواب } ( الحج : 18 ) وقال : { والطير صافات ~~كل قد علم صلاته وتسبيحه } ( النور : 41 ) وإذا كان كذلك فضلال الكفار أشد ~~وأعظم من ضلال هذه الأنعام . # السؤال الثالث : أنه سبحانه لما نفى عنهم السمع والعقل ، فكيف ذمهم على ~~الإعراض عن الدين وكيف بعث الرسول إليهم فإن من شرط التكليف العقل ؟ الجواب ~~: ليس المراد أنهم لا يعقلون بل إنهم لا ينتفعون بذلك العقل ، فهو كقول ~~الرجل لغيره إذا لم يفهم إنما أنت أعمى وأصم . # ! 7 < { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس ~~عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا * وهو الذى جعل لكم اليل لباسا ~~والنوم سباتا وجعل النهار نشورا * وهو الذىأرسل الرياح بشرى بين يدى رحمته ~~وأنزلنا من السمآء مآء طهورا * لنحيى به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنآ أنعاما ~~وأناسى كثيرا } . > 7 @QB@ < # | الفرقان : ( 45 - 49 ) ألم تر إلى . . . . . # > > PageV24P076 # / اعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرضين عن دلائل الله تعالى وفساد طريقهم ~~في ذلك ذكر بعده أنواعا من الدلائل الدالة على وجود الصانع . # النوع الأول : الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه وتغيره من حال إلى ~~حال ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { ألم تر } فيه وجهان : أحدهما : أنه من رؤية ~~العين والثاني : أنه من رؤية القلب يعني العلم ، فإن حلمناه على رؤية العين ~~فالمعنى أم تر إلى الظل كيف مده ربك وإن كان تخريج لفظه على عادة العرب ~~أفصح وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج ، فالمعنى ألم تعلم وهذا أولى ~~وذلك أن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله تعالى في تمديده غير ~~مرئي بالاتفاق ، ولكنه معلوم من حيث إن كل متغير جائز فله مؤثر فحمل هذا ~~اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه . # المسألة الثانية ms6881 : المخاطب بهذا الخطاب وإن كان هو الرسول عليه السلام ~~بحسب ظاهر اللفظ ولكن الخطاب عام في المعنى ، لأن المقصود من الآية بيان ~~نعم الله تعالى بالظل ، وجميع المكلفين مشتركون في أنه يجب تنبههم لهذه ~~النعمة وتمكنهم من الاستدلال بها على وجود الصانع . # المسألة الثالثة : الناس أكثروا في تأويل هذه الآية والكلام الملخص يرجع ~~إلى وجهين : # الأول : أن الظل هو الأمر المتوسط بين الضوء الخالص وبين الظلمة الخالصة ~~وهو ما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس ، وكذا الكيفيات الحاصلة داخل السقف ~~وأفنية الجدران وهذه الحالة أطيب الأحوال لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع ~~وينفر عنها الحس ، وأما الضوء الخالص وهو الكيفية الفائضة من الشمس فهي ~~لقوتها تبهر الحس البصري وتفيد السخونة القوية وهي مؤذية ، فإذن أطيب ~~الأحوال هو الظل ولذلك وصف الجنة به فقال : { وظل ممدود } ( الواقعة : 30 ) ~~وإذا ثبت هذا فنقول إنه سبحانه بين أنه من النعم العظيمة والمنافع الجليلة ~~، ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل كأنه لا يشاهد شيئا سوى الجسم ~~وسوى اللون ، ونقول الظل ليس أمرا ثالثا ، ولا يعرف به إلا إذا طلعت الشمس ~~ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظل فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام ~~لما عرف أن للظل وجودا وماهية لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها ، فلولا ~~الشمس لما عرف الظل ، ولولا الظلمة لما عرف النور ، فكأنه سبحانه وتعالى ~~لما طلع الشمس على الأرض وزال الظل ، فحينئذ ظهر للعقول أن الظل كيفية ~~زائدة على الجسم واللون ، فلهذا قال سبحانه { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } ~~أي خلقنا الظل أولا بما فيه من المنافع واللذات ثم إنا هدينا العقول إلى ~~معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس فكانت الشمس دليلا على وجود هذه النعمة ، ثم ~~قبضناه أي أزلنا الظل لا دفعة بل يسيرا يسيرا فإن كلما ازداد ارتفاع الشمس ~~ازداد نقصان الظل في جانب المغرب ، ولما كان الحركات المكانية لا توجد دفعة ~~بل يسيرا يسيرا فكذا زوال الإظلال لا يكون / دفعة بل يسيرا يسيرا ، ولأن ~~قبض الظل لو حصل ms6882 دفعة لاختلت المصالح / ولكن قبضها يسيرا يسيرا يفيد معه ~~أنواع مصالح العالم ، والمراد بالقبض الإزالة والإعدام هذا أحد التأويلين . # التأويل الثاني : وهو أنه سبحانه وتعالى لما خلق الأرض والسماء وخلق ~~الكواكب والشمس والقمر وقع الظل على الأرض ، ثم إنه سبحانه خلق الشمس دليلا ~~عليه وذلك لأن بحسب حركات الأضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان ~~لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر ، وكما أن المهتدي ~~PageV24P077 يهتدي بالهادي والدليل ويلازمه ، فكذا الأظلال كأنها مهتدية ~~وملازمة للأضواء فلهذا جعل الشمس دليلا عليها . # وأما قوله : { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } فأما أن يكون المراد منه ~~انتهاء الأظلال يسيرا يسيرا إلى غاية نقصاناتها ، فسمى إزالة الأظلال قبضا ~~لها أو يكون المراد من قبضها يسيرا قبضها عند قيام الساعة ، وذلك بقبض ~~أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الأظلال وقوله : { يسيرا } هو كقوله : { ذلك ~~حشر علينا يسير } ( ق : 44 ) فهذا هو التأويل الملخص . # المسألة الرابعة : وجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل ~~أمر نافع للأحياء والعقلاء ، وأما حصول الضوء الخالص ، أو الظلمة الخالصة ، ~~فهو ليس من باب المنافع ، فحصول ذلك الظل ، إما أن يكون من الواجبات أو من ~~الجائزات ، والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه ، لأن الواجب لا يتغير ~~فوجب أن يكون من الجائزات ، فلا بد له في وجوده بعد العدم ، وعدمه بعد ~~الوجود ، من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع ، وما ذاك إلا من ~~يقدر على تحريك الأجرام العلوية وتدبير الأجسام الفلكية وترتيبها على الوصف ~~الأحسن والترتيب الأكمل ، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى . فإن قيل : الظل ~~عبارة عن عدم الضوء عما شأنه أن يضيء ، فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته ~~، وكيف عده من النعم ؟ قلنا : الظل ليس عدما محضا ، بل هو أضواء مخلوطة ~~بظلم ، والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني وهو أمر وجودي ، وفي تحقيقه ~~وبسطه كلام دقيق يرجع فيه إلى كتبنا العقلية . # النوع الثاني : قوله تعالى : { وهو الذى جعل لكم اليل لباسا والنوم سباتا ~~وجعل النهار نشورا ms6883 } اعمل أنه تعالى شبه الليل من حيث إنه يستر الكل ويغطي ~~باللباس الساتر للبدن ، ونبه على ما لنا فيه من النفع بقوله : { والنوم ~~سباتا } والسبات هو الراحة وجعل النوم سباتا لأنه سبب للراحة قال أبو مسلم ~~: السبات الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه ، ~~ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت ، وقال صاحب ( الكشاف ) السبات ~~الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة قال : وهذا كقوله : { وهو الذى ~~يتوفاكم باليل } ( الأنعام : 60 ) وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من ~~تفسيره بالراحة ، لأن النشور في مقابلته يأباه ، قال أبو مسلم : وجعل ~~النهار نشورا } هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة ~~، فقال : { * } هو بمعنى الانتشار والحركة كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة ~~، فقال : { الله يتوفى الانفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) والتي لم تمت في ~~منامها كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور ~~، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمه على خلقه ، لأن ~~الاحتجاب بستر الليل كم فيه لكثير من الناس من فوائد دينية ودنيوية ، ~~والنوم واليقظة شبههما بالموت والحياة ، وعن لقمان أنه قال لابنه : كما ~~تنام فتوقظ ، كذلك تموت فتنشر . # النوع الثالث : قوله : { وهو الذى أرسل الرياح * بشرا بين * يديه * رحمته ~~} وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف / ثم فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء ( الريح ) و ( الرياح ) ، قال الزجاج : وفي ( نشرا ~~) خمسة أوجه بفتح النون وبضمها وبضم النون والشين وبالباء الموحدة مع ألف ~~والمؤنث وبشرا بالتنوين ، قال أبو مسلم في قرأ ( بشرا ) أراد جمع بشير مثل ~~قوله تعالى : { ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات } ( الروم : 46 ) وأما ~~بالنون فهو في معنى قوله : { والناشرات نشرا } ( المرسلات : 3 ) ~~PageV24P078 وهي الرياح ، والرحمة الغيث والماء والمطر . # المسألة الثانية : قوله : { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } نص في أنه ~~تعالى ينزل الماء من السماء ، لا من السحاب . وقول من يقول السحاب سماء ~~ضعيف لأن ذاك بحسب الاشتقاق ، وأما بحسب وضع اللغة فالسماء اسم لهذا السقف ms6884 ~~المعلوم فصرفه عنه ترك للظاهر . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن الطهور ما هو ؟ قال كثير من العلماء ~~الطهور ما يتطهر به كالفطور ما يفطر به ، والسحور ما يتسحر به وهو مروي ~~أيضا عن ثعلب ، وأنكر صاحب ( الكشاف ) ذلك ، وقال ليس فعول من التفعيل في ~~شيء والطهور على وجهين في العربية : صفة واسم غير صفة فالصفة قولك : ماء ~~طهور كقولك طاهر ، والاسم قولك طهور لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما ~~يتوضأ به ويوقد به النار . حجة القول الأول قوله عليه السلام : ( التراب ~~طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج ) ولو كان معنى الطهور الطاهر لكان ~~معناه التراب طاهر للمسلم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، وكذا قوله عليه السلام ~~: ( طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعا ) ولو كان الطهور ~~الطاهر لكان معناه طاهر إناء أحدكم وحينئذ لا ينتظم الكلام ، ولأنه تعالى ~~قال : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } ( الأنفال : 11 ) فبين أن ~~المقصود من الماء إنما هو التطهر به فوجب أن يكون المراد من كونه طهورا أنه ~~هو المطهر به لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام ، فوجب حمله على الوصف ~~الأكمل ولا شك أن المطهر أكمل من الطاهر . # المسألة الرابعة : اعلم أن الله تعالى ذكر من منافع الماء أمرين : أحدهما ~~: ما يتعلق بالنبات والثاني : ما يتعلق بالحيوان ، أما أمر النبات فقوله : ~~{ لنحيى به بلدة ميتا } وفيه سؤالات : # السؤال الأول : لم قال { لنحيى به بلدة } ميتا ولم يقل ميتة ؟ الجواب : ~~لأن البلدة في معنى البلد في قوله : { فسقناه إلى بلد ميت } ( فاطر : 9 ) . # السؤال الثاني : ما المراد من حياة البلد وموتها ؟ الجواب : الناس يسمون ~~ما لا عمارة فيه من الأرض مواتا ، وسقيها المقتضي لعمارتها إحياء لها . # / السؤال الثالث : أن جماعة الطبائعيين وكذا الكعبي من المعتزلة قالوا إن ~~بطبع الأرض والماء وتأثير الشمس فيهما يحصل النبات وتمسكوا بقوله تعالى : { ~~لنحيى به بلدة ميتا } فإن الباء في ( به ) تقتضي أن للماء تأثيرا في ذلك ~~الجواب : الظاهر وإن دل عليه لكن المتكلمون ms6885 تركوه لقيام الدلالة على فساد ~~الطبع وأما أمر الحيوان فقوله سبحانه : { ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسى ~~كثيرا } وفيه سؤالات : # السؤال الأول : لم خص الإنسان والأنعام ههنا بالذكر دون الطير والوحش مع ~~انتفاع الكل بالماء ؟ الجواب : لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا ~~يعوزها الشرب بخلاف الأنعام لأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها ~~فكأن الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم بسقيهم . PageV24P079 # السؤال الثاني : ما معنى تنكير الأنعام والأناسى ووصفهما بالكثرة ؟ ~~الجواب : معناه أن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأودية ~~والأنهار ( ومنافع ) المياه فهم في غنية ( في شرب المياه عن المطر ) / ~~وكثير منهم نازلون في البوادي فلا يجدون المياه للشرب إلا عند نزول المطر ~~وذلك قوله : { لنحيى به بلدة ميتا } يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن ~~مظان الماء ويحتمل في ( كثير ) أن يرجع إلى قوله : { ونسقيه } لأن الحي ~~يحتاج إلى الماء حالا بعد حال وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر ~~معين ، حتى لو زيد عليه بعد ذلك لكان إلى الضرر أقرب ، والحيوان يحتاج إليه ~~حالا بعد حال ما دام حيا . # السؤال الثالث : لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي الجواب ~~: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم ، فقدم ما هو سبب حياتهم ~~ومعيشتهم على سقيهم لأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم ومواشيهم فقد ~~ظفروا أيضا بسقياهم وأيضا فقوله تعالى : { ولقد صرفناه بينهم } ( الفرقان : ~~50 ) يعني صرف المطر كل سنة إلى جانب آخر ، وإذا كان كذلك فلا يسقي الكل ~~منه بل يسقي كل سنة أناسي كثيرا منه . # السؤال الرابع : ما الأناسي ؟ الجواب : قال الفراء والزجاج : الإنسي ~~والأناسي كالكرسي والكراسي ، ولم يقل كثيرين لأنه قد جاء فعيل مفردا ويراد ~~به الكثرة كقوله : { وقرونا بين ذالك كثيرا } ( الفرقان : 38 ) { وحسن ~~أولئك رفيقا } ( النساء : 69 ) . # واعلم أن الفقهاء قد استنبطوا أحكام المياه من قوله تعالى : { وأنزلنا من ~~السماء ماء طهورا } ونحن نشير إلى معاقد تلك المسائل فنقول ههنا نظران : ~~أحدهما : أن الماء مطهر والثاني : أن غير الماء ms6886 هل هو مطهر أم لا ؟ النظر ~~الأول : أن نقول الماء إما أن لا يتغير أو يتغير القسم الأول وهو الذي لا ~~يتغير فهو طاهر في ذاته مطهر لغيره ، إلا الماء المستعمل / فإنه عند ~~الشافعي طاهر وليس بمطهر ، وقال مالك والثوري يجوز الوضوء به ، وقال أبو ~~حنيفة في رواية أبي يوسف إنه نجس فههنا مسائل : # المسألة الأولى : في بيان أنه ليس بمطهر ، ودليلنا قوله عليه السلام : ( ~~لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب ) ولو بقي الماء كما كان طاهرا ~~مطهرا لما كان للمنع منه معنى ، ومن وجه القياس أن الصحابة كانوا يتوضؤون ~~في الأسفار وما كانوا يجمعون تلك المياه مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى ~~الماء ، ولو كان ذلك الماء مطهرا لحملوه ليوم الحاجة ، واحتج مالك بالآية ~~والخبر والقياس . أما الآية فمن وجهين : الأول : قوله تعالى : { وأنزلنا من ~~السماء ماء طهورا } وقوله : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } ( ~~الأنفال : 11 ) فدلت الآية على حصول وصف المطهرية للماء ، والأصل في الثابت ~~بقاؤه ، فوجب الحكم ببقاء هذه الصفة للماء بعد صيرورته مستعملا ، وأيضا ~~قوله : { طهورا } يقتضي جواز التطهر به مرة بعد أخرى والثاني : أنه أمر ~~بالغسل مطلقا في قوله : { فاغسلوا } ( المائدة : 6 ) واستعمال كل المائعات ~~غسل ، لأنه لا معنى للغسل إلا إمرار الماء على العضو ، قال الشاعر : # % فياحسنها إذ يغسل الدمع كحلها % % # فمن اغتسل بالماء المستعمل فقد أتى بالغسل ، فوجب أن يكون مجزئا له لأنه ~~أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة وأما السنة فما روي أنه عليه السلام ~~( توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده ) وعنه عليه السلام : ( أنه توضأ فأخذ من ~~بلل لحيته فمسح به رأسه ) وعن ابن عباس أنه عليه السلام : ( اغتسل فرأى ~~لمعة في جسده لم يصبها الماء ، فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة ~~) . وأما القياس فإنه ماء طاهر لقي PageV24P080 جسدا طاهرا فأشبه ما إذا ~~لقي حجارة أو حديدا ، وكذا الماء المستعمل في الكرة الرابعة والمستعمل في ~~التبرد والتنظيف ، ولأنه لا خلاف أنه ms6887 إذا وضع الماء على أعلى وجهه وسقط به ~~فرض ذلك الموضع / ثم نزل ذلك الماء بعينه إلى بقية الوجه فإنه يجزيه مع أن ~~ذلك الماء صار مستعملا في أعلى الوجه . # المسألة الثانية : الدليل على أن الماء المستعمل طاهر قوله تعالى : { ~~وأنزلنا من * السماء ماء طهورا } ومن السنة أنه عليه السلام : أخذ من بلل ~~لحيته ومسح به رأسه ، وقال : ( خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير ~~طعمه أو ريحه أو لونه ) وقال الشافعي : إنه عليه السلام توضأ ولا شك أنه ~~أصابه ما تساقط منه ، ولم ينقل أنه غير ثوبه ولا أنه غسله ، ولا أحد من ~~المسلمين فعل ذلك ، فثبت أنهم أجمعوا على أنه ليس بنجس ، ولأنه ماء طاهر ~~لقي جسما طاهرا فأشبه ما إذا لاقى حجارة . # المسألة الثالثة : الماء المستعمل إما أن يكون مستعملا في أعضاء الوضوء ~~أو في غسل الثياب ، أما المستعمل في أعضاء الوضوء فإما أن يكون مستعملا ~~فيما كان فرضا وعبادة ، أو فيما كان فرضا ولا يكون عبادة ، أو فيما كان ~~عبادة ولا يكون فرضا ، أو فيما لا يكون فرضا ولا عبادة . # أما القسم الأول : وهو المستعمل فيما كان فرضا وعبادة فهو غير مطهر ~~باتفاق أصحاب الشافعي . # وأما القسم الثاني : فهو كالماء الذي استعملته الذمية التي تحت الزوج ~~المسلم ، أي في غسل / حيضها ليحل للزوج غشيانها . وأما القسم الثالث : فهو ~~كالماء المستعمل في الكرة الثانية والثالثة ، والماء المستعمل في تجديد ~~الوضوء ، والماء المستعمل في الأغسال المسنونة ، فلأصحاب الشافعي في هذين ~~القسمين وجهان : وأما القسم الرابع : فهو كالماء المستعمل في الكرة الرابعة ~~، وفي التبرد والتنظف ، فذاك باتفاق أصحاب الشافعي غير مستعمل ، وهو طاهر ~~مطهر ، أما الماء المستعمل في غسل الثياب ، فإذا غسل ثوبا من نجاسة وطهر ~~بغسلة واحدة ، يستحب أن يغسله ثلاثا فالمنفصل في الكرة الثانية والثالثة ~~مطهر على الأصح القسم الثاني : الماء الذي يتغير فنقول الماء إذا تغير ، ~~فإما أن يتغير بنفسه أو بغيره ، أما الأول فكالمتغير بطول المكث فيجوز ~~الوضوء به ، لأنه عليه السلام كان ms6888 يتوضأ من بئر ( قضاعة ) ، وكان ماؤها ~~كأنه نقاعة الحناء ، وأما المتغير بسبب غيره فذلك الغير إما أن لا يكون ~~متصلا به أو يكون متصلا به . أما الذي لا يكون متصلا به فهو كما لو وقع ~~بقرب الماء جيفة فصار الماء منتنا بسببها فهو أيضا مطهر ، وأما إذا تغير ~~بسبب شيء متصل به فذلك المتصل إما أن يكون طاهرا أو نجسا القسم الأول : إذا ~~كان طاهرا فهو إما أن لا يخالطه أو يخالطه ، فإن لم يخالطه فهو كالماء ~~المتغير بسبب وقوع الدهن والطيب والعود والعنبر والكافور الصلب فيه وهذا ~~أيضا مطهر كما لو كان بقرب الماء جيفة ، ولأن الطهورية ثبتت بقوله : { ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا } والأصل في الثابت بقاؤه ، وأما المتغير بسبب ~~شيء يخالطه ، فذلك المخالط إما أن لا يمكن صون الماء عنه أو يمكن ، أما ~~الذي لا يمكن فكالمتغير بالتراب والحمأة والأوراق التي تقع فيه والطحلب ~~الذي يتولد فيه ، وهذا أيضا مطهر ، لأن الطهورية ثبتت بالآية والاحتراز عن ~~ذلك عسير ، فيكون مرفوعا لقوله : { ما جعل * عليكم فى الدين من حرج } ( ~~الحج : 78 ) وكذا لو جرى الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل أو ~~وقع شيء منها فيه أو نبع من معادنها ، أما إذا تغير الماء بسبب مخالطة ما ~~يستغنى الماء عن جنسه نظر إن كان التغير قليلا ، بحيث لا يضاف الماء إليه ~~بأن وقع فيه زعفران فاصفر قليلا ، أو دقيق فابيض قليلا ، جاز الوضوء به على ~~الصحيح من PageV24P081 المذهب ، لأنه لم يسلبه إطلاق اسم الماء ، وأما إن ~~كان التغير كثيرا فإن استحدث اسما جديدا كالمرقة لم يجز الوضوء به بالاتفاق ~~، وإن لم يستحدث اسما جديدا فعند الشافعي لا يجوز الوضوء به / وعند أبي ~~حنيفة يجوز . # حجة الشافعي من وجوه : أحدها : أنه عليه السلام توضأ ثم قال : ( هذا وضوء ~~لا يقبل الله الصلاة إلا به ) فذلك الوضوء إن كان واقعا بالماء المتغير وجب ~~أن لا يجوز إلا به ، وبالاتفاق ليس الأمر كذلك ، فثبت أنه كان بماء غير ms6889 ~~متغير وهو المطلوب وثانيها : أنه إذا اختلط ماء الورد بالماء ثم توضأ ~~الإنسان به ، فيحتمل أن بعض الأعضاء قد انغسل بماء الورد دون الماء ، وإذا ~~كان كذلك فقد وقع الشك في حصول الوضوء وكان تيقن الحدث قائما ، والشك لا ~~يعارض اليقين فوجب أن يبقى على الحدث ، بخلاف ما إذا كان قليلا لا يظهر ~~أثره فإنه صار كالمعدوم ، / أما إذا ظهر أثره علمنا أنه باق فيتوجه ما ~~ذكرناه وثالثها : أن الوضوء تعبد لا يعقل معناه ، فإنه لو توضأ بماء الورد ~~لا يصح وضوؤه ولو توضأ بالماء الكدر المتعفن صح وضوؤه . وما لا يعقل معناه ~~وجب الاقتصار فيه على مورد النص وترك القياس . # حجة أبي حنيفة وجوه : أحدها : قوله تعالى : { وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا } دلت الآية على كون الماء مطهرا والأصل في الثابت بقاؤه ، فوجب بقاء ~~هذه الصفة بعد التغير بالمخالطة وثانيها : قوله تعالى : { فاغسلوا } ( ~~المائدة : 6 ) أمر بمطلق الغسل وقد أتى به فوجب أن يخرج عن العهدة وقد بينا ~~تقرير هذا الوجه فيما تقدم وثالثها : قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~} ( النساء : 43 ) علق جواز التيمم بعدم وجدان الماء وواجد هذا الماء ~~المتغير واجد للماء لأن الماء المتغير ماء مع صفة التغير ، والموصوف موجود ~~حال وجود الصفة ، فوجب أن لا يجوز له التيمم ورابعها : قوله عليه السلام في ~~البحر : ( هو الطهور ماؤه ) ظاهره يقتضي جواز الطهارة به وإن خالطه غيره ، ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق ذلك وخامسها : أنه عليه السلام أباح ~~الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطه شيء من لعابهما وسادسها : لا خلاف ~~في الوضوء بماء المدر والسيول مع تغير لونه بمخالطة الطين وما يكون في ~~الصحارى من الحشيش والنبات ، ومن أجل مخالطة ذلك له يرى تارة متغيرا إلى ~~السواد وأخرى إلى الحمرة والصفرة فصار ذلك أصلا في جميع ما خالط الماء إذا ~~لم يغلب عليه فيسلبه اسم الماء القسم الثاني : إذا كان المخالط للماء شيئا ~~نجسا فمن الناس من زعم أن الماء لا ينجس ما لم ms6890 يتغير بالنجاسة سواء كان ~~قليلا أو كثيرا وهو قول الحسن البصري والنخعي ومالك وداود ، وإليه مال ~~الشيخ الغزالي في كتاب ( الإحياء ) ، وقال أبو بكر الرازي مذهب أصحابنا أن ~~كل ما تيقنا فيه جزأ من النجاسة أو غلب على الظن ذلك لم يجز استعماله ولا ~~يختلف على هذا الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري ، لأن ~~ماء البحر لو وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك ~~الماء الجاري ، وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم ~~يتحرك الطرف الآخر ، فإنما هو كلام في جهة تغليب الظن في بلوغ النجاسة ~~الواقعة في أحد طرفيه إلى الطرف الآخر ، وليس هو كلامنا في أن بعض المياه ~~الذي فيه النجاسة قد يجوز استعمالها ، وبعضها لا يجوز استعماله هذا كله ~~كلام أبي بكر وأقول : من الناس من فرق بين القليل والكثير فعن عبدالله بن ~~عمر : ( إذا كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شيء ) وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما : ( الحوض لا يغتسل فيه جنب إلا أن يكون فيه أربعون غربا ) وهو قول ~~محمد بن كعب القرظي ، وقال PageV24P082 مسروق وابن سيرين : إذا كان الماء ~~كثيرا لا ينجسه شيء ، وقال سعيد بن جبير : الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا ~~كان قدر ثلاث قلال وقال الشافعي : إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه ~~إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه ، وإن كان أقل ينجس لظهور النجاسة فيه . # واعلم أنه يمكن التمسك لنصرة قول مالك بوجوه : أحدها : قوله تعالى : { ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ترك العمل به في الماء الذي تغير لونه أو ~~طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه فيبقى فيما عداه على الأصل وثانيها : قوله ~~عليه السلام : ( خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ~~لونه أو ريحه ) وهو نص في الباب وثالثها : قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } ~~( المائدة : 6 ) المتوضىء بهذا الماء قد غسل وجهه فيكون آتيا بما أمر به ~~فيخرج عن العهدة ورابعها : أن من ms6891 شأن كل مختلطين كان أحدهما غالبا على ~~الآخر أن يتكيف المغلوب بكيفية الغالب فالقطرة من الخل لو وقعت في الماء ~~الكثير بطلت صفة الخلية عنها واتصفت بصفة الماء ، وكون أحدهما غالبا على ~~الآخر إنما يعرف بغلبة الخواص والآثار المحسوسة وهي الطعم أو اللون أو ~~الريح ، فلا جرم مهما ظهر طعم النجاسة أو لونها أو ريحها كانت النجاسة ~~غالبة على الماء وكان الماء مستهلكا فيها ، فلا جرم يغلب حكم النجاسة فإذا ~~لم يظهر شيء من ذلك كان الغالب هو الماء وكانت النجاسة مستهلكة فيه فيغلب ~~حكم الطهارة وخامسها : ما روي عن عمر ( أنه ) توضأ من جرة نصرانية ، مع أن ~~نجاسة أواني النصارى معلومة بظن قريب من العلم ، وذلك يدل على أن عمر لم ~~يعول إلا على عدم التغير وسادسها : أن تقدير الماء بمقدار معلوم ولو كان ~~معتبرا كالقلتين عند الشافعي وعشر في عشر عند أبي حنيفة رضي الله عنه لكان ~~أولى المواضع بالطهارة مكة والمدينة لأنه لا تكثر المياه هناك لا الجارية ~~وإلا الراكدة الكثيرة ومن أول عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى آخر عصر ~~الصحابة لم ينقل أنهم خاضوا في تقدير المياه بالمقادير المعينة ، ولا أنهم ~~سألوا عن كيفية حفظ المياه عن النجاسات وكانت أواني مياههم يتعاطاها ~~الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات وسابعها : إصغاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الإناء للهرة وعدم منعهم الهرة من شرب الماء من أوانيهم ~~بعد أن كانوا يرون أنه تأكل الفأرة ولم يكن في بلادهم حياض تلغ السنانير ~~فيها وكانت لا تنزل إلى الآبار وثامنها : أن الشافعي نص على أن غسالة ~~النجاسات طاهرة إذا لم تتغير ونجسة إذا تغيرت ، وأي فرق بين أن يلاقي الماء ~~النجاسة بالورود عليها أو بورودها عليه ؟ وأي معنى لقول القائل إن قوة ~~الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود لم تمنع المخالطة وتاسعها : أنهم ~~كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية القليلة ، ولا خلاف أن مذهب ~~الشافعي إذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير أنه يجوز ms6892 الوضوء به وإن كان ~~قليلا ، وأي فرق بين الجاري والراكد ؟ وليت شعري الحوالة على عدم التغير ~~أولى أو على قوة الماء بسبب الجريان ؟ وعاشرها : إذا وقع بول في قلتين ثم ~~فرقتا فكل كوز يؤخذ منه فهو ظاهر على قول الشافعي ومعلوم أن البول منتشر ~~فيه وهو قليل ، فأن فرق بينه إذا وقع ذلك القليل في ذلك القدر من الماء ~~ابتداء ، وبينه إذا وصل إليه عند اتصال غيره به ؟ وحادي عشرها : أن ~~الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ فيها المتقشفون ويغمسون الأيدي ~~والأواني في ذلك القليل من الماء من تلك الحياض مع علمهم بأن الأيدي ~~الطاهرة والنجسة كانت تتوارد عليها ولو كان التقدير بالقلتين معتبرا لاشتهر ~~ذلك ولبلغ ذلك إلى حد التواتر ، لأن الأمر الذي تشتد حاجة / الجمهور إليه ~~يجب بلوغ نقله إلى حد التواتر لما لم يكن كذلك علمنا أنه غير معتبر وثاني ~~عشرها : أنا لو حكمنا بنجاسة الماء فلا يمكننا أن نحكم بنجاسة الماء إن كان ~~في غاية PageV24P083 الكثرة مثل ماء الأودية العظيمة والغدران الكبار ، فإن ~~ذلك بالإجماع باطل ، فلا بد من التقدير بمقدار معين ، وقد نقلنا عن الناس ~~تقديرات مختلفة فليس بعضها أولى من بعض فوجب التعارض والتساقط / أما تقدير ~~أبي حنيفة بعشر في عشر فمعلوم أنه مجرد تحكم ، وأما تقدير الشافعي بالقلتين ~~بناء على قوله عليه السلام : ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ) فضعيف ~~أيضا لأن الشافعي لما روى هذا الخبر ، قال أخبرني رجل فيكون الراوي مجهولا ~~، ويكون الحديث مرسلا وهو عنده ليس بحجة ، وأيضا زعم كثير من المحدثين أنه ~~موقوف على ابن عمر رضي الله عنه ، سلمنا صحة الرواية لكنه إحالة مجهول على ~~مجهول لأن القلة غير معلومة فإنها تصلح للكوز والجرة ولكل ما نقل باليد ، ~~وهو أيضا اسم لهامة الرجل ولقلة الجبل ، سلمنا كون القلة معلومة لكن في متن ~~الخبر اضطراب فإنه روي ( إذا بلغ الماء قلتين ) ، وروي ( إذا بلغ قلة ) ، ~~وروي ( أربعين قلة ) ، وروي ( إذا بلغ قلتين أو ثلاثا ) ، وروي ( إذا بلغ ms6893 ~~كوزين ) سلمنا صحة المتن ولكنه متروك الظاهر لأن قوله ( لم يحمل خبثا ) لا ~~يمكن إجراؤه على ظاهره ، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله ، سلمنا إمكان ~~إجرائه على ظاهره لكن الخبث على قسمين خبث شرعي وخبث حقيقي ، والاسم إذا ~~دار بين المسمى اللغوي والمسمى الشرعي ، كان حمله على المسمى اللغوي أولى ، ~~لأن الاسم حقيقة في المسمى اللغوي مجاز في المسمى الشرعي ، دفعا للاشتراك ~~والنقل ، وإذا كان كذلك وجب حمله عليه ، والمسمى اللغوي للخبث المستقذر ~~بالطبع قال عليه السلام : ( ما استخبثته العرب فهو حرام ) إذا ثبت هذا ~~فنقول : معنى قوله ( لم يحمل خبثا ) أي لا يصير مستقذرا طبعا ، ونحن نقول ~~بموجبه لكن لم قلت إنه لا ينجس شرعا ، سلمنا أن المراد من الخبث النجاسة ~~الشرعية لكن قوله ( لم يحمل خبثا ) أي يضعف عن حمله ومعنى الضعف تأثره به ، ~~فيكون هذا دليلا على صيرورته نجسا لا على بقائه طاهرا . لا يقال : الجواب ~~عن هذه الأسئلة أن يقال إن الشافعي وإن لم يذكر اسم الراوي في بعض المواضع ~~فقد ذكره في سائر المواضع فخرج عن كونه مرسلا ، ولأن سائر المحدثين قد ~~عينوا اسم الراوي . قوله إنه موقوف على ابن عمر ، قلنا لا نسلم فإن يحيى بن ~~معين قال إنه جيد الإسناد فقيل له إن ابن علية وقفه على ابن عمر ، فقال إن ~~كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة رفعه وقوله القلة مجهولة قلنا لا نسلم لأن ~~ابن جريج قال في روايته ( بقلال هجر ) . ثم قال : وقد شاهدت قلال هجر فكانت ~~القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا . قوله في متنه اضطراب قلنا لا نسلم لأنا ~~وأنتم توافقنا على أن سائر المقادير غير معتبرة فيبقى ما ذكرناه معتبرا . ~~قوله إنه متروك الظاهر قلنا إذا حملناه على الخبث الشرعي اندفع ذلك ، وذلك ~~أولى لأن حمل كلام الشرع على الفائدة الشرعية أولى من حمله على المعنى ~~العقلي ، لا سيما وفي حمله على المعنى العقلي يلزم التعطيل ، قوله المراد ~~أنه يضعف عن حمله قلنا صح في بعض ms6894 الروايات أنه قال : ( إذا كان الماء قلتين ~~لم ينجس ) ، ولأنه عليه السلام جعل القلتين شرطا لهذا الحكم ، والمعلق على ~~الشرط عدم / عند عدم الشرط وعلى ما ذكروه لا يبقى للقلتين فائدة لأنا نقول ~~: لا شك أن هذا الخبر بتقدير الصحة يقتضي تخصيص عموم قوله تعالى : { ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا } وعموم قوله : { ولاكن يريد ليطهركم } ( ~~المائدة : 6 ) وعموم قوله : { فاغسلوا وجوهكم } ( المائدة : 6 ) وعموم قوله ~~صلى الله عليه وسلم : ( خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء ) وهذا المتخصص لا بد ~~وأن يكون بعيدا عن الاحتمال والاشتباه وقلال هجر مجهولة وقول ابن جريج ~~القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا ليس بحجة ، لأن القلة كما أنها مجهولة ~~فكذا القربة مجهولة فإنها قد تكون كبيرة ، وقد تكون صغيرة ، ولأن الروايات ~~أيضا مختلفة فتارة قال ( إذا بلغ الماء قلتين ) ، وتارة ( أربعين قلة ) ، ~~وتارة كرين فإذا تدافعت PageV24P084 وتعارضت لم يجز تخصيص عموم الكتاب ~~والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر . هذا تمام الكلام في ~~نصرة قول مالك ، واحتج من حكم بنجاسة الماء الذي تقع النجاسة فيه بوجوه : ~~أولها : قوله تعالى : { ويحرم عليهم الخبئث } ( الأعراف : 157 ) والنجاسات ~~من الخبائث ، وقال تعالى : { إنما حرم عليكم الميتة والدم } ( النحل : 115 ~~) ، وقال في الخمر : { رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } ( المائدة : 90 ) ومر ~~عليه السلام بقبرين فقال : ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير إن أحدهما ~~كان لا يستبرىء من البول والآخر كان يمشي بالنميمة ) فحرم الله هذه الأشياء ~~تحريما مطلقا ، ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها بالماء ، فوجب تحريم ~~استعمال كل ما يبقى فيه جزء من النجاسة أكثر ما في الباب أن الدلائل الدالة ~~على كون الماء مطهرا تقتضي جواز الطهارة به ، ولكن تلك الدلائل مبيحة ~~والدلائل التي ذكرناها حاظرة والمبيح والحاظر إذا اجتمعا فالغلبة للحاظر ، ~~ألا ترى أن الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما منها مائة جزء وللآخر جزء ~~واحد ، أن جهة الحظر فيها أولى من جهة الإباحة ، وأنه غير جائز لواحد منهما ~~وطؤها فكذا ههنا وثانيها : قوله عليه ms6895 السلام : ( لا يبولن أحدكم في الماء ~~الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة ) ذكره على الإطلاق من غير فرق بين القليل ~~والكثير وثالثها : قوله عليه السلام : ( إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل ~~يده ثلاثا قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده ) فأمر بغسل ~~اليد احتياطا من نجاسة قد أصابته من موضع الاستنجاء ، ومعلوم أن مثلها إذا ~~أدخلت الماء لم تغيره ولولا أنها تفسده ما كان للأمر بالاحتياط منها معنى ~~ورابعها : قوله عليه السلام : ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ) يدل ~~بمفهومه على أنه إذا لم يبلغ قلتين وجب أن يحمل الخبث . أجاب مالك عن الوجه ~~الأول فقال لا نزاع في أنه يحرم استعمال النجاسة ولكن الجزء القليل من ~~النجاسة المائعة إذا وقع في الماء لم يظهر فيه لونه ولا طعمه ولا رائحته ، ~~فلم قلتم إن تلك النجاسة بقيت ، ولم لا يجوز أن يقال إنها انقلبت عن صفتها ~~؟ وتقريره ما قدمناه . وأما قوله عليه السلام : ( لا يبولن أحدكم في الماء ~~الدائم ) فلم قلتم إن هذا النهي ليس إلا لما ذكرتموه ، بل لعل النهي إنما ~~كان لأنه ربما شربه إنسان وذلك مما ينفر طبعه عنه ، وليس الكلام في نفرة ~~الطبع ، وأما قوله : ( إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا ) فقد ~~أجمعنا على أن هذا الأمر استحباب ، فالمرتب عليه كيف يكون أمر / إيجاب ثم ~~بتقدير أن يكون أمر إيجاب ، فلم قلتم إنه لم يوجه ذلك الإيجاب إلا لما ~~ذكرتموه ؟ وأما قوله عليه السلام : ( إذا بلغ الماء قلتين ) فقد سبق الكلام ~~عليه ، ثم بعد النزول عن كل ما قلناه فهو تمسك بالمفهوم والنصوص التي ~~ذكرناها منطوقة والمنطوق راجح على المفهوم ، والله أعلم . # النظر الثاني : في أن غير الماء هل هو طهور أم لا ؟ فقال الأصم والأوزاعي ~~يجوز الوضوء بجميع المائعات ، وقال أبو حنيفة يجوز الوضوء بنبيذ التمر في ~~السفر ، وقال أيضا تجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات التي تزيل أعيان ~~النجاسات ، وقال الشافعي رضي الله عنه الطهورية مختصة بالماء على الإطلاق ms6896 ~~ودليله في صورة الحدث قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } ( النساء : ~~43 ) أوجب التيمم عند عدم الماء ، ولو جاز الوضوء بالخل أو نبيذ التمر لما ~~وجب التيمم عند عدم الماء ، وأما في صورة الخبث ، فلأن الخل لو أفاد طهارة ~~الخبث لكان طهورا لأنه لا معنى للطهور إلا المطهر ولو كان طهورا لوجب أن ~~يجوز به طهارة الحدث لقوله عليه السلام : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى ~~يضع الطهور مواضعه ) وكلمة ( حتى ) لانتهاء الغاية فوجب انتهاء عدم القبول ~~عند استعمال الطهور وانتهاء عدم القبول يكون بحصول القبول / فلو كان الخل ~~طهورا لحصل باستعماله قبول الصلاة ، وحيث لم يحصل علمنا أن الطهورية في ~~الخبث أيضا مختصة بالماء . # PageV24P085 ! 7 < { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا * ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا * فلا تطع الكافرين وجاهدهم به ~~جهادا كبيرا } . > 7 ! # < < # | الفرقان : ( 50 - 52 ) ولقد صرفناه بينهم . . . . . # > > المسألة الأولى : اعلم أنهم اختلفوا في أن الهاء في قوله : { ولقد ~~صرفناه } إلى أي شيء يرجع وذكروا فيه ثلاثة أوجه : أحدها : وهو الذي عليه ~~الجمهور أنه يرجع إلى المطر ، ثم من هؤلاء من قال معنى ( صرفناه ) أنا ~~أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا بالشرب وبالزراعات وأنواع المعاش به ، وقال ~~آخرون معناه أنه سبحانه ينزله في مكان دون مكان وفي عام دون عام ، ثم في ~~العام الثاني يقع بخلاف ما وقع في العام الأول ، قال ابن عباس ما عام بأكثر ~~مطرا من عام ، ولكن الله يصرفه في الأرض ، ثم قرأ هذه الآية ، وروى ابن ~~مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من عام بأمطر من عام ، ~~ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم ، فإذا عصوا جميعا صرف ~~الله ذلك إلى الفيافي ) وثانيها : وهو قول أبي مسلم : أن قوله : { صرفناه } ~~راجع إلى المطر والرياح والسحاب والأظلال وسائر ما ذكر الله تعالى من ~~الأدلة وثالثها : { ولقد صرفناه } أي هذا القول بين الناس في القرآن وسائر ~~الكتب والصحف التي أنزلت على / رسل وهو ms6897 ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر ~~ليتفكروا ويستدلوا به على الصانع ، والوجه الأول أقرب لأنه أقرب المذكورات ~~إلى الضمير . # المسألة الثانية : قال الجبائي قوله تعالى : { ليذكروا } يدل على أنه ~~تعالى مريد من الكل أن يتذكروا ويشكروا ولو أراد منهم أن يكفروا ويعرضوا ~~لما صح ذلك ، وذلك يبطل قول من قال إن الله تعالى مريد للكفر ممن يكفر ، ~~قال ودل قوله : { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } على قدرتهم على فعل هذا ~~التذكر إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال أبوا أن يفعلوه كما لا يقال في ~~الزمن أبى أن يسعى ، وقال الكعبي قوله : { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا } حجة ~~على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين وأنه لم يرد بإنزاله أن يؤمنوا لأن ~~قوله : { ليذكروا } عام في الكل ، وقوله : { فأبى أكثر الناس } يقتضي أن ~~يكون هذا الأكثر داخلا في ذلك العام لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ~~ليؤمنوا ، فأبى أكثر بني تميم إلا كفورا . واعلم أن الكلام عليه قد تقدم ~~مرارا . # المسألة الثالثة : قوله : { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } المراد كفران ~~النعمة وجحودها من حيث لا يتفكرون فيها ولا يستدلون بها على وجود الصانع ~~وقدرته وإحسانه ، وقيل المراد من الكفور هو الكفر وذلك الكفر إنما حصل ~~لأنهم يقولون مطرنا بنوء كذا لأن من جحد كون النعم صادرة من المنعم ، وأضاف ~~شيئا من هذه النعمة إلى الأفلاك والكواكب فقد كفر ، واعلم أن التحقيق أن من ~~جعل الأفلاك والكواكب مستقلة باقتضاء هذه الأشياء فلا شك في كفره ، وأما من ~~قال الصانع تعالى جبلها على خواص وصفات تقتضي هذه الحوادث ، فلعله لا يبلغ ~~خطؤه إلى حد الكفر . # المسألة الرابعة : قالوا الآية دلت على أن خلاف معلوم الله مقدور له لأن ~~كلمة لو دلت على أنه تعالى ما شاء أن يبعث في كل قرية نذيرا ، ثم إنه تعالى ~~أخبر عن كونه قادرا على ذلك فدل ذلك على أن خلاف معلوم الله مقدور له . ~~PageV24P086 # أما قوله تعالى : { ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا ms6898 } فالأقوى أن ~~المراد من ذلك تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لوجوه : أحدها : كأنه ~~تعالى بين له أنه مع القدرة على بعثة رسول ونذير في كل قرية خصه بالرسالة ~~وفضله بها على الكل ولذلك أتبعه بقوله : { فلا تطع الكافرين } أي لا ~~توافقهم وثانيها : المراد ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل ~~العالمين ولبعثنا في كل قرية نذيرا ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك ~~وفضلناك على سائر الرسل ، فقابل هذا الإجلال بالتشدد في الدين وثالثها : أن ~~الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف لأنها تدل على القدرة على أن يبعث في كل قرية ~~نذيرا مثل محمد ، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد ألبتة ، وقوله : { ~~ولو } يدل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك ، فبالنظر إلى الأول يحصل التأديب ، ~~وبالنظر إلى الثاني يحصل الإعزاز . # / أما قوله : { فلا تطع الكافرين } فالمراد نهيه عن طاعتهم ، ودلت هذه ~~الآية على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلا به . # وأما قوله : { وجاهدهم به جهادا كبيرا } فقال بعضهم : المراد بذل الجهد ~~في الأداء ، والدعاء وقال بعضهم : المراد القتال ، وقال آخرون : كلاهما ، ~~والأقرب الأول لأن السورة مكية ، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان ~~وإنما قال : { جهادا كبيرا } لأنه لو بعث في كل قرية نذيرا لوجب على كل ~~نذير مجاهدة قريته ، فاجتمعت على رسول الله تلك المجاهدات وكثر جهاده من ~~أجل ذلك وعظم فقال له : { وجاهدهم } بسبب كونك نذير كافة القرى { جهادا ~~كبيرا } جامعا لكل مجاهدة . # ! 7 < { وهو الذى مرج البحرين هاذا عذب فرات وهاذا ملح أجاج وجعل بينهما ~~برزخا وحجرا محجورا } . > 7 ! # < < # | الفرقان : ( 53 ) وهو الذي مرج . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الرابع من دلائل التوحيد وقوله : { مرج البحرين ~~} أي خلاهما وأرسلهما يقال : مرجت الدابة إذا خليتها ترعى ، وأصل المرج ~~الإرسال والخلط ، ومنه قوله تعالى : { فهم فى أمر مريج } ( ق : 5 ) سمى ~~الماءين الكبيرين الواسعين بحرين . قال ابن عباس : مرج البحرين ، أي ~~أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج وهما يلتقيان ، وقوله : { ~~هاذا عذاب * فرات ms6899 } والمقصود من الفرات البليغ في العذوبة حتى ( يصير ) إلى ~~الحلاوة ، والأجاج نقيضه ، وأنه سبحانه بقدرته يفصل بينهما ويمنعهما ~~التمازج ، وجعل من عظيم اقتداره برزخا حائلا من قدرته ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : ما معنى قوله : { وحجرا محجورا } ؟ الجواب : هي الكلمة ~~التي يقولها المتعوذ وقد فسرناها ، وهي ههنا واقعة على سبيل المجاز ، كأن ~~كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له حجرا محجورا ، كما قال : { لا ~~يبغيان } ( الرحمن : 20 ) أي لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة فانتفاء ~~البغي ( ثمة ) كالتعوذ ، وههنا جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه ~~، فهو يتعوذ منه وهي من أحسن الاستعارات . PageV24P087 # السؤال الثاني : لا وجود للبحر العذب ، فكيف ذكره الله تعالى ههنا ؟ لا ~~يقال : هذا مدفوع من وجهين : الأول : أن المراد منه الأودية العظام كالنيل ~~وجيحون الثاني : لعله جعل في البحار موضعا يكون أحد جانبيه عذبا والآخر ~~ملحا ، لأنا نقول : أما الأول فضعيف لأن هذه الأودية ليس فيها ملح ، ~~والبحار ليس فيها ماء عذب ، فلم يحصل ألبتة موضع التعجب وأما / الثاني ~~فضعيف ، لأن موضع الاستدلال لا بد وأن يكون معلوما ، فأما بمحض التجويز فلا ~~يحسن الاستدلال ، لأنا نقول المراد من البحر العذب هذه الأودية ، ومن ~~الأجاج البحار الكبار ، وجعل بينهما برزخا ، أي حائلا من الأرض ، ووجه ~~الاستدلال ههنا بين ، لأن العذوبة والملوحة إن كانت بسبب طبيعة الأرض أو ~~الماء ، فلا بد من الاستواء ، وإن لم يكن كذلك فلا بد من قادر حكيم يخص كل ~~واحد من الأجسام بصفة خاصة معينة . # ! 7 < { وهو الذى خلق من المآء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا } . ~~> 7 ! # < < # | الفرقان : ( 54 ) وهو الذي خلق . . . . . # > > واعلم أن هذا هو النوع الخامس من دلائل التوحيد وفيه بحثان : # الأول : ذكروا في هذا الماء قولين : أحدهما : أنه الماء الذي خلق منه ~~أصول الحيوان ، وهو الذي عناه بقوله : { والله خلق كل دابة من ماء } ( ~~النور : 45 ) والثاني : أن المراد النطفة لقوله : { خلق من ماء دافق } ( ~~الطارق : 6 ) ، { من ماء مهين } ( المرسلات : 20 ) . # البحث الثاني : المعنى ms6900 أنه تعالى قسم البشر قسمين ذوي نسب ، أي ذكورا ~~ينسب إليهم ، فيقال فلان بن فلان ، وفلانة بنت فلان ، وذوات صهر ، أي إناثا ~~( يصاهرن ) ونحوه ، قوله تعالى : { فجعل منه الزوجين الذكر والانثى } ( ~~القيامة : 39 ) ، { وكان ربك قديرا } حيث خلق من النطفة الواحدة نوعين من ~~البشر الذكر والأنثى . # ! 7 < { ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ~~ظهيرا * ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * قل مآ أسألكم عليه من أجر إلا من ~~شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا * وتوكل على الحى الذى لا يموت وسبح بحمده وكفى ~~به بذنوب عباده خبيرا } . > 7 ! # < < # | الفرقان : ( 55 - 58 ) ويعبدون من دون . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم في ~~عبادة الأوثان ، وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : قيل المراد بالكافر أبو جهل لأن الآية نزلت فيه ، ~~والأولى حمله على العموم ، لأن PageV24P088 خصوص السبب لا يقدح في عموم ~~اللفظ ، ولأنه أوفق بظاهر قوله : { ويعبدون من دون الله } . # المسألة الثانية : ذكروا في الظهير وجوها : أحدها : أن الظهير بمعنى ~~المظاهر ، كالعوين بمعنى المعاون ، وفعيل بمعنى مفاعل غير ( غريب ) ، ~~والمعنى أن الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة . فإن قيل كيف يصح في ~~الكافر أن يكون معاونا للشيطان على ربه بالعداوة ؟ قلنا إنه تعالى ذكر نفسه ~~وأراد رسوله كقوله : { إن الذين يؤذون الله } ( الأحزاب : 57 ) وثانيها : ~~يجوز أن يريد بالظهير الجماعة ، كقوله : { والملئكة بعد ذالك ظهير } ( ~~التحريم : 4 ) كما جاء الصديق والخليط ، وعلى هذا التفسير يكون المراد ~~بالكافر الجنس ، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور ( دين ) الله تعالى ، ~~قال تعالى : { وإخوانهم يمدونهم فى الغى } ( الأعراف : 202 ) ، وثالثها : ~~قال أبو مسلم الأصفهاني : الظهير من قولهم : ظهر فلان بحاجتي إذا نبذها ~~وراء ظهره ، وهو من قوله تعالى : { واتخذتموه وراءكم ظهريا } ( هود : 92 ) ~~ويقال فيمن يستهين بالشيء : نبذه وراء ظهره ، وقياس العربية أن يقال مظهور ~~، أي مستخف به متروك وراء الظهر ، فقيل فيه ظهير في معنى مظهور ، ومعناه ~~هين على الله أن يكفر الكافر وهو ms6901 تعالى مستهين بكفره . # أما قوله تعالى : { وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } فتعلق ذلك بما تقدم ، ~~هو أن الكفار يطلبون العون على الله تعالى وعلى رسوله ، والله تعالى بعث ~~رسوله لنفعهم ، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة ، وينذرهم على المعصية ، ~~فيستحقوا الثواب ويحترزوا عن العقاب ، فلا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده ~~في إيذاء شخص استفرغ جهده في إصلاح مهماته دينا ودنيا ، ولا يسألهم على ذلك ~~ألبتة أجرا . # أما قوله : { إلا من شاء } فذكروا فيه وجوها متقاربة أحدها : لا يسألهم ~~على الأداء والدعاء أجرا إلا أن يشاءوا أن يتقربوا بالإنفاق في الجهاد ~~وغيره ، فيتخذوا به سبيلا إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه وثانيها : قال القاضي : ~~معناه لا أسألكم عليه أجرا لنفسي وأسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ ~~السبيل إلى ربكم وثالثها : قال صاحب ( الكشاف ) : مثال قوله : { إلا من شاء ~~} والمراد إلا فعل من شاء ، واستثناؤه عن الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك ~~في تحصيل مال ما أطلب منك ثوابا على ما سعيت ، إلا أن تحفظ هذا المال ولا ~~تضيعه ، فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب ، ولكن صوره هو بصورة الثواب ~~وسماه باسمه فأفاد فائدتين إحداهما قلع شبهة الطمع في الثواب من أصله كأنه ~~يقول لك إن كان حفظك لمالك ثوابا ، فإني أطلب الثواب ، والثانية إظهار ~~الشفقة البالغة ، وأن حفظك لمالك يجري مجرى الثواب العظيم الذي توصله إلي ، ~~ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلا ، تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان ~~والطاعة ، وقيل المراد التقرب بالصدقة والنفقة في سبيل الله . # / أما قوله : { وتوكل على الحى الذى لا يموت } فالمعنى أنه سبحانه لما ~~بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه ، فأمره بأن لا يطلب منهم أجرا ألبتة ، ~~أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار ، وفي جلب جميع المنافع ، وإنما ~~قال : { على الحى الذى لا يموت } لأن من توكل على الحي الذي يموت ، فإذا ~~مات المتوكل عليه صار المتوكل ضائعا ، أما هو سبحانه وتعالى فإنه حي لا ~~يموت فلا يضيع المتوكل عليه ألبتة . # أما ms6902 قوله : { وسبح بحمده } فمنهم من حمله على نفس التسبيح بالقول ، ومنهم ~~من حمله على الصلاة ، ومنهم من حمله على التنزيه لله تعالى عما لا يليق به ~~في توحيده وعدله وهذا هو الظاهر ثم قال : { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } ~~PageV24P089 وهذه كلمة يراد بها المبالغة يقال : كفى بالعلم جمالا ، وكفى ~~بالأدب مالا وهو بمعنى حسبك ، أي لا تحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم ~~قادر على مكافأتهم وذلك وعيد شديد ، كأنه قال إن أقدمتم على مخالفة أمره ~~كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة . # ! 7 < { الذى خلق السماوات والا رض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على ~~العرش الرحمان فاسأل به خبيرا * وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما ~~الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا } . > 7 ! # < < # | الفرقان : ( 59 - 60 ) الذي خلق السماوات . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور : ~~أولها : بأنه حي لا يموت وهو قوله : { وتوكل على الحى الذى لا يموت } ( ~~الفرقان : 58 ) وثانيها : أنه عالم بجميع المعلومات وهو قوله : { وكفى به ~~بذنوب عباده خبيرا } ( الفرقان : 58 ) وثالثها : أنه قادر على كل الممكنات ~~وهو المراد من قوله : { الذى خلق * السماوات والارض } فقوله : { الذى خلق } ~~متصل بقوله : { الحى الذى لا يموت } لأنه سبحانه لما كان هو الخالق للسموات ~~والأرضين ولكل ما بينهما ثبت أنه هو القادر على جميع وجوه المنافع ودفع ~~المضار ، وأن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه . وفي ~~الآية سؤالات : # السؤال الأول : الأيام عبارة عن حركات الشمس في السموات فقبل السموات لا ~~أيام ، فكيف قال الله خلقها في ستة أيام ؟ الجواب : يعني في مدة مقدارها ~~هذه المدة لا يقال الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان ~~والتجزئة لا يكون عدما محضا ، بل لا بد وأن يكون موجودا فيلزم من وجوده ~~وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان ، لأنا نقول هذا / معارض ~~بنفس الزمان ، لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام لا تحتمل خمسة أيام ~~، والمدة المتوهمة ms6903 التي تحتمل خمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام ، فيلزم أن ~~يكون للمدة مدة أخرى ، فلما لم يلزم هذا لم يلزم ما قلتموه وعلى هذا نقول ~~لعل الله سبحانه خلق المدة أولا ثم السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام ، ~~ومن الناس من قال في ستة أيام من أيام الآخرة وكل يوم ألف سنة وهو بعيد لأن ~~التعريف لا بد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول . # السؤال الثاني : لم قدر الخلق والإيجاد بهذا التقدير ؟ الجواب : أما على ~~قولنا فالمشيئة والقدرة كافية في التخصيص ، قالت المعتزلة بل لا بد من داعي ~~حكمة وهو أن تخصيص خلق العالم بهذا المقدار أصلح للمكلفين وهذا بعيد لوجهين ~~: أحدهما : أن حصول تلك الحكمة ، إما أن يكون واجبا لذاته أو جائزا فإن كان ~~واجبا وجب أن لا يتغير فيكون حاصلا في كل الأزمنة ، فلا يصلح أن يكون سببا ~~لتخصيص زمان معين وإن كان جائزا افتقر حصول تلك الحكمة في ذلك الوقت إلى ~~مخصص آخر ويلزم التسلسل والثاني : أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه ~~خاطر المكلف وعقله ، فحصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعورا به كيف يقدح في ~~حصول المصالح . PageV24P090 # واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن ~~يقطع الطمع عن أمثال هذه الأسئلة ، فإنه بحر لا ساحل له . من ذلك تقدير ~~الملائكة الذين هم أصحاب النار بتسعة عشر وحملة العرش بالثمانية وشهور ~~السنة باثني عشر والسموات السبع وكذا الأرض وكذا القول في عدد الصلوات ~~ومقادير النصب في الزكوات وكذا مقادير الحدود والكفارات فالإقرار بأن كل ما ~~قاله الله تعالى حق هو الدين ، وترك البحث عن هذه الأشياء هو الواجب وقد نص ~~عليه تعالى في قوله : { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم ~~إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين } ثم قال : ~~{ وما يعلم جنود ربك إلا هو } ( المدثر : 31 ) وهذا هو الجواب أيضا في أنه ~~لم يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك ms6904 وعن سعيد بن جبير أنه إنما خلقها في ~~ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة تعليما لخلقه الرفق والتثبت ، قيل ~~تم خلقها يوم الجمعة فجعلها الله تعالى عيدا للمسلمين . # السؤال الثالث : ما معنى قوله : { ثم استوى على العرش } ؟ ولا يجوز حمله ~~على الاستيلاء والقدرة ، لأن الاستيلاء والقدرة في أوصاف الله لم تزل ولا ~~يصح دخول ( ثم ) فيه والجواب : الاستقرار غير جائز ، لأنه يقتضي التغير ~~الذي هو دليل الحدوث ، ويقتضي التركيب والبعضية وكل ذلك على الله محال بل ~~المراد ثم خلق العرش ورفعه وهو مستول كقوله تعالى : { ولنبلونكم حتى نعلم } ~~( محمد : 31 ) فإن المراد حتى يجاهد المجاهدون ونحن بهم عالمون ، فإن قيل ~~فعلى هذا التفسير يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات وليس كذلك لقوله ~~تعالى : { وكان عرشه على الماء } ( هود : 7 ) قلنا : كلمة ( ثم ) / ما دخلت ~~على خلق العرش ، بل على رفعه على السموات . # السؤال الرابع : كيف إعراب قوله : { الرحمان فاسأل به خبيرا } ؟ الجواب : ~~{ الذى خلق } مبتدأ و { الرحمان } خبره ، أو هو صفة للحي ، والرحمن خبر ~~مبتدأ محذوف ولهذا أجاز الزجاج وغيره أن يكون الوقف على قوله { على العرش } ~~ثم يبتدىء بالرحمن أي هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له ، ~~ويجوز أن يكون الرحمن مبتدأ وخبره قوله : { فاسأل به خبيرا } . # السؤال الخامس : ما معنى قوله : { فاسأل به خبيرا } ؟ الجواب : ذكروا فيه ~~وجوها أحدها : قال الكلبي معناه فاسأل خبيرا به وقوله : { به } يعود إلى ما ~~ذكرنا من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش والباء من صلة الخبير وذلك ~~الخبير هو الله عز وجل لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق الله السموات ~~والأرض فلا يعلمها أحد إلا الله تعالى وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبريل ~~عليه السلام وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم وثانيها : قال الزجاج قوله : ~~{ به } معناه عنه والمعنى فاسأل عنه خبيرا ، وهو قول الأخفش ، ونظيره قوله ~~: { سأل سائل بعذاب واقع } ( المعارج : 1 ) وقال علقمة بن عبدة : # % فإن تسألوني بالنساء فإنني ms6905 % % بصير بأدواء النساء طبيب % # وثالثها : قال ابن جرير الباء في قوله : { به } صلة والمعنى فسله خبيرا ، ~~وخبيرا نصب على الحال ورابعها : أن قوله { به } يجري مجرى القسم كقوله : { ~~واتقوا الله الذى تساءلون به } ( النساء : 1 ) . # أما قوله : { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان } فهو خبر ~~عن قوم قالوا هذا القول . PageV24P091 ويحتمل أنهم جهلوا الله تعالى ، ~~ويحتمل أنهم إن عرفوه لكنهم جحدوه ، ويحتمل أنهم وإن اعترفوا به لكنهم ~~جهلوا أن هذا الاسم من أسماء الله تعالى وكثير من المفسرين على هذا القول ~~الأخير قالوا الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدمة ، والعرب ~~ما عرفوه قال مقاتل : إن أبا جهل قال إن الذي يقوله محمد شعر ، فقال عليه ~~السلام الشعر غير هذا إن هذا إلا كلام الرحمن فقال أبو جهل بخ بخ لعمري ~~والله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك فقال عليه السلام : ( ~~الرحمن الذي هو إله السماء ومن عنده يأتيني الوحي ) فقال يا آل غالب من ~~يعذرني من محمد يزعم أن الله واحد ، وهو يقول الله يعلمني والرحمن ، ألستم ~~تعلمون أنهما إلهان ثم قال ربكم الله الذي خلق هذه الأشياء ، أما الرحمن ~~فهو مسيلمة . قال القاضي والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم / لأن هذه ~~اللفظة عربية ، وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة في الإنعام ، ثم إن ~~قلنا بأنهم كانوا منكرين لله كان قولهم : { وما الرحمان } سؤال طالب عن ~~الحقيقة ، وهو يجري مجرى قول فرعون { وما رب العالمين } ( الشعراء : 23 ) ~~وإن قلنا بأنهم كانوا مقرين بالله لكنهم جهلوا كونه تعالى مسمى بهذا الاسم ~~كان قولهم { وما الرحمان } سؤالا عن الاسم . # أما قوله : { أنسجد لما تأمرنا } فالمعنى للذي تأمرنا بسجوده على قوله ~~أمرتك بالخير ، أو لأمرك / لنا ، وقرىء { * يأمرنا } بالياء كأن بعضهم قال ~~لبعض أنسجد لما يأمرنا محمد أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو ، ~~وزادهم أمره نفورا ، ومن حقه أن يكون باعثا على الفعل والقبول . قال الضحاك ~~: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو ms6906 بكر وعمر وعثمان وعلي عثمان بن ~~مظعون وعمرو بن عنبسة ، ولما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد ~~مستهزئين . فهذا هو المراد من قوله : { تأمرنا وزادهم نفورا } أي فزادهم ~~سجودهم نفورا . # ! 7 < { تبارك الذى جعل فى السمآء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا * ~~وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا } . > 7 ! # < < # | الفرقان : ( 61 - 62 ) تبارك الذي جعل . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما حكى عن الكفار مزيد النفرة عن السجود ذكر ما لو ~~تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعباد للرحمن فقال : { تبارك الذى جعل فى ~~السماء بروجا } أما تبارك فقد تقدم القول فيه ، وأما البروج فهي منازل ~~السيارات وهي مشهورة سميت بالبروج التي هي القصور العالية لأنها لهذه ~~الكواكب كالمنازل لسكانها ، واشتقاق البروج من التبرج لظهوره ، وفيه قول ~~آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن البروج هي الكواكب العظام والأول أولى ~~لقوله تعالى : { وجعل فيها } أي في البروج فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون ~~قوله { فيها } راجعا إلى السماء دون البروج ؟ قلنا لأن البروج أقرب فعود ~~الضمير إليها أولى . والسراج الشمس لقوله تعالى : { وجعل الشمس سراجا } ( ~~نوح : 16 ) وقرىء { * سرجا } وهي الشمس والكواكب الكبار فيها وقرأ الحسن ~~والأعمش { سراجا وقمرا منيرا } وهي جمع ليلة قمراء كأنه قيل وذا قمرا منيرا ~~، لأن الليالي تكون قمراء بالقمر فأضافه إليها ، ولا يبعد أن يكون القمر ~~بمعنى القمر كالرشد والرشد والعرب والعرب . وأما PageV24P092 الخلفة ففيها ~~قولان : الأول : أنها عبارة عن كون الشيئين بحيث أحدهما يخلف الآخر ويأتي ~~خلفه ، يقال بفلان خلفة واختلاف ، إذا اختلف كثيرا إلى متبرزه ، والمعنى ~~جعلهما ذوي خلفة أي ذوي عقبة يعقب هذا ذاك وذاك هذا . قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه فمن فرط ~~في عمل في أحدهما قضاه في الآخر ، قال أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعمر بن الخطاب وقد فاتته قراءة القرآن بالليل : ( يا ابن الخطاب ~~لقد ms6907 أنزل الله فيك آية وتلا : { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر } ما فاتك من النوافل بالليل فاقضه في نهارك ، وما فاتك من النهار ~~فاقضه في ليلك ) القول الثاني : وهو قول مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل ~~شيئين اختلفا هما خلفان فقوله { خلفة } أي مختلفين وهذا أسود وهذا أبيض ~~وهذا طويل وهذا قصير ، والقول الأول أقرب . # / أما قوله تعالى : { أن يذكر } فقراءة العامة بالتشديد وقراءة حمزة ~~بالتخفيف وعن أبي بن كعب ( يتذكر ) ، والمعنى لينظر الناظر في اختلافهما ~~فيعلم أنه لا بد في انتقالهما من حال إلى حال ( وتغيرهما ) من ناقل ومغير ~~وقوله : { أن يذكر } راجع إلى كل ما تقدم من النعم ، بين تعالى أن الذين ~~قالوا وما الرحمن لو تفكروا في هذه النعم وتذكروها لاستدلوا بذلك على عظيم ~~قدرته ، ولشكر الشاكرين على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار ~~كما قال تعالى : { ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من ~~فضله } ( القصص : 73 ) أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين ، من فاته في ~~أحدهما ورد من العبادة قام به في الآخر ، والشكور مصدر شكر يشكر شكورا . # ! 7 < { وعباد الرحمان الذين يمشون على الا رض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف ~~عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما * والذين إذآ ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } . > 7 @QB@ < # | الفرقان : ( 63 - 67 ) وعباد الرحمن الذين . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { وعباد الرحمان } مبتدأ خبره في آخر السورة كأنه قيل ~~وعباد الرحمن الذين هذه صفاتهم أولئك يجزون الغرفة ، ويجوز أن يكون خبره { ~~الذين يمشون } ، واعلم أنه سبحانه خص اسم العبودية بالمشتغلين بالعبودية ، ~~فدل ذلك على أن هذه الصفة من أشرف صفات المخلوفات ، وقرىء { وعباد الرحمان ~~} واعلم أنه سبحانه وصفهم بتسعة أنواع من الصفات : # الصفة الأولى : قوله : { الذين يمشون على الارض هونا } وهذا وصف سيرتهم ~~بالنهار وقرىء { يمشون } { هونا } حال أو صفة للمشي بمعنى هينين أو بمعنى ~~مشيا هينا ms6908 ، إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة ، PageV24P093 والهون ~~الرفق واللين ومنه الحديث ( أحبب حبيبك هونا ما ) وقوله : ( المؤمنون هينون ~~لينون ) والمعنى أن مشيهم يكون في لين وسكينة ووقار وتواضع ، ولا يضربون ~~بأقدامهم ( ولا يخفقون بنعالهم ) أشرا وبطرا ، ولا يتبخترون لأجل الخيلاء ~~كما قال : { ولا تمش فى الارض مرحا } ( الإسراء : 37 ) وعن زيد بن / أسلم ~~التمست تفسير { هونا } فلم أجد ، فرأيت في النوم فقيل لي هم الذين لا ~~يريدون الفساد في الأرض ، وعن ابن زيد لا يتكبرون ولا يتجبرون ولا يريدون ~~علوا في الأرض . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ~~معناه لا نجاهلكم ولا خير بيننا ولا شر أي نسلم منكم تسليما ، فأقيم السلام ~~مقام التسليم ، ثم يحتمل أن يكون مرادهم طلب السلامة والسكوت ، ويحتمل أن ~~يكون المراد التنبيه على سوء طريقتهم لكي يمتنعوا ، ويحتمل أن يكون مرادهم ~~العدول عن طريق المعاملة ، ويحتمل أن يكون المراد إظهار الحلم في مقابلة ~~الجهل ، قال الأصم : { قالوا سلاما } أي سلام توديع لا تحية ، كقول إبراهيم ~~لأبيه : { سلام عليك } ( مريم : 47 ) ثم قال الكلبي وأبو العالية نسختها ~~آية القتال ولا حاجة إلى ذلك لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن ~~في العقل والشرع وسبب لسلامة العرض والورع . # الصفة الثالثة : قوله : { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } واعلم أنه ~~تعالى لما ذكر سيرتهم في النهار من وجهين : أحدهما : ترك الإيذاء ، وهو ~~المراد من قوله : { يمشون على الارض هونا } والآخر تحمل التأذي ، وهو ~~المراد من قوله : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } فكأنه شرح سيرتهم ~~مع الخلق في النهار ، فبين في هذه الآيات سيرتهم في الليالي عند الاشتغال ~~بخدمة الخالق وهو كقوله : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ( السجدة : 16 ) ثم ~~قال الزجاج : كل من أدركه الليل قيل بات وإن لم ينم كما يقال بات فلان قلقا ~~، ومعنى { يبيتون لربهم } أن يكونوا في لياليهم مصلين ، ثم اختلفوا فقال ~~بعضهم : من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قل ، فقد بات ساجدا وقائما ، ~~وقيل ركعتين بعد المغرب وأربعا ms6909 بعد العشاء الأخيرة ، والأولى أنه وصف لهم ~~بإحياء الليل أو أكثره يقال فلان يظل صائما ويبيت قائما ، قال الحسن يبيتون ~~لله على أقدمهم ويفرشون له وجوههم تجري دموعهم على خدودهم خوفا من ربهم . # الصفة الرابعة : قوله : { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن ~~عذابها كان غراما } قال ابن عباس رضي الله عنهما يقولون في سجودهم وقيامهم ~~هذا القول ، وقال الحسن خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل فرقا من عذاب جهنم ، ~~وقوله : { غراما } أي هلاكا وخسرانا ملحا لازما ، ومنه الغريم لإلحاحه ~~وإلزامه ، ويقال فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعا بهن ، وسأل نافع بن ~~الأزرق ابن عباس عن الغرام فقال هو الموجع ، وعن محمد بن كعب في { غراما } ~~أنه سأل الكفار ثمن نعمه فما أدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار ، واعلم أنه ~~تعالى وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين ، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذانا ~~بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم كقوله : { ~~والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة } ( المؤمنون : 60 ) . # أما قوله تعالى : { إنها ساءت مستقرا ومقاما } فقوله : { ساءت } في حكم ~~بئست وفيها ضمير مبهم تفسيره ( مستقرا ) ، والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت ~~مستقرا ومقاما هي ( وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبرا ، ~~لها ، ويجوز أن يكون ساءت بمعنى أحزنت ، وفيها ضمير اسم إن ) ومستقرا حال ~~أو / تمييز ، فإن قيل دلت الآية على أنهم سألوا الله تعالى أن يصرف عنهم ~~عذاب جهنم لعلتين : إحداهما أن عذابها كان غراما PageV24P094 ، وثانيهما : ~~أنها ساءت مستقرا ومقاما ، فما الفرق بين الوجهين ؟ وأيضا فما الفرق بين ~~المستقر والمقام ؟ قلنا المتكلمون ذكروا أن عقاب الكافر يجب أن يكون مضرة ~~خالصة عن شوائب النفع دائمة ، فقوله : { إن عذابها كان غراما } إشارة إلى ~~كونه مضرة خالصة عن شوائب النفع ، وقوله : { إنها ساءت مستقرا ومقاما } ~~إشارة إلى كونها دائمة ، ولا شك في المغايرة ، أما الفرق بين المستقر ~~والمقام فيحتمل أن يكون المستقر للعصاة من أهل الإيمان فإنهم يستقرون في ~~النار ولا يقيمون فيها ، وأم الإقامة فللكفار ، واعلم ms6910 أن قوله : { إنها ~~ساءت مستقرا ومقاما } يمكن أن يكون من كلام الله تعالى ويمكن أن يكون حكاية ~~لقولهم . # الصفة الخامسة : قوله : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان ~~بين ذلك قواما } قرىء { يقتروا } بكسر التاء وضمها ويقتروا بضم الياء ~~وتخفيف القاف وكسر التاء وأيضا بضم الباء وفتح القاف وكسر التاء وتشديدها ~~وكلها لغات . والقتر والإقتار والتقتير التضييق الذي هو نقيض الإسراف ، ~~والإسراف مجاوزة الحد في النفقة . وذكر المفسرون في الإسراف والتقتير وجوها ~~: أحدها : وهو الأقوى أنه تعالى وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير ~~وبمثله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا تبسطها كل البسط } ( الإسراء : 29 ) وعن وهيب بن الورد قال لعالم ~~: ما البناء الذي لا سرف فيه ؟ قال : ما سترك عن الشمس وأكنك من المطر ، ~~فقال له فما الطعام الذي لا سرف فيه ؟ قال ما سد الجوعة ، فقال له في ~~اللباس ، قال ما ستر عورتك ووقاك من البرد ، وروي أن رجلا صنع طعاما في ~~إملاك فأرسل إلى الرسول عليه السلام فقال : ( حق فأجيبوا ) ثم صنع الثانية ~~فأرسل إليه فقال : ( حق فمن شاء فليجب وإلا فليقعد ) ثم صنع الثالثة فأرسل ~~إليه فقال : ( رياء ولا خير فيه ) وثانيها : وهو قول ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة والضحاك أن الإسراف الإنفاق في معصية الله تعالى ، والإقتار منع حق ~~الله تعالى ، قال مجاهد : لو أنفق رجل مثل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله ~~تعالى لم يكن سرفا ولو أنفق صاعا في معصية الله تعالى كان سرفا / وقال ~~الحسن لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عما ينبغي ، وذلك قد يكون في ~~الإمساك عن حق الله ، وهو أقبح التقتير ، وقد يكون عما لا يجب ، ولكن يكون ~~مندوبا مثل الرجل الغني الكثير المال إذا منع الفقراء من أقاربه وثالثها : ~~المراد بالسرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا ، وإن كان من حلال ~~، فإن ذلك مكروه لأنه يؤدي إلى الخيلاء ، والإقتار هو التضييق فالأكل فوق ~~الشبع بحيث يمنع النفس ms6911 عن العبادة سرف وإن أكل بقدر الحاجة فذاك إقتار ، ~~وهذه الصفة صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاما ~~للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة ، ولكن كانوا يأكلون ما ~~يسد جوعهم ويعينهم على عبادة ربهم ، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويصونهم من ~~الحر والبرد ، وههنا مسألتان : # / المسألة الأولى : القوام قال ثعلب : القوام بالفتح العدل والاستقامة ، ~~وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر ، قال صاحب ( الكشاف ) : القوام العدل ~~بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ، ونظير القوام من الاستقامة ~~السواء من الاستواء ، وقرىء { قواما } بالكسر وهو ما يقام به الشيء ، يقال ~~أنت قوامنا ، يعني ما يقام به الحاجة لا يفضل عنه ولا ينقص . # المسألة الثانية : المنصوبان أعني { بين ذلك قواما } جائز أن يكونا خبرين ~~معا ، وأن يجعل بين ذلك لغوا وقواما مستقرا ، وأن يكون الظرف خبرا وقواما ~~حالا مؤكدة ، قال الفراء : وإن شئت جعلت { بين ذالك } اسم PageV24P095 كان ~~، كما تقول كان دون هذا كافيا ، تريد أقل من ذلك ، فيكون معنى { بين ذالك } ~~، أي كان الوسط من ذلك قواما ، أي عدلا ، وهذا التأويل ضعيف ، لأن القوام ~~هو الوسط فيصير التأويل ، وكان الوسط وسطا وهذا لغو . # الصفة السادسة # ! 7 < { والذين لا يدعون مع الله إلاها ءاخر ولا يقتلون النفس التى حرم ~~الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذالك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم ~~القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وءامن وعمل عملا صالحا فأولائك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما * ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب ~~إلى الله متابا } . > 7 @QB@ < # | الفرقان : ( 68 - 71 ) والذين لا يدعون . . . . . # > > # اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر أن من صفة عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك ~~والقتل الزنا ، ثم ذكر بعد ذلك حكم من يفعل هذه الأشياء من العقاب ، ثم ~~استثنى من جملتهم التائب ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : أنه تعالى قبل ذكر هذه الصفة نزه عباد الرحمن عن الأمور ~~الخفيفة ، فكيف يليق بعد ذلك أن يطهرهم عن الأمور العظيمة مثل الشرك والقتل ~~والزنا ، أليس أنه ms6912 لو كان الترتيب بالعكس منه كان أولى ؟ الجواب : أن ~~الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون / متمسكا بالشرك تدينا ومقدما على قتل ~~الموءودة تدينا وعلى الزنا تدينا ، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك ~~الخصال وحدها من عباد الرحمن ، حتى يضاف إلى ذلك كونه مجانبا لهذه الكبائر ~~، وأجاب الحسن رحمه الله من وجه آخر فقال : المقصود من ذلك التنبيه على ~~الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار ، كأنه قال : وعباد الرحمن هم الذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر وأنت تدعون { ولا يقتلون النفس التى حرم الله ~~إلا بالحق } وأنتم تقتلون الموءودة ، { ولا يزنون } وأنتم تزنون . # السؤال الثاني : ما معنى قوله : { ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا ~~بالحق } ومعلوم أنه من يحل قتله لا يدخل في النفس المحرمة فكيف يصح هذا ~~الاستثناء ؟ الجواب : المقتضى لحرمة القتل قائم أبدا ، وجواز القتل إنما ~~ثبت بالمعارض فقوله : { حرم الله } إشارة إلى المقتضى وقوله { إلا بالحق } ~~إشارة إلى المعارض . # السؤال الثالث : بأي سبب يحل القتل ؟ الجواب : بالردة وبالزنا بعد ~~الإحصان ، وبالقتل قودا على ما في الحديث ، وقيل وبالمحاربة وبالبينة ، وإن ~~لم يكن لما شهدت به حقيقة . PageV24P096 # السؤال الرابع : منهم من فسر قوله : { ولا يقتلون النفس التى حرم الله ~~إلا بالحق } بالردة فهل يصح ذلك ؟ الجواب : لفظ القتل عام فيتناول الكل . ~~وعن ابن مسعود ( قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟ قال أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك ، قلت ثم أي ؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك ، قلت ثم أي ؟ قال ~~أن تزني بحليلة جارك ) فأنزل الله تصديقه . # السؤال الخامس : ما الأثام ؟ الجواب : فيه وجوه : أحدها : أن الأثام جزاء ~~الإثم ، بوزن الوبال والنكال وثانيها : وهو قول أبي مسلم : أن الأثام ~~والإثم واحد ، والمراد ههنا جزاء الأثام فأطلق اسم الشيء على جزائه وثالثها ~~: قال الحسن : الأثام اسم من أسماء جهنم وقال مجاهد : { أثاما } واد في ~~جهنم ، ( وقرأ ابن مسعود { أثاما } أي شديدا ، يقال يوم ذو أثام لليوم ~~العصيب ) . # أما قوله : { يضاعف له العذاب يوم القيامة ms6913 ويخلد فيه مهانا } ففيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : { يضاعف } بدل من { يلق } لأنهما في معنى واحد ، وقرىء ~~( يضعف ) و ( نضعف له العذاب ) بالنون ونصب العذاب ، وقرىء بالرفع على ~~الاستئناف أو على الحال ، وكذلك ( يخلد ) ( وقرىء ) ( ويخلد ) على البناء ~~للمفعول مخففا ومثقلا من الإخلاد والتخليد / وقرىء ( وتخلد ) بالتاء على ~~الالتفات . # المسألة الثانية : سبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع ~~الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعا ، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب ~~عليه ، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع . # المسألة الثالثة : قال القاضي : بين الله تعالى أن المضاعفة والزيادة ~~يكون حالهما في الدوام كحال الأصل ، فقوله : { ويخلد فيه } أي ويخلد في ذلك ~~التضعيف ، ثم إن ذلك التضعيف إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي ، فوجب أن ~~يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائما ، / وإذا كان كذلك وجب أن يكون ~~في حق المؤمن كذلك ، لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره أو ~~منفردا والجواب : لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد ~~القبح ، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسنا وإن كان ~~الجمع بينهما قبيحا ، وقد يكون كل واحد منهما قبيحا ، ويكون الجمع بينهما ~~أقبح ، فكذا ههنا . # المسألة الرابعة : قوله : { ويخلد فيه مهانا } إشارة إلى ما ثبت أن ~~العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإذلال والإهانة ، كما أن الثواب هو ~~المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم . # أما قوله تعالى : { إلا من تاب وءامن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : دلت الآية على أن التوبة مقبولة ، والاستثناء لا يدل ~~على ذلك لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين ، فيكفي لصحة هذا الاستثناء ~~أن لا يضاعف للتائب العذاب ضعفين ، وإنما الدال عليه قوله : { فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات } . # المسألة الثانية : نقل عن ابن عباس أنه قال : توبة القاتل غير مقبولة ، ~~وزعم أن هذه الآية منسوخة بقوله PageV24P097 تعالى : { ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا } ( النساء : 93 ms6914 ) وقالوا نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة ، وعن ~~الضحاك ومقاتل بثمان سنين ، وقد تقدم الكلام في ذلك في سورة النساء . # المسألة الثالثة : فإن قيل : العمل الصالح يدخل فيه التوبة والإيمان ، ~~فكان ذكرهما قبل ذكر العمل الصالح حشوا ، قلنا : أفردهما بالذكر لعلو ~~شأنهما ، ولما كان لا بد معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل ~~الصالح . # المسألة الرابعة : اختلفوا في المراد بقوله : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات } على وجوه : أحدها : قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة : إن ~~التبديل إنما يكون في الدنيا ، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك ~~بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانا ، وبقتل المؤمنين قتل ~~المشركين ، وبالزنا عفة وإحصانا ، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه ~~الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب وثانيها : قال الزجاج : السيئة ~~بعينها لا تصير حسنة ، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة ~~مع التوبة والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات . وثالثها : قال قوم ~~: إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه ~~الآية ، وهذا قول سعيد بن المسيب ومكحول ، ويحتجون بما روى أبو هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليتمنين أقوام أنهم ~~أكثروا من السيئات ، قيل من هم يا رسول الله ؟ قال الذين يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات ) وعلى هذا التبديل في الآخرة ورابعها : قال القفال والقاضي : أنه ~~تعالى يبدل العقاب بالثواب فذكرهما وأراد ما يستحق بهما ، وإذا حمل على ذلك ~~كانت الإضافة إلى الله حقيقة لأن الإثابة لا تكون إلا من الله تعالى . # أما قوله تعالى : { ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا } ففيه ~~سؤالان : # / السؤال الأول : ما فائدة هذا التكرير ؟ الجواب : من وجهين : الأول : أن ~~هذا ليس بتكرير لأن الأول لما كان في تلك الخصال بين تعالى أن جميع الذنوب ~~بمنزلتها في صحة التوبة منها الثاني : أن التوبة الأولى رجوع عن الشرك ~~والمعاصي ، والتوبة الثانية رجوع إلى الله تعالى للجزاء والمكافأة كقوله ~~تعالى : { عليه توكلت وإليه متاب } ( الرعد ms6915 : 30 ) أي مرجعي . # السؤال الثاني : هل تكون التوبة إلا إلى الله تعالى فما فائدة قوله : { ~~فإنه يتوب إلى الله متابا } ؟ الجواب : من وجوه : الأول : ما تقدم من أن ~~التوبة الأولى الرجوع عن المعصية والثانية الرجوع إلى حكم الله تعالى ~~وثوابه الثاني : معناه أن من تاب إلى الله فقد أتى بتوبة مرضية لله مكفرة ~~للذنوب محصلة للثواب العظيم الثالث : قوله : { ومن تاب } يرجع إلى الماضي ~~فإنه سبحانه ذكر أن من أتى بهذه التوبة في الماضي على سبيل الإخلاص فقد ~~وعده بأنه سيوفقه للتوبة في المستقبل ، وهذا من أعظم البشارات . # الصفة السابعة # ! 7 < { والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما } . > 7 ~~@QB@ < # | الفرقان : ( 72 ) والذين لا يشهدون . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : الزور يحتمل إقامة الشهادة الباطلة ، ويكون المعنى أنهم ~~لا يشهدون شهادة الزور PageV24P098 فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ~~ويحتمل حضور مواضع الكذب كقوله تعالى : { فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث ~~غيره } ( الأنعام : 68 ) ويحتمل حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي ويدخل ~~فيه أعياد المشركين ومجامع الفساق ، لأن من خالط أهل الشر ونظر إلى أفعالهم ~~وحضر مجامعهم فقد شاركهم في تلك المعصية ، لأن الحضور والنظر دليل الرضا به ~~، بل هو سبب لوجوده والزيادة فيه ، لأن الذي حملهم على فعله استحسان ~~النظارة ورغبتهم في النظر إليه ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما المراد ~~مجالس الزور التي يقولون فيها الزور على الله تعالى وعلى رسوله ، وقال محمد ~~بن الحنفية الزور الغناء ، واعلم أن كل هذه الوجوه محتملة ولكن استعماله في ~~الكذب أكثر . # المسألة الثانية : الأصح أن اللغو كل ما يجب أن يلغى ويترك ، ومنهم من ~~فسر اللغو بكل ما ليس بطاعة ، وهو ضعيف لأن المباحات لا تعد لغوا فقوله : { ~~وإذا مروا باللغو } أي بأهل اللغو . # المسألة الثالثة : لا شبهة فى أن قوله : { مروا كراما } معناه أنهم ~~يكرمون أنفسهم عن مثل حال اللغو وإكرامهم لها لا يكون إلا بالإعراض ~~وبالإنكار وبترك المعاونة والمساعدة ، ويدخل فيه الشرك واللغو في القرآن ~~وشتم الرسول ، والخوض ms6916 فيما لا ينبغي وأصل الكلمة من قولهم ناقة كريمة إذا ~~كانت تعرض عند الحلب تكرما ، كأنها لا تبالي بما يحلب منها للغزارة ، / ~~فاستعير ذلك للصفح عن الذنب ، وقال الليث يقال تكرم فلان عما يشينه إذا ~~تنزه وأكرم نفسه عنه ونظير هذه الآية قوله : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ~~وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين } ( القصص : ~~55 ) وعن الحسن لم تسفههم المعاصي وقيل إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى ~~أعرضوا ، وقيل إذا ذكر النكاح كنوا عنه . # الصفة الثامنة # ! 7 < { والذين إذا ذكروا بأايات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا } . > ~~7 @QB@ < # | الفرقان : ( 73 ) والذين إذا ذكروا . . . . . # > > # قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { لم يخروا عليها صما وعميانا } ليس بنفي ~~للخرور ، وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى كما يقال لا يلقاني زيد ~~مسلما ، هو نفي للسلام لا للقاء ، والمعنى أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها ~~حرصا على استماعها ، وأقبلوا على المذكر بها ، وهم في إكبابهم عليها سامعون ~~بآذان واعية ، مبصرون بعيون راعية ، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين ~~عليها مقبلين على من يذكر بها مظهرين الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم ~~والعميان حيث لا ( يفهمونها ولا يبصرون ) ما فيها كالمنافقين . PageV24P099 # الصفة التاسعة # ! 7 < { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا ~~للمتقين إماما } . > 7 @QB@ < # | الفرقان : ( 74 ) والذين يقولون ربنا . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم { * ذرياتنا ~~} بألف الجمع وحذفها الباقون على التوحيد والذرية تكون واحدا وجمعا . # المسألة الثانية : أنه لا شبهة أن المراد أن يكون قرة أعين لهم في الدين ~~لا في الأمور الدنيوية من المال والجمال ثم ذكروا فيه وجهان : أحدهما : ~~أنهم سألوا أزواجا وذرية في الدنيا يشاركونهم فأحبوا أن يكونوا معهم في ~~التمسك بطاعة الله فيقوى طمعهم في أن يحصلوا معهم في الجنة فيتكامل سرورهم ~~في الدنيا بهذا الطمع وفي الآخرة عند حصول الثواب والثاني : أنهم سألوا أن ~~يلحق الله أزواجهم وذريتهم بهم في الجنة ليتم سرورهم بهم ms6917 . # المسألة الثالثة : فإن قيل : ( من ) في قوله : { لنا من أزواجنا } ما هي ~~؟ قلنا : يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل : هب لنا قرة أعين ثم بينت القرة ~~وفسرت بقوله : { من أزواجنا } وهو من قولهم : / رأيت منك أسدا أي أنت أسد ، ~~وأن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة ~~وصلاح ، فإن قيل لم قال { قرة أعين } فنكر وقلل ؟ قلنا أما التنكير فلأجل ~~تنكير القرة لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه كأنه ~~قال : هب لنا منهم سرورا وفرحا وإنما قال ( أعين ) دون عيون لأنه أراد أعين ~~المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ، قال تعالى : { وقليل من عبادى ~~الشكور } ( سبأ : 13 ) . # المسألة الرابعة : قال الزجاج أقر الله عينك أي صادف فؤادك ما يحبه ، ~~وقال المفضل في قرة العين ثلاثة أقوال : أحدها : يرد دمعتها وهي التي تكون ~~مع الضحك والسرور ودمعة الحزن حارة والثاني : نومها لأنه يكون مع ذهاب ~~الحزن والوجع والثالث : حضور الرضا . # المسألة الخامسة : قوله : { واجعلنا للمتقين إماما } الأقرب أنهم سألوا ~~الله تعالى أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدى بهم ، قال ~~بعضهم في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها قال ~~الخليل عليه الصلاة والسلام : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } ( الشعراء ~~: 84 ) وقيل نزلت هذه الآيات في العشرة المبشرين بالجنة . # المسألة السادسة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله ~~تعالى ، قالوا لأن الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل ، فدل على ~~أن العلم والعمل إنما يكون بجعل الله تعالى وخلقه ، وقال القاضي المراد من ~~السؤال الألطاف التي إذا كثرت صاروا مختارين لهذه الأشياء فيصيرون أئمة ~~والجواب : أن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثا . # المسألة السابعة : قال الفراء : قال ( إماما ) ، ولم يقل أئمة كما قال ~~للاثنين { إنى رسول رب العالمين } ( الزخرف : 46 ) ويجوز أن يكون المعنى ~~اجعل كل واحد منا إماما كما قال : { يخرجكم طفلا } ( غافر ms6918 : 67 ) وقال ~~الأخفش : الإمام جمع واحده آم كصائم وصيام . وقال القفال وعندي أن الإمام ~~إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل اجعلنا حجة للمتقين ، ومثله البينة ~~يقال هؤلاء بينة فلان . واعلم أنه سبحانه وتعالى لما عدد صفات PageV24P100 ~~المتقين المخلصين بين بعد ذلك أنواع إحسانه إليهم وهي مجموعة في أمرين ~~المنافع والتعظيم . # ! 7 < { أولائك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما } . > 7 ~~! # < < # | الفرقان : ( 75 ) أولئك يجزون الغرفة . . . . . # > > أما المنافع : فهي قوله : # والمراد أولئك يجزون الغرفات والدليل عليه قوله : { وهم فى الغرفات ~~ءامنون } ( سبأ : 37 ) وقال : { لهم غرف من فوقها غرف } ( الزمر : 20 ) ~~والغرفة في اللغة العلية وكل بناء عال فهو غرفة والمراد به الدرجات العالية ~~. وقال المفسرون الغرفة اسم الجنة ، فالمعنى يجزون الجنة وهي جنات كثيرة ، ~~وقرأ بعضهم : ( أولئك يجزون في الغرفة ) وقوله : { بما صبروا } فيه بحثان : # البحث الأول : احتج بالآية من ذهب إلى أن الجنة بالاستحقاق فقال الباء في ~~قوله : { بما صبروا } تدل على ذلك ولو كان حصولها بالوعد لما صدق ذلك . # البحث الثاني : ذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه ، ليعم كل نوع فيدخل فيه ~~صبرهم على مشاق التفكر والاستدلال في معرفة الله تعالى ، وعلى مشاق الطاعات ~~، وعلى مشاق ترك الشهوات وعلى مشاق أذى المشركين وعلى مشاق الجهاد والفقر ~~ورياضة النفس فلا وجه لقول من يقول المراد الصبر على الفقر خاصة ، لأن هذه ~~الصفات إذا حصلت مع الغنى استحق من يختص بها الجنة كما يستحقه بالفقر . # وثانيهما التعظيم : وهو قوله تعالى : # ( ويلقون فيها تحية وسلاما ) : # قرىء { يلقون } كقوله : { ولقاهم نضرة وسرورا } ( الأنسان : 11 ) و { ~~يلقون } كقوله : { يلق أثاما } ( الفرقان : 68 ) ، والتحية الدعاء بالتعمير ~~والسلام الدعاء بالسلامة ، فيرجع حاصل التحية إلى كون نعيم الجنة باقيا غير ~~منقطع ، ويرجع السلام إلى كون ذلك النعيم خالصا عن شوائب الضرر ، ثم هذه ~~التحية والسلام يمكن أن يكون من الله تعالى لقوله : { سلام قولا من رب رحيم ~~} ( يس : 58 ) ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله : { والملائكة يدخلون عليهم ~~من كل باب * سلام عليكم ms6919 } ( الرعد : 23 ، 24 ) ويمكن أن يكون من بعضهم على ~~بعض . أماقوله : # ! 7 < { خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما } . > 7 ! # < < # | الفرقان : ( 76 ) خالدين فيها حسنت . . . . . # > > فالمراد أنه سبحانه لما وعد بالمنافع أولا وبالتعظيم ثانيا ، بين أن ~~من صفتهما الدوام وهو المراد من قوله : { خالدين فيها } ومن صفتهما الخلوص ~~أيضا وهو المراد من قوله : { حسنت مستقرا ومقاما } وهذا في مقابلة قوله : { ~~ساءت مستقرا ومقاما } أي ما أسوأ ذلك وما أحسن هذا . أما قوله : # ! 7 < { قل ما يعبؤا بكم ربى لولا دعآؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما } . ~~> 7 ! # < < # | الفرقان : ( 77 ) قل ما يعبأ . . . . . # > > فاعلم أنه سبحانه لما شرح صفات المتقين ، وشرح حال ثوابهم أمر رسوله ~~أن يقول : { قل ما يعبؤا بكم ربى لولا دعاؤكم } فدل بذلك على أنه تعالى غني ~~عن عبادتهم ، وأنه تعالى إنما كلفهم لينتفعوا بطاعتهم وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الخليل ما أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه ( يستقله ~~) ويستحقره ، وقال أبو عبيدة ما PageV24P101 أعبأ به أي وجوده وعدمه عندي ~~سواء ، وقال الزجاج معناه أي لا وزن لكم عند ربكم ، والعبء في اللغة الثقل ~~، وقال أبو عمرو بن العلاء ما يبالي بكم ربي . # المسألة الثانية : في { ما } قولان أحدهما أنها متضمنة لمعنى الاستفهام ~~وهي في محل النصب وهي عبارة عن المصدر ، كأنه قيل وأي عبء يعبأ بكم لولا ~~دعاؤكم ، والثاني أن تكون ما نافية . # / المسألة الثالثة : ذكروا في قوله : { لولا دعاؤكم } وجهين : أحدهما : ~~لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة والدعاء على هذا مصدر مضاف إلى المفعول ~~وثانيهما : أن الدعاء مضاف إلى الفاعل وعلى هذا التقدير ذكروا فيه وجوها : ~~أحدها : لولا دعاؤكم لولا إيمانكم وثانيها : لولا عبادتكم وثالثها : لولا ~~دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله : { فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله } ( ~~العنكبوت : 65 ) ورابعها : دعاؤكم يعني لولا شكركم له على إحسانه لقوله : { ~~ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم } ( النساء : 147 ) وخامسها : ما خلقتكم وبي ~~إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم . # أما قوله : { فقد كذبتم } فالمعنى أني إذا أعلمتكم أن ms6920 حكمي أني لا أعتد ~~بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم وهو ~~عقاب الآخرة ، ونظيره أن يقول الملك لمن استعصى عليه : إن من عادتي أن أحسن ~~إلى من يطيعني ، وقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك . فإن قيل إلى من ~~يتوجه هذا الخطاب ؟ قلنا إلى الناس على الإطلاق ، ومنهم ( مؤمنون ) عابدون ~~ومكذبون عاصون ، فخوطبوا بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب ، وقرىء ( ~~فقد كذب الكافرون ) ( فسوف ) يكون العذاب لزاما ، وقرىء { لزاما } بالفتح ~~بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت ، والوجه أن ترك اسم كان غير منطوق به بعد ما ~~علم أنه مما توعد به لأجل الإبهام ويتناول ما لا يحيط به الوصف ، ثم قيل ~~هذا العذاب في الآخرة ، وقيل كان يوم بدر وهو قول مجاهد رحمه الله ، والله ~~أعلم . # تم تفسير هذه السورة والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام # على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين # # PageV24P102 < # > 1 ( سورة الشعراء ) 1 < # > # مكية إلا أربع آيات فإنها مدنية وهي { والشعراء يتبعهم الغاوون } إلى ~~آخرها # وهي مايتان أو ست أو سبع وعشرون آية # ! 7 < { طسم* تلك ءايات الكتاب المبين * لعلك باخع نفسك ألا يكونوا ~~مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السمآء ءاية فظلت أعناقهم لها خاضعين } . > ~~7 ! # / < < # | الشعراء : ( 1 - 4 ) طسم # > > الطاء إشارة إلى طرب قلوب العارفين ، والسين سرور المحبين ، والميم ~~مناجاة المريدين ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ قتادة { باخع نفسك } على الإضافة ، وقرىء { فظلت ~~أعناقهم لها } . # المسألة الثانية : البخع أن يبلغ بالذبح البخاع ، وهو الخرم النافذ في ~~ثقب الفقرات وذلك أقصى حد الذابح ، ولعل للإشفاق . # المسألة الثالثة : قوله : { طسم تلك ءايات الكتاب المبين } معناه : آيات ~~هذه السورة تلك آيات الكتاب المبين ، وتمام تقريره ما مر في قوله تعالى : { ~~ذالك الكتاب } ( البقرة : 2 ) ولا شبهة في أن المراد بالكتاب هو القرآن ~~والمبين وإن كان في الحقيقة هو المتكلم فقد يضاف إلى الكلام من حيث يتبين ~~به عند النظر فيه ، فإن قيل القوم لما كانوا كفارا فكيف تكون آيات القرآن ms6921 ~~مبينة لهم ما يلزمهم ، وإنما يتبين بذلك الأحكام ؟ قلنا ألفاظ القرآن من ~~حيث تعذر عليهم أن يأتوا بمثله يمكن أن يستدل به على فاعل مخالف لهم كما ~~يستدل بسائر ما لا يقدر العباد على مثله ، فهو دليل التوحيد من هذا الوجه ~~ودليل النبوة من حيث الإعجاز ، ويعلم به بعد ذلك أنه إذا كان من عند الله / ~~تعالى فهو دلالة الأحكام أجمع ، وإذا ثبت هذا صارت آيات القرآن كافية في كل ~~الأصول والفروع أجمع ، ولما ذكر الله تعالى أنه بين الأمور قل بعده : { ~~لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } منبها بذلك على أن الكتاب وإن بلغ في ~~البيان كل غاية فغير مدخل لهم في الإيمان لما أنه سبق حكم الله PageV24P103 ~~بخلافه ، فلا تبالغ في الحزن والأسف على ذلك لأنك إن بالغت فيه كنت بمنزلة ~~من يقتل نفسه ثم لا ينتفع بذلك أصلا فصبره وعزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا نفع ~~فيه كما أن وجود الكتاب على بيانه ووضوحه لا نفع لهم فيه ، ثم بين تعالى ~~أنه قادر على أن ينزل آية يذلون عندها ويخضعون ، فإن قيل : كيف صح مجيء { ~~خاضعين } خبرا عن الأعناق ؟ قلنا أصل الكلام : فظلوا لها خاضعين ، فذكرت ~~الأعناق لبيان موضع الخضوع ، ثم ترك الكلام على أصله ، ولما وصفت بالخضوع ~~الذي هو للعقلاء ، قيل { خاضعين } كقوله : { لى ساجدين } ( يوسف : 4 ) ، ~~وقيل أعناق الناس رؤساؤهم ومقدموهم شبهوا بالأعناق كما يقال هم الرؤوس ~~والصدور ، وقيل هم جماعات الناس ، يقال جاءنا عنق من الناس لفوج منهم . # المسألة الرابعة : نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الكهف : { فلعلك ~~باخع نفسك } وقوله : { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ( فاطر : 8 ) . # ! 7 < { وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا عنه معرضين * فقد ~~كذبوا فسيأتيهم أنباؤا ما كانوا به يستهزءون * أولم يروا إلى الا رض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم * إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم } . > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 5 - 9 ) وما يأتيهم من . . . . . # > > # المسألة الأولى : قوله ms6922 : { وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا ~~عنه معرضين } من تمام قوله : { إن نشأ ننزل عليهم } ( الشعراء : 4 ) فنبه ~~تعالى على أنه مع قدرته على أن يجعلهم مؤمنين بالإلجاء رحيم بهم من حيث ~~يأتيهم حالا بعد حال بالقرآن ، وهو الذكر ويكرره عليهم وهم مع ذلك على حد ~~واحد في الإعراض والتكذيب والاستهزاء ، ثم عند ذلك زجر وتوعد لأن المرء إذا ~~استمر على كفره فليس ينفع فيه إلا الزجر الشديد فلذلك قال : { فقد كذبوا } ~~أي بلغوا النهاية / في رد آيات الله تعالى { فقد كذبوا فسيأتيهم أنباؤا ما ~~كانوا } وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في الدنيا أو عند المعاينة أو في ~~الآخرة ، فهو كقوله تعالى : { ولتعلمن نبأه بعد حين } وقد جرت العادة فيمن ~~يسيء أن يقال له سترى حالك من بعد على وجه الوعيد ، ثم إنه تعالى بين أنه ~~مع إنزاله القرآن حالا بعد حال قد أظهر أدلة تحدث حالا بعد حال فقال : { أو ~~لم * يروا إلى الارض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } والزوج هو الصنف ( من ~~النبات ) والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه ، يقال وجه كريم إذا كان ~~مرضيا في حسنه وجماله . وكتاب كريم إذا كان مرضيا في فوائده ومعانيه ، ~~والنبات الكريم هو المرضي فيما يتعلق به من المنافع ، وفي وصف الزوج ~~بالكريم وجهان : أحدهما : أن النبات على نوعين نافع وضار ، فذكر سبحانه ~~كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وترك ذكر الضار والثاني ~~: أنه عم جميع النبات نافعه وضاره ووصفهما جميعا بالكرم ، ونبه على أنه ما ~~أنبت شيئا إلا وفيه فائدة وإن غفل عنها الغافلون . PageV24P104 # أما قوله : { إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين } فهو كقوله : { هدى ~~للمتقين } ( البقرة : 2 ) والمعنى أن في ذلك دلالة لمن يتفكر ويتدبر وما ~~كان أكثرهم مؤمنين أي مع كل ذلك يستمر أكثرهم على كفرهم ، فأما قوله : { ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم } فإنما قدم ذكر العزيز على ذكر الرحيم لأنه لو ~~لم يقدمه لكان ms6923 ربما قيل إنه رحمهم لعجزه عن عقوبتهم ، فأزال هذا الوهم بذكر ~~العزيز وهو الغالب القاهر ، ومع ذلك فإنه رحيم بعباده ، فإن الرحمة إذا ~~كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم وقعا . والمراد أنهم مع كفرهم وقدرة الله ~~على أن يعجل عقابهم لا يترك رحمتهم بما تقدم ذكره من خلق كل زوج كريم من ~~النبات ، ثم من إعطاء الصحة والعقل والهداية . # المسألة الثانية : أنه تعالى وصف الكفار بالإعراض أولا وبالتكذيب ثانيا ~~وبالاستهزاء ثالثا وهذه درجات من أخذ يترقى في الشقاوة ، فإنه يعرض أولا ثم ~~يصرح بالتكذيب والإنكار إلى حيث يستهزىء به ثالثا . # المسألة الثالثة : فإن قلت ما معنى الجمع بين كم وكل ، ولم لم يقل كم ~~أنبتنا فيها من زوج كريم ؟ قلت : قد دل كل على الإحاطة بأزواج النبات على ~~سبيل التفصيل وكم على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الكثرة ، فهذا معنى الجمع ~~( رتبه ) على كمال قدرته ، فإن قلت : فحين ذكر الأزواج ودل عليها بكلمتي ~~الكثرة والإحاطة وكانت بحيث لا يحصيها إلا عالم الغيب فكيف قال : { إن فى ~~ذلك لآية } وهلا قال لآيات ؟ قلت فيه وجهان : أحدهما : أن يكون ذلك مشارا ~~به إلى مصدر أنبتنا ، فكأنه قال إن في ذلك الإنبات لآية أي آية والثاني : ~~أن يراد أن في كل واحد من تلك الأزواج لآية . # المسألة الرابعة : احتجت المعتزلة على خلق القرآن بقوله تعالى : { وما ~~يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث } فقالوا الذكر هو القرآن لقوله تعالى : { ~~وهاذا ذكر مبارك } ( الأنبياء : 50 ) وبين في هذه الآية أن الذكر محدث ~~فيلزم من هاتين الآيتين أن القرآن محدث ، وهذا الاستدلال بقوله تعالى : { ~~الله نزل أحسن الحديث كتابا } ( الزمر : 23 ) وبقوله : { فبأي حديث بعده ~~يؤمنون } ( المرسلات : 50 ) وإذا ثبت أنه محدث فله خالق فيكون مخلوقا لا ~~محالة والجواب : أن كل ذلك يرجع إلى هذه الألفاظ ونحن نسلم حدوثها إنما ~~ندعي قدم أمر آخر وراء هذه الحروف ، وليس في الآية دلالة على ذلك . # ! 7 < { وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين * قوم فرعون ألا يتقون ms6924 ~~} . > 7 ! # < < # | الشعراء : ( 10 - 11 ) وإذ نادى ربك . . . . . # > > اختلف أهل السنة في النداء الذي سمعه موسى عليه السلام من الله تعالى ~~، هل هو كلامه القديم أو هو ضرب من الأصوات ، فقال أبو الحسن الأشعري : ~~المسموع هو الكلام القديم ، وكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الأشياء ، مع ~~أن الدليل دل على أنها معلومة ومرتبة فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحروف ~~والأصوات مع أنه مسموع ، وقال أبو منصور الماتريدي : الذي سمعه موسى عليه ~~السلام كان نداء من جنس الحروف والأصوات ، وذلك لأن الدليل لما دل على أنا ~~رأينا الجوهر والعرض ، ولا بد من علة مشتركة بينهما لصحة الرؤية ، ولا علة ~~إلا الوجود ، حكمنا بأن كل موجود يصح أن يرى ، ولم يثبت عندنا أنا نسمع ~~الأصوات والأجسام حتى يحكم بأنه لا بد من مشترك بين الجسم والصوت ، فلم ~~يلزم صحة كون كل موجود مسموعا PageV24P105 فظهر الفرق ، أما المعتزلة فقد ~~اتفقوا على أن ذلك المسموع ما كان إلا حروفا وأصواتا ، فعند هذا قالوا إن ~~ذلك النداء وقع على وجه علم به موسى عليه السلام أنه من قبل الله تعالى ، ~~فصار معجزا علم به أن الله مخاطب له فلم يحتج مع ذلك إلى واسطة ، وكفى في ~~الوقت أن يحمله الرسالة التي هي { أن ائت القوم الظالمين } لأن في بدء ~~البعثة يجب أن يأمره بالدعاء إلى التوحيد ، ثم بعده يأمره بالأحكام ، ولا ~~يجوز أن يأمره تعالى بذلك إلا وقد عرفه أنه ستظهر عليه المعجزات إذا طولب ~~بذلك . # أما قوله تعالى : { أن ائت القوم الظالمين } فالمعنى أنه تعالى سجل عليهم ~~بالظلم ، وقد استحقوا هذا الاسم من وجهين من وجه ظلمهم أنفسهم بكفرهم ، ومن ~~وجه ظلمهم لبني إسرائيل . # أما قوله : { قوم فرعون } فقد عطف ( قوم فرعون ) على ( القوم الظالمين ) ~~عطف بيان ، كأن القوم الظالمين وقوم فرعون لفظان يدلان على معنى واحد . # وأما قوله : { ألا يتقون } فقرىء ( ألا يتقون ) بكسر النون ، بمعنى ألا ~~يتقونني ، فحذفت النون لاجتماع النونين والياء للاكتفاء بالكسرة ، وقوله : ~~{ ألا يتقون } كلام مستأنف أتبعه تعالى إرساله ms6925 إليهم للإنذار والتسجيل ~~عليهم بالظلم ، تعجيبا لموسى عليه السلام من حالهم ( التي شفت ) في الظلم ~~والعسف ، ومن أمنهم العواقب وقلة خوفهم ( وحذرهم من أيام الله ) ( 1 ) ، ~~ويحتمل أن يكون { ألا يتقون } حالا من الضمير في ( الظالمين ) / أي يظلمون ~~غير متقين الله وعقابه ، فأدخلت همزة الإنكار على الحال ، ووجه ثالث وهو أن ~~يكون المعنى ألا يا ناس اتقون ، كقوله : ( ألا يسجدوا ) . وأما من قرأ ( ~~ألا تتقون ) على الخطاب ، فعلى طريقة الالتفات إليهم وصرف وجوههم بالإنكار ~~والغضب عليهم ، كما يرى من يشكو ممن ركب جناية والجاني حاضر ، فإذا اندفع ~~في الشكاية وحمى غضبه ، قطع مباثة صاحبه وأقبل على الجاني يوبخه ويعنفه به ~~، ويقول له ألا تتقي الله ألا تستحي من الناس ، فإن قلت : فما الفائدة في ~~هذا الالتفات والخطاب مع موسى عليه السلام في وقت المناجاة ، والملتفت ~~إليهم غائبون لا يشعرون ؟ قلت : إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى ~~إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم ، لأنه ( مبلغهم ) ( 2 ) ومنهيه إليهم ~~، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى ، وكم من آية نزلت في شأن الكافرين ~~وفيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبرا لها واعتبارا بمواردها . # ! 7 < { قال رب إنى أخاف أن يكذبون * ويضيق صدرى ولا ينطلق لسانى فأرسل ~~إلى هارون * ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون } . > 7 ! # < < # | الشعراء : ( 12 - 14 ) قال رب إني . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب ~~إلى قوم فرعون ، طلب موسى عليه السلام أن يبعث معه هرون إليهم ، ثم ذكر ~~الأمور الداعلية له إلى ذلك السؤال وحاصلها أنه لو لم يكن هرون ، لاختلت ~~المصلحة المطلوبة من بعثة موسى عليه السلام ، وذلك من وجهين : الأول : أن ~~فرعون ربما كذبه ، والتكذيب سبب لضيق القلب ، وضيق القلب سبب لتعسر الكلام ~~على من يكون في لسانه حبسة ، لأن PageV24P106 عند ضيق القلب تنقبض الروح ~~والحرارة الغريزية إلى باطن القلب ، وإذا انقبضا إلى الداخل وخلا منهما ~~الخارج ازدادت الحبسة في اللسان ، فالتأذي من التكذيب سبب لضيق القلب ، ~~وضيق القلب ms6926 سبب للحبسة ، فلهذا السبب بدأ بخوف التكذيب ، ثم ثنى بضيق الصدر ~~، ثم ثلث بعدم انطلاق اللسان . وأما هرون فهو أفصح لسانا مني وليس في حقه ~~هذا المعنى ، فكان إرساله لائقا الثاني : أن لهم عندي ذنبا فأخاف أن ~~يبادروا إلى قتلي ، وحينئذ لا يحصل المقصود من البعثة . وأما هرون فليس ~~كذلك فيحصل المقصود من البعثة . # المسألة الثانية : قرىء ( يضيق ) و ( ينطلق ) بالرفع ، لأنهما معطوفان ~~على خبر ( إن ) ، وبالنصب لعطفهما على صلة أن ، والمعنى : أخاف أن يكذبون ، ~~وأخاف أن يضيق صدري ، وأخاف أن لا ينطلق لساني ، والفرق أن الرفع يفيد ثلاث ~~علل في طلب إرسال هرون ، والنصب يفيد علة / واحدة ، وهي الخوف من هذه ~~الأمور الثلاثة ، فإن قلت : الخوف غم يحصل لتوقع مكروه سيقع وعدم انطلاق ~~اللسان كان حاصلا ، فكيف جاز تعلق الخوف به ؟ قلت : قد بينا أن التكذيب ~~الذي سيقع يوجب ضيق القلب ، وضيق القلب يوجب زيادة الاحتباس ، فتلك الزيادة ~~ما كانت حاصلة في الحال بل كانت متوقعة ، فجاز تعليق الخوف عليها . # أما قوله تعالى : { فأرسل إلى هارون } فليس في الظاهر ذكر من الذي يرسل ~~إليه ، وفي الخبر أن الله تعالى أرسل موسى عليه السلام إليه ، قال السدي : ~~إن موسى عليه السلام سار بأهله إلى مصر والتقى بهرون وهو لا يعرفه ، فقال ~~أنا موسى ، فتعارفا وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة ، فصاحت ~~أمهما لخوفهما عليهما فذهبا إليه ، ويحتمل أن يكون المراد أرسل إليه جبريل ~~، لأن رسول الله إلى الأنبياء جبريل عليه السلام ، فلما كان هو متعينا لهذا ~~الأمر حذف ذكره لكونه معلوما ، وأيضا ليس في الظاهر أنه يرسل لماذا ، لكن ~~فحوى الكلام يدل على أنه طلبه للمعونة فيما سأل ، كما يقال إذا نابتك نائبة ~~، فأرسل إلى فلان أي ليعينك فيها وليس في الظاهر أنه التمس كون هرون نبيا ~~معه ، لكن قوله : { فقولا إنا رسول رب العالمين } يدل عليه . # أما قوله : { ولهم على ذنب } فأراد بالذنب قتله القبطي ، وقد ذكر الله ~~تعالى هذه القصة مشروحة في سورة القصص . # واعلم أنه ms6927 ليس في التماس موسى عليه السلام ، أن يضم إليه هرون ما يدل على ~~أنه استعفى من الذهاب إلى فرعون بل مقصوده فيما سأل أن يقع ذلك الذهاب على ~~أقوى الوجوه في الوصول إلى المراد ، واختلفوا فقال بعضهم إنه وإن كان نبيا ~~فهو غير عالم بأنه يبقى حتى يؤدي الرسالة لأنه إنما أمر بذلك بشرط التمكين ~~، وهذا قول الكعبي وغيره من البغداديين لأنهم يجوزون دخول الشرط في تكليف ~~الله تعالى العبد ، والذي ذهب إليه الأكثرون أن ذلك لا يجوز لأنه تعالى إذا ~~أمر فهو عالم بما يتمكن منه المأمور وبأوقات تمكنه ، فإذا علم أنه غير ~~متمكن منه فإنه لا يأمره به / وإذا صح ذلك فالأقرب في الأنبياء أنهم يعلمون ~~إذا حملهم الله تعالى الرسالة أنه تعالى يمكنهم من أدائها وأنهم سيبقون إلى ~~ذلك الوقت ، ومثل ذلك لا يكون إغراء في الأنبياء وإن جاز أن يكون إغراء في ~~غيرهم . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول قول موسى عليه السلام : { ولهم على ذنب ~~} هل يدل على صدور الذنب منه ؟ جوابه : لا والمراد لهم علي ذنب في زعمهم . # PageV24P107 ! 7 < { قال كلا فاذهبا بأاياتنآ إنا معكم مستمعون * فأتيا ~~فرعون فقولاإنا رسول رب العالمين * أن أرسل معنا بنىإسراءيل } . > 7 ! # / < < # | الشعراء : ( 15 - 17 ) قال كلا فاذهبا . . . . . # > > اعلم أن موسى عليه السلام طلب أمرين : الأول : أن يدفع عنه شرهم ~~والثاني : أن يرسل معه هرون فأجابه الله تعالى إلى الأول بقوله : { كلا } ~~ومعناه ارتدع يا موسى عما تظن وأجابه إلى الثاني بقوله : { فاذهبا } أي ~~اذهب أنت والذي طلبته وهو هرون فإن قيل علام عطف قوله : { فاذهبا } قلنا ~~على الفعل الذي يدل عليه ( كلا ) كأنه قال : ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب ~~أنت وهرون . # وأما قوله : { إنا معكم مستمعون } فمن مجاز الكلام يريد أنا لكما ~~ولعدوكما كالناصر الظهير لكما عليه إذا أحضر وأستمع ما يجري بينكما ~~فأظهركما عليه وأعليكما وأكسر شوكته عنكما ، وإنما جعلنا الاستماع مجازا ~~لأن الاستماع عبارة عن الإصغاء وذلك على الله تعالى محال . # وأما قوله : { إنا رسول رب ms6928 العالمين } ففيه سؤال وهو أنه هلا ثنى الرسول ~~كما ثنى في قوله : { إنا رسولا ربك } جوابه من وجوه : أحدها : أن الرسول ~~اسم للماهية من غير بيان أن تلك الماهية واحدة أو كثيرة والألف واللام لا ~~يفيدان إلا الوحدة لا الاستغراق ، بدليل أنك تقول الإنسان هو الضحاك ولا ~~تقول كل إنسان هو الضحاك ولا أيضا هذا الإنسان هو الضحاك ، وإذا ثبت أن لفظ ~~الرسول لا يفيد إلا الماهية وثبت أن الماهية محمولة على الواحد وعلى ~~الاثنين ثبت صحة قوله : { إنا رسول رب العالمين } وثانيها : أن الرسول قد ~~يكون بمعنى الرسالة قال الشاعر : # % لقد كذب الواشون ما فهت عندهم % % بسر ولا أرسلتهم برسول % # فيكون المعنى إنا ذو رسالة رب العالمين وثالثها : أنهما لاتفاقهما على ~~شريعة واحدة واتحادهما بسبب الأخوة كأنهما رسول واحد ورابعها : المراد كل ~~واحد منا رسول وخامسها : ما قاله بعضهم أنه إنما قال ذلك لا بلفظ التثنية ~~لكونه هو الرسول خاصة وقوله : { أنا } فكما في قوله تعالى : { إنا أنزلناه ~~} ( يوسف : 2 ) وهو ضعيف . # وأما قوله : { أن أرسل معنا بنى إسراءيل } فالمراد من هذا الإرسال ~~التخلية والإطلاق كقولك أرسل البازي ، يريد خلهم يذهبوا معنا . # ! 7 < { قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك ~~التى فعلت وأنت من الكافرين } . > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 18 - 19 ) قال ألم نربك . . . . . # > > # / اعلم أن في الكلام حذفا وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به فعند ذلك ~~قال فرعون ما قال ، يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى ~~قال البواب : إن ههنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين ، PageV24P108 فقال ~~ائذن له لعلنا نضحك منه ، فأديا إليه الرسالة فعرف موسى عليه السلام فعدد ~~عليه نعمه أولا ، ثم إساءة موسى إليه ثانيا ، أما النعم فهي قوله : { ألم ~~نربك فينا وليدا } والوليد : الصبي لقرب عهده من الولادة { ولبثت فينا من ~~عمرك } وعن أبي عمرو بسكون الميم { سنين } قيل لبث عندهم ثلاثين سنة وقيل ~~وكز القبطي وهو ابن اثنتي عشرة سنة وفر منهم ( على ms6929 أثرها ) والله أعلم ~~بصحيح ذلك ، وعن الشعبي { فعلتك } بالكسر وهي قتله القبطي لأنه قتله بالوكز ~~وهو ضرب من القتل ، وأما الفعلة فلأنها ( كانت ) ( 1 ) وكزة واحدة عدد عليه ~~نعمه من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه ~~وعظم ذلك ( وفظعه ) ( 1 ) بقوله : { وفعلت فعلتك التى فعلت } . # وأما قوله : { وأنت من الكافرين } ففيه وجوه : أحدها : يجوز أن يكون حالا ~~أي قتلته وأنت بذاك من الكافرين بنعمتي وثانيها : وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم ~~الساعة وقد افترى عليه أو جهل أمره لأنه كان ( يعاشرهم ) بالتقية فإن الكفر ~~غير جائز على الأنبياء قبل النبوة وثالثها : { وأنت من الكافرين } معناه ~~وأنت ممن عادته كفران النعم ومن كان هذا حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي ~~نعمته ورابعها : { وأنت من الكافرين } بفرعون وإلهيته أو من الذين ( كانوا ~~) يكفرون في دينهم فقد كانت لهم آلهة يعبدونها ، يشهد بذلك قوله تعالى : { ~~ويذرك وءالهتك } ( الأعراف : 127 ) . # ! 7 < { قال فعلتهآ إذا وأنا من الضآلين * ففررت منكم لما خفتكم فوهب لى ~~ربى حكما وجعلنى من المرسلين * وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى إسراءيل } ~~. > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 20 - 22 ) قال فعلتها إذا . . . . . # > > # اعلم أن فرعون لما دكر التربية وذكر القتل وقد كانت تربيته له معلومة ~~ظاهرة ، لا جرم أن موسى عليه السلام ما أنكرها ، ولم يشتغل بالجواب عنها ، ~~لأنه تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجز وحجة لم يتغير ~~حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم يفعل ذلك ، فصار قول فرعون لما ~~قاله غير مؤثر ألبتة ، ومثل هذا الكلام الإعراض عنه أولى ولكن أجاب عن ~~القتل بما لا شيء أبلغ منه في الجواب وهو قوله : { فعلتها إذا وأنا من ~~الضالين } والمراد بذلك الذاهلين عن معرفة ما يؤول إليه من القتل لأنه فعل ~~الوكزة على وجه التأديب ، ومثل ذلك ربما / حسن وإن أدى إلى القتل فبين له ~~أنه فعله على وجه لا يجوز معه أن يؤاخذ به أو يعد منه كافرا أو ms6930 كافرا لنعمه ~~، فأما قوله : { ففررت منكم لما خفتكم } فالمراد أني فعلت ذلك الفعل وأنا ~~ذاهل عن كونه مهلكا وكان مني في حكم السهو ، فلم أستحق التخويف الذي يوجب ~~الفرار ومع ذلك فررت منكم عند قولكم : { إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك } ( ~~القصص : 20 ) فبين بذلك أنه لا نعمة له عليه في باب تلك الفعلة ، بل بأن ~~يكون مسيئا فيه أقرب من حيث خوف تخويفا أوجب الفرار ، ثم بين نعمة الله ~~تعالى عليه بعد الفرار ، فكأنه قال أسأتم وأحسن الله إلي بأن وهب لي حكما ~~وجعلني من المرسلين ، واختلفوا في الحكم والأقرب أنه غير النبوة لأن ~~المعطوف غير المعطوف عليه ، والنبوة مفهومة من قوله : { وجعلنى من المرسلين ~~} فالمراد بالحكم العلم ويدخل في العلم العقل والرأي والعلم بالدين الذي هو ~~التوحيد ، وهذا أقرب لأنه لا يجوز أن يبعثه تعالى إلا مع كماله في العقل ~~والرأي والعلم بالتوحيد وقوله : { فوهب لى ربى حكما } PageV24P109 كالتنصيص ~~على أن ذلك الحكم من خلق الله تعالى ، وقالت المعتزلة : المراد منه الألطاف ~~وهو ضعيف جدا لأن الألطاف مفعولة في حق الكل من غير بخس ولا تقصير ، ~~فالتخصيص لا بد فيه من فائدة ، فأما قوله : { وتلك نعمة تمنها على أن عبدت ~~* بنى إسراءيل } فهو جواب قوله : { ألم نربك فينا وليدا } يقال عبدت الرجل ~~وأعبدته إذا اتخذته عبدا ، فإن قيل كيف يكون ذلك جوابه ولا تعلق بين ~~الأمرين ؟ قلنا بيان التعلق من وجوه : أحدها : أنه إنما وقع في يده وفي ~~تربيته لأنه قصد تعبيد بني إسرائيل وذبح أبنائهم ، فكأنه عليه السلام قال ~~له كنت مستغنيا عن تربيتك لو لم يكن منك ذلك الظلم المتقدم علينا وعلى ~~أسلافنا وثانيها : أن هذا الإنعام المتأخر صار معاضا بذلك الظلم العظيم على ~~أسلافنا وإذا تعارضا تساقطا وثالثها : ما قاله الحسن : إنك استعبدتهم وأخذت ~~أموالهم ومنها أنفقت علي فلا نعمة لك بالتربية ورابعها : المراد أن الذي ~~تولى تربيتي هم الذين قد استعبدتهم فلا نعمة لك علي لأن التربية كانت من ~~قبل أمي وسائر من هو من ms6931 قومي ليس لك إلا أنك ما قتلتني ، ومثل هذا لا يعد ~~إنعاما وخامسها : أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على ~~العبد في أن يطعمه ويعطيه ما يحتاج إليه . # واعلم أن في الآية دلالة على أن كفر الكافر لا يبطل نعمته على من يحسن ~~إليه ولا يبطل منته لأن موسى عليه السلام إنما أبطل ذلك بوجه آخر على ما ~~بينا ، واختلف العلماء فقال بعضهم إذا كان كافرا لا يستحق الشكر على نعمه ~~على الناس إنما يستحق الإهانة بكفره / فلو استحق الشكر بإنعامه والشكر لا ~~يوجد إلا مع التعظيم فيلزم كونه مستحقا للإهانة وللتعظيم معا ، واستحقاق ~~الجمع بين الضدين محال ، وقال آخرون لا يبطل الشكر بالكفر وإنما يبطل ~~بالكفر الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان ، والآية تدل على هذا القول ~~الثاني . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) إنما جمع الضمير في { منكم } و { ~~خفتكم } مع إفراده في { * ثمنها } و { أن عبدت } لأن الخوف والفرار لم ~~يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملائه المؤتمرين بقتله ، بدليل / قوله : { إن ~~الملا يأتمرون بك ليقتلوك } ( القصص : 20 ) وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك ~~التعبيد ، فإن قلت : { تلك } إشارة إلى ماذا و { أن عبدت } ما محلها من ~~الإعراب ؟ قلت : ( تلك ) إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدرى ما هي إلا ~~بتفسيرها وهي { أن عبدت } فإن { أن عبدت } عطف بيان ونظيره قوله تعالى : { ~~وقضينآ إليه ذلك الامر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } ( الحجر : 66 ) ~~والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي ، وقال الزجاج : ويحوز أن يكون ~~( أن ) في موضع نصب ، والمعنى إنما صارت نعمة علي ، لأن عبدت بني إسرائيل ~~أي لو لم تفعل ذلك لكفاني أهلي . # ! 7 < { قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والا رض وما بينهمآ ~~إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب ءابآئكم الا ~~ولين * قال إن رسولكم الذىأرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما ~~بينهمآ إن كنتم تعقلون * قال لئن اتخذت إلاها غيرى لأجعلنك من المسجونين ms6932 * ~~قال أولو جئتك بشىء مبين * قال فأت به إن كنت من الصادقين } . > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 23 - 31 ) قال فرعون وما . . . . . # > > PageV24P110 # اعلم أن فرعون لم يقل لموسى { وما رب العالمين } ، إلا وقد دعاه موسى إلى ~~طاعة رب العالمين ، يبين ذلك ما تقدم من قوله : { فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين } ( الشعراء : 16 ) فلا بد عند دخولهما عليه أنهما قالا ~~ذلك ، فعند ذلك قال فرعون : { وما رب العالمين } ثم ههنا بحثان : # الأول : أن فرعون يحتمل أن يقال إنه كان عارفا بالله ، ولكنه قال ما قال ~~طلبا للملك والرياسة ، وقد ذكر الله تعالى في كتابه ما يدل على أنه كان ~~عارفا بالله ، وهو قوله : { قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب * السماوات ~~والارض } ( الإسراء : 102 ) فإذا قرىء بفتح التاء من { علمت } فالمراد أن ~~فرعون علم ذلك ، وذلك يدل على أنه كان عارفا بالله ، لكنه كان يستأكل قومه ~~بما يظهره من / إلهيته ، والقراءة الأخرى برفع التاء من { علمت } فهي تقتضي ~~أن موسى عليه السلام هو الذي عرف ذلك ، وأيضا فإن فرعون إن لم يكن عاقلا لم ~~يجز من الله تعالى بعثة الرسول إليه ، وإن كان عاقلا فهو يعلم بالضرورة أنه ~~ما كان موجودا ولا حيا ولا عاقلا ثم صار كذلك ، وبالضرورة يعلم أن كل ما ~~كان كذلك فلا بد له من مؤثر ، فلا بد وأن يتولد له من هذين العلمين علم ~~ثالث بافتقاره في تركيبه وفي حياته وعقله إلى مؤثر موجد ، ويحتمل أن يقال ~~إنه كان على مذهب الدهرية من أن الأفلاك واجبة الوجود في ذواتها ومتحركة ~~لذواتها ، وأن حركاتها أسباب لحصول الحوادث في هذا العالم ، أو يقال إنه ~~كان من الفلاسفة القائلين بالعلة الموجبة لا بالفاعل المختار ، ثم اعتقد ~~أنه بمنزلة الإله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك ذماتهم وزمام أمرهم ، ~~ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الحلولية ، القائلين بأن ذات الإله يتدرع ~~بجسد إنسان معين ، حتى يكون الإله سبحانه لذلك الجسد بمنزلة روح كل إنسان ~~بالنسبة إلى جسده ، وبهذه التقديرات ms6933 كان يسمي نفسه إلها . # البحث الثاني : وهو أنه قال لموسى عليه السلام : { وما رب العالمين } ؟ ~~واعلم أن السؤال بما طلب لتعريف حقيقة الشيء ، وتعريف حقيقة الشيء إما أن ~~يكون بنفس تلك الحقيقة أو بشيء من أجزائها أو بأمر خارج عنها أو بما يتركب ~~من الداخل والخارج . أما تعريفها بنفسها فمحال ، لأن المعرف معلوم قبل ~~المعرف ، فلو عرف الشيء بنفسه لزم أن يكون معلوما قبل أن يكون معلوما وهو ~~محال . وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فههنا في حق واجب الوجود محال ، ~~لأن التعريف بالأمور الدخلة لا يمكن إلا إذا كان المعرف مركبا ، وواجب ~~الوجود يستحيل أن يكون مركبا ، لأن كل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من ~~أجزائه ، وكل واحد من أجزائه فهو غيره ، فكل مركب محتاج إلى غيره ، وكل ما ~~احتاج إلى غيره فهو ممكن لذاته ، وكل مركب فهو ممكن ، فما ليس بممكن يستحيل ~~أن يكون مركبا ، فواجب الوجود ليس بمركب ، وإذا لم يكن مركبا استحال تعريفه ~~بأجزائه / ولما بطل هذان القسمان ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود ~~إلا بلوازمه وآثاره ، ثم إن اللوازم قد تكون خفية ، وقد تكون جلية ، ولا ~~يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية بل لا بد من تعريفها باللوازم الجلية ، ~~وأظهر آثار ذات واجب الوجود هو هذا العالم المحسوس وهو السموات PageV24P111 ~~والأرض وما بينهما فقد ثبت أنه لا جواب ألبتة لقول فرعون { وما رب العالمين ~~} إلا ما قاله موسى عليه السلام ، وهو أنه رب السموات والأرض وما بينهما ، ~~فأما قوله : { إن كنتم موقنين } فمعناه : إن كنتم موقنين بإسناد هذه ~~المحسوسات إلى موجود واجب الوجود فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته ~~لأنكم لما سلمتم انتهاء هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته ، ثبت أن الواجب ~~لذاته فرد مطلق ، وثبت أن الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره ، وثبت ~~أن تلك الآثار لا بد وأن تكون أظهر آثاره ، وأبعدها عن الخفاء وما ذاك إلا ~~السموات / والأرض وما بينهما ، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لا ~~جواب ms6934 عن ذلك السؤال إلا هذا الجواب ، ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب ~~الحق قال فرعون لمن حوله ألا تستمعون وإنما ذكر ذلك على سبيل التعجب من ~~جواب موسى ، يعني أنا أطلب منه الماهية وخصوصية الحقيقة ، وهو يجيبني ~~بالفاعلية والمؤثرية ، وتمام الإشكال أن تعريف الماهية بلوازمها لا يفيد ~~الوقوف على نفس تلك الماهية ، وذلك لأنا إذا قلنا في الشيء إنه الذي يلزمه ~~اللازم الفلاني ، فهذا المذكور ، إما أن يكون معروفا لمجرد كونه أمرا ما ~~يلزمه ذلك اللازم أو لخصوصية تلك الماهية التي عرضت لها هذه الملزومية ، ~~والأول محال لأن كونه أمرا يلزمه ذلك اللازم جعلناه كاشفا فلو كان المكشوف ~~هو هذا القدر لزم كون الشيء معروفا لنفسه وهو محال ، والثاني محال لأن ~~العلم بأنه أمر ما يلزمه اللازم الفلاني لا يفيد العلم بخصوصية تلك الماهية ~~الملزومة ، لأنه لا يمتنع في العقل اشتراك الماهيات المختلفة في لوازم ~~متساوية فثبت أن التعريف بالوصف الخارجي لا يفيد معرفة نفس الحقيقة فلم يكن ~~كونه ربا للسموات والأرض وما بينهما جوابا عن قوله : { وما رب العالمين } ~~فأجاب موسى عليه السلام : بأن { قال ربكم ورب ءابائكم الاولين } وكأنه عدل ~~عن التعريف بخالقية السماء والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقا لنا ~~ولآبائنا ، وذلك لأنه لا يمتنع أن يعتقد أحد أن السموات والأرضين واجبة ~~لذواتها فهي غنية عن الخالق والمؤثر ، ولكن لا يمكن أن يعتقد العاقل في ~~نفسه وأبيه وأجداده كونهم واجبين لذواتهم ، لم أن المشاهدة دلت على أنهم ~~وجدوا بعد العدم ثم عدموا بعد الوجود ، وما كان كذلك استحال أن يكون واجبا ~~لذاته ، وما لم يكن واجبا لذاته استحال وجوده إلا لمؤثر ، فكان التعريف ~~بهذا الأثر أظهر فلهذا عدل موسى عليه السلام من الكلام الأول إليه فقال ~~فرعون : { إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } يعني المقصود من سؤال ما طلب ~~الماهية وخصوصية الحقيقة والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد ألبتة تلك ~~الخصوصية ، فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلا عن أن يجيب ~~عنه ، فقال موسى ms6935 عليه السلام : { رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون } فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني ، وذلك لأنه أراد بالمشرق طلوع ~~الشمس وظهور النهار ، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار ، والأمر ظاهر ~~في أن هذا التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر وهذا ~~بعينه طريقة إبراهيم عليه السلام مع نمروذ ، فإنه استدل أولا بالإحياء ~~والإماتة وهو الذي ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله : { ربكم ورب ءابائكم ~~الاولين } فأجابه نمروذ بقوله : { ألم تر إلى } ( البقرة : 258 ) فقال : { ~~فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر } ( ~~البقرة : 258 ) وهو الذي ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله : { رب المشرق ~~والمغرب } . # وأما قوله : { إن كنتم تعقلون } فكأنه عليه السلام قال إن كنت من العقلاء ~~عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت لأنك طلبت مني تعريف حقيقته ~~PageV24P112 بنفس حقيقته ، وقد ثبت / أنه لا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ~~ولا بأجزاء حقيقته ، فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته ، وأنا قد ~~عرفت حقيقته بآثار حقيقته فقد ثبت أن كل من كان عاقلا يقطع بأنه لا جواب عن ~~هذا السؤال إلا ما ذكرته . # واعلم أنا قد بينا في سورة الأنعام ( 18 ) في تفسير قوله تعالى : { وهو ~~القاهر فوق عباده } أن حقيقة الإله سبحانه من حيث هي هي غير معقولة للبشر ، ~~وإذا كان كذلك استحال من موسى عليه السلام أن يذكر ما تعرف به تلك الحقيقة ~~، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة فكان حاصل كلام ~~موسى عليه السلام أن ادعاء رسالة رب العالمين تتوقف صحته على إثبات أن ~~للعالمين ربا وإلها ولا تتوقف على العلم بخصوصية الرب تعالى وماهيته ~~المعينة ، فكأن موسى عليه السلام يقيم الدلالة على إثبات القدر المحتاج ~~إليه في صحة دعوى الرسالة ، وفرعون يطالبه ببيان الماهية ، وموسى عليه ~~السلام كان يعرض عن سؤاله لعلمه بأنه لا تعلق لذلك السؤال نفيا ولا إثباتا ~~في هذا المطلوب ، فهذا تمام القول ms6936 في هذا البحث والله أعلم ، ثم إن موسى ~~عليه السلام لما خشن في آخر الكلام بقوله : { إن كنتم تعقلون } فعند ذلك ~~قال فرعون : { لئن اتخذت إلاها غيرى لاجعلنك من المسجونين } فإنه لما عجز ~~عن الحجاج عدل إلى التخويف ، فعند ذلك ذكر موسى عليه السلام كلاما مجملا ~~ليعلق قلبه به فيعدل عن وعيده فقال : { أو * لو * جئتك بشىء مبين } ؟ أي هل ~~تستجيز أن تسجنني مع اقتداري على أن آتيك بأمر بين في باب الدلالة على وجود ~~الله تعالى وعلى أني رسوله ؟ فعند ذلك قال : { فأت به إن كنت من الصادقين } ~~وههنا فروع : الفرع الأول : الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم لأنه لو كان ~~جسما وله صورة لكان جواب موسى عليه السلام بذكر حقيقته ولكان كلام فرعون ~~لازما له لعدوله عن الجواب الحق الثاني : الواجب على من يدعو غيره إلى الله ~~تعالى أن لا يجيب عن السفاهة لأن موسى عليه السلام لما قال له فرعون إنه ~~مجنون لم يعدل عن ذكر الدلالة وكذلك لما توعده أن يسجنه الثالث : أنه يجوز ~~للمسؤول أن يعدل في حجته من مثال إلى مثال لإيضاح الكلام ولا يدل ذلك على ~~الانقطاع الرابع : إن قيل : كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول وهو قوله ~~: { أو * لو * جئتك بشىء مبين } والمعجز لا يدل على الله تعالى كدلالة سائر ~~ما تقدم ؟ قلنا بل يدل ما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على الله ~~تعالى وعلى توحيده ، وعلى أنه صادق في الرسالة فالذي ختم به كلامه أقوى من ~~كل ما تقدم وأجمع الخامس : فإن قيل كيف قال : { رب * السماوات والارض * وما ~~بينهما } على التثنية والمرجوع إليه مجموع ؟ جوابه أريد ما بين الجهتين ، ~~فإن قيل : ذكر السموات والأرض وما بينهما قد استوعب الخلائق كلهم ، فما ~~معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب ؟ جوابه : قد عمم أولا ~~ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم لأن أقرب الأشياء من العاقل نفسه ~~ومن ولد منه وما شاهد من انتقاله من ms6937 وقت ميلاده إلى وقت وفاته من حالة إلى ~~/ حالة أخرى / ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين ~~وغروبها على تقدير مستقيم في فصول السنة من أظهر الدلائل السادس : فإن قيل ~~لم قال : { لاجعلنك من المسجونين } ولم يقل لأسجننك مع أنه أخصر ؟ جوابه : ~~لأنه لو قال لأسجننك لا يفيد إلا صيرورته مسجونا . أما قوله : { لاجعلنك من ~~المسجونين } فمعناه أني أجعلك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني ، وكان من ~~عادته أن يأخذ من يريد أن يسجنه فيطرحه في بئر عميقة فردا لا يبصر فيها ولا ~~يسمع فكان ذلك أشد من القتل السابع : الواو في قوله : { أو * لو * جئتك } ~~واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام معناه أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء ~~مبين أي جائيا بالمعجزة . # PageV24P113 ! 7 < { فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هى ~~بيضآء للناظرين * قال للملإ حوله إن هاذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم بسحره فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وابعث فى المدآئن حاشرين * ~~يأتوك بكل سحار عليم } . > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 32 - 37 ) فألقى عصاه فإذا . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الأعمش : { بكل ساحر عليم } . # المسألة الثانية : اعلم أن قوله : { أو * لو * جئتك بشىء مبين } ( ~~الشعراء : 30 ) يدل على أن الله تعالى قبل أن ألقى العصا عرفه بأنه يصيرها ~~ثعبانا ، ولولا ذلك لما قال ما قال : فلما ألقى عصاه ظهر ما وعده الله به ~~فصار ثعبانا مبينا ، والمراد أنه تبين للناظرين أنه ثعبان بحركاته وبسائر ~~العلامات ، روي أنه لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت ~~مقبلة إلى فرعون وجعلت تقول يا موسى مرني بما شئت ، ويقول فرعون يا موسى ~~أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها فعادت عصا فإن قيل كيف قال ههنا : { ثعبان ~~مبين } وفي آية أخرى : { فإذا هى حية تسعى } ( طه : 20 ) وفي آية ثالثة : { ~~كأنها جان } ( القصص : 31 ) والجان مائل إلى الصغر والثعبان مائل إلى الكبر ~~؟ جوابه : أما الحية فهي اسم الجنس ثم إنها لكبرها صارت ثعبانا ، وشبهها ~~بالجان لخفتها ms6938 وسرعتها فصح الكلامان ، ويحتمل أنه شبهها بالشيطان لقوله ~~تعالى : { والجآن خلقناه من قبل من نار السموم } ( الحجر : 27 ) ويحتمل ~~أنها كانت أولا صغيرة كالجان ثم عظمت / فصارت ثعبانا ، ثم إن موسى عليه ~~السلام لما أتى بهذه الآية قال له فرعون هل غيرها ؟ قال نعم فأراه يده ثم ~~أدخلها جيبه ثم أخرجها فإذا هي بيضاء يضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص ~~لها شعاع كشعاع الشمس ، فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر ~~فيها أمورا ثلاثة : أحدها : قوله : { إن هاذا لساحر عليم } وذلك لأن الزمان ~~كان زمان السحرة وكان عند كثير منهم أن الساحر قد يجوز أن ينتهي بسحره إلى ~~هذا الحد فلهذا روج عليهم هذا القول وثانيها : قوله : { يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم بسحره } وهذا يجري مجرى التنفير عنه لئلا يقبلوا قوله ، والمعنى يريد ~~أن يخرجكم من أرضكم بما يلقيه بينكم من العداوات فيفرق جمعكم ، ومعلوم أن ~~مفارقة الوطن أصعب الأمور فنفرهم عنه بذلك ، وهذا نهاية ما يفعله المبطل في ~~التنفير عن المحق وثالثها : قوله لهم : { فماذا تأمرون } أي فما رأيكم فيه ~~وما الذي أعمله ، يظهر من نفسه أني متبع لرأيكم ومنقاد لقولكم ، ومثل هذا ~~الكلام يوجب جذب القلوب وانصرافها عن العدو فعند هذه الكلمات اتفقوا على ~~جواب واحد وهو قوله : { أرجه } قرىء ( أرجئه ) و ( أرجه ) بالهمز والتخفيف ~~، وهما لغتان يقال : أرجأته وأرجيته إذا أخرته ، والمعنى أخره ومناظرته ~~لوقت اجتماع السحرة ، وقيل احبسه وذلك محتمل ، لأنك إذا حبست الرجل عن ~~حاجته فقد أخرته . روي أن فرعون أراد قتله ولم يكن يصل إليه ، فقالوا له لا ~~تفعل ، فإنك إن قتلته أدخلت على الناس في أمره شبهة ، ولكن أرجئه وأخاه إلى ~~أن تحشر السحرة ليقاوموه فلا يثبت له عليك حجة ، ثم أشاروا عليه بإنفاذ ~~حاشرين يجمعون PageV24P114 السحرة ، ظنا منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا ~~حاله وعارضوا قوله : { إن هاذا لساحر عليم } بقولهم : { بكل سحار عليم } ~~فجاءوا بكلمة الإحاطة وبصيغة المبالغة ليطيبوا قلبه وليسكنوا بعض قلقه ، ~~قال صاحب ( الكشاف ms6939 ) فإن قلت : قوله تعالى : { قال للملإ حوله } ما العامل ~~في ( حوله ) ؟ قلت : هو منصوب نصبين نصب في اللفظ ونصب في المحل والعامل في ~~النصب اللفظي ما يقدر في الظرف ، والعامل في النصب المحلي هو النصب على ~~الحال . # ! 7 < { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم * وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * ~~لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين * فلما جآء السحرة قالوا لفرعون ~~أإن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين } . > ~~7 ! # < < # | الشعراء : ( 38 - 42 ) فجمع السحرة لميقات . . . . . # > > وفيه مسألتان : # / المسألة الأولى : اليوم المعلوم يوم الزينة وميقاته وقت الضحى ، لأنه ~~الوقت الذي وقته لهم موسى عليه السلام من يوم الزينة في قوله : { موعدكم ~~يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى } ( طه : 59 ) والميقات ما وقت به أي حدد من ~~مكان وزمان ومنه مواقيت الإحرام . # المسألة الثانية : اعلم أن القوم لما أشاروا بتأخير أمره وبأن يجمع له ~~السحرة ليظهر عند حضورهم فساد قول موسى عليه السلام ، رضي فرعون بما قالوه ~~وعمي عما شاهده وحب الشيء يعمي ويصم فجمع السحرة ثم أراد أن تقع تلك ~~المناظرة يوم عيد لهم ليكون ذلك بمحضر الخلق العظيم وكان موسى عليه السلام ~~يطلب ذلك لتظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم وكان هذا أيضا من لطف الله ~~تعالى في ظهور أمر موسى عليه السلام . # أما قوله : { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } فالمراد أنهم بعثوا على ~~الحضور ليشاهدوا ما يكون من الجانبين . # وأما قوله : { لعلنا نتبع السحرة } فالمراد إنا نرجو أن يكون الغلبة لهم ~~فنتبعهم فلما جاء السحرة ابتدأوا بطلب الجزاء ، وهو إما المال وإما الجاه ~~فبذل لهم ذلك وأكده بقوله : { وإنكم إذا لمن المقربين } لأن نهاية مطلوبهم ~~منه البذل ورفع المنزلة فبذل كلا الأمرين . # ! 7 < { قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون * فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا ~~بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون * فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف ما يأفكون * ~~فألقى السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون } . > 7 ~~@QB@ < # | الشعراء : ( 43 - 48 ) قال لهم موسى ms6940 . . . . . # > > PageV24P115 # اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من أن يبدأ موسى أو يبدأوا ثم إنهم ~~تواضعوا له فقدموه على أنفسهم ، وقالوا : { إما أن تلقى وإما أن * تكون * ~~أول من ألقى } ( طه : 65 ) فلما تواضعوا له تواضع هو أيضا لهم فقدمهم على ~~نفسه ، وقال : { ألقوا ما أنتم ملقون } فإن قيل كيف جاز لموسى عليه السلام ~~أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصي وذلك سحر وتلبيس وكفر والأمر بمثله لا ~~يجوز الجواب : لا شبهة في أن ذلك ليس بأمر لأن مراد موسى عليه السلام منهم ~~كان أن يؤمنوا به ولا يقدموا على ما يجري / مجرى المغالبة ، وإذا ثبت هذا ~~وجب تأويل صيغة الأمر وفيه وجوه : أحدها : ذلك الأمر كان مشروطا والتقدير ~~ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين كما في قوله : { فأتوا بسورة من مثله إن ~~كنتم صادقين } ( البقرة : 23 ) وثانيها : لما تعين ذلك طريقا إلى كشف ~~الشبهة صار جائزا وثالثها : أن هذا ليس بأمر بل هو تهديد ، أي إن فعلتم ذلك ~~أتينا بما تبطله ، كقول القائل لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن ثم يفوق له السهم ~~فيقول له ارم فيكون ذلك منه تهديدا ورابعها : ما ذكرنا أنهم لما تواضعوا له ~~وقدموه على أنفسهم فهو قدمهم على نفسه على رجاء أن يصير ذلك التواضع سببا ~~لقبول الحق ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب ، وهذا تنبيه على أن ~~اللائق بالمسلم في كل الأحوال التواضع ، لأن مثل موسى عليه السلام لما لم ~~يترك التواضع مع أولئك السحرة ، فبأن يفعل الواحد منا أولى . # أما قوله تعالى : { فألقوا حبالهم وعصيهم } فروي عن ابن عباس أنهم لما ~~ألقوا حبالهم وعصيهم وقد كانت الحبال مطلية بالزئبق والعصي مجوفة مملوءة من ~~الزئبق فلما حميت اشتدت حركتها فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض ~~فهاب موسى عليه السلام ذلك ، فقيل له ألق ما في يمينك فألقى عصاه فإذا هي ~~ثعبان مبين ثم فتحت فاها فابتلعت كل ما رموه من حبالهم وعصيهم حتى أكلت ~~الكل ثم أخد موسى عصاه ، فإذا هي ms6941 كما كانت فلما رأت السحرة ذلك قالت لفرعون ~~كنا نساحر الناس فإذا غلبناهم بقيت الحبال والعصي ، وكذلك إن غلبونا ولكن ~~هذا حق فسجدوا وآمنوا برب العالمين . # واعلم أن في الآثار اختلافا فمنهم من كثر الحبال والعصي ، ومنهم من توسط ~~والله أعلم بعدد ذلك ، والذي يدل القرآن عليه أنها كثيرة من حيث حشروا من ~~كل بلد ، ولأن الأمر بلغ عند فرعون وقومه في العظم مبلغا يبعد أن يدخر عنه ~~ما يمكن من جمع السحرة . # وأما قوله : { وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } فالمراد أنهم ~~أظهروا ما يجري مجرى القطع على أنهم يغلبون ، وكل ذلك لما ظهر كان أقوى ~~لأمر موسى عليه السلام . # أما قوله : { فألقى موسى عصاه فإذا هى تلقف ما يأفكون } فالمراد من قوله ~~: { ما يأفكون } ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم ( ويزورونه ) ~~فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى ، ( بالتمويه على الناظرين أو ~~إفكهم ) وسمى تلك الأشياء إفكا مبالغة . # أما قوله : { فألقى السحرة ساجدين } فالمراد خروا سجدا لأنهم كانوا في ~~الطبقة العالية من علم السحر / PageV24P116 فلا جرم كانوا عالمين بمنتهى ~~السحر ، فلما رأوا ذلك وشاهدوه خارجا عن حد السحر علموا أنه ليس بسحر ، وما ~~كان ذلك إلا ببركة تحقيقهم في علم السحر ، ثم إنهم عند ذلك لم يتمالكوا أن ~~رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا ، فإن قيل فاعل ~~الإلقاء ما هو لو صرح به ؟ جوابه : هو الله تعالى بما ( حصل في قلوبهم من ~~الدواعي الجازمة الخالية عن المعارضات / ولكن الأولى ) أن لا نقدر فاعلا ~~لأن ألقى بمعنى خر وسقط . # أما قوله : { رب موسى وهارون } فهو عطف بيان لرب العالمين لأن فرعون كان ~~يدعي الربوبية فأرادوا عزله ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام أنه الذي ~~دعا موسى وهرون عليهما السلام إليه . # ! 7 < { قال ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذى علمكم السحر ~~فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين * قالوا لا ~~ضير إنآ إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا ms6942 خطايانآ أن كنآ أول ~~المؤمنين } . > 7 ! # < < # | الشعراء : ( 49 - 51 ) قال آمنتم له . . . . . # > > اعلم أنهم لما آمنوا بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول الناس إن هؤلاء ~~السحرة على كثرتهم وتظاهرهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى عليه ~~السلام فيسلكون مثل طريقهم فلبس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى عليه ~~السلام من وجوه : أولها : قوله : { قال ءامنتم له قبل أن ءاذن } وهذا فيه ~~إيهام أن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على أنكم كنتم مائلين إليه ، وذلك ~~يطرق التهمة إليهم فلعلهم قصروا في السحر حياله وثانيها : قوله : { إنه ~~لكبيركم الذى علمكم السحر } وهذا تصريح بما رمز به أولا ، وغرضه منه أنهم ~~فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى عليه السلام وقصروا في السحر ليظهر ~~أمر موسى عليه السلام ، وإلا ففي قوة السحرة أن يفعلوا مثل ما فعل موسى ~~عليه السلام ، وهذه شبهة قوية في تنفير من يقبل قوله وثالثها : قوله : { ~~فلسوف تعلمون } وهو وعيد مطلق وتهديد شديد ورابعها : قوله : { لاقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم أجمعين } وهذا هو الوعيد المفصل وقطع ~~اليد والرجل من خلاف هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى والصلب معلوم ، وليس ~~في الإهلاك أقوى من ذلك وليس في الآية أنه فعل ذلك أو لم يفعل ، ثم إنه ~~أجابوا عن هذه الكلمات من وجهين : الأول : قولهم : { لا ضير إنا إلى ربنا ~~منقلبون } الضر والضير واحد ، وليس المراد أن ذلك إن وقع لم يضر وإنما عنوا ~~بالإضافة إلى ما عرفوه من دار الجزاء . # واعلم أن قولهم : { إنا إلى ربنا منقلبون } فيه نكتة شريفة وهي أنهم قد ~~بلغوا في حب / الله تعالى أنهم ما أرادوا شيئا سوى الوصول إلى حضرته ، ~~وأنهم ما آمنوا رغبة في ثواب أو رهبة من عقاب ، وإنما مقصودهم محض الوصول ~~إلى مرضاته والاستغراق في أنوار معرفته ، وهذا أعلى درجات الصديقين الجواب ~~الثاني : قولهم : { إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا } فهو إشارة منهم ~~إلى الكفر والسحر وغيرهما ، والطمع في هذا PageV24P117 الموضع يحتمل اليقين ~~كقول إبراهيم { والذى ms6943 أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 82 ) ~~ويحتمل الظن لأن المرء لا يعلم ما سيجيء من بعد . # أما قوله : { أن كنا أول المؤمنين } فالمراد لأن كنا أول المؤمنين من ~~الجماعة الذين حضروا ذلك الموقف ، أو يكون المراد من السحرة خاصة ، أو من ~~رعية فرعون أو من أهل زمانهم ، وقرىء ( إن كنا ) بالكسر ، وهو من الشرط ~~الذي يجيء به المدل ( بأمره لصحته وهم كانوا متحققين أنهم أول المؤمنين ) ، ~~ونظيره قول ( القائل ) لمن يؤخر جعله : إن كنت عملت لك فوفني حقي . # ! 7 < { وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادىإنكم متبعون * فأرسل فرعون فى ~~المدآئن حاشرين * إن هاؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغآئظون * وإنا ~~لجميع حاذرون * فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك ~~وأورثناها بنىإسراءيل * فأتبعوهم مشرقين * فلما ترآءا الجمعان قال أصحاب ~~موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معى ربى سيهدين } . > 7 ! # < < # | الشعراء : ( 52 - 62 ) وأوحينا إلى موسى . . . . . # > > قرىء { أسر } بقطع الهمزة ووصلها وسر . لما ظهر أمر موسى عليه السلام ~~بما شاهدوه من الآية ، أمره الله تعالى بأن يخرج ببني إسرائيل لما كان في ~~المعلوم من تدبير الله تعالى في موسى وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم ~~وأموالهم ، ولم يأمن وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع من فرعون ببني ~~إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال ، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني ~~إسرائيل ، / وهم الذين آمنوا وكانوا من قوم موسى ، ولا شبهة أن في الكلام ~~حذفا وهو أنه أسرى بهم كما أمره الله تعالى ، ثم إن قوم موسى عليه السلام ~~قالوا لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيدا ، ثم استعاروا منهم حليهم ~~وحللهم بهذا السبب ، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر ، فلما ~~سمع ذلك فرعون أرسل في المدائن حاشرين ، ثم إنه قوى نفسه ونفس أصحابه بأن ~~وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم ، ووصف قوم نفسه بصفة المدح أما وصف قوم ~~موسى عليه السلام بالذم . # فالصفة الأولى : قوله : { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } والشرذمة الطائفة ~~القليلة ، ومنه قولهم ثوب ms6944 شراذم للذي بلي ، وتقطع قطعا ذكرهم بالاسم الدال ~~على القلة ، ثم جعلهم قليلا بالوصف ، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلا ~~واختار جمع السلامة الذي هو للقلة ( وقد يجمع القليل على أقلة وقلل ) ، ~~ويجوز أن يريد بالقلة الذلة ( والقماءة ) لا قلة العدد ، والمعنى أنهم ~~لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ، ثم اختلف المفسرون في عدد ~~تلك الشرذمة ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا ستمائة ألف مقاتل لا ~~شاب فيهم دون عشرين سنة ، ولا شيخ يوفي على الستين PageV24P118 سوى الحشم ، ~~وفرعون يقللهم لكثرة من معه ، وهذا الوصف قد يستعمل في الكثير عند الإضافة ~~إلى ما هو أكثر منه ، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حصان وفي عسكره على ~~لون فرسه ثلثمائة ألف . # الصفة الثانية : قوله : { وإنهم لنا لغائظون } يعني يفعلون أفعالا تغيظنا ~~وتضيق صدورنا ، واختلفوا في تلك الأفعال على وجوه : أحدها : ما تقدم من أمر ~~الحلي وغيره وثانيها : خروج بني إسرائيل عن عبودية فرعون واستقلالهم ~~بأنفسهم وثالثها : مخالفتهم لهم في الدين وخروجهم عليهم ورابعها : ليس إلا ~~أنهم لم يتخذوا فرعون إلها . أما الذي وصف فرعون به قومه فهو قوله : { وإنا ~~لجميع حاذرون } وفيه ثلاث قراءات ( حذرون ) و ( حاذرون ) و ( حادرون ) ~~بالدال غير المعجمة . # واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهي اسم الفاعل واسم المفعول ~~كالضارب والمضروب أفادت الحدوث ، وإذا لم تكن كذلك وهي الشبهة أفادت الثبوت ~~، فمن قرأ { حاذرون } ذهب إلى إنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم ، ~~ومن قرأ { حاذرون } فكأنه ذهب إلى معنى إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا ~~هذا . وأما من قرأ { * حادرون } بالدال غير المعجمة فكأنه ذهب إلى نفي ~~الحذر أصلا ، لأن الحادر هو المشمر ، فأراد إنا قوم أقوياء أشداء ، أو أراد ~~إنا مدججون في السلاح / والغرض من هذه المعاذير أن لا يتوهم أهل المدائن ~~أنه منكسر من قوم موسى أو خائف منهم . # أما قوله تعالى : { حاذرون فأخرجناهم } فالمراد إنا جعلنا في قلوبهم ~~داعية الخروج فاستوجبت الداعية الفعل ms6945 ، فكان الفعل مضافا إلى الله تعالى لا ~~محالة . # وأما قوله : { من جنات وعيون * وكنوز } فقال مجاهد : سماها كنوزا ، لأنهم ~~لم ينفقوا منها في / طاعة الله تعالى ، والمقام الكريم يريد المنازل الحسنة ~~والمجالس البهية ، والمعنى إنا أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء ~~وكنوز الذهب والفضة ، والمواضع التي كانوا يتنعمون فيها لنسلمها إلى بني ~~إسرائيل . أما قوله كذلك فيحتمل ثلاثة أوجه : النصب على أخرجناهم مثل ذلك ~~الإخراج الذي وصفناه ، والجر على أنه وصف لمقام كريم ، أي مقام كريم مثل ~~ذلك المقام الذي كان لهم ، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أي الأمر ~~كذلك . # أما قوله : { فأتبعوهم } أي فلحقوهم ، وقرىء ( فاتبعوهم ) { مشرقين } ~~داخلين في وقت الشروق من أشرقت الشمس شروقا إذا طلعت . # أما قوله : { فلما تراءا الجمعان } أي رأى بعضهم بعضا ، قال أصحاب موسى : ~~{ إنا لمدركون } أي لملحقون { وقالوا يأيها * موسى * أوذينا من قبل أن ~~تأتينا ومن بعد ما جئتنا } كانوا يذبحون أبناءنا ، من قبل أن تأتينا ومن ~~بعد ما جئتنا يدركوننا ، أي في الساعة فيقتلوننا ، وقرىء { فلما تراءت ~~الفئتان } { إنا لمدركون } بتشديد الدال وكسر الراء من أدرك الشيء إذا ~~تتابع ففنى ، ومنه قوله تعالى : { بل ادرك علمهم فى الاخرة } ( النمل : 66 ~~) قال الحسن : جهلوا علم الآخرة ، والمعنى إنا لمتتابعون في الهلاك على ~~أيديهم حتى لا يبقى منا أحد ، فعند ذلك قال لهم كلا وذلك كالمنع مما توهموه ~~، ثم قوى نفوسهم بأمرين : أحدهما : { إن معى ربى } وهذا دلالة النصرة ~~والتكفل بالمعونة والثاني : قوله : { سيهدين } والهدى هو طريق النجاة ~~والخلاص ، وإذا دله على طريق نجاته وهلاك أعدائه ، فقد بلغ النهاية في ~~النصرة . # PageV24P119 ! 7 < { فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان ~~كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الا خرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ~~* ثم أغرقنا الا خرين * إن فى ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم } . > 7 ! # < < # | الشعراء : ( 63 - 68 ) فأوحينا إلى موسى . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام قوله : { إن معى ربى ~~سيهدين ms6946 } ( الشعراء : 62 ) بين تعالى بعده كيف هداه ونجاه ، وأهلك أعداءه ~~بذلك التدبير الجامع لنعم الدين والدنيا ، فقال : { فأوحينا إلى موسى أن ~~اضرب بعصاك البحر فانفلق } ولا شبهة في أن المراد فضرب فانفلق لأنه ~~كالمعلوم من الكلام إذ لا يجوز أن ينفلق من غير ضرب ومع ذلك يأمره بالضرب ~~لأنه كالعبث ولأنه تعالى جعله من معجزاته التي ظهرت بالعصا ولأن انفلاقه ~~بضربه أعظم في النعمة عليه ، وأقوى لعلمهم أن ذلك إنما حصل لمكان موسى عليه ~~السلام ، واختلفوا في البحر ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن موسى عليه ~~السلام لما انتهى إلى البحر مع بني إسرائيل أمرهم أن يخوضوا البحر فامتنعوا ~~إلا يوشع بن نون فإنه ضرب دابته وخاض في البحر حتى عبر ثم رجع إليهم فأبوا ~~أن يخوضوا فقال موسى للبحر انفرق لي فقال ما أمرت بذلك ولا يعبر عن العصاة ~~، فقال موسى يا رب قد أبى البحر أن ينفرق ، فقيل له اضرب بعصاك البحر فضربه ~~فانفرق فكان كل فرق كالطود العظيم أي كالجبل العظيم وصار فيه اثنا عشر ~~طريقا لكل سبط منهم طريق فقال كل سبط قتل أصحابنا فعند ذلك دعا موسى عليه ~~السلام ربه فجعلها مناظر كهيئة الطبقات حتى نظر بعضهم إلى بعض على أرض ~~يابسة ، وعن عطاء بن السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بني إسرائيل وبين ~~آل فرعون وكان يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم بأولكم ، ويستقبل القبط فيقول ~~رويدكم ليلحق آخركم ، وروي أن موسى عليه السلام قال عند ذلك : ( يا من كان ~~قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء ) . # فأما قوله : { فكان كل فرق كالطود العظيم } فالفرق الجزء المنفرق منه ، ~~وقرىء ( كل فلق ) والمعنى واحد والطود الجبل المتطاول أي المرتفع في السماء ~~وهو معجز من وجوه : أحدها : أن تفرق ذلك الماء معجز وثانيها : أن اجتماع ~~ذلك الماء فوق كل طرف منه حتى صار كالجبل من المعجزات أيضا لأنه كان لا ~~يمتنع في الماء الذي أزيل بذلك التفريق أن يبدده الله تعالى ms6947 حتى يصير كأنه ~~لم يكن فلما جمع على الطرفين صار مؤكدا لهذا الإعجاز وثالثها : أنه إن ثبت ~~ما روي في الخبر أنه تعالى أرسل على فرعون وقومه من الرياح والظلمة ما ~~حيرهم فاحتبسوا القدر الذي يتكامل معه عبور بني إسرائيل فهو معجز ثالث ~~ورابعها : أن جعل الله في تلك الجدران المائية كوى ينظر منها بعضهم إلى بعض ~~فهو معجز رابع وخامسها : أن أبقى الله تعالى تلك المسالك حتى قرب منها آل ~~فرعون وطمعوا أن يتخلصوا من البحر كما تخلص قوم موسى عليه السلام فهو معجز ~~خامس . PageV24P120 # أما قوله تعالى : { وأزلفنا ثم الاخرين } ففيه بحثان : # البحث الأول : قال ابن عباس وابن جريج وقتادة والسدي { وأزلفنا } أي ~~وقربنا ثم أي حيث انفلق البحر للآخرين قوم فرعون ثم فيه ثلاثة أوجه : أحدها ~~: قربناهم من بني إسرائيل وثانيها : قربنا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ~~ينجو منهم أحد وثالثها : قدمناهم إلى البحر ومن الناس من قال : { وأزلفنا } ~~أي حبسنا فرعون وقومه عنذ طلبهم موسى عليه السلام بأن أظلمنا عليهم الدنيا ~~بسحابة وقفت عليهم فوقفوا حيارى / وقرىء { * وأزلقنا } بالقاف أي أزللنا ~~أقدامهم / والمعنى أذهبنا عزهم ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على ~~خلاف ما جعله لبني إسرائيل يبسا وأزلقهم . # البحث الثاني : أنه تعالى أضاف ذلك الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم ~~هنالك في طلب موسى كفر أجاب الجبائي عنه من وجهين : الأول : أن قوم فرعون ~~تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله تعالى فلما كان ~~مسيرهم بتدبيره وهؤلاء تبعوا ذلك أضافه إلى نفسه توسعا وهذا كما يتعب أحدنا ~~في طلب غلام له فيجوز أن يقول أتعبني الغلام لما حدث ذلك فعله الثاني : قيل ~~: { العظيم وأزلفنا ثم الاخرين } أي أزلفناهم إلى الموت لأجل أنهم في ذلك ~~الوقت قربوا من أجلهم وأنشد : # % وكل يوم مضى أو ليلة سلفت % % فيها النفوس إلى الآجال تزدلف % # وأجاب الكعبي عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى لما حلم عنهم ، وترك ~~البحر لهم يبسا وطمعوا في عبوره جازت الإضافة ms6948 كالرجل يسفه عليه صاحبه مرارا ~~فيحلم عنه ، فإذا تمادى في غيه وأراه قدرته عليه قال له أنا أحوجتك إلى هذا ~~وصيرتك إليه بحلمي ، لا يريد بذلك أنه أراد ما فعل الثاني : يحتمل أنه ~~أزلفهم أي جمعهم ليغرقهم عند ذلك ولكي لا يصلوا إلى موسى وقومه والجواب : ~~عن الأول أن الذي فعله بنو إسرائيل هل له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون ~~إلى الذهاب خلفهم أوليس له أثر فيه فإن كان الأول فقد حصل المقصود لأن لفعل ~~الله تعالى أثرا في حصول الداعية المستلزمة لذلك الإزلاف ، وإن لم يكن له ~~فيه أثر ألبتة فقد زال التعلق فوجب أن لا تحسن الإضافة ، وأما إذا تعب ~~أحدنا في طلب غلام له ، فإنما يجوز أن يقول أتعبني ذلك الغلام لما أن فعل ~~ذلك الغلام صار كالمؤثر في حصول ذلك التعب لأنه متى فعل ذلك الفعل فالظاهر ~~أنه يصير معلوما للسيد ، ومتى علمه صار علمه داعيا له إلى ذلك التعب ومؤثرا ~~فيه فصحت الإضافة . وبالجملة فعندنا القادر لا يمكنه الفعل إلا بالداعي ~~فالداعي مؤثر في صيرورة القادر مؤثرا في ذلك الفعل فلا جرم حسنت الإضافة ~~والجواب : عن الثاني وهو أنه أزلفهم ليغرقهم فهو أنه تعالى ما أزلفهم بل هم ~~بأنفسهم ازدلفوا ثم حصل الغرق بعده ، فكيف يجوز إضافة هذا الإزلاف إلى الله ~~تعالى ؟ أما على قولنا فإنه جائز لأنه تعالى هو الذي خلق الداعية المستعقبة ~~لذلك الازدلاف والجواب : عن الثالث وهو أن حلمه تعالى عنهم وحملهم على ذلك ~~، فنقول ذلك الحلم هل له أثر في استجلاب هذه الداعية أم لا ؟ وباقي التقرير ~~كما تقدم والجواب : عن الرابع هو بعينه الجواب عن الثاني والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الاخرين } ~~فالمعنى أنه تعالى جعل البحر يبسا في حق موسى وقومه حتى خرجوا منه وأغرق ~~فرعون وقومه لأنه لما تكامل دخولهم البحر انطبق الماء عليهم فغرقوا في ذلك ~~الماء . PageV24P121 # / أما قوله تعالى : { إن فى ذلك لآية } فالمعنى أن الذي حدث في ms6949 البحر آية ~~عجيبة من الآيات العظام الدالة على قدرته لأن أحدا من البشر لا يقدر عليه ~~وعلى حكمته من حيث وقع ما كان مصلحة في الدين والدنيا ، وعلى صدق موسى عليه ~~السلام من حيث كان معجزة له ، وعلى اعتبار المعتبرين به أبدا فيصير تحذيرا ~~من الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله ، ويكون فيه اعتبار لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال عقيب ذلك : { وما كان أكثرهم مؤمنين } وفي ~~ذلك تسلية له فقد كان يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات عليه فنبهه الله ~~تعالى بهذا الذكر على أن له أسوة بموسى وغيره / فإن الذي ظهر على موسى من ~~هذه المعجزات العظام التي تبهر العقول لم يمنع من أن أكثرهم كذبوه وكفروا ~~به مع مشاهدتهم لما شاهدوه في البحر وغيره . فكذلك أنت يا محمد لا تعجب من ~~تكذيب أكثرهم لك واصبر على إيذائهم فلعلهم أن يصلحوا ويكون في هذا الصبر ~~تأكيد الحجة عليهم . # وأما قوله : { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } فتعلقه بما قبله أن القوم مع ~~مشاهدة هذه الآية الباهرة كفروا ، ثم إنه تعالى كان عزيزا قادرا على أن ~~يهلكهم ، ثم إنه تعالى ما أهلكهم بل أفاض عليهم أنواع رحمته فدل ذلك على ~~كمال رحمته وسعة جوده وفضله . # القصة الثانية قصة إبراهيم عليه السلام # ! 7 < { واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون * قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو ~~يضرون * قالوا بل وجدنآ ءابآءنا كذلك يفعلون * قال أفرءيتم ما كنتم تعبدون ~~* أنتم وءابآؤكم الا قدمون * فإنهم عدو لىإلا رب العالمين } . > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 69 - 77 ) واتل عليهم نبأ . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة شدة حزن محمد صلى الله عليه وسلم بسبب ~~كفر قومه / ثم إنه ذكر قصة موسى عليه السلام ليعرف محمد أن مثل تلك المحنة ~~كانت حاصلة لموسى : ثم ذكر عقبها قصة إبراهيم عليه السلام ليعرف محمد أيضا ~~أن حزن إبراهيم عليه السلام بهذا السبب كان أشد من ms6950 حزنه ، لأن من عظيم ~~المحنة على إبراهيم عليه السلام أن يرى أباه وقومه في النار وهو لا يتمكن ~~من إنقاذهم إلا بقدر الدعاء والتنبيه فقال لهم : { ما تعبدون } وكان ~~إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة أصنام ولكنه سألهم ليريهم أن ما ~~يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء كما تقول لتاجر الرقيق ما مالك ؟ ~~وأنت تعلم أن ماله الرقيق ، ثم تقول : الرقيق جمال وليس بمال . فأجابوا ~~إبراهيم عليه السلام بقولهم : { نعبد أصناما فنظل لها عاكفين } والعكوف : ~~الإقامة PageV24P122 على الشيء ، وإنما قالوا : { * نظل } لأنهم كانوا ~~يعبدونها بالنهار دون الليل ، واعلم أنه كان يكفيهم في الجواب أن يقولوا ~~نعبد أصناما ، ولكنهم ضموا إليه زيادة على الجواب وهي قولهم : { أصناما ~~فنظل لها عاكفين } وإنما ذكروا هذه الزيادة إظهارا لما في نفوسهم من ~~الابتهاج والافتخار بعبادة الأصنام فقال إبراهيم عليه السلام منبها على ~~فساد مذهبهم { هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون } قال صاحب ( ~~الكشاف ) : لا بد في يسمعونكم من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم ~~وقرأ قتادة { هل يسمعونكم } أي هل يسمعونكم الجواب عن دعائكم وهل يقدرون ~~على ذلك وتقرير هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام أن الغالب من حال ~~من يعبد غيره أن يلتجىء إليه في المسألة ليعرف مراده إذا سمع دعاءه ثم ~~يستجيب له في بذل منفعة أو دفع مضرة ، فقال لهم فإذا كان من تعبدونه لا ~~يسمع دعاءكم حتى يعرف مقصودكم ، ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع أو يدفع ~~الضرر فكيف تستجيزون أن تعبدوا ما هذا وصفه ؟ فعند هذه الحجة القاهرة لم ~~يجد أبوه وقومه ما يدفعون به هذه الحجة فعدلوا إلى أن قالوا : { وجدنا ~~ءاباءنا كذلك يفعلون } وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد ووجوب التمسك ~~بالاستدلال ، إذ لو قلبنا الأمر فمدحنا التقليد وذممنا الاستدلال لكان ذلك ~~مدحا لطريقة الكفار التي ذمها الله تعالى وذما لطريقة إبراهيم عليه السلام ~~التي مدحها الله تعالى فأجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله : { قال أفرءيتم ~~ما كنتم تعبدون * أنتم ms6951 وءاباؤكم } أراد به أن الباطل لا يتغير بأن يكون ~~قديما أو حديثا ، ولا بأن يكون في فاعلية كثرة أو قلة . # أما قوله : { فإنهم عدو لى إلا رب العالمين } ففيه أسئلة : # السؤال الأول : كيف يكون الصنم عدوا مع أنه جماد ؟ جوابه من وجهين : ~~أحدهما : أنه تعالى قال في سورة مريم ( 82 ) في صفة الأوثان { كلا سيكفرون ~~بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا } فقيل في تفسيره إن الله يحيي ما عبدوه من ~~الأصنام حتى يقع منهم التوبيخ لهم والبراءة منهم / فعلى هذا الوجه أن ~~الأوثان ستصير أعداء لهؤلاء الكفار في الآخرة فأطلق إبراهيم عليه السلام ~~لفظ العداوة عليهم على هذا التأويل وثانيها : أن الكفار لما عبدوها وعظموها ~~ورجوها في طلب / المنافع ودفع المضار نزلت منزلة الأحياء العقلاء في اعتقاد ~~الكفار ، ثم إنها صارت أسبابا لانقطاع الإنسان عن السعادة ووصوله إلى ~~الشقاوة ، فلما نزلت هذه الأصنام منزلة الأحياء وجرت مجرى الدافع للمنفعة ~~والجالب للمضرة لا جرم جرت مجرى الأعداء ، فلا جرم أطلق إبراهيم عليه ~~السلام عليها لفظ العدو وثالثها : المراد في قوله : { فإنهم عدو لى } عداوة ~~من يعبدها ، فإن قيل فلم لم يقل إن من يعبد الأصنام عدو لي ليكون الكلام ~~حقيقة ؟ جوابه : لأن الذي تقدم ذكره ما عبدوه دون العابدين . # السؤال لثاني : لم قال : { فإنهم عدو لى } ولم يقل فإنها عدو لكم ؟ جوابه ~~: أنه عليه السلام صور المسألة في نفسه على معنى إني فكرت في أمري فرأيت ~~عبادتي لها عبادة للعدو فاجتنبتها ، ( وآثرت عبادة من الخير كله منه ) ~~وأراهم ( بذلك ) أنها نصيحة نصح بها نفسه ، فإذا تفكروا قالوا ما نصحنا ~~إبراهيم إلا بما نصح به نفسه ، فيكون ذلك أدعى للقبول . PageV24P123 # السؤال الثالث : لم لم يقل فإنهم أعدائي ؟ جوابه العدو والصديق يجيئان في ~~معنى الواحد والجماعة ، قال : # % ف وقوم علي ذوي ( مرة ) < / 1 > % أراهم عدوا وكانوا صديقا % # ومنه قوله تعالى : { وهم لكم عدو } ( الكهف : 50 ) وتحقيق القول فيه ما ~~تقدم في قوله : { إنا رسول رب العالمين } ( الشعراء : 16 ) . # السؤال الرابع : ما هذا الاستثناء ؟ جوابه أنه ms6952 استثناء منقطع كأنه قال ~~لكن رب العالمين . # ! 7 < { الذى خلقنى فهو يهدين * والذى هو يطعمنى ويسقين * وإذا مرضت فهو ~~يشفين * والذى يميتنى ثم يحيين * والذىأطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ~~. > 7 ! # < < # | الشعراء : ( 78 - 82 ) الذي خلقني فهو . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عنه أنه استثنى رب العالمين ، حكى عنه أيضا ~~ما وصفه به مما يستحق العبادة لأجله ، ثم حكى عنه ما سأله عنه ، أما ~~الأوصاف فأربعة : أولها : قوله : { الذى خلقنى فهو يهدين } . # واعلم أنه سبحانه أثنى على نفسه بهذين الأمرين في قوله : { الذى خلق فسوى ~~* والذى قدر فهدى } ( الأعلى : 2 ، 3 ) واعلم أن الخلق والهداية بهما يحصل ~~جميع المنافع لكل من يصح الانتفاع عليه ، فلنتكلم في الإنسان فنقول إنه ~~مخلوق ، فمنهم من قال هو من عالم الخلق والجسمانيات ، ومن قال هو من عالم ~~الأمر الروحانيات ، وتركيب البدن الذي هو من عالم الخلق مقدم على إعطاء ~~القلب الذي هو من عالم / الأمر على ما أخبر عنه سبحانه في قوله : { فإذا ~~سويته ونفخت فيه من روحى } ( ص : 72 ) فالتسوية إشارة إلى تعديل المزاج ~~وتركيب الأمشاج ، ونفخ الروح إشارة إلى اللطيفة الربانية النورانية التي هي ~~من عالم الأمر ، وأيضا قال : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( ~~المؤمنون : 12 ) ولما تمم مراتب تغيرات الأجسام قال : { ثم خلقنا النطفة ~~علقة } ( المؤمنون : 14 ) وذلك إشارة إلى الروح الذي هو من عالم الملائكة ، ~~ولا شك أن الهداية إنما تحصل من الروح ، فقد ظهر بهذه الآيات أن الخلق مقدم ~~على الهداية . # أما تحقيقه بحسب المباحث الحقيقية ، فهو أن بدن الإنسان إنما يتولد عند ~~امتزاج المني بدم الطمث ، وهما إنما يتولدان من الأغذية المتولدة من تركب ~~العناصر الأربعة وتفاعلها ، فإذا امتزج المني بالدم فلا يزال ما فيها من ~~الحار والبارد والرطب واليابس متفاعلا ، وما في كل واحد منها من القوى ~~كاسرا سورة كيفية الآخر ، فحينئذ يحصل من تفاعلهما كيفية متوسطة تستحر ~~بالقياس إلى البارد وتستبرد بالقياس إلى الحار ، وكذا القول في الرطب ~~واليابس ، وحينئذ يحصل الاستعداد لقبول ms6953 قوى مدبرة لذلك المركب فبعضها قوى ~~نباتية وهي التي PageV24P124 تجذب الغذاء ، ثم تمسكه ثم تهضمه ثم تدفع ~~الفضلة المؤذية ، ثم تقيم تلك الأجزاء بدل ما تحلل منها ، ثم تزيد في جوهر ~~الأعضاء طولا وعرضا ، ثم يفضل عن تلك المواد فضلة يمكن أن يتولد عنها مثل ~~ذلك ، ومنها قوى حيوانية بعضها مدركة كالحواس الخمس والخيال والحفظ والذكر ~~، وبعضها فاعلة : إما آمرة كالشهوة والغضب أو مأمورة كالقوى المركوزة في ~~العضلات ، ومنها قوى إنسانية وهي إما مدركة أو عاملة ، والقوى المدركة هي ~~القوى القوية على إدراك حقائق الأشياء الروحانية والجسمانية والعلوية ~~والسفلية ، ثم إنك إذا فتشت عن كل واحدة من مركبات هذا العالم الجسماني ، ~~ومفرداتها وجدت لها أشياء تلائمها وتكمل حالها وأشياء تنافرها وتفسد حالها ~~، ووجدت فيها قوى جذابة للملائم دفاعة للمنافي ، فقد ظهر أن صلاح الحال في ~~هذه الأشياء لا يتم إلا بالخلق والهداية . أما الخلق فبتصييره موجودا بعد ~~أن كان معدوما ، وأما الهداية فبتلك القوى الجذابة للمنافع والدفاعة للمضار ~~فثبت أن قوله : { خلقنى فهو يهدين } كلمة جامعة حاوية لجميع المنافع في ~~الدنيا والدين ، ثم ههنا دقيقة وهو أنه قال : { خلقنى } فذكره بلفظ الماضي ~~وقال : { يهدين } ذكره بلفظ المستقبل ، والسبب في ذلك أن خلق الذات لا ~~يتجدد في الدنيا ، بل لما وقع بقي إلى الأمد المعلوم . أما هدايته تعالى ~~فهي مما يتكرر كل حين وأوان سواء كان ذلك هداية في المنافع الدنيوية ، وذلك ~~بأن تحكم الحواس بتمييز المنافع عن المضار أو في المنافع الدينية وذلك بأن ~~يحكم العقل بتمييز الحق عن الباطل والخير عن الشر ، فبين بذلك أنه سبحانه ~~هو الذي خلقه بسائر ما تكامل به خلقه في الماضي دفعة واحدة ، وأنه يهديه ~~إلى مصالح الدين والدنيا بضروب الهدايات في كل لحظة ولمحة وثانيها : قوله : ~~{ والذى هو يطعمنى ويسقين } وقد دخل فيه كل ما يتصل بنافع الرزق ، وذلك ~~لأنه سبحانه إذا خلق له الطعام وملكه ، فلو لم يكن معه ما يتمكن به من أكله ~~والاغتذاء به نحو الشهوة والقوة / والتمييز لم تكمل ms6954 هذه النعمة ، وذكر ~~الطعام والشراب ونبه بذكرهما على ما عداهما وثالثها : قوله : { وإذا مرضت ~~فهو يشفين } وفيه سؤال وهو أنه لم قال : { مرضات } دون أمرضني ؟ وجوابه من ~~وجوه : الأول : أن كثيرا من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ~~ومشاربه وغير ذلك ، ومن ثم قالت الحكماء : لو قيل لأكثر الموتى ما سبب ~~آجالكم ؟ لقالوا التخم الثاني : أن المرض إنما يحدث باستيلاء بعض الأخلاط ~~على بعض ، وذلك الاستيلاء إنما يحصل بسبب ما بينها من التنافر الطبيعي . ~~أما الصحة فهي إنما تحصل عند بقاء الأخلاط على اعتدالها وبقاؤها على ~~اعتدالها ، إنما يكون بسبب قاهر يقهرها على الاجتماع ، وعودها إلى الصحة ~~إنما يكون أيضا بسبب قاهر يقهرها على العود إلى الاجتماع والاعتدال بعد أن ~~كانت بطباعها مشتاقة إلى التفرق والنزاع ، فلهذا السبب أضاف الشفاء إليه ~~سبحانه وتعالى ، وما أضاف المرض إليه وثالثها : وهو أن الشفاء محبوب وهو من ~~أصول النعم ، والمرض مكروه وليس من النعم ، وكان مقصود إبراهيم عليه السلام ~~تعديد النعم ، ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إليه تعالى ، فإن ~~نقضته بالإماتة فجوابه : أن الموت ليس بضرر ، لأن شرط كونه ضررا وقوع ~~الإحساس به ، وحال حصول الموت لا يقع الإحساس به ، إنما الضرر في مقدماته ~~وذلك هو عين المرض ، وأيضا فلأنك قد عرفت أن الأرواح إذا كملت في العلوم ~~والأخلاق كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر وخلاصتها عنها عين السعادة ~~بخلاف المرض ورابعها : قوله : { والذى يميتنى ثم يحيين } والمراد منه ~~الإماتة في الدنيا والتخلص عن آفاتها وعقوباتها ، والمراد من الإحياء ~~المجازاة وخامسها : قوله : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } فهو ~~إشارة إلى PageV24P125 ما هو مطلوب كل عاقل من الخلاص عن العذاب والفوز ~~بالثواب . # واعلم أن إبراهيم عليه السلام جمع في هذه الألفاظ جميع نعم الله تعالى من ~~أول الخلق إلى آخر الأبد في الدار الآخرة ، ثم ههنا أسئلة : # السؤال الأول : لم قال : { والذى أطمع } والطمع عبارة عن الظن والرجاء ، ~~وإنه عليه السلام كان قاطعا ms6955 بذلك ؟ جوابه : أن هذا الكلام لا يستقيم إلا ~~على مذهبنا ، حيث قلنا إنه لا يجب على الله لأحد شيء ، وأنه يحسن منه كل ~~شيء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله ، وأجاب الجبائي عنه من وجهين : الأول : ~~أن قوله : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى } أراد به سائر المؤمنين لأنهم ~~الذين يطمعون ولا يقطعون به الثاني : المراد من الطمع اليقين ، وهو مروي عن ~~الحسن وأجاب صاحب ( الكشاف ) : بأنه إنما ذكره على هذا الوجه تعليما منه ~~لأمته كيفية الدعاء . # واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة ، أما الأول : فلأن الله تعالى حكى عنه الثناء ~~أولا والدعاء ثانيا ومن أول المدح إلى آخر الدعاء كلام إبراهيم عليه السلام ~~فجعل الشيء الواحد وهو قوله : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ~~كلام غيره مما يبطل نظم الكلام ويفسده / وأما الثاني : وهو أن الطمع هو ~~اليقين فهذا على خلاف اللغة ، وأما الثالث : وهو أن الغرض منه تعليم / ~~الأمة فباطل أيضا لأن حاصله يرجع إلى أنه كذب على نفسه لغرض تعليم الأمة ، ~~وهو باطل قطعا . # السؤال الثاني : لم أسند إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء منزعون عن ~~الخطايا قطعا ؟ ، وفي جوابه ثلاثة وجوه : أحدها : أنه محمول على كذب ~~إبراهيم عليه السلام في قوله : { فعله كبيرهم } ( الأنبياء : 63 ) وقوله : ~~{ إنى سقيم } ( الصافات : 89 ) وقوله لسارة : ( إنها أختي ) وهو ضعيف لأن ~~نسبة الكذب إليه غير جائزة وثانيها : أنه ذكره على سبيل التواضع وهضم النفس ~~وهذا ضعيف لأنه إن كان صادقا في هذا التواضع فقد لزم الإشكال ، وإن كان ~~كاذبا فحينئذ يرجع حاصل الجواب إلى إلحاق المعصية به لأجل تنزيهه عن ~~المعصية وثالثها : وهو الجواب الصحيح أن يحمل ذلك على ترك الأولى ، وقد ~~يسمى ذلك خطأ فإن من ملك جوهرة وأمكنه أن يبيعها بألف ألف دينار فإن باعها ~~بدينار ، قيل إنه أخطأ ، وترك الأولى على الأنبياء جائز . # السؤال الثالث : لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين ، وإنما تغفر في الدنيا ~~؟ جوابه : لأن أثرها يظهر يوم الدين وهو الآن خفي لا يعلم ms6956 . # السؤال الرابع : ما فائدة ( لي ) في قوله : { يغفر لى خطيئتى } ؟ وجوابه ~~من وجوه : أحدها : أن الأب إذا عفا عن ولده والسيد عن عبده والزوج عن زوجته ~~فذلك في أكثر الأمر إنما يكون طلبا للثواب وهربا عن العقاب أو طلبا لحسن ~~الثناء والمحمدة أو دفعا للألم الحاصل من الرقة الجنسية وإذا كان كذلك لم ~~يكن المقصود من ذلك العفو رعاية جانب المعفو عنه بل رعاية جانب نفسه ، إما ~~لتحصيل ما ينبغي أو لدفع ما لا ينبغي ، أما الإله سبحانه فإنه كامل لذاته ~~فيستحيل أن تحدث له صفات كمال لم تكن أو يزول عنه نقصان كان ، وإذا كان ~~كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية لجانب المعفو عنه فقوله : { والذى أطمع أن يغفر ~~لى } يعني هو الذي إذا غفر كان غفرانه لي ولأجلي لا لأجل أمر عائد إليه ~~ألبتة وثانيها : كأنه قال خلقتني لا لي فإنك حين خلقتني ما كنت موجودا وإذا ~~لم أكن موجودا استحال تحصيل شيء لأجلي ثم مع هذا فأنت خلقتني ، أما لو عفوت ~~كان PageV24P126 ذلك العفو لأجلي ، فلما خلقتني أولا مع أني كنت محتاجا إلى ~~ذلك الخلق فلأن تغفر لي وتعفو عني حال ما أكون في أشد الحاجة إلى العفو ~~والمغفرة كان أولى وثالثها : أن إبراهيم عليه السلام كان لشدة استغراقه في ~~بحر المعرفة شديد الفرار عن الالتفات إلى الوسائط ، ولذلك لما قال له جبريل ~~عليه السلام : ( ألك حاجة ؟ قال أما إليك فلا ) فههنا قال : { أطمع أن يغفر ~~لى خطيئتى يوم الدين } أي لمجرد عبوديتي لك واحتياجي إليك تغفر لي خطيئتي ~~لا أن تغفرها لي بواسطة شفاعة شافع . # ! 7 < { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين * واجعل لى لسان صدق فى الا ~~خرين * واجعلنى من ورثة جنة النعيم * واغفر لابىإنه كان من الضآلين * ولا ~~تخزنى يوم يبعثون * يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم ~~} . > 7 ! # / < < # | الشعراء : ( 83 - 89 ) رب هب لي . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام ثناءه على الله ~~تعالى ms6957 ذكر بعد ذلك دعاءه ومسألته وذلك تنبيه على أن تقديم الثناء على ~~الدعاء من المهمات وتحقيق الكلام فيه أن هذه الأرواح البشرية من جنس ~~الملائكة فكلما كان اشتغالها بمعرفة الله تعالى ومحبته والانجذاب إلى عالم ~~الروحانيات أشد كانت مشاكلتها للملائكة أتم ، فكانت أقوى على التصرف في ~~أجسام هذا العالم ، وكلما كان اشتغالها بلذات هذا العالم واستغراقها في ~~ظلمات هذه الجسمانيات أشد كانت مشاكلتها للبهائم أشد فكانت أكثر عجزا وضعفا ~~وأقل تأثيرا في هذا العالم ، فمن أراد أن يشتغل بالدعاء يجب أن يقدم عليه ~~ثناء الله تعالى وذكر عظمته وكبريائه حتى أنه بسبب ذلك الذكر يصير مستغرقا ~~في معرفة الله ومحبته ويصير قريب المشاكلة من الملائكة فتحصل له بسبب تلك ~~المشاكلة قوة إلهية سماوية فيصير مبدأ لحدوث ذلك الشيء الذي هو المطلوب ~~بالدعاء فهذا هو الكشف عن ماهية الدعاء وظهر أن تقديم الثناء على الدعاء من ~~الواجبات وطهر به تحقيق قوله عليه السلام حكاية عن الله تعالى : ( من شغله ~~ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ) فإن قال قائل : لم لم يقتصر ~~إبراهيم عليه السلام على الثناء ، لا سيما ويروى عنه أيضا أنه قال : حسبي ~~من سؤالي علمه بحالي ؟ فالجواب : أنه عليه السلام إنما ذكر ذلك حين كان ~~مشتغلا بدعوة الخلق إلى الحق ألا ترى أنه قال : { فإنهم عدو لى إلا رب ~~العالمين } ( الشعراء : 77 ) ثم ذكر الثناء ، ثم ذكر الدعاء لأن الشارع لا ~~بد له من تعليم الشرع ، فأما حين ما خلا بنفسه ، ولم يكن غرضه تعليم الشرع ~~كان يقتصر على قوله : حسبي من سؤالي علمه بحالي . # البحث الثاني : في الأمور التي طلبها في الدعاء وهي مطاليب : # المطلوب الأول : قوله : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } ، ولقد ~~أجابه الله تعالى حيث قال : { وإنه فى الاخرة لمن الصالحين } ( البقرة : ~~130 ) وفيه مطالب : أحدها : أنه لا يجوز تفسير الحكم بالنبوة لأن ~~PageV24P127 النبوة كانت حاصلة فلو طلب النبوة لكانت النبوة المطلوبة ، أما ~~عين النبوة الحاصلة أو غيرها ، والأول محال لأن تحصيل الحاصل ms6958 محال ، ~~والثاني محال لأنه يمتنع أن يكون الشخص الواحد نبيا مرتين ، بل المراد من ~~الحكم ما هو كمال القوة النظرية ، وذلك بإدراك الحق ومن قوله / { وألحقنى ~~بالصالحين } كمال القوة العملية ، وذلك بأن يكون عاملا بالخير فإن كمال ~~الإنسان أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وإنما قدم قوله : { ~~رب هب لى حكما } على قوله : { وألحقنى بالصالحين } لما أن القوة النظرية ~~مقدمة على القوة العملية بالشرف وبالذات ، وأيضا فإنه يمكنه أن يعلم الحق ~~وإن لم يعلم بالخير وعكسه غير ممكن ، ولأن العلم صفة الروح والعمل صفة ~~البدن ، ولما كان الروح أشرف من البدن كان العلم أفضل من العمل ، وإنما ~~فسرنا معرفة الأشياء بالحكم وذلك لأن الإنسان لا يعرف حقائق الأشياء إلا ~~إذا استحضر في ذهنه صور الماهيات ، ثم نسب بعضها إلى بعض بالنفي أو ~~بالإثبات ، وتلك النسبة وهي الحكم ، ثم إن كانت النسب الذهنية مطابقة للنسب ~~الخارجية كانت النسب الذهنية ممتنعة التغير فكانت مستحكمة قوية / فمثل هذا ~~الإدراك يسمى حكمة حكما ، وهو المراد من قوله عليه السلام : ( أرنا الأشياء ~~كما هي ) وأما الصلاح فهو كون القوة العاقلة متوسطة بين رذيلتي الإفراط ~~والتفريظ ، وذلك لأن الإفراط في أحد الجانبين تفريط في الجانب الآخر ~~وبالعكس فالصلاح لا يحصل إلا بالاعتدال ، ولما كان الاعتدال الحقيقي شيئا ~~واحدا لا يقبل القسمة ألبتة والأفكار البشرية في هذا العالم قاصرة على ~~إدراك أمثال هذه الأشياء ، لا جرم لا ينفك البشر عن الخروج عن ذلك الحد وإن ~~قل ، إلا أن خروج المقربين عنه يكون في القلة بحيث لا يحس به وخروج العصاة ~~عنه يكون متفاحشا جدا فقد ظهر من هذا تحقيق ما قيل : حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين ، وظهر احتياج إبراهيم عليه السلام إلى أن يقول : { وألحقنى ~~بالصالحين } . # المطلب الثاني : لما ثبت أن المراد من الحكم العلم ، ثبت أنه عليه السلام ~~طلب من الله أن يعطيه العلم بالله تعالى وبصفاته ، وهذا يدل على أن معرفة ~~الله تعالى لا تحصل في قلب العبد إلا بخلق الله تعالى ، وقوله : { وألحقنى ms6959 ~~بالصالحين } يدل على أن كون العبد صالحا ليس إلا بخلق الله تعالى وحمل هذه ~~الأشياء على الألطاف بعيد ، لأن عند الخصم كل ما في قدرة الله تعالى من ~~الألطاف فقد فعله فلو صرفنا الدعاء إليه لكان ذلك طلبا لتحصيل الحاصل وهو ~~فاسد . # المطلب الثالث : أن الحكم المطلوب في الدعاء إما أن يكون هو العلم بالله ~~أو بغيره والثاني باطل ، لأن الإنسان حال كونه مستحضرا للعلم بشيء لا يمكنه ~~أن يكون مستحضرا للعلم بشيء آخر فلو كان المطلوب بهذا الدعاء العلم بغير ~~الله تعالى ، والعلم بغير الله تعالى شاغل عن الاستغراق في العلم بالله كان ~~هذا السؤال طلبا لما يشغله عن الاستغراق في العلم بالله تعالى ، وذلك غير ~~جائز لأنه لا كمال فوق ذلك الاستغراق فإذن المطلوب بهذا الدعاء هو العلم ~~بالله ، ثم إن ذلك العلم إما أن يكون هو العلم بالله تعالى الذي هو شرط صحة ~~الإيمان أو غيره ، والأول باطل لأنه لما وجب أن يكون حاصلا لكل المؤمنين ~~فكيف لا يكون حاصلا عند إبراهيم عليه السلام ، وإذا كان حاصلا عنده امتنع ~~طلب تحصيله ، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء درجات في معرفة الله تعالى أزيد ~~من العلم / بوجوده وبأنه ليس بمتحيز ولا حال في المتحيز وبأنه عالم قادر حي ~~، وما ذاك إلا الوقوف على صفات الجلال أو الوقوف على حقيقة الذات أو ظهور ~~نور تلك المعرفة PageV24P128 في القلب . ثم هناك أحوال لا يعبر عنها المقال ~~ولا يشرحها الخيال ، ومن أراد أن يصل إليها فليكن من الواصلين إلى العين ، ~~دون السامعين للأثر . # المطلوب الثاني : قوله : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } وفيه ثلاث ~~تأويلات : # التأويل الأول : أنه عليه السلام ابتدأ بطلب ما هو الكمال الذاتي للإنسان ~~في الدنيا والآخرة وهو طلب الحكم الذي هو العلم ، ثم طلب بعده كمالات ~~الدنيا وبعد ذلك طلب كمالات الآخرة ، فأما كمالات الدنيا فبعضها داخلية ~~وبعضها خارجية ، أما الداخلية فهي الخلق الظاهر والحلق الباطن والحلق ~~الظاهر أشد جسمانية والخلق الباطن أشد روحانية ، فترك إبراهيم عليه السلام ms6960 ~~الأمر الجسماني وهو الخلق الظاهر وطلب الأمر الروحاني وهو الخلق الباطن ، ~~وهو المراد بقوله : { وألحقنى بالصالحين } وأما الخارجية فهي المال والجاه ~~، والمال أشد جسمانية والجاه أشد روحانية فترك إبراهيم عليه السلام الأمر ~~الجسماني وهو المال وطلب الأمر الروحاني وهو الجاه والذكر الجميل الباقي ~~على وجه الدهر ، وهو المراد بقوله : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما وقد أعطاه ذلك بقوله : { وتركنا عليه فى الاخرين } ~~فإن قيل وأي غرض له في أن يثني عليه ويمدح ؟ جوابه من وجهين : الأول : وهو ~~على لسان الحكمة أن الأرواح البشرية قد بينا أنها مؤثرة في الجملة إلا أن ~~بعضها قد يكون ضعيفا فيعجز عن التأثير فإذا اجتمعت طائفة منها فربما قوي ~~مجموعها على ما عجزت الآحاد عنه ، وهذا المعنى مشاهد في المؤثرات الجسمانية ~~، إذا ثبت هذا فالإنسان الواحد إذا كان بحيث يثنى عليه الجمع العظيم ~~ويمدحونه ويعظمونه ، فربما صار انصراف هممهم عند الاجتماع إليه سببا لحصول ~~زيادة كمال له الثاني : وهو على لسان الكمال أن من صار ممدوحا فيما بين ~~الناس بسبب ما عنده من الفضائل ، فإنه يصير ذلك المدح وتلك الشهرة داعيا ~~لغيره إلى اكتساب مثل تلك الفضائل . # التأويل الثاني : أنه سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون ~~داعيا إلى الله تعالى ، وذلك هو محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد من قوله : ~~{ واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } بعثة محمد صلى الله عليه وسلم . # التأويل الثالث : قال بعضهم المراد اتفاق أهل الأديان على حبه ، ثم إن ~~الله تعالى أعطاه ذلك لأنك لا ترى أهل دين إلا ويتوالون إبراهيم عليه ~~السلام ، وقدح بعضهم فيه بأنه لا تقوى الرغبة في مدح الكافر وجوابه : أنه ~~ليس المقصود مدح الكافر من حيث هو كافر ، بل المقصود أن يكون ممدوح كل ~~إنسان ومحبوب كل قلب . # المطلوب الثالث : قوله : { واجعلنى من ورثة جنة النعيم } اعلم أنه لما ~~طلب سعادة الدنيا / طلب بعدها سعادة الآخرة وهي جنة النعيم ، وشبهها بما ~~يورث لأنه ms6961 الذي يغتنم في الدنيا ، فشبه غنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا . # المطلوب الرابع : قوله : { واغفر لابى إنه كان من الضالين } واعلم أنه ~~لما فرغ من طلب السعادات الدنيوية والأخروية لنفسه طلبها لأشد الناس ~~التصاقا به وهو أبوه فقال : { واغفر لابى } ثم فيه وجوه : الأول : أن ~~المغفرة مشروطة بالإسلام وطلب المشروط متضمن لطلب الشرط فقوله : { واغفر ~~لابى } يرجع حاصله إلى أنه دعاء لأبيه بالإسلام الثاني : أن أباه وعده ~~الإسلام كما قال تعالى : { وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه } PageV24P129 ( التوبة : 114 ) فدعا له لهذا الشرط ولا يمتنع ~~الدعاء للكافر على هذا الشرط { فلما تبين أنه عدو لله تبرأ منه } ( التوبة ~~: 114 ) وهذا ضعيف لأن الدعاء بهذا الشرط جائز للكافر فلو كان دعاؤه مشروطا ~~لما منعه الله عنه الثالث : أن أباه قال له إنه على دينه باطنا وعلى دين ~~نمروذ ظاهرا تقية وخوفا ، فدعا له لاعتقاده أن الأمر كذلك فلما تبين له ~~خلاف ذلك تبرأ منه ، لذلك قال في دعائه : { إنه كان من الضالين } فلولا ~~اعتقاده فيه أنه في الحال ليس بضال لما قال ذلك . # المطلوب الخامس : قوله : { ولا تخزنى يوم يبعثون } قال صاحب ( الكشاف ) : ~~الإخزاء من الخزي وهو الهوان ، أو من الخزاية وهي الحياء وههنا أبحاث : # أحدها : أن قوله : { ولا تخزنى } يدل على أنه لا يجب على الله تعالى شيء ~~على ما بيناه في قوله : { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين } ( ~~الشعراء : 82 ) . # وثانيها : أن لقائل أن يقول لما قال أولا : { واجعلنى من ورثة جنة النعيم ~~} ومتى حصلت الجنة ، امتنع حصول الخزي ، فكيف قال بعده : { ولا تخزنى يوم ~~يبعثون } وأيضا فقد قال تعالى : { إن الخزى اليوم والسوء على الكافرين } ( ~~النحل : 27 ) فما كان نصيب الكفار فقط فكيف يخافه المعصوم ؟ جوابه : كما أن ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذا درجات الأبرار دركات المقربين وخزي كل ~~واحد بما يليق به . # وثالثها : قال صاحب ( الكشاف ) : في ( يبعثون ) ضمير العباد لأنه معلوم ~~أو ضمير الضالين . # أما قوله : { إلا من * اتى * الله بقلب سليم ms6962 } فاعلم أنه تعالى أكرمه ~~بهذا الوصف حيث قال : { وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم } ( ~~الصافات : 83 / 84 ) . # ثم في هذا الاستثناء وجوه : أحدها : أنه إذا قيل لك : هل لزيد مال وبنون ~~؟ فتقول ماله وبنوه سلامة قلبه ، تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة ~~القلب له بدلا عن ذلك ، فكذا في هذه الآية وثانيها : أن نحمل الكلام على ~~المعنى ونجعل المال والبنين في معنى الغنى كأنه قيل يوم لا ينفع غنى إلا ~~غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه ~~في دنياه بماله وبنيه وثالثها : أن نجعل ( من ) مفعولا لينفع أي لا ينفع ~~مال ولا بنون إلا رجلا سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه في طاعة الله تعالى ، ~~ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين ، ويجوز على هذا { إلا من أتى الله بقلب ~~سليم } من فتنة المال والبنين ، أما السليم ففي ثلاثة أوجه : الأول : وهو ~~الأصح أن المراد منه سلامة القلب عن الجهل والأخلاق الرذيلة ، وذلك لأنه ~~كما أن صحة البدن وسلامته عبارة عن حصول ما ينبغي من المزاج والتركيب ~~والاتصال ومرضه عبارة عن زوال أحد تلك الأمور فكذلك سلامة القلب عبارة عن ~~حصول ما ينبغي له وهو العلم والخلق الفاضل ومرضه عبارة عن زوال أحدهما ~~فقوله : { إلا من أتى الله بقلب سليم } أن يكون خاليا عن العقائد الفاسدة ~~والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها فإن قيل فظاهر هذه الآية يقتضي أن من سلم ~~قلبه كان ناجيا وأنه لا حاجة فيه إلى سلامة اللسان واليد جوابه : أن القلب ~~مؤثر واللسان والجوارح تبع فلو كان القلب سليما لكانا سليمين لا محالة ، ~~وحيث لم يسلما ثبت عدم سلامة القلب التأويل الثاني : أن السليم هو اللديغ ~~من خشية الله تعالى التأويل الثالث : أن السليم هو الذي سلم وأسلم وسالم ~~واستسلم والله أعلم . PageV24P130 # ! 7 < { وأزلفت الجنة للمتقين * وبرزت الجحيم للغاوين * وقيل لهم أين ما ~~كنتم تعبدون * من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون * فكبكبوا فيها هم ms6963 ~~والغاوون * وجنود إبليس أجمعون * قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا ~~لفى ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين * ومآ أضلنآ إلا المجرمون * فما ~~لنا من شافعين * ولا صديق حميم * فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين * إن فى ~~ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . > 7 ! # / < < # | الشعراء : ( 90 - 104 ) وأزلفت الجنة للمتقين # > > اعلم أن إبراهيم عليه السلام ذكر في وصف هذا اليوم أمورا : أحدها : ~~قوله : { وأزلفت الجنة للمتقين * وبرزت الجحيم للغاوين } والمعنى أن الجنة ~~قد تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويفرحون بأنهم المحشورون إليها ~~والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم يتحسرون على أنهم المسوقون ~~إليها قال الله تعالى في صفة أهل الثواب { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد } ~~( ق : 31 ) وقال في صفة أهل العقاب : { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين ~~كفروا } ( الملك : 27 ) وإنما يفعل الله تعالى ذلك ليكون سرورا معجلا ~~للمؤمنين وغما عظيما للكافرين ثانيها : قوله : { وقيل لهم أين ما كنتم } ~~إلى قوله : { وجنود إبليس أجمعون } والمعنى أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم ~~لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وهو قوله : { ~~فكبكبوا فيها هم والغاوون } أي الآلهة وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم ، ~~والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى ~~كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها { وجنود إبليس ~~} متبعوه من عصاة الإنس والجن وثالثها : قوله : { قالوا وهم فيها يختصمون * ~~تالله إن كنا لفى ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين } . # واعلم أن ظاهر ذلك أن من عبد خاصم المعبود وخاطبه بهذا الكلام ، فليس ~~يخلو حال الأصنام من وجهين إما أن يخلقها الله تعالى في الآخرة جمادا يعذب ~~بها أهل النار فحينئذ لا يصح أن تخاطب ويجب حمل قولهم : { إذ نسويكم برب ~~العالمين } على أنه ليس بخطاب لهم أو يقال إنه تعالى يحييها في النار ، ~~وذلك أيضا غير جائز لأنه لا ذنب لها بأن عبدها غيرها . فالأقرب أنهم ذكروا ~~ذلك ms6964 لما رأوا صورها على وجه الاعتراف بالخطأ العظيم وعلى وجه الندامة لا ~~على سبيل المخاطبة ، والذي يحمل على أنه خطاب في PageV24P131 الحقيقة قولهم ~~: { وما أضلنا إلا المجرمون } وأرادوا بذلك من دعاهم إلى عبادة الأصنام من ~~الجن والإنس وهو كقولهم : { ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا } ( الأحزاب : 67 ) فأما قولهم : { فما لنا من شافعين } كما نرى ~~المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين { ولا صديق } كما نرى لهم أصدقاء ~~لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون ، وأما أهل النار فبينهم التعادي ~~والتباغض قال تعالى : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( ~~الزخرف : 67 ) أو { فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم } ( الشعراء : 100 ، ~~101 ) من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم ~~أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى ، وكان لهم أصدقاء من شياطين الإنس ، أو ~~أرادوا أنهم إن وقعوا في مهلكة علموا أن الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا ~~يدفعون عنهم ، فقصدوا بنفيهم نفي ما تعلق بهم من النفع ، لأن مالا ينفع ~~فحكمه حكم المعدوم ، والحميم من الاحتمام وهو الاهتمام وهو الذي يهمه ما ~~يهمك ، أو من الحامة بمعنى الخاصة وهو الصديق الخالص ، وإنما جمع الشفعاء ~~ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق ، فإن الرجل الممتحن ~~بإرهاق الظالم قد ينهض جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة له ، وأما ~~الصديق وهو الصادق في ودادك ، فأعز من بيض الأنوق ، ويجوز أن / يريد ~~بالصديق الجمع ثم حكى تعالى عنهم قولهم : { فلو أن لنا كرة فنكون من ~~المؤمنين } وأنهم تمنوا الرجعة إلى الدنيا ، ولو في مثل هذا الوضع في معنى ~~التمني كأنه قيل فليت لنا كرة ، وذلك لما بين معنى لو وليت من التلاقي في ~~التقدير ، ويجوز أن تكون على أصلها ويحذف الجواب وهو لفعلنا كيت وكيت . قال ~~الجبائي : إن قولهم { فنكون من المؤمنين } ليس بخبر عن إيمانهم لكنه خبر عن ~~عزمهم لأنه لو كان خبرا عن إيمانهم لوجب أن يكون صدقا ، لأن الكذب لا يقع ~~من أهل الآخرة ، وقد أخبر الله ms6965 تعالى بخلاف ذلك في قوله : { ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) وقد تقدم في سورة الأنعام بيان ~~فساد هذا الكلام . ثم بين سبحانه أن فيما ذكره من قصة إبراهيم عليه السلام ~~لآية لمن يريد أن يستدل بذلك ثم قال : { وما كان أكثرهم مؤمنين } والأكثرون ~~من المفسرين حملوه على قوم إبراهيم ثم بين تعالى أن مع كل هذه الدلائل ~~فأكثر قومه لم يؤمنوا به فيكون هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ، فيما ~~يجده من تكذيب قومه . # فأما قوله : { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } فمعناه أنه قادر على تعجيل ~~الانتقام لكنه رحيم بالإمهال لكي يؤمنوا . # القصة الثالثة قصة نوح عليه السلام # ! 7 < { كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني ~~لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا ~~على رب العالمين * فاتقوا الله وأطيعون * قالوا أنؤمن لك واتبعك الا رذلون ~~* قال وما علمى بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون * ومآ ~~أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين * قالوا لئن لم تنته يانوح ~~لتكونن من المجرمين * قال رب إن قومى كذبون * فافتح بينى وبينهم فتحا ونجنى ~~ومن معى من المؤمنين * فأنجيناه ومن معه فى الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد ~~الباقين * إن فى ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم } . > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 105 - 122 ) كذبت قوم نوح . . . . . # > > PageV24P132 # / اعلم أنه تعالى لما قص على محمد صلى الله عليه وسلم خبر موسى وإبراهيم ~~تسلية له فيما يلقاه من قومه قص عليه أيضا نبأ نوح عليه السلام ، فقد كان ~~نبؤه أعظم من نبأ غيره ، لأنه كان يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، ومع ذلك ~~كذبه قومه فقال : { كذبت قوم نوح } وإنما قال ( كذبت ) لأن القوم مؤنث ~~وتصغيرها قويمة ، وإنما حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين لوجهين : أحدهما : ~~أنهم وإن كذبوا نوحا لكن تكذيبه في المعنى يتضمن تكذيب غيره ، لأن طريقة ~~معرفة الرسل لا تختلف فمن حيث ms6966 المعنى حكى عنهم أنهم كذبوا المرسلين ~~وثانيهما : أن قوم نوح كذبوا بجميع رسل الله تعالى ، إما لأنهم كانوا من ~~الزنادقة أو من البراهمة . # وأما قوله : { أخوهم } فلأنه كان منهم ، من قول العرب يا أخا بني تميم ~~يريدون يا واحدا منهم ، ثم إنه سبحانه حكى عن نوح عليه السلام أنه أولا ~~خوفهم ، وثانيا أنه وصف نفسه ، أما التخويف فهو قوله : { ألا تتقون } . # واعلم أن القوم إنما قبلوا تلك الأديان للتقليد والمقلد إذا خوف خاف ، ~~وما لم يحصل الخوف في قلبه لا يشتغل بالاستدلال ، فلهذا السبب قدم على جميع ~~كلماته قوله : { ألا تتقون } . وأما وصفه نفسه فذاك بأمرين : أحدهما : قوله ~~: { إني لكم رسول أمين } وذلك لأنه كان فيهم مشهورا بالأمانة كمحمد صلى ~~الله عليه وسلم في قريش فكأنه قال كنت أمينا من قبل ، فكيف تتهموني اليوم ؟ ~~وثانيهما : قوله : { وما أسئلكم عليه من أجر } أي على ما أنا فيه من ادعاء ~~الرسالة لئلا يظن به أنه دعاهم للرغبة ، فإن قيل : ولماذا كرر الأمر ~~بالتقوى ؟ جوابه : لأنه في الأول أراد ألا تتقون مخالفتي وأنا رسول الله ، ~~وفي الثاني : ألا تتقون مخالفتي ولست آخذ منكم أجرا فهو في المعنى مختلف ~~ولا تكرار فيه ، وقد يقول الرجل لغيره : ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك ~~صغيرا ! ألا تتقي الله في / عقوقي وقد علمتك كبيرا ، وإنما قدم الأمر بتقوى ~~الله تعالى على الأمر بطاعته ، لأن تقوى الله علة لطاعته فقدم العلة على ~~المعلول ، ثم إن نوحا عليه السلام لما قال لهم ذلك أجابوه بقولهم : { أنؤمن ~~لك واتبعك الارذلون } . # قال صاحب ( الكشاف ) : وقرى { واتبعك الارذلون } جمع تابع كشاهد وأشهاد ~~أو جمع تبع كبطل وأبطال PageV24P133 والواو للحال وحقها أن يضمر بعدها قد ~~في { واتبعك } وقد جمع ألأرذل على الصحة وعلى التكسير في قولهم : { الذين ~~هم أراذلنا } ( هود : 27 ) والرذالة الخسة ، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم ~~وقلة نصيبهم من الدنيا ، وقيل كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة ~~والحجامة . # واعلم أن هذه الشبهة في نهاية الركاكة ، لأن نوحا عليه السلام بعث إلى ms6967 ~~الخلق كافة ، فلا يختلف الحال في ذلك بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب ~~ودناءتها ، فأجابهم نوع عليه السلام بالجواب الحق وهو قوله : { وما علمى ~~بما كانوا يعملون } وهذا الكلام يدل على أنهم نسبوهم مع ذلك إلى أنهم لم ~~يؤمنوا عن نظر وبصيرة ، وإنما آمنوا بالهوى والطمع كما حكى الله تعالى عنهم ~~في قوله : { الذين هم أراذلنا بادى الرأى } ( هود : 27 ) ثم قال : { إن ~~حسابهم إلا على ربى } معناه لا نعتبر إلا الظاهر من أمرهم دون ما يخفى ، ~~ولما قال : { إن حسابهم إلا على ربى } وكانوا لا يصدقون بذلك أردفه بقوله : ~~{ لو تشعرون } ثم قال : { وما أنا بطارد المؤمنين } وذلك كالدلالة على أن ~~القوم سألوه إبعادهم لكي يتبعوه أو ليكونوا أقرب إلى ذلك ، فبين أن الذي ~~يمنعه عن طردهم أنهم آمنوا به ثم بين أن غرضه بما حمل من الرسالة يمنع من ~~ذلك بقوله : { إن أنا إلا نذير مبين } والمراد إني أخوف من كذبني ولم يقبل ~~مني ، فمن قبل فهو القريب ، ومن رد فهو البعيد ، ثم إن نوحا عليه السلام ~~لما تمم هذا الجواب لم يكن منهم إلا التهديد ، فقالوا : { لئن لم تنته ~~يالوط * نوح * لتكونن من المرجومين } والمعنى أنهم خوفوه بأن يقتل بالحجارة ~~، فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السلام من فلاحهم ، وقال : { رب إن قومى ~~كذبون * فافتح بينى وبينهم فتحا } وليس الغرض منه إخبار الله تعالى ~~بالتكذيب لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم ، ولكنه أراد إني لا أدعوك ~~عليهم لما آذوني ، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوني في وحيك ~~ورسالتك { فافتح بينى وبينهم } أي فاحكم بيني وبينهم والفتاحة الحكومة ، ~~والفتاح الحاكم لأنه يفتح المستغلق ، والمراد من هذا الحكم إنزال العقوبة ~~عليهم لأنه قال عقبه : { ونجنى } ولولا أن المراد إنزال العقوبة لما كان ~~لذكر النجاة بعده معنى ، وقد تقدم القول في قصته مشروحا في سورة الأعراف ~~وسورة هود . # ثم قال تعالى : { فأنجيناه ومن معه فى الفلك المشحون } قال صاحب ( الكشاف ~~) : الفلك السفينة وجمعه فلك قال تعالى : { وترى الفلك فيه مواخر ms6968 } ( فاطر ~~: 12 ) فالواحد بوزن قفل والجمع بوزن أسد والمشحون المملوء يقال شحنها ~~عليهم خيلا ورجالا ، فدل ذلك على أن الذين نجوا معه كان فيهم كثرة ، وأن / ~~الفلك امتلأ بهم وبما صحبهم ، وبين تعالى أنه بعد أن أنجاهم أغرق الباقين ~~وأن إغراقه لهم كان كالمتأخر عن نجاتهم . # القصة الرابعة قصة هود عليه السلام # ! 7 < { كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون * إنى لكم ~~رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على ~~رب العالمين * أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * ~~وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذىأمدكم بما ~~تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إنىأخاف عليكم عذاب يوم عظيم ~~* قالوا سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن من الواعظين * إن هاذا إلا خلق الا ~~ولين * وما نحن بمعذبين * فكذبوه فأهلكناهم إن فى ذلك لأية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 123 - 140 ) كذبت عاد المرسلين # > > PageV24P134 # / اعلم أن فاتحة هذه القصة وفاتحة قصة نوح عليه السلام واحدة فلا فائدة ~~في إعادة التفسير ثم إنه تعالى ذكر الأمور التي تكلم فيها هود عليه السلام ~~معهم وهي ثلاثة : فأولها : قوله : { أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون } قرىء { ~~بكل ريع } بالكسر والفتح وهو المكان المرتفع ، ومنه قوله كم ريع أرضك وهو ~~ارتفاعها ، والآية العلم ، ثم فيه وجوه : أحدها : عن ابن عباس أنهم كانوا ~~يبنون بكل ريع علما يعبئون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود عليه السلام ~~والثاني : أنهم كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم تفاخرا ~~فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث والثالث : أنهم كانوا ممن يهتدون بالنجوم في ~~أسفارهم فاتخذوا في طريقهم أعلاما طوالا فكان ذلك عبثا لأنهم كانوا مستغنين ~~عنها بالنجوم الرابع : بنوا بكل ريع بروج الحمام وثانيها : قوله : { ~~وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون } المصانع مآخذ الماء ، وقيل القصور المشيدة ~~والحصون { لعلكم تخلدون } ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد ~~، وفي مصحف أبي : ( كأنكم ms6969 ) ، وقرىء ( تخلدون ) بضم التاء مخففا ومشددا ، ~~واعلم أن الأول إنما صار مذموما لدلالته إما على السرف ، أو على الخيلاء ، ~~والثاني : إنما صار مذموما لدلالته على الأمل الطويل والغفلة عن أن الدنيا ~~دار ممر لا دار مقر وثالثها : قوله : { وإذا بطشتم بطشتم جبارين } بين أنهم ~~مع ذلك السرف والحرص فإن معاملتهم مع غيرهم معاملة الجبارين ، وقد بينا في ~~غير هذا الموضع أن هذا الوصف في العباد ذم وإن كان في وصف الله تعالى مدحا ~~فكأن من يقدم على الغير لا على طريق الحق ولكن على طريق الاستعلاء يوصف بأن ~~بطشه بطش جبار ، وحاصل الأمر في هذه الأمور الثلاثة أن اتخاذ الأبنية ~~العالية ، يدل على حب العلو ، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء ، ~~والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو ، فيرجع الحاصل إلى أنهم أحبوا العلو ~~وبقاء العلو والتفرد بالعلو وهذه صفات الإلهية ، وهي ممتنعة الحصول للعبد ، ~~فدل ذلك على أن حب الدنيا قد استولى عليهم بحيث استغرقوا فيه PageV24P135 ~~وخرجوا عن حد العبودية وحاموا حول ادعاء الربوبية ، وكل ذلك ينبه على أن حب ~~الدنيا رأس كل خطيئة وعنوان كل كفر ومعصية ، ثم لما ذكر هود عليه السلام ~~هذه الأشياء قال : { فاتقوا الله وأطيعون } زيادة في دعائهم إلى الآخرة ~~وزجرا لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالسرف والحرص والتجبر ، ثم وصل بهذا ~~الوعظ ما يؤكد القبول وهو التنبيه على نعم الله تعالى عليهم بالإجمال أولا ~~ثم التفصيل ثانيا فأيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حيث قال : { أمدكم بما تعلمون ~~} ثم فصلها من بعد بقوله : { أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إنى أخاف ~~عليكم عذاب يوم عظيم } فبلغ في دعائهم بالوعظ والترغيب والتخويف والبيان ~~النهاية فكان جوابهم { سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين } أظهروا ~~قلة اكتراثهم بكلامه ، واستخفافهم بما أورده فإن قيل لو قال أوعظت أم لم ~~تعظ كان أخصر والمعنى واحد جوابه : ليس المعنى بواحد ( وبينهما فرق ) لأن ~~المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلا من أهله ( ~~ومباشرته ) ، فهو ms6970 أبلغ في / قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ ، ثم ~~احتجوا على قلة اكتراثهم بكلامه بقولهم : { إن هاذا إلا خلق الاولين } فمن ~~قرأ { خلق الاولين } بالفتح فمعناه أن ما جئت به اختلاق الأولين ، وتخرصهم ~~كما قالوا { أساطير الاولين } ( الأنعام : 25 ) أو ما خلقنا هذا إلا خلق ~~القرون الخالية نحيا كحياتهم ونموت كمماتهم ولا بعث ولا حساب ، ومن قرأ { ~~خلق } بضمتين وبواحدة ، فمعناه ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق ~~الأولين وعادتهم كانوا به يدينون ونحن بهم مقتدون أو ما هذا الذي نحن عليه ~~من الحياة والموت إلا عادة لم يزل عليها الناس في قديم الدهر ، أو ما هذا ~~الذي جئت به من الكذب إلا عادة الأولين كانوا يلفقون مثله ويسطرونه ، ثم ~~قالوا : { وما نحن بمعذبين } أظهروا بذلك تقوية نفوسهم فيما تمسكوا به من ~~إنكار المعاد ، فعند هذا بين الله تعالى أنه أهلكهم ، وقد سبق شرح كيفية ~~الهلاك في سائر السور . والله أعلم . # القصة الخامسة قصة صالح عليه السلام # ! 7 < { كذبت ثمود المرسلين * إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون * إنى لكم ~~رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على ~~رب العالمين * أتتركون فى ما هاهنآ ءامنين * فى جنات وعيون * وزروع ونخل ~~طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين * فاتقوا الله وأطيعون * ولا ~~تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون فى الا رض ولا يصلحون * قالوا إنمآ أنت ~~من المسحرين * مآ أنت إلا بشر مثلنا فأت بأاية إن كنت من الصادقين * قال ~~هاذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم * ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم ~~عظيم * فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب إن فى ذلك لأية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 141 - 159 ) كذبت ثمود المرسلين # > > PageV24P136 # / اعلم أن صالحا عليه السلام خاطب قومه بأمور : أحدها : قوله : { أتتركون ~~* فيما * هاهنا * ءامنين } أي أتظنون أنكم تتركون في دياركم آمنين وتطمعون ~~في ذلك وأن لا دار للمجازاة . # وقوله : { فيما * هاهنا * ءامنين ms6971 } في الذي استقر في هذا المكان من ~~النعيم ، ثم فسره بقوله : { فى جنات وعيون } وهذا أيضا إجمال ثم تفصيل ، ~~فإن قيل : لم قال { ونخل } بعد قوله : { في جنات } والجنة تتناول النخل ~~جوابه من وجهين : الأول : أنه خص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر ~~الشجر تنبيها على فضله على سائر الأشجار والثاني : أن يراد بالجنات غيرها ~~من الشجر ، لأن اللفظ يصلح لذلك ، ثم يعطف عليها النخل ، والطلع هو الذي ~~يطلع من النخلة كنصل السيف في جوفه شماريخ ، والهضيم اللطيف أيضا من قولهم ~~: كشح هضيم ، وقيل الهضيم اللين النضيج كأنه قال : ونخل قد أرطب ثمره ~~وثانيها : قوله تعالى : { وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين } قرأ الحسن { ~~وتنحتون } بفتح الحاء ، وقرىء { فارهين } و { فارهين } والفراهة الكيس ~~والنشاط ، فقوله : { فارهين } حال من الناحيتين . # واعلم أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن الغالب على قوم هود هو اللذات ~~الحالية ، وهي طلب الاستعلاء والبقاء والتفرد والتجبر ، والغالب على قوم ~~صالح هو اللذات الحسية ، وهي طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيبة الحصينة ~~وثالثها : قوله تعالى : { ولا تطيعوا أمر المسرفين } وهذا إشارة إلى أنه ~~يجب الاكتفاء من الدنيا بقدر الكفاف ، ولا يجوز التوسع في طلبها والاستكثار ~~من لذاتها وشهواتها ، فإن قيل ما فائدة قوله : { ولا يصلحون } جوابه : ~~فائدته بيان أن فسادهم فساد خالص ليس معه شيء من الصلاح ، كما يكون حال بعض ~~المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح ، ثم إن القوم أجابوه من وجهين : أحدهما : ~~قولهم : { إنما أنت من المسحرين } وفيه وجوه : أحدها : المسحر هو الذي سحر ~~كثيرا حتى غلب على عقله وثانيها : { من المسحرين } أي من له / سحر ، وكل ~~دابة تأكل فهي مسحرة ، والسحر أعلى البطن ، وعن الفراء المسحر من له جوف ، ~~أراد أنك تأكل الطعام وتشرب الشراب وثالثها : عن المؤرج المسحر هو المخلوق ~~بلغة بجيلة وثانيهما : قولهم : { ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بئاية إن كنت من ~~الصادقين } وهذا يحتمل أمرين : الأول : أنك بشر مثلنا فكيف تكون نبيا ؟ ~~وهذا بمنزلة ما كانوا يذكرون في الأنبياء أنهم لو كانوا صادقين ms6972 ، لكانوا من ~~جنس الملائكة الثاني : أن يكون مرادهم إنك بشر مثلنا ، فلا بد لنا في إثبات ~~نبوتك من الدليل ، فقال صالح عليه السلام : { هاذه ناقة لها شرب } وقرىء ~~بالضم ، روي أنهم قالوا : نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة فتلد سقبا ، ~~فقعد صالح يتفكر ، فقال له جبريل عليه السلام : صل ركعتين وسل ربك ~~PageV24P137 الناقة ، ففعل فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم وحصل لها سقب ~~مثلها في العظم ، ووصاهم صالح عليه السلام بأمرين : الأول : قوله : { لها ~~شرب ولكم شرب يوم معلوم } قال قتادة : إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ، ~~وشربهم في اليوم الذي لا تشرب هي والثاني : قوله : { ولا تمسوها بسوء } أي ~~بضرب أو عقر أو غيرهما { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } عظم اليوم لحلول العذاب ~~فيه ، ووصف اليوم به أبلغ من وصف العذاب ، لأن الوقت إذا عظم بسببه كان ~~موقعه من العظم أشد ، ثم إن الله تعالى حكى عنهم أنهم عقروها . روي أن ( ~~مصدعا ) ألجأها إلى مضيق ( في شعب ) فرماها بسهم ( فأصاب رجلها ) ( 2 ) ~~فسقطت ، ثم ضربها قدار ، فإن قيل لم أخذهم العذاب وقد ندموا جوابه من وجهين ~~: الأول : أنه لم يكن ندمهم ندم التائبين ، لكن ندم الخائفين من العذاب ~~العاجل الثاني : أن الندم وإن كان ندم التائبين ، ولكن كان ذلك في غير وقت ~~التوبة ، بل عند معاينة العذاب ، وقال تعالى : { وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات } ( النساء : 18 ) الآية . واللام في العذاب إشارة إلى عذاب يوم ~~عظيم . # القصة السادسة قصة لوط عليه السلام # ! 7 < { كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون * إنى ~~لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا ~~على رب العالمين * أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من ~~أزواجكم بل أنتم قوم عادون * قالوا لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين * ~~قال إنى لعملكم من القالين * رب نجنى وأهلى مما يعملون * فنجيناه وأهله ~~أجمعين * إلا عجوزا فى الغابرين * ثم دمرنا الا خرين * وأمطرنا عليهم مطرا ~~فسآء ms6973 مطر المنذرين * إن فى ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } . > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 160 - 175 ) كذبت قوم لوط . . . . . # > > # / أما قوله تعالى : { أتأتون الذكران من العالمين } فيحتمل عوده إلى ~~الآتي : أي أنتم من جملة العالمين صرتم مخصوصين بهذه الصفة ، وهي إتيان ~~الذكران ، ويحتمل عوده إلى المأتي ، أي أنتم اخترتم الذكران من العالمين لا ~~الإناث منهم . PageV24P138 # وأما قوله تعالى : { من أزواجكم } فيصلح أن يكون تبيينا لما خلق وأن يكون ~~للتبعيض ، ويراد بما خلق العضو المباح منهن ، وكأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك ~~بنسائهم ، والعادي هو المتعدي في ظلمه ، ومعناه أترتكبون هذه المعصية على ~~عظمها بل أنتم قوم عادون في جميع المعاصي فهذا من جملة ذاك ، أو بل أنتم ~~قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان حيث ارتكبتم مثل هذه الفاحشة ، فقالوا له ~~عليه السلام : { لئن لم تنته يالوط * لوط * لتكونن من المخرجين } أي لتكونن ~~من جملة من أخرجناه من بلدنا ، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوإ ~~الأحوال ، فقال لهم لوط عليه السلام : { إنى لعملكم من القالين } القلي ~~البغض الشديد ، كأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد ، وقوله : { من القالين } أبلغ ~~من أن يقول إني لعملكم قال ، كما يقال فلان من العلماء فهو أبلغ من قولك ~~فلان عالم ، ويجوز أن يراد من الكاملين في قلاكم ، ثم قال تعالى : { ~~فنجيناه وأهله } والمراد : فنجيناه وأهله من عقوبة عملهم { إلا عجوزا فى ~~الغابرين } فإن قيل : { فى الغابرين } صفة لها كأنه قيل إلا عجوزا غابرة ، ~~ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم جوابه : معناه إلا عجوزا مقدرا غبورها ، ~~قيل إنها هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة ، قال القاضي ~~عبد الجبار في ( تفسيره ) في قوله / تعالى : { وتذرون ما خلق لكم ربكم من ~~أزواجكم } دلالة على بطلان الجبر من جهات أحدها : أنه لا يقال تذرون إلا مع ~~القدرة على خلافه ، ولذلك لا يقال للمرء لم تذر الصعود إلى السماء ، كما ~~يقال له لم تذر الدخول والخروج وثانيها : أنه قال : { ما خلق لكم } ولو كان ~~خلق ms6974 الفعل لله تعالى لكان الذي خلق لهم ما خلقه فيهم وأوجبه لا ما لم ~~يفعلوه وثالثها : قوله تعالى : { بل أنتم قوم عادون } فإن كان تعالى خلق ~~فيهم ما كانوا يعملون فكيف ينسبون إلى أنهم تعدوا ، وهل يقال للأسود إنك ~~متعد في لونك ؟ فنقول حاصل هذه الوجوه يرجع إلى أن العبد لو لم يكن موجدا ~~الأفعال نفسه لما توجه المدح والذم والأمر والنهي عليه ، ولهذه الآية في ~~هذا المعنى خاصية أزيد مما ورد من الأمر والنهي والمدح والذم في قصة موسى ~~عليه السلام وإبراهيم ونوح وسائر القصص / فكيف خص هذه القصة بهذه الوجوه ~~دون سائر القصص ، وإذا ثبت بطلان هذه الوجوه بقي ذلك الوجه المشهور فنحن ~~نجيب عنها بالجوابين المشهورين الأول : أن الله تعالى لما علم وقوع هذه ~~الأشياء فعدمها محال لأن عدمها يستلزم انقلاب العلم جهلا وهو محال والمفضي ~~إلى المحال محال ، وإذا كان عدمها محالا كان التكليف بالترك تكليفا بالمحال ~~الثاني : أن القادر لما كان قادرا على الضدين امتنع أن يترجح أحد المقدورين ~~على الآخر إلا لمرجح وهو الداعي أو الإرادة وذلك المرجح محدث فله مؤثر وذلك ~~المؤثر إن كان هو العبد لزم التسلسل وهو محال وإن كان هو الله تعالى فذلك ~~هو الجبر على قولك ، فثبت بهذين البرهانين القاطعين سقوط ما قاله والله ~~أعلم . # القصة السابعة قصة شعيب عليه السلام # ! 7 < { كذب أصحاب لأيكة المرسلين * إذ قال لهم شعيب ألا تتقون * إنى لكم ~~رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على ~~رب العالمين * أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم * ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ولا تعثوا فى الا رض مفسدين * واتقوا ~~الذى خلقكم والجبلة الا ولين * قالوا إنمآ أنت من المسحرين * ومآ أنت إلا ~~بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين * فأسقط علينا كسفا من السمآء إن كنت من ~~الصادقين * قال ربىأعلم بما تعملون * فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان ~~عذاب يوم عظيم * إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم ms6975 مؤمنين * وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم } . > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 176 - 191 ) كذب أصحاب الأيكة . . . . . # > > PageV24P139 # / قرىء { كذب أصحاب } بالهمزة وبتخفيفها وبالجر على الإضافة وهو الوجه ، ~~ومن قرأ بالنصب وزعم أن ليكة بوزن ليلة اسم بلد يعرف فتوهم قاد إليه خط ~~المصحف حيث وجدت مكتوبة في هذه السورة وفي سورة ص بغير ألف لكن قد كتبت في ~~سائر القرآن على الأصل والقصة واحدة على أن ليكة اسم لا يعرف ، روي أن ~~أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف وتلك الشجر هي التي حملها المقل ، فإن ~~قيل هلا قال أخوهم شعيب كما في سائر المواضع جوابه : أن شعيبا لم يكن من ~~أصحاب الأيكة ، وفي الحديث : ( إن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب ~~الأيكة ) ثم إن شعيبا عليه السلام أمرهم بأشياء أحدها : قوله : { أوفوا ~~الكيل ولا تكونوا من المخسرين } وذلك لأن الكيل على ثلاثة أضرب واف وطفيف ~~وزائد فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء بقوله : { أوفوا الكيل } ونهى عن ~~المحرم الذي هو التطفيف بقوله : { ولا تكونوا من المخسرين } ولم يذكر ~~الزائد لأنه بحيث إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعله فلا إثم عليه ، ثم إنه لما ~~أمر بالإيفاء بين أنه كيف يفعل فقال : { وزنوا بالقسطاس المستقيم } قرىء { ~~بالقسطاس } مضموما ومكسورا وهو الميزان ، وقيل القرسطون وثانيها : قوله ~~تعالى : { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } يقال بخسه حقه إذا نقصه إياه وهذا ~~عام في كل حق يثبت لأحد أن لا يهضم وفي كل ملك أن لا يغصب ( علية ) مالكه ( ~~ولا يتحيف منه ) ( 1 ) ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفا شرعيا وثالثها : قوله ~~تعالى : { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } يقال عثا في الأرض وعثى وعاث وذلك ~~نحو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزرع ، وكانوا يفعلون ذلك مع / توليتهم ~~أنواع الفساد فنهوا عن ذلك ورابعها : قوله تعالى : { واتقوا الذى خلقكم ~~والجبلة الاولين } وقرىء ( الجبلة ) بوزن الأبلة وقرىء ( الجبلة ) بوزن ~~الخلقة ومعناهن واحد أي ذوي الجبلة ، والمراد أنه المتفضل بخلقهم وخلق من ~~تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين ، PageV24P140 فلم يكن للقوم جواب ~~إلا ms6976 ما لو تركوه لكان أولى بهم وهو من وجهين : الأول : قولهم : { إنما أنت ~~من المسحرين } { ما أنت إلا بشر مثلنا } فإن قيل : هل اختلف المعنى بإدخال ~~الواو ههنا وتركها في قصة ثمود ؟ جوابه : إذا دخلت الواو فقد قصد معنيان ~~كلاهما مناف للرسالة عندهم السحر والبشرية وإذا تركت الواو فلم يقصدوا إلا ~~معنى واحدا وهو كونه مسحرا ثم قرره بكونه بشرا مثلهم الثاني : قولهم : { ~~وإن نظنك لمن الكاذبين } ومعناه ظاهر ، ثم إن شعيبا عليه السلام كان ~~يتوعدهم بالعذاب إن استمروا على التكذيب فقالوا : { فأسقط علينا كسفا من ~~السماء } قرىء { كسفا } بالسكون والحركة وكلاهما جمع كسفة وهي القطعة ~~والسماء السحاب أو الظلة ، وهم إنما طلبوا ذلك لاستبعادهم وقوعه فظنوا أنه ~~إذا لم يقع ظهر كذبه فعنده قال شعيب عليه السلام : { ربى أعلم بما تعملون } ~~فلم يدع عليهم بل فوض الأمر فيه إلى الله تعالى فلما استمروا على التكذيب ~~أنزل الله عليهم العذاب على ما اقترحوا من عذاب يوم الظلة إن أرادوا ~~بالسماء السحاب ، وإن أرادوا الظلة فقد خالف بهم عن مقترحهم يروى أنه حبس ~~عنهم الريح سبعا وسلط عليهم الرمل فأخذ بأنفاسهم ، لا ينفعهم ظل ولا ماء ~~فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما ~~فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا ، وروي أن شعيبا بعث إلى أمتين ~~أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلكت مدين بصيحة جبريل عليه السلام وأصحاب ~~الأيكة بعذاب يوم الظلة ، وههنا آخر الكلام في هذه القصص السبع التي ذكرها ~~الله تعالى في هذه السورة تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم فيما ناله من ~~الغم الشديد ، بقي ههنا سؤالان : # السؤال الأول : لم لا يجوز أن يقال : إن العذاب النازل بعاد وثمود وقوم ~~لوط وغيرهم ما كان ذلك بسبب كفرهم وعنادهم ، بل كان ذلك بسبب قرانات ~~الكواكب واتصالاتها على ما اتفق عليه أهل النجوم ؟ وإذا قام هذا الاحتمال ~~لم يحصل الاعتبار بهذه القصص ، لأن الاعتبار إنما يحصل أن لو علمنا أن نزول ~~هذا العذاب كان بسبب كفرهم وعنادهم ms6977 . # الثاني : أن الله تعالى قد ينزل العذاب محنة للمكلفين وابتلاء لهم على ما ~~قال : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين } ( محمد : 31 ) ~~ولأنه تعالى قد ابتلى المؤمنين بالبلاء العظيم في مواضع كثيرة وإذا كان ~~كذلك لم يدل نزول البلاء بهم على كونهم مبطلين والجواب : أن الله / تعالى ~~أنزل هذه القصص على محمد صلى الله عليه وسلم تسلية وإزالة للحزن عن قلبه ، ~~فلما أخبر الله تعالى محمدا أنه هو الذي أنزل العذاب عليهم ، وأنه إنما ~~أنزله عليهم جزاء على كفرهم ، على محمد صلى الله عليه وسلم أن الأمر كذلك ، ~~فحينئذ يحصل به التسلية والفرح له عليه السلام ، واحتج بعض الناس على القدح ~~في علم الأحكام / بأن قال المؤثر في هذه الأشياء ، إما الكواكب أو البروج ~~أو كون الكوكب في البرج المعين ، والأول باطل ، وإلا لحصلت هذه الآثار أين ~~حصل الكوكب والثاني أيضا باطل ، وإلا لزم دوام الأثر بدوام البرج والثالث ~~أيضا باطل ، لأن الفلك على قولهم بسيط لا مركب فيكون طبع كل برج مساويا ~~لطبع البرج الآخر في تمام الماهية ، فيكون حال الكوكب وهو في برجه كحاله ~~وهو في برج آخر ، فيلزم أن يدوم ذلك الأثر بدوام الكوكب ، وللقوم أن يقولوا ~~لم لا يجوز أن يكون صدور الأثر عن الكوكب المعين موقوفا على كونه مسامتا ~~مسامتة مخصوصة لكوكب آخر ، فإذا فقدت تلك المسامتة فقد شرط التأثير فلا ~~يحصل التأثير ؟ ولهم أن يقولوا هذه الدلالة ، إنما تدل على أنها ليست مؤثرة ~~بحسب ذواتها وطبائعها ، ولكنها لا تدل على أنها ليست مؤثرة بحسب جري العادة ~~، فإذا أجرى الله تعالى PageV24P141 عادته بحصول تأثيرات مخصوصة عقيب ~~اتصالات الكواكب وقراناتها وأدوارها لم يلزم من حصول هذه الآثار القطع بأن ~~الله تعالى إنما خلقها لأجل زجر الكفار بل لعله تعالى خلقها تكريرا لتلك ~~العادات والله أعلم . # القول فيما ذكره الله تعالى من أحوال محمد عليه الصلاة والسلام # ! 7 < { وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الا مين * على قلبك ~~لتكون من المنذرين * بلسان عربى مبين * وإنه لفى ms6978 زبر الا ولين } . > 7 @QB@ ~~< # | الشعراء : ( 192 - 196 ) وإنه لتنزيل رب . . . . . # > > # اعلم أن الله تعالى لما ختم ما اقتصه من خبر الأنبياء ذكر بعد ذلك ما يدل ~~على نبوته صلى الله عليه وسلم وهو من وجهين : الأول : قوله : { وإنه لتنزيل ~~رب العالمين } وذلك لأنه لفصاحته معجز فيكون ذلك من رب العالمين ، أو لأنه ~~إخبار عن القصص الماضية من غير تعليم ألبتة ، فلا يكون ذلك إلا بوحي من ~~الله تعالى ، وقوله بعده : { وأنه * لفى زبر الاولين } كأنه مؤكد لهذا ~~الاحتمال ، وذلك لأنه عليه السلام لما ذكر هذه القصص السبع على ما هي ~~موجودة في زبر الأولين من غير تفاوت أصلا مع أنه لم يشتغل بالتعلم ~~والاستعداد ، دل ذلك على أنه ليس إلا من عند الله تعالى ، فهذا هو المقصود ~~من الآية . # فأما قوله تعالى : { وإنه لتنزيل رب العالمين } فالمراد بالتنزيل المنزل ~~، ثم قد كان يجوز في القرآن وهذه القصص أن يكون تنزيلا من الله تعالى إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم بلا واسطة فقال : { نزل به الروح الامين } والباء ~~في قوله : { نزل به الروح } و { نزل به الروح } على القراءتين للتعدية ، ~~ومعنى { نزل به الروح } جعل الله الروح نازلا به { على قلبك } ( حفظكه و ) ~~أي فهمك إياه وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى كقوله تعالى : { سنقرئك فلا ~~تنسى } ( الأعلى : 6 ) والروح الأمين جبريل عليه السلام وسماه روحا من حيث ~~خلق من الروح ، وقيل لأنه نجاة الخلق في باب الدين فهو كالروح الذي تثبت ~~معه الحياة ، وقيل لأنه روح كله لا كالناس الذين في أبدانهم روح وسماه ~~أمينا لأنه مؤتمن على ما يؤديه إلى الأنبياء عليهم السلام ، وإلى غيرهم . # وأما قوله : { على قلبك } ففيه قولان : الأول : أنه إنما قال : { على ~~قلبك } وإن كان إنما أنزله عليه ليؤكد به أن ذلك المنزل محفوظ للرسول متمكن ~~في قلبه لا يجوز عليه التغيير فيوثق بالإنذار الواقع منه الذي بين الله ~~تعالى أنه هو المقصود ولذلك قال : { لتكون من المنذرين } الثاني : أن القلب ~~هو المخاطب في ms6979 الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختبار ، وأما سائر الأعضاء ~~فمسخرة له والدليل عليه القرآن والحديث والمعقول ، أما القرآن فآيات إحداها ~~قوله تعالى في سورة البقرة ( 97 ) : { فإنه نزله على قلبك } وقال ههنا : { ~~نزل به الروح الامين * على قلبك } وقال : { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له ~~قلب } ( ق : 37 ) ، وثانيها : أنه ذكر أن استحقاق الجزاء ليس إلا على ما في ~~القلب من المساعي فقال : { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولاكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ( البقرة : 225 ) وقال : { لن ينال الله لحومها ~~ولا دماؤها ولاكن يناله التقوى منكم } ( الحج : 37 ) والتقوى في القلب لأنه ~~تعالى قال : { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } ( الحجرات : 3 ) ~~وقال تعالى : { وحصل ما فى الصدور } PageV24P142 ( العاديات : 10 ) . ~~وثالثها : قوله حكاية عن أهل النار : { لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى ~~أصحاب السعير } ( الملك : 10 ) ومعلوم أن العقل في القلب والسمع منفذ إليه ~~، وقال : { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولائك كان عنه مسؤولا } ( الإسراء ~~: 36 ) ومعلوم أن السمع والبصر لا يستفاد منهما إلا ما يؤديانه إلى القلب ، ~~فكان السؤال عنهما في الحقيقة سؤالا عن القلب وقال تعالى : { يعلم خائنة ~~الاعين وما تخفى الصدور } ( غافر : 19 ) ، ولم تخف الأعين إلا بما تضمر ~~القلوب عند التحديق بها ورابعها : قوله : { وجعل لكم السمع والابصار ~~والافئدة قليلا ما تشكرون } ( السجدة : 9 ) فخص هذه الثلاثة بإلزام الحجة ~~منها واستدعاء الشكر عليها ، وقد قلنا لا طائل في السمع والأبصار إلا بما ~~يؤديان إلى القلب ليكون القلب هو القاضي فيه والمتحكم عليه ، وقال تعالى : ~~{ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم } ( الأحقاف : 26 ) فجعل هذه الثلاثة ~~تمام ما ألزمهم من حجته ، والمقصود من ذلك هو الفؤاد القاضي فيما يؤدي إليه ~~السمع والبصر وخامسها : قوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ~~وعلى أبصارهم } ( البقرة : 7 ) فجعل العذاب لازما على هذه الثلاثة وقال : { ~~لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون ms6980 بها ولهم ءاذان لا يسمعون بها ~~} ( الأعراف : 179 ) وجه الدلالة أنه قصد إلى نفي العلم عنهم رأسا ، فلو ~~ثبت العلم في غير القلب كثباته في القلب لم يتم الغرض فهذه الآيات ومشاكلها ~~ناطقة بأجمعها أن القلب هو المقصود بإلزام الحجة ، وقد بينا أن ما قرن ~~بذكره من ذكر السمع والبصر فذلك لأنهما آلتان للقلب في تأدية صور المحسوسات ~~والمسموعات . # وأما الحديث فما روى النعمان بن بشير قال سمعته عليه السلام يقول : ( ألا ~~وإن في الجسد مضغة / إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا ~~وهي القلب ) وأما المعقول فوجوه : أحدها : أن القلب إذا غشي عليه فلو قطع ~~سائر الأعضاء لم يحصل الشعور به وإذا أفاق القلب فإنه يشعر بجميع ما ينزل ~~بالأعضاء من الآفات فدل ذلك على أن سائر الأعضاء تبع للقلب ولذلك فإن القلب ~~إذا فرح أو حزن فإنه يتغير حال الأعضاء عند ذلك ، وكذا القول في سائر ~~الأعراض النفسانية وثانيها : أن القلب منبع المشاق الباعثة على الأفعال ~~الصادرة من سائر الأعضاء وإذا كانت المشاق مبادىء للأفعال ومنبعها هو القلب ~~كان الآمر المطلق هو القلب وثالثها : أن معدن العقل هو القلب وإذا كان كذلك ~~كان الآمر المطلق هو القلب . # أما المقدمة الأولى : ففيها النزاع فإن طائفة من القدماء ذهبوا إلى أن ~~معدن العقل هو الدماغ والذي يدل على قولنا وجوه : الأول : قوله تعالى : { ~~أولم يسيروا فى الارض * فتكون لهم قلوب يعقلون بها } ( الحج : 46 ) وقوله : ~~{ لهم قلوب لا يفقهون بها } ( الأعراف : 179 ) وقوله : { إن فى ذالك لذكرى ~~لمن كان له قلب } ( ق : 37 ) أي عقل ، أطلق عليه اسم القلب لما أنه معدنه ~~الثاني : أنه تعالى أضاف أضداد العلم إلى القلب ، وقال : { فى قلوبهم مرض } ~~( البقرة : 10 ) ، { ختم الله على قلوبهم } ( البقرة : 7 ) وقولهم : { ~~قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم } ( النساء : 155 ) ، { يحذر * ~~المنافقين إن * تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم } ( التوبة : 64 ) ، ~~{ يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم } ( الفتح : 11 ) ، { كلا بل ران على ms6981 ~~قلوبهم } ( المطففين : 14 ) ، { أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها ~~} PageV24P143 ( محمد : 24 ) ، { فإنها لا تعمى الابصار ولاكن تعمى القلوب ~~التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) فدلت هذه الآيات على أن موضع الجهل والغفلة ~~هو القلب فوجب أن يكون موضع العقل والفهم أيضا هو القلب الثالث : وهو أنا ~~إذا جربنا أنفسنا وجدنا علومنا حاصلة في ناحية القلب ، ولذلك فإن الواحد ~~منا إذا أمعن في الفكر وأكثر منه أحس من قلبه ضيقا وضجرا حتى كأنه يتألم ~~بذلك ، وكل ذلك يدل على أن موضع العقل هو القلب ، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ~~المكلف هو القلب لأن التكليف مشروط بالعقل والفهم الرابع : وهو أن القلب ~~أول الأعضاء تكونا ، وآخرها موتا ، وقد ثبت ذلك بالتشريح ولأنه متمكن في ~~الصدر الذي هو أوسط الجسد ، ومن شأن الملوك المحتاجين إلى الخدم أن يكونوا ~~في وسط المملكة لتكتنفهم الحواشي من الجوانب فيكونوا أبعد من الآفات ، ~~واحتج من قال العقل في الدماغ بأمور : أحدها : أن الحواس التي هي الآلات ~~للإدراك نافذة إلى الدماغ دون القلب وثانيها : أن الأعصاب التي هي الآلات ~~في الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ دون القلب وثالثها : أن الآفة إذا ~~حلت في الدماغ اختل العقل ورابعها : أن في العرف كل من أريد وصفه بقلة ~~العقل قيل إنه خفيف الدماغ خفيف الرأس وخامسها : أن العقل أشرف فيكون مكانه ~~أشرف ، والأعلى هو الأشرف وذلك هو الدماغ لا القلب فوجب أن يكون محل العقل ~~هو الدماغ والجواب عن الأول : لم لا يجوز أن يقال الحواس تؤدي آثارها إلى ~~الدماغ ، ثم إن الدماغ يؤدي تلك الآثار إلى القلب ، فالدماغ آلة قريبة ~~للقلب / للقلب والحواس آلات بعيدة فالحس يخدم الدماغ ، ثم الدماغ يخدم ~~القلب وتحقيقه أنا ندرك من أنفسنا أنا إذا عقلنا أن الأمر الفلاني يجب فعله ~~أو يجب تركه ، فإن الأعضاء تتحرك عند ذلك ، ونحن نجد التعقلات من جانب ~~القلب لا من جانب الدماغ وعن الثاني : أنه لا يبعد أن يتأدى الأثر من القلب ~~إلى الدماغ ، ثم الدماغ يحرك الأعضاء ms6982 بواسطة الأعصاب النابتة منه ، وعن ~~الثالث : لا يبعد أن يكون سلامة الدماغ شرطا لوصول تأثير القلب إلى سائر ~~الأعضاء ، وعن الرابع : أن ذلك العرف إنما كان لأن القلب إنما يعتدل مزاحه ~~بما يستمد من الدماغ من برودته ، فإذا لحق الدماغ خروج عن الاعتدال خرج ~~القلب عن الاعتدال أيضا ، إما لازدياد حرارته عن القدر الواجب أو لنقصان ~~حراراته عن ذلك القدر فحينئذ يختل العقل وعن الخامس : أنه لو صح ما قالوه ~~لوجب أن يكون موضع العقل هو القحف ، ولما بطل ذلك ثبت فساد قولهم والله ~~أعلم . # فرع : اعلم أن المعاني التي بينا كونها مختصة بالقلوب قد تضاف إلى الصدر ~~تارة وإلى الفؤاد أخرى ، أما الصدر فلقوله تعالى : { وحصل ما فى الصدور } ( ~~العاديات : 10 ) وقوله : { وليبتلى الله ما فى صدوركم } ( آل عمران : 154 ) ~~وقوله تعالى : { إنه عليم بذات الصدور } ( هود : 5 ) ، { وأن * تخفوا ما فى ~~صدوركم أو تبدوه } ( آل عمران : 29 ) وأما الفؤاد فقوله : { ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم } ومن الناس من فرق بين القلب والفؤاد فقال : القلب هو العلقة ~~السوداء في جوف الفؤاد دون ما يكتنفها من اللحم والشحم ، ومجموع ذلك هو ~~الفؤاد ومنهم من قال القلب والفؤاد لفظان مترادفان ، وكيف كان فيجب أن يعلم ~~أن من جملة العضو المسمى قلبا وفؤادا موضعا هو الموضع في الحقيقة للعقل ~~والاختيار ، وأن معظم جرم هذا العضو مسخر لذلك الموضع ، كما أن سائر ~~الأعضاء مسخرة للقلب ، فإن العضو قد تزيد أجزاؤه من غير ازدياد المعاني ~~المنسوبة إليه أعني العقل والفرح والحزن وقد ينقص من غير نقصان في تلك ~~المعاني ، فيشبه أن يكون اسم القلب اسما للأجزاء التي تحل فيها هذه المعاني ~~بالحقيقة / واسم الفؤاد يكون اسما لمجموع العضو ، فهذا PageV24P144 هو ~~الكلام في هذا الباب والله الموفق للصواب . # وأما قوله تعالى : { لتكون من المنذرين } فيدخل تحت الإنذار الدعاء إلى ~~كل واجب من علم وعمل والمنع من كل قبيح لأن في الوجهين جميعا يدخل الخوف من ~~العقاب . # وأما قوله تعالى : { بلسان عربى مبين } فالباء إما أن تتعلق بالمنذرين ms6983 ~~فيكون المعنى لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان ، وهم خمسة هود وصالح ~~وشعيب وإسماعيل ومحمد عليهم السلام ، وإما أن تتعلق بنزل فيكون المعنى نزله ~~باللسان العربي لينذر به لأنه لو نزله باللسان الأعجمي ( لتجافوا عنه أهلا ~~و ) لقالوا له ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به ، وفي هذا الوجه أن ~~تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لأنك تفهمه ~~ويفهمه قومك ، ولو كان أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك ، لأنك تسمع ~~أجراس حروف لا تفهم معانيها . # / وأما قوله تعالى : { وإنه لفى زبر الاولين } فيحتمل هذه الأخبار خاصة ، ~~ويحتمل أن يكون المراد صفة القرآن ، ويحتمل صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~ويحتمل أن يكون المراد وجوه التخويف ، لأن ذكر هذه الأشياء بأسرها قد تقدم ~~. # ! 7 < { أو لم يكن لهم ءاية أن يعلمه علماء بنىإسراءيل * ولو نزلناه على ~~بعض الا عجمين * فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين * كذلك سلكناه في قلوب ~~المجرمين * لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الا ليم * فيأتيهم بغتة وهم لا ~~يشعرون } . > 7 ! # < < # | الشعراء : ( 197 - 202 ) أو لم يكن . . . . . # > > اعلم أن قوله تعالى : { أو لم يكن لهم ءاية أن يعلمه علماء بنى ~~إسراءيل } المراد منه ذكر الحجة الثانية على نبوته عليه السلام وصدقه ، ~~وتقريره أن جماعة من علماء بني إسرائيل أسلموا ونصوا على مواضع في التوراة ~~والإنجيل ذكر فيها الرسول عليه الصلاة والسلام بصفته ونعته ، وقد كان مشركو ~~قريش يذهبون إلى اليهود ويتعرفون منهم هذا الخبر ، وهذا يدل دلالة ظاهرة ~~على نبوته لأن تطابق الكتب الإلهية على نعته ووصفه يدل قطعا على نبوته ، ~~واعلم أنه قرىء { يكن } بالتذكير ، وآية النصب على أنها خبره و ( أن يعلمه ~~) هو الاسم ، وقرىء { تكن } بالتأنيث وجعلت ( آية ) اسما و ( أن يعلمه ) ~~خبرا ، وليست كالأولى لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا ، ويجوز مع نصب ~~الآية تأنيث ( يكن ) كقوله : { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا } ( الأنعام ~~: 23 ) . # وأما قوله : { ولو نزلناه على بعض الاعجمين } فاعلم أنه تعالى لما بين ms6984 ~~بالدليلين المذكورين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق لهجته بين بعد ذلك ~~أن هؤلاء الكفار لا تنفعهم الدلائل ولا البراهين ، فقال : { ولو نزلناه على ~~بعض الاعجمين } يعني إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي بلسان عربي مبين ، ~~فسمعوه وفهموه وعرفوا PageV24P145 فصاحته ، وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله ~~، وانضم إلى ذلك بشارة كتب الله السالفة به ، فلم يؤمنوا به وجحدوه ، وسموه ~~شعرا تارة وسحرا أخرى ، فلو نزلناه على بعض الأعجمين الذي لا يحسن العربية ~~لكفروا به أيضا ولتمحلوا لجحودهم عذرا ، ثم قال : { كذلك سلكناه في قلوب ~~المجرمين } أي مثل هذا السلك سلكناه في قلوبهم ، وهكذا مكناه وقررناه فيها ~~/ وكيفما فعل بهم فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من الجحود والإنكار ~~، وهذا أيضا مما يفيد تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه إذا عرف رسول ~~الله إصرارهم على الكفر ، وأنه قد جرى القضاء الأزلي بذلك حصل اليأس ، وفي ~~المثل : اليأس إحدى الراحتين . # المسألة الرابعة : قوله : { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين } يدل على أن ~~الكل بقضاء الله وخلقه ، قال صاحب ( الكشاف ) : أراد به أنه صار ذلك ~~التكذيب متكمنا في قلوبهم أشد التمكن فصار ذلك كالشيء الجبلي والجواب : أنه ~~إما أن يكون قد فعل الله فيهم ما يقتضي رجحان التكذيب على التصديق أو ما ~~فعل ذلك فيهم ، فإن كان الأول فقد دللنا في سورة الأنعام على أن الترجيح لا ~~يتحقق ما لم ينته إلى حد الوجوب وحينئذ يحصل المقصود ، فإن لم يفعل فيهم ما ~~يقتضي الترجيح ألبتة ، امتنع قوله : { كذلك سلكناه } كما أن طيران الطائر ~~لما لم يكن له تعلق بكفرهم ، امتنع إسناد الكفر إلى ذلك الطيران . # المسألة الخامسة : قال صاحب ( الكشاف ) : فإن قلت : ما موقع { لا يؤمنون ~~به } من قوله { سلكناه في قلوب المجرمين } ؟ قلت موقعه منه موقع الموضح ( ~~والمبين ) ، لأنه مسوق ( لبيانه مؤكد للجحود ) في قلوبهم ، فاتبع ما يقرر ~~هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به حتى يعاينوا الوعيد . # ! 7 < { فيقولوا هل نحن منظرون * أفبعذابنا يستعجلون * أفرأيت ms6985 إن متعناهم ~~سنين * ثم جآءهم ما كانوا يوعدون * مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون * ومآ ~~أهلكنا من قرية إلا لها منذرون * ذكرى وما كنا ظالمين } . > 7 ! # < < # | الشعراء : ( 203 - 209 ) فيقولوا هل نحن . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أنهم لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ، ~~وأنه يأتيهم العذاب بغتة أتبعه بما يكون منهم عند ذلك على وجه الحسرة فقال ~~: { فيقولوا هل نحن منظرون } كما يستغيث المرء عند تعذر الخلاص ، لأنهم ~~يعلمون في الآخرة أن لا ملجأ ، لكنهم يذكرون ذلك استرواحا . # فأما قوله تعالى : { أفبعذابنا يستعجلون } فالمراد أنه تعالى بين أنهم ~~كانوا في الدنيا يستعجلون العذاب ، مع أن حالهم عند نزول العذاب طلب النظرة ~~ليعرف تفاوت الطريقين فيعتبر به ، ثم بين / تعالى أن استعجال العذاب على ~~وجه التكذيب إنما يقع منهم ليتمتعوا في الدنيا ، إلا أن ذلك جهل ، وذلك لأن ~~مدة التمتع في الدنيا متناهية قليلة ، ومدة العذاب الذي يحصل بعد ذلك غير ~~متناهية ، وليس في العقل ترجيح لذات متناهية PageV24P146 قليلة على آلام ~~غير متناهية ، وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف ، فقال له عظني ~~، فلم يزد على تلاوة هذه الآية ، فقال ميمون : لقد وعظت فأبلغت ، وقرىء { ~~يمتعون } بالتخفيف ، ثم بين أنه لم يهلك قرية إلا وهناك نذير يقيم عليهم ~~الحجة . # أما قوله تعالى : { ذكرى } فقال صاحب ( الكشاف ) : ذكرى منصوبة بمعنى ~~تذكرة ، إما لأن أنذر وذكر متقاربان ، فكأنه قيل مذكرون تذكرة ، وإما لأنها ~~حال من الضمير في { منذرون } ، أي ينذرونهم ذوي تذكرة ، وإما لأنها مفعول ~~له على معنى أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة ، أو مرفوعة عل أنها خبر ~~مبتدأ محذوف بمعنى هذه ذكرى ، والجملة اعتراضية أو صفة بمعنى منذرون ذوو ~~ذكرى ، وجعلوا ذكرى لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها ، ووجه آخر وهو أن ~~يكون ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولا له ، والمعنى وما أهلكنا من أهل قرية قوم ~~ظالمين إلا بعد ما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم ~~تذكرة وعبرة لغيرهم فلا يعصوا مثل عصيانهم ، { وما كنا ظالمين } فنهلك قوما ~~غير ms6986 ظالمين ، وهذا الوجه عليه المعول ، فإن قلت كيف عزلت الواو عن الجملة ~~بعد إلا ، ولم تعزل عنه في قوله : { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ~~معلوم } ( الحجر : 4 ) قلت : الأصل عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية ، وإذا ~~زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف . # ! 7 < { وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغى لهم وما يستطيعون * إنهم عن ~~السمع لمعزولون * فلا تدع مع الله إلاها ءاخر فتكون من المعذبين } . > 7 ! # < < # | الشعراء : ( 210 - 213 ) وما تنزلت به . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما احتج على صدق محمد صلى الله عليه وسلم بكون ~~القرآن تنزيل رب العالمين ، وإنما يعرف ذلك لوقوعه من الفصاحة في النهاية ~~القصوى ، ولأنه مشتمل على قصص المتقدمين من غير تفاوت ، مع أنه عليه السلام ~~لم يشتغل بالتعلم والاستفادة ، فكان الكفار يقولون لم لا يجوز أن يكون هذا ~~من إلقاء الجن والشياطين كسائر ما ينزل على الكهنة ؟ ، فأجاب الله تعالى ~~عنه بأن ذلك لا يتسهل للشياطين لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع ~~كلام أهل السماء ، ولقائل أن يقول العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا ~~يحصل إلا بواسطة خبر النبي الصادق ، فإذا أثبتنا كون / محمد صلى الله عليه ~~وسلم صادقا بفصاحة القرآن وإخباره عن الغيب ، ولا يمكن إثبات كون الفصاحة ~~والإخبار عن الغيب معجزا إلا إذا ثبت كون الشياطين ممنوعين عن ذلك ، لزم ~~الدور وهو باطل وجوابه : لا نسلم أن العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك لا ~~يستفاد إلا من قول النبي ، وذلك لأنا نعلم بالضرورة أن الاهتمام بشأن ~~الصديق أقوى من الاهتمام بشأن العدو ، ونعلم بالضرورة أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم كان يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم ، فلو كان هذا الغيب إنما ~~حصل من إلقاء الشياطين ، لكان الكفار أولى بأن يحصل لهم مثل هذا العلم ، ~~فكان يجب أن يكون اقتدار الكفار على مثله أولى ، فلما لم يكن كذلك علمنا أن ~~الشياطين ممنوعون عن ذلك ، وأنهم معزولون عن تعرف الغيوب ، ثم إنه تعالى ~~لما ذكر هذا الجواب ابتدأ بخطاب الرسول صلى الله عليه ms6987 وسلم فقال : { فلا ~~تدع مع الله إلاها ءاخر } وذلك في الحقيقة خطاب PageV24P147 لغيره ، لأن من ~~شأن الحكيم إذا أراد أن يؤكد خطاب الغير أن يوجهه إلى الرؤساء في الظاهر ، ~~وأن كان المقصود بذلك هم الأتباع ، ولأنه تعالى أراد أن يتبعه ما يليق بذلك ~~، فلهذه العلة أفرده بالمخاطبة . # ! 7 < { وأنذر عشيرتك الا قربين * واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين * ~~فإن عصوك فقل إنى برىء مما تعملون * وتوكل على العزيز الرحيم * الذى يراك ~~حين تقوم * وتقلبك فى الساجدين * إنه هو السميع العليم } . > 7 ! # < < # | الشعراء : ( 214 - 220 ) وأنذر عشيرتك الأقربين # > > اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تسلية رسوله أولا ، ثم أقام الحجة على ~~نبوته ، ثانيا ثم أورد سؤال المنكرين ، وأجاب عنه ثالثا ، أمره بعد ذلك بما ~~يتعلق بباب التبليغ والرسالة وهو ههنا أمور ثلاثة : الأول : قوله : { وأنذر ~~عشيرتك الاقربين } وذلك لأنه تعالى بدأ بالرسول فتوعده إن دعا مع الله إلها ~~آخر ، ثم أمره بدعوة الأقرب فالأقرب ، وذلك لأنه إذا تشدد على نفسه أولا ، ~~ثم بالأقرب فالأقرب ثانيا ، لم يكن لأحد فيه طعن ألبتة وكان قوله أنفع ~~وكلامه أنجع ، وروي ( أنه لما نزلت هذه الآية صعد الصفا فنادى الأقرب ~~فالأقرب وقال : يا بني عبد المطلب ، يا بني هاشم ، يا بني عبد مناف ، يا ~~عباس عم محمد ، يا صفية عمة محمد ؛ إني لا أملك لكم من الله شيئا ، سلوني ~~من المال / ما شئتم ) وروي ( أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا ~~على رجل شاة وقعب من لبن ، وكان الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس ، ~~فأكلوا وشربوا ، ثم قال يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل ~~خيلا ، أكنتم مصدقي ؟ قالوا نعم فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) . # الثاني : قوله : { واخفض جناحك } واعلم أن الطائر إذا أراد أن ينحط ~~للوقوع كسر جناحه وخفضه ، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه فجعل خفض ~~جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع ولين الجانب ، فإن قيل المتبعون للرسول ~~هم المؤمنون وبالعكس فلم قال : { لمن ms6988 اتبعك من المؤمنين } ؟ جوابه : لا ~~نسلم أن المتبعين للرسول هم المؤمنون فإن كثيرا منهم كانوا يتبعونه للقرابة ~~والنسب لا للدين . # فأما قوله : { فإن عصوك فقل إنى برىء * مما تعملون } فمعناه ظاهر ، قال ~~الجبائي هذا يدل على أنه عليه السلام كان بريئا من معاصيهم ، وذلك يوجب أن ~~الله تعالى أيضا بريء من عملهم كالرسول وإلا كان مخالفا لله ، كما لو رضي ~~عمن سخط الله عليه لكان كذلك ، وإذا كان تعالى بريئا من عملهم فكيف يكون ~~فاعلا له ومريدا له ؟ الجواب : أنه تعالى بريء من المعاصي بمعنى أنه ما أمر ~~بها بل نهى عنها ، فأما بمعنى أنه لا يريدها فلا نسلم والدليل عليه أنه علم ~~وقوعها ، وعلم أن ما هو معلوم الوقوع فهو واجب الوقوع وإلا لانقلب علمه ~~جهلا وهو محال والمفضي إلى المحال محال ، وعلم أن ما هو واجب الوقوع فإنه ~~لا يراد عدم وقوعه فثبت ما قلناه والثالث : قوله : { وتوكل } والتوكل عبارة ~~عن تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر PageV24P148 على نفعه وضره ، ~~وقوله : { على العزيز الرحيم } أي على الذي يقهر أعداءك بعزته وينصرك عليهم ~~برحمته ثم أتبع كونه رحيما على رسوله ما هو كالسبب لتلك الرحمة ، وهو قيامه ~~وتقلبه في الساجدين وفيه وجوه : أحدها : المراد ما كان يفعله في جوف الليل ~~من قيامه للتهجد وتقلبه في تصفح أحوال ( المجتهدين ) ليطلع على أسرارهم ، ~~كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما ~~يصنعون لحرصه على ما يوجد منهم من الطاعات ، فوجدها كبيوت الزنابير لما ~~يسمع منها من دندنتهم بذكر الله تعالى والمراد بالساجدين المصلين وثانيها : ~~المعنى يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة وتقلبه في الساجدين تصرفه فيما ~~بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذ كان إماما لهم وثالثها : أنه لا يخفى ~~عليه حالك كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين ورابعها : ~~المراد تقلب بصره فيمن ( يلي ) خلفه من قوله صلى الله عليه وسلم : ( أتموا ~~الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلفي ) ثم ms6989 قال : { إنه هو السميع } أي ~~لما تقوله { العليم } أي بما تنويه وتعمله ، وهذا يدل عى أن كونه سميعا أمر ~~مغاير لعلمه بالمسموعات وإلا لكان لفظ العليم مفيدا فائدته . واعلم أنه ~~قرىء { * ونقلبك } . # واعلم أن الرافضة ذهبوا إلى أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ~~مؤمنين وتمسكوا في ذلك بهذه الآية / وبالخبر ، أما هذه الآية فقالوا قوله ~~تعالى : { تقوم وتقلبك فى الساجدين } يحتمل الوجوه التي ذكرتم ويحتمل أن ~~يكون المراد أن الله تعالى نقل روحه من ساجد إلى ساجد كما نقوله نحن ، وإذا ~~احتمل كل هذه الوجوه وجب حمل الآية على الكل ضرورة أنه لا منافاة ولا رجحان ~~، وأما الخبر فقوله عليه السلام : ( لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى ~~أرحام الطاهرات ) وكل من كان كافرا فهو نجس لقوله تعالى : { إنما المشركون ~~نجس } ( التوبة : 28 ) قالوا : فإن تمسكتم على فساد هذا المذهب بقوله تعالى ~~: { وإذ قال إبراهيم لابيه ءازر } ( الأنعام : 74 ) قلنا الجواب عنه أن لفظ ~~الأب قد يطلق على العم كما قال أبناء يعقوب له : { نعبد إلاهك وإلاه آبائك ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } ( البقرة : 133 ) فسموا إسماعيل أبا له مع أنه ~~كان عما له ، وقال عليه السلام : ( ردوا على أبي ) يعني العباس ، ويحتمل ~~أيضا أن يكون متخذا لأصنام أب أمه فإن هذا قد يقال له الأب قال تعالى : { ~~ومن ذريته * داوود * وسليمان } إلى قوله : { وعيسى } ( الأنعام : 84 ، 85 ) ~~فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم كان جده من قبل الأم . # واعلم أنا نتمسك بقوله تعالى : { لابيه ءازر } وما ذكروه صرف للفظ عن ~~ظاهره ، وأما حمل قوله : { وتقلبك فى الساجدين } على جميع الوجوه فغير جائز ~~لما بينا أن حمل المشترك على كل معانيه غير جائز ، وأما الحديث فهو خبر ~~واحد فلا يعارض القرآن . # ! 7 < { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون } . > 7 @QB@ < # | الشعراء : ( 221 - 223 ) هل أنبئكم على . . . . . # > > PageV24P149 # اعلم أن الله تعالى أعاد الشبهة المتقدمة وأجاب عنها من وجهين : الأول : ~~قوله : { تنزل ms6990 على كل أفاك أثيم } وذلك هو الذي قررناه فيما تقدم أن الكفار ~~يدعون إلى طاعة الشيطان ، ومحمدا عليه السلام كان يدعو إلى لعن الشيطان ~~والبراءة عنه والثاني : قوله : { يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } والمراد ~~أنهم كان يقيسون حال النبي صلى الله عليه وسلم على حال سائر الكهنة فكأنه ~~قيل لهم إن كان الأمر على ما ذكرتم فكما أن الغالب على سائر الكهنة الكذب ~~فيجب أن يكون حال الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك أيضا ، فلما لم يظهر في ~~إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن المغيبات إلا الصدق علمنا أن حاله ~~بخلاف حال الكهنة ، ثم إن المفسرين ذكروا في الآية وجوها : أحدها : أنهم ~~الشياطين روي أنهم كانوا قبل أن حجبوا بالرجم يسمعون إلى الملأ الأعلى ~~فيختطفون بعض ما يتكلمون به ممااطلعوا عليه من الغيوب ، ثم يوحون به إلى ~~أوليائهم { وأكثرهم كاذبون } فيما ( يوحى ) به إليهم ، لأنهم يسمعونهم ما ~~لم يسمعوا وثانيها : يلقون إلى أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة ~~وثالثها : الأفاكون / يلقون السمع إلى الشياطين فيلقون وحيهم إليهم ورابعها ~~: يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس ، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على ~~الشياطين ما لم يوحوا إليهم ، فإن قلت { يلقون } ما محله ؟ قلت يجوز أن ~~يكون في محل النصب على الحال أي تنزل ملقين السمع ، وفي محل الجر صفة لكل ~~أفاك لأنه في معنى الجمع ، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف كأن قائلا قال : ~~لم ننزل على الأفاكين ؟ فقيل يفعلون كيت وكيت ، فإن قلت كيف قال : { ~~وأكثرهم كاذبون } بعدما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك ؟ قلت : الأفاكون ~~هم الذين يكثرون الكذب ، لا أنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب ، فأراد أن ~~هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الجن وأكثرهم يفتري عليهم . # ! 7 < { والشعرآء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون * وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا ~~وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون } . > 7 ! # < < # | الشعراء : ( 224 ms6991 - 227 ) والشعراء يتبعهم الغاوون # > > اعلم أن الكفار لما قالوا : لم لا يجوز أن يقال إن الشياطين تنزل ~~بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء ~~؟ ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الكهنة ، فذكر ههنا ~~ما يدل على الفرق بينه عليه السلام وبين الشعراء ، وذلك هو أن الشعراء ~~يتبعهم الغاوون ، أي الضالون ، ثم بين تلك الغواية بأمرين : الأول : { أنهم ~~فى كل واد يهيمون } والمراد منه الطرق المختلفة كقولك أنا في واد وأنت في ~~واد ، وذلك لأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه وبالعكس ، وقد يعظمونه بعد ~~أن استحقروه وبالعكس ، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق ~~بخلاف أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على ~~طريق واحد وهو الدعوة إلى الله تعالى والترغيب في الآخرة والإعراض عن ~~الدنيا PageV24P150 الثاني : { أنهم يقولون * ما لا يفعلون } وذلك أيضا من ~~علامات الغواة ، فإنهم يرغبون في الجود ويرغبون عنه ، وينفرون عن البخل ~~ويصرون عليه ، ويقدحون في الاس بأدنى شيء صدر عن واحد من أسلافهم ، ثم إنهم ~~لا يرتكبون إلا الفواحش ، وذلك يدل على الغواية والضلالة . # / وأما محمد صلى الله عليه وسلم فإنه بدأ بنفسه حيث قال الله تعالى له : ~~{ فلا تدع مع الله إلاها ءاخر فتكون من المعذبين } ( الشعراء : 213 ) ثم ~~بالأقرب فالأقرب حيث قال الله تعالى له : { وأنذر عشيرتك الاقربين } ( ~~الشعراء : 214 ) وكل ذلك على خلاف طريقة الشعراء ، فقد ظهر بهذا الذي بيناه ~~أن حال محمد صلى الله عليه وسلم ما كان يشبه حال الشعراء ، ثم إن الله ~~تعالى لما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة بيانا لهذا الفرق استثنى عنهم ~~الموصوفين بأمور أربعة : أحدها : الإيمان وهو قوله : { إلا الذين ءامنوا } ~~، وثانيها : العمل الصالح وهو قوله : { وعملوا الصالحات } ، وثالثها : أن ~~يكون شعرهم في التوحيد والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق ، وهو قوله : { وذكروا ~~الله كثيرا } ، ورابعها : أن لا يذكروا هجو أحد إلا على سبيل الانتصار ممن ~~يهجوهم ، وهو ms6992 قوله : { وانتصروا من بعد ما ظلموا } قال الله تعالى : { لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } ( النساء : 148 ) ثم إن الشرط ~~فيه ترك الاعتداء لقوله تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم } ( البقرة : 194 ) وقيل المراد بهذا الاستثناء عبدالله بن ~~رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير لأنهم كانوا يهجون قريشا ، ~~وعن كعب بن مالك : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : أهجهم ، ~~فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل ) وكان يقول لحسان بن ثابت ( ~~قل وروح القدس معك ) . # فأما قوله تعلى : { وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون } فالذي عندي ~~فيه والله أعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة ما يزيل الحزن عن قلب ~~رسوله صلى الله عليه وسلم من الدلائل العقلية ، ومن أخبار الأنبياء ~~المتقدمين / ثم ذكر الدلائل على نبوته عليه السلام ، ثم ذكر سؤال المشركين ~~في تسميتهم محمدا صلى الله عليه وسلم تارة بالكاهن ، وتارة بالشاعر ، ثم ~~إنه تعالى بين الفرق بينه وبين الكاهن أولا ثم بين الفرق بينه وبين الشاعر ~~ثانيا ختم السورة بهذا التهديد العظيم ، يعني إن الذين ظلموا أنفسهم ~~وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات ، والتأمل في هذه البينات فإنهم سيعلمون بعد ~~ذلك أي منقلب ينقلبون وقال الجمهور : المراد منه الزجر عن الطريقة التي وصف ~~الله بها هؤلاء الشعراء ، والأول أقرب إلى نظم السورة من أولها إلى آخرها ~~والله أعلم . # والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وصحبه ~~أجمعين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ~~. # # PageV24P151 < # > 1 ( سورة النمل ) 1 < # > # تسعون وثلاث أو أربع أو خمس آيات مكية # ! 7 < { طستلك ءايات القرءان وكتاب مبين * هدى وبشرى للمؤمنين * الذين ~~يقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة وهم بالا خرة هم يوقنون } . > 7 ! # / < < # | النمل : ( 1 - 3 ) طس تلك آيات . . . . . # > > اعلم أن قوله : { تلك } إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين هو ~~اللوح المحفوظ وإبانته أنه قد خط فيه كل ما ms6993 هو كائن ، فالملائكة الناظرون ~~فيه يبينون الكائنات ، وإنما نكر الكتاب المبين ليصير مبهما بالتنكير فيكون ~~أفخم له كقوله : { فى مقعد صدق عند مليك مقتدر } ( القمر : 55 ) وقرأ ابن ~~أبي عبلة { وكتاب مبين } بالرفع على تقدير وآيات كتاب مبين فحذف المضاف ~~وأقيم المضاف إليه مقامه ، فإن قلت : ما الفرق بين هذا وبين قوله : { الر ~~تلك ءايات الكتاب وقرءان مبين } ( الحجر : 1 ) ؟ قلت : لا فرق لأن واو ~~العطف لا تقتضي الترتيب . # أما قوله : { هدى وبشرى للمؤمنين } فهو في محل النصب أو الرفع فالنصب على ~~الحال أي هادية ومبشرة ، والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة ، والرفع ~~على ثلاثة أوجه على معنى هي هدى وبشرى ، وعلى البدل من الآيات ، وعلى أن ~~يكون خبرا بعد خبر ، أي جمعت آياتها آيات الكتاب وأنها هدى وبشرى ، ~~واختلفوا في وجه تخصيص الهدى بالمؤمنين على وجهين : الأول : المراد أنه ~~يهديهم إلى الجنة وبشرى لهم كقوله تعالى : { فسيدخلهم فى رحمة منه وفضل ~~ويهديهم إليه * صراطا مستقيما } ( النساء : 175 ) فلهذا اختص به المؤمنون ~~الثاني : المراد بالهدى الدلالة ثم ذكروا في تخصيصه بالمؤمنين وجوها : ~~أحدها : أنه إنما خصه بالمؤمنين لأنه ذكر مع الهدى البشرى ، والبشرى / إنما ~~تكون للمؤمنين وثانيها : أن وجه الاختصاص أنهم تمسكوا به فخصهم بالذكر ~~كقوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } ( النازعات : 45 ) ، وثالثها : المراد ~~من كونها { هدى * للمؤمنين } أنها زائدة في هداهم ، قال تعالى : { ويزيد ~~الله الذين اهتدوا هدى } ( مريم : 76 ) . PageV24P152 # أما قوله : { الذين يقيمون الصلواة } فالأقرب أنها الصلوات الخمس لأن ~~التعريف بالألف واللام يقتضي ذلك ، وإقامة الصلاة أن يؤتى بها بشرائطها ، ~~وكذا القول في الزكاة فإنها هي الواجبة ، وإقامتها وضعها في حقها . # أما قوله : { وهم بالاخرة هم يوقنون } ففيه سؤال وهو : أن المؤمنين الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة لا بد وأن يكونوا متيقنين بالآخرة ، فما الوجه ~~من ذكره مرة أخرى ؟ جوابه من وجهين : الأول : أن يكون من جملة صلة الموصول ~~، ثم فيه وجهان : الأول : أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخبر ~~لأجل العمل به ms6994 ، وأما عرفان الحق فأقسام كثيرة لكن الذي يستفاد منه طريق ~~النجاة معرفة المبدأ ، ومعرفة المعاد ، وأما الخير الذي يعمل به فأقسام ~~كثيرة وأشرفها قسمان : الطاعة بالنفس والطاعة بالمال فقوله : { للمؤمنين } ~~إشارة إلى معرفة المبدأ ، وقوله : { يقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة } إشارة ~~إلى الطاعة بالنفس والمال ، وقوله : { وهم بالاخرة هم يوقنون } إشارة إلى ~~علم المعاد فكأنه سبحانه وتعالى جعل معرفة المبدأ طرفا أولا ، ومعرفة ~~المعاد طرفا أخيرا وجعل الطاعة بالنفس والمال متوسطا بينهما الثاني : أن ~~المؤمنين الذي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، منهم من هو جازم بالحشر ~~والنشر ، ومنهم من يكون شاكا فيه إلا أنه يأتي بهذه الطاعات للاحتياط ، ~~فيقول إن كنت مصيبا فيها فقد فزت بالسعادة ، وإن كنت مخطئا فيها لم يفتني ~~إلا خيرات قليلة في هذه المدة اليسيرة / فمن يأتي بالصلاة والزكاة على هذا ~~الوجه لم يكن في الحقيقة مهتديا بالقرآن ، أما من كان حازما بالآخرة كان ~~مهتديا به ، فلهذا السبب ذكر هذا القيد الثاني : أن يجعل قوله : { وهم ~~بالاخرة هم يوقنون } جملة اعتراضية كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون ~~الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة ، وهذا هو ~~الأقرب ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو { هم } ~~حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين ~~الإيمان والعمل الصالح ، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق . # ! 7 < { إن الذين لا يؤمنون بالا خرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون * ~~أولائك الذين لهم سوء العذاب وهم فى الا خرة هم الا خسرون } . > 7 ! # / < < # | النمل : ( 4 - 5 ) إن الذين لا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين ما للمؤمنين من البشرى أتبعه بما على الكفار ~~من سوء العذاب فقال : { إن الذين لا يؤمنون بالاخرة زينا لهم أعمالهم } ، ~~واختلف الناس في أنه كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته مع أنه أسنده إلى ~~الشيطان في قوله : { فزين لهم الشيطن أعمالهم } ( النحل : 63 ) ؟ فأما ~~أصحابنا فقد أجروا الآية على ظاهرها وذلك لأن الإنسان لا يفعل شيئا ألبتة ~~إلا إذا ms6995 دعاه الداعي إلى الفعل والمعقول من الداعي هو العلم والاعتقاد ~~والظن بكون الفعل مشتملا على منفعة ، وهذا الداعي لا بد وأن يكون من فعل ~~الله تعالى لوجهين : الأول : أنه لو كان من فعل العبد لافتقر فيه إلى داع ~~آخر ويلزم التسلسل وهو محال الثاني : وهو أن العلم إما أن يكون ضروريا أو ~~كسبيا ، فإن كان ضروريا فلا بد فيه من تصورين والتصور يمتنع أن يكون مكتسبا ~~لأن المكتسب إن كان شاعرا به فهو متصور له ، وتحصيل الحاصل محال وإن لم يكن ~~شاعرا به كان PageV24P153 غافلا عنه والغافل عن الشيء يمتنع أن يكون طالبا ~~له ، فإن قلت هو مشعور به من وجه دون وجه ، قلت فالمشعور به غير ما هو غير ~~مشعور به فيعود التقسيم المتقدم في كل واحد من هذين الوجهين ، وإذا ثبت أن ~~التصور غير مكتسب ألبتة والعلم الضروري هو الذي يكون حضور كل واحد من ~~تصوريه كافيا في حصول التصديق ، فالتصورات غير كسبية وهي مستلزمة للتصديقات ~~، فإذن متى حصلت التصورات حصل التصديق لا محالة ، ومتى لم تحصل لم يحصل ~~التصديق ألبتة ، فحصول هذه التصديقات البديهية ليس بالكسب ، ثم إن ~~التصديقات البديهية إن كانت مستلزمة للتصديقات النظرية لم تكن التصديقات ~~النظرية كسبية ، لأن لازم الضروري ضروري ، وإن لم تكن مستلزمة لها لم تكن ~~تلك الأشياء التي فرضناها علوما نظرية كذلك بل هي اعتقادات تقليدية ، لأنه ~~لا معنى لاعتقاد المقلد إلا اعتقاد تحسيني يفعله ابتداء من غير أن يكون له ~~موجب فثبت بهذا أن العلوم بأسرها ضرورية ، وثبت أن مبادىء الأفعال هي ~~العلوم فأفعال العباد بأسرها ضرورية ، والإنسان مضطر في صورة مختار ، فثبت ~~أن الله تعالى هو الذي زين لكل عامل عمله . والمراد من التزيين هو أنه يخلق ~~في قلبه العلم بما فيه من المنافع واللذات ولا يخلق في قلبه العلم بما فيه ~~من المضار والآفات ، فقد ثبت بهذه الدلائل القاطعة العقلية وجوب إجراء هذه ~~الآية على ظاهرها ، أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تأويلها وجوها : أحدها : ~~أن المراد بينا لهم ms6996 أمر الدين وما يلزمهم أن يتمسكوا به وزيناه بأن بينا ~~حسنه وما لهم فيه من الثواب ، لأن التزيين من الله تعالى للعمل ليس إلا ~~وصفه بأنه حسن وواجب وحميد العاقبة ، وهو المراد من قوله : { حبب إليكم ~~الايمان وزينه فى قلوبكم } ( الحجرات : 7 ) ومعنى { فهم يعمهون } يدل على ~~ذلك لأن المراد فهم يعدلون وينحرفون عما زينا من أعمالهم وثانيها : أنه ~~تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق جعلوا إنعام الله تعالى بذلك عليهم ~~ذريعة إلى اتباع شهواتهم وعدم الانقياد لما يلزمهم من التكاليف ، فكأنه ~~تعالى زين بذلك أعمالهم وإليه إشارة الملائكة عليهم السلام في قولهم : { ~~ولاكن متعتهم وءاباءهم حتى نسوا الذكر } ( الفرقان : 18 ) وثالثها : أن ~~إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة / للتزيين فأسند إليه ~~والجواب : عن الأول أن قوله تعالى : { أعمالهم } صيغة عموم توجب أن يكون ~~الله تعالى قد زين لهم كل أعمالهم حسنا كان العمل أو قبيحا ومعنى التزيين ~~قد قدمناه ، وعن الثاني أن الله تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق فهل ~~لهذه الأمور أثر في ترجيح فاعلية المعصية على تركها أوليس لها فيه أثر ، ~~فإن كان الأول فقد دللنا على أن الترجيح متى حصل فلا بد وأن ينتهي إلى حد ~~الاستلزام وحينئذ يحصل الغرض وإن لم يكن فيه أثر صارت هذه الأشياء بالنسبة ~~إلى أعمالهم كصرير الباب ونعيق الغراب ، وذلك يمنع من إسناد فعلهم إليها ~~وهذا بعينه هو الجواب عن التأويل الثالث الذي ذكروه والله أعلم . # أما قوله تعالى : { فهم يعمهون } فالعمه التحير والتردد كما يكون حال ~~الضال عن الطريق . # أما قوله : { أولئك الذين لهم سوء العذاب } ففيه وجهان : الأول : أنه ~~القتل والأسر يوم بدر والثاني : مطلق العذاب سواء كان في الدنيا أو في ~~الآخرة والمراد بالسوء شدته وعظمه . # وأما قوله : { هم الاخسرون } ففيه وجهان : الأول : أنه لا خسران أعظم من ~~أن يخسر المرء نفسه بأن يسلب عنه الصحة والسلامة في الدنيا ويسلم في الآخرة ~~إلى العذاب العظيم الثاني : المراد أنهم خسروا منازلهم في الجنة لو ms6997 أطاعوا ~~، فإنه لا مكلف إلا وعين له منزل في الجنة لو أطاع فإذا عصى عدل به إلى ~~غيره فيكون قد خسر ذلك المنزل . # PageV24P154 ! 7 < { وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم * إذ قال موسى ~~لاهله إنىآنست نارا سأاتيكم منها بخبر أو ءاتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون * ~~فلما جآءها نودى أن بورك من فى النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين * ~~ياموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم } . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 6 - 9 ) وإنك لتلقى القرآن . . . . . # > > # أما قوله : { وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم } فمعناه لتؤتاه ( ~~وتلقاه ) من عند أي حكيم وأي عليم ، وهذا معنى مجيئهما نكرتين وهذه الآية ~~بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص ، و ( إذ ) منصوب بمضمر ~~وهو اذكر كأنه قال على أثر ذلك خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى ، ويجوز أن ~~ينتصب بعليم فإن قيل الحكمة أما أن تكون نفس العلم ، والعلم إما أن يكون / ~~داخلا فيها ، فلما ذكر الحكمة فلم ذكر العلم ؟ جوابه : الحكمة هي العلم ~~بالأمور العملية فقط والعلم أعم منه ، لأن العلم قد يكون عمليا وقد يكون ~~نظريا والعلوم النظرية أشرف من العلوم العملية ، فذكر الحكمة المشتملة على ~~العلوم العملية ، ثم ذكر العليم وهو البالغ في كمال العلم وكمال العلم يحصل ~~من جهات ثلاثة وحدته وعموم تعلقه بكل المعلومات وبقاؤه مصونا عن كل ~~التغيرات ، وما حصلت هذه الكمالات الثلاثة إلا في علمه سبحانه وتعالى . # واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة أنواعا من القصص . # القصة الأولى قصة موسى عليه الصلاة والسلام # أما قوله : { إذ قال موسى لاهله } فيدل على أنه لم يكن مع موسى عليه ~~السلام غير امرأته ابنة شعيب عليه السلام ، وقد كنى الله تعالى عنها بالأهل ~~فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله { امكثوا } ( القصص : 29 ) . # أما قوله : { إنى آنست نارا } فالمعنى أنهما كانا يسيران ليلا ، وقد ~~اشتبه الطريق عليهما والوقت وقت برد وفي مثل هذا الحال تقوى النفس بمشاهدة ~~نار من بعد لما يرجى فيها من ms6998 زوال الحيرة في أمر الطريق ، ومن الانتفاع ~~بالنار للاصطلاء فلذلك بشرها فقال : { إنى آنست نارا } وقد اختلفوا فقال ~~بعضهم المراد أبصرت ورأيت ، وقال آخرون بل المراد صادفت ووجدت فآنست به ، ~~والأول أقرب ، لأنهم لا يفرقون بين قول القائل آنست ببصري ورأيت ببصري . # أما قوله : { إذ قال موسى } فالخبر ما يخبر به عن حال الطريق لأنه كان قد ~~ضل ، ثم في الكلام حذف وهو أنه لما أبصر النار توجه إليها وقال : { إذ قال ~~موسى } يعرف به الطريق . PageV24P155 # أما قوله : { إذ قال موسى لاهله } فالشهاب الشعلة والقبس النار المقبوسة ~~. وأضاف الشهاب إلى القبس لأنه يكون قبسا وغير قبس ومن قرأ بالتنوين جعل ~~القبس بدلا أو صفة لما فيه من معنى القبس ثم ههنا أسئلة : # السؤال الأول : { إذ قال موسى } و { فلما قضى موسى الاجل } ( القصص : 29 ~~) كالمتدافعين لأن أحدهما ترج والآخر تيقن ؟ نقول جوابه : قد يقول الراجي ~~إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة . # السؤال الثاني : كيف جاء بسين التسويف ؟ جوابه : عدة منه لأهله أنه ~~يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة . # السؤال الثالث : لماذا أدخل ( أو ) بين الأمرين وهلا جمع بينهما لحاجته ~~إليهما معا ؟ جوابه : بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بهذين المقصودين ظفر ~~بأحدهما ، إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ثقة بعادة الله تعالى لأنه ~~لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده . # / وأما قوله تعالى : { لعلكم تصطلون } فالمعنى لكي تصطلون وذلك يدل على ~~حاجة بهم إلى الاصطلاء وحينئذ لا يكون ذلك إلا في حال برد . # أما قوله تعالى : { نودى أن بورك من فى النار ومن حولها وسبحان الله رب ~~العالمين } ففيه أبحاث : # البحث الأول : { ءان } أن هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول ، ~~والمعنى قيل له بورك . # البحث الثاني : اختلفوا فيمن في النار على وجوه : أحدها : { أن بورك } ~~بمعنى تبارك والنار بمعنى النور والمعنى تبارك من في النور ، وذلك هو الله ~~سبحانه { ومن حولها } يعني الملائكة وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~وإن ms6999 كنا نقطع بأن هذه الرواية موضوعة مختلفة وثانيها : { من فى النار } هو ~~نور الله ، { ومن حولها } الملائكة ، وهو مروي عن قتادة والزجاج وثالثها : ~~أن الله تعالى ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة فكانت الشجرة ~~محلا للكلام ، والله هو المكلم له بأن فعله فيه دون الشجرة . ثم إن الشجرة ~~كانت في النار ومن حولها ملائكة فلذلك قال : { بورك من فى النار ومن حولها ~~} وهو قول الجبائي ورابعها : { من فى النار } هو موسى عليه السلام لقربه ~~منها { من * حولها } يعني الملائكة ، وهذا أقرب لأن القريب من الشيء قد ~~يقال إنه فيه وخامسها : قول صاحب ( الكشاف ) : { بورك من فى النار } أي من ~~في مكان النار ومن حول مكانها هي البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة ~~المباركة المذكورة في قوله تعالى : { من شاطىء الوادى الايمن فى البقعة ~~المباركة } ( القصص : 30 ) ويدل عليه قراءة أبي ( تباركت الأرض ومن حولها ) ~~وعنه أيضا ( بوركت النار ) . # البحث الثالث : السبب الذي لأجله بوركت البقعة ، وبورك من فيها وحواليها ~~حدوث هذا الأمر PageV24P156 العظيم فيها وهو تكليم الله موسى عليه السلام ~~وجعله رسولا وإظهار المعجزات عليه ولهذا جعل الله أرض الشام موسومة ~~بالبركات في قوله : { ونجيناه ولوطا إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين } ~~( الأنبياء : 71 ) وحقت أن تكون كذلك فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم ، ~~ومهبط الوحي وكفاتهم أحياء وأمواتا . # البحث الرابع : أنه سبحانه جعل هذا القول مقدمة لمناجاة موسى عليه السلام ~~فقوله : { بورك من فى النار ومن حولها } يدل على أنه قد قضى أمر عظيم تنتشر ~~البركة منه في أرض الشام كلها . وقوله : { وسبحان الله رب العالمين } فيه ~~فائدتان : إحداهما : أنه سبحانه نزه نفسه عما لا يليق به في ذاته وحكمته ~~ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى عليه السلام الثانية : أن يكون ذلك ~~إيذانا بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين تنبيها على أن الكائن من ~~جلائل الأمور وعظائم الوقائع . # أما قوله : { إنه أنا الله العزيز الحكيم } فقال صاحب ( الكشاف ) الهاء ~~في ( إنه ) يجوز أن يكون ضمير ms7000 الشأن و { أنا الله } مبتدأ وخبر ، و { ~~العزيز الحكيم } صفتان للخبر ، وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما قبله يعني ~~أن مكلمك أنا والله بيان لأنا والعزيز الحكيم صفتان ( للتعيين ) وهذا تمهيد ~~لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة يريد أنا القوي القادر على ما يبعد ~~من الأوهام كقلب العصا حية ، الفاعل ( كل ) ما أفعله بحكمة وتدبير . فإن ~~قيل هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى ، فكيف علم موسى / عليه ~~السلام أنه من الله ؟ جوابه : لأهل السنة فيه طريقان : الأول : أنه سمع ~~الكلام المنزه عن مشابهة الحروف والأصوات فعلم بالضرورة أنه صفة الله تعالى ~~الثاني : قول أئمة ما وراء النهر وهو أنه عليه السلام سمع الصوت من الشجرة ~~فنقول إنما عرف أن ذلك من الله تعالى لأمور : أحدها : أن النداء إذا حصل في ~~النار أو الشجرة علم أنه من قبل الله تعالى لأن أحدا منا لا يقدر عليه وهو ~~ضعف لاحتمال أن يقال الشيطان دخل في النار والشجرة ثم نادى وثانيها : يجوز ~~في نفس النداء أن يكون قد بلغ في العظم مبلغا لا يكون إلا معجزا ، وهو أيضا ~~ضعيف لأنا لا نعرف مقادير قوى الملائكة والشياطين فلا قدر إلا ويجوز صدوره ~~منهم وثالثها : أنه قد اقترن به معجز دل على ذلك ، فقيل إن النار كانت ~~مشتعلة في شجرة خضراء لم تحترق فصار ذلك كالمعجز ، وهذا هو الأصح والله ~~أعلم . # ! 7 < { وألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب ياموسى ~~لا تخف إنى لا يخاف لدى المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإنى ~~غفور رحيم * وأدخل يدك فى جيبك تخرج بيضآء من غير سوء فى تسع ءايات إلى ~~فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين * فلما جآءتهم ءاياتنا مبصرة قالوا ~~هاذا سحر مبين * وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان ~~عاقبة المفسدين } . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 10 - 14 ) وألق عصاك فلما . . . . . # > > PageV24P157 # اعلم أن أكثر ما في هذا الآيات قدر مر شرحه ms7001 ، ولنذكر ما هو من خواص هذا ~~الموضع : يقال علام عطف قوله : { وألق عصاك } ؟ جوابه : على { بورك من فى ~~النار } ( النمل : 8 ) ( وأن ألق عصاك ، كلاهما تفسير لنودي ) . # / أما قوله : { كأنها جان } فالجان الحية الصغيرة ، سميت جانا ، لأنها ~~تستتر عن الناس ، وقرأ الحسن { جان } على لغة من يهرب من التقاء الساكنين ، ~~فيقول شأبة ودأبة . # أما قوله : { ولم يعقب } معناه لم يرجع ، يقال عقب المقاتل إذا ( مر ) ~~بعد الفرار ، وإنما خاف لظنه أن ذلك لأمر أريد به ، ويدل عليه { إنى لا ~~يخاف لدى المرسلون } وقال بعضهم : المراد إني إذا أمرتهم بإظهار معجز ~~فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك وإلا فالمرسل قد يخاف لا محالة ~~. # أما قوله تعالى : { إلا من ظلم } معناه لكن من ظلم وهو محمول على ما يصدر ~~من الأنبياء من ترك الأفضل أو الصغيرة ، ويحتمل أن يكون المقصود منه ~~التعريض بما وجد من موسى وهو من التعريضات اللطيفة . قال الحسن رحمه الله : ~~كان والله موسى ممن ظلم بقتل القبطي ثم بدل ، فإنه عليه السلام قال : { رب ~~إنى ظلمت نفسى فاغفر لى } ( القصص : 16 ) وقرىء ( ألا من ظلم ) بحرف ~~التنبيه . # أما قوله تعالى : { ثم بدل حسنا بعد سوء } فالمراد حسن التوبة وسوء الذنب ~~، وعن أبي بكر في رواية عاصم ( حسنا ) . أما قوله : { وأدخل يدك فى } فهو ~~كلام مستأنف ، وحرف الجر فيه يتعلق بمحذوف ، والمعنى اذهب في تسع آيات إلى ~~فرعون ، ولقائل أن يقول : كانت الآيات إحدى عشرة ، اثنتان منها اليد والعصا ~~، والتسع : الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجدب ~~في بواديهم والنقصان في مزارعهم . # أما قوله : { فلما جاءتهم ءاياتنا مبصرة } فقد جعل الإبصار لها ، وهو في ~~الحقيقة لمتأملها ، وذلك بسبب نظرهم وتفكرهم فيها ، أو جعلت كأنها لظهورها ~~تبصر فتهتدي ، وقرأ علي بن الحسين وقتادة { مبصرة } وهو نحو مجبنة ومبخلة ، ~~أي مكانا يكثر فيه التبصر . # أما قوله : { واستيقنتها أنفسهم } فالواو فيها واو الحال ، وقد بعدها ~~مضمرة وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم ~~وضمائرهم ، والاستيقان أبلغ من ms7002 الإيقان . # أما قوله : { ظلما وعلوا } فأي ظلم أفحش من ظلم من استيقن أنها آيات بينة ~~من عند الله تعالى ، ثم كابر بتسميتها سحرا بينا . وأما العلو فهو التكبر ~~والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى كقوله : { فاستكبروا وكانوا قوما عالين ~~} ( المؤمنون : 46 ) وقرىء ( عليا ) و ( عليا ) بالضم والكسر ، كما قرىء ( ~~عتيا ) { عتيا } ( مريم : 8 ، 69 ) والله أعلم . # القصة الثانية قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام # ! 7 < { ولقد ءاتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذى فضلنا على ~~كثير من عباده المؤمنين * وورث سليمان داوود وقال ياأيها الناس علمنا منطق ~~الطير وأوتينا من كل شىء إن هاذا لهو الفضل المبين * وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير فهم يوزعون * حتى إذآ أتوا على وادى النمل قالت نملة ~~ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * ~~فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعنىأن أشكر نعمتك التىأنعمت على وعلى ~~والدى وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } . > 7 @QB@ ~~< # | النمل : ( 15 - 19 ) ولقد آتينا داود . . . . . # > > PageV24P158 # / أما قوله تعالى : { علما } فالمراد طائفة من العلم أو علما سنيا ( ~~عزيزا ) ، فإن قيل أليس هذا موضع الفاء دون الواو ، كقولك أعطيته فشكر ( ~~ومنعته ) ( 1 ) فصبر ؟ جوابه : أن الشكر باللسان إنما يحسن موقعه إذا كان ~~مسبوقا بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية ، وبعمل الجوارح ~~وهو الاشتغال بالطاعات ، ولما كان الشكر باللسان يجب كونه مسبوقا بهما فلا ~~جرم صار كأنه قال : ولقد آتيناهما علما ، فعملا به قلبا وقالبا ، وقالا ~~باللسان الحمد لله الذي فعل كذا وكذا . # وأما قوله تعالى : { الحمد * الله الذى * فضلنا على كثير من عباده ~~المؤمنين } ففيها أبحاث : # أحدها : أن الكثير المفضل عليه هو من لم يؤت علما أو من لم يؤت مثل ~~علمهما ، وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير وثانيها : في الآية ~~دليل على علو مرتبة العلم لأنهما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما فلم يكن ~~شكرهما على الملك كشكرهما على العلم وثالثها : أنهم لم يفضلوا ms7003 أنفسهم على ~~الكل وذلك يدل على حسن التواضع ورابعها : أن الظاهر يقتضي أن تلك الفضيلة ~~ليست إلا ذلك العلم ، ثم العلم بالله وبصفاته أشرف من غيره ، فوجب أن يكون ~~هذا الشكر ليس إلا على هذا العلم ، ثم إن هذا العلم حاصل لجميع المؤمنين ~~فيستحيل أن يكون ذلك سببا لفضيلتهم على المؤمنين فإذن الفضيلة هو أن يصير ~~العلم بالله وبصفاته جليا بحيث يصير المرء مستغرقا / فيه بحيث لا يخطر ~~بباله شيء من الشبهات ولا يغفل القلب عنه في حين من الأحيان ولا ساعة من ~~الساعات . PageV24P159 # أما قوله تعالى : { وورث سليمان * داوود } فقد اختلفوا فيه ، فقال الحسن ~~المال لأن النبوة عطية مبتدأة ولا تورث ، وقال غيره بل النبوة ، وقال آخرون ~~بل الملك والسياسة ، ولو تأمل الحسن لعلم أن المال إذا ورثه الولد فهو أيضا ~~عطية مبتدأة من الله تعالى ، ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنا ولا يرث إذا ~~كان كافرا أو قاتلا ، لكن الله تعالى جعل سبب الإرث فيمن يرث الموت على ~~شرائط ، وليس كذلك النبوة لأن الموت لا يكون سببا لنبوة الولد فمن هذا ~~الوجه يفترقان ، وذلك لا يمنع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام به عند ~~موته ، كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته ومما يبين ما قلناه أنه ~~تعالى لو فصل فقال وورث سليمان داود ماله لم يكن لقوله : { وقال يأبت * ~~أيها الناس * علمنا منطق الطير } معنى ، وإذا قلنا وورث مقامه من النبوة ~~والملك حسن ذلك لأن تعليم منطق الطير يكون داخلا في جملة ما ورثه ، وكذلك ~~قوله تعالى : { وأوتينا من كل شىء } لأن وارث الملك يجمع ذلك ووارث المال ~~لا يجمعه وقوله : { إن هاذا لهو الفضل المبين } لا يليق أيضا إلا بما ذكرنا ~~دون المال الذي قد يحصل للكامل والناقص ، وما ذكره الله تعالى من جنود ~~سليمان بعده لا يليق إلا بما ذكرناه ، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنه لم ~~يرث إلا المال ، فأما إذا قيل ورث المال والملك معا فهذا لا يبطل ms7004 بالوجوه ~~التي ذكرناها ، بل بظاهر قوله عليه السلام : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ~~) . # فأما قوله : { يذهبكم أيها الناس } فالمقصود منه تشهير نعمة الله تعالى ~~والتنويه بها ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير ~~، قال صاحب ( الكشاف ) المنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير ~~المفيد ، وقد ترجم يعقوب كتابه ( بإصلاح المنطق ) وما أصلح فيه إلا مفردات ~~الكلم ، وقالت العرب نطقت الحمامة ( وكل صنف من ) الطير يتفاهم أصواته ~~فالذي علم سليمان عليه السلام من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من ~~مقاصده وأغراضه . # أما قوله تعالى : { وأوتينا من كل شىء } فالمراد كثرة ما أوتي وذلك لأن ~~الكل والبعض الكثير يشتركان في صفة الكثرة ، والمشاركة سبب لجواز الاستعارة ~~فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثير ومثله قوله : { وأوتيت من كل شىء } ( ~~النمل : 23 ) . # أما قوله : { إن هاذا لهو الفضل المبين } فهو تقرير لقوله : { الحمد لله ~~الذى فضلنا } والمقصود منه الشكر والمحمدة كما قال عليه السلام : ( أنا سيد ~~ولد آدم ولا فخر ) فإن قيل كيف قال : { علمنا * وأوتينا } وهو من كلام ~~المتكبرين ؟ جوابه من وجهين : الأول : أن يريد نفسه وأباه والثاني : أن هذه ~~النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكا مطاعا ، وقد يتعلق بتعظيم ~~الملك مصالح فيصير ذلك التعظيم واجبا . # / وأما قوله : { وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير } فالحشر هو ~~الإحضار والجمع من الأماكن المختلفة ، والمعنى أنه جعل الله تعالى كل هذه ~~الأصناف جنوده ولا يكون كذلك إلا بأن يتصرف على مراده ، ولا يكون كذلك إلا ~~مع العقل الذي يصح معه التكليف ، أو يكون بمنزلة المراهق الذي قد قارب حد ~~التكليف فلذلك قلنا إن الله تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل ، وليس ~~كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما قد ألهمه الله تعالى الدقائق ~~التي خصت بالحاجة إليها أو خصها الله بها لمنافع العباد كالنحل وغيره . ~~PageV24P160 # وأما قوله تعالى : { فهم يوزعون } معناه يحبسون وهذا لا يكون إلا إذا كان ms7005 ~~في كل قبيل منها وازع ، ويكون له تسلط على من يرده ويكفه ويصرفه ، فالظاهر ~~يشهد بهذا القدر والذي جاء في الخبر من أنهم كانوا يمنعون من يتقدم ليكون ~~مسيره مع جنوده على ترتيب فغير ممتنع . # أما قوله تعالى : { حتى إذا أتوا على وادى النمل } فقيل هو واد بالشام ~~كثير النمل ، ويقال لم عدي { أتوا } بعلى ؟ فجوابه من وجهين : الأول : أن ~~إتيانهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء والثاني : أن يراد قطع الوادي ~~وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشيء إذا ( أنفذه و ) بلغ آخره كأنهم أرادوا ~~أن ينزلوا عند منقطع الوادي ، وقرىء { نملة يأيها * أيها * النمل } بضم ~~الميم وبضم النون والميم وكان الأصل النمل بوزن الرجل والنمل الذي عليه ~~الاستعمال تخفيف عنه ( كقولهم السبع في السبع ) ( 1 ) . # أما قوله تعالى : { قالت نملة } فالمعنى أنها تكلمت بذلك وهذا غير مستبعد ~~، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق فيها العقل والنطق . وعن قتادة : أنه ~~دخل الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة رحمه الله ~~حاضرا وهو غلام حدث فقال سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى ؟ فسألوه ~~فأفحم ، فقال أبو حنيفة رضي الله عنه كانت أنثى فقيل له من أين عرفت ؟ فقال ~~من كتاب الله تعالى وهو قوله : { قالت نملة } ولو كان ذكرا لقال ( قال نملة ~~) ، وذلك لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فيميز ~~بينهما بعلامة نحو قولهم حمامة ذكر وحمامة أنثى وهو وهي . # أما قوله تعالى : { ادخلوا مساكنكم } فاعلم أن النملة لما قاربت حد العقل ~~، لا جرم ذكرت بما يذكر به العقلاء فلذلك قال تعالى : { ادخلوا مساكنكم } ~~فإن قلت { لا يحطمنكم } ما هو ؟ قلت يحتمل أن يكون جوابا للأمر وأن يكون ~~نهيا بدلا من الأمر ، والمعنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم على طريقة : لا ~~أرينك ههنا . وفي هذه الآية تنبيه على أمور : أحدها : أن من يسير في الطريق ~~لا يلزمه التحرز ، وإنما يلزم من في الطريق التحرز وثانيها : أن النملة ~~قالت : { وهم ms7006 لا يشعرون } كأنها عرفت أن النبي معصوم فلا يقع منه قتل هذه ~~الحيوانات إلا على سبيل السهو ، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الجزم بعصمة ~~الأنبياء عليهم السلام وثالثها : ما رأيت في بعض الكتب أن تلك النملة إنما ~~أمرت غيرها بالدخول لأنها خافت على قومها أنها إذا رأت سليمان في جلالته ، ~~فربما وقعت في كفران نعمة الله تعالى وهذا هو المراد بقوله : { لا يحطمنكم ~~سليمان } فأمرتها بالدخول في مساكنها لئلا ترى تلك النعم فلا تقع في كفران ~~نعمة الله تعالى ، وهذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة ورابعها : ~~قرىء ( مسكنكم ) و ( لا يحطمنكم ) بتخفيف النون ، وقرىء ( لا يحطمنكم ) ~~بفتح الطاء وكسرها وأصلها يحطمنكم . # أما قوله تعالى : { فتبسم ضاحكا من قولها } يعني تبسم شارعا في الضحك ( ~~وآخذا فيه ) ، بمعنى أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك ، وإنما ضحك لأمرين ~~: أحدهما : إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده ( وشفقتهم ) ~~وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى ، وذلك قولها : { وهم لا يشعرون } ~~والثاني : سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحدا من سماعه لكلام النملة ~~وإحاطته بمعناه . PageV24P161 # أما قوله تعالى : { رب أوزعنى } فقال صاحب ( الكشاف ) : حقيقة أوزعنى : ~~اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفه عن أن ينقلب عني ، حتى أكون شاكرا لك أبدا ~~، وهذا يدل على مذهبنا فإن عند المعتزلة كل ما أمكن فعله من الألطاف فقد ~~صارت مفعولة وطلب تحصيل الحاصل عبث . # وأما قوله تعالى : { وعلى والدى } فذلك لأنه عد نعم الله تعالى على ~~والديه نعمة عليه . ومعنى قوله : { وأن أعمل صالحا ترضاه } طلب الإعانة في ~~الشكر وفي العمل الصالح ، ثم قال : { وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } ~~فلما طلب في الدنيا الإعانة على الخيرات طلب أن يجعل في الآخرة من الصالحين ~~، وقوله : { برحمتك } يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق من ~~جانب العبد واعلم أن سليمان عليه السلام طلب ما يكون وسيلة إلى ثواب الآخرة ~~أولا ثم طلب ثواب الآخرة ثانيا ، أما وسيلة الثواب فهي أمران : أحدهما : ~~شكر ms7007 النعمة السالفة والثاني : الاشتغال بسائر أنواع الخدمة ، أما الاشتغال ~~بشكر النعمة السالفة ، فهي قوله تعالى : { رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى ~~أنعمت على } ولما كان الإنعام على الآباء إنعاما على الأبناء لأن انتساب ~~الابن إلى أب شريف نعمة من الله تعالى على الابن ، لا جرم اشتغل بشكر نعم ~~الله على الآباء بقوله : { وعلى والدى } وأما الاشتغال بسائر أنواع الخدمة ~~، فقوله : { وأن أعمل صالحا ترضاه } وأما طلب ثواب الآخرة فقوله : { ~~وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين } فإن قيل درجات الأنبياء أعظم من درجات ~~الأولياء والصالحين / فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين ~~فقال يوسف : { توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين } وقال سليمان : { أدخلنى * ~~برحمتك فى عبادك الصالحين } ؟ جوابه : الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ~~ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية ، والله أعلم . # ! 7 < { وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين * ~~لأعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين * فمكث غير بعيد ~~فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين * إنى وجدت امرأة تملكهم ~~وأوتيت من كل شىء ولها عرش عظيم * وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون } . > 7 ! # / < < # | النمل : ( 20 - 24 ) وتفقد الطير فقال . . . . . # > > اعلم أن سليمان عليه السلام لما تفقد الطير أوهم ذلك أنه إنما تفقده ~~لأمر يختص به ذلك الطير ، واختلفوا فيما لأجله تفقده على وجوه : أحدها : ~~قول وهب أنه أخل بالنوبة التي كان ينوبها فلذلك تفقده PageV24P162 وثانيها ~~: أنه تفقده لأن مقاييس الماء كانت إليه ، وكان يعرف الفصل بين قريبه ~~وبعيده ، فلحاجة سليمان إلى ذلك طلبه وتفقده وثالثها : أنه كان يظله من ~~الشمس ، فلما فقد ذلك تفقده . # أما قوله : { فقال مالي * لى لا * أرى الهدهد أم كان من الغائبين } فأم ~~هي المنقطعة نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره فقال ما لي لا أراه ، على معنى ~~أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك ثم لاح له أنه غائب فأضرب ms7008 عن ~~ذلك وأخذ يقول : أهو غائب ؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له ، ومثله قولهم : ~~إنها لإبل أم شاء . # أما قوله : { لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتينى بسلطان مبين } ~~فهذا لا يجوز أن يقوله إلا فيمن هو مكلف أو فيمن قارب العقل فيصلح لأن يؤدب ~~، ثم اختلفوا في قوله : { لاعذبنه } فقال ابن عباس إنه نتف الريش والإلقاء ~~في الشمس ، وقيل أن يطلى بالقطران ويشمس ، وقيل أن يلقى للنمل فتأكله ، ~~وقيل إيداعه القفص ، وقيل التفريق بينه وبين إلفه ، وقيل لألزمنه صحبة ~~الأضداد ، وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد ، وقيل لألزمنه خدمة ~~أقرانه . # أما قوله : { فمكث } فقد قرىء بفتح الكاف وضمها { غير بعيد } ( غير زمان ~~بعيد ) كقولك عن قريب ، / ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من ~~سليمان وليعلم كيف كان الطير مسخرا له . # أما قوله : { أحطت بما لم تحط به } ففيه تنبيه لسليمان على أن في أدنى ~~خلق الله تعالى من أحاط علما بما لم يحط به ، فيكون ذلك لطفا في ترك ~~الإعجاب والإحاطة بالشيء علما أن يعلم من جميع جهاته . # أما قوله : { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } فاعلم أن سبأ قرىء بالصرف ومنعه ، ~~وقد روي بسكون الباء ، وعن ابن كثير في رواية سبا بالألف كقولهم ذهبوا أيدي ~~سبا وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، فمن جعله اسما للقبيلة لم يصرف ، ~~ومن جعله اسما للحي أو للأب الأكبر صرف ، ثم سميت مدينة مأرب بسبأ وبينها ~~وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام ، والنبأ الخبر الذي له شأن . # وقوله : { من سبإ بنبإ } من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ وشرط حسنه ~~صحة المعنى ، ولقد جاء ههنا زائدا على الصحة فحسن لفظا ومعنى ، ألا ترى أنه ~~لو وضع مكان ( بنبأ ) بخبر لكان المعنى صحيحا ، ولكن لفظ النبأ أولى لما ~~فيه من الزيادة التي يطابقها وصف الحال . # أما قوله : { إنى وجدت امرأة تملكهم } فالمرأة بلقيس بنت شراحيل ، وكان ~~أبوها ملك أرض اليمن وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس ، والضمير في ~~تملكهم راجع إلى ms7009 سبأ ، فإن أريد به القوم فالأمر ظاهر / وإن أريدت المدين ~~فمعناه تملك أهلها . # وأما قوله : { وأوتيت من كل شىء } ففيه سؤال وهو أنه كيف قال : { وأوتيت ~~من كل شىء } مع قول سليمان { وأوتينا من كل شىء } ( النمل : 16 ) فكأن ~~الهدهد سوى بينهما جوابه : أن قول سليمان عليه السلام يرجع إلى ما أوتي من ~~النبوة والحكمة ، ثم إلى الملك وأسباب الدنيا ، وأما قول الهدهد فلم يكن ~~إلا إلى ما يتعلق بالدنيا . # وأما قوله : { ولها عرش عظيم } ففيه سؤال ، وهو أنه كيف استعظم الهدهد ~~عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان ؟ وأيضا فكيف سوى بين عرش بلقيس وعرش ~~الله تعالى في الوصف بالعظيم ؟ والجواب عن PageV24P163 الأول : يجوز أن ~~يستصغر حالها إلى حال سليمان فاستعظم لها ذلك العرش ، ويجوز أن لا يكون ~~لسليمان مع جلالته مثله كما قد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله عند ~~السلطان ، وعن الثاني : أن وصف عرشها بالعظم تعظيم له بالإضافة إلى عروش ~~أبناء جنسها من الملوك ووصف عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما ~~خلق من السموات والأرض ، واعلم أن ههنا بحثين : # البحث الأول : أن الملاحدة طعنت في هذه القصة من وجوه : أحدها : أن هذه ~~الآيات اشتملت على أن النملة والهدهد تكلما بكلام لا يصدر ذلك الكلام إلا ~~من العقلاء وذلك يجر إلى السفسطة ، فإنا لو جوزنا ذلك لما أمنا في النملة ~~التي نشاهدها في زماننا هذا ، أن تكون أعلم بالهندسة من إقليدس ، وبالنحو ~~من سيبويه ، وكذا القول في القملة والصئبان ، ويجوز أن يكون فيهم / ~~الأنبياء والتكاليف والمعجزات ، ومعلوم أن من جوز ذلك كان إلى الجنون أقرب ~~وثانيها : أن سليمان عليه السلام كان بالشام فكيف طار الهدهد في تلك اللحظة ~~اللطيفة من الشام إلى اليمن ثم رجع إليه ؟ وثالثها : كيف خفي على سليمان ~~عليه السلام حال مثل تلك الملكة العظيمة مع ما يقال إن الجن والإنس كانوا ~~في طاعة سليمان ، وإنه عليه السلام كان ملك الدنيا بالكلية وكان تحت راية ~~بلقيس على ما يقال ms7010 اثنا عشر ألف ملك تحت راية كل واحد منهم مائة ألف ، ومع ~~أنه يقال إنه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلا ~~مسيرة ثلاثة أيام ورابعها : من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالى ووجوب ~~السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه ؟ والجواب عن ~~الأول : أن ذلك الاحتمال قائم في أول العقل ، وإنما يدفع ذلك بالإجماع ، ~~وعن البواقي أن الإيمان بافتقار العالم إلى القادر المختار يزيل هذه الشكوك ~~. # البحث الثاني : قالت المعتزلة قوله : { يسجدون للشمس من دون الله وزين ~~لهم الشيطان أعمالهم } يدل على أن فعل العبد من جهته لأنه تعالى أضاف ذلك ~~إلى الشيطان بعد إضافته إليهم ولأنه أورده مورد الذم ولأنه بين أنهم لا ~~يهتدون والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا قول الهدهد فلا يكون حجة وثانيها ~~: أنه متروك الظاهر ، فإنه قال : { فصدهم عن السبيل } وعندهم الشيطان ما صد ~~الكافر عن السبيل إذ لو كان مصدودا ممنوعا لسقط عنه التكليف ، فلم يبق ههنا ~~إلا التمسك بفصل المدح والذم والجواب : قد تقدم عنه مرارا فلا فائدة في ~~الإعادة والله أعلم . # ! 7 < { ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء فى السماوات والا رض ويعلم ما ~~تخفون وما تعلنون * الله لا إلاه إلا هو رب العرش العظيم * قال سننظر أصدقت ~~أم كنت من الكاذبين * اذهب بكتابى هاذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا ~~يرجعون } . > 7 ! # < < # | النمل : ( 25 - 28 ) ألا يسجدوا لله . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن في قوله تعالى : { ألا يسجدوا } قراءات أحدها ~~قراءة من قرأ بالتخفيف ( ألا ) PageV24P164 للتنبيه ويا حرف النداء ومناداه ~~محذوف ، كما حذفه من قال : # % ألا يا اسلمى يا دار مي على البلى # % ولا زال منهلا بجرعائك القطر % # / وثانيها : بالتشديد أراد فصدهم عن السبيل لئلا يسجدوا ، فحذف الجار مع ~~أن ويجوز أن تكون لا مزيدة ، ويكون المعنى فهم لا يهتدون ( إلا ) أن يسجدوا ~~وثالثها : وهي حرف عبدالله و ( هي ) قراءة الأعمش هلا بقلب الهمزة هاء ، ~~وعن عبدالله هلا تسجدون بمعنى ألا تسجدون ms7011 على الخطاب ورابعها : قراءة أبي { ~~إلا * يسجدون * لله الذى يخرج الخبء فى * السماوات والارض * ويعلم * سركم * ~~وما تعلنون } . # المسألة الثانية : قال أهل التحقيق قوله : { ألا يسجدوا } يجب أن يكون ~~بمعنى الأمر لأنه لو كان بمعنى المنع من السجدة لم يكن لوصفه تعالى بما ~~يوجب أن يكون السجود له وهو كونه قادرا على إخراج الخبء عالما بالأسرار ~~معنى . # المسألة الثالثة : الآية دلت على وصف الله تعالى بالقدرة والعلم ، أما ~~القدرة فقوله : { يخرج الخبء فى * السماوات والارض } وسمي المخبوء بالمصدر ~~، وهو يتناول جميع أنواع الأرزاق والأموال وإخراجه من السماء بالغيث ، ومن ~~الأرض بالنبات . وأما العلم فقوله : { ويعلم ما تخفون وما تعلنون } . # واعلم أن المقصود من هذا الكلام الرد على من يعبد الشمس وتحرير الدلالة ~~هكذا : الإله يجب أن يكون قادرا على إخراج الخبء وعالما بالخفيات ، والشمس ~~ليست كذلك فهي لا تكون إلها وإذا لم تكن إلها لم يجز السجود لها ، أما أنه ~~سبحانه وتعالى يجب أن يكون قادرا عالما على الوجه المذكور ، فلما أنه واجب ~~لذاته فلا تختص قادريته وعالميته ببعض المقدورات والمعلومات دون البعض ، ~~وأما أن الشمس ليست كذلك فلأنها جسم متناه ، وكل ما كان متناهيا في الذات ~~كان متناهيا في الصفات ، وإذا كان كذلك فحينئذ لا يعلم كونها قادرة على ~~إخراج الخبء عالمة بالخفيات ، فإذا لم يعلم من حالها ذلك لم يعلم من حالها ~~كونها قادرة على جلب المنافع ودفع المضار ، فرجع حاصل الدلالة إلى ما ذكره ~~إبراهيم عليه السلام في قوله : { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك ~~شيئا } ( مريم : 42 ) وفي قوله : { لله الذى يخرج الخبء فى * السماوات ~~والارض } وجه آخر وهو أن هذا إشارة إلى ما استدل به إبراهيم عليه السلام في ~~قوله : { ربي الذى يحى ويميت } ( البقرة : 258 ) وفي قوله : { إن الله * ~~يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } ( البقرة : 258 ) وذلك لأنه ~~سبحانه وتعالى هو الذي يخرج الشمس من المشرق بعد أفولها في المغرب فهذا هو ~~إخراج الخبء في السموات وهو ms7012 المراد من قول إبراهيم عليه السلام : { لا أحب ~~الافلين } ( الأنعام : 76 ) ومن قوله : { فإن الله يأتى بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب } ومن قوله موسى عليه السلام : { رب المشرق والمغرب } ( ~~الشعراء : 28 ) وحاصله يرجع إلى أن أفول الشمس وطلوعها يدلان على كونها تحت ~~تدبير مدبر قاهر فكانت العبادة لقاهرها والمتصرف فيها أولى ، وأما إخراج ~~الخبء من الأرض فهو يتناول إخراج النطفة من الصلب والترائب وتكوين الجنين ~~منه ، فإن قيل إن إبراهيم وموسى عليهما السلام قدما دلالة الأنفس على دلالة ~~الآفاق فإن إبراهيم قال : { ربي الذى يحى ويميت } ثم قال : { فإن الله يأتى ~~بالشمس من المشرق } وموسى عليه السلام قال : { ربكم ورب ءابائكم الاولين } ~~( الشعراء : 26 ) ثم قال : { رب المشرق والمغرب } فلم كان الأمر ههنا ~~بالعكس فقدم خبء السموات على خبء الأرض ؟ جوابه : أن إبراهيم وموسى عليهما ~~السلام ناظرا مع من ادعى إلهية البشر ، فلا جرم ابتدأ بإبطال إلهية البشر ~~ثم انتقلا إلى إبطال إلهية السموات ، وههنا المناظرة مع من ادعى إلهية ~~الشمس لقوله : { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } PageV24P165 فلا ~~جرم ابتدأ بذكر السماويات ثم بالأرضيات . # أما قوله : { الله لا إلاه إلا هو رب العرش العظيم } فالمراد منه أنه ~~سبحانه لما بين افتقار السموات والأرض وما بينهما إلى المدبر ذكر بعد ذلك ~~أن ما هو أعظم الأجسام فهي مخلوقة ومربوبة وذلك يدل على أنه سبحانه هو ~~المنتهى في القدرة والربوبية إلى ما لا يزيد عليه والله أعلم . # المسألة الرابعة : قيل من { أحطت } إلى { العظيم } كلام الهدهد وقيل كلام ~~رب العزة . # المسألة الخامسة : الحق أن سجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا وهو ~~قول الشافعي وأبي حنيفة رحمة الله عليهما لأنهم أجمعوا على أن سجدات القرآن ~~أربع عشرة سجدة ، وهذا واحد منها ولأن مواضع السجدة إما أمر بها أو مدح لمن ~~أتى بها أو ذم لمن تركها ، وإحدى القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك ~~فثبت أن الذي ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد غير ملتفت ~~إليه . # المسألة ms7013 السادسة : يقال هل يفرق الواقف بين القراءتين ؟ جوابه : نعم إذا ~~خفف وقف على { فهم لا يهتدون } ( النمل : 24 ) ثم ابتدأ بألا يسجدوا وإن ~~شاء وقف على ألا يا ثم ابتدأ اسجدوا وإذا شدد لم يقف إلا على ( العرش ~~العظيم ) . # أما قوله : { سننظر } فمن النظر الذي هو التأمل ، وأراد صدقت أم كذبت إلا ~~أن { أم كنت من الكاذبين } أبلغ ، لأنه إذا كان معروفا بالكذب كان متهما ~~بالكذب فيما أخبر به فلم يوثق به ، وإنما قال : { فألقه إليهم } على لفظ ~~الجمع لأنه قال : { وجدتها وقومها يسجدون للشمس } ( النمل : 24 ) فقال : { ~~فألقه إليهم } أي إلى الذين هذا دينهم . # أما قوله : { ثم تول عنهم } أي تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ليكون ~~ما يقولونه بمسمع منك و { يرجعون } من قوله تعالى : { يرجع بعضهم إلى بعض ~~القول } ( سبأ : 30 ) ويقال دخل عليها من كوة وألقى إليها الكتاب وتوارى في ~~الكوة . # ! 7 < { قالت ياأيها الملأ إنىألقى إلى كتاب كريم * إنه من سليمان وإنه ~~بسم الله الرحمان الرحيم * ألا تعلوا على وأتونى مسلمين * قالت ياأيها ~~الملأ أفتونى فىأمرى ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون * قالوا نحن أولوا قوة ~~وأولو بأس شديد والا مر إليك فانظرى ماذا تأمرين } . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 29 - 33 ) قالت يا أيها . . . . . # > > # / اعلم أن قوله : { قالت ياأيها * أيها * الملا إنى ألقى * إلى كتاب كريم ~~} بمعنى أن يقال إن الهدهد ألقى إليها الكتاب فهو محذوف كأنه ثابت ، روي ~~أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها فدخل من كوة ~~وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية ، وقيل نقرها فانتبهت فزعة . ~~PageV24P166 # أما قوله : { كتاب كريم } ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : حسن مضمونه وما فيه ~~وثانيها : وصفته بالكريم لأنه من عند ملك كريم وثالثها : أن الكتاب كان ~~مختوما وقال عليه السلام : ( كرم الكتاب ختمه ) وكان عليه السلام ( يكتب ~~إلى العجم ، فقيل له إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتم فاتخذ لنفسه خاتما ~~) . # أما قوله : { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمان الرحيم } ففيه أبحاث : # البحث الأول : أنه ms7014 استئناف وتبيين لما ألقى إليها كأنها لما قالت إني ~~ألقي إلي كتاب كريم قيل لها ممن هو وما هو فقالت إنه من سليمان وإنه كيت ~~وكيت ، وقرأ عبدالله { إنه من سليمان وإنه بسم الله } عطفا على { إنى } ~~وقرىء { إنه من سليمان وإنه } بالفتح وفيه وجهان : أحدهما : أنه بدل من ~~كتاب كأنه قيل ألقي إلي أنه من سليمان وثانيهما : أن يريد أن من سليمان ~~ولأنه بسم الله كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله وقرأ أبي ~~( أن من سليمان وأن بسم الله ) على أن المفسرة ، وأن في ( ألا تعلوا ) ~~مفسرة أيضا ومعنى لا تعلوا لا تتكبروا كما تفعل الملوك ، وقرأ ابن عباس ~~بالغين معجمة من الغلو وهي مجاوزة الحد . # البحث الثاني : يقال لما قدم سليمان اسمه على قوله : { بسم الله الرحمان ~~الرحيم } ؟ جوابه : حاشاه من ذلك بل ابتدأ هو ببسم الله الرحمن الرحيم ، ~~وإنما ذكرت بلقيس أن هذا الكتاب من سليمان ثم حكت ما في الكتاب والله تعالى ~~حكى ذلك فالتقديم واقع في الحكاية . # البحث الثالث : أن الأنبياء عليهم السلام لا يطيلون بل يقتصرون على ~~المقصود ، وهذا الكتاب مشتمل على تمام المقصود ، وذلك لأن المطلوب من الخلق ~~، إما العلم أو العمل والعلم مقدم على العمل فقوله : { بسم الله الرحمان ~~الرحيم } مشتمل على إثبات الصانع سبحانه وتعالى وإثبات كونه عالما قادرا ~~حيا مريدا حكيما رحيما . # / وأما قوله : { ألا تعلوا على } فهو نهي عن الانقياد لطاعة النفس والهوى ~~والتكبر . # وأما قوله : { وأتونى مسلمين } فالمراد من المسلم إما المنقاد أو المؤمن ~~، فثبت أن هذا الكتاب على وجازته يحوي كل ما لا بد منه في الدين والدنيا ، ~~فإن قيل النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة الدلالة على كونه ~~رسولا حقا يدل على الاكتفاء بالتقليد جوابه : معاذ الله أن يكون هناك تقليد ~~وذلك لأن رسول سليمان إلى بلقيس كان الهدهد ورسالة الهدهد معجز ، والمعجز ~~يدل على وجود الصانع وعلى صفاته ويدل على صدق المدعي فلما كانت تلك الرسالة ~~دلالة تامة على التوحيد والنبوة ms7015 لا جرم لم يذكر في الكتاب دليلا آخر . # أما قوله : { قالت ياأيها الملا أفتونى فى أمرى } فالفتوى هي الجواب في ~~الحادثة اشتقت على طريق الاستعارة من الفتى في السن أي أجيبوني في الأمر ~~الفتى ، وقصدت بالانقطاع إليهم واستطلاع رأيهم تطييب قلوبهم { ما كنت قاطعة ~~أمرا * أي * لا * لك أمرا } إلا بمحضركم . # أما قوله : { قالوا نحن أولوا قوة } فالمراد قوة الأجسام وقوة الآلات ( ~~والعدد ) والمراد بالبأس النجدة ( والثبات ) في الحرب ، وحاصل الجواب أن ~~القوم ذكروا أمرين : أحدهما : إظهار القوة الذاتية والعرضية ليظهر أنها إن ~~أرادتهم للدفع والحرب وجدتهم بحيث تريد ، والآخر قولهم : { والامر إليك ~~فانظرى ماذا تأمرين } وفي ذلك إظهار الطاعة لها إن أرادت السلم ، ولا يمكن ~~ذكر جواب أحسن من هذا والله أعلم . # PageV24P167 ! 7 < { قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة ~~أهلهآ أذلة وكذالك يفعلون * وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع ~~المرسلون * فلما جآء سليمان قال أتمدونن بمال فمآ ءاتانى الله خير ممآ ~~ءاتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون * ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم ~~بها ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم صاغرون } . > 7 ! # / < < # | النمل : ( 34 - 37 ) قالت إن الملوك . . . . . # > > اعلم أنها لما عرضت الواقعة على أكابر قومها وقالوا ما تقدم أظهرت ~~رأيها ، وهو أن الملوك إذا دخلوا قرية بالقهر أفسدوها ، أي خربوها وأذلوا ~~أعزتها ، فذكرت لهم عاقبة الحرب . # وأما قوله : { وكذالك يفعلون } فقد اختلفوا أهو من كلامها أو من كلام ~~الله تعالى كالتصويب لها والأقرب أنه من كلامها ، وأنها ذكرته تأكيدا لما ~~وصفته من حال الملوك . أما الكلام في صفة الهدية فالناس أكثروا فيها لكن لا ~~ذكر لها في الكتاب وقولها : { فناظرة بم يرجع المرسلون } فيه دلالة على ~~أنها لم تثق بالقبول وجوزت الرد ، وأرادت بذلك أن ينكشف لها غرض سليمان ، ~~ولما وصلت الهدايا إلى سليمان عليه السلام ذكر أمرين : الأول : قوله : { ~~أتمدونن بمال } فأظهر بهذا الكلام قلة الاكتراث بذلك المال . # أما قوله : { بل أنتم بهديتكم تفرحون } ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن ~~الهدية اسم للمهدي ، كما أن العطية ms7016 اسم للمعطي ، فتضاف إلى المهدي وإلى ~~المهدى إليه ، والمضاف إليه ههنا هو المهدى إليه ، والمعنى أن الله تعالى ~~آتاني الدين الذي هو السعادة القصوى ، وآتاني من الدنيا ما لا مزيد عليه ، ~~فكيف يستمال مثلي بمثل هذه الهدية ، بل أنتم تفرحون بما يهدى إليكم ، لكن ~~حالي خلاف حالكم وثانيها : بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون من ~~حيث إنكم قدرتم على إهداء مثلها وثالثها : كأنه قال : بل أنتم من حقكم أن ~~تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها الثاني : قوله : { ارجع إليهم } فقيل ارجع خطاب ~~للرسول ، وقيل للهدهد محملا كتابا آخر . # أما قوله تعالى : { لا قبل } أي لا طاقة ، وحقيقة القبل المقاومة ~~والمقابلة ، أي لا يقدرون أن يقابلوهم . وقرأ ابن مسعود : ( لا قبل لهم بهم ~~) ، والضمير في ( منها ) لسبأ ، والذل أن يذهب عنهم ما كان عندهم من العز ~~والملك ، والصغار أن يقعوا في أسر واستعباد ، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا ~~سوقة بعد أن كانوا ملوكا . # ! 7 < { قال ياأيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين * قال ~~عفريت من الجن أنا ءاتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإنى عليه لقوى أمين * ~~قال الذى عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رءاه ~~مستقرا عنده قال هاذا من فضل ربى ليبلونىأءشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم } . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 38 - 40 ) قال يا أيها . . . . . # > > PageV24P168 # / اعلم أن في قوله تعالى : { قال ياءادم * أيها * الملا أيكم يأتينى ~~بعرشها } دلالة على أنها عزمت على اللحوق بسليمان ، ودلالة على أن أمر ذلك ~~العرش كان مشهورا ، فأحب أن يحصل عنده قبل حضورها ، واختلفوا في غرض سليمان ~~عليه السلام من إحضار ذلك العرض على وجوه : أحدها : أن المراد أن يكون ذلك ~~دلالة لبلقيس على قدرة الله تعالى وعلى نبوة سليمان عليه السلام ، حتى تنضم ~~هذه الدلالة إلى سائر الدلائل التي سلفت وثانيها : أراد أن يؤتى بذلك العرش ~~فيغير وينكر ، ثم يعرض عليها حتى أنها هل تعرفه أو ms7017 تنكره ، والمقصود اختبار ~~عقلها ، وقوله تعالى : { قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدى } ( النمل : 41 ) ~~كالدلالة على ذلك وثالثها : قال قتادة : أراد أن يأخذه قبل إسلامها ، لعلمه ~~أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها ورابعها : أن العرش سرير المملكة ، ~~فأراد أن يعرف مقدار مملكتها قبل وصولها إليه . # أما قوله : { قال عفريت من الجن } فالعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي ~~يعفر أقرانه ، ومن الشياطين الخبيث المارد . # أما قوله : { قبل أن تقوم من مقامك } فالمعنى من مجلسك ، ولا بد فيه من ~~عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت ، فقيل المراد مجلس الحكم بين الناس ، وقيل ~~الوقت الذي يخطب فيه الناس ، وقيل إلى انتصاف النهار . # وأما قوله : { لقوى } أي على حمله { أمين } آتي به كما هو لا أختزل منه ~~شيئا . # أما قوله : { قال الذى عنده علم من الكتاب } ففيه بحثان : # الأول : اختلفوا في ذلك الشخص على قولين : قيل كان من الملائكة ، وقيل ~~كان من الإنس ، فمن قال بالأول اختلفوا ، قيل هو جبريل عليه السلام ، وقيل ~~هو ملك أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام ، ومن قال بالثاني اختلفوا ~~على وجوه : أحدها : قول ابن مسعود : إنه الخضر عليه السلام وثانيها : وهو ~~المشهور من قول ابن عباس : إنه آصف بن برخيا وزير سليمان ، وكان صديقا يعلم ~~الاسم الأعظم إذا دعا به أجيب وثالثها : قول قتادة : رجل من الإنس كان يعلم ~~اسم الله الأعظم ورابعها : قول ابن زيد : كان رجلا صالحا في جزيرة في البحر ~~، خرج ذلك اليوم ينظر إلى سليمان وخامسها : بل هو سليمان نفسه والمخاطب هو ~~العفريت الذي كلمه ، وأراد سليمان عليه السلام إظهار معجزة فتحداهم أولا ، ~~ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت ، ~~وهذا القول أقرب لوجوه : أحدها : أن لفظة ( الذي ) موضوعة PageV24P169 في / ~~اللغة للإشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفه بقصة معلومة والشخص المعروف ~~بأنه عنده علم الكتاب هو سليمان عليه السلام ، فوجب انصرافه إليه ، أقصى ما ~~في الباب أن يقال ، كان آصف كذلك أيضا لكنا ms7018 نقول إن سليمان عليه السلام ، ~~كان أعرف بالكتاب منه لأنه هو النبي ، فكان صرف هذا اللفظ إلى سليمان عليه ~~السلام أولى الثاني : أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية / ~~فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك تفضيل آصف على سليمان عليه السلام ، ~~وأنه غير جائز الثالث : أن سليمان عليه السلام ، لو افتقر في ذلك إلى آصف ~~لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق الرابع : أن سليمان قال : { هاذا ~~من فضل ربى ليبلونى أءشكر أم أكفر } وظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد ~~أظهره الله تعالى بدعاء سليمان . # البحث الثاني : اختلفوا في الكتاب ، فقيل اللوم المحفوظ ، والذي عنده علم ~~منه جبريل عليه السلام . وقيل كتاب سليمان ، أو كتاب بعض الأنبياء ، ومعلوم ~~في الجملة أن ذلك مدح ، وأن لهذا الوصف تأثيرا في نقل ذلك العرش ، فلذلك ~~قالوا إنه الاسم الأعظم وإن عنده وقعت الإجابة من الله تعالى في أسرع ~~الأوقات . # أما قوله تعالى : { قال الذى عنده علم من الكتاب أنا ءاتيك } ففيه بحثان ~~: # الأول : ( آتيك ) في الموضعين ، يجوز أن يكون فعلا واسم فاعل . # الثاني : اختلفوا في قوله : { قبل أن يرتد إليك طرفك } على وجهين : الأول ~~: أنه أراد المبالغة في السرعة ، كما تقول لصاحبك افعل ذلك في لحظة ، وهذا ~~قول مجاهد الثاني : أن نجريه على ظاهره ، والطرف تحريك الأجفان عند النظر ، ~~فإذا فتحت الجفن فقد يتوهم أن نور العين امتد إلى المرئي ، وإذا أغمضت ~~الجفن فقد يتوهم أن ذلك النور ارتد إلى العين ، فهذا هو المراد من ارتداد ~~الطرف وههنا سؤال : وهو أنه كيف يجوز والمسافة بعيدة أن ينقل العرش في هذا ~~القدر من الزمان ، وهذا يقتضي إما القول بالطفرة أو حصول الجسم الواحد دفعة ~~واحدة في مكانين جوابه : أن المهندسين قالوا كرة الشمس مثل كرة الأرض مائة ~~وأربعة وستين مرة ، ثم إن زمان طلوعها زمان قصير فإذا قسمنا زمان طلوع تمام ~~القرص على زمان القدر الذي بين الشام واليمن كانت اللمحة كثيرة فلما ثبت ~~عقلا إمكان وجود هذه الحركة ms7019 السريعة ، وثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات ~~زال السؤال ، ثم إنه عليه السلام لما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أأشكر أم أكفر والكلام في تفسير الابتلاء قد مر غير مرة ، ثم إنه ~~عليه السلام بين أن نفع الشكر عائد إلى الشاكر لا إلى الله تعالى ، أما أنه ~~عائد إلى الشاكر فلوجوه : أحدها : أنه يخرج عن عهدة ما وجب عليه من الشكر ~~وثانيها : أنه يستمد به المزيد على ما قال : { لئن شكرتم لازيدنكم } ( ~~إبرهيم : 7 ) ، وثالثها : أن المشتغل بالشكر مشتغل باللذات الحسية وفرق ما ~~بينهما كفرق ما بين المنعم والنعمة في الشرف ، ثم قال : { ومن كفر فإن ربى ~~غنى كريم } غني عن شكره لا يضره كفرانه ، كريم لا يقطع عنه نعمه بسبب ~~إعراضه عن الشكر . # ! 7 < { قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدىأم تكون من الذين لا يهتدون * ~~فلما جآءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ~~* وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين } . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 41 - 43 ) قال نكروا لها . . . . . # > > PageV24P170 # اعلم أن قوله : { نكروا } معناه اجعلوا العرش منكرا مغيرا عن شكله كما ~~يتنكر الرجل للناس لئلا يعرفوه ، وذلك لأنه لو ترك على ما كان لعرفته لا ~~محالة ، وكان لا تدل معرفتها به على ثبات عقلها وإذا غير دلت معرفتها أو ~~توقفها فيه على فضل عقل ، ولا يمتنع صحة ما قيل إن سليمان عليه السلام ألقى ~~إليه أن فيها نقصان عقل لكي لا يتزوجها أو لا تحظى عنده على وجه الحسد ، ~~فأراد بما ذكرنا اختبار عقلها . # أما قوله : { ننظر } فقرىء بالجزم على الجواب وبالرفع على الاستئناف ، ~~واختلفوا في { أتهتدى } على وجهين : أحدهما : أتعرف أنه عرشها أم لا ؟ كما ~~قدمنا الثاني : أتعرف به نبوة سليمان أم لا ولذلك قال : { أم تكون من الذين ~~لا يهتدون } وذلك كالذم ولا يليق إلا بطريقة الدلالة ، فكأنه عليه السلام ~~أحب أن تنظر فتعرف به نبوته من حيث صار متنقلا من المكان البعيد ms7020 إلى هناك ، ~~وذلك يدل على قدرة الله تعالى وعلى صدق سليمان عليه السلام ، ويعرف بذلك ~~أيضا فضل عقلها لأغراض كانت له ، فعند ذلك سألها . # أما قوله : { أهكذا عرشك } فاعلم أن هكذا ثلاث كلمات ، حرف التنبيه وكاف ~~التشبيه واسم الإشارة ، ولم يقل أهذا عرشك ، ولكن أمثل هذا عرشك لئلا يكون ~~تلقينا فقالت : { كأنه هو } ولم تقل هو هو ولا ليس به وذلك من كمال عقلها ~~حيث توقفت في محل التوقف . # أما قوله : { وأوتينا العلم من قبلها } ففيه سؤالان ، وهو أن هذا الكلام ~~كلام من ؟ وأيضا فعلى أي شيء عطف هذا الكلام ؟ وعنه جوابان : الأول : أنه ~~كلام سليمان وقومه ، وذلك لأن بلقيس / لما سئلت عن عرشها ، ثم إنها أجابت ~~بقولها : { كأنه هو } فالظاهر أن سليمان وقومه قالوا إنها قد أصابت في ~~جوابها وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام ، ثم عطفوا على ذلك قولهم وأوتينا ~~نحن العلم بالله وبقدرته قبل علمها ويكون غرضهم من ذلك شكر الله تعالى في ~~أن خصهم بمزية التقدم في الإسلام الثاني : أنه من كلام بلقيس موصولا بقولها ~~: { كأنه هو } والمعنى : وأوتينا العلم بالله وبصحة نبوة سليمان قبل هذه ~~المعجزة أو قبل هذه الحالة ، ثم أن قوله : { وصدها ما كانت تعبد من دون ~~الله } إلى آخر الآية يكون من كلام رب العزة . # أما قوله تعالى : { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } ففيه وجهان : الأول ~~: المراد : وصدها عبادتها لغير الله عن الإيمان الثاني : وصدها الله أو ~~سليمان عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل ، وقرىء أنها بالفتح ~~على أنه بدل من فاعل صد وبمعنى لأنها ، واحتجت المعتزلة بهذه الآية فقالوا ~~لو كان تعالى خلق الكفر فيها لم يكن الصاد لها كفرها المتقدم ولا كونها من ~~جملة الكفار ، بل كان يكون الصاد لها عن الإيمان تجدد خلق الله الكفر فيها ~~والجواب : أما على التأويل الثاني فلا شك في سقوط الاستدلال ، وأما على ~~الأول فجوابنا أن كونها من جملة الكفار صار سببا لحصول الداعية المستلزمة ~~للكفر ، وحينئذ يبقى ظاهر الآية ms7021 موافقا لقولنا والله أعلم . # ! 7 < { قيل لها ادخلى الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال ~~إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين } . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 44 ) قيل لها ادخلي . . . . . # > > PageV24P171 # اعلم أنه تعالى لما حكى إقامتها على الكفر مع كل ما تقدم من الدلائل ذكر ~~أن سليمان عليه السلام أظهر من الأمر ما صار داعيا لها إلى الإسلام وهو ~~قوله { قيل لها ادخلى الصرح } والصرح القصر كقوله : { فرعون ياهامان ابن لى ~~صرحا } وقيل صحن الدار ، وقرأ ابن كثير عن { ساقيها } بالهمز ووجهه أنه سمع ~~سؤقا فأجرى عليه الواحد ، والممرد المملس ، روي أن سليمان عليه السلام أمر ~~قبل قدومها فبنى له على طريقها قصر من زجاج أبيض كالماء بياضا ، ثم أرسل ~~الماء تحته وألقى فيه السمك وغيره ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكف عليه ~~الإنس والجن والطير ، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظاما لأمره وتحققا لنبوته ~~، وزعموا أن الجن كرهوا أن يتزوجها فتفضي / إليه بأسرارهم لأنها كانت بنت ~~جنية ، وقيل خافوا أن يولد له منها ولد فيجتمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون ~~من ملك سليمان إلى ملك هو أشد ، فقالوا إن في عقلها نقصانا وإنها شعراء ~~الساقين ورجلها كحافر حمار فاختبر سليمان عقلها بتنكير العرش ، واتخذ الصرح ~~ليتعرف ساقها ، ومعلوم من حال الزجاج الصافي أنه يكون كالماء فلما أبصرت ~~ذلك ظنته ماءا راكدا فكشفت عن ساقيها لتخوضه ، فإذا هي أحسن الناس ساقا ~~وقدما ، وهذا على طريقة من يقول تزوجها ، وقال آخرون كان المقصود من الصرح ~~تهويل المجلس وتعظيمه ، وحصل كشف الساق على سبيل التبع ، فلما قيل لها هو ~~صرح ممرد من قوارير استترت ، وعجبت من ذلك واستدلت به على التوحيد والنبوة ~~، فقالت : { رب إنى ظلمت نفسى } فيما تقدم بالثبات على الكفر ثم قالت : { ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } وقيل حسبت أن سليمان عليه السلام ~~يغرقها في اللجة ، فقالت ظلمت نفسي بسوء ظني سليمان ، واختلفوا في أنه هل ~~تزوجها أم لا ، وأنه ms7022 تزوجها في هذه الحال أو قبل أن كشفت عن ساقيها ، ~~والأظهر في كلام الناس أنه تزوجها ، وليس لذلك ذكر في الكتاب ، ولا في خبر ~~مقطوع بصحته ، ويروى عن ابن عباس أنها لما أسلمت قال لها اختاري من قومك من ~~أزوجك منه فقالت مثلي لا ينكح الرجال مع سلطاني ، فقال النكاح من الإسلام ، ~~فقالت إن كان كذلك فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ~~، ولم يزل بها ملكا والله أعلم . # القصة الثالثة قصة صالح عليه السلام # ! 7 < { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان ~~يختصمون * قال ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله ~~لعلكم ترحمون * قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون * وكان فى المدينة تسعة رهط يفسدون فى الا رض ولا يصلحون * قالوا ~~تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا ~~لصادقون * ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة ~~مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن فى ذالك ~~لاية لقوم يعلمون * وأنجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون } . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 45 - 53 ) ولقد أرسلنا إلى . . . . . # > > PageV24P172 # / قرىء { أن اعبدوا الله } بالضم على اتباع النون الباء . # أما قوله : { فإذا هم فريقان } ففيه قولان : أحدهما : المراد فريق مؤمن ~~وفريق كافر الثاني : المراد قوم صالح قبل أن يؤمن منهم أحد . # أما قوله : { يختصمون } فالمعنى أن الذين آمنوا إنما آمنوا لأنهم نظروا ~~في حجته فعرفوا صحتها ، وإذا كان كذلك فلا بد وأن يكون خصما لمن لم يقبلها ~~، وإذا كان هذا الاختصام في باب الدين دل ذلك على أن الجدال في باب الدين ~~حق وفيه إبطال التقليد . # أما قوله : { قال ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة } ففيه بحثان : ~~الأول : في تفسير استعجال السيئة قبل الحسنة وجهان : أحدهما : أن الذين ~~كذبوا صالحا عليه السلام لما لم ينفهم الحجاج توعدهم صالح عليه السلام ~~بالعذاب فقالوا : { ائتنا بعذاب الله إن كنت من ms7023 الصادقين } ( العنكبوت : 29 ~~) على وجه الاستهزاء ، فعنده قال صالح : { لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ~~} والمراد أن الله تعالى قد مكنكم من التوصل إلى رحمة الله تعالى وثوابه ، ~~فلماذا تعدلون عنه إلى استعجال عذابه وثانيهما : أنهم كانوا يقولون لجهلهم ~~إن العقوبة التي يعدها صالح إن وقعت على زعمه أتينا حينئذ واستغفرنا فحينئذ ~~يقبل الله توبتنا ويدفع العذاب عنا ، فخاطبهم صالح على حسب اعتقادهم ، وقال ~~هلا تستغفرون الله قبل نزول العذاب فإن استعجال الخير أولى من استعجال الشر ~~. PageV24P173 # البحث الثاني : أن المراد بالسيئة العقاب وبالحسنة الثواب ، فأما وصف ~~العذاب بأنه سيئة فهو مجاز وسبب هذا التجويز ، إما لأن العقاب من لوازمه أو ~~لأنه يشبهه في كونه مكروها ، وأما وصف الرحمة بأنها حسنة فمنهم من قال إنه ~~حقيقة ومنهم من قال إنه مجاز والأول أقرب ، ثم إن صالحا عليه السلام لما ~~قرر هذا الكلام الحق أجابوه بكلام فاسد ، وهو قولهم : { اطيرنا بك } أي / ~~تشاءمنا بك لأن الذي يصيبنا من شد وقحط فهو بشؤمك وبشؤم من معك . # قال صاحب ( الكشاف ) كان الرجل يخرج مسافرا فيمر بطائر فيزجره فإن مر ~~سانحا تيمن وإن مر بارحا تشاءم فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر استعير ~~لما كان للخير والشر وهو قدر الله وقسمته ، فأجاب صالح عليه السلام بقوله : ~~{ طائركم عند الله } أي السبب الذي منه يجيء خيركم وشركم عند الله وهو ~~قضاؤه وقدره إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم وقيل بل المراد إن جزاء الطيرة ~~منكم عند الله وهو العقاب / والأقرب الوجه الأول لأن القوم أشاروا إلى ~~الأمر الحاصل فيجب في جوابه أن يكون فيه لا في غيره ، ثم بين أهذا جهل منهم ~~بقوله : { بل أنتم قوم تفتنون } فيحتمل أن غيرهم دعاهم إلى هذا القول ، ~~ويحتمل أن يكون المراد أن الشيطان يفتنكم بوسوسته ، ثم إنه سبحانه قال : { ~~وكان فى المدينة تسعة رهط يفسدون فى الارض } والأقرب أن يكون المراد تسعة ~~جمع إذ الظاهر من الرهط الجماعة لا الواحد ، ثم يحتمل أنهم كانوا قبائل ، ~~ويحتمل أنهم دخلوا تحت ms7024 العدد لاختلاف صفتهم وأحوالهم لا لاختلاف السبب ، ~~فبين تعالى أنهم يفسدون في الأرض ولا يمزجون ذلك الفساد بشيء من الصلاح ، ~~فلهذا قال : { يفسدون فى الارض ولا يصلحون } ثم بين تعالى أن من جملة ذلك ~~ما هموا به من أمر صالح عليه السلام . # أما قوله : { تقاسموا بالله } فيحتمل أن يكون أمرا أو خبرا في محل الحال ~~بإضمار قد ، أي قالوا متقاسمين ، والبيات متابعة العدو ليلا . # أما قوله : { ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله } يعني لو اتهمنا قومه ~~حلفنا لهم أنا لم نحضر . وقرىء ( مهلك ) بفتح الميم واللام وكسرها من هلك ~~ومهلك بضم الميم من أهلك ، ويحتمل المصدر والمكان والزمان ، ثم إنه سبحانه ~~قال : { ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون } وقد اختلفوا في مكر الله ~~تعالى على وجوه : أحدها : أن مكر الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون ، شبه بمكر ~~الماكر على سبيل الاستعارة ، روي أنه كان لصالح عليه السلام مسجد في الحجر ~~في شعب يصلي فيه ، فقالوا زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه ، ~~ومن أهله قبل الثلاث فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه ، ثم ~~رجعنا إلى أهله فقتلناهم ، فبعث الله تعالى صخرة فطبقت الصخرة عليهم فم ~~الشعب فهلكوا وهلك الباقون بالصيحة وثانيها : جاؤا بالليل شاهرين سيوفهم ~~وقد أرسل الله تعالى الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة ، يرون ~~الأحجار ولا يرمون راميا وثالثها : أن الله تعالى أخبر صالحا بمكرهم فتحرز ~~عنهم فذاك مكر الله تعالى في حقهم . # أما قوله : { أنا دمرناهم } استئناف ، ومن قرأ بالفتح رفعه بدلا من ~~العاقبة أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هي تدمرهم أو نصبه على معنى لأنا أو على ~~أنه خبر كان أي كان عاقبة مكرهم الدمار . PageV24P174 # أما قوله : { خاوية } فهو حال عمل فيها ما دل عليه تلك ، وقرأ عيسى بن ~~عمر ( خاوية ) بالرفع على خبر المبتدأ المحذوف والله أعلم . # / القصة الرابعة قصة لوط عليه السلام # ! 7 < { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * أءنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون ms7025 النسآء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا أخرجوا ءال لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إلا ~~امرأته قدرناها من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين } . > ~~7 @QB@ < # | النمل : ( 54 - 58 ) ولوطا إذ قال . . . . . # > > # قال صاحب ( الكشاف ) ، واذكر لوطا أو أرسلنا لوطا بدلالة { ولقد أرسلنا } ~~( النمل : 45 ) عليه ، و ( إذ ) بدل على الأول ظرف على الثاني . # أما قوله : { أتأتون الفاحشة } فهو على وجه التنكير وإن كان بلفظ ~~الاستفهام وربما كان التوبيخ بمثل هذا اللفظ أبلغ . # أما قوله : { وأنتم تبصرون } ففيه وجوه : أحدها : أنهم كانوا لا يتحاشون ~~من إظهار ذلك على وجه الخلاعة ولا يتكاتمون وذلك أحد ما لأجله عظم ذلك ~~الفعل منهم فذكر في توبيخه لهم ماله عظم ذلك الفعل وثانيها : أن المراد بصر ~~القلب أي تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها وأن الله تعالى لم يخلق الذكر ~~للذكر فهي مضادة لله في حكمته وثالثها : تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل ~~بهم ، فإن قلت فسرت ( تبصرون ) بالعلم وبعده { بل أنتم قوم تجهلون } فكيف ~~يكونون علماء وجهلاء ؟ قلت أراد تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم ~~بذلك أو تجهلون العاقبة أو أراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها ~~، ثم إنه تعالى بين جهلهم بأن حكى عنهم أنهم أجابوا عن هذا الكلام بما لا ~~يصلح أن يكون جوابا له فقال : { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ءال ~~لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } PageV24P175 فجعلوا الذي لأجله يخرجون ~~أنهم يتطهرون من هذا الصنيع الفاحش وهذا يوجب تنعيمهم وتعظيمهم أولى لكن في ~~المفسرين من قال : إنما قالوا ذلك على / وجه الهزء ، ثم بين تعالى أنه نجاه ~~وأهله إلا امرأته وأهلك الباقين وقد تقدم كل ذلك مشروحا والله أعلم ، وههنا ~~آخر القصص في هذه السورة والله أعلم . # القول في خطاب الله عز وجل مع محمد صلى الله عليه وسلم # ! 7 < { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفىءآلله خير أما يشركون } ~~. > 7 @QB@ < # | النمل : ( 59 ) قل الحمد لله ms7026 . . . . . # > > # في هذه الآية قولان : الأول : أنه متعلق بما قبله من القصص والمعنى الحمد ~~لله على إهلاكهم وسلام على عباده الذين اصطفى بأن أرسلهم ونجاهم الثاني : ~~أنه مبتدأ فإنه تعالى لما ذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام وكان محمد صلى ~~الله عليه وسلم كالمخالف لمن قبله في أمر العذاب لأن عذاب الاستئصال مرتفع ~~عن قومه ، أمره تعالى بأن يشكر ربه على ما خصه بهذه النعم ، وبأن يسلم على ~~الأنبياء عليهم السلام الذين صبروا على مشاق الرسالة . # فأما قوله : { الله خير * أما يشركون } فهو تبكيت للمشركين وتهكم بحالهم ~~، وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى ، ولا يؤثر عاقل ~~شيئا على شيء إلا لزيادة خير ومنفعة ، فقيل لهم هذا الكلام تنبيها على ~~نهاية ضلالهم وجهلهم وقرىء { يشركون } بالياء والتاء ، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأها قال : ( بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ) ~~. # ثم اعلم أنه سبحانه وتعالى تكلم بعد ذلك في عدة فصول : # الفصل الأول : في الرد على عبدة الأوثان ، ومدار هذا الفصل على بيان أنه ~~سبحانه وتعالى هو الخالق لأصول النعم وفروعها ، فكيف تحسن عبادة ما لا ~~منفعة منه ألبتة ، ثم إنه سبحانه وتعالى ذكر أنواعا : # النوع الأول ما يتعلق بالسموات # ! 7 < { أمن خلق السماوات والا رض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به ~~حدآئق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإلاه مع الله بل هم قوم يعدلون ~~} . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 60 ) أم من خلق . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الفرق بين أم وأم في { أما ~~يشركون } و { أمن خلق } أن الأولى متصلة لأن المعنى أيهما خير وهذه منقطعة ~~بمعنى بل ، والحديقة البستان عليه سور من الإحداق وهو الإحاطة ، وقيل { ذات ~~} لأن المعنى جماعة حدائق ذات بهجة ، كما يقال النساء ذهبت / والبهجة الحسن ~~، لأن الناظر يبتهج به { مع الله بل } أغيره يقرن به ويجعل شريكا له وقرىء ~~{ أن مع الله } بمعنى ( تدعون أو تشركون ) . # المسألة الثانية : أنه تعالى بين أنه الذي اختص بأن ms7027 خلق السموات والأرض ، ~~وجعل السماء مكانا للماء ، والأرض للنبات ، وذكر أعظم النعم وهي الحدائق ~~ذات البهجة ، ونبه تعالى على أن هذا الإنبات في الحدائق لا يقدر عليه إلا ~~الله تعالى ، لأن أحدنا لو قدر عليه لما احتاج إلى غرس ومصابرة على ظهور ~~الثمرة وإذا كان تعالى هو المختص بهذا الإنعام وجب أن يخص بالعبادة ، ثم ~~قال : { بل هم قوم يعدلون } وقد PageV24P176 اختلفوا فيه فقيل يعدلون عن ~~هذا الحق الظاهر وقيل ، يعدلون بالله سواه ونظير هذه الآية أول سورة ~~الإنعام . # المسألة الثالثة : يقال ما حكمة الالتفات في قوله : { فأنبتنا } ؟ جوابه ~~: أنه لا شبهة للعاقل في أن خالق السموات والأرض ومنزل الماء من السماء ليس ~~إلا الله تعالى ، وربما عرضت الشبهة في أن منبت الشجرة هو الإنسان ، فإن ~~الإنسان يقول أنا الذي ألقى البذر في الأرض الحرة وأسقيها الماء وأسعى في ~~تشميسها ، وفاعل السبب فاعل للمسبب ، فإذن أنا المنبت للشجرة فلما كان هذا ~~الاحتمال قائما ، لا جرم أزال هذا الاحتمال فرجع من لفظ الغيبة إلى قوله : ~~{ فأنبتنا } وقال : { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } لأن الإنسان قد يأتي ~~بالبذر والسقي والكرب والتشميس ثم لا يأتي على وفق مراده والذي يقع على وفق ~~مراده فإنه يكون جاهلا بطبعه ومقداره وكيفيته فكيف يكون فاعلا لها ، فلهذه ~~النكتة حسن الالتفات ههنا . # النوع الثاني ما يتعلق بالأرض # ! 7 < { أمن جعل الا رض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا وجعل لها رواسى وجعل ~~بين البحرين حاجزا أءلاه مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 61 ) أم من جعل . . . . . # > > # قال صاحب ( الكشاف ) { أمن جعل } وما بعده بدل من { أمن خلق } ( النمل : ~~6 ) فكان ( حكمها ) حكمه . # واعلم أنه تعالى ذكر من منافع الأرض أمورا أربعة : # المنفعة الأولى : كونها قرارا وذلك لوجوه : الأول : أنه دحاها وسواها ~~للاستقرار الثاني : أنه تعالى جعلها متوسطة في الصلابة والرخاوة فليست في ~~الصلابة كالحجر الذي يتألم الإنسان بالاضطجاع عليه وليست في الرخاوة كالماء ~~الذي يغوص فيه الثالث : أنه تعالى جعلها كثيفة / غبراء ليستقر عليها النور ~~، ولو ms7028 كانت لطيفة لما استقر النور عليها ، ولو لم يستقر النور عليها لصارت ~~من شدة بردها بحيث تموت الحيوانات الرابع : أنه سبحانه جعل الشمس بسبب ميل ~~مدارها عن مدار منطقة الكل بحيث تبعد تارة وتقرب أخرى من سمت الرأس ، ولولا ~~ذلك لما اختلفت الفصول ، ولما حصلت المنافع الخامس : أنه سبحانه وتعالى ~~جعلها ساكنة فإنها لو كانت متحركة لكانت إما متحركة على الاستقامة أو على ~~الاستدارة ، وعلى التقديرين لا يحصل الانتفاع بالسكنى على الأرض السادس : ~~أنه سبحانه جعلها كفاتا للأحياء والأموات وأنه يطرح عليها كل قبيح ويخرج ~~منها كل مليح . # المنفعة الثانية الأرض : قوله : { وجعل خلالها أنهارا } فاعلم أن أقسام ~~المياه المنبعثة عن الأرض أربعة : الأول : ماء العيون السيالة وهي تنبعث من ~~أبخرة كثيرة المادة قوية الاندفاع تفجر الأرض بقوة ، ثم لا يزال يستتبع جزء ~~منها جزءا الثاني : ماء العيون الراكدة وهي تحدث من أبخرة بلغت من قوتها أن ~~اندفعت PageV24P177 إلى وجه الأرض ولم تبلغ من قوتها وكثرة مادتها أن يطرد ~~تاليها سابقها الثالث : مياه القنى والأنهار وهي متولدة من أبخرة ناقصة ~~القوة على أن تشق الأرض ، فإذا أزيل عن وجهها ثقل التراب صادفت حينئذ تلك ~~الأبخرة منفذا تندفع إليه بأدنى حركة الرابع : مياه الآبار وهي نبعية كمياه ~~الأنهار إلا أنه لم يجعل له سيل إلى موضع يسيل إليه ونسبة القنى إلى الآبار ~~نسبة العيون الراكدة فقد ظهر أنه لولا صلابة الأرض لما اجتمعت تلك الأبخرة ~~في باطنها إذ لولا اجتماعها في باطنها لما حدثت هذه العيون في ظاهرها . # المنفعة الثالثة للأرض : قوله : { وجعل لها رواسى } والمراد منها الجبال ~~، فنقول أكثر العيون والسحب والمعدنيات إنما تكون في الجبال أو فيما يقرب ~~منها ، أما العيون فلأن الأرض إذا كانت رخوة نشفت الأبخرة عنها فلا يجتمع ~~منها قدر يعتد به ، فإذن هذه الأبخرة لا تجتمع إلا في الأرض الصلبة والجبال ~~أصلب الأرض ، فلا جرم كانت أقواها على حبس هذا البخار حتى يجتمع ما يصلح أن ~~يكون مادة للعيون ويشبه أن يكون مستقر الجبل مملوءا ms7029 ماء ، ويكون الجبل في ~~حقنه الأبخرة مثل الأنبيق الصلب المعد للتقطير لا يدع شيئا من البخار يتحلل ~~ونفس الأرض التي تحته كالقرعة والعيون كالأذناب والبخار كالقوابل ، ولذلك ~~فإن أكثر العيون إنما تنفجر من الجبال وأقلها في البراري ، وذلك الأقل لا ~~يكون إلا إذا كانت الأرض صلبة . وأما أن أكثر السحب تكون في الجبال فلوجوه ~~ثلاثة : أحدها : أن في باطن الجبال من النداوات مالا يكون في باطن الأرضين ~~الرخوة وثانيها : أن الجبال بسبب ارتفاعها أبرد فلا جرم يبقى على ظاهرها من ~~الأنداء ومن الثلوج ما لا يبقى على ظهر سائر الأرضين وثالثها : أن الأبخرة ~~الصاعدة تكون محبوسة بالجبال فلا تتفرق ولا تتحلل ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن ~~أسباب كثرة السحب في الجبال أكثر لأن المادة فيها ظاهرا وباطنا أكثر / ~~والاحتقان أشد السبب المحلل وهو الحر أقل ، فلذلك كانت السحب في الجبال ~~أكثر . وأما المعدنيات المحتاجة إلى أبخرة يكون اختلاطها بالأرضية أكثر / ~~وإلى بقاء مدة طويلة يتم النضج فيها فلا شيء لها في هذا المعنى كالجبال . # المنفعة الرابعة للأرض : قوله : { وجعل بين البحرين حاجزا } فالمقصود منه ~~أن لا يفسد العذب بالاختلاط ، وأيضا فلينتفع بذلك الحاجز ، وأيضا المؤمن في ~~قلبه بحران بحر الإيمان والحكمة وبحر الطغيان والشهوة وهو بتوفيقه جعل ~~بينهما حاجزا لكي لا يفسد أحدهما بالآخر ، وقال بعض الحكماء في قوله : { ~~مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان } ( الرحمن : 19 ، 20 ) قال ~~عند عدم البغي { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ( الرحمن : 22 ) فعند عدم ~~البغي في القلب يخرج الدين والإيمان بالشكر ، فإن قيل ولم جعل البحر ملحا ؟ ~~قلنا لولا ملوحته لأجن وانتشر فساد أجونته في الأرض وأحدث الوباء العام ، ~~واعلم أن اختصاص البحر بجانب من الأرض دون جانب أمر غير واجب بل الحق أن ~~البحر ينتقل في مدد لا تضبطها التواريخ المنقولة من قرن إلى قرن لأن ~~استمداد البحر في الأكثر من الأنهار ، والأنهار تستمد في الأكثر من العيون ~~، وأما مياه السماء فإن حدوثها في فصل بعينه دون فصل ، ثم لا العيون ولا ms7030 ~~مياه السماء يجب أن تتشابه أحوالها في بقاع واحدة بأعيانها تشابها مستمرا ~~فإن كثيرا من العيون يغور ، وكثيرا ما تقحط السماء فلا بد حينئذ من نضوب ~~الأودية والأنهار فيعرض بسبب ذلك نضوب البحار ، وإذا حدثت العيون من جانب ~~آخر حدثت PageV24P178 الأنهار هناك فحصلت البحار من ذلك الجانب ، ثم إنه ~~سبحانه لما بين أنه هو المختص بالقدرة على خلق الأرض التي فيها هذه المنافع ~~الجليلة وجب أن يكون هو المختص بالإلهية ، ونبه بقوله تعالى : { بل أكثرهم ~~لا يعقلون } على عظم جهلهم بالذهاب عن هذا التفكر . # النوع الثالث ما يتعلق باحتياج الخلق إليه سبحانه # ! 7 < { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم حلفآء الا رض ~~أءلاه مع الله قليلا ما تذكرون } . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 62 ) أم من يجيب . . . . . # > > # اعلم أنه سبحانه نبه في هذه الآية على أمرين : أحدهما : قوله : { أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه } قال صاحب ( الكشاف ) : الضرورة الحالة المحوجة إلى ~~الالتجاء والاضطرار افتعال منها : يقال اضطره إلى كذا والفاعل والمفعول ~~مضطر ، واعلم أن المضطر هو الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر ~~إلى التضرع إلى الله تعالى ، وعن السدي : الذي لا حول له ولا قوة ، وقيل ~~المذنب إذا استغفر ، فإن قيل قد عم المضطرين بقوله : { أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه } وكم من مضطر يدعو فلا يجاب ؟ جوابه : قد بينا في أصول الفقه أن ~~المفرد المعرف لا يفيد / العموم وإنما يفيد الماهية فقط ، والحكم المثبت ~~للماهية يكفي في صدقه ثبوته في فرد واحد من أفراد الماهية ، وأيضا فإنه ~~تعالى وعد بالاستجابة ولم يذكر أنه يستجيب في الحال وتمام القول في شرائط ~~الدعاء والإجابة مذكور في قوله تعالى : { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم } ( ~~غافر : 60 ) فأما قوله تعالى : { ويكشف السوء } فهو كالتفسير للاستجابة ، ~~فإنه لا يقدر أحد على كشف ما دفع إليه من فقر إلى غنى ومرض إلى صحة وضيق ~~إلى سعة إلا القادر الذي لا يعجز والقاهر الذي لا ينازع وثانيهما : قوله : ~~{ ويجعلكم حلفاء الارض } فالمراد توارثهم سكناها والتصرف ms7031 فيها قرنا بعد قرن ~~وأراد بالخلافة الملك والتسلط ، وقرىء { يذكرون } بالياء مع الإدغام ~~وبالتاء مع الإدغام وبالحذف وما مزيدة أي يذكرون تذكرا قليلا ، والمعنى نفي ~~التذكر والقلة تستعمل في معنى النفي . # النوع الرابع ما يتعلق أيضا باحتياج الخلق ولكنه حاجة خاصة في وقت خاص # ! 7 < { أمن يهديكم فى ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرى بين يدى ~~رحمته أءلاه مع الله تعالى الله عما يشركون } . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 63 ) أم من يهديكم . . . . . # > > PageV24P179 # اعلم أنه تعالى نبه في هذه الآية على أمرين : الأول : قوله : { أمن ~~يهديكم } والمراد يهديكم بالنجوم في السماء والعلامات في الأرض إذا جن ~~الليل عليكم مسافرين في البر والبحر الثاني : قوله : { ومن يرسل الرياح } ~~فإنه سبحانه هو الذي يحرك الرياح فتثير السحاب ثم تسوقه إلى حيث يشاء ، فإن ~~قيل لا نسلم أنه تعالى هو الذي يحرك الرياح ، فإن الفلاسفة قالت الرياح ~~إنما تتولد عن الدخان وليس الدخان كله هو الجسم الأسود المرتفع مما احترق ~~بالنار ، بل كل جسم أرضي يرتفع بتصعيد الحرارة سواء كانت الحرارة حرارة ~~النار أو حرارة الشمس فهو دخان قالوا وتولد الرياح من الأدخنة على وجهين ~~أحدهما أكثري ، والآخر أقلي ، أما الأكثري فهو أنه إذا صعدت أدخنة كثيرة ~~إلى فوق فعند وصولها إلى الطبقة الباردة إما أن ينكسر حرها ببرد ذلك الهواء ~~أو لا ينكسر فإن انكسر فلا محالة يثقل وينزل فيحصل من نزولها تموج الهواء ~~فتحدث الريح ، وإن لم ينكسر حرها ببرد ذلك الهواء فلا بد وأن يتصاعد إلى أن ~~يصل إلى كرة النار المتحركة بحركة الفلك وحينئذ لا يتمكن من الصعود بسبب ~~حركة النار فترجع تلك الأدخنة وتصير ريحا ، لا يقال لو كان اندفاع هذه ~~الأدخنة بسبب حركة الهواء العالي لما كانت حركتها إلى أسفل بل إلى جهة حركة ~~الهواء العالي لأنا نقول الجواب من وجهين : أحدهما : أنه ربما أوجبت هيئة ~~صعود تلك الأدخنة وهيئة لحوق المادة بها أن يتحرك إلى خلاف جهة المتحرك / ~~المانع ، كالسهم يصيب جسما متحركا فيعطفه تارة إلى جهته إن ms7032 كان الحابس كما ~~يقدر على صرف المتحرك عن متوجهه يقدر أيضا على صرفه إلى جهة حركة نفسه ~~وتارة إلى خلاف تلك الجهة إذا كان المفارق يقدر على الحبس ولا يقدر على ~~الصرف الثاني : أنه ربما كان صعود بعض الأدخنة من تحت مانعا للأدخنة ~~النازلة من فوق إلى أن يتسفل ذلك فلأجل هذا السبب يتحرك إلى سائر الجوانب ، ~~واعلم أن لأهل الإسلام ههنا مقامين : الأول : أن يقيم الدلالة على فساد هذه ~~العلة وبيانه من وجهين : الأول : أن الأجزاء الدخانية أرضية فهي أثقل من ~~الأجزاء البخارية المائية ، ثم إن البخار لما يبرد ينزل على الخط المستقيم ~~مطرا فالدخان لما برد فلماذا لم ينزل على الخط المستقيم بل ذهب يمنة ويسرة ~~؟ الثاني : أن حركة تلك الأجزاء إلى أسفل طبيعية وحركتها يمنة ويسرة عرضية ~~والطبيعية أقوى من العرضية ، وإذا لم يكن أقوى فلا أقل من المساواة ، ثم إن ~~الريح عند حركتها يمنة ويسرة ربما تقوى على قلع الأشجار ورمي الجدار بل ~~الجبال ، فتلك الأجزاء الدخانية عندما تحركت حركتها الطبيعية التي لها وهي ~~الحركة إلى السفل وجب أن تهدم السقف ، ولكنا نرى الغبار الكثير ينزل من ~~الهواء ويسقط على السقف ولا يحس بنزوله فضلا عن أن يهدمه فثبت فساد ما ~~ذكروه المقام الثاني : هب أن الأمر كما ذكروه ولكن الأسباب الفاعلية ~~والقابلية لها مخلوقة لله سبحانه وتعالى ، فإنه لولا الشمس وتأثيرها في ~~تصعيد الأبخرة والأدخنة ولولا طبقات الهواء ، وإلا لما حدثت هذه الأمور ، ~~ومعلوم أن من وضع أسبابا فأدته إلى منافع عجيبة وحكم بالغة فذلك الواضع هو ~~الذي فعل تلك المنافع ، فعلى جميع الأحوال لا بد من شهادة هذه الأمور على ~~مدبر حكيم واجب لذاته ، قطعا لسلسلة الحاجات . PageV24P180 # النوع الخامس ما يتعلق بالحشر والنشر # ! 7 < { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السمآء والا رض أءلاه مع ~~الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } . > 7 @QB@ < # | النمل : ( 64 ) أم من يبدأ . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا أتبع ذلك بنعم الآخرة بقوله : { أمن ~~يبدأ ms7033 الخلق ثم يعيده } لأن نعم الآخرة بالثواب لا تتم إلا بالإعادة بعد ~~الابتداء والإبلاغ إلى حد التكليف فقد تضمن الكلام كل هذه النعم ، ومعلوم ~~أنها لا تتم إلا بالأرزاق فلذلك قال : { ومن يرزقكم من السماء والارض } ، ~~ثم قال : { مع الله بل } منكرا لما هم عليه ، ثم بين بقوله : { قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين } أن لا برهان لكم فإذن هم مبطلون ، وهذا يدل على ~~أنه لا بد في الدعوى من / وعلى فساد التقليد ، فإن قيل كيف قيل لهم : { أم ~~من * الله الخلق ثم يعيده } وهم منكرون للإعادة ؟ جوابه : كانوا معترفين ~~بالابتداء ، ودلالة الابتداء على الإعادة دلالة ظاهرة قوية ، فلما كان ~~الكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة صاروا كأنهم لم يبق لهم عذر في الإنكار ، ~~وههنا آخر الدلائل المذكورة على كمال قدرة الله تعالى . # ! 7 < { قل لا يعلم من فى السماوات والا رض الغيب إلا الله وما يشعرون ~~أيان يبعثون * بل ادارك علمهم فى الا خرة بل هم فى شك منها بل هم منها عمون ~~} . > 7 ! # < < # | النمل : ( 65 - 66 ) قل لا يعلم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أنه المختص بالقدرة فكذلك بين أنه هو المختص ~~بعلم الغيب ، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه هو الإله المعبود ، لأن الإله هو الذي ~~يصح منه مجازاة من يستحق الثواب على وجه لا يلتبس بأهل العقاب ، فإن قيل ~~الاستثناء حكمه إخراج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله تحت المستثنى منه ودلت ~~الآية ههنا على استثناء الله سبحانه وتعالى عمن في السموات والأرض فوجب ~~كونه ممن في السموات والأرض وذلك يوجب كونه تعالى في المكان والجواب : هذه ~~الآية متروكة الظاهر لأن من قال إنه تعالى في المكان زعم أنه فوق السموات ، ~~ومن قال إنه ليس في مكان فقد نزهه عن كل الأمكنة ، فثبت بالإجماع أنه تعالى ~~ليس في السموات والأرض فإذن وجب تأويله فنقول إنه تعالى ممن في السموات ~~والأرض كما يقول المتكلمون : الله تعالى في كل مكان على معنى أن علمه في ~~الأماكن كلها ، لا يقال إن كونه ms7034 في السموات والأرض مجاز وكونهم فيهن حقيقة ~~وإرادة المتكلم بعبارة واحدة ومجازا غير جائزة ، لأنا نقول كونهم في ~~السموات والأرض ، كما أنه حاصل حقيقة وهو حصول ذواتهم في الأحياز فكذلك ~~حاصل مجازا ، وهو كونهم عالمين PageV24P181 بتلك الأمكنة فإذا حملنا هذه ~~الغيبة على المعنى المجازي وهو الكون فيها بمعنى العلم دخل الرب سبحانه ~~وتعالى والعبيد فيه فصح الاستثناء . # أما قوله : { وما يشعرون } فهو صفة لأهل السموات والأرض نفى أن يكون لهم ~~علم الغيب وذكر في جملة الغيب متى البعث بقوله : { أيان يبعثون } فأيان ~~بمعنى متى وهي كلمة مركبة من أي والآن وهو الوقت وقرىء { أيان } بكسر ~~الهمزة . # أما قوله : { بل ادرك علمهم فى الاخرة } فاعلم أن كلام صاحب ( الكشاف ) ~~فيه مرتب على ثلاثة أبحاث : # / البحث الأول : فيه اثنتا عشرة قراءة بل أدرك بل أدرك بل ادارك بل تدارك ~~بل أأدرك بهمزتين بل آأدرك بألف بينهما بل آدرك بالتخفيف والنقل بل ادرك ~~بفتح اللام وتشديد الدال وأصله بل أدرك على الاستفهام بلى أدرك بلى أأدرك ~~أم تدارك أو أدرك . # البحث الثانث : ادارك أصله تدارك فأدغمت التاء في الدال وادرك افتعل . # البحث الثالث : معنى ادرك علمهم انتهى وتكامل وأدرك تتابع واستحكم ثم فيه ~~وجوه : أحدها : أن أسباب استحكام العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب ~~فيها قد حصلت لهم ومكنوا من معرفتها وهم شاكون جاهلون ، وذلك قوله : { بل ~~هم فى شك منها بل هم منها عمون } يريد المشركين ممن في السماوات والأرض ~~لأنهم لما كانوا من جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع كما يقال بنو فلان فعلوا ~~كذا وإنما فعله ناس منهم . فإن قيل الآية سيقت لاختصاص الله تعالى بعلم ~~الغيب وإن العباد لا علم لهم بشيء منه وإن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب ~~وهم لا يشعرون به ، فكيف ناسب هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع ~~استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة ؟ والجواب : كأنه سبحانه قال كيف ~~يعلمون الغيب مع أنهم شكوا في ثبوت الآخرة التي دلت الدلائل الظاهرة ~~القاهرة عليها فمن ms7035 غفل عن هذا الشيء الظاهر كيف يعلم الغيب الذي هو أخفى ~~الأشياء الوجه الثاني : أن وصفهم باستحكام العلم تهكم بهم كما تقول لأجهل ~~الناس ما أعلمك على سبيل الهزء وذلك حيث شكوا في إثبات ما الطريق إليه واضح ~~ظاهر الوجه الثالث : أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفنى من قولك أدركت الثمرة ~~لأن تلك غايتها التي عندها تعدم وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من ~~تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك / أما وجه قراءة من قرأ بل أأدرك على ~~الاستفهام فهو أنه استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم وكذا من قرأ أم ~~أدرك وأم تدارك لأنها أم هي التي بمعنى بل والهمزة وأما من قرأ بلى أدرك ~~فإنه لما جاء ببلى بعد قوله : { وما يشعرون } كان معناه بلى يشعرون ثم فسر ~~الشعور بقوله أدرك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه المبالغة في ~~نفي العلم ، فكأنه قال شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها فيرجع إلى ~~نفي الشعور على أبلغ ما يكون ، وأما من قرأ بلى أأدرك على الاستفهام فمعناه ~~بلى يشعرون متى يبعثون ، ثم أنكر علمهم بكونها وإذ أنكر علمهم بكونها وإذا ~~أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها . فإن قلت هذه الإضرابات ~~الثلاث ما معناها ؟ قلت ماهي إلا بيان درجاتهم وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون ~~وقت البعث ، ثم بأنهم لا يعلون أن القيامة كائنة ، ثم بأنهم يخبطون في شك ~~ومرية ، ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى وفيه نكتة وهي أنه تعالى جعل الآخرة ~~مبدأ PageV24P182 عماهم فلذلك عداه بمن دون عن لأن الفكر بالعاقبة والجزاء ~~هو الذي جعلهم كالبهائم . # ! 7 < { وقال الذين كفروا أءذا كنا ترابا وءابآؤنآ أءنا لمخرجون * لقد ~~وعدنا هاذا نحن وءابآؤنا من قبل إن هاذآ إلا أساطير الا ولين * قل سيروا فى ~~الا رض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين * ولا تحزن عليهم ولا تكن فى ضيق ~~مما يمكرون * ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين * قل عسى أن يكون ردف ~~لكم بعض ms7036 الذى تستعجلون * وإن ربك لذو فضل على الناس ولاكن أكثرهم لا يشكرون ~~* وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون * وما من غآئبة فى السمآء والا ~~رض إلا فى كتاب مبين } . > 7 ! # < < # | النمل : ( 67 - 75 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما تكلم في حال المبدأ تكلم بعده في حال المعاد ، ~~وذلك لأن الشك في المعاد لا ينشأ إلا من الشك في كمال القدرة ، أو في كمال ~~العلم فإذا ثبت كونه تعالى قادرا على كل الممكنات ، وعالما بكل المعلومات ، ~~ثبت أنه تعالى يمكنه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن ~~غيره ، وثبت أنه قادر على أن يعيد التركيب والحياة إليها وإذا ثبت إمكان ~~ذلك ثبت صحة القول بالحشر فلما بين الله تعالى هذين الأصلين فيما قبل هذه ~~الآية ، لا جرم لم يحكه في هذه الآية ، فحكى عنهم أنهم تعجبوا من إخراجهم ~~أحياء وقد صاروا ترابا وطعنوا فيه من وجهين : الأول : قولهم : { لقد وعدنا ~~هاذا نحن وءاباؤنا } أي هذا كلام كما قيل لنا فقد قيل لمن / قبلنا ، ولم ~~يظهر له أثر فهو إذن من أساطير الأولين يريدون ما لا يصح من الأخبار ، فإن ~~قيل ذكر ههنا { لقد وعدنا هاذا نحن وءاباؤنا } وفي آية أخرى : { لقد وعدنا ~~نحن وءاباؤنا هاذا } ( المؤمنون : 83 ) فما الفرق ؟ قلنا التقديم دليل على ~~أن المقدم هو المقصود الأصلي وأن الكلام سيق لأجله ، ثم إنه سبحانه لما كان ~~قد بين الدلالة على هذين الأصلين ، ومن الظاهر أن كل من أحاط بهما فقد عرف ~~صحة الحشر والنشر ثبت أنهم أعرضوا عنها ولم يتأملوها ، وكان سبب ذلك ~~الإعراض حب الدنيا وحب الرياسة والجاه وعدم الانقياد للغير ، لا جرم اقتصر ~~على بيان أن الدنيا فانية زائلة فقال : { قل سيروا فى الارض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المجرمين } وفيه سؤالان : PageV24P183 # السؤال الأول : لم لم يقل : كيف كانت عاقبة المجرمين ؟ جوابه : لأن ~~تأنيثها غير حقيقي ولأن المعنى كيف كان آخر أمرهم . # السؤال الثاني : لم لم يقل عاقبة الكافرين ؟ جوابه : الغرض أن ms7037 يحصل ~~التخويف لكل العصاة ثم إنه تعالى صبر رسوله على ما يناله من هؤلاء الكفار ~~فقال : { ولا تحزن عليهم ولا تكن فى ضيق مما يمكرون } فجمع بين إزالة الغم ~~عنه بكفرهم وبين إزالة الخوف من جانبهم ، وصار ذلك كالتكفل بنصرته عليهم ~~وقوله : { ولا تكن فى ضيق } أي في حرج قلب يقال ضاق الشيء ضيقا وضيقا ~~بالفتح والكسر والضيق تخفيف الضيق ، ويجوز أن يراد في أمر ضيق من مكرهم ~~الوجه الثاني : للكفار قولهم : { متى هاذا الوعد } وقوله : { إن كنتم ~~صادقين } دل على أنهم ذكروا ذلك على سبيل السخرية فأجاب الله تعالى بقوله : ~~{ عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون } وهو عذاب يوم بدر ، فزيدت اللام ~~للتأكيد كالباء في { ولا تلقوا بأيديكم } ( البقرة : 195 ) أو ضمن معنى فعل ~~يتعدى باللام نحو دنا لكم وأزف لكم / ومعناه تبعكم ولحقكم ، وقرأ الأعرج { ~~ردف لكم } بوزن ذهب وهما لغتان ، والكسر أفصح ، وههنا بحثان : # البحث الأول : أن عسى ولعل في وعد الملوك ووعيدهم يدلان على صدق الأمر ، ~~وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم ، وأنهم لا يعجلون بالانتقام لوثوقهم بأن ~~عدوهم لا يفوتهم ، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده . # الثاني : أنه قد ثبت بالدلائل العقلية أن عذاب الحجاب أشد من عذاب النار ~~، ولذلك قال : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم * لصالوا ~~الجحيم } ( المطففين : 15 ، 16 ) فقدم الحجاب على الجحيم ، ثم إنهم كانوا ~~محجوبين في الحال ، فكان سبب العذاب بكماله حاصلا ، إلا أن الاشتغال ~~بالدنيا ولذاتها كالعائق عن إدراك ذلك الألم ، كما أن العضو الخدر إذا مسته ~~النار ، فإن سبب الألم حاصل في الحال ، لكنه لا يحصل الشعور بذلك الألم ~~لقيام العائق ، فإذا زال العائق عظم البلاء ، فكذا ههنا إذا زال البدن عظم ~~عذاب الحجاب ، فقوله سبحانه : { عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون } ~~يعني المقتضي له والمؤثر فيه حاصل ، وتمامه إنما يحصل بعد الموت ، ثم إنه ~~سبحانه بين / السبب في ترك تعجيل العذاب فقال : { وإن ربك لذو فضل على ~~الناس } والفضل الإفضال ومعناه أنه ms7038 متفضل عليهم بتأخير العقوبة ، وأكثرهم ~~لا يعرفون هذه النعمة ولا يشكرونها ، وهذه الآية تبطل قول من قال إنه لا ~~نعمة لله على الكفار ثم بين سبحانه أنه مطلع على ما في قلوبهم فقال : { وإن ~~ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } وههنا بحث عقلي ، وهو أنه قدم ما ~~تكنه صدورهم على ما يعلنون من العلم والسبب أن ما تكنه صدورهم هو الدواعي ~~والقصود ، وهي أسباب لما يعلنون ، وهي أفعال الجوارح ، والعلم بالعلة علة ~~للعلم بالمعلول ، فهذا هو السبب في ذلك التقديم ، قرىء ( تكن ) يقال كننت ~~الشيء وأكننته إذا سترته وأخفيته ، يعني أنه تعالى يعلم ما يخفون وما ~~يعلنون من عداوة الرسول ومكايدهم . # أما قوله : { وما من غائبة } فقال صاحب ( الكشاف ) : سمى الشيء الذي يغيب ~~ويخفى غائبة وخافية ، فكانت التاء فيها بمنزلتها في العاقبة والعافية ~~والنطيحة والذبيحة والرمية في أنها أسماء غير صفات ، ويجوز أن يكونا صفتين ~~وتاؤهما للمبالغة كالراوية في قولهم : ويل للشاعر من راوية السوء ، كأنه ~~تعالى قال : وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء ، إلا وقد علمه الله تعالى ~~وأحاط به ، وأثبته في اللوح المحفوظ والمبين الظاهر البين لمن ينظر فيه من ~~الملائكة . # PageV24P184 ! 7 < { إن هاذا القرءان يقص على بنىإسراءيل أكثر الذى هم ~~فيه يختلفون * وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين * إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو ~~العزيز العليم * فتوكل على الله إنك على الحق المبين * إنك لا تسمع الموتى ~~ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين * ومآ أنت بهادى العمى عن ضلالتهم إن ~~تسمع إلا من يؤمن بأاياتنا فهم مسلمون } . > 7 ! # < < # | النمل : ( 76 - 81 ) إن هذا القرآن . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما تمم الكلام في إثبات المبدإ والمعاد ، ذكر بعد ~~ذلك ما يتعلق بالنبوة ، ولما كانت العمدة الكبرى في إثبات نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم هو القرآن ، لا جرم بين الله تعالى أولا كونه / معجزة من ~~وجوه : أحدها : أن الأقاصيص المذكورة في القرآن موافقة لما كانت مذكورة في ~~التوراة والإنجيل مع العلم بأنه عليه الصلاة والسلام كان أميا ، وأنه لم ms7039 ~~يخالط أحدا من العلماء ولم يشتغل قط بالاستفادة والتعلم ، فإذن لا يكون ذلك ~~إلا من قبل الله تعالى ، واختلفوا فقال بعضهم أراد به ما اختلفوا فيه ~~وتباينوا ، وقال آخرون أراد به ما حرفه بعضهم ، وقال بعضهم بل أراد به ~~أخبار الأنبياء ، والأول أقرب وثانيها : قوله : { وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ~~} وذلك لأن بعض الناس قال إنا لما تأملنا القرآن فوجدنا فيه من الدلائل ~~العقلية على التوحيد والحشر والنبوة ، وشرح صفات الله تعالى وبيان نعوت ~~جلاله ما لم نجده في شيء من الكتب ، ووجدنا ما فيه من الشرائع مطابقة ~~للعقول موافقة لها ، وجدناه مبرأ عن التناقض والتهافت ، فكان هدى ورحمة من ~~هذه الجهات ووجدنا القوى البشرية قاصرة على جمع كتاب على هذا الوجه ، ~~فعلمنا أنه ليس إلا من عند الله تعالى ، فكان القرآن معجزا من هذه الجهة ~~وثالثها : أنه هدى ورحمة للمؤمنين ، لبلوغه في الفصاحة إلى حيث عجزوا عن ~~معارضته وذلك معجز ، ثم إنه تعالى لما بين كونه معجزا دالا على الرسالة ذكر ~~بعده أمرين : الأول : قوله : { إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم ~~} والمراد أن القرآن وإن كان يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ~~، لكن لا تكن أنت في قيدهم ، فإن ربك هو الذي يقضي بينهم ، أي بين المصيب ~~والمخطىء منهم ، وذلك كالزجر للكفار فلذلك قال : { وهو العزيز } أي القادر ~~الذي لا يمنع العليم بما يحكم فلا يكون إلا الحق ، فإن قيل القضاء والحكم ~~شيء واحد فقوله : { يقضى * بحكمه } كقوله يقضي بقضائه ويحكم بحكمه والجواب ~~: معنى قوله : { بحكمه } أي بما يحكم به وهو عدله ، لأنه لا يقضي إلا ~~بالعدل ، أو أراد بحكمه ، ويدل عليه قراءة من قرأ ( بحكمه ) جمع حكمة ~~الثاني : أنه تعالى أمره بعد ظهور حجة رسالته بأن يتوكل على الله ، ولا ~~يلتفت إلى أعداء الله ، ويشرع في تمشية مهمات الرسالة بقلب قوي ، فقال { ~~فتوكل على الله } ثم علل ذلك بأمرين : أحدهما : قوله : { إنك على الحق ~~المبين } وفيه بيان أن المحق حقيق بنصرة الله تعالى وأنه ms7040 لا يخذل وثانيهما ~~: قوله : { إنك لا تسمع الموتى } وإنما حسن جعله سببا للأمر بالتوكل ، وذلك ~~PageV24P185 لأن الإنسان ما دام يطمع في أحد أن يأخذ منه شيئا فإنه لا يقوى ~~قلبه على إظهار مخالفته ، فإذا قطع طمعه عنه قوي قلبه على إظهار مخالفته ، ~~فالله سبحانه وتعالى قطع محمدا صلى الله عليه وسلم عنهم بأن بين له أنهم ~~كالموتى وكالصم وكالعمى فلا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون ولا يلتفتون إلى ~~شيء من الدلائل / وهذا سبب لقوة قلبه عليه الصلاة والسلام على إظهار الدين ~~كما ينبغي ، فإن قيل ما معنى قوله : { إذا ولوا مدبرين } جوابه : هو تأكيد ~~لحال الأصم ، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبرا كان أبعد عن ~~إدراك صوته . # أما قوله تعالى : { وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم } فالمعنى ما يجدي ~~إسماعك إلا الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته ، أي يصدقون بها فهم مسلمون ~~، أي مخلصون من قوله : { بلى من أسلم وجهه لله } ( البقرة : 112 ) / يعني ~~جعله سالما لله تعالى خالصا له ، والله أعلم . # ! 7 < { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دآبة من الا رض تكلمهم أن الناس ~~كانوا بأاياتنا لا يوقنون * ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بأاياتنا ~~فهم يوزعون * حتى إذا جآءوا قال أكذبتم بأاياتى ولم تحيطوا بها علما أما ذا ~~كنتم تعملون * ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون * ألم يروا أنا ~~جعلنا اليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن فى ذلك لايات لقوم يؤمنون } . > 7 ~~! # < < # | النمل : ( 82 - 86 ) وإذا وقع القول . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى بين بالدلائل القاهرة كمال القدرة وكمال العلم ، ~~ثم فرع عليهما القول بإمكان الحشر ، ثم بين الوجه في كون القرآن معجزا ، ثم ~~فرع عليه نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم تكلم الآن في مقدمات قيام ~~القيامة ، وإنما أخر تعالى الكلام في هذا الباب عن إثبات النبوة ، لما أن ~~هذه الاشياء لا يمكن معرفتها إلا بقول النبي الصادق وهذا هو النهاية في ~~جودة الترتيب . واعلم أنه تعالى ذكر تارة ms7041 ما يكون كالعلامة لقيام القيامة ، ~~وتارة الأمور التي تقع عند قيام القيامة ، فذكر أولا من علامات القيامة ~~دابة الأرض ، والناس تكلموا فيها من وجوه : أحدها : في مقدار جسمها ، وفي ~~الحديث أن طولها ستون ذراعا ، وروي أيضا أن رأسها تبلغ السحاب . وعن أبي ~~هريرة ما بين قرنيها فرسخ للراكب وثانيها : في كيفية خلقتها ، فروي أن لها ~~أربع قوائم وزغب وريش وجناحان . وعن ابن جريج في وصفها : رأس ثور وعين ~~خنزير وأذن فيل وقرن إيل وصدر أسد ولون نمر وخاصرة ( بقرة ) وذنب كبش وخف ~~بعير وثالثها : في كيفية خروجها عن علي عليه السلام أنه تخرج ثلاثة أيام ~~والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها . وعن الحسن : لا يتم خروجها إلا بعد ~~ثلاثة أيام ورابعها : في موضع خروجها ( سئل النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أين تخرج الدابة ؟ فقال من أعظم المساجد / حرمة على الله تعالى المسجد ~~PageV24P186 الحرام ) وقيل تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية وخامسها : في ~~عدد خروجها فروي أنها تخرج ثلاث مرات ، تخرج بأقصى اليمن ، ثم تكمن ، ثم ~~تخرج بالبادية ، ثم تكمن دهرا طويلا ، فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة ~~وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم ~~عن يمين الخارج من المسجد ، فقوم يهربون وقوم يقفون ( نظارة ) . # واعلم أنه لا دلالة في الكتاب على شيء من هذه الأمور ، فإن صح الخبر فيه ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وإلا لم يلتفت إليه . # أما قوله تعالى : { وإذا وقع القول عليهم } فالمراد من القول متعلقه وهو ~~ما وعدوا به من قيام الساعة ووقوعه حصوله ، والمراد مشارفة الساعة وظهور ~~أشراطها ، أما دابة الأرض فقد عرفتها . # وأما قوله : { تكلمهم } فقرىء ( تكلمهم ) من الكلم وهو الجرح ، روي أن ~~الدابة تخرج من الصفا ومعها عصا موسى عليه السلام وخاتم سليمان ، فتضرب ~~المؤمن بين عينيه بعصا موسى عليه السلام فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة ~~في وجهه حتى يضيء لها وجهه ، وتنكت الكافر في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود ~~لها وجهه . واعلم ms7042 أنه يجوز أن يكون تكلمهم من الكلم أيضا على معنى التكثير ~~يقال فلان مكلم ، أي مجرح . وقرأ أبي ( تنبئهم ) ، وقرأ ابن مسعود تكلمهم ~~بأن الناس ، والقراءة بإن مكسورة حكاية لقول الدابة ذلك ، أو هي حكاية لقول ~~الله تعالى بين به أنه أخرج الدابة لهذه العلة . فإن قيل إذا كانت حكاية ~~لقول الدابة فكيف يقول ( بآياتنا ) ؟ جوابه : أن قولها حكاية لقول الله ~~تعالى ، أو على معنى بآيات ربنا ، أو لاختصاصها بالله تعالى أضافت آيات ~~الله إلى نفسها ، كما يقال بعض خاصة الملك خيلنا وبلادنا ، وإنما هي خيل ~~مولاه وبلاده ، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف الجار ، أي تكلمهم بأن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون . # وأما قوله : { ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بئاياتنا } فاعلم أن ~~هذا من الأمور الواقعة بعد قيام القيامة ، فالفرق بين من الأولى والثانية ، ~~أن الأولى للتبعيض ، والثانية للتبيين كقوله : { من الاوثان } ( الحج : 30 ~~) . # أما قوله : { فهم يوزعون } معناه يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ~~فيكبكبوا في النار ، وهذه عبارة عن كثرة العدد وتباعد أطرافه ، كما وصفت ~~جنود سليمان بذلك وقوله : { حتى إذا * جاءوا قال أكذبتم بئاياتى } فهذا وإن ~~احتمل معجزات الرسل كما قاله بعضهم ، فالمراد كل الآيات فيدخل فيه سائر ~~الكفار الذين كذبوا بآيات الله أجمع أو بشيء منها . # أما قوله : { ولم تحيطوا بها علما } فالواو للحال كأنه قال أكذبتم بها ، ~~بادي الرأي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها . # أما قوله : { بما كنتم تعملون } فالمراد لما لم تشتغلوا بذلك العمل المهم ~~، فأي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك ؟ ا كأنه قال كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل ، ~~ثم قال : { ووقع القول عليهم } يريد أن / العذاب الموعود يغشاهم بسبب ~~تكذيبهم بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار كقوله : { هاذا يوم لا ~~ينطقون } ( المرسلات : 35 ) ثم إنه سبحانه بعد أن خوفهم بأحوال القيامة ذكر ~~كلاما يصلح أن يكون دليلا على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوة مبالغة في ~~الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال : { ألم يروا ms7043 أنا جعلنا اليل ~~ليسكنوا فيه والنهار مبصرا } PageV24P187 أما وجه دلالته على التوحيد فلما ~~ظهر في العقول أن التقليب من النور إلى الظلمة ، ومن الظلمة إلى النور ، لا ~~يحصل إلا بقدرة قاهرة عالية . وإما وجه دلالته على الحشر فلأنه لما ثبتت ~~قدرته تعالى في هذه الصورة على القلب من النور إلى الظلمة وبالعكس ، فأي ~~امتناع في ثبوت قدرته على القلب من الحياة إلى الموت مرة ، ومن الموت إلى ~~الحياة أخرى . وأما وجه دلالته على النبوة فلأنه تعالى يقلب الليل والنهار ~~لمنافع المكلفين ، وفي بعثة الأنبياء والرسل إلى الخلق منافع عظيمة ، فما ~~المانع من بعثتهم إلى الخلق لأجل تحصيل تلك المنافع ؟ فقد ثبت أن هذه ~~الكلمة الواحدة كافية في إقامة الدلالة على تصحيح الأصول الثلاثة التي منها ~~منشؤ كفرهم واستحقاقهم العذاب ، ثم في الآية سؤالان : # السؤال الأول : ما السبب في أن جعل الإبصار للنهار وهو لأهله ؟ جوابه : ~~تنبيها على كمال هذه الصفة فيه . # السؤال الثاني : لما قال : { جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } فلم لم يقل ~~والنهار لتبصروا فيه ؟ جوابه : لأن السكون في الليل هو المقصود من الليل ، ~~وأما الإبصار في النهار فليس هو المقصود بل هو وسيلة إلى جلب المنافع ~~الدينية والدنيوية . # وأما قوله : { إن فى ذالك لآيات لقوم يؤمنون } خص المؤمنين بالذكر ، وإن ~~كانت أدلة للكل من حيث اختصوا بالقبول والانتفاع على ما تقدم في نظائره . # ! 7 < { ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السماوات ومن فى الا رض إلا من ~~شآء الله وكل أتوه داخرين } . > 7 ! # < < # | النمل : ( 87 ) ويوم ينفخ في . . . . . # > > اعلم أن هذا هو العلامة الثانية لقيام القيامة . # أما قوله : { ويوم ينفخ فى الصور } ففيه وجوه : أحدها : أنه شيء شبيه ~~بالقرن ، وأن إسرافيل عليه السلام ينفخ فيه بإذن الله تعالى ، فإذا سمع ~~الناس ذلك الصوت وهو في الشدة بحيث لا تحتمله طبائعهم يفزعون عنده ويصعقون ~~ويموتون وهو كقوله تعالى : { فإذا نقر فى الناقور } ( المدثر : 8 ) وهذا ~~قول الأكثرين وثانيها : يجوز أن يكون تمثيلا لدعاء الموت فإن خروجهم من ~~قبورهم ms7044 كخروج الجيش / عند سماع صوت الآلة وثالثها : أن الصور جمع الصور ~~وجعلوا النفخ فيها نفخ الروح والأول أقرب لدلالة الظاهر عليه ولا مانع يمنع ~~منه . # أما قوله : { ففزع من فى * السماوات * ومن فى الارض } فاعلم أنه إنما قال ~~( ففزع ) ولم يقل فيفزع للإشعار بتحقيق الفزع وثبوته ، وأنه كائن لا محالة ~~لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به والمراد فزعهم عند ~~النفخة الأولى . PageV24P188 # أما قوله : { إلا من شاء الله } فالمراد إلا من ثبت الله قلبه من ~~الملائكة قالوا هم جبريل وميكائيل وإسرافيل ، وملك الموت ، وقيل الشهداء ، ~~وعن الضحاك الحور وخزنة النار وحملة العرش ، وعن جابر موسى منهم لأنه صعق ~~مرة ومثله قوله تعالى : { ونفخ فى الصور فصعق من فى * السماوات * ومن فى ~~الارض إلا من شاء الله } ( الزمر : 68 ) وليس فيه خبر مقطوع ، والكتاب إنما ~~يدل على الجملة . # أما قوله : { وكل أتوه داخرين } فقرىء ( أتوه ) و ( أتاه ) ودخرين ~~وداخرين فالجمع على المعنى والتوحيد على اللفظ والداخر والدخر الصاغر ، ~~وقيل معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية ، ويجوز أن يراد ~~رجوعهم إلى أمر الله وانقيادهم له . # ! 7 < { وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله الذىأتقن ~~كل شىء إنه خبير بما تفعلون } . > 7 ! # < < # | النمل : ( 88 ) وترى الجبال تحسبها . . . . . # > > اعلم أن هذا هو العلامة الثالثة لقيام القيامة وهي تسيير الجبال ، ~~والوجه في حسبانهم أنها جامدة فلأن الأجسام الكبار إذا تحركت حركة سريعة ~~على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر إليها أنها واقفة مع أنها تمر ~~مرا حثيثا . # أما قوله : { صنع الله } فهو من المصادر المؤكدة كقوله : { وعد الله } ( ~~النساء : 95 ) و { صبغة الله } ( البقرة : 138 ) إلا أن مؤكده محذوف وهو ~~الناصب ليوم ينفخ ، والمعنى أنه لما قدم ذكر هذه الأمور التي لا يقدر عليها ~~سواه جعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة ~~والصواب قال القاضي عبد الجبار فيه دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا ~~وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع ms7045 مانع منه والجواب : أن الإتقان لا يحصل ~~إلا في المركبات فيمتنع وصف الأعراض بها والله أعلم . # ! 7 < { من جآء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ءامنون * ومن جآء ~~بالسيئة فكبت وجوههم فى النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } . > 7 ! # / < < # | النمل : ( 89 - 90 ) من جاء بالحسنة . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما تكلم في علامات القيامة شرح بعد ذلك أحوال ~~المكلفين بعد قيام القيامة والمكلف إما أن يكون مطيعا أو عاصيا ، أما ~~المطيع فهو الذي جاء بالحسنة وله أمران : أحدهما : أن له ما هو خير منها ~~وذلك هو الثواب ، فإن قيل الحسنة التي جاء العبد بها يدخل فيها معرفة الله ~~تعالى والإخلاص في الطاعات والثواب ، إنما هو الأكل والشرب فكيف يجوز أن ~~يقال الأكل والشرب خير من معرفة الله جوابه من جوابه : PageV24P189 أحدها : ~~أن ثواب المعرفة النظرية الحاصلة في الدنيا هي المعرفة الضرورية الحاصلة في ~~الآخرة ، ولذة النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى ، وقد دلت الدلائل على ~~أن أشرف السعادات هي هذه اللذة ، ولو لم تحمل الآية على ذلك لزم أن يكون ~~الأكل والشرب خيرا من معرفة الله تعالى وأنه باطل وثانيها : أن الثواب خير ~~من العمل من حيث إن الثواب دائم والعمل منقضي ولأن العمل فعل العبد ، ~~والثواب فعل الله تعالى وثالثها : { فله خير منها } أي له خير حاصل من ~~جهتها وهو الجنة . # السؤال الثاني : الحسنة لفظة مفردة معرفة ، وقد ثبت أنها لا تفيد العموم ~~بل يكفي في تحققها حصول فرد ، وإذا كان كذلك فلنحملها على أكمل الحسنات ~~شأنا وأعلاها درجة وهو الإيمان ، فلهذا قال ابن عباس من أفراد الحسنة كلمة ~~الشهادة ، وهذا يوجب القطع بأن لا يعاقب أهل الإيمان وجوابه : ذلك الخير هو ~~أن لا يكون عقابه مخلدا الأمر الثاني : للمطيع هو أنهم آمنون من كل فزع ، ~~لا كما قال بعضهم إن أهوال القيامة تعم المؤمن والكافر ، فإن قيل أليس أنه ~~تعالى قال في أول الآية : { ففزع من فى * السماوات * ومن فى الارض } ( ~~النمل : 87 ) فكيف نفى الفزع ms7046 ههنا ؟ جوابه : أن الفزع الأول هو ما لا يخلو ~~منه أحد عند الإحساس لشدة تقع وهو يفجأ من رعب وهيبة وإن كان المحسن يأمن ~~وصول ذلك الضرر إليه كما قيل ، يدخل الرجل بصدر هياب وقلب وجاب ، وإن كانت ~~ساعة إعزاز وتكرمة ، وأما الثاني فالخوف من العذاب . أما قراءة من قرأ من ~~فزع بالتنوين فهي تحتمل معنيين من فزع واحد وهو خوف العقاب ، وأما ما يلحق ~~الإنسان من الهيبة والرعب عند مشاهدة الأهوال فلا ينفك منه أحد ، وفي ~~الأخبار ما يدل عليه ، ومن فزع شديد مفرط الشدة لا يكتنهه الوصف ، وهو خوف ~~النار وأمن يعدي بالجار وبنفسه كقوله تعالى : { أفأمنوا مكر الله فلا يأمن ~~مكر الله } ( الأعراف : 99 ) فهذا شرح حال المطيعين ، أما شرح حال العصاة ~~فهو قوله : { ومن جاء بالسيئة } قيل السيئة الإشراك وقوله : { فكبت وجوههم ~~فى النار } فاعلم أنه يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة فكأنه قيل ~~فكبوا في النار كقوله : { فكبكبوا } ( الشعراء : 94 ) ويجوز أن يكون ذكر ~~الوجوه إيذانا بأنهم يلقون على وجوههم فيها ( مكبوبين ) . # / أما قوله : { هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } فيجوز فيه الالتفات ، ~~وحكاية ما يقال لهم عند الكب بإضمار القول . # ! 7 < { إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها وله كل شىء وأمرت أن ~~أكون من المسلمين * وأن أتلو القرءان فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل ~~فقل إنمآ أنا من المنذرين * وقل الحمد لله سيريكم ءاياته فتعرفونها وما ربك ~~بغافل عما تعملون } . > 7 ! # < < # | النمل : ( 91 - 93 ) إنما أمرت أن . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين المبدأ والمعاد والنبوة ومقدمات ~~القيامة وصفة أهل القيامة من الثواب PageV24P190 والعقاب ، وذلك كمال ما ~~يتعلق ببيان أصول الدين ختم الكلام بهذه الخاتمة اللطيفة فقال : قل يا محمد ~~إني أمرت بأشياء : الأول : أني أمرت أن أخص الله وحده بالعبادة ولا أتخذ له ~~شريكا ، وأن الله تعالى لما قدم دلائل التوحيد فكأنه أمر محمدا بأن يقول ~~لهم هذه الدلائل التي ذكرتها لكم إن لم تفد لكم القول بالتوحيد فقد ms7047 أفادت ~~لي ذلك فسواء قبلتم هذه الدعوة أو أعرضتم عنها ، فإني مصر عليها غير مرتاب ~~فيها ثم إنه وصف الله تعالى بأمرين : أحدهما : أنه رب هذه البلدة والمراد ~~مكة وإنما اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده ~~إليه وأكرمها عليه وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالا على أنها موطن نبيه ~~ومهبط وحيه . # أما قوله : { الذى حرمها } فقرىء ( التي حرمها ) ، وإنما وصفها بالتحريم ~~لوجوه : أحدها : أنه حرم فيها أشياء على من يحج وثانيها : أن اللاجيء إليها ~~آمن وثالثها : لا ينتهك حرمتها إلا ظالم ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ~~وإنما ذكر ذلك لأن العرب كانوا معترفين بكون مكة محرمة وعلموا أن تلك ~~الفضيلة ليست من الأصنام بل من الله تعالى ، فكأنه قال لما علمت وعلمتم أنه ~~سبحانه هو المتولي لهذه النعم وجب علي أن أخصه بالعبادة وثانيها : وصف الله ~~تعالى بقوله : { وله كل شىء } وهذا إشارة إلى ما تقدم من الدلائل المذكورة ~~في هذه السورة على التوحيد من كونه تعالى خالقا لجميع النعم فأجمل ههنا تلك ~~المفصلات ، وهذا كمن أراد صفة بعض الملوك بالقوة فيعد تلك التفاصيل ثم بعد ~~التطويل يقول إن كل العالم له وكل الناس في طاعته الثاني : أمر بأن يكون / ~~من المسلمين الثالث : أمر بأن يتلو القرآن عليهم ، ولقد قام بكل ذلك صلوات ~~الله عليه أتم قيام فمن اهتدى في هذه المسائل الثلاث المتقدمة وهي التوحيد ~~والحشر والنبوة { فإنما يهتدى لنفسه } أي منفعة اهتدائه راجعة إليه { ومن ~~ضل } فلا علي وما أنا إلا رسول منذر ، ثم إنه سبحانه ختم هذه ( السورة ) ~~بخاتمة في نهاية الحسن وهي قوله : { وقل الحمد لله } على ما أعطاني من نعمة ~~العلم والحكمة والنبوة أو على ما وفقني من القيام بأداء الرسالة وبالإنذار ~~{ سيريكم ءاياته } القاهرة { فتعرفونها } لكن حين لا ينفعكم الإيمان { وما ~~ربك بغافل عما تعملون } لأنه من وراء جزاء العاملين ، والله أعلم . # تم تفسير السورة والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على سيدنا محمد النبي ~~الأمي # وعلى آله وصحبه ms7048 أجمعين على أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين # والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين # # PageV24P191 < # > 1 ( سورة القصص ) 1 < # > # مكية كلها إلا قوله { الذين ءاتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * إلى ~~* قوله * لا نبتغى الجاهلين } وقيل إلا آية وهي { إن الذى فرض عليك القرءان ~~} الآية وهي سبع # أو ثمان وثمانون آية # ! 7 < { طسم* تلك ءايات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون ~~بالحق لقوم يؤمنون * إن فرعون علا فى الا رض وجعل أهلها شيعا يستضعف طآئفة ~~منهم يذبح أبنآءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين * ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا فى الا رض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم فى ~~الا رض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } . > 7 ! # / < < # | القصص : ( 1 - 6 ) طسم # > > اعلم أن قوله تعالى : { طسم } كسائر الفواتح وقد تقدم القول فيها و { ~~تلك } إشارة إلى آيات السورة و { الكتاب المبين } هو إما اللوح وإما الكتاب ~~الذي وعد الله إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم فبين أن آيات هذه السورة ~~هي آيات ذلك الكتاب ووصفه بأنه مبين لأنه بين فيه الحلال والحرام ، أو لأنه ~~بين بفصاحته أنه من كلام الله دون كلام العباد ، أو لأنه يبين صدق نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم أو لأنه يبين خبر الأولين والآخرين ، أو لأنه يبين ~~كيفية التخلص عن شبهات أهل الضلال . # / أما قوله تعالى : { نقص عليك } أي على لسان جبريل عليه السلام لأنه كان ~~يتلو على محمد حتى يحفظه ، وقوله : { من نبإ موسى وفرعون } فهو مفعول { نقص ~~عليك } أي نتلو عليك بعض خبرهما بالحق محقين ، كقوله : { تنبت بالدهن } ( ~~المؤمنون : 20 ) وقوله : { لقوم يؤمنون } فيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى ~~قد أراد PageV24P192 بذلك من لا يؤمن أيضا لكنه خص المؤمنين بالذكر لأنهم ~~قبلوا وانتفعوا فهو كقوله : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) ، والثاني : ~~يحتمل أنه تعالى علم أن الصلاح في تلاوته هو إيمانهم وتكون إرادته لمن لا ~~يؤمن كالتبع ، قوله تعالى : { إن فرعون علا فى الارض } قرىء فرعون بضم ~~الفاء وكسرها ، والكسر ms7049 أحسن وهو كالقسطاس والقسطاس { علا } استكبر وتجبر ~~وتعظم وبغى ، والمراد به قوة الملك والعلو في الأرض يعني أرض مملكته ، ثم ~~فصل الله تعالى بعض ذلك بقوله : { وجعل أهلها شيعا } أي فرقا يشيعونه على ~~ما يريد ويطيعونه لا يملك أحد منهم مخالفته أو يشيع بعضهم بعضا في استخدامه ~~أو أصنافا في استخدامه أو فرقا مختلفة قد أغرى بينهم العداوة ليكونوا له ~~أطوع أو المراد ما فسره بقوله : { يستضعف طائفة منهم } أي يستخدمهم { ~~يؤمنون إن فرعون علا } فهذا هو المراد بالشيع . قوله : { يستضعف طائفة منهم ~~} تلك الطائفة بنو إسرائيل ، وفي سبب ذبح الأبناء وجوه : أحدها : أن كاهنا ~~قال له يولد مولود في بني إسرائيل في ليلة كذا يذهب ملكك على يده ، فولد ~~تلك الليلة اثنا عشر غلاما فقتلهم ، وعند أكثر المفسرين بقي هذا العذاب في ~~بني إسرائيل سنين كثيرة ، قال وهب قتل القبط في طلب موسى عليه السلام تسعين ~~ألفا من بني إسرائيل . قال بعضهم في هذا دليل على حمق فرعون ، فإنه إن صدق ~~الكاهن لم يدفع القتل الكائن وإن كذب فما وجه القتل ؟ وهذا السؤال قد يذكر ~~في تزييف علم الأحكام من علم النجوم ونظيره ما يقوله نفاة التكليف إن كان ~~زيد في علم الله وفي قضائه من السعداء فلا حاجة إلى الطاعة ، وإن كان من ~~الأشقياء فلا فائدة في الطاعة ، وأيضا فهذا السؤال لو صح لبطل علم التعبير ~~ومنفعته ، وأيضا فجواب المنجم أن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل ~~لصار كذا وكذا ، وعلى هذا التقدير لا يكون السعي في قتله عبثا . # واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأن إسناد مثل هذا الخبر إلى الكاهن اعتراف بأنه ~~قد يخبر عن الغيب على سبيل التفصيل ، ولو جوزناه لبطلت دلالة الأخبار عن ~~الغيب على صدق الرسل وهو بإجماع المسلمين باطل وثانيها : وهو قول السدي أن ~~فرعون رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس واشتملت على مصر فأحرقت ~~القبط دون بني إسرائيل فسأل عن رؤياه فقالوا يخرج من هذا البلد ms7050 الذي جاء ~~بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك مصر ، فأمر بقتل الذكور وثالثها : ~~أن الأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام بشروا بمجيئه وفرعون كان قد ~~سمع ذلك فلهذا كان يذبح أبناء بني إسرائيل ، وهذا الوجه هو الأولى بالقبول ~~، قال صاحب ( الكشاف ) : { يستضعف } حال من الضمير في { وجعل } أو صفة ~~لشيعا ، أو كلام مستأنف و { يذبح } بدل من { يستضعف } / وقوله : { إنه كان ~~من المفسدين } يدل على أن ذلك القتل ما حصل منه إلا الفساد ، وأنه لا أثر ~~له في دفع قضاء الله تعالى . # أما قوله : { ونريد أن نمن } فهو جملة معطوفة على قوله : { إن فرعون علا ~~فى الارض } لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيرا لنبأ موسى عليه السلام وفرعون ~~واقتصاصا له ، واللفظ في قوله : { ونريد } للاستقبال ولكن أريد به حكاية ~~حال ماضية ويجوز أن يكون حالا من { يستضعف } أي يستضعفهم فرعون ونحن نريد ~~أن نمن عليهم ، فإن قيل كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله تعالى المن عليهم ~~وإذا أراد الله شيئا كان ولم يتوقف إلى وقت آخر ؟ قلنا لما كان منة الله ~~عليهم بتخليصهم من فرعون قريبة الوقوع جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة ~~لاستضعافهم . PageV24P193 # أما قوله : { ونجعلهم أئمة } أي متقدمين في الدنيا والدين وعن مجاهد دعاة ~~إلى الخير وعن قتادة ولاة كقوله : { وجعلكم ملوكا } ( المائدة : 20 ) ، { ~~ونجعلهم الوارثين } يعني لملك فرعون وأرضه وما في يده . # أما قوله : { ونمكن لهم فى الارض } فاعلم أنه يقال مكن له إذا جعل له ~~مكانا يقعد عليه ( أو يرقد ) فوطأه ومهده ، ونظيره أرض له ومعنى التمكين ~~لهم في الأرض وهي أرض مصر والشام أن ينفذ أمرهم ويطلق أيديهم وقوله : { ~~ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } قرىء { ويرى * فرعون ~~وهامان وجنودهما } أي يرون منهم ما كانوا خائفين منه من ذهاب ملكهم وهلاكهم ~~على يد مولود بني إسرائيل . # ! 7 < { وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولا ~~تخافى ولا تحزنىإنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين * فالتقطه ءال فرعون ~~ليكون ms7051 لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين * وقالت امرأت ~~فرعون قرة عين لى ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ~~} . > 7 ! # / < < # | القصص : ( 7 - 9 ) وأوحينا إلى أم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قال : { ونريد أن نمن على الذين } ( القصص : 5 ) ~~ابتدأ بذكر أوائل نعمه في هذا الباب بقوله : { وأوحينا إلى أم موسى } ~~والكلام في هذا الوحي ذكرناه في سورة طه ( 37 ، 38 ) في قوله : { ولقد مننا ~~عليك مرة أخرى * إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى } وقوله : { أن أرضعيه } ~~كالدلالة على أنها أرضعته وليس في القرآن حد ذلك ، { فإذا خفت عليه } أن ~~يفطن به جيرانك ويسمعون صوته عند البكاء { فألقيه فى اليم } قال ابن جريج : ~~إنه بعد أربعة أشهر صاح فألقى في اليم والمراد باليم ههنا النيل { ولا ~~تخافى ولا تحزنى } والخوف غم يحصل بسبب مكروه يتوقع حصوله في المستقبل ، ~~والحزن غم يلحقه بسبب مكروه حصل في الماضي ، فكأنه قيل ولا تخافي من هلاكه ~~ولا تحزني بسبب فراقه { أنا * أنزلنا إليك } لتكوني أنت المرضعة له { ~~وجاعلوه من المرسلين } إلى أهل مصر والشام وقصة الإلقاء في اليم قد تقدمت ~~في سورة طه . وقال ابن عباس : إن أم موسى عليه السلام لما تقارب ولادها ~~كانت قابلة من القوابل التي وكلهم فرعون بالحبالى مصافية لأم موسى عليه ~~السلام فلما أحست بالطلق أرسلت إليها وقالت لها قد نزل بي ما نزل ولينفعني ~~اليوم حبك إياي فجلست القابلة فلما وقع موسى عليه السلام إلى الأرض هالها ~~نور بين عينيه فارتعش كل مفصل منها ، ودخل حب موسى عليه السلام قلبها فقالت ~~يا هذه ما جئتك إلا لقتل مولودك ، ولكني وجدت لابنك هذا حبا شديدا فاحتفظي ~~بابنك ، فإنه أراه عدونا ، فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون ~~فجاء إلى بابها ليدخل PageV24P194 على أم موسى فقالت أخته يا أماه هذا ~~الحرس فلفته ووضعته في تنور مسجور فطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع ، فدخلوا ~~فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها ms7052 لون ولم يظهر لها لبن فقالوا ~~لم دخلت القابلة عليك ؟ قالت إنها حبيبة لي دخلت للزيارة فخرجوا من عندها ~~ورجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى أين الصبي ؟ قالت لا أدري فسمعت بكاء في ~~التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما فأخذته ، ثم إن ~~أم موسى عليه السلام لما رأت فرعون جد في طلب الولدان خافت على ابنها فقذف ~~الله في قلبها أن تتخذ له تابوتا ثم تقذف التابوت في النيل ، فذهبت إلى ~~نجار من أهل مصر فاشترت منه تابوتا فقال لها ما تصنعين به ؟ فقالت ابن لي ~~أخشى عليه كيد فرعون أخبؤه فيه وما عرفت أنه يفشي ذلك الخبر ، فلما انصرفت ~~ذهب النجار ليخبر به الذباحين فلما جاءهم أمسك الله لسانه وجعل يشير بيده ، ~~فضربوه وطردوه فلما عاد إلى موضعه رد الله عليه نطقه فذهب مرة أخرى ليخبرهم ~~به فضربوه وطردوه فلما عاد إلى موضعه رد الله نطقه ، فذهب مرة أخرى ليخبرهم ~~به فضربوه وطردوه فأخذ الله بصره ولسانه ، فجعل لله تعالى أنه إن رد عليه ~~بصره ولسانه فإنه لا يد لهم عليه فعلم الله تعالى منه الصدق فرد عليه بصره ~~ولسانه وانطلقت أم موسى وألقته في النيل / وكان لفرعون بنت لم يكن له ولد ~~غيرها وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها وكان بها برص شديد وكان ~~فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها ، فقالوا أيها الملك لا تبرأ هذه ~~إلا من قبل البحر يوجد منه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ ~~من ذلك ، وذلك في يوم / كذا في شهر كذا حين تشرق الشمس ، فلما كان ذلك ~~اليوم غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم ~~وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطىء إذ أقبل النيل بتابوت ~~تضربه الأمواج وتعلق بشجرة ، فقال فرعون ائتوني به فابتدروه بالسفن من كل ~~جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه ، وعالجوا كسره ~~فلم يقدروا ms7053 عليه ، فنظرت آسية فرأت نورا في جوف التابوت لم يره غيرها ~~فعالجته وفتحته ، فإذا هي بصبي صغير في المهد وإذا نور بين عينيه فألقى ~~الله محبته في قلوب القوم ، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها ~~فبرئت وضمته إلى صدرها فقالت الغواة من قوم فرعون إنا نظن أن هذا هو الذي ~~نحذر منه رمي في البحر فرقا منك فهم فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون ~~وتبنته فترك قتله . # أما قوله : { ءال فرعون أشد } فالالتقاط إصابة الشيء من غير طلب ، ~~والمراد بآل فرعون جواريه . # أما قوله : { ليكون لهم عدوا وحزنا } فالمشهور أن هذه اللام يراد بها ~~العاقبة قالوا وإلا نقض قوله : { وقالت امرأت فرعون قرة عين لى ولك } ونقض ~~قوله : { وألقيت عليك محبة منى } ( طه : 39 ) ونظير هذه اللام قوله تعالى : ~~{ ولقد ذرأنا لجهنم } ( الأعراف : 179 ) وقوله الشاعر : # % لدوا للموت وابنوا للخراب % % # واعلم أن التحقيق ما ذكره صاحب ( الكشاف ) وهو أن هذه اللام هي لام ~~التعليل على سبيل المجاز ، وذلك لأن مقصود الشيء وغرضه يؤول إليه أمره ~~فاستعملوا هذه اللام فيما يؤول إليه الشيء على سبيل التشبيه ، كإطلاق لفظ ~~الأسد على الشجاع والبليد على الحمار ، قرأ حمزة والكسائي ( حزنا ) بضم ~~الحاء وسكون الزاي والباقون بالفتح وهما لغتان مثل السقم والسقم . # أما قوله : كانوا خاطئين ففيه وجهان : أحدهما : قال الحسن معنى { كانوا ~~خاطئين } ليس من الخطيئة PageV24P195 بل المعنى وهم لا يشعرون أنه الذي ~~يذهب بملكهم ، وأما جمهور المفسرين فقالوا معناه كانوا خاطئين فيما كانوا ~~عليه من الكفر والظلم ، فعاقبهم الله تعالى بأن ربي عدوهم ومن هو سبب ~~هلاكهم على أيديهم ، وقرىء { * خاطين } تخفيف خاطئين أي خاطين الصواب إلى ~~الخطأ وبين تعالى أنها التقطته ليكون قرة عين لها وله جميعا ، قال ابن إسحق ~~إن الله تعالى ألقى محبته في قلبها لأنه كان في وجهه ملاحة كل من رآه أحبه ~~، ولأنها حين فتحت التابوت رأت النور ، ولأنها لما فتحت التابوت رأته يمتص ~~إصبعه ، ولأن ابنة فرعون لما لطخت برصها بريقه زال برصها ويقال ما ms7054 كان لها ~~ولد فأحبته ، قال ابن عباس لما قالت : { فرعون قرة عين لى ولك } فقال فرعون ~~يكون لك وأما أنا فلا حاجة لي فيه ، فقال عليه السلام ( والذي يحلف به لو ~~أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت لهداه الله تعالى كما هداها ) قال ~~صاحب ( الكشاف ) { قرة عين } خبر مبتدأ محذوف ولا يقوى أن يجعل مبتدأ { ولا ~~تقاتلوهم } خبرا ولو نصب لكان أقوى ، وقراءة ابن مسعود دليل على أنه خبر ، ~~قرأ { لا تقتلوه قرة عين لى ولك } ، وذلك لتقديم لا تقتلوه ، ثم قالت ~~المرأة { عسى أن ينفعنا } فنصيب / منه خيرا { أو نتخذه ولدا } لأنه أهل ~~للتبني . # أما قوله : { وهم لا يشعرون } فأكثر المفسرين على أنه ابتداء كلام من ~~الله تعالى أي لا يشعرون أن هلاكهم بسببه وعلى يده ، وهذا قول مجاهد وقتادة ~~والضحاك ومقاتل ، وقال ابن عباس يريد لا يشعرون إلى ماذا يصير أمر موسى ~~عليه السلام . وقال آخرون هذا من تمام كلام المرأة أي لا يشعر بنو إسرائيل ~~وأهل مصر أن التقطناه ، وهذا قول الكلبي . # ! 7 < { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدى به لولاأن ربطنا على ~~قلبها لتكون من المؤمنين * وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ~~} . > 7 @QB@ < # | القصص : ( 10 - 11 ) وأصبح فؤاد أم . . . . . # > > # ذكروا في قوله : { فؤاد أم موسى فارغا } وجوها : أحدها : قال الحسن فارغا ~~من كل هم إلا من هم موسى عليه السلام وثانيها : قال أبو مسلم فراغ الفؤاد ~~هو الخوف والإشفاق كقوله : { وأفئدتهم هواء } ( إبراهيم : 43 ) ، وثالثها : ~~قال صاحب ( الكشاف ) فارغا صفرا من العقل ، والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه ~~في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والخوف ورابعها : قال الحسن ومحمد بن ~~إسحاق فارغا من الوحي الذي أوحينا إليها أن ألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني إنا رادوه إليك فجاءها الشيطان فقال لها كرهت أن يقتل فرعون ولدك ~~فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه ، ولما أتاها خبر موسى عليه السلام أنه وقع في ~~يد فرعون فأنساها عظم البلاء ms7055 ما كان من عهد الله إليها ، وخامسها : قال أبو ~~عبيدة : فارغا من الحزن لعلمها بأنه لا يقتل اعتمادا على تكفل الله بمصلحته ~~قال ابن قتيبة : وهذا من العجائب كيف يكون فؤادها فارغا من الحزن والله ~~تعالى يقول : { لولا أن ربطنا على قلبها } وهل يربط إلا على قلب الجازع ~~المحزون ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يمتنع PageV24P196 أنها لشدة ثقتها ~~بوعد الله لم تخف عند إظهار اسمه ، وأيقنت أنها وإن أظهرت فإنه يسلم لأجل ~~ذلك الوعد إلا أنه كان في المعلوم أن الإظهار يضر فربط الله على قلبها ، ~~ويحتمل قوله : { إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها } بالوحي فأمنت ~~وزال عن قلبها الحزن ، فعلى هذا الوجه يصح أن يتأول على أن قلبها سلم من ~~الحزن على موسى أصلا ، وفيه وجه ثالث : وهو أنها سمعت أن امرأة فرعون عطفت ~~عليه وتبنته إن كادت لتبدي به بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحا بما ~~سمعت ، لولا أن سكنا ما بها من شدة الفرح والابتهاج { لتكون من المؤمنين } ~~الواثقين / بوعد الله تعالى لا يتبنى امرأة فرعون اللعين وبعطفها ، وقرىء ( ~~قرعا ) أي خاليا من قولهم أعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء وفرغا من ~~قولهم : دماؤهم بينهم فرغ أي هدر يعني بطل قلبها من شدة ما ورد عليها . # أما قوله : { إن كادت لتبدى به } فاعلم أن على قول من فسر الفراغ بالفراغ ~~من الحزن ، قد ذكرنا تفسير قوله : { إن كادت لتبدى } وأما على قول من فسر ~~الفراغ بحصول الخوف فذكروا وجوها : أحدها : قال ابن عباس كادت تخبر بأن ~~الذي وجدتموه ابني ، وقال في رواية عكرمة كادت تقول واإبناه من شدة وجدها ~~به وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع ، وقال الكلبي ذلك حين سمعت الناس يقولون ~~إنه ابن فرعون وقال السدي لما أخذ ابنها كادت تقول هو ابني فعصمها الله ~~تعالى ، ثم قال : { لولا أن ربطنا على قلبها } بإلهام الصبر كما يربط على ~~الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن { لتكون من المؤمنين } من المصدقين بوعد الله ms7056 ~~وهو قوله : { إنا رادوه إليك } ( القصص : 7 ) . # أما قوله : { وقالت لاخته قصيه } أي اتبعي أثره وانظري إلى أن وقع وإلى ~~من صار وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم { فبصرت به } قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما أبصرته ، قال المبرد : أبصرته وبصرت به بمعنى واحد وقوله : { عن ~~جنب } أي عن بعد وقرىء عن جانب وعن جنب والجنب الجانب أي نظرت نظرة مزورة ~~متجانبة { وهم لا يشعرون } بحالها وغرضها . # ! 7 < { وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه ~~لكم وهم له ناصحون * فرددناه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد ~~الله حق ولاكن أكثرهم لا يعلمون } . > 7 @QB@ < # | القصص : ( 12 - 13 ) وحرمنا عليه المراضع . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { وحرمنا عليه المراضع من قبل } يقتضي تحريمها من قبله ~~فإذا لم يصح بالتعبد والنهي لتعذر التمييز فلا بد من فعل سواه وذلك الفعل ~~يحتمل أنه تعالى مع حاجته إلى اللبن أحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر ~~النساء ، فلذلك لم يرضع أو أحدث في لبنهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه أو وضع ~~في لبن أمه PageV24P197 لذة فلما تعودها لا جرم كان يكره لبن غيرها ، وعن ~~الضحاك كانت أمه قد أرضعته ثلاثة أشهر حتى عرف ريحها والمراضع جمع مرضع ، ~~وهي المرأة التي ترضع أو جمع مرضع وهو موضع الرضاع أي الثدي أو الرضاع ~~وقوله : { من قبل } أي من قبل أن رددناه إلى أمه ومن قبل مجيء أخت موسى ~~عليه السلام ، ومن قبل ولادته في حكمنا وقضائنا فعند ذلك قالت أخته { هل ~~أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم } أي يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه وهم له ~~ناصحون لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وإغذائه ، ولا يخونونكم فيه والنصح ~~إخلاص العمل من شائبة الفساد ، وقال السدي إنها لما قالت : { وهم له ناصحون ~~} دل ظاهر ذلك على أن أهل البيت يعرفونه فقال لها هامان قد عرفت هذا الغلام ~~فدلينا على أهله فقالت ما أعرفه ، ولكني إنما قلت هم للملك ناصحون ليزول ~~شغل قلبه ms7057 ، وكل ما روي في هذا الباب يدل على أن فرعون كان بمنزلة آسية في ~~شدة محبته لموسى عليه السلام ، لا على ما قال من زعم أنها كانت مختصة بذلك ~~فقط ثم قال تعالى : { فرددناه إلى أمه } بهذا الضرب من اللطف { كى تقر ~~عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق } أي فيما كان وعدها من أنه يرده ~~إليها ، ولقد كانت عالمة بذلك ، ولكن ليس الخبر كالعيان فتحققت بوجود ~~الموعود { ولاكن أكثرهم لا يعلمون } فيه وجوه أربعة : أحدها : ولكن أكثر ~~الناس في ذلك العهد وبعد لا يعلمون لإعراضهم عن النظر في آيات الله وثانيها ~~: قال الضحاك ومقاتل يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعدها برده إليها ~~وثالثها : هذا كالتعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى عليه السلام فجزعت ~~وأصبح فؤادها فارغا ورابعها : أن يكون المعنى إنا إنما رددناه إليها { ~~لتعلم * إن وعد الله حق } والمقصود الأصلي من ذلك الرد هذا الغرض الديني ، ~~ولكن الأكثر لا يعلمون أن هذا هو الغرض الأصلي ، وأن ما سواه من قرة العين ~~وذهاب الحزن تبع ، قال الضحاك لما قبل ثديها قال هامان إنك لأمه ، قالت لا ~~قال فما بالك قبل ثديك من بين النسوة قالت أيها الملك إني امرأة طيبة الريح ~~حلوة اللبن ما شم ريحي صبي إلا أقبل على ثديي ، قالوا صدقت فلم يبق أحد من ~~آل فرعون إلا أهدى إليها وأتحفها بالذهب والجواهر . # ! 7 < { ولما بلغ أشده واستوىءاتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين * ~~ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هاذا من شيعته ~~وهاذا من عدوه فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه فوكزه موسى فقضى ~~عليه قال هاذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إنى ظلمت نفسى ~~فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بمآ أنعمت على فلن أكون ~~ظهيرا للمجرمين } . > 7 @QB@ < # | القصص : ( 14 - 17 ) ولما بلغ أشده . . . . . # > > # / اعلم أن في قوله : { بلغ أشده واستوى } قولين : أحدهما : أنهما بمعنى ~~واحد ms7058 وهو استكمال القوة PageV24P198 واعتدال المزاج والبنية والثاني : وهو ~~الأصح أنهما معنيان متغايران ثم اختلفوا على وجوه : أحدها : وهو الأقرب أن ~~الأشد عبارة عن كمال القوة الجسمانية البدنية ، والاستواء عبارة عن كمال ~~القوة العقلية وثانيها : الأشد عبارة عن كمال القوة ، والاستواء عبارة عن ~~كمال البنية والخلقة وثالثها : الأشد عبارة عن البلوغ ، والاستواء عبارة عن ~~كمال الخلقة ورابعها : قال ابن عباس الأشد ما بين الثمان عشرة سنة إلى ~~الثلاثين ثم من الثلاثين سنة إلى الأربعين يبقى سواء من غير زيادة ولا ~~نقصان ، ومن الأربعين يأخذ في النقصان ، وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله ~~عنهما حق ، لأن الإنسان يكون في أول العمر في النمو والتزايد ثم يبقى من ~~غير زيادة ولا نقصان ، ثم يأخذ في الانتقاص فنهاية مدة الازدياد من أول ~~العمر إلى العشرين ومن العشرين إلى الثلاثين يكون التزايد قليلا والقوة ~~قوية جدا ثم من الثلاثين إلى الأربعين يقف فلا يزداد ولا ينتقص ومن ~~الأربعين إلى الستين يأخذ في الانتقاص الخفي ، ومن الستين إلى آخر العمر ~~يأخذ في الانتقاص البين الظاهر ، ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين ~~سنة والحكمة فيه ظاهرة لأن الإنسان يكون إلى رأس الأربعين قواه الجسمانية ~~من الشهوة والغضب والحس قوية مستكلمة فيكون الإنسان منجذبا إليها فإذا ~~انتهى إلى الأربعين أخذت القوى الجسمانية في الانتقاص ، والقوة العقلية في ~~الازدياد فهناك يكون الرجل أكمل ما يكون فلهذا السر اختار الله تعالى هذا ~~السن للوحي . # المسألة الثانية : اختلفوا في واحد الأشد ، قال الفراء : الأشد واحدها شد ~~في القياس ولم يسمع لها بواحد . وقال أبو الهيثم : واحد الأشد شدة ، كما أن ~~واحدة الأنعم نعمة ، والشدة القوة والجلادة . # أما قوله : { اتيناه حكما وعلما } ففيه وجهان الأول : أنها النبوة وما ~~يقرن بها من العلوم والأخلاق ، وعلى هذا التقدير ليس في الآية دليل على أن ~~هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده ، لأن الواو في قوله : { ودخل ~~المدينة } لا تفيد الترتيب الثاني : آتيناه الحكمة والعلم قال تعالى : { ~~واذكرن ما يتلى ms7059 فى بيوتكن من ءايات الله والحكمة } ( الأحزاب : 34 ) وهذا ~~القول أولى لوجوه : أحدها : أن النبوة أعلى الدرجات البشرية فلا بد وأن ~~تكون مسبوقة بالكمال في العلم والسيرة المرضية التي هي / أخلاق الكبراء ~~والحكماء وثانيها : أن قوله : { وكذلك نجزى المحسنين } يدل على أنه إنما ~~أعطاه الحكم والعلم مجازاة على إحسانه والنبوة لا تكون جزاء على العمل ~~وثالثها : أن المراد بالحكم والعلم لو كان هو النبوة ، لوجب حصول النبوة ~~لكل من كان من المحسنين لقوله : { وكذلك نجزى المحسنين } لأن قوله : { ~~وكذالك } إشارة إلى ما تقدم ذكره من الحكم والعلم ، ثم بين إنعامه عليه قبل ~~قتل القبطي . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في المدينة فالجمهور على أنها هي المدينة التي ~~كان يسكنها فرعون ، وهي قرية على رأس فرسخين من مصر ، وقال الضحاك : هي عين ~~شمس . # المسألة الثانية : اختلفوا في معنى قوله : { على حين غفلة من أهلها } على ~~أقوال : فالقول الأول : أن موسى عليه السلام لما بلغ أشده واستوى وآتاه ~~الله الحكم والعلم في دينه ودين آبائه ، علم أن فرعون وقومه على الباطل ، ~~فتكلم بالحق وعاب دينهم ، واشتهر ذلك منه حتى آل الأمر إلى أن أخافوه ~~وخافهم ، وكان له من بني PageV24P199 إسرائيل شيعة يقتدون به ويسمعون منه ، ~~وبلغ في الخوف بحيث ما كان يدخل مدينة فرعون إلا خائفا ، فدخلها يوما على ~~حين غفلة من أهلها ، ثم الأكثرون على أنه عليه السلام دخلها نصف النهار وقت ~~ما هم قائلون ، وعن ابن عباس يريد بين المغرب والعشاء والأول أولى ، لأنه ~~تعالى أضاف الغفلة إلى أهلها ، وإذا دخل المرء مستترا لأجل خوف ، لا تضاف ~~الغفلة إلى القوم القول الثاني : قال السدي : إن موسى عليه السلام حين كبر ~~كان يركب مراكب فرعون ، ويلبس مثل ما يلبس ، ويدعى موسى ابن فرعون ، فركب ~~يوما في أثره فأدركه المقيل في موضع ، فدخلها نصف النهار ، وقد خلت الطرق ، ~~فهو قوله : { على حين غفلة } القول الثالث : قال ابن زيد : ليس المراد من ~~قوله : { على حين غفلة من أهلها } حصول الغفلة في تلك الساعة ms7060 ، بل المراد ~~الغفلة من ذكر موسى وأمره ، فإن موسى حين كان صغيرا ضرب رأس فرعون بالعصا ~~ونتف لحيته ، فأراد فرعون قتله ، فجيء بجمر فأخذه وطرحه في فيه ، فمنه عقدة ~~لسانه ، فقال فرعون : لا أقتله ، ولكن أخرجوه عن الدار والبلد ، فأخرج ولم ~~يدخل عليهم حتى كبر ، والقوم نسوا ذكره وذلك قوله : { على حين غفلة } ولا ~~مطمع في ترجيح بعض هذه الروايات على بعض ، لأنه ليس في القرآن ما يدل على ~~شيء منها . # المسألة الثالثة : قال تعالى : { فوجد فيها رجلين يقتتلان هاذا من شيعته ~~وهاذا من عدوه } قال الزجاج : قال : هذا وهذا وهما غائبان على وجه الحكاية ~~، أي وجد فيها رجلين يقتتلان ، إذا نظر الناظر إليهما قال هذا من شيعته ~~وهذا من عدوه ، ثم اختلفوا فقال مقاتل : الرجلان كانا كافرين ، إلا أن ~~أحدهما من بني إسرائيل ، والآخر من القبط ، واحتج عليه بأن موسى عليه ~~السلام قال له في اليوم الثاني { إنك لغوى مبين } ( القصص : 18 ) والمشهور ~~أن الذي من شيعته كان مسلما ، لأنه لا يقال فيمن يخالف الرجل في دينه ~~وطريقه : إنه من شيعته ، وقيل إن القبطي الذي سخر الإسرائيلي كان / طباخ ~~فرعون ، استسخره لحمل الحطب إلى مطبخه ، وقيل الرجلان المقتتلان : أحدهما ~~السامري وهو الذي من شيعته ، والآخر طباخ فرعون والله أعلم بكيفية الحال ، ~~فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ، أي سأله أن يخلصه منه واستنصره ~~عليه ، فوكزه موسى عليه السلام ، الوكز الدفع بأطراف الأصابع ، وقيل بجمع ~~الكف . وقرأ ابن مسعود : ( فلكزه موسى ) ، وقال بعضهم : الوكز في الصدر ~~واللكز في الظهر ، وكان عليه السلام شديد البطش ، وقال بعض المفسرين : ~~فوكزه بعصاه ، قال المفضل هذا غلط ، لأنه لا يقال وكزه بالعصا { فقضى عليه ~~} أي أماته وقتله . # المسألة الرابعة : احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء عليه السلام ~~من وجوه : أحدها : أن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم ~~يكن كذلك ، فإن كان الأول فلم قال : { هاذا من عمل الشيطان } ولم قال : { ~~رب إنى ظلمت نفسى فاغفر ms7061 لى فغفر له } ولم قال في سورة أخرى { فعلتها إذا ~~وأنا من الضالين } ( الشعراء : 20 ) ؟ وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم ~~يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنبا وثانيها : أن قوله : { وهاذا من عدوه ~~} يدل على أنه كان كافرا حربيا فكان دمه مباحا فلم استغفر عنه ، والاستغفار ~~عن الفعل المباح غير جائز ، لأنه يوهم في المباح كونه حراما ؟ وثالثها : أن ~~الوكز لا يقصد به القتل ظاهرا ، فكان ذلك القتل قتل خطأ ، فلم استغفر منه ؟ ~~والجواب : عن الأول لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدم . # أما قوله : { هاذا من عمل الشيطان } ففيه وجوه : أحدها : لعل الله تعالى ~~وإن أباح قتل الكافر إلا أنه قال PageV24P200 الأولى تأخير قتلهم إلى زمان ~~آخر ، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فقوله : { هاذا من عمل الشيطان } معناه ~~إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان وثانيها : أن قوله ( هذا ) إشارة ~~إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه فقوله : { هاذا من عمل الشيطان } أي عمل ~~هذا المقتول من عمل الشيطان ، المراد منه بيان كونه مخالفا لله تعالى ~~مستحقا للقتل وثالثها : أن يكون قوله ( هذا ) إشارة إلى المقتول ، يعني أنه ~~من جند الشيطان وحزبه ، يقال فلان من عمل الشيطان ، أي من أحزابه . # أما قوله : { رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى } فعلى نهج قول آدم عليه السلام ~~: { ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) والمراد أحد وجهين ، إما على ~~سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه ، وإن ~~لم يكن هناك ذنب قط ، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب . # أما قوله : { فاغفر لى } أي فاغفر لي ترك هذا المندوب ، وفيه وجه آخر ، ~~وهو أن يكون المراد رب إني ظلمت نفسي حيث قتلت هذا الملعون ، فإن فرعون لو ~~عرف ذلك لقتلني به { فاغفر لى } أي فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون { ~~فغفر له } أي ستره عن الوصول إلى فرعون ، ويدل على هذا التأويل أنه على ~~عقبه قال : { رب بما أنعمت على فلن أكون ms7062 ظهيرا للمجرمين } ولو كانت إعانة ~~المؤمن ههنا سببا للمعصية لما قال ذلك . # وأما قوله : { فعلتها إذا وأنا من الضالين } فلم يقل إني صرت بذلك ضالا ، ~~ولكن فرعون لما / ادعى أنه كان كافرا في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافرا ~~في ذلك الوقت ، واعترف بأنه كان ضالا أي متحيرا لا يدري ما يجب عليه أن ~~يفعله وما يدبر به في ذلك . أما قوله إن كان كافرا حربيا فلم استغفر عن ~~قتله ؟ قلنا كون الكافر مباح الدم أمر يختلف باختلاف الشرائع فلعل قتلهم ~~كان حراما في ذلك الوقت ، أو إن كان مباحا لكن الأولى تركه على ما قررنا ، ~~قوله ذلك القتل كان قتل خطأ ، قلنا لا نسلم فلعل الرجل كان ضعيفا وموسى ~~عليه السلام كان في نهاية الشدة ، فوكزه كان قاتلا قطعا . ثم إن سلمنا ذلك ~~ولكن لعله عليه السلام كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون ذلك الوكز ~~الذي كان الأولى تركه ، فلهذا أقدم على الاستغفار على أنا وإن سلمنا دلالة ~~هذه الآية على صدور المعصية لكنا بينا أنه لا دليل ألبتة على أنه كان رسولا ~~في ذلك الوقت فيكون ذلك صادرا منه قبل النبوة ، وذلك لا نزاع فيه # المسألة الخامسة : قالت المعتزلة الآية دلت على بطلان قول من نسب المعاصي ~~إلى الله تعالى لأنه عليه السلام قال : { هاذا من عمل الشيطان } فنسب ~~المعصية إلى الشيطان ، فلو كانت بخلق الله تعالى لكانت من الله لا من ~~الشيطان وهو كقول يوسف عليه السلام { من بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين ~~إخوتى } ( يوسف : 100 ) وقول صاحب موسى عليه السلام : { وما أنسانيه إلا ~~الشيطان } ( الكهف : 63 ) وقوله تعالى : { لا يفتننكم الشيطان كما أخرج ~~أبويكم من الجنة } ( الأعراف : 27 ) . # أما قوله : { رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين } ففيه وجوه : ~~أحدها : أن ظاهره يدل على أنه قال إنك لما أنعمت علي بهذا الإنعام فإني لا ~~أكون معاونا لأحد من المجرمين بل أكون معاونا للمسلمين ، وهذا يدل على أن ~~ما أقدم عليه من ms7063 إعانة الإسرائيلي على القبطي كان طاعة لا معصية ، إذ لو ~~كانت معصية ، لنزل الكلام منزلة ما إذا قيل إنك لما أنعمت علي بقبول توبتي ~~عن تلك المعصية فإني أكون مواظبا على مثل تلك المعصية وثانيها : قال القفال ~~: كأنه أقسم بما أنعم الله عليه أن لا يظاهر مجرما ، والباء للقسم أي ~~PageV24P201 بنعمتك علي وثالثها : قال الكسائي والفراء إنه خبر ، ومعناه ~~الدعاء كأنه قال فلا تجعلني ظهيرا ، قال الفراء وفي حرف عبدالله { فلا ~~تجعلنى * ظهيرا } ، واعلم أن في الآية دلالة على أنه لا يجوز معاونة الظلمة ~~والفسقة . وقال ابن عباس : لم يستثن ولم يقل فلن أكون ظهيرا إن شاء الله ، ~~فابتلي به في اليوم الثاني ، وهذا ضعيف لأنه في اليوم الثاني ترك الإعانة ، ~~وإنما خاف منه ذلك العدو فقال : { إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الارض } ( ~~القصص : 19 ) لا أنه وقع منه . # ! 7 < { فأصبح فى المدينة خآئفا يترقب فإذا الذى استنصره بالا مس يستصرخه ~~قال له موسى إنك لغوى مبين * فلمآ أن أراد أن يبطش بالذى هو عدو لهما قال ~~ياموسى أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالا مس إن تريد إلا أن تكون جبارا ~~فى الا رض وما تريد أن تكون من المصلحين * وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى ~~قال ياموسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إنى لك من الناصحين * فخرج ~~منها خآئفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين } . > 7 ! # / < < # | القصص : ( 18 - 21 ) فأصبح في المدينة . . . . . # > > اعلم أن عند موت ذلك الرجل من الوكز أصبح موسى عليه السلام من غد ذلك ~~اليوم خائفا من أن يظهر أنه هو القاتل فيطلب به ، وخرج على استتار { فإذا ~~الذى استنصره } وهو الإسرائيلي { بالامس يستصرخه } يطلب نصرته بصياح وصراخ ~~، قال له موسى : { إنك لغوى مبين } قال أهل اللغة الغوي يجوز أن يكون فعيلا ~~بمعنى مفعل أي إنك لمغو لقومي فإني وقعت بالأمس فيما وقعت فيه بسببك ، ~~ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي . واحتج به من قدح في عصمة الأنبياء عليهم ~~السلام ، فقال كيف ms7064 يجوز لموسى عليه السلام أن يقول لرجل من شيعته يستصرخه { ~~إنك لغوى مبين } ؟ الجواب من وجهين : الأول : أن قوم موسى عليه السلام ~~كانوا غلاظا جفاة ألا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات { اجعل لنا إلاها ~~كما لهم ءالهة } ( الأعراف : 138 ) فالمراد بالغوي المبين ذلك الثاني : أنه ~~عليه السلام إنما سماه غويا لأن من تكثر منه المخاصمة على وجه يتعذر عليه ~~دفع خصمه عما يرومه من ضرره يكون خلاف طريقة الرشد . واختلفوا في قوله تعال ~~: { قال ياءادم * موسى * أتريد أن تقتلنى كما قتلت } أهو من كلام ~~الإسرائيلي أو القبطي ؟ فقال بعضهم لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غوي ورآه ~~على غضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده ، فقال هذا القول ، وزعموا أنه لم يعرف ~~قتله بالأمس للرجل إلا هو ، وصار ذلك سببا لظهور القتل ومزيد الخوف ، وقال ~~آخرون بل هو / قول القبطي ، وقد كان عرف القصة من الإسرائيلي ، والظاهر هذا ~~الوجه لأنه تعالى قال : { فلما أن أراد يبطش بالذى هو عدو لهما قال ياموسى ~~* موسى } PageV24P202 فهذا القول إذن منه لا من غيره وأيضا فقوله : { إن ~~تريد إلا أن تكون جبارا فى الارض } لا يليق إلا بأن يكون قولا للكافر . # واعلم أن الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في ~~العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن وقيل المتعظم الذي لا يتواضع لأمر أحد ، ~~ولما وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وانتهى إلى فرعون وهموا ~~بقتله . # أما قوله : { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } قال صاحب ( الكشاف ) يسعى ~~يجوز ارتفاعه وصفا لرجل ، وانتصابه حالا عنه ، لأنه قد تخصص بقوله : { من ~~أقصى المدينة } والائتمار التشاور يقال الرجلان ( يتآمران ) يأتمران لأن كل ~~واحد منهما يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمر والمعنى يتشاورون بسببك . ~~وأكثر المفسرين على أن هذا الرجل مؤمن آل فرعون ، فعلى وجه الإشفاق أسرع ~~إليه ليخوفه بأن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك . # أما قوله : { فخرج منها خائفا يترقب } أي خائفا على نفسه من آل فرعون ~~ينتظر هل يلحقه طلب ms7065 فيؤخذ / ثم التجأ إلى الله تعالى لعلمه بأنه لا ملجأ ~~سواه فقال : { رب نجنى من القوم الظالمين } وهذا يدل على أن قتله لذلك ~~القبطي لم يكن ذنبا ، وإلا لكان هو الظالم لهم وما كانوا ظالمين له بسبب ~~طلبهم إياه ليقتلوه قصاصا . # ! 7 < { ولما توجه تلقآء مدين قال عسى ربىأن يهدينى سوآء السبيل * ولما ~~ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان ~~قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ~~ثم تولى إلى الظل فقال رب إنى لمآ أنزلت إلى من خير فقير * فجآءته إحداهما ~~تمشى على استحيآء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جآءه وقص ~~عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين * قالت إحداهما ياأبت ~~استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين * قال إنىأريد أن أنكحك إحدى ابنتى ~~هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك ومآ أريد أن أشق ~~عليك ستجدنى إن شاء الله من الصالحين * قال ذلك بينى وبينك أيما الا جلين ~~قضيت فلا عدوان على والله على ما نقول وكيل } . > 7 @QB@ < # | القصص : ( 22 - 28 ) ولما توجه تلقاء . . . . . # > > PageV24P203 # / اعلم أن الناس اختلفوا في قوله : { ولما توجه تلقاء مدين } فال بعضهم ~~إنه خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله تعالى وأخذ يمشي من غير ~~معرفة فأوصله الله تعالى إلى مدين ، وهذا قول ابن عباس ، وقال آخرون لما ~~خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة لأنهم من ولد مدين بن ~~إبراهيم عليه السلام ، وهو كان من بني إسرائيل لكن لم يكن له علم بالطريق ~~بل اعتمد على فضل الله تعالى ، ومن الناس من قال بل جاءه جبريل عليه السلام ~~، وعلمه الطريق وذكر ابن جرير عن السدي لما أخذ موسى عليه السلام في المسير ~~جاءه ملك على فرس فسجد له موسى من الفرح ، فقال لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو ~~مدين ، واحتج من قال إنه ms7066 خرج وما قصد مدين بأمرين : أحدهما : قوله : { ولما ~~توجه تلقاء مدين } ولو كان قاصدا للذهاب إلى مدين لقال ، ولما توجه إلى ~~مدين فلما لم يقل ذلك بل قال : { توجه تلقاء مدين } علمنا أنه لم يتوجه إلا ~~إلى ذلك الجانب من غير أن يعلم أن ذلك الجانب إلى أين ينتهي والثاني : قوله ~~: { عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل } وهذا كلام شاك لا عالم والأقرب أن ~~يقال إنه قصد الذهاب إلى مدين وما كان عالما بالطريق . ثم إنه كان يسأل ~~الناس عن كيفية الطريق لأنه يبعد من موسى عليه السلام في عقله وذكائه أن لا ~~يسأل ، ثم قال ابن إسحاق خرج من مصر إلى مدين بغير زاد ولا ظهر ، وبينهما ~~مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر . # / أما قوله : { عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل } فهو نظير قول جده ~~إبراهيم عليه السلام : { إنى ذاهب إلى ربى سيهدين } ( الصافات : 99 ) وموسى ~~عليه السلام قلما يذكر كلاما في الاستدلال والجواب والدعاء والتضرع إلا ما ~~ذكره إبراهيم عليه السلام ، وهكذا الخلف الصدق للسلف الصالح صلوات الله ~~عليهم وعلى جميع الطيبين المطهرين { ولما ورد ماء مدين } وهو الماء الذي ~~يسقون منه وكان بئرا فيما روي ووروده مجيئه والوصول إليه { وجد عليه } أي ~~فوق شفيره ومستقاه { أمة } جماعة كثيرة العدد { من الناس } من أناس مختلفين ~~{ ووجد من دونهم } في مكان أسفل من مكانهم { امرأتين تذودان } والذود الدفع ~~والطرد فقوله ( تذودان ) أي تحبسان ثم فيه أقوال : الأول : تحبسان أغنامهما ~~واختلفوا في علة ذلك الحبس على وجوه : أحدها : قال الزجاج لأن على الماء من ~~كان أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي وثانيها : كانتا تكرهان المزاحمة على ~~الماء وثالثها : لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم ورابعها : لئلا تختلطا ~~بالرجال القول الثاني : كانتا تذودان عن وجوههما نظرا الناظر ليراهما ~~والقول الثالث : تذودان الناس عن غنمهما القول الرابع : قال الفراء ~~تحبسانها عن أن تتفرق وتتسرب { قال ما خطبكما } أي ما شأنكما وحقيقته ما ~~مخطوبكما أي مطلوبكما من الذياد فسمى المخطوب خطبا ms7067 كما يسمى المشئون شأنا ~~في قولك ما شأنك { قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير } ~~PageV24P204 وذلك يدل على ضعفهما عن السقي من وجوه : أحدها : أن العادة في ~~السقي للرجال ، والنساء يضعفن عن ذلك وثانيها : ما ظهر من ذودهما الماشية ~~على طريق التأخير وثالثها : قولهما حتى يصدر الرعاء ورابعها : انتظارهما ~~لما يبقى من القوم من الماء وخامسها : قولهما : { وأبونا شيخ كبير } ودلالة ~~ذلك على أنه لو كان قويا حضر ولو حضر لم يتأخر السقي ، فعند ذلك سقى لهما ~~قبل صدر الرعاء ، وعادتا إلى أبيهما قبل الوقت المعتاد . قرأ أبو عمرو وابن ~~عامر وعاصم بفتح الياء وضم الدال ، وقرأ الباقون بضم الياء ، وكسر الدال ~~فالمعنى في القرارة الأولى حتى ينصرفوا عن الماء ويرجعوا عن سقيهم وصدر ضد ~~ورد ، ومن قرأ بضم الياء فالمعنى في القراءة حتى يصدر القوم مواشيهم . # أما قوله : { فسقى لهما } أي سقى غنمهما لأجلهما ، وفي كيفية السقي أقوال ~~: أحدها : أنه عليه السلام سأل القوم أن يسمحوا فسمحوا وثانيهما : قال قوم ~~عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها إلا عشرة ، وقيل أربعون ، وقيل مائة ~~فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر وثالثها : أن القوم لما زاحمهم ~~موسى عليه السلام تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو عليه السلام ~~رمى ذلك الحجر وسقى لهما وليس بيان ذلك في القرآن والله أعلم بالصحيح منه ، ~~لكن المرأة وصفت موسى عليه السلام بالقوة فدل ذلك على أنها شاهدت منه ما ~~يدل على فضل قوته ، وقال تعالى : { ثم تولى إلى الظل } وفيه دلالة على أنه ~~سقى لهما في شمس وحر ، وفيه دلالة أيضا على كمال قوة موسى عليه السلام ، ~~قال الكلبي : أتى موسى أهل الماء فسألهم دلوا من ماء ، فقالوا له إن / شئت ~~ائت الدلو فاستق لهما قال نعم ، وكان يجتمع على الدلو أربعون رجلا حتى ~~يخرجوه من البئر فأخذ موسى عليه السلام الدلو فاستقى به وحده وصب في الحوض ~~ودعا بالبركة ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع ms7068 غنمهما . فإن قيل ~~كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية ؟ قلنا ليس ~~في القرآن ما يدل على أن أباهما كان شعيبا والناس مختلفون فيه ، فقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما إن أباهما هو بيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعدما عمي ~~وهو اختيار أبي عبيد وقال الحسن إنه رجل مسلم قبل الدين عن شعيب على أنا ~~وإن سلمنا أنه كان شعيبا عليه السلام لكن لا مفسدة فيه لأن الدين لا يأباه ~~، وأما المروءة فالناس فيها مختلفون وأحوال أهل البادية غير أحوال أهل ~~الحضر ، لا سيما إذا كانت الحالة حالة الضرورة . # وأما قوله : { قال رب إنى * لما أنزلت إلى من خير فقير } فالمعنى إني لأي ~~شيء أنزلت إلي من خير قليل أو كثير غث أو سمين لفقير ، وإنما عدى فقيرا ~~باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب . # واعلم أن هذا الكلام يدل على الحاجة ، إما إلى الطعام أو إلى غيره ، إلا ~~أن المفسرين حملوه على الطعام قال ابن عباس يريد طعاما يأكله ، وقال الضحاك ~~مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاما إلا بقل الأرض / وروي أن موسى عليه السلام ~~لما قال ذلك رفع صوته ليسمع المرأتين ذلك ، فإن قيل إنه عليه السلام لما ~~بقي معه من القوة ما قدر بها على حمل ذلك الدلو العظيم ، فكيف يليق بهمته ~~العالية أن يطلب الطعام ، أليس أنه عليه السلام قال : ( لا تحل الصدقة لغني ~~ولا لذي قوة سوي ) ؟ قلنا أما رفع الصوت بذلك لإسماع المرأتين وطلب الطعام ~~فذاك لا يليق بموسى عليه السلام ألبتة فلا تقبل تلك الرواية ولكن لعله عليه ~~السلام قال ذلك في نفسه مع ربه تعالى ، وفي الآية وجه آخر كأنه قال رب إني ~~بسبب ما أنزلت إلي من خير الدين صرت فقيرا PageV24P205 في الدنيا لأنه كان ~~عند فرعون في ملك وثروة ، فقال ذلك رضي بهذا البدل وفرحا به وشكرا له ، ~~وهذا التأويل أليق بحال موسى عليه السلام . # أما قوله تعالى : { فجاءته إحداهما تمشى على استحياء } فقوله ms7069 { على ~~استحياء } في موضع الحال أي مستحيية ، قال عمر بن الخطاب قد استترت بكم ~~قميصها ، وقيل ماشية على بعد مائلة عن الرجال وقال عبد العزيز بن أبي حازم ~~على إجلال له ومنهم من يقف على قوله : { تمشى } ثم يبتدىء فيقول : { على ~~استحياء } قالت : { إن أبى يدعوك } يعني أنها على الاستحياء قالت هذا القول ~~لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحيي ، لا سيما المرأة وفي ذلك ~~دلالة على أن شعيبا لم يكن له معين سواهما وروي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما ~~قبل الناس ، قال لهما ما أعجلكما قالتا وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا ، ~~فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي ، أما الاختلاف في أن ذلك الشيخ كان شعيبا ~~عليه السلام أو غيره فقد تقدم ، والأكثرون على أنه شعيب . وقال محمد بن ~~إسحاق في البنتين اسم الكبرى صفورا ، والصغرى ليا ، وقال غيره صفرا وصفيرا ~~، وقال الضحاك صافورا والتي جاءت إلى / موسى عليه السلام هي الكبرى على قول ~~الأكثرين ، وقال الكلبي الصغرى ، وليس في القرآن دلالة على شيء من هذه ~~التفاصيل . # أما قوله : { قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } ففيه إشكالات : ~~أحدها : كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي ~~أجنبية ، فإن ذلك يورث التهمة العظيمة ، وقال عليه السلام : ( اتقوا مواضع ~~التهم ) ؟ وثانيها : أنه سقى أغنامهما تقربا إلى الله تعالى فكيف يليق به ~~أخذ الأجرة عليه فإن ذلك غير جائز في المروءة ، ولا في الشريعة ؟ وثالثها : ~~أنه عرف فقرهن وفقر أبيهن وعجزهم وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث ~~كان يمكنه الكسب الكثير بأقل سعي ، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ~~ذلك القدر من السقي من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة ؟ ورابعها : كيف يليق ~~بشعيب النبي عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شاب قبل العلم بكون ~~ذلك الرجل عفيفا أو فاسقا ؟ والجواب : عن الأول أن نقول : أما العمل بقول ~~امرأة فكما نعمل بقول الواحد حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى ms7070 في الأخبار ~~وما كانت إلا مخبرة عن أبيها ، وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع ~~الاحتياط والتورع والجواب : عن الثاني ، أن المرأة وإن قالت ذلك فلعل موسى ~~عليه السلام ما ذهب إليهم طلبا للأجرة بل للتبرك برؤية ذلك الشيخ ، وروي ~~أنها لما قالت ليجزيك كره ذلك ، ولما قدم إليه الطعام امتنع ، وقال إنا أهل ~~بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ، ولا نأخذ على المعروف ثمنا ، حتى قال شعيب ~~عليه السلام هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا ، وأيضا فليس بمنكر أن الجوع قد ~~بلغ إلى حيث ما كان يطيق تحمله فقبل ذلك على سبيل الاضطرار وهذا هو الجواب ~~: عن الثالث فإن الضرورات تبيح المحظورات والجواب : عن الرابع لعله عليه ~~السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها فكان يعتمد عليها . # أما قوله : { فلما جاءه } قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام يمشي ~~والجارية أمامه فهبت الريح فكشفت عنها فقال موسى عليه السلام إني من عنصر ~~إبراهيم عليه السلام فكوني من خلفي حتى لا ترفع الريح ثيابك فأرى ما لا يحل ~~لي ، فلما دخل على شعيب فإذا الطعام موضوع ، فقال شعيب تناول يا فتى ، فقال ~~موسى عليه السلام أعوذ بالله قال شعيب ولم ؟ قال لأنا من أهل بيت لا نبيع ~~ديننا بملء الأرض ذهبا ، PageV24P206 فقال شعيب ولكن عادتي وعادة آبائي ~~إطعام الضيف فجلس موسى عليه السلام فأكل ، وإنما كره أكل الطعام خشية أن ~~يكون ذلك أجرة له على عمله ، ولم يكره ذلك مع الخضر حين قال : { لو شئت ~~لاتخذت عليه أجرا } ( الكهف : 77 ) والفرق أن أخذ الأجر على الصدقة لا يجوز ~~، أما الاستئجار ابتداء فغير مكروه . # أما قوله : { وقص عليه القصص } فالقصص مصدر كالعلل سمي به المقصوص ، قال ~~الضحاك لما دخل عليه قال له من أنت يا عبدالله ، فقال أنا موسى بن عمران بن ~~يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر ~~القوابل والمراضع والقذف في اليم ، وقتل / القبطي وأنهم يطلبونه ليقتلوه ، ~~فقال شعيب ms7071 : { لا تخف نجوت من القوم الظالمين } أي لا سلطان له بأرضنا ~~فلسنا في مملكته وليس في الآية دلالة على أنه قال ذلك عن الوحي أو على ما ~~تقتضيه العادة . فإن قيل : المفسرون قالوا إن فرعون يوم ركب خلف موسى عليه ~~السلام ركب في ألف ألف وستمائة ألف ، فالملك الذي هذا شأنه كيف يعقل أن لا ~~يكون في ملكه قرية على بعد ثمانية أيام من دار مملكته ؟ قلنا هذا وإن كان ~~نادرا إلا أنه ليس بمحال . # أما قوله : { قالت إحداهما ياأبت ياأبت استجره إن خير من استجرت القوى ~~الامين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : وصفته بالقوة لما شاهدت من كيفية السقي وبالأمانة لما ~~حكينا من غض بصره حال ذودهما الماشية وحال سقيه لهما وحال مشيه بين يديها ~~إلى أبيها . # المسألة الثانية : إنما جعل { خير من استجرت } اسما و { القوى الامين } ~~خبرا مع أن العكس أولى لأن العناية هي سبب التقديم . # المسألة الثالثة : القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم ~~إليهما الفطنة والكياسة ، فلم أهمل أمر الكياسة ؟ ويمكن أن يقال إنها داخلة ~~في الأمانة ، عن ابن مسعود رضي الله : ( أفرس الناس ثلاثة بنت شعيب وصاحب ~~يوسف وأبو بكر في عمر ) . # أما قوله : { قال إنى أريد أنكحك إحدى ابنتى } فلا شبهة في أن هذا اللفظ ~~، وإن كان على الترديد لكنه عند التزويج عين ولا شبهة في أن العقد وقع على ~~أقل الأجلين ، فكانت الزيادة كالتبرع ، والفقهاء ربما استدلوا به على أن ~~العمل قد يكون مهرا كالمال وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز ، ~~ولكنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا ، ويدل على أنه قد كان جائزا في تلك الشريعة ~~أن يشرط للولي منفعة ، وعلى أنه كان جائزا في تلك الشريعة نكاح المرأة بغير ~~بدل تستحقه المرأة وعلى أن عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها ~~العقد ، ثم قال : { هاتين على أن تأجرنى ثمانى حجج } تأجرني من أجرته إذا ~~كنت له أجيرا وثماني حجج ظرفه أو من أجرته كذا إذا أثبته إياه ms7072 ومنه أجركم ~~الله ورحمكم وثماني حجج مفعول به ومعناه رعية ثماني حجج ثم قال : { وما ~~أريد أن أشق عليك } وفيه وجهان : الأول : لا أريد أن أشق عليك بإلزام أثم ~~الرجلين ، فإن قيل ما حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر ؟ قلنا حقيقته ~~أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين ، تقول تارة أطيقه وتارة لا ~~أطيقه الثاني : لا أريد أن أشق عليك في الرعي ولكني أساهلك فيها وأسامحك ~~بقدر الإمكان ولا أكلفك الاحتياط الشديد في كيفية الرعي / وهكذا كان ~~الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في معاملات الناس ، ومنه الحديث ( كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي فكان خير شريك لا يداري ولا يشاري ولا ~~يماري ) ثم قال : { ستجدنى إن شاء الله من الصالحين } وفيه وجهان : الأول : ~~يريد بالصلاح حسن المعاملة PageV24P207 ولين الجانب والثاني : يريد الصلاح ~~على العموم ويدخل تحته حسن المعاملة ، وإنما قال إن شاء الله للاتكال على ~~توفيقه ومعونته . # / فإن قيل فالعقد كيف ينعقد مع هذا الشرط ، فإنك لو قلت امرأتي طالق إن ~~شاء الله لا تطلق ؟ قلنا هذا مما يختلف بالشرائع . # أما قوله تعالى : { قال ذلك بينى وبينك } فاعلم أن ذلك مبتدأ وبيني وبينك ~~خبره وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب عليه السلام ، يريد ذلك الذي قلته ~~وعاهدتني عليه قائم بيننا جميعا لا يخرج كلانا عنه لا أنا عما شرطت علي ولا ~~أنت عما شرطت على نفسك ، ثم قال : { أيما الاجلين قضيت } من الأجلين ~~أطولهما الذي هو العشر أو أقصرهما الذي هو الثمان { فلا عدوان على } أي لا ~~يعتدي علي في طلب الزيادة أراد بذلك تقرير أمر الخيار يعني إن شاء هذا وإن ~~شاء هذا ويكون اختيار الأجل الزائد موكولا إلى رأيه من غير أن يكون لأحد ~~عليه إجبار ، ثم قال : { والله على ما نقول وكيل } والوكيل هو الذي وكل ~~إليه الأمر ولما استعمل الوكيل في معنى الشاهد عدي بعلي لهذا السبب . # ! 7 < { فلما قضى موسى الا جل وسار بأهله ءانس من جانب الطور نارا ms7073 قال ~~لاهله امكثوا إنىءانست نارا لعلىءاتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون * فلمآ أتاها نودى من شاطىء الوادى الأيمن فى البقعة المباركة من ~~الشجرة أن ياموسى إنىأنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما رءاها تهتز ~~كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب ياموسى أقبل ولا تخف إنك من الا منين * اسلك ~~يدك فى جيبك تخرج بيضآء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك ~~برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين } . > 7 @QB@ < # | القصص : ( 29 - 32 ) فلما قضى موسى . . . . . # > > # / اعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تزوج صغراهما ~~وقضى أوفاهما ) أي قضى أوفى الأجلين ، وقال مجاهد قضى الأجل عشر سنين ومكث ~~بعد ذلك عنده عشر سنين وقوله : { فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله ءانس } ~~PageV24P208 يدل على أن ذلك الإيناس حصل عقيب مجموع الأمرين ولا يدل على ~~أنه حصل عقيب أحدهما وهو قضاء الأجل ، فبطل ما قاله القاضي من أن ذلك يدل ~~على أنه لم يزد عليه وقوله : { وسار بأهله } ليس فيه دلالة على أنه خرج ~~منفردا معها وقوله : { امكثوا } فيه دلالة على الجمع . # أما قوله : { إنى آنست نارا } فقد مر تفسيره في سورة طه والنمل . # أما قوله : { فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله ءانس من جانب الطور } ففيه ~~أبحاث : # الأول : قال صاحب ( الكشاف ) الجذوة باللغات الثلاث وقد قرىء بهن جميعا ~~وهو العود الغليظ كانت في رأسه نار أو لم تكن ، قال الزجاج الجذوة القطعة ~~الغليظة من الحطب . # الثاني : قد حكينا في سورة طه أنه أظلم عليه الليل في الصحراء وهبت ريح ~~شديدة فرقت ماشيته وضل وأصابهم مطر فوجدوا بردا شديدا فعنده أبصر نارا ~~بعيدة فسار إليها يطلب من يدله على الطريق وهو قوله : { منها بخبر أو } أو ~~آتيكم من هذه النار بجذوة من الحطب لعلكم تصطلون وفي قوله : { فلما قضى ~~موسى الاجل } دلالة على إنه ضل وفي قوله : { لعلكم تصطلون } دلالة على ~~البرد . # أما قوله : { فلما أتاها نودى من شاطىء الوادى ms7074 الايمن فى البقعة المباركة ~~من الشجرة أن ياموسى * موسى إنى * أنا الله رب العالمين } فاعلم أن شاطىء ~~الوادي جانبه وجاء النداء عن يمين موسى من شاطىء الوادي من قبل الشجرة ~~وقوله : { من الشجرة } بدل من قوله : { من شاطىء الوادى } بدل الاشتمال لأن ~~الشجرة كانت نابتة على الشاطىء كقوله : { لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم ~~} ( الزخرف : 33 ) وإنما وصف البقعة بكونها مباركة لأنه حصل فيها ابتداء ~~الرسالة وتكليم الله تعالى إياه وههنا مسائل : # المسألة الأولى : احتجت المعتزلة على قولهم إن الله تعالى متكلم بكلام ~~يخلقه في جسم بقوله : { من الشجرة } فإن هذا صريح في أن موسى عليه السلام ~~سمع النداء من الشجرة والمتكلم بذلك النداء هو الله سبحانه وهو تعالى منزه ~~أن يكون في جسم فثبت أنه تعالى إنما يتكلم بخلق الكلام في جسم أجاب ~~القائلون بقدم الكلام فقالوا لنا مذهبان الأول : قول أبي منصور الماتريدي ~~وأئمة ما وراء النهر وهو أن الكلام القديم القائم بذات الله تعالى غير ~~مسموع إنما المسموع هو الصوت والحرف وذلك كان مخلوقا في الشجرة ومسموعا ~~منها / وعلى هذا التقدير زال السؤال / الثاني : قول أبي الحسن الأشعري وهو ~~أن الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يمكن أن يكون مسموعا ، كما أن الذات التي ~~ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون مرئية فعلى هذا القول لا يبعد أنه سمع ~~الحرف والصوت من الشجرة وسمع الكلام القديم من الله تعالى لا من الشجرة فلا ~~منافاة بين الأمرين ، واحتج أهل السنة بأن محل قوله : { إنى أنا الله رب ~~العالمين } لو كان هو الشجرة لكان قد قالت الشجرة إني أنا الله ، والمعتزلة ~~أجابوا بأن هذا إنما يلزم لو كان المتكلم بالكلام هو محل الكلام لا فاعله ~~وهذا هو أصل المسألة ، أجاب أهل السنة بأن الذراع المسموم قال لا تأكل مني ~~فإني مسموم ففاعل ذلك الكلام هو الله تعالى ، فإن كان المتكلم بالكلام هو ~~فاعل ذلك الكلام لزم أن يكون الله قد قال لا تأكل مني فإني مسموم ، وهذا ~~باطل وإن كان ms7075 المتكلم هو محل الكلام لزم أن تكون الشجرة قد قالت إني أنا ~~الله وكل ذلك باطل . # المسألة الثانية : يحتمل أن يقال إنه تعالى خلق فيه علما ضروريا بأن ذلك ~~الكلام كلام الله ، والمعتزلة لا يرضون بذلك قالوا لأنه لو علم بالضرورة أن ~~ذلك الكلام كلام الله لوجب أن يعلم بالضرورة وجود الله تعالى PageV24P209 ~~لأنه يستحيل أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلومة بالنظر ولو علم ~~موسى أنه الله تعالى بالضرورة لزال التكليف ويحتمل أن يقال إنه تعالى لما ~~أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت عرف أن مثل ذلك الكلام لا يمكن أن يكون ~~كلام الخلق ويحتمل أن يقال إن ظهور الكلام من الشجرة كظهور التسبيح من ~~الحصى في أنه يعلم أن مثل ذلك لا يكون إلا من الله تعالى ، ويحتمل أن يكون ~~المعجز هو أنه رأى النار في الشجرة الرطبة فعلم أنه لا يقدر على الجمع بين ~~النار وبين خضرة الشجرة إلا الله تعالى ، ويحتمل أن يصح ما يروى أن إبليس ~~لما قال له كيف عرفت أنه نداء الله تعالى ؟ قال لأني سمعته بجميع أجزائي ، ~~فلما وجد حس السمع من جميع الأجزاء علم أن ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى ~~الله تعالى ، وهذا إنما يصح على مذهبنا حيث قلنا البنية ليست شرطا . # المسألة الثالثة : قال في سورة النمل ( 8 ) { نودى أن بورك من فى النار ~~ومن حولها } وقال ههنا { ياموسى إنى أنا الله رب العالمين } وقال في طه ( ~~11 ، 12 ) : { نودى * إنى أنا ربك } ولا منافاة بين هذه الأشياء فهو تعالى ~~ذكر الكل إلا أنه حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء . # المسألة الرابعة : قال الحسن إن موسى عليه السلام نودي نداء الوحي لا ~~نداء الكلام والدليل عليه قوله تعالى : { فاستمع لما يوحى } قال الجمهور إن ~~الله تعالى كلمه من غير واسطة والدليل عليه قوله تعالى : { وكلم الله موسى ~~تكليما } ( النساء : 164 ) وسائر الآيات ، وأما الذي تمسك به الحسن فضعيف ~~لأن قوله : { فاستمع لما يوحى ms7076 } لم يكن بالوحي لأنه لو كان ذلك أيضا بالوحي ~~لانتهى آخر الأمر إلى كلام يسمعه المكلف لا بالوحي وإلا لزم التسلسل بل ~~المراد من قوله : { فاستمع لما يوحى } وصيته بأن يتشدد في الأمور التي تصل ~~إليه في مستقبل الزمان بالوحي . # / أما قوله : { وأن ألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم ~~يعقب ياموسى * موسى * أقبل ولا تخف إنك من الامنين } فقد تقدم تفسير كل ذلك ~~، وقوله { كأنها جان } صريح في أنه تعالى شبهها بالجان ولم يقل إنه في نفسه ~~جان ، فلا يكون هذا مناقضا لكونه ثعبانا بل شبهها بالجان من حيث الاهتزاز ~~والحركة لا من حيث المقدار ، وقد تقدم الكلام في خوفه / ومعنى { ولم يعقب } ~~لم يرجع ، يقال عقب المقاتل إذا كر بعد الفر ، وقال وهب إنها لم تدع شجرة ~~ولا صخرة إلا ابتلعتها حتى سمع موسى عليه السلام صرير أسنانها وسمع قعقعة ~~الصخر في جوفها فحينئذ ولى ، واختلفوا في العصا على وجوه : أحدها : قالوا ~~إن شعيبا كانت عنده عصي الأنبياء عليهم السلام ، فقال لموسى بالليل إذا ~~دخلت ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي ، فأخذ عصا هبط بها آدم عليه السلام ~~من الجنة ولم تزل الأنبياء تتوارثها حتى وقعت إلى شعيب عليه السلام فقال ~~أرني العصا فلمسها وكان مكفوفا فضن بها فقال خذ غيرها فما وقع في يده إلا ~~هي سبع مرات فعلم أن له معها شأنا . وروي أيضا أن شعيبا عليه السلام أمر ~~ابنته أن تأتي بعصا لأجل موسى عليه السلام فدخلت البيت وأخذت العصا وأتته ~~بها فلما رآها الشيخ قال ائتيه بغيرها فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلم ~~يقع في يدها غيرها ، فلما رأى الشيخ ذلك رضي به ثم ندم بعد ذلك وخرج يطلب ~~موسى عليه السلام فلما لقيه قال أعطني العصا ، قال موسى هي عصاي فأبى أن ~~يعطيه إياها فاختصما ، ثم توافقا على أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما ~~فأتاهما ملك يمشي فقضى بينهما فقال ضعوها على الأرض فمن حملها فهي له ~~فعالجها الشيخ ms7077 فلم PageV24P210 يطق وأخذها موسى عليه السلام بسهولة ، ~~فتركها الشيخ لع ورعى له عشر سنين وثانيها : روى ابن صالح عن ابن عباس قال ~~كان في دار بيرون ابن أخي شعيب بيت لا يدخله إلا بيرون وابنته التي زوجها ~~من موسى عليه السلام ، وأنها كانت تكنسه وتنطفه ، وكان في ذلك البيت ثلاث ~~عشرة عصا ، وكان لبيرون أحد عشر ولدا من الذكور فكلما أدرك منهم ولد أمره ~~بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصي فرجع موسى ذات يوم إلى منزله ، فلم ~~يجد أهله واحتج إلى عصا لرعيه فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج ~~بها فلما علمت المرأة ذلك انطلقت إلى أبيها وأخبرته بذلك فسر بذلك بيرون ~~وقال لها إن زوجك هذا لنبي ، وإن له مع هذه العصا لشأنا وثالثها : في بعض ~~الأخبار أن موسى عليه السلام لما عقد العقد مع شعيب وأصبح من الغد وأراد ~~الرعي قال له شعيب عليه السلام اذهب بهذه الأغنام فإذا بلغت مفرق الطريق ~~فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر فإن بها تنينا ~~عظيما فأخشى عليك وعلى الأغنام منه ، فذهب موسى بالأغنام فلما بلغ مفرق ~~الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين فاجتهد موسى على أن يردها فلم يقدر فسار ~~على أثرها فرأى عشبا كثيرا ، ثم إن موسى عليه السلام نام والأغنام ترعى ~~وإذا بالتنين قد جاء فقامت عصا موسى عليه السلام فقاتلته حتى قتلته وعادت ~~إلى جنب موسى وهي دامية فلما استيقظ موسى عليه السلام رأى العصا دامية ~~والتنين / مقتولا فارتاح لذلك وعلم أن لله تعالى في تلك العصا قدرة وآية ، ~~وعاد إلى شعيب عليه السلام وكان ضريرا فمس الأغنام فإذا هي أحسن حالا مما ~~كانت فسأله عن ذلك فأخبره موسى عليه السلام بالقصة ففرح بذلك وعلم أن لموسى ~~عليه السلام وعصاه شأنا ، فأراد أن يجازي موسى عليه السلام على حسن رعيه ~~إكراما وصلة لابنته فقال إني وهبت لك من السخال التي تضعها أغنامي في هذه ~~السنة كل أبلق وبلقاء ، فأوحى ms7078 الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن اضرب ~~بعصاك الماء الذي تسقي الغنم منه ففعل ثم سقى الأغنام منه فما أخطت واحدة ~~منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء ، فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله ~~تعالى إلى موسى عليه السلام وامرأته فوفى له شرطه ورابعها : قال بعضهم تلك ~~العصا هي عصا آدم عليه السلام وإن جبريل عليه السلام أخذ تلك العصا بعد موت ~~آدم عليه السلام فكانت معه حتى لقي بها موسى عليه السلام ربه ليلا وخامسها ~~: قال الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضا أي أخذها من عرض ~~الشجر يقال اعترض إذا لم يتخير / وعن الكلبي : الشجرة التي منها نودي شجرة ~~العوسج ومنها كانت عصاه ولا مطمع في ترجيح بعض هذه الوجوه على بعض لأنه ليس ~~في القرآن ما يدل عليها والأخبار متعارضة والله أعلم بها . # أما قوله تعالى : { اسلك يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء } فاعلم أن ~~الله تعالى قد عبر عن هذا المعنى بثلاث عبارات أحدها : هذه وثانيها : قوله ~~في طه ( 22 ) { واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء } وثالثها : قوله في النمل ~~( 12 ) { وأدخل يدك فى جيبك } قال العزيزي في غريب القرآن : { اسلك يدك فى ~~جيبك } أدخلها فيه . # أما قوله : { واضمم إليك جناحك من الرهب } فأحسن الناس كلاما فيه ، قال ~~صاحب ( الكشاف ) : فيه معنيان أحدهما : أن موسى عليه السلام لما قلب الله ~~له العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء ، فقيل له ~~إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء ، فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل ~~يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما ~~هو غضاضة عليك وإظهار PageV24P211 معجزة أخرى ، والمراد بالجناح اليد لأن ~~يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى ~~فقد ضم جناحه إليه الثاني : أن يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه ~~وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعاره من فعل الطائر ms7079 ~~، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران ، ~~ومعنى قوله : { من الرهب } من أجل الرهب ، أي إذا أصابك الرهب عند رؤية ~~الحية فاضمم إليك جناحك وقوله : { اسلك يدك فى جيبك } على أحد التفسيرين ~~واحد ، ولكن خولف بين العبارتين ، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين ~~، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني إخفاء الرهب ، فإن ~~قيل قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين / مضموما وفي الآخر مضموما ~~إليه ، وذلك قوله : { واضمم إليك جناحك } وقوله : { واضمم يدك إلى جناحك } ~~( طه : 22 ) فما التوفيق بينهما ؟ قلنا المراد بالجناح المضموم هو اليد ~~اليمنى ، وبالمضموم إليه اليد اليسرى ، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما ~~جناح ، هذا كله كلام صاحب ( الكشاف ) وهو في نهاية الحسن . # أما قوله تعالى : { فذانك } قرىء مخففا ومشددا ، فالمخفف مثنى ( ذا ) ، ~~والمشدد مثنى ( ذان ) ، قوله : { برهانان من ربك } حجتان نيرتان على صدقه ~~في النبوة وصحة ما دعاهم إليه من التوحيد ، وظاهر الكلام يقتضي أنه تعالى ~~أمره بذلك قبل لقاء فرعون حتى عرف ما الذي يظهره عنده من المعجزات ، لأنه ~~تعالى حكى بعد ذلك عن موسى عليه السلام أنه قال : { إنى قتلت منهم نفسا ~~فأخاف أن يقتلون } ( القصص : 33 ) قال القاضي : وإذا كان كذلك فيجب أن يكون ~~في حال ظهور البرهانين هناك من دعاه إلى رسالته من أهله أو غيرهم ، إذا ~~المعجزات إنما تظهر على الرسل في حال الإرسال لا قبله ، وإنما تظهر لكي ~~يستدل بها غيرهم على الرسالة وهذا ضعيف ، لأنه ثبت أنه لا بد في إظهار ~~المعجزة من حكمة ولا حكمة أعظم من أن يستدل بها الغير على صدق المدعي ، ~~وأما كونه لا حكمة ههنا فلا نسلم ، فلعل هناك أنواعا من الحكم والمقاصد سوى ~~ذلك ، لا سيما وهذه الآيات متطابقة على أنه لم يكن هناك مع موسى عليه ~~السلام أحد . # ! 7 < { قال رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخى هرون هو أفصح ~~منى لسانا فأرسله معى ردءا يصدقنى إنىأخاف أن يكذبون * قال ms7080 سنشد عضدك بأخيك ~~ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بأاياتنآ أنتما ومن اتبعكما الغالبون * ~~فلما جآءهم موسى بأاياتنا بينات قالوا ما هاذآ إلا سحر مفترى وما سمعنا ~~بهاذا فىءابآئنا الا ولين * وقال موسى ربىأعلم بمن جآء بالهدى من عنده ومن ~~تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون } . > 7 @QB@ < # | القصص : ( 33 - 37 ) قال رب إني . . . . . # > > PageV24P212 # / اعلم أنه تعالى لما قال : { فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه } ( ~~القصص : 32 ) تضمن ذلك أن يذهب موسى بهذين البرهانين إلى فرعون وقومه ، ~~فعند ذلك طلب من الله تعالى ما يقوي قلبه ويزيل خوفه فقال : { رب إنى قتلت ~~منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخى * هرون هو أفصح * منى لسانا } لأنه كان ~~في لسانه حبسة ، إما في أصل الخلقة ، وإما لأجل أنه وضع الجمرة في فيه ~~عندما نتف لحية فرعون . # أما قوله : { فأرسله معى ردءا يصدقنى } ففيه أبحاث : # البحث الأول : الردء اسم ما يستعان به ، فعل بمعنى مفعول به ، كما أن ~~الدفء اسم لما يدفأ به ، يقال ردأت الحائط أردؤه إذا دعمته بخشب أو غيره ~~لئلا يسقط . # البحث الثاني : قرأ نافع ( ردا ) بغير همز والباقون بالهمز ، وقرأ عاصم ~~وحمزة ( يصدقني ) برفع القاف ، ويروى ذلك أيضا عن أبي عمرو والباقون بجزم ~~القاف وهو المشهور عن أبي عمرو ، فمن رفع فالتقدير ردءا مصدقا لي ، ومن جزم ~~كان على معنى الجزاء ، يعني أن أرسلته صدقني ونظيره قوله : { فهب لى من ~~لدنك وليا * يرثنى } ( مريم : 5 ، 6 ) بجزم الثاء من يرثني . وروى السدي عن ~~بعض شيوخه ردءا كيما يصدقني . # البحث الثالث : الجمهور على أن التصديق لهرون ، وقال مقاتل : المعنى كي ~~يصدقني فرعون والمعنى أرسل معي أخي حتى يعاضدني على إظهار الحجة والبيان ، ~~فعند اجتماع البرهانين ربما حصل المقصود من تصديق فرعون . # البحث الرابع : ليس الغرض بتصديق هرون أن يقول له صدقت ، أو يقول للناس ~~صدق موسى ، وإنما هو أن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ، ويجيب عن ~~الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد ، ألا ترى إلى قوله : { ~~وأخى ms7081 * هرون هو أفصح * منى لسانا فأرسله معى } وفائدة الفصاحة إنما تظهر ~~فيما ذكرناه لا في مجرد قوله : صدقت . # البحث الخامس : قال الجبائي : إنما سأل موسى عليه السلام أن يرسل هرون ~~بأمر الله تعالى وإن كان لا يدري هل يصلح هرون للبعثة أم لا ؟ فلم يكن ~~ليسأل مالا يأمن أن يجاب أو لا يكون حكمة ، ويحتمل أيضا أن يقال إنه سأله ~~لا مطلقا بل مشروطا على معنى ، إن اقتضت الحكمة ذلك كما يقوله الداعي في ~~دعائه . # البحث السادس : قال السدي : إن نبيين وآيتين أقوى من نبي يواحد وآية ~~واحدة . قال القاضي والذي قاله من جهة العادة أقوى ، فأما من حيث الدلالة ~~فلا فرق بين معجزة ومعجزتين ونبي ونبيين ، لأن المبعوث إليه إن نظر في ~~أيهما كان علم ، وإن لم ينظر فالحالة واحدة ، هذا إذا / كانت طريقة الدلالة ~~في المعجزتين واحدة ، فإما إذا اختلفت وأمكن في إحداهما إزالة الشبهة ما لا ~~يمكن في الأخرى ، فغير ممتنع أن يختلفا ويصلح عند ذلك أن يقال إنهما ~~بمجموعهما أقوى من إحداهما على ما قاله السدي / لكن ذلك لا يتأتى في موسى ~~وهرون عليهما السلام ، لأن معجزتهما كانت واحدة لا متغايرة . PageV24P213 # أما قوله : { سنشد عضدك بأخيك } فاعلم أن العضد قوام اليد وبشدتها تشتد ، ~~يقال في دعاء الخير شد الله عضدك ، وفي ضده فت الله في عضدك . ومعنى سنشد ~~عضدك بأخيك سنقويك به ، فإما أن يكون ذلك لأن اليد تشتد لشدة العضد والجملة ~~تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور ، وإما لأن الرجل شبه باليد في اشتدادها ~~باشتداد العضد فجعل كأنه يد مشتدة بعضد شديدة . # أما قوله : { ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما } فالمقصود أن الله ~~تعالى آمنه مما كان يحذر فإن قيل بين تعالى أن السلطان هو بالآيات فكيف لا ~~يصلون إليهما لأجل الآيات أو ليس فرعون قد وصل إلى صلب السحرة وإن كانت هذه ~~الآيات ظاهرة ، قلنا إن الآية التي هي قلب العصا حية كما أنها معجزة فهي ~~أيضا تمنع من وصول ضرر فرعون إلى موسى ms7082 وهرون عليهما السلام ، لأنهم إذا ~~علموا أنه متى ألقاها صارت حية عظيمة وإن أراد إرسالها عليهم أهلكتهم زجرهم ~~ذلك عن الإقدام عليهما فصارت مانعة من الوصول إليهما بالقتل وغيره وصارت ~~آية ومعجزة فجمعت بين الأمرين ، فأما صلب السحرة ففيه خلاف فمنهم من قال ما ~~صلبوا وليس في القرآن ما يدل عليه وإن سلمنا ذلك ولكنه تعالى قال : { فلا ~~يصلون إليكما } فالمنصوص أنهم لا يقدرون على إيصال الضرر إليهما وإيصال ~~الضرر إلى غيرهما لا يقدح فيه ، ثم قال : { أنتما ومن اتبعكما الغالبون } ~~والمراد إما الغلبة بالحجة والبرهان في الحال ، أو الغلبة في الدولة ~~والمملكة في ثاني الحال والأول أقرب إلى اللفظ . # أما قوله : { فلما جاءهم موسى بئاياتنا بينات } فقد بينا في سورة طه أنه ~~كيف أطلق لفظ الآيات وهو جمع على العصا واليد . # أما قوله : { قالوا ما هاذا إلا سحر مفترى } فقد اختلفوا في مفترى ، فقال ~~بعضهم المراد أنه إذا كان سحرا وفاعله يوهم خلافه فهو المفترى ، وقال ~~الجبائي المراد أنه منسوب إلى الله تعالى وهو من قبله فكأنهم قالوا هو كذب ~~من هذا الوجه ثم ضموا إليه ما يدل على جهلهم وهو قولهم : { وما سمعنا بهاذا ~~فىءابائنا الاولين } أي ما حدثنا بكونه فيهم ، ولا يخلو من أن يكونوا ~~كاذبين في ذلك وقد سمعوا مثله ، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته ~~، أو ما كان الكهان يخبرون بظهور موسى عليه السلام ومجيئه بما جاء به . # واعلم أن هذه الشبهة ساقطة لأن حاصلها يرجع إلى التقليد ولأن حال الأولين ~~لا يخلو من وجهين ، إما أن لا يورد عليهم بمثل هذه الحجة فحينئذ الفرق ظاهر ~~أو أورد عليهم فدفعوه فحينئذ / لا يجوز جعل جهلهم وخطئهم حجة ، فعند ذلك ~~قال موسى عليه السلام وقد عرف منهم العناد { ربى أعلم بمن جاء بالهدى من ~~عنده ومن تكون له عاقبة الدار } فإن من أظهر الحجة ولم يجد من الخصم ~~اعتراضا عليها وإنما لما وجد منه العناد صح أن يقول ربي أعلم بمن معه الهدى ~~والحجة ms7083 منا جميعا ومن هو على الباطل ويضم إليه طريق الوعيد والتخويف وهو ~~قوله : { ومن تكون له عاقبة الدار } من ثواب على تمسكه بالحق أو من عقاب ~~وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة والدليل عليه قوله تعالى : { أولئك لهم ~~عقبى الدار * جنات عدن } ( الرعد : 22 ، 23 ) وقوله : { وسيعلم الكفار لمن ~~عقبى } ( البلد : 42 ) والمراد بالدار الدنيا وعاقبتها وعقباها أن يختم ~~للعبد بالرحمة والرضوان وتلقى الملائكة بالبشرى عند الموت فإن قيل العاقبة ~~المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار / لأن الدنيا قد تكون ~~خاتمتها بخير في حق البعض وبشر في حق البعض الآخر ، فلم PageV24P214 اختصت ~~خاتمتها بالخير بهذه التسمية دون خاتمتها بالشر ؟ قلنا إنه قد وضع الله ~~سبحانه الدنيا مجازا إلى الآخرة وأمر عباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير ~~ليبلغوا خاتمة الخير وعاقبة الصدق ، فمن عمل فيها خلاف ما وضعها الله له ~~فقد حرف ، فإذن عاقبتها الأصلية هي عاقبة الخير ، وأما عاقبة السوء فلا ~~اعتداد بها لأنها من نتائج تحريف الفجار ، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك ~~بقوله : { بئاياته إنه لا يفلح الظالمون } والمراد أنهم لا يظفرون بالفوز ~~والنجاة والمنافع بل يحصلون على ضد ذلك وهذا نهاية في زجرهم عن العناد الذي ~~ظهر منهم . # ! 7 < { وقال فرعون ياأيها الملأ ما علمت لكم من إلاه غيرى فأوقد لى ~~ياهامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلىأطلع إلى إلاه موسى وإنى لأظنه من ~~الكاذبين * واستكبر هو وجنوده فى الا رض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم فى هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين * ولقد ءاتينا موسى الكتاب من ~~بعد مآ أهلكنا القرون الا ولى بصآئر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون } . > ~~7 ! # / < < # | القصص : ( 38 - 43 ) وقال فرعون يا . . . . . # > > اعلم أن فرعون كانت عادته متى ظهرت حجة موسى أن يتعلق في دفع تلك ~~الحجة بشبهة يروجها على أغمار قومه وذكر ههنا شبهتين الأولى ms7084 : قوله : { ما ~~علمت لكم من إلاه غيرى } وهذا في الحقيقة يشتمل على كلامين : أحدهما : نفى ~~إله غيره والثاني : إثبات إلهية نفسه ، فأما الأول فقد كان اعتماده على أن ~~ما لا دليل عليه لم يجز إثباته ، أما أنه لا دليل عليه فلأن هذه الكواكب ~~والأفلاك كافية في اختلاف أحوال هذا العالم السفلي فلا حاجة إلى إثبات صانع ~~، وأما أن ما لا دليل عليه لم يجز إثباته فالأمر فيه ظاهر . # واعلم أن المقدمة الأولى كاذبة فإنا لا نسلم أنه لا دليل على وجود الصانع ~~وذلك لأنا إذا عرفنا بالدليل حدوث الأجسام عرفنا حدوث الأفلاك والكواكب ، ~~وعرفنا بالضرورة أن المحدث لا بد له من محدث فحينئذ PageV24P215 نعرف ~~بالدليل أن هذا العالم له صانع ، والعجب أن جماعة اعتمدوا في نفي كثير من ~~الأشياء على أن قالوا لا دليل عليه فوجب نفيه ، قالوا وإنما قلنا إنه لا ~~دليل لأنا بحثنا وسبرنا فلم نجد عليه دليلا ، فرجع حاصل كلامهم بعد التحقيق ~~إلى أن كل ما لا يعرف عليه دليل وجب نفيه ، وإن فرعون لم يقطع بالنفي بل ~~قال لا دليل عليه فلا أثبته بل أظنه كاذبا في دعواه ، ففرعون على نهاية ~~جهله أحسن حالا من هذا المستدل . أما الثاني وهو إثباته إلهية نفسه ، فاعلم ~~أنه ليس المراد منه أنه كان يدعي كونه خالقا للسموات والأرض والبحار ~~والجبال وخالقا لذوات الناس وصفاتهم ، فإن العلم بامتناع ذلك من أوائل ~~العقول فالشك فيه يقتضي زوال العقل ، بل الإله هو المعبود فالرجل كان ينفي ~~الصانع ويقول لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره ، ~~فهذا هو المراد من ادعائه الإلهية لا ما ظنه الجمهور من ادعائه كونه خالقا ~~للسماء والأرض ، لا سيما وقد دللنا في سورة طه ( 49 ) في تفسير قوله : { ~~فمن ربكما ياموسى * موسى } على أنه كان عارفا بالله تعالى وأنه كان يقول ~~ذلك ترويجا على الأغمار من الناس الشبهة الثانية : قوله : { فأوقد لى ~~ياهامان ياهامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلى أطلع إلى إلاه موسى وإنى ms7085 ~~لاظنه من الكاذبين } وههنا أبحاث : # الأول : تعلقت المشبهة بهذه الآية في أن الله تعالى في السماء قالوا لولا ~~أن موسى عليه السلام دعاه إلى ذلك لما قال فرعون هذا القول والجواب : أن ~~موسى عليه السلام دل فرعون بقوله : / { رب * السماوات والارض } ( الشعراء : ~~24 ) ولم يقل هو الذي في السماء دون الأرض ، فأوهم فرعون أنه يقول إن إلهه ~~في السماء / وذلك أيضا من خبث فرعون ومكره ودهائه . # الثاني : اختلفوا في أن فرعون هل بنى هذا الصرح ؟ فال قوم إنه بناه قالوا ~~إنه لما أمر ببناء الصرح جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى ~~الأتباع والأجراء وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه ~~حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق ، فبعث الله تعالى جبريل عليه ~~السلام عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع قطعة وقعت على عسكر ~~فرعون فقتلت ألف ألف رجل وقطعة وقعت في البحر وقطعة في المغرب ، ولم يبق ~~أحد من عماله إلا وقد هلك ، ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه ورمى ~~بنشابة نحو السماء فأراد الله أن يفتنهم فردت إليهم وهي ملطوخة بالدم ، ~~فقال قد قتلت إله موسى فعند ذلك بعث الله تعالى جبريل عليه السلام لهدمه . ~~ومن الناس من قال إنه لم يبن ذلك الصرح لأنه يبعد من العقلاء أن يظنوا أنهم ~~بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأن من على أعلى الجبال الشاهقة يرى ~~السماء كما كان يراها حين كان على قرار الأرض ، ومن شك في ذلك خرج عن حد ~~العقل ، وهكذا القول فيما يقال من رمى السهم إلى السماء ورجوعه متلطخا ~~بالدم ، فإن كل من كان كامل العقل يعلم أنه لا يمكنه إيصال السهم إلى ~~السماء ، وأن من حاول ذلك كان من المجانين فلا يليق بالعقل والدين حمل ~~القصة التي حكاها الله تعالى في القرآن على محمل يعرف فساده بضرورة العقل ، ~~فيصير ذلك مشرعا قويا لمن أحب الطعن في القرآن ، فالأقرب أنه كان أوهم ~~البناء ولم ms7086 يبن أو كان هذا من تتمة قوله : { ما علمت لكم من إلاه غيرى } ~~يعني لا سبيل إلى إثباته بالدليل ، فإن حركات الكواكب كافية في تغير هذا ~~العالم ولا سبيل إلى إثباته بالحس ، فإن الإحساس به لا يمكن إلا بعد صعود ~~السماء وذلك مما لا سبيل إليه ، ثم قال عند ذلك لهامان : { ابن لى صرحا ~~أبلغ * به * أسباب * السماوات } وإنما قال ذلك على سبيل التهكم فبمجموع هذه ~~الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع ، ثم إنه رتب النتيجة عليه فقال : { ~~وإنى لاظنه من الكاذبين } PageV24P216 فهذا التأويل أولى مما عداه . # الثالث : إنما قال : { غيرى فأوقد لى ياهامان على الطين } ولم يقل اطبخ ~~لي الآجر واتخذه لأنه أول من عمل الآجر فهو يعلمه الصنعة ولأن هذه العبارة ~~أليق بفصاحة القرآن وأشبه بكلام الجبابرة وأمر هامان ، وهو وزيره بالإيقاد ~~على الطين فنادى باسمه بيافي وسط الكلام دليل على التعظم والتجبر ، والطلوع ~~والاطلاع الصعود يقال طلع الجبل واطلع بمعنى واحد . # أما قوله : { واستكبر هو وجنوده فى الارض بغير الحق } فاعلم أن الاستكبار ~~بالحق إنما هو لله تعالى وهو المتكبر في الحقيقة أي المبالغ في كبرياء ~~الشأن ، قال عليه السلام فيما حكى عن ربه ( الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، ~~فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار ) وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير ~~الحق . # / المسألة الثانية : قال الجبائي الآية تدل على أنه تعالى ما أعطاه الملك ~~وإلا لكان ذلك بحق وهكذا كل متغلب ، لا كما ادعى ملوك بني أمية عند تغلبهم ~~أن ملكهم من الله تعالى فإن الله تعالى قد بين في كل غاصب لحكم الله أنه ~~أخذ ذلك بغير حق ، واعلم أن هذا ضعيف لأن وصول ذلك الملك إليه ، إما أن ~~يكون منه أو من الله تعالى ، أو لا منه ولا من الله تعالى ، فإن كان منه ~~فلم لم يقدر عليه غيره ، فربما كان العاجز أقوى وأعقل بكثير من المتولي ~~للأمر ؟ وإن كان من الله تعالى فقد صح الغرض ، وإن كان من سائر الناس فلم ~~اجتمعت دواعي الناس ms7087 على نصرة أحدهما وخذلان الآخر ؟ واعلم أن هذا أظهر من ~~أن يرتاب فيه العاقل . # أما قوله : { وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } فهذا يدل على أنهم كانوا ~~عارفين بالله تعالى إلا أنهم كانوا ينكرون البعث فلأجل ذلك تمردوا وطغوا . # أما قوله : { فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم } فهو من الكلام المفحم ~~الذي دل به على عظم شأنه وكبرياء سلطانه ، شبههم استحقارا لهم واستقلالا ~~لعددهم ، وإن كانوا الكبير الكثير والجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ في كفه ~~فطرحهن في البحر ونحو ذلك وقوله : { وجعلنا فيها رواسى شامخات } ( المرسلات ~~: 27 ) { وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة } ( الحاقة : 14 ) { وما ~~قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه } ( الزمر : 67 ) سبحانه وتعالى وليس الغرض منه إلا تصوير أن كل ~~مقدور وإن عظم فهو حقير بالقياس إلى قدرته . # أما قوله : { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } فقد تمسك به الأصحاب في ~~كونه تعالى خالقا للخير والشر ، قال الجبائي المراد بقوله : { وجعلناهم } ~~أي بينا ذلك من حالهم وسميناهم به ، ومنه قوله : { وجعلوا الملئكة الذين هم ~~عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) وتقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله ~~جعله فاسقا وبخيلا ، لا أنه خلقهم أئمة لأنهم حال خلقهم لهم كانوا أطفالا ، ~~وقال الكعبي : إنما قال : { وجعلناهم أئمة } من حيث خلى بينهم وبين ما ~~فعلوه ولم يعاجل بالعقوبة ، ومن حيث كفروا ولم يمنعهم بالقسر ، وذلك كقوله ~~: { فزادتهم رجسا } ( التوبة : 125 ) لما زادوا عندها ونظير ذلك أن الرجل ~~يسأل ما يثقل عليه ، وإن أمكنه فإذا PageV24P217 بخل به قيل للسائل جعلت ~~فلانا بخيلا أي قد بخلته ، وقال أبو مسلم معنى الإمامة التقدم فلما عجل ~~الله تعالى لهم العذاب صاروا متقدمين لمن وراءهم من الكافرين . واعلم أن ~~الكلام فيه قد تقدم في سورة مريم ( 83 ) في قوله : { أنا أرسلنا الشياطين ~~على الكافرين } ومعنى دعوتهم إلى النار دعوتهم إلى موجباتها من الكفر ~~والمعاصي فإن أحدا لا يدعو إلى النار ألبتة ، وإنما جعلهم الله تعالى أئمة ~~في هذا الباب لأنهم بلغوا في ms7088 هذا الباب أقصى النهايات ، ومن كان كذلك ~~استحقق أن يكون إماما يقتدى به في ذلك الباب ، ثم بين تعالى أن ذلك العقاب ~~سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه وهو معنى قوله : { ويوم القيامة لا ~~ينصرون } أو يكون معناه ويوم القيامة لاينصرون كما ينصر الأئمة الدعاة إلى ~~الجنة . # / أما قوله : { وأتبعوا فى هاذه الدنيا لعنة } معناه لعنة الله والملائكة ~~لهم وأمره تعالى بذلك فيها للمؤمنين ، وبين أنهم يوم القيامة من المقبوحين ~~أي المبعدين الملعونين ، والقبح هو الإبعاد ، قال الليث يقال قبحه الله ، ~~أي نحاه عن كل خير . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من المشئومين بسواد ~~الوجه وزرقة العين ، وعلى الجملة فالأولون حملوا القبح على القبح الروحاني ~~وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى ، والباقون حملوه على القبح في ~~الصور . وقيل فيه إنه تعالى يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم ويجمع بين ~~الفضيحتين . ثم بين تعالى أن الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى عليه ~~السلام فقال : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الاولى } ~~والكتاب هو التوراة ، ووصفه تعالى بأنه بصائر للناس ، من حيث يستبصر به في ~~باب الدين ، وهدى من حيث يستدل به ، ومن حيث إن المتمسك به يفوز بطلبته من ~~الثواب ، ووصفه بأنه رحمة لأنه من نعم الله تعالى على من تعبد به . وروى ~~أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما أهلك الله ~~تعالى قرنا من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة ، غير ~~أهل القرية التي مسخها قردة ) . # أما قوله : { لعلهم يتذكرون } فالمراد لكي يتذكروا ، قال القاضي : وذلك ~~يدل على إرادة التذكر من كل مكلف سواء اختار ذلك أو لم يختره ، ففيه إبطال ~~مذهب المجبرة الذين يقولون ما أراد التذكر إلا ممن يتذكر ، فأما من لا ~~يتذكر فقد كره ذلك منه ، ونص القرآن دافع لهذا القول ، قلنا أليس أنكم ~~حملتم قوله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم } ( الأعراف : 179 ) على العاقبة ، ~~فلم لا يجوز حمله ههنا على ms7089 العاقبة ، فإن عاقبة الكل حصول هذا التذكر له ~~وذلك في الآخرة . # ! 7 < { وما كنت بجانب الغربى إذ قضينآ إلى موسى الا مر وما كنت من ~~الشاهدين * ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا فىأهل ~~مدين تتلو عليهم ءاياتنا ولكنا كنا مرسلين * وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ~~ولاكن رحمة من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون * ~~ولولاأن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولاأرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع ءاياتك ونكون من المؤمنين } . > 7 @QB@ < # | القصص : ( 44 - 47 ) وما كنت بجانب . . . . . # > > PageV24P218 # اعلم أن في الآية سؤالات : # / السؤال الأول : الجانب موصوف ، والغربي صفة ، فكيف أضاف الموصوف إلى ~~الصفة ؟ الجواب : هذه مسألة خلافية بين النحويين ، فعند البصريين لا يجوز ~~إضافة الموصوف إلى الصفة إلا بشرط خاص سنذكره ، وعند الكوفيين يجوز ذلك ~~مطلقا حجة البصريين ، أن إضافة الموصوف إلى الصفة تقتضي إضافة الشيء إلى ~~نفسه ، وهذا غير جائز فذاك أيضا غير جائز ، بيان الملازمة أنك إذا قلت ~~جاءني زيد الظريف ، فلفظ الظريف يدل على شيء معين في نفسه مجهول بحسب هذا ~~اللفظ حصلت له الظرافة ، فإذا نصصت على زيد عرفنا أن ذلك الشيء الذي حصلت ~~له الظرافة هو زيد ، إذا ثبت هذا ، فلو أضفت زيدا إلى الظريف ، كنت قد أضفت ~~زيدا إلى زيد ، وإضافة الشيء إلى نفسه غير جائزة ، فإضافة الموصوف إلى صفته ~~وجب أن لا تجوز ، إلا أنه جاء على خلاف هذه القاعدة ألفاظ ، وهي قوله تعالى ~~في هذه الآية : { وما كنت بجانب الغربى } وقوله : { وذلك دين القيمة } ( ~~البينة : 5 ) وقوله : { حق اليقين } ( الواقعة : 95 ) { ولدار الاخرة } ( ~~النحل : 30 ) ويقال صلاة الأولى ومسجد الجامع وبقلة الحمقاء ، فقالوا ~~التأويل فيه جانب المكان الغربي ودين الملة القيمة وحق الشيء اليقين ودار ~~الساعة الآخرة وصلاة الساعة الأولى ومسجد المكان الجامع وبقلة الحبة ~~الحمقاء ، ثم قالوا في هذه المواضع : المضاف إليه ليس هو النعت ، بل ~~المنعوت ، إلا أنه حذف المنعوت وأقيم النعت مقامه فههنا ينظر إن كان ذلك ~~النعت كالمتعين لذلك ms7090 المنعوت ، حسن ذلك وإلا فلا ، ألا ترى أنه ليس لك أن ~~تقول عندي جيد على معنى عندي درهم جيد ، ويجوز مررت بالفقيه على معنى مررت ~~بالرجل الفقيه ، لأن الفقيه يعلم أنه لا يكون إلا من الناس والجيد قد يكون ~~درهما وقد يكون غيره ، وإذا كان كذلك حسن قوله جانب الغربي ، لأن الشيء ~~الموصوف بالغربي الذي يضاف إليه الجانب لا يكون إلا مكانا أو ما يشبهه ، ~~فلا جرم حسنت هذه الإضافة ، وكذا القول في البواقي والله أعلم . # السؤال الثاني : ما معنى قوله : { إذ قضينا إلى موسى الامر } ؟ الجواب : ~~الجانب الغربي هو المكان الواقع في شق الغرب ، وهو المكان الذي وقع فيه ~~ميقات موسى عليه السلام من الطور ، وكتب الله ( له ) في الألواح والأمر ~~المقضي إلى موسى عليه السلام الوحي الذي أوحى إليه ، والخطاب للرسول صلى ~~الله عليه وسلم يقول : وما كنت حاضرا المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى عليه ~~السلام ، ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه أو على ( الموحى ) إليه ، ( ~~وهي لأن الشاهد لا بد وأن يكون حاضرا ) ، وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات ~~. # / السؤال الثالث : لما قال { وما كنت * بجانب الغربى } ثبت أنه لم يكن ~~شاهدا ، لأن الشاهد لا بد أن يكون حاضرا ، فما الفائدة في إعادة قوله : { ~~وما كنت من الشاهدين } ؟ الجواب : قال ابن عباس رضي الله عنهما : التقدير ~~لم تحضر ذلك الموضع ، ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع ، فإنه يجوز أن يكون ~~هناك ، ولا يشهد ولا يرى . PageV24P219 # السؤال الرابع : كيف يتصل قوله : { ولكنا أنشأنا قرونا } بهذا الكلام ومن ~~أي وجه يكون استدراكا له ؟ الجواب : معنى الآية : ولكنا أنشأنا بعد عهد ~~موسى عليه السلام إلى عهدك قرونا كثيرة فتطاول عليهم العمر وهو القرن الذي ~~أنت فيه ، فاندرست العلوم فوجب إرسالك إليهم ، فأرسلناك وعرفناك أحوال ~~الأنبياء وأحوال موسى ، فالحاصل كأنه قال وما كنت شاهدا لموسى وما جرى عليه ~~، ولكنا أوحيناه إليك فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على ~~المسبب ، فإذن هذا الاستدراك شبيه الاستدراكين بعده . واعلم أن ms7091 هذا تنبيه ~~على المعجز كأنه قال إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا مشاهدة ~~ولا تعلم من أهله ، دلالة ظاهرة على نبوتك كما قال : { أو لم * تأتهم بينة ~~ما فى الصحف الاولى } ( طه : 133 ) . # أما قوله : { وما كنت ثاويا فى أهل مدين } فالمعنى ما كنت مقيما فيه . # وأما قوله : { تتلو عليهم * ءاياتنا } ففيه وجهان : الأول : قال مقاتل : ~~يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم { ولكنا كنا مرسلين } أي ~~أرسلناك إلى أهل مكة وأنزلنا عليك هذه الأخبار ، ولولا ذلك لما علمتها ~~الثاني : قال الضحاك : يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين تتلو ~~عليهم الكتاب وإنما كان غيرك ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولا ، فأرسلنا ~~إلى أهل مدين شعيبا وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء . # أما قوله : { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } يريد مناداة موسى ليلة ~~المناجاة وتكليمه { ولاكن رحمة من ربك } أي علمناك رحمة ، وقرأ عيسى بن عمر ~~بالرفع أي هي رحمة ، وذكر المفسرون في قوله : { إذ نادينا } وجوها أخر ~~أحدها : إذ نادينا أي قلنا لموسى { ورحمتى وسعت كل شىء } إلى قوله : { ~~أولئك هم المفلحون } ( الأعراف : 156 ، 157 ) . وثانيها : قال ابن عباس إذ ~~نادينا أمتك في أصلاب آبائهم : ( يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني ، ~~وأعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ) قال وإنما قال ~~الله تعالى ذلك حين اختار موسى عليه السلام سبعين رجلا لميقات ربه وثالثها ~~: قال وهب : ( لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال رب ~~أرنيهم قال إنك لن تدركهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم قال بلى يا رب فقال ~~سبحانه يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فأسمعه الله تعالى أصواتهم ثم ~~قال : أجبتكم قبل أن تدعوني ) الحديث كما ذكره ابن عباس ورابعها : روى سهل ~~بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : { وما كنت بجانب ~~الطور إذ نادينا } قال كتب الله كتابا قبل أن يخلق ms7092 الخلق بألفي عام ثم وضعه ~~على العرش ثم / نادى ( يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي أعطيتكم قبل أن ~~تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا عبده ورسوله أدخلته الجنة ) . # أما قوله : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } فالإنذار هو التخويف ~~بالعقاب على المعصية . واعلم أنه تعالى لما بين قصة موسى عليه السلام قال ~~لرسوله : { وما كنت بجانب الغربى * وما كنت ثاويا فى أهل مدين * وما كنت ~~بجانب الطور } فجمع تعالى بين كل ذلك لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال ~~العظيمة التي اتفقت لموسى عليه السلام إذ المراد بقوله : { إذ قضينا إلى ~~موسى الامر } إنزال التوراة حتى تكامل دينه واستقر شرعه والمراد بقوله : { ~~وما كنت ثاويا } أول أمره والمراد ناديناه وسط أمره وهو ليلة المناجاة ، ~~ولما بين تعالى أنه عليه السلام لم يكن في هذه الأحوال حاضرا بين تعالى أنه ~~بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين PageV24P220 ثم فسر تلك الرحمة بأن ~~قال : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } واختلفوا فيه فقال بعضهم لم ~~يبعث إليهم نذير منهم : وقال بعضهم : حجة الأنبياء كانت قائمة عليهم ولكنه ~~ما بعث إليهم من يجد تلك الحجة عليهم ، وقال بعضهم لا يبعد وقوع الفترة في ~~التكاليف فبعثه الله تعالى تقريرا للتكاليف وإزالة لتلك الفترة . # أما قوله : { ولولا أن تصيبهم مصيبة } الآية فقال صاحب ( الكشاف ) : ( ~~لولا ) الأولى امتناعية وجوابها محذوف ، والثانية تحضيضية ، والفاء في قوله ~~{ فيقولوا } للعطف ، ( وفي قوله للعطف ) . وفي قوله : { فنتبع } جواب ( ~~لولا ) لكونها في حكم الأمر من قبل أن الأمر باعث على الفعل ، والباعث ~~والمحضض من واد واحد ، والمعنى لولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من ~~الشرك والمعاصي : هلا أرسلت إلينا رسولا ، محتجين علينا بذلك لما أرسلنا ~~إليهم ، يعني إنما أرسلنا الرسول إزالة لهذا العذر وهو كقوله : { لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل } ( النساء : 165 ) { أن تقولوا ما جاءنا من ~~بشير ولا نذير } ( المائدة : 19 ) { لولا ms7093 أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءاياتك } ~~واعلم أنه تعالى لم يقل ولولا أن يقولوا هذا العذر لما أرسلنا ، بل قال : { ~~ولولا أن تصيبهم مصيبة فيقولوا } هذا العدو لما أرسلنا وإنما قال ذلك لنكتة ~~وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلا وقد عرفوا بطلان دينهم لما قالوا ذلك ، بل ~~إنما يقولون ذلك إذا نالهم العقاب فيدل ذلك على أنهم لم يذكروا هذا العذر ~~تأسفا على كفرهم ، بل لأنهم ما أطاقوا وفيه تنبيه على استحكام كفرهم ورسوخه ~~فيهم كقوله : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا * عنه } ( الأنعام : 28 ) وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : احتج الجبائي على وجوب فعل اللطف قال لو لم يجب ذلك لم ~~يكن لهم أن يقولوا : هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ، إذ من الجائز أن ~~لا يبعث إليهم وإن كانوا لا يختارون الإيمان إلا عنده على قول من خالف في ~~وجوب اللطف كما مر أن الجائز إذا كان في المعلوم لو خلق له لم يمكن إلا أن ~~يفعل ذلك . # / المسألة الثانية : احتج الكعبي به على أن الله تعالى يقبل حجة العباد ~~وليس الأمر كما يقوله أهل السنة من أنه تعالى لا يقبل الحجة وظهر بهذا أنه ~~ليس المراد من قوله : { لا يسأل عما يفعل } ( الأنبياء : 23 ) ما يظنه أهل ~~السنة ، وإذا ثبت أنه يقبل الحجة وجب أن لا يكون فعل العبد بخلق الله تعالى ~~وإلا لكان للكافر أعظم حجة على الله تعالى . # المسألة الثالثة : قال القاضي : فيه إبطال القول بالجبر من جهات : إحداها ~~: أن اتباعهم وإيمانهم موقوف على أن يخلق الله ذلك فيهم سواء أرسل الرسول ~~إليهم أم لا وثانيتها : أنه إذا خلق القدرة على ذلك فيهم وجب سواء أرسل ~~الرسول أم لا وثالثتها : إذا أراد ذلك وجب أرسل الرسول إليهم أم لا ، فأي ~~فائدة في قولهم هذا لو كانت أفعالهم خلقا لله تعالى ؟ فيقال للقاضي هب أنك ~~نازعت في الخلق والإرادة ولكنك وافقت في العلم فإذا علم الكفر منهم فهل يجب ~~أم لا ، فإن لم يجب أمكن أن لا يوجد ms7094 الكفر مع حصول العلم بالكفر وذلك جمع ~~بين الضدين وإن وجب لزمك ما أوردته علينا ، واعلم أن الكلام وإن كان قويا ~~حسنا إلا أنه إذا توجه عليه النقض الذي لا محيص عنه ، فكيف يرضى العاقل بأن ~~يعول عليه ؟ # ! 7 < { فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا لولاأوتى مثل مآ أوتى موسى أولم ~~يكفروا بمآ أوتى موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون * ~~قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ أتبعه إن كنتم صادقين * فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين * ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ~~* الذين ءاتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا ~~ءامنا به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين * أولائك يؤتون أجرهم ~~مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون * وإذا سمعوا ~~اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى ~~الجاهلين } . > 7 @QB@ < # | القصص : ( 48 - 55 ) فلما جاءهم الحق . . . . . # > > PageV24P221 # / اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عند الخوف قالوا هلا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع آياتك ، بين أيضا أنه بعد الإرسال إلى أهل مكة قالوا { لولا ~~أوتى مثل ما أوتى موسى } فهؤلاء قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة ~~يتعلقون بأخرى ، فظهر أنه لا مقصود لهم سوى الزيغ والعناد . # أما قوله : { فلما جاءهم الحق من عندنا } أي جاءهم الرسول المصدق بالكتاب ~~المعجز مع سائر المعجزات قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى من الكتاب ~~المنزل جملة واحدة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق ~~البحر وتظليل الغمام وانفجار الحجر بالماء والمن والسلوى ومن أن الله كلمه ~~وكتب له في الألواح وغيرها من الآيات فجاؤا بالاقتراحات المبنية على التعنت ~~والعناد كما قالوا { لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك } ( هود : 12 ) وما ~~أشبه ذلك . # واعلم أن الذي اقترحوه غير لازم لأنه لا يجب في معجزات الأنبياء ms7095 عليهم ~~السلام أن تكون واحدة ولا فيما ينزل إليهم من الكتب أن يكون على وجه واحد ~~إذ الصلاح قد يكون في إنزاله مجموعا كالتوراة ومفرقا كالقرآن ، ثم إنه ~~تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { أو لم * يكفروا بما أوتى موسى من قبل } ~~واختلفوا في أن الضمير في قوله : { أو لم * يكفروا } إلى من يعود ، وذكروا ~~وجوها : أحدها : أن اليهود أمروا قريشا أن يسألوا محمدا أن يؤتى مثل ما ~~أوتي موسى عليه السلام فقال تعالى : { أو لم * يكفروا بما أوتى موسى } يعني ~~أو لم PageV24P222 تكفروا يا هؤلاء اليهود الذين استخرجوا هذا السؤال بموسى ~~عليه السلام مع تلك الآيات الباهرة وثانيها : أن الذين أوردوا هذا الاقتراح ~~كفار مكة ، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام ~~إلا أنه تعالى جعلهم كالشيء الواحد لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد ~~وثالثها : قال الكلبي إن مشركي مكة بعثوا رهطا إلى يهود المدينة ليسألهم عن ~~محمد وشأنه فقالوا إنا نجده في التوراة بنعته وصفته ، فلما / رجع الرهط ~~إليهم وأخبروهم بقول اليهود قالوا إنه كان ساحرا كما أن محمدا ساحر ، فقال ~~تعالى : { أو لم * يكفروا بما أوتى موسى } ورابعها : قال الحسن قد كان ~~للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام فمعناه على هذا أو لم يكفر آباؤهم بأن ~~قالوا في موسى وهرون ساحران وخامسها : قال قتادة أو لم يكفر اليهود في عصر ~~محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد عليهما السلام فقالوا ~~ساحران وسادسها : وهو الأظهر عندي أن كفار قريش ومكة كانوا منكرين لجميع ~~النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم معجزات موسى عليه ~~السلام قال الله تعالى : { أو لم * يكفروا بما أوتى موسى من قبل } بل بما ~~أوتي جميع الأنبياء من قبل ، فعلمنا أنه لا غرض لكم في هذا الاقتراح إلا ~~التعنت ، ثم إنه تعالى حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى من وجهين : الأول : ~~قولهم : { وإن تظاهرا } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة ( ساحران ) ~~بالألف ms7096 وقرأ أهل الكوفة بغير ألف وذكروا في تفسير الساحرين وجوها : أحدها : ~~المراد هرون وموسى عليهما السلام تظاهرا أي تعاونا وقرىء ( اظاهرا ) على ~~الإدغام وسحران بمعنى ذوي سحر وجعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر ~~وكثير من المفسرين فسروا قوله : { سحران } بأن المراد هو القرآن والتوراة ~~واختار أبو عبيدة القراءة بالألف لأن المظاهرة بالناس وأفعالهم أشبه منها ~~بالكتب وجوابه : إنا بينا أن قوله : { سحران } يمكن حمله على الرجلين ~~وبتقدير أن يكون المراد الكتابين لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي ~~الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما تقول تظاهرت الأخبار ~~وهذه التأويلات إنما تصح إذا حملنا قوله : { أو لم * يكفروا بما أوتى موسى ~~} إما على كفار مكة أو على الكفار الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام ~~ولا شك أن ذلك أليق بمساق الآية الثاني : قولهم : { إنا بكل كافرون } أي ~~بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء عليهم السلام ومعلوم أن هذا الكلام ~~لا يليق إلا بالمشركين لا باليهود وذلك مبالغة في أنهم مع كثرة آيات موسى ~~عليه السلام كذبوه فما الذي يمنع من مثله في محمد صلى الله عليه وسلم وإن ~~ظهرت حجته ، ولما أجاب الله تعالى عن شبههم ذكر الحجة الدالة على صدق محمد ~~صلى الله عليه وسلم فقال : { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما ~~أتبعه } وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثله ، قال الزجاج ( أتبعه ) ~~بالجزم على الشرط ومن قرأ ( أتبعه ) بالرفع فالتقدير أنا أتبعه ، ثم قال : ~~{ فإن لم يستجيبوا لك } قال ابن عباس يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من ~~الحجج ، وقال مقاتل فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل منهما وهذا أشبه ~~بالآية فإن قيل الاستجابة تقتضي دعاء فأين الدعاء ههنا ؟ قلنا قوله : { ~~فأتوا بكتاب } أمر والأمر دعاء إلى الفعل ثم قال : { فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم } يعني قد صاروا ملزمين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى ثم زيف ~~طريقتهم بقوله : { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ms7097 الله } وهذا من أعظم ~~الدلائل على فساد التقليد وأنه لا بد من الحجة والاستدلال { إن الله لا ~~يهدى القوم الظالمين } وهو عام يتناول الكافر لقوله : { إن الشرك لظلم عظيم ~~} واحتج الأصحاب به في أن هداية الله تعالى خاصة بالمؤمنين . # / وقالت المعتزلة : الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقا ومنها ما لا يحسن ~~إلا بعد الإيمان والدليل عليه PageV24P223 قوله : { والذين اهتدوا زادهم ~~هدى } ( محمد : 17 ) فقوله : { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } محمول على ~~القسم الثاني ولا يجوز حمله على القسم الأول ، لأنه تعالى لما بين في الآية ~~المتقدمة أن عدم بعثة الرسول جار مجرى العذر لهم / فبأن يكون عدم الهداية ~~عذرا لهم أولى ، ولما بين تعالى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الدلالة ~~قال : { ولقد وصلنا لهم القول } وتوصيل القول هو إتيان بيان بعد بيان ، وهو ~~من وصل البعض بالبعض ، وهذا القول الموصل يحتمل أن يكون المراد منه إنا ~~أنزلنا القرآن منجما مفرقا يتصل بعضه ببعض ليكون ذلك أقرب إلى التذكير ~~والتنبيه ، فإنهم كل يوم يطلعون على حكمة أخرى وفائدة زائدة فيكونون عند ~~ذلك أقرب إلى التذكر ، وعلى هذا التقدير يكون هذا جوابا عن قولهم هلا أوتي ~~محمد كتابه دفعة واحدة كما أوتي موسى كتابه كذلك ، ويحتمل أن يكون المراد ~~وصلنا أخبار الأنبياء بعضها ببعض وأخبار الكفار في كيفية هلاكهم تكثيرا ~~لمواضع الاتعاظ والانزجار ويحتمل أن يكون المراد : بينا الدلالة على كون ~~هذا القرآن معجزا مرة بعد أخرى لعلهم يتذكرون . ثم إنه تعالى لما أقام ~~الدلالة على النبوة أكد ذلك بأن قال : { الذين ءاتيناهم الكتاب من قبله } ~~أي من قبل القرآن أسلموا بمحمد فمن لا يعرف الكتب أولى بذلك ، واختلفوا في ~~المراد بقوله : { الذين ءاتيناهم الكتاب } وذكروا فيه وجوها : أحدها : قال ~~قتادة إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها ~~فلما بعث الله تعالى محمدا آمنوا به من جملتهم سلمان وعبدالله بن سلام ~~وثانيها : قال مقاتل نزلت في أربعين رجلا من أهل الإنجيل وهم أصحاب ms7098 السفينة ~~جاؤا من الحبشة مع جعفر وثالثها : قال رفاعة بن قرظة نزلت في عشرة أنا ~~أحدهم ، وقد عرفت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فكل من حصل في ~~حقه تلك الصفة كان داخلا في الآية ثم حكى عنهم ما يدل على تأكيد إيمانهم ~~وهو قولهم : { به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك } فقوله : ~~{ إنه الحق من ربنا } يدل على التعليل يعني أن كونه حقا من عند الله يوجب ~~الإيمان به وقوله : { إنا كنا من قبله مسلمين } بيان لقوله : { به إنه } ~~لأنه يحتمل أن يكون إيمانا قريب العهد وبعيده ، فأخبروا أن إيمانهم به ~~متقادم وذلك لما وجدوه في كتب الأنبياء عليهم السلام المتقدمين من البشارة ~~بمقدمه ، ثم إنه تعالى لما مدحهم بهذا المدح العظيم قال : { أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا } وذكروا فيه وجوها : أحدها : أنهم يؤتون أجرهم ~~مرتين بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وبعد بعثته وهذا هو ~~الأقرب لأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا به بعد البعثة وبين أيضا أنهم كانوا ~~به قبل مؤمنين البعثة ثم أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك وثانيها : ~~يؤتون الأجر مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذي كانوا قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم ومرة أخرى بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وثالثها : قال ~~مقاتل هؤلاء لما آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم شتمهم المشركون فصفحوا ~~عنهم فلهم أجران أجر على الصف وأجر على الإيمان ، يروى أنهم لما أسلموا ~~لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه ، قال السدي اليهود / عابوا عبد الله بن سلام ~~وشتموه وهو يقول سلام عليكم ثم قال : { ويدرءون بالحسنة السيئة } والمعنى ( ~~يدفعون ) بالطاعة المعصية المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد دفعوا بالعفو ~~والصفح الأذى ، ويحتمل أن يكون المراد من الحسنة امتناعهم من المعاصي لأن ~~نفس الامتناع حسنة ويدفع به ما لولاه لكان سيئة ، ويحتمل التوبة والإنابة ~~والاستقرار عليها ، ثم قال : { ومما رزقناهم ينفقون } . # واعلم أنه تعالى مدحهم أولا بالإيمان ثم PageV24P224 بالطاعات البدنية في ~~قوله : { ويدرءون بالحسنة ms7099 السيئة } ثم بالطاعات المالية في قوله : { ومما ~~رزقناهم ينفقون } قال القاضي دل هذا المدح على أن الحرام لا يكون رزقا ~~جوابه : أن كلمة من للتبعيض فدل على أنهم استحقوا المدح بإنفاق بعض ما كان ~~رزقا ، وعلى هذا التقدير يسقط استدلاله ، ثم لما بين كيفية اشتغالهم ~~بالطاعات والأفعال الحسنة بين كيفية إعراضهم عن الجهال فقال : { وإذا سمعوا ~~اللغو أعرضوا عنه } واللغو ما حقه أن يلغى ويترك من العبث وغيره وكانوا ~~يسمعون ذلك فلا يخوضون فيه بل يعرضون عنه إعراضا جميلا فلذلك قال تعالى : { ~~وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم } وما أحسن ما قال الحسن رحمه ~~الله في أن هذه الكلمة تحية بين المؤمنين ، وعلامة الاحتمال من الجاهلين ، ~~ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وعباد الرحمان الذين يمشون على الارض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ( الفرقان : 63 ) ثم أكد تعالى ذلك ~~بقوله حاكيا عنهم { لا نبتغى الجاهلين } والمراد لا نجازيهم بالباطل على ~~باطلهم ، قال قوم نسخ ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأن ترك المسافهة مندوب ~~، وإن كان القتال واجبا . # PageV24P225 ! 7 < { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشآء وهو ~~أعلم بالمهتدين * وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ أولم نمكن لهم ~~حرما ءامنا يجبى إليه ثمرات كل شىء رزقا من لدنا ولاكن أكثرهم لا يعلمون } ~~. > 7 ! # / < < # | القصص : ( 56 - 57 ) إنك لا تهدي . . . . . # > > إعلم أن في قوله تعالى : { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من ~~يشاء } مسائل : # المسألة الأولى : هذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبي طالب ثم قال ~~الزجاج : أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب وذلك أن أبا طالب قال ~~عند موته يا معشر بني عبد مناف أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا ، فقال ~~عليه السلام ( يا عم تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسكا قال فما تريد يا ~~ابن أخي ؟ قال أريد منك كلمة واحدة ، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن ~~تقول لا إله إلا الله ، أشهد لك بها عند الله تعالى ms7100 ، قال يا أخي قد علمت ~~أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بني ~~إبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة ~~وجدك ونصحك ، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف ) ~~. # المسألة الثانية : أنه تعالى قال في هذه الآية : { إنك لا تهدى من أحببت ~~} وقال في آية أخرى : { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } ( الشورى : 52 ) ولا ~~تنافي بينهما فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والبيان والذي نفى عنه ~~هداية التوفيق ، وشرح الصدر وهو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب كما قال ~~سبحانه : { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا } ( الأنعام : 122 ) ~~الآية . # المسألة الثالثة : احتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال ، ~~فقالوا : قوله { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشاء } يقتضي أن ~~تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من PageV25P003 ~~الهداية في قوله : { إنك لا تهدى } شيئا وفي قوله : { ولاكن الله يهدى من ~~يشاء } شيئا آخر لاختل النظم ، ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان ~~الدلالة أو الدعوة إلى الجنة أو تعريف / طريق الجنة أو خلق المعرفة في ~~القلوب على سبيل الإلجاء أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء لا ~~جائز أن يكون المراد بيان الأدلة لأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى ~~فهي غير الهداية التي نفى الله عمومها ، وكذا القول في الهداية بمعنى ~~الدعوة إلى الجنة ، وأما الهداية بمعنى تعريف طريق الجنة فهي أيضا غير ~~مرادة من الآية لأنه تعالى علق هذه الهداية على المشيئة وتعريف طريق الجنة ~~غير معلق على المشيئة لأنه واجب على الله تعالى والواجب لا يكون معلقا على ~~المشيئة فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير ، لا يجوز أن يقول إني أعطي عشرة ~~دنانير إن شئت ، وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز لأن ذلك ~~عندهم قبيح من الله تعالى في حق المكلف وفعل القبيح مستلزم للجهل ms7101 أو الحاجة ~~وهما محالان ومستلزم المحال محال فذلك محال من الله تعالى والمحال لا يجوز ~~تعليقه في المشيئة ، ولما بطلت الأقسام لم يبق إلا أن المراد أنه تعالى يخص ~~البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها ، ولا يسأل عما يفعل ، ومتى ~~أوردت الكلام على هذا الوجه سقط كل ما أورده القاضي عذرا عن ذلك . # أما قوله : { وهو أعلم بالمهتدين } فالمعنى أنه المختص بعلم الغيب فيعلم ~~من يهتدي بعد ومن لا يهتدي / ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر شبههم وأجاب عنها ~~بالأجوبة الواضحة ، وبين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية ~~الله تعالى ، حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم : { إن ~~نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } ( القصص : 57 ) قال المبرد : الخطف ، ~~الانتزاع بسرعة ، روى أن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ، ولكن يمنعنا من ~~ذلك تخطفنا من أرضنا ، أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا من أرضنا ، فأجاب ~~الله سبحانه وتعالى عنها من وجوه الأول : قوله : { أو لم * نمكن لهم حرما ~~ءامنا } أي أعطيناكم مسكنا لا خوف لكم فيه ، إما لأن العرب كانوا يحترمون ~~الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكانه ، فإنه يروى أن العرب خارج الحرم ~~كانوا مشتغلين بالنهب والغارة ، وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحر ، أو ~~لقوله تعالى : { ومن دخله كان ءامنا } ( آل عمران : 97 ) وأما قوله : { ~~يجبى إليه ثمرات كل شىء } فهو تعالى كما بين كون ذلك الموضع خاليا عن ~~المخاوف والآفات بين كثرة النعم فيه ، ومعنى : { يجبى } يجمع من قولهم : ~~جبيت الماء في الحوض إذا جمعته ، قرأ أهل المدينة تجبى بالتاء ، وأهل ~~الكوفة ، وأبو عمرو بالياء ، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع وليس بتأنيث ~~حقيقي ، فيجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى ، ومعنى الكلية الكثرة ~~كقوله : { وأوتيت من كل شىء } ( النمل : 23 ) وحاصل الجواب : أنه تعالى لما ~~جعل الحرم آمنا وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله ms7102 تعالى ~~مقبلين على عبادة الأوثان ، فلو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى ، قال ~~القاضي : ولو أن الرسول قال لهم إن الذي ذكرتم من التخطف لو كان حقا لم يكن ~~عذرا لكم في أن لا تؤمنوا وقد ظهرت الحجة لانقطعوا ، أو قال لهم إن تخطفهم ~~لكن بالقتل وغيره ، وقد آمنتم كالشهادة لكم فهو / نفع عائد علكيم لانقطعوا ~~أيضا ، ولو قال لهم ما قدر مضرة التخطف في جنب العقاب الدائم الذي أخوفكم ~~منه إن بقيتم على كفركم لانقطعوا ، لكنه تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين ~~كذبهم في أنهم يتخطفون من حيث عرفوا من حال البقعة بالعادة ، أن ذلك لا ~~يجري إن آمنوا ، ومثل ذلك إذا أمكن بيانه للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا ~~، فلذلك قدمه الله تعالى ، PageV25P004 والآية دالة على صحة الحجاج الذي ~~يتوصل به إلى إزالة شبهة المبطلين . بقي ههنا بحثان : # الأول : قال صاحب ( الكشاف ) في انتصاب رزقا إن جعلته مصدرا جاز أن ينتصب ~~بمعنى ما قبله ، لأن معنى يجبى إليه ثمرات كل شيء ، ويرزق ثمرات كل شيء ~~واحد ، وأن يكون مفعولا له ، وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالا من الثمرات ~~لتخصيصها بالإضافة ، كما ينتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة . # الثاني : احتج الأصحاب بقوله : { رزقا من لدنا } في أن فعل العبد خلق ~~الله تعالى ، وبيانه أن تلك الأرزاق إنما كانت تصل إليهم ، لأن الناس كانوا ~~يحملونها إليهم فلو لم يكن فعل العبد خلقا لله تعالى لما صحت تلك الإضافة ، ~~فإن قيل سبب تلك الإضافة أنه تعالى هو الذي ألقى تلك الدواعي في قلوب من ~~ذهب بتلك الأرزاق إليهم ، قلنا تلك الدواعي إن اقتضت الرجحان ، فقد بينا في ~~غير موضع أنه متى حصل الرجحان ، فقد حصل الوجوب وحينئذ يحصل المقصود ، وإن ~~لم يحصل الرجحان انقطعت الإضافة بالكلية . واعلم أنه تعالى إنما بين أن تلك ~~الأرزاق ما وصلت إليهم إلا من الله تعالى ، لأجل أنهم متى علموا ذلك صاروا ~~بحيث لا يخافون أحدا سوى الله تعالى ولا يرجون أحدا غير الله ms7103 تعالى ، فيبقى ~~نظرهم منقطعا عن الخلق متعلقا بالخالق ، وذلك يوجب كمال الإيمان والإعراض ~~بالكلية عن غير الله تعالى والإقبال بالكلية على طاعة الله تعالى . # ! 7 < { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم ~~إلا قليلا وكنا نحن الوارثين * وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فىأمها ~~رسولا يتلو عليهم ءاياتنا وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون } . > 7 ! # / < < # | القصص : ( 58 - 59 ) وكم أهلكنا من . . . . . # > > اعلم أن هذا هو الجواب الثاني : عن تلك الشبهة ، وذلك لأنه تعالى لما ~~بين لأهل مكة ما خصوا به من النعم أتبعه بما أنزله الله تعالى بالأمم ~~الماضية الذين كانوا في نعم الدنيا ، فلما كذبوا الرسل أزال الله عنهم تلك ~~النعم والمقصود أن الكفار لما قالوا إنا لا نؤمن خوفا من زوال نعمة الدنيا ~~، فالله تعالى بين لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه ~~النعم ، لا الإقدام على الإيمان ، قال صاحب ( الكشاف ) : البطر سوء احتمال ~~الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى فيه وانتصبت معيشتها إما بحذف الجار ~~واتصال الفعل كقوله : { واختار موسى قومه } ( الأعراف : 155 ) أو بتقدير ~~حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها ، وإما تضمين بطرت معنى كفرت . # فأما قوله : { فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا } ففي هذا ~~الاستثناء وجوه أحدها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم يسكنها إلا ~~المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة . وثانيها : يحتمل أن شؤم معاصي ~~PageV25P005 المهلكين بقي أثره في ديارهم ، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق ~~فيها إلا قليلا وكنا نحن الوارثين لها بعد هلاك أهلها ، وإذا لم يبق للشيء ~~مالك معين قيل إنه ميراث الله لأنه الباقي بعد فناء خلقه ، ثم إنه سبحانه ~~لما ذكر أنه أهلك تلك القرى بسبب بطر أهلها ، فكأن سائلا أورد السؤال من ~~وجهين الأول : لماذا ما أهلك الله الكفار قبل محمد صلى الله عليه وسلم مع ~~أنهم كانوا مستغرقين في الكفر والعناد ؟ الثاني : لماذا ما أهلكهم بعد مبعث ~~محمد صلى ms7104 الله عليه وسلم مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى والتكذيب ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأجاب عن السؤال الأول بقوله : { وما كان ربك ~~مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا يتلو عليهم ءاياتنا } وحاصل الجواب أنه ~~تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم ، فوجب أن لا يجوز ~~إهلاكهم إلا بعد البعثة ، ثم ذكر المفسرون وجهين أحدهما : { وما كان ربك ~~مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا } أي في القرية التي هي أمها وأصلها ~~وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها رسولا لإلزام الحجة وقطع المعذرة الثاني ~~: وما كان ربك مهلك القرى التي في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعني مكة ~~رسولا وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ، ومعنى : { يتلو عليهم ~~ءاياتنا } يؤدي ويبلغ ، وأجاب عن السؤال الثاني بقوله : { وما كنا مهلكى ~~القرى إلا وأهلها ظالمون } أنفسهم بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فإن بعضهم قد ~~آمن وبعضهم علم الله منهم أنهم سيؤمنون وبعض آخرون علم الله أنهم وإن لم ~~يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمنا . # ! 7 < { ومآ أوتيتم من شىء فمتاع الحيواة الدنيا وزينتها وما عند الله ~~خير وأبقى أفلا تعقلون * أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع ~~الحيواة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين } . > 7 ! # < < # | القصص : ( 60 - 61 ) وما أوتيتم من . . . . . # > > اعلم أن هذا هو الجواب الثالث : عن تلك الشبهة لأن حاصل شبهتهم أن ~~قالوا تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا فبين تعالى أن ذلك خطأ عظيم لأن ما ~~عند الله خير وأبقى ، أما أنه خير فلوجهين أحدهما : أن المنافع هناك أعظم ~~وثانيهما : أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار فيها أكثر ، ~~وأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومنافع الدنيا منقطعة ومتى قوبل ~~المتناهي بغير المتناهي كان عدما فكيف ونصيب كل أحد بالقياس إلى منافع ~~الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر ، فظهر من هذا أن منافع الدنيا لا ~~نسبة لها إلى منافع الآخرة ألبتة فكان من الجهل العظيم ترك ms7105 منافع الآخرة ~~لاستبقاء منافع الدنيا ولما نبه سبحانه على ذلك قال : { أفلا تعقلون } يعني ~~أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجا عن حد العقل ~~، ورحم الله الشافعي حيث قال : من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك ~~الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل ~~وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بالطاعة فكأنه رحمه الله إنما أخذه من ~~هذه الآية ، ثم إنه تعالى أكد هذا الترجيح من وجه آخر وهو أنا لو قدرنا أن ~~نعم الله كانت تنتهي إلى الانقطاع والفناء وما كانت تتصل بالعذاب الدائم ~~لكان صريح العقل يقتضي ترجيح نعم الآخرة PageV25P006 على نعم الدنيا فكيف ~~إذا اتصلت نعم الدنيا بعقاب الآخرة فأي عقل يرتاب في أن نعم الآخرة راجحة ~~عليها ، وهذا هو المراد بقوله : { أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه } ( ~~الصافات : 57 ) فهو يكون كمن أعطاه الله قدرا قليلا من متاع الدنيا ثم يكون ~~في الآخرة من المحضرين للعذاب ، والمقصود أنهم لما قالوا تركنا الدين ~~للدنيا فقال الله لهم لو لم يحصل عقيب دنياكم مضرة العقاب لكان العقل يقتضي ~~ترجيح منافع الآخرة على منافع الدنيا ، فكيف وهذه الدنيا يحصل بعدها العقاب ~~الدائم ، وأورد هذا الكلام على لفظ الاستفهام ليكون أبلغ في الاعتراف ~~بالترجيح وتخصيص لفظ المحضرين بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن قال ~~تعالى : { لكنت من المحضرين } ( الصافات : 57 ) { فإنهم لمحضرون } ( ~~الصافات : 127 ) وفي لفظه إشعار به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإلزام ، ~~وذلك لا يليق بمجالس اللذة إنما يليق بمجالس الضرر والمكاره . # ! 7 < { ويوم يناديهم فيقول أين شركآئى الذين كنتم تزعمون * قال الذين حق ~~عليهم القول ربنا هاؤلاء الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا تبرأنآ إليك ما ~~كانوا إيانا يعبدون * وقيل ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا ~~العذاب لو أنهم كانوا يهتدون * ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين * ~~فعميت عليهم الا نبآء يومئذ فهم لا يتسآءلون } . > 7 @QB@ < # | القصص : ( 62 - 66 ) ويوم يناديهم فيقول . . . . . # > > # /اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر ms7106 في هذه الآية أنه يسأل الكفار يوم القيامة ~~عن ثلاثة أشياء أحدها : قوله : { ويوم يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم ~~تزعمون } لما ثبت أن الكفار يوم القيامة قد عرفوا بطلان ما كانوا عليه ~~وعرفوا صحة التوحيد والنبوة بالضرورة فيقول لهم أين ما كنتم تعبدونه ~~وتجعلونه شريكا في العبادة وتزعمون أنه يشفع ؟ أين هو لينصركم ويخلصكم من ~~هذا الذي نزل بكم . ثم بين تعالى ما يقوله من حق عليه القول ، والمراد من ~~القول هو قوله : { لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } ( هود : 119 ) ~~ومعنى حق عليه القول أي حق عليه مقتضاه ، واختلفوا في أن الذين حق عليهم ~~هذا القول من هم ؟ فقال بعضهم الرؤساء الدعاة إلى الضلال ، وقال بعضهم ~~الشياطين قوله : { ربنا هؤلاء الذين أغوينا } هؤلاء مبتدأ والذين أغوينا ~~صفته والراجع إلى الموصوف محذوف وأغويناهم الخبر والكاف صفة مصدر محذوف ~~تقديره أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا والمراد كما أن غينا باختيارنا ~~فكذا غيهم باختيارهم يعني أن أغواءنا لهم ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا ~~مختارين بالإقدام على تلك العقائد والأعمال ، وهذا معنى ما حكاه الله عن ~~الشيطان أنه قال : { إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } [ ~~إبراهيم : 22 ] PageV25P007 وقال تعالى لإبليس : { إن عبادى ليس لك عليهم ~~سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } ( إبراهيم : 22 ) فقوله : { إلا من اتبعك ~~} ( الحجر : 42 ) يدل على أن ذلك الاتباع لهم من قبل أنفسهم لا من قبل ~~إلجاء الشيطان إلى ذلك ، ثم قال تبرأنا إليك منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ما ~~كانوا إيانا يعبدون إنما كانوا يعبدون أهواءهم ، والحاصل أنهم يتبرءون منهم ~~كما قال تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ( البقرة : 166 ~~) وأيضا فلا يمتنع في قوله تعالى : { أين شركائى } ( النحل : 27 ) أن يريد ~~به هؤلاء الرؤساء والشياطين فإنهم لما أطاعوهم فقد صيروهم لمكان الطاعة ~~بمنزله الشريك لله تعالى ، وإذا حمل الكلام على هذا الوجه كان جوابهم أن ~~يقولوا ms7107 إلهنا هؤلاء ما عبدونا إنما عبدوا أهواءهم الفاسدة / وثانيها : قوله ~~تعالى : { وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } والأقرب أن هذا ~~على سبيل التقرير لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم ، فالمراد أنهم ~~لو دعوهم لم يوجد منهم إجابة في النصرة وأن العذاب ثابت فيهم ، وكل ذلك على ~~وجه التوبيخ ، وفي ذكره ردع وزجر في دار الدنيا ، فأما قوله تعالى : { لو ~~أنهم كانوا يهتدون } فكثير من المفسرين زعموا أن جواب لو محذوف وذكروا فيه ~~وجوها أحدها : قال الضحاك ومقاتل يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو ~~أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة وثانيها : لو أنهم كانوا ~~مهتدين في الدنيا لعلموا أن العذاب حق وثالثها : ودوا حين رأوا العذاب لو ~~كانوا في الدنيا يهتدون ورابعها : لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل ~~لدفعوا به العذاب وخامسها : قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا ~~رأوا العذاب ويؤكد ذلك قوله تعالى : { لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم ~~} ( الشعراء : 201 ) وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقريره وجوه أحدها : أن ~~الله تعالى إذا خاطبهم بقوله : { ادعوا } فههنا يشتد الخوف عليهم ويلحقهم ~~شيء كالسدر والدوار ويصيرون بحيث لا يبصرون شيئا فقال تعالى : { لهم ورأوا ~~العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } شيئا أما لما صاروا من شدة الخوف بحيث لا ~~يبصرون شيئا لا جرم ما رأوا العذاب وثانيها : أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء ~~وهي الأصنام أنهم لا يجيبون الذين دعوهم قال في حقهم { ورأوا العذاب لو ~~أنهم كانوا يهتدون } أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من ~~الأحياء المهتدين ولكنها ليست كذلك فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل قوله : { ~~ورأوا العذاب } ضمير لا يليق إلا بالعقلاء فكيف يصح عوده إلى الأصنام ؟ ~~قلنا هذا كقوله : { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } وإنما ورد ذلك على حسب ~~اعتقاد القوم فكذا ههنا وثالثها : أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب أي ~~والكفار علموا حقية هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون وهذه ms7108 الوجوه عندي ~~خير من الوجوه المبنية على أن جواب لو محذوف فإن ذلك يقتضي تفكيك النظم من ~~الآية الأمر الثالث : من الأمور التي يسأل الله الكفار عنها قوله : { ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين * فعميت عليهم الانباء } ( القصص : 65 ، ~~66 ) أي فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعا لا تهتدي إليهم فهم لا يتساءلون ~~لا يسأل بعضهم بعضا كما يتساءل الناس في المشكلات لأنهم يتساوون جميعا في ~~عمي الأنباء عليهم والعجز عن الجواب ، وقرىء فعميت وإذا كانت الأنبياء لهول ~~ذلك يتعتعون في الجواب عن مثل هذا السؤال ، ويفوضون الأمر إلى علم الله ~~وذلك قوله تعالى : { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم ~~لنا إنك أنت علام الغيوب } ( المائدة : 109 ) فما ظنك بهؤلاء الضلال ، قال ~~القاضي هذه الآية تدل على بطلان القول بالجبر لأن فعلهم لو كان خلقا من ~~الله تعالى ويجب وقوعه بالقدرة والإرادة لما عميت عليهم الأنباء ولقالوا ~~إنما أتينا في تكذيب الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم والقدرة PageV25P008 ~~الموجبة لذلك ، فكانت حجتهم على الله تعالى طاهرة وكذلك القول فيما تقدم ~~لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك في الغواية ، وإنما قبل من ~~دعوته لمثل ذلك / فتكون الحجة لهم في ذلك قوية والعذر ظاهرا والجواب : أن ~~القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والثواب والعقاب ~~إلا ويعيد استدلاله بها ، وكما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف فكذا وجه ~~جوابنا حرف واحد وهو أن علم الله تعالى بعدم الإيمان مع وقوع الإيمان ~~متنافيان لذاتيهما فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمر بإدخال الإيمان في ~~الوجود فقد أمر بالجمع بين الضدين ، والذي اعتمد القاضي عليه في دفع هذا ~~الحرف في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول ~~إنه لا يمكن بل الواجب السكوت ولو أورد الكافر هذا السؤال على ربه لما كان ~~لربه عنه جواب إلا السكوت ، فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهرا فثبت أن ~~الإشكال مشترك والله أعلم ms7109 . # ! 7 < { فأما من تاب وءامن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين * وربك ~~يخلق ما يشآء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون * ~~وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون * وهو الله لاإلاه إلا هو له الحمد فى ~~الا ولى والا خرة وله الحكم وإليه ترجعون } . > 7 ! # < < # | القصص : ( 67 - 70 ) فأما من تاب . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين حال المعذبين من الكفار وما يجري عليهم من ~~التوبيخ أتبعه بذكر من يتوب منهم في الدنيا ترغيبا في التوبة وزجرا عن ~~الثبات على الكفر فقال : { فأما من تاب وءامن وعمل صالحا فعسى أن يكون من ~~المفلحين } وفي عسى وجوه : أحدها : أنه من الكرام تحقيق والله أكرم ~~الأكرمين وثانيها : أن يراد ترجي التائب وطمعه كأنه قال فليطمع في الفلاح ~~وثالثها : عسى أن يكونوا كذلك إن داموا على التوبة والإيمان لجواز أن لا ~~يدوموا ، واعلم أن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى ويقولون : { لولا نزل هاذا ~~القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) يعنون الوليد بن ~~المغيرة أو أبا مسعود الثقفي ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { وربك يخلق ~~ما يشاء ويختار } والمراد أنه المالك المطلق وهو منزه عن النفع والضر فله ~~أن يخص من شاء بما شاء لا اعتراض عليه ألبتة ، وعلى طريقة المعتزلة لما ثبت ~~أنه حكيم مطلق علم أنه كل ما فعله كان حكمة وصوابا فليس لأحد أن يعترض عليه ~~وقوله : { ما كان لهم الخيرة } والخيرة اسم من الاختيار قام مقام المصدر / ~~والخيرة أيضا اسم للمختار يقال محمد خيرة الله في خلقه إذا عرفت هذا فنقول ~~في الآية وجهان : الأول : وهو الأحسن أن يكون تمام الوقف على قوله : { ~~ويختار } ويكون ما نفيا ، والمعنى : { وربك يخلق ما يشاء ويختار } ليس لهم ~~الخيرة إذ ليس لهم أن يختاروا على الله أن يفعل والثاني : أن يكون ما بمعنى ~~الذي فيكون الوقف عند قوله : { وربك يخلق ما يشاء } ثم يقول : { ويختار } ~~ما كان لهم الخيرة ، قال PageV25P009 أبو القاسم الانصاري وهذا متعلق ~~المعتزلة في ms7110 إيجاب الصلاح والأصلح عليه ، وأي صلاح في تكليف من علم أنه لا ~~يؤمن ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله ، فإن قيل لما كلفه ~~استوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا إذا علم ~~قطعا إنه لا يحصل ذلك الأفضل فتوريطه في العقاب الأبدي لا يكون رعاية ~~للمصلحة ، ثم قولهم المستحق خير من المتفضل به جهل لأن ذلك التفاوت إنما ~~يحصل في حق من يستنكف من تفضله ، أما الذي ما حصل الذات والصفات إلا بخلقه ~~وبفضله وإحسانه فكيف يستنكف من تفضله ، ثم قال : { سبحان الله وتعالى عما ~~يشركون } والمقصود أن يعلم أن الخلق والاختيار والاعزاز والإذلال مفوض إليه ~~ليس لأحد فيه شركة ومنازعة ثم أكد ذلك بأنه يعلم ما تكن صدورهم من عداوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يعلنون من مطاعنهم فيه وقولهم هلا اختير ~~غيره في النبوة ، ولما بين علمه بما هم عليه من الغل والحسد والسفاهة قال : ~~{ وهو الله لا إلاه * هو } وفيه تنبيه على كونه قادرا على كل الممكنات ، ~~وعالما بكل المعلومات ، منزها عن النقائص والآفات يجازي المحسنين على ~~طاعتهم ويعاقب العصاة على عصيانهم وفيه نهاية الزجر والردع للعصاة ونهاية ~~تقوية القلب للمطيعين ، ويحتمل أيضا أن لما بين فساد طريق المشركين من قوله ~~: { يوم * يناديهم } فيقول : { أين شركائى } ( النحل : 27 ) ختم الكلام في ~~ذلك بإظهار هذا التوحيد وبيان أن الحمد والثناء لا يليق إلا به . # أما قوله : { له الحمد فى الاولى والاخرة } فو ظاهر على قولنا لأن الثواب ~~غير واجب عليه بل هو سبحانه يعطيه فضلا وإحسانا فله الحمد في الأولى ~~والآخرة ، ويؤكد ذلك قول أهل الجنة { الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن } ( ~~فاطر : 34 ) { الحمد لله الذى صدقنا وعده } ( الزمر : 74 ) { ءاخر * دعواهم ~~أن الحمد لله رب العالمين } ( يونس : 10 ) أما المعتزلة فعندهم الثواب ~~مستحق فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة ، وأما أهل النار فما أنعم عليهم ~~حتى يستحق الحمد منهم ، قال القاضي إنه يستحق الحمد ms7111 والشكر من أهل النار ~~أيضا بما فعله بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والإلطاف وسائر النعم ، ~~لأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله عليهم من أن يوجب الشكر ، وهذا فيه ~~نظر ، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا بالضرورة أن التوبة ~~عن القبائح يجب على الله قبولها وعلموا بالضرورة أن الاشتغال بالشكر الواجب ~~عليهم يوجب على الله الثواب وهم قادرون على ذلك وعالمون بأن بذلك مما ~~يخلصهم عن العذاب ويدخلهم في استحقاق الثواب أفترى أن الإنسان مع العلم ~~بذلك والقدرة عليه يترك هذه التوبة ؟ كلا ، بل لا بد أن يتوبوا وأن يشتغلوا ~~بالشكر ، ومتى فعلوا ذلك فقد بطل العقاب . # / أما قوله : { وله الحكم } فهو إما في الدنيا أو في الآخرة فأما في ~~الدنيا فحكم كل أحد سواه إنما نفذ بحكمه ، فلولا حكمه لما نفذ على العبد ~~حكم سيده ولا على الزوجة حكم زوجها ولا على الابن حكم أبيه ولا على الرعية ~~حكم سلطانهم ولا على الأمة حكم الرسول ، فهو الحاكم في الحقيقة ، وأما في ~~الآخرة فلا شك أنه هو الحاكم ، لأنه الذي يتولى الحكم بين العباد في الآخرة ~~، فينتصف للمظلومين من الظالمين . # أما قوله : { وإليه ترجعون } فالمعنى وإلى محل حكمه وقضائه ترجعون ، فإن ~~كلمة إلى لانتهاء الغاية وهو تعالى منزه من المكان والجهة . # PageV25P010 ! 7 < { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا إلى يوم ~~القيامة من إلاه غير الله يأتيكم بضيآء أفلا تسمعون * قل أرءيتم إن جعل ~~الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إلاه غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه أفلا تبصرون * ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } . > 7 ! # < < # | القصص : ( 71 - 73 ) قل أرأيتم إن . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين من قبل استحقاقه للحمد على وجه الإجمال بقوله ~~: { وهو الله لا إلاه إلا هو له الحمد فى الاولى والاخرة وله الحكم وإليه ~~ترجعون } ( القصص : 70 ) فصل عقيب ذلك ببعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا ~~يقدر عليه سواه ms7112 فقال لرسوله : { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة } فنبه على أن الوجه في كون الليل والنهار نعمتان يتعاقبان ~~على الزمان ، لأن المرء في الدنيا وفي حال التكليف مدفوع إلى أن يتعب ~~لتحصيل ما يحتاج إليه ، ولا يتم له ذلك لولا ضوء النهار ، ولأجله يحصل ~~الاجتماع فيمكن المعاملات ومعلوم أن ذلك لا يتم لولا الراحة والسكون بالليل ~~فلا بد منهما والحالة هذه ، فأما في الجنة فلا نصب ولا تعب فلا حاجة بهم ~~إلى الليل فلذلك يدوم لهم الضياء واللذات ، فبين تعالى أنه لا قادر على ذلك ~~إلا الله تعالى ، وإنما قال : { أفلا تسمعون } / { أفلا تبصرون } لأن الغرض ~~من ذلك الانتفاع بما يسمعون ويبصرون من جهة التدبر فلما لم ينتفعوا نزلوا ~~منزلة من لا يسمع ولا يبصر قال الكلبي قوله : { أفلا تسمعون } معناه أفلا ~~تطيعون من يفعل ذلك وقوله : { أفلا تبصرون } معناه أفلا تبصرون ما أنتم ~~عليه من الخطأ والضلال ، قال صاحب ( الكشاف ) السرمد الدائم المتصل من ~~السرد وهو المتابعة ، ومنه قولهم في الأشهر الحرم ثلاثة سرد وواحد فرد ، ~~فإن قيل هلا قال : بنهار تتصرفون فيه ، كما قيل : بليل تسكنون فيه ؟ قلنا ~~ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة ليس التصرف في ~~المعاش وحده والظلام ليس بتلك المنزلة ، وإنما قرن بالضياء أفلا تسمعون ، ~~لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من درك منافعه ووصف فوائده ، وقرن بالليل ~~أفلا تبصرون لأن غيرك يدرك من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه ، ~~ومن رحمته زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة لتسكنوا في أحدهما وهو ~~الليل ، ولتبتغوا من فضله في الآخر وهو النهار ولأداء الشكر على المنفعتين ~~معا . ! 7 < { ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم تزعمون * ونزعنا ~~من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } . > 7 @QB@ < # | القصص : ( 74 - 75 ) ويوم يناديهم فيقول . . . . . # > > PageV25P011 # اعلم أنه سبحانه لما هجن طريقة المشركين ، أولا ثم ذكر التوحيد ودلائله ، ~~ثانيا عاد ms7113 إلى تهجين طريقتهم مرة أخرى وشرح حالهم في الآخرة فقال : { ويوم ~~يناديهم } أي القيامة فيقول : { أين شركائى الذين كنتم تزعمون } والمعنى ~~أين الذين ادعيتم إلهيتهم لتخلصكم ، أو أين قولكم تقربنا إلى الله زلفى وقد ~~علموا أن لا إله إلا الله فيكون ذلك زائدا في غمهم إذا خوطبوا بهذا القول . # أما قوله : { ونزعنا من كل أمة شهيدا } فالمراد ميزنا واحدا ليشهد عليهم ~~، ثم قال بعضهم هم الأنبياء يشهدون بأنهم بلغوا القوم الدلائل وبلغوا في ~~إيضاحها كل غاية ليعلم أن التقصير منهم فيكون ذلك زائدا في غمهم ، وقال ~~آخرون بل هم الشهداء الذين يشهدون على الناس في كل زمان ويدخل في جملتهم ~~الأنبياء وهذا أقرب لأنه تعالى عم كل أمة وكل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد ~~فيدخل فيه الأحوال التي لم يوجد فيها النبي وهي أزمنة الفترات والأزمنة ~~التي حصلت بعد / محمد صلى الله عليه وسلم فعلموا حينئذ أن الحق لله ولرسله ~~{ وضل عنهم } غاب عنهم غيبة الشىء الضائع { ما كانوا يفترون } من الباطل ~~والكذب . # ! 7 < { إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وءاتيناه من الكنوز مآ إن ~~مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين * وابتغ فيمآ ءاتاك الله الدار الا خرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~وأحسن كمآ أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الا رض إن الله لا يحب ~~المفسدين * قال إنمآ أوتيته على علم عندىأولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله ~~من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } . > ~~7 ! # < < # | القصص : ( 76 - 78 ) إن قارون كان . . . . . # > > اعلم أن نص القرآن يدل على أن قارون كان من قوم موسى عليه السلام ، ~~وظاهر ذلك يدل على أنه كان ممن قد أمن به ولا يبعد أيضا حمله على القرابة ، ~~قال الكلبي : إنه كان ابن عم موسى عليه السلام ، لأنه كان قارون بن يصهر بن ~~قاهث بن لاوى ، وموسى بن عمران بن قاهث بن لاوى ms7114 وقال محمد بن إسحاق إنه كان ~~عم موسى عليه السلام ، لأن موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث وقارون بن يصهر ~~بن قاهث . وعن ابن PageV25P012 عباس أنه كان ابن خالته ، ثم قيل إنه كان ~~يسمى المنور لحسن صورته وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة ، إلا أنه نافق كما ~~نافق السامري . # أما قوله : { فبغى عليهم } ففيه وجوه أحدها : أنه بغى بسبب ماله ، وبغيه ~~أنه استخف بالفقراء ولم يرع لهم حق الإيمان ولا عظمهم مع كثرة أمواله ~~والثاني : أنه من الظلم ، قيل ملكه فرعون على / بني إسرائيل فظلمهم الثالث ~~: قال القفال : بغى عليهم ، أي طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده الرابع ~~: قال الضحاك : طغى عليهم واستطال عليهم فلم يوفقهم في أمر الخامس : قال ~~ابن عباس : تجبر وتكبر عليهم وسخط عليهم السادس : قال شهر بن حوشب : بغيه ~~عليهم أنه زاد عليهم في الثياب شبرا ، وهذا يعود إلى التكبر السابع : قال ~~الكلبي : بغيه عليهم أنه حسد هرون على الحبورة ، يروى أن موسى عليه السلام ~~لما قطع البحر وأغرق الله تعالى فرعون جعل الحبورة لهرون ، فحصلت له النبوة ~~والحبورة وكان صاحب القربان والمذبح ، وكان لموسى الرسالة ، فوجد قارون من ~~ذلك في نفسه ، فقال يا موسى لك الرسالة ، ولهرون الحبورة ، ولست في شيء ولا ~~أصبر أنا على هذا ، فقال موسى عليه السلام : والله ما صنعت ذلك لهرون ولكن ~~الله جعله له ، فقال والله لا أصدقك أبدا حتى تأتيني بآية أعرف بها أن الله ~~جعل ذلك لهرون ، قال فأمر موسى عليه السلام رؤساء بني إسرائيل أن يجىء كل ~~رجل منهم بعصاه ، فجاءوا بها ، فألقاها موسى عليه السلام في قبة له ، وكان ~~ذلك بأمر الله تعالى ، فدعا ربه أن يريهم بيان ذلك ، فباتوا يحرسون عصيهم ~~فأصبحت عصا هرون تهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز ، فقال موسى : يا ~~قارون أما ترى ما صنع الله لهرونا فقال والله ما هذا بأعجب مما تصنع من ~~السحر ، فاعتزل قارون ومعه ناس كثير ، وولى هرون الحبورة والمذبح والقربان ~~، فكان بنو إسرائيل ms7115 يأتون بهداياهم إلى هرون فيضعها في المذبح وتنزل النار ~~من السماء فتأكلها ، واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير المال والتبع من بني ~~إسرائيل ، فما كان يأتي موسى عليه السلام ولا يجالسه ، وروى أبو أمامة ~~الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كان قارون من السبعين ~~المختارة الذين سمعوا كلام الله تعالى ) . # أما قوله : { إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم أولى القوة } ففيه ~~أبحاث : # الأول : قال الكعبي : ألستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف ~~الله مال قارون إلى نفسه بقوله : { وءاتيناه } وأجاب بأنه لا حجة في أنه ~~كان حراما ، ويجوز أن من تقدمه من الملوك جمعوا وكنزوا فظفر قارون بذلك ، ~~وكان هذا الظفر طريق التملك ، أو وصل إليه بالإرث من جهات ، ثم بالتكسب من ~~جهة المضاربات وغيرها وكان الكل محتملا . # البحث الثاني : المفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما يفتح به ، وقيل هي ~~الخزائن وقياس واحدها مفتح بفتح الميم ، ويقال ناء به الحمل إذا أثقله حتى ~~أماله ، والعصبة الجماعة الكثيرة والعصابة مثلها ، فالعشرة عصبة بدليل قوله ~~تعالى في إخوة يوسف عليه السلام : { ونحن عصبة } ( يوسف : 8 ) وكانوا عشرة ~~لأن يوسف وأخاه لم يكونا معهم . # إذا عرفت معنى الألفاظ فنقول : ههنا قولان أحدهما : أن المراد بالمفاتح ~~المفاتيح وهي التي يفتح بها الباب ، قالوا كانت مفاتيحه من جلود الإبل وكل ~~مفتاح مثل إصبع ، وكان لكل خزانة مفتاح ، وكان إذا ركب PageV25P013 قارون ~~حملت المفاتيح على ستين بغلا ، ومن الناس من طعن في هذا القول / من وجهين ~~الأول : أن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ ، ولو أنا قدرنا بلدة ~~مملوءة من الذهب والجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح ، فأي حاجة إلى ~~تكثير هذه المفاتيح الثاني : أن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض ، فلا ~~يجوز أن يكون لها مفاتيح والجواب : عن الأول أن المال إذا كان من جنس ~~العروض ، لا من جنس النقد جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد ، وأيضا فهذا ~~الذي يقال إن تلك المفاتيح بلغت ستين ms7116 حملا ، ليس مذكورا في القرآن فلا تقبل ~~هذه الرواية ، وتفسير القرآن أن تلك المفاتيح كانت كثيرة ، وكان كل واحد ~~منها معينا لشيء آخر ، فكان يثقل على العصبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها ، ~~وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد ، وعن الثاني أن ظاهر الكنز وإن كان من جهة ~~العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق ~~القول الثاني : وهو اختيار ابن عباس والحسن أن تحمل المفاتح على نفس المال ~~وهذا أبين وعن الشبهة أبعد . قال ابن عباس : كانت خزائنه يحملها أربعون ~~رجلا أقوياء ، وكانت خزائنه أربعمائة ألف فيحمل كل رجل عشرة آلاف القول ~~الثالث : وهو اختيار أبي مسلم : أن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله ~~: { وعنده مفاتح الغيب } ( الأنعام : 59 ) والمراد آتيناه من الكنوز ما إن ~~حفظها والاطلاع عليها ليثقل على العصبة أولي القوة والهداية ، أي هذه ~~الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها والقائمين عليها أن يحفظوها ، ~~ثم إنه تعالى بين أنه كان في قومه من وعظه بأمور أحدها : قوله : { لا تفرح ~~إن الله لا يحب الفرحين } والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما ~~يلهيه عن أمر الآخرة أصلا ، وقال بعضهم : إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي ~~بها واطمأن إليها ، فأما من يعلم أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح بها ~~وما أحسن ما قال المتنبي : # % أشد الغم عندي في سرور % % تيقن عنه صاحبه انتقالا % # وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى : { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بما ءاتاكم } ( الحديد : 23 ) قال ابن عباس : كان فرحه ذلك شركا ، لأنه ما ~~كان يخاف معه عقوبة الله تعالى وثانيها : قوله : { وابتغ فيما ءاتاك الله ~~الدار الاخرة } والظاهر أنه كان مقرا بالآخرة ، والمراد أن يصرف المال إلى ~~ما يؤديه إلى الجنة ويسلك طريقة التواضع وثالثها : قوله : { ولا تنس نصيبك ~~من الدنيا } وفيه وجوه أحدها : لعله كان مستغرق الهم في طلب الدنيا فلأجل ~~ذلك ما كان يتفرغ للتنعم والالتذاذ فنهاه الواعظ عن ذلك وثانيها : لما أمره ~~الواعظ بصرف المال ms7117 إلى الآخرة بين له بهذا الكلام أنه لا بأس بالتمتع ~~بالوجوه المباحة وثالثها : المراد منه الإنفاق في طاعة الله فإن ذلك هو ~~نصيب المرء من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب قال عليه السلام : ( فليأخذ ~~العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ، ومن الشبيبة قبل الكبر ، ومن ~~الحياة قبل الموت فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد ~~الدنيا دار إلا الجنة والنار ) ورابعها : قوله : { وأحسن كما أحسن الله ~~إليك } لما أمره / بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقا ويدخل فيه الإعانة ~~بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن الذكر ، وإنما قال : { كما ~~أحسن الله إليك } تنبيها على قوله : { لئن شكرتم لازيدنكم } ( إبراهيم : 7 ~~) وخامسها : قوله : { ولا تبغ الفساد فى الارض } والمراد ما كان عليه من ~~الظلم والبغي وقيل إن هذا القائل هو موسى عليه السلام ، وقال آخرون بل ~~مؤمنو قومه ، وكيف كان فقد جمع في هذا الوعظ ما لو قيل لم يكن عليه مزيد ، ~~لكنه أبى أن يقبل بل زاد عليه بكفر النعمة فقال : إنما أوتيته على علم عندي ~~وفيه وجوه : أحدها : قال PageV25P014 قتادة ومقاتل والكلبي : كان قارون ~~أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال : إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك ~~وثانيها : قال سعيد بن المسيب والضحاك : كان موسى عليه السلام أنزل عليه ~~علم الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وكالب ثلثه ~~فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضة ~~والنحاس فيجعله ذهبا وثالثها : أراد به علمه بوجوه المكاسب والتجارات ~~ورابعها : أن يكون قوله : { إنما أوتيته على علم عندى } أي الله أعطاني ذلك ~~مع كونه عالما بي وبأحوالي فلو لم يكن ذلك مصلحة لما فعل وقوله : { عندى } ~~أي عندي أن الأمر كذلك ، كما يقول المفتى عندي أن الأمر كذلك أي مذهبي ~~واعتقادي ذلك ، ثم أجاب الله تعالى عن كلامه بقوله : { أو لم * يعلم أن ~~الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا } وفيه وجهان ~~: الأول : يجوز أن يكون ms7118 هذا إثباتا لعلمه بأن الله تعالى قد أهلك قبله من ~~القرون من هو أقوى منه وأغنى لأنه قد قرأه في التوراة وأخبر به موسى عليه ~~السلام وسمعه من حفاظ التواريخ كأنه قيل له : أو لم يعلم في جملة ما عنده ~~من العلم هذا حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوته الثاني : يجوز أن يكون نفيا ~~لعلمه بذلك كأنه لما قال أوتيته على علم عندي فتصلف بالعلم وتعظم به ، قيل ~~أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه ، ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة ، ولم ~~يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين ؟ . # أما قوله : { وأكثر جمعا } فالمعنى أكثر جمعا للمال أو أكثر جماعة وعددا ~~، وحاصل الجواب أن اغتراره بماله وقوته وجموعه من الخطأ العظيم ، وأنه ~~تعالى إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك ولا ما يزيد عليه أضعافا . # فأما قوله : { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } فالمراد أن الله تعالى إذا ~~عاقب المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم وكميتها ، لأنه ~~تعالى عالم بكل المعلومات فلا حاجة به إلى السؤال ، فإن قيل كيف الجمع بينه ~~وبين قوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } ( الحجر : 92 ) قلنا يحمل ذلك على ~~وقتين على ما قررناه ، وذكر أبو مسلم وجها آخر فقال : السؤال قد يكون ~~للمحاسبة ، وقد يكون للتقرير والتبكيت ، وقد يكون للاستعتاب ، وأليق الوجوه ~~بهذه الآية الاستعتاب لقوله : { ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون } ~~( النحل : 84 ) { هاذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون } ( المرسلات ~~35 / 36 ) . # ! 7 < { فخرج على قومه فى زينته قال الذين يريدون الحيواة الدنيا ياليت ~~لنا مثل مآ أوتى قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ~~ثواب الله خير لمن ءامن وعمل صالحا ولا يلقاهآ إلا الصابرون * فخسفنا به ~~وبداره الا رض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ~~} . > 7 @QB@ < # | القصص : ( 79 - 81 ) فخرج على قومه . . . . . # > > PageV25P015 # / أما قوله : { فخرج على قومه فى زينته } فيدل على أنه خرج بأظهر زينة ~~وأكملها ms7119 وليس في القرآن إلا هذا القدر ، إلا أن الناس ذكروا وجوها مختلفة ~~في كيفية تلك الزينة ، قال مقاتل خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب ومعه ~~أربعة آلاف فارس على الخيول وعليها الثياب الأرجوانية ومعه ثلثمائة جارية ~~بيض عليهن الحلى والثياب الحمر على البغال الشهب ، وقال بعضهم : بل خرج في ~~تسعين ألفا هكذا ، وقال آخرون بل على ثلثمائة . والأولى ترك هذه التقريرات ~~لأنها متعارضة ، ثم إن الناس لما رأوه على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب ~~في الدنيا { الدنيا ياليت لنا مثل ما أوتى قارون } من هذه الأمور والأموال ~~، والراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبون ~~الدنيا ، وأما العلماء وأهل الدين فقالوا للذين تمنوا هذا ويلكم ثواب الله ~~خير من هذه النعم ، لأن للثواب منافع عظيمة وخالصة عن شوائب المضار ودائمة ~~، وهذه النعم العاجلة على الضد من هذه الصفات الثلاث ، قال صاحب ( الكشاف ) ~~: ويلك أصله الدعاء بالهلاك ، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما ~~لا يرتضى . # أما قوله : { ولا يلقاها إلا الصابرون } فقال المفسرون : لا يوفق لها ~~والضمير في يلقاها إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان أحدهما : إلى ما دل عليه قوله ~~: { وعمل صالحا فأولئك } يعني هذه الأعمال لا يؤتاها إلا الصابرون والثاني ~~: قال الزجاج : يعني ، ولا يلقى هذه الكلمة وهي قولهم ثواب الله خير إلا ~~الصابرون على أداء الطاعات والاحتراز عن المحرمات ، وعلى الرضا بقضاء الله ~~في كل ما قسم من المنافع والمضار . # / وأما قوله : { فخسفنا به وبداره الارض } ففيه وجهان أحدهما : أنه لما ~~أشر وبطر وعتا خسف الله به وبداره الأرض جزاء على عتوه وبطره ، والفاء تدل ~~على ذلك ، لأن الفاء تشعر بالعلية وثانيها : قيل إن قارون كان يؤذي نبي ~~الله موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي بينهما حتى نزلت ~~الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار ، وعن كل ألف درهم على درهم فحسبه ~~فاستكثره فشحت نفسه فجمع بني إسرائيل ، وقال : إن موسى يريد أن يأخذ ms7120 ~~أموالكم فقالوا : أنت سيدنا وكبيرنا فمرنا بما شئت ، قال : نبرطل فلانة ~~البغي حتى تنسبه إلى نفسها فيرفضه بنو إسرائيل فجعل لها طستا من ذهب مملوءا ~~ذهبا فلما كان يوم عيد قام موسى فقال : يا بني إسرائيل من سرق قطعناه ، ومن ~~زنى وهو ( غير ) محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه ، فقال قارون وإن كنت أنت ؟ ~~قال : وإن كنت أنا ، قال : فإن بني إسرائيل يقولون إنك فجرت بفلانة فأحضرت ~~فناشدها موسى بالله الذي فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله ~~تعالى ، فقالت : كذبوا بل جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي ، فخر موسى ~~ساجدا يبكي ، وقال : يا رب إن كنت رسولك فاغضب لي ، فأوحى الله عز وجل إليه ~~أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك ، فقال : يا بني إسرائيل إن الله بعثني ~~إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليلزم مكانه ومن كان معي ~~فليعتزل فاعتزلوا جميعا غير رجلين / ثم قال : يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ~~الركب ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط ثم قال : خذيهم فأخذتهم إلى ~~الأعناق وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى عليه السلام ويناشدونه بالله ~~والرحم ، وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه ، ثم قال : خذيهم فانطبقت الأرض ~~عليهم فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام ما أفظك استغاثوا بك مرارا ~~فلم ترحمهم ، أما وعزتي لودعوني مرة واحدة لوجدوني قريبا مجيبا فأصبحت بنو ~~إسرائيل يتناجون PageV25P016 بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره ~~وكنوزه فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله ، ثم إن قارون يخسف به كل يوم مائة ~~قامة ، قال القاضي : إذا هلك بالخسف فسواء نزل عن ظاهر الأرض إلى الأرض ~~السابعة أو دون ذلك فإنه لا يمتنع ما روى على وجه المبالغة في الزجر ، وأما ~~قولهم إنه تعالى قال لو استغاث بي لأغثته ، فإن صح حمل على استغاثة مقرونة ~~بالتوبة فأما وهو ثابت على ما هو عليه مع أنه تعالى هو الذي حكم بذلك الخسف ~~لأن موسى عليه السلام ما فعله إلا عن أمره فبعيد ms7121 ، وقولهم إنه يتجلجل في ~~الأرض أبدا فبعيد لأنه لا بد له من نهاية وكذا القول فيما ذكر من عدد ~~القامات ، والذي عندي في أمثال هذه الحكايات أنها قليلة الفائدة لأنها من ~~باب أخبار الآحاد فلا تفيد اليقين ، وليست المسألة مسألة عملية حتى يكتفى ~~فيها بالظن ، ثم إنها في أكثر الأمر متعارضة مضطربة فالأولى طرحها ~~والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب . # أما قوله : { وما كان من } فالمراد من المنتقمين من موسى أو من الممتنعين ~~من عذاب / الله تعالى يقال نصره من عدوه فانتصر ، أي منعه منه فامتنع . # ! 7 < { وأصبح الذين تمنوا مكانه بالا مس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق ~~لمن يشآء من عباده ويقدر لولاأن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون * تلك الدار الا خرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الا رض ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين } . > 7 ! # < < # | القصص : ( 82 - 83 ) وأصبح الذين تمنوا . . . . . # > > اعلم أن القوم الذين شاهدوا قارون في زينته لما شاهدوا ما نزل به من ~~الخسف صار ذلك زاجرا لهم عن حب الدنيا ومخالفة موسى عليه السلام وداعيا إلى ~~الرضا بقضاء الله تعالى وقسمته وإلى إظهار الطاعة والانقياد لأنبياء الله ~~ورسله . # أما قوله : { يقولون ويكأن الله } فاعلم أن وي كلمة مفصولة عن كأن وهي ~~كلمة مستعملة عند التنبه للخطأ وإظهار التندم ، فلما قالوا : { الدنيا ~~ياليت لنا مثل ما أوتى قارون } ( القصص : 79 ) ثم شاهدوا الخسف تنبهوا ~~لخطئهم فقالوا : وي ثم قالوا : كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده بحسب ~~مشيئته وحكمته لا لكرامته عليه ، ويضيق على من يشاء لا لهوان من يضيق عليه ~~بل لحكمته وقضائه ابتلاء وفتنة قال سيبويه : سألت الخليل عن هذا الحرف فقال ~~إن وي مفصولة من كان وأن القوم تنبهوا وقالوا متندمين على ما سلف منهم وي . ~~وذكر الفراء وجهين أحدهما : أن المعنى ويلك فحذف اللام وإنما جاز هذا الحذف ~~لكثرتها في الكلام وجعل أن مفتوحة بفعل مضمر كأنه قال ويلك اعلم أن الله ms7122 ، ~~وهذا قول قطرب حكاه عن يونس الثاني : وي منفصلة من كأن وهو للتعجب يقول ~~الرجل لغيره وي أما ترى ما بين يديك فقال الله وي ثم استأنف كان الله يبسط ~~فالله تعالى إنما ذكرها تعجيبا لخلقه ، قال الواحدي : وهذا وجه مستقيم غير ~~أن العرب لم تكتبها منفصلة ولو كان على ما قالوه لكتبوها PageV25P017 ~~منفصلة ، وأجاب الأولون بأن خط المصحف لا يقاس عليه ، ثم قالوا : { لولا أن ~~من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون } وهذا تأكيد لما قبله . # أما قوله : { تلك الدار الاخرة } فتعظيم لها وتفخيم لشأنها يعني تلك التي ~~سمعت بذكرها وبلغك وصفها ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد ، ولكن بترك ~~إرادتهما وميل القلب إليهما ، وعن علي / عليه السلام : إن الرجل ليعجبه أن ~~يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها ، قال صاحب ( الكشاف ) ~~: ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون لقوله : { إن فرعون علا فى الارض } ( ~~القصص : 4 ) والفساد لقارون لقوله : { ولا تبغ الفساد فى الارض } ( القصص : ~~القصص : 77 ) ويقول من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة ولا ~~يتدبر قوله : { والعاقبة للمتقين } كما تدبره علي بن أبي طالب عليه السلام ~~. # ! 7 < { من جآء بالحسنة فله خير منها ومن جآء بالسيئة فلا يجزى الذين ~~عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون * إن الذى فرض عليك القرءان لرآدك إلى ~~معاد قل ربىأعلم من جآء بالهدى ومن هو فى ضلال مبين * وما كنت ترجوأن يلقى ~~إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين * ولا يصدنك عن ~~ءايات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين * ولا ~~تدع مع الله إلاها ءاخر لا إلاه إلا هو كل شىء هالك إلا وجهه له الحكم ~~وإليه ترجعون } . > 7 ! # < < # | القصص : ( 84 - 88 ) من جاء بالحسنة . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علوا في الأرض ~~ولا فسادا ، بل هي للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل لهم فقال : { من جاء ~~بالحسنة فله ms7123 خير منها } وفيه وجوه أحدهما : المعنى من جاء بالحسنة حصل له ~~من تلك الكلمة خير وثانيها : حصل له شيء هو أفضل من تلك الحسنة ، ومعناه ~~أنهم يزادون على ثوابهم وقد مر تفسيره في آخر النمل ، وأما قوله : { ومن ~~جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } فظاهره أن ~~لا يزادوا على ما يستحقون . / وإذا صح ذلك في السيئات دل أن المراد في ~~الحسنات بما هو خير منها ما ذكرناه من مزيد الفضل على الثواب ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) تقدير الآية : ومن جاء بالسيئة فلا يجزون إلا ما كانوا يعملون ، ~~لكنه كرر ذلك لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكررا فضل تهجين لحالهم وزيادة ~~تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين ، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة ~~إلا مثلها ، ويجزي بالحسنة عشر أمثالها ، وههنا سؤالان : PageV25P018 # السؤال الأول : قال تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها } ~~( الإسراء : 7 ) كرر ذلك الإحسان واكتفى بذكر الإساءة بمرة واحدة ، وفي هذه ~~الآية كرر ذكر الإساءة مرتين واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة ، فما السبب ~~؟ الجواب : لأن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة ، فكانت المبالغة ~~في الزجر عن المعصية لائقة بهذا الباب ، لأن المبالغة في الزجر عن المعصية ~~مبالغة في الدعوة إلى الآخرة . وأما الآية الآخرى فهي شرح حالهم فكانت ~~المبالغة في ذكر محاسنهم أولى . # السؤال الثاني : كيف قال : لا تجزي السيئة إلا بمثلها ؟ مع أن المتكلم ~~بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد والجواب : لأنه كان على عزم ~~أنه لو عاش أبدا لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه . قال الجبائي : وهذا يدل على ~~بطلان مذهب من يجوز على الله تعالى أن يعذب الأطفال عذابا دائما بغير جرم ، ~~قلنا لا يجوز أن يفعله وليس في الآية ما يدل عليه ، ثم إنه سبحانه لما شرح ~~لرسوله أمر القيامة واستقصى في ذلك ، شرح له ما يتصل بأحواله فقال : { إن ~~الذى فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد } قال أبو علي : الذي فرض عليك ~~أحكامه ms7124 وفرائضه لرادك بعد الموت إلى معاد ، وتنكير المعاد لتعظيمه ، كأنه ~~قال إلى معاد وأي معاد ، أي ليس لغيرك من البشر مثله . وقيل المراد به مكة ~~، ووجهه أن يراد برده إليها يوم الفتح ، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك ~~اليوم معادا له شأن عظيم لاستيلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها ~~وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال حزب الكفر والسورة مكية / فكأن الله ~~تعالى وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها ~~ظاهرا ظافرا . وقال مقاتل : إنه عليه السلام خرج من الغار وسار في غير ~~الطريق مخافة الطلب ، فلما أمن رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة ~~والمدينة ، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه ، فنزل ~~جبريل عليه السلام وقال : تشتاق إلى بلدك ومولدك ، فقال عليه السلام : نعم ~~، فقال جبريل عليه السلام : فإن الله تعالى يقول : { إن الذى فرض عليك ~~القرءان لرادك إلى معاد } يعني إلى مكة ظاهرا عليهم وهذا أقرب ، لأن ظاهر ~~المعاد أنه كان فيه وفارقه وحصل العود ، وذلك لا يليق إلا بمكة ، وإن كان ~~سائر الوجوه محتملا لكن ذلك أقرب ، قال أهل التحقيق : وهذا أحد ما يدل على ~~نبوته ، لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر فيكون معجزا ، ثم قال { قل ربى ~~أعلم من جاء بالهدى ومن هو فى ضلال مبين } ووجه تعلقه بما قبله أن / الله ~~تعالى وعد رسوله الرد إلى معاد ، قال : { قل } للمشركين { ربى أعلم من جاء ~~بالهدى } يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى ~~مكة { ومن هو فى ضلال مبين } يعنيهم وما يستحقون من العقاب في معادهم ، ثم ~~قال لرسوله { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك } ففي كلمة ~~إلا وجهان أحدهما : أنها للاستثناء ، ثم قال صاحب ( الكشاف ) : هذا كلام ~~محمول على المعنى كأنه قيل : ( وما ألقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ) ~~ويمكن أيضا إجراؤه على ظاهره ، أي وما كنت ترجو إلا أن يرحمك الله برحمته ms7125 ~~فينعم عليك بذلك ، أي ما كنت ترجو إلا على هذا والوجه الثاني : أن إلا ~~بمعنى لكن للاستدراك ، أي ولكن رحمة من ربك ألقى إليك ونظيره قوله : { وما ~~كنت بجانب الطور إذ نادينا ولاكن رحمة من ربك } ( القصص : 46 ) خصصك به ، ~~ثم إنه كلفه بأمور أحدها : كلفه بأن لا يكون مظاهرا للكفار فقال : { فلا ~~تكونن ظهيرا للكافرين } وثانيها : أن قال : { ولا يصدنك عن ءايات الله بعد ~~إذ أنزلت إليك } الميل إلى المشركين ، قال الضحاك وذلك حين دعوه إلى دين ~~آبائه ليزوجوه ويقاسموه شطرا من مالهم ، أي لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تركن ~~إلى قولهم فيصدوك عن اتباع آيات الله وثالثها : قوله : { وادع إلى ربك } أي ~~: PageV25P019 إلى دين ربك ، وأراد التشدد في دعاء الكفار والمشركين ، ~~فلذلك قال : { ولا تكونن من المشركين } لأن من رضي بطريقتهم أو مال إليهم ~~كان منهم ورابعها : قوله : { ولا تدع مع الله إلاها ءاخر } وهذا وإن كان ~~واجبا على الكل إلا أنه تعالى خاطبه به خصوصا لأجل التعظيم ، فإن قيل ~~الرسول كان معلوما منه أن لا يفعل شيئا من ذلك ألبتة فما فائدة هذا النهي ؟ ~~قلنا لعل الخطاب معه ولكن المراد غيره ، ويجوز أن يكون المعنى لا تعتمد على ~~غير الله ولا تتخذ غيره وكيلا في أمورك ، فإن من وثق بغير الله تعالى فكأنه ~~لم يكمل طريقه في التوحيد ، ثم بين أنه لا إله إلا هو ، أي لا نافع ولا ضار ~~ولا معطي ولا مانع إلا هو ، كقوله : { رب المشرق والمغرب لا إلاه إلا هو ~~فاتخذه وكيلا } ( المزمل : 9 ) فلا يجوز اتخاذ إله سواء ، ثم قال : { كل ~~شىء هالك إلا وجهه } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في قوله : { كل شىء هالك } فمن الناس من فسر ~~الهلاك بالعدم ، والمعنى أن الله تعالى يعدم كل شيء سواه ، ومنهم من فسر ~~الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعا به ، إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء / وإن ~~كانت أجزاؤه باقية ، فإنه يقال هلك الثوب وهلك المتاع ولا يريدون به فناء ~~أجزائه ، بل خروجه عن كونه ms7126 منتفعا به ، ومنهم من قال : معنى كونه هالكا ~~كونه قابلا للهلاك في ذاته ، فإن كل ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ما كان ~~ممكن الوجود كان قابلا للعدم فكان قابلا للهلاك ، فأطلق عليه اسم الهلاك ~~نظرا إلى هذا الوجه . # واعلم أن المتكلمين لما أرادوا إقامة الدلالة على أن كل شيء سوى الله ~~تعالى يقبل العدم والهلاك قالوا : ثبت أن العالم محدث ، وكل ما كان محدثا ~~فإن حقيقته قابلة للعدم والوجود ، وكل ما كان كذلك وجب أن يبقى على هذه ~~الحالة أبدا ، لأن الإمكان من لوازم الماهية ، ولازم الماهية / لا يزول قط ~~، إلا أنا لما نظرنا في هذه الدلالة ما وجدناها وافية بهذا الغرض ، لأنهم ~~إنما أقاموا الدلالة على حدوث الأجسام والأعراض ، فلو قدروا على إقامة ~~الدلالة على أن ما سوى الله تعالى إما متحيز أو قائم بالمتحيز لتم غرضهم ، ~~إلا أن الخصم يثبت موجودات لا متحيزة ولا قائمة بالمتحيز ، فالدليل الذي ~~يبين حدوث المتحيز والقائم بالمتحيز لا يبين حدوث كل ما سوى الله تعالى إلا ~~بعد قيام الدلالة على نفي ذلك القسم الثالث ، ولهم في نفي هذا القسم الثالث ~~طريقان أحدهما : قولهم لا دليل عليه فوجب نفيه وهذه طريقة ركيكة بينا ~~سقوطها في الكتب الكلامية والثاني : قولهم لو وجد موجود هكذا لكان مشاركا ~~لله تعالى في نفي المكان والزمان والإمكان ، ولو كان كذلك لصار مثلا لله ~~تعالى وهو ضعيف ، لاحتمال أن يقال إنهما وإن اشتركا في هذا السلب إلا أنه ~~يتميز كل واحد منهما عن الآخر بماهية وحقيقة ، وإذا كان كذلك ظهر أن دليلهم ~~العقلي لا يفي بإثبات أن كل شيء هالك إلا وجهه ، والذي يعتمد عليه في هذا ~~الباب أن نقول ثبت أن صانع العالم واجب الوجود لذاته فيستحيل وجود موجود ~~آخر واجب لذاته ، وإلا لاشتركا في الوجوب وامتاز كل واحد منهما عن الآخر ~~بخصوصيته ، وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيكون كل واحد منهما مركبا ~~عما به المشاركة وعما به الممايزة وكل مركب ممكن مفتقر إلى جزئه ms7127 ، ثم إن ~~الجزأين إن كانا واجبين كانا مشتركين في الوجوب ومتمايزين باعتبار آخر ~~فيلزم تركب كل واحد منهما أيضا ويلزم التسلسل وهو محال ، وإن لم يكونا ~~واجبين فالمركب عنهما المفتقر إليهما أولى أن لا يكون واجبا ، فثبت أن واجب ~~الوجود واحد وأن كل ما عداه فهو ممكن وكل ممكن فلا بد له من مرجح ، ~~وافتقاره إلى المرجح ، إما حال عدمه أو حال وجوده ، فإن كان الأول ~~PageV25P020 ثبت أنه محدث ، وإن كان الثاني فافتقار الموجود إلى المؤثر ، ~~إما حال حدوثه أو حال بقائه ، والثاني باطل لأنه يلزم إيجاد الموجود وهو ~~محال فثبت أن الافتقار لا يحصل إلا حال الحدوث ، وثبت أن كل ما سوى الله ~~تعالى محدث سواء كان متحيزا أو قائما بالمتحيز أو لا متحيزا ولا قائما ~~بالمتحيز ، فإن نقضت هذه الدلالة بذات الله وصفاته ، فاعلم أن هناك فرقا ~~قويا وإذا ثبت حدوث كل ما سواه وثبت أن كل ما كان محدثا كان قابلا للعدم ~~ثبت بهذا البرهان الباهر أن كل شيء هالك إلا وجهه ، بمعنى كونه قابلا ~~للهلاك والعدم ، ثم إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا هذا أولى وذلك لأنه ~~سبحانه حكم بكونها هالكة في الحال ، وعلى ما قلناه فهي هالكة في الحال ، ~~وعلى ما قلتموه أنها ستهلك لا إنها هالكة في الحال ، فكان قولنا أولى وأيضا ~~فالممكن إذا وجد من حيث هو لم يكن مستحقا لا للوجود ولا للعدم من ذاته ، ~~فهذه الاستحقاقية مستحقة له من ذاته ، وأما الوجود فوارد عليه من الخارج ~~فالوجود له كالثوب المستعار له وهو من حيث هو هو كالإنسان الفقير الذي ~~استعار ثوبا من رجل غني ، فإن الفقير لا يخرج بسبب ذلك عن كونه فقيرا كذا ~~الممكنات عارية عن الوجود من حيث هي هي / وإنما الوجود ثوب حصل لها ~~بالعارية فصح أنها أبدا هالكة من حيث هي هي ، أما الذين حملوه على أنها / ~~ستعدم فقد احتجوا بأن قالوا : الهلاك في اللغة له معنيان أحدهما : خروج ~~الشيء عن أن يكون منتفعا به الثاني : الفناء ms7128 والعدم لا جائز حمل اللفظ على ~~الأول لأن هلاكها بمعنى خروجها عن حد الانتفاع محال ، لأنها وإن تفرقت ~~أجزاؤها فإنها منتفع بها لأن النفع المطلوب كونها بحيث يمكن أن يستدل بها ~~على وجود الصانع القديم ، وهذه المنفعة باقية سواء بقيت متفرقة أو مجتمعة ، ~~وسواء بقيت موجودة أو صارت معدومة . وإذا تعذر حمل الهلاك على هذا الوجه ~~وجب حمله على الفناء . أجاب من حمل الهلاك على التفرق قال : هلاك الشيء ~~خروجه عن المنفعة التي يكون الشيء مطلوبا لأجلها ، فإذا مات الإنسان قيل ~~هلك لأن الصفة المطلوبة منه حياته وعقله ، وإذا تمزق الثوب قيل هلك ، لأن ~~المقصود منه صلاحيته للبس ، فإذا تفرقت أجزاء العالم خرجت السموات والكواكب ~~والجبال والبحار عن صفاتها التي لأجلها كانت منتفعا بها انتفاعا خاصا ، فلا ~~جرم صح إطلاق اسم الهالك عليها فأما صحة الاستدلال بها على الصانع سبحانه ~~فهذه المنفعة ليست منفعة خاصة بالشمس من حيث هي شمس والقمر من حيث هو قمر ، ~~فلم يلزم من بقائها أن لا يطلق عليها اسم الهالك ثم احتجوا على بقاء أجزاء ~~العالم بقوله : { يوم تبدل الارض غير الارض } ( إبراهيم : 48 ) وهذا صريح ~~بأن تلك الأجزاء باقية إلا أنها صارت متصفة بصفة أخرى فهذا ما في هذا ~~الموضع . # المسألة الثانية : احتج أهل التوحيد بهذه الآية على أن الله تعالى شيء ، ~~قالوا لأنه استثنى من قوله : { كل شىء } استثناء يخرج ما لولاه لوجب أو لصح ~~دخوله تحت اللفظ ، فوجب كونه شيئا يؤكده ما ذكرناه في سورة الأنعام ، وهو ~~قوله : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله } ( الأنعام : 19 ) واحتجاجهم على ~~أنه ليس بشيء بقوله : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) والكاف معناه ~~المثل فتقدير الآية ليس مثل مثله شيء ومثل مثل الله هو الله فوجب أن لا ~~يكون الله شيئا ، جوابه : أن الكاف صلة زائدة . # المسألة الثالثة : استدلت المجسمة بهذه الآية على أن الله تعالى جسم من ~~وجهين الأول : قالوا الآية صريحة في إثبات الوجه وذلك يقتضي الجسمية ~~والثاني : قوله : { وإليه ترجعون } وكلمة إلى ms7129 لانتهاء الغاية وذلك لا يعقل ~~إلا في الأجسام والجواب : لو صح هذا الكلام يلزم أن يفنى جميع أعضائه وأن ~~لا يبقى منه PageV25P021 إلا الوجه ، وقد التزم ذلك بعض المشبهة من الرافضة ~~. وهو بيان ابن سمعان وذلك لا يقول به عاقل ، ثم من الناس من قال الوجه هو ~~الوجود والحقيقة يقال وجه هذا الأمر كذا أي حقيقته ، ومنهم من قال الوجه ~~صلة ، والمراد كل شيء هالك إلا هو ، وأما كلمة إلى فالمعنى وإلى موضع حكمه ~~وقضائه ترجعون . # المسألة الرابعة : استدلت المعتزلة به على أن الجنة والنار غير مخلوقتين ~~، قالوا لأن الآية تقتضي فناء الكل فلو كانتا مخلوقتين لفنيتا ، وهذا يناقض ~~قوله تعالى في صفة الجنة : { أكلها دائم } ( الرعد : 35 ) والجواب : هذا ~~معارض بقوله تعالى في صفة الجنة : { أعدت } ( آل عمران : 133 ) وفي صفة ~~النار { التى وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } ( البقرة : 24 ) ثم ~~إما أن يحمل قوله : { كل شىء هالك } على الأكثر ، كقوله : / { وأوتيت من كل ~~شىء } ( النمل : 23 ) أو يحمل قوله : { أكلها دائم } على أن زمان فنائهما ~~لما كان قليلا بالنسبة إلى زمان بقائهما لا جرم أطلق لفظ الدوام عليه . # المسألة الخامسة : قوله : { كل شىء هالك } يدل على أن الذات ذات بالفعل ، ~~لأنه حكم بالهلاك على الشيء فدل على أن الشيء في كونه شيئا قابل للهلاك / ~~فوجب أن لا يكون المعدوم شيئا والله أعلم . والحمد لله رب العالمين . # PageV25P022 < # > 1 ( سورة العنكبوت ) 1 < # > # مكية وقيل مدنية وقيل نزلت من أولها إلى رأس عشر بمكة # وباقيها بالمدينة أو نزل إلى آخر العشر بالمدينة # وباقيها بمكة وبالعكس ، وهي سبعون أو تسع وستون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { الم* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون } . > ~~7 ! # < < # | العنكبوت : ( 1 - 2 ) الم # > > المسألة الأولى : في تعلق أول هذه السورة بما قبلها وفيه وجوه الأول ~~: لما قال الله تعالى قبل هذه السورة : { إن الذى فرض عليك القرءان لرادك ~~إلى معاد } ( القصص : 85 ) وكان المراد منه أن يرده إلى مكة ظاهرا غالبا ~~على ms7130 الكفار ظافرا طالبا للثأر ، وكان فيه احتمال مشاق القتال صعب على البعض ~~ذلك فقال الله تعالى : { الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا } ولا ~~يؤمروا بالجهاد الوجه الثاني : هو أنه تعالى لما قال في أواخر السورة ~~المتقدمة { وادع إلى ربك } ( القصص : 87 ) وكان في الدعاء إليه الطعان ~~والحراب والضراب ، لأن النبي عليه السلام وأصحابه كانوا مأمورين بالجهاد إن ~~لم يؤمن الكفار بمجرد الدعاء فشق على البعض ذلك فقال : { أحسب الناس أن ~~يتركوا } الوجه الثالث : هو أنه تعالى لما قال في آخر السورة المتقدمة { كل ~~شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) ذكر بعده ما يبطل قول المنكرين للحشر ~~فقال : { له الحكم وإليه ترجعون } يعني ليس كل شيء هالكا من غير رجوع بل كل ~~هالك وله رجوع إلى الله . إذا تبين هذا ، فاعليم أن منكري الحشر يقولون لا ~~فائدة في التكاليف فإنها مشاق في الحال ولا فائدة لها في المآل إذ لا مآل ~~ولا مرجع بعد الهلاك والزوال ، فلا فائدة فيها . فلما بين الله أنهم إليه ~~يرجعون بين أن الأمر ليس على ما حسبوه ، بل حسن التكليف ليثيب / الشكور ~~ويعذب الكفور فقال : { أحسب الناس أن يتركوا } غير مكلفين من غير عمل ~~يرجعون به إلى ربهم . PageV25P023 # المسألة الثانية : في حكمة افتتاح هذه السورة بحروف من التهجي ، ولنقدم ~~عليه كلاما كليا في افتتاح السور بالحروف فنقول : الحكيم إذا خاطب من يكون ~~محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال يقدم على الكلام ~~المقصود شيئا غيره ليلتفت المخاطب بسببه إليه ويقبل بقلبه عليه ، ثم يشرع ~~في المقصود . إذا ثبت هذا فنقول ذلك المقدم على المقصود قد يكون كلاما له ~~معنى مفعوم ، كقول القائل اسمع ، واجعل بالك إلى ، وكن لي ، وقد يكون شيئا ~~هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل أزيد ويازيد وألا يازيد ، وقد يكون ~~ذلك المقدم على المقصود صوتا غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه ، ~~وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الإنسان بيديه ليقبل السامع عليه . ~~ثم ms7131 إن موقع الغفلة كلما كان أتم والكلام المقصود كان أهم ، كان المقدم على ~~المقصود أكثر . ولهذا ينادي القريب بالهمزة فيقال أزيد والبعيد بيا فيقال ~~يا زيد ، والغافل ينبه أولا فيقال ألا يا زيد . إذا ثبت هذا فنقول إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإن كان يقظان الجنان لكنه إنسان يشغله شأن عن شأن فكان ~~يحسن من الحكيم أن يقدم على الكلام المقصود حروفا هي كالمنبهات ، ثم إن تلك ~~الحروف إذا لم تكن بحيث يفهم معناها تكون أتم في إفادة المقصود الذي هو ~~التنبيه من تقديم الحروف التي لها معنى ، لأن تقديم الحروف إذا كان لإقبال ~~السامع على المتكلم لسماع ما بعد ذلك فإذا كان ذلك المقدم كلاما منظوما ~~وقولا مفهوما فإذا سمعه السامع ربما يظن أنه كل المقصود ولا كلام له بعد ~~ذلك فيقطع الإلتفات عنه . أما إذا سمع منه صوتا بلا معنى يقبل عليه ولا ~~يقطع نظره عنه ما لم يسمع غيره لجزمه بأن ما سمعه ليس هو المقصود ، فاذن ~~تقديم الحروف التي لا معنى لها في الوضع على الكلام المقصود فيه حكمة بالغة ~~، فإن قال قائل فما الحكمة في اختصاص بعض السور بهذه الحروف ؟ فنقول عقل ~~البشر عن إدراك الأشياء الجزئية على تفاصيلها عاجز والله أعلم بجميع ~~الأشياء ، لكن نذكر ما يوفقنا الله له فنقول كل سورة في أوائلها حروف ~~التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى : { ~~الم * ذالك الكتاب } ( البقرة : 1 ، 2 ) { الم * الله لا إلاه إلا هو الحى ~~القيوم * نزل عليك الكتاب } ( آل عمران : 1 3 ) ، { المص * كتاب أنزل إليك ~~} ( الأعراف : 1 ، 2 ) ، { يس * والقرءان } ( يس : 1 ، 2 ) ، { ص والقرءان ~~} ( ص: 1 ) { ق والقرءان } ( ق: 1 ) ، { الم * تنزيل الكتاب } ( السجدة : 1 ~~، 2 ) ، { حم * تنزيل الكتاب } ( الجاثية : 1 ، 2 ) إلا ثلاث سور { * ~~كهعيص} ( مريم : 1 ) ، { الضالين الم * أحسب الناس } ، { الم * غلبت الروم ~~} ( الروم : 1 ، 2 ) والحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل ~~أو الكتاب بالحروف هي أن القرآن عظيم والإنزال ms7132 له ثقل والكتاب له عبء كما ~~قال تعالى : { إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا } ( المزمل : 5 ) وكل سورة في ~~أولها ذكر القرآن والكتاب والتنزيل قدم عليها منبه يوجب ثبات المخاطب ~~لاستماعه ، لا يقال كل سورة قرآن واستماعه استماع القرآن سواء كان فيها ذكر ~~القرآن لفظا أو لم يكن ، فكان الواجب أن يكون في أوائل كل سورة منبه ، ~~وأيضا فقد وردت / سورة فيها ذكر الإنزال والكتاب ولم يذكر قلبها حروف كقوله ~~تعالى : { الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب } ( الكهف : 1 ) وقوله : { ~~سورة أنزلناها } ( النور : 1 ) وقوله : { تبارك الذى نزل الفرقان } ( ~~الفرقان : 1 ) وقوله : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) لأنا ~~نقول جوابا عن الأول لا ريب في أن كل سورة من القرآن لكن السورة التي فيها ~~ذكر القرآن والكتاب مع أنها من القرآن تنبه على كل القرآن فإن قوله تعالى : ~~{ طه * ما أنزلنا عليك القرءان } ( ط: 1 ، 2 ) مع أنها بعض القرآن فيها ذكر ~~جميع القرآن فيصير مثاله مثال كتاب يرد من ملك على مملوكه فيه شغل ما ، ~~وكتاب آخر يرد منه عليه فيه : إنا كتبنا إليك كتبا إليك كتبا فيها أوامرنا ~~فامتثلها ، لا شك PageV25P024 أن عبء الكتاب الآخر أكثر من ثقل الأول وعن ~~الثاني أن قوله : { الحمد * الله * وتبارك الذى } تسبيحات مقصودة وتسبيح ~~الله لا يغفل عنه العبد فلا يحتاج إلى منبه بخلاف الأوامر والنواهي ، وأما ~~ذكر الكتاب فيها فلبيان وصف عظمة من له التسبيح { سورة أنزلناها } قد بينا ~~أنها من القرآن فيها ذكر انزالها وفي السورة التي ذكرناها ذكر جميع القرآن ~~فهو أعظم في النفس وأثقل . # وأما قوله تعالى : { إنا أنزلناه } فنقول هذا ليس واردا على مشغول القلب ~~بشيء غيره بدليل أنه ذكر الكناية فيها وهي ترجع إلى مذكور سابق أو معلوم ~~وقوله : { إنا أنزلناه } الهاء راجع إلى معلوم عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكان متنبها له فلم ينبه ، واعلم أن التنبيه قد حصل في القرآن بغير ~~الحروف التي لا يفهم معناها كما في قوله تعالى : { تصفون ms7133 ياأيها الناس ~~اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم } ( الحج : 1 ) وقوله { منتظرون ~~ياأيها النبى اتق الله } ( لأحزاب : 1 ) { علما ياأيها النبى لم تحرم } ( ~~التحريم : 1 ) لأنها أشياء هائلة عظيمة ، فإن تقوى الله حق تقاته أمر عظيم ~~فقدم عليها النداء الذي يكون للبعيد الغافل عنها تنبيها ، وأما هذه السورة ~~افتتحت بالحروف وليس فيها الإبتداء بالكتاب والقرآن ، وذلك لأن القرآن ثقله ~~وعبئه بما فيه من التكاليف والمعاني / وهذه السورة فيها ذكر جميع التكاليف ~~حيث قال : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا } يعني لا يتركون بمجرد ~~ذلك بل يؤمرون بأنواع من التكاليف فوجد المعنى الذي في السور التي فيها ذكر ~~القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي فإن قيل مثل هذا الكلام ، وفي معناه ~~ورد في سورة التوبة وهو قوله تعالى : { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم } ( التوبة : 16 ) ولم يقدم عليه حروف التهجي فنقول ~~الجواب عنه في غاية الظهور ، وهو أن هذا ابتداء كلام ، ولهذا وقع الاستفهام ~~بالهمزة فقال { أحسب } وذلك وسط كلام بدليل وقوع الاستفهام بأم والتنبيه ~~يكون في أول الكلام لا في أثنائه ، وأما { الم * غلبت الروم } ( الروم : 1 ~~، 2 ) فسيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى هذا تمام الكلام في الحروف . # المسألة الثالثة : في إعراب { الم } وقد ذكر تمام ذلك في سورة البقرة مع ~~الوجوه المنقولة في تفسيره ونزيد ههنا على ما ذكرناه أن الحروف لا إعراب ~~لها لأنها جارية مجرى الأصوات المنبهة . # المسألة الرابعة : في سبب نزول هذه الآيات وفيه أقوال : الأول : أنها ~~نزلت في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وسلمة بن هشام ~~وكانوا يعذبون بمكة الثاني : / أنها نزلت في أقوام بمكة هاجروا وتبعهم ~~الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون الثالث أنها نزلت في مهجع بن عبد الله ~~قتل يوم بدر . # المسألة الخامسة : في التفسير قوله : { أحسب الناس أن يتركوا } يعني ~~أظنوا أنهم يتركون بمجرد قولهم { وهم لا يفتنون ولقد } لا يبتلون بالفرائض ~~البدنية والمالية ، واختلف أئمة النحو في قوله ms7134 : { أن يقولوا } فقال بعضهم ~~: أن يتركوا بأن يقولوا ، وقال بعضهم : أن يتركوا يقولون آمنا ، ومقتضى ~~ظاهر هذا أنهم يمنعون من قولهم آمنا ، كما يفهم من قول القائل تظن أنك تترك ~~أن تضرب زيد أن تمنع من ذلك ، وهذا بعيد فإن الله لا يمنع أحدا من أن يقول ~~آمنت ، ولكن مراد هذا المفسر هو أنهم لا يتركون يقولون آمنا من غير ابتلاء ~~فيمنعون من هذا المجموع بإيجاب الفرائض عليهم . # المسألة السادسة : في الفوائد المعنوية وهي أن المقصود الأقصى من الخلق ~~العبادة والمقصد الأعلى PageV25P025 في العبادة حصول محبة الله كما ورد في ~~الخبر ( لا يزال العبد يتقرب إلي بالعبادة حتى أحبه وكل من كان قلبه أشد ~~امتلأ من محبة الله فهو أعظم درجة عند الله ، لكن للقلب ترجمان وهو اللسان ~~، وللسان مصدقات هي الأعضاء ، ولهذه المصدقات مزكيات فإذا قال الإنسان آمنت ~~باللسان فقد ادعى محبة الله في الجنان ، فلا بد له من شهود فإذا استعمل ~~الأركان في الاتيان بما عليه بنيان الإيمان حصل له على دعواه شهود مصدقات ~~فإذا بذل في سبيل الله نفسه وماله ، وزكى بترك ما سواه أعماله ، زكى شهوده ~~الذين صدقوه فيما قاله ، فيحرر في جرائد المحبين اسمه ، ويقرر في أقسام ~~المقربين قسمه ، وإليه الإشارة بقوله : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~ءامنا } يعني أظنوا أن تقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهودهم بلا مزكين ، بل ~~لا بد من ذلك جميعه ليكونوا من المحبين . # فائدة ثانية : وهي أن أدنى درجات العبد أن يكون مسلما فإن ما دونه دركات ~~الكفر ، فالإسلام أول درجة تحصل للعبد فإذا حصل له هذه المرتبة كتب اسمه ~~وأثبت قسمه ، لكن المستخدمين عند الملوك على أقسام منهم من يكون ناهضا في ~~شغله ماضيا في فعله ، فينقل من خدمة إلى خدمة أعلى منها مرتبة ، ومنهم من ~~يكون كسلانا متخلفا فينقل من خدمة إلى خدمة أدنى منها ، ومنهم من يترك على ~~شغله من غير تغيير ، ومنهم من يقطع رسمه ويمحى من الجرائد اسمه / فكذلك ~~عباد الله قد يكون المسلم ms7135 عابدا مقبلا على العبادة مقبولا للسعادة فينقل من ~~مرتبة المؤمنين إلى درجة الموقنين وهي درجة المقربين ومنهم من يكون قليل ~~الطاعة مشتغلا بالخلاعة ، فينقل إلى مرتبة دونه وهي مرتبة العصاة ومنزلة ~~القساة ، وقد يستصغر العيوب ويستكثر الذنوب فيخرج من العبادة محروما ويلحق ~~بأهل العناد مرجوما ، ومنهم من يبقى في أول درجة الجنة وهم البله ، فقال ~~الله بشارة للمطيع الناهض { أحسب الناس أن يتركوا } يعني أظنوا أنهم يتركون ~~في أول المقامات لا ، بل ينقلون إلى أعلى الدرجات كما قال تعالى : { والذين ~~أوتوا العلم درجات } ( المجادلة : 11 ) { فضل الله المجاهدين على القاعدين ~~درجة } ( النساء : 95 ) . وقال بضده للكسلان { أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا ءامنا } يعني إذا قال آمنت ويتخلف / بالعصيان يترك ويرضى منه ، لا ~~بل ينقل إلى مقام أدنى وهو مقام العاصي أو الكافر . # ! 7 < { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 3 ) ولقد فتنا الذين . . . . . # > > ذكر الله ما يوجب تسليتهم فقال : كذلك فعل الله بمن قبلكم ولم يتركهم ~~بمجرد قولهم { من } بل فرض عليهم الطاعات وأوجب عليهم وفي قوله : { فليعلمن ~~الله الذين صدقوا } وجوه : الأول : قول مقاتل فليرين الله الثاني : فليظهرن ~~الله الثالث : فليميزن الله ، فالحاصل على هذا هو أن المفسرين ظنوا أن حمل ~~الآية على ظاهرها يوجب تجدد علم الله والله عالم بالصادق والكاذب قبل ~~الامتحان ، فكيف يمكن أن يقال بعلمه عند الامتحان فنقول الآية محمولة على ~~ظاهرها وذلك أن علم الله صفة يظهر فيها كل ما هو واقع كما هو واقع ، فقبل ~~التكليف كان الله يعلم أن زيدا مثلا سيطيع وعمرا سيعصي ، ثم وقت التكليف ~~والاتيان يعلم أنه مطيع والآخر عاص وبعد الاتيان يعلم أنه أطاع والآخر عصى ~~ولا يتغير علمه في شيء من الأحوال ، وإنما PageV25P026 المتغير المعلوم ~~ونبين هذا بمثال من الحسيات ولله المثل الأعلى ، وهو أن المرآة الصافية ~~الصقيلة إذا علقت من موضع وقوبل بوجهها جهة ولم تحرك ثم عبر عليها زيد ~~لابسا ثوبا أبيض ظهر فيها زيد في ثوب ms7136 أبيض ، وإذا عبر عليها عمرو في لباس ~~أصفر يظهر فيها كذلك فهل يقع في ذهن أحد أن المرآة في كونها حديدا تغيرت ، ~~أو يقع له أنها في تدويرها تبدلت ، أو يذهب فهمه إلى أنها في صقالتها ~~اختلفت أو يخطر بباله أنها عن سكانها انتقلت ، لا يقع لأحد شيء من هذه ~~الأشياء ويقطع بأن المتغير الخارجات ، فافهم علم الله من هذا المثال بل ~~أعلى من هذا المثال ، فإن المرآة ممكنة التغير وعلم الله غير ممكن عليه ذلك ~~فقوله : { فليعلمن الله الذين صدقوا } يعني يقع ممن يعلم الله أن يطيع ~~الطاعة فيعلم أنه مطيع بذلك العلم { وليعلمن الكاذبين } يعني من قال أنا ~~مؤمن وكان صادقا عند فرض العبادات يظهر منه ذلك ويعلم ومن قال ذلك وكان ~~منافقا كذلك يبين ، وفي قوله : { الذين صدقوا } بصيغة الفعل وقوله { ~~الكاذبين } باسم الفاعل فائدة مع أن الاختلاف في اللفظ أدل على الفصاحة ، ~~وهي أن اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر في الفاعل ~~ورسوخه فيه والفعل الماضي لا يدل عليه كما يقال فلان شرب الخمر وفلان شارب ~~الخمر وفلان نفذ أمره وفلان نافذ الأمر فإنه لا يفهم من صيغة الفعل التكرار ~~والرسوخ ، ومن اسم الفاعل يفهم ذلك إذا ثبت هذا فنقول وقت نزول الآية كانت ~~الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أوائل ايجاب التكاليف وعن قوم ~~مستديمين للكفر مستمرين عليه فقال في حق المؤمنين { الذين صدقوا } بصيغة ~~الفعل أي وجد منهم الصدق وقال في حق الكافر { الكاذبين } بالصيغة المنبئة ~~عن الثبات والدوام ولهذا قال : { يوم ينفع الصادقين صدقهم } ( المائدة : ~~119 ) بلفظ اسم الفاعل ، وذلك لأن في اليوم المذكور الصدق قد يرسخ في قلب / ~~المؤمن وهو اليوم الآخر ولا كذلك في أوائل الإسلام . # ! 7 < { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا سآء ما يحكمون * من كان ~~يرجو لقآء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 4 - 5 ) أم حسب الذين . . . . . # > > # لما بين حسن التكليف بقوله : { أحسب الناس أن يتركوا } بين ms7137 أن من كلف ~~بشيء ولم يأت به يعذب وإن لم يعذب في الحال فسيعذب في الإستقبال ولا يفوت ~~الله شيء في الحال ولا في المآل ، وهذا إبطال مذهب من يقول التكاليف ~~إرشادات والإيعاد عليه ترغيب وترهيب ولا يوجد من الله تعذيب ولو كان يعذب ~~ما كان عاجزا عن العذاب عاجلا فلم كان يؤخر العقاب فقال تعالى : { أم حسب ~~الذين * يعلمون * السيئات أن يسبقونا } يعني ليس كما قالوا بل يعذب من يعذب ~~ويثيب من يثيب بحكم الوعد والإيعاد والله لا يخلف الميعاد ، وأما الإمهال ~~فلا يفضي إلى الإهمال والتعجيل في جزاء الأعمال شغل من يخاف الفوت لولا ~~الإستعجال . # ثم قال تعالى : { ساء ما يحكمون } يعني حكمهم بأنهم يعصون ويخالفون أمر ~~الله ولا يعاقبون حكم سيء فإن الحكم الحسن لا يكون إلا حكم العقل أو حكم ~~الشرع والعقل لا يحكم على الله بذلك فإن الله له أن يفعل ما يريد والشرع ~~حكمه بخلاف ما قالوه ، فحكمهم حكم في غاية السوء والرداءة . PageV25P027 # ثم قال : { من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم } ~~. # لما بين بقوله : أحسب الناس أن العبد لا يترك في الدنيا سدى ، وبين في ~~قوله : { أم حسب الذين يعملون السيئات } أن من ترك ما كلف به يعذب كذا بين ~~أن يعترف بالآخرة ويعمل لها لا يضيع عمله ولا يخيب أمله ، وفي الآية مسائل ~~: # المسألة الأولى : أنا ذكرنا في مواضع أن الأصول الثلاثة وهي الأول وهو ~~الله تعالى ووحدانيته والأصل الآخر وهو اليوم الآخر والأصل المتوسط وهو ~~النبي المرسل من الأول الموصل إلا الآخر لا يكاد ينفصل في الذكر الإلهي ~~بعضها عن بعض ، فقوله : { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا } ( ~~العنكبوت : 2 ) فيه إشارة إلى الأصل الأول يعني أظنوا أنه يكفي الأصل الأول ~~وقوله { وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم } ( العنكبوت : 2 ، 3 ) ~~يعني بإرسال الرسل وإيضاح السبل فيه إشارة إلى الأصل الثاني وقوله : { أم ~~حسب الذين يعملون السيئات } مع قوله : { من كان يرجو لقاء ms7138 الله } فيه إشارة ~~إلى الأصل الثالث وهو الآخر . # المسألة الثانية : ذكر بعض المفسرين في تفسير لقاء الله أنه الرؤية وهو ~~ضعيف فإن اللقاء والملاقاة بمعنى وهو في اللغة بمعنى الوصول حتى أن جمادين ~~إذا تواصلا فقد لاقى أحدهما الآخر . # / المسألة الثالثة : قال بعض المفسرين المراد من الرجاء الخوف والمعنى من ~~قوله : { من كان يرجو لقاء الله } من كان يخاف الله وهو أيضا ضعيف ، فإن ~~المشهور في الرجاء هو توقع الخير لا غير ولأنا أجمعنا على أن الرجاء ورد ~~بهذا المعنى يقال أرجو فضل الله ولا يفهم منه أخاف فضل الله ، وإذا كان ~~واردا لهذا لا يكون لغيره دفعا للاشتراك . # المسألة الرابعة : يمكن أن يكون المراد بأجل الله الموت ويمكن أن يكون هو ~~الحياة الثانية بالحشر ، فإن كان هو الموت فهذا ينبىء عن بقاء النفوس بعد ~~الموت كما ورد في الأخبار وذلك لأن القائل إذا قال من كان يرجو الخير فإن ~~السلطان واصل يفهم منه أن متصلا بوصول السلطان يكون هو الخير حتى أنه لو ~~وصل هو وتأخر الخير يصح أن يقال للقائل ، أما قلت ما قلت ووصل السلطان ولم ~~يظهر الخير / فلو لم يحصل اللقاء عند الموت لما حسن ذلك كما ذكرنا في ~~المثال ، وإذا تبين هذا فلولا البقاء لما حصل اللقاء . # المسألة الخامسة : قوله : { من كان يرجو } شرط وجزاؤه { فإن أجل الله لآت ~~} والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فمن لا يرجو لقاء الله لا يكون أجل ~~الله آتيا له ، وهذا باطل فما الجواب عنه ؟ نقول المراد من ذكر إتيان الأجل ~~وعد المطيع بما بعده من الثواب ، يعني من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله ~~لآت بثواب الله يثاب على طاعته عنده ولا شك أن من لا يرجوه لا يكون أجل ~~الله آتيا على وجه يثاب هو . # المسألة السادسة : قال : { وهو السميع العليم } ولم يذكر صفة غيرهما ~~كالعزيز الحكيم وغيرهما ، وذلك لأنه سبق القول في قوله : { أحسب الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا } وسبق الفعل بقوله : { وهم لا يفتنون ms7139 } وبقوله : { ~~فليعلمن الله الذين صدقوا } وبقوله : { أم حسب الذين يعملون السيئات } ولا ~~شك أن القول يدرك بالسمع والعمل منه ما لا يدرك بالبصر ومنه ما يدرك به ~~كالقصود والعلم يشملهما وهو السميع يسمع ما قالوه وهو العليم يعلم من صدق ~~فيما قال : ممن كذب وأيضا عليم يعلم ما يعمل فيثيب ويعاقب وههنا لطيفة ~~PageV25P028 وهي أن العبد له ثلاثة أمور هي أصناف حسناته أحدها : عمل قلبه ~~وهو التصديق وهو لا يرى ولا يسمع ، وإنما يعلم وعمل لسانه وهو يسمع وعمل ~~أعضائه وجوارحه وهو يرى فإذا أتى بهذه الأشياء يجعل الله لمسموعه ما لا أذن ~~سمعت ، ولمرئيه ما لا عين رأت ، ولعمل قلبه ما لا خطر على قلب أحد ، كما ~~وصف في الخبر في وصف الجنة . # ! 7 < { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 6 ) ومن جاهد فإنما . . . . . # > > لما بين أن التكليف حسن واقع وأن عليه وعدا وإيعادا ليس لهما دافع ، ~~بين أن طلب الله ذلك / من المكلف ليس لنفع يعود إليه فإنه غني مطلقا ليس ~~شيء غيره يتوقف كما له عليه ومثل هذا كثير في القرآن كقوله تعالى : { من ~~عمل صالحا فلنفسه } ( فصلت : 46 ) وقوله تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم ~~لانفسكم } ( الإسراء : 7 وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : الآية السابقة مع هذه الآية يوجبان إكثار العبد من ~~العمل الصالح وإتقانه له ، وذلك لأن من يفعل فعلا لأجل ملك ويعلم أن الملك ~~يراه ويبصره يحسن العمل ويتقنه ، وإذا علم أن نفعه له ومقدر بقدر عمله يكثر ~~منه ، فإذا قال الله إنه سميع عليم فالعبد يتقن عمله ويخلصه له وإذا قال ~~بأن جهاده لنفسه يكثر منه . # المسألة الثانية : لقائل أن يقول هذا يدل على أن الجزاء على العمل لأن ~~الله تعالى لما قال : { من * جاهد فإنما يجاهد لنفسه } فهم منه أن من جاهد ~~ربح بجهاده ما لولاه لما ربح فنقول هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق ~~، وبيانه هو أن الله تعالى لما بين أن المكلف إذا جاهد يثيبه ms7140 فإذا أتى به ~~هو يكون جهادا نافعا له ولا نزاع فيه ، وإنما النزاع في أن الله يجب عليه ~~أن يثيب على العمل لولا الوعد ، ولا يجوز أن يحسن إلى أحد إلا بالعمل ولا ~~دلالة للآية عليه . # المسألة الثالثة : قوله : { فإنما } يقتضي الحصر فينبغي أن يكون جهاد ~~المرء لنفسه فحسب ولا ينتفع به غيره وليس كذلك فإن من جاهد ينتفع به ومن ~~يريد هو نفعه ، حتى أن الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعان فنقول ~~ذلك نفع له فإن انتفاع الولد انتفاع للأب والحصر ههنا معناه أن جهاده لا ~~يصل إلى الله منه نفع ويدل عليه قوله تعالى : { إن الله لغنى عن العالمين } ~~وفيه مسائل : # الأولى : تدل الآية على أن رعاية الأصلح لا يجب على الله لأنه بالأصلح لا ~~يستفيد فائدة وإلا لكان مستكملا بتلك الفائدة وهي غيره وهي من العالم فيكون ~~مستكملا بغيره فيكون محتاجا إليه وهو غني عن العالمين ، وأيضا أفعاله غير ~~معللة لما بينا . # المسألة الثانية : تدل الآية على أنه ليس في مكان وليس على العرش على ~~الخصوص فإنه من العالم والله غني عنه والمستغني عن المكان لا يمكن دخوله في ~~مكان لأن الداخل في المكان يشار إليه بأنه ههنا أو هناك على سبيل الاستقلال ~~، وما يشار إليه بأنه ههنا أو هناك يستحيل أن لا يوجد لا ههنا ولا هناك ~~وإلا لجوز PageV25P029 العقل إدراك جسم لا في مكان وإنه محال . # المسألة الثالثة : لو قال قائل ليست قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم وإلا ~~لكان هو في قادريته محتاجا إلى قدرة هي غيره وكل ما هو غيره فهو من العالم ~~فيكون محتاجا وهو غني ، نقول لم قلتم إن قدرته من العالم وهذا لأن العالم ~~كل موجود سوى الله بصفاته أي كل موجود هو خارج عن مفهوم الإله الحي القادر ~~المريد العالم السميع البصير المتكلم والقدرة ليست خارجة عن مفهوم القادر ، ~~والعلم ليس خارجا عن مفهوم العالم . # المسألة الرابعة : الآية فيها بشارة وفيها إنذار ، أما الإنذار فلأن الله ~~إذا كان غنيا عن ms7141 / العالمين فلو أهلك عباده بعذابه فلا شيء عليه لغناه عنهم ~~وهذا يوجب الخوف العظيم ، وأما البشارة فلأنه إذا كان غنيا ، فلو أعطى جميع ~~ما خلقه لعبد من عباده لا شيء عليه لاستغنائه عنه ، وهذا يوجب الرجاء التام ~~. # ! 7 < { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم ~~أحسن الذى كانوا يعملون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 7 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . # > > لما بين إجمالا أن من يعمل صالحا فلنفسه بين مفصلا بعض التفصيل أن ~~جزاء المطيع الصالح عمله فقال : { والذين ءامنوا } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنها تدل على أن الأعمال مغايرة للإيمان لأن العطف يوجب ~~التغاير . # المسألة الثانية : أنها تدل على أن الأعمال داخلة فيما هو المقصود من ~~الإيمان لأن تكفير السيئات والجزاء بالأحسن معلق عليها وهي ثمرة الإيمان ، ~~ومثال هذا شجرة مثمرة لا شك في أن عروقها وأغصانها منها ، والماء الذي يجري ~~عليها والتراب الذي حواليها غير داخل فيها لكن الثمرة لا تحصل إلا بذلك ~~الماء والتراب الخارج فكذلك العمل الصالح مع الإيمان وأيضا الشجرة لو احتفت ~~بها الحشائش المفسدة والأشواك المضرة ينقص ثمرة الشجرة وإن غلبتها عدمت ~~الثمرة بالكلية وفسدت فكذلك الذنوب تفعل بالإيمان . # المسألة الثالثة : الإيمان هو التصديق كما قال : { وما أنت بمؤمن لنا } ( ~~يوسف : 17 ) أي بمصدق واختص في استعمال الشرع بالتصديق بجميع ما قال الله ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل إن علم مفصلا أنه قول ~~الله أو قول الرسول أو على سبيل الإجمال فيما لم يعلم ، والعمل الصالح ~~عندنا كل ما أمر الله به صار صالحا بأمره ، ولو نهى عنه لما كان صالحا فليس ~~الصلاح والفساد من لوازم الفعل في نفسه ، وقالت المعتزلة ذلك من صفات الفعل ~~ويترتب عليه الأمر والنهي ، فالصدق عمل صالح في نفسه ويأمر الله به لذلك ، ~~فعندنا الصلاح والفساد والحسن والقبح يترتب على الأمر والنهي ، وعندهم ~~الأمر والنهي يترتب على الحسن والقبح والمسألة بطولها في ( كتب ) الأصول . ~~PageV25P030 # المسألة الرابعة : العمل الصالح باق لأن الصالح في مقابلة الفاسد والفاسد ~~هو الهالك ms7142 التالف ، يقال فسدت الزروع إذا هلكت أو خرجت عن درجة الانتفاع ~~ويقال هي بعد صالحة أي باقية على ما ينبغي . إذا علم هذا فنقول العمل ~~الصالح لا يبقى بنفسه لأنه عرض ، ولا يبقى بالعامل أيضا لأنه هالك كما قال ~~تعالى : { كل شىء هالك } فبقاؤه لا بد من أن يكون بشيء باق ، لكن الباقي هو ~~وجه الله / لقوله : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) فينبغي أن ~~يكون العمل لوجه الله حتى يبقى فيكون صالحا ، وما لا يكون لوجهه لا يبقى لا ~~بنفسه ولا بالعامل ولا بالمعمول له فلا يكون صالحا ، فالعمل الصالح هو الذي ~~أتى به المكلف مخلصا لله . # المسألة الخامسة : هذا يقتضي أن تكون النية شرطا في الصالحات من الأعمال ~~وهي قصد الإيقاع لله ، ويندرج فيها النية في الصوم خلافا لزفر ، وفي الوضوء ~~خلافا لأبي حنيفة رحمه الله . # المسألة السادسة : العمل الصالح مرفوع لقوله تعالى : { والعمل الصالح ~~يرفعه } ( فاطر : 10 ) لكنه لا يرتفع إلا بالكلم الطيب فإنه يصعد بنفسه كما ~~قال تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) وهو يرفع العمل ~~فالعمل من غير المؤمن لا يقبل ، ولهذا قدم الإيمان على العمل ، وههنا لطيفة ~~، وهي أن أعمال المكلف ثلاثة عمل قلبه وهو فكره واعتقاده وتصديقه ، وعمل ~~لسانه وهو ذكره وشهادته ، وعمل جوارحه وهو طاعته وعبادته . فالعبادة ~~البدنية لا ترتفع بنفسها وإنما ترتفع بغيرها ، والقول الصادق يرتفع بنفسه ~~كما بين في الآية ، وعمل القلب وهو الفكر ينزل إليه كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ( إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ويقول هل من تائب ) والتائب ~~النادم بقلبه / وكذلك قوله عليه السلام : ( يقول الله عز وجل أنا عند ~~المنكسرة قلوبهم ) يعني بالفكرة في عجزه وقدرتي وحقارته وعظمتي ومن حيث ~~العقل من تفكر في آلاء الله وجد الله وحضر ذهنه ، فعلم أن لعمل القلب يأتي ~~الله وعمل اللسان يذهب إلى الله وعمل الأعضاء يوصل إلى الله ، وهذا تنبيه ~~على فضل عمل القلب . # المسألة السابعة : ذكر الله من أعمال العبد نوعين : الإيمان ms7143 والعمل ~~الصالح ، وذكر في مقابلتهما من أفعال الله أمرين تكفير السيئات والجزاء ~~بالأحسن حيث قال : { لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن } فتكفير السيئات ~~في مقابلة الإيمان ، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل الصالح ، وهذا يقتضى ~~أمورا الأول : المؤمن لا يخلد في النار لأن بإيمانه تكفر سيئاته فلا يخلد ~~في العذاب الثاني : الجزاء الأحسن المذكور ههنا غير الجنة ، وذلك لأن ~~المؤمن بإيمانه يدخل الجنة إذ تكفر سيئاته ومن كفرت سيئاته أدخل الجنة ، ~~فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر ، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية . # الأمر الثالث : هو أن الإيمان يستر قبح الذنوب في الدنيا فيستر الله ~~عيوبه في الأخرى ، والعمل الصالح يحسن حال الصالح في الدنيا فيجزيه الله ~~الجزاء الأحسن في العقبى ، فالإيمان إذن لا يبطله العصيان بل هو يغلب ~~المعاصي ويسترها ويحمل صاحبها على الندم ، والله أعلم . # المسألة الثامنة : قوله : { لنكفرن عنهم سيئاتهم } يستدعي وجود السيئات ~~حتى تكفر { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات } بأسرها من أين يكون لهم سيئة ؟ ~~فنقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن وعد PageV25P031 الجميع بأشياء لا ~~يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء ، مثاله : إذا قال الملك لأهل ~~بلد إذا أطعتموني أكرم آباءكم واحترم أبناءكم وأنعم عليكم وأحسن / إليكم ، ~~لا يقتضي هذا أنه يكرم آباء من توفى أبوه ، أو يحترم ابن من لم يولد له ولد ~~، بل مفهومه أنه يكرم أب من له أب ، ويحترم ابن من له ابن ، فكذلك يكفر ~~سيئة من له سيئة الجواب الثاني : ما من مكلف إلا وله سيئة أما غير الأنبياء ~~فظاهر ، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم ، ولهذا قال ~~تعالى : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ( التوبة : 43 ) . # المسألة التاسعة : قوله : { ولنجزينهم أحسن } يحتمل وجهين أحدهما : ~~لنجزينهم بأحسن أعمالهم وثانيهما : لنجزينهم أحسن من أعمالهم . وعلى الوجه ~~الأول معناه نقدر أعمالهم أحسن ما تكون ونجزيهم عليها لا أنه يختار منها ~~أحسنها ويجزى عليه ويترك الباقي ، وعلى الوجه ms7144 الثاني : معناه قريب من معنى ~~قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ( الأنعام : 160 ) وقوله ~~: { فله خير منها } ( النمل : 89 ) . # المسألة العاشرة : ذكر حال المسيء مجملا بقوله : { أم حسب الذين يعملون ~~السيئات أن يسبقونا } إشارة إلى التعذيب مجملا . وذكر حال المحسن مجملا ~~بقوله : { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } ومفصلا بهذه الآية ، ليكون ذلك ~~إشارة إلى أن رحمته أتم من غضبه وفضله أعم من عدله . # ! 7 < { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بى ما ليس لك به ~~علم فلا تطعهمآ إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 8 ) ووصينا الإنسان بوالديه . . . . . # > > الأولى : ما وجه تعلق الآية بما قبلها ؟ نقول : لما بين الله حسن ~~التكاليف ووقوعها ، وبين ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها تحريضا ~~للمكلف على الطاعة ، ذكر المانع ومنعه من أن يختار اتباعه ، فقال الإنسان ~~إن انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه ، ومع هذا لو أمراه بالمعصية لا يجوز ~~اتباعهما فضلا عن غيرهما فلا يمنعن أحدكم شيء من طاعة الله ولا يتبعن أحد ~~من يأمر بمعصية الله . # المسألة الثانية : في القراءة قرىء حسنا وإحسانا وحسنا أظهر ههنا ، ومن ~~قرأ إحسانا فمن قوله تعالى : { وبالوالدين إحسانا } / البقرة : 83 ) ~~والتفسير على القراءة المشهورة هو أن الله تعالى وصى الإنسان بأن يفعل مع ~~والديه حسن التأبي بالفعل والقول ، ونكر حسنا ليدل على الكمال ، كما يقال ~~إن لزيد مالا . # المسألة الثالثة : في قوله : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } دليل على ~~أن متابعتهم في الكفر لا يجوز ، وذلك لأن الإحسان بالوالدين وجب بأمر الله ~~تعالى فلو ترك العبد عبادة الله تعالى بقول الوالدين لترك طاعة الله تعالى ~~فلا ينقاد لما وصاه به فلا يحسن إلى الوالدين ، فاتباع العبد أبويه / لأجل ~~الإحسان إليهم يفضي إلى ترك الإحسان إليهما ، وما يفضي وجوده إلى عدمه باطل ~~فالاتباع باطل ، وأما إذا امتنع من الشرك بقي على الطاعة والإحسان إليهما ~~من الطاعة فيأتي به فترك هذا الإحسان صورة يفضي إلى الإحسان حقيقة . # المسألة الرابعة : الإحسان بالوالدين مأمور به ، لأنهما ms7145 سبب وجود الولد ~~بالولادة وسبب بقائه بالتربية PageV25P032 المعتادة فهما سبب مجازا ، والله ~~تعالى سبب له في الحقيقة بالإرادة ، وسبب بقائه بالإعادة للسعادة ، فهو ~~أولى بأن يحسن العبد حاله معه ، ثم قال تعالى : { وإن جاهداك لتشرك بى ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما } فقوله : { ما ليس لك به علم } يعني التقليد في ~~الإيمان ليس بجيد فضلا عن التقليد في الكفر ، فإذا امتنع الإنسان من ~~التقليد فيه ولا يطيع بغير العلم لا يطيعهما أصلا ، لأن العلم بصحة قولهما ~~محال الحصول ، فإذا لم يشرك تقليدا ويستحيل الشرك مع العلم ، فالشرك لا ~~يحصل منه قط . # ثم قال تعالى : { إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون } يعني عاقبتكم ~~ومآلكم إلي ، وإن كان اليوم مخالطتكم ومجالستكم مع الآباء والأولاد ~~والأقارب والعشائر ، ولا شك أن من يعلم أن مجالسته مع واحد خالية منقطعة ، ~~وحضوره بين يدي غيره دائم غير منقطع لا يترك مراضي من تدوم معه صحبته لرضا ~~من يتركه في زمان آخر . # ثم قوله تعالى : { فأنبئكم } فيه لطيفة وهي أن الله تعالى يقول لا تظنوا ~~أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتمادا على ~~غيبتي وعدم علمي بمخالفتكم إياي فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون ولا أنسى ~~فأنبئكم بجميعه . # ! 7 < { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم فى الصالحين } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 9 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ما الفائدة في إعادة { الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ~~مرة أخرى ؟ نقول : الله تعالى ذكر من المكلفين قسمين مهتديا وضالا بقوله : ~~{ فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } ( العنكبوت : 3 ) وذكر حال ~~الضال مجملا وحال المهتدي مفصلا بقوله : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~لنكفرن عنهم سيئاتهم } ولما تمم ذلك ذكر قسمين آخرين هاديا ومضلا فقوله : { ~~ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } ( العنكبوت : 8 ) يقتضي أن يهتدي بهما وقوله ~~: { وإن جاهداك لتشرك } بيان إضلالهما وقوله : { إلى مرجعكم فأنبئكم } ~~بطريق الإجمال تهديد المضل وقوله : { والذين ءامنوا } على سبيل التفصيل وعد ~~الهادي فذكر { الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } مرة لبيان حال المهتدي ، ~~ومرة أخرى لبيان ms7146 حال الهادي والذي يدل عليه هو أنه قال أولا : { لنكفرن ~~عنهم سيئاتهم } ، وقال ثانيا : { لندخلنهم فى الصالحين } والصالحون هم ~~الهداة لأنه مرتبة الأنبياء ولهذا قال كثير من الأنبياء { وألحقنى ~~بالصالحين } ( يوسف : 101 ) . # / المسألة الثانية : قد ذكرنا أن الصالح باق والصالحون باقون وبقاؤهم ليس ~~بأنفسهم بل بأعمالهم الباقية فأعمالهم باقية والمعمول له وهو وجه الله باق ~~، والعاملون باقون ببقاء أعمالهم وهذا على خلاف الأمور الدنيوية ، فإن في ~~الدنيا بقاء الفعل بالفاعل وفي الآخرة بقاء الفاعل بالفعل . # المسألة الثالثة : قيل في معنى قوله : { لندخلنهم فى الصالحين } لندخلنهم ~~في مقام الصالحين أو في دار الصالحين والأولى أن يقال لا حاجة إلى الإضمار ~~بل يدخلهم في الصالحين أي يجعلهم منهم ويدخلهم في عدادهم كما يقال الفقيه ~~داخل في العلماء . PageV25P033 # المسألة الرابعة : قال الحكماء عالم العناصر عالم الكون والفساد وما فيه ~~يتطرق إليه الفساد فإن الماء يخرج عن كونه ماء ويفسد ويتكون منه هواء ، ~~وعالم السموات لا كون فيه ولا فساد بل يوجد من عدم ولا يعدم ولا يصير الملك ~~ترابا بخلاف الإنسان فإنه يصير ترابا أو شيئا آخر وعلى هذا فالعالم العلوي ~~ليس بفاسد فهو صالح فقوله : تعالى لندخلهم في الصالحين } أي في المجردين ~~الذين لا فساد لهم . # ! 7 < { * } أي في المجردين الذين لا فساد لهم . # ! 7 < { ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذآ أوذى فى الله جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله ولئن جآء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما ~~فى صدور العالمين * وليعلمن الله الذين ءامنوا وليعلمن المنافقين } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 10 - 11 ) ومن الناس من . . . . . # > > نقول أقسام المكلفين ثلاثة مؤمن ظاهر بحسن اعتقاده ، وكافر مجاهر ~~بكفره وعناده ، ومذبذب بينهما يظهر الإيمان بلسانه ويضمر الكفر في فؤاده ، ~~والله تعالى لما بين القسمين بقوله تعالى : { فليعلمن الله الذين صدقوا ~~وليعلمن الكاذبين } ( العنكبوت : 3 ) وبين أحوالهما بقوله : { أم حسب الذين ~~يعملون السيئات } ( العنكبوت : 4 ) إلى قوله : { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات } ( العنبكوت : 7 ) بين القسم الثالث وقال : { ومن الناس من يقول ms7147 ~~ءامنا بالله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال : { ومن الناس من يقول ءامنا } ولم يقل آمنت مع أنه ~~وحد الأفعال التي بعده كقوله تعالى : { فإذا أوذى فى الله } وقوله : { جعل ~~فتنة الناس } وذلك لأن المنافق كان يشبه / نفسه بالمؤمن ، ويقول إيماني ~~كإيمانك فقال : { من } يعني أنا والمؤمن حقا آمنا ، إشعارا بأن إيمانه ~~كإيمانه ، وهذا كما أن الجبان الضعيف إذا خرج مع الأبطال في القتال ، ~~وهزموا خصومهم يقول الجبان خرجنا وقاتلناهم وهزمناهم ، فيصح من السامع ~~لكلامه أن يقول وماذا كنت أنت فيهم حتى تقول خرجنا وقاتلنا ؟ وهذا الرد يدل ~~على أنه يفهم من كلامه أن خروجه وقتاله كخروجهم وقتالهم ، لأنه لا يصح ~~الإنكار عليه في دعوى نفس الخروج والقتال ، وكذا قول القائل أنا والملك ~~ألفينا فلانا واستقبلناه ينكر ، لأن المفهوم منه المساواة فهم لما أرادوا ~~إظهار كون إيمانهم كإيمان المحقين كان الواحد يقول : { من } أي أنا والمحق ~~. # المسألة الثانية : قوله : { فإذا أوذى فى الله } هو في معنى قوله : { ~~وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى } ( آل عمران : 195 ) غير أن المراد ~~بتلك الآية الصابرون على أذية الكافرين والمراد ههنا الذين لم يصبروا عليها ~~فقال هناك : { وأوذوا فى سبيلى } ( آل عمران : 195 ) وقال ههنا : { أوذى فى ~~الله } ولم يقل في سبيل الله واللطيفة فيه أن الله أراد بيان شرف المؤمن ~~الصابر وخسة المنافق الكافر فقال هناك أوذي المؤمن في سبيل الله ليترك ~~سبيله ولم يتركه ، وأوذي المنافق الكافر فترك الله بنفسه ، وكان يمكنه أن ~~يظهر موافقتهم إن بلغ الإيذاء إلى حد الإكراه ، ويكون قلبه مطمئنا بالإيمان ~~فلا يترك الله ، ومع هذا لم يفعله بل ترك الله بالكلية ، والمؤمن أوذي ولم ~~يترك PageV25P034 سبيل الله بل أظهر كلمتي الشهادة وصبر على الطاعة ~~والعبادة . # المسألة الثالثة : قوله : { جعل فتنة الناس كعذاب الله } قال الزمخشري : ~~جعل فتنة الناس صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف عن الكفر ، وقيل ~~جزعوا من عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله ، وبالجملة معناه أنهم جعلوا ~~فتنة الناس مع ضعفها وانقطاعها كعذاب ms7148 الله الأليم الدائم حتى ترددوا في ~~الأمر ، وقالوا إن آمنا نتعرض للتأذي من الناس وإن تركنا الإيمان نتعرض لما ~~توعدنا به محمد عليه الصلاة والسلام ، واختاروا الاحتراز عن التأذي العاجل ~~ولا يكون التردد إلا عند التساوي ومن أين إلى أين تعذيب الناس لا يكون ~~شديدا ، ولا يكون مديدا لأن العذاب إن كان شديدا كعذاب النار وغيره يموت ~~الإنسان في الحال فلا يدوم التعذيب / وإن كان مديدا كالحبس والحصر لا يكون ~~شديدا وعذاب الله شديد وزمانه مديد ، وأيضا عذاب الناس له دافع وعذاب الله ~~ماله من دافع ، وأيضا عذاب الناس عليه ثواب عظيم ، وعذاب الله بعده عذاب ~~أليم ، والمشقة إذا كانت مستعقبة للراحة العظيمة تطيب ولا تعد عذابا كما ~~تقطع السلعة المؤذية ولا تعد عذابا . # المسألة الرابعة : قال : { فتنة الناس } ولم يقل عذاب الناس لأن فعل ~~العبد ابتلاء وامتحان من الله وفتنته تسليط بعض الناس على من أظهر كلمة ~~الإيمان ليؤذيه فتبين منزلته كما جعل التكاليف ابتلاء وامتحانا وهذا إشارة ~~إلى أن الصبر على البلية الصادرة ابتلاء وامتحانا من الإنسان كالصبر على ~~العبادات . # / المسألة الخامسة : لو قال قائل هذا يقتضي منع المؤمن من إظهار كلمة ~~الكفر بالإكراه ، لأن من أظهر كلمة الكفر بالإكراه احترازا عن التعذيب ~~العاجل يكون قد جعل فتنة الناس كعذاب الله ، فنقول ليس كذلك ، لأن من أكره ~~على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يجعل فتنة الناس كعذاب الله ، لأن عذاب ~~الله يوجب ترك ما يعذب عليه ظاهرا وباطنا ، وهذا المؤمن المكره لم يجعل ~~فتنة الناس كعذاب الله ، بحيث يترك ما يعذب عليه ظاهرا وباطنا ، بل في ~~باطنه الإيمان ، ثم قال تعالى : { ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم ~~} ( العنكبوت : 10 ) يعني دأب المنافق أنه إن رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر ~~وأظهر المعية وادعى التبعية ، وفيه فوائد نذكرها في مسائل : # المسألة الأولى : قال : { ولئن جاء نصر من ربك } ولم يقل من الله ، مع أن ~~ما تقدم كان كله بذكر الله كقوله : { أوذى فى الله } وقوله : { كعذاب ms7149 الله ~~} وذلك لأن الرب اسم مدلوله الخاص به الشفقة والرحمة ، والله اسم مدلوله ~~الهيبة والعظمة ، فعند النصر ذكر اللفظ الدال على الرحمة والعاطفة ، وعند ~~العذاب ذكر اللفظ الدال على العظمة . # المسألة الثانية : لم يقل ولئن جاءكم أو جاءك بل قال : { ولئن جاء نصر من ~~ربك } والنصر لو جاءهم ما كانوا يقولون : { إنا كنا معكم } وهذا يقتضي أن ~~يكونوا قائلين : إنا معكم إذا جاء نصر سواء جاءهم أو جاء المؤمنين ، فنقول ~~هذا الكلام يقتضي أن يكونوا قائلين إنا معكم إذا جاء النصر ، لكن النصر لا ~~يجىء إلا للمؤمن ، كما قال تعالى : { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } ( ~~الروم : 47 ) ولأن غلبة الكافر على المسلم ليس بنصر ، لأن النصر ما يكون ~~عاقبته سليمة بدليل أن أحد الجيشين إن انهزم في الحال ثم كر المنهزم كرة ~~أخرى وهزموا الغالبين ، لا يطلق اسم المنصور إلا على من كان له العاقبة ، ~~فكذلك المسلم وإن كسر في PageV25P035 الحال فالعاقبة للمتقين ، فالنصر لهم ~~في الحقيقة . # المسألة الثالثة : في ليقولن قراءتان إحداهما : الفتح حملا على قوله : { ~~من يقول ءامنا } يعني من يقول آمنا إذا أوذي يترك ذلك القول ، وإذا جاء ~~النصر يقول إنا كنا معكم وثانيتهما : الضم على الجمع إسنادا للقول إلى ~~الجميع الذين دل عليهم المفهوم فإن المنافقين كانوا جماعة ، ثم بين الله ~~تعالى أنهم أرادوا التلبيس ولا يصح ذلك لهم لأن التلبيس إنما يكون عندما ~~يخالف القول القلب ، فالسامع يبني الأمر على قوله ولا يدري ما في قلبه ~~فيلتبس الأمر عليه وأما الله تعالى فهو عليم بذات الصدور ، وهو أعلم بما في ~~صدر الإنسان من الإنسان فلا يلتبس عليه الأمر ، وهذا إشارة إلى أن الاعتبار ~~بما في القلب ، فالمنافق الذي يظهر الإيمان ويضمر الكفر كافر ، والمؤمن ~~المكره الذي يظهر الكفر ويضمر الإيمان مؤمن والله أعلم بما في صدور ~~العالمين ، ولما بين أنه أعلم بما في قلوب العالمين ، بين أنه يعلم المؤمن ~~المحق وإن لم يتكلم / والمنافق وإن تكلم فقال : { وليعلمن الله الذين ~~ءامنوا وليعلمن المنافقين } وقد سبق ms7150 تفسيره ، لكن فيه مسألة واحدة وهي أن ~~الله قال هناك : { فليعلمن الله الذين صدقوا } وقال ههنا : { وليعلمن الله ~~الذين * ءامنوا } فنقول لما كان الذكر هناك للمؤمن / والكافر ، والكافر في ~~قوله كاذب ، فإنه يقول : الله أكثر من واحد ، والمؤمن في قوله صادق فإنه ~~كان يقول الله واحد ، ولم يكن هناك ذكر من يضمر خلاف ما يظهر ، فكان الحاصل ~~هناك قسمين صادقا وكاذبا وكان ههنا المنافق صادقا في قوله فإنه كان يقول ~~الله واحد ، فاعتبر أمر القلب في المنافق فقال : { وليعلمن المنافقين } ~~واعتبر أمر القلب في المؤمن وهو التصديق فقال : { وليعلمن الله الذين ~~ءامنوا } . # ! 7 < { وقال الذين كفروا للذين ءامنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما ~~هم بحاملين من خطاياهم من شىء إنهم لكاذبون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 12 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > لما بين الله تعالى الفرق الثلاثة وأحوالهم ، وذكر أن الكافر يدعو من ~~يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة ، وبين أن عذاب الله فوقها ، وكان الكافر يقول ~~للمؤمن تصبر في الذل وعلى الإيذاء لأي شيء ولم لا تدفع عن نفسك الذل ~~والعذاب بموافقتنا ؟ فكان جواب المؤمن أن يقول خوفا من عذاب الله على خطيئة ~~مذهبكم ، فقالوا لا خطيئة فيه وإن كان فيه خطيئة فعلينا ، وفي الآية مسائل ~~: # المسألة الأولى : ولنحمل صيغة أمر ، والمأمور غير الآمر ، فكيف يصح أمر ~~النفس من الشخص ؟ فنقول الصيغة أمر والمعنى شرط وجزاء ، أي إن اتبعتمونا ~~حملنا خطاياكم ، قال صاحب ( الكشاف ) : هو في معنى قول من يريد اجتماع ~~أمرين في الوجود ، فيقول ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء ، فقوله ولنحمل ~~، أي ليكن منا الحمل وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب . # المسألة الثانية : قال : { وما هم بحاملين من خطاياهم } وقال بعد هذا : { ~~وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } PageV25P036 ( العنكبوت : 13 ) فهناك ~~نفى الحمل ، وههنا أثبت الحمل ، فكيف الجمع بينهما ، فنقول قول القائل : ~~فلان حمل عن فلان يفيد أن حمل فلان خف ، وإذا لم يخف حمله فلا يكون قد حمل ~~منه شيئا ، فكذلك ههنا ما هم بحاملين من خطاياهم يعني لا يرفعون عنهم ms7151 خطيئة ~~وهم يحملون أوزارا بسبب إضلالهم ويحملون أوزارا بسبب ضلالتهم ، كما قال ~~النبي عليه السلام : ( من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير ~~أن ينقص من وزره شيء ) . # المسألة الثالثة : الصيغة أمر ، والأمر لا يدخله التصديق والتكذيب ، فكيف ~~يفهم قوله : { إنهم لكاذبون } نقول قد تبين أن معناه شرط وجزاء ، فكأنهم ~~قالوا : إن تتبعونا نحمل خطاياكم وهم كذبوا في هذا فإنهم لا يحملون شيئا . # ! 7 < { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما ~~كانوا يفترون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 13 ) وليحملن أثقالهم وأثقالا . . . . . # > > في الذي كانوا يفترونه يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : كان قولهم : { ~~ولنحمل خطاياكم } ( العنكبوت : 12 ) صادرا لاعتقادهم أن لا خطيئة في الكفر ~~، ثم يوم القيامة يظهر لهم خلاف ذلك فيسألون عن ذلك الافتراء وثانيها : أن ~~قولهم : { ولنحمل خطاياكم } كان عن اعتقاد أن لا حشر ، فإذا جاء يوم ~~القيامة ظهر لهم خلاف ذلك فيسألون ويقال لهم أما قلتم أن لا حشر وثالثها : ~~أنهم لما قالوا إن تتبعونا نحمل يوم القيامة خطاياكم ، يقال لهم فاحملوا ~~خطاياهم فلا يحملون فيسألون ويقال لهم لم افتريتم . # ! 7 < { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ~~فأخذهم الطوفان وهم ظالمون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 14 ) ولقد أرسلنا نوحا . . . . . # > > وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما بين التكليف وذكر ~~أقسام المكلفين ووعد المؤمن الصادق يالثواب العظيم ، وأوعد الكافر والمنافق ~~بالعذاب الأليم ، وكان قد ذكر أن هذا التكليف ليس مختصا بالنبي وأصحابه ~~وأمته حتى صعب عليهم ذلك ، بل قبله كان كذلك كما قال تعالى : { ولقد فتنا ~~الذين من قبلهم } ( العنكبوت : 3 ) ذكر من جملة من كلف جماعة منهم نوح ~~النبي عليه السلام وقومه ومنهم إبراهيم عليه السلام وغيرهما ، ثم قال تعالى ~~: { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ما الفائدة في ذكر مدة لبثه ؟ نقول كان النبي عليه ~~السلام يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإسلام وإصرارهم على الكفر فقال ~~إن نوحا لبث ms7152 ألف سنة تقريبا في الدعاء ولم يؤمن من قومه إلا قليل ، وصبر ~~وما ضجر فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك ، وأيضا كان الكفار ~~يغترون بتأخير العذاب عنهم أكثر ومع ذلك ما نجوا فبهذا المقدار من التأخير ~~لا ينبغي أن يغتروا فإن العذاب يلحقهم . PageV25P037 # المسألة الثانية : قال بعض العلماء الاستثناء في العدد تكلم بالباقي ، ~~فإذا قال القائل لفلان علي عشرة إلا ثلاثة ، فكأنه قال علي سبعة ، إذا علم ~~هذا فقوله : { ألف سنة إلا خمسين عاما } كقوله تسعمائة وخمسين سنة ، فما ~~الفائدة في العدول عن هذه العبارة إلى غيرها ؟ فنقول قال الزمخشري فيه ~~فائدتان إحداهما : أن الاستثناء يدل على التحقيق وتركه قد يظن به التقريب ~~فإن من قال : / عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أن يقول : ألف سنة تقريبا ~~لا تحقيقا ، فإذا قال إلا شهرا أو إلا سنة يزول ذلك التوهم ويفهم منه ~~التحقيق الثانية : هي أن ذكر لبث نوح عليه السلام في قومه كان لبيان أنه ~~صبر كثيرا فالنبي عليه السلام أولى بالصبر مع قصر مدة دعائه وإذا كان كذلك ~~فذكر العدد الذي في أعلى مراتب الأعداد التي لها اسم مفرد موضوع ، فإن ~~مراتب الأعداء هي الآحاد إلى العشرة والعشرات إلى المائة والمئات إلى الألف ~~، ثم بعد ذلك يكون التكثير بالتكرير فيقال عشرة آلاف ، ومائة ألف ، وألف ~~ألف . # المسألة الثالثة : قال بعض الأطباء العمر الإنساني لا يزيد على مائة ~~وعشرين سنة والآية تدل على خلاف قولهم ، والعقل يوافقها فإن البقاء على ~~التركيب الذي في الإنسان ممكن لذاته ، وإلا لما بقي ، ودوام تأثير المؤثر ~~فيه ممكن لأن المؤثر فيه إن كان واجب الوجود فظاهر الدوام وإن كان غيره فله ~~مؤثر ، وينتهي إلى الواجب وهو دائم ، فتأثيره يجوز أن يكون دائما فأذن ~~البقاء ممكن في ذاته ، فإن لم يكن فلعارض لكن العارض ممكن العدم وإلا لما ~~بقي هذا المقدار لوجوب وجود العارض المانع فظهر أن كلامهم على خلاف العقل ~~والنقل ( ثم نقول ) لا نزاع بيننا وبينهم لأنهم يقولون العمر ms7153 الطبيعي لا ~~يكون أكثر من مائة وعشرين سنة ونحن نقول هذا العمر ليس طبيعيا بل هو عطاء ~~إلهي ، وأما العمر الطبيعي فلا يدوم عندنا ولا لحظة ، فضلا عن مائة أو أكثر ~~. # قوله تعالى : { فأخذهم الطوفان وهم ظالمون } . # فيه إشارة إلى لطيفة وهي أن الله لا يعذب على مجرد وجود الظلم وإلا لعذب ~~من ظلم وتاب ، فإن الظلم وجد منه ، وإنما يعذب على الإصرار على الظلم ، ~~فقوله : { وهم ظالمون } يعني أهلكهم وهم على ظلمهم ، ولو كانوا تركوه لما ~~أهلكهم . # ! 7 < { فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناهآ ءاية للعالمين } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 15 ) فأنجيناه وأصحاب السفينة . . . . . # > > # في الراجع إليه الهاء في قوله : { جعلناها } وجهان أحدهما : أنها راجعة ~~إلى السفينة المذكورة وعلى هذا ففي كونها آية وجوه أحدها : أنه اتخذت قبل ~~ظهور الماء ولولا إعلام الله نوحا وإنباؤه إياه به لما اشتغل بها فلا تحصل ~~لهم النجاة وثانيها : أن نوحا أمر بأخذ قوم معه ورفع قدر من القوت والبحر ~~العظيم لا يتوقع أحد نضوبه ، ثم إن الماء غيض قبل نفاد الزاد ولولا ذلك لما ~~حصل النجاة فهو بفضل الله لا بمجرد السفينة وثالثها : أن الله تعالى كتب ~~سلامة السفينة عن الرياح المرجفة والحيوانات المؤذية ، ولولا ذلك لما حصلت ~~النجاة والثاني : أنها راجعة إلى / الواقعة أو إلى النجاة أي جعلنا الواقعة ~~أو النجاة آية للعالمين . # ! 7 < { وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذالكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 16 ) وإبراهيم إذ قال . . . . . # > > PageV25P038 # لما فرغ من الإشارة إلى حكاية نوح ذكر حكاية إبراهيم وفي إبراهيم وجهان ~~من القراءة أحدهما : النصب وهو المشهور ، و الثاني : الرفع على معنى ومن ~~المرسلين إبراهيم ، و الأول : فيه وجهان أحدهما : أنه منصوب بفعل غير مذكور ~~وهو معنى اذكر إبراهيم ، والثاني : أنه منصوب بمذكور وهو قوله : { ولقد ~~أرسلنا } ( العنكبوت : 14 ) فيكون كأنه قال وأرسلنا إبراهيم ، وعلى هذا ففي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { إذ قال لقومه } ظرف أرسلنا أي أرسلنا إبراهيم ~~إذ قال لقومه لكن قوله : { لقومه اعبدوا الله } دعوة والإرسال ms7154 يكون قبل ~~الدعوة فكيف يفهم قوله ، وأرسلنا إبراهيم حين قال لقومه مع أنه يكون مرسلا ~~قبله ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن الإرسال أمر يمتد فهو حال ~~قوله لقومه اعبدوا الله كان مرسلا ، وهذا كما يقول القائل وقفنا للأمير إذ ~~خرج من الدار وقد يكون الوقوف قبل الخروج ، لكن لما كان الوقوف ممتدا إلى ~~ذلك الوقت صح ذلك الوجه الثاني : هو أن إبراهيم بمجرد هداية الله إياه كان ~~يعلم فساد قول المشركين وكان يهديهم إلى الرشاد قبل الإرسال ، ولما كان هو ~~مشتغلا بالدعاء إلى الإسلام أرسله الله تعالى وقوله : { اعبدوا الله واتقوه ~~} إشارة إلى التوحيد لأن التوحيد إثبات الإله ونفي غيره فقوله : { اعبدوا ~~الله } إشارة إلى الاثبات ، وقوله : { واتقوه } إشارة إلى نفي الغير لأن من ~~يشرك مع الملك غيره في مكله يكون قد أتى بأعظم الجرائم ، ويمكن أن يقال : { ~~اعبدوا الله } إشارة إلى الاتيان بالواجبات ، وقوله : { واتقوه } إشارة إلى ~~الامتناع عن المحرمات ويدخل في الأول الاعتراف بالله ، وفي الثاني الامتناع ~~من الشرك ، ثم قوله : { ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون } يعني عبادة الله ~~وتقواه خير ، والأمر كذلك لأن خلاف عبادة الله تعالى تعطيم وخلاف تقواه ~~تشريك وكلاهما شر عقلا واعتبارا ، أما عقلا فلأن الممكن لا بد له من مؤثر ~~لا يكون ممكنا قطعا للتسلسل وهو واجب الوجود فلا تعطيل إذ لنا إله ، وأما ~~التشريك فبطلانه عقلا وكون خلافه خيرا وهو أن شريك الواجب إن لم يكن واجبا ~~فكيف يكون شريكا وإن كان واجبا لزم وجود واجبين فيشتركان في الوجوب ~~ويتباينان في الإلهية ، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز فيلزم التركيب ~~فيهما فلا يكونان واجبين لكونهما مركبين فيلزم التعطيل ، وأما اعتبارا فلأن ~~الشرف لن يكون ملكا أو قريب ملك ، لكن الإنسان لا يكون ملكا للسموات ~~والأرضين / فأعلى درجاته أن يكون قريب الملك لكن القربة بالعبادة كما قال ~~تعالى : { واسجد واقترب } ( العلق : 19 ) . وقال : ( لن يتقرب المتقربون ~~إلى بمثل أداء ما افترضت عليهم ) وقال : ( لا يزال العبد يتقرب بالعبادة ~~إلي ms7155 ) فالمعطل لا ملك ولا قريب ملك لعدم اعتقاده بملك فلا مرتبة له أصلا ، ~~وأما التشريك فلأن من يكون سيده لا نظير له يكون أعلى رتبة ممن يكون سيده ~~له شركاء خسيسة ، فإذن من يقول إن ربي لا يماثله شيء أعلى مرتبة ممن يقول ~~سيدي صنم منحوت عاجز مثله ، فثبت أن عبادة الله وتقواه خير وهو خير لكم أي ~~خير للناس إن كانوا يعلمون ما ذكرناه من الدلائل والاعتبارات . # ! 7 < { إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من ~~دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~إليه ترجعون } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 17 ) إنما تعبدون من . . . . . # > > PageV25P039 # ذكر بطلان مذهبهم بأبلغ الوجوه ، وذلك لأن المعبود إنما يعبد لأحد أمور ، ~~إما لكونه مستحقا للعبادة بذاته كالعبد يخدم سيده الذي اشتراه سواء أطعمه ~~من الجوع أو منعه من الهجوع ، وإما لكونه نافعا في الحال كمن يخدم غيره ~~لخير يوصله إليه كالمستخدم بأجرة ، وإما لكونه نافعا في المستقبل كمن يخدم ~~غيره متوقعا منه أمرا في المستقبل ، وإما لكونه خائفا منه . فقال إبراهيم : ~~{ إنما تعبدون من دون الله أوثانا } إشارة إلى أنها لا تستحق العبادة ~~لذاتها لكونها أوثانا لا شرف لها . # قوله تعالى : { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا ~~عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون } . # إشارة إلى عدم المنفعة في الحال وفي المآل ، وهذا لأن النفع ، إما في ~~الوجود ، وإما في البقاء لكن ليس منهم نفع في الوجود ، لأن وجودهم منكم حيث ~~تخلقونها وتنحتونها ، ولا نفع في البقاء لأن ذلك بالرزق ، وليس منهم ذلك ، ~~ثم بين أن ذلك كله حاصل من الله فقال : { فابتغوا عند الله الرزق } فقوله : ~~{ الله } إشارة إلى استحقاق عبوديته لذاته وقوله : { الرزق } إشارة إلى ~~حصول النفع منه عاجلا وآجلا وفي الآية مسائل : PageV25P040 # المسألة الأولى : قال : { لا يملكون لكم رزقا } نكرة ، وقال : { فابتغوا ~~عند الله الرزق } معرفا فما الفائدة ؟ فنقول قال الزمخشري قال : { لا ~~يملكون لكم رزقا } نكرة في ms7156 معرض النفي أي لا رزق عندهم أصلا ، وقال معرفة ~~عند الإثبات عند الله أي كل الرزق عنده فاطلبوه منه ، وفيه وجه آخر وهو أن ~~الرزق من الله معروف بقوله : { وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها } ~~( هود : 6 ) والرزق / من الأوثان غير معلوم فقال : { لا يملكون لكم رزقا } ~~لعدم حصول العلم به وقال : { فابتغوا عند الله الرزق } الموعود به ، ثم قال ~~: { فاعبدوه } أي اعبدوه لكونه مستحقا للعبادة لذاته واشكروا له أي لكونه ~~سابق النعم بالخلق وواصلها بالرزق { وإليه ترجعون } أي اعبدوه لكونه مرجعا ~~منه يتوقع الخير لا غير . # ! 7 < { وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 18 ) وإن تكذبوا فقد . . . . . # > > لما فرغ من بيان التوحيد أتى بعده بالتهديد فقال : { وإن تكذبوا } ~~وفي المخاطب في هذه الآية وجهان : أحدهما : أنه قوم إبراهيم والآية حكاية ~~عن قوم إبراهيم كأن إبراهيم قال لقومه : { ءان * تكذبوا فقد كذب أمم من ~~قبلكم } وأنا أتيت بما علي من التبليغ فإن الرسول ليس عليه إلا البلاغ ~~والبيان والثاني : أنه خطاب مع قوم محمد عليه السلام ووجهه أن الحكايات ~~أكثرها إنما تكون لمقاصد لكنها تنسى لطيب الحكاية ولهذا كثيرا ما يقول ~~الحاكي لأي شيء حكيت هذه الحكاية فالنبي عليه السلام كان مقصوده تذكير قومه ~~بحال من مضى حتى يمتنعوا من التكذيب ويرتدعوا خوفا من التعذيب ، فقال في ~~أثناء حكايتهم يا قوم إن تكذبوا فقد كذب قبلكم أقوام وأهلكوا فإن كذبتم ~~أخاف عليكم ما جاء على غيركم ، وعلى الوجه الأول في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أن قوله : { فقد كذب أمم } كيف يفهم ، مع أن إبراهيم لم ~~يسبقه إلا قوم نوح وهم أمة واحدة ؟ والجواب عنه من وجهين : أحدهما : أن قبل ~~نوح كان أقوام كقوم إدريس وقوم شيث وآدم والثاني : أن نوحا عاش ألفا وأكثر ~~وكان القرن يموت ويجيء أولاده والآباء يوصون الأبناء بالامتناع عن الاتباع ~~فكفى بقوم نوح أمما . # المسألة الثانية : ما { البلاغ } وما { المبين } ؟ فنقول البلاغ هو ذكر ms7157 ~~المسائل ، والإبانة هي إقامة البرهان عليه . # المسألة الثالثة : الآية تدل على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ~~لأن الرسول إذا بلغ شيئا ولم يبينه فإنه لم يأت بالبلاغ المبين ، فلا يكون ~~آتيا بما عليه . # ! 7 < { أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده إن ذالك على الله يسير ~~} . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 19 ) أو لم يروا . . . . . # > > لما بين الأصل الأول وهو التوحيد وأشار إلى الأصل الثاني وهو الرسالة ~~بقوله : { وما على الرسول إلا البلاغ المبين } شرع في بيان الأصل الثالث ~~وهو الحشر ، وقد ذكرنا مرارا أن الأصول الثلاثة لا يكاد ينفصل بعضها عن بعض ~~في الذكر الإلهي ، فأينما يذكر الله تعالى منها اثنين يذكر الثالث . وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : الإنسان متى رأى بدء الخلق حتى يقال : { أو لم * يروا ~~كيف يبدىء الله } ؟ فنقول المراد العلم الواضح الذي كالرؤية والعاقل بعلم ~~أن البدء من الله لأن الخلق الأول لا يكون من مخلوق وإلا لما كان الخلق ~~الأول خلقا أول ، فهو من الله هذا إن قلنا إن المراد إثبات نفس الخلق ، وإن ~~قلنا إن المراد بالبدء خلق الآدمي أولا وبالإعادة خلق ثانيا ، فنقول العاقل ~~لا يخفى عليه أن خالق نفسه ليس إلا قادر حكيم يصور الأولاد في الأرحام ، ~~ويخلقه من نطفة في غاية الإتقان والإحكام ، فذلك الذي خلق أولا معلوم ظاهر ~~فأطلق على ذلك العلم لفظ الرؤية ، وقال : { أو لم * يروا } أي ألم يعلموا ~~علما ظاهرا واضحا { كيف يبدىء الله الخلق } يخلقه من تراب يجمعه فكذبك يجمع ~~أجزاءه من التراب ينفخ فيه روحه بل هو أسهل بالنسبة إليكم ، فإن من نحت ~~حجارات ووضع شيئا بجنب شيء ففرقه أمر ما فإنه يقول وضعه شيئا بجنب شيء في ~~هذه النوبة أسهل علي لأن الحجارات منحوتة ، ومعلوم أن آية واحدة منها تصلح ~~لأن تكون بجنب الأخرى ، وعلى هذا المخرج خرج كلام الله في قوله { وهو أهون ~~} ( الروم : 27 ) وإليه الإشارة بقوله : { إن ذالك على الله يسير } . # المسألة الثانية : قال : { أو لم * يروا كيف يبدىء ms7158 الله الخلق } علق ~~الرؤية بالكيفية لا بالخلق وما قال : أو لم يروا أن الله خلق ، أو بدأ ~~الخلق ، والكيفية غير معلومة ؟ فنقول هذا القدر من الكيفية معلوم ، وهو أنه ~~خلقه ولم يكن شيئا مذكورا ، وأنه خلقه من نطفة هي من غذاء هو من ماء وتراب ~~وهذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة فإن الإعادة مثله . ~~PageV25P041 # المسألة الثالثة : لم قال : { ثم يعيده إن ذالك على الله يسير } فأبرز ~~اسمه مرة أخرى ، ولم يقل إن ذلك عليه يسير كما قال ثم يعيده من غير إبراز ؟ ~~نقول مع إقامة البرهان على أنه يسير فأكده بإظهار اسمه فإنه يوجب المعرفة ~~أيضا بكون ذلك يسيرا ، فإن الإنسان إذا سمع لفظ الله وفهم معناه أنه الحي ~~القادر ، بقدرة كاملة ، لا يعجزه شيء ، العالم بعلم محيط بذرات كل جسم ، ~~نافذ الإرادة لا راد لما أراده ، يقطع بجواز الإعادة . # ! 7 < { قل سيروا فى الا رض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة ~~الا خرة إن الله على كل شىء قدير } . > 7 ! # / < < # | العنكبوت : ( 20 ) قل سيروا في . . . . . # > > الآية المتقدمة كانت إشارة إلى العلم الحدسي وهو الحاصل من غير طلب ~~فقال { أو لم * يروا } على سبيل الاستفهام بمعنى استبعاد عدمه ، وقال في ~~هذه الآية إن لم يحصل لكم هذا العلم فتفكروا في أقطار الأرض لتعلموا بالعلم ~~الفكري ، وهذا لأن الإنسان له مراتب في الإدراك بعضهم يدرك شيئا من غير ~~تعليم وإقامة برهان له ، وبعضهم لا يفهم إلا بإبانة وبعضهم لا يفهمه أصلا ~~فقال : إن كنتم لستم من القبيل الأول فسيروا في الأرض ، أي سيروا فكركم في ~~الأرض وأجيلوا ذهنكم في الحوادث الخارجة عن أنفسكم لتعلموا بدء الخلق وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال في الآية الأولى بلفظ الرؤية وفي هذه بلفظ النظر ما ~~الحكمة فيه ؟ نقول العلم الحدسي أتم من العلم الفكري كما تبين ، والرؤية ~~أتم من النظر لأن النظر يفضي إلى الرؤية ، يقال نظرت فرأيت والمفضي إلى ~~الشيء دون ذلك الشيء ، فقال في الأول أما حصلت لكم ms7159 الرؤية فانظروا في الأرض ~~لتحصل لكم الرؤية . # المسألة الثانية : ذكر هذه الآية بصيغة الأمر وفي الآية الأولى بصيغة ~~الاستفهام لأن العلم الحدسي إن حصل فالأمر به تحصيل الحاصل ، وإن لم يحصل ~~فلا يحصل إلا بالطلب لأن بالطلب يصير الحاصل فكريا فيكون الأمر به تكليف ما ~~لا يطاق ، وأما العلم الفكري فهو مقدور فورد الأمر به . # المسألة الثالثة : أبرز اسم الله في الآية الأولى عند البدء حيث قال : { ~~كيف يبدىء الله } وأضمره عند الإعادة وفي هذه الآية أضمره عند البدء وأبرزه ~~عند الإعادة حيث قال : { ثم الله } لأن في الآية الأولى لم يسبق ذكر الله ~~بفعل حتى يسند إليه البدء فقال : { يروا كيف يبدىء الله } ثم قال : { ثم ~~يعيده } كما يقول القائل ضرب زيد عمرا ثم ضرب بكرا ولا يحتاج إلى إظهار اسم ~~زيد اكتفاء بالأول ، وفي الآية الثانية كان ذكر البدء مسندا إلى الله ~~فاكتفى به ولم يبرزه كقوله القائل أما علمت كيف خرج زيد ، اسمع مني كيف خرج ~~، ولا يظهر اسم زيد ، وأما إظهاره عند الإنشاء ثانيا حيث قال : { ثم الله ~~ينشىء } مع أنه كان يكفي أن يقول : ثم ينشيء النشأة الآخرة ، فلحكمة بالغة ~~وهي ما ذكرنا أن مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسما من يفهم ~~المسمى به بصفات كماله ونعوت جلاله يقطع بجواز الإعادة فقال الله مظهرا ~~مبرزا ليقع في ذهن الإنسان من اسمه كمال PageV25P042 قدرته وشمول علمه ~~ونفوذ إرادته ويعترف بوقوع بدئه وجواز إعادته ، فإن قيل فلم لم يقل ثم الله ~~يعيده لعين ما ذكرت من الحكمة والفائدة ؟ نقول لوجهين أحدهما : أن الله كان ~~مظهرا مبزرا بقرب منه وهو في قوله : { كيف يبدىء الله الخلق } ولم يكن ~~بينهما إلا لفظ الخلق وأما ههنا فلم يكن / مذكورا عند البدء فأظهره ~~وثانيهما : أن الدليل ههنا تم على جواز الإعادة لأن الدلائل منحصرة في ~~الآفاق وفي الأنفس ، كما قال تعالى : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى ~~أنفسهم } ( فصلت : 53 ) وفي الآية الأولى أشار إلى الدليل النفسي الحاصل ~~لهذا الإنسان ms7160 من نفسه ، وفي الآية الثانية أشار إلى الدليل الحاصل من ~~الآفاق بقوله : { قل سيروا فى الارض } وعندهما تم الدليلان ، فأكده بإظهار ~~اسمه ، وما الدليل الأول فأكده بالدليل الثاني ، فلم يقل ثم الله يعيده . # المسألة الرابعة : في الآية الأولى ذكر بلفظ المستقبل فقال : { أو لم * ~~يروا كيف يبدىء } وههنا قال بلفظ الماضي فقال : { فانظروا كيف بدأ } ولم ~~يقل كيف يبدأ ، فنقول الدليل الأول هو الدليل النفسي الموجب للعلم الحدسي ~~وهو في كل حال يوجب العلم ببدء الخلق ، فقال إن كان ليس لكم علم بأن الله ~~في كل حال يبدأ خلقا فانظروا إلى الأشياء المخلوقة ليحصل لكم علم بأن الله ~~بدأ خلقا ، ويحصل المطلوب من هذا القدر فإنه ينشيء كما بدأ ذلك . # المسألة الخامسة : قال في هذه الآية { إن الله على كل شىء قدير } وقال في ~~الآية الأولى { إن ذالك على الله يسير } وفيه فائدتان إحداهما : أن الدليل ~~الأول هو الدليل النفسي ، وهو وإن كان موجبه العلم الحدسي التام ولكن عند ~~انضمام دليل الآفاق إليه يحصل العلم العام ، لأنه بالنظر في نفسه علم نفسه ~~وحاجته إلى الله ووجوده منه ، وبالنظر إلى الآفاق علم حاجة غيره إليه ~~ووجوده منه ، فتم علمه بأن كل شيء من الله فقال عند تمام ذكر الدليلين { إن ~~الله على كل شىء قدير } وقال عند الدليل الواحد { إن ذالك } وهو إعادته { ~~على الله يسير } الثانية : هي أنا بينا أن العلم الأول أتم وإن كان الثاني ~~أعم وكون الأمر يسيرا على الفاعل أتم من كونه مقدورا له بدليل أن القائل ~~يقول في حق من يحمل مائة من أنه قادر عليه ولا يقول إنه سهل عليه ، فإذا ~~سئل عن حمله عشرة أمنان يقول إن ذلك عليه يسير ، فنقول قال الله تعالى إن ~~لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند الله سهل يسير فسيروا في الأرض ~~لتعلموا أنه مقدور ، ونفس كونه مقدورا كاف في إمكان الإعادة . # ! 7 < { يعذب من يشآء ويرحم من يشآء وإليه تقلبون * ومآ أنتم بمعجزين فى ~~الا ms7161 رض ولا فى السمآء وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 21 - 22 ) يعذب من يشاء . . . . . # > > لما ذكر النشأة الآخرة ذكر ما يكون فيه وهو تعذيب أهل التكذيب عدلا ~~وحكمة ، وإثابة أهل الإنابة فضلا ورحمة ، وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : قدم التعذيب في الذكر على الرحمة مع أن رحمته سابقة ~~كما قال عليه السلام PageV25P043 حاكيا عنه ( سبقت رحمتي غضبي ) فنقول ذلك ~~لوجهين أحدهما : أن السابق ذكر الكفار فذكر العذاب لسبق ذكر مستحقيه بحكم ~~الإيعاد وعقبه بالرحمة ، وكما ذكر ، بعد إثبات الأصل الأول وهو التوحيد ~~التهديد بقوله : { وإن تكذبوا فقد كذب أمم } ( العنبكوت : 18 ) وأهلكوا ~~بالتكذيب كذلك ذكر بعد إثبات الأصل الآخر التهديد بذكر التعذيب ، وذكر ~~الرحمة وقع تبعا لئلا يكون العذاب مذكورا وحده وهذا يحقق قوله : ( سبقت ~~رحمتي غضبي ) وذلك لأن الله حيث كان المقصود ذكر العذاب لم يمحضه في الذكر ~~بل ذكر الرحمة معه . # المسألة الثانية : إذا كان ذكر هذا لتخويف العاصي وتفريح المؤمن فلو قال ~~يعذب الكافر ويرحم المؤمن لكان أدخل في تحصيل المقصود وقوله : { يعذب من ~~يشاء } لا يزجر الكافر لجواز أن يقول لعلي لا أكون ممن يشاء الله عذابه ، ~~فنقول : هذا أبلغ في التخويف ، وذلك لأن الله أثبت بهذا إنفاذ مشيئته إذا ~~أراد تعذيب شخص فلا يمنعه منه مانع ، ثم كان من المعلوم للعباد بحكم الوعد ~~والإيعاد أنه شاء تعذيب أهل العناد ، فلزم منه الخوف التام بخلاف ما لو قال ~~يعذب العاصي ، فإنه لا يدل على كمال مشيئته ، لأنه لا يفيد أنه لو شاء عذاب ~~المؤمن لعذبه ، فإذا لم يفد هذا فيقول الكافر إذا لم يحصل مراده في تلك ~~الصورة يمكن أن يحصل في صورة أخرى ، ولنضرب له مثلا فنقول : إذا قيل إن ~~الملك يقدر على ضرب كل من في بلاده وقال من خالفني أضربه يحصل الخوف التام ~~لمن يخالفه ، وإذا قيل إنه قادر على ضرب المخالفين ولا يقدر على ضرب ~~المطيعين ، فإذا قال من خالفني أضربه يقع في وهم المخالف أنه ms7162 لا يقدر على ~~ضرب فلان المطيع ، فلا يقدر علي أيضا لكوني مثله ، وفي هذا فائدة أخرى وهو ~~الخوف العام والرجاء العام ، لأن الأمن الكلي من الله يوجب الجراءة فيفضي ~~إلى صيرورة المطيع عاصيا . # المسألة الثالثة : قال : { ثم إليه * تقلبون } مع أن هذه المسألة قد سبق ~~إثباتها وتقريرها فلم أعادها ؟ فنقول لما ذكر الله التعذيب والرحمة وهما قد ~~يكونان عاجلين ، فقال تعالى : فإن تأخر عنكم ذلك فلا تظنوا أنه فات ، فإن ~~إليه إيابكم وعليه حسابكم وعنده يدخر ثوابكم وعقابكم ، ولهذا قال بعدها { ~~وما أنتم بمعجزين } يعني لا تفوتون الله بل الانقلاب إليه ولا يمكن ~~الإنفلات منه ، وفي تفسير هذه الآية لطائف إحداها : هي إعجاز المعذب عن ~~التعذيب إما بالهرب منه أو الثبات له والمقاومة معه للدفع ، وذكر الله ~~القسمين فقال : { وما أنتم بمعجزين فى الارض ولا فى السماء } يعني بالهرب ~~لو صعدتم إلى محل السماك في السماء أو هبطتم إلى موضع السموك في الماء لا ~~تخرجون من قبضة قدرة الله فلا مطمع في الإعجاز بالهرب ، وأما بالثبات فكذلك ~~لأن الإعجاز إما أن يكون بالاستناد إلى ركن شديد يشفع ولا يمكن للمعذب ~~مخالفته فيفوته المعذب ويعجز عنه أو بالانتصار بقوم يقوم معه بالدفع ~~وكلاهما محال ، فإنكم مالكم من دون الله ولي يشفع ولا نصير يدفع فلا إعجاز ~~/ لا بالهروب ولا بالثبات الثانية : قال : { وما أنتم بمعجزين } ولم يقل لا ~~تعجزون بصيغة الفعل / وذلك لأن نفي الفعل لا يدل على نفي الصلاحية ، فإن من ~~قال إن فلانا لا يخيط لا يدل على ما يدل عليه قوله إنه ليس بخياط الثالثة : ~~قدم الأرض على السماء ، والولي على النصير ، لأن هربهم الممكن في الأرض ، ~~فإن كان يقع منهم هرب يكون في الأرض ، ثم إن فرضنا لهم قدرة غير ذلك فيكون ~~لهم صعود في السماء ، وأما الدفع فإن العاقل ما أمكنه الدفع بأجمل الطرق ~~فلا يرتقي إلى غيره ، والشفاعة أجمل . ولأن ما من أحد في الشاهد إلا ويكون ~~له شفيع يتكلم في حقه عند ملك ولا ms7163 يكون كل أحد له ناصر يعادي الملك لأجله . # PageV25P044 ! 7 < { والذين كفروا بأايات الله ولقآئه أولائك يئسوا من ~~رحمتى وأولائك لهم عذاب أليم } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 23 ) والذين كفروا بآيات . . . . . # > > لما بين الأصلين التوحيد والإعادة وقررهما بالبرهان وهدد من خالفه ~~على سبيل التفصيل فقال : { والذين كفروا بئايات الله ولقائه } إشارة إلى ~~الكفار بالله ، فإن لله في كل شيء آية دالة على وحدانيته ، فإذا أشرك كفر ~~بآيات الله وإشارة إلى المنكر للحشر فإن من أنكره كفر بلقاء الله فقال : { ~~أولئك يئسوا من رحمتى } لما أركوا أخرجوا أنفسهم عن محل الرحمة لأن من يكون ~~له جهة واحدة تدفع حاجته لا غير يرحم ، وإذا كان له جهات متعددة لا يبقى ~~محلا للرحمة ، فإذا جعلوا لهم آلهة لم يعترفوا بالحاجة إلى طريق متعين ~~فييأسوا من رحمة الله ، ولما أنكروا الحشر وقالوا لا عذاب فناسب تعذيبهم ~~تحقيقا للأمر عليهم ، وهذا كما أن الملك إذا قال أعذب من يخالفني فأنكره ~~بعيد عنه وقال هو لا يصل إلي ، فإذا أحضر بين يديه يحسن منه أن يعذبه ويقول ~~هل قدرت وهل عذبت أم لا ، فإذن تبين أن عدم الرحمة يناسب الإشراك ، والعذاب ~~الأليم يناسب إنكار الحشر . ثم إن في الآية فوائد إحداها : قوله : { أولئك ~~يئسوا } حتى يكون منبئا عن حصر الناس فيهم وقال أيضا { أولئك لهم عذاب أليم ~~} لذلك ، ولو قال : أولئك الذين كفروا بآيات الله ولقائه يئسوا من رحمتي ~~ولهم عذاب أليم ، ما كان يحصل هذه الفائدة فإن قال قائل لو اكتفي بقوله { ~~أولائك } مرة واحدة كان يكفي في إفادة ما ذكر ، ثم قلنا لا وذلك لأنه لو ~~قال أولئك يئسوا ولهم عذاب ، كان يذهب وهم أحد إلى أن هذا المجموع منحصر ~~فيهم ، فلا يوجد المجموع إلا فيهم ولكن واحدا منهما وحده يمكن أن يوجد في ~~غيرهم ، فإذا قال أولئك يئسوا وأولئك لهم عذاب أفاد أن كل واحد لا يوجد إلا ~~فيهم الثانية : عند ذكر الرحمة أضافها إلى نفسه فقال رحمتي وعند العذاب لم ~~يضفه لسبق رحمته وإعلاما لعباده ms7164 بعمومها لهم ولزومها له الثالثة : أضاف ~~اليأس إليهم / بقوله : { أولئك يئسوا } فحرمها عليهم ولو طمعوا لأباحها لهم ~~، فلو قال قائل ما ذكرت من مقابلة الأمرين وهما اليأس والعذاب بأمرين وهما ~~الكفر بالآيات والكفر باللقاء يقتضي أن لا يكون العذاب الأليم لمن كفر ~~بالله واعترف بالحشر ، أو لا يكون اليأس لمن كفر بالحشر وآمن بالله فنقول : ~~معنى الآية أنهم يئسوا ولهم عذاب أليم زائد بسبب كفرهم بالحشر ، ولا شك أن ~~التعذيب بسبب الكفر بالحشر لا يكون إلا للكافر بالحشر ، وأما الآخر فالكافر ~~بالحشر لا يكون مؤمنا بالله لأن الإيمان به لا يصح إلا إذا صدقه فيما قاله ~~والحشر من جملة ذلك . # ! 7 < { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من ~~النار إن فى ذالك لايات لقوم يؤمنون } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 24 ) فما كان جواب . . . . . # > > PageV25P045 # لما أتى إبراهيم عليه السلام ببيان الأصول الثلاثة وأقام البرهان عليه ، ~~بقي الأمر من جانبهم إما الإجابة أو الإتيان بما يصلح أن يكون جوابه فلم ~~يأتوا إلا بقولهم { اقتلوه أو حرقوه } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : كيف سمى قولهم { اقتلوه } جوابا مع أنه ليس بجواب ؟ ~~فنقول ( الجواب عنه ) من وجهين أحدهما : أنه خرج منهم مخرج كلام المتكبر ~~كما يقول الملك لرسول خصمه جوابكم السيف ، مع أن السيف ليس بجواب ، وإنما ~~معناه لا أقابله بالجواب ، وإنما أقابله بالسيف فكذلك قالوا لا تجيبوا عن ~~براهينه واقتلوه أو حرقوه { * الثاني } هو أن الله أراد بيان ضلالهم وهو ~~أنهم ذكروا في معرض الجواب هذا مع أنه ليس بجواب ، فتبين أنهم لم يكن لهم ~~جواب أصلا وذلك لأن من لا يجيب غيره ويسكت ، لا يعلم أنه لا يقدر على ~~الجواب لجواز أن يكون سكوته لعدم الالتفات ، أما إذا أجاب بجواب فاسد ، علم ~~أنه قصد الجواب وما قدر عليه . # المسألة الثانية : القائلون الذين قالوا اقتلوه هم قومه والمأمورون ~~بقولهم اقتلوه أيضا هم ، فيكون الآمر نفس المأمور ؟ فنقول الجواب عنه : من ~~وجهين أحدهما : أن كل واحد منهم قال لمن عداه ms7165 اقتلوه ، فحصل الأمر من كل ~~واحد وصار المأمور كل واحد ولا اتحاد ، لأن كل واحد أمر غيره وثانيهما : هو ~~أن الجواب لا يكون إلا من الأكابر والرؤساء ، فإذا قال أعيان بلد كلاما ~~يقال اتفق أهل البلدة على هذا ولا يلتفت إلى عدم قول العبيد والأرذال ، ~~فكان جواب قومه وهم الرؤساء أن قالوا لأتباعهم وأعوانهم اقتلوه ، لأن ~~الجواب لا يباشره إلا الأكابر والقتل لا يباشره إلا الأتباع . # المسألة الثالثة : { لبعولتهن أو } يذكر بين أمرين الثاني منهما ينفك عن ~~الأول كما يقال زوج أو فرد ، ويقال هذا إنسان أو حيوان ، يعني إن لم يكن ~~إنسانا فهو حيوان ، ولا يصح أن يقال هذا حيوان / أو إنسان إذ يفهم منه أنه ~~يقول هو حيوان فإن لم يكن حيوانا فهو إنسان وهو محال لكن التحريق مشتمل على ~~القتل فقوله اقتلوه أو حرقوه كقول القائل حيوان أو إنسان ، الجواب عنه : من ~~وجهين أحدهما : أن الاستعمال على خلاف ما ذكر شائع ويكون { أو } مستعملا في ~~موضع بل ، كما يقول القائل أعطيته دينارا أو دينارين ، وكما يقول القائل ~~أعطه دينارا بل دينارين قال الله تعالى : { قم اليل إلا قليلا * نصفه أو ~~انقص منه قليلا * أو زد عليه } ( المزمل : 2 4 ) فكذلك ههنا اقتلوه أو ~~زيدوا على القتل وحرقوه الجواب الثاني : هو أنا نسلم ما ذكرتم والأمر هنا ~~كذلك ، لأن التحريق فعل مفض إلى القتل وقد يتخلف عنه القتل فإن من ألقى ~~غيره في النار حتى احترق جلده بأسره وأخرج منها حيا يصح أن يقال احترق فلان ~~وأحرقه فلان وما مات ، فكذلك ههنا قالوا اقتلوه أو لا تعجلوا قتله وعذبوه ~~بالنار ، وإن ترك مقالته فخلوا سبيله وإن أصر فخلوا في النار مقيله . # ثم قال تعالى : { فأنجاه الله من النار } اختلف العقلاء في كيفية الإنجاء ~~، بعضهم قال برد النار وهو الأصح الموافق لقوله تعالى : { قلنا يانار كونى ~~بردا } ( الأنبياء : 69 ) وبعضهم قال خلق في إبراهيم كيفية استبرد معها ~~النار وقال بعضهم ترك إبراهيم على ما هو عليه والنار على ما ms7166 كانت عليه ومنع ~~أذى النار عنه ، والكل ممكن والله قادر عليه ، وأنكر بعض الأطباء الكل ، ~~أما سلب الحرارة عن النار / قالوا الحرارة في النار ذاتية كالزوجية في ~~الأربعة لا يمكن أن تفارقها ، وأما خلق كيفية تستبرد النار فلأن المزاج ~~الإنساني له طرفا تفريط وإفراط ، فلو خرج عنهما لا يبقى إنسانا أو لا يعيش ~~. مثلا المزاج إن كان البارد فيه عشرة أجزاء يكون إنسانا PageV25P046 فإن ~~صار أحد عشر لا يكون إنسانا وإن صارت الأجزاء الباردة خمسة يبقى إنسانا ~~فإذا صارت أربعة لا يبقى إنسانا لكن البرودة التي يستبرد معها النار مزاج ~~السمندل فلو حصل في الإنسان لمات أو لكان ذلك فإن النفس تابعة للمزاج ، ~~وأما الثالث فمحال أن تكون القطنة في النار والنار كما هي ، والقطنة كما هي ~~ولا تحترق ، فنقول الآية رد عليهم والعقل موافق للنقل ، أما الأول فلوجهين ~~أحدهما : أن الحرارة في النار تقبل الاشتداد والضعف ، فإن النار في الفحم ~~إذا نفخ فيه يشتد حتى يذيب الحديد وإن لم ينفخ لا يشتد لكن الضعف هو عدم ~~بعض من الحرارة التي كانت في النار ، فإذا أمكن عدم البعض جاز عدم بعض آخر ~~من ذلك عليها إلى أن ينتهي إلى حد لا يؤذي الإنسان ، ولا كذلك الزوجية ~~فإنها لا تشتد ولا تضعف والثاني : وهو أن في أصول الطب ذكر أن النار لها ~~كيفية حارة كما أن الماء له كيفية باردة لكن رأينا أن الماء تزول عنه ~~البرودة وهو ماء فكذلك النار تزول عنها الحرارة وتبقى نارا وهو نور غير ~~محرق ، وأما الثاني فأيضا ممكن وقولهم مدفوع من وجهين أحدهما : منع أصلهم ~~من كون النفس تابعة للمزاج بل الله قادر على أن يخلق النفس الإنسانية في ~~المزاج الذي مثل مزاج الجمد وثانيهما : أن نقول على أصلكم لا يلزم المحال ~~لأن الكيفية التي ذكرناها تكون في ظاهر كالأجزاء الرشية عليه ولا يتأدى إلى ~~القلب والأعضاء الرئيسة ، ألا ترى أن الإنسان / إذا مس الجمد زمانا ثم مس ~~جمرة نار لا تؤثر النار في إحراق ms7167 يده مثل ما تؤثر في إحراق يد من أخرج يده ~~من جيبه ، ولهذا تحترق يده قبل يد هذا . فإذا جاز وجود كيفية في ظاهر جلد ~~الإنسان تمنع تأثير النار فيه بالإحراق زمانا فيجوز أن تتجدد تلك الكيفية ~~لحظة فلحظة حتى لا تحترق ، وأما الثالث : فمجرد استبعاد بيان عدم الاعتياد ~~ونحن نسلم أن ذلك غير معتاد لأنه معجز والمعجز ينبغى أن يكون خارقا للعادة ~~. # ثم قال تعالى : { إن فى ذالك لآيات لقوم يؤمنون } يعني في إنجائه من ~~النار لآيات ، وهنا مسائل : # المسألة الأولى : قال في إنجاء نوح وأصحاب السفينة { جعلناها * ءاية } ( ~~العنكبوت : 15 ) وقال ههنا { لايات } بالجمع لأن الإنجاء بالسفينة شيء تتسع ~~له العقول فلم يكن فيه من الآية إلا بسبب إعلام الله إياه بالاتخاذ وقت ~~الحاجة ، فإنه لولاه لما اتخذه لعدم حصول علمه بما في الغيب ، وبسبب أن ~~الله صان السفينة عن المهلكات كالرياح العاصفة ، وأما الإنجاء من النار ~~فعجيب فقال فيه آيات . # المسألة الثانية : قال هناك { للعالمين إن } ( الأنبياء : 91 ) وقال ههنا ~~{ لقوم يؤمنون } خص الآيات بالمؤمنين لأن السفينة بقيت أعواما حتى مر عليها ~~الناس ورأوها فحصل العلم بها لكل أحد ، وأما تبريد النار ( فإنه ) لم يبق ~~فلم يظهر لمن يعده إلا بطريق الإيمان به والتصديق ، وفيه لطيفة : وهي أن ~~الله لما برد النار على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لأبناء جنسه ~~، وقد قال الله للمؤمنين بأن لهم أسوة حسنة في إبراهيم ، فحصل للمؤمنين ~~بشارة بأن الله يبرد عليهم النار يوم القيامة ، فقال إن في ذلك التبريد ~~لآيات لقوم يؤمنون . # المسألة الثالثة : قال هناك { جعلناها } وقال ههنا { جعلناه } لأن ~~السفينة ما صارت آية في نفسها ولولا خلق الله الطوفان لبقي فعل نوح سفها ، ~~فالله تعالى جعل السفينة بعد وجودها آية ، وأما تبريد النار فهو في نفسه ~~آية إذا وجدت لا تحتاج إلى أمر آخر كخلق الطوفان حتى يصير آية . # ! 7 < { وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم فى الحيواة ~~الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ms7168 ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما ~~لكم من ناصرين } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 25 ) وقال إنما اتخذتم . . . . . # > > PageV25P047 # لما خرج إبراهيم من النار عاد إلى عذل الكفار وبيان فساد ما هم عليه ، ~~وقال إذا بينت لكم فساد مذهبكم وما كان لكم جواب ولا ترجعون عنه ، فليس هذا ~~إلا تقليدا ، فإن بين بعضكم وبعض مودة / فلا يريد أحدكم أن يفارقه صاحبه في ~~السيرة والطريقة أو بينكم وبين آبائكم مودة فورثتموهم وأخذتم مقالتهم ~~ولزمتم ضلالتهم وجهالتهم فقوله : { إنما اتخذتم مودة بينكم } يعني ليس ~~بدليل أصلا وفيه وجه آخر وهو تحقيق دقيق ، وهو أن يقال قوله : { إنما ~~اتخذتم مودة بينكم } أي مودة بين الأوثان وبين عبدتها ، وتلك المودة هي أن ~~الإنسان مشتمل على جسم وعقل ، ولجسمه لذات جسمانية ولعقله لذات عقلية ، ثم ~~إن من غلبت فيه الجسمية لا يلتفت إلى اللذات العقلية ، ومن غلبت عليه ~~العقلية لا يلتفت إلى اللذات الجسمانية ، كالمجنون إذا احتاج إلى قضاء حاجة ~~من أكل أو شرب أو إراقة ماء وهو بين قوم من الأكابر في مجمع يحصل ما فيه ~~لذة جسمه من الأكل وإراقة الماء وغيرهما ولا يلتفت إلى اللذة العقلية من ~~حسن السيرة وحمد الأوصاف ومكرمة الأخلاق . والعاقل يحمل الألم الجسماني ~~ويحصل اللذة العقلية ، حتى لو غلبت قوته الدافعة على قوته الماسكة وخرج منه ~~ريح أو قطرة ماء يكاد يموت من الخجالة والألم العقلي . إذا ثبت هذا فهم ~~كانوا قليلي العقل غلبت الجسمية عليهم فلم يتسع عقلهم لمعبود لا يكون فوقهم ~~ولا تحتهم ، ولا يمينهم ولا يسارهم ، ولا قدامهم ولا وراءهم ، ولا يكون ~~جسما من الأجسام ، ولا شيئا يدخل في الأوهام ، ورأوا الأجسام المناسبة ~~للغالب فيهم مزينة بجواهر فودوها فاتخاذهم الأوثان كان مودة بينهم وبين ~~الأوثان ، ثم قال تعالى : { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض } يعني يوم ~~يزول عمى القلوب وتتبين الأمور للبيب والغفول يكفر بعضكم ببعض ويعلم فساد ~~ما كان عليه فيقول العابد ما هذا معبودي ، ويقول المعبود ما هؤلاء عبدتي ~~ويلعن بعضكم بعضا ، ويقول هذا لذاك أنت أوقعتني ms7169 في العذاب حيث عبدتني ، ~~ويقول ذاك لهذا أنت أوقعتني فيه حيث أضللتني بعبادتك ، ويريد كل واحد أن ~~يبعد صاحبه باللعن ولا يتباعدون ، بل هم مجتمعون في النار كما كانوا ~~مجتمعين في هذه الدار كما قال تعالى : { ومأواكم النار } ثم قال تعالى : { ~~وما لكم من ناصرين } يعني ليس تلك النار مثل ناركم التي أنجى الله منها ~~إبراهيم ونصره فأنتم في النار ولا ناصر لكم ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال قبل هذا { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } ( ~~التوبة : 116 ) على لفظ الواحد ، وقال ههنا على لفظ الجمع { وما لكم من ~~ناصرين } والحكمة فيه أنهم لما أرادوا إحراق إبراهيم عليه السلام قالوا نحن ~~ننصر آلهتنا كما حكى الله تعالى عنهم { حرقوه وانصروا ءالهتكم } ( الأنبياء ~~: 68 ) فقال أنتم ادعيتم أن لهؤلاء ناصرين فما لكم ولهم ، أي للأوثان ~~وعبدتها من ناصرين ، وأما هناك ما سبق منهم دعوى الناصرين فنفى الجنس بقوله ~~: { ولا نصير } . PageV25P048 # المسألة الثانية : قال هناك { مالكم * من دون الله من ولي ولا نصير } وما ~~ذكر الولي ههنا فنقول : قد بينا أن المراد بالولي الشفيع يعني ليس لكم شافع ~~ولا نصير دافع / وههنا لما كان الخطاب دخل فيه الأوثان أي ما لكم كلكم لم ~~يقل شفيع لأنهم كانوا معترفين أن كلهم ليس لهم شافع لأنهم كانوا يدعون أن ~~آلهتهم شفعاء ، كما قال تعالى عنهم : { هؤلاء شفعاؤنا } ( يونس : 18 ) ~~والشفيع لا يكون / له شفيع ، فما نفى عنهم الشفيع لعدم الحاجة إلى نفيه ~~لاعترافهم به ، وأما هناك فكان الكلام معهم وهم كانوا يدعون أن لأنفسهم ~~شفعاء فنفى . # المسألة الثالثة : قال هناك { ما لكم من دونه * الله } فذكر على معنى ~~الاستثناء فيفهم أن لهم ناصرا ووليا هو الله وليس لهم غيره ولي وناصر وقال ~~ههنا { ما لكم من * ناصرين } من غير استثناء فنقول كان ذلك واردا على أنهم ~~في الدنيا فقال لهم في الدنيا ، لا تظنوا أنكم تعجزون الله فما لكم أحد ~~ينصركم ، بل الله تعالى ينصركم إن تبتم ، فهو ناصر معد لكم ms7170 متى أردتم ~~استنصرتموه بالتوبة وهذا يوم القيامة كما قال تعالى : { ثم يوم القيامة ~~يكفر بعضكم ببعض } وعدم الناصر عام لأن التوبة في ذلك اليوم لا تقبل فسواء ~~تابوا أو لم يتوبوا لا ينصرهم الله ولا ناصر لهم غيره فلا ناصر لهم مطلقا . # ! 7 < { فأامن له لوط وقال إنى مهاجر إلى ربىإنه هو العزيز الحكيم } . > ~~7 ! # < < # | العنكبوت : ( 26 ) فآمن له لوط . . . . . # > > يعني لما رأى لوط معجزته آمن وقال إبراهيم { إنى مهاجر إلى ربى } أي ~~إلى حيث أمرني بالتوجه إليه { إنه هو العزيز الحكيم } عزيز يمنع أعدائي عن ~~إيذائي بعزته ، وحكيم لا يأمرني إلا بما يوافق لكمال حكمته ، وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { فئامن له لوط } أي بعد ما رأى منه المعجز ~~القاهر ودرجة لوط كانت عالية ، وبقاؤه إلى هذا الوقت مما ينقص من الدرجة ~~ألا ترى أن أبا بكر لما قبل دين محمد صلى الله عليه وسلم وكان نير القلب ~~قبله قبل الكل ، من غير سماع تكلم الحصى ولا رؤية انشقاق القمر ، فنقول إن ~~لوطا لما رأى معجزته آمن برسالته ، وإما بالوحدانية فآمن حيث سمع حسن ~~مقالته ، وإليه أشار بقوله : { فئامن له لوط } وما قال فآمن لوط . # المسألة الثانية : ما تعلق قوله وقال : { إنى مهاجر إلى ربى } بما تقدم ؟ ~~فنقول بما بالغ إبراهيم في الإرشاد ولم يهتد قومه ، وحصل اليأس الكلي حيث ~~رأى القوم الآية الكبرى : { ولم * يؤمنوا } وجبت المهاجرة ، لأن الهادي إذا ~~هدى قومه ولم ينتفعوا فبقاؤه فيهم مفسدة لأنه إن دام على الإرشاد كان ~~اشتغالا بما لا ينتفع به مع علمه فيصير كمن يقول للحجر صدق وهو عبث أو يسكت ~~والسكوت دليل الرضا فيقال بأنه صار منا ورضي بأفعالنا ، وإذا لم يبق ~~للإقامة وجه وجبت المهاجرة . # المسألة الثالثة : قال : { مهاجر إلى ربى } ولم يقل مهاجر إلى حيث أمرني ~~ربي مع أن المهاجرة إلى الرب توهم الجهة ، فنقول قوله : { مهاجر } إلى حيث ~~أمرني ربي ليس في الاخلاص كقوله : { إلى ربى } لأن الملك إذا صدر منه أمر ~~برواح الأجناد إلى ms7171 الموضع الفلاني ، ثم إن واحدا منهم سافر إليه لغرض ( في ~~) نفسه يصيبه فقد هاجر إلى حيث أمره الملك ولكن لا مخلصا لوجهه فقال : { ~~مهاجر إلى ربى } يعني توجهي إلى الجهة المأمور بالهجرة إليها ليس طلبا ~~للجهة إنما هو طلب لله . # PageV25P049 ! 7 < { ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا فى ذريته النبوة ~~والكتاب وءاتيناه أجره فى الدنيا وإنه فى لا خرة لمن الصالحين } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 27 ) ووهبنا له إسحاق . . . . . # > > قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم } ( ~~العنكبوت : 7 ) أن أثر رحمة الله في أمرين في الأمان من سوء العذاب ~~والامتنان بحسن الثواب وهو واصل إلى المؤمن في الدار الآخرة قطعا بحكم وعد ~~الله نفي العذاب عنه لنفيه الشرك وإثبات الثواب لإثباته الواحد ، ولكن هذا ~~ليس بواجب الحصول في الدنيا ، فإن كثيرا ما يكون الكافر في رغد والمؤمن ~~جائع في يومه متفكر في أمر غده لكنهما مطلوبان في الدنيا ، أما دفع العذاب ~~العاجل فلأنه ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : ( وقنا عذاب ~~الفقر والنار ) فعذاب الفقر إشارة إلى دفع العذاب العاجل ، وأما الثواب ~~العاجل ففي قوله : { ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة } ( البقرة ~~: 201 ) إذا علم هذا فنقول إن إبراهيم عليه السلام لما أتى ببيان التوحيد ~~أولا دفع الله عنه عذاب الدنيا وهو عذاب النار ، ولما أتى به مرة بعد مرة ~~مع إصرار القوم عى التكذيب وإضرارهم به بالتعذيب ، أعطاه الجزاء الآخر ، ~~وهو الثواب العاجل وعدده عليه بقوله : { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } وفي ~~الآية لطيفة : وهي أن الله بدل جميع أحوال إبراهيم في الدنيا بأضدادها لما ~~أراد القوم تعذيبه بالنار وكان وحيدا فريدا فبدل وحدته بالكثرة حتى ملأ ~~الدنيا من ذريته ، ولما كان أولا قومه وأقاربه القريبة ضالين مضلين من ~~جملتهم آزر ، بدل الله أقاربه بأقارب مهتدين هادين وهم ذريته الذين جعل ~~الله فيهم النبوة والكتاب ، وكان أولا لا جاه له ولا مال وهما غاية اللذة ~~الدنيوية آتاه الله أجره من المال والجاه ، فكثر ماله حتى ms7172 كان له من ~~المواشي ما علم الله عدده ، حتى قيل إنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس ~~بأطواق ذهب ، وأما الجاه فصار بحيث يقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر ~~الأنبياء إلى يوم القيامة ، فصار معروفا بشيخ المرسلين بعد إن كان خاملا ، ~~حتى قال قائلهم : { سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } ( الأنبياء : 60 ) ~~وهذا الكلام لا يقال إلا في مجهول بين الناس ، ثم إن الله تعالى قال : { ~~وإنه فى الاخرة لمن الصالحين } يعني ليس له هذا في الدنيا فحسب كما يكون ~~لمن قدم له ثواب حسناته أو أملى له استدراجا ليكثر من سيئاته بل هذا له ~~عجالة وله في الآخرة ثواب الدلالة والرسالة وهو كونه من الصالحين ، فإن كون ~~العبد صالحا أعلى مراتبه ، لما بينا أن الصالح هو الباقي على ما ينبغي ، ~~يقال الطعام بعد صالح ، أي هو باق على ما ينبغي ، ومن بقي على ما ينبغي لا ~~يكون في عذاب ، ويكون له كل ما يريد من حسن ثواب وفي الآية مسألتان : # المسألة الأولى : أن إسماعيل كان من أولاده الصالحين ، وكان قد أسلم لأمر ~~الله بالذبح وانقاد / لحكم الله ، فلم لم يذكر ؟ فيقال هو مذكور في قوله : ~~{ وجعلنا فى ذريته النبوة } ولكن لم يصرح باسمه لأنه كان غرضه تبيين فضله ~~عليه بهبة الأولاد والأحفاد ، فذكر من الأولاد واحدا وهو الأكبر ، ومن ~~الأحفاد واحدا وهو الأظهر كما يقول القائل إن السلطان في خدمته الملوك ~~والأمراء الملك الفلاني والأمير الفلاني ولا يعدد الكل لأن ذكر ذلك الواحد ~~لبيان الجنس لا لخصوصيته ولو ذكر غيره لفهم منه التعديد واستيعاب الكل ~~PageV25P050 بالذكر ، فيظن أنه ليس معه غير المذكورين . # المسألة الثانية : أن الله تعالى جعل في ذريته النبوة إجابة لدعائه ~~والوالد يستحب منه أن يسوى بين ولديه ، فكيف صارت النبوة في أولاد إسحاق ~~أكثر من النبوة في أولاد إسماعيل ؟ فنقول : الله تعالى قسم الزمان من وقت ~~إبراهيم إلى القيامة قسمين والناس أجمعين ، فالقسم الأول من الزمان بعث ~~الله فيه أنبياء فيهم فضائل جمة وجاؤا تترى ms7173 واحدا بعد واحد ، ومجتمعين في ~~عصر واحد كلهم من ورثة اسحاق عليه السلام ، ثم في القسم الثاني من الزمان ~~أخرج من ذرية ولده الآخر وهو إسماعيل واحدا جمع فيه ما كان فيهم وأرسله إلى ~~كافة الخلق وهو محمد صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم النبيين ، وقد دام ~~الخلق على دين أولاد إسحاق أكثر من أربعة آلاف سنة فلا يبعد أن يبقى الخلق ~~على دين ذرية إسماعيل مثل ذلك المقدار . # ! 7 < { ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين * أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر ~~فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين * قال ~~رب انصرنى على القوم المفسدين } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 28 - 30 ) ولوطا إذ قال . . . . . # > > # الإعراب في لوط ، والتفسير كما ذكرنا في قوله : { وإبراهيم إذ قال لقومه ~~} ( العنكبوت : 16 ) وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال إبراهيم لقومه { اعبدوا الله } وقال عن لوط ههنا ~~أنه قال لقومه { لتأتون الفاحشة } فنقول لما ذكر الله لوطا عند ذكر إبراهيم ~~وكان لوط في زمان إبراهيم لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالتوحيد مع أن ~~الرسول لا بد من أن يقول ذلك فنقول حكاية لوط وغيرها / ههنا ذكرها الله على ~~سبيل الاختصار ، فاقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة ، ولم ~~يذكر عنه الأمر بالتوحيد وإن كان قاله في موضع آخر حيث قال : { اعبدوا الله ~~ما لكم من إلاه غيره } ( الأعراف : 59 ) لأن ذلك كان قد أتى به إبراهيم ~~وسبقه فصار كالمختص به ولوط يبلغ ذلك عن إبراهيم . وأما المنع من عمل قوم ~~لوط كان مختصا بلوط ، فإن إبراهيم لم يظهر ذلك ( في زمنه ) ولم يمنعهم منه ~~فذكر كل واحد بما اختص به وسبق به غيره . # المسألة الثانية : لم سمى ذلك الفعل فاحشة ؟ فنقول الفاحشة هو القبيح ~~الظاهر قبحه ، ثم إن الشهوة والغضب صفتا قبح لولا مصلحة ما كان يخلقهما ~~الله في الإنسان ، فمصلحة الشهوة الفرجية هي بقاء ms7174 النوع بتوليد الشخص ، ~~وهذه المصلحة لا تحصل إلا بوجود الولد وبقائه بعد الأب ، فإنه لو وجد ومات ~~قبل الأب كان يفنى النوع بفناء القرن الأول ، لكن الزنا قضاء شهوة ولا يفضي ~~إلى بقاء النوع ، لأنا بينا أن البناء بالوجود وبقاء الولد بعد الأب لكن ~~الزنا وإن كان يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي إلى بقائه ، لأن المياه ~~إذا PageV25P051 اشتبهت لا يعرف الوالد ولده فلا يقوم بتربيته والإنفاق ~~عليه فيضيع ويهلك ، فلا يحصل مصلحة البقاء ، فاذن الزنا شهوة قبيحة خالية ~~عن المصلحة التي لأجلها خلقت ، فهو قبيح ظاهر قبحه حيث لا تستره المصلحة ~~فهو فاحشة ، وإذا كان الزنا فاحشة مع أنه يفضي إلى وجود الولد ولكن لا يفضي ~~إلى بقائه ، فاللواطة التي لا تفضي إلى وجوده أولى بأن تكون فاحشة . # المسألة الثالثة : الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة ، لأنها مع الزنا ~~اشتركت في كونهما فاحشة حيث قال الله تعالى : { ولا تقربوا الزنى إنه كان ~~فاحشة } ( الإسراء : 32 ) واشتراكهما في الفاحشة يناسب الزجر عنه ، فما شرع ~~زاجرا هناك يشرع زاجرا ههنا ، وهذا وإن كان قياسا إلا أن جامعه مستفاد من ~~الآية ، ووجه آخر ، وهو أن الله جعل عذاب من أتى بها إمطار الحجارة حيث ~~أمطر عليهم حجارة عاجلا ، فوجب أن يعذب من أتى به بإمطار الحجارة به عاجلا ~~وهو الرجم ، وقوله : { ما سبقكم بها من أحد } يحتمل وجهين أحدهما : أن ~~قبلهم لم يأت أحد بهذا القبيح وهذا ظاهر ، والثاني : أن قبلهم ربما أتى به ~~واحد في الندرة لكنهم بالغوا فيه ، فقال لهم ما سبقكم بها من أحد ، كما ~~يقال إن فلانا سبق البخلاء في البخل ، وسبق اللئام في اللؤم إذا زاد عليهم ~~، ثم قال تعالى : { أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل } بيانا لما ذكرنا ~~، يعنى تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء المشتمل على ~~المصلحة التي هي بقاء النوع / حتى يظهر أنه قبيح لم يستر قبحه مصلحة ، ~~وحينئذ يصير هذا كقوله تعالى : { أتأتون * الرجال شهوة من دون النساء } ( ) ~~يعنى ms7175 إتيان النساء شهوة قبيحة مستترة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة ~~فيه وتتركونه وتأتون الرجال شهوة مع الفاحشة وقوله : { وتأتون فى ناديكم ~~المنكر } يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح الإظهار ، وقوله : { ~~فما كان جواب قومه } في التفسير ، كقوله في قصة إبراهيم { وما كان جواب ~~قومه } وفي الآية مسائل : # / المسألة الأولى : قال قوم إبراهيم { اقتلوه أو حرقوه } ( العنكبوت : 24 ~~) وقال قوم لوط { ائتنا بعذاب الله } وما هددوه ، مع أن إبراهيم كان أعظم ~~من لوط ، فإن لوطا كان من قومه ، فنقول إن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم ~~آلهتهم بتعديد صفات نقصهم بقوله : لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يغنى والقدح في ~~الدين صعب ، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق ، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم ~~وينسبهم إلى ارتكاب المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين ، فلم ~~يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم قول إبراهيم ، فقالوا إنك تقول إن ~~هذا حرام والله يعذب عليه ونحن نقول لا يعذب ، فإن كنت صادقا فأتنا بالعذاب ~~، فإن قيل إن الله تعالى قال في موضع آخر { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ~~أخرجوا ءال لوط من قريتكم } ( النمل : 56 ) وقال ههنا { فما كان جواب قومه ~~إلا أن قالوا ائتنا } فكيف الجمع ؟ فنقول لوط كان ثابتا على الإرشاد مكررا ~~عليهم التغيير والنهي والوعيد ، فقالوا أولا ائتنا ، ثم لما كثر منه ذلك ~~ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا ، ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة من الله ~~وذكرهم بما لا يحب الله { فقال رب * انصرنى على القوم المفسدين } فإن الله ~~لا يحب المفسدين ، حتى ينجز النصر . # واعلم أن نبيا من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من ~~وجودهم ، كما قال نوح : { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا } ( نوح : 27 ) يعني المصلحلة إما فيهم حالا أو بسببهم مآلا ولا ~~PageV25P052 مصلحة فيهم ، فإنهم يضلون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون ~~الأولاد من صغرهم بالامتناع من الاتباع ms7176 ، فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في ~~الحال واشتغلوا بما لا يرجى معه منهم ولد صالح يعبد الله ، بطلت المصلحة ~~حالا ومآلا ، فعدمهم صار خيرا ، فطلب العذاب . # ! 7 < { ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوأهل هاذه القرية ~~إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 31 - 32 ) ولما جاءت رسلنا . . . . . # > > # لما دعا لوط على قومه بقوله : { رب انصرنى } استجاب الله دعاءه ، وأمر ~~ملائكته بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين ، فجاءوا إبراهيم وبشروه بذرية ~~طيبة وقالوا : { أنا * مهلكو أهل هاذه القرية } يعني أهل سدوم ، وفي الآية ~~لطيفتان : إحداهما : أن الله جعلهم مبشرين ومنذرين ، / لكن البشارة أثر ~~الرحمة والإنذار بالإهلاك أثر الغضب ، ورحمته سبقت غضبه ، فقدم البشارة على ~~الإنذار . وقال : { جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى } ثم قال : { أنا } الثانية ~~: حين ذكروا البشرى ما عللوا وقالوا إنا نبشرك لأنك رسول ، أو لأنك مؤمن أو ~~لأنك عادل ، وحين ذكروا الإهلاك عللوا ، وقالوا : { القرية إن أهلها كانوا ~~ظالمين } لأن ذا الفضل لا يكون فضله بعوض ، والعادل لا يكون عذابه إلا على ~~جرم ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : لو قال قائل أي تعلق لهذه البشرى بهذا الإنذار ، نقول ~~لما أراد الله إهلاك قوم وكان فيه إخلاء الأرض عن العباد قدم على ذلك إعلام ~~إبراهيم بأنه تعالى يملأ الأرض من العباد الصالحين حتى لا يتأسف على إهلاك ~~قوم من أبناء جنسه . # المسألة الثانية : قال في قوم نوح { فأخذهم الطوفان } ( العنكبوت : 14 ) ~~وقد قلت إن ذلك إشارة إلى أنهم كانوا على ظلمهم حين أخذهم ، ولو يقل فأخذهم ~~وكانوا ظالمين ، وههنا قال : { إن أهلها كانوا ظالمين } ولم يقل وإنهم ~~ظالمون ، فنقول لا فرق في الموضعين في كونهم مهلكين وهم مصرون على الظلم ، ~~لكن هناك الإخبار من الله وعن الماضي حيث قال : { فأخذهم } وكانوا ظالمين ، ~~فقال أخذهم وهم عند الوقوع في العذاب ظالمون ، وههنا الإخبار من الملائكة ~~وعن المستقبل حيث قالوا : إنا مهلكوا فالملائكة ذكروا ما يحتاجون إليه في ms7177 ~~إبانة حسن الأمر من الله بالإهلاك ، فقالوا : { أنا } لأن الله أمرنا ، ~~وحال ما أمرنا به كانوا ظالمين ، فحسن أمر الله عند كل أحد ، وأما نحن فلا ~~نخبر بما لا حاجة لنا إليه ، فإن الكلام عن الملك بغير إذنه سوء أدب ، فنحن ~~ما احتجنا إلا إلى هذا القدر ، وهو أنهم كانوا ظالمين حيث أمرنا الله ~~باهلاكهم بيانا لحسن الأمر ، وأما PageV25P053 أنهم ظالمون في وقتنا هذا أو ~~يبقون كذلك فلا حاجة لنا إليه ، ثم إن إبراهيم لما سمع قولهم قال لهم إن ~~فيها لوطا إشفاقا عليه ليعلم حاله ، أو لأن الملائكة لما قالوا : { أنا } ~~وكان إبراهيم يعلم أن الله لا يهلك قوما وفيهم رسوله ، فقال تعجبا إن فيهم ~~لوطا فكيف يهلكون ، فقالت الملائكة نحن أعلم بمن فيها ، يعني نعلم أن فيهم ~~لوطا فلننجينه وأهله ونهلك الباقين ، وههنا لطيفة : وهو أن الجماعة كانوا ~~أهل الخير ، أعني إبراهيم والملائكة ، وكل واحد كان يزيد على صاحبه في كونه ~~خيرا . أما إبراهيم فلما سمع قوله الملائكة { أنا } أظهر الاشفاق على لوط ~~ونسي نفسه وما بشروه ولم يظهر بها فرحا ، وقال : { قال إن فيها لوطا } ( ~~العنكبوت : 32 ) ثم إن الملائكة لما رأوا ذلك منه زادوا عليه ، وقالوا إنك ~~ذكرت لوطا وحده ونحن ننجيه وننجي معه أهله ، ثم استثنوا من الأهل امرأته ، ~~وقالوا : { إلا امرأته كانت من الغابرين } أي من المهلكين ، وفي استعمال ~~الغابر في المهلك وجهان ، وذلك لأن الغابر لفظ مشترك في الماضي / وفي ~~الباقي يقال فيما غبر من الزمان أي فيما مضى ويقال الفعل ماض وغابر أي باق ~~، وعلى الوجه الأول نقول إن ذكر الظالمين سبق في قولهم : { أنا * مهلكو أهل ~~هاذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين } ثم جرى ذكر لوط بتذكير إبراهيم وجواب ~~الملائكة ، فقالت الملائكة إنها / من الغابرين أي الماضي ذكرهم لا من الذين ~~ننجي منهم ، أو نقول المهلك يفنى ويمضي زمانه والناجي هو الباقي فقالوا ~~إنها من الغابرين أي من الرائحين الماضين لا من الباقين المستمرين ، وأما ~~على الوجه الثاني فنقول لما قضى ms7178 الله على القوم بالإهلاك كان الكل في ~~الهلاك إلا من ننجي منه فقالوا إنا ننجي لوطا وأهله ، وأما امرأته فهي من ~~الباقين في الهلاك . # ! 7 < { ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ~~ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على ~~أهل هاذه القرية رجزا من السمآء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منهآ ءاية ~~بينة لقوم يعقلون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 33 - 35 ) ولما أن جاءت . . . . . # > > ثم إنهم جاؤا من عند إبراهيم إلى لوط على صورة البشر فظنهم بشرا فخاف ~~عليهم من قومه لأنهم كانوا على أحسن صورة خلق الله والقوم كما عرف حالهم ~~فسيء بهم أي جاءه ما ساءه وخاف ثم عجز عن تدبيرهم فحزن وضاق بهم ذرعا كناية ~~عن العجز في تدبيرهم ، قال الزمخشري يقال طال ذرعه وذراعه للقادر وضاق ~~للعاجز ، وذلك لأن من طال ذراعه يصل إلى ما لا يصل إليه قصير الذراع ~~والاستعمال يحتمل وجها معقولا غير ذلك ، وهو أن الخوف والحزن يوجبان انقباض ~~الروح ويتبعه اشتمال القلب عليه فينقبض هو أيضا والقلب هو المعتبر من ~~الإنسان ، فكان الإنسان انقبض وانجمع وما يكون كذلك يقل ذرعه ومساحته فيضيق ~~، ويقال في الحزين ضاق ذرعه والغضب والفرح يوجبان انبساط الروح فينبسط ~~مكانه وهو القلب ويتسع فيقال PageV25P054 اتسع ذرعه ، ثم إن الملائكة لما ~~رأوا خوفه في أول الأمر وحزنه بسبب تدبيرهم في ثاني الأمر قالوا لا تخف ~~علينا ولا تحزن بسبب التفكر في أمرنا ثم ذكروا ما يوجب زوال خوفه وحزنه فإن ~~مجرد قول القائل لا تخف لا يوجب زوال الخوف فقالوا معرضين بحالهم : { إنا ~~منجوك وأهلك } وإنا منزلون عليهم العذاب حتى يتبين له أنهم ملائكة فيطول ~~ذرعه ويزول روعه وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى قال من قبل : { ولما جاءت رسلنا إبراهيم } ( ~~العنكبوت : 31 ) وقال ههنا : { ولما أن جاءت رسلنا } فما الحكمة فيه ؟ ~~فنقول حكمة بالغة وهي أن الواقع في وقت المجىء هناك قول / الملائكة { أنا } ~~وهو لم يكن ms7179 متصلا بمجيئهم لأنهم بشروا أولا ولبثوا ، ثم قالوا : إنا مهلكوا ~~وأيضا فالتأني واللبث بعد المجىء ثم الإخبار بالإهلاك حسن فإن من جاء ومعه ~~خبر هائل يحسن منه أن لا يفاجىء به ، والواقع ههنا هو خوف لوط عليهم ، ~~والمؤمن حين ما يشعر بمضرة تصل بريئا من الجناية ينبغي أن يحزن ويخاف عليه ~~من غير تأخير ، إذا علم هذا فقوله ههنا : { الغابرين ولما أن جاءت رسلنا } ~~يفيد الاتصال يعني خاف حين المجىء ، فإن قلت هذا باطل بما أن هذه الحكاية ~~جاءت في سورة هود ، وقال : { ولما جاءت رسلنا لوطا } من غير أن ، فنقول ~~هناك جاءت حكاية إبراهيم بصيغة أخرى حيث قال هناك : { ولقد جاءت رسلنا ~~إبراهيم بالبشرى } فقوله هنالك : { ولقد جاءت } لا يدل على أن قولهم : { ~~أنا أرسلنا } كان في وقت المجىء . وقوله : { ولما جاءت رسلنا لوطا سىء بهم ~~} دل على أن حزنه كان وقت المجىء . إذا علم هذا فنقول : هناك قد حصل ما ~~ذكرنا من المقصود بقوله في حكاية إبراهيم : { ولقد جاءت رسلنا إبراهيم ~~بالبشرى } ثم جرى أمور من الكلام وتقديم الطعام ، ثم قالوا : { لا تخف } ~~ولا تحزن { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } فحصل تأخير الإنذار ، وبقوله في حكاية ~~لوط { ولما جاءت رسلنا } حصل بيان تعجيل الحزن ، وأما هنا لما قال في قصة ~~إبراهيم { ولما جاءت } قال في حكاية لوط { ولما أن جاءت } لما ذكرنا من ~~الفائدة . # المسألة الثانية : : قال هنا { إنا منجوك وأهلك } وقال لإبراهيم { ~~لننجينه } بصيغة الفعل فهل فيه فائدة ؟ قلنا ما من حرف ولا حركة في القرآن ~~إلا وفيه فائدة ، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها ولا تصل إلى أكثرها ، ~~وما أوتي البشر من العلم إلا قليلا ، والذي يظهر لعقل الضعيف أن هناك لما ~~قال لهم إبراهيم : { إن فيها لوطا } وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم ، ~~وههنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة أخرى قالوا : { إنا منجوك ~~} أي ذلك واقع منا كقوله تعالى : { إنك ميت } ( الزمر : 30 ) لضرورة وقوعه ~~. # المسألة الثالثة : قولهم : { لا تخف ولا تحزن ms7180 } لا يناسبه { إنا منجوك } ~~لأن خوفه ما كان على نفسه ، نقول بينهما مناسبة في غاية الحسن ، وهي أن ~~لوطا لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا له لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا ~~فإنا ملائكة ، ثم قالوا له : يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ، ففي مقابلة ~~خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك ، وفي مقابلة حزنك نزيل حزنك ولا نتركك ~~تفجع في أهلك فقالوا : { إنا منجوك وأهلك } . # المسألة الرابعة : القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم ~~يصدر منها تلك فكيف كانت من الغابرين معهم ؟ فنقول الدال على الشر له نصيب ~~كفاعل الشر ، كما أن الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على ضيوف ~~لوط حتى كانوا يقصدونهم ، فبالدلالة صارت واحدة منهم ، ثم إنهم بعد بشارة ~~PageV25P055 لوط بالتنجية ذكروا أنهم منزلون على أهل هذه القرية العذاب ~~فقالوا : { إنا منزلون على أهل هاذه القرية رجزا من السماء } واختلفوا في ~~ذلك ، فقال بعضهم حجارة / وقيل نار وقيل خسف ، وعلى هذا فلا يكون عينه من ~~السماء وإنما يكون الأمر بالخسف من السماء أو القضاء به من السماء ، ثم ~~اعلم أن كلام الملائكة مع لوط جرى على نمط كلامهم مع إبراهيم قدموا البشارة ~~على الإنذار حيث قالوا : { إنا منجوك } ثم قالوا : { إنا منزلون على أهل ~~هاذه القرية } ولم يعللوا التنجية ، فما قالوا إنا منجوك لأنك نبي أو عابد ~~، وعللوا الإهلاك بقولهم : { بما كانوا يفسقون } وقالوا بما كانوا ، كما ~~قالوا هناك : { إن أهلها كانوا ظالمين } ( العنكبوت : 31 ) ثم قال تعالى : ~~{ ولقد تركنا منها ءاية بينة لقوم يعقلون } أي من القرية فإن القرية معلومة ~~وفيها الماء الأسود وهي بين القدس والكرك وفيها مسائل : # المسألة الأولى : جعل الله الآية في نوح وإبراهيم بالنجاة حيث قال : { ~~فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها ءاية } ( العنكبوت : 15 ) وقال : { ~~فأنجاه الله من النار إن فى ذالك لايات } ( العنبكوت : 24 ) وجعل ههنا ~~الهلاك آية فهل عندك فيه شيء ؟ نقول نعم ، أما إبراهيم فلأن الآية كانت في ~~النجاة لأن في ذلك الوقت لم يكن ms7181 إهلاك ، وأما في نوح فلأن الإنجاء من ~~الطوفان الذي علا الجبال بأسرها أمر عجيب إلهي ، وما به النجاة وهو السفينة ~~كان باقيا ، والغرق لم يبق لمن بعده أثره فجعل الباقي آية ، وأما ههنا ~~فنجاة لوط لم يكن بأمر يبقى أثره للحس والهلاك أثره محسوس في البلاد فجعل ~~الآية الأمر الباقي وهو ههنا البلاد وهناك السفينة وههنا لطيفة : وهي أن ~~الله تعالى آية قدرته موجودة في الإنجاء والإهلاك فذكر من كل باب آية وقدم ~~آيات الإنجاء لأنها أثر الرحمة وأخر آيات الإهلاك لأنها أثر الغضب ورحمته ~~سابقة . # المسألة الثانية : قال في السفينة : { وجعلناها ءاية } ولم يقل بينة وقال ~~ههنا آية بينة نقول لأن الإنجاء بالسفينة أمر يتسع له كل عقل وقد يقع في ~~وهم جاهل أن الإنجاء بالسفينة لا يفتقر إلى أمر آخر ، وأما الآية ههنا ~~الخسف وجعل ديار معمورة عاليها سافلها وهو ليس بمعتاد / وإنما ذلك بإرادة ~~قادر يخصصه بمكان دون مكان وفي زمان دون زمان ، فهي بينة لا يمكن لجاهل أن ~~يقول هذا أمر يكون كذلك وكان له أن يقول في السفينة النجاة بها أمر يكون ~~كذلك إلى أن يقال له فمن أين علم أنه يحتاج إليها ولو دام الماء حتى ينفد ~~زادهم كيف كان يحصل لهم النجاة ؟ ولو سلط الله عليهم الريح العاصفة كيف ~~يكون أحوالهم ؟ . # المسألة الثالثة : قال هناك للعالمين وقال ههنا : { لقوم يعقلون } قلنا ~~لأن السفينة موجودة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال لسفينة نوح ~~يتذكرون بها حاله ، وإذا ركبوها يطلبون من الله النجاة ولا يثق أحد بمجرد ~~السفينة ، بل يكون دائما مرتجف القلب متضرعا إلى الله تعالى طلبا للنجاة ، ~~وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليه إلا من يمر بها ~~ويصل إليها ويكون له عقل يعلم أن ذلك من الله المريد ، بسبب اختصاصه بمكان ~~دون مكان ووجوده في زمان بعد زمان . # ! 7 < { وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال ياقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الا ~~خر ولا تعثوا فى الا ms7182 رض مفسدين * فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم ~~جاثمين } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 36 - 37 ) وإلى مدين أخاهم . . . . . # > > PageV25P056 # / لما أتم الحكاية الثانية على وجه الاختصار لفائدة الاعتبار شرع في ~~الثالثة وقال : { وإلى مدين أخاهم } واختلف المفسرون في مدين ، فقال بعضهم ~~إنه اسم رجل في الأصل وحصل له ذرية فاشتهر في القبيلة كتميم وقيس وغيرهما ، ~~وقال بعضهم اسم ماء نسب القوم إليه ، واشتهر في القوم ، والأول كأنه أصح ~~وذلك لأن الله أضاف الماء إلى مدين حيث قال : { ولما ورد ماء مدين } ( ~~القصص : 23 ) ولو كان اسما للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقة ~~والأصل في الإضافة التغاير حقيقة ، وقوله : { أخاهم } قيل لأن شعيبا كان ~~منهم نسبا ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الله تعالى في نوح : { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } ~~( العنبكوت : 14 ) قدم نوحا في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في ~~إبراهيم ولوط ، وههنا ذكر القوم أولا وأضاف إليهم أخاهم شعيبا ، فنقول ~~الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن المرسل لا يبعث ~~رسولا إلى غير معين ، وإنما يحصل قوم أو شخص يحتاجون إلى إنباء من المرسل ~~فيرسل إليهم من يختاره غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص ~~ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها ، فعرفوا بالنبي فقيل قوم نوح وقوم لوط ، وأما ~~قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى الكلام ~~على أصله وقال الله : { وإلى مدين أخاهم شعيبا } وقال : { وإلى عاد أخاهم ~~هودا } ( الأعراف : 65 ) . # المسألة الثانية : لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد ، وذكر ~~عن شعيب ذلك ؟ قلنا قد ذكرنا أن لوطا كان له قوم وهو كان من قوم إبراهيم ~~وفي زمانه ، وإبراهيم سبقه بذلك واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند ~~الخلق من إبراهيم فلم يذكره عن لوط وإنما ذكر منه ما اختص به من المنع عن ~~الفاحشة وغيرها ، وإن كان هو أيضا يأمر بالتوحيد ، إذ ما من رسول إلا ويكون ~~أكثر كلامه في ms7183 التوحيد ، وأما شعيب فكان بعد انقراض القوم فكان هو أصلا ~~أيضا في التوحيد فدأبه وقال : { اعبدوا الله } . # المسألة الثالثة : الإيمان لا يتم إلا بالتوحيد ، والأمر بالعبادة لا ~~يفيده لأن من يعبد الله / ويعبد غيره فهو مشرك فكيف اقتصر على قوله : { ~~اعبدوا الله } ؟ فنقول : هذا الأمر يفيد التوحيد ، وذلك لأن من يرى غيره ~~يخدم زيدا وعمرو هناك وهو أكبر أو هو سيد زيد ، فإذا قال له أخدم عمرا يفهم ~~منه أنه يأمره بصرف الخدمة إليه ، وكذا إذا كان لواحد دينار واحد ، وهو ~~يريد أن يعطيه زيدا ، فإذا قيل له أعطه عمرا يفهم منه لا تعطه زيدا ، فنقول ~~هم كانوا مشتغلين بعبادة غير الله والله مالك ذلك الغير فقال لهم شعيب : { ~~اعبدوا الله } ففهموا منه ترك عبادة غيره أو نقول لكل واحد نفس واحدة ويريد ~~وضعها في عبادة غير الله فقال لهم شعيب ضعوها في موضعها وهو عبادة الله ~~ففهم منه التوحيد ، ثم قال : { وارجوا اليوم الاخر } قال الزمخشري : معناه ~~افعلوا ما ترجون به العاقبة إذ قد يقول القائل لغيره كن عاقلا ، ويكون ~~معناه افعل فعل من يكون عاقلا ، وقوله : { وارجوا اليوم الاخر } فيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : هذا يدل على صحة مذهبنا ، فإن عندنا من عبد الله طول ~~عمره يثيبه الله تفضلا ولا يجب عليه ذلك لأن العابد قد وصل إليه من النعم ~~ما لو زاد على ما أتى به لما خرج عن عهدة الشكر / ومن PageV25P057 شكر ~~المنعم على نعم سبقت لا يلزم المنعم أن يزيده ، وإن زاده يكون إحسانا منه ~~إليه وإنعاما عليه ، فنقول قوله : { وارجوا اليوم } بعد قوله : { اعبدوا ~~الله } يدل على التفضل لا على الوجوب فإن الفضل يرجى والواجب من العادل ~~يقطع به . # المسألة الثانية : قال : { وارجوا اليوم الاخر } ولم يقل وخافوه مع أن ~~ذلك اليوم مخوف عند الكل وغير مرجو عند كثير من الناس ، لفسقه وفجوره ~~ومحبته الدنيا ولا يرجوه إلا قليل من عباده ، فنقول لما ذكر التوحيد بطريق ~~الإثبات وقال : { اعبدوا } ولم يذكره بطريق النفي وما قال ms7184 ولا تعبدوا غيره ~~قال بلفظ الرجاء لأن عبادة الله يرجى منها الخير في الدارين ، وفيه وجه آخر ~~وهو أن الله حكى في حكاية إبراهيم أنه قال إنكم اتخذتم الأوثان مودة بينكم ~~في الحياة الدنيا ، وأما في الآخرة فتكفرون بها ، وقال ههنا لا تكونوا ~~كالذين سبق ذكرهم لم يرجوا اليوم الآخر ، فاقتصروا على مودة الحياة الدنيا ~~، وارجوا اليوم الآخر واعملوا له ، ثم قال : { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } ~~يمكن أن يقال نصب مفسدين على المصدر كما يقال قم قائما أي قياما ويكون قوله ~~: { ولا تعثوا فى الارض مفسدين } كقول القائل إجلس قعودا لأن العيث والفساد ~~بمعنى ، وجمع الأوامر والنواهي في قوله : { اعبدوا الله } وقوله : { ولا ~~تعثوا } ثم إن قومه كذبوه بعدما بلغ وبين ، فحكى الله عنهم ذلك بقوله : { ~~فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ما حكي عن شعيب أمر ونهي والأمر لا يصدق ولا يكذب ، فإن ~~من قال لغيره قم لا يصح أن يقول له كذبت ، فنقول كان شعيب يقول الله واحد ~~فاعبدوه ، والحشر كائن فارجوه ، والفساد محرم فلا تقربوه ، وهذه الأشياء ~~فيها إخبارات فكذبوه فيما أخبرهم به . # / المسألة الثانية : قال ههنا وفي الأعراف : { فأخذتهم الرجفة } وقال في ~~هود : { فأخذتهم الصيحة } ( الحجر : 73 ) والحكاية واحدة ، نقول لا تعارض ~~بينهما فإن الصيحة كانت سببا للرجفة ، إما لرجفة الأرض إذ قيل إن جبريل صاح ~~فتزلزلت الأرض من صيحته ، وإما لرجفة الأفئدة فإن قلوبهم ارتجفت منها ، ~~والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب ، إذ يصح أن يقال روى ~~فقوي ، وأن يقال شرب فقوي في صورة واحدة . # المسألة الثالثة : حيث قال : { فأخذتهم الصيحة } قال : { فى ديارهم } ~~وحيث قال : { فأخذتهم الرجفة } قال : { في دارهم } فنقول المراد من الدار ~~هو الديار ، والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع ، وأن تكون بلفظ ~~الواحد إذا أمن الالتباس ، وإنما اختلف اللفظ للطيفة ، وهي أن الرجفة هائلة ~~في نفسها فلم يحتج إلى مهول ، وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها لكن تلك ~~الصيحة ms7185 لما كانت عظيمة حتى أحدثت الزلزلة في الأرض ذكر الديار بلفظ الجمع ، ~~حتى تعلم هيبتها والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كل أحد فلم يحتج إلى معظم ~~لأمرها ، وقيل إن الصيحة كانت أعم حيث عمت الأرض والجو ، والزلزلة لم تكن ~~إلا في الأرض فذكر الديار هناك غير أن هذا ضعيف لأن الدار والديار موضع ~~الجثوم لا موضع الصيحة والرجفة ، فهم ما أصبحوا جاثمين إلا في ديارهم . # PageV25P058 ! 7 < { وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين * وقارون وفرعون وهامان ~~ولقد جآءهم موسى بالبينات فاستكبروا فى الا رض وما كانوا سابقين } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 38 - 39 ) وعادا وثمود وقد . . . . . # > > ثم قال تعالى : { وعادا وثمود } أي وأهلكنا عادا وثمود لأن قوله ~~تعالى : { فأخذتهم الرجفة } دل على الإهلاك { وقد تبين لكم من مساكنهم } ~~الأمر وما تعتبرون منه ، ثم بين سبب ما جرى عليهم فقال : { وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل } فقوله : { وزين لهم الشيطان أعمالهم } ~~يعني عبادتهم لغير الله { فصدهم عن السبيل } يعني عبادة الله { وكانوا ~~مستبصرين } يعني بواسطة الرسل يعني فلم يكن لهم في ذلك عذر فإن الرسل ~~أوضحوا السبل . ثم قال تعالى : { وقارون وفرعون وهامان } عطفا عليهم أي : ~~وأهلكنا قارون وفرعون وهامان . # / ثم قال تعالى : { ولقد جاءهم موسى بالبينات } كما قال في عاد وثمود : { ~~وكانوا مستبصرين } أي بالرسل ، ثم قال تعالى : { فاستكبروا } أي عن عبادة ~~الله وقوله : { فى الارض } إشارة إلى ما يوضح قلة عقلهم في استكبارهم ، ~~وذلك لأن من في الأرض أضعف أقسام المكلفين ، ومن في السماء أقواهم ، ثم إن ~~من في السماء لا يستكبر على الله وعن عبادته ، فكيف ( يستكبر ) من في الأرض ~~. ثم قال تعالى : { وما كانوا سابقين } أي ما كانوا يفوتون الله لأنا بينا ~~في قوله تعالى : { وما أنتم بمعجزين فى الارض } ( العنبكوت : 22 ) أن ~~المراد أن أقطار الأرض في قبضة قدرة الله . # ! 7 < { فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته ~~الصيحة ومنهم من خسفنا به الا ms7186 رض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ~~ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 40 ) فكلا أخذنا بذنبه . . . . . # > > ذكر الله أربعة أشياء العذاب بالحاصب ، وقيل إنه كان بحجارة محماة ~~يقع على واحد منهم وينفذ من الجانب الآخر ، وفيه إشارة إلى النار والعذاب ~~بالصيحة وهو هواء متموج ، فإن الصوت قيل سببه تموج الهواء PageV25P059 ~~ووصوله إلى الغشاء الذي على منفذ الأذن وهو الصماخ فيقرعه فيحس ، والعذاب ~~بالخسف وهو الغمر في التراب ، والعذاب بالإغراق وهو بالماء . فحصل العذاب ~~بالعناصر الأربعة والإنسان مركب منها وبها قوامه وبسببها بقاؤه ودوامه ، ~~فإذا أراد الله هلاك الإنسان جعل ما منه وجوده سببا لعدمه ، وما به بقاؤه ~~سببا لفنائه ، ثم قال تعالى : { وما كان الله ليظلمهم ولاكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } يعني لم يظلمهم بالهلاك ، وإنما هم ظلموا أنفسهم بالإشراك وفيه ~~وجه آخر ألطف وهو أن الله ما كان يظلمهم أي ما كان يضعهم في غير موضعهم فإن ~~موضعهم الكرامة كما قال تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } ( الإسراء : 70 ) ~~لكنهم ظلموا أنفسهم حيث وضعوها مع شرفهم في عبادة الوثن مع خسته . # ! 7 < { مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ~~وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 41 ) مثل الذين اتخذوا . . . . . # > > # لما بين الله تعالى أنه أهلك من أشرك عاجلا وعذب من كذب آجلا ، ولم ينفعه ~~في الدارين معبوده ولم يدفع ذلك عنه ركوعه وسجوده ، مثل اتخاذه ذلك معبودا ~~باتخاذ العنكبوت بيتا لا يجير آويا ولا يريح ثاويا ، وفي الآية لطائف ~~نذكرها في مسائل : # المسألة الأولى : ما الحكمة في اختيار هذا المثل من بين سائر الأمثال ؟ ~~فنقول فيه وجوه / الأول : أن البيت ينبغي أن يكون له أمور : حائط حائل ، ~~وسقف مظل ، وباب يغلق ، وأمور ينتفع بها ويرتفق ، وإن لم يكن كذلك فلا بد ~~من أحد أمرين . إما حائط حائل يمنع من البرد وإما سقف مظل يدفع عنه الحر ، ~~فإن لم يحصل منهما شيء فهو كالبيداء ليس ببيت لكن بيت العنكبوت لا يجنها ~~ولا يكنها ms7187 وكذلك المعبود ينبغي أن يكون منه الخلق والرزق وجر المنافع وبه ~~دفع المضار ، فإن لم تجتمع هذه الأمور فلا أقل من دفع ضر أو جر نفع ، فإن ~~من لا يكون كذلك فهو والمعدوم بالنسبة إليه سواء ، فإذن كما لم يحصل ~~للعنكبوت باتخاذ ذلك البيت من معاني البيت شيء ، كذلك الكافر لم يحصل له ~~باتخاذ الأوثان أولياء من معاني الأولياء شيء الثاني : هو أن أقل درجات ~~البيت أن يكون للظل فإن البيت من الحجر يفيد الاستظلال ويدفع أيضا الهواء ~~والماء والنار والتراب ، والبيت من الخشب يفيد الاستظلال ويدفع الحر والبرد ~~ولا يدفع الهواء القوي ولا الماء ولا النار ، والخباء الذي هو بيت من الشعر ~~أو الخيمة التي هي من ثوب إن كان لا يدفع شيئا يظل ويدفع حر الشمس لكن بيت ~~العنكبوت لا يظل فإن الشمس بشعاعها تنفذ فيه ، فكذلك المعبود أعلى درجاته ~~أن يكون نافذ الأمر في الغير ، فإن لم يكن كذلك فيكون نافذ الأمر في العابد ~~، فإن لم يكن فلا أقل من أن لا ينفذ أمر العابد فيه لكن معبودهم تحت ~~تسخيرهم إن أرادوا أجلوه وإن أحبوا أذلوه الثالث : أدنى مراتب البيت أنه إن ~~لم يكن سبب ثبات وارتفاق لا يصير سبب شتات وافتراق ، لكن بيت العنكبوت يصير ~~سبب انزعاج العنكبوت ، فإن العنكبوت لو دام في زاوية مدة لا يقصد ولا يخرج ~~منها ، فإذا نسج على نفسه واتخذ بيتا يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه ~~والمسح بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت ، فكذلك العابد بسبب العبادة ~~ينبغي أن يستحق الثواب ، فإن لم يستحقه فلا أقل من أن لا يستحق بسببها ~~العذاب ، والكافر يستحق بسبب العبادة العذاب . PageV25P060 # المسألة الثانية : مثل الله اتخاذهم الأوثان أولياء باتخاذ العنكبوت نسجه ~~بيتا ولم يمثله بنسجه وذلك لوجهين أحدهما : أن نسجه فيه فائدة له ، لولاه ~~لما حصل وهو اصطيادها الذباب به من غير أن يفوته ما هو أعظم منه ، واتخاذهم ~~الأوثان وإن كان يفيدهم ما هو أقل من الذباب من متاع الدنيا ، لكن يفوتهم ~~ما هو ms7188 أعظم منها وهو الدار الآخرة التي هي خير وأبقى فليس اتخاذهم كنسج ~~العنكبوت الوجه الثاني : هو أن نسجه مفيد لكن اتخاذها ذلك بيتا أمر باطل ~~فكذلك هم لو اتخذوا الأوثان دلائل على وجود الله وصفات كماله وبراهين على ~~نعوت إكرامه وأوصاف جلاله لكان حكمة ، لكنهم اتخذوها أولياء كجعل العنكبوت ~~النسج بيتا وكلاهما باطل . # المسألة الثالثة : كما أن هذا المثل صحح في الأول فهو صحيح في الآخر ، ~~فإن بيت العنكبوت إذا هبت ريح لا يرى منه عين ولا أثر بل يصير هباء منثورا ~~، فكذلك أعمالهم للأوثان كما قال تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا } ( الفرقان : 23 ) . # المسألة الرابعة : قال : { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } ولم ~~يقل آلهة إشارة إلى إبطال الشرك الخفي أيضا ، فإن من عبد الله رياء لغيره ~~فقد اتخذ وليا غيره فمثله مثل العنكبوت يتخذ نسجه بيتا . # / ثم إنه تعالى قال : وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون . # إشارة إلى ما بينا أن كل بيت ففيه إما فائدة الاستظلال أو غير ذلك ، ~~وبيته يضعف عن إفادة ذلك لأنه يخرب بأدنى شيء ولا يبقى منه عين ولا أثر { ~~فكذلك * عملهم * لو كانوا يعلمون } . # ! 7 < { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شىء وهو العزيز الحكيم } . > 7 ~~! # < < # | العنكبوت : ( 42 ) إن الله يعلم . . . . . # > > قال الزمخشري : هذا زيادة توكيد على التمثيل حيث إنهم لا يدعون من ~~دونه من شيء ، بمعنى ما يدعون ليس بشيء وهو عزيز حكيم فكيف يجوز للعاقل أن ~~يترك القادر الحكيم ويشتغل بعبادة ما ليس بشيء أصلا ، وهذا يفهم منه أنه ~~جعل ما نافية ، وهو صحيح ، والعلم يتعلق بالجملة كما يقول القائل : إني ~~أعلم أن الله واحد حق ، يعني أعلم هذه الجملة ، وإن كنا نجعل ما خبرية ~~فيكون معناه ما يدعون من شيء فالله يعلمه وهو العزيز الحكيم قادر على ~~إعدامه وإهلاكهم ، لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة والحياة عن بينة ~~، ومن ههنا يكون الخطاب مع أمة محمد صلى الله عليه ms7189 وسلم وعلى هذا لو قال ~~قائل ما وجه تعلق هذه الآية بالتمثيل السابق ؟ فنقول لما قال إن مثلهم كمثل ~~العنكبوت ، فكان للكافر أن يقول أنا لا أعبد هذه الأوثان التي أتخذها وهي ~~تحت تسخيري ، وإنما هي صورة كوكب أنا تحت تسخيره ومنه نفعي وضري وخيري وشري ~~ووجودي ودوامي فله سجودي وإعظامي ، فقال الله تعالى : الله يعلم أن كل ما ~~يعبدون من دون الله هو مثل بيت العنكبوت لأن الكوكب والملك وكل ما عدا الله ~~لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله فعبادتكم للغائب كعبادتكم للحاضر ولا معبود ~~PageV25P061 إلا الله ولا إله سواه . # ! 7 < { وتلك الا مثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العالمون } . > 7 ~~@QB@ < # | العنكبوت : ( 43 ) وتلك الأمثال نضربها . . . . . # > > # قال الكافرون كيف يضرب خالق الأرض والسموات الأمثال بالهوام والحشرات ~~كالبعوض والذباب والعنكبوت ؟ فيقال الأمثال تضرب للناس إن لم تكونوا ~~كالأنعام يحصل لكم منه إدراك ما يوجب نفرتكم مما أنتم فيه وذلك لأن التشبيه ~~يؤثر في النفس تأثيرا مثل تأثير الدليل ، فإذا قال الحكيم لمن يغتاب إنك ~~بالغيبة كأنك تأكل لحم ميت لأنك وقعت في هذا الرجل وهو غائب لا يفهم ما ~~تقول ولا يسمع حتى يجيب كمن يقع في ميت يأكل منه وهو لا يعلم ما يفعله ولا ~~يقدر على دفعه إن كان يعلمه فينفر طبعه منه كما ينفر إذا قال له إنه يوجب ~~العذاب ويورث العقاب . # / ثم قال تعالى : { وما يعقلها إلا العالمون } . # يعني حقيقتها وكون الأمر كذلك لا يعلمه إلا من حصل له العلم ببطلان ما ~~سوى الله وفساد عبادة ما عداه ، وفيه معنى حكمي وهو أن العلم الحدسي يعلمه ~~العاقل والعلم الفكري الدقيق يعقله العالم ، وذلك لأن العاقل إذا عرض عليه ~~أمر ظاهر أدركه كما هو بكنهه لكون المدرك ظاهرا وكون المدرك عاقلا ، ولا ~~يحتاج إلى كونه عالما بأشياء قبله ، وأما الدقيق فيحتاج إلى علم سابق فلا ~~بد من عالم ، ثم إنه قد يكون دقيقا في غاية الدقة فيدركه ولا يدركه بتمامه ~~ويعقله إذا كان عالما . إذا علم ms7190 هذا فقوله : { وما يعقلها إلا العالمون } ~~يعني هو ضرب للناس أمثالا وحقيقتها وما فيها من الفوائد بأسرها فلا يدركها ~~إلا العلماء . # ثم إنه تعالى لما أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان ولم يأت الكفار ~~بما أمرهم به وقص عليهم قصصا فيها عبر ، وأنذرهم على كفرهم بإهلاك من غبر ، ~~وبين ضعف دليلهم بالتمثيل ، ولم يهتدوا بذلك إلى سواء السبيل ، وحصل يأس ~~الناس عنهم سلى المؤمنين بقوله : # ! 7 < { خلق الله السماوات والا رض بالحق إن فى ذالك لآية للمؤمنين } . > ~~7 ! # < < # | العنكبوت : ( 44 ) خلق الله السماوات . . . . . # > > يعني إن لم يؤمنوا هم لا يورث كفرهم شكا في صحة دينكم ، ولا يؤثر ~~شكهم في قوة يقينكم ، فإن خلق الله السموات والأرض بالحق للمؤمنين بيان ~~ظاهر ، وبرهان باهر ، وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر ، وفي الآية مسألة ~~يتبين بها تفسير الآية ، وهي أن الله تعالى كيف خص الآية في خلق السموات ~~والأرض بالمؤمنين مع أن في خلقهما آية لكل عاقل كما قال الله تعالى : { ~~ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) وقال ~~الله تعالى : { إن في خلق * السماوات والارض * واختلاف اليل والنهار * إلى ~~أن * قال * لآيات لقوم يعقلون } ( البقرة : 164 ) فنقول خلق السموات والأرض ~~آية لكل عاقل وخلقهما بالحق آية للمؤمنين فحسب ، وبيانه من حيث النقل ~~والعقل ، أما النقل فقوله تعالى : { ما خلقناهما إلا بالحق ولاكن أكثرهم لا ~~يعلمون } PageV25P062 ( الدخان : 39 ) أخرج أكثر الناس عن العلم يكون ~~خلقهما بالحق مع أنه أثبت علم الكل بأنه خلقهما حيث قال : { ولئن سألتهم من ~~خلق * السماوات * الارض * ليقولن الله } وأما العقل فهو أن العاقل أول ما ~~ينظر إلى خلق السموات والأرض ويعلم أن لهما خالقا وهو الله ثم من يهديه ~~الله لا يقطع النظر عنهما عند مجرد ذلك ، بل يقول إنه خلقهما متقنا محكما ~~وهو المراد بقوله { بالحق } ، لأن ما لا يكون على وجه الإحكام يفسد ويبطل ~~فيكون باطلا ، وإذا علم أنه خلقهما متقنا يقول إنه قادر كامل حيث خلق وعالم ~~علمه شامل حيث ms7191 أتقن / فيقول لا يعزب عن علمه أجزاء الموجودات في الأرض ولا ~~في السموات ولا يعجز عن جمعها كما جمع أجزاء الكائنات والمبدعات ، فيجوز ~~بعث من في القبور وبعثة الرسول ، ويعلم وحدانية الله لأنه لو كان أكثر من ~~واحد لفسدتا ولبطلتا وهما بالحق موجودان فيحصل له الإيمان بتمامه ، من خلق ~~ما خلقه على أحسن نظامه ، ثم إن الله تعالى لما سلى المؤمنين بهذه الآية ~~سلى رسوله # ! 7 < { اتل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلواة إن الصلواة تنهى عن ~~الفحشآء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 45 ) اتل ما أوحي . . . . . # > > يعني إن كنت تأسف على كفرهم فاتل ما أوحي إليك لتعلم أن نوحا ولوطا ~~وغيرهما كانوا على ما أنت عليه بلغوا الرسالة وبالغوا في إقامة الدلالة ولم ~~ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة ولهذا قال : { اتل } وما قال عليهم ، لأن ~~التلاوة ما كانت بعد اليأس منهم إلا لتسلية قلب محمد عليه الصلاة والسلام ~~وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أن الرسول إذا كان معه كتاب وقرأ كتابه مرة ولم يسمع لم ~~يبق له فائدة في قراءته لنفسه فنقول الكتاب المنزل مع النبي المرسل ليس ~~كذلك ، فإن الكتب المسيرة مع الرسل على قسمين قسم يكون فيه سلام وكلام ، مع ~~واحد يحصل بقراءته مرة تمام المرام ، وقسم يكون فيه قانون كلي تحتاج إليه ~~الرعية في جميع الأوقات كما إذا كتب الملك كتابا فيه إنا رفعنا عنكم البدعة ~~الفلانية ووضعنا فيكم السنة الفلانية وبعثنا إليكم هذا الكتاب فيه جميع ذلك ~~فليكن ذلك كمنوال ينسج عليه وال بعد وال ، فمثل هذا الكتاب لا يقرأ ويترك ~~بل يعلق من مكان عال ، وكثيرا ما تكتب نسخته على لوح ويثبت فوق المحاريب ، ~~ويكون نصب الأعين ، فكذلك كتاب الله مع رسوله محمد قانون كلي فيه شفاء ~~للعالمين فوجب تلاوته مرة بعد مرة ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن إلى قرن ~~ويأخذه قوم من قوم ويثبت في الصدور على مرور الدهور الوجه الثاني : هو أن ~~الكتب على ثلاثة ms7192 أقسام كتاب لا تكره قراءته إلا للغير كالقصص فإن من قرأ ~~حكاية مرة لا يقرؤها مرة أخرى إلا لغيره ، ثم إذا سمعه ذلك الغير لا يقرؤها ~~إلا لآخر لم يسمعه ولو قرأه عليه لسئموه ، وكتاب لا يكرر عليه إلا للنفس ~~كالنحو والفقه وغيرهما وكتاب يتلى مرة بعد مرة للنفس وللغير كالمواعظ ~~الحسنة فإنها تكرر للغير وكلما سمعها يلتذ بها ويرق لها قلبه ويستعيدها ~~وكلما تدخل السمع يخرج الوسواس مع الدمع وتكرر أيضا لنفس المتكلم فإن كثيرا ~~ما يلتذ المتكلم بكلمة طيبة وكلما يعيدها يكون أطيب وألذ وأثبت في القلب ~~وأنفذ / حتى يكاد يبكي من رقته دما ولو أورثه البكاء عمى ، إذا علم هذا ~~فالقرآن من القبيل الثالث مع أن فيه القصص والفقه والنحو فكان في تلاوته في ~~كل زمان فائدة . PageV25P063 # المسألة الثانية : لم خصص بالأمر هذين الشيئين تلاوة الكتاب وإقامة ~~الصلاة ؟ فنقول لوجهين أحدهما : أن الله لما أراد تسلية قلب محمد عليه ~~السلام قال له الرسول واسطة بين طرفين من الله إلى الخلق ، فإذا لم يتصل به ~~الطرف الواحد ولم يقبلوه فالطرف الآخر متصل ، ألا ترى أن الرسول إذا لم ~~تقبل رسالته توجه نحو مرسله ، فإذا تلوت كتابك ولم يقبلوك فوجه وجهك إلى ~~وأقم الصلاة لوجهي الوجه الثاني : هو أن العبادات المختصة بالعبد ثلاثة : ~~وهي الإعتقاد الحق ولسانية وهي الذكر الحسن وبدنية خارجية وهي العمل الصالح ~~، لكن الإعتقاد لا يتكرر فإن من اعتقد شيئا لا يمكنه أن يعتقده مرة أخرى بل ~~ذلك يدوم مستمرا والنبي عليه السلام كان ذلك حاصلا له عن عيان أكمل مما ~~يحصل عن بيان ، فلم يؤمر به لعدم إمكان تكراره ، لكن الذكر ممكن التكرار ، ~~والعبادة البدنية كذلك فأمره بهما فقال : أتل الكتاب وأقم الصلاة . # المسألة الثالثة : كيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر ؟ نقول قال بعض ~~المفسرين المراد من الصلاة القرآن وهو ينهى أي فيه النهي عنهما وهو بعيد ~~لأن إرادة القرآن من الصلاة في هذا الموضع الذي قال قبله { اتل ما أوحى ~~إليك } بعيد من الفهم ms7193 / وقال بعضهم أراد به نفس الصلاة وهي تنهى عنهما ما ~~دام العبد في الصلاة ، لأنه لا يمكنه الاشتغال بشيء منهما ، فنقول هذا كذلك ~~لكن ليس المراد هذا وإلا لا يكون مدحا كاملا للصلاة ، لأن غيرها من الأشغال ~~كثيرا ما يكون كذلك كالنوم في وقته وغيره فنقول : المراد أن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر مطلقا وعلى هذا قال بعض المفسرين الصلاة هي التي تكون مع ~~الحضور وهي تنهى ، حتى نقل عنه صلى الله عليه وسلم ( من لم تنهه صلاته عن ~~المعاصي لم يزدد بها إلا بعدا ) ونحن نقول الصلاة الصحيحة شرعا تنهى عن ~~الأمرين مطلقا وهي التي أتى بها المكلف لله حتى لو قصد بها الرياء لا تصح ~~صلاته شرعا وتجب عليه الإعادة ، وهذا ظاهر فإن من نوى بوضوئه الصلاة ~~والتبرد قيل لا يصح فكيف من نوى بصلاته الله وغيره إذا ثبت هذا فنقول ~~الصلاة تنهى من وجوه الأول : هو أن من كان يخدم ملكا عظيم الشأن كثير ~~الإحسان ويكون عنده بمنزلة ، ويرى عبدا من عباده قد طرده طردا لا يتصور ~~قبوله ، وفاته الخبر بحيث لا يرجى حصوله ، يستحيل من ذلك المقرب عرفا أن ~~يترك خدمة الملك ويدخل في طاعة ذلك المطرود فكذلك العبد إذا صلى لله صار ~~عبدا له ، وحصل له منزلة المصلي يناجي ربه ، فيستحيل منه أن يترك عبادة ~~الله ويدخل تحت طاعة الشيطان المطرود ، لكن مرتكب PageV25P064 الفحشاء ~~والمنكر تحت طاعة الشيطان فالصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر الثاني : هو أن ~~من يباشر القاذورات كالزبال والكناس يكون له لباس نظيف إذا لبسه لا يباشر ~~معه القاذورات وكلما كان ثوبه أرفع يكون امتناعه وهو لابسه عن القاذورات ~~أكثر فإذا لبس واحد منهم ثوب ديباج / مذهب يستحيل منه مباشرة تلك الأشياء ~~عرفا ، فكذلك العبد إذا صلى لبس لباس التقوى لأنه واقف بين يدي الله واضع ~~يمينه على شماله ؛ على هيئة من يقف بمرأى ملك ذي هيبة ، ولباس التقوى خير ~~لباس يكون نسبته إلى القلب أعلى من نسبة الديباج المذهب إلى الجسم ، فإذن ms7194 ~~من لبس هذا اللباس يستحيل منه مباشرة قاذورات الفخشاء والمنكر . ثم إن ~~الصلوات متكررة واحدة بعد واحدة فيدوم هذا اللبس فيدوم الامتناع الثالث : ~~من يكون أمير نفسه يجلس حيث يريد فإذا دخل في خدمة ملك وأعطاه منصبا له ~~مقام خاص لا يجلس صاحب ذلك المنصب إلا في ذلك الموضع ، فلو أراد أن يجلس في ~~صف النعال لا يترك فكذلك العبد إذا صلى دخل في طاعة الله ولم يبق بحكم نفسه ~~وصار له مقام معين ، إذ صار من أصحاب اليمين ، فلو أراد أن يقف في غير ~~موضعه وهو موقف أصحاب الشمال لا يترك ، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر من أصحاب ~~الشمال وهذا الوجه إشارة إلى عصمة الله يعني من صلى عصمه الله عن الفحشاء ~~والمنكر الرابع : وهو موافق لما وردت به الأخبار وهو أن من يكون بعيدا عن ~~الملك كالسوقي والمنادي والمتعيش لا يبالي بما فعل من الأفعال يأكل في دكان ~~الهراس والرواس ويجلس مع أحباش الناس ، فإذا صارت له قربة يسيرة من الملك ~~كما إذا صار واحدا من الجندارية والقواد والسواس عند الملك لا تمنعه تلك ~~القربة من تعاطي ما كان يفعله ، فإذا زادت قربته وارتفعت منزلته حتى صار ~~أميرا حينئذ تمنعه هذه المنزلة عن الأكل في ذلك المكان والجلوس مع أولئك ~~الخلان ، كذلك العبد إذا صلى وسجد صار له قربة ما لقوله تعالى : { واسجد ~~واقترب } ( العلق : 19 ) فإذا كان ذلك القدر من القربة يمنعه من المعاصي ~~والمناهي ، فبتكرر الصلاة والسجود تزداد مكانته ، حتى يرى على نفسه من آثار ~~الكرامة ما يستقذر معه من نفسه الصغائر فضلا عن الكبائر ، وفي الآية وجه ~~آخر معقول يؤكده المنقول وهو أن المراد من قوله : { اتل ما أوحى إليك من ~~الكتاب } هو أنها تنهى عن التعطيل والإشراك ، والتعطيل هو إنكار وجود الله ~~/ والإشراك إثبات ألوهية لغير الله . فنقول التعطيل عقيدة فحشاء لأن الفاحش ~~هو القبيح الظاهر القبح ، لكن وجود الله أظهر من الشمس وما من شيء إلا وفيه ~~آية على الله ظاهرة وإنكار الظاهر ظاهر ms7195 الإنكار ، فالقول بأن لا إله قبيح ~~والإشراك منكر ، وذلك لأن الله تعالى لما أطلق اسم المنكر على من نسب نفسا ~~إلى غير الوالد مع جواز أن يكون له ولد حيث قال : { إن أمهاتهم إلا اللائى ~~ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول } ( المجادلة : 2 ) فالمشرك الذي يقول ~~الملائكة بنات الله وينسب إلى من لم يلد ، ولا يجوز أن يكون له ولد ، ولدا ~~كيف لا يكون قوله منكرا ؟ فالصلاة تنهى عن هذه الفحشاء ، وهذا المنكر وذلك ~~لأن العبد أول ما يشرع في الصلاة يقول الله أكبر ، فبقوله الله ينفي ~~التعطيل وبقوله أكبر ينفي التشريك لأن الشريك لا يكون أكبر من الشريك الآخر ~~فيما فيه الاشتراك ، فإذا قال بسم الله نفى التعطيل ، وإذا قال الرحمن ~~الرحيم نفى الإشراك ، لأن الرحمن من يعطي الوجود بالخلق بالرحمة ، والرحيم ~~من / يعطي البقاء بالرزق بالرحمة ، فإذا قال الحمد لله رب العالمين ، أثبت ~~بقوله الحمد لله خلاف التعطيل وبقوله : { رب العالمين } خلاف الإشراك ، ~~فإذا قال : { إياك نعبد } بتقديم إياك نفى التعطيل والإشراك وكذا بقوله : { ~~وإياك نستعين } فإذا قال : { اهدنا الصراط } نفى التعطيل لأن طالب الصراط ~~له مقصد والمعطل لا مقصد له ، وبقوله : { المستقيم } نفى الإشراك لأن ~~المستقيم هو الأقرب والمشرك يعبد الأصنام حتى يعبد صورة صورها إله العالمين ~~، ويظنون أنهم يشفعون لهم وعبادة الله من غير واسطة أقرب ، وعلى هذا إلى ~~آخر الصلاة يقول فيها أشهد أن لا إله إلا الله فينفي الإشراك والتعطيل ، ~~وههنا لطيفة وهي أن الصلاة أولها لفظة الله وآخرها لفظة الله في قوله : ~~أشهد أن لا إله إلا الله ليعلم المصلي أنه من أول الصلاة إلى آخرها مع الله ~~، فإن قال قائل فقد بقي من الصلاة قوله وأشهد أن محمدا رسول الله والصلاة ~~على الرسول والتسليم ، فنقول هذه الأشياء في آخرها دخلت لمعنى خارج عن ذات ~~الصلاة ، وذلك لأن الصلاة ذكر الله لا غير ، لكن العبد إذا وصل بالصلاة إلى ~~الله وحصل مع الله لا يقع في قلبه أنه استقل واستبد واستغنى عن الرسول ms7196 ، ~~كمن تقرب من السلطان فيغتر بذلك ولا يلتفت إلى النواب والحجاب ، فقال أنت ~~في هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد صلى الله عليه وسلم وغير مستغن عنه فقل ~~مع ذكرى محمد رسول الله ، ثم إذا علمت أن هذا كله ببركة هدايته فاذكر ~~إحسانه بالصلاة عليه ، ثم إذا رجعت من معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم ~~عليهم وبلغهم سلامي كما هو ترتيب المسافرين ، واعلم أن PageV25P065 هيئة ~~الصلاة هيئة فيها هيبة فإن أولها وقوف بين يدي الله كوقوف المملوك بين يدي ~~السلطان ، ثم إن آخرها جثو بين يدي الله كما يجثو بين يدي السلطان من أكرمه ~~بالإجلاس ، كأن العبد لما وقف وأثنى على الله أكرمه الله وأجلسه فجثا ، وفي ~~هذا الجثو لطيفة وهي أن من جثا في الدنيا بين يدي ربه هذا الجثو لا يكون له ~~جثو في الآخرة ، ولا يكون من الذين قال الله في حقهم { ونذر الظالمين فيها ~~جثيا } ( مريم : 72 ) . # ثم قال تعالى : { ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون } . # لما ذكر أمرين وهما تلاوة الكتاب وإقامة الصلاة بين ما يوجب أن يكون ~~الإتيان بهما على أبلغ وجوه التعظيم ، فقال : { ولذكر الله أكبر } وأنتم ~~إذا ذكرتم آباءكم بما فيهم من الصفات الحسنة تنبشوا لذلك وتذكروهم بملء ~~أفواهكم وقلوبكم ، لكن ذكر الله أكبر ، فينبغي أن يكون على أبلغ وجوه ~~التعظيم / وأما الصلاة فكذلك لأن الله يعلم ما تصنعون ، وهذا أحسن صنعكم ~~فينبغي أن يكون على وجه التعظيم ، وفي قوله : { ولذكر الله أكبر } مع حدف ~~بيان ما هو أكبر منه لطيفة وهي أن الله لم يقل أكبر من ذكر فلان لأن ما نسب ~~إلى غيره بالكبر فله إليه نسبة ، إذا لا يقال الجبل أكبر من خردلة ، وإنما ~~يقال هذا الجبل أكبر من ذلك الجبل فأسقط المنسوب كأنه قال ولذكر / الله له ~~الكبر لا لغيره ، وهذا كما يقال في الصلاة الله أكبر أي له الكبر لا لغيره ~~. # ! 7 < { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم ~~وقولوا ءامنا بالذىأنزل إلينا ms7197 وأنزل إليكم وإلاهنا وإلاهكم واحد ونحن له ~~مسلمون * وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب فالذين ءاتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن ~~هاؤلاء من يؤمن به وما يجحد باياتنآ إلا الكافرون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 46 - 47 ) ولا تجادلوا أهل . . . . . # > > لما بين الله طريقة إرشاد المشركين ونفع من انتفع وحصل اليأس ممن ~~امتنع بين طريقة إرشاد أهل الكتاب فقال : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتى هى أحسن } قال بعض المفسرين المراد منه لا تجادلوهم بالسيف ، وإن لم ~~يؤمنوا إلا إذا ظلموا وحاربوا ، أي إذا ظلموا زائدا على كفرهم ، وفيه معنى ~~ألطف منه وهو أن المشرك جاء بالمنكر على ما بيناه فكان اللائق أن يجادل ~~بالأخشن ويبالغ في تهجين مذهبه وتوهين شبهه ، ولهذا قال تعالى في حقهم { صم ~~بكم عمى } ( البقرة : 18 ) وقال : { لهم أعين * لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها } PageV25P066 ( الأعراف : 179 ) إلى ~~غير ذلك . وأما أهل الكتاب فجاءوا بكل حسن إلا الاعتراف بالنبي عليه السلام ~~فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرسل والحشر ، فلمقابلة إحسانهم ~~يجادلون أولا بالأحسن ولا تستخف آراؤهم ولا ينسب الضلال آباؤهم ، بخلاف ~~المشرك ، ثم على هذا فقوله : { إلا الذين ظلموا } تبيين له حسن آخر ، وهو ~~أن يكون المراد إلا الذين أشركوا منهم بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة ~~فإنهم ضاهوهم في القول المنكر فهم الظالمون ، لأن الشرك ظلم عظيم ، ~~فيجادلون بالأخشن من تهجين مقالتهم وتبيين جهالتهم ، ثم إنه تعالى بين ذلك ~~الأحسن فقدم محاسنهم بقوله : { وقولوا ءامنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم ~~وإلاهنا وإلاهكم واحد ونحن له مسلمون } فيلزمنا اتباع ما قاله لكنه بين ~~رسالتي في كتبكم فهو دليل مضيء ، ثم بعد ذلك ذكر دليلا قياسيا فقال : { ~~وكذلك أنزلنا إليك الكتاب } يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا عليك وهذا ~~قياس ، ثم قال : { فالذين ءاتيناهم الكتاب يؤمنون به } لوجود النص ومن ~~هؤلاء كذلك ، واختلف المفسرون فقال بعضهم : المراد بالذين آتيناهم الكتاب ~~من آمن بنبينا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وغيره وبقوله : { ومن هؤلاء ms7198 ~~} أي من أهل مكة وقال بعضهم : المراد بالذين / آتيناهم الكتاب هم الذين ~~سبقوا محمدا صلى الله عليه وسلم زمانا من أهل الكتاب ، ومن هؤلاء الذين هم ~~في زمان محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وهذا أقرب ، فإن قوله : { ~~هؤلاء } صرفه إلى أهل الكتاب أولى ، لأن الكلام فيهم ولا ذكر للمشركين ههنا ~~، إذ كان هذا الكلام بعد الفراغ من ذكرهم والإعراض عنهم لإصرارهم على الكفر ~~، وههنا وجه آخر أولى وأقرب إلى العقل والنقل ، وأقرب إلى الأحسن من الجدال ~~المأمور به ، وهو أن نقول المراد بالذين آتيناهم الكتاب هم الأنبياء وبقوله ~~: { ومن هؤلاء } أي من أهل الكتاب وهو أقرب ، لأن الذين آتاهم الكتاب في ~~الحقيقة هم الأنبياء ، فإن الله ما آتى الكتاب إلا للأنبياء ، كما قال ~~تعالى : { أولائك الذين ءاتيناهم الكتاب } ( الأنعام : 89 ) وقال : { ~~وءاتينا * داوود * زبورا } ( النساء : 163 ) وقال : { وءاتانى * الكتاب } ( ~~مريم : 30 ) وإذا حملنا الكلام على هذا لا يدخله التخصيص ، لأن كل الأنبياء ~~آمنوا بكل الأنبياء ، وإذا قلنا بما قالوا به يكون المراد من الذين آتيناهم ~~الكتاب عبد الله بن سلام واثنين أو ثلاثة معه أو عددا قليلا ، ويكون المراد ~~بقوله : { ومن هؤلاء } غير المذكورين ، وعلى ما ذكرنا يكون مخرج الكلام ~~كأنه قسم القوم قسمين أحدهما المشركين وتكلم فيهم وفرغ منهم والثاني أهل ~~الكتاب وهو بعد في بيان أمرهم ، والوقت وقت جريان ذكرهم ، فإذا قال هؤلاء ~~يكون منصرفا إلى أهل الكتاب الذين هم في وصفهم ، وإذا قال أولئك يكون ~~منصرفا إلى المشركين الذين سبق ذكرهم وتحقق أمرهم ، وعلى هذا التفسير يكون ~~الجدال على أحسن الوجوه ، وذلك لأن الخلاف في الأنبياء والأئمة قريب من ~~الخلاف في فضيلة الرؤساء والملوك ، فإذا اختلف حزبان في فضيلة ملكين أو ~~رئيسين ، وأدى الاختلاف إلى الاقتتال يكون أقوى كلام يصلح بينهم أن يقال ~~لهم هذان الملكان متوافقان متصادقان ، فلا معنى لنزاعكم فكذلك ههنا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم نحن آمنا بالأنبياء وهم آمنوا بي فلا معنى ~~لتعصبكم لهم وكذلك أكابركم وعلماؤكم آمنوا ، ثم ms7199 قال تعالى : { الله فأولئك ~~هم الكافرون } تنفيرا لهم عما هم عليه ، يعني أنكم آمنتم بكل شيء ، وامتزتم ~~عن المشركين بكل فضيلة ، إلا هذه المسألة الواحدة ، وبإنكارها تلتحقون بهم ~~وتبطلون مزاياكم ، فإن الجاحد بآية يكون كافرا . # ! 7 < { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون * بل هو ءايات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بأاياتنآ ~~إلا الظالمون } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 48 - 49 ) وما كنت تتلو . . . . . # > > PageV25P067 # / ثم قال تعالى : { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } هذه ~~درجة أخرى بعد ما تقدم على الترتيب ، وذلك لأن المجادل إذا ذكر مسألة ~~مختلفا فيها كقول القائل : الزكاة تجب في مال الصغير ، فإذا قيل له لم ؟ ~~فيقول كما تجب النفقة في ماله ، ولا يذكر أولا الجامع بينهما ، فإن قنع ~~الطالب بمجرد التشبيه وأدرك من نفسه الجامع فذاك ، وإن لم يدرك أو لم يقنع ~~يبدي الجامع ، فيقول كلاهما مال فضل عن الحاجة فيجب فكذلك ههنا ذكر أولا ~~التمثيل بقوله : { وكذلك أنزلنا إليك } ( العنكبوت : 47 ) ثم ذكر الجامع ~~وهو المعجزة ، فقال ما علم كون تلك الكتب منزلة إلا بالمعجزة ، وهذا القرآن ~~ممن لم يكتب ولم يقرأ عين المعجزة ، فيعرف كونه منزلا ، وقوله تعالى : { ~~إذا لارتاب المبطلون } فيه معنى لطيف ، وهو أن النبي إذا كان قارئا كاتبا ~~ما كان يوجب كون هذا الكلام كلامه ، فإن جميع كتبة الأرض وقرائها لا يقدرون ~~عليه ، لكن على ذلك التقدير يكون للمبطل وجه ارتياب ، وعلى ما هو عليه لا ~~وجه لارتيابه فهو أدخل في الإبطال وهذا كقوله تعالى : { وإن كنتم فى ريب ~~مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } ( البقرة : 23 ) أي من مثل محمد ~~عليه السلام وكقوله : { الم * ذالك الكتاب لا ريب فيه } ( البقرة : 1 / 2 ) ~~. # ثم قال تعالى : { بل هو ءايات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم } قوله في ~~صدور الذين أوتوا العلم إشارة إلى أنه ليس من مخترعات الآدميين ، لأن من ~~يكون له كلام مخترع يقول هذا من قلبي ms7200 وخاطري ، وإذا حفظه من غيره يقول إنه ~~في قلبي وصدري ، فإذا قال : { فى صدور الذين أوتوا العلم } لا يكون من صدر ~~أحد منهم ، والجاهل يستحيل منه ذلك ظهور له من الصدور ويلتحقون عنده هذه ~~الأمة بالمشركين ، فظهوره من الله . # ثم قال تعالى : { وما يجحد بئاياتنا إلا الظالمون } قال ههنا الظالمون ، ~~ومن قبل قال الكافرون ، مع أن الكافر ظالم ولا تنافي بين الكلامين وفيه ~~فائدة ، وهي أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم إن لكم المزايا فلا تبطلوها ~~بإنكار محمد فتكونوا كافرين ، فلفظ الكافر هناك كان بليغا يمنعهم من ذلك ~~لاستنكافهم عن الكفر ، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه الآية ~~لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلتحقون في أول الأمر بالمشركين حكما ، وتلتحقون ~~عند هذه الآية بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين ، أي مشركين ، كما بينا أن ~~الشرك ظلم عظيم ، فهذا اللفط ههنا أبلغ وذلك اللفظ هناك أبلغ . # ! 7 < { وقالوا لولا أنزل عليه ءايات من ربه قل إنما الا يات عند الله ~~وإنمآ أنا نذير مبين } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 50 ) وقالوا لولا أنزل . . . . . # > > PageV25P068 # / لما فرغ من ذكر دليل من جانب النبي عليه السلام ذكر شبهتهم وهي بذكر ~~الفرق بين المقيس عليه والمقيس ، فقالوا إنك تقول إنه أنزل إليك كتاب كما ~~أنزل إلى موسى وعيسى ، وليس كذلك لأن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون ~~الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئا منها ، ثم إن الله تعالى أرشد نبيه ~~إلى أجوبة هذه الشبهة منها قوله : { إنما الايات عند الله } ووجهه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ادعى الرسالة وليس من شرط الرسالة الآية المعجزة ، لأن ~~الرسول يرسل أولا ويدعو إلى الله ، ثم إن توقف الخلق في قبوله أو طلبوا منه ~~دليلا ، فالله إن رحمهم بين رسالته وإن لم يرحمهم لا يبين ، فقال أنا ~~الساعة رسول وأما الآية فالله إن أراد ينزلها وإن لم يرد لا ينزلها وهذا ~~لأن ما هو من ضرورات الشيء إذا خلق الله الشيء لا بد من أن يخلقها كالمكان ~~من ms7201 ضرورات الإنسان فلا يخلق الله إنسانا إلا ويكون قد خلق مكانا أو يخلقه ~~معه ، لكن الرسالة والمعجزة ليستا كذلك فالله إذا خلق رسولا وجعله رسولا ~~ليس من ضروراته أن تعلم له معجزة ، ولهذا علم وجود رسل كشيث وإدريس وشعيب ~~ولم تعلم لهم معجزة فإن قيل علم رسالتهم ، نقول من ثبتت رسالته بلا معجزة ~~فنبينا كذلك لا حاجة له إلى معجزة لأن رسالته علمت بقول موسى وعيسى فتبين ~~بطلان قولهم لم لم ينزل عليه آية ؟ وهذا لأنهم طلبوا سبق الآية وليست شرطا ~~حتى تسبقها ، بلى إن كان لهم سؤال فطريقه أن يقولوا يا أيها المدعي نحن لا ~~نكذبك ولا نصدقك لكنا نريد أن يبين الله لنا آية تخلصنا من تصديق المتنبي ~~وتكذيب النبي ونعلم بها كونك نبيا ونؤمن بك ، فبعد ذلك ما كان يبعد من رحمة ~~الله أن ينزل آية . # ثم قوله : { وإنما أنا نذير مبين } معناه أن الآية عند الله ينزلها أو لا ~~ينزلها لا تتعلق بي ما أنا إلا نذير وليس لي عليه حكم بشيء ثم إنه بعد بيان ~~فساد شبهتهم من وجه بين فسادها من وجه آخر ، وقال هب أن إنزال الآية شرط ~~لكنه وجد وهو في نفس الكتاب . # ! 7 < { أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن فى ذالك لرحمة ~~وذكرى لقوم يؤمنون * قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا يعلم ما فى السماوات ~~والا رض والذين ءامنوا بالباطل وكفروا بالله أولائك هم الخاسرون } . > 7 ~~@QB@ < # | العنكبوت : ( 51 - 52 ) أو لم يكفهم . . . . . # > > # فقال تعالى : { أو لم * يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } يعني ~~إن كان إنزال الآية شرطا / فلا يشترط إلا إنزال آية وقد أنزل وهو القرآن ~~فإنه معجزة ظاهرة باقية وقوله : { أو لم * يكفهم } عبارة تنبىء عن كون ~~القرآن آية فوق الكفاية ، وذلك لأن القائل إذا قال أما يكفي للمسيء أن لا ~~يضرب حتى يتوقع الإكرام ينبىء عن أن ترك الضرب في حقه كثير فكذلك قوله : { ~~أو لم * يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب } وهذا لأن القرآن ms7202 PageV25P069 معجزة ~~أتم من كل معجزة تقدمتها لوجوه : أحدهما : أن تلك المعجزات وجدت وما دامت ~~فإن قلب العصا ثعبانا وإحياء الميت لم يبق لنا منه أثر ، فلو لم يكن واحد ~~يؤمن بكتب الله ويكذب بوجود هذه الأشياء لا يمكن إثباتها معه بدون الكتاب ~~وأما القرآن فهو باق لو أنكره واحد فنقول له فأت بآية من مثله الثاني : هو ~~أن قلب العصا ثعبانا كان في مكان واحد ولم يره من لم يكن في ذلك المكان ، ~~وأما القرآن فقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل أحد ، وههنا لطيفة وهي أن ~~آيات النبي عليه السلام كانت أشياء لا تختص بمكان دون مكان لأن من جملتها ~~انشقاق القمر وهو يعم الأرض ، لأن الخسوف إذا وقع عم وذلك لأن نبوته كانت ~~عامة لا تختص بقطر دون قطر وغاضت بحيرة ساوة في قطر وسقط إيوان كسرى في قطر ~~وانهدت الكنيسة بالروم في قطر آخر إعلاما بأنه يكون أمر عام الثالث : هو أن ~~غير هذه المعجزة الكافر المعاند يقول إنه سحر عمل بدواء ، والقرآن لا يمكن ~~هذا القول فيه . # ثم إنه تعالى قال : { إن فى ذالك لرحمة } إشارة إلى أنا جعلناه معجزة ~~رحمة على العباد ليعلموا بها الصادق ، وهذا لأنا بينا أن إظهار المعجزة على ~~يد الصادق رحمة من الله ، وكان له أن لا يظهر فيبقى الخلق في ورطة تكذيب ~~الصادق أو تصديق الكاذب ، لأن النبي لا يتميز عن المتنبي لولا المعجزة ، ~~لكن الله له ذلك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وقوله : { وذكرى } إشارة إلى ~~أنه معجزة باقية يتذكر بها كل من يكون ما بقي الزمان . # ثم قال تعالى : { لقوم يؤمنون } يعني هذه الرحمة مختصة بالمؤمنين لأن ~~المعجزة كانت غضبا على الكافرين لأنها قطعت أعذارهم وعطلت إنكارهم . # ثم قال تعالى : { قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا } لما ظهرت رسالته ~~وبهرت دلالته ولم يؤمن به المعاندون من أهل الكتاب قال كما يقول الصادق إذا ~~كذب وأتى بكل ما يدل على صدقه ولم يصدق الله يعلم صدقي وتكذيبك أيها ms7203 ~~المعاند وهو على ما أقول شهيد يحكم بيني وبينكم ، كل ذلك إنذار وتهديد ~~يفيده تقريرا وتأكيدا ، ثم بين كونه كافيا بكونه عالما بجميع الأشياء . ~~فقال : { يعلم ما فى * السماوات والارض } وههنا مسألة : وهي أن الله تعالى ~~قال في آخر الرعد { ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب } ( الرعد : 43 ) فأخر شهادة أهل الكتاب ، وفي ~~هذه السورة قدمها حيث قال : { فالذين ءاتيناهم الكتاب يؤمنون به } ( ~~العنكبوت : 47 ) ومن هؤلاء من يؤمن به أي من أهل الكتاب فنقول الكلام هناك ~~مع المشركين ، فاستدل عليهم بشهادة غيرهم ثم / إن شهادة الله أقوى في ~~إلزامهم من شهادة غير الله ، وههنا الكلام مع أهل الكتاب ، وشهادة المرء ~~على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه فقدم ما هو ألزم عليهم . # ثم إنه تعالى لما بين الطريقين في إرشاد الفريقين المشركين وأهل الكتاب ~~عاد إلى الكلام الشامل لهما والانذار العام فقال تعالى : { والذين ءامنوا ~~بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون } أي الذين آمنوا بما سوى الله لأن ~~ما سوى الله باطل لأنه هالك بقوله : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ~~) وكل ما هلك فقد بطل فكل هالك باطل وكل ما سوى الله باطل ، فمن آمن بما ~~سوى الله فقد آمن بالباطل ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { أولائك هم الخاسرون } يقتضي الحصر أي من أتى ~~بالإيمان بالباطل والكفر بالله PageV25P070 فهو خاسر فمن يأتي بأحدهما دون ~~الآخر ينبغي أن لا يكون خاسرا فنقول يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون ~~آتيا بالآخر ، أما الآتي بالإيمان بما سوى الله فلأنه أشرك بالله فجعل غير ~~الله مثل غيره لكن غيره عاجز جاهل ممكن باطل فيكون الله كذلك فيكون إنكارا ~~لله وكفرا به ، وأما من كفر به وأنكره فيكون قائلا بأن العالم ليس له إله ~~موجد فوجود العالم من نفسه ، فيكون قائلا بأن العالم واجب والواجب إله ، ~~فيكون قائلا بأن غير الله إله فيكون إثباتا لغير الله وإيمانا به . # المسألة الثانية : إذا ms7204 كان الإيمان بما سوى الله كفرا به ، فيكون كل من ~~آمن بالباطل فقد كفر بالله ، فهل لهذا العطف فائدة غير التأكيد الذي هو في ~~قول القائل قم ولا تقعد واقرب مني ولا تبعد ؟ نقول نعم فيه فائدة غيرها ، ~~وهو أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول كقول القائل أتقول بالباطل وتترك الحق ~~لبيان أن القول باطل قبيح . # المسألة الثالثة : هل يتناول هذا أهل الكتاب أي هل هم آمنوا بالباطل ~~وكفروا بالله ؟ نقول نعم ، لأنهم لما صح عندهم أن معجزة النبي من عند الله ~~وقطعوا بها وعاندوا وقالوا إنها من عند غير الله ، يكون كمن رأى شخصا يرمي ~~حجارة ، فقال إن رامي الحجارة زيد يقطع بأنه قائل بأن هذا الشخص زيد حتى لو ~~سئل عن عين ذلك الشخص وقيل له من هذا الرجل يقول زيد ، فكذلك هم لما قطعوا ~~بأن مظهر المعجزة هو الله وقالوا بأن محمدا مظهر هذا يلزمهم أن يقولوا محمد ~~هو الله تعالى فيكون إيمانا بالباطل ، وإذا قالوا بأن من أظهر المعجزة ليس ~~بإله مع أنهم قطعوا بخصوص مظهر المعجزة يكونون قائلين بأن ذلك المخصوص الذي ~~هو الله ليس بإله فيكون كفرا به ، وهذا لا يرد علينا فيمن يقول فلعل العبد ~~مخلوق الله تعالى أو مخلوق العبد ، فإنه أيضا ينسب فعل الله إلى الغير ، ~~كما أن المعجزة فعل الله وهم نسبوها إلى غيره لأن هذا القائل جهل النسبة ، ~~كمن يرى حجارة رميت ولم ير عين راميها ، فيظن أن راميها زيد فيقول زيد هو ~~رامي هذه الحجارة ، ثم إذا رأى راميها بعينه ويكون غير زيد لا يقطع بأن ~~يقول هو زيد ، وأما إذا رأى عينه ورميه للحجارة وقال رامي الحجارة زيد ، ~~يقطع بأنه يقول هذا الرجل زيد فظهر الفرق من / حيث إنهم كانوا معاندين ~~عالمين بأن الله مظهر تلك المعجزة ، ويقولون بأنها من عند غير الله . # ثم قوله : { هم الخاسرون } كذلك بأتم وجوه الخسران ، وهذا لأن من يخسر ~~رأس المال ولا تركبه ديون يطالب بها دون من يخسر رأس المال ms7205 وتركبه تلك ~~الديون ، فهم لما عبدوا غير الله أفنوا العمر ولم يحصل لهم في مقابلته شيء ~~ما أصلا من المنافع ، واجتمع عليهم ديون ترك الواجبات يطالبون بها حيث لا ~~طاقة لهم بها . # ! 7 < { ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة ~~وهم لا يشعرون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 53 ) ويستعجلونك بالعذاب ولولا . . . . . # > > لما أنذرهم الله بالخسران وهو أتم وجوه الإنذار لأن من خسر لا يحصل ~~له في مقابلة قدر الخسران شيء من المنافع وإلا لما كان الخسران ذلك القدر ~~بل دونه ، مثاله إذا خسر واحد من العشرة درهما لا ينبغي أن يكون حصل له في ~~مقابلة الدرهم ما يساوي نصف درهم ، وإلا لا يكون الخسران درهما بل نصف درهم ~~، فإذن هم لما خسروا أعمارهم لا تحصل لهم منفعة تخفيف عذاب وإلا يكون ذلك ~~القدر من العمر له منفعة PageV25P071 فيكون للخاسر عذاب أليم ، فقوله : { ~~وأولئك هم الخاسرون } تهديد عظيم فقالوا إن كان علينا عذاب فأتنا به ، ~~إظهارا لقطعهم بعدم العذاب ، ثم إنه أجاب بأن العذاب لا يأتيكم بسؤالكم ولا ~~يعجل باستعجالكم ، لأنه أجله الله لحكمة ورحمة فلكونه حكيما لا يكون متغيرا ~~منقلبا ، ولكونه رحيما لا يكون غضوبا منزعجا ، ولولا ذلك الأجل المسمى الذي ~~اقتضته حكمته وارتضته رحمته لما كان له رحمة وحكمة ، فيكون غضوبا منقلبا ~~فيتأثر باستعجالكم ويتغير من سؤالكم فيعجل وليس كذلك فلا يأتيكم بالعذاب ~~وأنتم تسألونه ولا يدفع عنكم بالعذاب حين تستعيذون به منه ، كما قال تعالى ~~: { كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها } ( الحج : 22 ) . # ثم قال تعالى : { وليأتينهم بغتة } اختلف المفسرون فيه ، فقال بعضهم ~~ليأتينهم العذاب بغتة ، لأن العذاب أقرب المذكورين ، ولأن مسئولهم كان ~~العذاب ، فقال إنه ليأتينهم ، وقال بعضهم ليأتينهم بغتة أي الأجل ، لأن ~~الآتي بغتة هو الأجل وأما العذاب بعد الأجل يكون معاينة ، وقد ذكرنا أن في ~~كون العذاب أو الأجل آتيا بغتة حكمة ، وهي أنه لو كان وقته معلوما ، لكان ~~كل أحد يتكل على بعده وعلمه بوقته فيفسق ويفجر معتمدا على التوبة قبل ms7206 الموت ~~. # قوله تعالى : { وهم لا يشعرون } يحتمل وجهين أحدهما : تأكيد معنى قوله ~~بغتة كما يقول القائل أتيته على غفلة منه بحيث لم يدر ، فقوله بحيث لم يدر ~~أكد معنى الغفلة والثاني : هو كلام / يفيد فائدة مستقلة ، وهي أن العذاب ~~يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون هذا الأمر ، ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلا . # ! 7 < { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين * يوم يغشاهم ~~العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 54 - 55 ) يستعجلونك بالعذاب وإن . . . . . # > > ذكر هذا للتعجب ، وهذا لأن من توعد بأمر فيه ضرر يسير كلطمة أو لكمة ~~، فيرى من نفسه الجلد ويقول باسم الله هات ، وأما من توعد بإغراق أو إحراق ~~ويقطع بأن المتوعد قادر لا يخلف الميعاد ، لا يخطر ببال العاقل أن يقول له ~~هات ما تتوعدني به ، فقال ههنا { يستعجلونك بالعذاب } والعذاب بنار جهنم ~~المحيطة بهم ، فقوله : { ويستعجلونك } أولا إخبار عنهم وثانيا تعجب منهم ، ~~ثم ذكر كيفية إحاطة جهنم . # فقال تعالى : { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ~~ما كنتم * تعلمون } . # وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : لم خص الجانبين بالذكر ولم يذكر اليمين والشمال وخلف ~~وقدام ؟ فنقول لأن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا ونار ~~الدنيا تحيط بالجوانب الأربع ، فإن من دخلها تكون الشعلة خلفه وقدامه ~~ويمينه ويساره وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل في العادة ~~العاجلة وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم ، ونار جهنم تنزل من ~~فوق ولا تنطفىء بالدوس موضع القدم . PageV25P072 # المسألة الثانية : قال : { من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ولم يقل من فوق ~~رءوسهم ، ولا قال من فوقهم ومن تحتهم ، بل ذكر المضاف إليه عند ذكر تحت ولم ~~يذكره عند ذكر فوق ، فنقول لأن نزول النار من فوق سواء كان من سمت الرءوس ~~وسواء كان من موضع آخر عجيب ، فلهذا لم يخصه بالرأس ، وأما بقاء النار تحت ~~القدم فحسب عجيب ، وإلا فمن جوانب القدم في الدنيا يكون شعل ms7207 وهي تحت فذكر ~~العجيب وهو ما تحت الأرجل حيث لم ينطق بالدوس وما فوق على الإطلاق . # ثم قال تعالى : { ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون } لما بين عذاب أجسامهم بين ~~عذاب أرواحهم وهو أن يقال لهم على سبيل التنكيل والإهانة ذوقوا عذاب ما ~~كنتم تعملون ، وجعل ذلك عين ما كانوا يعملون للمبالغة بطريق إطلاق اسم ~~المسبب على السبب ، فإن عملهم كان سببا لجعل الله إياه سببا لعذابهم ، وهذا ~~كثير النظير في الاستعمال . # ! 7 < { ياعبادى الذين ءامنوا إن أرضى واسعة فإياى فاعبدون } . > 7 ! # / < < # | العنكبوت : ( 56 ) يا عبادي الذين . . . . . # > > وجه التعلق هو أن الله تعالى لما ذكر حال المشركين على حدة وحال أهل ~~الكتاب على حدة وجمعهما في الإنذار وجعلهما من أهل النار اشتد عنادهم وزاد ~~فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعوهم من العبادة فقال مخاطبا للمؤمنين { ~~تعملون ياعبادى الذين ءامنوا إن أرضى واسعة فإياى فاعبدون } إن تعذرت ~~العبادة عليكم في بعضها فهاجروا ولا تتركوا عبادتي بحال ، وبهذا علم أن ~~الجلوس في دار الحرب حرام والخروج منها واجب ، حتى لو حلف بالطلاق أنه لا ~~يخرج لزمه الخروج ، و ( ر ) دع حتى يقع الطلاق ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : { فى عبادى } لم يرد إلا المخاطبة مع المؤمنين مع أن ~~الكافر داخل في قوله : { فى عبادى } نقول ليس داخلا في قوله : { فى عبادى } ~~نقول ليس داخلا فيه لوجوه : أحدها : أن من قال في حقه { عبادى } ليس ~~للشيطان عليهم سلطان بدليل قوله تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( ~~الحجر : 42 ) والكافر تحت سلطنة الشيطان فلا يكون داخلا في قوله { فى عبادى ~~} الثاني : هو أن الخطاب بعبادي أشرف منازل المكلف ، وذلك لأن الله تعالى ~~لما خلق آدم آتاه اسما عظيما وهو اسم الخلافة كما قال تعالى : { إني جاعل ~~فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ) والخليفة أعظم الناس مقدارا وأتم ذوي ~~البأس اقتدارا ، ثم إن إبليس لم يرهب من هذا الاسم ولم ينهزم ، بل أقدم ~~عليه بسببه وعاداه وغلبه كما قال تعالى : { فأزلهما الشيطان } ( البقرة : ~~36 ) ثم ms7208 إن من أولاده الصالحين من سمى بعبادي فانخنس عنهم الشيطان وتضاءل ، ~~كما قال تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) وقال هو ~~بلسانه { لاغوينهم أجمعين * إلا عبادك } فعلم أن المكلف إذا كان عبدا لله ~~يكون أعلى درجة مما إذا كان خليفة لوجه الأرض ولعل آدم كداود الذي قال الله ~~تعالى في حقه { إنا جعلناك خليفة فى الارض } ( ص: 26 ) لم يتخلص من يد ~~الشيطان إلا وقت ما قال الله تعالى في حقه عبدي وعندما ناداه بقوله : { ~~ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) واجتباه بهذا النداء ، كما قال في حق ~~داود { واذكر عبدنا * داوود * ذا الايد } ( ص: 17 ) إذا علم هذا فالكافر لا ~~يصلح للخلافة فكيف يصلح لما هو أعظم من الخلافة ؟ فلا يدخل في قوله { فى ~~عبادى } إلا المؤمن . الثالث : هو أن هذا الخطاب حصل للمؤمن PageV25P073 ~~بسعيه بتوفيق الله ، وذلك لأن الله تعالى قال : { ادعونى أستجب لكم } ( ~~غافر : 60 ) فالمؤمن دعا ربه بقوله : { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى ~~للإيمان أن ءامنوا بربكم فئامنا } ( الزمر : 53 ) فأجابه الله تعالى بقوله ~~: { قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } فالإضافة ~~بين الله وبين العبد بقول العبد إلهي وقول الله عبدي تأكدت بدعاء العبد ، ~~لكن الكافر لم يدع فلم يجب ، فلا يتناول يا عبادي غير المؤمنين . # المسألة الثانية : إذا كان عبادي لا يتناول إلا المؤمنين فما الفائدة في ~~قوله : { الذين كفروا } / مع أن الوصف إنما يذكر لتمييز الموصوف ، كما يقال ~~يا أيها المكلفون المؤمنون ، ويا أيها الرجال العقلاء تمييزا عن الكافرين ~~والجهال ، فنقول الوصف يذكر لا للتمييز بل لمجرد بيان أن فيه الوصف كما ~~يقال الأنبياء المكرمون والملائكة المطهرون / مع أن كل نبي مكرم وكل ملك ~~مطهر ، وإنما يقال لبيان أن فيهم الإكرام والطهارة ، ومثل هذا قولنا الله ~~العظيم وزيد الطويل ، فههنا ذكر لبيان أنهم مؤمنون . # المسألة الثالثة : إذ قال { فى عبادى } فهم يكونون عابدين فما الفائدة في ~~الأمر بالعبادة بقوله فاعبدون ؟ فنقول فيه فائدتان إحداهما : المداومة أي ~~يا ms7209 من عبدتموني في الماضي اعبدوني في المستقبل الثانية : الإخلاص أي يا من ~~تعبدني أخلص العمل لي ولا تعبد غيري . # المسألة الرابعة : الفاء في قوله : { فإياي } تدل على أنه جواب لشرط فما ~~ذلك ؟ فنقول قوله : { إن أرضى واسعة } إشارة إلى عدم المانع من عبادته ~~فكأنه قال إذا كان لا مانع من عبادتي فاعبدوني ، وأما الفاء في قوله تعالى ~~: { فاعبدون } فهو لترتيب المقتضى على المقتضى كما يقال هذا عالم فأكرموه ~~فكذلك ههنا لما أعلم نفسه بقوله : { فإياي } وهو لنفسه يستحق العبادة قال ~~فاعبدون . # المسألة الخامسة : قال العبد مثل هذا في قوله : { إياك نعبد } وقال عقيبه ~~: { وإياك نستعين } والله تعالى وافقه في قوله : { فإياى فاعبدون } ولم ~~يذكر الإعانة نقول بل هي مذكورة في قوله { فى عبادى } لأن المذكور بعبادي ~~لما كان الشيطان مسدود السبيل عليه مسدود القبيل عنه كان في غاية الإعانة . # المسألة السادسة : قدم الله الإعانة وأخر العبد الاستعانة ، قلنا لأن ~~العبد فعله لغرض وكل فعل لغرض ، فإن الغرض سابق على الفعل في الإدراك ، ~~وذلك لأن من يبني بيتا للسكنى يدخل في ذهنه أولا فائدة السكنى فيحمله على ~~البناء ، لكن الغرض في الوجود لا يكون إلا بعد فعل الواسطة ، فنقول ~~الاستعانة من العبد لغرض فهي سابقة في إدراكه ، وأما الله تعالى فيس فعله ~~لغرض فراعى ترتيب الوجود ، فإن الإعانة قبل العبادة . # ! 7 < { كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ترجعون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 57 ) كل نفس ذائقة . . . . . # > > لما أمر الله تعالى المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ~~ومفارقة الإخوان ، فقال لهم إن ما PageV25P074 تكرهون لا بد من وقوعه فإن ~~كل نفس ذائقة الموت والموت مفرق الأحباب فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله ~~فيجازيكم عليه ، فإن إلى الله مرجعكم ، وفيه وجه أرق وأدق ، وهو أن الله ~~تعالى قال : كل نفس إذا كانت غير متعلقة بغيرها فهي للموت ، ثم إلى الله ~~ترجع فلا تموت كما قال تعالى : { لا يذوقون فيها الموت } ( الدخان : 56 ) ~~إذا ثبت هذا فمن يريد ألا يذوق الموت لا يبقى مع نفسه ms7210 فإن / النفس ذائقته ~~بل يتعلق بغيره وذلك الغير إن كان غير الله فهو ذائق الموت ومورد الهلاك ~~بقوله : { كل نفس ذائقة الموت } { وكل شىء * هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ~~) فإذا التعلق بالله يريح من الموت فقال تعالى { فإياى فاعبدون } أي تعلقوا ~~بي ، ولا تتبعوا النفس فإنها ذائقة الموت { ثم إلينا ترجعون } ( العنكبوت : ~~57 ) أي إذا تعلقتم بي فموتكم رجوع إلي وليس بموت كما قال تعالى : { ولا ~~تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء } ( آل عمران : 169 ) وقال ~~عليه السلام : ( المؤمنون لا يموتون بل ينقلون من دار إلى دار ) فعلى هذا ~~الوجه أيضا يتبين وجه التعليق . # ! 7 < { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجرى من ~~تحتها الا نهار خالدين فيها نعم أجر العاملين } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 58 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . # > > بين ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع إليه كما بين من قبل ما يكون ~~للكافرين بقوله : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } ( العنكبوت : 54 ) فبين أن ~~للمؤمنين الجنان في مقابلة ما أن للكافرين النيران ، وبين أن فيها غرفا ~~تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما بين أن تحت الكافرين النار ، وبين أن ~~ذلك أجر عملهم بقوله تعالى : { نعم أجر العاملين } في مقابلة ما بين أن ما ~~تقدم جزاء عمل الكفار بقوله تعالى : { نعم أجر العاملين } في مقابلة ما بين ~~أن ما تقدم جزاء عمل الكفار بقوله : { ذوقوا ما كنتم تعملون } ( العنبكوت : ~~55 ) ثم في الآيتين اختلافات فيها لطائف منها أنه تعالى ذكر في العذاب أن ~~فوقهم عذابا أي نارا ، ولم يذكر ههنا فوقهم شيئا ، وإنما ذكر ما فوق من غير ~~إضافة وهو الغرف ، وذلك لأن المذكور في الموضعين العقاب والثواب الجسمانيان ~~، لكن الكافر في الدرك الأسفل من النار ، فيكون فوقه طبقات من النار ، فأما ~~المؤمنون فيكونون في أعلى عليين ، فلم يذكر فوقهم شيئا إشارة إلى علو ~~مرتبتهم وارتفاع منزلتهم . # وأما قوله تعالى : { لهم غرف من فوقها غرف } ( الزمر : 20 ) لا ينافي لأن ~~الغرف فوق الغرف لا فوقهم والنار فوق النار وهي ms7211 فوقهم ، ومنها أن هناك ذكر ~~من تحت أرجلهم النار ، وههنا ذكر من تحت غرفهم الماء ، وذلك لأن النار لا ~~تؤلم إذا كانت تحت مطلقا ما لم تكن في مسامتة الأقدام ومتصلة بها ، أما إذا ~~كان الشعلة مائلة عن سمت القدم وإن كانت تحتها ، أو تكون مسامتة ولكن تكون ~~غير ملاصقة بل تكون أسفل في وهدة لا تؤلم ، وأما الماء إذا كان تحت الغرفة ~~في أي وجه كان وعلى أي بعد كان يكون ملتذا به ، فقال في النار من تحت ~~أرجلهم ليحصل الألم بها ، وقال ههنا من تحت الغرف لحصول اللذة به كيف كان ، ~~ومنها أن هناك قال ذوقوا الإيلام قلوبهم بلفظ الأمر وقال ههنا { نعم أجر ~~العاملين } لتفريح قلوبهم لا بصيغة الأمر وذلك لأن لفظ الأمر يدل على ~~انقطاع التعلق / بعده ، فإن من قال لأجيره خذ أجرتك يهفم منه أن بذلك ينقطع ~~تعلقه عنه ، وأما PageV25P075 إذا قال ما أتم أجرتك عندي أو نعم مالك من ~~الأجر يفهم منه أن ذلك عنده ولم يقل ههنا خذوا أجرتكم أيها العاملون وقال ~~هناك : { ذوقوا ما كنتم تعملون } فإن قال قائل ذوقوا إذا كان يفهم منه ~~الانقطاع فعذاب الكافر ينقطع ، قلنا ليس كذلك لأن الله إذا قال ذوقوا دل ~~على أنه أعطاهم جزاءهم وانقطع ما بينه وبينهم لكن يبقى عليهم ذلك دائما ولا ~~ينقص ولا يزداد ، وأما المؤمن إذا أعطاه شيئا فلا يتركه مع ماأعطاه بل يزيد ~~له كل يوم في النعم وإليه الإشارة بقوله : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ~~( يونس : 26 ) أي الذي يصل إلى الكافر يدوم من غير زيادة والذي يصل إلى ~~المؤمن يزداد على الدوام ، وأما الخلود وإن لم يذكره في حق الكافر لكن ذلك ~~معلوم بغيره من النصوص . # ! 7 < { الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون * وكأين من دآبة لا تحمل رزقها ~~الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 59 - 60 ) الذين صبروا وعلى . . . . . # > > ذكر أمرين الصبر والتوكل لأن الزمان ماض وحاضر ومستقبل لكن الماضي لا ~~تدارك له ولا يؤمر العبد فيه ms7212 بشيء ، بقي الحاضر واللائق به الصبر والمستقبل ~~واللائق به التوكيل ، فيصبر على ما يصيبه من الأذى في الحال ، ويتوكل فيما ~~يحتاج إليه في الاستقبال . # واعلم أن الصبر والتوكل صفتان لا يحصلان إلا مع العلم بالله والعلم بما ~~سوى الله ، فمن علم ما سواه علم أنه زائل فيهون عليه الصبر إذ الصبر على ~~الزائل هين ، وإذا علم الله علم أنه باق يأتيه بأرزاقه فإن فاته شيء فإنه ~~يتوكل على حي باق ، وذكر الصبر والتوكل ههنا مناسب ، فإن قوله : { فى عبادى ~~} كان لبيان أنه لا مانع من العبادة ، ومن يؤذى في بقعة فليخرج منها . فحصل ~~الناس على قسمين قادر على الخروج وهو متوكل على ربه ، يترك الأوطان ويفارق ~~الأخوان ، وعاجز وهو صابر على تحمل الأذى ومواظب على عبادة الله تعالى . # ثم قال تعالى : { وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو ~~السميع العليم } . # لما ذكر الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ذكر ما يعين على التوكل وهو بيان ~~حال الدواب التي لا تدخر شيئا لغد ، ويأتيها كل يوم برزق رغد . وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : في كأين لغات أربع ( لا ) غير هذه ( و ) كائن على وزن ~~راع وكأين على وزن ريع وكي على دع ولم يقرأ إلا كأين وكائن قراءة ابن كثير ~~. # المسألة الثانية : كأين كلمة مركبة من كاف التشبيه وأي التي تستعمل ~~استعمال من وما ركبتا وجعل المركب بمعنى كم ، ولم تكتب إلا بالنون ليفصل ~~بين المركب وغير المركب ، لأن كأي / يستعمل غير مركب كما يقول القائل رأيت ~~رجلا لا كأي رجل يكون ، فقد حذف المضاف إليه ويقال رأيت رجلا لا كأي رجل ، ~~وحينذ لا يكون كأي مركبا ، فإذا كان كأي ههنا مركبا كتبت بالنون للتمييز ~~كما تكتب معد يكرب وبعلبك PageV25P076 موصولا للفرق . وكما تكتب ثمة بالهاء ~~تمييزا بينها وبين ثمت . # المسألة الثالثة : كأين بمعنى كم لم تستعمل مع من إلا نادرا وكم يستعمل ~~كثيرا من غير من ، يقال كم رجلا وكم من رجل ، وذلك لما بينا من الفرق بين ms7213 ~~كأين بمعنى كم وكأي التي ليست مركبة ، وذلك لأن كأي إذا لم تكن مركبة لا ~~يجوز إدخال من بعدها إذ لا يقال رأيت رجلا لا كأي من رجل ، والمركبة بمعنى ~~كم يجوز ذلك فيها فالتزم للفرق . قوله تعالى : { لا تحمل رزقها } قيل : لا ~~تحمل لضعفها وقيل هي كالقمل والبرغوث والدود وغيرها وقيل لا تدخر { الله ~~يرزقها وإياكم } بطريق القياس أي لا شك في أن رزقها ليس إلا بالله فكذلك ~~يرزقكم فتوكلوا ، فإن قال قائل من قال بأن الله يرزق الدواب بل النبات في ~~الصحراء مسبب والحيوان يسعى إليه ويرعى ، فنقول الدليل عليه من ثلاثة أوجه ~~نظرا إلى الرزق وإلى المرتزق وإلى مجموع الرزق والمرتزق ، أما بالنظر إلى ~~الرزق فلأن الله تعالى لو لم يخلق النبات لم يكن للحيوان رزق ، وأما بالنظر ~~إلى المرتزق فلأن الاغتذاء ليس بمجرد الابتلاع بل لا بد من تشبثه بالأعضاء ~~حتى يصير الحشيش عظما ولحما وشحما ، وما ذاك إلا بحكمة الله تعالى حيث خلق ~~فيه جاذبة وماسكة وهاصمة ودافعة وغيرها من القوى وبمحض قدرة الله وإرادته ~~فهو الذي يرزقها ، وأما بالنظر إلى المرتزق والرزق ، فلأن الله لو لم يهد ~~الحيوان إلى الغذاء ليعرفه من الشم ما كان يحصل له اغتذاء / ألا ترى أن من ~~الحيوان ما لا يعرف نوعا من أنواع الغذاء حتى يوضع في فمه بالشدة ليذوق ~~فيأكله بعد ذلك ، فإن كثيرا ما يكون البعير لا يعرف الخمير ولا الشعير حتى ~~يلقم مرتين أو ثلاثة فيعرفه فيأكله بعد ذلك ، فإن قال قائل كيف يصح قياس ~~الإنسان على الحيوان فيما يوجب التوكل والحيوان رزقه لا يتعرض إليه إذا أكل ~~منه اليوم شيئا وترك بقية يجدها غدا ، ما مد إليه أحد يدا ، والإنسان إن لم ~~يأخذ اليوم لا يبقى له غدا شيء ؟ وأيضا حاجات الإنسان كثيرة فإنه يحتاج إلى ~~أجناس اللباس وأنواع الأطعمة ولا كذلك الحيوان وأيضا قوت الحيوان مهيأ وقوت ~~الإنسان يحتاج إلى كلف كالزرع والحصاد والطحن والخبز فلو لم يجمعه قبل ~~الحاجة ما كان يجده ms7214 وقت الحاجة ، فنقول نحن لا نقول إن الجمع يقدح في ~~التوكل ، بل قد يكون الزارع الحاصد متوكلا والراكع الساجد غير متوكل ، لأن ~~من يزرع يكون اعتماده على الله واعتقاده في الله أنه إن كان يريد يرزق من ~~غير زرع ، وإن كان يريد لا يرزق من ذلك الزرع فيعمل وقلبه مع الله هو متوكل ~~حق التوكل ، ومن يصلي وقلبه مع ما في يد زيد وعمرو هو غير متوكل . وأما ~~قوله : حاجات الإنسان كثيرة ، فنقول مكاسبه كثيرة أيضا ، فإنه يكتسب بيده ~~كالخياط والنساج وبرجله كالساعي وغيره ، وبعينه كالناطور وبلسانه كالحادي ~~والمنادي ، وبفهمه كالمهندس والتاجر ، / وبعلمه كالطبيب والفقيه ، وبقوة ~~جسمه كالعتال والحمال ، والحيوان لا مكاسب له ، فالرغيف الذي يحتاج إليه ~~الإنسان غدا أو بعد غد ، بعيد أن لا يرزقه الله مع هذه المكاسب ، فهو أولى ~~بالتوكل . وأيضا الله تعالى خلق الإنسان بحيث يأتيه الرزق وأسبابه ، فإن ~~الله ملك الإنسان عمائر الدنيا وجعلها بحيث تدخل في ملكه شاء أم أبى ، حتى ~~أن نتاج الأنعام وثمار الأشجار تدخل في الملك وإن لم يرده مالك النعم ~~والشجر ، وإذا مات قرن ينتقل ذلك إلى قرن آخر قهرا شاؤا أم أبوا ، وليس ~~كذلك حال الحيوان أصلا ، فإن الحيوان إن لم يأت الرزق لا يأتيه رزقه ، فإذن ~~الإنسان لو توكل كان أقرب إلى العقل من توكل الحيوان ، ثم قال : { وهو ~~السميع العليم } سميع إذا طلبتم الرزق ، يسمع ويجيب ، عليم إن سكتم ، لا ~~تخفى عليه حاجتكم ومقدار حاجتكم . # PageV25P077 ! 7 < { ولئن سألتهم من خلق السماوات والا رض وسخر الشمس ~~والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 61 ) ولئن سألتهم من . . . . . # > > نقول لما بين الله الأمر للمشرك مخاطبا معه ولم ينتفع به وأعرض عنه ~~وخاطب المؤمن بقوله : { الباطل وأن الذين ءامنوا } ( العنبكوت : 56 ) وأتم ~~الكلام معه ذكر معه ما يكون إرشادا للمشرك بحيث يسمعه وهذا طريق في غاية ~~الحسن ، فإن السيد إذا كان له عبدان ، أو الوالد إذا كان له ولدان وأحدهما ~~رشيد والآخر مفسد ، ينصح أولا المفسد ، فإن لم يسمع يقول ms7215 معرضا عنه ، ~~ملتفتا إلى الرشيد ، إن هذا لا يستحق الخطاب فاسمع أنت ولا تكن مثل هذا ~~المفسد ، فيتضمن هذا الكلام نصيحة المصلح وزجر المفسد ، فإن قوله هذا لا ~~يستحق الخطاب يوجب نكاية في قلبه ، ثم إذا ذكر مع المصلح في أثناء الكلام ~~والمفسد يسمعه ، إن هذا أخاك العجيب منه أنه يعلم قبح فعله ويعرف الفساد من ~~الصلاح وسبيل الرشاد والفلاح ويشتغل بضده ، يكون هذا الكلام أيضا داعيا له ~~إلى سبيل الرشاد مانعا له من ذلك الفساد ، فكذلك الله تعالى قال مع المؤمن ~~العجيب منهم أنهم إن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ثم لا ~~يؤمنون ، وفي الآية لطائف إحداها : ذكر في السموات والأرض الخلق ، وفي ~~الشمس والقمر التسخير ، وذلك لأن مجرد خلق الشمس والقمر ليس حكمة ، فإن ~~الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تكون في موضع واحد لا تتحرك ما حصل الليل ~~والنهار ولا الصيف ولا الشتاء ، فإذا الحكمة في تحريكهما وتسخيرهما الثانية ~~: في لفظ التسخير ، وذلك لأن التحريك يدل على مجرد الحركة وليس مجرد الحركة ~~كافيا ، لأنها لو كانت تتحرك مثل حركتنا لما كانت تقطع الفلك بألوف من ~~السنين ، فالحكمة في تسخيرهما تحركهما في قدر ما يتنفس الإنسان / آلافا من ~~الفراسخ ، ثم لم يجعل لهما حركة واحدة بل حركات ، إحداها حركتها من المشرق ~~إلى المغرب في كل يوم وليلة مرة ، والأخرى حركتها من المغرب إلى المشرق ، ~~والدليل عليها أن الهلال يرى في جانب الغرب على بعد مخصوص من الشمس ، ثم ~~يبعد منه إلى جانب الشرق حتى يرى القمر في نصف الشهر في مقابلة الشمس ، ~~والشمس على أفق المغرب ، والقمر على أفق المشرق ، وحركة أخرى حركة الأوج ~~وحركة المائل والتدوير في القمر ، ولولا الحركة التي من المغرب إلى المشرق ~~لما حصلت الفصول ، ثم اعلم أن أصحاب الهيئة قالوا الشمس في الفلك مركوزة ~~والفلك يديرها بدورانه وأنكره المفسرون الظاهريون ، ونحن نقول لا بعد في ~~ذلك إن لم يقولوا بالطبيعة ، فإن الله تعالى فاعل مختار إن أراد أن يحركهما ~~في الفلك والفلك ms7216 ساكن يجوز ، وإن أراد أن يحركهما بحركة الفلك وهما ساكنان ~~يجوز ولم يرد فيه نص قاطع أو ظاهر ، وسنذكر تمام البحث في قوله تعالى : { ~~وكل فى فلك يسبحون } الثالثة : ذكر أمرين أحدهما خلق السموات والأرض والآخر ~~تسخير الشمس والقمر ، لأن الإيجاد قد يكون للذوات وقد يكون للصفات ، فخلق ~~السموات والأرض إشارة إلى إيجاد الذوات ، وتسخير الشمس والقمر إشارة إلى ~~إيجاد الصفات وهي الحركة وغيرها ، فكأنه ذكر من القبيلين مثالين ، ثم قال ~~تعالى : { فأنى يؤفكون } يعني هم يعتقدون هذا فكيف يصرفون عن عبادة الله ، ~~مع أن من علمت عظمته وجبت خدمته ، ولا عظمة فوق عظمة خالق السموات والأرض ، ~~ولا حقارة فوق حقارة الجماد ، لأن الجماد PageV25P078 دون الحيوان ، ~~والحيوان دون الإنسان ، والإنسان دون سكان السموات فكيف يتركون عبادة أعظم ~~الوجودات ويشتغلون بعبادات أخس الموجودات . # ! 7 < { الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له إن الله بكل شىء ~~عليم } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 62 ) الله يبسط الرزق . . . . . # > > # قوله تعالى : { الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده } لما بين الخلق ذكر ~~الرزق لأن كمال الخلق ببقائه وبقاء الإنسان بالرزق ، فقال المعبود إما أن ~~يعبد لاستحقاقه العبادة ، وهذه الأصنام ليست كذلك والله مستحقها ، وإما ~~لكونه على الشأن والله الذي خلق السموات على الشأن جلي البرهان فله العبادة ~~، وإما لكونه ولي الإحسان والله يرزق الخلق فله الطول والإحسان والفضل ~~والامتنان فله العبادة من هذا الوجه أيضا قوله : { لمن يشاء } إشارة إلى ~~كمال الإحسان ، وذلك لأن الملك إذا أمر الخازن بإعطاء شخص شيئا ، فإذا ~~أعطاه يكون له منة ما يسيرة حقيرة ، لأن الآخذ يقول هذا ليس بإرادته وإنما ~~هو بأمر الملك ، وأما إن كان مختارا بأن قال له الملك إن شئت فأعطه وإن شئت ~~فلا تعطه ، فإن أعطاه يكون له منة جليلة لا قليلة ، فقال الله تعالى الرزق ~~منه وبمشيئته فهو إحسان تام يستوجب شكرا تاما وقوله تعالى : { ويقدر له } ~~أي يضيق له إن أراد ، ثم قال تعالى : / { أن الله بكل شىء عليم } أي يعلم ~~مقادير الحاجات ومقادير ms7217 الأرزاق وفي إثبات العلم ههنا لطائف إحداها : أن ~~الرازق الذي هو كامل المشيئة إذا رأى عبده محتاجا وعلم جوعه لا يؤخر عنه ~~الرزق ، ولا يؤخر الرازق الرزق إلا لنقصان في نفوذ مشيئته كالملك إذا أراد ~~الاطعام والطعام لا يكون بعد قد استوى ، أو لعدم علمه بجوع العبيد الثانية ~~: وهي أن الله بإثبات العلم استوعب ذكر الصفات التي هي صفات الإله ومن ~~أنكرها كفر وهي أربعة الحياة والقدرة والإرادة والعلم وأما السمع والبصر ~~والكلام القائم به من ينكرها يكون مبتدعا لا كافرا ، وقد استوفى الأربع ، ~~لأن قوله : { خلق * السماوات والارض } إشارة إلى كمال القدرة ، وقوله : { ~~يبسط الرزق لمن يشاء } إشارة إلى نفوذ مشيئته وإرادته ، وقوله : { أن الله ~~بكل شىء عليم } إشارة إلى شمول علمه ، والقادر المريد العالم لا يتصور إلا ~~حيا ، ثم إنه تعالى لما قال : { الله يبسط الرزق } ذكر اعترافهم بذلك فقال ~~: # ! 7 < { ولئن سألتهم من نزل من السمآء مآء فأحيا به الا رض من بعد موتها ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 63 ) ولئن سألتهم من . . . . . # > > يعني هذا سبب الرزق وموجد السبب موجد المسبب ، فالرزق من الله ، ثم ~~قال تعالى : { وقل الحمد لله } وهو يحتمل وجوها أحدها : أن يكون كلاما ~~معترضا في أثناء كلام كأنه قال : فأحيا به الأرض من بعد موتها PageV25P079 ~~{ بل أكثرهم لا يعقلون } فذكر في أثناء هذا الكلام { الحمد } لذكر النعمة ، ~~كما قال القائل : # % إن الثمانين وبلغتها % % قد أحوجت سمعي إلى ترجمان % # الثاني : أن يكون المراد منه كلاما متصلا ، وهو أنهم يعرفون بأن ذلك من ~~الله ويعترفون ولا يعملون بما يعلمون ، وأنت تعلم وتعمل فكذلك المؤمنون بك ~~فقل الحمد لله وأكثرهم لا يعقلون أن الحمد كله لله فيحمدون غير الله على ~~نعمة هي من الله الثالث : أن يكون المراد أنهم يقولون إنه من الله ويقولون ~~بإلهية غير الله فيظهر تناقض كلامهم وتهافت مذهبهم { فقل الحمد لله } على ~~ظهور تناقضهم { وأكثرهم لا يعقلون } هذا التناقض أو فساد هذا التناقض . # ! 7 < { وما هاذه ms7218 الحيواة الدنيآ إلا لهو ولعب وإن الدار الا خرة لهى ~~الحيوان لو كانوا يعلمون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 64 ) وما هذه الحياة . . . . . # > > لما بين أنهم يعترفون بكون الله هو الخالق وكونه هو الرزاق وهم ~~يتركون عبادته ولا يتركونها إلا لزينة الحياة الدنيا بين أن ما يميلون إليه ~~ليس بشيء بقوله : { وما هاذه الحيواة الدنيا إلا لهو } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ما الفرق بين اللهو واللعب ، حتى يصح عطف أحدهما على ~~الآخر ؟ فنقول الفرق من وجهين أحدهما : أن كل شغل يفرض ، فإن المكلف إذا ~~أقبل عليه لزمه الإعراض عن غيره ومن لا يشغله شأن عن شأن هو الله تعالى ، ~~فالذي يقبل على الباطل للذة يسيرة زائلة فيه يلزمه الإعراض عن الحق ~~فالإقبال على الباطل لعب والإعراض عن الحق لهو ، فالدنيا لعب أي إقبال على ~~الباطل ، ولهو أي إعراض عن الحق الثاني : هو أن المشتغل بشيء يرجح ذلك ~~الشيء على غيره لا محالة حتى يشتغل به ، فإما أن يكون ذلك الترجيح على وجه ~~التقديم بأن يقول أقدم هذا وذلك الآخر آتي به بعده أو يكون على وجه ~~الاستغراق فيه والإعراض عن غيره بالكلية فالأول لعب والثاني لهو ، والدليل ~~عليه هو أن الشطرنج والحمام وغيرهما مما يقرب منهما لا تسمى آلات الملاهي ~~في العرف ، والعود وغيره من الأوتار تسمى آلات الملاهي لأنها تلهي الإنسان ~~عن غيرها لما فيها من اللذة الحالية ، فالدنيا للبعض لعب يشتغل به ويقول ~~بعد هذا الشغل أشتغل بالعبادة والآخرة ، وللبعض لهو يشتغل به وينسى الآخرة ~~بالكلية . # المسألة الثانية : قال الله تعالى في سورة الأنعام : { وما الحيواة ~~الدنيا } ( آل عمران : 185 ) ولم يقل وما هذه الحياة وقال ههنا : { وما ~~هاذه } فنقول لأن المذكور من قبل ههنا أمر الدنيا ، حيث قال تعالى : { ~~فأحيا به الارض من بعد موتها } ( البقرة : 164 ) فقال هذه والمذكور قبلها ~~هناك الآخرة حيث قال : { قالوا ياحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون ~~أوزارهم على ظهورهم } ( الأنعام : 31 ) فلم تكن الدنيا في ذلك الوقت في ~~خاطرهم فقال : { وما الحيواة ms7219 الدنيا } . # المسألة الثالثة : قال هناك : { إلا لعب ولهو } وقال ههنا : { إلا لهو ~~ولعب } فنقول لما كان المذكور هناك من قبل الآخرة وإظهارهم للحسرة ، ففي ~~ذلك الوقت يبعد الاستغراق في الدنيا بل نفس الاشتغال بها فأخر الأبعد ، ~~وأما ههنا لما كان المذكور من قبل الدنيا وهي خداعة تدعو النفوس إلى ~~الإقبال عليها والاستغراق PageV25P080 فيها ، اللهم إلا لمانع يمنعه من ~~الاستغراق فيشتغل بها من غير استغراق فيها ، ولعاصم يعصمه فلا يشتغل بها ~~أصلا ، فكان ههنا الاستغراق أقرب من عدمه فقدم اللهو . # المسألة الرابعة : قال هناك : { وللدار الاخرة خير } ( الأنعام : 32 ) ~~وقال ههنا : { وإن الدار الاخرة لهى الحيوان } فنقول لما كان الحال هناك ~~حال إظهار الحسرة ما كان المكلف يحتاج إلى رادع قوي فقال الآخرة خير ، ولما ~~كان ههنا الحال حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى رادع قوي فقال لا حياة إلا ~~حياة الآخرة ، وهذا كما أن العاقل إذا عرض عليه شيئان فقال في أحدهما هذا ~~خير من ذلك يكون هذا ترجيحا فحسب ، ولو قال هذا جيد وهذا الآخر ليس بشيء ~~يكون ترجيحا مع المبالغة فكذلك ههنا بالغ لكون المكلف متوغلا فيها . # المسألة الخامسة : قال هناك : { خير للذين يتقون } ( الأعراف : 169 ) ولم ~~يقل ههنا إلا لهي الحيوان ، لأن الآخرة خير للمتقي فحسب أي المتقي عن الشرك ~~/ وأما الكافر فالدنيا جنته فهي خير له من الآخرة ، وأما كون الآخرة باقية ~~فيها الحياة الدائمة فلا يختص بقوم دون قوم . # المسألة السادسة : كيف أطلق الحيوان على الدار الآخرة مع أن الحيوان نام ~~مدرك ؟ فنقول الحيوان مصدر حي كالحياة لكن فيها مبالغة ليست في الحياة ~~والمراد بالدار الآخرة هي الحياة الثانية ، فكأنه قال الحياة الثانية هي ~~الحياة المعتبرة أو نقول لما كانت الآخرة فيها الزيادة والنمو كما قال ~~تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) وكانت هي محل ~~الإدراك التام الحق كما قال تعالى : { يوم تبلى السرائر } ( الطارق : 9 ) ~~أطلق عليها الاسم المستعمل في النامي المدرك . # المسألة السابعة : قال في سورة الأنعام : { أفلا تعقلون } ( البقرة : 76 ~~) وقال ههنا ms7220 : { لو كانوا يعلمون } وذلك لأن المثبت هناك كون الآخرة خيرا ~~وأنه ظاهر لا يتوقف إلا على العقل والمثبت ههنا أن لا حياة إلا حياة الآخرة ~~، وهذا دقيق لا يعرف إلا بعلم نافع . # ! 7 < { فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى ~~البر إذا هم يشركون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 65 ) فإذا ركبوا في . . . . . # > > إشارة إلى أن المانع من التوحيد هو الحياة الدنيا ، وبيان ذلك هو ~~أنهم إذا انقطع رجاؤهم عن الدنيا رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد ووحدوا ~~وأخلصوا ، فإذا أنجاهم وأرجأهم عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا ~~وأشركوا . # ! 7 < { ليكفروا بمآ ءاتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون } . > 7 @QB@ < # | العنكبوت : ( 66 ) ليكفروا بما آتيناهم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ليكفروا بما ءاتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون }وفيه ~~وجهان أحدهما : أن اللام لام كي ، أي يشركون ليكون إشراكهم كفرا بنعمة ~~الإنجاء ، وليتمتعوا بسبب الشرك فسوف يعلمون بوبال عملهم حين زوال أملهم ~~والثاني : : أن تكون اللام لام الأمر ويكون المعنى ليكفروا على التهديد . ~~كما قال تعالى : PageV25P081 { اعملوا ما شئتم } ( فصلت : 40 ) وكما قال : ~~{ اعملوا على مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون } ( الأنعام : 135 ) فساد ما ~~تعملون . # ! 7 < { أولم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل ~~يؤمنون وبنعمة الله يكفرون } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 67 ) أو لم يروا . . . . . # > > التفسير ظاهر ، وإنما الدقيق وجه تعلق الآية بما قبلها ، فنقول ~~الإنسان في البحر يكون على أخوف ما يكون وفي بيته يكون على آمن ما يكون لا ~~سيما إذا كان بيته في بلد حصين فلما ذكر الله المشركين حالهم عند الخوف ~~الشديد ورأوا أنفسهم في تلك الحالة راجعة إلى الله تعالى ذكرهم حالهم عند ~~الأمن العظيم وهي كونهم في مكة فإنها مدينتهم وبلدهم وفيها سكناهم ومولدهم ~~، وهي حصين بحصن الله حيث كل من حولها يمتنع من قتال من حصل فيها ، والحصول ~~فيها يدفع الشرور عن النفوس ويكفها يعني أنكم في أخوف ما كنتم دعوتم الله ~~وفي آمن ما حصلتم عليه كفرتم بالله ، وهذا متناقض لأن دعاءكم في ذلك ms7221 الوقت ~~على سبيل الإخلاص ما كان إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير فهذه النعمة ~~العظيمة التي حصلت وقد اعترفتم بأنها لا تكون إلا من الله كيف تكفرون بها ؟ ~~والأصنام التي قطعتم في حال الخوف أن لا أمن منها كيف آمنتم بها في حال ~~الأمن ؟ . # ! 7 < { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جآءه أليس فى ~~جهنم مثوى للكافرين } . > 7 ! # < < # | العنكبوت : ( 68 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > لما بين الله الأمور على الوجه المذكور ولم يؤمن به أحد بين أنهم ~~أظلم من يكون ، لأن الظلم على ما بين وضع الشيء في غير موضعه ، فإذا وضع ~~واحد شيئا في موضع ليس هو موضعه يكون ظالما فإذا وضعه في موضع لا يمكن أن ~~يكون ذلك موضعه يكون أظلم لأن عدم الإمكان أقوى من عدم الحصول ، لأن كل ما ~~لا يمكن لا يحصل وليس كل ما لا يحصل لا يمكن ، فالله تعالى لا يمكن أن يكون ~~له شريك وجعلوا له شريكا فلو كان ذلك في حق ملك مستقل في الملك لكان ظلما ~~يستحق من الملك العقاب الأليم فكيف إذا جعل الشريك لمن لا يمكن أن يكون له ~~شريك ، وأيضا من كذب صادقا يجوز عليه الكذب يكون ظلما فمن يكذب صادقا لا ~~يجوز عليه الكذب كيف يكون حاله ؟ فإذا ليس أظلم ممن يكذب على الله بالشرك ~~ويكذب الله في تصديق نبيه والنبي في رسالة ربه والقرآن المنزل من الله إلى ~~الرسول ، والعجب من المشركين أنهم قبلوا المتخذ من خشب منحوت / بالإلهية ، ~~ولم يقبلوا ذا حسب منعوت بالرسالة ، والآية تحتمل وجها آخر وهو أن الله ~~تعالى لما بين التوحيد والرسالة والحشر وقرره ووعظ وزجر قال لنبيه ليقول ~~للناس : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } PageV25P082 أي إني جئت ~~بالرسالة وقلت إنها من الله وهذا كلام الله ، وأنتم كذبتموني فالحال دائر ~~بين أمرين ، أما أنا مفتر متنبىء إن كان هذا من عند غير الله أو أنتم ~~مكذبون بالحق إن كان من عنده لكني ms7222 معترف بالعذاب الدائم عارف به فلا أقدم ~~على الافتراء لأن { جهنم مثوى للكافرين } ( الزمر : 32 ) والمتنبىء كافر ، ~~وأنتم كذبتموني فجهنم مثواكم إذ هي مثوى للكافرين ، وهذا حيئنذ يكون كقوله ~~تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) . # ! 7 < { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } . > ~~7 ! # < < # | العنكبوت : ( 69 ) والذين جاهدوا فينا . . . . . # > > لما فرغ من التقرير والتقريع ولم يؤمن الكفار سلى قلوب المؤمنين ~~بقوله : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } أي من جاهد بالطاعة هداه ~~سبل الجنة { وإن الله لمع المحسنين } إشارة إلى ما قال : { للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة } فقوله : { لنهدينهم } إشارة إلى الحسنى وقوله : { وإن الله ~~لمع المحسنين } إشارة إلى المعية والقربة التي تكون للمحسن زيادة على ~~حسناته ، وفيه وجه آخر حكمي وهو أن يكون المعنى { والذين جاهدوا فينا } أي ~~الذين نظروا في دلائلنا { لنهدينهم سبلنا } أي لنحصل فيهم العلم بنا . ~~ولنبين هذا فضل بيان ، فنقول أصحابنا المتكلمون قالوا إن النظر كالشرط ~~للعلم الاستدلالي والله يخلق في الناظر علما عقيب نظره ووافقهم الفلاسفة ~~على ذلك في المعنى وقالوا النظر معد للنفس لقبول الصورة المعقولة ، وإذا ~~استعدت النفس حصل لها العلم من فيض واهب الصور الجسمانية والعقلية ، وعلى ~~هذا يكون الترتيب حسنا ، وذلك لأن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم تفدهم ~~العلم والإيمان قال : إنهم لم ينظروا فلم يهتدوا وإنما هو هدى للمتقين ~~الذين يتقون التعصب والعناد فينظرون فيهديهم وقوله : { وإن الله لمع ~~المحسنين } إشارة إلى درجة أعلى من الاستدلال كأنه تعالى قال من الناس من ~~يكون بعيدا لا يتقرب وهم الكفار ، ومنهم من يتقرب بالنظر والسلوك فيهديهم ~~ويقربهم ومنهم من يكون الله معه ويكون قريبا منه يعلم الأشياء منه ولا ~~يعلمه من الأشياء ، ومن يكون مع الشيء كيف يطلبه فقوله : { ومن أظلم } ~~إشارة إلى الأول وقوله : { والذين جاهدوا فينا } إشارة إلى الثاني وقوله : ~~{ وإن الله لمع المحسنين } إشارة إلى الثالث . # والله أعلم بأسرار كتابه ، والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد ~~النبي وآله وصحبه ms7223 أجمعين . # PageV25P083 < # > 1 ( سورة الروم ) 1 < # > # ستون آية مكية ( إلا آية 17 فمدنية ، نزلت بعد الانشقاق ) # ! 7 < {الم* غلبت الروم * فىأدنى الا رض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * فى ~~بضع سنين لله الا مر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 1 - 4 ) الم # > > # / وجه تعلق أول هذه السورة بما قبلها يتبين منه سبب النزول ، فنقول لما ~~قال الله تعالى في السورة المتقدمة { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى ~~أحسن } ( العنكبوت : 46 ) وكان يجادل المشركين بنسبتهم إلى عدم العقل كما ~~في قوله : { صم بكم عمى فهم لا يعقلون } ( البقرة : 171 ) وكان أهل الكتاب ~~يوافقون النبي في الإله كما قال : { وإلاهنا وإلاهكم واحد } ( العنكبوت : ~~46 ) وكانوا يؤمنون بكثير مما يقوله بل كثير منهم كانوا مؤمنين به كما قال ~~: { والذين ءاتيناهم الكتاب * يؤمنون به } ( العنكبوت : 47 ) أي أبغض ~~المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم وكانوا من قبل يراجعونهم في الأمور ، ~~فلما وقعت الكرة عليهم حين قاتلهم الفرس المجوس فرح المشركون بذلك ، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق ، بل الله تعالى قد ~~يريد مزيد ثواب في المحب فيبتليه ويسلط عليه الأعادي ، وقد يختار تعجيل ~~العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر قبل يوم الميعاد للمعادي ، وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : ما الحكمة في افتتاح هذه السورة بحروف التهجي ؟ فنقول ~~قد سبق منا أن كل سورة افتتحت بحروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو ~~التنزيل أو القرآن كما في قوله تعالى : { الم * ذالك الكتاب } ( البقرة : 1 ~~، 2 ) ، { المص * كتاب } ( الأعراف : 1 ) ، { طه * ما أنزلنا عليك القرءان ~~} ( طه : 1 ، 2 ) ، { الم * تنزيل الكتاب } { حم * تنزيل من الرحمان الرحيم ~~} ( فصلت : 2 ) ، { يس * والقرءان } ( يس : 1 ، 2 ) ، { ص والقرءان } ( ص : ~~1 ) إلا هذه السورة وسورتين أخريين ذكرناهما في العنكبوت وقد ذكرنا ما ~~الحكمة فيهما في موضعهما PageV25P084 فنقول ما يتعلق بهذه السور وهو أن ~~السورة التي في أوائلها التنزيل والكتاب والقرآن في أوائلها ذكر ما هو ~~معجزة فقدمت عليها الحروف على ما ms7224 تقدم بيانه في العنكبوت وهذه ذكر في أولها ~~ما هو معجزة وهو الإخبار عن الغيب ، فقدمت الحروف التي لا يعلم معناها ~~ليتنبه السامع فيقبل بقلبه على الاستماع ، ثم ترد عليه المعجزة وتقرع ~~الأسماع . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { فى أدنى الارض } أي أرض العرب ، لأن ~~الألف واللام / للتعريف والمعهود عندهم أرضهم وقوله تعالى : { وهم من بعد ~~غلبهم } أية فائدة في ذكره مع أن قوله : { سيغلبون } بعد قوله : { غلبت ~~الروم } لا يكون إلا من بعد الغلبة ؟ فنقول الفائدة فيه إظهار القدرة وبيان ~~أن ذلك بأمر الله لأن من غلب بعد غلبه لا يكون إلا ضعيفا ، فلو كان غلبتهم ~~لشوكتهم لكان الواجب أن يغلبوا قبل غلبهم فإذا غلبوا بعدما غلبوا ، دل على ~~أن ذلك بأمر الله ، فذكر من بعد غلبهم ليتفكروا في ضعفهم ويتذكروا أنه ليس ~~بزحفهم ، وإنما ذلك بأمر الله تعالى وقوله : { فى أدنى الارض } لبيان شدة ~~ضعفهم ، أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في ~~بلادهم ثم غلبوا حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هناك الرومية لبيان أن هذه ~~الغلبة العظيمة بعد ذلك الضعف العظيم بإذن الله . # المسألة الثالثة : قال تعالى : { فى بضع سنين } قيل هي ما بين الثلاثة ~~والعشرة ، أبهم الوقت مع أن المعجزة في تعيين الوقت أتم فنقول السنة والشهر ~~واليوم والساعة كلها معلومة عند الله تعالى وبينها لنبيه وما أذن له في ~~إظهارها لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد النائية تكون ~~معلومة الوقوع بحيث لا يمكن إنكارها لكن وقتها يمكن الاختلاف فيه فالمعاند ~~كان يتمكن من أن يرجف بوقوع الواقعة قبل الوقوع ليحصل الخلف في كلامه ولما ~~وردت الآية ذكر أبو بكر رضي الله عنه أن الروم ستغلب وأنكره أبي بن خلف ~~وغيره / وناحبوا أبا بكر أي خاطروه على عشرة قلائص إلى ثلاث سنين فقال عليه ~~السلام لأبي بكر البضع ما بين الثلاثة والعشرة فزايده في الإبل وماده في ~~الأجل فجعلا القلائص مائة والأجل سبعا ، وهذا يدل على علم النبي عليه ms7225 ~~السلام بوقت الغلبة . # ( قوله تعالى : { لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون } ) . # ثم قال تعالى : { لله الامر من قبل ومن بعد } أي من قبل الغلبة ومن بعدها ~~أو من قبل هذه المدة ومن بعدها ، يعني إن أراد غلبهم غلبهم قبل بضع سنين ~~وإن أراد غلبهم غلبهم بعدها ، وما قدر هذه المدة لعجز وإنما هي إرادة نافذة ~~، وبنيا على الضم لما قطعا عن الإضافة لأن غير الضمة من الفتحة والكسرة ~~يشتبه بما يدخل عليهما وهو النصب والجر ، أما النصب ففي قولك جئت قبله أو ~~بعده ، وأما الجر ففي قولك من قبله ومن بعده فنيا على الضم لعدم دخول ~~مثلهما عليه في الإعراب وهو الرفع { ويومئذ يفرح المؤمنون } قيل يفرحون ~~بغلبة الروم على الفرس كما فرح المشركون بغلبة الفرس على الروم ، والأصح ~~أنهم يفرحون بغلبتهم المشركين وذلك لأن غلبة الروم كانت يوم غلبة المسلمين ~~المشركين ببدر ، ولو كان المراد ما ذكروه لما صح لأن في ذلك اليوم بعينه لم ~~يصل إليهم خبر الكسر فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده . # PageV25P085 ! 7 < { بنصر الله ينصر من يشآء وهو العزيز الرحيم * وعد ~~الله لا يخلف الله وعده ولاكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من ~~الحيواة الدنيا وهم عن الا خرة هم غافلون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 5 - 8 ) بنصر الله ينصر . . . . . # > > # / قوله تعالى : { بنصر الله ينصر من يشاء } قدم المصدر على الفعل حيث قال ~~: { بنصر الله ينصر } ( الأنفال : 62 ) وقدم الفعل على المصدر في قوله : { ~~يؤيد بنصره } وذلك لأن المقصود ههنا بيان أن النصرة بيد الله إن أراد نصر ~~وإن لم يرد لا ينصر ، وليس المقصود النصرة ووقوعها والمقصود هناك إظهار ~~النعمة عليه بأنه نصره ، فالمقصود هناك الفعل ووقوعه فقدم هناك الفعل ، ثم ~~بين أن ذلك الفعل مصدره عند الله ، والمقصود ههنا كون المصدر عند الله إن ~~أراد فعل فقدم المصدر . # ثم قال تعالى : { وهو العزيز الرحيم } ذكر من أسمائه هذين الإسمين لأنه ~~إن لم ينصر المحب بل سلط العدو عليه فذلك ms7226 لعزته وعدم افتقاره ، وإن نصر ~~المحب فذلك لرحمته عليه ، أو نقول إن نصر الله المحب فلعزته واستغنائه عن ~~العدو ورحمته على المحب ، وإن لم ينصر المحب فلعزته واستغنائه عن المحب ~~ورحمته في الآخرة واصلة إليه . # ثم قال تعالى : { وعد الله لا يخلف الله وعده } يعني سيغلبون وعدهم الله ~~وعدا ووعد الله لا خلف فيه ، قوله تعالى : { ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } ~~أي لا يعلمون وعده وأنه لا خلف في وعده . # ثم قال تعالى : { يعلمون ظاهرا من الحيواة الدنيا } يعني علمهم منحصر في ~~الدنيا وأيضا لا يعلمون الدنيا كما هي وإنما يعلمون ظاهرها وهي ملاذها ~~وملاعبها ، ولا يعلمون باطنها وهي مضارها ومتاعبها ويعلمون وجودها الظاهر ، ~~ولا يعلمون فناءها { وهم عن الاخرة هم غافلون } والمعنى هم عن الآخرة ~~غافلون ، وذكرت هم الثانية لتفيد أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكر حاصلة ~~وهذا كما يقول القائل لغيره غفلت عن أمري ، فإذا قال هو شغلني فلان فيقول ~~ما شغلك ولكن أنت اشتغلت . # ! 7 < { أولم يتفكروا فىأنفسهم ما خلق الله السماوات والا رض وما بينهمآ ~~إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقآء ربهم لكافرون } . > 7 ! # / قوله تعالى : { أو لم * يتفكروا فى أنفسهم } لما صدر من الكفار الإنكار ~~بالله عند إنكار وعد الله وعدم الخلف فيه كما قال تعالى : { ولاكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } ( الأعراف : 187 ) والإنكار بالحشر كما قال تعالى : { ~~وهم عن الاخرة هم غافلون } ( الروم : 7 ) بين أن الغفلة وعدم العلم منهم ~~بتقدير الله وإلا فأسباب التذكر حاصلة وهو ( أن ) أنفسهم لو تفكروا فيها ~~لعلموا وحدانية الله وصدقوا بالحشر ، أما الوحدانية فلأن الله خلقهم على ~~PageV25P086 أحسن تقويم ، ولنذكر من حسن خلقهم جزأ من ألف ألف جزء وهو أن ~~الله تعالى خلق للإنسان معدة فيها ينهضم غذاؤه لتقوى به أعضاؤه ولها منفذان ~~أحدهما لدخول الطعام فيه ، والآخر لخروج الطعام منه ، فإذا دخل الطعام فيها ~~انطبق المنفذ الآخر بعضه على بعض بحيث لا يخرج منه ذرة ولا بالرشح ، وتمسكه ~~الماسكة إلى أن ينضج نضجا صالحا ms7227 ، ثم يخرج من المنفذ الآخر ، وخلق تحت ~~المعدة عروقا دقاقا صلابا كالمصفاة التي يصفى بها الشيء فينزل منها الصافي ~~إلى الكبد وينصب الثفل إلى معى مخلوق تحت المعدة مستقيم متوجها إلى الخروج ~~، وما يدخل في الكبد من العروق المذكورة يسمى الماساريقا بالعبرية ، ~~والعبرية عربية مفسودة في الأكثر ، يقال لموسى ميشا وللاله إيل إلى غير ذلك ~~، فالماساريقا معناها ماساريق اشتمل عليه الكبد وأنضجه نضجا آخر ، ويكون مع ~~الغذاء المتوجه من المعدة إلى الكبد فضل ماء مشروب ليرقق وينذرق في العروق ~~الدقاق المذكورة ، وفي الكبد يستغني عن ذلك الماء فيتميز عنه ذلك الماء ~~وينصب من جانب حدبة الكبد إلى الكلية ومعه دم يسير تغتذي به الكلية وغيرها ~~، ويخرج الدم الخالص من الكبد في عرق كبير ، ثم يتشعب ذلك النهر إلى جداول ~~، والجداول إلى سواق ، والسواقي إلى رواضع ويصل فيها إلى جميع البدن ، فهذه ~~حكمة واحدة في خلق الإنسان ، وهذه كفاية في معرفة كون الله فاعلا مختارا ~~قادرا كاملا عالما شاملا علمه ، ومن يكون كذلك يكون واحدا وإلا لكان عاجزا ~~عند إرادة شريكه ضد ما أراده . وأما دلالة الإنسان على الحشر فذلك لأنه إذا ~~تفكر في نفسه يرى قواه صائرة إلى الزوال ، وأجزاءه مائلة إلى الانحلال فله ~~فناء ضروري ، فلو لم يكن له حياة أخرى لكان خلقه على هذا الوجه للفناء عبثا ~~، وإليه أشار بقوله : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } ( المؤمنون : 115 ) ~~وهذا ظاهر ، لأن من يفعل شيئا للعبث فلو بالغ في إحكامه وإتقانه يضحك منه ، ~~فإذا خلقه للبقاء ولا بقاء دون اللقاء فالآخرة لا بد منها ، ثم إنه تعالى ~~ذكر بعد دليل الأنفس دليل الآفاق فقال : { ما خلق الله * السماوات والارض * ~~وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى } ( الروم : 8 ) فقوله : { إلا بالحق } ~~إشارة إلى وجه دلالتها على الوحدانية ، وقد بينا ذلك في قوله : { خلق الله ~~السماوات والارض بالحق إن * فى ذلك لآية للمؤمنين } ( العنكبوت : 44 ) ~~ونعيده فإن التكرير في الذهن يفيد التقرير لذي الذهن ، فنقول إذا كان بالحق ~~لا يكون فيها بطلان / فلا ms7228 يكون فيها فساد لأن كل فاسد باطل وإذا لم يكن ~~فيها فساد لا تكون آلهة وإلا لكان فيها فساد كما قال تعالى : { لو كان ~~فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) وقوله : { وأجل مسمى } ~~يذكر بالأصل الآخر الذي أنكروه . # ثم قال تعالى : { وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون } يعني لا ~~يعلمون أنه لا بد بعد هذه الحياة من لقاء وبقاء إما في إسعاد أو شقاء ، وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : قدم ههنا دلائل الأنفس على دلائل الآفاق ، وفي قوله ~~تعالى : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } ( فصلت : 53 ) قدم دلائل ~~الآفاق ، وذلك لأن المفيد إذا أفاد فائدة يذكرها على وجه جيد يختاره فإن ~~فهمه السامع المستفيد فذلك وإلا يذكرها على وجه أبين منه وينزل درجة فدرجة ~~، وأما المستفيد فإنه يفهم أولا الأبين ، ثم يرتقي إلى فهم ذلك الأخفى الذي ~~لم يكن فهمه فيفهمه بعد فهم الأبين المذكور آخرا ، فالمذكور من المفيد آخرا ~~مفهوم عند السامع أولا ، إذا علم هذا فنقول ههنا الفعل كان منسوبا إلى ~~السامع حيث قال : { أولم يتفكروا فى أنفسهم } يعني فيما فهموه أولا ولم ~~يرتقوا إلى ما فهموه ثانيا ، وأما في قوله : { سنريهم } الأمر منسوب إلى ~~المفيد المسمع فذكر أولا : الآفاق فإن لم يفهموه فالأنفس لأن دلائل الأنفس ~~PageV25P087 لا ذهول للإنسان عنها ، وهذا الترتيب مراعى في قوله تعالى : { ~~الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } ( آل عمران : 191 ) أي ~~يعلمون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال { ويتفكرون فى خلق * السماوات ~~والارض } بدلائل الآفاق . # المسألة الثانية : وجه دلالة الخلق بالحق على الوحدانية ظاهر ، وأما وجه ~~دلالته على الحشر فكيف هو ؟ فنقول وقوع تخريب السموات وعدمها لا يعلم ~~بالعقل إلا إمكانه ، وأما وقوعه فلا يعلم إلا بالسمع ، لأن الله قادر على ~~إبقاء الحادث أبدا كما أنه يبقى الجنة والنار بعد إحداثهما أبدا ، والخلق ~~دليل إمكان العدم ، لأن المخلوق لم يجب له القدم فجاز عليه العدم ، فإذا ~~أخبر الصادق عن أمر له إمكان وجب على العاقل التصديق والإذعان ، ولأن ms7229 ~~العالم لما كان خلقه بالحق فينبغي أن يكون بعد هذه الحياة حياة أخرى باقية ~~لأن هذه الحياة ليست إلا لعبا ولهوا كما بين بقوله تعالى : { وما هاذه ~~الحيواة الدنيا إلا لهو ولعب } ( العنبكوت : 64 ) وخلق السموات والأرض للهو ~~واللعب عبث ، والعبث ليس بحق وخلق السموات والأرض بالحق فلا بد من حياة بعد ~~هذه . # المسألة الثالثة : قال ههنا : { كثيرا من الناس } وقال من قبل : { ولاكن ~~أكثر الناس } وذلك لأنه من قيل لم يذكر دليلا على الأصلين ، وههنا قد ذكر ~~الدلائل الواضحة والبراهين اللائحة ولا شك في أن الإيمان بعد الدليل أكثر ~~من الإيمان قبل الدليل ، فبعد الدلائل لا بد من أن يؤمن من ذلك الأكثر جمع ~~فلا يبقى الأكثر كما هو ، فقال بعد إقامة الدليل { وإن كثيرا } وقبله { ~~ولاكن أكثرهم } ثم بعد الدليل الذي لا يمكن الذهول عنه ، والدليل الذي لا ~~يقع الذهول عنه وإن إمكن هو السموات والأرض لأن من البعيد أن يذهل الإنسان ~~عن السماء التي فوقه والأرض التي تحته ، ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمر ~~أمثالهم وحكاية أشكالهم . # ! 7 < { أولم يسيروا فى الا رض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الا رض وعمروهآ أكثر مما عمروها وجآءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولاكن كانوا أنفسهم يظلمون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 9 ) أو لم يسيروا . . . . . # > > # / وقال في الدليلين المتقدمين : { أولم يروا } ولم يقل : { أولم يسيروا } ~~إذ لا حاجة هناك إلى السير بحضور النفس والسماء والأرض وقال ههنا : { أولم ~~يسيروا * فينظروا } ذكرهم بحال أمثالهم ووبال أشكالهم ، ثم ذكر أنهم أولى ~~بالهلاك لأن من تقدم من عاد وثمود كانوا أشد منهم قوة ولم تنفعهم قواهم ~~وكانوا PageV25P088 أكثر مالا وعمارة ، ولم يمنع عنهم الهلاك أموالهم ~~وحصونهم ، واعلم أن اعتماد الإنسان على ثلاثة أشياء قوة جسمية فيه أو في ~~أعوانه إذ بها المباشرة وقوة مالية إذ بها التأهب للمباشرة ، وقوة ظهرية ~~يستند إليها عند الضعف والفتور وهي بالحصون والعمائر ، فقال تعالى : كانوا ~~أشد منهم قوة في الجسم ms7230 وأكثر منهم مالا لأنهم أثاروا الأرض أي حرثوها ، ~~ومنه بقرة تثير الأرض ، وقيل منه سمي ثورا ، وأنتم لا حراثة لكم فأموالهم ~~كانت أكثر ، وعمارتهم كانت أكثر لأن أبنيتهم كانت رفيعة وحصونهم منيعة ، ~~وعمارة أهل مكة كانت يسيرة ثم هؤلاء جاءتهم رسلهم بالبينات وأمروهم ونهوهم ~~، فلما كذبوا أهلكوا فكيف أنتم ، وقوله : { فما كان الله ليظلمهم } يعني لم ~~يظلمهم بالتكليف ، فإن التكليف شريف لا يؤثر له إلا محل شريف ولكن هم ظلموا ~~أنفسهم بوضعها في موضع خسيس ، وهو عبادة الأصنام واتباع إبليس ، فكأن الله ~~بالتكليف وضعهم فيما خلقوا له وهو الربح ، لأنه تعالى قال خلقتكم لتربحوا ~~علي لا لأربح عليكم ، والوضع في ( أي ) موضع كان الخلق له ليس بظلم ، وأما ~~هم فوضعوا أنفسهم في مواضع الخسران ولم يكونوا خلقوا إلا للربح فهم كانوا ~~ظالمين ، وهذا الكلام منا وإن كان في الظاهر يشبه كلام المعتزلة لكن العاقل ~~يعلم كيف يقوله أهل السنة ، وهو أن هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته ، ~~لكنه كان منهم ومضافا إليهم . # ! 7 < { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بأايات الله وكانوا ~~بها يستهزئون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 10 ) ثم كان عاقبة . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ثم كان عاقبة الذين أساءوا * يظلمون * ثم كان عاقبة ~~الذين أساءوا السوءى أن } / كما قال : { للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : 26 ~~) وقوله تعالى : { أن كذبوا } قيل معناه بأن كذبوا أي كان عاقبتهم ذلك بسبب ~~أنهم كذبوا ، وقيل معناه أساءوا وكذبوا فكذبوا يكون تفسيرا لأساؤا وفي هذه ~~الآية لطائف إحداها : قال في حق الذين أحسنوا : { للذين أحسنوا الحسنى } ~~وقال في حق من أساء : { ثم كان عاقبة الذين } إشارة إلى أن الجنة لهم من ~~ابتداء الأمر فإن الحسنى اسم الجنة والسوآى اسم النار ، فإذا كانت الجنة ~~لهم ومن الابتداء ، ومن له شيء كلما يزداد وينمو فيه فهو له ، لأن ملك ~~الأصل يوجب ملك الثمرة ، فالجنة من حيث خلقت تربو وتنمو للمحسنين ، وأما ~~الذين أساؤا ، فالسوآى وهي جهنم في العاقبة مصيرهم إليها الثانية : ذكر ~~الزيادة في حق المحسن ولم ms7231 يذكر الزيادة في حق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة ~~مثلها الثالثة : لم يذكر في المحسن أن له الحسنى بأنه صدق ، وذكر في ~~المسيىء أن له السوأى بأنه كذب ، لأن الحسنى للمحسنين فضل والمتفضل لو لم ~~يكن تفضله لسبب يكون أبلغ ، وأما السوآى للمسيىء عدل والعادل إذا لم يكن ~~تعذيبه لسبب لا يكون عدلا فذكر السبب في التعذيب وهو الإصرار على التكذيب ، ~~ولم يذكر السبب في الثواب . # ! 7 < { الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 11 ) الله يبدأ الخلق . . . . . # > > لما ذكر أن عاقبتهم إلى الجحيم وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر ~~لم يتركه دعوى بلا بينة فقال يبدأ الخلق ، يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا ~~يعجز عن الرجعة والإعادة فإليه ترجعون ، ثم بين ما يكون وقت الرجوع إليه ~~فقال : # ! 7 < { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون * ولم يكن لهم من شركآئهم شفعاء ~~وكانوا بشركآئهم كافرين } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 12 - 13 ) ويوم تقوم الساعة . . . . . # > > في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم ، والإبلاس يأس مع حيرة ، ~~يعني يوم تقوم الساعة يكون للمجرم يأس محير لا يأس هو إحدى الراحتين ، وهذا ~~لأن الطمع إذا انقطع باليأس فإذا كان المرجو أمرا غير PageV25P089 ضروري ~~يستريح الطامع من الانتظار وإن كان ضروريا بالإبقاء له بوونه ينفطر فؤاده ~~أشد انفطار ، ومثل هذا اليأس هو الإبلاس ولنبين حال المجرم وإبلاسه بمثال ، ~~وهو أن نقول مثله مثل من يكون في بستان وحواليه الملاعب والملاهي ، ولديه ~~ما يفتخر به ويباهي ، فيخبره صادق بمجيء عدو لا يرده راد ، ولا يصده صاد ، ~~إذا جاءه لا يبلعه ريقا ، ولا يترك له إلى الخلاص طريقا ، فيتحتم عليه ~~الاشتغال بسلوك طريق الخلاص فيقول له طفل أو / مجنون إن هذه الشجرة التي ~~أنت تحتها لها من الخواص دفع الأعادي عمن يكون تحتها ، فيقبل ذلك الغافل ~~على استيفائه ملاذه معتمدا على الشجرة بقول ذلك الصبي فيجيئه العدو ويحيط ~~به ، فأول ما يريه من الأهوال قلع تلك الشجرة فيبقى متحيرا آيسا ، مفتقرا ، ~~فكذلك المجرم في دار الدنيا ms7232 أقبل على استيفاء اللذات وأخبره النبي الصادق ~~بأن الله يجزيه ، ويأتيه عذاب يخزيه ، فقال له الشيطان والنفس الأمارة ~~بالسوء إن هذه الأخشاب التي هي الأوثان دافعة عنك كل بأس ، وشافعة لك عند ~~خمود الحواس ، فاشتغل بما هو فيه واستمر على غيه حتى إذا جاءته الطامة ~~الكبرى فأول ما أرته إلقاء الأصنام في النار فلا يجد إلى الخلاص من طريق ، ~~ويحق عليه عذاب الحريق ، فييأس حينئذ أي إياس ويبلس أشد إبلاس . وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى : { يبلس المجرمون ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء ~~وكانوا بشركائهم كافرين } ( الروم : 13 ) يعني يكفرون بهم ذلك اليوم . # ! 7 < { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 14 ) ويوم تقوم الساعة . . . . . # > > ثم بين أمرا آخر يكون في ذلك اليوم وهو الافتراق كما قال تعالى في ~~آية أخرى : { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } فكأن هذه الحالة مترتبة على ~~الإبلاس ، فكأنه أولا يبلس ثم يميز ويجعل فريق في الجنة وفريق في السعير ، ~~وأعاد قوله : { ويوم تقوم الساعة } لأن قيام الساعة أمر هائل فكرره تأكيدا ~~للتخويف ، ومنه اعتاد الخطباء تكرير يوم القيامة في الخطب لتذكير أهواله . # ! 7 < { فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون } . > 7 ~~@QB@ < # | الروم : ( 15 ) فأما الذين آمنوا . . . . . # > > # ثم بين كيفية التفرق فقال تعالى : { فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~فهم فى روضة يحبرون } أي في جنة يسرون بكل مسرة . # ! 7 < { وأما الذين كفروا وكذبوا بأاياتنا ولقآء الاخرة فأولائك فى ~~العذاب محضرون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 16 ) وأما الذين كفروا . . . . . # > > # يعني لا غيبة لهم عنه ولا فتور له عندهم كما قال تعالى : { كلما أرادوا ~~أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها } وقال : { لا يخفف عنهم العذاب } ( آل ~~عمران : 88 ) وفي الآيتين مسائل فيها لطائف : # المسألة الأولى : بدأ بذكر حال الذين آمنوا مع أن الموضع موضع ذكر ~~المجرمين ، وذلك لأن المؤمن يوصل إليه الثواب قبل أن يوصل إلى الكافر ~~العقاب حتى يرى ويتحقق أن المؤمن وصل إلى الثواب قبل أن يوصل إلى الكافر ~~العقاب حتى يرى ويتحقق أن المؤمن وصل إلى ms7233 الثواب فيكون أنكى ، ولو أدخل ~~الكافر النار أولا لكان يظن أن الكل في العذاب مشتركون ، فقدم ذلك زيادة في ~~إيلامهم . PageV25P090 # / المسألة الثانية : ذكر في المؤمن العمل الصالح ولم يذكر في الكافر ~~العمل السيىء ، لأن العمل الصالح معتبر مع الإيمان ، فإن الإيمان المجرد ~~مفيد للنجاة دون رفع الدرجات ولا يبلغ المؤمن الدرجة العالية إلا بإيمانه ~~وعمله الصالح ، وأما الكافر فهو في الدركات بمجرد كفره فلو قال : والذين ~~كفروا وعملوا السيئات في العذاب محضرون ، لكان العذاب لمن يصدر منه المجموع ~~، فإن قيل فمن يؤمن ويعمل السيئات غير مذكور في القسمين ، فنقول له منزلة ~~بين المنزلتين لا على ما يقوله المعتزلة ، بل هو في الأول في العذاب ولكن ~~ليس من المحضرين دوام الحضور ، وفي الآخرة هو في الرياض ولكنه ليس من ~~المحبورين غاية الحبور كل ذلك بحكم الوعد . # المسألة الثالثة : قال في الأول { فى روضة } على التنكير ، وقال في الآخر ~~في العذاب على التعريف ، لتعظيم الروضة بالتنكير ، كما يقال لفلان مال وجاه ~~، أي كثير وعظيم . # المسألة الرابعة : قال في الأول : { يحبرون } بصيغة الفعل ولم يقل ~~محبورون ، وقال في الآخر : { محضرون } بصيغة الاسم ولم يقل يحضرون ، لأن ~~الفعل ينبىء عن التجدد والاسم لا يدل عليه فقوله : { يحبرون } يعني يأتيهم ~~كل ساعة أمر يسرون به . وأما الكفار فهم إذا دخلوا العذاب يبقون فيه محضرين ~~. # ! 7 < { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد فى السماوات والا ~~رض وعشيا وحين تظهرون * يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ويحى الا ~~رض بعد موتها وكذلك تخرجون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 17 - 19 ) فسبحان الله حين . . . . . # > > لما بين الله تعالى عظمته في الابتداء بقوله : { ما خلق الله * ~~السماوات والارض * وما بينهما إلا بالحق } ( الروم : 8 ) وعظمته في ~~الانتهاء ، وهو حين تقوم الساعة ويفترق الناس فريقين ، ويحكم على البعض بأن ~~هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي ، أمر بتنزيهه عن كل ~~سوء ويحمده على كل حال فقال : { فسبحان الله } أي سبحوا الله تسبيحا ، وفي ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى ms7234 : في معنى سبحان الله ولفظه ، أما لفظه ففعلان اسم للمصدر ~~الذي هو التسبيح ، سمي التسبيح بسبحان وجعل علما له . وأما المعنى فقال بعض ~~المفسرين : المراد منه الصلاة ، أي صلوا ، وذكروا أنه أشار إلى الصلوات ~~الخمس ، وقال بعضهم أراد به التنزيه ، أي نزهوه عن / صفات النقص وصفوه ~~بصفات الكمال ، وهذا أقوى والمصير إليه أولى ، لأنه يتضمن الأول وذلك لأن ~~التنزيه المأمور به يتناول التنزيه بالقلب ، وهو الإعتقاد الجازم وباللسان ~~مع ذلك ، وهو الذكر الحسن وبالأركان معهما جميعا وهو العمل الصالح ، والأول ~~هو الأصل ، والثاني ثمرة الأول والثالث ثمرة الثاني ، وذلك لأن الإنسان إذا ~~اعتقد شيئا ظهر PageV25P091 من قلبه على لسانه ، وإذا قال ظهر صدقه في ~~مقاله من أحواله وأفعاله ، واللسان ترجمان الجنان والأركان برهان اللسان ، ~~لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان ، وهي مشتملة على الذكر باللسان والقصد ~~بالجنان ، وهو تنزيه في التحقيق ، فإذا قال نزهوني ، وهذا نوع من أنواع ~~التنزيه ، والأمر المطلق لا يختص بنوع دون نوع فيجب حمله على كل ما هو ~~تنزيه فيكون أيضا هذا أمرا بالصلاة ، ثم إن قولنا يناسب ما تقدم ، وذلك لأن ~~الله تعالى لما بين أن المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل الصالحات ~~حيث قال : { فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون } ( ~~الروم : 15 ) قال : إذا علمتم أن ذلك المقام لمن آمن وعمل الصالحات ~~والإيمان تنزيه بالجنان وتوحيد باللسان والعمل الصالح استعمال الأركان ~~والكل تنزيهات وتحميدات ، فسبحان الله أي فأتوا بذلك الذي هو الموصل إلى ~~الحبور في الرياض ، والحضور على الحياض . # المسألة الثانية : خص بعض الأوقات بالأمر بالتسبيح وذلك لأن أفضل الأعمال ~~أدومها ، لكن أفضل الملائكة ملازمون للتسبيح على الدوام كما قال تعالى : { ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ( الأنبياء : 20 ) والإنسان ما دام في ~~الدنيا لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته إلى التسبيح ، لكونه محتاجا إلى أكل ~~وشرب وتحصيل مأكول ومشروب وملبوس ومركوب فأشار الله تعالى إلى أوقات إذا ~~أتى العبد بتسبيح الله فيها يكون كأنه لم يفتر وهي الأول والآخر والوسط أول ms7235 ~~النهار وآخره ووسطه فأمر بالتسبيح في أول الليل ووسطه ، ولم يأمر بالتسبيح ~~في آخر الليل لأن النوم فيه غالب والله من على عباده بالاستراحة بالنوم ، ~~كما قال : { ومن ءاياته منامكم باليل } ( الروم : 23 ) فإذا صلى في أول ~~النهار تسبيحتين وهما ركعتان حسب له صرف ساعتين إلى التسبيح ، ثم إذا صلى ~~أربع ركعات وقت الظهر حسب له صرف أربع ساعات أخر فصارت ست ساعات ، وإذا صلى ~~أربعا في أواخر النهار وهو العصر حسب له أربع أخرى فصارت عشر ساعات ، فإذا ~~صلى المغرب والعشاء سبع ركعات أخر حصل له صرف سبع عشرة ساعة إلى التسبيح ~~وبقي من الليل والنهار سبع ساعات وهي ما بين نصف الليل وثلثيه لأن ثلثيه ~~ثمان ساعات ونصفه ست ساعات وما بينهما السبع / وهذا القدر لو نام الإنسان ~~فيه لكان كثيرا وإليه أشار تعالى بقوله : { قم اليل إلا قليلا * نصفه أو ~~انقص منه قليلا * أو زد عليه } ( المزمل : 2 4 ) وزيادة القليل على النصف ~~هي ساعة فيصير سبع ساعات مصروفة إلى النوم والنائم مرفوع عنه القلم ، فيقول ~~الله عبدي صرف جميع أوقات تكليفه في تسبيحي فلم يبق لكم أيها الملائكة ~~عليهم المزية التي ادعيتم بقولكم : { نحن * نسبح بحمدك ونقدس لك } ( البقرة ~~: 30 ) على سبيل الانحصار بل هم مثلكم / فمقامهم مثل مقامكم في أعلى عليين ~~، واعلم أن في وضع الصلاة في أوقاتها وعدد ركعاتها واختلاف هيئاتها حكمة ~~بالغة ، أما في عدد الركعات فما تقدم من كون الإنسان يقظان في سبع عشرة ~~ساعة ففرض عليه سبع عشرة ركعة ، وأما على مذهب أبي حنيفة حيث قال بوجوب ~~الوتر ثلاث ركعات وهو أقرب للتقوى ، فنقول هو مأخوذ من أن الإنسان ينبغي أن ~~يقلل نومه فلا ينام إلا ثلث الليل مأخوذا من قوله تعالى : { إن ربك يعلم ~~أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ونصفه وثلثه } ويفهم من هذا أن قيام ثلثي الليل ~~مستحسن مستحب مؤكد باستحباب ولهذا قال عقيبه : { علم أن لن تحصوه فتاب ~~عليكم } ( المزمل : 20 ) ذكر بلفظ التوبة ، وإذا كان كذلك ms7236 يكون الإنسان ~~يقظان في عشرين ساعة فأمر بعشرين ركعة ، وأما النبي عليه السلام فلما كان ~~من شأنه أن لا ينام أصلا كما قال : ( تنام عيناي ولا ينام قلبي ) جعل له كل ~~الليل كالنهار فزيد له التهجد فأمر به ، وإلى هذا أشار تعالى في قوله : { ~~ومن اليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا } ( الإنسان : 26 ) أي كل الليل لك ~~PageV25P092 للتسبيح فصار هو في أربع وعشرين ساعة مسبحا ، فصار من الذين لا ~~يفترون طرفة عين ، وأما في أوقاته فما تقدم أيضا أن الأول والآخر والوسط هو ~~المعتبر فشرع التسبيح في أول النهار وآخره ، وأما الليل فاعتبر أوله ووسطه ~~كما اعتبر أول النهار ووسطه ، وذلك لأن الظهر وقته نصف النهار والعشاء وقته ~~نصف الليل لأنا بينا أن الليل المعتبر هو المقدار الذي يكون الإنسان فيه ~~يقظان وهو مقدار خمس ساعات فجعل وقته في نصف هذا القدر وهو الثلاثة من ~~الليل ، وأما أبو حنيفة لما رأى وجوب الوتر كان زمان النوم عنده أربع ساعات ~~وزمان اليقظة بالليل ثمان ساعات وأخر وقت العشاء الآخرة إلى الرابعة ~~والخامسة ، ليكون في وسط الليل المعتبر ، كما أن الظهر في وسط النهار ، ~~وأما النبي صلى الله عليه وسلم لما كان ليله نهارا ونومه انتباها قال : ( ~~لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وتأخير العشاء إلى نصف الليل ) ليكون ~~الأربع في نصف الليل كما أن الأربع في نصف النهار ، وأما التفصيل فالذي ~~يتبين لي أن النهار اثنتا عشرة ساعة زمانية والصلاة المؤداة فيها عشر ركعات ~~فيبقى على المكلف ركعتان يؤديهما في أول الليل ويؤدي ركعة من صلاة الليل ~~ليكون ابتداء الليل بالتسبيح كما كان ابتداء النهار بالتسبيح ، ولما كان ~~المؤدى من تسبيح النهار في أوله ركعتين كان المؤدى من تسبيح الليل في أوله ~~ركعة لأن سبح النهار طويل مثل ضعف سبح الليل ، لأن المؤدى في النهار عشرة ~~والمؤدى في الليل من تسبيح الليل خمس . # المسألة الثانية : في فضيلة السبحلة والحمدلة في المساء والصباح ، ~~ولنذكرها من حيث النقل والعقل ، أما النقل فأخبرني ms7237 الشيخ الورع الحافظ ~~الأستاذ عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بحلب مسندا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لبعض أصحابه : ( أتعجز عن أن تأتي وقت النوم بألف حسنة ؟ ~~فتوقف فقال النبي عليه السلام : قل سبحان الله والحمد لله والله أكبر مائة ~~مرة يكتب لك بها ألف حسنة ) وسمعته يقول رحمه الله مسندا ( من قال خلف كل ~~صلاة مكتوبة عشر مرات سبحان الله وعشر / مرات الله أكبر أدخل الجنة ) وأما ~~العقل فهو أن الله تعالى له صفات لازمة لا من فعله وصفات ثابتة له من فعله ~~/ أما الأولى فهي صفات كمال وجلال خلافها نقص ، فإذا أدرك المكلف الله بأنه ~~لا يجوز أن يخفي عليه شيء لكونه عالما بكل شيء فقد نزهه عن الجهل ووصفه ~~بضده ، وإذا عرفه بأنه لا يعجز عن شيء لكونه قادرا على كل شيء فقد نزهه عن ~~العجز ، وإذا علم أنه لا يجري في ملكه إلا ما يشاء لكونه مريدا لكل كائن ~~فقد وصفه ونزهه ، وإذا ظهر له أنه لا يجوز عليه الفناء لكونه واجب البقاء ~~فقد نزهه ، وإذا بان له أنه لا يسبقه العدم لاتصافه بالقدم فقد نزهه ، وإذا ~~لاح له أنه لا يجوز أن يكون عرضا أو جسما أو في مكان لكونه واجبا بريئا عن ~~جهات الإمكان فقد نزهه . لكن صفاته السلبية والإضافية لا يعدها عاد ولو ~~اشتغل بها واحد لأفنى فيها عمره ولا يدرك كنهها . فإذا قال قائل مستحضرا ~~بقلبه سبحان الله متنبها لما يقوله من كونه منزها له عن كل نقص فإتيانه ~~بالتسبيح على هذا الوجه من الإجمال يقوم مقام إتيانه به على سبيل التفصيل ، ~~لكن لا ريب في أن من أتى بالتسبيح عن كل واحد على حدة مما لا يجوز على الله ~~يكون قد أتى بما لا تفي به الأعمار ، فيقول هذا العبد أتى بتسبيحي طول عمره ~~ومدة بقائه فأجازيه بأن أطهره عن كل ذنب وأزينه بخلع الكرامة وأنزله بدار ~~المقامة مدة لا انتهاء لها ، وكما أن العبد ينزه الله ms7238 في أول النهار وآخره ~~ووسطه ، فإن الله تعالى يطهره في أوله وهو دنياه وفي آخره وهو عقباه وفي ~~وسطه وهو حالة كونه في قبره الذي يحويه إلى أوان حشره وهو مغناه . وأما ~~الثانية وهو صفات الفعل فالإنسان إذا نظر إلى خلق الله السموات يعلم أنها ~~نعمة وكرامة PageV25P093 فيقول الحمد لله ، فإذا رأى الشمس فيها بازغة ~~فيعلم أنها نعمة وكرامة فيقول الحمد لله ، وكذلك القمر وكل كوكب والأرض وكل ~~نبات وكل حيوان يقول الحمد لله ، لكن الإنسان لو حمد الله على كل شيء على ~~حدة لا يفي عمره به ، فإذا استحضر في ذهنه النعم التي لا تعد كما قال تعالى ~~: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) ويقول الحمد لله على ~~ذلك فهذا الحمد على وجه الإجمال يقوم منه مقام الحمد على سبيل التفصيل ، ~~ويقول عبدي استغرق عمره في حمدي وأنا وعدت الشاكر بالزيادة فله علي حسنة ~~التسبيح الحسنى وله على حمده الزيادة ثم إن الإنسان إذا استغرق في صفات ~~الله قد يدعوه عقله إلى التفكر في الله تعالى بعد التفكر في آلاء الله ، ~~فكل ما يقع في عقله من حقيقته فينبغي أن يقول الله أكبر مما أدركه ، لأن ~~المدركات وجهات الإدراكات لا نهاية لها ، فإن أراد أن يقول على سبيل ~~التفصيل الله أكبر من هذا الذي أدركته من هذا الوجه وأكبر مما أدركته من ~~ذلك الوجه وأكبر مما أدركته من وجه آخر يفني عمره ولا يفي بإدراك جميع ~~الوجوه التي يظن الظان أنه مدرك لله بذلك الوجه ، فإذا قال مع نفسه الله ~~أكبر أي من كل ما أتصوره بقوة عقلي وطاقة إدراكي يكون متوغلا في العرفان ~~وإليه الإشارة بقوله : # العجز عن درك الإدراك إدراك # فقول القائل المستيقظ : ( سبحان الله والحمد لله والله أكبر ) مفيد لهذه ~~الفوائد ، لكن شرطه / أن يكون كلاما معتبرا وهو الذي يكون من صميم القلب لا ~~الذي يكون من طرف اللسان . # المسألة الرابعة : قوله : { وعشيا } عطف على { حين } أي سبحوه حين تمسون ~~وحين تصبحون وعشيا ، وقوله ms7239 : { وله الحمد فى * السماوات والارض } كلام ~~معترض بين المعطوف والمعطوف عليه وفيه لطيفة وهو أن الله تعالى لما أمر ~~العباد بالتسبيح كأنه بين لهم أن تسبيحهم الله لنفعهم لا لنفع يعود على ~~الله فعليهم أن يحمدوا الله إذا سبحوه وهذا كما في قوله تعالى : { يمنون ~~عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للايمان } ( الحجرات : 17 ) . # المسألة الخامسة : قدم الإمساء على الإصباح ههنا وأخره في قوله : { ~~وسبحوه بكرة وأصيلا } ( الأحزاب : 42 ) وذلك لأن ههنا أول الكلام ذكر الحشر ~~والإعادة من قوله : { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } ( الروم : 11 ) إلى قوله ~~: { فأولئك فى العذاب محضرون } ( الروم : 16 ) وآخر هذه الآية أيضا ذكر ~~الحشر والإعادة بقوله : { وكذلك تخرجون } والإمساء آخر فذكر الآخر ليذكر ~~الآخرة . # المسألة السادسة : في تعلق إخراج الحي من الميت والميت من الحي بما تقدم ~~عليه هو أن عند الإصباح يخرج الإنسان من شبه الموت وهو النوم إلى شبه ~~الوجود وهو اليقظة ، وعند العشاء يخرج الإنسان من اليقظة إلى النوم ، ~~واختلف المفسرون في قوله : { يخرج الحى من الميت } فقال أكثرهم : يخرج ~~الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة ، وكذلك الحيوان من النطفة والنطفة ~~من الحيوان ، وقال بعضهم المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ، ويمكن أن ~~يقال المراد : { يخرج الحى من الميت } أي اليقظان من النائم والنائم من ~~اليقظان ، وهذا يكون قد ذكره للتمثيل أي إحياء الميت عنده وإماتة الحي ~~كتنبيه النائم وتنويم المنتبه . # ثم قال تعالى : { يخرج الحى من الميت ويخرج الميت } وفي هذا معنى لطيف ~~وهو أن الإنسان بالموت تبطل حيوانيته وأما نفسه الناطقة فتفارقه وتبقى بعده ~~كما قال تعالى : { ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا } ~~PageV25P094 ( آل عمران : 169 ) لكن الحيوان نام متحرك حساس لكن النائم لا ~~يتحرك ولا يحس والأرض الميتة لا يكون فيها نماء ، ثم إن النائم بالانتباه ~~يتحرك ويحس والأرض الميتة بعد موتها تنمو بنباتها فكما أن تحريك ذلك الساكن ~~وإنماء هذا الواقف سهل على الله تعالى كذلك إحياء ms7240 الميت سهل عليه وإلى هذا ~~أشار بقوله : { وكذلك تخرجون } . # ! 7 < { ومن ءاياته أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 20 ) ومن آياته أن . . . . . # > > لما أمر الله تعالى بالتسبيح عن الأسواء وذكر أن الحمد له على خلق ~~جميع الأشياء وبين قدرته على الإماتة والإحياء بقوله : { فسبحان الله } إلى ~~قوله : { وكذلك تخرجون } ( الروم : 16 20 ) ذكر ما هو حجة ظاهرة وآية / ~~باهرة على ذلك ومن جملتها خلق الإنسان من تراب وتقريره هو أن التراب أبعد ~~الأشياء عن درجة الأحياء ، وذلك من حيث كيفيته فإنه بارد يابس والحياة ~~بالحرارة والرطوبة ، ومن حيث لونه فإنه كدر والروح نير ، ومن حيث فعله فإنه ~~ثقيل والأرواح التي بها الحياة خفيفة ، ومن حيث السكون فإنه بعيد عن الحركة ~~والحيوان يتحرك يمنة ويسرة وإلى خلف وإلى قدام وإلى فوق وإلى أسفل ، وفي ~~الجملة فالتراب أبعد من قبول الحياة عن سائر الأجسام لأن العناصر أبعد من ~~المركبات لأن المركب بالتركيب أقرب درجة من الحيوان والعناصر أبعدها التراب ~~لأن الماء فيه الصفاء والرطوبة والحركة وكلها على طبع الأرواح والنار أقرب ~~لأنها كالحرارة الغريزية منضجة جامعة مفرقة ثم المركبات وأول مراتبها ~~المعدن فإنه ممتزج ، وله مراتب أعلاها الذهب وهو قريب من أدنى مراتب النبات ~~وهي مرتبة النبات الذي ينبت في الأرض ولا يبرز ولا يرتفع ، ثم النباتات ~~وأعلى مراتبها وهي مرتبة الأشجار التي تقبل التعظيم ، ويكون لثمرها حب يؤخذ ~~منه مثل تلك الشجرة كالبيضة من الدجاجة والدجاجة من البيضة قريبة من أدنى ~~مراتب الحيوانات وهي مرتبة الحشرات التي ليس لها دم سائل ولا هي إلى ~~المنافع الجليلة وسائل كالنباتات ، ثم الحيوان وأعلى مراتبها قريبة من ~~مرتبة الإنسان فإن الأنعام ولا سيما الفرس تشبه العتال والحمال والساعي ، ~~ثم الإنسان ، وأعلى مراتب الإنسان قريبة من مرتبة الملائكة المسبحين لله ~~الحامدين له فالله الذي خلق من أبعد الأشياء عن مرتبة الأحياء حيا هو في ~~أعلى المراتب لا يكون إلا منزها عن العجز والجهل ، ويكون له الحمد على ~~إنعام الحياة ، ويكون ms7241 له كمال القدرة ونفوذ الإرادة فيجوز منه الإبداء ~~والإعادة ، وفي الآية لطيفتان إحداهما : قوله : { إذا } وهي للمفاجأة يقال ~~خرجت فإذا أسد بالباب وهو إشارة إلى أن الله تعالى خلقه من تراب بكن فكان ~~لا أنه صار معدنا ثم نباتا ثم حيوانا ثم إنسانا وهذا إشارة إلى مسألة حكمية ~~، وهي أن الله تعالى يخلق أولا إنسانا فينبهه أنه يحيي حيوانا وناميا وغير ~~ذلك لا أنه خلق أولا حيوانا ، ثم يجعله إنسانا فخلق الأنواع هو المراد ~~الأول ، ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى ، فالله تعالى ~~جعل المرتبة الأخيرة في الشيء البعيد عنها غاية من غير انتقال من مرتبة إلى ~~مرتبة من المراتب التي ذكرناها اللطيفة الثانية : قوله : { بشر } إشارة إلى ~~القوة المدركة لأن البشر بشر لا بحركته ، فإن غيره من الحيوانات أيضا كذلك ~~وقوله : { تنتشرون } إلى القوة المحركة وكلاهما من التراب عجيب ، أما ~~الإدراك فلكثافته وجموده ، وأما الحركة فلثقله وخموده وقوله : { تنتشرون } ~~إشارة إلى أن العجيبة غير مختص PageV25P095 بخلق الإنسان من التراب بل خلق ~~الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب فضلا عن خلق البشر ، وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : وهي أن الله خلق آدم من تراب وخلقنا منه فكيف قال : { ~~خلقكم من تراب } نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : ما قيل إن المراد من ~~قوله : { خلقكم } أنه خلق أصلكم والثاني : أن نقول : إن كل بشر مخلوق من ~~التراب ، أما آدم فظاهر ، وأما نحن فلأنا خلقنا من / نطفة والنطفة من صالح ~~الغذاء الذي هو بالقوة بعض من الأعضاء / والغذاء إما من لحوم الحيوانات ~~وألبانها وأسمانها ، وإما من النبات والحيوان أيضا له غذاء هو النبات لكن ~~النبات من التراب ، فإن الحبة من الحنطة والنواة من الثمرة لا تصير شجرة ~~إلا بالتراب وينضم إليها أجزاء مائية ليصير ذلك النبات بحيث يغذو . # المسألة الثانية : قال تعالى في موضع آخر : { خلق من الماء بشرا } ( ~~الفرقان : 2 ) وقال : { من ماء مهين } ( المرسلات : 20 ) وههنا قال من : { ~~تراب } فكيف الجمع ؟ قلنا أما على الجواب الأول : فالسؤال زائل ms7242 ، فإن ~~المراد منه آدم ، وأما على الثاني : فنقول ههنا قال ما هو أصل أول ، وفي ~~ذلك الموضع قال ما هو أصل ثان لأن ذلك التراب الذي صار غذاء يصير مائعا وهو ~~المني ، ثم ينعقد ويتكون بخلق الله منه إنسانا أو نقول الإنسان له أصلان ~~ظاهران الماء والتراب فإن التراب لا ينبت إلا بالماء ففي النبات الذي هو ~~أصل غذاء الإنسان تراب وماء فإن جعل التراب أصلا والماء لجمع أجزائه ~~المتفتتة فالأمر كذلك وإن جعل الأصل هو الماء والتراب لتثبيت أجزائه الرطبة ~~من السيلان فالأمر كذلك ، فإن قال قائل الله تعالى يعلم كل شيء فهو يعلم أن ~~الأصل ماذا هو منهما ، وإنما الأمر عندنا مشتبه يجوز هذا وذاك ، فإن كان ~~الأصل هو التراب فكيف قال : { من الماء بشرا } وإن كان الماء فكيف قال : { ~~خلقكم من تراب } وإن كانا هما أصلين فلم لم يقل خلقكم منهما فنقول فيه ~~لطيفة ، وهي أن كون التراب أصلا والماء أصلا والماء ليس لذاتيهما ، وإنما ~~هو يجعل الله تعالى فإن الله نظرا إلى قدرته كان له أن يخلق أول ما يخلق ~~الإنسان ثم يفنيه ويحصل منه التراب ثم يذوبه ويحصل منه الماء ، لكن الحكمة ~~اقتضت أن يكون الناقص وسيلة إلى الكامل لا الكامل يكون وسيلة إلى الناقص ~~فخلق التراب والماء أولا ، وجعلهما أصلين لمن هو أكمل منهما بل للذي هو ~~أكمل من كل كائن وهو الإنسان ، فإن كان كونهما أصلين ليس أمرا ذاتيا لهما ~~بل بجعل جاعل فتارة جعل الأصل التراب وتارة الماء ليعلم أنه بإرادته ~~واختياره ، فإن شاء جعل هذا أصلا وإن شاء جعل ذلك أصلا ، وإن شاء جعلهما ~~أصلين . # المسألة الثالثة : قال الحكماء : إن الإنسان مركب من العناصر الأربعة وهي ~~التراب والماء والهواء والنار ، وقالوا التراب فيه لثباته ، والماء ~~لاستمساكه ، فإن التراب يتفتت بسرعة ، والهواء لاستقلاله كالزق المنفوخ ~~يقوم بالهواء ولولاه لما كان فيه استقلال ولا انتصاب ، والنار للنضج ~~والالتئام بين هذه الأشياء ، فهذا هذا صحيح أم لا ؟ فإن كان صحيحا فكيف ~~اعتبر الأمرين فحسب ms7243 ولم يقل في موضع آخر إنه خلقكم من نار ولا من ريح ؟ ~~فنقول أما قولهم فلا مفسدة فيه من حيث الشرع فلا ننازعهم فيه إلا إذا قالوا ~~بأنه بالطبيعة كذلك ، وأما إن قالوا بأن الله بحكمته خلق الإنسان من هذه ~~الأشياء فلا ننازعهم فيه ، وأما الآيات فنقول ما ذكرتم لا يخالف هذا لأن ~~الهواء جعلتموه للاستقلال والنار للنضج فهما يكونان بعد امتزاج الماء ~~بالتراب ، فالأصل الموجود أولاهما لا غير / فلذلك خصهما ولأن المحسوس من ~~العناصر في الغالب هو التراب والماء ولا سيما كونهما في الإنسان ظاهر لكل ~~أحد فخص الظاهر المحسوس بالذكر . # PageV25P096 ! 7 < { ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا ~~إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لأيات لقوم يتفكرون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 21 ) ومن آياته أن . . . . . # > > لما بين الله خلق الإنسان بين أنه لما خلق الإنسان ولم يكن من ~~الأشياء التي تبقى وتدوم سنين متطاولة أبقى نوعه بالأشخاص وجعله بحيث ~~يتوالد ، فإذا مات الأب يقوم الابن مقامه لئلا يوجب فقد الواحد ثلمة في ~~العمارة لا تنسد ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { خلق لكم } دليل على أن النساء خلقن كخلق ~~الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع ، كما قال تعالى : { خلق لكم ما فى ~~الارض } ( البقرة : 29 ) وهذا يقتضي أن لا تكون مخلوقة للعبادة والتكليف ~~فنقول خلق النساء من النعم علينا وخلقهن لنا وتكليفهن لإتمام النعمة علينا ~~لا لتوجيه التكليف نحوهن مثل توجيهه إلينا وذلك من حيث النقل والحكم ~~والمعنى ، أما النقل فهذا وغيره ، وأما الحكم فلأن المرأة لم تكلف بتكاليف ~~كثيرة كما كلف الرجل بها ، وأما المعنى فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة ~~فشابهت الصبي لكن الصبي ، لم يكلف فكان يناسب أن لا تؤهل المرأة للتكليف ، ~~لكن النعمة علينا ما كانت تتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب ~~فتنقاد للزوج وتمتنع عن المحرم ، ولولا ذلك لظهر الفساد . # المسألة الثانية : قوله : { من أنفسكم } بعضهم قال : المراد منه أن حواء ~~خلقت من جسم آدم والصحيح أن المراد منه من ms7244 جنسكم كما قال تعالى : { لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) ويدل عليه قوله : { لتسكنوا إليها ~~} ( الروم : 21 ) يعني أن الجنسين الحيين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى ~~الآخر أي لا تثبت نفسه معه ولا يميل قلبه إليه . # المسألة الثالثة : يقال سكن إليه للسكون القلبي ويقال سكن عنده للسكون ~~الجسماني ، لأن كلمة عند جاءت لظرف المكان وذلك للأجسام وإلى للغاية وهي ~~للقلوب . # المسألة الرابعة : قوله : { وجعل بينكم مودة ورحمة } فيه أقوال قال بعضهم ~~: مودة بالمجامعة ورحمة بالولد تمسكا بقوله تعالى : { ذكر رحمت ربك عبده ~~زكريا } ( مريم : 2 ) وقال بعضهم محبة حالة حاجة نفسه ، ورحمة حالة حاجة ~~صاحبه إليه ، وهذا لأن الإنسان يحب مثلا ولده ، فإذا رأى عدوه في شدة من ~~جوع وألم قد يأخذ من ولده ويصلح به حال ذلك ، وما ذلك لسبب المحبة وإنما هو ~~لسبب / الرحمة ويمكن أن يقال ذكر من قبل أمرين أحدهما : كون الزوج من جنسه ~~والثاني : ما تفضي إليه الجنسية وهو السكون إليه فالجنسية توجب السكون وذكر ~~ههنا أمرين أحدهما : يفضي إلى الآخر فالمودة تكون أولا ثم إنها تفضي إلى ~~الرحمة ، ولهذا فإن الزوجة قد تخرج عن محل الشهوة بكبر أو مرض ويبقى قيام ~~الزوج بها وبالعكس وقوله : { إن فى ذلك } يحتمل أن يقال المراد إن في خلق ~~الأزواج لآيات ، ويحتمل أن يقال في جعل المودة بينهم آيات أما الأول : فلا ~~بد له من فكر لأن خلق الإنسان من الوالدين يدل على كمال القدرة ونفوذ ~~الإرادة وشمول العلم لمن PageV25P097 يتفكر ولو في خروج الولد من بطن الأم ~~، فإن دون ذلك لو كان من غير الله لأفضى إلى هلاك الأم وهلاك الولد أيضا ~~لأن الولد لو سل من موضع ضيق بغير إعانة الله لمات وأما الثاني : فكذلك لأن ~~الإنسان يجد بين القرينين من التراحم ما لا يجده بين ذوي الأرحام وليس ذلك ~~بمجرد الشهوة فإنها قد تنتفي وتبقى الرحمة فهو من الله ولو كان بينهما مجرد ~~الشهوة والغضب كثير الوقوع وهو مبطل للشهوة والشهوة غير دائمة في ms7245 نفسها ~~لكان كل ساعة بينهما فراق وطلاق فالرحمة التي بها يدفع الإنسان المكاره عن ~~حريم حرمه هي من عند الله ولا يعلم ذلك إلا بفكر . # ! 7 < { ومن ءاياته خلق السماوات والا رض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ~~ذالك لأيات للعالمين } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 22 ) ومن آياته خلق . . . . . # > > لما بين دلائل الأنفس ذكر دلائل الآفاق وأظهرها خلق السموات والأرض ، ~~فإن بعض الكفار يقول في خلق البشر وغيره من المركبات إنه بسبب ما في ~~العناصر من الكيفيات وما في السموات من الحركات وما فيها من الاتصالات فإذا ~~قيل له فالسماء والأرض لم تكن لامتزاج العناصر واتصالات الكواكب فلا يجد ~~بدا من أن يقول ذلك بقدرة الله وإرادته ثم لما أشار إلى دلائل الأنفس ~~والآفاق ذكر ما هو من صفات الأنفس بالاختلاف الذي بين ألوان الإنسان فإن ~~واحدا منهم مع كثرة عددهم وصغر حجم خدودهم وقدودهم لا يشتبه بغيره والسموات ~~مع كبرها وقلة عددها مشتبهات في الصورة والثاني : اختلاف كلامهم فإن عربيين ~~هما أخوان إذا تكلما بلغة واحدة يعرف أحدهما من الآخر حتى أن من يكون ~~محجوبا عنهما لا يبصرهما يقول هذا صوت فلان وهذا صوت فلان الآخر وفيه حكمة ~~بالغة وذلك لأن الإنسان يحتاج إلى التمييز بين الأشخاص ليعرف صاحب الحق من ~~غيره والعدو من الصديق ليحترز قبل وصول العدو إليه ، وليقبل على الصديق قبل ~~أن يفوته الإقبال عليه ، وذلك قد يكون بالبصر فخلق / اختلاف الصور وقد يكون ~~بالسمع فخلق اختلاف الأصوات ، وأما اللمس والشم والذوق فلا يفيد فائدة في ~~معرفة العدو والصديق فلا يقع بها التمييز ، ومن الناس من قال المراد اختلاف ~~اللغة كالعربية والفارسية والرومية وغيرها والأول أصح ، ثم قال تعالى : { ~~لايات للعالمين } لما كان خلق السموات والأرض لم يحتمل الاحتمالات البعيدة ~~التي يقولها أصحاب الطبائع واختلاف الألوان كذلك واختلاف الأصوات كذلك قال ~~: { للعالمين } لعموم العلم بذلك . # ! 7 < { ومن ءاياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم من فضله إن فى ذلك ~~لايات لقوم يسمعون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 23 ) ومن آياته منامكم . . . . . # > > PageV25P098 # لما ذكر بعض ms7246 العرضيات اللازمة وهو اختلاف ذكر الأعراض المفارقة ومن ~~جملتها النوم بالليل والحركة طلبا للرزق بالنهار ، فذكر من اللوازم أمرين ، ~~ومن المفارقة أمرين ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { منامكم باليل والنهار } قيل أراد به النوم ~~بالليل والنوم بالنهار وهي القيلولة : ثم قال : { وابتغاؤكم } أي فيهما فإن ~~كثيرا ما يكتسب الإنسان بالليل ، وقيل أراد منامكم بالليل وابتغاؤكم ~~بالنهار فلف البعض بالبعض ، ويدل عليه آيات أخر . منها قوله تعالى : { ~~وجعلنا اليل والنهار ءايتين فمحونا ءاية } ( الإسراء : 12 ) وقوله : { ~~وجعلنا اليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا } ( النبأ : 10 ، 11 ) ويكون ~~التقدير هكذا : ومن آياته منامكم وابتغاؤكم بالليل والنهار من فضله ، فأخر ~~الابتغاء وقرته في اللفظ بالفعل إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق ~~من كسبه وبحذقه ، بل يرى كل ذلك من فضل ربه ، ولهذا قرن الابتغاء بالفضل في ~~كثير من المواضع ، منها قوله تعالى : { فإذا قضيت الصلواة فانتشروا فى ~~الارض وابتغوا من فضل الله } ( الجمعة : 10 ) وقوله : { ولتبتغوا من فضله } ~~( النحل : 14 ) . # المسألة الثانية : قدم المنام بالليل على الابتغاء بالنهار في الذكر ، ~~لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة ، فلا يتعب إلا ~~محتاج في الحال أو خائف من المآل . # المسألة الثالثة : قال : { لقوم يعقلون * يسمعون } وقال من قبل : { لقوم ~~يتفكرون } وقال : { للعالمين } فنقول المنام بالليل والابتغاء من فضله يظن ~~الجاهل أو الغافل أنهما مما يقتضيه طبع الحيوان فلا يظهر لكل أحد كونهما من ~~نعم الله فلم يقل آيات للعالمين ولأن الأمرين الأولين وهو اختلاف الألسنة ~~والألوان من اللوازم والمنام والابتغاء من الأمور المفارقة فالنظر إليهما ~~لا يدوم لزوالهما في بعض الأوقات ولا كذلك اختلاف الألسنة والألوان ، ~~فإنهما يدومان بدوام الإنسان / فجعلهما آيات عامة ، وأما قوله : { لقوم ~~يتفكرون } فاعلم أن من الأشياء ما يعلم من غير تفكر ، ومنها ما يكفي فيه ~~مجرد الفكرة ، ومنها ما لا يخرج بالفكر بل يحتاج إلى موقف يوقف عليه ومرشد ~~يرشد إليه ، فيفهمه إذا سمعه من ذلك المرشد ، ومنها ما يحتاج إلى بعض الناس ~~في تفهمه ms7247 إلى أمثلة حسية كالأشكال الهندسية لكن خلق الأزواج لا يقع لأحد ~~أنه بالطبع إلا إذا كان جامد الفكر خامد الذكر ، فإذا تفكر علم كون ذلك ~~الخلق آية ، وأما المنام والابتغاء فقد يقع لكثير أنهما من أفعال العباد ، ~~وقد يحتاج إلى مرشد بغير فكرة ، فقال : { لقوم يسمعون } ويجعلون بالهم إلى ~~كلام المرشد . # ! 7 < { ومن ءاياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السمآء مآء فيحى به ~~الا رض بعد موتها إن فى ذلك لايات لقوم يعقلون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 24 ) ومن آياته يريكم . . . . . # > > لما ذكر العرضيات التي للأنفس اللازمة والمفارقة ذكر العرضيات التي ~~للآفاق ، وقال : { يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : لما قدم دلائل الأنفس ههنا قدم العرضيات التي للأنفس ~~وأخر العرضيات التي للآفاق كما أخر دلائل الآفاق ، بقوله : { ومن ءاياته ~~خلق * السماوات والارض } ( الروم : 22 ) . # المسألة الثانية : قدم لوازم الأنفس على العوارض المفارقة حيث ذكر أولا ~~اختلاف الألسنة والألوان ثم PageV25P099 المنام والابتغاء ، وقدم في الآفاق ~~العوارض المفارقة على اللوازم حيث قال : { يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل } ~~وذلك لأن الإنسان متغير الحال والعوارض له غير بعيدة ، وأما اللوازم فيه ~~فقريبة . وأما السموات والأرض فقليلة التغير فالعوارض فيها أغرب من اللوازم ~~، فقدم ما هو أعجب لكونه أدخل في كونه آية ونزيده بيانا فنقول : الإنسان ~~يتغير حاله بالكبر والصغر والصحة والسقم وله صوت يعرف به لا يتغير وله لون ~~يتميز عن غيره ، وهو يتغير في الأحوال وذلك لا يتغير وهو آية عجيبة ، ~~والسماء والأرض ثابتان لا يتغيران ، ثم يرى في بعض الأحوال أمطار هاطلة ~~وبروق هائلة ، والسماء كما كانت والأرض كذلك ، فهو آية دالة على فاعل مختار ~~يديم أمرا مع تغير المحل ويزيل أمرا مع ثبات المحل . # المسألة الثالثة : كما قدم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو ~~البرق والمطر على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء . # المسألة الرابعة : كما أن في إنزال المطر وإنبات الشجر منافع ، كذلك في ~~تقدم البرق والرعد على المطر منفعة ، وذلك ms7248 لأن البرق إذا لاح ، فالذي لا ~~يكون تحت كن يخاف الابتلال / فيستعد له ، والذي له صهريج أو مصنع يحتاج إلى ~~الماء أو زرع يسوي مجاري الماء ، وأيضا العرب من أهل البوادي فلا يعلمون ~~البلاد المعشبة إن لم يكونوا قد رأوا البروق اللائحة من جانب دون جانب ، ~~واعلم أن فوائد البرق وإن لم تظهر للمقيمين بالبلاد فهي ظاهرة للبادين ~~ولهذا جعل تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة ، وآية ، وأما كونه ~~آية فظاهر فإن في السحاب ليس إلا ماء وهواء وخروج النار منها بحيث تحرق ~~الجبال في غاية البعد فلا بد له من خالق هو الله ، قالت الفلاسفة السحاب ~~فيه كثافة ولطافة بالنسبة إلى الهواء والماء . فالهواء ألطف منه والماء ~~أكثف فإذا هبت ريح قوية تخرق السحاب بعنف فيحدث صوت الرعد ويخرج منه النار ~~كمساس جسم جسما بعنف ، وهذا كما أن النار تخرج من وقوع الحجر على الحديد ~~فإن قال قائل الحجر والحديد جسمان صلبان والسحاب والريح جسمان رطبان ، ~~فيقولون لكن حركة يد الإنسان ضعيفة وحركة الريح قوية تقلع الأشجار ، فنقول ~~لهم البرق والرعد أمران حادثان لا بد لهما من سبب ، وقد علم بالبرهان كون ~~كل حادث من الله فهما من الله ، ثم إنا نقول هب أن الأمر كما تقولون فهبوب ~~تلك الريح القوية من الأمور الحادثة العجيبة لا بد من سبب وينتهي إلى واجب ~~الوجود ، فهو آية للعاقل على قدرة الله كيفما فرضتم ذلك . # المسألة الخامسة : قال ههنا : { لقوم يعقلون } لما كان حدوث الولد من ~~الوالد أمرا عاديا مطردا قليل الاختلاف كان يتطرق إلى الأوهام العامية أن ~~ذلك بالطبيعة ، لأن المطرد أقرب إلى الطبيعة من المختلف ، لكن البرق والمطر ~~ليس أمرا مطردا غير متخلف إذ يقع ببلدة دون بلدة وفي وقت دون وقت وتارة ~~تكون قوية وتارة تكون ضعيفة فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار / ~~فقال هو آية لمن له عقل إن لم يتفكر تفكرا تاما . # ! 7 < { ومن ءاياته أن تقوم السمآء والا رض بأمره ثم إذا ms7249 دعاكم دعوة من ~~الا رض إذآ أنتم تخرجون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 25 ) ومن آياته أن . . . . . # > > PageV25P100 # لما ذكر من العوارض التي للسماء والأرض بعضها ، ذكر من لوازمها البعض وهي ~~قيامها ، فإن الأرض لثقلها يتعجب الإنسان من وقوفها وعدم نزولها وكون ~~السماء يتعجب من علوها وثباتها من غير عمد ، وهذا من اللوازم ، فإن الأرض ~~لا تخرج عن مكانها الذي هي فيه والسماء كذلك لا تخرج عن مكانها الذي هي فيه ~~فإن قيل إنها تتحرك في مكانها كالرحى ولكن اتفق العقلاء على أنها في مكانها ~~لا تخرج عنه ، وهذه آية ظاهرة لأن كونهما في الموضع الذي هما فيه وعلى ~~الموضع / الذي هما عليه من الأمور الممكنة ، وكونهما في غير ذلك الموضع ~~جائز ، فكان يمكن أن يخرجا منه فلما لم يخرجا كان ذلك ترجيحا للجائز على ~~غيره ، وذلك لا يكون إلا بفاعل مختار ، والفلاسفة قالوا كون الأرض في ~~المكان الذي هي فيه طبيعي لها لأنها أثقل الأشياء والثقيل يطلب المركز ~~والخفيف يطلب المحيط والسماء كونها في مكانها إن كانت ذات مكان فلذاتها ~~فقيامهما فيهما بطبعهما ، فنقول قد تقدم مرارا أن القول بالطبيعة باطل ، ~~والذي نزيده ههنا أنكم وافقتمونا بأن ما جاز على أحد المثلين جاز على المثل ~~الآخر ، لكن مقعر الفلك لا يخالف محدبه في الطبع فيجوز حصول مقعره في موضع ~~محدبة ، وذلك بالخروج والزوال فإذن الزوال عن المكان ممكن لا سيما على ~~السماء الدنيا فإنها محددة الجهات على مذهبكم أيضا والأرض كانت تجوز عليها ~~الحركة الدورية ، كما تقولون على السماء فعدمها وسكونها ليس إلا بفاعل ~~مختار وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكر الله من كل باب أمرين ، أما من الأنفس فقوله : { ~~خلق لكم } استدل بخلق الزوجين ومن الآفاق السماء والأرض في قوله : { خلق * ~~السماوات والارض } ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان واختلاف الألوان ومن ~~عوارضه المنام والابتغاء ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار ومن لوازمها ~~قيام السماء وقيام الأرض ، لأن الواحد يكفي للإقرار بالحق والثاني : يفيد ~~الاستقرار بالحق ، ومن هذا اعتبر شهادة شاهدين فإن قول أحدهما ms7250 يفيد الظن ~~وقول الآخر يفيد تأكيده ولهذا قال إبراهيم عليه السلام : { بلى ولاكن ~~ليطمئن قلبى } ( البقرة : 260 ) . # المسألة الثانية : قوله : { بأمره } أي بقوله : قوما أو بإرادته قيامهما ~~، وذلك لأن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة ، وعندنا ليس كذلك ولكن ~~النزاع في الأمر الذي للتكليف لا في الأمر الذي للتكوين ، فإنا لا ننازعهم ~~في أن قوله : { كن } و { كونوا } { قلنا يانار كونى } موافق للإرادة . # المسألة الثالثة : قال ههنا : { ومن ءاياته أن تقوم } وقال قبله : { ومن ~~ءاياته يريكم } ولم يقل أن يريكم ، وإن قال بعض المفسرين إن أن مضمرة هناك ~~معناه من آياته أن يريكم ليصير كالمصدر بأن ، وذلك لأن القيام لما كان غير ~~متغير أخرج الفعل بأن عن الفعل المستقبل وجعله مصدرا ، لأن المستقبل ينبىء ~~عن التجدد ، وفي البرق لما كان ذلك من الأمور التي تتجدد في زمان دون زمان ~~ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه شيئا من الحروف المصدرية . # المسألة الرابعة : ذكر ستة دلائل ، وذكر في أربعة منها إن في ذلك لآيات ، ~~ولم يذكر في الأول وهو قوله : { ومن ءاياته أن خلقكم من تراب } ( الروم : ~~20 ) ولا في الآخر وهو قوله : { ومن ءاياته أن تقوم السماء والارض } ( ~~الروم : 25 ) أما في الأول فلأن قوله بعده : { ومن ءاياته أن خلق لكم } ~~أيضا دليل الأنفس / فخلق الأنفس وخلق الأزواج من باب واحد ، PageV25P101 ~~على ما بينا ، غير أنه تعالى ذكر من كل باب أمرين للتقرير بالتكرير ، فإذا ~~قال : { إن فى ذلك لايات } كان عائدا إليهما ، وأما في قيام السماء والأرض ~~فنقول في الآيات السماوية ذكر أنها آيات للعالمين ولقوم يعقلون لظهورها / ~~فلما كان في أول الأمر ظاهرا ففي آخر الأمر بعد سرد الدلائل يكون أظهر ، ~~فلم يميز أحدا عن أحد في ذلك ، وذكر ما هو مدلوله وهو قدرته على الإعادة ، ~~وقال : { ثم إذا دعاكم دعوة من الارض إذا أنتم تخرجون } وفيها مسائل : # المسألة الأولى : ما وجه العطف يتم ، وبم تعلق ثم ؟ فنقول معناه والله ~~أعلم إنه تعالى إذا بين لكم كمال قدرته بهذه الآيات ms7251 بعد ذلك يخبركم ويعلمكم ~~أنه إذا قال للعظام الرميمة اخرجوا من الأجداث يخرجون أحياء . # المسألة الثانية : قول القائل دعا فلان فلانا من الجبل يحتمل أن يكون ~~الدعاء من الجبل كما يقول القائل يا فلان إصعد إلى الجبل ، فيقال دعاه من ~~الجبل ويحتمل أن يكون المدعو يدعى من الجبل كما يقول القائل يا فلان انزل ~~من الجبل ، فيقال دعاه من الجبل ، ولا يخفى على العاقل أن الدعاء لا يكون ~~من الأرض إذا كان الداعي هو الله ، فالمدعو يدعى من الأرض يعني أنتم تكونون ~~في الأرض فيدعوكم منها فتخرجون . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { إذا أنتم } قد بينا أنه للمفاجأة يعني ~~يكون ذلك بكن فيكون . # المسألة الرابعة : قال ههنا إذا أنتم تخرجون ، وقال في خلق الإنسان أولا ~~: { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } ( الروم : 20 ) فنقول هناك يكون خلق وتقدير ~~وتدريج وتراخ حتى يصير التراب قابلا للحياة فينفخ فيه روحه ، فإذا هو بشر ، ~~وأما في الإعادة لا يكون تدريج وتراخ بل يكون نداء وخروج ، فلم يقل ههنا ثم ~~. # ! 7 < { وله من فى السماوات والا رض كل له قانتون * وهو الذى يبدأ الخلق ~~ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى فى السماوات والا رض وهو العزيز ~~الحكيم } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 26 - 27 ) وله من في . . . . . # > > لما ذكر الآيات وكان مدلولها القدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر ، ~~والوحدانية التي هي الأصل الأول ، أشار إليها بقوله : { وله من فى * ~~السماوات والارض } يعني لا شريك له أصلا لأن كل من في السموات وكل من في ~~الأرض ، ونفس السموات والأرض له وملكه ، فكل له منقادون قانتون ، والشريك ~~يكون منازعا مماثلا ، فلا شريك له أصلا ثم ذكر المدلول الآخر ، فقال تعالى ~~: { وهو الذى * يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } أي في نظركم الإعادة ~~أهون من الإبداء / لأن من يفعل فعلا أولا يصعب عليه ، ثم إذا فعل بعد ذلك ~~مثله يكون أهون ، وقيل المراد هو هين عليه كما قيل في قول القائل الله أكبر ~~أي كبير ، وقيل المراد هو ms7252 أهون عليه أي الإعادة أهون على الخالق من الإبداء ~~لأن في البدء يكون علقة ثم مضغة ثم لحما ثم عظما ثم يخلق بشرا ثم يخرج طفلا ~~يترعرع إلى غير ذلك فيصعب عليه ذلك كله ، وأما في الإعادة فيخرج ~~PageV25P102 بشرا سويا بكن فيكون أهون عليه ، والوجه الأول أصح وعليه نتكلم ~~فنقول هو أهون يحتمل أن يكون ذلك لأن في البدء خلق الأجزاء وتأليفها ~~والإعادة تأليف ولا شك أن الأمر الواحد أهون من أمرين ولا يلزم من هذا أن ~~يكون غيره فيه صعوبة ، ولنبين هذا فنقول الهين هو ما لا يتعب فيه الفاعل ، ~~والأهون ما لا يتعب فيه الفاعل بالطريق الأولى ، فإذا قال قائل إن الرجل ~~القوي لا يتعب من نقل شعيرة من موضع إلى موضع وسلم السامع له ذلك ، فإذا ~~قال فكونه لا يتعب من نقل خردلة يكون ذلك كلاما معقولا مبقي على حقيقته . # ثم قال تعالى : { وله المثل الاعلى فى * السماوات والارض * وهو العزيز ~~الحكيم } أي قولنا هو أهون عليه يفهم منه أمران أحدهما : هو ما يكون في ~~الآخر تعب كما يقال إن نقل الخفيف أهون من نقل الثقيل والآخر : هو ما ذكرنا ~~من الأولوية من غير لزوم تعب في الآخر فقوله : { وله المثل الاعلى } إشارة ~~إلى أن كونه أهون بالمعنى الثاني لا يفهم منه الأول وههنا فائدة ذكرها صاحب ~~( الكشاف ) وهي أن الله تعالى قال في موضع آخر : { هو على هين } ( مريم : ~~21 ) وقال ههنا : { هو * أهون عليه } فقدم هناك كلمة على وأخرها هنا ، وذلك ~~لأن المعنى الذي قال هناك إنه هين هو خلق الولد من العجوز وأنه صعب على ~~غيره وليس بهين إلا عليه فقال : { هو على هين } يعني لا على غيري ، وأما ~~ههنا المعنى الذي ذكر أنه أهون هو الإعادة والإعادة على كل مبدىء أهون فقال ~~: وهو أهون عليه لا على سبيل الحصر ، فالتقديم هناك كان للحصر ، وقوله ~~تعالى : { وله المثل الاعلى فى * السماوات والارض } على الوجه الأول وهو ~~قولنا أهون عليه بالنسبة إليكم له معنى وعلى ms7253 الوجه الذي ذكرناه له معنى أما ~~على الوجه الأول فلما قال : { وله المثل الاعلى } وكان ذلك مثلا مضروبا لمن ~~في الأرض من الناس فيفيد ذلك أن له المثل الأعلى من أمثلة الناس وهم أهل ~~الأرض ولا يفيد أن له المثل الأعلى من أمثلة الملائكة فقال : { وله المثل ~~الاعلى فى * السماوات والارض } يعني هذا مثل مضروب لكم { وله المثل الاعلى ~~} من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات ، وأما على الوجه الثاني فمعناه ~~أن له المثل الأعلى أي فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به / لكن ذاته ليس كمثله ~~شيء فله المثل الأعلى وهو منقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وقيل ~~المثل الأعلى أي الصفة العليا وهي لا إله إلا الله ، وقوله تعالى : { وهو ~~العزيز الحكيم } أي كامل القدرة على الممكنات ، شامل العلم بجميع الموجودات ~~، فيعلم الأجزاء في الأمكنة ويقدر على جمعها وتأليفها . # ! 7 < { ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء فى ~~ما رزقناكم فأنتم فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الا يات لقوم ~~يعقلون } . > 7 ! # / < < # | الروم : ( 28 ) ضرب لكم مثلا . . . . . # > > لما بين الإعادة والقدرة عليها بالمثل بعد الدليلين بين الوحدانية ~~أيضا بالمثل بعد الدليل ، ومعناه أن يكون له مملوك لا يكون شريكا له في ~~ماله ولا يكون له حرمة مثل حرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله ~~PageV25P103 شركاء له وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله تعالى حتى ~~يعبدوا ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ينبغي أن يكون بين المثل والممثل به مشابهة ما ، ثم إن ~~كان بينهما مخالفة فقد يكون مؤكدا لمعنى المثل وقد يكون موهنا له وههنا وجه ~~المشابهة معلوم ، وأما المخالفة فموجودة أيضا وهي مؤكدة وذلك من وجوه أحدها ~~: قوله : { من أنفسكم } يعني ضرب لكم مثلا من أنفسكم مع حقارتها ونقصانها ~~وعجزها ، وقاس نفسه عليكم مع عظمها وكمالها وقدرتها وثانيها : قوله : { مما ~~ملكت أيمانكم } يعني عبدكم لكم عليهم ملك اليد وهو طار ( ىء ) قابل للنقل ~~والزوال ms7254 ، أما النقل فبالبيع وغيره والزوال بالعتق ومملوك الله لا خروج له ~~من ملك الله بوجه من الوجوه ، فإذا لم يجز أن يكون مملوك يمينكم شريكا لكم ~~مع أنه يجوز أن يصير مثلكم من جميع الوجوه ، بل هو في الحال مثلكم في ~~الآدمية حتى أنكم ليس لكم تصرف في روحه وآدميته بقتل وقطع وليس لكم منعهم ~~من العبادة وقضاء الحاجة ، فكيف يجوز أن يكون مملوك الله الذي هو مملوكه من ~~جميع الوجوه شريكا له وثالثها : قوله : { من شركاء * فيما * رزقناكم } يعني ~~الذي لكم هو في الحقيقة ليس لكم بل هو من الله ومن رزقه والذي من الله فهو ~~في الحقيقة له فإذا لم يجز أن يكون لكم شريك في مالكم من حيث الاسم ، فكيف ~~يجوز أن يكون له شريك فيما له من حيث الحقيقة وقوله : { فأنتم فيه سواء } ~~أي هل أنتم ومماليككم في شيء مما تملكون سواء ليس كذلك فلا يكون لله شريك ~~في شيء مما يملكه ، لكن كل شيء فهو لله فما تدعون إلهيته لا يملك شيئا أصلا ~~ولا مثقال ذرة من خردل فلا يعبد لعظمته ولا لمنفعة تصل إليكم منه ، وأما ~~قولكم هؤلاء شفعاؤنا فليس كذلك ، لأن المملوك هل له عندكم حرمة كحرمة ~~الأحرار وإذا لم يكن للملوك مع مساواته إياكم في الحقيقة والصفة عندكم حرمة ~~، فكيف يكون حال المماليك الذين لا مساواة بينهم وبين المالك بوجه من / ~~الوجوه وإلى هذا أشار بقوله : { تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } ( الروم : 28 ) ~~. # المسألة الثانية : بهذا نفى جميع وجوه حسن العبادة عن الغير لأن الأغيار ~~إذا لم يصلحوا للشركة فليس لهم ملك ولا ملك ، فلا عظمة لهم حتى يعبدوا ~~لعظمتهم ولا يرتجى منهم منفعة لعدم ملكهم حتى يعبدوا لنفع وليس لهم قوة ~~وقدرة لأنهم عبيد والعبد المملوك لا يقدر على شيء فلا تخافوهم كما تخافون ~~أنفسكم ، فكيف تخافونهم خوفا أكثر من خوفكم بعضا من بعض حتى تعبدوهم للخوف ~~. # ثم قال تعالى : { كذلك نفصل الايات لقوم يعقلون } أي نبينها بالدلائل ~~والبراهين القطعية والأمثلة والمحاكيات الاقناعية ms7255 لقوم يعقلون ، يعني لا ~~يخفى الأمر بعد ذلك إلا على من لا يكون له عقل . # ! 7 < { بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم فمن يهدى من أضل الله وما ~~لهم من ناصرين } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدى من أضل ~~الله وما لهم من ناصرين } < < # | الروم : ( 29 ) بل اتبع الذين . . . . . # > > أي لا يجوز أن يشرك بالمالك مملوكه ولكن الذين أشركوا اتبعوا أهواءهم ~~من غير علم وأثبتوا شركاء من غير PageV25P104 دليل ، ثم بين أن ذلك بإرادة ~~الله بقوله : { فمن يهدى من أضل الله } أي هؤلاء أضلهم الله فلا هادي لهم ، ~~فينبغي أن لا يحزنك قولهم ، وههنا لطيفة وهي أن قوله : { فمن يهدى من أضل ~~الله } مقو لما تقدم وذلك لأنه لما قال لأن الله لا شريك له بوجه ما ثم قال ~~تعالى بل المشركون يشركون من غير علم ، يقال فيه أنت أثبت لهم تصرفا على ~~خلاف رضاه والسيد العزيز هو الذي لا يقدر عبده على تصرف يخالف رضاه ، فقال ~~: إن ذلك ليس باستقلاله بل بإرادة الله وما لهم من ناصرين ، لما تركوا الله ~~تركهم الله ومن أخذوه لا يغني عنهم شيئا فلا ناصر لهم . # ! 7 < { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 30 ) فأقم وجهك للدين . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله } أي إذا تبين الأمر وظهرت الوحدانية ولم يهتد المشرك ~~فلا تلتفت أنت إليهم وأقم وجهك للدين ، وقوله : { فأقم وجهك للدين } أي ~~أقبل بكلك على الدين عبر عن الذات بالوجه كما قال تعالى : { كل شىء هالك ~~إلا وجهه } ( القصص : 88 ) أي ذاته بصفاته ، وقوله : { حنيفا } أي مائلا عن ~~كل ما عداه أي أقبل على الدين ومل عن كل شيء أي لا يكون في قلبك شيء آخر ~~فتعود إليه ، وهذا قريب من معنى قوله : { ولا تكونوا ms7256 من المشركين } ( الروم ~~: 31 ) ثم قال الله تعالى : { عبد الله } أي الزم فطرة الله وهي التوحيد / ~~فإن الله فطر الناس عليه حيث أخذهم من ظهر آدم وسألهم { ألست بربكم } ( ~~الأعراف : 172 ) فقالوا : بلى ، وقوله تعالى : { لا تبديل لخلق الله } فيه ~~وجوه ، قال بعض المفسرين هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن حيث ~~لم يؤمن قومه فقال هم خلقوا للشقاوة ومن كتب شقيا لا يسعد ، وقيل : { لا ~~تبديل لخلق الله } أي الوحدانية مترسخة فيهم لا تغير لها حتى إن سألتهم من ~~خلق السموات والأرض يقولون الله ، لكن الإيمان الفطري غير كاف . ويحتمل أن ~~يقال خلق الله الخلق لعبادته وهم كلهم عبيده لا تبديل لخلق الله أي ليس ~~كونهم عبيدا مثل كون المملوك عبدا لإنسان فإنه ينتقل عنه إلى غيره ويخرج عن ~~ملكه بالعتق بل لا خروج للخلق عن العبادة والعبودية ، وهذا لبيان فساد قول ~~من يقول العبادة لتحصيل الكمال والعبد يكمل بالعبادة فلا يبقى عليه تكليف ، ~~وقول المشركين : إن الناقص لا يصلح لعبادة الله ، وإنما الإنسان عبد ~~الكواكب والكواكب عبيد الله ، وقول النصارى إن عيسى كان يحل الله فيه وصار ~~إلها فقال : { لا تبديل لخلق الله } بل كلهم عبيد لا خروج لهم عن ذلك . # ثم قال تعالى : { ذالك الدين القيم } الذي لا عوج فيه { ولاكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } أن ذلك هو الدين المستقيم . # ! 7 < { منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلواة ولا تكونوا من المشركين * من ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 31 - 32 ) منيبين إليه واتقوه . . . . . # > > لما قال حنيفا أي مائلا عن غيره قال : { منيبين إليه } أي مقبلين ~~عليه ، والخطاب في قوله : { فأقم وجهك } مع النبي والمراد جميع المؤمنين ، ~~وقوله : { واتقوه } يعني إذا أقبلتم عليه وتركتم الدنيا فلا تأمنوا ~~PageV25P105 فتتركوا عبادته بل خافوه وداوموا على العبادة وأقيموا الصلاة ~~أي كونوا عابدين عند حصول القربة كما قلتم قبل ذلك ، ثم إنه تعالى قال : { ~~ولا تكونوا من المشركين } قال المفسرون يعني ولا تشركوا بعد الإيمان ms7257 أي ولا ~~تقصدوا بذلك غير الله ، وههنا وجه آخر وهو أن الله بقوله : { منيبين } أثبت ~~التوحيد الذي هو مخرج عن الإشراك الظاهر وبقوله : { ولا تكونوا من المشركين ~~} أراد إخراج العبد عن الشرك الخفي أي لا تقصدوا بعملكم إلا وجه الله ولا ~~تطلبوا به إلا رضاء الله فإن الدنيا والآخرة تحصيل وإن لم تطلبوها إذا حصل ~~رضا الله وعلى هذا فقوله : { من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } يعني لم ~~يجتمعوا على الإسلام ، وذهب كل أحد إلى مذهب ، ويحتمل أن يقال وكانوا شيعا ~~يعني بعضهم عبد الله للدنيا وبعضهم للجنة وبعضهم / للخلاص من النار ، وكل ~~واحد بما في نظره فرح ، وأما المخلص فلا يفرح بما يكون لديه ، وإنما يكون ~~فرحه بأن يحصل عند الله ويقف بين يديه وذلك لأن كل ما لدينا نافد لقوله ~~تعالى : { ما عندكم ينفد وما عند الله باق } ( النحل : 96 ) فلا مطلوب لكم ~~فيما لديكم حتى تفرحوا به وإنما المطلوب ما لدى الله وبه الفرح كما قال ~~تعالى : { بل أحياء عند ربهم يرزقون } ( آل عمران : 169 ) { فرحين بما ~~ءاتاهم الله من فضله } ( آل عمران : 170 ) جعلهم فرحين بكونهم عند ربهم ~~ويكون ما أوتوا من فضله الذي لا نفاد له ، ولذلك قال تعالى : { قل بفضل ~~الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } ( يونس : 58 ) لا بما عندهم فإن كل ما عند ~~العبد فهو نافد ، أما في الدنيا فظاهر ، وأما في الآخرة فلأن ما وصل إلى ~~العبد من الالتذاذ بالمأكول والمشروب فهو يزول ، ولكن الله يجدد له مثله ~~إلى الأبد من فضله الذي لا نفاد له فالذي لا نفاد له هو فضله . # ! 7 < { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذآ أذاقهم منه رحمة ~~إذا فريق منهم بربهم يشركون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 33 ) وإذا مس الناس . . . . . # > > لما بين التوحيد بالدليل وبالمثل ، بين أن لهم حالة يعرفون بها ، وإن ~~كانوا ينكرونها في وقت وهي حالة الشدة ، فإن عند انقطاع رجائه عن الكل يرجع ~~إلى الله ، ويجد نفسه محتاجة إلى شيء ليس كهذه الأشياء ms7258 طالبة به النجاة { ~~ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون } يعني إذا خلصناه يشرك ~~بربه ويقول تخلصت بسبب اتصال الكوكب الفلاني بفلان ، وبسبب الصنم الفلاني ، ~~لا ، بل ينبغي أن لا يعتقد أنه تخلص بسبب فلان إذا كان ظاهرا فإنه شرك خفي ~~، مثاله رجل في بحر أدركه الغرق فيهيىء له لوحا يسوقه إليه ريح فيتعلق به ~~وينجو ، فيقول تلخصت بلوح ، أو رجل أقبل عليه سبع فيرسل الله إليه رجلا ~~فيعينه فيقول خلصني زيد ، فهذا إذا كان عن اعتقاد فهو شرك خفي ، وإن كان ~~بمعنى أن الله خلصني على يد زيد فهو أخفى ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { أذاقهم } فيه لطيفة وذلك لأن الذوق يقال ~~في القليل فإن العرف ( أن ) من أكل مأكولا كثيرا لا يقول ذقت ، ويقال في ~~النفي ما ذقت في بيته طعاما نفيا للقليل ليلزم نفي الكثير بالأولى ، ثم إن ~~تلك الرحمة لما كانت خالية منقطعة ولم تكن مستمرة في الآخرة إذ لهم في ~~الآخرة عذاب قال أذاقهم PageV25P106 ولهذا قال في العذاب : { ذوقوا مس سقر ~~} ( القمر : 48 ) { ذوقوا ما كنتم تعملون } ( العنكبوت : 55 ) { ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) لأن عذاب الله الواصل إلى العبد بالنسبة ~~إلى الرحمة الواصلة إلى عبيد آخرين في غاية القلة . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { منه } أي من الضر في هذا التخصيص ما ~~ذكرناه من الفائدة وهي أن الرحمة غير مطلقة لهم إنما هي عن ذلك الضر وحده ، ~~وأما الضر المؤخر فلا يذوقون منه رحمة . # / المسألة الثالثة : قال ههنا { إذا فريق منهم } وقال في العنكبوت : { ~~فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } ( العنكبوت : 65 ) ولم يقل فريق وذلك ~~لأن المذكور هناك ضر معين ، وهو ما يكون من هول البحر والمتخلص منه بالنسبة ~~إلى الخلق قليل ، والذي لا يشرك به بعد الخلاص فرقة منهم في غاية القلة فلم ~~يجعل المشركين فريقا لقلة من خرج من المشركين ، وأما المذكور ههنا الضر ~~مطلقا فيتناول ضر البر والبحر والأمراض والأهون والمتخلص من أنواع الضر ms7259 خلق ~~كثير بل جميع الناس يكونون قد وقعوا في ضر ما وتخلصوا منه ، والذي لا يبقى ~~بعد الخلاص مشركا من جميع الأنواع إذا جمع فهو خلق عظيم ، وهو جميع ~~المسلمين فإنهم تخلصوا من ضر ولم يبقوا مشركين ، وأما المسلمون فلم يتخلصوا ~~من ضر البحر بأجمعهم ، فلما كان الناجي من الضر من المؤمنين جمعا كثيرا ، ~~جعل الباقي فريقا . # ! 7 < { ليكفروا بمآ ءاتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون * أم أنزلنا عليهم ~~سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 34 - 35 ) ليكفروا بما آتيناهم . . . . . # > > # قوله تعالى : { ليكفروا بمآ ءاتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون } قد تقدم ~~تفسيره في العنكبوت بقي بيان فائدة الخطاب ههنا في قوله : { فتمتعوا } ~~وعدمه هناك في قوله : { وليتمتعوا فسوف يعلمون } فنقول لما كان الضر ~~المذكور هناك ضرا واحدا جاز أن لا يكون في ذلك الموضع من المخلصين من ذلك ~~الضر أحد ، فلم يخاطب ولما كان المذكور ههنا مطلق الضر ولا يخلو موضع من ~~المخلصين عن الضر ، فالحاضر يصح خطابه بأنه منهم فخاطب . # ثم قال تعالى : { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ~~} لما سبق قوله تعالى : { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم } ( الروم : 29 ) أي ~~المشركون يقولون ما لا علم لهم به بل هم عالمون بخلافه فإنهم وقت الضر ~~يرجعون إلى الله حقق ذلك بالاستفهام بمعنى الانكار ، أي ما أنزلنا بما ~~يقولون سلطانا ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أم للاستفهام ولا يقع إلا متوسطا ، كما قال قائلهم : # % أيا ظبية الوعاء بين جلاجل % % وبين النقا آأنت أم أم سالم % % ~~PageV25P107 # فما الاستفهام الذي قبله ؟ فنقول تقديره إذا ظهرت هذه الحجج على عنادهم ~~فماذا نقول ، أهم يتبعون الأهواء من غير علم ؟ أم لهم دليل على ما يقولون ؟ ~~وليس الثاني فيتعين الأول . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { فهو يتكلم } مجاز كما يقال إن كتابه ~~لينطق بكذا ، وفيه معنى لطيف / وهو أن المتكلم من غير دليل كأنه لا كلام له ~~، لأن الكلام هو المسموع وما لا يقبل فكأنه لم يسمع فكأن المتكلم لم يتكلم ~~به ، وما ms7260 لا دليل عليه لا يقبل ، فإذا جاز سلب الكلام عن المتكلم عند عدم ~~الدليل وحسن جاز إثبات التكلم للدليل وحسن . # ! 7 < { وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم يقنطون * أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إن فى ذلك ~~لأيات لقوم يؤمنون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 36 - 37 ) وإذا أذقنا الناس . . . . . # > > # قوله تعالى : { وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها } لما بين حال المشرك ~~الطاهر شركه بين حال المشرك الذي دونه وهو من تكون عبادته الله للدنيا ، ~~فإذا آتاه رضي وإذا منعه سخط وقنط ولا ينبغي أن يكون العبد كذلك ، بل ينبغي ~~أن يعبد الله في الشدة والرخاء ، فمن الناس من يعبد الله في الشدة كما قال ~~تعالى : { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم } ( الروم : 33 ) ومن الناس من يعبده ~~إذا آتاه نعمة كما قال تعالى : { وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها } والأول ~~كالذي يخدم مكرها مخافة العذاب والثاني كالذي يخدم أجيرا لتوقع الأجر ~~وكلاهما لا يكون من الثبتين في ديوان المرتبين في الجرائد الذين يأخذون ~~رزقهم سواء كان هناك شغل أو لم يكن ، فكذلك القسمان لا يكونان من المؤمنين ~~الذين لهم رزق عند ربهم ، وفيه مسألة : وهي أن قوله تعالى : { فرحوا بها } ~~إشارة إلى دنو همتهم وقصور نظرهم فإن فرحهم يكون بما وصل إليهم لا بما وصل ~~منه إليهم ، فإن قال قائل الفرح بالرحمة مأمور به في قوله تعالى : { قل ~~بفضل الله وبرحمته فبذلك } ( يونس : 58 ) وههنا ذمهم على الفرح بالرحمة ، ~~فكيف ذلك ؟ فنقول هناك قال : فرحوا برحمة الله من حيث إنها مضافة إلى الله ~~تعالى وههنا فرحوا بنفس الرحمة حتى لو كان المطر من غير الله لكان فرحهم به ~~مثل فرحهم بما إذا كان من الله ، وهو كما أن الملك لو حط عند أمير رغيفا ~~على السماط أو أمر الغلمان بأن يحطوا عنده زبدية طعام يفرح ذلك الأمير به ، ~~ولو أعطى الملك فقيرا غير ملتفت إليه رغيفا أو زبدية طعام أيضا يفرح ms7261 لكن ~~فرح الأمير بكون ذلك من الملك وفرح الفقير بكون ذلك رغيفا وزبدية . # ثم قال تعالى : { بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم } لم يذكر عند ~~النعمة سببا لها لتفضله بها وذكر عند العذاب سببا لأن الأول يزيد في ~~الإحسان والثاني يحقق العدل . قوله { إذا هم يقنطون } إذا للمفاجأة أي لا ~~يصبرون على ذلك قليلا لعل الله يفرج عنهم وإنه يذكرهم به . # ثم قال تعالى : { أو لم * يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن فى ~~ذلك لايات لقوم يؤمنون } . / أي لم يعلموا أن الكل من الله فالمحقق ينبغي ~~أن لا يكون نظره على ما يوجد بل إلى من يوجد وهو الله ، فلا يكون ~~PageV25P108 له تبدل حال ، وإنما يكون عنده الفرح الدائم ، ولكن ذلك مرتبة ~~المؤمن الموحد المحقق ، ولذلك قال : { إن فى ذالك لآيات لقوم يؤمنون } . # ! 7 < { فأات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون ~~وجه الله وأولائك هم المفلحون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 38 ) فآت ذا القربى . . . . . # > > # وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما بين أن العبادة لا ينبغي ~~أن تكون مقصورة على حالة الشدة بقوله : { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم } ( ~~الروم : 33 ) ولا أن تكون مقصورة على حالة أخذ شيء من الدنيا كما هو عادة ~~المدوكر المتسلسل يعبد الله إذا كان في الخوانق والرباطات للرغيف والزبدية ~~وإذا خلا بنفسه لا يذكر الله ، بقوله : { وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها ~~} وبين أنه ينبغي أن يكون ، في حالة بسط الرزق وقدره عليه ، نظره على الله ~~الخالق الرازق ليحصل الإرشاد إلى تعظيم الله والإيمان قسمان تعظيم لأمر ~~الله وشفقة على خلق الله فقال بعد ذلك فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن ~~السبيل ، وفيه وجه آخر هو أن الله تعالى لما بين أن الله يبسط الرزق ويقدر ~~، فلا ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان فإن الله إذا بسط الرزق لا ينقص ~~بالانفاق ، وإذا قدر لا يزداد بالإمساك ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في تخصيص الأقسام الثلاثة بالذكر ms7262 دون غيرهم مع أن الله ~~ذكر الأصناف الثمانية في الصدقات فنقول أراد ههنا بيان من يجب الإحسان إليه ~~على كل من له مال سواء كان زكويا أو لم يكن ، وسواء كان بعد الحول أو قبله ~~لأن المقصود ههنا الشفقة العامة ، وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم وإن لم ~~يكن للمحسن مال زائد ، أما القريب فتجب نفقته وإن كان لم تجب عليه زكاة ~~كعقار أو مال لم يحل عليه الحول والمسكين كذلك فإن من لا شيء له إذا بقي في ~~ورطة الحاجة حتى بلغ الشدة يجب على من له مقدرة دفع حاجته ، وإن لم يكن ~~عليه زكاة ، وكذلك من انقطع في مفازة ومع آخر دابة يمكنه بها إيصاله إلى ~~مأمن يلزمه ذلك ، وإن لم تكن عليه زكاة والفقير داخل في المسكين لأن من ~~أوصى للمساكين شيئا يصرف إلى الفقراء أيضا ، وإذا نظرت إلى الباقين من ~~الأصناف رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذين وجبت الزكاة عليهم / ~~واعتبر ذلك في العامل والمكاتب والمؤلفة والمديون ، ثم اعلم أن على مذهب ~~أبي حنيفة رحمه الله حيث قال : المسكين من له شيء ما فنقول ، وإن كان الأمر ~~كذلك لكن لا نزاع في أن إطلاق المسكين على من لا شيء له جائز فيكون الاطلاق ~~هنا بذلك الوجه ، والفقير يدخل في ذلك بالطريق الأولى . # المسألة الثانية : في تقدم البعض على البعض فنقول لما كان دفع حاجة ~~القريب واجبا سواء كان في PageV25P109 شدة ومخمصة ، أو لم يكن كان مقدما ~~على من لا يجب دفع حاجته من غير مال الزكاة إلا إذا كان في شدة ، ولما كان ~~المسكين حاجته ليست مختصة بموضع كان مقدما على من حاجته مختصة بموضع دون ~~موضع . # المسألة الثالثة : ذكر الأقارب في جميع المواضع كذا اللفظ وهو ذو القربى ~~، ولم يذكر المسكين بلفظ ذي المسكنة ، وذلك لأن القرابة لا تتجدد فهي شيء ~~ثابت ، وذو كذا لا يقال إلا في الثابت ، فإن من صدر منه رأي صائب مرة أو ~~حصل له جاه يوما واحدا أو ms7263 وجد منه فضل في وقت يقال ذو رأي وذو جاه وذو فضل ~~، وإذا دام ذلك له أو وجد منه ذلك كثيرا يقال له ذو الرأي وذو الفضل ، فقال ~~{ ذا القربى } إشارة إلى أن هذا حق متأكد ثابت ، وأما المسكنة فتطرأ وتزول ~~ولهذا المعنى قال : { مسكينا ذا متربة } ( البلد : 16 ) فإن المسكين يدوم ~~له كونه ذا متربة ما دامت مسكنته أو يكون كذلك في أكثر الأمر . # المسألة الرابعة : قال : { فئات ذا القربى حقه } ثم عطف المسكين وابن ~~السبيل ولم يقل فآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم / لأن العبارة ~~الثانية لكون صدور الكلام أولا للتشريك والأولى لكون التشريك واردا على ~~الكلام ، كأنه يقول أعط ذا القربى حقه ثم يذكر المسكين وابن السبيل ~~بالتبعية ولهذا المعنى إذا قال الملك خل فلان يدخل ، وفلانا أيضا يكون في ~~التعظيم فوق ما إذا قال خل فلانا وفلانا يدخلان ، وإلى هذا أشار النبي عليه ~~الصلاة والسلام بقوله : ( بئس خطيب القوم أنت ) حيث قال الرجل من أطاع الله ~~ورسوله فقد اهتدى ، ومن عصاهما فقد غوى ولم يقل ومن عصى الله ورسوله . # المسألة الخامسة : قوله : { ذالك خير } يمكن أن يكون معناه ذلك خير من ~~غيره ويمكن أن يقال ذلك خير في نفسه ، وإن لم يقس إلى غيره لقوله تعالى : { ~~وافعلوا الخير } ( الحج : 77 ) { فاستبقوا الخيرات } ( البقرة : 148 ) ~~والثاني أولى لعدم احتياجه إلى إضمار ولكونه أكثر فائدة لأن الخير من الغير ~~قد يكون نازل الدرجة ، عند نزول درجة ما يقاس إليه ، كما يقال السكوت خير ~~من الكذب ، وما هو خير في نفسه فهو حسن ينفع وفعل صالح يرفع . # المسألة السادسة : قوله تعالى : { للذين يريدون وجه الله } إشارة إلى أن ~~الاعتبار بالقصد لا بنفس الفعل ، فإن من أنفق جميع أمواله رياء الناس لا ~~ينال درجة من يتصدق برغيف لله ، وقوله : { وجه الله } أي يكون عطاؤه لله لا ~~غير ، فمن أعطى للجنة لم يرد به وجه الله ، وإنما أراد مخلوق الله . # المسألة السابعة : كيف قال : { وأولائك هم المفلحون } مع أن للإفلاح ms7264 ~~شرائط أخر ، وهي / المذكورة في قوله : { قد أفلح المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ~~) فنقول كل وصف مذكور هناك يفيد الإفلاح ، فقوله { والذين هم للزكواة ~~فاعلون } ( المؤمنون : 4 ) وقوله : { والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } ( ~~المؤمنون : 8 المعارج : 32 ) إلى غير ذلك عطف على المفلح أي هذا مفلح ، ~~وذاك مفلح ، وذاك الآخر مفلح لا يقال لا يحصل الإفلاح لمن يتصدق ولا يصلي ، ~~فنقول هذا كقول القائل العالم مكرم أي نظرا إلى علمه ثم إذا حد في الزنا ~~على سبيل النكال وقطعت يده في السرقة لا يبطل ذلك القول حتى يقول القائل ، ~~إنما كان ذلك لأنه أتى بالفسق ، فكذلك إيتاء المال لوجه الله يفيد الإفلاح ~~، اللهم إلا إذا وجد مانع من ارتكاب محظور أو ترك واجب . # المسألة الثامنة : لم لم يذكر غيره من الأفعال كالصلاة وغيرها ؟ فنقول ~~الصلاة مذكورة من قبل لأن الخطاب ههنا بقوله : { فأت } مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وغيره تبع ، وقد قال له من قبل { فأقم وجهك للدين حنيفا } ( ~~الروم : 30 ) وقال : PageV25P110 { منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلواة } ( ~~الروم : 31 ) . # المسألة التاسعة : قوله تعالى : { وأولائك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) ~~يفهم منه الحصر وقد قال في أول سورة البقرة : { وأولائك هم المفلحون } ~~إشارة إلى من أقام الصلاة وآتى الزكاة ، وآمن بما أنزل على رسوله وبما أنزل ~~من قبله وبالآخرة ، فلو كان المفلح منحصرا في أولئك المذكورين في سورة ~~البقرة فهذا خارج عنهم فكيف يكون مفلحا ؟ فنقول هذا هو ذاك لأنا بينا أن ~~قوله : { فأقم وجهك للدين } متصل بهذا الكلام فإذا أتى بالصلاة وآتى المال ~~وأراد وجه الله ، فقد ثبت أنه مؤمن مقيم للصلاة مؤت للزكاة معترف بالآخرة ~~فصار مثل المذكور في البقرة . # ! 7 < { ومآ ءاتيتم من ربا ليربوا فى أموال الناس فلا يربوا عند الله ومآ ~~ءاتيتم من زكواة تريدون وجه الله فأولائك هم المضعفون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 39 ) وما آتيتم من . . . . . # > > ذكر هذا تحريضا يعني أنكم إذا طلب منكم واحد باثنين ترغبون فيه ~~وتؤتونه وذلك لا يربوا عند الله والزكاة تنمو عند الله ms7265 كما أخبر النبي عليه ~~الصلاة والسلام : ( إن الصدقة تقع في يد الرحمن فتربوا حتى تصير مثل الجبل ~~) فينبغي أن يكون إقدامكم على الزكاة أكثر . وقوله تعالى : { وما ءاتيتم من ~~ربا ليربوا فى أموال الناس فلا يربوا } أي أولئك ذوو الأضعاف كالموسر لذي ~~اليسار وأقل ذلك عشرة أضعاف كل مثل لما آتى في كونه حسنة لا في المقدار فلا ~~يفهم أن من أعطى رغيفا يعطيه الله عشرة أرغفة بل معناه أن ما يقتضيه فعله ~~من الثواب على وجه الرحمة يضاعفه الله عشرة مرات على وجه التفضل ، فبالرغيف ~~الواحد يكون له قصر في الجنة فيه من كل شيء ثوابا / نظرا إلى الرحمة ، وعشر ~~قصور مثله نظرا إلى الفضل . مثاله في الشاهد ، ملك عظيم قبل من عبده هدية ~~قيمتها درهم لو عوضه بعشرة دراهم لا يكون كرما ، بل إذا جرت عادته بأنه ~~يعطي على مثل ذلك ألفا ، فإذا أعطى له عشرة آلاف فقد ضاعف له الثواب . # ! 7 < { الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركآئكم من ~~يفعل من ذلكم من شىء سبحانه وتعالى عما يشركون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 40 ) الله الذي خلقكم . . . . . # > > # قوله تعالى : { الله الذى خلقكم } أي أوجدكم { ثم رزقكم } أي أبقاكم ، ~~فإن العرض مخلوق وليس بمبقي { ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل ~~من ذلكم من شىء } جمع في هذه الآية بين إثبات PageV25P111 الأصلين الحشر ~~والتوحيد ، أما الحشر فبقوله : { ثم يحييكم } والدليل قدرته على الخلق ~~ابتداء ، وأما التوحيد فبقوله { هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء } . ~~ثم قال تعالى : { سبحانه وتعالى عما يشركون } فقوله سبحانه أي سبحوه تسبيحا ~~أي نزهوه ولا تصفوه بالإشراك ، وقوله : { وتعالى } أي لا يجوز عليه ذلك ~~وهذا لأن من لا يتصف بشيء قد يجوز عليه فإذا قال سبحوه أي لا تصفوه ~~بالإشراك ، وإذا قال وتعالى فكأنه قال ولا يجوز عليه ذلك . # ! 7 < { ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذى ~~عملوا لعلهم يرجعون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 41 ms7266 ) ظهر الفساد في . . . . . # > > وجه تعلق هذه الآية بما قبلها هو أن الشرك سبب الفساد كما قال تعالى ~~: { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) وإذا كان الشرك ~~سببه جعل الله إظهارهم الشرك مورثا لظهور الفساد ولو فعل بهم ما يقتضيه ~~قولهم : { لفسدت * السماوات والارض } ( المؤمنون : 71 ) كما قال تعالى : { ~~تكاد * السماوات * يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا } ( مريم : 90 ) ~~وإلى هذا أشار بقوله تعالى : { ليذيقهم بعض الذى عملوا } واختلفت الأقوال ~~في قوله : { فى البر والبحر } فقال بعض المفسرين : المراد خوف الطوفان في ~~البر والبحر ، وقال بعضهم عدم إنبات بعض الأراضي وملوحة مياه البحار ، وقال ~~آخرون : المراد من البحر المدن ، فإن العرب تسمى المدائن بحورا لكون مبنى ~~عمارتها على الماء ويمكن أن يقال / إن ظهور الفساد في البحر قلة مياه ~~العيون فإنها من البحار ، واعلم أن كل فساد يكون فهو بسبب الشرك لكن الشرك ~~قد يكون في العمل دون القول والاعتقاد فيسمى فسقا وعصيانا وذلك لأن المعصية ~~فعل لا يكون لله بل يكون للنفس ، فالفاسق مشرك بالله بفعله ، غاية ما في ~~الباب أن الشرك بالفعل لا يوجب الخلود لأن أصل المرء قلبه ولسانه ، فإذا لم ~~يوجد منهما إلا التوحيد يزول الشرك البدني بسببهما ، وقوله تعالى : { ~~ليذيقهم بعض الذى عملوا } قد ذكرنا أن ذلك ليس تمام جزائهم وكل موجب ~~افترائهم ، وقوله : { لعلهم يرجعون } يعني كما يفعله المتوقع رجوعهم مع أن ~~الله يعلم أن من أضله لا يرجع لكن الناس يظنون أنه لو فعل بهم شيء من ذلك ~~لكان يوجد منهم الرجوع ، كما أن السيد إذا علم من عبده أنه لا يرتدع ~~بالكلام ، فيقول القائل لماذا لا تؤدبه بالكلام ؟ فإذا قال لا ينفع ربما ~~يقع في وهمه أنه لا يبعد عن نفع ، فإذا زجره ولم يرتدع يظهر له صدق كلام ~~السيد ويطمئن قلبه . # ! 7 < { قل سيروا فى الا رض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان ~~أكثرهم مشركين } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 42 ) قل سيروا في . . . . . # > > لما بين حالهم بظهور الفساد ms7267 في أحوالهم بسبب فساد أقوالهم بين لهم ~~هلاك أمثالهم وأشكالهم الذين PageV25P112 كانت أفعالهم كأفعالهم فقال : { ~~قل سيروا فى الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل } أي قوم نوح وعاد ~~وثمود ، وهذا ترتيب في غاية الحسن وذلك لأنه في وقت الامتنان والإحسان قال ~~: { الله الذى خلقكم ثم رزقكم } ( مريم : 40 ) أي آتاكم الوجود ثم البقاء ~~ووقت الخذلان بالطغيان قال : { ظهر الفساد فى البر والبحر } ( الروم : 41 ) ~~أي قلل رزقكم ، ثم قال تعالى : { سيروا فى الارض } أي هو أعدمكم كم أعدم من ~~قبلكم ، فكأنه قال أعطاكم الوجود والبقاء ، ويسلب منكم الوجود والبقاء ، ~~وأما سلب البقاء فبإظهار الفساد ، وأما سلب الوجود فبالإهلاك ، وعند ~~الإعطاء قدم الوجود على البقاء ، لأن الوجود أولا ثم البقاء ، وعند السلب ~~قدم البقاء ، وهو الاستمرار ثم الوجود . # وقوله : { كان أكثرهم مشركين } يحتمل وجوها ثلاثة أحدها : أن الهلاك في ~~الأكثر كان بسبب الشرك الظاهر وإن كان بغيره أيضا كالإهلاك بالفسق ~~والمخالفة كما كان على أصحاب السبت الثاني : أن كل كافر أهلك لم يكن مشركا ~~بل منهم من كان معطلا نافيا لكنهم قليلون ، وأكثر الكفار مشركون الثالث : ~~أن العذاب العاجل لم يختص بالمشركين حين أتى ، كما قال تعالى : { واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) بل كان على الصغار ~~والمجانين ، ولكن أكثرهم كانوا مشركين . # ! 7 < { فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله ~~يومئذ يصدعون * من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلانفسهم يمهدون } . > 7 ! # / < < # | الروم : ( 43 - 44 ) فأقم وجهك للدين . . . . . # > > لما نهى الكافر عما هو عليه ، أمر المؤمن بما هو عليه وخاطب النبي ~~عليه السلام ليعلم المؤمن فضيلة ما هو مكلف به فإنه أمر به أشرف الأنبياء ، ~~وللمؤمنين في التكليف مقام الأنبياء كما قال عليه الصلاة والسلام : ( إن ~~الله أمر عباده المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين ) وقد ذكرنا معناه ، ~~وقوله : { من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله } يحتمل وجهين الأول : أن ~~يكون قوله : { من الله } متعلقا ms7268 بقوله : { يأتى } والثاني : أن يكون المراد ~~{ لا مرد له من الله } أي الله لا يرد وغيره عاجز عن رده فلا بد من وقوعه { ~~يومئذ يصدعون } أي تفرقون . ثم أشار إلى التفرق بقوله : { من كفر فعليه ~~كفره ومن عمل صالحا فلانفسهم يمهدون } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال : { من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا } ولم يقل ومن ~~آمن وذلك لأن العمل الصالح به يكمل الإيمان فذكره تحريضا للمكلف عليه ، ~~وأما الكفر إذا جاء فلا زنة للعمل معه ، ووجه آخر : وهو أن الكفر قسمان : ~~أحدهما : فعل وهو الاشراك والقول به ، والثاني : ترك وهو عدم النظر ~~والإيمان فالعاقل البالغ إذا كان في مدينة الرسول ولم يأت بالإيمان فهو ~~كافر سواء قال بالشرك أو لم يقل ، لكن الإيمان لا بد معه من العمل الصالح ، ~~فإن الإعتقاد الحق عمل القلب ، وقول لا إله إلا الله عمل اللسان وشيء منه ~~لا بد منه . # المسألة الثانية : قال : { فعليه } فوحد الكناية وقال : { فلانفسهم } ~~جمعها إشارة إلى أن الرحمة أعم من PageV25P113 الغضب فتشمله وأهله وذريته ، ~~أما الغضب فمسبوق بالرحمة ، لازم لمن أساء . # المسألة الثالثة : قال : { فعليه كفره } ولم يبين وقال في المؤمن { ~~فلانفسهم يمهدون } تحقيقا لكمال الرحمة فإنه عند الخير بين وفصل بشارة ، ~~وعند غيره أشار إليه إشارة . # ! 7 < { ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين ~~} . > 7 ! # < < # | الروم : ( 45 ) ليجزي الذين آمنوا . . . . . # > > ذكر زيادة تفصيل لما يمهده المؤمن لفعله الخير وعمله الصالح ، وهو ~~الجزاء الذي يجازيه به الله / والملك إذا كان كبيرا كريما ، ووعد عبدا من ~~عباده بأني أجازيك يصل إليه منه أكثر مما يتوقعه ثم أكده بقوله : { من فضله ~~} يعني أنا المجازي فكيف يكون الجزاء ، ثم إني لا أجازيك من العدل وإنما ~~أجازيك من الفضل فيزداد الرجاء ، ثم قال تعالى : { إنه لا يحب الكافرين } ~~أوعدهم بوعيد ولم يفصله لما بينا وإن كان عند المحقق هذا الإجمال فيه ~~كالتفصيل ، فإن عدم المحبة من الله غاية العذاب ، وأفهم ذلك ممن يكون له ~~معشوق فإنه إذا ms7269 أخبر العاشق بأنه وعدك بالدراهم والدنانير كيف تكون مسرته ، ~~وإذا قيل له إنه قال إني أحب فلانا كيف يكون سروره . # وفيه لطيفة وهي أن الله عندما أسند الكفر والإيمان إلى العبد قدم الكافر ~~فقال : { من كفر فعليه كفره } ( الروم : 44 ) وعندما أسند الجزاء إلى نفسه ~~قدم المؤمن فقال : { إليه مرجعكم جميعا } ثم قال تعالى : { إنه لا يحب ~~الكافرين } لأن قوله { من كفر } في الحقيقة لمنع الكافر عن الكفر بالوعيد ~~ونهيه عن فعله بالتهديد وقوله : { من عمل صالحا } لتحريض المؤمن فالنهي ~~كالإيعاد والتحريض للتقرير والإيعاد مقدم عند الحكيم الرحيم ، وأما عندما ~~ذكر الجزاء بدأ بالإحسان إظهارا للكرم والرحمة ، فإن قال قائل هذا إنما يصح ~~أن لو كان الذكر في كل موضع كذلك وليس كذلك فإن الله كثير من المواضع قدم ~~إيمان المؤمن على كفر الكافر وقدم التعذيب على الإثابة ، فنقول إن كان الله ~~يوفقنا لبيان ذلك نبين ما اقتضى تقديمه ، ونحن نقول بأن كل كلمة وردت في ~~القرآن فهي لمعنى وكل ترتيب وجد فهو لحكمة ، وما ذكر على خلافه لا يكون في ~~درجة ما ورد به القرآن فلنبين من جملته مثالا وهو قوله تعالى : { يومئذ ~~يتفرقون * فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة } ( الروم : 14 ، ~~15 ) قدم المؤمن على الكافر ، وههنا ذكر مثل ذلك المعنى في قوله : { يومئذ ~~يصدعون } ( الروم : 43 ) أي يتفرقون فقدم الكافر على المؤمن فنقول هناك ~~أيضا قدم الكافر في الذكر لأنه قال من قبل : { ويوم تقوم الساعة يبلس ~~المجرمون } ( الروم : 12 ) فذكر الكافر وإبلاسه ، ثم قال تعالى : { ويوم ~~تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } ( الروم : 14 ) فكان ذكر المؤمن وحده لا بد ~~منه ليبين كيفية التفرق بمجموع قوله : { يبلس المجرمون } وقوله في حق ~~المؤمن : { فى روضة يحبرون } لكن الله تعالى أعاد ذكر المجرمين مرة أخرى ~~للتفصيل فقال : { وأما الذين كفروا } . # ! 7 < { ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجرى ~~الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 46 ) ومن آياته أن . . . . . # > > PageV25P114 # قوله تعالى : { ومن ءاياته ms7270 أن يرسل الرياح مبشرات } لما ذكر أن ظهور ~~الفساد والهلاك / بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح ولم يذكر أنه بسبب العمل ~~الصالح ، لما ذكرنا غير مرة أن الكريم لا يذكر لإحسانه عوضا ، ويذكر ~~لأضراره سببا لئلا يتوهم به الظلم فقال : { يرسل الرياح مبشرات } قيل ~~بالمطر كما قال تعالى : { بشرا بين يدى رحمته } ( الأعراف : 57 ) أي قبل ~~المطر ويمكن أن يقال مبشرات بصلاح الأهوية والأحوال ، فإن الرياح لو لم تهب ~~لظهر الوباء والفساد . # ثم قال تعالى : { وليذيقكم من رحمته } عطف على ما ذكرنا ، أي ليبشركم ~~بصلاح الهواء وصحة الأبدان { وليذيقكم من رحمته } بالمطر ، وقد ذكرنا أن ~~الإذاقة تقال في القليل ، ولما كان أمر الدنيا قليلا وراحتها نزر قال : { ~~وليذيقكم } ، وأما في الآخرة فيرزقهم ويوسع عليهم ويديم لهم { ولتجرى الفلك ~~بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم * تشركون } لما أسند الفعل إلى الفلك عقبه ~~بقوله : { بأمره } أي الفعل ظاهرا عليه ولكنه بأمر الله ، ولذلك لما قال : ~~{ ولتبتغوا } مسندا إلى العباد ذكر بعده { من فضله } أي لا استقلال لشيء ~~بشيء وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في الترتيب فنقول في الرياح فوائد ، منها إصلاح الهواء ~~، ومنها إثارة السحاب ، ومنها جريان الفلك بها فقال : { مبشرات } بإصلاح ~~الهواء فإن إصلاح الهواء يوجد من نفس الهبوب ثم الأمطار بعده ، ثم جريان ~~الفلك فإنه موقوف على اختبار من الآدمي بإصلاح السفن وإلقائها على البحر ثم ~~ابتغاء الفضل بركوبها . # المسألة الثانية : قال في قوله تعالى : { ظهر الفساد ليذيقهم بعض الذى ~~عملوا } ( الروم : 41 ) وقال ههنا { وليذيقكم من رحمته } فخاطب ههنا تشريفا ~~{ وأن * رحمته * قريب من المحسنين } فالمحسن قريب فيخاطب والمسيء بعيد فلم ~~يخاطبهم ، وأيضا قال هناك بعض الذي علموا وقال ههنا { من رحمته } فأضاف ما ~~أصابهم إلى أنفسهم وأضاف ما أصاب المؤمن إلى رحمته وفيه معنيان : أحدهما : ~~ما ذكرنا أن الكريم لا يذكر لإحسانه ورحمته عوضا ، وإن وجد فلا يقول أعطيتك ~~لأنك فعلت كذا بل يقول هذا لك مني . وأما ما فعلت من الحسنة فجزاؤه بعد ~~عندي وثانيهما : أن ما يكون بسبب ms7271 فعل العبد قليل ، فلو قال أرسلت الرياح ~~بسبب فعلكم لا يكون بشارة عظيمة ، وأما إذا قال { من رحمته } كان غاية ~~البشارة ، ومعنى ثالث وهو أنه لو قال بما فعلتم لكان ذلك موهما لنقصان ~~ثوابهم في الآخرة ، وأما في حق الكفار فإذا قال بما فعلتم ينبىء عن نقصان ~~عقابهم وهو كذلك . # المسألة الثالثة : قال هناك { لعلهم يرجعون } وقال ههنا { ولعلكم تشكرون ~~} قالوا وإشارة إلى أن توفيقهم للشكر من النعم فعطف على النعم . # المسألة الرابعة : إنما أخر هذه الآية لأن في الآيات التي قد سبق ذكرها ~~قلنا إنه ذكر من كل باب آيتين فذكر من المنذرات { يريكم البرق } والحادث في ~~الجو في أكثر الأمر نار وريح فذكر الرياح ههنا تذكيرا وتقريرا للدلائل ، ~~ولما كانت الريح فيها فائدة غير المطر وليس في البرق فائدة إن لم يكن مطر ~~ذكر PageV25P115 هناك خوفا وطمعا ، أي قد يكون وقد لا يكون وذكر ههنا { ~~مبشرات } / لأن تعديل الهواء أو تصفيته بالريح أمر لازم ، وحكمه به حكم ~~جازم . # ! 7 < { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فانتقمنا ~~من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 47 ) ولقد أرسلنا من . . . . . # > > لما بين الأصلين ببراهين ذكر الأصل الثالث وهو النبوة فقال : { ولقد ~~أرسلنا من * بعده رسلا } أي إرسالهم دليل رسالتك فإنهم لم يكن لهم شغل غير ~~شغلك ، ولم يظهر عليهم غير ما ظهر عليك ومن كذبهم أصابهم البوار ومن آمن ~~بهم كان لهم الانتصار وله وجه آخر يبين تعلق الآية بما قبلها وهو أن الله ~~لما بين البراهين ولم ينتفع بها الكفار سلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال حال من تقدمك كان كذلك وجاءوا أيضا بالبينات ، وكان في قومهم كافر ~~ومؤمن كما في قومك فانتقمنا من الكافرين ونصرنا المؤمنين ، وفي قوله تعالى ~~: { وكان حقا } وجهان : أحدهما : فانتقمنا ، وكان الانتقام حقا واستأنف ~~وقال علينا نصر المؤمنين وعلى هذا يكون هذا بشارة للمؤمنين الذين آمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم أي علينا نصركم أيها المؤمنون والوجه ms7272 الثاني : { ~~وكان حقا علينا } أي نصر المؤمنين كان حقا علينا وعلى الأول لطيفة وعلى ~~الآخر أخرى ، أما على الأول فهو أنه لما قال فانتقمنا بين أنه لم يكن ظلما ~~وإنما كان عدلا حقا ، وذلك لأن الانتقام لم يكن إلا بعد كون بقائهم غير ~~مفيد إلا زيادة الإثم وولادة الكافر الفاجر وكان عدمهم خيرا من وجودهم ~~الخبيث ، وعلى الثاني تأكيد البشارة . لأن كلمة على تفيد معنى اللزوم يقال ~~على فلان كذا ينبىء عن اللزوم ، فإذا قال حقا أكد ذلك المعنى ، وقد ذكرنا ~~أن النصر هو الغلبة التي لا تكون عاقبتها وخيمة ، فإن إحدى الطائفتين إذا ~~انهزمت أولا ، ثم عادت آخرا لا يكون النصر إلا للمنهزم ، وكذلك موسى وقومه ~~لما انهزموا من فرعون ثم أدركه الغرق لم يكن انهزامهم إلا نصرة ، فالكافر ~~إن هزم المسلم في بعض الأوقات لا يكون ذلك نصرة إذ لا عاقبة له . # ! 7 < { الله الذى يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه فى السمآء كيف يشآء ~~ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذآ أصاب به من يشآء من عباده إذا ~~هم يستبشرون * وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين * فانظر ~~إلىءاثار رحمة الله كيف يحى الا رض بعد موتهآ إن ذلك لمحى الموتى وهو على ~~كل شىء قدير } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 48 - 50 ) الله الذي يرسل . . . . . # > > PageV25P116 # بين دلائل الرياح على التفصيل الأول في إرسالها قدرة وحكمة . أما القدرة ~~فظاهرة فإن الهواء اللطيف الذي يشقه الودق يصير بحيث يقلع الشجر وهو ليس ~~بذاته كذلك فهو بفعل فاعل مختار ، وأما الحكمة ففي نفس الهبوب فيما يفضي ~~إليه من إثارة السحب ، ثم ذكر أنواع السحب فمنه ما يكون متصلا ومنه ما يكون ~~منقطعا ، ثم المطر يخرج منه والماء في الهواء أعجب علامة للقدرة ، وما يفضي ~~إليه من إنبات الزرع وإدرار الضرع حكمة بالغة ، ثم إنه لا يعم بل يختص به ~~قوم دون قوم وهو علامة المشيئة . وقوله تعالى : { وإن كانوا من قبل أن ينزل ~~عليهم من قبله } اختلف المفسرون فيه ms7273 ، فقال بعضهم هو تأكيد كما في قوله ~~تعالى : { فكان عاقبتهما أنهما فى النار خالدين فيها } وقال بعضهم من قبل ~~التنزيل من قبل المطر ، والأولى أن يقال من قبل أن ينزل عليهم من قبله ، أي ~~من قبل إرسال الرياح ، وذلك لأن بعد الإرسال يعرف الخبير أن الريح فيها مطر ~~أو ليس ، فقبل المطر إذا هبت الريح لا يكون مبلسا ، فلما قال من قبل أن ~~ينزل عليهم لم يقل إنهم كانوا مبلسين ، لأن من قبله قد يكون راجبا غالبا ~~على ظنه المطر برؤية السحب وهبوب الرياح فقال من قبله ، أي من قبل ما ذكرنا ~~من إرسال الريح وبسط السحاب ، ثم لما فصل قال : { فانظر إلىءاثار رحمة الله ~~كيف يحى الارض بعد موتها إن ذلك لمحى الموتى } لما ذكر الدلائل قال لمحيي ~~باللام المؤكدة وباسم الفاعل ، فإن الإنسان إذا قال إن الملك يعطيك لا يفيد ~~ما يفيد قوله إنه معطيك ، لأن الثاني يفيد أنه أعطاك فكان وهو معط متصفا ~~بالعطاء ، والأول يفيد أنه سيتصف به ويتبين هذا بقوله إنك ميت فإنه آكد من ~~قوله إنك تموت { وهو على كل شىء قدير } تأكيد لما يفيد الاعتراف . # ! 7 < { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون * فإنك لا ~~تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين * ومآ أنت بهاد العمى عن ~~ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بأاياتنا فهم مسلمون } . > 7 ! # / < < # | الروم : ( 51 - 53 ) ولئن أرسلنا ريحا . . . . . # > > لما بين أنهم عند توقف الخير يكونون مبلسين آيسين ، وعند ظهوره ~~يكونون مستبشرين ، بين أن تلك الحالة أيضا لا يدومون عليها ، بل لو أصاب ~~زرعهم ريح مصفر لكفروا فهم منقلبون غير ثابتين لنظرهم إلى الحال لا إلى ~~المآل ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال في الآية الأولى { يرسل الرياح } على طريقة الإخبار ~~عن الإرسال ، وقال ههنا { ولئن أرسلنا } لا على طريقة الإخبار عن الإرسال ، ~~لأن الرياح من رحمته وهي متواترة ، والريح من عذابه PageV25P117 وهو تعالى ~~رؤوف بالعباد يمسكها ، ولذلك نرى الرياح النافعة تهب في الليالي والأيام ms7274 في ~~البراري والآكام ، وريح السموم لا تهب إلا في بعض الأزمنة وفي بعض الأمكنة ~~. # المسألة الثانية : سمى النافعة رياحا والضارة ريحا لوجوه أحدها : النافعة ~~كثيرة الأنواع كثيرة الأفراد فجمعها ، فإن كل يوم وليلة تهب نفحات من ~~الرياح النافعة ، ولا تهب الريح الضارة في أعوام ، بل الضارة في الغالب لا ~~تهب في الدهور الثاني : هو أن النافعة لا تكون إلا رياحا فإن ما يهب مرة ~~واحدة لا يصلح الهواء ولا ينشىء السحاب ولا يجري السفن ، وأما الضارة بنفحة ~~واحدة تقتل كريح السموم الثالث : هو أن الريح المضرة إما أن تضر بكيفيتها ~~أو بكميتها ، أما الكيفية فهي إذا كانت حارة أو متكيفة بكيفية سم ، وهذا لا ~~يكون للريح في هبوبها وإنما يكون بسبب أن الهواء الساكن في بقعة فيها حشائش ~~رديئة أو في موضع غائر وهو حار جدا ، أو تكون متكونة في أول تكونها كذلك ~~وكيفما كان فتكون واحدة ، لأن ذلك الهواء الساكن إذا سخن ثم ورد عليه ريح ~~تحركه وتخرجه من ذلك المكان فتهب على مواضع كاللهيب ، ثم ما يخرج بعد ذلك ~~من ذلك المكان لا يكون حارا ولا متكيفا ، لأن المكث الطويل شرط التكيف ، ~~ألا ترى أنك لو أدخلت إصبعك في نار وأخرجتها بسرعة لا تتأثر ، والحديد إذا ~~مكث فيها يذوب ، فإذا تحرك ذلك الساكن وتفرق لا يوجد في ذلك الوقت غيره من ~~جنسه ، وأما المتولدة كذلك فنادرة وموضع ندرتها واحد . وأما الكمية فالرياح ~~إذا اجتمعت وصارت واحدة صارت كالخلجان ، ومياه العيون إذا اجتمعت تصير نهرا ~~عظيما لا تسده السدود ولا يرده الجلمود ، ولا شك أن في ذلك تكون واحدة ~~مجتمعة من كثير ، فلهذا قال في المضرة ريح وفي النافعة رياح . # ثم إنه تعالى لما علم رسوله أنواع الأدلة وأصناف الأمثلة ووعد وأوعد ولم ~~يزدهم دعاؤه إلا / فرارا ، وإنباؤه إلا كفرا وإضرارا ، قال له : { فإنك لا ~~تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الترتيب فنقول إرشاد الميت محال ، والمحال أبعد من ~~الممكن ، ثم ms7275 إرشاد الأصم صعب فإنه لا يسمع الكلام وإنما يفهم ما يفهمه ~~بالإشارة لا غير ، والإفهام بالإشارة صعب ، ثم إرشاد الأعمى أيضا صعب ، ~~فإنك إذا قلت له الطريق على يمينك يدور إلى يمينه ، لكنه لا يبقى عليه بل ~~يحيد عن قريب وإرشاد الأصم أصعب ، فلهذا تكون المعاشرة مع الأعمى أسهل من ~~المعاشرة مع الأصم الذي لا يسمع شيئا ، لأن غاية الإفهام بالكلام ، فإن ما ~~لا يفهم بالإشارة يفهم بالكلام وليس كل ما يفهم بالكلام يفهم بالإشارة ، ~~فإن المعدوم والغائب لا إشارة إليهما فقال أولا لا تسمع الموتى / ثم قال ~~ولا الأصم ولا تهدي الأعمى الذي دون الأصم . # المسألة الثانية : قال في الصم { إذا ولوا مدبرين } ليكون أدخل في ~~الامتناع ، وذلك لأن الأصم وإن كان يفهم فإنما يفهم بالإشارة ، فإذا ولى ~~ولا يكون نظره إلى المشير فإنه يسمع ولا يفهم . # المسألة الثالثة : قال في الأصم { لا تسمع * الصم الدعاء } ولم يقل في ~~الموتى ذلك لأن الأصم قد يسمع الصوت الهائل كصوت الرعد القوي ولكن صوت ~~الداعي لا يبلغ ذلك الحد فقال إنك داع لست بملجىء إلى الإيمان والداعي لا ~~يسمع الأصم الدعاء . # المسألة الرابعة : قال : { وما أنت بهادى * العمى } أي ليس شغلك هداية ~~العميان كما يقول القائل فلان ليس بشاعر وإنما ينظم بيتا وبيتين ، أي ليس ~~شغله ذلك فقوله : { إنك لا تسمع الموتى } نفى ذلك عنه ، وقوله : ~~PageV25P118 { وما أنت بهادى العمى } يعني ليس شغلك ذلك ، وما أرسلت له . # ثم قال تعالى : { وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم إن تسمع } ( النمل : 81 ~~) لما نفى إسماع الميت والأصم وأثبت إسماع المؤمن بآياته لزم أن يكون ~~المؤمن حيا سميعا وهو كذلك لأن المؤمن ترد على قلبه أمطار البراهين فتنبت ~~في قلبه العقائد الحقة ، ويسمع زواجر الوعظ فتظهر منه الأفعال الحسنة ، ~~وهذا يدل على خلاف مذهب المعتزلة فإنهم قالوا الله يريد من الكل الإيمان ، ~~غير أن بعضهم يخالف إرادة الله ، وقوله : { إن تسمع إلا من يؤمن } دليل على ~~أنه يؤمن فيسمعه النبي صلى الله عليه وسلم ms7276 ما يجب أن يفعل فهم مسلمون ~~مطيعون كما قال تعالى عنهم : { قالوا سمعنا وأطعنا } ( البقرة : 285 ) . # ! 7 < { الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ~~ضعفا وشيبة يخلق ما يشآء وهو العليم القدير } . > 7 ! # / < < # | الروم : ( 54 ) الله الذي خلقكم . . . . . # > > لما أعاد من الدلائل التي مضت دليلا من دلائل الآفاق وهو قوله : { ~~الله الذى يرسل الرياح فتثير سحابا } ( الروم : 48 ) وذكر أحوال الريح من ~~أوله إلى آخره أعاد دليلا من دلائل الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله ، ~~فقال : { خلقكم من ضعف } أي مبناكم على الضعف كما قال تعالى : { خلق ~~الإنسان من عجل } ( الأنبياء : 37 ) ومن ههنا كما تكون في قول القائل فلان ~~زين فلانا من فقره وجعله غنيا أي من حالة فقره ، ثم قال تعالى : { ثم جعل ~~من بعد ضعف قوة } فقوله من ضعف إشارة إلى حالة كان فيها جنينا وطفلا مولودا ~~ورضيعا ومفطوما فهذه أحوال غاية الضعف ، وقوله : { ثم جعل من بعد ضعف قوة } ~~إشارة إلى حالة بلوغه وانتقاله وشبابه واكتهاله ، وقوله : { ثم جعل من بعد ~~قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير } . # إشارة إلى ما يكون بعد الكهولة من ظهور النقصان والشيبة هي تمام الضعف ، ~~ثم بين بقوله { يخلق ما يشاء } إن هذا ليس طبعا بل هو بمشيئة الله تعالى ~~كما قال تعالى في دلائل الآفاق { فيبسطه فى السماء كيف يشاء } ( الروم : 48 ~~) { هو العليم * القدير } لما قدم العلم على القدرة ؟ وقال من قبل { وهو ~~العزيز الحكيم } ( الروم : 27 ) فالعزة إشارة إلى تمام القدرة والحكمة إلى ~~العلم ، فقدم القدرة هناك وقدم العلم على القدرة ههنا فنقول هناك المذكور ~~الإعادة بقوله : { وهو أهون عليه وله المثل الاعلى فى * السماوات والارض * ~~وهو العزيز الحكيم } ( الروم : 27 ) لأن الإعادة تكون بكن فيكون ، فالقدرة ~~هناك أظهر وههنا المذكور الابداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل ~~فالعلم ههنا أظهر ، ثم إن قوله تعالى : { وهو العليم القدير } تبشير وإنذار ~~لأنه إذا كان عالما بأعمال ms7277 الخلق كان عالما بأحوال المخلوقات فإن عملوا ~~خيرا علمه وإن عملوا شرا علمه ، ثم إذا كان قادرا فإذا علم الخير أثاب وإذا ~~علم الشر عاقب ، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب الذين هما ~~بالقدرة قدم العلم ، وأما في الآخرة فالعلم بتلك الأحوال مع العقاب فقال : ~~{ وهو العليم الحكيم } وإلى مثل هذا مثل هذا أشار في قوله : { فتبارك الله ~~أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) عقيب خلق الإنسان ، فنقول PageV25P119 ~~أحسن إشارة إلى العلم لأن حسن الخلق بالعلم ، والخلق المفهوم من قوله : { ~~الخالقين } إشارة إلى القدرة ، ثم لما بين ذكر الابداء والاعادة كالابداء ~~ذكره بذكر أحوالها وأوقاتها . # ! 7 < { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا ~~يؤفكون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 55 ) ويوم تقوم الساعة . . . . . # > > قيل ما لبثوا في الدنيا غير ساعة . وقيل ما لبثوا في القبور ، وقيل ~~ما لبثوا من وقت فناء الدنيا إلى وقت النشور { كذلك كانوا يؤفكون } يصرفون ~~من الحق إلى الباطل ومن الصدق إلى الكذب . # ! 7 < { وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم فى كتاب الله إلى يوم ~~البعث فهاذا يوم البعث ولاكنكم كنتم لا تعلمون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 56 ) وقال الذين أوتوا . . . . . # > > # / قوله : { وقال الذين أوتوا العلم والإيمان } من الملائكة وغيرهم { لقد ~~لبثتم فى كتاب الله إلى يوم البعث } ونحن نبين ما هو المعنى اللطيف في ~~هاتين الآيتين ، فنقول الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد ~~تعجيله ، والموعد بوعيد إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها ، لكن ~~المجرم إذا حشر علم أن مصيره إلى النار فيستقل مدة اللبث ويختار تأخير ~~الحشر والإبقاء في القبر ، والمؤمن إذا حشر علم أن مصيره إلى الجنة فيستكثر ~~المدة ولا يريد التأخير فيختلف الفريقان ويقول أحدهما إن مدة لبثنا قليل ~~وإليه الإشارة بقوله : { يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة } ويقول الآخر ~~لبثنا مديدا وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان لقد لبثتم فى كتاب الله إلى يوم البعث } يعني كان في كاتب الله ~~ضرب الأجل إلى يوم البعث ms7278 ونحن صبرنا إلى يوم البعث { فهاذا يوم البعث ~~ولاكنكم كنتم لا تعلمون } يعني طلبكم التأخير ، لأنكم كنتم لا تعلمون البعث ~~ولا تعترفون به ، فصار مصيركم إلى النار فتطلبون التأخير . # ! 7 < { فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون } . > 7 ! # < < # | الروم : ( 57 ) فيومئذ لا ينفع . . . . . # > > أي لا يطلب منهم الإعتاب وهو إزالة العتب يعني التوبة التي تزيل آثار ~~الجريمة لا تطلب منهم لأنها لا تقبل منهم . # PageV25P120 ! 7 < { ولقد ضربنا للناس فى هاذا القرءان من كل مثل ولئن ~~جئتهم بأاية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } . > 7 @QB@ < # | الروم : ( 58 ) ولقد ضربنا للناس . . . . . # > > # قوله : { ولقد ضربنا للناس فى هاذا القرءان من * مثل } إشارة إلى إزالة ~~الأعذار والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار ، وإلى أنه لم يبق من جانب ~~الرسول تقصير ، فإن طلبوا شيئا آخر فذلك عناد ومن هان عليه تكذيب دليل لا ~~يصعب عليه تكذيب الدلائل ، بل لا يجوز للمستدل أن يشرع في دليل / آخر بعد ~~ما ذكر دليلا جيدا مستقيما ظاهرا لا غبار عليه وعانده الخصم ، لأنه إما أن ~~يعترف بورود سؤال الخصم عليه أو لا يعترف ، فإن اعترف يكون انقطاعا وهو ~~يقدح في الدليل أو المستدل ، إما بأن الدليل فاسد ، وإما بأن المستدل جاهل ~~بوجه الدلالة والاستدلال ، وكلاهما لا يجوز الاعتراف به من العالم فكيف من ~~النبي عليه الصلاة والسلام ، وإن لم يعترف يكون الشروع في غيره موهما أن ~~الخصم ليس معاندا فيكون اجتراؤه على العناد في الثاني أكثر لأنه يقول ~~العناد أفاد في الأول حيث التزم ذكر دليل آخر . فإن قيل فالأنبياء عليهم ~~السلام ذكروا أنواعا من الدلائل ، نقول سردوها سردا ، ثم قرروها فردا فردا ~~، كمن يقول الدليل عليه من وجوه : الأول كذا ، والثاني كذا ، والثالث كذا ، ~~وفي مثل هذا الواجب عدم الالتفات إلى عناد المعاند لأنه يزيده بعناده حتى ~~يضيع الوقت فلا يتمكن المستدل من الإتيان بجميع ما وعد من الدلائل فتنحط ~~درجته فاذن لكل مكان مقال . وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله تعالى : { ولئن ~~جئتهم بئاية ليقولن ms7279 الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } وفي توحيد الخطاب ~~بقوله : { ولئن جئتهم } والجمع في قوله : { إن أنتم } لطيفة وهي أن الله ~~تعالى قال : { ولئن جئتهم * بكل ءاية } جاءت بها الرسل ويمكن أن يجاء بها ~~يقولون أنتم كلكم أيها المدعون للرسالة مبطلون . ثم بين تعالى أن ذلك بطبع ~~الله على قلوبهم بقوله : { كذالك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } < < # | الروم : ( 59 - 60 ) كذلك يطبع الله . . . . . # > > فإن قيل من لا يعلم شيئا أية فائدة في الإخبار عن الطبع على قلبه ؟ ~~نقول المعنى هو أن من لا يعلم الآن فقد طبع الله على قلبه من قبل ، ثم إنه ~~تعالى سلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : { فاصبر إن وعد الله حق } ~~أي أن صدقك يبين وقوله : { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } إشارة إلى وجوب ~~مداومة النبي عليه الصلاة والسلام على الدعاء إلى الإيمان فإنه لو سكت لقال ~~الكافر إنه متقلب الرأي ، لا ثبات له . والله أعلم بالصواب وإليه المرجع ~~والمآب والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين ~~. # PageV25P121 < # > 1 ( سورة لقمان ) 1 < # > عليه السلام # مكية كلها إلا آيتين نزلنا بالمدينة وهما { ولو أن * ما فى الارض * من ~~شجرة } الآيتين وإلا آية # نزلت بالمدينة وهي { الذين يقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة } لأن الصلاة # والزكاة نزلتا بالمدينة وهي ثلاث وقيل أربع وثلاثون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { الم} . > 7 ! # / { الم تلك ءايات الكتاب الحكيم } . < < # | لقمان : ( 1 - 2 ) الم # > > # وجه ارتباط أول هذه السورة بآخر ما قبلها هو أن الله تعالى لما قال : { ~~ولقد ضربنا للناس فى هاذا القرءان من كل مثل } ( الروم : 58 ) إشارة إلى ~~كونه معجزة وقال : { ولئن جئتهم بئاية } ( الروم : 58 ) إشارة إلى أنهم ~~يكفرون بالآيات بين ذلك بقوله : { الم تلك ءايات الكتاب الحكيم } ولم ~~يؤمنوا بها ، وإلى هذا أشار بعد هذا بقوله : { وإذا تتلى عليه ءاياتنا ولى ~~مستكبرا } ( لقمان : 7 ) . # ! 7 < { تلك ءايات الكتاب الحكيم * هدى ورحمة للمحسنين * الذين يقيمون ~~الصلواة ويؤتون الزكواة وهم بالا خرة هم ms7280 يوقنون * أولائك على هدى من ربهم ~~وأولائك هم المفلحون } . > 7 ! # < < # | لقمان : ( 3 - 5 ) هدى ورحمة للمحسنين # > > فقوله { هدى } أي بيانا وفرقانا ، وأما التفسير فمثل تفسير قوله ~~تعالى : { الم * ذالك الكتاب لا ريب فيه هدى } ( البقرة : 1 و 2 ) وكما قيل ~~هناك إن المعنى بذلك هذا ، كذلك قيل بأن المراد بتلك هذه ، ويمكن أن يقال ~~كما قلنا هناك إن تلك إشارة إلى الغائب معناها آيات القرآن آيات الكتاب ~~الحكيم وعند إنزال هذه الآيات التي نزلت مع { الم تلك ءايات الكتاب الحكيم ~~} لم تكن جميع الآيات نزلت فقال تلك إشارة إلى الكل أي آيات القرآن تلك ~~آيات ، وفيه مسائل : PageV25P122 # المسألة الأولى : قال في سورة البقرة { ذالك الكتاب } ( البقرة : 1 ) ولم ~~يقل الحكيم ، وههنا قال { الحكيم } فلما زاد ذكر وصف الكتاب زاد ذكر أمر في ~~أحواله فقال : { هدى ورحمة } وقال هناك / { هدى للمتقين } ( البقرة : 1 ) ~~فقوله : { هدى } في مقابلة قوله : { الكتاب } وقوله : { ورحمة } في مقابلة ~~قوله : { الحكيم } ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكم كقوله تعالى : { ~~فى عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) أي ذات رضا . # المسألة الثانية : قال هناك { للمتقين } وقال ههنا { للمحسنين } لأنه لما ~~ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئا آخر قال : { للمتقين } أي يهتدي به من يتقي ~~الشرك والعناد والتعصب ، وينظر فيه من غير عناد ، ولما زاد ههنا رحمة قال : ~~{ للمحسنين } أي المتقين الشرك والعناد الآتين بكلمة الإحسان فالمحسن هو ~~الآتي بالإيمان والمتقي هو التارك للكفر ، كما قال تعالى : { إن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون } ( النحل : 128 ) ومن جانب الكفر كان متقيا ~~وله الجنة ، ومن أتى بحقيقة الإيمان كان محسنا وله الزيادة لقوله تعالى : { ~~للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) ولأنه لما ذكر أنه رحمة قال : ~~{ للمحسنين } لأن رحمة الله قريب من المحسنين . # المسألة الثالثة : قال هناك { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلواة } ( ~~البقرة : 3 ) وقال ههنا { الذين يقيمون الصلواة } ولم يقل يؤمنون لما بينا ~~أن المتقي هو التارك للكفر ويلزمه أن يكون مؤمنا والمحسن هو الآتي بحق ~~الإيمان ، ويلزمه أن ms7281 لا يكون كافرا ، فلما كان المتقي دالا على المؤمن في ~~الالتزام صرح بالإيمان هناك تبيينا ولما كان المحسن دالا على الإيمان ~~بالتنصيص لم يصرح بالإيمان وقوله تعالى : { الذين يقيمون الصلواة } قد ~~ذكرنا ما في الصلاة وإقامتها مرارا وما في الزكاة والقيام بها ، وذكرنا في ~~تفسير الأنفال في أوائلها أن الصلاة ترك التشبه بالسيد فإنها عبادة صورة ~~وحقيقة والله تعالى تجب له العبادة ولا تجوز عليه العبادة ، وترك التشبه ~~لازم على العبد أيضا في أمور فلا يجلس عند جلوسه ولا يتكىء عند اتكائه ، ~~والزكاة تشبه بالسيد فإنها دفع حاجة الغير والله دافع الحاجات ، والتشبه ~~لازم على العبد أيضا في أمور ، كما أن عبد العالم لا يتلبس بلباس الأجناد ، ~~وعبد الجندي لا يتلبس بلباس الزهاد ، وبهما تتم العبودية . # ! 7 < { ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ~~ويتخذها هزوا أولائك لهم عذاب مهين } . > 7 ! # < < # | لقمان : ( 6 ) ومن الناس من . . . . . # > > لما بين أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكمية بين من حال الكفار ~~أنهم يتركون ذلك ويشتغلون بغيره ، ثم إن فيه ما يبين سوء صنيعهم من وجوه ~~الأول : أن ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح الثاني : هو أن الحديث إذا ~~كان لهوا لا فائدة فيه كان أقبح / الثالث : هو أن اللهو قد يقصد به الإحماض ~~كما ينقل عن ابن عباس أنه قال أحمضوا ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : ( روحوا القلوب ساعة فساعة ) رواه الديلمي عن أنس مرفوعا ويشهد له ما ~~في مسلم ( يا حنظلة ساعة وساعة ) والعوام يفهمون منه الأمر بما يجوز ~~PageV25P123 من المطايبة ، والخواص يقولون هو أمر بالنظر إلى جانب الحق فإن ~~الترويح به لا غير فلما لم يكن قصدهم إلا الإضلال لقوله : { ليضل عن سبيل ~~الله } كان فعله أدخل في القبح . # ثم قال تعالى : { بغير علم } عائد إلى الشراء أي يشتري بغير علم ويتخذها ~~أي يتخذ السبيل { أولئك لهم عذاب مهين } قوله : { مهين } إشارة إلى أمر ~~يفهم منه الدوام ، وذلك لأن الملك ms7282 إذا أمر بتعذيب عبد من عبيده ، فالجلاد ~~إن علم أنه ممن يعود إلى خدمة الملك ولا يتركه الملك في الحبس يكرمه ويخفف ~~من تعذيبه ، وإن علم أنه لا يعود إلى ما كان عليه وأمره قد انقضى ، فإنه لا ~~يكرمه . فقوله : { عذاب مهين } إشارة إلى هذا وبه يفرق بين عذاب المؤمن ~~وعذاب الكافر ، فإن عذاب المؤمن ليطهر فهو غير مين . # ! 7 < { وإذا تتلى عليه ءاياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن فىأذنيه ~~وقرا فبشره بعذاب أليم } . > 7 ! # < < # | لقمان : ( 7 ) وإذا تتلى عليه . . . . . # > > أي يشتري الحديث الباطل ، والحق الصراح يأتيه مجانا يعرض عنه ، وإذا ~~نظرت فيه فهمت حسن هذا الكلام من حيث إن المشتري يطلب المشترى مع أنه يطلبه ~~ببذل الثمن ، ومن يأتيه الشيء لا يطلبه ولا يبذل شيئا ، ثم إن الواجب أن ~~يطلب العاقل الحكمة بأي شيء يجده ويشتريها ، وهم ما كانوا يطلبونها ، وإذا ~~جاءتهم مجانا ما كانوا يسمعونها ، ثم إن فيه أيضا مراتب الأولى : التولية ~~عن الحكمة وهو قبيح والثاني : الاستكبار ، ومن يشتري حكاية رستم وبهرام ~~ويحتاج إليها كيف يكون مستغنيا عن الحكمة حتى يستكبر عنها ؟ وإنما يستكبر ~~الشخص عن الكلام وإذا كان يقول أنا أقول مثله ، فمن لا يقدر يصنع مثل تلك ~~الحكايات الباطلة كيف يستكبر على الحكمة البالغة التي من عند الله ؟ الثالث ~~: قوله تعالى : { كأن لم يسمعها } شغل المتكبر الذي لا يلتفت إلى الكلام ~~ويجعل نفسه كأنها غافلة الرابع : قوله : { كأن فى أذنيه وقرا } أدخل في ~~الإعراض . ثم قال تعالى : { فبشره بعذاب أليم } أي له عذاب مهين بشره أنت ~~به وأوعده ، أو يقال إذا كان حاله هذا { فبشره بعذاب أليم } . # ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم * خالدين فيها ~~وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم } . > 7 @QB@ < # | لقمان : ( 8 - 9 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > PageV25P124 # / لما بين حال من إذا تتلى عليه الآيات ولى ، بين حال من يقبل على تلك ~~الآيات ويقبلها وكما أن ذلك له مراتب من التولية والاستكبار ، فهذا له ~~مراتب من الإقبال والقبول والعمل به ms7283 ، فإن من سمع شيئا وقبله قد لا يعمل به ~~فلا تكون درجته مثل من يسمع ويطيع ثم إن هذا له جنات النعيم ولذلك عذاب ~~مهين وفيه لطائف : إحداها : توحيد العذاب وجمع الجنات إشارة إلى أن الرحمة ~~واسعة أكثر من الغضب الثانية : تنكير العذاب وتعريف الجنة بالإضافة إلى ~~المعرف إشارة إلى أن الرحيم يبين النعمة ويعرفها إيصالا للراحة إلى القلب ، ~~ولا يبين النقمة ، وإنما ينبه عليها تنبيها الثالثة : قال عذاب ، ولم يصرح ~~بأنهم فيه خالدون ، وإنما أشار إلى الخلود بقوله : { مهين } وصرح في الثواب ~~بالخلود بقوله : { خالدين فيها } ، الرابعة : أكد ذلك بقوله : { وعد الله ~~حقا } ولم يذكره هناك الخامسة : قال هناك لغيره { فبشره بعذاب } وقال ههنا ~~بنفسه { وعد الله } ، ثم لم يقل أبشركم به لأن البشارة لا تكون إلا بأعظم ~~ما يكون ، لكن الجنة دون ما يكون للصالحين بشارة من الله ، وإنما تكون ~~بشارتهم منه برحمته ورضوانه كما قال تعالى : { يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم } ( التوبة : 21 ) ولولا قوله : { منه } ~~لما عظمت البشارة ، ولو كانت { منه } مقرونة بأمر دون الجنة لكان ذلك فوق ~~الجنة من غير إضافة فإن قيل فقد بشر بنفس الجنة بقوله : { وأبشروا بالجنة ~~التى كنتم توعدون } ( فصلت : 30 ) نقول البشارة هناك لم تكن بالجنة وحدها ، ~~بل بها وبما ذكر بعدها إلى قوله تعالى : { نزلا من غفور رحيم } والنزل ما ~~يهيأ عند النزول والإكرام العظيم بعده { وهو العزيز الحكيم } كامل القدرة ~~يعذب المعرض ويثيب المقبل ، كامل العلم يفعل الأفعال كما ينبغي ، فلا يعذب ~~من يؤمن ولا يثيب من يكفر . # ! 7 < { خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى فى الا رض رواسى أن تميد بكم ~~وبث فيها من كل دآبة وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } ~~. > 7 @QB@ < # | لقمان : ( 10 ) خلق السماوات بغير . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { خلق * السماوات * بغير عمد ترونها } . # بين عزته وحكمته بقوله : { خلق * السماوات * بغير عمد } اختلف قول ~~العلماء في السموات فمنهم من قال إنها مبسوطة كصفيحة مستوية ، وهو قول ms7284 أكثر ~~المفسرين ومنهم من قال إنها مستديرة وهو قول جميع المهندسين ، والغزالي ~~رحمه الله قال نحن نوافقهم في ذلك فإن لهم عليها دليلا من المحسوسات ~~ومخالفة الحس لا تجوز ، وإن كان في الباب خبر نؤوله بما يحتمله ، فضلا من ~~أن ليس في القرآن والخبر ما يدل على ذلك صريحا ، بل فيه ما يدل على ~~الاستدارة كما قال تعالى : { كل فى فلك يسبحون } ( الأنبياء : 33 ) والفلك ~~اسم لشيء مستدير ، بل الواجب أن يقال بأن السموات سواء كانت مستديرة أو ~~مصفحة فهي مخلوقة بقدرة الله لا موجودة بإيجاب وطبع ، وإذا علم هذا فنقول ~~السماء في مكان وهو فضاء لا نهاية له وكون السماء في بعضه دون بعض ليس إلا ~~بقدرة مختارة وإليه الإشارة بقوله : { بغير عمد } أي ليس على شيء يمنعها ~~الزوال من موضعها وهي لا تزول إلا بقدرة الله تعالى وقال بعضهم المعنى أن ~~السموات بأسرها ومجموعها لا مكان لها لأن المكان ما يعتمد عليه ما فيه ~~فيكون متمكنا والحيز ما يشار إلى ما فيه بسببه يقال ههنا وهناك على هذا ~~قالوا إن من يقع من شاهق جبل فهو في الهواء في حيز إذ يقال له هو ههنا ~~وهناك ، وليس في مكان إذ لا يعتمد على شيء ، فإذا حصل على الأرض حصل في ~~مكان ، إذا علم هذا فالسموات ليس في مكان تعتمد عليه فلا عمد لها وقوله : { ~~ترونها } فيه وجهان : أحدهما : أنه راجع إلى السموات أي ليست هي بعمد وأنتم ~~ترونها كذلك بغير عمد والثاني : أنه راجع إلى العمد أي بغير عمد مرئية ، ~~وإن كان هناك عمد غير مرئية فهي قدرة الله وإرادته . PageV25P125 # ثم قال تعالى : { وألقى فى الارض رواسى أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة ~~وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من } . # أي جبالا راسية ثابتة { أن تميد } أي كراهية أن تميد وقيل المعنى أن لا ~~تميد ، واعلم أن الأرض ثباتها بسبب ثقلها ، وإلا كانت تزول عن موضعها بسبب ~~المياه والرياح ، ولو خلقها مثل الرمل لما كانت تثبت ms7285 للزراعة كما نرى ~~الأراضي الرملة ينتقل الرمل الذي فيها من موضع إلى موضع ، ثم قال تعالى : { ~~وبث فيها من كل دابة } أي سكون الأرض فيه مصلحة حركة الدواب مأسكنا الأرض ~~وحركنا الدواب ولو كانت الأرض متزلزلة وبعض الأراضي يناسب بعض الحيوانات ~~لكانت الدابة التي لا تعيش في موضع تقع في ذلك الموضع فيكون فيه هلاك ~~الدواب ، أما إذا كانت الأرض ساكنة والحيوانات متحركة تتحرك في المواضع ~~التي تناسبها وترعى فيها وتعيش فيها ، ثم قال تعالى : { وأنزلنا من السماء ~~ماء } هذه نعمة أخرى أنعمها الله على عباده ، وتمامها بسكون الأرض لأن ~~البذر إذا لم يثبت إلى أن ينبت لم يكن يحصل الزرع ولو كانت أجزاء الأرض ~~متحركة كالرمل لما حصل الثبات ولما كمل النبات ، والعدول من المغايبة إلى ~~النفس فيه فصاحة وحكمة ، أما الفصاحة فمذكورة في باب الالتفات من أن السامع ~~إذا سمع كلاما طويلا من نمط واحد ، ثم ورد عليه نمط آخر يستطيبه ألا ترى ~~أنك إذا قلت قال زيد كذا وكذا ، وقال خالد كذا وكذا / وقال عمرو كذا ثم إن ~~/ بكرا قال قولا حسنا يستطاب لما قد تكرر القول مرارا . وأما الحكمة فمن ~~وجهين أحدهما : أن خلق الأرض ثقيل ، والسماء في غير مكان قد يقع لجاهل أنه ~~بالطبع ، وبث الدواب يقع لبعضهم أنه باختيار الدابة ، لأن لها اختيار ، ~~فنقول الأول طبيعي والآخر اختياري للحيوان ، ولكن لا يشك أحد في أن الماء ~~في الهواء من جهة فوق ليس طبعا فإن الماء لا يكون بطبعه فوق ولا اختيارا ، ~~إذ الماء لا اختيار له فهو بإرادة الله تعالى ، فقال : { وأنزلنا من السماء ~~} الثاني : هو أن إنزال الماء نعمة ظاهرة متكررة في كل زمان ، متكثرة في كل ~~مكان ، فأسنده إلى نفسه صريحا ليتنبه الإنسان لشكر نعمته فيزيد له من رحمته ~~، وقوله تعالى : { فأنبتنا فيها من كل زوج } أي من كل جنس ، وكل جنس فتحته ~~زوجان ، لأن النبات إما أن يكون شجرا ، وإما أن يكون غير شجر ، والذي هو ~~الشجر إما أن يكون مثمرا ms7286 ، وإما أن يكون غير مثمر ، والمثمر كذلك ينقسم ~~قسمين ، وقوله تعالى : { كريم } أي ذي كرم ، لأنه يأتي كثيرا من غير حساب ~~أو مكرم مثل بغض للمبغض . # ! 7 < { هاذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون فى ~~ضلال مبين } . > 7 @QB@ < # | لقمان : ( 11 ) هذا خلق الله . . . . . # > > # قوله تعالى : { هاذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه } يعني الله ~~خالق وغيره ليس بخالق فكيف تتركون عبادة الخالق وتشتغلون بعبادة المخلوق . # ثم قال تعالى : { بل الظالمون فى ضلال مبين } أي بين أو مبين للعاقل أنه ~~ضلال ، وهذا لأن ترك PageV25P126 الطريق والحيد عنه ضلال ، ثم إن كان الحيد ~~يمنة أو يسرة فهو لا يبعد عن الطريق المستقيم مثل ما يكون المقصد إلى وراء ~~فإنه يكون غاية الضلال ، فالمقصد هو الله تعالى ، فمن يطلبه ويلتفت إلى ~~غيره من الدنيا وغيرها فهو ضال ، لكن من وجهه إلى الله قد يصل إلى المقصود ~~ولكن بعد تعب وطول مدة ، ومن يطلبه ولا يلتفت إلى ما سواه يكون كالذي على ~~الطريق المستقيم يصل عن قريب من غير تعب . وأما الذي تولى لا يصل إلى ~~المقصود أصلا ، وإن دام في السفر ، والمراد بالظالمين المشركون الواضعون ~~لعبادتهم في غير موضعها أو الواضعون أنفسم في عبادة غير الله . # ! 7 < { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ~~ومن كفر فإن الله غنى حميد } . > 7 @QB@ < # | لقمان : ( 12 ) ولقد آتينا لقمان . . . . . # > > # قوله تعالى : { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله } لما بين الله ~~فساد اعتقادهم بسبب عنادهم / بإشراك من لا يخلق شيئا بمن خلق كل شيء بقوله ~~: { هاذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه } وبين أن المشرك ظالم ~~ضال ، ذكر ما يدل على أن ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة وإن لم يكن هناك نبوة ~~وهذا إشارة إلى معنى ، وهو أن اتباع النبي عليه السلام لازم فيما لا يعقل ~~معناه إظهارا للتعبد فكيف ما لا يختص بالنبوة ، بل يدرك بالعقل معناه وما ~~جاء به النبي عليه السلام ms7287 مدرك بالحكمة وذكر حكاية لقمان وأنه أدركه ~~بالحكمة وقوله : { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } عبارة عن توفيق العمل بالعلم ~~، فكل من أوتي توفيق العمل بالعلم فقد أوتي الحكمة ، وإن أردنا تحديدها بما ~~يدخل فيه حكمة الله تعالى ، فنقول حصول العمل على وفق المعلوم ، والذي يدل ~~على ما ذكرنا أن من تعلم شيئا ولا يعلم مصالحه ومفاسده لا يسمى حكيما وإنما ~~يكون مبخوتا ، ألا ترى أن من يلقي نفسه من مكان عال ووقع على موضع فانخسف ~~به وظهر له كنز وسلم لا يقال إنه حكيم ، وإن ظهر لفعله مصلحة وخلو عن مفسدة ~~، لعدم علمه به أولا ، ومن يعلم أن الإلقاء فيه إهلاك النفس ويلقي نفسه من ~~ذلك المكان وتنكسر أعضاؤه لا يقال إنه حكيم وإن علم ما يكون في فعله ، ثم ~~الذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى : { أن اشكر لله } فإن أن في مثل هذا ~~تسمى المفسرة ففسر الله إيتاء الحكمة بقوله : { أن اشكر لله } وهو كذلك ، ~~لأن من جملة ما يقال إن العمل موافق للعلم ، لأن الإنسان إذا علم أمرين ~~أحدهما أهم من الآخر ، فإن اشتغل بالأهم كان عمله موافقا لعلمه وكان حكمة ، ~~وإن أهمل الأهم كان مخالفا للعلم ولم يكن من الحكمة في شيء ، لكن شكر الله ~~أهم الأشياء فالحكمة أول ما تقتضي ، ثم إن الله تعالى بين أن بالشكر لا ~~ينتفع إلا الشاكر بقوله : { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } وبين أن بالكفران ~~لا يتضرر غير الكافر بقوله : { ومن كفر فإن الله غنى حميد } أي الله غير ~~محتاج إلى شكر حتى يتضرر بكفران الكافر وهو في نفسه محمود سواء شكره الناس ~~أو لم يشكروه ، وفي الآية مسائل ولطائف الأولى : فسر الله إيتاء الحكمة ~~بالأمر بالشكر ، لكن الكافر والجاهل مأموران بالشكر فينبغي أن يكون قد أوتي ~~الحكمة والجواب : أن قوله تعالى : { أن اشكر لله } أمر تكوين معناه آتيناه ~~الحكمة بأن جعلناه من الشاكرين ، وفي الكافر الأمر بالشكر أمر تكليف . # المسألة الثانية : قال في الشكر ومن يشكر بصيغة المستقبل ، وفي الكفران ms7288 ~~ومن كفر فإن الله غني ، وإن كان الشرط يجعل الماضي والمستقبل في معنى واحد ~~، كقول القائل : من دخل داري فهو حر ، ومن يدخل داري فهو حر ، فنقول فيه ~~إشارة إلى معنى وإرشاد إلى أمر ، وهو أن الشكر ينبغي أن يتكرر في كل وقت ~~لتكرر PageV25P127 النعمة ، فمن شكر ينبغي أن يكرر ، والكفر ينبغي أن ينقطع ~~فمن كفر ينبغي أن يترك الكفران ، ولأن الشكر من الشاكر لا يقع بكماله ، بل ~~أبدا يكون منه شيء في العدم يريد الشاكر إدخاله في الوجود ، كما قال : { رب ~~أوزعنى أن أشكر نعمتك } ( النمل : 19 ) وكما قال تعالى : { وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها } ( النحل : 18 ) فأشار إليه بصيغة المستقبل تنبيها على أن ~~الشكر بكماله لم يوجد وأما الكفران فكل جزء يقع منه تام / فقال بصيغة ~~الماضي . # / المسألة الثالثة : قال تعالى هنا : { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن ~~كفر } بتقديم الشكر على الكفران ، وقال في سورة الروم : { ومن كفر * فعليه ~~كفره ومن عمل صالحا فلانفسهم يمهدون } ( الروم : 44 ) فنقول هناك كان الذكر ~~للترهيب لقوله تعالى من قبل : { فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتى يوم ~~لا مرد له من الله يومئذ يصدعون } ( الروم : 43 ) وههنا الذكر للترغيب ، ~~لأن وعظ الأب للابن يكون بطريق اللطف والوعد ، وقوله : { ومن عمل صالحا } ~~يحقق ما ذكرنا أولا ، لأن المذكور في سورة الروم لما كان بعد اليوم الذي لا ~~مرد له تكون الأعمال قد سبقت فقال بلفظ الماضي ومن عمل ، وههنا لما كان ~~المذكور في الابتداء قال { ومن يشكر } بلفظ المستقبل وقوله : { ومن كفر فإن ~~الله غنى } عن حمد الحامدين ، حميد في ذاته من غير حمدهم ، وإنما الحامد ~~ترتفع مرتبته بكونه حامدا لله تعالى . # ! 7 < { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم ~~عظيم } . > 7 ! # < < # | لقمان : ( 13 ) وإذ قال لقمان . . . . . # > > عطف على معنى ما سبق وتقديره آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكرا في ~~نفسه وحين جعلناه واعظا لغيره وهذا لأن علو مرتبة الإنسان بأن يكون كاملا ms7289 ~~في نفسه ومكملا لغيره فقوله : { أن اشكر } إشارة إلى الكمال وقوله : { وإذ ~~قال لقمان لابنه وهو يعظه } إشارة إلى التكميل ، وفي هذا لطيفة وهي أن الله ~~ذكر لقمان وشكر سعيه حيث أرشد ابنه ليعلم منه فضيلة النبي عليه السلام الذي ~~أرشد الأجانب والأقارب فإن إرشاد الولد أمر معاد ، وأما تحمل المشقة في ~~تعليم الأباعد فلا ، ثم إنه في الوعظ بدأ بالأهم وهو المنع من الإشراك وقال ~~: { إن الشرك لظلم عظيم } أما أنه ظلم فلأنه وضع للنفس الشريف المكرم بقوله ~~تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } ( الإسراء : 70 ) في عبادة الخسيس أو لأنه ~~وضع العبادة في غير موضعها وهي غير وجه الله وسبيله ، وأما أنه عظيم فلأنه ~~وضع في موضع ليس موضعه ، ولا يجوز أن يكون موضعه ، وهذا لأن من يأخذ مال ~~زيد ويعطي عمرا يكون ظلما من حيث إنه وضع مال زيد في يد عمرو ، ولكن جائز ~~أن يكون ذلك ملك عمرو أو يصير ملكه ببيع سابق أو بتمليك لاحق ، وأما ~~الإشراك فوضع المعبودية في غير الله تعالى ولا يجوز أن يكون غيره معبودا ~~أصلا . # PageV25P128 ! 7 < { ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله فى عامين أن اشكر لى ولوالديك إلى المصير } . > 7 ! # < < # | لقمان : ( 14 ) ووصينا الإنسان بوالديه . . . . . # > > لما منعه من العبادة لغير الله والخدمة قريبة منها في الصورة بين ~~أنها غير ممتنعة ، بل هي واجبة / لغير الله في بعض الصور مثل خدمة الأبوين ~~، ثم بين السبب فقال : { حملته أمه } يعني لله على العبيد نعمة الإيجاد ~~ابتداء بالخلق ونعمة الإبقاء بالرزق وجعل بفضله لأم ما له صورة ذلك وإن لم ~~يكن لها حقيقة فإن الحمل به يظهر الوجود ، وبالرضاع يحصل التربية والبقاء ~~فقال حملته أمه أي صارت بقدرة الله سبب وجوده وفصاله في عامين ، أي صارت ~~بقدرته أيضا سبب بقائه ، فإذا كان منها ما له صورة الوجود والبقاء وجب عليه ~~ما له شبه العبادة من الخدمة ، فإن الخدمة لها صورة العبادة ، فإن قال قائل ~~وصى الله بالوالدين وذكر السبب في حق ms7290 الأم فنقول خص الأم بالذكر وفي الأب ~~ما وجد في الأم فإن الأب حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ ~~وقوله : { أن اشكر لى ولوالديك } لما كان الله تعالى بفضله جعل من الوالدين ~~صورة ما من الله ، فإن الوجود في الحقيقة من الله وفي الصورة يظهر من ~~الوالدين جعل الشكر بينهما فقال : { أن اشكر لى ولوالديك } ثم بين الفرق ~~وقال : { إلى المصير } يعني نعمتهما مختصة بالدنيا ونعمتي في الدنيا ~~والآخرة ، فإن إلي المصير أو نقول لما أمر بالشكر لنفسه وللوالدين قال ~~الجزاء على وقت المصير إلي . # ! 7 < { وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما ~~فى الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلى ثم إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون } . > 7 ! # < < # | لقمان : ( 15 ) وإن جاهداك على . . . . . # > > يعني أن خدمتهما واجبة وطاعتهما لازمة ما لم يكن فيها ترك طاعة الله ~~، أما إذا أفضى إليه فلا تطعهما ، وقد ذكرنا تفسير الآية في العنكبوت ، ~~وقال ههنا { واتبع سبيل من أناب إلى } ، يعني صاحبهما بجسمك فإن حقهما على ~~جسمك ، واتبع سبيل النبي عليه السلام بعقلك ، فإنه مربي عقلك ، كما أن ~~الوالد مربي جسمك . # ! 7 < { يابنى إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن فى صخرة أو فى السماوات ~~أو فى الا رض يأت بها الله إن الله لطيف خبير } . > 7 ! # < < # | لقمان : ( 16 ) يا بني إنها . . . . . # > > لما قال : { فأنبئكم بما كنتم تعملون } وقع لابنه أن ما يفعل في خفية ~~يخفي فقال : { وما يشعركم أنها } أي الحسنة والسيئة إن كانت في الصعر مثل ~~حبة خردل وتكون مع ذلك الصغر في موضع حريز كالصخرة لا تخفي على الله ، وفيه ~~مسائل : PageV25P129 # / المسألة الأولى : قوله : { فتكن } بالفاء لإفادة الاجتماع يعني إن كانت ~~صغيرة ومع صغرها تكون خفية في موضع حريز كالصخرة لا تخفى على الله لأن ~~الفاء للاتصال بالتعقيب . # المسألة الثانية : لو قيل الصخرة لا بد من أن تكون في السموات أو في ~~الأرض فما الفائدة في ذكرها ؟ ولأن القائل لو ms7291 قال هذا رجل أو امرأة أو ابن ~~عمرو لا يصح هذا الكلام لكون ابن عمرو داخلا في أحد القسمين فكيف يفهم هذا ~~، فنقول الجواب عنه من أوجه أحدها : ما قاله بعض المفسرين وهو أن المراد ~~بالصخرة صخرة عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء والثاني : ما قاله ~~الزمخشري وهو أن فيه إضمارا تقديره فتكن في صخرة أو في موضع آخر في السموات ~~أو في الأرض والثالث : أن نقول تقديم الخاص وتأخير العام في مثل هذا ~~التقسيم جائز وتقديم العام وتأخير الخاص غير جائز ، أما الثاني فلما بينتم ~~أن من قال هذا في دار زيد أو في غيرها أو في دار عمرو لا يصح لكون دار عمرو ~~داخلة في قوله أو في غيرها ، وأما الأول فلأن قول القائل هذا في دار زيد أو ~~في دار عمرو أو في غيرها صحيح غير قبيح فكذلك ههنا قدم الأخص أو نقول خفاء ~~الشيء يكون بطرق منها أن يكون في غاية الصغر ومنها أن يكون بعيدا ، ومنها ~~أن يكون في ظلمة ، ومنها أن يكون من وراء حجاب ، فإن انتفت الأمور بأسرها ~~بأن يكون كبيرا قريبا في ضوء من غير حجاب فلا يخفى في العبادة ، فأثبت الله ~~الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط فقوله : { إنها إن تك مثقال حبة } إشارة ~~إلى الصغر وقوله : { فتكن فى صخرة } إشارة إلى الحجاب وقوله : { أو فى * ~~السماوات } إشارة إلى البعد فإنها أبعد الأبعاد وقوله : { أو فى الارض } ~~إشارة إلى الظلمات فإن جوف الأرض أظلم الأماكن وقوله : { يأت بها الله } ~~أبلغ من قول القائل يعلمها الله لأن من يظهر له الشيء ولا يقدر على إظهاره ~~لغيره يكون حاله في العلم دون حال من يظهر له الشيء ويظهره لغيره فقوله : { ~~يأت بها الله } أي يظهرها الله للإشهاد وقوله : { إن الله لطيف } أي نافذ ~~القدرة { خبير } أي عالم ببواطن الأمور . # ! 7 < { يابنى أقم الصلواة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ ~~أصابك إن ذلك من عزم الا مور } . > 7 ! # < < # | لقمان : ( 17 ms7292 ) يا بني أقم . . . . . # > > لما منعه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بما يلزمه من التوحيد ~~وهو الصلاة وهي العبادة لوجه الله مخلصا ، وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في ~~سائر الملل غير أن هيئتها اختلفت . # ثم قال تعالى : { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } أي إذا كملت أنت في ~~نفسك بعبادة الله فكمل / غيرك ، فإن شغل الأنبياء وورثتهم من العلماء هو أن ~~يكملوا في أنفسهم ويكملوا غيرهم ، فإن قال قائل كيف قدم في وصيته لابنه ~~الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر ، وقبل قدم النهي عن المنكر على الأمر ~~بالمعروف فإنه أول ما قال { يعظه يابنى لا تشرك } ثم قال : { لسنتنا تحويلا ~~أقم الصلواة } فنقول هو كان يعمل من ابنه أنه معترف بوجود الله فما أمره ~~بهذا المعروف ونهاه عن المنكر الذي يترتب على هذا المعروف ، فإن المشرك ~~بالله لا يكون نافيا لله في الإعتقاد وإن كان يلزمه نفيه بالدليل فكان كل ~~معروف في مقابلته منكر والمعروف في PageV25P130 معرفة الله اعتقاد وجوده ~~والمنكر اعتقاد وجود غيره معه ، فلم يأمره بذلك المعروف لحصوله ونهاه عن ~~المنكر لأنه ورد في التفسير أن ابنه كان مشركا فوعظه ولم يزل يعظه حتى أسلم ~~، وأما ههنا فأمر أمرا مطلقا والمعروف مقدم على المنكر ثم قال تعالى : { ~~واصبر على ما أصابك } يعني أن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يؤذي فأمره ~~بالصبر عليه ، وقوله : { إن ذلك من عزم الامور } أي من الأمور الواجبة ~~المعزومة أي المقطوعة ويكون المصدر بمعنى المفعول ، كما تقول أكلي في ~~النهار رغيف خبز أي مأكولي . # ! 7 < { ولا تصعر خدك للناس ولا تمش فى الا رض مرحا إن الله لا يحب كل ~~مختال فخور } . > 7 ! # < < # | لقمان : ( 18 ) ولا تصعر خدك . . . . . # > > لما أمره أمره بأن يكون كاملا في نفسه مكملا لغيره وكان يخشى بعدهما ~~من أمرين أحدهما : التكبر على الغير بسبب كونه مكملا له والثاني : التبختر ~~في النفس بسبب كونه كاملا في نفسه فقال : { ولا تصعر خدك للناس } تكبرا { ~~ولا تمش فى الارض مرحا } تبخترا { إن ms7293 الله لا يحب كل مختال } يعني من يكون ~~به خيلاء وهو الذي يرى الناس عظمة نفسه وهو التكبر { فخور } يعني من يكون ~~مفتخرا بنفسه وهو الذي يرى عظمة لنفسه في عينه ، وفي الآية لطيفة وهو أن ~~الله تعالى قدم الكمال على التكميل حيث قال { أقم الصلواة } ثم قال : { ~~وأمر بالمعروف } وفي النهي قدم ما يورثه التكميل على ما يورثه الكمال حيث ~~قال : { ولا تصعر خدك } ثم قال : { ولا تمش فى الارض مرحا } لأن في طرف ~~الإثبات من لا يكون كاملا لا يمكن أن يصير مكملا فقدم الكمال ، وفي طرف ~~النفي من يكون متكبرا على غيره متبخترا لأنه لا يتكبر على الغير إلا عند ~~اعتقاده أنه أكبر منه من وجه ، وأما من يكون متبخترا في نفسه لا يتكبر ، ~~ويتوهم أنه يتواضع للناس فقدم نفي التكبر ثم نفي التبختر ، لأنه لو قد نفي ~~التبختر للزم منه نفي التكبر فلا يحتاج إلى النهي عنه . ومثاله أنه لا يجوز ~~أن يقال لا تفطر ولا تأكل ، لأن من لا يفطر لا يأكل ، ويجوز أن يقال لا ~~تأكل / ولا تفطر ، لأن من لا يأكل قد يفطر بغير الأكل ، ولقائل أن يقول إن ~~مثل هذا الكلام يكون للتفسير فيقول لا تفطر ولا تأكل أي لا تفطر بأن تأكل ~~ولا يكون نهيين بل واحدا . # ! 7 < { واقصد فى مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الا صوات لصوت الحمير } . > ~~7 @QB@ < # | لقمان : ( 19 ) واقصد في مشيك . . . . . # > > # لما قال : { ولا تمش فى الارض مرحا } وعدم ذلك قد يكون بضده وهو الذي ~~يخالف غاية الاختلاف ، وهو مشي المتماوت الذي يرى من نفسه الضعف تزهدا فقال ~~: { واقصد فى مشيك } أي كن وسطا بين الطرفين المذمومين ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : هل للأمر بالغض من الصوت مناسبة مع الأمر بالقصد في ~~المشي ؟ فنقول : نعم سواء علمناها نحن أو لم نعلمها وفي كلام الله من ~~الفوائد ما لا يحصره حد ولا يصيبه عد ، ولا يعلمه أحد والذي يظهر وجوه ~~الأول : هو أن الإنسان لما كان شريفا ms7294 تكون مطالبه شريفة فيكون فواتها خطرا ~~فأقدر الله PageV25P131 الإنسان على تحصيلها بالمشي ، فإن عجز عن إدراك ~~مقصوده ينادي مطلوبه فيقف له أو يأتيه مشيا إليه فإن عجز عن إبلاغ كلامه ~~إليه ، وبعض الحيوانات يشارك الإنسان في تحصيل المطلوب بالصوت كما أن الغنم ~~تطلب السخلة والبقرة العجل والناقة الفصيل بالثغاء والخوار والرغاء ولكن لا ~~تتعدى إلى غيرها ، والإنسان يميز البعض عن البعض فإذا كان المشي والصوت ~~مفضيين إلى مقصود واحد لما أرشده إلى أحدهما أرشده إلى الآخر الثاني : هو ~~أن الإنسان له ثلاثة أشياء عمل بالجوارح يشاركه فيه الحيوانات فإنه حركة ~~وسكون ، وقول باللسان ولا يشاركه فيه غيره وعزم بالقلب وهو لا اطلاع عليه ~~إلا لله ، وقد أشار إليه بقوله : { إنها إن تك مثقال حبة من خردل } أي أصلح ~~ضميرك فإن الله خبير ، بقي الأمران فقال : { واقصد فى مشيك واغضض من صوتك } ~~إشارة إلى التوسط في الأفعال والأقوال الثالث : هو أن لقمان أراد إرشاد ~~ابنه إلى السداد في الأوصاف الإنسانية والأوصاف التي هي للملك الذي هو أعلى ~~مرتبة منه ، والأوصاف التي للحيوان الذي هو أدنى مرتبة منه . فقوله : { ~~وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } إشارة إلى المكارم المختصة بالإنسان فإن ~~الملك لا يأمر ملكا آخر بشيء ولا ينهاه عن شيء . وقوله : { ولا تصعر خدك ~~للناس ولا تمش فى الارض مرحا } الذي هو إشارة إلى عدم التكبر والتبختر ~~إشارة إلى المكارم التي هي صفة الملائكة فإن عدم التكبر والتبختر صفتهم . ~~وقوله : { واقصد فى مشيك واغضض من صوتك } إشارة إلى المكارم التي هي صفة ~~الحيوان ثم قال تعالى : { إلى * أنكر الاصوات لصوت الحمير } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : لم ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة ~~المشي ، نقول أما على قولنا إن المشي والصوت كلاهما موصلان إلى شخص مطلوب ~~إن أدركه بالمشي إليه فذاك ، وإلا فيوقفه بالنداء ، فنقول رفع الصوت يؤذي ~~السامع ويقرع الصماخ بقوة ، وربما يخرق الغشاء الذي داخل الأذن . وأما ~~السرعة في المشي فلا تؤذي أو إن كانت تؤذي فلا ms7295 تؤذي غير من في طريقه والصوت ~~يبلغ من على اليمين واليسار ، ولأن المشي يؤذي آلة المشي والصوت يؤذي آلة ~~السمع وآلة السمع على باب القلب ، فإن الكلام ينتقل من السمع إلى القلب ولا ~~كذلك المشي ، وأما على قولنا الإشارة بالشيء والصوت إلى الأفعال والأقوال ~~فلأن القول قبيحه أقبح من قبيح الفعل وحسنه أحسن لأن اللسان ترجمان القلب ~~والاعتبار يصحح الدعوى . # المسألة الثانية : كيف يفهم كونه أنكر مع أن مس المنشار بالمبرد وحت ~~النحاس بالحديد أشد تنفيرا ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المراد ~~أن أنكر أصوات الحيوانات صوت الحمير فلا يرد ما ذكرتم وما ذكرتم في أكثر ~~الأمر لمصلحة وعمارة فلا ينكر / بخلاف صوت الحمير وهذا وهو الجواب الثاني . # المسألة الثالثة : أنكر هو أفعل التفضيل فمن أي باب هو ؟ نقول يحتمل أن ~~يكون من باب أطوع له من بنانه ، بمعنى أشدها طاعة فإن أفعل لا يجىء في مفعل ~~ولا في مفعول ولا في باب العيوب إلا ما شذ ، كقولهم أطوع من كذا للتفضيل ~~على المطيع ، وأشغل من ذات النحيين للتفضيل على المشغول ، وأحمق من فلان من ~~باب العيوب ، وعلى هذا فهو في باب أفعل كأشغل في باب مفعول فيكون للتفضيل ~~على المنكر ، أو نقول هو من باب أشغل مأخوذا من نكر الشيء فهو منكر ، وهذا ~~أنكر منه ، وعلى هذا فله معنى لطيف ، وهو أن كل حيوان قد يفهم من صوته بأنه ~~يصيح من ثقل أو تعب كالبعير أو غير ذلك ، والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ~~ولو قتل لا يصيح ، وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق فصوته منكور ، ~~ويمكن أن يقال هو من نكير كأجدر من جدير . # PageV25P132 ! 7 < { ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الا ~~رض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير } . > 7 @QB@ < # | لقمان : ( 20 ) ألم تروا أن . . . . . # > > # لما استدل بقوله تعالى : { خلق * السماوات * بغير عمد } على الوحدانية ، ~~وبين بحكاية ms7296 لقمان أن / معرفة ذلك غير مختصة بالنبوة بل ذلك موافق للحكمة ، ~~وما جاء به النبي عليه السلام من التوحيد والصلاة ومكارم الأخلاق كلها حكمة ~~بالغة ، ولو كان تعبدا محضا للزم قبوله ، فضلا عن أنه على وفق الحكمة ، ~~استدل على الوحدانية بالنعمة لأنا بينا مرارا أن الملك يخدم لعظمته ، وإن ~~لم ينعم ويخدم لنعمته أيضا ، فلما بين أنه المعبود لعظمته بخلقه السموات ~~بلا عمد وإلقائه في الأرض الرواسي . وذكر بعض النعم بقوله : { وأنزلنا من ~~السماء ماء } ( المؤمنون : 18 ) ذكر بعده عامة النعم فقال : { سخر لكم ما ~~فى * السماوات } أي سخر لأجلكم ما في السموات ، فإن الشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمر الله وفيها فوائد لعباده ، وسخر ما في الأرض لأجل عباده ، ~~وقوله : { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة } وهي ما في الأعضاء من السلامة { وباطنة ~~} وهي ما في القوى فإن العضو ظاهر وفيه قوة باطنة ، ألا ترى أن العين ~~والأذن شحم وغضروف ظاهر ، واللسان والأنف لحم وعظم ظاهر ، وفي كل واحد معنى ~~باطن من الأبصار والسمع والذوق والشم ، وكذلك كل عضو ، وقد تبطل القوة ~~ويبقى العضو قائما ، وهذا أحسن مما قيل فإن على هذا الوجه يكون الاستدلال ~~بنعمة الآفاق وبنعمة الأنفس فقوله : { ما في السماوات وما في الارض } يكون ~~إشارة إلى النعم الآفاقية ، وقوله : { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } ~~يكون إشارة إلى النعم الأنفسية ، وفيهما أقوال كثيرة مذكورة في جميع كتب ~~التفاسير ، ولا يبعد أن يكون ما ذكرناه مقولا منقولا ، وإن لم يكن فلا يخرج ~~من أن يكون سائغا معقولا . # ثم قال تعالى : { ومن الناس من يجادل فى الله } يعني لما ثبت الوحدانية ~~بالخلق والإنعام فمن الناس من يجادل في الله ويثبت غيره ، إما إلها أو ~~منعما { بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } هذه أمور ثلاثة مرتبة العلم ~~والهدى والكتاب ، والعلم أعلى من الهدى والهدى من الكتاب ، وبيانه هو أن ~~العلم تدخل فيه الأشياء الواضحة اللائحة التي تعلم من غير هداية هاد ، ثم ~~الهدى يدخل فيه الذي يكون في كتاب والذي يكون من ms7297 إلهام ووحي ، فقال تعالى : ~~{ يجادل } ذلك المجادل لا من علم واضح ، ولا من هدى أتاه من هاد ، ولا من ~~كتاب وكأن الأول إشارة إلى من أوتي من لدنه علما كما قال تعالى : { وعلمك ~~ما لم تكن تعلم } ( النساء : 113 ) والثاني : إشارة إلى مرتبة من هدى إلى ~~صراط مستقيم بواسطة كما قال تعالى : { علمه شديد القوى } ( النجم : 5 ) ~~والثالث : إشارة إلى مرتبة من اهتدى بواسطتين ولهذا قال تعالى : { الم * ~~ذالك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) وقال في هذه السورة : ~~{ هدى ورحمة للمحسنين } ( لقمان : 3 ) وقال في السجدة : { وءاتينآ موسى ~~الكتاب وجعلناه هدى لبنى إسراءيل } ( الإسراء : 2 ) فالكتاب هدى لقوم النبي ~~عليه السلام ، والنبي هداه من الله تعالى من غير واسطة أو بواسطة الروح ~~الأمين ، فقال تعالى : يجادل من يجادل لا بعلم آتيناه من لدنا كشفا ، ولا ~~بهدى أرسلناه إليه وحيا / ولا بكتاب يتلى عليه وعظا . ثم فيه لطيفة أخرى ~~وهو أنه PageV25P133 تعالى قال في الكتاب : { ولا كتاب منير } لأن المجادل ~~منه من كان يجادل من كتاب ولكنه محرف مثل التوراة بعد التحريف ، فلو قال / ~~ولا كتاب لكان لقائل أن يقول لا يجادل من غير كتاب ، فإن بعض ما يقولون فهو ~~في كتابهم ولأن المجوس والنصارى يقولون بالتثنية والتثليث عن كتابهم ، فقال ~~: { ولا كتاب منير } فإن ذلك الكتاب مظلم ، ولما لم يحتمل في المرتبة ~~الأولى والثانية التحريف والتبديل لم يقل بغير علم ولا هدى منير أو حق أو ~~غير ذلك . # ! 7 < { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~ءابآءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير * ومن يسلم وجهه إلى الله ~~وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الا مور } . > 7 @QB@ ~~< # | لقمان : ( 21 - 22 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > # قوله تعالى : { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا ~~عليه ءاباءنا } بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية القبح فإن ~~النبي عليه السلام يدعوهم إلى ms7298 كلام الله ، وهم يأخذون بكلام آبائهم ، وبين ~~كلام الله تعالى وكلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله وكلام ~~الجهلاء ثم إن ههنا شيئا آخر وهو أنهم قالوا : { بل نتبع ما وجدنا عليه ~~ءاباءنا } يعني نترك القول النازل من الله ونتبع الفعل ، والقول أدل من ~~الفعل لأن الفعل يحتمل أن يكون جائزا ، ويحتمل أن يكون حراما ، وهم تعاطوه ~~، ويحتمل أن يكون واجبا في اعتقادهم والقول بين الدلالة ، فلو سمعنا قول ~~قائل افعل ورأينا فعله يدل على خلاف قوله ، لكان الواجب الأخذ بالقول ، ~~فكيف والقول من الله والفعل من الجهال ، ثم قال تعالى : { أو * لو كان * ~~الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } استفهاما على سبيل التعجب في الإنكار ~~يعني الشيطان يدعوهم إلى العذاب والله يدعو إلى الثواب ، وهم مع هذا يتبعون ~~الشيطان . ثم قال تعالى : { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الامور } لما بين حال المشرك والمجادل في ~~الله بين حال المسلم المستسلم لأمر الله فقوله : { ومن يسلم وجهه إلى الله ~~} إشارة إلى الإيمان وقوله : { وهو محسن } إشارة إلى العمل الصالح فتكون ~~الآية في معنى قوله تعالى : { من ءامن وعمل صالحا } وقوله : { فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى } أي تمسك بحبل لا انقطاع له وترقى بسببه إلى أعلى المقامات ~~وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال ههنا : { ومن يسلم وجهه إلى الله } وقال في سورة ~~البقرة : { بلى من أسلم وجهه لله } فعدى ههنا بإلى وهناك باللام ، قال ~~الزمخشري معنى قوله : { أسلم * لله } أي جعل نفسه لله سالما أي خالصا / ~~والوجه بمعنى النفس والذات ، ومعنى قوله : { يسلم وجهه إلى الله } يسلم ~~نفسه إلى الله كما يسلم واحد متاعا إلى غيره ولم يزد على هذا ، ويمكن أن ~~يزاد عليه ويقال من أسلم لله أعلى درجة ممن يسلم إلى الله ، لأن إلى للغاية ~~واللام للاختصاص ، يقول القائل أسلمت وجهي إليك أي توجهت نحوك وينبىء هذا ~~عن عدم الوصول PageV25P134 لأن التوجه إلى الشيء قبل الوصول وقوله أسلمت ~~وجهي لك يفيد ms7299 الاختصاص ولا ينبىء عن الغاية التي تدل على المسافة وقطعها ~~للوصول ، إذا علم هذا فنقول في البقرة قالت اليهود والنصارى : { لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ( البقرة : 111 ) فقال الله ردا عليهم : ~~{ تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم } ( البقرة : 111 ) ثم بين فساد قولهم ~~بقوله تعالى : { بلى من أسلم وجهه لله } أي أنتم مع أنكم تتركون الله ~~للدنيا وتولون عنه للباطل وتشترون بآياته ثمنا قليلا تدخلون ( النار ) ومن ~~كان بكليته لله لا يدخلها ، هذا كلام باطل فأورد عليهم من أسلم لله ولا شك ~~أن النقض بالصورة التي هي ألزم أولى فأورد عليهم المخلص الذي ليس له أمر ~~إلا الله وقال : أنتم تدخلون الجنة وهذا لا يدخلها ، ثم بين كذبهم وقال : ~~بلى وبين أن له فوق الجنة درجة وهي العندية بقوله : { فله أجره عند ربه } ~~وأما ههنا أراد وعد المحسن بالثواب والوصول إلى الدرجة العالية فوعد من هو ~~دونه ليدخل فيه من هو فوقه بالطريق الأولى ويعم الوعد وهذا من الفوائد ~~الجليلة . ثم قال تعالى : { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أوثق العرى جانب ~~الله لأن كل ما عداه هالك منقطع وهو باق لا انقطاع له ، ثم قال تعالى : { ~~وإلى الله عاقبة الامور } يعني استمسك بعروة توصله إلى الله وكل شيء عاقبته ~~إليه فإذا حصل في الحال ما إليه عاقبته في عاقبته في غاية الحسن وذلك لأن ~~من يعلم أن عاقبة الأمور إلى واحد ثم يقدم إليه الهدايا قبل الوصول إليه ~~يجد فائدته عند القدوم عليه ، وإلى هذا وقعت الإشارة بقوله : { وما تقدموا ~~لانفسكم من خير تجدوه عند الله } ( البقرة : 110 ) . # ! 7 < { ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله ~~عليم بذات الصدور * نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ } . > 7 ! # < < # | لقمان : ( 23 - 24 ) ومن كفر فلا . . . . . # > > لما بين حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر فقال : { ومن كفر فلا ~~يحزنك } أي لا تحزن إذا كفر كافر فإن من يكذب وهو قاطع بأن صدقه يتبين عن ~~قريب ms7300 لا يحزن ، بل قد يؤنب المكذب على الزيادة في التكذيب إذا لم يكن من ~~الهداة ويكون المكذب من العداة ليخجله غاية التخجيل ، وأما إذا كان لا يرجو ~~ظهور صدقه يتألم من التكذيب ، فقال فلا يحزنك كفره ، فإن المرجع إلي ~~فأنبئهم بما عملوا فيخجلون وقوله : { إن الله عليم بذات الصدور } أي لا ~~يخفى عليه سرهم وعلانيتهم / فينبئهم بما أضمرته صدورهم ، وذات الصدور هي ~~المهلك ، ثم إن الله تعالى فصل ما ذكرنا وقال : { نمتعهم قليلا } أي بقاؤهم ~~مدة قليلة ثم بين لهم وبال تكذيبهم وكفرهم بقوله : { ثم نضطرهم } أي نسلط ~~عليهم أغلظ عذاب حتى يدخلوا بأنفسهم عذابا غليظا فيضطرون إلى عذاب النار ~~فرارا من الملائكة الغلاظ الشداد الذين يعذبونهم بمقامع من نار ، وفيه وجه ~~آخر لطيف وهو أنهم لما كذبوا الرسل ثم تبين لهم الأمر وقع عليهم من الخجالة ~~ما يدخلون النار ولا يختارون الوقوف بين يدي ربهم بمحضر الأنبياء ، وهو ~~يتحقق بقوله تعالى : { فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } . # PageV25P135 ! 7 < { ولئن سألتهم من خلق السماوات والا رض ليقولن الله قل ~~الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } . > 7 ! # < < # | لقمان : ( 25 ) ولئن سألتهم من . . . . . # > > الآية متعلقة بما قبلها من وجهين أحدهما : أنه تعالى لما استدل بخلق ~~السموات بغير عمد وبنعمه الظاهرة والباطنة بين أنهم معترفون بذلك غير ~~منكرين له وهذا يقتضي أن يكون الحمد كله لله ، لأن خالق السموات والأرض ~~يحتاج إليه كل ما في السموات والأرض ، وكون الحمد كله لله يقتضي أن لا يعبد ~~غيره ، لكنهم لا يعلمون هذا والثاني : أن الله تعالى لما سلى قلب النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقوله : { فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم } أي لا ~~تحزن على تكذيبهم فإن صدقك وكذبهم يتبين عن قريب عند رجوعهم إلينا ، قال ~~وليس لا يتبين إلا ذلك اليوم بل هو يتبين قبل يوم القيامة لأنهم معترفون ~~بأن خلق السموات والأرض من الله ، وهذا يصدقك في دعوى الوحدانية ويبين ~~كذبهم في الإشراك { فقل الحمد لله } على ظهور صدقك وكذب مكذبيك ms7301 { بل أكثرهم ~~لا يعلمون } أي ليس لهم علم يمنعهم من تكذيبك مع اعترافهم بما يوجب تصديقك ~~وعلى هذا يكون لا يعلمون استعمالا للفعل مع القطع عن المفعول بالكلية كما ~~يقول القائل فلأن يعطي ويمنع ولا يكون في ضميره من يعطي بل يريد أن له عطاء ~~ومنعا فكذلك ههنا قال لا يعلمون أي ليس لهم علم وعلى الأول يكون لا يعلمون ~~له مفعول مفهوم وهو أنهم لا يعلمون أن الحمد كله لله ، والثاني أبلغ لأن ~~قول القائل : فلان لا علم له بكذا ، دون قوله فلان لا علم له ، وكذا قوله ~~فلان : لا ينفع زيدا ولا يضره ، دون قوله : فلان لا يضر ولا ينفع . # ! 7 < { لله ما فى السماوات والا رض إن الله هو الغنى الحميد } . > 7 ! # / < < # | لقمان : ( 26 ) لله ما في . . . . . # > > ذكر بما يلزم منه ، وهو أنه يكون له ما فيهما والأمر كذلك عقلا وشرعا ~~، أما عقلا فلأن ما في السموات المخلوقة مخلوق وإضافة خلقه إلى من منه خلق ~~السموات والأرض لازم عقلا لأنها ممكنة ، والممكن لا يقع ولا يوجد إلا بواجب ~~من غير واسطة كما هو مذهب أهل السنة أو بواسطة كما يقوله غيرهم ، وكيفما ~~فرض فكله من الله لأن سبب السبب سبب ، وأما شرعا فلأن من يملك أرضا وحصل ~~منها شيء ما يكون ذلك لمالك الأرض فكذلك كل ما في السموات والأرض حاصل ~~فيهما ومنهما فهو لمالك السموات والأرض وإذا كان الأمر كذلك تحقق أن الحمد ~~كله لله . ثم قوله تعالى : { إن الله هو الغنى الحميد } فيه معان لطيفة ~~أحدها : أن الكل لله وهو غير محتاج إليه غير منتفع به وفيها منافع فهي لكم ~~خلقها فهو غني لعدم حاجته حميد مشكور لدفعه حوائجكم بها وثانيها : أن بعد ~~ذكر الدلائل على أن الحمد كله لله ولا تصلح العبادة إلا لله افترق المكلفون ~~فريقين مؤمن وكافر ، والكافر لم يحمد الله والمؤمن حمده فقال إنه عني عن ~~حمد الحامدين فلا يلحقه نقص بسبب كفر الكافرين ، وحميد في نفسه فيتبين به ~~إصابة المؤمنين ms7302 وتكمل بحمده الحامدون وثالثها : هو أن السموات وما فيها ~~والأرض وما فيها إذا كانت لله ومخلوقة له فالكل محتاجون فلا غني إلا الله ~~فهو الغني المطلق وكل محتاج فهو حامد ، لاحتياجه إلى من يدفع حاجته فلا ~~يكون الحميد المطلق إلا الغني PageV25P136 المطلق فهو الحميد ، وعلى هذا ( ~~يكون ) الحميد بمعنى المحمود ، والله إذا قيل له الحميد لا يكون معناه إلا ~~الواصف ، أي وصف نفسه أو عباده بأوصاف حميدة ، والعبد إذا قيل له حامد ~~يحتمل ذلك المعنى ، ويحتمل كونه عابدا شاكرا له . # ! 7 < { ولو أنما فى الا رض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ~~ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم * ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ~~إن الله سميع بصير } . > 7 @QB@ < # | لقمان : ( 27 - 28 ) ولو أنما في . . . . . # > > # لما قال تعالى : { لله ما فى * السماوات والارض } وكان ذلك موهما لتناهي ~~ملكه لانحصار ما في السموات وما في الأرض فيهما ، وحكم العقل الصريح ~~بتناهيهما بين أن في قدرته وعلمه عجائب لا نهاية لها فقال : { ولو أن * ما ~~فى الارض * من شجرة أقلام } ويكتب بها والأبحر مداد لا تفني عجائب صنع الله ~~، وعلى هذا فالكلمة مفسرة بالعجيبة ، ووجهها أن العجائب بقوله كن وكن كلمة ~~وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز . يقول الشجاع لمن يبارزه أنا موتك ، ~~ويقال للدواء في حق المريض / هذا شفاؤك ، ودليل صحة هذا هو أن الله تعالى ~~سمى المسيح كلمة لأنه كان أمرا عجيبا وصنعا غريبا لوجوده من غير أب ، فإن ~~قال قائل الآية واردة في اليهود حيث قالوا الله ذكر كل شيء في التوراة ولم ~~يبق شيء لم يذكره ، فقال الذي في التوراة بالنسبة إلى كلام الله تعالى ليس ~~إلا قطرة من بحار وأنزل هذه الآية ، وقيل أيضا إنها نزلت في واحد قال للنبي ~~عليه السلام إنك تقول : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ( الإسراء : 85 ~~) وتقول : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) فنزلت ~~الآية دالة على أنه خير كثير بالنسبة إلى ms7303 العباد ، وبالنسبة إلى الله ~~وعلومه قليل ، وقيل أيضا إنها نزلت ردا على الكفار حيث قالوا بأن ما يورده ~~محمد سينفد ، فقال إنه كلام الله وهو لا ينفد . وما ذكر من أسباب النزول ~~ينافي ما ذكرتم من التفسير ، لأنها تدل على أن المراد الكلام ، فنقول ما ~~ذكرتم من اختلاف الأقوال فيه يدل على جواز ما ذكرنا ، لأنه إذا صلح جوابا ~~لهذه الأشياء التي ذكرتموها وهي متباينة علم أنها عامة وما ذكرنا لا ينافي ~~هذا ، لأن كلام الله عجيب معجز لا يقدر أحد على الإتيان بمثله ، وإذا قلنا ~~بأن عجائب الله لا نهاية لها دخل فيها كلامه ، لا يقال إنك جعلت الكلام ~~مخلوقا ، لأنا نقول المخلوق هو الحرف والتركيب وهو عجيب ، وأما الكلمات فهي ~~من صفات الله تعالى واعلم أن الآية وإن كانت نازلة على ترتيب غير الذي هو ~~مكتوب ، ولكن الترتيب المكتوب عليه القرآن بأمر الله ، فإنه بأمر الرسول ~~كتب كذلك ، وأمر الرسول من أمر الله وذلك محقق متيقن من سنن الترتيب الذي ~~فيه ، ثم إن الآية فيها لطائف الأولى : قال : { ولو أن * ما فى الارض * من ~~شجرة أقلام } وحد الشجرة وجمع الأقلام ولم يقل ولو أن ما في الأرض من ~~الأشجار أقلام ولا قال ولو أن ما في الأرض من شجرة قلم إشارة إلى التكثير ، ~~يعني ولو أن بعدد كل شجرة أقلاما الثانية : قوله والبحر يمده تعريف البحر ~~باللام لاستغراق الجنس PageV25P137 وكل بحر مداد ، ثم قوله : { يمده من ~~بعده سبعة أبحر } إشارة إلى بحار غير موجودة ، يعني لو مدت البحار الموجودة ~~بسبعة أبحر أخر وقوله : { سبعة } ليس لانحصارها في سبعة ، وإنما الإشارة ~~إلى المدد والكثرة ولو بألف بحر ، والسبعة خصصت بالذكر من بين الأعداد ، ~~لأنها عدد كثير يحصر المعدودات في العادة ، والذي يدل عليه وجوه الأول : هو ~~أن ما هو معلوم عند كل أحد لحاجته إليه هو الزمان والمكان ، لأن المكان فيه ~~الأجسام والزمان فيه الأفعال ، لكن المكان منحصر في سبعة أقاليم والزمان في ~~سبعة أيام ، ولأن الكواكب السيارة سبعة ms7304 / وكان المنجمون ينسبون إليها أمورا ~~، فصارت السبعة كالعدد الحاصر للكثرات الواقعة في العادة فاستعملت في كل ~~كثير الثاني : هو أن الآحاد إلى العشرة وهي العقد الأول وما بعده يبتدىء من ~~الآحاد مرة أخرى فيقال أحد عشر واثنا عشر ، ثم المئات من العشرات والألوف ~~من المئات ، إذا علم هذا فنقول أقل ما يلتئم منه أكثر المعدودات هو الثلاثة ~~، لأنه يحتاج إلى طرفين مبدأ ومنتهى ووسط ، ولهذا يقال أقل ما يكون الإسم ~~والفعل منه هو ثلاثة أحرف ، فإذا كانت الثلاثة هو القسم الأول من العشرة ~~التي هو العدد الأصلي تبقى / السبعة القسم الأكثر ، فإذا أريد بيان الكثرة ~~ذكرت السبعة ، ولهذا فإن المعدودات في العبادات من التسبيحات في الانتقالات ~~في الصلوات ثلاثة ، والمرار في الوضوء ثلاثة تيسيرا للأمر على المكلف ~~اكتفاء بالقسم الأول ، إذا ثبت هذا فنقول قوله عليه السلام : ( المؤمن يأكل ~~في معى والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) إشارة إلى قلة الأكل وكثرته من غير ~~إرادة السبعة بخصوصها ، ويحتمل أن يقال إن لجهنم سبعة أبواب بهذا التفسير ، ~~ثم على هذا فقولنا للجنة ثمانية أبواب إشارة إلى زيادتها فإن فيها الحسنى ~~وزيادة فلها أبواب كثيرة وزائدة على كثرة غيرها ، والذي يدل على ما ذكرنا ~~في السبعة أن العرب عند الثامن يزيدون واوا ، يقول الفراء إنها واو ~~الثمانية وليس ذلك إلا للاستئناف لأن العدد بالسبعة يتم في العرف ، ثم ~~بالثامن استئناف جديد اللطيفة الثالثة : لم يقل في الأقلام المدد لوجهين ~~أحدهما : هو أن قوله : { ولو أن * ما فى الارض * من شجرة أقلام } بينا أن ~~المراد منه هو أن يكون بعدد كل شجرة موجودة أقلام فتكون الأقلام أكثر من ~~الأشجار الموجودة وقوله في البحر : { والبحر يمده سبعة أبحر } إشارة إلى أن ~~البحر لو كان أكثر من الموجود لاستوى القلم والبحر في المعنى والثاني : هو ~~أن النقصان بالكتابة يلحق المداد أكثر فإنه هو النافد والقلم الواحد يمكن ~~أن يكتب به كتب كثيرة فذكر المدد في البحر الذي هو كالمداد . # ثم قال تعالى : { أن الله عزيز حكيم ms7305 } لما ذكر أن ملكوته كثيرا أشار إلى ~~ما يحقق ذلك فقال : { إنه عزيز حكيم } أي كامل القدرة فيكون له مقدورات لا ~~نهاية لها وإلا لانتهت القدرة إلى حيث لا تصلح للإيجاد وهو حكيم كامل العلم ~~ففي علمه ما لا نهاية له فتحقق أن البحر لو كان مدادا لما نفد ما في علمه ~~وقدرته . # ثم قال تعالى : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } لما بين كمال ~~قدرته وعلمه ذكر ما يبطل استبعادهم للمعشر وقال : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا ~~كنفس واحدة } ومن لا نفاد لكلماته يقول للموتى كونوا فيكونوا . # ثم قال تعالى : { إن الله سميع بصير } سميع لما يقولون بصير بما يعملون ~~فإذا كونه قادرا على البعث ومحيطا بالأقوال والأفعال يوجب ذلك الاجتناب ~~التام والاحتراز الكامل . # PageV25P138 ! 7 < { ألم تر أن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى ~~اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرىإلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير } . ~~> 7 ! # / < < # | لقمان : ( 29 ) ألم تر أن . . . . . # > > يحتمل أن يقال : إن وجه الترتيب هو أن الله تعالى لما قال : { ألم تر ~~أن الله سخر لكم ما فى * السماوات وما في الارض } على وجه العموم ذكر منها ~~بعض ما هو فيهما على وجه الخصوص بقوله : { يولج اليل فى النهار } وقوله : { ~~وسخر الشمس والقمر } إشارة إلى ما في السموات ، وقوله بعد هذا : { ألم تر ~~أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت الله } إشارة إلى ما في الأرض . ويحتمل أن ~~يقال إن وجهه هو أن الله تعالى لما ذكر البعث وكان من الناس من يقول : { ~~وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) والدهر هو الليالي والأيام ، قال ~~الله تعالى هذه الليالي والأيام التي تنسبون إليها الموت والحياة هي بقدرة ~~الله تعالى فقال : { ألم تر أن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى ~~اليل } ثم إن قائلا لو قال إن ذلك اختلاف مسير الشمس تارة تكون القوس التي ~~هي فوق الأرض أكثر من التي تحت الأرض فيكون الليل أقصر والنهار أطول وتارة ~~تكون بالعكس وتارة ms7306 يتساويان فيتساويان فقال تعالى : { وسخر الشمس والقمر } ~~يعني إن كنتم لا تعترفون بأن هذه الأشياء كلها في أوائلها من الله فلا بد ~~من الاعتراف بأنها بأسرها عائدة إلى الله تعالى ، فالآجال إن كانت بالمدد ~~والمدد بسير الكواكب فسير الكواكب ليس إلا بالله وقدرته ، وفي الآية مسائل ~~: # المسألة الأولى : إيلاج الليل في النهار يحتمل وجهين أحدهما : أن يقال ~~المراد إيلاج الليل في زمان النهار أي يجعل في الزمان الذي كان فيه النهار ~~الليل ، وذلك لأن الليل إذا كان مثلا اثنتي عشرة ساعة ثم يطول يصير الليل ~~موجودا في زمان كان فيه النهار وثانيهما : أن يقال المراد إيلاج زمان الليل ~~في النهار أي يجعل زمان الليل في النهار وذلك لأن الليل إذا كان كما ذكرنا ~~اثنتي عشرة ساعة إذا قصر صار زمان الليل موجودا في النهار ولا يمكن غير هذا ~~لأن إيلاج الليل في النهار محال الوجود فما ذكرنا من الإضمار لا بد منه لكن ~~الأول أولى لأن الليل والنهار أفعال والأفعال في الأزمنة لأن الزمان ظرف ~~فقولنا الليل في زمان النهار أقرب من قولنا زمان الليل في النهار لأن ~~الثاني يجعل الظرف مظروفا . إذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى : { يولج اليل فى ~~النهار } أي يوجده في وقت كان فيه النهار والله تعالى قدم إيجاد الليل على ~~إيجاد النهار في كثير من المواضع كما في قوله تعالى : { وجعلنا اليل ~~والنهار ءايتين } ( الإسراء : 12 ) وقوله : { وجعل الظلمات والنور } ( ~~الأنعام : 1 ) وقوله : { واختلاف اليل والنهار } ( الجاثية : 5 ) ومن جنسه ~~قوله : { خلق الموت والحيواة ليبلوكم أيكم أحسن عملا } ( الجاثية : 5 ) ~~وهذا إشارة إلى مسألة حكمية ، وهي أن الظلمة قد يظن بها أنها عدم النور ~~والليل عدم النور والليل عدم النهار والحياة عدم الموت وليس كذلك إذ في ~~الأزل لم يكن نهار ولا نور ولا حياة لممكن ولا يمكن أن يقال كان فيه موت أو ~~ظلمة أو ليل فهذه الأمور كالأعمى والأصم فالعمي والصمم PageV25P139 ليس ~~مجرد عدم البصر وعدم السمع إذ الحجر والشجر لا بصر لهما ms7307 ولا سمع ولا يقال ~~لشيء منهما إنه أصم أو أعمى إذا علم هذا فنقول ما يتحقق فيه العمى والصمم ~~لا بد من أن يكون فيه اقتضاء لخلافهما وإلا لما كان يقال له أعمى وأصم وما ~~يكون فيه اقتضاء شيء / ويترتب عليه مقتضاه / لا تطلب النفس له سببا ، لأن ~~من يرى المتعيش في السوق ، لا يقول لم دخل السوق وما يثبت على خلاف المقتضى ~~تطلب النفس له سببا ، كمن يرى ملكا في السوق يقول لم دخل ، فإذن سبب العمى ~~والصمم يطلبه كل واحد فيقول لم صار فلان أعمى ولا يقول لم صار فلان بصيرا ، ~~وإذا كان كذلك قدم الله تعالى ما تطلب النفس سببه وهو الليل الذي هو على ~~وزان العمى والظلمة والموت لكون كل واحد طالبا سببه ثم ذكر بعده الأمر ~~الآخر . # المسألة الثانية : قال : { يولج } بصيغة المستقبل وقال في الشمس والقمر ~~سخر بصيغة الماضي لأن إيلاج الليل في النهار أمر يتجدد كل فصل بل كل يوم ~~وتسخير الشمس والقمر أمر مستمر كما قال تعالى : { حتى عاد كالعرجون القديم ~~} ( يس : 39 ) . # المسألة الثالثة : قدم الشمس على القمر مع تقدم الليل الذي فيه سلطان ~~القمر على النهار الذي فيه سلطان الشمس لما بينا أن تقديم الليل كان لأن ~~الأنفس تطلب سببه أكثر مما تطلب سبب النهار ، وههنا كذلك ، لأن الشمس لما ~~كانت أكبر وأعظم كانت أعجب ، والنفس تطلب سبب الأمر العجيب أكثر مما تطلب ~~سبب الأمر الذي لا يكون عجيبا . # المسألة الرابعة : ما تعلق قوله تعالى : { وأن الله بما تعملون خبير } ~~بما تقدم ؟ نقول لما كان الليل والنهار محل الأفعال بين أن ما يقع في هذين ~~الزمانين اللذين هما بتصرف الله لا يخفى على الله . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { ألم تر } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون ~~الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه الأكثرون ، وكأنه ترك الخطاب مع ~~غيره ، لأن من هو غيره من الكفار لا فائدة للخطاب معهم لإصرارهم ، ومن هو ~~غيره من المؤمنين فهم مؤتمرون بأمر النبي عليه ms7308 الصلاة والسلام ناظرون إليه ~~الوجه الثاني : أن يقال المراد منه الوعظ والواعظ يخاطب ولا يعين أحدا ~~فيقول لجمع عظيم : يا مسكين إلى الله مصيرك ، فمن نصيرك ، ولماذا تقصيرك . ~~فقوله : { ألم تر } يكون خطابا من ذلك القبيل أي يا أيها الغافل ألم تر هذا ~~الأمر الواضح . # ! 7 < { ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو ~~العلى الكبير } . > 7 @QB@ < # | لقمان : ( 30 ) ذلك بأن الله . . . . . # > > # ولما ذكر تعالى أوصاف الكمال بقوله : { إن الله هو الغنى الحميد } ( ~~لقمان : 26 ) وقوله : { أن الله عزيز حكيم } ( البقرة : 220 ) وقوله : { إن ~~الله سميع بصير } ( المجادلة : 1 ) وأشار إلى الإرادة والكمال بقوله : { ما ~~نفدت كلمات الله } ( لقمان : 27 ) وبقوله : { يولج اليل فى النهار } وعلى ~~الجملة فقوله : { هو الغنى } إشارة إلى كل صفة سلبية فإنه إذا كان غنيا لا ~~يكون عرضا محتاجا إلى الجوهر في القوام ، ولا جسما محتاجا إلى الحيز في ~~الدوام ، ولا شيئا من / الممكنات المحتاجة إلى PageV25P140 الموجد ، وذكر ~~بعده جميع الأوصاف الثبوتية صريحا وتضمنا ، فإن الحياة في ضمن العلم ~~والقدرة قال ذلك بأن الله هو الحق أي ذلك الاتصاف بأنه هو الحق والحق هو ~~الثبوت والثابت الله وهو الثابت المطلق الذي لا زوال له وهو الثبوت ، فإن ~~المذهب الصحيح أن وجوده غير حقيقته فكل ما عداه فله زوال نظرا إليه والله ~~له الثبوت والوجود نظرا إليه فهو الحق وما عداه الباطل لأن الباطل هو ~~الزائل يقال بطل ظله إذا زال وإذا كان له الثبوت من كل وجه يكون تاما لا ~~نقص فيه . # ثم اعلم أن الحكماء قالوا الله تام وفوق التمام وجعلوا الأشياء على أربعة ~~أقسام ناقص ومكتف وتام وفوق التمام ( فالناقص ) ما ليس له ما ينبغي أن يكون ~~له كالصبي والمريض والأعمى ( والمكتفي ) وهو الذي أعطى ما يدفع به حاجته في ~~وقته كالإنسان والحيوان الذي له من الآلات ما يدفع به حاجته في وقتها لكنها ~~في التحلل والزوال ( والتام ) ما حصل له كل ما جاز له ، وإن لم يحتج ms7309 إليه ~~كالملائكة المقربين لهم درجات لا تزداد ولا ينقص الله منها لهم شيئا كما ~~قال جبريل عليه السلام ( لو دنوت أنملة لاحترقت ) لقوله تعالى : { وما منا ~~إلا له مقام معلوم } ( الصافات : 164 ) ( وفوق التمام ) هو الذي حصل له ما ~~جاز له وحصل لما عداه ما جاز له أو احتاج إليه لكن الله تعالى حاصل له كل ~~ما يجوز له من صفات الكمال ونعوت الجلال ، فهو تام وحصل لغيره كل ما جاز له ~~أو احتاج إليه فهو فوق التمام إذا ثبت هذا فنقول قوله : { هو الحق } إشارة ~~إلى التمام وقوله : { وأن الله هو العلى الكبير } أي فوق التمام وقوله : { ~~وهو العلى } أي في صفاته وقوله : { الكبير } أي في ذاته وذلك ينافي أن يكون ~~جسما في مكان لأنه يكون حينئذ جسدا مقدرا بمقدار فيمكن فرض ما هو أكبر منه ~~فيكون صغيرا بالنسبة إلى المفروض لكنه كبير من مطلقا أكبر من كل ما يتصور . # ! 7 < { ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت الله ليريكم من ءاياته إن ~~فى ذلك لايات لكل صبار شكور } . > 7 @QB@ < # | لقمان : ( 31 ) ألم تر أن . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت الله ليريكم من * ~~ءاياته } لما ذكر آية سماوية بقوله : { ألم تر أن الله يولج اليل فى النهار ~~ويولج النهار فى اليل وسخر الشمس والقمر } ( لقمان : 29 ) وأشار إلى السبب ~~والمسبب ذكر آية أرضية ، وأشار إلى السبب والمسبب فقوله : { الفلك تجرى } ~~إشارة إلى المسبب وقوله : { بنعمت الله } إشارة إلى السبب أي إلى الريح ~~التي هي بأمر الله { ليريكم من ءاياته } يعنى يريكم بإجرائها بنعمته { من ~~ءاياته } أي بعض آياته ، ثم قال تعالى : { إن فى ذالك لآيات لكل صبار شكور ~~} صبار في الشدة شكور في الرخاء ، وذلك لأن المؤمن متذكر عند الشدة والبلاء ~~عند النعم والآلاء فيصبر إذا أصابته نقمة ويشكر إذا أتته نعمة وورد في كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر ) إشارة إلى أن ~~التكاليف أفعال وتروك ms7310 والتروك صبر عن المألوف كما قال عليه الصلاة والسلام ~~( الصوم صبر والأفعال شكر على المعروف ) . # PageV25P141 ! 7 < { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ~~فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بأاياتنآ إلا كل ختار كفور } . > ~~7 ! # < < # | لقمان : ( 32 ) وإذا غشيهم موج . . . . . # > > لما ذكر الله أن في ذلك لآيات ذكر أن الكل معترفون به غير أن البصير ~~يدركه أولا ومن في بصره ضعف لا يدركه أولا ، فإذا غشيه موج ووقع في شدة ~~اعترف بأن الكل من الله ودعاه مخلصا أي يترك كل من عداه وينسى جميع من سواه ~~، فإذا نجاه من تلك الشدة قد بقي على تلك الحالة وهو المراد بقوله : { ~~فمنهم مقتصد } وقد يعود إلى الشرك وهو المراد بقوله : { وما يجحد بئاياتنا ~~إلا كل ختار كفور } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { موج كالظلل } وحد الموج وجمع الظلل ، وقيل في ~~معناه كالجبال ، وقيل كالسحاب إشارة إلى عظم الموج ، ويمكن أن يقال الموج ~~الواحد العظيم يرى فيه طلوع ونزول وإذا نظرت في الجرية الواحدة من النهر ~~العظيم تبين لك ذلك فيكون ذلك كالجبال المتلاصقة . # المسألة الثانية : قال في العنكبوت { فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله } ( ~~العنكبوت : 65 ) ثم قال : { فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون } ( ~~العنكبوت : 65 ) وقال ههنا { فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد } فنقول لما ~~ذكر ههنا أمرا عظيما وهو الموج الذي كالجبال بقي أثر ذلك في قلوبهم فخرج ~~منهم مقتصد أي في الكفر وهو الذي انزجر بعض الانزجار ، أو مقتصد في الإخلاص ~~فبقي معه شيء منه ولم يبق على ما كان عليه من الإخلاص ، وهناك لم يذكر مع ~~ركوب البحر معاينة مثل ذلك الأمر فذكر إشراكهم حيث لم يبق عنده أثر . # المسألة الثالثة : قوله : { وما يجحد بئاياتنا } في مقابلة قوله تعالى : ~~{ إن فى ذلك لايات } يعني يعترف بها الصبار الشكور ، ويجحدها الختار الكفور ~~والصبار في موازنة الختار لفظا ، ومعنى والكفور في موازنة الشكور ، أما ~~لفظا فظاهر ، وأما معنى فلأن الختار هو الغدار الكثير الغدر ms7311 أو الشديد ~~الغدر ، والغدر لا يكون إلا من قلة الصبر ، لأن الصبور إن لم يكن يعهد مع ~~أحد لا يعهد منه الأضرار ، فإنه يصبر ويفوض الأمر إلى الله وأما الغدار ~~فيعهد ولا يصبر على / العهد فينقضه ، وأما أن الكفور في مقابلة الشكور معنى ~~فظاهر . # ! 7 < { ياأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيواة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور } . > 7 @QB@ < # | لقمان : ( 33 ) يا أيها الناس . . . . . # > > PageV25P142 # لما ذكر الدلائل من أول السورة إلى آخرها وعظ بالتقوى لأنه تعالى لما كان ~~واحدا أوجب التقوى البالغة فإن من يعلم أن الأمر بيد اثنين لا يخاف أحدهما ~~مثل ما يخاف لو كان الأمر بيد أحدهما لا غير ، ثم أكد الخوف بذكر اليوم ~~الذي يحكم الله فيه بين العباد ، وذلك لأن الملك إذا كان واحدا ويعهد منه ~~أنه لا يعلم شيئا ولا يستعرض عباده ، لا يخاف منه مثل ما يخاف إذا علم أن ~~له يوم استعراض واستكشاف ، ثم أكده بقوله : { لا يجزى والد عن ولده } وذلك ~~لأن المجرم إذا علم أن له عند الملك من يتكلم في حقه ويقضي ما يخرج عليه ~~برفد من كسبه لا يخاف مثل ما يخاف إذا علم أنه ليس له من يقضي عنه ما يخرج ~~عليه ، ثم ذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليستدل ~~بالأدنى على الأعلى ، وذكر الولد والوالد جميعا فيه لطيفة ، وهي أن من ~~الأمور ما يبادر الأب إلى التحمل عن الولد كدفع المال وتحمل الآلام والولد ~~لا يبادر إلى تحمله عن الوالد مثل ما يبادر الوالد إلى تحمله عن الولد ، ~~ومنها ما يبادر الولد إلى تحمله عن الوالد ولا يبادر الوالد إلى تحمله عن ~~الولد كالإهانة ، فإن من يريد إحضار والد أحد عند وال أو قاض يهون على ~~الإبن أن يدفع الإهانة عن والده ويحضر هو بدله ، فإذا انتهى الأمر إلى ~~الإيلام يهون على الأب أن يدفع الإيلام ms7312 عن ابنه ويتحمله هو بنفسه فقوله : { ~~لا يجزى والد عن ولده } في دفع الآلام { ولا مولود هو جاز عن والده شيئا } ~~في دفع الاهانة ، وفي قوله : { لا يجزى } وقوله : { ولا مولود هو جاز } ( ~~لطيفة أخرى ) وهي أنا ذكرنا أن الفعل يتأتى وإن كان ممن لا ينبغي ولا يكون ~~من شأنه لأن الملك إذا كان يخيط شيئا يقال إنه يخيط ولا يقال هو خياط ، ~~وكذلك من يحيك شيئا ولا يكون ذلك صنعته يقال هو يحيك ولا يقال هو حائك ، ~~إذا علمت هذا فنقول الإبن من شأنه أن يكون جازيا عن والده لما له عليه من ~~الحقوق والوالد يجزي لما فيه من الشفقة وليس بواجب عليه ذلك فقال في الوالد ~~لا يجزي وقال في الولد { ولا مولود هو جاز } . # ثم قال تعالى : { إن وعد الله حق } وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون ~~تحقيقا لليوم يعني / اخشوا يوما هذا شأنه وهو كائن لوعد الله به ووعده حق ~~والثاني : أن يكون تحقيقا لعدم الجزاء يعني : { لا يجزى والد عن ولده } لأن ~~الله وعد ب { ألا تزر وازرة وزر أخرى } ( النجم : 38 ) ووعد الله حق ، فلا ~~يجزي والأول أحسن وأظهر . # ثم قال تعالى : { فلا تغرنكم الحيواة الدنيا } يعني إذا كان الأمر كذلك ~~فلا تغتروا بالدنيا فإنها زائلة لوقوع ( ذلك ) اليوم المذكور بالوعد الحق . # ثم قال تعالى : { ولا يغرنكم بالله الغرور } يعني الدنيا لا ينبغي أن ~~تغركم بنفسها ولا ينبغي أن تغتروا ( بها ) وإن حملكم على محبتها غار من نفس ~~أمارة أو شيطان فكان الناس على أقسام منهم من تدعوه الدنيا إلى نفسها فيميل ~~إليها ومنهم من يوسوس في صدره الشيطان ويزين في عينه الدنيا ويؤمله ويقول ~~إنك تحصل بها الآخرة أو تلتذ بها ثم تتوب فتجتمع لك الدنيا والآخرة ، ~~فنهاهم عن الأمرين وقال كونوا قسما ثالثا ، وهم الذين لا يلتفتون إلى ~~الدنيا ولا إلى من يحسن الدنيا في الأعين . # ! 7 < { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما فى الا رحام وما ~~تدرى نفس ms7313 ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير } . > ~~7 @QB@ < # | لقمان : ( 34 ) إن الله عنده . . . . . # > > PageV25P143 # يقول بعض المفسرين إن الله تعالى نفى علم أمور خمسة بهذه الآية عن غيره ~~وهو كذلك لكن المقصود ليس ذلك ، لأن الله يعلم الجوهر الفرد الذي كان في ~~كثيب رمل في زمان الطوفان ونقله الريح من المشرق إلى المغرب كم مرة ، ويعلم ~~أنه أين هو ولا يعلمه غيره ، ولأن يعلم أنه يوجد بعد هذه السنين ذرة في ~~برية لا يسلكها أحد ولا يعلمه غيره ، فلا وجه لاختصاص هذه الأشياء بالذكر ~~وإنما الحق فيه أن نقول لما قال الله : { واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ~~} وذكر أنه كائن بقوله : { إن وعد الله حق } كأن قائلا قال فمتى يكون هذا ~~اليوم فأجيب بأن هذا العلم ما لم يحصل لغير الله ولكن هو كائن ، ثم ذكر ~~الدليلين الذين ذكرناهما مرارا على البعث أحدهما : إحياء الأرض بعد موتها ~~كما قال تعالى : { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من * قلبه * لمبلسين * ~~فانظر إلىءاثار رحمة الله كيف يحى الارض بعد موتها إن ذلك لمحى * الموتى } ~~( الروم : 49 ، 50 ) وقال تعالى : { ويحى الارض بعد موتها وكذلك تخرجون } ( ~~الروم : 19 ) وقال ههنا يا أيها السائل إنك لا تعلم وقتها ولكنها كائنة ~~والله قادر عليها كما هو قادر على إحياء الأرض حيث قال { وهو الذى ينزل ~~الغيث } ( الشورى : 28 ) وقال : { يخرج الحى } ( الروم : 19 ) / وثانيهما : ~~الخلق ابتداء كما قال : { وهو الذى * الله الخلق ثم يعيده } ( الروم : 27 ) ~~وقال تعالى : { قل سيروا فى الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء ~~النشأة الاخرة } ( العنكبوت : 20 ) إلى غير ذلك فقال ههنا { ويعلم ما فى ~~الارحام } إشارة إلى أن الساعة وإن كنت لا تعلمها لكنها كائنة والله قادر ~~عليها ، وكما هو قادر على الخلق في الأرحام كذلك يقدر على الخلق من الرخام ~~، ثم قال لذلك الطالب علمه : يا أيها السائل إنك تسأل عن الساعة أيان ~~مرساها ، فلك أشياء أهم منها لا ms7314 تعلمها ، فإنك لا تعلم معاشك ومعادك ، ولا ~~تعلم ماذا تكسب غدا مع أنه فعلك وزمانك ، ولا تعلم أين تموت مع أنه شغلك ~~ومكانك ، فكيف تعلم قيام الساعة متى تكون ، فالله ما أعلمك كسب غدك مع أن ~~لك فيه فوائد تبنى عليها الأمور من يومك ، ولا أعلمك أين تموت مع أن لك فيه ~~أغراضا تهيىء أمورك بسبب ذلك العلم وإنما لم يعلمك لكي تكون في وقت بسبب ~~الرزق راجعا إلى الله تعالى متوكلا على الله ولا أعلمك الأرض التي تموت ~~فيها كي لا تأمن الموت وأنت في غيرها ، فإذا لم يعلمك ما تحتاج إليه كيف ~~يعلمك ما لا حاجة لك إليه ، وهي الساعة ، وإنما الحاجة إلى العلم بأنها ~~تكون وقد أعلمت الله على لسان أنبيائه . # ثم قال تعالى : { إن الله عليم خبير } لما خصص أولا علمه بالأشياء ~~المذكورة ، بقوله : { إن الله عنده علم الساعة } ذكر أن علمه غير مختص بها ~~، بل هو عليم مطلقا بكل شيء ، وليس علمه علما بظاهر الأشياء فحسب ، بل خبير ~~علمه واصل إلى بواطن الأشياء ، والله أعلم بالصواب . # PageV25P144 < # > 1 ( سورة السجدة ) 1 < # > # وتسمى سورة المضاجع مكية عند أكثرهم # وهي تسع وعشرون آية وقيل ثلاثون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { الم* تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } . > 7 ! # / < < # | السجدة : ( 1 - 2 ) الم # > > لما ذكر الله تعالى في السورة المتقدمة دليل الوحدانية وذكر الأصل ~~وهو الحشر وختم السورة بهما بدأ ببيان الرسالة في هذه السورة فقال : { الم ~~* تنزيل الكتاب لا ريب فيه } وقد علم ما في قوله : { الم } وفي قوله : { لا ~~ريب فيه } من سورة البقرة وغيرها غير أن ههنا قال : { من رب العالمين } ~~وقال من قبل { هدى ورحمة للمحسنين } ( لقمان : 3 ) وقال في البقرة : { هدى ~~للمتقين } ( البقرة : 2 ) وذلك لأن من يرى كتابا عند غيره ، فأول ما تصير ~~النفس طالبة تطلب ما في الكتاب فيقول ما هذا الكتاب ؟ فإذا قيل هذا فقه أو ~~تفسير فيقول بعد ذلك تصنيف من هو ؟ ولا يقال أولا : هذا الكتاب ms7315 تصنيف من ؟ ~~ثم يقول فيماذا هو ؟ إذا علم هذا فقال أولا هذا الكتاب هدى ورحمة ، ثم قال ~~ههنا هو كتاب الله تعالى وذكره بلفظ رب العالمين لأن كتاب من يكون رب ~~العالمين يكون فيه عجائب العالمين فتدعو النفس إلى مطاعته . # ! 7 < { أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير ~~من قبلك لعلهم يهتدون } . > 7 ! # < < # | السجدة : ( 3 ) أم يقولون افتراه . . . . . # > > يعني أتعترفون به أم تقولون هو مفترى ، ثم أجاب وبين أن الحق أنه حق ~~من ربه ثم بين فائدة التنزيل وهو الإنذار ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : كيف قال { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير } مع أن النذر ~~سبقوه الجواب : من وجهين أحدهما : معقول والآخر منقول ، أما المنقول فهو أن ~~قريشا كانت أمة أمية لم يأتيهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم وهو ~~PageV25P145 بعيد ، فإنهم كانوا من أولاد إبراهيم وجميع / أنبياء بني ~~إسرائيل من أولاد أعمامهم وكيف كان الله يترك قوما من وقت آدم إلى زمان ~~محمد بلا دين ولا شرع ؟ وإن كنت تقول بأنهم ما جاءهم رسول بخصوصهم يعني ذلك ~~القرن فلم يكن ذلك مختصا بالعرب بل أهل الكتاب أيضا لم يكن ذلك القرن قد ~~أتاهم رسول وإنما أتى الرسل آباءهم ، وكذلك العرب أتى الرسل آباءهم كيف ~~والذي عليه الأكثرون أن آباء محمد عليه الصلاة والسلام كانوا كفارا ولأن ~~النبي أوعدهم وأوعد آباءهم بالعذاب ، وقال تعالى : { وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا } ( الإسراء : 15 ) وأما المعقول وهو أن الله تعالى أجرى عادته ~~على أن أهل عصر إذا ضلوا بالكلية ولم يبق فيهم من يهديهم يلطف بعباده ويرسل ~~رسولا ، ثم إنه إذا أراد طهرهم بإزالة الشرك والكفر من قلوبهم وإن أراد طهر ~~وجه الأرض باهلاكهم ، ثم أهل العصر ضلوا بعد الرسل حتى لم يبق على وجه ~~الأرض عالم هاد ينتفع بهدايته قوم وبقوا على ذلك سنين متطاولة فلم يأتهم ~~رسول قبل محمد عليه الصلاة والسلام فقال : { لتنذر قوما ما أتاهم } أي بعد ~~الضلال الذي كان ms7316 بعد الهداية لم يأتهم نذير . # المسألة الثانية : لو قال قائل التخصيص بالذكر يدل على نفي ما عداه فقوله ~~: { لتنذر قوما ما أتاهم } يوجب أن يكون إنذاره مختصا بمن لم يأته نذير لكن ~~أهل الكتاب قد أتاهم نذير فلا يكون الكتاب منزلا إلى الرسول لينذر أهل ~~الكتاب فلا يكون رسولا إليهم نقول هذا فاسد من وجوه أحدها : أن التخصيص لا ~~يوجب نفي ما عداه والثاني : أنه وإن قال به قائل لكنه وافق غيره في أن ~~التخصيص إن كان له سبب غير نفي ما عداه لا يوجب نفي ما عداه ، وههنا وجد ~~ذلك لأن إنذارهم كان أولى ، ألا ترى أنه تعالى قال : { وأنذر عشيرتك ~~الاقربين } ( العراء : 214 ) ولم يفهم منه أنه لا ينذر غيرهم أو لم يأمر ~~بإنذار غيرهم وإنذار المشركين كان أولى ، لأن إنذارهم كان بالتوحيد والحشر ~~وأهل الكتاب لم ينذروا إلا بسبب إنكارهم الرسالة فكانوا أولى بالذكر فوقع ~~التخصيص لأجل ذلك الثالث : هو أن على ما ذكرنا لا يرد ما ذكره أصلا ، لأن ~~أهل الكتاب كانوا قد ضلوا ولم يأتهم نذير من قبل محمد بعد ضلالهم فلزم أن ~~يكون مرسلا إلى الكل على درجة سواء ، وبهذا يتبين حسن ما اخترناه ، وقوله : ~~{ لعلهم يهتدون } يعني تنذرهم راجيا أنت اهتداءهم . # ! 7 < { الله الذى خلق السماوات والا رض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى ~~على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } . > 7 ! # < < # | السجدة : ( 4 ) الله الذي خلق . . . . . # > > لما ذكر الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد وإقامة ~~الدليل ، فقال : { الله الذى خلق * السماوات والارض } الله مبتدأ وخبره ~~الذي خلق ، يعني الله هو الذي خلق السموات والأرض ولم يخلقهما إلا واحد فلا ~~إله إلا واحد ، وقد ذكرنا أن قوله تعالى : { في ستة أيام } إشارة إلى ستة ~~أحوال في نظر الناظرين وذلك لأن السموات والأرض وما بينهما ثلاثة أشياء ~~ولكل واحد منها ذات وصفة فنظرا إلى خلقه ذات السموات حالة ونظرا إلى خلقه ~~صفاتها أخرى ونظرا إلى ms7317 ذات الأرض وإلى صفاتها كذلك ونظرا إلى ذوات ما ~~بينهما وإلى صفاتها كذلك فهي ستة أشياء على ستة أحوال وإنما ذكر الأيام لأن ~~الإنسان إذا نظر إلى الخلق رآه فعلا PageV25P146 والفعل ظرفه الزمان ~~والأيام أشهر الأزمنة ، وإلا فقبل السموات لم يكن ليل ولا نهار وهذا مثل ما ~~يقول القائل لغيره : # % إن يوما ولدت فيه % % كان يوما مباركا % # وقد يجوز أن يكون ذلك قد ولد ليلا ولا يخرج عن مراده ، لأن المراد هو ~~الزمان الذي هو ظرف ولادته . # ثم قال تعالى : { ثم استوى على العرش } اعلم أن مذهب العلماء في هذه ~~الآية وأمثالها على وجهين أحدهما : ترك التعرض إلى بيان المراد وثانيهما : ~~التعرض إليه والأول أسلم والى الحكمة أقرب ، أما أنه أسلم فذلك لأن من قال ~~أنا لا أتعرض إلى بيان هذا ولا أعرف المراد من هذا ، لا يكون حاله إلا حال ~~من يتكلم عند عدم وجوب الكلام أو لا يعلم شيئا لم يجب عليه أن يعلمه ، وذلك ~~لأن الأصول ثلاثة التوحيد والقول بالحشر والاعتراف بالرسل لكن الحشر أجمعنا ~~واتفقنا أن العلم به واجب والعلم بتفصيله أنه متى يكون غير واحب ، ولهذا ~~قال تعالى في آخر السورة المتقدمة { إن الله عنده علم الساعة } ( لقمان : ~~34 ) فكذلك الله يجب معرفة وجوده ووحدانيته واتصافه بصفات الجلال ونعوت ~~الكمال على سبيل الإجمال وتعاليه عن وصمات الإمكان وصفات النقصان ، ولا يجب ~~أن يعلم جميع صفاته كما هي ، وصفة الاستواء مما لا يجب العلم بها فمن ترك ~~التعرض إليه لم يترك واجبا ، وأما من يتعرض إليه فقد يخطىء فيه فيعتقد خلاف ~~ما هو عليه فالأول غاية ما يلزمه أنه لا يعلم ، والثاني يكاد أن يقع في أن ~~يكون جاهلا مركبا وعدم العلم الجهل المركب كالسكوت والكذب ولا يشك أحد في ~~أن السكوت خير من الكذب ، وأما إنه أقرب إلى الحكمة فذلك لأن من يطالع ~~كتابا صنفه إنسان وكتب له شرحا والشارح دون المصنف فالظاهر أنه لا يأتي على ~~جميع ما أتى عليه المصنف ، ولهذا كثيرا ما ms7318 نرى أن الإنسان يورد الإشكالات ~~على المصنف المتقدم ثم يجيء من ينصر كلامه ويقول لم يرد المصنف هذا وإنما ~~أراد كذا وكذا وإذا كان حال الكتب الحادثة التي تكتب عن علم قاصر كذلك ، ~~فما ظنك بالكتاب العزيز الذي فيه كل حكمة يجوز أن يدعي جاهل أني علمت كل سر ~~في هذا الكتاب ، وكيف ولو ادعى عالم اني علمت كل سر وكل فائدة يشتمل عليه ~~الكتاب الفلاني يستقبح منه ذلك ، فكيف من يدعي أنه علم كل ما في كتاب الله ~~؟ ثم ليس لقائل أن يقول بأن الله تعالى بين كل ما أنزله لأن تأخير البيان ~~إلى / وقت الحاجة جائز ولعل القرآن ما لا يحتاج إليه أحد غير نبيه فبين له ~~لا لغيره ، إذا ثبت هذا علم أن في القرآن ما لا يعلم / وهذا أقرب إلى ذلك ~~الذي لا يعلم ، للتشابه البالغ الذي فيه ، لكن هذا المذهب له شرط وهو أن ~~ينفي بعض ما يعلمه قطعا أنه ليس بمراد ، وهذا لأن قائلا إذا قال إن هذه ~~الأيام أيام قرء فلانة يعلم أنه لا يريد أن هذه الأيام أيام موت فلانة ولا ~~يريد أن هذه الأيام أيام سفر فلانة ، وإنما المراد منحصر في الطهر أو الحيض ~~فكذلك ههنا يعلم أن المراد ليس ما يوجب نقصا في ذاته لاستحالة ذلك ، ~~والجلوس والاستقرار المكاني من ذلك الباب فيجب القطع بنفي ذلك والتوقف فيما ~~يجوز بعده والمذهب الثاني : خطر ومن يذهب إليه فريقان أحدهما : من يقول ~~المراد ظاهره وهو القيام والانتصاب أو الاستقرار المكاني وثانيهما : من ~~يقول المراد الاستيلاء والأول جهل محض والثاني يجوز أن يكون جهلا والأول مع ~~كونه جهلا هو بدعة وكاد يكون كفرا ، والثاني وإن كان جهلا فليس بجهل يورث ~~بدعة ، وهذا كما أن واحدا إذا اعتقد أن الله يرحم الكفار ولا يعاقب أحدا ~~منهم يكون جهلا وبدعة وكفرا ، وإذا اعتقد أنه يرحم زيدا الذي هو مستور ~~PageV25P147 الحال لا يكون بدعة ، غاية ما يكون أنه اعتقاد غير مطابق ، ~~ومما قيل فيه : إن المراد ms7319 منه استوى على ملكه ، والعرش يعبر به عن الملك ، ~~يقال الملك قعد على سرير المملكة بالبلدة الفلانية وإن لم يدخلها وهذا مثل ~~قوله تعالى : { وقالت اليهود يد الله مغلولة } ( المائدة : 64 ) إشارة إلى ~~البخل ، مع أنهم لم يقولوا بأن على يد الله غلا على طريق الحقيقة ، ولو كان ~~مراد الله ذلك لكان كذبا جل كلام الله عنه ، ثم لهذا فضل تقرير وهو أن ~~الملوك على درجات ، فمن يملك مدينة صغيرة أو بلادا يسيرة ما جرت العادة بأن ~~يجلس أول ما يجلس على سرير ، ومن يكون سلطانا يملك البلاد الشاسعة والديار ~~الواسعة وتكون الملوك في خدمته يكون له سرير يجلس عليه ، وقدامه كرسي يجلس ~~عليه وزيره ، فالعرش والكرسي في العادة لا يكون إلا عند عظمة المملكة ، ~~فلما كان ملك السموات والأرض في غاية العظمة ، عبر بما ينبىء في العرف عن ~~العظمة ، ومما ينبهك لهذا قوله تعالى : { إنا خلقنا } ( الإنسان : 2 ) { ~~إنا زينا } ( الصافات : 6 ) { نحن * أقرب } ( ق: 16 ) { نحن نزلنا } ( ~~الحجر : 9 ) أيظن أو يشك مسلم في أن المراد ظاهره من الشريك وهل يجد له ~~محملا ، غير أن العظيم في العرف لا يكون واحدا وإنما يكون معه غيره ، فكذلك ~~الملك العظيم في العرف لا يكون إلا ذا سرير يستوي عليه فاستعمل ذلك مريدا ~~للعظمة ، ومما يؤيد هذا أن المقهور المغلوب المهزوم يقال له ضاقت به الأرض ~~حتى لم يبق له مكان ، أيظن أنهم يريدون به أنه صار لا مكان له وكيف يتصور ~~الجسم بلا مكان ، ولا سيما من يقول بأن إلهه في مكان كيف يخرج الإنسان عن ~~المكان ؟ فكما يقال للمقهور الهارب لم يبق له مكان مع أن المكان واجب له ، ~~يقال للقادر القاهر هو متمكن وله عرش ، وإن كان التنزه عن المكان واجبا له ~~، وعلى هذا كلمة ثم معناها خلق السموات والأرض ، ثم القصة أنه استوى على ~~الملك ، وهذا كما يقول القائل : فلان أكرمني وأنعم علي مرارا ، ويحكي عنه ~~أشياء ، ثم يقول إنه ما كان يعرفني ولا كنت فعلت معه ms7320 ما يجازيني / بهذا ، ~~فنقول ثم للحكاية لا للمحكي الوجه الآخر : قيل استوى جاء بمعنى استولى على ~~العرش ، واستوى جاء بمعنى استولى نقلا واستعمالا . أما النقل فكثير مذكور ~~في ( كتاب اللغة ) منها ديوان الأدب وغيره مما يعتبر النقل عنه . وأما ~~الاستعمال فقول القائل : # % قد استوى بشر على العراق % % من غير سيف ودم مهراق % # وعلى هذا فكلمة ثم ، معناها ما ذكرنا كأنه قال خلق السموات والأرض ، ثم ~~ههنا ما هو أعظم منه استوى على العرش / فإنه أعظم من الكرسي والكرسي وسع ~~السموات والأرض والوجه الثالث : قيل إن المراد الاستقرار وهذا القول ظاهر ~~ولا يفيد أنه في مكان ، وذلك لأن الإنسان يقول استقر رأي فلان على الخروج ~~ولا يشك أحد أنه لا يريد أن الرأي في مكان وهو الخروج ، لما أن الرأي لا ~~يجوز فيه أن يقال إنه متمكن أو هو مما يدخل في مكان إذا علم هذا فنقول فهم ~~التمكن عند استعمال كلمة الاستقرار مشروط بجواز التمكن ، حتى إذا قال قائل ~~استقر زيد على الفلك أو على التخت يفهم منه التمكن وكونه في مكان ، وإذا ~~قال قائل استقر الملك على فلان لا يفهم أن الملك في فلان ، فقول القائل ~~الله استقر على العرش لا ينبغي أن يفهم كونه في مكان ما لم يعلم أنه مما ~~يجوز عليه أن يكون في مكان أو لا يجوز ، فإذن فهم كونه في مكان من هذه ~~اللفظة مشروط بجواز أن يكون في مكان ، فجواز كونه في مكان إن استفيد من هذه ~~اللفظة يلزم تقدم الشيء على نفسه وهو محال ، ثم الذي يدل على أنه لا يجوز ~~أن يكون على العرش بمعنى كون PageV25P148 العرش مكانا له وجوه من القرآن ~~أحدها : قوله تعالى : { وإن الله لهو الغنى } ( الحج : 64 ) وهذا يقتضي أن ~~يكون غنيا على الإطلاق ، وكل ما هو في مكان فهو في بقائه محتاج إلى مكان ، ~~لأن بديهة العقل حاكمة بأن الحيز إن لم يكن لا يكون المتحيز باقيا ، ~~فالمتحيز ينتفي عند انتفاء الحيز ، وكل ما ينتفي عند ms7321 انتفاء غيره فهو محتاج ~~إليه في استمراره ، فالقول باستقراره يوجب احتياجه في استمراره وهو غنى ~~بالنص الثاني : قوله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) ~~فالعرش يهلك وكذلك كل مكان فلا يبقى وهو يبقى ، فاذن لا يكون في ذلك الوقت ~~في مكان ، فجاز عليه أن لا يكون في مكان ، وما جاز له من الصفات وجب له ~~فيجب أن لا يكون في مكان الثالث : قوله تعالى : { وهو معكم } ( الحديد : 4 ~~) ووجه التمسك به هو أن على إذا استعمل في المكان يفهم كونه عليه بالذات ~~كقولنا فلان على السطح وكلمة مع إذا استعملت في متمكنين يفهم منها ~~اقترانهما بالذات كقولنا زيد مع عمرو إذا استعمل هذا فإن كان الله في مكان ~~ونحن متمكنون ، فقوله : { إن الله معنا } وقوله : { وهو معكم } كان ينبغي ~~أن يكون للاقتران وليس كذلك ، فإن قيل كلمة مع تستعمل لكون ميله إليه وعلمه ~~معه أو نصرته يقال الملك الفلاني مع الملك الفلاني ، أي بالإعانة والنصر ، ~~فنقول كلمة على تستعمل لكون حكمه على الغير ، يقول القائل لولا فلان على ~~فلان لأشرف في الهلاك ولأشرف على الهلاك ، وكذلك يقال لولا فلان على أملاك ~~فلان أو على أرضه لما حصل له شيء منها ولا أكل / حاصلها بمعنى الإشراف ~~والنظر ، فكيف لا نقول في استوى على العرش إنه استوى عليه بحكمه كما نقول ~~هو معناه بعلمه الرابع : قوله تعالى : { لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار ~~} ( الأنعام : 103 ) ولو كان في مكان لأحاط به المكان وحينئذ فإما أن يرى ~~وإما أن لا يرى ، لا سبيل إلى الثاني بالاتفاق لأن القول بأنه في مكان ولا ~~يرى باطل بالإجماع ، وإن كان يرى فيرى في مكان أحاط به فتدركه الأبصار . ~~وأما إذا لم يكن في مكان فسواء يرى أو لا يرى لا يلزم أن تدركه الأبصار . ~~أما إذا لم ير فظاهر . وأما إذا رؤي فلأن البصر لا يحيط به فلا يدركه . ~~وإنما قلنا إن البصر لا يحيط به لأن كل ما أحاط به البصر فله مكان ms7322 يكون فيه ~~وقد فرضنا عدم المكان ، ولو تدبر الإنسان القرآن لوجده مملوءا من عدم جواز ~~كونه في مكان ، كيف وهذا الذي يتمسك به هذا القائل يدل على أنه ليس على ~~العرش بمعنى كونه في المكان ، وذلك لأن كلمة ثم للتراخي فلو كان عليه بمعنى ~~المكان لكان قد حصل عليه بعد ما لم يكن عليه فقبله إما أن يكون في مكان أو ~~لا يكون / فإن كان يلزم محالان أحدهما : كون المكان أزليا ، ثم إن هذا ~~القائل يدعى مضادة الفلسفي فيصير فلسفيا يقول بقدم سماء من السموات والثاني ~~: جواز الحركة والانتقال على الله تعالى وهو يفضي إلى حدوث الباري أو يبطل ~~دلائل حدوث الأجسام ، وإن لم يكن مكان وما حصل في مكان يحيل العقل وجوده ~~بلا مكان ، ولو جاز لما أمكن أن يقال بأن الجسم لو كان أزليا ، فإما أن ~~يكون في الأزل ساكنا أو متحركا لأنهما فرعا الحصول في مكان ، وإذا كان كذلك ~~فيلزمه القول بحدوث الله أو عدم القول بحدوث العالم ، لأنه إن سلم أنه قبل ~~المكان لا يكون فهو القول بحدوث الله تعالى وإن لم يسلم فيجوز أن يكون ~~الجسم في الأزل لم يكن في مكان ثم حصل في مكان فلا يتم دليله في حدوث ~~العالم ، فيلزمه أن لا يقول بحدوثه ، ثم إن هذا القائل يقول إنك تشبه الله ~~بالمعدوم فإنه ليس في مكان ولا يعلم أنه جعله معدوما حيث أحوجه إلى مكان ، ~~وكل محتاج نظرا إلى عدم ما يحتاج إليه معدوم ولو كتبنا ما فيها لطال الكلام ~~. # ثم قال تعالى : { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون } لما ذكر ~~أن الله خالق السموات PageV25P149 والأرض ، قال بعضهم نحن معترفون بأن خالق ~~السموات والأرض واحد هو إله السموات ، وهذه الأصنام صور الكواكب منها ~~نصرتنا وقوتنا ، وقال آخرون هذه صور الملائكة عند الله هم شفعاؤنا فقال ~~الله تعالى لا إله غير الله ، ولا نصرة من غير الله ولا شفاعة إلا بإذن ~~الله فعبادتكم لهم لهذه الأصنام باطلة ضائعة ms7323 لا هم خالقوكم ولا ناصروكم ولا ~~شفعاؤكم ، ثم قال تعالى : { أفلا تتذكرون } ما علمتموه من أنه خالق السموات ~~والأرض وخلق هذه الأجسام العظام لا يقدر عليه مثل هذه الأصنام حتى تنصركم ~~والملك العظيم لا يكون عنده لهذه الأشياء الحقيرة احترام وعظمة حتى تكون ~~لها شفاعة . # ! 7 < { يدبر الا مر من السمآء إلى الا رض ثم يعرج إليه فى يوم كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون * ذالك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم * الذى ~~أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين } . > 7 ! # / < < # | السجدة : ( 5 ) يدبر الأمر من . . . . . # > > لما بين الله تعالى الخلق بين الأمر كما قال تعالى : { ألا له الخلق ~~والامر } ( الأعراف : 54 ) والعظمة تتبين بهما فإن من يملك مماليك كثيرين ~~عظماء تكون له عظمة ، ثم إذا كان أمره نافذا فيهم يزداد في أعين الخلق ، ~~وإن لم يكن له نفاذ أمر ينقص من عظمته ، وقوله تعالى : { ثم يعرج إليه } ~~معناه والله أعلم أن أمره ينزل من السماء على عباده وتعرج إليه أعمالهم ~~الصالحة الصادرة على موافقة ذلك الأمر ، فإن العمل أثر الأمر . وقوله تعالى ~~: { فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون } فيه وجوه أحدها : أن نزول الأمر ~~وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون وهو في يوم فإن بين السماء والأرض ~~مسيرة خمسمائة سنة فينزل في مسيرة خمسمائة سنة ، ويعرج في مسيرة خمسمائة ~~سنة ، فهو مقدار ألف سنة ثانيها : هو أن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر ، ~~وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ~~ينفذ أمره في سنين متطاولة فقوله تعالى : { فى يوم كان مقداره ألف سنة } ~~يعني { يدبر الامر } في زمان يوم منه ألف سنة ، فكم يكون شهر منه ، وكم ~~تكون سنة منه ، وكم يكون دهر منه ، وعلى هذا الوجه لا فرق بين هذا وبين ~~قوله مقداره خمسين ألف سنة لأن تلك إذا كانت إشارة إلى دوام نفاذ الأمر ، ~~فسواء يعبر بالألف أو بالخمسين ألفا لا يتفاوت إلا ms7324 أن المبالغة تكون في ~~الخمسين أكثر وتبين فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى : ( وفي هذه لطيفة ~~) وهو أن الله ذكر في الآية المتقدمة عالم الأجسام والخلق ، وأشار إلى عظمة ~~الملك ، وذكر في هذه الآية عالم الأرواح والأمر بقوله : { يدبر الامر } ~~والروح من عالم الأمر كما قال تعالى : { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ~~* ربى } ( الإسراء : 15 ) وأشار إلى دوامه بلفظ يوهم الزمان والمراد دوام ~~البقاء كما يقال في العرف طال زمان فلان والزمان لا يطول ، وإنما الواقع في ~~الزمان يمتد فيوجد في أزمنة كثيرة فيطول ذلك فيأخذ أزمنة كثيرة ، فأشار ~~هناك إلى عظمة الملك بالمكان وأشار إلى دوامه ههنا بالزمان فالمكان من خلقه ~~وملكه والزمان بحكمه وأمره . واعلم أن ظاهر قوله : { يدبر الامر } في يوم ~~يقتضي أن يكون أمره في يوم واليوم له ابتداء وانتهاء فيكون أمره في زمان ~~حادث فيكون حادثا وبعض من يقول بأن الله على العرش استوى يقول PageV25P150 ~~بأن أمره قديم حتى الحروف ، وكلمة كن فكيف فهم من كلمة على كونه في مكان ، ~~ولم يفهم من كلمة في كون أمره في زمان ثم بين أن هذا الملك العظيم النافذ ~~الأمر غير غافل ، فإن الملك إذا كان آمرا ناهيا يطاع في أمره ونهيه ، ولكن ~~يكون / غافلا لا يكون مهيبا عظيما كما يكون مع ذلك خبيرا يقظا لا تخفى عليه ~~أمور الممالك والمماليك فقال : { ذالك عالم الغيب والشهادة } ولما ذكر من ~~قبل عالم الأشباح بقوله : { خلق * السماوات } وعالم الأرواح بقوله : { يدبر ~~الامر من السماء إلى الارض } قال : { عالم الغيب } يعلم ما في الأرواح { ~~والشهادة } يعلم ما في الأجسام أو نقول قال : { عالم الغيب } إشارة إلى ما ~~لم يكن بعد { والشهادة } إشارة إلى ما وجد وكان وقدم العلم بالغيب لأنه ~~أقوى وأشد إنباء عن كمال العلم / ثم قال تعالى : { العزيز الرحيم } لما بين ~~أنه عالم ذكر أنه عزيز قادر على الانتقام من الكفرة رحيم واسع الرحمة على ~~البررة ، ثم قال تعالى : { الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق ms7325 الإنسان من طين ~~} لما بين الدليل الدال على الوحدانية من الآفاق بقوله : { خلق * السماوات ~~والارض * وما بينهما } وأتمه بتوابعه ومكملاته ذكر الدليل الدال عليها من ~~الأنفس بقوله : { الذى أحسن كل شىء } يعني أحسن كل شيء مما ذكره وبين أن ~~الذي بين السموات والأرض خلقه وهو كذلك لأنك إذا نظرت إلى الأشياء رأيتها ~~على ما ينبغي صلابة الأرض للنبات وسلاسة الهواء للاستنشاق وقبول الانشقاق ~~لسهولة الاستطراق وسيلان الماء لنقدر عليه في كل موضع وحركة النار إلى فوق ~~، لأنها لو كانت مثل الماء تتحرك يمنة ويسرة لاحترق العالم فخلقت طالبة ~~لجهة فوق حيث لا شيء هناك يقبل الاحتراق وقوله : { وبدأ خلق الإنسان من طين ~~} قيل المراد آدم عليه السلام فإنه خلق من طين ، ويمكن أن يقال بأن الطين ~~ماء وتراب مجتمعان والآدمي أصله منى والمنى أصله غذاء ، والأغذية إما ~~حيوانية ، وإما نباتية ، والحيوانية بالآخرة ترجع إلى النباتية والنبات ~~وجوده بالماء والتراب الذي هو طين . # ! 7 < { ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه ~~وجعل لكم السمع والا بصار والا فئدة قليلا ما تشكرون } . > 7 @QB@ < # | السجدة : ( 6 - 9 ) ذلك عالم الغيب . . . . . # > > # وقوله تعالى : { ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين } على التفسير الأول ~~ظاهر لأن آدم كان من طين ونسله من سلالة من ماء مهين هو النطفة ، وعلى ~~التفسير الثاني هو أن أصله من الطين ، ثم يوجد من ذلك الأصل سلالة هي من ~~ماء مهين ، فإن قال قائل التفسير الثاني غير صحيح لأن قوله : { بدأ * خلق ~~الإنسان } ثم PageV25P151 جعل نسله دليل على أن جعل النسل بعد خلق الإنسان ~~من طين فنقول لا بل التفسير الثاني أقرب إلى الترتيب اللفظي فإنه تعالى بدأ ~~بذكر الأمر من الابتداء في خلق الإنسان فقال بدأه من طين ثم جعله سلالة ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه وعلى ما ذكرتم / يبعد أن يقال : { ثم سواه ونفخ فيه ~~من روحه } عائد إلى آدم أيضا لأن كلمة ثم للتراخي فتكون التسوية بعد جعل ms7326 ~~النسل من سلالة ، وذلك بعد خلق آدم ، واعلم أن دلائل الآفاق أدل على كمال ~~القدرة كما قال تعالى : { لخلق * السماوات والارض * أكبر } ( غافر : 57 ) ~~ودلائل الأنفس أدل على نفاذ الإرادة فإن التغيرات فيها كثيرة وإليه الإشارة ~~بقوله : { ثم جعل نسله * ثم سواه } أي كان طينا فجعله منيا ثم جعله بشرا ~~سويا ، وقوله تعالى : { ونفخ فيه من روحه } إضافة الروح إلى نفسه كإضافة ~~البيت إليه للتشريف ، واعلم أن النصارى يفترون على الله الكذب ويقولون بأن ~~عيسى كان روح الله فهو ابن ولا يعلمون أن كل أحد روحه روح الله بقوله : { ~~ونفخ فيه من روحه } أي الروح التي هي ملكه كما يقول القائل داري وعبدي ، ~~ولم يقل أعطاه من جسمه لأن الشرف بالروح فأضاف الروح دون الجسم على ما ~~يترتب على نفخ الروح من السمع والبصر والعلم فقال تعالى : { وجعل لكم السمع ~~والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال وجعل لكم مخاطبا ولم يخاطب من قبل وذلك لأن الخطاب ~~يكون مع الحي فلما قال : { ونفخ فيه من روحه } خاطبه من بعده وقال جعل لكم ~~، فإن قيل الخطاب واقع قبل ذلك كما في قوله تعالى : { ومن ءاياته أن خلقكم ~~من تراب } ( الروم : 20 ) فنقول هناك لم يذكر الأمور المرتبة وإنما أشار ~~إلى تمام الخلق ، وههنا ذكر الأمور المرتبة وهي كون الإنسان طينا ثم ماء ~~مهينا ثم خلقا مسوى بأنواع القوى مقوي فخاطب في بعض المراتب دون البعض . # المسألة الثانية : الترتيب في السمع والأبصار والأفئدة على مقتضى الحكمة ~~، وذلك لأن الإنسان يسمع أولا من الأبوين أو الناس أمورا فيفهمها ثم يحصل ~~له بسبب ذلك بصيرة فيبصر الأمور ويجريها ثم يحصل له بسبب ذلك إدراك تام ~~وذهن كامل فيستخرج الأشياء من قبله ومثاله شخص يسمع من أستاذ شيئا ثم يصير ~~له أهلية مطالعة الكتب وفهم معانيها ، ثم يصير له أهلية التصنيف فيكتب من ~~قلبه كتابا ، فكذلك الإنسان يسمع ثم يطالع صحائف الموجودات ثم يعلم الأمور ~~الخفية . # المسألة الثالثة : ذكر في السمع المصدر ms7327 وفي البصر والفؤاد الاسم ، ولهذا ~~جمع الأبصار والأفئدة ولم يجمع السمع ، لأن المصدر لا يجمع وذلك لحكمة وهو ~~أن السمع قوة واحدة ولها فعل / PageV25P152 واحد فإن الإنسان لا يضبط في ~~زمان واحد كلامين ، والأذن محله ولا اختيار لها فيه فإن الصوت من أي جانب ~~كان يصل إليه ولا قدرة لها على تخصيص القوة بإدراك البعض دون البعض / وأما ~~الإبصار فمحله العين ولها فيه شبه اختيار فإنها تتحرك إلى جانب مرئي دون ~~آخر وكذلك الفؤاد محل الإدراك وله نوع اختيار يلتفت إلى ما يريد دون غيره ~~وإذا كان كذلك فلم يكن للمحل في السمع تأثير والقوة مستبدة ، فذكر القوة في ~~الأذن وفي العين والفؤاد للمحل نوع اختيار ، فذكر المحل لأن الفعل يسند إلى ~~المختار ، ألا ترى أنك تقول سمع زيد ورأى عمرو ولا تقول سمع أذن زيد ولا ~~رأى عين عمرو إلا نادرا ، لما بينا أن المختار هو الأصل وغيره آلته ، ~~فالسمع أصل دون محله لعدم الاختيار له ، والعين كالأصل وقوة الأبصار آلتها ~~والفؤاد كذلك وقوة الفهم آلته ، فذكر في السمع المصدر الذي هو القوة وفي ~~الأبصار والأفئدة الاسم الذي هو محل القوة ولأن السمع له قوة واحدة ولها ~~فعل واحد ولهذا لا يسمع الإنسان في زمان واحد كلامين على وجه يضبطهما ويدرك ~~في زمان واحد صورتين وأكثر ويستبينهما . # المسألة الرابعة : لم قدم السمع ههنا والقلب في قوله تعالى : { ختم الله ~~على قلوبهم وعلى سمعهم } ( البقرة : 7 ) فنقول ذلك يحقق ما ذكرنا ، وذلك ~~لأن عند الإعطاء ذكر الأدنى وارتقى إلى الأعلى فقال أعطاكم السمع ثم أعطاكم ~~ما هو أشرف منه وهو القلب وعند السلب قال ليس لهم قلب يدركون به ولا ما هو ~~دونه وهو السمع الذي يسمعون به ممن له قلب يفهم الحقائق ويستخرجها ، وقد ~~ذكرنا هناك ما هو السبب في تأخير الأبصار مع أنها في الوسط فيما ذكرنا من ~~الترتيب وهو أن القلب والسمع سلب قوتهما بالطبع فجمع بينهما وسلب قوة البصر ~~بجعل الغشاوة عليه فذكرها متأخرة . # ! 7 < { وقالوا ms7328 أءذا ضللنا فى الا رض أءنا لفى خلق جديد بل هم بلقآء ربهم ~~كافرون } . > 7 @QB@ < # | السجدة : ( 10 ) وقالوا أئذا ضللنا . . . . . # > > # لما قال : { قليلا ما تشكرون } بين عدم شكرهم بإتيانهم بضده وهو الكفر ~~وإنكار قدرته على إحياء الموتى وقد ذكرنا أن الله تعالى ، في كلامه القديم ~~، كلما ذكر أصلين من الأصول الثلاثة لم يترك الأصل الثالث وههنا كذلك لما ~~ذكر الرسالة بقوله : { تنزيل الكتاب } إلى قوله : { لتنذر قوما ما أتاهم من ~~نذير من قبلك } وذكر الوحدانية بقوله : { الله الذى خلق } إلى قوله : { ~~وجعل لكم السمع والابصار } ذكر الأصل الثالث وهو الحشر بقوله تعالى : { ~~وقالوا * أءذا ضللنا فى الارض } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : الواو للعطف على ما سبق منهم فإنهم قالوا محمد ليس ~~برسول والله ليس بواحد وقالوا الحشر ليس بممكن . # المسألة الثانية : أنه تعالى قال في تكذيبهم الرسول في الرسالة أم يقولون ~~بلفظ المستقبل وقال في تكذيبهم إياه في الحشر ، وقالوا بلفظ الماضي ، وذلك ~~لأن تكذيبهم إياه في رسالته لم يكن قبل وجوده وإنما كان ذلك حالة وجوده ~~فقال يقولون يعني هم فيه ، وأما إنكارهم للحشر كان سابقا صادرا منهم ومن ~~آبائهم فقال وقالوا . # المسألة الثالثة : أنه تعالى صرح بذكر قولهم في الرسالة حيث قال : { أم ~~يقولون } وفي الحشر حيث قال : { وقال } ولم يصرح بذكر قولهم في الوحدانية ، ~~وذلك لأنهم كانوا مصرين في جميع الأحوال على إنكار الحشر والرسول ، وأما ~~الوحدانية فكانوا يعترفون بها في المعنى ، ألا ترى أن الله تعالى قال : { ~~ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) فلم ~~يقل قالوا إن الله ليس بواحد وإن كانوا قالوه في الظاهر . # المسألة الرابعة : لو قال قائل لما ذكر الرسالة ذكر من قبل دليلها وهو ~~التنزيل الذي لا ريب فيه ولما ذكر الوحدانية ذكر دليلها وهو خلق السموات ~~والأرض وخلق الإنسان من طين ، ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل ، ~~نقول في الجواب : ذكر دليله أيضا وذلك لأن خلق الإنسان ابتداء دليل على ~~قدرته على إعادته ، PageV25P153 ولهذا استدل الله ms7329 على إمكان الحشر بالخلق ~~الأول كما قال : { ثم يعيده وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) وقوله : { قل ~~يحييها الذى أنشأها أول مرة } ( يس : 79 ) وكذلك خلق السموات كما قال تعالى ~~: { أوليس الذى خلق * السماوات والارض * بقادر على أن يخلق مثلهم * بلى } ( ~~يس : 81 / 82 ) . # وقوله تعالى : { إنكم لفى خلق جديد } أي أئنا كائنون في خلق جديد أو ~~واقعون فيه { بل هم بلقاء ربهم كافرون } إضراب عن الأول يعني ليس إنكارهم ~~لمجرد الخلق ثانيا بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة حتى لو صدقوا بالخلق ~~الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب ، أو نقول معناه لم ينكروا البعث لنفسه ~~بل لكفرهم ، فإنهم أنكروه فأنكروا المفضى إليه ، ثم بين ما يكون لهم من ~~الموت إلى العذاب . # ! 7 < { قل يتوفاكم ملك الموت الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } . > 7 ! # < < # | السجدة : ( 11 ) قل يتوفاكم ملك . . . . . # > > يعني لا بد من الموت ثم من الحياة بعده وإليه الإشارة بقوله : { ثم ~~إلى ربكم ترجعون } وقوله : { الذى وكل بكم } إشارة إلى أنه لا يغفل عنكم ~~وإذا جاء أجلكم لا يؤخركم إذ لا شغل له إلا هذا وقوله : { يتوفاكم ملك ~~الموت } ينبىء عن بقاء الأرواح فإن التوفي الاستيفاء والقبض هو الأخذ ~~والإعدام المحض ليس بأخذ ، ثم إن الروح الزكي الطاهر يبقى عند الملائكة مثل ~~الشخص بين أهله / المناسبين له والخبيث الفاجر يبقى عندهم كأسير بين قوم لا ~~يعرفهم ولا يعرف لسانهم ، والأول ينمو ويزيد ويزداد صفاؤه وقوته والآخر ~~يذبل ويضعف ويزداد شقاؤه وكدورته ، والحكماء يقولون إن الأرواح الطاهرة ~~تتعلق بجسم سماوي خير من بدنها وتكمل به ، والأرواح الفاجرة لا كمال لها ~~بعد التعلق الثاني فإن أرادوا ما ذكر بها فقد وافقونا وإلا فيغير النظر في ~~ذلك بحسب إرادتهم فقد يكون قولهم حقا وقد يكون غير حق ، فإن قيل هم أنكروا ~~الإحياء والله ذكر الموت وبينهما مباينة نقول فيه وجهان أحدهما : أن ذلك ~~دليل الإحياء ودفع استبعاد ذلك فإنهم قالوا : ما عدم بالكلية كيف يكون ~~الموجود عين ذلك ؟ فقال : الملك يقبض الروح والأجزاء تتفرق ms7330 فجمع الأجزاء لا ~~بعد فيه ، وأمر الملك برد ما قبضه لا صعوبة فيه أيضا ، فقوله : { قل ~~يتوفاكم ملك الموت } أي الأرواح معلومة فترد إلى أجسادها . # ! 7 < { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا ~~فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون } . > 7 ! # < < # | السجدة : ( 12 ) ولو ترى إذ . . . . . # > > لما ذكر أنهم يرجعون إلى ربهم بين ما يكون عند الرجوع على سبيل ~~الإجمال بقوله : { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم } يعني لو ترى حالهم ~~وتشاهد استخجالهم لترى عجبا ، وقوله : { ترى } يحتمل أن يكون خطابا مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم تشفيا لصدره فإنهم كانوا يؤذونه بالتكذيب ، ~~ويحتمل أن يكون عاما مع كل أحد كما يقول القائل إن فلانا كريم إن خدمته ولو ~~لحظة يحسن إليك طول عمرك ولا يريد به خاصا ، وقوله : { عند ربهم } ~~PageV25P154 لبيان شدة الخجالة لأن الرب إذا أساء إليه المربوب ، ثم وقف ~~بين يديه يكون في غاية الخجالة . # ثم قال تعالى : { ربنا أبصرنا وسمعنا } يعني يقولون أو قائلين { ربنا ~~أبصرنا } وحذف يقولون إشارة إلى غاية خجالتهم لأن الخجل العظيم الخجالة لا ~~يتكلم ، وقوله : { ربنا أبصرنا وسمعنا } أي أبصرنا الحشر وسمعنا قول الرسول ~~فارجعنا إلى دار الدنيا لنعمل صالحا ، وقولهم : { إنا موقنون } معناه إنا ~~في الحال آمنا ولكن النافع الإيمان والعمل الصالح ، ولكن العمل الصالح لا ~~يكون إلا عند التكليف به وهو في الدنيا فارجعنا للعمل ، وهذا باطل منهم فإن ~~الإيمان لا يقبل في الآخرة كالعمل الصالح أو نقول المراد منه أنهم ينكرون ~~الشرك كما قالوا : { وما كنا * مشركين } فقالوا إن هذا الذي جرى علينا ما ~~جرى إلا بسبب ترك العمل الصالح وأما الإيمان فإنا موقنون وما أشركنا . # ! 7 < { ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها ولاكن حق القول منى لاملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين } . > 7 @QB@ < # | السجدة : ( 13 ) ولو شئنا لآتينا . . . . . # > > # / ثم قال تعالى : { ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها ولاكن حق القول منى ~~لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } جوابا عن قولهم : { ربنا أبصرنا ~~وسمعنا فارجعنا } وبيانه هو ms7331 أنه تعالى قال : إني لو أرجعتكم إلى الإيمان ~~لهديتكم في الدنيا ولما لم أهدكم تبين أني ما أردت وما شئت إيمانكم فلا ~~أردكم ، وقوله : { ولو شئنا لاتينا } صريح في أن مذهبنا صحيح حيث نقول إن ~~الله ما أراد الإيمان من الكافر وما شاء منه إلا الكفر ، ثم قال تعالى : { ~~ولاكن حق القول منى لاملان جهنم } أي وقع القول وهو قوله تعالى لإبليس : { ~~لاملان جهنم منك وممن تبعك } ( ص: 85 ) هذا من حيث النقل وله وجه في العقل ~~وهو أن الله تعالى لم يفعل فعلا خاليا عن حكمة وهذا متفق عليه والخلاف في ~~أنه هل قصد الفعل للحكمة أو فعل الفعل ولزمته الحكمة لا بحيث تحمله تلك ~~الحكمة على الفعل ؟ وإذا علم أن فعله لا يخلو عن الحكمة فقال الحكماء حكمة ~~أفعاله بأمرها لا تدرك على سبيل التفصيل لكن تدرك على سبيل الإجمال ، فكل ~~ضرب يكون في العالم وفساد فحكمته تخرج من تقسيم عقلي وهو أن الفعل إما أن ~~يكون خيرا محضا أو شرا محضا أو خيرا مشوبا بشر وهذا القسم على ثلاثة أقسام ~~قسم خيره غالب وقسم شره غالب وقسم خيره وشره مثلان ، إذا علم هذا فخلق الله ~~عالما فيه الخير المحض وهو عالم الملائكة وهو العالم العلوي وخلق عالما فيه ~~خير وشر وهو عالمنا وهو العالم السفلي ولم يخلق عالما فيه شر محض ، ثم إن ~~العالم السفلي الذي هو عالمنا ، وإن كان الخير والشر موجودين فيه لكنه من ~~القسم الأول الذي خيره غالب ، فإنك إذا قابلت المنافع بالمضار والنافع ~~بالضار ، تجد المنافع أكثر ، وإذا قابلت الشرير بالخير تجد الخير أكثر ، ~~وكيف لا والمؤمن يقابله الكافر ، ولكن المؤمن قد يمكن وجوده بحيث لا يكون ~~فيه شر أصلا من أول عمره إلى آخره كالأنبياء عليهم السلام والأولياء ، ~~والكافر لا يمكن وجوده بحيث لا يكون فيه خير أصلا غاية ما في الباب أن ~~الكفر يحبط خيره ولا ينفعه ، إنما يستحيل نظرا إلى العادة أن يوجد كافر لا ~~يسقي العطشان شربة ماء ولا ms7332 يطعم الجائع لقمة خبز ولا يذكر ربه في عمره ، ~~وكيف لا وهو في زمن صباه كان مخلوقا على الفطرة المقتضية للخيرات ، إذا ثبت ~~هذا فنقول قالوا : لولا الشر في هذا العالم لكانت مخلوقات الله تعالى ~~منحصرة في الخير المحض ولا يكون قد خلق القسم الذي فيه الخير الغالب والشر ~~PageV25P155 القليل ثم إن ترك خلق هذا القسم إن كان لما فيه من الشر فترك ~~الخير الكثير لأجل الشر القليل لا يناسب الحكمة ، ألا ترى أن التاجر إذا ~~طلب منه درهم بدينار ، فلو امتنع وقال في هذا شر وهو زوال الدرهم عن ملكي ~~فيقال له لكن في مقابلته خير كثير وهو حصول الدينار في ملكك وكذلك / ~~الإنسان لو ترك الحركة اليسيرة لما فيها من المشقة مع علمه بأنه تحصل له ~~راحة مستمرة ينسب إلى مخالفة الحكمة فإذا نظر إلى الحكمة كان وقوع الخير ~~الكثير المشوب بالشر القليل من اللطف فخلق العالم الذي يقع فيه الشر وإلى ~~هذا أشار بقوله : { إني جاعل فى الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ( البقرة : 30 ) فقال الله تعالى ~~في جوابهم : { إني أعلم ما لا تعلمون } ( البقرة : 30 ) أي أعلم أن هذا ~~القسم يناسب الحكمة لأن الخير فيه كثير ، ثم بين لهم خيره بالتعليم ، كما ~~قال تعالى : { وعلم ءادم الاسماء كلها } ( البقرة : 31 ) يعني أيها ~~الملائكة خلق الشر المحض والشر الغالب والشر المساوي لا يناسب الحكمة . ~~وأما الخير الكثير المشوب بالشر القليل مناسب ، فقوله تعالى : { أتجعل فيها ~~من يفسد فيها } إشارة إلى الشر ، وأجابهم الله بما فيه من الخير بقوله : { ~~وعلم ءادم الاسماء } فإن قال قائل فالله تعالى قادر على تخليص هذا القسم من ~~الشر بحيث لا يوجد فيه شر فيقال له ما قاله الله تعالى : { ولو شئنا لاتينا ~~كل نفس هداها } ( السجدة : 13 ) يعني لو شئنا لخلصنا الخير من الشر ، لكن ~~حينئذ لا يكون الله تعالى خلق الخير الكثير المشوب بالشر القليل وهو قسم ~~معقول ، فما كان يجوز ms7333 تركه للشر القليل وهو لا يناسب الحكمة ، لأن ترك ~~الخير الكثير للشر القليل غير مناسب للحكمة ، وإن كان لا كذلك فلا مانع من ~~خلقه فيخلقه لما فيه من الخير الكثير ، وهذا الكلام يعبر عنه من يقول ~~برعاية المصالح إن الخير في القضاء والشر في القدر ، فالله قضى بالخير ووقع ~~الشر في القدر بفعله المنزه عن القبح والجهل ، وقوله : { من الجنة والناس } ~~لأنه تعالى قال لإبليس : { لاملان جهنم منك وممن تبعك } ( ص: 85 ) وهذا ~~إشارة إلى أن النار لمن في العالم السفلي ، والذين في العالم العلوي مبرءون ~~عن دخول النار وهم الملائكة ، وهذا يقتضي أن لا يكون إبليس من الملائكة وهو ~~الصحيح . وقوله : { أجمعين } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون تأكيدا وهو ~~الظاهر والثاني : أن يكون حالا ، أي مجموعين ، فإن قيل كيف جعل جميع الإنس ~~والجن مما يملأ بهم النار ؟ نقول هذا لبيان الجنس ، أي جهنم تملأ من الجن ~~والإنس لا غير أمنا للملائكة ، ولا يقتضي ذلك دخول الكل كما يقول القائل ~~ملأت الكيس من الدراهم لا يلزم أن لا يبقى درهم خارج الكيس ، فإن قيل فهذا ~~يقتضي أن تكون جهنم ضيقة تمتلىء ببعض الخلق نقول هو كذلك وإنما الواسع ~~الجنة التي هي من الرحمة الواسعة والله أعلم . ولما بين الله تعالى بقوله : ~~{ ولو شئنا لاتينا } أنهم لا رجوع لهم قال لهم إذا علمتم أنكم لا رجوع لكم ~~. # ! 7 < { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هاذآ إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد ~~بما كنتم تعملون } . > 7 ! # / < < # | السجدة : ( 14 ) فذوقوا بما نسيتم . . . . . # > > المسألة الأولى : قوله : { فذوقوا بما نسيتم لقاء } لقاء يحتمل أن ~~يكون منصوبا بذوقوا ، أي ذوقوا لقاء يومكم PageV25P156 بما نسيتم ، وعلى ~~هذا يحتمل أن يكون المنسي هو الميثاق الذي أخذ منهم بقوله : { ألست بربكم ~~قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) أو بما في الفطرة من الوحدانية فينسى ~~بالإقبال على الدنيا والاشتغال بها ويحتمل أن يكون منصوبا بقوله : { نسيتم ~~} أي بما نسيتم لقاء هذا اليوم ذوقوا ، وعلى هذا لو قال قائل النسيان لا ~~يكون إلا في المعلوم ms7334 أولا إذا جهل آخرا نقول لما ظهرت براهينه فكأنه ظهر ~~وعلم ، ولما تركوه بعد الظهور ذكر بلفظ النسيان إشارة إلى كونهم منكرين ~~لأمر ظاهر كمن ينكر أمرا كان قد علمه . # المسألة الثانية : قوله تعالى هذا يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون ~~إشارة إلى اليوم ، أي فذوقوا بما نسيتم لقاء هذا اليوم وثانيها : أن يكون ~~إشارة إلى لقاء اليوم ، أي فذوقوا بما نسيتم هذا اللقاء وثالثها : أن يكون ~~إشارة إلى العذاب ، أي فذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم ، ثم قال ~~إنا نسيناكم ، أي تركناكم بالكلية غير ملتفت إليكم كما يفعله الناسي قطعا ~~لرجائكم ، ثم ذكر ما يلزم من تركه إياهم كما يترك الناسي وهو خلود العذاب ، ~~لأن من لا يخلصه الله فلا خلاص له ، فقال : { وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم ~~تعملون } . # ! 7 < { إنما يؤمن بأاياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ~~ربهم وهم لا يستكبرون } . > 7 ! # < < # | السجدة : ( 15 ) إنما يؤمن بآياتنا . . . . . # > > إشارة إلى أن الإيمان بالآيات كالحاصل ، وإنما ينساه البعض فإذا ذكر ~~بها خر ساجدا له ، يعني انقادت أعضاؤه له ، وسبح بحمده ، يعني ويحرك لسانه ~~بتنزيهه عن الشرك ، وهم لا يستكبرون ، يعني وكان قلبه خاشعا لا يتكبر ومن ~~لا يستكبر عن عبادته فهو المؤمن حقا . # ! 7 < { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ~~ينفقون } . > 7 ! # < < # | السجدة : ( 16 ) تتجافى جنوبهم عن . . . . . # > > يعني بالليل قليلا ما يهجعون وقوله : { يدعون ربهم } أي يصلون ، فإن ~~الدعاء والصلاة من باب واحد في المعنى أو يطلبونه وهذا لا ينافي الأول لأن ~~الطلب قد يكون بالصلاة ، والحمل على الأول أولى / لأنه قال بعده : { ومما ~~رزقناهم ينفقون } وفي أكثر المواضع التي ذكر فيها الزكاة ذكر الصلاة قبلها ~~كقوله تعالى : { ويقيمون الصلواة ومما رزقناهم ينفقون } ( البقرة : 3 ) ~~وقوله : { خوفا وطمعا } يحتمل أن يكون مفعولا له ويحتمل أن يكون حالا ، أي ~~خائفين طامعين كقولك جاؤني زورا أي زائرين ، وكأن في الآية الأولى إشارة ~~إلى المرتبة العالية وهي العبادة لوجه الله تعالى مع الذهول عن الخوف ms7335 ~~والطمع بدليل قوله تعالى : { إذا ذكروا بها خروا } ( السجدة : 15 ) فإنه ~~يدل على أن عند مجرد الذكر يوجد منهم السجود وإن لم يكن خوف وطمع . وفي ~~الآية الثانية إشارة إلى المرتبتين الأخيرتين وهي العبادة خوفا كمن يخدم ~~الملك الجبار مخافة سطوته أو يخدم الملك الجواد طمعا في بره ، ثم بين ما ~~يكون لهم جزاء فعلهم . # PageV25P157 ! 7 < { فلا تعلم نفس مآ أخفى لهم من قرة أعين جزآء بما ~~كانوا يعملون } . > 7 ! # < < # | السجدة : ( 17 ) فلا تعلم نفس . . . . . # > > يعني مما تقر العين عنده ولا تلتفت إلى غيره يقال إن هذا لا يدخل في ~~عيني ، يعني عيني تطلع إلى غيره ، فإذا لم يبق تطلع للعين إلى شيء آخر لم ~~يبق للعين مسرح إلى غيره فتقر جزاء بحكم الوعد ، وهذا فيه لطيفة وهي أن من ~~العبد شيئا وهو العمل الصالح ، ومن الله أشياء سابقة من الخلق والرزق ~~وغيرهما وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام ، فلله تعالى أن يقول جزاء ~~الإحسان إحسان ، وأنا أحسنت أولا والعبد أحسن في مقابلته ، فالثواب تفضل ~~ومنحة من غير عوض ، وله أن يقول جعلت الأول تفضلا لا أطلب عليه جزاء ، فإذا ~~أتى العبد بالعمل الصالح فليس عليه شيء لأني أبرأته مما عليه من النعم فكان ~~هو آتيا بالحسنة ابتداء ، وجزاء الإحسان إحسان ، فأجعل الثواب جزاء كلاهما ~~جائز ، لكن غاية الكرم أن يجعل الأول هبة ويجعل الثاني مقابلا وعوضا لأن ~~العبد ضعيف لو قيل له بأن فعلك جزاء فلا تستحق جزاء ، وإنما الله يتفضل يثق ~~ولكن لا يطمئن قلبه ، وإذا قيل له الأول غير محسوب عليك والذي أتيت به أنت ~~به باد ولك عليه استحقاق ثواب يثق ويطمئن ثم إذا عرف أن هذا من فضل الله ~~فالواجب من جانب العبد أن يقول فعلى جزاء نعم الله السابقة ولا أستحق به ~~جزاء ، فإذا أثابه الله تعالى يقول الذي أتيت به كان جزاء ، وهذا ابتداء ~~إحسان من الله تعالى يستحق حمدا وشكرا فيأتي بحسنة فيقول الله إني أحسنت ~~إليه جزاء فعله الأول وما فعلت أولا ms7336 لا أطلب له جزاء فيجازيه ثالثا فيشكر ~~العبد ثالثا فيجازيه رابعا وعلى هذا لا تنقطع المعاملة بين العبد والرب ، ~~ومثله في الشاهد اثنان تحابا فأهدى أحدهما إلى الآخر هدية ونسيها والمهدي ~~إليه يتذكرها فأهدى إلى المهدي عوضا فرآه المهدي الأول ابتداء لنسيانه ما ~~أهداه إليه فجازاه بهدية فقال المحب الآخر ما أهديته كان جزاء لهديته ~~السابقة ، وهذه هدية ما عوضتها فيعوض ويعوض / عنه المحب الآخر ويتسلسل ~~الأمر بينهما ولا ينقطع التهادي والتحاب ، بخلاف من أرسل إلى واحد هدية وهو ~~يتذكرها فإذا بعث إليه المهدي إليه عوضا يقول المهدي هذا عوض ما أهديت إليه ~~فيسكت ويترك الإهداء فينقطع ، واعلم أن التكاليف يوم القيامة ، وإن ارتفعت ~~لكن الذكر والشكر والعبادة لا ترتفع بل العبد يعبد ربه في الجنة أكثر مما ~~يعبده في الدنيا ، وكيف لا وقد صار حاله مثل حال الملائكة الذين قال في ~~حقهم { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ( الأنبياء : 20 ) غاية ما في ~~الباب أن العبادة ليست عليهم بتكليف بل هي بمقتضى الطبع ومن جملة الأسباب ~~الموحبة لدوام نعيم الجنة هذا وكيف لا وخدمة الملوك لذة وشرف فلا تترك وإن ~~قرب العبد منه بل تزداد لذتها . # ! 7 < { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون * أما الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون * وأما الذين ~~فسقوا فمأواهم النار كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها وقيل لهم ~~ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } . > 7 @QB@ < # | السجدة : ( 18 - 20 ) أفمن كان مؤمنا . . . . . # > > PageV25P158 # لما بين حال المجرم والمؤمن قال للعاقل هل يستوي الفريقان ، ثم بين أنهما ~~لا يستويان ، ثم بين عدم الاستواء على سبيل التفصيل ، فقال : { أما الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى } إشارة إلى ما ذكرنا أن الله ~~أحسن ابتداء لا لعوض فلما آمن العبد وعمل صالحا قبله منه كأنه ابتداء ~~فجازاه بأن أعطاه الجنة ثم قال تعالى : { نزلا } إشارة إلى أن بعدها أشياء ~~لأن النزل ما يعطي الملك النازل ، وقت نزوله قبل أن يجعل له ms7337 راتبا أو يكتب ~~له خبزا وقوله : { بما كانوا يعملون } يحقق ما ذكرنا وقوله تعالى : { وأما ~~الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها } إشارة إلى حال ~~الكافر ، وقد ذكرنا مرارا أن العمل الصالح له مع الإيمان أثر أما الكفر إذا ~~جاء فلا التفات إلى الأعمال ، فلم يقل وأما الذين فسقوا وعملوا السيآت لأن ~~المراد من فسقوا كفروا ولو جعل العقاب في مقابلة الكفر والعمل ، لظن أن ~~مجرد الكفر لا عقاب عليه ، وقوله في حق المؤمنين { لهم } بلام التمليك ~~زيادة إكرام لأن من قال لغيره اسكن هذه الدار يكون ذلك محمولا على العارية ~~وله استرداده ، وإذا قال هذه الدار لك يكون ذلك محمولا على نسبة الملكية ~~إليه وليس / له استرداده بحكم قوله وكذلك في قوله : { لهم جنات } ألا ترى ~~أنه تعالى لما أسكن آدم الجنة وكان في علمه أنه يخرجه منها قال : { اسكن ~~أنت وزوجك الجنة } ( البقرة : 35 ) ولم يقل لكما الجنة وفي الآخرة لما لم ~~يكن للمؤمنين خروج عنها قال : { لكم * الجنة } و { لهم جنات } وقوله : { ~~كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا } إشارة إلى معنى ~~حكمي ، وهو أن المؤلم إذا تمكن والألم إذا امتد لم يبق به شعور تام ولهذا ~~قال الأطباء إن حرارة حمى الدق بالنسبة إلى حرارة الحمى البلغمية نسبة ~~النار إلى الماء المسخن ، ثم إن المدقوق لا يحس من الحرارة بما يحس به من ~~به الحمى البلغمية لتمكن الدق وقرب العهد بظهور حرارة الحمى البلغمية ، ~~وكذلك الإنسان إذا وضع يده في ماء بارد يتألم من البرد ، فإذا صبر زمانا ~~طويلا تثلج يده ويبطل عنه ذلك الألم الشديد مع فساد مزاجه ، إذا علمت هذا ~~فقوله : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } إشارة إلى أن الإله لا ~~يسكن عنهم بل يرد عليهم في كل حال أمر مؤلم يجدد وقوله : { ذوقوا عذاب ~~النار الذي كنتم به تكذبون } يقرر ما ذكرنا ومعناه أنهم في الدنيا كانوا ~~يكذبون بعذاب النار ، فلما ذاقوه كان أشد إيلاما لأن ms7338 من لا يتوقع شيئا ~~فيصيبه يكون أشد تأثيرا ، ثم إنهم في الآخرة كما في الدنيا يجزمون أن لا ~~عذاب إلا وقد وصل إليهم ولا يتوقعون شيئا آخر من العذاب فيرد عليهم عذاب ~~أشد من الأول ، وكانوا يكذبون به بقولهم لا عذاب فوق ما نحن فيه فاذن معنى ~~قوله تعالى : { ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } ليس مقتصرا على ~~تكذيبهم الذي كان في الدنيا بل { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } ~~وقيل لهم ذوقوا عذابا كذبتم به من قبل / أما في الدنيا بقولكم لا عذاب في ~~الآخرة ، وأما في الآخرة فبقولكم لا عذاب فوق ما نحن فيه . # ! 7 < { ولنذيقنهم من العذاب الا دنى دون العذاب الا كبر لعلهم يرجعون } ~~. > 7 @QB@ < # | السجدة : ( 21 ) ولنذيقنهم من العذاب . . . . . # > > PageV25P159 # يعني قبل عذاب الآخرة نذيقهم عذاب الدنيا فإن عذاب الدنيا لا نسبة له إلى ~~عذاب الآخرة لأن عذاب الدنيا لا يكون شديدا ، ولا يكون مديدا فإن العذاب ~~الشديد في الدنيا يهلك فيموت المعذب ويستريح منه فلا يمتد ، وإن أراد ~~المعذب أن يمتد عذاب المعذب لا يعذبه بعذاب في غاية الشدة ، وأما عذاب ~~الآخرة فشديد ومديد ، وفي الآية مسألتان : # إحداهما : قوله تعالى : { ولنذيقنهم من العذاب الادنى } في مقابلته ~~العذاب الأقصى والعذاب الأكبر في مقابلته العذاب الأصغر ، فما الحكمة في ~~مقابلة الأدنى بالأكبر ؟ فنقول حصل في عذاب الدنيا أمران : أحدهما : أنه ~~قريب والآخر أنه قليل صغير وحصل في عذاب الآخرة أيضا أمرانأحدهما : أنه ~~بعيد والآخر أنه عظيم كثير ، لكن القرب في عذاب الدنيا هو الذي يصلح / ~~للتخويف به ، فإن العذاب العاجل وإن كان قليلا قد يحترز منه بعض الناس أكثر ~~مما يحترز من العذاب الشديد إذا كان آجلا ، وكذا الثواب العاجل قد يرغب فيه ~~بعض الناس ويستبعد الثواب العظيم الآجل ، وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح ~~للتخويف به هو العظيم والكبير لا البعيد لما بينا فقال في عذاب الدنيا { ~~العذاب الادنى } ليحترز العاقل عنه ولو قال : ( لنذيقنهم من العذاب الأصغر ~~) ما كان يحترز عنه لصغره وعدم ms7339 فهم كونه عاجلا وقال في عذاب الآخرة الأكبر ~~لذلك المعنى ، ولو قال دون العذاب الأبعد الأقصى لما حصل التخويف به مثل ما ~~يحصل بوصفه بالكبر ، وبالجملة فقد اختار الله تعالى في العذابين الوصف الذي ~~هو أصلح للتخويف من الوصفين الآخرين فيهما لحكمة بالغة . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { لعلهم يرجعون } لعل هذه الترجى والله ~~تعالى محال ذلك عليه فما الحكمة فيه ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : معناه ~~لنذيبقنهم إذاقة الراجين كقوله تعالى : { إنا نسيناكم } ( السجدة : 14 ) ~~يعني تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلا ، فكذلك ههنا نذيقهم ~~على الوجه الذي يفعل بالراجي من التدريج وثانيهما : معناه نذيقهم العذاب ~~إذاقة يقول القائل لعلهم يرجعون بسببه ، ونزيد وجها آخر من عندنا ، وهو أن ~~كل فعل يتلوه أمر مطلوب من ذلك الفعل يصح تعليل ذلك الفعل بذلك الأمر ، كما ~~يقال فلان اتجر ليربح ، ثم إن هذا التعليل إن كان في موضع لا يحصل الجزم ~~بحصول الأمر من الفعل نظرا إلى نفس الفعل وإن حصل الجزم والعلم بناء على ~~أمر من خارج فإنه يصح أن يقال يفعل كذا رجاء كذا ، كما يقال يتجر رجاء أن ~~يربح ، وإن حصل للتاجر جزم بالربح لا يقدح ذلك في صحة قولنا يرجو لما أن ~~الجزم غير حاصل نظرا إلى التجارة وإن كان الجزم حاصلا نظرا إلى الفعل ، لا ~~يصح أن يقال يرجو وإن كان ذلك الجزم يحتمل خلافه كقول القائل فلان حز رقبة ~~عدوه رجاء أن يموت ، لا يصح لحصوله الجزم بالموت عقيب الحز نظرا إليه وإن ~~أمكن أن لا يموت نظرا إلى قدرة الله تعالى ، ويصحح قولنا قوله تعالى في حق ~~إبراهيم { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى } ( الشعراء : 82 ) مع أنه كان ~~عالما بالمغفرة لكن لما لم يكن الجزم حاصلا من نفس الفعل أطلق عليه الطمع ~~وكذلك قوله تعالى : { وارجوا اليوم الاخر } ( العنكبوت : 36 ) مع أن الجزم ~~به لازم إذا علم ما ذكرنا فنقول في كل صورة قال الله تعالى : { لعلهم } فإن ~~نظرنا إلى الفعل لا ms7340 يلزم الجزم ، فإن من التعذيب لا يلزم الرجوع لزوما بينا ~~فصح قولنا يرجو وإن كان علمه حاصلا بما يكون غاية ما في الباب أن الرجاء في ~~أكثر الأمر استعمل فيما لا يكون الأمر معلوما فأوهم أن لا يجوز الإطلاق في ~~حق الله تعالى وليس كذلك بل الترجي يجوز في حق الله تعالى / ولا يلزم منه ~~عدم العلم ، وإنما يلزم عدم الجزم بناء على ذلك PageV25P160 الفعل وعلم ~~الله ليس مستفادا من الفعل فيصح حقيقة الترجي في حقه على ما ذكرنا من ~~المعنى . # ! 7 < { ومن أظلم ممن ذكر بأايات ربه ثم أعرض عنهآ إنا من المجرمين ~~منتقمون * ولقد ءاتينا موسى الكتاب فلا تكن فى مرية من لقآئه وجعلناه هدى ~~لبنىإسراءيل * وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بأاياتنا ~~يوقنون } . > 7 @QB@ < # | السجدة : ( 22 - 24 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > # قوله تعالى : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه ثم أعرض عنها } يعني ~~لنذيقنهم ولا يرجعون فيكونون قد ذكروا بآيات الله من النعم أولا والنقم ~~ثانيا ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم أحد ، لأن من يكفر بالله ظالم فإن الله ~~لذوي البصائر ظاهر لا يحتاج المستنير الباطن إلى شاهد يشهد عليه بل هو شهيد ~~على كل شيء كما قال تعالى : { أو لم * يكف بربك أنه على كل شىء شهيد } ( ~~فصلت : 53 ) أي دليلك الله لا يحتاج المستنير الباطن إلى دليل على الله ، ~~ولهذا قال بعض العارفين رأيت الله قبل كل شيء فمن لم يكفه الله فسائر ~~الموجودات سواء ، كان فيها نفع أو ضر كاف في معرفة الله كما قال تعالى : { ~~سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } ( فصلت : 53 ) فإن لم يكفهم ذلك ~~فبسبغه عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، فالأول الذي لا يحتاج إلى غير الله هو ~~عدل والثاني الذي يحتاج إلى دليل فهو متوسط والثالث الذي لم تكفه الآفاق ~~ظالم والرابع الذي لم تقنعه النعم أظلم من ذلك الظالم وقد يكون أظلم منه ~~آخر ، وهو الذي إذا أذيق العذاب لا يرحع عن ضلالته ، فإن الأكثر كان من ~~صفتهم ms7341 أنهم إذا مسهم ضر دعوا ربهم منيبين إليه فهذا لما عذب ولم يرجع فلا ~~أظلم منه أصلا فقال : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه ثم أعرض عنها } . # ثم قال تعالى : { إنا من المجرمين منتقمون } أي لما لم ينفعهم العذاب ~~الأدنى فأنا منتقم منهم بالعذاب الأكبر . # ثم قال تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب } لما قرر الأصول الثلاثة على ~~ما بيناه عاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة المذكورة في قوله : { ~~لتنذر قوما ما أتاهم من نذير } ( القصص : 46 ) وقال : { قل ما كنت بدعا من ~~الرسل } ( الأحقاف : 9 ) بل كان قبلك رسل مثلك واختار من بينهم موسى لقربه ~~من النبي صلى الله عليه وسلم ووجود من كان على دينه إلزاما لهم ، وإنما لم ~~يختر عيسى عليه السلام للذكر والاستدلال لأن اليهود ما كانوا يوافقون على ~~نبوته ، وأما النصارى فكانوا يعترفون بنبوة موسى عليه السلام فتمسك / ~~بالمجمع عليه ، وقوله : { فلا تكن فى مرية من لقائه } قيل معناه فلا تكن في ~~شك من لقاء موسى فإنك تراه وتلقاه ، وقيل بأنه رآه ليلة المعراج وقيل معناه ~~فلا تكن في شك من لقاء الكتاب فإنك تلقاه كما لقي موسى الكتاب ويحتمل أن ~~تكون الآية واردة لا للتقرير بل لتسلية النبي عليه السلام فإنه لما أتى بكل ~~آية وذكر بها وأعرض عنها قومه حزن عليهم ، فقيل له PageV25P161 تذكر حال ~~موسى ولا تحزن فإنه لقي ما لقيت وأوذي كما أوذيت ، وعلى هذا فاختيار موسى ~~عليه السلام لحكمة ، وهي أن أحدا من الأنبياء لم يؤذه قومه إلا الذين لم ~~يؤمنوا به ، وأما الذين آمنوا به فلم يخالفوه غير قوم موسى فإن لم يؤمن به ~~آذاه مثل فرعون وغيره ومن آمن به من بني إسرائيل أيضا آذاه بالمخالفة وطلب ~~أشياء منه مثل طلب رؤية الله جهرة ومثل قوله : { اذهب أنت * وربك فقاتلا } ~~( المائدة : 24 ) ثم بين له أن هدايته غير خالية عن المنفعة كما أنه لم تخل ~~هداية موسى / فقال : { وجعلناه هدى * لنبى * إسراءيل * وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون بأمرنا ms7342 } فحيث جعل الله كتاب موسى هدى وجعل منهم أئمة يهدون كذلك ~~يجعل كتابك هدى ويجعل من أمتك صحابة يهدون كما قال عليه السلام : ( أصحابي ~~كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ثم بين أن ذلك يحصل بالصبر ، فقال : { لما ~~صبروا وكانوا بئاياتنا يوقنون } فكذلك اصبروا وآمنوا بأن وعد الله حق . # ! 7 < { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون * أولم ~~يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون فى مساكنهم إن فى ذلك لايات ~~أفلا يسمعون } . > 7 @QB@ < # | السجدة : ( 25 - 26 ) إن ربك هو . . . . . # > > # قوله : { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } هذا ~~يصلح جوابا لسؤال : وهو أنه لما قال تعالى : { وجعلنا منهم أئمة يهدون } ~~كان لقائل أن يقول كيف كانوا يهدون وهم اختلفوا وصاروا فرقا وسبيل الحق ~~واحد ، فقال فيهم هداة والله بين المبتدع من المتبع كما يبين المؤمن من ~~الكافر يوم القيامة ، وفيه وجه آخر ، وهو أن الله تعالى بين أنه يفصل بين ~~المختلفين من أمة واحدة كما يفصل بين المختلفين من الأمم فينبغي أن لا يأمن ~~من آمن وإن لم يجتهد ، فإن المبتدع معذب كالكافر ، غاية ما في الباب ، أن ~~عذاب الكافر أشد وآلم وأمد وأدوم . # ثم قال تعالى : { أو لم * يهد لهم * كما * أهلكنا من قبلهم من القرون } ~~قد ذكرنا أن قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب } تقرير لرسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وإعادة لبيان ما سبق في قوله : { لتنذر قوما ما أتاهم ~~من نذير من قبلك } ( القصص : 46 ) ولما أعاد ذكر الرسالة أعاد ذكر التوحيد ~~، فقال تعالى : { أو لم * يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم } وقوله : { يمشون فى ~~مساكنهم } زيادة إبانة ، أي مساكن المهلكين دالة على حالهم وأنتم تمشون ~~فيها وتبصرونها ، وقوله تعالى : { إن فى ذلك لايات أفلا يسمعون } اعتبر فيه ~~السمع ، لأنهم ما كان لهم قوة الإدراك بأنفسهم والاستنباط بعقولهم ، فقال ~~أفلا يسمعون ، يعني ليس لهم درجة المتعلم الذي يسمع الشيء ويفهمه . # PageV25P162 ! 7 < { أولم يروا أنا نسوق المآء إلى ms7343 الا رض الجرز فنخرج به ~~زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون * ويقولون متى هاذا الفتح إن ~~كنتم صادقين } . > 7 @QB@ < # | السجدة : ( 28 ) ويقولون متى هذا . . . . . # > > # قوله تعالى : { أو لم * يروا أنا نسوق الماء إلى الارض الجرز } لما بين ~~الإهلاك وهو الإماتة بين الإحياء ليكون إشارة إلى أن الضر والنفع بيد الله ~~، والجرز الأرض اليابسة التي لا نبات فيها والجرز هو القطع وكأنها المقطوع ~~عنها الماء والنبات . ثم قال تعالى : { فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم ~~وأنفسهم } قدم الأنعام على الأنفس في الأكل لوجوه أحدها : أن الزرع أول ما ~~ينبت يصلح للدواب ولا يصلح للإنسان والثاني : وهو أن الزرع غذاء الدواب وهو ~~لا بد منه . وأما غذاء الإنسان فقد يحصل من الحيوان ، فكأن الحيوان يأكل ~~الزرع ، ثم الإنسان يأكل من الحيوان الثالث : إشارة إلى أن الأكل من ذوات ~~الدواب والإنسان يأكل بحيوانيته أو بما فيه من القوة العقلية فكماله ~~بالعبادة . ثم قال تعالى : { أفلا يبصرون } لأن الأمر يرى بخلاف حال ~~الماضين ، فإنها كانت مسموعة ، ثم لما بين الرسالة والتوحيد بين الحشر ~~بقوله تعالى : { ويقولون متى هاذا الفتح إن كنتم صادقين } إلى آخر السورة ، ~~فصار ترتيب آخر السورة كترتيب أولها حيث ذكر الرسالة في أولها بقوله : { ~~لتنذر قوما } ( القصص : 46 ) وفي آخرها بقوله : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب ~~} ( البقرة : 87 ) وذكر التوحيد بقوله : { الذى خلق * السماوات والارض } ~~وقوله : { الذى أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين } وفي آخر السورة ~~ذكره بقوله : { أو لم * يهد لهم } وقوله : { أو لم * يروا أنا نسوق } وذكر ~~الحشر في أولها بقوله : { وقالوا * أءذا ضللنا فى الارض } ( السجدة : 10 ) ~~وفي آخرها بقوله : { ويقولون متى هاذا الفتح } . # ! 7 < { قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ! 7 < { ~~فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون } . > 7 ! # قوله تعالى : { قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ~~} أي لا يقبل إيمانهم في تلك الحالة ، لأن الإيمان المقبول هو الذي يكون في ~~دار الدنيا ، ولا ينظرون ، أي ms7344 لا يمهلون بالإعادة إلى الدنيا ليؤمنوا فيقبل ~~إيمانهم ، ثم لما بين المسائل وأتقن الدلائل ولم ينفعهم . قال تعالى : { ~~فأعرض عنهم } أي لا تناظرهم بعد ذلك وإنما الطريق بعد هذا القتال . وقوله : ~~{ وانتظر إنهم منتظرون } يحتمل وجوها أحدها : وانتظر هلاكهم فإنهم ينتظرون ~~هلاكك ، وعلى هذا فرق بين الانتظارين ، لأن انتظار النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأمر الله تعالى بعد وعده وانتظارهم بتسويل أنفسهم والتعويل على ~~الشيطان وثانيها : وانتظر النصر من الله فإنهم ينتظرون النصر من آلهتهم ~~وفرق بين الانتظارين وثالثها : وانتظر عذابهم بنفسك فإنهم ينتظرونه بلفظهم ~~استهزاء ، كما قالوا : { فأتنا بما تعدنا } ( الأعراف : 70 ) وقالوا { متى ~~هاذا الوعد إن كنتم صادقين } ( النمل : 71 ) إلى غير ذلك ، والله أعلم ~~بالصواب وإليه المرجع والمآب ، والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيد ~~المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين ، وعلى أزواجه الطاهرات أمهات ~~المؤمنين . # ! 7 < { قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ! 7 < { ~~فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون } . > 7 @QB@ < # | السجدة : ( 29 - 30 ) قل يوم الفتح . . . . . # > > # قوله تعالى : { قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ~~} أي لا يقبل إيمانهم في تلك الحالة ، لأن الإيمان المقبول هو الذي يكون في ~~دار الدنيا ، ولا ينظرون ، أي لا يمهلون بالإعادة إلى الدنيا ليؤمنوا فيقبل ~~إيمانهم ، ثم لما بين المسائل وأتقن الدلائل ولم ينفعهم . قال تعالى : { ~~فأعرض عنهم } أي لا تناظرهم بعد ذلك وإنما الطريق بعد هذا القتال . وقوله : ~~{ وانتظر إنهم منتظرون } يحتمل وجوها أحدها : وانتظر هلاكهم فإنهم ينتظرون ~~هلاكك ، وعلى هذا فرق بين الانتظارين ، لأن انتظار النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأمر الله تعالى بعد وعده وانتظارهم بتسويل أنفسهم والتعويل على ~~الشيطان وثانيها : وانتظر النصر من الله فإنهم ينتظرون النصر من آلهتهم ~~وفرق بين الانتظارين وثالثها : وانتظر عذابهم بنفسك فإنهم ينتظرونه بلفظهم ~~استهزاء ، كما قالوا : { فأتنا بما تعدنا } ( الأعراف : 70 ) وقالوا { متى ~~هاذا الوعد إن كنتم صادقين } ( النمل : 71 ) إلى غير ذلك ، والله أعلم ~~بالصواب وإليه المرجع والمآب ، والحمد لله رب ms7345 العالمين وصلاته على سيد ~~المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين ، وعلى أزواجه الطاهرات أمهات ~~المؤمنين . # PageV25P163 < # > 1 ( سورة الأحزاب ) 1 < # > # سبعون وثلاث آيات وهي مدنية بإجماع # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { يأيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان ~~عليما حكيما } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 1 ) يا أيها النبي . . . . . # > > # قوله تعالى : { منتظرون ياأيها النبى اتق الله } . في تفسير الآية مسائل ~~: # الأولى : في الفرق بين النداء والمنادى بقوله يا رجل ويا أيها الرجل ، ~~وقد قيل فيه ما قيل ونحن نقول قول القائل يا رجل يدل على النداء وقوله يا ~~أيها الرجل يدل على ذلك أيضا وينبىء عن خطر خطب المنادي له أو غفلة المنادى ~~أما الثاني : فمذكور وأما الأول : فلأن قوله : ( يا أي ) جعل المنادى غير ~~معلوم أولا فيكون كل سامع متطلعا إلى المنادى فإذا خص واحدا كان في ذلك ~~إنباء الكل لتطلعهم إليه ، وإذا قال يا زيد أو يا رجل لا يلتفت إلى جانب ~~المنادى إلا المذكور إذا علم هذا فنقول { فلينظر أيها } لا يجوز حمله على ~~غفلة النبي لأن قوله { النبى } ينافي الغفلة لأن النبي عليه السلام خبير ~~فلا يكون غافلا فيجب حمله على خطر الخطب . # المسألة الثانية : الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور ~~بالمأمور به إذ لا يصلح أن يقال للجالس اجلس وللساكت اسكت والنبي عليه ~~السلام كان متقيا فما الوجه فيه ؟ نقول فيه وجهان : احدهما : منقول وهو أنه ~~أمر بالمداومة فإنه يصح أن يقول القائل للجالس اجلس ههنا إلى أن أجيئك ، ~~ويقول القائل للساكت قد أصبت فاسكت تسلم ، أي دم على ما أنت عليه والثاني : ~~وهو معقول لطيف ، وهو أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف ~~من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبي لم يؤمر ~~بالتقوى بالمعنى الأول ولا بالمعنى الثاني ، وأما الثالث فالمخلص لا يأمنه ~~ما دام في الدنيا . وكيف والأمور الدنيوية شاغلة والآدمي في الدنيا تارة مع ~~الله ، وأخرى مقبل على ما لابد منه ms7346 ، وإن كان معه الله وإلى هذا إشارة ~~بقوله : { إنما أنا بشر مثلكم * يوحى إلى } ( فصلت : 6 ) يعني يرفع الحجاب ~~عني PageV25P164 وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فالأمر بالتقوى يوجب ~~استدامة الحضور الوجه الثاني : هو أن النبي عليه الصلاة والسلام كل لحظة ~~كان يزداد علمه ومرتبته حتى كان حاله فيما مضى بالنسبة إلى ما هو فيه تركا ~~للأفضل ، فكان له في كل ساعة تقوى متجددة فقوله : { اتق الله } على هذا أمر ~~بما ليس فيه وإلى هذا أشار عليه الصلاة والسلام بقوله : / ( من استوى يوماه ~~فهو مغبون ) ولأنه طلب من ربه بأمر الله إياه به زيادة العلم حيث قال : { ~~وقل رب زدنى علما } ( طه : 114 ) وأيضا إلى هذا وقعت الإشارة بقوله عليه ~~الصلاة والسلام : ( إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة ) ~~يعني يتجدد له مقام يقول الذي أتيت به من الشكر والعبادة لم يكن شيئا ، إذا ~~علم هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم بحكم { إنما أنا بشر مثلكم } ( فصلت : 6 ~~) كان قد وقع له خوف ما يسير من جهة ألسنة الكفار والمنافقين ومن أيديهم ~~بدليل قوله تعالى : { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ( الأحزاب : 37 ) ~~فأمره الله بتقوى أخرى فوق ما يتقيه بحيث تنسيه الخلق ولا يريد إلا الحق ~~وزاد الله به درجته فكان ذلك بشارة له ، في { منتظرون ياأيها النبى } أنت ~~ما بقيت في الدرجة التي يقنع منك بتقوى ، مثل تقوى الآحاد أو تقوى الأوتاد ~~بل لا يقنع منك إلا بتقوى تنسيك نفسك ألا ترى أن الإنسان إذا كان يخاف فوت ~~مال إن هجم عليه غاشم يقصد قتله يذهل عن المال ويهرب ويتركه ، فكذلك النبي ~~عليه الصلاة والسلام أمر بمثل هذه التقوى ومع هذه التقوى لا يبقى الخوف من ~~أحد غير الله وخرج هذا مخرج قول القائل لمن يخاف زيد أو عمرا خف عمرا فإن ~~زيدا لا يقدر عليك إذا كان عمرو معك فلا يكون ذلك أمرا بالخوف من عمرو فإنه ~~يخاف وإنما يكون ذلك نهيا عن ms7347 الخوف من زيد في ضمن الأمر بزيادة الخوف من ~~عمرو حتى ينسيه زيدا . # ثم قوله تعالى : { ولا تطع الكافرين والمنافقين } يقرر قولنا أي اتق الله ~~تقوى تمنعك من طاعتهم . # المسألة الثالثة : لم خص الكافرين والمنافقين بالذكر مع أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ينبغي أن لا يطيع أحدا غير الله ؟ نقول لوجهين أحدهما : أن ~~ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام ~~الاتباع ، ولا يتوقع أن يصير النبي عليه السلام مطيعا له بل يقصد اتباعه ~~ولا يكون عنده إلا مطاعا والثاني : هو أنه تعالى لما قال : { ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين } منعه من طاعة الكل لأن كل من طلب من النبي عليه ~~الصلاة والسلام طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبي عليه الصلاة ~~والسلام بأمر أمر إيجاب معتقدا على أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافرا ~~. # ثم قال تعالى : { إن الله كان عليما حكيما } إشارة إلى أن التقوى ينبغي ~~تكون عن صميم قلبك لا تخفى في نفسك تقوى غير الله كما يفعله الذي يرى من ~~نفسه الشجاعة حيث يخاف في نفسه ويتجلد فإن التقوى من الله وهو عليم ، وقوله ~~: { حكيما } إشارة إلى دفع وهم متوهم وهو أن متوهما لو قال إذا قال الله ~~شيئا وقال جميع الكافرين والمنافقين مع أنهم أقارب النبي عليه الصلاة ~~والسلام شيئا آخر ورأوا المصلحة فيه وذكروا وجها معقولا فاتباعهم لا يكون ~~إلا مصلحة فقال الله / تعالى إنه حكيم ولا تكون المصلحة إلى في قول الحكيم ~~، فإذا أمرك الله بشيء فاتبعه ولو منعك أهل العالم عنه . # PageV25P165 ! 7 < { واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا * وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا * ما جعل الله لرجل من قلبين فى ~~جوفه وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعيآءكم ~~أبنآءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 2 - 4 ) واتبع ما يوحى . . . . . # > > يقرر ما ذكرنا من أنه حكيم فاتباعه هو ms7348 الواجب ، ثم قال تعالى : { إن ~~الله كان بما تعملون خبيرا } لما قال إنه عليم بما في قلوب العباد بين أنه ~~عالم خبير بأعمالكم فسووا قلوبكم وأصلحوا أعمالكم . ثم قال تعالى : { وتوكل ~~على الله وكفى بالله وكيلا } يعني اتق الله وإن توهمت من أحد فتوكل على ~~الله فإنه كفى به دافعا ينفع ولا يضر معه شيء وإن ضر لا ينفع معه شيء . # ثم قال تعالى : { ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه } قال بعض المفسرين ~~الآية نزلت في أبي معمر كان يقول لي قلبان أعلم وأفهم بأحدهما أكثر مما ~~يفهم محمد فرد الله عليه بقوله : { ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه } ، ~~وقال الزمخشري قوله : { وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن أمهاتكم } أي ~~ما جعل لرجل قلبين كما لم يجعل لرجل أمين ولا لابن أبوين ، وكلاهما ضعيف بل ~~الحق أن يقال إن الله لما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاتقاء بقوله : ~~{ منتظرون ياأيها النبى اتق الله } فكان ذلك أمرا له بتقوى لا يكون فوقها ~~تقوى ومن يتقي ويخاف شيئا خوفا شديدا لا يدخل في قلبه شيء آخر ألا ترى أن ~~الخائف الشديد الخوف ينسى مهماته حالة الخوف فكأن الله تعالى قال يا أيها ~~النبي اتق الله حق تقاته ، ومن حقها أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن ~~المرء ليس له قلبان حى يتقي بأحدهما الله وبالآخرة غيره فإن اتقى غيره فلا ~~يكون ذلك إلا بصرف القلب عن جهة الله إلى غيره وذلك لا يليق بالمتقي الذي ~~يدعي أنه يتق الله حق تقاته ، ثم ذكر للنبي عليه الصلاة والسلام أنه لا ~~ينبغي أن يتقي أحدا ولا مثل ما اتقيت في حكاية زينب زوجة زيد حيث قال الله ~~تعالى : { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ( الأحزاب : 37 ) يعني مثل تلك ~~التقوى لا ينبغي أن تدخل في / قلبك ثم لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ~~بتلك الحالة ذكر ما يدفع عنه السوء . فقال : { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } ~~أي وما جعل ms7349 الله دعي المرء ابنه ثم قدم عليه ما هو دليل قوي على اندفاع ~~القبح وهو قوله : { وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن أمهاتكم } أي إنكم ~~إذا قلتم لأزواجكم أنت علي كظهر أمي فلا تصير هي أما بإجماع الكل ، أما في ~~الإسلام فلأنه ظهار لا يحرم الوطء ، وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقا حتى ~~كان يجوز للزوج أن يتزوج بها من جديد ، فإذا كان قول القائل لزوجته أنت أمي ~~أو كظهر أمي لا يوجب صيرورة الزوجة أما كذلك قول القائل للدعي أنت أبي لا ~~يوجب كونه ابنا فلا تصير زوجته زوجة الابن فلم PageV25P166 يكن لأحد أن ~~يقول في ذلك شيئا فلم يكن خوفك من الناس له وجه كيف ولو كان أمرا مخوفا ما ~~كان يجوز أن تخاف غير الله أو ليس لك قلبان وقلبك مشغول بتقوى الله فما كان ~~ينبغي أن تخاف أحدا . # ثم قال تعالى : { ذلكم قولكم بأفواهكم } فيه لطيفة وهو أن الكلام المعتبر ~~على قسمين أحدهما : كلام يكون عن شيء كان فيقال : والثاني : كلام يقال ~~فيكون كما قيل والأول كلام الصادقين الذين يقولون ما يكون والآخر كلام ~~الصديقين الذين إذا قالوا شيئا جعله الله كما قالوه وكلاهما صادر عن قلب ~~والكلام الذي يكون بالفم فحسب هو مثل نهيق الحمار أو نباح الكلب ، لأن ~~الكلام المعتبر هو الذي يعتمد عليه والذي لا يكون عن قلب وروية لا اعتماد ~~عليه ، والله تعالى ما كرم ابن آدم وفضله على سائر الحيوانات ينبغي أن ~~يحترز من التخلق بأخلاقها ، فقول القائل : هذا ابن فلان مع أنه ليس ابنه ~~ليس كلاما فإن الكلام في الفؤاد وهذا في الفم لا غير ، واللطيفة هي أن الله ~~تعالى ههنا قال : { ذلكم قولكم بأفواهكم } وقال في قوله : { وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله ذالك قولهم بأفواههم } ( التوبة : 30 ) يعني نسبة الشخص ~~إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضا في قلب فهو ~~قول بالفم مثل أصوات البهائم . # ثم قال تعالى : { والله يقول الحق } إشارة ms7350 إلى معنى لطيف وهو أن العاقل ~~ينبغي أن يكون قوله إما عن عقل أو عن شرع فإذا قال فلان ابن فلان ينبغي أن ~~يكون عن حقيقة أو يكون عن شرع بأن يكون ابنه شرعا وإن لم يعلم الحقيقة كمن ~~تزوج بامرأة فولدت لستة أشهر ولدا وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل ~~أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني فلقيام الفراش ونقول إنه ابنه ~~وفي الدعي لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا ~~خلاف الحق لأن أباه مشهور ظاهر ووجه آخر فيه وهو أنهم قالوا هذه زوجة الابن ~~فتحرم وقال الله تعالى هي لك حلال ، وقولهم لا اعتبار به فإنه بأفواههم ~~كأصوات البهائم ، وقول الله حق فيجب اتباعه وقوله : { وهو يهدى السبيل } ~~يؤكد قوله : { والله يقول الحق } يعني يجب اتباعه لكونه حقا ولكونه هاديا ~~وقوله تعالى : { ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق } فيه لطيفة وهو أن ~~الكلام الذي بالفم فحسب يشبه صوت البهائم الذي يوجد لا عن قلب ، ثم إن ~~الكلام الذي بالقلب قد / يكون حقا وقد يكون باطلا ، لأن من يقول شيئا عن ~~اعتقاد قد يكون مطابقا فيكون حقا ، وقد لا يكون فيكون باطلا ، فالقول الذي ~~بالقلب وهو المعتبر من أقوالكم قد يكون حقا وقد يكون باطلا لأنه يتبع ~~الوجود ، وقول الله حق لأنه يتبعه الوجود فإنه يقول عما كان أو يقول فيكون ~~، فإذن قول الله خير من أقوالكم التي عن قلوبكم فكيف تكون نسبته إلى ~~أقوالكم التي بأفواهكم ، فإذن لا يجوز أن تأخذوا بقولكم الكاذب اللاغي ~~وتتركوا قول الله الحق فمن يقول بأن تزوج النبي عليه الصلاة والسلام بزينب ~~لم يكن حسنا يكون قد ترك قول الله الحق وأخذ بقول خرج عن الفم . # ثم قال تعالى : { وهو يهدى السبيل } إشارة إلى أن اتباع ما أنزل الله خير ~~من الأخذ بقول الغير . # ! 7 < { ادعوهم لابآئهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا ءاباءهم فإخوانكم ~~فى الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيمآ ms7351 أخطأتم به ولاكن ما تعمدت قلوبكم ~~وكان الله غفورا رحيما } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 5 ) ادعوهم لآبائهم هو . . . . . # > > PageV25P167 # ثم بين الهداية وقال : { ادعوهم لابائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا ~~ءاباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم } . # قوله تعالى : { ادعوهم لابائهم } أرشد وقال : { هو أقسط عند الله } أي ~~أعدل فإنه وضع الشيء في موضعه وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون ترك ~~الإضافة للعموم أي أعدل كل كلام كقول القائل الله أكبر وثانيهما : أن يكون ~~ما تقدم منويا كأنه قال ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد وقال ~~: { ادعوهم لابائهم هو أقسط عند الله فإن لم } يعني قولوا لهم إخواننا وأخو ~~فلان فإن كانوا محررين فقولوا مولى فلان ، ثم قال تعالى : { وليس عليكم ~~جناح فيما أخطأتم به } يعني قول القائل لغيره يا بني بطريق الشفقة ، وقول ~~القائل لغيره يا أبي بطريق التعظيم ، فإنه مثل الخطأ ألا ترى أن اللغو في ~~اليمين مثل الخطأ وسبق اللسان فكذلك سبق اللسان في قول القائل ابني والسهو ~~في قوله ابني من غير قصد إلى إثبات النسب سواء ، وقوله : { ولاكن ما تعمدت ~~قلوبكم } مبتدأ خبره محذوف يدل عليه ما سبق وهو الجناح يعني ما تعمدت ~~قلوبكم فيه جناح { وكان الله غفورا رحيما } يغفر الذنوب ويرحم المذنب وقد ~~ذكرنا كلاما شافيا في المغفرة والرحمة في مواضع ، ونعيد بعضها ههنا فنقول ~~المغفرة هو أن يسترد القادر القبيح الصادر ممن تحت قدرته حتى أن العبد إذا ~~ستر عيب سيده مخافة عقابه لا يقال إنه غفر له ، والرحمة هو أن يميل إليه ~~بالإحسان لعجز المرحوم إليه لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا ~~يقال رحمه ، وكذا من أحسن إلى غيره رجاء في خيره أو عوضا عما صدر منه آنفا ~~من الإحسان لا يقال رحمه ، إذا علم هذا / فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة ~~يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلسا عاجزا فرحمه وأعطاه ما كفاه ، وإذا ~~ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل ms7352 يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك ~~عقابه ولم يقتصر عليه بل ستر ذنوبه . # ! 7 < { النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الا رحام ~~بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليآئكم معروفا كان ذلك فى الكتاب مسطورا } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 6 ) النبي أولى بالمؤمنين . . . . . # > > # قوله تعالى : { النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم } تقرير لصحة ما صدر منه ~~عليه الصلاة والسلام من التزوج بزينب وكأن هذا جواب عن سؤال وهو أن قائلا ~~لو قال هب أن الأدعياء ليسوا بأبناء كما قلت لكن من سماه غيره ابنا إذا كان ~~لدعيه شيء حسن لا يليق بمروءته أن يأخذه منه ويطعن فيه عرفا فقال الله ~~تعالى { النبى أولى بالمؤمنين } جوابا عن ذلك السؤال وتقريره هو أن دفع ~~الحاجات على مراتب ؛ دفع حاجة الأجانب ثم دفع حاجة الأقارب الذين على حواشي ~~النسب ثم دفع حاجة الأصول والفصول ثم دفع حاجة النفس ، والأول عرفا دون ~~الثاني وكذلك شرعا فإن العاقلة تتحمل الدية عنهم ولا تتحملها عن الأجانب ~~والثاني دون الثالث أيضا وهو ظاهر بدليل النفقة والثالث دون الرابع فإن ~~النفس تقدم على الغير وإليه أشار النبي عليه الصلاة PageV25P168 والسلام ~~بقوله : ( ابدأ بنفسك ثم PageV25P169 بمن تعول ) إذا علمت هذا فالإنسان إذا ~~كان معه ما يغطي به إحدى الرجلين أو يدفع به حاجة عن أحد شقي بدنه ، فلو ~~أخذ الغطاء من أحدهما وغطى به الآخر لا يكون لأحد أن يقول له لم فعلت فضلا ~~عن أن يقول بئسما فعلت ، اللهم إلا أن يكون أحد العضوين أشرف من الآخر مثل ~~ما إذا وقى الإنسان عينه بيده ويدفع البرد عن رأسه الذي هو معدن حواسه ~~ويترك رجله تبرد فإنه الواجب عقلا ، فمن يعكس الأمر يقال له لم فعلت ، وإذا ~~تبين هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمن من نفسه فلو دفع المؤمن ~~حاجة نفسه دون حاجة نبيه يكون مثله مثل من يدهن شعره ويكشف رأسه في برد ~~مفرط قاصدا به تربية شعره ولا ms7353 يعلم أنه يؤذي رأسه الذي لا نبات لشعره إلا ~~منه ، فكذلك دفع حاجة النفس فراغها إلى عبادة الله تعالى ولا علم بكيفية ~~العبادة إلا من الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلو دفع الإنسان حاجته لا ~~للعبادة فهو ليس / دفعا للحاجة لأن دفع الحاجة ما هو فوق تحصيل المصلحة ~~وهذا ليس فيه مصلحة فضلا عن أن يكون حاجة وإذا كان للعبادة فترك النبي الذي ~~منه يتعلم كيفية العبادة في الحاجة ودفع حاجة النفس مثل تربية الشعر مع ~~إهمال أمر الرأس ، فتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد شيئا حرم ~~على الأمة التعرض إليه في الحكمة الواضحة . # ثم قال تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } تقريرا آخر ، وذلك لأن زوجة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما جعلها الله تعالى في حكم الأم إلا لقطع نظر الأمة ~~عما تعلق به غرض النبي عليه الصلاة والسلام ، فإذا تعلق خاطره بامرأة شاركت ~~الزوجات في التعلق فحرمت مثل ما حرمت أزواجه على غيره ، فلو قال قائل كيف ~~قال : { وأزواجه أمهاتهم } وقال من قبل : { وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون ~~منهن أمهاتكم } إشارة إلى أن غير من ولدت لا تصير أما بوجه ، ولذلك قال ~~تعالى في موضع آخر : { إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم } فنقول قوله تعالى في ~~الآية المتقدمة : { والله يقول الحق وهو يهدى السبيل } جواب عن هذا معناه ~~أن الشرع مثل الحقيقة ، ولهذا يرجع العاقل عند تعذر اعتبار الحقيقة إلى ~~الشريعة . كما أن امرأتين إذا ادعت كل واحدة ولدا بعينه ولم يكن لهما بينة ~~وحلفت إحداهما دون الأخرى حكم لها بالولد / وإن تبين أن التي حلفت دون ~~البلوغ أو بكر ببينة لا يحكم لها بالولد ، فعلم أن عند عدم الوصول إلى ~~الحقيقة يرجع إلى الشرع ، لا بل في بعض المواضع على الندور تغلب الشريعة ~~الحقيقة ، فإن الزاني لا يجعل أبا لولد الزنا . إذا ثبت هذا فالشارع له ~~الحكم فقول القائل هذه أمي قول يفهم لا عن حقيقة ولا يترتب عليه حقيقة . ~~وأما قول الشارع ( فهو ) حق والذي يؤيده هو ms7354 أن الشارع به الحقائق حقائق فله ~~أن يتصرف فيها ، ألا ترى أن الأم ما صارت أما إلا بخلق الله الولد في رحمها ~~، ولو خلقه في جوف غيرها لكانت الأم غيرها ، فإذا كان هو الذي يجعل الأم ~~الحقيقية أما فله أن يسمى امرأة أما ويعطيها حكم الأمومة ، والمعقول في جعل ~~أزواجه أمهاتنا هو أن الله تعالى جعل زوجة الأب محرمة على الإبن ، لأن ~~الزوجة محل الغيرة والتنازع فيها ، فإن تزوج الإبن بمن كانت تحت الأب يفضي ~~ذلك إلى قطع الرحم والعقوق ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أشرف وأعلى ~~درجة من الأب وأولى بالإرضاء ، فإن الأب يربي في الدنيا فحسب ، والنبي عليه ~~الصلاة والسلام يربي في الدنيا والآخرة ، فوجب أن تكون زوجاته مثل زوجات ~~الآباء ، فإن قال قائل : فلم لم يقل إن النبي أبوكم ويحصل هذا المعنى ، أو ~~لم يقل إن أزواجه أزواج أبيكم فنقول لحكمة ، وهي أن النبي لما بينا أنه إذا ~~أراد زوجة واحد من الأمة وجب عليه تركها ليتزوج بها النبي عليه الصلاة ~~والسلام ، فلو قال أنت أبوهم لحرم عليه زوجات المؤمنين على التأبيد ، ولأنه ~~لما جعله أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدم على الأب لقوله عليه الصلاة ~~والسلام : ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) ولذلك فإن المحتاج إلى القوت لا يجب ~~عليه صرفه إلى الأب ، ويجب عليه صرفه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم ~~إن أزواجه لهم حكم زوجات / الأب حتى لا تحرم أولادهن على المؤمنين ولا ~~أخواتهن ولا أمهاتهن ، وإن كان الكل يحرمن في الأم الحقيقية والرضاعية . # ثم قال تعالى : { وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله * من ~~المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك فى الكتاب ~~مسطورا } إشارة إلى الميراث ، وقوله : { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ~~} إشارة إلى الوصية ، يعني إن أوصيتم فغير الوارثين أولى ، وإن لم توصوا ~~فالوارثون أولى بميراثكم وبما تركتم ، فإن قيل فعلى هذا أي تعلق للميراث ~~والوصية بما ذكرت نقول تعلق قوي خفي لا يتبين إلا لمن هداه ms7355 الله بنوره ، ~~وهو أن غير النبي عليه الصلاة والسلام في حال حياته لا يصير له مال الغير ، ~~وبعد وفاته لا يصير ماله لغير ورثته ، والنبي عليه الصلاة والسلام في حال ~~حياته كان يصير له مال الغير إذا أراده ولا يصير ماله لورثته بعد وفاته كأن ~~الله تعالى عوض النبي عليه الصلاة والسلام عن قطع ميراثه بقدرته على تملك ~~مال الغير وعوض المؤمنين بأن ما تركه يرجع إليهم ، حتى لا يكون حرج على ~~المؤمنين في أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد شيئا يصير له ثم يموت ~~ويبقى لورثته فيفوت عليهم ولا يرجع إليهم فقال تعالى : { وأولوا الارحام ~~بعضهم أولى ببعض } يعني بينكم التوارث فيصير مال أحدكم لغيره بالإرث والنبي ~~لا توارث بينه وبين أقاربه فينبغي أن يكون له بدل هذا أنه أولى في حياته ~~بما في أيديكم الثاني : هو أن الله تعالى ذكر دليلا على أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام أولي بالمؤمنين وهو أن أولى الأرحام بعضهم أولى ببعض ، ثم ~~إذا أراد أحد برا مع صديق فيوصي له بشيء فيصير أولى من قريبه وكأنه بالوصية ~~قطع الإرث وقال هذا مالي لا ينتقل عني إلا إلى من أريده / فكذلك الله تعالى ~~جعل لصديقه من الدنيا ما أراده ثم ما يفضل منه يكون لغيره وقوله : ( كان ~~ذلك في الكتاب مسطورا ) فيه وجهان أحدهما : في القرآن وهو آية المواريث ~~والوصية والثاني : في اللوح المحفوظ . # ! 7 < { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ~~ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 7 ) وإذ أخذنا من . . . . . # > > وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما أمر النبي عليه ~~الصلاة والسلام بالاتقاء بقوله : { منتظرون ياأيها النبى اتق الله } ( ~~الأحزاب : 1 ) وأكده بالحكاية التي خشى فيها الناس لكي لا يخشى فيها أحدا ~~غيره وبين أنه لم يرتكب أمرا يوجب الخشية بقوله : { النبى أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم } ( الأحزاب : 6 ) أكده بوجه آخر وقال : { وإذ أخذنا من النبيين ~~} كأنه قال اتق الله ولا ms7356 تخف أحدا واذكر أن الله أخذ ميثاق النبيين في أنهم ~~يبلغون رسالات الله ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : المراد من الميثاق المأخوذ من النبيين إرسالهم وأمرهم ~~بالتبليغ . PageV25P170 # المسألة الثانية : خص بالذكر أربعة من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى لأن موسى وعيسى كان لهما في زمان نبينا قوم وأمة فذكرهما احتجاجا على ~~قومهما ، وإبراهيم كان العرب يقولون بفضله وكانوا يتبعونه في الشعائر بعضها ~~، ونوحا لأنه كان أصلا ثانيا للناس حيث وجد الخلق منه بعد الطوفان ، وعلى ~~هذا لو قال قائل فآدم كان أولى بالذكر من نوح فنقول خلق آدم كان للعمارة ~~ونبوته كانت مثل الإرشاد للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا ~~تعذيب ، وأما نوح فكان مخلوقا للنبوة وأرسل للإنذار ولهذا أهلك قومه ~~وأغرقوا . # المسألة الثالثة : في كثير من المواضع يقول الله : { عيسى ابن مريم } ( ~~البقرة : 87 ) { المسيح ابن مريم } ( المائدة : 17 ) إشارة إلى أنه لا أب ~~له إذ لو كان لوقع التعريف به ، وقوله : { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } غلظ ~~الميثاق هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال تعالى : { فلنسئلن الذين } ~~( الأعراف : 6 ) وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولا وأمره بشيء وقبله فهو ميثاق ~~، فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون ذلك تغليظا للميثاق ~~عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة ، وعلى هذا يمكن أن يقال بأن المراد ~~من قوله تعالى : { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا } ( النساء : 21 ) هو الإخبار بأنهم مسؤلون عنها كما قال النبي عليه ~~الصلاة والسلام : ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) وكما أن الله تعالى ~~جعل الرجال قوامين على النساء جعل الأنبياء قائمين بأمور أمتهم وإرشادهم ~~إلى سبيل الرشاد . # ! 7 < { ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 8 ) ليسأل الصادقين عن . . . . . # > > يعني أرسل الرسل وعاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب ، لأن الصادق ~~محاسب والكافر معذب ، وهذا كما قال علي عليه السلام : ( الدنيا حلالها حساب ms7357 ~~وحرامها عذاب ) وهذا مما يوجب الخوف العام فيتأكد قوله : { منتظرون ياأيها ~~النبى اتق الله } . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ ~~جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الا بصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا } . > 7 ! # / < < # | الأحزاب : ( 9 - 10 ) يا أيها الذين . . . . . # > > تحقيقا لما سبق من الأمر بتقوى الله بحيث لا يبقى معه خوف من أحد ~~وذلك لأن واقعة اجتماع الأحزاب واشتداد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع ~~المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم ونزلوا على المدينة وعمل النبي عليه ~~السلام الخندق ، كان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغا إلى الغاية والله ~~دفع القوم عنهم من غير قتال وآمنهم من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبد غير ~~ربه فإنه كاف أمره ولا يأمن مكره فإنه قادر على كل PageV25P171 ممكن فكان ~~قادرا على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم كانوا ضعفاء كما قهر الكافرين ~~بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم ، وقوله : { فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم ~~تروها } إشارة إلى ما فعل الله بهم من إرسال ريح باردة عليهم في ليلة شاتية ~~وإرسال الملائكة وقذف الرعب في قلوبهم حتى كان البعض يلتزق بالبعض من خوف ~~الخيل في جوف الليل والحكاية مشهورة ، وقوله : { وكان الله بما تعملون ~~بصيرا } إشارة إلى أن الله علم التجاءكم إليه ورجاءكم فضله فنصركم على ~~الأعداء عند الاستعداء ، وهذا تقرير لوجوب الخوف وعدم جواز الخوف من غير ~~الله فإن قوله : { فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها } أي الله يقضي ~~حاجتكم وأنتم لا ترون ، فإن كان لا يظهر لكم وجه الأمن فلا تلتفتوا إلى عدم ~~ظهوره لكم لأنكم لا ترون الأشياء فلا تخافون غير الله والله بصير بما ~~تعملون فلا تقولوا بأنا نفعل شيئا وهو لا يبصره فإنه بكل شيء بصير وقوله : ~~{ إذ * جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } بيان لشدة الأمر وغاية الخوف ، ~~وقيل : { من فوقكم } أي من جانب الشرق { ومن أسفل منكم } من جانب الغرب ms7358 وهم ~~أهل مكة وزاغت الأبصار أي مالت عن سننها فلم تلتفت إلى العدو لكثرته { ~~وبلغت القلوب الحناجر } كناية عن غاية الشدة ، وذلك لأن القلب عند الغضب ~~يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص فيلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مجرى ~~النفس لا يقدر المرء يتنفس ويموت من الخوف ومثله قوله تعالى : { حتى إذا * ~~بلغت الحلقوم } ( الواقعة : 83 ) وقوله : { وتظنون بالله الظنونا } الألف ~~واللام يمكن أن يكونا بمعنى الاستغراق مبالغة يعني تظنون كل ظن لأن عند ~~الأمر العظيم كل أحد يظن شيئا ويمكن أن يكون المراد ظنونهم المعهودة ، لأن ~~المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قال عليه السلام : ( ظنوا بالله خيرا ~~) ومن الكافر الظن السوء كما قال تعالى : { ذالك ظن الذين كفروا } ( ص: 27 ~~) وقوله : { إن يتبعون إلا الظن } ( النجم : 23 ) فإن قال قائل المصدر لا ~~يجمع ، فما الفائدة في جمع الظنون ؟ فنقول لا شك في أنه منصوب على المصدر ~~ولكن الاسم قد يجعل مصدرا كما يقال ضربته سياطا وأدبته مرارا فكأنه قال ~~ظننتم ظنا بعد ظن أي ما ثبتم على ظن فالفائدة هي أن الله تعالى لو قال : ~~تظنون ظنا ، جاز أن يكونوا مصيبين فإذا قال : ظنونا ، تبين أن فيهم من كان ~~ظنه كاذبا لأن الظنون قد تكذب كلها / وقد يكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد ~~مثاله إذا رأى جمع من بعيد جسما وظن بعضهم أنه زيد وآخرون أنه عمرو وقال ~~ثالث إنه بكر / ثم ظهر لهم الحق قد يكون الكل مخطئين والمرئي شجر أو حجر . ~~وقد يكون أحدهم مصيبا ولا يمكن أن يكونوا كلهم مصيبين فقوله : { الظنونا } ~~أفاد أن فيهم من أخطأ الظن ، ولو قال تظنون بالله ظنا ما كان يفيد هذا . # ! 7 < { هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 11 ) هنالك ابتلي المؤمنون . . . . . # > > أي عند ذلك امتحن الله المؤمنين فتميز الصادق عن المنافق ، والامتحان ~~من الله ليس لاستبانة الأمر له PageV25P172 بل لحكمة أخرى وهي أن الله ~~تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد إظهار الأمر لغيره ms7359 من الملائكة والأنبياء ~~، كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة وعزم على معاقبته على مخالفته ~~وعنده غيره من العبيد وغيرهم فيأمره بأمر عالما بأنه يخالفه فيبين الأمر ~~عند الغير فتقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنها بظلم أو من ~~قلة حلم وقوله : { وزلزلوا } أي أزعجوا وحركوا فمن ثبت منهم كان من الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وبذكر الله تطمئن مرة أخرى ، وهم المؤمنون حقا ~~. # ! 7 < { وإذ يقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله ~~إلا غرورا * وإذ قالت طآئفة منهم ياأهل . يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن ~~فريق منهم النبى يقولون إن بيوتنا عورة وما هى بعورة إن يريدون إلا فرارا } ~~. > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 12 - 13 ) وإذ يقول المنافقون . . . . . # > > فسر الظنون وبينها ، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زورا ~~ووعدهما كان غرورا حيث قطعوا بأن الغلبة واقعة وقوله : { وإذ قالت طائفة ~~منهم ياأهل * أهل * . يثرب لا مقام لكم } أي لا وجه لإقامتكم مع محمد كما ~~يقال لا إقامة على الذل والهوان أي لا وجه لها ويثرب اسم للبقعة التي هي ~~المدينة فارجعوا أي عن محمد ، واتفقوا مع الأحزاب تخرجوا من الأحزان ثم ~~السامعون عزموا على الرجوع واستأذنوه وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي فيها خلل ~~لا يأمن صاحبها السارق على متاعه والعدو على أتباعه ثم بين الله كذبهم ~~بقوله : { وما هى بعورة } وبين قصدهم وما تكن صدورهم وهو الفرار وزوال ~~القرار بسبب الخوف . # ! 7 < { ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما تلبثوا ~~بهآ إلا يسيرا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 14 ) ولو دخلت عليهم . . . . . # > > إشارة إلى أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلا ~~لغرض ، فإذا فاته الغرض لا يفعله ، كمن يبذل المال لكي لا يؤخذ منه بيته ~~فإذا أخذ منه البيت لا يبذله فقال الله تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ ~~بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضا ، وليس رجوعهم عنك إلا ~~بسبب كفرهم وحبهم الفتنة ، وقوله ms7360 : { ولو دخلت عليهم } احتمل أن يكون ~~المراد المدينة واحتمل أن يكون البيوت ، وقوله : { وما تلبثوا بها } يحتمل ~~أن يكون المراد الفتنة { إلا يسيرا } فإنها تزول وتكون العاقبة للمتقين ، ~~ويحتمل أن يكون المراد المدينة أو البيوت أي ما تلبثوا بالمدينة إلا يسيرا ~~فإن المؤمنين يخرجونهم . # ! 7 < { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الا دبار وكان عهد الله ~~مسئولا * قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون ~~إلا قليلا } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 15 - 16 ) ولقد كانوا عاهدوا . . . . . # > > PageV25P173 # بيانا لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا ~~وأظهروا عذرا وندما ، وذكروا أن القتال لا يزال لهم قدما ثم هددهم بقوله : ~~{ وكان عهد الله مسئولا } وقوله : { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت ~~أو القتل } إشارة إلى أن الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما وقع عليه القرار ~~، وما قدره الله كائن فمن أمر بشيء إذا خالفه يبقى في ورطة العقاب آجلا ولا ~~ينتفع بالمخالفة عاجلا ، ثم قال تعالى : { وإذا لا تمتعون إلا قليلا } كأنه ~~يقول ولو فررتم منه في يومكم مع أنه غير ممكن لما دمتم بل لا تمتعون إلا ~~قليلا فالعاقل لا يرغب في شيء قليل مع أنه يفوت عليه شيئا كثيرا ، فلا فرار ~~لكم ولو كان لما متعتم بعد الفرار إلا قليلا . # ! 7 < { قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ~~ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 17 ) قل من ذا . . . . . # > > # بيانا لما تقدم من قوله : { لن ينفعكم الفرار } وقوله : { ولا يجدون لهم ~~من دون الله } تقرير لقوله : { من ذا الذى يعصمكم } أي ليس لكم ولي يشفع ~~لمحبته إياكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم . # ! 7 < { قد يعلم الله المعوقين منكم والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا ولا ~~يأتون البأس إلا قليلا } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 18 ) قد يعلم الله . . . . . # > > # أي الذين يثبطون المسلمين ويقولون تعالوا إلينا ولا تقاتلوا مع محمد صلى ~~الله ms7361 عليه وسلم وفيه وجهان أحدهما : أنهم المنافقون الذين كانوا يقولون ~~للأنصار لا تقاتلوا وأسلموا محمدا إلى قريش وثانيهما : اليهود الذين كانوا ~~يقولون لأهل المدينة تعالوا إلينا وكونوا معنا وهلم بمعنى تعال أو احضر ولا ~~تجمع في لغة الحجاز وتجمع في غيرها فيقال للجماعة هلموا وللنساء هلمن ، ~~وقوله : { ولا يأتون البأس إلا قليلا } يؤيد الوجه الأول وهو أن المراد ~~منهم المنافقون وهو يحتمل وجهين أحدهما : { لا يأتون * البأس } بمعنى ~~يتخلفون عنكم ولا يخرجون معكم وحينئذ قوله تعالى : { أشحة عليكم } أي بخلاء ~~حيث لا ينفقون في سبيل الله شيئا وثانيهما : لا يأتون البأس بمعنى لا ~~يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ، وقوله : { ~~أشحة عليكم } أي بأنفسهم وأبدانهم . # ! 7 < { أشحة عليكم فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذى ~~يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير ~~أولائك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذالك على الله يسيرا } . > 7 ~~@QB@ < # | الأحزاب : ( 19 ) أشحة عليكم فإذا . . . . . # > > PageV25P174 # إشارة إلى غاية جبنهم ونهاية روعهم ، واعلم أن البخل شبيه الجبن ، فلما ~~ذكر البخل بين سببه وهو الجبن والذي يدل عليه هو أن الجبان يبخل بماله ولا ~~ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر / فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا ~~إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه ، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون ~~عليه إخراج المال في القتال طمعا فيما هو أضعاف ذلك ، وأما بالنفس والبدن ~~فكذلك فإن الجبان يخاف قرنه ويتصور الفشل فيجبن ويترك الإقدام ، وأما ~~الشجاع فيحكم بالغلبة والنصر فيقدم ، وقوله تعالى : { فإذا ذهب الخوف ~~سلقوكم } أي غلبوكم بالألسنة وآذوكم بكلامهم يقولون نحن الذين قاتلنا وبنا ~~انتصرتم وكسرتم العدو وقهرتم ويطالبونكم بالقسم الأوفر من الغنيمة وكانوا ~~من قبل راضين من الغنيمة بالإياب ، وقوله : { أشحة على الخير } قيل الخير ~~المال ويمكن أن يقال معناه أنهم قليلو الخير في الحالتين كثيرو الشر في ~~الوقتين في الأول يبخلون ، وفي الآخر كذلك . # ثم قال تعالى : { أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذالك ms7362 على الله ~~يسيرا } يعني لم يؤمنوا حقيقة وإن أظهروا الإيمان لفظا فأحبط الله أعمالهم ~~التي كانوا يأتون بها مع المسلمين وقوله : { وكان ذالك على الله يسيرا } ~~إشارة إلى ما يكون في نظر الناظر كما في قوله تعالى : { وهو أهون عليه } ( ~~الروم : 27 ) وذلك لأن الإحباط إعدام وإهدار ، وإعدام الأجسام إذا نظر ~~الناظر يقول الجسم بتفريق أجزائه ، فإن من أحرق شيئا يبقى منه رماد ، وذلك ~~لأن الرماد إن فرقته الريح يبقى منه ذرات ، وهذا مذهب بعض الناس والحق هو ~~أن الله يعدم الأجسام ويعيد ما يشاء منها ، وأما العمل فهو في العين معدوم ~~وإن كان يبقى يبقى بحكمه وآثاره ، فإذا لم يكن له فائدة واعتبار فهو معدوم ~~حقيقة وحكما فالعمل إذا لم يعتبر فهو معدوم في الحقيقة بخلاف الجسم . # ! 7 < { يحسبون الا حزاب لم يذهبوا وإن يأت الا حزاب يودوا لو أنهم بادون ~~فى الا عراب يسألون عن أنبآئكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا * لقد ~~كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الا خر وذكر الله ~~كثيرا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 20 - 21 ) يحسبون الأحزاب لم . . . . . # > > أي من غاية الجبن عند ذهابهم كانوا يخافونهم وعند مجيئهم كانوا يودون ~~لو كانوا في البوادي ولا يكونون بين المقاتلين مع أنهم عند حضورهم كأنهم ~~غائبون حيث لا يقاتلون كما قال تعالى : / { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا ~~قليلا } . # PageV25P175 ! 7 < { ولما رأى المؤمنون الا حزاب قالوا هاذا ما وعدنا ~~الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 22 ) ولما رأى المؤمنون . . . . . # > > لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين وهو أنهم قالوا هذا ما وعدنا ~~الله من الابتلاء ثم قالوا : { وصدق الله ورسوله } في مقابلة قولهم : { ما ~~وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } ( الأحزاب : 12 ) وقولهم : { وصدق الله ~~ورسوله } ليس إشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع ~~وإنما هي إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا : { هاذا ما وعدنا الله } وقد وقع ~~وصدق الله في ms7363 جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس وقوله : ~~{ ما زادهم إلا * إيمانا } بوقوعه وتسليما عند وجوده . # ! 7 < { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا * ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب ~~المنافقين إن شآء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما * ورد الله الذين ~~كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا ~~عزيزا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 23 - 25 ) من المؤمنين رجال . . . . . # > > إشارة إلى وفائهم بعهدهم الذي عاهدوا الله أنهم لا يفارقون نبيه إلا ~~بالموت فمنهم من قضى نحبه أي قاتل حتى قتل فوفى بنذره والنحب النذر ، ومنهم ~~من هو بعد في القتال ينتظر الشهادة وفاء بالعهد وما بدلوا تبديلا بخلاف ~~المنافقين فإنهم قالوا لا نولي الأدبار فبدلوا قولهم وولوا أدبارهم وقوله : ~~{ ليجزى الله الصادقين بصدقهم } أي بصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة كما ~~صدقوا مواعيدهم ويعذب المنافقين الذين كذبوا واخلفوا وقوله : { إن شاء } ~~ذلك فيمنعهم من الإيمان / أو يتوب عليهم إن أراد ، وإنما قال ذلك حيث لم ~~يكن قد حصل يأس النبي عليه الصلاة والسلام عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس ~~منهم وقوله : { وكان الله غفورا } حيث ستر ذنوبهم و { رحيما } حيث رحمهم ~~ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده أو نقول : { ويعذب المنافقين } مع ~~أنه كان غفورا رحيما لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم ~~بين بعض ما جازاهم الله به على صدقهم فقال : { ورد الله الذين كفروا بغيظهم ~~} أي مع غيظهم لم يشفوا صدرا ولم يحققوا أمرا { وكفى الله المؤمنين القتال ~~} أي لم يحوجهم إلى قتال { وكان الله قويا } غير محتاج إلى قتالهم عزيزا ~~قادرا على استئصال الكفار وإذلالهم . # ! 7 < { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف فى قلوبهم ~~الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 26 ) وأنزل الذين ظاهروهم . . . . . # > > PageV25P176 # أي عاونوهم من أهل الكتاب وهم بنو قريظة من صياصيهم من قلاعهم وقذف في ~~قلوبهم ms7364 الرعب حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونسائهم للسبي فريقا تقتلون ~~وهم الرجال ، وتأسرون فريقا وهم الصبيان والنسوان ، فإن قيل هل في تقديم ~~المفعول حيث قال فريقا تقتلون وتأخيره حيث قال : { وتأسرون فريقا } فائدة ؟ ~~قلت قد أجبنا أن ما من شيء من القرآن إلا وله فوائد منها ما يظهر ومنها ما ~~لا يظهر ، والذي يظهر من هذا والله أعلم أن القائل يبدأ بالأهم فالأهم ~~والأعرف فالأعرف والأقرب فالأقرب ، والرجال كانوا مشهورين فكان القتل واردا ~~عليهم والأسرى كانوا هم النساء والصغار ولم يكونوا مشهورين والسبي والأسر ~~أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلين ما هو ~~أشهر على الفعل القائم به وما هو أشهر من الفعلين قدمه على المحل الأخفى ، ~~وإن شئنا نقول بعبارة توافق المسائل النحوية فنقول قوله : { فريقا تقتلون } ~~فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل ، أما ~~أنها جملة فعلية فلأنها لو كانت إسمية لكان الواجب في فريق الرفع وكان يقول ~~فريق منهم تقتلونهم فلما نصب كان ذلك بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره تقتلون ~~فريقا تقتلون والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول ، ~~وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قذف في قلوبهم الرعب ~~فلو قال تقتلون إلى أن يسمع السامع مفعول تقتلون يكون زمان وقد يمنعه مانع ~~فيفوته فلا يعلم أنهم هم المقتولون ، فأما إذا قال فريقا مع سبق في قلوبهم ~~الرعب إلى سمعه يستمع إلى تمام الكلام وإذا كان الأول فعلا ومفعولا قدم ~~المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على / الأصل فعدم تقديم الفعل ~~لزوال موجب التقديم إذا عرف حالهم وما يجىء بعده يكون مصروفا إليهم ، ولو ~~قال بعد ذلك وفريقا تأسرون فمن سمع فريقا ربما يظن أن يقال فيهم يطلقون ، ~~أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى ، وكذلك الكلام في قوله : { ~~وأنزل الذين ظاهروهم } وقوله : { وقذف } فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن ~~الرعب صار سبب الإنزال ، ولكن لما كان الفرح في ms7365 إنزالهم أكثر ، قدم الإنزال ~~على قذف الرعب والله أعلم . # ! 7 < { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على ~~كل شىء قديرا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 27 ) وأورثكم أرضهم وديارهم . . . . . # > > فيه ترتيب على ما كان ، فإن المؤمنين أولا تملكوا أرضهم بالنزول فيها ~~والاستيلاء عليها ثم تملكوا ديارهم بالدخول عليهم وأخذ قلاعهم ثم أموالهم ~~التي كانت في بيوتهم وقوله : { وأرضا لم تطئوها } قيل PageV25P177 المراد ~~القلاع وقيل المراد الروم وأرض فارس وقيل كل ما يؤخذ إلى يوم القيامة : { ~~وكان الله على كل شىء قديرا } هذا يؤكد قول من قال إن المراد من قولهم : { ~~وأرضا لم تطئوها } هو ما سيؤخذ بعد بني قريظة ، ووجهه هو أن الله تعالى لما ~~ملكهم تلك البلاد ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على ~~الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها . # ! 7 < { ياأيها النبى قل لا زواجك إن كنتن تردن الحيواة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الا خرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 28 - 29 ) يا أيها النبي . . . . . # > > وجه التعلق هو أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين التعظيم لأمر الله ~~والشفقة على خلق الله ، وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله : ( الصلاة وما ~~ملكت أيمانكم ) ثم إن الله تعالى لما أرشد نبيه إلى ما يتعلق بجانب التعظيم ~~لله بقوله : { منتظرون ياأيها النبى اتق الله } ( الأحزاب : 1 ) ذكر ما ~~يتعلق بجانب الشفقة وبدأ بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة ، ولهذا قدمهن ~~في النفقة ، وفي الآية مسائل فقهية منها أن التخيير / هل كان واجبا على ~~النبي عليه السلام أم لا ؟ فنقول التخيير قولا كان واجبا من غير شك لأنه ~~إبلاغ الرسالة ، لأن الله تعالى لما قال له قل لهم صار من الرسالة ، وأما ~~التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا ؟ والظاهر أنه للوجوب ، ~~ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يصير اختيارها فراقا والظاهر ~~أنه لا يصير ms7366 فراقا وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لقوله تعالى : { فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا } ومنها أن ~~واحدة منهن إن اختارت نفسها وقلنا بأنها لا تبين إلا بإنابة من جهة النبي ~~عليه السلام فهل كان يجب على النبي عليه السلام الطلاق أم لا ؟ الظاهر نظرا ~~إلى منصب النبي عليه السلام أنه كان يجب ، لأن الخلف في الوعد من النبي غير ~~جائز بخلاف واحد منا ، فإنه لا يلزمه شرعا الوفاء بما يعد ومنها أن ~~المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا ، والظاهر أنها لا تحرم ~~، وإلا لا يكون التخيير ممكنا لها من التمتع بزينة الدنيا ، ومنها أن من ~~اختارت الله ورسوله كان يحرم على النبي عليه الصلاة والسلام طلاقها أم لا ؟ ~~الظاهر الحرمة نظرا إلى منصب الرسول عليه الصلاة والسلام على معنى أن النبي ~~عليه السلام لا يباشره أصلا ، بمعنى أنه لو أتى به لعوقب أو عوتب ، وفيها ~~لطائف لفظية منها تقديم اختيار الدنيا ، إشارة إلى أن النبي عليه الصلاة ~~والسلام غير ملتفت إلى جانبهن غاية الالتفات وكيف وهو مشغول بعبادة ربه ، ~~ومنها قوله عليه السلام : { وأسرحكن سراحا جميلا } إشارة إلى ما ذكرنا ، ~~فإن السراح الجميل مع التأذي القوي لا يجتمع في العادة ، فعلم أن النبي ~~عليه الصلاة والسلام ما كان يتأثر من اختيارهن فراقه بدليل أن التسريح ~~الجميل منه ، ومنها قوله : { وإن كنتن تردن الله } إعلاما لهن بأن في ~~اختيار النبي عليه السلام اختيار الله ورسوله والدار الآخرة وهذه الثلاثة ~~هي الدين وقوله : { أعد للمحسنات منكن } أي لمن عمل صالحا منكن ، وقوله : { ~~تردن الله ورسوله والدار الاخرة } فيه معنى الإيمان ، وقوله : { للمحسنات } ~~لبيان الإحسان حتى تكون الآية في المعنى ، كقوله تعالى : { ومن يسلم وجهه ~~إلى الله وهو محسن } ( لقمان : 22 ) وقوله تعالى : { من ءامن وعمل صالحا } ~~( الكهف : 88 ) وقوله : { الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( البقرة : 82 ) ~~والأجر العظيم الكبير في الذات الحسن في الصفات الباقي في الأوقات ، وذلك ~~لأن العظيم في الأجسام لا ms7367 يطلق إلا على الزائد في الطول وفي العرض وفي ~~العمق / حتى لو كان زائدا في الطول يقال له طويل ، ولو كان زائدا في العرض ~~يقال له عريض ، وكذلك العميق ، فإذا وجدت PageV25P178 الأمور الثلاثة قيل ~~عظيم ، فيقال جبل عظيم إذا كان عاليا ممتدا في الجهات ، وإن كان مرتفعا ~~فحسب يقال جبل عال ، إذا عرفت هذا فأجر الدنيا في ذاته قليل وفي صفاته غير ~~خال عن جهة قبح ، لما في مأكوله من الضرر والثقل ، وكذلك في مشروبه وغيره ~~من اللذات وغير دائم ، وأجر الآخرة كثير خال عن جهات القبح دائم فهو عظيم . # ! 7 < { يانسآء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ~~وكان ذلك على الله يسيرا } . > 7 ! # / < < # | الأحزاب : ( 30 ) يا نساء النبي . . . . . # > > لما خيرهن النبي صلى الله عليه وسلم واخترن الله ورسوله أدبهن الله ~~وهددهن للتوقي عما يسوء النبي عليه السلام ويقبح بهن من الفاحشة التي هي ~~أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته وأوعدهن بتضعيف العذاب وفيه حكمتان ~~إحداهما : أن زوجة الغير تعذب على الزنا بسبب ما في الزنا من المفاسد وزوجة ~~النبي تعذب إن أتت به لذلك ولإيذاء قلبه والإزراء بمنصبه ، وعلى هذا بنات ~~النبي عليه السلام كذلك ولأن امرأة لو كانت تحت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأتت بفاحشة تكون قد اختارت غير النبي عليه السلام ، ويكون ذلك الغير خيرا ~~عندها من النبي وأولى ، والنبي أولى من النفس التي هي أولى من الغير ، فقد ~~نزلت منصب النبي مرتبتين فتعذب من العذاب ضعفين ثانيتهما : أن هذا إشارة ~~إلى شرفهن ، لأن الحرة عذابها ضعف عذاب الأمة إظهارا لشرفها ، ونسبة النبي ~~إلى غيره من الرجال نسبة السادات إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم ، ~~فكذلك زوجاته وقرائبه اللاتي هن أمهات المؤمنين ، وأم الشخص امرأة حاكمة ~~عليه واجبة الطاعة ، وزوجته مأمورة محكومة له وتحت طاعته ، فصارت زوجة ~~الغير بالنسبة إلى زوجة النبي عليه السلام كالأمة بالنسبة إلى الحرة ، ~~واعلم أن قول القائل من يفعل ذلك في قوة قوله ms7368 : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ~~( الزمر : 65 ) من حيث إن ذلك ممكن الوقوع في أول النظر ، ولا يقع في بعض ~~الصور جزما وفي بعض يقع جزما من مات فقد استراح ، وفي البعض يتردد السامع ~~في الأمرين ، فقوله تعالى : { من يأت منكن بفاحشة } عندنا من القبيل الأول ~~، فإن الأنبياء صان الله زوجاتهم عن الفاحشة ، وقوله تعالى : { وكان ذالك ~~على الله يسيرا } أي ليس كونكن تحت النبي عليه السلام وكونكن شريفات جليلات ~~مما يدفع العذاب عنكن ، وليس أمر الله كأمر الخلق حيث يتعذر عليهم تعذيب ~~الأعزة بسبب كثرة أوليائهم وأعوانهم أو شفعائهم وإخوانهم . # ! 7 < { ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتهآ أجرها مرتين وأعتدنا ~~لها رزقا كريما } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 31 ) ومن يقنت منكن . . . . . # > > # قوله تعالى : { ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا } بيانا لزيادة ~~ثوابهن ، كما بين / زيادة عقابهن { نؤتها أجرها مرتين } في مقابلة قوله ~~تعالى : { يضاعف لها العذاب ضعفين } مع لطيفة وهي أن عند إيتاء PageV25P179 ~~الأجر ذكر المؤتي وهو الله ، وعند العذاب لم يصرح بالمعذب فقال : { يضاعف } ~~إشارة إلى كمال الرحمة والكرم ، كما أن الكريم الحي عند النفع يظهر نفسه ~~وفعله ، وعند الضر لا يذكر نفسه ، وقوله تعالى : { وأعتدنا لها رزقا كريما ~~} وصف رزق الآخرة بكونه كريما ، مع أن الكريم لا يكون إلا وصفا للرزاق ~~إشارة إلى معنى لطيف ، وهو أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس ، ~~التاجر يسترزق من السوقة ، والمعاملين والصناع من المستعملين ، والملوك من ~~الرعية والرعية منهم ، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه ، وإنما هو مسخر ~~للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار . وأما في الآخرة فلا يكون له مرسل وممسك ~~في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه ، فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا ~~الرزاق ، وفي الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق . # ! 7 < { يانسآء النبى لستن كأحد من النسآء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول ~~فيطمع الذى فى قلبه مرض وقلن قولا معروفا } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 32 ) يا نساء النبي . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { كريما يانساء النبى لستن كأحد من النساء } لما ms7369 ذكر أن ~~عذابهن ضعف عذاب غيرهن وأجرهن مثلا أجر غيرهن صرن كالحرائر بالنسبة إلى ~~الإماء ، فقال : { لستن كأحد } ومعنى قول القائل ليس فلان كآحاد الناس ، ~~يعني ليس فيه مجرد كونه إنسانا ، بل وصف أخص موجود فيه ، وهو كونه عالما أو ~~عاملا أو نسيبا أو حسيبا ، فإن الوصف الأخص إذا وجد لا يبقى التعريف بالأعم ~~، فإن من عرف رجلا ولم يعرف منه غير كونه رجلا يقول رأيت رجلا فإن عرف علمه ~~يقول رأيت زيدا أو عمرا ، فكذلك قوله تعالى : { لستن كأحد من النساء } يعني ~~فيكن غير ذلك أمر لا يوجد في غيركن وهو كونكن أمهات جميع المؤمنين وزوجات ~~خير المرسلين ، وكما أن محمدا عليه السلام ليس كأحد من الرجال ، كما قال ~~عليه السلام : ( لست كأحدكم ) كذلك قرائبه اللاتي يشرفن به وبين الزوجين ~~نوع من الكفاءة . # ثم قوله تعالى : { إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول } يحتمل وجهين أحدهما : أن ~~يكون متعلقا بما قبله على معنى لستن كأحد إن اتقيتن فإن الأكرم عند الله هو ~~الأتقى وثانيهما : أن يكون متعلقا بما بعده على معنى إن اتقيتن فلا تخضعن ~~والله تعالى لما منعهن من الفاحشة وهي الفعل القبيح منعهن من مقدماتها وهي ~~المحادثة مع الرجال والانقياد في الكلام للفاسق . ثم قوله تعالى : { فيطمع ~~الذى فى قلبه مرض } أي فسق وقوله تعالى : { وقلن قولا معروفا } أي ذكر الله ~~، وما تحتجن إليه / من الكلام والله تعالى لما قال : { فلا تخضعن بالقول } ~~ذكر بعده { وقلن } إشارة إلى أن ذلك ليس أمرا بالإيذاء والمنكر بل القول ~~المعروف وعند الحاجة هو المأمور به لا غيره . # ! 7 < { وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الا ولى وأقمن الصلواة ~~وءاتين الزكواة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 33 ) وقرن في بيوتكن . . . . . # > > PageV25P180 # قوله تعالى : { وقرن فى بيوتكن } من القرار وإسقاط أحد حرفي التضعيف كما ~~قال تعالى : { فظلتم تفكهون } وقيل بأنه من الوقار كما يقال وعد يعد عد ~~وقول : { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى } قيل ms7370 معناه لا تتكسرن ولا تتغنجن ~~، ويحتمل أن يكون المراد لا تظهرن زينتكن وقوله تعالى : { الجاهلية الاولى ~~} فيه وجهان أحدهما : أن المراد من كان في زمن نوح والجاهلية الأخرى من كان ~~بعده وثانيهما : أن هذه ليست أولى تقتضي أخرى بل معناه تبرج الجاهلية ~~القديمة كقول القائل : أين الأكاسرة الجبابرة الأولى . # ثم قال تعالى : { وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية } يعني ليس ~~التكليف في النهي فقط حتى يحصل بقوله تعالى : { لا * تخضعن * ولا تبرجن } ~~بل فيه وفي الأوامر { إلى الصلواة } التي هي ترك التشبه بالجبار المتكبر { ~~وقرن فى } التي هي تشبه بالكريم الرحيم { وأطعن الله } أي ليس التكليف ~~منحصرا في المذكور بل كل ما أمر الله به فأتين به وكل ما نهى الله عنه ~~فانتهين عنه . # ثم قال تعالى : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا } . # يعني ليس المنتفع بتكليفكن هو الله ولا تنفعن الله فيما تأتين به . وإنما ~~نفعه لكن وأمره تعالى إياكن لمصلحتكن ، وقوله تعالى : { ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم } فيه لطيفة وهي أن الرجس قد يزول عينا ولا يطهر المحل ~~فقوله تعالى : { ليذهب عنكم الرجس } أي يزيل عنكم الذنوب ويطهركم أي يلبسكم ~~خلع الكرامة ، ثم إن الله تعالى ترك خطاب المؤنثات وخاطب بخطاب المذكرين ~~بقوله : { ليذهب عنكم الرجس } ليدخل فيه نساء أهل بيته ورجالهم ، واختلفت ~~الأقوال في أهل البيت ، والأولى أن يقال هم أولاده وأزواجه والحسن والحسين ~~منهم وعلي منهم لأنه كان من أهل بيته بسبب معاشرته ببنت النبي عليه السلام ~~وملازمته للنبي . # PageV25P181 ! 7 < { واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من ءايات الله والحكمة إن ~~الله كان لطيفا خبيرا } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 34 ) واذكرن ما يتلى . . . . . # > > # / ثم قال تعالى : { واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من ءايات الله والحكمة } أي ~~القرآن { والحكمة } أي كلمات النبي عليه السلام إشارة إلى ما ذكرنا من أن ~~التكاليف غير منحصرة في الصلاة والزكاة ، وما ذكر الله في هذه الآية فقال : ~~{ واذكرن ما يتلى } ليعلمن الواجبات كلها فيأتين بها ، والمحرمات بأسرها ~~فينتهين ms7371 عنها . # ( وقوله ) : { إن الله كان لطيفا خبيرا } إشارة إلى أنه خبير بالبواطن ، ~~لطيف فعلمه يصل إلى كل شيء ومنه اللطيف الذي يدخل في المسام الضيقة ويخرج ~~من المسالك المسدودة . # ! 7 < { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات ~~والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين ~~والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 35 ) إن المسلمين والمسلمات . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } لما أمرهن ~~ونهاهن وبين ما يكون لهن وذكر لهن عشر مراتب الأولى : الإسلام والانقياد ~~لأمر الله والثانية : الإيمان بما يرد به أمر الله ، فإن المكلف أولا يقول ~~كل ما يقوله أقبله فهذا إسلام ، فإذا قال الله شيئا وقبله صدق مقالته وصحح ~~اعتقاده فهو إيمان ثم اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ~~ويعبد وهو المرتبة الثالثة : المذكورة بقوله : { والقانتين والقانتات } ثم ~~إذا آمن وعمل صالحا كمل فيكمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في ~~كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله : { والصادقين والصادقات } ثم إن من ~~يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال تعالى : { ~~والصابرين والصابرات } ثم إنه إذا كمل وكمل قد يفتخر بنفسه ويعجب بعبادته ~~فمنعه منه بقوله : { والخاشعين والخاشعات } أو نقول لما ذكر هذه الحسنات ~~أشار إلى ما يمنع منها وهو إما حب الجاه أو حب المال من الأمور الخارجية أو ~~الشهوة من الأمور الداخلة ، والغضب منهما يكون لأنه يكون بسبب نقص جاه أو ~~فوت مال أو منع من أمر مشتى فقوله : { والخاشعين والخاشعات } أي المتواضعين ~~الذين لا يميلهم الجاه عن العبادة ، ثم قال تعالى : { والمتصدقين ~~والمتصدقات } أي الباذلين الأموال الذين لا يكنزونها لشدة محبتهم إياها . ~~ثم قال تعالى : { والصائمين والصائمات } إشارة إلى الذين لا تمنعهم الشهوة ~~البطنية من عبادة الله . ثم قال تعالى : { والحافظين فروجهم والحافظات } أي ~~الذين لا تمنعهم الشهوة الفرجية . # / ثم قال تعالى : { والذكرين الله كثيرا والذكرات } يعني هم في جميع هذه ~~الأحوال يذكرون الله ويكون إسلامهم ms7372 وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصبرهم وخشوعهم ~~وصدقتهم وصومهم بنية صادقة لله ، واعلم أن الله تعالى في أكثر المواضع حيث ~~ذكر الذكر قرنه بالكثرة ههنا ، وفي قوله بعد هذا { عليما ياأيها الذين ~~ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } ( الأحزاب : 41 ) وقال من قبل : { لمن كان ~~يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا } ( الأحزاب : 21 ) لأن الإكثار من ~~الأفعال البدنية غير ممكن أو عسر فإن الإنسان أكله وشربه وتحصيل مأكوله ~~ومسروبه يمنعه من أن يشتغل دائما بالصلاة ولكن لا مانع له من أن يذكر الله ~~تعالى وهو آكل ويذكره وهو شارب أو ماش أو بائع أو شار ، وإلى هذا أشار ~~بقوله تعالى : { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } ( آل عمران ~~: 191 ) ولأن جميع الأعمال بذكر الله تعالى وهي النية . # ثم قال تعالى : { أعد الله لهم مغفرة } تمحو ذنوبهم وقوله : { وأجرا ~~عظيما } ذكرناه فيما تقدم . # ! 7 < { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 36 ) وما كان لمؤمن . . . . . # > > قيل بأن الآية نزلت في زينب حيث أراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~تزويجها من زيد بن حارثة فكرهت إلا النبي عليه PageV25P182 السلام وكذلك ~~أخوها امتنع فنزلت الآية فرضيا به ، والوجه أن يقال إن الله تعالى لما أمر ~~نبيه بأن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يريد ضرر الغير فمن كان ميله إلى شيء يمكنه النبي عليه السلام من ذلك ، ~~ويترك النبي عليه السلام حق نفسه لحظ غيره ، فقال في هذه الآية لا ينبغي أن ~~يظن ظان أن هوى نفسه متبعه وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في الزوجات ، ~~بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله فما أمر ~~الله هو المتبع وما أراد النبي هو الحق ومن خالفهما في شيء فقد ضل ضلالا ~~مبينا ، لأن الله هو المقصد والنبي هو الهادي الموصل ، فمن ترك المقصد ms7373 ولم ~~يسمع قول الهادي فهو ضال قطعا . # ! 7 < { وإذ تقول للذىأنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق ~~الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى ~~زيد منها وطرا زوجناكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج فىأزواج أدعيآئهم إذا ~~قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا } . > 7 ! # / < < # | الأحزاب : ( 37 ) وإذ تقول للذي . . . . . # > > وهو زيد أنعم الله عليه بالإسلام { وأنعمت عليه } بالتحرير والإعتاق ~~{ أمسك عليك زوجك } هم زيد بطلاق زينب فقال له النبي أمسك أي لا تطلقها { ~~واتق الله } قيل في الطلاق ، وقيل في الشكوى من زينب ، فإن زيدا قال فيها ~~إنها تتكبر علي بسبب النسب وعدم الكفاءة { وتخفى فى نفسك ما الله مبديه } ~~من أنك تريد التزوج بزينب { برب الناس } من أن يقولوا أخذ زوجة الغير أو ~~الإبن { والله أحق أن تخشاه } ليس إشارة إلى أن النبي خشي الناس ولم يخش ~~الله بل المعنى الله أحق أن تخشاه وحده ولا تخش أحدا معه وأنت تخشاه وتخشى ~~الناس أيضا ، فاجعل الخشية له وحده كما قال تعالى : { الذين يبلغون رسالات ~~الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } ( الأحزاب : ) . # ثم قال تعالى : { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها } أي لما طلقها زيد ~~وانقضت عدتها وذلك لأن الزوجة ما دامت في نكاح الزوج فهي تدفع حاجته وهو ~~محتاج إليها ، فلم يقض منها الوطر بالكلية ولم يستغن وكذلك إذا كان في ~~العده له بها تعلق لإمكان شغل الرحم فلم يقض منها بعد وطره ، وأما إذا طلق ~~وانقضت عدتها استغنى عنها ولم يبق له معها تعلق فيقضي منها الوطر وهذا ~~موافق لما في الشرع لأن التزوج بزوجة الغير أو بمعتدته لا يجوز فلهذا قال : ~~{ فلما قضى } وكذلك قوله : { لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا } PageV25P183 أي إذا طلقوهن وانقضت عدتهن ، ~~وفيه إشارة إلى أن التزويج من النبي عليه السلام لم يكن لقضاء شهوة النبي ~~عليه السلام بل لبيان الشريعة بفعله فإن الشرع ms7374 يستفاد من فعل النبي وقوله : ~~{ وكان أمر الله مفعولا } أي مقضيا ما قضاه كائن . # ثم بين أن تزوجه عليه السلام بها مع أنه كان مبينا لشرع مشتمل على فائدة ~~كان خاليا من المفاسد فقال : # ! 7 < { ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له سنة الله فى الذين ~~خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا } . > 7 ! # { ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له سنة الله فى الذين خلوا من ~~قبل وكان أمر } < < # | الأحزاب : ( 38 ) ما كان على . . . . . # > > يعني كان شرع من تقدمه كذلك ، كان يتزوج الأنبياء بنسوة كثيرة أبكار ~~ومطلقات الغير { وكان أمر الله قدرا مقدورا } أي كل شيء بقضاء وقدر والقدر ~~التقدير وبين المفعول والمقدور فرق مقول بين القضاء والقدر ، فالقضاء ما ~~كان مقصودا في الأصل والقدر ما يكون تابعا له ، مثاله من كان يقصد مدينة ~~فنزل بطريق تلك المدينة بخان أو قرية يصح منه في العرف أن يقول في جواب من ~~يقول لم جثت إلى هذه القرية ؟ إني ما جئت إلى هذه وإنما قصدت المدينة ~~الفلانية وهذه وقعت في طريقي وإن كان قد جاءها ودخلها وإذا عرفت هذا فإن ~~الخير كله بقضاء وما في العالم من الضرر بقدر ، فالله تعالى خلق المكلف ~~بحيث يشتهي ويغضب ، ليكون اجتهاده في تغليب العقل والدين عليهما مثابا عليه ~~بأبلغ وجه فأفضى ذلك في البعض إلى أن زنى وقتل فالله لم يخلقهما فيه مقصودا ~~منه القتل والزنا وإن كان ذلك بقدر الله إذا علمت هذا ففي قوله تعالى أولا ~~{ وكان أمر الله مفعولا } وقوله ثانيا { وكان أمر الله قدرا مقدورا } لطيفة ~~وهي أنه تعالى لما قال { زوجناكها } قال { وكان أمر الله مفعولا } أي ~~تزويجنا زينب إياك كان مقصودا متبوعا مقضيا مراعى ، ولما قال : { سنة الله ~~فى الذين خلوا } إشارة إلى قصة داود عليه السلام حيث افتتن بامرأة أوريا ~~قال : { وكان أمر الله قدرا مقدورا } أي كان ذلك حكما تبعيا ، فلو قال قائل ~~هذا قول المعتزلة بالتوليد والفلاسفة بوجوب ms7375 كون الأشياء على وجوه مثل كون ~~النار تحرق حيث قالوا الله تعالى أراد أن يخلق ما ينضج الأشياء وهو لا يكون ~~إلا محرقا بالطبع فخلق النار للنفع فوقع اتفاق أسباب أوجبت احتراق دار زيد ~~أو دار عمرو ، فنقول معاذ الله أن نقول بأن الله غير مختار في أفعاله أو ~~يقع شيء لا باختياره ، ولكن أهل السنة يقولون أجرى الله عادته بكذا أي وله ~~أن يخلق النار بحيث عند حاجة إنضاج اللحم تنضج وعند مساس ثوب العجوز لا ~~تحرق ، ألا ترى أنها لم تحرق إبراهيم عليه السلام مع قوتها وكثرتها لكن ~~خلقها على غير ذلك الوجه بمحض إرادته أو لحكمة خفية ولا يسأل عما يفعل ، ~~فنقول ما كان في مجرى عادته تعالى على وجه تدركه العقول البشرية نقول بقضاء ~~، وما يكون على وجه يقع لعقل قاصر أن يقول لم كان ولماذا لم يكن على خلافه ~~نقول بقدر ، ثم بين الذين خلوا بقوله : # ! 7 < { الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى ~~بالله حسيبا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 39 ) الذين يبلغون رسالات . . . . . # > > يعني كانوا هم أيضا مثلك رسلا ، ثم ذكره بحالهم أنهم جردوا الخشية ~~ووحدوها بقوله : { ولا يخشون أحدا إلا الله } فصار كقوله : { فبهداهم اقتده ~~} ( الأنعام : 90 ) وقوله : { وكفى بالله حسيبا } أي محاسبا / فلا تخش غيره ~~أو محسوبا فلا تلتفت إلى غيره ولا تجعله في حسابك . # PageV25P184 ! 7 < { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولاكن رسول الله ~~وخاتم النبيين وكان الله بكل شىء عليما } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 40 ) ما كان محمد . . . . . # > > لما بين الله ما في تزوج النبي عليه السلام بزينب من الفوائد بين أنه ~~كان خاليا من وجوه المفاسد ، وذلك لأن ما كان يتوهم من المفسدة كان منحصرا ~~في التزوج بزوجة الابن فإنه غير جائز فقال الله تعالى إن زيدا لم يكن ابنا ~~له لا بل أحد الرجال لم يكن ابن محمد ، فإن قائل النبي كان أبا أحد من ~~الرجال لأن الرجل اسم الذكر من أولاد آدم قال تعالى : { وإن كانوا ms7376 إخوة ~~رجالا ونساء } ( النساء : 176 ) والصبي داخل فيه ، فنقول الجواب عنه من ~~وجهين أحدهما : أن الرجل في الاستعمال يدخل في مفهومه الكبر والبلوغ ولم ~~يكن للنبي عليه السلام ابن كبير يقال إنه رجل والثاني : هو أنه تعالى قال : ~~{ من رجالكم } ووقت الخطاب لم يكن له ولد ذكر ، ثم إنه تعالى لما نفى كونه ~~أبا عقبه بما يدل على ثبوت ما هو في حكم الأبوة من بعض الوجوه فقال : { ~~ولاكن رسول الله } فإن رسول الله كالأب للأمة في الشفقة من جانبه ، وفي ~~التعظيم من طرفهم بل أقوى فإن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، والأب ليس ~~كذلك ، ثم بين ما يفيد زيادة الشفقة من جانبه والتعظيم من جهتهم بقوله : { ~~وخاتم النبيين } وذلك لأن النبي الذي يكون بعده نبي إن ترك شيئا من النصيحة ~~والبيان يستدركه من يأتي بعده ، وأما من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته ~~وأهدى لهم وأجدى ، إذ هو كوالد لولده الذي ليس له غيره من أحد وقوله : { ~~وكان الله بكل شىء عليما } يعني علمه بكل شيء دخل فيه أن لا نبي بعده فعلم ~~أن من الحكمة إكمال شرع محمد صلى الله عليه وسلم بتزوجه بزوجة دعيه تكميلا ~~للشرع وذلك من حيث إن قول النبي صلى الله عليه وسلم يفيد شرعا لكن إذا ~~امتنع هو عنه يبقى في بعض النفوس نفرة ، ألا ترى أنه ذكر بقوله ما فهم منه ~~حل أكل الضب ثم لما لم يأكله بقي في النفوس شيء ولما أكل لحم الجمل طاب ~~أكله مع أنه في بعض الملل لا يؤكل وكذلك الأرنب . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 41 ) يا أيها الذين . . . . . # > > وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن السورة أصلها ومبناها على تأديب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا أن الله تعالى بدأ بذكر ما ينبغي أن ~~يكون عليه النبي عليه السلام مع الله وهو التقوى وذكر ما ينبغي أن يكون ~~عليه النبي عليه السلام مع أهله وأقاربه بقوله : { قديرا ms7377 ياأيها النبى قل ~~لازواجك } ( الأحزاب : 28 ) والله تعالى يأمر / عباده المؤمنين بما يأمر به ~~أنبياءه المرسلين فأرشد عباده كما أدب نبيه وبدأ بما يتعلق بجانبه من ~~التعظيم فقال : { عليما ياأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } كما ~~قال لنبيه : { منتظرون ياأيها النبى اتق الله } ( الأحزاب : 1 ) . # ثم ههنا لطيفة وهي أن المؤمن قد ينسى ذكر الله فأمر بدوام الذكر ، أما ~~النبي لكونه من المقربين لا ينسى ولكن قد يغتر المقرب من الملك بقربه منه ~~فيقل خوفه فقال : { اتق الله } فإن المخلص على خطر عظيم وحسنة الأولياء ~~سيئة الأنبياء وقوله : { ذكرا كثيرا } قد ذكرنا أن الله في كثير من المواضع ~~لما ذكر وصفه بالكثرة إذ لا مانع من الذكر على ما بينا . # PageV25P185 ! 7 < { وسبحوه بكرة وأصيلا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 42 ) وسبحوه بكرة وأصيلا # > > أي إذا ذكرتموه فينبغي أن يكون ذكركم إياه على وجه التعظيم والتنزيه ~~عن كل سوء وهو المراد بالتسبيح وقيل المراد منه الصلاة وقيل للصلاة تسبيحه ~~بكرة وأصيلا إشارة إلى المداومة وذلك لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ~~ويفهم منهما الوسط كقوله عليه السلام ( لو أن أولكم وآخركم ) ولم يذكر ~~وسطكم ففهم منه المبالغة في العموم . # ! 7 < { هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان ~~بالمؤمنين رحيما } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 43 ) هو الذي يصلي . . . . . # > > يعني هو يصلي عليكم ويرحمكم وأنتم لا تذكرونه فذكر صلاته تحريضا ~~للمؤمنين على الذكر والتسبيح { ليخرجكم من الظلمات إلى النور } يعني يهديكم ~~برحمته والصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار فقيل بأن اللفظ المشترك ~~يجوز استعماله في معنييه معا وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ جائز ~~وينسب هذا القول إلى الشافعي رضي الله عنه وهو غير بعيد فإن أريد تقريبه ~~بحيث يصير في غاية القرب نقول الرحمة والاستغفار يشتركان في العناية بحال ~~المرحوم والمستغفر له والمراد هو القدر المشترك فتكون الدلالة تضمنية لكون ~~العناية جزأ منهما { كان * بالمؤمنين رحيما } بشارة لجميع المؤمنين وإشارة ~~إلى أن قوله { يصلى عليكم } غير مختص بالسامعين وقت الوحي ms7378 . # ! 7 < { تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 44 ) تحيتهم يوم يلقونه . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { تحيتهم يوم يلقونه سلام } لما بين الله عنايته في ~~الأولى بين عنايته في الآخرة وذكر السلام لأنه هو الدليل على الخيرات فإن ~~من لقي غيره وسلم عليه دل على المصافاة بينهما وإن لم يسلم دل على المنافاة ~~وقوله : { يوم يلقونه } أي يوم القيامة وذلك لأن الإنسان في دنياه غير مقبل ~~بكليته على الله وكيف وهو حالة نومه غافل عنه وفي أكثر أوقاته مشغول بتحصيل ~~رزقه ، وأما في الآخرة فلا شغل لأحد يلهيه عن ذكر الله فهو حقيقة اللقاء . # / ثم قال تعالى : { وأعد لهم أجرا كريما } لو قائل قائل الإعداد إنما ~~يكون ممن لا يقدر عند الحاجة إلى الشيء عليه ، وأما الله تعالى فلا حاجة ~~ولا عجز فحيث يلقاه الله يؤتيه ما يرضى به وزيادة فما معنى الاعداد من قبل ~~فنقول الإعداد للإكرام لا للحاجة وهذا كما أن الملك إذا قيل له فلان واصل ، ~~فإذا أراد إكرامه يهيىء له بيتا وأنواعا من الإكرام ولا يقول بأنه إذا وصل ~~نفتح باب الخزانة ونؤتيه ما يرضيه فكذلك الله لكمال الإكرام أعد للذاكر ~~أجرا كريما والكريم قد ذكرناه في الرزق أي أعد له أجرا يأتيه من غير طلبه ~~بخلاف الدنيا فإنه يطلب الرزق ألف مرة ولا يأتيه إلا بقدر . وقوله : { ~~تحيتهم يوم يلقونه سلام } مناسب لحالهم لأنهم لما ذكروا الله في دنياهم حصل ~~لهم معرفة ولما سبحوه تأكدت المعرفة حيث عرفوه كما ينبغي بصفات الجلال ~~ونعوت الكمال والله يعلم حالهم في الدنيا فأحسن إليهم بالرحمة ، كما قال ~~تعالى : { هو الذى * يصلى عليكم } وقال : { وكان بالمؤمنين رحيما } ~~PageV25P186 ( الأحزاب : 43 ) والمتعارفان إذا التقيا وكان أحدهما شفيقا ~~بالآخر والآخر معظما له غاية التعظيم لا يتحقق بينهما إلا السلام وأنواع ~~الإكرام . # ! 7 < { ياأيها النبى إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 45 - 46 ) يا أيها النبي . . . . . # > > قد ذكرنا أن السورة فيها تأديب للنبي عليه ms7379 السلام من ربه فقوله في ~~ابتدائها : { منتظرون ياأيها النبى اتق الله } اشارة إلى ما ينبغي أن يكون ~~عليه مع ربه وقوله : { قديرا ياأيها النبى قل لازواجك } إشارة إلى ما ينبغي ~~أن يكون عليه مع أهله وقوله : { كريما ياأيها النبى إنا أرسلناك } إشارة ~~إلى ما ينبغي أن يكون عليه مع عامة الخلق وقوله تعالى : { شاهدا } يحتمل ~~وجوها أحدهما : أنه شاهد على الخلق يوم القيامة كما قال تعالى : { ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا } ( البقر : 143 ) وعلى هذا فالنبي بعث شاهدا أي متحملا ~~للشهادة ويكون في الآخرة شهيدا أي مؤديا لما تحمله ثانيها : أنه شاهد أن لا ~~إله إلا الله ، وعلى هذا لطيفة وهو أن الله جعل النبي شاهدا على الوحدانية ~~والشاهد لا يكون مدعيا فالله تعالى لم يجعل النبي في مسئلة الوحدانية مدعيا ~~لها لأن المدعى من يقول شيئا على خلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس ~~والنبي عليه السلام كان ادعى النبوة فجعل الله نفسه شاهدا له في مجازاة ~~كونه شاهدا لله فقال تعالى : { والله يعلم إنك لرسوله } ( المنافقون : 1 ) ~~وثالثها : أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان ~~والصراط وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا بالطاعة والمعصية والصلاح والفساد ~~وقوله : { ومبشرا ونذيرا * وداعيا } فيه ترتيب حسن وذلك من حيث إن النبي ~~عليه السلام أرسل شاهدا بقوله لا إله إلا الله ويرغب في ذلك بالبشارة فإن ~~لم يكف / ذلك يرهب بالإندار ثم لا يكتفي بقولهم لا إله إلا الله بل يدعوهم ~~إلى سبيل الله كما قال تعالى : { ادع إلى سبيل ربك } ( النحل : 125 ) وقوله ~~: { وسراجا منيرا } أي مبرهنا على ما يقول مظهرا له بأوضح الحجج وهو المراد ~~بقوله تعالى : { بالحكمة والموعظة الحسنة } ( النحل : 125 ) . # وفيه لطائف إحداها : قوله تعالى : { وداعيا إلى الله بإذنه } حيث لم يقل ~~وشاهدا باذنه ومبشرا وعند الدعاء قال وداعيا باذنه ، وذلك لأن من يقول عن ~~ملك إنه ملك الدنيا لا غيره لا يحتاج فيه إلى إذن منه فإنه وصفه بما فيه ~~وكذلك إذا قال من يطيعه يسعد ومن ms7380 يعصه يشقى يكون مبشرا ونذيرا ولا يحتاج ~~إلى إذن من الملك في ذلك ، وأما إذا قال تعالوا إلى سماطه ، واحضروا على ~~خوانه يحتاج فيه إلى إذنه فقال تعالى : { وداعيا إلى الله بإذنه } ووجه آخر ~~وهو أن النبي يقول إني أدعو إلى الله والولي يدعو إلى الله ، والأول لا إذن ~~له فيه من أحد ، والثاني مأذون من جهة النبي عليه السلام كما قال تعالى : { ~~قل هاذه سبيلى * ادعوا * إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى } ( يوسف : 108 ~~) وقال عليه الصلاة والسلام : ( رحم الله عبدا سمع مقالتي فأداها كما سمعها ~~) والنبي عليه السلام هو المأذون من الله في الدعاء إليه من غير واسطة . # اللطيفة الثانية : قال في حق النبي عليه السلام سراجا ولم يقل إنه شمس مع ~~أنه أشد إضاءة من السراج لفوائد منها ، أن الشمس نورها لا يؤخذ منه شيء ~~والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة فإذا انطفأ الأول يبقى الذي أخذ منه ، وكذلك ~~إن غاب والنبي عليه السلام كان كذلك إذ كل صحابي أخذ منه نور الهداية كما ~~قال عليه السلام : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) وفي الخبر ~~لطيفة وإن كانت ليست من التفسير ولكن الكلام يجر الكلام وهي أن النبي عليه ~~السلام لم يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم لأن النجم لا يؤخذ منه نور بل ~~له في نفسه نور إذا غرب هو لا يبقى نور مستفاد منه / وكذلك الصحابي إذا مات ~~فالتابعي يستنير بنو النبي PageV25P187 عليه السلام ولا يأخذ منه إلا قول ~~النبي عليه السلام وفعله ، فأنوار المجتهدين كلهم من النبي عليه السلام ولم ~~جعلهم كالسرج والنبي عليه السلام أيضا سراج كان للمجتهد أن يستنير بمن أراد ~~منهم ويأخذ النور ممن اختار ، وليس كذلك فإن مع نص النبي عليه السلام لا ~~يعمل بقول الصحابي فيؤخذ من النبي النور ولا يؤخذ من الصحابي فلم يجعله ~~سراجا وهذا يوجب ضعفا في حديث سراج الأمة والمحدثون ذكروه وفي تفسير السراج ~~وجه آخر وهو أن المراد منه القرآن وتقديره إنا أرسلناك ، وسراجا منيرا عطفا ms7381 ~~على محل الكاف أي وأرسلنا سراجا منيرا وعلى قولنا إنه عطف على مبشرا ونذيرا ~~يكون معناه وذا سراج لأن الحال لا يكون إلا وصفا للفاعل أو المفعول ، ~~والسراج ليس وصفا لأن النبي عليه السلام لم يكن سراجا حقيقة أو يكون كقول ~~القائل رأيته أسدا أي شجاعا فقوله سراجا أي هاديا مبينا كالسراج يرى الطريق ~~ويبين الأمر . # ! 7 < { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 47 ) وبشر المؤمنين بأن . . . . . # > > # / وقوله تعالى : { وبشر المؤمنين } عطف على مفهوم تقديره إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا فاشهد وبشر ولم يذكر فاشهد للاستغناء عنه ، وأما البشارة ~~فإنها ذكرت إبانة للكرم ولأنها غير واجبة لولا الأمر . وقوله تعالى : { بأن ~~لهم من الله فضلا كبيرا } هو مثل قوله : { وأعد * الله لهم مغفرة وأجرا ~~عظيما } ( الأحزاب : 35 ) فالعظيم والكبير متقاربان وكونه من الله كبير ~~فكيف إذا كان مع ذلك كبارة أخرى . # ! 7 < { ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى ~~بالله وكيلا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 48 ) ولا تطع الكافرين . . . . . # > > إشارة إلى الإنذار يعني خالفهم وورد عليهم وعلى هذا فقوله تعالى : { ~~ودع أذاهم } أي دعه إلى الله فإنه يعذبهم بأيديكم وبالنار ، ويبين هذا قوله ~~تعالى : { وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } أي الله كاف عبده ، قال بعض ~~المعتزلة لا يجوز تسمية الله بالوكيل لأن الوكيل أدون من الموكل وقوله ~~تعالى : { وكفى بالله وكيلا } حجة عليه وشبهته واهية من حيث إن الوكيل قد ~~يوكل للترفع وقد يوكل للعجز والله وكيل عباده لعجزهم عن التصرف ، وقوله ~~تعالى : { وكفى بالله وكيلا } يتبين إذا نظرت في الأمور التي لأجلها لا ~~يكفى الوكيل الواحد منها أن لا يكون قويا قادرا على العمل كالملك الكثير ~~الأشغال يحتاج إلى وكلاء لعجز الواحد عن القيام بحميع أشغاله ، ومنها أن لا ~~يكون عالما بما فيه التوكيل ، ومنها أن لا يكون غنيا ، والله تعالى عالم ~~قادر وغير محتاج فكيفي وكيلا . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن فما لكم عليهن من ms7382 عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا } . > 7 ~~! # < < # | الأحزاب : ( 49 ) يا أيها الذين . . . . . # > > وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى في هذه السورة ذكر مكارم ~~الأخلاق وأدب نبيه على ما PageV25P188 ذكرناه ، لكن الله تعالى أمر عباده ~~المؤمنين بما أمر به نبيه المرسل فكلما ذكر للنبي مكرمة وعلمه أدبا ذكر ~~للمؤمنين ما يناسبه ، فكما بدأ الله في تأديب النبي عليه الصلاة والسلام ~~بذكر ما يتعلق بجانب الله بقوله : { منتظرون ياأيها النبى اتق الله } ( ~~الأحزاب : 1 ) وثنى بما يتعلق بجانب من تحت يده من أزواجه بقوله بعد : { ~~قديرا ياأيها النبى قل لازواجك } ( الأحزاب : 28 ) وثلث بما يتعلق بجانب ~~العامة بقوله : { كريما ياأيها النبى إنا أرسلناك شاهدا } ( الأحزاب : 45 ) ~~/ كذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بما يتعلق بجانب الله فقال : { عليما ياأيها ~~الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } ( الأحزاب : 41 ) ثم ثنى بما يتعلق ~~بجانب من تحت أيديهم بقوله : { وكيلا ياأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات } ثم كما ثلث في تأديب النبي بجانب الأمة ثلث في حق المؤمنين بما ~~يتعلق بجانب نبيهم ، فقال بعد هذا : { رقيبا يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا ~~بيوت النبى } ( الأحزاب : 53 ) وبقوله : { النبى ياأيها الذين ءامنوا صلوا ~~عليه } ( الأحزاب : 56 ) وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : إذا كان الأمر على ما ذكرت من أن هذا إرشاد إلى ما ~~يتعلق بجانب من هو من خواص المرء فلم خص المطلقات اللاتي طلقن قبل المسيس ~~بالذكر ؟ فنقول هذا إرشاد إلى أعلى درجات المكرمات ليعلم منها ما دونها ~~وبيانه هو أن المرأة إذا طلقت قبل المسيس لم يحصل بينهما تأكد العهد ، ~~ولهذا قال الله تعالى في حق الممسوسة { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى ~~بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا } ( النساء : 21 ) وإذا أمر الله بالتمتع ~~والإحسان مع من لا مودة بينه وبينها فما ظنك بمن حصلت المودة بالنسبة إليها ~~بالإفضاء أو حصل تأكدها بحصول الولد بينهما والقرآن في الحجم صغير ولكن لو ~~استنبطت معانيه لا تفى بها الأقلام ولا تكفي لها الأوراق ، وهذا مثل ms7383 قوله ~~تعالى : { فلا تقل لهما أف } ( الإسراء : 23 ) لو قال لا تضربهما أو لا ~~تشتمهما ظن أنه حرام لمعنى مختص بالضرب أو الشتم ، أما إذا قال لا تقل لهما ~~أف علم منه معان كثيرة وكذلك ههنا لما أمر بالإحسان مع من لا مودة معها علم ~~منه الإحسان مع الممسوسة ومن لم تطلق بعد ومن ولدت عنده منه . # وقوله : { إذا نكحتم المؤمنات } التخصيص بالذكر إرشاد إلى أن المؤمن ~~ينبغي أن ينكح المؤمنة فإنها أشد تحصينا لدينه ، وقوله : { ثم طلقتموهن } ~~يمكن التمسك به في أن تعليق الطلاق بالنكاح ، لا يصح لأن التطليق حينئذ لا ~~يكون إلا بعد النكاح والله تعالى ذكره بكلمة ثم ، وهي للتراخي وقوله : { ~~فما لكم عليهن من عدة } بين أن العدة حق الزوج فيها غالب وإن كان لا يسقط ~~بإسقاطه لما فيه من حق الله تعالى ، وقوله : { تعتدونها } أي تستوفون أنتم ~~عددها { فمتعوهن } قيل بأنه مختص بالمفوضة التي لم يسم لها إذا طلقت قبل ~~المسيس وجب لها المتعة ، وقيل بأنه عام وعلى هذا فهو أمر وجوب أو أمر ندب ~~اختلف العلماء فيه / فمنهم من قال للوجوب فيجب مع نصف المهر المتعة أيضا ، ~~ومنهم من قال للاستحباب فيستحب أن يمتعها مع الصداق بشيء ، وقوله تعالى : { ~~وسرحوهن سراحا جميلا } الجمال في التسريح أن لا يطالبها بما آتاها . # PageV25P189 ! 7 < { ياأيها النبى إنآ أحللنا لك أزواجك اللاتىءاتيت ~~أجورهن وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات ~~خالك وبنات خالاتك اللاتى هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن ~~أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم ~~فىأزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما } . ~~> 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 50 ) يا أيها النبي . . . . . # > > ذكر للنبي عليه السلام ما هو الأولى فإن الزوجة التي أوتيت مهرها ~~أطيب قلبا من التي لم تؤت ، والمملوكة التي سباها الرجل بنفسه أطهر من التي ~~اشتراها الرجل لأنها لا يدري كيف حالها ، ومن هاجرت من أقارب النبي ms7384 عليه ~~السلام معه أشرف ممن لم تهاجر ، ومن الناس من قال بأن النبي عليه الصلاة ~~والسلام كان يجب عليه إعطاء المهر أولا ، وذلك لأن المرأة لها الامتناع إلى ~~أن تأخذ مهرها والنبي عليه السلام ما كان يستوفي ما لا يجب له ، والوطء قبل ~~إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان كان حلالا لنا وكيف والنبي عليه السلام إذا ~~طلب شيئا حرم الامتناع عن المطلوب والظاهر أن الطالب في المرة الأولى ، ~~إنما يكون هو الرجل لحياء المرأة فلو طلب النبي عليه السلام من المرأة ~~التمكين قبل المهر للزم أن يجب وأن لا يجب وهذا محال ولا كذلك أحدنا ، وقال ~~ويؤكد هذا قوله تعالى : { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى } يعني حينئذ ~~لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها ، وقوله تعالى : { إن أراد النبى ~~أن يستنكحها } إشارة إلى أن هبتها نفسها لا بد معها من قبول وقوله تعالى : ~~{ خالصة لك من دون المؤمنين } قال الشافعي رضي الله عنه معناه إباحة الوطء ~~بالهبة وحصول التزوج بلفظها من خواصك ، وقال أبو حنيفة تلك المرأة صارت ~~خالصة لك زوجة ومن أمهات المؤمنين لا تحل لغيرك أبدا ، والترجيح يمكن أن ~~يقال بأن على هذا فالتخصيص بالواهبة لا فائدة فيه فإن أزواجه كلهن خالصات ~~له وعلى ما ذكرنا يتبين للتخصيص فائدة وقوله : { قد علمنا ما فرضنا عليهم ~~فى أزواجهم وما ملكت أيمانهم } معناه أن ما ذكرنا فرضك وحكمك مع نسائك وأما ~~حكم أمتك فعندنا علمه ونبينه لهم وإنما ذكر هذا لئلا يحمل واحد من المؤمنين ~~نفسه على ما كان للنبي عليه الصلاة والسلام فإن له في النكاح خصائص ليست ~~لغيره وكذلك في السراري . وقوله تعالى : { لكيلا يكون عليك حرج } أي تكون ~~في فسحة من الأمر فلا يبقى لك شغل قلب فينزل الروح الأمين بالآيات على قلبك ~~الفارغ وتبلغ رسالات ربك بجدك واجتهادك ، وقوله / تعالى : { وكان الله * ~~توابا رحيما } يغفر الذنوب جميعا ويرحم العبيد . # PageV25P190 ! 7 < { ترجى من تشآء منهن وتؤوىإليك من تشآء ومن ابتغيت ممن ~~عزلت فلا جناح عليك ms7385 ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ ءاتيتهن ~~كلهن والله يعلم ما فى قلوبكم وكان الله عليما حليما } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 51 ) ترجي من تشاء . . . . . # > > ثم قال تعالى : { ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء ومن ابتغيت ~~ممن عزلت فلا جناح عليك } . # لما بين أنه أحل له ما ذكرنا من الأزواج بين أنه أحل له وجوه المعاشرة ~~بهن حتى يجتمع كيف يشاء ولا يجب عليه القسم ، وذلك لأن النبي عليه السلام ~~بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع والرجل وإن لم يكن نبيا فالزوجة في ملك ~~نكاحه والنكاح عليها رق ، فكيف زوجات النبي عليه السلام بالنسبة إليه ، ~~فإذن هن كالمملوكات له ولا يجب القسم بين المملوكات ، والإرجاء التأخير ~~والإيواء الضم { ومن ابتغيت ممن عزلت } يعني إذا طلبت من كنت تركتها فلا ~~جناح عليك في شيء من ذلك ومن قال بأن القسم كان واجبا مع أنه ضعيف بالنسبة ~~إلى المفهوم من الآية قال المراد : { ترجى من تشاء } أي تؤخرهن إذا شئت إذ ~~لا يجب القسم في الأول وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ، وإن ابتغيت ممن ~~عزلت فلا جناح عليك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى . # ثم قال تعالى : { ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما ءاتيتهن ~~كلهن } . # يعني إذا لم يجب عليك القسم وأنت لا تترك القسم { تقر أعينهن } لتسويتك ~~بينهن ولا يحزن بخلاف ما لو وجب عليك ذلك ، فليلة تكون عند إحداهن تقول ما ~~جاءني لهوى قلبه إنما جاءني لأمر الله وإيجابه عليه { ويرضين بما ءاتيتهن } ~~من الإرجاء والإيواء إذ ليس لهن عليك شيء حتى لا يرضين . # ثم قال تعالى : { والله يعلم ما فى قلوبكم وكان الله عليما حليما } . # أي إن أضمرن خلاف ما أظهرن فالله يعلم ضمائر القلوب فإنه عليم ، فإن لم ~~يعاتبهن في الحال فلا يغتررن فإنه حليم لا يعجل . # ! 7 < { لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك ~~حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله ms7386 على كل شىء رقيبا } . > 7 ! # / < < # | الأحزاب : ( 52 ) لا يحل لك . . . . . # > > لما لم يوجب الله على نبيه القسم وأمره بتخييرهن فاخترن الله ورسوله ~~ذكر لهن ما جازاهن به من تحريم غيرهن على النبي عليه السلام ومنعه من ~~طلاقهن بقوله : { ولا أن تبدل بهن } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { لا يحل لك النساء من بعد } قال المفسرون من ~~بعدهن والأولى أن يقال لا يحل لك النساء من بعد اختيارهن الله ورسوله ~~ورضاهن بما يؤتيهن من الوصل والهجران والنقص والحرمان . # المسألة الثانية : قوله : { ولا أن تبدل بهن } يفيد حرمة طلاقهن إذ لو ~~كان جائزا لجاز أن يطلق الكل ، وبعدهن إما أن يتزوج بغيرهن أولا يتزوج فإن ~~لم يتزوج يدخل في زمرة العزاب والنكاح فضيلة لا يتركها النبي ، وكيف وهو ~~يقول : ( النكاح سنتي ) وإن تزوج بغيرهن يكون قد تبدل بهن وهو ممنوع من ~~التبدل . PageV25P191 # المسألة الثالثة : من المفسرين من قال بأن الآية ليس فيها تحريم غيرهن ~~ولا المنع من طلاقهن بل المعنى أن لا يحل لك النساء غير اللاتي ذكرنا لك من ~~المؤمنات المهاجرات من بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك ، ~~وأما غيرهن من الكتابيات فلا يحل لك التزوج بهن وقوله : { ولا أن تبدل بهن ~~} منع من شغل الجاهلية فإنهم كانوا يبادلون زوجة بزوجة فينزل أحدهم عن ~~زوجته وبأخذ زوجة صديقه ويعطيه زوجته ، وعلى التفسيرين وقع خلاف في مسألتين ~~إحداهما : حرمة طلاق زوجاته والثانية : حرمة تزوجه بالكتابيات فمن فسر على ~~الأول حرم الطلاق ومن فسر على الثاني حرم التزوج بالكتابيات . # المسألة الرابعة : قوله : { ولو أعجبك حسنهن } أي حسن النساء قال ~~الزمخشري قوله : { ولو أعجبك } في معنى الحال ، ولا يجوز أن يكون ذو الحال ~~قوله : { من أزواج } لغاية التنكير فيه ولكون ذي الحال لا يحسن أن يكون ~~نكرة فإذن هو النبي عليه السلام ، يعني لا يحل لك النساء ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج وأنت معجب بحسنهن . # المسألة الخامسة : ظاهر هذا ناسخ لما كان قد ثبت له عليه السلام من أنه ~~إذا رأى ms7387 واحدة فوقعت في قلبه موقعا كانت تحرم على الزوج ويجب عليه طلاقها ، ~~وهذه المسألة حكمية وهي أن النبي عليه السلام وسائر الأنبياء في أول النبوة ~~تشتد عليهم برحاء الوحي ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم ~~لا يمنعهم من ذلك مانع ، ففي أول الأمر أحل الله من وقع في قلبه تفريغا ~~لقلبه وتوسيعا لصدره لئلا يكون مشغول القلب بغير الله ، ثم لما استأنس ~~بالوحي وبمن على لسانه الوحي نسخ ذلك ، إما لقوته عليه السلام للجمع بين ~~الأمرين ، وإما أنه بدوام الإنزال لم يبق له مألوف من أمور الدنيا ، فلم ~~يبق له التفات إلى غير الله ، فلم يبق له حاجة إلى إحلال التزوج بمن وقع ~~بصره عليها . # / المسألة السادسة : اختلف العلماء في أن تحريم النساء عليه هل نسخ أم لا ~~؟ فقال الشافعي نسخ وقد قالت عائشة ما مات النبي إلا وأحل له النساء ، وعلى ~~هذا فالناسخ قوله تعالى : { جميلا ياأيها النبى إنا أحللنا لك أزواجك } ( ~~الأحزاب : 50 ) إلى أن قال : { وبنات عمك } وقال : { وامرأة مؤمنة } على ~~قول من يقول لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد إذ الناسخ غير متواتر إن كان ~~خبرا . # ثم قال تعالى : { إلا ما ملكت يمينك } لم يحرم عليه المملوكات لأن ~~الإيذاء لا يحصل بالمملوكة / ولهذا لم يجز للرجل أن يجمع بين ضرتين في بيت ~~لحصول التسوية بينهما وإمكان المخاصمة ، ويجوز أن يجمع الزوجة وجمعا من ~~المملوكات لعدم التساوي بينهن ولهذا لا قسم لهن على أحد . # ثم قال تعالى : { وكان الله على كل شىء رقيبا } أي حافظا عالما بكل شيء ~~قادرا عليه ، لأن الحفظ لا يحصل إلا بهما . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى ~~طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحيى منكم والله لا يستحى من ~~الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب ذالكم أطهر لقلوبكم ~~وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا ms7388 أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ~~إن ذالكم كان عند الله عظيما } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 53 ) يا أيها الذين . . . . . # > > PageV25P192 # ثم قال تعالى : { رقيبا يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن ~~يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه } . # لما ذكر الله تعالى في النداء الثالث { كريما ياأيها النبى إنا أرسلناك ~~شاهدا } ( الأحزاب : 45 ) بيانا لحاله مع أمته العامة قال للمؤمنين في هذا ~~النداء لا تدخلوا إرشادا لهم وبيانا لحالهم مع النبي عليه السلام من ~~الاحترام ثم إن حال الأمة مع النبي على وجهين أحدهما : في حال الخلوة ~~والواجب هناك عدم إزعاجه وبين ذلك بقوله : { لا تدخلوا بيوت النبى } ~~وثانيهما : في الملأ والواجب هناك إظهار التعظيم كما قال تعالى : { النبى ~~ياأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } ( الأحزاب : 56 ) وقوله : { ~~إلى طعام غير ناظرين إناه } أي لا تدخلوا بيوت النبي إلى طعام إلا أن يؤذن ~~لكم . # ثم قال تعالى : { ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحيى منكم والله لا } . # لما بين من حال النبي أنه داع إلى الله بقوله : { وداعيا إلى الله } قال ~~ههنا لا تدخلوا إلا إذا دعيتم يعني كما أنكم ما دخلتم الدين إلا بدعائه ~~فكذلك لا تدخلوا عليه إلا بعد دعائه وقوله : { غير ناظرين } منصوب على ~~الحال . والعامل فيه على ما قاله الزمخشري لا تدخلوا قال وتقديره ولا ~~تدخلوا بيوت النبي إلا مأذونين غير ناظرين ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { إلا أن يؤذن لكم إلى طعام } إما أن يكون فيه ~~تقديم وتأخير تقديره ولا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم ، فلا يكون منعا ~~من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن ، وإما أن لا يكون فيه تقديم ~~وتأخير فيكون معناه ولا تدخلوا إلا أن يؤذن لكم إلى طعام فيكون الإذن ~~مشروطا بكونه إلى الطعام فإن لم يؤذن لكم إلى طعام فلا يجوز الدخول فلو أذن ~~لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام لا يجوز ، نقول المراد ms7389 هو ~~الثاني ليعم النهي عن الدخول ، وأما قوله فلا يجوز إلا بالإذن الذي إلى ~~طعام ، نقول : قال الزمخشري الخطاب مع قوم كانوا يجيئون حين الطعام ويدخلون ~~من غير إذن فمنعوا من الدخول في وقته بغير إذن ، والأولى أن يقال المراد هو ~~الثاني لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل وقوله : { إلى طعام } من باب ~~التخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه ، لا سيما إذا علم أن غيره مثله ~~فإن من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه جاز دخوله إلى غير طعامه بإذنه ، فإن ~~غير الطعام ممكن وجوده مع الطعام ، فإن من الجائز أن يتكلم معه وقتما يدعوه ~~إلى طعام ويستقضيه في حوائجه ويعلمه مما عنده من العلوم مع زيادة الإطعام / ~~فإذا رضي بالكل فرضاه بالبعض أقرب إلى الفعل فيصير من باب { ولا * تقل لهما ~~أف } ( الإسراء : 23 ) وقوله : { غير ناظرين } يعني أنتم لا تنتظروا وقت ~~الطعام فإنه ربما لا يتهيأ . PageV25P193 # المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولكن إذا دعيتم فادخلوا } فيه لطيفة ~~وهي أن العادة إذا قيل لمن كان يعتاد دخول دار من غير إذن لا تدخلها إلا ~~بإذن يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلا لا بالدعاء ولا بالدعاء ، فقال لا ~~تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون بل كونوا طائعين سامعين إذا قيل لكم لا ~~تدخلوا لا تدخلوا وإذا قيل لكم ادخلوا فادخلوا ، وإناه قيل وقته وقيل ~~استواؤه وقوله : { إلا أن يؤذن } يفيد الجواز وقوله : { ولكن إذا دعيتم ~~فادخلوا } يفيد الوجود فقوله : { ولكن إذا دعيتم } ليس تأكيدا بل هو يفيد ~~فائدة جديدة . # المسألة الثالثة : لا يشترط في الإذن التصريح به ، بل إذا حصل العلم ~~بالرضا جاز الدخول ولهذا قال : { إلا أن يؤذن } من غير بيان فاعل ، فالآذن ~~إن كان الله أو النبي أو العقل المؤيد بالدليل / جاز والنقل دال عليه حيث ~~قال تعالى : { أو صديقكم } وحد الصداقة لما ذكرنا ، فلو جاء أبو بكر وعلم ~~أن لا مانع في بيت عائشة من بيوت النبي عليه السلام من تكشف أو حضور غير ~~محرم عندها أو علم ms7390 خلو الدار من الأهل أو هي محتاجة إلى إطفاء حريق فيها أو ~~غير ذلك ، جاز الدخول . # المسألة الرابعة : قوله : { فإذا طعمتم فانتشروا } كأن بعض الصحابة أطال ~~المكث يوم وليمة النبي عليه السلام في عرس زينب ، والنبي عليه السلام لم ~~يقل له شيئا ، فوردت الآية جامعة لآداب ، منها المنع من إطالة المكث في ~~بيوت الناس ، وفي معنى البيت موضع مباح اختاره شخص لعبادته أو اشتغاله بشغل ~~فيأتيه أحد ويطيل المكث عنده ، وقوله : { ولا مستأنسين لحديث } قال ~~الزمخشري هو عطف على { غير ناظرين } مجرور ، ويحتمل أن يكون منصوبا عطفا ~~على المعنى ، فإن معنى قوله تعالى : { لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن ~~لكم } لا تدخلوها هاجمين ، فعطف عليه { ولا مستأنسين } ثم إن الله تعالى ~~بين كون ذلك أدبا وكون النبي حليما بقوله : { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا ~~بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى } إشارة إلى أن ذلك حق وأدب ، وقوله كان ~~إشارة إلى تحمل النبي عليه السلام ، ثم ذكر الله أدبا آخر وهو قوله : { ~~يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى } لما منع الله الناس من دخول ~~بيوت النبي عليه السلام ، وكان في ذلك تعذر الوصول إلى الماعون ، بين أن ~~ذلك غير ممنوع منه فليسأل وليطلب من وراء حجاب ، وقوله { ذالكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن } يعني العين روزنة القلب ، فإذا لم تر العين لا يشتهي ~~القلب . أما إن رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي ، فالقلب عند عدم ~~الرؤية أطهر ، وعدم الفتنة حينئذ أظهر ، ثم إن الله تعالى لما علم المؤمنين ~~الأدب أكده بما يحملهم على محافظته ، فقال : { وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله } وكل ما منعتم عنه مؤذ فامتنعوا عنه ، وقوله تعالى : { ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أبدا } قيل سبب نزوله أن بعض الناس قيل هو طلحة بن عبيد ~~الله ، قال لئن عشت بعد محمد لأنكحن عائشة ، وقد ذكرنا أن اللفظ العام لا ~~يغير معناه سبب النزول ، فإن المراد أن إيذاء الرسول حرام ، والتعرض لنسائه ~~في حياته إيذاء ms7391 فلا يجوز ، ثم قال لا بل ذلك غير جائز مطلقا ، ثم أكد بقوله ~~: { إن ذالكم كان عند الله عظيما } أي إيذاء الرسول . # ! 7 < { إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شىء عليما } . > 7 @QB@ ~~< # | الأحزاب : ( 54 ) إن تبدوا شيئا . . . . . # > > PageV25P194 # يعني إن كنتم لا تؤذونه في الحال وتعزمون على إيذائه أو نكاح أزواجه بعده ~~، فالله عليم بذات الصدور . # ! 7 < { لا جناح عليهن فىءابآئهن ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء ~~إخوانهن ولا أبنآء أخواتهن ولا نسآئهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن ~~الله كان على كل شىء شهيدا } . > 7 ! # / < < # | الأحزاب : ( 55 ) لا جناح عليهن . . . . . # > > ثم إن الله تعالى لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله : { لا جناح ~~عليهن فىءابائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء ~~أخواتهن ولا نسائهن ولا ما } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في الحجاب أوجب السؤال من وراء الحجاب على الرجال ، فلم ~~لم يستثن الرجال عن الجناح ، ولم يقل لا جناح على آبائهن ؟ فنقول قوله ~~تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا } ( الأحزاب : 53 ) أمر بسدل الستر عليهن ~~وذلك لا يكون إلا بكونهن مستورات محجوبات وكان الحجاب وجب عليهن ، ثم أمر ~~الرجال بتركهن كذلك ، ونهوا عن هتك أستارهن فاستثنين عند الآباء والأبناء ~~وفيه لطيفة : وهي أن عند الحجاب أمر الله الرجل بالسؤال من وراء حجاب ، ~~ويفهم منه كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى ، وعند الاستثناء قال ~~تعالى : { لا جناح عليهن } عند رفع الحجاب عنهن ، فالرجال أولى بذلك . # المسألة الثانية : قدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهن أكثر ، وكيف وهم قد ~~رأوا جميع بدن البنات في حال صغرهن ، ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر . ~~إنما الكلام في بني الإخوة حيث قدمهم الله تعالى على بني الأخوات ، لأن بني ~~الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم ، وبني الأخوة ~~آباؤهم محارم أيضا ، ففي بني الأخوات مفسدة ما وهي أن الابن ربما يحكي ~~خالته عند أبيه وهو ليس بمحرم ولا كذلك بنو الإخوة . # المسألة الثالثة : لم يذكر الله من ms7392 المحارم الأعمام والأخوال ، فلم يقل ~~ولا أعمامهن ولا أخوالهن لوجهين أحدهما : أن ذلك علم من بني الإخوة وبني ~~الأخوات ، لأن من علم أن بني الأخ للعمات محارم علم أن بنات الأخ للأعمام ~~محارم ، وكذلك الحال في أمر الخال ثانيهما : أن الأعمام ربما يذكرون بنات ~~الأخ عند أبنائهم وهم غير محارم ، وكذلك الحال في ابن الخال . # المسألة الرابعة : { ولا نسائهن } مضافة إلى المؤمنات حتى لا يجوز التكشف ~~للكافرات في وجه . # المسألة الخامسة : { ولا ما ملكت أيمانهن } هذا بعد الكل ، فإن المفسدة ~~في التكشف لهم ظاهرة ، ومن الأئمة من قال المراد من كان دون البلوغ . ~~PageV25P195 # / ثم قوله تعالى : { واتقين الله } عند المماليك دليل على أن التكشف لهم ~~مشروط بشرط السلامة والعلم بعدم المحذور . وقوله : { إن الله كان على كل ~~شىء شهيدا } في غاية الحسن في هذا الموضع ، وذلك لأن ما سبق إشارة إلى جواز ~~الخلوة بهم والتكشف لهم ، فقال إن الله شاهد عند اختلاء بعضكم ببعض ، ~~فخلوتكم مثل ملئكم بشهادة الله تعالى فاتقوا . # ! 7 < { إن الله وملائكته يصلون على النبى ياأيها الذين ءامنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 56 ) إن الله وملائكته . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { إن الله وملائكته يصلون على النبى } لما أمر الله ~~المؤمنين بالاستئذان وعدم النظر إلى وجوه نسائه احتراما كمل بيان حرمته ، ~~وذلك لأن حالته منحصرة في اثنتين حالة خلواته ، وذكر ما يدل على احترامه في ~~تلك الحالة بقوله { لا تدخلوا بيوت النبى } وحالة يكون في ملأ . والملأ إما ~~الملأ الأعلى ، وإما الملأ الأدنى ، ما في الملأ الأعلى فهو محترم ، فإن ~~الله وملائكته يصلون عليه . وأما في الملأ الأدنى فذلك واجب الاحترام بقوله ~~تعالى : { النبى ياأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : الصلاة الدعاء يقال في اللغة صلى عليه ، أي دعا له ، ~~وهذا المعنى غير معقول في حق الله تعالى فإنه لا يدعو له ، لأن الدعاء ~~للغير طلب نفعه من ثالث . فقال الشافعي رضي الله عنه استعمل اللفظ بمعان ، ~~وقد تقدم في تفسير ms7393 قوله : { هو الذى يصلى عليكم وملئكته } ( الأحزاب : 43 ) ~~والذي نزيده ههنا هو أن الله تعالى قال هناك : { هو * الذين * يصلى عليكم ~~وملئكته } جعل الصلاة لله وعطف الملائكة على الله ، وههنا جمع نفسه ~~وملائكته وأسند الصلاة إليهم فقال : { يصلون } وفيه تعظيم النبي عليه ~~الصلاة والسلام ، وهذا لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب ~~تفضيلا للمذكور على المعطوف ، كما أن الملك إذا قال يدخل فلان وفلان أيضا ~~يفهم منه تقديم لا يفهم لو قال فلان وفلان يدخلان ، إذا علمت هذا ، فقال في ~~حق النبي عليه السلام إنهم يصلون إشارة إلى أنه في الصلاة على النبي عليه ~~السلام كالأصل وفي الصلاة على المؤمنين الله يرحمهم ، ثم إن الملائكة ~~يوافقونه فهم في الصلاة على النبي عليه السلام يصلون بالإضافة كأنها واجبة ~~عليهم أو مندوبة سواء صلى الله عليه أو لم يصل وفي المؤمنين ليس كذلك . # المسألة الثانية : هذا دليل على مذهب الشافعي لأن الأمر للوجوب فتجب ~~الصلاة على النبي عليه السلام ولا تجب في غير التشهد فتجب في التشهد . # المسألة الثالثة : سئل النبي عليه السلام كيف نصلي عليك يا رسول الله ؟ ~~فقال : ( قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى ~~آل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد / كما باركت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد ) . # المسألة الرابعة : إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة إلى صلاتنا ؟ ~~نقول الصلاة عليه ليس لحاجته إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع ~~صلاة الله عليه ، وإنما هو لإظهار تعظيمه ، كما أن الله تعالى أوجب علينا ~~ذكر نفسه ولا حاجة له إليه ، وإنما هو لإظهار تعظيمه منا شفقة علينا ~~ليثيبنا عليه ، ولهذا قال عليه السلام : ( من صلى علي مرة صلي الله عليه ~~عشرا ) . # المسألة الخامسة : لم يترك الله النبي عليه السلام تحت منة أمته بالصلاة ~~حتى عوضهم منه بأمره بالصلاة على الأمة حيث قال : { وصل عليهم إن صلواتك ~~سكن لهم } ( التوبة : 103 ) وقوله : { وسلموا تسليما } أمر فيجب ولم يجب ms7394 في ~~غير الصلاة فيجب فيها وهو قولنا السلام عليك أيها النبي في التشهد وهو حجة ~~على من PageV25P196 قال بعدم وجوبه وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه ~~ولم يؤكد الصلاة بهذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله : { إن الله وملائكته ~~يصلون على النبى } . # ! 7 < { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والا خرة وأعد ~~لهم عذابا مهينا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 57 ) إن الذين يؤذون . . . . . # > > فصل الأشياء بتبيين بعض أضدادها ، فبين حال مؤذي النبي ليبين فضيلة ~~المسلم عليه واللعن أشد المحذورات لأن البعد من الله لا يرجى معه خير بخلاف ~~التعذيب بالنار وغيره . ألا ترى أن الملك إذا تغير على مملوك إن كان تأذيه ~~غير قوي يزجره ولا يطرده ولو خير المجرم ( بين ) أن يضرب أو يطرد عندما ~~يكون الملك في غاية العظمة والكرم يختار الضرب على الطرد ، ولا سيما إذا لم ~~يكن في الدنيا ملك غير سيده ، وقوله : { فى الدنيا والاخرة } إشارة إلى بعد ~~لا رجاء للقرب معه ، لأن المبعد في الدنيا يرجو القربة في الآخرة ، فإذا ~~أبعد في الآخرة فقد خاب وخسر ، لأن الله إذا أبعده وطرده فمن الذين يقربه ~~يوم القيامة القيامة ، ثم إنه تعالى لم يحصر جزاءه في الإبعاد بل أوعده ~~بالعذاب بقوله : { وأعد لهم عذابا مهينا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكر إيذاء الله وإيذاء الرسول وذكر عقيبه أمرين اللعن ~~والتعذيب فاللعن جزاء الله ، لأن من آذى الملك يبعده عن بابه إذا كان لا ~~يأمر بعذابه ، والتعذيب جزاء إيذاء الرسول لأن الملك إذا آذى بعض عبيده ~~كبير يستوفي منه قصاصه ، لا يقال فعلى هذا من يؤذي الله ولا يؤذي الرسول لا ~~يعذب ، لأنا نقول انفكاك أحدهما على هذا الوجه عن الآخر محال لأن من آذى ~~الله فقد آذى الرسول ، وأما على الوجه الآخر وهو أن من يؤذي النبي عليه ~~السلام ولا يؤذي الله كمن عصى من غير إشراك ، كمن فسق أو فجر من غير ارتداد ~~وكفر ، فقد آذى النبي عليه السلام غير أن الله / تعالى صبور غفور رحيم ms7395 ~~فيجزيه بالعذاب ولا يلعنه بكونه يبعده عن الباب . # المسألة الثانية : أكد العذاب بكونه مهينا لأن من تأذى من عبده وأمر ~~بحبسه وضربه فإن أمر بحبسه في موضع مميز ، أو أمر بضربه رجلا كبيرا يدل على ~~أن الأمر هين ، وإن أمر بضربه على ملأ وحبسه بين المفسدين ينبىء عن شدة ~~الأمر ، فمن آذى الله ورسوله من المخلدين في النار فيعذب عذابا مهينا ، ~~وقوله : { أعد لهم } للتأكيد لأن السيد إذا عذب عبده حالة الغضب من غير ~~إعداد يكون دون ما إذا أعد له قيدا وغلا ، فإن الأول يمكن أن يقال هذا أثر ~~الغضب فإذا سكت الغضب يزول ولا كذلك الثاني . # ! 7 < { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 58 ) والذين يؤذون المؤمنين . . . . . # > > لما كان الله تعالى مصليا على نبيه لم ينفك إيذاء الله عن إيذانه ، ~~فإن من آذى الله فقد آذى الرسول فبين الله للمؤمنين أنكم إن أتيتم بما ~~أمرتكم وصليتم على النبي كما صليت عليه ، لا ينفك إيذاؤكم عن إيذاء ~~PageV25P197 الرسول فيأثم من يؤذيكم لكون إيذائكم إيذاء الرسول ، كما أن ~~إيذائي إيذاؤه وبالجملة لما حصلت الصلاة من الله والملائكة والرسول ~~والمؤمنين صار لا يكاد ينفك إيذاء أحد منهم عن إيذاء الآخر كما يكون حال ~~الأصدقاء الصادقين في الصداقة ، وقوله : { بغير ما اكتسبوا } احتراز عن ~~الأمر بالمعروف من غير عنف زائد ، فإن من جلد مائة على شرب الخمر أو حد ~~أربعين على لعب النرد آذى بغير ما اكتسب أيضا ، ومن جلد على الزنا أو حد ~~الشرب لم يؤذ بغير ما اكتسب ، ويمكن أن يقال لم يؤذ أصلا لأن ذلك إصلاح حال ~~المضروب ، وقوله : { فقد احتملوا بهتانا } البهتان هو الزور وهو لا يكون ~~إلا في القول والإيذاء قد يكون بغير القول فمن آذى مؤمنا بالضرب أو أخذ ~~ماله لا يكون قد احتمل بهتانا ، فنقول : المراد والذين يؤذون المؤمنين ~~بالقول . وهذا لأن الله تعالى أراد إظهار شرف المؤمن ، فلما ذكر أن من آذى ~~الله ورسوله لعن ، وإيذاء ms7396 الله بأن ينكر وجود الله بعد معرفة دلائل وجوده ~~أو يشرك به من لا يبصر ولا يسمع أو من لا يقدر ولا يعلم أو من هو محتاج في ~~وجوده إلى موجد وهو قول ذكر إيذاء المؤمن بالقول ، وعلى هذا خص الأنبياء ~~بالقول بالذكر لأنه أعم وأتم ، وذلك لأن الإنسان لا يقدر أن يؤذي الله بما ~~يؤلمه من ضرب أو أخذ ما يحتاج إليه فيؤذيه بالقول ، ولأن الفقير الغائب لا ~~يمكن إيذاؤه بالفعل ، ويمكن إيذاؤه بالقول بأن يقول فيه ما يصل إليه فيتأذى ~~، والوجه الثاني في / الجواب هو أن نقول قوله بعد ذلك : { وإثما مبينا } ~~مستدرك فكأنه قال احتمل بهتانا إن كان بالقول وإثما مبينا كيفما كان ~~الإيذاء ، وكيفما كان فإن الله خص الإيذاء القولي بالذكر لما بينا أنه أعم ~~ولأنه أتم لأنه يصل إلى القلب ، فإن الكلام يخرج من القلب واللسان دليله ~~ويدخل في القلب والآذان سبيله . # ! 7 < { ياأيها النبى قل لازواجك وبناتك ونسآء المؤمنين يدنين عليهن من ~~جلابيبهن ذالك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 59 ) يا أيها النبي . . . . . # > > لما ذكر أن من يؤذي المؤمنين يحتمل بهتانا وكان فيه منع المكلف عن ~~إيذاء المؤمن ، أمر المؤمن باجتناب المواضع التي فيها التهم الموجبة للتأذي ~~لئلا يحصل الإيذاء الممنوع منه . ولما كان الإيذاء القولي مختصا بالذكر ~~اختص بالذكر ما هو سبب الإيذاء القولي وهو النساء فإن ذكرهن بالسوء يؤذي ~~الرجال والنساء بخلاف ذكر الرجال فإن من ذكر امرأة بالسوء تأذت وتأذى ~~أقاربها أكثر من تأذيها ، ومن ذكر رجلا بالسوء تأذى ولا يتأذى نساؤه ، وكان ~~في الجاهلية تخرج الحرة والأمة مكشوفات يتبعهن الزناة وتقع التهم ، فأمر ~~الله الحرائر بالتجلبب . # وقوله : { ذالك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } قيل يعرفن أنهن حرائر فلا ~~يتبعن ويمكن أن يقال المراد يعرفن أنهن لا يزنين لأن من تستر وجهها مع أنه ~~ليس بعورة لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها فيعرفن أنهن مستورات PageV25P198 ~~لا يمكن طلب الزنا منهن . وقوله : { وكان الله غفورا رحيما ms7397 } يغفر لكم ما ~~قد سلف برحمته ويثيبكم على ما تأتون به راحما عليكم . # ! 7 < { لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 60 ) لئن لم ينته . . . . . # > > لما ذكر حال المشرك الذي يؤذي الله ورسوله ، والمجاهر الذي يؤذي ~~المؤمنين ، ذكر حال المسر الذي يظهر الحق ويضمر الباطل وهو المنافق ، ولما ~~كان المذكور من قبل أقواما ثلاثة نظرا إلى اعتبار أمور ثلاثة : وهم المؤذون ~~الله ، والمؤذون الرسول ، والمؤذون المؤمنين ، ذكر من المسرين ثلاثة نظرا ~~إلى اعتبار أمور ثلاثة أحدها : المنافق الذي يؤذي الله سرا والثاني : الذي ~~/ قلبه مرض الذي يؤذي المؤمن باتباع نسائه والثالث : المرجف الذي يؤذي ~~النبي عليه السلام بالإرجاف بقوله غلب محمد وسيخرج من المدينة وسيؤخذ ، ~~وهؤلاء وإن كانوا قوما واحدا إلا أن لهم ثلاث اعتبارات وهذا في مقابلة قوله ~~تعالى : { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } ( الأحزاب : 35 ) ~~حيث ذكر أصنافا عشرة وكلهم يوجد في واحد فهم واحد بالشخص كثير بالاعتبار ~~وقوله : { لنغرينك بهم } أي لنسلطنك عليهم ولنخرجنهم من المدينة ، ثم لا ~~يجاوزونك وتخلو المدينة منهم بالموت أو الإخراج ، ويحتمل أن يكون المراد ~~لنغرينك بهم ، فإذا أغريناك لا يجاورونك ، والأول : كقول القائل يخرج فلان ~~ويقرأ إشارة إلى أمرين والثاني : كقوله يخرج فلان ويدخل السوق ففي الأول ~~يقرأ وإن لم يخرج وفي الثاني لا يدخل إلا إذا خرج . والاستثناء فيه لطيفة ~~وهي أن الله تعالى وعد النبي عليه السلام أنه يخرج أعداءه من المدينة ~~وينفيهم على يده إظهارا لشوكته ، ولو كان النفي بإرادة الله من غير واسطة ~~النبي لأخلي المدينة عنهم في ألطف آن ( بقوله ) كن فيكون ، ولكن لما أراد ~~الله أن يكون على يد النبي لا يقع ذلك إلا بزمان وإن لطف فقال : { ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا } وهو أن يتهيؤا ويتأهبوا للخروج . # ! 7 < { ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 61 ) ملعونين أينما ثقفوا . . . . . # > > أي في ذلك القليل الذي يجاورونك فيه يكونون ملعونين مطرودين ms7398 من باب ~~الله وبابك وإذا خرجوا لا ينفكون عن المذلة ، ولا يجدون ملجأ بل أينما ~~يكونون يطلبون ويؤخذون ويقتلون . # ! 7 < { سنة الله فى الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } . > 7 ~~! # < < # | الأحزاب : ( 62 ) سنة الله في . . . . . # > > يعني هذا ليس بدعا بكم بل هو سنة جارية وعادة مستمرة تفعل بالمكذبين ~~{ ولن تجد لسنة الله تبديلا } أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يبدل وينسخ ~~فإن النسخ يكون في الأحكام ، أما الأفعال والأخبار فلا تنسخ . # PageV25P199 ! 7 < { يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما ~~يدريك لعل الساعة تكون قريبا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 63 ) يسألك الناس عن . . . . . # > > لما بين حالهم في الدنيا أنهم يلعنون ويهانون ويقتلون أراد أن يبين ~~حالهم في الآخرة فذكرهم بالقيامة وذكر ما يكون لهم فيها فقال : { يسئلك ~~الناس عن الساعة } أي عن وقت القيامة { قل إنما علمها عند الله } لا يتبين ~~لكم ، فإن الله أخفاها لحكمة هي امتناع المكلف عن الاجتراء وخوفهم منها في ~~كل وقت . # / ثم قال تعالى : { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } إشارة إلى التخويف ~~، وذلك لأن قول القائل الله يعلم متى يكون الأمر الفلاني ينبىء عن إبطاء ~~الأمر ، ألا ترى أن من يطالب مديونا بحقه فإن استمهله شهرا أو شهرين ربما ~~يصبر ذلك ، وإن قال له اصبر إلى أن يقدم فلان من سفره يقول الله يعلم متى ~~يجىء فلان ، ويمكن أن يكون مجىء فلان قبل انقضاء تلك المدة فقال ههنا : { ~~وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } يعني هي في علم الله فلا تستبطئوها ~~فربما تقع عن قريب والقريب فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث ، قال تعالى : { ~~ولا تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } ( الأعراف : 56 ) ولهذا لم يقل لعل ~~الساعة تكون قريبة . # ! 7 < { إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيهآ أبدا لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا } . > 7 @QB@ < # | الأحزاب : ( 64 - 65 ) إن الله لعن . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها ~~أبدا } يعني كما أنهم ملعونون في الدنيا ms7399 عندكم فكذلك ملعونون عند الله { ~~وأعد لهم سعيرا } كما قال تعالى : { لعنهم الله فى الدنيا والاخرة وأعد لهم ~~عذابا مهينا } ( الأحزاب : 57 ) { خالدين فيها أبدا } ( المائدة : 119 ) ~~مطيلين المكث فيها مستمرين لا أمد لخروجهم . # وقوله : { لا يجدون وليا ولا نصيرا } لما ذكر خلودهم بين تحقيقه وذلك لأن ~~المعذب لا يخلصه من العذاب إلا صديق يشفع له أو ناصر يدفع عنه ، ولا ولي ~~لهم يشفع ولا نصير يدفع . # ! 7 < { يوم تقلب وجوههم فى النار يقولون ياليتنآ أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا * وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا * ربنآ ~~ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 66 - 68 ) يوم تقلب وجوههم . . . . . # > > لما بين أنه لا شفيع لهم يدفع عنهم العذاب بين أن بعض أعضائهم أيضا ~~لا يدفع العذاب عن البعض بخلاف عذاب الدنيا فإن الإنسان يدفع عن وجهه ~~الضربة إتقاء بيده فإن من يقصد رأسه ووجهه تجده يجعل يده جنة أو يطأطىء ~~رأسه كي لا يصيب وجهه ، وفي الآخرة { تقلب وجوههم فى النار } فما ظنك بسائر ~~أعضائهم التي تجعل جنة للوجه ووقاية له { يقولون ياليتنا ياليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا } فيتحسرون ويندمون حيث لا تغنيهم الندامة والحسرة ، ~~لحصول علمهم بأن الخلاص ليس إلا للمطيع . ثم يقولون : { إنا أطعنا سادتنا ~~وكبراءنا } يعني بدل طاعة الله تعالى أطعنا السادة وبدل طاعة الرسول أطعنا ~~الكبراء وتركنا طاعة سيد السادات وأكبر الأكابر / فبدلنا الخير بالشر ، فلا ~~جرم فاتنا خير الجنان وأوتينا شر النيران ، ثم إنهم يطلبون بعض PageV25P200 ~~التشفي بتعذيب المضلين ويقولون : { ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب والعنهم ~~لعنا كبيرا } أي بسبب ضلالهم وإضلالهم وفي قوله تعالى : { ضعفين * والعنهم ~~لعنا * كثيرا } معنى لطيف وهو أن الدعاء لا يكون إلا عند عدم حصول الأمر ~~المدعو به والعذاب كان حاصلا لهم واللعن كذلك فطلبوا ما ليس بحاصل وهو ~~زيادة العذاب بقولهم : { ضعفين } وزيادة اللعن بقولهم : { لعنا كبيرا } . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله مما ~~قالوا وكان عند الله وجيها } . > 7 ! # < < # | الأحزاب ms7400 : ( 69 ) يا أيها الذين . . . . . # > > لما بين الله تعالى أن من يؤذي الله ورسوله يلعن ويعذب وكان ذلك ~~إشارة إلى إيذاء هو كفر ، أرشد المؤمنين إلى الامتناع من إيذاء هو دونه وهو ~~لا يورث كفرا ، وذلك مثل من لم يرض بقسمة النبي عليه السلام وبحكمه بالفيء ~~لبعض وغير ذلك فقال : { كبيرا ياأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا ~~موسى } وحديث إيذاء موسى مختلف فيه ، قال بعضهم هو إيذاؤهم إياه بنسبته إلى ~~عيب في بدنه ، وقال بعضنم : ( إن ) قارون قرر مع امرأة فاحشة حتى تقول عند ~~بني إسرائيل إن موسى زنى بي فلما جمع قارون القوم والمرأة حاضرة ألقى الله ~~في قلبها أنها صدقت ولم تقل ما لقنت وبالجملة الإيذاء المذكور في القرآن ~~كاف وهو أنهم قالوا له : { اذهب أنت * وربك فقاتلا } ( المائدة : 24 ) ~~وقولهم : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ( البقرة : 55 ) وقولهم : { لن ~~نصبر على طعام واحد } ( البقرة : 61 ) إلى غير ذلك فقال للمؤمنين لا تكونوا ~~أمثالهم إذا طلبكم الرسول إلى القتال أي لا تقولوا : { اذهب أنت * وربك ~~فقاتلا } ولا تسألوا ما لم يؤذن لكم فيه : ( وإذا أمركم الرسول بشيء فأتوا ~~منه ما استطعتم ) وقوله : { فبرأه الله مما قالوا } على الأول ظاهر لأنه ~~أبرز جسمه لقومه فرأوه وعلموا فساد اعتقادهم ونطقت المرأة بالحق وأمر ~~الملائكة حتى عبروا بهرون عليهم فرأوه غير مجروح فعلموا براءة موسى عليه ~~السلام عن قتله الذي رموه به ، وعلى ما ذكرنا { فبرأه الله مما قالوا } أي ~~أخرجه عن عهدة ما طلبوا بإعطائه البعض إياهم وإظهاره عدم جواز البعض ~~وبالجملة قطع الله حجتهم ثم ضرب عليهم الذلة والمسكنة وغضب عليهم ، وقوله : ~~{ وكان عند الله وجيها } أي ذا وجاهة ومعرفة ، والوجيه هو الرجل الذي يكون ~~له وجه أي يكون معروفا بالخير ، وكل أحد وإن كان عند الله معروفا لكن ~~المعرفة المجردة لا تكفي في الوجاهة ، فإن من عرف غيره لكونه خادما له ~~وأجيرا عنده لا يقال هو وجيه عند فلان ، وإنما الوجيه من يكون له خصال ~~حميدة ms7401 تجعل من شأنه أن يعرف ولا ينكر وكان كذلك . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم ~~أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } . > 7 ~~@QB@ < # | الأحزاب : ( 70 - 71 ) يا أيها الذين . . . . . # > > PageV25P201 # / ثم قال تعالى : { وجيها يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا ~~سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم } أرشدهم إلى ما ينبغي أن يصدر ~~منهم من الأفعال والأقوال ، أما الأفعال فالخير ، وأما الأقوال فالحق لأن ~~من أتى بالخير وترك الشر فقد اتقى الله ومن قال الصدق قال قولا سديدا ، ثم ~~وعدهم على الأمرين بأمرين : على الخيرات بإصلاح الأعمال فإن بتقوى الله ~~يصلح العمل والعمل الصالح يرفع ويبقى فيبقى فاعله خالدا في الجنة ، وعلى ~~القول السديد بمغفرة الذنوب . # ثم قال تعالى : { ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما } فطاعة الله ~~هي طاعة الرسول ، ولكن جمع بينهما لبيان شرف فعل المطيع فإنه يفعله الواحد ~~اتخذ عند الله عهدا وعند الرسول يدا وقوله : { فقد فاز فوزا عظيما } جعله ~~عظيما من وجهين أحدهما : أنه من عذاب عظيم والنجاة من العذاب تعظم بعظم ~~العذاب ، حتى أن من أراد أن يضرب غيره سوطا ثم نجا منه لا يقال فاز فوزا ~~عظيما ، لأن العذاب الذي نجا منه لو وقع ما كان يتفاوت الأمر تفاوتا كثيرا ~~والثاني : أنه وصل إلى ثواب كثير وهو الثواب الدائم الأبدي . # ! 7 < { إنا عرضنا الا مانة على السماوات والا رض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 72 ) إنا عرضنا الأمانة . . . . . # > > لما أرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأدب النبي عليه السلام ~~بأحسن الآداب ، بين أن التكليف الذي وجهه الله إلى الإنسان أمر عظيم فقال : ~~{ إنا عرضنا الامانة } أي التكليف وهو الأمر بخلاف ما في الطبيعة ، واعلم ~~أن هذا النوع من التكليف ليس في السموات ولا في الأرض لأن الأرض والجبل ~~والسماء كلها على ما خلقت عليه ؛ الجبل لا يطلب منه السير والأرض لا يطلب ~~منها ms7402 الصعود ولا من السماء الهبوط ولا في الملائكة لأن الملائكة وإن كانوا ~~مأمورين منهيين عن أشياء لكن ذلك لهم كالأكل والشرب لنا فيسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون كما يشتغل الإنسان بأمر موافق لطبعه ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في الأمانة وجوه كثيرة منها من قال هو التكليف وسمي ~~أمانة لأن من قصر فيه / فعليه الغرامة ، ومن وفر فله الكرامة . ومنهم من ~~قال هو قول لا إله إلا الله وهو بعيد فإن السموات والأرض والجبال بألسنتها ~~ناطقة بأن الله واحد لا إله إلا هو ، ومنهم من قال الأعضاء فالعين أمانة ~~ينبغي أن يحفظها والأذن كذلك واليد كذلك ، والرجل والفرج واللسان ، ومنهم ~~من قال معرفة الله بما فيها والله أعلم . # المسألة الثانية : في العرض وجوه منهم من قال المراد العرض ومنهم من قال ~~الحشر ومنهم من قال المقابلة أي قابلنا الأمانة على السموات فرجحت الأمانة ~~على أهل السموات والأرض . # المسألة الثالثة : { في السماوات * والارض } وجهان أحدهما : أن المراد هي ~~بأعيانها ، والثاني : المراد أهلوها ، ففيه إضمار تقديره : إنا عرضنا ~~الأمانة على أهل السموات والأرض . # المسألة الرابعة : قوله : { فأبين أن يحملنها } لم يكن إباؤهن كإباء ~~إبليس في قوله تعالى : { أبى أن يكون مع الساجدين } ( الحجر : 31 ) من ~~وجهين أحدهما : أن هناك السجود كان فرضا ، وههنا الأمانة كانت عرضا ~~وثانيهما : أن الإباء كان هناك استكبارا وههنا استصغارا استصغرن أنفسهن ، ~~بدليل قوله : { وأشفقن منها } . # المسألة الخامسة : ما سبب الإشفاق ؟ نقول الأمانة لا تقبل لوجوه أحدها : ~~أن يكون عزيزا صعب PageV25P202 الحفظ كالأواني من الجواهر التي تكون عزيزة ~~سريعة الانكسار ، فإن العاقل يمتنع عن قبولها ولو كانت من الذهب والفضة ~~لقبلها ولو كانت من الزجاج لقبلها ، في الأول لأمانه من هلاكها ، وفي ~~الثاني لكونها غير عزيزة الوجود والتكليف كذلك والثاني : أن يكون الوقت ~~زمان شهب وغارة فلا يقبل العاقل في ذلك الوقت الودائع ، والأمر كان كذلك ~~لأن الشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين إذ الغرض كان بعد خروج آدم من ~~الجنة الثالث : مراعاة الأمانة والإتيان بما يجب كإيداع ms7403 الحيوانات التي ~~تحتاج إلى العلف والسقي وموضع مخصوص يكون برسمها ، فإن العاقل يمتنع من ~~قبولها بخلاف متاع يوضع في صندوق أو في زاوية بيت والتكليف كذلك فإنه يحتاج ~~إلى تربية وتنمية . # المسألة السادسة : كيف حملها الإنسان ولم تحملها هذه الأشياء ؟ فيه ~~جوابان أحدهما : بسبب جهله بما فيها وعلمهن ، ولهذا قال تعالى : { إنه كان ~~ظلوما جهولا } . والثاني : أن الأشياء نظرت إلى أنفسهن فرأين ضعفهن فامتنعن ~~، والإنسان نظر إلى جانب المكلف ، وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة ~~إلا على أهلها وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها ، وقال : ~~{ إياك نعبد وإياك نستعين } ( الفاتحة : 5 ) . # المسألة السابعة : قوله تعالى : { إنه كان ظلوما جهولا } فيه وجوه أحدها ~~: أن المراد منه آدم ظلم نفسه بالمخالفة ولم يعلم ما يعاقب عليه من الإخراج ~~من الجنة ثانيها : المراد الإنسان يظلم بالعصيان ويجهل ما عليه من العقاب ~~ثالثها : إنه كان ظلوما جهولا ، أي كان من شأنه الظلم والجهل / يقال فرس ~~شموس ودابة جموح وماء طهور أي من شأنه ذلك ، فكذلك الإنسان من شأنه الظلم ~~والجهل فلما أودع الأمانة بقي بعضهم على ما كان عليه وبعضهم ترك الظلم كما ~~قال تعالى : { الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } ( الأنعام : 82 ) ~~وترك الجهل كما قال تعالى في حق آدم عليه السلام : { وعلم ءادم الاسماء ~~كلها } ( البقرة : 31 ) وقال في حق المؤمنين عامة : { والرسخون في العلم ~~يقولون ءامنا به } ( آل عمران : 7 ) وقال تعالى : { إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) رابعها : { إنه كان ظلوما جهولا } في ظن ~~الملائكة حيث قالوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها } ( البقرة : 30 ) وبين ~~علمه عندهم حيث قال تعالى : { أنبئونى بأسماء هؤلاء } ( البقرة : 31 ) وقال ~~بعضهم في تفسير الآية إن المخلوق على قسمين مدرك وغير مدرك ، والمدرك منه ~~من يدرك الكلي والجزئي مثل الآدمي ، ومنه من يدرك الجزئي كالبهائم ثم تدرك ~~الشعير الذي تأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل ~~والبراهين ، ومنه من يدرك الكلي ولا يدرك الجزئي كالملك يدرك ms7404 الكليات ولا ~~يدرك لذة الجماع والأكل ، قالوا وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله : { ثم ~~عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء } ( البقرة : 31 ) فاعترفوا ~~بعدم علمهم بتلك الجزئيات والتكليف لم يكن إلا على مدرك الأمرين إذ له لذات ~~بأمور جزئية ، فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية هي مثل لذة الملائكة بعبادة ~~الله ومعرفته ، وأما غيره فإن كان مكلفا يكون مكلفا لا بمعنى الأمر بما فيه ~~عليهم كلفة ومشقة بل بمعنى الخطاب فإن المخاطب يسمى مكلفا لما أن المكلف ~~مخاطب فسمي المخاطب مكلفا وفي الآية لطائف الأولى : الأمانة كان عرضها على ~~آدم فقبلها فكان أمينا عليها والقول قول الأمين فهو فائز ، بقي أولاده ~~أخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن ، ولهذا وارث المودع لا ~~يكون القول قوله ولم يكن له بد من تجديد عهد وائتمان ، فالمؤمن اتخذ عند ~~الله عهدا فصار أمينا من الله فصار القول قوله فكان له ما كان لآدم من ~~الفوز . ولهذا قال تعالى : { ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات } ( ~~الأحزاب : 73 ) أي كما تاب على آدم في قوله تعالى : { فتاب عليه } ( البقرة ~~: 37 ) والكافر صار آخذا PageV25P203 للأمانة من المؤتمن فبقي في ضمانه ، ~~ثم إن المؤمن إذا أصاب الأمانة في يده شيء بقضاء الله وقدره كان ذلك من غير ~~تقصير منه والأمين لا يضمن ما فات بغير تقصير ، والكافر إذا أصاب الأمانة ~~في يده شيء ضمن وإن كان بقضاء الله وقدره ، لأنه يضمن ما فات وإن لم يكن ~~بتقصير اللطيفة الثانية : خص الأشياء الثلاثة بالذكر لأنها أشد الأمور ~~وأحملها للأثقال ، وأما السموات فلقوله تعالى : { وبنينا فوقكم سبعا شدادا ~~} ( النبأ : 12 ) والأرض والجبال لا تخفى شدتها وصلابتها ، ثم إن هذه ~~الأشياء لما كانت لها شدة وصلابة عرض الله تعالى الأمانة عليها واكتفى ~~بشدتهن وقوتهن فامتنعن ، لأنهن وإن كن أقوياء إلا أن أمانة الله تعالى فوق ~~قوتهن ، وحملها الإنسان مع ضعفه الذي قال الله تعالى فيه : { وخلق الإنسان ~~ضعيفا } ( النساء : 28 ) ولكن وعده بالإعانة على حفظ الأمانة بقوله : { ومن ~~يتوكل على ms7405 الله فهو حسبه } ( الطلاق : 3 ) فإن قيل فالذي يعينه الله تعالى ~~كيف يعذب فلم يعذب الكافر ؟ نقول قال الله تعالى : ( أنا أعين من يستعين بي ~~ويتوكل علي ) والكافر لم يرجع إلى الله تعالى فتركه مع نفسه فيبقى في عهدة ~~الأمانة اللطيفة الثالثة : قوله / تعالى : { فأبين أن يحملنها } وقوله ~~تعالى : { وحملها الإنسان } إشارة إلى أن فيه مشقة بخلاف ما لو قال فأبين ~~أن يقبلنها وقبلها الإنسان ، ومن قال لغيره افعل هذا الفعل فإن لم يكن في ~~الفعل تعب يقابل بأجرة فإذا فعله لا يستحق أجرة فقال تعالى : { وحملها } ~~إشارة إلى أنه مما يستحق الأجر عليه أي على مجرد حمل الأمانة ، وإما على ~~رعايتها حق الرعاية فيستحق الزيادة فإن قيل فالكل حملوها ، غاية ما في ~~الباب أن الكافر لم يأت بشيء زائد على الحمل فينبغي أن يستحق الأجر على ~~الحمل فنقول الفعل إذا كان على وفق الإذن من المالك الآمر يستحق الفاعل ~~الأجرة ، ألا ترى أنه لو قال احمل هذا إلى الضيعة التي على الشمال فحمل ~~ونقلها إلى الضيعة التي على الجنوب لا يستحق الأجرة ويلزمه ردها إلى الموضع ~~الذي كان فيه كذلك الكافر حملها على غير وجه الإذن فغرم وزالت حسناته التي ~~عملها بسببه . # ! 7 < { ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله ~~على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما } . > 7 ! # < < # | الأحزاب : ( 73 ) ليعذب الله المنافقين . . . . . # > > أي حملها الإنسان ليقع تعذيب المنافق والمشرك ، فإن قال قائل لم قدم ~~التعذيب على التوبة نقول لما سمى التكليف أمانة والأمانة من حكمها اللازم ~~أن الخائن يضمن وليس من حكمها اللازم أن الأمين الباذل جهده يستفيد أجرة ~~فكان التعذيب على الخيانة كاللازم والأجر على الحفظ إحسان والعدل قبل ~~الإحسان وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : لم عطف المشرك على المنافق ، ولم يعد اسمه تعالى فلم ~~يقل ويعذب الله المشركين وعند التوبة أعاد اسمه وقال ويتوب الله ولو قال ~~ويتوب على المؤمنين كان المعنى حاصلا ؟ نقول أراد تفضيل المؤمن على المنافق ~~فجعله كالكلام المستأنف ويجب هناك ذلك الفاعل ms7406 فقال : { ويتوب الله } ويحقق ~~هذا قراءة من قرأ ويتوب الله بالرفع . PageV25P204 # المسألة الثانية : ذكر الله في الإنسان وصفين الظلوم والجهول وذكر من ~~أوصافه وصفين فقال : { وكان الله غفورا رحيما } أي كان غفورا للظلوم ورحيما ~~على الجهول ، وذلك لأن الله تعالى وعد عباده بأنه يغفر الظلم جميعا إلا ~~الظلم العظيم الذي هو الشرك كما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( ~~لقمان : 13 ) وأما الوعد فقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) وأما الرحمة على الجهل فلأن الجهل ~~محل الرحمة ولذلك يعتذر المسيء بقوله ما علمت . # وههنا لطيفة : وهي أن الله تعالى أعلم عبده بأنه غفور رحيم ، وبصره بنفسه ~~فرآه ظلوما جهولا ثم عرض عليه الأمانة فقبلها مع ظلمه وجهله لعلمه فيما ~~يجبرها من الغفران والرحمة والله أعلم . # PageV25P205 < # > 1 ( سورة سبأ ) 1 < # > # مكية وقيل فيها آية مدنية وهي # { ويرى الذين أوتوا العلم الذى أنزل إليك * الاية } # وهي أربع وقيل خمس وخمسون آية # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { الحمد لله الذى له ما فى السماوات وما فى الا رض وله الحمد فى ~~الا خرة وهو الحكيم الخبير } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 1 ) الحمد لله الذي . . . . . # > > السور المفتتحة بالحمد خمس سور سورتان منها في النصف الأول وهما ~~الأنعام والكهف وسورتان في الأخير وهما هذه السورة وسورة الملائكة والخامسة ~~وهي فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير والحكمة فيها أن ~~نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد ~~ونعمة الإبقاء ، فإن الله تعالى خلقنا أولا برحمته وخلق لنا ما نقوم به ~~وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما ~~يدوم فلنا حالتان الابتداء والإعادة وفي كل حالة له تعالى علينا نعمتان ~~نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فقال في النصف الأول : { الحمد لله الذى خلق * ~~السماوات والارض * وجعل الظلمات والنور } ( الأنعام : 1 ) إشارة إلى الشكر ~~على نعمة الإيجاد ويدل عليه قوله تعالى فيه : { هو الذى خلقكم من ms7407 طين } ( ~~الأنعام : 2 ) إشارة إلى الإيجاد الأول وقال في السورة الثانية وهي الكهف { ~~الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما } ( الكهف : ~~1 ، 2 ) إشارة إلى الشكر على نعمة الإبقاء ، فإن الشرائع بها البقاء ولولا ~~شرع ينقاد له الخلق لاتبع كل واحد هواه ولو وقعت المنازعات في المشتبهات ~~وأدى إلى التقاتل والتفاني ، ثم قال في هذه السورة { الحمد لله } إشارة إلى ~~نعمة الإيجاد الثاني ويدل عليه قوله تعالى : { وله الحمد فى الاخرة } وقال ~~في الملائكة : { الحمد لله } إشارة إلى نعمة الإبقاء ويدل عليه قوله تعالى ~~: { جاعل الملائكة رسلا } ( فاطر : 1 ) والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلا ~~إلى يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين كما قال تعالى : { وتتلقاهم الملئكة } ~~( الأنبياء : 103 ) وقال تعالى عنهم : { سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } ~~( الزمر : 73 ) وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر النعمتين بقوله تعالى : { ~~الحمد لله رب العالمين } ( الفاتحة : ) إشارة إلى PageV25P206 النعمة ~~العاجلة وقوله : { مالك يوم الدين } إشارة إلى النعمة / الآجلة قرئت في ~~الافتتاح وفي الاختتام ، ثم في مسائل : # المسألة الأولى : الحمد شكر والشكر على النعمة والله تعالى جعل ما في ~~السموات وما في الأرض لنفسه بقوله : { له ما في السماوات وما في الارض } ~~ولم يبين أنه لنا حتى يجب الشكر نقول جوابا عنه الحمد يفارق الشكر في معنى ~~وهو أن الحمد أعم فيحمد من فيه صفات حميدة وإن لم ينعم على الحامد أصلا ، ~~فإن الإنسان يحسن منه أن يقول في حق عالم لم يجتمع به أصلا أنه عالم عامل ~~بارع كامل فيقال له إنه يحمد فلانا ولا يقال إنه يشكره إلا إذا ذكر نعمه أو ~~ذكره على نعمه فالله تعالى محمود في الأزل لاتصافه بأوصاف الكمال ونعوت ~~الجلال ومشكور ولا يزال على ما أبدى من الكرم وأسدى من النعم فلا يلزم ذكر ~~النعمة للحمد بل يكفي ذكر العظمة وفي كونه مالك ما في السموات وما في الأرض ~~عظمة كاملة فله الحمد على أنا نقول قوله : { له ما في السماوات وما في ~~الارض ms7408 } يوجب شكرا أتم مما يوجبه قوله تعالى : { خلق لكم ما فى الارض } ~~وذلك لأن ما في السموات والأرض إذا كان لله ونحن المنتفعون به لا هو ، يوجب ~~ذلك شكرا لا يوجبه كون ذلك لنا . # المسألة الثانية : قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعمة التي في ~~الآخرة / فلم ذكر الله السموات والأرض ؟ فنقول نعم الآخرة غير مرئية فذكر ~~الله النعم المرئية وهي ما في السموات وما في الأرض ، ثم قال : { وله الحمد ~~فى الاخرة } ليقاس نعم الآخرة بنعم الدنيا ويعلم فضلها بدوامها وفناء ~~العاجلة ولهذا قال : { وهو الحكيم الخبير } إشارة إلى أن خلق هذه الأشياء ~~بالحكمة والخير ، والحكمة صفة ثابتة لله لا يمكن زوالها فيمكن منه إيجاد ~~أمثال هذه مرة أخرى في الآخرة . # المسألة الثالثة : الحكمة هي العلم الذي يتصل به الفعل فإن من يعلم أمرا ~~ولم يأت بما يناسب علمه لا يقال له حكيم ، فالفاعل الذي فعله على وفق العلم ~~هو الحكيم ، والخبير هو الذي يعلم عواقب الأمور وبواطنها فقوله : { حكيم } ~~أي في الابتداء يخلق كما ينبغي وخبير أي بالانتهاء يعلم ماذا يصدر من ~~المخلوق وما لا يصدر إلى ماذا يكون مصير كل أحد فهو حكيم في الابتداء خبير ~~في الانتهاء . # ! 7 < { يعلم ما يلج فى الا رض وما يخرج منها وما ينزل من السمآء وما ~~يعرج فيها وهو الرحيم الغفور * وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربى لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السماوات ولا فى الا رض ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين * ليجزى الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات أولائك لهم مغفرة ورزق كريم } . > 7 ! # ثم بين الله تعالى كما أخبره بقوله : { يعلم ما يلج فى الارض وما يخرج ~~منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور } . # < < # | سبأ : ( 2 ) يعلم ما يلج . . . . . # > > ما يلج في الأرض من الحبة والأموات ويخرج منها من السنابل والأحياء ~~وما ينزل من السماء / من أنواع رحمته منها المطر ومنها الملائكة ومنها ms7409 ~~القرآن ، وما يعرج فيها منها الكلم الطيب لقوله تعالى : { إليه يصعد الكلم ~~الطيب } ومنها الأرواح ومنها الأعمال الصالحة لقوله : { والعمل الصالح ~~يرفعه } ( فاطر : 10 ) وفيه مسائل : PageV25P207 # المسألة الأولى : قدم ما يلج في الأرض على ما ينزل من السماء ، لأن الحبة ~~تبذر أولا ثم تسقى ثانيا . # المسألة الثانية : قال وما يعرج فيها ولم يقل يعرج إليها إشارة إلى قبول ~~الأعمال الصالحة ومرتبة النفوس الزكية وهذا لأن كلمة إلى للغاية ، فلو قال ~~وما يعرج إليها لفهم الوقوف عند السموات فقال : { وما يعرج فيها } ليفهم ~~نفوذها فيها وصعودها منها ولهذا قال في الكلم الطيب : { إليه يصعد الكلم ~~الطيب } لأن الله هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه ، وأما السماء فهي ~~دنيا وفوقها المنتهى . # المسألة الثالثة : قال : { وهو الرحيم الغفور } رحيم بالإنزال حيث ينزل ~~الرزق من السماء ، غفور عندما تعرج إليه الأرواح والأعمال فرحم أولا ~~بالإنزال وغفر ثانيا عند العروج . # ! 7 < { } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 3 - 4 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > ثم بين أن هذه النعمة التي يستحق الله بها الحمد وهي نعمة الآخرة ~~أنكرها قوم فقال تعالى : { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } ثم رد ~~عليهم وقال : { قل بلى وربى لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى ~~* السماوات * ولا فى الارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين * ~~ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم } . # أخبر بإتيانها وأكده باليمين ، قال الزمخشري رحمه الله : لو قال قائل كيف ~~يصح التأكيد باليمين مع أنهم يقولون لا رب وإن كانوا يقولون به ، لكن ~~المسألة الأصولية لا تثبت باليمين وأجاب عنه بأنه لم يقتصر على اليمين بل ~~ذكر الدليل وهو قوله : { إليه مرجعكم جميعا وعد الله } وبيان كونه دليلا هو ~~أن المسيء قد يبقى في الدنيا مدة مديدة في اللذات العاجلة ويموت عليها ~~والمحسن قد يدوم في دار الدنيا في الآلام الشديدة مدة ويموت فيها ، فلولا ~~دار تكون الأجزية فيها لكان / الأمر على خلاف الحكمة ، والذي أقوله أنا هو ~~أن الدليل المذكور ms7410 في قوله : { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة } أظهر ، ~~وذلك لأنه إذا كان عالما بجميع الأشياء يعلم أجزاء الأحياء ويقدر على جمعها ~~فالساعة ممكنة القيام ، وقد أخبر عنها الصادق فتكون واقعة ، وعلى هذا فقوله ~~تعالى : { في السماوات * ولا فى الارض } فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم ~~وروح والأجسام أجزاؤها في الأرض والأرواح في السماء فقوله : { لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة فى * السماوات } إشارة إلى علمه بالأرواح وقوله : { ولا فى الارض ~~} إشارة إلى علمه بالأجسام ، وإذا علم الأرواح والأشباح وقدر على جمعها لا ~~يبقى استبعاد في المعاد . وقوله : { ولا أصغر من ذالك } إشارة إلى أن ذكر ~~مثقال الذرة ليس للتحديد بل الأصغر منه لا يعزب ، وعلى هذا فلو قال قائل ~~فأي حاجة إلى ذكر الأكبر ، فإن من علم الأصغر من الذرة لا بد من أن يعلم ~~الأكبر ؟ فنقول لما كان الله تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب ، فلو ~~اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر ، لكونها محل النسيان ، أما ~~الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته ، فقال الإثبات PageV25P208 في الكتاب ~~ليس كذلك فإن الأكبر أيضا مكتوب فيه ، ثم لما بين علمه بالصغائر والكبائر ~~ذكر أن جمع ذلك وإثباته للجزاء فقال : { ليجزى الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم } ذكر فيهم أمرين الإيمان والعمل ~~الصالح ، وذكر لهم أمرين المغفرة والرزق الكريم ، فالمغفرة جزاء الإيمان ~~فكل مؤمن مغفور له ويدل عليه قوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) وقوله عليه السلام فيما ~~أخبرنا به تاج الدين عيسى بن أحمد بن الحاكم البندهي قال : أخبرني والدي عن ~~جدي عن محيي السنة عن عبد الواحد المليجي عن أحمد بن عبد الله النعيمي عن ~~محمد بن يوسف الفربري عن محمد بن إسماعيل البخاري ( يخرج من النار من قال ~~لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من إيمان ) والرزق الكريم من العمل ~~الصالح وهو مناسب فإن من عمل لسيد كريم ms7411 عملا ، فعند فراغه من العمل لا بد ~~من أن ينعم عليه إنعاما ويطعمه طعاما ، ووصف الرزق بالكريم قد ذكرنا أنه ~~بمعنى ذي كرم أو مكرم ، أو لأنه يأتي من غير طلب بخلاف رزق الدنيا / فإنه ~~ما لم يطلب ويتسبب فيه لا يأتي ، وفي التفسير مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { أولئك لهم * مغفرة ورزق كريم } يحتمل وجهين ~~أحدهما : أن يكون لهم ذلك جزاء فيوصله إليهم لقوله : { إليه مرجعكم جميعا } ~~، وثانيهما : أن يكون ذلك لهم والله يجزيهم بشيء آخر لأن قوله : { أولئك ~~لهم } جملة تامة إسمية ، وقوله تعالى : { إليه مرجعكم جميعا } جملة فعلية ~~مستقلة ، وهذا أبلغ في البشارة من قول القائل . ليجزي الذين آمنوا رزقا . # المسألة الثانية : اللام في ليجزي للتعليل ، معناه الآخرة للجزاء ، فإن ~~قال قائل : فما وجه المناسبة ؟ فنقول : الله تعالى أراد أن لا ينقطع ثوابه ~~فجعل للمكلف دارا باقية ليكون ثوابه واصلا إليه دائما أبدا ، وجعل قبلها ~~دارا فيها الآلام والأسقام وفيها الموت ليعلم المكلف مقدار ما يكون / فيه ~~في الآخرة إذا نسبه إلى ما قبلها وإذا نظر إليه في نفسه . # المسألة الثالثة : ميز الرزق بالوصف بقوله كريم ولم يصف المغفرة واحدة هي ~~للمؤمنين والرزق منه شجرة الزقوم والحميم ، ومنه الفواكه والشراب الطهور ، ~~فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ، ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها . # ! 7 < { والذين سعوا فىءاياتنا معاجزين أولائك لهم عذاب من رجز أليم } . ~~> 7 ! # < < # | سبأ : ( 5 ) والذين سعوا في . . . . . # > > لما بين حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين ، وقوله : { ~~والذين سعوا فىءاياتنا } أي بالإبطال ، ويكون معناه الذين كذبوا بآياتنا ~~وحينئذ يكون هذا في مقابلة ما تقدم لأن قوله تعالى : { ءامنوا } معناه ~~صدقوا وهذا معناه كذبوا فإن قيل من أين علم كون سعيهم في الإبطال مع أن ~~المذكور مطلق السعي ؟ فنقول فهم من قوله تعالى : { معاجزين } وذلك لأنه حال ~~معناه سعوا فيها وهم يريدون التعجيز وبالسعي في التقرير والتبليغ لا يكون ~~الساعي معاجزا لأن القرآن وآيات الله معجزة في نفسها لا حاجة لها إلى أحد ، ~~وأما المكذب فهو آت ms7412 بإخفاء آيات بينات فيحتاج إلى السعي العظيم والجد ~~البليغ ليروج كذبه لعله يعجز المتمسك به ، وقيل بأن المراد من قوله : { ~~معاجزين } أي ظانين أنهم يفوتون الله ، وعلى هذا يكون كون الساعي ساعيا ~~بالباطل في PageV25P209 غاية الظهور ، ولهم عذاب في مقابلة لهم رزق ، وفي ~~الآية لطائف الأولى : قال ههنا : { لهم عذاب } ولم يقل يجزيهم الله ، وقد ~~تقدم القول منا أن قوله تعالى : { إليه مرجعكم جميعا } يحتمل أن يكون الله ~~يجزيهم بشيء آخر ، وقوله : { أولئك لهم مغفرة } إخبار عن مستحقهم المعد لهم ~~، وعلى الجملة فاحتمال الزيادة هناك قائم نظرا إلى قوله : { ليجزى } وههنا ~~لم يقل ليجازيهم فلم يوجد ذلك الثانية : قال هناك لهم مغفرة ثم زادهم فقال ~~: { ورزق كريم } وههنا لم يقل إلا لهم عذاب من رجز أليم ، والجواب تقدم في ~~مثله الثالثة : قال هناك : { لهم مغفرة ورزق كريم } ولم يقلله بمن ~~التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا رزق من جنس كريم ، وقال ههنا : { ~~لهم عذاب من رجز أليم } بلفظة صالحة للتبعيض وكل ذلك إشارة إلى سعة الرحمة ~~وقلة الغضب بالنسبة إليها والرجز قيل أسوأ العذاب ، وعلى هذا { من } لبيان ~~الجنس كقول القائل خاتم من فضة ، وفي الأليم قراءتان الجر والرفع فالرفع ~~على أن الأليم وصف العذاب كأنه قال عذاب أليم من أسوأ العذاب والجر على أنه ~~وصف للرجز والرفع أقرب نظرا إلى المعنى ، والجر نظرا إلى اللفظ ، فإن قيل ~~فلم تنحصر الأقسام في المؤمن الصالح عمله والمكذب الساعي المعجز لجواز أن ~~يكون أحد مؤمنا ليس له عمل صالح أو كافر متوقف ، فنقول إذا علم حال ~~الفريقين المذكورين يعلم أن المؤمن قريب الدرجة ممن تقدم أمره والكافر قريب ~~الدرجة ممن سبق ذكره وللمؤمن مغفرة ورزق كريم ، وإن لم يكن في الكرامة مثل ~~رزق الذي عمل صالحا / وللكافر غير المعاند عذاب وإن لم يكن من أسوأ الأنواع ~~التي للمكذبين المعاندين . # ! 7 < { ويرى الذين أوتوا العلم الذىأنزل إليك من ربك هو الحق ويهدىإلى ~~صراط العزيز الحميد } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 6 ) ويرى الذين أوتوا ms7413 . . . . . # > > لما بين حال من يسعى في التكذيب في الآخرة بين حاله في الدنيا وهو أن ~~سعيه باطل فإن من أوتي علما لا يغتر بتكذيبه ويعلم أن ما أنزل إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم حق وصدق ، وقوله : هو الحق يفيد الحصر أي ليس الحق إلا ذلك ~~، وأما قول المكذب فباطل ، بخلاف ما إذا تنازع خصمان ، والنزاع لفظي فيكون ~~قول كل واحد حقا في المعنى ، وقوله تعالى : { ويهدى إلى صراط العزيز الحميد ~~} يحتمل أن يكون بيانا لكونه هو الحق فإنه هاد إلى هذا الصراط ، ويحتمل أن ~~يكون بيانا لفائدة أخرى ، وهي أنه مع كونه حقا هاديا والحق واجب القبول ~~فكيف إذا كان فيه فائدة في الاستقبال وهي الوصول إلى الله ، وقوله : { ~~العزيز الحميد } يفيد رغبة ورهبة ، فإنه إذا كان عزيزا يكون ذا انتقام ~~ينتقم من الذي يسعى في التكذيب ، وإذا كان حميدا يشكر سعي من يصدق ويعمل ~~صالحا ، فإن قيل كيف قدم الصفة التي للهيبة على الصفة التي للرحمة مع أنك ~~أبدا تسعى في بيان تقديم جانب الرحمة ؟ نقول كونه عزيزا تام الهيبة شديد ~~الانتقام يقوي جانب الرغبة لأن رضا الجبار العزيز أعز وأكرم من رضا من لا ~~يكون كذلك ، فالعزة كما تخوف ترجى أيضا ، وكما ترغب عن التكذيب ترغب في ~~PageV25P210 التصديق ليحصل القرب من العزيز . # ! 7 < { وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفى خلق جديد } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 7 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > وجه الترتيب : هو أن الله تعالى لما بين أنهم أنكروا الساعة ورد ~~عليهم بقوله : { قل بلى وربى لتأتينكم } ( سبأ : 3 ) وبين ما يكون بعد ~~إتيانها من جزاء المؤمن على عمله الصالح وجزاء الساعي في تكذيب الآيات ~~بالتعذيب على السيئات ، بين حال المؤمن والكافر بعد قوله : { قل بلى وربى ~~لتأتينكم } فقال المؤمن : هو الذي يقول الذي أنزل إليك الحق وهو يهدي ، ~~وقال الكافر هو الذي يقول هو باطل ، ومن غاية اعتقادهم وعنادهم في إبطال ~~ذلك قالوا على سبيل التعجب : { هل ندلكم على رجل ms7414 ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفى خلق جديد } ( سبأ : 7 ) وهذا كقول القائل في الاستبعاد ، جاء رجل ~~يقول : إن الشمس تطلع من المغرب إلى غير ذلك من المحالات . # ! 7 < { أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالا خرة فى ~~العذاب والضلال البعيد } . > 7 ! # / ثم قال تعالى : { أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون ~~بالاخرة فى العذاب والضلال البعيد } < < # | سبأ : ( 8 ) أفترى على الله . . . . . # > > هذا يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون تمام قول الذين كفروا أولا أعني هو ~~من كلام من قال : { هل ندلكم } ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب لمن ~~قال : { هل ندلكم } كأن السامع لما سمع قول القائل : { هل ندلكم على رجل } ~~قال له : أهو يفتري على الله كذبا ؟ إن كان يعتقد خلافه ، أم به جنة ( أي ) ~~جنون ؟ إن كان لا يعتقد خلافه وفي هذا لطيفة : وهي أن الكافر لا يرضى بأن ~~يظهر كذبه ، ولهذا قسم ولم يجزم بأنه مفتر ، بل قال مفتر أو مجنون ، ~~احترازا من أن يقول قائل كيف يقول بأنه مفتر ، مع أنه جائز أن يظن أن الحق ~~ذلك فظن الصدق يمنع تسمية القائل مفتريا وكاذبا في بعض المواضع ، ألا ترى ~~أن من يقول جاء زيد ، فإذا تبين أنه لم يجىء وقيل له كذبت ، يقول ما كذبت ، ~~وإنما سمعت من فلان أنه جاء ، فظننت أنه صادق فيدفع الكذب عن نفسه بالظن ، ~~فهم احترزوا عن تبين كذبهم ، فكل عاقل ينبغي أن يحترز عن ظهور كذبه عند ~~الناس ، ولا يكون العاقل أدنى درجة من الكافر ، ثم إنه تعالى أجابهم مرة ~~أخرى وقال : { بل الذين لا يؤمنون بالاخرة فى العذاب } في مقابلة قولهم : { ~~افترى على الله كذبا } وقوله : { والضلال البعيد } في مقابلة قولهم : { به ~~جنة } وكلاهما مناسب . أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤذية ، لأنه ~~شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوه إلى الكذب . ~~وأما الجنون فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء ، لأنه لا ms7415 يشهد ~~عليه بأنه يعذب ، ولكن ينسبه إلى عدم الهداية فبين أنهم هم الضالون ، ثم ~~وصف ضلالهم بالبعد ، لأن من يسمي المهتدي ضالا يكون هو الضال ، فمن يسمي ~~الهادي ضالا يكون أضل ، PageV25P211 والنبي عليه الصلاة والسلام كان هادي ~~كل مهتد . # ! 7 < { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السمآء والا رض إن نشأ ~~نخسف بهم الا رض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء إن فى ذلك لاية لكل عبد منيب ~~} . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 9 ) أفلم يروا إلى . . . . . # > > ثم قال تعالى : { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء ~~والارض إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم } لما ذكر الدليل بكونه عالم ~~الغيب وكونه جازيا على السيئات والحسنات ذكر دليلا آخر وذكر فيه تهديدا . ~~أما الدليل فقوله : { من السماء والارض } فإنهما يدلان على الوحدانية كما ~~بيناه مرارا ، وكما قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ~~ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) ويدلان على الحشر لأنهما يدلان على كمال ~~قدرته ومنها الإعادة ، وقد ذكرناه مرارا ، وقال تعالى : { أو ليس * الذى ~~خلق * السماوات والارض * بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) / وأما ~~التهديد فبقوله : { إن نشأ نخسف بهم الارض } يعني نجعل عين نافعهم ضارهم ~~بالخسف والكسف . # ثم قال تعالى : { إن فى ذلك لاية لكل عبد منيب } أي لكل من يرجع إلى الله ~~ويترك التعصب ثم إن الله تعالى لما ذكر من ينيب من عباده ، ذكر منهم من ~~أناب وأصاب ومن جملتهم داود كما قال تعالى عنه : { فاستغفر ربه وخر راكعا ~~وأناب } ( ص: 24 ) وبين ما أتاه الله على إنابته فقال : # ! 7 < { ولقد ءاتينا داوود منا فضلا ياجبال أوبى معه والطير وألنا له ~~الحديد } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 10 ) ولقد آتينا داود . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { منا } إشارة إلى بيان فضيلة داود عليه ~~السلام ، وتقريره هو أن قوله : { ولقد ءاتينا * داوود منا فضلا } مستقل ~~بالمفهوم وتام كما يقول القائل : آتي الملك زيدا خلعة ، فإذا قال القائل ~~آتاه منه خلعة يفيد أنه ms7416 كان من خاص ما يكون له ، فكذلك إيتاء الله الفضل ~~عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض ، ومثل هذا قوله تعالى : { يبشرهم ربهم ~~برحمة منه ورضوان } ( التوبة : 21 ) فإن رحمة الله واسعة تصل إلى كل أحد في ~~الدنيا لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه فقال : { ~~يبشرهم ربهم برحمة منه } . # المسألة الثانية : في قوله : { فضلا ياجبال أوبى معه } قال الزمخشري : { ~~من جبال } بدل من قوله : { فضلا } معناه آتيناه فضلا قولنا يا جبال ، أو من ~~آتينا ومعناه قلنا يا جبال . # المسألة الثالثة : قرىء أوبي بتشديد الواو من التأويب وبسكونها وضم ~~الهمزة أوبي من الأوب وهو الرجوع والتأويب الترجيع ، وقيل بأن معناه سيرى ~~معه ، وفي قوله : { يسبحن } قالوا : هو من السباحة وهي الحركة المخصوصة . # المسألة الرابعة : قرىء { والطير } بالنصب حملا على محل المنادى والطير ~~بالرفع حملا على لفظه . # المسألة الخامسة : لم يكن الموافق له في التأويب منحصرا في الجبال والطير ~~ولكن ذكر الجبال ، لأن الصخور للجمود والطير للنفور تستبعد منهما الموافقة ~~، فإذا وافقه هذه الأشياء فغيرها أولى ، ثم إن من الناس من لم يوافقه وهم ~~القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة من الحجارة . # المسألة السادسة : قوله : { وألنا له الحديد } عطف ، والمعطوف عليه يحتمل ~~أن يكون قلنا المقدر في قوله يا جبال تقديره قلنا : { من جبال } أوبي وألنا ~~، ويحتمل أن يكون عطفا على آتينا تقديره آتيناه فضلا وألنا له . ~~PageV25P212 # المسألة السابعة : ألان الله له الحديد حتى كان في يده كالشمع وهو في ~~قدرة الله يسير ، فإنه يلين بالنار وينحل حتى يصير كالمداد الذي يكتب به ، ~~فأي عاقل يستبعد ذلك من قدرة الله ، قيل / إنه طلب من الله أن يغنيه عن أكل ~~مال بيت المال فألان له الحديد وعلمه صنعة اللبوس وهي الدروع ، وإنما اختار ~~الله له ذلك ، لأنه وقاية للروح التي هي من أمره وسعى في حفظ الآدمي المكرم ~~عند الله من القتل ، فالزراد خير من القواس والسياف وغيرهما . # ! 7 < { أن اعمل سابغات وقدر فى السرد واعملوا صالحا إنى بما ms7417 تعملون بصير ~~} . > 7 ! # / < < # | سبأ : ( 11 ) أن اعمل سابغات . . . . . # > > قيل إن أن ههنا للتفسير فهي مفسرة ، بمعنى أي اعمل سابغات وهو تفسير ~~{ * ألنا } وتحقيقه لأن يعمل ، يعني ألنا له الحديد ليعمل سابغات ويمكن أن ~~يقال ألهمناه أن اعمل وأن مع الفعل المستقبل للمصدر فيكون معناه : ألنا له ~~الحديد وألهمناه عمل سابغات وهي الدروع الواسعة ذكر الصفة ويعلم منها ~~الموصوف وقدر في السرد ، قال المفسرون : أي لا تغلظ المسامير فيتسع الثقب ~~ولا توسع الثقب فتقلقل المسامير فيها ، ويحتمل أن يقال السرد هو عمل الزرد ~~، وقوله : { سابغات وقدر فى السرد } أي الزرد إشارة إلى أنه غير مأمور به ~~أمر إيجاب إنما هو اكتساب والكسب يكون بقدر الحاجة وباقي الأيام والليالي ~~للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت ~~فحسب ، ويدل عليه قوله تعالى : { واعملوا صالحا } أي لستم مخلوقين إلا ~~للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه ، والكسب قدروا فيه ، ثم أكد طلب ~~الفعل الصالح بقوله : { إنى بما تعملون بصير } وقد ذكرنا مرارا أن من يعمل ~~لملك شغلا ويعلم أنه بمرأى من الملك يحسن العمل ويتقنه ويجتهد فيه ، ثم لما ~~ذكر المنيب الواحد ذكر منيبا آخر وهو سليمان ، كما قال تعالى : { وألقينا ~~على كرسيه جسدا ثم أناب } ( ص: 34 ) . # ! 7 < { ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن ~~الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ~~} . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 12 ) ولسليمان الريح غدوها . . . . . # > > # وذكر ما استفاد هو بالإنابة فقال : { ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها ~~شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرىء { ولسليمان الريح } بالرفع وبالنصب وجه الرفع { ~~ولسليمان الريح } مسخرة أو سخرت { لسليمان * الريح } ووجه النصب { ولسليمان ~~} سخرنا { الريح } وللرفع وجه آخر / وهو أن يقال معناه : { ولسليمان الريح ~~} كما يقال لزيد الدار ، وذلك لأن الريح كانت له كالمملوك المختص به يأمرها ~~بما يريد حيث يريد . # المسألة الثانية ms7418 : الواو للعطف فعلى قراءة الرفع يصير عطفا لجملة إسمية ~~على جملة فعلية وهو لا يجوز أولا يحسن فكيف هذا فنقول لما بين حال داود ~~كأنه تعالى قال ما ذكرنا لداود ولسليمان الريح ، وأما على PageV25P213 ~~النصب فعلى قولنا : { وألنا له الحديد } كأنه قال : وألنا لداود الحديد ~~وسخرنا لسليمان الريح . # المسألة الثالثة : المسخر لسليمان كانت ريحا مخصوصة لا هذه الرياح ، ~~فإنها المنافع عامة في أوقات الحاجات ويدل عليه أنه لم يقرأ إلا على ~~التوحيد فما قرأ أحد الرياح . # المسألة الرابعة : قال بعض الناس : المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع ~~داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( ~~الإسراء : 44 ) ، وكان هو عليه السلام يفقه تسبيحها فيسبح ، ومن تسخير ~~الريح أنه راض الخيل وهي كالريح وقوله : { غدوها شهر } ثلاثون فرسخا لأن من ~~يخرج للتفرج في أكثر الأمر لا يسير أكثر من فرسخ ويرجع كذلك ، وقوله في حق ~~داود : { وألنا له الحديد } وقوله في حق سليمان : { وأسلنا له عين القطر } ~~أنهم استخرجوا تذويب الحديد والنحاس بالنار واستعمال الآلات منهما ~~والشياطين أي أناسا أقوياء وهذا كله فاسد حمله على هذا ضعف اعتقاده ( و ) ~~عدم اعتماده على قدرة الله والله قادر على كل ممكن وهذه أشياء ممكنة . # المسألة الخامسة : أقول قوله تعالى : { وسخرنا مع * داوود * الجبال } ( ~~الأنبياء : 79 ) وقوله : { ولسليمان الريح عاصفة } لو قال قائل ما الحكمة ~~في أن الله تعالى قال في الأنبياء : { وسخرنا مع * داوود * الجبال } وفي ~~هذه السورة قال : { فضلا ياجبال أوبى معه } ( سبأ : 10 ) وقال في الريح ~~هناك وههنا : { ولسليمان } تقول الجبال لما سبحت شرفت بذكر الله فلم يضفها ~~إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحف ، والريح لم يذكر فيها أنها ~~سبحت فجعلها كالمملوكة له وهذا حسن وفيه أمر آخر معقول يظهر لي وهو أن على ~~قولنا : { أوبى معه } سيري فالجبل في السير ليس أصلا بل هو يتحرك معه تبعا ~~، والريح لا تتحرك معه سليمان بل تحرك سليمان مع نفسها ، فلم يقل الريح مع ~~سليمان ms7419 ، بل سليمان كان مع الريح { وأسلنا له عين القطر } أي النحاس { ومن ~~الجن } أي سخرنا له من الجن ، وهذا ينبىء عن أن جميعهم ما كانوا تحت أمره ~~وهو الظاهر . # واعلم أن الله تعالى ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان ~~عليهما الصلاة والسلام فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان / ~~وذلك لأن الثقيل مع ما هو أخف منه إذا تحركا يسبق الخفيف الثقيل ويبقى ~~الثقيل مكانه ، لكن الجبال كانت أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح فقدر ~~الله أن سار الثقيل مع الخفيف أي الجبال مع داود على ما قلنا : { أوبى } أي ~~سيري وسليمان وجنوده مع الريح الثقيل مع الخفيف أيضا ، والطير من جنس تسخير ~~الجن لأنهما / لا يجتمعان مع الإنسان ؛ الطير لنفوره من الإنس والإنس ~~لنفوره من الجن ، فإن الإنسان يتقي مواضع الجن ، والجن يطلب أبدا اصطياد ~~الإنسان والإنسان يطلب اصطياد الطير فقدر الله أن صار الطير لا ينفر من ~~داود بل يستأنس به ويطلبه ، وسليمان لا ينفر من الجن بل يسخره ويستخدمه ~~وأما القطر والحديد فتجاذبهما غير خفي وههنا لطيفة : وهي أن الآدمي ينبغي ~~أن يتقي الجن ويجتنبه والاجتماع به يفضي إلى المفسدة ولهذا قال تعالى : { ~~أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون } ( المؤمنون : 97 ، 98 ~~) فكيف طلب سليمان الاجتماع بهم فنقول قوله تعالى : { من يعمل بين يديه ~~بإذن ربه } إشارة إلى أن ذلك الحضور لم يكن فيه مفسدة ولطيفة أخرى : وهي أن ~~الله تعالى قال ههنا : { بإذن ربه } بلفظ الرب وقال : { ومن يزغ منهم عن ~~أمرنا } ولم يقل عن أمر ربه ، وذلك لأن الرب لفظ ينبىء عن الرحمة ، فعندما ~~كانت الإشارة إلى حفظ سليمان عليه السلام قال : { ربه } وعندما كانت ~~الإشارة إلى PageV25P214 تعذيبهم قال : { عن أمرنا } بلفظ التعظيم الموجب ~~لزيادة الخوف وقوله تعالى : { نذقه من عذاب السعير } فيه وجهان أحدهما : أن ~~الملائكة كانوا موكلين بهم وبأيديهم مقارع من نار فالإشارة إليه وثانيهما : ~~أن السعير هو ما يكون في الآخرة فأوعدهم ms7420 بما في الآخرة من العذاب . # ! 7 < { يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ~~اعملوا ءال داوود شكرا وقليل من عبادى الشكور } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 13 ) يعملون له ما . . . . . # > > المحاريب إشارة إلى الأبنية الرفيعة ولهذا قال تعالى : { إذ تسوروا ~~المحراب } والتماثيل ما يكون فيها من النقوش ، ثم لما ذكر البناء الذي هو ~~المسكن بين ما يكون في المسكن من ماعون الأكل فقال : { وجفان كالجواب } جمع ~~جابية وهي الحوض الكبير الذي يجبي الماء أي يجمعه وقيل كان يجتمع على جفنة ~~واحدة ألف نفس { وقدور رسيات } ثابتات لا تنقل لكبرها ، وإنما يغرف منها في ~~تلك الجفان ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قدم المحاريب على التماثيل لأن النقوش تكون في الأبنية ~~وقدم { * الجفان } في الذكر على { * القدور } مع أن القدور آلة الطبخ ~~والجفان آلة الأكل والطبخ قبل الأكل ، فنقول : لما بين الأبنية الملكية ~~أراد بيان عظمة السماط الذي يمد في تلك الدور ، وأشار إلى الجفان لأنها ~~تكون فيه ، وأما القدور فلا تكون فيه ، ولا تحضر هناك ، ولهذا قال : { ~~وقدور رسيات } أي غير منقولات ، ثم لما بين حال الجفان العظيمة ، كان يقع ~~في النفس أن الطعام الذي يكون فيها في أي شيء يطبخ ، فأشار إلى القدور ~~المناسبة للجفان . # / المسألة الثانية : ذكر في حق داود اشتغاله بآلة الحرب ، وفي حق سليمان ~~بحالة السلم وهي المساكن والمآكل وذلك لأن سليمان كان ولد داود ، وداود قتل ~~جالوت والملوك الجبابرة ، واستوى داود على الملك ، فكان سليمان كولد ملك ~~يكون أبوه قد سوى على ابنه الملك وجمع له المال فهو يفرقه على جنوده ، ولأن ~~سليمان لم يقدر أحد عليه في ظنه فتركوا الحرب معه وإن حاربه أحد كان زمان ~~الحرب يسيرا لإدراكه إياه بالريح فكان في زمانه العظمة بالإطعام والإنعام . # المسألة الثالثة : لما قال عقيب قوله تعالى : { أن اعمل سابغات } اعملوا ~~صالحا ، قال عقيب ما يعمله الجن : { اعملوا ءال * داوود * شاكرا } إشارة ~~إلى ما ذكرنا أن هذه الأشياء حالية لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة ~~فيها وإنما ms7421 الواجب الذي ينبغي أن يكثر منه هو العمل الصالح الذي يكون شكرا ~~، وفيه إشارة إلى عدم الالتفات إلى هذه الأشياء ، وقلة الاشتغال بها كما في ~~قوله : { وقدر فى السرد } أي اجعله بقدر الحاجة . # المسألة الرابعة : انتصاب شكرا يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون مفعولا ~~له كقول القائل جئتك طمعا وعبدت الله رجاء غفرانه وثانيها : أن يكون مصدرا ~~كقول القائل شكرت الله شكرا ويكون المصدر من غير لفظ الفعل كقول القائل ~~جلست قعودا ، وذلك لأن العمل شكر فقوله : { اعملوا } يقوم مقام قوله : ~~PageV25P215 { * اشكروا } وثالثها : أن يكون مفعولا به كقولك اضرب زيدا كما ~~قال تعالى : { الطيبات واعملوا صالحا } ( المؤمنون : 51 ) لأن الشكر صالح . # المسألة الخامسة : قوله : { وقليل من عبادى الشكور } إشارة إلى أن الله ~~خفف الأمر على عباده ، وذلك لأنه لما قال : { اعملوا ءال * داوود * شاكرا } ~~فهم منه أن الشكر واجب لكن شكر نعمه كما ينبغي لا يمكن ، لأن الشكر ~~بالتوفيق وهو نعمة تحتاج إلى شكر آخر وهو بتوفيق آخر ، فدائما تكون نعمة ~~الله بعد الشكر خالية عن الشكر ، فقال تعالى : إن كنتم لا تقدرون على الشكر ~~التام فليس عليكم في ذلك حرج ، فإن عبادي قليل منهم الشكور ويقوي قولنا أنه ~~تعالى أدخل الكل في قوله : { عبادى } مع الإضافة إلى نفسه ، وعبادي بلفظ ~~الإضافة إلى نفس المتكلم لم ترد في القرآن إلا في حق الناجين / كقوله تعالى ~~: { قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ( الزمر ~~: 53 ) وقوله : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الإسراء : 65 ) فإن قيل ~~على ما ذكرتم شكر الله بتمامه لا يمكن وقوله : { قليل } يدل على أن في ~~عباده من هو شاكر لأنعمه ، نقول الشكر بقدر الطاقة البشرية هو الواقع وقليل ~~فاعله ، وأما الشكر الذي يناسب نعم الله فلا قدرة عليه ، ولا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها ، أو نقول الشاكر التام ليس إلا من رضي الله عنه ، وقال له ~~: يا عبدي ما أتيت به من الشكر القليل قبلته منك وكتبت لك أنك شاكر لأنعمي ~~بأسرها ms7422 ، وهذا القبول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها . # ! 7 < { فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الا رض تأكل ~~منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب ~~المهين } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 14 ) فلما قضينا عليه . . . . . # > > لما بين عظمة سليمان وتسخير الريح والروح له بين أنه لم ينج من الموت ~~، وأنه قضى عليه الموت ، تنبيها للخلق على أن الموت لا بد منه ، ولو نجا ~~منه أحد لكان سليمان أولى بالنجاة منه ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : كان سليمان عليه السلام يقف في عبادة الله ليلة كاملة ~~ويوما تاما وفي بعض الأوقات يزيد عليه ، وكان له عصا يتكىء عليها واقفا بين ~~يدي ربه ، ثم في بعض الأوقات كان واقفا على عادته في عبادته إذ توفي ، فظن ~~جنوده أنه في العبادة وبقي كذلك أياما وتمادى شهورا ، ثم أراد الله إظهار ~~الأمر لهم ، فقدر أن أكلت دابة الأرض عصاه فوقع وعلم حاله . # وقوله تعالى : { فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا ~~فى العذاب المهين } كانت الجن تعلم ما لا يعلمه الإنسان فظن أن ذلك القدر ~~علم الغيب وليس كذلك ، بل الإنسان لم يؤت من العلم إلا قليلا فهو أكثر ~~الأشياء الحاضرة لا يعلمه ، والجن لم تعلم إلا الأشياء الظاهرة وإن كانت ~~خفية بالنسبة إلى PageV25P216 الإنسان ، وتبين لهم الأمر بأنهم لا يعلمون ~~الغيب إذ لو كانوا يعلمونه لما بقوا في الأعمال الشاقة ظانين أن سليمان حي ~~. وقوله : { ما لبثوا فى العذاب المهين } دليل على أن المؤمنين من الجن لم ~~يكونوا في التسخير ، لأن المؤمن لا يكون في زمان النبي في العذاب المهين . # ! 7 < { لقد كان لسبإ فى مسكنهم ءاية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ~~ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور } . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 15 ) لقد كان لسبإ . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { لقد كان لسبإ فى مسكنهم ءاية جنتان عن يمين وشمال كلوا ~~من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب } . # ما بين الله حال ms7423 الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان بين حال الكافرين ~~بأنعمه ، بحكاية أهل سبأ ، وفي سبأ قراءتان بالفتح على أنه اسم بقعة وبالجر ~~مع التنوين على أنه اسم قبيلة وهو الأظهر ، لأن الله جعل الآية لسبأ ~~والفاهم هو العاقل لا المكان فلا يحتاج إلى إضمار الأهل وقوله : { ءاية } ~~أي من فضل ربهم ، ثم بينها بذكر بدله بقوله : { جنتان عن يمين وشمال } قال ~~الزمخشري أية آية في جنتين ، مع أن بعض بلاد العراق فيها آلاف من الجنان ؟ ~~وأجاب بأن المراد لكل واحد جنتان أو عن يمين بلدهم وشمالها جماعتان من ~~الجنات ، ولاتصال بعضها ببعض جعلها جنة واحدة ، قوله : { كلوا من رزق ربكم ~~} إشارة إلى تكميل النعم عليهم / حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض ~~، وقوله : { واشكروا له } بيان أيضا لكمال النعمة ، فإن الشكر لا يطلب إلا ~~على النعمة المعتبرة ، ثم لما بين حالهم في مساكنهم وبساتينهم وأكلهم أتم ~~بيان النعمة بأن بين أن لا غائلة عليه ولا تبعة في المآل في الدنيا ، فقال ~~: { بلدة طيبة } أي طاهرة عن المؤذيات لا حية فيها ولا عقرب ولا وباء ولا ~~وخم ، وقال : { ورب غفور } أي لا عقاب عليه ولا عذاب في الآخرة ، فعند هذا ~~بان كمال النعمة حيث كانت لذة حالية خالية عن المفسد المآلية . # ! 7 < { فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجناتهم جنتين ذواتى ~~أكل خمط وأثل وشىء من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزىإلا الكفور ~~} . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 16 - 17 ) فأعرضوا فأرسلنا عليهم . . . . . # > > # ثم إنه تعالى لما بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم فقال : { ~~فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجناتهم جنتين ذواتى أكل خمط ~~وأثل وشىء من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزى إلا الكفور } . ~~فبين كمال ظلمهم بالإعراض بعض إبانة الآية كما قال تعالى : { ومن أظلم ممن ~~ذكر بئايات ربه ثم أعرض عنها } ثم بين كيفية الانتقام منهم كما قال : { إنا ~~من المجرمين منتقمون } ( السجدة : 22 ) وكيفيته PageV25P217 أنه تعالى أرسل ~~عليهم سيلا غرق ms7424 أموالهم وخرب دورهم ، وفي العرم وجوه أحدها : أنه الجرذ ~~الذي سبب خراب السكر ، وذلك من حيث إن بلقيس كانت قد عمدت إلى جبال بينها ~~شعب فسدت الشعب حتى كانت مياه الأمطار والعيون تجتمع فيها وتصير كالبحر ~~وجعلت لها أبوابا ثلاثة مرتبة بعضها فوق بعض وكانت الأبواب يفتح بعضها بعد ~~بعض . فنقب الجرذ السكر ، وخرب السكر بسببه وانقلب البحر عليهم وثانيها : ~~أن العرب اسم السكر وهو جمع العرمة وهي الحجارة ثالثها : اسم للوادي الذي ~~خرج منه الماء وقوله : { وبدلناهم بجناتهم جنتين ذواتى أكل خمط } بين به ~~دوام الخراب ، وذلك لأن البساتين التي فيها الناس يكون فيها الفواكه الطيبة ~~بسبب العمارة فإذا تركت سنين تصير كالغيضة والأجمة تلتف الأشجار بعضها ببعض ~~وتنبت المفسدات فيها فتقل الثمار وتكثر الأشجار ، والخمط كل شجرة لها شوك ~~أو كل شجرة ثمرتها مرة ، أو كل شجرة ثمرتها لا تؤكل ، والأثل نوع من ~~الطرفاء ولا يكون عليه ثمرة إلا في بعض الأوقات ، يكون عليه شيء كالعفص أو ~~أصغر منه في طعمه وطبعه ، والسدر معروف وقال فيه قليل لأنه كان أحسن ~~أشجارهم فقلله الله ، ثم بين الله أن ذلك كان مجازاة لهم على كفرانهم فقال ~~: { ذلك جزيناهم بما كفروا وهل } أي لا نجازي بذلك الجزاء { نجزى إلا ~~الكفور } قال بعضهم المجازاة تقال في النقمة والجزاء / في النعمة لكن قوله ~~تعالى : { ذالك جزيناهم } يدل على أن الجزاء يستعمل في النقمة ، ولعل من ~~قال ذلك أخذه من أن المجازاة مفاعلة وهي في أكثر الأمر تكون بين اثنين ، ~~يأخذ من كل واحد جزاء في حق الآخر . وفي النعمة لا تكون مجازاة لأن الله ~~تعالى مبتدىء بالنعم . # ! 7 < { وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها ~~السير سيروا فيها ليالى وأياما ءامنين * فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ~~وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن فى ذلك لايات لكل صبار ~~شكور } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 18 - 19 ) وجعلنا بينهم وبين . . . . . # > > أي بينهم وبين الشام فإنها هي البقعة المباركة . وقرى ظاهرة أي يظهر ms7425 ~~بعضها لبعضها يرى سواد القرية من القرية الأخرى ، فإن قال قائل : هذا من ~~النعم والله تعالى قد شرع في بيان تبديل نعمهم قوله : { وبدلناهم بجناتهم ~~جنتين } فكيف عاد مرة أخرى إلى بيان النعمة بعد النقمة ؟ فنقول ذكر حال نفس ~~بلدهم وبين تبديل ذلك بالخمط والأثل ، ثم ذكر حال خارج بلدهم وذكر عمارتها ~~بكثرة القرى ، ثم ذكر تبديله ذلك بالمفاوز والبيادي والبراري بقوله : { ~~ربنا باعد بين أسفارنا } وقد فعل ذلك ، ويدل عليه قراءة من قرأ ربنا بعد ~~على المبتدأ والخبر ، وقوله : { وقدرنا فيها السير } الأماكن المعمورة تكون ~~منازلها معلومة مقدرة لا تتجاوز ، فلما كان بين كل قرية مسيرة نصف نهار ، ~~وكانوا يغدون إلى قرية ويروحون إلى أخرى ما أمكن في العرف تجاوزها ، فهو ~~المراد بالتقدير والمفاوز لا يتقدر السير فيها بل يسير السائر فيها بقدر ~~الطاقة جادا حتى يقطعها ، PageV25P218 وقوله : { سيروا فيها ليالى وأياما } ~~أي كان بينهم ليال وأيام معلومة ، وقوله : { ءامنين } إشارة إلى كثرة ~~العمارة ، فإن خوف قطاع الطريق والانقطاع عن الرقيق لا يكون في مثل هذه ~~الأماكن ، وقيل بأن معنى قوله : { ليالى وأياما } تسيرون فيه إن شئتم ليالي ~~وإن شئتم أياما لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن بعضها يسلك ليلا ، ~~لئلا يعلم العدو بسيرهم ، وبعضها يسلك نهارا لئلا يقصدهم العدو ، إذا كان ~~العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة ، وقوله تعالى : { قالوا ربنا * باعد بين ~~أسفارنا } قيل بأنهم طلبوا ذلك وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يسألوا بطرا ~~كما طلبت اليهود الثوم والبصل ، ويحتمل أن يكون ذلك لفساد اعتقادهم وشدة ~~اعتمادهم على أن ذلك لا يقدر كما يقول القائل لغيره اضربني إشارة إلى أنه ~~لا يقدر عليه . ويمكن أن يقال : { قالوا ربنا * بعد } بلسان الحال ، أي لما ~~كفروا فقد طلبوا أن يبعد / بين أسفارهم ويخرب المعمور من ديارهم ، وقوله : ~~{ وظلموا أنفسهم } يكون بيانا لذلك ، وقوله : { فجعلناهم أحاديث } أي فعلنا ~~بهم ما جعلناهم به مثلا ، يقال : تفرقوا أيدي سبا ، وقوله : { ومزقناهم كل ~~ممزق } بيان لجعلهم أحاديث ، وقوله تعالى : { إن فى ذالك لآيات لكل ms7426 صبار ~~شكور } أي فيما ذكرناه من حال الشاكرين ووبال الكافرين . # ! 7 < { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } . > 7 ~~@QB@ < # | سبأ : ( 20 ) ولقد صدق عليهم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين } أي ظنه أنه يغويهم كما قال : { فبعزتك لاغوينهم } ( ص: 82 ) ~~وقوله : { فاتبعوه } بيان لذلك أي أغواهم ، فاتبعوه { إلا فريقا من ~~المؤمنين } قال تعالى في حقهم : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : ~~42 ) ويمكن أن يقال : صدق عليهم ظنه في أنه خير منه كما قال تعالى عنه : { ~~أنا خير منه } ( ) ويتحقق ذلك في قوله فاتبعوه ، لأن المتبوع خير من التابع ~~وإلا لا يتبعه العاقل والذي يدل على أن إبليس خير من الكافر ، هو إن إبليس ~~امتنع من عبادة غير الله لكن لما كان في امتناعه ترك عبادة الله عنادا كفر ~~، والمشرك يعبد غير الله فو كفر بأمر أقرب إلى التوحيد ، وهم كفروا بأمر هو ~~الإشراك ، ويؤيد هذا الذي اخترناه الاستثناء ، وبيانه هو أنه وإن لم يظن ~~أنه يغوي الكل ، بدليل أنه تعالى قال عنه : { إلا عبادك منهم المخلصين } ( ~~ص: 76 ) فما ظن أنه يغوي المؤمنين فما ظنه صدقه ولا حاجة إلى الاستثناء ، ~~وأما في قوله : { أنا خير منه } اعتقد الخيرية بالنسبة إلى جميع الناس ~~بدليل تعليله بقوله : { خلقتني من نار وخلقته من طين } ( الأعراف : 12 ) ~~وقد كذب في ظنه في حق المؤمنين ، ويمكن الجواب عن هذا في الوجه الأول ، وهو ~~أنه وإن لم يظن إغواء الكل وعلم أن البعض ناج ، لكن ظن في كل واحد أنه ليس ~~هو ذلك الناجي ، إلى أن تبين له فظن أنه يغويه فكذب في ظنه في حق البعض ~~وصدق في البعض . # ! 7 < { وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالا خرة ممن هو ~~منها فى شك وربك على كل شىء حفيظ } . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 21 ) وما كان له . . . . . # > > # قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين } ( العنكبوت : 3 ) أن ms7427 علم الله من الأزل إلى الأبد محيط بكل ~~معلوم وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالما لا يتغير ولكن يتغير تعلق علمه ، ~~فإن العلم صفة كاشفة يظهر بها كل ما في نفس الأمر فعلم الله في الأزل أن ~~العالم سيوجد ، فإذا وجد علمه PageV25P219 موجودا بذلك العلم ، وإذا عدم ~~يعلمه معدوما بذلك ، مثاله : أن المرآة المصقولة فيها الصفاء / فيظهر فيها ~~صورة زيد إن قابلها ، ثم إذا قابلها عمرو يظهر فيها صورته ، والمرآة لم ~~تتغير في ذاتها ولا تبدلت في صفاتها ، وإنما التغير في الخارجات فكذلك ههنا ~~قوله : { إلا لنعلم } أي ليقع في العلم صدور الكفر من الكافر والإيمان من ~~المؤمن وكان قبله فيه أنه سيكفر زيد ويؤمن عمرو . # وقوله : { وما كان له عليهم من سلطان } إشارة إلى أنه ليس بملجىء وإنما ~~هو آية ، وعلامة خلقها الله لتبيين ما هو في علمه السابق ، وقوله : { وربك ~~على كل شىء حفيظ } يحقق ذلك أي الله تعالى قادر على منع إبليس عنهم عالم ~~بما سيقع ، فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة ، إذ الجاهل بالشيء لا ~~يمكنه حفظه ولا العاجز . # ! 7 < { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة فى ~~السماوات ولا فى الا رض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا ~~تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 22 - 23 ) قل ادعوا الذين . . . . . # > > لما بين الله تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بمن مضى عاد ~~إلى خطابهم وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم قل للمشركين ادعوا الذين زعمتم ~~من دون الله ليكشفوا عنكم الضر على سبيل التهكم ثم بين أنهم لا يملكون شيئا ~~بقوله : { لا يملكون مثقال ذرة فى * السماوات * ولا فى الارض } . # واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة أحدها : قول من يقول الله ~~تعالى خلق السماء والسماويات وجعل الأرض والأرضيات في حكمهم ، ونحن من جملة ~~الأرضيات فنعبد الكواكب والملائكة التي ms7428 في السماء فهم آلهتنا والله إلههم ، ~~فقال الله تعالى في إبطال قولهم : إنهم لا يملكون في السموات شيئا كما ~~اعترفتم ، قال ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم وثانيها : قول من يقول ~~السموات من الله على سبيل الاستبداد والأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب فإن ~~الله خلق العناصر والتركيبات التي فيها بالاتصالات والحركات والطوالع ~~فجعلوا لغير الله معه شركا في الأرض والأولون جعلوا الأرض لغيره والسماء له ~~، فقال في إبطال قولهم : { وما لهم فيهما من شرك } أي الأرض كالسماء لله لا ~~لغيره ، ولا لغيره فيها نصيب وثالثها : قول من قال : التركيبات والحوادث ~~كلها من / الله تعالى لكن فوض ذلك إلى الكواكب ، وفعل المأذون ينسب إلى ~~الآذن ويسلب عن المأذون فيه ، مثاله إذا ملك لمملوكه اضرب فلانا فضربه يقال ~~في العرف الملك ضربه ويصح عرفا قول القائل ما ضرب فلان فلانا ، وإنما الملك ~~أمر بضرب فضرب ، فهؤلاء جعلوا السماويات معينات لله فقال تعالى في إبطال ~~قولهم : { وما له منهم من ظهير } ما فوض إلى شيء شيئا ، بل هو على كل شيء ~~PageV25P220 حفيظ ورقيب ورابعها : قول من قال إنا نعبد الأصنام التي هي صور ~~الملائكة ليشفعوا لنا فقال تعالى في إبطال قولهم { ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له } فلا فائدة لعبادتكم غير الله فإن الله لا يأذن في الشفاعة ~~لمن يعبد غيره فبطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة وقوله : { حتى ~~إذا فزع عن قلوبهم } أي أزيل الفزع عنهم ، يقال قرد البعير إذا أخذ منه ~~القراد ويقال لهذا تشديد السلب ، وفي قوله تعالى : { حتى إذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق } وجوه أحدها : الفزع الذي عند الوحي فإن ~~الله عندما يوحي يفزع من في السموات ، ثم يزيل الله عنهم الفزع فيقولون ~~لجبريل عليه السلام ماذا قال الله ؟ فيقول قال الحق أي الوحي وثانيها : ~~الفزع الذي من الساعة وذلك لأن الله تعالى لما أوحى إلى محمد عليه السلام { ~~فزع * من فى * السماوات } ( النمل : 87 ) من القيامة لأن إرسال محمد عليه ms7429 ~~السلام من أشراط الساعة ، فلما زال عنهم ذلك الفزع قالوا ماذا قال الله قال ~~جبريل { الحق } أي الوحي وثالثها : هو أن الله تعالى يزيل الفزع وقت الموت ~~عن القلوب فيعترف كل أحد بأن ما قال الله تعالى هو الحق فينفع ذلك القول من ~~سبق ذلك منه ، ثم يقبض روحه على الإيمان المتفق عليه بينه وبين الله تعالى ~~، ويضر ذلك القول من سبق منه خلافه فيقبض روحه على الكفر المتفق بينه وبين ~~الله تعالى : إذا علمت هذا فنقول على القولين الأولين قوله تعالى : { حتى } ~~غاية متعلقة بقوله تعالى : { قل } لأنه بينه بالوحي لأن قول القائل قل ~~لفلان للإنذار حتى يسمع المخاطب ما يقوله ، ثم يقول بعد هذا الكلام ما يجب ~~قوله فلما قال : { قل } فزع من في السموات ، ثم أزيل عنه الفزع ، وعلى ~~الثالث متعلق بقوله تعالى : { زعمتم } أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ، ~~ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق ، وعلى القولين الأولين فاعل قوله تعالى ~~: { قالوا ماذا } هو الملائكة السائلون من جبريل ، وعلى الثالث الكفار ~~السائلون من الملائكة والفاعل في قوله : { الحق } على القولين الأولين هم ~~الملائكة ، وعلى الثالث هم المشركون . # واعلم أن الحق هو الموجود ثم إن الله تعالى لما كان وجوده لا يرد عليه ~~عدم كان حقا مطلقا لا يرتفع بالباطل الذي هو العدم والكلام الذي يكون صدقا ~~يسمى حقا ، لأن الكلام له متعلق في الخارج بواسطة أنه متعلق بما في الذهن ، ~~والذي في الذهن متعلق بما في الخارج فإذا قال القائل جاء زيد يكون هذا ~~اللفظ تعلقه بما في ذهن القائل وذهن القائل تعلقه بما في الخارج لكن للصدق ~~متعلق يكون في الخارج فيصير له وجود مستمر وللكذب متعلق لا يكون في الخارج ~~، وحينئذ إما أن لا يكون له متعلق في الذهن فيكون كالمعدوم من الأول وهو ~~الألفاظ التي تكون صادرة / عن معاند كاذب ، وإما أن يكون له متعلق في الذهن ~~على خلاف ما في الخارج فيكون اعتقادا باطلا جهلا أو ظنا لكن لما لم يكن ms7430 ~~لمتعلقه متعلق يزول ذلك الكلام ويبطل ، وكلام الله لا بطلان له في أول ~~الأمر كما يكون كلام الكاذب المعاند ولا يأتيه الباطل كما يكون كلام الظان ~~، وقوله تعالى : { وهو العلى الكبير } قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { ~~ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلى ~~الكبير } ( لقمان : 30 ) أن { الحق } إشارة إلى أنه كامل لا نقص فيه فيقبل ~~نسبة العدم ، وفوق الكاملين لأن كل كامل فوقه كامل فقوله : { وهو العلى ~~الكبير } إشارة إلى أنه فوق الكاملين في ذاته وصفاته ، وهذا يبطل القول ~~بكونه جسما وفي حيز ، لأن كل من كان في حيز فإن العقل يحكم بأنه مشار إليه ~~وهو مقطع الإشارة لأن الإشارة لو لم تقع إليه لما كان المشار إليه هو ، ~~وإذا وقعت الإشارة إليه فقد تناهت الإشارة عنده ، وفي كل موقع تقف الإشارة ~~بقدر العقل على أن يفرض البعد أكثر من ذلك فيقول لو كان بين PageV25P221 ~~مأخذ الإشارة والمشار إليه أكثر من هذا البعد لكان هذا المشار إليه أعلى ~~فيصير عليه بالإضافة لا مطلقا وهو على مطلقا ولو كان جسما لكان له مقدار ، ~~وكل مقدار يمكن أن يفرض أكبر منه فيكون كبيرا بالنسبة إلى غيره لا مطلقا ~~وهو كبير مطلقا . # ! 7 < { قل من يرزقكم من السماوات والا رض قل الله وإنآ أو إياكم لعلى ~~هدى أو فى ضلال مبين } . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 24 ) قل من يرزقكم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { قل من يرزقكم من * السماوات والارض } قد ذكرنا مرارا أن ~~العامة يعبدون الله لا لكونه إلها ، وإنما يطلبون به شيئا ، وذلك إما دفع ~~ضرر أو جر نفع فنبه الله تعالى العامة بقوله : { قل ادعوا الذين زعمتم } ( ~~سبأ : 22 ) على أنه لا يدفع الضر أحد إلا هو كما قال تعالى : { وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو } ( الأنعام : 17 يونس : 107 ) وقال بعد إتمام ~~بيان ذلك { قل من يرزقكم من * السماوات والارض } إشارة إلى أن جر النفع ليس ~~إلا به ومنه ، فإذا ms7431 إن كنتم من الخواص فاعبدوه لعلوه وكبريائه سواء دفع ~~عنكم ضرا أو لم يدفع وسواء نفعكم بخير أو لم ينفع فإن لم تكونوا كذلك ~~فاعبدوه لدفع الضر وجر النفع . # ثم قال تعالى : { قل الله } يعني إن لم يقولوا هم فقل أنت الله يرزق ~~وههنا لطيفة : وهي أن الله تعالى عند الضر ذكر أنهم يقولون الله ويعترفون ~~بالحق حيث قال : { قالوا الحق } وعند النفع لم يقل إنهم يقولون ذلك وذلك ~~لأن لهم حالة يعترفون بأن كاشف الضر هو الله حيث يقعون في الضر كما قال ~~تعالى : { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه } ( الروم : 33 ) وأما ~~عند الراحة فلا تنبه لهم لذلك فلذلك قال : { قل الله } أي هم في حالة ~~الراحة غافلون عن الله . # ثم قال تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : هذا إرشاد من الله لرسوله إلى المناظرات الجارية في ~~العلوم وغيرها وذلك لأن أحد المتناظرين إذا قال للآخر هذا الذي تقوله خطأ ~~وأنت فيه مخطىء يغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر وعند اختلاله لا مطمع ~~في الفهم فيفوت الغرض ، وأما إذا قال له بأن أحدنا لا يشك في أنه مخطىء ~~والتمادي في الباطل قبيح والرجوع إلى الحق أحسن الأخلاق فنجتهد ونبصر أينا ~~على الخطأ ليحترز فإنه يجتهد ذلك الخصم في النظر ويترك التعصب وذلك لا يوجب ~~نقصا في المنزلة لأنه أوهم بأنه في قوله شاك ويدل عليه قول الله تعالى ~~لنبيه : { وإنا أو إياكم } مع أنه لا يشك في أنه هو الهادي وهو المهتدي وهم ~~الضالون والمضلون . # المسألة الثانية : في قوله : { لعلى هدى أو فى ضلال مبين } ذكر في الهدى ~~كلمة على وفي الضلال كلمة في لأن المهتدي كأنه مرتفع متطلع فذكره بكلمة ~~التعلي ، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فذكره بكلمة في . # المسألة الثالثة : وصف الضلال بالمبين ولم يصف الهدى لأن الهدي هو الصراط ~~المستقيم الموصل PageV25P222 إلى الحق والضلال خلافه لكن المستقيم واحد وما ~~هو غيره كله ضلال ms7432 وبعضه بين من بعض ، فميز البعض عن البعض بالوصف . # المسألة الرابعة : قدم الهدى على الضلال لأنه كان وصف المؤمنين المذكورين ~~بقوله : { أنا } وهو مقدم في الذكر . # ! 7 < { قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما تعملون } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون } < < # | سبأ : ( 25 ) قل لا تسألون . . . . . # > > أضاف الإجرام إلى النفس وقال في حقهم : { ولا نسئل عما تعملون } ذكر ~~بلفظ العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم وقوله : { لا تسئلون } { ولا ~~نسئل } زيادة حث على النظر وذلك لأن كل أحد إذا كان مؤاخذا بجرمه فإذا ~~احترز نجا ، ولو كان البريء يؤاخذ بالجرم لما كفى النظر . # ! 7 < { قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم } . > ~~7 ! # ثم قال تعالى : { قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح ~~العليم } < < # | سبأ : ( 26 ) قل يجمع بيننا . . . . . # > > أكد ما يوجب النظر والتفكر ، فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب ، ~~فكيف إذا كان يوم عرض وحساب وثواب وعذاب وقوله : { يفتح } قيل معناه يحكم ، ~~ويمكن أن يقال بأن الفتح ههنا مجاز وذلك لأن الباب المغلق والمنفذ المسدود ~~يقال فيه فتحه على طريق الحقيقة . ثم إن الأمر إذا كان فيه انغلاف وعدم ~~وصول إليه فإذا بينه أحد يكون قد فتحه وقوله : { وهو الفتاح العليم } إشارة ~~إلى أن حكمه يكون مع العلم لا مثل حكم من يحكم بما يتفق له بمجرد هواه . # ! 7 < { قل أرونى الذين ألحقتم به شركآء كلا بل هو الله العزيز الحكيم } ~~. > 7 ! # / ثم قال تعالى : { قل أرونى الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله ~~العزيز الحكيم } < < # | سبأ : ( 27 ) قل أروني الذين . . . . . # > > قد ذكرنا أن المعبود قد يعبده قوم لدفع الضرر وجمع لتوقع المنفعة ~~وقليل من الأشراف الأعزة يعبدونه لأنه يستحق العبادة لذاته فلما بين أنه لا ~~يعد غير الله لدفع الضرر إذ لا دافع للضرر غيره بقوله : { قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دون الله } وبين أنه لا يعبد غير الله لتوقع المنفعة بقوله ms7433 : { قل ~~من يرزقكم من * السماوات والارض } بين ههنا أنه لا يعبد أحد لاستحقاقه ~~العبادة غير الله فقال : { قل أرونى الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله ~~العزيز الحكيم } أي هو المعبود لذاته واتصافه بالعزة وهي القدرة الكاملة ~~والحكمة وهي العلم التام الذي عمله موافق له . # PageV25P223 ! 7 < { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ولاكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 28 ) وما أرسلناك إلا . . . . . # > > لما بين مسألة التوحيد شرع في الرسالة فقال تعالى : { وما أرسلناك ~~إلا كافة } وفيه وجهان أحدها : كافة أي إرسالة كافة أي عامة لجميع الناس ~~تمنعهم من الخروج عن الانقياد لها والثاني : كافة أي أرسلناك كافة تكف أنت ~~من الكفر والهاء للمبالغة على هذا الوجه { بشيرا } أي تحثهم بالوعد { ~~ونذيرا } تزجرهم بالوعيد { ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } ذلك لا لخفائه ~~ولكن لغفلتهم . # ! 7 < { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين } . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 29 ) ويقولون متى هذا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين } لما ذكر ~~الرسالة بين الحشر . # ! 7 < { قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } . > 7 ~~@QB@ < # | سبأ : ( 30 ) قل لكم ميعاد . . . . . # > > # وقال : { قل لكم ميعاد يوم لا تستئخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } قد ذكرنا ~~في سورة الأعراف أن قوله : { لا تستئخرون } يوجب الإنذار ، لأن معناه عدم ~~المهلة عن الأجل ولكن الاستقدام ما وجهه ؟ وذكرنا هناك وجهه ونذكر ههنا ~~أنهم لما طلبوا الاستعجال بين أنه لا استعجال فيه كما لا أمهال ، وهذا يفيد ~~عظم الأمر وخطر الخطب ، وذلك لأن الأمر الحقير إذا طالبه طالب من غيره لا ~~يؤخره ولا يوقفه على وقت بخلاف الأمر الخطير وفي قوله تعالى : { لكم ميعاد ~~يوم } قراءات أحدها : رفعهما مع التنوين على وهذا يوم بدل وثانيها : نصب ~~يوم مع رفع ميعاد والتنوين فيهما ميعاد يوما قال الزمخشري ووجهه أنه منصوب ~~بفعل محذوف كأنه قال ميعاد أعني يوما وذلك يفيد التعظيم والتهويل ، ويحتمل ~~أن يقال نصب على الظرف تقديره لكم ميعاد يوما / كما يقول القائل : أنا ms7434 ~~جائيك يوما وعلى هذا يكون العامل فيه العلم كأنه يقول لكم ميعاد تعلمونه ~~يوما وقوله معلوم يدل عليه كقول القائل إنه مقتول يوما الثالثة : الإضافة ~~لكم ميعاد يوم كما في قول القائل سحق ثوب للتبيين وإسناد الفعل إليهم بقوله ~~: { لا تستئخرون عنه } بدلا عن قوله : { لا يؤخر * عنكم } زيادة تأكيد ~~لوقوع اليوم . # ! 7 < { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهاذا القرءان ولا بالذى بين يديه ولو ~~ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 31 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهاذا القرءان ولا بالذى بين ~~يديه } لما بين الأمور الثلاثة من التوحيد والرسالة والحشر وكانوا بالكل ~~كافرين بين كفرهم العام بقوله : { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهاذا القرءان ~~} وذلك لأن القرآن مشتمل على الكل وقوله : { ولا بالذى بين يديه } المشهور ~~أنه التوراة والإنجيل ، وعلى هذا فالذين كفروا المراد منهم المشركون ~~المنكرون للنبوات والحشر ، ويحتمل أن يقال إن المعنى هو أنا لا نؤمن ~~بالقرآن أنه من الله ولا بالذي بين يديه أي ولا بما فيه من الإخبارات ~~والمسائل والآيات والدلائل ، وعلى هذا فالذين كفروا المراد منهم العموم ، ~~لأن أهل الكتاب لم يؤمنوا بالقرآن أنه من الله ولا بالذي فيه من الرسالة ~~وتفاصيل الحشر ، فإن قيل : أليس هم مؤمنون بالوحدانية والحشر ، فنقول إذا ~~لم يصدق واحد ما في الكتاب من الأمور المختصة به يقال فيه إنه لم يؤمن بشيء ~~منه وإن آمن ببعض ما فيه لكونه في غيره فيكون إيمانه لا بما فيه . مثاله : ~~أن من يكذب رجلا فيما يقوله فإذا أخبره بأن النار حارة لا يكذبه فيه ولكن ~~لا يقال إنه PageV25P224 صدقه لأنه إنما صدق نفسه ، فإنه كان عالما به من ~~قبل وعلى هذا فقوله بين يديه أي الذي هو مشتمل عليه من حيث إنه وارد فيه . # وقوله تعالى : { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى ~~بعض القول يقول ms7435 الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم } . # لما وقع اليأس من إيمانهم في هذه الدار بقولهم لن نؤمن فإنه لتأييد النفي ~~وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بأنه يراهم على أذل حال موقوفين للسؤال يرجع ~~بعضهم إلى بعض القول كما يكون عليه حال جماعة أخطؤا في أمر يقول بعضهم كان ~~ذلك بسببك ويرد عليه الآخر مثل ذلك ، وجواب لو محذوف ، تقديره : ولو ترى إذ ~~الظالمون موقوفون لرأيت عجبا ، ثم بدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ ~~فقال : { يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } ~~إشارة إلى أن / كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى لأنهم لا يمكنهم أن يقولوا ~~ما جاءنا رسول ، ولا أن يقولوا قصر الرسول ، وهذا إشارة إلى إتيان الرسول ~~بما عليه لأن الرسول لو أهمل شيئا لما كانوا يؤمنون ولولا المستكبرون ~~لآمنوا . # ! 7 < { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ ~~جآءكم بل كنتم مجرمين } . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 32 ) قال الذين استكبروا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وقال الذين * استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن ~~الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين } . # ردا لما قالوا إن كفرنا كان لمانع { أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ~~بل كنتم مجرمين } يعني المانع ينبغي أن يكون راجحا على المقتضى حتى يعمل ~~عمله ، والذي جاء به هو الهدى ، والذي صدر من المستكبرين لم يكن شيئا يوجب ~~الامتناع من قبول ما جاء به فلم يصح تعليلكم بالمانع ، ثم بين أن كفرهم كان ~~إجراما من حيث إن المعذور لا يكون معذورا إلا لعدم المقتضى أو لقيام المانع ~~ولم يوجد شيء منهما . # ! 7 < { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ ~~تأمروننآ أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ~~وجعلنا الا غلال فىأعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } . > 7 ~~@QB@ < # | سبأ : ( 33 ) وقال الذين استضعفوا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر اليل ~~والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا } . # لما ذكر ms7436 المستكبرون أنا ما صددناكم وما صدر منا يصلح مانعا وصارفا اعترف ~~المستضعفون به وقالوا : { بل مكر اليل والنهار } منعنا ، ثم قالوا لهم إنكم ~~إن كنتم ما أتيتم بالصارف القطعي والمانع القوي ولكن انضم أمركم إيانا ~~بالكفر إلى طول الأمد والامتداد في المدد فكفرنا فكان قولكم جزء السبب ، ~~ويحتمل وجها آخر وهو أن يكون المراد بل مكركم بالليل والنهار فحذف المضاف ~~إليه . وقوله : { إذ تأمروننا أن نكفر بالله } أي ننكره { ونجعل له أندادا ~~} هذا يبين أن المشرك بالله مع أنه في الصورة مثبت لكنه في الحقيقة منكر ~~لوجود الله لأن من يساويه المخلوق المنحوت لا يكون إلها ، وقوله في الأول : ~~{ يرجع بعضهم إلى بعض القول } PageV25P225 يقول الذين استضعفوا بلفظ ~~المستقبل ، وقوله في الآيتين المتأخرتين { وقال الذى * استكبروا * وقال ~~الذى * استضعفوا } بصيغة الماضي مع أن السؤال والتراجع في القول لم يقع ~~إشارة إلى أن ذلك لا بد وأن يقع ، فإن الأمر الواجب الوقوع يوجد كأنه وقع ، ~~ألا ترى إلى قوله تعالى : { إنك ميت وإنهم ميتون } ( الزمر : 30 ) . # / ثم قال تعالى : { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الاغلال فى ~~أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } . # معناه أنهم يتراجعون القول في الأول ، ثم إذا جاءهم العذاب الشاغل يسرون ~~ذلك التراجع الدال على الندامة ، وقيل معنى الإسرار الإظهار أي أظهروا ~~الندامة ، ويحتمل أن يقال بأنهم لما تراجعوا في القول رجعوا إلى الله ~~بقولهم : { ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا } ( السجدة : 12 ) ثم ~~أجيبوا وأخبروا بأن لا مرد لكم فأسروا ذلك القول ، وقوله : { وجعلنا ~~الاغلال فى أعناق الذين كفروا } ( سبأ : 33 ) إشارة إلى كيفية العذاب وإلى ~~أن مجرد الرؤية ليس كافيا بل لما رأوا العذاب قطعوا بأنهم واقعون فيه ~~فتركوا الندم ووقعوا فيه فجعل الأغلال في أعناقهم ، وقوله : { يجزون إلا ما ~~كانوا يعملون } إشارة إلى أن ذلك حقهم عدلا . # ! 7 < { ومآ أرسلنا فى قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به ~~كافرون * وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } . > 7 ms7437 ! # < < # | سبأ : ( 34 - 35 ) وما أرسلنا في . . . . . # > > تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وبيانا لأن إيذاء الكفار ~~الأنبياء الأخيار ليس بدعا ، بل ذلك عادة جرت من قبل وإنما نسب القول إلى ~~المترفين مع أن غيرهم أيضا قالوا : { إنا بما أرسلتم به كافرون } لأن ~~الأغنياء المترفين هم الأصل في ذلك القول ، ألا ترى أن الله قال عن الذين ~~استضعفوا إنهم قالوا للمستكبرين لولا أنتم لكانوا مؤمنين ، ثم استدلوا على ~~كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد فقالوا : { نحن أكثر أموالا ~~وأولادا } أي بسبب لزومنا لديننا ، وقوله : { وما نحن بمعذبين } أي في ~~الآخرة كأنهم قالوا حالنا عاجلا خير من حالكم ، وأما آجلا فلا نعذب إما ~~إنكارا منهم للعذاب رأسا أو اعتقادا لحسن حالهم في الآخرة أيضا قياسا ( على ~~حسن حالهم في الدنيا ) . # ! 7 < { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر ولاكن أكثر الناس لا يعلمون ~~} . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 36 ) قل إن ربي . . . . . # > > # ثم إن الله تعالى بين خطأهم بقوله : { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } . PageV25P226 # / يعني أن الرزق في الدنيا لا تدل سعته وضيقه على حال المحق والمبطل فكم ~~من موسر شقي ومعسر تقي { ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } أي أن قلة الرزق ~~وضنك العيش وكثرة المال وخصب العيش بالمشيئة من غير اختصاص بالفاسق والصالح ~~. # ! 7 < { ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى إلا من ءامن ~~وعمل صالحا فأولائك لهم جزآء الضعف بما عملوا وهم فى الغرفات ءامنون } . > ~~7 ! # ثم بين فساد استدلالهم بقولهم : { وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم ~~عندنا زلفى إلا من ءامن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا } . # < < # | سبأ : ( 37 ) وما أموالكم ولا . . . . . # > > يعني قولكم نحن أكثر أموالا فنحن أحسن عند الله حالا ليس استدلالا ~~صحيحا ، فإن المال لا يقرب إلى الله ولا اعتبار بالتعزز به ، وإنما المفيد ~~العمل الصالح بعد الإيمان والذي يدل عليه هو أن المال والولد يشغل عن الله ~~فيبعد عنه فكيف يقرب منه والعمل الصالح ms7438 إقبال على الله واشتغال بالله ومن ~~توجه إلى الله وصل ومن طلب من الله شيئا حصل ، وقوله : { فأولئك لهم جزاء ~~الضعف } أي الحسنة فإن الضعف لا يكون إلا في الحسنة وفي السيئة لا يكون إلا ~~المثل . # ثم زاد وقال : { وهم فى الغرفات ءامنون } إشارة إلى دوام النعيم وتأبيده ~~، فإن من تنقطع عنه النعمة لا يكون آمنا . # ! 7 < { والذين يسعون فىءاياتنا معاجزين أولائك فى العذاب محضرون } . > 7 ~~@QB@ < # | سبأ : ( 38 ) والذين يسعون في . . . . . # > > # ثم بين حال المسىء بقوله : { والذين يسعون فىءاياتنا معاجزين أولئك فى ~~العذاب محضرون } . # وقد ذكرنا تفسيره ، وقوله : { أولئك فى العذاب محضرون } إشارة إلى الدوام ~~أيضا كما قال تعالى : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } ( السجدة ~~: 20 ) وكما قال تعالى : { وما هم عنها بغائبين } ( الإنفطار : 16 ) . # ! 7 < { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له ومآ أنفقتم من ~~شىء فهو يخلفه وهو خير الرازقين } . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 39 ) قل إن ربي . . . . . # > > # ثم قال تعالى مرة أخرى : { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ~~له وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه وهو خير } ( الجمعة : 11 )إشارة إلى أن ~~نعيم الآخرة لا ينافي نعمة الدنيا ، بل الصالحون قد يحصل لهم في الدنيا ~~النعم مع القطع بحصول النعيم لهم في العقبى بناء على الوعد ، قطعا لقول من ~~يقول : إذا كانت العاجلة لنا والآجلة لهم فالنقد أولى ، فقال هذا النقد غير ~~مختص بكم / فإن كثيرا من الأشقياء مدقعون ، وكثير من الأتقياء ممتعون وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ذكر هذا المعنى مرتين : مرة لبيان أن كثرة أموالهم ~~وأولادهم غير دالة على حسن أحوالهم واعتقادهم ، ومرة لبيان أنه غير مختص ~~بهم كأنه قال وجود الترف لا يدل على الشرف ، ثم إن سلمنا أنه كذلك لكن ~~المؤمنين سيحصل لهم ذلك ، فإن الله يملكهم دياركم وأموالكم ، والذي يدل ~~عليه هو أن الله تعالى لم يذكر أولا لمن يشاء من عباده ، بل قال لمن يشاء ، ~~وثانيا قال لمن يشاء من عباده ، والعباد المضافة PageV25P227 يراد ms7439 بها ~~المؤمن ، ثم وعد المؤمن بخلاف ما للكافر ، فإن الكافر دابره مقطوع ، وماله ~~إلى الزوال ، ومآله إلى الوبال . وأما المؤمن فما ينفقه يخلفه الله ، ومخلف ~~الله خير ، فإن ما في يد الإنسان في معرض البوار والتلف وهما لا يتطرقان ~~إلى ما عند الله من الخلف ، ثم أكد ذلك بقوله : { والله خير الرزقين } ~~وخيرية الرازق في أمور أحدها : أن لا يؤخر عن وقت الحاجة والثاني : أن لا ~~ينقص عن قدر الحاجة والثالث : أن لا ينكده بالحساب والرابع : أن لا يكدره ~~بطلب الثواب والله تعالى كذلك . # أما الأول : فلأنه عالم وقادر والثاني : فلأنه غني واسع والثالث : فلأنه ~~كريم ، وقد ذكر ذلك بقوله : { يرزق من يشاء بغير حساب } ( البقرة : 212 ) ~~وما ذكرنا هو المراد ، أي يرزقه حلالا لا يحاسبه عليه والرابع : فلأنه علي ~~كبير والثواب يطلبه الأدنى من الأعلى ، ألا ترى أن هبة الأعلى من الأدنى لا ~~تقتضي ثوابا . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه } يحقق ~~معنى قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ~~ينزلان ، يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر اللهم اعط ممسكا ~~تلفا ) وذلك لأن الله تعالى ملك على وهو غني ملى ، فإذا قال أنفق وعلى بدله ~~فبحكم الوعد يلزمه ، كما إذا قال قائل : ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه ، ~~فمن أنفق فقد أتى بما هو شرط حصول البدل فيحصل البدل ، ومن لم ينفق فالزوال ~~لازم للمال ولم يأت بما يستحق عليه من البدل فيفوت من غير خلف وهو التلف ، ~~ثم إن من العجب أن التاجر إذا علم أن مالا من أمواله في معرض الهلاك يبيعه ~~نسيئة ، وإن كان من الفقراء ويقول بأن ذلك أولى من الإمهال إلى الهلاك ، ~~فإن لم يبع حتى يهلك ينسب إلى الخطأ ، ثم إن حصل به كفيل ملىء ولا يبيع ~~ينسب إلى قلة العقل ، فإن حصل به رهن وكتب به وثيقة ولا يبيعه ينسب إلى ~~الجنون ، ثم إن كل أحد يفعل هذا ولا يعلم أن ms7440 ذلك قريب من الجنون ، فإن ~~أموالنا كلها في معرض الزوال المحقق ، والإنفاق على الأهل والولد إقراض ، ~~وقد حصل الضامن الملىء وهو الله العلي وقال تعالى : { وما أنفقتم من شىء ~~فهو يخلفه } ثم رهن عند كل واحد إما أرضا أو بستانا أو طاحونة أو حماما أو ~~منفعة ، فإن الإنسان لا بد من أن يكون له صنعة أو جهة يحصل له منها مال وكل ~~ذلك ملك الله وفي يد الإنسان بحكم العارية فكأنه مرهون بما تكفل الله من ~~رزقه ليحصل له الوثوق التام / ومع هذا لا ينفق ويترك ماله ليتلف لا مأجورا ~~ولا مشكورا . # / المسألة الثالثة : قوله : { خير الرازقين } ينبىء عن كثرة في الرازقين ~~ولا رازق إلا الله ، فما الجواب عنه ؟ فنقول عنه جوابان أحدهما : أن يقال ~~الله خير الرازقين الذين تظنونهم رازقين وكذلك في قوله تعالى : وهو { أحسن ~~الخالقين } ( الصافات : 125 ) وثانيهما : هو أن الصفات منها ما حصل لله ~~وللعبد حقيقة ، ومنها ما يقال لله بطريق الحقيقة وللعبد بطريق المجاز ، ~~ومنها ما يقال لله بطريق الحقيقة ولا يقال للعبد لا بطريق الحقيقة ولا ~~بطريق المجاز لعدم حصوله للعبد لا حقيقة ولا صورة ، مثال الأول العلم ، فإن ~~الله يعلم أنه واحد والعبد يعلم أنه واحد بطريق الحقيقة ، وكذلك العلم بكون ~~النار حارة ، غاية ما في الباب أن علمه قديم وعلمنا حادث ، مثال الثاني ~~الرازق والخالق ، فإن العبد إذا أعطى غيره شيئا فإن الله هو المعطي ، ولكن ~~لأجل صورة العطاء منه سمي معطيا ، كما يقال للصورة المنقوشة على الحائط فرس ~~وإنسان ، مثال الثالث الأزلي والله وغيرهما ، وقد يقال PageV25P228 في ~~أشياء في الإطلاق على العبد حقيقة وعلى الله مجازا كالاستواء والنزول ~~والمعية ويد الله وجنب الله . # ! 7 < { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهاؤلاء إياكم كانوا يعبدون ~~* قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ~~} . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 40 - 41 ) ويوم يحشرهم جميعا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا ms7441 من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم ~~مؤمنون }لما بين أن حال النبي صلى الله عليه وسلم كحال من تقدمه من ~~الأنبياء ، وحال قومه كحال من تقدم من الكفار ، وبين بطلان استدلالهم بكثرة ~~أموالهم وأولادهم ، بين ما يكون من عاقبة حالهم فقال : { ويوم يحشرهم جميعا ~~} يعني المكذبين بك وبمن تقدمك ، ثم نقول لمن يدعون أنهم يعبدونهم وهم ~~الملائكة ، فإن غاية ما ترتقي إليه منزلتهم أنهم يقولون نحن نعبد الملائكة ~~والكواكب ، فيسأل الملائكة أهم كانوا يعبدونكما إهانة لهم ، فيقول كل منهم ~~سبحانك ننزهك عن أن يكون غيرك معبودا وأنت معبودنا ومعبود كل خلق ، وقولهم ~~: { أنت ولينا من دونهم } إشارة إلى معنى لطيف وهو أن مذاهب الناس مختلفة ؛ ~~بعضهم لا يسكن المواضع المعمورة التي يكون فيها سواد عظيم ، لأنه لا يترأس ~~هناك فيرضى لضياع والبلاد الصغيرة ، وبعضهم لا يريد البلاد الصغيرة لعدم ~~اجتماعه فيها بالناس وقلة وصوله فيها إلى الأكياس ، ثم إن الفريقين جميعا ~~إذا عرض عليهم خدمة السلطان واستخدام الأرذال الذين لا التفات إليهم أصلا ~~يختار العاقل خدمة السلطان على استخدام من لا يؤبه به ، ولو أن رجلا سكن ~~جبلا ووضع بين يديه شيئا من القاذورات واجتمع عليه الذباب والديدان ، وهو / ~~يقول هؤلاء أتباعي وأشياعي ، ولا أدخل المدينة مخافة أن أحتاج إلى خدمة ~~السلطان العظيم والتردد إليه ينسب إلى الجنون ، فكذلك من رضي بأن يترك خدمة ~~الله وعبادته ، ورضي باستتباع الهمج الذين هم أضل من البهائم وأقل من ~~الهوام يكون مجنونا ، فقالوا : { أنت ولينا من دونهم } يعني كونك ولينا ~~بالمعبودية أولى ، وأحب إلينا من كونهم أولياءنا بالعبادة لنا وقالوا : { ~~بل كانوا يعبدون الجن } أي كانوا ينقادون لأمر الجن ، فهم في الحقيقة كانوا ~~يعبدون الجن ، ونحن كنا كالقبلة لهم ، لأن العبادة هي الطاعة وقوله تعالى : ~~{ أكثرهم بهم مؤمنون } لو قال قائل جميعهم كانوا تابعين للشياطين ، فما وجه ~~قوله : { أكثرهم بهم مؤمنون } فإنه ينبىء أن بعضهم لم يؤمن بهم ولم يطع لهم ~~؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن الملائكة احترزوا عن ms7442 دعوى الإحاطة ~~بهم فقالوا أكثرهم لأن الذين رأوهم واطلعوا على أحوالهم كانوا يعبدون الجن ~~ويؤمنون بهم ولعل في الوجود من لم يطلع الله الملائكة عليه من الكفار ~~الثاني : هو أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن فقالوا : { بل كانوا ~~يعبدون الجن } لاطلاعهم على أعمالهم وقالوا : { أكثرهم بهم مؤمنون } عند ~~عمل القلب لئلا يكونوا مدعين اطلاعهم على ما في القلوب فإن القلب لا اطلاع ~~عليه إلا لله ، كما قال تعالى : { إنه عليم بذات الصدور } ( الأنفال : 43 ) ~~. # ! 7 < { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا ~~عذاب النار التى كنتم بها تكذبون } . > 7 ! PageV25P229 # ثم بين أن ما كانوا يعبدونه لا ينفعهم فقالوا : { فاليوم لا يملك بعضكم ~~لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التى كنتم بها ~~تكذبون } < < # | سبأ : ( 42 ) فاليوم لا يملك . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الخطاب بقوله : { بعضكم } مع من ؟ نقول يحتمل أن يكون ~~الملائكة لسبق قوله تعالى : { أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } ( سبأ : 40 ) ~~وعلى هذا يكون ذلك تنكيلا للكافرين حيث بين لهم أن معبودهم لا ينفع ولا يضر ~~، ويصحح هذا قوله تعالى : { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمان ~~عهدا } ( مريم : 87 ) وقوله : { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } ( الأنبياء : ~~28 ) ولأنه قال بعده : { ونقول للذين ظلموا ذوقوا } فأفردهم ولو كان ~~المخاطب هم الكفار لقال فذوقوا . # وعلى هذا يكون الكفار داخلين في الخطاب حتى يصح معنى قوله : { بعضكم لبعض ~~} أي الملائكة للكفار ، والحاضر الواحد يجوز أن يجعل من يشاركه في أمر ~~مخاطبا بسببه ، كما يقول القائل لواحد حاضر له شريك في كلام أنتم قلتم ، ~~على معنى أنت قلت ، وهم قالوا ، ويحتمل أن يكون معهم الجن أي لا يملك بعضكم ~~لبعض أيها الملائكة والجن ، وإذا لم تملكوها لأنفسكم فلا تملكوها لغيركم ~~ويحتمل أن يكون المخاطب هم الكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم ، وعلى هذا ~~فقوله : { ونقول للذين ظلموا } إنما ذكره تأكيدا لبيان حالهم في الظلم ، ~~وسبب نكالهم من الإثم ولو قال : { فذوقوا عذابى ms7443 * النار } لكان كافيا لكنه ~~، لا يحصل ما ذكرنا من الفائدة ، فإنهم كلما كانوا يسمعون ما كانوا / عليه ~~من الظلم والعناد والإثم والفساد يتحسرون ويندمون . # المسألة الثانية : قوله : { نفعا } مفيد للحسرة ، وأما الضر فما الفائدة ~~فيه مع أنهم لو كانوا يملكون الضر لما نفع الكافرين ذلك ؟ فنقول لما كانت ~~العبادة تقع لدفع ضر المعبود كما يعبد الجبار ويخدم مخافة شره بين أنهم ليس ~~فيهم ذلك الوجه الذي يحسن لأجله عبادتهم . # المسألة الثالثة : قال : ههنا { عذاب النار التى كنتم بها تكذبون } وقال ~~في السجدة : { عذاب النار الذي كنتم به } جعل المكذب هنالك العذاب وجعل ~~المكذب ههنا النار وهم كانوا يكذبون بالكل ، والفائدة فيها أن هناك لم يكن ~~أول ما رأوا النار بل كانوا هم فيها من زمان بدليل قوله تعالى : { كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون } ( السجدة : 20 ) أي العذاب المؤبد الذي أنكرتموه بقولكم : { لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) أي قلتم إن العذاب إن وقع ~~فلا يدوم فذوقوا الدائم ، وههنا أول ما رأوا النار لأنه مذكور عقيب الحشر ~~والسؤال فقيل لهم : هذه { النار التى كنتم بها تكذبون } . # ! 7 < { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قالوا ما هاذا إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عما كان يعبد ءابآؤكم وقالوا ما هاذآ إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا ~~للحق لما جآءهم إن هاذآ إلا سحر مبين } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 43 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . # > > إظهارا لفساد اعتقادهم واشتداد عنادهم حيث تبين أن أعلى من يعبدونه ~~وهم الملائكة لا يتأهل للعبادة لذواتهم كما قالوا : { سبحانك أنت ولينا } ( ~~سبأ : 41 ) أي لا أهلية لنا إلا لعبادتك من دونهم أي لا أهلية لنا لأن نكون ~~PageV25P230 معبودين لهم ولا لنفع أو ضر كما قال تعالى : { فاليوم لا يملك ~~بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا } ( سبأ : 42 ) ثم مع هذا كله إذا قال لهم النبي ~~عليه السلام كلاما من التوحيد وتلا عليهم آيات الله الدالة عليه ، فإن لله ~~في كل شيء ms7444 آيات دالة على وحدانيته أنكروها وقالوا ما هذا إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عما كان يعبد آباؤكم يعني يعارضون البرهان بالتقليد { وقالوا ما هاذا ~~إلا إفك مفترى } وهو يحتمل وجوها أحدها : أن يكون المراد أن القول ~~بالوحدانية { إفك مفترى } ويدل عليه هو أن الموحد كان يقول في حق المشرك ~~إنه يأفك كما قال تعالى في حقهم : { أءفكا ءالهة دون الله تريدون } ( ~~الصافات : 86 ) وكما قالوا هم للرسول : { قالوا أجئتنا لتأفكنا عن } ( ~~الأحقاف : 22 ) وثانيها : أن يكون المراد { ما هاذا إلا إفك } ( الفرقان : ~~4 ) أي القرآن إفك وعلى الأول يكون قوله : { وقال الذين كفروا للحق لما ~~جاءهم إن هاذا إلا سحر مبين } ( الأحقاف : 7 ) إشارة إلى القرآن وعلى ~~الثاني يكون إشارة إلى ما أتى به من المعجزات وعلى الوجهين فقوله تعالى : { ~~وقال الذين كفروا } بدلا عن أن يقول وقالوا للحق هو أن إنكار التوحيد كان ~~مختصا بالمشركين ، وأما إنكار القرآن والمعجزات ( فقد ) كان متفقا عليه بين ~~المشركين وأهل الكتاب ( فقال ) تعالى : { وقال الذين كفروا للحق } على وجه ~~العموم . # ! 7 < { ومآ ءاتيناهم من كتب يدرسونها ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير * ~~وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار مآ ءاتيناهم فكذبوا رسلى فكيف كان ~~نكير } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 44 - 45 ) وما آتيناهم من . . . . . # > > وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير تأكيد لبيان تقليدهم يعني يقولون ~~عندما تتلى عليهم الآيات البينات هذا رجل كاذب وقولهم : { إفك مفترى } من ~~غير برهان ولا كتاب أنزل عليهم ولا رسول أرسل إليهم ، فالآيات البينات لا ~~تعارض إلا بالبراهين العقلية ، ولم يأتوا بها أو بالتقلبات وما عندهم كتاب ~~ولا رسول غيرك ، والنقل المعتبر آيات من كتاب الله أو خبر رسول الله ، ثم ~~بين أنهم كالذين من قبلهم كذبوا مثل عاد وثمود ، وقوله تعالى : { وما بلغوا ~~معشار ما ءاتيناهم } قال المفسرون معناه : وما بلغ هؤلاء المشركون معشار ما ~~آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر ، ثم إن الله أخذهم وما ~~نفعتهم قوتهم ، فكيف حال هؤلاء الضعفاء ، وعندي ( أنه ) يحتمل ذلك وجها ms7445 آخر ~~وهو أن يقال المراد : { وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما ءاتيناهم } ~~أي الذين من قبلهم ما بلغوا معشار ما آتينا قوم محمد من البيان والبرهان ، ~~وذلك لأن كتاب محمد عليه السلام أكمل من سائر الكتب وأوضح ، ومحمد عليه ~~السلام أفضل من جميع الرسل وأفصح ، وبرهانه أوفى ، وبيانه أشفى ، ثم إن ~~المتقدمين لما كذبوا بما جاءهم من الكتب وبمن أتاهم من الرسل أنكر عليهم ~~وكيف لا ينكر عليهم ، وقد كذبوا بما جاءهم من الكتب وبمن أتاهم من الرسل ~~أنكر عليهم وكيف لا ينكر عليهم ، وقد كذبوا بأفصح الرسل ، وأوضح السبل ، ~~يؤيد ما ذكرنا من المعنى قوله تعالى : { وما ءاتيناهم من كتب يدرسونها } ~~يعني غير القرآن ما آتيناهم كتابا وما أرسنا إليهم قبلك من نذير ، فلما كان ~~PageV25P231 المؤتى في الآية الأولى هو الكتاب ، فحمل الإيتاء في الآية ~~الثانية على إيتاء الكتاب أولى . # ! 7 < { قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد } . > 7 ! # / < < # | سبأ : ( 46 ) قل إنما أعظكم . . . . . # > > ذكر الأصول الثلاثة في هذه الآية بعد ما سبق منه تقريرها بالدلائل ~~فقوله : { أن تقوموا لله } إشارة إلى التوحيد وقوله : { ما بصاحبكم من جنة ~~إن هو إلا نذير لكم } إشارة إلى الرسالة وقوله : { بين يدى عذاب شديد } ~~إشارة إلى اليوم الآخر وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { إنما أعظكم بواحدة } يقتضي أن لا يكون إلا ~~بالتوحيد ، والإيمان لا يتم إلا بالاعتراف بالرسالة والحشر ، فكيف يصح ~~الحصر المذكور بقوله : { إنما أعظكم بواحدة } فنقول التوحيد هو المقصود ومن ~~وحد الله حق التوحيد يشرح الله صدره ويرفع في الآخرة قدره فالنبي صلى الله ~~عليه وسلم أمرهم بما يفتح عليهم أبواب العبادات ويهيء لهم أسباب السعادات ، ~~وجواب آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال إني لا آمركم في جميع ~~عمري إلا بشيء واحد ، وإنما قال أعظكم أولا بالتوحيد ولا آمركم في أول ~~الأمر بغيره لأنه سابق على ms7446 الكل ويدل عليه قوله تعالى : { ثم تتفكروا } فإن ~~التفكر أيضا صار مأمورا به وموعوظا . # المسألة الثانية : قوله : { بواحدة } قال المفسرون أنثها على أنها صفة ~~خصلة أي أعظكم بخصلة واحدة ، ويحتمل أن يقال المراد حسنة واحدة لأن التوحيد ~~حسنة وإحسان وقد ذكرنا في قوله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } ( ~~النحل : 29 ) أن العدل نفي الإلهية عن غير الله والإحسان إثبات الإلهية له ~~، وقيل في تفسير قوله تعالى : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } ( الرحمن : ~~60 ) أن المراد هل جزاء الإيمان إلا الجنان ، وكذلك يدل عليه قوله تعالى : ~~{ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } ( فصلت : 33 ) . # المسألة الثالثة : قوله : { مثنى وفرادى } إشارة إلى جميع الأحوال فإن ~~الإنسان إما أن يكون مع غيره أو يكون وحده ، فإذا كان مع غيره دخل في قوله ~~: { مثنى } وإذا كان وحده دخل في قوله : { فرادى } فكأنه يقول تقوموا لله ~~مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية من ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى ~~معين يعينكم على ذكر الله . # المسألة الرابعة : قوله : { ثم تتفكروا } يعني اعترفوا بما هو الأصل ~~والتوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعد ما بان وظهر ، ثم تتفكروا فيما ~~أقول بعده من الرسالة والحشر ، فإنه يحتاج إلى تفكر ، وكلمة ثم تفيد ما ~~ذكرنا ، فإنه قال : { أن تقوموا لله ثم تتفكروا } ثم بين ما يتفكرون فيه ~~وهو أمر النبي عليه السلام فقال : { ما بصاحبكم من جنة } . # المسألة الخامسة : قوله : { ما بصاحبكم من جنة } يفيد كونه رسولا وإن كان ~~لا يلزم في كل من لا يكون به جنة أن يكون رسولا ، وذلك لأن النبي عليه ~~السلام كان يظهر منه أشياء لا تكون مقدورة للبشر وغير البشر ممن تظهر منه ~~العجائب إما الجن أو الملك ، وإذا لم يكن الصادر من النبي صلى الله عليه ~~وسلم بواسطة الجن يكون بواسطة الملك أو بقدرة الله تعالى من غير واسطة ، ~~وعلى التقديرين فهو رسول الله ، وهذا من أحسن الطرق ، وهو أن يثبت الصفة ~~التي هي أشرف الصفات في البشر بنفي أخس ms7447 الصفات ، فإنه لو قال أولا هو رسول ~~الله كانوا يقولون فيه النزاع ، فإذا قال ما هو مجنون لم / يسعهم إنكار ذلك ~~لعلمهم بعلو شأنه وحاله في قوة لسانه PageV25P232 وبيانه فإذا ساعدوا على ~~ذلك لزمتهم المسألة . ولهذا قال بعده { إن هو إلا نذير } يعني إما هو به ~~جنة أو هو رسول لكن تبين أنه ليس به جنة فهو نذير . # المسألة السادسة : قوله : { بين يدى عذاب شديد } إشارة إلى قرب العذاب ~~كأنه قال ينذركم بعذاب حاضر يمسكم عن قريب بين يدي العذاب أي سوف يأتي ~~العذاب بعده . # ! 7 < { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله وهو على كل ~~شىء شهيد } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 47 ) قل ما سألتكم . . . . . # > > لما ذكر أنه ما به جنة ليلزم منه كونه نبيا ذكر وجها آخر يلزم منه ~~أنه نبي إذا لم يكن مجنونا لأن من يرتكب العناء الشديد لا لغرض عاجل إذا لم ~~يكن ذلك فيه ثواب أخروي يكون مجنونا ، فالنبي عليه السلام بدعواه النبوة ~~يجعل نفسه عرضة للهلاك عاجلا ، فإن كل أحد يقصده ويعاديه ولا يطلب أجرا في ~~الدنيا فهو يفعله للآخرة ، والكاذب في الآخرة معذب لا مثاب ، فلو كان كاذبا ~~لكان مجنونا لكنه ليس بمجنون فليس بكاذب ، فهو نبي صادق وقوله : { وهو على ~~كل شىء شهيد } تقرير آخر للرسالة وذلك لأن الرسالة لا تثبت إلا بالدعوى ~~والبينة ، بأن يدعي شخص النبوة ويظهر الله له المعجزة فهي بينة شاهدة ~~والتصديق بالفعل يقوم مقام التصديق بالقول في إفادة العلم بدليل أن من قال ~~لقوم إني مرسل من هذا الملك إليكم ألزمكم قبول قولي والملك حاضر ناظر ، ثم ~~قال للملك أيها الملك إن كنت أنا رسولك إليهم فقل لهم إني رسولك فإذا قال ~~إنه رسولي إليكم لا يبقى فيه شك كذلك إذا قال يا أيها الملك إن كنت أنا ~~رسولك إليهم فألبسني قباءك فلو ألبسه قباءه في عقب كلامه يجزم الناس بأنه ~~رسوله ، كذلك حال الرسول إذا قال الأنبياء لقومهم نحن رسل الله ، ثم ms7448 قالوا ~~يا إلهنا إن كنا رسلك فأنطق هذه الحجارة أو أنشر هذا الميت ففعله حصل الجزم ~~بأنه صدقه . # ! 7 < { قل إن ربى يقذف بالحق علام الغيوب } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { قل إن ربى يقذف بالحق علام الغيوب } < < # | سبأ : ( 48 ) قل إن ربي . . . . . # > > وفيه وجهان أحدهما : يقذف بالحق في قلوب المحقين ، وعلى هذا الوجه ~~للآية بما قبلها تعلق ، وذلك من حيث إن الله تعالى لما بين رسالة النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقوله : { إن هو إلا نذير لكم } وأكده بقوله : { قل ما ~~سألتكم من أجر فهو لكم } وكان من عادة المشركين استبعاد تخصيص واحد من ~~بينهم بإنزال الذكر عليه ، كما قال تعالى عنهم : { عليه الذكر من بيننا بل ~~} ( ص: 8 ) ذكر ما يصلح جوابا لهم فقال : { قل إن ربى يقذف بالحق } أي في ~~القلوب إشارة إلى أن الأمر بيده يفعل ما يريد ويعطي ما يشاء لمن يشاء . # ثم قال تعالى : { علام الغيوب } إشارة إلى جواب سؤال فاسد يذكر عليه وهو ~~أن من يفعل شيئا / كما يريد من غير اختصاص محل الفعل بشيء لا يوجد في غيره ~~لا يكون عالما وإنما فعل ذلك اتفاقا ، كما إذا أصاب السهم موضعا دون غيره ~~مع تسوية المواضع في المحاذاة فقال : { يقذف بالحق } كيف يشاء وهو عالم بما ~~يفعله وعالم يعواقب ما يفعله فهو يفعل ما يريد لا كما يفعله الهاجم الغافل ~~عن العواقب إذ هو علام الغيوب الوجه الثاني : أن المراد منه هو أنه يقذف ~~بالحق على الباطل كما قال في سورة الأنبياء : { بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه } PageV25P233 ( الأنبياء : 18 ) وعلى هذا تعلق الآية بما قبلها ~~أيضا ظاهر وذلك من حيث إن براهين التوحيد لما ظهرت ودحضت شبههم قال : { قل ~~إن ربى يقذف بالحق } أي على باطلكم ، وقوله : { علام الغيوب } على هذا ~~الوجه له معنى لطيف وهو أن البرهان الباهر المعقول الظاهر لم يقم إلا على ~~التوحيد والرسالة ، وأما الحشر فعلى وقوعه لا برهان غير إخبار الله تعالى ~~عنه ، وعن أحواله وأهواله ، ولولا بيان ms7449 الله بالقول لما بان لأحد بخلاف ~~التوحيد والرسالة ، فلما قال : { يقذف بالحق } أي على الباطل ، إشارة إلى ~~ظهور البراهين على التوحيد والنبوة قال : { علام الغيوب } أي ما يخبره عن ~~الغيب وهو قيام الساعة وأحوالها فهو لا خلف فيه فإن الله علام الغيوب ، ~~والآية تحتمل تفسيرا آخر وهو أن يقال : { ربى يقذف بالحق } أي ما يقذفه ~~يقذفه بالحق لا بالباطل والباء على الوجهين الأولين متعلق بالمفعول به أي ~~الحق مقذوف وعلى هذا الباء فيه كالباء في قوله : { وقضى بينهم بالحق } ( ~~الزمر : 69 ) وفي قوله : { فاحكم بين الناس بالحق } ( ص: 26 ) والمعنى على ~~هذا الوجه هو أن الله تعالى قذف ما قذف في قلب الرسل وهو علام الغيوب يعلم ~~ما في قلوبهم وما في قلوبكم . # ! 7 < { قل جآء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 49 ) قل جاء الحق . . . . . # > > لما ذكر الله أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال ، ذكر أن ذلك ~~الحق قد جاء وفيه وجوه أحدها : أنه القرآن الثاني : أنه بيان التوحيد ~~والحشر وكل ما ظهر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم الثالث : المعجزات ~~الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، ويحتمل أن يكون المراد من { جاء الحق } ~~ظهر الحق لأن كل ما جاء فقد ظهر والباطل خلاف الحق ، وقد بينا أن الحق هو ~~الموجود ، ولما كان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لم يمكن انتفاؤه ~~كالتوحيد والرسالة والحشر ، كان حقا لا ينتفي ، ولما كان ما يأتون به من ~~الإشراك والتكذيب لا يمكن وجوده كان باطلا لا يثبت ، وهذا المعنى يفهم من ~~قوله : { وما يبدىء الباطل } أي الباطل لا يفيد شيئا في الأولى ولا في ~~الآخرة فلا إمكان لوجوده أصلا ، والحق المأتي به لا عدم له أصلا ، وقيل ~~المراد لا يبدىء الشيطان ولا يعيد ، وفيه معنى لطيف وهو أن قوله تعالى : { ~~قل إن ربى يقذف بالحق } لما كان فيه معنى قوله تعالى : { بل نقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه } كان يقع لمتوهم أن الباطل كان فورد عليه الحق ms7450 / فأبطله ~~ودمغه ، فقال ههنا ليس للباطل تحقق أولا وآخرا ، وإنما المراد من قوله : { ~~فيدمغه } أي فيظهر بطلانه الذي لم يزل كذلك وإليه الإشارة بقوله تعالى في ~~موضع آخر : { وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } ( الإسراء : 81 ) يعني ليس ~~أمرا متجددا زهوق الباطل ، فقوله : { وما يبدىء الباطل } أي لا يثبت في ~~الأول شيئا خلاف الحق { ولا * يعيد } أي لا يعيد في الآخرة شيئا خلاف الحق ~~. # ! 7 < { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه ~~سميع قريب } . > 7 @QB@ < # | سبأ : ( 50 ) قل إن ضللت . . . . . # > > PageV25P234 # هذا فيه تقرير الرسالة أيضا وذلك لأن الله تعالى قال على سبيل العموم : { ~~من اهتدى فلنفسه } ( الزمر : 41 ) وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم : { ~~وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى } يعني ضلالي على نفسي كضلالكم ، وأما ~~اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم ، وإنما هو بالوحي المبين ، ~~وقوله : { إنه سميع } أي يسمع إذا ناديته واستعديت به عليكم قريب يأتيكم من ~~غير تأخير ، ليس يسمع عن بعد ولا يلحق الداعي . # ! 7 < { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 51 ) ولو ترى إذ . . . . . # > > لما قال : { سميع } قال هو قريب فإن لم يعذب عاجلا ولا يعين صاحب ~~الحق في الحال فيوم الفزع آت لا فوت ، وإنما يستعجل من يخاف الفوت . وقوله ~~: { ولو ترى } جوابه محذوف أي ترى عجبا { وأخذوا من مكان قريب } لا يهربون ~~وإنما الأخذ قبل تمكنهم من الهرب . # ! 7 < { وقالوا ءامنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 52 ) وقالوا آمنا به . . . . . # > > أي بعد ظهور الأمر حيث لا ينفع إيمان ، قالوا آمنا { وأنى لهم ~~التناوش } أي كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب وذلك لا يكون إلا في الدنيا ~~وهم في الآخرة والدنيا من الآخرة بعيدة ، فإن قيل فكيف قال كثير من المواضع ~~إن الآخرة من الدنيا قريبة ، ولهذا سماها الله الساعة وقال : { لعل الساعة ~~قريب } ( الشورى : 17 ) نقول الماضي كالأمس الدابر بعدما يكون إذ لا وصول ~~إليه ، والمستقبل ms7451 وإن كان بينه وبين الحاضر سنين فإنه آت ، فيوم القيامة ~~الدنيا بعيدة لمضيها وفي الدنيا يوم القيامة قريب لإتيانه والتناوش هو ~~التناول عن قرب . وقيل عن بعد ، ولما جعل الله الفعل مأخوذا كالجسم جعل ظرف ~~الفعل وهو الزمان كظرف الجسم وهو المكان فقال : { من مكان بعيد } والمراد ~~ما مضى من الدنيا . # ! 7 < { وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 53 ) وقد كفروا به . . . . . # > > ثم بين الله تعالى أن إيمانهم لا نفع فيه بسبب أنهم كفروا به من قبل ~~، والإشارة في قوله : / { به إنه } وقوله : { وقد كفروا به من قبل } إلى ~~شيء واحد ، إما محمد عليه الصلاة والسلام وإما القرآن وإما الحق الذي أتى ~~به محمد عليه السلام وهو أقرب وأولى ، وقوله : { ويقذفون بالغيب } ضد ~~يؤمنون بالغيب لأن الغيب ينزل من الله على لسان الرسول ، فيقذفه الله في ~~القلوب ويقبله المؤمن ، وأما الكافر فهو يقذف بالغيب ، أي يقول ما لا يعلمه ~~، وقوله : { من مكان بعيد } يحتمل أن يكون المراد منه أن مأخذهم بعيد أخذوا ~~الشريك من أنهم لا يقدرون على أعمال كثيرة إلا إذا كانوا أشخاصا كثيرة ، ~~فكذلك المخلوقات الكثيرة وأخذوا بعد الإعادة من حالهم وعجزهم عن الإحياء ، ~~فإن المريض يداوى فإذا مات لا يمكنهم إعادة الروح إليه ، وقياس الله على ~~المخلوقات بعيد المأخذ ، ويحتمل أن يقال إنهم كانوا يقولون بأن الساعة إذا ~~كانت قائمة فالثواب والنعيم لنا ، كقول قائلهم : { ولئن رجعت إلى ربى إن لى ~~عنده للحسنى } ( فصلت : 50 ) فكانوا يقولون ذلك فإن كان من قول الرسول فما ~~PageV25P235 كان ذلك عندهم حتى يقولوا عن إحساس فإن ما لا يجب عقلا لا يعلم ~~إلا بالإحساس أو بقول الصادق ، فهم كانوا يقولون عن الغيب من مكان بعيد ، ~~فإن قيل قد ذكرت أن الآخرة قريب فكيف قال من مكان بعيد ؟ نقول الجواب عنه ~~من وجهه أحدهما : أن ذلك قريب عند من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن لم ~~يؤمن لا يمكنه التصديق به فيكون بعيدا عنده الثاني ms7452 : أن الحكاية يوم ~~القيامة ، فكأنه قال كانوا يقذفون من مكان بعيد وهو الدنيا ، ويحتمل وجها ~~آخر وهو أنهم في الآخرة يقولون : { ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~} ( السجدة : 12 ) وهو قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا . # ! 7 < { وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا ~~فى شك مريب } . > 7 ! # < < # | سبأ : ( 54 ) وحيل بينهم وبين . . . . . # > > ثم قال تعالى : { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } من العود إلى الدنيا ~~أو بين لذات الدنيا ، فإن قيل : كيف يصح قولك ما يشتهون من العود مع أنه ~~تعالى قال : { كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا فى شك مريب } وما حيل ~~بينهم وبين العود ؟ قلنا لم قلتم إنه ما حيل بينهم ، بل كل من جاءه الملك ~~طلب التأخير ولم يعط وأرادوا أن يؤمنوا عند ظهور اليأس ولم يقبل ، وقوله : ~~{ مريب } يحتمل وجهين أحدهما : ذي ريب والثاني : موقف في الريب ، وسنذكره ~~في موضع آخر إن شاء الله تعالى ، والله أعلم بالصواب ، والحمد لله رب ~~العالمين وصلاته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه وأزواجه أجمعين . # PageV25P236 < # > 1 ( سورة فاطر ) 1 < # > # ( أربعون وخمس آيات مكية ) # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { الحمد لله فاطر السماوات والا رض جاعل الملائكة رسلا أولىأجنحة ~~مثنى وثلاث ورباع يزيد فى الخلق ما يشآء إن الله على كل شىء قدير } . > 7 ~~@QB@ < # | فاطر : ( 1 ) الحمد لله فاطر . . . . . # > > # { الحمد لله فاطر * السماوات والارض * جاعل الملائكة رسلا } قد ذكرنا ~~فيما تقدم أن الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر ، ونعم الله قسمان : ~~عاجلة وآجلة ، والعاجلة وجود وبقاء ، والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء أخرى ، ~~وقوله تعالى : { الحمد لله الذى خلق * السماوات والارض * وجعل الظلمات ~~والنور } إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإيجاد ، واستدللنا عليه بقوله ~~تعالى : { هو الذى خلقكم من طين ثم قضى أجلا } وقوله في الكهف : { الحمد ~~لله الذى أنزل على عبده الكتاب } إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإبقاء ~~، فإن البقاء والصلاح بالشرع والكتاب ، ولولاه لوقعت المنازعة والمخاصمة ~~بين الناس ولا يفصل ms7453 بينهم ، فكان يفضي ذلك إلى التقاتل وللتفاني ، فإنزال ~~الكتاب نعمة يتعلق بها البقاء العاجل ، وفي قوله في سورة سبأ : { الحمد لله ~~الذى له ما فى * السماوات وما في الارض * وله الحمد فى الاخرة } إشارة إلى ~~نعمة الإيجاد الثاني بالحشر ، واستدللنا عليه بقوله : { يعلم ما يلج فى ~~الارض } من الأجسام { وما يخرج منها وما ينزل من السماء } من الأرواح { وما ~~يعرج فيها } وقوله عن الكافرين : { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل ~~بلى وربى } وههنا الحمد إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة ، ويدل عليه قوله ~~تعالى : { جاعل الملائكة رسلا } أي يجعلهم رسلا يتلقون عباد الله ، كما قال ~~تعالى : { وتتلقاهم الملئكة } وعلى هذا فقوله تعالى { فاطر * السماوات } ~~يحتمل وجهين الأول : معناه مبدعها كما نقل عن ابن عباس والثاني : { فاطر * ~~السماوات والارض } أي شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من ~~الأرض ويدل عليه قوله تعالى : { جاعل الملائكة رسلا } فإن في ذلك اليوم ~~تكون الملائكة رسلا ، وعلى هذا فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى ، لأن ~~قوله كما فعل بأشياعهم بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب وتيقنه بأن لا ~~قبول لتوبته ولا فائدة لقوله آمنت . كما قال تعالى عنهم : { وقالوا ءامنا ~~به وأنى لهم التناوش } فلما ذكر حالهم بين حال الموقن وبشره بإرساله ~~الملائكة إليهم / مبشرين ، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة . PageV26P003 # وقوله تعالى : { أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع } أقل ما يكون لذي الجناح ~~أن يكون له جناحان وما بعدهما زيادة ، وقال قوم فيه إن الجناح إشارة إلى ~~الجهة ، وبيانه هو أن الله تعالى ليس فوقه شيء ، وكل شيء فهو تحت قدرته ~~ونعمته ، والملائكة لهم وجه إلى الله يأخذون منه نعمه ويعطون من دونهم مما ~~يأخذوه بإذن الله ، كما قال تعالى : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ~~وقوله : { علمه شديد القوى } وقال تعالى في حقهم : { فالمدبرات أمرا } فهما ~~جناحان ، وفيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة ، وفيهم من يفعله لا ~~بواسطة ، فالفاعل بواسطة فيه ثلاث جهات ، ومنهم من له أربع ms7454 جهات وأكثر ، ~~والظاهر ما ذكرناه أولا وهو الذي عليه إطباق المفسرين . # وقوله تعالى : { يزيد فى الخلق ما يشاء } من المفسرين من خصصه وقال ~~المراد الوجه الحسن ، ومنهم من قال الصوت الحسن ، ومنهم من قال كل وصف ~~محمود ، والأولى أن يعمم ، ويقال الله تعالى قادر كامل يفعل ما يشاء فيزيد ~~ما يشاء وينقص ما يشاء . # وقوله تعالى : { إن الله على كل شىء قدير } يقرر قوله : { يزيد فى الخلق ~~ما يشاء } . # ! 7 < { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له ~~من بعده وهو العزيز الحكيم } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 2 ) ما يفتح الله . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا ~~مرسل له من بعده } . # لما بين كمال القدرة ذكر بيان نفوذ المشيئة ونفاذ الأمر ، وقال ما يفتح ~~الله للناس ، يعني إن رحم فلا مانع له ، وإن لم يرحم فلا باعث له عليها ، ~~وفي الآية دليل على سبق رحمته غضبه من وجوه : { * أحدها } التقديم حيث قدم ~~بيان فتح أبواب الرحمة في الذكر ، وهو وإن كان ضعيفا لكنه وجه من وجوه ~~الفضل وثانيها : هو أن أنث الكناية في الأول فقال : { قدير ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها } وجاز من حيث العربية أن يقال له ويكون عائدا ~~إلى ما ، ولكن قال تعالى : { لها } ليعلم أن المفتوح أبواب الرحمة ولا ممسك ~~لرحمته فهي وصلة إلى رحمته ، وقال عند الإمساك { وما يمسك فلا مرسل له } ~~بالتذكير ولم يقل لهما فما صرح بأنه لا مرسل للرحمة ، بل ذكره بلفظ يحتمل ~~أن يكون الذي لا يرسل هو غير الرحمة فإن قوله تعالى : { وما يمسك } عام من ~~غير بيان وتخصيص بخلاف قوله تعالى : { ما يفتح الله للناس من رحمة } فإنه ~~مخصص مبين وثالثها : قوله : { من بعده } أي من بعد الله ، فاستثنى ههنا ~~وقال لا مرسل له إلا الله فنزل له مرسلا . وعند الإمساك / الإمساك قال لا ~~ممسك لخا ، ولم يقل غير الله لأن الرحمة إذا ms7455 جاءت لا ترتفع فإن من رحمه ~~الله في الآخرة لا يعذبه بعدها هو ولا غيره ، ومن يعذبه الله فقد يرحمه ~~الله بعد العذاب كالفساق من أهل الإيمان . PageV26P004 # ثم قال تعالى : { وهو العزيز } أي كامل القدرة { الحكيم } أي كامل العلم ~~. # ! 7 < { ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم ~~من السمآء والا رض لا إلاه إلا هو فأنى تؤفكون } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 3 ) يا أيها الناس . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم } لما بين أن ~~الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة التي تستوجب الحمد على سبيل التفصيل بين ~~نعمه على سبيل الإجمال فقال : { اذكروا نعمة الله } وهي مع كثرتها منحصرة ~~في قسمين نعمة الإيجاد ، ونعمة الإبقاء . # فقال تعالى : { هل من خالق غير الله } إشارة إلى نعمة الإيجاد في ~~الابتداء . # وقال تعالى : { يرزقكم من السماء والارض } إشارة إلى نعمة الإبقاء بالرزق ~~إلى الانتهاء . # ثم بين أنه { لا إلاه إلا هو } نظرا إلى عظمته حيث هو عزيز حكيم قادر على ~~كل شيء قدير نافذ الإرادة في كل شيء ولا مثل لهذا ولا معبود لذاته غير هذا ~~ونظرا إلى نعمته حيث لا خالق غيره ولا رازق إلا هو . # ثم قال تعالى : { فإني * تؤفكون } أي كيف تصرفون عن هذا الظاهر ، فكيف ~~تشركون المنحوت بمن له الملكوت . # ! 7 < { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الا مور } . > 7 ~~! # < < # | فاطر : ( 4 ) وإن يكذبوك فقد . . . . . # > > ثم لما بين الأصل الأول : وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني : وهو ~~الرسالة فقال تعالى : { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } . # ثم بين من حيث الإجمال أن المكذب في العذاب . والمكذب له الثواب بقوله ~~تعالى : { وإلى الله ترجع الامور } ثم بين الأصل الثالث : وهو الحشر . # ! 7 < { ياأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيواة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور } . > 7 ! # فقال تعالى : { الامور يأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيواة ~~الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور } / < < # | فاطر : ( 5 ) يا أيها الناس ms7456 . . . . . # > > أي الشيطان وقد ذكرنا ما فيه من المعنى اللطيف في تفسير سورة لقمان ~~ونعيده ههنا فنقول المكلف قد يكون ضعيف الذهن قليل العقل سخيف الرأي فيغتر ~~بأدنى شيء ، وقد يكون فوق ذلك فلا يغتر به ولكن إذا جاءه غار ورزين له ذلك ~~الشيء وهون عليه مفاسده ، وبين له منافع ، يغتر لما فيها من اللذة مع ما ~~ينضم إليه من دعاء ذلك الغار إليه ، وقد يكون قوي الجأش غزير العقل فلا ~~يغتر ولا يغر فقال الله تعالى : { لا * تغرنكم الحيواة الدنيا } إشارة إلى ~~الدرجة الأولى ، وقال : { ولا يغرنكم بالله الغرور } إشارة إلى الثانية ~~ليكون واقعا في الدرجة الثالثة وهي العليا فلا يغر ولا يغتر . # ثم قال تعالى : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } < < # | فاطر : ( 6 ) إن الشيطان لكم . . . . . # > > لما قال تعالى : { ولا يغرنكم بالله الغرور } ذكر PageV26P005 ما ~~يمنع العاقل من الاغترار ، وقال : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ولا ~~تسمعوا قوله ، وقوله : { فاتخذوه عدوا } أي اعملوا ما يسوءه وهو العمل ~~الصالح . # ثم قال تعالى : { إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } إشارة إلى ~~معنى لطيف وهو أن من يكون له عدو فله في أمره طريقان : أحدهما : أن يعاديه ~~مجازاة له على معاداته والثاني : أن يذهب عداوته بإرضائه ، فلما قال الله ~~تعالى : { إن الشيطان لكم * عدوا } أمرهم بالعداوة وأشار إلى أن الطريق ليس ~~إلا هذا ، وأما الطريق الآخر وهو الإرضاء فلا فائدة فيه لأنكم إذا راضيتموه ~~واتبعتموه فهو لا يؤديكم إلا إلى السعير . # واعلم أن من علم أن له عدو لا مهرب له منه وجزم بذلك فإنه يقف عنده يصبر ~~على قتاله والصبر معه الظفر ، فكذلك الشيطان لا يقدر الإنسان أن يهرب منه ~~فإنه معه ، ولا يزال يتبعه إلا أن يقف له ويهزمه ، فهزيمة الشيطان بعزيمة ~~الإنسان ، فالطريق الثبات على الجادة والاتكال على العبادة . # ثم بين الله تعالى حال حزبه وحال حزب الله . فقال : # ! 7 < { الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة وأجر كبير } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 7 ) الذين ms7457 كفروا لهم . . . . . # > > # { الذين كفروا لهم عذاب شديد } فالمعادي للشيطان وإن كان في الحال في ~~عذاب ظاهر وليس بشديد ، والإنسان إذا كان عاقلا يختار العذاب المنقطع ~~اليسير دفعا للعذاب الشديد المؤبد ألا ترى أن الإنسان إذ عرض في طريقه شوك ~~ونار ولا يكون له بد من أحدهما يتخطى الشوزك ولا يدخل النار ونسبة النار ~~التي في الدنيا إلى النار التي في الآخرة دون نسبة الشوك إلى النار العاجلة ~~. # وقال تعالى : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير } قد ~~ذكر تفسيره مرارا ، / وبين فيه أن الإيمان في مقابلته المغفرة فلا يؤيده ~~مؤمن في النار ، والعمل الصالح في مقابلته الأجر الكبير . # ! 7 < { أفمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا فإن الله يضل من يشآء ويهدى من ~~يشآء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 8 ) أفمن زين له . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { من * زين له سوء عمله فرءاه حسنا فإن الله يضل من يشاء ~~ويهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } . # يعني ليس من عمل سيئا كالذي عمل صالحا ، كما قال بعد هذا بآيات وما يستوي ~~الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ، وله تعلق بما قبله وذلك من حيث إنه ~~تعالى لما بين حال المسيء الكافر والمحسن المؤمن ، وما من أحد يعترف بأنه ~~يعمل سيئا إلا قليل ، فكان الكافر يقول الذي له العذاب الشديد هو الذي يتبع ~~الشيطان وهو محمد وقومه الذين استهوتهم الجن افتبعوها ، والذي له الأجر ~~العظيم نحن الذين دمنا على ما كان عليه آباؤنا فقال الله تعالى لستم أنتم ~~بذلك فإن المحسن غير ، ومن زين له العمل السيء فرآه حسنا غير ، بل الذين ~~زين لهم السيء دون من أساء وعلم أنه مسيء فإن الجاهل الذي يعلم جهله ~~والمسيء الذي يعمل سوء عمله يرجع ويتوب والذي لا يعلم يصر على الذنوب ~~والمسيء العالم له صفة ذم بالإساءة وصفة مدح بالعلم . والمسيء الذي يرى ~~الإساءة إحسانا له صفتا ذم الإساءة والجهل ، ثم بين أن الكل بمشيئة ms7458 الله ، ~~وقال : { فإن الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء } وذلك لأن الناس أشخاصهم ~~متساوية في الحقيقة والإساءة PageV26P006 والإحسان ، والسيئة والحسنة يمتاز ~~بعضها عن بعض فإذا عرفها البعض دون البعض لا يكون باستقلال منهم ، فلا بد ~~من الاستناد إلى إرادة الله . # ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حزن من إصرارهم بعد إتيانه بكل ~~آية ظاهرة وحجة باهرة فقال : { فلا تذهب نفسك عليهم * نفسك * حسرات } كما ~~قال تعالى : { فلعلك باخع نفسك علىءاثارهم } . # ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو ~~أراد إيمانهم وإحسانم لصدهم عن الضلال وردهم عن الإضلال ، وإن كان لما به ~~منهم من الإيذاء فالله عالم بفعله بجازيهم على ما يصنعون . # ! 7 < { والله الذىأرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا ~~به الا رض بعد موتها كذلك النشور } . > 7 ! # ثم عاد إلى البيان فقال تعالى : { والله الذى أرسل الرياح فتثير سحابا ~~فسقناه إلى بلد ميت * فأحييناه * به الارض بعد موتها كذلك النشور } . # / < < # | فاطر : ( 9 ) والله الذي أرسل . . . . . # > > هبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار وذلك لأن الهواء قد يسكن ، ~~وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين ، وقد يتحرك إلى اليسار ، وفي ~~حركاته المخعلفة قد ينشىء السحاب ، وقد لا ينشيء ، فهذه الاختلافات دليل ~~على مسخر مدبر ومؤثر مقدر ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال تعالى : { والله الذى أرسل } بلفظ الماضي وقال : { ~~فتثير سحابا } بصيغة المستقبل ، وذلك لأن لما أسند فعل الإرسال إلى الله ~~وما يفعل الله يكون بقوله كن فلا يبقى في العدم لا زمانا ولا جزأ من الزمان ~~، فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه كأنه كان وكأن فرغ من كل ~~شيء فهو قدر الإرسال في الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة والتقدير ~~كالإرسال ، ولما أسند فعل الإثارة إلى الريح وهو يؤلف في زمان فقال : { ~~تثير } أي على هيئتها . # المسألة الثانية : قال : { أرسل } إسنادا للفعل إلى الغائب وقال : { ~~سقناه } بإسناد الفعل إلى المتكلم وكذلك في قوله ms7459 : { فأحيينا } وذلك لأنه ~~في الأول عرف نفسه بفعل من الأفعال وهو الإرسال ، ثم لما عرف قال : أنا ~~الذي عرفتني سقت السحاب وأحييت الأرض فنفى الأول كان تعريفا بالفعل العيجب ~~، وفي الثاني كان تذيرا بالنعمة فإن كما ( ل ) نعمة الرياح والسحب بالسوق ~~والإحياء وقوله : { سقناه * وأحيينا } بصيغة الماضي يؤيد ما ذكرناه من ~~الفرق بين قوله : { أرسل } وبين قوله : { تثير } . # المسألة الثالثة : ما وجه التشبيه بقوله : { كذلك النشور } فيه وجوه : ~~أحدها : أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل ~~الحياة وثانيها : كما أن الريح يجمع القطع السحابية كذلك يجمع بين أجزاء ~~الأعضاء وأبعاض الأشياء وثالثها : كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد ~~الميت نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت . PageV26P007 # المسألة الرابعة : ما الحكمة في اختيار هذه الآية من بين الآيات مع أن ~~الله تعالى له في كل شيء آية تدل على أنه واحد ، فنقول لما ذكر الله أنه ~~فاطر السموات والأرض ، وذكر من الأمور السماوية والأرواح وإرسالها بقوله : ~~{ جاعل الملائكة رسلا } ذكر من الأمور الأرضية الرياح وإرسالها بقوله : { ~~والله الذى أرسل الرياح } . # ! 7 < { من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولائك هو ~~يبور } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك ~~هو يبور } . # / < < # | فاطر : ( 10 ) من كان يريد . . . . . # > > لما بين برهان الإيمان إشارة إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة ~~الظاهرة التي كانوا يتوهمونها من حيث إنهم ما كانوا في طاعة أحد ولم يكن ~~لهم من يأمرهم وينهاهم ، فكانوا ينحتون الأصنام وكانوا يقولون إن هذه ~~آلهتنا ، ثم إنهم كانوا ينقلونها مع أنفسهم وإية عزة فوق المعية مع المبعود ~~فهم كانوا يطلبون العزة وهي عدم التذلل للرسول وترك الأتباع له ، فقال إن ~~كنتم تطلبون بهذا الكفر العزة في الحقيقة ، فهي كلها لله ومن يتذلل له فهو ~~العزيز ms7460 ، ومن يتعزز عليه فهو الذليل وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال في هذه الآية : { فلله العزة جميعا } وقال في آية ~~أخرى : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } فقوله : { جميعا } يدل على أن لا ~~عزة لغيره فنقول قوله : { فلله العزة } أي في الحقيقة وبالذات وقوله : { ~~ولرسوله } أي بواسطة القرب من العزيز وهو الله وللمؤمنين بواسطة قربهم من ~~العزيز بالله وهو الرسول ، وذلك لأن عزة المؤمنين بواسطة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ألا ترى قوله تعالى : { إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ~~} . # المسألة الثانية : قوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } تقرير لبيان العزة ، ~~وذلك لأن الكفار كانوا يقولون نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده ، لأن ~~البعد من الملك ذلة ، فقال تعالى : إن كنتم لا تصلون إليه ، فهو يسمع ~~كلامهم ويقبل الطيب فمن قبل كلامه وصعد إليه فهو عزيز ومن رد كلامه في وجه ~~فهو ذليل ، وأما هذه الأصنام لا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا علم ~~لها فكل أحد يمسها وكذلك يرى علمكم فمن عمل صالحا رفعه إليه ، ومن عمل سيئا ~~رده عليه فالعزيز من الذي عمله لوجهه والذليل من يدفع الذي علمه في وجهه ، ~~وأما هذه الأصنام فلا تعلم شيئا فلا عزيز يرفع عندها ولا ذليل ، فلا عزة ~~بها بل عليها ذلة ، وذلك لأن ذلة السيد ذلة للعبد ومن كان معبوده وربه ~~وإلهه حجارة أو خشبا ماذا يكون هوا . # المسألة الثالثة : في قوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } وجوه : أحدها : ~~كلمة لا إله إلا الله هي الطيبة وثانيها : سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر طيب ثالثها : هذه الكلمات الأربع وخامسة وهي تبارك ~~الله والمختار إن كل كلام هو ذكر الله أو هو لله كالنصيحة والعلم ، فهو ~~إليه يصعد . PageV26P008 # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { والعمل الصالح يرفعه } وفي الهاء وجهان ~~أحدهما : هي عائدة إلى الكلم الطيب أي العمل الصالح هو الذي يرفعه الكلم ~~الطيب ورد في الخبر ( لا يقبل الله قولا بلا عمل ) وثانيهما : هي عائدة إلى ~~العمل ms7461 الصالح وعلى هذا في الفاعل الرافع وجهان : أحدهما : هو الكلم الطيب ~~يرفع العمل الصالح ، وهذا يؤيده قوله تعالى : { من عمل صالحا } من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن وثانيهما : الرافع هو الله تعالى . # المسألة الخامسة : ما وجه ترجيح الذكر على العمل على الوجه الثاني حيث ~~يصعد الكلم / بنفسه ويرفع العمل بغير / فنقول الكلام شريف ، فإن امتياز ~~الإنسان عن كل حيوان بالنطق ولهذا قال تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } أي ~~بالنفس الناقطة والعمل حركة وسكون يشترك فيه الإنسان وغيره ، والشريف إذا ~~وصل إلى باب الملك لا يمنع ومن دونه لا يجد الطريق إلا عند الطلب ويدل على ~~هذا أن الكافر إذا تكلم بكلمة الشهادة إن كان عن صدق أمن عذاب الدنيا ~~والآخرة ، وإن كان ظاهرا أمن في نفسه ودمه وأهله وحرمه في الدنيا ولا كذلك ~~العمل بالجوارح ، وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله تعالى : { والذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات } ، ووجه آخر : القلب هو الأصل وقد تقدم ما يدل عليه ، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح ~~الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) وما في القلب لا يظهر ~~إلا باللسان وما في اللسان لا يتبين صدقه إلا بالفعل ، ألا ترى أن الإنسان ~~لا يتكلم بكلمة إلا عن قلب ، وأما الفعل قد يكون لا عن قلب كالعبث باللحية ~~ولأن النائم لا يخلو عن فعل من حركة وتقلب وهو في أكثر الأمر لا يتكلم في ~~نومه إلا نادرا ، لما ذكرنا إن الكلام بالقلب ولا كذلك العمل ، فالقول أشرف ~~. # المسألة السادسة : قال الزمخشري المكر لا يتعدى فبم انتصاب السيئات ؟ ~~وقال بأن معناه الذين يمكرون المكرات السيئات فهو صف مصدر محذوف ، ويحتمل ~~أن يقال استعمل المكر استعمال العمل فعداه تعديته كما قال تعالى : { الذى * ~~يعملون السيئات } وفي قوله : { الذى * يعملون السيئات } يحتمل ما ذكرناه أن ~~يكون السيئات وصفا لمصدر تقديره الذين يعملون العملات السيئات ، وعلى هذا ~~فيكون هذا في مقابلة قوله : { والعمل الصالح يرفعه } إشارة إلى بقائه ~~وارتقائه ms7462 { ومكر أولئك } أي العمل السيء { وهو * يبور } إشارة إلى فنائه . # ! 7 < { والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من ~~أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى كتاب إن ~~ذلك على الله يسير } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما ~~تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما } . # < < # | فاطر : ( 11 ) والله خلقكم من . . . . . # > > قد ذكرنا مرارا أن الدلائل مع كثرتها وعدم دخولها في عدد محصور ~~منحصرة في قسمين دلائل الآفاق ودلائل الأنفس ، كما قال تعالى : { سنريهم ~~ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } فلما ذكر دلائل الآفاق PageV26P009 من ~~السموات وما يرسل منها من الملائكة والأرض وما يرسل فيها من الرياع شرع / ~~في دلائل الأنفس ، وقد ذكرنا تفسيره مرارا وذكرنا ما قيل من أن قوله : { من ~~تراب } إشارة إلى خلق آدم { ثم من نطفة } إشارة إلى خلق أولاده ، وبينا أن ~~الكلام غير محتاج إلى هذا التأويل بل { خلقكم } خطاب مع الناس وهم أولاد ~~آدم كلهم من تراب ومن نطفة لأن كلهم من نطفة والنطفة من غذاء ، والغذاء ~~بالآخرة ينتهي إلى الماء والتراب ، فهو من تراب صار نطفة . # وقوله : { وما تحمل من أنثى ولا تضع } إشارة إلى كمال العمل ، فإن ما في ~~الأرحام قبل الانخلاق بل بعده ما دام في البطن لا يعلم حاله أحد ، كيف ~~والأم الحاملة لا تعلم منه شيئا ، فلما ذكر بقوله : { خلقكم من تراب } كمال ~~قدرته بين بقوله : { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } كمال علمه ثم ~~بين نفوذ إرادته بقوله : { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى كتاب ~~} فبين أنه هو القادر العالم المريد والأصنام لا قدرة لها ولا علم ولا ~~إرادة ، فكيف يستحق شيء منها العبادة ، وقوله : { إن ذالك على الله يسير } ~~أي الخلق من التراب ويحتمل أن يكون المراد التعمير والنقصان على الله يسير ~~، ويحتمل أن يكون المراد أن العلم بحا تحمله ms7463 الأثنى يسير والكل على الله ~~يسير والأول أشبه فإن اليسير استعماله في الفعل أليق . # ! 7 < { وما يستوى البحران هاذا عذب فرات سآئغ شرابه وهاذا ملح أجاج ومن ~~كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا ~~من فضله ولعلكم تشكرون } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { وما يستوى البحران هاذا عذب فرات سائغ شرابه وهاذا ملح ~~أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها } . # < < # | فاطر : ( 12 ) وما يستوي البحران . . . . . # > > قال أكثر المفسرين : إن المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر ~~والإيمان أو الكافر والمؤمن ، فالإيمان لا يشتبه بالكفر في الحسن والنفع ~~كما لا يشتبه البحران العذب الفرات والملح الأجاج . ثم على هذا ، فقوله : { ~~ومن كل تأكلون لحما طريا } لبيان أن حال الكافر والمؤمن أو الكفر والإيمان ~~دون حال البحرين لأن الأجاج يشارك الفرات في خير ونفع إذا اللحم الطري يوجد ~~فيهما والحلية توجد منهما والفلك تجري فهيما ، ولا نفع في الكفر والكافر ، ~~وهذا على نسق قوله تعالى : { أولئك كالانعام بل هم أضل } وقوله : { ~~كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار } والأظهر أن ~~المراد منه ذكر دليل آخر على قدر الله وذلك من حيث إن البحرين يستويان في ~~الصورة ويختلفان في الماء ، فإن أحدهما عذب فرات والآخر ملح / أجاج ، ولو ~~كان ذلك بإيجاب لما اختلف المستويان ، ثم إنهما بعد اختلافهما يوجد منهما ~~أمور متشابهة ، فإن اللحم الطريق يوجد فيهما ، واللحية تؤخذ منهما ، ومن ~~يوجد في المتشابهين اختلافا ومن المختلفين اشتباها لا يكون إلا قادرا ~~مختارا . وقوله : { وما يستوى البحران } إشارة إلى أن عدم استوائهما دليل ~~على كمال قدرته ونفوذ إرادته وفي الآية مسائل : PageV26P010 # المسألة الأولى : قال أهل اللغة لا يقال في ماء البحر إذا كان فيه ملوحة ~~مالح ، وإنما يقال له ملح ، وقد يذكر في بعض كتب الفقه يصير بها ماء البحر ~~مالحا ، ويؤخذ قائله به . وهو أصح مما يذهب إليه القوم وذلك لأن الماء ~~العذب إذا ألقى فيه ملح حتى ملح لا يقال ms7464 له إلا مالح ، وماء ملح يقال للماء ~~الذي صار من أصل خلقته كذلك ، لأن المالح شيء فيه ملح ظاهر في الذوق ، ~~والماء الملح ليس ماء وملحا بخلاف الطعام المالح فالماء العذب الملقى فيه ~~الملح ماء فيه ملح ظاهر في الذوق ، بخلاف ما هو من أصل خلقته كذلك ، فلما ~~قال الفقيه الملح أجزاء أرضية سبخة يصير بها ماء البحر مالحا راعى فيه ~~الأصل فإنه جعله ماء جاوره ملح ، وأهل اللغة حيث قالوا في البحر ماؤه ملح ~~جعلوه كذلك من أصل الخلقة ، والأجاج المر ، وقوله : { ومن كل تأكلون لحما ~~طريا } من الطير والسمك وتستخرجون حلية تلبسونها من اللؤلؤ والمرجان { وترى ~~الفلك فيه مواخر } أي ماخرات تمخر البحر بالجريان أي تشق ، وقوله : { ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } يدل على ما ذكرناه من أن المراد من الآية ~~الاستدلال بالبحرين وما فيهما على وجود الله ووحدانيته وكمال قدرته . # ! 7 < { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وسخر الشمس والقمر كل ~~يجرى لاجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجرى لاجل مسمى ذلكم الله ربكم له } . # < < # | فاطر : ( 13 ) يولج الليل في . . . . . # > > استدلال آخر باختلاف الأزمنة وقد ذكرناه مرارا ، وذكرنا أن قوله ~~تعالى بعده : { وسخر الشمس والقمر } جواب لسؤال يذكره المشركون وهو أنهم ~~قالوا اختلاف الليل والنهار بسبب اختلاف القسي الواقعة فوق الأرض وتحتها ، ~~فإن في الصيف تمر الشمس على سمت الرؤوس في بعض البلاد الماثلة في الآفاق ، ~~وحركة الشمس هناك حمائلية فتقع تحت الأرض أقل من نصف دائرة زمان مكثها تحت ~~الأرض فيقصر الليل وفي الشتاء بالضد فيقصر النهار فقال الله / تعالى : { ~~وسخر الشمس والقمر } يعني سبب الاختلاف وإن كان ما ذكرتم ، لكن سير الشمس ~~والقمر بإرادة الله وقدرته فهو الذي فعل ذلك . # ثم قال تعالى : { ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما ~~يملكون من قطمير } . # أي ذلك ms7465 الذي فعل هذه الأشياء من فطر السموات والأرض وإرسال الأرواح ~~وإرسال الرياح وخلق الإنسان من تراب وغير ذلك له الملك كله فلا معبود إلا ~~هو لذاته الكامل ولكونه ملكا والملك مخدوم بقدر ملكه ، فإذا كان له الملك ~~كله فله العبادة كلها ، ثم بين ما ينافي صفة الإلهية ، وهو قوله : { والذين ~~تدعون من دونه ما يملكون من قطمير } ، وههنا لطيفة : وهي أن الله تعالى ذكر ~~لنفسه نوعين من الأوصاف أحدهما : أن الخلق بالقدرة الإرادة والثاني : الملك ~~واستدل بهما على أنه إله معبود كما قال تعالى : { قل أعوذ برب الناس * ملك ~~الناس * إلاه الناس } ذكر الرب والملك ورتب عليهما كونه إلها أي معبودا ، ~~وذكر فيمن أشركوا PageV26P011 به سلب صفة واحدة وهو عدم الملك بقوله : { ~~والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير } ولم يذكر سلب الوصف الآخر ~~لوجهين أحدهما : أن كلهم كانوا معترفين بأن لا خالق لهم إلا الله وإنما ~~كانوا يقولون بأن الله تعالى فوض أمر الأرض والأرضيات إلى الكواكب التي ~~الأصنام على صورتها وطوالعها فقال : لا ملك لهم ولا ملكهم الله شيئا ولا ~~ملكوا شيئا وثانيهما : أنه يلزم من عدم الملك عدم الخلق لأنه لو خلق شيئا ~~لملكه فإذا لم يملك قطميرا ما خلق قليلا ولا كثيرا . # ! 7 < { إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ~~ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير } . # < < # | فاطر : ( 14 ) إن تدعوهم لا . . . . . # > > إبطالا لما كانوا يقولون إن في عبادة الأصنام عزة من حيث القرب منها ~~والنظر إليها وعرض الحوائج عليها ، والله لا يرى ولا يصل إليه أحد فقال ~~هؤلاء لا يسمعون دعاءكم والله يصعد إليه الكلم الطيب ، ليسمع ويقبل ثم نزل ~~عن تلك الدرجة ، وقال هب أنهم يسمعون كما يظنون فإنهم كانوا يقولون بأن ~~الأصنام تسمع وتعلم ولكن ما كان يمكنهم أن يقولون إنهم يجيبون لأن ذلك ~~إنكار للمحس ms7466 به وعدم سماعهم إنكار للمعقول والنزاع وإن كان يقع في المعقول ~~فلا يمكن وقوعه في المحس به ، ثم إنه تعالى قال : { ويوم القيامة يكفرون ~~بشرككم } لما بين عدم النفع فيهم في الدنيا بين عدم النفع منهم في الآخرة ~~بل أشار إلى وجود الضرر منهم في الآخرة بقوله : { ويوم القيامة يكفرون ~~بشرككم } أي بإشراككم بالله شيئا ، كما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ~~أي الإشراك وقوله : { ولا ينبئك مثل خبير } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون ~~ذلك خطابا مع النبي صلى الله عليه وسلم ووجهه هو أن الله تعالى لما أخبر أن ~~الخشب والحجر يوم القيامة ينطق ويكذب عابده وذلك أمر لا يعلم بالعقل المجرد ~~لولا إخبار الله تعالى عنه أنهم يكفرون بهم يوم القيامة ، وهذا القول مع ~~كون الخبر عنه أمرا عجيبا هو كما قال ، لأن المخبر عنه خبير وثانيهما : هو ~~أن يكون ذلك خطابا غير مختص بأحد ، أي هذا الذي ذكر هو كما قال : { ولا ~~ينبئك } أيها السامع كائنا من كنت { مثل خبير } . # ! 7 < { ياأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو الغنى الحميد } . > ~~7 ! # ثم قال تعالى : { خبير ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو ~~الغنى الحميد } . # < < # | فاطر : ( 15 ) يا أيها الناس . . . . . # > > لما كثر الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم والإصرار من الكفار ~~وقالوا إن الله لعله يحتاج إلى عبادتنا حتى يأمرنا بها أمرا بالغا ويهددنا ~~على تركها مبالغا فقال تعالى : { أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى } ~~فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم وإنما هو لإشفاقه عليكم ، وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : التعريف في الخبر قليل والأكثر أن يكون الخبر نكرة ~~والمبتدأ معرفة وهو معقول وذلك لأن المخبر لا يخبر في الأكثر إلا بأمر لا ~~يكون عند المخبر به علم أو في ظن المتكلم أن السامع لا علم له PageV26P012 ~~به ، ثم أن يكون معلوما عند السامع حتى يقول له أيها السامع الأمر الذي ~~تعرفه أنت فيه المعنى الفلاني كقول القائل زيد قائم أو قام أي زيد الذي ms7467 ~~تعرفه ثبت له قيام لا علم عندك به ، فإن كان الخبر معلوما عند السامع ~~والمبتدأ كذلك ويقع الخبر تنبيها لا تفهيما يحسن تعريف الخبر غاية الحسن ، ~~كقول القائل : الله ربنا ومحمد نبينا ، حيث عرف كون الله ربا ، وكون محمد ~~نبيا ، وههنا لما كان كون الناس فقراء أمرا ظاهرا لا يخفى على أحد قال : { ~~أنتم الفقراء } . # المسألة الثانية : قوله : { إلا الله } إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه ~~ولا اتكال إلا عليه وهذا يوجب عبادته لكونه مفتقرا إليه وعدم عبادة غيره ~~لعدم الافتقار إلى غيره ، ثم قال : { والله هو الغنى } أي هو مع استغنائه ~~يدعوكم كل الدعاء وأنتم من احتياجكم لا تجيبونه ولا تدعونه فيجيبكم . # المسألة الثالثة : في قوله : { الحميد } لما زاد في الخبر الأول وهو قوله ~~: { أنتم الفقراء } زيادة وهو قوله : { إلى الله } إشارة لوجوب حصر العبادة ~~في عبادته زاد في وصفه بالغني زيادة وهو كونه حميدا إشارة إلى كونكم فقراء ~~وفي مقابلته الله غنى وفقركم إليه في مقابلة نعمه عليكم لكونه حميدا واجب ~~الشكر ، فلستم أنتم فقراء والله مثلكم في الفقر بل هو غني على الإطلاق ~~ولستم أنتم لما افتقرتم إليه ترككم غير مقضي الحاجات بل قضى في الدنيا ~~حوائجكم ، وإن آمنتم يقضي في الآخرة حوائجكم فهو حميد . # ! 7 < { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 16 ) إن يشأ يذهبكم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد }بيانا لغناه وفيه بلاغة ~~كاملة وبيانها أنه تعالى قال : { إن يشأ يذهبكم } أي ليس إذهابكم موقوفا ~~إلا على مشيئته بخلاف الشيء المحتاج إليه ، فإن المحتاج لا يقول فيه إن يشأ ~~فلان هدم داره وأعدم عقاره ، وإنما يقول لولا حاجة السكنى إلى الدار لبعتها ~~أو لولا الافتقار إلى العقار لتركتها ، ثم إنه تعالى زاد بيان الاستغناء ~~بقوله : { ويأت بخلق جديد } يعني إن كان يتوهم متوهم أن هذا الملك له كمال ~~وعظمة فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر بأن يخلق خلقا جديدا أحسن من ~~هذا وأجمل وأتم وأكمل . # ! 7 < { وما ذلك ms7468 على الله بعزيز } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { وما ذالك على الله بعزيز } < < # | فاطر : ( 17 ) وما ذلك على . . . . . # > > أي الإذهاب والإتيان وههنا مسألة : وهي أن لفظ العزيز استعمله الله ~~تعالى تارة في القائم بنفسه حيث قال في حق نفسه : { وكان الله قويا عزيزا } ~~وقال في هذه السورة : { إن الله عزيز غفور } واستعمله في القائم بغيره حيث ~~قال : { وما ذالك على الله بعزيز } وقال : { عزيز عليه ما عنتم } فهل هما ~~بمعنى واحد أم بمعنيين ؟ فنقول العزيز هو الغالب في اللغة يقال من عزيز أي ~~من غلب سلب ، فالله عزيز أي غالب والفعل إذا كان لا يطيقه شخص يقال هو ~~مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله : { وما ذالك على الله بعزيز } أي لا ~~يغلب الله ذلك الفعل بل هو هين على الله وقوله : { عزيز عليه ما عنتم } أي ~~يحزنه ويؤذيه كالشغل الغالب . # ! 7 < { ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ~~ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلواة ومن ~~تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير } . > 7 ! # < < # | فاطر : ( 18 ) ولا تزر وازرة . . . . . # > > وقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا ~~يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى } PageV26P013 متعلق بما قبله ، وذلك من حيث ~~إنه تعالى لما بين الحق بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة ذكر ما يدعوهم ~~إلى النظر فيه فقال : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي لا تحمل نفس ذنب نفس ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم لو كان كاذبا في دعائه لكان مذنبا وهو معتقد بأن ~~ذنبه لا تحملونه أنتم فهو يتوقى ويحترز ، والله تعالى غير فقير إلى عبادتكم ~~فتفكروا واعلموا أنكم إن ضللتم فلا يحمل أحد عنكم وزركم وليس كما يقول : { ~~ءامنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { وازرة } أي نفس وازرة ولم يقل ولا تزر نفس وزر ~~أخرى ولا جمع بين الموصوف والصفة فلم يقل ولا تزر نفس وازرة وزرة أخرى ~~لفائدة ms7469 أما الأول : فلأنه لو قال ولا تزر نفس وزر أخرى ، لما علم أن كل نفس ~~وازرة مهمومة بهم وزرها متحيرة في أمرها ووجه آخر : وهو أن قول القائل ولا ~~تزر نفس وزر أخرى ، قد يجتمع معها أن / لا تزر وزرا أصلا كالمعصوم لا يزر ~~وزر غيره ومع ذلك لا يزر وزرا رأسا فقوله : { ولا تزر وازرة } بين أنها تزر ~~وزرها ولا تزر وزر الغير { وأما } ترك ذكر الموصوف فلظهور الصفة ولزومها ~~للموصوف . # ثم قال تعالى : { وإن تدع مثقلة } إشارة إلى أن أحدا لا يحمل عن أحد شيئا ~~مبتدئا ولا بعد السؤال ، فإن المحتاج قد يصبر وتقضى حاجته من غير سؤاله ، ~~فإذا انتهى الافتقار إلى حد الكمال يحوجه إلى السؤال . # المسألة الثانية : في قوله : { مثقلة } زيادة بيان لما تقدم من حيث إنه ~~قال أولا : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } فيظن أن أحدا لا يحمل عن أحد لكون ~~ذلك الواحد قادرا على حمله ، كما أن القوى إذا أخذ بيده رمانة أو سفرجلة لا ~~تحمل عنه ، وأما إذا كان الحمل ثقيلا قد يرحم الحامل فيحمل عنه فقال : { ~~مثقلة } يعني ليس عدم الوزر لعدم كونه محلا للرحمة بالثقل بل لكون النفس ~~مثقلة ولا يحمل منها شيء . # المسألة الثالثة : زاد في ذلك بقوله : { ولو كان ذا قربى } أي المدعو لو ~~كان ذا قربى لا يحمله وفي الأول كان يمكن أن يقال لا يحمله لعدم تعلقه به ~~كالعدو الذي يرى عدوه تحت ثقل ، أو الأجنبي الذي يرى أجنبيا تحت حمل لا ~~يحمل عنه فقال : { ولو كان ذا قربى } أي يحصل جميع المعاني الداعية إلى ~~الحمل من كون النفس وازرة قوية تحتمل وكون الأخرى مثقلة لا يقال كونها قوية ~~قادرة ليس عليها حمل وكونه سائلة داعية فإن السؤال مظنة الرحمة ، لو كان ~~المسؤول قريبا فإذن لا يكون التخلف إلا لمانع وهو كون كل نفس تحت حمل ثقيل ~~. # ثم قال تعالى : { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلواة } ~~إشارة إلى أن لا إرشاد فوق ما أتيت به ms7470 ، ولم يفدهم ، فلا تنذر إنذارا مفيدا ~~إلا الذين تمتلىء قلوبهم خشية وتتحلى ظواهرهم بالعبادة كقوله : { الذين ~~كفروا } إشارة إلى عمل القلب { وعملوا الصالحات } إشارة إلى عمل ~~PageV26P014 الظواهر فقوله : { الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلواة } ~~في ذلك المعنى ، ثم لما بين { أن لا * تزر وازرة وزر أخرى } بين أن الحسنة ~~تنفع المحسنين . # فقال : { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } أي فتزكيته لنفسه . # ثم قال تعالى : { وإلى الله المصير } أي المتزكي إن لم تظهر فائدته عاجلا ~~فالمصير إلى الله يظهر عنده في يوم اللقاء في دار البقاء ، والوازر إن لم ~~تظهر تبعة وزره في الدنيا فهي تظهر في الآخرة إذ المصير إلى الله . # ! 7 < { وما يستوى الا عمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ~~ولا الحرور * وما يستوى الا حيآء ولا الا موات إن الله يسمع من يشآء ومآ ~~أنت بمسمع من فى القبور } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 19 - 22 ) وما يستوي الأعمى . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وما يستوى الاعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ~~ولا الظل ولا الحرور * وما يستوى الاحياء ولا الاموات } . # لما بين الهدى والضلالة ولم يهتد الكافر ، وهدى الله المؤمن من ضرب لهم ~~مثلا بالبصير والأعمى ، فالمؤمن بصير حيث أبصر الطريق الواضح والكافر أعمى ~~، وفي تفسير الآية مسائل : # المسألة الأولى : ما الفائدة في تكثير الأمثلة ههنا حيث ذكر الأعمى ~~والبصير ، والظلمة والنور ، والظل والحرور ، والأحياء والأموات ؟ فنقول ~~الأول مثل المؤمن والكافر فالمؤمن بصير والكافر أعمى ، ثم إن البصير وإن ~~كان حديد البصر ولكن لا يبصر شيئا إن لم يكن في ضوء فذكر للإيمان والكفر ~~مثلا ، وقال الإيمان نور والمؤمن بصير والبصير لا يخفى عليه النور ، والكفر ~~ظلمة والكافر أعمى فله صاد فوق صاد ، ثم ذكر لمآلهما ومرجعهما مثلا وهو ~~الظل والحرور ، فالمؤمن بإيمانه في ظل وراحة والكافر بكفره في حر وتعب ، ثم ~~قال تعالى : { وما يستوى الاحياء ولا الاموات } مثلا آخر في حق المؤمن ~~والكافر كأنه قال تعالى حال المؤمن والكافر فوق حال الأعمى والبصير ، فإن ~~الأعمى يشارك البصير في إدراك ms7471 ما . والكافر غير مدرك إدراكا نافعا فهو ~~كالميت ويدل على ما ذكرنا أنه تعالى أعاد الفعل حيث قال أولا : { وما يستوى ~~الاعمى والبصير } وعطف الظلمات والنور والظل والحرور ، ثم أعاد الفعل ، ~~وقال : { وما يستوى الاحياء ولا الاموات } كأنه جعل هذا مقابلا لذلك . # المسألة الثانية : كرر كلمة النفي بين الظلمات والنور والظل والحرور ~~والأحياء الأموات ، ولم يكرر بين الأعمى والبصير ، وذلك لأن التكرير ~~للتأكيد والمنافاة بين الظلمة والنور والظل والحرور مضادة ، فالظلمة تنافي ~~النور وتضاده والعمى والبصر كذلك ، أما الأعمى والبصير ليس كذلك بل الشخص ~~الواحد قد يكون بصيرا وهو بعينه يصير أعمى ، فالأعمى والبصير لا منافاة ~~بينهما إلا من حيث الوصف ، والظل والحرور والمنافاة بينهما ذاتية لأن ~~المراد من الظل عدم الحر والبرد فلما كانت المنافاة هناك أتم ، أكد ~~بالتكرار ، وأما الأحياء والأموات ، وإن كانوا كالأعمى والبصير من حيث إن ~~الجسم الواحد يكون حيا محلا للحياة فيصير ميتا PageV26P015 محلا للموت ولكن ~~المنافاة بين الحي والميت أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير ، كما بينا ~~أن الأعمى والبصير يشتركان في إدراك أشياء ، ولا كذلك الحي والميت ، كيف ~~والميت يخالف الحي في الحقيقة لا في الوصف على ما تبين في الحكمة الإلهية . # / المسألة الثالثة : قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحرور ، وأخره في ~~مثلين وهو البصر والنور ، وفي مثل هذا يقول المفسرون إنه لتواخي أواخر الآي ~~، وهو ضعيف لأن تواخي الأواخر راجع إلى السجع ، ومعجزة القرآن في المعنى لا ~~في مجرد اللفظ ، فالشاعر يقدم ويؤخر للسجع فيكون اللفظ حاملا له على تغيير ~~المعنى ، وأما القرآن فحكمة بالغة والمعنى فيه صحيح واللفظ فصيح فلا يقدم ~~ولا يؤخر اللفظ بلا معنى ، فنقول الكفار قبل النبي صلى الله عليه وسلم ~~كانوا في ضلالة فكانوا كالعمى وطريقهم كالظلمة ثم لما جاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبين الحق ، واهتدى به منهم قوم فصاروا بصيرين وطريقتهم كالنور ~~فقال وما يستوي من كان قبل البعث على الكفر ومن اهتدى بعده إلى الإيمان / ~~فلما كان الكفر قبل الإيمان في زمان ms7472 محمد صلى الله عليه وسلم ، والكافر قبل ~~المؤمن قدم المقدم ، ثم لما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما ~~يتعلق بالغضب لقوله في الإلهيات سبقت رحمتي غضبي ، ثم إن الكافر المصر بعد ~~البعثة صار أضل من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق من جميع الوجوه ~~فقال : { وما يستوى الاحياء } أي المؤمنون الذين آمنوا بما أنزل الله ~~والأموات الذين تليت عليهم الآيات البينات ، ولم ينتفعوا بها وهؤلاء كانوا ~~بعد إيمان من آمن فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياة المؤمنين قبل ممات ~~الكافرين المعاندين ، وقدم الأعمى على البصير لوجود الكفار الضالين قبل ~~البعثة على المؤمنين المهتدين بعدها . # المسألة الرابعة : فإن قلت قابل الأعمى بالبصير بلفظ المفرد وكذلك الظل ~~بالحرور وقابل الأحياء بالأموات بلفظ الجمع ، وقابل الظلمات بالنور بلفظ ~~الجمع في أحدهما والواحد في الآخر ، فهل تعرف فيه حكمة ؟ قلت : نعم بفضل ~~الله وهدايته ، أما في الأعمى والبصير والظل والحرور ، فلأنه قابل الجنس ~~بالجنس ، ولم يذكر الأفراد لأن في العميان وأولى الأبصار قد يوجد فرد من ~~أحد الجنسين يساوي فردا من الجنس الآخر كالبصير الغريب في موضع والأعمى ~~الذي هو تربية ذلك المكان ، وقد يقدر الأعمى على الوصول إلى مقصد الغريب في ~~موضع والأعمى الذي هو تربية ذلك المكان ، وقد يقدر الأعمى على الوصول إلى ~~مقصد ولا يقدر البصير عليه ، أو يكون الأعمى عنده من الذكاء ما يساوي به ~~البليد البصير ، فالتفاوت بينهما في الجنسين مقطوع به فإن جنس البصير خير ~~من جنس الأعمى ، وأما الأحياء والأموات فالتفاوت بينهما أكثر ، إذ ما من ~~ميت يساوي في الإدراك حيا من الأحياء ، فذكر أن الأحياء لا يساوون الأموات ~~سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد ، وأما الظلمات والنور ~~فالحق واحد وهو التوحيد والباطل كثير وهو طرق الإشراك على ما بينا أن بعضهم ~~يعبدون الكواكب وبعضهم النار وبعضهم الأصنام التي هي على صورة الملائكة ، ~~وإلى غير ذلك والتفاوت بين كل فرد من تلك الأفراد وبين هذا الواحد بين ، ~~فقال الظلمات كلها إذا اعتبرتها ms7473 لا تجد فيها ما يساوي النور ، وقد ذكرنا في ~~تفسير قوله : { وجعل الظلمات والنور } السبب في توحيد النور وجمع الظلمات ، ~~ومن جملة ذلك أن النور لا يكون إلا بوجود منور ومحل قابل للاستنارة وعدم ~~الحائل بين النور والمستنير . مثاله الشمس إذا / طلعت وكان هناك موضع قابل ~~للاستنارة وهو الذي يمسك الشعاع ، فإن البيت الذي فيه كوة يدخل منها الشعاع ~~إذا كان في مقابلة الكوة منفذ يخرج منه الشعاع PageV26P016 ويدخل بيتا آخر ~~ويبسط الشعاع على أرضه يرى البيت الثاني مضيئا والأول مظلما ، وإن لم يكن ~~هناك حائل كالبيت الذي لا كوة له فإنه لا يضيء ، فإذا حصلت الأمور الثلاثة ~~يستنير البيت وإلا فلا تتحقق الظلمة بفقد أي أمر كان من الأمور الثلاثة . # ! 7 < { إن أنت إلا نذير } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من فى القبور } ~~وفيه احتمال معنيين الأول : أن يكون المراد بيان كون الكفار بالنسبة إلى ~~سماعهم كلام النبي والوحي النازل عليه دون حال الموتى فإن الله يسمع الموتى ~~والنبي لا يسمع من مات وقبر ، فالموتى سامعون من الله والكفار كالموتى لا ~~يسمعون من النبي والثاني : أن يكون المراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإنه لما بين له أنه لا ينفعهم ولا يسمعهم قال له هؤلاء لا يسمعهم إلا الله ~~، فإنه يسمع من يشاء ولو كان صخرة صماء ، وأما أنت فلا تسمع من في القبور ، ~~فما عليك من حسابهم من شيء . # ثم قال تعالى : { إن أنت إلا نذير } بيانا للتسلية . # ! 7 < { إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } ~~. > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 23 - 24 ) إن أنت إلا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا } لما قال : { إن أنت ~~إلا نذير } بين أنه ليس نذيرا من تلقاء نفسه إنما هو نذير بإذن الله ~~وإرساله . # ثم قال تعالى : { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } تقريرا لأمرين أحدهما : ~~لتسلية قلبه حيث يعلم أن غيره كان مثله محتملا لتأذي القوم وثانيهما ms7474 : ~~إلزام القوم قبوله فإنه ليس بدعا من الرسل وإنما هو مثل غيره يدعى ما ادعاه ~~الرسل ويقرره . # ! 7 < { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جآءتهم رسلهم بالبينات ~~وبالزبر وبالكتاب المنير } . > 7 ! # وقوله تعالى : { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم ~~بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير } . # < < # | فاطر : ( 25 ) وإن يكذبوك فقد . . . . . # > > يعني أنت جئتهم بالبينة والكتاب فكذبوك وآذوك وغيرك أيضا أتاهم بمثل ~~ذلك وفعلوا بهم ما فعلوا بك وصبروا على ما كذبوا فكذلك نلزمهم بأن من تقدم ~~من الرسل لم يعلم كونهم رسلا إلا بالمعجزات البينات وقد آتيناها محمدا صلى ~~الله عليه وسلم { وبالزبر وبالكتاب المنير } / والكل آتيناها محمدا ، فهو ~~رسول مثل الرسل يلزمهم قبوله كما لزم قبول موسى وعيسى عليهم السلام أجمعين ~~، وهذا يكون تقريرا مع أهل الكتاب ، واعلم أنه تعالى ذكر أمورا ثلاثة أولها ~~البينات ، وذلك لأن كل رسول فلا بد له من معجزة وهي أدنى الدرجات ، ثم قد ~~ينزل عليه كتاب يكون فيه مواعظ وتنبيهات وإن لم يكن فيه نسخ وأحكام مشروعة ~~شرعا ناسخا ، ومن ينزل عليه مثله أعلى مرتبة ممن لا ينزل عليه ذلك وقد تنسخ ~~شريعته الشرائع وينزل عليه كتاب فيه أحكام على وفق PageV26P017 الحكمة ~~الإلهية ، ومن يكون كذلك فهو من أولي العزم فقال الرسل تبين رسالتهم ~~بالبينات وإن كانوا أعلى مرتبة فبالزبر ، وإن كانوا أعلى فبالكتاب والنبي ~~آتيناه الكل فهو رسول أشرف من الكل لكون كتابه أتم وأكمل من كل كتاب . # ! 7 < { ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 26 ) ثم أخذت الذين . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير } . # أي من كذب بالكتاب المنزل من قبل وبالرسول المرسل أخذه الله تعالى فكذلك ~~من يكذب بالنبي عليه السلام ، وقوله : { فكيف كان نكير } سؤال للتقرير ~~فإنهم علموا شدة إنكار الله عليهم وإتيانه بالأمر المنكر من الاستئصال . # ! 7 < { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ms7475 } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 27 ) ألم تر أن . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات ~~مختلفا ألوانها } . # وهذا استدلال بدليل آخر على وحدانية الله وقدرته وفي تفسيرها مسائل : # المسألة الأولى : ذكر هذا الدليل على طريقة الاستخبار ، وقال : { ألم تر ~~} وذكر الدليل المتقدم على طريقة الأخبار وقال : { والله الذى أرسل الرياح ~~} وفيه وجهان الأول : أن انزال الماء أقرب إلى النفع والمنفعة فيه أظهر ~~فإنه لا يخفى على أحد في الرؤية أن الماء منه حياة الأرض فعظم دلالته ~~بالاستفهام لأن الاستفهام الذي للتقرير لا يقال إلا في الشيء الظاهر جدا ~~كما أن من أبصر الهلال وهو خفي جدا ، فقال له غيره أين هو ، فإنه يقول له ~~في الموضع الفلاني ، فإن لم يره ، يقول له الحق معك إنه خفي وأنت معذور ، ~~وإذا كان بارزا يقول له أما تراه هذا هو ظاهرا والثاني : وهو أنه ذكره ~~بعدما قرر المسألة بدليل آخر وظهر بما تقدم للمدعو بصارة بوجوه الدلالات ، ~~فقال له أنت صرت بصيرا بما ذكرناه ولم يبق لك عذر ، ألا ترى هذه الآية . # المسألة الثانية : المخاطب من هو يحتمل وجهين أحدهما : النبي صلى الله ~~عليه وسلم وفيه حكمة وهي أن الله تعالى لما ذكر الدلائل ولم تنفعهم قطع ~~الكلام معهم والتفت إلى غيرهم ، كما أن السيد إذا نصح بعض العبيد ومنعهم من ~~الفساد ولا ينفعهم الإرشاد ، يقول لغيره اسمع ولا تكن مثل هذا / ويكرر معه ~~ما ذكره مع الأول ويكون فيه إشعار بأن الأول فيه نقيصة لا يستأهل للخطاب ~~فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة والآخر : أن لا يخرج إلى كلام أجنبي ~~عن الأول ، بل يأتي بما يقاربه لئلا يسمع الأول كلاما آخر فيترك التفكر ~~فيما كان فيه من النصيحة . # المسألة الثالثة : هذا استدلال على قدرة الله واختياره حيث أخرج من الماء ~~الواحد ممرات مختلفة وفيه لطائف الأولى : قال أنزل وقال أخرجنا . وقد ذكرنا ~~فائدته ونعيدها فنقول : قال الله تعالى : { الم * ترى * أن الله أنزل } فإن ~~كان جاهلا ms7476 يقول نزول الماء بالطبع لثقله فيقال له ، فالإخراج لا يمكنك أن ~~تقول فيه إنه بالطبع فهو بإرادة الله ، فلما كان ذلك أظهر أسنده إلى ~~المتكلم ووجه آخر : هو أن الله تعالى لما قال : { أن الله أنزل } علم الله ~~بدليل ، وقرب المتفكر فيه إلى الله تعالى فصار من الحاضرين ، فقال له ~~أخرجنا لقربه ووجه ثالث : PageV26P018 الإخراج أتم نعمة من الإنزال ، لأن ~~الإنزال لفائدة الإخراج فأسند الأتم إلى نفسه بصيغة المتكلم وما دونه بصيغة ~~الغائب . # اللطيفة الثانية : قال تعالى : { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك } . # كأن قائلا قال اختلاف الثمرات لاختلاف البقاع . ألا ترى أن بعض النباتات ~~لا تنبت ببعض البلاد كالزعفران وغيره ، فقال تعالى اختلاف البقاع ليس إلا ~~بإرادة الله وإلا فلم صار بعض الجبال فيه مواضع حمر ومواضع بيض ، والجدد ~~جمع جدة وهي الخطة أو الطريقة ، فإن قيل الواو في : { ومن الجبال } ما ~~تقديرها ؟ نقول هي تحتمل وجهين أحدهما : أن تكون للاستئناف كأنه قال تعالى ~~وأخرجنا بالماء ثمرات مختلفة الألوان ، وفي الأشياء الكائنات من الجبال جدد ~~بيض دالة على القدرة ، رادة على من ينكر الإرادة في اختلاف ألوان الثمار ~~ثانيهما : أن تكون للعطف تقديرها وخلق من الجبال . قال الزمخشري : أراد ذو ~~جدد واللطيفة الثالثة : ذكر الجبال ولم يذكر الأرض كما قال في موضع آخر : { ~~وفى الارض قطع متجاورات } مع أن هذا الدليل مثل ذلك ، وذلك لأن الله تعالى ~~لما ذكر في الأول : { أخرجنا * به ثمرات } كان نفس إخراج الثمار دليلا على ~~القدرة ثم زاد عليه بيانا ، وقال مختلفا كذلك في الجبال في نفسها دليل ~~للقدرة والإرادة ، لأن كون الجبال في بعض نواحي الأرض دون بعضها والاختلاف ~~الذي في هيئة الجبل فإن بعضها يكون أخفض وبعضها أرفع دليل القدرة والاختيار ~~، ثم زاده بيانا وقال جدد بيض ، أي مع دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ~~ألوانها ، كما أن إخراج الثمرات في نفسها دلائل واختلاف / ألوانها دلائل . # المسألة الرابعة : مختلف ألوانها ، الظاهر أن الاختلاف ms7477 راجع إلى كل لون ~~أي بيض مختلف ألوانها وحمر مختلف ألوانها ، لأن الأبيض قد يكون على لون ~~الجص ، وقد يكون على لون التراب الأبيض دون بياض الجص ، وكذلك الأحمر ، ولو ~~كان المراد أن البيض والحمر مختلف الألوان لكان مجرد تأكيد والأول أولى ، ~~وعلى هذا فنقول لم يذكر مختلف ألوانها بعد البيض والحمر والسود ، بل ذكره ~~بعد البيض والحمر وأخر السود الغرابيب ، لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد وهو ~~الغرابيب يكون بالغا غاية السواد فلا يكون فيه اختلاف . # المسألة الخامسة : قيل بأن الغربيب مؤكد للأسود ، يقال أسود غربيب ~~والمؤكد لا يجيء إلا متأخرا فكيف جاء غرابيب سود ؟ نقول قال الزمخشري : ~~غرابيب مؤكد لذي لون مقدر في الكلام كأنه تعالى قال سواد غرابيب ، ثم أعاد ~~السود مرة أخرى وفيه فائدة وهي زيادة التأكيد لأنه تعالى ذكره مضمرا ومظهرا ~~، ومنهم من قال هو على التقديم والتأخير ، ! 7 < { ومن الناس والدوآب والا ~~نعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور ~~} . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 28 ) ومن الناس والدواب . . . . . # > > ثم قال تعالى : { ومن الناس والدواب والانعام } استدلالا آخر على ~~قدرته وإرادته ، وكأن الله تعالى قسم دلائل الخلق في العالم الذي نحن فيه ~~وهو عالم المركبات قسمين : حيوان PageV26P019 وغير حيوان ، وغير الحيوان ~~إما نبات وإما معدن ، والنبات أشرف ، وأشار إليه بقوله : { فأخرجنا به ~~ثمرات } ثم ذكر المعدن بقوله : { ومن الجبال } ثم ذكر الحيوان وبدأ بالأشرف ~~منها وهو الإنسان فقال : { ومن الناس } ثم ذكر الدواب ، لأن منافعها في ~~حياتها والأنعام منفعتها في الأكل منها ، أو لأن الدابة في العرف تطلق على ~~الفرس وهو بعد الإنسان أشرف من غيره ، وقوله : { مختلف ألوانه } فذكر لكون ~~الإنسان من جملة المذكورين / وكون التذكير أعلى وأولى . # الخشية بقدر معرفة المخشي ، والعالم يعرف الله فيخافه ويرجوه . وهذا دليل ~~على أن العالم أعلى درجة من العابد ، لأن الله تعالى قال : { إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم } فبين أن الكرامة بقدر التقوى ، والتقوى بقدر العلم . ~~فالكرامة بقدر العلم لا بقدر العمل ، نعم ms7478 العالم إذا ترك العمل قدح ذلك في ~~علمه ، فإن من يراه يقول : لو علم لعمل . ثم قال تعالى : { إن الله عزيز ~~غفور } ذكر ما يوجب الخوف والرجاء ، فكونه عزيزا ذا انتقام يوجب الخوف ~~التام ، وكونه غفورا لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ . وقراءة من قرأ بنصب ~~العلماء ورفع الله ، معناها إنما يعظم ويبجل . # ! 7 < { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلواة وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 29 ) إن الذين يتلون . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { إن الذين يتلون كتاب الله } . # لما بين العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم بسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتابا ~~الله العاملين بما فيه . وقوله : { يتلون كتاب الله } إشارة إلى الذكر . # وقوله تعالى : { والذين يمسكون } إشارة إلى العمل البدني . # وقوله : { وأنفقوا مما رزقناهم } إشارة إلى العمل المالي ، وفي الآيتين ~~حكمة بالغة ، فقوله : إنما يغشى الله إشارة إلى عمل القلب ، وقوله : { إن ~~الذين يتلون } إشارة إلى عمل اللسان . وقوله : { والذين صبروا ابتغاء وجه ~~ربهم } إشارة إلى عمل الجوارح ، ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب ~~تعظيم الله والشفقة على خلقه ، لأنا بينا أن من يعظم ملكا إذا رأى عبدا من ~~عباده في حاجة يلزمه قضاء حاجته وإن تهاون فيه يخل بالتعظيم ، وإلى هذا ~~أشار بقوله : عبدي مرضت فما عدتني ، فيقول العبد : كيف تمرض وأنت رب ~~PageV26P020 العالمين ، فيقول الله مرض عبدي فلان وما زرته ولو زرته ~~لوجدتني عنده ، يعني التعظيم متعلق بالشفقة فحيث لا شفقة على خلق الله لا ~~تعظيم لجانب الله . # وقوله تعالى : { سرا وعلانية } حث على الإنفاق كيفما يتهيأ ، فإن تهيأ ~~سرا فذاك ونعم وإلا فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء ، فإن ترك الخير ~~مخافة أن يقال فيه إنه مراء عين الرياء ويمكن أن يكون المراد بقوله : { سرا ~~} أي صدقة { وعلانية } أي زكاة ، فإن الإعلان بالزكاة كالإعلان بالفرض وهو ~~مستحب . # وقوله تعالى : { يرجون تجارة لن تبور } إشارة إلى الإخلاص ، أي ينفقون لا ~~ليقال إنه كريم ولا لشيء من الأشياء غير وجه الله ، فإن غير ms7479 الله بائر ~~والتاجر فيه تجارته بائرة . [ # ! 7 < { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور } . > 7 ! # < < # | فاطر : ( 30 ) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم . . . . . # > > وقوله تعالى : { ليوفيهم أجورهم } أي ما يتوقعونه ولو كان أمرا بالغ ~~الغاية { ويزيدهم * فضله } أي يعطيهم ما لم يخطر ببالهم عند العمل ، ويحتمل ~~أن يكون يزيدهم النظر إليه كما جاء في تفسير الزيادة { إنه غفور } عند ~~إعطاء الأجور { شكور } عند إعطاء الزيادة . # ! 7 < { والذىأوحينآ إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله ~~بعباده لخبير بصير } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 31 ) والذي أوحينا إليك . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { والذى أوحينا إليك من الكتاب هو الحق } . # لما بين الأصول الأول وهو وجود الله الواحد بأنواع الدلائل من قوله : { ~~والله الذى أرسل } / الرياح ، وقوله : { والله خلقكم } وقوله : { ألم تر أن ~~الله أنزل } ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة ، فقال : { والذى أوحينا إليك من ~~الكتاب هو الحق } وأيضا كأنه قد ذكر أن الذين يتلون كتاب الله يوفيهم الله ~~فقال : { والذى أوحينا إليك من الكتاب هو الحق } تقريرا لما بين من الأجر ~~والثواب في تلاوة كتاب الله فإنه حق وصدق فتاليه محق ومحقق وفي تفسيرها ~~مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { من الكتاب } يحتمل أن يكون لابتداء الغاية كما ~~يقال أرسل إلى كتاب من الأمير أو الوالي وعلى هذا فالكتاب بمكن أن يكون ~~المراد منه اللوح المحفوظ يعني الذي أوحينا من اللوح المحفوظ إليك حق ، ~~ويمكن أن يكون المراد هو القرآن يعني الإرشاد والتبيين الذي أوحينا إليك من ~~القرآن ويحتمل أن يكون للبيان كما يقال أرسل إلى فلان من الثياب والقماش ~~جملة . # المسألة الثانية : قوله : { هو الحق } آكد من قول القائل الذي أوحينا ~~إليك حق من وجهين { أحدهما } أن تعريف الخبر يدل على أن الأمر في غاية ~~الظهور لأن الخبر في الأكثر يكن نكرة ، لأن الإخبار في الغالب يكون إعلاما ~~بثبوت أمر لا معرفة للسامع به لأمر يعرفه السامع كقولنا زيد قام فإن السامع ~~ينبغي أن يكون عارفا بزيد ولا يعلم قيامه فيخبر به ، فإذا كان الخبر ms7480 أيضا ~~معلوما فيكون الأخبار للتنبيه فيعرفان باللام كقولنا زيد العالم في هذه ~~المدينة إذا كان علمه مشهورا . # المسألة الثالثة : قوله : { مصدقا لما بين يديه } حال مؤكدة لكونه حقا ~~لأن الحق إذا لا خلاف بينه وبين كتب الله يكون خاليا عن احتمال البطلان وفي ~~قوله مصدقا تقرير لكونه وحيا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لم يكن ~~قارئا كاتبا وأتى ببيان ما في كتب الله لا يكون ذلك إلا من الله تعالى ~~وجواب عن سؤال الكفار وهو أنهم كانوا PageV26P021 يقولون بأن التوراة ورد ~~فيها كذا والإنجيل ذكر فيه كذا وكانوا يفترون من التثليث وغيره وكانوا ~~يقولون بأن القرآن فيه خلاف ذلك فقال التوراة والإنجيل لم يبق بهما وثوق ~~بسبب تغييركم فهذا القرآن ما ورد فيه إن كان في التوراة فهو حق وباق على ما ~~نزل ، وإن لم يكن فيه ويكون فيه خلاف فهو ليس من التوراة ، فالقرآن مصدق ~~للتوراة وفيه وجه آخر : وهو أن يقال إن هذا الوحي مصدق لما تقدم لأن الوحي ~~لو لم يكن وجوده لكذب موسى وعيسى عليهما السلام في إنزال التوراة والإنجيل ~~فإذا وجد الوحي ونزل على محد صلى الله عليه وسلم علم جواز وصدق به ما تقدم ~~، وعلى هذا ففيه لطيفة : وهي أنه تعالى جعل القرآن مصدقا لما مضى مع أن ما ~~مضى أيضا مصدق له لأن الوحي إذا نزل على واحد جاز أن ينزل على غيره وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولم يجعل ما تقدم مصدقا للقرآن كونه معجزة يكفي في ~~تصديقه بأنه وحي ، وأما ما تقدم فلا بد معه من معجزة تصدقه . # / المسألة الرابعة : قوله : { إن الله بعباده لخبير بصير } فيه وجهان : { ~~أحدهما } أنه تقرير لكونه هو الحق لأنه وحي من الله والله خبير عالم ~~بالبواطن بصير عالم بالظواهر ، فلا يكون باطلا في وحيه لا في الباطن ولا في ~~الظاهر وثانيهما : أن يكون جوابا لما كانوا يقولونه إنه لم لم ينزل على رجل ~~عظيم ؟ فيقال إن الله بعباده لخبير يعلم بواطنهم وبصير ms7481 يرى ظواهرهم فاختار ~~محمدا عليه السلام ولم يختر غيره فهو أصلح من الكل . # ! 7 < { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير } . > 7 ~~@QB@ < # | فاطر : ( 32 ) ثم أورثنا الكتاب . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله } اتفق أكثر المفسرين على ~~أن المراد من الكتاب القرآن وعلى هذا فالذين اصطفيناهم الذين أخذوا بالكتاب ~~وهم المؤمنون والظالم والمقتصد والسابق كلهم منهم ويدل عليه قوله تعالى : { ~~جنات عدن يدخلونها } أخبر بدخولهم الجنة وكلمة { ثم أورثنا } أيضا تدل عليه ~~لأن الإيراث إذا كان بعد الإيحاء ولا كتاب بعد القرآن فهو الموروث والإيراث ~~المراد منه الإعطاء بعد ذهاب من كان بيده المعطى ، ويحتمل أن يقال المراد ~~من الكتاب هو جنس الكتاب كما في قوله تعالى : { جاءتهم رسلهم بالبينات * ~~وبالزبر وبالكتاب المنير } والمعنى على هذا : إنا أعطينا الكتاب الذين ~~اصطفينا وهم الأنبياء ويدل عليه أن لفظ المصطفى على الأنبياء إطلاقه كثير ~~ولا كذلك على غيرهم لأن قوله : { من عبادنا } دل على أن العباد أكابر ~~مكرمون بالإضافة إليه ، ثم إن المصطفين منهم أشرف منهم ولا يليق بمن يكون ~~أشرف من الشرفاء أن يكون ظالما مع أن لفظ الظالم أطلقه الله في كثير من ~~المواضع على الكافر وسمي الشرك ظلما ، وعلى الوجه الأول الظاهر بين معناه ~~آتينا القرآن لمن آمن بمحمد وأخذوه منه وافترقوا { فمنهم ظالم } وهو المسيء ~~{ ومنهم مقتصد } وهو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا { ومنهم سابق بالخيرات ~~} وهو الذي أخلص العمل لله وجرده عن السيئات ، فإن قال قائل كيف قال في حق ~~من ذكر في حقه أنه من عباده وأنه مصطفى إنه ظالم ؟ مع أن الظالم يطلب على ~~الكافر في كثير من المواضع ، فنقول المؤمن عند المعصية يضع PageV26P022 ~~نفسه في غير موضعها فهو ظالم لنفسه حال المعصية وإليه الإشارة بقوله صلى ~~الله عليه وسلم : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو ms7482 مؤمن ) ويصحح هذا قول عمر ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ظالمنا مغفور له ) وقال آدم ~~عليه السلام مع كونه مصطفى : { ربنا ظلمنا أنفسنا } وأما الكافر فيضع قلبه ~~الذي به اعتبار الجسد في غير موضعه فهو ظالم على الإطلاق ، وأما قلب المؤمن ~~فمطمئن بالإيمان لا يضعه في غير التفكر في آلاء الله ولا يضع فيه غير محبة ~~الله ، وفي المراتب الثلاث أقوال كثيرة : أحدها : الظالم هو الراجح السيئات ~~والمقتصد هو الذي / تساوت سيئاته وحسناته والسابق هو الذي ترجحت حسناته ~~ثانيها : الظالم هو الذي ظاهره خبر من باطنه ، والمقتصد من تساوي ظاهره ~~وباطنه ، والسابق من باطنه خير ثالثها : الظالم هو الموحد بلسانه الذي ~~تخالفه جوارحه ، والمقتصد هو الموحد الذي يمنع جوراحه من المخالفة بالتكليف ~~، والسابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد عن التوحيد ورابعها : الظالم صاحب ~~الكبيرة ، والمقتصد صاحب الصغيرة ، والسابق المعصوم خامسها : الظالم التالي ~~للقرآن غير العالم به والعامل بموجبه ، والمقتصد التالي العالم ، والسابق ~~التالي العالم العامل سادسها : الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق ~~العالم سابعها : الظالم أصحاب المشأمة ، والمقتصد أصحاب الميمنة ، والسابق ~~السابقون المقربون ثامنها : الظالم الذي يحاسب فيدخل النار ، والمقتصد الذي ~~يحاسب فيدخل الجنة / والسابق الذي يدخل الجنة من غير حساب تاسعها : الظالم ~~المصر على المعصية ، والمقتصد هو النادم والتائب ، والسابق هو المقبول ~~التوبة عاشرها : الظالم الذين أخذ القرآن ولم يعمل ، به والمقتصد الذي عمل ~~به ، والسابق الذي أخذه وعمل به وبين للناس العمل به فعملوا به بقوله فهو ~~كامل ومكمل ، والمقتصد كامل والظالم ناقص ، والمختار هو أن الظالم من خالف ~~فترك أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للشيء في غير موضعه ، والمقتصد هو ~~المجتهد في ترك المخالفة وإن لم يوفق لذلك وندر منه ذنب وصدر عنه إثم فإنه ~~اقتصد واجتهد وقصد الحق والسابق هو الذي لم يخالف بتوفيق الله ويدل عليه ~~قوله تعالى : { بإذن الله } أي اجتهد ووفق لما اجتهد فيه وفيما اجتهد فهو ~~سابق بالخير يقع في قلبه فيسبق إليه قبل تسويل النفس والمقتصد يقع ms7483 في قلبه ~~فتردده النفس ، والظالم تغلبه النفس ، ونقول بعبارة أخرى من غلبته النفس ~~الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم ومن جاهد نفسه فغلب تارة وغلب أخرى فهو المقصد ~~ومن قهر نفسه فهو السابق وقوله : { ذلك هو الفضل الكبير } يحتمل وجوها ~~أحدها : التوفيق المدلول عليه بقوله : { بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير } ، ~~ثانيها : السبق بالخيرات هو الفضل الكبير ثالثها : الإيراث فضل كبير هذا ~~على الوجه المشهور من التفسير ، أما الوجه الآخر وهو أن يقال : { ثم أورثنا ~~الكتاب } أي جنس الكتاب ، كما قال تعالى : { جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ~~وبالكتاب المنير } يرد عليه أسئلة أحدهما : ثم للتراخي وإيتاء الكتاب بعد ~~الإيحاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن فما المراد بكلمة ثم ؟ نقول ~~معناه إن الله خبير بصير خبرهم وأبصرهم ثم أورثهم الكتاب كأنه قال تعالى ~~إنا علمنا البواطن وأبصرنا الظواهر فاصطفينا عبادا { ثم * أم الكتاب } ، ~~ثانيها : كيف يكون من الأنبياء ظالم لنفسه ؟ نقول منهم غير راجع إلى ~~الأنبياء المصطفين ، بل المعنى إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى ~~كما اصطفينا رسلا وآتيناهم كتبا ، ومنهم أي من قومك / ظالم كفر بك وبما ~~أنزل إليك ومقتصد آمن بك وبما إنزل إليك ومقتصد آمن بك ولم يأت بجميع ما ~~أمرته به وسابق آمن وعمل صالحا وثالثها : قوله : { جنات عدن يدخلونها } ~~الداخلون هم المذكورون وعلى ما ذكرتم لا يكون الظالم داخلا ، نقول الداخلون ~~هم السابقون ، وأما المقتصد فأمره موقوف أو هو يدخل النار أو لا ثم يدخل ~~الجنة والبيان لأول PageV26P023 الأمر لا لما بعده ، ويدل عليه قوله : { ~~يحلون فيها من أساور من ذهب } وقوله : { أذهب عنا الحزن } . # ! 7 < { جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم ~~فيها حرير } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 33 ) جنات عدن يدخلونها . . . . . # > > # ثم قال : { جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم ~~فيها حرير } . # وفي الداخلين وجوه أحدها : الأقسام الثلاثة وهي على قولنا أن الظالم ~~والمقتصد والسابق أقسام المؤمنين والثاني : الذين يتلون كتاب الله والثالث ~~: هم السابقون وهو ms7484 أقوى لقرب ذكرهم ولأنه ذكر إكرامهم بقوله : { يحلون } ~~فالمكرم هو السابق وعلى هذا فيه أبحاث : # الأول : تقديم الفاعل على الفعل وتأخير المفعول عنه موافق لترتيب المعنى ~~إذا كان المفعول حقيقيا كقولنا : { الله خلق * السماوات } وقول القائل : ~~زيد بني الجدار فإن الله موجود قبل كل شيء ، ثم له فعل هو الخلق ، ثم حصل ~~به المفعول وهو السموات ، وكذلك زيد قبل البناء ثم الجدار من بنائه ، وإذا ~~لم يكن المفعول حقيقيا كقولنا زيد دخل الدار وضرب عمرا فإن الدار في ~~الحقيقة ليس مفعولا للداخل وإنما فعل من أفعال تحقق بالنسبة إلى الدار ، ~~وكذلك عمرو فعل من أفعال زيد تعلق به فسمى مفعولا لا يحصل هذا الترتيب ، ~~ولكن الأصل تقديم الفاعل على المفعول ولهذا يعاد المفعول المقدم بالضمير ~~تقول عمرا ضربه زيد فتوقعه بعد الفعل بالهاء العائدة إليه وحينئذ يطول ~~الكلام فلا يختاره الحكيم إلا لفائدة ، فما الفائدة في تقديم الجنات على ~~الفعل الذي هو الدخول وإعادة ذكر بالهاء في يدخلونها ، وما الفرق بين هذا ~~وبين قول القائل يدخلونها جنات عدن ؟ نقول السامع إذا علم أن له مدخلا من ~~المداخل وله دخول ولم يعلم عين المدخل فإذا قيل له أنت تدخل فإلى أن يسمع ~~الدار أو السوق يبقى متعلق القلب بأنه في أي المداخل يكون ، فإذا قيل له ~~دار زيد تدخلها فبذكر الدار ، يعلم مدخله وبما عنده من العلم السابق إن له ~~دخولا يعلم الدخول فلا يبقى له توقف ولا سيما الجنة والنار ، فإن بني ~~المدخلين بونا بعيدا الثاني : قوله : { يحلون فيها } إشارة إلى سرعة الدخول ~~فإن التحلية لو وقعت خارجا لكان فيه تأخير الدخول فقال : { يدخلونها } ~~وفيها تقع تحليتهم الثالث : قوله : { من أساور } بجمع الجمع فإنه جمع أسورة ~~وهي جمع سوار ، وقوله : { ولباسهم فيها حرير } ليس كذلك لأن الإكثار من ~~اللباس / يدل على حاجة من دفع برد أو غيره والإكثار من الزينة لا يدل إلا ~~على الغنى الرابع : ذكر الأساور من بين سائر الحلي في كثير من المواضع منها ~~قوله تعالى : { وحلوا ms7485 أساور من فضة } وذلك لأن التحلي بمعنيين أحدهما : ~~إظهار كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال لأن التحلي لا يكون حالة الطبخ ~~والغسل وثانيهما : إظهار الاستغناء عن الأشياء وإظهار القدرة على الأشياء ~~وذلك لأن التحلي إما باللآلىء والجواهر وإما بالذهب والفضة والتحلي ~~بالجواهر واللآلىء يدل على أن المتحلي لا يعجز عن الوصول إلى الأشياء ~~الكبيرة عند الحاجة حيث يعجز عن الوصول إلى الأشياء القليلة الوجود لا ~~لحاجة ، والتحلي بالذهب والفضلة يدل على أنه غير محتاج حاجة أصلية وإلا ~~لصرف الذهب والفضة إلى دفع الحاجة ، إذا عرفت هذا فنقول الأساور محلها ~~الأيدي وأكثر الأعمال باليد فإنها للبطش ، فإذا حليت بالأساور علم الفراغ ~~والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحلي . # PageV26P024 ! 7 < { وقالوا الحمد لله الذىأذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور ~~شكور } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور ~~شكور } . # < < # | فاطر : ( 34 ) وقالوا الحمد لله . . . . . # > > في الحزن أقوال كثيرة والأولى أن يقال المراد إذهاب كل حزن والألف ~~واللام للجنس واستغراقه وإذهاب الحزن بحصول كل ما ينبغي وبقائه دائما فإن ~~شيئا منه لو لم يحصل لكان الحزن موجودا بسببه وإن حصل ولم يدم لكان الحزن ~~غير ذاهب بعد بسبب زواله وخوف فواته ، وقوله : { إن ربنا لغفور شكور } ذكر ~~الله عنهم أمورا كلها تفيد الكرامة من الله الأول : الحمد فإن الحامد مثاب ~~الثاني : قولهم ربنا فإن الله لم يناد بهذا اللفظ إلا واستجاب لهم ، اللهم ~~إلا أن يكون المنادي قد ضيع الوقت الواجب أو طلب ما لا يجوز كالرد إلى ~~الدنيا من الآخرة الثالث : قولهم : { غفور } ، الرابع : قولهم : { شكور } ~~والغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بما وجد لهم من الحمد في الدنيا ، ~~والشكور إشارة إلى ما يعطيهم ويزيد لهم بسبب ما وجد لهم في الآخرة من الحمد ~~. # ! 7 < { الذىأحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها ~~لغوب } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 35 ) الذي أحلنا دار . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { الذى أحلنا دار المقامة من فضله ms7486 } أي دار الإقامة ، لما ~~ذكر الله سرورهم وكرامتهم بتحليتهم وإدخالهم الجنات بين سرورهم ببقائهم ~~فيها وأعلمهم بدوامها حيث قالوا : { الذى أحلنا دار المقامة } أي الإقامة ~~والمفعول ربما يجيء للمصدر من كل باب يقال ما له معقول أي عقل ، وقال تعالى ~~: { مدخل صدق } وقال تعالى : { ومزقناهم كل ممزق } وكذلك مستخرج للاستخراج ~~وذلك لأن المصدر هو المفعول في الحقيقة ، فإنه هو الذي فعل فجاز إقامة ~~المفعول مقامه وفي قوله : { دار المقامة } إشارة إلى أن الدنيا منزلة ~~ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور ومنها إلى منزلة / العرصة التي ~~فيها الجمع ومنها التفريق . وقد تكون النار لبعضهم منزلة أخرى والجنة دار ~~المقامة ، وكذلك النار لأهلها وقولهم { من فضله } أي بحكم وعده لا بإيجاب ~~من عنده . # وقوله تعالى : { لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب } اللغوب الإعياء ~~والنصب هو السبب للإعياء فإن قال قائل إذا بين أنه { لا يمسهم فيها نصب } ~~علم أنه { لا يمسهم فيها * لغوب } ولا ينفي المتكلم الحكيم السبب ، ثم ينفي ~~مسببه بحرف العطف فلا يقول القائل لا أكلت ولا شبعت أو لا قمت ولا مشيث ~~والعكس كثير فإنه يقال لا شبعت ولا أكلت لما أن نفي الشبع لا يلزمه إنتفاء ~~الأكل وسياق ما تقرر أن يقال لا يمسنا فيها إعياء ولا مشقة ، فنقول ما قاله ~~الله في غاية الجلالة وكلام الله أجل وبيانه أجمل ، ووجه هو أنه تعالى بين ~~مخالفة الجنة لدار الدنيا فإن الدنيا أماكنها على قسمين : أحدهما : موضع ~~نمس فيه المشاق والمتاعب كالبراري والصحاري والطرقات والأراضي والآخر : ~~موضع يظهر فيه الإعياء كالبيوت والمنازل التي في PageV26P025 الأسفار من ~~الخانات فإن من يكون في مباشرة شغل لا يظهر عليه الإعياء إلا بعدما يستريح ~~فقال تعالى : { لا يمسنا فيها نصب } أي ليست الجنة كالمواضع التي في الدنيا ~~مظان المتاعب بل هي أفضل من المواضع التي هي مواضع مرجع العي ، فقال : { ~~ولا يمسنا فيها لغوب } أي ، لا نخرج منها إلى مواضع نتعب ونرجع إليها ~~فيمسنا فيها الإعياء وقرىء { لغوب } بفتح اللام ms7487 والترتيب على هذه القراءة ~~ظاهر كأنه قال لا نتعب ولا يمسنا ما يصلح لذلك ، وهذا لأن القوي السوي إذا ~~قال ما تعبت اليوم لا يفهم من كلامه أنه ما عمل شيئا لجواز أنه عمل عملا لم ~~يكن بالنسبة إليه متعبا لوقته ، فإذا قال ما مسني ما يصلح أن يكون متبعا ~~يفهم أنه لم يعمل شيئا لأن نفس العمل قد يصلح أن يكون متعبا لضعيف أو متعبا ~~بسبب كثرته ، واللغوب هو ما يغلب منه وقيل النصب التعب الممرض ، وعلى هذا ~~فحسن الترتيب ظاهر كأنه قال لا يمسنا مرض ولا دون ذلك وهو الذي يعيا منه ~~مباشرة . # ! 7 < { والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم ~~من عذابها كذلك نجزى كل كفور } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 36 ) والذين كفروا لهم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { والذين كفروا لهم نار جهنم } عطف على قوله : { إن الذين ~~يتلون كتاب الله } وما بينهما كلام يتعلق بالذين يتلون كتاب الله على ما ~~بينا وقوله : { جنات عدن يدخلونها } قد ذكرنا أنه على بعض الأقوال راجع إلى ~~{ الذين يتلون كتاب الله } . # ثم قال تعالى : { لا * يقضى * عليهم فيموتوا } أي لا يستريحون بالموت بل ~~العذاب دائم . # وقوله تعالى : { ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزى كل كفور } أي النار ~~وفيه لطائف : / الأولى : أن العذاب في الدنيا إن دام كثيرا يقتل فإن لم ~~يقتل يعتاده البدن ويصير مزاجا فاسدا متمكنا لا يحس به المعذب ، فقال عذاب ~~نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا ، إما أن يفني وإما أن يألفه البدن بل هو في ~~كل زمان شديد والمعذب فيه دائم الثانية : راعي الترتيب على أحسن وجه وذلك ~~لأن الترتيب أن لا ينقطع العذاب ، ولا يفتر فقال لا ينقطع ولا بأقوى ~~الأسباب وهو الموت حتى يتمنون الموت ولا يجابون كما قال تعالى : { ونادوا ~~يامالك * مالك * ليقض علينا ربك } أي بالموت الثالثة : في المعذبين اكتفى ~~بأنه لا ينقص عذابهم ، ولم يقل نزيدهم عذابا . وفي المثابين ذكر الزيادة ~~بقوله : { ويزيدهم من فضله } ثم لما بين أن ms7488 عذابهم لا يخفف . # ! 7 < { وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذى كنا نعمل أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير } ~~. > 7 ! # < < # | فاطر : ( 37 ) وهم يصطرخون فيها . . . . . # > > قال تعالى : { وهم يصطرخون فيها } أي لا يخفف وإن اصطرخوا واضطربوا ~~لا يخفف الله من عنده إنعاما إلى أن يطلبوه بل يطلبون ولا يجدون والاصطراخ ~~من الصراخ والصراخ صوت المعذب . # وقوله تعالى : { ربنا أخرجنا } أي صراخهم بهذا أي يقولون : { ربنا أخرجنا ~~} لأن صراخهم كلام وفيه إشارة إلى أن إيلامهم تعذيب لا تأديب ، وذلك لأن ~~المؤدب إذا قال لمؤدبه : لا أرجع إلى ما فعلت وبئسما PageV26P026 فعلت ~~يتركه ، وأما المعذب فلا وترتيبه حسن وذلك لأنه لما بين أنه لا يخفف عنهم ~~بالكلية ولا يعفو عنهم بين أنه لا يقبل منهم وعدا وهذا لأن المحبوس يصير ~~لعله يخرج من غير سؤال فإذا طال لبثه تطلب الإخراج من غير قطيعة على نفسه ~~فإن لم يقده يقطع على نفسه قطيعة ويقول أخرجني أفعل كذا وكذا . # واعلم أن الله تعالى قد بين أن من يكون في الدنيا ضالا فهو في الآخرة ضال ~~كما قال تعالى : { ومن كان فى هاذه أعمى فهو فى الاخرة أعمى } ثم إنهم لم ~~يعلموا أن العود إلى الدنيا بعيد محال بحكم الإخبار . # وعلى هذا قالوا : { نعمل صالحا } جازمين من غير استعانة بالله ولا مثنوية ~~فهي ، ولم يقولوا إن الأمر بيد الله ، فقال الله لهم إذا كان اعتمادكم على ~~أنفسكم فقد عمرناكم مقدارا يمكن التذكر فيه والإتيان بالإيمان والإقبال على ~~الأعمال . # وقولهم : { غير الذى كنا نعمل } إشارة إلى ظهور فساد عملهم ولهم وكأن ~~الله تعالى كما لم يهدهم في الدنيا لم يهدهم في الآخرة ، فما قالوا ربنا ~~زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعلمهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى ~~تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظرا إلى فضلك ولا تفعل بنا ما نحن ~~أهله نظرا إلى عدلك وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة ms7489 ~~، وكما هدى الله المؤمن في الدنيا هداه في العقبى حتى دعاه بأقرب دعاء إلى ~~الإجابة وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا الحمد لله وقالوا ربنا ~~غفور اعترافا بتقصيرهم شكور إقرارا بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وقالوا : ~~{ أحلنا دار المقامة من فضله } أي لا عمل لنا بالنسبة إلى نعم الله وهم ~~قالوا : { أخرجنا نعمل صالحا } / إغماضا في حق تعظيمه وإعراضا عن الاعتراف ~~بعجزهم عن الإتيان بما يناسب عظمته ، ثم إنه تعالى بن أنه آتاهم ما يتعلق ~~بقبول المحل من العمر الطويل وما يتعلق بالفاعل في المحل ، فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كفاعل الخير فيهم ومظهر السعادات . # فقال تعالى : { أو لم * نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير } . # فإن المانع إما أن يكون فيهم حيث لم يتمكنوا من النظر فيما أنزل الله ، ~~وإما أن يكون في مرشدهم حيث لم يتل عليهم ما يرشدهم . # ثم قال تعالى : { فذوقوا فما للظالمين من نصير } وقوله : { فذوقوا } ~~إشارة إلى الدوام وهو أمر إهانة ، فما للظالمين الذين وضعوا أعمالهم ~~وأقوالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها من نصير في وقت الحاجة ~~ينصرهم ، قال بعض الحكماء قوله : { فما للظالمين من نصير } وقوله : { وما ~~للظالمين من أنصار } يحتمل أن يكون المراد من الظالم الجاهل جهلا مركبا / ~~وهو الذي يعتقد الباطل حقا في الدنيا { وما له منهم * نصير } أي من علم ~~ينفعه في الآخرة ، والذي يدل عليه هو أن الله تعالى سمي البرهان سلطانا ، ~~كما قال تعالى : { فاتوا * بسلطان } والسلطان أقوى ناصر إذ هو القوة أو ~~الولاية وكلاهما ينصر والحق التعميم ، لأن الله لا ينصره وليس غيره نصيرا ~~فما لهم من نصير أصلا ، ويمكن أن يقال إن الله تعالى قال في آل عمران { وما ~~للظالمين من أنصار } وقال : { فمن يهدى من أضل الله وما لهم من ناصرين } ~~PageV26P027 وقال ههنا : { فما للظالمين من * نصر } أي هذا وقت كونهم ~~واقعين في النار ، فقد أيس كل منهم من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة ~~ولم يبق إلا ms7490 توقعهم من الله فقال : { ما لكم من * نصير } أصلا ، وهناك كان ~~الأمر محكيا في الدنيا أو في أوائل الحشر ، فنفى ما كانوا يتوقعون منهم ~~النصرة وهم آلهتهم . # ! 7 < { إن الله عالم غيب السماوات والا رض إنه عليم بذات الصدور } . > 7 ~~! # ثم قال تعالى : { إن الله عالم غيب * السماوات والارض * إنه عليم بذات ~~الصدور } . # < < # | فاطر : ( 38 ) إن الله عالم . . . . . # > > تقريرا لدوامهم في العذاب ، وذلك من حيث إن الله تعالى لما قال : { ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها } ولا يزاد عليها ، فلو قال قائل : الكافر ما كفر ~~بالله إلا أياما معدودة ، فكان ينبغي أن لا يعذب إلى مثل تلك الأيام ، فقال ~~تعالى إن الله لا يخفي عليه غيب السموات فلا يخفي عليه ما في الصدور ، وكان ~~يعلم من الكافر أن في قلبه تمكن الكفر بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ~~ولا عبده . # وفي قوله تعالى : { بذات الصدور } مسألة قد ذكرناها مرة ونعيدها أخرى ، ~~وهي أن لقائل أن يقول الصدور هي ذات اعتقادات وظنون ، فكيف سمى الله ~~الاعتقادات بذات الصدور ؟ / ويقرر السؤال قولهم أرض ذات أشجار وذات جني إذا ~~كان فيها ذلك ، فكذلك الصدر فيه اعتقاد فهو ذو اعتقاد ، فيقال له لما كان ~~اعتبار الصدر بما فيه صار ما فيه كالساكن المالك حيث لا يقال الدار ذات زيد ~~، ويصح أن يقال زيد ذو دار ومال وإن كان هو فيها . # ! 7 < { هو الذى جعلكم خلائف فى الا رض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } . > ~~7 @QB@ < # | فاطر : ( 39 ) هو الذي جعلكم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { هو الذى جعلكم خلائف فى الارض } . # تقريرا لقطع حجتهم فإنهم لما قالوا : { ربنا أخرجنا نعمل صالحا } وقال ~~تعالى : { أولم نعمركم ما يتذكر } إشارة إلى أن التمكين والإمهال مدة يمكن ~~فيها المعرفة قد حصل وما آمنتم وزاد عليه بقوله : { وجاءكم النذير } أي ~~آتيناكم عقولا ، وأرسلنا إليكم من يؤيد المعقول بالدليل المنقول زاد على ~~ذلك بقوله تعالى : { هو الذى جعلكم خلائف ms7491 فى الارض } أي نبهكم بمن مضى وحال ~~من انقضى فإنكم لو لم يحصل لكم علم بأن من كذب الرسل أهلك لكان عنادكم أخفى ~~وفسادكم أخف ، لكن أمهلتم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم ~~خلائف في الأرض ، أي خليفة بعد خليفة تعلمون حال الماضين وتصبحون بحالهم ~~راضين { فمن كفر } بعد هذا كله { فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ~~ربهم إلا مقتا } لأن الكافر السابق كان ممقوتا كالعبد الذي لا يخدم سيده ~~واللاحق الذي أنذره الرسول ولم ينتبه أمقت كالعبد الذي ينصحه الناصح ويأمره ~~بخدمة سيده ويعده ويوعده ولا ينفعه النصح ولا يسعده والتالي لهم الذي رأى ~~عذاب من تقدم ولم يخش PageV26P028 عذابه أمقت الكل . # ثم قال تعالى : { ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } أي الكفر لا ينفع ~~عند الله حيث لا يزيد إلا المقت ، ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يفيدهم إلا ~~الخسارة ، فإن العمر كالرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ، ومن اشترى به ~~سخطه خسر . # ! 7 < { قل أرءيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله أرونى ماذا خلقوا من ~~الا رض أم لهم شرك فى السماوات أم ءاتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن ~~يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { قل أرءيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أرونى ماذا ~~خلقوا من الارض أم لهم شرك فى * السماوات * قل أرءيتم شركاءكم الذين تدعون ~~من دون الله أرونى ماذا خلقوا من الارض أم لهم } . # / < < # | فاطر : ( 40 ) قل أرأيتم شركاءكم . . . . . # > > تقريرا للتوحيد وإبطالا للإشراك ، وقوله : { أرءيتم } المراد منه ~~أخبروني ، لأن الاستفهام يستدعي جوابا ، يقول القائل أرأيت ماذا فعل زيد ؟ ~~فيقول السامع باع أو اشترى ، ولولا تضمنه معنى أخبرني وإلا لما كان الجواب ~~إلا قوله لا أو نعم ، وقوله : { شركاءكم } إنما أضاف الشركاء إليهم من حيث ~~إن الإصنام في الحقيقة لم تكن شركاء لله ، وإنما هم جعلوها شركاء ، فقال ~~شركاءكم ، أي الشركاء يجعلكم ويحتمل أن يقال شركاءكم ، أي شركاءكم في النار ~~لقوله : { إنكم وما ms7492 تعبدون من دون الله حصب جهنم } وهو قريب ، ويحتمل أن ~~يقال هو بعيد لاتفاق المفسرين على الأول وقوله : { أرونى } بدل عن { أرءيتم ~~} لأن كليهما يفيد معنى أخبروني ، ويحتمل أن يقال قوله : { أرءيتم } ~~استفهام حقيقي و { أرونى } أمر تعجيز للتبين ، فلما قال : { أرءيتم } يعني ~~أعلمتم هذه التي تدعونها كما هي وعلى ما هي عليه من العجز أو تتوهمون فيها ~~قدرة ، فإن كنتم تعلمونها عاجزة فكيف تعبدونها ؟ وإن كان وقع لكم أن لها ~~قدرة فأروني قدرتها في أي شيء هي ، أهي في الأرض ، كما قال بعضهم : إن الله ~~إله السماء وهؤلاء آلهة الأرض ، وهم الذين قالوا أمور الأرض من الكواكب ~~والأصنام صورها ؟ أم هي في السموات ، كما قال بعضهم : إن السماء خلقت ~~باستعانة الملائكة والملائكة شركاء في خلق السموات ، وهذه الأصنام صورها ؟ ~~أم قدرتها في الشفاعة لكم ، كما قال بعضهم إن الملائكة ما خلقوا شيئا ~~ولكنهم مقربون عند الله فنعبدها ليشفعوا لنا ، فهل معهم كتاب من الله فيه ~~إذنه لهم بالشفاعة ؟ وقوله : { قل أرءيتم شركاءكم } في العائد إليه الضمير ~~وجهان أحدهما : أنه عائد إلى الشركاء ، أي هل أتينا الشركاء كتابا وثانيهما ~~: أنه عائد إلى المشركين ، أي هل آتينا المشركين كتابا وعلى الأول فمعناه ~~ما ذكرنا ، أي هل مع ما جعل شريكا كتاب من الله فيه أن له شفاعة عند الله ، ~~فإن أحدا لا يشفع عنده إلا بإذنه ، وعلى الثاني معناه أن عبادة هؤلاء إما ~~بالعقل ولا عقل لمن يعبد من لم يخلق من الأرض جزءا من الأجزاء ولا في ~~السماء شيئا من الأشياء ، وإما بالنقل ونحن ما آتينا المشركين كتابا فيه ~~أمرنا بالسجود لهؤلاء ولو أمرنا لجاز كما أمرنا بالسجود لآدم وإلى جهة ~~الكعبة ، فهذه العبادة لا عقلية ولا نقلية فوعد بعضهم بعضا ليس إلا غرورا ~~غرهم الشيطان وزين لهم عبادة الأصنام . # ! 7 < { إن الله يمسك السماوات والا رض أن تزولا ولئن زالتآ إن أمسكهما ~~من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا } . > 7 ! # ثم لما بين أنه لا خلق للأصنام ولا ms7493 قدرة لها ولا على جزء من الأجزاء بين ~~أن الله قدير بقوله : { إن الله يمسك * السماوات والارض * أن تزولا ولئن ~~زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا } < < # | فاطر : ( 41 ) إن الله يمسك . . . . . # > > ويحتمل أن يقال لما بين شركهم قال مقتضى شركهم زوال السموات والأرض ~~كما قال تعالى : { تكاد * السماوات * يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال ~~هدا * أن دعوا للرحمان ولدا } ويدل على هذا قوله تعالى في آخر الآية : { ~~إنه كان حليما غفورا } كان حليما ما ترك تعذيبهم إلا حلما منه وإلا كانوا ~~يستحقون إسقاط السماء وانطباق الأرض عليهم وإنما أخر إزالة السموات إلى ~~قيام الساعة حلما ، وتحتمل الآية وجها ثالثا : وهو أن يكون PageV26P029 ذلك ~~من باب التسليم وإثبات المطلوب على تقدير التسليم أيضا كأنه تعالى قال ~~شركاؤكم ما خلقوا من الأرض شيئا ولا في السماء جزءا ولا قدروا على الشفاعة ~~، فلا عبادة لهم . وهب أنهم فعلوا شيئا من الأشياء فهل يقدرون على إمساك ~~السموات والأرض ؟ ولا يمكنهم القول بأنهم يقدرون لأنهم ما كانوا يقولون به ~~، كما قال تعالى عنهم : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ليقولن ~~الله } ويؤيد هذا قوله : { ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد * بعده } فإذا ~~تبين أن لا معبود إلا الله من حيث إن غيره لم يخلق من الأشياء وإن قال ~~الكافر بأن غيره خلق فما خلق مثل ما خلق فلا شريك له إنه كان حليما غفورا ، ~~حليما حيث لم يعجل في إهلاكهم بعد إصرارهم على إشراكهم وغفورا يغفر لمن تاب ~~ويرحمه وإن استحق العقاب . # ! 7 < { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى ~~الا مم فلما جآءهم نذير ما زادهم إلا نفورا * استكبارا فى الا رض ومكر ~~السيىء ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة آلا ولين فلن ~~تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى ~~من إحدى الامم فلما جاءهم نذير ms7494 ما زادهم إلا نفورا } . # < < # | فاطر : ( 42 ) وأقسموا بالله جهد . . . . . # > > لما بين إنكارهم للتوحيد ذكر تكذيبهم للرسول ومبالغتهم فيه حيث إنهم ~~كانوا يقسمون على أنهم لا يكذبون الرسل إذا تبين لهم كونهم رسلا وقالوا : ~~إنما نكذب بمحمد صلى الله عليه وسلم لكونه كاذبا ، ولو تبين لنا كونه رسولا ~~لآمنا كما قال تعالى عنهم : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم ءاية ~~ليؤمنن بها } وهذا مبالغة منهم في التكذيب ، كما أن من ينكر دين إنسان قد ~~يقول والله لو علمت أن له شيئا علي لقضيته وزدت له ، إظهارا لكونه مطالبا ~~بالباطل ، فكذلك ههنا عاندوا وقالوا والله لو جاءنا رسول لكنا أهدى الأمم ~~فلما جاءهم نذير أي محمد صلى الله عليه وسلم جاءهم أي صح مجيؤه لهم بالبينة ~~ما زادهم إلا نفورا ، فإنهم قبل الرسالة كانوا كافرين بالله وبعدها صاروا ~~كافرين بالله ورسوله ولأنهم قبل الرسالة ما كانوا معذبين كما صاروا ، بعد ~~الرسالة وقال بعض المفسرين : إن أهل مكة كانوا يلعنون اليهود والنصارى على ~~أنهم كذبوا برسلهم لما جاءوهم وقالو لو جاءنا رسول لأطعناه / واتبعناه ، ~~وهذا فيه إشكال من حيث إن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر مطلقا ، ~~فكيف كانوا يعترفون بالرسل ، فمن أين عرفوا أن اليهود كذبوا وما جاءهم كتاب ~~ولولا كتاب الله وبيان رسوله من أين كان يعلم المشركون أنهم صدقوا شيئا ~~وكذبوا في شيء ؟ بل المراد ما ذكرنا أنهم كانوا يقولون نحن لو جاءنا رسول ~~لا ننكره وإنما ننكر كون محمد رسولا من حيث إنه كاذب ولو صح كونه رسولا ~~لآمنا وقوله : { فلما جاءهم } أي فلما صح لهم مجيؤه بالمعجزة ، وفي قوله : ~~{ أهدى } وجهان أحدهما : أن يكون المراد أهدى مما نحن عليه وعلى هذا فقوله ~~: { من إحدى الامم } للنبيين كما يقول القائل زيد من المسلمين ويدل على هذا ~~قوله تعالى : { فلما جاءهم * نذيرا * ما زادهم إلا نفورا } أي صاروا أضل ~~مما كانوا وكانوا يقولون نكون أهدى وثانيهما : أن يكون المراد أن نكون أهدى ~~من إحدى الأمم كما يقول القائل زيد أولى من ms7495 عمرو ، وفي الأمم وجهان أحدهما ~~: أن يكون المراد العموم أي أهدى من أي إحدى الأمم وفيه تعريض وثانيهما : ~~أن يكون المراد تعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى ومن كان في زمانهم . ~~PageV26P030 < < # | فاطر : ( 43 ) استكبارا في الأرض . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { استكبارا فى الارض } ونصبه يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن ~~يكون حالا أي مستكبرين في الأرض وثانيها : أن يكون مفعولا له أي للاستكبار ~~وثالثها : أن يكون بدلا عن النفور وقوله : { ومكر } إضافة الجنس إلى نوعه ~~كما يقال علم الفقه وحرفة الحدادة وتحقيقه أن يقال معناه ومكروا مكرا سيئا ~~ثم عرف لظهور مكرهم ، ثم ترك التعريف باللام وأضيف إلى السيء لكون السوء ~~فيه أبين الأمور ، ويحتمل أن يقال بأن المكر يستعمل استعمال العمل كما ~~ذكرنا في قوله تعالى : { يرفعه والذين يمكرون السيئات } أي يعملون السيئات ~~، ومكرهم السيء ، وهو جميع ما كان يصدر منهم من القصد إلى الإيذاء ومنع ~~الناس من الدخول في الإيمان وإظهار الإنكار ، ثم قال : { ولا يحيق المكر ~~السيىء إلا بأهله } أي لا يحيط إلا بفاعله وفي قوله : { ولا يحيق } وقوله : ~~{ إلا بأهله } فوائد ، أما في قوله : { يحيق } فهي أنها تنبىء عن الإحاطة ~~التي هي فوق اللحوق وفيه من التحذير ما ليس في قوله ولا يلحق أو ولا يصل ، ~~وأما في قوله : { بأهله } ففيه ما ليس في قول القائل ولا يحيق المكر السيء ~~إلا بالماكر ، كي لا يأمن المسيء فإن من أساء ومكره سيء آخر قد يلحقه جزاء ~~على سيئة ، وأما إذا لم يكن سيئا فلا يكون أهلا فيأمن المكر السيء ، وأما ~~في النفي والإثبات ففائدته الحصر بخلاف ما يقول القائل المكر السيء يحيق ~~بأهله ، فلا ينبىء عن عدم الحيق بغير أهله ، فإن قال قائل : كثيرا ما نرى ~~أن الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر والآية تدل على عدم ذلك ، ~~فنقول الجواب عنه من وجوه أحدها : أن المكر المذكور في الآية هو المكر الذي ~~مكروه مع النبي صلى الله عليه وسلم من العزم على القتل والإخراج ولم يحق ~~إلا ms7496 بهم ، حيث قتلوا يوم بدر وغيره وثانيها : هو أن نقول المكر السيء عام ~~وهو الأصح فإن النبي عليه السلام نهى عن المكر وأخبر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله يقول ولا يحيق ~~المكر السيء / إلا بأهله ) وعلى هذا فذلك الرجل الممكور به ( لا ) يكون ~~أهلا فلا يرد نقضا وثالثها : أن الأمور بعواقبها ، ومن مكر به غيره ونفذ ~~فيه المكر عاجلا في الظاهر ففي الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك وذلك ~~مثل راحة الكافر ومشقة المسلم في الدنيا ، ويبين هذا المعنى قوله تعالى : { ~~فهل ينظرون إلا سنة آلاولين } يعني إذا كان لمكرهم في الحال رواج فالعاقبة ~~للتقوى والأمور بخواتيمها ، فيهلكون كما هلك الأولون . # وقوله تعالى : { فهل ينظرون إلا سنة آلاولين } أي ليس لهم بعد هذا إلا ~~انتظار الإهلاك وهو سنة الأولين وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الإهلاك ليس سنة الأولين إنما هو سنة الله بالأولين ، ~~فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المصدر الذي هو المفعول المطلق يضاف ~~إلى الفاعل والمفعول لتعلقه بهما من وجه دون وجه فيقال فيما إذا ضرب زيد ~~عمرا عجبت من ضرب عمرو كيف ضرب مع ماله من العزم والقوة وعجبت من ضرب زيد ~~كيف ضرب مع ماله من العلم والحكمة فكذلك سنة الله بهم أضافها إليهم لأنها ~~سنة سنت بهم وأضافها إلى نفسه بعدها بقوله : PageV26P031 # { فلن تجد لسنة الله تبديلا } لأنها سنة من سنن الله ، إذا علمت هذا ~~فنقول أضافها في الأول إليهم حيث قال : { قل للذين } لأن سنة الله الإهلاك ~~بالإشراك والإكرام على الإسلام فلا يعلم أنهم ينتظرون أيهما فإذا قال سنة ~~الأولين تميزت وفي الثاني أضافها إلى الله ، لأنها لما علمت فالإضافة إلى ~~الله تعظمها وتبين أنها أمر واقع ليس لها من دافع وثانيهما : أن المراد من ~~سنة الأولين استمرارهم على الإنكار واستكبارهم عن الإقرار ، وسنة الله ~~استئصالهم بإصرارهم فكأنه قال : أنتم تريدون الإتيان بسنة الأولين والله ~~يأتي بسنة لا تبديل لها ولا تحويل عن مستحقها ms7497 . # المسألة الثانية : التبديل تحويل فما الحكمة في التكرار ؟ نقول بقوله : { ~~فلن تجد * لسنة الله تبديلا } حصل العلم بأن العذاب لا تبديل له بغيره ، ~~وبقوله : { ولن تجد لسنة الله تحويلا } حصل العلم بأن العذاب مع أنه لا ~~تبديل له بالثواب لا يتحول عن مستحقه إلى غيره فيتم تهديد المسيء . # المسألة الثالثة : المخاطب بقوله : { فلن تجد } يحتمل وجهين وقد تقدم ~~مرارا أحدهما : أن يكون عاما كأنه قال فلن تجد أيها السامع لسنة الله ~~تبديلا والثاني : أن يكون مع محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فكأنه قال : ~~سنة الله أنه لا يهلك ما بقي في القوم من كتب الله إيمانه ، فإذا آمن من في ~~علم الله أنه يؤمن يهلك الباقين كما قال نوح : { إنك إن تذرهم } أي تمهل ~~الأمر وجاء وقت سنتك . # ! 7 < { أولم يسيروا فى الا رض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شىء فى السماوات ولا فى الا رض ~~إنه كان عليما قديرا } . > 7 @QB@ < # | فاطر : ( 44 ) أو لم يسيروا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { أو لم * يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة } . # لما ذكر أن للأولين سنة وهي الإهلاك نبههم بتذكير حال الأولين فإنهم ~~كانوا مارين على ديارهم رائين لآثارهم وأملهم كان فوق أملهم وعملهم كان دون ~~عملهم ، أما الأول فلطول أعمارهم وشدة اقتدارهم ، وأما عملهم فلأنهم لم ~~يكذبوا مثل محمد ولا محمدا وأنتم يا أهل مكة كذبتم محمدا ومن تقدمه ، وقوله ~~تعالى : { وكانوا أشد منهم قوة } قد ذكرناه في سورة الروم ، بقي فيه أبحاث ~~: # الأول : قال هناك : { كانوا أشد } من غير واو ، وقال ههنا بالواو فما ~~الفرق ؟ نقول قول القائل : أما رأيت زيدا كيف أكرمني وأعظم منك ، يفيد أن ~~القائل يخبره بأن زيدا أعظم ، وإذا قال : أما رأيته كيف أكرمني هو أعظم منك ~~يفيد أنه تقرر أن كلا المعنيين حاصل عند السامع كأنه رآه أكرمه ورآه أكبر ~~منه ولا شك أن هذه العبارة ms7498 الأخيرة تفيد كون الأمر الثاني في الظهور مثل ~~الأول بحيث لا يحتاج إلى إعلام من المتكلم ولا إخبار ، إذا علمت هذا فنقول ~~المذكور ههنا كونهم أشد منهم قوة لا غير ، ولعل ذلك كان ظاهرا عندهم فقال ~~بالواو أي نظركم كما يقع على عاقبة أمرهم يقع على قوتهم ، وأما هناك ~~فالمذكور أشياء كثيرة فإنه قال : { كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الارض ~~وعمروها } وفي موضع آخر قال : { أفلم يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وءاثارا فى الارض } ولعل ~~علمهم لم يحصل PageV26P032 بإثارتهم الأرض أو بكثرتهم ولكن نفس القوة ~~ورجحانهم فيما عليهم كان معلوما عندهم فإن كل طائفة تعتقد فيمن تقدمهم أنهم ~~أقوى منهم ولا نزاع فيه . # وقوله تعالى : { وما كان الله ليعجزه من شىء فى السماوات * ولا فى الارض ~~إنه كان عليما قديرا } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون بيانا لهم أي أن ~~الأولين مع شدة قوتهم ما أعجزوا الله وما فاتوه فهم أولى بأن لا يعجزوه ~~والثاني : أن يكون قطعا لأطماع الجهال فإن قائلا لو قال : هب أن الأولين ~~كانوا أشد قوة وأطول أعمارا لكنا نستخرج بذكائنا ما يزيد على قواهم ونستعين ~~/ بأمور أرضية لها خواص أو كواكب سماوية لها آثار فقال تعالى : { وما كان ~~الله ليعجزه من شىء فى السماوات * ولا فى الارض إنه كان عليما } بأفعالهم ~~وأقوالهم : { قديرا } على إهلاكهم واستئصالهم . # ! 7 < { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة ولاكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من ~~دابة ولاكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء } . # < < # | فاطر : ( 45 ) ولو يؤاخذ الله . . . . . # > > لما خوف الله المكذبين بمن مضى وكانوا من شدة عنادهم وفساد اعتقادهم ~~يستعجلون بالعذاب ويقولون عجل لنا عذابنا فقال الله : للعذاب أجل والله لا ~~يؤاخذ الله الناس بنفس الظلم فإن الإنسان ظلوم جهول ، وإنما يؤاخذ بالإصرار ms7499 ~~وحصول يأس الناس عن إيمانهم ووجود الإيمان ممن كتب الله إيمانه فإذا لم يبق ~~فيهم من يؤمن يهلك المكذبين ولو آخذهم بنفس الظلم لكان كل يوم إهلاك وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : إذا كان الله يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدواب ~~يهلكون ؟ نقول الجواب من وجوه أحدها : أن خلق الدواب نعمة فإذا كفر الناس ~~يزيل الله النعم والدواب أقرب النعم لأن المفرد أولا ثم المركب والمركب إما ~~أن يكون معدنيا وإما أن يكون ناميا والنامي إما أن يكون حيوانا وإما أن ~~يكون نباتا ، والحيوان إما إنسان وإما غير إنسان فالدواب أعلى درجات ~~المخلوقات في عالم العناصر للإنسان الثاني : هو أن ذلك بيان لشدة العذاب ~~وعمومه فإن بقاء الأشياء بالإنسان كما أن بقاء الإنسان بالأشياء وذلك لأن ~~الإنسان يدبر الأشياء ويصلحها فتبقى الأشياء ثم ينتفع بها الإنسان فيبقى ~~الإنسان فإذا كان الهلاك عاما لا يبقى من الإنسان من يعمر فلا تبقى الأبنية ~~والزروع فلا تبقى الحيوانات الأهلية لأن بقاءها بحفظ الإنسان إياها عن ~~التلف والهلاك بالسقي والعلف الثالث : هو أن إنزال المطر هو إنعام من الله ~~في حق العباد فإذا لم يستحقوا الإنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على ~~وجه الأرض فتموت جميع الحيوانات وقوله تعالى : { ما ترك على ظهرها من دابة ~~} الوجه الثالث : لأن بسبب انقطاع الأمطار تموت حيوانات البر ، أما حيوانات ~~البحر فتعيش بماء البحار . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { على ظهرها } كناية عن الأرض وهي غير ~~مذكورة فكيف علم ؟ نقول مما تقدم ومما تأخر ، أما ما تقدم فقوله : { وما ~~كان الله ليعجزه من شىء فى السماوات * ولا فى الارض } فهو أقرب PageV26P033 ~~المذكورات الصالحة لعود الهاء إليها ، وأما ما تأخر فقوله : { من دابة } ~~لأن الدواب على ظهر الأرض ، فإن قيل كيف يقال لما عليه الخلق من الأرض وجه ~~الأرض / وظهر الأرض ، مع أن الوجه مقابل الظهر كالمضاد ؟ نقول من حيث إن ~~الأرض كالدابة الحاملة للأثقال والحمل يكون على الظهر يقال له ظهر الأرض ، ~~ومن حيث إن ذلك هو المقابل للخلق ms7500 المواجه لهم يقال له وجهها ، على أن الظهر ~~في مقابلة البطن والظهر والظاهر من باب والبطن والباطن من باب ، فوجه الأرض ~~ظهر لأنه هو الظاهر وغيره منها باطن وبطن . # المسألة الثالثة : في قوله تعالى : { ولاكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } وجوه ~~أحدها : إلى يوم القيامة وهو مسمى مذكور في كثير من المواضع ثانيها : يوم ~~لا يوجد في الخلق من يؤمن على ما تقدم ثالثها : لكل أمة أجل ولكل أجل كتاب ~~وأجل قوم محمد صلى الله عليه وسلم أيام القتل والأسر كيوم بدر وغيره . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده ~~بصيرا } تسلية للمؤمنين للمؤمنين ، وذلك لأنه تعالى لما قال : { ما ترك على ~~ظهرها من دابة } وقال : { لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } قال : فإذا جاء ~~الهلاك فالله بالعباد بصير ، إما أن ينجيهم أو يكون توفيهم تقريبا من الله ~~لا تعذيبا ، لا يقال قد ذكرت أن الله لا يؤاخذ بمجرد الظلم ، وإنما يؤاخذ ~~حين يجتمع الناس على الضلال ونقول بأنه تعالى عند الإهلاك يهلك المؤمن فكيف ~~هذا ، نقول قد ذكرنا أن الإماتة والإفناء إن كان للتعذيب فهو مؤاخذة بالذنب ~~وإهلاك ، وإن كان لإيصال الثواب فليس بإهلاك ولا بمؤاخذة ، والله لا يؤاخذ ~~الناس إلا عند عموم الكفر ، وقوله : { بصير } اللفظ أتم في التسلية من ~~العليم وغيره لأن البصير بالشيء الناظر إليه أولى بالإنجاء من العالم بحالة ~~دون أن يراه والله أعلم . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ~~. # PageV26P034 < # > 1 ( سورة يس ) 1 < # > # ثمانون وثلاث آيات مكية # ! 7 < { يس* والقرءان الحكيم } . > 7 ! # { يس * والقرءان الحكيم } < < # | يس : ( 1 - 2 ) يس # > > قد ذكرنا كلاما كليا في حروف التهجي في سورة العنكبوت وذكرنا أن في ~~كل سورة بدأ الله فيها بحروف التهجي كان في أوائلها الذكر أو الكتاب أو ~~القرآن ولنذكر ههنا أبحاثا : # البحث الأول : هو أن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أمورا تدل على ~~أنها غير خالية عن الحكمة ولكن علم الإنسان لا يصل إليها بعينها فنقول ما ms7501 ~~هو الكلي من الحكمة فيها ، أما بيان أن فيها ما يدل على الحكمة فهو أن الله ~~تعالى ذكر من الحروف نصفها وهي أربعة عشر حرفا وهي نصف ثمانية وعشرين حرفا ~~، وهي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا الهمزة ألف متحركة ، ثم ~~إنه تعالى قسم الحروف ثلاثة أقسام تسعة أحرف من الألف إلى الذال وتسعة أحرف ~~أخر في آخر الحروف من الفاء إلى الياء وعشرة من الوسط من الراء إلى الغين ، ~~وذكر من القسم الأول حرفين هما الألف والحاء وترك سبعة وترك من القسم الآخر ~~حرفين هما الفاء والواو وذكر سبعة ، ولم يترك من القسم الأول من حروف الحلق ~~والصدر إلا واحدا لم يذكره وهو الخاء ، ولم يذكر من القسم الآخر من حروف ~~الشفة إلا واحدا لم يتركه وهو الميم ، والعشر الأواسط ذكر منها حرفا وترك ~~حرفا فذكر الراء وترك الزاي وذكر السين وترك الشين وذكر الصاد وترك الضاد ~~وذكر الطاء وترك الظاء وذكر العين وترك الغين ، وليس هذا أمرا يقع اتفاقا ~~بل هو ترتيب مقصود فهو لحكمة ، وأما أن عينها غير معلومة فظاهر وهب أن ~~واحدا يدعى فيها شيئا فماذا يقول في كون بعض السور مفتتحة بحرف كسورة ن ، ~~وق ، وص . وبعضها بحرفين كسورة حم . ويس . وطس . وطه . وبعضها بثلاثة أحرف ~~كسورة الم . وطسم . والر . وبعضها بأربعة كسورتي المر . والمص . وبعضها ~~بخمسة أحرف كسورتي حمعسق . وكهيعص . وهب أن قائلا يقول إن هذا إشارة إلى أن ~~الكلام ، إما حرف ، وإما فعل ، وإما اسم ، والحرف كثيرا ما جاء على حرف ~~كواو العطف وفاء التعقيب وهمزة الاستفهام وكاف التشبيه وباء الإلصاق / ~~وغيرها وجاء على حرفين كمن للتبعيض وأو للتخيير وأم للاستفهام المتوسط وأن ~~للشرط وغيرها والاسم PageV26P035 والفعل والحرف جاء على ثلاثة أحرف كإلى ~~وعلى في الحرف وإلى وعلى في الاسم وألا يألو وعلا يعلو في الفعل ، والاسم ~~والفعل جاء على أربعة ، والاسم خاصة جاء على ثلاثة وأربعة وخمسة كفجل وسجل ~~وجردحل فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من ms7502 هذه الحروف على ~~هذه الوجوه ، فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور بالحرف الواحد ~~والبعض بأكثر فلا يعلم تمام السر إلا الله ومن أعلمه الله به ، إذا علمت ~~هذا فنقول اعلم أن العبادة منها قلبية ، ومنها لسانية ، ومنها جارحية ، وكل ~~واحدة منها قسمان قسم عقل معناه وحقيقته وقسم لم يعلم ، أما القلبية مع ~~أنها أبعد عن الشك والجهل ففيها ما لم يعلم دليله عقلا ، وإنما وجب الإيمان ~~به والاعتقاد سمعا كالصراط الذي ( هو ) أرق من الشعرة وأحد من السيف ويمر ~~عليه المؤمن والموقن كالبرق الخاطف والميزان الذي توزن به الأعمال التي لا ~~ثقل لها في نظر الناظر وكيفيات الجنة والنار فإن هذه الأشياء وجودها لم ~~يعلم بدليل عقلي ، وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها معلوم مقطوع به ~~بالسمع ومنها ما علم كالتوحيد والنبوة وقدرة الله وصدق الرسول ، وكذلك في ~~العبادات الجارحية ما علم معناه وما لم يعلم كمقادير النصب وعدد الركعات ، ~~وقد ذكرنا الحكمة فيه وهي أن العبد إذا أتى بما أمر به من غير أن يعلم ما ~~فيه من الفائدة لا يكون إلا آتيا بمحض العبادة بخلاف ما لو علم الفائدة ~~فربما يأتي به للفائدة وإن لم يؤمن كما لو قال السيد لعبده انقل هذه ~~الحجارة من ههنا ولم يعلمه بما في النقل فنقلها ولو قال انقلها فإن تحتها ~~كنزا هو لك ينقلها وإن لم يؤمن / إذا علم هذا فكذلك في العبادات اللسانية ~~الذكرية وجب أن يكون منها ما لا يفهم معناه حتى إذا تكلم به العبد علم منه ~~أنه لا يقصد غير الانقياد لأمر المعبود الآمر الناهي فإذا قال : { حم يس * ~~الم * طس } علم أنه لم يذكر ذلك لمعنى يفهمه أو يفهمه فهو يتلفظ به إقامة ~~لما أمر به . # البحث الثاني : قيل في خصوص يس إنه كلام هو نداء معناه يا إنسان ، ~~وتقريره هو أن تصغير إنسان إنيسين فكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال : { ~~يس } أي أنيسين ، وعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب مع محمد صلى الله ms7503 عليه ~~وسلم ويدل عليه قوله تعالى بعده : { إنك لمن المرسلين } . # البحث الثالث : قرىء يس إما بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف هو قوله هذه ~~كأنه قال : هذه يس ، وإما بالضم على نداء المفرد أو على أنه مبني كحيث ، ~~وقرىء يس إما بالنصب على معنى اتل يس وإما بالفتح كأين وكيف ، وقرىء يس ~~بالكسر كجير لإسكان الياء وكسرة ما قبلها ولا يجوز أن يقال بالجر لأن إضمار ~~الجار غير جائز وليس فيه حرف قسم ظاهر وقوله تعالى : { والقرءان الحكيم } ~~أي ذي الحكمة كعيشة راضية أي ذات رضا أو على أنه ناطق بالحكمة فهو كالحي ~~المتكلم . # ! 7 < { إنك لمن المرسلين } . > 7 ! # وقوله تعالى : { إنك لمن المرسلين } < < # | يس : ( 3 ) إنك لمن المرسلين # > > مقسم عليه وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : الكفار أنكروا كون محمد مرسلا والمطالب تثبت بالدليل ~~لا بالقسم فما الحكمة في الإقسام ؟ نقول فيه وجوه الأول : هو أن العرب ~~كانوا يتوقون الأيمان الفاجرة وكانوا يقولون إن اليمين الفاجرة توجب خراب ~~العالم وصحح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : ( اليمين الكاذبة تدع ~~الديار بلاقع ) ثم إنهم كانوا يقولون إن PageV26P036 النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصيبه من آلهتهم عذاب وهي الكواكب فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف ~~بأمر الله وإنزال كلامه عليه وبأشياء مختلفة ، وما كان يصيبه عذاب بل كان ~~كل يوم أرفع شأنا وأمنع مكانا فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب الثاني : ~~هو أن المتناظرين إذا وقع بينهما كلام وغلب أحدهما الآخر بتمشية دليله ~~وأسكته يقول المطلوب إنك قررت هذا بقوة جدالك وأنت خبير في نفسك بضعف مقالك ~~وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه صورة دليل وعجزت أنا عن القدح ~~فيه ، وهذا كثير الوقوع بين المتناظرين فعند هذا لا يجوز أن يأتي هو بدليل ~~آخر ، لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما قاله في الأول فلا يجد ~~أمرا إلا اليمين ، فيقول والله إني لست مكابرا وإن الأمر على ما ذكرت ولو ~~علمت خلافه لرجعت إليه فههنا يتعين ms7504 اليمين ، فكذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما أقام البراهين وقالت الكفرة : { ما هاذا إلا رجل يريد أن يصدكم } ~~{ وقالوا * للحق لما جاءهم إن هاذا إلا سحر مبين } تعين التمسك بالأيمان ~~لعدم فائدة الدليل الثالث : هو أن هذا ليس مجرد الحلف ، وإنما هو دليل خرج ~~في صورة اليمين لأن القرآن معجزة ودليل كونه مرسلا هو المعجزة والقرآن كذلك ~~فإن قيل فلم لم يذكر في صورة الدليل ؟ وما الحكمة في ذكر الدليل في صورة ~~اليمين ؟ قلنا الدليل أن ذكره في صورة اليمين قد لا يقبل عليه سامع فلا ~~يقبله فؤاده فإذا ابتدىء به على صورة اليمين واليمين لا يقع لا سيما من ~~العظيم الأعلى أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه ~~فلصورة اليمين تشرئب إليه الأجسام ، ولكونه دليلا شافيا يتشربه الفؤاد فيقع ~~في السمع وينفع في القلب . # المسألة الثانية : كون القرآن حكيما عندهم لكون محمد رسولا ، فلهم أن ~~يقولوا إن هذا ليس بقسم ، نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن كون القرآن ~~معجزة بين إن أنكروه قيل لهم فأتوا بسورة من مثله والثاني : أن العاقل لا ~~يثق بيمين غيره إلا إذا حلف بما يعتقد عظمته ، فالكافر إن حلف بمحمد لا ~~نصدقه كما نصدقه لو حلف بالصليب والصنم ، ولو حلف بديننا الحق لا يوثق بمثل ~~ما يوثق به لو حلف بدينه الباطل وكان من المعلوم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه يعظمون القرآن فحلفه به هو الذي يوجب ثقتهم به . # ! 7 < { على صراط مستقيم } . > 7 ! # وقوله تعالى : { على صراط مستقيم } < < # | يس : ( 4 ) على صراط مستقيم # > > خبر بعد خبر أي إنك على صراط مستقيم والمستقيم / أقرب الطرق الموصلة ~~إلى المقصد والدين كذلك فإنه توجه إلى الله تعالى وتولى عن غيره والمقصد هو ~~الله والمتوجه إلى المقصد أقرب إليه من المولى عنه والمتحرف منه ولا يذهب ~~فهم أحد إلى أن قوله إنك منهم على صراط مستقيم مميز له عن غيره كما يقال إن ~~محمدا من الناس مجتبى لأن جميع المرسلين على ms7505 صراط مستقيم ، وإنما المقصود ~~بيان كون النبي صلى الله عليه وسلم على الصراط المستقيم الذي يكون عليه ~~المرسلون وقوله : { على صراط مستقيم } فيه معنى لطيف يعلم منه فساد قول ~~المباحية الذين يقولون المكلف يصير واصلا إلى الحق فلا يبقى عليه تكليف ~~وذلك من حيث إن الله بين أن المرسلين ما داموا في الدنيا فهم سالكون سائحون ~~مهتدون منتهجون إلى السبيل المستقيم فكيف ذلك الجاهل العاجز . # PageV26P037 ! 7 < { تنزيل العزيز الرحيم } . > 7 ! # وقوله تعالى : { تنزيل العزيز الرحيم } < < # | يس : ( 5 ) تنزيل العزيز الرحيم # > > قرىء بالجر على أنه بدل من القرآن كأنه قال : { والقرءان الحكيم * ~~تنزيل العزيز الرحيم * إنك لمن المرسلين * لتنذر } وقرىء بالنصب وفيه وجهان ~~أحدهما : أنه مصدر فعله منوي كأنه قال نزل تنزيل العزيز الرحيم لتنذر ويكون ~~تقديره نزل القرآن أو الكتاب الحكيم والثاني : أنه مفعول فعل منوي كأنه قال ~~والقرآن الحكيم أعني تنزيل العزيز الرحيم إنك لمن المرسلين لتنذر ، وهذا ما ~~اختاره الزمخشري وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ منوي كأنه قال هذا تنزيل ~~العزيز الرحيم لتنذر ويحتمل وجها آخر على هذه القراءة وهو أن يكون مبتدأ ~~خبره لتنذر كأنه قال تنزيل العزيز للإنذار وقوله : { العزيز الرحيم } إشارة ~~إلى أن الملك إذا أرسل رسولا فالمرسل إليهم إما أن يخالفوا المرسل ويهينوا ~~المرسل وحينئذ لا يقدر الملك على الانتقام منهم إلا إذا كان عزيزا أو ~~يخافوا المرسل ويكرموا المرسل وحينئذ يرحمهم الملك ، أو نقول المرسل يكون ~~معه في رسالته منع عن أشياء وإطلاق لأشياء فالمنع يؤكد العزة والإطلاق يدل ~~على الرحمة . # ! 7 < { لتنذر قوما مآ أنذر ءابآؤهم فهم غافلون } . > 7 @QB@ < # | يس : ( 6 ) لتنذر قوما ما . . . . . # > > # وقوله تعالى : { لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم فهم غافلون } . # قد تقدم تفسيره في قوله : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } وقيل ~~المراد الإثبات وهو على وجهين أحدهما : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم ، فتكون ~~ما مصدرية الثاني : أن تكون موصولة معناه : لتنذر قوما الذين أنذر آباؤهم ~~فهم غافلون ، فعلى قولنا ما نافية تفسيره ظاهر فإن من ms7506 لم ينذر آباؤه وبعد ~~الإنذار عنه فهو يكون غافلا ، وعلى قولنا هي للإثبات كذلك لأن معناه ~~لتنذرهم إنذار آبائهم فإنهم غافلون ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : كيف يفهم التفسيران وأحدهما يقتضي أن لا يكون آباؤهم ~~منذرين والآخر يقتضي أن يكونوا منذرين وبينهما تضاد ؟ نقول على قولنا ما ~~نافية معناه ما أنذر آباؤهم وإنذار آبائهم الأولين لا ينافي أن يكون ~~المتقدمون من آبائهم منذرين والمتأخرون منهم غير منذرين . # / المسألة الثانية : قوله : { لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم } يقتضي أن لا ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا بإنذار اليهود لأن آباءهم أنذروا ، ~~نقول ليس كذلك ، أما على قولنا ما للإثبات لا للنفي فظاهر ، وأما على قولنا ~~هي نافية فكذلك ، وقد بينا ذلك في قوله تعالى : { بل هو الحق من ربك لتنذر ~~قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } وقلنا إن المراد أن آباءهم قد أنذروا بعد ~~ضلالهم وبعد إرسال من تقدم فإن الله إذا أرسل رسولا فما دام في القوم من ~~يبين دين ذلك النبي ويأمر به لا يرسل الرسول في أكثر الأمر ، فإذا لم يبق ~~فيهم من يبين ويضل الكل ويتباعد العهد ويفشو الكفر يبعث رسولا آخر مقررا ~~لدين من كان قبله أو واضعا لشرع آخر ، فمعنى قوله تعالى : { لتنذر قوما ما ~~أنذر ءاباؤهم } أي ما أنذروا بعد ما ضلوا عن طريق الرسول المتقدم واليهود ~~والنصارى دخلوا فيه لأنهم لم تنذر آباؤهم الأدنون بعد ما ضلوا ، فهذا دليل ~~على كون النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثا بالحق إلى الخلق كافة . # المسألة الثالثة : قوله : { فهم غافلون } دليل على أن البعثة لا تكون إلا ~~عند الغفلة ، أما إن حصل لهم العلم بما أنزل الله بأن يكون منهم من يبلغهم ~~شريعة ويخالفونه فحق عليهم الهلاك ولا يكون ذلك تعذيبا من PageV26P038 قبل ~~أن يبعث الله رسولا ، وكذلك من خالف الأمور التي لا تفتقر إلى بيان الرسل ~~يستحق الإهلاك من غير بعثة ، وليس هذا قولا بمذهب المعتزلة من التحسين ~~والتقبيح العقلي بل معناه أن الله تعالى لو ms7507 خلق في قوم علما بوجوب الأشياء ~~وتركوه لا يكونون غافلين فلا يتوقف تعذيبهم على بعثة الرسل . # ! 7 < { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } . > 7 @QB@ < # | يس : ( 7 ) لقد حق القول . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } . # لما بين أن الإرسال أو الإنزال للإنذار ، أشار إلى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليس عليه الهداية المستلزمة للاهتداء ، وإنما عليه الإنذار وقد ~~لا يؤمن من المنذرين كثير وفي قوله تعالى : { لقد حق القول } وجوه الأول : ~~وهو المشهور أن المراد من القول هو قوله تعالى : { حق القول منى لاملان ~~جهنم * منك وممن تبعك } ، الثاني : هو أن معناه لقد سبق في علمه أن هذا ~~يؤمن وأن هذا لا يؤمن فقال في حق البعض أنه لا يؤمن ، وقال في حق غيره أنه ~~يؤمن { فحق * القول } أي وجد وثبت بحيث لا يبدل بغيره الثالث : هو أن يقال ~~المراد منه لقد حق القول الذي قاله الله على لسان الرسل من التوحيد وغيره ~~وبأن برهانه فأكثرهم لا يؤمنون بعد ذلك لأن من يتوقف لاستماع الدليل في ~~مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان ، فإذا تحقق وأكد بالإيمان ~~ولم يؤمن من أكثرهم فأكثرهم تبين أنهم لا يؤمنون لمضي وقت رجاء الإيمان ~~ولأنهم لما لم يؤمنوا عندما حق القول واستمروا فإن كانوا يريدون شيئا أوضح ~~من البرهان فهو العيان / وعند العيان لا يفيد الإيمان ، وقوله : { على ~~أكثرهم } على هذا الوجه معناه أن من لم تبلغه الدعوة والبرهان قليلون فحق ~~القول على أكثر من لم يوجد منه الإيمان وعلى الأول والثاني ظاهر فإن أكثر ~~الكفار ماتوا على الكفر ولم يؤمنوا { وفيه * وجه } وهو أن يقال لقد حقت ~~كلمة العذاب العاجل على أكثرهم فهم لا يؤمنون وهو قريب من الأول . # ! 7 < { إنا جعلنا فىأعناقهم أغلالا فهى إلى الا ذقان فهم مقمحون } . > 7 ~~! # ثم قال تعالى : { إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا * فهى * إلى الاذقان فهم ~~مقمحون } . # < < # | يس : ( 8 ) إنا جعلنا في . . . . . # > > لما بين أنهم لا ms7508 يؤمنون بين أن ذلك من الله فقال : { إنا جعلنا } ~~وفيه وجوه أحدها : أن المراد إنا جعلناهم ممسكين لا ينفقون في سبيل الله ~~كما قال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } والثاني : أن الآية نزلت ~~في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين حيث حلف أبو جهل أنه يرضخ رأس محمد ، فرآه ~~ساجدا فأخذ صخرة ورفعها ليرسلها على رأسه فالتزقت بيده ويده بعنقه . ~~والثالث : وهو الأقوى وأشد مناسبة لما تقدم وهو أن ذلك كناية عن منع الله ~~إياهم عن الاهتداء وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هل للوجهين الأولين مناسبة مع ما تقدم من الكلام ؟ نقول ~~الوجه الأول : له مناسبة وهي أن قوله تعالى : { فهم لا يؤمنون } يدخل فيه ~~أنهم لا يصلون كما قال تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي صلاتكم ~~عند بعض المفسرين والزكاة مناسبة للصلاة على ما بينا فكأنه قال لا يصلون ~~ولا يزكون ، وأما على الوجه الثاني فمناسبة خفية وهي أنه لما قال : { لقد ~~حق القول على أكثرهم } وذكرنا أن PageV26P039 المراد به البرهان قال بعد ~~ذلك بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من الضرورة حيث التزقت يده بعنقه ومنع من ~~إرسال الحجر وهو يضطر إلى الإيمان ولم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلا والتفسير ~~هو الوجه الثالث . # المسألة الثانية : قوله : { فهى } راجعة إلى ماذا ؟ نقول فيها وجان ~~أحدهما : أنها راجعة إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة ولكنها معلومة لأن ~~المغلول تكون أيديه مجموعة في الغل إلى عنقه وثانيهما : وهو ما اختاره ~~الزمخشري أنها راجعة إلى الأغلال ، معناه إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ~~ثقالا غلاظا بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطىء ~~رأسه . # المسألة الثالثة : كيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل ~~كناية فنقول المغلول الذي بلغ الغل إلى ذقنه وبقي مقمحا رافع الرأس لا يبصر ~~الطريق الذي عند قدمه وذكر بعده أن بين يديه سدا ومن خلفه سدا فهو لا يقدر ~~على انتهاج السبيل ورؤيته وقد ذكر من قبل أن المرسل على صراط مستقيم ms7509 فهذا ~~الذي يهيده النبي إلى الصراط المستقيم العقلي جعل ممنوعا كالمغلول الذي ~~يجعل ممنوعا من إبصار الطريق الحسي ، ويحتمل وجها آخر وهو أن يقال الأغلال ~~في الأعناق / عبارة عن عدم الانقياد فإن المنقاد يقال فيه إنه وضع رأسه على ~~الخط وخضع عنقه والذي في رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطىء رأسه ولا ~~يحركه تحريك المصدق ، ويصدق هذا قوله : { مقمحون } فإن المقمح هو الرافع ~~رأسه كالمتأبي يقال بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء ولم يطأطئه ~~للشرب والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة وكأنه تعالى قال : { إنا ~~جعلنا فى أعناقهم أغلالا فهم مقمحون } لا يخضعون الرقاب لأمر الله . # ! 7 < { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ~~} . > 7 ! # وعلى هذا فقوله تعالى : { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون } . # < < # | يس : ( 9 ) وجعلنا من بين . . . . . # > > يكون متمما لمعنى جعل الله إياهم مغلولين لأن قوله : { وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا } إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فكأنه قال لا يبصرون ~~الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له ~~لمكان الغل والإيمان المورث للإيقان . إما باتباع الرسول أولا فتلوح له ~~الحقائق ثانيا وإما بظهور الأمور أولا واتباع الرسول ثانيا ، ولا يتبعون ~~الرسول أولا لأنهم مغلولون فلا يظهر لهم الحق من الرسول ثانيا ، ولا يظهر ~~لهم الحق أولا لأنهم واقعون في السد فلا يتبعون الرسول ثانيا وفيه وجه آخر ~~: وهو أن يقال المانع ، إما أن يكون في النفس ، وإما أن يكون خارجا عنها ، ~~ولهم المانعان جميعا من الإيمان ، أما في النفس فالغل ، وأما من الخارج ~~فالسد ، ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما قال ~~تعالى : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } وذلك لأن المقمح لا يرى ~~نفسه ولا يقع بصره على يديه ، ولا يقع نظرهم على الآفاق لأن من بين السدين ~~لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق وعلى هذا فقوله : { ~~إنا ms7510 جعلنا فى أعناقهم } { وجعلنا من بين أيديهم } إشارة إلى عدم هدايتهم ~~لآيات الله في الأنفس والآفاق ، وفي تفسير قوله تعالى : { وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا } مسائل : PageV26P040 # المسألة الأولى : السد من بين الأيدي ذكره ظاهر الفائدة فإنهم في الدنيا ~~سالكون وينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة { ومن بيننا * أيديهم سدا } فلا ~~يقدرون على السلوك ، وأما السد من خلفهم ، فما الفائدة فيه ؟ فنقول الجواب ~~عنه من وجوه الأول : هو أن الإنسان له هداية فطرية والكافر قد يتركها ~~وهداية نظرية والكافر ما أدركها فكأنه تعالى يقول : { جعلنا منسكا * بين ~~أيديهم سدا } فلا يرجعون إلى الهداية الجبلية التي هي الفطرية الثاني : هو ~~أن الإنسان مبدأه من الله ومصيره إليه فعمى الكافر لا يبصر ما بين يديه من ~~/ المصير إلى الله ولا ما خلفه من الدخول في الوجود بخلق الله الثالث : هو ~~أن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته ~~المقصد ولكنه يرجع وإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه فالموضع الذي هو فيه ~~لا يكون موضع إقامة لأنه مهلك فقوله : { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم } إشارة إلى إهلاكهم . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { فأغشيناهم } بحرف الفاء يقتضي أن يكون ~~للإغشاء بالسد تعلق ويكون الإغشاء مرتبا على جعل السد فكيف ذلك ؟ فنقول ذلك ~~من وجهين أحدهما : أن يكون ذلك بيانا لأمور مترتبة يكون بعضها سببا للبعض ~~فكأنه تعالى قال : { إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا } فلا يبصرون أنفسهم ~~لإقماحهم { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا } فلا يبصرون ما في ~~الآفاق وحينئذ يمكن أن يروا السماء وما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا ~~كله : { وجعلنا على * أبصارهم غشاوة } فلا يبصرون شيئا أصلا وثانيهما : هو ~~أن ذلك بيان لكون السد قريبا منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم فإن ~~من جعل من خلفه ومن قدامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقا بهما ~~تبقى عينه على سطح السد فلا يبصر شيئا / أما غير السد فللحجاب ، وأما عين ~~السد ms7511 فلكون شرط المرئي أن لا يكون قريبا من العين جدا . # المسألة الثالثة : ذكر السدين من بين الأيدي ومن خلف ولم يذكر من اليمين ~~والشمال ما الحكمة فيه ؟ فنقول ، أما على قولنا إنه إشارة إلى الهداية ~~الفطرية والنظرية فظاهر ، وأما على غير ذلك فنقول بما ذكر حصل العموم ~~والمنع من انتهاج المناهج المستقيمة ، لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب ~~اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه ~~توجههم ما بين أيديهم فيجعل الله السد هناك فيمنعه من السلوك ، فكيفما ~~يتوجه الكافر يجعل الله بين يديه سدا ووجه آخر : أحسن مما ذكرنا وهو أنا ~~لما بينا أن جعل السد صار سببا للإغشاء كان السد ملتزقا به وهو ملتزق ~~بالسدين فلا قدرة له على الحركة يمنة ولا يسرة فلا حاجة إلى السد عن اليمين ~~وعن الشمال وقوله تعالى : { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } يحتمل ما ذكرنا أنهم ~~لا يبصرون شيئا ، ويحتمل أن يكون المراد هو أن الكافر مصدود وسبيل الحق ~~عليه مسدود وهو لا يبصر السد ولا يعلم الصد ، فيظن أنه على الطريقة ~~المستقيمة ، وغير ضال . # ! 7 < { وسوآء عليهم أءنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } . > 7 @QB@ < # | يس : ( 10 ) وسواء عليهم أأنذرتهم . . . . . # > > # ثم إنه تعالى بين أن الإنذار لا ينفعهم مع ما فعل الله بهم من الغل والسد ~~والإغشاء والإعماء . بقوله تعالى : { وسوآء عليهم أءنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون }أي الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى الإيمان منهم إذ لا وجود له ~~منهم على التقديرين ، فإن قيل إذا كان الإنذار وعدمه سواء فلماذا الإنذار ؟ ~~نقول قد أجبنا في غير هذا الموضع أنه تعالى قال : { سواء عليهم } وما قال ~~سواء / عليك فالإنذار بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليس كعدم ~~الإنذار لأن أحدهما مخرج له عن العهدة وسبب في زيادة سيادته عاجلا وسعادته ~~آجلا ، وأما بالنسبة إليهم PageV26P041 على السواء فإنذار النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليخرج عما عليه وينال ثواب الإنذار وإن لم ينتفعوا به لما كتب ~~عليهم من ms7512 البوار في دار القرار . # ! 7 < { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمان بالغيب فبشره بمغفرة وأجر ~~كريم } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمان بالغيب فبشره ~~بمغفرة وأجر كريم } < < # | يس : ( 11 ) إنما تنذر من . . . . . # > > والترتيب ظاهر وفي التفسير مسائل : # المسألة الأولى : قال من قبل : { لتنذر } وذلك يقتضي الإنذار العام على ~~ما بينا وقال : { إنما تنذر } وهو يقضي التخصيص فكيف الجمع بينهما ؟ نقول ~~من وجوه : الأول : هو أن قوله : { لتنذر } أي كيفما كان سواء كان مفيدا أو ~~لم يكن وقوله : { إنما تنذر } أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى ~~من يتبع الذكر ويخشى الثاني : هو أن الله تعالى لما قال إن الإرسال ~~والإنزال ، وذكر أن الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد قال لنبيه : ~~ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم وإنما تنذر بذلك ~~الإنذار العام من يتبع الذكر كأنه يقول : يا محمد إنك بإنذارك تهدي ولا ~~تدري من تهدي فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك ~~الثالث : هو أن نقول قوله : { لتنذر } أي أولا فإذا أنذرت وبالغت وبلغت ~~واستهزأ البعض وتولى واستكبر وولى ، فأعرض بعد ذلك فإنما تنذر الذين اتبعوك ~~الرابع : وهو قريب من الثالث إنك تنذر الكل بالأصول ، وإنما تنذر بالفروع ~~من ترك الصلاة والزكاة من اتبع الذكر وآمن . # المسألة الثانية : قوله : { من اتبع الذكر } يحتمل وجوها الأول : وهو ~~المشهور من اتبع القرآن الثاني : من اتبع ما في القرآن من الآيات ويدل عليه ~~قوله تعالى : { ص والقرءان ذى } فما جعل القرآن نفس الذكر الثالث : من اتبع ~~البرهان فإنه ذكر يكمل الفطرة وعلى كل وجه فمعناه : إنما تنذر العلماء ~~الذين يخشون وهو كقوله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } وكقوله ~~تعالى : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات } فقوله : { اتبع الذكر } أي آمن ~~، وقوله : { وخشى الرحمان } أي عمل صالحا وهذا الوجه يتأيد بقوله : { فبشره ~~بمغفرة وأجر كريم } لأنا ذكرنا مرارا أن الغفران جزاء الإيمان فكل مؤمن ~~مغفور والأجر الكريم جزاء العمل ms7513 كما قال تعالى : { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك * لهم مغفرة ورزق كريم } وتفسير الذكر بالقرآن يتأيد بتعريف ~~الذكر بالألف واللام ، وقد تقدم ذكر القرآن في قوله تعالى : { والقرءان ~~الحكيم } وقوله : { وخشى الرحمان } فيه لطيفة وهي أن الرحمة تورث الاتكال ~~والرجاء فقال مع أنه رحمن ورحيم فالعاقل / لا ينبغي أن يترك الخشية فإن كل ~~من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر فالخوف منه أتم مخافة أن يقطع عنه النعم ~~المتواترة وتكملة اللطيفة : هي أن من أسماء الله اسمين يختصان به هما الله ~~والرحمن كما قال تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان } حتى قال بعض ~~الأئمة : هما علمان إذا عرفت هذا فالله اسم ينبىء عن الهيبة والرحمن ينبىء ~~عن العاطفية فقال في موضع يرجو الله ، وقال ههنا : { وخشى الرحمان } يعني ~~مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم ومع كونه ذا رحمة لا تأمنوه ، وقوله ~~: { بالغيب } يعني بالدليل وإن لم ينته إلى درجة المرئي المشاهد فإن عند ~~الانتهاء إلى تلك الدرجة لا يبقى للخشية فائدة ، والمشهور أن المراد بالغيب ~~ما غاب عنا وهو أحوال القيامة ، وقيل إن الوحدانية تدخل فيه ، PageV26P042 ~~وقوله : { فبشره } فيه إشارة إلى الأمر الثاني من أمري الرسالة فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بشير ونذير وقد ذكر أنه أرسل لينذر وذكر أن الإنذار ~~النافع عند اتباع الذكر / فقال بشر : كما أنذرت ونفعت ، وقوله : { بمغفرة } ~~على التنكير أي بمغفرة واسعة تستر من جميع الجوانب حتى لا يرى عليه أثر من ~~آثار النفس ويظهر عليه أنوار الروح الزكية { وأجر كريم } أي ذي كرم ، وقد ~~ذكرنا ما في الكريم في قوله : { ورزق كريم } وفي قوله : { ورزقا * كريما } ~~. # ! 7 < { إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وءاثارهم وكل شىء أحصيناه ~~فىإمام مبين } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { إنا نحن نحى الموتى ونكتب ما قدموا وءاثارهم وكل شىء ~~أحصيناه فى إمام مبين } . # < < # | يس : ( 12 ) إنا نحن نحيي . . . . . # > > في الترتيب وجوه أحدها : أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من ~~الأصول الثلاثة التي يصير بها ms7514 المكلف مؤمنا مسلما ذكر أصلا آخر وهو الحشر ~~وثانيها : وهو أن الله تعالى لما ذكر الاتذار والبشارة بقوله : { فبشره ~~بمغفرة } ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال : إن لم ير في الدنيا فالله ~~يحيي الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين وثالثها : أنه تعالى لما ذكر ~~خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى وفي التفسير مسائل : # المسألة الأولى : { إنا نحن } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون مبتدأ وخبرا ~~كقول القائل : # أنا أبو النجم وشعري شعري # ومثل هذا يقال عند الشهرة العظيمة ، وذلك لأن من لا يعرف يقال له من أنت ~~؟ فيقول : أنا ابن فلان فيعرف ومن يكون مشهورا إذا قيل له من أنت يقول أنا ~~أي لا معرف لي أظهر من نفسي فقال : إنا نحن معروفون بأوصاف الكمال ، وإذا ~~عرفنا بأنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى وثانيهما : أن يكون الخبر ~~{ نحى } كأنه قال إنا نحيي الموتى ، و { نحن } يكون تأكيدا والأول أولى . # / المسألة الثانية : إنا نحن فيه إشارة إلى التوحيد لأن الاشتراك يوجب ~~التمييز بغير النفس فإن زيدا إذا شاركه غيره في الاسم ، فلو قال أنا زبد لم ~~يحصل التعريف التام ، لأن للسامع أن يقول : أيما زيد ؟ فيقول ابن عمرو ولو ~~كان هناك زيد آخر أبوه عمرو لا يكفي قوله ابن عمرو ، فلما قال الله : { إنا ~~نحن } أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى تقول أنا كذا فنمتاز ، وحينئذ تصير ~~الأصول الثلاثة مذكورة ؛ الرسالة والتوحيد والحشر . # المسألة الثالثة : قوله : { ونكتب ما قدموا } فيه وجوه أحدها : المراد ما ~~قدموا وأخروا فاكتفى بذكر أحدهما كما في قوله تعالى : { سرابيل تقيكم الحر ~~} والمراد والبرد أيضا وثانيها : المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت ~~أو فاسدة وهو كما قال تعالى : { بما قدمت أيديهم } أي بما قدمت في الوجود ~~على غيره وأوجدته وثالثها : نكتب نيانهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي ~~أعمالهم على هذا الوجه . # المسألة الرابعة : وآثارهم فيه وجوه الأول : آثارهم أقدامهم فإن جماعة من ~~أصحابه بعدت دورهم عن المساجد فأرادوا النقلة فقال صلى الله عليه ms7515 وسلم : ( ~~إن الله يكتب خطواتكم ويثيبكم عليه فالزموا بيوتكم ) والثاني : هي السنن ~~الحسنة ، كالكتب المصنفة والقناطر المبنية ، والحبائس الدارة ، والسنن ~~السيئة كالظلمات المستمرة التي PageV26P043 وضعها ظالم والكتب المضلة ، ~~وآلات الملاهي وأدوات المناهي المعمولة الباقية ، وهو في معنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ~~ينقص من أجر العامل شيء ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ) ~~فما قدموا هو أفعالهم وآثارهم أفعال الشاكرين فبشرهم حيث يؤاخذون بها ~~ويؤجرون عليها والثالث : ما ذكرنا أن الآثار الأعمال وما قدموا النيات فإن ~~النية قبل العمل . # المسألة الخامسة : الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيق قال : نحيي ~~ونكتب ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم نقول الكتابة معظمة لأمر الإحياء لأن ~~الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء ~~وإعادة لا يبقى لها أثر أصلا فالإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة ~~لأمره / فلهذا قدم الإحياء ولأنه تعالى لما قال : { إنا نحن } وذلك يفيد ~~العظمة والجبروت ، والإحياء عظيم يختص بالله والكتابة دونه فقرن بالتعريف ~~الأمر العظيم وذكر ما يعظم ذلك العظيم وقوله : { وكل شىء أحصيناه فى إمام ~~مبين } يحتمل وجوها أحدها : أن يكون ذلك بيانا لكون ما قدموا وآثارهم أمرا ~~مكتوبا عليهم لا يبدل ، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال : { ونكتب ما ~~قدموا } بين أن قبل ذلك كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا ~~وكذا ثم إذا فعلوه كتب عليهم أنهم فعلوه وثانيها : أن يكون ذلك مؤكدا لمعنى ~~قوله : { ونكتب } لأن من يكتب شيئا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم ~~يكتب فقال : نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين وهذا كقوله تعالى : { علمها عند ~~ربى فى كتاب لا يضل ربى ولا ينسى } وثالثها : أن يكون ذلك تعميما بعد / ~~التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه ، بل ~~كل شيء محصي في إمام مبين ، وهذا يفيد أن شيئا ms7516 من الأقوال والأفعال لا يعزب ~~عن علم الله ولا يفوته ، وهذا كقوله تعالى : { وكل شىء فعلوه فى الزبر * ~~وكل صغير وكبير مستطر } يعني ليس ما في الزبر منحصرا فيما فعلوه بل كل شيء ~~فعلوه مكتوب ، وقوله : { أحصيناه } أبلغ من كتبناه لأن من كتب شيئا مفرقا ~~يحتاج إلى جمع عدده فقال : هو محصي فيه وسمي الكتاب إماما لأن الملائكة ~~يتبعونه فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه وقيل هو اللوح ~~المحفوظ ، وإمام جاء جمعا في قوله تعالى : { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } ~~أي بأئمتهم وحينئذ فإمام إذا كان فردا فهو ككتاب وحجاب وإذا كان جمعا فهو ~~كجبال وحبال والمبين هو المظهر للأمور لكونه مظهرا للملائكة ما يفعلون ~~وللناس ما يفعل بهم وهو الفارق يفرق بين أحوال الخلق فيجعل فريقا في الجنة ~~وفريقا في السعير . # ! 7 < { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها المرسلون } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية * إذا * جاءها المرسلون } ~~. # < < # | يس : ( 13 ) واضرب لهم مثلا . . . . . # > > وفيه وجهان ، والترتيب ظاهر على الوجهين الوجه الأول : هو أن يكون ~~المعنى واضرب لأجلهم مثلا والثاني : أن يكون المعنى واضرب لأجل نفسك أصحاب ~~القرية لهم مثلا أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية وعلى الأول نقول لما قال ~~الله : { إنك لمن المرسلين } وقال : { لتنذر } قال قل لهم : { ما كنت بدعا ~~من الرسل } بل قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم ~~وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة ، وعلى الثاني ~~نقول لما قال الله تعالى إن PageV26P044 الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب ~~هليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه الصلاة والسلام فلا تأس واضرب لنفسك ~~ولقومك مثلا ، أي مثل لهم عند نفسك مثلا حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا ~~وصبر الرسل على القتل والإيذاء ، وأنت جئتهم واحدا وقومك أكثر من قوم ~~الثلاثة فإنهم جاؤا قرية وأنت بعثت إلى العالم ، وفي التفسير مسائل : # المسألة الأولى : ما معنى قول القائل ضلاب مثلا ؟ وقوله تعالى : { واضرب ~~} مع أن الضرب في ms7517 اللغة ، إما إمساس جسم جسما بعنف ، وإما السير إذا قرن به ~~حرف في كقوله تعالى : { إذا ضربتم فى * الارض } ؟ نقول قوله ضرب مثلا معناه ~~مثل مثلا ، وذلك لأن الضرب اسم للنوع يقال هذه الأشياء من ضرب واحد أي اجعل ~~هذا وذاك من ضرب واحد . # المسألة الثانية : أصحاب القرية ، معناه واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية ~~فترك المثل وأقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله : { واسئل القرية } هذا ~~قول الزمخشري في الكشاف ، ويحتمل أن يقال لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى ~~اجعل أصحاب القرية لهم مثلا أو مثل أصحاب القرية بهم . # المسألة الثالثة : إذ جاءها المرسلون ، إذ منصوبة لأنها بدل من أصحاب ~~القرية كأنه قال تعالى : / { واضرب لهم } وقت مجيء المرسلين ومثل ذلك الوقت ~~بوقت مجيئك ، وهذا أيضا قول الزمخشري وعلى قولنا إن هذا المثل مضروب لنفس ~~محمد صلى الله عليه وسلم تسلية فيحتمل أن يقال إذا ظرف منصوب بوقهل : { ~~واضرب } أي اجعل الضرب ، كأنه حين مجيئهم وواقع فيه ، والقرية أنطاكية ~~والمرسلون من قوم عيسى وهم أقرب مرسل أرسل إلى قوم إلى زمان محمد صلى الله ~~عليه وسلم وهم ثلاثة كما بين الله تعالى وقوله : { إذا * أرسلنا } يحتمل ~~وجهين أحدهما : أن يكون إذ أرسلنا بدلا من إذ جاءها كأنه قال الضرب لهم ~~مثلا ، إذ أرسلنا إلى أصحاب القرية اثين وثانيهما : وهو الأصح والأوضح أن ~~يكون إذ ظرفا والفعل الواقع فيه جاءها أي جاءها المرسلون حين أرسلناهم ~~إليهم أي لم يكن مجيئهم من تلقاء أنفسهم وإنما جاءوهم حيث أمروا ، وهذا فيه ~~لطيفة : وهي أن في الحكاية أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عيسى عليه السلام ~~أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى : إرسال عيسى عليه السلام هو إرسالنا ورسول ~~رسول الله بإذن الله رسول الله فلا يقع لك يا محمد أن أولئك كانوا رسل ~~الرسول وأنت رسول الله فإن تكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله : { إذا * ~~أرسلنا } وهذا يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل ~~الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل ms7518 الوكيل إياه وينعزل إذا عزله ~~الموكل الأول ، وهذا على قولنا : { واضرب لهم مثلا } ضرب المثل لأجل محمد ~~صلى الله عليه وسلم ظاهر . # ! 7 < { إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنآ إليكم ~~مرسلون } > 7 @QB@ < # | يس : ( 14 ) إذ أرسلنا إليهم . . . . . # > > PageV26P045 # في بعثة الأثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى بإذن ~~الله فكان عليهما إنهاء الأمر إلى عيسى والإتيان بما أمر الله ، والله عالم ~~بكل شيء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده ، وأما عيسى فهو بشر فأمره الله ~~بإرسال اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة . # وقوله : { فعززنا بثالث } أي قوينا وقرىء فعززنا بثالث مخففا ، من عز إذا ~~غلب فكأنه قال فغلبنا نحن وقهرنا بثالث والأول أظهر وأشهر وترك المفعول حيث ~~لم يقل فعززناهما لمعنى لطيف وهو أن المقصود من بعثهما نصرة الحق لا ~~نصرتهما والكل مقوون للدين المتين بالبرهان المبين ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : النبي صلى الله عليه وسلم بعث رسله إلى الأطراف واكتفى ~~بواح دوعسى عليه السلام بعث اثنين ، نقول النبي بعث لتقرير الفروع وهو دون ~~الأصل فاكتفى بواحد فإن خبر الواحد في الفروع مقبول ، وأما هما فبعثنا ~~بالأصول وجعل لهما معجزة تفيد اليقين وإلا لما كفى إرسال اثنين أيضا ولا ~~ثلاثة . # المسألة الثانية : قال الله تعالى لموسى عليه السلام { سنشد عضدك } ( ~~القصص : 35 ) فذكر المفعول هناك ولم يذكره ههنا مع أن المقصود هناك أيضا ~~نصرة الحق ، نقول موسى عليه السلام كان أفضل من هارون / وهارون بعث معه ~~بطلبه حيث قال : { فأرسله معى } ( القصص : 34 ) فكان هارون معبوثا ليصدق ~~موسى فيما يقول ويقوم بما يأمره ، وأما هما فكل واحد مستقل ناطق بالحق فكان ~~هناك المقصود تقوية موسى وإرسال من يؤنس معه وهو هارون ، وأما ههنا ~~فالمقصود تقوية الحق فظهر الفرق . # ! 7 < { قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا ومآ أنزل الرحمان من شىء إن أنتم ~~إلا تكذبون } > 7 ! # < < # | يس : ( 15 ) قالوا ما أنتم . . . . . # > > ثم بين الله ما جرى منهم وعليهم مثل ما جرى من محمد ms7519 صلى الله عليه ~~وسلم وعليه فقالوا : { إنا إليكم مرسلون } ( يس : 14 ) كما قال : { إنك لمن ~~المرسلين } ( يس : 3 ) وبين ما قال القوم بقوله : { قالوا ما أنتم إلا بشر ~~مثلنا وما أنزل الرحمان من شىء } جعلوا كونهم بشرا مثلهم دليلا على عدم ~~الإرسال ، وهذا عام من المشركين قالوا في حق محمد : { عليه الذكر من } ( ص ~~: 8 ) وإنما ظنوه دليلا بناء على أنهم لم يعتقدوا في الله الاختيار ، وإنما ~~قالوا فيه أنه موجب بالذات وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان ، ~~والله تعالى رد عليهم قولهم بقوله : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( ~~الأنعام : 124 ) وبقوله : { الله يجتبى إليه من يشاء } ( الشورى : 13 ) إلى ~~غير ذلك ، وقوله : { أنزل الله * الرحمان من شىء } يحتمل وجه أحدهما : أن ~~يكون متمما لما ذكروه فيكون الكل شبهة واحدة ، ووجهه هو أنهم قالوا أنتم ~~بشر فما نزلتم من عند الله وما أنزل الله إليكم أحدا ، فكيف صرتم رسلا لله ~~؟ ثانيهما : أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة ووجه هو أنهم لما قالوا أنتم بشر ~~مثلنا فلا يجوز رجحانكم علينا ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى المرسلين ، ثم ~~قالوا شبهة أخرى من جهة المرسل ، وهو أنه تعالى ليس بمنزل شيئا في هذا ~~العالم ، فإنه تصرفه في العالم العلوي وللعلويات التصرف في السفليات على ~~مذهبهم ، فالله تعالى لم ينزل شيئا من الأشياء في الدنيا فكيف أنزل إليكم ، ~~وقوله : { الرحمان } إشارة إلى الرد عليهم ، لأن الله لما كان رحمن الدنيا ~~والإرسال رحمة ، فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن ، فقال إنهم قالوا : ما أنزل ~~الرحمن شيئا ، وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئا ، هو الرحمة الكاملة ~~. # ثم قال تعالى : { إن أنتم إلا تكذبون } أي ما أنتم إلا كاذبين . # ! 7 < { قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } > 7 @QB@ < # | يس : ( 16 ) قالوا ربنا يعلم . . . . . # > > # إشارة إلى أنه بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا ، بل أعادوا ~~PageV26P046 ذلك لهم وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين وقالوا ربنا يعلم ~~إنا إليكم لمرسلون وأكدوه باللام ، لأن يعلم الله يجري مجرى ms7520 القسم ، لأن من ~~يقول يعلم الله فيما لا يكون قد نسب الله إلى الجهل وو سبب العقاب ، كما أن ~~الحنث سببه ، وفي قوله : { ربنا يعلم } إشارة إلى الرد عليهم حيث قالوا ~~أنتم بشر ، وذلك لأن الله إذا كان يعلم أنهم لمرسلون ، يكون كقوله تعالى : ~~/ { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) يعني هو عالم بالأمور ~~وقادر ، فاختارنا بعلمه لرسالته . ثم قال : # ! 7 < { وما علينآ إلا البلاغ المبين } > 7 ! # < < # | يس : ( 17 ) وما علينا إلا . . . . . # > > تسلية لأنفسهم ، أي نحن خرجنا عن عهدة ما علينا وحثا على النظر ، ~~فإنهم لما قولوا : { ما * علينا إلا البلاغ } كان ذلك يوجب تفكرهم في أمرهم ~~حيث لم يطلبوا منهم أجرا ولا قصدوا رياسة ، وإنما كان شغلهم التبليغ والذكر ~~، وذلك مما يحمل العاقل على النظر و { المبين } يحتمل أمورا أحدها : البلاغ ~~المبين للحق عن الباطل ، أي الفارق بالمعجزة والبرهان وثانيها : البلاغ ~~المظهر لما أرسلنا للكل ، أي لا يكفي أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين ~~وثالثها : البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن ، فإذا تم ذلك ولم يقبلوا يحق ~~هنالك الهلاك . # ! 7 < { قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب ~~أليم } > 7 ! # < < # | يس : ( 18 ) قالوا إنا تطيرنا . . . . . # > > ثم كان جوابهم بعد هذا أنهم قالوا إنا تطيرنا بكم وذلك أنه لما ظهر ~~من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب ، فلما قال ~~المرسلون : { إنا إليكم مرسلون } ( يس : 14 ) قالوا : { إن أنتم إلا تكذبون ~~} ( يس : 15 ) ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا : { ربنا يعلم } ( ~~يس : 16 ) أكدوا قولهم بالتطير بهم فكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين ، ~~وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب ، حالفين مقسمين عليه ، و ( اليمين ~~الكاذبة تدع الديار بلاقع ) فتشاءمنا بكم ثانيا ، وفي الأول كما تركتم ففي ~~الثاني لا نترككم لكون الشؤم مدركنا بسببكم فقالوا : { لئن لم تنتهوا ~~لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم } وقوله لنرجمنكم يحتمل وجهين أحدهما : ~~لنشتمنكم منا لرجم بالقول وعلى هذا فقوله : { وليمسنكم } ترق كأنهم قالوا ~~ولا يكتفي بالشتم ، بل ms7521 يؤدي ذلك إلى الضرب والإيلام الحسي وثانيهما : أن ~~يكون المراد الرجم بالحجارة ، وحينئذ فقوله : { وليمسنكم } بيان للرجم ، ~~يعني ولا يكون الرجم رجما قليلا نرجمكم بحجر وحجرين ، بل نديم ذلك عليكم ~~إلى الموت وهو عذاب أليم ، ويكون المراد لنرجمنكم وليمسنكم بسبب الرجم عذاب ~~منا أليم ، وقد ذكرنا في الأليم أنه بمعنى لمؤلم ، والفعيل معنى مفعل قليل ~~، ويحتمل أني قال هو من باب قوله : { عشية * راضية } ( الحاقة : 21 ) أي ~~ذات رضا ، فالعذاب الأليم هو ذو ألم ، وحينئذ يكون فعيلا بمعنى فاعل وهو ~~كثير . # ! 7 < { قالوا طائركم معكم أءن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون } > 7 @QB@ < # | يس : ( 19 ) قالوا طائركم معكم . . . . . # > > # ثم أجابهم المرسلون بقولهم : { قالوا طائركم معكم } أي شؤمكم معكم وهو ~~الكفر . # ثم قالوا : { أءن ذكرتم } جوابا عن قولهم : { لنرجمنكم } يعني أتفعلون ~~بنا ذلك ، وإن ذكرتم أي بين لكم الأمر بالمعجز والبرهان { بل أنتم قوم ~~مسرفون } حيث تجعلون من يتبرك به كمن / يتشاءم به وتقصدون إيلام من يجب في ~~حقه الإكرام أو ( مسرفون ) حيث تكفرون ، ثم تصرون بعد ظهور الحق بالمعجز ~~والبرهان ، PageV26P047 فإن الكافر مسيء فإذا تم عليه الدليل وأوضح له ~~السبيل ويصر يكون مسرفا ، والمسرف هو المجاوز الحد بحيث يبلغ الضد وهم ~~كانوا كذلك في كثير من الأشياء ، أما في التبرك والتشاؤم فقد علم وكذلك في ~~الإيلام والإكرام ، وأما في الكفر فلأن الواجب اتباع الدليل ، فإن لم يوجد ~~به فلا أقل من أن لا يجزم بنقيضه وهم جزموا بالكفر بعد البرهان على الإيمان ~~، فإن قيل بل للإضرار فما الأمر المضرب عنه ؟ نقول يحتمل أن يقال قوله : { ~~أءن ذكرتم } وارد على تكذيبهم ونسبتهم الرسل إلى الكذب بقولهم : { إن أنتم ~~إلا تكذبون } ( يس : 15 ) فكأنهم قالوا : أنحن كاذبون وإن جئنا بالبرهان ، ~~لا بل أنتم قوم مسرفون ويحتمل أن يقال أنحن مشؤومون ، وإن جئنا ببيان صحة ~~ما نحن عليه ، لا بل أنتم قوم مسرفون ويحتمل أني قال أنحن مشؤومون ، وإن ~~جئنا ببيان صحة ما نحن عليه ، لا بل أنتم قوم مسرفون ويحتمل أن يقال أنحن ms7522 ~~مستحقون للرجم والإيلام ، وإن بينا صحة ما أتينا به ، لا بل أنتم قوم ~~مسرفون وأما الحكاية فمشهورة ، وهي أن عيسى عليه السلام بعث رجلين إلى ~~أنطاكية فدعيا إلى التوحيد وأظهرا المعجزة من إبراء الأمة والأبرص وإحياء ~~الموتى فحسبهما الملك ، فأرسل بعدهما شمعون فأتى الملك ولم يدع الرسالة ، ~~وقرب نفسه إلى الملك بحسن التدبير ، ثم قال له : إني أسمع أن في الحبس ~~رجلين يدعيان أمرا بديعا ، أفلا يحضران حتى نسمع كلامهما ؟ قال الملك : بلى ~~، فأحضرا وذكرا مقالتهما الحقة ، فقال لهما شمعون : فهل لكما بينة ؟ قالا : ~~نعم ، فأبرآ الأكمة والأبرص وأحييا الموتى ، فقال شمعون : أيها الملك ، إن ~~شئت أن تغلبهم ، فقال للآلهة التي تعبدونها تفعل شيئا من ذلك ، قال الملك : ~~أنت لا يخفى عليك أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تقدر ولا تعلم ، فقال شمعون : ~~فإذن ظهر الحق من جانبهم ، فآمن الملك وقوم وكفر آخرون ، وكانت الغلبة ~~للمكذبين . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وجآء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين } > 7 ~~! # < < # | يس : ( 20 ) وجاء من أقصى . . . . . # > > وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان أحدهما : أنه بيان لكونهم أتوا ~~بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي ، وعلى هذا فقوله : { من أقصى ~~المدينة } فيه بلاغة باهرة ، وذلك لأنه لما جاء من أقصى المدينة رجل وهو قد ~~آمن دل على أن إذارهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة وثانيهما : أن ضرب ~~المثل لما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم تسلية لقلبه ذكر بعد الفراغ من ذكر ~~الرسل سعى المؤمنين في تصديق رسلهم وصبرهم على ما أوذوا ، ووصول الجزاء ~~الأوفى إليهم ليكون ذلك تسلية لقلب أصحاب محمد ، كما أن ذكر المرسلين تسلية ~~لقلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي التفسير مسائل . # المسألة الأولى : قوله : { وجاء من أقصى المدينة رجل } في تنكير الرجل مع ~~أنه كان معروفا معلوما عند الله فائدتان الأولى : أن يكون تعظيما لشأنه أي ~~رجل كامل في الرجولية / : الثانية : أن يكون مفيدا لظهور الحق من جانب ~~المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة ms7523 لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا ، ~~والرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام وقد آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~قبل وجوده حيث صار من العلماء بكتاب الله ، ورأى فيه نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم وبعثته . # المسألة الثانية : قوله : { يسعى } تبصرة للمؤمنين وهداية لهم ، ليكونوا ~~في النصح باذلين جهدهم ، وقد ذكرنا فائدة قوله : { من أقصى المدينة } وهي ~~تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة PageV26P048 والمدينة ~~هي أنطاكية ، وهي كانت كبيرة شاسعة وهي الآن دون ذلك ومع هذا فهي كبيرة ~~وقوله تعالى : { قال ياءادم * قوم * اتبعوا المرسلين } فيه معان لطيفة ~~الأول : في قوله : { عليه قوم } فإنه ينبىء عن إشفاق عليهم وشفقة فإن ~~إضافتهم إلى نفسه بقوله : { عليه قوم } يفيد أنه لا يريد بهم إلا خيرا ، ~~وهذا مثل قول مؤمن آل فرعون { ءامن ياقوم اتبعون } ( غافر : 38 ) فإن قيل ~~قال هذا الرجل { اتبعوا المرسلين } وقال ذلك { اتبعون } فما الفرق ؟ نقول ~~هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم وما رأوا سيرته ، فقال : اتبعوا هؤلاء ~~الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل ، وأما مؤمن آل فرعون فكان ~~فيهم واتبع موسى ونصحهم مرارا فقال اتبعوني في الإيمان بموسى وهارون عليهما ~~السلام ، واعلموا أنه لو لم يكن خيرا لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني ~~اخترته ، ولم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة أن يقول أنتم تعلمون ~~اتباعي لهم الثاني : جمع بين إظهار النصحية وإظهار إيمانه فقوله : { اتبعوا ~~} نصحية وقوله : { المرسلين } إظهار أنه آمن الثالث : قدم إظهار النصيحة ~~على إظهار الإيمان لأنه كان ساعيا في النصح ، وأما الإيمان فكان قد آمن من ~~قبل وقوله : { رجل يسعى } يدل على كونه مريدا للنصح وما ذكر في حكايته أنه ~~كان يقتل وهو يقول : ( اللهم اهد قومي ) . ثم قال : تعالى : # ! 7 < { اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون } > 7 ! # < < # | يس : ( 21 ) اتبعوا من لا . . . . . # > > وهذا في غاية الحسن وذلك من حيث إنه لما قال : { اتبعوا المرسلين } ~~كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة وقال لا شك أن الخلق ms7524 في الدنيا سالكون ~~طريقة وطالبون للاستقامة ، والطريق إذا حصل فيه دليل يدل يجب اتباعه ، ~~والامتناع من الاتباع لا يحسن إلا عند أحد أمرين ، إما مغالاة الدليل في ~~طلب الأجرة ، وإما عند عدم الاعتماد على اهتدائه ومعرفته الطريق ، لكن ~~هؤلاء لا يطلبون أجرة وهم مهتدون عالمون بالطريقة المستقيمة الموصلة إلى ~~الحق ، فهب أنهم ليسوا بمرسلين هادين ، أليسوا بمهتدين ، فاتبعوهم . # ! 7 < { وما لى لا أعبد الذى فطرنى وإليه ترجعون } > 7 ! # < < # | يس : ( 22 ) وما لي لا . . . . . # > > ثم قال تعالى : } وما لي لا أعبد الذي فطرني } لماق ال : { * } وما ~~لي لا أعبد الذي فطرني } لماق ال : { * } لماق ال : { وهم مهتدون } ( يس : ~~21 ) بين ظهور اهتدائهم بأنهم يدعون من عبادة الجماد إلى عبادة الحي القويم ~~، ومن عبادة ما لا ينفع إلى عبادة من منه كل نفع وفيه لطائف : الأولى قوله ~~: { مالي } أي مالي مانع من جانبي . إشارة إلى أن الأمر من جهة المعبود ~~ظاهر لا خفاء فيه ، فمن يمتنع من عبادته يكون من جانبه مانع ولا مانع من ~~جانبي فلا جرم / عبدته ، وفي العدول عن مخاطبة القوم إلى حال نفسه حكمة ~~أخرى ولطيفة ثانية : وهي أنه لو قال مالكم لا تعبدون الذي فطركم ، لم يكن ~~في البيان مثل قوله : { * ومالي } لأنه لما قال : { * ومالي } وأحد لا يخفى ~~عليه حال نفسه علم كل أحد أنه لا يطلب العلة وبيانها من أحد لأنه أعلم بحال ~~نفسه فهو يبين عدم المانع ، وأما لو قال : ( مالكم ) جاز أن يفهم منه أنه ~~يطلب بيان العلة لكون غيره أعلم بحال نفسه ، فإن قيل قال الله : { مالكم * ~~لا ترجون لله وقارا } ( نوح : 13 ) نقول القائل هناك غير مدعو ، وإنما هو ~~داع وههنا الرجل مدعو إلى الإيمان فقال : ومالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك ~~الثانية : قوله : { الذى فطرنى } إشارة إلى وجود المقتضى فإن قوله : { * ~~ومالي } إشارة إلى عدم المانع PageV26P049 وعند عدم المانع لا يوجد الفعل ~~ما لم يوجد المقتضى ، فقوله : { على الذى فطرنى } ينبىء عن الاقتضاء ، فإن ~~الخالق ابتداء مالك والمالك يجب ms7525 على المملوك إكرامه وتعظيمه ، ومنعم ~~بالإيجاد والمنعم يجب على المنعم شكر نعمته الثالثة : قدم بيان عدم المانع ~~على بيان وجود المقتضى مع أن المستحسن نتقديم المقتضى حيث وجد المقتضى ولا ~~مانع فيوجد لأن المقتضى لظهوره كان مستغنيا عن البيان رأسا فلا أقل من ~~تقديم ما هو أولى بالبيان لوجود الحاجة إليه الرابعة : اختار من الآيات ~~فطرة نفسه لأنه لما قال : { لى لا أعبد } بإسناد العبادة إلى نفسه اختار ما ~~هو أقرب إلى إيجاب العبادة على نفسه ، وبيان ذلك هو أن خالف عمرو يجب على ~~زيد عبادته لأنه من خلق عمرا لا يكون إلا كامل القدرة شامل العلم واجب ~~الوجود وهو مستحق للعبادة بالنسبة إلى كل مكلف لكن العبادة على زيد بخلق ~~زيد أظهر إيجابا . # واعلم أن المشهور في قوله : { فطرنى } خلقني اختراعا وابتداعا ، والغريب ~~فيه أن يقال : فطرني أي جعلني على الفطرة كما قال الله تعالى : { فطرة الله ~~التى فطر الناس عليها } ( الروم : 30 ) وعلى هذا فقوله : { لى لا أعبد } أي ~~لم يوجد في مانع فأنا باق على فطرة ربي الفطرة كافية في الشهادة والعبادة ~~فإن قيل فعلى هذا يختلف معنى الفطر في قوله : { فاطر * السماوات } ( ~~الأنعام : 14 ) فنقول قد قيل بأن فاطر السموات من الفطر الذي هو الشق ~~فالمحذور لازم أو نقول المعنى فيهما واحد كأنه قال فطر المكلف على فطرته ~~وفطر السموات على فطرتها والأول من التفسير أظهر . # وقوله تعالى : { وإليه ترجعون } إشارة إلى الخوف والرجاء كما قال : { ~~وادعوه خوفا وطمعا } ( الأعراف : 56 ) وذلك لأن من يكون إليه المرجع يخاف ~~منه ويرجى وفيه أيضا معنى لطيف وهو أن العابد على أقسام ثلاثة ذكرناها ~~مرارا فالأول : عابد يعبد الله ، لكونه إلها مالكا سواء أنعم بعد ذلك أو لم ~~ينعم ، كالعبد الذي يجب عليه خدمة سيده سواء أحسن إليه أو أساء والثاني : ~~عابد يعبد / الله للنعمة الواصلة إليه والثالث : عابد يعبد الله خوفا مثال ~~الأول من يخدم الجواد / ومثال الثاني من يخدم الغاشم فجعل القائل نفسه من ~~القسم الأعلى وقال ms7526 : { لى لا أعبد الذى فطرنى } أي هو مالكي أعبده لأنظر ~~إلى ما سيعطيني ولأنظر إلى أن لا يعذبني وجعلهم دون ذلك فقال : { وإليه ~~ترجعون } أي خوفكم منه ورجاؤكم فيه فكيف لا تعبدونه ، ولهذا لم يقل وإليه ~~أرجع كما قال فطرني لأنه صار عابدا من القسم الأول فرجوعه إلى الله لا يكن ~~إلا للإكرام وليس سبب عبادته ذلك بل غيره . # ! 7 < { أءتخذ من دونه ءالهة إن يردن الرحمان بضر لا تغن عنى شفاعتهم ~~شيئا ولا ينقذون } > 7 ! # < < # | يس : ( 23 ) أأتخذ من دونه . . . . . # > > ثم قال تعالى : { أءتخذ من دونه ءالهة } ليتم التوحيد ، فإن التوحيد ~~بين التعطيل والإشراك ، فقال : ومالي لا أعبد إشارة إلى وجود الإله وقال : ~~{ من دونه ءالهة } إشارة إلى نفي غيره فيتحقق معنى لا إله إلا الله ، وفي ~~الآية أيضا لطائف الأولى : ذكره على طريق الاستفهام فيه معنى وضوح الأمر ، ~~وذلك أن من أخبر من شيء فقال مثلا لا أتخذ يصح من السامع أن يقول له لم لا ~~تتخذ فيسأله عن السبب ، فإذا قال : أأتخذ يكون كلامه أنه مستغن عن بيان ~~السبب الذي يطالب به عند الإخبار ، كأنه يقول استشرتك فدلني والمتشار يتفكر ~~، فكأنه يقول تفكر في الأمر تفهم من غير إخبار مني الثانية : قوله من دونه ~~وهي لطيفة عجيبة : وبيانها هو أنه لما بين أنه يعبد الله بقوله : { الذى ~~فطرنى } ( يس : 22 ) بين أن من دونه لا تجوز عبادته فإن عبد غير الله وجب ~~عبادة كل شيء PageV26P050 مشارك للمعبود الذي اتخذ غير الله ، لأن الكل ~~محتاج مفتقر حادث ، فلو قال لا أتخذ آلهة لقيل له ذلك يختلف إن اتخذت إلها ~~غير الذي فطرك ، ويلزمك عقلا أن تتخذ آلهة لا حصر لها ، وإن كان إلهك ربك ~~وخالقك فلا يجوز أن تتخذ آلهة الثالثة : قوله : { أءتخذ } إشارة إلى أن ~~غيره ليس بإله لأن المتخذ لا يكون إله ، ولهذا قال تعالى : { ما اتخذ صاحبة ~~ولا ولدا } ( الجن : 3 ) وقال : { الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا } ( الإسراء ~~: 111 ) لأنه تعالى لا يكون له ms7527 ولد حقيقة ولا يجوز ، وإنما النصارى قالوا : ~~تبنى الله عيسى وسماه ولدا فقال : { ولم يتخذ ولدا } ( الفرقان : 2 ) ولا ~~يقال قال الله تعالى : { فاتخذه وكيلا } في حق الله تعالى حيث قال : { رب ~~المشرق والمغرب لا إلاه إلا هو فاتخذه وكيلا } ( المزمل : 9 ) نقول ذلك أمر ~~متجدد ، وذلك لأن الإنسان في أول الأمر يكون قليل الصبر ضعيف القوة ، فلا ~~يجوز أن يترك أسباب الدنيا ويقول إني أتوكل فلا يحسن من الواحد منا أن لا ~~يشتغل بأمر أصلا ويترك أطفاله في ورطة الحاجة ولا يوصل إلى أهله نفقتهم ~~ويجلس في مسجد وقلبه متعلق بعطاء زيد وعمرو ، فإذا قوي بالعبادة قلبه ونسي ~~نفسه فضلا عن غيره وأقبل على عبادة ربه بجميع قلبه وترك الدنيا وأسبابها ~~وفوض أمره إلى الله حينئذ يكون من الأبرار الأخيار ، فقال الله لرسوله : ~~أنت علمت أن الأمور كلها بيد الله وعرفت الله حق المعرفة وتيقنت أن المشرق ~~والمغرب ، وما فيهما وما يقع بينهما بأمر الله ، ولا إله يطلب لقضاء / ~~الحوائج إلا هو فاتخذه وكيلا ، وفوض جميع أمورك إليه فقد ارتقيت عن درجة من ~~يؤمر بالكسب الحلال وكنت من قبل تتجر في الحلال ومعنى قوله : { فاتخذه ~~وكيلا } أي في جميع أمورك وقوله تعالى : { لا تغن عنى } يحتمل وجهين أحدهما ~~: أن يكون كالوصف كأنه قال : أأتخذ آلهة غير مغنية عند إرادة الرحمن بي ضرا ~~وثانيهما : أن يكون كلاما مستأنفا كأنه قال لا أتخذ من دونه آلهة . # ثم قال تعالى : { إن يردن الرحمان بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال : { إن يردن الرحمان بضر } ولم يقل إن يرد الرحمن ~~بي ضرا ، وكذلك قال تعالى : { إن أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره } ( ~~الزمر : 38 ) ولم يقل إن أراد الله بي ضرا ، نقول الفعل إذا كان متعديا إلى ~~مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بحرف كاللازم يتعدى بحرف في قولهم ذهب به وخرج ~~به / ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف ما هو أولى بوقوع الفعل ~~عليه ms7528 ويجعل الآخر مفعولا بحرف فإذا قال القائل مثلا ؟ كيف حال فلان : يقول ~~اختصه الملك بالكرامة والنعمة فإذا قال كيف كرامة الملك ؟ يقول : اختصها ~~بزيد فيجعل المسؤول مفعولا بغير حرف لأنه هو المقصود إذا علمت هذا فالمقصود ~~فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البؤس ~~والرخاء ، وليس الضر بمقصود بيانه ، كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة ~~بناء على إيمانه بحكم وعد الله ويؤيد هذا قوله من قبل { الذى فطرنى } ( يس ~~: 22 ) حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جلعها مفعول الإرارة وذكر الضر وقع ~~تبعا وكذا القول في قوله تعالى : { إن أرادنى الله بضر } ( الزمر : 38 ) ~~المقصود بيان أن يكون كما يريد الله وليس الضر بخصوصه مقصودا بالذكر ويؤيده ~~ما تقدم حيث قال تعالى : { أليس الله بكاف عبده } ( الزمر : 36 ) يعني هو ~~تحت إرادته ويتأيد ما ذكرناه بالنظر في قوله تعالى : { قل من ذا الذى ~~يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا } PageV26P051 ( الأحزاب : 17 ) حيث خالف ~~هذا النظم وجعل المفعول من غير حرف السوء وهو كالضر والمفعول بحرف هو ~~المكلف ، وذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف وكونهم محلا له ، وكيف لا وهم ~~كفرة استحقوا العذاب بكفرهم فجعل الضر مقصودا بالذكر لزجرهم ، فإن قيل فقد ~~ذكر الله الرحمة أيضا حيث قال : { أو أراد بكم رحمة } ( الأحزاب : 17 ) ~~نقول المقصود ذلك ، ويدل عليه قوله تعالى : { من بعده * ولا يجدون لهم من ~~دون الله وليا ولا نصيرا } ( الأحزاب : 17 ) وإنما ذكر الرحمة تتمة للأمر ~~بالتقسيم الحاصر ، وكذلك إذا تأملت في قوله تعالى : { يقولون بألسنتهم ما ~~ليس فى قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد } ( ~~الفتح : 11 ) فإن الكلام أيضا مع الكفار وذكر النفع وقع تبعا لحصر الأمر ~~بالتقسيم ، ويدل عليه قوله تعالى : { بل كان الله بما تعملون خبيرا } ( ~~الفتح : 11 ) فإنه للتخويف ، وهذا كقوله تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى هدى ~~أو فى ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) ، والمقصود إني على هدى وأنتم في ms7529 ضلال ، ~~ولو قال هكذا لمنع فقال بالتقسيم كذلك ههنا / المقصود الضر واقع بكم ولأجل ~~دفع المانع قال الضر والنفع . # المسألة الثانية : قال ههنا : { إن يردن الرحمان } وقال في الزمر : { إن ~~أرادنى الله } ( الزمر : 38 ) فما الحكمة في اختيار صيغة الماضي هنالك ~~واختيار صيغة المضارع ههنا وذكر المريد باسم الرحمن هنا وذكر المريد باسم ~~الله هناك ؟ نقول أما الماضي والمستقبل فإن إن في الشرط تصير الماضي ~~مستقبلا وذلك لأن المذكور ههنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله : { أءتخذ } ~~وقوله : { وما لى لا أعبد } ( يس : 22 ) والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي ~~في قوله : { أفرءيتم } ( الزمر : 38 ) وكذلك في قوله تعالى : { وإن يمسسك ~~الله بضر } ( الأنعام : 17 ) لكون المتقدم عليه مذكورا بصيغة المستقبل وهو ~~قوله : { ومن * يصرف عنه } ( الأنعام : 16 ) وقوله : { إنى أخاف إن عصيت } ~~( الأنعام : 15 ) والحكمة فيه هو أن الكفار كانوا يخوفون النبي صلى الله ~~عليه وسلم بضر يصيبه من آلهتهم فكأنه قال صدر منكم التخويف ، وهذا ما سبق ~~منكم ، وههنا ابتداء كلام صدر من المؤمن للتقرير ، والجواب ما كان يمكن ~~صدوره منهم فافترق الأمران ، وأما قوله هناك : { إن أرادنى الله } ( الزمر ~~: 38 ) فنقول قد ذكرنا أن الأسمين المختصين بواجب الوجود الله والرحمن كما ~~قال تعالى : { قل ادعوا * الله أو ادعوا الرحمان } ( الإسراء : 110 ) والله ~~للهيبة والعظمة الرحمن للرأفة والرحمة ، وهناك وصف الله بالعزة والانتقام ~~في قوله : { أليس الله بعزيز ذى انتقام } ( الزمر : 37 ) وذكر ما يدل على ~~العظمة ما يدل على العظمة بقوله : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ~~} ( العنكبوت : 61 ) فذكر الاسم الدال على العظمة وقال ههنا ما يدل على ~~الرحمة بقوله : { الذى فطرنى } ( يس : 22 ) فإنه نعمة هي شرط سائر النعم ~~فقال : { إن يردن الرحمان بضر } ثم قال تعالى : { لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ~~ولا } على ترتيب ما يقع من العقلاء ، وذلك لأن من يريد دفع الضر عن شخص أضر ~~به شخص يدفع بالوجه الأحسن فيشفع أولاف فإن قبله ولا يدفع فقال : لا تغن ~~عني شفاعتهم ولا ms7530 يقدرون على إنقاذي بوجه من الوجوه ، وفي هذه الآيات حصل ~~بيان أن الله تعالى معبود من كل وجه إن كان نظرا إلى جانبه فهو فاطر ورب ~~مالك يستحق العبادة سواء أحسن بعد ذلك أو لم يحسن وإن كان نظرا إلى إحسانه ~~فهو رحمن ، وإن كان نظرا إلى الخوف فهو يدفع ضره ، وحصل بيان أن غيره لا ~~يصلح أن يعبد بوجه من الوجوه ، فإن أدنى مراتبه أن يعد ذلك ليوم كريهة وغير ~~الله لا يدفع شيئا إلا إذا أراد الله وإن يرد فلا حاجة إلى دافع . ~~PageV26P052 ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنىإذا لفى ضلال مبين } > 7 ! # < < # | يس : ( 24 ) إني إذا لفي . . . . . # > > يعني إن فعلت فأنا ضال ضلالا بينا ، والمبين مفعل بمعنى فعيل كما جاء ~~عكسه فعيل بمعنى مفعل في قوله أليم أي مؤلم ، ويمكن أن يقال ضلال مبين أي ~~مظهور الأمر للناظر والأول هو الصحيح . ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنىءامنت بربكم فاسمعون } > 7 @QB@ < # | يس : ( 25 ) إني آمنت بربكم . . . . . # > > # في المخاطب بقوله : { ظننتم بربكم } وجوه أحدها : / هم المرسلون ، قال ~~المفسرون : أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل و على المرسلين وقال : إن ~~آمنت بربكم فاسمعوا قولي واشهدوا في ثانيها : هم الكفار كأنه لما نصحهم وما ~~نفعهم قال : فأنا آمنت فاسمعون ثالثها : بربكم أيها السامعون على العموم ، ~~كما قلنا في قول الواعظ حيث يقول : يا مسكين ما أكثر أملك وما أنزل عملك ~~يريد به كل سامع يسمعه وفي قوله : { فاسمعون } فوائد أحدها : أنه كلام مترو ~~متفكر حيث قال : { فاسمعون } فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة ~~سامعين يتفكر وثانيها : أنه ينبه القوم ويقول إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا ~~تقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرت لآمنا معك وثالثها : أن يكون المراد ~~السماع الذي بمعنى القبول ، يقول القائل نصحته فسمع قولي أي قبله ، فإن قلت ~~لم قال من قبل : { لى لا أعبد الذى فطرنى } ( يس : 22 ) وقال ههنا : { ~~بربكم فاسمعون } ولم يقل آمنت بربي ؟ نقول قولنا الخطاب مع الرسل أمر ظاهر ~~، لأنه لما قال ms7531 آمنت بركم ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي ~~دعوه إليه ولو قال بربي لعلهم كانوا يقولون كل كافر يقول لي رب وأنا مؤمن ~~بربي ، وأما على قولنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان للتوحيد ، وذلك لأنه لما ~~قال : { أعبد الذى فطرنى } ( يس : 22 ) ثم قال : { بربكم فاسمعون } فهم أنه ~~يقول ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم ، بخلاف ما لو قال آمنت ~~بربي فيقول الكافر وأنا أيضا آمنت بربي ومثل هذا قوله تعالى : { الله ربنا ~~وربكم } . ( الشورى : 15 ) . # ! 7 < { قيل ادخل الجنة قال ياليت قومى يعلمون } > 7 @QB@ < # | يس : ( 26 ) قيل ادخل الجنة . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { قيل ادخل الجنة } فيه وجهان أحدهما : أنه قتل ثم قيل ~~ادخل الجنة بعد القتل وثانيهما : قيل ادخل الجنة قيب قوله { ءامنت } ( يس : ~~25 ) وعلى الأول . فقوله تعالى : { قال ياءادم * ياليت قومى يعلمون } يكون ~~بعد موته والله أخبر بقوله وعلى الثاني قال ذلك في حياته وكأنه سمع الرسل ~~أنه من الداخلين الجنة وصدقهم وقطع به وعلمه ، فقال : يا ليت قومي يعلمون ~~كما علمت فيؤمنون كما آمنت وفي معنى قوله تعالى : { قيل } وجهان كما أن في ~~وقت ذلك وجهان أحدهما : قيل من القول والثاني : ادخل الجنة ، وهذا كما في ~~قوله تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن } ( يس : 82 ) ليس ~~المراد القول في وجه بل هو الفعل أي يفعله في حينه من غير تأخير وتراخ ~~وكذلك في قوله تعالى : { وقيل ياأرض * أرض * ابلعى } ( هود : 44 ) في وجه ~~جعل الأرض بالغة ماءها . # ! 7 < { بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين } > 7 @QB@ < # | يس : ( 27 ) بما غفر لي . . . . . # > > # وفي قوله تعالى : { بما غفر لى ربى } وجو أحدها : أن ما استفهامية كأنه ~~قال : يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي حتى يشتغلوا به وهو ضعيف ، وإلا ~~لكان الأحسن أن تكون ما محذوفة الألف يقال بم وفيم وعم PageV26P053 ولم ~~وثانيها : خبرية كأنه قال : يا ليت قومي يعلمون بالذي غفر لي ربي وثالثها : ~~مصدرية ، كأنه ms7532 قال : يا ليت قومي يعلمون بمغفرة ربي لي ، والوجهان الآخران ~~هما المختاران . # / ثم قال تعالى : { وجعلنى من المكرمين } قد ذكرنا أن الإيمان والعمل ~~الصالح يوجبان أمرين هما الغفران والإكرام كما في قوله تعالى : { الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم } ( سبأ : 4 ) والرجل ~~كان من المؤمنين الصلحاء ، والكرم على ضد المهان ، والإهانة بالحاجة ~~والإكرام بالاستغناء فيغني الله الصالح عن كل أحد ويدفع جميع حاجاته بنفسه ~~. # ثم إنه تعالى لما بين حاله بين حال المتخلفين المخالفين له من قومه بقوله ~~تعالى : # ! 7 < { ومآ أنزلنا على قومه من بعده من جند من السمآء وما كنا منزلين } ~~> 7 ! # < < # | يس : ( 28 ) وما أنزلنا على . . . . . # > > إشارة إلى هلاكهم بعده سريعا على أسهل وجه فإنه لم يحتج إلى إرسال ~~جند يهلكهم ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ههنا : { وما أنزلنا } بإسناد الفعل إلى النفس ، ~~وقال في بيان حال المؤمن { قيل ادخل الجنة } ( يس : 26 ) بإسناد القول إلى ~~غير مذكور ، وذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال بلفظ التعظيم ، وأما في : ~~{ ادخل الجنة } فقال ( قيل ) ليكون هو كالمهنأ بقول الملائكة حيث يقول له ~~كل ملك وكل صالح يراه ادخل الجنة خالدا فيها ، وكثيرا ما ورد في القرآن ~~قوله تعالى : { وقيل * أدخلوا } إشارة إلى أن الدخول يكون دخولا بإكرام كما ~~يدخل العريس البيت المزين على رؤوس الأشهاد يهنئه كل أحد . # المسألة الثانية : لم أضاف القوم إليه مع أن الرسول أولى بكون الجمع قوما ~~لهم فإن الواحد يكون له قوم هم آله وأصحابه والرسول لكونه مرسلا يكون جميع ~~الخلق وجميع من أرسل إليهم قوما له ؟ نقول لوجهين أحدهما : ليبين الفرق بين ~~اثنين هما من قبيلة واحدة أكرم أحدهما غاية الإكرام بسبب الإيمان وأهين ~~الآخر غاية الإهانة بسبب الكفر ، وهذا من قوم أولئك في النسب وثانيهما : أن ~~العذاب كان مخصصا بأقارب ذلك ، لأن غيرهم من قوم الرسل آمنوا بهم فلم يصبهم ~~العذاب . # المسألة الثانية : خصص عدم الإنزال بما بعده والله تعالى لم ينزل عليهم ~~جندا قبله أيضا فما فائدة ms7533 التخصيص ؟ نقول استحقاقهم العذاب كان بعده حيث ~~أصروا واستكبروا فبين حال الهلاك أنه لم يكن بجند . # المسألة الرابعة : قال : { من السماء } وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل ~~إليهم جندا من الأرض فما فائدة التقييد ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما ~~: أن يكون المراد وما أنزلنا عليهم جندا بأمر من السماء فيكون للعموم ~~وثانيهما : أن العذاب نزل عليهم من السماء فبين أن النازل لم يكن جندا لهم ~~عظمة وإنما كان ذلك بصيحة أخمدت نارهم وخربت ديارهم . # / المسألة الخامسة : { وما كنا منزلين } أية فائدة فيه مع أن قوله : { ~~وما أنزلنا } يستلزم أنه لا يكون من المنزلين ؟ نقول قوله : { وما كنا } أي ~~ما كان ينبغي لنا أن ننزل لأن الأمر كان يتم بدون ذلك فما أنزلنا وما كنا ~~محتاجين إلى إنزال ، أو نقول : { وما أنزلنا * وما كنا منزلين } في مذل تلك ~~الواقعة جندا في غير تلك الواقعة ، فإن قيل فكيف أنزل الله جنودا في يوم ~~بدر وفي غير ذلك حيث قال : { وأنزل جنودا لم تروها } ( التوبة : 26 ) ؟ ~~نقول ذلك تعظيما لمحمد صلى الله عليه وسلم وإلا كان تحريك ريشة من جناح ملك ~~كافيا في استئصالهم وما كان رسل عيسى عليه السلام في درجة محمد صلى الله ~~عليه وسلم . # PageV26P054 ! 7 < { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون } > 7 ! # < < # | يس : ( 29 ) إن كانت إلا . . . . . # > > ثم بين الله تعالى ما كان بقوله : { إن كانت } الواقعة { إلا صيحة } ~~وقال الزمخشري أصله إن كان شيء إلا صيحة فكان الأصل أن يذكر ، لكنه تعالى ~~أنث لما بعده من المفسر وهو الصيحة . # وقوله تعالى : { واحدة } تأكيد لكون الأمر هينا عند الله . # وقوله تعالى : { فإذا هم خامدون } فيه إشارة إلى سرعة الهلاك فإن خمودهم ~~كان من الصيحة وفي وقتها لم يتأخر ، ووصفهم بالخمود في غاية الحسن وذلك لأن ~~الحي فيه الحرارة الغزيرية وكلما كانت الحرارة أوفر كانت القوة الغضبية ~~والشهوانية أتم وهم كانوا كذلك ، أما الغضب فإنهم قتلوا مؤمنا كان ينصحهم ، ~~وأما الشهوة فلأنهم احتملوا العذاب الدائم بسبب استيفاء ms7534 اللذات الحالية ~~فإذن كانوا كالنار الموقدة ، ولأنهم كانوا جبارين مستكبرين كالنار ومن خلق ~~منها فقال : { فإذا هم خامدون } وفيه وجه آخر : وهو أن العناصر الأربعة ~~يخرج بعضها عن طبيعته التي خلقه الله عليها ويصير العنصر الآخر بإرادة الله ~~فالأحجار تصير مياها ، والمياه تصير أحجارا وكذلك الماء يصير هواء عند ~~الغليان والسخونة والهواء يصير ماء للبرد ولكن ذلك في العادة بزمان ، وأما ~~الهواء فيصير نارا والنار تصير هواء بالاشتعال والخمود في أسرع زمان ، فقال ~~خامدين بسببها فخمود النار في السرعة كإطفاء سراج أو شعلة . # ! 7 < { ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون } > ~~7 @QB@ < # | يس : ( 30 ) يا حسرة على . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { خامدون ياحسرة على العباد } أي هذا وقت الحسرة فاحضري ~~يا حسرة والتنكير للتكثير ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الألف واللام في العباد يحتمل وجهين أحدهما : للمعهود ~~وهم الذين أخذتهم الصيحة فيا حسرة على أولئك وثانيهما : لتعريف الجنس جنس ~~الكفار المكذبين . # المسألة الثانية : من المتحسر ؟ نقول فيه وجوه الأول : لا متحسر أصلا في ~~الحقيقة إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عند ~~تحقيق العذاب . # / وههنا بحث لغوي : وهو أن المفعول قد يرفض رأسا إذا كان الغرض غير متعلق ~~به يقال إن فلانا يعطي ويمنع ولا يكون هناك شيء معطي إذ المقصود أن له ~~المنع والأعطاء ، ورفض المفعول كثير وما نحن فيه رفض الفاعل وهو قليل ، ~~والوجه فيه ما ذكرنا ، أن ذكر المتحسر غير مقصود وإنما المقصود أن الحسرة ~~متحققة في ذلك الوقت الثاني : أن قائل يا حسرة هو الله على الاستعارة ~~تعظيما للأمر وتهويلا له وحينئذ يكون كالألفاظ التي وردت في حق الله كالضحك ~~والنسيان والسخر والتعجب والتمني ، أو نقول ليس معنى قولنا يا حسرة ويا ~~ندامة ، أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أن مخبر عن وقوع الندامة ، ولا ~~يحتاج إلى تجوز في بيان كونه تعالى قال : { عليهم حسرة } بل يخبر به على ~~حقيقته إلا في النداء ، فإن النداء مجاز والمراد الإخبار الثالث ms7535 : ~~المتلهفون من المسلمين والملائكة ألا ترى إلى ما حكي عن حبيب أنه حين القتل ~~كان يقول : اللهم PageV26P055 أهد قومي وبعد ما قتلوه وأدخل الجنة قال : يا ~~ليت قومي يعلمون ، فيجوز أن يتحسر المسلم للكافر ويتندم له وعليه . # المسألة الثالثة : قرىء { عليهم حسرة } بالتنوين ، و ( يا حسرة العباد ) ~~بالإضافة من غير كلمة على ، وقرىء يا حسرة علي بالهاء إجراء للوصل مجرى ~~الوقف . # المسألة الرابعة : من المراد بالعباد ؟ نقول فيه وجوه أحدها : الرسل ~~الثلاثة كأن الكافرين يقولون عند ظهور البأس يا حسرة عليهم يا ليتهم كانوا ~~حاضرين شأننا لنؤمن بهم وثانيها : هم قوم حبيب وثالثها : كل من كفر وأصر ~~واستكبر وعلى الأول فإطلاق العباد على المؤمنين كما في قوله : { إن عبادى ~~ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) وقوله : { قل ياعبادى الذين أسرفوا } ~~( الزمر : 53 ) وعلى الثاني فإطلاق العباد على الكفار ، وفرق بين العبد ~~مطلقا وبين المضاف إلى الله تعالى فإنه بالإضافة إلى الشريف تكسو المضاف ~~شرفا تقول بيت الله فيكون فيه من الشرف ما لا يكون في قولك البيت ، وعلى ~~هذا فقوله تعالى : { وعباد الرحمان } ( الفرقان : 63 ) من قبيل قوله : { إن ~~عبادى } ( الحجر : 42 ) وكذلك { عباد الله } ( الصافات : 74 ) . # ثم بين الله تعالى سبب الحسرة بقوله تعالى : { ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به } وهذا سبب الندامة وذلك لأن من جاءه ملك من بادية ، وأعرفه نفسه ~~، وطلب منه أمرا هينا فكذبه ولم يجبه إلا ما دعاه ، ثم وقف بين يديه وهو ~~على سرير ملكه فعرفه أنه ذلك ، يكون عنده من الندامة ما لا مزيد عليه ، ~~فكذلك الرسل هم ملوك وأعظم منهم بإعزاز الله إياهم وجعلهم نوابة كما قال : ~~{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله } ( آل عمران : 31 ) وجاؤا ~~وعرفوا أنفسهم ولم يكن لهم عظمة ظاهرة في الحس ، ثم يوم القيامة أو عند ~~ظهور البأس ظهرت عظمتهم عند الله لهم ، وكان ما يدعون إليه أمرا هينا نفعه ~~عائد إليهم من عبادة الله وما كانوا يسألون عليه أجرا / فعند ذلك تكون ~~الندامة ms7536 الشديدة ، وكيف لا وهم يقتنعوا بالإعراض حتى آذوا واستهزأوا ~~واستخفوا واستهانوا / وقوله : { ما يأتيهم } الضمير يجوز أن يكون عائدا إلى ~~قوم حبيب ، أي ما يأتيهم من رسول من الرسل الثلاثة إلا كانوا به يستهزؤون ~~على قولنا الحسرة عليهم ، ويجوز أن يكون عائدا إلى الكفار المصرين . # ! 7 < { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون } > 7 ~~! # < < # | يس : ( 31 ) ألم يروا كم . . . . . # > > ثم إن الله تعالى لما بين حال الأولين قال للحاضرين : { ألم يروا كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون } أي الباقون لا يرون ما جرى على من تقدمهم ، ~~ويحتمل أن يقال : إن الذين قيل في حقهم : { عليهم حسرة } ( يس : 30 ) هم ~~الذين قال في حقهم : { ألم يروا } ومعناه أن كل مهلك تقدمه قوم كذبوا ~~وأهلكوا إلى قوم نوح وقبله . # وقوله : { أنهم إليهم لا يرجعون } بدل في المعنى عن قوله : { كم أهلكنا } ~~وذلك لأن معنى : { كم أهلكنا } ألم يروا كثرة إهلاكنا ، وفي معنى ، ألم ~~يروا المهلكين الكثيرين أنهم إليهم لا يرجعون ، وحينئذ يكون كبدل الاشتمال ~~، لأن قوله : { أنهم إليهم لا يرجعون } حال من أحوال المهلكين ، أي أهلكوا ~~بحيث لا رجوع لهم إليهم فيصير كقولك : ألا ترى زيدا أدبه ، وعلى هذا فقوله ~~: { أنهم إليهم لا يرجعون } فيه وجهان أحدهما : أهلكوا إهلاكا لا رجوع لهم ~~إلى من في الدنيا وثانيهما : هو أنهم لا يرجعون إليهم ، أي الباقون لا ~~يرجعون إلى المهلكين بنسب ولا ولادة ، يعني أهلكناهم وقطعنا نسلهم ، ولا شك ~~في أن الإهلاك الذي يكون مع قطع النسل أتم وأعم ، والوجه الأول أشهر نقلا ، ~~والثاني أظهر عقلا ، PageV26P056 ثم قال تعالى : # ! 7 < { وإن كل لما جميع لدينا محضرون } > 7 ! # < < # | يس : ( 32 ) وإن كل لما . . . . . # > > لما بين الإهلاك بين أنه ليس من أهلكه الله تركه ، بل بعده جمع وحساب ~~وحبس وعقاب ، ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحة ، ونعم ما قال القائل : # ولو أنا إذا متنا تركنالكان الموت راحة كل حي # ولكنا إذا متنا بعثناونسأل بعده من كل شيء # وقوله : { وإن كل لما ms7537 } في إن وجهان أحدهما : أنها مخففة من الثقيلة ~~واللام في لما فارقة بينها وبين النافية ، وما زائدة مؤكدة في المعنى ، ~~والقراءة حينئذ بالتخفيف في لما وثانيهما : أنها نافية ولما بمعنى إلا ، ~~قال سيبويه : يقال نشدتك بالله لما فعلت ، بمعنى إلا فعلت ، والقراءة حينئذ ~~بالتشديد في لما ، يؤيد هذا ما روي أن أبيا قرأ { وما * كل إلا * جميع } ~~وفي قوله سيبويه : لما بمعنى إلا وارد معنى مناسب وهو أن لما كأنها حرفا ~~نفي جمعا وهما لم وما فتأكد النفي ، ولهذا يقال في / جواب من قال قد فعل ~~لما يفعل ، وفي جواب من قال فعل لم يفعل ، وإلا كأنها حرفا نفي إن ولا ~~فاستعمل أحدهما مكان الآخر ، قال الزمخشري : فإن قال قائل كل وجميع معنى ~~واحد ، فكيف جعل جميعا خبرا لكل حيث دخلت اللام عليه ، إذ التقدير وإن كل ~~لجميع ، نقول معنى جميع مجموع ، ومعنى كل كل فرد حيث لا يخرج عن الحكم أحد ~~، فصار المعنى كل فرد مجموع مع الآخر مضموم إليه ، ويمكن أن يقال محضرون ، ~~يعني عما ذكره ، وذلك لأنه لو قال : وإن جميع لجميع محضرون ، لكان كلاما ~~صحيحا ولم يوجد ما ذكره من الجواب ، بل الصحيح أن محضرون كالصفة للجميع ، ~~فكأنه قال جميع جميع محضرون ، كما يقال الرجل رجل عالم ، والنبي نبي مرسل ، ~~والواو في { وإن كل } لعطف الحكاية على الحكاية ، كأنه يقول بينت لك ما ~~ذكرت ، وأبين أن كلا لدينا محضرون ، وكذلك الواو في قوله تعالى : # ! 7 < { وءاية لهم الا رض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ~~* وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون * ليأكلوا من ~~ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون } > 7 ! # < < # | يس : ( 33 - 35 ) وآية لهم الأرض . . . . . # > > كأنه يقول : وأقول أيضا آية لهم الأرض الميتة وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما وجه تعلق هذا بما قبله ؟ نقول مناسب لما قبله من ~~وجهين أحدهما : أنه لما قال : { وإن كل لما جميع } ( يس : 32 ) كان ذلك ~~إشارة إلى الحشر ، فذكر ما يدل على إمكانه قطعا ms7538 لإنكارهم واستعادهم ~~وإصرارهم وعنادهم ، فقال : وآية لهم الأرض الميتة أحييناها كذلك نحيي ~~الموتى وثانيهما : أنه لما ذكر حال المرسلين وإهلاك المكذبين وكان شغلهم ~~التوحيد ذكر ما يدل عليه ، وبدأ بالأرض لكونها مكانهم لا مفارقة لهم منها ~~عند الحركة والسكون . # المسألة الثانية : الأرض آية مطلقا فلم خصصها بهم حيث قال : { وءاية لهم ~~} نقول : الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه ، وأما من عرف ~~الشيء بطريق الرؤية لا يذكر له دليل ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وعباد ~~الله PageV26P057 الخلصين عرفوا الله قبل الأرض والسماء ، فليست الأرض ~~معرفة لهم ، وهذا كما قال تعالى : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم ~~حتى يتبين لهم أنه الحق } ( فصلت : 53 ) وقال : { أو لم * يكف بربك أنه على ~~كل شىء شهيد } ( فصلت : 53 ) يعني أنت كفاك ربك معرفا ، به عرفت كل شيء فهو ~~شهيد لك على كل شيء ، وأما هؤلاء تبين لهم الحق بالآفاق والأنفس ، وكذلك ~~ههنا آية لهم . # / المسألة الثالثة : إن قلنا إن الآية مذكورة للاستدلال على جواز إحياء ~~الموتى فيكفي قوله : { أحييناها } ولا حاجة إلى قوله : { وأخرجنا منها حبا ~~} وغير ذلك ، وإن قلنا إنها للاستدلال على وجود الإله ووحدته فلا فائدة في ~~قوله : { الارض الميتة أحييناها } لأن نفس الأرض دليل ظاهر وبرهان باهر ، ~~ثم هب أنها غير كافية فقوله : { الميتة أحييناها } كاف في التوحيد فما ~~فائدة قوله : { وأخرجنا منها حبا } فله فائدة بالنسبة إلى بيان إحياء ~~الموتى ، وذلك لأنه لما أحيا الأرض وأخرج منها حبا كان ذلك إحياء تاما لأن ~~الأرض المخضرة التي لا تنبت الزرع ولا تخرج الحب دون ما تنبته في الحياة ، ~~فكأنه قال تعالى الذي أحيا الأرض إحيا كاملا منبتا للزرع يحيي الموتى إحياء ~~كاملا بحيث تدرك الأمور ، وأما بالنسبة إلى التوحيد فلأن فيه تعديد النعم ~~كأنه يقول آية لهم الأرض فإنها مكانهم ومهدهم الذي فيه تحريكهم وإسكانهم ~~والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي ~~مكان لهم لا بد لهم منها فهي نعمة ثم ms7539 إحياؤها بحيث تخضر نعمة ثانية فإنها ~~تصير أحسن وأنزه ، ثم ءخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم يصير في مكانهم ~~، وكان يمكن أن يجعل الله رزقهم في السماء أو في الهواء فلا يحصل لهم ~~الوثوق ، ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة لأن الأرض تنبت الحب في كل سنة ، ~~وأما الأشجار بحيث تؤخذ منها الثمار فتكون بعد الحب وجودا ، ثم فجرنا فيها ~~العيون ليحصل لهم الاعتماد بالحصول ولو كان ماؤها من السماء لحصل ولكن لم ~~يعلم أنها أين تغرس وأين يقع المطر وينزل القطر بالنسبة إلى بيان إحياء ~~الموتى كل ذلك مفيد وذلك لأن قوله : { وأخرجنا منها حبا } كالإشارة إلى ~~الأمر الضروري الذي لا بد منه وقوله : { وجعلنا فيها جنات } كالأمر المحتاج ~~إليه الذي إن لم يكن لا يغني الإنسان لكنه يبقي مختل الحال وقوله : { ~~وفجرنا فيها من العيون } إشارة إلى الزينة التي إن لم تكن لا تعني الإنسان ~~ولا يبقى في ورطة الحاجة ، لكنه لا يكون على أحسن ما ينبغي ، وكأن حال ~~الإنسان بالحب كحال الفقير الذي له ما يسد خلته من بعض الوجوه ولا يدفع ~~حاجته من كل الوجوه وبالثمار ويعتبر حاله كحال المكتفي بالعيون الجارية ~~التي يعتمد عليها الإنسان ويقوي بها قلبه كالمستغني الغني المدخر لقوت سنين ~~، فيقول الله عز وجل كما فعلنا في موات الأرض كذلك نفعل في الأموات في ~~الأرض فنحييهم ونعطيهم ما لا بد لهم منه في بقائهم وتكوينهم من الأعضاء ~~المحتاج إليها وقواها كالعين والقوة الباصرة والأذن والقوة السامعة وغيرهما ~~ونزيد له ما هو زينة كالعقل الكامل والإدراك الشامل فيكون كأنه قال نحيي ~~الموتى إحياء تاما كما أحيينا الأرض إحياء تاما . # المسألة الرابعة : قال عن ذكر الحب { فمنه يأكلون } وفي الأشجار والثمار ~~قال : { ليأكلوا من ثمره } وذلك لأن الحب قوت لا بد منه فقال : { فمنه ~~يأكلون } أي هم آكلوه ، وأما الثمار ليست كذلك ، فكأنه تعالى قال إن كنا ما ~~أخرجناها كانوا يبقون من غير أكل فأخرجناها ليأكلوها . PageV26P058 # / المسألة الخامسة : خصص النخيل والأعناب بالذكر من ms7540 سائر الفواكه لأن ألذ ~~المطعوم الحلاوة ، وهي فيها أتم ولأن التمر والعنب قوت وفاكهة ، ولا كذلك ~~غيرهما ولأنهما أعم نفعا فإنها تحمل من البلاد إلى الأماكن البعيدة ، فإن ~~قيل فقد ذكر الله الرمان والزيتون في الأنعام والقضب والزيتون والتين في ~~مواضع ، نقول في الأنعام وغيرها المقصود ذكر الفواكه والثمار ألا ترى إلى ~~قوله تعالى : { أنزل من السماء ماء فأخرجنا به } ( الأنعام : 99 ) وإلى ~~قوله : { فلينظر الإنسان إلى طعامه } ( عبس : 24 ) فاستوفى الأنواع بالذكر ~~وههنا المقصود ذكر صفات الأرض فاختار منها الألذ الأنفع ، وقد ذكرنا في ~~سورة الأنعام ما يستفاد منه الفوائد ويعلم منه فائدة قوله تعالى : { فاكهة ~~ونخل ورمان } ( الرحمن : 68 ) . # المسألة السادسة : في المواضع التي ذكر الله الفواكه لم يذكر التمر بلفظ ~~شجرته وهي النخلة ولم يذكر العنب بلفظ شجرته بل ذكره بلفظ العنب والأعناب ، ~~ولم يذكر الكرم وذلك لأن العنب شجرته بالنسبة إلى ثمرته حقيرة قليلة ~~الفائدة والنخل بالنسبة إلى ثمرته عظيمة جليلة القدر كثيرة الجدوى ، فإن ~~كثيرا من الظروف منها يتخذ وبلحائها ينتفع ولها شبه بالحيوان فاختار منها ~~ما هو الأعجب منها ، وقوله تعالى : { وفجرنا فيها من العيون } آية عظيمة ~~لأن الأرض أجزاؤها بحكم العادة لا تصعد ونحن نرى منابع الأنهار والعيون في ~~المواضع المرتفعة وذلك دليل القدرة والاختيار والقائلون بالطبائع قالوا إن ~~الجبال كالقباب المبنية والأبخرة ترتفع إليها كما ترتفع إلى سقوف الحمامات ~~وتتكون هناك قطرات من الماء ثم تجتمع ، فإن لم تكن قوية تحصل المياه ~~الراكدة كالآبار وتجري في القنوات ، إن كانت قوية تشق الأرض وتخرج أنهارا ~~جارية وتجتمع فتحصل الأنهار العظيمة وتمدها مياه الأمطار والثلوج ، فنقول ~~اختصاص بعض الجبال بالعيون دليل ظاهر على الاختيار وما ذكروه تعسف ، فالحق ~~هو أن الله تعالى خلق الماء في المواضع المرتفعة وساقها في الأنهار ~~والسواقي أو صعد الماء من المواضع المتسفلة إلى الأماكن المرتفعة بأمر الله ~~وجرى في الأودية إلى البقاع التي أنعم الله على أهلها . # ثم قال تعالى : { ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون } ~~والترتيب ms7541 ظاهر ويظهر أيضا في التفسير وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لم أخر التنبيه على الانتفاع بقوله : { ليأكلوا } عن ~~ذكر الثمار حتى قال : { وفجرنا فيها من العيون } وقال في الحب : { فمنه ~~يأكلون } عقيب ذكر الحب ، ولم يقل عقيب ذكر النخيل والأعناب ليأكلوا ؟ نقول ~~الحب قوت وهو يتم وجوده بمياه الأمطار ولهذا يرى أكثر البلاد لا يكون بها ~~شيء من الأشجار والزرع والحراثة لا تبطل هناك اعتمادا على ماء السماء وهذا ~~لطف من الله حيث جعل ما يحتاج إليه الإنسان أعم وجودا ، وأما الثمار فلا ~~تتم إلا بالأنهار ولا تصير الأشجار حاملة للثمار إلا بعد وجود الأنهار ~~فلهذا أخر . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { من ثمره } عائد إلى أي شيء ؟ نقول ~~المشهور أنه عائد إلى الله أي / ليأكلوا من ثمر الله وفيه لطيفة : وهي أن ~~الثمار بعد وجود الأشجار وجريان الأنهار لم توجد إلا بالله تعالى ولولا خلق ~~الله ذلك لم توجد فالثمر بعد جميع ما يظن الظان أنه سبب وجوده ليس إلا ~~بالله تعالى وإرادته فهي PageV26P059 ثمره ، ويحتمل أن يعود إلى النخيل ~~وترك الأعناب لحصول العلم بأنها في حكم النخيل ويحتمل أن يقال هو راجع إلى ~~المذكور أي من ثمر ما ذكرنا ، وهذان الوجهان نقلهما الزمخشري ، ويحتمل وجها ~~آخر أغرب وأقرب وهو أن يقال المراد من الثمر الفوائد يقال ثمرة التجارة ~~الربح ويقال ثمرة العبادة الثواب ، وحينئذ يكون الضمير عائدا إلى التفجير ~~المدلول عليه بقوله : { وفجرنا فيها من العيون } تفجيرا ليأكلوا من فوائد ~~ذلك التفجير وفوائده أثكر من الثمار بل يدخل فيه ما قال الله تعالى : { أنا ~~صببنا الماء صبا } ( عبس : 25 ) إلى أن قال : { فأنبتنا فيها حبا * وعنبا * ~~وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا } ( عبس : 27 31 ) ~~والتفجير أقرب في الذكر من النخيل ، ولو كان عائدا إلى الله لقال من ثمرنا ~~كما قال ( وجعلنا ) ( وفجرنا ) . # المسألة الثالثة : ما في قوله : { وما عملته } من أي الماءات هي ؟ نقول ~~فيها وجوه أحدها : نافية كأنه قال : وما عملت التفجير أيديهم بل الله فجر ms7542 ~~وثانيها : موصولة بمعنى الذي كأنه قال والذي عملته أيديهم من الغراس بعد ~~التفجير يأكلون مه أيضا ويأكلون من ثمر الله الذي أخرجه من غير سعي من ~~الناس ، فعطف الذي عملته الأيدي على ما خلقه الله من غير مدخل للإنسان فيها ~~وثالثها : هي مصدرية على قراءة من قرأ ( وما عملت ) من غير ضمير عائد معناه ~~ليأكلوا من ثمره وعمل أيديهم يعني يغرسون والله ينبتها ويخلق ثمرها فيأكلون ~~مجموع عمل أيديهم وخلق الله ، وهذا الوجه لا يمكن على قراءة من قرأ مع ~~الضمير . # المسألة الرابعة : على قولنا ما موصولة ، يحتمل أن يكون بمعنى وما عملته ~~أي بالتجارة كأنه ذكر نوعي ما يأكل الإنسان بهما ، وهما الزراعة والتجارة ، ~~ومن النبات ما يؤكل من غير عمل الأيدي كالعنب والتمر وغيرهما ومنه ما يعمل ~~فيه عمل صنعة فيؤكل كالأشياء التي لا تؤكل إلا مطبوخة أو كالزيتون الذي لا ~~يؤكل إلا بعد إصلاح ، ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر بقوله : { أفلا * ~~يشركون } وذكر بصيغة الاستفهام لما بينا من فوائد الاستفهام فيما تقدم . ثم ~~قال تعالى : # ! 7 < { سبحان الذى خلق الا زواج كلها مما تنبت الا رض ومن أنفسهم ومما ~~لا يعلمون } > 7 ! # < < # | يس : ( 36 ) سبحان الذي خلق . . . . . # > > قد ذكرنا أن لفظة سبحان علم دال على التسبيح وتقديره سبح تسبيح الذي ~~خلق الأزواج كلها ، ومعنى سبح نزه ، ووجه تعلق الآية بما قبلها هو أنه ~~تعالى لما قال : { أفلا * تشكرون } ( يس : 35 ) وشكر / الله بالعبادة وهم ~~تركوها ولم يقتنعوا بالترك بل عبدوا غيره وأتوا بالشرك فقال : سبحان الذي ~~خلق الأزواج وغيره لم يخلق شيئا فقال أو نقول ، لما بين أنهم أنكروا الآيات ~~ولم يشكروا بين ما ينبغي أن يكون عليه العاقل فقال : { سبحان الذى خلق ~~الازواج كلها } أو نقول لما بين الآيات قال : سبحان الذي خلق ما ذكره عن أن ~~يكون له شريك أو يكون عاجزا PageV26P060 عن إحياء الموتى وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { كلها } يدل على أن أفعال العباد مخلوقة لله ~~لأن الزوج هو الصنف وأفعال ms7543 العباد أصناف ولها أشباه واقعة تحت أجناس ~~الأعراض فتكون من الكل الذي قال الله فيها إنه خلق الأزواج كلها ، لا يقال ~~مما تنبت الأرض ، يخرج الكلام عن العموم لأن من قال أعطيت زيدا كل ما كان ~~لي يكون للعموم إن اقتصر عليه ، فإذا قال بعده من الثياب لا يبقى الكلام ~~على عمومه لأنا نقول ذلك إذا كانت من لبيان التخصيص ، أما إذا كانت لتأكيد ~~العموم فلا ، بدليل أن من قال أعطيته كل شيء من الدواب والثياب والعبيد ~~والجواري يفهم منه أنه يعدد الأصناف لتأكيد العموم ويؤيد هذا قوله تعالى في ~~حم : { الذى خلق الازواج كلها * وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون } ( ~~الزخرف : 12 ) من غير تقييد . # المسألة الثانية : ذكر الله تعالى أمورا ثلاثة ينحصر فيها المخلوقات ~~فقوله : { مما تنبت الارض } يدخل فيها ما في الأرض من الأمور الظاهرة ~~كالنبات والثمار وقوله : { ومن أنفسهم } يدخل فيها الدلائل النفسية وقوله : ~~{ ومما لا يعلمون } يدخل ما في أقطار السموات وتخوم الأرضين وهذا دليل على ~~أنه لم يذكر ذلك للتخصيص بدليل أن الأنعام مما خلقها الله والمعادن لم ~~يذكرها وإنما ذكر الأشياء لتأكيد معنى العموم كما ذكرنا في المثال . # المسألة الثالثة : قوله { ومما لا يعلمون } فيه معنى لطيف وهو أنه تعالى ~~إنما ذكر كون الكل مخلوقا لينزه الله عن الشريك فإن المخلوق لا يصلح شريكا ~~للخلق ، لكن التوحيد الحقيقي لا يحصل إلا بالاعتراف بأن لا إله إلا الله ، ~~فقال تعالى اعلموا أن المانع من التشريك فيما تعلمون وما لا تعلمون لأن ~~الخلق عام والمانع من الشركة الخلق فلا تشركوا بالله شيئا مما تعلمون فإنكم ~~تعلمون أنه مخلوق ومما لا تعلمون فإنه عند الله كله مخلوق لكون كله ممكنا . ~~ثم قال تعالى : # ! 7 < { وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون } > 7 ! # < < # | يس : ( 37 ) وآية لهم الليل . . . . . # > > لما استدل الله بأحوال الأرض وهي المكان الكلي استدل بالليل والنهار ~~وهو الزمان الكلي فإن درلة المكان والزمان مناسبة لأن المكان لا تستغني عنه ~~الجواهر والزمان ms7544 لا تستغني عنه الأعراض ، لأن كل عرض فهو في زمان ومثله ~~مذكور في قوله تعالى : { ومن ءاياته اليل * كلا والقمر } ( فصلت : 37 ) ثم ~~قال بعده : { ومن ءاياته أنك ترى الارض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء ~~اهتزت وربت } ( فصلت : 39 ) حيث استدل بالزمان والمكان هناك أيضا ، لكن ~~المقصود أولا هناك إثبات الوحدانية بدليل قوله تعالى : { لا تسجدوا للشمس } ~~( فصلت : 37 ) ثم الحشر بدليل قوله تعالى : { إن الذى أحياها * فانظر إلى } ~~( فصلت : 39 ) وههنا المقصود أولا إثبات الحشر لأن السورة فيها ذكر الحشر ~~أكثر ، يدل عليه النظر في السورة ، وهناك ذكر التوحيد أكثر بدليل قوله ~~تعالى فيه : { قل * أئنكم * لتكفرون بالذى خلق الارض فى يومين } ( فصلت : 9 ~~) إلى غيره وآخر السورتين يبين الأمر ، وفيه مسائل : PageV26P061 # المسألة الأولى : المكان يدفع عن أهل السنة شبه الفلاسفة ، والزمان يدفع ~~عنهم شبه المشبهة . # أما بيان الأول : فذلك لأن الفلسفي يقول لو كان عدم العالم قبل وجوده ~~لكان عند فرض عدم العالم قبل ، وقبل وبعد لا يتحقق إلا بالزمان ، فقبل ~~العالم زمان والزمان من جملة العالم فيلزم وجود الشيء عند عدمه وهو محال ، ~~فنقول لهم قد وافقتمونا على أن الأمكنة متناهية ، لأن الأبعاد متناهية ~~بالاتفاق ، فإذن فوق السطح الأعلى من العالم يكون عدما وهو موصوف بالفوقية ~~، وفوق وتحت لا يتحقق إلا بالمكان ففوق العالم مكان والمكان من العالم ~~فيلزم وجود الشيء عند عدمه ، فإن أجابوا بأن فوق السطح الأعلى لا خلا ولا ~~ملا ، نقول قبل وجود العالم لا آن ولا زمان موجود . # أما بيان الثاني : فلأن المشبهي يقول لا يمكن وجود موجود إلا في مكان ، ~~فالله في مكان فنقول فيلزمكم أن تقولوا الله في زمان لأن الوهم كما لا ~~يمكنه أن يقول هو موجود ولا مكان لا يمكنه أن يقول هو كان موجودا ولا زمان ~~وكل زمان هو حادث وقد أجمعنا على أن الله تعالى قديم . # المسألة الثانية : لو قال قائل إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان فلم ~~اختار الليل حيث قال : { وءاية لهم اليل } ؟ نقول لما ms7545 استدل بالمكان الذي ~~هو المظلم وهو الأرض وقال : { وءاية لهم الارض } ( يس : 33 ) استدل بالزمان ~~الذي فيه الظلمة وهو الليل ووجه آخر : وهو أن الليل فيه سكون الناس وهدوء ~~الأصوات وفيه النوم وهو كالموت ويكون بعده طلوع الشمس كالنفخ في الصور ~~فيتحرك الناس فذكر الموت كما قال في الأرض : { وءاية لهم الارض الميتة } ( ~~يس : 33 ) فذكر في الزمانين أشبههما بالموت كما ذكر من المكانين أشبههما ~~بالموت . # المسألة الثالثة : ما معنى سلخ النهار من الليل ؟ نقول معناه تمييزه منه ~~يقال انسلخ النهار من الليل إذا أتى آخر النهار ودخل أول الليل وسلخه الله ~~منه فانسلخ هو منه ، وأما إذا استعمل بغير كلمة من فقيل سلخت النهار أو ~~الشمس فمعناه دخلت في آخره ، فإن قيل فالليل في نفسه آية فأية حاجة إلى ~~قوله : { نسلخ منه النهار } ؟ نقول الشيء تتبين بضده منافعه ومحاسنه ، ~~ولهذا لم يجعل الله الليل وحده آية في موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار ~~معها ، وقوله : { فإذا هم مظلمون } أي داخلون في الظلام / وإذا للمفاجأة أي ~~ليس بيدها بعد ذكر أمر ولا بد لهم من الدخول فيه / وقوله تعالى : # ! 7 < { والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم } > 7 ! # < < # | يس : ( 38 ) والشمس تجري لمستقر . . . . . # > > ويحتمل أن يكون الواو للعطف على الليل تقديره : وآية لهم الليل نسلخ ~~والشمس تجري والقمر قدرناه ، فيه كلها آية ، وقوله : { والشمس تجرى } إشارة ~~إلى سبب سلخ النهار فإنها تجري لمستقر لها وهو وقت الغروب فينسلخ النهار ، ~~وفائدة ذكر السبب هو أن الله لما قال نسلخ منه النهار وكان غير بعيد من ~~الجهال أن يقول قائل منهم سلخ النهار ليس من الله إنما يسلخ النهار بغروب ~~الشمس فقال تعالى : والشمس تجري لمستقر لها بأمر الله فمغرب الشمس سالخ ~~للنهار فبذكر السبب يتبين صحة الدعوى ويحتمل أن يقال بأن قوله : { والشمس ~~تجرى لمستقر لها } إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه تعالى لما قال : { ~~وءاية لهم اليل نسلخ منه النهار } ( يس : 37 ) ذكر أن الشمس تجري فتطلع ms7546 عند ~~انقضاء الليل فيعود النهار بمنافعه ، وقوله : { لمستقر } اللام يحتمل أن ~~تكون للوقت كقوله تعالى : { أقم الصلواة لدلوك الشمس } ( الإسراء : 78 ) ~~وقوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن } ( الطلاق : 1 ) ووجه استعمال اللام للوقت ~~هو أن اللام المكسورة في الأسماء لتحقيق معنى الإضافة لكن إضافة الفعل إلى ~~سببه أحسن الإضافات لأن الإضافة لتعريف المضاف بالمضاف إليه كما في قوله : ~~دار زيد لكن الفعل يعرف PageV26P062 بسببه فيقال اتجر للربح واشتر للأكل ، ~~وإذا علم أن اللام تستعمل للتعليل فنقول وقت الشيء يشبه سبب الشيء لأن ~~الوقت يأتي بالأمر الكائن فيه ، والأمور متعلقة بأوقاتها فيقال خرج لعشر من ~~كذا { اتل ما * لدلوك الشمس } ( الإسراء : 78 ) لأن الوقت معرف كالسبب وعلى ~~هذا فمعناه تجري الشمس وقت استقرارها أي كلما استقرت زمانا أمرت بالجري ~~فجرت ، ويحتمل أن تكون بمعنى إلى أي إلى مستقر لها وتقريره هو أن للام تذكر ~~للوقت وللوقت طرفان ابتداء وانتهاء يقال سرت من يوم الجمعة إلى يوم الخميس ~~فجاز استعمال ما يستعمل فيه في أحد طرفيه لما بينهما من الاتصال ويؤيد هذا ~~قراءة من قرأ { والشمس تجرى * إلى * مستقر * لها } وعلى هذا ففي ذلك ~~المستقر وجوه الأول : يوم القيامة وعنده تستقر ولا يبقى لها حركة الثاني : ~~السنة الثالث : الليل أي تجري إلى الليل الرابع : أن ذلك المستقر ليس ~~بالنسبة إلى الزمان بل هو للمكان وحينئذ ففيه وجوه الأول : هو غاية ~~ارتفاعها في الصيف وغاية انخفاضها في الشتاء أي تجري إلى أن تبلغ ذلك ~~الموضع فترجع الثاني : هو غاية مشارقها فإن في كل يوم لها مشرق إلى ستة ~~أشهر ثم تعود إلى تلك المقنطرات وهذا هو القول الذي تقدم في الإرتفاع فإن ~~اختلاف المشارق بسبب اختلاف الإرتفاع الثالث : هو وصولها إلى بيتها في ~~الابتداء الرابع : هو الدائرة التي عليها حركتها حيث لا تميل عن منطقة ~~البروج على مرور الشمس وسنذكرها ، ويحتمل أن يقال { لمستقر لها } أي تجري ~~مجرى مستقرها . فإن أصحاب الهيئة قالوا الشمس في فلك والفلك يدور فيدير ~~الشمس / فالشمس تجري مجرى مستقرها ، وقالت ms7547 الفلاسفة تجري لمستقرها أي لأمر ~~لو وجدها لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة وهو في غاية السقوط ، وأجاب ~~الله عنه بقوله : { ذالك تقدير العزيز العليم } أي ليس لإرادتها وإنما ذلك ~~بإرادة الله وتقديره وتدبيره وتسخيره إياها ، فإن قيل عددت الوجوه الكثيرة ~~وما ذكرت المختار ، فما الوجه المختار عندك ؟ نقول المختار هو أن المراد من ~~المستقر المكان أن تجري لبلوغ مستقرها وهو غاية الاتفارع والانخفاض فإن ذلك ~~يشمل المشارق والمغارب والمجرى الذي لا يختلف والزمان وهو السنة والليل فهو ~~أتم فائدة / وقوله : { ذالك } يحتمل أن يكون إشارة إلى جري الشمس أي ذلك ~~الجري تقدير الله ويحتمل أن يكون إشارة إلى المستقر أي لمستقر لها وذلك ~~المستقر تقدير الله والعزيز الغالب وهو بكمال القدرة يغلب ، والعليم كامل ~~العلم أي الذي قدر على إجرائها على الوجه الأنفع وعلم الأنفع فأجراها على ~~ذلك ، وبيانه من وجوه الأول : هو أن الشمس في ستة أشهر كل يوم تمر على ~~مسامته شيء لم تمر من أمسها على تلك المسامتة ، ولو قدر الله مرورها على ~~مسامته واحدة لاحترقت الأرض التي هي مسامته لممرها وبقي المجموع مستوليا ~~على الأماكن الأخر فقدر الله لها بعدا لتجمع الرطوبات في باطن الأرض ~~والأشجار في زمان الشتاء ثم قدر قربها بتدريج لتخرج النبات والثمار من ~~الأرض والشجر وتضج وتجفف ، ثم تبعد لئلا يحترق وجه الأرض وأغصان الأشجار ~~الثاني : هو أن الله قدر لها في كل يوم طلوعا وفي كل ليلة غروبا لئلا تكون ~~القوى والأبصار بالسهر والتعب ولا يخرب العالم بترك العمارة بسبب الظلمة ~~الدائمة ، الثالث : جعل سيرها أبطأ من سير القمر وأسرع من سير زحل لأنها ~~كاملة النور فلو كانت بطيئة السير لدامت زمانا كثيرا في مسامته شيء واحد ~~فتحرقه ، ولو كانت سريعة السير لما حصر لها لبث بقدر ما ينضج الثمار في ~~بقعة واحدة . ثم قال تعالى : # ! 7 < { والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم } > 7 @QB@ < # | يس : ( 39 ) والقمر قدرناه منازل . . . . . # > > PageV26P063 # قال الزمخشري : لا بد من تقدير لفظ يتم به معنى الكلام ms7548 لأن القمر لم يجعل ~~نفسه منازل فالمعنى أنا قدرنا سيره منازل وعلى ما ذكره يحتمل أن يقال ~~المراد منه ، والقمر قدرناه ذا منازل لأن ذا الشيء قريب من الشيء ولهذا جاز ~~قول القائل عيشة راضية لأن ذا الشيء كالقائم به الشيء فأتوا بلفظ الوصف . # وقوله : { حتى عاد كالعرجون القديم } أسي رجع في الدقة إلى حالته التي ~~كان عليها من قبل . والعرجون من الانعراج يقال لعود العذق عرجون ، والقديم ~~المتقادم الزمان ، قيل إن ما غبر عليه سنة فهو قديم ، والصحيح أن هذه ~~بعينها لا تشترط في جواز إطلاق القديم عليه وإنما تعتبر العادة ، حتى لا ~~يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين إنهاء بناء قديم أو هي قديمة / ويقال لبعض ~~الأشياء إنه قديم ، وإن لم يكن له سنة ، ولهذا جاز أن يقال بيت قديم وبناء ~~قديم ولم يجز أن يقال في العالم إنه قديم ، لأن القدم في البيت والبناء ~~يثبت بحكم تقادم العهد ومرور السنين عليه ، وإطلاق القديم على العالم لا ~~يعتاد إلا عند من يعتقد أنه لا أول له ولا سابق عليه . ثم قال تعالى : # ! 7 < { لا الشمس ينبغى لهآ أن تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل فى ~~فلك يسبحون } > 7 ! # < < # | يس : ( 40 ) لا الشمس ينبغي . . . . . # > > إشارة إلى أن كل شيء من الأشياء المذكورة خلق على وفق الحكمة ، ~~فالشمس لم تكن تصلح لها سرعة الحركة بحيث تدرك القمر وإلا لكان في شهر واحد ~~صيف وشتاء فلا تدرك الثمار وقوله : { ولا اليل سابق النهار } قيل في تفسيره ~~إن سلطان الليل وهو القمر ليس يسبق الشمس وهي سلطان النهار ، وقيل معناه ~~ولا الليل سابق النهار أي الليل لا يدخل وقت النهار والثاني بعيد لأن ذلك ~~يقع إيضاحا للواضح والأول صحيح إن أريد به ما بينته وهو أن معنى قوله تعالى ~~: { ولا اليل سابق النهار } أن القمر إذا كان على أفق المشرق أيام ~~الاستقبال تكون الشمس في مقابلته على أفق المغرب ، ثم إن عند غروب الشمس ~~يطلع القمر وعند طلوعها يغرب القمر ، كأن ms7549 لها حركة واحدة مع أن الشمس تتأخر ~~عن القمر في ليلة مقدارا ظاهرا في الحس ، فلو كان للقمر حركة واحدة بها ~~يسبق الشمس ولا تدركه الشمس ؛ وللشمس حركة واحدة بها تتأخر عن القمر ولا ~~تدرك القمر ؛ لبقي القمر والشمس مدة مديدة في مكان واحد ، لأن حركة الشمس ~~كل يوم درجة فخلق الله تعالى جميع الكواكب حركة أخرى غير حركة الشهر والسنة ~~، وهي الدورة اليومية وبهذه الدورة لا يسبق كوكب كوكبا أصلا ، لأن كل كوكب ~~من الكواكب إذا طلع غرب مقابله وكلما تقدم كوكب إلى الموضع الذي فيه الكوكب ~~الآخر بالنسبة إلينا تقدم ذلك الكوكب ، فبهذه الحركة لا يسبق الشمس ، فتبين ~~أن سلطان الليل لا يسبق سلطان النهار فالمراد من الليل القمر ومن النهار ~~الشمس فقوله : { لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر } إشارة إلى حركتها ~~البطيئة التي تتم الدورة في سنة وقوله : { ولا اليل سابق النهار } إشارة ~~إلى حركتها اليومية التي بها تعود من المشرق إلى المشرق مرة أخرى في يوم ~~وليلة ، وعلى هذا ففيه مسائل : PageV26P064 # المسألة الأولى : ما الحكمة في إطلاق الليل وإرادة سلطانه وهو القمر ، ~~وماذا يكون لو قال ولا القمر سابق الشمس ؟ نقول لو قال ولا القمر سابق ~~الشمس ما كان يفهم أن الإشارة إلى الحركة اليومية فكان يتوهم التناقض ، فإن ~~الشمس إذا كانت لا تدرك القمر أسرع ظاهرا ، وإذا قال / ولا القمر سابق يظن ~~أن القمر لا يسبق فليس بأسرع ، فقال الليل والنهار ليعلم أن الإشارة إلى ~~الحركة التي بها تتم الدورة في مدة يوم وليلة ، ويكون لجيمع الكواكب أو ~~عليها طلوع وغروب في الليل والنهار . # المسألة الثانية : ما الفائدة في قوله تعالى : { لا الشمس ينبغى لها أن ~~تدرك } بصيغة الفعل وقوله : { ولا اليل سابق النهار } بصيغة اسم الفاعل ، ~~ولم يقل ولا الليل يسبق ولا قال مدركة القمر ؟ نقول الحركة الأولية التي ~~للشمس ، ولا يدرك بها القمر مختصة بالشمس ، فجعلها كالصادرة منها ، وذكر ~~بصيغة الفعل لأن صيغة الفعل لا تطلق على من لا يصدر منه الفعل ms7550 فلا يقال هو ~~يخيط ولا يكون يصدر منه الخياطة . والحركة الثانية ليست مختصة بكوكب من ~~الكواكب بل الكل فيها مشتركة بسبب حركة فلك ليس ذلك فلكا لكوكب من الكواكب ~~، فالحركة ليست كالصادرة منه فأطلق اسم الفاعل لأنه لا يستلزم صدور الفعل ~~يقال فلان خياط وإن يكن خياطا ، فإن قيل قوله تعالى : { يغشى * إن ربكم ~~الله الذى } ( الأعراف : 54 ) يدل على خلاف ما ذكرتم ، لأن النهار إذا كان ~~يطلب الليل فالليل سابقه ، وقلتم إن قوله : { ولا اليل سابق النهار } معناه ~~ما ذكرتم فيكون الليل سابقا ولا يكون سابقا ، نقول قد ذكرنا أن المراد ~~بالليل ههنا سلطان الليل وهو القمر / وهو لا يسبق الشمس بالحركة اليومية ~~السريعة ، والمراد من الليل هناك نفس الليل وكل واحد لما كان في عقيب الآخر ~~فكأنه طالبه ، فإن قيل فلم ذكر ههنا { سابق النهار } وقد ذكر هناك يطلبه ، ~~ولم يقل طالبه ؟ نقول ذلك لما بينا من أن المراد في هذه السورة من الليل ~~كواكب الليل ، وهي في هذه الحركة كأنها لا حركة لها ولا تسبق ، ولا من ~~شأنها أنها سابقة ، والمراد هناك نفس الليل والنهار وهما زمانان والزمان لا ~~قرار له فهو يطلب حثيثا لصدور التقصي منه ، وقوله تعالى : { وكل فى فلك ~~يسبحون } يحقق ما ذكرنا أي للكل طلوع وغروب في يوم وليلة لا يسبق بعضها ~~بعضا ، بالنسبة إلى هذه الحركة وكل حركة في فلك تخصه وفيه مسائل : # المسألة الأولى : التنوين في قوله ( كل ) عوض عن الإضافة معناه كل واحد ~~وإسقاط التنوين للإضافة حتى لا يجتمع التعريف والتنكير في شيء واحد فلما ~~سقط المضاف إليه لفظا رد التنوين عليه لفظا ، وفي المعنى معرف بالإضافة ، ~~فإن قيل فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظا وتركها ؟ فنقول نعم ، وذلك لأن ~~قول القائل كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد اقتصار ~~الفهم عليه ، فإذا قال كل كذا يدخل في الفم عموم أكثر من العموم عند ~~الإضافة ، وهذا كما في قبل وبعد إذا قلت افعل قبل كذا فإذا ms7551 حذفت المضاف ~~وقلت افعل قبل أفاد فهم الفعل قبل كل شيء ، فإن قيل فهل بين قولنا كل منهم ~~وبين قولنا كلهم وبين كل فرق ؟ نقول نعم عند قولك كلهم تثبت الأمر للاقتصار ~~عليهم ، وعند قولك كل منهم تثبت الأمر أولا للعموم ، ثم استدركت بالتخصيص ~~فقلت منهم ، وعند قولك كل ثبت الأمر على العموم وتتركه عليه . # / المسألة الثانية : إذا كان كل بمعنى كل واحد منهم والمذكور الشمس ~~والقمر فكيف قال : { يسبحون } ؟ نقول الجواب عنه من وجوه أحدها : ما بينا ~~أن قوله كل للعموم فكأنه أخبر عن كل كوكب في السماء سيار PageV26P065 ~~ثانيها : أن لفظ كل يجوز أن يوحد نظرا إلى كونه لفظا موحدا غير مثنى ولا ~~مجموع ، ويجوز أن يجمع لكون معناه جمعا ، وأما التثنية فلا يدل عليها للفظ ~~ولا المعنى فعلى هذا يحسن أن يقول القائل زيد وعمرو كل جاء أو كل جاءوا ولا ~~يقول كل جاءا بالتثنية وثالثها : لما قال : { ولا اليل سابق النهار } ~~والمراد ما في الليل من الكواكب قال : { يسبحون } . # المسألة الثالثة : الفلك ماذا ؟ نقول الجسم المستدير أو السطح المستدير ~~أو الدائرة لأن أهل اللغة اتفقوا على أن فلكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها ~~وفلكة الخيمة هي الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا ~~يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة ، فإن قيل فعلى هذا تكون السماء ~~مستديرة . وقد اتفق أكثر المفسرين على أن السماء مبسوطة ليس لها أطراف على ~~جبال وهي كالسقف المستوي . ويدل عليه قوله تعالى : { والسقف المرفوع } ( ~~الطور : 5 ) نقول ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة ~~غير مستديرة ، ودل الدليل الحسي على كونها مستديرة فوجب المصير إليه . أما ~~الأول فظاهر لأن السقف المقبب لا يخرج من كونه سقفا ، وكذلك كونها على جبال ~~، وأما الدليل الحسي فوجوه أحدها : أن من أمعن في السير في جانب الجنوب ~~يظهر له كواكب مثل سهيل وغيره ظهورا أبديا حتى أن من يرصد يراه دائما ويخفى ~~عليه بنات نعش وغيرها خفاء أبديا ، ولو كان السماء ms7552 مسطحا مستويا لبان الكل ~~للكل بخلاف ما إذا كان مستديرا فإن بعضه حينئذ يستتر بأطراف الأرض فلا يرى ~~الثاني : هو أن الشمس إذا كانت مقارنة للحمل مثلا فإذا غربت ظهر لنا كوكب ~~في منطقة البروج من الحمل إلى الميزان ثم في قليل يستتر الكوكب الذي كان ~~غروبه بعد غروب الشمس ويظهر الكوكب الذي كان طلوعه بعد طلوع الشمس وبالعكس ~~هو دليل ظاهر وإن بحث فيه يصير قطعيا الثالث : هو أن الشمس قبل طلوعها وبعد ~~غروبها يظهر ضوءها ويستنير الجو بعض الاستنارة ثم يطلع ولولا أن بعض السماء ~~مستتر بالأرض وهو محل الشمس فلا يدى جرمها وينتشر نورها لما كان كذا بل كان ~~عند إعادتها إلى السماء يظهر لكل أحد جرمها ونورها معا لكون السماء مستوية ~~حينئذ مكشوفة كلها لكل أحد الرابع : القمر إذا انكسف في ساعة من الليل في ~~جانب الشرق ، ثم سئل أهل الغرب عن وقت الكسوف أخبروا عن الخسوف في ساعة ~~أخرى قبل تلك الساعة التي رأى أهل المشرق فيها الخسوف لكن الخسوف في وقت ~~واحد في جميع نواحي العالم والليل مختلف فدل على أن الليل في جانب المشرق ~~قبل الليل في جانب المغرب فالشمس غربت من عند أهل المشرق وهي بعد في السماء ~~ظاهرة لأهل المغرب فعلم استتارها بالأرض ولو كانت مستوية / لما كان كذلك ~~الخامس : لو كانت السماء مبسوطة لكان القمر عندما يكون فوق رءوسنا على ~~المسامتة أقرب إلينا وعندما يكون على الأفق أبعد منا لأن العموم أصغر من ~~القطر والوتد ، وكذلك في الشمس والكواكب كان يجب أن يرى أكبر لأن القريب ~~يرى أكبر وليس كذلك فإن قيل PageV26P066 جاز أن يكون وهو على الأفق على سطح ~~السماء وعندما يكون على مسامته رؤوسنا في بحر السماء غائرا فيها لأن الخرق ~~جائز على السماء ، نقول لا تنازع في جواز الخرق لكن القمر حينئذ تكون حركته ~~في دائرة لا على خط مستقيم وهو غرضنا ولأنا نقول لو كان كذلك لكان القمر ~~عند أهل المشرق وهو في منتصف نهارهم أكبر ms7553 مقدارا لكونه قريبا من رؤوسهم ~~ضرورة فرضه على سطح السماء الأدنى وعندنا في بحرالسماء ، وبالجملة الدلائل ~~كثيرة . والإكثار منها يليق بكتب الهيئة التي الغرض منها بيان ذلك العلم ، ~~وليس الغرض في التفسير بيان ذلك غير أن القدر الذي أوردناه يكفي في بيان ~~كونه فلكا مستديرا . # المسألة الرابعة : هذا يدل على أن لكل كوكب فلكا ، فما قولك فيه ؟ نقول : ~~أما السبعة السيارة فلكل فلك ، وأما الكواكب الأخر فقيل للكل فلك واحد ، ~~ولنذكر كلاما مختصرا في هذا الباب من الهيئة حيث وجب الشروع بسبب تفسير ~~الفلك فنقول : قيل إن للقمر فلكا لأن حركته أسرع من حركة الستة الباقية ، ~~وكذلك لكل كوكب فلك لاختلاف سيرها بالسرعة والبطء والممر ، فإن بعضها يمر ~~في دائرة وبعضها في دائرة أخرى حتى في بعض الأوقات يمر بعضها ببعض ولا ~~يكسفه وفي بعض الأوقات يكسفه فلكل كوكب فلك ، ثم إن أهل الهيئة قالوا فكل ~~فلك هو جسم كرة وذلك غير لازم بل اللازم أن نقول لكل فلك هو كرة أو صفحة أو ~~دائرة يفعلها الكوكب بحركته ، والله تعالى قادر على أن يخلق الكوكب في كرة ~~يكون وجوده فيها كوجود مسمار مغرق في ثخن كرة مجوفة ويدير الكرة فيدور ~~الكوكب بدوران الكرة ، وعلى مذهب أرباب الهيئة حركة الكواكب السيارة على ~~هذا الوجه ، وكذلك قادر على أن يخلق حلقة يحيط بها أربع سطوح متوازنة بها ~~فإنها أربع دوائر متوازية كحجر الرحى إذا قورناه وأخرجنا من وسطه طاحونة من ~~طواحين اليد ويبقى منه حلقة يحيط بها سطوح ودوائر كما ذكرنا وتكون الكواكب ~~فيه وهو فلك فتدور تلك الحلقة وتدير الكوكب ، والحركة على هذا الوجه وإن ~~كانت مقدورة لكن لم يذهب إليه أحد ممن يعتبر وكذلك هو قادر على أن يجعل ~~الكواكب بحيث تشق السماء فتجعل دائرة متوهمة كما لو فرضت سمكة في الماء على ~~وجهه تنزل من جانب وتصعد إلى موضع من الجانب الآخر على استدارة وهذا ~~هوالمفهوم من قوله تعالى : { وكل فى فلك يسبحون } والظاهر أن حركة الكواكب ~~على هذا ms7554 الوجه ، وأرباب الهيئة أنكروا ذلك وقالوا لا تجوز الحركة / على هذا ~~الوجه لأن الكوكب له جرم فإذا شق السماء وتحرك فإما أن يكون موضع دورانه ~~ينشق ويلتئم كالماء تحركه السمكة أو لا ينشق ولا يلتئم ، بل هناك خلاء يدور ~~الكوكب فيه / لكن الخلاء محال والسماء لا تقبل الشق والالتئام ، هذا ما ~~اعتمدوا عليه ، ونحن نقول كلاهما جائز . أما الخلاء فلا يحتاج إليه ههنا ، ~~لأن قوله تعالى : { يسبحون } يفهم منه أنه بشق والتئام ، وأما امتناع الشق ~~والالتئام فلا دليل لهم عليه وشبهتهم في المحدد للجهات وهي هناك ضعيفة ، ثم ~~إنهم قالوا على ما بينا تخرج الحركات وبه علمنا الكسوفات ، ولو كان لها ~~حركات مختلفة لما وجب الكسوف في PageV26P067 الوقت الذي يحكم فيه بالكسوف ~~والخسوف وذلك لأنا نقول للشمس فلكان أحدهما : مركزه مركز العالم ثانيهما : ~~مركزه فوق مركز العالم وهو مثل بياض البيض بين صفرته وبين القيض والشمس كرة ~~في الفلك الخارج المركز تدور بدورانه في السنة دورة ، فإذا جعلت في الجانب ~~الأعلى تكون بعيدة عن الأرض فيقال إنها في الأوج ، وإذا حصلت في الجانب ~~الأسفل تكون قريبة من الأرض فتكون في الحضيض ، وأما القمر فله فلك شامل ~~لجميع أجزائه وأفلاكه وفلك آخر هو بعض من الفلك الأول محيط به كالقشرة ~~الفوقانية من البصلة وفلك ثالث في الفلك التحتاني كما كان في الفلك الخارج ~~المركز في فلك الشمس وفي الفلك الخارج المركز كرة مثل جرم الشمس وفي الكرة ~~القمر مركوز كمسمار في كرة مغرق فيها ويسمى الفلك الفوقاني الجوزهر والخارج ~~المركز الفلك الحامل والفلك التحتاني الذي فيه الفلك الحامل الفلك المائل ~~والكرة التي في الحامل تسمى فلك التدوير ، وكذلك قالوا في الكواكب الخمسة ~~الباقية من السيارات غير أن الفوقاني الذي سموه فلك الجوزهر لم يثبتوه لها ~~فأثبتوا أربعة وعشرين فلكا ، الفلك الأعلى وفلك البروج ، ولزحل ثلاثة أفلاك ~~الممثل والحامل وفلك التدوير ، وللمشتري ثلاثة كما لزحل ، وللمريخ كذلك ~~ثلاثة ، وللشمس فلكان الممثل والخارج والمركز ، وللزهرة ثلاثة أفلاك كما ~~للعلويات ، ولعطارد أربعة أفلاك الثلاثة ms7555 التي ذكرناها في العلويات ، وفلك ~~آخر يسمونه المدير ، وللقمر أربعة أفلاك والرابع يسمونه فلك الجوزهر ~~والمدير ليس كالجوزهر لأن المدير غير محيط بالأفلاك عطارد وفلك الجوزهر ~~محيط ، ومنهم من زاد في الخمسة في كل فلك فلكين آخرين وجعل تدويراتها مركبة ~~منث لاثة أفلاك ، وقالوا إن بسبب هذه الأجرام تختلف حركات الكواكب ويكون ~~لها عروض ورجوع واستقامة وبطء وسرعة . هذا كلامهم على سبيل الاقتناص ~~والاقتصار ونحن نقول لا يبعد من قدرة الله خلق مثل ذلك ، وأما على سبيل ~~الوجوب فلا نسلم ورجوعها واستقامتها بإرادة الله وكذلك عرضها وطولها وبطؤها ~~وسرعتها وقربها وبعدها هذا تمام الكلام . # المسألة الخامسة : قال المنجمون الكواكب أحياء بدليل أنه تعالى قال : { ~~يسبحون } وذلك لا يطلق إلا على العاقل ، نقول إن أردتم القدر الذي يصح به ~~التسبيح فنقول به لأنه ما من شيء من هذه الأشياء إلا وهو يسبح بحمد الله ~~وإن أردتم شيئا آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في قوله تعالى في ~~حق الأصنام { ما لكم لا تنطقون } ( الصافات : 92 ) وقوله : ( ألا تنطقون ) ~~: / / ثم قال تعالى : # ! 7 < { وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون } > 7 ! # < < # | يس : ( 41 ) وآية لهم أنا . . . . . # > > ولها مناسبة مع ما تقدم من وجهين أحدهما : أنه تعالى لما من بإحياء ~~الأرض وهي مكان الحيوانات بين أنه لم يقتصر بل جعل للإنسان طريقا يتخذ من ~~البحر خيرا ويتوسطه أو يسير فيه كما يسير في البر وهذا حينئذ كقوله : { ~~وحملناهم فى البر والبحر } ( الإسراء : 70 ) ويؤيد هذا قوله تعالى : { ~~وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } ( يس : 42 ) إذا فسرناه بأن المراد الإبل ~~فإنها كسفن البراري وثانيهما : هو أنه تعالى لما بين سباحة الكواكب في ~~الأفلاك وذكر ما هو مثله وهو سباحة الفلك في البحار ، ولها وجه ثالث : وهي ~~أن الأمور التي أنعم الله بها على عباده منها ضرورة ومنها نافعة والأول ~~للحاجة والثاني للزينة فخلق الأرض وإحياؤها من القبيل الأول فإنها المكان ~~الذي لولاه لما وجد الإنسان ولولا إحياؤها لما عاش والليل ms7556 والنهار في قوله ~~: { وءاية لهم اليل } ( يس : 37 ) أيضا من القبيل الأول ، لأنه الزمان الذي ~~PageV26P068 لولاه لما حدث الإنسان ، والشمس والقمر وحركتهما لو لم تكن لم ~~عاش ، ثم إنه تعالى لما ذكر من القبيل الأول آيتين ذكر من القبيل الثاني ~~وهوالزينة آيتين إحداهما : الفلك التي تجري في البحر فيستخرج من البحر ما ~~يتزين به كما قال تعالى : { ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها وترى الفلك * من مثله ما يركبون } ( فاطر : 12 ) وثانيتهما : ~~الدواب التي هي في البر كالفلك في البحر في قوله : { وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون } ( يس : 42 ) فإن الدواب زينة كما قال تعالى : { والخيل والبغال ~~والحمير * ولهو وزينة } ( النحل : 8 ) وقال : { ولكم فيها جمال حين تريحون ~~وحين تسرحون } ( النحل : 6 ) فيكون استدلالا عليهم بالضروري والنافع لا ~~يقال بأن النافع ذكره في قوله : { جنات من نخيل وأعناب } ( يس : 34 ) فإنها ~~للزينة لأنا نقول ذلك حصل تبعا للضروري ، لأن الله تعالى لما خلق الأرض ~~منبتة لدفع الضرورة وأنزل الماء عليها كذلك لزم أن يخرج من الجنة النخيل ~~والأعناب بقدرة الله ، وأما الفلك فمقصود لا تبع ، ثم إذا علمت المناسبة ~~ففي الآيات أبحاث لغوية ومعنوية : # أما اللغوية : قال المفسرون الذرية هم الآباء أي حملنا آباءكم في الفلك ~~والألف واللام للتعريف أي فلك نوح وهو مذكور في قوله : { واصنع الفلك } ( ~~هود : 37 ) ومعلوم عند العرب فقال الفلك ، هذا قول بعضهم ، وأما الأكثرون ~~فعلى أن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فلا بد من بيان المعنى ، ~~فنقول الفلك إما أن يكون المراد الفلك المعين الذي كان لنوح ، وإما أن يكون ~~المراد الجنس كما قال تعالى : { وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون } ( ~~الزخرف : 12 ) وقال تعالى : { وترى الفلك فيه مواخر } ( فاطر : 12 ) وقال ~~تعالى : { فإذا ركبوا فى الفلك } ( العنكبوت : 65 ) إلى غير ذلك من استعمال ~~لام التعريف في الفلك لبيان الجنس ، فإن كان المراد سفينة نوح عليه السلام ~~ففيه وجوه الأول : أن المراد إنا حملنا أولادكم إلى يوم ms7557 القيامة في ذلك ~~الفلك ، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله : / { حملنا ~~ذريتهم } بدل قوله : حملناهم إشارة إلى كمال النعمة أي لم تكن النعمة ~~مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة ، هذا ما قاله ~~الزمخشري ، ويحتمل عندي أن يقال على هذا إنه تعالى إنما خص الذرية بالذكر / ~~لأن الموجودين كانوا كفارا لا فائدة في وجودهم فقال : { حملنا ذريتهم } أي ~~لم يكن الحمل حملا لهم ، وإنما كان حملا لما في أصلابهم من المؤمنين كما أن ~~من حمل صندوقا لا قيمة له وفيه جواهر إذا قيل له لم تحمل هذا الصندوق وتتعب ~~في حمله وهو لا يشتري بشيء ؟ يقول : لا أحمل الصندوق وإنما أحمل ما فيه ~~الثاني : هو أن المراد بالذرية الجنس معناه حملنا أجناسهم وذلك لأن ولد ~~الحيوان من جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولهذا يطلق على النساء نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الذراري ، أي النساء وذلك لأن المرأة وإن ~~كانت صنفا غير صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال ذرارينا أي أمثالنا ~~فقوله : { أنا حملنا ذريتهم } أي أمثالهم وآباؤهم حينئذ تدخل فيهم الثالث : ~~هو أن الضمير في قوله : { وءاية لهم } عائد إلى العباد حيث قال : { خامدون ~~ياحسرة على العباد } ( يس : 30 ) وقال بعد ذلك : { ءاية * لهم الارض } ( يس ~~: 33 ) وقال : { وءاية لهم اليل * يس * وقال * وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم ~~} إذا علم هذا فكأنه تعالى قال : وآية للعباد أنا حملنا ذريات العباد ولا ~~يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصا معينين كما قال تعالى : { ~~ولا تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) ويريد بعضهم بعضا ، وكذلك PageV26P069 ~~إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال ، يقال هؤلاء القوم هم قتلوا أنفسهم ، ~~فهم في الموضعين يكون عائدا إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصا معينين ، بل ~~المراد أن بعضهم قتل بعضا ، فكذلك قوله تعالى : { وءاية لهم } أي آية لكل ~~بعض منهم أنا حملنا ذرية على بعض منهم ، أو ذرية بعض منهم . وأما إن قلنا ~~إن المراد ms7558 جنس الفلك فهو أظهر ، لأن سفينة نوح لم تكن بحضرتهم ولم يعلموا ~~من حمل فيها ، فأما جنس الفلك فإنه ظاهر لكل أحد ، وقوله تعالى في سفينة ~~نوح : { وجعلناها ءاية للعالمين } ( العنكبوت : 15 ) أي بوجود جنسها ومثلها ~~، ويؤيده قوله تعالى : { الم * ترى * ألم تر أن الفلك تجرى فى البحر بنعمت ~~الله ليريكم من ءاياته إن فى ذلك لايات لكل } ( لقمان : 31 ) فنقول قوله ~~تعالى : { حملنا ذريتهم } أي ذريات العباد ولم يقل حملناهم ، لأن سكون ~~الأرض عام لكل أحد يسكنها فقال : { وءاية لهم الارض الميتة } إلى أن قال : ~~{ فمنه يأكلون } ( يس : 33 ) لأن الأكل عام ، وأما الحمل في السفينة فمن ~~الناس من لا يركبها في عمره ولا يحمل فيها ، ولكن ذرية العباد لا بد لهم من ~~ذلك فإن فيهم من يحتاج إليها فيحمل فيها . # المسألة الثانية : جعل الفلك تارة جمعا حيث قال : { وترى الفلك فيه مواخر ~~} ( فاطر : 12 ) جمع ماخرة وأخرى فردا حيث قال : { فى الفلك المشحون } نقول ~~فيه تدقيق مليح من علم اللغة ، وهو أن الكلمة قد تكون حركتها مثل حركة تلك ~~الكلمة في الصورة ، والحركتان مختلفتان في المعنى مثالها قولك : سجد يسجد ~~سجودا للمصدر وهم قوم سجود في جمع ساجد ، تظن أنهما كلمة واحدة لمعنيين ~~وليس كذلك ، بل السجود عند كونه مصدرا حركته أصلية إذا قلنا إن الفعل مشتق ~~من المصدر / وحركة السجود عند كونه للجمع حركة متغيرة من حيث إن الجمع يشتق ~~من الواحد ، وينبغي أن يلحق المشتق تغيير في حركة أو حرف أو في مجموعهما ، ~~فساجد لما أردنا أن يشتق منه لفظ جمع غيرناه ، وجئنا بلفظ السجود ، فإذا ~~السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة ~~لمعنيين ، إذا عرفت هذا فنقول الفلك عند كونه واحدا مثل قفل وبرد ، وعند ~~كونها جمعا مثل خشب ومرد وغيرهما / فإن قلت فإذا جعلته جمعا ماذا يكون ~~واحدها ؟ نقول جاز أن يكون واحدها فلكة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد ~~النساء حيث لم يستعمل ، وكذا القول في : { إمام مبين ms7559 } ( يس : 12 ) وفي ~~قوله : { ندعوا كل أناس بإمامهم } ( الإسراء : 71 ) أي بأئمتهم عند قوله ~~تعالى : { إمام مبين } إما كزمام وكتاب وعند قوله تعالى : { كل أناس ~~بإمامهم } إمام كسهام وكرام وجعاب وهذا من دقيق التصريف وأما المعنوية : ~~فنذكرها في مسائل : # المسألة الأولى : قال ههنا : { حملنا ذريتهم } من عليهم بحمل ذريتهم ، ~~وقال تعالى : { إنا لما طغا الماء حملناكم فى الجارية } ( الحاقة : 11 ) من ~~هناك عليهم بحمل أنفسهم ، نقول لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك ~~الغير ، ومن يدفع الضرر على المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك ~~الغير ، بل يكون قد نفعه مثاله من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه ~~، وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه ولا يكون في الحقيقة ~~قد أزال الألم عن أبيه ، عند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال دفعت عنكم ~~الضرر ، ولو قال دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنهم ، ~~وههنا أراد بيان المنافع فقال : { حملنا ذريتهم } PageV26P070 لأن النفع ~~حاصل بنفع الذرية ويدلك على هذا أن ههنا قال : { فى الفلك المشحون } فإن ~~امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة ، وأما دفع المضرة فلا ، ~~لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة ، فاختار هنالك ~~ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري ، وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو ~~الشحن ، فإن قيل قال تعالى : { وحملناهم فى البر والبحر } ( الإسراء : 70 ) ~~ولم يقل : وحملنا ذريتهم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة ، لا دفع ~~النقمة ، نقول لما قال : { فى البر والبحر } عم الخلق ، لأن ما من أحد إلا ~~وحمل في البر أو البحر ، وأما الحمل في البحر فلم يعلم ، فقال إن كنا ما ~~حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان ~~والأصدقاء . # المسألة الثانية : قوله : { المشحون } يفيد فائدة أخرى غير ما ذكرنا وهي ~~أن الآدمي يرسب في الماء ويغرق ، فحمله في الفلك واقع بقدرته ، لكن من ~~الطبيعيين من يقول ms7560 الخفيف لا يرسب في الماء ، لأن الخفيف يطلب جهة فوق فقال ~~: { الفلك المشحون } أثقل من الثقال التي ترسب ، ومع هذا حمل الله الإنسان ~~فيه مع ثقله ، فإن قالوا ذلك لامتناع الخلاء نقول قد ذكرنا الدلائل الدالة ~~على جواز الخلاء في الكتب العقلية ، فإذن ليس حفظ الثقيل فوق الماء إلا ~~بإرادة الله . # / المسألة الثالثة : قال تعالى : { وءاية لهم الارض } ( يس : 33 ) وقال : ~~{ وءاية لهم اليل } ( يس : 37 ) ولم يقل وآية لهم الفلك جعلناها بحيث ~~تحملهم ، وذلك لأن حملهم في الفلك هو العجب . أما نفس الفلك فليس بعجب لأنه ~~كبيت مبني من خشب . وأما نفس الأرض فعجب ونفس الليل عجب لا قدرة عليهما ~~لأحد إلا الله . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } > 7 ! # < < # | يس : ( 42 ) وخلقنا لهم من . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : من حيث اللغة فقوله لهم يحتمل أن يكون عائدا إلى الذرية ~~، أي حملنا ذريتهم وخلقنا للمحمولين ما يركبون ، ويحتمل أن يكون عائدا إلى ~~العباد الذين عاد إليهم قوله : { وءاية لهم } ( يس : 41 ) وهو الحق لأن ~~الظاهر عود الضمائر إلى شيء واحد . # المسألة الثانية : { من } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون صلة تقديره ~~وخلقنا لهم مثله ، وهذا على رأي الأخفش ، وسيبويه يقول : من لا يكون صلة ~~إلا عند النفي ، تقول ما جاءني من أحد كما في قوله تعالى : { وما مسنا من ~~لغوب } ( ق : 38 ) ، وثانيهما : هي مبينة كما في قوله تعالى : { يغفر لكم ~~من ذنوبكم } ( الأحقاف : 31 ) كأنه لما قال : { خلقنا لهم } والمخلوق كان ~~أشياء قال من مثل الفلك للبيان . # المسألة الثالثة : الضمير في { مثله } على قول الأكثرين عائد إلى الفلك ~~فيكون هذا كقوله تعالى : { وءاخر من شكله أزواج } ( ص : 58 ) وعلى هذا ~~فالأظهر أن يكون المراد الفلك الآخر الموجود في زمانهم ويؤيد هذا هو أنه ~~تعالى قال : { وإن نشأ نغرقهم } ( يس : 43 ) ولو كان المراد الإبل على ما ~~قاله بعض المفسرين لكان قوله : { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } فاصلا بين ~~متصلين ، ويحتمل أن يقال الضمير عائد ms7561 إلى معلوم غير مذكور تقديره أن يقال : ~~وخلقنا لهم من مثل ما ذكرنا من المخلوقات في قوله : { خلق الازواج كلها مما ~~تنبت الارض } PageV26P071 ( يس : 36 ) وهذا كما قالوا في قوله تعالى : { ~~ليأكلوا من ثمره * يس * ءان * وقرءان مبين * لينذر من كان حيا ويحق القول ~~على الكافرين * أولم يروا أنا خلقنا لهم } فيه لطيفة ، وهي أن ما من أحد ~~إلا وله ركوب مركوب من الدواب وليس كل أحد يركب الفلك فقال في الفلك حملنا ~~ذريتهم وإن كان ما حملناهم ، وأما الخلق فلهم عام وما يركبون فيه وجهان ~~أحدهما : هو الفلك الذي مثل فلك نوح ثانيهما : هو الإبل التي هي سفن البر ، ~~فإن قيل إذا كان المراد سفينة نوح فما وجه مناسبة الكلام ؟ نقول ذكرهم بحال ~~قوم نوح وأن المكذبين هلكوا والمؤمنين فازوا فكذلك هم إن آمنوا يفوزوا وإن ~~كذبوا يهلكوا . # ! 7 < { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون } > 7 ! # < < # | يس : ( 43 ) وإن نشأ نغرقهم . . . . . # > > ثم قال تعالى : { وإن نشأ نغرقهم } إشارة إلى فائذتين أحداهما : أن ~~في حال النعمة ينبغي أن لا يأمنوا عذاب الله وثانيتهما : هو أن ذلك جواب ~~سؤال مقدر وهو أن الطبيعي يقول السفينة تحمل بمقتضى الطبيعة والمجوف لا ~~يرسب فقال ليس كذلك بل لو شاء الله أغرقهم وليس ذلك بمقتضى الطبع ولو صح ~~كلامه الفاسد لكان القائل أن يقول : ألست توافق أنمن السفن ما ينقلب / ~~وينكسر ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله فإن شاء الله ~~إغراقهم من غير شيء من هذه الأسباب كما هو مذهب أهل السنة أو بشيء من تلك ~~الأسباب كما تسلم أنت . # وقوله تعالى : { فلا صريخ لهم } أي لا مغيث لهم يمنع عنهم الغرق . # وقوله تعلاى : { ولا هم ينقذون } إذا أدركهم الغرق وذلك لأن الخلاص من ~~العذاب ، إما أن يكون بدفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال : لا ~~صريخ لهم يدفع ولا هم ينقذون بعد الوقوع فيه ، وهذا مثل قوله تعالى : { لا ~~تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ms7562 } فقوله : { لا * صريخ لهم ولا هم ينقذون ~~} فيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال لا صريخ لهم ولم يقل ولا ~~منقذ لهم وذلك لأن من لا يكون من شأنه أن ينصر لا يشرع في النصرة مخافة أن ~~يغلب ويذهب ماء وجهه ، وإنما ينصر ويغيث من يكون من شأنه أن يغيث فقال لا ~~صريخ لهم ، وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا رأى من يعز عليه في ضر ~~يشرع في الإنقاذ ، وإن لم يثق بنفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه . وإنما ~~يبذل المجهود فقال : { ولا هم ينقذون } ولم يقل ولا منقد لهم . # ! 7 < { إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين } > 7 @QB@ < # | يس : ( 44 ) إلا رحمة منا . . . . . # > > # ثم استثنى فقال : # وهو يفيد أمرين أحدهما : انقسام الإنقاذ إلى قسمين الرحمة والمتاع ، أي ~~فيمن علم الله منه أنه يؤمن فينقذه الله رحمة ، وفيمن علم أنه لا يؤمن ~~فليتمتع زمانا ويزداد إثما وثانيهما : أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد ~~للدوام بل الزوال في الدنيا لا بد منه فينقذه الله رحمة ويمتعه إلى حين ، ~~ثم يميته فالزوال لازم أن يقع . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون } > 7 ~~! # < < # | يس : ( 45 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما عدد الآيات بقوله : { ~~وءاية لهم الارض * وءاية لهم اليل * وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم } ~~PageV26P072 ( يس : 33 ، 37 ، 41 ) وكانت الآيات تفيد اليقين وتوجب القطع ~~بما قال تعالى ولم تفدهم اليقين ، قال فلا أقل من أن يحترزوا عن العذاب فإن ~~من أخبر بوقوع عذاب يتقيه ، وإن لم يقطع بصدق قول المخبر احتياطا فقال ~~تعالى إذا ذكر لهم الدليل القاطع لا يتعرفون به وإذا قيل لهم اتقوا لا ~~يتقون فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة ، لا مثل العلماء الذين يتبعون ~~البرهان ، ولا مثل العامة الذين يبنون الأمر على الأحوط ، ويدل على ما ~~ذكرنا قوله تعالى : { لعلكم ترحمون } بحرف التمني أي في ظنكم فإن ms7563 من يخفى ~~عليه وجه البرهان . لا يترك طريقة الاحتراز والاحتياط ، وجواب قوله : { إذا ~~قيل لهم * اتقوا } محذوف معناه وإذا قيل لهم ذلك لا يتقون أو يعرضون ، ~~وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه وهو قوله تعالى : { وما تأتيهم من تأتيهم من ~~ءاية من } ( الأنعام : 4 ) وفي قوله تعالى : { ما بين أيديكم وما خلفكم } / ~~وجوه أحدها : { ما بين أيديكم } الآخرة فإنهم مستقبلون لها { وما خلفكم } ~~الدنيا فإنهم تاركون لها وثانيها : { وما بين * أيديكم } من أنواع العذاب ~~مثل الغرق والحرق ، وغيرهما المدلول عليه بقوله تعالى : { وإن نشأ نغرقهم ~~فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون } ( يس : 43 ) وما خلفكم من الموت الطالب لكم ~~إن نجوتم من هذه الأشياء فلا نجاة لكم منه يدل عليه قوله تعالى : { ومتاعا ~~إلى حين } ( يس : 44 ) وثالثها : ما بين أيديكم من أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم فإنه حاضر عندكم وما خلفكم من أمر الحشر فإنكم إذا اتقيتم تكذيب محمد ~~صلى الله عليه وسلم والتكذيب بالحشر رحمكم الله وقوله تعالى : { لعلكم ~~ترحمون } مع أن الرحمة واجبة ، فيه وجوه ذكرناها مرارا ونزيد ههنا وجها آخر ~~وهو أنه تعالى لما قال : { اتقوا } بمعنى أنكم إن لم تقطعوا بناء على ~~البراهين فاتقوا احتياطا قال : { لعلكم ترحمون } يعني أرباب اليقين يرحمون ~~جزما وأرباب الاحتياط يرجى أن يرحموا ، والحق ما ذكرنا من وجهين أحدهما : ~~اتقوا راجين الرحمة فإن الله لا يجب عليه شيء وثانيهما : هو أن الاتقاء ~~نظرا إليه أمر يفيد الظن بالرحمة فإن كان يقطع به أحد لأمر من خارج فذلك لا ~~يمنع الرجاء فإن الملك إذا كان في قلبه أن يعطي من يخدمه أكثر من أجرته ~~أضعافا مضاعفة لكن الخدمة لا تقتضي ذلك ، يصح منه أن يقول افعل كذا ولا ~~يبعد أن يصل إليك أجرتك أكثر مما تستحق . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وما تأتيهم من ءاية من ءايات ربهم إلا كانوا عنها معرضين } > 7 ~~@QB@ < # | يس : ( 46 ) وما تأتيهم من . . . . . # > > # وهذا متعلق بما تقدم من قوله تعالى : { فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف ms7564 ~~يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون } ( يس : 30 ) { وما تأتيهم من تأتيهم ~~من ءاية من ءايات ربهم إلا كانوا } يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا ~~بالآيات أعرضوا عنها وما التفتوا إليها وقوله : { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم ~~من القرون } إلى قوله : { لعلكم ترحمون } ( يس : 31 45 ) وكان فيه تقدير ~~أعرضوا قال ليس إعراضهم مقتصرا على ذلك بل هم على كل آية معرضون أو يقال ~~إذا قيل لهم اتقوا اقترحوا آيات مثل إنزال الملك وغيره فقال : { وما تأتيهم ~~من ءاية من ءايات ربهم إلا كانوا عنها معرضين } وعلى هذا كانوا في المعنى ~~يكون زائدا معناه إلا يعرضون عنها أي لا ينفعهم الآيات من كذب بالبعض هان ~~عليه التكذيب بالكل . PageV26P073 وقوله تعالى : # ! 7 < { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ~~ءامنوا أنطعم من لو يشآء الله أطعمه إن أنتم إلا فى ضلال مبين } > 7 ! # < < # | يس : ( 47 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > إشارة إلى أنهم يبخلون بجميع ما على المكلف ، وذلك لأن الملكف عليه ~~التعظيم لجانب الله والشفقة على خلق الله وهم تركوا التعظيم حيث قيل لهم { ~~اتقوا } فلم يتقوا حيث قيل لهم { اتقوا } فلم يتقوا وتركوا الشفقة على خلق ~~الله حيث قيل لهم : { أنفقوا } فلم ينفقوا وفيه لطائف الأولى خوطبوا بأدنى ~~الدرجات في التعظيم والشفقة فلم يأتوا بشيء منه وعباد الله المخلصون خوطبوا ~~بالأدنى فأتوا بالأعلى إنما قلنا ذلك لأنهم في التقوى أمروا بأن يتقوا ما ~~بين أيديهم من العذاب أو الآخرة وما خلفهم من الموت أو العذاب وهو أدنى ما ~~يكون من الاتقاء ، وأما الخاص فيتقي تغيير قلب الملك عليه وإن لم يعاقبه ~~ومتقى العذاب لا يكون إلا للبعيد ، فهم لم يتقوا معصية الله ولم يتقوا عذاب ~~الله ، والمخلصون اتقوا الله واجتنبوا مخالفته سواء كان يعقابهم عليه أو لا ~~يعاقبهم ، وأما في الشفقة فقيل لهم : { أنفقوا مما } أي بعض ما هو لله في ~~أيديكم فلم ينفقوا ، والمخلصون آثروا على أنفسهم وبذلوا كل ما في أيديهم ، ~~بل أنفسهم صرفوها ms7565 إلى نفع عباد الله ودفع الضرر عنهم الثانية : كما أن في ~~جانب التعظيم ما كان فائدة التعظيم ارجعة إلا إليهم فإن الله مستغن عن ~~تعظيمهم كذلك في جانب الشفقة ما كان فائدة الشفقة راجعة إلا إليهم ، فءن من ~~لا يرزقه المتمزل لا يموت إلا بأجله ولا بد من وصول رزقه إليه ، لكن السعيد ~~من قدر الله إيصال الرزق على يده إلى غيره الثالثة : قوله : { مما رزقكم } ~~إشارة إلى أمرين أحدهما : أن البخل به في غاية القبح فإن أبخل البخلاء من ~~يخبل بمال الغير وثانيهما : أنه لا ينبغي أن يمنعكم من ذلك مخافة الفقر فإن ~~الله رزقكم فإذا أنفقتم فهو يخلفه لكم ثانيا كما رزقكم أولا وفيه مسائل ~~أيضا : # المسألة الأولى : عند قوله تعالى : { وإذا قيل لهم أنفقوا } حذف الجواب ، ~~وههنا أجاب وأتى بأكثر من الجواب وذلك لأنه تعالى لو قال : وإذا قيل لهم ~~أنفقوا قالوا : أنطعم من لو يشاء الله أطعمه لكان كافيا ، فما الفائدة في ~~قوله تعالى : { قال الذين كفروا للذين ءامنوا } ؟ نقول الكفار كانوا يقولون ~~بأن الإطعام من الصفات الحميدة وكانوا يفتخرون به ، وإنما أرادوا بذلك ~~القول ردا على المؤمنين فقالوا نحن نطعم الضيوف معتقدين بأن أفعالنا ثناء ، ~~ولولا إطعامنا لما اندفع حاجة الضيف وأنتم تقولون إن إلهكم يرزق من يشاء ، ~~فلم تقولون لنا أنفقوا ؟ فلما كان غرضهم الرد على المؤمنين لا الامتناع من ~~الإطعام . قال تعالى عنهم : { قال الذين كفروا للذين ءامنوا } إشارة إلى ~~الرد ، وأما في قولهم : { اتقوا ما بين أيديكم } ( يس : 45 ) فلم يكن لهم ~~رد على المؤمنين فأعرضوا وأعرض الله عن ذكر إعراضهم لحصول العلم به . # المسألة الثانية : ما الفائدة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا ~~أننفق على من لو يشاء الله رزقه ، وذلك لأنهم أمروا بالإنفاق في قوله : { ~~وإذا قيل لهم أنفقوا } فكان جوابهم بأن / يقولوا أننفق فلم قالوا : ~~PageV26P074 { أنطعم } ؟ نقول فيه بيان غاية مخالفتهم وذلك لأنهم إذا أمروا ~~بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره لم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه ms7566 ~~وهو الإطعام وقالوا لا نطعم ، وهذا كما يقول القائل لغيره أعط زيدا دينارا ~~يقول لا أعطيه درهما مع أن المطابق هو أن يقول لا أعطيه دينارا ولكن ~~المبالغة في هذا الوجه أتم فكذلك ههنا . # المسألة الثالثة : كان كلامهم حقا فإن الله لو شاء أطعمه فلماذا ذكره في ~~معرض الذم ؟ نقول لأن مرادهم كان الإنكار لقدرة الله أو لعدم جواز الأمر ~~بالاتفاق مع قدرة الله وكلاهما فاسد بين الله ذلك في قوله : { مما رزقكم } ~~فإنه يدل على قدرته ويصحح أمره بالإعطاء لأن من كان له في يد الغير مال وله ~~في خزائنه مال فهو مخير إن أراد أعطى مما في خزائنه وإن أراد أمر من عنده ~~المال بالإعطاء ولا يجوز أن يقول من بيده ماله في خزائنك أكثر مما في يدي ~~أعطه منه ، وقوله : { إن أنتم إلا فى ضلال مبين } إشارة إلى اعتقادهم أنهم ~~قطعوا المؤمنين بهذا الكلام وأن أمرهم بالإنفاق مع قولهم بقدرة الله ظاهر ~~الفساد واعتقادهم هو الفاسد وفيه مباحث لغوية معونية . # أما اللغوية : فنقول : { ءان } وردت للنفي بمعنى ما ، وكان الأرض في إن ~~أن تكون للشرط والأصل في ما أن تكون للنفي لكنهما اشتركا من بعض الوجوه ~~فتقارضا واستعمل ما في الشرط واستعمل إن في النفي ، أما الوجه المشترك فهو ~~أن كل واحد منهما حرف مركب من حرفين متقاربين فإن الهمزة تقرب من الألف ~~والميم من النون ولا بد من أن يكون المعنى الذي يدخل عليه ما وأن لا يكون ~~ثابتا أما في ما فظاهر ، وأما في إن فلأنك إذا قلت إن جاءني زيد أكرمه ~~ينبغي أن لا يكون له في الحال مجىء فاستعمل إن مكان ما ، وقيل إن زيد قائم ~~أي ما زيد بقائم واستعمل ما في الشرط تقول ما تصنع أصنع ، والذي يدل على ما ~~ذكرنا أن ما النافية تستعمل حيث لا تستعمل إن وذلك لأنك تقول ما إن جلس زيد ~~فتجعل إن صلة ولا تقول إن جلس زيد بمعنى النفي وبمعنى الشرط تقول إما ترين ms7567 ~~فتجعل إن أصلا وما صلة ، فدلنا هذا على أن إن في الشرط أصل وما دخيل وما في ~~النفي بالعكس . # البحث الثاني : قد ذكرنا أن قوله : { إن أنتم إلا } يفيد ما لا يفيد قوله ~~: أنتم في ضلال لأنه يوجب الحصر وأنه ليسوا في غير الضلال . # البحث الثالث : وصف الضلال بالمبين قد ذكرنا معناه أنه لظهوره يبين نفسه ~~أنه ضلال أي في ضلال لا يخفى على أحد أنه ضلال . # البحث الرابع : قد ذكرنا أن قوله : { فى ضلال } يفيد كونه مغمورين فيه ~~غائصين ، وقوله في مواضع { على بينة } ( الأنعام : 57 ) و { على هدى } ( ~~البقرة : 5 ) إشارة إلى كونهم راكبين متن الطريق المستقيم قادرين عليه . # وأما المعنوية : فهي أنهم إنما وصفوا الذين آمنوا بكونهم في ضلال مبين ~~لكونهم ظانين أن المؤمن كلامه متناقض ومن تناقض كلامه يكون في غاية الضلال ~~، إنما قلنا ذلك لأنهم قالوا : { أنطعم لو يشاء الله أطعمه } إشارة إلى أن ~~الله إن شاء أن يطعمهم كان يطعمهم فلا تدر على إطعامهم لأنه يكون تحصيلا ~~للحاصل ، وإن لم يشأ الله إطعامهم لا يقدر أحد على إطعامهم لامتناع وقوع ما ~~لم يشأ الله فلا قدرة لنا على الإطعام ، فكيف تأمرونا بالإطعام ووجه آخر : ~~وهو أنهم قالوا أراد الله تجويعهم فلو أطعمناهم يكون ذلك سعيا PageV26P075 ~~في إبطال فعل الله وأنه لا يجوز وأنتم تقولون أطعموهم فهو ضلال ولم يكن في ~~الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر ، وذلك ~~لأن العبد إذا أمره السيد بأمر لا ينبغي أن يكشف سبب الأمر والإطلاع على ~~المقصود الذي أمر به لأجله . مثاله : الملك إذا أراد الركوب للهجوم على ~~عدوه بحيث لا يطلع عليه أحد وقال لعبده أحضر المركوب ، فلو تطلع واستكشف ~~المقصود الذي لأجله الركوب لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عدوه على الحذر منه ~~وكشف سره ، فالأدب في الطاعة وهو اتباع الأمر لا تتبع المراد ، فالله تعالى ~~إذا قال : أنفقوا مما رزقكم لا يجوز أن يقولوا : لم لم يطعمهم الله مما في ms7568 ~~خزائنه . ثم قال تعالى : # ! 7 < { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } > 7 ! # < < # | يس : ( 48 ) ويقولون متى هذا . . . . . # > > وهو إشارة إلى ما اعتقدوه وهو أن التقوى المأمور بها في قوله : { ~~وإذا قيل لهم اتقوا } ( يس : 45 ) والإنفاق المذكور في قوله تعالى : { وإذا ~~قيل لهم أنفقوا } ( يس : 47 ) لا فائدة فيه لأن الوعد لا حقيقة له وقوله : ~~{ متى هاذا الوعد } أي متى يقع الموعود به ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : وهي أن إن للشرط وهي تستدعي جزاء ومتى استفهام لا يصلح ~~جزاء فما الجواب ؟ نقول هي في الصورة استفهام ، وفي المعنى إنكار كأنهم إن ~~كنتم صادقين في وقوع الحشر فقولوا متى يكون . # المسألة الثانية : الخطاب مع من في قولهم : { إن كنتم } ؟ نقول الظاهر ~~أنه مع الأنبياء لأنهم لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم يا أيها المدعوون ~~للرسالة صادقين فأخبرونا متي يكون . # المسألة الثالثة : ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله : { هاذا الوعد ~~} إلى أي وعد ؟ نقول هو ما في قوله تعالى : { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين ~~أيديكم وما خلفكم } ( يس : 45 ) من قيام الساعة ، أو نقول هو معلوم وإن لم ~~يكن مذكورا لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب ~~والعقاب . # ! 7 < { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون * فلا يستطيعون ~~توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } > 7 @QB@ < # | يس : ( 49 ) ما ينظرون إلا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ما ينظرون إلا صيحة واحدة } أي لا ينتظرون إلا الصحية ~~المعلومة والتنكير للتكثير ، فإن قيل هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون ~~بعدمها ، فنقول الانتظار فعلي لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله البوار ~~وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وقدرته وعلمه فإنهم لا يقولون ~~أو نقول لما لم يكن قوله متى استفهاما حقيقا قال ينتظرون انتظارا غير حقيقي ~~، لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظرا إلى قوله . وقد ذكروا ههنا في ~~الصيحة أمورا تدل على / هولها وعظمها أحدها : التنكير يقال لفلان مال أي ~~كثير وله قلب أي جريء وثانيها : واحدة أي لا يحتاج ms7569 معها إلى ثانية وثالثها ~~: تأخذهم أي تعمهم بالأخذ وتصل إلى من في مشارق الأرض ومغاربها ، ولا شك أن ~~مثلها لا يكون إلا عظيما . # وقوله : { تأخذهم وهم يخصمون * فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ~~} ، < < # | يس : ( 50 ) فلا يستطيعون توصية . . . . . # > > مما يعظم به الأمر لأن الصيحة المعتادة إذا وردت على غافل يرجف فإن ~~المقبل على مهم إذا صاح به صائح يرجف فؤاده بخلاف PageV26P076 المنتظر ~~للصيحة ، فإذا كان حال الصيحة ما ذكرناه من الشدة والقوة وترد على الغافل ~~الذي هو مع خصمهمشغول يكون الارتجاف أتم والإيحاف أعظم ، ويحتمل أن يقال : ~~{ يخصمون } في البعث ويقولون لا يكون ذلك أصلا فيكونون غافلين عنه بخلاف من ~~يعتقد أنه يكون فيتهيأ له وينتظر وقوعه فإنه لا يرتجف وهذا هو المراد بقوله ~~تعالى : { فصعق من فى * السماوات * ومن فى الارض إلا من شاء } ( الزمر : 68 ~~) ممن اعتقد وقوعها فاستعد لها ، وقد مثلنا ذلك فيمن شام برقا وعلم أن ~~سيكون رعد ومن لم يشمه ولم يعلم ثم رعد الرعد ترى الشائم العالم ثابتا ~~والغافل الذاهل مغشيا عليه ، ثم بين شدة الأخذ وهي بحيث لا تمهلهم إلى أن ~~يوصوا . وفيه أمور مبينة للشدة أحدها : عدم الاستطاعة فإن قول القائل فلأن ~~في هذا الحال لا يوصي دون قوله لا يستطيع التوصية لأن من لا يوصي قد ~~يستطيعها الثاني : التوصية وهي بالقول والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل ~~فقال : لا يستطيعون كلمة فكيف فعلا يحتاج إلى زمان طويل من أداء يالواجبات ~~ورد المظالم الثالث : اختيار التوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا ~~قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى التوصية أمس الرابع : ~~التنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية ما ولو كانت بكلمة يسيرة ~~، ولأن التوصية قد تحصل بالإشارة فالعاجز عنها عاجز من غيرها الخامس : قوله ~~: { ولا إلى أهلهم يرجعون } بيان لشدة الحاجة إلى التوصية لأن من يرجو ~~الوصول إلى أهله قد يمسك عن الوصية لعدم الحاجة إليها ، وأما من يقطع بأنه ~~لا وصول ms7570 له إلى أهله فلا بد له من التوصية ، فإذا لم يستطع مع الحاجة دل ~~على غاية الشدة . # وفي قوله : { ولا إلى أهلهم يرجعون } وجهان أحدهما : ما ذكرنا أنهم ~~يقطعون بأنهم لا يمهلون إلى أن يجتمعوا بأهالهيم وذلك يوجب الحاجة إلى ~~التوصية وثانيهما : أنهم إلى أهلم لا يرجعون ، يعني يموتون ولا رجوع لهم ~~إلى الدنيا ، ومن يسافر سفرا ويعلم أنه لا رجوع له من ذلك السفر ولا اجتماع ~~له بأهله مرة أخرى يأتي بالوصية . ثم بين ما بعده بالصيحة الأول فقال : # ! 7 < { ونفخ فى الصور فإذا هم من الا جداث إلى ربهم ينسلون } > 7 ! # < < # | يس : ( 51 ) ونفخ في الصور . . . . . # > > أي نفخ فيه ( مرة ) أخرى كما قال تعالى : { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم ~~قيام ينظرون } ( الزمر : 68 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال تعالى في موضع آخر : { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم ~~قيام ينظرون } وقال ههنا : { فإذا هم من الاجداث إلى ربهم ينسلون } والقيام ~~غير النسلان وقوله في الموضعين : { فإذا هم } يقتضي أن يكون معا نقول ~~الجواب : عنه من وجهين أحدهما : أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن ~~الماشي قائم ولا ينافي النظر وثانيهما : أن السرعة مجىء الأمور كأن الكل في ~~زمان واحد كقول القائل : # % مكر مفر مقبل مدبر معا % % كجلمود صخر حطه السيل من عل % # المسألة الثانية : كيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الأحياء ~~والإماتة ؟ نقول لا مؤثر غير الله والنفخ علامة ، ثم إن الصوت الهائل يزلزل ~~الأجسام فعند الحياة كانت أجزاء الحي مجتمعة فزلزها فحصل فيها تفريق ، ~~وحالة الموت كانت الأجزاء متفرقة فزلزلها فحصل فيها اجتماع فالحاصل أن ~~النفختين يؤثران تزلزلا وانتقالا للأجرام فعند الاجتماع تتفرق وعدن ~~الافتراق تجتمع . # المسألة الثالثة : ما التحقيق في إذا التي للمفاجأة ؟ نقول هي إذا التي ~~للظرف معناه نفخ في الصور فإذا نفخ فيه هم PageV26P077 ينسلون لكن الشيء قد ~~يكون ظرفا للشيء معلوما كونه ظرفا ، فعند الكلام يعلم كونه ظرفا وعن ~~المشاهدة لا يتجدد علم كقول القائل إذا طلعت الشمس أضاء الجو وغير ms7571 ذلك ، ~~فإذا رأى إضاءة الجو عند الطلوع لم يتجدد علم زائد ، وأما إذا قلت خرجت ~~فإذا أسد بالباب كان ذلك الوقت ظرف كون الأسد بالباب . لكنه لم يكن معلوما ~~فإذا رآه علمه فحصل العلم بكونه ظرفا له مفاجأة عند الإحساس فقيل إذا ~~للمفاجأة . # المسألة الرابعة : أين يكون في ذلك الوقت أجداث وقد زلزت الصيحة الجبال ؟ ~~نقول يجمع الله أجزاء كل واحد في الموضع الذي قبر فيه فيخرج من ذلك الموضع ~~وهو جدثه . # المسألة الخامسة : الموضع موضع ذكر الهيبة وتقدك ذكر الكافر ولفظ الرب ~~يدل على الرحمة فلو قال بدل الرب المضاف إليهم لفظا دالا على الهيبة هل ~~يكون أليق أم لا ؟ قلنا : هذا اللفظ أحسن ما يكون ، لأن من أساء واضطر إلى ~~التوجه من أحسن إليه يكون ذلك أشد ألما وأكثر ندما من غيره . # المسألة السادسة : المسيء إذا توجه إلى المحسن يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، ~~والنسلان هو سرعة المشي فكيف يوجد منهم ذلك ؟ نقول : ينسلون من غير ~~اختيارهم ، وقد ذكرنا في تفسير قوله : { فإذا هم ينظرون } ( الصافات : 19 ) ~~أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث ينفخ في الصور ، فيكون في ~~وقته جمع وتركيب وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد ، فقوله : { فإذا هم من ~~الاجداث إلى ربهم ينسلون } يعني في زمان واحد ينتهون إلى هذا الدرجة وهي ~~النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب : / / ثم قال تعالى : # ! 7 < { قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمان وصدق ~~المرسلون } > 7 ! # < < # | يس : ( 52 ) قالوا يا ويلنا . . . . . # > > يعني لما بعثوا قالوا ذلك ، لأن قوله : { ونفخ فى الصور } ( يس : 51 ~~) يدل على أنهم بعثوا وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لو قال قائل : لو قال الله تعالى فإذا هم من الأجداث ~~إلى ربهم ينسلون يقولون : يا ويلنا كان أليق ، نقول معاذ الله ، وذلك لأن ~~قوله : { فإذا هم من الاجداث إلى ربهم ينسلون } ( يس : 51 ) على ما ذكرنا ~~إشارة إلى أنه تعالى في أسرع زمان يجمع أجزاءهم ويؤلفها ويحييها ويحركها ، ~~بحيث يقع نسلانهم في ms7572 وقت النفخ ، مع أن ذلك لا بد له من الجمع والتأليف ، ~~فلو قال يقولون ، لكان ذلك مثل الحال لينسلون ، أي ينسلون قائلين يا ويلنا ~~وليس كذلك ، فإن قولهم يا ويلنا قبل أن ينسلوا ، وإنما ذكر النسلان لما ~~ذكرنا من الفوائد . # المسألة الثانية : لو قال قائل : قد عرفنا معنى النداء في مثل يا حسرة ~~ويا حسرتا ويا ويلنا ، ولكن ما الفرق بين قولهم وقول الله حيث قال : { ~~خامدون ياحسرة على العباد } ( يس : 30 ) من غير إضافة ، وقالوا : يا حسرتا ~~ويا حسرتنا ويا ويلنا ؟ نقول حيث كان القائل هو المكلف لم يكن لأحد علم إلا ~~بحالة أو بحال من قرب منه ، فكان كل واحد مشغولا بنفسه ، فكان كل واحد يقول ~~: يا حسرتنا ويا ويلنا ، فقوله : { قالوا يأبانا } أي كل واحد قال يا ويلي ~~، وأما حيث قال الله قال على سبيل العموم لشمول علمه بحالهم . # المسألة الثالثة : ما وجه تعلق : { ياويلنا من بعثنا من مرقدنا } بقولهم ~~: { * يا ويلنا } نقول لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل ، فقالوا ~~: يا ولينا من بعثنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياما فنبهنا ؟ ~~وهذا كمال إذا PageV26P078 يسمعون من الرسل ، فقالوا : يا ويلنا من بعثنا ~~أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياما فنبهنا ؟ وهذا كما إذا كان ~~إنسان موعودا بأن يأتيه عدو لا يطيقه ، ثم يرى رجلا هائلا يقبل عليه فيرتجف ~~في نفسه ويقول : هذا ذلك أم لا ؟ ويدل على ذكرنا قولهم : { من بعثنا من ~~مرقدنا } حيث جعلوا القبور موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا ~~نياما فنبهوا أو كانوا موتى وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين ~~الأمرين ، فقالوا : { من بعثنا } إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به ، ~~وقالوا : { من مرقدنا } إشارة إلى توهمهم احتمال الانتباه . # المسألة الرابعة : { هاذا } إشارة إلى ماذا ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : ~~أنه إشارة إلى المرقد كأنهم قالوا : من بعثنا من مرقدنا هذا فيكون صفة ~~للمرقد يقال كلامي هذا صدق وثانيهما : { هاذا } إشارة إلى البعث ، أي هذا ms7573 ~~البعث ما وعد به الرحمن وصدق فيه المرسلون . # المسألة الخامسة : إذا كان هذا صفة للمرقد فكيف يصح قوله تعالى : { ما ~~وعد الرحمان وصدق المرسلون } ؟ نقول يكون ما وعد الرحمن ، مبتدأ خبره محذوف ~~تقديره ما وعد الرحمن حق ، والمرسلون صدقوا ، أو يقال ما وعد الرحمن وصدق ~~فيه المرسلون حق ، والأول أظهر لقلة / الإضمار ، أو يقال ما وعد الرحمن خبر ~~مبتدأ محذوف تقديره هو ما وعد الرحمن من البعث ليس تنبيها من النوم ، وصدق ~~المرسلون فيما أخبروكم به . # المسألة السادسة : إن قلنا : { هاذا } إشارة إلى المرقد أو إلى البعث ، ~~فجواب الاستفهام بقولهم { من بعثنا } أن يكون ؟ نقول : لما كان غرضهم من ~~قولهم : { من بعثنا } حصول العلم بأنه بعث أو تنبيه حصل الجواب بقوله هذا ~~بعث وعد الرحمن به ليس تنبيها ، كما أن الخائف إذا قال لغيره ماذا تقول ~~أيقتلني فلان ؟ فله أن يقول لا تخف ويسكت ، لعلمه أن غرضه إزالة الرعب عنه ~~وبه يحصل الجواب . ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون } > 7 ! # < < # | يس : ( 53 ) إن كانت إلا . . . . . # > > أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة ، يدل على النفخة قوله تعالى : { ~~ونفخ فى الصور } ( يس : 51 ) ويحتمل أن يقال إن كانت الواقعة ، وقرئت ~~الصيحة مرفوعة على أن كان هي التامة ، بمعنى ما وقعت إلا صيحة ، وقال ~~الزمخشري : لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال : إن كان ، لأنا لمعنى حينئذ ~~ما وقع شيء إلا صيحة ، لكن التأنيث جائز إحالة على الظاهر ، ويمكن أن يقول ~~الذي قرأ بالرفع أن قوله : { إذا وقعت الواقعة } ( الواقعة : 1 ) تأنيث ~~تهويل ومبالغة ، يدل عليه قوله : { ليس لوقعتها كاذبة } ( الواقعة : 2 ) ~~فإنها للمبالغة فكذلك هنا قال : { إن كانت إلا صيحة } مؤنثة تأنيث تهويل ، ~~ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحاقة والطامة ~~والصاخة إلى غيرها ، والزمخشري يقول كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة ، ~~وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة ، وقوله : { محضرون } دل على ~~أن كونهم { ينسلون } ( يس : 51 ) إجباري لا ms7574 اختياري . ثم بين ما يكون ف ذلك ~~اليوم بقوله تعالى : # ! 7 < { فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } > 7 ~~@QB@ < # | يس : ( 54 ) فاليوم لا تظلم . . . . . # > > PageV26P079 # فقوله : { لا تظلم نفس } ليأمن المؤمن { ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } ~~لييأس المجرم الكافر وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم بقوله ~~: { ولا تجزون } وترك الخطاب في الإشارة إلى أمان المؤمن من العذاب بقوله : ~~{ لا تظلم } ولم يقل ولا تظلمون أيها المؤمنون ؟ نقول لأن قوله : { لا تظلم ~~نفس شيئا } يفيد العموم وهو كذلك فإنها لا تظلم أبدا { ولا تجزون } مختص ~~بالكافر ، فإن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن الله فضلا مختصا بالمؤمن ~~وعدلا عاما ، وفيه بشارة . # / المسألة الثانية : ما المقتضى لذكر فاء التعقيب ؟ نقول لما قال : { ~~محضرون } ( يس : 53 ) مجموعون والجمع للفصل والحساب ، فكأنه تعالى قال إذا ~~جمعوا لم يجمعوا إلا للفصل بالعدل ، فلا ظلم عند الجمع للعدل ، فصار عدم ~~الظلم مترتبا عى الإحضار للعدل ، ولهذا يقول القائل للوالي أو للقاضي : ~~جلست للعدل فلا تظلم ، أي ذلك يتقضي هذا ويستعقبه . # المسألة الثالثة : لا يجزون عين ما كانوا يعلمون ، بل يجزون بما كانوا أو ~~على ما كانوا وقوله : { ولا تجزون إلا ما كنتم * تعلمون } يدل على أن ~~الجزاء بعين العمل ، لا يقال جزى يتعدى بنفسه وبالباء ، يقال جزيته خيرا ~~وجزيته بخير ، لأن ذلك ليس من هذا لأنك إذا قلت جزيته بخير لا يكون الخير ~~مفعولك ، بل تكون الباء للمقابلة والسببية كأنك تقول جزيته جزاء بسبب ما ~~فعل ، فنقول الجواب عنه من وجهين : أحدهما : أن يكون ذلك إشارة على وجه ~~المبالغة إلى عدم الزيادة وذلك لأن الشيء لا يزيد على عينه ، فنقول قوله ~~تعالى : تجزون بما كانوا يعملون في المساواة كأنه عين ما علموا يقال فلان ~~يجاوبني حرفا بحرف أي لا يترك شيئا ، وهذا يوجب اليأس العظيم الثاني : هو ~~أن ما غير راجع إلى الخصوص ، وإنما هي للجنس تقديره ولا تجزون إلا جنس ~~العمل أي إن ms7575 كان حسنة فحسنة ، وإن كانت سيئة فسيئة فتجزون ما تعملون من ~~السيئة والحسنة ، وهذا كقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : ~~40 ) . # ثم بين حال المحسن وقال : # ! 7 < { إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون * هم وأزواجهم فى ظلال على ~~الا رآئك متكئون * لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون } > 7 ! # < < # | يس : ( 55 ) إن أصحاب الجنة . . . . . # > > وقوله : { فى شغل } يحتمل وجوها : أحدهما : في شغل عن هول اليوم بأخذ ~~ما آتاهم الله من الثواب ، فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب ، وقوله : { ~~فاكهون } يكون متمما لبيان سلامتهم فالله لو قال : في شغل جاز أن يقال هم ~~في شغل عظم من التفكر في اليوم وأهواله ، فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض ~~عليه أمر من أموره ويخبر بخسران وقع في ماله ، يقول أنا مشغول من هذا بأهم ~~منه ، فقال : { فاكهون } أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور ~~وثانيها : أن يكون ذلك بيانا لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن PageV26P080 ~~شيء يل يكون معناه هم في عمل ، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق ، بل هو ملذ ~~محبوب وثالثها : في شغل عما توثعوه فإنهم تصوروا في الدنيا أمورا وقالوا ~~نحن إذا دخلنا الجنة لا نطلب إلا كذا وكذا ، فرأوا ما لم يخطر ببالهم ~~فاشتغلوا به ، وفيه وجوه : غير هذه ضعيفة أحدها : قيل افتضاض الأبكار وهذا ~~ما ذكرناه في الوجه الثالث أن الإنسان / قد يترجح في نظره الآن مداعبة ~~الكواعب فيقول في الجنة ألتذ بها ، ثم إن الله ربما يأتيه ما يشغله عنها ~~وثانيها قيل في ضرب الأوتار وهو من قبيل ما ذكرناه توهم وثالثها في التزاور ~~ورابعها : في ضيافة الله وهو قريب مما قلنا لأن ضيافة الله تكون بألذ مما ~~يمكن وحينئذ تشغله تلك عما توهمه في دنياه وقوله : { فاكهون } خبر إن ، و { ~~فى شغل } بيان ما فكاهتهم فيه يقال زيد على عمله مقبل ، وفي بيته جالس فلا ~~يكون الجار والمجرور خبرا ولو نصبت جالسا لكان الجار والمحرور خبرا . وكذلك ~~لو قال في شغل فاكهين ms7576 لكان معناه أصحاب الجنة مشغولون فاكهين على الحال ~~وقرىء بالنصب والفاكه الملتذ المتنعم به ومنه الفاكهة لأنها لا تكون في ~~السعة إلا للذة فلا تؤكل لدفع ألم الجوع ، وفيه معنى لطيف . وهو أنه أشار ~~بقوله : { فى شغل } عن عدمهم الألم فلا ألم عندهم ، ثم بين بقوله : { ~~فاكهون } عن وجدانهم اللذة وعادم الألم قد لا يكون واجدا للذة . فبين أنهم ~~على أتم حال ثم بين الكمال بقوله : { هم وأزواجهم } وذلك لأن من يكون في ~~لذة قد تتنغص عليه بسبب تفكره في حال من يهمه أمره فقال : { هم وأزواجهم } ~~أيضا فلا يبقى لهم تعلق قلب ، وأما من في النار من أقاربهم وإخوانهم ~~فيكونون هم عنهم في شغل ، ولا يكون منهم عندهم ألم ولا يشتهون حضورهم ~~والأزواج يحتلم وجهين : أحدهما : أشكالهم في الإحسان وأمثالهم في الإيمان ~~كما قال تعالى : { من شكله أزواج } ( ص : 58 ) ، وثانيهما : الأزواج هم ~~المفهومون من زوج المرأة وزوجة الرجل كما في قوله تعالى : { إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( المعارج : 30 ) وقوله تعالى : { ويذرون ~~أزواجا } ( البقرة : 234 ) فإن المراد ليس هو الإشكال ، وقوله : { فى ظلال ~~} جمع ظل وظلل جمع ظلة والمراد به الوقاية عن مكان الألم ، فإن الجالس تحت ~~كن لا يخشى المطر ولا حر الشمس فيكون به مستعدا لدفع الألم ، فكذلك لهم من ~~ظل الله ما يقيهم الأسواء ، كما قال تعالى : { لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا ~~فيها لغوب } ( فاطر : 35 ) وقال : { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } ( ~~الإنسان : 13 ) إشارة إلى عدم الآلام وفيه لطيفة أيضا وهي أن حال المكلف ، ~~إما أن يكون اختلالها بسبب ما فيه من الشغل ، وإن كان في مكان عال كالقاعد ~~في حر الشمس في البستان المتنزه أو يكون بسبب المكان / وإن كان الشغل ~~مطلوبا كملاعبة الكواعب في المكان المكشوف ، وإما أن يكون بسبب المأكل ~~كالمتفرج في البستان إذا أعوزه الطعام ، وإما بسبب فقد الحبيب ، وإلى هذا ~~يشير أهل القلب في شرائط السماع بقولهم : الزمان والمكان والإخوان قال ~~تعالى : { فى شغل فاكهون ms7577 } إشارة إلى أنهم ليسوا في تعب وقال : { هم ~~وأزواجهم } إشارة إلى عدم الوحدة الموحشة وقال : { فى ظلال على الارائك ~~متكئون } إشارة إلى المكان وقال : { لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون } إشارة ~~إلى دفع جميع حوائجهم وقوله : { متكئون } إشارة إلى أدل وضع على القوة ~~والفراغة فإن القائم قد يقوم لشغل والقاعد قد يقعد لهم . وأما المتكىء فلا ~~يتكىء إلا عند الفراغ والقدرة لأن المريض لا يقدر على الإتكاء ، وإنما يكون ~~مضطجعا أو مستلقيا والأرائك جمع أريكة . وهي السرير الذي عليه الفرش وهو ~~تحت الحجلات فيكون مرئيا هو / وما فوقه وقوله : { لهم فيها فاكهة } إشارة ~~إلى أن لا جوع هناك ، وليس الأكل لدفع PageV26P081 ألم الجوع ، وإنما ~~مأكولهم فاكهة ، ولو كان لحما طريا ، لا يقال قوله تعالى : { ولحم طير مما ~~يشتهون } ( الواقعة : 21 ) يدل على التغاير وصدق الشهوة وهو الجوع لأنا ~~نقول قوله : { مما يشتهون } يؤكد معنى عدم الألم لأن أكل الشيء قد يكون ~~للتداوي من غير شهوة فقال مما يشتهون لأن لحم الطير في الدنيا يؤكل في ~~حالتين إحداهما : حالة التنعم والثانية : حالة ضعف المعدة وحينئذ لا يأكل ~~لحم طير يشتهيه ، وإنما يأكل ما يوافقه ويأمره به الطبيب ، وأما أنه يدل ~~على التغاير ، فنقول مسلم ذلك لأن الخاص يخالف العام ، على أن ذلك لا يقدح ~~في غرضنا ، لأنا نقول إنما اختار من أنواع المأكول الفاكهة في هذا الموضع ~~لأنها أدل على التنعم والتلذذ وعدم الجوع والتنكير لبيان الكمال ، وقد ~~ذكرناه مرارا وقوله : { لهم فيها فاكهة } ولم يقل يأكلون ، إشارة إلى كون ~~زمام الاختيار بيدهم وكونهم مالكين وقادرين وقوله : { ولهم ما يدعون } فيه ~~وجوه : أحدها لهم فيها ما يدعون لأنفسهم أي دعاؤهم مستجاب ، وحينئذ يكون ~~هذا افتعالا بمعنى الفعل كالاحتمال بمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحيل ، ~~وعلى هذا فليس معناه أنهم يدعون لأنفسهم دعاء فيستجاب دعاؤهم بعد الطلب بل ~~معناه ولهم ما يدعون لأنفسهم أي ذلك لهم فلا حاجة لهم إلى الدعاء والطلب ، ~~كما أن الملك إذا طلب منه مملوكه شيئا يقول لك ذلك ms7578 فيفهم منه تارة أن طلبك ~~مجاب وأن هذا أمر هين بأن تعطي ما طلبت ، ويفهم تارة منه الرد وبيان أن ذلك ~~لك حاصل فلم تطلبه فقال تعالى : ولهم ما يدعون ويطلبون فلا طلب لهم وتقريره ~~هو أن يكون ما يدعون بمعنى ما يصح أن يطلب ودعى يعني كل ما يصح أن يطلب ~~فهوحاصل لهم قبل الطلب ، أونقول المراد الطلب والإجابة وذلك لأن الطلب من ~~الله أيضا فيه لذة فلو قطع الله الأسباب بينهم وبينه لما كان يطيب لهم ~~فأبقى أشياء يعطيهم إياها عند الطلب ليكون لهم عند الطلب لذة وعند العطاء ، ~~فإن كون المملوك بحيث يتمكن من أن يخاطب الملك في حوائجه منصب عظيم ، ~~والملك الجبار قد يدفع حوائج المماليك بأسرها قصدا منه لئلا يخاطب الثاني : ~~ما يدعون ما يتداعون وحينئذ يكون افتعالا بمعنى التفاعل كالاقتتال بمعنى ~~التقاتل ، ومعناه ما ذكرناه أن كل ما يصح أن يدعو أحد صاحبه إليه أو يطلبه ~~أحد من صاحبه فهو حاصل لهم الثالث : ما يتمنونه الرابع : بمعنى الدعوى ~~ومعناه حينئذ أنهم كانوا يدعون في الدنيا أن لهم اللهوهو مولاهم وأن ~~الكافرين لا مولى لهم . فقال لهم في الجنة ما يدعون به في الدنيا ، فتكون ~~الحكاية محكية في الدنيا ، كأنه يقول في يومنا هذا لكن أيها المؤمنون غدا ~~ما يدعون اليوم / لا يقال بأن قوله : { إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل فاكهون ~~* هم وأزواجهم فى ظلال } يدل على أن القول يوم القيامة لأنا نقول الجواب ~~عنه عن وجهين أحدهما : أن قوله : { هم } مبتدأ { وأزواجهم } عطف عليهم ~~فيحتمل أن يكون هذا الكلام في يومنا هذا يخبرنا أن المؤمن وأزواجه في ظلال ~~غدا وله ما يدعيه الجواب الثاني : / وهو أولى وهو أن نقول : معناه لهم ما ~~يدعون أي ما كانوا يدعون . لا يقال بأنه إضمار حيث لا ضرورة وإنه غير جائز ~~لأنا نقول على ما ذكرنا يبقى الأدعاء مستعملاف في معناه المشهور لأن الدعاء ~~هو الإتيان بالعدوى وإنما قلنا إن هذا أولى لأن قوله : { سلام قولا من ms7579 رب ~~رحيم } ( يس : 58 ) هو في دار الآخرة وهو كالتفسير لقوله : { ما يدعون } ~~ولأن قوله : { ما يدعون } مذكور بين جمل كلها في الآخرة فما يدعون أيضا ~~ينبغي أن يكون في الآخرة وفي الآخرة لا يبقى دعوى وبينة لظهور الأمور ~~والفصل بين أهل البثور والحبور . PageV26P082 وقوله تعالى : # ! 7 < { سلام قولا من رب رحيم } > 7 ! # < < # | يس : ( 58 ) سلام قولا من . . . . . # > > هو أكمل الأشياء وهو آخرها الذي لا شيء فوقه ولنبينه في مسائل : # المسألة الأولى : ما لارفع لقوله { سلام } ؟ نقول يحتمل ذلك وجوها أحدها ~~: هو بدل مما يدعون كأنه تعالى لما قال : { لهم ما * يدعون } ( يس : 57 ) ~~بينه ببدله قال لهم سلام فيكون في المعنى كالمبتدأ الذي خبره جار ومجرور ، ~~كما يقال في الدار رجل ولزيد مال ، وإن كان في النحو ليس كذلك بل هو بدل ~~وبدل النكرة هو المعرفة جائز فتكون ما بمعنى الذي معرفة وسلام نكرة ، ~~ويحتمل على هذا أن يقال ما في قوله تعالى : { ما يدعون } لا موصوفة ولا ~~موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شيء يدعون ثم بين بذكر البدل فقال : { سلام } ~~والأول هو الصحيح وثانيها سلام خبر ما ولهم لبيان الجهة تقديره ما يدعون ~~سالم لهم أي خالص والسلام بمعنى السالم الخالص أو السليم يقال عبد السلام ~~أي سليم من العيوب كما يقال لزيد الشرف متوفر والجار والمجرور يكون لبيان ~~من له ذلك والشرف هو المبتدأ ومتوفر خبره وثالثها قوله تعالى : { سلام } ~~منقطع عما تقدم وسلام مبتدأ وخبره محذوف تقديره سلام عليهم فيكون ذلك ~~إخبارا من الله تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى لنا وقال : { إن أصحاب ~~الجنة اليوم فى شغل } ( يس : 55 ) ثم لما بين كمال حالهم قال سلام عليهم ، ~~وهذا كما في قوله تعالى : { سلام على نوح } ( الصافات : 79 ) { سلام على * ~~المرسلين } ( الصافات : 181 ) فيكون الله تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين ~~كما أحسن إلى عباده المرسلين وهذا وجه مبتكر جيد ما يدل عليه منقول ، أو ~~نقول تقديره سلام عليكم ويكون هذا نوعا من الالتفات حيث ms7580 قال لهم كذا وكذا ، ~~ثم قال سلام عليكم . # المسألة الثانية : { قولا } منصوب بماذا ؟ نقول يحتمل وجوها أحدها : نصب ~~على المصدر تقديره على قولنا المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سلام يقوله ~~الله قولا أو تقوله الملائكة قولا وعلى قولنا ما يدعون سالم لهم تقديره قال ~~الله ذلك قولا ووعدهم بأن لهم ما يدعون سالم وعدا وعلى قولنا سلام عليهم ~~تقديره أقوله قولا وقوله : { من رب رحيم } يكون لبيان أن السلام منه أي ~~سلام عليهم من رب رحيم أقوله قولا ، ويحتمل أن يقال على هذا إنه تمييز لأن ~~السلام قد يكون قولا وقد / يكون فعلا فإن من يدخل على الملك فيطأطىء رأسه ~~يقول سلمت على الملك ، وهو حينئذ كقول القائل البيع موجود حكما لاحسا وهذا ~~ممنوع عنه قطعا لا ظنا . # المسألة الثالثة : قال في السلام { من رب رحيم } وقال في غيره من أنواع ~~الإكرام { نزلا من غفور رحيم } ( فصلت : 32 ) فهل بينهما فرق ؟ نقول نعم ، ~~أما هناك فلأن النزل ما يرزق النزيل أولا ، وذلك وإن كان يدل عليه ما بعده ~~فإن النزيل إذا أكرم أو لا يدل على أنه مكرم وإذا أخل بإكرامه في الأول يدل ~~على أنه مهان دائما غير أن ذلك غير مقطوع به ، لجواز أن يكون الملك واسع ~~الرزق فيرزق نزيله أولا ولا يمنع منه الطعام والشراب ويناقشه في غيره فقال ~~غفور لما صدر في العبيد ليأمن العبد ولا يقول بأن الإطعام قد يوجد ممن ~~يعاقب بعده والسلام يظهر مزية تعظيمه للمسلم عليه لا بمغفرة فقال : { رب * ~~غفور } لأن رب الشيء مالكه الذي إذا نظر إلى علو مرتبته لا يرجى مه ~~الإلتفات إليه بالتعظيم ، فإذا سلم عليه يعجب منه وقيل انظر هو سيده ويسلم ~~عليه . PageV26P083 ثم قال تعالى : # ! 7 < { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } > 7 ! # < < # | يس : ( 59 ) وامتازوا اليوم أيها . . . . . # > > وفيه وجوه منها تبيين وجه الترتيب أيضا الأول : امتازوا في أنفسكم ~~وتفرقوا كما قال تعالى : { تكاد تميز من الغيظ } ( الملك : 8 ) أي بعضه من ~~بعض غير أن تميزهم ms7581 من الحسرة والندامة ووجه الترتيب حينئذ أن المجرم يرى ~~منزلة المؤمن ورفعته ونزول دركته وضعته فيتحسر فيقال لهم امتازوا اليوم إذ ~~لا دواء لألمكم ولا شفا لسقمكم الثاني : امتازوا عن المؤمنين وذلك لأنهم ~~يكونون مشاهدين لما يصل إلى المؤمن من الثواب والإكرام ثم يقال لهم تفرقوا ~~وادخلوا مساكنكم من النار فلم يبق لكم اجتماع بهم أبدا الثالث : امتازوا ~~بعضكم عن بعض على خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان الذي أشار إليه ~~بقوله تعالى : { هم وأزواجهم } ( يس : 56 ) فأهل النار يكون لهم العذاب ~~الأليم وعذاب الفرقة أيضا ولا عذاب فوق الفرقة ، بل العقلاء قالوا بأن كل ~~عذاب فهو بسب تفرق اتصال ، فإن من قطعت يده أن أحرق جسمه فإنما يتألم بسبب ~~تفرق المتصلات بعضها عن بعض ، لكن التفرق الجسمي دون التفرق العقلي الرابع ~~: امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم فما لكم اليوم حميم ولا شفيع الخامس : ~~امتازوا عما ترجون واعتزلوا عن كل خير ، والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة ، ~~ويحتمل أن يقال إن المراد منه أن الله تعالى يقول امتازوا فيظهر عليهم سيما ~~يعرفون بها ، كما قال تعالى : { يعرف المجرمون بسيماهم } ( الرحمن : 41 ) ~~وحينئذ يكون قوله تعالى امتازوا أمر تكوين ، كما أنه يقول : كن فيكون كذلك ~~يقول امتازوا فيتميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في وجهوهم سواء : / / ~~ثم قال تعالى : # ! 7 < { ألم أعهد إليكم يابنىءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ~~} > 7 ! # < < # | يس : ( 60 ) ألم أعهد إليكم . . . . . # > > لما ذكر الله تعالى حال المؤمنين والمجرمين كان لقائل أن يقال : إن ~~الإنسان كان ظلوما جهولا ، والجهل من الأعذار ، فقال الله ذلك عند عدم ~~الإنذار ، وقد سبق إيضاح السبل بإيضاح الرسل ، وعهدنا إليكم وتلونا عليكم ~~ما ينبغي أن تفعلوه وما لا ينبغي ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في اللغات التي في { أعهد } وهي كثيرة الأولى : كسر ~~همزة إعهد وحروف الاستقبال كلها تكسر إلا الياء فلا يقال يعلم ويعلم ~~الثانية : كسر الهاء من باب ضرب يضرب الثالثة : قلب العين جيما ألم أجهد ~~وذلك في كل عين ms7582 بعدها هاء الرابعة : إدغام الهاء في الحاء بعد القلب فيقال ~~ألم أحد ، وقد سمع قوم يقولون دحاء محا ، أي دعها معها . # المسألة الثانية : في معنى أعهد وجوه أقربها وأقربها ألم أوص إليكم . # المسألة الثالثة : في هذا العهد وجوه الأول : أنه هو العهد الذي كان مع ~~أبينا آدم بقوله : { وعهدنا إلى * ءادم } ( طه : 115 ) الثاني : أنه هو ~~الذي كان مع ذرية آدم بقوله تعالى : { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : ~~172 ) فإن ذلك يقتضي أن لا نعبد غير الله الثالث : هو الأقوى ، أن ذلك كان ~~مع كل قوم على لسان PageV26P084 رسول ، ولذلك اتفق العقلاء على أن الشيطان ~~يأمر بالشر ، وإن اختلفوا في حقيقته وكيفيته . # المسألة الرابعة : قوله : { لا تعبدوا الشيطان } معناه لا تطيعوه ، بدليل ~~أن المنهي عنه ليس هو السجود له فحسب ، بل الانقياد لأمره والطاعة له ~~فالطاعة عبادة ، لا يقال فنكون نحن مأمورين بعبادة الأمراء حيث أمرنا ~~بطاعتهم في قوله تعالى : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } ~~( النساء : 59 ) لأنا نقول طاعتهم إذا كانت بأمر الله ، لا تكون إلا عبادة ~~لله وطاعة له ، وكيف لا ونفس السجود والركوع للغير إذا كان بأمر الله لا ~~يكون إلا عبادة لله ، ألا ترى أن الملائكة سجدوا لآدم ولم يكن ذلك إلا ~~عبادة لله ، وإنما عبادة الأمراء هو طاعتهم فيما لم يأذن الله فيه ، فإن ~~قيل بماذا تعلم طاعة الشيطان من طاعة الرحمن ، مع أنا لا نسمع من الشيطان ~~خبرا ولا نرى منه أثرا ؟ نقول عبادة الشيطان في مخالفة أمر الله أو الإتيان ~~بما أمر الله لا لأنه أمر به ، ففي بعض الأوقات يكون الشيطان يأمرك وهو في ~~غيرك ، وفي بعض الأوقات يأمرك وهو فيك ، فإذا جاءك شخص يأمرك بشيء ، فانظر ~~إن كان ذلك موافقا لأمر الله أو ليس موافقا ، فإن لم يكن موافقا فذلك الشخص ~~مع الشيطان يأمرك بما يأمرك به ، فإن أطعته فقد عبدت الشيطان ، وإن دعتك ~~نفسك ألى فعل فانظر أهو مأذون فيه من جهة الشرع أو ليس كذلك ، فإن لم ms7583 يكن ~~مأذونا فيه فنفسك في الشيطان ، أو معها الشيطان يدعوك ، فإن اتبعته فقد ~~عبدته ، ثم إن الشيطان يأمر أولا بمخالفة / الله ظاهرا ، فمن أطاعه فقد ~~عبده ومن لم يطعه فلا يرجع عنه ، بل يقول له أعبد الله كي لا تهان ، ~~وليرتفع عند الناس شأنك ، وينتفع بك إخوانك وأعوانك ، فإن أجاب إليه فقد ~~عبده لكن عبادة الشيطان على تفاوت ، وذلك لأن الأعمال منها ما يقع والعامل ~~موافق فيه جنانه ولسانه وأركانه ، ومنها ما يقع والجنان واللسان مخالف ~~للجوارح أو للأركان ، فمن الناس من يرتكب جريمة كارها بقلبه لما يقترف من ~~ذبنه ، مستغفرا لربه ، يعترف بسوء ما يقترف فهو عبادة الشيطان بالأعضاء ~~الظاهرة ، ومنهم من يرتكبها وقلبه طيب ولسانه رطب ، كما أنه تجد كثيرا من ~~الناس يفرح بكون مترددا إلى أبواب الظلمة للسعاية ، ويعد من المحاسن كونه ~~ساريا مع الملوك ويفتخر به بلسانه / وتجدهم يفرحون بكونهم آمرين الملك ~~بالظلم والملك ينقاد لهم ، أو يفرحون بكونه يأمرهم بالظلم فيظلمون ، فرحين ~~بما وعد عليهم منا لأمر ، إذا عرفت هذا فالطاعة التي لهم ، أو يفرحون بكونه ~~يأمرهم بالظلم فيظلمون ، فرحين بما ورد عليه من الأمر ، إذا عرفت هذا ~~فالطاعة التي بالأعضاء الظاهرة ، والبواطن طاهرة مكفرة بالأسقام والآلام ، ~~كما ورد في الأخبار ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( الحمى من فيح ~~جهنهم ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( السيف محاء للذنوب ) ، أي لمثل هذا ~~الذنوب ، ويدل عليه ما قال صلى الله عليه وسلم في الحدود ( إنها كفارات ) ~~وما يكون بالقلوب فلا خلاص عنه إلا بالتوبة والندم وإقبال القلب على الرب ، ~~وما يكون باللسان فهو من قبيل ما يكون بالقلب في الظاهر ، والمثال يوضح ~~الحال فنقول إذا كان عند السلطان أمير وله غلمان هم من خواص الأمير وأتباع ~~بعداءهم من عوام الناس ، فإذا صدر من الأمير مخالة ومسارة مع عدو السلطان ~~ومصادقة بينهما ، لا يعفو الملك عن ذلك إلا إذا كان في غاية الصفح ، أو ~~يكون للأمير عنده يد سابقة أو توبة لاحقة ، فإن صدر من خواص ms7584 الأمير مخالفة ~~وهو به عالم ولم يزجره ، عدت المخالفة موجودة منه ، وإن كان كارها وأظهر ~~الإنكار حسنت معاتبته دون معاقبته ، لأن إقدام خواصه على المخالفة دليل على ~~سوء التربية ، فإن كان الصادر من الحواشي الأباعد وبلغ الأمير ولم يزجره ~~عوتب الأمير ، وإن زجرهم استحق الأمير بذلك الزجر الإكرام ، وحسن من الملك ~~أن يسدي إلى المزجور الإحسان والإنعام إن علم حصول انزجاره ، إذا علمت هذا ~~فالقلب أمير واللسان خاصته والأعضاء خدمه ، فما يصدر من القلب فهو العظيم ~~من الذنب ، فإن أقبل على محبة غير الله فهو الويل العظيم PageV26P085 ~~والضلال المبين المستعقب للعقاب الأليم والعذاب المهين ، وما يصدر من ~~اللسان فهو محسوب على القلب ولا يقبل قوله إن لم ينكر فعله وما يصدر من ~~الأعضاء والقلب قد أظهر عليه الإنكار وحصل له الانزجار فهو الذنب الذي حكى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال : ( لو لم تذنبوا لخلقت أقواما ~~يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم ) ، وههنا لطيفة : وهي أن الشيطان قد يرجع عن ~~عبد من عباد الله فرحا فيظن أنه قد حصل مقصوده من الإغواء حيث يرى ذلك ~~العبد ارتكب الذنب ظاهرا ويكون ذلك رافعا لدرجة العبد ، فإن بالذنب ينكسر ~~قلب العبد فيتخلص من الإعجاب فنفسه وعبادته ، ويصير أقرب من المقربين ، لأن ~~من يذنب مقرب عند الله كما قال تعالى : { لهم درجات عند ربهم } ( الأنفال : ~~4 ) والمذنب التائب النادم منكسر القلب والله عنده كما قال صلى الله عليه ~~وسلم حاكيا عن ربه ( أنا عند المنكسرة قلوبهم ) وفرق / بين من يكون عند ~~الله ، وبين من يكون عنده الله ، ولعل ما يحكى من الذنوب الصادرة عن ~~الأنبياء من هذا القبيل لتحصل لهم الفضيلة على الملائكة حيث تبجحوا بأنفسهم ~~بقولهم : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ( البقرة : 30 ) وقد يرجع الشيطان ~~عن آخر يكون قد أمر بشيء فلم يفعله والشخص يظن أنه غلب الشيطان ورده خائبا ~~فيتبجح في نفسه وهو لا يعلم أن الشيطان رجح عنه محصل المقصود مقبولا غير ~~مردود . ومن هذا يتبين أمر أصولي ms7585 وهو أن الناس اختلفوا في أن المذنب هل ~~يخرج من الإيمان أم لا ؟ وسبب النزاع وقوع نظر الخمصين على أمرين متباينين ~~فالذنب الذي بالجسد لا بالقلب لا يخرج بل قد يزيد في الإيمان والذي بالقلب ~~يخاف منه الخروج عن ربقة الإيمان ولذلك اختلفوا في عصمة الأنبياء من الذنوب ~~، والأشبه أن الجسدي جائز عليهم والقرآن دليل عليه ، والقلبي لا يجوز عليهم ~~، ثم إنه تعالى لما نهى عباده عن عبادة الشطان ذكر ما يحملهم على قبول ما ~~أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه بقوله : { إنه لكم عدو مبين } وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : من أين حصلت العداوة بين الشيطان والإنسان ؟ فنقول ~~ابتداؤها من الشيطان وسببه تكريم الله نبي آدم ، لما رأى إبليس ربه كرم آدم ~~وبنيه عاداهم فعاداه الله تعالى والأولى منه لؤم والثاني من الله كرم ، أما ~~الأول فلأن الملك إذا أكرم شخصا ولم ينقص من الآخر شيئا إذ لا ضيق في ~~الخزانة ، فعداوة من يعادي ذلك المكرم لا تكون إلا لؤما ، وأما الثاني فلأن ~~الملك إذا علم أن إكرامه ليس إلا منه وذلك لأن الضعيف ما كان يقدر أن يصل ~~إلى بعض تلك المنزلة لولا إكرام الملك ، يعلم أن من يبغضه ينكر فعل الملك ~~أو ينسب إلى خزانته ضيقا ، وكلاهما يحسن التعذيب عليه فيعاديه إتماما ~~للإكرام وإكمالا للإفضال ، ثم إن كثيرا من الناس على مذهب إبليس إذا رأوا ~~واحدا عند ملك محترما بغضوه وسعوا فيه إقامة لسنة إبليس ، فالملك إن لم يكن ~~متخلقا بأخلاق الله لا يبعد الساعي ويسمع كلامه ويترك إكرام ذلك الشخص ~~واحترامه . # المسألة الثانية : من أين إبانة عداوة إبليس ؟ نقول لما أكرم الله آدم ~~عاده إبليس وظن أنه يبقى في منزلته وآدم في منزلته مثل متباغضين عند الملك ~~والله كان عالما بالضمائر فأبعده وأظهر أمره فأظهر هو من نفسه ما كان يخفيه ~~لزوال ما كان يحمله على الإخفاء فقال : { لاقعدن لهم صراطك المستقيم } ( ~~الأعراف : 16 ) وقال : { لاحتنكن ذريته } ( الإسراء : 62 ) . # المسألة الثالثة : إذا كان الشيطان للإنسان عدوا مبينا ms7586 فما بال الإنسان ~~يميل إلى مراضيه من الشرب والزنا ، ويكره مساخطه من المجاهدة والعبادة ؟ ~~نقول سبب ذلك استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان PageV26P086 وترك ~~استعانة الإنسان بالله ، فيستعين بشهوته التي خلقها الله تعالى فيه لمصالح ~~بقائه وبقاء نوعه ويجعلها سببا لفساد حالة ويدعوه بها إلى مسالك المهالك ، ~~وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله لدفع المفاسد عنه ويجعله سببا لوبالة ~~وفساد أحواله ، وميل الإنسان إلى المعاصي كيل المريض إلى المضار وذلك حيث ~~ينحرف المزاج عن الاعتدال ، فترى المحموم يريد الماء البارد / وهو يريد في ~~مرضه . ومن به فساد المعدة فلا يهضم القيل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ~~ولا يشبع بشيء وهو يزيد في معدته فسادا ، وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ~~ينفعه فالدنيا كالهواء الوبيء لا يستغني الإنسان فيه عن استنشاق الهواء وهو ~~المفسد لمزاجه ولا طريق له غير إصلاح الهواء بالروائح الطيبة والأشياء ~~الزكية والرش بالخل والماورد من جملة المصلحات ، فكذلك الإنسان في الدنيا ~~لا يستغني عن أمورها وهي المعنيات للشيطان وطريقه ترك الهوى تقليل التأمين ~~وتحريف الهوى بالذكر الطيب والزهد ، فإذا صح مزاج عقله لا يميل إلا إلى ~~الحق ولا يبقى عليه في التكاليف كلفة ويحصل له مع الأمور الإلهية ألفة ، ~~وهنالك يعترف الشيطان بأنه ليس له عليه سلطان . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأن اعبدونى هاذا صراط مستقيم } > 7 ! # < < # | يس : ( 61 ) وأن اعبدوني هذا . . . . . # > > لما منع عبادة الشيطان حمل على عبادة الرحمن والشارع طبيب الأرواح ~~كما أن الطبيب طبيب الأشباح ، وكما أن الطبيب يقول للمريض لا تفعل كذا ولا ~~تأكل من ذا وهي الحمية التي هي رأس الدواء لئلا يزيد مرضه ، ثم يقول له ~~تناول الدواء الفلاني تقوية لقوته المقاومة للمرض ، كذلك الشارع منع من ~~المفسد وهو اتباع الشيطان وحمل على المصالح وهو عبادة الرحمن وفيه مسائل : # المسألة الأولى : عند المنع من عبادة الشيطان قال : { إنه لكم عدو مبين } ~~( يس : 60 ) لأن العداوة أبلغ الموانع من الاتباع ، وعند الأمر بعبادة ~~الرحمن لم يقل إنه لكم حبيب لأن المحبة ms7587 لا توجب متابعة المحبوب بل ربما ~~يورث ذلك الاتكال على المحبة . فيقول إنه يحبني فلا حاجة إلى تحمل المشقة ~~في تحصيل مراضيه ، بل ذكر ما هو أبلغ الأشياء في الحمل على العبادة وذلك ~~كونه طريقا مستقيما ، وذلك لأن الإنسان في دار الدنيا في منزل قفر مخوف وهو ~~متوجه إلى دار إقامة فيها إخوانه ، والنازل في بادية خالية يخاف على روحه ~~وماله ولا يكون عنده شيء أحب من طريق قريب آمن ، فلما قال الله تعالى : { ~~هاذا صراط مستقيم } كان ذلك سببا حاثا على السلوك ، وفي ضمن قوله تعالى : { ~~هذا صراط } إشارة إلى أن الإنسان مجتاز لأنه لو كان في دار إقامة فقوله : { ~~هاذا صراط مستقيم } لا يكون له معنى لأن المقيم يقول وماذا أفعل بالطريق ~~وأنا من المقيمين . # المسألة الثانية : ماذا يدل على كونه طريقا مستقيما ؟ نقول الإنسان مسافر ~~إما مسافرة راجع إلى وطنه ، وإما مسافرة تاجر له متاع يتجر فيه ، وعلى ~~الوجهين فالله هو المقصد ، وأما الوطن فلأنه لا يوطن في مأمن ولا أمن إلا ~~بملك لا يزول ملكه لأن عند زوال ملك الملوك لا يبقى الأمن والراحة ، والله ~~سبحانه هو الذي ملكه دائم وكل ما عداه فهو فان ، وأما التجارة فلأن التاجر ~~لا يقصد إلا إلى موضع يسمع أو يعلم أن لمتاعه PageV26P087 هنا رواجا والله ~~تعالى يقول إن العمل الصالح / عنده مثاب عليه مقابل بأضعاف ما يستحق ، ~~والله عون المقصد ، وعبادته توجه إليه ، ولا شك أن القاصد لجهة إذا توجه ~~إليها يكون على الطريق المستقيم . # المسألة الثالثة : العبادة تنبىء عن معنى التذلل ، فلما قال لا تعبدوا ~~الشيطان لزم أن يتكبر الإنسان على ما سوى الله ولما قال : { وأن اعبدونى } ~~ينبغي أن لا يتكبر على الله لكن التكبر على ما سوى الله ليس معناه أن يرى ~~نفسه خيرا من غيره ، فإن نفسه من جملة ما سوى الله ، فنبغي أن لا يلتفت ~~إليها ولو كانت متجملة بعبادة الله ، بل معنى التكبر على ما سوى الله أن لا ~~ينقاد لشيء إلا بإذن ms7588 الله وفي هذا التكبر غاية التواضع فإنه حينئذ لا ينقاد ~~إلى نفسه وحظ نفسه في التفوق على غيره فلا يتفوق فيحصل التواضع التام ولا ~~ينقاد لأمر الملوك إذا خالفوا أمر الله فيحصل التكبر التام فيرى نفسه بهذا ~~التكبر دون الفقير وفوق الأمير . # ! 7 < { ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون } > 7 ! # < < # | يس : ( 62 ) ولقد أضل منكم . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في الجبل ست لغات كسر الجيم والباء مع تشديد اللام ~~وضمهما مع التشديد وكسرهما مع التخفيف وضمهما معه وتسكين الباء وتخفيف ~~اللام مع ضم الجيم ومع كسره . # المسألة الثانية : في معنى الجبل الجيم والباء واللام لا تخلو عن معنى ~~الاجتماع والجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة ، وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء ~~الماء والتراب ، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعة اللبن الكثير ، لا يقال البلجة ~~نقض على ما ذكرتم فإنها تنبىء عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنا نقول ~~هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات ، فإن البلجة والبلدة بمعنى ~~والبلد سمي بلدا للاجتماع لا للتفرق ، فالجبل الجمع العظيم حتى قيل إن دون ~~العشرة آلاف لا يكون جبلا وإن لم يكن صحيحا . # والمسألة الثالثة : كيف الإضلال ؟ نقول على وجهين : أحدهما : أن الإضلال ~~توليه عن المقصد وصد عنه فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره ~~فهو توليه فإن لم يقدر يأمره بعبادة الله لأمر غير الله من رياسة وجاه ~~غيرهما فهو صد ، وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل ~~على ذلك الغير فتحصل التولية . # ثم بين مآل أهل الضلال بقوله تعالى : # ! 7 < { هاذه جهنم التى كنتم توعدون } > 7 ! # < < # | يس : ( 63 ) هذه جهنم التي . . . . . # > > وحال الضال كحال شخص خرج من وطنه مخافة عدوه فوقع في مشقة ولو أقام ~~في وطنه لعل / ذلك العدو كان لا يظفر به أو يرحمه ، كذلك حال من لم يتحرك ~~لطاعة ولا عصيان كالمجانين وحال من استعمال عقله فأخطأ الطريق ، فإن ~~المجنون من أهل النجاة وإن لم يكن من أهل الدرجات ، وقد قيل بأن ms7589 البلاهة ~~أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء ، وذلك ظاهر في المحسوس فإن من لم يعرف ~~الطريق إذا أقام بمكانه لا يبعد عن الطريق كثيرا ومن سار إلاى خلاف المقصد ~~يبعد عنه كثيرا . # ثم بين أنهم واصلون إليها حاصلون فيها بقوله تعالى : # ! 7 < { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } > 7 ! # < < # | يس : ( 64 ) اصلوها اليوم بما . . . . . # > > وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحسرتهم من ثلاثة أوجه أحدها : ~~قوله تعالى : { اصلوها } فإنه أمر تنكيل وإهانة كقوله : { ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) ، والثاني : قوله : { اليوم } يعني العذاب ~~PageV26P088 حاضر ولذاتك قد مضت وأيامها قد انقضت وبقي اليوم العذاب الثالث ~~: وقوله تعالى : { بما كنتم تكفرون } فإن الكفر والكفارن ينبى عن نعمة كانت ~~يكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام . ولهذا كثيرا ما يقول ~~العبد المجرم افعلوا بي ما يأمر به السيد ولا تحضروني بين يديه وإلى هذا ~~المعنى أشار القائل : # أليس بكاف لذي نعمة حياء المسيء من المحسن # ثم قال تعالى : # ! 7 < { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون } > 7 ! # < < # | يس : ( 65 ) اليوم نختم على . . . . . # > > في الترتيب وجوه الأول : أنهم حين يسمعون قوله تعالى : { بما * كتم * ~~تكفرون } ( يس : 64 ) يريدون ( أن ) ينكروا كفرهم كما قال تعالى عنهم ما ~~أشركنا وقالوا آمنا به فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ~~وينطق الله غير لسانه منا لجوارح فيعترفون بذنوبهم الثاني : لما قال الله ~~تعالى لهم : { ألم أعهد إليكم } ( يس : 60 ) لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا ~~وتكلمت أعضاؤهم غير اللسان ، وفي الختم على الأفواه وجوه : أقواها ، أن ~~الله تعالى يسكت ألسنتهم فلا ينطقون بها وينطق جوارحهم فتشهد علهيم ، وإنه ~~في قدرة الله يسير ، أما الإسكات فلا خفاء فيه ، وأما الإنطاق فلأن اللسان ~~عضو متحرك بحركة مخصوصة فكما جاز تحركه بها جاز تحري غيره بمثلها والله ~~قادر على الممكنات والوجه الآخر أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم ~~وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرءوس وقوف القنوط اليؤوس لا يجد عذرا ~~فييعتذر ولا ms7590 مجال توبة فيستغفر ، وتكلم الأيدي ظهور الأمور بحيث لا يسع معه ~~الإنكار حتى تنطق به الأيدي والأبصار ، كم يقال القائل : الحيطان تبكي على ~~صاحب الدار ، إشارة إلى ظهور الحزن ، والأول الصحيح وفيه لطائف لفظية ~~ومعنوية . # أما اللفظية فالأولى منها : هي أن الله تعالى أسند فعل الختم إلى نفسه ~~وقال : { نختم } وأسند / الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل ، لأنه لو قال ~~تعالى : نختم على أفواههم وتنطق أيديهم يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان ~~جبرا وقهرا والإقرار بالإجبار غير مقبول قال تعالى : { وتكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم } أي باختيارها بعد ما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون ~~أدل على صدور الذنب منهم الثانية : منها هي أن الله تعالى قال : { وتكلمنا ~~أيديهم وتشهد أرجلهم } جعل الشهادة للأرجل والكلام للأيدي لأن الأفعال تسند ~~إلى الأيدي قال تعالى : { وما * علمته * أيديهم } ( يس : 35 ) أي ما عملوه ~~وقال : { ولا تلقوا بأيديكم } ( البقرة : 195 ) أي ولا تلقوا بأنفسكم فإذا ~~الأيدي كالعاملة ، والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل الأرجل ~~والجلود من جملة الشهود لبعد إضافة الأفعال إليها ، وأما المعنوية فالأولى ~~: منها أن يوم القيامة من تقبل شهادته من القربين والصديقين كلهم أعداء ~~للمجرمين وشهادة العدو على العدو غيرم قبولة ، وإن كان من الشهود العدول ~~وغير الصديقين من الكفار والفساق غير مقبول الشهادة فجعل الله الشاهد عليهم ~~منهم ، لا يقال الأيدي والأرجل أيضا صدرت الذنوب منها فهي فسقة فينبغي أن ~~لا تقبل شهادتها ، لأنا نقول في رد شهادتها قبول شهادتها ، لأنها إن كذبت ~~في مثل ذلك اليوم فقد صدر الذنب منها في ذلك اليوم ، والمذنب في ذلك اليوم ~~مع ظهور الأمور ، لا بد من أن يكون مذنبا في الدنيا ، وإن صدقت في ذلك ~~اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا ، وهذا كمن قال لفاسق : إن كذبت في ~~نهار PageV26P089 هذا اليوم فعبدي حر ، فقال الفاسق : كذبت في نهار هذا ~~اليوم عتق العبد ، لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار هذا اليوم فقد وجد ~~الشرط ووجب الجزاء ، وإن كذب ms7591 في قوله كذبت فقد كذب في نهار ذلك اليوم ، ~~فوجد الشرط أيضا بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي ~~علقت عتق عبدك على كذبي فيه . # المسألة الثانية : الختم لازم الكفار في الدنيا على قلوبهم وفي الآخرة ~~على أفواههم ، ففي الوقت الذي كان الختم على قلوبهم كان قولهم بأفواههم / ~~كما قال تعالى : { ذالك قولهم بأفواههم } ( التوبة : 30 ) فلما ختم على ~~أفواههم أيضا لزم أن يكون قولهم بأعضائهم ، لأن الإنسان لا يملك غير القلب ~~واللسان والأعضاء ، فإذا لم يبق القلب والفم تعين الجوارح والأركان . ثم ~~قال تعالى : # ! 7 < { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون * ولو ~~نشآء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون } > 7 ! # < < # | يس : ( 66 ) ولو نشاء لطمسنا . . . . . # > > وقد ذكرنا مرارا أن الصراط المستقيم هو بين الجبر والقدر هو الطريقة ~~الوسطى ، والله تعالى في كل موضع ذكر ما يتمسك به المجبرة ذكر عقيبه ما ~~يتمسك به القدرية وبالعكس ، وههنا / كذلك لما قال الله تعالى : { وتشهد ~~أرجلهم بما كانوا يكسبون } ( يس : 65 ) وقال : { اصلوها اليوم بما كنتم ~~تكفرون } ( يس : 64 ) وكان ذلك متمسك القدرية حيث أسند الله الكفر والكسب ~~إليهم وأحال الخير والشر عليهم ، ذكر عقيبه ما يدل على أن كفرهم وكسبهم ~~بمشيئة الله ، وذلك لأن الكفر يعمي البصيرة ويضعف القوة العقلية ، وعمى ~~البصيرة بإرادة الله ومشيئته ، إذا شاء أعمى البصائر ، كما أنه لو شاء لطمس ~~على أعينهم المبصرة ، وسلب القوة العقلية باختياره ومشيئته ، كما أن سلب ~~القوة الجمسية بمشيئته ، حتى لو شاء لمسخ المكلف على مكانته وأقامه بحيث لا ~~يتحرك يمنة ولا يسرة ، ولا يقدر على المضي والرجوع ، فإعماء البصائر عنده ~~كإعماء الأبصار ، وسلب القوة العقلية كسلب القوة الجسمية ، فقال : { ولو ~~نشاء لطمسنا على أعينهم } إشارة إلى أنه لو شاء وأراد إعماء بصائرهم فضلوا ~~، وأنه لو شاء طمس أعينهم لما اهتدوا إلى طريقتهم الظاهرة ، وشاء واختار ~~سلب قوة عقولهم فزلوا ، وإنه لو شاء سلب قوة أجسامهم ومسخهم لما قدروا على ~~تقدم ولا ms7592 تأخر . وفي الآيتين أبحاث لفظية : # البحث الأول : في قوله : { فاستبقوا الصراط } قال الزمخشري فيه وجوه ~~الأول : أنه يكون فيه حذف حرف إلى واتصال الفعل من غير حرف وأصله فاستبقوا ~~إلى الصراط الثاني : أن يكون المراد من الاستباق الابتدار مبالغة في ~~الاهتداء إلى الطريق ، كأنه يقول الصراط الذي هو معهم ليسوا طالبين له ~~قاصدين إياه ، وإنما هم عليه إذا همس الله على أعينهم لا يبصرونه ، فكيف إن ~~لم يكونوا على الصراط . # البحث الثاني : قدم الطمس والإعمار على المسخ والإعجاز ليكون الكلام ~~مدرجا ، كأنه قال : إن أعماهم لم يروا الطريق الذي هم عليه وحينئذ لا ~~يهتدون إليه ، فإن قال قائل : الأعمى قد يهتدي إلى الطريق PageV26P090 ~~بأمارات عقلية أو حسية غير حس البصر كالأصوات والمشي بحس اللمس ، فارتقى ~~وقال : فلو مسخهم وسلب قوتهم بالكلية لا يهتدون إلى الصراط بوجه من الوجوه ~~. # البحث الثالث : قدم المضي على الرجوع ، لأن الرجوع أهون من المضي ، لأن ~~المضي لا ينبيء عن سلوك الطريق من قبل ، وأما الرجوع فينبيء عنه ، ولا شك ~~أن سلوك طريق قد رؤي مرة أهون من سلوك طريق لم ير فقال : لا يستطيعون مضيا ~~ولا أقل من ذلك وهو الرجوع الذي هو أهون من المضي . # ! 7 < { ومن نعمره ننكسه فى الخلق أفلا يعقلون } > 7 @QB@ < # | يس : ( 68 ) ومن نعمره ننكسه . . . . . # > > # فقد ذكرنا أن قوله تعالى : { ألم أعهد إليكم } ( يس: 60 ) قطع للأعذار ~~بسبق الإنذار ، ثم لما قرر ذلك / وأتمه شرع في قطع عذر آخر ، وهو أن الكافر ~~يقول لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيرا ، ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيرا ، ~~فقال الله تعالى : { أفلا تعقلون * إنكم * كلما * دخلتم * فى * نجزى كل ~~كفور * وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذى كنا نعمل أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } ( فاطر : 37 ) ثم إنكم علمتم أن الزمان كلما ~~يعبر علكيم يزداد ضعفكم فضيعتم زمان الإمكان ، فلو عمرناكم أكثر من ذلك ~~لكان بعده زمان الإزمان ، ومن لم يأت بالواجب زمان الإمكان ما كان يأتي به ms7593 ~~زمان الإزمان . # ! 7 < { وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرءان مبين } > 7 ~~! # < < # | يس : ( 69 ) وما علمناه الشعر . . . . . # > > في الترتيب وجهان ، قد ذكرنا أن الله في كل موضع ذكر أصلين من الأصول ~~الثلاثة ، وهي الوحدانية والرسالة والحشر ، ذكر الأصل الثالث منها ، وههنا ~~ذكر الأصلين الوحدانية والحشر ، أما الوحدانية ففي قوله تعالى : { ألم أعهد ~~إليكم يبنى * وإذ أخذ * أن لا تعبدوا الشيطان } ( يس: 60 ) وفي قوله : { ~~وأن اعبدونى هاذا صراط مستقيم } ( يس: 61 ) وأما الحشر ففي قوله تعالى : { ~~اصلوها اليوم } ( يس: 64 ) وفي قوله : { اليوم نختم على أفواههم } ( يس: 65 ~~) إلى غير ذلك ، فلما ذكرهما وبينهما ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة فقال : ~~{ وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرءان مبين } وقوله : { ~~وما علمناه الشعر } إشارة إلى أنه معلم من عند الله فعلمه ما أراد ولم ~~يعلمه ما لم يرد ، وفي تفسير الآية مباحث : # البحث الأول : خص الشعر بنفي التعليم ، مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم أشياء من جملتها السحر ، ولم يقل وما علمناه ~~السحر وكذلك كانوا ينسبونه إلى الكهانة ، ولم يقل وما علمناه الكهانة ، ~~فنقول : أما الكهانة فكانوا ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إليها عندما ~~كان يخبر عن الغيوب ويكون كما يقول . وأما السحر : فكانوا ينسبونه إليه ~~عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكلم الحصى والجذع وغير ~~ذلك . وأما الشعر : فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلوا القرآن عليهم لكنه ~~صلى الله عليه وسلم ما كان يتحدى إلا بالقرآن ، كما قال تعالى : { وإن كنتم ~~فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } PageV26P091 ( البقرة : ~~23 ) إلى غير ذلك ، ولم يقل إن كنتم في شك من رسالتي فأنطقوا الجذوع أو ~~أشبعوا الخلق العظيم أو أخبروا بالغيوب ، فلما كان تحديه صلى الله عليه ~~وسلم بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم . # البحث الثاني : ما معنى قوله : { وما ينبغى له } قلنا : قال قوم ms7594 ما كان ~~يتأتي له ، وآخرون ما يتسهل له حتى أنه إن تمثل بيت شعر سمع منه مزاحفا ~~يروي أنه كان يقول صلى الله عليه وسلم : ( ويأتيك من لم تزود بالأخبار ) . ~~وفيه وجه أحسن من ذلك وهو أن يحمل ما ينبغي له على مفهومه الظاهر وهو أن ~~الشعر ما كان يليق به ولا يصلح له ، وذلك لأن الشعر يدعو إلى تغيير / ~~المعنى لمراعاة اللفظ والوزن ، فالشارع يكون اللفظ منه تبعا للمعنى ، ~~والشاعر : يكون المعنى منه تبعا للفظ ، لأنه يقصد لفظا به يصح وزن الشعر أو ~~قافيته فيحتاج إلى التحيل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ ، وعلى هذا نقول : ~~الشعر هو الكلام الموزون الذي قصد إلى وزنه قصدا أوليا ، وأما من يقصد ~~المعنى فيصدر موزونا مقفى فلا يكون شاعرا ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( آل عمران : 92 ) ليس بشعر ، والشاعر ~~إذا صدر منه كلام فيه متحركات وساكنات بعدد ما في الآية تقطيعه بفاعلاتن ~~فاعلاتن يكون شعرا لأنه قصد الإتيان بألفاظ حروفها متحركة وساكنة كذلك ~~والمعنى تبعه ، والحكيم قصد المعنى فجاء على تلك الألفاظ ، وعلى هذا يحصل ~~الجواب عن قول من يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بيت شعر وهو قوله ~~: # % أنا النبي لا كذب % % أنا ابن عبد المطلب % # أو بيتين لأنا نقول ذلك ليس بشعر لعدم قصده إلى الوزن والقافية / وعلى ~~هذا لو صدر من النبي صلى الله عليه وسلم كلام كثير موزون مقفى لا يكون شعرا ~~، لعدم قصده اللفظ قصدا أوليا ، ويؤيد ما ذكرنا أنك إذا تتبعت كلام الناس ~~في الأسواق تجد فيه ما يكون موزونا واقعا في بحر من بحور الشعر ولا يسمى ~~المتكلم به شاعرا ولا الكلام شعرا لفقد القصد إلى اللفظ أولا ، ثم قوله ~~تعالى : { وما علمناه الشعر وما ينبغى له } يحقق ذلك المعنى أي هو ذكر ~~وموعظة للقصد إلى المعنى ، والشعر لفظ مزخرف بالقافية والوزن وههنا لطيفة : ~~وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من الشعر ms7595 لحكمة ) يعني : قد ~~يقصد الشاعر اللفظ فيوافقه معنى حكمي كما أن الحكيم قد يقصد معنى فيوافقه ~~وزن شعري ، لكن الحكيم بسبب ذلك الوزن لا يصير شاعرا والشاعر بسبب ذلك ~~الذكر يصير حكيما حيث سمي النبي صلى الله عليه وسلم شعره حكمة ، ونفى الله ~~كون النبي شاعرا والشاعر بسبب ذلك الذكر يصير حكيما حيث سمي النبي صلى الله ~~عليه وسلم شعره حكمة ، ونفي الله كون النبي شاعرا ، وذلك لأن اللفظ قالت ~~المعنى والمعنى : قلب اللفظ وروحه فإذا وجد القلب لا نظر إلى القالب ، ~~وفيكون الحكيم الموزون كلامه حكيما ، ولا يخرجه عن الحكمة وزن كلامه ، ~~والشاعر الموعظ كلامه حكيما . # PageV26P092 ! 7 < { لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين } > 7 ~~@QB@ < # | يس : ( 70 ) لينذر من كان . . . . . # > > # قريء بالتاء والياء ، خطابا مع النبي صلى الله عليه وسلم وبالياء على ~~وجهين أحدهما : أن يكون المنذر هو النبي صلى الله عليه وسلم حيث سبق ذكره ~~في قوله : { وما علمناه } ( يس: 69 ) وقوله : { وما ينبغى له } ( يس: 69 ) ~~. وثانيهما : أن يكون المراد أن القرآن ينذر والأول أقرب إلى المعنى ~~والثاني : أقرب إل اللفظ ، أما الأول : فلأن المنذر صفة للرسل أكثر ورودا ~~من المنذر صفة للكتب وأما الثاني : فلأن القرآن أقرب المذكورين إلى قوله : ~~{ لينذر } وقوله : { من كان حيا } أي : من / كان حي القلب ، ويحتمل وجهين ~~أحدهما : أن يكون المراد من كان حيا في علم الله فينذره به فيؤمن الثاني : ~~أن يكون المراد لينذر به من كان حيا في نفس الأمر ، أي : من آمن فينذره بما ~~على المعاصي من العقاب وبما على الطاعة من الثواب { ويحق القول على ~~الكافرين } أما قول العذاب وكلمته كما قال تعالى : { ولاكن حق القول منى ~~لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } ( السجدة : 13 ) وقوله تعالى : { حقت ~~كلمة العذاب } ( الزمر : 71 ) وذلك لأن الله تعالى قال : { وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا } ( الإسراء : 15 ) فإذا جاء حق التعذيب على من وجد منه ~~التكذيب ، وأما القول المقول في الوحدانية والرسالة والحشر وسائر المسائل ~~الأصولية الدينية فإن ms7596 القرآن فيه ذكر الدلائل التي بها تثبت المطالب . # ! 7 < { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما فهم لها مالكون ~~* وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون } > 7 ! # < < # | يس : ( 71 ) أو لم يروا . . . . . # > > ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية ودلائل دالة عليها فقال تعالى : { أو لم ~~* يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } أي ) من جملة ما عملت ~~أيدينا أي ما عملناه من غير معين ولا ظهير بل عملناه بقدرتنا وإرادتنا . # وقوله تعالى : { فهم لها مالكون } إشارة إلى إتمام الإنعام في خلق ~~الأنعام ، فإنه تعالى لو خلقها ولم يملكها الإنسان ما كان ينتفع بها . # وقوله : { وذللناها لهم } زيادة إنعم فإن المملوك إذا كان آبيا متمردا لا ~~ينفع ، فلو كان الإنسان يملك الأنعام وهي نادة صادة لما تم الإنعام الذي في ~~الركوب وإن كان يحصل الأكل كما في الحيوانات الوحشية ، بل ما كان يكمل ~~ننعمة الأكل أيضا إلا بالتعب الذي في الاصطياد ، ولعل ذلك لا يتهيأ ( إلا ) ~~للبعض وفي البعض . # وقوله تعالى : { فمنها ركوبهم ومنها يأكلون } بيان لمنفعة التذليل إذ ~~لولا التذليل لما وجدت إحدى المنفعتين وكانت الأخرى قليلة الوجود . # ! 7 < { ! 7 < { ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون } > 7 ! # < < # | يس : ( 73 ) ولهم فيها منافع . . . . . # > > ثم بين تعالى غير الركوب والأكل من الفوائد بقوله تعالى : { ولهم ~~فيها منافع ومشارب } وذلك لأن من الحيوانات ما لا يركب كالغنم فقال : منافع ~~لتعمها والمشارب كذلك عامة ، إن قلنا بأن المراد جمع مشرب وهو الآنية فإن ~~من الجلود ما يتخذ أواني للشرب والأدوات من القرب وغيرها ، وإن قلنا : إن ~~المراد المشروب وهو الألبان والأسمان فهي مختصة بالإناث ولكن بسبب الذكور ~~فإن ذلك متوقف على الحمل وهو بالذكور والإناث . PageV26P093 # ثم قال تعالى : { أفلا يشكرون } هذه النعم التي توجب العبادة شكرا ، ولو ~~شكرتم لزادكم / من فضله ، ولو كفرتم لسلبها منكم ، فما قولكم ، أفلا تشكرون ~~استدامة لها واستزادة فيها ؟ . ثم قال تعالى : # ! 7 < { ! 7 < { ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون } > 7 ! # ثم بين تعالى غير الركوب والأكل من الفوائد ms7597 بقوله تعالى : { ولهم فيها ~~منافع ومشارب } وذلك لأن من الحيوانات ما لا يركب كالغنم فقال : منافع ~~لتعمها والمشارب كذلك عامة ، إن قلنا بأن المراد جمع مشرب وهو الآنية فإن ~~من الجلود ما يتخذ أواني للشرب والأدوات من القرب وغيرها ، وإن قلنا : إن ~~المراد المشروب وهو الألبان والأسمان فهي مختصة بالإناث ولكن بسبب الذكور ~~فإن ذلك متوقف على الحمل وهو بالذكور والإناث . # ثم قال تعالى : { أفلا يشكرون } هذه النعم التي توجب العبادة شكرا ، ولو ~~شكرتم لزادكم / من فضله ، ولو كفرتم لسلبها منكم ، فما قولكم ، أفلا تشكرون ~~استدامة لها واستزادة فيها ؟ . ثم قال تعالى : # ! 7 < { واتخذوا من دون الله ءالهة لعلهم ينصرون } > 7 ! # < < # | يس : ( 74 ) واتخذوا من دون . . . . . # > > إشارة إلى بيان زيادة ضلالهم ونهايتها ، فإنهم كان الواجب عليهم ~~عبادة الله شكرا لأنعمه ، فتركوها وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع ، ~~وتوقعوا منه النصرة مع أنهم هم الناصرون لهم كما قال عنهم : { حرقوه ~~وانصروا ءالهتكم } ( الأنبياء : 68 ) وفي الحقيقة لا هي ناصرة ولا منصورة . ~~وقوله تعالى : # ! 7 < { لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند م حضرون } > 7 ! # < < # | يس : ( 75 ) لا يستطيعون نصرهم . . . . . # > > إشارة إلى الحشر بعد تقرير التوحيد ، وهذا كقوله تعالى : { إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون } ( الأنبياء : 98 ) وقوله : ~~{ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى ~~صراط الجحيم } ( الصافات : 22 ، 23 ) وقوله : { أولئك فى العذاب } ( سبأ : ~~38 ) وهو يحتمل معنيين أحدهما : أن يكون العابدون جندا لما اتخذوه آلهة كما ~~ذكرنا الثاني : أن يكون الأصنام جندا للعابدين ، وعلى هذا ففيه معنى لطيف ~~وهو أنه تعالى لما قال : { لا يستطيعون نصرهم } أكدها بأنهم لا يستطيعون ~~نصرهم حال ما يكونون جندا لهم ومحضرون لنصرتهم فإن ذلك دال على عدم ~~الاستطاعة ، فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف ~~م نلم يكن متأهبا ولم يجمع أنصاره . # ! 7 < { فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون * أولم ير الإنسان ~~أنا خلقناه ms7598 من نطفة فإذا هو خصيم م بين * وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من ~~يحى العظام وهى رميم * قل يحييها الذىأنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم } > ~~7 ! # < < # | يس : ( 76 ) فلا يحزنك قولهم . . . . . # > > وقوله تعالى : { فلا يحزنك قولهم } إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه ~~بما يوجب تسلية قلبه دليل اجتبائه واختياره إياه . # وقوله تعالى : { إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون به عند ربكم أفلا تعقلون * ~~أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون } من النفاق { وما يعلنون } من الشرك ~~والثاني : ما يسرون من العلم بك وما يعلنون من الكفر بك الثالث : ما يسرون ~~من العقائد الفاسدة وما يعلنون من الأفعال القبيحة . # ثم إنه تعالى لما ذكر دليلا من الآفاق على وجوب عبادته بقوله : { أولم ~~يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } ( يس : 71 ) ذكر دليلا من ~~الأنفس . فقال : { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة } قيل إن المراد ~~بالإنسان أبي بن خلف فإن الآية وردت فيه حيث أخذ عظما باليا وأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال : إنك تقول إن إلهك يحيي هذه العظام فقال رسو الله صلى ~~الله عليه وسلم : نعم ويدخلك جهنم ، وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار ~~بعموم اللفظ / لا بخصوص السبب ألا ترى أن قوله تعالى : { قد سمع الله قول ~~التى تجادلك فى زوجها } ( المجادلة : 1 ) عمومها فنقول فيها لطائف : ~~PageV26P094 # اللطيفة الأولى : قوله : { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا } ( ~~يس : 71 ) معناه الكافرون المنكرون التاركون عبادة الله المتخذون من دونه ~~آلهة ، أو لم يروا خلق الأنعام لهم وعلى هذا فقوله تعالى : { أولم ير ~~الإنسان } كلام أعم من قوله : { أو لم * يروا } لأنه مع جنس الإنسان وهو مع ~~جمع منهم فنقول سبب ذلك أن دليل الأنفس أشمل وأكمل وأتم وألزم ، فإن ~~الإنسان قد يغفلعن الإنعام وخلقها عند غيبتها ولكن ( لا يغفل ) هو مع نفسه ~~متى ما يكون وأينما يكون . فقال : إن غاب عن الحيوان وخلقه فهو لا يعيب عن ~~نفسه ، فما باله أولم ير ms7599 أنا خلقناه من نطفة وهو أتم نعمة ، فإن سائر النعم ~~بعد وجوده وقوله : { من نطفة } إشارة إلى وجه الدلالة ، وذلك لأن خلقه لو ~~كان من أشياء مختلفة مختلفة الصور كان يمكن أن يقال العظم خلق من جنس صلب ~~واللحم من جنس رخو ، وكذلك الحال في كل عضو ، ولما كان خلقه عن خطفة ~~متشابهة الأجزاء وهو مختلف الصور دل على الاختيار والقدرة إلى هذا أشار ~~بقوله تعالى : { يسقى بماء واحد } ( الرعد : 4 ) . # وقوله : { فإذا هو خصيم مبين } فيه لطيفة غريبة وهي أنه تعالى قال اختلاف ~~صور أعضائه مع تشابه أجزاء ما خلق منه آية ظاهرة ومع هذا فهنالك ما هو أظهر ~~وهو نطقه وفهمه ، وذلك لأن النطفة جسم ، فهب أن جاهلا يقول إنه استحال ~~وتكون جسما آخر ، لكن القوة الناطقة والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة ~~؟ فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو إلى إدراك ~~القدرة والاختيار منه أقرب فقوله : { خصيم } أي ناطق وإنما ذكر الخصيم مكان ~~النطق لأنه أعلى أحوال الناطق ، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما ~~يبينه وهو يتكلم مع غيره ، والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصما لا يبين ولا ~~يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه وقوله : { مبين } إشارة إلى قوة ~~عقله ، واختار الإبانة لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه ، ~~لأن المبين بان عنده الشيء ثم أبانه فقوله تعالى : { من نطفة } إشارة إلى ~~أدنى ما كان عليه وقوله : } خصيم مبين } إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا ~~مثل قوله تعالى : { * } خصيم مبين } إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا مثل ~~قوله تعالى : { * } إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا مثل قوله تعالى : { ثم ~~خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة } إلى أن قال تعالى : { ثم خلقنا ~~النطفة علقة } ( المؤمنون : 14 ) فما تقدم من خلق النطفة علقة وخلق العلقة ~~مضغة وخلق المضغة عظاما إشارة إلى التغيرات في الجسم وقوله : { ثم خلقنا ~~النطفة علقة } إشارة إلى ما أشار إليه ms7600 بقوله : { فإذا هو خصيم مبين } أي ~~ناطق عاقل . # ثم قوله تعالى : { وضرب لنا مثلا ونسى خلقه } إشارة إلى بيان الحشر وفي ~~هذه الآيات إلى / آخر السورة غرائب وعجائب نذكرها بقدر الإمكان إن شاء الله ~~تعالى ، فنقول المنكرون للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلا ولا شبهة واكتفى ~~بالاستبعاد وادعى الضرورة وهم الأكثرون ، ويدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم ~~في كثير من المواضع بلفظ الاستبعاد كما قال : { وقالوا * إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفى خلق جديد } ( السجدة : 10 ) { أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا ~~لمبعوثون } ( الصافات : 16 ) { أءنك لمن المصدقين } ( الصافات ) إئذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون } ( الصافات : 53 ) إلى غير ذلك فكذلك ههنا ~~قال : { * } ( الصافات : 53 ) إلى غير ذلك فكذلك ههنا قال : { قال من يحى ~~العظام وهى رميم } على طريق الاتسبعاد فبدأ أولا بإبطال استبعادهم بقوله : ~~{ ونسى خلقه } أي نسي أنا خلقناه من تراب PageV26P095 ومن نطفة متشابهة ~~الأجزاء ، ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصور والقوام ~~وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق ~~والعقل لذي ( ن ) بهما استحقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد ~~فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محل الحياة أصلا ، ~~ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه ، ثم إن استبعادهم كان من ~~جهة ما في المعاد من التفتت والتفرق حيث قالوا : { من يحى العظام وهى رميم ~~} اختاروا العظم للذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما ~~يقوي جانب الاستبعاد من البلى والتفتت والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما ~~في المعيد من القدرة والعلم فقال : { وضرب لنا مثلا } أي جعل قدرتنا ~~كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب ، ومنهم من ذكر شبهة وإن كانت في ~~آخرها تعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين أحدهما : أنه بعد العدم لم ~~يبق شيئا فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود ، وأجاب عن هذه الشبهة . بقوله ~~تعالى : # { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة } يعني كما خلق ms7601 الإنسان ولم يكن شيئا ~~مذكورا كذلك يعيده وإن لم يبق شيئا مذكورا وثانيها : أن من تفرقت أجزاؤه ف ~~مشارق العالم ومغاربه وصار بعضه في أبدان السباع وبعضه في جدران الرباع كيف ~~يجمع ؟ وأبعد من هذا هو أن إنسانا إذا أكل إنسانا وصار أجزاء المأكول في ~~أجزاء الآكل فإن أعيد فأجزاء المأول ، إما أن تعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى ~~للمأكول أجزاء تخلق منها أعضاؤه ، وإما أن تعاد إلى بدن المأكول منه فلا ~~يبقى للآكل أجزاء . فقال تعالى في إبطال هذه الشبهة : دوهو بكل خلق عليم } ~~ووجهه هو أن في الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية / وفي المأكول كذلك ، فإذا ~~أكل إنسان إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل ~~والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان له قبل الأكل . { * } ووجهه هو أن في ~~الآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية ، وفي المأكول كذلك ، فإذا أكل إنسان ~~إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية ~~للآكل هي ما كان له قبل الأكل . { وهو بكل خلق عليم } يعلم الأصلي من ~~الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلي للآكل وينفخ فيها روحه ويجمع الأجزاء الأصلية ~~للمأكول وينفخ فيها روحه ، وكذلك يجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع ، ~~المبددة في الأصقاع بحكمته الشاملة وقدرته الكاملة . # ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال إنكارهم ~~وعنادهم . فقال تعالى : # ! 7 < { الذى جعل لكم من الشجر الا خضر نارا فإذآ أنتم منه توقدون } > 7 ~~! # < < # | يس : ( 80 ) الذي جعل لكم . . . . . # > > ووجهه هو أن الإنسان مشتمل على جسم يحس به وحياة سارية فيه ، وهي ~~كحرارة جارية فيه فإن استبعدتم وجود حرارة وحياة فيه فلا تستبعدوه ، فإن ~~النار في الشجر الأخضر الذي يقطر منه الماء أعجب وأغرب وأنتم تحضرون حيث من ~~توقدون ، وإن استبعدتم خلق جسمه فخلق السموات والأرض أكبر من خلق أنفسكم ~~فلا تستبعدوه فإن الله خلق السموات والأرض فبان لطف قوله تعالى : { الذى ~~جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون } . # PageV26P096 ! 7 < { أوليس الذى خلق ms7602 السماوات والا رض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم بلى وهو الخلاق العليم } > 7 @QB@ < # | يس : ( 81 ) أو ليس الذي . . . . . # > > # وقوله تعالى : { أوليس الذى خلق * السماوات والارض * بقادر على أن يخلق ~~مثلهم } قدم ذكر النار في الشجر على ذكر الخلق الأكبر ، لأن استبعادهم كان ~~بالصريح واقعا على الأحياء حيث قالوا : { من يحى العظام } ( يس : 78 ) ولم ~~يقولوا من يجمعها ويؤلفها والنار في الشجر تناسب الحياة . # وقوله تعالى : { بلى وهو الخلاق } إشارة إلى أنه في القدرة كامل . وقوله ~~تعالى : { العليم } إشارة إلى أن علمه شامل . ثم أكد بيانه بقوله تعالى : # ! 7 < { إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } > 7 ! # < < # | يس : ( 82 ) إنما أمره إذا . . . . . # > > وهذا إظهار فساد تمثيلهم وتشبيههم وضرب مثلهم حيث ضربوا لله مثلا ~~وقالوا لا يقدر أحد على مثل هذا قياسا للغائب على الشاهد فقال في الشاهد ~~الخلق يكون بالآلات البدنية والانتقالات المكانية ولا يقع إلا في الأزمنة ~~الممتدة والله يخلق بكن فيكون ، فكيف تضربون المثل الأدنى وله المثل الأعلى ~~من أن يدرك . وفي الآية مباحث : # البحث الأول : قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن المعدوم شيء لأنه ~~يقول لما أراده : { كن فيكون } فهو قبل القول له كن لا يكون وهو في تلك ~~الحالة شيء حيث قال : { إنما أمره إذا أراد شيئا } والجواب أن هذا بيان ~~لعدم تخلف الشيء عن تعلق إرادته به ، فقوله : { إذا } مفهوم / الحين والوقت ~~والآية دالة على أن المراد شيء حين تعلق الإرادة به ولا دلالة فيها على أنه ~~شيء قبل ما إذا أراد وحينئذ لا يرد ما ذكروه لأن الشيء حين تعلق الإرادة به ~~شيء موجود لا يريده في زمان ويكون في زمان آخر بل يكون في زمان تعلق ازرادة ~~، فإذا الشيء هو الموجود لا المعدوم لا يقال كيف يريد الموجود وهو موجود ~~فيكون ذلك إيجادا لموجود ؟ نقول هذا الإشكال من بال المعقولات ونجيب عنه في ~~موضعه ، وإنما غرضنا إبطال تمسكهم باللفظ ، وقد ظهر أن المفهوم من هذا ~~الكلام أنه يريد ما هو ms7603 شيء إذا أراد ، وليس في الآية أنه إذا أراد ما كان ~~شيئا قبل تعلق الإرادة . # البحث الثاني : قالت الكرامية لله إرادة محدثة بدليل قوله تعالى : { إذا ~~أراد } ووجه دلالته من أمرين أحدهما : من حيث إنه جعل للإرادة زمانا ، فإن ~~إذا ظرف زمان وكل ما هو زماني فهو حادث وثانيهما : هو أنه تعالى جعل إرادته ~~متصلة بقوله : { كن } وقوله : { كن } متصل بكون الشيء ووقوعه لأنه تعالى ~~قال : { يكون } بفاء التعقيب لكن الكون حادث ، وما قبل الحادث متصل به حادث ~~، والفلاسفة وافقوهم في هذا الإشكال من وجه آخر فقالوا إرادته متصلة بأمره ~~وأمره متصل بالكون ولكن إرادته قديمة فالكون قديم فمكونات الله قديمة ، ~~وجواب الضالين من التمسك باللفظ هو أن المفهوم من قوله : { إذا أراد } من ~~حيث اللغة إذا تعلقت إرادته بالشي لأن قوله : { أراد } فعل ماض ، وإذا دخلت ~~كلمة إذا على الماضي تجعله في معنى المستقبل ، ونحن نقول أن مفهوم قولنا ~~أراد ويريد وعلم ويعلم يجوز أن يدخله الحدوث ، وإنما نقول لله تعالى صفة ~~قديمة هي الإرادة وتلك الصفة إذا تعلقت بشيء نقول أراد ويريد ، وقبل التعلق ~~لا نقول أراد وإنما نقول له إرادة وهو بها مريد ، ولنضرب مثالا للأفهام ~~الضعيفة ليزول ما يقع في الأوقام السخيفة ، فنقول قولنا فلان خياط يراد به ~~أن له صنعة الخياطة فلو لم يصح منا أن نقول إنه خاط ثوب زيد أو يخيط ثوب ~~زيد لا يلزم منه نفي صحة قولنا إنه خياط بمعنى أن له صنعة بها يطلق عليه ~~عند استعماله تلك الصنعة في ثوب زيد في زمان ماض خاط ثوبه ، وبها يطلق عليه ~~عند استعماله تلك الصنعة في ثوب زيد في زمان مستقبل يخيط ثوبه ، ولله المثل ~~الأعلى فافهم أن الإرادة أمر ثابت إن تعلقت بوجو شيء نقول أراد وجوده أي ~~يريد وجوده ، وإذا علمت هذا فهو في المعنى من PageV26P097 كلام أهل السنة ~~تعلق الإرادة حادث وخرج بما ذكرنا جواب الفريقين . # البحث الثالث : قالت المعتزلة والكرامية كلام الله حرف وصوت وحادث لأن ~~قوله ms7604 : { كن } كلام { وكن } من حرفين ، والحرف من الصوت ، ويلزم من هذا أن ~~كلامه من الحروف والأصوات ، وأما أنه حادث فلما تقدم من الوجهين أحدهما : ~~أنه زماني والثاني : أنه متصل بالكون والكون حادث / والجواب يعلم مما ذكرنا ~~، وذلك لأن الكلام صفة إذا تعلقت بشيء تقول قال ويقول فتعلق الخطاب حادث ~~والكلام قديم فقوله تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ~~} فيه تعلق وإضافة لأن قوله تعالى : { يقول له } باللام للإضافة صريح في ~~التعلق / ونحن نقول إن قوله للشيء الحادث حادث لأنه مع التعلق ، وإنما ~~القديم قوله وكلامه لا مع التعلق وكل قديم وحادث إذا نظرت إلى مجموعهما لا ~~تجدهما في الأزل وإنما تجدهما جميعا فيما لا يزال فله معنى الحديث ولكن ~~الإطلاق موهم ، فتفكر جدا ولا تقل المجموع حادث من غير بيان مرادك ، فإن ~~ذلك قد يفهم منه أن الجميع حادث ، بل حقق الإشارة وجود العبارة وقل أحد ~~طرفي المجموع قديم والآخر حادث ولم يكن الآخر معه في الأزل ، وأما قوله : { ~~كن } من الحروف ، نقول الكلام يطلق على معنيين أحدهما : ما عند المتكلم ~~والثاني : ما عند السامع ، ثم إن أحدهما يطلق عليه أنه هو الآخر ومن هذا ~~يظهر فوائد . أما بيان ما ذكرناه ، فلأن الإنسان إذا قال لغيره عندي كلام ~~أريد أن أقوله لك غدا ، ثم إن السامع أتاه غدا وسأله عن الكلام لذي كان ~~عنده أمس ، فيقول له : إني أريد أن تحضر عندي اليوم ، فهذا الكلام أطلق ~~عليه المتكلم أنه كان عندك أمس ولم يكن عند السامع ، ثم حصل عند السامع ~~بحرف وصوت ويطلق عليه أن هذا الذي سمعت هو الذي كان عندي ، ويعلم كل عاقل ~~أن الصوت لم يكن عند المتكلم أمس ولا الحرف ، لأن الكلام الذي عنده جاز أن ~~يذكره بالعربي فيكون له حروف ، وجاز أن يذكره بالفارسية فيكون له حروف أخر ~~، والكلام الذي عنده ووعد به واحد والحروف مختلفة كثيرة ، فإذا معنى قوله ~~هذا ما كان عندي ، هو أن هذا يؤيدي إليك ما ms7605 كان عندي ، وهذا أيضا مجاز ، ~~لأن الذي عنده ما انتقل إليه ، وإنما علم ذلك وحصل عنده به علم مستفاد من ~~السمع أو البصر في القراءة والكتابة أو ازشارة ، إذا علمت هذا فالكلام الذي ~~عند الله وصفة له ليس بحرف على ما بان ، والذي يحصل عند السامع حرف وصوت ~~وأحدهما الآخر لما ذكرنا من المعنى وتوسع الإطلاق ، فإذا قال تعالى : ( ~~يقول له ) حصل قائل وسامع . فاعتبرها من جانب السامع لكون وجود الفعل من ~~السامع لذلك القول فعبر عنه بالكاف والنون الذي يحدث عند السامع ويحدث به ~~المطلوب . ثم قال تعالى : # ! 7 < { فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء وإليه ترجعون } > 7 ! # < < # | يس : ( 83 ) فسبحان الذي بيده . . . . . # > > لما تقررت الوحدانية والإعادة وأنكروها وقالوا : بأن غير الله آلهة ، ~~قال تعالى وتنزه عن الشريك : { الذى بيده ملكوت كل شىء } وكل شيء ملكه فكيف ~~يكون المملوك للمالك شريكا ، وقالوا : بأن الإعادة لا تكون ، فقال : دوإليه ~~ترجعون } ردا عليهم في الأمرين ، وقد ذكرنا ما يتعلق بالنحو في قوله : ~~سبحان ، أي سبحوا تسبيح الذي أو سبح من في السموات والأرض تسبيح الذي { * } ~~ردا عليهم في الأمرين ، وقد ذكرنا ما يتعلق بالنحو في قوله : سبحان ، أي ~~سبحوا تسبيح الذي أو سبح من في السموات والأرض تسبيح الذي { فسبحان } علم ~~للتسبيح ، والتسبيح هو التنزيه ، والملكوت مبالغة في الملك كالرحموت ~~والرهبوت ، وهو فعلول أو فعلوت فيه كلام ، ومن قال هو فعلول PageV26P098 ~~جعلوه ملحقا به . # / ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن ~~يس ) وقال الغزالي فيه : إن ذلك لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر ، ~~والحشر مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه ، فجعله قلب القرآن لذلك ، واستحسنه ~~فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى سمعته يترحم عليه بسبب هذا الكلام . # ويمكن أن يقال بأن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير لأصول الثلاثة بأقوى ~~البراهين فابتداؤها بيان الرسالة بقوله : { إنك لمن المرسلين } ( يس : 3 ) ~~ودليلها ما قدمه عليها بقوله : { والقرءان الحكيم } ( يس : 2 ) وما أخره ~~عنها بقوله : { لتنذر قوما ms7606 } ( يس : 6 ) وانتهاؤها بيان الوحدانية والحشر ~~بقوله : { فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء } إشارة إلى التوحيد ، وقوله : { ~~وإليه ترجعون } إشارة إلى الحشر ، وليس في هذه السورة إلا هذه الأصول ~~الثلاثة ودلائله وثوابه ، ومن حصل من القرآن هذا القدر فقدحصل نصيب قلبه ~~وهو التصديق الذي بالجنان . وأما وظيفة اللسان التي هي القول ، فكما في ~~قوله تعالى : { وجيها يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا } ( ~~الأحزاب : 70 ) وفي قوله تعالى : { ومن أحسن قولا } ( فصلت : 33 ) وقوله ~~تعالى : { بالقول الثابت } ( إبراهيم : 27 ) { وألزمهم كلمة التقوى } ( ~~الفتح : 26 ) { وإليه * يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) إلى غير هذه مما ~~في غير هذه السورة ووظيفة الأركان وهو العمل ، كما في قوله تعالى : { وإذ ~~أخذنا ميثاق بنى } ( البقرة : 110 ) وقوله تعالى : { ولا تقربوا * بطن ولا ~~تقتلوا النفس } ( الإسراء : 32 ، 33 ) وقوله : { واعملوا صالحا } ( ~~المؤمنون : 51 ) وأيضا مما في غير هذه السورة ، فلما لم يكن فيها إلا أعمال ~~القلب لا غير سماها قلبا ، ولهذا ورد في الأخبار أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ندب إلى تلقين يس لمن دنا منه الموت ، وقراءتها عند رأسه ، لأن في ذلك ~~الوقت يكون اللسان ضعيف القوة ، والأعضاء الظاهرة ساقطة البنية ، لكن القلب ~~يكون قد أقبل على الله ورجع عن كل ما سواه ، فيقرأ عند رأسه ما يزاد به قوة ~~قلبه ، ويشتد تصديقه بالأصول الثلاثة وهي شفاء له وأشرار كلام الله تعالى ~~وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلمها إلا الله وروله ، وما ذكرناه ~~ظن لانقطع به ، ونرجو الله أن يرحمنا وهو أرحم الراحمين . # PageV26P099 < # > 1 ( سورة الصافات ) 1 < # > # مائه واثنتان وثمانون آية مكية # ! 7 < { والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلاهكم ~~لواحد * رب السماوات والا رض وما بينهما ورب المشارق } > 7 ! # < < # | الصافات : ( 1 ) والصافات صفا # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وحمزة { والصافات صفا } بإدغام التاء فيما ~~يليه ، وكذلك في قوله : { فالزجرات زجرا * فالتاليات ذكرا } والباقون ~~بالإظهار ، وقال الواحدي رحمه الله : إدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة ms7607 ~~الحرفين ، ألا ترى أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا يسمعان في الهمس ، ~~ولامدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير ، وإدغام الأنقص في الأزيد ~~حسن ، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتا في الأنقص ، وأيضا إدغام التاء في ~~الزاي في قوله : { فالزجرات زجرا } حسن لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة ~~وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد ، وأيضا حسن إدغام التاء في الذي في ~~قوله : { فالتاليات ذكرا } لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا ~~، وأما من قرأ بازظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج والله أعلم . # المسألة الثانية : في هذه الأشياء الثلاثة المذكورة المقسم بها يحتمل أن ~~يتكون صفات ثلاثة لموصوف واحد ، ويحتمل أن تكون أشياء ثلاثة متباينة ، أما ~~على التقدير الأول ففيه وجوه الأول : أنها صفات الملائكة ، وتقديره أن ~~الملائكة يقفون صفوفا . إما في السموات لأداء العبادات كما أخبر الله عنهم ~~أنهم قالوا : { وإنا لنحن الصافون } ( الصافات : 165 ) وقيل إنهم يصفون ~~أجنحتهم في الهواء يقفون منتظرين وصول أمر الله إليهم ، ويحتمل أيضا أن ~~يقال معنى كونهم صفوفا أن لكل واحد منهم مرتبة معينة ودرجة معينة في الشرف ~~والفضيلة أو في الذات والعلية وتلك الدرجة المرتبة باقية غير متغيرة وذلك ~~يشبه الصفوف . # وأما قوله : { فالزجرات زجرا } فقال الليث : يقال زجرت البعير فأنا أجزره ~~زجرا إذا حثثته ليمضي ، PageV26P100 وزجرت فلانا عن سوء فانزجر أي نهيته ~~فانتهى ، فعلى هذا الزجر للبعير كالحث وازنسان / كالنهي ، إذا عرفت هذا ~~فنقول في وصف الملائكة بالزجر وجوه الأول : قال ابن عباس يريد الملائكة ~~الذي وكلوا بالسحاب يزوجرونها بمعنى أنهم يأتون بها من موضع إلى موضع ~~الثاني : المراد منه أن الملائكة لهم تأثيرات في قلوب بني آدم على سبيل ~~الإلهامات فهم يزجرونهم عن المعاصي زجرا الثالث : لعل الملائكة أيضا يزجرون ~~الشياطين عن التعرض لبني آدم بالشر والإيذاء ، وأقول قد ثبت في العلوم ~~العقلية أن الموجودات على ثلاثة أقسام مؤثر لا يقبل الأثر وهو الله سبحانه ~~وتعالى وهو أشرف الموجودات ومتأثر لا يؤثر وهم عالم الأجسام وهو أخس ~~الموجودات وموجود يؤثر ms7608 في شيء ويتأثر عن شيء آخر وهو عالم الأرواح وذلك ~~لأنها تقبل الأثر عن عالم كبرياء الله ، ثم إنها تؤثر في عالم الأجسام ، ~~واعلم أن الجهة التي باعتبارها تقبل الأثر من عالم كبرياء الله غير الجهة ~~التي باعتبارها تستولي على عالم الأجسام وتقدر على التصرف فيها وقوله : { ~~فالتاليات ذكرا } إشارة إلى الأشرف من الجهة التي باعتبارها تقوى على ~~التأثير في عالم الأجسام إذا عرفت هذا فقوله : { والصافات صفا } إشارة إلى ~~وقوفها صفا صفا في مقام العبودية والطاعة بالخشوع والخضوع وهي الجهة التي ~~باعتبارها تقبل تلك الجواهر القدسية أصناف الأنوار الإلهية والكمالات ~~الصمدية وقوله تعالى : { فالزجرات زجرا } إشارة إلى تأثير الجواهر الملكية ~~في تنوير الأرواح القدسية البشرية وإخراجها من القوة إلى الفعل / وذلك لما ~~ثبت أن هذه الأرواح النطقية البشرية بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة ~~بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة إلى الشمس ، وأن هذه الأرواح البشرية ~~بالنسبة إلى أرواح الملائكة كالقطرة بالنسبة إلى البحر وكالشعلة بالنسبة ~~إلى الشمس ، وأن هذه الأرواح البشرية إنما تنتقل من القول إلى الفعل في ~~المعارف الإلهية والكمالات الروحانية بتأثيرات جواهر الملائكة ونظيره قوله ~~تعالى : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده } ( النحل : ~~2 ) وقوله : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ( الشعراء : 192 ، 193 ) ~~وقوله تعالى : { فالملقيات ذكرا } ( المرسلات : 5 ) إذا عرفت هذا فنقول في ~~هذه الآية دقيقة أخرى وهي أن الكمال المطلق للشيء إنما يحصل إذا كان تاما ~~وفوق التام والمراد بكونه تاما أن تحصل جميع الكمالات اللائقة به حصولا ~~بالفعل والمراد بكونه فوق التام أن تفيض منه أصناف الكمالات والسعادات على ~~غيره ، ومن المعلوم أن كونه كاملا في ذاته مقدم على كونه مكملا لغيره ، إذا ~~عرفت هذا فقوله : { والصافات صفا } إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ~~ذواتها وقت وقوفها في مواقف العبودية وصفوف الخدمة والطاعة وقوله تعالى : { ~~فالزجرات زجرا } إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي عن جواهر ~~الأرواح البشرية وقوله تعالى : { فالتاليات ذكرا } إشارة إلى كيفية ~~تأثيراتها في إفاضة ms7609 الجلايا القدسية والأنوار الإلهية على الأرواح الناطقة ~~البشرية ، فهذه مناسبات عقلية واعتبارات حقيقية تنطبق عليها هذه الألفاظ ~~الثلاثة ، قال أبو مسلم الأصفهاني : لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة ~~لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة مبرءون عن هذه الصفة ، والجواب من وجهين ~~الأول : أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال جماعة صافة ثم يجمع على صافات ~~والثاني : أنهم مبرءون عن التأنيث المعنوي ، أما التأنيث في / اللفظ فلا ، ~~وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة في هذا الوجه الثاني : ~~أن تحمل هذه الصافات على النفوس البشرية الطاهرة المقدسة المقبلة على ~~عبودية الله تعالى الذين هم ملائكة الأرض وبيانه من وجهين الأول : أن قوله ~~تعالى : { والصافات صفا } المراد الصفوف الصحالة عند أداء الصلوات بالجماعة ~~PageV26P101 وقوله : { فالزجرات زجرا } إشارة إلى قراءة أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم كأنهم بسبب قراءة هذه الكلمة يزجرون الشياطين عن إلقاء ~~الوساوس في قلوبهم في أثناء الصلاة وقوله : { فالتاليات ذكرا } إشارة إلى ~~قراءة القرآن في الصلاة وقيل : { فالزجرات زجرا } إشارة إلى رفع الصوت ~~بالقراءة كأنه يزجر الشيطان بواسطة رفع الصوت ، روى أنه صلى الله عليه وسلم ~~طاف على بيوت أصحابه في الليالي فسمع أبا بكر يقرأ بصوت منخفض وسمع عمر ~~يقرأ بصوت رفيع فسأل أبا بكر لم تقرأ هكذا ؟ فقال : المعبود سميع عليم وسأل ~~عمر : لم تقرأ هكذا ؟ فقال : أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان الوجه الثاني : في ~~تفسير هذه الألفاظ الثلاث في هذه الآية أن المراد من قوله : { والصافات صفا ~~} الصفوف الحاصلة من العلماء المحقين الذين يدعون إلى دين الله تعالى ~~والمراد من قوله : { فالزجرات زجرا } اشتغالهم بالزجر عن الشبهات والشهوات ~~، والمراد من قوله تعالى : { فالتاليات ذكرا } اشتغالهم بالدعوة إلى دين ~~الله والترغيب في العمل بشرائع الله الوجه الثالث : في تفسير هذه الألفاظ ~~الثلاثة أن نحملها على أحوال الغزاة والمجاهدين في سبيل الله فقوله : { ~~والصافات صفا } المراد منه صفوف القتال لقوله تعالى : { إن الله يحب الذين ~~يقاتلون فى سبيله صفا } ( الصف : 4 ) وأما ( الزاجرات زجرا ) فالزجرة ~~والصيحة سواء ، والمراد منه رفع ms7610 الصوت بزجر الخيل ، وأما ( التاليات ذكرا ) ~~فالمراد اشتغال الغزاة وقت شروعهم في محاربة العدو بقراءة القرآن وذكر الله ~~تعالى بالتهليل والتقديس الوجه الرابع : في تفسير هذه الألفاظ الثلاثة أن ~~نجعلها صفات لآيات القرآن فقوله : ( والصافات صفا ) المراد آيات القرآن ~~فإنها أنواع مختلفة بعضها في دلائل التوحيد وبعضها في دلائل العلم والقدرة ~~والحكمة وبعضها في دلائ النبوة وبعضها في دلائل المعاد وبعضها في بيان ~~التكاليف والأحكام وبعضها في تعليم الأخلاق الفاضلة ، وهذه الآيات مرتبة ~~ترتيبا لا يتغير ولا يتبدل فهذه الآيات تشبه أشخاصا واقفين في صفوف معينة ~~قولوه : { فالزجرات زجرا } المراد منه الآيات الزاجرة عن الأفعال المنكرة ~~وقوله : { فالتاليات ذكرا } المراد منه الآيات الدالة على وجوب الإقدام على ~~أعمال البر والخير وصف الآيات بكونها تالية على قانون ما يقال شعر شاعر ~~وكلام قائل قال تعالى : { إن هاذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } ( الإسراء : ~~9 ) وقال : { يس * والقرءان الحكيم } ( يس : 1 ، 2 ) قيل الحكيم بمعنى ~~الحاكم فهذه جملة الوجوه المحتملة على تقدير أن تجعل هذه الألفاظ الثلاثة ~~صفات لشيء واحد وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد بهذه الثلاثة ~~أشياء متغايرة فقيل الرماد بقوله : { والصافات صفا } الطير من قوله تعالى : ~~{ والطير صافات } ( النور : 41 ) ( والزاجرات ) كل ما زجر عن معاصي الله ( ~~والتالي ) كل ما يتلى من كتاب الله وأقول فيه / وجه آخر وهو أن مخلوقات ~~الله إما جسمانية وإما روحانية ، أما الجسمانية فإنها مرتبة على طبقات ~~ودرجات لا تتغير ألبتة ، فالأرض وسط العالم وهي محفوفة بكرة الماء والماء ~~محفوف بالهواء ، والهواء محفوف بالنار ، ثم هذه اوربعة محفوفة بكرات ~~الأفلاك إلى آخر العالم الجسماني فهذه الأجسام كأنها صفوف واقفة على عتبة ~~جلال الله تعالى ، وأما الجواهر الروحانية فهي على اختلاف درجاتها وتباين ~~صفاتها مشتركة في صفتين أحدهما التأثير في عالم الأجسام بالتحريك والتصريف ~~وإليه الإشارة بقوله : { فالزجرات زجرا } فإنا قد بينا أن المراد من هذا ~~الزجر السوق والتحريك ، والثاني PageV26P102 الإدراك والمعرفة والاستغارق ~~في معرفة الله تعالى والثناء عليه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ~~فالتاليات ms7611 ذكرا } ولما كان الجسم أدنى منزلة من الأرواح المستقلة فالتصرف ~~في الجسمانيات أدون منزلة من الأرواح المستغرقة في معرفة جلال الله المقبلة ~~على تسبيح الله كما قال : { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } ( الأنبياء : ~~19 ) لا جرم بدأ في المرتبة الأولى بذكر الأجسام فقال : { والصافات صفا } ~~ثم ذكر في المرتبة الثانية الأرواح المدبرة لأجسام هذا العالم ثم ذكر في ~~هذه المرتبة الثالثة أعلى الدرجات وهي الأرواح المقدسة المتوجهة بكليتها ~~إلى معرفة جلال الله والاستغراق في الثناء عليه ، فهذه احتمالات خطرت ~~بالبال ، والعالم بأسرار كلام الله تعالى ليس إلا الله . # المسألة الثالثة : للناس في هذا الموضع قولان الأول : قول من يقول المقسم ~~به ههنا خالق هذه الأشياء لا أعيان هذه الأشياء ، واحتجوا عليه بوجوه الأول ~~: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلف بغير الله فكيف يليق بحكمة الله أن ~~يحلف بغير الله والثاني : أن الحلف بالشيء في مثل هذا الموضع تعظيم عظيم ~~للمحلوف به ، ومثل هذا التعظيم { والسماء وما بناها * والارض وما طحاها * ~~ونفس وما سواها } ( الشمس : 5 7 ) ، والقول الثاني : قول من يقول إن القسم ~~واقع بأعيان هذه الأشياء واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن القسم وقع بهذه ~~الأشياء بحسب ظاهر اللفظ فالعدول عنه خلال الدليل والثاني : أنه تعالى قال ~~: { والسماء وما بناها } فعلق لفظ القسم بالسماء ، ثم عطف عليه القسم ~~بالباني للسماء ، فلو كان المراد من القسم بالسماء القسم بمن بنى السماء ~~لزم التكرار في موضع واحد وأنه لا يجوز الثالث : أنه لا يبعد أن تكون ~~الحكمة في قسم من الله تعالى بهذه الأشياء التنبيه على شرف ذواتها وكمال ~~حقائقها ، لا سيما إذا حملنا هذه الألفاظ على الملائكة فإنه تكون الحكمة في ~~القسم بها التنبيه على جلالة درجاتها وكمال مراتبها والله أعلم ، فإن قيل ~~ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجوه الأول : أن المقصود من ~~هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أوعند الكافر والأول باطل لأن ~~المؤمن مقر به سواء حصل الحلف أو لم ms7612 يحصل ، فهذا الحلف عديم الفائدة على كل ~~التقديرات / الثاني : أنه تعالى حلف في أول هذه السورة على أن الإله واحد ، ~~وحلف في أول سورة والذاريات على أن القيامة حق فقال : { والذريات ذروا } ~~إلى قوله : { إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع } ( الذاريات : 1 6 ) ~~وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم ~~بالحلف واليمين لا يليق بالعقلاء ، والجواء من وجوه الأول : أنه تعالى قرر ~~التوحيد وصحة البعث والقيامة في سائر السور بالدلائل اليقينية ، فلما تقدم ~~ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها فذكر القسم تأكيدا لما تقدم لا سيما ~~والقرآن إنما أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة ~~عند العرب والوجه الثاني : في الجواب أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على ~~صحة قوله تعالى : { إن إلاهكم لواحد } ذكر عقيبه ما هو كالدليل اليقيني في ~~كون الإله واحدا ، وهو قوله تعالى : { رب * السماوات والارض * وما بينهما ~~ورب المشارق } وذلك لأنه تعالى بين في قوله : { لو كان فيهما الهة إلا الله ~~لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) أن انتظام أحوال السموات والأرض يدل على أن ~~الإله واحد ، ففهنا لما قال : { إن إلاهكم لواحد } أردفه بقوله : { رب * ~~السماوات والارض * وما بينهما ورب المشارق } كأنه قيل قد بينا أن النظر في ~~انتظام هذا العالم دل على كون الإله واحدا فتأملوا في ذلك الدليل ليحصل لكم ~~العلم بالتوحيد الوجه الثالث : في الجواب أن المقصود من هذا PageV26P103 ~~الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل هذا المذهب قد ~~بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة والله أعلم . # المسألة الرابعة : أما دلالة أحوال السموات والأرض على وجود الإله القادر ~~العالم الحكيم ، وعلى كونه واحدا منزها عن الشريك فقد سبق تقريرها في هذا ~~الكتاب مرارا وأطوارا وأما قوله تعالى : { ورب المشارق } فيحتمل أن يكون ~~المراد مشارق الشمس قال السدي : المشارق ثلاثمائة وستون مشرقا وكذلك ~~المغارب فإنه تطلع الشمس كل يوم من مشرق وتغرب كل يوم في مغرب ، ويحتمل أن ~~يكون المراد ms7613 مشارق الكواكب لأن لكل كوكب مشرقا ومغربا ، فإن فيل لم أكتفي ~~بذكر المشارق ؟ قلنا لوجهين الأول : نه اكتفى بذكر المشارق كقوله : { تقيكم ~~الحر } ( النحل : 81 ) والثاني أن الشرق أوقى حالا من الغروب وأكثر نفعا من ~~الغروب فذكر الشرق تنبيها على كثرة إحسان الله تعالى على عباده ، ولهذه ~~الدقيقة استدل إبراهيم عليه السلام بالمشرق فقال : { فإن الله يأتى بالشمس ~~من المشرق } ( لبقرة : 258 ) . # المسألة الخامسة : احتج الأصحاب بقوله تعالى : { رب * السماوات والارض * ~~وما بينهما } على كونه تعالى خالقا لأعمال العباد ، قالوا : لأن أعمال ~~العباد موجود فيما بين السموات والأرض ، وهذه الآية دالة على أن كل ما حصل ~~بين السموات والأرض فالله ربه ومالكه ، فهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق ~~الله ، وإن قالوا : الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السموات والأرض ~~لأن هذا الوصف إنما يليق بما يكون حاصلا في حيز وجهة والأعراض ليست كذلك ، ~~قلنا : إنها لما / كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السموات والأرض فهي ~~أيضا حاصلة بين السماء والأرض . ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد ~~* لا يسمعون إلى الملإ الا على ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم عذاب واصب ~~* إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب } > 7 ! # < < # | الصافات : ( 6 ) إنا زينا السماء . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة وحفص عن عاصم زينة منونة الكواكب بالجر وهو ~~قراءة مسروق بن الأجدع ، قال الفراء وهو رد معرفة على نكرة كما قال : { ~~بالناصية * ناصية } ( العلق : 15 ، 16 ) فرد نكرة على معرفة وقال الزجاج : ~~الكواكب بدل من الزينة ، لأنها هي كما تقول مررت بأبي عبد الله زيد . وقرأ ~~عاصم بالتنوين في الزين ونصب الكواكب قال الفراء : يريد زينا الكواكب ، ~~وقال الزجاج : يجوز أن تكون الكواكب في النصف بدلا من قوله بزينة ، لأن ~~بزينة في موضع نصب وقرأ الباقون ( بزينة الكواكب ) بالجر على الإضافة . # المسألة الثانية : بين تعالى أنه زين السماء الدنيا ، وبين أنه إنما ~~زينها لمنفعتين إحداهما : تحصيل الزينة والثانية ms7614 : الحفظ من الشيطان المارد ~~، فوجب أن نحقق الكلام في هذه المطالب الثالاثة أما الأول : PageV26P104 ~~وهو تزيين السماء الدنيا بهذه الكواكب ، فلقائل أن يقول إنه ثبت في علم ~~الهيئة أن هذه الثوابت مركوزة في الكرة الثامنة ، وأن السيارات الستة ~~مركوزة في الكرات الست المحيطة بسماء الدنيا فكيف يصح قوله : { إنا زينا ~~السماء الدنيا بزينة الكواكب } والجواب أن الناس الساكنين على سطح كرة ~~الأرض إذا نظروا إلى السماء فإنهم يشاهدونها مزينة بهذه الكواكب ، وعلى أنا ~~قد بينا في علم الهيئة أن الفلاسفة لم يتم لهم دليل في بيان أن هذه الكواكب ~~مركوزة في الفلك الثامن ، ولعلنا شرحنا هذا الكلام في تفسير سورة { تبارك ~~الذى بيده الملك } ( الملك : 1 ) في تفسير قوله تعالى : { ولقد زينا السماء ~~الدنيا بمصابيح } ( الملك : 5 ) ، وأما المطلوب ال ثاني : وهو كون هذه ~~الكواكب زينة السماء الدنيا ففيه بحثان : # البحث الأول : أن الزينة مصدر كالنسبة واسم لما يزن به ، كالليقة اسم لما ~~تلاق به الدواة قال صاحب الكشاف وقوله : { بزينة الكواكب } يحتملهما فإن ~~أردت المصدر فعلى إضافته إلى الفاعل أي بأن زينتها الكواكب أو على إضافته ~~إلى المفعول أي بأن زان الله الكواكب وحسنها ، لأنا / إنما زينت السماء ~~بحسنها في أنفسها ، وإن أردت الاسم فللإضافة وجهان أن تقع الكواكب بيانا ~~للزينة ، لأن الزينة قد تحصل بالكواكب وبغيرها ، وأن يراد ما زينت به ~~الكواكب . # البحث الثاني : في بيان كيفية كون الكواكب زينة للسماء وجوه الأول : أن ~~النور والضوء أحسن الصفات وأكملها ، فإن تحصل هذه الكواكب المشرقة المضيئة ~~في سطح الفلك لا جرم بقي الضوء والنور في جرم الفلك بسبب حصول هذه الكواكب ~~فيها قال ابن عباس : { بزينة الكواكب } أي بضوء الكواكب الوجه الثاني : ~~يجوز أن يراد أشكالها المتناسبة المختلفة كشكل الجوزاء وبنات نعش والثريا ~~وغيرها الوجه الثالث : يجوز أن يكون المراد بهذه الزينة كيفية طلوعها ~~وغروبها الوجه الرابع : أن الإنسان إذا نظر في الليلة الظلماء إلى سطح ~~الفلك ورأى هذه الجواهر الزواهر مشرقة لامعة متلألئة على ذلك السطح الأزرق ~~، فلا ms7615 شك أنها أحسن الأشياء وأكملها في التركيب والجوهر ، وكل ذلك يفيد كون ~~هذه الكواكب زينة وأما المطلوب الثالث : وهو قوله : { وحفظا من كل شيطان ~~مارد } ففيه بحثان : # البحث الأول : فيما يتعلق باللغة فقوله : { وحفظا } أي وحظناها ، قال ~~المبرد : إذا ذكرت فعلا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر لأنه قد دل ~~على فعله ، مثل قولك أفعل وكرامة لأنه لما قال أفعل علم أن الأسماء لا تعطف ~~على الأفعال ، فكان المعنى أفعل ذلك وأكرمك كرامة ، قال ابن عباس يريد حفظ ~~السماء بالكواكب و { من كل شيطان مارد } يريد الذي تمرد على الله قيل إنه ~~الذي لا يتمكن منه ، وأصله من الملاسة ومنه قوله : { صرح ممرد } ( النمل : ~~44 ) ومنه الأمرد : وذكرنا تفسير المارد عند قوله : { مردوا على النفاق } ( ~~التوبة : 101 ) . # البحث الثاني : فيما يتعلق بالمباحث العقلية في هذا الموضع ، فنقول ~~الاستقصاء فيه مذكور في قوله تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ~~وجعلناها رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) قال المفسرون الشياطين كانوا ~~يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من ~~الغيوب ، وكانوا يخبرونهم به ويوهمونهم أنهم يعلمون الغيب فمنعهم الله ~~تعالى من الصعود إلى قرب السماء بهذه الشهب فإنه تعالى يرميهم بها فيحرقهم ~~بها ، وبقي ههنا سؤالات : PageV26P105 # السؤال الأول : هذه الشهب هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم ~~لا ؟ والأول باطل لأن هذه الشهب تبطل وتضمحل فلو كانت هذه الشهب تلك ~~الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير من أعداد كواكب السماء ، ومعلوم ~~أن هذا المعنى لم يوجد ألبتة فإن أعداد كواكب السماء باقية في حالة واحدة ~~من غير تغير ألبتة ، وأيضا فجعلها رجوما للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في ~~زينة السماء فكأن الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض ، وأما القسم الثاني ~~: وهو أن يقال إن هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب المركوزة في الفلك فهذا ~~أيضا مشكل لأنه تعالى قال في سورة : { تبارك الذى بيده الملك } ( الملك : 1 ~~) ، { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما ms7616 للشياطين } ( الملك ~~: 5 ) فالضمير في قوله : { وجعلناها } عائد إلى المصابيح ، فوجب أن تكون ~~تلكالمصابيح هي الرجوع بأعيانها من غير تفاوت ، والجواب أن هذه الشهب غير ~~تلك الثواقب الباقية ، وأما قوله تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) فنقول كل نير يحصل في ~~الجو العالي فهو مصابيح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه ~~الدهر آمنة من التغير والفساد ، ومنها ما لا يكون كذلك ، وهي هذه الشهب ~~التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوما للشياطين ، وبهذا التقدير فقد زال ~~الإشكال ، والله أعلم . # السؤال الثاني : كيف يجوز أن تذهب الشياطين إلى حيث يعلمون بالتجويز ، أن ~~الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم ألبتة ، وهل يمكن أن يصدر مثل هذا ~~الفعل عن عاقل ، فكيف من الشياطين الذين لهم مزبة في معرفة الحيل الدقيقة ~~والجواب : أن حصول هذه الحالة ليس له موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه ، ~~وإنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة ومواضعها مختلفة ، فربما صاروا ~~إلى موضع تصيبهم فيه الشهب ، وربما صاروا إلى غيره ولا يصادفون الملائكة ~~فلا تصيبهم الشهب ، فلما هلكوا في بعض الأوقات ، وسلموا في بعض الأوقات ، ~~جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنه لا تصيبهم الشهب فيها ، كما ~~يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة ، هذا ما ~~ذكره أبو علي الجبائي من الجواب عن هذا السؤال في تفسيره . ولقائل أن يقول ~~: إنهم إذا صعدوا فإما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة ، أو إلى غير تلك ~~المواضع ، فإن وصلوا إلى مواضع الملائكة احتلقوا / وإن وصلوا إلى غير مواضع ~~الملائكة لم يفوزوا بمقصودهم أصلا ، فعلى كلا التقديرين المقصود غير حاصل ، ~~إذا حصلت هذه التجربة وثبت بالاستقراء أن الفوز بالمقصود محال وجب أن ~~يمتنعوا عن هذا العمل وأن لا يقدموا عليه أصلا بخلاف حال المسافرين في ~~البحر ، فإن الغالب عليهم السلامة والفوز بالمقصود ، أما ههنا فالشيطان ~~الذي يسلم من الاحتراق إنما يسلم إذا لم يصل إلى مواضع الملائكة ، وإذا ms7617 لم ~~يصل إلى تلك المواضع لم يفز بالمقصود ، فوجب أن لا يعود إلى هذا العمل ~~ألبتة ، والأقرب في الجواب أن نقول هذه الوقعة إنما تتفق في الندرة ، ~~فلعلها لا تشتهر بسبب كونها نادرة بين الشياطين والله أعلم . # السؤال الثالث : قالوا : دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان ~~حاصلا قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ، فءن الحكماء الذين كانوا ~~موجودين قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا ~~في سبب حدوثه ، إذا ثبت أن ذلك كان موجودا قبل مجيء النبي صلى الله عليه ~~وسلم امتنع حمله على مجيء النبي صلى الله عليه وسلم ، أجاب القاضي بأن ~~الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي صلى الله عليه وسلم لكنها كثرت ~~في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فصارت بسبب الكثرة معجزة . PageV26P106 # / السؤال الرابع : الشيطان مخلوق من النار ، قال تعالى حكاية عن إبليس { ~~خلقتني من نار } ( الأعراف : 12 ) وقال : { والجآن خلقناه من قبل من نار ~~السموم } ( الحجر ؛ 27 ) ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات ، وإذا ~~كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار ؟ والجواب يحتمل أن الشياطين وإن ~~كانوا من النيران إلا أنها نيران ضعيفة ، فإن وصلت نيران الشهب إليهم ، ~~وتلك النيران أقوى حالا منهم لا جرم صار الأقوى مبطلا للأضف ، ألا ترى أن ~~السراج الضعيف إذا رجع في النار القوية فإنه ينطفىء فكذلك ههنا . # السؤال الخامس : أن مقر الملائكة هو السطح الأعلى من الفلك ، والشياطين ~~لا يمكنهم الوصول إلا إلى الأقرب من السطح الأسفل من الفلك ، فيبقى جرم ~~الفلك مانعا من وصول الشياطين إلى القرب من الملائكة ، ولعل الفلك عظيم ~~المقدار دفع حصول هذا المانع العظيم ، كيف يعقل أن تسمع الشياطين كلام ~~الملائكة ، فإن قلتم إن الله تعالى يقوي سمع الشيطان حتى يسمع كلام ~~الملائكة ، فنقول فعلى هذا التقدير إذا كان الله تعالى يقوي سمع الشيطان ~~حتى يسمع كلام الملائكة ، وجب أن لا ينفي سمع الشيطان ، وإن كان لا يريد ~~منع الشيطان من العمل فما ms7618 الفائدة في رميه بالرجوم ؟ فالجواب : مذهبنا أن ~~أفعال الله تعالى غير مللة ، فيفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا ~~اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله ، فهذا ما يتعلق بمباحث هذا الباب ، ~~وإذا أضيف ما كتبناه ههنا إلى ما كتبناه في سورة الملك ، وفي سائر الآيات ~~المشتملة على هذه المسألة بلغ تمام الكفاية في هذا الباب ، والله أعلم . # وأما قوله : { لا يسمعون إلى الملإ الاعلى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { لا يسمعون } بتشديد ~~السين والميم وأصله يتسمعون ، فأدغمت التاء في السين لاشتراكهما في الهمس ، ~~والتسمع تطلب السماع يقال تسمع سمع أو لم يسمع ، والباقون بتخفيف السين ، ~~واختار أبو عبيد التشديد في يسمعون ، قال : لأن العرب تقول تسمعت إلى فلان ~~ويقولون سمعت فلانا ، ولا يكادون يقولون سمعت إلى فلان ، وقيل في تقوية هذه ~~القراءة إذا نفى التسمع ، فقد نفى سمعه ، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى ~~: { إنهم عن السمع لمعزولون } ( الشعراء : 212 ) وروى مجاهد عن ابن عباس : ~~أن الشياطين يسمعون إلى الملأ الأعلى / ثم يمنعون فلا يسمعون ، وللأولين أن ~~يجيبوا فيقولون التنصيص على كونهم معزولين عن السمع لا يمنع من كونهم ~~معزولين أيضا عن التسمع بدلالة هذه الآية ، بل هو أقوى في ردع الشياطين ~~ومنعهم من استماع أخبار السماء ، فإن الذي منع من الاستماع فبأن يكون ~~ممنوعا من السمع أولى . # المسألة الثانية : الفرق بين قولك سمعت حديث فلان ، وبين قولك سمعت إلى ~~حديثه ، بأن قولك سمعت حديثه يفيد الإدراك ، وسمعت إلى حديثه يفيد الإصغاء ~~مع الإدراك . # / المسألة الثالثة : في قوله : { لا يسمعون إلى الملإ } قولان الأول : ~~وهو المشهور أن تقدير الكلام لئلا يسمعوا ، فلما حذف الناصب عاد الفعل إلى ~~الرفع كما قال : { الانثيين يبين الله لكم أن تضلوا } ( النساء : 176 ) ~~وكما قال : { رواسى أن تميد بكم } ( لقمان : 10 ) قال صاحب ( الكشاف ) : ~~حذف أن واللام كل واحد منهما جائز بانفراده . أما اجتماعهما فمن المنكرات ~~التي يجب صوت القرآن عنها والقول الثاني : وهو الذي PageV26P107 اختاره ~~صاحب ( الكشاف ) أنه ms7619 كلام مبتدأ منقطع عما قبله ، وهو حكاية حال المسترقة ~~للسمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة ويتسمعوا وهم مقذوفون ~~بالشهب ، مدحورون عن ذلك المقصود . # المسألة الرابعة : الملأ الأعلى لملائكة لأنهم يسكنون السموات . وأما ~~الإنس والجن فهم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض . # واعلم أنه تعالى وصف أولئك الشياطين بصفات ثلاثة الأولى : أنهم لا يسمعون ~~الثانية : أنهم يقذفون من كل جانب دحورا وفيه أبحاث : # الأول : قد ذكرنا معنى الدحور في سورة الأعراف عند قوله : { اخرج منها ~~مذءوما مدحورا } ( الأعراف : 18 ) قال المبرد الدحور أشد الصغار والذل وقال ~~ابن قتيبة دحرته دحرا ودحورا أي دفعته وطردته . # البحث الثاني : في انتصاب قوله : { دحورا } وجوه الأول : أنه انتصب ~~بالمصدر على معنى يدحرون دحورا ، ودل على الفعل قوله تعالى : { ويقذفون } ~~الثاني : التقدير ويقذفون للدحول ثم حذف اللام الثالث : قال مجاهد دحورا ~~مطرودين ، فعلى هذا هو حال سميت بالمصدر كالركوع والسجود والحضور . # البحث الثالث : قرأ أبو عبد الرحمن السملي دحورا بفتح الدال قال الفراء ~~كأنه قال يقذفون يدحرون بما يدحر ، ثم قال ولست أشتهي الفتح ، لأنه لو وجد ~~ذلك على صحة لكان فيها الباء كما تقول يقذفون بالحجارة ولا تقول يقذفون ~~الحجارة إلا أنه جائز في الجملة كما قال الشاعر : # % تعال اللحم للأضياف نيئا % % # أي تعالى باللحم الصفة الثالثة : قوله تعالى : { ولهم عذاب واصب } ~~والمعنى أنهم مرجومون بالشهب وهذا العذاب مسلط عليهم على سبيل الدوام ، ~~وذكرنا تفسير الواصب في سورة النحل عند قوله تعالى : دوله الدين واصبا } ( ~~النحل : 52 ) قالوا كلهم إنه الدائم ، قال الواحدي ومن فسر الواصب بالشديد ~~والموجع فهو معنى وليس بتفسير . # ثم قال تعالى : { * } ( النحل : 52 ) قالوا كلهم إنه الدائم ، قال ~~الواحدي ومن فسر الواصب بالشديد والموجع فهو معنى وليس بتفسير . # ثم قال تعالى : { إلا من خطف الخطفة } ذكرنا معنى الخطف في سورة الحج قال ~~الزجاج وهو أخذ الشيء بسرعة ، وأصل خطف اختطف قال صاحب ( الكشاف ) { من } ~~في محل الرفع بدل من الواو في لا يسمعون أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان ms7620 ~~الذي خطف الخطبة أي اختلس الكلمة على / وجه المسارقة { فأتبعه } يعني لحقه ~~وأصابه يقال تبعه وأتبعه إذا مضى في أثره وأتبعه إذا لحقه وأصله من قوله ~~تعالى : { فأتبعه الشيطان } ( الأعراف : 175 ) وقد مر تفسيره وقوله تعالى : ~~{ شهاب ثاقب } قال الحسن ثاقب أي مضيء وأقول سمي ثاقبا لأنه يثقب بنوره ~~الهواء / قال ابن عباس في تفسير قوله : { والنجم * الثاقب } ( الطارق : 3 ) ~~قال : إنه رجل سمي بذلك لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات والله أعلم . # ! 7 < { فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ إنا خلقناهم من طين لازب } > ~~7 @QB@ < # | الصافات : ( 11 ) فاستفتهم أهم أشد . . . . . # > > PageV26P108 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في بيان النظم اعلم أنا قد ذكرنا أن المقصد الأقصى من ~~هذا الكتاب الكريم إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيات والمعاد والنبوة ~~وإثبات القضاء والقدر . فنقول إنه تعاى افتتح هذه السورة بإثبات ما يدل على ~~وجود الصانع ويدل على وحدانيته وهو خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق ~~المشارق والمغارب ، فلما أحكم الكلام في هذا الباب فرع عليها إثبات القول ~~بالحشر والنشر والقيامة . # واعلم أن الكلام في هذه المسألة يتعلق بطرفين أولهما إثبات الجواز العقلي ~~وثانيهما إثبات الوقوع أما الكلام في المطلوب الأول فاعلم أن الاستدلال على ~~الشيء يقع على وجهين أحدهما : أن يقال إنه قدر على ما هو أصعب وأشد وأشق ~~منه فوجب أيضا أن يقدر عليه والثاني : أن يقال إنه قدر عليه في إحدى ~~الحالتين والفاعل والقابل باقيين كما كانا ، فوجب أن تبقى القدرة عليه في ~~الحالة الثانية والله تعالى ذكر هذين الطريقين في بيان أن القول بالبعث ~~والقيامة أمر جائز ممكن . أما الطريق الأول : فهو المراد من قوله : { ~~فاستفتهم أهم أشد خلقا } والتقدير كأنه تعالى يقول : استفت يا محمد هؤلاء ~~المنكرين أهم أشد خلقا من خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق المشارق ~~والمغارب وخلق الشياطين الذين يصعدون الفلك ، ولا شك أنهم يعترفون بأن خلق ~~هذا القسم أشق وأشد في العرف من خلق القسم الأول ، فلما ثبت بالدلائل ~~المذكورة في إثبات التوحيد كونه ms7621 تعالى قادرا على هذا القسم الذي هو أشد ~~وأصعب ، فبأن يكون قادرا على إعادة الحياة في هذه الأجساد كان أولى ، ونظير ~~هذه الدلالة قوله تعالى في آخر يس { أوليس الذى خلق * السماوات والارض * ~~بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) وقوله تعالى : { لخلق * السماوات ~~والارض * أكبر من خلق الناس } ( غافر : 57 ) وأما الطريق الثاني : فهو ~~المراد من قوله : { إنا خلقناهم من طين لازب } والمعنى أن هذه الأجسام ~~قابلة للحياة إذ لو لم تكن قابلة للحياة لما صارت حية في المرة الأولى ~~والإله قادر على خلق هذه الحياة في هذه الأجسام ، ولولا كونه تعالى قادرا ~~على هذا المعنى لما حصلت الحياة في المرة الأولى ، ولا شك أن قابلية تلك ~~الأجسام باقية وأن قادرية الله تعالى باقية لأن هذه القابلية وهذه القادرية ~~من الصفات الذاتية فامتنع زوالها فثبت بهذين الطريقين أن القول بالبعث ~~والقيامة أمر / ممكن ، ولما بين تعالى إمكان هذا المعنى بهذين الطريقين بين ~~وقوعه بقوله ؛ { قل نعم وأنتم داخرون } ( الصافات : 18 ) وذلك لأنه ثبت صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل ظهور المعجزات عليه والصادق إذا أخبر عن ~~أمر ممكن الوقوع وجب الاعتراف بوقوعه فهذا تقرير نظم هذه الآية وهو في غاية ~~الحسن والله أعلم . # المسألة الثانية : في تفسير ألفاظ هذه الآية ، أما قوله : { فاستفتهم } ~~يعني أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة كونه تعالى خالقا للسموات والأرض وما ~~بينهما فاستفت هؤلاء المنكرين وقل لهم { أهم أشد خلقا } أم هذه الأشياء ~~التي بينا كونه تعالى خالقا لها ولم يحك عنهم أنهم أقروا أن خلق هذه ~~الأشياء أصعب لأجل أن ظهور ذلك كالمعلوم بالضرورة فلا حاجة أن يحكى عنهم ~~صحة أن الأمر كذلك . # ثم قال تعالى : { إنا خلقناهم من طين لازب } يعني أنا لما قدرنا على خلق ~~الحياة في ذواتهم أولا وجب أن نبقى قادرين على خلق الحياة فيهم ثانيا / لما ~~بينا أن حال القابل وحال الفاعل ممتنع التغير . وفيه دقيقة أخرى وهي أن ~~القوم قالوا كيف يعقل تولد الإنسان لا من النطفة ms7622 ولا من الأبوين ؟ فكأنه ~~قيل لهم إنكم لما PageV26P109 أقررتم بحدوث العالم واعترفتم بأن السموات ~~والأرض وما بينهما إنما حصل بتخليق الله تعالى وتكوينه فة بد وأن تعترفوا ~~بأن الإنسان الأول إنما حدث لا من الأبوين ؟ فإذا عقلتم ذلك واعترفتم به ~~فقد سقط قولكم الإنسان كيف يحدث من غير النطفة ومن غير الأبوين ، وأيضا قد ~~اشتهر عند الجمهور أن آدم مخلوق من الطين اللازب ومن قدر على خلق الحياة في ~~الطين اللازب فكيف يعجز عن إعادة الحياة إلى هذه الذوات . وأما كيفية خلق ~~الإنسان من الطين اللازب فهي مذكورة في السورة المتقدمة ، واعلم أن هذا ~~الوجه أنما يحسن إذا قلنا المراد من قوله تعالى : { إنا خلقناهم من طين ~~لازب } هو أنا خلقنا أباهم آدم من طين لازب ، وفيه وجوه أخر وهو أن يكون ~~المراد أنا خلقنا كل إنسان من طين لازب ، وتقريره أن الحيوان إنما يتولد من ~~المني ودم الطمث والمني يتولد من الدم فالحيوان إنما يتولد من الدم والدم ~~إنما يتولد من الغذاء ، والغذاء إما حيواني وإما نباتي أما تولد الحيوان ~~الذي صار غذاء فالكلام في كيفية تولده كالكلام في تولد الإنسان ، فثبت أن ~~الأصل في الأغذية هو النبات والنبات إنما يتولد من امتزاج الأرض بالماء وهو ~~الطين اللازب وإذا كان الأمر كذلك فقد ظهر أن كل الخلق متولدون من الطين ~~اللازب ، وإذا ثبت هذا فنقول إن هذه الأجزاء التي منها تركب هذا الطين ~~اللازب قابلة للحياة والله تعالى قادر عليها ، وهذه القابلية والقادرية ~~واجبة البقاء فوجب بقاء هذه الصحة في كل الأوقات وهذه بيانات ظاهرة واضحة ، ~~وأما اللازب فقل اللاصق ، وقيل اللزج وقيل الحتد ، وأكثر أهل اللغة على أن ~~الباء في لازب بدل من الميم يقال لازب ولازم . ثم قال تعالى : # ! 7 < { بل عجبت ويسخرون } > 7 ! # < < # | الصافات : ( 12 ) بل عجبت ويسخرون # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : تقرير الكلام أن يقال إن هؤلاء المنكرين أقروا بأنه ~~تعالى قادر على تكوين أشياء أصعب من إعادة الحياة إلى هذه الأجساد ، وقد ~~تقرر في ms7623 صرائح العقول أن القادر على الأشق الأشد يكون قادرا على اوسهل ~~اويسر ، ثم مع قيام هذه الحجة البديهية بقي هؤلاء الأقوام مصرين على إنكار ~~البعث والقيامة وهذا في موضع التعجب الشديد فإن مع ظهور هذه الحجة الجلية ~~الظاهرة كيف يعقل بقاء القوم على الإصرار فيه . فأنت يا محم تتعجب من ~~إصرارهم على الإنكار وهم في طرف الإنكار وصلوا إلى حيث يستخرون منك في قولك ~~بإثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة ، فهذا هو المراد من قوله : { بل عجبت ~~ويسخرون } . # المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي { عجبت } بضم التاء والباقون بفتحها ~~قال الواحدي : والضم قراءة ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم ويحيى بن وثاب ~~والأعمش وقراءة أهل الكوفة واختيار أبي عبيدة ، أما الذين قرأوا بالفتح فقد ~~احتجوا بوجوه الأول : أن القراءة بالضم تدل على إسناد العجب إلى الله تعالى ~~وذلك محال ، لأن التعجب حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء ومعلوم أن الجهل ~~على الله محال والثاني : أن الله تعالى أضاف التعجب إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم في آية أخرى في هذه المسألة فقال : دوإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ~~ترابا } ( الرعد : 5 ) ، والثالث : أنه تعالى قال : { * } ( الرعد : 5 ) ، ~~والثالث : أنه تعالى قال : { بل عجبت ويسخرون } والظاهر أنهم سخروا لأجل ~~PageV26P110 ذلك التعجب فلما سخروا منه وجب أن يكون ذلك التعجب صادرا منه ، ~~وأما الذين قرأوا بضم التاء ، فقد أجابوا عن الحجة الأولى من وجوه الأول : ~~أن القراءة بالضم لا نسلم أنها تدل على إسناد التعجب إلى الله تعالى ، ~~وبيانه أنه يكون التقدير قل يا محمد ( بل عجبت ويسخرون ) ونظيره قوله تعالى ~~: { أسمع بهم وأبصر } ( مريم : 38 ) معناه أن هؤلاء ما تقولون فيه أنتم هذا ~~النحو من الكلام ، وكذلك قوله تعالى : { فما أصبرهم على النار } ( البقرة : ~~175 ) الثاني : سلمنا أن ذلك يقتضي إضافة التعجب إلى الله تعالى فلم قلتم ~~إن ذلك محال ؟ ويروى أن شريحا كان يختار القراءة بالنصب ويقول العجب لا ~~يليق إلا بمن لا يعلم ، قال الأعمش : فذكرت ذلك لإبراهيم فقال : إن شريحا ~~يعجب ms7624 بعلمه وكان عبد الله أعلم ، وكان يقرأ بالضم وتحقيق القول فيه أن نقول ~~: دل القرآن والخبر على جواز إضافة العجب إلى الله تعالى ، أما القرآن ~~فقوله تعالى : دوإن تعجب فعجب قولهم } ( الرعد : 5 ) والمعنى إن تعجب يا ~~محمد من قولهم ، فهو أيضا عجب عندي ، وأجيب عنه أنه لا يمتنع أن يكون ~~المراد وإن تعجب فعجب قولهم عندكم ، وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم : ~~( عجب ربكم من إلكم وقنوطكم ، وعجب ربكم من شاب ليست له صبوة ) وإذا ثبت ~~هذا فنقول العجب من الله تعالى خلاف العجب من الآدميين كما قال : { * } ( ~~الرعد : 5 ) والمعنى إن تعجب يا محمد من قولهم ، فهو أيضا عجب عندي ، وأجيب ~~عنه أنه لا يمتنع أن يكون المراد وإن تعجب فعجب قولهم عندكم ، وأما الخبر ~~فقوله صلى الله عليه وسلم : ( عجب ربكم من إلكم وقنوطكم ، وعجب ربكم من شاب ~~ليست له صبوة ) وإذا ثبت هذا فنقول العجب من الله تعالى خلاف العجب من ~~الآدميين كما قال : { ويمكرون ويمكر الله } ( الأنفال : 30 ) وقال : { سخر ~~الله منهم } ( التوبة : 79 ) وقال تعالى : { وهو خادعهم } ( النساء : 142 ) ~~والمكر والخداع والسخرية من الله تعالى بخلاف هذه الأحوال من العباد ، وقد ~~ذكرنا أن القانون في هذا الباب أن هذه الألفاظ محمولة على نهايات الأعراض ~~لا على بدايات الأعراض . وكذلك ههنا من تعجب من شيء فإنه يستعظمه فالتعجب ~~في حق الله تعالى محممول على أنه تعالى يستعظم تلك الحالة إن كانت قبيحة ~~فيترتب العقاب العظيم عليه ، وإن كانت حسنة فيترتب الثواب العظيم عليه ، ~~فهذا تمام الكلام في هذه المناظرة ، والأقرب أن يقال القراءة بالضم إن ثبت ~~بالتواتر وجب المصير إليها ويكون التأويل ما ذكرناه وإن لم تثبت هذه ~~القراءة بالتواتر كانت القراءة بفتح التاء أولى والله أعلم . ثم قال تعالى ~~: # ! 7 < { وإذا ذكروا لا يذكرون * وإذا رأوا ءاية يستسخرون * وقالوا إن ~~هاذآ إلا سحر مبين * أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون * أو ~~ءابآؤنا الا ولون * قل نعم وأنتم داخرون } > 7 @QB@ < # | الصافات : ( 13 - 18 ms7625 ) وإذا ذكروا لا . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما قرر الدليل القادع في إثبات إمكان البعث والقيامة حكى ~~عن المنكرين أشياء أولها : النبي صلى الله عليه وسلم يتعجب من إصرارهم على ~~الإنكار وهم يسخرون منه في إصراره على الإثبات ، وهذا يدل على أنه صلى الله ~~عليه وسلم مع أولئك الأقوام كانوا في غاية التباعد وفي طرفي النقيض وثانيها ~~قوله : { وإذا ذكروا لا يذكرون } ، وثالثها قوله : { وإذا رأوا ءاية ~~يستسخرون } ويجب أن يكون المراد من هذا الثاني والثالث غير الأول لأن العطف ~~يوجب التغاير ولأن التكرير خلاف الأصل ، والذي عندي في هذا الباب أن يقال ~~القوم كانوا يستبعدون الحشر والقياة ويقولون : من مات وصار ترابا وتفرقت ~~أجزاؤه في العالم كيف يعقل عوده بعينه ؟ وبلغوا في هذا الاستبعاد إلى حيث ~~كانوا يسخرون ممن يذهب إلى هذا المذهب وإذا كان كذلك فلا طريق إلى إزالة ~~هذا PageV26P111 الاستبعاد عنهم إلا من وجهين أحدهما : أن يذكر لهم الدليل ~~الدال على صحة الحشر والنشر مثل أن يقال لهم : هل تعلمون أن خلق السموات ~~والأرض أشد وأصعب من إعادة إنسان بعد موته ؟ وهل تعلمون أن القادر على ~~اوصعب الأشق يجب أن يكون قادرا على الأسهل الأيسر ؟ فهذا الدليل وإن كان ~~جليا قويا إلا أن أولئك المنكرين إذا عرض على عقولهم هذه المقدمات لا ~~يفهمونها ولا يقفون عليها ، وإذا ذكروا لم يذكروها لشدة / بلادتهم وجهلهم ، ~~فلا جرم لم ينتفعوا بهذا النوع من البيان . # الطريق الثاني : أن يثبت الرسول صلى الله عليه وسلم جهة رسالته بالمعجزات ~~ثم يقول لما ثبت بالمعجز كوني رسولا صادقا من عند الله فأنا أخبركم بأن ~~البعث والقيامة حق ، ثم إن أولئك المنكرين لا ينتفعون بهذا الطريق أيضا ~~لأنهم إذا رأوا معجزة قاهرة وآية باهرة حملوها على كونها سحرا وسخروا بها ~~وساتهزؤا منها وهذا هو الراد من قوله : دوإذا رأوا آية يستسخرون } فظهر ~~بالبيان الذي ذكرناه أن هذه الألفاظ الثلاثة منبهة على هذه الفوائد الجليلة ~~. # واعلم أن أكثر الناس لم يقفوا على هذه الدقائق ، فقالوا إنه تعالى ms7626 قال : ~~{ * } فظهر بالبيان الذي ذكرناه أن هذه الألفاظ الثلاثة منبهة على هذه ~~الفوائد الجليلة . # واعلم أن أكثر الناس لم يقفوا على هذه الدقائق ، فقالوا إنه تعالى قال : ~~{ بل عجبت ويسخرون } ( الصافات : 12 ) . # ثم قال : { وإذا رأوا ءاية يستسخرون } فوجب أن يكون المراد من قوله : { ~~يستسخرون } غير ما تقدم ذكه من قوله : { ويسخرون } فقال هذا القائل المراد ~~من قوله : { ويسخرون } إقدامهم على السخرية والمراد من قوله : { يستسخرون } ~~طلب كل واحد منهم من صاحبه أن يقدم على السخرية وهذا التكليف إنما لزمهم ~~لعدم وقوفهم على الفوائد لتي ذكرناها والله أعلم والرابع : من الأمور التي ~~حكاها الله تعالى عنهم أنهم قالوا : { إن هاذا إلا سحر مبين } يعني أنهم ~~إذا رأوا آية ومعجزة سخروا منها ، والسبب في تلك السخرية اعتقادهم أنها من ~~باب السحر وقوله : { مبين } معناه أن كونه سحرا أمر بين لا شبهة لأحد فيه ، ~~ثم بين تعالى أن السبب الذي يحملهم على الاستهزاء بالقول بالبعث وعلى عدم ~~الالتفات إلى الدلائل الدالة على صحة القول وعلى الاستهزاء بجميع المعجزات ~~هو قولهم إن الذي مات وتفرقت أجزاؤه في جملة العالم فما فيه من الأرضية ~~اختلط بتراب الأرض وما فيه من المائية والهوائية اختلط ببخارات العالم فهذا ~~الإنسان كيف يعقل عوده بعينه حيا فاهما ؟ فهذا الكلام هو الذي يحملهم على ~~تلك الأحوال الثلاثة المتقدمة ، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذه الشبهة قال ~~: قال يا محمد نعم وأنتم داخرون وإنما اكتفى تعالى بهذا القدر من الجواب ~~لأنه ذكر في الآية المتقدمة بالبرهان اليقيني القطعي أنه أمر ممكن وإذا ثبت ~~الجواز القطعي فلا سبيل إلى القطع بالوقوع إلا بإخبار المخبر الصادق ، فلما ~~قامت المعجزات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم كان واجب الصدق فكان مجرد ~~قوله : { قل نعم } دليلا قاطعا على الوقوع . ومن تأمل في هذه الآيات علم ~~أنها وردت على أحسن وجوه الترتيب ، وذلك لأنه بين الإمكان بالدليل العقلي ~~وبين وقوع ذلك الممكن بالدليل السمعي ، ومن المعلوم أن الزيادة على هذا ~~البيان كالأمر الممتنع ms7627 . # أما قوله : { أو ءاباؤنا } فالمعنى أو تبعث آباؤنا وهذه ألف الاستفهام ~~دخلت على حرف العطف وقرأ نافع وابن عامر ههنا ، وفي سورة الواقعة ساكنة ~~الواو وذكرنا الكلام فيهذا في سورة الأعراف عن قوله : { أو أمن أهل القرى } ~~( الأعراف : 98 ) . # أما قوله تعالى : { قل نعم } فنقول قرأ الكسائي وحده ( نعم ) بكسر العين ~~. PageV26P112 # أما قوله تعالى : { وأنتم * داخلون } أي صاغرون ، قال أبو عبيد الدخور ~~أشد الصغار ، وذكرنا تفسير هذه اللفظة عند قوله : { سجدا لله وهم داخرون } ~~( النحل : 48 ) . # ! 7 < { فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم ينظرون * وقالوا ياويلنا هاذا يوم ~~الدين * هاذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون } > 7 ! # < < # | الصافات : ( 19 ) فإنما هي زجرة . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة ما يدل على إمكان البعث ~~والقيامة ، ثم أردفه بما يدلعلى وقوع القيامة ، ذكر في هذه الآيات بعض ~~تفاصيل أحوال القيامة ، وأنه تعالى ذكر في هذه الآية أنواعا من تلك الأحوال ~~فالحالة الأولى : قوله تعالى : { فإنما هى زجرة واحدة فإذا هم } وفيه أبحاث ~~: # البحث الأول : قوله : { سمعه فإنما } جواب شرط مقدر والتقدير إذا كان ~~كذلك فما هي إلا زجرة واحدة . # البحث الثاني : الضمير في قوله : { فإنما هى } ضمير على شريطة التفسير ، ~~والتقدير فإنما البعث زجرة واحدة . # البحث الثالث : الزجرة في اللغة الصيحة التي يزجر بها كالزجرة بالنعم ~~والإبل عند البحث ثم كثر استعمالها حتى صارت بمعنى الصيحة وإن لم يكن فيها ~~معنى الزجر كما في هذه الآية وأقول لا يبعد أن يقال إن تلك الصيحة إنما ~~سميت زجرة لأنها تزجر الموتى عن الرقود في القبور وتحثهم على القيام من ~~القبور والحضور في موقف القيامة ، فإذا عرفت هذا فنقول المراد من هذه ~~الزجرة ما ذكره الله تعالى في قوله : { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون } ( الزمر : 68 ) فبتالنفخة الأولى يموتون وبالنفخة الثانية يحيون ~~ويقومون ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : ما الفائدة في هذه الصيحة فإن القوم في تلك الساعة أموات ~~لأن النفخة جارية مجرى السبب لحياتهم فتكون مقدمة على حصول حياتهم ms7628 فثبت أن ~~هذه الصيحة إنما حصلت حال كون الخلق أمواتا ، فتكون تلك الصيحة عديمة ~~الفائدة فهي عبث والعبث لاة يجوز في فعل الله والجواب : أما أصحابنا ~~فيقولون يفعل الله ما يشاء ، وأما المعتزلة فقال القاضي فيه وجهان الأول : ~~أن تعتبر بها الملائكة الثاني : أن تكون الفائدة التخويف والإرهاب . # السؤال الثاني : هل لتلك الصيحة تأثير في إعادة الحياة ؟ الجواب : لا ، ~~بدليل أن الصيحة الأولى استعقبت الموت والثانية الحياة وذلك يدل على أن ~~الصيحة لا أثر لها في الموت ولا في الحياة ، بل خالق الموت والحياة هو الله ~~تعالى كما قال : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) . # السؤال الثالث : تلك الصيحة صوت الملائكة أو الله تعالى يخلقها ابتداء ؟ ~~الجواب : الكل / جائز إلا أنه روي أن الله تعالى يأمر إسرافيل حتى ينادي : ~~أيتها العظام النخرة والجلود البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا ~~PageV26P113 بإذن الله تعالى : اللفظ الارابع : من الألفاظ المذكورة في هذه ~~الآية قوله تعالى : { فإذا هم ينظرون } فيحتمل أن يكون المراد ينظرون ما ~~يحدث بهم ويحتمل ينظر بعضهم إلى بعض وأن يكون المراد ينظرون إلى البعث الذي ~~كذبوا به الحالة الثانية : من وقائع القيامة ما أخبر الله عنهم أنهم بعد ~~القيام من القبور قالوا : { وقالوا ياويلنا هاذا يوم الدين } قال الزجاج : ~~الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة والمقصود أنهم لما شاهدوا القيامة ~~قالوا : { هاذا يوم الدين } أي يوم الجزاء هذا ، والمقصود أن الله تعالى ~~ذكر في آيات كثيرة من القرآن ، أنا نرى في الدنيا محسنا ومسيئا وعاصيا ~~وصديقا وزنديقا ، ورأينا أنه لم يصل إليهم في الدنيا ما يليق بهم من الجزاء ~~فوجب القول بإثبات القيامة : { ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين ~~أحسنوا بالحسنى } ( النجم : 31 ) وبالجملة فهذا يدل على أن الجزاء إنما ~~يحصل بعد الموت / والكفار وإن سمعوا هذا الدليل القوي لكنهم أنكروا وتمردوا ~~ثم إنه تعالى إذا أحياهم يوم القيامة فإذا شاهدوا القيامة يذكرون ذلك اليوم ~~ويقولون : { هاذا يوم الدين } أي يوم الجزاء الذي ذكر الله الدلائل الكثيرة ~~عليه في القرآن فكفرنا ms7629 بها ، ونظيره أن من خوف بشيء ولم يتلفت إليه ، ثم ~~عاينه بعد ذلك فقد يقول هذا يوم الواقعة الفلانية فكذا ههنا ، وفيه احتمال ~~آخر وهو أنه تعالى قال في سورة الفاتحة { مالك * يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ~~) فبين أنه لا مالك في ذلك اليوم إلا الله فقولهم هذا يوم الدين ، إشارة ~~إلى أن هذا هو اليوم الذي لا حكم فيه لأحد إلا لله ، وإنما ذكروه لما حصل ~~في قلوبهم من الخوف الشديد . # أما قوله تعالى : { هاذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون } ففيه بحثان : # الأول : اختلفوا في أن هذا هو من بقية كلام الكفار أو يقال تم كلامهم عند ~~قوله تعالى : { هاذا يوم الدين } . وأما قوله : { هاذا يوم الفصل } فهو ~~كلام غيرهم ، فبعضهم قال بالأول وزعم أن قوله : { هاذا يوم الفصل } الآية ~~من كلام بعضهم لبعض ، والأكثرون على القول الثاني واحتجوا بوجهين : الأول : ~~أن قوله : { كنتم به تكذبون } من كلام بعضهم لبعض خطاب مع جميع الكفار ~~فقائل هذا القول لا بد وأن يكون غير الكفار الثاني : أن قوله : داحشروا ~~الذين ظلموا وأزواجهم } ( الصافات : 22 ) منسوق على قوله : { * } ( الصافات ~~: 22 ) منسوق على قوله : { هاذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون } فلما كان ~~قوله : داحشروا الذين ظلموا } كلام غير الكفار فكذلك قوله : { * } كلام غير ~~الكفار فكذلك قوله : { هاذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون } يجب أن يكون ~~كلام غير الكفار ، وعلى هذا التقدير فقوله : { هاذا يوم الدين } من كلام ~~الكفار ، وقوله : { هاذا يوم الفصل } من كلام الملائكة جوابا لهم ، والوجه ~~في كونه جوابا لهم أن أولئك الكفار ، إنما اعتقدوا في أنفسهم كونهم محقين ~~في إنكار دعوة الأنبياء عليهم السلام وكونهم محقين في تلك اوديان الفاسدة ~~فقالوا : { هاذا يوم الدين } أي هذا اليوم الذي يصل فيه إلينا جزاء طاعتنا ~~وخيراتن ، فالملائكة يقولون لهم إنه لا اعتبار بظواهر الأمور في هذا اليوم ~~فإن هذا اليوم / يفصل فيه الجزاء الحقيقي عن الجزاء الظاهري وتميز فيه ~~الطاعات الحقيقية عن الطاعات المقرونة بالرياء والسمعة فبهذا الطريق صار ~~هذا ms7630 الكلام من الملائكة جوابا لما ذكره الكفار . PageV26P114 ثم قال تعالى ~~: # ! 7 < { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم * وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون * بل ~~هم اليوم مستسلمون } > 7 ! # < < # | الصافات : ( 22 ) احشروا الذين ظلموا . . . . . # > > وفي الآية أبحاث : # البحث الأول : اعلم أنه لا نزاع في أن هذا من كلام الملائكة فإن قيل ما ~~معنى : { احشروا } مع أنهم قد حشروا من قبل وحضروا في محفل القيامة وقالوا ~~: { هاذا يوم الدين } ( الصافات : 20 ) وقالت الملائكة لهم بل : { هاذا يوم ~~الفصل } ( الصافات : 21 ) أجاب القاضي عنه ، فقال المراد احشروهم إلى دار ~~الجزاء وهي النار ، ولذلك قال بعده : { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي خذوهم ~~إلى ذلك الطريق ودلوهم عليه ثم سأل نفسه فقال : كيف يصح ذلك وقد قال بعده { ~~وقفوهم إنهم } ومعلوم أن حشرهم إلى الجحيم ، إنما يكون بعد المسألة ، وأجاب ~~أنه ليس في العطف بحرف الواو ترتيب فلا يمتنع أن يقال احشروهم وقفوهم ، مع ~~أنا بعقولنا نعلم أن الوقوف كان قبل الحشر إلى النار ، هذا ما قاله القاضي ~~، وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال إنهم إذا قاموا من قبورهم لم يبعد أن ~~يقفوا هناك بحيرة تلحقهم بسبب معاينة أهوال القيامة ، ثم إن الله تعالى ~~يقول للملائكة : احشروا الذين ظلموا واهدوهم إلى صراط الجيحم ، أي سوقوهم ~~إلى طريق جهنم وقفوهم هناك وتحصل المسألة هناك ثم من هناك يساقون إلى النار ~~وعلى هذا التقدير فظاهر النظم موافق لما عليه الوجه . # البحث الثاني : الآمر في قوله تعالى : { تكذبون احشروا الذين ظلموا } هو ~~الله فهو تعالى أمر الملائكة أن يحشروا الكفار إلى موقف السؤال والمراد من ~~الحشر أن الملائكة يسوقونهم إلى ذلك الموقف . # البحث الثالث : أن الله أمر الملائكة بحشر ثلاثة أشياء : الظالمين ، ~~وأزواجهم ، والأشياء التي كانوا يعبدونها . وفيه فوائد : # الفائدة الأولى : أنه تعالى قال : { احشروا الذين ظلموا } ثم ذكر من صفات ~~الذين ظلموا كونهم عابدين لغير الله وهذا يدل على أن الظالم المطلق هو ~~الكافر وذلك يدل على ms7631 أن كل وعيد ورد في حق الظالم فهو مصروف إلى الكفار ~~ومما يؤكد هذا قوله تعالى : { والكافرون هم الظالمون } ( البقرة : 254 ) . # الفائدة الثانية : اختلفوا في المراد بأزواجهم وفيه ثلاثة أقوال الأول : ~~المراد بأزواجهم أشباههم أي أحزابهم ونظراؤهم من الكفر فاليهودي مع اليهودي ~~والنصراني مع النصراني والذي يدل على جواز أن يكون المراد من الأزواج ~~الأشباه وجوه الأول : قوله تعالى : { وكنتم أزواجا ثلاثة } ( الواقعة : 7 ) ~~أي أشكالا وأشباها الثاني : أنك تقول عندي من هذا أزواج أي أمثال وتقول ~~زوجان من الخف لكون كل واحد منهما نظير الآخر وكذلك الرجل والمرأة سميا ~~زوجين لكونهما متشابهين في أكثر أحكام النكاح وكذلك العدد الزوج سمي بهذا ~~الاسم لكون كل واحد من سميه مثالا للقسم الثاني في العدد الصحيح ، قال ~~الواحدي فعلى هذا القول يجب أن يكون المراد بالذين ظلموا الرؤساء ونك لو ~~جعلت الذين ظلموا عاما في كل من أشرك لم يكن للأزواج معنى القول الثاني : ~~في تفسير الأزواج أن المراد قرناؤهم من الشياطين لقوله تعالى : دوإخوانهم ~~يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون } ( الأعراف : 202 ) ، والقول الثالث : أن ~~المراد نساؤهم اللواتي على دينهم . أما قوله : { * } ( الأعراف : 202 ) ، ~~والقول الثالث : أن المراد نساؤهم اللواتي على دينهم . أما قوله : { وما ~~كانوا يعبدون * من دون الله } ففيه قولان الأول : المراد ما كانوا يعبدون ~~من دون الله من الأوثان والطواغيت ، ونظيره قوله : { فاتقوا النار التى ~~وقودها الناس والحجارة } ( البقرة : 24 ) قيل المراد بالناس عباد ~~PageV26P115 الأوثان والمراد بالحجارة الأصنام التي هي أحجار منحوتة ، فإن ~~قيل إن تلك الأحجار جمادات فما الفائدة في حشرها إلى جهنم ؟ أجاب القاضي ~~بأنه ورد الخبر بأنها تعاد وتحيا لتحصل المبالغة في توبيخ الكفار الذين ~~كانوا يعبدونها ولقائل أن يقول هب أن الله تعالى يحيي تلك الأصنام إلا أنه ~~لم يصدر عنها ذنب ، فكيف يجوز من الله تعالى تعذيبها ؟ واوقرب أن يقال إن ~~الله تعالى لا يحيي تلك الأصنام بل يتركها على الجمادية . ثم يلقيها في ~~جهنم لأن ذلك مما يزيد في تخجيل الكفار القول ms7632 الثاني : : أن المراد من ~~قولهه : { وما كانوا يعبدون * من دون الله } الشياطين الذين دعوهم إلى ~~عبادة ما عبدوا فلما قبلوا منهم ذلك الدين صاروا كالعابدين لأولئك الشياطين ~~وتأكد هذا بقوله تعالى : { ألم أعهد إليكم يبنى * وإذ أخذ * أن لا تعبدوا } ~~( يس : 60 ) والقول الأول أولى لأن الشياطين عقلاء وكلمة ما لا تليق ~~بالعقلاء والله أعلم . # ثم قال : { الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم } قال ابن عباس : دلوهم يقال ~~هديت الرجل إذا دللته وإنما استعملت الهداية ههنا ، لأنه جعل بدل الهداية ~~إلى الجنة ، كما قال : { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل عمران : 21 ) فوقعت ~~البشارة بالعذاب لهؤلاء بدل البشارة بالنعيم لأولئك ، وعن ابن عباس { ~~فاهدوهم * وقالوا ياويلنا هاذا يوم الدين * هاذا يوم الفصل الذى كنتم به ~~تكذبون * احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم * وقفوهم } يقال : وقفت الدابة اقفها وقفا فوقفت ~~هي وقوفا ، والمعنى احبسوهم وفي الآية قولان أحدهما : : على التقديم ~~والتأخير ، والمعنى قفوهم واهدوهم ، والأصوب أنه لا حاجة إليه ، بل كأنه ~~قيل : فاهدوهم إلى صراط الجحيم فإذا انتهوا إلى الصراط قيل { وقفوهم } فإن ~~السؤال يقع هنللهك وقوله : { أنهم } قيل عن أعمالهم في الدنيا وأقوالهم ، ~~وقيل المراد سألتهم الخزنة { ألم يأتكم رسل منكم قالوا بلى ولاكن حقت كلمة ~~العذاب على الكافرين } ( الزمر : 71 ) ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد ~~ذلك وهو قوله تعالى : { ما لكم لا تناصرون } أي أنهم يسألون توبيخا لهم ، ~~فيقال : { ما لكم لا تناصرون } قال ابن عباس / رضي الله عنهما : لا ينصر ~~بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا ، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر : نحن جميع ~~منتصر فقيل لهم يوم القيامة ما لكم غير متناصرين ، وقيل يقال لكفار ما ~~لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب . # ثم قال تعالى : { بل هم اليوم مستسلمون } يقال استسلم للشيء إذا انقاد له ~~وخضع ، ومعناه في الأصل طلب السلامة بترك المنازعة ، والمقصود أنهم صاروا ~~منقادين لا حيلة لهم في دفع تلك المضار لا العابد ولا المعبود . # ! 7 ms7633 < { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } > 7 ! # < < # | الصافات : ( 27 ) وأقبل بعضهم على . . . . . # > > ثم قال تعالى : { وأقبل بعضهم على بعض } قيل هم والشياطين ، وقيل ~~الرؤساء والأتباع . { يتساءلون } أي يسأل بعضهم بعضا ، وهذا التساؤل عبارة ~~عن التخاصم وهو سؤال التبكيت يقولون غررتمونا ، ويقول : أولئك لم قبلتم منا ~~، وبالجملة فليس ذلك تساؤل المستفهمين ، بل هو تساؤل التوبيخ واللوم ، ~~والله أعلم . # ! 7 < { قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين * قالوا بل لم تكونوا مؤمنين ~~* وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين * فحق علينا قول ربنآ إنا ~~لذآئقون * فأغويناكم إنا كنا غاوين * فإنهم يومئذ فى العذاب مشتركون * إنا ~~كذلك نفعل بالمجرمين * إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إلاه إلا الله يستكبرون * ~~ويقولون أءنا لتاركوءالهتنا لشاعر مجنون * بل جآء بالحق وصدق المرسلين * ~~إنكم لذآئقو العذاب الا ليم * وما تجزون إلا ما كنتم تعملون * إلا عباد ~~الله المخلصين } > 7 @QB@ < # | الصافات : ( 28 ) قالوا إنكم كنتم . . . . . # > > PageV26P116 # واعلم أن الله تعالى لما حكى عنهم أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون شرح ~~كيفية ذلك التساؤل فقال : { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } وهذا قول ~~الأتباع لمن دعاهم إلى الضلالة ، وفي تفسير اليمين وجوه الأول : أن لفظ ~~اليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات ، وبيان كيفية هذه الاستعارة ، ~~أن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر لوجوه أحدها : اتفاق الكل على أن ~~أشرف الجانبين هو اليمين والثاني : لا يباشرون الأعمال الشريفة إلا باليمين ~~مثل مصافحة الأخيار والأكل والشرب وما على العكس منه يباشرونه باليد اليسرى ~~الثالث : أنهم كانوا يتفاءلون وكانوا يتيمنون بالجانب الأيمن ويسمونه ~~بالبارح الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء ~~الخامس : أن الشريعة حكمت بأن الجانب الأيمن لكاتب الحسنات والأيسر لكاتب ~~السيئات السادس : أن الله تعالى وعد لمحسن أن يؤتى كتابه بيمينه ، والمسيء ~~أن يؤتى كتابه بيساره ، فثبت أن الجانب الأيسر ، وإذا كان كذلك لا جرم ، ~~استعير لفظ اليمين للخيرات والحسنات والطاعات ، فقوله : { إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين } يعني أنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون لنا أن مقصودكم ms7634 من ~~الدعوة إلى تلك الأديان نصرة الحق وتقوية الصدق والوجه الثاني : في التأويل ~~أنه يقال فلان يمين فلان ، إذا كان عنده بالمنزلة الحسنة ، فقال هؤلاء ~~الكفار لأئتمتهم الذين أضلوهم وزينوا لهم الكفر : إنكم كنتم تخدوعونا ~~وتوهمون لنا ، أننا عندكم بمنزلة اليمين ، أي بالمنزلة الحسنة ، فوثقنا بكم ~~وقبلنا عنكم الوجه الثالث : أن أئمة الكفار كانوا قد حلفوا لهؤلاء ~~المستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق ، فوثقوا بإيمانهم وتمسكوا بعهودهم ~~التي عهدوها لهم ، فمعنى قوله : { كنتم تأتوننا عن اليمين } أي من ناحية ~~المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا الوجه الرابع : أن لفظ اليمين مستعار ~~من القوة والقهر ، لأن اليمين موصوفة بالقهر وبها يقع البطش ، والمعنى أنكم ~~كنتم تأتوننا عن القوة والقهر ، وتقصدوننا عن السلطان والغلبة حتى تحملونا ~~على الضلال وتعيرونا عليه ، ثم حكى الله تعالى عن الرؤساء أنهم أجابوا ~~الأتباع من وجوه الأول : أنهم قالوا لهم { بل لم تكونوا مؤمنين } يعني أنكم ~~ما كنتم موصوفين بالإيمان حتى يقال إنا أزلناكم عنه الثاني : قولهم : { وما ~~كان لنا عليكم من سلطان } يعني لا قدرة لناعليكم حتى نقهركم ونجبركم الثالث ~~: { بل كنتم قوما طاغين } أي ضالين غالين في معصية الله الرابع : قولهم : { ~~فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون } PageV26P117 والمعنى أن الله تعالى لما ~~إخبر عن / وقوعنا في العذاب / فلو لم يحصل وقوعنا في العذاب لما كان خبر ~~الله حقا ، بل كان باطلا ، ولما كان خبر الله أمرا واجبا لا جرم ، كان ~~الوقوع في العذاب الأليم لازما ، قال مقاتل قوله تعالى : { فحق علينا قول ~~ربنا } إشارة إلى قول الله لإبليس : { لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين } ( ص : 85 ) وقوله تعالى : { إنا لذائقون } يعني لما وجب أن يحق ~~علينا قول ربنا وجب أن نكون ذائقين لهذا العذاب الخامس قولهم : { فأغويناكم ~~إنا كنا غاوين } والمعنى أنا إنما أقدمنا على إغوائكم لأنا كنا موصوفين في ~~أنفسنا بالغواية ، وفيه دقيقة أخرى ، كأنهم قالوا : إن اعتقدتم أن غوايتكم ~~بسبب إغوائنا فغوايتنا إن كانت بسبب إغواء غاو آخر ولزم التسلسل وذلك محال ms7635 ~~، فعلمنا أن حصول الغواية والرشاد ليس من قبلنا ، بل من قبل غيرنا ، وذلك ~~الغير هو الذي ذكره فيما قبل ، وهو قوله : { فحق علينا قول ربنا } ولما حكى ~~الله تعالى كلام الأتباع للرؤساء وكلام الرؤساء للأتباع قال بعده : { فإنهم ~~يومئذ فى العذاب مشتركون } يعني فالمتبوع والتابع والمخدوم والخادم مشتركون ~~في الوقوع في العذاب كما كانوا في الدنيا مشتركين في الغواية ، ثم قال أيضا ~~: { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } وعني بالمجرمين ههنا الكفار بدليل أنه تعالى ~~قال بعد هذه الكلمة : { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إلاه إلا الله يستكبرون ~~} والضمير في قوله : { أنهم } عائد إلى المذكور السابق وهو قوله : { ~~بالمجرمين } وهذا يدل على أن لفظ المجرم المطلق مختص في القرآن بالكافر ، ~~ثم بين تعالى أنهم إنما وقعوا في ذلك العذاب لأنهم كانوا مكذبين بالتوحيد ~~وبالنبوة ، أما التكذيب بالتوحيد فهو قوله تعالى : { إنهم كانوا إذا قيل ~~لهم لا إلاه إلا الله يستكبرون } يعني ينكرون ويتعصبون لإثبات الشرك ~~ويستنكفون عن الإقرار بالتوحيد . وأما التكذيب بالنبوة فهو قولهم : { ~~لتاركو ءالهتنا لشاعر مجنون بل } ويعنون محمدا ، ثم إنه تعالى كذبهم في ذلك ~~الكلام فقال : { بل جاء بالحق وصدق * المرسلون } وتقرير هذا الكلام أنه جاء ~~بالدين الحق لأنه ثبت بالعقل أنه تعالى منزه عن الضد والند والشريك فلما ~~جاء محمد صلى الله عليه وسلم بتقرير هذه المعاني كان مجيئه بالدين الحق ، ~~قرأ ابن كثير { أينا * بعض ءالهتنا } بهمزة وياء بعدها خفيفية ساكنة بلا مد ~~، وقرأ نافع في رواية قالون وأبو عمرو على هذا التفسير يمدان والباقون ~~بهمزتين بلا مد وقوله تعالى : { وصدق المرسلون } يعني صدقهم في مجيئهم ~~بالتوحيد ونفي الشريك ، وهذا تنبيه على أن القول بالتوحيد دين لكل الأنبياء ~~، ولما حكى الله عنهم تكذيبهم بالتوحيد والنبوة نقل الكلام من الغيبة إلى ~~الحضور فقال : { إنكم * لذائقون * العذاب الاليم } كأنه قيل فكيف يليق ~~بالرحيم الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عباده فأجاب عنه بقوله : { ~~وما تجزون إلا ما كنتم تعملون } والمعنى أن الحكم يقتضي الأمر بالحسن ~~والطاعة والنهي ms7636 عن القبيح والمعصية والأمر والنهي لا يكمل المقصود منهما / ~~إلا بالترغيب في لثواب والترهيب بالعقاب وإذا وقع الإخبار عنه وجب تحقيقه ~~صونا للكلام عن الكذب ، فلهذا السبب وقعوا في العذاب ثم قال : { إلا عباد ~~الله المخلصين } يعني ولكن عباد الله ( المخلصين ناجون وهو ) من الاستثناء ~~المنقطع . # ! 7 < { أولائك لهم رزق معلوم * فواكه وهم مكرمون * فى جنات النعيم * على ~~سرر متقابلين * يطاف عليهم بكأس من معين * بيضآء لذة للشاربين * لا فيها ~~غول ولا هم عنها ينزفون * وعندهم قاصرات الطرف عين * كأنهن بيض مكنون * ~~فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } > 7 @QB@ < # | الصافات : ( 41 - 50 ) أولئك لهم رزق . . . . . # > > PageV26P118 # اعلم أنه تعالى لما وصف أحوال المتكبرين عن قبول التوحيد المصرين علي ~~إنكار النبوة أردفه بذكر حال المخلصين في كيفية الثواب ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكرنا في فتح اللام وكسرها من المخصلين قراءتين فالفتح ~~أن الله تعالى أخصلهم بلطفه واصطفاهم بفضله والكسر هو أنهم أخلصوا الطاعة ~~لله تعالى . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف رزقهم بكونه معلوما ، ولم يبين أن ~~أي الصفات منه هو المعلوم فلذلك اختلفت الأقوال ، فقيل معناه إن ذلك الرزق ~~معلوم الوقت وهو مقدار غدوة وعشية وإن لم يكن ثمة لا بكرة ولا عشية ، قال ~~تعالى : { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } ( مريم : 62 ) ، وقيل معناه أن ذلك ~~الرزق معلوم الصفة لكونه مخصوصا بخصائص خلقها الله فيه من طيب طعم ورائحة ~~ولذة حسن منظر ، وقيل معناه أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا ~~يعلم متى يحصل ولا متى ينقطع ، وقيل معناه : القدر الذي يستحقونه بأعمالهم ~~من ثواب الله وكرامته عليهم ، وقد بين الله تعالى أنه يعطيهم غير ذلك على ~~سبيل التفضل ، ثم لما ذكر تعالى أن لهم رزقا بين أن ذلك الرزق ما هو فقال : ~~{ فواكه } وفيه قولان الأول : أن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا ~~لأجل الحاجة ، وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة ~~بالأقوات / فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد ، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل ~~التلذذ والثاني ms7637 : أن المقصود من ذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى ، ~~يعني لما كانت الفاكهة حاضرة أبدا كان الأدام أولى بالحضور ، والقول الأول ~~أقرب إلى التحقيق ، واعلم أنه تعالى لما ذكر الأكل بين أن ذلك الأكل حاصل ~~مع الإكرام والتعظيم فقال : { وهم مكرمون } لأن الأكل الخالي عن التعظيم ~~يليق بالبهائم . # ولما ذكر تعالى مأكولهم وصف تعالى مساكنهم فقال : { في جنات النعيم * على ~~سرر متقابلين } ومعناه أنه لا كلفة عليهم في التلاقي للأنس والتخاطب ، وفي ~~بعض الأخبار أنهم إذا أرادوا القرب سار السرير تحتهم ، ولا يجوز أن يكونوا ~~متقابلين إلا مع حصول الخواطر والسرائر ولن يكونوا كذلك إلا مع الفسحة ~~والسعة ، ولا يجوز أن يسمع بعضهم خطاب بعض ويراه على بعد إلا بأن يقوي الله ~~أبصارهم وأسماعهم وأصواتهم ، ولما شرح الله صفة المأكل والمسكن ذكر بعده ~~صفة الشرب فقال : { يطاف عليهم * بكأس من معين } يقال للزجاجة التي فيها ~~الخمر كأس وتسمى الخمرة نفسها كأسا قال : # % وكأس شرت على لذة % % وأخرى تداويت منها بها % # وعن الأخفش : كل كأس في القرآن فهي الخمر ، وقوله : { من معين } أي من ~~شراب معين ، أو من نهر معين ، المعين مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون ~~كما يخرج الماء وسمي معينا لظهوره يقال عان الماء PageV26P119 إذا ظهر ~~جاريا ، قاله ثعلب فهو مفعول من العين نحو مبيع ومكيل ، وقيل سمي معينا ~~لأنه يجري ظاهر العين ، ويجوز أن يكون فعيلا من المعين وهو الماء الشديد ~~الجري ومنه أمعن في المسير إذا اشتد فيه / وقوله : { بيضاء } صفة للخمر ، ~~قال الأخفش ، خمر الجنة أشد بياضا من اللبن ، وقوله : { لذة } فيه وجوه ~~أحدها : أنها وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال فلان جود وكرم ~~إذا أرادوا المبالغة في وصفه بهاتين الصفتين وثانيها : قال الزجاج أي ذات ~~لذة فعلى هذا حذف المضاف وثالثها : قال الليث : اللذ واللذيذ يجريان مجرى ~~واحدا في النعت ويقال شراب لذ ولذيذ قال تعالى : { بيضاء لذة للشاربين } ~~وقال تعالى : { من خمر لذة } ( محمد : 15 ) ولذلك سمي النوم لذا لاستلذاذه ms7638 ~~، وعلى هذا لذة بمعنى لذيذة ، والأقرب من هذه الوجوه الأول . # ثم قال تعالى : { للشاربين لا فيها غول } وفيه أبحاث : # البحث الأول : قال الفراء العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء ، ~~وقال أبو عبيدة الغول أن يغتال عقولهم ، وأنشد قول مطيع بن إياس : # % وما زالت الكأس تغتالهم % % وتذهب بالأول الأول % # وقال الليث : الغول الصداع والمعنى ليس فيها صداع كما في خمر الدنيا ، ~~قال الواحدي رحمه الله وحقيقته الإهلاك ، يقال غاله غولا أي أهلكه ، والغول ~~والغائل المهلك ، ثم سمي الصداع غولا لأنه يؤدي إلى الهلاك . # ثم قال تعالى : { ولا هم عنها ينزفون } وقرىء بكسر الزاي قال الفراء من ~~كسر الزاي فله معنيان يقال أنزف الرجل إذا نفدت خمرته ، وأنزف إذا ذهب عقله ~~من السكر ومن فتح الزاي فمعناه / لا يذهب عقولهم أي لا يسكرون يقال نزف ~~الرجل فهو منزوف ونزيف ، والمعنى ليس فيها قط نوع من أنواع الفساد التي ~~تكون في شرب الخمر من صداع أو خمار أو عربدة ولا هم يسكرون أيضا ، وخصه ~~بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر ، ولما ذكر الله تعالى صفة مشروبهم ~~ذكر عقيبه صفة منكوحهم من ثلاثة أوجه الأول : قوله : { وعندهم قاصرات الطرف ~~} ومعنى القصر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى : { حور مقصورات فى الخيام } ~~( الرحمن : 72 ) والمعنى أنهن يحبسن نظرهن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { عين } قال الزجاج : كبار الأعين حسانها ~~واحدها عيناء . # الصفة الثالثة : قوله تعالى : { كأنهن بيض مكنون } المكنون في اللغة ~~المستور يقال كننت الشيء وأكنته ، ومعنى هذا التشبيه أن ظاهر البيض بياض ~~يشوبه قليل من الصفرة ، فإذا كان مكنونا كان مصونا عن الغبرة والقترة ، ~~فكان هذا اللون في غاية الحسن والعرب كانوا يسمون النساء بيضات الخدور . # ولما تمم الله صفات أهل الجنة قال : { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ~~فإن قيل على أي شيء عطف قوله : { فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ؟ قلنا ~~على قوله : { يطاف عليهم } والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراء قال الشاعر ~~: # % وما بقيت من اللذات إلا ms7639 % % محادثة الكرام على المدام % % PageV26P120 # والمعنى فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا . # ! 7 < { قال قآئل منهم إنى كان لى قرين * يقول أءنك لمن المصدقين * أءذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرءاه ~~فى سوآء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربى لكنت من ~~المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الا ولى وما نحن بمعذبين * إن ~~هاذا لهو الفوز العظيم * لمثل هاذا فليعمل العاملون } > 7 ! # < < # | الصافات : ( 51 ) قال قائل منهم . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى كما ذكر في أهل الجنة أنهم يتساءلون عند ~~الاجتماع على / شرب خمر الجنة فإن محادثة العقلاء بعضهم مع بعض على لشرب من ~~الأمور اللذيذة ، وتذكر الخلاص عند اجتماع أسباب الهلاك من الأمور اللذيذة ~~، ذكر تعالى في هذه الآية أن أهل الجنة إذا اجتمعوا على الشرب وأخذوا في ~~المكالمة والمساءلة كان من جملة تلك الكلمات أنهم يتذكرون أنهم كان قد حصل ~~لهم في الدنيا ما يوجب لهم الوقوع في عذاب الله ، ثم إنهم تخلصوا عنه ~~وفازوا بالسعادة الأبدية ، والمقصود من ذكر هذه الأشياء أن أهل الجنة ~~يتكامل سرورهم وبهجتهم . # أما قوله : { قال قائل منهم إنى كان لى قرين } أي قال قائل : من أهل ~~الجنة إني كان لي قرين في الدنيا { يقول * أءنك لمن المصدقين } أي كان ~~يوبخني على التصديق بالبعث والقيامة ويقول تعجبا : { أءذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أءنا لمدينون } أي لمحاسبون ومجازون ، والمعنى أن ذلك القرين كان ~~يقول هذه الكلمات على سبيل الاستنكار ، ثم إن ذلك الرجل الذي هو من أهل ~~الجنة يقول لجلسائه يدعوهم إلى كمال السرور بالاطلاع إلى النار لمشاهدة ذلك ~~القرين ومخاطبته { هل أنتم مطلعون * فأطلع } والأقرب أنه تكلف أمرا اطلع ~~معه لأنه لو كان مطلعا بلا تكلف لم يكن إلى اطلاعه حاجة فلذلك قال بعضهم ~~إنه ذهب إلى بعض أطراف الجنة فاطلع عندها إلى النار { فاطلع فرءاه فى سواء ~~} أي في وسط الجحيم قال له موبخا : { تالله إن ms7640 كدت لتردين } أي لتهلكني ~~بدعائك إياي إلى إنكار البعث والقيامة { ولولا نعمة ربى } بالإرشاد إلى ~~الحق والعصمة عن الباطل { لكنت من المحضرين } في النار مثلك ، ولما تمم ذلك ~~الكلام حصل قبل ذبح الموت والثاني : أن الذي يتكامل خيره وسعادته فإذا عظم ~~تعجبه بها قد يقول أيدوم هذا لي ؟ أفيبقى هذا لي ؟ PageV26P121 وإن كان على ~~يقين من دوامه ، ثم عند فراغهم من هذه المباحثات يقولون : { إن هاذا لهو ~~الفوز العظيم } . # وأما قوله : { لمثل هاذا فليعمل العاملون } فقيل إنه من بقية كلامهم ، ~~وقيل إنه ابتداء كلام من الله تعالى أي لطلب مثل هذه السعادات يجب أن يعمل ~~العاملون . # المسألة الثانية : قال بعضهم المراد من هذا القائل ومن قرينه ما ذكره ~~الله تعالى في سورة الكهف ( 32 ) في قوله : { واضرب لهم مثلا رجلين } إلى ~~آخر الآيات ، وروي أن رجلين كانا شريكين فحصل لهما ثمانية آلاف دينار فقال ~~أحدهما للآخر أقاسمك فقاسمه واشترى دارا بألف دينارا فأراها صاحبه وقال : ~~كيف ترى حسنها فقال : ما أحسنها فخرج وقال : اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع ~~هذه الدار بألف دينار وإني أسألك دارا من دور الجنة ، فتصدق بألف دينار ، ~~ثم إن صاحبه تزوج بامرأة حسناء بألف دينار فتصدق هذا بألف دينار لأجل أن ~~يزوجه الله من الحور العين / ثم إن صاحبه اشترى بساتين بألفي دينار فتصدق ~~هذا بألفي دينار ، ثم إن الله أعطاه في الجنة ما طلب / فعند هذا قال : { ~~إنى كان لى قرين } إلى قوله : { فاطلع فرءاه فى سواء الجحيم } ( الصافات : ~~55 ) . # المسألة الثالثة : قوله : { أءنك لمن المصدقين * أءذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أءنا لمدينون } اختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة قرأ نافع ~~الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة غير ممدودة والثالثة بكسر الألف من غير ~~استفهام ، ووافقه الكسائي إلا نه يستفهم الثالثة بهمزتين ، وقرأ ابن عامر ~~الأولى والثالثة بالاستفهام بهمزتين والثانية بكسر الألف من غير استفهام ، ~~وقرأ الباقون بالاستفهام في جميعها ، ثم اختلفوا فإبن كثير يستفهم بهمزة ~~واحدة غير مطولة وبعدها ياء ساكنة خفيفة ، وأبو عمرو مطولة ms7641 ، وعاصم وحمزة ~~بهمزتين . # وأما قوله : { إن كدت لتردين } قرأ نافع برواية ورش لترديني بإثبات الياء ~~في الوصل والباقون بحذفها . # المسألة الرابع : احتج أصحابنا على أن الهدى والضلال من الله تعالى بقوله ~~تعالى : { ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين } وقالوا : مذهب الخصم أن كل ما ~~فعله الله تعالى من وجوه الإنعام في حق المؤمن فقد فعله في حق الكافر ، ~~وإذا كان ذلك الإنعام مشتركا فيه امتنع أن يكون سببا لحصول الهداية للمؤمن ~~. وأن يكون سببا لخلاصه من الكفر والردى فوجب أن تكون تلك النعمة المخصوصة ~~أمرا زائدا على تلك الإنعامات التي حصل الاشتراك فيها ، وما ذلك إلا بقوة ~~الداعي إلى الإيمان وتكميل الصارف عن الكفر . # المسألة الخامسة : احتج نفاة عذاب القبر بقول الرجل الذي من أهل الجنة { ~~أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الاولى } فهذا يدل على أن الإنسان لا يموت ~~إلا مرة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلا مرتين والجواب : ~~أن قوله : { إلا موتتنا الاولى } المراد منه كل ما وقع في الدنيا والله ~~أعلم . # ! 7 < { أذالك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا جعلناها فتنة للظالمين * ~~إنها شجرة تخرج فىأصل الجحيم * طلعها كأنه رءوس الشياطين * فإنهم لاكلون ~~منها فمالئون منها البطون * ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم * ثم إن مرجعهم ~~لإلى الجحيم * إنهم ألفوا ءابآءهم ضآلين * فهم علىءاثارهم يهرعون * ولقد ضل ~~قبلهم أكثر الا ولين * ولقد أرسلنا فيهم منذرين * فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين * إلا عباد الله المخلصين } > 7 @QB@ < # | الصافات : ( 62 ) أذلك خير نزلا . . . . . # > > PageV26P122 # إعلم أنه تعالى لما قال بعد ذكر أهل الجنة ووصفها { لمثل هاذا فليعمل ~~العاملون } ( الصافات : 61 ) أتبعه بقوله : { أذالك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يورد ذلك على كفار قومه ~~ليصير ذلك زاجرا لهم عن الكفر ، وكما وصف من قبل مآكل أهل الجنة ومشاربهم ~~وصف أيضا في هذه الآية مآكل أهل النار ومشاربهم . # أما قوله : { أذالك خير نزلا أم شجرة } فالمعنى أن الرزق المعلوم المذكور ~~لأهل الجنة ms7642 { أذالك خير نزلا } أي خير حاصلا { أم شجرة الزقوم } وأصل النزل ~~الفضل الواسع في الطعام يقال طعام كثير النزل ، فاستعير للحاصل من الشيء ، ~~ويقال أرسل الأمير إلى فلان نزلا وهو الشيء الذي يصلح حال من ينزل بسبه ، ~~إذا عرفت هذا فنقول حاصل يالرزق المعلوم لأهل الجنة اللذة والسرور ، وحاصل ~~شجرة الزقوم الألم والغم ، ومعلوم أنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في ~~الخيرية إلا أنه جاء هذا الكلام ، إما على سبيل السخرية بهم أو لأجل أن ~~المؤمنين لما ختاروا ما أوصلهم إلى الرزق الكريم ، والكافرين اختاروا ما ~~أوصلهم إلى العذاب الأليم فقيل لهم ذلك توخبيا لهم على سوء اختيارهم ، وأما ~~{ الزقوم } فقال الواحدي رحمه الله لم يذكر المفسرون . للزقوم تفسيرا إلا ~~الكلبي فإنه روي أنه لما نزلت هذه الآية قال ابن الزبعري أكثر الله في ~~بيوتكم الزقوم ، فإن أهل اليمن يسمون التمر والزبد بالزقوم ، فقال أبو جهل ~~لجاريته زقمينا فأتته بزبد وتمر ، وقال : تزقموا . ثم قال الواحدي ومعلوم ~~أن الله تعالى لم يرد بالزقوم ههنا الزبد والتمر ، قال ابن دريد لم يكن ~~للزقوم اشتقاق من التزقم وهو الإفراط من أكل الشيء حتى يكره ذلك يقال بات ~~فلان يتزقم . وظاهر لفظ القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعام منتنة ~~الرائحة شديدة الخشونة موصوفة بصفات كل من تناولها عظم من تناولها ، ثم إنه ~~تعالى يكره أهل النار على تتناول بعض أجزائها . # أما قوله تعالى : { إنا جعلناها فتنة للظالمين } ففيه أقوال : الأول : ~~أنها إنما صارت فتنة للظالمين ، من حيث إن الكفار لما سمعوا هذه الآية ، ~~قالوا : كيف يعقل أن تنبت الشجرة في جهنم / مع أن النار تحرق الشجرة ؟ ~~والجواب عنه أن خالق النار قادر على أن يمنع النار من إخراق الشجر ، ولأنه ~~إذا جاز أن يكون في النار زبانية والله تعالى يمنع النار عن إحراقهم فلم لا ~~يجوز مثله في هذه الجشرة ؟ إذا عرفت هذا السؤال والجواب بمعنى كون شجرة ~~الزقوم فتنة للظالمين هو أنهم لما سمعوا هذه الآية وقعت تلك الشبهة في ~~قلوبهم ms7643 وصارت تلك الشبهة سببا لتماديهم في الكفر فهذا هو المراد من كونها ~~فتنة لهم والوجه الثاني : في التفسير أن يكون المراد صيرورة هذه الشجرة ~~فتنة لهم في النار لأنهم إذا كلفوا تناولها وشق ذلك عليهم / فحينئذ يصير ~~ذلك فتنة في حقهم الوجه الثالث : أن يكون المراد من الفتن الامتحان ~~والاختبار ، فإن هذا شيء بعيد عن العرف PageV26P123 والعادة مخالف للمألوف ~~والمعروف ، فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله وإذا ورد على ~~الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن والنبوة . # ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الشجرة وصفها بصفات الصفة الأولى : قوله إنها ~~شجرة تخرج في أصل الجحيم قيل منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى ~~دركاتها الصفة الثانية : قوله : { طلعها كأنه * رءوس * الشياطين } قال صاحب ~~( الكشاف ) : الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها ، إما ~~استعارة لفظية أو معنوية ، وقال ابن قتيبة سمي ( طلعا ) لطلوعه كل سنة ، ~~ولذلك قيل طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره ، وأما تشبيه هذا الطلع برؤوس ~~الشياطين ففيه سؤال ، لأنه قيل إنا ما رأينا رؤوس الشياطين فكيف يمكن تشبيه ~~شيء بها ؟ وأجابوا عنه من وجوه : الأول : ة وهو الصحيح أن الناس لما ~~اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة والسيرة واعتقدوا في الشياطين ~~نهاية القبح والتشويه في الصورة والسيرة ، فكما حسن التشبيه بالملك عند ~~إرادة تقرير الكمال والفضيلة في قوله : { إن هاذا إلا ملك كريم } ( يوسف : ~~31 ) فكذلك وجب أن يحسن التشبيه برؤوس الشياطين في القبح وتشويه الخلقة ، ~~والحاصل أن هذا من باب التشبيه لا بالمحسوس بل بالمتخيل ، كأنه قيل إن أقبح ~~الأشياء في الوهم والخيار هو رؤوس الشياطين فهذه الشجرة تشبهها في قبح ~~النظر وتشويه الصورة ، والذي يؤكد هذا أن العقلاء إذا رأوا شيئا شديد ~~الاضطراب منكر الصورة قبيح الخلقة ، قالوا : إنه شيطان ، وإذا رأوا شيئا ~~حسن الصورة والسيرة ، قالوا إنه ملك ، وقال امرؤ القيس : # % أتقتلني والمشرفي مضاجعي % % ومسنونة زرق كأنياب أغوال % # والقول الثاني : أن الشياطين حيات لها رؤوس وأعراف ، وهي ms7644 من أقبح الحيات ~~، وبها يضرب المثل في القبح ، والعرب إذا رأت منظرا قبيحا قالت : كأنه ~~شيطان الحماطة ، والحماطة شجرة معينة والقول الثالث : أن رؤوس الشياطين ، ~~نبت معروف قبيح الرأس ، والوجه الأول هو الجواب الحق ، واعلم أنه تعالى لما ~~ذكر هذه الشجرة وذكر صفتها بين أن الكفار { لاكلون منها فمالئون منها ~~البطون } واعلم أن إقدامهم على ذلك الأكل يحتمل وجهين : الأول : أنهم أكلوا ~~منها لشدة الجوع ، فإن قيل وكيف يأكلونها مع نهاية خشونتها ونتنها ومرارة / ~~طعمها ؟ قلنا : إن الواقع في الضرر العظيم ربما استروح منه إلى ما يقاربه ~~في الضرر ، فإذا جوعهم الله الجوع الشديد فزعوا في إزالة ذلك الجوع إلى ~~تناول هذا الشيء وإن كان بالصفة التي ذكرتموها الوجه الثاني : أن يقال ~~الزبانية يكرهونهم على الأكل من تلك الشجرة تكميلا لعذابهم . # وعلم أنهم إذا شبعوا فحينئذ يشتد عطشهم ويحتاجون إلى الشراب ، فعند هذا ~~وصف الله شرابهم ، فقال : { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم } ( الصافات : ~~67 ) قال الزجاج : الشوب اسم عام في كل ما خلط بغيره ، والحميم الماء الحار ~~المتناهي في الحرارة ، والمعنى أنه إذا غلبهم ذلك العطش الشديد سقوا من ذلك ~~الحميم ، فيحنئذ يشوب الزقوم بالحميم نعوذ بالله منهما . # واعلم أن الله وصف شرابهم في القرآن بأشياء منها كونه غساقا ، ومنها قوله ~~: { وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } ( محمد : 15 ) ومنها ما ذكره في هذه ~~الآية ، فإن قيل ما الفائدة في كلمة { ثم } في قوله : { ثم إن لهم عليها ~~لشوبا من حميم } ؟ قلنا فيه وجهان الأول : أنهم يملأن بطونهم من شجرة ~~الزقوم وهو حار يحرق PageV26P124 بطونهم فيعظم عشطهم / ثم إنهم لا يسقون ~~إلا بعد مدة مديدة والغرض تكميل التعذيب ، والثاني : أنه تعالى ذكر الطعام ~~بتلك البشاعة والكراهة ، ثم وصف الشراب بما هو أبشع منه ، فكان المقصود من ~~كلمة ثم بيان أن حال المشروب في البشاعة أعظم من حال المأكول ، ثم قال ~~تعالى : { ثم * إن مرجعهم لإلى الجحيم } قال مقاتل : أي بعد أكل الزقوم ~~وشرب الحميم ، وهذا يدل على أنهم عند ms7645 شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم ، ~~وذلك بأن يكون الحميم من موضع خارج عن الجحيم ، فهم يوردون الحميم لأجل ~~الشرب كما تورد الإبل إلى الماء ، ثم يوردون إلى الجحيم ، فهذا قول مقاتل ، ~~واحتج على صحته بقوله تعالى : { هاذه جهنم التى يكذب بها المجرمون * يطوفون ~~بينها وبين حميم ءان } ( الرحمن : 43 ، 44 ) وذلك يدل على صحة ما ذكرناه ، ~~ثم إنه تعالى لما وصف عذابهم في أكلهم وشربهم قال : { إنهم ألفوا ءاباءهم ~~ضالين * فهم علىءاثارهم يهرعون } قال الفراء : الإهراع الإسراع يقال هرع ~~وأهرع إذا استحث ، والمعنى أنهم يتبعون آباءهم ابتاعا في سرعة كأنهم يزعجون ~~إلى اتباع آبائهم ، والمقصود من الآية أنه تعالى علل استحقاقهم للوقوع في ~~تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في الدين وترك ابتاع الدليل ، ولو لم يوجد ~~في القرآن آية غير هذه الآية في ذم التقليد لكفي . # ثم إنه تعالى ذكر لرسوله ما يوجب التسلية له في كفرهم وتكذيبهم ، فقال : ~~{ ولقد ضل قبلهم أكثر الاولين * ولقد أرسلنا فيهم منذرين } فبين تعالى أن ~~إرساله للرسل قد تقدم والتكذيب لهم قد سلف ، ويجب أن يكون له صلى الله عليه ~~وسلم أسوة بهم حتى يصبر كما صبروا ، ويستمر على الدعاء إلى الله وإن تمردوا ~~، فليس عليه إلا البلاغ . # ثم قال تعالى : { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } وهذا وإن كان في الظاهر ~~خطابا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلا أن المقصود منه خطاب الكفار ~~لأنهم سمعوا بالأخبار جميع ما جرى من أنواع العذاب على قوم نوح وعلى عاد ~~وثمود وغيرهم ، فإن لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوف يصلح أن % % يكون ~~زاجرا لهم عن كفرهم . وقوله تعالى : { إلا عباد الله المخلصين } فيه قولان ~~أحدهما : أنه استثناء من قوله : { ولقد ضل قبلهم أكثر الاولين } والثاني : ~~أنه استثناء من قوله : { كيف كان عاقبة المنذرين } ( يونس : 73 ) فإنها ~~كانت أقبح العواقب وأفظعها إلا عاقبة عباد الله المخلصين ، فإنها كانت ~~مقرونة بالخير والراحة . # ! 7 < { ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون * ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ~~* وجعلنا ذريته ms7646 هم الباقين * وتركنا عليه فى الا خرين * سلام على نوح فى ~~العالمين * إنا كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * ثم أغرقنا ~~الا خرين } > 7 @QB@ < # | الصافات : ( 75 ) ولقد نادانا نوح . . . . . # > > PageV26P125 # اعلم أنه تعالى لما قال من قبل : { ولقد ضل قبلهم أكثر الاولين } ( ~~الصافات : 71 ) وقال : { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } ( الصافات : 73 ) ~~أتبعه بشرح وقائع الأنبياء عليهم السلام فالقصة الأولى : حكاية حال نوح ~~عليه السلام وقوله : { ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون } فيه مباحث : # الأول : أن اللام في قوله : { فلنعم المجيبون } جواب قسم محذوف والمخصوص ~~بالمدح محذوف ، أي فلنعم المجيبون نحن . # البحث الثاني : أنه تعالى ذكر أن نوحا نادى ولم يذكر أن ذلك النداء في أي ~~الوقائع كان ؟ لا جرم حصل فيه قولان الأول : وهو المشهور عند الجمهور أنه ~~نادى الرب تعالى في أن ينجيه من محنة الغرق وكرب تلك الواقعة والقول الثاني ~~: أن نوحا عليه السلام لما اشتغل بدعوة قومه إلى الدين الحق بالغوا في ~~إيذائه وقصدوا قتله ، ثم إنه عليه السلام نادى ربه واستنصره على كفار قومه ~~، فأجابه الله تعالى ومنعهم من قتله وإيذائه ، واحتج هذا القائل على ضعف ~~القول الأول بأنه عليه السلام إنما دعا عليهم لأجل أن ينجيه الله تعالى ~~وأوله ، وأجاب الله دعاءه فيه فكان حصول تل كالناة كالمعلوم المتيقن في ~~دعائه ، وذلك يمنع من أن يقال المطلوب من هذا النداء حصول هذه النجاة . # ثم إنه تعالى لما حكى عن نوح أنه ناداه قال بعده : { فلنعم المجيبون } ~~وهذه اللفظة تدل على أن / تلك الإجابة كانت من النعم العظيمة ، وبيانه من ~~وجوه الأول : أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة الجمع فقال : { ولقد نادانا نوح ~~} والقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان العظيم والثاني : أنه أعاد صيغة ~~الجمع في قوله : { فلنعم المجيبون } وذلك أيضا يدل على تعظيم تلك النعمة . ~~لا سيما وقد وصف تلك الإجابة بأنها نعمت الإجابة والثالث : أن الفاء في ~~قوله : { فلنعم المجيبون } يدل على أن حصول هذه الإجابة مرتب على ذلك ~~النداء ، والحكم المرتب على ms7647 الوصف المناسب يقتضي كونه معللا به ، وهذا يدل ~~على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول الإجابة ، ثم إنه تعالى لما بين أنه ~~سبحانه نعم المجيب على سبيل الإجمال ، بين أن الإنعام حصل في تلك الإجابة ~~من وجوه الأول : قوله تعالى : { ونجيناه وأهله من الكرب العظيم } وهو على ~~القول الأول الكرب الحاصل بسبب الخوف من الغرق ، وعلى الثاني الكرب الحاصل ~~من أذى قومه والثاني : قوله : { وجعلنا ذريته هم الباقين } يفيد الحصر وذلك ~~يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته فقد فنوا ، قال ابن عباس : ذريته بنوه ~~الثلاثة : سام وحام ويافث ، فسام أبو العرب وفارس والروم ، وحام أبو ~~السودان ، ويافث أبو الترك . # النعمة الثالثة : قوله تعالى : { وتركنا عليه فى الاخرين * سلام على نوح ~~فى العالمين } يعني يذكرون هذه الكلمة ، فإن قيل فما معنى قوله : { فى ~~العالمين } قلنا معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا أي لا يخلو أحد ~~منهم منها ، كأنه قيل أثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة ~~والثقلين فيسلمون عليه بكليتهم ، ثم إنه تعالى لما شرح تفاصيل إنعامه عليه ~~قال : { إنا كذلك نجزى المحسنين } والمعنى أنا إنما خصصنا نوحا عليه السلام ~~بتلك التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوأة من ذريته ومن تبقية ذكره ~~الحسن PageV26P126 في ألسنة جميع العالمين لأجل أنه كان محسنا ، ثم علل ~~كونه محسنا بأنه كان عبدا لله مؤمنا ، والمقصود منه بيان أن أعظم الدرجات ~~وأشرف المقامات الإيمان بالله والانقياد لطاعته . # ! 7 < { وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جآء ربه بقلب سليم * إذ قال لابيه ~~وقومه ماذا تعبدون * أءفكا ءالهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين ~~* فنظر نظرة فى النجوم * فقال إنى سقيم * فتولوا عنه مدبرين * فراغ ~~إلىءالهتهم فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين ~~* فأقبلوا إليه يزفون } > 7 ! # < < # | الصافات : ( 83 ) وإن من شيعته . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : الضمير في قوله من شيعته إلى ماذا يعود ؟ فيه قولان : ~~الأول : وهو الأظهر أنه عائد إلى نوح عليه السلام أي من شيعة نوح أي ms7648 من أهل ~~بيته وعلى دينه ومنهاجه لإبراهيم ، قالوا : وما كان بين نوح وإبراهيم إلا ~~نبيان هود وصالح ، وروى صاحب ( الكشاف ) أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفان ~~وستمائة وأربعون سنة الثاني : قال الكلبي المراد من شيعة محمد لإبراهيم ~~بمعنى أنه كان على دينه ومنهاجه فهو من شيعته وإن كان سابقا له والأول أظهر ~~، لأنه تقدم ذكر نوح عليه السلام ، ولم يتقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعود الضمير إلى نوح أولى . # المسألة الثانية : العامل في { إذ } ما دل عليه قوله : { وإن من شيعته } ~~من معنى المشايعة يعني وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب ~~سليم لإبراهيم . # أما قوله : { إذ جاء ربه بقلب سليم } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { بقلب سليم } قولان : الأول : قال مقاتل ~~والكلبي يعني خالص من الشرك ، والمعنى أنه سلم من الشرك فلم يشرك بالله ~~والثاني : قال الأصوليون المراد أنه عاش ومات على طهارة القلب من كل دنس من ~~المعاصي ، فيدخل فيه كونه سليما عن الشرك وعن الشك وعن الغل والغش والحقد ~~والحسد . عن ابن عباس أنه كان يحب للناس ما يحب لنفسه ، وسلم جميع الناس من ~~غشه وظلمه وأسلمه الله تعالى فلم يعدل به أحدا ، واحتج الذاهبون إلى القول ~~الأول بأنه تعالى ذكر بعد هذه الكلمة إنكاره على قومه الشرك بالله ، وهو ~~قوله : { إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون } واحتج الذاهبون إلى القول ~~الثاني بأن اللفظ مطلق فلا يقيد بصقة دون صفة ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : { ~~ولقد ءاتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين } PageV26P127 ( الأنبياء ~~: 51 ) مع أنه تعالى قال : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ~~) وقال : { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت * السماوات والارض * وليكون من ~~الموقنين } ( الأنعام : 75 ) فإن قيل ما معنى المجيءي بقلبه ربه ؟ قلنا ~~معناه أنه أخلص لله قلبه ، فكأنه أتحف حضرة الله بذلك القلب ، ورأيت في ~~التوراة أن الله قال لموسى أجب إلهك بكل قلبك . # واعلم أنه تعالى لما ذكر أن إبراهيم جاء ربه بقلب سليم ذكر أن ms7649 من جملة ~~آثار تلك السلامة أن دعا أباه وقومه إلى التوحيد فقال : { إذ قال لابيه ~~وقومه ماذا تعبدون } والمقصود من هذا الكلام تهجين تلك الطريقة وتقبيحها . # / ثم قال : { ءالهة دون الله تريدون فما } قال صاحب ( الكشاف ) أئفكا ~~مفعول له تقديره أتريدون آلهة من دونه إفكا ، وإنما قدم المفعول على الفعل ~~للعناية وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يقرر عندهم ~~بأنهم على إفك وباطل في شركهم ، ويجوز أن يكون إفكا مفعولا به يعني أتريدون ~~إفكا ، ثم فسر الإفك بقوله : { دون الله تريدون } على أنها إفك في أنفسها / ~~ويجوز أن يكون حالا بمعنى تريدون آلها من دون الله آفكين . # ثم قال : { فما ظنكم برب العالمين } وفيه وجهان أحدهما : أتظنون برب ~~العالمين أنه يجوز جعل هذه الجمادات مشاركة له في المعبودية وثانيها : ~~أتظنون برب العالمين أنه من جنس هذه الأجسام حتى جعلتموها مساوية له في ~~المعبودية فنبههم بذلك على أنه ليس كمثله شيء . # ثم قال : { فنظر نظرة فى النجوم * فقال إنى سقيم } عن ابن عباس أنهم ~~كانوا يتعاطون علم النجوم فعاملهم على مقتضى عادتهم ، وذلك أنه أراد أن ~~يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة وكان لهم من الغد يوم ~~عيد يخرجون إليه فأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خاليا في بيت الأصنام فيقدر على ~~كسرها وههنا سؤالان الأول : أن النظر في علم النجوم غير جائز فكيف أقدم ~~عليه إبراهيم والثاني : أنه عليه السلام ما كان سقيما فلما قال إني سقيم ~~كان ذلك ذبا ، واعلم أن العلماء ذكروا في الجواب عنهما وجوها كثيرة الأول : ~~أنه نظر نظرة في النجوم في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه سقامة كالحمى ~~في بعض ساعات الليل والنهار ، فنظر ليعرف هل هي في تلك الساعة وقال : { إنى ~~سقيم } فجعله عذرا في تخلفه عن العيد الذي لهم وكان صادقا فيما قال ، لأن ~~السقم كان يأتيه في ذلك الوقت ، وإنما تخلف لأجل تكسير أصنامهم الوجه ~~الثاني : في الجواب أن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا أصحاب ms7650 النجوم ~~يعظمونها ويقضون بها على غائب الأمور ، فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي في ~~علوم النجوم وفي معانيه لا أنه نظر بعينه إليها ، وهو كما يقال فلان نظر في ~~الفقه وفي النحو وإنما أراد أن يوهمهم أنه يعلم ما يعلمون ويتعرف من حيث ~~يتعرفون حتى إذا قال : { إنى سقيم } سكنوا إلى قوله . # أما قوله : { إنى سقيم } فمعناه سأسقم كقوله : { إنك ميت } ( الزمر : 30 ~~) أي ستموت الوجه الثالث : أن قوله : { فنظر نظرة فى النجوم } هو قوله ~~تعالى : { فلما جن عليه اليل رأى كوكبا } ( الأنعام : 76 ) إلى آخر الآيات ~~وكان ذلك النظر لأجل أن يتعرف أحوال هذه الكواكب هل هي قديمة أو محدثة ، ~~وقوله : { إنى سقيم } يعني PageV26P128 سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك ~~قبل البلوغ الوجه الرابع : قال ابن زيد كان له نجم مخصوص ، وكلما طلح على ~~صفة مخصوصة مرض إبراهيم ولأجل هذا الاستقراء لما رآه في ذلك الوقت طالعا ~~على تلك الصفة المخصوصة قال : { إنى سقيم } أي هذا السقم واقع لا محالة ~~الوجه الخامس : أن قوله : { إنى سقيم } أي مريض القلب سبب إطباق ذلك الجمع ~~العظيم على الكفر والشرك ، قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { لعلك ~~باخع نفسك } ( الشعراء : 3 ) الوجه السادس : في الجواب أنا لا نسلم أن ~~النظر في / علم النجوم والاستدلال بمقايستها حرام ، لأن من اعتقد أن الله ~~تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بقوة وبخاصية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص ، ~~فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل . وأما الكذب فغر لازم لأنه ذكر قوله : ~~{ إنى سقيم } على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن ~~حصول حالة مكروهة ، إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم . الوجه السابع : ~~قال بعضهم ذلك القول عن إبراهيم عليه السلام كذبة ورووا فيه حديثا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ) قلت ~~لبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم لا تجوز ~~فقال ذلك ms7651 الرجل فكيف يحكم بكذب الرواة العدول ؟ فقلت لما وقع التعارض بين ~~نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام كان من المعلوم ~~بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى / ثم نقول لم لا يجوز أن يكون المراد ~~بكونه كذبا خبرا شبيها بالكذب ؟ والوجه الثامن : أن المراد من قوله { فنظر ~~نظرة فى النجوم } أي نظر في نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم ، فإن الأشياء ~~التي تحدث قطعة قطعة يقال إنها منجمة أي متفقرقة ومنه نجوم الكتابة ، ~~والمعنى أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها كي يستخرج منها حيلة يقدر ~~بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذرا أحسن من قوله : { إنى ~~سقيم } والمراد أنه لا بد من أن أصير سقيما كما تقول لمن رأيته على أوقات ~~السفر إنك مسافر . واعلم أن إبراهيم عليه السلام لما قال : { إنى سقيم } ~~تولوا عنه معرضين فتركوه وعذروه في أن لا يخرج اليوم فكان ذلك مراده { فراغ ~~إلىءالهتهم } يقال : راغ إليه إذا مال إليه في السر على سبيل الخفية ، ومنه ~~روغان الثعلب . وقوله : { ألا تأكلون } يعني الطعام الذي كان بين أيديهم ، ~~وإنما قال ذلك استهزاء بها ، وكذا قوله : { ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ~~ضربا } فأقبل عليهم مستخفيا كأنه قال فضربهم ضربا لأن راغ عليهم في معنى ~~ضربهم أو فراغ عليهم ضربا بمعنى ضاربا . وفي قوله : { باليمين } قولان الأو ~~: معناه بالقوة والشدة لأن اليمين أقوى الجارحتين والثاني : أنه أتى بذلك ~~الفعل بسبب الحلف ، وهو قوله تعالى عنه : { وتالله لاكيدن أصنامكم } ( ~~الأنبياء : 57 ) ثم قال : { فأقبلوا إليه يزفون } قرأ حمزة { يزفون } بضم ~~الياء والباقون بفتحها وهما لغتان ، قال ابن عرفة من قرأ بالنصب فهو من زف ~~يزف ، ومن قرأ بالضم فهو من أزف يزف ، قال الزجاج : يزفون يسرعون وأصله من ~~زفيف النعامة وهو ابتداء عدوها ، وقرأ حمزة يزفون أي يحملون غيرهم على ~~الزفيف ، قال اوصمعي يقال أزففت الإبل إذا حملتها على أن تزف ، قال وهو ~~سرعة الخطوة ومقاربة المشي والمفعول محذوف على قراءته كأنهم حملوا ms7652 دوابهم ~~على ازسراع في المشيء ، فإن قيل مقتضى هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام ~~لما كسرها عدوا إليه وأخذوه ، وقال في سورة أخرى في عين هذه القصة { قالوا ~~من فعل هاذا بئالهتنا إنه لمن الظالمين * قالا * سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبراهيم } ( الأنبياء : 59 ، 60 ) وهذا يقتضي أنهم في أول الأمر ما عرفوه ~~فبين هاتين الآيتين تناقض ؟ قلنا : لا يبعد أن يقال إن جماعة / عرفوه ~~فعمدوا إليه مسرعين . والأكثرون ما عرفوه فتعرفوا أن ذلك الكاسر من هو ، ~~والله أعلم . # PageV26P129 ! 7 < { قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون * ~~قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه فى الجحيم * فأرادوا به كيدا فجعلناهم الا ~~سفلين * وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين * رب هب لى من الصالحين * فبشرناه ~~بغلام حليم } > 7 ! # < < # | الصافات : ( 95 ) قال أتعبدون ما . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن القوم لما عاتبوا إبراهيم على كسر الأصنام فهو ~~أيضا ذكر لهم الدليل الدال على فساد المصير إلى عبادتها فقال : { أتعبدون ~~ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون } ووجه الاستدلال ظاهر وهو أن الخشب ~~والحجر قبل النحت والإصلاح ما كان معبودا للإنسان ألبتة ، فإدا نحته وشكله ~~على الوجه المخصوص لم يحدث فيه إلا آثار تصرفه ، فلو صار معبودا عند ذلك ~~لكان معناه أن الشيء الذي ما كان معبودا لما حصلت آثار تصرفاته فيه صار ~~معبودا عند ذلك ، وفساد ذلك معلوم ببديهة العقل . # المسألة الثانية : احتج جمهور الأصحاب بقوله : { والله خلقكم وما تعملون ~~} على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقال النحويون : اتفقوا على أن لفظ ما ~~مع ما بعده في تقدير المصدر فقوله : { وما تعملون } معناه وعملكم ، وعلى ~~هذا التقدير صار معنى الآية والله خلقكم وخلق عملكم ، فإن قيل هذه الآية ~~حجة عليكم من وجوه الأول : أنه تعالى قال : دأتعبدون ما تنحتون } أضاف ~~العبادة والنحت إليهم إضافة العفل إلى الفاعل ولو كان ذلك واقعا بتخليق ~~الله لاستحال كونه فعلا للعبد الثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية ~~توبيخا لهم على عبادة الأصنام ، لأنه تعالى ms7653 بين أنه خالقهم وخالق لتلك ~~الأصنام والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق ، فلما تركوا عبادته ~~سبحانه وهو خالقهم وعبدوا اوصنام لا جرم أنه سبحانه وتعالى وبخهم على هذا ~~الخطأ العظيم فقال : { * } أضاف العبادة والنحت إليهم إضافة العفل إلى ~~الفاعل ولو كان ذلك واقعا بتخليق الله لاستحال كونه فعلا للعبد الثاني : ~~أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية توبيخا لهم على عبادة الأصنام ، لأنه تعالى ~~بين أنه خالقهم وخالق لتلك الأصنام والخالق هو المستحق للعبادة دون المخلوق ~~، فلما تركوا عبادته سبحانه وهو خالقهم وعبدوا اوصنام لا جرم أنه سبحانه ~~وتعالى وبخهم على هذا الخطأ العظيم فقال : { أتعبدون ما تنحتون * والله ~~خلقكم وما تعملون } ولو لم يكونوا فاعلين لأفعالهم لما جاز توخبيهم عليها ~~سلمنا أن هذه الآية ليست حجة عليكم لكن لا نسلم أنها حجة لكم ، قوله لفظة ~~ما مع ما بعدها في تقدير المصدر ، قلنا هذا ممنوع وبيانه أن سيبويه والأخفش ~~اختلفا في أنه هل يجوز أن يقال أعجبني / ما قمت أي قيامك فجوزه سيبويه ~~ومنعه الأخفش وزعم أن هذا لا يجوز إلا في الفعل المتعدي وذك يدل على أن ما ~~مع ما بعدها في تقدير المفعول عند الأخفش ، سلمنا أن ذلك قد يكون بمعنى ~~المصدر ، لكنه أيضا قد يكون بمعنى المفعول ويدل عليه وجوه الأول : قوله : { ~~أتعبدون ما تنحتون } والمراد بقوله : { ما تنحتون } المنحوت لا النحت لأنهم ~~ما عبدوا النحت وإنما عبدوا المنحوت فوجب أن يكون المراد بقوله : { ما ~~تعملون } المعمول لا العمل حتى يكون كل واحد من هذين اللفظين على وفق الآخر ~~والثاني : أنه تعالى قال : { فإذا هى تلقف ما يأفكون } ( الأعراف : 117 ) ~~وليس المراد أنها تلقف نفس الإفك بل أراد العصي والجبال التي هي متعلقات ~~ذلك الإفك فكذا ههنا الثالث : أنا لعرب تسمي محل العمل عملا يقال في الباب ~~والخاتم هذا عمل فلان والمراد محل عمله فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن لفظة ~~ما مع بعدها كما تجيء PageV26P130 بمعنى المصدر فقد تجيء أيضا بمعنى ~~المفعول فكان حمله ههنا على المفعول ms7654 أولى لأن المقصود في هذه الآية تزييف ~~مذهبهم في عبادة الأصنام لا بيان أنهم لا يوجدون إفعال أنفسهم / لأن الذي ~~جرى ذكره في أول الآية إلى هذا الموضع هو مسألة عبادة الأصنام لا خلق ~~الأعمال ، واعلم أن هذه السؤالات قوية وفي دلائلنا كثيرة ، فالأولى ترك ~~الاستدلال بهذه الآية والله أعلم . # واعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم هذه الحجة القوية ولم ~~يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريق الإيذاء فقالوا : ابنوا له بنيانا واعلم ~~أن كيفية ذلك البناء لا يدل عليها لفظ القرآن ، قال ابن عباس : بنو حائطا ~~من حجر طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملأه نارا فطرحوه ~~فيها ، وذلك هو قولهتعالى : { فألقوه فى الجحيم } وهي النار العظيمة ، قال ~~الزجاج : كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم ، والألف واللام في الجحيم يدل على ~~النهاية والمعنى في جحيمه ، أي في جحيم ذلك البنيان ، ثم قال تعالى : { ~~فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين } والمعنى أن في وقت المحاجة حصلت ~~الغلبة له ، وعندما ألقوه في النار صرف الله عنه ضرر النار ، فصار هو ~~الغالب عليهم . واعلم أنه لما انقضت هذه الواقعة قال إبراهيم : { إنى ذاهب ~~إلى ربى } ونظير هذه الآية قوله تعالى : دوقال إني مهاجر إلى ربي } ( ~~العنكبوت : 26 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : دلت هذه الآية على أن الموضع الذي تكثر فيه الأعداء تجب ~~مهاجرته ، وذلك لأن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه ، مع أن الله سبحانه ~~خصه بأعظم أنواع النصرة ، لما أحس منهم بالعداوة الشديدة هاجر من تلك ~~الديار ، فلأن يجب ذلك على الغير كان أولى . # المسألة الثانية : في قوله { * } ( العنكبوت : 26 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : دلت هذه الآية على أن الموضع الذي تكثر فيه الأعداء تجب ~~مهاجرته ، وذلك لأن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه ، مع أن الله سبحانه ~~خصه بأعظم أنواع النصرة ، لما أحس منهم بالعداوة الشديدة هاجر من تلك ~~الديار ، فلأن يجب ذلك على الغير كان أولى . # المسألة الثانية : في قوله { وقال إنى ذاهب إلى ربى } قولان الأول : ~~المراد ms7655 منه مفارقة تلك الديار ، والمعنى إني ذاهب إلى مواضع دين ربي والثول ~~الثاني : قال الكلبي : ذاهب بعبادتي إلى ربي ، فعلى القول الأول المراد ~~بالذهاب إلى الرب هو الهجرة من الديار ، وبه اقتدى موسى حيث قال : { كلا إن ~~معى ربى سيهدين } ( الشعراء : 62 ) وعلى القول الثاني المراد رعاية أحوال ~~القلوب ، وهو أن لا يأتي / بشيء من الأعمال إلا لله تعالى ، كما قال : { ~~وجهت وجهى للذى فطر * السماوات والارض } ( الأنعام : 79 ) قيل إن القول ~~الأول أولى ، لأن المقصود من هذه الآية بيان مهاجرته إلى أرض الشأم ، وأيضا ~~يبعد حمله على الهداية في الدين ، لأنه كان على الدين في ذلك الوقت إلا أن ~~يحمل ذلك على الثبات عليه ، أو يحمل ذلك على الاهتداء إلى الدرجات العالية ~~والمراتب الرفيعة في أمر الدين . # المسألة الثالثة : قوله : { سيهدين } يدل على أن الهداية لا تحصل إلا من ~~الله تعالى ، كما يقول أصحابنا ولا يمكن حمل هذه الهداية على وضع الأدلة ~~وإزاحة الأعذار ، لأن كل ذلك قد حصل في الزمان الماضي ، وقوله : { * سيدهين ~~} يدل على اختصاص تلك الهدية بالمستقبل ، فوجبحمل الهداية في هذه الآية على ~~تحصيل العلم والمعرفة في قلبه ، فإن قيل إبراهيم عليه السلام جزم في هذه ~~الآية بأنه تعالى سيهديه ، وأن موسى عليه السلام لم يجزم به ، بل قال : { ~~قال عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل } ( القصص : 22 ) فما الفرق ؟ قلنا ~~العبد إذا تجلى له مقامات رحمة الله فقد يجزم بحصول المقصود ، وإذا تجلى له ~~مقامات كونه غنيا عن العالمين ، فحينئذ يستحقر نفسه فلا يجزم ، بل لا يظهر ~~إلا الرجاء والطمع . PageV26P131 # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { إنى ذاهب إلى ربى } يدل على فساد تمسك ~~المشبهة بقوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) لأن كلمة ~~إلى موجودة في قوله : { إنى ذاهب إلى ربى } مع أنه لم يلزم أن يكون الإله ~~موجودا في ذلك المكان ، فكذلك ههنا . # واعلم أنه صلوات الله عليه لما هاجر إلى الأرض المقدسة أراد الولد فقال : ~~{ هب لى من الصالحين } أي هب لي بعض ms7656 الصالحين ، يريد الولد ، لأن لفظ الهبة ~~غلب في الولد ، وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى : { ووهبنا له من ~~رحمتنا أخاه هارون نبيا } ( مريم : 53 ) وقال تعالى : { ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب } ( الأنبياء : 72 ) { ووهبنا له يحيى } ( الأنبياء : 90 ) وقال علي ~~بن أبي طالب لابن عباس رضي الله عنهم حين هنأه بولده : على أبي الأملاك ~~شكرت الواهب ، وبورك لك في الموهوب ، ولذلك وقعت التسمية بهبة الله تعالى ~~وبهبهة الوهاب وبموهوب ووهب . # واعلم أن هذا الدعاء اشتمل على ثلاثة أشياء : على أن الولد غلام ذكر ، ~~وأنه يبلغ الحلم ، وأنه يكون حليما ، وأي حلم يكون أعظم من ولد حين عرض ~~عليه أبوه الذبح { قال ستجدنى إن شاء الله * من الصابرين } ( الصافات : 102 ~~) ثم استسلم لذلك ، وأيضا فإن إبراهيم عليه السلام كان موصوفا بالحلم ، قال ~~تعالى : { إن إبراهيم لاواه حليم } ( التوبة : 114 ) { إن إبراهيم لحليم ~~أواه منيب } ( هود : 75 ) فبين أن ولده موصوف بالحلم ، وأنه قائم مقامه في ~~صفات الشرف والفضيلة ، واعلم أن الصلاح أفضل الصفات بدليل أن الخليل عليه ~~السلام طلب الصلاح لنفسه ، فقال : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } ( ~~الشعراء : 83 ) وطلبه للولد فقال : { رب هب لى من الصالحين } وطلبه سليمان ~~عليه السلام بعد كمال درجته في الدين والدنيا ، فقال : { وأدخلنى برحمتك فى ~~عبادك الصالحين } ( النمل : 19 ) وذلك يدل على أن الصلاح أشرف مقامات ~~العباد . # ! 7 < { فلما بلغ معه السعى قال يابنى إنىأرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ~~ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدنىإن شآء الله من الصابرين * فلما ~~أسلما وتله للجبين * وناديناه أن ياإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزى ~~المحسنين * إن هاذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه ~~فى الا خرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا ~~المؤمنين * وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ~~ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } > 7 @QB@ < # | الصافات : ( 102 - 113 ) فلما بلغ معه . . . . . # > > PageV26P132 # واعلم أن سبحانه وتعالى لما قال : { فبشرناه بغلام حليم } ( الصافات : ~~101 ms7657 ) أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به وبلغه ، فقال : { فلما بلغ معه ~~السعى } ومعناه فلما أدرك وبلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي ، وقوله : { ~~معه } في موضع الحال والتقدير كائنا معه ، والفائدة في اعتبار هذا المعنى ~~أن الأب أرفق الناس بالولد ، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله ~~لأنه لم تستحكم قوته ، قال بعضهم : كان في ذلك الوقت ابن ثلاث عشرة سنة ، ~~والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى لما وعده في الآية الأولى بكون ذلك ~~الغلام حليما ، بين في هذه الآية ما يدل على كمال حلمه ، وذلك لأنه كان به ~~من كمال الحلم وفسحة الصدر ما قواه على احتمال تلك البلية العظيمة ، ~~والإتيان بذلك الجواب الحسن . # / أما قوله : { إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في تفسير هذه اللفظة وجهان الأول : قال السدي : كان ~~إبراهيم حين بشر بإسحق قبل أن يولد له قال : هو إذن لله ذبيح فقيل زبراهيم ~~قد نذرت نذرا فف بنرك فلما أصبح { قال ياءادم * بنى * إنى أرى فى المنام ~~أنى أذبحك } . # وروي من طريق آخر أنه رأى ليلة التروية في منامه ، كأن قائلا يقول له إن ~~الله يأمرك بذبح ابنك هدا ، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح ، ~~أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان ؟ فمن ثم سمي يوم التروية ، فلما أمسى ~~رأى مثل ذلك ، فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة ، ثم رأى مثله في الليلة ~~الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر وهذا هو قول أهل التفسير وهو يدل على أنه ~~رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة ، وعلى هذا فتقدير اللفظ : ~~إني أرى في المنام ما يوجب أن أذبحك والقول الثاني : أنه رأى في المنام أنه ~~يذبحه ورؤيا الأنبياء عليهم السلام من باب الوحي ، وعلى هذا القول فالمرئي ~~في المنام ليس إلا أنه يذبح ، فإن قيل إما أن يقال إنه ثبت بالدليل عند ~~الأنبياء عليهم السلام أن كل ما رآه في المنام فهو ms7658 حق حجة أو لم يثبت ذلك ~~بالدليل عندهم ، فإن كان الأول فلم راجع الولد في هذه الواقعة ، بل كان من ~~الواجب عليه أن يشتغل بتحصيل ذلك المأمور ، وأن لا يراجع الولد فيه ، وأن ~~لا يقول له ؛ { فانظر ماذا ترى } وأن لا يوقف العمل على أن يقول له الولد { ~~افعل ما تؤمر } ؟ ، وأيضا فقد قلتم إنه بقي في اليوم الأول متفكرا ، ولو ~~ثبت عنده بالدليل أن كل ما رآه في النوم فهو حق لم يكن إلى هذا التروي ~~والتفكر حاجة ، وإن كان الثاني ، وهو أنه لم يثبت بالدليل عندهم أن ما ~~يرونه في المنام حق ، فكيف يجوز له أن يقدم على ذبح ذلك الطفل بمجرد رؤيا ~~لم يدل الدليل على كونها حجة ؟ والجواب : لا يبعد أن يقال إنه كان عند ~~الرؤيا مترددا فيه ثم تأكدت الرؤيا بالوحي الصريح ، والله أعلم . # المسأل الثانية : اختلفوا في أن هذا الذبيح من هو ؟ فقيل إنه إسحق وهذ ~~قول عمر وعلي والعباس بن عبد المطلب وابن مسعود وكعب الأحبار وقتادة وسعيد ~~بن جبير ومسروق وعكرمة والزهري والسدي ومقاتل رضي الله عنهم ، وقيل إنه ~~إسماعيل وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ~~PageV26P133 ومجاهد والكلبي ، واحتج القائلون بأنه إسماعيل بوجوه : الأول : ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا ابن الذبيحين ) وقال له ~~أعرابي : ( يا ابن الذبيحين فتبسم فسئل عن ذلك فقال : إن عبد المطلب لما ~~حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده ، فخرج السهم ~~على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل ، ففداه ~~بمائة من الإبل ، والذبيح الثاني إسماعيل ) . # الحجة الثانية : نقل عن اوصمعي أنه قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن ~~الذبيح ، فقال : يا أصمعي أين عقلك ، ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل ~~بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه المنحر بمكة ؟ . # الحجة الثالثة : أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحق في قوله : { ~~وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من ms7659 الصابرين } ( الأنبياء : 85 ) وهو صبره ~~على الذبح ، ووصفه أيضا بصدق الوعد في قوله : { إنه كان صادق الوعد } ( ~~مريم : 54 ) لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به . # الحجة الرابعة : قوله تعالى : { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } ~~( هود : 71 ) فنقول لو كان الذبيح إسحق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ~~ظهور يعقوب ، منه أو بعد ذلك فالأول : باطل لأنه تعالى لما بشرها بإسحق ، ~~وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه ، ~~وإلا حصل الخلف في قوله : { ومن وراء إسحاق } والثاني : باطل لأن قوله : { ~~فلما بلغ معه السعى قال يابنى * بنى * إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } يدل ~~على أن ذلك الإبن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله ~~تعالى إبراهيم بذبحه ، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر ، فثبت أنه ~~لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحق . # الحجة الخامسة : حكى الله تعالى عنه أنه قال : { إنى ذاهب إلى ربى سيهدين ~~} ( الصافات : 99 ) ثم طلب من الله تعالى ولدا يستأنس به في غربته فقال : { ~~رب هب لى من الصالحين } ( الصافات : 100 ) وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن ~~يحصل له الولد ، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد ، لأن طلب ~~الحاصل محال وقوله : { هب لى من الصالحين } لا يفيد إلا طلب الولد الواحد ، ~~وكلمة من للتبعيض وأقل درجات البعضية الواحد فكأن قوله : { من الصالحين } ~~لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل ~~الأولاد فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول ، وأجمع الناس على أن ~~إسماعيل متقدم في الوجود على إسحق ، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء وهو ~~إسماعيل ، ثم إن الله تعالى ذكر قيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو ~~إسماعيل . # الحجة السادسة : الأخبار الكثيرة في تعليق قرن الكبش بالكعبة ، فكأن ~~الطبيح بمكة . ولو كان الذبيح إسحق كان الذبح بالشام ، واحتج من قال إن ms7660 ذلك ~~الذبيح هو إسحق بوجهين : الوجه الأول : أن أول الآية وآخرها يدل على ذلك ، ~~أما أولها فإنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام قبل هذه الآية أنه قال : ~~{ إنى ذاهب إلى ربى سيهدين } وأجمعوا على أن المراد منه مهاجرته إلى الشام ~~ثم قال : فبشرناه بغلام حليم } ( الصافات : 101 ) فوجب أن يكون هذا الغلام ~~ليس إلا إسحق ، ثم قال بعده : { * } ( الصافات : 101 ) فوجب أن يكون هذا ~~الغلام ليس إلا إسحق ، ثم قال بعده : { فلما بلغ معه السعى } وذلك يقتضي أن ~~يكون المراد من هذا الغلام الذي بلغ معه السعي هو ذلك الغلام الذي حصل في ~~الشام ، فثبت أن مقدمة هذه الآية تدل على أن الذبيح هو إسحق ، وأما آخر ~~الآية فهو أيضا يدل على ذلك لأنه تعالى لما تمم قصة الذبيح قال بعده : ~~PageV26P134 { وبشرناه بإسحاق نبيا من * الصالحين } ومعناه أنه بشره بكونه ~~نبيا من الصالحين ، وذكر هذه البشارة عقيب حكاية تلك القصة يدل على أنه ~~تعالى إنما بشره بهذه النبوة لأجل أنه تحمل هذه الشدائد في قصة الذبيح ، ~~فثبت بما ذكرنا أن أول الآية وآخرها يدل على أن الذبيح هو إسحق عليه السلام ~~. # الحجة الثانية : على صحة ذلك ما اشتهر من كتاب يعقوب إلى يوسف عليه ~~السلام من / يعقوب إسرائيل نبي الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل ~~الله فهذا جملة الكلام في هذا الباب ، وكان الزجاج يقول : الله أعلم أيهما ~~الذبيح والله أعلم . واعلم أنه يتفرع على ما ذكرنا اختلافهم في موضع الذبح ~~فالذين قالوا الذبيح هو إسماعيل قالوا : كان الذبح بمنى ، والذين قالوا : ~~إنه إسحق قالوا : هو بالشام وقيل ببيت المقدس ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : اختلف الناس في أن إبراهيم عليه السلام كان مأمورا ~~بهذا بما رأى ، وهذا الاختلاف مفرع على مسألة من مسائل أصول الفقه ، وهي ~~أنه هل يجوز نسخ الحكم قبل حضور مدة الامتثال فقال أكثر أصحابنا إنه يجوز ، ~~وقالت المعتزلة وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية إنه لا يجوز ، فعلى القول ~~الأول أنه سبحانه وتعالى أمره ms7661 بالذبح ، ثم إنه تعالى نسخ هذا التكليف قبل ~~حضور وقته ، وعلى القول الثاني أنه تعالى ما أمره بالذبح ، وإنما أمره ~~بمقدمات الذبح وهذه مسألة شريفة من مسائل باب النسخ ، واحتج أصحابنا على ~~أنه يجوز نسخ الأمر قبل مجيء مدة الامتثال بأن الله تعالى أمر إبراهيم عليه ~~السلام بذبح ولده ، ثم إنه تعالى نسخه عنه قبل إقدامه عليه وذلك يفيد ~~المطلوب إنما قلنا إنه تعالى أمره بذبح الولد لوجهين الأول : أنه عليه ~~السلام قال لولده إني أرى في المنام أني أذبحك فقال الولد افعل ما تؤمر ~~وهذا يدل على أنه عليه السلام كان مأمورا بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح ، ثم ~~إنه أتى بمقدمات الذبلح وأدخلها في الوجود ، فحينئذ يكون قد أمر بشيء وقد ~~أتى به ، وفي هذا الموضع لا يحتاج إلى الفداء ، لكنه احتاج إلى الفداء ~~بدليل قوله تعالى : { وفديناه بذبح عظيم } فدل هذا على أنه أتى بالمأمور به ~~، وقد ثبت أنه أتى بكل مقدمات الذبح ، وهذا يدل على أنه تعالى كان قد أمره ~~بنفس الذبح ، وإذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى نسخ ذلك الحكم قبل إثباته وذلك ~~يدل على المقصود ، وقالت المعتزلة : لا نسلم أن الله أمره بذبح الولد بل ~~نقول إنه تعالى أمره بمقدمات الذبح ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه ما أتى ~~بالذبح وإنما أتى بمقدمات الذبح ، ثم إن الله تعالى أخبر عنه بأنه أتى بما ~~أمر به بدليل قوله تعالى : { وناديناه أن ياإبراهيم * إبراهيم * قد صدقت ~~الرؤيا } وذلك يدل على أنه تعالى إنما أمره في المنام بمقدمات الذبح لا ~~بنفس الذبح وتلك المقدمات عبارة عن إضجاعه ووضع السكين على حلقه ، والعزم ~~الصحيح على الإتيان بذلك الفعل إن ورد الأمر الثاني : الذبح عبارة عن قطع ~~الحلقوم فلعل إبراهيم عليه السلام قطع الحلقوم إلا أنه كلما قطع جزءا أعاد ~~الله التأليف إليه ، فلهذا السبب لم يحصل الموت والوجه الثالث : وهو الذي ~~عليه تعويل القوم أنه تعالى لو أمر شخصا معينا بإيقاع فعل معين في وقت معين ~~/ فهذا يدل على أن ms7662 إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت حسن ، فإذا أنهاه عنه فذلك ~~النهي يدل على أن إيقاع ذلك الفعل في ذلك الوقت قبيح ، فلو حصل هذا النهي ~~عقيب ذلك الأمر لزم أحد أمرين ، لأنه تعالى إن كان عالما بحال ذلك الفعل ~~لزم أن يقال إنه أمر بالقبيح أو نهى عن الحسن ، وإن لم يكن عالما به لزم ~~جهل الله تعالى الحسن ، وإن لم يكن عالما به لزم جهل الله تعالى وإنه محال ~~، فهذا تمام الكلام في هذا الباب والجواب : عن الأول أنا قد دللنا على أنه ~~تعالى إنما أمره بالذبح . PageV26P135 # / أما قوله تعالى : { قد صدقت الرؤيا } فهذا يدل على أنه اعترف بكون تلك ~~الرؤيا واجب العمل بها ولا يدل على أنه أتى بكل ما رآه في ذلك المام . وأما ~~قوله ثانيا كلما قطع إبراهيم عليه السلام جزءا أعاد الله تعالى التأليف ~~إليه ، فنقول هذا باطل لأن إبراهيم عليه السلام لو أتى بكل ما أمر به لما ~~احتاج إلى الفداء وحيث احتاج إليه علمنا أنه لم يأت بما أمر به . وأما قوله ~~ثالثا إنه يلزم ، إما الأمر بالقبيح وإما الجهل ، فنقول هذا بناء على أن ~~الله تعالى لا يأمر إلا بما يكون حسنا في ذاته ولا ينهي إلا عما يكون قبيحا ~~في ذاته ، وذلك بناء على تحسين العقل وتقبيحه وهو باطل ، وأيضا فهب أنا ~~نسلم ذلك إلا أنا نقول لم لا يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء تارة يحسن لكون ~~المأمور به حسنا وتارة لأجل أن ذلك الأمر يفيد صحة مصلحة من المصالح وإن لم ~~يكن المأمور به حسنا ألا ترى أن السيد إذا أراد أن يروض عبده ، فإنه يقول ~~له إذا جاء يوم الجمعة فافعل الفعل الفلاني ، ويكون ذلك الفعل من الأفعال ~~الشاقة ، ويكون مقصود السيد من ذلك الأمر ليس أن يأتي ذلك العبد بذلك الفعل ~~، بل أن يوطن العبد نفسه على ازنقياد والطاعة ، ثم إن السيد إذا علم منه ~~أنه وطن نفسه على الطاعة فقد يزيل الألم عنه ذلك التكليف ms7663 ، فكذا ههنا ، فما ~~لم تقيموا الدلالة على فساد هذا الاحتمال لم يتم كلامكم . # المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله تعالى قد يأمر ~~بما لا يريد وقوعه ، والدليل عليه أنه أمر بالذبح وما أراد وقوعه ، أما أنه ~~أمر بالذبح فلما تقدم في المسألة الأولى . وأما أنه ما أراد وقوعه فلأن ~~عندنا أن كل ما أراد الله وقوعه فإنه يقع ، وحيث لم يقع هذا الذبح علمنا ~~أنه تعالى ما أراد وقوعه ، وأما عند المعتزلة فلأن الله تعالى نهى عن ذلك ~~الذبح ، والنهي عن الشيء يدل على أن الناهي لا يريد وقوعه فثبت أنه تعالى ~~أمر بالذبح ، وثبت أنه تعالى ما أراده ، وذلك يدل على أن الأمر قد يوجد ~~بدون الإرادة ، وتمام الكلام في أن الله تعالى أمر بالذبح ما تقدم في ~~المسألة المتقدمة ، والله أعلم . # المسألة الخامسة : في بيان الحكمة في ورود هذا التكليف في النوم لا في ~~اليقظة وبيانه من وجوه الأول : أن هذا التكليف كان في نهاية المشقة على ~~الذابح والمذبوح ، فورد أولا في النوم حتى يصير ذلك كالمنبه لورود هذا ~~التكليف الشاق ، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة ، فحينئذ لا يهجم هذا ~~التكليف دفعة واحدة بل شيئا فشيئا الثاني : أن الله تعالى جعل رؤيا ~~الأنبياء عليهم السلام حقا ، قال الله تعالى في حق محمد صلى الله عليه وسلم ~~: { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام } ( الفتح : 27 ~~) وقال عن يوسف عليه السلام : { إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لى ساجدين } ( يوسف : 4 ) وقال في حق إبراهيم عليه السلام : { إنى ~~أرى فى المنام أنى أذبحك } ( الصافات : 102 ) والمقصود من ذلك تقوية ~~الدلالة على كونهم صادقين ، لأن الحال إما حال يقظة وإما حال منام / فإذا ~~تظاهرت الحالتان على الصدق ، كان ذلك هو النهاية في بيان كونهم محقين ~~صادقين في كل الأحوال ، والله أعلم . # / ثم نقول مقامات الأنبياء عليهم السلام على ثلاثة أقسام منها ما يقع على ~~وفق الرؤية كما في قوله تعالى في حق ms7664 رسولنا صلى الله عليه وسلم : { لتدخلن ~~المسجد الحرام } ثم وقع ذلك الشيء بعينه ، ومنها ما يقع على الضد كما في حق ~~إبراهيم عليه السلام فإنه رأى الذبح وكان الحاصل هو الفداء والنجاة ، ومنها ~~ما يقع على ضرب من التأويل والمناسبة كما في رؤيا يوسف عليه السلام ، فلهذا ~~السبب أطبق أهل التعبير على أن PageV26P136 المنامات واقعة على هذه الوجوه ~~الثلاثة . # المسألة السادسة : قرأ حمزة والكسائي : { ترى } بضم التاء وكسر الراء ، ~~أن ما ترى من نفسك من الصبر والتسليم ؟ وقيل ما تشير ، والباقون بفتح التاء ~~، ثم منهم من يميل ومنهم من لا يميل . # المسألة السابعة : الحكمة في مشاورة الإبن في هذا الباب أن يطلع ابنه على ~~هذه الواقعة ليظهر له صبره في طاعة الله فتكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث ~~يراه قد بلغ في الحلم إلى هذا الحد العظيم ، وفي الصبر على أشد المكاره إلى ~~هذه الدرجة العالمية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في ~~الدنيا ، ثم إنه تعالى حكى من ولد إبراهيم عليه السلام أنه قال : { افعل ما ~~تؤمر } ومعناه افعل ما تؤمر به ، فحذف الجار كما حذف من قوله : # أمرتك الخبر فافعل ما أمرت ( به ) # ثم قال : { ستجدنى إن شاء الله من الصابرين } وإنما علق ذلك بمشيئة الله ~~تعالى على سبيل التبرك والتيمن ، وأنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ~~ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله . # ثم قال تعالى : { فلما أسلما } يقال سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى ~~واحد ، وقد قرىء بهن جميعا إذ انقاد له وخضع ، وأصلها من قولك سلم هذا ~~لفلان إذا خلص له ، ومعناه سلم من أن ينازع فيه ، وقولهم سلم لأمر الله ~~وأسلم له منقولان عنه بالهمزة ، وحقيقة معناها أخلص نفسه لله وجعلها سالمة ~~له خالصة ، وكذلك معنى استسلم استخلص نفسه لله وعن قتادة في أسلما أسلم هذا ~~ابنه وهذا نفسه ، ثم قال تعالى : دوتله للجبين } أي صرعه على شقه فوقع أحد ~~جبينيه على الأرض وللوجه جبينان ، والجبهة بينهما ، قال ms7665 ابن الأعرابي ~~التليل والمتلول المصروع والمتل الذي يتل به أي يصرع ، فالمعنى أنه صرعه ~~على جبينه ، وقال مقاتل كبه على جبهته ، وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة . # ثم قال تعالى : { * } أي صرعه على شقه فوقع أحد جبينيه على الأرض وللوجه ~~جبينان ، والجبهة بينهما ، قال ابن الأعرابي التليل والمتلول المصروع ~~والمتل الذي يتل به أي يصرع ، فالمعنى أنه صرعه على جبينه ، وقال مقاتل كبه ~~على جبهته ، وهذا خطأ لأن الجبين غير الجبهة . # ثم قال تعالى : { وناديناه أن ياإبراهيم * إبراهيم * قد صدقت الرؤيا } ~~وفيه قولان الأول : أن هذا جواب فلما عند الكوفيين والفراء والواو زائدة ~~والوق الثاني : أن عند البصريين لا يجوز ذلك والجواب مقدر والتقدير : فلما ~~فعل ذلك وناداه الله أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ، سعد سعادة عظيمة وآتاه ~~الله نبوة ولده وأجزل له الثواب ، قالوا : وحذف الجواب ليس بغريب في القرآن ~~والفائدة فيه أنه إذا كان محذوفا كان أعظم وأفخم ، قال المفسرون لما أضجعه ~~للذبح نودي من الجبل : { أن ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا } قال المحققون : ~~السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله ~~تعالى بهذا التكلف الشاق الشديد وظهر منه كمال الطاعة وظهر من ولده كمال ~~الطاعة والانقياد ، لا جرم قال قد صدقت الرؤيا / يعني حصل المقصود من تلك ~~الرؤيا . # / وقوله : { إنا كذلك نجزى المحسنين } ابتداء إخبار من الله تعالى ، وليس ~~يتثل بما تقدم من الكلام ، والمعنى أن إبراهيم وولده كانا محسنين في هذه ~~الطاعة ، فكما جزينا هذين المحسنين فكذلك نجزي كل المحسنين . # ثم قال تعالى : { إن هاذا لهو البلاء المبين } أي الاختبار البين الذي ~~يتميز فيه المخلصون من غيرهم أو المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب ~~منها { وفديناه بذبح عظيم } الذبح مصدر ذبحت والذبح أيض ما PageV26P137 ~~يذبح وهو المراد في هذه الآية ، وههنا مباحث تتعلق بالحكايات فالأول : حكي ~~في قصة الذبيح أن إبراهيم عليه السلام لما أراد ذبحه قال : يا بني خذ الحبل ~~والمدية وانطلق بنا إلى الشعب نحتطب ، فلما تسوطا شعب ms7666 ثبير أخبره بما أمر ~~به ، فقال : يا أبت اشدد رباطي في كيلا أضطرب ، واكفف عني ثيابك لا ينتضح ~~عليها شيء من دمي فتراه أمي فتحزن ، واستحد شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي ~~ليكون أهون فإن الموت شديد ، واقرأ على أمي سلامي وإن رأيت أن ترد قميصي ~~على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل لها ، فقال إبراهيم عليه السلام : نعم ~~العون أنت يا بني على أمر الله ، ثم أقب عليه يقبله وقد ربطه وهما يبكيان ~~ثم وضع السكين على حلقه فقال : كبني على وجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني ~~وأدركتك رقة وقد تحول بينك وبين أمر الله سبحانه وتعالى ففعل ثم وضع السكين ~~على قفاه فانقلبت السكين ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا . # البحث الثاني : اختلفوا في ذلك الكبش فقيل إنه الكبش لذي تقرب به هابيل ~~بن آدم إلى الله تعالى فقبله ، وكان في الجنة يرعى حتى فدى الله تعالى به ~~إسماعيل ، وقال آخرون أرسل الله كبشا من الجنة قد رعى أربعين خريفا ، وقال ~~السدي : نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح انحط من الجبل ، فقام عنه ~~إبراهيم فأخذه فذبحه ، وخلى عن ابنه ، ثم اعتنق ابنه وقال : يا بني اليوم ~~وهبت لي ، وأما قوله : { عظيم } فقيل سمي عظيما لعظمه وسمنه ، وقال سعيد بن ~~جبير حق له أن يكون عظيما وقد رعى في الجنة أربعين خريفا ، وقيل سمي عظيما ~~لعظم قدره حيث قبله الله تعالى فداء عن ولد إبراهيم ، ثم قال تعالى : { إنه ~~من عبادنا المؤمنين } الضمير في قوله : { أنه } عائد إلى إبراهيم ، ثم قال ~~تعالى : { وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين } فقوله : { نبيا } حال مقدرة ~~أي بشرناه بوجود إسحاق مقدرة نبوته ، ولمن يقول إن الذبيح هو إسماعيل أن ~~يحتج بهذه الآية ، وذلك لأن قوله : { نبيا } حال ولا يجوز أن يكون المعنى ~~فبشرناه بإسحاق حال كون إسحق نبيا لأن البشارة به متقدمة على صيرورته نبيا ~~، فوجب أن يكون المعنى وبشرناه بإسحاق حال ما قدرناه نبيا ، وحال ما حكمنا ~~عليه فصبر ، وإذا كان الأمر ms7667 كذلك فحينئذ كانت هذه البشارة بشارة بوجود ~~إسحاق حاصلة بعد قصة الذبيح ، فوجب أن يكون الذبيح غير إسحاق ، أقصى ما في ~~الباب أن يقال لا يبعد أن يقال هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة عن ~~قصة الذبيح إلا أنها كانت متقدمة عليها في الوقوع والوجود ، إلا أنا نقول ~~الأصل رعاية الترتيب وعدم التغيير في النظم ، والله أعلم بالصواب . # / ثم قال تعالى : { وباركنا عليه وعلى إسحاق } وفي تفسير هذه البركة ~~وجهان الأول : أنه تعالى أخرج جميع أنبياء بني إسرائيل من صلب إسحاق ~~والثاني : أنه أبقى الثناء الحسن على إبراهيم وإسحاق إلى يوم القيامة ، لأن ~~البركة عبارة عن الدوام والثبات ، ثم قال تعالى : { ومن ذريتهما محسن وظالم ~~لنفسه مبين } وفي ذلك تنبيهخ على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة ~~الابن / لئلا تصير هذه الشبهة سببا لمفاخرة اليهود ، ودخلت تحت قوله : { ~~محسن } الأنبياء والمؤمنين وتحت قوله : { محسن } الأنبياء والمؤمنون وتحت ~~قوله : { ظالم } الكافر والفاسق والله أعلم . # ! 7 < { ولقد مننا على موسى وهارون * ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ~~* ونصرناهم فكانوا هم الغالبون * وءاتيناهما الكتاب المستبين * وهديناهما ~~الصراط المستقيم * وتركنا عليهما فى الا خرين * سلام على موسى وهارون * إنا ~~كذلك نجزى المحسنين * إنهما من عبادنا المؤمنين } > 7 @QB@ < # | الصافات : ( 114 - 122 ) ولقد مننا على . . . . . # > > PageV26P138 # اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، واعلم ~~أن وجوه الأنعام وإن كانت كثيرة إلا أنها محصورة في نوعين إيصال المنافع ~~إليه ودفع المضار عنه والله تعالى ذكر القسمين ههنا ، فقوله : { ولقد مننا ~~على موسى وهارون } إشارة إلى إيصال المنافع إليهما ، وقوله : { ونجيناهما ~~وقومهما من الكرب العظيم } إشارة إلى دفع المضار عنهما . # أما القسم الأول : وهو إيصال المنافع ، فلا شك أن المنافع على قسمين : ~~منافع الدنيا ومنافع الدين ، أما منافع الدنيا فالوجود والحياة والعقل ~~والتربية الصحة وتحصيل صفات الكمال في ذات كل واحد منهما ، وأما منافع ~~الدين فالعلم والطاعة ، وأعلى هذه الدرجات النبوة الرفيعة المقرونة ~~بالمعجزات الباهرة القاهرة ، ولما ذكر الله تعالى هذه التفاصيل ms7668 في سائر ~~السور ، لا جرم اكتفى ههنا بهذا الرمز . # / وأما القسم الثاني : وهو دفع الضرر فهو المراد من قوله : { ونجيناهما ~~وقومهما من الكرب العظيم } وفيه قولان : قيل إنه الغرق ، أغرق الله فرعون ~~وقومه ، ونجى الله بني إسرائيل ، وقيل الرماد أنه تعالى نجاهم من إيذاء ~~فرعون حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم . # واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه من على موسى وهارون ، فصل أقسام تلك المنة . ~~والهاء في قوله : { ونصرناهم } أي نصرنا موسى وهارون وقومهما : { وكانوا * ~~هم الغالبين } في كل الأحوال بظهور الحجة وفي آخر الأمر بالدورة والرفعة ~~وثانيهما : قوله تعالى : { وءاتيناهما الكتاب المستبين } والمراد منه ~~التوراة ، وهو الكتاب المشتمل على جميع العلوم التي يحتاج إليها في مصالح ~~الدين والدنيا ، كما قال : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ( المائدة ~~: 44 ) ، وثالثها : قوله تعالى : { وهديناهما الصراط المستقيم } أي ~~دللناهما على طريق الحق عقلا وسمعا ، وأمددناهما بالتوفيق والعصمة ، وتشبيه ~~الدلائل الحقة بالطريق المستقيم واضح ورابعها : قوله تعالى : { وتركنا ~~عليهما فى الاخرين } وفيه قولان الأول : أن المراد { وتركنا عليهما فى ~~الاخرين } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قولهم : { سلام على موسى * ~~وهارون } والثاني : أن المراد { وتركنا عليهما فى الاخرين } وهم أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم الثناء الحسن والذكر الجميل ، وعلى هذا التقدير فقوله ~~بعد ذلك : { سلام على موسى * وهارون } هو كلام الله تعالى ، ولما ذكر تعالى ~~هذه الأقسام الأربعة من أبواب التعظيم والتفضيل قال : { إنا كذلك نجزى ~~المحسنين } وقد سبق تفسيره ، ثم قال تعالى : { إنما * من عبادنا المؤمنين } ~~والمقصود التنبيه ، على أن PageV26P139 الفضيلة الحاصلة بسبب الإيمان أشرف ~~وأعلى وأكمل من كل الفضائل ، ولولا ذلك لما حسن ختم فضائل موسى وهارون ~~بكونهما من المؤمنين ، والله أعلم . # ! 7 < { وإن إلياس لمن المرسلين * إذ قال لقومه ألا تتقون * أتدعون بعلا ~~وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب ءابآئكم الا ولين * فكذبوه فإنهم ~~لمحضرون * إلا عباد الله المخلصين * وتركنا عليه فى الا خرين * سلام على إل ~~ياسين * إنا كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين } > 7 ! # < < # | الصافات ms7669 : ( 123 ) وإن إلياس لمن . . . . . # > > اعلم أن هذه القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر : { وإن إلياس } بغير همزة على وصل الألف ~~والباقون بالهمزة وقطع الألف ، قال أبو بكر بن مهران : من ذكر عند الوصل ~~الألف فقد أخطأ ، وكان أهل الشام ينكرونه ولا يعرفونه ، قال الواحدي وله ~~وجهان أحدهما : أنه حذف الهمزة من إلياس حذفا ، كما حذفها ابن كثير من قوله ~~: { إنها لإحدى الكبر } ( المدثر : 35 ) وكقول الشاعر : # ويلمها في هواء الجو طالبة # والآخر أنه جعل الهمزة التي تصحب اللام للتعريف كقوله : { واليسع } . # المسألة الثانية : في إلياس قولان : يروى عن ابن مسعود أنه قرأ وإن إدريس ~~، وقال إن إلياس هو إدريس ، وهذا قول عكرمة ، وأما أكثر المفسرين فهم ~~متفقون على أنه نبي من أنبياء بني إسرائيل وهو إلياس بن ياسين ، من ولد ~~هارون أخي موسى عليهم السلام ، ثم قال تعالى : { إذ قال لقومه ألا تتقون } ~~والتقدير اذكر يا محمد لقومك : { إذ قال * نوح ألا تتقون } أي ألا تخافون ~~الله ، وقال الكلبي ألا تخافون عبادة غير الله . واعلم أنه لما خوفهم أولا ~~على سبيل الإجمال ذكر ما هو السبب لذلك الخوف فقال : { أتدعون بعلا وتذرون ~~أحسن الخالقين } وفيه أبحاث : # الأول : في ( بعل ) قولان أحدهما : أنه اسم علم لصنم كان لهم كمناة وهبل ~~، وقيل كان من ذهب ، وكان طوله عشرين ذراعا وله أربعة أوجه ، وفتنوا به ~~وعظموه ، حتى عينوا له أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياء ، وكان الشيطان يدخل ~~في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة ، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس وهم ~~أهل بعلبك PageV26P140 من بلاد الشأم ، وبه سميت مدينتهم بعلبك . واعلم أن ~~قولهم بعل اسم لصنم من أصنامهم لا بأس به ، وأما قولهم إن الشيطان كان يدخل ~~في جوف بعلبك ويتكلم بشريعة الضلالة . فهذا مشكل لأنا إن جوزنا هذا كان ذلك ~~قادحا في كثير من المعجزات ، لأنه نقل في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلام الذئب معه وكلام الجمل معه وحنين الجذع ، ولو جوزنا أن يدخل الشيطان ms7670 ~~فيجوف جسم ويتكلم . فحينئذ يكون هذا الاحتمال قائما في الذئب والجمل والجذع ~~، وذلك يقدح في كون هذه الأشياء معجزات القول الثاني : أن البعل هو الرب ~~بلغة اليمن ، يقال من بعل هذه الدار ، أي من ربها ، وسمي الزوج بعلا لهذا ~~المعنى ، قال تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن } ( البقرة : 228 ) وقال تعالى ~~: { وهاذا بعلى شيخا } ( هود : 72 ) فعلى هذا التقدير المعنى ، أتعبدون بعض ~~البعول وتتركون عبادة الله . # البحث الثاني : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على كون العبد خالقا لأفعال ~~نفسه ، فقالوا : لو لم يكن غير الله خالقا لما جاز وصف الله بأنه أحسن ~~الخالقين ، والكلام فيه قد تقدم في قوله تعالى : { فتبارك الله أحسن ~~الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) . # البحث الثالث : كان الملقب بالرشيد الكاتب يقول لو قيل : أتدعون بعلا ~~وتدعون أحسن الخالقين . أوهم أنه أحسن ، لأنه كان قد تحصل فيه رعاية معنى ~~التحسين وجوابه : أن فصاحة / القرآن ليست لأجل رعاية هذه التكاليف ، بل ~~لأجل قوة المعاني وجزالة الألفاظ . واعلم أنه لما عابهم على عبادة غير الله ~~صرح بالتوحيد ونفى الشركاء ، فقال : { الله ربكم ورب ءابائكم الاولين } ~~وفيه مباحث . # الأول : أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن حدوث الأشخاص البشرية كيف يدل على ~~وجود الصانع المختار ، وكيف يدل على وحدته وبراءته عن الأضداد والأنداد ، ~~فلا فائدة في الإعادة . # البحث الثاني : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { الله ربكم ورب ءابائكم ~~} كلها بالنصب على البدل من قوله : { أحسن الخالقين } والباقون بالرفع على ~~الاستئناف ، والأول اختيار أبي حاتم وأبي عبيد ، ونقل صاحب ( الكشاف ) أن ~~حمزة إذا وصل نصب ، وإذا وقف رفع ، ولما حكى الله عنه أنه قرر مع قومه ~~التوحيد قال : { فكذبوه فإنهم لمحضرون } أي لمحضرون النار غدا ، وقد ذكرنا ~~الكلام فيه عند قوله : { لكنت من المحضرين } ( الصافات : 57 ) ثم قال تعالى ~~: { إلا عباد الله المخلصين } وذلك لأن قومه ما كذبوه بكليتهم ، بل كان ~~فيهم من قبل ذلك التوحيد فلهذا قال تعالى : { إلا عباد الله المخلصين } ~~يعني الذين أتوا بالتوحيد الخالص فإنهم لا يحضرون ثم قال : { وتركنا عليه ~~فى ms7671 الاخرين * سلام على إل ياسين } قرأ نافع وابن عامر ويعبوب ( آل ياسين ) ~~على إضافة لفظ آل إلى لفظ ياسين والباقون بكسر الألف وجزم اللام موصولة ~~بياسين ، أما القراءة الأولى ففيها وجوه الأول : وهو الأقرب أنا ذكرنا أنه ~~إلياس بن ياسين فكان إلياس آل ياسين الثاني : ( آل ياسين ) آل محمد صلى ~~الله عليه وسلم والثالث : أن ياسين اسم القرآن ، كأنه قيل سلام الله على من ~~آمن بكتاب الله الذي هو ياسين ، والوجه هو الأول لأنه أليق بسياق الكلام ، ~~وأما القراءة الثانية ففيها وجوه الأول : قال الزجاج يقال ميكال وميكائيل ~~وميكالين ، فكذا ههنا إلياس وإلياسين والثاني : قال الفراء هو جمع وأراد به ~~إلياس وأتباعه من المؤمنين ، كقولهم المهلبون والسعدون قال : # أنا ابن سعد أكرم السعدينا PageV26P141 # ثم قال تعالى : { إنا كذلك نجزى المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين } وقد ~~سبق تفسيره والله أعلم . # ! 7 < { وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا فى ~~الغابرين * ثم دمرنا الا خرين * وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل أفلا ~~تعقلون } > 7 ! # < < # | الصافات : ( 133 ) وإن لوطا لمن . . . . . # > > هذا هو القصة الخامسة ، وإنه تعالى إنما ذكر هذه القصة ليعتبر بها ~~مشكرو العرب ، فإن الذين كفروا من قومه هلكوا والذين آمنوا نجوا ، وقد تقدم ~~شرح هذه القصة ، وقد نبههم بقوله تعالى : { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * ~~وباليل } وذلك لأن القوم كانوا يسافرون إلى الشام والمسافر في أكثر الأمر ~~إنما يمشي في الليل وفي أول النهار ، فلهذا السبب عين تعالى هذين الوقتين . # ثم قال تعالى : { أفلا تعقلون } يعني أليس فيكم عقول تعتبرون بها ، والله ~~أعلم . # ! 7 < { وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان ~~من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين * للبث ~~فى بطنه إلى يوم يبعثون * فنبذناه بالعرآء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من ~~يقطين * وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون * فأامنوا فمتعناهم إلى حين } > 7 ~~! # < < # | الصافات : ( 139 ) وإن يونس لمن . . . . . # > > واعلم أن هذا هو القصة السادسة وهو آخر القصص المذكورة في هذه السورة ms7672 ~~، وإنما صارت هذه القصة خاتمة للقصص ، لأجل أنه لما لم يصبر على أذى قومه ~~وأبق إلى الفلك وقع في تلك الشدائد فيصبر هذا سببا لتصبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم على أذى قومه . # أما قوله : { وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) قريء يونس بضم النون وكسرها . ~~PageV26P142 # المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أن هذه الواقعة إنما وقعت ليونس ~~عليه السلام بعد أن صار رسولا ، لأن قوله : { تعقلون وإن يونس لمن المرسلين ~~* إذ أبق إلى الفلك } معناه أنه كان من المرسلين حينما أبق إلى الفلك ، ~~ويمكن أن يقال : إنه جاء في كثير من الروايات أنه أرسله ملك زمانه إلى ~~أولئك القوم ليدعوهم إلى الله ، ثم أبق والتقمه الحوت فعند ذلك أرسله الله ~~تعالى ، والحاصل أن قوله : { لمن المرسلين } لا يدل على أنه كان في ذلك ~~الوقت مرسلا من عند الله تعالى ، ويمكن أن يجاب بأنه سبحانه وتعالى ذكر هذا ~~الوصف في معرض تعظيمه ، ولن يفيد هذه الفائدة إلا إذا كان المراد من / قوله ~~: { لمن المرسلين } أنه من المرسلين عند الله تعالى . # المسألة الثالثة : أبق من إباق العبد وهو هربه من سيده ، ثم اختلف ~~المفسرون فقال بعضهم : إنه أبق من الله تعالى ، وهذا بعيد لأن ذلك لا يقال ~~إلا فيمن يتعمد مخالفة ربه ، وذلك لا يجوز على الأنبياء واختلفوا فيما ~~لأجله صار مخطئا ، فقيل : لأنه أمر بالخروج إلى بني إسرائيل فلم يقبل ذلك ~~التكليف وخرج مغاضبا لربه ، وهذا بعيد شواء أمره الله تعالى بذلك بوحي أو ~~بلسان نبي آخر ، وقيل : إن ذنبه أنه ترك دعاء قومه ، ولم يصبر عليهم . وهذا ~~أيضا بعيد لأن الله تعالى لما أمره بهذاالعمل فلا يجوز أن يتركه ، والأقرب ~~فيه وجهان الأول : أن ذنبه كان لأن الله تعالى وعده إنزال الإهلاك بقومه ~~الذين كذبوه فظن أنه نازل لا محالة ، فلأجل هذا الظن لم يصبر على دعائهم ، ~~فكان الواجب عليه أن يستمر على الدعاء لجواز أن لا يهلكهم الله بالعذاب ms7673 وإن ~~أنزله ، وهذا هو الأقرب لأنه إقادم على أمر ظهرت أماراته فلا يكون تعمدا ~~للمعصية ، وإن كان الأولى في مثل هذا الباب أن لا يعمل فيه بالظن ثم انكشف ~~ليونس من بعد أنه أخطأ في ذلك الظن ، لأجل أنه ظهر الإيمان منهم فمعنى قوله ~~: { إذ أبق إلى الفلك } ما ذكرناه الوجه الثاني : أن يونس كان وعد قومه ~~بالعذاب فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمستور عنهم فقصد البحر وركب السفينة ~~، فذلك هو قوله : { إذ أبق إلى الفلك } وتمام الكلام في مشكلات هذه الآية ~~ذكرناه في قوله تعالى : { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه } ( ~~الأنبياء : 87 ) وقوله : { إلى الفلك } مفسر في سورة يونس والسفينة إذا كان ~~فيها الحمل الكثير والناس يقال إنها مشحونة ، ثم قال تعالى : { المشحون ~~فساهم } المساهمة هي المقارعة / يقال : أسهم القوم إذا اقترعوا ، قال ~~المبرد : وإنما أخذ من السهام التي تجال للقرعة { فكان من المدحضين } أي : ~~المغلوبين يقال : أدحض الله حجته فدحضت أي : أزالها فزالت وأصل الكلمة من ~~الدحض الذي هو الزلق ، يقال : دحضت رجل البعير إذا زلقت ، وذكر ابن عباس في ~~قصة يونس عليه السلام أنه كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم ~~تسعة أسباط ونصفا وبقي سبطان ونصف ، وكان الله تعالى أوحي إلى بني إسرائيل ~~إذا إسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم ، فلما نسوا ذلك ~~وأسروا أوحي الله تعالى بعد حين إلى نبي من أنبيائهم أن أذهب إلى ملك هؤلاء ~~الأقوام وقل له حتى يبعث إلى بني إسرائيل نبيا ، فاختار يونس عليه السلام ~~لقوته وأمانته ، قال يونس : الله أمر بهاذ قال : لا ولكن أمرت أن أبعث قويا ~~أمينا وأنت كذلك ، فقال يونس : وفي بني إسرائيل من هو أقوى مني فلم لا ~~تبعثه ، فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم ووجد سفينة ~~مسجونة فحملوه فيها ، فلما دخلت لجة البحر أشرفت على الغرق ، فقال الملاحون ~~: إن فيكم عاصيا وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه من غير ms7674 ربح ولا سبب ظاهر ~~، وقال التجار : قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع ، فمن خرج سهمه نغرقه ~~، فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل فخرج سهم يونس ، فقال التجار : نحن ~~PageV26P143 أولى بالمعصية من نبي الله ، ثم عادوا ثانيا وثالثا يقترعون ~~فيخرج سهم / يونس ، فقال : يا هؤلاء أنا العاصي وتلفف في كساء ورمي بنفسه ~~فاتبلغته السمكة فأوحي الله تعالى إلى الحوت : ( لا تكسر منه عظما ولا تقطع ~~له وصلا ) ثم إن السمكة أخرجته إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى بحر ~~البطائح ثم دجلة فصعدت به ورمته بأرض نصيبين بالعراء ، وهو كالفرخ المنتوف ~~لا شعر ولا لحم ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين ، فكان يستظل بها ويأكل من ~~ثمرها حتى تشدد ، ثم إن الأرض أكلتها فخرت من أصلها فحزن يونس لذلك حزنا ~~شديدا ، فقال : يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ~~ثمرها وقد سقطت ، فقيل له يا يونس تحزن على شجرة أنبتت في ساعة واقتلعت في ~~ساعة ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون تركتهما انطلق إليهم ، والله أعلم ~~بحقيقة الواقعة . # ثم قال تعالى : { فالتقمه الحوت وهو مليم } يقال : القمة والتهمة والكل ~~بمعنى واحد ، وقوله تعالى : { وهو مليم } يقال : ألام إذا أتى بما يلام ~~عليه ، فالمليم المستحق للوم الآتي بما يلام عليه . # ثم قال تعالى : { فلولا أنه كان من المسبحين * للبث فى بطنه إلى يوم ~~يبعثون } وفي تفسير كونه من المسبحين قولان الأول : أن المراد منه ما حكي ~~الله تعالى عنه في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات { لا إلاه إلا أنت ~~سبحانك إنى كنت من الظالمين } ( الأنبياء : 87 ) الثاني : أنه لولا أنه كان ~~قبل أن التقمه الحوت من المسبحين يعني المصلين وكان في أكثر الأوقات مواظبا ~~على ذكر الله وطاعته للبث في بطن ذلك الحوت ، وكان بطنه قبرا له إلى يوم ~~البعث ، قال بعضهم : اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة ، فإن يونس ~~عليه السلام كان عبدا صالحا ذاكرا لله تعالى ms7675 ، فلما وقع في بطن الحوت قال ~~الله تعالى : { ءالئن وقد عصيت قبل } ( يونس : 91 ) واختلفوا في أنه كم لبث ~~في بطن الحوت ، ولفظ القرآن لا يدل عليه . قال الحسن : لم يلبث إلا قليلا ~~وأخرج من بطنه بعد الوقت الذي التقمه ، وعن مقاتل بن حيان ثلاثة أيام وعن ~~عطاء سبعة أيام وعن الضحاك عشرين يوما وقيل شهرا ولا أدري بأي دليل عينوا ~~هذه المقادير ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سبح ~~يونس في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا : ربنا إنا نسمع صوتا ~~ضعيفا بأرض غريبة ، فقال : ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في ~~البحر ، فقالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل ~~صالح ؟ قال : نعم ، فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه في الساحل ) فذاك هو قوله : ~~{ فنبذناه بالعراء } وفيه مباحث : # الأول : العراء المكان الخالي قال أبو عبيدة : إنما قيل له العراء لأنه ~~لا شجر فيه ولا شيء يغطيه . # الثاني : أنه تعالى قال : فنبذناه بالعراء } فأضاف ذلك النبذ إلى نفسه ، ~~والنبذ إنما حصل بفعل الحوت ، وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق الله تعالى ~~. # / ثم قال تعالى : { * } فأضاف ذلك النبذ إلى نفسه ، والنبذ إنما حصل بفعل ~~الحوت ، وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق الله تعالى . # / ثم قال تعالى : { وهو سقيم } قيل : المراد أنه بلي لحمه وصار ضعيفا ~~كالطفل المولود كالفرخ الممعط الذي ليس عليه ريش ، وقال : مجاهد سقيم أي : ~~سليب . # ثم قال تعالى : { وأنبتنا عليه شجرة من يقطين } ظاهر اللفظ يدل على أن ~~الحوت لما نبذه في العراء فالله تعالى أنبت عليه شجرة من يقطين وذلك المعجز ~~له ، قال : المبرد والزجاج كل شجر لا يقوم على ساق وإنما PageV26P144 يمتد ~~على وجه الأرض فهو يقطين ، نحو الدباء والحنظل والبطيخ ، قال : الزجاج أحسب ~~اشتقاقها من قطن بالمكان إذا أقام به وهذا الشجر ورقة كله على وجه الأرض ~~فلذلك قيل له اليقطين ، روي الفراء أنه قيل عند ابن عباس هو ورق القرع ms7676 ، ~~فقال : ومن جعل القرع من بين الشجر يقطينا كل ورقة اتسعت وسترت فهي يقطين ، ~~قال : الواحدي رحنه الله والآية تقتضي شيئين لم يذكرهما المفسرون أحدهما : ~~أن هذا اليقطين لم يكن قبل فأنبته الله لأجله والآخر : أن اليقطين كان ~~معروشا ليحصل له ظل ، لأنه لو كان منبسطا على الأرض لم يمكن أن يستظل به . # ثم قال تعالى : { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } وفيه مباحث : # الأول : يحتمل أن يكون المراد وأرسلناه قبل أن يلتقمه الحوت وعلى هذا ~~الإرسال وإن ذكر بعد الالتقام ، فالمراد به التقديم والواو معناها الجمع ، ~~ويحتمل أن يكون المراد به الإرسال بعد اللالتقام ، عن ابن عباس رضي الله ~~تهما أنه قال : كانت رسالة يونس عليه السلام بعد ما نبذه الحوت ، وعلى هذا ~~التقدير يجوز أن يكون أرسل إلى قوم آخرين سوى القوم الأول ، ويجوز أن يكون ~~أرسل إلى الأولين ثانيا بشريعة فآمنوا بها . # البحث الثاني : ظاهر قوله : { أو يزيدون } يوجب الشك وذلك على الله تعالى ~~محال ونظيره قوله تعالى : { عذرا أو نذرا } ( المرسلات : 6 ) وقوله تعالى : ~~{ لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) وقوله تعالى : { لعلهم يتقون أو يحدث ~~لهم ذكرا } ( طه : 113 ) وقوله تعالى : { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو ~~هو أقرب } ( النحل : 77 ) وقوله تعالى : { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ~~أو هو أقرب } ( النحل : 77 ) وقوله تعالى : { فكان قاب قوسين أو أدنى } ( ~~النجم : 9 ) وأجابوا عنه من وجوه كثيرة والأصح منها وجه واحد وهو أن يكون ~~المعنى أو يزيدون في تقديركم بمعنى أنهم إذا رآهم الرائي قال : هؤلاء مائة ~~ألف أو يزيدون على المائة ، وهذا هو الجواب عن كل ما يشبه هذا . # ثم قال تعالى : { فئامنوا فمتعناهم إلى حين } والمعنى : أن أولئك الأقوام ~~لما آمنوا أزال الله الخوف عنهم وآمنهم من العذاب ومتعهم الله إلى حين ، أي ~~: إلى الوقت الذي جعله الله أجلا لكل واحد منهم . # ! 7 < { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون * أم خلقنا الملائكة إناثا ~~وهم شاهدون * ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله ms7677 وإنهم لكاذبون * أصطفى ~~البنات على البنين * مالكم كيف تحكمون * أفلا تذكرون * أم لكم سلطان مبين * ~~فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين * وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت ~~الجنة إنهم لمحضرون * سبحان الله عما يصفون * إلا عباد الله المخلصين } > 7 ~~@QB@ < # | الصافات : ( 149 - 160 ) فاستفتهم ألربك البنات . . . . . # > > # وفيه مسائل : PageV26P145 # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر أقاصيص الأنبياء عليهم السلام ~~عاد إلى شرح مذاهب المشركين وبيان قبحها وسخافتها ، ومن جملة أقوالهم ~~الباطلة أنهم أثبتوا الأولاد لله سبحانه وتعالى ، ثم زعموا أنها من جنس ~~الإناث لا من جنس الذكور فقال : { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } ~~وهذا معطوف على قوله في أول السورة : { فاستفتهم أهم أشد خلقا * من * خلقنا ~~} ( الصافات : 11 ) وذلك لأنه تعالى أم رسوله صلى الله عليه وسلم باستفتاء ~~قريش عن وجه إنكار البعث أولا ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض إلى أن أمره ~~بأن يستفتيهم في أنهم لم أثبتوا لله سبحانه البنات ولأنفسهم البنين ، ونقل ~~الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا : إن قريشا وأجناس العرب جهينة وبني سلمة ~~وخزاعة وبني مليح قالوا : الملائكة بنات الله ، واعلم أن هذا الكلام يشتمل ~~على أمرين أحدهما : إثبات البنات لله وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون ~~من البنت ، والشيء الذي يستنكف المخلوق منه كيف يمكن إثباته للخالق والثاني ~~: إثبات أن الملائكة إناث ، وهذا أيضا باطل لأن طريق العلم إما الحس وإما ~~الخبر وإما النظر ، أما الحس : فمفقود ههنا لأنهم ما شهدوا كيفية تخليق ~~الله الملائة وهو المراد من قوله : { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون } ~~وأما الخبر : فمنقود أيضا لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقا ~~قطعا وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون ، لم يدل على صدقهم ~~لا دلالة ولا أمارة ، وهو المراد من قوله : { ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ~~ولد الله وإنهم لكاذبون } وأما النظر : فمفقود وبيانه من وجهين / الأول : ~~أن دليل العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل ، فإن كان حكم العقل معتبرا في ~~هذا الباب كان قولكم باطلا والوجه الثاني ms7678 : أن نترك الاستدلال على فساد ~~مذهبهم ، بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم فإذا لم يجدوا ذلك ~~الدليل فضده يظهر أنه لم يوجد ما يدل على صحة قولهم وهذا هو المراد من قوله ~~: { أم لكم سلطان مبين * فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } فثبت بما ذكرنا أن ~~القول الذي ذهبوا إليه لم يدل على صحته ، لا الحس ولا الخبر ولا النظر ، ~~فكان المصير إليه باطلا قطعا ، واعلم أنه تعالى لما طالبهم بما يدل على صحة ~~مذهبهم دل ذلك على أن التقليد باطل ، وأن الدين لا يصح إلا بالدليل . # المسألة الثانية : قوله : { أصطفى البنات على البنين } قراءة العامة بفتح ~~الهمزة وقطعها من { اصطفى } ثم بحذف ألف الوصل وهو استفهام توبيخ وتقريع ، ~~كقوله تعالى : { أم اتخذ مما يخلق بنات } ( الزخرف : 16 ) وقوله تعالى : { ~~أم له البنات ولكم البنون } ( الطور : 39 ) وقوله تعالى : { ألكم الذكر وله ~~الانثى } ( النجم : 21 ) وكما أن هذه المواضع كلها استفهام فكذلك في هذه ~~الآية ، وقرأ نافع في بعض الروايات : { لكاذبون * اصطفى } موصولة بغير ~~استفهام ، وإذا ابتدأ كسر الهمزة على وجه الخبر والتقدير اصطفى البنات في ~~زعمهم كقوله : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) في زعمه ~~واعتقاده . # ثم قال تعالى : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } واختلفوا في المراد ~~بالجنة على وجوه الأول : قال مقاتل : أثبتوا نسبا بين الله تعالى وبين ~~الملائكة حين زعموا أنهم بنات الله ، وعلى هذا القول فالجنة : هم الملائكة ~~سموا جنا لاجتنانهم عن الأبصار أو لأنهم حزان الجنة ، وأقول هذا القول عندي ~~مشكل ، لأنه تعالى PageV26P146 أبطل قولهم الملائكة بنات الله ، ثم عطف ~~عليه قوله : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } والعطف يقتضي كون المعطوف ~~مغايرا للمعطوف عليه ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية غير ما تقدم ~~الثاني : قال : مجاهد قالت : كفار قريش الملائكة بنات الله ، فقال لهم أبو ~~بكرالصديق : فمن أمهاتهم ؟ قالوا : سروات الجن ، وهذا أيضا عندي بعيد لأن ~~المصاهرة لا تسمى نسبا والثالث : روينا في تفسير قوله تعالى : { وجعلوا لله ~~شركاء الجن } ( الأنعام : 100 ms7679 ) أن قوما من الزنادقة يقولون : الله وإبليس ~~أخوان فالله : الخير الكريم وإبليس : هو الأخ الشرير الخسيس ، فقوله تعالى ~~: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } المراد منه هذا المذهب ، وعندي أن هذا ~~القول أقرب الأقاويل . وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان واهرمن ثم قال ~~تعالى : { وقد * علمت الجنة إنهم لمحضرون } أي : قد علمت الجنة أن الذين ~~قالوا : هذا القول محضرون النار ويعذبون وقيل المراد ولقد علمت الجنة أنهم ~~سيحضرون في العذاب ، فعلى القول الأول : الضمير عائد إلى قائل هذا القول ، ~~وعلى القول الثاني : عائد إلى الجنة أنفسهم ، ثم إنه تعالى / نزه نفسه عما ~~قالوا من الكذب فقال : { سبحان الله عما يصفون * إلا عباد الله المخلصين } ~~وفي هذا اللاستثناء وجوه ، قيل : استثناء من المحضرين ، يعني : أنهم ناجون ~~، وقيل هو استثناء من قوله تعالى : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } وقيل : ~~هو استثناء منقطع من المحضرين ، ومعناه ولكن المخلصني برآء من أن يصفوه ~~بذلك ، والمخلص بكسر اللام من أخلص العباة والاعتقاد لله وبفتحها من أخلصه ~~الله بلطفه والله أعلم . # ! 7 < { فإنكم وما تعبدون * مآ أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم ~~* وما منآ إلا له مقام معلوم * وإنا لنحن الصآفون * وإنا لنحن المسبحون * ~~وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من الا ولين * لكنا عباد الله ~~المخلصين * فكفروا به فسوف يعلمون } > 7 ! # < < # | الصافات : ( 161 ) فإنكم وما تعبدون # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على فساد مذهب الكفار ~~أتبعه بما نبه تبه على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على حمل أحد على الضلال ~~إلا إذا كان قد سبق حكم الله في حقه بالعذاب والوقوع في النار ، وذكر صاحب ~~( الكشاف ) في قوله : { فإنكم وما تعبدون * ما أنت * عليه بفاتنين } قولين ~~الأول : الضمير في { عليه } الله عز وجل معناه فإنكم ومعبوديكم ما أنت وهم ~~جميعا بفاتنين على الله إلا أصحاب النار الذين سبق في علم الله كونهم من ~~أهل النار ، فإن قبل كيف يفتنونهم على الله ؟ قلنا يفتنونهم عليه بإغوائهم ~~من قولك فتن فلان ms7680 على فلان امرأته كما تقول أقسدها عليه والوجه الثاني : أن ~~تكون الواو في قوله : { وما تعبدون } PageV26P147 بمعنى مع كما في قولهم كل ~~رجل وضيعته ، فكما جاز السكوت على كل رجل وضيعته ، فكذلك جاز أن يسكت على ~~قوله : { فإنكم وما تعبدون } لأن قوله : { وما تعبدون } ساد مسد الخبر ، ~~لأن معناه فإنكم مع ما تعبدون ، والمعنى فإنكم مع آلهتكم أي فإنكم قرناؤهم ~~وأصحابهم لا تتركون عبادتها ، ثم قال تعالى : { ما أنت * عليهم } أي على ما ~~تعبدون { بفاتنين } بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال { إلا من ~~هو صال الجحيم } مثلكم . وقرأ الحسن { صال الجحيم } بضم اللام ووجهه أن ~~يكون جمعا وسقوط واوه لالتقاء / الساكنين ، فإنه قيل كيف يستقيم الجمع مع ~~قوله : { من هو } قلنا { من } موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو على لفظه ~~والصالون على معناه . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا تأثير لأغواء ~~الشيطان ووسوسته ، وإنما المؤثر قضاء الله تعالى وتقديره ، لأن قوله تعالى ~~: { فإنكم وما تعبدون * ما أنتم عليه بفاتنين } تصريح بأنه لا تأثير لقولهم ~~ولا تأثير لأحوال معبوديهم في وقوع الفتنة والضلال ، وقوله تعالى : { إلا ~~من هو صال الجحيم } يعني إلا من كان كذلك في حكم الله وتقديره ، وذلك تصريح ~~بأن المقتضي لوقوع هذه الحوادث حكم الله تعالى ، وكان عمر بن عبد العزيز ~~يحتج بهذه الآية في إثبات هذا المطلوب ، قال الجبائي : المراد أن الذين ~~عبدوا الملائكة يزعمون أنهم بنات الله لا يكفرون أحدا إلا من ثبت في معلوم ~~الله أنه سيكفر ، فدل هذا على أن من ضل بدعاء الشيطان لم يكن ليئمن بالله ~~لو منع الله الشيطان من دعائه وإلا كان يمنع الشيطان ، فصح بهذا أن كل من ~~يعصي لم يكن ليصلح عنه شيء من الأفعال والجواب : حاصل هذا الكلام أنه لا ~~تأثير لإغواء شياطين الإنس والجن . وهذا لا نزاع فيه إلا أن وجه الاستدلال ~~أنه تعالى بين أنه لا تأثير لكلامهم في وقوع الفتنة ، ثم استثنى منه ما في ~~قوله تعالى : { إلا من هو ms7681 صال الجحيم } فوجب أن يكون المراد من وقوع الفتنة ~~هو كونه الشقاوة والسعادة . واعلم أن أصحابنا قرروا هذه الحجة بالحديث ~~المشهور وهو أنه حج آدم موسى ، قال القاضي هذا الحديث لم يقبله علماء ~~التوحيد ، لأنه يوجب أن لا يلام أحد على شيء من الذنوب / لأنه إن كان آدم ~~لا يجوز لموسى أن يلومه على عمل كتبه الله عليه قبل أن يخلقه ، فكذلك كان ~~مذهب . فءن صحت هذه الحجة لآدم عليه السلام ، فلماذا قال موسى عليه السلام ~~في الوكزة هذا من عمل الشيطان ، إنه عدو مضل مبين ؟ ولما قال فلن أكون ~~ظهيرا للمجرمين ؟ ولماذا لام فرعون وجنوده على أمر كتبه الله عليهم ؟ ومن ~~عجيب أمرهم أنهم يكفرون القدرية ، وهذا الحديث يوجب أن آدم كان قدريا ، ~~فلزمهم أن يكفروه ، وكيف يجوز مع قول آدم وحواء عليهما السلام : { ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا * لكنتم من الخاسرين } ( الأعراف : ~~23 ) أن يحتج على موسى بأنه لا لوم عليه ، وقد كتب عليه ذلك قبل أن يخلقه ، ~~هذا جملة كلام القاضي فيقال له هب أنك لا تقبل ذلك الخبر ، فهل ترد هذه ~~الآية أم لا ، فإنا بينا أن صريح هذه الآية يدل على أنه لا تأثير للوساوس ~~في هذا الباب ، فإن الكل يحصل بحكمة الله تعالى ، والذي يدل عليه وجوه ~~الأول : أن الكافر إن ضال بسبب وسوسة الشيطان فضلال الشيطان إن كان بسبب ~~شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين وهو محال ، وإن انتهى إلى ضلال لم يحصل بسبب ~~وسوسة متقدمة فهو المطلوب الثاني : أن كل أحد يريد أن يحصل لنفسه الإعتقاد ~~الحق والدين الصدق ، فحصول ضده يدل على أن ذلك ليس منه الثالث : أنالأفعال ~~موقوفة على الدواعي وحصول الدواعي بخلق الله ، فيكون الكل / من الله تعالى ~~الرابع : أنه تعالى لما اقتضت PageV26P148 حكمته شيئا ، وعلم وقوعه ، فلو ~~لم يقع ذلك الشيء لزم انقلاب ذلك الحكم كذبا وانقلاب ذلرك العلم جهلا وهو ~~محال ، وأما الآيات التي تمسك بها القاضي فهي معارضة بالآيات الدالة على أن ~~الكل من ms7682 الله والقرآن كالبحر المملوء من هذه الآيات فتبقى الدلائل العقلية ~~التي ذكرناها سليمة ، والله أعلم . # ثم قال تعالى : { وما منا إلا له مقام معلوم } فالجمهور على أنهم ~~الملائكة ، وصفوا أنفسهم بالمبالغة في العبودية ، فإنهم يصطفون للصلاة ~~والتسبيح ، والغرض منه التنبيه على فساد قول من يقول إنهم أولاد الله وذلك ~~لأن مبالغتهم في العبودية تدل على اعترافهم بالعبودية ، واعلم أن هذه الآية ~~تدل على ثلاثة أنواع من صفات الملائكة فأولها قوله تعالى : { وما منا إلا ~~مقام معلوم } وهذا يدل على أن لكل واحد منهم مرتبة لا يتجاوزها ودرجة لا ~~يتعدى عنها ، وتلك الدرجات إشارة إلى درجاتهم في التصرف في أجسام هذا ~~العالم إلى درجاتهم في معرفة الله تعالى أما درجاتهم في التصرفات والأفعال ~~فهي قوله : { وإنا لنحن الصافون } والمراد كونهم صافين في أداء الطاعات ~~ومنازل الخدمة والعبودية ، وأما درجاتهم في المعارف فهي قوله تعالى : { ~~وإنا لنحن المسبحون } والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به . # واعلم أن قوله : { وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون } يفيد الحصر ~~ومعناه أنهم هم الصافون في مواقف العبودية لا غيرهم وأنهم هم المسبحون لا ~~غيرهم ، وذلك يدل على أن طاعات البشر ومعارفهم بالنسبة إلى طاعات الملائكة ~~وإلى معارفهم كالعدم ، حتى يصح هذا الحصر . وبالجملة فهذه الآلفاظ الثلاثة ~~تدل على أسرار عجيبة من صفات الملائكة فكيف يجوز مع هذا الحصر أن يقال ~~البشر تقرب درجته من الملك فضلا عن أن يقال هل هو أفضل منه أم لا . # وأما قوله : { وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من الاولين * لكنا ~~عباد الله المخلصين } فالمعنى أن مشركي قريش وغيرهم كانوا يقولون : { لو أن ~~عندنا ذكرا } أي كتابا م كتب الأولين الذين نزل علهيم التوراة والإنجيل ~~لأخلصنا العبادة لله / ولما كذبنا كما كذبوا . ثم جاءهم الذكر الذي هو سيد ~~الأذكار والكتاب المهيمن عتلى كل الكتب ، وهو القرآن فكفروا به . ونظير هذه ~~الآية قوله تعالى : { فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا } ثم قال تعالى : ~~{ فسوف يعلمون } أي فسوف يعلمون عاقبة هذا ms7683 الكفر والتكذيب . # ! 7 < { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن ~~جندنا لهم الغالبون * فتول عنهم حتى حين * وأبصرهم فسوف يبصرون * أفبعذابنا ~~يستعجلون * فإذا نزل بساحتهم فسآء صباح المنذرين * وتول عنهم حتى حين * ~~وأبصر فسوف يبصرون * سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * ~~والحمد لله رب العالمين } > 7 @QB@ < # | الصافات : ( 171 ) ولقد سبقت كلمتنا . . . . . # > > PageV26P149 # اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بقول تعالى : { فسوف يعلمون } أي عاقبة ~~كفرهم أردفه بما يقوي قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : { ولقد سبقت ~~كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون } ~~فبين أن وعده بنصرته قد تقدم والدليل عليه قوله تعالى : { ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون } فبين أن ~~وعده بنصرته قد تقدم والدليل عليه قوله تعالى : { كتب الله لاغلبن أنا ~~ورسلى } ( المجادلة : 21 ) وأيضا أن الخير مقضى بالذات والشر مقضى بالعرض ، ~~وما بالذات أقوى مما بالعرض ، وأما لنصرة والغلبة فقد تكون بقوة الحجة ، ~~وقد تكون بالدولة والاستيلاء ، وقد تكون بالدوام والثبات فالمؤمن وإن صار ~~مغلوبا في بعض الأقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب ، ولا يلزم على هذه ~~الآية أن يقال : فقد قتل بعض الأنبياء وقد هزم كثير من المؤمنين ثم قال ~~تعالى لرسوله وقذ أخبره بما تقدم { فتولى عنهم * حتى حين } والمراد إلى يوم ~~بدر ، وقيل إلى فتح مكة ، وقيل إلى يوم القيامة ، ثم قال : { وأبصر فسوف ~~يبصرون } والمعنى بأبصرهم وما يقضي عليهم من القتل والأسر في الدنيا ~~والعذاب في الآخرة ، فسوف يبصرونك مع ما قدر لك من النصرة والتأييد في ~~الدنيا والثواب العظيم في الآخرة ، والمراد من الأمر المشاهد بأبصارهم على ~~الحال المنتظرة الموعودة الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة ، وأن ~~كينونتها قريبة كأنها قدام ناظريك ، وقوله : { فسوف يبصرون } للتهديد ~~والوعيد ، ثم قال : { أفبعذابنا يستعجلون } والمعنى أن الرسول عليه السلام ~~كان يهددهم بالعذاب ، وما رأوا شيئا فكانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب على ~~سبيل الاستهزاء ، فبين تعالى أن ذلك الاستعجال جهل ms7684 ، لأن لكل شيء من أفعال ~~الله تعالى وقتا معينا لا يتقدم ولا يتأخر ، فكأن طلب حدوثه قبل مزجيء ذلك ~~الوقت جهلا ، ثم قال تعالى : في صفة العذاب الذي يستعجلونه { فإذا نزل ~~بساحتهم } أي هذا العذاب { فساء صباح المنذرين } وإنما وقع / هذا التعبير ~~عن هذه المعاني كأنهم كانوا يقدمون على العادة في وقت الصباح ، فجعل ذكر ~~ذلك الوقت كناية عن ذلك العمل ، ثم أعاد تعالى قوله : { فتول عنهم حتى حين ~~* وأبصر فسوف يبصرون } فقيل المراد من هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا ، ~~وفي هذه الكلمة أحوال القيامة ، وعلى هذا التقدير فالتكرير زائل ، قيل أن ~~المراد من التكرير المبالغة في التهديد والتهويل ، ثم إنه تعالى ختم السورة ~~بخاتمة شريفة جامعة لكل المطالب العالية ، وذلك لأنه أهم المهمات للعاقل ~~معرفة أحوال ثلاثة فأولها : معرفة إله العالم بقدر الطاقة البشرية ، وأقصى ~~ما يمكن عرفانه من صفات الله تعالى ثلاثة أنواع أحدهما : تنزيهه وتقديسه عن ~~كل ما لا يليق بصفات الإلهية ، وهو لفظة سبحان وثانيها : وصفه بكل ما يليق ~~بصفات الإلهية وهو قوله : { رب العزة } تفيد الاستغراق ، وإذا كل الكل ملكا ~~له وملكا له ولم يبق لغيره شيء ، فثبت أن قوله : { سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون } كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات في معرفة إله العالم ~~والمهم الثاني : من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف ينبغي أن يعامل نفسه ~~ويعامل الخلق في هذه الحياة الدنيوية . # واعلم أن أكثر الخلق ناقصون ولا بد لهم من مكمل يكملهم ، ومرشد يرشدهم ، ~~وهاد يهيديهم ، وما ذلك إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وبديهة الفطرة ~~شاهدة بأنه يجب على الناقص الاقتداء بالكامل ، فنبه على هذا الحرف يقوله : ~~{ وسلام على المرسلين } لأن هذا اللفظ يدل على أنهم في الكمال اللائق ~~بالبشر فاقوا PageV26P150 غيرهم ، ولا جرم يجب على كل من سواءهم الاقتداء ~~بهم والمهم الثالث : من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف يكون حاله بعد الموت ~~. # واعلم أن معرفة هذه الحالة قبل الموت صعبة ، فالاعتماد فيها على حرف واحد ~~، وهو أنه ms7685 إله العالم غني رحيم ، والغني الرحيم ولا يعذب فنبه على هذا ~~الحرف بقوله : { والحمد لله رب العالمين } وذلك لأن استحقاق الحمد لا يحثل ~~إلا بالإنعام العظيم ، فبين بهذا كونه منعما ، وظاهر كونه غنيا عن العالمين ~~، ومن هذا وصفه كان الغالب منه هو الرحمة والفضل والكرم ، فكان هذا الحرف ~~منبها على سلامة الحال بعد الموت ، فظهر بما ذكرنا أن هذه الخاتمة كالصدفة ~~المحتوية على درر أشرف من دراري الكواكب ، ونسأل الله سبحانه وتعالى حسن ~~الخاتمة والعافية في الدنيا والآخرة . # PageV26P151 < # > 1 ( سورة ص ) 1 < # > # ثمانون وثمان آيات مكية # ! 7 < { صوالقرءان ذى الذكر * بل الذين كفروا فى عزة وشقاق * كم أهلكنا ~~من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص } > 7 ! # < < # | ص : ( 1 ) ص والقرآن ذي . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الكلام المستقصى في أمثال هذه الفواتح مذكور في أول ~~سورة البقرة ولا بأس بإعادة بعض الوجوه فالأول : أنه مفتاح أسماء الله ~~تعالى التي أولها صاد ، كقولنا صادق الوعد ، صانع المصنوعات ، صمد والثاني ~~: معناه صدق محمد في كل ما أخبر به عن الله الثالث : معناه صد الكفار عن ~~قبول هذا الدين ، كما قال تعالى : { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } ( ~~النحل : 88 ) الرابع : معناه أن القررن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون ~~عليها ولستم قادرين على معارضة القرآن ، فدل ذلك على أن القرآن معجز الخامس ~~: أن يكون صاد بكسر الدال من المصادة وهي المعارضة ومنها لاصدى وهو ما ~~يعارض صوتك في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة ، ومعناه عارض القرآن ~~بعملك فاعلم بأوامره وانته عن نواهيه السادس : أنه اسم السورة والتقدير هذه ~~صاد ، فإن قيل ههنا إشكالان أحدهما : أن قوله : { والقرءان ذى الذكر } قسم ~~وأين المقسم عليه ؟ والثاني : أن كلمة ( بل ) تقتضي رفع حكم ثبت قلبها ، ~~وإثبات حكم بعدها يناقض الحكم السابق ، فأين هذا المعنى ههنا ؟ والجواب : ~~عن الأول من وجوه الأول : أن يكون معنى صاد ، بمعنى صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، فيكون صاد هو المقسم عليه ، وقوله : { ص والقرءان ذى } هو القسم ~~الثاني : أن ms7686 يكون المقسم عليه محذوفا ، والتقدير سورة ( ص والقرآن ذي الذكر ~~) أنه لكلام معجز ، لأنا بينا أن قوله { ص } تنبيه على التحدي والثالث : أن ~~يكون صاد اسما للسورة ، ويكون التقدير هذه ص والقرآن ذي الذكر ، ولما كان ~~المشهور ، أن محمدا عليه السلام يدعي في هذه السورة كونها معجزة ، كان قوله ~~هذه ص جاريا مجرى PageV26P152 قوله : هذه هي السورة العجزة ، ونظيره قوله ~~هذا حاتم والله ، أي هذا هو المشهور / بالسخاء والجواب : عن السؤال الثاني ~~أن الحكم المذكور قبل كلمة { بل } أما ما ذكره المفسر كون محمد صادقا في ~~تبليغ الرسالة أو كون القرآن أو هذه السورة معجزة والحكم المذكور بعد كلمة ~~{ بل } ههنا هو المنازعة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب ، والله أعلم ~~. # المسألة الثانية : قرأ الحسن صاد بكسر الدال لأجل التقاء الساكنين ، وقرأ ~~عيسى بن عمر بنصب صاد ونون وبحذف حرف القسم وإيصال فعله كقولهم الله لأفعلن ~~، وأكثر القراء على الجزم لأن الأسماء العارية عن العوامل تذكر موقوفة ~~الأواخر . # المسألة الثالثة : في قوله ذي الذكر وجهان الأول : المراد ذي الشرف ، قال ~~تعالى : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) وقال تعالى : { لقد ~~أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم } ( الأنبياء : 10 ) ومجاز هذا من قولهم ~~لفلان ذكر في الناس ، كما يقولون له صيت الثاني : ذي البيانين أي فيه قصص ~~الأولين ، والآخرين ، وفيه بيان العلوم الأصلية والفرعية ومجازه من قوله : ~~{ ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } ( القمر : 22 ) . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة القررن ذي الذكر والذكر محدث بيان الأول ~~: قوله تعالى : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) { وهاذا ذكر مبارك ~~} ( الأنبياء : 50 ) { ص والقرءان ذى } ( ص : 1 ) { وما علمناه الشعر وما ~~ينبغى له } ( يس : 69 ) وبيان الثاني : قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث } ( الأنبياء : 2 ) وقوله { ما يأتيهم من ذكر من * الرحمان محدث } ~~والجواب : أنا نصرف دليلكم إلى الحروف والأصوات وهي محدثه . # أما قوله : { بل الذين * كفروا } فالمراد منه الكفار من رؤساء قريش الذين ~~يجوز على مثلهم الإجماع على الحسد والكبر على ms7687 الإنقياد إلى الحق ، والعزة ~~ههنا التعظيم وما يعقتده الإنسان في نفسه من الأحوال التي تمنعه من متابعة ~~الغير لقوله تعالى : { وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } ( البقرة ~~: 206 ) والشقاق هو إظهار المخالفة على جهة المساواة للمخالف أو على جهة ~~الفضلية عليه ، وهو مأخوذ من الشق كأنه يرتفع عن أن يلزمه المخالفة على جهة ~~المساواة للمخالف أو على جهة الفضيلة عليه ، وهو مأخوذ من الشق كأنه يرتفع ~~عن أن يلزمه الانقياد له بل يجعل نفسه في شق وخصمه في شق ، فيريد أن يكون ~~في شقة نفسه ولا يجري عليه حكم خصمه ، ومثله العاداة وهو أن يكون أحدهما في ~~عدوة والآخر في عدوة ، وهي جانب الوادي ، وكذلك المحادة أن يكون هذا في حد ~~غير حد الآخر ، ويقال انحرف فلان عن فلان وجانب فلان فلانا أي صار منه على ~~حرف وفي جانب غير جانبه والله أعلم ، ثم إنه تعالى لما وصفهم بالعزة ~~والشقاق خوفهم فقال : { كما * أهلكنا * قبلهم من قرن فنادوا } والمعنى أنهم ~~نادوا عند نزول العذاب في الدنياعند نزول العذاب في الدنيا ولم يذكر بأي ~~شيء نادوا ، وفيه وجوه الأول : وهو الأظهر أنهم نادوا بالاستغاثة لأن نداء ~~من نزل به العذاب ليس إلا بالاستغاثة الثاني : نادوا بالإيمان والتوبة عند ~~معاينة العذاب الثالث : نادوا أي رفعوا أصواتهم ، يقال فلان أندى صوتا من ~~فلان أي ارفع صوتا ، ثم قال : { ولات حين مناص } يعني / ولم يكن ذلك الوقت ~~وقت فرار من العذاب وهو كقوله : { فلما رأوا بأسنا * قالا * من } ( غافر : ~~84 ) وقال : { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون } ( المؤمنون : ~~64 ) والجؤار رفع الصوت بالتضرع والاستغاثة وكقوله : { ءالئن وقد عصيت قبل ~~} ( يونس : 91 ) وقوله : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } ~~PageV26P153 ( غافر : 85 ) بقي ههنا أبحاث : # البحث الأول : في تحقيق الكلام في لفظ { لأت } الخليل وسيبويه أن لات هي ~~لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب وثم للتأكيد ، ~~وبسب هذه الزيادة حدثت لها أحكام جديدة ، منها أنها لا ms7688 تدخل إلا على ~~الأحيان ، ومنها أن لا يبرز إلا أحد جزءيها ، إما الاسم وأما الخبر ويمتنع ~~بروزهما جميعا ، وقال الأخفش إنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء ، ~~وخصت بنفي الأحيان { وحين * مناص } منصوب بها كأنك قلت ولات حين مناص لهم ~~ويرتفع بالإبتداء أي ولات حين مناص كائن لهم . # البحث الثاني : الجمهور يقفون على التاء من قوله : { ولات } والكسائي يقف ~~عليها بالهاء كما يفق على الأسماء المؤنثة ، قال صاحب ( الكشاف ) : وأما ~~قول أب يعبيدة التاء داخلة على الحين فلا وجه له ، واستشهاده بأن التاء ~~ملتزقة بحين في مصحف عثمان فضعيف فكم وقعت في المصحف أشياء خارجة عن قياس ~~الخط . # البحث الثالث : المناص المنجا والغوث ، يثال ناصه إذا أغاثه ، واستناص ~~طلب المناص ، والله أعلم . # ! 7 < { وعجبوا أن جآءهم م نذر منهم وقال الكافرون هاذا ساحر كذاب * أجعل ~~الا لهة إلاها واحدا إن هاذا لشىء عجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا ~~واصبروا علىءالهتكم إن هاذا لشىء يراد * ما سمعنا بهاذا فى الملة الا خرة ~~إن هاذا إلا اختلاق } > 7 @QB@ < # | ص : ( 4 - 7 ) وعجبوا أن جاءهم . . . . . # > > # ابم أنه تعالى لما حكى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أردفه بشرح كلماتهم ~~الفاسدة فقال : { وعجبوا أن جاءهم م نذر منهم } في قوله : { منهم } وجهان ~~الأول : أنهم قالوا : إن محمدا مساو لنا في الخلفة الظاهرة والأخلاق ~~الباطنة والنسب والشكل والصورة ، فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب ~~العالي والدرجات والرفيعة والثاني : أن الغرض من هذه الكلمة لا التنبيه على ~~كمال / جهالتهم ، وذلك ونه جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة ~~والترغيب في الآخرة ، والتنفير عن الدنيا ، ثم إن هذا الرجل من أقاربهم ~~يعلمون أنه كان بعيدا من الكذب والتهمة ؛ وكل ذلك مما يوجب الاعتراف ~~بتصديقه ، ثم إن هؤلاء الأقوام لحماقتهم يتعجبون من قوله ، ونظيره قوله : { ~~أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون } ( المؤمنون : 69 ) فقال : { وعجبوا أن ~~جاءهم م نذر منهم } ومعناه أن محمدا كان من رهطهم وعشيرتهم وكان مساويا لهم ~~في الأسباب الدنيوية فاستنكفروا من ms7689 الدخول تحت طاعته ومن الانقياد لتكاليفه ~~، وعجبوا أن يختص هو من بينهم برسالة الله وأن يتميز عنهم بهذه الخاصية ~~الشريفة ، وبالجملة فما كان لهذا التعجب سبب إلا الحسد . PageV26P154 # ثم قال تعالى : { وقال الكافرون هاذا ساحر كذاب } وإنما لم يقل وقالوا بل ~~قال : { وقال الكافرون } إظهارا للتعجب ودلالة على أن هذا القول لا يصدر ~~إلا عن الكفر التام ، فإن الساحر هو الذي يمنع من طاعة الله ويدعو إلى طاعة ~~الشيطان ودلالة على أن هذا القول لا يصدر إلا عن الكفر التام ، فإن الساحر ~~هو الذي يمنع من طاعة الله ويدعو إلى طاعة الشيطان وهو عندكم بالعكس من ذلك ~~والكذاب هو الذي يخبر عن الشيء لا على ما هو عليه وهو يخبر عن وجود الصانع ~~القديم الحكيم العليم عن الكذاب هو الذي يخبر عن الشيء لا على ما هو عليه ~~وهو يخبر عن وجود الصانع القديم الحكيم العليم وعن الحشر والنشر وسائر ~~الأشياء التي تثبت بدلائل العقول صحتها فكيف يكون كذابا ، ثم إنه تعالى حكى ~~جميع ما عولوا عليه في إثبات كونه كاذبا وهي ثلاثة أشياء أحدها : ما يتعلق ~~بالإلهيات وثانيها : ما يتعلق بالنبوات وثالثها : ما يتعلق بالمعاد ، أما ~~لشبهة المتعلقة بالإلهيات فهي قولهم : { أجعل الالهة إلاها واحدا إن هاذا ~~لشىء عجاب } روي أنه لما أسلم عمر فرح به المسلمون فرحا شديدا وشق ذك على ~~قريش فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم ومشوا إلى أبي طالب وقالوا أنت ~~شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء يعنون المسلمين فجئناك لتقضي ~~بيننا وبين ابن أخيك فاستحضر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ~~يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السؤال فلا تمل كل الميل على قومك ، فقال ~~صلى الله عليه وسلم ماذا يسألونني ، قالوا ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك ~~وإلهك ، فقال صلى الله عليه وسلم : أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أتعطوني ~~أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم العجم ؟ قالوا : نعم ، قال ~~تقولوا لا إله إلا الله ، فقاموا وقالوا : { أجعل ms7690 الالهة إلاها واحدا * وأن ~~هاذا * لشىء عجاب } أي بليغ في التعجب وأقول منشأة التعجب من وجهين الأول : ~~هو أن القوم ما كانوا من أصحاب النظر والاستدلال بل كانت أوهامهم تابعة ~~للمحسوسات فلما وجدوا في الشاهد أن الفاعل الواحد لا تفي قدرته وعلمه بحفظ ~~الخلق العظيم قاسوا الغائب على الشاهد ، فقالوا : لا بد في حفظ هذا العالم ~~الكثير من آلهة كثيرة يتكفل كل واحد منهم بحفظ نوع آخر الوجه الثاني : أن ~~أسلافهم لكثرتهم وقوة عقولهم كانوا جاهلين مبطلين ، وذها الإنسان الواحد ~~يكون محقا صادقا ، وأقول لعمري لو سلمنا إجراء حكم الشاهد على الغائب من ~~غير ديل وحجة ، لكانت الشبهة الألى لازمة ، بطل أصل كلام المشهبة في الذابت ~~وكلام المشبهة في الأفعال ، أما المشبهة / في الذات فهو أنهم يقولون لما ~~كان كل موجود في الشاهد يجب أن يكون جسما ومختصا بحيز وجب ف يالغائب أن ~~يكون كذلك ، أما المشبهة في الأفعال فهم المعتزلة الذين يقولون أن الأمر ~~الفلاني فبيح منا ، فوجب أن يكون قبيحا من الله ، فثبت بما ذكرنا أنه إن صح ~~كلام هؤلاء المشبهة في الذات وفي الأفعال لزم القطع بصحة شبهة هؤلاء ~~المشركين ، وحيث توافقنا على فسادها على فسادها علمنا أن عمدة المجسمة ~~وكلام المعتزلة باطل فاسد . وأما الشبهة الثانية فلعمري لو كان التقيد حقا ~~لكانت هذه الشهبة لازمة وحيث كانت فاسدة علمنا أن التقليد باطل بقي ههنا ~~أبحاث : # البحث الأولى : أن العجاب هو العجيب إلا أنه أبلغ من العجيب كقولهم طويل ~~وطوال وعريض وعراض وكبير وكبار وقد يشدد للمبالغة كقوله تعالى : { ومكروا ~~مكرا } ( نوح : 22 ) . # الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء عجاب بالتخفيف والتشديد فقال والتشديد ~~أبلغ من التخفيف كقوله تعالى : { ومكروا مكرا كبارا } . PageV26P155 # ثم قال تعالى : { وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا علىءالهتكم } قد ~~ذكرنا أن لملأ عبارة عن القوم الذين إذا حضروا في المجلس فإنه تمتلىء ~~القلوب والعيون من مهابتهم وعظمتهم ، قوله : { منهم } أي من قريش انطلقوا ~~عن مجلس أبي طالب بن ، بعد ما بكتهم رسول الله صلى ms7691 الله عليه وسلم بالجواب ~~العتيد قائلين بعضهم البعض { وانطلق الملا منهم أن امشوا } وفيه مباحث : # البحث الأول : القراءة المشهورة ( أن امشوا ) وقرأ ابن أبي عبلة امشوا ~~بحذف أن ، قال صاحب : ( الكشاف ) ( أن ) بمعنى أي لأن المنطلقين عن مجلس ~~التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما يجري في المجلس المتقدم ، ~~فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول ، وعن ابن عباس : وانطبق الملأ منهم يمشون ~~. # البحث الثاني : معنى أن امشوا أنه قال بعضهم امشوا واصبروا ، فلا حيلة ~~لكم في دفع أمر محمد ، إن هذا لشيء يراد ، وفيه ثلاثة أوجه أحدهما : ظهور ~~دين محمد صلى الله عليه وسلم ليس له سبب ظاهر يثبت أن تزايد ظهوره ، ليس ~~إلا لأن الله يريده ، وما أراد الله كونه فلا دافع له وثانيها : أن الأمر ~~كشيء من نوائب الدهر فلا انفكاك لنا منه وثالثها : أن دينكم لشيء يراد أي ~~يطلب ليؤخذ منكم ، قال الفقال هذه كلمة تذكر للتهديد والتخويف وكأن معناها ~~أنه ليس غرض محمد من هذا القول تقرير الدين ، وإنما عرضه أن يستولى علينا ~~فيحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد . # ثم قال : { ما سمعنا بهاذا فى * الملة الاخرة } والملة الآخرة هي ملة ~~النصارى فقالوا إن هذا التوحيد الذي أتي به محمد صلى الله عليه وسلم ما ~~سمعناه في دين النصارى ، أو يكون المراد بالمراد بالملة الآخرة ملة قريش ~~التي أدركوا آباءهم عليهم ، ثم قالوا : { إن هاذا إلا اختلاق } افتعال وكذب ~~، وحاصل الكلام من هذا الوجه أنهم قالوا نحن ما سمعنا عن أسلافنا القول ~~بالتوحيد ، فوجب أن يكون باطلا ، ولو كان القول بالتقليد حقا لكان كلام ~~هؤلاء المشركين حقا / وحيث كان باطلا علمنا أن القول بالتقليد باطل . # ! 7 < { أءنزل عليه الذكر من بيننا بل هم فى شك من ذكرى بل لما يذوقوا ~~عذاب * أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب * أم لهم م لك السماوات والا ~~رض وما بينهما فليرتقوا فى الا سباب * جند ما هنالك مهزوم من الا حزاب } > ~~7 ! # < < # | ص : ( 8 ) أأنزل عليه الذكر . . . . . # > > اعلم ms7692 أن هذا هو الشبهة الثالثة لأولئك الكفار وهي الشبهة المتعلقة ~~بالنبوات وهي قولهم إن محمدا لما كان مساويا لغيره في الذات والصفات ~~والخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنة فكيف يعقل أن يختص هو بهذا الدرجة ~~العالية والمنزلة الشريفة ؟ وهو المراد من قولهم : { عليه الذكر من بيننا ~~بل } فإنه استفهام على سبيل الإنكار ، وحكى الله تعالى عن قوم صالح أنه ~~قالوا مثل هذا القول فقالوا : { الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر * أشهر ~~} PageV26P156 ( القمر : 25 ) وحكى الله تعالى عن قوم محمد صلى الله عليه ~~وسلم أيضا أنهم قالوا : { لولا نزل هاذا القرءان على رجل من القريتين عظيم ~~} ( الزخرف : 31 ) وتمام الكلام في تقرير هذه الشبهة : أنهم قالوا النبوة ~~أشرف المراتب ، فوجب أن لا تحصل إلا لأشرف الناس ومحمد ليس أشفر الناس ، ~~فوجب أن لا تحصل له والنبوة ، والمقدمتان الأوليان حقيتان لكن الثالثة ~~كاذبة وسبب رواج هذا التغليط عليهم أنهم قالوا النبوة أشرف المراتب ، فوجب ~~أن لا تحصل إلا لأشرف الناس ومحمد ليس أشرف الناس ، فوجب أن لا تحصل له ~~والنبوة ، والمقدمتان الأوليان حقيتان لكن الثالثة كادبة وسبب رواج هذا ~~التغليظ عليهم أنهم ظنوا أن الشرف لا يحصل إلا بالمال والأعوان وذلك باطل ، ~~فإن مراتب السعادة ثلاثة أعلاها هي النفسانية وأوسطها هي البدنية وأدونها ~~هي الخارجية وهي المال والجاه ، فالقوم عكسوا القضية وظنوا بأخس المراتب ~~أشرافها فلما وجدوا المال والجاه عند غيره أكثر ظنوا أن غيره أشرف منه ، ~~فحينئذ انعقد هذا القياس الفاسد في أفكارهم ، ثم إنه تعالى أجاب عن هذه ~~الشبهة من وجوه الأول : قوله تعالى : { بل هم فى شك من ذكرى بل لما يذوقوا ~~عذاب } وفيه وجهان أحدهما : أن قوله : { بل هم فى شك من ذكرى } أي من ~~الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم وذلك لأن كل ما ذكروه من ~~الشبهات فهي كلمات ضعيفة وأما الدلائل التي تدل بنفسها على صحة نبوته ، فهي ~~دلائل قاطعة فلو تأملوا حق التأملفي الكلام لوقفوا على ضعف الشبهات التي ~~تمسكوا بها في ms7693 إبطال النبوة ، ولعرفوا صحة الدلائل الدالة على صحة نبوته ، ~~فحيث لم يعرفوا ذلك كان لأجل أنهم تركووا النظر والاستدلال ، فأما قوله ~~تعالى : { بل لما يذوقوا عذاب } فموقعه من هذا الكلام أنه تعالى يقول هؤلاء ~~إنما تركوا النظر والاستدلال لأني لم أذقهم عذابي ، ولو ذاقوه لم يقع منهم ~~( ءلا الإقبال على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات وثانيها : أن يكون ~~المراد في قوله ؛ { بل هم فى شك من ذكرى } هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر ، ثم أنهم أصروا على الكفر ، ~~ولم ينزل عليهم العذاب ، فصار ذلك سببا لشكهم في صدقه ، وقالوا : { اللهم ~~إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } ( الأنفال : 32 ~~) فقال : { بل هم * شك من ذكرى } معناه ما ذكرناه ، وقوله تعالى : { بل لما ~~يذوقوا عذاب } معناه أن ذلك الشك إنما حصل بسبب عدم نزول العذاب والوجه ~~الثاني : من الوجوه التي ذكرها الله تعالى في الجواب عن تلك الشبهة قوله ~~تعالى : { أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب } وتقرير هذا الجواب أن ~~منصب النبوة منصب عظيم ودرجة عالية والقادر على هبتها يجب أن يكون عزيزا أي ~~كامل القدرة ووهابا أي عظيم الجود وذلك هو لله سبحانه وتعالى ، وإذا كان هو ~~تعالى كامل القدرة وكامل الجود ، لم يتوقف كونه واهبا لهذه النعمة على كون ~~الموهوب منه غنيا أو فقيرا ، ولم يختلف ذلك أيضا بسبب أن أعداءه يحبونه أو ~~يكرهونه والوجه الثالث : في الجواب عن هذه الشبهة قوله تعالى : { أم لهم م ~~لك * السماوات والارض * وما بينهما فليرتقوا * فى * الاسباب } واعلم أنه ~~يجب أن يكون المراد من هذا الكلام مغايرا للمراد من قوله : { أم عندهم ~~خزائن رحمة ربك } يعني أن هذه الأشياء أحد ذكرنا الخزائن أولا على عمومها ~~أردفها بذكر { ملك السماوات والارض * وما بينهما } يعني أن هذه الأشياء أحد ~~أنواع خزائن الله ، فإذا كنتم عاجزين عن هذا القسم ، فبأن تكونوا عاجزين عن ~~كل خزائن الله كان أولى ، فهذا ms7694 PageV26P157 ما أمكنني ذكره في الفرق بين ~~الكلامين ، أما قوله تعالى : { فليرتقوا * فى * الاسباب } فالمعنى أنهم أن ~~ادعوا أن لهم ملك السموات والأرض فعند هذا يقال لهم ارتقوا في الأسباب ~~واصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يرتقوا عليه ويدبروا أمر ~~العالم وملكوت الله وينزلوا الوحي على من يختارون ، واعلم أن حكماء الإسلام ~~استدلوا بقوله : { فليرتقوا * فى * الاسباب } على أن الأجرام الفلكية وما ~~أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله ~~تعالى سمى الفلكيات أسبابا وذلك يدل على ما قلناه والله أعلم ، أما قوله ~~تعالى : { جند ما هنالك مهزوم من الاحزاب } ففيه مقامات من البحث أحدهما : ~~في تفسير هذه الألفاظ والثاني : في كيفية تعلقها بما قبلها أما المقام ~~الأول : فقوله : { جند } مبتدأ وما للإيهام كقوله جئت لأمر ما ، وعندي طعام ~~ما ، و { من الاحزاب } صفة لجند و { مهزوم } خبر المبتدأ وأما قوله : { ~~هنالك } فيجوز أن يكون صفة لجند أي جند ثابت هنالك ، ويجوز أن يكون متعلقا ~~بمهزوم معناه أن الجند من الأحزاب مهزوم هنالك ، أي في ذلك الموضع الذي ~~كانوا يذكرون / فيه هذه الكلمات الطاعنة في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأما المقام الثاني : فهو أنه تعالى لما ضعيفون ، فكيف يكونون مالكي ~~السموات والأرض وما بينهما ، قال قتادة هنالك إشارة إلى يوم بدر فأخبر الله ~~تعالى بمكة أنه سيهزم جند المشركين فجاء تأويلها يوم بدر ، وقيل يوم الخندق ~~، والأصوب عندي حمله على يوم فتح مكة ، وذلك لأن المنى أنهم جند سيصيرون ~~منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات وذلك الموضع هو مكة ، فوجب ~~أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح . والله ~~أعلم . # ! 7 < { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الا وتاد * وثمود وقوم لوط ~~وأصحاب لأيكة أولائك الا حزاب * إن كل إلا كذب الر سل فحق عقاب * وما ينظر ~~هاؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق * وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم ~~الحساب * اصبر ms7695 على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الا يد إنه أواب * إنا ~~سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق * والطير محشورة كل له أواب * ~~وشددنا ملكه وءاتيناه الحكمة وفصل الخطاب } > 7 ! # < < # | ص : ( 12 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . # > > قوله تعالى : { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد * وثمود ~~وقوم لوط وأصحاب لئيكة أولئك الاحزاب * إن كل إلا كذب الر سل فحق عقاب * ~~وما ينظر * هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق } . # اعلم أنه تعالى لما ذكر في الجواب عن شبهة القوم أنهم أنما توانوا ~~وتكاسلوا في النظر والاستدلال ، لأجل أنهم لم ينزل بهم العذاب ، بين تعالى ~~في هذه الآية أن أقوام سائر الأنبياء هكذا كانوا ثم بالآخرة نزل ذلك العقاب ~~، والمقصود منه تخويف أولئك الكفار الذين كانوا يكذبون الرسول في إخباره عن ~~نزول العقاب عليهم ، فذكر الله ستة أصناف منهم أولهم قوم نوح عليه السلام ~~ولما كذبوا نوحا أهلكهم الله بالغرق والطوفان والثاني : عاد قوم هود لما ~~كذبوه أهلكهم الله بالريح والثالث : فرعون لما كذب موسى أهلكه الله مع قومه ~~بالغرق والرابع : ثمود قوم صالح لما كذبوه فأهلكوا بالصيحة والخامس : قوم ~~لوط كذبوه بالخسف والسادس : أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب كذبوه فأهلكوا بعذاب ~~يوم الظلة ، قالوا : وإنما وصف الله فرعون بكونه ذا الأوتاد لوجوه الأول : ~~أن أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاده ، ثم استعير لإثبات العز ~~والملك قال الشاعر : PageV26P158 # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة # في ظل مالك ثابت الأوتاد # قال القاضي حمل الكلام على هذا الوجه أولى لأنه لما وصف بتكذيب الرسل ، ~~فيجب فيما وصف به أن يكون تفخيما لأمر ملكه ليكون الزجر بما ورد من قبل ~~الله تعالى عليه من الهلاك / مع قوة أمره أبلغ والثاني : أنه كان ينصب ~~الخشب في الهواء وكان يمد يدي المعذب ورجليه إلى تلك الخشب الأربع ، ويضرب ~~على كل واحد من هذه الأعضاء وتدا ، ويتركه معلقا في الهواء إلى أن يموت ~~والثالث : أنه كان يمد المعذب بين أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه ms7696 العقارب ~~والحيات والرابع : قال قتادة كانت أوتادا وأرسانا وملاعب يلعب بها عنده ~~والخامس : أن عساكره كانوا كثيرين ، وكانوا كثيري الأهبة عظيمي النعم ، ~~وكانوا يكثرون من الأوتاد لأنهم يقرون أمره ويشدون مملكته كما يقوي الوتد ~~البناء . وأما الإيكة فهي الغيضة المتلتفة . # ثم قال تعالى : { أولئك الاحزاب } وفيه أقوال الأول : أن هؤلاء الذين ~~ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم فأهلكناهم ، فذلك نفعل ~~بقومك ، لأ ه تعالى بين بقوله : ( جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ) ( ص : ~~11 ) أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم جند من الأحزاب ، أي من جنس الأحزاب ~~المتقدمين ، فلما ذكر أنه عامل الأحزاب المتقدمين بالإهلاك كان ذلك تخويفا ~~شديدا لقوم محمد صلى الله عليه وسلم الثاني : أن معنى قوله : { أولئك ~~الاحزاب } مبالغة لوصفهم بالقوة والكثرة / كما يقال فلان هو الرجل ، ~~والمعنى أن حال أولئك الأحزاب مع كمال قوتهم لما كان هو الهلاك والبوار ، ~~فكيف حال هؤلاء الضعفاء المساكين . # واعلم أن هؤلاء الأقوام إن صدقوا بهذه الأخبار فهو تحذير ، وإن لم يصدقوا ~~بها فهو تحذير أيضا ، لأن آثار هذه الوقائع باقية وهو يفيد الظن القوي ~~فيحذرون ، ولأن ذكر ذلك على سبيل التكرير يوجب الحذر أيضا ثم قال : { إن كل ~~إلا كذب الر سل فحق عقاب } أي كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في ~~الترغيب والترهيب ، لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين ، ~~والمقصود منه زجر السامعين ، ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر ~~هلاكهم فكأنه واقع بهم فقال : { وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من ~~فواق } وفي تفسير هذه الصيحة قولان الأول : أن يكون المراد عذابا يفجؤهم ~~ويجيئهم دفعة واحدة ، كما يقال صاح الزمان بهم إذا هلكوا قال الشاعر : # صاح الزمان بآل برمك صيحة # خروا الشدتها على الأذقان # ويشبه أن يكون أصل ذلك من الغارة إذا عافصت القوم فوقعت الصحية فيهم ، ~~ونظيره قوله تعالى : { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } ( ~~يونس : 102 ) الآية والقول الثاني : أن هذه الصيحة هي ms7697 صيحة النفخة الأولى ~~في الصور ، كما قال تعالى في سورة يس : { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم ~~وهم يخصمون } ( يس : 49 ) والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو ~~معد لهم يوم القيامة ، فكأنهم بذلك العذاب وقد جاءهم فجعلهم منتظرين لها ~~على معنى قربها منهم ، كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطرف إليه يطمع كل ~~ساعة في حضوره ، ثم إنه سبحانه وصف هذه الصيحة فقال : { ما لها من فواق } ~~قرأ حمزة PageV26P159 والكسائي { فواق } بضم الفاء ، والباقون بفتحها ، قال ~~الكسائي والفراء / وأبو عبيدة والأخفش : هما لغتان من فواق الناقة . وهو ما ~~بين حلبتي الناقة وأصله من الرجوع ، يقال أفاق من مرضه ، أي رجع إلى الصحة ~~، فالزمان الحاصل بين الحلبتين لعود اللبن إلى الضرع يمسى فواقا بالفتح ~~وبالضم ، كقولك قصاص الشعر وقصاصه ، قال الواحدي : والفواق والفواق إسمان ~~من الأفاقة ، والأفاقة معناها الرجوع والسكون كأفاقة المريض ، إلا أن ~~الفواق بالفتح يجوز أن يقام مقام المصدر ، والفواق بالضم اسم لذلك الزمان ~~الذي يعود فيه اللبن إلى الضرع ، وروى الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية : ( يأمر الله إسرافيل ~~فينفخ نفخة الفزع ، قال فيمدها ويطولها ) وهي التي يقول : { ما لها من فواق ~~} ثم قال الواحدي : وهذا يحتمل معنيين أحدهما : ما لها سكون والثاني : ما ~~لها رجوع ، والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ، ويقال لكل من ~~بقي على حالة واحدة ، إنه لا يفيق منه ولا يستفيق ، والله أعلم . # قوله تعالى : { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب * اصبر على ما ~~يقولون واذكر عبدنا * داوود * ذا الايد إنه أواب } . # اعلم أنا ذكرنا في تفسير قوله : { وعجبوا أن جاءهم م نذر منهم وقال ~~الكافرون هاذا ساحر كذاب } ( ص : 4 ) أن القوم إنما تعجبوا لشبهات ثلاثة ~~أولها : تتعلق بالإلهيات ، وهو قوله : { أجعل الالهة إلاها واحدا } ~~والثانية : تتعلق بالنبوات ، وهو قوله : { عليه الذكر من بيننا بل } ( ص : ~~8 ) والثالثة : تتعلق بالمعادة ، وهو قوله تعالى : { وقالوا ms7698 ربنا عجل لنا ~~قطنا قبل يوم الحساب } وذلك لأن القوم كانوا في نهاية الإنكار للقول بالحشر ~~والنشر / فكانوا يستدلون بفساد القول بالحشر والنشر على فساد نبوته ، والقط ~~والقطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطه إذا قطعه ويقال لصحيفة الجائزة قط ، ~~ولما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد المؤمنين بالجنة ، قالوا على ~~سبيل الاستهزاء : عجل لنا نصيبنا من الجنة ، أو عجل لنا صحيفة أعمالنا حتى ~~ننظر فيها . # واعلم أن الكفار لما بالغوا في السفاهة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حيث قالوا : إنه ساحر كذاب وقالوا له على سبيل الاستهزاء : { عجل لنا قطنا ~~} أمره الله بالصبر على سفاهتهم ، فقال : { اصبر على ما يقولون } فإن قيل . ~~أي تعلق بين قوله : { اصبر على ما يقولون } وبين قوله : { واذكر عبدنا * ~~داوود } ؟ قلنا بيان هذا التعلق من وجوه الأول : كأنه قيل إن كنت قد شاهدت ~~من هؤلاء الجهال جرائتهم على الله وإنكارهم الحشر والنشر ، فاذكر قصة داود ~~حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن / يوم الحشر ، فإن بقدر ما يزداد أحد ~~الضدين شرفا يزداد الضد الآخر نقصانا والثاني : كأنه قيل لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم لا يضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك ، فإنهم إذا خالفوك ~~فالأكابر ، من الأنبياء وافقوك والثالث : أن للناس في قصة داود قولين : ~~منهم من قال إنها تدل PageV26P160 على ذنبه ، ومنهم من قال إنها لا تدل ~~عليه فمن قال بالأول كان وجه المناسبة فيه كأنه قيل لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم إن حزنك ليس إلا ، لأن الكفار يكذبونك ، وأما حزن داود فكان بسبب ~~وقوعه في ذلك الذنب ولا شك أن حزنه أشد ، فتأمل في قصة داود وما كان فيه من ~~الحزن العظيم حتى يخف عليك ما أنت فيه من الحزن ومن قال بالثاني قال : ~~الخصمان لإيذائهما ولا دعا عليهما بسوء بل استغفر لهما على ما سيجيء تقرير ~~هذه الطريقة فلا جرم أمر الله تعالى محمدا عليه السلام بأن يقتدي به في حسن ~~الخلق والخامس : أن قريشا إنما ms7699 كذبوا محمدا عليه السلام واستخفوا به لقولهم ~~في أكثر الأمر إنه يتيم فقير ، ثم إنه تعالى قص على محمد كمال مملكة داود ، ~~ثم بين أنه مع ذلك ما سلم من اوحزان والغموم ، ليعلم أن الخلاص عن الحزن لا ~~سبيل إليه في الدنيا والسادس : أن قوله تعالى : { اصبر على ما يقولون واذكر ~~عبدنا * داوود } غير مقتصر على داود فقط بل ذكر عقيب قصة داود قصص سائر ~~الأنبياء فكأنه قال : { اصبر على ما يقولون } واعتبر بحال سائر الأنبياء ~~ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولا بهم خاص وحزن خاص ، فحينئذ يعلم أن ~~الدنيا لا تنفك عن الهموم والأحزان ، وأن استحقاق الدرجات العالية عند الله ~~لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا ، وهذه وجوه ذكرناها في هذا ~~المقام وههنا وجه آخر أقوى وأحسن من كل ما تقدم ، وسيجيء ذكره إن شاء الله ~~تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله : { كتاب أنزلناه * كتاب أنزلناه إليك ~~مبارك } ( ص : 29 ) واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك حال تسعة من الأنبياء فذكر ~~حال ثلاثة منهم على التفصيل وحال ستة آخرين على الإجمال . # فالقصة الأولى : قصة داود ، واعلم أن مجامع ما ذكره الله تعالى في هذه ~~القصة ثلاثة أنواع من الكلام فالأول : تفصيل ما آتى الله داود من الصفات ~~التي توجب سعادة الآخرة والدنيا والثاني : شرح تلك الواقعة التي وقعت له من ~~أمر الخصمين والثالث : استخلاف الله تعالى إياه بعد وقوع تلك الواقعة أما ~~النوع الأول : وهو شرح الصفات التي آتاها الله داود من الصفات الموجبة ~~لكمال السعادة فهي عشرة الأول : قوله لمحمد صلى الله عليه وسلم : { اصبر ~~على ما يقولون واذكر عبدنا * داوود } فأمر محمدا صلى الله عليه وسلم على ~~جلالة قدره بأن يقتدي في الصبر على طاعة الله بداود وذلك تشريف عظيم وإكرام ~~لداود حيث أمر الله أفضل الخلق محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي به ~~مكارم الأخلاق والثاني : أنه قال في حقه : { عبدنا * داوود } فوصفه بكونه ~~عبدا له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة ms7700 على نهاية التعظيم ، وذلك غاية ~~التشريف ، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى لما أراد أن يشرف محمدا عليه السلام ~~ليلة المعراج قال : { سبحان الذى أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) / فههنا يدل ~~على ذلك التشريف لداود فكان ذلك دليلا على علو درجته أيضا ، فإن وصف الله ~~تعالى الأنبياء بعبوديته مشعر بأنهم قد حققوا معنى العبوذية بسبب الاجتهاد ~~في الطاعة والثالث : قوله : { ذا الايد } أي ذا القوة على أداء الطاعة ~~والاحترازعن المعاصي ، وذلك لأنه تعالى لما مدحه بالقوة وجب أن تكون تلك ~~القوة موجبة للمدح ، والقوة التي توجب المدح العظيم ليست إلا القوة على فعل ~~ما أمر به وترك ما نهى عنه { * والأيد } المذكور ههنا كالقوة المذكورة في ~~قوله : { وعشيا يايحيى خذ الكتاب بقوة } ( مريم : 12 ) وقوله تعالى : { ~~وكتبنا له فى الالواح من كل شىء موعظة وتفصيلا لكل شىء فخذها بقوة } ( ~~الأعراف : 145 ) أي باجتهاد في أداء الأمانة وتشدد في القيام بالدعوة وترك ~~إظهار الوهن والضعف والأيد والقوة سواء ومنه قوله تعالى : { هو الذى أيدك ~~بنصره } ( الأنفال : 62 ) وقوله تعالى : { وأيدناه بروح القدس } ( البقرة : ~~87 ) وقال : { والسماء بنيناها } ( الذاريات : 47 ) وعن PageV26P161 قتادة ~~أعطى قوة في العبادة وفقها في الدين ، وكان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر ~~الرابع : قوله : { الايد إنه أواب } أي أن داود كان رجاعا في أموره كلها ~~إلى طاعتي والأواب فعال من آب إذا رجع كما قال تعالى : { إن إلينا إيابهم } ~~( الغاشية : 25 ) وفعال بناء المبالغة كما يقال قتال وضراب فإنه أبلغ من ~~قاتل وضارب الخامس : قوله تعالى : { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى ~~والإشراق } ونظير هذه الآية قوله تعالى : { فضلا ياجبال أوبى معه والطير } ~~( سبأ : 10 ) وفيه مباحث : PageV26P162 # البحث الأول : وفيه وجوه الأول : أن الله سبحانه خلق في جسم الجبل حياة ~~وعقلا وقدرة ومنطقا وحينئذ صار الجبل مسبحا لله تعالى ونظيره قوله تعالى : ~~{ فلما تجلى ربه للجبل } ( الأعراف : 143 ) فإن معناه أنه تعالى خلق في ~~الجبل عقلا وقدرة ومنطقا وحينئذ صار الجبل مسبحا صلى الله عليه وسلم تعالى ~~ونظيره قوله تعالى : { فلما ms7701 تجلى ربه للجبل } ( الأعراف : 143 ) فإن معناه ~~أنه تعالى خلق في الجبل عقلا وفهما ، ثم خلق فيه رؤية الله تعالى فكذا ههنا ~~الثاني : في التأويل ما رواه القفال في تفسيره أنه يجوز أن يقال إن داود ~~عليه السلام قد أوتي من شدة الصوت وحسنه ما كان له في الجبال دوي حسن ، وما ~~يعصغي الطير إليه لحسنه فيكون دوي الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤه إليه ~~تسبيحا ، وذكر محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحدا من خلقه مثل حصوت ~~داود حتى أنها كانت تسير إلى حيث يريده داود وجعل ذلك السير تسبيحا لأنه ~~كان يدل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته . # البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) { يسبحن } في معنى مسبحات ، فإن ~~قالوا هل من فرق بين يسبحن ومسبحات قلنا نعم ، فإن صيغة الفعل تدل على ~~الحدوث التجدد ، وصيغة الاسم على الدوام على ما بينه عبد القاهر النحوي في ~~كتاب دلائل الإعجاز ، إذا ثبت هذا فنقول قوله : { يسبحن } يدل على / حدوث ~~التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء وحالا بعد حال وكان السامع حاضر تلك الجبال ~~يسمعها تسبح . # والبحث الثالث : قال الزجاج يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت ~~وقيل هما بمعنى / والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس والماء يشرق . # والبحث الرابع : احتجوا على شرعية صلاة الضحى بهذه الآية ، عن أم هانىء ~~قالت : ( دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى ~~صلاة الضحى ، وقا : يا أم هانىء هذه صلاة الإشراق ) وعن طاووس عن ابن عباس ~~قال : ( هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن ؟ قالوا لا ، فقرأ إنا سخرنا ~~الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ) توقال كان يصليها داود عليه السلام ~~وقال لم يزل في نفسي شيء من صلاة الضحى حتى وجدتها في قوله : { يسبحن ~~بالعشى والإشراق } . # الصفة السادسة : من صفات داود عليه السلام وقوله تعالى : { والطير محشورة ~~كل له أواب } وفيه مباحث : # البحث الأول : قوله : { والطير } معطوفة على الجبال والتقدير وسخرنا ~~الطير محشورة ، قال ابن عباس رضي ms7702 الله عنهما كان داود إذا سبح جاوبته ~~الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه ، واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على ~~هذا التقدير حاشرها هو الله { فان قيل } كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع ~~أنه لا عقل لها ، قلنا لا يبعد أن يقال إن الله تعالى كان يخلق لها عقلا ~~حتى تعرف الله فتسبحه حينئذ ، وكان معجزة لداود عليه السلام . # البحث الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { محشورة } في مقابلة { يسبحن ~~} إلا أنه ليس في الحشر مثل ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث ~~شيئا بعد شيء ، فلا جرم جيء به اسما لا فعلا ، وذلك أنه قال لو قيل وسخرنا ~~الظير محشورة يسبحن على تقدير أن الحشر وجد من حاشرها جملة واحدة دل على ~~القدر المذكور والله أعلم . # البحث الثالث : قرىء { والطير محشورة } بالرفع . # الصفة السابفة : من صفات داود عليه السلام ، قوله تعالى : { كل له أواب } ~~ومعناه كل واحد من الجبال والطير أواب أي رجاع ، أي كلما رجع داود إلى ~~التسبيح جاوبته ، فهذه الأشياء أيضا كانت ترجع إلى تسبيحاتها ، والفرق بين ~~هذه الصفة وبين ما قلبها أن فيما سبق علمنا أن الجبال والطير سبحت مع تسبيح ~~داود عليه السلام ، وبهذا اللفظ فهمنا دوام تلك الموافقة وقيل الضمير في ~~قوله : { كل له أواب } لله تعالى أي كل من داود والجبال والطير لله أواب أي ~~مسبح مرجع للتسبيح . # الصفة الثامنة : قوله تعالى : { وشددنا ملكه } أي قويناه وقال تعالى : { ~~سنشد عضدك بأخيك } ( القصص : 35 ) وقيل شددنا على المبالغة ، وأما الأسباب ~~الموجبة لحصول هذا الشد فكثيرة ، وهي إما الأسباب الدنيوية أو الدينية ، ~~أما الأول فذكروا فيه وجهين الأول : روى الواحدي عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل ، فإذا ~~أصبح قيل ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله ، وزاد آخرون فذكروا أربعين ألفا . ~~قالوا وكان أشد ملوك الأرض سلطانا ، وعن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا ادعى ~~عند داود على رجل أخذ منه بقرة ms7703 فأنكر المدعي علهي ، فقال داود للمدعي أقم ~~البينة فلم يقمها ، فرأى داود في منامه . أن الله يأمره أن يقتل المدعي ~~عليه فثبت داود وقال هو منام فأتاه الوحي بعد ذلك بأن تقتله فاحضره وأعلمه ~~أن أمره بقتله ، فقال المدعي عليه صدق الله إني كنت قتلت أبا هذا الرجل ~~غيلة فقتله داود . فهذه الواقعة شددت ملكه ، وأما الأسباب الدينية الموجبة ~~لهذا الشد فهي الصبر والتأمل التام والاحتياط الكامل . # الصفة التاسعة : قوله : { وشددنا ملكه } واعلم أنه تعالى قال : { ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) واعلم أن الفضائل على ثلاثة ~~أقسام النفسانية والبدنية والخارجية ، والفضائل النفسانية محصورة في قسمين ~~العلم والعمل / أما العلم فهو أن تصير النفس بالتصورات الحقيقية والتصديقات ~~النفسانية بمقتضي الطاقة البشرية ، وأما العمل فهو أن يكون الإ سان آتيا ~~بالعمل الأصلح الأصوب بمصالح الدنيا والآخرة ، فهذا هو الحكمة وإنما سمي ~~هذا بالحمة لأن اشتقاق الحكمة من إحكام الأمور وتقويتها وتبعيدها عن أسباب ~~الرخاوة والضعف ، والاعتقادات الصائبة الصحيحة لا تقبل النسخة والنقض فكانت ~~في غاية الإحكام ، وأما الأعمال المطابقة لمصالح الدنيا والآخرة فإنها ~~واجبة الرعاية ولا تقبل PageV26P163 النقض والنسخ ، فلهذا السبب سمينا تلك ~~المعارف وهذه الأعمال بالحكمة . # الصفة العاشرة : قوله : { وفضل * الخطاب } واعلم أن أجسام هذا العالم على ~~ثلاثة أقسام أحدهما : ما تكون خالية عن الإدراك والشعور وهي الجمادات ~~والنباتات وثانيها : التي يحصل لها إدراك وشعور ولكنها لا تقدر على تعريف ~~غيرها الأحوال التي عرفوها في الأكثر وهذا القسم هو جملة الحيوانات سوى ~~الإنسان وثالثها : الذي يحصل له إدراك وشعور ويحصل عنده قدرة على تعريف ~~غيره الأحوال المعلومة له ، وذلك هو الإنسان وقدرته على تعريف غيره الأحوال ~~المعلومة ، له ، وذلك هو الإنسان وقدرته على تعريف الغير الأحوال المعلومة ~~عنده بالنطق والخطاب ، ثم إن الناس مختلفون في مراتب القدرة على التعبير ~~عما في الضمير ، فمنهم من يتعذر عليه إيراد الكلام المرتب المنتظم بل يكون ~~مختلط الكلام مضطرب القول ، ومنهم من يتعذر عليه الترتيب من بعض الوجوه ، ~~ومنهم من يكون ms7704 قادرا على ضبط المعنى والتعبير عنه إلى / أقص الغايات ، وكل ~~من كانت هذه القدرة في حقه أكمل كانت الآثار الصادرة عن النفس النطقية في ~~حقه أكمل ، وكل من كانت تلك القدرة في حقه أقل كانت تلك الآثار أضعف ، ولما ~~بين الله تعالى كمال حال جوهر النفس النطقية التي لداود بقوله : { وشددنا ~~ملكه } أردفه ببيان كمال حاله في النطق واللفظ والعبارة فقال وفصل الخطاب ~~وهذا الترتيب في غاية الجلالة ، ومن المفسرين من فسر ذلك بأن داود أول من ~~قال في كلامه أما بعد ، وأقول حقا إن الذين يتبعون أمثال هذه الكلمات فقد ~~حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرمانا عظيما والله أعلم ، وقول من ~~قال المراد معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين ~~فبعيد أيضا ، لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادرا على التعبير عن كل ما ~~يخطر بالبال ويحضر في الخيال ، بيحث لا يختلط شيء بشيء ، وبحيث ينفصل كل ~~مقام عن مقام ، وهذا معنى عام يتناول جميع الأقسام والله أعلم ، وههنا آخر ~~الكلام في الصفات العشرة التي ذكرها الله تعالى في مدح داود عليه السلام . # ! 7 < { وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داوود ~~ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا ~~تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط * إن هذآ أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة ~~واحدة فقال أكفلنيها وعزنى فى الخطاب * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ~~وإن كثيرا من الخلطآء ليبغىبعضهم على بعض إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ~~ذالك وإن له عندنا لزلفى وحسن مأاب } > 7 @QB@ < # | ص : ( 21 ) وهل أتاك نبأ . . . . . # > > PageV26P164 # اعلم أن الله تعالى لما مدحه وأثنى عليه من الوجوه العشرة أردفه بذكر قصة ~~ليبين بها أن الأحوال الواقعة في هذه القصة لا يبين شيء منها كونه عليه ~~السلام مستحقا للثناء والمدح العظيم . # أما قوله تعالى : { وهل أتاك ms7705 نبؤا الخصم } فهو نظير قوله تعالى : { هل ~~أتاك حديث موسى } ( طه : 9 ) وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة ~~المستفهم عنها ، ليكون داعيا إلى الإصغاء لها والاعتبار بها ، وأقول للناس ~~في هذه القصة ثلاثة أقوال أحدها : ذكر هذه القصة على وجه يدل على صدور ~~الكبيرة عنه وثانيها : دلالتها على الصغيرة وثالثها : بحيث لا تدل على ~~الكبيرة ولا على الصغيرة . # فأما القول الأول فحاصل كلامهم فيها ؛ أن داود عشق امرأة أوريا ، فاحتال ~~بالوجوه الكثيرة حتى قتل زوجها ثم تزوج بها فأرسل الله إليه ملكين مفي صورة ~~المتخاصمين في واقعة شبيهة بواقعته ، وعرضا تلك الواقعة عليه . فحكم داود ~~بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنبا ، ثم تنبه لذلك فاشتغل بالتوبة . # والذي أدين به وأذهب إليه أن ذلك باطل ويدل عليه وجوه الأول : أن هذه ~~الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجورا لا ستنكف منها والرجل الحشوي ~~الخبيث الذي يقرر تلك القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه ~~وربما لعن من ينسبه إليها ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل نسبة ~~المعصوم إليه الثاني : أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل ~~مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول : فأمر منكر قال صلى الله عليه ~~وسلم : ( من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين ~~عينيه آيس من رحمة الله ) وأما الثاني : فمنكر عظيم قال صلى الله عليه وسلم ~~: ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) وإن أوريا لم يسلم من داود لا ~~في روحه ولا في منكوحه والثالث : أن الله تعالى وصف داود عليه السلام قبل ~~ذكر هذه القصة بالصفات العشرة المذكورة ، ووصفه أيضا بصفات كثيرة بعد ذكر ~~هذه القصة ، وكل هذه الصفات تنافي كونه عليه السلام موصوفا بهذا الفعل ~~المنكر والعمل القبيح ، ولا بأس بإعادة هذه الصفات لأجل المبالغة في البيان ~~. # فنقول أما الصفات الأولى : فهي أنه تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بأن يقتدي بداود في ms7706 المصابرة مع المكابدة ، ولو قلنا إن داود لم يصبر على ~~مخالفة النفس بل سعي في إراقة دم امرىء مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم ~~الحاكمين أن يأمر محمدا أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله ~~. # وأما الصفة الثانية : فهي أن وصفه بكونه عبدا له ، وقد بينا أن المقصود ~~من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملا في موقف العبودية تاما في القيام ~~بأدار الطاعات والاحتراز عن المحظورات / ولو قلنا إن داود عليه السلام ~~اشتغل بتلك الأعمال الباطلة ، فحينئذ ما كان داود كاملا / في عبوديته لله ~~تعالى بل كان كاملا في طاعة الهوى والشهوة . # الثفة الثالثة : هو قوله : { ذا الايد } ( ص : 17 ) أي ذا القوة ، ولا شك ~~أن المراد منه القوة في الدين ، لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ~~ملوك الكفار ، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة على أداء ~~الواجبات ، PageV26P165 والاجتناب عن المحظورات ، وأي قوة لمن لم يملك نفسه ~~عن القتل والرغبة في زوجة المسلم ؟ # الصفة الرابعة : كونه أوابا كثير الرجوع إلى الله تعالى ، وكيف يليق هذا ~~بمن يكون قلبه مشغوفا بالقتل والفجور ؟ . # الصفة الخامسة : قوله تعالى : { إنا سخرنا الجبال معه } ( ص : 18 ) أفترى ~~أنه سخرت له الجبال ليتخذه وسيلة إلى القتل والفجور ؟ . # الصفة السادسة : قوله : { والطير محشورة } ( ص : 19 ) ، وقيل إنه كان ~~محرما عليه صيد شيء من الطير وكيف يعقل أن يكون الطير آمنا منه ولا ينجو ~~منه الرجل المسلم على روحه ومنكوحه ؟ . # الصفة السابعة : قوله : { وشددنا ملكه } ومحال أن يكون المراد أنه تعالى ~~شدد ملكه بأسباب الدنيا ، بل المراد أنه تعالى شد ملكه بما يقوي الدين ~~وأسباب سعادة الآخرة ، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لا يملك ~~نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك ؟ . # الصفة الثامنة : قوله تعالى : { وشددنا ملكه وءاتيناه الحكمة } ( ص : 20 ~~) والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علما وعملا ، فكيف يجوز أن يقول الله ~~تعالى : إنا { ءاتيناه * الحكمة وفصل الخطاب } مع إصراره على ما يستنكف عنه ~~الخبيث ms7707 الشيطان من مزاحمة أخلص أصحابه في الروح والمنكوح ، فهذه الصفات ~~المذكورة قبل شرح تلك القصة دالة على براءة ساحته عن تلك الأكاذيب . # وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فهي عشرة الأول : قوله : { فغفرنا له ~~ذالك وإن له عندنا } وذكر هذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة على ~~قوته في طاعة الله ، أما لو كانت القصة المتقدمة دالة على سعيه في القتل ~~والفجور لم يكن قوله : { وإن له عندنا لزلفى } لائقا به الثاني : قوله ~~تعالى : { مئاب ياداوود إنا جعلناك خليفة فى الارض } وهذا يدل على كذب تلك ~~القصة من وجوه أحدهما : أن الملك الكبير إذا حكى عن بعض عبيده ) أنه قصد ~~دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فبعد فراغه من شرح القصة على ملأ من الناس ~~يقبح منه أن يقول عقيبه أيها العبد أني فوضت إليك خلافتي ونيابتي ، وذلك ~~لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر ، فأما جعله ~~نائبا وخليفة لنفسه فذلك ألبتة مما لا يليق وثانيها : أنه ثبت في أصول ~~الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، ~~فلما حكى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة ، ثم قال بعده : { إنا جعلناك ~~خليفة فى الارض } أشعر هذا بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك ~~الأفعال المنكرة ؛ ومعلوم أن هذا فاسد ، أم لو / ذكر تلك القصة على وجوه ~~تدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدة مصابرته على طاعة الله ~~تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه { إنا جعلناك خليفة فى الارض } ( ص : 26 ~~) فثبت أن هذا الذي نختاره أولى والثالث : وهو أنه لما كانت مقدمة الآية ~~دالة على مدح داود عليه السلام وتعظيمه ومؤخرتها أيضا دالة على ذلك ، فلو ~~كانت الواسطة دالة على القبائح والمعائب لجرى مجرى أن يقال فلان عظيم ~~PageV26P166 الدرجة عالي المرتبة في طاعة الله يقتل ويزني ويسرق وقد جعله ~~الله خليفة في أرضه وصوب أحكامه / وكما أن هذه الكلام مما لا يليق بالعاقل ~~فكذا ههنا ، ومن المعلوم أن ذكر العشق ms7708 والسعي في القتل من أعظم أبواب ~~العيوب والرابع : وهو أن القائلين بهذا القول ذكروا في هذه الرواية أن داود ~~عليه السلام تمنى أن يحصل له في الدين كما حصل للأنبياء المتقدمين من ~~المنازل العالية مثل ما حصل للخليل من الإلقاء في النار وحصل للذبيح من ~~الذبح وحصل ليعقوب من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه أنهم ~~إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه ~~السلام الابتلاء ، فأوحى الله إليه أنك ستبلى في يوم كذا فبالغ في الاحتزاز ~~ثم وقعت الواقعة ، فنقول أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء ~~الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعي في قتل أول حكايتهم يدل على ~~أن الله تعالى بيتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه ~~فالسعي في قتل النفس بغير الحق والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة ، ~~ويثبت أن الحكاية التي ذكروها يناقض أولها أخرها الخامس : أن داود عليه ~~السلام قال : { وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض * إلى الذين * ~~ءامنوا } استثنى الذين آمنوا عن البغي ، فلو قلنا إنه كان موصوفا بالبغي ~~لزم أن يقال إنه حكم بعد الإيمان على نفسه وذلك باطل السادس : حضرت في بعض ~~المجالس وحضر فيه بعض أكابر الملوك وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول ~~الفاسد والقصة الخبيئة لسبب اقتضى ذلك ، فقلت له لا شك أن داود عليه السلام ~~كان من أكابر الأنبياء والرسل ، ولقد قال الله تعالى : { الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته } ( الأنعام : 124 ) ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح ~~العظيم لم يجز لنا أن نبالغ الطعن فيه ، وأيضا فبتقدير أنه ما كان نبيا فلا ~~شك أنه كان مسلما ، ولقد قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تذكروا موتاكم إلا ~~بخير ) ثم على تقدير أنا لا نلتفت إلى شيء من هذه الدلائل إلا أنا نقول إن ~~من المعولم بالضرورة أن يتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها حقيقية صحيحة ~~فإن روايتها وذكرها لا يوجب شيئا من ms7709 الثواب ، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب ~~العقاب فلا أقل من أن لا توجب الثواب ، وأما بتقدير أن تكون هذه القصة ~~باطلة فاسدة ، فإن ذاكرها يستحق أعظم العقاب والواقعة التي هذا سؤنها ~~وصفتها ، فإن صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه ، ~~وأن شرح تلك القصة محرم محظور فلما سمع ذلك الملك هذا الكلام سكت . ولم ~~يذكر شيئا السابع : أن ذكر هذه القصة ، وذكر قصة يوسف عليه السلام يقتضي ~~إشاعة فوجب أن يكون محرما لقوله تعالى : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة ~~فى الذين ءامنوا } ( النور : 19 ) الثامن : لو سعى داود في قتل ذلك الرجل ~~لدخل تحت قوله : ( من سعى / في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة ~~مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ) وأيضا لو فعل ذلك لكان ظالما فكان ~~يدخل تحت قوله : { ألا لعنة الله على الظالمين } التاسع : عن سعيد بن ~~المسيب أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : ( من حدثكم بحديث داود على ما ~~يرويه القصاص جلدته مائة وستين ) وهو حد الفرية على الأنبياء ، ومما يقوي ~~هذا أنهم لما قالوا إن المغيرة بن شعبة زني وشهد ثلاثة من عدول الصحابة ~~بذلك ، وأما الرابع فإنه لم يقل بأني رأيت ذلك العمل . يعني فإن عمر بن ~~الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا ، ~~وإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك ، فكيف الحال مع داود عليه ~~السلام مع أنه من أكابر الأنبياء عليهم السلام العاشر : روي أن بعضهم ذكر ~~هذه القصة على ما في كتاب الله تعالى فقال لا ينبغي أن يزاد عليها / وإن ~~كانت الواقعة على ما ذكرت ، ثم إنه تعالى لم يذكرها لأجل أن يستر تلك ~~الواقعة على داود عليه السلام ، فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ذلك الستر ~~بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال PageV26P167 عمر : ( سماعي هذا الكلام أحب ~~إلي مما طلعت عليه الشمس ) فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن ms7710 القصة التي ~~ذكروها فاسدة باطلة ، فإن قال قائل : إن كثيرا من أكابر المحدثين والمفسرين ~~ذكروا هذه القصة ، فكيف الحال فيها ؟ فالجواب الحقيقي أنه لما وقع التعارض ~~بين الدلائل القاطعة وبين خبر واد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل ~~القاطعة أولى ، وأيضا فالأصل بين الذمة ، وأيضا فلما تعارض دليل التحريم ~~والتحليل كان جانب التحريم أولى ، وأيضا طريقة الاحتياط توجب تورجيح قولنا ~~، وأيضا فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير وقوع هذه الواقعة لا يقول الله لنا ~~يوم القيامة لم لم تسعوا في تشهير هذه الواقعة ؟ وأما بتقدير كونها باطلة ~~فإن علينا في ذكرها أعظم العقاب ، وأيضا فقال عليه السلام : التي ذكرناها ~~قائمة فوجب أن لا تجوز الشهادة بها ، وأيضا كل المفسرين لم يتفقوا على هذا ~~القول بل الأكثرون المحقون والمحققون منهم يردونه ويحكمون عليه بالكذب ~~والفساد ، وأيضا إذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدثين فيه تساقطت وبقي ~~الرجوع إلى الدلائل التي ذكرناها فهذا تمام الكلام في هذه القصة . # أما الاحتمال الثاني : وهو أن تحمل هذه القصة على وجه يوجب حصول الصغيرة ~~ولا يوجب حصول الكبير ، فنقول في كيفية هذه القصة على هذا التقدير وجوه ~~الأول : أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها داود فأثره أهلها ، ~~فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه الثاني : قالوا إنه ~~وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في ذها ذنب ألبتة ، أما وقع بصره ~~لعيها من غير قصد فذلك لي بذنب ، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضا ~~ذنبا لأن هذا الميل ليس في وسعه ، فلا يكون مكلفا به بل لما اتفق أن قتل ~~زوجها لم يتأذ تأذيا عظيما بسبب / قتله لأجل أنه طمع أ يتزوج بتلك المرأة ~~فحصلت الزلة بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل والثالث : ~~أنه كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضا أن يطلق امرأته حتى ~~يتزوجها وكانت عادتهم في هذا المعنى مألوفة معروفة أوى أن الأنصار كانوا ~~يساوون المهاجرين بهذا المعنى فاتفق ms7711 أن عين داود عليه السلام وقعت على تلك ~~المرأة فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل ~~له هذا وإن كان جائزا في ظاهر الشريعة ، إلا أنه لا يليق بك ، فإن حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين ، فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد ~~منها لم يلزم في حق داود عليه السلام إلا ترك الأفضل والأولى . # وأما الإحتمال الثالث : وهو أن هذه القصة على وحه لا يلزم إلحاق الكبيرة ~~والصغيرة بداود عليه السلام ، بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح أعظم أنواع ~~المدح والثناء به وهو أن نقول روي أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا ~~نبي الله داود عليه السلام ، وكان له يوم يخلو فيه ننفسه ويشتغل بطاعة ربه ~~، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوروا المحراب ، فلما دخلوا عليه وجدوا ~~عنده أقواما يمنعونه منهم فخافوا فوضعوا كذبا ، فقالوا خصمان بغي بعضنا على ~~بعض إلى آخر القصة ، ولي في لفظ القرآن ما يمكن أن يحتج به في إلحاق الذنب ~~PageV26P168 بداود إلا ألفاظ أربعة أحدهما : قوله : { وظن * داوود * أنما ~~فتناه } ، وثانيها : قوله تعالى : ( فاستغفر ربه ) وثالثها : قوله : { ~~وأناب } ورابعها : قوله : { فغفرنا له ذالك } ثم نقول ، وهذه الألفاظ لا ~~يدل شيء منها على ما ذكروه ، وتقريره من وجوه الأول : أنهم لما دخول عليه ~~لطلب قتله بهذا الطريق / وعلم داود عليه السلام ذلك دعاه الغضب إلى أن ~~يشتغل بالانتقام منهم ، إلا أنه قال إلى الصفح والتجاوز عنهم طلبا لمرضاة ~~الله ، قال وكانت هذه الواقعة هي الفتنة لأنها جارية مجرى الابتلاء ~~والامتحان ، ثم إنه استغفر ربه مما هم به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك ~~الهم وأناب ، فغفر له ذلك القدر من الهم والعز والثاني : أنه وإن غلب على ~~ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه ، إلا أنه ندم على ذلك الظن ، وقال : لما لم ~~تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك ، فبئسما علمت بهم حيث ظننت بهم هذا ~~الظن الرديء ، فكان هذا هو المراد من قوله : { وظن * داوود * أنما فتناه ms7712 ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب } منه فغفر الله له ذلك الثالث : أن دخولهم ~~عليه كان فتنة لداود عليه السلام ، إلا أنه عليه السلام استغفر لذلك الداخل ~~العازم على قتله ، كما قال في حق محمد صلى الله عليه وسلم : { واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ( محمد : 19 ) فداود عليه السلام استغفر لهم ~~وأناب ، أي رجع إلى الله تعالى في طلب مغفرة ذلك الداخل القاصد للقتل ، ~~وقوله : { فغفرنا له ذالك } أي غفرنا له ذلك الذنب لأجل احترام ذاوود ~~ولتعظيمه ، كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى : { ليغفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك } ( الفتح : 2 ) أن معناه أن الله تعالى يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ~~ذنب أمتك الرابع : هب أنه تاب داود عليه السلام عن زلة صدرت منه ، لكن لا ~~نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة ، فلم لا يجوز أن تيقال إن تلك الزلة ~~إنما حصلت ، لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن سمع كلام الخصم الثاني ، فإن / ~~لما قال : { لقد * ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } فحكم عليه بكونه ظالما ~~بمجرد دعوى الخصم بغير بينة ، لكون هذا الحكم مخالفا للصواب ، فعند هذا ~~اشتغل بالاستغفار والتوبة ، إلا أن هذا في باب ترك الأفضل والأولى فثبت ~~بهذه البيانات أنا إذا حملنا هذه الآثات على هذا الوجه ، فإنه لا يلزم ~~إسناد شيء من الذنوب إلى داود عليه السلام ، بل ذلك يوجب إسناد أعظم ~~الطاعات إليه ، ثم نقول وحمل الآية عليه أولى لوجوه الأول : أن الأصل في ~~حال المسلم البعد عن المناهي ، لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل ~~والثاني : أنه أحوط والثالث : أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم : { واصبر على ما يقولون * واذكر عبدنا * داوود } ( ص : 17 ) فإن ~~قوم محمد عليه السلام لما أظهروا السفاهة حيث قالوا : { هاذا ساحر كذاب } ( ~~ص : 4 ) واستهزأوا به حيث قالوا : { ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } ( ~~ص : 16 ) فقال تعالى في أول الآية : اصبر يا محمد على سفاهتهم وتحمل وتحلم ~~ولا تظهر الغضب ms7713 واذكر عبدنا داود ، فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه ~~السلام قد صبر على إيذائهم وتحمل سفاهتهم وحلم ولم يظهر الطيش والغضب ، ~~وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه ، أما إذا حملناها ~~على ما ذكروه صار الكلام متناقضا فاسدا والرابع : أن تلك الرواية إنما ~~تتمشى إذا قلنا الخصمان كانا ملكين ، ولما كانا من الملائكة وما كان ~~PageV26P169 بينهما مخاصمة وما بغى أحدهما على الآخر كان قولهما خصمان بغى ~~بعضنا على بعض كذبا ، فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين أحدهما : إسناد الكذب ~~إلى الملائكة والثاني : أن يتوسل بإسناد الكذب إلى الملائكة إلى إسناد أفحش ~~القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء ، فأما إذا حملنا الآية على ما ~~ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة ، وعن إسناد القبيح إلى ~~الأنبياء ، فكان قولنا أولى ، فهذا ما عندنا في هذا الباب / والله أعلم ~~بأسرار كلامه ، ونرجع الآن إلى تفسير الآيات . أما قوله : { وهل أتاك نبؤا ~~الخصم } قال الواحدي : الخصم مصدر خصمته أخصمه خصما ، ثم يسمى به الإثنان ~~والجمع ولا يثنى ولا يجمع ، يقال هما خصم وهم خصم ، كما يقال هما عدل وهم ~~عدل ، والمعنى ذوا خصم وذوو خصم ، وأريد بالخصم ههنا الشخصان اللذان دخلا ~~على داود عليه السلام ، وقوله تعالى : { إذ تسوروا المحراب } يقال تسورت ~~السور تسورا إذا علوته ، ومعنى : { تسوروا المحراب } أي أتوه من سوره وهو ~~أعلاه ، يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من قبل سورها . وأما المحراب ~~فالمراد منه البيت الذي كان داود يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه ، وسمي ذلك ~~البيت المحراب لاشتماله على المحراب ، كما يسمى الشيء بأشرف أجزائه ، وههنا ~~مسألة من علم أصول الفقه ، وهي أن أقل الجمع اثنان عند بعض الناس ، وهؤلاء ~~تمسكوا بهذه الآية ، لأنه تعالى ذكر صيغة الجمع في هذه الآيات في / أربعة ~~مواضع أحدهما : قوله تعالى : { إذ تسوروا المحراب } ( ص : 21 ) ، وثانيها : ~~قوله : { إذ دخلوا } ، وثالثها : قوله : { منهم } ، ورابعها : قوله : { ~~قالوا لا تخف } فهذه الألفاظ الأربعة لها صيغ الجمع ، وهم كانوا اثنين ~~بدليل ms7714 أنهم قالوا خصمان ، قالوا فهذه الآية تدل على أن أقل اسما فإنه لا ~~يثنى ولا يجمع ، ثم قال تعالى : { إذ دخلوا على * داوود } والفائدة فيه ~~أنهم ربما تسوروا المحراب وما دخلوا عليه ، فلما قال : { إذ دخلوا عليه } ~~دل على أنهم بعد التسور دخلوا عليه ، قال الفراء : وقد يجاء بإذ مرتين ~~ويكون معناهما كالواحد ، كقولك ضربتك إذ دخلت علي إذ اجترأت ، مع أنه يكون ~~وقت الدخول ووقت الاجتراء واحدا ، ثم قال تعالى : { ففزع منهم } والسبب أن ~~داود عليه السلام لما رآهما قد دخلوا عليه لا من الطريق المعتاد ، علم أنهم ~~إنما دخلوا عليه للشر ، فلا جرم فزع منهم ، ثم قال تعالى : { قالوا لا تخف ~~خصمان بغى بعضنا على بعض } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : خصمان خبر مبتدأ محذوف ، أي نحن خصمان . # المسألة الثانية : ههنا قولان الأول : أنهما كانا ملكين نزلا من السماء ~~وأراد تنبيه داود عليه السلام على قبح العمل الذي أقدم عليه والثاني : ~~أنهما كانا إنسانين دخلا عليه للشر والقتل ، فظنا أنهما يجدانه خاليا ، ~~فلما رأيا عنده جماعة من الخدم اختلقا ذلك الكذب لدفع الشر ، وأما ~~المنكرونت لكونهما ملكين فقد احتجوا عليه بأنهما لو كانا ملكين لكانا ~~كاذبين في قولهما { خصمان } فإنه ليس بين الملائكة خصومة ، ولكانا كاذبين ~~في قولهما : { بغى * بعضهم على بعض } ولكانا كاذبين في قولهما : { إن هذا ~~أخى له تسع وتسعون نعجة } فثبت أنهما لو كانا مليكين كاذبين والكذب على ~~الملك غير جائز لقوله تعالى : { لا يسبقونه بالقول } ( الأنبياء : 27 ) ~~ولقوله : { ويفعلون ما يؤمرون } ( النخل : 50 ) أجاب الذاهبون إلى القول ~~الأول عن هذا الكلام بأن قالوا إن الملكين إنما ذكرا هذا الكلام على سبيل ~~ضرب المثل لا على سبيل التحقيق فلم يلزم الكذب ، وأجيب PageV26P170 عن هذا ~~الجواب بأن ما ذكرتم يقتضي العدول عن ظاهر اللفظ ، ومعلوم أنه على خلاف ~~الأصل ، أما إذا حملنا الكلام على أن الخصمين كانا رجلين دخلا عليه لغرض ~~الشر ثم وضعا هذا الحديث الباطل ، فحينئذ لزم إسناد الكذب إلى شخصين فاسقين ~~فكان هذا أولى ms7715 من القول الأول والله أعلم ، وأما القائلون بكونهما ملكين ~~فقد احتجا بوجوه الأول : اتفاق أكثر المفسرين عليه والثاني : أنه أرفع ~~منزلة من أن يتسور عليه آحاد الرعية في حال تعبده فيجب أن يكون ذلك من ~~الملائكة الثالث : أن قوله تعالى : { قالوا لا تخف } كالدلالة على كونهما ~~ملكين لأن من هو من رعيته لا يكاد يقول له مثل ذلك مع رفعة منزلته الرابع : ~~أن قولهما : { ولا تشطط } كالدلالة على كونهما ملكين لأن أحدا من رعيته لا ~~يتجاسر أن يقول له تظلم ولا تتجاوز عن الحق ، واعلم أن ضعف هذه الدلائل ~~ظاهر ، ولا حاجة إلى الجواب ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : { بغى بعضنا على بعض } أي تعدى وخرج عن الحد يقال بغى ~~الجرح / إذا أفرط وجعه وانتهى إلى الغاية ، يوقال بغت المرأة إذا زنت ، لأن ~~الزنا كبيرة منكرة ، قال تعالى : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء } ( ~~النور : 33 ) ثم قال : { فاحكم بيننا بالحق } معنى الحكم إحكام الأمر في ~~آمضاء تكليف الله عليهما في الواقعة ، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنع من ~~الجماح ، ومنه بناء محكم إذا كان قويا ، وقوله : { بالحق } أي بالحكم الحق ~~وهو الذي حكم الله به { ولا تشطط } يقال شط الرجل إذا بعد ، ومنه قوله : ~~شطت الدار إذا بعدت ، قال تعالى : { لقد قلنا إذا شططا } ( الكهف : 14 ) أي ~~قولا بعيدا عن الحق ، فقوله : { ولا تشطط } أي لا تبعد في هذا الحكم عن ~~الحق ، ثم قال : { واهدنا إلى سواء الصراط } وسواء الصراط هو وسطه ، قال ~~تعالى : { فاطلع فرءاه فى سواء الجحيم } ( الصافات : 55 ) ووسط الشيء أفضله ~~وأعدله ، قال تعالى : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) وأقول ~~إنهم عبروا عن المقصود الواحد بثلاث عبارات أولها : قولهم فاحكم بالحق ~~وثانيها : قولهم : { ولا تشطط } وهي نهي عن الباطل وثالثها : قولهم : { ~~واهدنا إلى سواء الصراط } يعنى يجب أن يكون سعيك في إيجاد هذا الحق . وفي ~~الاحتراز عن هذا الباطل أن تردنا من الطريق الباطل إلى الطريق الحق ، وهذا ~~مبالغة تامة في تقرير المطلوب ، واعلم أنهم لما أخبروا عن ms7716 وقوع الخصومة على ~~سبيل الإجمال أردفوه ببيان سبب تلك الخصومة على سبيل التفصيل ، فقال : { إن ~~هذا أخى له تسع وتسعون نعجة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صحاب ( الكشاف ) { أخى } يدل من هذا أو خبر لقوله : ~~{ ءان } والمراد أخوة الدين أو أخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة ~~والخلطة ، لقوله تعالى : { وإن كثيرا من الخلطاء } وكل واحدة من هذه ~~الأخوات توجب الامتناع من الظلم والاعتداء . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { تسع وتسعون } بفتح التاء ~~ونعجة بكسر النون ، وهذا من اختلاف اللغات نحو نطع ونطع ، ولقوة وهي الأنثى ~~من العقبان . # المسألة الثالثة : قال الليث : النعجة الأنثى من الضأن والبقرة الوحشية ~~والشاة الجبلية ، والجمع النعجات ، والعرب جرت عادتهم بجعل النعجة والظبية ~~كناية عن المرأة . # المسألة الرابعة : قرأ عبد الله : { تسع وتسعون نعجة * أنثى } وهذا يكون ~~لأجل التأكيد كقوله تعالى : { وقال الله لا تتخذوا * إليهن * اثنين إنما هو ~~إلاه واحد } ( النحل : 51 ) ، ثم قال : { أكفلنيها وعزنى فى الخطاب } قال ~~PageV26P171 صاحب ( الكشاف ) : { أكفلنيها } حقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ~~ما تحت يدي { وعزنى } غلبني ، يقال عزه يعزه ، والمعنى جاءني يحجاج لم أقدر ~~أن أورد عليه ما أورده به ، وقرىء وعازني من المعازة ، وهي المغالبة ، ~~واعلم أن الذين قالوا إن هذين الخصمين كانا من الملائكة زعموا أن المقصود ~~من ذكر النعاج التمثيل ، لأن داود كان تحته تسع وتسعون امرأة ولم يكن ~~لأوريا إلا امرأة واحدة ، فذكرت الملائكة تلك الواقعة على سبيل الرمز ~~والتمثيل . # ثم قال تعالى : { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } أي سؤال إضافة ~~نعجتك إلى نعاجه ، وروي أنه قال : إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا ، وأشار ~~إلى الأنف والجبهة / فقال : يا داود أنت أحق أن نضرب منك هذا وهذا ، وأشار ~~إلى الأنف والجبهة / فقال : يا داود أنت أحق أن نضرب منك هذا وهذا ، وأنت ~~فعلت كيت وكيت ، ثم نظر داود فلم ير أحدا فعرف الحال ، فإن قيل كيف جاز ~~لداود أن يحكم على أحد الخصمين بمجرد قول خصمه ؟ قلنا ذكروا فيه وجوها ~~الأول ms7717 : قال محدم بن إسحاق : فما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى ~~الخصم الذي لم يتكلم وقال لئن صدق لقد ظلمته ، والحاصل أن هذا الحكم كان ~~مشروطا بشرط كونه صادقا في دعواه والثاني : قال ابن الأنباري : لما ادعى ~~أحد الخصمين اعترف الثاني فحكم داود علهي لاسلام ولم يذكر الله تعالى ذلك ~~الاعتراف لدلالة ظاهر الكلام عليه ، كما تقول أمرتك بالتجارة فكسبت تريد ~~اتجرت فكسبت ، وقال تعالى : { أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } ( الشعراء : 63 ~~) أي فضرب فانفلق ، والثالث : أن يكون التقدير أن الخصم الذي هذا شأنه يكون ~~قد ظلمك . # ثم قال تعالى : { وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض } قال : ~~الليث خليط الرجل مخالطه ، وقال الزجاج : الخلطاء الشركاء ، فإن قيل لم خص ~~داود الخلطاء يبغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء قذ يفعلون ذلك ، ~~والجواب لا شك أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة ، وذلك لأنهما إذا ~~اختلطا اطلع كل واحد منهما على أخوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء ~~النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه ، فيفضي ذلك إلى زيادة المخاصمة ~~والمنازعة ، فلهذا السبب خص داود عليه السلامم الخلطاء بزيادة البغي ~~والعدوان ، ثم استثنى عن هذا الحكم الذي آمنوا وعلموا الصالحات لأن مخالطة ~~هؤلاء لا تكون إلا لأجل الدين وطلب السعادات الروجانية الحقيقية ، فلا جرم ~~مخالطتهم لا توجب المنازعة ، وأما الذين تكون مخالطتهم لأجل حب الدنيا لا ~~بد وأن تصير مخالتطهم سببا لمزيد البغي والعدوان ، واعلم أن هذا الاستثناء ~~يدل على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغي بعضهم على بعض ، فلو كان ~~داود عليه السلام قد بغى وتعدى على ذلك الرجل لزم بحكم فتوى داود أن لا ~~يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ومعلوم أن ذلك باطل ، فثبت أن قول ~~من يقول المراد من واقعة النعجة قصة داود قوله باطل . # ثم قال تعالى : { وقيل * ما هم } واعلم أن الحكم بقلة أهل الخير كثير في ~~القرآن ، قال تعالى : { وقليل من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وقال داود ~~عليه السلام ms7718 في هذا الموضع { وقليل ما هم } وحكى تعالى عن إبليس أنه قال : ~~{ ولا تجد أكثرهم شاكرين } ( الأعراف : 17 ) وسبب القلة أن الدواعي إلى ~~الدنيا كثيرة ، وهي الحواس الباطنة والظاهرة وهي عشرة والشهود والغضب ~~والقوى الطبيعية السبعة فالمجموع تسعة عشر وافقون على باب جهنم البدن ، ~~وكلها تدعو إلى الخلق والدنيا واللذة الحسية ، وأما الداعي إلى الق ~~PageV26P172 والدين فليس إلا العقل واستيلاء القوة الحسية والطبيعية على ~~الخلق أكثر من القوة العقلية فيهم ، فلهذا السبب وقعت القلة في جانب أهل ~~الخير والكثرة في جانب أهل الشر ، قال صاحب ( الكشاف ) وما في قوله : { ~~وقيل * ما هم } للإبهام وفيه تعجب من قلتهم ، قال وإذا أردت أن تتحقق ~~فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرىء القيس ؛ وحديث ما على قصره وانظر هل ~~بقي له معنى قط . # ثم قال تعالى : { وظن * داوود * أنما فتناه } قالوا معناه وعلم داود أنما ~~فتناه أي امتحناه ، قالوا / والسبب الذي أوجب حمل لفظ الظن على العلم ههنا ~~أن داود عليه السلام لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك / ثم صعد ~~إلى السماء قبل وجهه ، فعلم داود أن الله ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ذلك ~~وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم لأن العلم الاستدلالي يشبه الظن مشابهة ~~عظيمة ، والمشابهة علة لجواز المجاز ، وأقول هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا ~~الخصمان كانا ملكين أما إذا لم نقل ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العلم ، بل ~~لقائل أن يقول إنه لما غلب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل ~~بالاستغفار والإنابة . # أما قوله : { فاستغفر ربه } أي سأل الغفران من ربه ، ثم ههنا وجهان إن ~~قلنا بأنه قد صدرت زلة منه ، حملنا هذا الاستغفار عليها ، وإن لم نقل به ~~قلنا فيه وجوه الأول : أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله ، وإنه كان ~~سلطانا شديد القهر عظيم القوة ، ثم أنه مع أنه مع القدرة الشديدة على ~~الانتقام ومع حصول الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئا قرب الأمر من ~~أن يدخل في ms7719 قلبه شيء من العجب ، فاستغفر ربه عن تلك الحالة وأناب إلى الله ~~، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله ، فغفر الله له ~~وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر الثاني : لعله هم بإيذاء القوم ، ثم قال ~~: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر عن ~~ذلك الهم الثالث : لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم ~~لأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله ، فغفر الله ذنوبهم بسبب ~~شفاعته ودعائه ، وكل هذه الوجوه محتملة ظاهرة ، والقرآن مملوء من أمثال هذه ~~الوجوه وإذا كان اللفظ محتملا لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على ~~التزام المنكرات التي يذكرونها ، فما الذي يحملنا على التزامها والقول بها ~~، والذي يؤكد أن الذي ذكرناه أقرب وأقوى أن يقال ختم الله هذه القصة بقوله ~~: { وإن له عندنا * لهم وحسن مئاب } ومثل هذه الخاتمة إنما تحسن من حق من ~~صدر منه عمل كثير في الخدمة والطاعة ، وتحمل أنوعا من الشدائد في الموافقة ~~والانقياد ، أما إذا كان المذكور السابق هو ازقادم على الجرم والذنب فإن ~~مثل هذه الخاتمة لا تليق به ، قال مالك بن دينار ؛ إذا كان يوم القيامة أتى ~~بمنبر رفيع ويوضع في الجنة ، ويقال يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الخيم ~~الذي كنت تمجدني به في الدنيا والله أعلم ، بقي ههنا مباحب فالأول : قرىء ~~فتناه وفتناه عى أن الألف ضمير الملكين الثاني : المشهور أن الاستغفار إنما ~~كان بسبب قصة التعجة والنعاج ، وقيل أيضصا إنما كان بسبب أنه حكم لأحد ~~الخصمين قبل أن سمع كلام الثاين وذلك غير جائز الثالث : قوله ؛ { خر * ~~راكعا وأناب } يدل على حصول الركوع ، وأما السجود فقد ثبت بالأخبار وكذلك ~~البكاء الشديد في مدة أربعين يوما ثبت بالأخبار الرابع : أن مذهب الشافيع ~~رضي الله عنه أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة قال لأن توبة نبي فلا ~~توجب سجدة التلاوة الخامس : استشهد أبو خنيفة رضي الله عنه بهذه الآية في ms7720 ~~سجود التلاوة على أن الركوع يقوم مقام السجود . # PageV26P173 ! 7 < { ياداوود إنا جعلناك خليفة فى الا رض فاحكم بين الناس ~~بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم ~~عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب * وما خلقنا السمآء والا رض وما بينهما ~~باطلا ذالك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الا رض أم نجعل المتقين كالفجار * ~~كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته وليتذكر أولو الا لباب } > 7 ! # < < # | ص : ( 26 ) يا داود إنا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أنه تعالى ~~فوض إلى داود خلافة الأرض ، وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور ~~في تلك القصة ، لأن من البعيد جدا أن يوصف الرجل بكونه ساعيا في سفك دماء ~~المسلمين ، راغبا في انتزاع أزواجهم منهم ثم يذكر عقيبه أن الله تعالى فوض ~~خلافة الأرض إليه ، ثم نقول في تفسير كونه خليفة وجهان الأول : جعلناك تخلف ~~من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى ، وفي سياسة الناس لأن ~~خليفة الرجل من يخلفه ، وذلك ءنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة ، وذلك ~~على الله مجال الثاني : إنا جعلناك مالكا للناس ونافذ الحكم فيهم فبهذا ~~التأويل يسمى خليفة ، ومنه يقال خلفاء الله في أرضه ، وحاصله أن خليفة ~~الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله ، فلما ~~امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة مفيدة اللزوم في تلك الحقيقة وهو نفاذ الحكم . # ثم قال تعالى : { فاحكم بين الناس بالحق } واعلم أن الإنسان خلق مدنيا ~~بالطبع ، لأن الإنسان الواحد لا يتنظم مصالحه إلا عند وجود مدينة تامة حتى ~~أن هذا يحرث ، وذلك يطحن ، وذلك يخبز ، وذلك ينسج ، وهذا يخيط ، وبالجملة ~~فيكون كل واحدة منهم مشغولا بمهم ، وينتظم من / أعمال الجميع مصالح الجميع ~~. فثبت ى ن الإنسان مدني بالطبع وعند اجتماعهم في الموضع الواحد يحصل بينهم ~~منازعات ومخاصمات ولا بد من إنسان قادر قاهر ms7721 يقطع تلك الخصومات وذلك هو ~~السلطان الذي ينفذ حكمه على الكل فثبت أنه لا ينتظم مصالح الخلق إلا بسلطان ~~قاهر سائس ، ثم إن ذلك السلطان القاهر السائس إن كان حكمه على وفق هواه ~~والطلب مصالح دنياه عظم ضرره على الخلق فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه ويتوسل ~~بهم إلى تحصيل مقاصد نفسه ، وذلك يفضي إلى تخريب العالم ووقوع الهرج والمرج ~~في الخلق ، وذلك يفضي بالآخرة إلى هلاك ذلك الملك ، أما ءذا كانت أحكام ذلك ~~الملك مطابقة للشريعة الحق الإلهية انتظمت مصالح العالم ، واتسعت أبواب ~~الخيرات على أحسن الوجوه . فهذا هو المراد من قولهم : { فاحكم بين الناس ~~بالحق } يعني PageV26P174 لا بد من حاكم بين الناس بالحق فكن أنت ذلك ~~الحاكم ثم قال : { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } الآية ، وتفسيره أن ~~متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله ، والضلال عن سبيل الله يوجب العذاب ~~، فينتج أن متابعة الهوى توجب سوء العذاب . # أما المقام الأول : وهو أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله ~~فتقريره أن الهوى يدعو إلى الاستغراق في اللذات الجسمانية ، والاستغراق ~~فيها يمنع من الاشتغال بطلب السعادات الروحانية التي هي الباقيات الصالحات ~~، لأنهما حالتان متضادتان فبقدر ما يزداد أحدهما ينقص الآخر . # أما المقام الثاني : وهو أن الضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب / ~~فالأمر فيه ظاهر لأن الإنسان إذا عظم ألفه بهذه الجسمانيات ونسي بالكلية ~~أحواله الروحانيات ، فإذا مات فقد فارق المحبوب والمعشوق ، ودخل ديارا ليس ~~له بأهل تلك الديار إلف وليس لعيته قوة مطالعة أنوار تلك الديار ، فكأنه ~~فارق المحبوب ووصل إلى المكروه ، فكان لا محالة في أعظم العناء والبلاء ، ~~فثبت أن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله . وثبت أن الضلال عن سبيل ~~الله يوجب العذاب ، وهذا بيان في غاية الكمال . # ثم قال تعالى : { بما نسوا يوم الحساب } يعني أن السبب الأول لحصول ذلك ~~الضلال هو نسيان يوم الحساب ، لأنه لو كان متذكرا ليوم الحساب لما أعرض عن ~~إعداد الزاد ليوم المعاد ، ولما صار مستغرقا في هذه ms7722 اللذات الفاسدة . # روي عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز هل سمعت ما بلغنا ~~أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية ؟ فقال : يا أمير ~~المؤمنين الخلفاء أفضل أم الأنبياء ؟ ثم تلا هذه الآية : { إن الذين يضلون ~~عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } ثم قال تعالى : { وما ~~خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا فويل للذين ~~كفروا من النار } ونظيره قوله تعالى : { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ~~فقنا عذاب النار } ( آل عمران : 191 ) وقوله تعالى : { ما خلق الله * ~~السماوات والارض * وما بينهما إلا بالحق } ( الروم : 8 ) وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يجوز أن ~~يكون خالقا لأعمال العباد قال لأنها مشتملة على الكفر والفسق وكلها أباطيل ~~. فلما بين تعالى أنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا دل هذا على ~~أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد . ومثله قوله تعالى : { وما خلقنا * ~~السماوات والارض * وما بينهما إلا بالحق } ( الحجر : 85 ) وعند المجبرة أنه ~~خلق الكافر لأجل أن يكفر والكفر باطل ، وقد خلق الباطل ، ثم أكد تعالى ذلك ~~بأن قال : { ذالك ظن الذين كفروا } أي كل من قال بهذا القول فهو كافر ، ~~فهذا تصريح بأن مذهب المجبرة عين الكفر ، واحتج أصحابنا رحمهم الله بأن هذه ~~الآية تدل على كونه تعالى خالقا لأعمال العباد فقالوا هذه الآية تدل على ~~كونه تعالى خالقا لكل ما بين السموات والأرض ، وأعمال العباد حاصلة بين ~~السماء والأرض ، فوجب أن يكون الله تعالى خالقا لها . # المسألة الثانية : هذه الآية دالة على صحة القول بالحشر والنشر والقيامة ~~، وذلك لأنه تعالى خلق الخلق في هذا العالم ، فإما أن يقال إنه خلقهم ~~للإضرار أو للإنفاع أو لا للإنفاع أو للإضرار والأول باطل لأن ذلك لا ~~PageV26P175 يليق بالرحيم الكريم ، والثالث أيضا باطل لأن هذه الحالة حاصلة ~~ين كانوا معدومين ، فلم يبق إلا أن يقال إنه خلقهم للإنفاع ، فنقول وذلك ~~الإنفاع ، إما أن ms7723 يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة ، والأول باطل لأن ~~منافع الدنيا قليلة ومضارها كثيرة ، وتحمل المضار الكثيرة للمنفعة القليلة ~~لا يليق بالحكمة ، ولما بطل هذا القسم ثبت القول بوجود حياة أخرى بعد هذه ~~الحياة الدنيوية ، وذلك هو القول بالحشر والنشر والقيامة ، واعلم أن هذا ~~الدليل يمكن تقريره من وجوه كثيرة ، وقد لخصناها في أول سورة يونس ~~بالاستقصاء ، فلا سبيل إلى التكرير فثبت بما ذكرا أنه تعالى ما خلق السماء ~~والأرض وما بينهما باطلا وإذا لم يكن خلقهما باطلا كان القول بالحشر والنشر ~~لازما ، وأن كل من أنكر القول بالحشر والنشر كان شاكا في حكمة الله في خلق ~~السماء والأرض / وهذا هو المراد من قوله : { ذالك ظن الذين كفروا فويل ~~للذين كفروا من النار } ولما بين الله تعالى على سبيل الإجمال أن إنكار ~~الحشر والنشر يوجب الشك في حكمة الله تعالى بين ذلك على سبيل التفصيل ، ~~فقال : { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض أم نجعل ~~المتقين كالفجار } وتقريره أنا نرى في الدنيا من أطاع الله واحترز عن ~~معصيته في الفقر والزمانة وأنواع البلاء ، ونرى الكفرة والفساق في الراحة ~~والغبطة ، فلو لم يكن حشر ونشر ومعاد فحينئذ يكون حال المطيع أدون من حال ~~العاصي ، وذلك لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم ، وإذا كان ذلك قادحا في الحكمة ~~، ثبت أن إنكار الحشر والنشر يوجب إنكار حكمة الله . # ثم قال تعالى : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته وليتذكر أولو ~~الالباب } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قالت المعتزلة دلت الآية على أنه تعالى إنما أنزل هذا ~~القرآن لأجل الخير والرحمة والهداية ، وهذا يفيد أمرين أحدهما : أن أفعال ~~الله معللة برعاية المصالح والثاني : أنه تعالى أراد الإيمان والخير ~~والطاعة من الكل بخلاف قول من يقول إنه أراد الكفر من الكافر . # / المسألة الثانية : في تقرير نظم هذه الآيات فنقول ، لسائل أن يسأل ~~فيقول إنه تعالى حكى في أول السورة عن المستهزئين من الكفار ، أنهم بالغوا ~~في إنكار البعث والقيامة ، وقالوا : { ربنا عجل لنا قطنا ms7724 قبل يوم الحساب } ~~( ص : 16 ) ولما حكى الله تعالى عنهم ذلك لم يذكر الجواب ، بل قال : { اصبر ~~على ما يقولون واذكر عبدنا * داوود } ( ص : 17 ) ومعلوم أنه لا تعلق لذكر ~~داود عليه السلام بأن القول بالقيامة حق ، ثم إنه تعالى أطنب في شرح قصة ~~داود ، ثم أتبعه بقوله : { وما خلقنا السماء والارض } ومعلوم أنه لا تعلق ~~لمسألة إثبات حكمة الله بقصة داود ، ثم لما ذكر إثبات حكمة الله وفرع عليه ~~إثبات أن القول بالحشر والنشر حق ، ذكر بعده أن القرآن كتاب شريف فاضل كثير ~~النفع والخير ، ولا تعلق لهذا الفصل بالكلمات المتقدمة ، وإذا كان كذلك ~~كانت هذه الفصول فصولا متباينة لا تعلق للبعض منها بالبعض ، فكيف يليق بهذا ~~الموضع وصف القرآن بكونه كتابا شريفا فاضلا ؟ هذا تمام السؤال والجواب أن ~~نقول : أن العقلاء قالوا من أبلى بخصم جاهل مصر متعصب ، ورآه قد خاض في ذلك ~~التعصب والإصرار ، وجب عليه أن يقطع الكلام معه في تلك المسألة ، لأنه كلما ~~كان خوضه في تقريره أكثر كانت نفرته عن القبول أشد ، فالطريق حينئذ أن يقطع ~~الكلام معه في تلك المسألة ، وأن يخوض في كلام آخر أجنبي عن المسألة الأولى ~~بالكلية ويطنب في ذلك الكلام الأجنبي ، بحيث ينسى ذلك المتعصب تلك المسألة ~~الأولى ، فإذا اشتغل خاطره بهذا الكلام الأجنبي ونسي المسألة الأولى ، ~~فحينئذ PageV26P176 يدرج في أثناء الكلام في هذا الفصل الأجنبي مقدمة ~~مناسبة لذلك المطلوب الأول ، فإن ذلك المتعصب يسلم هذه المقدمة ، فإذا ~~سلمها ، فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول ، وحينئذ يصير ذلك الخصم ~~المتعصب منقطعا مفحما ، إذا عرفت هذا فنقول إن الكفار بلغوا في إنكار الحشر ~~والنشر والقيامة إلى حيث قالوا على سبيل الاستهزاء { ربنا عجل لنا قطنا قبل ~~يوم الحساب } ( ص : 16 ) فقال يا محمد اقطع الكلام معهم في هذه المسألة ، ~~واشرع في كلام آخر أجنبي بالكلية عن هذه المسألة ، وهي قصة داود عليه ~~السلام ، فإن من المعلوم أنه لا تعلق لهذه القصة بمسألة الحشر والنشر ، ثم ~~إنه تعالى أطنب في ms7725 شرح تلك القصة ، ثم قال في آخر القصة : { مئاب ياداوود ~~إنا جعلناك خليفة فى الارض فاحكم بين الناس بالحق } ( ص : 26 ) وكل من سمع ~~هذا قال نعم ما فعل حيث أمره بالحكم الحق ، ثم كأنه تعالى قال : وأنا لا ~~آمرك بالحق فقط ، بل أنا مع أني رب العالمين لا أفعل إلا بالحق ، ولا أفضي ~~بالباطل ، فههنا الخصم يقول نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق ، فعند هذا ~~يقال لما سلمت أن حكم الله يجب أن يكون بالحق لا بالباطل ، لزمك أن تسلم ~~صحة القول بالحشر والنشر ، لأنه لو لم يحصل ذلك لزم أن يكون الكافر راجحا ~~على المسلم في إيصال الخيرات إليه ، وذلك ضد الحكمة وعين الباطل ، فبهذا ~~الطريق اللطيف أورد الله تعالى الإلزام القاطع على منكري الحشر والنشر ~~إيرادا لا يمكنهم الخلاص عنه ، فصار ذلك الخصم الذي بلغ في إنكار المعاد ~~إلى حد الاستهزاء مفحما ملزما بهذا / الطريق ، ولما ذكر الله تعالى هذه ~~الطريقة الدقيقة في الإلزام في القرآن ، لا جرم وصف القرآن بالكمال والفضل ~~، فقال : { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته * إلا أولوا الالباب } ~~فإن من لم يتدبر ولم يتأمل ولم يساعده التوفيق الإلهي لم يقف على هذه ~~الأسرارل العجيبة المذكورة في هذا القرآن العظيم ، حيث يراه في ظاهر الحال ~~مقرونا بسوء الترتيب ، وهو في الحقيقة مشتمل على أكمل جهات الترتيب ، فهذا ~~ما حضرنا في تفسير هذه الآيات ، وبالله التوفيق . # ! 7 < { ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب * إذ عرض عليه بالعشى ~~الصافنات الجياد * فقال إنىأحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب * ~~ردوها على فطفق مسحا بالسوق والا عناق } > 7 @QB@ < # | ص : ( 30 - 33 ) ووهبنا لداود سليمان . . . . . # > > # واعلم أن هذا هو القصة الثانية وقوله : { نعم العبد } فيه مباحث : # الأول : نقول المخصوص بالمدح في { نعم العبد } محذوف ، فقيل هو سليمان ، ~~وقيل داود ، والأول أولى لأنه أقرب المذكورين ، ولأنه قال بعده { إنه أواب ~~} ولا يجوز أن يكون المراد هو داود ، لأن وصفه بهذا المعنى قد تقدم في ~~الآية ms7726 المتقدمة حيث قال : { واذكر عبدنا * داوود * ذا الايد إنه أواب } ( ص ~~: 17 ) فلو قلنا لفظ الأواب ههنا أيضا صفة داود لزم التكرار ، ولو قلنا إنه ~~صفة لسليمان لزم كون الابن شبيها لأبيه في صفات الكمال في الفضيلة ، فكان ~~هذا أولى . PageV26P177 # الثاني : أنه قال أولا { نعم العبد } ثم قال بعده { إنه أواب } وهذه ~~الكلمة للتعليل ، فهذا يدل على أنه إنما كان { نعم العبد } لأنه كان أوابا ~~، فيلزم أن كل من كان كثير الرجوع إلى الله تعالى في أكثر الأوقات وفي أكثر ~~المهمات كان موصوفا بأنه { نعم العبد } وهذا هو الحق الذي لا شبهة فيه ، ~~لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ورأس ~~المعارف ورئيسها معرفة الله تعالى ، ورأس الطاعات ورئيسها الاعتراف بأنه لا ~~يتم شيء من الخيرات إلا بإعانة الله تعالى ، ومن كان كذلك كان كثير الرجوع ~~إلى الله تعالى فكان أوابا ، فثبت أن كل من كان أوابا وجب أن يكون { نعم ~~العبد } . # أما قوله : { إذ عرض عليه } ففيه وجوه الأول : التقدير { نعم العبد } هو ~~إذ كان من أعماله أنه فعل كذا الثاني : أنه ابتداء كلام . والتقدير اذكر يا ~~محمد إذ عرض عليه كذا وكذا ، والعشي / هو من حين العصر إلى آخر النهار عرض ~~الخيل عليه لينظر إليها ويقف على كيفية أحوالها ، والصافنات الجياد الخيل ~~وصفت بوصفين أولهما : الصافنات ، قال صاحب ( الصحاح ) : الصافن الذي يصفن ~~قدميه ، وفي الحديث ( كنا إذا صلينا خلفه فرفع رأسه من الركوع قمنا صفونا ) ~~أي قمنا صافنين أقدامنا ، وأقول على كلا التقديرين فالصفون صفة دالة على ~~فضيلة الفرس والصفة الثانية : للخيل في هذه الآية الجياد ، قال المبرد : ~~والجياد جمع جواد وهو الشديد الجري ، كما أن الجواد من الناس هو السريع ~~البذل ، فالمقصود وصفها بالفضيلة والكمال حالتي وقوفها وحركتها . أما حال ~~وقوفها فوصفها بالصفون ، وأما حال حركتها فوصفها بالجودة ، يعني أنها إذا ~~وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها على أحسن الأشكال ، فإذا جرت كانت سراعا ~~في جريها ، فإذا طلبت لحقت ، وإذا طلبت لم ms7727 تلحق ، ثم قال تعالى : { فقال ~~إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى } وفي تفسير هذه اللفظة وجوه الأول : أن ~~يضمن أحببت معنى فعل يتعدى بعن ، كأنه قيل أنبت حب الخير عن ذكر ربي ~~والثاني : أن أحببت بمعنى ألزمت ، والمعنى أني ألزمت حب الخيل عن ذكر ربي ، ~~أي عن كتاب ربي وهو التوراة ، لأن ارتباط الخيل كما أنه في القرآن ممدوح ~~فكذلك في التوراة ممدوح والثالث : أن الإنسان قد يحب شيئا لكنه يحب أن لا ~~يحبه كالمريض الذي يشتهي ما يزيد في مرضه ، والأب الذي يحب ولده الرديء ، ~~وأما من أحب شيئا ، وأحب أن يحبه كان ذلك غاية المحبة فقوله أحببت حب الخير ~~بمعنى أحببت حبي لهذه الخيل . # ثم قال : { عن ذكر ربى } بمعنى أن هذه المحبة الشديدة إنما حصلت عن ذكر ~~الله وأمره لا عن الشهوة والهوى / وهذا الوجه أظهر الوجوه . # ثم قال تعالى : { حتى توارت } أقول الضمير في قوله : { حتى توارت } ، وفي ~~قوله : { ردوها } يحتمل أن يكون كل واحد منهما عائدا إلى الشمس ، لأنه جرى ~~ذلك ماله تعلق بها وهو العشي ويحتمل أن يكون كل واحد منهما عائدا إلى ~~الصافنات ، ويحتمل أن يكون الأول متعلقا بالشمس والثاني بالصافنات ، ويحتمل ~~أن يكون بالعكس من ذلك ، فهذه احتمالات أربعة لا مزيد عليها فالأول : أن ~~يعود الضميران معاني إلى الصافنات ، كأنه قال حتى توارت الصافنات بالحجاب ~~ردوا الصافنات علي ، والاحتمال الثاني : أن يكون PageV26P178 الضميران معا ~~عائدين إلى الشمس كأنه قال حتى توارت الشمس بالحجاب ردوا الشمس ، وروي أنه ~~صلى الله عليه وسلم لما اشتغل بالخيل فاتته صلاة العصر ، فسأل الله أن يرد ~~الشمس فقوله : { ردوها على } إشارة إلى طلب رد الشمس ، وهذا الاحتمال عندي ~~بعيد والذي يدل عليه وجوه الأول : أن الصافنات مذكورة تصريحا ، والشمس غير ~~مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر الثاني : أنه قال ~~: { إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب } وظاهر هذا اللفظ ~~يدل على أن سليمان عليه السلام كان يقول إني أحببت ms7728 حب الخير عن ذكر ربي . ~~وكان يعيد هذه الكلمات إلى أن / توارت بالحجاب ، فلو قلنا المراد حتى توارت ~~الصافنات بالحجاب كان معناه أنه حين وقع بصره عليها حال جريها كان يقول هذه ~~الكلمة إلى أن غابت عن عينه وذلك مناسب ، ولو قلنا المراد حتى توارت الشمس ~~بالحجاب كان معناه أنه كان يعيد عين هذه الكلمة من وقت العصر إلى وقت ~~المغرب ، وهذا في غاية البعد الثالث : أنا لو حكمنا بعود الضمير في قوله ~~حتى توارت إلى الشمس وحملنا اللفظ على أنه ترك صلاة العصر كان هذا منافيا ~~لقوله : { أحببت حب الخير عن ذكر ربى } فإن تلك المحبة لو كانت عن ذكر الله ~~لما نسي الصلاة ولما ترك ذكر الله الرابع : أنه بتقدير أنه عليه السلام بقي ~~مشغولا بتلك الخيل حتى غربت الشمس وفاتت صلاة العصر ؟ ، فكان ذلك ذنبا ~~عظيما وجرما قويا ، فالأليق لهذه الحالة التضرع والبكاء والمبالغة في إظهار ~~التوبة ، فأما أن يقول على سبيل التهور والعظمة لإله العالم ورب العالمين ، ~~ردوها علي بمثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقيب ذلك الجرم العظيم ~~، فهذا لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير ، فكيف يجوز إسناده إلى الرسول ~~المطهر المكرا الخامس : أن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله ~~تعالى فكان يجب أن يقول ردها علي ولا يقول ردوها علي ، فإن قالوا إنما ذكر ~~صيغة الجمع للتنبيه على تعظيم المخاطب فنقول قوله : { ردوها } لفظ مشعر ~~بأعظم أنواع الإهانة فكيف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم السادس : أن الشمس ~~لو رجعت بعد الغروب لكان ذلك مشاهدا لكل أهل الدنيا ولو كان الأمر كذلك ~~لتوفرت الدواعي على نقله وإظهاره ، وحيث لم يقل أحد ذلك علمنا فساده السابع ~~: أنه تعالى قال : { إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد } ثم قال : { حتى ~~توارت بالحجاب } وعود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى ، وأقرب المذكورين هو ~~الصافنات الجياد ، وأما العشي فأبعدهما فكان عود ذلك الضمير إلى الصافنات ~~أولى ، فثبت بما ذكرنا أن حمل قوله : { حتى توارت بالحجاب } على تواري ms7729 ~~الشمس وأن حمل قوله : { ردوها على } على أن المراد منه طلب أن يرد الله ~~الشمس بعد غروبها كلام في غاية البعد عن النظم . # ثم قال تعالى : { فطفق مسحا بالسوق والاعناق } أي فجعل سليمان عليه ~~السلام يمسح سوقها وأعناقها ، قال الأكثرون معناه أنه مسح السيف بسوقها ~~وأعناقها أي قطعها / قالوا إنه عليه السلام لما فاتته صلاة العصر بسبب ~~اشتغاله بالنظر إلى تلك الخيل استردها وعقر سوقها وأعناقها تقربا إلى الله ~~تعالى ، وعندي أن هذا أيضا بعيد ، ويدل عليه وجوه الأول : أنه لو كان معنى ~~مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله : { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم } ( ~~المائدة : 6 ) قطعها ، وهذا مما لا يقوله عاقل بل لو قيل مسح رأسه بالسيف ~~فربما فهم منه ضرب العنق ، أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم ألبتة من ~~المسح العقر والذبح الثاني : القائلون لهذا القول جمعوا على سليمان عليه ~~السلام أنواعا من الأفعال المذمومة فأولها : ترك الصلاة وثانيها : أنه ~~استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث نسي الصلاة ، وقال صلى الله عليه ~~وسلم : ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) وثالثها : PageV26P179 / أنه بعد ~~الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة ألبتة ورابعها : أنه ~~خاطب رب العالمين بقوله : { ردوها على } وهذه كلمة لا يذكرها الرجل الحصيف ~~إلا مع الخادم الخسيس وخامسها : أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها ~~وأعناقها ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن ذبح الحيوان إلا ~~لمأكله ) ، فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان عليه السلام مع أن لفظ ~~القرآن لم يدل على شيء منها : وسادسها : أن هذه القصص إنما ذكرها الله ~~تعالى عقيب قوله : { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } ( ص : 17 ) ~~وأن الكفار لما بلغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله تعالى لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم اصبر يا محمد على سفاهتهم واذكر عبدنا داود : وذكر قصة داود ~~، ثم ذكر عقبيها قصة سليمان ، وكان التقدير أنه تعالى قال لمحمد عليه اللام ~~اصبر يا محمد على ما يقولون ms7730 واذكر عبدنا سليمان ، وهذا الكلام إنما يكون ~~لائقا لو قلنا إن سليمان عليه السلام أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة ~~والأخلاق الحميدة ، وصبر على طاعة الله ، وأعرض عن الشهوات واللذات ، فأما ~~لو كان المقصود من قصة سليمان عليه السلام في هذا الموضع أنه أقدم على ~~الكبائر العظيمة والذنوب الجسيمة لم يكن ذكر هذه القصة لائقا بهذا الموضع ، ~~فثبت أن كتاب الله تعالى ينادي على هذه الأقوال الفاسدة بالرد والإفساد ~~والإبطال بل التفسير المطابق للحق للألفاظ القرآن والصواب أن نقول إن رباط ~~الخيل كان مندوبا إليه في دينهم كما أنه كذلك في دين محمد صلى الله عليه ~~وسلم ثم إن سليمان عليه السلام احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضاء الخيل ~~وأمر بإجرائها وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس ، وإنما أحبها ~~لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله عن ذكر ربي ، ثم إنه عليه ~~السلام أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره ، ثم أمر ~~الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها ~~، والغرض من ذلك المسح أمور الأول : تشريفا لها وإبانة لعزتها لكونها من ~~أعظم الأعوان في دفع العدو الثاني : أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة ~~والملك يتضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه الثالث : أنه كان أعلم بأحوال ~~الخيل وأمراضها وعيوبها ، فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل ~~فيها ما يدل على المرض ، فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن ~~انطباقا مطابقا موافقا ، ولا يلزمنا نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات ، ~~وأقول أنا شديد التعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل ~~والنقل يردها ، وليس لهم في إثباتها شبهة فضلا عن حجة ، فإن قيل فالجمهور ~~فسروا الآية بذلك الوجه ، فما قولك فيه ؟ فنقول لنا ههنا مقامان : # المقام الأول : أن ندعي أن لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي ~~يذكرونها / وقد ظهر والحمد لله أن الأمر كما ذ كرناه ، وظهوره ms7731 لا يرتاب ~~العاقل فيه . # المقام الثاني : أن يقال هب أن لفظ الآية لا يدل عليه أنه كلام ذكره ~~الناس ، فما قولك / فيه وجوابنا أن الدلالة الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء ~~عليهم السلام ، ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات ورواية الآحاد لا تصلح ~~معارضة للدلائل القوية ، فكيف الحكايات عن أقوام لا يبالي بهم ولا يلتفت ~~إلى أقوالهم ، والله أعلم . # ! 7 < { ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب * قال رب اغفر ~~لى وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدىإنك أنت الوهاب * فسخرنا له الريح ~~تجرى بأمره رخآء حيث أصاب * والشياطين كل بنآء وغواص * وءاخرين مقرنين فى ~~الا صفاد * هاذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن ~~مأاب } > 7 @QB@ < # | ص : ( 34 ) ولقد فتنا سليمان . . . . . # > > PageV26P180 # اعلم أن هذه الآية شرح واقعة ثانية لسليمان عليه السلام واختلفوا في ~~المراد من قوله : { ولقد فتنا سليمان } ولأهل الحشو والرواية فيه قول ، ~~ولأهل العلم والتحقيق قول آخر ، أما قول أهل الحشو فذكروا فيه حكايات : # الأولى : قالوا إن سليمان بلغه خبر مدينة في البحر فخرج إليها بجنوده ~~تحمله الريح فأخذها وقتل ملكها ، وأخذ بنتا له اسمها جرادة من أحسن الناس ~~فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبها وكانت تبكي أبدا على أبيها فأمر سليمان ~~الشيطان فمثل لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تذهب إلى تلك الصورة ~~بكرة وعشيا مع جواريها يسجدن لها ، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة ~~وعاقب المرأة ، ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش الرماد فجلس عليه تائبا إلى الله ~~تعالى ، وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة ~~وضع خاتمه عندها وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوما ، فأتاها الشيطان ~~ساحب البحر على صورة سليمان . وقال يا أمينة خاتمي فتختم به وجلس على كرسي ~~سليمان فأتى عليه الطير والجن والإنس ، وتغيرت هيئة سليمان فأتى أمينة لطلب ~~الخاتم فأنكرته وطردته . فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت ~~يتكفف وإذا قال / أنا سليمان حثوا عليه ms7732 التراب وسبوه ، ثم أخذ يخدم ~~السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على هذه الحالة أربعين ~~يوما عدد ما عبد الوثن في بيته ، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان ~~وسأل آصف نساء سليمان ، فقلن ما يدع امرأة منا في دمها ولا يغتسل من جنابة ~~، وقيل بل نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهن ، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في ~~البحر فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم ~~فتختم به ووقع ساجدا لله ، ورجع إليه ملكه وأخذ ذلك الشيطان وأدخله في صخرة ~~وألقاها في البحر . # والرواية الثانية : للحشوية أن تلك المرأة لما أقدمت على عبادة تلك ~~الصورة افتتن سليمان وكان يسقط الخاتم من يده ولا يتماسك فيها ، فقال له ~~آصف إنك لمفتون بذنبك فتب إلى الله . # والرواية الثالثة : لهم قالوا إن سليمان قال لبعض الشياطين كيف تفتنون ~~الناس ؟ فقال أرني خاتمك أخبرك فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه ~~وقعد هذا الشيطان على كرسيه ، ثم ذكر الحكاية إلى آخرها . PageV26P181 # إذا عرفت هذه الروايات فهؤلاء قالوا المراد من قوله : { ولقد فتنا سليمان ~~} أن الله تعالى ابتلاه وقوله : { وألقينا على كرسيه جسدا } هو جلوس ذلك ~~الشيطان على كرسيه . # والرواية الرابعة : أنه كان سبب فتنته احتجابه عن الناس ثلاثة أيام فسلب ~~ملكه وألقى على سريره شيطان عقوبة له . # واعلم أن أهل التحقيق استبعدوا هذا الكلام من وجوه الأول : أن الشيطان لو ~~قدر على أن يتشبه بالصورة والخلقة بالأنبياء ، فحينئذ لا يبقى اعتماد على ~~شيء من الشرائع . فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس في صورة محمد وعيسى وموسى ~~عليهم السلام ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل ~~الإغواء والإضلال / ومعلوم أن ذلك يبطل الدين بالكلية الثاني : أن الشيطان ~~لو قدر على أن يعامل نبي الله سليمان بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على ~~مثلها مع جميع العلماء والزهاد ، وحينئذ وجب أن يقتلهم وأن يمزق تصانيفهم ~~وأن يخرب ديارهم ، ولما بطل ذلك في حق ms7733 آحاد العلماء فلأن يبطل مثله في حق ~~أكابر الأنبياء أولى والثالث : كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلط ~~الشيطان على أزواج سليمان ؟ ولا شك أنه قبيح الرابع : لو قلنا إن سليمان ~~أذن لتلك المرأة في عبادة تلك الصورة فهذا كفر منه ، وإن لم يأذن فيه ألبتة ~~فالذنب على تلك المرأ ، فكيف يؤاخذ الله سليمان بفعل لم يصدر عنه ؟ فأما ~~الوجوه التي ذكرها أهل التحقيق في هذا الباب فأشياء : الأول : أن فتنة ~~سليمان أنه ولد له ابن فقالت الشياطين إن عاش صار مسلطا علينا مثل أبيه ~~فسبيلنا أن نقتله فعلم سليمان ذلك فكان يربيه في السحاب فبينما هو مشتغل ~~بمهماته إذ ألقى ذلك الولد ميتا على ركسيه فتنبه على خطيئته في أنه لم ~~يتوكل فيه على الله فاستغفر ربه وأناب الثاني : روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( قال سليمان لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتي ~~بفارس يجاهد في / سبيل الله ولم يقل إن شاء الله ، فطاف عليهن فلم تحمل إلا ~~امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره ، فوالذي نفسي ~~بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا كلهم في سبيل الله فرسانا أجمعون ، فذلك ~~قوله : { ولقد فتنا سليمان } الثالث : قوله : { ولقد فتنا سليمان } بسبب ~~مرض شديد ألقاه الله عليه ، { وألقينا على كرسيه } منه { جسدا } وذلك لشدة ~~المرض . والعرب تقول في الضعيف إنه لحم على وضع وجسم بلا روح { ثم أناب } ~~أي رجع إلى حال الصحة ، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه ولا حاجة ألبتة إلى حمله ~~على تلك الوجوه الركيكة الرابع : أقول لا يبعد أيضا أن يقال إنه ابتلاه ~~الله تعالى بتلسيط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه ، وصار بسبب قوة ~~ذلك الخوف كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكرسي ، ثم إنه أزال الله عنه ذلك ~~الخوف ، وأعاد إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب . # أما قوله تعالى : { قال رب اغفر لى } فاعلم أن الذين حملوا الكلام ~~المتقدم على صدور الزلة منه ms7734 تمسكوا بهذه الآية ، فإنه لولا تقدم الذنب لما ~~طلب المغفرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن الإنسان لا ينفك ألبتة عن ترك الأفضل ~~والأولى ، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ~~، ولأنهم أبدا في مقام هضم النفس ، وإظهار الذلة والخضوع ، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم : ( إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) ولا ~~يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى والله أعلم . # ثم قال تعالى : { وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } دلت هذه الآية على ~~أنه يجب تقديم مهم PageV26P182 الدين على مهم الدنيا ، لأن سليمان طلب ~~المغفرة أولا ثم بعده طلب المملكة . وأيضا الآية تدل على أن طلب المغفرة من ~~الله تعالى سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة ~~أولا ثم توسل به إلى طلب المملكة ، ونوح عليه السلام هكذا فعل أيضا لأنه ~~تعالى حكى عنه أنه قال : { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء ~~عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين } ( نوح : 10 12 ) وقال لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم : { وأمر أهلك بالصلواة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن ~~نرزقك } فإن قيل قوله عليه السلام : { ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } مشعر ~~بالحسد / والجواب عنه أن القائلين بأن الشيطان استولى على مملكته قالوا ~~معنى قوله لا ينبغي لأحد من بعدي ، هو أن يعطيه الله ملكا لا تقدر الشياطين ~~أن يقوموا مقامه ألبتة ، فأما المنكرون لذلك فقد أجابوا عنه من وجوه الأول ~~: أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرني على أشياء لا يقدر عليها غيري ~~ألبتة ، ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ورسالتي . والدليل ~~على صحة هذا الكلام أنه تعالى قال : { الوهاب فسخرنا له الريح تجرى بأمره ~~رخاء حيث أصاب } فكون الريح جاريا بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب ، ولا شك أنه ~~معجزة دالة على نبوته فكان قوله : { هب لى * ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } ~~هو هذا المعنى لأن شرط المعجزة أن لا يقدر غيره على معارضتها ، فقوله ms7735 : { ~~لا ينبغى لاحد من بعدى } يعني لا يقدر / أحد على معارضته والوجه الثاني : ~~في الجواب أنه عليه السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا ~~صائرة إلى الغير بإرث أو بسبب آخر ، فسأل ربه ملكا لا يمكن أن ينتقل منه ~~إلى غيره ، وذلك الذي سأله بقوله : { ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى } أي ملكا ~~لا يمكن أن ينتقل عني إلى غيري الوجه الثالث : في الجواب أن الاحتراز عن ~~طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حال القدرة عليها ، ~~فكأنه قال : يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك البشر بالكلية ، حتى ~~أحترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل الوجه الرابع : من ~~الناس من يقول إن الاحتراز عن لذات الدنيا عسر صعب ، لأن هذه اللذات حاضرة ~~وسعادات الآخرة نسيئة ، والنقد يصعب بيعه بالنسيئة ، فقال سليمان أعطني يا ~~رب مملكة تكون أعظم الممالك الممكنة للبشر ، حتى أني أبقى مع تلك القدرة ~~الكاملة في غاية الاحتراز عنها ليظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة ~~المولى الوجه الخامس : أن من لم يقدر على الدنيا يبقى ملتفت القلب إليها ~~فيظن أن فيها سعادات عظيمة وخيرات نافعة ، فقال سليمان يا رب العزة أعظني ~~أعظم الممالك حتى يقف الناس على كمال حالها ، فحينئذ يظهر للعقل أنه ليس ~~فيها فائدة وحينئذ يعرض القلب عنها ولا يلتفت إليها ، وأشتغل بالعبودية ~~ساكن النفس غير مشغول القلب بعلائق الدنيا ، ثم قال : { فسخرنا له الريح ~~تجرى بأمره رخاء حيث أصاب } رخاء أي رخوة لينة وهي من الرخاوة والريح إذا ~~كانت لينة لا تزعزع ولا تمتنع عليه كانت طيبة ، فإن قيل أليس أنه تعالى قال ~~في آية أخرى { ولسليمان الريح عاصفة تجرى بأمره } قلنا الجواب من وجهين ~~الأول : لا منافاة بين الآيتين فإن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرياح ~~العاصة إلا أنها لما جرت بأمره كانت لذيذة طيبة فكانت رخاء والوجه الثاني : ~~من الجواب أن تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى ولا ms7736 منافاة بين الأمرين ~~وقوله تعالى : { حيث أصاب } أي قصد وأراد ، وحكى الأصمعي عن العرب أنهم ~~يقولون أصاب الصواب فأخطأ الجواب . وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ~~ليسألاه عن هذه الكلمة فخرج إليهما ، فقال أين تصيبان ؟ فقالا هذا مطلوبنا ~~. وبالجملة فالمقصود أنه تعالى جعل الريح مسخرة له حتى PageV26P183 صارت ~~تجري بأمره على وفق إرادته ، ثم قال والشياطين كل بناء وغواص ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) الشياطين عطف على الريح وكل بناء بدل من الشياطين وآخرين عطف على ~~قوله : { كل بناء } وهو بدل الكل من الكل كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية ~~ويغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ ، وقوله : { مقرنين } يقال قرنهم في الحبال ~~والتشديد للكثرة { * والأصفاد } الأغلال واحدها صفد والصفد العطية أيضا ، ~~قال النابغة : # ولم أعرض أبيت اللعن بالصفد فعلى هذا الصفد القيد لكل من شددته شدا وثيقا ~~فقد صفدته / وكل من أعطيته عطاء جزيلا فقد أضفدته ، وههنا بحث ، وهو أن هذه ~~الآيات دالة على أن الشياطين لها قوة عظيمة ، وبسبب تلك القوة قدرو على ~~بناء الأبنية القوية التي لا يقدر عليها البشر ، وقدروا / على الغوص في ~~البحار ، واحتاج سليمان عليه السلام إلى قيدهم ، ولقائل أن يقول إن هذه ~~الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة ، فإن كان الأول وجب أن يراهم ~~من كان صحيح الحاسة ، إذ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجسادهم ، فليجز أن ~~تكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة ولا نراها ولا نسمعها ، وذلك دخول في ~~السفسطة ، وإن كان الثاني وهو أن أجسادهم ليست كثيفة ، بل لطيفة رقيقة ، ~~فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا بالقوة الشديدة ، وأيضا لزم أن تتفرق ~~أجسادهم وأن تتمزق بسبب الرياح القوية وأن يموتوا في الحال ، وذلك يمنع من ~~وصفهم ببناء الأبنية القوية ، وأيضا الجن والشياطين إن كانوا موصوفين بهذه ~~القوة والشدة ، فلم لا يقتلون العلماء والزهاد في زماننا ؟ ولم لا يخربون ~~ديار الناس ؟ مع أن المسلمين مبالغون في إظهار لعنهم وعداوتهم . وحيث لم ~~يحس شيء من ذلك ، علمنا أن القول بإثبات الجن ms7737 والشياطين ضعيف . # واعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسامهم كثيفة مع أنا لا نراها ، وأيضا ~~لا يبعد أن يقال أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون ، ولكنها صلبة بمعنى أنها ~~لا تقبل التفرق والتمزق . وأما الجبائي فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام ، ~~وزعم أن الناس كانوا يشاهدونهم في زمن سليمان ، ثم إنه لما توفي سليمان ~~عليه السلام ، أمات الله أولئك الجن والشياطين ، وخلق نوعا آخر من الجن ~~والشياطين تكون أجسامهم في غاية الرقة ، ولا يكون لهم شيء من القوة ، ~~والموجود في زماننا من الجن والشياطين ليس إلا من هذا الجنس . # ثم قال تعالى : { الاصفاد هاذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } وفيه ~~قولان الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أعط من شئت وامنع من شئت بغير ~~حساب ، أي ليس عليك حرج فيما أعطيت وفيما أمسكت الثاني : أن هذا في أمر ~~الشياطين خاصة ، والمعنى هؤلاء الشياطين المسخرون عطاؤنا فامنن على من شئت ~~من الشياطين فحل عنه ، واحبس من شئت منهم في العمل بغير حساب . # ولما ذكر الله تعالى ما أنعم به على سليمان في الدنيا ، أردفه بإنعامه ~~عليه في الآخرة ، فقال : { فغفرنا له ذالك وإن له عندنا } وقد سبق تفسيره . # ! 7 < { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب * ~~اركض برجلك هاذا مغتسل بارد وشراب * ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا ~~وذكرى لا ولى الا لباب * وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا ~~نعم العبد إنه أواب } > 7 @QB@ < # | ص : ( 41 - 44 ) واذكر عبدنا أيوب . . . . . # > > PageV26P184 # اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، واعلم ~~أن داود وسليمان كانا ممن أفاض الله عليه أصناف الآلاء والنعماء ، وأيوب ~~كان ممن خصه الله تعالى بأنواع البلاء ، والمقصود من جميع هذه القصص ~~الاعتبار . كأن الله تعالى قال : يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان ~~في الدنيا أكثرلا نعمة ومالا وجاها من داود وسليمان عليه السلام ، وما كان ~~أكثر بلاء ومحنة من أيوب ، فتأمل في ms7738 أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا ~~تنتظم لأحد ، وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : أيوب عطف بيان ، وإذ بدل اشتمال ~~منه { أنى مسنى } أي بأني مسني حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه ، ولو لم يحك ~~لقال بأنه مسه لأنه غائب ، وقرىء : { بنصب } بضم النون وفتحها مع سكون ~~الصاد وفتحها وضمها ، فالنصب والنصب ، كالرشد والرشد ، والعدم والعدم ، ~~والسقم والسقم ، والنصب على أصل المصدر ، والنصب تثقيل نصب ، والمعنى واحد ~~، وهو التعب والمشقة والعذاب والألم . # واعلم أنه كان قد حصل عنده نوعان من المكروه : الغم الشديد بسبب زوال ~~الخيرات وحصول المكروهات ، والألم الشديد في الجسم ولما حصل هذان النوعان ~~لا جرم ، ذكر الله تعالى لفظين وهما النصب والعذاب . # المسألة الثانية : للناس في هذا الموضع قولان الأول : أن الآلام والأسقام ~~الحاصلة في جسمه إنما حصلت بفعل الشيطان الثاني : أنها إنما حصلت بفعل الله ~~، والعذاب المضاف في هذه الآية إلى الشيطان هو عذاب الوسوسة ، وإلقاء ~~الخواطر الفاسدة . # وأما القول الأول : فتفريره ما روي أن إبليس سأل ربه ، فقال هل في عبيدك ~~من لو سلطتني عليه يمتنع مني ؟ فقال الله : نعم عبدي أيوب ، فجعل يأتيه ~~بوساوسه وهو يرى إبليس عيانا ولا يلتفت إليه ، فقال : يا رب إنه قد امتنع ~~علي فسلطني على ماله ، وكان يجيئه ويقول له : هلك من مالك كذا وكذا ، فيقول ~~الله أعطى والله أخذ ، ثم يحمد الله ، فقال : يا رب إني أيوب لا يبالي ~~بماله فسلطني على ولده ، فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية ، فجاءه ~~وأخبره به فلم يلتفت إليه ، فقال يا رب لا يبالي بماله وولده فسلطني على ~~جسده ، فأذن فيه ، فنفخ في جلد أيوب ، وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فيه ، ~~فمكث في ذلك البلاء سنين ، حتى صار بحيث استقذره أهل بلده ، فخرج إلى ~~الصحراء وما كان يقرب منه أحد ، فجاء الشيطان إلى امرأته ، وقال لو أن زوجك ~~استعان بي لخلصته من هذا البلاء ، فذكرت المرأة ذلك لزوجها ، فحلف بالله ~~لئن عافاه ms7739 الله ليجلدنها مائة جلدة ، وعند هذه الواقعة قال : / { أنى مسنى ~~الشيطان بنصب وعذاب } فأجاب الله دعاءه ، وأوحى إليه { ءان * اركض برجلك } ~~فأظهر الله من تحت رجله عينا باردة طيبة فاغتسل منها ، فأذهب الله عنه كل ~~داء في PageV26P185 ظاهره وباطنه ، ورد عليه أهله وماله . # والقول الثاني : أن الشيطان لا قدرة له ألبتة على إيقاع الناس في الأمراض ~~والآلام ، والدليل عليه وجوه الأول : أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة ~~والصحة والمرض من الشيطان ، فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان ~~/ ولعل كل ما حصل عندنا من الخيرات والسعادات ، فقد حصل بفعل الشيطان ، ~~وحينئذ لا يكون لنا سبيل إلى أن نعرف أن معطي الحياة والموت والصحة والسقم ~~، هو الله تعالى الثاني : أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل ~~الأنبياء والأولياء ، ولم لا يخرب دورهم ، ولم لا يقتل أولادكم الثالث : ~~أنه تعالى حكى عن الشيطان أنه قال : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) فصرح بأنه لا قدرة له في حق البشر ~~إلا على إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة ، وذلك يدل على قول من يقول إن ~~الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض والآفات ، فإن قال قائل : لم لا يجوز ~~أن يقال إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله تعالى لكن على وفق التماس الشيطان ~~؟ قلنا فإذا كان لا بد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو الله ~~تعالى ، فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك ؟ بل الحق أن المراد من ~~قوله : { أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب } أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة ~~والخواطر الباطنة كان يلقيه في أنواع العذاب والعناء ، ثم القائلون بهذا ~~القول اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف كانت وذكروا فيه وجوها الأول : أن ~~علته كانت شديدة الألم ، ثم طالت مدة تلك العلة واستقذره الناس ونفروا عن ~~مجاورته ، ولم يبق له شيء من الأموال ألبتة . وامرأته كانت تخدم الناس ~~وتحصل له قدر القوت ، ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا ms7740 امرأته من ~~الدخول عليهم ومن الاشتغال بخدمتهم ، والشيطان كان يذكره النعم التي كانت ~~والآفات التي حصلت ، وكان يحتال في دفع تلك الوساوس ، فلما قويت تلك ~~الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله ، وقال : { أنى مسنى الشيطان بنصب ~~وعذاب } لأنه كلما كانت تلك الخواطر أكثر كان ألم قلبه منها أشد . الثاني : ~~أنها لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان وكان يقنطه من ربه ويزين له أن يجزع ~~فخاف من تأكد خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال : { أنى مسنى ~~الشيطان } ، الثالث : قيل إن الشيطان لما قال لامرأته لو أطاعني زوجك أزلت ~~عنه هذه الآفات فذكرت المرأة له ذلك ، فغلب على ظنه أن الشيطان طمع في دينه ~~فشق ذلك عليه فتضرع إلى الله تعالى وقال : { أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب } ~~، الرابع : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنه بقي أيوب في البلاء ~~ثمان عشرة سنة حتى رفضه القريب والبعيد إلا رجلين ، ثم قال أحدهما لصاحبه ~~لقد أذنب أيوب ذنبا ما أتى به أحد من العالمين ، ولولاه ما وقع في مثل هذا ~~البلاء ، فذكروا ذلك / لأيوب عليه السلام ، فقال : لا أدري ما تقولان غير ~~أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع ~~إلى بيتي فأنفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في الحق ) الخامس : ~~قيل إن امرأته كانت تخدم الناس فتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به إلى أيوب ، ~~فاتفق أنهم ما استخدموها ألبتة وطلب بعض النساء منها قطع إحدى ذؤابتيها على ~~أن تعطيها قدر القوت ففعلت ، ثم في اليوم الثاني ففعلت مثل ذلك فلم يبق لها ~~ذؤابة . وكان أيوب عليه السلام إذا أراد أن يتحرك على فراشه تعلق بتلك ~~الذؤابة ، فلما لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر المؤذية في قلبه واشتد غمه ، ~~فعند ذلك قال : { أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب } ، السادس : قال في بعض ~~الأيام : يا رب لقد علمت ما اجتمع علي أمران إلا آثرت PageV26P186 طاعتك ، ~~ولما أعطيتني المال كنت للأرامل قيما ، ولابن السبيل معينا ، ولليتامى ms7741 أبا ~~! فنودي من غمامة يا أيوب ممن كان ذلك التوفيق ؟ فأخذ أيوب التراب ووضعه ~~على رأسه ، وقال منك يا رب ثم خاف من الخاطر الأول فقال : { مسنى الشيطان ~~بنصب وعذاب } وقد ذكروا أقوالا أخرى ، والله أعلم بحقيقة الحال ، وسمعت بعض ~~اليهود يقول : إن لموسى بن عمران عليه السلام كتابا مفردا في واقعة أيوب ، ~~وحاصل ذلك الكتاب أن أيوب كان رجلا كثير الطاعة لله تعالى مواظبا على ~~العبادة ، مبالغا في التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، ثم ~~إنه وقع في البلادء الشديد والعناء العظيم ، فهل كان ذلك لحكمة أم لا ؟ فإن ~~كان ذلك لحكمة فمن المعلوم أنه ما أتى بجرم في الزمان السابق حتى يجعل ذلك ~~العذاب في مقابلة ذلك الجرم ، وإن كان ذلك لكثرة الثواب فالإله الحكيم ~~الرحيم قادر على إيصال كل خير ومنفعة إليه من غير توسط تلك الآلام الطويلة ~~والأسقام الكريهة . وحينئذ لا يبقى في تلك الأمراض والآفات فائدة ، وهذه ~~كلمات ظاهرة جلية وهي دالة على أن أفعال ذي الجلال منزهة عن التعليل ~~بالمصالح والمفاسد ، والحق الصريح أنه { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } ( ~~الأنبياء : 23 ) . # المسألة الثالثة : لفظ الآية يدل على أن ذلك النصب والعذاب إنما حصل من ~~الشيطان ثم ذلك العذاب على القول الأول عبارة عما حصل في بدنه من الأمراض ، ~~وعلى القول الثاني عبارة عن الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب إلقاء الوساوس ، ~~وعلى التقديرين فيلزم إثبات الفعل للشيطان ، وأجاب أصحابنا رحمهم الله بأنا ~~لا ننكر إثبات الفعل للشيطان لكنا نقول فعل العبد مخلوق لله تعالى على ~~التفصيل المعلوم . # أما قوله تعالى : { اركض برجلك } فالمعنى أنه لما شكى من الشيطان ، فكأنه ~~سأل ربه أن يزيل عنه تلك البلية فأجابه الله إليه بأن قال له : { اركض ~~برجلك } والركض هو الدفع القوي بالرجل ، ومنه ركضك الفرس ، والتقدير قلنا ~~له اركض برجلك ، قيل إنه ضرب رجله تلك الأرض فنبعت عين فقيل : { هاذا مغتسل ~~بارد وشراب } أي هذا ماء تغتسل به فيبرأ باطنك ، وظاهر اللفظ يدل على أنه ms7742 ~~نبعت له عين واحدة من الماء اغتسل فيه وشرب منه . والمفسرون قالوا نبعت له ~~/ عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى ، فذهب الداء من ظاهره ومن باطنه ~~بإذن الله ، وقيل ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها ثم باليسرى ~~فنبعت عين باردة فشرب منها . # ثم قال تعالى : { ووهبنا له أهله } فقد قيل هم عين أهله وزيادة مثلهم ، ~~وقيل غيرهم مثلهم ، والأول : أولى لأنه هو الظاهر فلا يجوز العدول عنه من ~~غير ضرورة ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : معناه أزلنا عنهم السقم فعادوا أصحاء ~~، وقال بعضهم : بل حضروا عنده بعد أن غابوا عنه واجتمعوا بعد أن تفرقوا . ~~وقال بعضهم : بل تمكن منهم وتمكنوا منه فيما يتصل بالعشرة وبالخدمة . # أما قوله : { ومثلهم معهم } فالأقرب أنه تعالى متعه بحصته وبماله وقواه ~~حتى كثر نسله وصار أهله ضعف ما كان وأضعاف ذلك ، وقال الحسن رحمه الله : ~~المراد بهبة الأهل أنه تعالى أحياهم بعد أن هلكوا . # ثم قال : { رحمة منا } أي إنما فعلنا كل هذه الأفعال على سبيل الفضل ~~والرحمة ، لا على سبيل اللزوم . # ثم قال : { وذكرى لاولى الالباب } يعني سلطنا البلاء عليه أولا فصبر ثم ~~أزلنا عنه البلاء وأوصلناه إلى PageV26P187 الآلاء والنعماء ، تنبيها لأولي ~~الألباب على أن من صبر ظفر ، والمقصود منه التنبيه على ما وقع ابتداء ~~الكلام به وهو قوله لمحمد : { اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا * داوود } ~~وقالت المعتزلة قوله تعالى : { رحمة منا * لايات لاولى الالباب } يعني إنما ~~فعلناها لهذه الأغراض والمقاصد ، وذلك يدل على أن أفعال الله وأحكامه معللة ~~بالأغراض والمصالح والكلام في هذا الباب قد مر غير مرة . # أما قوله تعالى : { وخذ بيدك ضغثا } فهو معطوف على اركب والضغث الحزمة ~~الصغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك . واعلم أن هذا الكلام يدل على تقدم ~~يمين منه ، وفي الخبر أنه حلف على أهله ، ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله ~~حلف عليها ، ويبعد ما قيل إنها رغبته في طاعة الشيطان ، ويبعد أيضا ما روي ~~أنها قطعت الذوائب عن رأسها لأن المضطر ms7743 إلى الطعام يباح له ذلك بل الأقرب ~~أنها خالفته في بعض المهمات ، وذلك أنها ذهبت في بعض المهمات فأبطأت فحلف ~~في مرضه ليضربنها مائة إذا برىء ، ولما كانت حسنة الخدمة له لا جرم حلل ~~الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها ، السلام تارة ، وفي حق أيوب عليه السلام ~~أخرى عظم الغم في قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا إن قوله تعالى ~~: { نعم العبد } في حق سليمان تشريف عظيم ، فإن احتجنا إلى اتفاق مملكة مثل ~~مملكة سليمان حتى بحد هذا التشريف لم نقدر عليه ، وإن احتجنا إلى تحمل بلاء ~~مثل أيوب لم نقدر عليه ، فكيف السبيل إلى تحصيله . فأنزل الله تعالى قوله : ~~{ نعم المولى ونعم النصير } ( الأنفال : 40 ) والمراد أنك إن لم تكن { نعم ~~العبد } فأنا { نعم المولى } وإن كان منك الفضول ، فمني الفضل ، وإن كان ~~منك التقصير ، فمني الرحمة والتيسير . # ! 7 < { واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الا يدى والا بصار * ~~إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الا خيار * ~~واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الا خيار } > 7 @QB@ < # | ص : ( 45 - 48 ) واذكر عبادنا إبراهيم . . . . . # > > # في الآية مسائل : PageV26P188 # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير : { عبدنا } على الواحد وهي قراءة ابن ~~عباس ، ويقول إن قوله : { عبدنا } تشريف عظيم ، فوجب أن يكون هذا التشريف ~~مخصوصا بأعظم الناس المذكورين في هذه الآية وهو إبراهيم وقرأ الباقون : { ~~عبادنا } قالوا : لأن غير إبارهيم من الأنبياء قد أجري عليه هذا الوصف فجاء ~~في عيسى : { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } ( الزخرف : 59 ) وفي أيوب : { نعم ~~العبد } ( ص : 44 ) وفي نوح : { إنه كان عبدا شكورا } ( الإسراء : 3 ) فمن ~~قرأ ( عبدنا ) جعل إبراهيم وحده عطف بيان له ، ثم عطف ذريته على عبدنا وهي ~~إسحق ويعقوب ، ومن قرأ ( عبادنا ) جعل إبراهيم وإسحق ويعقوب عذف بيان ~~لعبادنا . # المسألة الثانية : تقدير اة ية كأنه تعالى قال : فاصبر على ما يقولون ~~واذكر عبادنا داود إلى أن قال : واذكر عبادنا إبراهيم أي واذكر يا محمد صبر ~~إبراهيم حين ألقي في ms7744 النار ، وصبر إسحق للذبح ، وصب يعقوب حين فقد ولده ~~وذهب بصره . ثم قال : { أولى الايدى والابصار } ، واعلم أن اليد آلة لأكثر ~~الأعمال والبصر آلة لأقوى الإدراكات ، فحسن التعبير عن العمل باليد وعن ~~الإدراك بالبصر . إذا عرفت هذا فنقول النفس الناطقة الإنسانية لها قوتان ~~عاملة وعالمة ، أما القوة العاملة فأشرف ما يصدر عنها طاعة الله ، وأما ~~القوة العالمة فأشرف ما يصدر عنها معرفة / الله ، وما سوى هذين القسمين من ~~الأعمال والمعارف فكالعبث والباطل ، فقوله : { أولى الايدى والابصار } ~~إشارة إلى هاتين الحالتين . # ثم قال تعالى : { إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { بخالصة } قرىء بالتنوين والإضافة فمن نون كان ~~التقدير أخلصناهم أي جعلناهم خالصين لنا بسبب خالصة لا شوب فيها وهي ذكرى ~~الدار ، ومن قرأ بالإضافة فالمعنى بما خلص من ذكرى الدار ، يعني أن ذكرى ~~الدار قد تكون لله وقد تكون لغير الله ، فالمعنى إنا أخلصناهم بسبب ما خلص ~~من هذا الذكر . # المسألة الثانية : في ذكرى الدار وجوه الأولى : المراد أنهم استغرقوا في ~~ذكرى الدار الآخرة وبلغوا في هذا الذكر إلى حيث نسوا الدنيا الثاني : ~~المراد حصول الذكر الجليل الرفيع لهم في الدار الآخرة الثالث : المراد أنه ~~تعالى أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا وقبل دعاءهم في قوله : { واجعل لى ~~لسان صدق فى الاخرين } ( الشعراء : 84 ) . # ثم قال تعالى : { وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار } أي المختارين من ~~أبناء جنسهم والأخياء جمع خير أو خير على التخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت ~~، واحتج العلماء بهذه الآية في إثبات عصمة الأنبياء قالوا لأنه تعالى حكم ~~عليهم بكونهم أخيارا على الإطلاق ، وهذا يعم حصول الخيرية في جميع الأفعال ~~والصفات بدليل صحة الاستثناء وبدليل دفع الإجمال . # ثم قال : { واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار } وهم قوم ~~آخرون من الأنبياء تحملوا الشدائد في دين الله ، وقد ذكرنا الكلام في شرح ~~هذه الأسماء وفي صفات هؤلاء الأنبياء في سورة الأنبياء وفي سورة الأنعام ، ~~فلا فائدة في الإعادة / وههنا آخر الكلام في قصص ms7745 الأنبياء في هذه السورة . # PageV26P189 ! 7 < { هاذا ذكر وإن للمتقين لحسن مأاب * جنات عدن مفتحة ~~لهم الا بواب * متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب * وعندهم قاصرات ~~الطرف أتراب * هاذا ما توعدون ليوم الحساب * إن هاذا لرزقنا ما له من نفاد ~~} > 7 ! # < < # | ص : ( 49 ) هذا ذكر وإن . . . . . # > > اعلم أن في قوله : { ذكر } وجهين الأول : أنه تعالى إنما شرح ذكر ~~أحوال هؤلاء الأنبياء عليهم السلام لأجل أن يصبر محمد عليه السلام على تحمل ~~سفاهة قومه فلما تمم بيان هذا الطريق وأراد أن يذكر عقيبه طريقا آخر يوجب ~~الصبر على سفاهة الجهال ، وأراد أن يميز أحد البابين عن الآخر ، لا جرم قال ~~: { هاذا ذكر } ، ثم شرع في تقرير الباب الثاني فقال : { وإن للمتقين } كما ~~أن المصنف إذا تمم كلاما قال هذا باب ، ثم شرع في باب آخر ، وإذا فرغ ~~الكاتب من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر هذا وقد كان كيت وكيت ، ~~والدليل عليه أنما لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن يردفه بذكر أهل النار ~~قال : { هاذا وإن للطاغين } ( ص : 55 ) الوجه الثاني : في التأويل ، أن ~~المراد هذا شرف وذكر جميل لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام به أبدا ، والأول ~~هو الصحيح . # أما قوله : { وإن للمتقين * وحسن مئاب } . # فاعلم أنه تعالى لما حكى عن كفار قريش سفاهتهم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأن وصفوه بأنه ساحر كذاب ، وقالوا له على سبيل الاستهزاء { ربنا عجل ~~لنا قطنا } ( ص : 16 ) فعند هذا أمر محمدا بالصبر على تلك السفاهة ، وبين ~~أن ذلك الصبر لازم من وجهين الأول : أنه تعالى لما بين أن الأنبياء ~~المتقدمين صبروا على المكاره والشدائد ، فيجب عليك أن تقدي بهم في هذا ~~المعنى الثاني : أنه تعالى بين في هذه الآية أن من أطاع الله كان له من ~~الثواب كذا وكذا ، ومن خالفه كان له من العقاب كذا وكذا ، وكل ذلك يوجب ~~الصبر على تكاليف الله تعالى ، وهذا نظم حسن وترتيب لطيف . # أما فقوله تعالى : { هاذا ذكر وإن للمتقين } المآب المرجع . واحتج ~~القائلون ms7746 بقدم الأرواح بهذه الآية ، وبكل آية تشتمل على لفظ الرجوع ووجه ~~الاستدلال ، أن لفظ الرجوع إنما يصدق لو كانت هذه الأرواح موجودة قبل ~~الأجساد ، وكانت في حضرة جلال الله ثم تعلقت بالأبدان ، فعند انفصالها عن ~~الأبدان يسمى ذلك رجوعا وجوابه : أن هذا إن دل فإنما يدل على أن الأرواح ~~كانت موجودة قبل الأبدان ، ولا يدل على قدم الأرواح . # ثم قال تعالى : { جنات عدن } وهو بدل من قوله : { لحسن مئاب } ثم قال : { ~~مفتحة لهم الابواب } وفيه مسائل : PageV26P190 # المسألة الأولى : ذكروا في تأويل هذا اللفظ وجوها الأول : قال الفراء : ~~معناه مفتحة لهم أبوابها ، والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة ، ~~تقول العرب : مررت برجل حسن الوجه ، فالألف واللام في الوجه يدل من الإضافة ~~والثاني : قال الزجاج : المعنى : مفتحة لهم الأبواب منها الثالث : قال صاحب ~~( الكشاف ) { الابواب } بدل من الضمير ، وتقديره مفتحة / هي الأبواب ، ~~كقولك ضرب زيد اليد والرجل ، وهو من بدل الاشتمال . # المسألة الثانية : قرىء : { جنات عدن } مفتحة بالرفع على تقدير أن يكون ~~قوله : { جنات عدن } مبتدأ و { مفتحة } خبره ، وكلاهما خبر مبتدأ محذوف ، ~~أي هو جنات عدن مفتحة لهم . # المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى وصف من أحوال أهل الجنة في هذه الآية ~~أشياء الأول : أحوال مساكنهم ، فقوله : { جنات عدن } يدل على أمرين أحدهما ~~: كونها جنات وبساتين والثاني : كونها دائمة آمنة من الانقضاء . # وفي قوله : { مفتحة لهم الابواب } وجوه الأول : أن يكون المعنى أن ~~الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه ~~بالسلام ، فيدخل كذلك محفوفا بالملائكة على أعز حال وأجمل هيئة ، قال تعالى ~~: { حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ~~فادخلوها خالدين } ( الزمر : 73 ) . الثاني : أن تلك الأبواب كلما أرادوا ~~انفتاحها انفتحت لهم ، وكلما أرادوا انغلاقها انغلقت لهم الثالث : المراد ~~من هذا الفتح ، وصف تلك المساكن بالسعة ، ومسافرة العيون فيها ، ومشاهدة ~~الأحوال اللذيذة الطيبة . # ثم قال تعالى : { متكئين فيها } يدعون فيها ، وفيه مباحث : # البحث الأول : أنه تعالى ذكر في هذه الآية كونهم متكئين في ms7747 الجنة ، وذكر ~~في سائر الآيات كيفية ذلك الاتكاء ، فقال في آية : { على الارائك متكئون } ~~( يس : 56 ) وقال في آية أخرى : { متكئين على رفرف خضر } ( الرحمن : 76 ) . # البحث الثاني : قوله : { وأنزلنا فيها } حال قدمت على العامل فيها وهو ~~قوله : { يدعون فيها } والمعنى يدعون في الجنات متكئين فيها ثم قال : { ~~بفاكهة كثيرة وشراب } والمعنى بألوان الفاكهة وألوان الشراب ، والتقدير ~~بفاكهة كثيرة وشراب كثير ، والسبب في ذكر هذا المعنى أن ديار العرب حارة ~~قليلة الفواكه والأشربة ، فرغبهم الله تعالى فيه . # ولما بين تعالى أمر المسكن وأمر المأكول والمشروب ذكر عقيبه أمر المنكوح ~~، فقال : { وعندهم قاصرات الطرف } وقد سبق تفسيره في سورة والصافات ، ~~وبالجملة فالمعنى كونهن قاصرات عن غيرهم مقصورات القلب على محبتهم ، وقوله ~~: { أتراب } أي على سن واحد ، ويحتمل كون الجواري أترابا ، ويحتمل كونهن ~~أترابا للأزواج ، قال القفال : والسبب في اعتبار هذه الصفة ، أنهن لما ~~تشابهن في الصفة والسن والحلية كان الميل إليهن على السوية ، وذلك يقتضي ~~عدم الغيرة . # ثم قال تعالى : { هاذا ما توعدون ليوم الحساب } يعني أن الله تعالى وعد ~~المتقين بالثواب الموصوف بهذه الصفة ، ثم إنه تعالى أخبر عن دوام الثواب ~~فقال : { إن هاذا لرزقنا * ماله * من نفاد } . # PageV26P191 ! 7 < { هاذا وإن للطاغين لشر مأاب * جهنم يصلونها فبئس ~~المهاد * هاذا فليذوقوه حميم وغساق * وءاخر من شكله أزواج * هاذا فوج مقتحم ~~معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار * قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم ~~قدمتموه لنا فبئس القرار * قالوا ربنا من قدم لنا هاذا فزده عذابا ضعفا فى ~~النار * وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الا شرار * أتخذناهم ~~سخريا أم زاغت عنهم الأبصار * إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } > 7 ! # < < # | ص : ( 55 ) هذا وإن للطاغين . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما وصف ثواب المتقين ، وصف بعده عقاب الطاغين ، ~~ليكون الوعيد مذكورا عقيب الوعد ، والترهيب عقيب الترغيب . # واعلم أنه تعالى ذكر من أحوال النار أنواعا فالأول : مرجعهم ومآبهم ، ~~فقال : { هاذا وإن للطاغين لشر مئاب } ( ص : 55 ) وهذا في مقابلة قوله : { ~~هاذا ms7748 ذكر وإن للمتقين } ( ص : 49 ) فبين تعالى أن حال الطاغين مضاد لحال ~~المتقين ، واختلفوا في المراد بالطاغين ، فأكثر المفسرين حملوه على الكفار ~~، وقال الجبائي : إنه محمول على أصحاب الكبائر سواء كانوا كفارا أو لم ~~يكونوا كذلك ، واحتج الأولون بوجوه الأول : أن قوله : { لشر مئاب } يقتضي ~~أن يكون مآبهم شرا من مآب غيرهم ، وذلك لا يليق إلا بالكفار الثاني : أنه ~~تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : { أتخذناهم سخريا } وذلك لا يليق إلا بالكفار ~~، لأن الفاسق لا يتخذ المؤمن سخريا الثالث : أنه اسم ذم ، والاسم المطلق ~~محمول على الكامل ، والكامل في الطغيان هو الكافر ، واحتج الجبائي على صحة ~~قوله بقوله تعالى : / { إن الإنسان ليطغى * أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، ~~7 ) وهذا يدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل في حق صاحب الكبيرة ، ولأن كل ~~من تجاوز عن تكاليف الله تعالى وتعداها فقد طغى ، ذا عرفت هذا فنقول : قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما ، المعنى أن الذين طغوا وكذبوا رسلي لهم شر مآب ، ~~أي شر مرجع ومصير ، ثم قال : { جهنم يصلونها } والمعنى أنه تعالى لما حكم ~~بأن الطاغين لهم شر مآب فسره بقوله : { جهنم يصلونها } ثم قال : { فبئس ~~المهاد } وهو كقوله : { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } ( الأعراف : 41 ~~) شبه الله ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم . # ثم قال تعالى : { هاذا فليذوقوه حميم وغساق } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : فيه وجهان الأول : أنه على التقديم والتأخير ، والتقدير ~~هذا حميم وغساق فليذوقوه الثاني : أن يكون التقدير جهنم يصلونها فبئس ~~المهاد هذا فليذوقوه ، ثم يبتدىء فيقول : حميم وغساق . PageV26P192 # المسألة الثانية : الغساق بالتخفيف والتشديد فيه وجوه الأول : أنه الذي ~~يغسق من صديد أهل النار ، يقال : غسقت العين إذا سال دمعها . وقال ابن عمر ~~هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه الثاني : قيل الحميم يحرق بحره ، ~~والغساق يحرق ببرده ، وذكر الأزهري : أن الغاسق البارد ، ولهذا قيل لليل ~~غاسق لأنه أبرد من النهار الثالث : أن الغساق المنتن حكى الزجاج لو قطرت ~~منه قطرة في المشرق لأنتنت أهل ms7749 المغرب ، ولو قطرت منه قطرة في المغرب ~~لأنتنت أهل المشرق الرابع : قال كعب : الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ~~ذات حمة من عقرب وحية . # المسألة الثالثة : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم غساق بتشديد السين حيث ~~كان والباقون بالتخفيف . قال أبو علي الفارسي الاختيار التخفيف لأنه إذا ~~شدد لم يخل من أن يكون اسما أو صفة ، فإن كان اسما فالأسماء لم تجيء على ~~هذا الوزن إلا قليلا ، وإن كان صفة فقد أقيم مقام الموصوف والأصل أن لا ~~يجوز ذلك . # ثم قال تعالى : { وءاخر من شكله أزواج } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمر { وأخر } بضم الألف على جمع أخرى أي أصناف ~~أخر من العذاب ، وهو قراءة مجاهد والباقون آخر على الواحد أي عذاب آخر ، ~~أما على قراءة الأولى فقوله وأخر أي ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق ، أي من ~~مثله في الشدة والفظاعة ، أزواج أي أجناس ، وأما على القراءة الثانية ~~فالتقدير وعذاب أو مذوق آخر ، وأزواج صفة لآخر لأنه يجوز أن يكون ضروبا أو ~~صفة للثلاثة وهم حميم وغساق وآخر من شكله . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء من ~~شكله بالكسر وهي لغة ، وأما الغنجفبالكسر لا غير . # واعلم أنه تعالى لما وصف مسكن الطاغين ومأكولهم حكى أحوالهم الذين كانوا ~~أحباء لهم / في الدنيا أولا ، ثم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا ثانيا ~~أما الأول : فهو قوله : { هاذا فوج مقتحم معكم } واعلم أن هذا حكاية كلام ~~رؤساء أهل النار يقوله بعضهم لبعض بدليل أن ما حكى بعد هذا من أقوال ~~الأتباع وهو قوله : { قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا } ، ~~وقيل إن قوله : { هاذا فوج مقتحم معكم } كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في ~~أتباعهم ، وقوله : { لا مرحبا بهم إنهم صالو النار } كلام الرؤساء ، وقوله ~~: { هاذا فوج مقتحم معكم } أي هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار كما كانوا ~~قد اقتحموا معكم في الجهل والضلال ، ومعنى اقتحم معكم النار أي دخل النار ~~في صحبتكم ، والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها ، والقحمة ms7750 الشدة . # وقوله تعالى : { لا مرحبا بهم } دعاء منهم على أتباعهم ، يقول الرجل لمن ~~يدعو له مرحبا أي أتيت رحبا في البلاد لا ضيقا أو رحبت بلادك رحبا ، ثم ~~يدخل عليه كلمة لا في دعاء السوء ، وقوله : { بهم } بيان للمدعو عليهم أنهم ~~صالوا النار تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : ~~{ كلما دخلت أمة لعنت أختها } ( الأعراف : 38 ) قالوا أي الأتباع { بل أنتم ~~لا مرحبا بكم } يريدون أن الدعاء الذي دعوتم به علينا أيها الرؤساء أنتم ~~أحق به ، وعللوا ذلك بقولهم : { أنتم قدمتموه لنا } والضمير للعذاب أو ~~لصليهم ، فإن قيل ما PageV26P193 معنى تقديمهم العذاب لهم ؟ قلنا الذي أوجب ~~التقديم هو عمل السوء قال تعالى : { ذوقوا عذاب الحريق * ذالك بما قدمت ~~أيديكم } ( آل عمران : 181 ، 182 ) إلا أن الرؤساء لما كانوا هم السبب فيه ~~بإغوائهم وكان العذاب جزاءهم عليه قيل أنتم قدمتموه لنا فجعل الرؤساء هم ~~المقدمين وجعل الجزاء هو المقدم ، والضمير في قوله : { قدمتموه } كناية عن ~~الطغيان الذي دل عليه قوله : { وإن للطاغين * شر * مئاب } وقوله : { فبئس ~~القرار } أي : بئس المستقر والمسكن جهنم ، ثم قالت الأتباع { ربنا من قدم ~~لنا هاذا فزده عذابا ضعفا } أي مضاعفا ومعناه ذا ضعف ونظيره قوله تعالى : { ~~ربنا هؤلاء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا } ( الأعراف : 38 ) وكذلك قوله تعالى ~~: { ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا ءاتهم ضعفين من ~~العذاب } ( الأحزاب : 67 ، 68 ) فإن قيل كل مقدار يفرض من العذاب فإن كان ~~بقدر الاستحقاق لم يكن مضاعفا ، وإن كان زائدا عليه كان ظالما وإنه لا يجوز ~~. قلنا المراد منه قوله عليه السلام : ( ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر ~~من عمل بها إلى يوم القيامة ) والمعنى أنه يكون أحد القسمين عذاب الضلال ، ~~والثاني عذاب الإضلال والله أعلم . # وههذنا آخر شرح أحوال الكفار مع الذين كانوا أحبابا لهم في الدنيا ، وأما ~~شرح أحوالهم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا فهو قوله : { وقالوا ما ~~لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار } يعني أن الكفار ms7751 إذا نظروا إلى ~~جوانب جهنم فيحنئذ يقولون : { ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار } ~~يعنون فقراء المسلمين الذين لا يؤبه بهم وسموهم من الأشرار ، إما بمعنى ~~الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى ، أو لأنهم كانوا على خلاف دينهم ~~فكانوا عندهم أشرارا ثم قالوا : { أتخذناهم سخريا } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي { من الاشرار * أتخذناهم ~~} بوصل ألف { أتخذناهم } والباقون بفتحها على الاستفهام ، قال أبو عبيد ~~وبالوصل يقرأ لأن الاستفهام متقدم في قوله : { ما لنا لا نرى رجالا } ، ~~ولأن المشركين لا يشكون في اتخاذهم المؤمنين في الدنيا سخريا ، لأنه تعالى ~~قد أخبر عنهم بذلك في قوله : { فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى } ( ~~المؤمنون : 110 ) فكيف يحسن أن يستفهموا عن شيء علموه ؟ أجاب الفراء عنه ~~بأن قال هذا من الاستفهام الذي معناه التعجيب والتوبيخ ، ومثل هذا ~~الاستفهام جائز عن الشيء المعلوم ، أما وجه قول من ألحق الهمزة للاستفهام ~~أنه لا بد من المصير إليه ليعادل قوله : { أتخذناهم } بأم في قوله : { أم ~~زاغت * فيهم } فإن قيل فما الجملة المعادلة لقوله : { أم زاغت } على ~~القراءة الأولى ؟ قلنا إنها محذوفة والمعنى المقصودون أم زاغت عنهم الأبصار ~~. # المسألة الثانية : قرأ نافع { سخريا } بضم السين والباقون بكسرها ، وقيل ~~هما بمعنى واحد وقيل بالكسر هو الهزء وبالضم هو التذليل والتسخير . # المسألة الثالثة : اختلفوا في نظم الآية على قولين بناء على القراءتين ~~المذكورتين أما القراءة على سبيل الإخبار فالتقدير ما لنا لا نراهم حاضرين ~~لأجل أنهم لحقارتهم تركوا ، أو لأجل أنهم زاغت عنهم الأبصار . ووقع التعبير ~~عن حقارتهم بقولهم { أتخذناهم سخريا } وأما القراءة على سبيل الاستفهام ، ~~فالتقدير لأجل أنا قد اتخذناهم سخريا وما كانوا كذلك فلم يدخلوا النار ، أم ~~لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار ، واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه المناظرة ~~قال إن ذلك الذي حكينا عنهم لحق لا بد وأن يتكلموا به ، ثم بين أن الذي ~~حكيناه عنهم ما هو ، فقال : { تخاصم أهل النار } وإنما سمى الله تعالى تلك ~~الكلمات تخاصما لأن قول ms7752 PageV26P194 الرؤساء { لا مرحبا بهم } وقول الأتباع ~~{ بل أنتم لا مرحبا بكم } من باب الخصومة . # ! 7 < { قل إنمآ أنا منذر وما من إلاه إلا الله الواحد القهار * رب ~~السماوات والا رض وما بينهما العزيز الغفار * قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه ~~معرضون * ما كان لى من علم بالملإ الا على إذ يختصمون * إن يوحى إلى إلا ~~أنمآ أنا نذير مبين } > 7 ! # < < # | ص : ( 65 ) قل إنما أنا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى في أول السورة أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~لما دعا الناس إلى أنه لا إله إلا الله واحد ، وإلى أنه رسول مبين من عند ~~الله ، وإلى أن القول بالقيامة حق ، فأولئك الكفار أظهروا السفاهة وقالوا ~~إنه ساحر كذاب واستهزؤا بقوله ، ثم إنه تعالى ذكر قصص الأنبياء لوجهين ~~الأول : ليصير ذلك حاملا لمحمد صلى الله عليه وسلم على التأسي بالأنبياء ~~عليهم السلام في الصبر على سفاهة القوم والثاني : ليصير ذلك رادعا للكفار ~~على ازصرار على الكفر والسفاهة وداعيا إلى قبول الإيمان ، ولما تمم الله ~~تعالى هذه البيانات عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أول السورة وهي ~~تقدير التوحيد والنبوة والبعث ، فقال قل يا محمد إنما أنا منذر ولا بد من ~~الإقرار بأنه ما من إله إلا الله الواحد القهار ، فإن الترتيب الصحيح أن ~~تذكر شبهات الخصوم أولا ويجاب عنها ثم نذكر عقيبها الدلائل الدالة على صحة ~~المطلوب ، فكذا ههنا أجاب الله تعالى عن شبهتهم ونبه على فساد كلماتهم ، ثم ~~ذكر عقيبه ما يدل على صحة هذه المطالب ، لأن إزالة ما لا ينبغي مقدمة على ~~إثبات ما ينبغي ، وغسل اللوح من النقوش الفاسدة مقدم على كتب النقوش ~~الصحيحة فيه ، ومن نظر في هذا الترتيب اعترف بأن الكلام من أول السورة إلى ~~آخرها قد جاء على أحسن وجوه الترتيب والنظم . # أما قوله : { قل إنما أنا منذر } يعني أبلغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد ~~والنبوة والمعاد ، وأحوال ثواب من أقربها ، وكما بدأ في أول السورة بأدلة ~~التوحيد حيث حكى عنهم أنهم قالوا { أجعل ms7753 الالهة إلاها واحدا } ( ص : 5 ) ~~فكذلك بدأ ههنا بتقرير التوحيد فقال : { وما من إلاه إلا الله الواحد ~~القهار } وفي هذه الكلمة إشارة إلى الدليل الدال على كونه منزها عن الشريك ~~والنظير ، وبيانه أن الذي يجعل شريكا له في الإلهية ، إما أن يكون موجودا ~~قادرا على الإطلاق على التصرف في العالم أو لا يكون كذلك ، بل يكون جمادا ~~عاجزا والأول : باطل لأنه لو كان شريكه قادرا على الإطلاق لم يكن هو قادرا ~~قاهرا ، لأن بتقدير أن يريد هو شيئا ويريد شريكه ضد ذلك الشيء لم يكن حصول ~~أحد الأمرين أولى من الآخر ، فيفضي إلى اندفاع كل واحد منهما بالآخر ، ~~وحينئذ لا يكون قادرا قاهرا بل كان عاجزا ضعيفا ، والعاجز لا يصلح للإلهية ~~، فقوله : { لا * الله الواحد القهار } إشارة إلى أن كونه قهارا يدل على ~~كونه واحدا وأما الثاني : وهو أن يقال إن الذي جعل PageV26P195 شريكا له لا ~~يقدر على شيء ألبتة مثل هذه الأوثان ، فهذا أيضا فاسد لأن صريح العقل يحكم ~~بأن عبادة الإله القادر القاهر أولى من عبادة الجماد الذي لا يسمع ولا يبصر ~~ولا يغني عنك شيئا فقوله : { وما من إلاه إلا الله الواحد القهار } يدل على ~~هذه الدلائل ، واعلم أن كونه سبحانه قهارا مشعر بالترهيب والتخويف ، فلما ~~ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب فقال : { رب * السماوات والارض ~~* وما بينهما العزيز الغفار } فكونه ربا مشعر بالتربية والإحسان والكرم ~~والجود ، وكونه غفارا مشعر بالترغيب / وهذا الموجود هو الذي تجب عبادته ، ~~لأنه هو الذي يخشى عقابه ويرجى فضله وثوابه . / ونذكر طريقة أخرى في تفسير ~~هذه الآيات ، فنقول إنه تعالى ذكر من صفاته في هذا الموضع خمسة الواحد ~~والقهار والرب والعزيز والغفار ، أما كونه واحدا فهو الذي وقع الخلاف فيه ~~بين أهل الحق وبين المشركين واستدل تعالى على كونه واحدا بكونه قهارا وقد ~~بينا وجه هذه الدلالة إلا أن كونه قهارا وإن دل على إثبات الوحدانية إلا ~~أنه يوجب الخوف الشديد فأردفه تعالى بذكر صفات ثلاثة دالة على الرحمة ~~والفضل ms7754 والكرم أولها : كونه ربا للسموات والأرض وما بينهما وهذا إنما تتم ~~معرفته بالنظر في آثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض والعناصر ~~الأربعة والمواليد الثلاثة ، وذلك بحر لا ساحل له فإذا تأملت في آثار حكمته ~~ورحمته في خلق هذه الأشياء عرفت حينئذ تربيته للكل وذلك يفيد الرجاء العظيم ~~وثانيها : كونه عزيزا والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومربي ~~وكريم إلا أنه غير قادر على كل المقدورات ، فأجاب عنه بأنه عزيز أي قادر ~~على كل الممكنات فهو يغلب الكل ولا يغلبه شيء وثالثها : كونه غفارا ~~والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومحسن ولكنه يكون كذلك في حق ~~المطيعين المخلصين في العبادة ، فأجاب عنه بأن من بقي على الكفر سبعين سنة ~~ثم تاب فإني أزيل اسمه عن ديوان المذنبين وأستر عليه بفضلي ورحمتي جميع ~~ذنوبه وأوصله إلى درجات الأبرار ، واعلم أنه تعالى لما بين ذلك قال : { قل ~~هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون } وهذا النبأ العظيم يحتمل وجوها فيمكن أن ~~يكون المراد أن القول بأن الإله واحد نبأ عظيم ، ويمكن أن يقال المراد أن ~~القول بالنبوة نبأ عظيم ، ويمكن أن يقال المراد أن القول بإثبات الحشر ~~والنشر والقيامة نبأ عظيم ، وذلك لأن هذه المطالب الثلاثة كانت مذكورة في ~~أول السورة ولأجلها أنجز الكلام إلى كل ما سبق ذكره ، ويمكن أيضا أن يكون ~~المراد كون القرآن معجزا لأن هذا أيضا قد تقدم ذكره في قوله : { كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته } ( ص : 29 ) وهؤلاء الأقوام أعرضوا عنه ~~على ما قال { قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون } واعلم أن قوله : { أنتم ~~عنه معرضون } ترغيب في النظر والاستدلال ومنع من التقليد ، لأن هذه المطالب ~~مطالب شريفة عالية ، فإن بتقدير أن يكون الإنسان فيها على الحق يفوز بأعظم ~~أبواب السعادة ، وبتقدير أن يكون الإنسان فيها على الباطل وقع في أعظم ~~أبوبا الشقاوة فكانت هذه المباحث أنباء عظيمة ومطالب عالية بهية ، وصريح ~~العقل يوجب على الإنسان أن ms7755 يأتي فيها بالاحتياط التام وأن لا يكتفي ~~بالمساهلة والمسامحة . # أما قوله تعالى : { ما كان لى من علم بالملإ الاعلى إذ يختصمون } فاعلم ~~أنه تعالى رغب المكلفين في الاحتياط في هذه المسائل الأربعة ، وبالغ في ذلك ~~الترغيب من وجوه : الأول : أن كل واحد منها نبأ عظيم ، والنبأ العظيم يجب ~~الاحتياط فيه الثاني : أن الملأ الأعلى اختصموا وأحسن ما قيل فيه أنه تعالى ~~لما قال : PageV26P196 { إني جاعل فى الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال } ( البقرة : 30 ) والمعنى ~~أنهم قالوا أي فائدة في خلق / البشر مع أنهم يشتغلون بقضاء الشهوة وهو ~~المراد من قوله : { من يفسد فيها } وبإمضاء الغضب وهو المراد من قوله : { ~~ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك } فقال الله سبحانه وتعالى : { إني أعلم ما ~~لا تعلمون } وتقرير هذا الجواب والله أعلم / أن يقال أن المخلوقات بحسب ~~القسمة العقلية على أقسام أربعة : أحدها : الذين حصل لهم العقل والحكمة ، ~~ولم تحصل لهم النفس والشهوة وهم الملائكة فقط ثانيها : الذين حصل لهم النفس ~~والشهوة ، ولم يحصل لهم العلم والحكمة وهي البهائم وثالثها : الأشياء ~~الخالية عن القسمين ، وهي الجمادات وبقي في التقسيم قسم رابع : وهو الذي ~~حصل فيه الأمران وهو الإنسان والمقصود من تخليق الإنسان ليس هو الجهل ~~والتقليد والتكبر والتمرد فإن كل ذلك صفات البهائم والسباع بل المقصود من ~~تخليقه ظهور العلم والحكمة والطاعة ، فقوله { إني أعلم ما لا تعلمون } يعني ~~أن هذا النوع من المخلوقات ، وإن حصلت فيه الشهوة الداعية إلى الفساد ~~والغضب الحامل له على سفك الدماء ، لكن حصل فيه العقل الذي يدعوه إلى ~~المعرفة والمحبة والطاعة والخدمة ، وإذا ثبت أنه تعالى إنما أجاب الملائكة ~~بهذا الجواب وجب على الإنسان أن يسعى في تحصيل هذه الصفات ، وأن يجتهد في ~~اكتسابها ، وأن يحترز عن طريقة الجهل والتقليد والإصرار والتكبر ، وإذا كان ~~كذلك فكل من وقف على كيفية هذه الواقعة صار وقوفه عليها داعيا له إلى الجد ~~والاجتهاد في اكتساب المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة زاجرا ms7756 له عن أضدادها ~~ومقابلاتها ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذا الكلام في هذا المقام . فإن ~~قيل الملائكة لا يجوز أن يقال إنهم اختصموا بسبب قولهم : { أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء } ( البقرة : 30 ) فإن المخاصمة مع الله كفر ، قلنا ~~لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب ، وذلك يشابه المخاصمة والمناظرة والمشابهة ~~علة لجواز المجاز ، فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه ، ولما أمر ~~الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذا الكلام على سبيل الرمز ~~أمره أن يقول : { إن يوحى إلى أنما أنا نذير مبين } يعني أنا ما عرفت هذه ~~المخاصمة إلا بالوحي ، وإنما أوحى الله إلي هذه القصة لأنذركم بها ولتصير ~~هذه القصة حاملة لكم على الإخلاص في الطاعة والاحتراز عن الجهل والتقليد . # ! 7 < { إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحى فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس ~~استكبر وكان من الكافرين * قال ياإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى ~~أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين ~~* قال فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك لعنتىإلى يوم الدين * قال رب ~~فأنظرنىإلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * ~~قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال فالحق والحق ~~أقول * لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } > 7 @QB@ < # | ص : ( 71 ) إذ قال ربك . . . . . # > > PageV26P197 # اعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحسد والكبر ، وذلك لأن ~~إبليس ، إنما وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر ، والكفار إنما نازعوا ~~محمدا عليه السلام بسبب الحسد والكبر ، فالله تعالى ذكر هذه القصة ههنا ~~ليصير سماعها زاجرا لهم عن هاتين الخصلتين المذمومتين والحاصل أنه تعالى ~~رغب المكلفين في النظر والاستدلال ، ومنعهم عن الإصرار والتقليد وذكر في ~~تقريره أمورا أربعة أولها : أنه نبأ عظيم فيجب الاحتياط فيه والثاني : أن ~~قصة سؤال الملائكة عن الحكمة في تخليق البشر يدل على أن ms7757 الحكمة الأصلية في ~~تخليق آدم هو المعرفة والطاعة لا الجهل والتكبر الثالث : أن إبليس إنما ~~خاصم آدم عليه السلام لأجل الحسد والكبر فيجب على العاقل أن يحترز عنهما ، ~~فهذا هو وجه النظم في هذه الآياع ، واعلم أن هذه القصة قد تقدم شرحها في ~~سور كثيرة ، فلا فائدة في الإعادة إلا ما لا بد منه وفيها مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { إنى خالق بشرا من طين } سؤالات : # الأول : أن هذا النظم إنما يصح لو أمكن خلق البشر لا من الطين ، كما إذا ~~قيل أنا متخذ سوارا من ذهب ، فهذا إنما يستقيم لو أمكن اتخاذه من الفضة . # / الثاني : ذكر ههنا أنه خلق البشر من طين ، وفي سائر الآيات ذكر أنه ~~خلقه من سائر الأشياء كقوله تعالى في آدم إنه خلقه من تراب وكقوله : { من ~~صلصال من حمإ مسنون } ( الحجر : 26 ) وكقوله : { خلق الإنسان من عجل } ( ~~الأنبياء : 37 ) . # الثالث : أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما أخبر الملائكة بأنه خلق ~~بشرا من طين . لم يقولوا شيئا ، وفي الآية الأخرى وهي التي قال : { إني ~~جاعل فى الارض خليفة } ( البقرة : 30 ) بين أنهم أوردوا السؤال والجواب ~~فبينهما تناقض ، والجواب عن الأول أن التقدير كأنه سبحانه وصف لهم أولا أن ~~البشر شخص جامع للقوة البهيمية والسبعية والشيطانية والملكية ، فلما قال : ~~{ إنى خالق بشرا من طين } فكأنه قال ذلك الشخص المستجمع لتلك الصفات ، إنما ~~أخلقه من الطين ، والجواب عن الثاني أن المادة البعيدة هو التراب ، وأقرب ~~منه الطين ، وأقرب منه الحمأ المسنون ، وأقرب منه الصلصال فثبت أنه لا ~~منافاة بين الكل ، والجواب عن الثالث أنه في الآية المذكورة في سورة البقرة ~~بين لهم أنه يخلق في الأرض خليفة ، وبالآية المذكورة ههنا بين أن ذلك ~~الخليفة بشر مخلوق من الطين . # المسألة الثانية : قال { فإذا سويته ونفخت فيه من روحى } وهذا يدل على أن ~~تخليق البشر لا يتم إلا بأمرين التسوية أولا / ثم نفخ الروح ثانيا ، وهذا ~~حق لأن الإنسان مركب من جسد ونفس . PageV26P198 # أما الجسد فإنه إنما ms7758 يتولد من المني ، والمني إنما يتولد من دم الطمث وهو ~~إنما يتولد من الأخلاط الأربعة ، وهي إنما تتولد من الأركان الأربعة ، ولا ~~بد في حصول هذه التسوية من رعاية مقدار مخصوص لكل واحد منها ، ومن رعاية ~~كيفية امتزاجاتها وتركيباتها ، ومن رعاية المدة التي في مثلها حصل ذلك ~~المزاج الذي لأجله يحصل الاستعداد لقبول النفس الناطقة . # وأما النفس فإليها الإشارة بقوله : { ونفخت فيه من روحى } ولما أضاف ~~الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي ، وذهبت الحلولية إلى أن ~~كلمة ( من ) تدل على التبعيض ، وهذا يوهم أن الروح جزء من أجزاء الله تعالى ~~، وهذا غاية الفساد ، لأن كل ما له جزء وكل ، فهو مركب وممكن الوجود لذاته ~~ومحدث . # وأما كيفية نفخ الروح ، فاعلم أن الأقرب أن جوهر النفس عبارة عن أجسام ~~شفافة نورانية ، علوية العنصر ، قدسية الجوهر ، وهي تسري في البدن سريان ~~الضوء في الهواء ، وسريان النار في الفحم ، فهذا القدر معلوم . أما كيفية ~~ذلك النفخ فمما لا يعلمه إلا الله تعالى . # المسألة الثالثة : الفاء في قوله : { فقعوا له ساجدين } تدل على أنه كما ~~تم نفخ الروح في الجسد توجه أمر الله عليهم بالسجود ، وأما أن المأمور بذلك ~~السجود ملائكة الأرض ، أو دخل فيه ملائكة السموات مثل جبريل وميكائيل ، ~~والروح الأعظم المذكور في قوله : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } ( النبأ ~~: 38 ) ففيه مباحث عميقة . وقال بعض الصوفية : الملائكة الذين أمروا ~~بالسجود لآدم ، هم القوى النباتية والحيوانية الحسية والحركية ، فإنها في ~~بدن الإنسان خوادم النفس الناطقة ، / وإبليس الذي لم يسجد هو القوة الوهمية ~~التي هي المنازعة لجوهر العقل ، والكلام فيه طويل . وأما بقية المسائل وهي ~~: كيفية سجود الملائكة لآدم ، وأن ذلك هل يدل على كونه أفضل من الملائكة أم ~~لا ، وأن إبليس هل كان من الملائكة أم لا ، وأنه هل كان كافرا ، أصليا أم ~~لا ، فكل ذلك تقدم في سورة البقرة وغيرها . # المسألة الرابعة : احتج من أثبت الأعضاء والجوارح لله تعالى بقوله تعالى ~~: { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى ms7759 } في إثبات يدين لله تعالى ، بأن قالوا ~~ظاهر الآية يدل عليه ، فوجب المصير إليه ، والآيات الكثيرة واردة على وفق ~~هذه الآية ، فوجب القطع به . # واعلم أن الدلائل الدالة على نفي كونه تعالى جسما مركبا من الأجزاء ~~والأعضاء ، قد سبقت إلا أنا نذكر ههنا نكتا جاريا مجرى الإلزامات الظاهرة ~~فالأول : أن من قال إنه مركب من الأعضاء والأجزاء ، فإما أن يثبت الأعضاء ~~التي ورد ذكرها في القرآن ولا يزيد عليها ، وإما أن يزيد عليها ، فإن كان ~~الأول لزمه إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح ، لأنه يلزمه إثبات ~~وجه بحيث لا يوجد منه إلا مجرد رقعة الوجه لقوله : { كل شىء هالك إلا وجهه ~~} ( القصص : 88 ) ويلزمه أن يثبت في تلك الرقعة عيونا كثيرة لقوله : { تجرى ~~بأعيننا } ( القمر : 14 ) وأن يثبت جنبا واحدا لقوله تعالى : { نفس ياحسرتى ~~على ما فرطت فى جنب الله } ( الزمر : 56 ) وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي ~~كثيرة لقوله تعالى : { مما عملت أيدينا } ( يس : 71 ) وبتقدير أن يكون له ~~يدان فإنه يجب أن يكون كلاهما على جانب واحد لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ~~الحجر الأسود يمين الله في الأرض ) وأن يثبت له ساقا واحدا لقوله تعالى : { ~~يوم يكشف عن ساق } ( القلم : 42 ) فيكون الحاصل من هذه الصورة ، مجرد رقعة ~~الوجه PageV26P199 ويكون عليها عيون كثيرة ، وجنب واحد ويكون عليه أيد ~~كثيرة وساق واحد / ومعلوم أن هذه الصورة أقبح الصور ، ولو كان هذا عبدا لم ~~يرغب أحد في شرائه ، فكيف يقول العاقل إن رب العالمين موصوف بهذه الصورة . # وأما القسم الثاني : وهو أن لا يقتصر على الأعضاء المذكورة في القرآن ، ~~بل يزيد وينقص على وفق التأويلات ، فحينئذ يبطل مذهبه في الحمل على مجرد ~~الظواهر ، ولا بد له من قبول دلائل العقل . # الحجة الثانية : في إبطال قولهم إنهم إذا أثبتوا الأعضاء لله تعالى ، فإن ~~أثبتوا له عضو الرجل فهو رجل وأن أثبتوا له عضو النساء فهو أنثى ، وإن ~~نفوهما فهو خصي أو عنين ، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوا ms7760 كبيرا . # الحجة الثالثة : أنه في ذاته سبحانه وتعالى ، إما أن يكون جسما صلبا لا ~~ينغمز ألبتة ، فيكون حجرا صلبا ، وإما أن يكون قابلا للانغماز ، فيكون لينا ~~قابلا للتفرق والتمزق . وتعالى الله عن ذلك . # الحجة الرابعة : أنه إن كان بحيث لا يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان ~~كالزمن المعقد العاجز ، وإن كان بحيث يمكنه أن يتحرك عن مكانه ، كان محلا ~~للتغيرات ، فدخل تحت قوله : { لا أحب الافلين } ( الأنعام : 76 ) . # / الحجة الخامسة : إن كان لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتحرك كان ~~كالميت ، وإن كان يفعل هذه الأشياء ، كان إنسانا كثير التهمة محتاجا إلى ~~الأكل والشرب والوقاع وذلك باطل . # الحجة السادسة : أنهم يقولون إنه ينزل كل ليلة من العرش إلى السماء ~~الدنيا ، فنقول لهم حين نزوله : هل يبقى مدبرا للعرش ويبقى مدبرا للسماء ~~الدنيا حين كان على العرش ، وحينئذ لا يبقى في النزول فائدة ، وإن لم يبق ~~مدبرا للعرش فعند نزوله يصير معزولا عن إلهية العرش والسموات . # الحجة السابعة : أنهم يقولون إنه تعالى أعظم من العرش ، وإن العرش لا ~~نسبة لعظمته إلى عظمة الكرسي ، وعلى هذا الترتيب حتى ينتهي إلى السماء ~~الدنيا ، فإذا كان كذلك كانت السماء الدنيا بالنسبة إلى عظمة الله كالذرة ~~بالنسبة إلى البحر ، فإذا نزل فإما أن يقال إن الإله يصير صغيرا بحيث تسعه ~~السماء الدنيا ، وإما أن يقال إن السماء الدنيا تصير أعظم من العرش ، وكل ~~ذلك باطل . # الحجة الثامنة : ثبت أن العالم كرة ، فإن كان فوق بالنسبة إلى قوم كانت ~~تحت بالنسبة إلى قوم آخرين وذلك باطل ، وإن كان فوق بالنسبة إلى الكل ، ~~فحينئذ يكون جسما محيطا بهذا العالم من كل الجوانب ، فيكون إله العالم على ~~هذا القول فلكا من الأفلاك . # الحجة التاسعة : لما كانت الأرض كرة ، وكانت السموات كرات ، فكل ساعة ~~تفرض الساعات فإنها تكون ثلث الليل في حق أقوام معينين من سكان كرة العوارض ~~، فلو نزل من العرش في ثلث الليل وجب أن يبقى أبدا نازلا عن العرش ، وأن لا ~~يرجع إلى العرش ألبتة ms7761 . # الحجة العاشرة : أنا إنما زيفنا إلهية الشمس والقمر لثلاثة أنواع من ~~العيوب أولها : كونه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض وثانيها : كونه محدودا ~~متناهيا وثالثها : كونه موصوفا بالحركة والسكون والطلوع PageV26P200 ~~والغروب ، فإذا كان إله المشبهة مؤلفا من الأعضاء والأجزاء كان مركبا ، ~~فإذا كان العرش كان محدودا متناهيا ، وإن كان ينزل من العرش ويرجع إليه كان ~~موصوفا بالحركة والسكون ، فهذه الصفات الثلاثة إن كانت منافية للألهية وجب ~~تنزيه الإله عنها بأسرها ، وذلك يبطل قول المشبهة ، وإن لم تكن منافية ~~للأهلية فحينئذ لا يقدر أحد على الطعن في إلهية الشمس والقمر . # الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : { قل هو الله أحد } ( الإخلاص : 1 ) ~~ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة ، وذلك ينافي كونه مركبا من الأجزاء والأبعاض ~~. # الحجة الثانية عشرة : قوله تعالى : { والله الغنى وأنتم الفقراء } ( محمد ~~: 38 ) ولو كان مركبا من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجا إليها وذلك يمنع من ~~كونه غنيا على الإطلاق / فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء ~~والأجزاء لله محال ، ولما ثبت بالدلائل اليقينية وجوب تنزيه الله تعالى ، ~~عن هذه الأعضاء ، فنقول ذكر العلماء في لفظ اليد وجوها الأول : أن اليد ~~عبارة عن القدرة تقول العرب ما لي بهذا الأمر من يد ، أي من قوة وطاقة ، ~~قال تعالى : { أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح } ( البقرة : 237 ) ، / ~~الثاني : اليد عبارة عن النعمة يقال أيادي فلان في حق فلان ظاهرة والمراد ~~النعم والمراد باليدين النعم الظاهرة والباطنة أو نعم الدين والدنيا الثالث ~~: أن لفظ اليد قد يزاد للتأكيد كقول القائل لمن جنى باللسان هذا ما كسبت ~~يداك وكقوله تعالى : { بشرا بين يدى رحمته } ( الأعراف : 57 ) . # ولقائل أن يقول حمل اليد على القدرة ههنا غير جائز ، ويدل عليه وجوه ~~الأول : أن ظاهر الآية يقتضي إثبات اليدين ، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة ~~لزم إثبات قدرتين لله وهو باطل والثاني : أن الآية تقتضي أن كون آدم مخلوقا ~~باليدين يوجب فضيلته وكونه مسجودا للملائكة ، فلو كانت اليد عبارة عن ~~القدرة لكان آدم مخلوقا بالقدرة ، لكن جميع الأشياء مخلوقة ms7762 بقدرة الله ~~تعالى فكما أن آدم عليه السلام مخلوق بيد الله تعالى ، فكذلك إبليس مخلوق ~~بيد الله تعالى ، وعلى تقدير أن تكون عبارة عن القدرة ، لم تكن هذه العلة ~~علة لكون آدم مسجودا لإبليس أولى من أن يكون إبليس مسجودا لآدم ، وحينئذ ~~يختل نظم الآية ويبطل الثالث : أنه جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( كلتا يديه يمنى ) ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق بالقدرة . # وأما التأويل الثاني : وهو حمل اليدين على النعمتين فهو أيضا باطل لوجوه ~~الأول : أن نعم الله تعالى كثيرة كما قال : { وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها } ( إبراهيم : 34 ) وظاهر الآية يدل على أن اليد لا تزيد على ~~الإثنتين الثاني : لو كانت اليد عبارة عن النعمة فنقول النعمة مخلوقة لله ~~فحينئذ لا يكون آدم مخلوقا لله تعالى بل يكون مخلوقا لبعض المخلوقات ، وذلك ~~بأن يكون سببا لمزيد النقصان أولى من أن يكون سببا لمزيد الكمال الثالث : ~~لو كانت اليد عبارة عن النعمة لكان قوله : { تبارك الذى بيده الملك } ( ~~الملك : 1 ) معناه تبارك الذي بنعمته الملك ولكان قوله : ( بيدك الخير ) ~~معناه بنعمتك الخير ولكان قوله : { يداه مبسوطتان } ( المائدة : 64 ) معناه ~~نعمتان مبسوطتان ، ومعلوم أن كل ذلك فاسد . # وأما التأويل الثالث : وهو قوله إن لفظ اليد قد يذكر زيادة لأجل التأكيد ~~فنقول لفظ اليد قد يستعمل في PageV26P201 حق من يكون هذا العضو حاصلا له ~~وفي حق من لا يكون هذا العضو حاصلا في حقه أما الأول : فكقولهم في حق من ~~جنى بلسانه هذا ما كسبت يداك والسبب في هذا أن محل القدرة هو اليد فطلق اسم ~~اليد على القدرة ، وعلى هذا التقدير فيصير المراد من لفظ اليد القدرة ، وقد ~~تقدم إبطال هذا الوجه وأما الثاني : فكقوله { بين يدى عذاب شديد } ( سبأ : ~~46 ) وقوله : ( بين يدي الساعة ) إلا أنا نقول هذا المجاز بهذا اللفظ مذكور ~~والمجاز لا يقاس عليه ولا يكون مطردا ، فلا جرم لا يجوز أن يقال إن هذا ~~المعنى إنما حصل بيد العذاب وبيد الساعة ms7763 ، ونحن نسلم أن قوله : { لا تقدموا ~~بين يدى * الله ورسوله } ( الحجرات : 1 ) قد يجوز أن يراد به التأكيد ~~والصلة ، أما المذكور في هذه الآية ليس هذا اللفظ بل قوله تعالى : { خلقت ~~بيدى } وإن كان القياس في المجازات باطلا فقد سقط كلامكم بالكلية ، فهذا ~~منتهى البحث في هذا الباب . # والذي تلخص عندي في هذا الباب أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء ~~بيده إلا إذا كانت / غاية عنايته مصروفة إلى ذلك العمل / فإذا كان العناية ~~الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازا عنه عند قيام الدلائل ~~القاهرة . فهذا ما لخصناه في هذا الباب ، والله أعلم . # أما قوله تعالى : { أستكبرت أم كنت من العالين } فالمعنى : استكبرت الآن ~~أم كنت أبدا من المتكبرين العالين ، فأجاب إبليس بقوله : { أنا خير من * ~~خلقتني من نار وخلقته من طين } فالمعنى أني لو كنت مساويا له في الشرف لكان ~~يقبح أمري بسجودي له فكيف وأنا خير منه ثم بين كونه خيرا منه بأن أصله من ~~النار والنار أشرف من الطين ، فصح أن أصله خير من أصل آدم ومن كان أصله ~~خيرا من أصله فهو خير منه فهذه مقدمات ثلاثة : # المقدمة الأولى : أن إبليس مخلوق من النار ، يدل عليه قوله تعالى حكاية ~~عنه : { خلقتني من نار وخلقته من طين } وقوله تعالى : { والجآن خلقناه من ~~قبل من نار السموم } ( الحجر : 27 ) . # المقدمة الثانية : أن النار أفضل من الطين ويدل عليه وجوه الأول : أن ~~الأجرام الفلكية أشرف من الأجرام العنصرية والنار أقرب العناصر من الفلك ~~والأرض أبعدها عنه فوجب كون النار أفضل من الأرض الثاني : أن النار خليفة ~~الشمس والقمر في إضاءة هذا العالم عند غيبتهما والشمس والقمر أشرف من الأرض ~~، فخليفتهما في الإضاءة أفضل من الأرض الثالث : أن الكيفية الفاعلة الأصلية ~~، إما الحرارة أو البرودة والحرارة أفضل من البرودة لأن الحرارة تناسب ~~الحياة والبرودة تناسب الموت الرابع : الأرض كثيفة والنار لطيفة واللطافة ~~أشرف من الكثافة الخامس : النار مشرقة والأرض مظلمة والنور خير من الظلمة ~~السادس : النار خفيفة ms7764 تشبه الروح والأرض ثقيلة تشبه الجسد والروح أفضل من ~~الجسد فالنار أفضل من الأرض ولذلك فإن الأطباء أطبقوا على أن العنصرين ~~الثقيلين أعون على تركيب الأجساد وأن العنصرين الخفيفين أعون على تولد ~~الأرواح السابع : النار صاعدة والأرض هابطة والصاعد أفضل من الهابط الثامن ~~: أن أول بروج الفلك هو الحمل لأنه هو الذي يبدأ من نقطة الاستواء الشمالي ~~، ثم إن الحمل على طبيعة النار وأشرف أعضاء الحيوان والقلب والروح وهما على ~~طبيعة النار وأخس أعضاء الحيوان هو العظم وهو بارد يابس أرضي التاسع : أن ~~الأجسام الأرضية كلما كانت أشد نورانية ومشابهة بالنار كانت أشرف وكلما ~~كانت أكثر غبرة وكثافة وكدورة ومشابهة بالأرض كانت أخس ، مثاله الأجسام ~~الشبيهة بالنار الذهب والياقوت PageV26P202 والأحجار الصافية النورانية ~~ومثاله أيضا من الثياب الإبريسم وما يتخذ منه ، وأما أن كل ما كان أكثر ~~أرضية وغبرة فهو أخس فالأمر ظاهر العاشر : أن القوة الباصرة قوة في غاية ~~الشرف والجلالة ولا يتم عملها إلا بالشعاع وهو جسم شبيه بالنار الحادي عشر ~~: أن أشرف أجسام العالم الجسماني هو الشمس ولا شك أنه شبيه بالنار في صورته ~~وطبيعته وأثره الثاني عشر : أن النضج والهضم والحياة لا تتم إلا بالحرارة ~~ولولا قوة الحرارة لما تم المزاج وتولدت المركبات الثالث عشر : أن أقوى ~~العناصر / الأربعة في قوة الفعل هو النار وأكملها في قوة الانفعال هو الأرض ~~والفعل فضل من الانفعال فالنار أفضل من الأرض . أما القائلون بتفضيل الأرض ~~على النار فذكروا أيضا وجوها الأول : أن الأرض أمين مصلح فإذا أودعتها حبة ~~ردتها إليك شجرة مثمرة والنار خائنة تفسد كل ما أسلمته إليها الثاني : أن ~~الحس البصري أثنى على النار فليستمع ما يقوله الحس اللمسي الثالث : أن ~~الأرض مستولية على النار فإنها تطفىء النار ، وأما النار فإنها لا تؤثر في ~~الأرض الخالصة . # وأما المقدمة الثالثة : فهي أن من كان أصله خيرا من أصله فهو خير منه ، ~~فاعلم أن هذه المقدمة كاذبة جدا وذلك لأن أصل الرماد النار وأصل البساتين ~~النزهة والأشجار المثمرة وهو الطين ms7765 ومعلوم بالضرورة أن الأشجار المثمرة خير ~~من الرماد / وأيضا فهب أن اعتبار هذه الجهة يوجب الفضيلة إلا أن هذا يمكن ~~أن يصير معارضا بجهة أخرى توجب الرجحان مثل إنسان نسيب عار عن كل الفضائل ~~فإن نسبه يوجب رجحانه ، إلا أن الذي لا يكون نسبيا قد يكون كثير العلم ~~والزهد فيكون هو أفضل من ذلك النسيب بدرجات لا حد لها ، فالمقدمة الكاذبة ~~في القياس الذي ذكره إبليس هو هذه المقدمة ، فإن قال قائل هب أن إبليس أخظأ ~~في هذا القياس لكن كيف لزمه الكفر من تلك المخالفة ؟ وبيان هذا السؤال من ~~وجوه الأول : أن قوله : { اسجدوا } أمر والأمر لا يقتضي الوجوب بل الندب ~~ومخالفة الندب لا توجب العصيان فضلا عن الكفر ، وأيضا فالذين يقولون : إن ~~الأمر للوجوب فهم لا ينكرون كونه محتملا للندب احتمالا ظاهرا ومع قيام هذا ~~الأحتمال الظاهر كيف يلزم العصيان فضلا عن الكفر الثاني : هب أنه للوجوب ~~إلا أن إبليس ما كان من الملائكة فأمر الملائكة بسجود آدم لا يدخل فيه ~~إبليس الثالث : خب أنه يتناوله إلا أن تخصيص العام بالقياس جائز فخصص نفسه ~~عن عموم ذلك الأمر بالقياس الرابع : هب أنه لم يسجد مع علمه بأنه كان ~~مأمورا به إلا أن هذا القدر يوجب العصيان ولا يوجب الكفر فكيف لزمه الكفر ~~الجواب : هب أن صيفة الأمر لا تدل على الوجوب ولكن يجوز أن ينضم إليها من ~~القرائن ما يدل على الوجوب ، وههنا حصلت تلك القرائن وهي قوله تعالى : { ~~أستكبرت أم كنت من العالين } فلما أتى إبليس بقياسه الفاسد دل ذلك على أنه ~~إنما ذكر ذلك القياس ليتوسل به إلى القدح في أمر الله وتكليفه وذلك يوجب ~~الكفر . إذا عرفت هذا فنقول إن إبليس لما ذكر هذا القياس الفاسد قال تعالى ~~: { أخرج منها * فإنك رجيم } . # واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على ~~كون ذلك الحكم PageV26P203 معللا بذلك الوصف وههنا الحكم بكونه رجيما ورد ~~عقيب ما حكي عنه أنه خصص النص بالقياس ms7766 ، فهذا يدل على أن تخصيص النص ~~بالقياس يوجب هذا الحكم ، وقوله : { منها } أي : من الجنة أو من السموات ~~والرجيم المرجوم وفيه قولان : # / الأول : أنه مجاز عن الطرد ، لأن الظاهر أن من طرد فقد يرمي بالحجارة ~~وهو الرجم فلما كان الرجم من لوازم الطرد جعل الرجم كناية عن الطرد فإن ~~قالوا : الطرد هو اللعن فلو حملنا قوله : { رجيم } على الطرد لكان قوله بعد ~~ذلك : { وإن عليك لعنتى } تكرارا والجواب من وجهين الأول : أنا نحمل الرجم ~~على الطرد من الجنة أو من السموات ونحمل اللعن على الطرد من رحمة الله ~~والثاني : أنا نحمل الرجم على الطرد ونحمل قوله : { وإن عليك لعنتى إلى يوم ~~الدين } على أن ذلك الطرد يمتد إلى آخر القيامة فيكون هذا فائدة زائدة ولا ~~يكون تكريرا . # والقول الثاني : في تفسير الرجيم أن نحمله على الحقيقة وهو كون الشياطين ~~مركومين بالشهب والله أعلم . فإن قيل كلمة إلى لإنتهاء الغاية فقوله : { ~~إلى يوم الدين } يقتضي انقطاع تلك اللعنة عند مجيء يوم الدين ، أجاب صاحب ( ~~الكشاف ) بأن اللعنة باقية عليه في الدنيا فإذا جاء يوم القيامة جعل مع ~~اللعنة أنواع من العذاب تصير اللعنة مع حضورها منسية . # واعلم أن إبليس لما صار ملعونا قال : { فأنظرنى إلى يوم يبعثون } قيل ~~إنما طلب الإنظار إلى يوم يبعثون لأجل أن يتخلص من الموت لأنه إذا نظر إلى ~~يوم البعث لم يمت قبل يوم البعث وعند مجيء يوم البعث لا يموت أيضا فحينئذ ~~يتخلص من الموت فقال تعالى : { إنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم } ~~ومعناه إنك من المنظرين إلى يوم يعلمه الله ولا يعلمه أحد سواه ، فقال ~~إبليس : { فبعزتك } وهو قسم بعزة الله وسلطانه { لاغوينهم أجمعين } فههنا ~~أضاف الإغواء إلى نفسه وهو على مذهب القدر وقال مرة أخرى : { رب بمآ ~~أغويتنى } فأضاف الإغواء إلى الله على ما هو مذهب الجبر وهذا يدل على أنه ~~متحير في هذه المسألة . # وأما قوله : { إلا عبادك منهم المخلصين } ففيه فوائد : # الفائدة الأولى : قيل غرض إبليس من ذكره هذا لإستثناء ms7767 أن لا يقع في كلامه ~~الكذب لأنه لو لم يذكر هذا الاستثناء وادعى أنه يغوي الكل لكان يظهر كذبه ~~حين يعجز عن إغواء عباد الله الصالحين ، فكأن إبليس قال : إنما ذكرت هذا ~~الاستثناء لئلا يقع الكذب في هذا الكلام ، وعن هذا يقال : إن الكذب شيء ~~يستنكف منه إبليس فكيف يليق بالمسلم الإقدام عليه ؟ فإن قيل كيف الجمع بين ~~هذه الآية وبين قوله : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ~~* ألقى * الشيطان فى أمنيته } ؟ ( الحج : 52 ) قلنا : إن إبليس لم يقل إني ~~لم أقصد إغواء عباد الله الصالحين بل قال : لأغوينهم وهو وإن كان يقصد ~~الإغواء إلا أنه لا يغويهم . # الفائدة الثانية : هذه الآية تدل على أن إبليس لا يغوي عباد الله ~~المخلصين ، وقال تعالى في صفة يوسف : { إنه من عبادنا المخلصين } ( يوسف : ~~24 ) فنصل من مجموع هاتين الآيتين أن إبليس ما أغوي يوسف عليه السلام ، ~~وذلك يدل على كذب الحشوية فيما ينسبون إلى يوسف عليه السلام من القبائح . ~~PageV26P204 # واعلم أن إبليس لما ذكر هذا الكلام قال الله تعالى : { فالحق والحق أقول ~~* لاملان جهنم * وممن تبعك منهم أجمعين } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة { فالحق } بالرفع { والحق } بالنصب ، ~~والباقون بالنصب فيهما . أما الرفع فتقديره فالحق قسمي . وأما النصب فعلى ~~القسم ، أي فبالحق ، كقولك والله لأفعلن . وأما قوله : { والحق أقول } ~~انتصب قوله : { والحق } بقوله : { أقول } . # المسألة الثانية : قوله : { منك } أي من جنسك ، وهم الشياطين { وممن تبعك ~~منهم } من ذرية آدم ، فإن قيل قوله : { أجمعين } تأكيد لماذا ؟ قلنا , ~~يحتمل أن يؤكد به الضمير في { منهم } ، أو الكاف في { منك } مع من تبعك ، ~~ومعناه لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين لا أترك منهم أحدا . # المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة أن الكل بقضاء الله ~~من وجوه الأول : أنه تعالى قال في حق إبليس : { فاخرج منها فإنك رجيم * وإن ~~عليك لعنتى إلى يوم الدين } فهذا إخبار من الله تعالى بأنه لا يؤمن ، فلو ~~آمن لانقلب خبر الله الصدق كذبا ms7768 وهو محال ، فكان صدور الإيمان منه محالا مع ~~أنه أمر به والثاني : أنه قال : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين } فالله تعالى ~~علم منه أنه يغويهم ، وسمع منه هذه الدعوى ، وكان قادرا على منعه عن ذلك ، ~~والقادر على المنع إذا لم يمنع كان راضيا به ، فإن قالوا : لعل ذلك المنع ~~مفسد ، قلنا : هذا قول فاسد ، لأن ذلك المنع يخلص إبليس عن الإضلال ، ويخلص ~~بني آدم عن الضلال ، وهذا عين المصلحة الثالث : أنه تعالى أخبر أنه يملأ ~~جهنم من الكفرة ، فلو لم يكفروا لزم الكذب والجهل في حق الله تعالى الرابع ~~: أنه لو أراد أن لا يكفر الكافر لوجب أن يبقى الأنبياء والصالحين ، وأن ~~يميت إبليس والشياطين ، وحيث قلب الأمر علمنا أنه فاسد الخامس : أن تكليف ~~أولئك الكفار بالإيمان ، يقتضي تكليفهم بالإيمان بهذه الآيات التي هي دالة ~~على أنهم لا يؤمنون ألبتة ، وحينئذ يلزم أن يصيروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم ~~لا يؤمنون ألبتة ، وذلك تكليف بما لا يطاق ، والله أعلم . # ! 7 < { قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من المتكلفين * إن هو إلا ذكر ~~للعالمين * ولتعلمن نبأه بعد حين } > 7 ! # < < # | ص : ( 86 ) قل ما أسألكم . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى ختم هذه السورة بهذه الخاتمة الشريفة ، وذلك لأنه ~~تعالى ذكر طرقا كثيرة دالة على وجوب الاحتياط في طلب الدين ، ثم قال عند ~~الختم : هذا الذي أدعو الناس إليه يجب أن ينظر في حال الداعي ، وفي حال ~~الدعوة ليظهر أنه حق أبو باطل . أما الداعي وهو أنا . فأنا لا أسألكم على ~~هذه الدعوة أجرا ومالا ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طعمه عن طلب المال ~~ألبتة ، وكان من الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان بعيدا عن الدنيا عديم ~~الرغبة فيها ، وأما كيفية الدعوة / فقال : وما أنا من المتكلفين ، ~~والمفسرون ذكروا فيه وجوها ، والذي يغلب على الظن أن المراد أن هذا الذي ~~أدعوكم إليه دين ليس يحتاج في معرفة صحته إلى التكلفات PageV26P205 الكثيرة ~~، بل هو دين يشهد صريح العقل بصحته ، فإني أدعوكم إلى الإقرار بوجود ms7769 الله ~~أولا : ثم أعوكم ثانيا : إلى تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق به ، يقوي ~~ذلك قوله : { ليس كمثله شىء } وأمثاله ، ثم أدعوكم ثالثا : إلى الإقرار ~~بكونه موصوفا بكمال العلم والقدرة والحكمة والرحمة ، ثم أدعوكم رابعا : إلى ~~الإقرار بكونه منزها عن الشركاء والأضداد ، ثم أعوكم خامسا : إلى الإمتناع ~~عن عبادة هذه الأوثان ، التي هي جمادات خسيسة ولا منفعة في عبادتها ولا ~~مضرة في الإعراض عنها ، ثم أدعوكم سابعا : إلى الإقرار بالبعث والقيامة : { ~~ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } ( النجم : 31 ) ~~ثم أدعوكم ثامنا : إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، فهذه ~~الأصول الثمانية ، هي الأصول القوية المعتبرة في دين الله تعالى ، ودين ~~محمد صلى الله عليه وسلم وبدائه العقول ، وأوائل الأفكار شاهدة بصحة هذه ~~الأصول الثمانية ، فثبت أني لست من المتكلفين في الشريعة التي أدعو الخلق ~~إليها . بل كان عقل سليم وطبع مستقيم ، فإنه يشهد بصحتها وجلالتها ، وبعدها ~~عن الباطل والفساد وهو المراد من قوله : { إن هو إلا ذكر للعالمين } ولما ~~بين هذه المقدمات قال : { ولتعلمن نبأه بعد حين } والمعنى أنكم إن أصررتم ~~على الجهل والتقليد ، وأبيتم قبول هذه البيانات التي ذكرناها ، فستعلمون ~~بعد حين أنكم كمنتم مصيبين في هذا الإعراض أو مخطئين ، وذكر مثل هذه الكلمة ~~بعد تلك البيانات المتقدمة مما لا مزيد عليه في التخويف والترهيب ، والله ~~أعلم . # PageV26P206 < # > 1 ( سورة غافر ) 1 < # > # سبعون وخمس آيات مكية # ! 7 < { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إنآ أنزلنآ إليك الكتاب ~~بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من ~~دونه أوليآء ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفىإن الله يحكم بينهم فى ما ~~هم فيه يختلفون إن الله لا يهدى من هو كاذب كفار * لو أراد الله أن يتخذ ~~ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهار } > 7 ! # < < # | الزمر : ( 1 ) تنزيل الكتاب من . . . . . # > > اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكر الفراء والزجاج : في رفع { تنزيل } وجهين أحدهما : ~~أن يكون قوله ms7770 : { تنزيل } مبتدأ وقوله : { من الله العزيز الحكيم } خبر ~~الثاني : أن يكون التقدير هذا تنزيل الكتاب ، فيضمر المبتدأ كقوله : سورة ~~أنزلناها } ( النور : 1 ) أي هذه سورة ، قال بعضهم : الوجه الأول لوجوه ~~الأول : أن الإضمار خلاف الأصل ، فلا يصار إليه إلا لضرورة ، ولا ضرورة ~~ههنا الثاني : أنا إذا قلنا : { * } ( النور : 1 ) أي هذه سورة ، قال بعضهم ~~: الوجه الأول لوجوه الأول : أن الإضمار خلاف الأصل ، فلا يصار إليه إلا ~~لضرورة ، ولا ضرورة ههنا الثاني : أنا إذا قلنا : { تنزيل الكتاب من الله } ~~جملة تامة من المبتدأ والخبر أفاد قائدة شريفة ، وهي أن تنزيل / الكتاب ~~يكون من الله ، لا من غيره وهذا PageV26P207 الحصر معنى معتبر ، أما إذا ~~أضمرنا المبتدأ لم تحصل هذه الفائدة الثالث : أنا إذا أضمرنا المبتدأ صار ~~التقدير هذا تنزيل الكتاب من الله ، وحينئذ يلزمنا مجاز آخر ، لأن هذا ~~إشارة إلى السورة ، والسورة ليست نفس التنزيل ، بل السورة منزلة ، فحينئذ ~~يحتاج إلى أن نقول المراد من المصدر المفعول وهو مجاز تحملناه لا لضرورة . # المسألة الثانية : القائلون بخلق القرآن احتجوا بأن قالوا : إنه تعالى ~~وصف القرآن بكونه تنزيلا ومنزلا ، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق ~~والجواب : أنا نحمل هذه اللفظة على الصيغ والحروف . # المسألة الثالثة : الآيات الكثير تدل على وصف القرآن بكونه تنزيلا وآيات ~~أخر تدل على كونه منزلا . # أما الأول : فقوله تعالى : وإنه لتنزيل رب العالمين } ( الشعراء : 192 ) ~~، وقال : { * } ( الشعراء : 192 ) ، وقال : { تنزيل من حكيم حميد } ( فصلت ~~: 42 ) وقال : { حم * تنزيل من الرحمان الرحيم } ( فصلت : 1 / 2 ) . # وأما الثاني : فقوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) وقال : { ~~وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } ( الإسراء : 105 ) وأنت تعلم أن كونه منزلا ~~أقرب إلى الحقيقة من كونه تنزيلا ، فكونه منزلا مجاز أيضا لأنه إن كان ~~المراد من القرآن الصفة القائمة بذات الله فهو لا يقبل الإنفصال والنزول ، ~~وإن كان المراد منه الحروف والأصوات فهي أعراض لا تقبل الانتقال والنزول ، ~~بل المراد من النزول نزول الملك الذي بلغها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~. # المسألة الرابعة : قالت ms7771 المعتزلة العزيز هو القادر الذي لا يغلب فهذا ~~اللفظ يدل على كونه تعالى قادرا على ما لا نهاية له والحكيم هو الذي يفعل ~~لداعية الحكمة لا لداعية الشهوة ، وهذا إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى عالم ~~بجميع المعلومات ، وأنه غني عن جميع الحاجات إذا ثبت هذا فنقول كونه تعالى ~~: عزيزا حكيما يدل على هذه الصفات الثلاثة ، العلم بجميع المعلومات ، ~~والقدرة على كل الممكنات ، والإستغناء عن كل الحاجات / فمن كان كذلك امتنع ~~أن يفعل القبيح وأن يحكم بالقبيح ، وإذا كان كذلك فكل ما يفعله يكون حكمة ~~وصوابا . إذا ثبت هذا فنقول الإنتفاع بالقرآن يتوقف على أصلين أحدهما : أن ~~يعلم أن القرآن كلام الله ، والدليل عليه أنه ثبت بالمعجز كون الرسول صادقا ~~، وثبت بالتواتر أنه كان يقول القرآن كلام الله فيحصل من مجموع هاتين ~~المقدمتين أن القرآن كلام الله والأصل الثاني : أن الله أراد بهذه الألفاظ ~~المعاني التي هي موضوعة لها ، أم بحسب اللغة أو بحسب القرينة العرفية أو ~~الشرعية لأنه لو لم يرد بها ذلك لكان تلبيسا ، وذلك لا يليق بالحكيم فثبت ~~بما ذكرنا أن الانتفاع بالقرآن لا يحصل إلا بعد تسليم هذين الأصلين ، وثبت ~~أنه لا سبيل إلى إثبات هذين الأصلين إلا بإثبات كونه تعالى حكيما ، وثبت أن ~~لا سبيل / إلى إثبات كونه حكيما إلا بالبناء على كونه تعالى عزيزا ، فلهذا ~~السبب قال : تنزيل الكتاب من الله العزيم الحكيم } . # أما قوله تعالى : { } . # أما قوله تعالى : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } ففيه سؤالان : # السؤال الأول : لفظ التنزيل يشعر بأنه تعالى أنزله عليه نجما على سبيل ~~التدريج ولفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله عليه دفعة واحدة فكيف الجمع ~~بينهما والجواب : إن صح الفرق بين التنزيل وبين الإنزال من الوجه الذي ~~ذكرتم فطريق الجمع أن يقال المعنى إنا حكمنا حكما كليا جزما بأن يوصل إليك ~~هذا الكتاب ، وهذا هو الإنزال ، ثم أوصلناه نجما إليك على وفق المصالح وهذا ~~هو التنزيل . PageV26P208 # السؤال الثاني : ما المراد من قوله : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } ؟ ~~والجواب : فيه ms7772 وجهان الأول : المراد أنزلنا الكتاب إليك ملتبسا بالحق ~~والصدق والصواب على معنى كل ما أودعناه فيه من إثبات التوحيد والنبوة ~~والمعاد ، وأنواع التكاليف فهو حق وصدق يجب العمل به والمصير إليه الثاني : ~~أن يكون المراد إنا أنزلنا إليك الكتاب بناء على دليل حق دل على أن التاب ~~نازل من عند الله ، وذلك الدليل هو أن الفصحاء عجزوا عن معارضته ، ولو لم ~~يكن معجزا لما عجزوا عن معارضته . # ثم قال : { فاعبد الله مخلصا له الدين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى لما بين في قوله : { إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق } أن هذا الكتاب مشتمل على الحق والصدق والصواب أردف ها بعض ما فيه ~~من الحق والصدق وهو أن يشتغل الإنسان بعبادة الله تعالى على سبيل الإخلاص ~~ويتبرأ عن عبادة غير الله تعالى بالكلية ، فأما اشتغاله بعبادة الله تعالى ~~على سبيل الإخلاص فهو المراد من قوله تعالى : { فاعبد الله مخلصا } ، وأما ~~براءته من عبادة غير الله تعالى فهو المراد بقوله : { ألا لله الدين الخالص ~~} لأن قوله : { ألا لله } يفيد الحصر ، ومعنى الحصر أن يثبت الحكم في ~~المذكور وينتفي عن غير المذكور ، واعلم أن العبادة مع الإخلاص لا تعرف ~~حقيقة إلا إذا عرفنا أن العبادة ما هي وأن الإخلاص ما هو وأن الوجوه ~~المنافية للإخلاص ما هي فهذه أمور ثلاثة لا بد من البحث عنها : # أما العبادة : فهي فعل أو قول أو ترك فعل أو ترك قول ويؤتي به لمجرد ~~اعتقاد أن الأمر به عظيم يجب قبوله . # وأما الإخلاص : فهو أن يكون الداعي له إلى الإتيان بذلك الفعل أو الترك ~~مجرد هذا الانقياد والإمتثال ، فإن حصل منه داع آخر فإما أن يكون جانب ~~الداعي إلى الطاعة راجحا على الجانب الآخر أو معادلا له أو مرجوحا . ~~وأجمعوا على أن المعادل والمرجوح ساقط ، وأما إذا كان الداعي إلى طاعة الله ~~راجحا على الجانب الآخر فقد اختلفوا في أنه هل يفيد أم لا ، وقد ذكرنا هذه ~~المسألة مرارا ولفظ القرآن يدل على وجوب الإتيان به على ms7773 سبيل الخلوص / لأن ~~قوله : { فاعبد الله مخلصا } / صريح في أنه يجب الإتيان بالعبادة على سبيل ~~الخلوص وتأكد هذا بقوله تعالى : { وما أمروا إلا * ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين } ( البينة : 5 ) وأما بيان الوجوه المنافية للإخلاص فهي الوجوه ~~الداعية للشريك وهي أقسام أحدها : أن يكون للرياء والسمعة فيه مدخل وثانيها ~~: أن يكون مقصودة من الإتيان بالطاعة الفوز بالجنة والخلاص من النار ~~وثالثها : أن يأتي بها ويعتقد أن لها تأثيرا في إيجاب الثواب أو دفع العقاب ~~ورابعها : وهو أن يخلص الطاعات عن الكبائر حتى تصير مقبولة ، وهذا القول ~~إنما يعتبر على قول المعتزلة . # المسألة الثانية : من الناس من قال : فاعبد الله مخلصا له الدين } المراد ~~منه شهادة أن لا إله إلا الله ، واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( لا إله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي ) وهذا قول ~~من يقول : لا تضر المعصية مع الإيمان كما لا تنفع الطاعة مع الكفر ، وأما ~~الأكثرون فقالوا : الآية متناولة لكل ما كلف الله به من الأوامر والنواهي ، ~~وهذا الأولى لأن قوله : { * } المراد منه شهادة أن لا إله إلا الله ، ~~واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا إله إلا الله حصني ~~ومن دخل حصني أمن من عذابي ) وهذا قول من يقول : لا تضر المعصية مع الإيمان ~~كما لا تنفع الطاعة مع الكفر ، وأما الأكثرون فقالوا : الآية متناولة لكل ~~ما كلف الله به من الأوامر والنواهي ، وهذا الأولى لأن قوله : { فاعبد الله ~~} عام ، وروي أن امرأة الفرزدق لما قرب وفاتها وأصت أن يصلي الحسن البصري ~~عليها ، فلما صلى عليها ودفنت ، قال للفرزدق : يا أبا فراس ما الذي أعددت ~~لهذا الأمر ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، فقال الحسن رضي الله عنه : ~~هذا العمود فأين الطنب ؟ PageV26P209 فبين بهذا أن عمود الخيمة لا ينتفع به ~~إلا مع الطنب حتى يمكن الانتفاع بالخيمة ، قال القاضي : فأما ما يروي أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي الدرادء : ( وإن ms7774 زني وإن سرق على رغم ~~أنف أبي الدرداء ) فإن صح فإنه يجب أن يحمل عليه بشرط التوبة وإلا لم يجز ~~قبول هذا الخبر لأنه مخالف للقرآن ، ولأنه يوجب أن لا يكون الإنسان مزجورا ~~عن الزنا والسرقة ، وأن لا يكون متعديا بفعلهما لأنه مع شدة شهوته للقبيح ~~يعلم أنه لا يضره مع تمسكه بالشهادتين فكأن ذلك إغراء بالقبيح ، لأنا نقول ~~إن من اعتقد أن ضرره يزول بالتوبة فقد اعتقد أن فعل القبيح مضرة إلا أنه ~~يزيل ذلك الضرر بفعل التوبة بخلاف قول من يقول إن فعل القبيح لا يضر مع ~~التمسك بالشهادتين . هذا تمام كلام القاضي ، فيقال له : أما قولك إن القول ~~بالمغفرة مخالف للقرآن فليس كذلك بل للقرآن يدل عليه قال تعالى : { إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) وقال : { ~~وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } ( الرعد : 6 ) أي : حال ظلمهم كما ~~يقال رأيت الأمير على أكله وشربه أي حال كونه آكلا وشاربا ، وقال : { قل ~~ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا } ( الزمر : 53 ) ، وأما قوله : إن ذلك يوجب الإغراء بالقبيح ~~، فيقال له إن كان الأمر كذلك وجب أن يقبح غفرانه عقلا ، وأيضا فيلزم عليه ~~أن لا يحصل الغفران بالتوبة ، لأنه إذا علم أنه إذا أذنب ثم تاب غفر الله ~~له لم ينزجر وأما / الفرق الذي ذكره القاضي فبعيد ، لأنه إذا عزم على أن ~~يتوب عنه في الحال علم أنه لا يضره ذلك الذنب ألبتة . ثم نقول مذهبنا أنا ~~نقطع بحصول العفو عن الكبائر في الجملة / فأما في حق كل واحد من الناس فذلك ~~مشكوك فيه لأنه تعالى قال : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فقطع بحصول ~~المغفرة في الجملة ، إلا أنه سبحانه وتعالى لم يقطع بحصول هذا الغفران في ~~حق كل أحد بل في حق من شاء وإذا كان كذلك كان الخوف حاصلا فلا يكون الإغراء ~~حاصلا والله أعلم . # المسألة الثالثة : قال ms7775 صاحب الكشاف ) قريء الدين بالرفع ، ثم قال : وحق ~~من رفعه أن يقرأ مخلصا بفتح اللام لقوله تعالى : { وأخلصوا دينهم لله } ( ~~النساء : 146 ) حتى يطابق قوله : { ألا لله الدين الخالص } والخالص واحد ~~إلا أنه وصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي كقولهم شعر شاعر ، واعلم ~~أنه تعالى لما بين أن رأس العبادات ورئيسها الإخلاص في التوحيد أردفه بذم ~~طريقة المشركين فقال : { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى } وتقدير الكلام والذين اتخذوا من دونه أولياء ~~يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، وعلى هذا التقدير فخبر ~~الذين محذوف وهو قوله يقولون ، واعلم أن الضمير في قوله : { ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى } عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله ، وهي ~~قسمان العقلاء وغير العقلاء ، أما العقلاء فهو أن قوما عبدوا المسيح وعزيزا ~~والملائكة ، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم ويعتقدون فيها ~~أنها أحياء عاقلة ناطقة ، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة ~~بالحياة والعقل فهي الأصنام ، إذا عرفت هذا فنقول الكلام الذي ذكره الكفار ~~لائق بالعقلاء ، أما بغير العقلاء فلا يليق ، وبيانه من وجهين الأول : أن ~~الضمير في قوله : { ما نعبدهم } ضمير للعقلاء فلا يليق بالأصنام الثاني : ~~أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار أنها تقربه إلى الله ، وعلى هذا التقدير ~~فمرادهم أن PageV26P210 عبادتهم لها تقربهم إلى الله ، ويمكن أن يقال : إن ~~العاقل لا يبعد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر ، وإنما يعبدونه لاعتقادهم ~~أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية ، أو تماثيل الأنبياء ~~والصالحين الذين مضوا ، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى ~~تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صورا لها . # وحاصل الكلام لعباد الأصنام أن قالوا : إن الإله الأعظم أجل من أن يعبده ~~البشر اللائق بالبشر أن يشتغلوا بعبادة الأكابر من عباد الله مثل الكواكب ~~ومثل الأرواح السماوية ، ثم إنها تشتغل بعبادة الإله الأكبر ، فهذا هو ~~المراد من قولهم : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } . # واعلم ms7776 أن الله تعالى لما حكى مذاهبهم أجاب عنها من وجوه : الأول : أنه ~~اقتصر في الجواب على مجرد التهديد فقال : { إن الله يحكم بينهم * فيما * هم ~~فيه يختلفون } واعلم أن الرجل المبطل إذا ذكر مذهبا باطلا وكان مصرا عليه ، ~~فالطريق في علاجه أن يحتال بحيلة توجب زوال ذلك الإصرار عن / قلبه ، فإذا ~~زال الإصرار عن قلبه فبعد ذلك يسمعه الدليل الدال على بطلانه ، فيكون هذا ~~الطريق أقضى إلى المقصود . والأطباء يقولون : لا بد من تقديم المنضج على ~~سقي المسهل فإن بتناول المنضج تصير المواد الفاسدة رخوة قابلة للزوال ، ~~فإذا سقيته المسهل بعد ذلك حصل النقاء التام ، فكذلك ههنا سماع التهديد ~~والتخويف أولا يجري مجرى سقي المنضج أولا ، وإسماع الدليل ثانيا يجري مجرى ~~سقي المسهل ثانيا . فهذا هو الفائدة في تقديم هذا التهديد . # ثم قال تعالى : { إن الله لا يهدى من هو كاذب كفار } والمراد أن من أصر ~~على الكذب والكفر بقي محروما عن الهداية / والمراد بهذا الكذب وصفهم بهذه ~~الأصنام بأنها آلهة مستحقة للعبادة مع علمهم بأنها جمادات خسيسة وهم نحتوها ~~وتصرفوا فيها ، والعلم الضروري حاصل بأن وصف هذه الأشياء بالإلهية كذب محض ~~، وأما الكفر فيحتمل أن يكون المراد منه الكفر الراجع إلى الإعتقاد ، ~~والأمر ههنا كذلك فإن وصفهم لها بالإلهية كذب ، واعتقادهم فيها بالإلهية ~~جهل وكفر . ويحتمل أن يكون المراد كفران النعمة ، والسبب فيه أن العبدة ~~نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام ، ~~وذلك المنعم هو الله سبحانه وتعالى وهذه الأوثان لا مدخل لها في ذلك ~~الإنعام فالإشتغال بعبادة هذه الأوثان يوجب كفران نعمة المنعم الحق . # ثم قال تعالى : { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ~~سبحانه هو الله الواحد القهار } والمراد من هذا الكلام : إقامة الدلائل ~~القاهرة على كونه منزها عن الولد وبيانه من وجوه الأول : أنه لو اتخذ ولدا ~~لما رضي إلا بأكمل الأولاد وهو الإبن فكيف نسبتم إليه البنت الثاني : أنه ~~سبحانه واحد حقيقي والواحد الحقيقي يمتنع أن ms7777 يكون له ولد ، أما أنه واحد ~~حقيقي فلأنه لو كان مركبا لاحتاج إلى كل واحد من أجزائه وجزؤه غيره ، فكان ~~يحتاج إلى غيره والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يكون ~~واجب الوجود لذاته ، وأما أن الواحد لا يكون له ولد فلوجوه الأول : أن ~~الولد عبارة عن جزء من أجزاء الشيء ينفصل عنه ، ثم يحصل له صورة مساوية ~~لصورة الوالد . وهذا إنما يعقل في الشيء الذي ينفصل منه جزء والفرد المطلق ~~لا يقال ذلك فيه الثاني : شرط الولد أن يكون مماثلا في تمام الماهية للوالد ~~فتكون حقيقة ذلك الشيء حقيقة نوعية محمولة على شخصين ، وذلك محال لأن تعيين ~~كل واحد منهما إن كان من لوازم تلك الماهية لزم أن لا PageV26P211 يحصل من ~~تلك الماهية إلا الشخص الواحد ، وإن لم يكن ذلك التعيين من لوازم تلك ~~الماهية كان ذلك التعيين معلوما بسبب منفصل ، فلا يكون إلها واجب الوجود ~~لذاته . فثبت أن كونه إلها واجب الوجود لذاته يوجب كونه واحدا في حقيقته ، ~~وكونه واحدا في حقيقته يمنع من ثبوت الولد له ، فثبت أن كونه واحدا يمنع من ~~ثبوت الولد الثالث : أن الولد لا يحصل إلا من الزوج والزوجة والزوجان لا بد ~~وأن يكونا من جنس واحد ، فلو كان له ولد لما كان واحدا بل كانت زوجته من ~~جنسه ، وأما أن كونه قهارا يمنع من ثبوت الولد له ، فلأن المحتاج إلى الولد ~~هو الذي يموت فيحتاج / إلى ولد يقوم مقامه ، فالمحتاج إلى الولد هو الذي ~~يكون مقهورا بالموت ، أما الذي يكون قاهرا ولا يقهره غيره كان الولد في حقه ~~محالا ، فثبت أن قوله : { هو الله الواحد القهار } ألفاظ مشتملة على دلائل ~~قاطعة في نفي الولد عن الله تعالى . # ! 7 < { خلق السماوات والا رض بالحق يكور اليل على النهار ويكور النهار ~~على اليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى ألا هو العزيز الغفار * ~~خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الا نعام ثمانية أزواج ~~يخلقكم فى بطون أمهاتكم ms7778 خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له ~~الملك لاإلاه إلا هو فأنى تصرفون * إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم ~~مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور } > 7 ! # < < # | الزمر : ( 5 ) خلق السماوات والأرض . . . . . # > > اعلم أن الآية المتقدمة دلت على أنه تعالى بين كونه منزها عن الولد ~~بكونه إلها واحدا وقهارا غالبا أي : كامل القدرة ، فلما بني تلك المسألة ~~على هذه الأصول ذكر عقيبها ما يدل على كمال القدرة وعلى كمال الاستغناء ، ~~وأيا فإنه تعالى طعن في إليهة الأصنام فذكر عقيبها الصفات التي باعتبارها ~~تحصل الإلهية ، واعلم أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب أن الدلائل التي ~~ذكرها الله تعالى في / إثبات إليهته ، إما أن تكون فلكية أو عنصرية ، أما ~~الفلكية فأقسام أحدها : خلق السموات والأرض ، وهذا المعنى يدل على وجود ~~الإله القادر من وجوه كثيرة شرحناها في تفسير قوله تعالى : { الحمد * الله ~~الذى خلق * السماوات والارض } ( الأنعام : 1 ) PageV26P212 والثاني : ~~اختلاف أحوال الليل والنهار وهو المراد ههنا من قوله : { يكور اليل على ~~النهار ويكور النهار على اليل } وذلك لأن النور والظلمة عسكران مهيبان ~~عظيمان ، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك تارة ، وذلك هذا أخرى . وذلك يدل على أن ~~كل واحد منهما مغلوب مقهور ، ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان . تحت تدبيره ~~وقهره وهو الله سبحانه وتعالى ، والمراد من هذا التكوير أنه يزيد في كل ~~واحد منهما بقدر ما ينقص عن الآخر ، والمراد من تكوير الليل والنهار ما ورد ~~في الحديث : ( نعوذ الله من الحور بعد الكور ) أي : من الإدبار بعد الإقبال ~~، واعلم أنه سبحانه وتعالى عبر عن هذا المعنى بقوله : { يكور اليل على ~~النهار } وبقوله : { يغشى * وهو الذى } ( الأعراف : 54 ) وبقوله : { يولج ~~اليل فى النهار } ( فاطر : 13 ) وبقوله : { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة ~~لمن أراد أن يذكر } ( الفرقان : 62 ) والثالث : اعتبار أحوال الكواكب لا ~~سيما الشمس والقمر ، فإن ms7779 الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل ، وأكثر ~~مصالح هذا العالم مربوطة بهما وقوله : كل يجري لأجل مسمى } الأجل المسمى ~~يوم القيامة ، لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا ، ~~ونظيره قوله تعالى : { * } الأجل المسمى يوم القيامة ، لا يزالان يجريان ~~إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا ، ونظيره قوله تعالى : { وجمع ~~الشمس والقمر } ( القيامة : 9 ) والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك ~~تدور كدوران المنجنون على حد واحد إلى يوم القيامة وعنده تطري السماء كطي ~~السجل للكتب . # ولما ذكر الله هذه الأنواع الثلاثة من الدلائل الفلكية قال : { ألا هو ~~العزيز الغفار } والمعنى : أن خلق هذه الأجرام العظيمة وإن دل على كونه ~~عزيزا أي كامل القدرة إلا أنه غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان / فإنه لما ~~كان الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة فكونه غفارا يوجب كثرة ~~الرحمة ، وكثرة الرحمة توجب الرجاء والرغبة ، ثم إنه تعالى أتبع ذكر ~~الدلائل الفلكية بذكر الدلائل المأخوذة من هذا العالم الأسفل ، فبدأ بذكر ~~الإنسان فقال : { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها } ودلالة تكون ~~الإنسان على الإله المختار قد سبق بيانها مرارا كثيرة ، فإن قيل كيف جاز أن ~~يقول : { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها } والزوج مخلوق قبل خلقهم ؟ ~~أجابوا عنه من وجوه الأول : أن كلمة ثم كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين ~~متأخرة عن الثانية ، فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد الكلامين عن الآخر ، كقول ~~القائل بلغني ما صنعت اليوم ، ثم ما صنعت أمس كان أعجب ، ويقول أيضا قد ~~أعطيتك اليوم شيئا ، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر الثاني : أن يكون التقدير ~~خلقكم من نفس خلقت وحدها ثم جعل منها زوجها الثالث : أخرج الله تعالى ذرية ~~آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء . # واعلم أنه تعالى بما ذكر الاستدلال بخلقة الإنسان على وجود الصانع ذكر ~~عقيبه الاستدلال / بوجود الحيوان عليه فقال : { وأنزل لكم من الانعام ~~ثمانية أزواج } وهي الإبل والبقر والضأن والمعز وقد بينا كيفية دلالة هذه ms7780 ~~الحيوانات على وجود الصانع في قوله : { والانعام خلقها لكم فيها دفء } ( ~~النحل : 5 ) وفي تفسير قوله تعالى : { وأنزل لكم } وجوه : الأول : أن قضاء ~~الله وتقديره وحكمه موصوف بالنزول من السماء لأجل أنه كتب في اللوح المحفوط ~~كال كائن يكون الثاني : أن شيئا من الحيوان لا يعيش إلا بالنبات والنبات لا ~~يقوم إلا بالماء والتراب ، والماء ينزل من السماء فصار التقدير كأنه أنزلها ~~الثالث : أنه تعالى خلقها في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض وقوله : { ثمانية ~~أزواج } أي ذكر وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز ، والزوج اسم لكل واحد ~~معه آخر ، فإذا انفرد فهو فرد منه قال تعالى : { فجعل منه الزوجين الذكر ~~والانثى } ( القيامة : 39 ) . PageV26P213 # ثم قال تعالى : { يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } وفيه أبحاث : # الأول : قرأ حمزة بكسر الألف والميم ، والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم ، ~~والباقون أمهاتكم بضم الألف وفتح الميم . # الثاني : أنه تعالى لما ذكر تخليق الناس من شخص واحد وهو آدم عليه السلام ~~أردفه بتخليق الأنعام ، وإنما خصها بالذكر لأنها أشرف الحيوانات بعد ~~الإنسان ، ثم ذكر عقيب ذكرهما حالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهي ~~كونها مخلوقة في بطون أمهاتهم وقوله : { خلقا من بعد خلق } المراد منه ما ~~ذكره الله تعالى في قوله : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم ~~جعلناه نطفة فى قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ~~فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ءاخر فتبارك الله ~~} ( المؤمنون : 12 14 ) وقوله : { فى ظلمات * ثلاثة } قيل : الظلمات الثلاث ~~البطن والرحم والمشيمة وقيل : الصلب والرحم والبطن ووجه الاستدلال بهذه ~~الحالات قد ذكرناه في قوله : { هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء } . # واعلم أنه تعالى لما شرح هذه الدلائل ووصفها قال : { ذالك * الله ربكم } ~~أي : ذلكم الشيء الذي عرفتم عجائب أفعاله هو الله ربكم ، وفي هذه الآية : ~~دلالة على كونه سبحانه وتعالى منزها عن الأجزاء والأعضاء وعلى كونه منزها ~~عن الجسمية والمكانية / وذلك أنه تعالى عندما أراد أن يعرف عباده ذاته ms7781 ~~المخصوصة لم يذكر إلا كونه فاعلا لهذه الأشياء ، ولو كان جسما مركبا من ~~الأعضاء لكان تعريفه بتلك الأجزاء والأعضاء تعريفا للشيء بأجزاء حقيقته ، ~~وأما كان ذلك القسم ممكنا لكان الاكتفاء بهذا القسم الثاني تقصيرا ونقصا ~~وذلك غير جائز ، فعلمنا أن الاكتفاء بهذا القسم إنما حسن لأن القسم الأول ~~محال ممتنع الوجود ، وذلك يدل على كونه سبحانه وتعالى متعاليا عن الجسمية ~~والأعضاء والأجزاء . # ثم قال تعالى : { له الملك } وهذا يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره ، ~~ولما ثبت أنه لا ملك / إلا له وجب القول بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت ~~إله آخر ، فذلك الإله إما أن يكون له الملك أو لا يكون له الملك ، فإن كان ~~له الملك فحينئذ يكون كل واحد منهما مالكا قادرا ويجري بينهما التمانع كما ~~ثبت في قوله : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) ~~وذلك محال ، وإن لم يكن للثاني شيء من القدرة والملك فيكون ناقصا ولا يصلح ~~للإلهية ، فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا الله ، وجب أن يقال ~~لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا الله الأحد الحق الصمد ، ثم ~~اعلم أنه سبحانه لما بين بهذه الدلائل كمال قدرة الله سبحانه وحكمته ورحمته ~~، رتب عليه تزييف طريقة المشركين والضالين من وجوه الأول : قوله : { فأنى ~~تصرفون } يحتج به أصحابنا ويحتج به المعتزلة . أما أصحابنا فوجه الاستدلال ~~لهم بهذه الآية : أنها صريحة في أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات ~~بل صرفها عنهم غيرهم ، وما ذاك الغير إلا الله ، وأيضا فدليل العقل يقوي ~~ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب ، فلما لم يحصل ذلك وإنما ~~حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه ، وأما المعتزلة فوجه ~~الاستدلال لهم : أن قوله : { فأنى تصرفون } تعجب من هذا الانصراف ، ولو كان ~~الفاعل لذلك الصرف هو الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى . PageV26P214 # ثم قال تعالى : { إن تكفروا فإن الله غنى عنكم } والمعنى أن الله تعالى ~~ما كلف ms7782 المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة ، وذلك لأنه ~~تعالى غني على الإطلاق ، ويمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة ، وإنما ~~قلنا إنه غني لوجوه : الأول : واجب الوجود لذاته وواجب الوجود في جميع ~~صفاته ، ومن كان كذلك كان غنيا على الإطلاق الثاني : أنه لو كان محتاجا ~~لكانت تلك الحاجة إما قديمة وإما حادثة . والأول باطل وإلا لزم أن يخلق في ~~الأزل ما كان محتاجا إليه وذلك محال ، لأن الخلق والأزل متناقض . والثاني ~~باطل لأن الحاجة نقصان والحكيم لا يدعوه الداعي إلى تحصيل النقصان لنفسه ~~الثالث : هب أنه يبقى الشك في أنه هل تصح الشهوة والنفرة والحاجة عليه أم ~~لا ؟ أما من المعلوم بالضرورة أن الإله القادر على خلق السموات والأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والعناصر الأربعة ، والمواليد ~~الثلاثة يمتنع أن ينتفع بصلاة زيد وصيام عمرو ، وأن يضر بعدم صلاة هذا وعدم ~~صيام ذاك ، فثبت بما ذكرنا أن جميع العالمين لو كفروا وأصروا على الجهل فإن ~~الله غني عنهم . # ثم قال تعالى بعده : { ولا يرضى لعباده الكفر } يعني أنه وإن كان لا ~~ينفعه إيمان ولا يضره كفران إلا أنه لا يرضى بالكفر ، واحتج الجبائي بهذه ~~الآية من وجهين : الأول : أن المجبرة يقولون إن الله تعالى خلق كفر العباد ~~وإنه من جهة ما خلقه حق وصواب ، قال ولو كان الأمر كذلك لكان قد رضى الكفر ~~من الوجه الذي خلقه ، وذلك ضد الآية الثاني : لو كان الكفر بقضاء الله ~~تعالى لوجب علينا أن نرضى به لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب ، وحيث ~~اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء الله وليس أيضا ~~برضاء الله تعالى / وأجاب / الأصحاب عن هذا الاستدلال من وجوه الأول : أن ~~عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين ، قال الله تعالى : { وعباد ~~الرحمان الذين يمشون على الارض هونا } ( الفرقان : 63 ) وقال : { عينا يشرب ~~بها عباد الله } ( الإنسان : 6 ) وقال : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( ~~الحجر : 42 ) فعلى هذا التقدير قوله : { ولا ms7783 يرضى لعباده الكفر } ولا يرضى ~~للمؤمنين الكفر ، وذلك لا يضرنا الثاني : أنا نقول الكفر بإرادة الله تعالى ~~ولا نقول إنا برضا الله لأن الرضا عبارة عن المدح عليه والثناء بفعله ، قال ~~الله تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين } ( الفتح : 18 ) أي يمدحهم ويثنى ~~عليهم الثالث : كان الشيخ الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول : الرضا ~~عبارة عن ترك اللوم والاعتراض ، وليس عبارة عن الإرادة ، والديل عليه قول ~~ابن دريد : # رضيت قسرا وعلى القسر رضامن كان ذا سخط على صرف القضا أثبت الرضا مع ~~القسر وذلك يدل على ما قلناه والرابع : هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله ~~: { ولا يرضى لعباده الكفر } عام ، فتخصيصه بالآيات الدالة على أنه تعالى ~~يريد الكفر من الكافر كقوله تعالى : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } ( ~~الإنسان : 30 ) والله أعلم . # ثم قال تعالى : { وإن تشكروا يرضه لكم } والمراد أنه لما بين أنه لا يرضى ~~الكفر بين أنه يرضى الشكر ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلف القراء في هاء { يرضه } على ثلاثة أوجه أحدها : ~~قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة بضم الهاء مختلسة غير متبعة ~~وثانيها : قرأ أبو عمرو وحمزة في بعض الروايات يرضه ساكنة الهاء للتخفيف ~~وثالثها : قرأ نافع في بعض الروايات ابن كثير وابن عامر والكسائي مضمومة ~~الهاء PageV26P215 مشبعة ، قال الواحدي رحمه الله من القراء من أشبع الهاء ~~حتى ألحق بها واوا ، لأن ما قبل الهاء متحرك فصار بمنزلة ضربه وله ، فكما ~~أن هذا مشبع عند الجميع كذلك يرضه ، ومنهم من حرك الهاء ولم يلحق الواو ، ~~لأن الأصل يرضاه والألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت كالباقية ، ~~ومع بقاء الألف لا يجوز إثبات الواو فكذا ههنا . # المسألة الثانية : الشكر حالة مركبة من قول واعتقاد وعمل أما القول فهو ~~الإقرار بحصول النعمة وأما الإعتقاد فهو اعتقاد صدور النعمة من ذلك المنعم ~~. # ثم قال تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } قال الجبائي هذا يدل على أنه ~~تعالى لا يعذب أحدا على فعل غيره ، فلو فعل ms7784 الله كفرهم لما جاز أن يعذبهم ~~عليه ، وأيضا لا يجوز أن يعذب الأولاد بذنوب الآباء ، بخلاف ما يقول القوم ~~. واحتج أيضا من أنكر وجوب ضرب الدية على العاقلة بهذه الآية . # ثم قال تعالى : { ثم إلى ربكم مرجعكم } واعلم أنا ذكرنا كثيرا أن أهم ~~المطالب للإنسان أن يعرف خالقه بقدر الإمكان ، وأن يعرف ما يضره وما ينفعه ~~في هذه الحياة الدنيوية ، وأن يعرف أحواله بعد الموت ، ففي هذه الآية ذكر ~~الدلائل الكثيرة من العالم الأعلى والعالم الأسفل على كمال / قدرة الصانع ~~وعلمه وحكمته ، ثم أتبعه بأن أمره بالشكر ونهاه ع ن الكفر ثم بين أحواله ~~بعد الموت بقوله : { ثم إلى ربكم مرجعكم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المشبهة تمسكوا بلفظ إلى علم أن إله العالم في جهة وقد ~~أجبنا عنه مرارا . # المسألة الثانية : زعم القوم أن هذه الأرواح كانت قبل الأجساد وتمسكوا ~~بلفظ الرجوع الموجود في هذه الآية وفي سائر الآيات . # المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على إثبات البعث والقيامة . # ثم قال : { فينبئكم بما كنتم تعملون } وهذا تهديد للعاصي وبشارة للمطيع ، ~~وقوله تعالى : { إنه عليم بذات الصدور } كالعلة لما سبق ، يعني أنه يمكنه ~~أن ينبئكم بأعمالكم ، لأنه عالم بجميع المعلومات ، فيعلم ما في قلوبكم من ~~الدواعي والصوارف ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ~~ولا إلى أقوالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) . # ! 7 < { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسى ~~ما كان يدعوإليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا ~~إنك من أصحاب النار * أمن هو قانت ءانآء اليل ساجدا وقآئما يحذر الا خرة ~~ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر ~~أولو الا لباب } > 7 @QB@ < # | الزمر : ( 8 ) وإذا مس الإنسان . . . . . # > > PageV26P216 # اعلم أن الله تعالى لما بين فساد القول بالشرك وبين أن الله تعالى هو ~~الذي يجب أن يعبد ، بين في هذه الآية أن طريقة هؤلاء الكفار الذين يعبدون ~~الأصنام متناقضة ms7785 وذلك لأنهم إذا مسهم نوع من أنواع الضر لم يرجعوا في طلب ~~دفعه إلا إلى الله ، وإذا زال ذلك الضر عنهم رجعوا إلى عبادة الأصنام ~~ومعلوم أنهم إنما رجعوا إلى الله تعالى عند حصول الضر ، لأنه هو القادر على ~~إيصال الخير ودفع الضر ، وإذا عرفوا أن الأمر كذلك في بعض الأحوال كان ~~الواجب عليهم أن يعترفوا / به في كل الأحوال فثبت أن طريقتهم في هذا الباب ~~متناقضة . # أما قوله تعالى : { وإذا مس الإنسان } فقيل المراد بالإنسان أقوام معينون ~~مثل عتبة بن ربيعة وغيره ، وقيل المراد به الكافر الذي تقدم ذكره ، لأن ~~الكلام يخرج على معهود ، تقدم . # أما قوله { ضر } فيدخل فيه جميع المكاره سواء كان في جسمه أو في ماله أو ~~أهله وولده ، لأن اللفظ مطلق فلا معنى للتقييد { خشى ربه } أي استجار بربه ~~وناداه ولم يؤمل في كشف الضر سواء ، فلذلك قال : { منيبا إليه } أي راجعا ~~إليه وحده في إزالة ذلك الضر لأن الإنابة هي الرجوع { ثم إذا خوله نعمة منه ~~} أي أعطاه ، قال صاحب ( الكشاف ) : وفي حقيقته وجهان أحدهما : جعله خائل ~~مال من قولهم هو خائل مال وخال مال ، إذا كان متعهدا له حسن القيام به ومنه ~~ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة ~~) والثاني : جعله يخول من خال يخول إذا اختال وافتخر ، وفي المعنى قالت ~~العرب : # % إن الغنى طويل الذيل مياس % % # ثم قال تعالى : { نسى ما كان يدعو إليه من قبل } أي نسي ربه الذي كان ~~يتضرع إليه ويبتهل إليه ، وما بمعنى من كقوله تعالى : { وما خلق الذكر ~~والانثى } ( الليل : 3 ) وقوله تعالى : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ( ~~الكافرون : 3 ) وقوله تعالى : { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ( النساء : ~~3 ) وقيل نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه والمراد من قوله نسي أن ترك ~~دعاءه كأنه لم يفزع إلى ربه ، ولو أراد به النسيان الحقيقي لما ذمه عليه ، ~~ويحتمل أن يكون المراد أنه نسي أن لا يفزع ، وأن لا ms7786 إله سواه فعاد إلى ~~اتخاذ الشركاء مع الله . # ثم قال تعالى : { وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليضل بفتح الياء والباقون ليضل ~~بضم الياء على معنى ليضل غيره . # المسألة الثانية : المراد أنه تعالى يعجب العقلاء من مناقضتهم عند هاتين ~~الحالتين ، فعند الضر يعتقدون أنه لا مفزع إلى ما سواء وعند النعمة يعودون ~~إلى اتخاذ آلهة معه . ومعلوم أنه تعالى إذا كان إنما يفزع إليه في حال الضر ~~لأجل أنه هو القادر على الخير والشر ، وهذا المعنى باق في حال الراحة ~~والفراغ كان في تقرير حالهم في هذين الوقتين بما يوجب المناقضة وقلة العقل ~~. PageV26P217 # المسألة الثالثة : معنى قوله : { ليضل عن سبيله } أنه لا يقتصر في ذلك ~~على أن يضل نفسه بل يدعو غيره إما بفعله أو قوله إلى أن يشاركه في ذلك ، ~~فيزداد إثما على إثمه ، واللام في قوله { ليضل } لام العاقبة كقوله : { ~~فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } ( القصص : 8 ) ولما ذكر الله ~~تعالى عنهم هذا الفعل المتناقض هددهم فقال : { قل تمتع بكفرك قليلا } وليس ~~المراد منه الأمر بل / الزجر ، وأن يعرفه قلة تمتعه في الدنيا ، ثم يكون ~~مصيره إلى النار . # ولما شرح الله تعالى صفات المشركين والضالين ، ثم تمسكهم بغير الله تعالى ~~أردفه بشرح أحوال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا الله ولا اعتماد لهم إلا ~~على فضل الله ، فقال : { أمن هو قانت ءاناء اليل ساجدا وقائما } وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وحمزة { من } مخففة الميم والباقون ~~بالتشديد ، أما التخفيف ففيه وجهان الأول : أن الألف ألف الاستفهام داخلة ~~على من ، والجواب محذوف على تقدير كمن ليس كذلك ، وقيل كالذي جعل لله ~~أندادا فاكتفى بما سبق ذكره والثاني : أن يكون ألف نداء كأنه قيل يا من هو ~~قانت من أهل الجنة ، وأما التشديد فقال الفراء الأصل أم من فأدغمت الميم في ~~الميم وعلى هذا القول هي أم التي في قولك أزيد أفضل أم عمرو . # المسألة الثانية : القانت ms7787 القائم بما يجب عليه من الطاعة ، ومنه قوله : ( ~~أفضل الصلاة صلاة القنوت ) وهو القيام فيها . ومنه القنوت في الصبح لأنه ~~يدعو قائما . عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال لا أعلم القنوت إلا قراءة ~~القرآن وطول القيام وتلا { أمن هو قانت } وعن ابن عباس القنوت طاعة الله ، ~~لقوله : { كل له قانتون } ( البقرة : 116 ) أي مطيعون ، وعن قتادة { أمن هو ~~} ساعات الليل أوله ووسطه وآخره ، وفي هذه اللفظة تنبيه على فضل قيام الليل ~~وأنه أرجح من قيام النهار ، ويؤكده وجوه الأول : أن عبادة الليل أستر عن ~~العيون فتكون أبعد عن الرياء الثاني : أن الظلمة تمنع من الإبصار ونوم ~~الخلق يمنع من السماع ، فإذا صار القلب فارغا عن الاشتغال بالأحوال ~~الخارجية عاد إلى المطلوب الأصلي ، وهو معرفة الله وخدمته الثالث : أن ~~الليل وقت النوم فتركه يكون أشق فيكون الثواب أكثر الرابع : قوله تعالى : { ~~إن ناشئة اليل هى أشد وطأ وأقوم قيلا } ( المزمل : 6 ) وقوله : { ساجدا } ~~حال ، وقرىء ساجد وقائم على أنه خبر عبد خبر الواو للجميع بين الصفتين . # واعلم أن هذه الآية دالة على أسرار عجيبة ، فأولها أنه بدأ فيها بذكر ~~العلم وختم فيها بذكر العلم ، أما العمل فكونه قانتا ساجدا قائما ، وأما ~~العلم فقوله : { هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } وهذا يدل على أن ~~كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين ، فالعمل هو البداية والعلم ~~والمكاشفة هو النهاية . # الفائدة الثانية : أنه تعالى نبه على أن الانتفاع بالعمل إنما يحصل إذا ~~كان الإنسان مواظبا عليه ، فإن القنوت عبارة عن كون الرجل قائما بما يجب ~~عليه من الطاعات ، وذلك يدل على أن العلم إنما يفيد إذا واظب عليه الإنسان ~~، وقوله : { ساجدا وقائما } إشارة إلى أصناف الأعمال وقوله : { يحذر الاخرة ~~ويرجوا * رحمة ربه } إشارة إلى أن الإنسان عند المواظبة ينكشف له في الأول ~~مقام القهر وهو قوله : { يحذر الاخرة } ثم بعده مقام الرحمة وهو قوله : { ~~من رحمة ربه } ثم يحصل أنواع المكاشفات وهو المراد بقوله : { هل يستوى ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون } . PageV26P218 # / الفائدة ms7788 الثالثة : أنه قال في مقام الخوف { يحذر الاخرة } فما أضاف ~~الحذر إلى نفسه ، وفي مقام الرجاء أضافه إلى نفسه ، وهذا يدل على أن جانب ~~الرجاء أكمل وأليق بحضرة الله تعالى . # المسألة الثالثة : قيل المراد من قوله : { أمن هو قانت ءاناء اليل } ~~عثمان لأنه كان يحيي الليل في ركعة واحدة ويقرأ القرآن في ركعة واحدة ، ~~والصحيح أن المراد منه كل من كان موصوفا بهذه الصفة فيدخل فيه عثمان وغيره ~~لأن الآية غير مقتصرة عليه . # المسألة الرابعة : لا شبهة في أن في الكلام حذفا ، والتقدير أمن هو قانت ~~كغيره ، وإما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه ، لأنه تعالى ذكر قبل هذه ~~الآية الكافر وذكر بعدها : { قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ~~وتقدير الآية قل هل يستوي الذين يعلمون وهم الذين صفتهم أنهم يقنتون آناء ~~الليل سجدا وقياما ، والذين لا يعلمون وهم الذين وصفهم عند البلاء والخوف ~~يوحدون وعند الراحة والفراغة يشركون ، فإذا قدرنا هذا التقدير ظهر المراد ~~وإنما وصف الله الكفار بأنهم لا يعلمون ، لأنهم وإن آتاهم الله العلم إلا ~~أنهم أعرضوا عن تحصيل العلم ، فلهذا السبب جعلهم كأنهم ليسوا أولي الألباب ~~من حيث إنهم لم ينتفعوا بعقولهم وقلوبهم . # وأما قوله تعالى : { قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } فهو ~~تنبيه عظيم على فضيلة العلم ، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير ~~قوله تعالى : { وعلم ءادم الاسماء كلها } ( البقرة : 31 ) قال صاحب ( ~~الكشاف ) أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم القانتون ، وبالذين لا ~~يعلمون الذين لا يأتون بهذا العمل كأنه جعل القانتين هم العلماء ، وهو ~~تنبيه على أن من يعمل فهو غير عالم ، ثم قال وفيه ازدراء عظيم بالذين ~~يقتنون العلوم ثم لا يقنتون ، ويفتنون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله ~~جهلة . # ثم قال تعالى : { إنما يتذكر أولوا الالباب } يعني هذا التفاوت العظيم ~~الحاصل بين العلماء والجهال لا يعرفه أيضا إلا أولوا الألباب ، قيل لبعض ~~العلماء : إنكم تقولون العلم أفضل من المال ثم نرى العلماء يجتمعون عند ms7789 ~~أبواب الملوك ، ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء ، فأجاب العالم ~~بأن هذا أيضا يدل على فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من ~~المنافع فطلبوه ، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جرم تركوه ~~. # ! 7 < { قل ياعباد الذين ءامنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا فى هاذه الدنيا ~~حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب * قل إنىأمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين * وأمرت لان أكون أول المسلمين * قل إنىأخاف إن ~~عصيت ربى عذاب يوم عظيم * قل الله أعبد مخلصا له دينى * فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو ~~الخسران المبين * لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذالك يخوف الله ~~به عباده ياعباد فاتقون } > 7 @QB@ < # | الزمر : ( 10 ) قل يا عباد . . . . . # > > PageV26P219 # اعلم أنه تعالى لما بين نفي المساواة بين من يعلم وبين من لا يعلم ، ~~أتبعه بأن أمر رسوله بأن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام : # النوع الأول : قوله : { قل ياأهل * عبادى * الذين ءامنوا اتقوا ربكم } ~~والمراد أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يضموا إلى الإيمان التقوى ، وهذا ~~من أول الدلائل على أن الإيمان يبقى مع المعصية ، قال القاضي : أمرهم ~~بالتقوى ليكلا يحبطوا إيمانهم ، لأن عند الاتقاء من الكبائر يسلم لهم ~~الثواب وبالإقدام عليها يحبط ، فيقال له هذا بأن يدل على ضد قولك أولى ، ~~لأنه لما أمر المؤمنين بالتقوى دل ذلك على أنه يبقى مؤمنا مع عدم التقوى ، ~~وذلك يدل على أن الفسق لا يزيل الإيمان . # واعلم أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالاتقاء بين لهم ما في هذا الاتقاء من ~~الفوائد ، فقال تعالى : { للذين أحسنوا فى هاذه الدنيا حسنة } فقوله : { فى ~~هاذه الدنيا } يحتمل أن يكون صلة لقوله : { أحسنوا } أو لحسنة ، فعلى ~~التقدير الأول معناه للذين أحسنوا في هذه الدنيا كلهم حسنة في الآخرة ، وهي ~~دخول الجنة ، والتنكير في قوله : { حسنة } للتعظيم يعني حسنة لا يصل العقل ~~إلى كنه كمالها . وأما على التقدير الثاني ms7790 : فمعناه الذين أحسنوا فلهم في ~~هذه الدنيا حسنة ، والقائلون بهذا القول قالوا هذه الحسنة هي الصحة ~~والعافية ، وأقول الأولى أن تحمل على الثلاثة المذكورة في قوله صلى الله ~~عليه وسلم : ( ثلاثة ليس لها نهاية : الأمن والصحة والكفاية ) ومن الناس من ~~قال القول الأول أولى ويدل عليه وجوه الأول : أن التنكير في قوله : { حسنة ~~} يدل على النهاية والجلالة والرفعة ، وذلك لا يليق / بأحوال الدنيا ، ~~فإنها خسيسة ومنقطعة ، وإنما يليق بأحوال الآخرة ، فإنها شريفة وآمنة من ~~الانقضاء والانقراض والثاني : أن ثواب المحسن بالتوحيد والأعمال الصالحة ~~إنما يحصل في الآخرة قال تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } وأيضا ~~فنعمة الدنيا من الصحة والأمن والكفاية حاصلة للكفار ، وأيضا فحصولها ~~للكافر أكثر وأتم من حصولها للمؤمن ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ~~الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) وقال تعالى : { لجعلنا لمن يكفر بالرحمان ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون } ( الزخرف : 33 ) ، الثالث : أن ~~قوله : { للذين أحسنوا فى هاذه الدنيا حسنة } يفيد الحصر ، بمعنى أنه يفيد ~~أن حسنة هذه الدنيا لا تحصل إلا للذين أحسنوا ، وهذا باطل . أما لو حملنا ~~هذه الحسنة على حسنة الآخرة صح هذا الحصر ، فكأن حمله على حسنة الآخرة أولى ~~/ ثم قال الله تعالى : { وأرض الله واسعة } وفيه قولان الأول : المراد أنه ~~لا عذر ألبتة للمقصرين في الإحسان ، حتى إنهم إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم ، ~~وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفرة على الإحسان وصرف الهمم إليه ، قل لهم ~~فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة ، فتحولوا من هذه البلاد إلى بلاد تقدرون ~~فيها على الاشتغال بالطاعات والعبادات ، واقتدوا بالأنبياء والصالحين ~~PageV26P220 في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ، ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم ، ~~وطاعة إلى طاعتهم ، والمقصود منه الترغيب في الهجرة من مكة إلى المدينة ~~والصبر على مفارقة الوطن ، ونظيره قوله تعالى : { قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين فى الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } ( النساء ~~: 97 ) والقول الثاني : قال أبو مسلم : لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض ~~أرض الجنة ، وذلك لأنه ms7791 تعالى أمر المؤمنين بالتقوى وهي خشية الله ، ثم بين ~~أن من اتقى فله في الآخرة الحسنة ، وهي الخلود في الجنة ، ثم بين أن أرض ~~الله ، أي جنته واسعة ، لقوله تعالى : { نتبوأ من الجنة حيث نشاء } ( الزمر ~~: 74 ) وقوله تعالى : { وجنة عرضها * السماوات والارض * أعدت للمتقين } ( ~~آل عمران : 133 ) والقول الأول عندي أولى ، لأن قوله : { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } لا يليق إلا بالأول ، وفي هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : أما تحقيق الكلام في ماهية الصبر ، فقد ذكرناه في سورة ~~البقرة ، والمراد ههنا بالصابرين الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم ~~، وعلى تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله تعالى . # المسألة الثانية : تسمية المنافع التي وعد الله بها على الصبر بالأجر ~~توهم أن العمل على الثواب ، لأن الأجر هو المستحق ، إلا أنه قامت الدلائل ~~القاهرة على أن العمل ليس عليه الثواب ، فوجب حمل لفظ الأجر على كونه أجرا ~~بحسب الوعد ، لا بحسب الاستحقاق . # المسألة الثالثة : أنه تعالى وصف ذلك الأجر بأنه بغير حساب ، وفيه وجوه ~~الأول : قال الجبائي : المعنى أنهم يعطون ما يستحقون ويزدادون تفضلا فهو ~~بغير حساب ، ولو لم يعطوا إلا المستحق لكان ذلك حسابا ، قال القاضي هذا ليس ~~بصحيح ، لأن الله تعالى وصف الأجر / بأنه بغير حساب ، ولو لم يعطوا إلا ~~الأجر المستحق ، والأجر غير التفضل الثاني : أن الثواب له صفات ثلاثة أحدها ~~: أنها تكون دائمة الأجر لهم ، وقوله : { بغير حساب } معناه بغير نهاية ، ~~لأن كل شيء دخل تحت الحساب فهو متناه ، فما لا نهاية له كان خارجا عن ~~الحساب وثانيها : أنها تكون منافع كاملة في أنفسها ، وعقل المطيع ما كان ~~يصل إلى كنه ذلك الثواب ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن في الجنة ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) وكل ما يشاهدونه من أنواع ~~الثواب وجدوه أزيد مما تصوروه وتوقعوه ، وما لا يتوقعه الإنسان ، فقد يقال ~~إنه ليس في حسابه ، فقوله : { بغير حساب } محمول على هذا المعنى والوجه ~~الثالث : في التأويل أن ms7792 ثواب أهل البلاء لا يقدر بالميزان والمكيال ، روى ~~صاحب ( الكشاف ) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ينصب الله ~~الموازين يوم القيامة ، فيؤتى أهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ، ويؤتى ~~بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين ، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ~~ميزان ولا ينشر لهم ديوان ، ويصب عليهم الأجر صبا ) قال الله تعالى : { ~~إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن ~~أجسادهم تقرض بالمقاريض لما به أهل البلاء من الفضل . # النوع الثاني : من البيانات أمر الله رسوله أن يذكرها قوله تعالى : { قل ~~إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } قال مقاتل : إن كفار قريش قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به ؟ ألا ~~تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فأنزل الله ، قل ~~يا محمد إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له PageV26P221 الدين ، وأقول إن ~~التكليف نوعان أحدهما : الأمر بالاحتراز عما لا ينبغي والثاني : الأمر ~~بتحصيل ما ينبغي ، والمرتبة الأولى مقدمة على المرتبة الثانية بحسب الرتبة ~~الواجبة اللازمة ، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قدم الأمر بإزالة ما ينبغي ~~فقال : { اتقوا ربكم } لأن التقوى هي الاحتراز عما لا ينبغي ثم ذكر عقيبه ~~الأمر بتحصيل ما ينبغي فقال : { إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } ~~وهذا يشتمل على قيدين أحدهما : الأمر بعبادة الله الثاني : كون تلك العبادة ~~خالصة عن شوائب الشرك الجلي وشوائب الشرك الخفي ، وإنما خص الله تعالى ~~الرسول بهذا الأمر لينبه على أن غيره بذلك أحق فهو كالترغيب للغير ، وقوله ~~تعالى : { وأمرت لان أكون أول المسلمين } لا شبهة في أن المراد إني أول من ~~تمسك بالعبادات التي أرسلت بها ، وفي هذه الآية فائدتان : # الفائدة الأولى : كأنه يقول إني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون ~~الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك ، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعا ~~فيه وأكثرهم مداومة عليه . # الفائدة الثانية : أنه قال : { إنى أمرت أن أعبد الله } والعبادة ms7793 لها ~~ركنان عمل القلب وعمل الجوارح ، وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح ، فقدم ذكر ~~الجزء الأشرف وهو قوله : { مخلصا له الدين } ثم ذكر عقيبه الأدون وهو عمل ~~الجوارح وهو الإسلام ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم / فسر الإسلام في خبر ~~جبريل عليه السلام بالأعمال الظاهرة ، وهو المراد بقوله في هذه الآية : { ~~وأمرت لان أكون أول المسلمين } وليس لقائل أن يقول ما الفائدة في تكرير لفظ ~~{ أمرت } لأنا نقول ذكر لفظ { أمرت } أولا في عمل القلب وثانيا في عمل ~~الجوارح ولا يكون هذا تكريرا . # الفائدة الثالثة : في قوله : { وأمرت لان أكون أول المسلمين } التنبيه ~~على كونه رسولا من عند الله واجب الطاعة ، لأن أول المسلمين في شرائع الله ~~لا يمكن أن يكون إلا رسول الله ، لأن أول من يعرف تلك الشرائع والتكاليف هو ~~الرسول المبلغ ، ولما بين الله تعالى أمره بالإخلاص بالقلب وبالأعمال ~~المخصوصة ، وكان الأمر يحتمل الوجوب ويحتمل الندب بين أن ذلك الأمر للوجوب ~~فقال : { قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } وفيه فوائد : # الفائدة الأولى : أن الله أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجري هذا ~~الكلام على نفسه ، والمقصود منه المبالغة في زجر الغير عن المعاصي ، لأنه ~~مع جلالة قدرة وشرف نبوته إذا وجب أن يكون خائفا حذرا عن المعاصي فغيره ~~بذلك أولى . # الفائدة الثانية : دلت الآية على أن المرتب على المعصية ليس حصول العقاب ~~بل الخوف من العقاب ، وهذا يطابق قولنا : إن الله تعالى قد يعفو عن المذنب ~~والكبيرة ، فيكون اللازم عند حصول المعصية هو الخوف من العقاب لا نفس حصول ~~العقاب . # الفائدة الثالثة : دلت هذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب ، وذلك لأنه ~~قال في أول الآية : { إنى أمرت أن أعبد الله } ثم قال بعده : { قل إنى أخاف ~~إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم } فيكون معنى هذا العصيان ترك الأمر الذي تقدم ~~ذكره ، وذلك يقتضي أن يكون تارك الأمر عاصيا / والعاصي يترتب عليه الخوف من ~~العقاب ، ولا معنى للوجوب إلا ذلك . PageV26P222 # النوع الثالث : من ms7794 الأشياء التي أمر الله رسوله أن يذكرها قوله : { قل ~~الله أعبد مخلصا له دينى } فإن قيل ما معنى التكرير في قوله : { قل إنى ~~أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } وقوله : { قل الله أعبد مخلصا له دينى ~~} ؟ ، قلنا هذا ليس بتكرير لأن الأول إخبار بأنه مأمور من جهة الله ~~بالإتيان بالعبادة ، والثاني إخبار بأنه أمر بأن لا يعبد أحدا غيره ، وذلك ~~لأن قوله : { أمرت أن أعبد الله } لا يفيد الحصر وقوله تعالى : { قل الله ~~أعبد } يفيد الحصر يعني الله أعبد ولا أعبد أحدا سواه ، والدليل عليه أنه ~~لما قال بعد : { قل الله أعبد } قال بعده : { فاعبدوا ما شئتم من دونه } ~~ولا شبهة في أن قوله : { فاعبدوا ما شئتم من دونه } ليس أمرا بل المراد منه ~~الزجر ، كأنه يقول لما بلغ البيان في وجوب رعاية التوحيد إلى الغاية القصوى ~~فبعد ذلك أنتم أعرف بأنفسكم ، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله : { قل إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم } لوقوعها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه ، ~~وخسروا أهليهم أيضا لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا ~~أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الجنة ، فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده ~~ألبتة ، وقال ابن عباس : إن لكل رجل / منزلا وأهلا وخدما في الجنة ، فإن ~~أطاع أعطى ذلك ، وإن كان من أهل النار حرم ذلك فخسر نفسه وأهله ومنزله ~~وورثه غيره من المسلمين ، والخاسر المغبون ، ولما شرح الله خسرانهم وصف ذلك ~~الخسران بغاية الفظاعة فقال : { ألا ذلك هو الخسران المبين } كان التكرير ~~لأجل التأكيد الثاني : أنه تعالى ذكر في أول هذه الكلمة حرف ألا وهو ~~للتنبيه ، وذكر التنبيه في هذا الموضع يدل على التعظيم كأنه قيل إنه بلغ في ~~العظمة إلى حيث لا تصل عقولكم ليها فتنبهوا لها الثالث : أن كلمة ( هو ) : ~~في قوله : { هو الخسران المبين } تفيد الحصر كأنه قيل كل خسران فإنه يصير ~~في مقابلته كلا خسران الرابع : وصفه بكونه ( مبينا ) : يدل على التهويل ، ~~وأقول قد بينا أن لفظ الآية يدل ms7795 على كونه خسرانا مبينا فلنبين فحسب المباحث ~~العقلية كونه خسرانا مبينا ، وأقول نفتقر إلى بيان أمرين إلى أن يكون ~~خسرانا ثم كونه مبينا أما الأول : فتقريره أنه تعالى أعطى هذه الحياة وأعطى ~~العقل ، وأعطى المكنة وكل ذلك رأس المال ، أما هذه الحياة فالمقصود منها أن ~~يكتسب فيها الحياة الطيبة في الآخرة . # وأما العقل فإنه عبارة عن العلوم البديهية وهذه العلوم هي رأس المال ~~والنظر ، والفكر لا معنى له إلا ترتيب علوم ليتوصل بذلك الترتيب إلى تحصيل ~~علوم كسبية ، فتلك العلوم البديهية المسماة بالعقل رأس المال وتركيبها على ~~الوجوه المخصوصة يشبه تصرف التاجر في رأسه المال وتركيبها على الوجوه ~~بالبيع والشراء ، وحصول العلم بالنتيجة يشبه حصول الربح ، وأيضا حصول ~~القدرة على الأعمال يشبه رأس المال ، واستعمال تلك القوة في تحصيل أعمال ~~البر والخير يشبه تصرف التاجر في رأس المال ، وحصول أعمال الخير والبر يشبه ~~الربح ، إذا ثبت هذا فنقول : إن من أعطاه الله الحياة والعقل والتمكن ، ثم ~~إنه لم يستفد منها لا معرفة الحق ولا عمل الخير ألبتة كان محروما عن الربح ~~بالكلية ، وإذا مات فقد ضاع رأس المال بالكلية فكان ذلك خسرانا ، فهذا بيان ~~كونه خسرانا وأما الثاني : وهو بيان كون ذلك الخسران مبينا فهو أن من لم ~~يربح الزيادة ولكنه مع ذلك سلم من الآفات والمضار ، فهذا كما لم يحصل له ~~مزيد نفع لم يحصل له أيضا مزيد ضرر / أما هؤلاء الكفار فقد استعملوا عقولهم ~~التي هي رأس مالهم في استخراج وجوه الشبهات وتقوية الجهالات والضلالات ، ~~واستعملوا قواهم وقدرهم في أفعال الشر والباطل والفساد ، فهم قد جمعوا بين ~~أمور في غاية الرداءة أولها : أنهم أتعبوا أبدانهم وعقولهم طلبا في تلك ~~العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة PageV26P223 وثانيها : أنهم عند الموت ~~يضيع عنهم رأس المال من غير فائدة وثالثها : أن تلك المتاعب الشديدة التي ~~كانت موجودة في الدنيا في نصرة تلك الضلالات تصير أسبابا للعقوبة الشديدة ~~والبلاء العظيم بعد الموت ، وعند الوقوف على هذه المعاني يظهر أنه لا يعقل ~~خسران أقوى من ms7796 خسرانهم ، ولا حرمان أعظم من حرمانهم ، ونعوذ بالله منه . # ولما شرح الله تعالى أحوال حرمانهم عن الربح وبين كيفية خسرانهم ، بين ~~أنهم لم يقتصروا على الحرمان والخسران ، بل ضموا إليه استحقاق العذاب ~~العظيم والعقاب الشديد ، فقال : { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ~~} ( الشورى : 40 ) ، الثاني : أن الذي يكون تحته يكون ظلة لإنسان آخر تحته ~~لأن النار دركات كما أن الجنة درجات والثالث : أن الظلة التحتانية إذا كانت ~~مشابهة للظلة الفوقانية في الحرارة والإحراق والإيذاء ، أطلق اسم أحدهما ~~على الآخر لأجل المماثلة والمشابهة . قال الحسن هم بين طبقتين من النار لا ~~يدرون ما فوقهم أكثر مما تحتهم ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { عليك ~~الكتاب يتلى عليهم إن فى ذالك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بينى ~~وبينكم شهيدا يعلم ما فى السماوات والارض والذين ءامنوا بالباطل وكفروا ~~بالله أولئك هم الخاسرون ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب ~~وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ~~يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ( العنكبوت : 55 ) وقوله ~~تعالى : { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } ( الأعراف : 41 ) . # ثم قال تعالى : { ذالك يخوف الله به عباده } أي ذلك الذي تقدم ذكره من ~~وصف العذاب فقوله : { ذالك } مبتدأ وقوله : { يخوف الله به عباده } خبر ، ~~وفي قوله : { يخوف الله به عباده } قولان الأول : التقدير ذلك العذاب المعد ~~للكفار هو الذي يخوف الله به عباده أي المؤمنين ، لأنا بينا أن لفظ العباد ~~في القرآن مختص بأهل الإيمان وإنما كان تخويفا للمؤمنين لأجل أنهم إذا ~~سمعوا أن حال الكفار ما تقدم خافوا فأخلصوا في التوحيد والطاعة الوجه ~~الثاني : أن هذا الكلام في تقدير جواب عن سؤال ، لأنه يقال إنه تعالى غني ~~عن العالمين منزه عن الشهوة والانتقام وداعية الإيذاء ، فكيف يليق به أن ~~يعذب هؤلاء المساكين إلى هذا الحد العظيم ، وأجيب عنه بأن المقصود منه ~~تخويف الكفار والضلال عن الكفر والضلال ، فإذا كان التكليف لا يتم إلا ~~بالتخويف والتخويف ms7797 لا يكمل الانتفاع به إلا بإدخال ذلك الشيء في الوجود وجب ~~إدخال ذلك النوع م نالعذاب في الوجود تحصيلا لذلك المطلوب الذي هو التكليف ~~، والوجه الأول عندي أقرب ، والدليل عليه أنه قال بعده : { قليلا وإياى ~~فاتقون } وقوله : { * يا عباذ } الأظهر منه أن المراد منه المؤمنون فكأنه ~~قيل المقصود من شرح عذاب الكفار للمؤمنين تخويف المؤمنين فيا أيها المؤمنون ~~بالغوا في الخوف والحذر والتقوى . # ! 7 < { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى ~~فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولائك الذين هداهم الله ~~وأولائك هم أولو الا لباب * أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى ~~النار * لاكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها ~~الا نهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد } > 7 @QB@ < # | الزمر : ( 17 ) والذين اجتنبوا الطاغوت . . . . . # > > PageV26P224 # اعلم أن الله تعالى لما ذكر وعيد عبدة الأصنام والأوثان ذكر وعد من اجتنب ~~عبادتها واحترز عن الشرك ، ليكون الوعد مقرونا بالوعيد أبدا فيحصل كمال ~~الترغيب والترهيب ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : الطاغوت فعلوت من الطغيات ~~كالملكوت والرحموت إلا أن فيها قلبا بتقديم اللام على العين ، وفي هذا ~~اللفظ أنواع من المبالغة أحدها : التسمية بالمصدر كأن عين ذلك الشيء ~~الطغيان وثانيها : أن البناء بناء المبالغة فإن الرحموت الرحمة الواسعة ~~والملكوت الملك المبسوط وثالثها : ما ذكرنا من تقديم اللام على العين ومثل ~~هذا إنما يصار إليه عند المبالغة . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن المراد من الطاغوت ههنا الشيطانه أم ~~الأوثان ، فقيل إنه الشيطان فإن قيل إنهم ما عبدوا الشيطان وإنما عبدوا ~~الصنم ، قلنا الداعي إلى عبادة الصنم لما كان هو الشيطان كان الإقدام على ~~عبادة الصنم عبادة للشيطان ، وقيل المراد بالطاغوت الصنم وسميت طواغيت على ~~سبيل المجاز لأنه لا فعل لها ، والطغاة هم الذين يعبدونها إلا أنه لما حصل ~~الطغيان عند مشاهدتها والقرب منها ، وصفت بهذه الصفة إطلاقا لاسم المسبب ~~على السبب بحسب الظاهر ، وقيل كل ما يعبد ويطاع من دون الله ms7798 فهو طاغوت ، ~~ويقال في التواريخ إن الأصل في عبادة الأصنام ، أن القوم كانوا مشبهة ~~اعتقدوا في الإله أنه نور عظيم ، وفي الملائكة أنها أنوار مختلفة في الصغر ~~والكبر ، فوضعوا تماثيل وصورا على وفق تلك الخيالات فكانوا يعبدون تلك ~~التماثيل على أعتقاد أنهم يعبدون الله والملائكة ، وأقول حاصل الكلام في ~~قوله : { ياعباد فاتقون والذين اجتنبوا الطاغوت } أي أعرضوا عن عبودية كل ~~ما سوى الله . قوله تعالى : { وأنابوا إلى الله } أي رجعوا بالكلية إلى ~~الله . ورأيت في السفر الخامس من التوراة ، أن الله تعالى قال لموسى : يا ~~موسى أجب إلهك بكل قلبك . وأقول ما دام يبقى في القلب التفات إلى غير الله ~~فهو ما أجاب إلهه بكل قلبه ، وإنما تحصل الإجابة بكل القلب إذا أعرض القلب ~~عن كل ما سوى الله من باب الطاعات فكيف يعرض عنها مع / أنه بالحس يشاهد ~~الأسباب المفضية إلى المسببات في هذا العالم ، قلنا ليس المراد من إعراض ~~القلب عنها أن يقضي عليها بالعدم فإن ذلك دخول في السفسطة وهو باطل ، بل ~~المراد أن يعرف أن واجب الوجود لذاته واحد ، وأن كل ما سواه فإنه ممكن ~~الوجود لذاته وكل ما كان ممكنا لذاته فإنه لا يوجد إلا بتكوين الواجب ~~وإيجاده ، ثم إنه سبحانه وتعالى جعل تكوينه للأشياء على قسمين منها ما يكون ~~بغير واسطة وهي عالم السموات والروحانيات ، ومنها ما يكون بواسطة وهو عالم ~~العناصر والعالم الأسفل ، فإذا عرفت الأشياء على هذا الوجه عرفت أن الكل ~~لله ومن الله وبالله ، وأنه لا مدبر إلا هو ولا مؤثر غيره ، وحينئذ ينقطع ~~نظره عن هذه الممكنات ويبقى مشغول القلب بالمؤثر الأول والموجد الأول ، ~~فإنه إن كان قد وضع الأسباب الروحانية والجسمانية بحيث يتأذى إلى هذا ~~المطلوب / فهذا الشيء يحصل وإن كان قد وضع بحيث لا يفضي إلى حصول هذا الشيء ~~لم يحصل ، وبهذا الطريق ينقطع نظره عن الكل ولا يبقى في قلبه التفات إلى ~~شيء إلا إلى الموجود PageV26P225 الأول ، وقد اتفق أني كنت أنصح بعض ~~الصبيان في حفظ العرض ms7799 والمال فعارضني وقالا يجوز الاعتماد على الجد والجهد ~~بل يجب الاعتماد على قضاء الله وقدره ، فقلت هذه كلمة حق سمعتها ولكنك ما ~~عرفت معناها ، وذلك لأنه لا شبهة أن الكل من الله تعالى إلا أنه سبحانه دبر ~~الأشياء على قسمين منها ما جعل حدوثه وحصوله معلقا بأسباب معلومة ومنها ما ~~يحدثه من غير واسطة هذه الأسباب . # أما القسم الأول : فهو حوادث هذا العالم الأسفل . # وأما القسم الثاني : فهو حوادث هذا العالم الأعلى ، وإذا ثبت هذا فنقول ~~من طلب حوادث هذا العالم الأسفل لا من الأسباب التي عينها الله تعالى كان ~~هذا الشخص منازعا لله في حكمته مخالفا في تدبيره ، فإن الله تعالى حكم ~~بحدوث هذه الأشياء بناء على تلك الأسباب المعينة المعلومة وأنت تريد ~~تحصيلها لا من تلك الأسباب ، فهذا هو الكلام في تحقيق الإعراض عن غير الله ~~والإقبال بالكلية على الله تعالى فقوله تعالى : { والذين اجتنبوا الطاغوت } ~~إشارة إلى الإعراض عن غير الله وقوله تعالى : { وأنابوا إلى الله } إشارة ~~إلى الإقبال بالكلية على عبادة الله ، ثم إنه تعالى وعد هؤلاء بأشياء أحدها ~~: قوله تعالى : { لهم البشرى } واعلم أن هذه الكلمة تتعلق بجهات أحدها : أن ~~هذه البشارة متى تحصل ؟ فنقول إنها تحصل عند القرب من الموت وعند الوضع في ~~القبر وعند الوقوف في عرصة القيامة وعندما يصير فريق في الجنة وفريق في ~~السعير وعندما يدخل المؤمنون الجنة ، ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل ~~البشارة بنوع من الخير والروح والرحة والريحان وثانيها : أن هذه البشارة ~~فبماذا تحصل ؟ فنقول إن هذه البشارة تحصل بزوال المكروهات وبحصول المرادات ~~، أما زوال المكروهات فقوله تعالى : { ألا تخافوا ولا تحزنوا } ( فصلت : 30 ~~) والخوف إنما يكون من المستقبل والحزن إنما يكون بسبب الأحوال الماضية ~~فقوله : { أن لا * تخافوا } يعني لا تخافوا فيما تستقبلونه من أحوال ~~القيامة ولا تحزنوا بسبب ما فاتكم من خيرات الدنيا ، ولما أزال الله عنهم ~~هذه المكروهات بشرهم بحصول الخيرات والسعادات فقال : { وأبشروا بالجنة } ( ~~فصلت : 30 ) وقال أيضا في آية أخرى : { يوم ترى ms7800 المؤمنين والمؤمنات يسعى ~~نورهم بين أيديهم * وأيمانهم * بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الانهار } ~~( الحديد : 12 ) وقال أيضا : { وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين وأنتم ~~فيها خالدون } ( الزخرف : 71 ) والثالث : أن المبشر من هو ؟ فنقول يحتمل أن ~~يكون هم الملائكة ، إما عند الموت فقوله : { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ~~يقولون سلام عليكم } ( النحل : 32 ) وإما بعد دخول الجنة فقوله : { ~~الملائكة * يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ~~} ( الرعد : 23 ، 24 ) ويحتمل أن يكون هو الله سبحانه كما قال : { تحيتهم ~~يوم يلقونه سلام } ( الأحزاب : 44 ) . # واعلم أن قوله : { لهم البشرى } فيه أنواع من التأكيدات أحدها : أنه يفيد ~~الحصر فقوله : { لهم البشرى } أي لهم لا لغيرهم ، وهذا يفيد أنه لا بشارة ~~لأحد إلا إذا اجتنب عبادة غير الله تعالى وأقبل بالكلية على الله تعالى ~~وثانيها : أن الألف واللام في لفظ البشرى مفيد للماهية فيفيد أن هذه ~~الماهية بتمامها لهؤلاء / ولم يبق منها نصيب لغيرهم وثالثها : أن لا فرق ~~بين الإخبار وبين البشارة فالبشارة هو الخبر الأول بحصول الخيرات ، إذا ~~عرفت هذا فنقول كل ما سمعوه في الدنيا من أنواع الثواب والخير إذا سمعوه ~~عند الموت أو في القبر فذاك لا يكون إلا إخبارا ، فثبت أن هذه البشارة لا ~~تتحقق إلا إذا حصل الإخبار بحصول PageV26P226 أنواع أخر من السعادات فوق ما ~~عرفوها وسمعوها في الدنيا نسأل الله تعالى الفوز بها ، قال تعالى : { فلا ~~تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين } ( السجدة : 17 ) ورابعها : أن المخبر ~~بقوله : { لهم البشرى } هو الله تعالى وهو أعظم العظماء وأكمل الموجودات ~~والشرط المعتبر في حصول هذه البشارة شرط عظيم وهو الاجتناب عما سوى الله ~~تعالى والإقبال بالكلية على الله والسلطان العظيم إذا ذكر شرطا عظيما . ثم ~~قال لمن أتى بذلك الشرط العظيم أبشر فهذه البشارة الصادرة من السلطان ~~العظيم المرتبة على حصول ذلك الشرط العظيم تدل على أن الذي وقعت البشارة به ~~قد بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا يصل إلى شرحها ms7801 العقول والأفكار ، فثبت ~~أن قوله : { لهم البشرى } يدل على نهاية الكمال والسعادة من هذه الوجوه ~~والله أعلم . # واعلم أنه تعالى : لما قال : { لهم البشرى } وكان هذا المجمل أردفه بكلام ~~يجري مجرى التفسير والشرح له فقال تعالى : { فبشر عباد * الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه } وأراد بعباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، ~~الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم وهذا يدل على أن رأس السعادات ومركز ~~الخيرات ومعدن الكرامات هو الإعراض عن غير الله تعالى ، والإقبال بالكلية ~~على طاعة الله ، والمقصود من هذا اللفظ التنبيه على أن الذين اجتنبوا ~~الطاغوت وأنابوا ، هم الموصوفون بأنهم هم الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه ، فوضع الظاهر موضع المضمر تنبيها / على هذا الحرف ، ومنهم من قال ~~إنه تعالى لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك درجة ~~عالية لا يصل إليها إلا الأولون ، وقصر السعادة عليهم يقتضي الحرمان ~~للأكثرين ، وذلك لا يليق بالرحمة التامة ، لا جرم جعل الحكم أعم فقال كل من ~~اختار الأحسن في كل باب كان في زمرة السعداء ، واعلم أن هذه الآية تدل على ~~فوائد : # الفائدة الأولى : وجوب النظر والاستدلال / وذلك لأنه تعالى بين أن ~~الهداية والفلاح مرتبطان بما إذا سمع الإنسان أشياء كثيرة ، فإنه يختار ~~منها ما هو الأحسن الأصوب ، ومن المعلوم أن تمييز الأحسن الأصوب عما سواه ~~لا يحصل بالسماع ، لأن السماع صار قدرا مشتركا بين الكل ، لأن قوله : { ~~الذين يستمعون القول } يدل على أن السماع قدر مشترك فيه ، فثبت أن تمييز ~~الأحسن عما سواه لا يتأتى بالسماع وإنما يتأتى بحجة العقل ، وهذا يدل على ~~أن الموجب لاستحقاق المدح والثناء متابعة حجة العقل وبناء الأمر على النظر ~~والاستدلال . # الفائدة الثانية : أن الطريق إلى تصحيح المذاهب والأديان قسمان : أحدهما ~~: إقامة الحجة والبينة على صحته على سبيل التحصيل ، وذلك أمر لا يمكن ~~تحصيله إلا بالخوض في كل واحد من المسائل على التفصيل والثاني : أنا قبل ~~البحث عن الدلائل وتقريرها والشبهات وتزييفها نعرض تلك المذاهب وأضدادها ~~على عقولنا ، فكل ما حكم أول العقل بأنه أفضل ms7802 وأكمل كائن أولى بالقبول . ~~مثاله أن صريح العقل شاهد بأن الإقرار بأن إله العالم حي عالم قادر حليم ~~حكيم رحيم ، أولى من إنكار ذلك ، فكان ذلك المذهب أولى ، والإقرار بأن الله ~~تعالى لا يجري في ملكه وسلطانه إلا ما كان على وفق مشيئته أولى من القول ~~بأن أكثر ما يجرى في سلطان الله على خلاف إرادته ، وأيضا الإقرار بأن الله ~~فرد أحد صمد منزه عن التركيب والأعضاء أولى من القول بكونه متبعضا مؤلفا ، ~~وأيضا القول باستغنائه عن الزمان والمكان أولى من القول باحتياجه اليهما ، ~~وأيضا القول بأن الله رحيم كريم قد يعفو عن العقاب أولى من القول بأنه لا ~~يعفو عنه ألبتة ، وكل هذه PageV26P227 الأبواب تدخل تحت قوله : { الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه } فهذا ما يتعلق باختيار الأحسن في أبواب ~~الاعتقادات . # وأما ما يتعلق بأبواب التكاليف فهو على قسمين : منها ما يكون من أبواب ~~العبادات ، ومنها ما يكون من أبواب المعاملات ، فأما العبادات فمثل قولنا ~~الصلاة التي يذكر في تحريمها الله أكبر وتكون النية فيها مقارنة للتكبير ، ~~ويقرأ فيها سورة الفاتحة ، ويؤتى فيها بالطمأنينة في المواقف الخمسة ، ~~ويقرأ فيها التشهد ، ويخرج منها بقوله السلام عليكم ، فلا شك أنها أحسن من ~~الصلاة التي لا يراعى فيها شيء من هذه الأحوال ، وتوجب على العاقل أن يختار ~~هذه الصلاة ، وأن يترك ما سواها ، وكذلك القول في جميع أبواب العبادات . ~~وأما المعاملات فكذلك مثل أنه تعالى شرع القصاص والدية والعفو ، ولكنه ندب ~~إلى العفو فقال : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } وعن ابن عباس / أن المراد منه ~~الرجل يجلس مع القوم ويسمع الحديث فيه محاسن ومساوىء ، فيحدث بأحسن ما سمع ~~ويترك ما سواه . # واعلم أنه تعالى حكم على الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه بأن قال : { ~~أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم * أولوا الالباب } وفي ذلك دقيقة عجيبة ، ~~وهي أن حصول الهداية في العقل والروح أمر حادث ، ولا بد له من فاعل وقابل . ~~أما الفاعل فهو الله سبحانه وهو المراد من قوله : { أولئك الذين هداهم الله ~~} وأما ms7803 القابل فإليه الإشارة بقوله : { وأولئك هم * أولوا الالباب } فإن ~~الإنسان ما لم يكن عاقلا كامل الفهم امتنع حصول هذه المعارف الحقية في قلبه ~~. وإنما قلنا إن الفاعل لهذه الهداية هو الله ، وذلك لأن جوهر النفس مع ما ~~فيها من نور العقل قابل للاعتقاد الحق والاعتقاد الباطل ، وإذا كان الشيء ~~قابلا للضدين كانت نسبة ذلك القابل إليهما على السوية ، ومتى كان الأمر ~~كذلك امتنع كون ذلك القابل سببا لرجحان أحد الطرفين ، ألا ترى أن الجسم لما ~~كان قابلا للحركة والسكون على السوية / امتنع أن تصير ذات الجسم سببا ~~لرجحان أحد الطرفين على الآخر ، فإن قالوا لا نقول إن ذات النفس والعقل ~~يوجب هذا الرجحان ، بل نقول إنه يريد تحصيل أحد الطرفين ، فتصير تلك ~~الإرادة سببا لذلك الرجحان ، فنقول هذا باطل ، لأن ذات النفس كما أنها ~~قابلة لهذه الإرادة ، فكذلك ذات العقل قابلة لإرادة مضادة لتلك الإرادة ، ~~فيمتنع كون جوهر النفس سببا لتلك الإرادة ، فثبت أن حصول الهداية لا بد لها ~~من فاعل ومن قابل أما الفاعل : فيمتنع أن يكون هو النفس ، بل الفاعل هو ~~الله تعالى وأما القابل : فهو جوهر النفس ، فلهذا السبب قال : { أولئك ~~الذين هداهم الله وأولئك هم * أولوا الالباب } ثم قال : { أفمن حق عليه ~~كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فى النار } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في لفظ الآية سؤال وهو أنه يقال إنه قال : { أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب } ولا يصح في الكلام العربي أن يدخل حرف الاستفهام على ~~الإسم وعلى الخبر معا ، فلا يقال أزيد أتقتله ، بل ههنا شيء آخر ، وهو أنه ~~كما دخل حرف الاستفهام على الشرط وعلى الجزاء ، فكذلك دخل حرف الفاء عليهما ~~معا وهو قوله : { أفمن حق } ، { أفأنت تنقذ } ولأجل هذا السؤال اختلف ~~النحويون وذكروا فيه وجوها الأول : قال الكسائي : الآية جملتنا والتقدير ~~أفمن حق عليه كلمة العذاب ، أفأنت تحميه ، أفأنت تنقذ من في النار الثاني : ~~قال صاحب ( الكشاف ) : أصل الكلام أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه ، ~~وهي جملة شرطية دخل عليها همزة ms7804 الإنكار والفاء فاء الجزاء ، ثم دخلت الفاء ~~التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه PageV26P228 الخطاب والتقدير أأنت ~~مالك أمرهم ، فمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه ، والهمزة الثانية هي ~~الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد ، ووضع من في النار موضع ~~الضمير ، والآية على هذا جملة واحدة الثالث : لا يبعد أن يقال إن حرف ~~الاستفهام إنما ورد ههنا لإفادة معنى الإنكار ، ولما كان استنكاره هذا / ~~المعنى كاملا تاما . لا جرم ذكر هذا الحرف في الشرط وأعاده في الجزاء ~~تنبيها على المبالغة التامة في ذلك الإنكار . # المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال / ~~وذلك لأنه تعالى قال : { أفمن حق عليه كلمة العذاب } فإذا حقت كلمة العذاب ~~عليه امتنع منه فعل الإيمان والطاعة ، وإلا لزم انقلاب خبر الله الصدق كذبا ~~، وانقلاب علمه جهلا وهو محال والوجه الثاني : في الاستدلال بالآية أنه ~~تعالى حكم بأن حقية كلمة العذاب توجب الإستنكار التام من صدور الإيمان ~~والطاعة عنه ، ولو كان ذلك ممكنا ولم تكن حقيقة كلمة العذاب مانعة منه لم ~~يبق لهذا الاستنكار والاستبعاد معنى . # المسألة الثالثة : احتج القاضي بهذه الآية على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يشفع لأهل الكبائر ، قال لأنه حق عليهم العذاب فتلك الشفاعة تكون ~~جارية مجرى إنقاذهم من النار ، وأن الله تعالى حكم عليهم بالإنكار ~~والإستبعاد ، فيقال له لا نسلم أن أهل الكبائر قد حق عليهم العذاب وكيف يحق ~~العذاب عليهم مع أن الله تعالى قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) ومع قوله : { إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا } ( الزمر : 53 ) والله أعلم . # النوع الثاني : من الأشياء التي وعدها الله هؤلاء الذين اجتنبوا وأنابوا ~~قوله تعالى : { لاكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية } وهذا ~~كالمقابل لما ذكر في وصف الكفار { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ~~} ( الزمر : 16 ) فإن قيل ما معنى قوله { مبنية } ؟ قلنا لأن المنزل إذا ~~بنى على منزل ms7805 آخر تحته كان الفوقاني أضعف بناء من التحتاني فقوله : { مبنية ~~} معناه أنه وإن كان فوق غيره لكنه في القوة والشدة مساو للمنزل الأسفل ، ~~والحاصل أن المنزل الفوقاني والتحتاني حصل في كل واحد منهما فضيلة ومنقصة ، ~~أما الفوقاني ففضيلته العلو والارتفاع ونقصانه الرخاوة والسخافة ، وأما ~~التحتاني فبالضد منه ، أما منازل الجنة فإنها تكون مستجمعة لكل الفضائل وهي ~~عالية مرتفعة وتكون في غاية القوة والشدة ، وقال حكماء الإسلام هذه الغرف ~~المبنية بعضها فوق البعض ، مثاله من الأحوال النفسانية العلوم الكسبية فإن ~~بعضها يكون مبنيا على البعض والنتائج الآخرة التي هي عبارة عن معرفة ذات ~~الله وصفاته تكون في غاية القوة بل تكون في القوة والشدة كالعلوم الأصلية ~~البديهية . # ثم قال : { تجرى من تحتها الانهار } وذلك معلوم ، ثم ختم الكلام فقال : { ~~وعد الله لا يخلف الله الميعاد } فقوله : { وعد الله } مصدر مؤكد لأن قوله ~~{ لهم غرف } في معنى وعدهم الله ذلك وفي الآية دقيقة شريفة ، وهي أنه تعالى ~~في كثير من آيات الوعد صرح بأن هذا وعد الله وأنه لا يخلف وعده ولم يذكر في ~~آيات الوعيد ألبتة مثل هذا التأكيد والتقوية ، وذلك يدل على أن جانب الوعد ~~أرجح من جانب الوعيد بخلاف ما يقوله المعتزلة ، فإن قالوا أليس أنه قال في ~~جانب الوعيد { ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد } قلنا قوله ما يبدل ~~القول لدي ليس تصريحا بجانب الوعيد بل هو كلام عام يتناول القسمين أعني ~~الوعد والوعيد ، فثبت أن الترجيح الذي ذكرناه حق والله أعلم . # PageV26P229 ! 7 < { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ينابيع فى ~~الا رض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما ~~إن فى ذلك لذكرى لا ولى الا لباب } . > 7 ! # < < # | الزمر : ( 21 ) ألم تر أن . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة العظيمة الأول ~~الألباب فيها وصف الدنيا بصفة توجب اشتداد النفرة عنها ، وذلك أنه تعالى ~~بين أنه أنزل من السماء ماء وهو المطر وقيل كل ms7806 ما كان في الأرض فهو من ~~السماء ، ثم إنه تعالى ينزله إلى بعض المواضع ثم يقسمه فيسلكه ينابيع في ~~الأرض ، أي فيدخله وينظمه ينابيع في الأرض عيونا ، ومسالك ومجاري كالعروق ~~في الأجسام ، يخرج به زرعا مختلفا ألوانه من خضرة وحمرة وصفرة وبياض وغير ~~ذلك ، أو مختلفا أصنافه من بر وشعير وسمسم ثم يهيج ، وذلك لأنه إذا تم ~~جفافه جاز له أن ينفصل عن منابته ، وإن لم تتفرق أجزاؤه ، فتلك الأجزاء ~~كأنها هاجت لأن تتفرق ثم يصير حطاما يابسا { إن فى ذلك لذكرى } يعني أن من ~~شاهد هذه الأحوال في النبات علم أن أحوال الحيوان والإنسان كذلك وأنه وإن ~~طال عمره فلا بد له من الانتهاء إلى أن يصير مصفر اللون منحطم الأعضاء ~~والأجزاء ، ثم تكون عاقبته الموت . فإذا كانت مشاهدة هذه الأحوال في النبات ~~تذكره حصول مثل هذه الأحوال في نفسه وفي حياته ، فحينئذ تعظم نفرته في ~~الدنيا وطيباتها . والحاصل أنه تعالى في الآيات المتقدمة ذكر ما يقوى ~~الرغبة في الآخرة ، وذكر في هذه الآية ما يقوي النفرة عن الدنيا ، فشرح ~~صفات القيامة يقوي الرغبة في طاعة الله ، وشرح صفات الدنيا يقوي النفرة عن ~~الدنيا ، وإنما قدم الترغيب في الآخرة على التنفير عن الدنيا ، لأن الترغيب ~~في الآخرة مقصود بالذات ، والتنفير عن الدنيا مقصود بالعرض ، والمقصود ~~بالذات مقدم على المقصود بالعرض ، فهذا تمام الكلام في تفسير الآية ، بقي ~~ههنا ما يتعلق بالبحث عن الألفاظ ، قال الواحدي : والينابيع جمع ينبوع وهو ~~يفعول من نبع ينبع يقال نبع الماء ينبع وينبع وينبع ثلاث لغات ذكرها ~~الكسائي والفراء ، وقوله { ينابيع } نصب بحذف الخافض لأن التقدير فسلكه في ~~ينابيع ثم يهيج أي يخضر ، والحطام ما يجف ويتفتت ويكسر من النبت . # ! 7 < { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله أولائك فى ضلال مبين * الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله ذلك هدى الله ms7807 يهدى به من يشآء ومن يضلل الله فما له من هاد * أفمن ~~يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظلمين ذوقوا ما كنتم تكسبون * ~~كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون * فأذاقهم الله الخزى ~~فى الحيواة الدنيا ولعذاب الا خرة أكبر لو كانوا يعلمون * ولقد ضربنا للناس ~~فى هاذا القرءان من كل مثل لعلهم يتذكرون * قرءانا عربيا غير ذى عوج لعلهم ~~يتقون } . > 7 @QB@ < # | الزمر : ( 22 ) أفمن شرح الله . . . . . # > > PageV26P230 # / وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير البيانات الدالة على ~~وجوب الإقبال على طاعة الله تعالى ووجوب الإعراض عن الدنيا بين بعد ذلك أن ~~الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا إذا شرح الله الصدور ونور القلوب فقال ~~: { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } . # واعلم أنا بالغنا في سورة الأنعام في تفسير قوله : { فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره للإسلام } ( الأنعام : 125 ) / في تفسير شرح الصدر وفي ~~تفسير الهداية ، ولا بأس بإعادة كلام قليل ههنا ، فنقول إنه تعالى خلق ~~جواهر النفوس مختلفة بالماهية فبعضها خيرة نورانية شريفة مائلة إلى ~~الإلهيات عظيمة الرغبة في الاتصال بالروحانيات ، وبعضها نذلة كدرة خسيسة ~~مائلة إلى الجسمانيات وفي هذا التفاوت أمر حاصل في جواهر النفوس البشرية ، ~~والاستقراء يدل على أن الأمر كذلك ، إذا عرفت هذا فنقول المراد بشرح الصدر ~~هو ذلك الاستعداد الشديد الموجود في فطرة النفس ، وإذا كان ذلك الاستعداد ~~الشديد حاصلا كفى خروج تلك الحالة من القوة إلى الفعل بأدنى سبب ، مثل ~~الكبريت الذي يشتعل بأدنى نار ، أما إذا كانت النفس بعيدة عن قبول هذه ~~الجلايا القدسية والأحوال الروحانية ، بل كانت مستغرقة في طلب الجسمانيات ~~قليلة التأثر عن الأحوال المناسبة للالهيات فكانت قاسية كدرة ظلمانية ، ~~وكلما كان إيراد الدلائل اليقينية والبراهين الباهرة عليها أكثر كانت ~~قسوتها وظلمتها أقل . إذا عرفت هذه القاعدة فنقول . أما شرح الصدر فهو ما ~~ذكرناه ، وأما النور فهو عبارة عن الهداية والمعرفة ، وما لم يحصل شرح ~~الصدر أولا لم يحصل ms7808 النور ثانيا ، وإذا كان الحاصل هو القوة النفسانية لم ~~يحصل الانتفاع ألبتة بسماع الدلائل ، وربما صار سماع الدلائل سببا لزيادة ~~القسوة ولشدة النفرة فهذه أصول يقينية يجب أن تكون معلومة عند الإنسان حتى ~~يمكنه الوقوف على معاني هذه الآيات ، أما استدلال أصحابنا في مسألة الجبر ~~والقدر وكلام الخصوم عليه فقد تقدم هناك والله أعلم . # المسألة الثانية : من محذوف الخبر كما في قوله : { أمن هو قانت } ( الزمر ~~: 9 ) والتقدير : أفمن شرح الله صدره للإسلام فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم ~~يهتد لقسوته ، والجواب متروك لأن الكلام المذكور دل عليه وهو قوله تعالى : ~~{ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } . PageV26P231 # المسألة الثالثة : قوله : { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } فيه سؤال ~~، وهو أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية وزيادة الإطمئنان كما قال : { ~~ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) فكيف جعله في هذه الآية سببا ~~لحصول قسوة القلب ، والجواب أن نقول إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة ~~العنصر بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية ~~والأخلاق الذميمة ، فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة وكدورة ، وتقرير هذا ~~الكلام بالأمثلة فإن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل كنور ~~الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه ، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح ، ~~وقد نرى إنسانا واحدا يذكر كلاما واحدا في مجلس واحد فيستطيبه واحد ~~ويستكرهه غيره ، وما ذاك إلا ما ذكرناه من اختلاف جواهر النفوس ، ومن ~~اختلاف أحوال تلك النفوس ، ولما نزل قوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين } وكان قد حضر هناك عمر بن الخطاب وإنسان آخر فلما انتهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى { ثم خلقنا النطفة علقة } قال كل ~~واحد منهم { فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 12 14 ) فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم / ( اكتب فهكذا أنزلت ) فازداد عمر إيمانا على ~~إيمان وازداد ذلك الإنسان كفرا على كفر ، إذا عرفت هذا لم يبعد أيضا أن ~~يكون ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان في ms7809 النفوس الطاهرة الروحانية ~~، ويوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية ، إذا عرفت هذا ~~فنقول إن رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ورئيسها هو ذكر الله تعالى ~~، فإذا اتفق لبعض النفوس أن صار ذكر الله تعالى سببا لازدياد مرضها كان مرض ~~تلك النفس مرضا لا يرجى زواله ولا يتوقع علاجه وكانت في نهاية الشر ~~والرداءة ، فلهذا المعنى قال تعالى : { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ~~أولئك فى ضلال مبين } وهذا كلام كامل محقق ، ولما بين تعالى ذلك أردفه بما ~~يدل على أن القرآن سبب لحصول النور والشفاء والهداية وزيادة الاطمئنان ، ~~والمقصود منه بيان أن القرآن لما كان موصوفا بهذه الصفات ، ثم إنه في حق ~~ذلك الإنسان صار سببا لمزيد القسوة دل ذلك على أن جوهر تلك النفس قد بلغ في ~~الرداءة والخساسة إلى أقصى الغايات ، فنقول إنه تعالى وصف القرآن بأنواع من ~~صفات الكمال . # الصفة الأولى : قوله تعالى : { الله نزل أحسن الحديث } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه : ~~الأول : أنه تعالى وصفه بكونه حديثا في هذه الآيات وفي آيات أخرى منها قوله ~~تعالى : { فليأتوا بحديث مثله } ( الطور : 34 ) ومنها قوله تعالى : { ~~أفبهاذا الحديث أنتم مدهنون } ( الواقعة : 81 ) والحديث لا بد وأن يكون ~~حادثا ، قالوا بل الحديث أقوى في الدلالة على الحدوث من الحادث لأنه يصح أن ~~يقال هذا حديث وليس بعتيق ، وهذا عتيق وليس بحادث ، فثبت أن الحديث هو الذي ~~يكون قريب العهد بالحديث ، وسمي الحديث حديثا لأنه مؤلف من الحروف والكلمات ~~، وتلك الحروف والكلمات تحدث حالا فحالا وساعة فساعة ، فهذا تمام تقرير هذا ~~الوجه . # أما الوجه الثاني : في بيان استدلال القوم أن قالوا : إنه تعالى وصفه ~~بأنه نزله والمنزل يكون في محل تصرف الغير . وما يكون كذلك فهو محدث وحادث ~~. # وأما الوجه الثالث : في بيان استدلال القوم أن قالوا : إن قوله أحسن ~~الحديث يقتضي أن يكون هو من جنس سائر الأحاديث كما أن قوله زيد أفضل الإخوة ~~يقتضي أن يكون زيد مشاركا ms7810 لأولئك الأقوام في صفة PageV26P232 الأخوة ويكون ~~من جنسهم / فثبت أن القرآن من جنس سائر الأحاديث ، ولما كان سائر الأحاديث ~~حادثة وجب أيضا أن يكون القرآن حادثا . # أما الوجه الرابع : في الاستدلال أن قالوا : إنه تعالى وصفه بكونه كتابا ~~والكتاب مشتق من الكتبة وهي الاجتماع ، وهذا يدل على أنه مجموع جامع ومحل ~~تصرف متصرف . وذلك يدل على كونه محدثا والجواب : أن نقول نحمل هذا الدليل ~~على الكلام المؤلف من الحروف والأصوات والألفاظ والعبارات ، وذلك الكلام ~~عندنا محدث مخلوق والله أعلم . # / المسألة الثانية : كون القرآن أحسن الحديث ، إما أن يكون أحسن الحديث ~~بحسب لفظه أو بحسب معناه . # القسم الأول : أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه وذلك من وجهين : الأول : أن ~~يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة الثاني : أن يكون بحسب النظم في ~~الأسلوب ، وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر ، ولا من جنس الخطب . ولا من ~~جنس الرسائل ، بل هو نوع يخالف الكل ، مع أن كل ذي طبع سليم يستطيبه ~~ويستلذه . # القسم الثاني : أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى ، وفيه وجوه : ~~الأول : أنه كتاب منزه عن التناقض ، كما قال تعالى : { ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء : 82 ) ومثل هذا الكتاب إذا خلا ~~عن التناقض كان ذلك من المعجزات الوجه الثاني : اشتماله على الغيوب الكثيرة ~~في الماضي والمستقبل الوجه الثالث : أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جدا . # وضبط هذه العلوم أن نقول : العلوم النافعة هي ما ذكره الله في كتابه في ~~قوله : { والمؤمنون كل ءامن بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من ~~رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك } ( البقرة : 285 ) فهذا أحسن ~~ضبط يمكن ذكره للعلوم النافعة . # أما القسم الأول : وهو الإيمان بالله ، فاعلم أنه يشتمل على خمسة أقسام : ~~معرفة الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء . أما معرفة الذات فهي أن ~~يعلم وجود الله وقدمه وبقاءه . وأما معرفة الصفات فهي نوعان : # أحدهما : ما يجب تنزيهه عنه ، وهو كونه جوهرا ومركبا من الأعضاء والأجزاء ~~وكونه مختصا بحيز ms7811 وجهة ، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة ~~: ليس ولم وما ولا ، وهذه الأربعة المذكورة ، مذكورة في كتاب الله تعالى ~~لبيان التنزيه . # أما كلمة ليس ، فقوله : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) وأما كلمة لم ~~، فقوله : { لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد } ( الإخلاص : 3 ، 4 ) ~~وأما كلمة ما ، فقوله : { وما كان ربك نسيا } ( مريم : 64 ) ، { ما كان لله ~~أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) وأما كلمة لا ، فقوله تعالى : { لا تأخذه ~~سنة ولا نوم } ( البقرة : 255 ) ، { وهو يطعم ولا يطعم } ( الأنعام : 14 ) ~~، { وهو يجير ولا يجار عليه } ( المؤمنون : 88 ) ، وقوله في سبعة وثلاثين ~~موضعا من القرآن { لا إلاه إلا الله } ( محمد : 19 ) . PageV26P233 # وأما النوع الثاني : وهي الصفات التي يجب كونه موصوفا بها من القرآن ~~فأولها العلم بالله ، والعلم بكونه محدثا خالقا ، قال تعالى : { الحمد لله ~~الذى خلق * السماوات والارض } ( الأنعام : 1 ) وثانيها : العلم بكونه قادرا ~~، قال تعالى في أول سورة القيامة { بلى قادرين على أن نسوى بنانه } ( ~~القيامة : 4 ) وقال في آخر هذه السورة { أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى ~~} ( القيامة : 40 ) وثالثها : العلم بكونه تعالى عالما ، قال تعالى : { هو ~~الله الذى لا إلاه إلا هو عالم الغيب والشهادة } ( الحشر : 22 ) ورابعها : ~~العلم بكونه عالما بكل المعلومات ، قال تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو } ( الأنعام : 59 ) وقوله تعالى : { الله يعلم ما تحمل كل ~~أنثى } ( الرعد : 8 ) وخامسها : العلم / بكونه حيا ، قال تعالى : { هو الحى ~~لا إلاه إلا هو فادعوه مخلصين له الدين } ( غافر : 65 ) وسادسها : العلم ~~بكونه مريدا ، قال الله تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~} ( الأنعام : 125 ) وسابعها : كونه سميعا بصيرا ، قال تعالى : { وهو ~~السميع البصير } ( الشورى : 11 ) وقال تعالى : { إننى معكما أسمع وأرى } ( ~~طه : 46 ) ى وثامنها : كونه متكلما ، قال تعالى : { ولو أنما فى الارض من ~~شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } ( لقمان : ~~27 ) وتاسعها : كونه أمرا ، قال تعالى : { لله الامر من ms7812 قبل ومن بعد } ( ~~الروم : 4 ) وعاشرها : كونه رحمانا رحيما مالكا ، قال تعالى : { الرحمان ~~الرحيم * مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 3 ، 4 ) فهذا ما يتعلق بمعرفة ~~الصفات التي يجب اتصافه بها . # وأما القسم الثالث : وهو الأفعال ، فاعلم أن الأفعال إما أرواح وإما ~~أجسام . أما الأرواح فلا سبيل للوقوف عليها إلا للقليل ، كما قال تعالى : { ~~وما يعلم جنود ربك إلا هو } ( المدثر : 31 ) وأما الأجسام ، فهي إما العالم ~~الأعلى وإما العالم الأسفل . أما العالم الأعلى فالبحث فيه من وجوه أحدها : ~~البحث عن أحوال السموات ، و ثانيها : البحث عن أحوال الشمس والقمر كما قال ~~تعالى : { إن ربكم الله الذى خلق * السماوات والارض * في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يغشى إن ربكم الله الذى خلق السماوات والارض في ستة } ( الأعراف ~~: 54 ) و ثالثها : البحث عن أحوال الأضواء ، قال الله تعالى : { الله نور * ~~السماوات والارض } ( النور : 35 ) وقال تعالى : { هو الذى جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا } ( يونس : 5 ) و رابعها : البحث عن أحوال الظلال ، قال الله ~~تعالى : { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا } ( الفرقان : ~~45 ) و خامسها : اختلاف الليل والنهار ، قال الله تعالى : { يكور اليل على ~~النهار ويكور النهار على اليل } ( الزمر : 50 ) و سادسها : منافع الكواكب ، ~~قال تعالى : { وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر } ~~( الأنعام : 97 ) و سابعها : صفات الجنة ، قال تعالى : { وجنة عرضها كعرض ~~السماء والارض } ( الحديد : 21 ) و ثامنها : صفات النار ، قال تعالى : { ~~لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم } ( الحجر : 44 ) و تاسعها : صفة ~~العرش ، قال تعالى : { الذين يحملون العرش ومن حوله } ( غافر : 7 ) و ~~عاشرها : صفة الكرسي ، قال تعالى : { وسع كرسيه السماوات والارض } ( البقرة ~~: 255 ) و حادي عشرها : صفة اللوح والقلم . أما اللوح ، فقوله تعالى : { بل ~~هو قرءان مجيد * فى لوح محفوظ } ( البروج : 21 ، 22 ) وأما القلم ، فقوله ~~تعالى : { ن والقلم وما يسطرون } ( القلم : 1 ) . # وأما شرح أحوال العالم الأسفل فأولها : الأرض ، وقد وصفها بصفات كثيرة ~~إحداها : كونه مهدا ms7813 ، قال تعالى : { الذى جعل لكم الارض مهدا } ( طه : 53 ) ~~و ثانيها : كونه مهادا ، قال تعالى : { ألم نجعل الارض مهادا } PageV26P234 ~~( النبأ : 6 ) و ثالثها : كونه كفاتا ، قال تعالى : { كفاتا * أحياء ~~وأمواتا } ( المرسلات : 24 ، 25 ) و رابعها : الذلول ، قال تعالى : { هو ~~الذى جعل لكم الارض ذلولا } ( الملك : 15 ) و خامسها : كونه بساطا ، قال ~~تعالى : { والله جعل لكم الارض بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا } ( نوح : ~~19 ، 20 ) والكلام فيه طويل و ثانيها : البحر ، قال تعالى : { وهو الذى سخر ~~البحر لتأكلوا منه لحما طريا } ( النحل : 14 ) و ثالثها : الهواء والرياح . ~~قال تعالى : / { وهو الذى يرسل الرياح * بشرا بين * يدى رحمته } ( الأعراف ~~: 57 ) وقال تعالى : { وأرسلنا الرياح لواقح } ( الحجر : 22 ) و رابعها : ~~الآثار العلوية كالرعد والبرق ، قال تعالى : { ويسبح الرعد بحمده والملائكة ~~من خيفته } ( الرعد : 13 ) وقال تعالى : { فترى الودق يخرج من خلاله } ومن ~~هذا الباب ذكر الصواعق والأمطار وتراكم السحاب و خامسها : أحوال الأشجار ~~والثمار وأنواعها وأصنافها ، و سادسها : أحوال الحيوانات ، قال تعالى : { ~~وبث فيها من كل دابة } ( البقرة : 164 ) وقال : { والانعام خلقها لكم } ( ~~النحل : 5 ) و سابعها : عجائب تكوين الإنسان في أول الخلقة ، قال : { ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون : 12 ) و ثامنها : العجائب في ~~سمعه وبصره ولسانه وعقله وفهمه و تاسعها : تواريخ الأنبياء والملوك وأحوال ~~الناس من أول خلق العالم إلى آخر قيام القيامة ، و عاشرها ذكر أحوال الناس ~~عند الموت وبعد الموت ، وكيفية البعث والقيامة ، وشرح أحوال السعداء ~~والأشقياء ، فقد أشرنا إلى عشرة أنواع من العلوم في عالم السموات ، وإلى ~~عشرة أخرى في عالم العناصر ، والقرآن مشتمل على شرح هذه الأنواع من العلوم ~~العالية الرفيعة . # وأما القسم الرابع : وهو شرح أحكام الله تعالى وتكاليفه ، فنقول هذه ~~التكاليف إما أن تحصل في أعمال القلوب أو في أعمال الجوارح . # أما القسم الأول : فهو المسمى بعلم الأخلاق وبيان تمييز الأخلاق الفاضلة ~~والأخلاق الفاسدة والقرآن يشتمل على كل ما لا بد منه في هذا الباب ، قال ~~الله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان ms7814 وإيتآء ذى القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغى } ( النحل : 90 ) ، وقال : { خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) . # وأما الثاني : فهو التكاليف الحاصلة في أعمال الجوارح وهو المسمى بعلم ~~الفقه والقرآن مشتمل على جملة أصول هذا العلم على أكمل الوجوه . # وأما القسم الخامس : وهو معرفة أسماء الله تعالى فهو مذكور في قوله تعالى ~~: { ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها } ( الأعراف : 180 ) فهذا كله يتعلق ~~بمعرفة الله . # وأما القسم الثاني : من الأصول المعتبرة في الإيمان الإقرار بالملائكة ~~كما قال تعالى : { والمؤمنون كل ءامن بالله وملئكته } ( البقرة : 285 ) ~~والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال وأخرى على طريق ~~التفصيل ، أما بالإجمال فقوله : { وملئكته } وأما بالتفصيل فمنها ما يدل ~~على كونهم رسل الله قال تعالى : { جاعل الملائكة رسلا } ( فاطر : 1 ) ومنها ~~أنها مدبرات لهذا العالم ، قال تعالى : { فالمقسمات أمرا } ( الذاريات : 4 ~~) { فالمدبرات أمرا } ( النازعات : 5 ) وقال تعالى : { والصافات صفا } ( ~~الصافات : 1 ) ومنها حملة العرش قال : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ~~} ( الحاقة : 17 ) ومنها الحافون حول العرش قال : { وترى الملائكة حافين من ~~حول العرش } PageV26P235 ( الزمر : 75 ) ومنها خزنة النار قال تعالى : { ~~عليها ملئكة غلاظ شداد } ( التحريم : 6 ) ومنها الكرام الكاتبون قال : { ~~وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين } ( الانفطار : 10 ، 11 ) ومنها المعقبات ~~قال تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه } ( الرعد : 11 ) وقد يتصل ~~بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين . # / وأما القسم الثالث : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الكتب ~~والقرآن يشتمل على شرح أحوال كتاب آدم عليه السلام قال تعالى : { فتلقىءادم ~~من ربه كلمات } ( البقرة : 37 ) ومنها أحوال صحف إبراهيم عليه السلام قال ~~تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن } ( البقرة : 124 ) ومنها ~~أحوال التوراة والإنجيل والزبور . # وأما القسم الرابع : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الرسل والله ~~تعالى قد شرح أحوال البعض وأبهم أحوال الباقين قال : { منهم من قصصنا عليك ~~ومنهم من لم نقصص عليك } ( غافر : 78 ) . # القسم الخامس : ما يتعلق بأحوال المكلفين وهي على نوعين الأول : أن يقروا ms7815 ~~بوجوب هذه التكاليف عليهم وهو المراد من قوله : { وقالوا سمعنا وأطعنا } ، ~~الثاني : أن يعترفوا بصدور التقصير عنهم في تلك الأعمال ثم طلبوا المغفرة ~~وهو المراد من قوله : { غفرانك ربنا } ثم لما كانت مقادير رؤية التقصير في ~~مواقف العبودية بحسب المكاشفات في مطالعة عزة الربوبية أكثر ، كانت ~~المكاشفات في تقصير العبودية أكثر وكان قوله : { غفرانك ربنا } أكثر . # القسم السادس : معرفة المعاد والبعث والقيامة وهو المراد من قوله : { ~~وإليك المصير } ( البقرة : 285 ) وهذا هو الإشارة إلى معرفة المطالب المهمة ~~في طلب الدين ، والقرآن بحر لا نهاية له في تقرير هذه المطالب وتعريفها ~~وشرحها ولا ترى في مشارق الأرض ومغاربها كتابا يشتمل على جملة هذه العلوم ~~كما يشتمل القرآن عليها . ومن تأمل في هذا التفسير علم أنا لم نذكر من بحار ~~فضائل القرآن إلا قطرة ، ولما كان الأمر على هذه الجملة ، لا جرم مدح الله ~~عز وجل القرآن فقال تعالى : { الله نزل أحسن الحديث } ( الزمر : 23 ) والله ~~أعلم . # الصفة الثانية : من صفات القرآن قوله تعالى : { كتابا متشابها } ( الزمر ~~: 23 ) أما الكتاب فقد فسرناه في قوله تعالى : { ذالك الكتاب لا ريب فيه } ~~( البقرة : 2 ) وأما كونه متشابها فاعلم أن هذه الآية تدل على أن القرآن ~~كله متشابه . وقوله : { هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات } ( آل عمران : 7 ) يدل على كون البعض متشابها دون ~~البعض . وأما كونه كله متشابها كما في هذه الآية ، فقال ابن عباس : معناه ~~أنه يشبه بعضه بعضا ، وأقول هذا التشابه يحصل في أمور أحدها : أن الكاتب ~~البليغ إذا كتب كتابا طويلا ، فإنه يكون بعض كلماته فصيحا ، ويكون البعض ~~غير فصيح ، والقرآن يخالف ذلك فإنه فصيح كامل الفصاحة بجميع أجزائه وثانيها ~~: أن الفصيح إذا كتب كتابا في واقعة بألفاظ فصيحة فلو كتب كتابا آخر في غير ~~تلك الواقعة كان الغالب أن كلامه في الكتاب الثاني غير كلامه في الكتاب ~~الأول ، والله تعالى حكى قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من القرآن ~~وكلها متساوية متشابهة ms7816 في الفصاحة وثالثها : أن كل ما فيه من الآيات ~~والبيانات فإنه يقوي بعضها بعضا ويؤكد بعضها بعضا ورابعها : أن هذه الأنواع ~~الكثيرة من العلوم التي عددناها متشابهة متشاركة في أن المقصود منها بأسرها ~~الدعوة إلى / الدين وتقرير عظمة الله ، ولذلك فإنك لا ترى قصة من القصص إلا ~~ويكون محصلها المقصود الذي ذكرناه ، فهذا هو المراد من كونه متشابها ، ~~والله الهادي . PageV26P236 # الصفة الثالثة : من صفات القرآن كونه { مثاني } ( الزمر : 23 ) وقد ~~بالغنا في تفسير هذه اللفظة عند قوله تعالى : { ولقد ءاتيناك سبعا من ~~المثاني } وبالجملة فأكثر الأشياء المذكورة وقعت زوجين زوجين مثل : الأمر ~~والنهي ، والعام والخاص ، والمجمل والمفصل ، وأحوال السموات والأرض ، ~~والجنة والنار ، والظلمة والضوء ، واللوح والقلم ، والملائكة والشياطين ، ~~والعرش والكرسي ، والوعد والوعيد ، والرجاء والخوف ، والمقصود منه بيان أن ~~كل ما سوى الحق زوج ويدل على أن كل شيء مبتلى بضده ونقيضه وأن الفرد الأحد ~~الحق هو الله سبحانه . # الصفة الرابعة : من صفات القرآن قوله : { تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } ( الزمر : 23 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : معنى { تقشعر * جلودهم } تأخذهم قشعريرة وهي تغير يحدث ~~في جلد الإنسان عند الوجل والخوف ، قال المفسرون : والمعنى أنهم عند سماع ~~آيات الرحمة والإحسان يحصل لهم الفرح فتلين قلوبهم إلى ذكر الله ، وأقول إن ~~المحققين من العارفين قالوا : السائرون في مبدأ إجلال الله إن نظروا إلى ~~عالم الجلال طاشوا ، وإن لاح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا ، ويجب علينا أن ~~نذكر في هذا الباب مزيد شرح وتقرير ، فنقول الإنسان إذا تأمل في الدلائل ~~الدالة على أنه يجب تنزيه الله عن التحيز والجهة . فهنا يقشعر جلده ، لأن ~~إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارج ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم ~~، مما يصعب تصوره فههنا تقشعر الجلود ، أما إذا تأمل في الدلائل الدالة على ~~أنه يجب أن يكون فردا أحدا ، وثبت أن كل متحيز فهو منقسم فههنا يلين جلده ~~وقلبه إلى ذكر الله . وأيضا إذا أراد أن يحيط عقله ms7817 بمعنى الأزل فيتقدم في ~~ذهنه بمقدار ألف ألف سنة ثم يتقدم أيضا بحسب كل لحظة من لحظات تلك المدة ~~ألف ألف سنة ، ولا يزال يحتال ويتقدم ويتخيل في الذهن ، فإذا بالغ وتوغل ~~وظن أنه استحضر معنى الأزل قال العقل هذا ليس بشيء ، لأن كل ما استحضرته في ~~فهو متناه والأزل هو الوجود المتقدم على هذه المدة المتناهية ، فههنا يتحير ~~العقل ويقشعر الجلد ، وأما إذا ترك هذا الاعتبار وقال ههنا موجود والموجود ~~إما واجب وإما ممكن ، فإن كان واجبا فهو دائما منزه عن الأول والآخر وإن ~~كان ممكنا فهو محتاج إلى الواجب فيكون أزليا أبديا ، فإذا اعتبر العقل فهم ~~معنى الأزلية فههنا يلين جلده وقلبه إلى ذكر الله ، فثبت أن المقامين ~~المذكورين في الآية لا يجب قصرهما على سماع آية العذاب وآية الرحمة ، بل ~~ذاك أول تلك المراتب وبعده مراتب لا حد لها ولا حصر في حصول تلك الحالتين ~~المذكورتين . # المسألة الثانية : روى الواحدي في ( البسيط ) عن قتادة أنه قال : القرآن ~~دل على أن أولياء / الله موصوفون بأنهم عند المكاشفات والمشاهدات ، تارة ~~تقشعر جلودهم وأخرى تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله . وليس فيه أن عقولهم ~~تزول وأن أعضاءهم تضطرب ، فدل هذا على أن تلك الأحوال لو حصلت لكانت من ~~الشيطان ، وأقول ههنا بحث آخر وهو أن الشيخ أبا حامد الغزالي أورد مسألة في ~~كتاب إحياء علوم الدين ، وهي أنا نرى كثيرا من الناس يظهر عليه الوجد ~~الشديد التام عند سماع الأبيات المشتملة على شرح الوصل والهجر / وعند سماع ~~الآيات لا يظهر عليه شيء من هذه الأحوال ، ثم إنه سلم هذا المعنى وذكر ~~العذر فيه من وجوه كثيرة ، وأنا أقول : إني خلقت محروما عن هذا المعنى ، ~~فإني كلما تأملت في أسرار القرآن اقشعر PageV26P237 جلدي وقف على شعري ~~وحصلت في قلبي دهشة وروعة ، وكلما سمعت تلك الأشعار غلب الهزل علي وما وجدت ~~ألبتة في نفسي منها أثرا ، وأظن أن المنهج القويم والصراط المستقيم هو هذا ~~، وبيانه من وجوه الأول : أن تلك الأشعار كلمات ms7818 مشتملة على وصل وهجر وبغض ~~وحب تليق بالخلق ، وإثباته في حق الله تعالى كفر ، وأما الانتقال من تلك ~~الأحوال إلى معان لائقة بجلال الله فلا يصل إليها إلا العلماء الراسخون في ~~العلم ، وأما المعاني التي يشتمل عليها القرآن فهي أحوال لائقة بجلال الله ~~، فمن وقف عليها عظم الوله في قلبه ، فإن من كان عنده نور الإيمان وجب أن ~~يعظم اضطرابه عند سماع قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( ~~الأنعام : 59 ) إلى آخر الآية والثاني : وهو أني سمعت بعض المشايخ قال كما ~~أن الكلام له أثر فكذلك صدور ذلك الكلام من القائل المعين له أثر ، لأن قوة ~~نفس القائل تعين على نفاذ الكلام في الروح ، والقائل في القرآن هنا هو الله ~~بواسطة جبريل بتبليغ الرسول المعصوم ، والقائل هناك شاعر كذاب مملوء من ~~الشهوة وداعية الفجور والثالث : أن مدار القرآن على الدعوة إلى الحق قال ~~تعالى : { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم * صراط الله الذى له ما فى * ~~السماوات وما في الارض } ( الشورى : 52 ، 53 ) وأما الشعر فمداره على ~~الباطل قال تعالى : { والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم فى كل واد ~~يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون } ( الشعراء : 224 ، 226 ) فهذه الوجوه ~~الثلاثة فروق ظاهرة ، وأما ما يتعلق بالوجدان من النفس فإن كل أحد إنما ~~يخبر عما يجده من نفسه والذي وجدته من النفس والعقل ما ذكرته والله أعلم . # المسألة الثالثة : في بيان ما بقي من المشكلات في هذه الآية ونذكرها في ~~معرض السؤال والجواب . # السؤال الأول : كيف تركيب لفظ القشعريرة الجواب : قال صاحب ( الكشاف ) ~~تركيبه من حروف التقشع وهو الأديم اليابس مضموما إليها حرف رابع وهو الراء ~~ليكون رباعيا ودالا على معنى زائد يقال : اقشعر جلده من الخوف وقف شعره ، ~~وذلك مثل في شدة الخوف . # السؤال الثاني : كيف قال : { تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } وما ~~الوجه في تعديه / بحرف إلى ؟ والجواب : التقدير تلين جلودهم وقلوبهم حال ~~وصولها إلى حضرة الله وهو لا يحس بالإدراك . # السؤال الثالث : لم قال إلى ms7819 ذكر الله ولم يقل إلى ذكر رحمة الله ؟ ~~والجواب : أن من أحب الله لأجل رحمته فهو ما أحب الله ، وإنما أحب شيئا ~~غيره ، وأما من أحب الله لا لشيء سواه فهذا هو المحب المحق وهو الدرجة ~~العالية ، فلهذا السبب لم يقل ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر رحمة الله بل ~~قال إلى ذكر الله ، وقد بين الله تعالى هذا المعنى في قوله تعالى : { فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } ( الأنعام : 125 ) وفي قوله : { ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) وأيضا قال لأمة موسى : { خالدون ~~يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } ( البقرة : 40 ) وقال أيضا ~~لأمة محمد صلى الله عليه وسلم : { فاذكرونى أذكركم } ( البقرة : 152 ) . # السؤال الرابع : لم قال في جانب الخوف قشعريرة الجلود فقط ، وفي جانب ~~الرجاء لين الجلود والقلوب معا ؟ والجواب : لأن المكاشفة في مقام الرجاء ~~أكمل منها في مقام الخوف / لأن الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض ومحل ~~المكاشفات هو القلوب والأرواح والله أعلم . # ثم إنه تعالى لما وصف القرآن بهذه الصفات قال : { ذلك هدى الله يهدى به ~~من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد } PageV26P238 فقوله : { ذالك } إشارة ~~إلى الكتاب وهو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده وهو الذي شرح صدره أولا ~~لقبول هذه الهداية { ومن يضلل الله } أي من جعل قلبه قاسيا مظلما بليد ~~الفهم منافيا لقبول هذه الهداية { فما له من هاد } واستدلال أصحابنا بهذه ~~الآية وسؤالات المعتزلة وجوابات أصحابنا عين ما تقدم في قوله : { فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } ( الأنعام : 125 ) . # أما قوله تعالى : { أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } فاعلم أنه ~~تعالى حكم على القاسية قلوبهم بحكم في الدنيا وبحكم في الآخرة ، أما حكمهم ~~في الدنيا فهو الضلال التام كما قال : { ومن يضلل الله فما له من هاد } ( ~~الرعد : 33 ) وأما حكمهم في الآخرة فهو العذاب الشديد وهو المراد من قوله : ~~{ أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } وتقريره أن أشرف الأعضاء ms7820 هو ~~الوجه لأنه محل الحسن والصباحة ، وهو أيضا صومعة الحواس ، وإنما يتميز بعض ~~الناس عن بعض بسبب الوجه ، وأثر السعادة والشقاوة لا يظهر إلا في الوجه قال ~~تعالى : { وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ~~ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة } ( عبس : 38 42 ) ويقال لمقدم القوم ~~يا وجه العرب ، ويقال للطريق الدال على كنه حال الشيء وجه كذا هو كذا ، ~~فثبت بما ذكرنا أن أشرف الأعضاء هو الوجه ، فإذا وقع الإنسان في نوع من ~~أنواع العذاب فإنه يجعل يده وقاية لوجهه وفداء له ، وإذا عرفت هذا فنقول : ~~إذا كان القادر على الاتقاء يجعل كل ما سوى الوجه فداء للوجه لا جرم حسن ~~جعل الاتقاء بالوجه كناية عن العجز عن الاتقاء ، ونظيره قول النابغة : # % / ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم % % بهن فلول من قراع الكتائب % # أي لا عيب فيهم إلا هذا وهو ليس بعيب فلا عيب فيهم إذن بوجه من الوجوه ، ~~فكذا ههنا لا يقدرون على الاتقاء بوجه من الوجوه إلا بالوجه وهذا ليس ~~باتقاء ، فلا قدرة لهم على الاتقاء ألبتة ، ويقال أيضا إن الذي يلقى في ~~النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه ولا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه ، ~~إذا عرفت هذا فنقول : جوابه محذوف وتقديره أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم ~~القيامة كمن هو آمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره ، وسوء العذاب ~~شدته . # ثم قال تعالى : { وقيل للظلمين ذوقوا ما كنتم تكسبون } ولما بين الله ~~تعالى كيفية عذاب القاسية قلوبهم في الآخرة بين أيضا كيفية وقوعهم في ~~العذاب في الدنيا فقال : { كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون } وهذا تنبيه على حال هؤلاء لأن الفاء في قوله : { فأتاهم العذاب } ~~تدل على أنهم إنما أتاهم العذاب بسبب التكذيب ، فإذا كان التكذيب حاصلا ~~ههنا لزم حصول العذاب استدلالا بالعلة على المعلول ، وقوله : { من حيث لا ~~يشعرون } أي من الجهة التي لا يحسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها ~~، بينما هم ms7821 آمنون إذ أتاهم العذاب من الجهة التي توقعوا الأمن منها ، ولما ~~بين أنه أتاهم العذاب في الدنيا بين أيضا أنه أتاهم الخزي وهو الذل والصغار ~~والهوان / والفائدة في ذكر هذا القيد أن العذاب التام هو أن يحصل فيه الألم ~~مقرونا بالهوان والذل . # ثم قال : { ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون } يعني أن أولئك وإن نزل ~~عليهم العذاب والخزي كما تقدم ذكره ، فالعذاب المدخر لهم في يوم القيامة ~~أكبر وأعظم من ذلك الذي وقع . والمقصود من كل ذلك التخويف والترهيب ، فلما ~~ذكر الله تعالى هذه الفوائد المتكاثرة والنفائس المتوافرة في هذه المطالب ، ~~بين PageV26P239 تعالى أنه بلغت هذه البيانات إلى حد الكمال والتمام فقال : ~~{ ولقد ضربنا للناس فى هاذا القرءان من كل مثل لعلهم يتذكرون } والمقصود ~~ظاهر ، وقالت المعتزلة دلت الآية على أن أفعال الله وأحكامه معللة ، ودلت ~~أيضا على أنه يريد الإيمان والمعرفة من الكل لأن قوله : { ولقد ضربنا للناس ~~} مشعر بالتعليل ، وقوله في آخر الآية : { لعلهم يتذكرون } مشعر بالتعليل ~~أيضا ، ومشعر بأن المقصود من ضرب هذه الأمثال إرادة حصول التذكر والعلم ، ~~ولما كانت هذه البيانات النافعة والبينات الباهرة موجودة في القرآن ، لا ~~جرم وصف القرآن بالمدح والثناء ، فقال : { قرءانا عربيا غير ذى عوج لعلهم ~~يتقون } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه الأول : ~~أن قوله : { ولقد ضربنا للناس فى هاذا القرءان من كل مثل لعلهم يتذكرون } ~~يدل على أنه تعالى إنما ذكر هذه الأمثال ليحصل لهم التذكر ، والشيء الذي ~~يؤتى به لغرض آخر يكون محدثا ، فإن القديم هو الذي يكون موجودا في الأزل ، ~~وهذا يمتنع أن يقال إنه إنما أتى به لغرض كذا وكذا ، / والثاني : أنه وصفه ~~بكونه عربيا وإنما كان عربيا لأن هذه الألفاظ إنما صارت دالة على هذه ~~المعاني بوضع العرب وباصطلاحهم ، وما كان حصوله بسبب أوضاع العرب ~~واصطلاحاتهم كان مخلوقا محدثا الثالث : أنه وصفه بكونه قرآنا والقرآن عبارة ~~عن القراءة والقراءة مصدر والمصدر هو المفعول المطلق فكان فعلا ومفعولا ~~والجواب : أنا نحمل ms7822 كل هذه الوجوه على الحروف والأصوات وهي حادثة ومحدثة . # المسألة الثانية : قال الزجاج قوله : { عربيا } منصوب على الحال والمعنى ~~ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه ويجوز أن ينتصب على المدح ~~. # المسألة الثالثة : أنه تعالى وصفه بصفات ثلاثة أولها : كونه قرآنا ، ~~والمراد كونه متلوا في المحاريب إلى قيام القيامة ، كما قال : { إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) ، وثانيها : كونه عربيا ~~والمراد أنه أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته كما قال : { قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هاذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا } ( الإسراء : 88 ) وثالثها : كونه { غير ذى عوج } والمراد ~~براءته عن التناقض ، كما قال : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا } وأما قوله : { لعلهم يتقون } فالمعتزلة يتمسكون به في ~~تعليل أحكام الله تعالى . # وفيه بحث آخر : وهو أنه تعالى قال في الآية الأولى : { لعلهم يتذكرون } ~~وقال في هذه الآية : { لعلهم يتقون } والسبب فيه أن التذكر متقدم على ~~الاتقاء ، لأنه إذا تذكره وعرفه ووقف على فحواه وأحاط بمعناه ، حصل الاتقاء ~~والاحتراز والله أعلم . # ! 7 < { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ~~يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * إنك ميت وإنهم ميتون * ثم ~~إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون * فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب ~~بالصدق إذ جآءه أليس فى جهنم مثوى للكافرين } . > 7 @QB@ < # | الزمر : ( 29 ) ضرب الله مثلا . . . . . # > > PageV26P240 # اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح وعيد الكفار أردفه بذكر مثل ما يدل على ~~فساد مذهبهم وقبح طريقتهم فقال : { ضرب الله مثلا } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : المتشاكسون المختلفون العسرون يقال شكس يشكس شكوسا ~~وشكسا إذا عسر ، وهو رجل شكس ، أي عسر وتشاكس إذا تعاسر ، قال الليث : ~~التشاكس التنازع والاختلاف ، ويقال الليل والنهار متشاكسان ، أي أنهما ~~متضادان إذا جاء أحدهما ذهب الآخر ، وقوله فيه صلة شركاء كما تقول اشتركوا ~~فيه . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو سالما بالألف وكسر اللام ms7823 يقال ~~سلم فهو سالم والباقون سلما بفتح السين واللام بغير الألف ، ويقال أيضا ~~بفتح السين وكسرها مع سكون العين أما من قرأ سالما فهو اسم الفاعل تقدير ~~مسلم فهو سالم ، وأما سائر القراءات فهي مصادر سلم والمعنى ذا سلامة ، ~~وقوله : { لرجل } أي ذا خلوص له من الشركة من قولهم : سلمت له الضيعة ، ~~وقرىء بالرفع على الابتداء أي وهناك رجل سالم لرجل . # المسألة الثالثة : تقدير الكلام : اضرب لقومك مثلا وقل لهم ما يقولون في ~~رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع ، كل واحد منهم ~~يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه في حوائجهم وهو متحير في أمره ، فكلما أرضى ~~أحدهم غضب الباقون ، وإذا احتاج في مهم إليهم فكل واحد منهم يرده إلى الآخر ~~، فهو يبقى متحيرا لا يعرف أيهم أولى بأن يطلب رضاه ، وأيهم يعينه في ~~حاجاته ، فهو بهذا السبب في عذاب دائم وتعب مقيم ، ورجل آخر له مخدوم واحد ~~يخدمه على سبيل الإخلاص ، وذلك المخدوم يعينه على مهماته ، فأي هذين ~~العبدين أحسن حالا وأحمد شأنا ، والمراد تمثيل حال من يثبت آلهة شتى ، فإن ~~أولئك الآلهة تكون متنازعة متغالبة ، كما قال تعالى : { لو كان فيهما الهة ~~إلا الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) وقال : { ولعلا بعضهم على بعض } ( ~~المؤمنون : 91 ) فيبقى ذلك المشرك متحيرا ضالا ، لا يدري أي هؤلاء الآلهة ~~يعبد وعلى ربوبية أيهم يعتمد ، وممن يطلب رزقه ، وممن يلتمس رفقه ، فهمه ~~شفاع ، وقلبه أوزاع . أما من لم يثبت إلا إلها واحدا فهو قائم بما كلفه ~~عارف بما أرضاه وما أسخطه ، فكان حال هذا أقرب إلى الصلاح من حال الأول ، ~~وهذا مثل ضرب في غاية الحسن في تقبيح الشرك وتحسين التوحيد ، فإن قيل : هذا ~~المثال لا ينطبق على عبادة الأصنام لأنها جمادات ، فليس بينها منازعة ولا ~~مشاكسة ، قلنا إن عبدة الأصنام مختلفون منهم من يقول هذه الأصنام تماثيل ~~الكواكب السبعة ، فهم في الحقيقة إنما يعبدون الكواكب السبعة ، ثم إن القوم ~~يثبتون بين هذه الكواكب منازعة ومشاكسة ، ألا ترى أنهم يقولون زحل هو ms7824 النحس ~~الأعظم ، والمشتري هو السعد الأعظم ، ومنهم من يقول هذه الأصنام تماثيل ~~الأرواح الفلكية ، والقائلون بهذا القول زعموا أن كل نوع من أنواع حوادث ~~هذا العالم يتعلق بروح من الأرواح السماوية ، وحينئذ يحصل بين تلك الأرواح ~~منازعة ومشاكسة ، وحينئذ يكون المثل مطابقا ، ومنهم من يقول هذه الأصنام ~~تماثيل الأشخاص من العلماء والزهاد الذين مضوا ، فهم يعبدون هذه التماثيل ~~لتصير أولئك الأشخاص من العلماء والزهاد شفعاء لهم عند الله / والقائلون / ~~بهذا القول تزعم كل طائفة منهم أن المحق هو PageV26P241 ذلك الرجل الذي هو ~~على دينه ، وأن من سواه مبطل ، وعلى هذا التقدير أيضا ينطبق المثال ، فثبت ~~أن هذا المثال مطابق للمقصود . # أما قوله تعالى : { هل يستويان مثلا } فالتقدير هل يستويان صفة ، فقوله : ~~{ مثلا } نصب على التمييز ، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالتاهما ، وإنما ~~اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقرىء مثلين ، ثم قال : { الحمد ~~لله } والمعنى أنه لما بطل القول بإثبات الشركاء والأنداد ، وثبت أنه لا ~~إله إلا هو الواحد الأحد الحق ، ثبت أن الحمد له لا لغيره ، ثم قال بعده : ~~{ بل أكثرهم لا يعلمون } أي لا يعلمون أن الحمد له لا لغيره ، وأن المستحق ~~للعبادة هو الله لا غيره ، وقيل المراد أنه لما سبقت هذه الدلائل الظاهرة ~~والبينات الباهرة ، قال : الحمد لله على حصول هذه البيانات وظهور هذه ~~البينات ، وإن كان أكثر الخلق لم يعرفوها ولم يقفوا عليها ، ولما تمم الله ~~هذه البيانات قال : { إنك ميت وإنهم ميتون } والمراد أن هؤلاء الأقوام وإن ~~لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في ~~الدنيا ، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضا سيموتون ، ثم تحشرون ~~يوم القيامة وتختصمون عند الله تعالى ، والعادل الحق يحكم بينكم فيوصل إلى ~~كل واحد ما هو حقه ، وحينئذ يتميز المحق من المبطل ، والصديق من الزنديق ، ~~فهذا هو المقصود من الآية ، وقوله تعالى : { إنك ميت وإنهم ميتون } أي إنك ~~وإياهم ، وإن كنتم أحياء فإنك وإياهم في أعداد الموتى ، لأن كل ما هو آت ms7825 آت ~~، ثم بين تعالى نوعا آخر من قبائح أفعالهم ، وهو أنهم يكذبون ويضمون إليه ~~أنهم يكذبون القائل المحق . أما أنهم يكذبون ، فهو أنهم أثبتوا لله ولدا ~~وشركاء . وأما أنهم مصرون على تكذيب الصادقين ، فلأنهم يكذبون محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بعد قيام الدلالة القاطعة على كونه صادقا في ادعاء النبوة ، ~~ثم أردفه بالوعيد فقال : { أليس فى جهنم مثوى للكافرين } ومن الناس من تمسك ~~بهذه الآية في تكفير المخالف من أهل القبلة ، وذلك لأن المخالف في المسائل ~~القطعية كلها يكون كاذبا في قوله ، ويكون مكذبا للمذهب الذي هو الحق ، فوجب ~~دخوله تحت هذا الوعيد . # ! 7 < { والذى جآء بالصدق وصدق به أولائك هم المتقون * لهم ما يشآءون عند ~~ربهم ذلك جزآء المحسنين * ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذى كانوا يعملون * أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ~~ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ~~ذى انتقام } . > 7 @QB@ < # | الزمر : ( 33 ) والذي جاء بالصدق . . . . . # > > PageV26P242 # / اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكاذبين والمكذبين للصادقين ذكر عقيبه ~~وعد الصادقين ووعد المصدقين ، ليكون الوعد مقرونا بالوعيد ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { والذى جاء بالصدق وصدق به } تقديره : والذي ~~جاء بالصدق والذي صدق به ، وفيه قولان الأول : أن المراد شخص واحد فالذي ~~جاء بالصدق محمد ، والذي صدق به هو أبو بكر ، وهذا القول مروي عن علي بن ~~أبي طالب عليه السلام وجماعة من المفسرين رضي الله عنهم والثاني : أن ~~المراد منه كل من جاء بالصدق ، فالذي جاء بالصدق الأنبياء ، والذي صدق به ~~الأتباع ، واحتج القائلون بهذا القول بأن الذي جاء بالصدق جماعة وإلا لم ~~يجز أن يقال : { أولئك هم المتقون } . # المسألة الثانية : أن الرسالة لا تتم إلا بأركان أربعة : المرسل والمرسل ~~والرسالة والمرسل إليه ، والمقصود من الإرسال إقدام المرسل إليه على القبول ~~والتصديق ، فأول شخص أتى بالتصديق هو الذي يتم به الإرسال ، وسمعت بعض ~~القاصين من الذي يروى عن النبي صلى الله عليه ms7826 وسلم أنه قال : ( دعوا أبا ~~بكر فإنه من تتمة النبوة ) . # واعلم أنا سواء قلنا المراد بالذي صدق به شخص معين ، أو قلنا المراد منه ~~كل من كان موصوفا بهذه الصفة ، فإن أبا بكر داخل فيه ) . # أما على التقدير الأول : فدخول أبي بكر فيه ظاهر ، وذلك لأن هذا يتناول ~~أسبق الناس إلى التصديق ، وأجمعوا على أن الأسبق الأفضل إما أبو بكر وإما ~~علي ، وحمل هذا اللفظ على أبي بكر أولى ، لأن عليا عليه السلام كان وقت ~~البعثة صغيرا ، فكان كالولد الصغير الذي يكون في البيت ، ومعلوم أن إقدامه ~~على التصديق لا يفيد مزيد قوة وشوكة . أما أبو بكر فإنه كان رجلا كبيرا في ~~السن كبيرا في المنصب ، فإقدامه على التصديق يفيد مزيد قوة وشوكة في ~~الإسلام ، فكان حمل هذا اللفظ إلى أبي بكر أولى . # وأما على التقدير الثاني : فهو أن يكون المراد كل من كان موصوفا بهذه ~~الصفة ، وعلى هذا التقدير يكون أبو بكر داخلا فيه . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء وصدق بالتخفيف أي صدق به ~~الناس ، ولم / يكذبهم يعني أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف ، وقيل ~~صار صادقا به أي بسببه ، لأن القرآن معجزة ، والمعجزة تصديق من الحكيم الذي ~~لا يفعل القبيح فيصير المدعي للرسالة صادقا بسبب تلك المعجزة وقرىء وصدق . # واعلم أنه تعالى أثبت للذي جاء بالصدق وصدق به أحكاما كثيرة . # فالحكم الأول : قوله : { أولئك هم المتقون } وتقريره أن التوحيد والشرك ~~ضدان ، وكلما كان أحد الضدين أشرف وأكمل كان الضد الثاني أخس وأرذل ، ولما ~~كان التوحيد أشرف الأسماء كان الشرك أخس الأشياء ، والآتي بأحد الضدين يكون ~~تاركا للضد الثاني ، فالآتي بالتوحيد الذي هو أفضل الأشياء يكون تاركا ~~للشرك الذي هو أخس الأشياء وأرذلها ، فلهذا المعنى وصف المصدقين بكونهم ~~متقين . # الحكم الثاني : للمصدقين قوله تعالى : { لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء ~~المحسنين } / وهذا PageV26P243 الوعد يدخل فيه كل ما يرغب المكلف فيه ، فإن ~~قيل لا شك أن الكمال محبوب لذاته مرغوب فيه لذاته ، وأهل الجنة لا شك ms7827 أنهم ~~عقلاء فإذا شاهدوا الدرجات العالية التي هي للأنبياء وأكابر الأولياء عرفوا ~~أنها خيرات عالية ودرجات كاملة ، والعلم بالشيء من حيث إنه كمال ، وخير ~~يوجب الميل إليه والرغبة فيه ، وإذا كان كذلك فهم يشاءون حصول تلك الدرجات ~~لأنفسهم فوجب حصولها لهم بحكم هذه الآية ، وأيضا فإن لم يحصل لهم ذلك ~~المراد كانوا في الغصة ووحشة القلب ، وأجيب عنه بأن الله تعالى يزيل الحقد ~~والحسد عن قلوب أهل الآخرة ، وذلك يقتضي أن أحوالهم في الآخرة بخلاف ~~أحوالهم في الدنيا ، ومن الناس من تمسك بهذه الآية في أن المؤمنين يرون ~~الله تعالى يوم القيامة ، قالوا إن الذين يعتقدون أنهم يرون الله تعالى لا ~~شك أنهم داخلون تحت قوله تعالى : { وصدق به } لأنهم صدقوا الأنبياء عليهم ~~السلام ، ثم إن ذلك الشخص يريد رؤية الله تعالى فوجب أن يحصل له ذلك لقوله ~~تعالى : { لهم ما يشاءون عند ربهم } فإن قالوا لا نسلم أن أهل الجنة يشاءون ~~ذلك ، قلنا هذا باطل لأن الرؤية أعظم وجوه التجلي وزوال الحجاب ، ولا شك ~~أنها حالة مطلوبة لكل أحد نظرا إلى هذا الاعتبار ، بل لو ثبت بالدليل كون ~~هذا المطلوب ممتنع الوجود لعينه فإنه يترك طلبه ، لا لأجل عدم المقتضى ~~للطلب ، بل لقيام المانع وهو كونه ممتنعا في نفسه ، فثبت أن هذه الشبهة ~~قائمة والنص يقتضي حصول كل ما أرادوه وشاءوه فوجب حصولها . # واعلم أن قوله : { عند ربهم } لا يفيد العندية بمعنى الجهة والمكان بل ~~بمعنى الصمدية والإخلاص كما في قوله تعالى : { عند مليك مقتدر } ( القمر : ~~55 ) واعلم أن المعتزلة تمسكوا بقوله : { وذالك جزاء المحسنين } على أن هذا ~~الأجر مستحق لهم على إحسانهم في العبادة . # الحكم الثالث : قوله تعالى : { ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا ويجزيهم ~~أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون } فقوله : { لهم ما يشاءون عند ربهم } يدل ~~على حصول الثواب على أكمل الوجوه / وقوله : { ليكفر الله عنهم } يدل على ~~سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ، فقيل المراد أنهم إذا صدقوا الأنبياء ~~عليهم فيما أوتوا فإن الله يكفر عنهم ms7828 أسوأ أعمالهم وهو الكفر السابق على ~~ذلك الإيمان ، ويوصل إليهم أحسن أنواع الثواب ، وقال مقاتل يجزيهم بالمحاسن ~~من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوىء ، واعلم أن مقاتلا كان شيخ المرجئة وهم ~~الذين يقولون لا يضر شيء من المعاصي مع الإيمان ، كما لا ينفع شيء من ~~الطاعات مع الكفر ، واحتج بهذه الآية فقال : إنها تدل على أن من صدق ~~الأنبياء والرسل فإنه تعالى يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا ، ولا جوز حمل هذا ~~الأسوأ على الكفر السابق ، لأن الظاهر من الآية يدل على أن التكفير إنما ~~حصل في حال ما وصفهم الله بالتقوى وهو التقوى من الشرك ، وإذا كان كذلك وجب ~~أن يكون المراد منه الكبائر التي يأتي بها بعد الإيمان ، فتكون هذه الآية ~~تنصيصا على أنه تعالى يكفر عنهم بعد إيمانهم أسوأ ما يأتون به وذلك هو ~~الكبائر . # الحكم الرابع : أنه جرت العادة أن المبطلين يخوفون المحقين بالتخويفات ~~الكثيرة ، فحسم الله مادة هذه الشبهة بقوله تعالى : { أليس الله بكاف عبده ~~} وذكره بلفظ الاستفهام والمراد تقرير ذلك في النفوس والأمر كذلك ، لأنه ~~ثبت أنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات غني عن كل الحاجات فهو ~~تعالى عالم حاجات العباد وقادر على دفعها وإبدالها بالخيرات والراحات ، وهو ~~ليس بخيلا ولا محتاجا PageV26P244 حتى يمنعه بخله وحاجته عن إعطاء ذلك ~~المراد / وإذا ثبت هذا كان الظاهر أنه سبحانه يدفع الآفات ويزيل البليات ~~ويوصل إليه كل المرادات ، فلهذا قال : { أليس الله بكاف عبده } ولما ذكر ~~الله المقدمة رتب عليها النتيجة المطلوبة فقال : { ويخوفونك بالذين من دونه ~~} يعني لما ثبت أن الله كاف عبده كان التخويف بغير الله عبثا وباطلا ، قرأ ~~أكثر القراء عبده بلفظ الواحد وهو اختيار أبي عبيدة لأنه قال له : { ~~ويخوفونك } روي أن قريشا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نخاف أن ~~تخبلك آلهتنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقرأ جماعة : { عباده } بلفظ ~~الجميع قيل المراد بالعباد الأنبياء فإن نوحا كفاه الغرق ، وإبراهيم النار ~~، ويونس بالإنجاء مما وقع له ، فهو تعالى كافيك يا محمد ms7829 كما كفى هؤلاء ~~الرسل قبلك ، وقيل أمم الأنبياء قصدوهم بالسوء لقوله تعالى : { وهمت كل أمة ~~برسولهم } ( غافر : 5 ) وكفاهم الله شر من عاداهم . # واعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الوعيد والوعد والترهيب والترغيب ختم ~~الكلام بخاتمة هي الفصل الحق فقال : { ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن ~~يهد الله فما له من مضل } يعني هذا الفضل لا ينفع والبينات إلا إذا خص الله ~~العبد بالهداية والتوفيق وقوله : { أليس الله بعزيز ذى انتقام } تهديد ~~للكفار . # واعلم أن أصحابنا يتمسكون في مسألة خلق الأعمال وإرادة الكائنات بقوله : ~~{ ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل } والمباحث ~~فيه من الجانبين معلومة والمعتزلة يتمسكون / على صحة مذهبهم في هاتين ~~المسألتين بقوله : { أليس الله بعزيز ذى انتقام } ولو كان الخالق للكفر ~~فيهم هو الله لكان الانتقام والتهديد غير لائق به . # ! 7 < { ولئن سألتهم من خلق السماوات والا رض ليقولن الله قل أفرأيتم ما ~~تدعون من دون الله إن أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل ~~هن ممسكات رحمته قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون * قل ياقوم اعملوا على ~~مكانتكم إنى عامل فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم } ~~. > 7 ! # < < # | الزمر : ( 38 ) ولئن سألتهم من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أطنب في وعيد المشركين وفي وعد الموحدين ، عاد ~~إلى إقامة الدليل على تزييف طريقة عبدة الأصنام ، وبنى هذا التزييف على ~~أصلين : # الأصل الأول : هو أن هؤلاء المشركين مقرون بوجود الإله القادر العالم ~~الحكيم الرحيم وهو المراد بقوله : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ~~ليقولن الله } واعلم أن من الناس من قال إن العلم بوجود الإله القادر ~~الحكيم الرحيم متفق عليه بين جمهور الخلائق لا نزاع بينهم فيه ، وفطرة ~~العقل شاهدة بصحة هذا PageV26P245 العلم فإن من تأمل في عجائب أحوال ~~السموات والأرض وفي عجائب أحوال النبات والحيوان خاصة وفي عجائب بدن ~~الإنسان وما فيه من أنواع الحكم الغريبة والمصالح العجيبة ، علم أنه لا ms7830 بد ~~من الاعتراف بالإله القادر الحكيم الرحيم . # والأصل الثاني : أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر وهو المراد ~~من قوله : { قل أفرايتم ما تدعون من دون الله إن أرادنى الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره أو أرادنى برحمة هل } فثبت أنه لا بد من الإقرار بوجود الإله ~~القادر الحكيم الرحيم ، وثبت أن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخير والشر ، ~~وإذا كان الأمر كذلك كانت عبادة الله كافية ، وكان الاعتماد عليه كافيا وهو ~~المراد من قوله : { قل حسبى الله عليه يتوكل المتوكلون } فإذا ثبت هذا ~~الأصل لم يلتفت العاقل / إلى تخويف المشركين فكان المقصود من هذه الآية هو ~~التنبيه على الجواب عما ذكره الله تعالى قبل هذه الآية وهو قوله تعالى : { ~~ويخوفونك بالذين من دونه } وقرىء : { كاشفات ضره } و { ممسكات رحمته } ( ~~الزمر : 38 ) بالتنوين على الأصل وبالإضافة للتخفيف ، فإن قيل كيف قوله : { ~~كاشفات } و { ممسكات } على التأنيث بعد قوله : { ويخوفونك بالذين من دونه } ~~؟ قلنا المقصود التنبيه على كمال ضعفها فإن الأنوثة مظنة الضعف ولأنهم ~~كانوا يصفونها بالتأنيث ويقولون اللات والعزى ومناة ، ولما أورد الله عليهم ~~هذه الحجة التي لا دفع لها قال بعده على وجه التهديد : { قل ياأهل * قوم * ~~اعملوا على مكانتكم } أي أنتم تعتقدون في أنفسكم أنكم في نهاية القوة ~~والشدة فاجتهدوا في أنواع مكركم وكيدكم ، فإني عامل أيضا في تقرير ديني { ~~فسوف تعلمون } أن العذاب والخزي يصيبني أو يصيبكم والمقصود منه التخويف . # ! 7 < { إنآ أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل ~~فإنما يضل عليها ومآ أنت عليهم بوكيل * الله يتوفى الا نفس حين موتها والتى ~~لم تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الا خرى إلى أجل مسمى ~~إن فى ذلك لايات لقوم يتفكرون * أم اتخذوا من دون الله شفعآء قل أولو كانوا ~~لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والا رض ~~ثم إليه ترجعون } . > 7 @QB@ < # | الزمر : ( 41 - 44 ) إنا أنزلنا عليك . . . . . # > > # في الآية مسائل : PageV26P246 # المسألة ms7831 الأولى : اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظم عليه ~~إصرارهم على الكفر كما قال : { فلعلك باخع نفسك علىءاثارهم إن لم يؤمنوا } ~~( الكهف : 6 ) وقال : { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ~~) وقال تعالى : { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ( فاطر : 8 ) فلما أطنب الله ~~تعالى في هذه الآية في فساد مذاهب المشركين تارة بالدلائل والبينات وتارة ~~بضرب الأمثال وتارة بذكر الوعد والوعيد أردفه بكلام يزيل / ذلك الخوف ~~العظيم عن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : { إنا أنزلنا عليك الكتاب ~~} الكامل الشريف لنفع الناس ولاهتدائهم به وجعلنا إنزاله مقرونا بالحق وهو ~~المعجز الذي يدل على أنه من عند الله فمن اهتدى فنفعه يعود إليه ، ومن ضل ~~فضير ضلاله يعود إليه { وما أنت عليهم بوكيل } والمعنى أنك لست مأمورا بأن ~~تحملهم على الإيمان على سبيل القهر بل القبول وعدمه مفوض إليهم ، وذلك ~~لتسلية الرسول في إصرارهم على الكفر ، ثم بين تعالى أن الهداية والضلال لا ~~يحصلان إلا من الله تعالى ، وذلك لأن الهداية تشبه الحياة واليقظة والضلال ~~يشبه الموت والنوم ، وكما أن الحياة واليقظة وكذلك الموت والنوم لا يحصلان ~~إلا بتخليق الله عز وجل وإيجاده فكذلك الهداية والضلال لا يحصلان إلا من ~~الله تعالى ، ومن عرف هذه الدقيقة فقد عرف سر الله تعالى في القدر ، ومن ~~عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب ، فيصير التنبيه على هذه الدقيقة ~~سببا لزوال ذلك الحزن عن قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا وجه النظم في ~~الآية ، وقيل نظم الآية أنه تعالى ذكر حجة أخرى في إثبات أنه الإله العالم ~~ليدل على أنه بالعبادة أحق من هذه الأصنام . # المسألة الثانية : المقصود من الآية أنه تعالى يتوفى الأنفس عند الموت ~~وعند النوم إلا أنه يمسك الأنفس التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى وهي ~~النائمة إلى أجل مسمى أي إلى وقت ضربه لموتها فقوله تعالى : { الله يتوفى ~~الانفس حين موتها } يعني أنه تعالى يتوفى الأنفس التي يتوفاها عند الموت ~~يمسكها ولا يردها إلى ms7832 البدن وقوله : { ويرسل الاخرى إلى أجل مسمى } يعني أن ~~النفس التي يتوفاها عند النوم يردها إلى البدن عند اليقظة وتبقى هذه الحالة ~~إلى أجل مسمى ، وذلك الأجل هو وقت الموت فهذا تفسير لفظ الآية وهي مطابقة ~~للحقيقة ، ولكن لا بد فيه من مزيد بيان ، فنقول النفس الإنسانية عبارة عن ~~جوهر مشرق روحاني إذا تعلق بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء وهو الحياة ، ~~فنقول إنه في وقت الموت ينقطع تعلقه عن ظاهر هذا البدن وعن باطنه وذلك هو ~~الموت ، وأما في وقت النوم فإنه ينقطع ضوؤه عن ظاهر البدن من بعض الوجوه ~~ولا ينقطع ضوؤه عن باطن البدن / فثبت أن الموت والنوم من جنس واحد إلا أن ~~الموت انقطاع تام كامل والنوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه ، وإذا ثبت هذا ~~ظهر أن القادر العالم الحكيم دبر تعلق جوهر النفس بالبدن على ثلاثة أوجه ~~أحدها : أن يقع ضوء النفس على جميع أجزاء البدن ظاهره وباطنه وذلك اليقظة ~~وثانيها : أن يرتفع ضوء النفس عن ظاهر البدن من بعض الوجوه دون باطنه وذلك ~~هو النوم وثالثها : أن يرتفع ضوء النفس عن البدن بالكلية وهو الموت فثبت أن ~~الموت والنوم يشتركان في كون كل واحد منهما توفيا للنفس ، ثم يمتاز أحدهما ~~عن الآخر بخواص معينة في صفات معينة ، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن ~~صدوره إلا عن القادر العليم الحكيم ، وهو المراد من قوله : { إن فى ذالك ~~لآيات لقوم يتفكرون } ويحتمل أن يكون المراد بهذا أن الدليل يدل على أن ~~الواجب على العاقل أن يعبد إلها موصوفا بهذه القدرة وبهذه الحكمة / وأن لا ~~يعبد الأوثان التي هي جمادات لا شعور لها ولا إدراك ، واعلم أن الكفار ~~أوردوا على هذا الكلام سؤالا ، فقالوا نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد ~~أنها PageV26P247 آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص ~~كانوا عند الله من المقربين ، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر ~~شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى بأن قال : { أم اتخذوا من دون الله ~~شفعاء ms7833 قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون } وتقرير الجواب أن هؤلاء ~~الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام أو من أولئك العلماء ~~والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها والأول : باطل لأن هذه الجمادات ~~وهي الأصنام لا تملك شيئا ولا تعقل شيئا فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها ~~والثاني : باطل لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئا ولا يقدر أحد على ~~الشفاعة إلا بإذن الله ، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك ~~الشفاعة ، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره وهذا هو ~~المراد من قوله تعالى : { قل لله الشفاعة جميعا } ثم بين أنه لا ملك لأحد ~~غير الله بقوله : { له ملك السماوات والارض * ثم إليه ترجعون } ومنهم من ~~تمسك في نفي الشفاعة مطلقا بقوله تعالى : { قل لله الشفاعة جميعا } وهذا ~~ضعيف لأنا نسلم أنه سبحانه ما لم يأذن في الشفاعة لم يقدر أحد على الشفاعة ~~، فإن قيل قوله : { الله يتوفى الانفس حين موتها } فيه سؤال لأن هذا يدل ~~على أن المتوفى هو الله فقط ، وتأكد هذا بقوله : { الذى خلق الموت والحيواة ~~} ( الملك : 2 ) وبقوله : { ربي الذى يحى ويميت } ( البقرة : 258 ) وبقوله ~~: { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ( البقرة : 28 ) ثم إن الله ~~تعالى قال في آية أخرى : { قل يتوفاكم ملك الموت } ( السجدة : 11 ) وقال في ~~آية ثالثة : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } وجوابه أن المتوفى في ~~الحقيقة هو الله ، إلا أنه تعالى فوض في عالم الأسباب كل نوع من أنواع ~~الأعمال إلى ملك من الملائكة ، ففوض قبض الأرواح إلى ملك الموت وهو رئيس ~~وتحته أتباع وخدم فأضيف التوفي في هذه الآية إلى الله تعالى بالإضافة ~~الحقيقية ، وفي الآية الثانية إلى ملك الموت لأنه هو الرئيس في هذا العمل ~~وإلى سائر الملائكة لأنهم هم الأتباع لملك الموت والله أعلم . # ! 7 < { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالا خرة وإذا ~~ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون * قل اللهم فاطر ms7834 السماوات والا رض عالم ~~الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فى ما كانوا فيه يختلفون * ولو أن للذين ~~ظلموا ما فى الا رض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ~~وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون * وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزءون } . > 7 ! # < < # | الزمر : ( 45 ) وإذا ذكر الله . . . . . # > > اعلم أن هذا نوع آخر من الأعمال القبيحة للمشركين ، وهو أنك إذا ذكرت ~~الله وحده تقول لا إله إلا الله PageV26P248 وحده لا شريك له ، ظهرت آثار ~~النفرة من وجوههم وقلوبهم ، وإذا ذكرت الأصنام والأوثان ظهرت آثار الفرح ~~والبشارة في قلوبهم وصدورهم ، وذلك يدل على الجهل والحماقة ، لأن ذكر الله ~~رأس السعادات وعنوان الخيرات ، وأما ذكر الأصنام التي هي الجمادات الخسيسة ~~، فهو رأس الجهالات والحماقات ، فنفرتهم عن ذكر الله وحده واستبشارهم بذكر ~~هذه الأصنام من أقوى الدلائل على الجهل الغليظ والحمق الشديد ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) وقد يقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما غاية في بابه ~~لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سرورا حتى يظهر أثر ذلك السرور في بشرة وجهه ~~ويتهلل ، والاشمئزاز أن يعظم غمه وغيظه فينقبض الروح إلى داخل القلب فيبقى ~~في أديم الوجه أثر الغبرة والظلمة الأرضية ، ولما حكى عنهم هذا الأمر ~~العجيب الذي تشهد فطرة العقل بفساده أردفه بأمرين أحدهما : أنه ذكر الدعاء ~~العظيم ، فوصفه أولا بالقدرة التامة وهي قوله : { قل اللهم فاطر * السماوات ~~والارض } وثانيا بالعلم الكامل وهو قوله تعالى عالم الغيب والشهادة ، وإنما ~~قدم فذكر القدرة على ذكر العلم لأن العلم بكونه تعالى قادرا متقدم على ~~العلم بكونه عالما ، ولما ذكر هذا الدعاء قال : { أنت تحكم بين عبادك * ~~فيما كانوا فيه يختلفون } يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم عند سماع الشرك ~~أمر معلوم الفساد ببديهة العقل ، ومع ذلك ، القوم قد أصروا عليه ، فلا يقدر ~~أحد على إزالتهم عن هذا الإعتقاد الفاسد والمذهب الباطل إلا أنت . عن أبي ~~سلمة قال : سألت عائشة بم كان يفتتح رسول الله صلى الله ms7835 عليه وسلم صلاته ~~بالليل ؟ قالت ( كان يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، ~~اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك وانك لتهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) . # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم ذلك المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء ~~أولها : أن هؤلاء / الكفار لو ملكوا كل ما في الأرض من الأموال وملكوا مثله ~~معه لجعلوا الكل فدية لأنفسهم من ذلك العذاب الشديد وثانيها : قوله تعالى : ~~{ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } أي ظهرت لهم أنواع من العقاب لم ~~تكن في حسابهم ، وكما أنه صلى الله عليه وسلم قال في صفة الثواب في الجنة ( ~~فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) فكذلك في العقاب ~~حصل مثله وهو قوله : { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } و ثالثها : ~~قوله تعالى : { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } ومعناه ظهرت لهم آثار تلك ~~السيئات التي اكتسبوها أي ظهرت لهم أنواع من العقاب آثار تلك السيئات التي ~~اكتسبوها . ثم قال : { وحاق بهم } من كل الجوانب جزاء ما كانوا يستهزئون به ~~، فنبه تعالى بهذه الوجوه على عظم عقابهم . # ! 7 < { فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنمآ ~~أوتيته على علم بل هى فتنة ولاكن أكثرهم لا يعلمون * قد قالها الذين من ~~قبلهم فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ~~ظلموا من هاؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين * أولم يعلموا أن ~~الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إن فى ذلك لايات لقوم يؤمنون } . > 7 @QB@ ~~< # | الزمر : ( 49 ) فإذا مس الإنسان . . . . . # > > PageV26P249 # اعلم أن هذا حكاية طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة ، وذلك لأنهم عند ~~الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى الله تعالى ، ويرون أن دفع ~~ذلك لا يكون إلا منه ، ثم إنه تعالى إذا خولهم النعمة ، وهي إما السعة في ~~المال أو العافية في النفس ms7836 ، زعم أنه إنما حصل ذلك بكسبه وبسبب جهده وجده ، ~~فإن كان مالا قال إنما حصل بكسبي ، وإن كان صحة قال إنما حصل ذلك بسبب ~~العلاج الفلاني ، وهذا تناقض عظيم ، لأنه كان في حال العجز والحاجة أضاف ~~الكل إلى الله وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله ، وأسنده إلى كسب نفسه ~~، وهذا تناقض قبيح ، فبين تعالى قبح طريقتهم فيما هم عليه عند الشدة ~~والرخاء بلفظة وجيزة فصيحة ، فقال { بل هى فتنة } يعني النعمة التي خولها ~~هذا الكافر فتنة ، لأن عند حصولها يجب الشكر ، وعند فواتها يجب الصبر ، ومن ~~هذا حاله يوصف بأنه فتنة من حيث يختبر عنده حال من أوتي النعمة ، كما يقال ~~فتنت الذهب بالنار ، إذا عرضته على النار لتعرف خلاصته . # ثم قال تعالى : { ولاكن أكثرهم لا يعلمون } والمعنى ما قدمنا أن هذا ~~التخويل إنما كان لأجل الاختبار . وبقي في الآية أبحاث نذكرها في معرض ~~السؤال والجواب . # السؤال الأول : ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء ههنا ، وعطف مثلها في ~~أول السورة بالواو ؟ والجواب : أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنهم ~~يشمئزون من سماع التوحيد ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء ، ثم ذكر بفاء ~~التعقيب أنهم إذا وقعوا في الضر والبلاء والتجأوا إلى الله تعالى وحده ، ~~كان الفعل الأول مناقضا للفعل الثاني ، فذكر فاء التعقيب ليدل على أنهم ~~واقعون في المناقضة الصريحة في الحال ، وأنه ليس بين الأول والثاني فاصل مع ~~أن كل واحد منهما مناقض للثاني ، فهذا هو الفائدة في ذكر فاء التعقيب ههنا ~~. فأما الآية الأولى فليس المقصود منها بيان وقوعهم في التناقض في الحال ، ~~فلا جرم ذكر الله بحرف الواو لا بحرف الفاء . # السؤال الثاني : ما معنى التخويل ؟ الجواب : التخويل هو التفضل ، يعني ~~نحن نتفضل عليه وهو يظن أنه إنما وجده بالاستحقاق . # السؤال الثالث : ما المراد من قوله : { إنما أوتيته على علم } ؟ الجواب : ~~يحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علم الله بكوني مستحقا لذلك ، ~~ويحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علمي بكوني مستحقا له ، ويحتمل أن ms7837 ~~يكون المراد ، إنما أوتيته على علم لأجل ذلك العلم قدرت على اكتسابه مثل أن ~~يكون مريضا فيعالج نفسه ، فيقول إنما وجدت الصحة لعلمي بكيفية العلاج ، ~~وإنما وجدت المال لعلمي بكيفية الكسب . # السؤال الرابع : النعمة مؤنثة ، والضمير في قوله : { أوتيته } عائد على ~~النعمة ، فضمير التذكير كيف عاد إلى المؤنث ، بل قال بعده : { بل هى فتنة } ~~فجعل الضمير مؤنثا فما السبب فيه ؟ والجواب : أن التقدير حتى إذا خولناه ~~شيئا من النعمة ، فلفظ النعمة مؤنث ومعناه مذكر / فلا جرم جاز الأمران . # ثم قال تعالى : { قد قالها الذين من قبلهم } فما أغنى عنهم الضمير في ~~قالها راجح إلى قوله : { إنما أوتيته على علم } PageV26P250 عندي لأنها ~~كلمة أو جملة من المقول { والذين من قبلهم } هم قارون وقومه حيث قال : { ~~إنما أوتيته على علم } عندي وقومه راضون به فكأنهم قالوها ، ويجوز أيضا أن ~~يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها . # / ثم قال تعالى : { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } أي ما أغنى عنهم ذلك ~~الإعتقاد الباطل والقول الفاسد الذي اكتسبوه من عذاب الله شيئا بل أصابهم ~~سيئات ما كسبوا ، ولما بين في أولئك المتقدمين أنهم أصابهم سيئات ما كسبوا ~~أي عذاب عقائدهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة قال : { وما هم بمعجزين } أي لا ~~يعجزونني في الدنيا والآخرة . # ثم قال تعالى : { أو لم * يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } ~~يعني : أو لم يعلموا أن الله تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء تارة ، ~~ويقبض تارة أخرى ، وقوله : { ويقدر } أي ويقتر ويضيق ، والدليل عليه أنا ~~نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه ولا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس ~~هو عقل الرجل وجهله ، لأنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق ، ونرى الجاهل ~~المريض الضعيف في أعظم السعة ، وليس ذلك أيضا لأجل الطبائع والأنجم ~~والأفلاك لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك الكبير والسلطان القاهر ، ~~قد ولد فيه أيضا عالم من الناس وعالم من الحيوانات غير الإنسان ، ويولد ~~أيضا في تلك الساعة عالم من النبات ، فلما شاهدنا حدوث ms7838 هذه الأشياء الكثيرة ~~في تلك الساعة الواحدة مع كونها مختلفة في السعادة والشقاوة ، علمنا أنه ~~ليس المؤثر في السعادة والشقاوة هو الطالع ، ولما بطلت هذه الأقسام ، علمنا ~~أن المؤثر فيه هو الله سبحانه ، وصح بهذا البرهان العقلي القاطع على صحة ~~قوله تعالى : { أو لم * يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } . # قال الشاعر : # % فلا السعد يقضي به المشترى % % ولا النحس يقضي علينا زحل % # % ولكنه حكم رب السما % % ء وقاضي القضاة تعالى وجل % # PageV26P251 ! 7 < { قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ~~ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن مآ ~~أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن ~~تقول نفس ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول ~~لو أن الله هدانى لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة ~~فأكون من المحسنين * بلى قد جآءتك ءاياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من ~~الكافرين } > 7 ! # < < # | الزمر : ( 53 ) قل يا عبادي . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله ~~وإحسانه في حق العبيد وفيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر ~~، فقالوا : إنا بينا في هذا الكتاب أن عرف القرآن جار بتخصيص العباد ~~بالمؤمنين قال تعالى : { وعباد الرحمان الذين يمشون على الارض هونا * ~~الفرقان * وقال * عينا يشرب بها عباد الله } PageV27P003 ( الإنسان : 6 ) ~~ولأن لفظ العباد مذكور في معرض التعظيم ، فوجب أن لا يقع إلا على المؤمنين ~~، إذا ثبت هذا ظهر أن قوله { فى عبادى } مختص بالمؤمنين ، ولأن المؤمن هو ~~الذي يعترف بكونه عبد الله ، أما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد اللات ~~والعزى وعبد المسيح ، فثبت أن قوله { فى عبادى } لا يليق إلا بالمؤمنين ، ~~إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قال : { الذين أسرفوا على أنفسهم } وهذا عام ~~في ms7839 حق جميع المسرفين . # ثم قال تعالى : { إن الله يغفر الذنوب جميعا } وهذا يقتضي كونه غافرا ~~لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين ، وذلك هو المقصود فإن قيل هذه الآية لا ~~يمكن إجراؤها على ظاهرها ، وإلا لزم القطع بكون الذنوب مغفورة قطعا ، وأنتم ~~لا تقولون به ، فما هو مدلول هذه الآية لا تقولون به ، والذي تقولون به لا ~~تدل عليه هذه الآية ، فسقط الاستدلال ، وأيضا إنه تعالى قال عقيب هذه الآية ~~{ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون } إلى ~~قوله { بغتة وأنتم لا تشعرون } ولو كان المراد من أول الآية أنه تعالى غفر ~~جميع الذنوب قطعا لما أمر عقيبه بالتوبة ، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم ~~من حيث لا يشعرون ، وأيضا قال : { أن تقول نفس ياحسرتى ياحسرتى على ما فرطت ~~فى جنب الله } ولو كانت الذنوب كلها مغفورة ، فأي حاجة به إلى أن يقول : { ~~ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } ؟ وأيضا فلو كان المراد ما يدل عليه ~~ظاهر لفظ الآية لكان ذلك إغراء بالمعاصي وإطلاقا في الإقدام عليها ، وذلك ~~لا يليق بحكمة الله ، وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن يقال المراد منه ~~التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له من العذاب ألبتة ، ~~فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله ، إذ لا أحد من العصاة المذنبين ~~إلا ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة ، فمعنى قوله { إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا } أي بالتوبة والإنابة والجواب قوله الآية تقتضي ~~كون كل الذنوب مغفورة قطعا وأنتم لا تقولون به / قلنا بل نحن نقول به ونذهب ~~إليه ، وذلك لأن صيغة يغفر صيغة المضارع ، وهي للاستقبال ، وعندنا أن الله ~~تعالى يخرج من النار من قال لا إلاه إلا الله محمد رسول الله ، وعلى هذا ~~التقدير فصاحب الكبيرة مغفور له قطعا ، إما قبل الدخول في نار جهنم ، وإما ~~بعد الدخول فيها ، فثبت أن ما يدل عليه ظاهر الآية فهو عين مذهبنا . # أما ms7840 قوله لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة ، فالجواب أن ~~عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم ، فإنا لا نقطع بإزالة العقاب بالكلية ~~، بل نقول لعله يعفو مطلقا ، ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك ، ~~وبهذا الحرف يخرج الجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم . # المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه : الأول : ~~أنه سمى / المذنب بالعبد والعبودية مفسرة بالحاجة والذلة والمسكنة ، ~~واللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير والرحمة على المسكين المحتاج . الثاني ~~: أنه تعالى أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال : { قل ياعبادى الذين ~~أسرفوا } وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب الثالث : أنه تعالى قال : ~~{ أسرفوا على أنفسهم } ومعناه أن ضرر تلك الذنوب ما PageV27P004 عاد إليه ~~بل هو عائد إليهم ، فيكفيهم من تلك الذنوب عود مضارها إليهم ، ولا حاجة إلى ~~إلحاق ضرر آخر بهم الرابع : أنه قال : { لا تقنطوا من رحمة الله } نهاهم عن ~~القنوط فيكون هذا أمرا بالرجاء والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا ~~الكرم الخامس : أنه تعالى قال أولا : { فى عبادى } وكان الأليق أن يقول لا ~~تقنطوا من رحمتي لكنه ترك هذا اللفظ وقال : { لا تقنطوا من رحمة الله } لأن ~~قولنا الله أعظم أسماء الله وأجلها ، فالرحمة المضافة إليه يجب أن تكون ~~أعظم أنواع الرحمة والفضل السادس : أنه لما قال : { لا تقنطوا من رحمة الله ~~} كان الواجب أن يقول إنه يغفر الذنوب جميعا ولكنه لم يقل ذلك ، بل أعاد ~~اسم الله وقرن به لفظة إن المفيدة لأعظم وجوه التأكيد ، وكل ذلك يدل على ~~المبالغة في الوعد بالرحمن السابع : أنه لو قال : { يغفر الذنوب } لكان ~~المقصود حاصلا لكنه أردفه باللفظ الدال على التأكيد فقال جميعا وهذا أيضا ~~من المؤكدات الثامن : أنه وصف نفسه بكونه غفورا ، ولفظ الغفور يفيد ~~المبالغة التاسع : أنه وصف نفسه بكونه رحيما والرحمة تفيد فائدة على ~~المغفرة فكان قوله { إنه هو الغفور } إشارة إلى إزالة موجبات العقاب ، ~~وقوله { الرحيم } إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب العاشر : أن قوله ~~{ إنه هو ms7841 الغفور الرحيم } يفيد الحصر ، ومعناه أنه لا غفور ولا رحيم إلا هو ~~، وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران والرحمة ، فهذه الوجوه العشرة ~~مجموعة في هذه الآية ، وهي بأسرها دالة على كمال الرحمة والغفران ، ونسأل ~~الله تعالى الفوز بها والنجاة من العقاب بفضله ورحمته . # المسألة الثالثة : ذكروا في سبب النزول وجوها ، قيل إنها نزلت في أهل مكة ~~فإنهم قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس لم يغفر له ، وقد ~~عبدنا وقتلنا فكيف نسلم ؟ وقيل نزلت في وحشي قاتل حمزة لما أراد أن يسلم ~~وخاف أن لا تقبل توبته ، فلما نزلت الآية أسلم ، فقيل لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذه له خاصة أم للمسلمين عامة ؟ فقال بل للمسلمين عامة وقيل نزلت ~~في أناس أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام أشفقوا لا يقبل ~~الله توبتهم ، وقيل نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من ~~المسلمين أسلموا ثم فتنوا فافتتنوا وكان المسلمون يقولون فيهم لا يقبل الله ~~منهم توبتهم فنزلت هذه الآيات فكتبها عمر / وبعث بها إليهم فأسلموا وهاجروا ~~، واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول هذه الآيات في هذه ~~الوقائع لا يمنع من عمومها . # المسألة الرابعة : قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم { فى عبادى } بفتح ~~الياء والباقون / وعاصم في بعض الروايات بغير فتح وكلهم يقفون عليه بإثبات ~~الياء لأنها ثابتة في المصحف ، إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف ~~بغير ياء ، وقرأ أبو عمرو والكسائي تقنطوا بكسر النون والباقون بفتحها وهما ~~لغتان ، قال صاحب ( الكشاف ) ، وفي قراءة ابن عباس ، وابن مسعود { يغفر ~~الذنوب جميعا * لمن يشاء } . # ثم قال تعالى : ) وأنيبوا إلى ربكم } قال صاحب ( الكشاف ) أي وتوبوا إليه ~~وأسلموا له أي وأخصلوا له العمل ، وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة لئلا ~~يطمع طامع في حصولها بغير توبة وللدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل ~~بدونه ، وأقول هذا الكلام ضعيف جدا لأن عندنا التوبة عن المعاصي واجبة فلم ms7842 ~~يلزم من ورود الأمر بها طعن في الوعد بالمغفرة ، فإن قالوا لو كان الوعد ~~بالمغفرة حاصلا قطعا لما احتيج إلى التوبة ، لأن التوبة إنما تراد لإسقاط ~~العقاب ، فإذا سقط العقاب بعفو الله عنه فلا حاجة إلى التوبة ، فنقول هذا ~~ضعيف لأن PageV27P005 مذهبنا أنه تعالى وإن كان يغفر الذنوب قطعا ويعفو ~~عنها قطعا إلا أن هذا العفو والغفران يقع على وجهين تارة يقع ابتداء وتارة ~~يعذب مدة في النار ثم يخرجه من النار ويعفو عنه ، ففائدة التوبة إزالة هذا ~~العقاب ، فثبت أن الذي قاله صاحب ( الكشاف ) ضعيف ولا فائدة فيه . # ثم قال : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } واعلم أنه تعالى لما ~~وعد بالمغفرة أمر بعد هذا الوعد بأشياء فالأول : أمر بالإنابة وهو قوله ~~تعالى : { وأنيبوا إلى ربكم } والثاني : أمر بمتابعة الأحسن ، وفي المراد ~~بهذا الأحسن وجوه الأول : أنه القرآن ومعناه واتبعوا القرآن والدليل عليه ~~قوله تعالى : { الله نزل أحسن الحديث كتابا } ( الزمر : 23 ) الثاني : قال ~~الحسن معناه ، والتزموا طاعة الله واجتنبوا معصية الله ، فإن الذي أنزل على ~~ثلاثة أوجه ، ذكر القبيح ليجتنب عنه ، والأدون لئلا يرغب فيه ، والأحسن ~~ليتقوى به ويتبع الثالث : المراد بالأحسن الناسخ دون المنسوخ لأن الناسخ ~~أحسن من المنسوخ ، لقوله تعالى : { ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها ~~أو مثلها } ( البقرة : 106 ) ولأن الله تعالى لما نسخ حكما وأثبت حكما آخر ~~كان اعتمادنا على المنسوخ . # ثم قال : { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون } والمراد منه ~~التهديد والتخويف والمعنى أنه يفجأ العذاب وأنتم غافلون عنه ، واعلم أنه ~~تعالى لما خوفهم بالعذاب بين تعالى أن بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا ~~يقولون فحكى الله تعالى عنهم ثلاثة أنواع من الكلمات فالأول : قوله تعالى : ~~{ أن تقول نفس ياحسرتى ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله وإن كنت لمن ~~الساخرين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله { أن تقول } مفعول له أي كراهة أن تقول : { نفس ~~ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } وأما تنكير لفظ النفس ففيه ms7843 وجهان الأول ~~: يجوز أن تراد نفس ممتازة عن سائر النفوس لأجل اختصاصها بمزيد إضرار بما ~~لا ينفي رغبتها في المعاصي والثاني : يجوز أن / يراد به الكثرة ، وذلك لأنه ~~ثبت في علم أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يفيد الظن بأن ذلك ~~الحكم معلل بذلك الوصف ، فقوله { * يا حسرتا } يدل على غاية الأسف ونهاية ~~الحزن وأنه مذكور عقيب قوله تعالى : { نفس ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله ~~} والتفريط في طاعة الله تعالى يناسب شدة الحسرة وهذا يقتضي حصول تلك ~~الحسرة عند حصول هذا التفريط ، وذلك يفيد العموم بهذه الطريقة . # المسألة الثانية : القائلون بإثبات الأعضاء لله تعالى استدلوا على إثبات ~~الجنب بهذه الآية ، واعلم أن دلائلنا على نفي الأعضاء قد كثرت ، فلا فائدة ~~في الإعادة ، ونقول بتقدير أن يكون المراد من هذا الجنب عضوا مخصوصا لله ~~تعالى ، فإنه يمتنع وقوع التفريط فيه ، فثبت أنه لا بد من المصير إلى ~~التأويل وللمفسرين فيه عبارات ، قال ابن عباس يريد ضيعت من ثواب الله ، ~~وقال مقاتل ضيعت من ذكر الله ، وقال مجاهد في أمر الله ، وقال الحسن في ~~طاعة الله ، وقال سعيد بن جبير في حق الله ، واعلم أن الإكثار من هذه ~~العبارات لا يفيد شرح الصدور وشفاء الغليل ، فنقول : الجنب سمي جنبا لأنه ~~جانب من جوانب ذلك الشيء والشيء الذي يكون من لوازم الشيء وتوابعه يكون ~~كأنه جند من جنوده وجانب من جوانبه فلما حصلت هذه المشابهة بين الجنب الذي ~~هو العضو وبين ما يكون لازما للشيء وتابعا له ، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب ~~على الحق والأمر والطاعة قال الشاعر : PageV27P006 # أما تتقين الله جنب وامق # له كبد حرا عليك تقطع المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { * يا ~~حسرتي } على الأصل و { * يا حسرتاي } على الجمع بين العوض والمعوض عنه . # أما قوله تعالى : { جنب الله وإن كنت لمن الساخرين } أي أنه ما كان ~~مكتفيا بذلك التقصير بل كان من المستهزئين بالدين ، قال قتادة لم يكفه أن ~~ضيع طاعة الله حتى سخر ms7844 من أهلها ، ومحل { وإن كنت } نصب على الحالة كأنه ~~قال : فرطت في جنب الله وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي . # النوع الثاني : من الكلمات التي حكاها الله تعالى عن أهل العذاب أنهم ~~يذكرونه بعد نزول العذاب عليهم قوله { أو تقول لو أن الله هدانى لكنت من ~~المتقين } . # النوع الثالث : قوله { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة فأكون من ~~المحسنين } وحاصل الكلام أن هذا المقصر أتى بثلاثة أشياء أولها : الحسرة ~~على التفريط في الطاعة وثانيها : التعلل بفقد الهداية وثالثها : بتمني ~~الرجعة ، ثم أجاب الله تعالى عن كلامهم بأن قال بفقد الهداية باطل ، لأن ~~الهداية كانت حاصرة والأعذار زائلة ، وهو المراد بقوله { بلى قد جاءتك ~~ءاياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال الزجاج بلى جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي ~~إلا أنه حصل / فيه معنى النفي ، لأن معنى قوله { لو أن الله هدانى } أنه ما ~~هداني ، فلا جرم حسن ذكر لفظة { بلى } بعده . # المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : القراءة المشهورة واقعة على ~~التذكير في قوله { بلى قد جاءتك ءاياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من ~~الكافرين } لأن النفس تقع على الذكر والأنثى فخوطب بالذكر ، وروى الربيع بن ~~أنس عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ على التأنيث ، قال ~~أبو عبيد لو صح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان حجة لا يجوز لأحد ~~تركها ولكنه ليس بمسند ، لأن الربيع لم يدرك أم سلمة ، وأما وجه التأنيث ~~فهو أنه ذكر النفس ولفظ النفس ورد في القرآن في أكثر الأمر على التأنيث ~~بقوله { سولت لى نفسى } ( طه : 96 ) و { إن النفس لامارة بالسوء } ( يوسف : ~~53 ) و { * يا أيتها النفس المطمئة } ( الفجر : 27 ) . # المسألة الثالثة : قال القاضي هذه الآيات دالة على صحة القول بالقدر من ~~وجوه الأول : أنه لا يقال : فلان أسرف على نفسه على وجه الذم إلا لما يكون ~~من قبله ، وذلك يدل على أن أفعال العباد تحصل من ms7845 قبلهم لا من قبل الله ~~تعالى ، وثانيها : أن طلب الغفران والرجاء في ذلك أو اليأس لا يحسن إلا إذا ~~كان الفعل فعل العبد ، وثالثها : إضافة الإنابة والإسلام إليه من قبل أن ~~يأتيه العذاب وذلك لا يكون إلا مع تمكنه من محاولتهما مع نزول العذاب ، ~~ومذهبهم أن الكافر لم يتمكن قط من ذلك ورابعها : قوله تعالى : { العذاب ثم ~~لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } وذلك لا يتم إلا بما هو ~~المختار للاتباع وخامسها : ذمه لهم على أنهم لا يشعرون بما يوجب العذاب ~~وذلك لا يصح إلا مع التمكن من الفعل ، وسادسها : قولهم { نفس ياحسرتى على ~~ما فرطت فى جنب الله } ولا يتحسر المرء على أمر سبق منه إلا وكان يصح منه ~~أن يفعله ، وسابعها : قوله تعالى : { على ما فرطت فى جنب الله } ومن لا ~~يقدر على الإيمان كما يقول القوم ولا يكون الإيمان من فعله لا يكون ~~PageV27P007 مفرطا ، وثامنها : ذمه لهم بأنهم من الساخرين ، وذلك لا يتم ~~إلا أن تكون السخرية فعلهم وكان يصح منهم أن لا يفعلوه ، وتاسعها : قوله { ~~لو أن الله هدانى } أي مكنني { لكنت من المتقين } وعلى هذا قولهم إذا لم ~~يقدر على التقوى فكيف يصح ذلك منه ، وعاشرها : قوله { لو أن لى كرة فأكون ~~من المحسنين } وعلى قولهم لو رده الله أبدا كرة بعد كرة ، وليس فيه إلا ~~قدرة الكفر لم يصح أن يكون محسنا ، والحادي عشر : قوله تعالى موبخا لهم { ~~بلى قد جاءتك ءاياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } فبين تعالى أن ~~الحجة عليهم لله لأن الحجة لهم على الله ، ولو أن الأمر كما قالوا لكان لهم ~~أن يقولوا : قد جاءتنا الآيات ولكنك خلقت فينا التكذيب بها ولم تقدرنا على ~~التصديق بها . والثاني عشر : أنه تعالى وصفهم بالتكذيب والاستكبار والكفر ~~على وجه الذم ولو لم تكن هذه الأشياء أفعالا لهم لما صح الكلام ، والجواب ~~عنه أن هذه الوجوه معارضة ، بما أن القرآن مملوء من أن الله تعالى يضل ~~ويمنع ويصدر منه اللين ms7846 / والقسوة والاستدراج ، ولما كان هذا التفسير مملوءا ~~منه لم يكن إلى الإعادة حاجة . # ! 7 < { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس فى ~~جهنم مثوى للمتكبرين * وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا ~~هم يحزنون } > 7 @QB@ < # | الزمر : ( 60 - 61 ) ويوم القيامة ترى . . . . . # > > # علم أن هذا نوع آخر من تقرير الوعيد والوعد ، أما الوعيد فقوله تعالى : { ~~ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } وفيه بحثان : أحدهما ~~: أن هذا التكذيب كيف هو ؟ والثاني : أن هذا السواد كيف هو ؟ . # البحث الأول : عن حقيقة هذا التكذيب ، فنقول : المشهور أن الكذب هو ~~الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه ، ومنهم من قال هذا القدر لا يكون ~~كذبا بل الشرط في كونه كذبا أن يقصد الإتيان بخبر يخالف المخبر عنه ، إذا ~~عرفت هذا الأصل فنذكر أقوال الناس في هذه الآية : # قال الكعبي : ويرد الجبر بأن هذه الآية وردت عقيب قوله { لو أن الله ~~هدانى } ( الزمر : 58 ) يعني أنه ما هداني بل أضلني ، فلما حكى الله عن ~~الكفار ثم ذكر عقيبه { ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } وجب أن ~~يكون هذا عائدا إلى ذلك الكلام المتقدم ، ثم روي عن الحسن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : ( ما بال أقوام يصلون ويقرأون القرآن ، يزعمون أن ~~الله كتب الذنوب على العباد ، وهم كذبة على الله ، والله مسود وجوههم } ~~واعلم أن أصحابنا قالوا آخر الآية يدل على فساد هذا التأويل لأنه تعالى قال ~~في آخر الآية : { * } واعلم أن أصحابنا قالوا آخر الآية يدل على فساد هذا ~~التأويل لأنه تعالى قال في آخر الآية : { أليس فى جهنم مثوى للمتكبرين } ~~وهذا يدل على أن أولئك الذين صارت وجوههم مسودة أقوام متكبرون ، والتكبر لا ~~يليق بمن يقول أنا لا أقدر على الخلق والإعادة والإيجاد ، وإنما القادر ~~عليه هو الله سبحانه وتعالى ، أما الذين يقولون إن الله يريد شيئا وأنا ~~أريد بضده ، فيحصل مرادي ولا يحصل مراد الله ، فالتكبر بهذا القائل أليق ، ~~فثبت أن ms7847 هذا التأويل الذي ذكروه فاسد ، ومن الناس من قال إن هذا الوعيد ~~مختص باليهود والنصارى ، ومنهم من قال PageV27P008 إنه مختص بمشركي العرب ، ~~قال القاضي يجب حمل الآية على الكل من المشبهة والمجبرة وكذلك كل من وصف ~~الله بما لا يليق به نفيا وإثباتا ، فأضاف إليه ما يجب تنزيهه عنه أو نزهه ~~عما يجب أن يضاف إليه ، فالكل منهم داخلون تحت هذه الآية ، لأنهم كذبوا على ~~الله ، فتخصيص الآية بالمجبرة والمشبهة أو اليهود والنصارى لا يجوز ، واعلم ~~أنا لو أجرينا هذه الآية على عمومها كما ذكره القاضي / لزمه تكفير الأمة ، ~~لأنك لا ترى فرقة من فرق الأمة إلا وقد حصل بينهم اختلاف شديد في صفات الله ~~تعالى ، ألا ترى أنه حصل الاختلاف بين أبي هاشم وأهل السنة في مسائل كثيرة ~~من صفات الله تعالى ، ويلزم على قانون قول القاضي تكفير أحدهما ، فثبت أنه ~~يجب أن يحمل الكذب المذكور في الآية على ما إذا قصد الإخبار عن الشيء ، مع ~~أنه يعلم أنه كاذب فيما يقول ، ومثال هذا كفار قريش فإنهم كانوا يصفون تلك ~~الأصنام بالإلاهية مع أنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنها جمادات ، وكانوا ~~يقولون إن الله تعالى حرم البحيرة والسائية والوصيلة والحام ، مع أنهم ~~كانوا ينكرون القول بأن الله حرم كذا وأباح كذا ، وكان قائله عالما بأنه ~~كذب وإذا كان كذلك فإلحاق مثل هذا الوعيد بهذا الجاهل الكذاب الضال المضل ( ~~يكون ) مناسبا ، أما من لم يقصد إلا الحق والصدق لكنه أخطأ يبعد إلحاق هذا ~~الوعيد به . # البحث الثاني : الكلام في كيفية السواد الحاصل في وجوههم ، والأقرب أنه ~~سواد مخالف لسائر أنواع السواد ، وهو سواد يدل على الجهل بالله والكذب على ~~الله ، وأقول إن الجهل ظلمة ، والظلمة تتخيل كأنها يواد فسواد قلوبهم أوجب ~~سواد وجوههم ، وتحت هذا الكلام أسرار عميقة من مباحث أحوال القيامة ، فلما ~~ذكر الله هذا الوعيد أردفه بالوعد فقال : { وينجى الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم } الآية ، قال القاضي المراد به من اتقى كل الكبائر إذ لا يوصف ~~بالاتقاء المطلق إلا من ms7848 كان هذا حاله ، فيقال له : أمرك عجيب جدا فإنك قلت ~~لما تقدم قوله تعالى : { لو أن الله هدانى لكنت من المتقين } ( الزمر : 57 ~~) وجب أن يحمل قوله ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ~~} على الذين قالوا { * } على الذين قالوا { لو أن الله هدانى } فعلى هذا ~~القانون لما تقدم قوله { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم ~~مسودة } . # ثم قال تعالى بعده : { وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم } وجب أن يكون ~~المراد هم الذين اتقوا ذلك الكذب ، فهذا يقتضي أن كل من لم يتصف بذلك الكذب ~~أنته يدخل تحت ذلك الوعد المذكور بقوله { وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم ~~} وأن يكون قولك { الذين اتقوا } المراد منه من اتقى كل الكبائر فاسدا ، ~~فثبت أن التعصب يحمل الرجل العاقل على الكلمات المتناقضة ، بل الحق أن تقول ~~المتقي هو الآتي باللاتقاء والآتي بالاتقاء في صورة واحدة آت بمسمى الاتقاء ~~، وبهذا الحرف قلنا الأمر المطلق لا يفيد التكرار ، ثم ذلك الاتقاء غير ~~مذكور بعينه في هذه اللفظة فوجب حمله على الاتقاء عن الشيء الذي سبق ذكره ~~وهذا هو الكذب على الله تعالى ، فثبت أن ظاهر الآية يقتضي أن من اتقى عن ~~تلك الصفة وجب دخوله تحت هذا الوعد الكريم . # ثم قال تعالى : { بمفازتهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بمفازاتهم على ~~الجمع ، والباقون بمفازتهم على التوحيد ، وحكى الواحدي عن الفراء أنه قال : ~~كلاهما صواب ، إذ يقال في الكلام قد تبين أمر القوم PageV27P009 وأمور ~~القوم ، قال أبو علي الفارسي : الإفراد للمصدر ووجه الجمع أن المصادر قد ~~تجمع إذا اختلفت أجناسها ، كقوله تعالى : { وتظنون بالله الظنونا } ( ~~الأحزاب : 10 ) ولا شك أن لكل متق نوعا آخر عن المفازة . # المسألة الثانية : المفازة مفعلة من الفوز وهو السعادة ، فكأن المعنى أن ~~النجاة في القياملاة حصلت بسبب فوزهم في الدنيا بالطاعات والخيرات ، فعبر ~~عن الفوز بأوقاتها ومواضعها . # ثم قال : { لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون } والمراد أنه كالتفسير لتلك ~~النجاة ، كأنه قيل كيف ينجيهم ms7849 ؟ فقيل : { لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون } ~~وهذه كلمة جامعة لأنه إذا لا يمسه السوء كان فارغ البال بحسب الحال عما وقع ~~في قله بسبب فوات الماضي ، فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل الآفات ، ونسأل الله ~~الفوز بهذه الدرجات بمنه وكرمه . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن المؤمنين لا ينالهم الخوف والرعب في ~~القيامة ، وتأكد هذا بقوله { لا يحزنهم الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ) ~~. # ! 7 < { الله خالق كل شىء وهو على كل شىء وكيل * له مقاليد السماوات والا ~~رض والذين كفروا بأايات الله أولائك هم الخاسرون * قل أفغير الله ~~تأمرونىأعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد وكن من الشاكرين } . > 7 ~~! # < < # | الزمر : ( 62 ) الله خالق كل . . . . . # > > واعلم أنه لما أطال الكلام في شرح الوعد والوعيد عاد إلى دلائل ~~الإلهية والتوحيد ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قد ذكرنا في سورة الأنعام أن أصحابنا تمسكوا بقوله ~~تعالى : { خالق كل شىء } ( الأنعام : 102 ) على أن أعمال العباد مخلوقة لله ~~تعالى ، وأطنبنا هناك في الأسئلة والأجوبة ، فلا فائدة ههنا في الإعادة ، ~~إلا أن الكعبي ذمكر ههنا كلمات فنذكرها ونجيب عنها ، فقال إن الله تعالى ~~مدح نفسه بقوله { الله خالق كل شىء } وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح ~~فلا يصح أن يحتج المخالف به ، وأيضا فلم يكن في صدر هذه الأمة خلاف في ~~أعمال العباد ، بل كان الخلاف بينهم وبين المجوس والزنادقة في خلق الأمراض ~~والسباع والهوام ، فأراد الله تعالى أن يبين أنها جمع من خلقه ، وأيضا لفظة ~~{ كل } قد لا توجب العموم لقوله تعالى : { وأوتيت من كل شىء } ( النمل : 23 ~~) { تدمر كل شىء } ( الأحقاف : 25 ) وأيضا لو كانت أعمال العباد من خلق ~~الله لما ضافها إليهم بقوله { كفارا حسدا من عند أنفسهم } ( البقرة : 109 ) ~~ولما صح قوله { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } ( آل عمران : ~~78 ) ولما صح قوله { وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا } ( ص : 27 ms7850 ~~) فهذا جملة ما ذكره الكعبي في تفسيره ، وقال الجبائي : { الله خالق كل شىء ~~} سوى أفعال خلقه التي صح PageV27P010 فيها الأمر والنهي واستحقوا بها ~~الثواب والعقاب ، ولو كانت أفعالهم خلقا لله تعالى ما جاز ذلك فيه كما لا ~~يجوز مثله في ألوانهم وصورهم ، وقال أبو مسلم : الخلق هو التقدير لا ~~الإيجاد ، فإذا أخبر الله عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك ~~الفعل ، فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجدا له . # واعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكرناه بالاستقصاء في سورة الأنعام ، ~~فمن أراد الوقوف عليه فليطالع هذا الموضوع من هذا الكتاب ، والله أعلم . # أما قوله تعالى : { وهو على كل شىء وكيل } فالمعنى أن الأشياء كلها ~~موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير منازع ولا مشارك ، وهذا ~~أيضا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، لأن فعل العبد لو وقع بتخليق ~~العبد لكان ذلك الفعل غير موكول إلى الله تعالى وكيلا عليه ، وذلك ينافي ~~عموم الآية . # ثم قال تعالى : { له مقاليد * السماوات والارض } والمعنى أنه سبحانه مالك ~~أمرها وحافظها وهو من باب الكناية ، لأن حالفظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي ~~بيده مقاليدها ، ومنه قولهم : فلان ألقيت مقاليد الملك إليه وهي المفاتيح ، ~~قال صاحب ( الكشاف ) : ولا واحد لها من لفظها ، وقيل مقليد ومقاليد ، وقيل ~~مقلاد ومقاليد مثل مفتاح ومفاتيح ، وقيل إقليد وأقاليد ، قال صاحب ( الكشاف ~~) : والكلمة أصلها فارسية ، إلا أن القوم لما عربوها صارت عربية . # واعلم أن الكلام في تفسير قوله { له مقاليد * السماوات والارض } قريب من ~~الكلام في قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب } ( الأنعام : 59 ) وقد سبق ~~الاستقصاء هناك ، قيل سأل عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير ~~قوله { له مقاليد * السماوات والارض } فقال : ( يا عثمان ما سألني عنها أحد ~~قبلك ، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر ، سبحان الله وبحمده ، أستغفر ~~الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده ~~الخير ، يحيي ويميت هو على كل شيء ms7851 قدير ) هكذا نقله صاحب ( الكشاف ) . # ثم قال تعالى : { والذين كفروا بئايات الله أولئك هم الخاسرون } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : صريح الآية يقتضي أنه لا خاسر إلا كافر ، وهذا يدل على ~~أن كل من لم يكن كافرا فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله . # المسألة الثانية : أورد صاحب ( الكشاف ) سؤالا ، وهو أنه بم اتصل قوله { ~~والذين كفروا } ؟ وأجاب عنه بأنه اتصل بقوله تعالى : { وينجى الله الذين ~~اتقوا } ( الزمر : 61 ) أي ينجي الله المتقين بمفازتهم { والذين كفروا ~~بئايات الله أولئك هم الخاسرون } واعترض ما بينهما أنه خالق للأشياء كلها ، ~~وأن له مقاليد السموات والأرض . وأقول هذا عندي ضعيف من وجهين الأول : أن ~~وقوع الفاصل الكبير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد الثاني : أن قوله { ~~وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم } جملة فعلية ، وقوله { والذين كفروا ~~بئايات الله أولئك هم الخاسرون } جملة إسمية ، وعطف الجملة الإسمية على ~~الجملة الفعلية لا يجوز ، بل الأقرب عندي أن يقال إنه لما وصف الله تعالى ~~نفسه بالصفات الإلهية والجلالية ، وهو كونه خالقا للأشياء كلها ، وكونه ~~مالكا لمقاليد PageV27P011 السموات والأرض بأسرها ، قال بعده : والذين ~~كفروا بهذه الآيات الظاهرة الباهرة أولئك هم الخاسرون . # ثم قال تعالى : { قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون } وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر تأمرونني بنونين ساكنة الياء وكذلك هي في ~~مصاحف الشام ، قال الواحدي وهو الأصل ، وقرأ ابن كثير تأمروني بنون مشددة ~~على إسكان الألألى وإدغامها في الثانية ، وقرأ نافع تأمروني بنون واحدة ~~خفيفة ، على حذل إحدى النونين والباقون بنون واحدة مكسورة مشددة . # المسألة الثانية : { أفغير الله } منصوب بأعبد وتأمروني اعتراض ، ومعناه ~~: أفغير الله أعبد بأمركم ؟ وذلك حين قال له المشركون أسلم ببعض آلهتنا ~~ونؤمن بإلهك ، وأقول نظير هذه الآية ، قوله تعالى : { قل أغير الله أتخذ ~~وليا فاطر * السماوات والارض } ( الأنعام : 14 ) وقد ذكرنا في تلك الآية ~~وجه الحكمة في تقديم الفعل . # المسألة الثالثة : إنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقا ~~للأشياء وبكونه مالكا لمقاليد السموات والأرض ، وظاهر كون ms7852 هذه الأصنام ~~جمادات أنها لا تضر ولا تنفع ، ومن أعرض عن عبادة الإله الموصوف بتلك ~~الصفات الشريفة المقدسة ، واشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة ، فقد بلغ في ~~الجهل مبلغا لا مزيد عليه ، فلهذا السبب قال : { أيها الجاهلون } ولا شك أن ~~وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع . # ثم قال تعالى : { ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك ولتكونن من الخاسرين } واعلم أن الكلام التام مع الدلائل القوية ، ~~والجواب عن الشبهات في مسألة الإحباط قد ذكرناه في سورة البقرة فة نعيده ، ~~قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { ليحبطن عملك } على البناء للمفعول وقرىء بالياء ~~والنون أي : ليحبطن الله أو الشرك وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين ؟ ~~والجواب تقدير الآية : أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ، وإلى الذين من ~~قبلك مثله أو أوحي إليك وإلى كل واحد منهم لئن أشركت ، كما تقول كسانا حلة ~~أي كل واحد منا . # السؤال الثاني : ما الفرق بين اللامين ؟ الجواب الأولى : موطئة للقسم ~~المحذوف والثانية : لام الجواب . # السؤال الثالث : كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ~~ولا تحبط أعمالهم ؟ والجواب أن قوله { لئن أشركت ليحبطن عملك } قضية شرطية ~~والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزأيها ألا ترى أن قولك لو كانت ~~الخمسة زوجا لكاتنت منقسمة بمتساويين قضشية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها ~~غير صادق ، قال الله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( ~~الأنبياء : 22 ) ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وبأنهما قد ~~فسدتا . # السؤال الرابع : ما معنى قوله { ولتكونن من الخاسرين } ؟ والجواب كما أن ~~طاعات الأنبياء والرسل إفضل من طاعات غيرهم ، فكذلك القبائح التي تصدر عنهم ~~فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى : { إذا لأذقناك ضعف الحيواة ~~وضعف الممات } ( الإسراء : 75 ) فكان المعنى ضعف الشرك الحاصل منه ، ~~وبتقدير حصوله منه يكون تأثيره في جانب غضب الله أقوى وأعظم . PageV27P012 # واعلم أنه تعالى لما قدم هذه المقدمات ms7853 ذكر ما هو المقصود فقال : { بل ~~الله فاعبد وكن من الشاكرين } ، والمقصود منه ما أمروه به من اوسلام ببعض ~~آلهتهم ، كأنه قال إنكم تأمرونني بأن لا أعبد إلا غير الله لأن قوله { قل ~~أفغير الله تأمرونى أعبد } يفيد أنهم عينوا عليه عبادة غير الله ، فقال ~~الله إنهم بئسما قالوا ولكن أنت على الضد مما قالوا ، فلا تعبد إلا الله ، ~~وذلك لأن قوله { بل الله فاعبد } يفيد الحصر . ثم قال : { وكن من الشاكرين ~~} على ما هداك إلى أنه لا يجوز إلا عبادة الإله القادر عن الإطلاق العليم ~~الحكيم ، وعلى ما أرشدك إلى أنه يجب الإعراض عن عبادة كل ما سوى الله . # ! 7 < { وما قدروا الله حق قدره والا رض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون * ونفخ فى الصور فصعق من ~~فى السماوات ومن فى الا رض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون * وأشرقت الا رض بنور ربها ووضع الكتاب وجىء بالنبيين والشهدآء وقضى ~~بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون } . ~~> 7 ! # < < # | الزمر : ( 67 ) وما قدروا الله . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة ~~الأصنام ، ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول بأن يعبد ~~الله ولا يعبد شيئا آخر سواه ، بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا ~~هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له المعبودية ، فقال : { وما قدروا الله حق ~~قدره } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : احتج بعض الناس بهذه الآية على أن الخلق لا يعرفون ~~حقيقة الله ، قالوا لأن قوله { وما قدروا الله حق قدره } يفيد هذا المعنى ~~إلا أنا ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا يلزم من وصف الكفار بأنهم ما ~~قدروا الله حق قدرن وصف المؤمنين بذلك ، فسقط هذا الكلام . # المسألة الثانية : قوله { وما قدروا الله حق قدره } يفيد هذا المعنى إلا ~~أنا ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا يلزم من وصف ms7854 الكفار بأنهم ما قدروا ~~الله حق قدره وصف المؤمنين بذلك ، فسقط هذا الكلام . # المسألة الثانية : قوله { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق ~~تعظيمه ، وهذه الآية مذكورة في سور ثلاث ، في سورة الأنعام ، وفي سورة الحج ~~، وفي هذه السورة . # واعلم أنه تعالى لما بين أنهم ما عظموه تعظيما لائقا به أردفه بما يدل ~~على كمال تظمته ونهاية جلالته ، فقال : { والارض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه } قال القفال : { وما قدروا الله حق قدره والارض ~~جميعا قبضته يوم القيامة } كقول القائل وما قدرتني حق قدري وأنا الذي فعلت ~~كذا وكذا ، أي لما عرفت أن حالي وصفتي هذا الذي ذكرت ، فوجب أن لا تحطني عن ~~قدري ومنزلتي ، ونظيره قوله تعالى : PageV27P013 { كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أمواتا فأحياكم } ( البقرة : 28 ) أي كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه ~~فكذا ههنا ، والمعنى { وما قدروا الله حق قدره } إذ زعموا أن له شركاء وأنه ~~لا يقدر على إحياء الموتى مع أن الأرض والسموات في قبضته وقدرته ، قال صاحب ~~( الكشاف ) الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير ~~عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة ~~حقيقة أو مجاز ، وكذلك ما روي أن يهوديا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال : يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات يوم القيامة على إصبع ~~والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والثرى على أصبع وسائر ~~الخلق على أصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تعجبا مما قال ، قال صاحب ( الكشاف ) وإنما ضحك أفصح العرب لأنه لم ~~يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا ~~شيء من ذلك ، ولكن فهمه وقع أول كل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة / التي ~~هي الدلالة على القدرة الباهرة ، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها ~~الأوهام ولا تكتنهها الأذهان هينة عليه ، قال ولا نرى بابا في ms7855 علم البيان ~~أدق ولا ألطف من هذا الباب ، فيقال له هل تسلم أن الأصل في الكلام حمله على ~~الحقيقة ، وأنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز عند قيام الدلالة على أن ~~حمله على حقيقته ممتنع ، فحينئذ يجب حمله على المجاز ، فإن أنكر هذا الأصل ~~فحينئذ يخرج القرآن بالكلية عن أن يكون حجة ، فإن لكل أحد أن يقول المقصود ~~من الآية الفلانية كذا وكذا فأنا أحمل الآية على ذلك المقصود ، ولا ألتفت ~~إلى الظواهر ، مثاله من تمسك بالآيات الواردة في ثواب أهل الجنة وعقاب أهل ~~النار ، قال المقصود بيان سعادات المطيعين وشقاوة المذنبين ، وأنا أحمل هذه ~~الآيات على هذا المقصود ولا أثبت الأكل والشرب ولا سائر الأحوال الجسمانية ~~، ومن تمسك بالآيات الوردة في إثبات وجوب الصلاة فقال المقصود منه إيجاب ~~تنوير القلب بذكر الله ، فأنا أكتفي بهذا القدر ولا أوجب هذه الأعمال ~~المخصوصة ، وإذا عرفت الكلام في هذين المثالين فقس عليه سائر المسائل ~~الأصولية والفروعية ، وحينئذ يخرج القرآن عن أن يكون حجة في المسائل ~~الأصولية والفروعية ، وذلك باطل قطعا ، وأما إن سلم أن اوصل في علم القرآن ~~أن يعتقد أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته ، فإن قام دليل منفصل على أنه ~~يتعذر حمله على حقيقته ، فحينئذ يتعين صرفه إلى مجازه ، فإن حصلت هناك ~~مجازات لم يتعين صرفه إلى مجاز معين إلا إذا كان الدليل يوجب ذلك التعيين ، ~~فنقول ههنا لفظ اليمين حقيقة في الجارحة المخصوصة ، ولا يمكنك أن تصرف ظاهر ~~الكلام عن هذا المعنى إلا إذا أقمت الدلالة على أن حمل هذه الألفاظ على ~~ظواهرها ممتنع فحينئذ يجب حملها على المجازات ، ثم تبين بالدليل أن المعنى ~~الفلاني يصح جعله مجازا عن تلك الحقيقة ، ثم تبين بالدليل أن هذا المجاز ~~أولى من غيره ، وإذا ثبتت هذه المقدملات وترتيبها على هذا الوجه فهذا هو ~~الطريق الصحيح الذي عليه تعويل أهل التحقيق فأنت ما أتيت في هذا الباب ~~بطريقة جديدة وكلام غريب ، بل هو عين ما ذكره أهل التحقيق ، فثبت أن الفرح ~~الذي ms7856 أظهره من أنه اهتدى إلى الطريق الذي لم يعرفه غيره طريق فاسد ، دال ~~على قلة وقوفه على المعاني ، ولنرجع إلى الطريق الحقيقي فنقول لا شك أن لفظ ~~القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح ، إلا أن الدلائل العقلية قامت ~~على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى ، فوجب حمل هذه الأعضاء على ~~وجوه المجاز ، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره ~~وتسخيره . قال تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } ( المعارج : ~~30 ) والمراد منه كونه مملوكا له ، ويقال هذه الدار PageV27P014 في يد فلان ~~، وفلان صاحب اليد ، والمراد من الكل القدرة ، والفقهاء يقولون في الشروط ~~وقبض فلان كذا وصار في قبضته ، ولا يريدون إلا خلوص ملكه ، وإذا ثبت تعذر ~~حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صونا لهذه النصوص عن ~~التعطيل ، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب ، ولنا كتاب مفرد في إثبات ~~تنزيه الله تعالى عن الجسمية والمكان ، سميناه بتأسيس التقديس ، من أراد ~~الإطناب في هذا الباب فليرجع إليه . # المسألة الثالثة : في تفسير ألفاظ الآية قوله { والارض } المراد منه ~~الأرضون السبع ، ويدل عليه وجوه الأول : قوله { جميعا } فإن هذا التأكيد لا ~~يحسن إدخاله إلا على الجمع ونظيره قوله { كل الطعام } ( آل عمران : 93 ) ~~وقوله تعالى : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } ( النور : 31 ~~) وقوله تعالى : { والنخل باسقات } ( ق : 10 ) وقوله تعالى : { إن الإنسان ~~* لفى * خسر * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( العصر : 2 ، 3 ) فإن ~~هذه الألفاظ الملحة باللفظ المفرد تدل على أن المراد منه الجمع فكذا ههنا ~~والثاني : أنه قال بعده { والسماوات مطويات } فوجب أن يكون المراد بالأرض ~~الأرضون الثالث : أن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهذا مقتضى المبالغة ، وأما ~~القبضة فهي المرة الواحدة من القبض ، قال تعالى : { فقبضت قبضة من أثر ~~الرسول } ( طه : 96 ) والقبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف ، ويقال أيضا ~~أعطني قبضة من كذا ، يريد معنى القبضة تسمية بالمصدر ، والمعنى والأرضون ~~جميعا قبضته أي ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة من قبضاته ، يعني ms7857 أن الأرضين ~~مع ما لها من العظمة والبسطة لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته ، أما إذا ~~أريد معنى القبضة ، فظاهر لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه ~~بكف واحدة فإن قيل ما وجه قراءة من قرأ قبضته بالنصب ، قلنا جعل القبضة ~~ظرفا وقوله { مطويات } من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى : { يوم ~~نطوى السماء كطى السجل } ( الأنبياء : 104 ) وعادة طاوي السجل أن يطويه ~~بيمينه ، ثم قال صاحب الكشاف : وقيل قبضته ملكه ويمينه قدرته ، وقيل مطويات ~~بيمينه أي مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها ، ولما ذكر هذه الوجوه عاد إلى ~~القول الأول بأنها وجه ركيكة ، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى ، ~~وبالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب ، وأقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على ~~تحسين طريقته ، وتقبيح طريقة القدماء عجيب جدا ، فإنه إن كان مذهبه أنه ~~يجوز ترك الظاهر اللفظ ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في ~~القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة في شيء ، وإن كان مذهبه أن الأصل في ~~الكلام الحقيقة ، وأنه لا يجوز الدول عنه إلا لدليل منفل ، فهذا هو الطريقة ~~التي أطبق عليها جمهور المتقدمين ، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه ؟ وأين ~~العلم الذي لم يعرفه غيره ؟ مع أنه وقع في التأويلات العسر والكلمات ~~الركيكة ، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ ~~القبضة واليمين هذه الأعضاء ، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل ~~بتعيين المراد ، بل نفوض علمه إلى الله تعالى ، فنقول هذا هو طريق الموحدين ~~الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد الله من هذه الألفاظ هذه الأعضاء ، فأما ~~تعيين المراد ، فإنا نفوض ذلك العلم إلى الله تعالى ، وهذا هو طريقة السلف ~~المعرضين عن التأويلات ، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس ~~تحتها شيء من الفائدة أصلا ، والله أعلم . PageV27P015 # واعلم أنه تعالى لما بين عظمته من الوجه الذي تقدم قال : { سبحانه وتعالى ~~عما يشركون } يعني أن هذا ms7858 القادر القاهر العظيم الذي حارت العقول والألباب ~~في وصف عظمته تنزه وتقدس عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية ، فإن ~~قيل السؤال على هذا الكلام من وجوه الأول : أن العرش أعظم من السموات السبع ~~والأرضين السبع ، ثم إنه قال في صفة العرش { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية } ( الحاقة : 17 ) وإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم ، ~~فكيف يجوز تقدير عظمة الله بكونه حاملا للسموات والأرض ؟ # السؤال الثاني : أن قوله { والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه } شرح حالة لا تحصل إلا في يوم القيامة ، والقوم ما شاهدوا ~~ذلك ، فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم يكونون معترفين بأنه لا ~~يجوز القول بجعل الأصنام شركاء الله تعالى ، فلا فائدة في إيراد هذه الحجة ~~عليهم / وإن كان هذا الخطاب مع المكذبين بالنبوة وهم ينكرون قوله { والارض ~~جميعا قبضته يوم القيامة } فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك ~~؟ # السؤال الثالث : حاصل القول في القبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية ~~بحفظ هذه الأجسام العظيمة ، وكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا ~~بقدرة الله فكذلك الآن ، فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة ؟ # الجواب عن الأول : أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه ~~قادرا على حفظ هذه الأجسام العظيمة ، ثم بعد تقرير عظمته بكونه قادرا على ~~إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش . # الجواب عن الثاني : أن المقصود أن الحق سبحانه هو المتولي لإبقاء السموات ~~والأرضين على وجوه العمارة في هذا الوقت ، وهو المتولي بتخريبها وإفنائها ~~في يوم القيامة فذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ، وتنبيه ~~أيضا على كونه غنيا على الإصلاق ، فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض ~~فكأنه يقبض قبضة صغيرة ويريد إفناءها ، وذلك يدل على كمال الاستغناء . # الجواب عن الثالث : أنه إنما خصص تلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر ~~كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا ، فكذلك ظهر كمال قدرته عند خراب ~~الدنيا والله أعلم . # واعمل أنه تعالى ms7859 لما قدر كمال عظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريقة أخرى ~~تدل أيضا على كمال قدرته وعظمته ، وذلك شرح مقدمات يوم القيامة لأن نفخ ~~الصور يكون قبل ذلك اليوم ، فقال : { ونفخ فى الصور فصعق من فى * السماوات ~~* ومن فى الارض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } ~~واختلفوا في الصعقة ، منهم من قال إنها غير الموت بدليل قوله تعالى في موسى ~~عليه السلام { وخر موسى صعقا } ( الأعراف : 143 ) مع أنه لم يمت ، فهذا هو ~~النفخ الذي يورث الفزع الشديد ، وعلى هذا التقدير فالمراد من نفخ الصعقة ~~ومن نفخ الفزع واحد ، وهو المذكور في سورة PageV27P016 النمل في قوله { ~~ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى * السماوات * ومن فى الارض } ( النمل : 87 ) ~~وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين . # والقول الثاني : أن الصعقة عبارة عن الموت والقائلون بهذا القول قالوا ~~إنهم يموتون من الفزع وشدة الصوت ، وعلى هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث ~~مرات أولها : نفخة الفزع وهي المذكورة في سورة النمل والثانية : نفخة الصعق ~~والثالثة : نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة . # وأما قوله { إلا من شاء الله } ففيه وجوه الأول : قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : عند نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل ~~ويمكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يميت الله ميكائيل وإسرافيل ويبقي جبريل ~~وملك الموت ثم يميت جبريل . # والقول الثاني : أنهم هم الشهداء لقوله تعالى : { بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون } ( آل عمران : 169 ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش ) . # القول الثالث : قال جابر هذا المستثنى هو موسى عليه السلام لأنه صعق مرة ~~فلا يصعق ثانيا . # القول الرابع : أنهم الحور العين وسكن العرش والكرسي . # والقول الخامس : قال قتادة الله أعلم بأنهم من هم ، وليس في القرآن ~~والأخبار ما يدل على أنهم من هم . ثم قال تعالى : { ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون } وفيه أبحاث ms7860 : # الأول : لفظ القرآن دل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى ، لأن ~~لفظ { ثم } يفيد التراخي / قال الحسن رحمه الله القرآن دل على أن هذه ~~النفخة الأولى ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن بينهما أربعين ) ~~ولا أدري أربعون يوما أو شهرا أو أربعون سنة أو أربعون ألف سنة . # الثاني : قوله { أخرى } تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ ~~فيه نفخة أخرى ، وإنما حسن الحذف لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة . # الثالث : قوله { فإذا هم قيام } يعني قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه ~~النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله { فإذا هم } تدل ~~على التعقيب . # الرابع : قوله { ينظرون } وفيه وجهان الأول : ينظرون يقلبون أبصارهم في ~~الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم والثاني : ينظرون ماذا يفعل بهم ، ~~ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والخمود في مكان لأجل استيلاء الحيرة ~~والدهشة عليهم . # ولما بين الله تعالى هاتين النفختين قال : { وأشرقت الارض بنور ربها } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذه الأرض المذكورة ليست هي هذه الأرض التي يقعد عليها ~~الآن بدليل قوله تعالى : { يوم تبدل الارض غير الارض } ( إبراهيم : 48 ) ~~وبدليل قوله تعالى : { وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة } ( الحاقة : ~~14 ) بل هي أرض أخرى يخلقها الله تعالى لمحفل يوم القيامة . # المسألة الثانية : قالت المجسمة : إن الله تعالى نور محض ، فإذا حضر الله ~~في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور الله ، وأكدوا ~~هذا بقوله تعالى : { الله نور * السماوات والارض } ( النور : 35 ) . # واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه الأول : أنا بينا في تفسير قوله ~~تعالى : { الله نور * السماوات والارض } PageV27P017 أنه لا يجوز أن يكون ~~الله سبحانه وتعالى نورا بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة ، وبينا ~~أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة وجب حمل لفظ النور ههنا على العدل ، ~~فنحتاج ههنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى ، ثم إلى بيان ~~أن المراد من لفظ النور ههنا ms7861 ليس إلا هذا المعنى ، أما بيان الإستعمال فهو ~~أن الناس يقولون للملك العادل أشرقت الآفاق بعدلك ، وأضاءت الدنيا بقسطك ، ~~كما يقولون أظلمت البلاد بجورك ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( الظلم ظلمات ~~يوم القيامة ) وأما بيان أن المراد من النور ههنا العدل فقط أنه قال : { ~~وجىء بالنبيين والشهداء } ومعلوم أن المجيء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل ~~، وأيضا قال في آخر الآية بإثبات العدل وختمها بنفي الظلم والوجه الثاني : ~~في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى : { وأشرقت الارض بنور ربها } ~~يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى ، ولا يلزم كون ذلك صفة ذات ~~الله تعالى ، لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب ، فلما كان ذلك النور من ~~خلق الله وشرفه بأن أضافه إلى نفسه كان ذلك النور نور الله ، كقوله : بيت ~~الله ، وناقة الله وهذا الجواب أقوى من الأول ، لأن في هذا الجواب لا يحتاج ~~إلى ترك الحقيقة والذهات إلى المجاز . والوجه الثالث : أنه قد قال فلان رب ~~هذه الأرض ورب هذه الدار ورب هذه الجارية ، ولا يبعد أن يكون رب هذه الأرض ~~ملكا من الملوك ، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع كونه نورا . # المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر في هذه الآية من أحوال ذلك اليوم أشياء ~~: أولها : قوله { وأشرقت الارض بنور ربها } وقد سبق الكلام فيه وثانيها : ~~قوله { ووضع الكتاب } وفي المراد بالكتاب وجوه الأول : أنه اللوح المحفوظ ~~الذي يحصل فيه شرح أحوال عالم الدنيا إلى وقت قيام القيامة الثاني : المراد ~~كتب الأعمال كما قال تعالى في سورة سبحان { وكل إنسان ألزمناه طئره فى عنقه ~~ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } ( الإسرار : 13 ) وقال أيضا في ~~آية أخرى { ما لهاذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف ~~: 49 ) وثالثها : قوله { وجىء بالنبيين } والمراد أن يكونوا شهداء على ~~الناس ، قال تعالى : { كيف * إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا } ( النساء : 41 ) وقال تعالى : { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا ~~أجبتم } ( المائدة : 109 ms7862 ) ورابعها : قوله { والشهداء } والمراد ما قاله في ~~{ وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } ( البقرة : 143 ) أو ~~أراد بالشهداء المؤمنين ، وقال مقاتل : يعني الحفظة ، ويدل عليه قوله تعالى ~~: { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } ( ق : 21 ) وقيل أراد بالشهداء ~~المستشهدين في سبيل الله ، ولما بين الله تعالى أنه يحضر في محفل القيامة ~~جميع ما يحتاج إليه في فصل الحكومات وقطع الخصومات ، بين تعالى أنه يوصل ~~إلى كل أحد حقه ، وعبر تعالى عن هذا المعنى بأربع عبارات أولها : قوله ~~تعالى : { وقضى بينهم بالحق } وثانيها : قوله { وهم لا يظلمون } وثالثها : ~~قوله { ووفيت كل نفس ما عملت } أي وفيت كل نفس جزاء ما علمت ، ورابعها : ~~قوله : { وهم * أعلم بما يفعلون } يعني أنه تعالى إذا لم يكن عالما بكيفيات ~~أحوالهم فلعله لا يقضي بالحق لأجل عدم العلم ، أما إذا كان عالما بمقادير ~~أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ في ذلك الحكم ، فثبت أنه تعالى عبر عن ~~هذا المقصود بهذه العبارات المختلفة ، والمقصود المبالغة في تقرير أن كل ~~مكلف فإنه يصل إلى حقه . # PageV27P018 ! 7 < { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جآءوها فتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتهآ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ءايات ربكم ~~وينذرونكم لقآء يومكم هاذا قالوا بلى ولاكن حقت كلمة العذاب على الكافرين * ~~قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } > 7 ! # < < # | الزمر : ( 71 ) وسيق الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل القيامة على سبيل الإجمال فقال : { ~~ووفيت كل نفس ما عملت } ( الزمر : 70 ) بين بعده كيفية أحوال أهل العقاب ، ~~ثم كيفية أحوال أهل الثواب وختم السورة . # أما شرح أحوال أهل العقاب فهو المذكور في هذه الآية ، وهو قوله { وسيق ~~الذين كفروا إلى جهنم زمرا } قال ابن زيدان : سوق الذين كفروا إلى جهنم ~~يكون بالعنف والدفع ، والدليل عليه قوله تعالى : { يوم يدعون إلى نار جهنم ~~دعا } ( الطور : 13 ) أي يدفعون دفعا ، نظيره قوله تعالى : { فلذلك * الذى ~~يدع اليتيم } ( الماعون : 2 ) أي يدفعه ، ويدل عليه قوله تعالى : { ونسوق ms7863 ~~المجرمين إلى جهنم وردا } ( مريم : 86 ) . # وأما الزمر ، فهي الأفواج المتفرقة بعض في أثر بعض ، فبين الله تعالى ~~أنهم يساقون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابها ، وهذا يدل على أن أبواب ~~جهنم إنما تفتح عند وصول أولئك إليها ، فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنة جهنم ~~{ ألم يأتكم رسل منكم } أي من جنسكم { يتلون عليكم ءايات ربكم وينذرونكم ~~لقاء يومكم هاذا } فإن قيل فلم أضيف اليوم إليهم ؟ قلنا أراد لقاء وقتكم ~~هذا وهو وقت دخولهم النار ، لا يوم القيامة ، واستعمال لفظ اليوم والأيام ~~في أوقات الشدة مستفيض ، فعند هذا تقول الكفار : بلى قد أتونا وتلوا علينا ~~{ ولاكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } وفي هذه الآية مسألتان : # المسألة الأولى : تقدير الكلام أنه حقت علينا كلمة العذاب ، ومن حقت عليه ~~كلمة العذاب فكيف يمكنه الخلاص من العذاب ، وهذا صريح في أن السعيد لا ~~ينقلب شقيا ، والشقي لا ينقلب سعيدا ، وكلمات المعتزلة في دفع هذا الكلام ~~معلومة ، وأجوبتنا عنها أيضا معلومة . # المسألة الثانية : دلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع ، لأن ~~الملائكة بينوا أنه ما بقي لهم علة ولا عذر بعد مجيء الأنبياء عليهم السلام ~~، ولو لم يكن مجيء الأنبياء شرطا في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام ~~فائدة ، ثم إن الملائكة إذا سمعوا منهم هذا الكلام قالوا فهم { ادخلوا ~~أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } قالت المعتزلة : لو كان ~~دخولهم النار لأجل أنه حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة { فبئس ~~مثوى المتكبرين } فائدة ، بل هذا الكلام إنما يبقى مقيدا إذا قلنا إنهم ~~إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ، ولم ~~يلتفتوا إلى دلائلهم ، وذلك يدل على صحة قولنا ، والله أعلم بالصواب . # PageV27P019 ! 7 < { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا ~~جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين * ~~وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الا رض نتبوأ من الجنة حيث نشآء ~~فنعم أجر العاملين * وترى الملائكة حآفين من حول ms7864 العرش يسبحون بحمد ربهم ~~وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين } > 7 ! # < < # | الزمر : ( 73 ) وسيق الذين اتقوا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب في الآية المتقدمة ، شرح ~~أحوال أهل الثواب في هذه الآية ، فقال : { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة ~~زمرا } فإن قيل السوق في أهل النار للعذاب معقول ، لأنهم لما أمروا بالذهاب ~~إلى موضع العذاب والشقاوة لا بد وأن يساقوا إليه ، وأما أهل الثواب فإذا ~~أمروا بالذهاب إلى موضع الكرامة والراحة والسعادة ، فأي حاجة فيه إلى السوق ~~؟ # والجواب من وجوه الأول : أن المحبة والصداقة باقية بين المتقين يوم ~~القيامة كما قال تعالى : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( ~~الزخرف : 67 ) فإذا قيل لواحد منهم إذهب إلى الجنة فيقول : لا أدخلها حتى ~~يدخلها أحبائي وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب ، فحينئذ يجتاجون إلى أن ~~يساقوا إلى الجنة والثاني : أن الذين اتقوا ربهم قد عبدوا الله تعالى لا ~~للجنة ولا للنار ، فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال الجمال ~~مانعة لهم عن الرغبة في الجنة ، فلا جرم يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة ~~والثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أكثر أهل الجنة البله ~~وعليون للأبرار ) فلهذا السبب يساقون إلى الجنة والرابع : أن أهل الجنة ~~وأهل النار يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان ~~والعنف كما يفعل بالأسير إذ سيق إلى الحبس والقيد ، والمراد بسوق أهل الجنة ~~سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين ، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى ~~دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على الملوك ، ~~فشتان ما بين السوقين . # ثم قال تعالى : { حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها } الآية ~~، واعلم أن جملة هذا الكلام شرط واحد مركب من قيود : القيد الأول : هو ~~مجيئهم إلى الجنة والقيد الثاني : قوله تعالى : { وفتحت أبوابها } فإن قيل ~~قال أهل النار فتحت أبوابها بغير الواو ، وقال ههنا بالواو فما الفرق ؟ ~~قلنا الفرق أن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها ms7865 فيها ، فأما أبواب ~~الجنة ففتحها يكون متقدما على وصولهم إليها بدليل قوله { جنات عدن مفتحة ~~لهم الابواب } ( ص : 50 ) فلذلك جيء بالواو كأنه قيل : حتى إذا جاءوها وقد ~~فتحت أبوابها . القيد الثالث : قوله { وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ~~فادخلوها خالدين } فبين تعالى أن خزنة PageV27P020 الجنة يذكرون لأهل ~~الثواب هذه الكلمات الثلاث فأولها : قولهم { سلام عليكم } وهذا يدل على ~~أنهم يبشرونهم بالسلامة من كل الآفات وثانيها : قولهم { طبتم } والمعنى ~~طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا وثالها : قولهم { فادخلوها ~~خالدين } والفاء في قوله { فادخلوها } يدل على كون ذلك الدخول معللا بالطيب ~~والطهارة ، قالت المعتزلة هذا يدل على أن أحدا لا يدخلها إلا إذا كان طاهرا ~~عن كل المعاصي / قلنا هذا شعيف لأنه تعالى يبدل سيئاتهم حسنات ، وحينئذ ~~يصيرون طيبين طاهرين بفضل الله تعالى ، فإن قيل فهذا الذي تقدم ذكره هو ~~الشرط فأين الجواب ؟ قلنا فيه وجهان الأول : أن الجواب محذوف والمقصود من ~~الحذف أن يدل على أنه بلغ في الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره الثاني : أن ~~الجواب هو قوله تعالى : { وقال لهم خزنتها سلام عليكم } والواو محذوف ، ~~والصحيح هو الأول ، ثم أخبر الله تعالى بأن الملائكة إذا خاطبوا المتقين ~~بهذه الكلمات ، قال المتقون عند ذلك { الحمد لله الذى صدقنا وعده } في قوله ~~{ ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون } ( فصلت : 30 ) ~~{ وأورثنا الارض } والمراد بالأرض أرض الجنة ، وإنما عبر عنه بالإرث لوجوه ~~الأول : أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم عليه السلام ، لأنه تعالى قال : ~~دوكلا منها رغدا حيث شئتما } ( البقرة : 35 ) فلما عادت الجنة إلى أولاد ~~آدم كان ذلك سببا لتسميتها بالإرث الثاني : أن هذا اللفظ مأخوذ من قول ~~القائل : هذا أورث كدا وهذا العمل أورث كدا فلما كانت طاعتهم قد أفادتهم ~~الجنة ، لا جرم قالوا { * } ( البقرة : 35 ) فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم ~~كان ذلك سببا لتسميتها بالإرث الثاني : أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل : ~~هذا أورث كدا وهذا العمل أورث كدا فلما ms7866 كانت طاعتهم قد أفادتهم الجنة ، لا ~~جرم قالوا { وأورثنا الارض } والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا ~~للإتيان بأعمال أورثت الجنة الثالث : أن الوارث يتصرف فيما يرثه كما يشاء ~~من غي منازع ولا مدافع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة كيف شاءوا ~~وأرادوا ، والمشابهة علة حسن المجاز فإن قيل ما معنى قوله { حيث نشاء } وهل ~~يتبوأ أحدهم مكان غيره ؟ قلنا يكون لكل أحد جنة لا يحتاج معها إلى جنة عيره ~~، قال حكماء الإسلام : الجنات نوعان ، الجنات الجسمانية والجنات الروحانية ~~فالجنات الجسمانية لا تحتمل المشاركة فيها ، أما الروحانيات فحصولها لواحد ~~لا يمنع من حصولها للآخرين ، ولما بين الله تعالى صفة أهل الجنة قال : { ~~فنعم أجر العاملين } قال مقاتل ليس هذا من كلام أهل الجنة ، بل من كلام ~~الله تعالى لأنه لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل ~~الجنة قال بعده { فنعم أجر العاملين } ولما قال تعالى : { وترى الملائكة ~~حافين من حول العرش } ذكر عقيبه ثواب الملائكة فقال كما أن دار ثواب ~~المتقين المؤمنين هي الجنة ، فكذلك دار ثواب الملائكة جوانب العرش وأطرافه ~~، فلهذا قال : { وترى الملائكة حافين من حول العرش } أي محفين بالعرش . قال ~~الليث : يقال حف القوم بسيدهم يحفون حفا إذا طافوا به . # إذا عرفت هذا ، فنقول بين تعالى أن دار ثوابهم هو جوانب العرش وأطرافه ثم ~~قال : { يسبحون بحمد ربهم } وهذا مشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التحميد ~~والتسبيح ، وحينئذ رجع حاصل الكلام إلى أن أعظم درجات الثواب استغراق قلوب ~~العباد دي درجات التنزيه ومنازل التقديس . # ثم قال : { وقضى بينهم بالحق } والمعنى أنهم على درجات مختلفة ومراتب ~~متفاوتة ، فلكل واحد منهم في درجات المرعفة والطاعة حد محدود لا يتجاوزه ~~ولا يتعداه ، وهو المراد من قوله { وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب ~~العالمين } أي الملائكة لما قضي بينهم بالحق قالوا الحمد لله رب العالمين ~~على PageV27P021 قضائه بيننا بالحق ، وههنا دقيقة أعلى مما سبق وهي أنه ~~سبحانه لما قضى بينهم بالحق ، فهم ما حمدوه ms7867 لأجل ذلك القضاء ، بل حمدوه ~~بصفته الواجبة وهي كونه ربا للعالمين / فإن من حمد المنعم لأجل أن إنعامه ~~وصل إليه فهو في الحقيقة ما حمد المنعم وإنما حمد الإنعام ، وأما من حمد ~~المنعم لا لأنه وصل إليه النعمة فههنا قد وصل إلى لجة بحر التوحيد ، هذا ~~إذا قلنا إن قوله { وترى الملائكة حافين من حول العرش } شرح أحوال الملائكة ~~في الثواب ، أما إذا قلنا إنه من بقية شرح ثواب المؤمنين ، فتقريره أن يقال ~~إن المتقين لما قالوا { الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الارض نتبوأ من ~~الجنة حيث نشاء } فقد ظهر منهم أنهم في الجنة اشتغلوا بحمد الله وبذكره ~~بالمدح والثناء ، فبين تعالى أنه كما أن حرفة المتقين في الجنة الاشتغال ~~بهذا التحميد والتمجيد ، فكذلك حرفة الملائكة الذين هم حافون حول العرش ~~الاشتغال بالتحميد والتسبيح ، ثم إن جوانب العرش ملاصقة لجوانب الجنة ، ~~وحينئذ يظهر منه أن المؤمنين المتقين وأن الملائكة المقربين يصيرون ~~متوافقين على الاستغراق في تحميد الله وتسبيحه ، فكان ذلك سببا لمزيد ~~التذاذهم بذلك التسبيح والتحميد . # ثم قال : { وقضى بينهم بالحق } أي بين البشر ، ثم قال : { وقيل الحمد لله ~~رب العالمين } والمعنى أنهم يقدمون التسبيح ، والمراد منه تنزيه الله عن كل ~~ما لا يليق بالإلهية . # وأما قوله تعالى : { وقيل الحمد لله رب العالمين } فالمراد وصفه بصفات ~~الإلهية ، فالتسبيح عبارة عن الاعتراف بتنزيهه عن كل ما لا يليق به وهو ~~صفات الجلال ، وقوله { وقيل الحمد لله رب العالمين } عبارة عن الإقرار ~~بكونه موصوفا بصفات الإلهية وهي صفات الإكرام ، ومجموعهما هو المذكور في ~~قوله { تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام } ( الرحمن : 78 ) وهو الذي كانت ~~الملائكة يذكرونه قبل خلق العالم وهو قولهم { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ( ~~البقرة : 30 ) وفي قوله { وقيل الحمد لله رب العالمين } دقيقة أخرى وهي أنه ~~لم يبين أن ذلك القائل من هو ، والمقصود من هذا الإبهام التنبيه ، على أن ~~خاتمة كلام العقلاء في الثناء على حضرة الجلال والكبرياء ليس إلا أن يقولوا ~~{ الحمد لله رب العالمين ms7868 } وتأكد هذا بقوله تعالى في صفة أهل الجنة { ~~دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } ( يونس : 10 ) . # PageV27P022 < # > 1 ( سورة غافر ) 1 < # > # ثمانون وخمس آيات مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { حم* تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل ~~التوب شديد العقاب ذى الطول لا إلاه إلا هو إليه المصير * ما يجادل فىءايات ~~الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم فى البلاد * كذبت قبلهم قوم نوح ~~والا حزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا ~~به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب * وكذالك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم ~~أصحاب النار } . > 7 ! # < < # | غافر : ( 1 ) حم # > > اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي حم بكسر ~~الحاء ، والباقون بفتح الحاء ، ونافع في بعض الروايات ، وابن عامر بين ~~الفتح والكسر وهو أن لا يفتحها فتحا شديدا ، قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء ~~بفتح الميم وتسكينها ، ووجه الفتح التحريك لالتقاء الساكنين وإيثار أخف ~~الحركات نحو : أين وكيف ، أو النصب بإضمار إقرأ ، ومنع الصرف إما للتأنيث ~~والتعريف ، من حيث إنها اسم للسورة وللتعريف ، وإنها على زنة أعجمي نحو ~~قابيل وهابيل ، وأما السكون فلأنا بينا أن الأسماء المجردة تذكر موقوفة ~~الأواخر . PageV27P023 # المسألة الثانية : الكلام المستقصى في هذه الفواتح مذكور في أول سورة ~~البقرة ، والأقرب ههنا أن يقال حم اسم للسورة ، فقوله { حم } مبتدأ ، وقوله ~~{ تنزيل الكتاب من الله } خبر والتقدير أن هذه السورة المسماة بحم تنزيل ~~الكتاب ، فقوله { تنزيل } مصدر ، لكن المراد منه المنزل . # وأما قوله { من الله } فاعلم أنه لما ذكر أن { حم * تنزيل الكتاب } وجب ~~بيان أن المنزل من هو ؟ فقال : { من الله } ثم بين أن الله تعالى موصوف ~~بصفات الجلال وسمات العظمة ليصير ذلك حاملا على التشمير عن ساق الجد عند ~~الاستماع وزجره عن التهاون والتواني فيه ، فبين أن المنزل هو { الله العزيز ~~العليم } . # واعلم أن الناس اختلفوا في أن العلم بالله ما هو ؟ فقال جمع عظيم ، أنه ~~العلم بكونه قادرا وبعده العالم ms7869 بكونه عالما ، إذا عرفت هذا فنقول { العزيز ~~} له تفسيران أحدهما : الغالب فيكون معناه القادر الذي لا يساويه أحد في ~~القدرة والثاني : الذي لا مثل له ، ولا يجوز أن يكون المراد بالعزيز هنا ~~القادر ، لأن قوله تعالى : { الله } يدل على كونه قادرا ، فوجب حمل { ~~العزيز } على المعنى الثاني وهو الذي لا يوجد له مثل ، وما كان كذلك وجب أن ~~لا يكون جسما ، والذي لا يكون جسما يكون منزها عن الشهوة والنفرة ، والذي ~~يكون كذلك يكون منزها عن الحاجة . وأما { العليم } فهو مبالغة في العلم ، ~~والمبالغة التامة إنما تتحقق عند كونه تعالى عالما بكل المعلومات ، فقوله { ~~من الله العزيز العليم } يرجع معناه إلى أن هذا الكتاب تنزيل من القادر ~~المطلق ، الغني المطلق ، العالم المطلق ، ومن كان كذلك كان عالما بوجوه ~~المصالح والمفاسد ، وكان عالما بكونه غنيا عن جر المصالح ودفع المفاسد ، ~~ومن كان كذلك كان رحيما جوادا ، وكانت أفعاله حكمة وصوابا منزهة عن القبيح ~~والباطل ، فكأن سبحانه إنما ذكر عقيب قوله { تنزيل } هذه الأسماء الثلاثة ~~لكونها دالة على أن أفعاله سبحانه حكمة وصواب ، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن ~~يكون هذا التنزيل حقا وصوابا ، وقيل الفائدة في ذكر { العزيز العليم } ~~أمران أحدهما : أنه بقدرته وعلمه أنزل القرآن على هذا الحد الذي يتضمن ~~المصالح والإعجاز / ولولا كونه عزيزا عليما لما صح ذلك والثاني : أنه تكفل ~~بحفظه وبعموم التكليف فيه وظهوره إلى حين انقطاع التكليف ، وذلك لا يتم إلا ~~بكونه عزيزا لا يغلب وبكونه عليما لا يخفى عليه شيء ، ثم وصف نفسه بما يجمع ~~الوعد والوعيد والترهيب والترغيب ، فقال : { غافر الذنب وقابل التوب شديد ~~العقاب ذى الطول لا إلاه إلا هو إليه المصير } فهذه ستة أنواع من الصفات : # الصفة الأولى : قوله { غافر الذنب } قال الجبائي : معناه أنه غافر الذنب ~~إذا استحق غفرانه إما بتوبة أو طاعة أعظم منه ، ومراده منه أن فاعل المعصية ~~إما أن يقال إنه كان قد أتى قبل ذلك بطاعة كان ثوابها أعظم من عقاب هذه ~~المعصية أو ما كان الأمر ms7870 كذلك فإن كان الأول كانت هذه المعصية صغيرة فيحبط ~~عقابها ، وإن كان الثاني كانت هذه المعصية كبيرة فلا يزول عقابها إلا ~~بالتوبة ، ومذهب أصحابنا أن الله تعالى قد يعفو عن الكبيرة بعد التوبة ، ~~وهذه الآية تدل على ذكل وبيانه من وجوه الأول : أن غفران الكبيرة بعد ~~التوبة وغفران الصغيرة من الأمور الواجبة على العبد ، وجميع الأنبياء ~~والألياء والصالحين من أوساط الناس مشتركون في فعل الواجبات ، فلو حملنا ~~كونه تعالى غافر الذنب على هذا المعنى لم يبقبينه وبين أقل الناس من زمرة ~~المطيعين فرق في المعنى الموجب لهذا المدح وذلك باطل ، فثبت أنه يجب أن ~~يكون المراد منه كونه غافر الكبائر قبل التوبة وهو المطلوب الثاني : أن ~~الغفران عبارة عن الستر ومعنى الستر إنما يعقل في الشيء الذي PageV27P024 ~~يكون باقيا موجودا فيستر ، والصغيرة تحبط بسبب كثرة ثواب فاعلها ، فمعنى ~~الغفر فيها غير معقول ، ولا يمكن حمل قوله { غافر الذنب } على الكبيرة بعد ~~التوبة ، لأن معنى كونه قابلا للتوب ليس إلا ذلك ، فلو كان المراد غافر ~~الذنب هذا المعنى لزم التكرار وإنه باطل فثبت أن كونه غافر الذنب يفيد كونه ~~غافرا للذنوب الكبائر قبل التوبة الثالث : أن قوله { غافر الذنب } مذكور في ~~معرض المدح العظيم ، فوجب حمله على ما يفيد أعظم أنواع المدح ، وذلك هو ~~كونه غافرا للكبائر قبل التوبة ، وهو المطلوب . # الصفة الثانية : { وقابل التوب } وفيه بحثان : # الأول : في لفظ التوب قولان : الأول : أنه مصدر وهو قول أبي عبيدة ، ~~والثاني : أنه جماعة التوبة وهو قول الأخفش ، قال المبرد يجوز أن يكون ~~مصدرا يقال تاب يتوب توبا وتوبة مثل قال يقول قولا وقولة ، ويجوز أن يكون ~~جمعا لتوبة فيكون توبة وتوب مثل ثمرة وثمر إلا أن المصدر أقرب لأن على هذا ~~التقدير يكون تأويله أنه يقبل هذا الفعل . # الثاني : مذهب أصحابنا أن قبول التوبة من المذنب يقع على سبيل التفضل ، ~~وليس بواجب على الله ، وقالت المعتزلة إنه واجب على الله واحتج أصحابنا ~~بأنه تعالى ذكر كونه قابلا للتوب على سبيل المدح والثناء ms7871 ، ولو كان ذلك من ~~الواجبات لم يبق فيه من معنى المدح إلا القليل ، وهو القدر الذي يحصل لجميع ~~الصالحين عند أداء الواجبات والاحتراز عن المحظورات . # الصفة الثالثة : قوله { شديد العقاب } وفيه مباحث : # البحث الأول : في هذه الآية سؤال وهو أن قوله { شديد العقاب } يصلح أن ~~يكون نعتا للنكرة ولا يصلح أن يكون نعتا للمعرفة تقول مررت برجل شديد البطش ~~، ولا تقول مررت بعبد الله شديد البطش ، وقوله الله تسم علم فيكون معرفة ~~فكيف يجوز وصفه بكونه شديد العقاب مع أنه لا يصلح إلا أن يجعل وصفا لنكرة ؟ ~~قالوا وهذا بخلاف قولنا غافر الذنب وقابل التوب لأنه ليس المراد منهما حدوث ~~هذين الفعلين وأنه يغفر الذنب ويقبل التوبة الآن أو غدا ، وإنما أريد ثبوت ~~ذلك ودوامه ، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب العرش / وأما { شديد العقاب } ~~فمشكل لأنه في تقدير شديد عقابه فيكون نكرة فلا يصح جعله صفة للمعرفة ، ~~وهذا تقرير السؤال وأجيب عنه بوجوه الأول : أن هذه الصفة وإن كانت نكرة إلا ~~أنها لما ذكرت مع سائر الصفات التي هي معارف حسن ذكرها كما في قوله { وهو ~~الغفور الودود * ذو العرش المجيد * فعال لما يريد } ( البروج : 14 16 ) ~~والثاني : قال الزجاج إن خفض { شديد العقاب } على البدل ، لأن جعل النكرة ~~بدلا من المعرفة وبالعكس أمر جائز ، واعترضوا عليه بأن جعله وحده بدلا من ~~الصفات فيه نبوة ظاهرة الثالث : أنه لا نزاع في أن قوله { غافر الذنب وقابل ~~التوب } يحسن جعلهما صفة ، وإنما كان كذلك لأنهما مفيدان معنى الدوام ~~والاستمرار ، فكذلك قوله { شديد العقاب } يفيد معنى الدوام والاستمرار ، ~~لأن صفات الله تعالى منزهة عن الحدوث والتجدد ، فكونه { شديد العقاب } ~~معناه كونه بحيث يشتد عقابه ، وهذا المعنى حاصل أبدا ، وغير موصوف بأنه حصل ~~بعد أن لم يكن كذلك ، فهذا ما قيل في هذا الباب / # البحث الثاني : هذه الآية مشعرة بترجيح جانب الرحمة والفضل ، لأنه تعالى ~~لما أراد أن يصف نفسه PageV27P025 بأنه شديد العقاب ذكر قبله أمرين كل واحد ~~منهما يقتضي زوال العقاب ms7872 ، وهو كونه غافر الذنب وقابل التوب وذكر بعده ما ~~يدل على حصول الرحمة العظيمة ، وهو قوله { ذى الطول } ، فكونه شديد العقاب ~~لما كان مسبوقا بتينك الصفتين وملحوقا بهذه الصفة ، دل ذلك على أن جانب ~~الرحمة والكرم أرجح . # البحث الثالث : لقائل أن يقول ذكر الواو في قوله { غافر الذنب وقابل ~~التوب } ولم يذكرها في قوله { شديد العقاب } فما الفرق ؟ قلنا إنه لو لم ~~يذكر الواو في قوله { غافر الذنب وقابل التوب } لاحتمل أن يقع في خاطر ~~إنسان أنه لا معنى لكونه غافر الذنب إلاة كونه قابل التوب ، أما لما ذكر ~~الواو زال هذا الاحتمال ، لأن عطف الشيء على نفسه محال ، أما كونه شديد ~~العقاب فمعلوم أنه مغاير لكونه { غافر الذنب وقابل التوب } فاستغنى به عن ~~ذكر الواو . # الصفة الرابعة : { ذكر * الطول } أي ذي التفضل يقال طال علينا طولا أي ~~تفضل علينا تفضلا ، ومن كلامهم طل علي بفضلك ، ومنه قوله تعالى : { أولوا ~~الطول منهم } ( الزمر : 86 ) ومضى تفسيره عند قوله { ومن لم يستطع منكم ~~طولا } ( النساء : 25 ) واعلم أنه لم يصف نفسه بكونه { شديد العقاب } لا بد ~~وأن يكون المراد بكونه تعالى آتيا بالعقاب الشديد الذي لا يقبح منه إتيانه ~~به ، بل لا يجوز وصفه تعالى بكونه آتيا لفعل القبيح ، وإذا ثبت هذا فنقول : ~~ذكر بعده كونه ذا الطول وهو كونه ذا الفضل ، فيجب أن يكون معناه كونه ذا ~~الفضل بسبب أن يترك العقاب الذي له أن يفعله لأنه ذكر كونه ذا الطول ولم ~~يبين أنه ذو الطول فيماذا فوجب صرفه إلى كونه ذا الطول في الأمر الذي سبق ~~ذكره ، وهو فعل العقاب الحسن دفعا للإجمال ، وهذا يدل على أنه تعالى قد ~~يترك العقاب الذي حسن منه تعالى فعله ، وذلك يدل على أن العفو عن أصحاب ~~الكبائر جائز وهو المطلوب . # الصفة الخامسة : التوحيد المطلق وهو قوله { لا إلاه إلا هو } والمعنى أنه ~~وصف نفسه بصفات ارحمة والفضل ، فلو كان معه إله آخر يشاركه ويساويه في صفة ~~الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى ms7873 عبوديته شديدة ، أما إذا كان واحدا وليس ~~له شريك ولا شبيه كانت الحاجة إلى الإقرار بعبوديته شديدة ، فكان الترغيب ~~والترهيب الكاملان يحصلان بسبب هذا التوحيد . # الصفة السادسة : قوله { إليه المصير } وهذه الصفة أيضا مما يقوى الرغبة ~~في الإقرار بعبوديته / لأنه بتقدير أن يكون موصوفا بصفات الفضل والكرم وكان ~~واحدا لا شريك له ، إلا أن القول بالحشر والنشر إن كان باطلا لم يكن الخوف ~~الشديد حاصلا من عصيانه ، أما لما كان القول بالحشر والقيامة حاصلا كان ~~الخوف أشد والحذر أكمل ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الالصفات ، واحتج ~~أهل التشبيه بلفظة إلى ، وقالوا إنها تفيد انتهاء الغاية ، والجواب عنه ~~مذكور في مواضع كثيرة من هذا الكتاب . # واعلم أنه تعالى لما قرر أن القرآن كتاب أنزله ليهتدى به في الدين ذكر ~~أحوال من يجادل لغرض إبطاله وإخفاء أمره فقال : { ما يجادل فىءايات الله ~~إلا الذين كفروا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن الجدال نوعان جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير ~~الباطل ، أما الجدال في تقرير الحق فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام قال ~~تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم { وجادلهم بالتى هى أحسن } ( النمل : 125 ) ~~وقال حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام { يانوح قد جادلتنا ~~فأكثرت جدالنا } ( هود : 32 ) PageV27P026 وأما الجدال في تقرير الباطل فهو ~~مذموم وهو المراد بهذه الآية حيث قال : { ما يجادل فىءايات الله إلا الذين ~~كفروا } وقال : { ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } ( الزخرف : 58 ) ~~وقال : { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } وقال صلى الله عليه وسلم : ( ~~إن جدالا في القرآن كفر ) فقوله إن جدالا على لفظ التنكير يدل على التمييز ~~بين جدال لأجل تقريره والذب عنه ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن جدالا في ~~القرآن كفر ) وقال : ( لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر ) . # المسألة الثانية : الجدال في آيات الله هو أن يقال مرة إنه سحر ومرة إنه ~~شعر ومرة إنه قول الكهنة ومرة أساطير الأولين ومرة إنما يعلمه بشر ، وأشباه ~~هذا مما كانوا ms7874 يقولون من الشبهات الباطلة فذكر تعالى أنه لا يفعل هذا إلا ~~الذين كفروا وأعرضوا عن الحق . # ثم قال تعالى : { فلا يغررك تقلبهم فى البلاد } أي لا ينبغي أن تغتر بأني ~~أمهلهم وأتركهم سالمين في أبدانهم وأمرالهم يتقلبون في البلاد أي يتصرفون ~~للتجارات وطلب المعاش ، فإني وإن أمهلتهم فإني سآخذهم وأنتقم منهم كما فعلت ~~بأشكالهم من الأمم الماضية ، وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن ~~ولهم الأموال الكثيرة يتجرون فيها ويربحون ، ثم كشف عن هذا المعنى فقال : { ~~كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم } فذكر من أولئك المكذبين قوم نوح ~~والأحزاب من بعدهم أي الأمم المستمرة على الكفر كقوم عاد وثمود وغيرهم ، ~~كما قال في سورة ص( 12 ، 13 ) { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد ~~* وثمود وقوم لوط وأصحاب لئيكة أولئك الاحزاب } وقوله { وهمت كل * أملا * ~~برسولهم ليأخذوه } أي وعزنت كل أمة من هؤلاء الأحزاب أن يأخذوا رسولهم ~~ليقتلوه ويعذبوه ويحبسوه { وجادلوا بالباطل } أي هؤلاء جادلوا رسلهم ~~بالباطل أي بأيراد الشبهات { ليدحضوا به الحق } أي أن يزيلوا بسبب إيراد ~~تلك الشبهات الحق والصدق { فأخذتهم فكيف كان عقاب } أي فأنزلت بهم من ~~الهلاك ما هموا بإنزاله بالرسل ، وأرادوا أن يأخذوهم فأخذتهم أنا ، فكيف ~~كان عقابي إياهم ، أليس كان مهلكا مستأصلا مهيبا في الذكر والسماع ، فأنا ~~أفعل بقومك كما فعلت بهؤلاء إن أصروا على الكفر والجدال في آيات الله ، ثم ~~كشف عن هذا المعنى فقال : { وكذالك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم ~~أصحاب النار } أي ومثل الذي حق على أولئك الأمم السالفة من العقاب حقت ~~كلمتي أيضا على هؤلاء الذين كفروا من قومك فهم على شرف نزول العقاب بهم قال ~~صاحب ( الكشفا ) { أنهم أصحاب النار } في محل الرفع بدل من قوله { وأورثنا ~~القوم } أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار / ومعناه ~~كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل ، كذلك وجب إهلاكهم بعذاب ~~النار في الآخرة ، أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل ، واحتج ms7875 ~~أصحابنا بهذه الآية على أن قضاء الله بالسعادة والشاقوة لازم لا يمكن ~~تغييره ، فقالوا إنه تعالى أخبر أنه حقت كلمة العذاب عليهم وذلك يدل على ~~أنهم لا قدرة لهم على الإيمان ، لأنهم لو تمكنوا منه لتمكنوا من إبطال هذه ~~الكلمة الحقة ، ولتمكنوا من إبطال علم الله وحكمته ، ضرورة أن المتمكن من ~~الشيء يجب كونه متمكنا من كل ما هو من لوازمه ، ولأنهم لو آمنوا لوجب عليهم ~~أن يؤمنوا بهذه الآية فحينئذ كانوا قد آمنوا بأنهم لا يؤمنون أبدا ، وذلك ~~تكليف ما لا يطاق ، وقرأ نافع وابن عامر { حقت * كلمات * ربك } على الجمع ~~والباقون على الواحد . # PageV27P027 ! 7 < { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدن التى ~~وعدتهم ومن صلح من ءابآئهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم * وقهم ~~السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم } . > 7 ! # < < # | غافر : ( 7 ) الذين يحملون العرش . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع ~~المؤمنين ، بين أن أشرف طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش ~~والحافون حول العرش يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين ، كأنه تعالى ~~يقول إن كان هؤلاء الأراذل يباالغون في العداوة فلا تبال بهم ولا تلتفت ~~إليهم ولا تقم لهم وزنا ، فإن حملة العرش والحافون من حول العرش معك ~~ينصرونك وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى حكى عن نوعين من فرق الملائكة هذه الحكاية : # القسم الأول : { الذين يحملون العرش } وقد حكى تعالى أن الذين يحملون ~~العرش يوم القيامة ثمانية ، فيمكن أن يقال الذين يحملون في هذا الوقت هم ~~أولئك الثمانية الذين يحملونه يوم القيامة ، ولا شك أن حملة العرش أشراف ~~الملائكة وأكابرهم ، روى صاحب ( الكشاف ) أن حملة العرش أرجلهم في الأرض ~~السفلى ورؤسهم قد خرقت العرش وهم خشوع ولا يرفعون طرفهم ، وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ( لا تتفكروا في ms7876 عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله ~~تعالى من الملائكة فإن خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية العرش على ~~كاهله ، وقدماه في الأرض السفلى ، وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل ~~من عظمة الله حتى يصير كأنه الوضع ) قيل إنه طائر صغير ، وروي أن الله أمر ~~جميع الملائكة أن يغدو ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائر ~~الملائكة ، وقيل خلق الله العرش ممن جوهرة خضراء ، وبين القائمتين من ~~قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام ، وقيل حول العرش سبعون ألف صف ~~من الملائكة يطوفون به مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد ~~وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ومن ورائهم ~~مائة ألف صف وقد وضعوا الأيمان على الشمائل ، ما منهم أحد إلا ويسبح بما لا ~~يسبح به الآخر ، هذه الآثار نقلتها من ( الكشاف ) . # وأما القسم الثاني : من الملائكة الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية ~~فقوله تعالى : { ومن حوله } والأظهر أن المراد منهم ما ذكره في قوله { وترى ~~الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم } ( الزمر : 75 ) ~~PageV27P028 وأقول العقل يدل على أن حملة العرش ، والحافين حول العرش يجب ~~أن يكونوا أفضل الملائكة ، وذلك لأن نسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة ~~الأجساد إلى الأجساد ، فلما كان العرش أشرف الموجودات الجسمانية كانت ~~الأرواح المتعلقة بتدبير العرش يجب أن تكون أفضل من الأرواح المدبرة ~~للأجساد ، وأيضا يشبه أن يكون هناك أرواح حاملة لجسم العرش ثم يتولد عن تلك ~~الأرواح القاهرة المستعيلة لجسم العرش أرواح أخر من جنسها ، وهي متعلقة ~~بأطراف العرش وإليهم الإشارة بقوله { وترى الملائكة حافين من حول العرش } ( ~~الزمر : 75 ) وبالجملة فقد ظهر بالبراهين اليقينية ، وبالمكاشفات الصادقة ~~أنه لا نسبة لعالم الأجساد / إلى عالم الأرواح فكل ما شاهدته بعين البصر في ~~اختلاف مراتب عالم الأجساد ، فيجب أن تشاهده بعين بصيرتك في اختلاف مراتب ~~عالم الأرواح . # المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزه عن أن يكون في ~~العرش ، وذلك لأنه تعالى قال ms7877 في هذه الآية { الذين يحملون العرش } وقال في ~~آية أخرى { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } ( الحاقة : 17 ) ولا شك أن ~~حامل العرش يكون حاملا لكل من في العرش ، فلو كان إلاه العالم في العرش ~~لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإلاه العالم فحينئذ يكونون حافظين لإلاه ~~العالم والحافظ القادر أولى بالإلاهية والمحمول المحفوظ أولى بالعبودية ، ~~فحينئذ ينقلب الإلاه عبدا والعبد إلاها ، وذلك فاسد ، فدل هذا على أن إلاه ~~العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام . # واعلم أنه تعالى حكى عن حملة العرش ، وعن الحافين بالعرش ثلاثة أشياء : # النوع الأول : قوله { يسبحون بحمد ربهم } ونظيره قوله حكاية عن الملائكة ~~{ ونحن نسبح بحمدك } ( البقرة : 30 ) وقوله تعالى : { وترى الملائكة حافين ~~من حول العرش يسبحون بحمد ربهم } ( الزمر : 75 ) فالتسبيح عبارة عن تنزيه ~~الله تعالى عما لا ينبغي ، والتحميد الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق ، ~~فالتسبيح إشارة إلى الجلال والتحميد إشارة إلى الإكرام ، فقوله { يسبحون ~~بحمد ربهم } قريب من قوله { تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام } ( الرحمن : ~~78 ) . # النوع الثاني : مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى : { ~~ويؤمنون به } فإن قيل فأي فائدة في قوله { ويؤمنون به } فإن الاشتغال ~~بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان بالله ؟ قلنا الفائدة فيه ~~ما ذكره صاحب ( الكشاف ) ، وقد أحسن فيه جدا فقال إن المقصود منه التنبه ~~على أن الله تعالى لو كان حاضرا بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش ~~يشاهدونه ويعاينونه ، ولما كان إيمانهم بوجود الله موجبا للمدح والثناء لأن ~~الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء ، ألا ترى أن ~~الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء ، فلما ذكر الله ~~تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم ، علم أنهم آمنوا به ~~بدليل أنهم ما شاهدوه حاضرا جالسا هناك ، ورحم الله صاحب ( الكشاف ) فلو لم ~~يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخرا وشرفا . # النوع الثالث : مما حكى الله عن هؤلاء الملائكة قوله تعالى : { ويستغفرون ~~للذين ءامنوا } اعلم أنه ms7878 ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين : التعظيم لأمر ~~الله ، والشفقة عللى خلق الله ، ويجب أن يكون التعظيم لأمر الله مقدما على ~~الشفقة على خلق الله فقوله { يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به } مشعر بالتعظيم ~~لأمر الله وقوله PageV27P029 { ويستغفرون للذين ءامنوا } مشعر بالشفقة على ~~خلق الله . # ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : احتج كثير من العلماء بهذه الآية في إثبات أن الملك ~~أفضل من البشر ، قالوا لأن هذه الآية تدل على أن الملائكة لما فرغوا من ذكر ~~الله بالثناء والتقديس اشتغلوا بالاستغفار لغيرهم وهم المؤمنون ، وهذا يدل ~~على أنهم مستغنون على الاستغفار لأنفسهم إذ لو كانوا محتاجين إليه لقدموا ~~الاستغفار لأنفسهم على الاستغفار لغيرهم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ( ~~ابدأ بنفسك ) وأيضا قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم { فاعلم أنه لا ~~إلاه إلائ الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } ( محمد : 19 ) فأمر ~~محمدا أن يذكر أولا الاستغفار لنفسه ، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره ، وحكى ~~عن نوح عليه السلام أنه قال : { رب اغفر لى ولوالدى ولمن دخل بيتى مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات } ( نوح : 28 ) وهذا يدل على أن كل من كان محتاجا إلى ~~الاستغفار فإنه يقدم الاستغفار لنفسه على الاستغفار لغيره ، فالملائكة لو ~~كانوا محتاجين إلى الاستغفاار لكان اشتغالهم لأنفسهم مقدما على اشتغالهم ~~بالاستغفار لغيرهم ، ولما لم يذكر الله تعالى عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا ~~أن ذلك إنما كان لأنهم ما كانوا محتاجين إلى الاستغفار ، وأما الأنبياء ~~عليهم السلام فقد كانوا محتاجين إلى استغفار بدليلل قوله تعالى لمحمد عليه ~~السلام { واستغفر لذنبك } وإذا ثبت هذا فقد ظهر أن الملك أفضل من البشر ~~والله أعلم . # المسألة الثانية : احتج الكعبي بهذه الآية على أن تأثير الشفاعة في حصول ~~زيادة الثواب للمؤمنين لا في إسقاط العقاب عن المذنبين ، قال وذلك لأن ~~الملائكة قالوا { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } قال وليس المراد فاغفر ~~للذين تابوا من الكفر سواء كان مصرا عللى الفسق أو لم يكن كذلك ، لأن من ~~هذا حاله لا يوصف بكونه متبعا سبيل ربه ولا يطلق ms7879 ذلك فيه ، وأيضا إن ~~الملائكة يقولون { وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم } وهذا لا يليق بالفاسقين ~~، لأن خصومنا لا يقطعون على أن الله تعالى وعدهم الجنة وإنما يجوزون ذلك ، ~~فثبت أن شفاعة الملائكة لا يتناول إلا أهل الطاعة ، فوجب أن تكون شفاعة ~~الأنبياء كذلك ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والجواب أن نقول هذه الآية تدل ~~على حصول الشفاعة من الملائكة المذنبين ، فنبين هذا ثم نجيب عما ذكره ~~الكعبي ، أما بيان دلالة هذه الآية على ما قلناه فمن وجوه الأول : قوله { ~~ويستغفرون للذين ءامنوا } والاستغفار طلب المغفرة ، والمغفرة لا تذكر إلا ~~في إسقاط العقاب . أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفارا الثاني : ~~قوله تعالى : { ويستغفرون للذين ءامنوا } وهذا يدل على أنهم يستغفرون لكل ~~أهل الإيمان ، فإذا دلنا على أن صاحب الكبيرة مؤمن وجب دخوله تحت هذه ~~الشفاعة الثالث : قوله تعالى : { فاغفر للذين تابوا } طلب المغفرة للذين ~~تابوا ، ولا يجوز أن يكون المراد إسقاط عقوبة الكبيرة بعد التوبة ، لأن ذلك ~~واجب على الله عند الخصم ، وما كان فعله واجبا كان طلبه بالدعاء قبيحا ، ~~ولا يجوز أيضا أن يكون المراد إسقاط عقوبة الصغائر ، لأن ذلك أيضا واجب فلا ~~يحسن طلبه بالدعاء ، ولا يجوز أن يكون المراد طلب زيادة منفعة على الثواب ، ~~لأن ذلك لا يسمى مغفرة ، فثبت أنه لا يمكن حممل قوله { فاغفر للذين تابوا } ~~إلا على إسقاط عقاب الكبيرة قبل التوبة ، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة ~~فكذلك في حق الأنبياء لانعقاد الإجماع على أنه لا فرق ، أما الذي يتمسك به ~~الكعبي وهو أنهم طلبوا المغفرة للذين تابوا ، فنقول يجب أن PageV27P030 ~~يكون المراد منه الذين تابوا عن الكفر واتبعوا سبيل الإيمان ، وقوله إن ~~التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائبا ولا متبعا سبيل الله ، قلنا ~~لا نسلم قوله ، بل يقال إنه تائب عن الكفر وتابع سبيل الله في الدين ~~والشريعة ، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب ، ألا ترى أنه يكفي في ~~صدق وصفه بكونه ضاربا وضاحكا صدور ms7880 الضرب والضحك عنه واحدة ، ولا يتوقف ذلك ~~على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه فكذا ههنا . # المسألة الثالثة : قال أهل التحقيق : إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة ~~في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن ذلة سبقت ، وذلك لأنهم قالوا في أول ~~تخلليق البشر { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } ( البقرة : 30 ) ~~فلما سبق منهم هذا الكلام تداركوا في آخر الأمر بأن قالوا { فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم } وهذا كالتنبيه على أن من آذى غيره ~~، فالأولى أن يجبر ذلك الإيذاء بإيصال نفع عليه . # واعلم أنه تعالى لما حكى عن الملائكة أنهم يستغفرون للذين تابوا ، بين ~~كيفية ذلك الاستغفار ، فحكى عنهم أنهم قالوا { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما ~~} وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن الدعاء في أكثر الأمور مذكور بلفط { ربنا } ويدل ~~عليه أن الملائكة عند الدعاء قالوا { ربنا } بدليل هذه الآية ، وقال آدم ~~عليه السلام { ربنا ظلمنا أنفسنا } ( الأعراف : 23 ) وقال نوح عليه السلام ~~{ رب إنى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم } ( هود : 47 ) وقال أيضا : { ~~رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا } ( نوح : 5 ) وقال أيضا : { رب اغفر لى ~~ولوالدى } ( نوح : 28 ) وقال عن إبراهيم عليه السلام : { رب أرنى كيف تحى ~~الموتى } ( البقرة : 260 ) وقال : { ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم ~~يقوم الحساب } ( إبراهيم : 41 ) وقال : { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك } ( البقرة : 128 ) وقال عن يوسف { رب قد اتيتنى من ~~الملك } ( يوسف : 101 ) وقال عن موسى عليه السلام : { رب أرنى أنظر إليك } ~~( الأعراف : 143 ) وقال في قصة الوكز { رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له ~~إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين } ( ~~القصص : 16 ، 17 ) وحكى تعالى عن داود { فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب } ( ~~ص: 24 ) وعن سليمان أنه قال : { رب اغفر لى وهب لى ملكا } ( ص: 35 ) وعن ~~ذكريا أنه { نادى ربه نداء خفيا } ( مريم : 3 ) وعن عيسى عليه السلام أنه ~~قال ms7881 : { ربنا أنزل علينا مائدة من السماء } ( المائدة : 114 ) وعن محمد صلى ~~الله عليه وسلم أن الله تعالى قال له : { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ~~} ( المؤمنون : 97 ) وحكى عن المؤمنون أنهم قالوا { ربنا ما خلقت هذا باطلا ~~} ( آل عمران : 191 ) وأعادوا هذه اللفظة خمس مرات ، وحكى أيضا عنهم أنهم ~~قالوا { غفرانك ربنا وإليك المصير } ( البقرة : 285 ) إلى آخر السورة . # فثبت بما ذكرنا أن من أرضى الدعاء أن ينادي العبد ربه بقوله يا رب وتمام ~~الإشكال فيه أن يقال لفظ الله أعظم من لفظ الرب ، فلم صار لفظ الرب مختصا ~~بوقت الدعاء ؟ ، والجواب كأن العبد يقول : كنت في كتم العدم والمحض والنفي ~~الصرف ، فأخرجتني إلى الوجود ، وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعا إليك في أن ~~لا تخليني طرفة عين عن تربيتك وإحسانك وفضلك . PageV27P031 # المسألة الثانية : السنة في الدعاء ، يبدأ في بالثناء على الله تعالى ، ~~ثم يذكر الدعاء عقيبه ، والدليل عليه هذه الآية ، فإن الملائكة لما عزموا ~~على الدعاء والاستغفار للمؤمنين بدأوا بالثناء فقالوا { ربنا وسعت كل شىء ~~رحمة وعلما } وأيضا أن الخليل عليه السلام لما أراد أن يذكر الدعاء ذكر ~~الثناء أولا فقال : { الذى خلقنى فهو يهدين * والذى هو يطعمنى * ويسقين * ~~وإذا مرضت فهو يشفين * والذى يميتنى ثم يحيين * والذى أطمع أن يغفر لى ~~خطيئتى يوم الدين } ( الشعراء : 78 82 ) فكل هذا ثناء على الله تعالى ، ثم ~~بعده ذكر الدعاء فقال : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } ( الشعراء : ~~83 ) . # واعلم أن العقل يدل أيضا على رعاية هذا الترتيب ، وذلك ذكر الله بالثناء ~~والتعظيم بالنسبة إلى جوهر الروح كالإكسير الأعظم بالنسبة إلى النحاس ، ~~فكما أن ذرة من الإكسير إذا وقعت على عالم من النحاس انقلب الكل ذهبا ~~إبريزا فكذلك إذا وقعت ذرة من إكسير معرفة جلال الله تعالى على جوهر الروح ~~النطقية ، انقلب من ننحوسة النحاسة إلى صفاء القدس وبقاء عالم الطهارة ، ~~فثبت أن عند إشراق نور معرفة الله تعالى في جواهر الروح ، يصير الروح أقوى ~~صفاء وأكمل إشراقا ، ومتى صار كذلك ms7882 كانت قوته أقوى وتأثيره أكمل ، فكان ~~حصول الشيء المطلوب أقرب وأكمل ، وهذا هو السبب في تقديم الثناء على الله ~~على الدعاء . # المسألة الثالثة : اعلم أن الملائكة وصفوا الله تعالى بثلاثة أنواع من ~~الصفات : الربوبية والرحمة والعلم ، أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد ~~والإبداع ، وفيه لطيفة أخرى وهي أن قولهم { ربنا } إشارة إلى التربية ، ~~والتربية عبارة عن إبقاء الشيء على أكل أحواله وأحسن صفاته ، وهذا يدل على ~~أن هذه الممكنات ، كما أنها محتاجة حال حدوثها إلى إحداث الحق سبحانه ~~وتعالى وإيجاده ، فكذلك إنها محتاجة حال بقائها إلى إبقاء الله ، وأما ~~الرحمة فهي إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة والإحسان راجح على جانب الضر ، ~~وأنه تعالى إنما خلق الخلق للرحمة والخير ، لا للاضرار والشر ، فإن قيل ~~قوله { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } فيه سؤال ، لأن العلم وسع كل شيء ، ~~أما الرحمة فما وصلت إلى كل شيء ، لأن المضرور حال وقوعه في الضر لا يكون ~~ذلك الضرر رحمة ، وهذا السؤال أيضا مذكور في قوله { ورحمتى وسعت كل شىء } ( ~~الأعراف : 156 ) قلنا كل وجود فقد ننال من رحمة الله تعالى نصيبا وذلك لأن ~~الموجود إما واجب وإما ممكن ، أما الواجب فليس إلا الله سبحانه وتعالى ، ~~وأما الممكن فوجوده من الله تعالى وبإيجاده ، وذلك رحمة ، فثبت أنه لا ~~موجود غير الله إلا وقد وصل إليه نصيب ونصاب من رحمة الله ، فلهذا قال : { ~~ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } وفي الآية دقيقة أخرى ، وهي أن الملائكة ~~قدموا ذكر الرحمة على ذكر العلم فقالوا { ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما } ~~وذلك لأن مطلوبهم إيصال الرحمة وأن يتجاوز عما عليه منهم من أنواع الذنوب ، ~~فالمطلوب بالذات هو الرحمة ، والمطلوب بالعرض أن يتجاوز عما علمه منهم ، ~~والمطلوب بالذات مقدم على PageV27P032 المطلوب بالعرض ، ألا ترى أنه لما ~~كان إبقاء الصحة مطلوبا بالذات وإزالة المرض مطلوبا بالعرض لا جرم لما ~~ذكروا حد الطب قدموا فيه حفظ الصحة على إزالة المرض ، فقالوا الطب علم ~~يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ms7883 ما يصلح ويزول عن الصحة لتحفظ الصحة ~~حاصلة وتسترد زائلة ، فكذا ههنا المطلوب بالذات هو الرحمة ، وأما التجاوز ~~عما علمه منهم من أنواع الذنوب فهو مطلوب بالعرض ، لأجل أن حصول الرحمة على ~~سبيل الكمال لا يحصل إلا بالتجاوز عن الذنوب ، فلهذا السبب وقع ذكر الرحمة ~~سابقا على ذكر العلم . # المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على أن المقصود بالقصة الأولى في الخلق ~~والتكوين إنما هو الرحمة والفضل والجود والكرم ، ودلت الدلائل اليقينية على ~~أن كل ما دخل في الوجود من أنواع الخير والشر والسعادة والشقاوة فبقضاء ~~الله وقدره ، والجمع بين هذين الأصلين في غاية اللصعوبة ، فعند هذا قالت ~~الحكماء : الخير مراد مرضي ، والشر مراد مكروه ، والخير مقضي به بالذات ، ~~والشر مقضي به باللعرض ، وفيه غور عظيم . # المسألة الخامسة : قوله { وسعت كل شىء رحمة وعلما } يدل على كونه سبحانه ~~عالما بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات ، وأيضا ~~فلولا ذلك لم يكن في الدعاء والتضرع فائدة لأنه إذا جاز أن يخرج عن علمه ~~بعض الأشياء ، فعلى هذا التقدير لا يعرف هذا الداعي أن الله سبحانه يعلمه ~~ويعلم دعاءه وعلى هذا التقدير لا يبقى في الدعاء فائدة ألبتة . # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم كيفية ثنائهم على الله تعالى حكى عنهم ~~كيفية دعائهم ، وهو أنهم قالوا { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم ~~عذاب الجحيم } واعلم أن الملائكة طلبوا بالدعاء من الله تعالى أشياء كثيرة ~~للمؤمنين ، فالمطلوب الأول الغفران وقد سبق تفسيره في قوله { فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك } فإن قيل لا معنى للغفران إلا إسقاط العذاب ، وعلى ~~هذا التقدير فلا فرق بين قوله : فاغفر لهم ، وبين قوله { وقهم عذاب الجحيم ~~} قلنا دلالة لفظ المغفرة على إسقاط عذاب الجحيم دلالة حاصلة على الرمز ~~والإشارة ، فلما ذكروا هذا الدعاء على سبيل الرمز والإشارة أردفوه بذكره ~~على سبيل التصريح لأجل التأكيد والمبالغة ، واعلم أنهم لما طلبوا من الله ~~إزالة العذاب عنهم أردفوه بأن طلبوا من الله إيصال الثواب إليهم فقالوا { ~~ربنا وأدخلهم جنات عدن ms7884 التى وعدتهم } فإن قيلل أنتم زعمتم أن هذه الشفاعة ~~إنما حصلت للمذنبين وهذه الآية تبطل ذلك لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن ~~يدخلهم في جنات عدن ، قلنا لا نسلم أنه ما وعدهم بذلك ، لأنا بينا أن ~~الدلائل الكثيرة في القرآن دلت على أنه تعالى لا يخلد أهل لا إلاه إلا الله ~~محمد رسول الله في النار ، وإذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة فكان ~~هذا وعدا من الله تعالى لهم بأن يدخلهم في جنات عدن ، إما من غير دخول ~~النار وإما بعد أن يدخلهم النار . قال تعالى : { ومن صلح من ءابائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم } يعني وأدخل معهم في الجنة هؤلاء الطوائف الثلاث ، وهم ~~الصالحون من الآباء والأزواج والذريا ، وذلك لأن الرجل إذا حضر معه في وضع ~~عيشه وسروره أهله وعشيرته كان ابتهاجه أكمل ، قال الفراء والزجاج { من * ~~صالح } نصب من مكانين فإن شئت رددته على الضمير في قوله { وأدخلهم } وإن ~~شئت في { وعدتهم } والمراد من قوله { ومن صلح } أهل الإيمان ، ثم قالوا : { ~~إنك أنت العزيز الحكيم } وإنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين لأنه للو لم ~~يكن عزيزا بل كان بحيث يغلب ويمنع لما PageV27P033 صح وقوع المطلوب منه ، ~~ولو لم يكن حكيما لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة والمصلحة ، ثم قالوا ~~بعد ذلك { وقهم السيئات } قال بعضهم المراد وقهم عذاب السيئات ، فإن قيل ~~فعللى هذا التقدير لا فرق بين قوله { وقهم السيئات } وبين ما تقدم من قوله ~~{ وقهم عذاب الجحيم } وحينئذ يلزم التكرار الخالي عن الفائدة وإنه لا يجوز ~~، قلنا بل التفاوت حاصل من وجهين الأول : أن يكون قوله { وقهم عذاب الجحيم ~~} دعاء مذكور للأصول وقوله { وقهم السيئات } دعاء مذكورا للفروع الثاني : ~~أن يكون قوله { وقهم عذاب الجحيم } مقصورا على إزالة الجحيم وقوله { وقهم ~~السيئات } يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة وعذاب الحساب والسؤال . # والقول الثاني : في تفسير { وقهم السيئات } هو أن الملائكة طلبوا إزالة ~~عذاب النار بقولهم { وقهم عذاب الجحيم } وطلبوا إيصال ثواب الجنة إليهم ~~بقولهم { وأدخلهم جنات عدن ms7885 } ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم الله تعالى في ~~الدنيا عن العقائد الفاسدة / والأعمال الفاسدة ، وهو المراد بقولهم { وقهم ~~السيئات } ثم قالوا { ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته } يعني ومن تق ~~السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة ، ثم قالوا { وذالك هو الفوز ~~العظيم } حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيما ، وبأعمال حقيرة ملكا لا تصل ~~العقول إلى كنه جلالته . # ! 7 < { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون ~~إلى الإيمان فتكفرون * قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل * ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلى الكبير } > 7 ! # < < # | غافر : ( 10 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما عاد إلى شرح أحوال الكافرين المجادلين في آيات ~~الله وهم الذين ذكرهم الله في قوله { ما يجادل فىءايات الله إلا الذين ~~كفروا } ( غافر : 4 ) بين أنهم في القيامة يتعرفون بذنوبهم واستحقاقهم ~~العذاب الذي ينزل بهم ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم فقال ~~: { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : في الآية حذف وفيها أيضا تقديم وتأخير ، أما الحذف ~~فتقديره لمقت الله إياكم ، وما التقديم والتأخير فهو أن التقدير أن يقال ~~لمقت الله لكم حال ما تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم وفي ~~تفسير مقتهم أنفسهم وجوه الأول : أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار ~~مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا الثاني : أن ~~الاتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دعوهم إلى PageV27P034 الكفر في الدنيا ، ~~والرؤساء أيضا يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضا بأنهم مقتوا ~~أنفسهم ، كما أنه تعالى قال : { فاقتلوا أنفسكم } ( البقرة : 54 ) والمراد ~~قتل بعضهم بعضا الثالث : قال محمد بن كعب إذا خطبهم إبليس وهم في النار ~~بقوله { وما كان لى عليكم من سلطان * إلى * قوله * ولوموا أنفسكم } ( ~~إبراهيم : 22 ) ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم ، واعلم أنه لا نزاع أن مقتهم ~~أنفسهم ms7886 إنما يحصل في يوم القيامة ، أما مقت الله لهم ففيه وجهان الأول : ~~أنه حاصل في الآخرة ، والمعنى لمقت الله لكم في هذا الوقت أشد من مقتكم ~~أنفسكم في هذا الوقت والثاني : وعليه الأكثرون أن التقدير لمقت الله لكم في ~~الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ، أكبر من مقتكم أنفسكم الآن ففي ~~تفسير الألفاظ المذكورة في الآية أوجه الأول : أن الذين ينادونهم ويذكرون ~~لهم هذا الكلام هم خزنة جهنم الثاني : المقت أشد البغض وذلك في حق الله ~~تعالى محال ، فالمراد منه أبلغ الإنكار والزجر الثالث : قال الفراء { ~~ينادون لمقت الله } معناه إنهم ينادون إن مقت الله لكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتأتون بالكفر أكبر من مقتكم الآن أنفسكم . # ثم إنه تعالى بين أن الكفار إذا خاطبوا بهذا الخطاب { قالوا ربنا أمتنا ~~اثنتين } إلى آخر الآية ، والمعنى أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في ~~الدنيا كان فاسدا باطلا تمنوا الرجوع إلى الدنيا لكي يشتغلوا عند الرجوع ~~إليها بالأعمال الصالحة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر ، ~~وتقرير الدليل أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين حيث قالوا { ربنا أمتنا اثنتين } ~~فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا فلا بد من إثبات حياة أخرى في القبر حتى ~~يصير الموت الذي يحصل عقيبها موتا ثانيا ، وذلك يدل على حصول حياة في القبر ~~، فإن قيل قال كثير من المفسرين الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة ~~عند كون الإنسان نطفة وعلقة والموتة الثانية إشارة إلى ما حصل في الدنيا / ~~فلم لا يجوز أن يكون الأمر كذلك ، والذي يدل على أن الأمر ما ذكرناه قوله ~~تعالى : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم } ( البقرة : ~~28 ) والمراد من قوله { وكنتم أمواتا } الحالة الحاصلة عند كونه نطفة وعلقة ~~وتحقيق الكلام أن الإماتة تستعمل بمعنيين أحدهما : إيجاد الشيء ميتا ~~والثاني : تصيير الشيء ميتا بعد أن كان حيا كقولك وسع الخياط ثوبي ، يحتمل ~~أنه خاطه واسعا ويحتمل أنه صيره واسعا بعد أن كان ضيقا ، فلم لا يجوز ms7887 في ~~هذه الآية أن يكون المراد بالإماتة خلقها مية ، ولا يكون المراد تصييرها ~~ميتة بعد أن كانت حية . # السؤال الثاني : أن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة . # السؤال الثالث : أن هذه الآية تدل على المنع من حصول الحياة في القبر ، ~~وبيانه أنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات أولها : في ~~الدنيا ، وثانيها : في القبر ، وثالثها : في القيامة ، والمذكور في الآية ~~ليس إلا حياتين فقط ، فتكون إحداهما الحياة في الدنيا والحياة الثانية في ~~القيامة والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدنيا . PageV27P035 # السؤال الرابع : أنه إن دلت هذه الآية على حصول الحياة في القبر فههنا ما ~~يدل على عدمه وذلك بالمنقول والمعقول ، أما المنقول فمن وجوه الأول : قوله ~~تعالى : { أمن هو قانت ءاناء اليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجوا * رحمة ~~ربه } ( الزمر : 9 ) فلم يذكر في هذه الآية إلا الحذر عن الآخرة ، ولو حصلت ~~الحياة في القبر لكان الحذر عنها حاصلا ، ولو كان الأمر كذلك لذكره ، ولما ~~لم يذكره علمنا أنه غير حاصل الثاني : أنه تعالى حكى في سورة الصافات عن ~~المؤمنين المحقين أنهم يقولون بعد دخولهم في الجنة { أفما نحن بميتين * إلا ~~موتتنا الاولى } ( الصافات : 58 ، 59 ) ولا شك أن كلام أهل الجنة حق وصدق ~~ولو حصلت لهم حياة في القبر لكانوا قد ماتوا موتتين ، وذلك على خلاف قوله { ~~أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الاولى } قالوا والاستدلال بهذه الآية أقوى ~~من الاستدلال بالآية التي ذكرتموها ، لأنه الآية التي تمسكنا بها حكاية قول ~~المؤمنين الذين دخلوا الجنة والآية التي تسمكتم بها حكاية قول الاكافرين ~~الذين دخلوا النار . # وأما المعقول فمن وجوه الأول : وهو أن الذي افترسه السباع وأكلته لو أعيد ~~حيا لكان إما أن يعاد حيا بمجموعة أو بأحاد أجزائه ، والأول باطل لأن الحس ~~يدل على أنه لم يحصل له مجموع ، والثاني باطل لأنه لما أكلته السباع ، فلو ~~جعلت تلك الأجزاء أحياء لحصلت أحياء في معدة السباع وفي أمعائها ، وذلك في ~~غاية الاستبعاد . الثاني : أن الذي مات ms7888 لو تركناه ظاهرا بحيث يراه كل واحد ~~فإنهم يرونه باقيا على موته ، فلو جاوزنا مع هذه الحالة أنه يقال إنه صار ~~حيا لكان هذا تشكيكا في المحسوسات ، وإنه دخول في السفسطة ( والجواب ) قوله ~~لم لا يجوز أن تكون الموتة الأولى وهي الموتة التي كانت حاصلة حال ما كان ~~نطفة وعلقة ؟ فنقول هذا لا يجوز ، وبيانه أن المذكور في الآية أن الله ~~أماتهم ولفظ الإماتة مشروط بسبق حصول الحياة إذ لو كان الموت حاصلا قبل هذه ~~الحالة امتنع كون هذا إماتة ، وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو محال وهذا بخلاف ~~قوله { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا } لأن المذكور في هذه الآية أنهم ~~كانوا أمواتا وليس فيها أن الله أماتهم بخلاف الآية التي تحن في تفسيرها ، ~~لأنهت تدل على أن الله تعالى أماتهم مرتين ، وقد بينا أن لفظ الإماتة لا ~~يصدق إلا عند سبق الحياة فظهر الفرق . # أما قوله ءن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة ، قلنا لما ذكروا ذلك لم ~~يكذبهم الله تعالى إذ لو كانوا كاذبين لأظهر الله تكذيبهم / ألا ترى أنهم ~~لما كذبوا في قولهم { والله ربنا ما * كنت * مشركين } كذبهم الله في ذلك ~~فقال : { انظر كيف كذبوا } ( الأنعام : 23 ، 24 ) وأما قوله ظاهر الآية ~~يمنع من إثبات حياة في القبرة إذ لو حصلت هذه الحياة لكان عدد الحياة ثلاث ~~مرات لا مرتين ، فنقول ( الجواب ) عنه من وجوه : الأول : هو أن مقصودهم ~~تعديل أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة الموتة الأولى ، والحياة في القبر ، ~~والموتة الثانية ، والحياة في القيامة ، فهذه الأربعة أوقات البلاء والمحنة ~~، فأما الحياة في الدنيا فليست من أقسام أوقات البلاء والمحنة فلهذا السبب ~~لم يذكروها الثاني : لعلهم ذركوا الحياتين : وهي الحياة في الدنيا ، ~~والحياة في القيامة ، أما الحياة في القبر فأهملوا ذكرها لقلة وجودها وقصر ~~مدتها الثالث : لعلهم لما صاروا أحياء في القبول لم يموتوا بل بقوا أحياء ، ~~إما في السعادة ، إما في لاشقاوة ، واتصل بها حياة القيامة فكانوا من جملة ~~من أرادهم الله بالاستثناء في قوله { فصعق ms7889 من فى * السماوات * ومن فى الارض ~~إلا من شاء الله } ( الزمر : 68 ) الرابع : لو لم يثبت الحياة في القبر لزم ~~أن لا يحصل الموت إلا مرة واحدة فكان إثبات الموت مرتين كذبا وهو على خلاف ~~لفظ القرآن ، أما لو أثبتنا الحياة في القبر لزمنا إثبات الحياة ثلاث مرات ~~والمذكور في القرآن PageV27P036 مرتين ، أما المرة الثالثة فليس في اللفظ ~~ما يدل على ثبوتها أو عدمها ، فثبت أن نفي حياة القبر يقتضي ترك ما دل ~~اللفظ عليه ، فأما إثبات حياة القبر فإنه يقتضي إثبات شيء زائد على ما دل ~~عليه اللفظ مع اللفظ لا إشعار فيه بثبوته ولا بعدمه فكان هذا أولى ، وأما ~~ما ذكروه في المعارضة الأولى فنقول قوله { يحذر الاخرة } ( الزمر : 9 ) ~~تدخل فيه الحياة الآخرة سواء كانت في القبر أو في القيامة ، وأما المعارضة ~~الثانية فجوابها أنا نرجح قولنا بالأحاديث الصحيحة الواردة في عذاب القبر . # وأما الوجهان العقليان فمدفوعان ، لأنا إذا قلنا إن الإنسان ليس عبارة عن ~~هذا الهيكل بل هو عبارة عن جسم نوراني سار في هذا البدن كانت الإشكالات ~~التي ذكراتموها غير واردة في هذا الباب والله أعلم . # المسألة الثانية : اعلم أنا لما أثبتنا حياة القبر فيكون الحاصل في حق ~~بعضهم أربعة أنواع من الحياة وثلاثة أنواع من الموت ، والدليل عليه قوله ~~تعالى في سورة البقرة : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر ~~الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } ( البقرة : 243 ) فهؤلاء أربعة ~~مراتب في الحياة ، حياتان في الدنيا ، وحياة في القبر ، وحياة رابعة في ~~القيامة . # المسألة الثالثة : قوله { اثنتين } نعت لمصدر محذوف والتقدير إماتتين ~~اثنتين ، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا { فاعترفنا بذنوبنا } فإن قيل الفاء ~~في قوله { فاعترفنا } تقتضي أن تكون الإماتة مرتين والإحياء مرتين سببا ~~لهذا الاعتراف فبينوا هذه السببية ، قلنا لأنهم كانوا منكرين للبعث فلما ~~شاهدوا الإحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث ، فلا ~~جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن ذلك الإحياء وتلك الإماتة ، ثم ms7890 قال : { فهل ~~إلى خروج من سبيل } أي هل إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء من سبيل ، أم ~~اليأس وقع فلا خروج ، ولا سبيل إليه ؟ وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط ~~، واعلم أن الجواب الصريح عنه أن يقال لا أو نعم وهو تعالى لم يفعل ذلك بل ~~ذكر كلاما يدل على أنه لا سبيل لهم إلى الخروج فقال : { ذلكم بأنه إذا دعى ~~الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا } أي ذلكم الذي أنتم فيه / وهو أن لا ~~سبيل لكم إلى الخروج قط ، إنما وقع بسبب كفركم بتوحيد الله تعالى ، ~~وإيمانكم الإشراك به { فالحكم لله } حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي ، وقوله ~~{ العلى الكبير } دلالة على الكبرياء والعظمة ، وعلى أن عقابه لا يكون إلا ~~كذلك ، والمشبهة استدلوا بقوله تعالى : { العلى } على العلو الأعلى في ~~الجهة ، وبقوله { الكبير } على كبر الجثة والذات ، وكل ذلك باطل ، لأنا ~~دللنا على أن الجسمية والمكان محالان في حق الله تعالى ، فوجب أن يكون ~~المراد من { العلى الكبير } العلو والكبرياء بحسب القدرة والإلهية . # PageV27P037 ! 7 < { هو الذى يريكم ءاياته وينزل لكم من السمآء رزقا وما ~~يتذكر إلا من ينيب * فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون } > 7 ! # < < # | غافر : ( 13 ) هو الذي يريكم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر ما يوجب التهديد الشديد في حق المشركين أردفه ~~بذكر ما يدل على كمال قدرته وحكمته ، ليصير ذلك دليلا على أنه يجوز جعل هذه ~~الأحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء لله تعالى في المعبودية ، فقال : { ~~هو الذى يريكم ءاياته } واعلم أن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان ، ومصالح ~~الأبدان ، فهو سبحانه وتعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات ~~والآيات ، وراعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء ، فموقع الآيات من ~~الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان ، فالآيات لحياة الأديان ، والأرزاق ~~لحياة الأبدان ، وعند حصولهما يحصل الإنعام على أقوى الاعتبارات وأكمل ~~الجهات . # ثم قال : { وما يتذكر إلا من ينيب } والمعنى أن الوقوف على دلائل توحيد ~~الله تعالى كالأمر المركوز في العقل ، إلا أن القول بالشرك والاشتغال ms7891 ~~بعبادة غير الله يصير كالمانع من تجلي تلك الأنوار ، فإذا أعرض العبد عنها ~~وأناب إلى الله تعالى زال الغطاء والوطاء فظهر الفوز التام ، ولما قرر هذا ~~المعنى صرح بالمطلوب وهو الإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على الله ~~تعالى فقال : { فادعوا الله مخلصين له الدين } من الشرك ، ومن الإلتفات إلى ~~غير الله { ولو كره الكافرون } قرأ ابن كثير ينزل خفيفة والباقون بالتشديد ~~. # ! 7 < { رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشآء من عباده ~~لينذر يوم التلاق * يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شىء لمن الملك ~~اليوم لله الواحد القهار * اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن ~~الله سريع الحساب } > 7 ! # < < # | غافر : ( 15 ) رفيع الدرجات ذو . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر من صفات كبريائه وإكرامه كونه مظهرا للآيات ~~منزلا للأرزاق ، ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو ~~قوله { رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح } قال صاحب ( الكشاف ) ثلاثة ~~أخبار لقوله { هو } مرتبة على قوله { الذى يريكم } ( غافر : 13 ) أو أخبار ~~مبتدأ محذوف ، وهي مختلفة تعريفا وتنكيرا ، قرىء { رفيع الدرجات } بالنصب ~~على المدح ، وأقول لا بد من تفسير هذه الصفات الثلاثة : # الصفة الأولى : قوله { رفيع الدرجات } واعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون ~~المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع ، أما إذا حملناه على الأول ~~ففيه وجوه الوجه الأول : : أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء درجة ~~معينة ، كما قال : { وما منا إلا له مقام معلوم } ( الصافات : 164 ) وعين ~~لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال : { يرفع الله الذين ءامنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات } ( المجادلة : 11 ) وعين لكل جسم درجة معينة ، ~~فجعل بعضها سفلية عنصرية ، وبعضها فلكية كوكبية ، وبعضها من جواهر العرش ~~والكرسي ، فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثاني ، وأيضا جعل لكل واحد ~~مرتبة معينة في الخلق والرزق والأجل ، فقال : { وهو الذى جعلكم خلائف الارض ~~ورفع بعضكم فوق بعض درجات } ( الأنعام : 165 ) وجعل لكل أحد من السعداء ~~والأشقياء في ms7892 الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة ، وفي ~~الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء ، فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان ~~معناه ما ذكرناه ، وأما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات ~~في جميع صفات الكمال والجلال ، أما في الأصل الوجود فهو أرفع الموجودات ، ~~PageV27P038 لأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن ومحتاج إليه ، وأما في ~~دوام الوجود فهو أرفع الموجودات ، لأنه واجب الوجود لذاته وهو الأزلي ~~والأبدي والسرمدي ، الذي هو أول لكل ما سواه ، وليس له أول وآخر لكل ما ~~سواه ، وليس له آخر ، أما في العلم : فلأنه هو العالم بجميع الذوات والصفات ~~والكليات والجزئيات ، كما قال : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ( ~~الأنعام : 59 ) وأما في القدرة : فهو أعلى القادرين وأرفعهم ، لأنه في ~~وجوده وجميع كمالات وجوده غني عن كل ما سواه ، وكل ما سواه فإنه محتاج في ~~وجوده وفي جميع كمالات وجوده إليه ، وأما في الوحدانية : فهو الواحد الذي ~~يمتنع أن يحصل له ضد وند وشريك ونظير ، وأقول : الحق سبحانه له صفتان ~~أحدهما : استغناؤه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه الثاني : ~~افتقار كل ما سواه إليه في وجوده وفي صفات وجوده ، فالرفيع إن فسرناه ~~بالمرتفع ، كان معناه أنه أرفع الموجودات وأعلاها في جميع صفات الجلال ~~والإكرام ، وإن فسرناه بالرافع ، كان معناه أن كل درجة وفضيلة ورحمة ومنقبة ~~حصلت لشيء سواه ، فإنما حصلت بإيجاده وتكوينه وفضله ورحمته . # الصفة الثانية : قوله { ذو العرش } ومعناه أنه مالك العرش ومدبره وخالقه ~~، واحتج بعض الأغمار من المشابهة بقوله { رفيع الدرجات ذو العرش } وحملوه ~~على أن المراد بالدرجات / السموات ، وبقوله { ذو العرش } أنه موجود في ~~العرش فوق سبع سموات ، وقد ى عظموا الفرية على الله تعالى ، فأنا بينا ~~بالدلائل القاهرة العقلية أن كونه تعالى جسما وفي جهة محال ، وأيضا فظاهر ~~اللفظ لا يدل على ما قالوه ، لأن قوله { ذو العرش } لا يفيد إلا إضافته إلى ~~العرش ويكفي في إضافته إليه بكونه مالكا له ومخرجا له من العدم إلى ms7893 الوجود ~~، فأي ضرورة تدعونا إلى الذهاب إلى القول الباطل والمذهب الفاسد ، والفائدة ~~في تخصيص العرش بالذكر هو أنه أعظم الأجسام ، والمقصود بيان كمال إلهيته ~~ونفاذ قدرته ، فكل ما كان محل التصرف والتدبير أعظم ، كانت دلالته على كمال ~~القدرة أقوى . # الصفة الثانية : قوله { يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده } وفيه ~~مباحث : # البحث الأول : اختلفوا في المراد بهذا الروح ، والصحيح أن المراد هو ~~الوحي ، وقد أطنبنا في بيان أنه لم سمي الوحي بالروح في أول سورة النحل في ~~تفسير قوله { ينزل الملائكة بالروح من أمره } ( النحل : 2 ) وقال أيضا : { ~~أو من كان ميتا فأحييناه } ( الانعام : 122 ) وحاصل الكلام فيه : أن حياة ~~الأرواح بالمعارف الإلهية والجلايا القدسية ، فإذا كان الوحي سببا لحصول ~~هذه الأرواح سمي بالروح ، فإن الروح سبب لحصول الحياة ، والوحي سبب لحصول ~~هذه الحياة الروحانية . # واعلم أن هذه الآية مشتملة على أسرار عجيبة من علوم المكاشفات ، وذلك لأن ~~كمال كبرياء الله تعالى لا تصل إليه العقول والأفهام ، فالطريق الكامل في ~~تعريفه بقدر الطاقة البشرية أن يذكر ذلك الكلام على الوجه الكلي العقلي ، ~~ثم يذكر عقيبه شيء من المحسوسات المؤكدة لذلك المعنى العقلي ليصير الحصر ~~بهذا الطريق معاضدا للعقل ، فههنا أيضا كذلك ، فقوله { رفيع الدرجات } إما ~~أن يكون بمعنى كونه رافعا للدرجات ، وهو إشارة إلى تأثير قدرة الله تعالى ~~في إيجاد الممكنات على احتلاف درجاتها وتباين منازلها وصفاتها ، أو إلى ~~كونه تعالى مرتفعا في صفات الجلال ونعوت العزة عن كل الموجودات ، فهذا ~~الكلام عقلي برهاني ، ثم إنه سبحانه بين هذا الكلام الكلي بمزيد تقرير ، ~~وذلك لأن ما سوى الله تعالى إما جسمانيات وءما PageV27P039 روحانيات ، فبين ~~في هذه الآية أن كلا القسمين مسخر تحت تسخير الحق سبحانه وتعالى ، أما ~~الجسمانيات فأعظمها العرش ، فقوله { ذو } يدل على استيلائه على كلية عالم ~~الأجسام ، ولما كان العرش من جنس المحسوسات كان هذا المحسوس مؤكدا لذلك ~~العقول ، أعني قوله { الكافرون رفيع الدرجات } وأما الروحانيات فكلها مسخرة ~~للحق سبحانه ، وإليه الإشارة بقوله { يلقى الروح من ms7894 أمره } . # واعلم أن أشرف الأحوال الظاهرة في روحانيات هذا العالم ظهور آثار الوحي ، ~~والوحي إنما يتم بأركان أربعة فأولها : المرسل وهو الله سبحانه وتعالى ، ~~فلهذا أضاف إلقاء الوحي إلى نفسه فقال : { يلقى الروح } والركن الثاني : ~~الإرسال والوحي وهو الذي سماه بالروح والركن الثالث : أن وصول الوحي من ~~الله تعالى إلى الأنبياء لا يمكن أن يكون إلا بواسطة الملائكة ، وهو المشار ~~إليه في هذه الآية بقوله { من أمره } فالركن الروحاني يسمى أمرا ، قال ~~تعالى : { وأوحى فى كل سماء أمرها } ( فصلت : 12 ) وقال : { ألا له الخلق ~~والامر } ( الأعراف : 54 ) والركن الرابع : الأنبياء الذين يلقي الله الوحي ~~إليهم وهو المشار إليه بقوله { على من يشاء من عباده } والركن الخامس : ~~تعيين الغرض والمقصود الأصلي من إلقاء هذا الوحي إليهم ، وذلك هو أن ~~الأنبياء عليهم السلام يصرفون الخلق من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة ، ~~ويحملونهم على الإعراض عن هذه الجسمانيات والإقبال على الروحانيات / وإليه ~~الإشارة بقوله { لينذر يوم التلاق * يوم هم بارزون } فهذا ترتيب عجيب يدل ~~على هذه الإشارات العالية من علوم المكاشفات الإلهية . # وبقي ههنا أن نبين أنه ما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ؟ وكم ~~الصفات التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ليوم التلاق ؟ # أما السبب في تسمية يوم القيامة بيوم التلاق ففيه وجوه : # الأول : أن الأرواح كانت متباينة عن الأجساد فإذا جاء يوم القيامة صارت ~~الأرواح ملاقية للأجساد فكان ذلك اليوم يوم التلاق الثاني : أن الخلائق ~~يتلاقون فيه فيقف بعضهم على حال البعض الثالث : أن أهل السماء ينزلون على ~~أهل الأرض فيلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض قال تعالى : { ويوم تشقق ~~السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا } ( الفرقان : 25 ) الرابع : أن كل ~~أحد يصل إلى جزاء عمله في ذلك اليوم فكان ذلك من باب التلاق هو مأخوذ من ~~قولهم فلان لقي عمله الخامس : يمكن أن يكون ذلك مأخوذا من قوله { فمن كان ~~يرجو لقاء ربه } ( الكهف : 110 ) ومن قوله { تحيتهم يوم يلقونه سلام } ( ~~الأحزاب : 44 ) السادس : يوم يلتقي فيه العابدون والمعبودون ms7895 السابع : يوم ~~يلتقي فيه آدم عليه السلام وآخر ولده الثامن : قال ميمون بن مهران يوم ~~يلتقي فيه الظالم والمظلوم فربما ظلم الرجل رجلأ وانفصل عنه ولو أراد أن ~~يجده لم يقدر عليثه ولم يعرفه ففي يوم القيامة يحضران ويلقى بعضهم بعضا ، ~~قرأ ابن كثير عنه التلاقي والتنادي بإثبات الياء في الوصل والوقف ، وهادي ~~وواقي بالياء في الوقف وبالتنوين في الوصل . # وأما بين أن الله تعالى كم عدد من الصفات ووصف بها يوم القيامة في هذه ~~الآية ، فنقول : # الصفة الأولى : كونن يوم التلاق وقد ذكرنا تفسيره . # الصفة الثانية : قوله { يوم هم بارزون } وفي تفسير هذا البروز وجوه الأول ~~: أنهم برزوا عن بواطن القبور الثاني : بارزون أي ظاهرون لا يسترهم شيء من ~~جبل أو أكمة أو بناء ، لأن الأرض بارزة قاع PageV27P040 صفصف ، وليس عليهم ~~أيضا ثياب إنما هم عراة مكشوفون كما جاء في الحديث : ( يحشرون عراة حفاة ~~غرلا ) الثالث : أن يجعل كونهم بارزين كناية عن ظهور أعمالهم وانكشاف ~~أسرارهم كما قال تعالى : { يوم تبلى السرائر } ( الطارق : 9 ) الرابع : أن ~~هذه النفوس الناطقة البشرية كأنها في الدنيا انغمست في ظلمات أعمال الأبدان ~~فإذا جاء يوم القيامة أعرضت عن الاشتغال بتدبير الجسمانيات وتوجهت بالكلية ~~إلى عالم القيامة ومجمع الروحانيات ، فكأنها برزت بعد أن كانت كامنة في ~~الجسمانيات مستترة بها . # الصفة الثالثة : قوله { لا يخفى على الله منهم شىء } والمراد يوم لا يخفى ~~على الله منهم شيء ، والمقصود منه الوعيد فإنه تعالى بين أنهم إذا برزوا من ~~قبورهم واجتمعوا وتلاقوا فإن الله تعالى يعلم ما فعله كل واحد منهم فيجازي ~~كلا بحسبه إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، فهم وإن لم يعلموا تفصيل ما فعلوه ، ~~فالله تعالى عالم بذلك ونظيره قوله { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } ( ~~الحاقة : 18 ) وقال : { يوم تبلى السرائر } ( الطارق : 9 ) وقال : { إذا ~~بعثر ما فى القبور * وحصل ما فى الصدور } ( العاديات : 9 ، 10 ) وقال : { ~~يومئذ تحدث أخبارها } ( الزلزلة : 4 ) فإن قيل الله تعالى لا يخفى عليه ~~منهم شيء في جميع ms7896 الأيام ، فما معنى تقييد هذا المعنى بذلك اليوم ؟ قلنا ~~إنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله لا ~~يراهم وتخفى عليه أعمالهم ، فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف ~~إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمونه في الدينا / قال تعالى : { ولاكن ~~ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } ( فصلت : 22 ) وقال : { يستخفون ~~من الناس ولا يستخفون من الله } ( النساء : 108 ) وهو معنى قوله : { وبرزوا ~~لله الواحد القهار } ( إبراهيم : 48 ) . # الصفة الرابعة : قوله تعالى : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } ~~والتقدير يوم ينادي فيه لمن الملك اليوم ؟ وهذا النداء في أي الأوقات يحصل ~~فيه قولان : # الأول : قال المفسرون إذا هلك كل من السموات ومن في الأرض فيقول الرب ~~تعالى : { لمن الملك اليوم } ؟ يعني يوم القيامة فلا يجيبه أحد فهو تعالى ~~يجيب نفسه فيقول { لله الواحد القهار } قال أهل الأصول هذا القول ضعيف ~~وبيانه من وجوه الأول : أنه تعالى بين أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق ~~ويوم البروز ويوم تجزى كل نفس بما كسبت ، والناس في ذلك الوقت أحياء ، فبطل ~~قولهم إن الله تعالى إنما ينادي بهذا النداء حين هلك كل من في السموات ~~والأرض والثاني : أن الكلام لا بد فيه من فائدة لأن الكلام إما أن يذكر حال ~~حضور الغير ، أو حال ما لا يحضر الغير ، والأول : باطل ههنا لأن القوم ~~قالوا إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل ، والثاني : أيضا باطل ~~لأن الرجل إنما يحسن تكلمه حال كونه وحده إما لأنه يحفظ به شيئا كالذي يكرر ~~على الدرس وذلك على الله محال ، أو لأجل أنه يحصل سرور بما يقوله وذلك أيضا ~~على الله محال ، أو لأجل أن يعبد الله بذلك الذكر وذلك أيضا على الله محال ~~، فثبت أن قول من يقول إن الله تعالى يذكر هذا النداء حال هلاك جميع ~~المخلوقات باطل لا أصل له . # والقول الثاني : أن في يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا لله ~~نادى مناد { لمن الملك ms7897 اليوم } فيقول كل الحاضرين في محفل القيامة { لله ~~الواحد القهار } فالمؤمنون يقولون تلذذا بهذا الكلام ، حيث نالوا بهذا ~~الذكر المنزلة الرفيعة ، والكفار يقولونه على الصغار والذلة على وجه التحسر ~~والندامة على أن فاتهم هذا الذكر في الدنيا ، وقال القائلون بهذا القول إن ~~صح القول الأول عن ابن عباس وغيره لم يمتنع أن يكون PageV27P041 المراد أن ~~هذا النداء يذكر بعد فناء البشر إلا أنه حضر هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء ~~، وأقول أيضا على هذا القول لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى ~~، ولا يبعد أيضا أن يكون السائل جمعا من الملائكة والمجيب جمعا آخرين ، ~~الكل ممكن وليس على التعيين دليل ، فإن قيل وما الفائدة في تخصيص هذا اليوم ~~بهذا النداء ؟ # فنقول الناس كانوا مغرورين في الدنيا بالأسباب الظاهرة ، وكان الشيخ ~~الإمام الوالد عمر رضي الله عنه يقول : لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب ، وفي ~~يوم القيامة زالت الأسباب ، وانعزلت الأرباب ، ولم يبق ألبتة غير حكم مسبب ~~الأسباب ، فلهذا اختص النداء بيوم القيامة ، واعلم أنه وإن كان ظاهر اللفظ ~~يدل على اختصاص ذلك النداء بذلك اليوم إلا أن قوله { لله الواحد القهار } ~~يفيد أن هذا النداء حاصل من جهة المعنى أبدا ، وذلك لأن قولنا : الله اسم ~~لواجب الوجود لذاته ، وواجب الوجود لذاته واحد وكل ما سواه ممكن لذاته ، ~~والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، ومعنى الإيجاد هو ترجيح ~~جانب الوجود على جانب العدم ، وذلك الترجيح هو قهر للجانب المرجوح فثبت أن ~~الإله القهار واحد أبدا ، ونداء لمن الملك اليوم إنما ظهر من كونه واحدا ~~قهارا ، فإذا كان كونه قهارا باقيا من الأزل إلى الأبد لا جرم كان نداء { ~~لمن الملك اليوم } باقيا في جانب المعنى من الأزل إلى الأبد . # الصفة الخامسة : من صفات ذلك اليوم قوله { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ~~. # واعلم أنه سبحانه لما شرح صفات القهر في ذلك اليوم أردفه ببيان صفات ~~العدل والفضل في ذلك اليوم فقال : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } وفيه ~~مسألتان ms7898 : # المسألة الأولى : هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة : أولها : إثبات الكسب ~~للإنسان والثاني : أن كسبه يوجب الجزاء والثالث : أن ذلك الجزاء إنما ~~يستوفى في ذلك اليوم فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول ~~الثلاثة في هذا الكتاب ، وهي أصول عظيمة الموقع في الدين ، وقد سبق تقرير ~~هذه الأصول مرارا ، ولا بأس بذكر بعض النكت في تقرير هذه الأصول أما الأول ~~: فهو إثبات الكسب للإنسان وهو عبارة عن كون أعضائه سليمة صالحة للفعل ~~والترك فما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع صدور الفعل والترك عنه ، فإذا ~~انضاف إليه الداعي إلى الفعل أو الداعي إلى الترك وجب صدور ذكل الفعل أو ~~الترك عنه . وأما الثاني : وهو بيان ترتب الجزاء عليه ، فاعلم أن الأفعال ~~على قسمين منها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الجسمانية الحاصلة في عالم ~~الدنيا ، ومنها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الروحانية التي لا يظهر ~~كمالها إلا في عالم الآخرة وقد ثبت بالتجربة أن كثرة الأفعال سبب لحصول ~~الملكات الراسخة ، فمن غلب عليه القسم الأول استحكمت رحمته رغبته في الدنيا ~~وفي الجسمانيات ، فعند الموت يحصل الفراق بينه وبين مطلوبه على أعظم الوجوه ~~ويعظم عليه البلاء ، ومن غلب عليه القسم الثاني فعند الموت يفارق المبغوض ~~ويتصل بالمحبوب فتعظم الآلاء والنعماء ، فهذا هو معنى الكسب ، ومعنى كون ~~ذلك الكسب موجبا للجزاء ، فظهر بهذا أن كمال الجزاء لا يحصل إلا في يوم ~~القيامة ، فهذا قانون كلي عقلي ، والشريعة الحقة أتت بما يقوي هذا القانون ~~الكلي في تفاصيل الأعمال والأقوال والله أعلم . # المسألة الثانية : هذه الآية أصل عظيم في أصول الفقه ، وذلك لأنا نقول لو ~~كان شيء من أنواع الضرر PageV27P042 مشروعا لكان إما أن يكون مشروعا لكونه ~~جزاء على شيء من الجنايات أو لا لكونه جزاء والقسمان باطلان ، فبطل القول ~~بكونه مشروعا ، أما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروها ليكون جزاء على شيء من ~~الأعمال فلأن هذا النص يقتضي تأخير الإجزية إلى يوم القيامة ، فإثباته في ~~الدنيا يكون على خلاف هذا ms7899 النص ، وأما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعا ~~للجزاء لقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ( البقرة ~~: 185 ) ولقوله تعالى : { وما جعل عليكم فى الدين من حرج } ( الحج : 78 ) ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ) عدلنا عن هذه ~~العمومات فيما إذا كانت المضار أجزية ، وفيما ورد نص في الإذن فيه كذبح ~~الحيوانات ، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة فيما عداه ، فثبت بما ذكرنا أن ~~الأصل في المضار والآلام التحريم ، فإن وجدنا نصا خاصا يدل على الشرعية ~~قضينا به تقديما للخاص على العام ، وإلا فهو باق على أصل التحريم ، وهذا ~~أصل كلي منتفع به في الشريعة والله علم . # الصفة السادسة : من صفات ذلك اليوم قوله { لا ظلم اليوم } والمقصود أنه ~~لما قال : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } أردفه بما يدل على أنه لا يقع في ~~ذلك نوع من أنواع الظلم ، قال المحققون وقوع الظلم في الجزاء يقع على أربعة ~~أقسام أحدها : أن يستحق الرجل ثوابا فيمنع منه وثانيها : أن يعطي بعض بعض ~~حقه ولكنه لا يوصل إى حقه بالتمام وثالثها : أن يعذب من لا يستحق العذاب ~~ورابعها : أن يكون الرجل مستحقا للعذاب فيعذب ويزداد على قدر حقه فقوله ~~تعالى : { لا ظلم اليوم } يفيد نفي هذه الأقسام الأربعة / قال القاضي هذه ~~الآية قوية في إبطال قول المجبرة لأن على قولهم لا ظلم غالبا وشاهدا إلا من ~~الله ، ولأنه تعالى إذا خلق فيه الكفر ثم عذبه عليه فهذا هو عين الظلم ~~والجواب عنه معلوم . # ثم قال تعالى : { إن الله سريع الحساب } وذكر هذا الكلام في هذا الموضع ~~لائق جدا ، لأنه تعالى لما بين أنه لا ظلم بين أنه سريع الحساب . وذلك يدل ~~على أنه يصل إليهم ما يستحقونه في الحال والله أعلم . # ! 7 < { وأنذرهم يوم الا زفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين ~~من حميم ولا شفيع يطاع * يعلم خآئنة الا عين وما تخفى الصدور * والله يقضى ~~بالحق والذين يدعون من دونه ms7900 لا يقضون بشىء إن الله هو السميع البصير * أولم ~~يسيروا فى الا رض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ~~منهم قوة وءاثارا فى الا رض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من ~~واق * ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوى ~~شديد العقاب } . > 7 @QB@ < # | غافر : ( 18 ) وأنذرهم يوم الآزفة . . . . . # > > PageV27P043 # اعلم أن المقصود من هذه الآية وصف يوم القيامة بأنواع أخرى من الصفات ~~الهائلة المهيبة ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في تفسير يوم الآزفة وجوها الأول : أن يوم الآزفة ~~هو يوم القيامة ، والآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر لقوله في صفة ~~يوم القيامة { أزفت الازفة * ليس لها من دون الله كاشفة } ( النجم : 57 ، ~~58 ) وقال شاعر : # % فأزف الترحل غير أن ركابنا % % لما تزل برحالنا وكأن قد % # والمقصود منه التنبيه على أن يوم القيامة قريب ونظيره قوله تعالى : { ~~اقتربت الساعة } ( القمر : 1 ) قال الزجاج إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة ~~وإن استبعد الناس مداها ، وما هو كائن فهو قريب . # واعلم أن الآزفة نعت لمحذوف مؤنث على تقدير يوم القيامة الآزفة أو يوم ~~المجازاة الآزفة قال القفال : وأسماء القيامة تجري على التأنيث كالطامة ~~والحاقة ونحوها يرجع معناها إلى الداهية والقول الثاني : أن المراد بيوم ~~الآزفة وقت الآزفة وهي مسارعتهم إلى دخول النار ، فإن عند ذلك ترتفع قلوبهم ~~عن مقارها من شدة الخوف والقول الثالث : قال أبو مسلم يوم الآزفة يوم ~~المنية وحضور الأجل ، والذي يدل عليه أنه تعالى وصف يوم القيامة بأنه يوم ~~التلاق ، و { يوم هم بارزون } ثم قال بعده { وأنذرهم يوم الازفة } فوجب أن ~~يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم ، وأيضا هذه الصفة مخصوصة في سائر الآيات ~~بيوم الموت قال تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون } ( ~~الواقعة : 83 ، 84 ) وقال : { كلا إذا بلغت التراقى } ( القيامة : 26 ) ~~وأيضا فوصف يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب ، وأيضا ~~الصفات المذكورة بعد قوله الآزفة لائقة بيوم حضور ms7901 الموت لأن الرجل عند ~~معاينة ملائكة العذاب يعظم خوفه ، فكأن قلوبهم تبلغ حناجرهم من شدة الخوف ، ~~ويبقوا كاظمين ساكتين عن ذكر ما في قلوبهم من شدة الخوف ولا يكون لهم حميم ~~ولا شفيع يدفع ما بهم من أنواع الخوف والقلق . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن المراد من قوله { إذ القلوب لدى الحناجر ~~كاظمين } كناية عن شدة الخوف أو هو محمول على ظاهره ، قيل المراد وصف ذلك ~~اليوم بشدة الخوف والفزع ونظيره قوله تعالى : { وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا } ( الأحزاب : 10 ) وقال : { فلولا إذا بلغت الحلقوم ~~* وأنتم حينئذ تنظرون } ( الواقعة : 83 ، 84 ) وقيل بل هو محمول على ظاهره ~~، قال الحسن : القلوب انتزعت من الصدور بسبب شدة الخوف وبلغت القلوب ~~الحناجر فلا تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروحوا ولكنها ~~مقبوضة كالسجال كما قال : { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا } ( ~~الملك : 27 ) وقوله { كاظمين } أي مكروبين والكاظم الساكت حال امتلائه غما ~~وغيظا فإن قيل بم انتصب { كاظمين } قلنا أن يكون حال عن القلوب ، وأن ~~القلوب كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر ، وإنما جمع الكاظمة جمع ~~السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء كما قال : { رأيتهم لى ~~ساجدين } ( يوسف : 4 ) وقال : { فظلت أعناقهم لها خاضعين } PageV27P044 ( ~~الشعراء : 4 ) ويعضده قراءة من قرأ كاظمون وبالجملة فالمقصود من الآية ~~تقرير أمرين أحدهما : الخوف الشديد وهو المراد من قوله { إذ القلوب لدى ~~الحناجر } ، والثاني : العجز عن الكلام وهو المراد من قوله { كاظمين } فإن ~~الملهوف إذا قدر على الكلام حصلت له خفقة وسكون ، أما إذا لم يقدر على ~~الكلام وبث الشكوى عظم قلقه وقوي خوفه . # المسألة الثالثة : احتج أكثر المعتزلة في نفي الشفاعة عن المذنبين بقوله ~~تعالى : { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } قالوا نفى حصول شفيع لهم ~~يطاع فوجب أن لا تحصل لهم هذا الشفيع أجاب أصحابنا عنه من وجوه : الأول : ~~أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع ، ألا ترى ~~أنك إذا ms7902 قلت ما عندي كتاب يباع فهذا يقتضي نفي كتاب يباع ولا يقتضي نفي ~~الكتاب وقالت العرب : # ولا ترى الضب بها ينجحر # ولفط الطاعة يقتضي حصول المرتبة فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة ~~شفيع يطيعه الله ، لأنه ليس في الوجود أحد أعلى حالا من الله تعالى حتى ~~يقال إن الله يطيعه الوجه الثاني : في الجواب أن المراد من الظالمين ، ههنا ~~الكفار والدليل عليه أن هذه الآية وردت في زجر الكفار الذين يجادلون في ~~آيات الله فوجب أن يكون مختصا بهم ، وعندنا أنه لا شفاعة في حق الكفار ~~والثالث : أن لفظ الظالمين ، إما أن يفيد الاستغراق ، وإما أن لا يفيد فإن ~~أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم ويدخل في مجموع هذا ~~الكلام الكفار ، وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع لأن بعض هذا المجموع هم ~~الكفار ، وليس لهم شفيع فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع ، وإن لم يفد ~~الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفا بهذه الصفة ، وعندنا ~~أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع وهم الكفار ، أجاب المستدلون عن ~~السؤال الأول ، فقالوا يجب حمل كلام الله تعالى على محمل مفيد وكل أحد يعلم ~~أنه ليس في الوجود شيء يطيعه الله لأن المطيع أدون حالا من المطاع ، وليس ~~في الوجود شيء أعلى مرتبة من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه وإذا كان ~~هذا المعنى معلوما بالضرورة كان حمل الآية عليه إخراجا لها عن الفائدة فوجب ~~حمل الطاعة على الإجابة والذي يدل على ورود لفظ الطاعة بمعنى الإجابة قول ~~الشاعر : # رب من أنضجت غيظا صدره # قد تمنى لي موتا لم يطع أما السؤال الثاني : فقد أجابوا عنه بأن لفظ ~~الظالمين صيغة جمع دخل عليها حرف التعريف فيفيد العموم ، أقصى ما في الباب ~~أن هذه الآية وردت لذم الكفار لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . # أما السؤال الثالث : فجوابه أن قوله { ما للظالمين من حميم } يفيد أن كل ~~واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له ms7903 حميم ولا شفيع يطاع ، فهذا تمام ~~كلام القوم في تقرير ذلك الاستدلال . # أجاب أصحابنا عن السؤال الأول فقالوا إن القوم كانوا يقولون في الأصنام ~~إنها شفعاؤنا عند الله وكانوا يقولون إنها تشفع لنا عند الله من غير حاجة ~~فيه إلى إذن الله ، ولهذا السبب رد الله تعالى عليهم ذلك بقوله { من ذا ~~الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) فهذا يدل على أن القوم ~~اعتقدوا أنه يجب على الله إجابة الأصنام في تلك الشفاعة ، وهذا نوع طاعة ، ~~فالله تعالى نفى تلك الطاعة بقوله { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } ~~PageV27P045 وأجابوا عن الكلام الثاني بأن قالوا الأصل في حرف التريف أن ~~ينصرف إلى المعهود السابق ، فإذا دخل حرف التعريف على صيغة الجمع ، وكان ~~هناك معهود سابق انصرف إليه ، وقد حصل في هذه الآية معهود سابق وهم الكفار ~~الذين يجادلون في آيات الله ، فوجب أن ينصرف إليه وأجابوا عن الكلام الثالث ~~بأن قالوا قوله { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } يحتمل عموم السلب ، ~~ويحتمل سلب العموم ، أما الأول : فعلى تقدير أن يكون المعنى أن كل واحد من ~~الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع ، وأما الثاني : فعلى تقدير ~~أن يكون المعنى أن مجموع الطالمين ليس لهم حميم ولا شفيع ، ولا يلزم من نفي ~~الحكم عن المجموع نفيه عن كل واحد من آحاد ذلك المجموع والذي يؤكد ما ~~ذكرناه قوله تعالى : { الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون } ( البقرة : 6 ) فقوله : إن الذين كفروا لا يؤمنون ، إن حملناه على ~~أن كل واحد منهم محكوم عليه بأنه لا يؤمن لزم وقوع الخلف في كلام الله ، ~~لأن كثيرا ممن كفر فقد آمن بعد ذلك ، أما لو حملناه على أن مجموع الذين ~~كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أو لم يؤمن صدق وتخلص عن الخلف ، فلا جرم ~~حملنا هذه الآية على سلب العموم ولم نحملها على عموم السلب فكذا قوله { ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع } يجب حمله على ms7904 سلب العموم لا على عموم السلب ، ~~وحينئذ استدلال المعتزلة بهذه الآية فهذا غاية الكلام في هذا الباب . # المسألة الرابعة : في بيان نظم الآية ، فنقول إنه تعالى ذكر في هذه الآية ~~جميع الأسباب الموجبة للخوف فأولها : أنه سمى ذلك اليوم يوم الآزفة ، أي ~~يوم القرب من عذابه لمن ابتلي بالذنب العظيم ، لأنه إذا قرب زمان عقوبته ~~كان في أقصى غايات الخوف ، حتى قيل إن تلك الغموم والهموم أعظم في الإيحاش ~~من عين تلك العقوبة والثاني : قوله { إذ القلوب لدى الحناجر } والمعنى أنه ~~بلغ ذلك الخوف إلى أن انقلع القلب من الصدر وارتفع إلى الحنجرة والتصق بها ~~وصار مانعا من دخول النفس والثالث : قوله { كاظمين } والمعنى أنه لا يمكنهم ~~أن ينطقوا وأن يشرحوا ما عندهم من الحزن والخوف ، وذلك يوجب مزيد القلق ~~والاضطراب الرابع : قوله { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } فبين أنه ~~ليس لهم قريب ينفعهم ، ولا شفيع يطاع فيهم فتقبل شفاعته والخامس : قوله { ~~يعلم خائنة الاعين وما تخفى الصدور } والمعنى أنه سبحانه عالم لا يعزب عن ~~علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، والحاكم إذا بلغ في العلم إلى ~~هذا الحد كان خوف المذنب منه شديدا جدا ، قال صاحب ( الكشاف ) : الخائنة ~~صفة النظرة أو مصدر بمعنى الخائنة ، كالعافية المعاناة ، والمراد استراق ~~النظر إلى ما لا يحلة كما يفعل أهل الريب ، والمراد بقوله { وما تخفى ~~الصدور } مضمرات القلوب ، والحاصل أن الأفعال قسمان : أفعال الجوارح وأفعال ~~القلوب ، أما أفعال الجوارح ، فأخفاها خائنة الأعين والله أعلم بها ، فكيف ~~الحال في سائر الأعمال . وأما أفعال القلوب ، فهي معلومة لله تعالى لقوله { ~~وما تخفى الصدور } فدل هذا على كونه تعالى عالما بجميع أفعالهم السادس : ~~قوله تعالى : { والله يقضى بالحق } وهذا أيضا يوجب عظم الخوف ، لأن الحاكم ~~إذا كان عالما بجميع الأحوالل ، وثبت منه أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ما ~~دق وجل ، كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى السابع : أن الكفار إنما ~~عولوا في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه ms7905 الأصنام ، وقد بين الله تعالى ~~أنه لا فائدة فيها ألبتة ، فقال : { والذين يدعون من دونه لا يقضون بشىء } ~~الثامن : قوله { إن الله هو السميع البصير } أي يسمع من الكفار ثناءهم على ~~الأصنام ، ولا يسمع منهم ثناءهم على الله ويبصر خضوعهم وسجودهم لهم ، ولا ~~يبصر خضوعهم PageV27P046 وتواضعهم لله ، فهذه الأحوال الثمانية إذا اجتمعت ~~في حق المذنب الذي عظم ذنبه كان بالغا في التخويف إلى الحد الذي لا تعقل ~~الزيادة عليه ، ثم إنه تعالى لما بالغ في تخويف الكفار بعذاب الآخرة أردفع ~~ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال : { أولم يسيروا فى الارض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم } والمعنى أن العاقل من اعتبر بغيره ، فإن الذين ~~مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء الحاضرين من الكفار ، وأقوى آثارا ~~في الأرض منهم ، والمراد حصونهم وقصورهم وعساكرهم ، فلما كذبوا رسلهم ~~أهلكهم الله بضروب الهلاك معجلا حتى إن هؤلاء الحالضرين من الكفار يشاهدون ~~تلك الآثار ، فحذرهم الله تعالى من مثل ذلك بهذا القول ، وبين بقوله { وما ~~كان لهم من الله من واق } أنه لما نزل العذاب بهم عند أخذه تعالى لهم لم ~~يجدوا من يعينهم ويخلصهم ، ثم بين أن ذلك نزل بهم لأجل أنهم كفروا وكذبوا ~~الرسل ، فحذر قوم الرسوم من مثله ، وختم الكلام ب { إنه قوى شديد العقاب } ~~مبالغة في التحذير والتخويف ، والله أعلم . # وقرأ ابن عامر وحده { كانوا هم أشد * منكم } بالكاف ، والباقون بالهاء ~~أما وجه قراءة ابن عامر فهو انصراف من الغيبة إلى الخطاب ، كقوله { إياك ~~نعبد وإياك نستعين } بعد قوله { * الحمدلله } والولجه في حسن هذا الخطاب ~~أنه في شأن أهل مكة ، فجعل الخطاب على لفظ المخاطب الحاضر لحضورهم ، وهذه ~~الآية في المعنى كقوله { قرن مكناهم فى الارض ما لم نمكن لكم } ( الأنعام : ~~6 ) وأما قراءة الباقين على لفظ الغيبة فلأجل موافقة ما قبله من ألفاظ ~~الغيبة . # ! 7 < { ولقد أرسلنا موسى بأاياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وهامان ~~وقشرون فقالوا ساحر كذاب * فلما جآءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبنآء ~~الذين ءامنوا ms7906 معه واستحيوا نسآءهم وما كيد الكافرين إلا فى ضلال * وقال ~~فرعون ذرونىأقتل موسى وليدع ربه إنىأخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الا ~~رض الفساد * وقال موسى إنى عذت بربى وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ~~} . > 7 ! # < < # | غافر : ( 23 ) ولقد أرسلنا موسى . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء ~~قبله وبمشاهدة آثارهم ، سلاه أيضا بذكر موسى عليه السلام ، وأنه مع قوة ~~معجزاته بعثه إلى فرعون وهامان وقارون فكذبوا وكابروه ، وقالوا هو ساحر ~~كذاب . # واعلم أن موسى عليه السلام ، لما جاءهم بتلك المعجزات الباهرة وبالنبوة ~~وهي المراد بقوله { فلما جاءهم بالحق من عندنا } حكى الله تعالى عنهم ما ~~صدر عنهم من الجهالات فالأول : أنهم وصفوه بكونه PageV27P047 ساحرا كاذبا ، ~~وهذا في غاية البعد ، لأن تلك المعجزات كانت قد بلغت في القوة والظهور إلى ~~حيث يشهد كل ذي عقل سليم بأنه ليس من السحر ألبتة الثاني : أنهم قالوا { ~~اقتلوا أبناء الذين ءامنوا معه واستحيوا نساءهم } والصحيح أن هذا القتل غير ~~القتل الذي وقع في وقت ولادة موسى عليه السلام ، لأن في ذلك الوقت أخبره ~~المنجمون بولادة عدو له يظهر عليه ، فأمر بقتل الأولاد في ذلك الوقت ، وأما ~~في هذا الوقت فموسى عليه السلام قد جاءه وأظهر المعجزات الظاهرة ، فعند هذا ~~أمر بقتل أبناء الذين آمنوا معه لئلا ينشئوا على دين موسى فيقوى بهم ، وهذه ~~العلة مختصة بالبنين دون البنات ، فلهذا السبب أمر بقتل الأبناء . # ثم قال تعالى : { وما كيد الكافرين إلا فى ضلال } ومعناه أن جميع ما ~~يسعون فيه من مكايدة موسى ومكايدة من آمن معه يبطل ، لأن ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها النوع الثالث : من قبائح أفعال أولئك الكفار مع ~~موسى عليه السلام ما حكاه الله تعالى : { وقال فرعون ذرونى أقتل موسى } ~~وهذا الكلام كالدلالة على أنهم كانوا يمنعونه من قتله ، وفيه احتمالان . # والاحتمال الأول : أنهم منعوه من قتله لوجوه الأول : لعله كان فيهم من ~~يعتقد بقلبه كون موسى صادقا ، فيأتي ms7907 بوجوه الحيل في منع فرعون من قتله ~~الثاني : قال الحسن : أن أصحابه قالوا له لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا ~~يمكنه أن يغلب سحرتك ، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا إنه كان ~~محقا وعجزوا عن جوابه فقتلوه الثالث : لعلهم كانوا يحتالون في منعه من قتله ~~، لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام ، ~~فإن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكهم بخصم خارجي حتى يصيروا آمنين من شر ~~ذلك الملك . # والاحتمال الثاني : أن أحدا ما منع فرعون من قتل موسى وأنه كان يريد أن ~~يقتله إلا أنه كان خائفا من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرة تمنعه عن ~~قتله فيفتضح إلا أنه لوقاحته قال : { ذرونى أقتل موسى } وغرضه منه أنه إنما ~~امتنع عن قتله رعاية لقلوب أصحابه وغرضه منه إخفاء خوفه . # أما قوله { وليدع ربه } فإنما ذكره على سبيل الاستهزاء يعني أني أقتله ~~فليقل لربه حتى يخلصه مني . # وأما قوله { إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى الارض الفساد } ففيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : فتح ابن كثير الياء من قوله { ذرونى } وفتح نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو الياء من { إنى أخاف } وأيضا قرأ نافع وابن عمرو { وإن ~~يظهروا } بالواو وبحذف أو ، يعني أنه يجمع بين تبديل الدين وبين إظهار ~~المفاسد ، والذين قرأوا بصيغة أو فمعناه أنه لا بد من وقع أحد الأمرين ~~وقرىء يظهر بضم الياء وكسر الهاء والفساد بالنصب على التعدية ، وقرأ حمزة ~~والكسائي وأبو بكر عن عاصم بلفظ أو يظهر بفتح الياء والهاء والفساد بالرفع ~~، أما وجه القراءة الأولى فهو أنه أسند الفعل إلى موسى في قوله { يبدل } ~~فكذلك في يظهر ليكون الكلام على نسق واحد ، وأما وجه القراءة الثانية فهو ~~أنه إذا بدل الدين فقد ظهر الفساد الحاصل بسبب ذلك التبديل . # المسألة الثانية : المقصود من هذا الكلام بيان السبب الموجب لقتله وهو أن ~~وجوده يوجب إما فساد الدين أو فساد الدنيا ، أما فساد الدين فلأن القوم ~~اعتقدوا أن الدين ms7908 الصحيح هو الذي كانوا عليه ، فلما كان PageV27P048 موسى ~~ساعيا في إفساده كان في اعتقادهم أنه ساع في إفساد الدين الحق وأما فساد ~~الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم ويصير ذلك سببا لوقوع الخصومات ~~وإثارة الفتن ، ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم لا جرم بدأ ~~فرعون بذكر الدين فقال : { إنى أخاف أن يبدل دينكم } ثم أتبعه بذكر فساد ~~الدنيا فقال : { أو أن يظهر فى * يحب الفساد } . # واعلم أنه تعالى لما حكى عن فرعون هذا الكلام حكى بعده ما ذكره موسى عليه ~~السلام فحكى عنه أنه قال : { إنى عذت بربى وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم ~~الحساب } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي عذت بإدغام الذال في ~~التاء والباقون بالإظهار . # المسألة الثانية : المعنى أنه لم يأت في دفع شره إلا بأن استعاذ بالله ، ~~واعتمد على فضل الله لا جرم صانه الله عن كل بلية وأوصله إلى كل أمنية ، ~~وعلم أن هذه الكلمات التي ذكرها موسى عليه السلام تشتمل على فوائد : # الفائدة الأولى : أن لفظة { إنى } تدل على التأكيد فهذا يدلل على أن ~~الطريق المؤكد المعتبر في دفع الشرور والآفات عن النفس الاعتماد على الله ~~والتوكل على عصمة الله تعالى . # الفائدة الثانية : أنه قال : { إنى عذت بربى وربكم } فكما أن عند القراءة ~~يقول المسلم : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، فالله تعالى يصون دينه ~~وإخلاصه عن وساوس شياطين الجن ، فكذلك عند توجه الآفات والمخافات من شياطين ~~الإنس إذا قال المسلم : أعوذ بالله فالله يصونه عن كل الآفات والمخافات . # الفائدة الثالثة : قوله { بربى وربكم } والمعنى كأن العبد يقول إن الله ~~سبحانه هو الذي رباني وإلى درجات الخير رقاني ، ومن الآفات وقاني ، وأعطاني ~~نعما لا حد لها ولا حصر ، فلما كان المولى ليس إلا الله وجب أن لا يرجع ~~العاقل في دفع كل الآفات إلا إلى حفظ الله تعالى . # الفائدة الرابعة : أن قوله { وربكم } فيه بعث لقوم موسى عليه السلام على ~~أن يقتدوا به في الاستعاذة ms7909 باالله ، والمعنى فيه أن الأرواح الطاهرة القوية ~~إذا تطابقت على همة واحدة قوي ذلك التأثير جدا ، وذلك هو السبب الأصلي في ~~أداء الصلوات في الجماعات . # الفائدة الخامسة : أنه لم يذكر فرعون في هذا الدعاء ، لأنه كان قد سبق له ~~حق تربية على موسى من بعض الوجوه ، فترك التعيين رعاية لذلك الحق . # الفائدة السادسة : أن فرعون وإن كان أظهر ذلك الفعل إلا أنه لا فائدة في ~~الدعاء على فرعون بعينه ، بل الأولى الاستعاذة بالله في دفع كل من كان ~~موصوفا بتلك الصفة ، حتى يدخل فيه كل من كان عدوا سواء كان مظهرا لتلك ~~العداوة أو كان مخفيا لها . # الفائدة السابعة : أن الموجب للاقدام على إيذاء الناس أمران أحدهما : كون ~~الإنسان متكبرا قاسي القلب والثاني : كونه منكرا للبعث والقيامة ، وذلك لأن ~~التكبر القاسي قد يحمله طبعه على إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقرا بالعبث ~~والحساب صار خوفه من الحساب مانعا له من الجري على موجب تكبره ، فإذا لم ~~يحصل عنده الإيمان بالعبث والقيامة كانت الطبيعة داعية له إلى الإيذاء ~~والمانع وهو الخوف من السؤال PageV27P049 والحساب زائلا ، وإذا كان الخوف ~~من السؤال والحساب زائلا فلا جرم تحصل القسوة والإيذاء . # الفائدة الثامنة : أن فرعون لما قال : { ذرونى أقتل موسى } قال على سبيل ~~الاستهزاء { خشى ربه } فقال موسى ن الذي ذكرته يا فرعون بطريق الاستهزاء هو ~~الدين المبين والحق المنير ، وأنا أدعو ربي وأطلب منه أن يدفع شرك عني ، ~~وسترى أن ربي كيف يقهرك ، وكيف يسلطني عليك . # واعلم أن من أحاط عقله بهذه الفوائد علم أنه لا طريق أصلح ولا أصوب في ~~دفع كيد الأعداء وإبطال مكرهم إلا الاستعاذة بالله والرجوع إلى حفظ الله ~~والله أعلم . # ! 7 < { وقال رجل مؤمن من ءال فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربى الله وقد جآءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا ~~يصبكم بعض الذى يعدكم إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب } . > 7 ! # < < # | غافر : ( 28 ) وقال رجل مؤمن . . . . . # > > اعلم أنه ms7910 تعالى لما حكى عن موسى عليه السلام أنه ما زاد في دفع مكر ~~فرعون وشره على الاستعاذة بالله ، بين أنه تعالى قيض إنسانا أجنبيا غير ~~موسى حتى ذب عنه على أحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة واجتهد في ~~إزالة ذلك الشر . # يقول منصف هذا الكتاب رحمه الله ، ولقد جربت في أحوال نفسي أنه كلما ~~قصدني شرير بشر ولم أتعرض له وأكتفي بتفويض ذلك الأمر إلى الله ، فإنه ~~سبحانه يقيض أقواما لا أعرفهم ألبتة ، يبالغون في دفع ذلك الشر ، وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في ذلك الرجل الذي كان من آل فرعون ، فقيل إنه ~~كان ابن عم لله ، وكان جاريا مجرى ولي العهد ومجرى صاحب الشرطة ، وقيل كان ~~قبطيا من آل فرعون وما كان من أقاربه ، وقيل إنه كان من بني إسرائيل ، ~~والقول الأول أقرب لأن لفظ الآل يقع على القرابة والعشيرة قال تعالى : { ~~إلا ال لوط نجيناهم بسحر } ( القمر : 34 ) وعن رسول الله أنه قال : ( ~~الصديقون ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل ياسين ، ومؤمن آل فرعون الذي قال : { ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله } والثالث علي بن أبي طالب وهو أفضلهم ) وعن ~~جعفر بن محمد أنه قال : كان أبو بكر خيرا من مؤمن آل فرعون لأنه كان يكتم ~~إيمانه وقال أبو بكر جهارا { أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله } فكان ذلك سرا ~~وهذا كان جهارا . # المسألة الثانية : لفظ من في قوله { من ءال فرعون } يجوز أن يكون متعلقا ~~بقوله { مؤمن } أي كان ذلك المؤمن شخصا من آل فرعون ويجوز أن يكون متعلقا ~~بقوله { يكتم إيمانه } والتقدير رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون ، وقيل ~~إن هذا الاحتمال غير جائز لأنه يقال كتمت من فلان كذا ، إنما يقال كتمته ~~كذا قال تعالى : { ولا يكتمون الله حديثا } ( النساء : 42 ) . PageV27P050 # المسألة الثالثة : رجل مؤمن الأكثرون قرأوا بضم الجيم وقرىء رجل بكسر ~~الجيم كما يقال عضد في عضد . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله } ~~استفهام على سبيل الإنكار ، وقد ذكر ms7911 في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك ~~الاستنكار ، وذلك لأنه ما زاد على أن قال : { ربى الله } وجاء بالبينات ~~وذلك لا يوجب القتل ألبتة وقوله { وقد جاءكم بالبينات من ربكم } يحتمل ~~وجهين الأول : أن قوله { ربى الله } إشارة إلى التوحيد ، وقوله { وقد جاءكم ~~بالبينات } إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد ، وهو قوله في سورة طه { ~~ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } وقوله في سورة اللشعراء { رب * ~~السماوات والارض * وما بينهما إن كنتم موقنين } إلى آخر الآيات ، ثم ذكر ~~ذلك المؤمن حجة ثانية في أن الإقدام على قتله غير جائز وهي حجة مذكورة على ~~طريقة التقسيم ، فقال إن كان هذا الرجل كاذبا كان وبال كذبه عائدا علليه ~~فاتركوه وإن كان صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ، فثبت أن على كلا التقديرين ~~كان الأولى إبقاؤه حيا . # فإن قيل السؤال على هذا الدليل من وجهين الأول : أن قوله { وإن يك كاذبا ~~فعليه كذبه } معناه أن ضرر كذبه مقصور عليه ولا يتعداه / وهذا الكلام فاسد ~~لوجوه أحدها : أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذبا كان صضلالا كذبه مقصورا ~~عليه ، لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل ، فيغتر به جماعة منهم ، ~~ويقعون في المذهب الباطل والاعتقاد الفاسد ، ثم يقع بينهم وبين غيرهم ~~الخصومات الكثيرة فثبت أن بتقدير كونه كاذبا لم يمكن ضرر كذبه مقصورا عليه ~~، بل كان متعديا إلى الكل ، ولهذا السبب العلماء أجمعوا على أن الزنديق ~~الذي يدعو الناس إلى زندقته يجب قتله وثانيها : أنه إن كان الكلام حجة له ، ~~فلا كذاب إلا ويمكنه أن يتمسك بهذه الطريقة ، فوجب تمكن جميع الزنادقة ~~والمبطلين من تقرير أديانهم الباطلة وثالثها : أن الكفار الذين أنكروا نبوة ~~موسى عليه السلام وجب أن لا يجوز الإنكار عليهم ، لأنه يقال : إن كان ذلك ~~المنكر كاذبا في ذلك الإنكار فعليه كذبه ، وإن يك صادقا انتفعتم بصدقه ، ~~فثبت أن هذا الطريق يوجب تصويب ضده ، وما أفضى ثبوته إلى عدمه كان باطلا . # السؤال الثاني : أنه كان من الواجب أن يقال وإن ms7912 يك صادقا يصبكم كل الذي ~~يعدكم لأن الذي يصيب في بعض ما يعد دون البعض هم أصحاب الكهانة والنجوم ، ~~أما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه يجب أن يكون صادقا في كل ~~ما يقول فكان قوله { يصبكم بعض الذى يعدكم } غير لائق بهذا المقام والجواب ~~: عن الأسئلة الثلاثة بحرف واحد وهو أن تقدير الكلام أن يقال إنه لا حاجة ~~بكم في دفع شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه عن إظهار هذه المقالة ثم ~~تتركوا قتله فإن كان كاذبا فحينئذ لا يعود ضرره إلا إليه ، وإن يك صادقا ~~انتفعتم به ، والحاصل أن المقصود من ذكر ذلك التقسيم بيان أنه لا حاجة إلى ~~قتله بل يكفيكم أن تعرضوا عنه وأن تمنعوه عن إظهار دينه فبهذا الطريق ( ~~تكون ) الأسئلة الثلاثة مدفوعة . # وأما السؤال الثاني : وهو قوله كان الأولى أن يقال يصبكم كل الذي يعدكم ، ~~فالجواب عنه من وجوه الأول : أن مدار هذا الاستدلال على إظهار الإنصاف وترك ~~اللجاج لأن المقصود منه إن كان كاذبا كان ضرر كذبه مقصورا عليه ، وإن كان ~~صادقا فلا أقل من أن يصل إليكم بعض ما يعدكم ، وإن كان المقصود من هذا ~~PageV27P051 الكلام ما ذكر صح ، ونظيره قولله تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى ~~هدى أو فى ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) ، والوجه الثاني : أنه عليه السلام كان ~~يتوعدهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة ، فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب ~~الدنيا فقد أصابهم بعض الذي يعدهم به ، الوجه الثالث : حكي عن أبي عبيدة ~~أنه قال ورود لفظ البعض بمعنى الكل جائز ، واحتج بقول لبيد : # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يرتبط بعض النفوس حمامها والجمهور على أن هذا القول خطأ ، قالوا وأراد ~~لبيد ببعض النفوس نفسه والله أعلم . # ثم حكى الله تعالى عن هذا المؤمن حكاية ثالثة في أنه لا يجوز إيذاء موسى ~~عليه السلام فقال : { إن الله لا يهدى من هو مسرف * مرتاب } وتقرير هذا ~~الدليل أن يقال : إن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بهذه المعجزات ~~الباهرة ms7913 ، ومن هداه الله إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفا كذابا فهذا ~~يدل على أن موسى عليه السلام ليس من الكاذبين ، فكان قوله { إن الله لا ~~يهدى من هو مسرف كذاب } إشارة إلى علو شأن موسى عليه السلام على طريق الرمز ~~والتعريض ، ويحتمل أيضا أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمة على قتل موسى ~~، كذاب في إقدامه على ادعاء الإلاهية ، والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته ، ~~بل يبطله ويهدم أمره . # ! 7 < { ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين فى الا رض فمن ينصرنا من بأس الله ~~إن جآءنا قال فرعون مآ أريكم إلا مآ أرى ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد * وقال ~~الذىءامن ياقوم إنىأخاف عليكم مثل يوم الا حزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد * وياقوم إنىأخاف عليكم ~~يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما ~~له من هاد } . > 7 ! # < < # | غافر : ( 29 ) يا قوم لكم . . . . . # > > اعلم أن مؤمن آل فرعون لما أقام أنواع الدلائل على أنه لا يجوز ~~الإقدام على قتل موسى ، خوفهم في ذلك بعذاب الله فقال : { كذاب ياقوم لكم ~~الملك اليوم ظاهرين فى الارض } يعني قد علوتم الناس وقهرتموهم ، فلا تفسدوا ~~أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لبأس الله وعذابه ، فإنه لا قبل لكم به ، ~~وإنما قال : { ينصرنا } و { جاءنا } لأنه كان يظهر من نفسه أنه منهم وأن ~~الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه ، ولما قال ذلك المؤمن هذا الكلام { قال ~~فرعون ما أريكم إلا ما أرى } أي لا أشير إليكم برأي سوى ما ذكرته أنه يجب ~~قتله حسما PageV27P052 لمادة الفتنة { وما أهديكم } بهذا الرأي { إلا سبيل ~~الرشاد } والصلاح ، ثم حكى تعالى أن ذلك المؤمن رد هذا الكلام على فرعون ~~فقال : { إنى أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب } . # وأعلم أنه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنه كان يكتم إيمانه ، والذي يكتم كيف ~~يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون ، ولهذا السبب حصل ههنا قولان الأول ms7914 : ~~أن فرعون لما قال : { ذرونى أقتل موسى } ( غافر : 26 ) لم يصرح ذلك المؤمن ~~بأنه على دين موسى ، بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه ، إلا أنه زعم أن ~~المصلحة تقتضي ترك قتل موسى ، لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله ~~والإتيان بالمعجزات القاهرة وهذا لا يوجب القتل ، والإقدام على قتله يوجب ~~الوقوع في ألسنة الناس بأقبح الكلمات ، بل الأولى أن يؤخر قتله وأن يمنع من ~~إظهار دينه ، لأن على هذا التقدير إن كان كاذبا كان وبال كذبه عائدا إليه ، ~~وإن كان صادقا حصل الانتفاع به من بعض الوجوه ، ثم أكد ذلك بقوله { إن الله ~~لا يهدى من هو مسرف كذاب } ( غافر : 28 ) يعني أنه إن صدق فيما يدعيه من ~~إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب ، فأوهم فرعون أنه ~~أراد بقوله { إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب } أنه يريد موسى وهو إنما ~~كان يقصد به فرعون { ذرونى أقتل موسى } أزال الكتمان وأظهر كونه على دين ~~موسى ، وشافه فرعون بالحق . # واعلم أنه تعالى حكى عن هذا المؤمن أنواعا من الكلمات ذكرها لفرعون الأول ~~: قوله { ءامن ياقوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب } والتقدير مثل أيام ~~الأحزاب ، إلا أنه لما أضاف اليوم إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد ثمود ، ~~فحينئذ ظهر أن كل حزب كان له يوم معين في البلاء ، فاقتصر من الجمع على ذكر ~~الواحد لعدم الالتباس ، ثم فسر قوله { إنى أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب } ~~بقوله { مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود } ودأب هؤلاء دونهم في عملهم من الكفار ~~والتكذيب وسائر المعاصي ، فيكون ذلك دائبا ودائما لا يفترون عنه ، ولا بد ~~من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم ، والحاصل أنه خوفهم بهلاك معجل في الدنيا ~~، ثم خوفهم أيضا بهلاك الآخرة ، وهو قوله { ومن يضلل الله فما له من هاد } ~~والمقصود منه التنبيه على عذاب الآخرة . # والنوع الثاني : من كلمات ذلك المؤمن قوله تعالى : { وما الله يريد ظلما ~~للعباد } يعني أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلا ms7915 ، لأنهم استوجبوه بسبب ~~تكذيبهم للأنبياء ، فتلك الجملة قائمة ههنا ، فوجب حصول الحكم ههنا ، قالت ~~المعتزلة : { وما الله يريد ظلما للعباد } يدل على أنه لا يريد أن يظلم بعض ~~العباد بعضا ، ويدل على أنه لا يريد ظلم أحد من العباد ، فلو خلق الكفر ~~فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالما ، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ~~ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد ، لأنه لو خلقها لأرادها ، وثبت أيضا ~~أنه قادر على الظلم ، إذ لو لم يقدر عليه لما حصل المدح بترك الظلم ، وهذا ~~الاستدلال قد ذكرناه مرارا في هذا الكتاب مع الجواب ، فلا فائدة في الإعادة ~~. # النوع الثالث : من كلمات هذا المؤمن قوله { للعباد وياقوم إنى أخاف عليكم ~~يوم التناد } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : التنادي تفاعل من النداء ، يقال تنادي القوم ، أي نادى ~~بعضهم بعضا ، والأصل الياء وحذف الياء حسن في الفواصل ، وذكرنا ذلك في { ~~يوم التلاق } ( غافر : 15 ) وأجمع المفسرون على أن { يوم التناد } يوم ~~PageV27P053 القيامة ، وفي سبب تسمية ذلك اليوم بذلك الاسم وجوه الأول : أن ~~أهل النار ينادون أهل الجنة ، وأهل الجنة ينادون أهل النار ، كما ذكر الله ~~عنهم في سورة الأعراف { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } ( الاعراف : 50 ) ~~، { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } ( الاعراف : 44 ) ، الثاني : قال ~~الزجاج : لا يبعد أن يكون السبب فيه قوله تعالى : { يوم ندعوا كل أناس ~~بإمامهم } ( الإسرار : 71 ) ، الثالث : أنه ينادي بعض الظالمين بعضا بالويل ~~والبثور فيقولون { * ويا ويلنا } ، ( الأنبياء : 14 ) ، الرابع : ينادون ~~إلى المحشر ، أي يدعون الخامس : ينادي المؤمن { هاؤم اقرؤا كتابيه } ( ~~الحاقة : 19 ) والكافر { فيقول ياليتنى لم أوت كتابيه } ( الحاقة : 25 ) ، ~~السادس : ينادى باللعنة على الظالمين السابع : يجاء بالموت على صورة كبش ~~أملح ، ثم يذبح وينادى يا أهل القيامة لا موت ، فيزداد أه لالجنة فرحا على ~~فرحهم ، وأهل النار حزنا على حزنهم الثامن : قال ( أبو علي الفارسي : ~~التنادي مشتق من التناد ، من قولهم ند فلان إذا هرب ، وهو قراءة ابن عباس ~~وفسرها ، فقال يندون كما تند الإبل ، ويدل على ms7916 صحة هذه القراءة قوله تعالى ~~: { يوم يفر المرء من أخيه } ( عبس : 34 ) الآية . وقوله تعالى بعد هذه ~~الآية { يوم تولون مدبرين } لأنهم إذا سمعوا زفير النار يندون هاربين ، فلا ~~يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا ، فيرجعون إلى المكان الذي ~~كانوا فيه . # المسألة الثانية : انتصب قوله { يوم التناد } لوجهين أحدهما : الظرف ~~للخوف ، كأنه خاف عليهم في ذلك اليوم ، لما يلحقهم من العذاب ، إن لم ~~يؤمنوا والآخر أن يكون التقدير إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد وإذا كان ~~كذلك كان انتصاب يوم انتصاب المعفول به ، لا انتصاب الظرف ، لأن إعرابه ~~إعراب المضاف المحذوف ، ثم قال : { يوم تولون مدبرين } وهو بدل من قوله { ~~يوم التناد } عن قتادة : منصرفين عن موقف يوم الحساب إلى النار ، وعن مجاهد ~~: فارين عنالنار غير معجزين ، ثم أكد التهديد فقال : { ما لكم من الله من ~~عاصم } ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال : { ومن يضلل الله فما له ~~من هاد } . # ! 7 < { ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم فى شك مما جآءكم به ~~حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف ~~مرتاب * الذين يجادلون فىءايات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله ~~وعند الذين ءامنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } > 7 ! # < < # | غافر : ( 34 ) ولقد جاءكم يوسف . . . . . # > > واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال : { ومن يضلل الله فما له من هاد } ( ~~غافر : 33 ) ذكر لهذا مثلا ، وهو أن يوسف لما جاءهم بالبينات الباهرة ~~فأصروا على الشك والشبهة ، ولم ينتفعوا بتلك الدلائل ، وهذا يدل على أن من ~~أضله الله فما له من هاد وفي الآية مسائل : PageV27P054 # المسألة الأولى : قيل إن يوسف هذا هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، ونقل ~~صاحب ( الكشاف ) يوسف بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نيفا وعشرين ~~سنة ، وقيل إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بقي حيا إلى زمانه وقيل فرعون آخر ~~، والمقصود من الكل شيء واحد وهو أن يوف ms7917 جاء قومه بالبينات ، وفي المراد ~~بها قولان الأول : أن المراد بالبينات قوله { متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار ما } ( يوسف : 39 ) ، والثاني : المراد بها المعجزات ، وهذا أولى ، ~~ثم إنهم بقوا في نبوته شاكين مرتابين ، ولمي ينتفعوا ألبتة بتلك البينات ، ~~فلما مات قالوا إنه { لن يبعث الله من بعده رسولا } وءنما حكموا بهذا الحكم ~~على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ور برهان ، بل إنما ذكروا ذلك ليكون ~~ذلك أساسا لهم في تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعد ذلك وليس في قولهم { وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا } لأجل تصديق رسالة يوسف وكيف وقد شكوا فيها ~~وكفروا بها وإنما هو تكذيب لرسالة من هو بعده مضموما إلى تكذيب رسالته ، ثم ~~قال : { كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب } أي مثل هذا الضلال يضل الله كل ~~مسرف في عصيانه مرتاب في دينه ، قال الكعبي هذه الآية حجة لأهل القدر لأنه ~~تعالى بين كفرهم ، ثم بين أنه تعالى إنما أضلهم لكونهم مسرفين مرتابين ، ~~فثبت أن العبد ما لم يضل عن الدين ، فإن الله تعالى لا يضله . # ثم بين تعالى ما لأجله بقوا في ذلك الشك والإسراف فقال : { الذين يجادلون ~~فىءايات الله بغير سلطان } أي بغير حجة ، بل إما بناء على التقليد المجرد ، ~~وإما بناء على شبهات خسيسة { كبر مقتا عند الله } والمقت هو أن يبلغ المرء ~~في القوم مبلغا عظيما فيمقته الله ويبغضه ويظهر خزيه وتعسه : / / # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في ذمة لهم بأنهم يجادلون بغير سلطان دلالة على أن ~~الجدال بالاحجة حسن وحق وفيه إبطال للتقليد . # المسألة الثانية : قال القاضي مقت الله أياهم يدل على أن فعلهم ليس بخلق ~~الله لأن كونه فاعلا للفعل وماقتا له محال . # المسألة الثالثة : الآية تدل على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد يمقت ~~بعض عباده إلا أن ذلك صفة واجبة التأويل في حق الله كالغضب والحياء والتعجب ~~والله أعلم . ثم بين أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك قد حصل عند الذين ~~آمنوا . # ثم قال ms7918 : { كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وأبو عمرون وفتيبة عن الكسائي { قلب } ~~منونا { متكبر } صفة للقلب والباقون بغير تنوين على إضافة القلب إلى ~~المتكبر قال أبو عبيد الاختيار الإضافة لوجوه الأول : أن عبد الله قرأ { ~~على كل قلب متكبر } وهو شاهد لهذه القراءة الثاني : أن وصف الإنسان بالتكبر ~~والجبروت أولى من وصف القلب بهما ، وأما الذين قرأوا بالتنوين فقالوا إن ~~الكبر قد أضيف إلى القلب في قوله { إن فى صدورهم إلا كبر } ( غافر : 56 ) ~~وقال تعالى : { وإن كنتم على } ( البقرة : 283 ) وأيضا فيمكن أن يكون ذلك ~~على حذف المضاف أي على كل ذي قلب متكبر ، وأيضا قال قوم الإنسان الحقيقي هو ~~القلب وهذا البحث طويل وقد ذكرناه في تفسير PageV27P055 قوله { نزل به ~~الروح الامين * على قلبك } ( الاشعراء : 193 ، 194 ) قالوا ومن أضاف ، فلا ~~بد له من تقدير حذف ، والتقدير يطبع الله على قلب كل متكبر . # المسألة الثانية : الكلام في الطبع والرين والقسوة والغشاوة قد سبق في ~~هذا الكتاب بالاستقصاء ، وأصحابنا يقولون قوله { كذلك يطبع الله } يدل على ~~أن الاكل من الله والمعزلة يقولون إن قوله { وكذالك * يطبع الله على كل قلب ~~متكبر جبار } يدل على أن هذا الطبع إنما حصل من الله لأنه كان في نفسه ~~متكبرا جبارا وعند هذا تصير الآية حجة لكل واحد من هذين الفريقين من وجه ، ~~وعليه من وجه رخر ، والاقول الذي يخرج عليه الوجهان ما ذهبنا إليه وهو أنه ~~تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب ، فتصير تلك الدواعي مانعة من ~~حصول ما يدعون إلى الطاعة والانقياد لأمر الله ، فيكون القول بالقضاء ~~والقدر حيا ويكون تعليل الصد عن الدين بكونه متجبرا متكبرا باقيا ، فثبت أن ~~هذا المذهب الذي اخترناه في القضاء والقدر هو الذي ينطبق لفظ القرآن من ~~أوله إلى آخره عليه . # المسألة الثالثة : لا بد من بيان الفرق بين المتكبر والجبار ، قال مقابل ~~{ متكبر } عن قبول التوحيد { جبار } في غير حق ، وأقول كما السعادة في ms7919 غير ~~خق ، وأقول كمال السعادة في أمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ~~فعلى قول مقاتل التكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله والجبروت كالمضاد للشفقة ~~على خلق الله والله أعلم . # ! 7 < { وقال فرعون ياهامان ابن لى صرحا لعلىأبلغ الا سباب * أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إلاه موسى وإنى لاظنه كاذبا وكذالك زين لفرعون سوء عمله ~~وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا فى تباب } > 7 ! # < < # | غافر : ( 36 ) وقال فرعون يا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما وصف فرعون بكونه متكبرا جبارا بين أنه أبلغ في ~~البلادة والحماقة إلى أن قصد الصعود إلى السموات ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : احتج الجمع الكثير من المشبها بهذه الآية في إثبات أن ~~الله في السموات وقرروا ذلك من وجوه الأول : أن فرعون كان من المنكرين ~~لوجود الله ، وكل ما يذكره في صفات الله تعالى فذلك إنما يذكره لأجل أنه ~~سمع أن موسى يصف الله بذلك ، فهو أيضا يذكره كما سمعه ، فلولا أنه سمع موسى ~~يصف الله بأنه موجود في السماء وإلا لما طلبه في السماء ، الوجه الثاني : ~~أنه قال وإني لأظنه كاذبا ، ولم يبين أنه كاذب فيماذا ، والمذكور السابق ~~متعين لصرف الكلام إليه فكأن التقدير فأطلع إلى الإله الذي يزعم موسى أنه ~~موجود في السماء ، ثم قال : { وإنى لاظنه كاذبا } أي وإني لأظن موسى كاذبا ~~في إدعائه أن الإله موجود في السماء ، وذلك يدل على أن دين موسى هو أن ~~الإله موجود في السماء الوجه الثالث : العلم بأنه لو وجد إله لكان موجودا ~~في السماء علم يديهي متقرر في كل العقول ولذلك فإن الصبيان إذا تضرعوا إلى ~~الله رفعوا PageV27P056 وجوههم وأيديهم إلى السماء ، وإن فرعون مع نهاية ~~كفره لما طلب الإله فقد طلبه في السماء ، وهذا يدل على أن العلم بأن الإله ~~موجود في السماء علم متقرر في عقل الصديق والزنديق والملحد والموحد والعالم ~~والجاهل . # فهذا جملة استدلالات المشبهة بهذه الآية ، والجواب : أن هؤلاء الجهال ~~يكفيهم في كمال الخزي والضلال أن جعلوا قول فرعون اللعين حجة لهم ms7920 على صحة ~~دينهم ، وأما موسى عليه السلام فإنه لم يزد في تعريف إله العالم على ذكر ~~صفة الخلاقية فقال في سورة طه { ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى } ( طه ~~: 50 ) وقال في سورة الشعراء { ربكم ورب ءابائكم الاولين * رب المشرق ~~والمغرب وما بينهما } ( الشعراء : 26 ، 28 ) فظهر أن تعريف ذات الله بكونه ~~في السماء دين فرعون وتعريفه بالخلاقية والموجودية دين موسى ، فمن قال ~~بالأول كان على دين فرعون ، ومن قال بالثاني كان على دين موسى ، ثم نقول لا ~~نسلم أن كل ما يقوله فرعون في صفات الله تعالى فذلك قد سمعه من موسى عليه ~~السلام ، بل لعله كان على دين المشبهة فكان يعتقد أن الإله لو كان موجودا ~~لكان حاصلا في السماء ، فهو إنما ذكر هذا الإعتقاد من قبل نفسه لا لأجل أنه ~~قد سمعه من موسى عليه السلام . # وأما قوله { وإنى لاظنه كاذبا } فنقول لعله لما سمع موسى عليه السلام قال ~~: { رب * السماوات والارض } ظن أنه عنى أنه رب السموات ، كما يقال للواحد ~~منا إنه رب الدار بمعنى كونه ساكنا فيه ، فلما غلب على ظنه ذلك حكى عنه ، ~~وهذا ليس بمستبعد ، فإن فرعون كان بلغ في الجهل والحماقة إلى حيث لا يبعد ~~نسبة هذا الخيال إليه ، فإن استبعد الخصم نسبة هذا الخيال إليه كان ذلك ~~لائقا بهم ، لأنهم لما كانوا على دين فرعون وجب عليهم تعظيمه . وأما قوله ~~إن فطرة فرعون شهدت بأن الإله لو كان موجودا لكان في السماء ، قلنا نحن لا ~~ننكر أن فطرة أكثر الناس تخيل إليهم صحة ذلك لا سيما من بلغ في الحماقة إلى ~~درجة فرعون فثبت أن هذا الكلام ساقط . # المسألة الثانية : اختلف الناس في أن فرعون هل قصد بناء الصرح ليصعد منه ~~إلى السماء أم لا ؟ أما الظاهريون من المفسرين فقد قطعوا بذلك ، وذكروا ~~حكاية طويلة في كيفية بناء ذلك الصرح ، والذي عندي أنه بعيد والدليل عليه ~~أن يقال فرعون لا يخلو إما أن يقال إنه كان من المجانين أو ms7921 كان من العقلاء ~~، فإن قلنا إنه كان من المجانين لم يجز من الله تعالى إرسال الرسول إليه ، ~~لأن العقل شرط في التكليف ، ولم يجز من الله أن يذكر حكاية كلام مجنون في ~~القرآن ، وإما إن قلنا إنه كان من العقلاء فنقول إن كل عاقل يعلم ببديهة ~~عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي ، ويعلم ~~أيضا ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر حال السماء بين أن ينظر إليه من ~~أسفل الجبال وبين أن ينظر إليه من أعلى الجبال ، وإذا كان هذا العلمان ~~بديهيين امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء ، وإذا كان ~~فساد هذا معلوما بالضرورة امتنع إسناده إلى فرعون ، والذي عندي في تفسير ~~هذه الآية أن فرعون كان من الدهرية وغرضه من ذكر هذا الكلام إيراد شبهة في ~~نفي الصانع وتقريره أنه قال : إنا لا نلاى شيئا نحكم عليه بأنه إله العالم ~~فلم يجز إثبات هذا الإله ، أما إنه لا نراه فلأنه لو كان موجودا لكان في ~~السماء ونحن لا سبيل لنا إلى صعود السموات فكيف يمكننا أن نراه ، ثم إنه ~~لأجل المبالغة في بيان أنه لا يمكنه صعود السموات { قال ياءادم * ياهامان ~~ابن لى صرحا لعلى أبلغ الاسباب } والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن هذا ~~الطريق ممتنع كان الوصول إلى معرفة وجود الله PageV27P057 بطريق الحس ~~ممتنعا ، ونظيره قوله تعالى : { فان * المرسلين * وإن كان كبر عليك إعراضهم ~~فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى } ( الأنعام : 35 ) وليس المراد منه أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم طلب نفقا في الأرض أو وضع سلما إلى السماء ، بل المعنى ~~أنه لما عرف أن هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيبل لك إلى تحصيل ذلك ~~المقصود ، فكذا ههنا غرض فرعون من قوله { فرعون ياهامان ابن لى صرحا } يعني ~~أن الاطلاع على إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق وكان هذا ~~الطريق ممتنعا ، فحينئذ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة ms7922 الإله الذي يثبته ~~موسى فنقول هذا ما حصلته في هذا الباب . # واعلم أن هذه الشبهة فاسدة لأن طرق العلم ثلاثة الحس والخبر والنظر ، ولا ~~يلزم من انتفاء طريق واحد وهو الحس انتفاء المطلوب ، وذلك لأن موسى عليه ~~السلام كان قد بين لفرعون أن الطريق في معرفة الله تعالى إنما هو الحجة ~~والدليل كما قال : { ربكم ورب ءابائكم الاولين * رب المشرق والمغرب } ( ~~الشعراء : 26 ، 28 ) إلا أن فرعون لخبثه ومكره تغافل عن ذلك الدليل ، وألقى ~~إلى الجهال أنه لما كان لا طريق إلا الإحساس بهذا الإله وجب نفيه ، فهذا ما ~~عندي في هذا الباب وبالله التوفيق والعصمة . # المسألة الثالثة : ذهب قوم إلى أنه تعالى خلق جواهر الأفلاك وحركاتها ~~بحيث تكون هي الأسباب لحدوث الحوادث في هذا العالم الأسفل ، واحتجوا بقوله ~~تعالى : { لعلى أبلغ الاسباب * أسباب * السماوات } ومعلوم أنها ليست أسبابا ~~إلا لحوادث هذا العالم قالوا ويؤكد هذا بقوله تعالى في سورة ص { فليرتقوا * ~~فى * الاسباب } ( ص : 10 ) أما المفسرون فقد ذكروا في تفسير قوله تعالى : { ~~لعلى أبلغ الاسباب * أسباب * السماوات } أن المراد بأسباب السموات طرقها ~~وأبوابها وما يؤدي إليها ، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب كالرشاد ونحوه . # المسألة الرابعة : قالت اليهود أطبق الباحثون عن تواريخ بني إسرائيل ~~وفرعون أن هامان ما كان موجودا ألبتة في زمان موسى وفرعون وإنما جاء بعدهما ~~بزمان مديد ودهر داهر ، فالقول بأن هامان كان موجودا في زمان فرعون خطأ في ~~التاريخ ، وليس لقائل أن يقول إن وجود شخص يسمى بهامان بعد زمان فرعون لا ~~يمنع من وجود شخص آخر يسمى بهذا الإسم في زمانه ، قالوا لأن هذا الشخص ~~المسمى بهامان الذي كان موجودا في زمان فرعون ما كان شخصا خسيسا في حضرة ~~فرعون بل كان كالوزير له ، ومثل هذا الشخص لا يكون مجهول الوصف والحلية فلو ~~كان موجودا لعرف حاله ، وحيث أطبق الباحثون عن أحوال فرعون وموسى أن الشخص ~~المسمى بهامان ما كان موجودا في زمان فرعون وإنما جاء بعده بأدوار علم أن ~~غلط وقع ms7923 في التواريخ ، قالوا ونظير هذا أنا نعرف في دين الإسلام أن أبا ~~حنيفة إنما جاء بعد محمد صلى الله عليه وسلم فلو أن قائلا أدعى أن أبا ~~حنيفة كان موجودا في زمان محمد عليه السلام وزعم أنه شخص آخر سوى الأول وهو ~~يسمى بأبي حنيفة ، فإن أصحاب التواريخ يقطعون بخطئه فكذا ههنا والجواب : أن ~~تواريخ موسى وفرعون قد طال العهد بها واضطربت الأحوال والأدوار فلم يبق على ~~كلام أهل التواريخ اعتماد في هذا الباب ، فكان الأخذ بقول الله تعالى أولى ~~بخلاف حال رسولنا مع أبي حنيفة فإن هذه التواريخ قريبة غير مضطربة بل هي ~~مضبوطة فظهر الفرق بين البابين ، فهذا جملة ما يتعلق بالمباحث المعنوية في ~~هذه الآية ، وبقي ما يتعلق بالمباحث اللفظية . # قيل الصرح البناء الظاهر لا يخفى على الناظر وإن بعد ، اشتقوه من صرح ~~الشيء إذ ظهر و { أسباب * السماوات } طرقها ، فإن قيل ما فائدة هذا التكرير ~~. لو قيل : لعلي أبلغ الأسباب السموات ، كان PageV27P058 كافيا ؟ أجاب صاحب ~~( الكشاف ) عنه فقال : إذا أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيما لشأنه ، فلما ~~أراد تفخيم أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها ، وقوله { فأطلع إلى إلاه موسى ~~} قرأ حفص عن عاصم { فأطلع } بفتح العين والباقون بالرفع ، قال المبرد : من ~~رفع فقد عطفه على قوله { * ألغ } والتقدير لعلي أبلغ الأسباب ثم أطلع إلا ~~أن حرف ثم أشد تراخيا من الفاء ، ومن نصب جعله جوابا ، والمعنى لعلي أبلغ ~~الأسباب فمتى بلغتها أطلع والمعنى مختلف ، لأن الأول : لعلي أطلع والثاني : ~~لعلي أبلغ وأنا ضامر أني متى بلغت فلا بد وأن أطلع . # واعلم أنه تعالى لما حكى عن فرعون هذه القصة قال بعدها { كاذبا وكذالك ~~زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { وصد } بضم الصاد ، قال إبو ~~عبيدة : وبه يقرأ ، لأن ما قبله فعل مبني للمفعول به فجعل ما عطف عليه مثله ~~، والباقون { وصد } بفتح الصاد على أنه منع الناس عن الإيمان ، قالوا ومن ~~صده قوله { لاقطعن أيديكم وأرجلكم } ( الأعراف ms7924 : 124 ) ويؤيد هذه القراءة ~~قوله { الذين كفروا وصدوا * عن سبيل الله } ( النساء : 167 ) وقوله { هم ~~الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام } ( الفتح : 25 ) . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { زين } لا بد له من المزين ، فقالت ~~المعتزلة : إنه الشيطان ، فقيل لهم إن كان المزين لفرعون هو الشيطان ، ~~فالمزين للشيطان إن كان شيطانا آخر لزم إثبات التسلسل في الشياطين أو الدور ~~وهو محال ، ولما بطل ذلك وجب انتهاء الأسباب والمسببات في درجات الحاجات ~~إلى واجب الوجود ، وأيضا فقوله { زين } يدل على أن الشيء إن لم يكن في ~~اعتقاد الفاعل موصوفا بأنه خير وزينة وحسن فإنه لا يقدم عليه ، إلا أن ذلك ~~الإعتقاد إن كان صوابا فهو العلم / وإن كان خطأ فهو الجهل ، ففاعل ذلك ~~الجهل ليس هو ذلك الإنسان ، لأن العاقل لا يقصد تحصيل الجهل لنفسه ، ولأنه ~~إنما يقصد تحصيل الجهل لنفسه إذا عرف كونه جهلا ، ومتى عرف كونه جهلا امتنع ~~بقاؤه جاهلا ، فثبت أن فاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان ، ولا يجوز أن ~~يكون فاعله هو الشيطان ، لأن البحث الأول بعينه عائد فيه ، فلم يبق إلا أن ~~يكون فاعله هو الله تعالى والله أعلم . ويقوي ما قلناه أن صاحب ( الكشاف ) ~~نقل أنه قرىء { وزين لهم * سوء عمله } على البناء للفاعل والفعل لله عز وجل ~~، ويدل عليه قوله { إلى إلاه موسى } . # ثم قال تعالى : { وما كيد فرعون إلا فى تباب } والتباب الهلاك والخسران ، ~~ونظيره قوله تعالى : { وما زادوهم غير تتبيب } ( هود : 101 ) وقوله تعالى : ~~{ تبت يدا أبى لهب } ( المسد : 1 ) والله أعلم . # PageV27P059 ! 7 < { وقال الذىءامن ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * ~~ياقوم إنما هاذه الحيواة الدنيا متاع وإن الا خرة هى دار القرار * من عمل ~~سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولائك ~~يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب * وياقوم ما لىأدعوكم إلى النجواة ~~وتدعوننىإلى النار * تدعوننى لاكفر بالله وأشرك به ما ليس لى به علم وأنا ~~أدعوكم إلى العزيز الغفار * لا جرم أنما تدعوننىإليه ليس ms7925 له دعوة فى الدنيا ~~ولا فى الا خرة وأن مردنآ إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار * فستذكرون ~~مآ أقول لكم وأفوض أمرىإلى الله إن الله بصير بالعباد } . > 7 ! # < < # | غافر : ( 38 ) وقال الذي آمن . . . . . # > > اعلم أن هذا من بقية كلام الذي آمن من آل فرعون ، وقد كان يدعوهم إلى ~~الإيمان بموسى والتمسك بطريقته . واعلم أنه نادى في قومه ثلاث مرات : في ~~المرة الأولى دعاهم إلى قبول ذلك الدين على سبيل الإجمال ، وفي المرتين ~~الباقيتين على سبيل التفصيل . # أما الإجمال فهو قوله { ءامن ياقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد } وليس ~~المراد بقوله { اتبعون } طريقة التقليد ، لأنه قال بعده { أهدكم سبيل ~~الرشاد } والهدى هو الدلالة ، ومن بين الأدلة للغير يوصف بأنه هداه ، وسبيل ~~الرشاد هو سبيل الثواب والخير وما يؤدي إليه ، لأن الرشاد نقيض الغي ، وفيه ~~تصريح بأن ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغي . # وأما التفصيل فهو أنه بين حقارة حال الدينا وكمال حال الآخرة ، أما حقارة ~~الدنيا فهي قوله { سبيل الرشاد ياقوم إنما هاذه الحيواة الدنيا } والمعنى ~~أنه يستمتع بهذه الحياة الدنيا في أيام قليلة ، ثم تنقطع وتزول ، وأما ~~الآخرة فهي دار القرار والبقاء والدوام ، وحاصل الكلام أن الآخرة باقية ~~دائمة والدنيا منقضية منقرضة ، والدائم خير من المنقضي ، وقال بعض العارفين ~~: لو كانت الدينا ذهبا فانيا ، والآخرة خزفا باقيا ، لكانت الآخرة خيرا من ~~الدنيا ، فكيف والدنيا خزف فان ، والآخرة ذهب باق . # واعلم أن الآخرة كما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب فيها دائم ، وإن ~~الترغيب في النعيم الدائم والترهيب عن العذاب الدائم من أقوى وجوه الترغيب ~~والترهيب ، ثم بين كيف تحصل المجازاة في الآخرة ، وأشار فيه إلى أن جانب ~~الرحمة غالب على جانب العقاب فقال : { من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها } ~~والمراد بالمثل ما يقابلها في الاستحقاق ، فإن قيل كيف يصح هذا الكلام ، مع ~~أن كفر ساعة يوجب عقاب الأبد ؟ قلنا إن الكافر يعتقد في كفره كونه طاعة ~~وإيمانا فلهذا السبب يكون الكافر على عزم أن يبقى مصرا على ذلك ms7926 الإعتقاد ~~أبدا ، فلا جرم كان عقابه مؤبدا بخلاف الفاسق فإنه يعتقد فيه كونه خيانة ~~ومعصية فيكون على عزم PageV27P060 أن لا يبقى مصرا عليه ، فلا جرم قلنا أن ~~عقاب الفاسق منقطع . أما الذي يقوله المعتزلة من أن عقابه مؤبد فهو باطل ، ~~لأن مدة تلك المعصية منقطعة والعزم على الإتيان بها أيضا ليس دائما بل ~~منقطعا فمقابلته بعقاب دائم يكون على خلاف قوله { من عمل سيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها } ، واعلم أن هذه الآية أصل كبير في علوم الشريعة فيما يتعلق بأحكام ~~الجنايات فإآنها تقتضي أن يكون المثل مشروعا / وأن يكون الزائد على المثل ~~غير مشروع ، ثم نقول ليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرة في أي ~~الأمور فلو حملناه على رعاية المماثلة في شيء معين ، مع أن ذلك المعين غير ~~مذكور في الآية صارت الآية مجملة ، ولو حملناه على رعاية المماثلة في جميع ~~الأمور صارت الآية عاما مخصوصا ، وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع ~~بين الإجمال وبين التخصيص كان دفع الإجمال أولى فوجب أن تحمل هذه الآية على ~~رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا في مواضع التخصيص ، وإذا ثبت هذا فالأحكام ~~الكثيرة في باب الجنايات على النفوس ، وعلى الأعضاء ، وعلى الأموال يمكن ~~تفريعها على هذه الآية . # ثم نقول إنه تعالى لما بين أن جزاء السيئة مقصور على المثل بين أن جزاء ~~الحسنة غير مقصور على المثل بل هو خارج عن الحساب فقال : { ومن عمل صالحا ~~من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } ~~واحتج أصحابنا بهذه الآية فقالوا قوله { ومن عمل صالحا } نكرة في معرض ~~الشرط في جانب الإثبات فجرى مجرى أن يقال من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله ~~كذا فإنه يدخل فيه كل من أتى بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة ، فكذلك ~~ههنا وجب أن يقال كل من عمل صالحا واحدا من الصالحات فإنه يدخل الجنة ويرزق ~~فيها بغير حساب ، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتقديس مدة ~~ثمانين ms7927 سنة قد أتى بأعظم الصالحات وبأحسن الطاعات ، فوجب أن يدخل الجنة ~~والخصم يقول إنه يبقى مخلدا في النار أبد الآباد فكان ذلك على خلاف هذا ~~النص الصريح . قالت المعتزلة إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمنا وصاحب الكبيرة ~~عندنا ليس بمؤمن فلا يدخل في هذا الوعد والجواب : أنا بينا في أول سورة ~~البقرة في تفسير قوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب } ( البقرة : 3 ) أن ~~صاحب الكبيرة مؤمن فسقط هذا الكلام ، واختلفوا في تفسير قوله { يرزقون فيها ~~بغير حساب } فمنهم من قال لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل بغير حساب ، ~~وقال الآخرون لأنه تعالى يعطيهم ثواب أعمالهم ويضم إلى ذلك الثواب من أقسام ~~التفضل ما يخرج عن الحساب وقوله { بغير حساب } واقع في مقابلة { إلا مثلها ~~} يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير ، لئلا يزيد على الاستحقاق ، فأما ~~جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب بل ما شئت من الزيادة على الحق ~~والكثرة والسعة ، وأقول هذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجح على جانب ~~القهر والعقاب ، فإذا عارضنا عمومات الوعد بعمومات الوعيد ، وجب أن يكون ~~الترجيح بجانب عمومات الوعد وذلك يهدم قواعد المعتزلة ، ثم استأنف ذلك ~~المؤمن ونادى في المرة الثالثة وقال : { فيها بغير حساب وياقوم ما لى ~~أدعوكم إلى النجواة } يعني أنا أدعوكم إلى الإيمان الذي يوجب النجاة ~~وتدعونني إلى الكفر الذي يوجب النار ، فإن قيل لم كرر نداء قومه ، ولم جاء ~~بالواو في النداء الثالث دون الثاني ؟ قلنا أما تكرير النداء ففيه زيادة ~~تنبيه لهم وإيقاظ من سنة الغفلة ، وإظهار أن له بهذا PageV27P061 المهم ~~مزيد اهتمام ، وعلى أولئك الأقوام فرط شفقة ، وأما المجيء بالواو العاطفة ~~فلأن الثاني يقرب من أن يكون عين الأول ، لأن الثاني بيان للأول والبيان ~~عين المبين ، وأما الثالث فلأنه كلام مباين للأول والثاني فحسن إيراد الواو ~~العاطفة فيه ، ولما ذكر هذا المؤمن أنه يدعوهم إلى النجاة وهم يدعونه إلى ~~النار ، فسر ذلك بأنهم يدعونه إلى الكفر بالله وإلى الشرك به ، أما الكفر ~~بالله فلأن الأكثرين من ms7928 قوم فرعون كانوا ينكرون وجود الإله ، ومنهم من كان ~~يقر بوجود الله إلا أنه كان يثبت عبادة الأصنام وقوله تعالى : { وأشرك به ~~ما ليس لى به علم } المراد بنفي العلم نفي المعلوم ، كأنه قال وأشرك به ما ~~ليس بإله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكا للإله ؟ ولما بين أنهم يدعونه ~~إلى الكفر والشرك بين أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغفار فقوله { ~~العزيز } إشارة إلى كونه كامل القدرة ، وفيه تنبيه على أن الإله هو الذي ~~يكون كامل القدرة ، وأما فرعون فهو في غاية العجز فكيف يكون إلها ، وأما ~~الأصنام فإنها أحجار منحوتة فكيف يعقل القول بكونها آلهة وقوله { الغفار } ~~إشارة إلى أنه لا يجب أن يكونوا آيسين من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر ~~مدة مديدة ، فإن إله العالم وإن كان عزيزا لا يغلب قادرا لا يغالب ، لكنه ~~غفار يغفر كفر سبعين سنة بإيمان ساعة واحدة ، ثم قال ذلك المؤمن { لا جرم } ~~والكلام في تفسير لا جرم مر في سورة هود في قوله { لا جرم أنهم فى الاخرة ~~هم الاخسرون } ( هود : 22 ) وقد أعاده صاحب ( الكشاف ) ههنا فقال { لا جرم ~~} مساقه على مذهب البصريين أن يجعل ( لا ) ردا لما دعاه إليه قومه و { جرم ~~} فعل بمعنى حق و { إنما } مع ما في حيزه فاعله أي حق ووجب بطلان دعوته أو ~~بمعنى كسب من قوله تعالى : { ولا يجرمنكم شنان قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا } ( المائدة : 2 ) أي كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته ~~بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته ، ويجوز أن يقال إن { لا جرم ~~} نظيره لا بد فعل من الجرم وهو القطع كما أن بد فعل من التبديد وهو ~~التفريق ، وكما أن معنى لا بد أنك تفعل كذا أنه لا بد لك من فعله ، فكذلك { ~~لا جرم أن لهم النار } ( النحل : 62 ) أي لا قطع لذلك بمعنى أنهم أبدا ~~يستحقون النار لا انقطاع لاستحقاقهم ، ولا قطع لبطلان دعوة الأصنام ، أي لا ~~تزال باطلة ms7929 لا ينقطع ذلك فينقل حقا ، وروي عن بعض العرب لا جرم أنه يفعل ~~بضم الجيم وسكون الراء بزنة بد وفعل إخوان كرشد ورشد وكعدم وعدم هذا كله ~~ألفاظ صاحب ( الكشاف ) . # ثم قال : { أنما تدعوننى إليه ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الاخرة } ~~والمراد أن الأوثان التي تدعونني إلى عبادتها ليس لها دعوة في الدنيا ولا ~~في الآخرة وفي تفسير هذه الدعوة احتمالان . # الأول : أن المعنى ما تدعونني إلى عبادته ليس له دعوة إلى نفسه لأنه ~~جمادات والجمادات لا تدعو أحدا إلى عبادة نفسها وقوله { فى الاخرة } يعني ~~أنه تعالى إذا قلبها حيوانا في الآخرة فإنها تتبرأ من هؤلاء العابدين . # والاحتمال الثاني : أن يكون قوله { ليس له دعوة فى الدنيا ولا فى الاخرة ~~} معناه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ، فسميت استجابة ~~الدعوة بالدعوة إطلاقا لاسم أحد المتضايقين على الآخر ، كقوله { وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) ثم قال : { وأن مردنا إلى الله } فبين أن هذه ~~الأصنام لا فائدة فيها ألبتة ، ومع ذلك PageV27P062 فإن مردنا إلى الله ~~العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات الغني عن كل الحاجات الذي لا ~~يبدل القول لديه وما هو بظلام للعبيد ، فأي عاقل يجوز له عقله أن يشتغل ~~بعبادة تلك الأشياء الباطلة وأن يعرض عن عبادة هذا الإله الذي لا بد وأن ~~يكون مرده إليه ؟ وقوله { وأن المسرفين هم أصحاب النار } قال قتادة يعني ~~المشركين وقال مجاهد السفاكين للدماء والصحيح أنهم أسرفوا في معصية الله ~~بالكلمة والكيفية ، أما الكمية فالدوام وأما الكيفية فبالعود والإصرار ، ~~ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذه البيانات ختم كلامه بخاتمة لطيفة فقال : { ~~فستذكرون ما أقول لكم } وهذا كلام مبهم يوجب التخويف ويحتمل أن يكون المراد ~~أن هذا الذكر يحصل في الدنيا وهو وقت الموت ، وأن يكون في القيامة وقت ~~مشاهدة الأهوال وبالجملة فهو تحذير شديد ، ثم قال : { وأفوض أمرى إلى الله ~~} وهذا كلام من هدد بأمر يخافه فكأنهم خوفوه بالقتل وهو أيضا خوفهم بقوله { ~~فستذكرون ما ms7930 أقول لكم } ثم عول في ذفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على فضل الله ~~تعالى فقال : { وأفوض أمرى إلى الله } وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى ~~عليه السلام ، فإن فرعون لما خوفه بالقتل رجع موسى في دفع ذلك الشر إلى ~~الله حيث قال : { إنى عذت بربى وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب } ( ~~غافر : 27 ) فتح نافع وأبو عمرو الياء من { أمرى } والباقون بالإسكان . # ثم قال : { إن الله بصير بالعباد } أي عالم بأحوالهم وبمقادير حاجاتهم ، ~~وتمسك أضحابنا بقوله تعالى : { وأفوض أمرى إلى الله } على أن الكل من الله ~~، وقالوا إن المعتزلة الذين قالوا إن الخير والشر يحصل بقدرتهم قد فوضوا ~~أمر أنفسهم إليهم وما فوضوها إلى الله ، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية ~~فقالوا إن قوله { * أفوض } اعتراف بكونه فاعلا مستقلا بالفعل ، والمباحث ~~المذكورة في قوله أعوذ بالله عائدة بتمامها في هذا الموضع . وههنا آخر كلام ~~مؤمن آل فرعون والله الهادي . # ! 7 < { فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بأال فرعون سوء العذاب * النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب * ~~وإذ يتحآجون فى النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل ~~أنتم مغنون عنا نصيبا من النار * قال الذين استكبروا إنا كل فيهآ إن الله ~~قد حكم بين العباد * وقال الذين فى النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا ~~يوما من العذاب * قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا ~~فادعوا وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال } . > 7 @QB@ < # | غافر : ( 45 ) فوقاه الله سيئات . . . . . # > > PageV27P063 # اعلم أنه تعالى لما بين أن ذلك الرجل لم يقصر في تقرير الدين الحق ، وفي ~~الذب عنه فالله تعالى رد عنه كيد الكافرين وقصد القاصدين ، وقوله تعالى : { ~~بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا } يدل على أنه لما صرح بتقرير الحق فقد ~~قصدوه بنوع من أنواع السوء ، قال مقاتل لما ذكر هذه الكلمات فصدوا قتله ~~فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه ، وقيل المراد بقوله { فوقاه ~~الله سيئات ما مكروا } أنهم ms7931 قصدوا إدخاله في الكفر وصرفه عن الإسلام فوقاه ~~الله عن ذلك إلا أن الأول أولى لأن قوله بعد ذلك { وحاق بئال فرعون سوء ~~العذاب } لا يليق إلا بالوجه الأول ، وقوله تعالى : { وحاق بئال فرعون } أي ~~أحاط بهم { سوء العذاب } أي غرقوا في البحر ، وقيل بل المراد منه النار ~~المذكورة في قوله { النار يعرضون عليها } قال الزجاج { النار } بدل من قوله ~~{ سوء العذاب } قال : وجائز أيضا أن تكون مرتفعة على إضمار تفسير { سوء ~~العذاب } كأن قائلا قال : ما سوء العذاب ؟ فقيل : { النار يعرضون عليها } . # قرأ حمزة { * حاق } بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بالفتح أما ~~قوله { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات عذاب القبر قالوا ~~الآية تقتضي عرض النار عليهم غدوا وعشيا ، وليس المراد منه يوم القيامة ~~لأنه قال : { ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب } ، وليس ~~المراد منه أيضا الدنيا لأن عرض النار عليهم غدوا وعشيا ما كان حاصلا في ~~الدنيا ، فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت وقبل يوم القيامة ، وذلك ~~يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء ، وإذ ثبت في حقهم ثبت في حق غيرهم ~~لأنه لا قائل بالفرق ، فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار ~~عليهم غدوا وعشيا عرض النصائح عليهم في الدنيا ؟ لأن أهل الدين إذا ذكروا ~~لهم الترغيب والترهيب وخوفوهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار ، ثم نقول ~~في الآية ما يمنع من حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين : الأول : أن ذلك ~~العذاب يجب أن يكون دائما غير منقطع ، وقوله { يعرضون عليها غدوا وعشيا } ~~يقتضي أن لا يحصل ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين ، فثبت أن هذا لا يمكن ~~حمله على عذاب القبر الثاني : أن الغدوة والعشية إنما يحصلان في الدينا ، ~~أما في القبر فلا وجود لهما ، فثبت بهذين الوجهين أنه لا يمكن حمل هذه ~~الآية على عذاب القبر والجواب : عن السؤال الأول أن في الدنيا عرض ms7932 عليهم ~~كلمات تذكرهم أمر النار / لا أنه يعرض عليهم نفس النار ، فعلى قولهم يصير ~~معنى الآية الكلمات المذكرة لأمر النار كانت تعرض عليهم ، وذلك يفضي إلى ~~ترك ظاهر اللفظ والعدول إلى المجاز ، أما قوله الآية تدل على حصول هذا ~~العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز ، قلنا لم لا يجوز أن يكتفي في القبر ~~بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين ، ثم عند قيام القيامة يلقى في النار ~~فيدوم عذابه بعد ذلك ، وأيضا لا يمتنع يأن يكون ذكر الغدوة والعشية كناية ~~عن الدوام كقوله { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } ( مريم : 62 ) أما قوله ~~إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية ، قلنا لم لا يجوز أن يقال إن عند ~~حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب ؟ والله أعلم . ~~PageV27P064 # المسألة الثانية : قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم { النار يعرضون ~~عليها } أي يقال لخزنة جهنم : أدخلوهم في أشد العذاب ، والباقون أدخلوا على ~~معنى أنه يقال لهؤلاء الكفار : أدخلوا أشد العذاب ، والقراءة الأولى اختيار ~~أبي عبيدة ، واحتج عليها بقوله تعالى : { يعرضون } فهذا يفعل بهم فكذلك { ~~أدخلوا } وأما وجه القراءة الثانية فقوله { ادخلوا أبواب جهنم } ، وههنا ~~آخر الكلام في قصة مؤمن آل فرعون . # واعلم أن الكلام في تلك القصة لما انجر إلى شرح أحوال النار ، لا جرم ذكر ~~الله عقيبها قصة المناظرات التي تجري بين الرؤساء والأتباع من أهل النار ~~فقال : { وإذ يتحاجون فى النار } والمعنى اذكر يا محمد لقومك إذ يتحاجون أي ~~يحاجج بعضهم بعضا ، ثم شرح خصومتهم وذلك أن الضعفاء يقولون للرؤساء { إنا ~~كنا لكم تبعا } في الدنيا ، قال صاحب ( الكشاف ) تبعا كخدم في جمع خادم أو ~~ذوي تبع أي أتباع أو وصفا بالمصدر { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار } ~~أي فهل تقدرون على أن تدفعوا أيها الرؤساء عنا نصيبا من العذاب ، واعلم أن ~~أولئك الأتباع يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف ، ~~وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل أولئك الرؤساء وإيلام ~~قلوبهم ، لأنهم هم الذين ms7933 سعوا في إيقاع هؤلاء الأتباع في أنواع الضلالات ~~فعند هذا يقول الرؤساء { إنا كل فيها } يعني أن كلنا واقعون في هذا العذاب ~~، فلو قدرت على إزالة العذاب عنك لدفعته عن نفسي ، ثم يقولون { إن الله قد ~~حكم بين العباد } يعني يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم أو من العذاب ، ~~ثم عند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين فيرجعون إلى خزنة جهنم ويقولون ~~لهم { ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } فإن قيل لم لم يقل : وقال ~~الذين في النار لخزنتها بل قال : { وقال الذين فى النار لخزنة جهنم } ؟ ~~قلنا فيه وجهان الأول : أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع ~~والثاني : أن يكون جهنم اسما لموضع هو أبعد النار قعرا ، من قولهم بئر ~~جهنام أي بعيدة القعر ، وفيها أعظم أقسام الكفار عقوبة وخزنة ذلك الموضع ~~تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة ، فإذا عرف الكفار أن الأمر كذلك ~~استغاثوا بهم ، فأولئك الملائكة يقولون لهم { أو لم * تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات } والمقصود أن قبل إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا إنه { ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير } ( المائدة : 19 ) أما بعد مجيء الرسل فلم يبق عذر ~~ولا علة كما قال تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ( الإسراء : 15 ~~) وهذه الآية تدل على أن الواجب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشرع ، ثم إن أولئك ~~الملائكة يقولون للكفار ادعوا أنتم فإنا لا نجترىء على ذلك ولا نشفع إلا ~~بشرطين أحدهما : كون المشفوع له مؤمنا والثاني : حصول الإذن في الشفاعة ولم ~~يوجد واحد من هذين الشرطين فإقدامنا على هذه الشفاعة ممتنع لكن ادعوا أنتم ~~، وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة ، ولكن للدلالة على الخيبة ، فإن الملك ~~المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكفار ، ثم يصرحون لهم بأنه لا ~~أثر لدعائهم فيقولون { وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال } فإن قيل إن الحاجة ~~على الله محال ، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال : إنه تأذى من هؤلاء المجرمين ~~بسبب جرمهم ، وإذا كان التأذي ms7934 محالا عليه كانت شهوة الانتقام ممتنعة في حقه ~~، إذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضار العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار لا ~~منفعة فيه إلى الله تعالى ولا لأحد من العبيد ، فهو إضرار خال عن جميع ~~الجهات المنتفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يبقى على ذلك الإيلام أبد ~~الآباد ودهر الداهرين ، من غير أن يرحم حاجتهم ومن غير أن يسمع دعاءهم ومن ~~غير أن يلتفت إلى تضرعهم PageV27P065 وانكسارهم ، ولو أن أقصى الناس قلبا ~~فعل مثل هذا التعذيب ببعض عبيده لدعاه كرمه ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا ~~السيد في محل النفع والضرر والحاجة ، فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا ~~الإضرار ؟ قلنا أفعال الله لا تعلل و { لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون } ( ~~الأنبياء : 23 ) فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به ~~والله أعلم بالصواب . # ! 7 < { إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا فى الحيواة الدنيا ويوم يقوم الا ~~شهاد * يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار * ولقد ~~ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بنىإسراءيل الكتاب * هدى وذكرى لا ولى الا لباب ~~* فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار } . > ~~7 ! # < < # | غافر : ( 51 ) إنا لننصر رسلنا . . . . . # > > اعلم أن في كيفية النظم وجوها الأول : أنه تعالى لما ذكر وقاية الله ~~موسى صلوات الله عليه وذلك المؤمن من مكر فرعون بين في هذه الآية أنه ينصر ~~رسله والذين آمنوا معه والثاني : لما بين من قبل ما يقع بين أهل الناء من ~~التخاصم وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون { أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات } ( غافر : 50 ) أتبع ذلك بذكر الرسل وأنه ينصرهم في الدنيا ~~والآخرة والثالث : وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما وقع من ~~قوله { ما يجادل فىءايات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم فى البلاد ~~} ( غافر : 4 ) وامتد الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن المحقين ~~أبدا كانوا مشغولين بدفع كيد المبطلين ، وكل لذلك إنما ذكره الله تعالى ~~تسلية للرسول ms7935 صلى الله عليه وسلم وتصبيرا له على تحمل أذى قومه . # ولما بلغ الكلام في تقرير المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بأن ينصره على أعدائه في الحياة الدنيا وفي الآخرة فقال : { ~~إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا } الآية ، أما في الدنيا فهو المراد بقوله { ~~وقال إنما اتخذتم } ، وأما في الآخرة فهو المراد بقوله { ويوم يقوم الاشهاد ~~} فحاصل الكلام أنه تعالى وعد بأنه ينصر الأنبياء والرسل ، وينصر الذين ~~ينصرونهم نصرة يظهر أثرها في الدنيا وفي الآخرة . # واعلم أن نصرة الله المحقين تحصل بوجوه أحدها : النصرة بالحجة ، وقد سمى ~~الله الحجة سلطانا في غير موضع ، وهذه الصرة عامة للمحقين أجمع ، ونعم ما ~~سمى الله هذه النصرة سلطانا لأن السلطنة في الدنيا قد تبطل ، وقد تتبدل ~~بالفقر والذلة والحاجة والفتور ، أما السلطنة الحاصلة بالحجة فإنها تبقى ~~أبد الآباد ويمتنع تطرق الخلل والفتور إليها وثانيها : أنهم منصورون بالمدح ~~والتعظيم ، فإن الظلمة وإن قهروا شخصا من المحقين إلا أنهم لا يقدرون على ~~إسقاط مدحه عن ألسنة الناس وثالثها : أنهم منصورون بسبب أن بواطنهم مملوءة ~~من أنوار الحجة وقوة اليقين ، فإنهم إنما ينظرون إلى الظلمة والجهال كما ~~تنظر ملائكة PageV27P066 السماوات إلى أخس الأشياء ورابعها : أن المبطلين ~~وإن كان يتفق لهم أن يحصل لهم استيلاء على المحقين ، ففي الغالب أن ذلك لا ~~يدوم بل يكشف للناس أن ذلك كان أمرا وقع على خلاف الواجب ونقيض الحق ~~وخامسها : أن المحق إن اتفق له أن وقع في نوع من أنواع المحذور فذلك يكون ~~سببا لمزيد ثوابه وتعظيم درجاته وسادسها : أن الظلمة والمبطلين كما يموتون ~~تموت آثارهم ولا يبقى لهم في الدنيا أثر ولا خبر . وأما المحقون فإن آثارهم ~~باقية على وجه الدهر والناس بهم يقتدون في أعمال البر والخير ولمنحهم ~~يتركون فهذا كله أنواع نصرة الله للمحقين في الدينا وسابعها : أنه تعالى قد ~~ينتقم للأنبياء والأولياء بعد موتهم ، كما نصر يحيى بن زكريا فإنه لما قتل ~~به سبعون ألفا ، وأما نصرته تعالى إياهم في الآخرة ms7936 فذلك بإعلاء درجاتهم في ~~مراتب الثواب وكونهم مصاحبين لأنبياء الله / كمال قال : { فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ~~} ( النساء : 69 ) . # واعلم أن في قوله { إنا لننصر رسلنا } إلى قوله { ويوم يقوم الاشهاد } ~~دقيقة معتبرة وهي أن السلطان العظيم إذا خص بعض خواصه بالإكرام العظيم ~~والتشريف الكامل عند حضور الجمع العظيم من أهل المشرق والمغرب كان ذلك ألذ ~~وأبهج فقوله { إنا لننصر رسلنا * إلى * ويوم يقوم الاشهاد } المقصود منه ~~هذه الدقيقة ، واختلفوا في المراد بالأشهاد ، والظاهر أن المراد كل من يشهد ~~بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن ، ما الملائكة فهم الكرام ~~الكاتبون يشهدون بما شاهدوا ، وأما الأنبياء فقال تعالى : { فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) وقال تعالى : ~~{ وكذالك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا } ( البقرة : 143 ) قال المبرد يجوز أن يكون واحد الأشهاد شاهدا ~~كأطيار وطائر وأصحاب وصاحب ، ويجوز أن يكون واحد الأشهاد شهيدا كأشراف ~~وشريف وأيتام ويتيم . # ثم قال تعالى : { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء ~~الدار } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر لا تنفع بالتاء لتأنيث المعذرة ~~والباقون بالياء كأنه أريد الاعتذار . # واعلم أن المقصود أيضا من هذا شرح تعظيم ثواب أهل الثواب ، وذلك لأنه ~~تعالى بين أنه ينصرهم في يوم يجتمع فيه الأولون والآخرون ، فحالهم في علو ~~الدرجات في ذلك اليوم ما ذكرناه وأما حال أعدائهم فهو أنه حصلت لهم أمور ~~ثلاثة أحدها : أنه لا ينفعهم شيء من المعاذير ألبتة وثانيها : أن { لهم ~~اللعنة } وهذا يفيد الحصر يعني اللعنة مقصورة عليهم وهي الإهانة والإذلال ~~وثالثها : سوء الداء وهو العقاب الشديد فهذا اليوم إذا كان الأعداء واقعين ~~في هذه المراتب الثلاثة من الوحشة والبلية ، ثم إنه خص الأنبياء والأولياء ~~بأنواع التشريفات الواقعة في الجمع الأعظم فهنا يظهر أن سرور المؤمن كم ~~يكون ، وأن غموم الكافرين إلى أين تبلغ . فإن قيل قوله { يوم ms7937 لا ينفع ~~الظالمين معذرتهم } يدل على أنهم يذكرون الأعذار إلا أن تلك الأعذار لا ~~تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } ( المرسلات ~~: 36 ) قلنا قوله { لا تنفع * الظالمين معذرتهم } لا يدل على أنهم ذكروا ~~الأعذار ، بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول نافع ، وهذا القدر لا ~~يدل على أنهم ذكروه أم لا . وأيضا فيقال يوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في ~~وقت ولا يعتذرون في وقت آخر ، ولما بين الله تعالى أنه ينصر الأنبياء ~~والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعا من أنواع تلك PageV27P067 النصرة في ~~الدنيا فقال : { ولقد ءاتينا موسى الهدى } ويجوز أن يكون المراد من الهدى ~~ما آتاه الله من العلوم الكثيرة النافعة في الدنيا والآخرة ، ويجوز أن يكون ~~المراد تلك الدلائل القاهرة التي أوردها على فرعون وأتباعه وكادهم بها ، ~~ويجوز أن يكون المراد هو النبوة التي هي أعظم المناصب الإنسانية ، ويجوز أن ~~يكون المراد إنزال التوراة عليه . # ثم قال تعالى : { وأورثنا بنى إسراءيل الكتاب * هدى وذكرى لاولى الالباب ~~} يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى لما أنزل التوراة على موسى بقي ذلك ~~العلم فيهم وتوارثوه خلفا عن سلف / ويجوز أن يكون المراد سائر الكتب التي ~~أنزلها الله عليهم وهي كتب أنبياء بني إسرائيل التوراة والزبور والإنجيل ، ~~والفرق بين الهدى والذكرى وأن الهدى ما يكون دليلا على الشيء وليس من شرطه ~~أن يذكر شيئا آخر كان معلوما ثم صار منسيا ، وأما الذكرى فهي الذي يكون ~~كذلك فكتب أنبياء الله مشتملة على هذين القسمين بعضها دلائل في أنفسها ، ~~وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلاهية المتقدمة . ولما بين أن الله ~~تعالى ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثال في ذلك بحال ~~موسى وخاطب بعد ذلك محمدا صلى الله عليه وسلم فقال : { فاصبر إن وعد الله ~~حق } فالله ناصرك كنا نصرهم ومنجز وعده في حقك كما كان كذلك في حقهم ، ثم ~~أمره بأن يقبل على طاعة الله النافعة في الدنيا والآخرة فإن من كان ms7938 لله كان ~~الله له . # واعلم أن مجامع الطاعات محصورة في قسمين التوبة عما لا ينبغي ، والاشتغال ~~بما ينبغي ، والأول مقدم على الثاني بحسب الرتبة الذاتية فوجب أن يكون ~~مقدما عليه في الذكر ، أما التوبة عما لا ينبغي فهو قوله { واستغفر لذنبك } ~~والطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام يتمسكون به ونحن نحمله على التوبة ~~عن ترك الأولى والأفضل ، أو على ما كان قد صدر عنهم قبل النبوة ، وقيل أيضا ~~المقصود منه محض التعبد كما في قوله { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك } ( ~~آل عمران : 194 ) فإن إيتاء ذلك الشيء واجب ثم إنه أمرنا بطلبه ، وكقوله { ~~رب احكم بالحق } ( الأنبياء : 112 ) من أنا نعلم أنه لا يحكم إلا بالحق ، ~~وقيل إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول فقوله { واستغفر لذنبك } من باب ~~إضافة المصدر إلى المفعول أي واستغفر لذنب أمتك في حقك ، وأما الاشتغال بما ~~ينبغي فهو قوله { وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار } والتسبيح عبارة عن تنزيه ~~الله عن كل ما لا يليق به ، والعشي والإبكار ، قيل صلاة العصر وصلاة الفجر ~~، وقيل الإبكار ، عبارة عن أو النهار إلى النصف ، والعشي عبارة عن النصف ~~إلى آخر النهار ، فيدخل فيه كل الأوقات ، وقيل المراد طرفا النهار ، كما ~~قال : { وأقم الصلواة طرفى النهار } ( هود : 114 ) وبالجملة فالمراد منه ~~الأمر بالمواظبة على ذكر الله ، وأن لا يفتر اللسان عنه ، وأن لا يغفل ~~القلب عنه ، حتى يصير الإنسان بهذا السبب داخلا في زمرة الملائكة ، كما قال ~~في وصفهم { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ( الأنبياء : 20 ) والله أعلم ~~. # PageV27P068 ! 7 < { إن الذين يجادلون فىءايات الله بغير سلطان أتاهم إن ~~فى صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير * لخلق ~~السماوات والا رض أكبر من خلق الناس ولاكن أكثر الناس لا يعلمون * وما ~~يستوى الا عمى والبصير والذين ءامنوا وعملوا الصالحات ولا المسىء قليلا ما ~~تتذكرون * إن الساعة لاتية لا ريب فيها ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون } . > 7 ~~! # < < # | غافر : ( 56 ) إن الذين يجادلون . . . . . # > > اعلم أنا بينا أن الكلام ms7939 في أول هذه السورة إنما ابتدىء ردا على ~~الذين يجادلون في آيات الله ، واتصل البعض بالبعض وامتد على الترتيب الذي ~~لخصناه ، والنسق الذي كشفنا عنه إلى هذا الموضع ، ثم إنه تعالى نبه في هذه ~~الآية على الداعية التي تحمل أولئك الكفار على تلك المجادلة ، فقال : { إن ~~الذين يجادلون فىءايات الله بغير سلطان } إنما يحملهم على هذا الجدال ~~الباطل كبر في صدرهم فذلك الكبر هو الذي يحملهم على هذا الجدال الباطل ، ~~ولذك الكبر هو أنهم لو سلموا نبوتك لزمهم أن يكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك ، ~~لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة وفي صدورهم كبر لا يرضون أن يكونوا في ~~خدمتك ، فهذا هو الذي يحملهم على هذه المجادلات الباطلة والمخاصمات الفاسدة ~~. # ثم قال تعالى : { ما هم ببالغيه } يعني أنهم يريدون أن يكونوا تحت يدك ~~ولا يصلون إلى هذا المراد ، بل لا بد وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك ، ثم قال : ~~{ فاستعذ بالله } أي فالتجىء إليه من كيد من يجادلك { إنه هو السميع } بما ~~يقولون ، أو تقول { البصير } بما تعمل ويعملون ، فهو يجعلك نافذ الحكمم ~~عليهم ويصونك عن مكرهم وكيدهم . # واعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم في آيات الله بأنه بغير سلطان ولا حجة ~~ذكر لهذا مثالا ، فقال { لخلق * السماوات والارض * أكبر من خلق الناس } ~~والقادر على الأكبر قادر على الأصغر لا محالة ، وتقرير هذا الكلام أن ~~الاستدلال بالشيء على غيره على ثلاثة أقسام أحدها : أن يقال لما قدر على ~~الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد وثانيها : أن يقال لما قدر على ~~الشيء قدر على مثله ، فهذا استدلال حق لما ثبت في العقول أن حكم الشيء حكم ~~مثله وثالثها : أن يقال لما قدر على الأقوى الأكملل فبأن يقدر على الأقل ~~الأرذل كان أولى ، وهذا الاستدلال في غاية الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل ~~ألبتة ، ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السماوات والأرض هو الله سبحانه ~~وتعالى ، ويعلمون بالضرورة أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس وكان ~~من حقهم أن يقروا ms7940 بأن القادر على خلق السماوات والأرض يكون قادرا على إعادة ~~الإنسان الذي خلقه أولا ، فهذا برهان جلي في إفادة هذا المطلوب ، ثم إن هذا ~~البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس ، والمراد منهم الذين ~~ينكرون الحشر والنشر ، فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات ~~الله بغير سلطان ولا حجة ، بل بمجرد الحسد والجهل والكبر والتعصب ، ولما ~~بين PageV27P069 الله تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف ~~يكون ، وأن الجدال المقرون بالحجة والبرهان كيف يكون ، نبه تعالى على الفرق ~~بين البابين بذكر المثال فقال : { وما يستوى الاعمى والبصير } يعني وما ~~يستوي المستدل والجاهل المقلد ، ثم قال : { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~ولا المسىء } فالمراد بالأول التفاوت بين العالم والجاهل / والمراد بالثاني ~~التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال الفاسدة الباطلة ، ~~ثم قال : { قليلا ما تتذكرون } يعني أنهم وإن كان يعلمون أن العلم خير من ~~الجهل ، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد ، إلا أنه قليلا ما تتذكرون ~~في النوع المعين من الإعتقاد أنه علم أو جهل ، والنوع المعين من العمل أنه ~~عمل صالح أو فاسد ، فإن الحسد يعمي قلوبهم ، فيعتقدون في الجهل والتقليد ~~أنه محض المعرفة ، وفي الحسد والحقد والكبر أنه محض الطاعة ، فهذا هو ~~المراد من قوله { قليلا ما تتذكرون } قرأ عاصم وحمزة والكسائي { تتذكرون } ~~بالتاء على الخطاب ، أي قل لهم قليلا ما تتذكرون ، والباقون بالياء على ~~الغيبة . # ولما قرر الديل الدال على إمكان وجود يوم القيامة ، أردفه بأن أخبر عن ~~وقوعها ودخولها في الوجود فقال : { إن الساعة لاتية لا ريب فيها ولاكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون } والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث والقيامة ~~. # ! 7 < { وقال ربكم ادعونىأستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون ~~جهنم داخرين * الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله ~~لذو فضل على الناس ولاكن أكثر الناس لا يشكرون * ذلكم الله ربكم خالق كل ~~شىء لا إلاه إلا هو فأنى تؤفكون * كذلك يؤفك الذين كانوا بأايات الله ms7941 ~~يجحدون } . > 7 @QB@ < # | غافر : ( 60 - 63 ) وقال ربكم ادعوني . . . . . # > > # اعلم أنه تعاللى لما بين أن القوم بالقيامة حق وصدق ، وكان من المعلوم ~~بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى ، لا ~~جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات ، ولما كان أشرف أنواع الطاعات ~~الدعاء والتضرع ، لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال : { وقال ~~ربكم ادعونى أستجب لكم } واختلف الناس في المراد بقوله { ادعونى } فقيل إنه ~~الأمر بالدعاء ، وقيم إنه الأمر بالعبادة ، بدليل أنه قال بعده { الذين ~~يستكبرون عن عبادتى } ولولا أن الأمر بالدعاء أمر بمطلق اللعبادة لما بقي ~~لقوله { إن الذين يستكبرون عن عبادتى } معنى ، وأيضا الدعاء بمعنى العبادة ~~كثير في القرآن كقوله { إن يدعون من دونه إلا إناثا } PageV27P070 ( النساء ~~: 117 ) وأجيب عنه بأن الدعاء هو اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة ، فكأنه ~~قيل إن تارك الدعاء إنما تركه لأجل أن يستكبر عن إظهار العبودية وأجيب عن ~~قوله إن الدعاء بمعنى اللعبادة كثير في القرآن ، بأن ترك الظاهرة لا يصار ~~إليه إلا بدليل منفصل ، فإن قيل كيف قال : { ادعونى * استجيب * لكم } وقد ~~يدعى كثيرا فلا يستجاب أجاب الكعبي عنه بأن قال : الدعاء إنما يصح على شرط ~~، ومن دعا كذلك استجيب له ، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة ~~وحكمة ، ثم سأل نفسه فقال : فما هو أصلح يفعله بلا دعاء ، فما الفائدة في ~~الدعاءا وأجاب : عنه من وجهين الأول : أن فيه الفزع والانقطاع إلى الله ~~والثاني : أن هذا أيضا وارد على الكل ، لأنه إن علم أنه يفعله فلا بد وأن ~~يفعله ، فلا فائدة في الدعاء ، وإن علم أنه لا يفعله فإنه ألبتة لا يفعله ، ~~فلا فائدة في الدعاء ، وكل ما يقولونه ههنا فهو جوابنا ، هذا تمام ما ذكره ~~، وعندي فيه وجه آخر وهو أنه قال : { ادعونى * استجيب * لكم } فكل من دعا ~~الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأقاربه وأصدقائه وجده ~~واجتهاده ، فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان ، أما بالقلب فإنه ~~معولل ms7942 في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله ، فهذا الإنسان ما دعا ربه في وقت ~~، أما إذا دعا في وقت لا يبقى في القلب التفات إلى غير الله ، فالظاهر أنه ~~تحصل الاستجابة ، إذا عرفت هذا ففيه بشارة كاملة ، وهي أن انقطاع القلب ~~بالكلية عما سوى الله لا يحصل إلا عند القرب من الموت ، فإن الإنسان قاطع ~~في ذلك الوقت بأنه لا ينفعه شيء سوى فضل الله تعالى ، فعلى القانون الذي ~~ذكرناه وجب أن يكون الدعاء في ذلك الوقت مقبولا عند الله ، ونرجو من فضل ~~الله وإحسانه أن يوفقنا للدعاء المقرون بالإخلاص والتضرع في ذلك الوقت ، ~~واعلم أن الكلام السمتقصى في الدعاء قد سبق ذكره في سورة البقرة . # ثم قال تعالى : { إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين } أي ~~صاغرين وهذا إحسان عظيم من الله تعالى حيث ذكر الوعيد الشديد على ترك ~~الدعاء ، فإن قيل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حكاية عن رب ~~العزة أنه قال : { من * واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار * إن ~~الذين يجادلون فىءايات الله بغير سلطان أتاهم إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ~~ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير * لخلق السماوات والارض أكبر من ~~خلق الناس ولاكن أكثر الناس لا يعلمون * وما يستوى الاعمى والبصير والذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات ولا المسىء قليلا ما تتذكرون * إن الساعة لاتية لا ~~ريب فيها ولاكن أكثر الناس لا يؤمنون * وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين * الله الذى جعل لكم اليل ~~لتسكنوا فيه } واعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين الأول : كأنه تعالى قال : ~~إني أنعمت عليك قبل طلبك لهذه النعم الجليلة العظيمة ، ومن أنعم قبل السؤال ~~بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال والثاني : ~~أنه تعالى لما أمر بالدعاء ، فكأنه قيل الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون ~~مسبوقا بحصول المعرفة ، فما الدليل على وجود الإلاه القادر ، وقد ذكر الله ~~تعالى هذه الدلائل العشرة ms7943 على وجوده وقدرته وحكمته ، < < # | غافر : ( 64 ) الله الذي جعل . . . . . # > > واعلم أنا بينا أن دلائل وجود الله وقدرته ، إما فلكية ، وإما عنصرية ~~، أما الفلكيات فأقسام كثيرة أحدها : تعاقب الليل والنهار ، و ( لما ) كان ~~أكثر مصالح العالم مربوطا بهما فذكرهما الله تعالى في هذا المقام ، وبين أن ~~الحكمة في خلق الليل حصول الراحة بسبب النوم والسكون ، والحكمة في خلق ~~النهار ، إبصار الأشياء ليحصل مكنة التصرف فيها على الوجه الأنفع ، أما أن ~~السكون في وقت النوم سبب للراحة فبيانه من وجهين : الأول : أن الحركات توجب ~~الإعياء من حيث إن الحركة توجب السخونة والجفاف ، وذلك يوجب التألم والثاني ~~: أن الإحساس بالأشياء إنما يمكن بإيصال PageV27P071 الأرواح الجسمانية إلى ~~ظاهر الحس ، ثم إن تلك الأرواح تتحلل بسبب كثرة الحركات فتضعف الحواس ~~والإحساسات ، وإذا نام الإنسان عادت الأرواح الحساسة في باطن البدن وركزت ~~وقويت وتخلصت عن الإعياء ، وأيضا الليل بارد رطب فبرودته ورطوبته يتداركان ~~ما حصل في النهار من الحر والجفاف بسبب ما حدث من كثرة الحركات ، فهذه هي ~~المنافع المعلومة من قوله تعالى : { الله الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } ~~وأما قوله { والنهار مبصرا } فاعلم أن الإنسان مدني بالطبع ، ومعناه أنه ما ~~لم يحصل مدينة تامة لم تنتظم مهمات الإنسان في مأكوله ومشروبه وملبسه ~~ومنكحه ، وتلك المهمات لا تحصل إلا بأعمال كثيرة ، وتلك الأعمال تصرفات في ~~أمور ، وهذه التصرفات لا تكمل إلا بالضوء والنور حتى يميز الإنسان بسبب ذلك ~~النور بين ما يوافقه وبين ما لا يوافقه ، فهذا هو الحكمة في قوله { والنهار ~~مبصرا } فإن قيل كان الواجب بحسب رعاية النظم أن يقال هو الذي جعل لكم ~~الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه ، أو فجعل لكم الليل ساكنا ولكنه لم ~~يقل كذلك بل قالل في الليل لتسكنوا فيه ، وقال في النهار مبصرا فما الفائدة ~~فيه ؟ وأيضا فما الحكمة في تقديم ذكر الليل على ذكر النهار مع أن النهار ~~أشرف من الليل ؟ قلنا : أما الجواب عن الأول : فهو أن الليل والنوم في ~~الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير ms7944 مقصود بالذات ، أما اليقظة فأمور وجودية ، وهي ~~مقصودة بالذات ، وقد بين الشيخ عبد القاهر النحوي في ( دلائل الإعجاز ) أن ~~دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من دلالة صيغة الفعل عليهما / ~~فهذا هو السبب في هذا الفرق والله أعلم ، وأما الجواب عن الثاني : فهو أن ~~الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على ~~الوجود ، ولهذا السبب قال في أول سورة الأنعام { وجعل الظلمات والنور } ( ~~الأنعام : 1 ) . # واعلم أنه تعالى لما ذكر ما في الليل والنهار من المصالح والحكم البالغة ~~قال : { إن الله لذو فضل على الناس ولاكن أكثر الناس لا يشكرون } والمراد ~~أن فضل الله على الخلق كثيرا جدا ولكنهم لا يشكرونه ، وأعلم أن ترك الشكر ~~لوجوه : أحدها : أن يعتقد الرجل أن هذه النعم ليست من الله تعالى مثل أن ~~يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها وواجبة الدوران لذواتها ، ~~فحينئذ هذا الرجل لا يعتقد أن هذه النعم من الله وثانيها أن الرجل وءن ~~اعتقد أن كل العالم حصل بتخليق الله وتكونيه إلا أن هذه النعم العظيمة ، ~~أعني نعمة تعاقب الليل والنهار لما دامت واستمرت نسيها الإنسان ، فإذا ~~ابتلي الإنسان بفقدان شيء منها عرف قدرها مثل أن يتفق لبعض الناس والعياذ ~~بالله أن يحبسه بعض الظلمة في آبار عميقة مظلمة مدة مديدة ، فحينئذ يعرف ~~ذلك الإنسان قدر نعمة الهواء الصافي وقدر نعمة الضوء ، ورأيت بعض الملوك ~~كان يمعذب بعض خدمه بأن أمر أقواما حتى ينمعونه عن الإستناد إلى الجدار ، ~~وعن النوم فعظم وقع هذا التعذيب وثالثها : أن الرجل وإن كان عارفا بمواقع ~~هذه النعم إلا أنه يكون حريصا على الدنيا محبا للمال والجاه ، فإذا فاته ~~المال الكثير والجاه العريض وقع في كفران هذه النعم العظيمة ، ولما كان ~~أكثر الخلق هالكين في أحد هذه الأودية الثلاثة التي ذكرناها ، لا جرم قال ~~تعالى : { ولاكن أكثر الناس لا يشكرون } ونظيره قوله تعالى : { وقليل من ~~عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وقول إبليس { ولا تجد أكثرهم شاكرين } ( ~~لأعراف : 17 ) ولما بين الله تعالى ms7945 بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله ~~القادر الرحيم الحكيم قال : { ذلكم الله ربكم خالق كل شىء لا إلاه إلا هو } ~~قال صاحب ( الكشاف ) ذلكم المعلوم المميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه ~~فيها أحد هو الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو أخبار مترادفة أي هو ~~الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل PageV27P072 شيء لا إله ~~إلا هو أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق ~~كل شيء وأنه لا ثاني له { فأنى تؤفكون } والمراد فأنى تصرفون ولم تعدلون عن ~~هذه الدلائل وتكذبون بها ، ثم قال تعالى : { وكذالك * يؤفك الذين كانوا ~~بئايات الله يجحدون } ذ يعني أن كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها ولم يكن ~~فيه همة لطلب الحق وخوف العاقبة أفكر كما أفكوا . # ! 7 < { الله الذى جعل لكم الا رض قرارا والسمآء بنآء وصوركم فأحسن صوركم ~~ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين * هو الحى لا ~~إلاه إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين * قل إنى نهيت ~~أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جآءنى البينات من ربى وأمرت أن أسلم ~~لرب العالمين * هو الذى خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم ~~طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا ~~أجلا مسمى ولعلكم تعقلون } > 7 ! # اعلم أنا بينا أن دلائل وجود الله وقدرته ءما أن تكون من دلائل الآفاق أو ~~من باب دلائل الأنفس ، أما دلائل الآفاق فالمراد كل ما هو غير الإنسان من ~~كل هذا العالم وهي أقسام كثيرة ، والمذكور منها في هذه الآية أقسام منها ~~أحوال الليل والنهار وقد سبق ذكره وثانيها : الأرض والسماء وهو المراد من ~~قوله { الله الذى جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء } قال ابن عباس في قوله ~~{ قرارا } أي منزلا في حال الحياة وبعد الموت { والسماء بناء } كالقبة ~~المضروبة على الأرض ، وقيل مسك الأرض بلا عمد حتى أمكن التصرف عليها { ~~والسماء بناء ms7946 } أي قائمئا ثابتا وإلا لوقعت علينا ، وأما دلائل الأنفس ~~فالمراد منها دلالة أحوال بدن الإنسان ودلالة أحوال نفسه على وجود الصانع ~~القادر الحكيم ، والمذكور منها في هذه الآية قسمان أحدها : ما هو حاصل ~~مشاهد حال كما حاله والثاني : ما كان حاصلا في ابتداء خلقته وتكوينه . # أما القسم الأول : فأنواع كثيرة والمذكور منها في هذه الآية أنواع ثلاثة ~~أولها : حدوث صورته وهو المراد من قوله { وصوركم } وثانيها : حسن صورته وهو ~~المراد من قوله { فأحسن صوركم } ، وثالثها : أنه رزقه من الطيبات وهو ~~المراد من قوله { ورزقكم من الطيبات } وقد أطنبنا في تفسير هذه الأشياء في ~~هذا الكتاب مرارا لا سيما في تفسير قوله تعالى { ولقد كرمنا بنىءادم } ( ~~الإسرار : 70 ) ولما ذكر الله تعالى هذه PageV27P073 الدلائل الخمسة اثنين ~~من دلائل الآفاق وثلاثة من دلائل الأنفس قال : { ذلكم الله ربكم فتبارك ~~الله رب العالمين } وتفسير بتارك إما الدوام والثبات وإما كثرة الخيرات ، ~~ثم قال : { هو الحى لا إلاه إلا هو } وهذا يفيد الحصر وأن لا حي إلا هو ، ~~فوجب أن يحمل ذلك على الحي الذي يمتنع أن يموت امتناعا ذاتيا وحينئذ لا حي ~~إلا هو فكأنه أجرى الشيء الذي يجوز زواله مجرى المعدوم . # واعلم أن الحي عبارة عن الدارك الفعال والدارك إشارة إلى العلم التام ، ~~والفعال إشارة إلى القدرة الكاملة ، ولما نبه على هاتين الصفتين من صفات ~~الجلال نبه على الصفة الثالثة وهي : الوحدانية بقوله لا إله إلا هو ، ولما ~~وصفه بهذه الصفات أمر العباد بشيئين أحدها : بالدعاء والثاني : بالإخلاص ~~فيه ، فقال : { فادعوه مخلصين له الدين } ثم قال : دالحمد لله رب العالمين ~~} فيجوز أن يكون المراد قول : { * } فيجوز أن يكون المراد قول : { الحمد ~~لله رب العالمين } ويجوز أن يكون المراد أنه لما كان موصوفا بصفات الجلال ~~والعزة استحق لذاته أن يقال له الحمد لله رب العالمين ولماب ين صفات الجلال ~~والعظمة قال : { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } فأورد ذلك ~~على المشركين بألين قول ليصرفهم عن عبادة الأوثان ، وبين أن ms7947 وجه النهي في ~~ذلك ما جاءه من البينات ، وتلك البينات أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفا ~~بصفات الجلال والعظمة على ما تقدم ذكره ، وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا ~~تليف إلا به ، وأن جعل الأحجار المنحوتة والخشب المصورة شركاء له في ~~المعبودية مستنكر في بديهة العقل . # ولما بين أنه أمر بعبادة الله تعالى فقال : { وأمرت أن أسلم لرب العالمين ~~} وإنما ذكر هذه الأحكام في حق نفسه لأنهم كانوا يعتقدون فيه أنه في غاية ~~العقل وكمال الجوهر ، ومن المعلوم بالضرورة أن كل أحد فإنه لا يريد لنفسه ~~ألا الأفضل الأكمل ، فإذا ذكر أن مصلحته لا تتم إلا بالإعراض عن غير الله ~~ولإقبال بالكلية على طاعة الله ظهر به أن هذا الطريق أكمل من كل ما سواه ، ~~ثم قال : { هو الذى خلقكم من تراب } . # واعلم أنا قد ذكرنا أن الدلائل على قسمين دلائل الآفاق والأنفس ، أما ~~دلائل الآفاق فكثيرة والمذكور منها في هذه لآية أربعة : الليل والنهار ~~والأرض والسماء ، وأما دلائل الأنفس فقد ذكرنا أنها على قسمين أحدها : ~~الأحوال الحاضرة حال كمال الصحة وهي أقسام كثيرة ، والمذكور ههنا منها ~~ثلاثة أنواع : الصورة وحسن الصورة ورزق الطيبات . # وأما القسم الثاني : وهو كيفية تكون هذا البدن من ابتداء كونه نطفة ~~وجنينا إلى آخر الشيخوخة والموت فهو المذكور في هذه الآية فقال : { هو الذى ~~خلقكم من تراب ثم من نطفة } فقيل المراد آدم ، وعندي لا حاجة إليه لأن كل ~~إنسان فهو مخلوق من المني ومن دم الطمث ، والمني مخلوق من الدم فالإنسان ~~مخلوق من الدم والدم إنما تيولد من الأغذية والأغذية إما حيوانية وإما ~~نباتية ، والحال في تكون ذلك الحيوان كالحال في تكون الإنسان ، فالأغذية ~~بأسرها منتهية إلى النباتية والنبت إنما يكون من التراب يصير نطفة ثم علقة ~~بعد كونه علقة مراتب كثيرة إلى أن ينفصل من بطن الأم ، فالله تعالى ترك ~~ذكرها ههنا لأجل أنه تعالى ذكرها في سائر الأبيات . # واعلم أنه تعالى رتب عمر الإنسان على ثلاث مراتب أولها : كونه طفلا ، ~~وثانيها ms7948 : أن يبلغ أشده ، وثالثها : الشيخوخة وهذا ترتيب صحيح مطابق للعقل ~~، وذلك لأن الإنسان في أول عمره يكون في التزايد والنشوء PageV27P074 ~~والنماء وهو المسمى بالطفولية والمرتبة الثانية : أن يبلغ إلى كمال النشوء ~~وإلى أشد السن من غير أن يكون قد حصل فيه نوع من أنواع الضعف والنقص ، وهذه ~~المرتبة هي المراد من قوله { ثم لتكونوا شيوخا } وإذا عرفت هذا التقسيم ~~عرفت أن مراتب العمر بحسب هذا التفسيم لا تزيد على هذه الثلاثة ، قال صاحب ~~الكشاف ) قوله { لتبلغوا أشدكم } متعلق بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم ~~لتبلغوا . # ثم قال : { ومنكم من يتوفى من قبل } أي من قبل الشيخوخة أو من قبل هذه ~~الأحوال إذا خرج سقطا . # ثم قال : { ولتبلغوا أجلا مسمى } ومعناه يفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى وهو ~~وقت الموت وقيل يوم القيامة . # ثم قال : { ولعلكم تعقلون } ما في هذه الأحوال العجيبة من أنواع العبر ~~وأقسام الدلائل . # ! 7 < { هو الذى يحى ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } > 7 ! # < < # | غافر : ( 68 ) هو الذي يحيي . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر انتقال الإنسان من كونه ترابا إلى كونه نطفة ~~ثم إلى كونه علقة ثم إلى كونه طفلا ثم إلى بلوغ الأشد ثم إلى الشيخوخة ~~واستدل بهذه التغيرات على وجود الإله القادر قال بعده : { هو الذى * لا ~~إلاه } يعني كما أن الأتنقال من صفة إلى صفة أخرى من الصفات التي تقدم ~~ذكرها يدل على الإله القادر ، فكذلك الانتقال من الحياة إلى الموت وبالعكس ~~يدل على الإله القادر وقوله { فإذا قضى * أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ~~فيه وجوه الأول : معناه أنه لما نقل هذه الأجسام من بعض هذه الصفات إلى صفة ~~أخرى لم يتعب في ذلك التصرف ولم يحتج إلى آلة وأداة ، فعبر عن نفاذ قدرته ~~في الكائنات والمحدثات من غير معارض ولا مدافع بما إذا قال : دكن فيكون } ~~الوجه الثاني : أنه عبر عن الإحياء والإماتة بقول { * } الوجه الثاني : أنه ~~عبر عن الإحياء والإماتة بقول { كن فيكون } فكأنه قيل الإنتقال من كونه ~~ترابا إلى ms7949 كونه نطفة ، ثم إلى كونه علقة انتقالات تحصل على التدرج قليلا ~~قليلا ، وأما صيرورة الحياة فهي إنما تحصل لتعليق جوهر الروح النطقية به ، ~~وذلك يحدث دفعة واحدة ، فلهذا السبب وقع التعبير عنه بقوله { كن فيكون } ~~الوجه الثالث : أن من الناس من يقول إن تكون الإنسان إنما ينعقد من المني ~~والدم في الرحم في مدة معينة وبحسب انتقالاته من حالات إلى حالات ، فكأنه ~~قيل إنه يتنع أن يكون كل إنسان عن إنسان آخر ، لأن التسلسل محال ، ووقوع ~~الحادث في الأزل محال ، فلا بد من الاعتراف بإنسان هو أول الناس ، فحينئذ ~~يكون حدوث ذلك الإنسان لا بواسطة المني والدم ، بل بإيجاد الله تعالى ~~ابتداء ، فعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله { كن فيكون } . # PageV27P075 ! 7 < { ألم تر إلى الذين يجادلون فىءايات الله أنى يصرفون * ~~الذين كذبوا بالكتاب وبمآ أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون * إذ الا غلال ~~فىأعناقهم والسلاسل يسحبون * فى الحميم ثم فى النار يسجرون * ثم قيل لهم ~~أين ما كنتم تشركون * من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل ~~شيئا كذلك يضل الله الكافرين * ذلكم بما كنتم تفرحون فى الا رض بغير الحق ~~وبما كنتم تمرحون * ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } > ~~7 ! # < < # | غافر : ( 69 ) ألم تر إلى . . . . . # > > اعلم أنه تعالى عاد إلى ذم الذين يجادلون في آيات الله فقال : { ألم ~~تر إلى الذين يجادلون فىءايات الله أنى يصرفون } وهذا ذم لهم على أن جادلوا ~~في آيات الله ودفعها والتكذيب بها ، فعجب تعالى منهم بقوله { أنى يصرفون } ~~كما يقول الرجل لمن لا يبين : أنى يذهب بك تعجبا من غفلته ، ثم بين أنهم هم ~~{ الذين كذبوا بالكتاب } أي بالقرآن { وبما أرسلنا به رسلنا } من سائر ~~الكتب ، فإن قيل سوف للاستقبال ، وإذ للماضي فقوله { فسوف يعلمون * إذ ~~الاغلال فى أعناقهم } مثل قولك : سوف أصوم أمس قلنا المراد من قوله { إذ } ~~هو إذا ، لأن الأمور المستقبلة لما كان في أخبا رالله تعالى متيقنة مقطوعا ~~بها عبر عنها بلفظ ما ms7950 كان ووجد ، والمعنى على الاستقبال ، هذا لفظ صاحب ( ~~الكشاف ) . # ثم إنه تعالى وصف كيفية عقابهم فقال : { إذ الاغلال فى أعناقهم والسلاسل ~~يسحبون * فى الحميم } والمعنى : أنه يكون في أعناقهم الأغلال والسلاسل ، ثم ~~يسحبون بتلك السلاسل في الحميم ، أي في الماء المسخن بنار جهنم { ثم فى ~~النار يسجرون } والسجر في اللغة الإيقاد في التور ، ومعناه أنهم في النار ~~فهي محيطة بهم ، ويقرب منه قوله تعالى : { نار الله الموقدة * التى تطلع ~~على الافئدة } ( الهمزة : 6 ، 7 ) { ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * من ~~دون الله } فيقولون { ضلوا عنا } أي غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا نستشفع ~~بهم ، ثم قالوا { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } أي تبين أنهم لو لم يكونوا ~~شيئا ، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئا ، كما تقول حسبت أن فلانا شيء ، فإذا هو ~~ليس بشيء إذا جربته فلم تجد عنده خيرا ، ويجوز أيضا أن يقال ءنهم كذبوا ~~وأنكروا أنهم عبدوا غير الله ، كما أخبر الله تعالى عنهم في سورة الأنعام ~~أنهم قالوا { والله ربنا ما كنا مشركين } ثم قال تعالى : { كذلك يضل الله ~~الكافرين } قال القاضي : معناه أنه يضلهم عن طريق الجنة ، إذ لا يجوز أن ~~يقال يضلهم عن الحجة إذ قد هداهم في الدنيا إليها ، وقال صاحب ( الكشاف ) { ~~كذلك يضل الله الكافرين } مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم ، حتى أنهم ~~لو طلبوا الآلهة أو طلبتم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر ، ثم قال : { ذلكم ~~بما كنتم تفرحون فى الارض } أي ذلكم الإضلال بسبب ما كان لكم من الفرح ~~والمرح بغير الحق ، وهو الشرك وعبادة الأصنام { ادخلوا أبواب جهنم } السبعة ~~المقسومة لكم ، قال الله تعالى : { لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ~~} ( الحجر : 44 ) ، { خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين } PageV27P076 ~~والمراد منه ما قال في الآية المتقدمة في صفة هؤلاء المجادلين { إن فى ~~صدورهم إلا كبر } ( غافر : 56 ) . # ! 7 < { فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون * ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ms7951 منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتى بأاية إلا بإذن الله فإذا جآء أمر الله ~~قضى بالحق وخسر هنالك المبطلون } > 7 ! # < < # | غافر : ( 77 ) فاصبر إن وعد . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما تكلم من أول السورة إلى هذا لاموضع في تزييف ~~طريقة المجادلين في آيات الله ، أمر في هذه الآية رسوله بأي يصبر على ~~إيذائهم وإيحاشهم بتلك المجادلات ، ثم قال : { إن وعد الله حق } وعنى به ما ~~وعد به الرسول من نصرته ، ومن إنزال العذاب على أعدائه ، ثم قال : { فإما ~~نرينك بعض الذى نعدهم } يعني أولئك الكفار من أنواع العذاب ، مثل القتل يوم ~~بدر ، فذلك هو المطلوب { أو نتوفينك } قبل إنزال العذاب عليهم { فإلينا ~~يرجعون } يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام ، ونظيره قوله تعالى : { ~~فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذى وعدناهم فإنا عليهم ~~مقتدرون } ( الزخرف : 41 / 42 ) . # ثم قال تعالى : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من ~~لم * نقص عليك } والمعنى أنه قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : أنت كالرسل من ~~قبلك ، وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين ، وليس فيهم أحد أعطاه ~~الله آيات ومعجزات إلا وقد جادله قومه فيها وكذبوه فيها وجرى عليهم من الهم ~~ما يقارب ما جرى عليك فصبروا ، وكانوا أبدا يقترحون على الأنبياء إظهار ~~لمعجزات الزائدة على قدر الحاجة على سبيل العناد والتعنت ، ثم إن الله ~~تعالى لم علم أن لصلاح في إظهار ما أظهره ، وإلا لم يظهره ولم يكن ذلك ~~قادحا في نبوتهم ، فكذلك الحال في اقترح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم ~~يكن إظهارها صلاحا ، لا جرم ما أظهرناها ، وهذا هو المراد من قوله { وما ~~كان * واق * ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا } ثم قال : { فإذا جاء أمر ~~الله قضى بالحق } وهذا وعيد ورد عقيب اقتراح الآيات { وأمر * الله } ~~القيامة { * والمبطلون } هم المعاندون لذين يجادلون في آيات الله ، ~~ويقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة على سبيل التعنت . # ! 7 < { الله ms7952 الذى جعل لكم الا نعام لتركبوا منها ومنها تأكلون * ولكم ~~فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة فى صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون * ~~ويريكم ءاياته فأى ءايات الله تنكرون } > 7 @QB@ < # | غافر : ( 79 ) الله الذي جعل . . . . . # > > PageV27P077 # اعلم أنه تعالى لما أطنب في تقرير الوعيد عاد إلى ذكر ما يدل على وجود ~~الإله الحكيم الرحيم ، وإلى كذر ما يصلح أن يعد إنعاما على العباد ، قال ~~الزجاج الإبل خاصة ، وقال القاضي هي الأزواج الثمانية ، وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : أنه لم أدخل لام الغرض على قوله { ثم لتبلغوا } ولم يدخل ~~على البواقي فما السبب فيه ؟ الجواب : قال صاحب ( الكشاف ) الركوب في الحج ~~والغزو إما أن يكون واجبا أو مندوبا ، فهذان القسمان أغراض دينية فلا جرم ~~أدخل عليهما حرف التعليل ، وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المابحات ، ~~فلا جرم ما أدخل عليه حرف التعليل ، نظيره قوله تعالى : { والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة } ( النحل : 8 ) فأدخل التعليل على الركوت ولم ~~يدخله على الزنية . # السؤال الثاني : قوله تعالى : { وعليها وعلى الفلك تحملون } معناه تحملون ~~في البر والبحر إذا عرفت هذا فنقول : لم لم يقل وفي الفلك كما قال { قلنا ~~احمل فيها من كل زوجين اثنين } ( هود : 40 ) والجواب : أن كلمة على ~~للاستعلاء فالشيء الذي يوضع في الفلك كما يصح أن يقال وضع فيه يصح أن يقال ~~وضع عليه ، ولما صح الوجهان كانت لفظة أولى حتى يتم المراد في قوله { ~~وعليها وعلى الفلك تحملون } ولما ذكر الله هذه الدلائل الكثير قال : { ~~ويريكم آياته * ويريكم ءاياته فأى ءايات } يعني أن هذه الآيات التي عددناها ~~كلها ظاهرة باهرة ، فقوله { ويريكم ءاياته فأى ءايات } تنبيه على أنه ليس ~~في شيء من الدلائل التي تقدم ذكرها ما يمكن إنكاره ، قل صاحب ( الكشاف ) ~~قوله { فأى * آيات الله } جاء على اللغة المستفيضة ، وقولك : فأية آيات ~~الله قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحوحمار ~~وحمارة غريب ، وهي في أي أغرب لإبهامه والله أعلم . # ! 7 < { أفلم يسيروا فى الا رض فينظروا كيف كان ms7953 عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وءاثارا فى الا رض فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ~~* فلما جآءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزءون * فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التى قد خلت فى ~~عباده وخسر هنالك الكافرون } > 7 @QB@ < # | غافر : ( 82 ) أفلم يسيروا في . . . . . # > > PageV27P078 # اعلم أنه تعالى راعى ترتيبا ) لطيفا في آخر هذه السورة ، وذلك أنه ذكر ~~فصلا في دلائل الإلهية وكمال القدرة والرحمة والحكمة ، ثم أردفه بفضل ~~التهديد والوعيد وهذا الفصل الذي وقع عليه ختم هذه السورة هو الفصل المشتمل ~~على الوعيد ، والمقصود أن هؤلاء الكفار لذين يجادلون في آيات الله وحصل ~~الكبر العظيم في صدورهم بهذا ، والسبب في ذلك كله طلب الرياسة والتقدم على ~~الغير في المال والجاه ، فمن ترك الانقياد للحق لأجل طلب هذه الأشياء فقد ~~باع الآخرة بالدنيا ، فبين تعالى أن هذه الطريقة فاسدة ، لأن الدنيا فانية ~~ذاهبة ، واحتج عليه بقوله تعالى : { أفلم يسيروا فى الارض فينظروا كيف كان ~~عاقبة الذين من قبلهم } يعني لو ساروا في أطراف الأرض لعرفوا أن عاقبة ~~المتكبرين المتمردين ، ليست إلا الهلاك والبوار ، مع أنهم كانوا أكثر عدد ~~ومالا وجاها من هؤلاء المتأخرين ، فلما لم يستفيدوا من تلك المكنة العظيمة ~~والدولة القاهرة إلا الخيبة والخسار ، والحسرة والبوار ، فكيف يكون حال ~~هؤلاء الفقراء المساكين ، أما بيان أنهم كانوا أكثر من هؤلاء عددا فإنما ~~يعرف في الأخبار ، وأما أنهم كانوا أشد قوة وآثارا في الأرض ، فلأنه قد ~~بقيت آثارهم بحصون عظيمة بعدهم ، مثل الأهرام الموجودة بمصر ، ومثل هذه ~~البلاد العظيمة التي بناها الملوك المتقدمون ، ومثل ما حكى الله عنهم من ~~أنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتا . # ثم قال تعالى : { فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } ما في قوله { فما أغنى ~~عنهم } نافية أو مضمنة معنى الاستفهام ومحلها النصب ، وما في قوله { ما ~~كانوا يكسبون } موصولة أو مصدرية ومحلها ms7954 الرفع يعني أي شيء أغنى عنهم ~~مكسوبهم أو كسبهم . # ثم بين تعالى أن أولئك الكفار لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات فرحوا ~~بما عندهم من العلم ، واعلم أن الضمير في قوله { فرحوا } يحتمل أن يكون ~~عائدا إلى الكفار ، وأن يكون عائدا إلى الرسل ، أما إذا قلنا إنه عائد إلى ~~الكفار ، فذلك العلم الذي فرحوا به أي علم كان ؟ وفيه وجوه الأول : أن يكون ~~المراد الأشياء التي كانوا يسمونها بالعلم ، وهي الشبهات التي حكاها الله ~~عنهم في القرآن كقولهم { وما يهلكنا إلا الدهر } ( الجاثية : 24 ) وقولهم { ~~لو شاء الله ما أشركنا ولا ىاباؤنا } ( الأنعام : 148 ) وقولهم { من يحى ~~العظام وهى رميم } ( يعس : 78 ) ، { ولئن رددت إلى ربى لاجدن خيرا منها ~~منقلبا } ( الكهف : 36 ) وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء ، ~~كما قال : { كل حزب بما لديهم فرحون } ( المؤمنون : 53 ) ، الثاني : يجوز ~~أن يكون المراد علوم الفلاسفة ، فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه ~~وصغروا علم الأنبياء إلى علومهم / وعن سقراط أنه سمع بمجيء بعض الأنبياء ~~فقيل له لو هاجرت فقال نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا الثالث : ~~يجوز أن يكون المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها ، كما قال تعالى ~~: { يعلمون ظاهرا من الحيواة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون } ( الروم : 7 ~~) ، { ذلك مبلغهم من العلم } ( النجم : 30 ) فلما جاءهم الرسل بعلوم ~~الديانات وهي معرفة الله تعالى ومعرفة العماد وتطهير النفس عن الرذائل لم ~~يلتفتوا إليها واستهزؤا بها ، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من ~~علمهم ، ففرحوا به . أما إذا قلنا الضمير عائد إلى الأنبياء ففيه وجهان ~~الأول : أن يجعل الفرح للرسل ، ومعناه أن الرسل لما رأوا من قومهم جهلا ~~كاملا ، وإعراضا عن الحق وعلموا سوء عاقبتهم وما يلحقهم من العقوبة على ~~جهلهم وإعراضهم ، فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه ، وحاق ~~بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم الثاني : أن يكون المراد فرحوا بما عند ~~الرسل PageV27P079 من العلم فرح ضحك منه واستهزاء به ، كأنه قال استهزؤا ~~بالبينات ، وبما جاؤا به ms7955 من علم الوحي فرحين ، ويدل عليه قوله تعالى : { ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } . # ثم قال تعالى : { فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين } البأس شدة العذاب ومنه قوله تعالى : { بعذاب بئيس } ( الأعراف ~~: 165 ) فإن قيل أي فرق بين قوله { فلم يك ينفعهم إيمانهم } وبين ما لو قيل ~~فلم ينفعهم إيمانهم ؟ قلنا هو مثل كان في نحو قوله { ما كان لله أن يتخذ من ~~ولد } ( مريم : 35 ) والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم ، فإن ~~قيل اذكروا ضابطا في الوقت الذي لا ينفع الإتيان بالإيمان فيه ، قلنا إنه ~~الوقت الذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة والعذاب ، لأن في ذلك الوقت يصير ~~المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لا ينفع إنما ينفع مع القدرة على ~~خلافه ، حتى يكون المرء مختارا ، أما إذا عاينوا علامات الآخرة فلا . # ثم قال تعالى : { سنة الله التى قد خلت فى عباده } والمعنى أن عدم قبول ~~الإيمان حالل اليأس سنة الله مطردة في كل الأمم . # ثن قال : { وخسر هنالك الكافرون } فقوله { هنالك } مستعار للزمان أي ~~وخسروا وقت رؤية البأس ، والله الهادي للصواب . # PageV27P080 < # > 1 ( سورة فصلت ) 1 < # > السجدة # خمسون وأربع آيات مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { حم* تنزيل من الرحمان الرحيم * كتاب فصلت ءاياته قرءانا عربيا ~~لقوم يعلمون * بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون * وقالوا قلوبنا ~~فىأكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا ~~عاملون * قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنمآ إلاهكم إلاه واحد فاستقيموا ~~إليه واستغفروه وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكواة وهم بالا خرة هم ~~كافرون * إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } . > 7 ! # < < # | فصلت : ( 1 ) حم # > > اعلم أن في أول هذه السورة احتمالات أحدها : وهو الأقوى أن يقال حام ~~اسم للسورة وهو في موضع المبتدأ وتنزيل خبره ، وثانيها : قال الأخفش : ~~تنزيل رفع بالابتداء وكتاب خبره ، وثالثها : قال الزجاج : تنزيل رفع ~~بالابتداء وخبره كتاب فصلت آياته ووجهه أن قوله { تنزيل ms7956 } تخصص بالصفة وهو ~~قوله { من الرحمان الرحيم } فجاز وقوعه مبتدأ . PageV27P081 # واعلم أنه تعالى حكم على السورة المسماة بحام بأشياء أولها : كونه تنزيلا ~~والمراد المنزل والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور ، يقال هذا بناء ~~الأمير أي مبنيه ، وهذا الدرهم ضرب السلطان أي مضروبه ، والمراد من كونها ~~منزلا أن الله تعالى كتبها في اللوم المحفوظ وأم جبريل عليه السلام بأن ~~يحفظ تلك الكلمات ثم ينزل بها على محمد صلى الله عليه وسلم ويبلغها إليه ، ~~فلما حصل تفهيم هذه الكلمات بواسطة نزول جبريل عليه السلام سمي لذلك تنزيلا ~~وثانيها : كون التنزيل من الرحمن الرحيم ، وذلك يدل على كون التنزيل نعمة ~~عظيمة من الله تعالى لأن الفعل المقرون بالصفة لا بد وأن يكون مناسبا لتلك ~~الصفة ، فكونه تعالى رحمانا رحيما صفتان دالتان على كمال الرحمة ، فالتنزيل ~~المضاف إلى هاتين الصفتين لا بد وأن يكون دالا على أعظم وجوه النعمة ، ~~والأمر في نفسه كذلك ، لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى والزمنى والمحتاجين ~~، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى كل ما يحتاج ~~إليه الأصحاء من الأغذية ، فكان أعظم النعم عند الله تعالى على أهل هذا ~~اللعالم إنزال القرآن عليهم وثالثها : كونه كتابا وقد بينا أن هذا الاسم ~~مشتق من الجمع وإنما سمي كتابا لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين ورابعها ~~: قوله { فصلت ءاياته } والمراد أنه فرقت آياته وجعلت تفاصيل في معان ~~مختلفة فبعضها في وصف ذات الله تعالى وشرح صفات التنزيه والتقديس وشرح كمال ~~علمه وقدرته ورحمته وحكمته وعجائب أحوال خلقه السماوات والأرض والكواكب ~~وتعاقب الليل والنهار وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان ، وبعضها في ~~أحوال التكاليف المتوجهة نحو القلوب ونحو الجوارح ، وبعضها في الوعد ~~والوعيد والثواب والعقاب درجات أهل الجنة ودرجات أهل النار ، وبعضها في ~~المواعظ والنصائح وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس ، وبعضها في قصص ~~الأولين وتواريخ الماضين ، وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في يد الخلق كتاب ~~اجتمع فيه من العلوم المختلفة والمباحث المتباينة مثل ما في القرآن وخامسها ms7957 ~~: قوله { قرءانا } والوجه في تسميته قرآنا قد سبق وقوله تعالى : { قرءانا } ~~نصب على الاختصاص والمدح أي أريد بهذا الكتاب المفصل قرآنا من صفته كيت ~~وكيت ، وقيل هو نصب على الحال وسادسها : قوله { عربيا } والمعنى أن هذا ~~القرآن إنما نزل بلغة العرب وتأكد هذا بقوله تعالى : { وما أرسلنا من رسول ~~إلا بلسان قومه } ( إبراهيم : 4 ) وسابعها : قوله تعالى : { لقوم يعلمون } ~~والمعنى إنا جعلناه عربيا لأجل أنا أنزلناه على قوم عرب فجعلناه بلغة العرب ~~ليفهموا منه المراد ، فإن قيل قوله { لقوم يعلمون } متعلق بماذا ؟ قلنا ~~يجوز أن يتعلق بقوله { تنزيل } أو بقوله { فصلت } أي تنزيل من الله لأجلهم ~~أو فصلت آياته لأجلهم ، والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده ، أي ~~قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب ، لئلا يفرق بين الصلات والصفات وثامنها ~~وتاسعها : قوله { بشيرا ونذيرا } يعني بشيرا للمطيعين بالثواب ونذيرا ~~للمجرمين بالعقاب ، والحق أن القرآن بشارة ونذارة إلا أنه أطلق اسم الفاعل ~~عليه للتنبيه على كونه كاملا في هذه الصفة ، كما يقال شعر شاعر وكلام قائل ~~. # الصفة العاشرة : كونهم معرضين عنه لا يسمعون ولا يلتفتون إليه ، فهذه هي ~~الصفات العشرة التي وصف الله القرآن بها ، ويتفرع عليها مسائل : # المسألة الأولى : القائلون بخلق القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه الأول ~~: أنه وصف القرآن بكونه تنزيلا ومنزلا والمنزل والتنزيل مشعر بالتصيرر من ~~حال ، فوجب أن يكون مخلوقا الثاني : أن التنزيل مصدر والمصدر هو المفعول ~~المطلق باتفاق النحويين الثالث : المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر ~~الذي هو PageV27P082 المفعول المطلق أو المكتوب الذي هو المفعول الرابع : ~~أن قوله { فصلت } يدل على أن متصرفا يتصرف فيه بالتفصيل والتمييز ، وذلك لا ~~يليق بالقديم الخامس : أنه إنما سمي قرآنا لأنه قرن بعض أجزائه بالبعض وذلك ~~يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل السادس : وصفه عربيبا ، وإنما صحت هذه ~~النسبة لأجل أن هذه الألفاظ إنما دخلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب ~~واصطلاحاتهم ، وما جعل بجعل جاعل وفعل فاعل فلا بد وأن يكون محدثا ومخلوقا ~~الجواب : أن كل ms7958 هذه الوجوه التي ذكرتموها عائدة إلى اللغات وإلى الحروف ~~والكلمات ، وهي عندنا محدثة مخلوقة ، إنما الذي ندعي قدمه شيء آخر سوى هذه ~~الألفاظ والله أعلم . # المسألة الثانية : ذهب أكثر المتكلمين إلى أنه يجب على المكلف تنزيل ~~ألفاظ القرآن على المعاني التي هي موضوعة لها بحسب اللغة العربية ، فأما ~~حملها على معان أخر لا بهذا الطريق فهذا باطل قطعا ، وذلك مثل الوجوه التي ~~يذكرها أهل الباطن ، مثل أنهم تارة يحملون الحروف على حساب الجمل وتارة ~~يحملون كل حرف على شيء آخر ، وللصوفية طرق كثيرة في الباب ويسمونها علم ~~المكاشفة والذي يدلل على فساد تلك الوجوه بأسرها قوله تعالى : { قرءانا ~~عربيا } وإنما سماه عربيا لكونه دالا على هذه المعاني المخصوصة بوضع العرب ~~وباصطلاحاتهم ، وذلك يدل على أن دلالة هذه الألفاظ لم تحصل إلا على تلك ~~المعاني المخصوصة ، وأن ما سواه فهو باطل . # المسألة الثالثة : ذهب قم إلى أنه حصلل في القرآن من سائر اللغات كقوله { ~~إستبرق } ( الكهف : 31 ) و { سجيل } ( هود : 82 ) فإنهما فارسيان ، وقوله { ~~* مشكاة } ( النور : 35 ) فإنها من لغة الحبشة وقوله { * قسطاس } ( الإسراء ~~: 35 ) فإنه من لغة الروم والذي يدل على فساد هذا المذهب قوله { يتذكرون ~~قرءانا عربيا } ، وقوله { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ( إبراهيم : ~~4 ) . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة لفظ الإيمان والكفر واللصلاة والزكاة ~~والصوم والحج ألفاظ شرعية لا لغوية ، والمعنى أن الشرع نقل هذه الألفاظ عن ~~مسمياتها اللغوية الأصلية إلى مسميات أخرى ، وعندنا أن هذا باطل ، وليس ~~للشرع تصرف في هذه الألفاظ عن مسمياتها إلا من وجه واحد ، وهو أنه خصص هذه ~~الأسماء بنوع واحد من أنواع مسمياتها مثلا / الإيمان عبارة عن التصديق ~~فخصصه الشرع بنوع معين من التصديق ، والصلاة عبارة عن الدعاء فخصصه الشرع ~~بنوع معين من الدعاء ، كذا القول في البواقي ودليلنا على صحة مذهبنا قوله ~~تعالى : { قرءانا عربيا } ، وقوله { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } . # المسألة الخامسة : إنما وصف الله القرآن بكونه { عربيا } في معرض المدح ~~والتعظيم وهذا المطلوب لا يتم إلا ms7959 إذا ثبت أن لغة العرب أفضل اللغات . # واعلم أن هذا المقصود إنما يتم إذا ضبطنا أقسام فضائل اللغات بضابط معلوم ~~، ثم بينا أن تلك الأقسام حاصلة فيه لا في غيره ، فنقول لا شك أن الكلام ~~مركب من الكلمات المفردة ، وهي مركبة من الحروف ، فالكلمة لها مادة وهي ~~الحروف ، ولها صورة وهي تلك الهيئة المعينة الحاصلة عند التركيب . فهذه ~~الفضيلة إنما تحصل إما بحسب مادتها أو بحسب صورتها ، أما التي بحسب مادتها ~~فهي آحاد الحروف ، واعلم أن PageV27P083 الحروف على قسمين بعضها بينة ~~المخارج ظاهرة المقاطع وبعضهاا خفية المخارج مشتبهة المقاطع ، وحروف العرب ~~بأسرها ظاهرة المخارج بينة المقاطع ، ولا يشتبه شيء منها بالآخر . وأما ~~الحروف المستعملة في سائر اللغات فليست كذلك بل قد يحصل فيها حرف يشتبه ~~بعضها بالبعض ، وذلك يخل بكمال الفصاحة ، وأيضا الحركات المستعملة في سائر ~~لغة العرب حركات ظاهرة جلية وهي النصب والرفع والجر ، وكل واحد من هذه ~~الثلاثة فإنه يمتاز عن غيره امتيازا ظاهرا جليا ، وأما الإشمام والروم فيقل ~~حصولهما في لغات العرب ، وذلك أيضا من جنس ما يوجب الفصاحة ، وأما الكلمات ~~الحاصلة بحسب التركيب فهي أنواع : # أحدها : أن الحروف على قسمين متقاربة المخرج ومتباعدة المخرج ، وأيضا ~~الحروف على قسمين منها صلبة ومنها رخوة ، فيحصل من هذا التقسيم أقسام أربعة ~~الصلبة المتقاربة ، واالرخوة المتقاربة ، والصلبة المتباعدة ، والرخوة ~~المتباعدة ، فإذا توالى في الكلمة حرفان صلبان متقاربان . صعب اللفظ بها ، ~~لأن بسبب تقارب المخرج يصير التلفظ بها جاريا مجرى ما إذا كان الإنسان ~~مقيدا ثم يمشي ، وبسبب صلابة تلك الحروف تتوارد الأعمال الشاقة القوية على ~~الموضع الواحد من المخرج ، وتوالي الأعمال الشاقة يوجب الشضعف والإعياء ، ~~ومثل هذا التركيب في اللغة العربية قليل وثانيها : أن جنس بعض الحروف ألذ ~~وأطيب في السمع ، وكل كلمة يحصل فيها حرف من هذا الجنس كان سماعها أطيب ~~وثالثها : الوزن فنقول : الكلمة إما أن تكون ثنائية أو ثلاثية أو رباعية ، ~~وأعدلها هو الثلاثي لأن الصوت إنما يتولد بسبب الحركة ، والحركة لا بد لها ~~من مبدأ ووسط ms7960 ومنتهى ، فهذه ثلاث مراتب ، فالكلمة لا بد وأن يحصل فيها هذه ~~المراتب الثلاثة حتى تكون تامة ، أما الثانائية فهي ناقصة وأما الرباعية ~~فهي زائدة ، والغائب في كلام العرب الثلاثيات ، فثبت بما ذكرنا ضبط فصائل ~~اللغات ، والاستقراء يدل على أن لغة العرب موصوفة بها ، وأما سائر اللغات ~~فليست كذلك ، والله أعلم . # المسألة السادسة : قوله { لقوم يعلمون } يعني إنما جعلناه { عربيا } لأجل ~~أن يعلموا المراد منه ، والقائلون بأن أفعال الله معللة بالمصالح والحكم ، ~~تمسكوا بهذه الآية وقالوا إنها تدل على أنه إنما جعله { عربيا } لهذه ~~الحكمة ، فهذا يدل على أن تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه جائز . # المسألة السابعة : قال قوم القرآن كله غير معلوم بل فيه ما يعلم وفيه ما ~~لا يعلم ، وقال المتكلمون لا يجوز أن يحصل فيه شيء غير معلوم ، والدليل ~~عليه قوله تعالى : { كتاب فصلت ءاياته قرءانا } يعني إنما جعلناه عربيا ~~ليصير معلوما والقوم بأنه غير معلوم يقدح فيه . # المسألة الثامنة : قوله تعالى : { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } يدل على ~~أن الهادي من هداه الله وأن الضال من أضله الله وتقريره أن الصفات التسعة ~~المذكورة للقرآن توجب قوة الاهتمام بمعرفته وبالوقوف على معانيه / لأنا ~~بينا أن كونه نازلا من عند الإلاه الرحمن الرحيم يدل على اشتماله على أفضل ~~المنافع وأجل المطالب ، وكونه { قرءانا عربيا } مفصلا يدل على أنه في غاية ~~الكشف والبيان ، وكونه { بشيرا ونذيرا } يدل على أن الاحتياج إلى فهم ما ~~فيه من أهم المهمات ، لأن سعي الإنسان في معرفة ما يوصله إلى الثواب أو إلى ~~العقاب من أهم المهمات ، وقد حصلت هذه الموجبات اللثلاثة في تأكيد الرغبة ~~في فهم القرآن وفي شدة الميل إلى الإحاطة به ، ثم مع ذلك فقد أعرضوا عنه ~~ولم يلتفتوا إليه ونبذوه وراء ظهورهم ، وذلك يدل على PageV27P084 أنه لا ~~مهدي إلا من هذاه الله ، ولا ضال إلا من أضله الله . # واعلم أنه تعالى لما وصف القرآن بأنهم عرضوا عنه ولا يسمعونه ، بين أنهم ~~صرحوا بهذه النفرة والمباعدة وذكروا ثلاثة أشياء أحدها : أنهم قالوا ms7961 { ~~قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه } وأكنة جمع كنان كأغطية جمع غطاء ، ~~والكنان هو الذي يجعل فيه السهام وثانيها : قولهم { وقالوا قلوبنا فى } أي ~~صمم وثقل من استماع قولك وثالثها : قولهم { ومن بيننا وبينك حجاب } والحجاب ~~هو الذي يمنع من الرؤية والفائدة في كلمة { من } في قوله { ومن بيننا } أنه ~~لو قيل : وبيننا وبينك حجاب ، لكان المعنى أن حجابا حصل وسط الجهتين ، وأما ~~بزيادة لفظ { من } كأن المعنى أن الحجاب ابتدأ منا وابتدأ منك ، فالمسافة ~~الحاصلة بيننا وبينك مستوعبة بالحجاب ، وما بقي جزء منها فارغا عن هذا ~~الحجاب فكانت هذه اللفظة دالة على قوة هذا الحجاب ، هكذا ذكره صاحب ( ~~الكشاف ) وهو في غاية الحسن . # واعلم أنه إنما وقع الاقتصار على هذه الأعضاء الثلاثة ، وذلك لأن القلب ~~محل المعرفة وسلطان البدن والسمع والبصر هما الآلتان المعينتان لتحصيل ~~المعارف ، فلما بين أن هذه الثلاثة محجوبة كان ذلك أقصى ما يمكن في هذا ~~الباب . # واعلم أنه إذا تأكدت النفرة عن الشيء صارت تلك النفرة في القلب فإذا سمع ~~منه كلاما لم يفهم معناه كما ينبغي ، وإذا رآه لم تصر تلك الرؤية سببا ~~للوقوف على دقائق أحوالك ذلك المرئي ، وذلك المدرك والشاعر هو النفس ، وشدة ~~نفرة النفس عن الشيء تمنعها من التدبر والوقوف على دقائق ذلك الشيء ، فإذا ~~كان الأمر كذلك كان قولهم { قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ~~ومن بيننا وبينك حجاب } استعارات كاملة في إفادة المعنى المراد ، فإن قيل ~~إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار في معرض الذم ، وذكر أيضا ما يقرب منه ~~في معرض الذم فقال : { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم } ( البقرة ~~: 88 ) . # ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معرض التقرير والإثبات ~~في سورة الأنعام فقال : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم ~~وقرا } ( الأنعام : 25 ) فكيف الجمع بينهما ؟ قلنا إنه لم يقل ههنا أنهم ~~كذبوا في ذلك إنما الذي ذمهم عليه أنهم قالوا : إنا إذا كنا كذلك لم يجز ~~تكليفنا وتوجيه الأمر ms7962 والنهي علينا ، وهذا الثاني باطل ، أما الأول فلأنه ~~ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه . # واعلم أنهم لما وصفوا أنفسهم بهذه الصفات الثلاثة قالوا { فاعمل إننا ~~عاملون } والمراد فاعمل على دينك إننا عاملون على ديننا ، ويجوز أن يكون ~~المراد فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك ، والحاصل عندنا أن ~~القوم ما كذبوا في قولهم { قلوبنا فى * ءامنة * مما تدعونا إليه وفىءاذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب } بل إنما أتوا بالكفر والكلام الباطل في قولهم { ~~فاعمل إننا عاملون } . # ولما حكى الله عنهم هذه الشبهة أمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن ~~هذه الشبهة بقوله { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى } وبيان هذا الجواب ~~كأنه يقول إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبرا وقهرا فإني بشر مثلكم ~~ولا امتياز بيني وبينكم إلا بمجرد أن الله عز وجل أوحى إلي وما أوحى إليكم ~~فأنا أبلغ هذا النحي إليكم ، ثم بعد ذلك إن شرفكم الله بالتوحيد والتوفيق ~~قبلتموه ، وإن خذلكم بالحرمان رددتموه ، وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي ، ثم ~~بين أن خلاصة ذلك الوحي ترجع إلى أمرين : العلم والعمل ، أما العلم فالرأس ~~PageV27P085 والرئيس فيه معرفة التوحيد ، ذلك لأن الحق هو أن الله واحد وهو ~~المراد من قوله { أنما إلاهكم إلاه واحد } وإذا كان الحق في نفس الأمر ذلك ~~وجب علينا أن نعترف به ، وهو المراد من قوله { فاستقيموا إليه } ونظيره ~~قوله { اهدنا الصراط المستقيم } ( الفاتحة : 6 ) وقوله { إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا } ( فصلت : 30 ) وقوله تعالى : { وأن هاذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه } ( الأنعام : 153 ) وفي قوله تعالى : { فاستقيموا إليه } ~~وجهان الأول : فاستقيموا متوجهين إليه الثاني : أن يكون قوله { فاستقيموا ~~إليه } معناه فاستقيموا له لأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض . # واعلم أن الكليف له ركنان أحدهما : الإعتقاد والرأس والرئيس فيه اعتقاد ~~التوحيد ، فلما أمر بذلك انتقل إلى وظيفة العمل والرأس والرئيس فيه ~~الاستغفار ، فلهذا السبب قال : { واستغفروه } فإن قيل المقصود من الاستغفار ~~والتوبة إزالة ما لا ms7963 ينبغي وذلك مقدم على فعل ما ينبغي ، فلم عكس هذا ~~الترتيب ههنا وقدم ما ينبغي على إزالة ما ينبغي ؟ قلنا ليس المراد من هذا ~~الاستغفار الاستغفار عن الكفر ، بل المراد منه أن يعمل ثم يستغفر بعده لأجل ~~الخوف من وقوع التقصير في العمل الذي أتى به كما قال صلى الله عليه وسلم : ~~( وإنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) ~~ولما رغب الله تعالى في الخير والطاعة أمر بالتحذير عما لا ينبغي ، فقال : ~~{ وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكواة وهم بالاخرة هم كافرون } وفي هذه ~~الآية مسائل : # المسألة الأولى : وجه النظم في هذه الآية من وجوه الأول : أن العقول ~~والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادات مربوطة بأمرين التعظيم لأمر الله ~~والشفقة على خلق الله ، وذلك لأن الموجودات ، إما الخالق وإما الخلق ، فأما ~~الخالق فكمال السعادة في المعاملة معه أن يقر بكونه موصوفا بصفات الجلال ~~والعظمة ، ثم يأتي بأفعال دالة على كونه في نهاية العظمة في اعتقادنا وهذا ~~هو المراد من التعظيم لأمر الله ، وأما الخلق فكمال السعادة في المعاملة ~~معهم أن يسعى في دفع الشر عنهم وفي إيصال الخير إليهم ، وذلك هو المراد من ~~الشفقة على خلق الله ، فثبت أن أعظم الطاعات التعظيم لأمر الله ، وأفضل ~~أبواب التعظيم لأمر الله الإقرار بكونه واحدا وإذا كان التوحيد أعلى ~~المراتب وأشرفها كان ضده وهو الشرك أخس المراتب وأرذلها ، ولما كان أفضل ~~أنواع المعاملة مع الخلق هو إظهار الشفقة عليهم كان الامتناع من الزكاة أخس ~~الأعمال ، لأنه ضد الشفقة على خلق الله ، إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى ~~أثبت الويل لمن كان موصوفا بصفات ثلاثة أولها : أن يكون مشركا وهو ضد ~~التوحيد . وإليه الإشارة بقوله { وويل للمشركين } وثانيها : كونه ممتنعا من ~~الزكاة وهو ضد الشفقة على خلق الله ، وإليه الإشارة بقوله { الذين لا يؤتون ~~الزكواة } وثالثها : كونه منكرا للقيامة مستغرقا في طلب الدنيا ولذاتها ، ~~وإليه الإشارة بقوله { وهم بالاخرة هم كافرون } وتمام الكلام في أنه لا ~~زيادة على هذه المراتب ms7964 الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام : الأمس واليوم ~~والغد . أما معرفة أنه كيف كانت أحوال الأمس في الأزل فهو بمعرفة الله ~~تعالى الأزلي الخالق لهذا العالم . وأما معرفة أنه كيف ينبغي وقوع الأحوال ~~في اليوم الحاضر فهو بالإحسان إلى أهل العالم بقدر الطاقة ، وأما معرفة ~~الأحوال في اليوم المستقبل فهو الإقرار بالبعث والقيامة ، وإذا كان الإنسان ~~على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في نهاية الجهل والضلال ، فلهذا ~~حكم الله عليه بالويل ، فقال : { وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكواة ~~وهم بالاخرة هم كافرون } وهذا ترتيب في غاية الحسن ، والله أعلم الوجه ~~الثاني : في تقرير كيفية النظم أن يقال المراد بقوله { لا يؤتون الزكواة } ~~أي لا يزكون أنفسهم من لوث الشرك بقولهم : لا إله إلا الله ، وهو مأخوذ من ~~قوله تعالى : { ونفس وما سواها } PageV27P086 ( الشمس : 7 ) الثالث : قال ~~الفراء : إن قريشا كانت تطعم الحاج ، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا في إثبات أن الكفار مخاطبون بفروع ~~الإسلام بهذه الآية ، فقالوا إنه تعالى ألحق الوعيد الشديد بناء على أمرين ~~أحدهما : كونه مشركا والثاني : أنه لا يؤتي الزكاة ، فوجب أن يكون لكل واحد ~~من هذين الأمرين تأثير في حصول ذلك الوعيد ، وذلك يدل على أن لعدم إيتاء ~~الزكاة من المشرك تأثيرا عظيما في زيادة الوعيد ، وذلك هو المطلوب . # المسألة الثالثة : احتج بعضهم على أن الامتناع من إيتاء الزكاة يوجب ~~الكفر ، فقال إنه تعالى لما ذكر هذه الصفة ذكر قبلها ما يوجب الكفر ، وهو ~~قوله { فويل * للمشركين } وذكر أيضا بعدها ما يوجب الكفر ، وهو قوله { وهم ~~بالاخرة هم كافرون } فلو لم يكن عدم إيتاء الزكاة كفرا لكان ذكره فيما بين ~~الصفتين الموجبتين للكفر قبيحا ، لأن الكلام إنما يكون فصيحا إذا كانت ~~المناسبة مرعية بين أجزائه ، ثم أكذوا ذلك بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ~~حكم بكفر مانعي الزكاة والجواب : لما ثبت بالدليل أن الإيمان عبارة عن ~~التصديق بالقلب والإقرار باللسان وهما حاصلان عند عدم ms7965 إيتام الزكاة ، فلم ~~يلزم حصول الكفر بسبب عدنم إيتاء الزكاة ، والله أعلم . # ثم إنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أردفه بوعد المؤمنين ، فقال : { إن ~~الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } أي غير مقطوع ، من قولك ~~مننت الحبل ، أي قطتعه ، ومنه قولهم قد منه السفر ، أي قطعه ، وقيل لا يمن ~~عليهم ، لأنه تعالى لما سماه أجرا ، فإذا الأجر لا يوجب المنة ، وقيل نزلت ~~في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأحسن ما كانوا ~~يعملون . # ! 7 < { قل أءنكم لتكفرون بالذى خلق الا رض فى يومين وتجعلون له أندادا ~~ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسى من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها ~~فىأربعة أيام سوآء للسآئلين * ثم استوى إلى السمآء وهى دخان فقال لها وللا ~~رض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين * فقضاهن سبع سماوات فى يومين ~~وأوحى فى كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير ~~العزيز العليم } . > 7 ! # < < # | فصلت : ( 9 ) قل أئنكم لتكفرون . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم في الآية الأولى أن ~~يقول { إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلاهكم إلاه واحد } ( الكهف : 110 ~~) { فاستقيموا إليه واستغفروه } ( فصلت : 6 ) PageV27P087 أردفه بما يدل ~~على أنه لا يجوز إثبات الشركة بينه تعالى وبين هذه الأصنام في الإلهية ~~والمعبودية ، وذلك بأن بين كمال قدرته وحكته في خلق السموات والأرض في مدة ~~قليلة ، فمن هذا صفته كيف يجوز جعل الأصنام الخسيسة شركاء له في الإلهية ~~والمعبودية ؟ فهذا تقرير النظم ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن كثير : أينكم لتكفرون بهمزة وياء بعدها خفيفة ~~ساكنة بلا مد ، وأما نافع في رواية قالون وأبو عمرو فعلى هذه الصورة ، إلا ~~أنهما يمدان ، والباقون همزتين بلا مد . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { أئنكم } استفهام بمعنى الإنكار ، وقد ~~ذكر عنخم شيئين منكرين أحدهما : الكفر بالله . وهو قوله { لتكفرون بالذى ~~خلق الارض فى يومين } وثانيهما : إثبات الشركاء والأنداد له ، ويجب أن يكون ~~الكفر المذكور أولا مغايرا لإثبات الأنداد ms7966 له ، ضرورة أن عطف أحدهما على ~~الآخر يوجب التغاير ، والأظهر أن المراد من كفرهم وجوه الأول : قولهم إن ~~الله تعالى لا يقدر على حشر الموتى ، فلما نازعوا في ثبوت هذه القدرة فقد ~~كفروا بالله الثاني : أنهم كانوا ينازعون في صحة التكليف ، وفي بعثة ~~الأنبياء ، وكل ذلك قدح في اصفات المعتبرة في الإلهية ، وهو كفر بالله ~~الثالث : أنهم كانوا يضيفون إليه الأولاد ، وذلك أيضا قدح في الإلهية وهو ~~يوجب الكفر بالله ، فالحاصل أنهم كفروا بالله لأجل قولهم بهذه الأشياء ، ~~وأثبتوا الأنداد أيضا لله لأجل قولهم بإلهية تلك الأصنام ، واحتج تعالى على ~~فساد قولهم بالتأثير فقال كيف يجوز الكفر بالله ، وكيف يجوز جعل هذه ~~الأصنام الخسيسة أندادا لله تعالى ، مع أنه تعالى هو الذي خلق الأرض في ~~يومين ، وتمم بقية مصالحها في يومين آخرين وخلق السموات بأسرها في يومين ~~آخرين ؟ فمن قدر على خلق هذه الأشياء العظيمة ، كيف يعقل الكفر به وإنكار ~~قدرته على الحشر والنشر ، وكيف يعقل إنكار قدرته على التكليف وعلى بعثة ~~الأنبياء ، وكيف يعقل جعل هذه الأصنام الخسيسة أندادا له في المعبودية ~~والإلهية ، فإن قيل من استدل بشيء على إثبات شيء ، فذلك الشيء المستدل به ~~يجب أن يكون مسلما عند الخصم حتى يصح الاستدلال به ، وكونه تعالى خالقا ~~للأرض في يومين أمر لا ينكن إثباته بالعقل المحض ، وإنما يمكن إثباته ~~بالسمع ووحي الأنبياء ، والكفار كانوا منازعين في الوحي والنبوة ، فلا يعقل ~~تقرير هذه المقدمة عليهم ، وإذا امتنع تقرير هذه المقدمة عليهم امتنع ~~الاستدلال بها على فساد مذاهبهم ، قلنا إثبات كون السموات والأرض مخلوقة ~~بطريق العمل ممكن ، فإذا ثبت ذلك أمكن الاستدلال به على وجود الإله القادر ~~القاهر العظيم / وحينئذ يقال للكافرين فكيف يعقل التسوية بين الإله الموصوف ~~بهذه القدرة القاهرة وبين الصنم الذي هو جماد لا يضر ولا ينفع في المعبودية ~~والإلهية ؟ بقي أن يقال : فحينئذ لا يبقى في الاستدلال بكونه تعالى خالقا ~~للأرض في يومين أثر ، فنقول هذا أيضا له أثر في هذا الباب ، وذلك لأن أول ~~التوراة ms7967 مشتمل على هذا المعنى ، فكان ذلك في غاية الشهرة بين أهل الكتاب ، ~~فكفار مكة كانوا يعتقدون في أهل الكتاب أنهم أصحاب العلوم والحقائق ، ~~والظاهر أنهم كانوا قد سمعوا من أهل الكتاب هذه المعاني واعتقدوا في كونها ~~حقة ، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يحسن أن يقال لهم أن الإله الموصوف ~~بالقدرة على خلق الأشياء العظيمة في هذه المدة الصغيرة كيف يليق بالعقل جعل ~~الخشب المنجور والحجر المنحوت شريكا له في المعبودية والإلهية ؟ فظهر بما ~~قررنا أن هذا الاستدلال قوي حسن . PageV27P088 # وأما قوله تعالى : { ذلك رب العالمين } أي ذلك الموجود الذي علمت من صفته ~~وقدرته أنه خلق الأرض في يومين هو رب العالمين وخالقهم ومبدعهم ، فكيف ~~أثبتم له أندادا من الخشب والحجر ؟ ثم إنه تعالى لما أخبر عن كونه خالقا ~~للأرض في يومين أخبر أنه أتى بثلاثة أنواع من الصنع العجيب والفعل البديع ~~بعد ذلك فالأول : قوله { وجعل فيها رواسى من فوقها } والمراد منها الجبال ، ~~وقد تقدم تفسير كونها { رواسى } في سورة النحل ، فإن قيل : ما الفائدة في ~~قوله { من فوقها } ولم لم يقتصر على قوله { وجعل فيها رواسى } كقوله تعالى ~~: { وجعلنا فيها رواسى شامخات } ( المرسلات : 27 ) { وجعلنا فى الارض رواسى ~~} ( الرعد : 3 ) قلنا لأنه تعالى لو جعل فيها رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن ~~تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول ، ولكنه ~~تعالى قال خلقت هذه الجبال الثقال فوق الأرض ، ليرى الإنسان بعينه أن الأرض ~~والجبال أثقال على أثقال ، وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ ، وما ذاك الحافظ ~~المدبر إلا الله سبحانه وتعالى والنوع الثاني : مما أخبر الله تعالى في هذه ~~الآية قوله { وبارك فيها } والبركة كثرة الخير والخيرات الحاصلة من الأرض ~~أكثر مما يحيط به الشرح والبيان ، وقد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد شق الأنهار وخلق الجبال وخلق الأشجار ~~والثمار وخلق أصناف الحيوانات وكل ما يحتاج إليه من الخيرات والنوع الثالث ~~: قوله تعالى : { وقدر فيها أقواتها } وفيه أقوال الأول : أن ms7968 المعنى وقد ~~فيها أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم ، قال محمد بن كعب : قدر أقوات ~~الأبدان قبل أن يخلق الأبدان والقول الثاني : قال مجاهد : وقدر فيها ~~أقواتها من المطر ، وعلى هذا القول فالأقوات للأرض لا للسكان ، والمعنى أن ~~الله تعالى قدر لكل أرض حظها من المطر والقول الثالث : أن المراد من إضافة ~~الأقوات إلى الأرض كونها متولدة من تلك الأرض ، وحادثة فيها لأن النحويين ~~قالوا يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب فالشيء قد يضاف إلى فاعله تارة وإلى ~~محله أخرى ، فقوله { وقدر فيها أقواتها } أي قدر الأقوات التي يختص حدوثها ~~بها ، وذلك لأنه تعالى جعل كل بلدة معدنا لنوع آخر من الأشياء المطلوبة ، ~~حتى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في تلك البلدة وبالعكس ~~، فصار هذا المعنى سببا لرغبة الناس في التجارات من اكتساب الأموال ، ورأيت ~~من كان يقول صنعة الزراعة والحراثة أكثر الحرف والصنائع بركة ، لأن الله ~~تعالى وضع الأرزاق والأقوات في الأرض قال : { وقدر فيها أقواتها } وإذا ~~كانت الأقوات موضوعة في الأرض كان طلبها من الأرض متعينا ، ولما ذكر الله ~~سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التدبير قال بعده : { فى أربعة أيام سواء ~~للسائلين } وههنا سؤالات : # السؤال الأول : أنه تعالى ذكر أنه خلق الأرض في يومين ، وذكر أنه أصلح ~~هذه الأنواع الثلاثة في أربعة أيام أخر ، وذكر أنه خلق السموات في يومين ، ~~فيكون المجموع ثمانية أيام ، لكنه ذكر في سائر الآيات أنه خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام فلزم التناقض ، واعلم أن العلماء أجابوا عنه بأن قالوا ~~المراد من قوله { وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام } مع اليومين الأولين ، ~~وهذا كقول القائل سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ، وسرت إلى الكوفة ~~في خمسة عشر يوما يريد كلا المسافتين ، ويقول الرجل للرجل أعطيتك ألفا في ~~شهر وألوفا في شهرين فيدخل الألف في الألوف والشهر في الشهرين . # السؤال الثاني : أنه ملا ذكر أنه خلق الأرض في يومين ، فلو ذكر أنه خلق ~~هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين ms7969 كان أبعد عن الشبهة وأبعد عن ~~الغلط ، فلم ترك هذا التصريح ، وذكر ذلك الكلام المجمل ؟ PageV27P089 ~~والجواب : أن قوله { فى أربعة أيام سواء للسائلين } فيه فائدة على ما إذا ~~قال خلقت هذه الثلاثة في يومين ، وذلك لأنه لو قال خلقت هذه الأشياء في ~~يومين مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل ، أما لما ذكر خلق الأرض ~~وخلق هذه الأشياء ، ثم قاتل بعده : { فى أربعة أيام سواء للسائلين } دل ذلك ~~على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة في تلك الأعمال من غير زيادة ولا ~~نقصان . # السؤال الثالث : كيف القراءات في قوله { سوآء } ؟ والجواب : قال صاحب ( ~~الكشاف ) قرىء { سوآء } بالحركات الثلاثلا الجر على الوصف والنصب على ~~المصدر استوت سواء والرفع على هي سواء . # السؤال الرابع : ما المراد من كون تلك الأيام الأربعة سواء ؟ فنقول إن ~~الأيام قد تكون متساوية المقادير كالأيام الموجودة في أماكن خط الاستواء ~~وقد تكون مختلفة كالأيام الموجودة في سائر الأماكن ، فبين تعالى أن تلك ~~الأيام الأربعة متساوية غير مختلفة . # السؤال الخامس : بم يتعلق قوله { للسائلين } ؟ الجواب فيه وجهان : الأول ~~: أن الزجاج قال قوله { فى أربعة أيام } أي في تتمة أربعة أيام ، إذا عرفت ~~هذا فالتقدير { وقدر فيها أقواتها } في تتمة أربعة أيام لأجل السائلين أي ~~الطالبين للأقوات المحتاجين إليها والثاني : أنه متعلق بمحذوف والتقدير ~~كأنه قيل هذا الحصر والبيان لأجل من سأل كم خلقت الأرض وما فيها ، ولما شرح ~~الله تعالى كيفية تخليق الأرض وما فيها أتبعه بكيفية تخليق السموات فقال : ~~{ ثم استوى إلى السماء وهى دخان } وفيه مباحث : # البحث الأول : قوله تعالى : { ثم استوى إلى السماء } من قولهم استوى إلى ~~مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلتفت معه إلى عمل آخر ، وهو من الاستواء ~~الذي هو ضد الاعوجاج ، ونظيره قولهم استقام إليه وامتد إليه ، ومنه قوله ~~تعالى : { فاستقيموا إليه } ( فصلت : 6 ) والمعنى ثم دعاه داعي الحكمة إلى ~~خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها ، من غير صرف يصرفه ذلك . # البحث الثاني : ذكر صاحب ( الأثر ) أنه كان ms7970 عرش الله على الماء قبل خلق ~~السموات والأرض فأحدث الله في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان ، أما ~~الزبد فيبقى على وجه الماء فخلق الله منه اليبوسة وأحدث منه الأرض ، وأما ~~الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه السموات . # واعلم أن هذه القصة غير موجودة في القرآن ، فإن دل عليه دليل صحيح قبل ~~وإلا فلا ، وهذه القصة مذكورة في أول الكتاب الذي يزعم اليهود أنه التوراة ~~، وفيه أنه تعالى خلق السماء من أجزاء مظلمة ، وهذا هو المعقول لأنا قد ~~دللنا في المعقولات على أن الظلمة ليست كيفية وجودية / بدليل أنه لو جلس ~~إنسان في ضوء السراج وإنسان آخر في الظلمة ، فإن الذي جلس في الضوء لا يرى ~~مكان الجالس في الظلمة ويرى ذلك الهواء مظلما ، وأما الذي جلس في الظلمة ~~فإنه يرى ذلك الذي كان جالسا في الضوء ويرى ذلك الهواء مضيئا ، ولو كانت ~~الظلمة صفة قائمة بالهواء لما اختلفت الأحوال بحسب اختلاف أحوال الناظرين ، ~~فثبت أن الظلمة عبارة عن عدم النور ، ثم لما ركبها وجعلها سموات وكواكب ~~وشمسا وقمرا ، وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة ، فثبت أن تلك ~~الأجزاء حين قصد الله تعالى أن يخلق منها السموات والشمس PageV27P090 ~~والقمر كانت مظلمة ، فصح تسميتها بالدخان ، لأنه لا معنى للدخان إلا أجزاء ~~متفرقة غير متواصلة عديمة النور ، فهذا ما خطر بالبال في تفسير الدخان ، ~~والله أعلم بحقيقة الحال . # البحث الثالث : قوله { ثم استوى إلى السماء وهى دخان } مشعر بأن تخليق ~~السماء حصل بعد تخليق الأرض ، وقوله تعالى : { والارض بعد ذلك دحاها } ( ~~النازعات : 30 ) مشعر بأن تخليق الأرض حصل بعد تخليق السماء وذلك يوجب ~~التناقض ، واختلف العلماء في هذه المسألة ، والجواب المشهور : أن يقال إنه ~~تعالى خلق الأرض في يومين أولا ثم خلق بعدها السماء ، ثم بعد خلق السماء ~~دحا الأرض ، وبهذا الطريق يزول التناقض ، واعلم أن هذا الجواب مشكل عندي من ~~وجوه الأول : أنه تعالى بين أنه خلق الأرض في يومين ، ثم إنه في اليوم ~~الثلث { فيها رواسى * رواسى من فوقها ms7971 وبارك فيها وقدر فيها أقواتها } وهذه ~~الأحوال لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة لأن خلق ~~الجبال فيها لا يمكن إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة منبسطة ، وقوله تعالى : { ~~وبارك فيها } مفسر بخلق الأشجار والنبات والحيوان فيها ، وذلك لا يمكن إلا ~~بعد صيرورتها منبسطة ، ثم إنه تعالى قال بعد ذلك { ثم استوى إلى السماء } ~~فهذا يقتضي أنه تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض وبعد أن جعلها مدحوة ، ~~وحينئذ يعود السؤال المذكور الثاني : أنه قد دلت الدلائل الهندسية على أن ~~الأرض كرة ، فهي في أول حدوثها إن قلنا إنها كانت كرة والآن بقيت كرة أيضا ~~فهي منذ خلقت كانت مدحوة ، وإن قلنا إنها غير كرة ثم جعلت كرة فيلزم أن ~~يقال إنها كانت مدحوة قبل ذلك ثم أزيل عنها هذه الصفة ، وذلك باطل الثالث : ~~أن الأرض جسم في غاية العظم ، والجسم الذي يكون كذلك فإنه من أول دخوله في ~~الوجود يكون مدحوا ، فيكون القول بأنها ما كانت مدحوة ، ثم صارت مدحوة قول ~~باطل ، والذي جاء في كتب التواريخ أن الأرض خلقت في موضع الصخرة ببيت ~~المقدس ، فهو كلام مشكل لأنه إن كانت المراد أنها على عظمها خلقت في ذلك ~~الموضع ، فهذا قول بتداخل الأجسام الكثيفة وهو محال ، وإن كان المراد منه ~~أنه خلق أولا أجزاء صغيرة في ذلك الموضع ثم خلق بقية أحزائها ، وأضيفت إلى ~~تلك الأجزاء التي خلقت أولا ، فهذا يكون اعترافا بأن تخليق الأرض وقع ~~متأخرا عن تخليق السماء الرابع : أنه لما حصل تخليق ذات الأرض في يومين ~~وتخليق سائر الأشياء الموجودة في الأرض في يومين آخرين وتخليق السموات في ~~يومين آخرين كان مجموع ذلك ستة أيام ، فإذا حصل دحو الأرض في أكثر من ستة ~~أيام وذلك باطل الخامس : أنه لا نزاع أن قوله تعالى بعد هذه الآية { ثم ~~استوى إلى السماء * فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها } كناية عن إيجاد ~~السماء والأرض ، فلو تقدم إيجاد السماء على إيجاد الأرض لكان قوله { ائتيا ~~طوعا ms7972 أو كرها } يقتضي إيجاد الموجود وأنه محال باطل . # فهذا تمام البحث عن هذا الجواب المشهور ، ونقل الواحدي في ( البسيط ) عن ~~مقاتل أنه قال : خلق الله السموات قبل الأرض وتأويل قوله { ثم استوى إلى ~~السماء } ثم كان قد استوى إلى السماء وهي دخان ، وقال لها قبل أن يخلق ~~الأرض فأضمر فيه كان لما قال تعالى : { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ~~} ( يوسف : 77 ) معناه إن يكن سرق ، وقال تعالى : { وكم من قرية أهلكناها ~~فجاءها بأسنا } ( الأعراف : 4 ) والمعنى فكان قد جاءها ، هذا ما نقله ~~الواحدي وهو عندي ضعيف ، لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء ، ~~وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة { ثم } تقتضي التأخير ، وكلمة كان تقتضي ~~التقديم والجمع بينهما يفيد PageV27P091 التناقض ، وذلك دليل على أنه لم ~~يمكن إجراؤه على ظاهره وقد بينا أن قوله { ائتيا طوعا أو كرها } إنما حصل ~~قبل وجودهما ، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله { * ئتيا } على الأمر ~~والتكليف ، فوجب حمله على ما ذكرناه ، بقي على لفظ الآية سؤالات . # السؤال الأول : ما الفائدة في قوله تعالى : { دخان فقال لها وللارض ائتيا ~~طوعا أو كرها } ؟ الجواب : المقصود منه إظهار كمال القدرة والتقدير : ائتي ~~شئتما ذلك أو أبيتما ، كما يقول الجبار لمن تحت يده لتفعلن هذا شئت أو لم ~~تشأ ، ولتفعلنه طوعا أو كرها ، وانتصابهما على الحال بمعنى طائعين أو ~~مكرهين { قالتا أتينا } على الطوع لا على الكره ، وقيل إنه تعالى ذكر ~~السماء والأرض ثم ذكر الطوع والكر ، فوجب أن يتصرف الطوع إلى السماء والكره ~~إلى الأرض بتخصيص السماء بالطوع لوجوه أحدها : أن السماء في دوام حركتها ~~على نهج واحد لا يختلف ، تشبه حيوانا مطيعا لله تعالى بخلاف الأرض فإنها ~~مختلفة الأحوال ، تارة تكون في السكون وأخرى في الحركات المضطربة وثانيها : ~~أن الموجود في السماء ليس لها إلا الطاعة ، قال تعالى : { يخافون ربهم من ~~فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } ( النحل : 50 ) وأما أهل الأرض فليس الأمر في ~~حقهم كذلك وثالثها : السماء موصوفة بكمال الحال ms7973 في جميع الأمور ، قالوا ~~إنها أفضل الألوان وهي المستنيرة ، وأشكالها أفضل الأشكال وهي المستديرة ، ~~ومكانها أفضل الأمكنة وهو الجو العالي ، وأجرامها أفضل الأجرام وهي الكواكب ~~المتلألئة بخلاف الأرض فإنها مكان الظلمة والكثافة واختلاف الأحوال وتغير ~~الذوات والصفات ، فلا جرم وقع التعبير عن تكون السماء بالطوع وعن تكون ~~الأرض بالكره ، وإذا كان مدار خلق الأرض على الكره كان أهلها موصوفين أبدا ~~بما ويجب الكره والكرب والقهر والقسر . # السؤال الثاني : ما المراد من قوله { ائتيا } ومن قوله { ءاتينا } ؟ ~~الجواب : المراد ائتيا إلى الوجود والحصول وهو كقوله { كن فيكون } ( البقرة ~~: 117 ) وقيل المعنى ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف ، ~~أي بأرض مدحوة قرارا ومهادا وأي بسماء مقبية سقفا لهم ، ومعنى الإتيان ~~الحصول والوقوع على وفق المراد ، كما تقول أتى عمله مرضيا وجاء مقبولا ، ~~ويجوز أيضا أن يكون المعنى لتأتي كل واحدة منكم صاحبتها الإتيان الذي ~~تقتضيه الحكمة والتدبير من كون الأرض قرارا للسماء وكون السماء سقفا للأرض ~~. # السؤال الثالث : هلا قيل طائعين على اللفظ أو طائعات على المعنى ، لأنهما ~~سموات وأرضون ؟ الجواب : لما جعلن مخاطبات ومجيبات ووصن بالطوع والكره قيل ~~طائعين في موضع طائعات نحو قوله { ساجدين } ( الأعراف : 120 ) ومنهم من ~~استدل به على كون السموات أحياء وقال الأرض في جوف السموات أقل من الذرة ~~الصغيرة في جوف الجبل الكبير ، فلهذا السبب صارت اللفظة الدالة العقل ~~والحياة غالبة ، إلا أن هذا القول باطل ، لإجماع المتكلمين على فساده . # ثم قال تعالى : { فقضاهن سبع * سماوات * فى يومين } وقضاء الشيء إنما هو ~~إتمامه والفراغ منه والضمير في قوله { فقضاهن } يجوز أن يرجع إلى السماء ~~على المعنى كما قال : { طائعين } ونحوه { أعجاز نخل خاوية } ( الحاقة : 7 ) ~~ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسرا بسبع سموات والفرق بين النصبين أن أحدهما ~~على الحال والثاني على التمييز . PageV27P092 # ذكر أهل الأثر أنه تعالى خلق الأرض في يوم الأحد والإثنين وخلق سائر ما ~~في الأرض في يوم الثلاثاء والأربعاء ، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس ~~والجمعة وفزع ms7974 في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق فيها آدم وهي الساعة التي ~~تقوم فيها القيامة ، فإن قيل اليوم عبارة عن النهار والليل وذلك إنما يحصل ~~بسبب طلوع الشمس وغروبها ، وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصول ~~اليوم ؟ قلنا معناه إنه مضى من المدة ما لوم حصل هناك فلك وشمس لكان ~~المقدار مقدراف بيوم . # ثم قال تعالى : { وأوحى فى كل سماء أمرها } قال مقاتل أمر في كل سماء بما ~~أراد ، وقال قتادة خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها ، وقال السدي خلق في كل ~~سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد ، قال والله في كل ~~سماء بيت يحج إليه ويطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل الكعبة ولو وقعت ~~منه حصاة ما وقعت إلا على الكعبة ، والأقرب أن يقال قد ثبت في علم النحو ~~أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، والله تعالى على أهل كل سماء تكليف خاص ~~، فمن الملائكة من هو في القيام في أول خلق العالم إلى قيام القيامة ، ~~ومنهم ركوع لا ينتصبون ومنهم سجود لا يرفعون ، وإذا كان ذلك الأمر مختصا ~~بأهل ذلك السماء كان ذلك الأمر مختصا بتلك السماء ، وقوله تعالى : { وأوحى ~~فى كل سماء أمرها } أي وكان قد خص كل سماء بالأمر المضاف إليها كقوله { وكم ~~من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا } ( الأعرف : 4 ) والمعنى فكان قد جاءها ، ~~هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى ~~السماء وكان قد أوحى ، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة ثم تقتضي التأخير ~~وكلمة كان تقتضي التقديم فالجمع بينهما تفيد التناقض ، ونظيره قول القائل ~~ضربت اليوم زيدا ثم ضربت عمرا بالأمس ، فكما أن هذا باطل فكذا ما ذكرتموه ~~وإنما يجوز تأويل كلام الله بما لا يؤدي إلى وقوع التناقض والركاكة فيه ، ~~والمختار عند أي يقال خلق السموات مقدم على خلق الأرض ، بقي أن يقال كيف ~~تأويل هذه الآية ؟ فنقول : الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد ، بل هو ~~عبارة عن التقدير ، والتقدير ms7975 حق الله تعالى هو حكمه بأنه سيوجده وقضاؤه ~~بذلك ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله { خلق الارض فى يومين } معناه أنه قضى ~~بحدوثه في يومين ، وقضاء الله بأنه سيحدث كذا في مدة كذا ، لا يقتضي حدوث ~~ذلك الشيء في الحال ، فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على ~~إحداث السماء ، ولا يزم منه تقدم إحداث الأرض على إحدث السماء ، وحينئذ ~~يزول السؤال ، فهذا ما وصلت إليه في هذه الموضع المشكل / # ثم قال تعالى : { فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ~~} . # واعلم أن ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى أمر السماء والأرض ~~بالإتيان فأطاعا وامتثلا وعند هذا حصل في الآية قولان : # القول الأول : أن تجري هذه الآية على ظاهرنا فنقول : إن الله تعالى ~~أمرهما بالإتيان فأطاعاه قال القائلون بهذا القول وهذا غير مستبعد ، ألا ~~ترى أنه تعالى أمر الجبال أن تنطق مع داود عليه السلام فقال : { فضلا ~~ياجبال أوبى معه والطير } PageV27P093 ( سبأ : 10 ) والله تعالى تجلى للجبل ~~قال : { فلما تجلى ربه للجبل } ( الأعراف : 143 ) والله تعالى أنطق الأيدي ~~والأرجل فقال : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ~~} ( النور : 24 ) وإذ كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله في ذات السماء ~~والأرض حياة وعقلا وفهما ، ثم يوجه الأمر والتكليف عليهما ، ويتأكد هذا ~~الاحتمال بوجوه الأول : أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا إذا منع منه مانع ~~، وههنا لا مانع ، فوجب إجراؤه على ظاهره الثاني : أنه تعالى أخبر عنهما ، ~~فقال : { قالتا أتينا طائعين } وهذا الجمع جمع ما يعقل ويعلم الثالث : قوله ~~تعالى : { إنا عرضنا الامانة على * السماوات والارض * والجبال فأبين أن ~~يحملنها } ( الأحزاب : 72 ) وهذا يدل على كونها عارفة بالله ، مخصوصة ~~بتوجيه تكاليف الله عليها ، والإشكال عليه أن يقال : المراد من قوله { ~~ائتيا طوعا أو كرها } الإتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير ~~فحال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة ، إذ لو كانت موجودة لصار ~~حاصل هذا الأمر أن يقال : يا موجود كن موجودا ms7976 ، وذلك لا يجوز فثبت أنها حال ~~توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة ، وإذا كانت معدومة لم تكن فاهمة ولا ~~عارفة للخطاب ، فلم يجز توجيه الأمر عليها ، فإن قال قائل : روى مجاهد عن ~~ابن عباس أنه قال : قال سبحانه للسموات أطلعي شمسك وقمرك ونجومك ، وقال ~~للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك ، وكان الله تعالى أودع فيهما هذه الأشياء ~~ثم أمرهما بإبرازها وإظهارها ، فنقول فعلى هذا التقدير لا يكون المراد من ~~قوله { أتينا طائعين } حدوثهما في داتهما ، بل يصير المراد من هذا الأمر أن ~~يظهرا ما كان مودعا فيهما ، إلا أن هذا الكلام باطل ، لأنه تعالى قال : { ~~فقضاهن سبع * سماوات * فى يومين } والفاء للتعقيب ، وذلك يدل على أن حدوث ~~المسوات إنما حصل بعد قوله { ائتيا طوعا أو كرها } فهذا جملة ما يمكن ذكره ~~في هذا البحث . # القول الثاني : أنقوله تعالى : { قال * لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها } ~~ليس المراد منه توجيه الأمر والتكليف على السموات والأرض بل المراد منه أنه ~~أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما ، وكانتا في ذلك المأمور ~~المطيع إذا ورد عليه أمر الأمير المطاع ، ونظيره قول القائل : قال الجدار ~~للوتد لم تشقني ؟ قال الوتد : أسألمن يدقني ، فإن الحجر الذي ورائي ما ~~خلاني ورائي . # واعلم أن هذا عدول عن الظاهر ، وإنما جاز العدول عن الظاهر إذ قام دليل ~~على أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره ، وقد بينا أن قوله { ائتيا طوعا أو كرها ~~} إنما حصل قبل وجودهما ، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله { ائتيا طوعا ~~أو كرها } على الأمر والتكليف ، فوجب حمله على ما ذكرنا . # واعلم أن إثبات الأمر والتكليف فيهما مشروط بحصول المأمور فيهما ، وهذا ~~يدل على أنه تعالى أسكن هذه السموات والملائكة ، أو أنه تعالى أمرهم بأشياء ~~ونهاهم عن أشياء ، وليس في الآية ما يدل على أنه إنما خلق الملائكة مع ~~السموات ، أو أنه تعالى خلقهم قبل السموات ، ثمإنه تعالى أسكنهم فيها ، ~~وأيضا ليس في الآية بيان الشرائع التي أمر الملائكة بها ، وهذه الأسرار لا ~~تليق ms7977 بعقول البشر ، بل هي أعلى من مصاعد أفهمامهم ومرامي أوهامهم ، ثم قال ~~: { وزينا السماء الدنيا بمصابيح } وهي النيرات التي خلقها في السموات ، ~~وخص كل واحد بضوء معين ، وسر معين ، وطبيعة معينة ، لايعرفها إلا الله ، ثم ~~قال : { وحفظا } يعني وحفظناها حفظا ، يعني من الشياطين الذين يسرتقون ~~السمع ، فأعد لكل شيطان نجما يرميه به ولا يخطئه ، PageV27P094 فمنها ما ~~يحرق ، ومنها ما يقتل ومنها ما يجعله مخبلا ، وعن ابن عباس أن اليهود سألوا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عن خلق السموات والأرض فقال : ( خلق الله تعالى ~~الأرض في يوم الأحد والاثنين / وخلق الجبال والشجر في يومين وخلق في يوم ~~الخميس السماء ، وخلق في يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة ، ثم ~~خلق آدم عليه السلام وأسكنه الجنة ثم قالت اليهود ثم ماذا يا محمد ؟ قال ثم ~~استوى على العرش قالوا : ثم استراح فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ~~فنزل قوله تعلاى : { وما مسنا من لغوب } ( ق : 38 ) . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه التفاصيل ، قال : { ذالك تقدير العزيز ~~العليم } والعزيز إشارة إلى كمال القدرة ، والعليم إشارة إلى كمال العلم ، ~~وما أحسن هذه الخاتمة ، لأن تلك الأعمال لا تمكن إلا بقدرة كاملة وعلم محيط ~~. # ! 7 < { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود * إذ جآءتهم ~~الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شآء ربنا ~~لانزل ملائكة فإنا بمآ أرسلتم به كافرون * فأما عاد فاستكبروا فى الا رض ~~بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم ~~قوة وكانوا بأاياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا فىأيام نحسات ~~لنذيقهم عذاب الخزى فى الحيواة الدنيا ولعذاب الا خرة أخزى وهم لا ينصرون * ~~وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ~~بما كانوا يكسبون * ونجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون } > 7 @QB@ < # | فصلت : ( 13 - 18 ) فإن أعرضوا فقل . . . . . # > > # اعلم أن الكلام إنما ابتدىء من قوله { أنما إلاهكم إلاه واحد } ( فصلت : ~~6 ) واحتج عليه بقوله ms7978 { قل * أئنكم * لتكفرون بالذى خلق الارض فى يومين } ( ~~فصلت : 9 ) وحاصله أن الإله الموصوف بهذه القدرة القاهرة كيف يجوز الكفر به ~~، وكيف يجوز جعل هذه الأجسام الخسيسة شركاء له في الإلهية ؟ ولما تمم تلك ~~الحجة قال : { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } وبيان ~~ذلك لأن وظيفة الحجة قد تمت على أكمل الوجوه ، فإن بقوا مصرين على الجهل لم ~~يبق حينئذ علاج في حقهم إلا إنزال لعذاب عليهم فلهذا السبب قال : { فإن ~~أعرضوا فقل أنذرتكم } بمعنى أن أعرضوا عن قبول هذه الحجة القاهرة التي ~~ذكرناها PageV27P095 وأصروا على الجهل والتقليد { فقل أنذرتكم } والإنذار ~~هو : التخويف ، قال المبرد والصاعقة الثائرة المهلكة لأي شيء كان ، وقرىء { ~~صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } قال صاحب ( الكشاف ) وهي المرة من الصعق . # ثم قال : { إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم } وفيه وجهان الأول ~~: المعنى أن الرسل المبعوثين إليهم أتوهم من كل جانب واجتهدوا بهم وأتوا ~~بجميع وجوه الحيل فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض ، كما جكى الله تعالى ~~عن الشيطان قوله { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم } ( الأعراف : 17 ) ~~يعني لآتينهم من كل جهة ولأعملن فيهم كل حيلة ، ويقول الرجل : استدرت بفلان ~~من كل جانب فلم تؤثر حيلتي فيه . # السؤال الثاني : المعنى : أن الرسل جاءتهم من قبلهم ومن بعدهم ، فإن قيل ~~: الرسل الذين جاؤا من قبلهم ومن بعدهم ، كيف يمكن وصفهم بأنهم جاؤهم ؟ ~~قلنا : قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما وبجميع الرسل ، وبهذا ~~التقدير فكأن جميع الرسل قد جاؤهم . # ثم قال : { ألا تعبدوا إلا الله } يعني أن الرسل الذي جاؤهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم أمروهم بالتوحيد ونفي الشرك ، قال صاحب ( الكشاف ) أنفي ~~قوله { ألا تعبدوا إلا الله } بمعنى أي أو مخففة من الثقيلة أصله بأنه لا ~~تعبدوا أي بأن الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا إلا الله . # ثم حكى الله تعالى عن أولئك الكفار أنهم قالوا { لو شاء ربنا لانزل ~~ملائكة } يعني أنهم كذبوا أولئك الرسل ، وقالوا الدليل على ms7979 كونهم كاذبي أنه ~~تعالى لو شاء إرسال الرسالة إلى البشر لجعل رسله من زرمة الملائكة / لأن ~~إرسال الملائكة إلى الخلق أفضى إلى المقصود من البعثة والرسالة ، ولما ~~ذكروا هذه الشبهة قالوا { فإنا بما أرسلتم به كافرون } معناه : فإذا أنتم ~~بشر ولستم بملائكة ، فأنتم لستم برسل ، وإذا لم تكونوا من الرسل لم يلزمنا ~~قبول قولكم ، وهو المراد من قوله { فإنا بما أرسلتم به كافرون } . # واعلم أنا بالغنا في الجواب عن هذه الشبهات في سورة الأنعام ، وقوله { ~~أرسلتم به } ليس بإقرار منهم بكون أولئك الأبياء رسلا ، وإنما ذكروه حكاية ~~لكلام الرسل أو على سبيل الاستهزاء ، كما قال فرعون { إن رسولكم الذى أرسل ~~إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) . روي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش : ~~التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والسحر والكهانة ~~فكلمه ، ثم أتانا بيان عن أمره ، فقال عتبة بن ربيعة والله لقد سمعت الشعر ~~والسحر والكهانة وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي ، فأتاه فقال : يا محمد ~~أنت خير أم هاشم ؟ أنت خير أم عبد المطلب ؟ أنت خير أم عبد الله ؟ لم تشتم ~~ألهتنا وتضللنا ؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك للواء فكنت رئيسنا ، وإن ~~تكن بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختارهن ، أي بنات من شئت من قريش ، وإن كان ~~المال مرادك جمعنا لك ما تستغني به ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت ، ~~فلما فزع قال : بسم الله الرحمن الرحيم ( حم * تنزيل من الرحمن الرحيم } ~~إلى قوله { * } إلى قوله { صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسك عتبة على فيه ~~وناشده بالرحم ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش ، فلم احتبس عنهم قالوا ، ~~لا نرى عتبة إلا قد صبأ ، فانطلقوا إليه وقالوا يا عتبة ما حبسك عنا إلا ~~أنك قد صبأت : فغضب وأقسم لا يكلم محمدا أبدا ، ثم قال : والله لقد كلمته ~~فأجابني بشيء ما هو شعر ولا سحر ولا كهانة ، ولما بلغ صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم ، ولقد علمت أن محمدا ms7980 إذا قال شيئا لم ~~يكذب فخفت أن PageV27P096 ينزل بكم العذاب . # واعلم أنه تعالى لما بين كفر قوم عاد وثمود على الإجمال بين خاصية كل ~~واحدة من هاتين الطائفتين فقال : { فأما عاد فاستكبروا فى الارض بغير الحق ~~} وهذا الاستكبار فيه وجهان الأول : إظهارالنخوة والكبر ، وعدم الالتفات ~~إلى الغير والثاني : الاستعلاء على الغير واستخدامهم ، ثم ذكر تعالى سبب ~~ذلك الاستكبار وهو أنهم قالو { من أشد منا قوة } وكانوا مخصوصين بكبر ~~الأجسام وشدة القوة ، ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنه لا يجوز لهم أن ~~يغتروا بشدة قوتهم ، فقال : { أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم ~~قوة } يعني أنهم وإن كانوا أقوى من غيرهم ، فالله الذي خلقهم هو أشد منهم ~~قوة ، فإن كانت الزيادة في القوة توجب كون الناقص في طاعة الكامل ، فهذه ~~المعاملة توجب عليهم كونهم منقادين لله تعالى ، خاضعين لأوامره ونواهيه . # واحتج أصحابنا بهذه الآية على إثبات القدرة صلى الله عليه وسلم ، فقالوا ~~القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله { الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة } يدل ~~على إثبات القوة لله تعالى ويتأكد هذا بقوله { إن الله هو الرزاق ذو القوة ~~المتين } ( الذريات : 58 ) فإن قيل صيغة أفعل التفضيل إنما تجري بين شيئين ~~لأحدهما مع الآخر نسبة ، لكن قدرة العبد متناهية وقدرة الله لا نهاية لها ، ~~والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي ، فما معنى قوله إن الله أشد منهم ~~قوة ؟ قلنا هذا ورد على قانون قولنا الله أكبر . # ثم قال : { وكانوا بئاياتنا يجحدون } والمعنى أنهم كانوا يعرفون أنها حق ~~ولكنهم جحدوا كما يجحد المودع الوديعة . # واعلم أن نظم الكلام أن يقال : أما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وكانوا بآياتنا يجحدون ، وقوله { وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله ~~الذى خلقهم هو أشد منهم قوة } واعتراض وقع في البين لتقرير السبب الداعي ~~لهم إلى الاستكبار . # واعلم أنا ذكرنا أن مجامع الخصال الحميدة الإحسان إلى الخلق والتعظيم ~~للخالق ، فقوله { استكبروا فى * الارض بغير الحق } مضاد للإحسان ms7981 إلى الخلق ~~وقوله { وكانوا بئاياتنا يجحدون } مضاد للتعظيم للخالق ، وإذا كان الأمر ~~كذلك فهم قد بلغوا في الصفات المذمومة الموجبة للهلاك والإبطال إلى الغاية ~~القصوى ، فلهذا المعنى سلط الله العذاب عليهم فقال : { فأرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا } وفي الصرصر قولان أحدهما : أنها العاصفة التي تصرصر أن تصوت في ~~هبوبها ، وفي علة هذه التسمية وجوه قيل إن الرياح عند اشتداد هبوبها يسمع ~~منها صوت يشبه صوت الصرصر فسميت هذه الرياح بهذا الاسم وقيل هو من صرير ~~الباب ، وقيل من الصرة والصيحة ، ومنه قوله تعالى : { فأقبلت امرأته فى صرة ~~} ( الذاريات : 29 ) والقول الثاني : أنها الباردة التي تحرق ببردها كما ~~تحرق النار بحرها ، وأصلها من الصر وهو البرد قال تعالى : { كمثل ريح فيها ~~صر } ( آل عمران : 117 ) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ~~الرياح ثمان أربع منها عذاب العاصف والصرصر والعقيم والسموم ، وأربع منها ~~رحمة الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات ) وعن ابن عباس أن الله تعالى ~~ما أرسل على عباده من الريح إلا قدر خاتمي ، والمقصود أنه مع قلته أهلك ~~الكل وذلك يدل على كمال قدرته . # وأما قوله { فى أيام نحسات } ففيه مسائل : PageV27P097 # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { نحسات } بسكون الحاء ~~والباقون بكسر الحاء ، قال صاحب ( الكشاف ) يقال نحس نحسا نقيض سعد سعدا ~~فهو نحس ، وأما نحس فهو إما مخفف نحس أو صفة على فعل أو نصف بمصدر . # المسألة الثانية : استدل الأحكاميون من المنجمين بهذه االآية على أن بعض ~~الأيام قد يكون نحسا وبعضها قد يكون سعدا ، وقالوا هذه الآية صريحة في هذا ~~المعنى ، أجاب المتكلمون بأن قالوا { أيام نحسات } أي ذوات غبار وتراب ثائر ~~لا يكاد يبصر فيه ويتصرف ، وأيضا قالوا معنى كون هذه الأيام نحسات أن الله ~~أهلكهم فيها ، أجاب المستدل االأول بأن النحسات في وضع اللغة هي المشؤمات ~~لأن السعد يقابله السعد ، والكدر يقابله الصافي ، وأجاب عن السؤال الثاني ~~أن الله تعالى أخبر عن إيقاع ذلك العذاب في تلك الأيام النحسات ، فوجب أن ~~يكون كون ms7982 تلك الأيام نحسة مغايرا لذلك العذاب الذي وقع فيها . # ثم قال تعالى : { عنهم عذاب الخزى فى الحيواة الدنيا } أي عذاب الهواان ~~والذل ، والسبب فيه أنهم استكبروا ، فقابل الله ذلك الاستكبار بإيصال الخزي ~~والهوان والذل إليهم . # ثم قال تعالى { ولعذاب الاخرة أخزى } أي أشد إهانة وخزيا { وهم لا ينصرون ~~} أي أنهم يقعون في الخزي الشديد ومع ذلك فلا يكون لهم ناصر يدفع ذلك الخزي ~~عنهم . # ولما ذكر الله قصة عاد أتبعه بقصة ثمود فقال : { وأما ثمود } قال صاحب ( ~~الكشاف ) قرىء { ثمود } بالرفع والنصب منونا وغير منون والرفع أفصح لوقوعه ~~بعد حرف الابتداء وقرىء بضم الثاء وقوله { فهديناهم } أي دللناهم على طريق ~~الخير والشر { فاستحبوا العمى على الهدى } أي اختاروا الدخول في الضلالة ~~على الدخول في الرشد . # واعلم أن صاحب ( الكشاف ) ذكر في تفسير الهدى في قوله تعالى : { هدى ~~للمتقين } ( البقرة : 2 ) أن الهدى عبارة عن الدلالة الموصلة إلى البغية ، ~~وهذه الآية تبطل قوله ، لأنها تدل على أن الهدى قد حصل مع أن الإقضاء إلى ~~البغية لم يحصل ، فثبت أن قيد مفضيا إلى البغية غير معتبر في اسم الهدى . # وقد ثبت في هذه الآية سؤال يشعر بذلك إلا أنه لم يذكر جوابا شافيا ~~فتركناه ، قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن الله تعالى قد ينصب الدلائل ~~ويزيح الأعذار والعلل ، إلا أن الإيمان إنما يحصل من العبد لأن قوله { وأما ~~ثمود فهديناهم } يدل على أنه تعالى قد نصب لهم الدلائل وقوله { فاستحبوا ~~العمى على الهدى } يدل على أنهم من عند أنفسهم أتوا بذلك العمى فهذا يدل ~~على أن الكفر والإيمان يحصلان من العبد ، وأقول بل هذه الآية من أدل ~~الدلائل ، على أنهما إنما يحصلان من الله لا من العبد ، وبيانه من وجهين : ~~الأول : أنهم إنما صدر عنهم ذلك العمى ، لأنهم أحبوا تحصيله ، فلما وقع في ~~قلبهم هذه المحبة دون محبة ضده ، فإن حصل ذلك الترجيح لا لمرجح فهو باطل ، ~~وإن كان المرجح هو العبد عاد الطلب ، وإن كان المرجح هو الله فقد حصل ms7983 ~~المطلوب الثاني : أنه تعالى قال : { فاستحبوا العمى على الهدى } ومن ~~المعلوم بالضرورة أن أحدا لا يحب العمى والجهل مع العلم بكونه عمى وجهلا ، ~~بل ما لم يظن في ذلك العمى والجهل كونه تبصرة وعلما لا يرغب فيه ، فإقدامه ~~على اختيار ذلك الجهل لا بد وأن يكون مسبوقا بجهل آخر ، فإن كان ذلك ~~PageV27P098 الجهل الثاني باختياره أيضا لزم التسلسل وهو محال ، فلا بد من ~~انتهاء تلك الجهالات إلى جهل يحصل فيه لا باختياره وهو المطلوب ، ولما وصف ~~الله كفرهم قال : { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون } و { صاعقة العذاب } أي ~~داهية العذاب و { الهون } الهوان ، وصف به العذاب مبالغة أو أبدل منه { بما ~~كانوا يكسبون } يريد من شركهم وتكذيبهم صالحا وعقرهم الناقة ، وشرع صاحب ( ~~الكشاف ) ههنا في سفاهة عظيمة . والأولى أن لا يلتفت إليه أنه وإن كان قد ~~سعى صعيا حسنا فيما يتعلق بالألفاظ ، إلا أن المسكين كان بعيدا من المعاني ~~. # ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال : { ونجينا الذين ءامنوا وكانوا ~~يتقون } يعني وكانوا يتقون الأعمال التي كان يأتي بها قوم عاد وثمود ، فإن ~~قيل : كيف يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم أن ينذر قومه مثل صااعقة عاد ~~وثمود ، مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد صرح ~~الله تعالى بذلك في قوله { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم { ( الأنفال : ~~33 ) وجاء في الأحاديث الصحيحة أن اللهلله تعالى رفع عن هذه الأمة هذه ~~الأنواع من الآفات قلنا إنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في ~~استحقاق مثل تلك الصاعقة جوزوا حدوث ما يكون من جنس ذلك ، وإن كان أقل درجة ~~مهم وهذا القدر يكفي في التخويف . # ! 7 < { ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون * حتى إذا ما جآءوها ~~شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم ~~شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء وهو خلقكم أول مرة وإليه ~~ترجعون * وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ms7984 ~~ولاكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذى ظننتم ~~بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين * فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن ~~يستعتبوا فما هم من المعتبين } . > 7 ! # < < # | فصلت : ( 19 ) ويوم يحشر أعداء . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما بين كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه ~~بكيفية عقوبتهم في الآخرة ، ليحصل منه تمام الاعتبار في الزجر والتحذير ، ~~وقرأ نافع { نحشر } بالنون { أعداء } بالنصب أضاف الحشر إلى نفسه ، ~~والتقدير يحشر الله عز وجل أعداءه الكفار من الأولين والآخرين وحجته أنه ~~معطوف على قوله { ونجينا } ( فصلت : 18 ) فيحسن أن يكون على وفقه في اللفظ ~~، ويقويه قوله { ويوم نحشر * المتقين } ( مريم : 85 ) { وحشرناهم } ( الكهف ~~: 47 ) وأما الباقون PageV27P099 فقرؤا على فعل ما لم يسم فاعله لأن قصة ~~ثمود قد تمت وقوله { ويوم يحشر } ابتداء كلام آخر ، وأيضا الحاشرون لهم هم ~~المأمورون بقوله { احشروا } ( اللصفات : 22 ) وهم الملائكة ، وأيضا أن هذه ~~القراءة موافقة لقوله { فهم يوزعون } ( فصلت : 19 ) وأيضا فتقدير القراءة ~~الأولى أن الله تعالى قال : { ويوم نحشر * أعداء الله إلى النار } فكان ~~الأولى على هذا التقدير أن يقال ويوم نحشر أعداءنا إلى النار . # واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أعداء الله يحشرون إلى النار قال : { فهم ~~يوزعون } أي يحبس أولهم على آخرهم ، أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم ~~، والمقصود بيان أنهم إذا اجتمعوا سألوا عن أعمالهم . # ثم قال : { حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : التقدير حتى إذا جاؤنا شهد عليهم سمعهم وأبصارهم ~~وجلودهم ، وعلى هذا التقدير فكلمة { ما } صلة ، وقيل فيها فائدة زائدة وهي ~~تأكيد أن عند مجيئهم لا بد وأن تحصل هذه الشهادة كقوله } أثم إذا ما وقع ~~آمنتم به } ( يونس : 51 ) أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به . # المسألة الثانية : روي أن العبد يقول يوم القيامة : يا رب العزة ألست قد ~~وعدتين أن لا تظلمني ، فيقول الله تعالى فإن لك ذلك ، فيقول العبد إني لا ~~أقبل على نفسي شاهدا ms7985 إلا من نفسي ، فيختم الله على فيه وينطق أعضاءه ~~باالأعمال التي صدرت منه ، فذلك قوله { * } أثم إذا ما وقع آمنتم به } ( ~~يونس : 51 ) أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به . # المسألة الثانية : روي أن العبد يقول يوم القيامة : يا رب العزة ألست قد ~~وعدتين أن لا تظلمني ، فيقول الله تعالى فإن لك ذلك ، فيقول العبد إني لا ~~أقبل على نفسي شاهدا إلا من نفسي ، فيختم الله على فيه وينطق أعضاءه ~~باالأعمال التي صدرت منه ، فذلك قوله { * } ( يونس : 51 ) أي لا بد لوقت ~~وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به . # المسألة الثانية : روي أن العبد يقول يوم القيامة : يا رب العزة ألست قد ~~وعدتين أن لا تظلمني / فيقول الله تعالى فإن لك ذلك ، فيقول العبد إني لا ~~أقبل على نفسي شاهدا إلا من نفسي ، فيختم الله على فيه وينطق أعضاءه ~~باالأعمال التي صدرت منه ، فذلك قوله { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } ~~واختلف الناس في كيفية الشهادة وفيه ثلاثة أقوال أحدها : أنه تعالى يخلق ~~الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه والثاني : ~~أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني كما ~~خلق الكلام في الشجرة والثالث : أن يظهر تلك الأعضاء أحوالا تدل على صدور ~~تلك الأعمال من ذلك الإنسان ، وتلك الأمارات تسمى شهادات ، كما يقال يشهد ~~هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه ، واعلم أن هذه المسألة صعبة على ~~المعتزلة أما القول الأول : فهو صعب على مذهبهم لأن البنية عندهم شرط لحصول ~~العقل والقدرة فاللسان مع كونه لسانا يمتنع أن يكون محلا للعلم والعقل ، ~~فإن غير الله تعالى تلك البنية والصورة خرج عن كونه لسانا وجلدا ، وظاهر ~~الآية يدل على إضافة تلك الشهادة إلى السمع والبصر والجولد ، فإن قلنا إن ~~الله تعالى ما غير بنية هذه الأعضاء فحينئذ يمتنع عليها كونها ناطقة فاهمة ~~، وأما القول الثاني : وهو أن يقالل إن الله تعالى خلق هذه الأصوات والحروف ~~في هذه الأعضاء ، وهذا أيضا ms7986 باطل على أصول المعتزلة لأن مذهبهم أن المتكلم ~~هو الذي فعل الكلام ، لا ما كان موصوفا بالكلام ، فإنهم يقولون إن الله ~~تعالى خلق الكلام في الشجرة وكان المتكلم بذلك الكلام هو الله تعالى لا ~~الشجرة ، فههنا لو قلنا إن الله خلق الأصوات والحروف في تلك الأعضاء لزم أن ~~يكون الشاهد هو الله تعالى لا تلك ، ولزم أن يكون المتكلم بذلك الكلام هو ~~الله لا تلك الأعضاء ، وظاهر القراآن يدل على أن تلك الشهادة شهادة صدرت من ~~تلك الأعضاء لا من الله تعالى لأنه تعالى قال : { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم ~~وجلودهم } وأيضا أنهم قالوا لتلك الأعضاء { لم شهدتم علينا } فقالت الأعضاء ~~{ أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء } وكل هذه الآياات دالة على أن المتكلم ~~بتلك الكلمات هي تلك الأعضاء ، وأن تلك الكلمات ليست كلام الله تعالى ، ~~فهذا توجيه الإشكال على هذين القولين ، وأما القول الثالث : وهو تفسير هذه ~~الشهادة بظهور أمارات مخصوصة على هذه الأعضاء دالة على صدور تلك الأعمال ~~منهم ، فهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والأصل عدمه ، فهذا PageV27P100 ~~منتهى الكلام في هذا البحث ، أما على مذهب أصحابنا فهذا الإشكال غير لازم ، ~~لأن عندنا البنية ليست شرطا للحياة ولا للعلم ولا للقدرة ، فالله تعالى ~~قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء ، وعلى ~~هذا التقدير فالإشكال زائل وهذه الآية يحسن التمسك بها في بيان أن البنية ~~ليست شرطا للحياة ولا لشيء من الصفات المشروطة بالحياة والله أعلم . # المسألة الثالثة : ما رأيت للمفسرين في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر ~~سببا وفائدة ، وأقول لا شك أن الحواس خمسة السمع والبصر والشم والذوق ~~واللمس ، ولا شك أن آلة اللمس هي الجلد ، فالله تعالى ذكر ههنا من الحواس ~~وهي السمع والبصر واللمس ، وأهمل ذكر نوعين وهما الذوق والشم ، لأن الذوق ~~دالخل في اللمس من بعض الوجوه ، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة ~~اللسان والحنك مماسة لجرم الطعام ، فكان هذا داخلا فيه فبقي حس الشم وهو حس ~~ضعيف ms7987 في الإنسان ، وليس لله فيه تكليف ولا أمر ولا نهي ، إذا عرفت هذا ~~فنقول نقل عن ابن عباس أنه قال المراد من شهادة الجلود شهادة االفروج قال ~~وهذا من باب الكنايات كما قال : { ولاكن لا تواعدوهن سرا } ( البقرة : 235 ~~) وأراد النكاح وقال : { أو جاء منكم من الغائط } ( النساء : 43 ) والمراد ~~قضاء الحاجة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أول ما يتكلم من ~~الآدمي فخذه وكفه ) وعلى هذا التقدير فتكون هذه الآية وعيدا شديدا في ~~الإتيان بالزنا ، لأن مقدمة الزنا إنما تحصل بالكف ، ونهاية الأمر فيها ~~إنما تحصل بالفخذ . # ثم حكى الله تعالى أنهم يقولون لتلك الأعضاء { لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } ومعناه أن ~~القادر على خلقكم وإنطاقكم في المرة الأولى حالما كنتم في الدنيا ثم على ~~خلقكم وإنطاقكم في المرة الثانية وهي حال القيامة والبعث يستبعد منه إنطاق ~~الجوارح والأعضاء ؟ # ثم قال تعالى : { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا ~~جلودكم } والمعنى إثبات أنهم كانوا يستترون عند الإقدام على الأعمال ~~القبيحة ، إلا أن استتارهم ما كان لأجل خوفهم من أن يشهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والقيامة ، ولكن ذلك ~~الاستتار لأجل أنهم كانوا يظنون أن الله لا يعلم الأعمال التي يقدمون عليها ~~على سبيل الخفية والاستتار . عن ابن مسعود قال : كنت مستترا بأستار الكعبة ~~فدخل ثلاثة نفر عللى ثقفيان وقرشي فقال أحدهم : أترون الله يسمع ما تقولون ~~؟ فقال الرجلان إذا سمعنا أصواتنا سمع وإلا لم يسمع . فذكرت ذلك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزل { وما كنتم تستترون } . # ثم قال تعالى : { وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من ~~الخاسرين } وهذا نص صريح في أن من ظن بالله تعالى أنه يخرج شيء من ~~المعلومات عن علمه فإنه يكون من الهالكين الخاسرين ، قال أهل التحقيق الظن ~~قسمان ظن حسن بالله تعالى وظن فاسد ، أما الظن الحسن فهو أن يظن به الرحمة ms7988 ~~والفضل ، قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عز وجل : ( أنا عند ظن عبدي ~~بي ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ~~) ، والظن القبيح فاسد وهو أن يظن بالله أنه يعزب عن علمه بعض هذه الأحوال ~~، وقال قتادة : الظن نوعان ظن منج وظن مرد ، فالمنح قوله { إنى ظننت أنى ~~ملاق حسابيه } ( الحاقة : 20 ) وقوله { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ~~PageV27P101 ( البقرة : 46 ) ، وأما الظن المردي فهو قوله { وذلكم ظنكم ~~الذى ظننتم بربكم } قال صاحب ( الكشاف ) { تعملون وذلكم } رفع بالابتداء { ~~* وظنكم } و { بربكم أرداكم } خبران ويجوز أن يكون ظنكم بدلا من ذلاكم ~~وأرداكم الخبر . # ثم قال : { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } يعني إن أمسكوا عن الاستغالثة ~~لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مثوى لهم أي مقاما لهم { وإن ~~يستعتبوا فما هم من المعتبين } أي لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها ، ~~ونظيره قوله تعالى : { أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } ( إبراهيم : 21 ) ~~وقرىء وإن يستعتبوا فما هم من الممعتبين أي أن يسألوا أن يرضوا ربهم فما هم ~~فاعلون أي لا سبيل لهم إلى ذلك . # ! 7 < { وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم ~~القول فىأمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين * وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهاذا القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون * فلنذيقن ~~الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون * ذلك جزآء ~~أعدآء الله النار لهم فيها دار الخلد جزآء بما كانوا بأاياتنا يجحدون * ~~وقال الذين كفروا ربنآ أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت ~~أقدامنا ليكونا من الا سفلين } . > 7 ! # < < # | فصلت : ( 25 ) وقيضنا لهم قرناء . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على كفر ~~أولئك الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر فقال : { ~~وقضينا * لهم قرناء } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الصحاح ) : يقال قايضت الرجل مقايضة أي ~~عاوضته بمتاع ، وهما قيضان كما يقال بيعان ، وقيض ms7989 الله فلانا أي جاءه به ~~وأتى به له ، ومنه قوله تعالى : { وقيضنا لهم قرناء } . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يريد الكفر من ~~الكافر ، فقالوا إنه تعالى ذكر أنه قيض لهم أولئك القرناء ، وكان عالما ~~بأنه متى قيض لهم أولئك القرناء فإن يزينوا الباطل لهم ، وكل من فعل فعلا ~~وعلم أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر لا محالة ، فإن فاعل ذلك الفعل لا بد وأن ~~يكون مريدا لذلك الأثر فثبت أنه تعالى لما قيض لهم قرناء فقد أراد منهم ذلك ~~الكفر ، أجاب الجبائي عنه بأن قال لو أراد المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين إذ ~~الفاعل لما أراده منه غيره يجب أن يكون مطيعا له ، وبأن قوله { وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون } PageV27P102 ( الذاريات : 56 ) يدل على أنه لم ~~يرد منهم إلا العبادة ، فثبت بهذا أنه تعالى لم يرد منهم المعاصي ، وأما ~~هذه الآية فنقول : إنه تعالى لم يقل وقيضنا لهم قرناء ليزينوا لهم ، وإنما ~~قال : { فزينوا لهم } فهو تعالى قيض القرناء لهم بمعنى أنه تعالى أخرج كل ~~أحد إلى آخر من جنسه ، فقيض أحد الزوجين للآخر والغني للفقير والفقير للغني ~~ثم بين تعالى أن بعضهم يزين المعاصي للبعض . # واعلم أن وجه استدلال أصحابنا ما ذكرناه ، وهو أن من فعل فعلا وعلم قطعا ~~أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر ، فاعل ذلك الفعل يكون مريدا لذلك الأثر ، فههنا ~~الله تعالى قيض أولئك القرناء لهم وعلم أنه متى قيض أولئك القرناء لهم ~~فإنهم يقعون في ذلك الكفر والضلال ، وما ذكره الجبائي لا يدفع ذلك ، وقلوه ~~ولو أراد الله منهم المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين لله ، قلنا لو كان من فعل ~~ما أراده غيره مطيعا له لوجب أن يكون الله مطيعا لعباده إذا فعل ما أرادوه ~~معلوم أنه باطل ، وأيضا فهذا إلزام لفظي لأنه يقال إن أردت بالطاعة أنه فعل ~~ما أراد فهذا إلزام للشيء على نفسه ، وأن أردت غيره فلا بد ، من بيانه حتى ~~ينظر فيه أنه هل يصح أم لا . # المسألة ms7990 الثانية : اختلفوا في المراد بقوله { فزينوا لهم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم } وذكر الزجاج فيه وجهين : الأول : زينوا لهم ما بين أيديهم من ~~أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار وما خلفهم من أمر الدنيا ، فزينوا ~~أن الدنيا قديمة ، وأنه لا فاعل ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك الثاني : ~~زينوا لهم أعمالهم التي يعملونها ويشاهدونها وما خلفهم وما يزعمون أنهم ~~يعلمونه / وعبر ابن زيد عنه ، فقال زينوا لهم ما مضى من أعمالهم الخبيثة ~~وما بقي من أعمالهم الخسيسة . # ثم قال تعالى : { وحق عليهم * القوم فيها * أمم قد خلت من قبلهم من الجن ~~والإنس إنهم كانوا خاسرين } فقوله في أمم في محل النصب على الحال من الضمير ~~في عليهم ، والتقدير حق عليهم القول حال كونهم كائنين في جملة { أمم } من ~~المتقدمين { إنهم كانوا خاسرين } واحتج أصحابنا أيضا بأنه تعالى أخبر بأن ~~هؤلاء { حق عليهم القول } فلو لم يكونوا كفارا لانقلب هذا القول الحق باطلا ~~وهذا العلم جهلا ، وهذا الخبر الصدق كذبا ، وكل ذلك محال ومستلزم المحال ~~محال ، فثبت أن صدور الإيمان عنهم ، وعدم صدور الكفر عنهم محال . # واعلم أن الكلام في أول السورة ابتدىء من قوله { وقالوا قلوبنا فى أكنة ~~مما تدعونا إليه } إلى قوله { فاعمل إننا عاملون } ( فصلت : 5 ) فأجاب الله ~~تعالى عن تلك الشبهة بوجوه من الأجوبة ، واتصل الكلام بعضه بالبعض إلى هذا ~~الموضع ، ثم إنه حكى عنهم شبهة أخرى فقال : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا ~~لهاذا القرءان والغوا فيه لعلكم تغلبون } ، قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { ~~والغوا فيه } بفتح الغين وضمها يقال لغى يلغي ويلغو واللغو الساقط من ~~الكلام الذي لا طائل تحته . # واعلم أن القوم علموا أن القرآن كلام كالم في المعنى ، وفي اللفظ وأن كل ~~من سمعه وقف على جزالة ألفاظه ، وأاط عقله بمعانيه ، وقضى عقله بأنه كلام ~~حق واجد القبول ، فدبروا تدببيرا في منع الناس عن استماعه ، فقال بعضهم ~~لبعض { لا تسمعوا لهاذا القرءان } إذا قرىء وتشاغلوا عند قراءته برفع ~~الأصوات بالخرافات والأشعار الفاسدة والكلمات ms7991 الباطلة ، حتى تخلطوا على ~~القارىء وتشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته ، كاانت قريش يوصي بذلك بعضهم ~~بعضا ، والمراد افعلوا عند تلاوة القرآن ما يكون لغوا وباطلا ، PageV27P103 ~~لتخرجوا قراءة القرآن عن أن تصير مفهومة للناس ، فبهذا الطريق تغلبون محمدا ~~صلى الله عليه وسلم ، وهذا جهل منهم لأنهم في الحال أقروا بأنهم مشتغلون ~~بالغو والباطل من العمل والله تعالى ينصر محمدا بفضله ، ولما ذكر الله ~~تعالى ذلك هددهم بالعذاب الشديد فقال : { فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ~~} لأن لفظ الذوق إنما يذكر في القدر القليل الذي يؤتى به لأجل التجربة ، ثم ~~إنه تعالى ذكر أن ذلك الذوق عذاب الشديد ، فإذا كان القليل منه عذابا شديدا ~~فكيف يكون حال الكثير منه ، ثم قال : { ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون } ~~واختلفوا فيه فقال الأكثرون المراد جزاء سوء أعمالهم ، وقال الحسن بل ~~المراد أنه لا يجازيهم على محاسن أعمالهم ، لأنهم أحبطوها بالكفر فضاعت تلك ~~الأعمال الحسنة عنهم ، ولم يبق معهم إلا الأعمال القبيحة الباطلة ، فلا جرم ~~لم يتحصلوا إلا على جزاء السيئات . # ثم قال تعالى : { ذلك جزاء أعداء الله النار } والمعنى أنه تعالى لما قال ~~في الآية المتقدمة { ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون } بين أن ذلك الأسوأ ~~الذي جعل جزاء أعداء الله هو النار . # ثم قال تعالى : { لهم فيها دار الخلد } أي لهم في جملة النار دار السيئات ~~معينة وهي دار العذاب المخلد لهم { جزاء أعداء الله النار لهم } أي جزاء ~~بما كانوا يلغون في القراءة ، وإنما مساه جحودا لأنهم لما علموا أن القررن ~~بالغ إلى حد الإهجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا به فاستخرجوا تلك ~~الطريقة الفاسدة / وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزا إلا أنهم جحدوا ~~للحسد . # واعلم أنه تعالى لما بين أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعقاب الشديد ~~مجالسة قرناء السوء بين أن الكفار عند الوقوع في العذاب الشديد يقولون { ~~ربنا أرنا * الذين * أضلانا من الجن والإنس } والسبب في ذكر هذين القسمين ~~أن الشيطان على ضربين جني وإنسي ، قال تعالى : { وكذلك جعلنا ms7992 لكل نبى عدوا ~~شياطين الإنس والجن } ( الانعام : 112 ) وقال : { الذى * يوسوس فى صدور ~~الناس * من الجنة والناس } ( الناس : 5 ) وقيل هما إبليس وقابيل لأن الكفر ~~سنة إبليس ، والقتل بغير حق سنة قابيل . # وقرىء { أرنا } بسكون الراء لثقل الكسرة كما قالوا في فخذ فخذ ، وقيل ~~معناه أعطنا الذين أضلانا وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر ، ~~فالمعنى بصرنيه وإذا قلته بالسكون فهو استعطاء معناه أعطني ثوبك . # ثم قال تعالى : { نجعلهما تحت أقدامنا } قال مقاتل يكونان أسفل منا في ~~النار { ليكونا من الاسفلين } قال الزجاج : ليكونا في الدرك الأسفل من ~~النار ، وكان بعض تلامذتي ممن يميل إلى الحكمة يقول المراد باللذين يضلان ~~الشهوة والغضب ، وإليهما الإشارة في قصة الملائكة بقوله { أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء } ( البقرة : 30 ) ثم قال والمراد بقوله { نجعلها * ~~تحت أقدامنا } يعني يا ربنا أعنا حتى نجعل الشهوة والغضب تحت أقدام جوهر ~~النفس القدسية ، والمراد بكونهما تحت أقدمه كونهما مسخرين للنفس القدسية ~~مطيعين لها ، وأن لا يكونا مسؤولين عليها قاهرين لها . # PageV27P104 ! 7 < { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون * نحن ~~أوليآؤكم فى الحيواة الدنيا وفى الا خرة ولكم فيها ما تشتهىأنفسكم ولكم ~~فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم } > 7 ! # < < # | فصلت : ( 30 ) إن الذين قالوا . . . . . # > > أعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بهذا الوعد الشريف ، وهذا ~~ترتيب لطيف مدار كل القرآن عليه ، وقد ذكرنا مرارا أن الكمالات على ثلاثة ~~أقسام النفسانية والبدنية والخارجية وأشرف المراتب النفسانية وأوسطها ~~البدنية وأدونها الخارجية ، وذكرنا أن الكمالات النفسانية محصورة في نوعين ~~العلم اليقيني والعمل الصالح ، فإن أهل التحقيق قالوا كما الإنسان في أن ~~يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة ~~الله وإليه الإشارة بقوله { إن الذين قالوا ربنا الله } ورأس الأعمال ~~الصالحة ورئيسها أن يكون الإنسان مستقيما في الوسط غير مائل إلى طرفي ~~الإفراض والتفريط ، كما قال : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا ms7993 } ( البقرة : 143 ~~) وقال أيضا : { اهدنا الصراط المستقيم } وإليه الإشارة في هذه الآية بقوله ~~{ ثم استقاموا } وسمعت أن القارىء قرأ في مجلس العبادي هذه الآية ، فقال ~~العبادي : والقيامة في القيامة ، بقدر الاستقامة ، إذا عرفت هذا فنقول : ~~قوله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } ليس المراد منه ~~القول باللسان فقط لأن ذلك لا يفيد الاستقامة ، فلما ذكر عقيب ذلك القول ~~الاستقامة علمنا أن ذلك القول كان مقرونا باليقين التام والمعرفة الحقيقية ~~، إذ عرفت هذا فنقول في الاستقامة قولان أحدهما : أن المراد منه الاستقامة ~~في الدين والتوحيد والمعرفة الثاني : أن المراد منه الاستقامة في الأعمال ~~الصالحة أما على القول الأول ففيه عبارات : قال أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه : ثم استقاموا أي لم يتلفتوا إلى إله غيره ، قال ابن عباس في بعض ~~الروايات هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ، وذلك أن أبا بكر رضي ~~الله عنه وقعفي أنواع شديدة من البلاء والمحنة ولم يتغير ألبتة عن دينه ، ~~فكان هو الذي قال : { ربنا الله } وبقي مستقيما عليه لم يتغير بسبب من ~~الأسباب ، وأقول يمكن فيه وجوه أخرى ، وذلك أن من أقر بأن لهذا العالم إلها ~~بقيت له مقامات أخرى فأولها : أن لا يتوغل في جانب الاثبات إلى حيث ينتهي ~~إلى التشبيه ، بل يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين التشبيه والتعطيل ، ~~وأيضا يجب أن يبقى على الخط المستقيم الفاصل بين الجبر والقدر ، وكذا في ~~الرجاء والقنوط يجب أن يكون على الخط المتسقيم ، فهذا هو المراد من قوله { ~~إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } وأما على القول الثاني وهو أن نحمل ~~الاستقامة على الإتيان بالأعمال الصالحة ، فهذا قول جماعة كثيرة من الصحابة ~~والتابعين ، قالوا وهذا أولى حتى يكون قوله { إن الذين قالوا ربنا الله } ~~متناولا للقول والاعتقاد ويكون قوله { ثم استقاموا } متناولا للأعمال ~~الصالحة . # ثم قال : { تنزل عليهم * الملائكة } قيل عند الموت وقيل في مواقف ثلاثة ~~عند الموت وفي القبر وعند البعث إلى القيامة { ألا تخافوا } أن بمعنى أي أو ms7994 ~~بمخففة من الثقيلة وأصله بأنه لا تخافوا والهاء ضمير PageV27P105 لشأن ~~واعلم أن الغاية القصوى في رعاية المصالح دفع المضار وجلب المنافع / ومعلوم ~~أن دفع المضرة أولى بالرعاية من جبل المصحلة ، والمضرة إما أن تكون حاصلة ~~في المستقبل أو في الحال أو في الماضي ، وههنا دقيقة عقلية وهي أن المتسقبل ~~مقدم على الحاضر والحاضر مقدم على الماضي ، فإن الشيء الذي لم يوجد ويتوقع ~~حدوثه يكون مستقبلا ، فإذا وجد يصير حاضرا ، فإذا عدم وفني بعد ذلك يصير ~~ماضيا ، وأيضا المستقبل في كل ساعة يصير أقرب حصولا والماضي في كل حالة ~~أبعد حصولا ، ولهذا قال الشاعر : # فلا زال ما تهواه أقرب من غد # ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس وإذا ثبت هذا فالمضار التي يتوقع حصولها في ~~المستقبل أولى بالدفع من المضار الماضية ، وأيضا الخوف عبارة عن تألم القلب ~~بسبب توقع حصول مضرة في المستقبل ، والغم عبارة عن تألم القلب بسبب قوة نفع ~~كان موجودا في الماضي ، وإذا كان كذلك فدفع الخوف أولى من دفع الحزن الحاصل ~~بسبب الغم ، إذا عرفت هذا ، فنقول : إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم في ~~أول الأمر يخبرون بأنه لا خوف عليكم بسبب ما تستقبلونه من أحوال القيامة ، ~~ثم يخبرون بأنه لا حزن عليكم بسبب ما فاتكم من أحوال الدنيا ، وعند حصول ~~هذين الأمرين فقد زالت المضار والمتاعب بالكلية ، ثم بعد الفراغ منه يبشرون ~~بحصول المنافع وهو قوله تعالى : { وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون } فإن ~~قيل البشارة عبارة عن الخبر الأول بحصول المنافع ، فأما إذا أخبر الرجل ~~بحصول منفعة ثم أخبر ثانيا بحصولها كانالإخبار الثاني إخبارا ولا يكون ~~بشارة ، والمؤمن قد يسمع بشارات الخير فإذا سمع المؤمن هذا الخبر من ~~الملائكة وجب أن يكون هذا إخبارا ولا يكون بشارة ، فما السبب في تسمية هذا ~~الخبر بالبشارة ، قلنا المؤمن يسمع أن من كان مؤمنا تقيا كان له الجنة ، ~~أما من لم يسمع ألبتة أنه من أهل الجنة فإذا سمع هذا الكلام من الملائكة ~~كان هذا إخبارا بنفع عظيم ms7995 مع أنه هو الخبر الأول بذلك فكان ذلك بشارة . # واعلم أن هذا الكلام يدل على أن المؤمن عند الموت وفي القبر وعند البعث ~~لا يكون فازعا من الأهوال ومن الفزع الشديد ، بل يكون آمن القلب ساكن الصدر ~~لأن قوله { ألا تخافوا ولا تحزنوا } يفيد نفي الخوف والحزن على الإطلاق . # ثم إنه تعالى أخبر عن الملائكة أنهم قالوا للمؤمنين { نحن أولياؤكم فى ~~الحيواة الدنيا وفى الاخرة } وهذا في مقابلة ما ذكره في وعيد الكفار حيث ~~قال : { وقضينا * لهم قرناء } ( فصلت : 25 ) ومعنى كونهم أولياء للمؤمنين ~~أن الملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية ، بالإلهامات والمكاشفات اليقينية ~~، والمقامات الحقيقية ، كما أن للشياطين تأثيرات في الأوراح بإلقاء الوساوس ~~فيها وتخييل الأباطيل إليها . وبالجملة فكون الملائكة أولياء للأرواح ~~الطبية الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب المكاشفات والمشاهدات ، ~~فهم يقولون : كما أن تلك الولاية كانت حاصلة في الدينا فهي تكون باقية في ~~الآخرة فإن تلك العلائق ذاتية لازمة غير قابلة للزوال ، بل كأنها تصير بعد ~~الموت أقوى وأبقى ، وذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة ، وهي كالشعلة ~~بالنسبة إلى المشي ، والقطرة بالنسبة إلى البحر ، والتعلقات الجسمانية هي ~~التي تحول بينها وبين الملائكة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( لولا أن ~~الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات ) فإذا زالت ~~العلائق الجسمانية والتدبيرات البدنية ، فقد زال الغطاء والوطاء ، فيتصل ~~الأثر بالمؤثر ، والقطرة بالبحر ، والشعلة PageV27P106 بالشمس ، فهذا هو ~~المراد من قوله { نحن أولياؤكم فى الحيواة * وفي الاخرة } ثم قال : { ولكم ~~فيها ما تشتهى أنفسكم ولكم فيها ما تدعون } قال ابن عباس : { ولكم فيها ما ~~تدعون } أي ما تتمنون ، كقوله تعالى : { لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون } ( ~~يس : 57 ) فإن قيل فعلى هذا التفسير لا يبقى فرق بين قوله { ولكم فيها ما ~~تشتهى أنفسكم } وبين قوله { ولكم فيها ما تدعون } قلنا : الأقرب عندي أن ~~قوله { ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم } إشارة إلى الجنة الجسمانية ، وقوله { ~~ولكم فيها ما تدعون } إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في قوله ms7996 { دعواهم ~~فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وءاخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين } ( يونس : 10 ) . # ثم قال : { نزلا من غفور رحيم } والنزل : رزق النزيل وهو الضيف ، ~~وانتصابه على الحال ، قال العارفون : دلت هذه الآية على أن كل هذه الأشياء ~~المذكورة جارية مجرى النزل ، والكريم إذ أعطى النزل فلا بد وأن يبعث الخلع ~~النفسية بعدها ، وتلك الخلع النفسية ليست إلا السعادات الحاصلة عند الرؤية ~~والتجلي والكشف التام ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا لها أهلا بفضله وكرمه ، ~~إنه قريب مجيب . # ! 7 < { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا وقال إننى من ~~المسلمين * ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولى حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو ~~حظ عظيم * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } ~~> 7 ! # < < # | فصلت : ( 33 ) ومن أحسن قولا . . . . . # > > اعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : أنا ذكرنا أن الكلام من أول هذه السورة إنما ابتدىء حيث ~~قالوا للرسول { قلوبنا فى أكنة مما * تدعوننا إليه } ( فصلت : 5 ) ومرادهم ~~ألا نقبل قولك ولا نلتفت إلى دليلك ، ثم ذكروا طريقة أخرى في السفاهة ، ~~فقالوا { لا تسمعوا لهاذا القرءان والغوا فيه } ( فصلت : 26 ) وإنه سبحانه ~~ذكر الأجوبة الشافية ، والبيانات الكافية في دفع هذه الشبهات وإزالة هذه ~~الضلالات ، ثم إنه سبحانه وتعالى بين أن القوم وإن أتوا بهذه الكلمات ~~الفاسدة ، إلا أنه يجب عليك تتابع المواظبة على التبليغ والدعوة ، فإن ~~الدعوة إلى الدين الحق أكمل الطاعات ورأس العبادات ، وعبر عن هذا المعنى ~~فقال : { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إننى من المسلمين ~~} فهذا وجه شريف حسن في نظم آيات هذه السورة . وفيه وجه آخر وهو أن مراتب ~~PageV27P107 السعادات اثنان : التام ، وفوق التام ، أما التام : فهو أن ~~يكتسب من الصفات الفاضلة ما لأجلها يصير كاملا في ذاته ، فإذا فرغ من هذه ~~الدرجة اشتغل بعدها بتكميل الناقصين وهو فوق التام ، إذا عرفت هذا ms7997 فنقول إن ~~قوله { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } ( فصلت : 30 ) إشارة إلى ~~المرتبة الأولى ، وهي اكتساب الأحوال التي تفيد كمال النفس في جوهرها ، ~~فإذا حصل الفراغ من هذه المرتبة وجب الانتقال إلى المرتبة الثانية وهي ~~الاشتغال بتكميل الناقصين ، وذلك إنما يكون بدعوة الخلق إلى الدين الحق ، ~~وهو المراد من قوله { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } فهذا أيضا وجه حسن ~~في نظم هذه الآيات . # واعلم أن من آتاه الله قريحة قوية ونصابا وافيا من العلوم الإلهية ~~الكشفية ، عرف أنه لا ترتيب أحسن ولا أكمل من ترتيب آيات القرآن . # المسألة الثانية : من الناس من قال المراد من قوله { ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله } هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من قال هم المؤذنون ، ~~ولكن الحق المقطوع به أن كل من دعا إلى الله بطريق من الطرق فهو داخل فيه ، ~~والدعوة إلى الله مراتب : # فالمرتبة الأولى : دعوة الأنبياء عليهم السلام راجحة على دعوة غيرهم من ~~وجوه أحدها : أنهم جمعوا بين الدعوة بالحجة أولا ، ثم الدعوة بالسيف ثانيا ~~، وقلما اتفق لغيرهم الجمع بين هذين الطريقين وثانيها : أنهم هم المبتدئون ~~بهذه الدعوة ، وأما العلماء فإنهم يبنون دعوتهم على دعوة الأنبياء ، ~~والشارع في إحداث الأمر الشريف على طريق الابتداء أفضل وثالثها : أن نفوسهم ~~أققوى قوة ، وأرواحهم أصفى جورها ، فكانت تأثيراتها في إحياء القلوب الميتة ~~وإشراق الأرواح الكدرة أكمل ، فكانت دعوتهم أفضل ورابعها : أن النفوس على ~~ثلاثة أقسام : ناقصة وكاملة لا تقوى على تكميل الناقصين وكاملة تقوى على ~~تكميل الناقصين فالقسم الأول : العوام والقسم الثاني : هم الأولياء والقسم ~~الثالث : هم الأنبياء / ولهذا السبب قال صلى الله عليه وسلم : ( علماء أمتي ~~كأنبياء إسرائيل ) وإذا عرفت هذا فنقول : إن نفس الأنبياء حصلت لها ميزتان ~~: الكمال في الذات ، والتكميل للغير ، فكانت قوتهم على الدعوة أقوى ، وكانت ~~ادرجاتهم أفضل وأكمل ، إذا عرفت هذا فنقول : الأنبياء عليهم السلام لهم ~~صفتان : العلم والقدرة ، أما العلماء ، فهم نواب الأنبياء في العلم ، وأما ~~الملوك ، فهم نواب الأنبياء في ms7998 القدرة ، والعلم يوجب الإستيلاء على الأرواح ~~، والقدرة توجب الاستيلاء على الأجساد ، فالعلماء خلفاء الأنبياء في عالم ~~الأوراح ، والملوك خلفاء الأنبياء في عالم الأجساد . وإذا عرفت هذا ظهر أن ~~أكمل الدرجات في الدعوة إلى الله بعد الأنبياء درجة العلماء ، ثم العلماء ~~على ثلاثة أقسام : العلماء بالله ، والعلماء بصفات الله ، والعلماء بأحكام ~~الله . أما العلماء بالله ، فهم الحكماء الذين قال الله تعالى في حقهم { ~~يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } ( البقرة : 229 ~~) وأما العلماء بصفات الله تعالى فهم أصحاب الأصول ، وأما العلماء بأحكام ~~الله فهم الفقهاء ، ولكل واحد من هذه المقامات ثلاث درجات لا ينهاية لها ، ~~فلهذا السبب كان للدعوة إلى الله درجت لا نهاية لها ، وأما الملوك فهم أيضا ~~يدعون إلى دين الله بالسيف ، وذلك بوجهين إما بتحصيله عند عدمه مثل ~~المحاربة مع الكفار ، وإما بإيقاعه عند وجوده وذلك مثل قولنا المرتد يقتل ، ~~وأما المؤذنون فهم يدخلون في هذا الباب دخولا ضعيفا ، أما دخولهم فيه فلأن ~~ذكر كلمات الأذان دعوة إلى الصلاة ، فكان ذلك داخلا تحت الدعاء إلى الله ، ~~وأما كون PageV27P108 هذه المرتبة ضعيفة فلأن الظاهر من حال المؤذن أنه لا ~~يحيط بمعاني تلك الكلمات وبتقدير أن يكون محيطا بها إلا أنه لا يريد بذكرها ~~تلك المعاني الشريفة ، فهذا هو الكلام ، في مراتب الدعوة إلى الله . # المسألة الثالثة : قوله { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } يدل على أن ~~الدعوة إلى الله أحسن من كل ما سوها ، إذا عرفت هذا فنقول : كل ما كان أحسن ~~الأعمال فهو واجب ، إذا عرفت هذا فنقول الدعوة إلى الله أحسن الأعمال ~~بمتقضى هذه الآية ، وكل ما كان أحسن الأعمال فهو واجب ، ثم ينتج أن الدعوة ~~إلى الله واجبة ، ثم نقول الأذان دعوة إلى الله والدعوة إليه واجبة فينتج ~~لأذان واجب ، واعلم أن الأكثرين من الفقهاء زعموا أن الأذان غير واجب ، ~~وزعموا أن الأذان غير داخل في هذه الآية ، والدليل القاطع عليه أن لدعوة ~~المرادة بهذه الآية يجب أن تكون أحسن ms7999 الأقوال ، وثبت أن الأذان ليس أحسن ~~الأقوال ، لأن الدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى بالدلائل اليقينية أحسن ~~من الأذان ، ينتج من الشكل الثاني أن الداخل تحت هذه الآية ليس هو لأذان . # المسألة الرابعة : اختلف الناس في أن الأولى أن يقول الرجل أنا المسلم أو ~~الأولى أن يقول أنا مسلم إن شاء الله ، فالقائلون بالقول الأول احتجوا على ~~صحة قولهم بهذه الآية فإن التقدير ومن أحسن قولا ممن قال إني من المسلمين ، ~~فحكم بأن هذا القول أحسن الأقوال ، ولو كان قولنا إن شاء الله معتبرا في ~~كونه أحسن الأقوال لبطل ما دل عليه ظاهر هذه الآية . # المسألة الخامسة : الآية تدل على أن أحسن الأقوال قول من جمع بين خصال ~~ثلاثة أولها : الدعوة إلى الله وثانيها : العمل الصالح وثالثها : أن يكون ~~من المسلمين ، أما الدعوة إلى الله فقد شرحناها وهي عبارة عن الدعوة إلى ~~الله بإقامة الدلائل اليقينية والبراهين القطعية . # وأما قوله { وعمل صالحا } فاعلم أن العمل الصالح إما أن يكون عمل القلوب ~~وهو المعرفة ، أو عمل الجوارح وهو سائر الطاعات . # وأما قوله { وقال إننى من المسلمين } فهو أن ينضم إلى عمل القلب وعمل ~~الجوارح الإقرار باللسان / فيكون هذا الرجل موصوفا بخصال أربعة أحدها : ~~الإقرار باللسان ، والثاني : الأعمال الصالحة بالجوارح والثالث : الإعتقاد ~~الحق بالقلب والرابع : الاشتغال بإقامة الحجة على دين الله ، ولا شك أن ~~الموصوف بهذه الخصال الأربعة أشرف الناس وأفضلهم ، وكمال الدرجة في هذه ~~المرات بالأربعة ليس إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم . # ثم قال تعالى : { ولا تستوى الحسنة ولا السيئة } وعلم أنا بينا أن الكلام ~~من أول السورة ابتدىء من أن الله حكى عنهم أنهم قالوا { قلوبنا فى أكنة مما ~~تدعونا إليه } ( فصلت : 5 ) فأظهروا من أنفسهم الإصرار الشديد على أديانهم ~~القديمة وعدم التأثر بدلائل محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنه تعالى أطنب ~~في الجواب عنه وذكر الوجوه الكثيرة وأردافها بالوعد والوعيد ، ثم حكى عنهم ~~شبهة أخرى وهي قولهم { لا * تسمعوا لهاذا القرءان والغوا فيه } ( فصلت : 26 ~~) وأجاب عنها ms8000 أيضا بالوجوه الكثيرة ، ثم إنه تعالى بعد الإطناب في الجواب ~~عن تلك الشبهات رغب محمدا صلى الله عليه وسلم في أن لا يترك الدعوة إلى ~~الله فابتدأ أولا بأن قال : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم } فلهم الثواب ~~العظيم ثم ترقى من تلك الدرجة إلى درجة أخرى وهي أن الدعوة إلى الله من ~~أعظم الدرجات ، فصار PageV27P109 الكلام من أول السورة إلى هذا الموضع ~~واقعا على أحسن وجوه الترتيب ، ثم كأن سأل فقال إن الدعوة إلى الله وإن ~~كانت طاعة عظيمة ، إلا أن الصبر على سفاهة هؤلاء الكفار شديد لا طاقة لنا ~~به ، فعند هذا ذكر الله ما يصلح لأن يكون دافعا لهذا الإشكال فقال : { ~~المسلمين ولا تستوى الحسنة ولا السيئة } والمراد بالحسنة دعوة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إلى الدين الحق ، والصبر على جهالة الكفار ، وترك الانتقام ~~، وترك الالتفات إليهم ، والمراد بالسيئة ما أظهروه من الجلافة في قولهم { ~~قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه } وما ذكروه في قولهم { لا تسمعوا لهاذا ~~القرءان والغوا فيه } فكأنه قال يا محمد فعلك حسنة وفعلهم سيئة ، ولا تستوي ~~الحسنة ولا السيئة ، بمعنى أنك إذا أتيت بهذه الحسنة تكون مستوجبا للتعظيم ~~في الدنيا والثواب في الآخرة ، وهم بالضد من ذلك ، فلا ينبغي أن يكون ~~إقدامهم على تلك السيئة مانعا لك من الاشتغال بهذه الحسنة . # ثم قال : { ادفع بالتى هى أحسن } يعني ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق ~~الذي هو أحسن الطرق ، فإنك إذا صبرت على سوء أخلاقهم مرة بعد أخرى ، ولم ~~تقابل سفاهتهم بالغضب ولا إضرارهم بالإيذاء والإيحاش استحيوا من تلك ~~الأخلاق المذمومة وتركوا تلك الأفعال القبيحة . # ثم قال : { فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم } يعني إذا قابلت ~~إسائتهم بالإحسان ، وأفعالهم القبيحة بالأفعال الحسنة تركوا أفعالهم ~~القبيحة وانقلبوا من العداوة إلى المحبة ومن البغضة إلى المودة ، ولما أرشد ~~الله تعالى إلى هذا الطريق النافع في الدين والدنيا والآخرة عظمة فقال : { ~~وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } قال الزجاج : أي ~~وما ms8001 يلقى هذه الفعلة إلا الذين صبروا على تحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم ~~الغيظ وترك الانتقام . # ثم قال : { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } من الفضائل النفسانية والدرجة ~~العالية في القوة الروحانية ، فإن الاشتغال بالانتقام والدفع لا يحصل إلا ~~بعد تأثر النفس ، وتأثر النفس من الواردات الخارجية لا يحصل إلا عند ضعف ~~النفس فأما إذا كانت النفس قوية الجوهر لم تتأثر من الواردات الخارجية / ~~وإذا لم تتأثر منها لم تضعف ولم تتأذ ولم تشتغل بالانتقام ، فثبت أن هذه ~~السيرة التي شرحناها لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم من قوة النفس وصفاء الجوهر ~~وطهارة الذات ، ويحتمل أن يكون المراد : وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم من ثواب ~~الآخرة ، فعلى هذا الوجه قوله { وما يلقاها إلا الذين صبروا } مدح بفعل ~~الصبر ، وقوله { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } وعد بأعظم الحظ من الثواب . # ولما ذكر هذا الطريق الكامل في دفع الغضب والانتقام ، وفي ترك الخصومة ~~ذكر عقيبه طريقا آخر عظيم النفع أيضا في هذا الباب ، فقال : { وإما ينزغنك ~~من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } وهذه الآية مع ما فيها ~~من الفوائد الجليلة مفسرة في آخر سورة الأعراف على الاستقصاء ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) النزغ والنسغ بمعنى واحد وهو شبه النخس والشيطان ينزغ الإنسان ، ~~كأنه ينخسه ببعثه على ما لا ينبغي وجعل النزغ نازغا ، كما قيل : جد جده أو ~~أريد { وإما ينزغنك } نازغ وصفا للشيطان بالمصدر ، وبالجملة فالمقصود من ~~الآية وإن صرفك الشيطان عما شرعت من الدفع بالتي هي أحسن ، فاستعذ بالله من ~~شره ، وامض على شأنك ولا تطعه ، والله أعلم . # PageV27P110 ! 7 < { ومن ءاياته اليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا ~~للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم إياه تعبدون * فإن ~~استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون * ومن ~~ءاياته أنك ترى الا رض خاشعة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت إن ~~الذىأحياها لمحى الموتى إنه على كل شىء قدير } . > 7 ! # < < # | فصلت : ( 37 ) ومن آياته الليل . . . . . # > > اعلم ms8002 أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن أحسن الأعمال والأقوا ~~هو الدعوة إلى الله تعالى أردفه بذكر الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته ~~وحكمته ، تنبيها على أن الدعوة إلى الله تعالى عبارة عن تقرير الدلائل ~~الدالة على ذات الله وصفاته ، فهذه تنبيهات شريفة مستفادة من تناسق هذه ~~الآيات ، فكان العلم بهذه اللطائف أحسن علوم القرآن ، وقد عرفت أن الدلائل ~~الدالة على هذه المطالب العالية هي العالم بجميع ما فيه من الأجزاء ~~والأبعاض ، فبدأ ههنا بذكر الفلكيات وهي الليل والنهار وإنما قدم ذكر الليل ~~على ذكر النهار تنبيها على أن الظلمة عدم ، والنور وجود ، والعدم سابق على ~~الوجود ، فهذا كالتنبيه على حدوث هذه الأشياء ، وأما دلالة الشمس والقمر ~~والأفلاك وسائر الكواكب على وجود الصانع ، فقد شرحناها في هذا الكتاب مرارا ~~، لا سيما في تفسير قوله { الحمد لله رب العالمين } ( الفاتحة : 2 ) وفي ~~تفسير قوله { الحمد لله الذى خلق * السماوات والارض } ( الأنعام : 1 ) . # ولما بين أن الشمس والقمر محدثان ، وهما دليلان على وجود الإله القادر ~~قال : { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } يعني أنهما عبدان دليلان على وجود ~~الإله ، والسجدة عبارة عن نهاية التعظيم فهي لا تليق إلا بمن كان أشرف ~~الموجودات ، فقال : { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر } لأنهما عبدان مخلوقان { ~~واسجدوا لله } الخالق القادر الحكيم ، والضمير في قوله { خلقهن } لليل ~~والنهار والقمر ، لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث ، يقال ~~للأقلام بريتها وبريتهن ، ولما قال : { من ءاياته } كن في معنى الإناث فقال ~~: { خلقهن } وإنما قال : { إن كنتم إياه تعبدون } لأن ناسا كانوا يسجدون ~~للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود ~~لهما السجود لله فنهوا عن هذه الواسطة وأمروا أن لا يسجدوا إلا لله الذي ~~خلق الأشياء ، فإن قيل إذا كان لا بد في الصلاة من قبلة معينة ، فلو جعلنا ~~الشمس قبلة معينة عند السجود كان ذلك أولى ، قلنا الشمس جوهر مشرق عظيم ~~الرفعة عالي الدرجة ، فلو أذن الشرع في جعلها قبلة في الصلوات ، فعند ~~اعتياد ms8003 السجود إلى جانب الشمس ربما غلب على الأوهام أن ذلك السجود للشمس لا ~~لله ، PageV27P111 فلأجل الخوف من هذا المحذور نهى الشارع الحكيم عن جعل ~~الشمس قبلة للسجود ، بخلاف الحجر المعني فإنه ليس فيه ما يوهم الإلهية ، ~~فكان المقصود من القبلة حاصلا والمحذور المذكور زائلا فكان هذا أولى ، ~~واعلم أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن موضع السجود هو قوله { تعبدون } ~~لأجل أن قوله { واسجدوا لله } متصل به ، وعند أبي حنيفة هو قوله { وهم لا ~~يسئمون } لأن الكلام إنما يتم عنده . # ثم إنه تعالى لما أمر بالسجود قال بعده { فإن استكبروا فالذين عند ربك ~~يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون } وفيه سؤالات : # السؤال الأول : إن الذين يسجدون للشمس والقمر يقولون نحن أقل وأذل من أن ~~يحصل لنا أهلية عبودية الله تعالى ، ولكنا عبيد للشمس وهما عبدان لله ، ~~وإذا كان قول هؤلاء هكذا ، فكيف يليق أن يقال إنهم استكبروا عن السجود لله ~~؟ والجواب : ليس المراد من لفظ الاستكبار ما ذكرتم ، بل المراد فإن ~~استكبروا عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر . # السؤال الثاني : أن المشبهة تمسكوا بقوله { فالذين عند ربك } في إثبات ~~المكان والجهة لله تعالى والجواب : أنه يقال عند الملك من الجند كذا وكذا ، ~~ولا يراد به قرب المكان . فكذا ههنا . ويدل عليه قوله ( أنا عند ظن عبدي بي ~~وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) ويقال عند ~~الشافعي رضي الله عنه إن المسلم لا يقتل بالذمي . # السؤال الثالث : هل تدل هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر ؟ الجواب : ~~نعم ، لأنه إنما يستدل بحال الأعلى على حال الأدون ، فيقال هؤلاء الأقوام ~~إن استكبروا عن طاعة فلان فالأكابر يخدمونه ويعترفون بتقدمه ، فثبت أن هذا ~~النوع من الاستدلال إنما يحسن بحال الأعلى على حال الأدون . # السؤال الرابع : قال ههنا في صفة الملائكة { يسبحون * الذين ينفقون } ~~فهذا يدل على أنهم مواظبون على التسبيح ، لا ينفكون عنه لحظة واحدة ، ~~واشتغالهم بهذا العمل على سبيل الدوام ms8004 يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال ~~ككونهم ينزلون إلى الأرض كما قال : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ( ~~الشعراء : 193 ، 194 ) وقال : { ونبئهم عن ضيف إبراهيم } ( الحجر : 51 ) ~~وقوله تعالى : { عليها ملئكة غلاظ شداد } ( التحريم : 6 ) الجواب : إن ~~الذين ذكرهم الله تعالى ههنا بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام معينون من ~~الملائكة وهم الأشراف الأكابر منهم ، لأنه تعالى وصفهنم بكونهم عنده ، ~~والمراد من هذه العندية كمال الشرف والمنقبة ، وهذا لا ينافي كون طائفة ~~أخرى من الملائكة مشتغلين بسائر الأعمال ، فإن قالوا هب أن الأمر كذلك إلا ~~أنهم لا بد وأن يتنفسوا ، فاشتغلهم بذلك التنفس يصدهم عن تلك الحالة من ~~التسبيح قلنا كما أن التنفس سبب لصلاح حال الحياة بالنسبة إلى البشر فذكر ~~الله تعالى سبب لصلاح حالهم في حياتهم ، ولا يجب على العاقل المنصف أن يقيس ~~أحوال الملائكة في صفاء جوهرها وإشراق ذواتها واستغراقها في معارج معارف ~~الله بأحوال البشر ، فإن بين الحالتين بعد المشرقين . # ثم قال تعالى : { ومن ءاياته أنك ترى الارض خاشعة } . # واعلم أنه تعالى لما ذكر الآيات الأربع الفلكية وهي الليل والنهار والشمس ~~والقمر ، أتبعها بذكر آية PageV27P112 أرضية فقال : { ومن ءاياته أنك ترى ~~الارض خاشعة } والخشوع التذلل والتصاغر ، واستعير هذا اللفظ لحال الأرض حال ~~خلوها عن المطر والنبات { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت } أي تحركت ~~بالنبات ، وربت : انتفخت لأن النبت إذا قرب أن يظهر ارتفعت له الأرض ~~وانتفخت ، ثم تصدعت عن النبات ، ثم قال : { إن الذى أحياها * فانظر إلى } ~~يعني أن القادر على إحياء الأرض بعد موتها هو القادر على إحياء هذه الأجساد ~~بعد موتها ، وقد ذكرنا تقرير هذا الدليل مرارا لا حصر لها ، ثم قال : { إنه ~~على كل شىء قدير } وهذا هو الدليل الأصلي وتقريره إن عودة التأليف والتركيب ~~إلى تلك الأجزاء المتفرقة ممكن لذاته ، وعود الحياة والعقل والقدرة إلى تلك ~~الاجزاء بعد اجتماعها أيضا أمر ممكن لذاته ، والله تعالى قادر على الممكنات ~~، فوجب أن يكون قادرا على إعادة التركيب والتأليف والحياة والقدرة والعقل ~~والفهم إلى تلك ms8005 الأجزاء / وهذا يدل دلالة واضحة على أن حشر الأجساد ممكن لا ~~امتناع فيه ألبتة ، والله أعلم . # ! 7 < { إن الذين يلحدون فىءاياتنا لا يخفون علينآ أفمن يلقى فى النار ~~خير أم من يأتىءامنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير * إن ~~الذين كفروا بالذكر لما جآءهم وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } . > 7 ! # < < # | فصلت : ( 40 ) إن الذين يلحدون . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين أن الدعوة إلى دين الله تعالى أعظم المناصب ~~وأشرف المراتب ، ثم بين أن الدعوة إلى دين الله تعالى ، إنما تحصل بذكر ~~دلائل التوحيد والعدل وصحة البعث والقيامة ، عاد إلى تهديد من ينازع في تلك ~~الآيات ، ويحاول إلقاء الشبهات فيها ، فقال : { إن الذين يلحدون فىءاياتنا ~~} يقال ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق ، فالملحد هو ~~المنحرف ، ثم بحكم العرف اختص بالمنحرف عن الحق إلى الباطل ، وقوله { لا ~~يخفون علينا } تهديد كما إذا قال الملك المهيب : إن الذين ينازعونن في ملكي ~~أعرفهم ، فإنه يكون ذلك تهديدا ، ثم قال : { أفمن يلقى فى النار خير * من * ~~إن الذين يلحدون فى } وهذا استفهام بمعنى التقرير ، والغرض التنبيه على أن ~~الذين يلحدون في آياتنا يلقون في النار ، والذين يؤمنون بآياتنا يأتون ~~آمنين يوم القيامة . ثم قال : { اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير } وهذا ~~أيضا تهديد ثالث ، ونظيره ما يقوله الملك المهيب عند الغضب الشديد إذا أخذ ~~يعاتب بعض عبيده ثم يقول لهم اعملوا ما شئتم فإه هذا مما يدل على الوعيد ~~الشديد . # ثم قال تعالى : { إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } وهذا أيضا تهديد ، ~~وفي جوابه وجهان : أحدهما : أنه محذوف كسائر الأجوبة المحذوفة في القرآن ~~على تقدير : إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم يجازون بكفرهم أو ما أشبه ~~والثاني : أن جوابه قوله { أولئك ينادون من مكان بعيد } والأول أصوب ، ~~PageV27P113 ولما بالغ في تهديد الذين يلحدون في آيات القرآن أتبعه ببيان ~~تعظيم القرآن ، فقال : { وإنه لكتاب عزيز } والعزيز له ms8006 معنيان أحدهما : ~~الغالب القاهر والثاني : الذي لا يوجد نظيره ، أما كون القرآن عزيزا بمعنى ~~كونه غالبا ، فالأمر كذلك لأنه بقورة حجته غلب على كل ما سواه ، وأما كونه ~~غزيزا بمعنى عديم النظير ، فالأمر كذلك لأن الأولين والآخرين عجزوا عن ~~معارضته ، ثم قال : { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } وفيه وجوه ~~: الأول : لا تكذبه الكتب المتقدملاة كالتوراة والإنجيل والزبور ، ولا يجيء ~~كتاب من بعده يكذبه الثاني : ما حكم القرآن بكونه حقا لا يصير باطلا ، وما ~~حكم بكونه باطلا لا يصير حقا الثالث : معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه ~~فيأتيه الباطل من بين يديه ، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه . والدليل ~~عليه قوله { وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) فعل هذا الباطل هو الزيادة ~~والنقصان الرابع : يحتمل أن يكون المراد أنه لا يوجد في المستقبل كتاب ينكن ~~جعله معارضا وله ولم يوجد فيما تقدم كتاب يصلح جعله معارضا له الخامس : قال ~~صاحب ( الكشاف ) هذا تمثيل ، والمقصود أن الباطل لا يتطرق إليه ، ولا يجد ~~إليه سبيلا من جهة من الجهات حتى يتصل إليه . # واعلم أن لأبي مسلم الأصفهاني أن يحتج بهذه الآية على أنه لم يوجد النسخ ~~فيه لأن النسخ إبطال فلو دخل النسخ فيه لكان قد أتاه الباطل من خلفه وإنه ~~على خلاف هذه الآية . # ثم قال تعالى : { تنزيل من حكيم حميد } أي حكيم في جميع أحواله وأفعاله ، ~~حميد إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه ، ولهذا السبب جعل { الحمد لله رب ~~العالمين } ( الفاتحة : 2 ) فاتحة كلامه ، وأخبر أن خاتمة كلام أهل الجنة ، ~~وهو قوله { الحمد لله رب العالمين } ( الزمر : 75 ) . # ! 7 < { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو ~~عقاب أليم * ولو جعلناه قرءانا أعجميا لقالوا لولا فصلت ءاياته ءاعجمى ~~وعربى قل هو للذين ءامنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون فىءاذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى أولائك ينادون من مكان بعيد * ولقد ءاتينا موسى الكتاب فاختلف ~~فيه ولولا كلمة سبقت من ربك ms8007 لقضى بينهم وإنهم لفى شك منه مريب * من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها وما ربك بظلام للعبيد } . > 7 ! # < < # | فصلت : ( 43 ) ما يقال لك . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما هدد الملحدين في آيات الله ، ثم بين شرف آيات ~~الله ، وعلو درجة كتاب الله رجع إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ~~يصبر على أذى قومه وأن لا يضيق قلبه بسبب ما حكاه عنهم في أول السورة من ~~PageV27P114 أنهم { قالوا * قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه } إلى قوله { ~~فاعمل إننا عاملون } ( فصلت : 5 ) فقال : { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل ~~من قبلك } وفيه وجهان : الأول : وهو الأقرب أن المراد ما تقول لك كفار قومك ~~إلا مثل ما قد قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب ~~الممزلة { وإن ربك لذو مغفرة } للمحقين { وذو عقاب أليم } للمبطلين ففوض ~~هذا الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به وهو التبليغ والدعوة إلى الله تعالى ~~الثاني : أن يكون المراد ما قال الله لك إلا مثل ما قال لسائر الرسل وهو ~~أنه تعالى أمرك وأمر كل الأنبياء بالصبر على سفاهة الأقوام فمن حقه أن ~~يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته ، وقد ظهر من كلامنا في تفسير هذه ~~السورة أن المقصود من هذه السورة ، هو ذكر الأجوبة عن قولهم { وقالوا ~~قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل ~~* إنا عاملون } فتارة ينبه على فساد هذه الطريقة ، وتارة يذكر الوعد ~~والوعيد لمن لم يؤمن بهذا القرآن ولم يعرض عنه ، وامتد الكلام إلى هذا ~~الموضع من أول السورة على الترتيب الحسن والنظم الكامل ، ثم إنه تعالى ذكر ~~جوابا آخر عن قولهم { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا ~~وقر } فقال : { ولو جعلناه قرءانا أعجميا لقالوا لولا فصلت ءاياته ءاعجمى ~~وعربى } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم : أأعجمي بهمزتين ~~على الاستفهام ، والباقون بهمزة واحدة ومدة على أصلهم في أمثاله ، كقوله { ~~ءأنذرتهم } ( البقرة : 6 ) ونحوها ms8008 على الاستفهام ، وروي عن ابن عباس بهمزة ~~واحدة ، وأما القراءة بهمزتين : فالهمزة الأولى همزة إنكار ، والمراد ~~أنكروا وقالوا قرآن أعجمي ورسول عربي ، أو مرسل إليه عربي ، وأما القراءة ~~بغير همزة الاستفهام ، فالمراد الإخبار بأن القرآن أعجمي والمرسل إليه عربي ~~. # المسألة الثانية : نقلوا في سبب نزول هذه الآية أن الكفار لأجل التعنت ، ~~قالوا لو نزل القرآن بلغة العجم فنزلت هذه الآية ، وعندي أن أمثال هذه ~~الكلمات فيها حيف عظيم على القرآن ، لأنه يقتضي ورود آيات لا تعلق للبعض ~~فيها بالبعض ، وأنه يوجب أعظم أنواع الطعن فكيف يتم مع التزام مثل هذا ~~الطعن ادعاء كونه كتابا منتظما / فضلا عن ادعاء كونه معجزا ؟ بل الحق عندي ~~أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد ، على ما حكى الله تعلاى عنهم ~~من قولهم { قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر } وهذا الكلام ~~أيضا متعلق به ، وجواب له ، والتقدير : أنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة ~~العجم لكان لهم أن يقولوا : كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب ، ~~ويصح لهم أن يقولوا { قلوبنا فى * ءامنة * ما * تدعونا إليه } أي من هذا ~~الكلام { وقالوا قلوبنا فى } منه لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه ، أما لما ~~أنزلنا هذا الكتاب بلغة العرب ، وبألفاظهم وأنتم من أهل هذه اللغة ، فكيف ~~يمكنكم ادعاء أن قلوبكم في أكنة منها ، وفي آذانكم وقر منها ، فظهر أنا إذا ~~جعلنا هذا الكلام جوابا عن ذلك الكلام ، بقيت السورة من أولها إلى آخرها ~~على أحسن وجوه النظم ، وأما على الوجه الذي يذكره الناس فهو عجيب جدا . # ثم قال تعالى : { قل هو للذين ءامنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون ~~فىءاذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد } . # واعلم أن هذا متعلق بقولهم { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه } ~~إلى آخر الآية ، كأنه تعالى يقول : PageV27P115 إن هذا الكلام أرسلته إليكم ~~بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم ، فلا يمكنكم أن تقولوا إن قلوبنا في أكنة منه ~~بسبب جهلنا بهذه اللغة ، فبقي أن يقال إن كل ms8009 من آتاه الله طبعا مائلا إلى ~~الحق ، وقلبا مائلا إلى الصدق ، وهمة تدعوه إلى بذل الجهد في طلب الدين ، ~~فإن هذا القرآن يكون في حقه هدى شفاء . أما كونه هدى فلأنه دليل على ~~الخيرات ويرشد إلى كل السعادات ، وأما كونه شفاء فإنه إذا أمكنه الاهتداء ~~فقد حصل الهدى ، فذلمك الهدى شفاء له من مرض الكفر والجهل ، وأما من كان ~~غارقا في بحر الخذلان ، وتائها في مفاوز الحرمان ، ومشغوفا بمتابعة الشيطان ~~، كان هذا القرآن في آذانه وقرا ، كما قال : { وقالوا قلوبنا فى } ( فصلت : ~~5 ) وكان القرآن عليهم عمى كما قال : { ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ~~) ، { أولئك ينادون من مكان بعيد } بسبب ذلك الحجاب الذي حال بين الانتفاع ~~ببيان القرآن ، وكل من أنصف ولم يتعسف علم أنا إذا فسرنا هذه الآية على ~~الوجه الذي ذكرناه صارت هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاما واحدا منتظما ~~مسوقا نحو غرض واحد ، فيكون هذا التفسير أولى مما ذكروه ، وقرأ الجمهور { ~~وهو عليهم عمى } على المصدر ، وقرأ ابن عباس عم على النعت ، قال أبو عبيد ~~والأول هو الوجه ، كقوله { هدى وشفاء } وكذلك { عمى } وهو مصدر مثلها ، ولو ~~كان المذكور أنه هاد وشاف لكان الكسر في { عمى } أجود فيكون نعتا مثلهما ، ~~وقوله تعالى : { أولئك ينادون من مكان بعيد } قال ابن عباس : يريد مثل ~~البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء ، وقيل من دعي من مكان بعيد لم يسمع ، ~~وإن سمع لم يفهم ، فكذا حال هؤلاء . # ثم قال تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب فاختلف فيه } وأقول أيضا إن ~~هذا متعلق بما قبله ، كأنه قيل إنا لما آتينا موسى الكتاب اختلفوا فيه ، ~~فقبله بعضهم ورده الآخرون ، فكذلك آتيناك هذا الكتاب فقبله بعضهم وهم ~~أصحابك ، ورده الآخرون ، وهم الذين يقولون { قلوبنا فى أكنة مما تدعونا ~~إليه } . # ثم قال تعالى : { ولولا كلمة سبقت من ربك } يعني في تأخير العذاب عنهم ~~إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة ، كما قال : { بل الساعة موعدهم } ( القمر : ~~46 ) { لقضي بينهم } يعني المصدق والمكذب بالعذاب الواقع ms8010 بمن كذب وإنهم لفي ~~شك من صدقك وكتابك مريب / فلا ينبغي أن تستعظم استيحاشك من قولهم { قلوبنا ~~فى * ءامنة * مما تدعونا إليه } . # ثم قال : { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } يعني خفف على نفسك ~~إعراضهم ، فإنهم إن آمنا فنفع إيمانهم يعود عليهم ، وإن كفروا فضرر كفرهم ~~يعود إليهم ، والله سبحانه يوصل إلى كل أحد ما يليق بعمله من الجزاء { وما ~~ربك بظلام للعبيد } . # PageV27P116 ! 7 < { إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها ~~وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركآئى قالوا ءاذناك ~~ما منا من شهيد * وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص * ~~لا يسأم الانسان من دعآء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط * ولئن أذقناه رحمة ~~منا من بعد ضرآء مسته ليقولن هاذا لى ومآ أظن الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ~~ربىإن لى عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ * وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعآء ~~عريض * قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو فى شقاق ~~بعيد * سنريهم ءاياتنا فى الا فاق وفىأنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ~~يكف بربك أنه على كل شىء شهيد * ألا إنهم فى مرية من لقآء ربهم ألا إنه بكل ~~شىء محيط } . > 7 @QB@ < # | فصلت : ( 47 - 54 ) إليه يرد علم . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى لما هدد الكفار في هذه الآية المتقدمة بقوله { من عمل ~~صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } ( فصلت : 46 ) ومعناه أن جزاء كل أحد يصل ~~إليه في يوم القيامة ، وكأن سائلا قال ومتى يكون ذلك اليوم ؟ فقال تعالى ~~إنه لا سبيل للخلق إلى معرفة ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله فقال : { إليه ~~يرد علم الساعة } وهذه الكلمة تفيد الحصر أي لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا ~~الله ، وكما أن هذا العلم ليس إلا عند الله فكذلك العلم بحدوث الحوادث ~~المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس ms8011 إلا عند الله سبحانه وتعالى ، ثم ذكر من ~~أمثلة هذا الباب مثالين أحدهما : قوله { وما تخرج من ثمرات من أكمامها } ~~والثاني : قوله { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } قال أبو عبيدة ~~أكمامه أوعيتها وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها كم وكمة ، قرأ نافع وابن ~~عامر وحفص عن عاصم من ثمرات بالألف على الجمع والباقون من ثمرة بغير ألف ~~على الواحد . # واعلم أن نظير هذه الآية قوله { إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث } ( ~~القمان : 34 ) إلى آخر لآية ، فإن قيل أليس أن المنجمين قد يتعرفون من طالع ~~سنة العالم أحوالا كثيرة من أحوال العالم ، وكذلك قد يتعرفون من طوالع ~~الناس أشياء من أحوالهم ، وههنا شيء آخر يسمى علم الرمل وهو كثير الإصابة ~~وأيضا علم التعبير بالاتفاق قد يدل على أحوال المغيبات ، فكيف الجمع بين ~~هذه العلوم المشاهدة وبين هذه الآية ؟ قلنا إن أصحاب هذه العلوم لا يمكنهم ~~القطع والجزم في شيء من المطالب ألبتة وإنما الغاية القصوى ادعاء ظن ضعيف ~~والمذكور في هذه الآية أن علمها ليس إلا عند الله والعلم هو الجزم واليقين ~~وبهذ لطريق زالت المنافاة والله أعلم ، ثم إنه تعالى لما ذكر القيامة أردفه ~~بشيء من أحوال يوم القيامة ، وهذا االذي ذكره ههنا شديد التعلق أيضا ~~PageV27P117 بما وقع الابتداء به في أول السورة ، وذلك لأن أول السورة يدل ~~على أن شدة نفورهم عن استماع القرآن إنما حصلت من أجل أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم كان يدعوهم إلى التوحيد وإلى البراءة عن الأصنام والأوثان بدليل ~~أنه قال في أول السورة { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلاهكم إلاه ~~واحد } ( فصلت : 6 ) فذكر في خاتمة السورة وعيد القائلين بالشركاء ولأنداد ~~فقال : { ويوم يناديهم أين شركائى } أي بحسب زعمكم واعتقادكم { قالوا } قال ~~ابن عباس أسمعناك كقوله تعالى : { انشقت وأذنت لربها وحقت } ( الانشقاق : 2 ~~) بمعنى سمعت ، وقال الكلبي أعلمناك وهذا بعيد ، لأن أهل القيامة يعلمون ~~الله ويعلمون أنه يعلم الأشياء علما واجبا ، فالأعلام في حقه محال ms8012 . # ثم قال : { ما منا من شهيد } وفيه وجوه الأول : ليس أحد منا يشهد بأن لك ~~شريكا ، فالمقصود أنهم في ذلك اليوم بترءون من إثبات الشريك لله تعالى ~~الثاني : ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم لا ~~يبصرونها في ساعة التوبيخ الثالث : أن قوله { ما منا من شهيد } كلام ~~الأصنام فإن الله يحييها ، ثم إنها تقولم ما منا من أحد يشهد بصحة ما ~~أضافوا إلينا من الشركة ، وعلى هذا التقدير فمعنى أنها لا تنفعهم فكأنهم ~~ضلوا عنهم . # ثم قال : { وظنوا ما لهم من محيص } وهذا ابتداء كلام من الله تعالى يقول ~~إن الكفار ظهوا أولا ثم أيقنوا أنه لا محيص لهم عن النار والعذاب ، ومنهم ~~من قال إنهم ظنوا أولا أنه لا محيص لهم عن النار ثم أيقنوا ذلك بعده ، وهذا ~~بعيد لأن أهل النار يعلمون أن عقابهم دائم ، ولما بين الله تعالى من حال ~~هؤلاء الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد ~~لله في الدنيا تبرءوا عن تلك الشركاء في الآخرة بين أن الإنسان في جميع ~~الأوقات متبدل الأحوال متغير المنهج ، فإن أحس بخير وقدرة انتفخ وتعظم وإن ~~أحس ببلاء ومحنة ذبل ، كما قيل في المثل : إن هذا كالقرلى ، إن رأى خيرا ~~تدلى ، وإن رأى شرا تولى ، فقال : { لا يسئم الانسان من دعاء الخير وإن مسه ~~الشر فيئوس قنوط } مبالغة من وجهين أحدهما : من طريق بناء فعول والثاني : ~~من طريق التكرير واليأس من صفة القلب ، والقنوط أن يظهر آثار ليأس في الوجه ~~والأحوال الظاهرة . # ثم بين تعالى أن هذا الذي صار آيسا قانطا لو عاودته النعمة والدولة ، وهو ~~المراد من قوله { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته } فإن هذا الرجل ~~يأتي بثلاثة أنواع من الأقاويل الفاسدة والمذاهب الباطلة الموجبة للكفر ~~والبعد عن الله تعالى فأولها أنه لا بد وأن يقول هذا لي وفيه وجهان الأول : ~~معناه أن هذا حقي وصل إلي ، لأني اسوجبته بما حصل عندي من أنواع الفضائل ~~وأعمال ms8013 البر والقربة من الله ولا يعلم المسكين أن أحدا لا يستحق على الله ~~شيئا ، وذلك لأنه إن كان ذلك الشخص عاريا عن الفضائل ، فهذا الكلام ظاهر ~~الفساد وإن كان موصوفا بشيء من الفضائل والصفات الحميدة ، فهي بأسرها إنما ~~حصلت له بفضل الله وإحساتنه ، وإذ تفضل الله بشيء على بعض عبيده ، امتنع أن ~~يصير تفضله عليه بتلك العطية سببا لأن يستحق على الله شيئا آخر ، فثبت بهذا ~~فساد قوله إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقي والوجه PageV27P118 الثاني ~~: أن هذا لي أي لا يزول عني ويبقى علي وعلى أولادي وذريتي . # والنوع الثاني : من كلماتهم الفاسدة أن يقول { وما أظن الساعة قائمة } ~~يعني أنه يكون شديد الرغبة في الدنيا عظيم النفرة عن الآخرة ، فإذا آل ~~الأمر إلى أحوال الدنيا نيقول إنها لي وإذا آل الامر إلى الآخرة يقول { وما ~~أظن الساعة قائمة } . # والنوع الثالث : من كلماتهم الفاسدة أن يقول { ولئن رجعت إلى ربى إن لى ~~عنده للحسنى } يعني أن الغالب على الظن أن القول بالبعث والقيامة باطل ، ~~وبتقدير أن يكون حقا فإن لي عنده للحسنى ، وهذه الكلمة تدل على جزمهم ~~بوصولهم إلى الثواب من وجوه الأول : أن كلمة إن تفيد التأكيد الثاني : أن ~~تقديم كلمة لي تدل على هذا التأكيد الثالث : قوله { عنده } يدل على أن تكل ~~الخيرات حاضرة مهيئة عنده كما تقول لي عند فلان كذا من الدنانير ، فإن هذا ~~يفيد كونها حاضرة عنده ، فلو قلت إن لي عند فلان كذا من الدنانير لا يفيد ~~ذلك والرابع : اللام في قوله { للحسنى } تفيد التأكيد الخامس : للحسنى يفيد ~~الكمال في الحسنى . # ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال : { فلننبئن ~~الذين كفروا بما عملوا } أي نظهر لهم ) أن الأمر على ضد ما اعتقدون وعلى ~~عكس ما تصوروه كما قال تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا } ( الفرقان : 23 ) { ولنذيقنهم من عذاب غليظ } في مقابلة قولهم { ~~إن لى عنده للحسنى } . # ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد ووقعه ms8014 في الآفات حكى ~~أفعاله أيضا فقال : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض } عن التعظيم لأمر الله ~~والشفقة على خلق الله { ونأى بجانبه } أي ذهب بنفسه وتكبر وتعظم ، ثم إن ~~مسه الضر والفقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الاتبهال والتضرع ، وقد ~~استعير العرض لكثرة الدماء ودوامه وهو من صفات الأجرام ويستعار به الطول ~~أيضا كما استعير الغلظ لشدة العذاب . # واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد العظيم على الشرك وبين أن المشركين ~~يرجعون عن القول بالشرك في يوم القيامة ، ويظهرون من أنفسهم الذلة والخضوع ~~بسبب استيلاء الخوف عليهم ، وبين أن الإنسان جبل على التبدل ، فإن وجد ~~لنفسه قوة بالغ في التكبر والتعظم ، وإن أحس بالفتور والضعف بالغ في إظهار ~~الذلة والمسكنة ذكر عقيبة كلاما آخر يوجب على هؤلاء الكفار أن لا يبالغوا ~~في إظهار النفرة من قبول التوحيد ، وأن لا يفرطوا في إظهار العداوة مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : { قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم ~~به من أضل ممن هو فى شقاق بعيد } وتقرير هذا الكلام أنكم كلم مسعتم هذا ~~القرآن أعرضتم عنه وما تأملتم فيه وبالغتم في النفرة عنه حتى قلتم { قلوبنا ~~فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) ثم من المعلوم ~~بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن باطلا علما بديهيا ، وليس العلم بفساد ~~القول بالتوحيد والنبوة علما بديهيا ، فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحا وأن ~~كيون فاسدا بتقدير أن يكون صحيحا كان إصراركم على دفعه من أعظم موجبات ~~العقاب ، فهذا الطريق يوجب عليكم أن تتركو هذه الثغرة ، وأن ترجعوا إلى ~~النظرة والاستدلال فإن دل الدليل على صحته قبلتموه ، وإن دل على فساده ~~تركتموه ، فأما قبل الدليل فالإصار على الدفع والإعراض بعيد عن العقل ، ~~وقوله { ممن هو فى شقاق بعيد } موضوع موضع منكم بيانا بحالهم وصفاتهم ، ~~ولما ذكر هذه الوجوه الكثيرة في تقرير التوحيد والنبوة ، وأجاب عن شبهات ~~المشركين وتمويهات الضالين قال : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم ~~حتى يتبين لهم أنه الحق } PageV27P119 قال ms8015 الواحدي واحد الآفاق أفق وهو ~~الناحية من نواحي الأرض ، وكذلك آفاق السماء ونواحيها وأطرافها ، وفي تفسير ~~قوله { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } قولان الأول : أن المراد ~~بآيات الآفاق الآيات الفلكية والكوكبية وآيت الليل والنهار وآيات الأضواء ~~والإضلال والظلمات وآيات عالم العناصر الأربعة وآيات المواليد الثلاثة ، ~~وقد أكثر الله منها في القرآن ، وقوله { وفى أنفسهم } المراد منها الدلائل ~~المأخوذة منن كيفية تكون الأجنة في ظلمات الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة ~~والتركيبات الغريبة / كما قال تعالى : { وفى أنفسكم أفلا تبصرون } ( ~~الذاريات : 21 ) يعني نريهم من هذه الدلائل مرة بعد أخرى إلى أن تزول ~~الشبهات عن قلوبهم ويحصل فيها الجزم والقطع بوجود الإله القادر الحكيم ~~العلمي المنزه عن المثل والضد ، فإن قيل هذا الوجه ضعيف لأن قوله تعالى : { ~~سنريهم } يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم ~~عليها بعد ذلك ، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد كان الله ~~أطلعهم عليها قبل ذلك فثبت أنه تعذر حمل هذا اللفظ على هذا الوجه ، قلنا ءن ~~القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب التي أودعها الله ~~تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها ، فهو تعالى يطلعهم على تلك العجائب ~~زمانا فزمانا ، ومثاله كل أحد رأى بعينه بينة الإنسان وشاهدها ، إلا أن ~~العجائب التي أبدعها الله في تركيب هذا البدن كثيرة وأكثر الناس لا ~~يعرفونها ، والذي وقف على شيء منها فكلما ازداد وقوفا على تلك العجائب ~~والغرائب فصح بهذا الطريق قوله { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم } ~~والقول الثاني : أن المراد بآيات الآفاق فتح البلاد المحيطة بمكة وبآيات ~~أنفسهم فتح مكة والقائلون بهذا القول رجحوه على القول الأول لأجل أن قوله { ~~سنريهم } يليق بهذا الوجه ولا يليق بالأول إلا أنا أجبنا عنه بأن قوله { ~~سنريهم } لائق بالوجه الأول كما قررناه ، فإن قيل حمل الآية على هذا الوجه ~~بعيد لأن أقصى ما في الباب أن محمدا صلى الله عليه وسلم استولى على بعض ~~البلاد المحيطة بمكة ، ثم استولى على مكة ms8016 ، إلا أن الاستيلاء على بعض ~~البلاد لا يدل على كون المستولي محقا ، فإنا نرى أن الكفار قد يحصل لهم ~~استيلاء على بلاد الإسلام وعلى ملوكهم ، وذلك لا يدل على كونهم محقين ، ~~ولهذا السبب قلنا ءن حمل الآية على الوجه الأول أولى ، ثم نقول إن أردنا ~~تصحيح هذا الوجه ، قلنا إنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد صلى الله عليه ~~وسلم على تلك البلاد على كونه محقا في ادعاء النبوة ، بل نستدل به من حيث ~~إنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن مكة أنه يستولي عليها ويقهر أهلها ويصير ~~أصحابه قاهرين للأعداء ، فهذا إخبار عن الغيب وقد وقع مخبره مطابقا لخبره ، ~~فيكون هذا إخبارا صدقا عن الغيب ، والإخبار عن الغيب معجزة ، فبهذا الطريق ~~يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقا . # ثم قال : { أو لم * يكف بربك أنه على كل شىء شهيد } وقوله { بربك } في ~~موضع الرفع على أنه فاعل { يكف } وأنه على كل شيء شهيد } بد منه ، وتقديره ~~: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد ، ومعنى كونه تعالى شهيدا على ~~الأشياء أنه خلق الدلائل عليها ، وقد اسقصينا ذلك في تفسير قوله { * } بد ~~منه ، وتقديره : أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد ، ومعنى كونه تعالى ~~شهيدا على الأشياء أنه خلق الدلائل عليها ، وقد اسقصينا ذلك في تفسير قوله ~~{ قل أى شىء أكبر شهادة قل الله } ( الأنعام : 19 ) والمعنى ألم تكفهم هذه ~~الدلائل الكثيرة التي أوضحها الله تعالى وقررها في هذه السورة وفي كل سور ~~القرآن الدالة على التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة . # ثم ختم السورة بقوله { ألا إنهم فى مرية من لقاء ربهم } أي إن القوم في ~~كش عظيم وشبهة شديدة من البعث والقيامة ، وقرىء { فى مرية } بالضم . ~~PageV27P120 # ثم قال : { ألا إنه بكل شىء محيط } أي عالم بجميع المعلومات التي لا ~~نهاية لها فيعلم بواطن هؤلاء الكفار وظواهرهم ، ويجازي كل أحد على فعله ~~بحسب ما يليق به إن حيزا فخير ، وإن شرا فشر فإن قيل قوله { ألا إنه ms8017 بكل ~~شىء محيط } يقتضي أن تكون علومه متناهية / قلنا قوله { بكل شىء محيط } ~~يقتضي أن يكون علمه محيطا بكل شيء من الأشياء فهذا يقتضي كون كل واحد منها ~~متناهيا ، لا كون مجموعها متناهيا ، والله أعلم بالصواب . # PageV27P121 < # > 1 ( سورة الشورى ) 1 < # > # خمسون وثلاث آيات مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { حم* عسق* كذلك يوحىإليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم * ~~له ما فى السماوات وما فى الا رض وهو العلى العظيم * تكاد السماوات يتفطرن ~~من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن فى الا رض ألا إن الله ~~هو الغفور الرحيم * والذين اتخذوا من دونه أوليآء الله حفيظ عليهم ومآ أنت ~~عليهم بوكيل } > 7 ! # < < # | الشورى : ( 1 ) حم # > > اعلم أن الكلام في أمثال هذه الفواتح معلوم إلا أن في هذا الموضع ~~سؤالان زائدان الأول : أن يقال إن هذه السور السبعة مصدرة بقوله { حم } فما ~~السبب في اختصاص هذه السورة بمزيد { عسق } ؟ الثاني : أنهم اجمعوا على أنه ~~لا يفصل بين { كهيعص } ( مريم : 1 ( وههنا يفصل بين { حم } وبين { عسق } ~~فما السبب فيه ؟ # اعلم أن الكلام في أمثال هذه الفواتح يضيف ، وفتح باب المجازفات مما لا ~~سبيل إليه ، فالأولى أن يفوض علمها إلى الله ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود { ~~حم * عسق } . # أما قوله تعالى : { كذلك يوحى إليك } فالكاف معناه الثل وذا للإشارة إلى ~~شيء سبق ذكره ، فيكون المعنى : مثل حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك وعند هذا حصل قولان : PageV27P122 # الأول : نقل عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ( لا نبي صاحب كتاب إلا ~~وقد أوحي إليه حم عشق ) وهذا عندي بعيد . # الثاني : أن يكون المعنى : مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك ~~وإلى الذين من قبلك ، وهذه المماثة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى ~~التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في التوجه ~~إلى الآخرة ، والذي يؤكد هذا أنا بينا في سورة { سبح اسم ربك الاعلى } ( ~~الأعلى : 1 ) أو أولها في تقرير التوحيد ، وأوسطها في تقرير النبوة ms8018 ، ~~وآخرها في تقرير المعاد ، ولما تمم الكلام في تقرير هذه المطالب الثلاثة ~~قال : { إن هاذا لفى الصحف الاولى * صحف إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 18 ، ~~19 ) يعني أن المقصود من إنزال جميع الكتب الإلهية ليس إلا هذه المطالب ~~الثلاثة ، فكذلك ههنا يعني مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى ~~كل من قبلك من الأنبياء ، والمراد بهذه المماثلة الدعوة إلى هذه المطالب ~~العالية والمباحث المقدسة الإلهية ، قال صاحب ( الكشاف ) ولم يقل أوحي إليك ~~، ولكن قال : { يوحى إليك } على لفظ المضارع ليدل على أن إيحاء مثله عادته ~~، وقرأ ابن كثير { كذلك يوحى } بفتح الحاء على ما لم يسم فاعله وهي إحدى ~~الروايتين عن أبي عمرو وعن بعضهم { نوحى } بالنون ، وقرأ الباقون { يوحى ~~إليك وإلى الذين من قبلك } بكسر الحاء ، فإن قيل فعلى القراءة الأولى ما ~~رافع اسم الله تعالى ؟ قلنا ما دل عليه بوحي ، كأن قائلا قال من الموحي ؟ ~~فقيل الله ونظيره قراءة السلمي { وكذالك زين * كثير من * المشركين قتل ~~أولادهم شركاؤهم } ( الأنعام : 137 ) على البناء للمفعول ورفع شركاؤهم ، ~~فإن قيل فما رافعه فيمن قرأ { نوحى } بالنون ؟ قلنا يرفع بالابتداء ، ~~والعزيز وما بعده أخبار ، أو { العزيز الحكيم } صفتان والظرف خبره ، ولما ~~ذلك أن هذا الكتاب حصل بالوحي بين أن الموحي من هو فقال إنه هو العزيز ~~الحكيم وقد بينا في أول سورة حم المؤمن أن كونه عزيزا يدل على كونه قادرا ~~على ما لا نهاية له وكونه حكيما يدل على كونه عالما بجميع المعلومات عنيا ~~عن جميع الحاجات فيحصل لنا من كونه عزيزا حكيما كونه قادرا على جميع ~~المقدورات عالما بجميع المعلومات غنيا عن جميع الحاجات ومن كان كذلك كانت ~~أفعاله وأقواله حكمة وصوابا / وكانت مبرأة عن العيب والعبث ، قال مصنف ~~الكتاب قلت في قصيدة : # الحمد لله دي الآلاء والنعم # والفضل والجود والإحسان والكرممنزه الفعل عن عيب وعن عبث # مقدس الملك عن عزل وعن عدم والصفة الثالثة قوله { له ما في السماوات وما ~~في الارض } وهذا يدل على مطلوبين في غاية الجلال ms8019 أحدهما : كونه موصوفا ~~بقدرة كاملة نافذة في جميع أجزاء السموات والأرض على عظمتها وسعتها ~~بالإيجاد والإعدام والتكوين والإبطال والثاني : أنه لما بين بقوله { له ما ~~في السماوات وما في الارض } أن كل ما في السموات وما في الأرض فهو ملكه ~~وملكله ، وجب أن يكون منزها عن كونه حاصلا في السموات وفي الأرض ، وإلا لزم ~~كونه ملكا لنفسه ، وإذا ثبت أنه ليس في شيء من لمسوات امتنع كونه أيضا في ~~العرش ، لأن كل ما سماك فهو سماء فإذا كان العرش موجودا فوق السموات كان في ~~الحقيقة سماء ، فوجب أن يكون كل ما كان حاصلا في العرش ملكا لله وملكا له ، ~~وفجب أن يكون منزها عن كونه حاصلا في العرش ، وإن قالوا إنه تعالى قال : { ~~له ما في السماوات } وكلمة ما لا تتناول من يعقل قلنا هذا مدفوع من وجهين ~~الأول : ى ن PageV27P123 لفظة ما واردة في حق الله تعالى قال تعالى : { ~~والسماء وما بناها * والارض وما طحاها } ( الشمس : 5 ، 6 ) وقال : { لا ~~أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد } ، ( الكافرون : 2 ، 3 ) ~~والثاني : أن صيغة من وردت في مثل هذه السورة قال تعالى : { إن كل من فى * ~~السماوات والارض * إلا اتى الرحمان عبدا } ( مريم : 93 ) وكلمة من لا شك ~~أنها واردة في حق الله تعالى فدلت هذه الآية على أن كل من في المسوات ~~والأرض فهو عبد الله فلو كان الله موجودا في السموات والأرض وفي العرش لكان ~~هو من جملة من في المسوات فوجب أن يكون عبد الله ، ولما ثبت بهذه الآية أن ~~كل من كان موجودا في السموات والعرش فهو عبد لله وجب فيمن تقدست كبرياؤه عن ~~تهمة العبودية أن يكون منزها عن الكون في المكان والجهة والعرش والكرسي . # والصفة الرابعة والخامسة قوله تعالى : { وهو العلى العظيم } ولا يجوز أن ~~يكون المراد بكونه عليا العلو في الجهة والمكان لما ثبتت الدلالة على فساده ~~، ولا يجوز أن يكون المراد من العظيم العظمة بالجثة وكبر الجسم ، لأن ذلك ~~يقتضي كونه ms8020 مؤلفا من الأجزاء والأبعاض ، وذلك ضد قوله { الله أحد } ( ~~الإخلاص : 1 ) فوجب أن يكون المراد من العلي المتعالي عن مشابهة الممكنات ~~ومناسبة المحدثات ، ومن العظيم العظمة بالقدرة والقهر بالاستعلاء وكمال ~~الإلاهية . # ثم قال : { تكاد * السماوات * يتفطرن من فوقهن } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر { تكاد } بالتاء { ~~يتفطرن } بالياء والنون ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة { ~~تكاد } بالتاء { يتفطرن } بالياء والتاء ، وقرأ نافع والكسائي : { يكاد } ~~بالياء { يتفطرن } أيضا بالتاء ، قال صاحب ( الكشاف ) : وروى يونس عن أبي ~~عمرو قراءة غريبة { * تتفطرن } بالتاءين مع النون ، ونظيرها حرف نادر ، روي ~~في نوادر ابن الإعرابي : الإبل تتشمسن . # المسألة الثانية : في فائدة قوله { يتفطرن من فوقهن } وجوه الأول : روى ~~عكرمة عن ابن عباس أنه قال : { تكاد * السماوات * يتفطرن من فوقهن } قال ~~والمعنى أنها تكاد تتفطر من ثقل الله عليها . # واعلم أن هذا القول سخيف ، ويجب القطع ببراءة ابن عباس عنه ، ويدل على ~~فساده وجوه : الأول : أن قوله { من فوقهن } لا يفهم منه ممن فوقهن وثانيها ~~: هب أنه يحمل على ذلك ، لكن لم قلتم إن هذه الحالة إنما حصلت من ثقل الله ~~عليها ، ولم لا يجوز أن يقال إن هذه الحالة إنما حصلت من ثقل الملائكة ~~عليها ، كما جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( أطلت السماء وحق ~~لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد ) وثالثها ~~: لم لا يجوز أن يكون المراد تكاد السماوات تنشق وتنفطر من هيبة من هو ~~فوقها فوقية بالإلاهية والقهر والقدرة ؟ فثبت بهذه الوجوه أن القول الذي ~~ذكروه في غاية الفساد والركاكة والوجه الثاني : في تأويل الآية ما ذكره ~~صاحب ( الكشاف ) : وهو أن كلمة الكفر إنما جاءت من الذين تحت السماوات ، ~~وكان القياس أن يقال : يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة ، ~~ولكنه بولغ في ذلك فقلب فجعلت مؤثرة في جهة الفوق ، كأنه قيل : يكدن يتفطرن ~~من الجهة التي فوقهن ، ودع الجهة ms8021 التي تحتهن ، ونظيره في المبالغة قوله ~~تعالى ؛ { يصب من فوق * رؤوسهم * الحميم * يصهر به ما فى بطونهم والجلود } ~~( الحج : 19 ، 20 ) فجعلل مؤثرا في أجزائه الباطنة الوجه الثالث : في تأويل ~~الآية أن يقال { من فوقهن } أي من فوق الأرضين ، لأنه تعالى قال قبل هذه ~~الآية { له ما في السماوات وما في الارض } ثم قال : { تكاد * السماوات * ~~يتفطرن من فوقهن } PageV27P124 أي من فوق الأرضين والوجه الرابع : في ~~التأويل أن يقال معنى { من فوقهن } أي من الجهة التي حصلت هذه السماوات ~~فيها ، وتلك الجهة هي فوق ، فقوله { من فوقهن } أي من الجهة الفوقانية التي ~~هن فيها . # المسألة الثالثة : ااختلفوا في أن هذه الهيئة لم حصلت ؟ وفيه قولان الأول ~~: أنه تعالى لما بين أن الموحي لهذا الكتاب هو الله العزيز الحكيم ، بين ~~وصف جلاله وكبريائه ، فقال : { تكاد * السماوات * يتفطرن من فوقهن } أي من ~~هيبته وجلالته والقول الثاني : أن السبب في إثباتهم الولد لله لقوله { تكاد ~~* السماوات * يتفطرن منه } ( مريم : 90 ) ، وههنا السبب فيه إثباتهم ~~الشركاء لله ، لقوله بعد هذه الآية { والذين اتخذوا من دونه أولياء } ~~والصحيح هو الأول ، ثم قال : { والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن ~~فى الارض } . # واعلم أن مخلوقات الله تعالى نوعان : عالم الجسمانيات وأعظمها السماوات ، ~~وعالم الروحانيات وأعظمها الملائكة ، والله تعالى يقرر كمال عظمته لأجل ~~نفاذ قدرته وهيبته في الجسمانيات ، ثم يردفه بنفاذ قدرته واستيلاء هيبته ~~على الروحانيات ، والدليل عليه أنه تعالى قال في سورة { عم يتساءلون } ( ~~النبأ : 1 ) لما أراد تقرير العظمة والكبرياء بدأ بذكر الجسمانيات ، فقال : ~~{ رب * السماوات والارض * وما بينهما الرحمان لا يملكون منه خطابا } ( ~~النبأ : 37 ) ثم انتقل إلى ذكر عالم الروحانيات ، فقاال { يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا } ( النبأ : 38 ~~) فكذلك القول في هذه الآية بين كمال عظمته باستيلاء هيبته على الجسمانيات ~~، فقال : { تكاد * السماوات * يتفطرن من فوقهن } ثم انتقل إلى ذكر ~~الروحانيات ، فقال : { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } فهذا ترتيب شريف وبيان ~~باهر . # واعلم أن الموجودات على ms8022 ثلاثة أقسام : مؤثر لا يقبل الأثر ، وهو الله ~~سبحانه وتعالى وهو أشرف الأقسام ، ومتأثر لا يؤثر ، وهو القابل وهو الجسم ~~وهو أخس الأقسام ، وموجود يقبل الأثر من القسم الأول / ويؤثر في القسم ~~الثاني وهو الجواهر الروحانيات المقدسة ، وهو المرتبة المتوسطة ، إذا عرفت ~~هذا فنقول الجواهر الروحانية لها تعلقان : تعلق بعالم الجلال والكبرياء ، ~~وهو تعلق القبول ، فإن الجلايا القدسية والأضواء الصمدية إذا أشرقت على ~~الجواهر الروحانية استضاءت جواهرها وأشرقت ماهياتها ، ثم إن الجواهر ~~الروحانية إذا استفادت تلك القوى الروحانية ، قويت بها على الاستيلاء على ~~عوالم الجسمانيات ، وإذا كان كذلك فلها وجهان : وجه إلى جانب الكبرياء ~~وحضرة الجلال ، ووجه إلى عالم الأجسام والوجه الأول أشرف من الثاني . إذا ~~عرفت هذا فنقول : # قوله تعالى : { يسبحون بحمد ربهم } إشارة إلى الوجه الذي لهم إلى عالم ~~الجلال والكبرياء ، وقوله { ويستغفرون لمن فى الارض } إشاارة إلى الوجه ~~الذي لهم إلى عالم الأجسام ، فما أحسن هذه اللطائف وما أشرفها وما أشد ~~تأثيرها في جذب الأرواح من حضيض الخلق إلى أوج معرفة الحق ، إذا عرفت هذا ~~فنقول : أما الجهة الأولى وهي الجهة العلوية المقدسة ، فقد اشتملت على ~~أمرين : أحدهما : التسبيح ، وثانيهما : التحميد ، لأن قوله { يسبحون بحمد ~~ربهم } يفيد هذين الأمرين ، والتسبيح مقدم على التحميد ، لأن التسبيح عبارة ~~عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي ، والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مفيضا ~~لكل الخيرات وكونه منزها في ذاته عما لا ينبغي ، مقدم بالرتبة على كونه ~~فياضا للخيرات والسعادات ، لأن وجود الشيء مقدم على إيجاد PageV27P125 غيره ~~، وحصوله في نفسه مقدم على تأثيره في حصول غيره ، فلهذا السبب كان التسبيح ~~مقدما على التحميد ، ولهذا قال : { يسبحون بحمد ربهم } . # وأما الجهة الثانية : وهي الجهة التي لتلك الأرواح إلى عالم الجسمانيات ، ~~فالإشارة إليها بقوله { ويستغفرون لمن فى الارض } والمراد منه تأثيراتها في ~~نظم أحوال هذا العالم وحصول الطريق الأصوب الأصلح فيها ، فهذه ملامح من ~~المباحث العالية الإلاهية مدرجة في هذه الآيات المقدسة ، ولنرجع إلى ما ~~يليق بعلم التفسير ، فإن قيل كيف يصح أن يستغفروا ms8023 لمن في الأرض وفيهم ~~الكفار ، وقد قال تعالى : { أولئك عليهم لعنة الله والملئكة } فكيف يكونون ~~لاعنين ومستغفرين لهم ؟ ، قلنا الجواب : عنه من وجوه : # الأول : أن قوله { لمن فى الارض } لا يفيد العموم ، لأنه يصح أن يقال ~~إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال إنهم استغفروا لبعض من في الأرض ~~دون البعض ، ولو كان قوله { لمن فى الارض } صريحا في العموم لما صح ذلك ~~التقسيم الثاني : هب أن هذا النص يفيد العموم إلا أنه تعالى حكى عن ~~الملائكة في سورة حام المؤمن فقال : { ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل ~~شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } ( غافر : 7 ) الثالث : ~~يجوز أن يكون المراد من الاستغفار أن لا يعاجلهم بالعقاب كما في قوله تعالى ~~: { إن الله يمسك * السماوات والارض * أن تزولا } إلى أن قال : { إنه كان ~~حليما غفورا } ( فاطر : 41 ) الرابع : يجوز أن يقال إنهم ستغفرون لكل من في ~~الأرض ، أما في حق الكفار فبواسطة طلب الإيمان لهم ، وأما في حق المؤمنين ~~فبالتجاوز عن سيئاتهم ، فإنا نقول اللهم اهد الكافرين وزين قلوبهم بنور ~~الإيمان وأزل عن خواطرهم وحشة الكفر ، وهذا في الحقيقة استغفار . # واعلم أن قوله { ويستغفرون لمن فى الارض } يدل على أنهم لا يستغفرون ~~لأنفسهم ، ولو كانوا مصرين على المعصية لكان استغفارهم لأنفسهم قبل ~~استغفارهم لمن في الأرض ، وحيث لم يذكر الله عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا ~~أنهم مبرءون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم السلام لهم ذنوب والذي لا ذنب له ~~ألبتة أفضل ممن له ذنب وأيضا فقوله { ويستغفرون لمن فى الارض } يدل على ~~أنهم يستغفرون للأنبياء لأن الأنبياء في جملة من في الأرض / وإذا كانوا ~~مستغفرين للأنبياء عليهم السلام كان الظاهر أنهم أفضل منهم . # ولما حكى الله تعالى عن الملائكة التسبيح والتحميد والاستغفار قال : { ~~ألا إن الله هو الغفور الرحيم } والمقصود التنبيه على أن الملائكة وإن ~~كانوا يستغفرون للبشر إلا أن المغفرة المطلقة والرحمة المطلقة للحق سبحانه ~~وتعالى وبيانه ممن وجوه الأول : أن إقدام الملائكة على طلب المغفرة للبشر ms8024 ~~من الله تعالى إنما كان لأن الله تعالى خلق في قلوبهم داعية لطلب تلك ~~المغفرة ، ولولا أن الله تعالى خلق في قلوبهم تلك الدواعي وإلا لما أقدموا ~~على ذلك الطلب وإذا كان كذلك كان الغفور المطلق والرحيم المطلق هو الله ~~سبحانه وتعالى الثاني : أن الملائكة قالوا في أول الأمر { أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } ( البقرة : 30 ) ثم في ~~آخر الأمر صاروا يستغفرون لمن في الأرض ، وأما رحمة الحق وإحسانه فقد كان ~~موجودا في الأولى والآخر فثبت أن الغفور المطلق والرحيم المطلق هو الله ~~تعالى الثالث : PageV27P126 أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستغفرون لمن في الأرض ~~ولم يحك عنهم أنهم يطلبون الرحمة لمن في الأرض فقال : { ألا إن الله هو ~~الغفور الرحيم } يعني أنه يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة ~~الكاملة التامة . # ثم قال تعالى : { والذين اتخذوا من دونه أولياء } أي جعلوا له شركاء ~~وأندادا { الله حفيظ عليهم } أي رقيب على أحوالهم وأعمالهم ، لا يفوته منها ~~شيء وهو محاسبهم عليها لا رقيب عليهم إلا هو وحده وما أنت يا محمد بمفوض ~~إليك أمرهم ولا قسرهم على الإيمان ، إنما أنت منذر فحسب . # ! 7 < { وكذلك أوحينآ إليك قرءانا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر ~~يوم الجمع لا ريب فيه فريق فى الجنة وفريق فى السعير * ولو شآء الله لجعلهم ~~أمة واحدة ولاكن يدخل من يشآء فى رحمته والظالمون ما لهم من ولى ولا نصير * ~~أم اتخذوا من دونه أوليآء فالله هو الولى وهو يحى الموتى وهو على كل شىء ~~قدير * وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربى عليه توكلت ~~وإليه أنيب * فاطر السماوات والا رض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الا نعام ~~أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شىء وهو السميع البصير * له مقليد السماوات ~~والا رض يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه بكل شىء عليم } . > 7 ! # < < # | الشورى : ( 7 ) وكذلك أوحينا إليك . . . . . # > > واعلم أن كلمة ( ذلك ) للإشارة إلى شيء سبق ذكره ms8025 فقوله { وكذلك ~~أوحينا إليك قرءانا عربيا } يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء هاهنا قد ~~سبق ذكره ، وليس هاهنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله { ~~والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل } ( ~~الشورى : 6 ) يعني كما أوحينا إليك أنك لست حفيظا عليهم ولست وكيلا عليهم ، ~~فكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتكون نذيرا لهم وقوله تعالى : { لتنذر أم ~~القرى } أي لتنذر أهل أم القرى لأن البلد لا تعقل وهو كقوله { واسئل القرية ~~} ( يوسف : 82 ) وأم القرى أصل القرى وهيب مكة وسميت بهذا الاسم إجلالا ~~للها لأن فيها البيت ومقام إبراهيم ، والعرب تسمي أصل كل شيء أمة حتى يقال ~~هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان ، ومن حولها من أهل البدو والحضر وأهل ~~المدر ، والإنذار التخويف ، فإن قيل فظاهر اللفظ يقتضي أن الله تعالى إنما ~~أوحي إليه لينذر أهل مكة وأهل القرى المحيطة بمكة وهذا يقتضي أن يكون رسولا ~~إليهم فقط وأن لا يكون رسولا إلى كل العالمين الجواب : أن PageV27P127 ~~التخصيص بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما سواه ، فهذه الآية تدل على كونه ~~رسولا إلى هؤلاء خاصة وقوله { وما أرسلناك إلا كافة للناس } ( سبأ : 28 ) ~~يدل على كونه رسولا إلى كل العالمين ، أيضا لما ثبت كونه رسولا إلى أهل مكة ~~وجب كونه صادقا ، ثم ءنه نقل إلينا بالتواتر كان يدعى أنه رسول إلى كل ~~العالمين ، والصادق إذاا أخبر عن شيء وجب تصديقه فيه ، فثبت أنه رسول إلى ~~كل العالمين . # ثم قال تعالى : { وتنذر يوم الجمع } الأصل أن يقال أنذرت فلانا بكذا فكان ~~الواجب أن يقال لتننذر أم القرى بيوم الجمع وأيضا فيه إضمار والتقدير لتنذر ~~أهل أم القرى بعذاب يوم الجمع وفي تسميته بيوم الجمع وجوه الأول : أن ~~الخلائق يجمعون فيه قال تعالى : { يوم يجمعكم ليوم الجمع } ( التغابن : 9 ) ~~فيجتمع فيه أهل السماوات من أهل الأرض الثاني : أنه يجمع بين الأرواح ~~والأجساد الثالث : يجمع بين كل عامل وعمله الرابع : يجمع بين الظالم ~~والمظلوم وقوله ms8026 { لا ريب فيه } صفة ليوم الجمع الذي لا ريب فيه ، وقوله { ~~فريق فى الجنة وفريق فى السعير } تقديره ليوم الجمع الذي من صفته يكون ~~القوم فيه فريقين ، فريق في الجنة وفريق في السعير / فإن قيل قوله { يوم ~~الجمع } يقتضي كون القوم مجتمعين وقوله { فريق فى الجنة وفريق فى السعير } ~~يقتضي كونهم متفرقين ، والجمع بين الصفتين محال ، قلنا إنهم يجتمعون أولا ~~ثم يصيرون فريقين . # ثم قال : { ولو شاء الله لجمعهم * أمة واحدة } والمراد تقرير قوله { ~~والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل } ( ~~الشورى : 6 ) أي لا يكن في قدرتك أن تحملهم على الإيمان ، فلو شاء الله ذلك ~~لفعله لأنه أقدر منك ، ولكنه جعل البعض مؤمنا والبعض كافرا ، فقوله { يدخل ~~من يشاء فى رحمته } يدل على أنه تعالى هو الذي أدخلهم في الإيمان والطاعة ، ~~وقوله { والظالمون ما لهم من ولى ولا نصير } يعني أنه تعالى ما أدخلهم في ~~رحمته ، وهذا يدل على أن الأولين إنما دخلوا في رحمته ، لأنه كان لهم ولي ~~ونصير أدخلهم في تلك الرحمة ، وهؤلاء ما كان لهم ولي ولا نصير يدخلهم في ~~رحمته . # ثم قال تعالى : { أم اتخذوا من دونه أولياء } والمعنى أنه تعالى حكى عنهم ~~أولا أنهم اتخذوا من دونه أولياء ، ثم قال بعده لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~لست علليهم رقيبا ولا حافظا ، ولا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان شاءوا أم ~~أبوا ، فإن هذا المعنى لو كان واجبا لفعله الله ، لأنه أقدر منك ، ثم إنه ~~أعاد بعده ذلك الكلام على سبيل الاستنكار ، فإن قوله { أم اتخذوا من دونه ~~أولياء } استفهام على سبيل الإنكار . # ثم قال تعالى : { فالله هو الولى } والفاء في قوله { فالله هو الولى } ~~جواب شرط مقدر ، كأنه قال : إن أرادوا أولياء بحق الله هو الولي بالحق لا ~~ولي سواه ، لأنه يحيى الموتى وهو على كل شيء قدير ، فهو الحقيق بأن يتخذ ~~وليا دون من لا يقدر على شيء . # ثم قال : { وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله ms8027 } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن يحمل الكفار على الإيمان قهرا ، فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في ~~الخصومات والمنازعات فقال : { وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله } وهو ~~إثابة المحقين فيه ومعاقبة المبطلين ، وقيل وما اختلفتم فيه من شيء ~~وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا تؤثر حكومة ~~غيره على حكومته ، وقيل وما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا تصل ~~بتكليفكم ، ولا طريق لكم إلى عمله كحقيقة الروح ، فقولوا الله أعلم به ، ~~قال تعالى : { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى } PageV27P128 ( ~~الإسراء : 85 ) . # المسألة الثانية : تقدير الآية كأنه قال : قل يا محمد { وما اختلفتم فيه ~~من شىء فحكمه إلى الله } والدليل عليه قوله تعالى : { ذلكم الله ربى عليه ~~توكلت وإليه أنيب } . # المسألة الثالثة : احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا قوله تعالى : { ~~وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله } إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد ~~من نص الله عليه ، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على ما نص الله عليه ، ~~والثاني باطل لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثبتة بالقياس بأنه باطل فيعتبر ~~الأول ، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالنص وذلك ينفي العمل القياس ، ولقائل ~~أن يقوم لم لا يجوز أن يكون المراد فحكمه يعرف من بيان الله تعالى ، سواء ~~كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس ؟ أجيب عنه بأن المقصود من التحاكم إلى ~~الله قطع الاختلاف / والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه ، ~~فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نصوص الله تعالى . # ثم قال تعالى : { ذلكم الله ربى } أي ذالكم الحاكم بينكم هو ربي { عليه ~~توكلت } في دفع كيد الأعداء وفي طلب كل خير { وإليه أنيب } أي وإليه أرجع ~~في كل المهمات ، وقوله { عليه توكلت } يفيد الحصر ، أي لا أتوكل إلا عليه ، ~~وهو إشارة إلى تزييف طريقة من اتخذ غير الله وليا . # ثم قال : { فاطر * السماوات والارض } قرىء بالرفع والجر ، فالرفع ms8028 على أنه ~~خبر ذلاكم ، أو خبر مبتدأ محذوف ، والجر على تقدير أن يكون الكلام هكذا وما ~~اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله فاطر السماوات والأرض وقوله { ذلكم الله ~~ربى } اعتراض وقع بين الصفة والموصوف ، { جعل لكم من أنفسكم } من جنسكم من ~~الناس { أزواجا ومن الانعام أزواجا } أي خلق من الأنعام أزواجا ، ومعناه ~~وخلق أيضا للأنعام من أنفسها أزواجا { يذرؤكم } أي يكثركم ، يقال : ذرأ ~~الله الخلق ، أي كثرهم ، وقوله { فيه } أي في هذا التدبير ، وهو اللتزويج ~~وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد ~~والتناسل ، والضمير في { يذرؤكم } يرجع إلى المخاطبين ، إلى أنه غلب فيه ~~جانب الناس من وجهين الأول : أنه غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء ~~الثاني : أنه غلب فيه جانب المخاطبين على الغائبين ، فإن قيل ما معنى ~~يذرؤكم في هذا التدبير ، ولم لم يقل يذرؤكم به ؟ قلنا جعل هذا التدبير ~~كالمنبع والمعدن لهذا التكثير ، ألا ترى أنه يقال للحيوان في خلق الأزواج ~~تكثير ، كما قال تعالى : { ولكم في القصاص حيواة } ( البقرة : 179 ) . # ثم قال تعالى : { ليس كمثله شىء وهو السميع البصير } وهذه الآية فيها ~~مسائل : # المسألة الأولى : احتج علماء التوحيد قديما وحديثا بهذه الآية في نفي ~~كونه تعالى جسما مركبا من الأعضاء والأجزاء وحاصلا في المكان والجهة ، ~~وقالوا لو كان جسما لكان مثلا لسائر الأجسام ، فيلزم حصول الأمثال والأشباه ~~له ، وذلك باطل بصريح قوله تعالى : { ليس كمثله شىء } ويمكن إيراد هذه ~~الحجة على وجه آخر ، فيقال إما أن يكون المراد { ليس كمثله شىء } في ماهيات ~~الذات ، أو أن يكون المراد ليس كمثله في الصفات شيء ، والثاني باطل ، لأن ~~العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين ، كما أن الله تعالى يوسف بذلك ، وكذلك ~~يوصفون بكونهم معلومين مذكورين ، مع أن الله تعالى يوصف بذلك ، فثبت أن ~~المراد بالمماثلة PageV27P129 المساواة في حقيقة الذات ، فيكون المعنى أن ~~شيئا من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية ، فول كان الله تعالى جسما ~~، لكان كونه جسما ذاتا لا صفة ، فإذا كان ms8029 ساشر الأجسام مساوية له في ~~الجسمية ، أعني في كونها متحيزة طويلة عريضة عميقة ، فحينئذ تكون سائر ~~الأجسام مماثلة لذات الله تعالى في كونه ذاتا ، والنص ينفي ذلك فوجب أن لا ~~يكون جسما . # واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في ~~الكتاب الذي سماه ( بالتوحيد ) ، وهو في الحقيقة كتاب الشرك ، واعترض عليها ~~، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات ، لأن كان رجلا مضطرب الكلام ، ~~قليل الفهم ، ناقص العقل ، فقال : ( نحن نثبت لله وجها ونقول : إن لوجه ~~ربنا من النور والضياء والبهاء ، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء ~~أدركه بصره ، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء ، ونقول إن لبني آدم وجوها ~~كتب الله عليها الهلاك والفناء ، ونفى عنها الجلال والإكرام ، غير موصوفة ~~بالنور والضياء والبهاء ، ولو كان مجرد إثبات الوجه لله يقتضي التشبيه لكان ~~من قال إن لبني آدم وجوها وللخنازير والقردة والكلاب وجوها / لكان قد شبه ~~وحوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب . ثم قال : ولا شك أنه اعتقاد ~~الجهمية لأنه لو قيل له : وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب ولشافهه ~~بالسوء ، فعلمنا أنه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين لله إثبات التشبيه بين ~~الله وبين خلقه ) . # وذكر في فصل آخر من هذا الكتاب ( أن القرآن دل على وقوع التسوية بين ذات ~~الله تعالى وبين خلقه في صفات كثيرة ، ولم يلزم منها أن يكون القائل مشبها ~~فكذا ههنا ) ونحن نعد الصور التي ذكرها على الاستقصاء فالأول : أنه تعالى ~~قال في هذه الآية { وهو السميع البصير } وقال في حق الإنسان { فجعلناه ~~سميعا بصيرا } ( الإنسان : 2 ) ، الثاني : قال : { وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله } ( التوبة : 105 ) وقال في حق المخلوقين { أولم يروا إلى ~~الطير * مسخرات فى جو السمآء } ( النحل : 79 ) الثالث : قال : { واصنع ~~الفلك بأعيننا } ( هود : 37 ) { واصبر لحكم ربك فإنك } ( الطور : 48 ) وقال ~~في حق المخلوقين { الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع } ( المائدة : 83 ) ~~الرابع : قال لإبليس { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى ms8030 } ( ص: 75 ) وقال : { ~~بل يداه مبسوطتان } ( المائدة : 64 ) وقال : في حق المخلوقين { ذالك بما ~~قدمت أيديكم } ( آل عمران : 182 ) ، { ذالك بما قدمت يداك } ، ( الحج : 10 ~~) { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } ، ( الفتح : ~~10 ) الخامس : قال تعالى : { الرحمان على العرش استوى } ( طه : 5 ) وقال في ~~الذين يركبون الدواب { لتستووا على ظهوره } ( الزخرف : 13 ) وقال في سفينة ~~نوح { واستوت على الجودى } ( هود : 44 ) ، السادس : سمى نفسه عزيزا فقال : ~~{ العزيز الجبار } ( الحشر : 23 ) ، ثم ذكر هذا الاسم في حق المخلوقين ~~بقوله { قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا } ( يوسف : 78 ) ، { ~~قالوا ياأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } ( يوسف : 88 ) ، السابع : سمى نفسه ~~بالملك وسمى بعض عبيده أيضا بالملك فقال : { وقال الملك ائتونى به } ( يوسف ~~: 50 ) وسمى نفسه بالعظيم ثم أوقع هذا الاسم على المخلوق فقال : { رب العرش ~~العظيم } ( التوبة : 129 ) وسمى نفسه بالجبار المتكبر وأوقع هذا الاسم على ~~المخلوق فقال : { كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } ( غافر : 35 ) ثم ~~طول في ضرب الأمثلة من هذا الجنس ، وقال ومن وقف على الأمثلة التي ذكرناها ~~أمكنه الإكثار منها ، فهذا ما أورده هذا الرجل في هذا الكتاب . PageV27P130 # وأقول هذا المسكين الجاهل إنما وقع في أمثال هذه الخرافات لأنه لم يعرف ~~حقيقة المثلين وعلماء التوحيد حققوا الكلام في المثلين ثم فرعوا عليه ~~الاستدلال بهذه الآية ، فنقول المثلان هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام ~~الآخر في حقيقته وماهيته ، وتحقيق الكلام فيه مسبوق بمقدمة أخرى فنقول : ~~المعتبر في كل شيء ، إما تمام ماهيته وإما جزء من أجزاء ماهيته وإما أمر ~~خارج عن ماهيته ، ولكنه من لوازم تلك الماهية ، وأما أمر خارج عن ماهيته ~~ولكنه ليس من لوازم تلك الماهية وهذا التقسيم مبني على الفرق بين ذات الشيء ~~وبين الصفات القائمة به وذلك معلوم بالبديهة ، فإنا نرى الحبة من الحصرم ~~كانت في غاية الخضرة والحموضة ثم صارت في غاية السواد والحلاوة ، فالذات ~~باقية والصفات مختلفة والذات الباقية مغايرة للصفات المختلفة ، وأيضا نرى ~~الشعر ms8031 قد كان في غاية السواد ثم صار في غاية البياض / فالذات باقية والصفات ~~متبدلة والباقي غير المتبدل ، فظهر بما ذكرنا أن الذوات مغايرة للصفات . ~~إذا عرفت هذا فنقول : اختلاف الصفات لا يوجب اختلاف الذوات البتة ، لأنا ~~نرى الجسم الواحد كان ساكنا ثم يصير متحركا ، ثم يسكن بعد ذلك ، فالذوات ~~باقية في الأحوال كلها على نهج واحد ونسق واحد ، والصفات متعاقبة متزايلة ، ~~فثبت بهذا أن اختلاف الصفات والأعراض لا يوجب اختلاف الذوات ، إذا عرفت هذا ~~فنقول : الأجسام منها تألف وجه الكلب والقرد مساوية للأجسام التي تألف منها ~~وجه الإنسان والفرس وإنما حصل الاختلاف إنما وقع بسبب الاختلاف في الصفات ~~والأعراض ، فأما ذوات الأجسام فهي متماثلة إلا أن العوام لا يعرفون الفرق ~~بين الذوات وبين الصفات ، فلا جرم يقولون إن وجه الإنسان مخالف لوجه الحمار ~~، ولقد صدقوا فإنه حصلت تلك بسبب الشكل واللون وسائر الصفات ، فأما الأجسام ~~من حيث إنها أجسام فهي متماثلة متساوية ، فثبت أن الكلام الذي أورده إنما ~~ذكره لأجل أنه كان من العوام وما كان يعرف أن المعتبر في التماثل والاختلاف ~~حقائق الأشياء وماهياتها لا الأعراض والصفات القائمة بها ، بقي ههنا أن ~~يقال فما الدليل على أن الأجسام كلها متماثلة ؟ فنقول لنا ها هنا مقامان : # المقام الأول : أن نقول هذه المقدمة إما أن تكون مسلمة أو لا تكون مسلمة ~~، فإن كانت مسلمة فقد حصل المقصود ، وإن كانت ممنوعة ، فنقول فلم لا يجوز ~~أن يقال إله العالم هو الشمس أو القمر أو الفلك أو العرش أو الكرسي ، ويكون ~~ذلك الجسم مخالفا لماهية سائر الأجسام فكان هو قديما أزليا واجب الوجود ~~وسائر الأجسام محدثة مخلوقة ، ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن ~~يسقطوا هذا الإلزام عن المجسمة لا يقدرون عليه ؟ فإن قالوا هذا بالطل لأن ~~القرآن دل على أن الشمس والقمر والأفلاك كلها محدثة مخلوقة فيقال هذا من ~~باب الحماقة المفرطة لأن صحة القرآن وصحة نبوة الأنبياء مفرعة على معرفة ~~الإله ، فإثبات معرفة الإله بالقرآن وقول النبي لا يقوله عاقل يفهم ms8032 ما ~~يتكلم به . # والمقام الثاني : أن علماء الأصلو أقاموا البرهان القاطع على تماثل ~~الأجسام في الذوات والقيقة ، وإذا ثبت هذا طهر أنه لو كان إله العالم جمسا ~~لكانت ذاته مساوية لذوات الأجسام إلا أن هذا باطل بالعقل والنقل ، أما ~~العقل فلأن ذاته إذا كانت مساوية لذوات سائر الأجسام وجب أن يصح عليه ما ~~يصح على سائر الأجسام ، فيلزم كونه محدثا مخلوقا قابلا للعدم والفناء قابلا ~~للتفرق والتمزق . وأما النقل فقوله تعالى : { ليس كمثله شىء } فهذا تمام ~~الكلام في تقرير هذا الدليل وعند هذا يظهر أنا لا نقول بأنه متى حصل ~~الاستواء في PageV27P131 الصفة لزم حصول الاستواء في تمام الحقيقة إلا أنا ~~نقول لما ثبت أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فلو كانت ذاته جسما لكن ~~ذلك الجسم مساويا لسائر الأجسام في تمام الماهية ، وحينئذ يلزم أن يكون كل ~~جسم مثلا له ، لما بينا أن المعتبر في حصول المماثلة اعتبار الحقائق من حيث ~~هي هي ، لا اعتبار الصفات القائمة بها فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن حجة ~~أهل التوحيد في غاية القوة ، وأن هذه الكلمات التي أوردها هذا الإنسان إنما ~~أوردها لأنه كان بعيدا عن معرفة الحقائق ، فجرى على منهج كلمات العوام ~~فاغتر بتلك الكلمات التي ذكرها ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة . # المسألة الثانية : في ظاهر هذه الآية إشكال ، فإنه يقال المقصود منها نفي ~~المثل عن الله تعالى وظاهرها يوجب إثبات المثل لله ، فإنه يقتضي نفي المثل ~~عن مثله لا عنه ، وذلك يوجب إثبات المثل لله تعالى ، وأجاب الغعماء عنه بأن ~~قالوا إن العرب تقول مثلك لا يبخل أي أنت لا تبخل فنوفا البخل عن مثله ، ~~وهم يريدون نفيه عنه / ويقول الرجل : هذا الكلام لا يقال لمثلي أي لا يقال ~~لي قال الشاعر : # ( ومثلي كمثل جذوع النخيل ) # والمراد منه المبالغة فإنه إذا كان ذلك الحكم منتفيا عمن كان مشابها بسبب ~~كونه مشابها له ، فلأن يكون منتفيا عنه كان ذلك أولى ، ونظيره قولهم : سلام ~~على المجلس العالي ، والمقصود أن سلام الله إذا كتن ms8033 واقعال على مجلسه ~~وموضعه فلأن يكون واقعا عليه كان ذلك أولى ، فكذا ههنا قوله تعالى : { ليس ~~كمثله شىء } والمعنى ليس كهو شيء على سبيل المبالغة من الوجه الذي ذكرناه ، ~~وعلى هذا التقدير فلم يكن هذا الفظ ساقطا عديم الأثر ، بل كان مفيدا ~~للمبالغة من الوجه الذي ذكرناه ، وزعم جهم بن صفوان أن المقصود من هذه ~~الآية بيان أنه تعالى ليس مسمى باسنم الشيء قال لأن كل شيء فإنه يكون مثلا ~~لمثل نفسه فقول { ليس كمثله شىء } معناه ليس نثل مثله شيء وذلك يقتضي أن لا ~~يكون هو مسمى بالسم الشيء ، وعندي فيه طريقة أخرى ، وهي أن المقصود من ذكر ~~الجمع بين حرفي التشبيه الدليل الدال على كونه منزها عن المثل ، وتقريره أن ~~يقال لو كان له مثل لكن هو مثل نفسه ، وهذا محال فإثبات المثل له محال ، ~~أما بيان أنه لو كان له مثل لكان هو مثل نفسه فالأمر فيه ظاهر ، وأما بيان ~~أن هذا محال فلأنه لو كان مثل مثل نفسه لكان مساويا لمثله في تلك الماهية ~~ومباينا له في نفسه ، وما به المشاركة غير ما به المباينة . فتكون ذات كل ~~واحد منهما مركبا وكل مركب ممكن ، فثبت أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما ~~كان هو في نفسه واجب الوجود ، إذا عرفت هذا فقوله ليس مثله مثله شيء إشارة ~~إلى أنه لو صدق عليه أنه مثل مثل نفسه لما كان هو شيئا بناء على ما بينا ~~أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان واجب الوجود ، فهذا ما يحتمله اللفظ . # المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على نفي المثل وقوله تعالى : { وله ~~المثل الاعلى } ( الروم : 27 ) يقتضي إثبات المثل فلا بد من الفرق بينهما ، ~~فنقول المثل هو الذي يكون مساويا للشيء في تمام الماهية والمثل هو الذي ~~يكون مساويا له في بعض الصفات الخارجة عن الماهية وإن كان مخالفا في تمام ~~الماهية . # المسألة الرابعة : قوله { وهو السميع البصير } يدل على كونه تعالى سامعا ~~للمسموعات مبصرا للمرئيات ، فإن قيل يمتنع ms8034 إجراء هذا اللفظ على طاهره وذلك ~~لأنه إذا حصل قرع أو قلع انقلب الهواء من بين ذينك الجسمين انقلابا يعنف ~~فيتموج الهواء بسبب ذلك ويتأدى ذلك التموج إلى سطح الصماخ فهذا هو ~~PageV27P132 السماع ، وأما الإبصار فهو عبارة عن تأثر الحدقة بصورة المرئي ~~، فثبت أن السمع والبصر عبارة عن تأثر الحاسة ، وذلك على الله محال ، فثبت ~~أن إطلاق السمع والبصر على علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات غير جائز ~~والجواب : الدليل على أن السماع مغاير لتأثر الحاسة أنا إذا سمعنا الصوت ~~علمنا أنه من أي الجوانب جاء فعلمنا أنا أدركنا الصوت حيث وجد ذلك الصوت في ~~نفسه ، وهذا يدل على أن إدراك الصوت حالة مغايرة لتأثير الصماخ عن تتموج ~~ذلك الهواء . وأما الرؤية فالدليل على أنها حالة مغايرة لتأثر الحدقة ، ~~فذلك لأن نقطة الناظر جسم صغير فيستحيل انطباع الصورة العظيمة فيه ، فنقول ~~الصورة المنطبعة صغيرة والصورة المرئية في نفس العالم عظيمة ، وهذا يدل على ~~أن الرؤية مغايرة لنفس ذلك الانطباع ، وإذا ثبت هذا فنقول لا يلزم من ~~امتناع التأثر في حق الله امتناع السمع والبصر في حقه ، فإن قالوا هب أن ~~السمع والبصر حالتان مغايرتان لتأثر الحاسة إلا أن حصولهما مشروط بحصول ذلك ~~التأثر ، فلما كان حصول ذلك التأثر في حق الله تعالى ممتنعا كان حصول السمع ~~والبصر في حق الله ممتنعا ، فنقول ظاهر قوله { وهو السميع البصير } يدل على ~~كونه سميعا بصيرا فلم يجز لنا أن نعدل عن هذا الظاهر إلا إذا قام الدليل ~~على أن الحاسة المسماة بالسمع والبصر مشروطة بحصول التأثر / والتأثر في حق ~~الله تعالى ممتنع ، فكان حصول الحاسة المسماة بالسمع والبصر ممتنعا ، وأنتم ~~المدعون لهذا الاشتراط فعليكم الدلالة على حصوله ، وإنما نحن متمسكون بظاهر ~~اللفظ إلى أن تذكروا ما يوجب العدول عنه ، فإن قال قائل قوله { وهو السميع ~~البصير } يفيد الحصر ، فما معنى هذا الحصر ، مع أن العباد أيضا موصوفون ~~بكونهم سميعين بصيرين ؟ فنقول السميع والبصير لفظان مشعران بحصول هاتين ~~الصفتين على سبيل الكمال ، والكمال في كل الصفات ms8035 ليس إلا لله ، فهذا هو ~~المراد من هذا الحصر . # أما قوله تعالى : { له مقاليد * السماوات والارض } فاعلم أن المراد من ~~الآية أنه تعالى : فاطر السموات والأرض والأصنام ليست كذلك ، وأيضا فهو ~~خالق أنفسنا وأزواجنا وخالق أولادنا منا ومن أزواجنا ، والأصنام ليست كذلك ~~، وأيضا فله مقاليد السموات والأرض والأصنام ليست كذلك ، والمقصود من الكل ~~بيان القادر المنعم الكريم الرحيم ، فكيف يجوز جعل الأصنام التي هي جمادات ~~مساوية له في المعبودية ؟ فقوله { له مقاليد * السماوات والارض } يريد ~~مفاتيح الرزق من السموات والأرض ، فمقاليد السموات الأمطار ، ومقاليد الأرض ~~النبات ، وذكرنا تفسير المقاليد في سورة الزمر عند قوله { يبسط الرزق لمن ~~يشاء ويقدر } ( الزمر : 52 ) لأن مفاتيح الأرزاق بيده { إنه بكل شىء } من ~~البسط والتقدير { عليم } . # PageV27P133 ! 7 < { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذىأوحينآ إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبىإليه من يشآء ويهدىإليه من ينيب * وما ~~تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى ~~أجل مسمى لقضى بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفى شك منه مريب * ~~فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت ولا تتبع أهوآءهم وقل ءامنت بمآ أنزل الله من ~~كتاب وأمرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة ~~بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير * والذين يحآجون فى الله من بعد ~~ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد * الله ~~الذىأنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب * يستعجل بها ~~الذين لا يؤمنون بها والذين ءامنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن ~~الذين يمارون فى الساعة لفى ضلال بعيد * الله لطيف بعباده يرزق من يشآء وهو ~~القوى العزيز } . > 7 ! # < < # | الشورى : ( 13 ) شرع لكم من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله { ~~كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ms8036 } ( الشورى : 3 ) ~~ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ~~والمعنى شرع الله لكم يا أصحاب محمد من الدين ما وصى به نوحا ومحمدا ~~وآبراهيم وموسى وعيسى ، هذا هو المقصود من لفظ الآية ، وإنما خص هؤلاء ~~الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة ~~والأتباع الكثيرة ، إلا أنه بقي في لفظ الآية إشكالات أحدها : أنه قال في ~~أول الآية { ما وصى به نوحا } وفي آخرها { وما وصينا به إبراهيم } وفي ~~الوسط { والذى أوحينا إليك } فما الفائدة في هذا التفاوت ؟ وثانيها : أنه ~~ذكر نوحا عليه السلام على سبيل الغيبة فقال : { ما وصى به نوحا } والقسمين ~~الباقيين على سبيل التكلم فقال : { والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~} وثالثها : أنه يصير تقدير الآية : شرع الله لكم من الدين الذي أوحينا ~~إليك فقوله { شرع لكم } خطاب الغيبة وقوله { والذى أوحينا إليك } خطاب ~~الحضور ، فهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد ~~بالاعتبار الواحد ، وهو مشكل ، فهذه المضايق يجب البحث عنها والقوم ما ~~داروا حولها ، وبالجملة فالمقصود من الآية أنه يقال شرع لكم من الدين دينا ~~تطابقت الأنبياء على صحته ، وأقول يجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئا ~~مغايرا للتكاليف والأحكام ، وذلك لأنها مختلفة متفاوتة قال تعالى : { لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ( المائدة : 48 ) PageV27P134 فيجب أن يكون ~~المراد منه الأمور التي لا تختلف باختلاف الشرائع / وهي الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والإيمان يوجب الإعراض عن الدنيا ~~والإقبال على الآخرة والسعي في مكارم الأخلاق والاحتراز عن رذائل الأحوال ، ~~ويجوز عندي أن يكون المراد من قوله { ولا تتفرقوا } أي لا تتفرقوا بالآلهة ~~الكثيرة ، كما قال يوسف عليه السلام : { متفرقون خير أم الله الواحد القهار ~~ما } ( يوسف : 39 ) وقال تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى ~~إليه أنه لا إلاه إلا أنا فاعبدون } ( الأنبياء : 25 ) واحتج بعضهم بقوله { ~~شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } على أن النبي صلى الله ms8037 عليه وسلم في أول ~~الأمر كان مبعوثا بشريعة نوح عليه السلام ، والجواب ما ذكرناه أنه عطف عليه ~~سائر الأنبياء وذلك يدل على أن المراد هو الأخذ بالشريعة المتفق عليها بين ~~الكل ، ومحل { ءان * يوم الدين } إما نصب بدل من مفعول { شرع } والمعطوفين ~~عليه ، وإما رفع على الاستئناف كأنه قيل ما ذاك المشروع ؟ فقيل هو إقامة ~~الدين { كبر على المشركين } عظم عليهم وشق عليهم { ما تدعوهم إليه } من ~~إقامة دين الله تعالى على سبيل الاتفاق والإجماع ، بدليل أن الكفار قالوا { ~~أجعل الالهة إلاها واحدا إن هاذا لشىء عجاب } ( ص: 5 ) وههنا مسائل : # المسألة الأولى : احتج نفاة القياس بهذه الآية قالوا إنه تعالى أخبر أن ~~أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحث لا يفضي إلى الاختلاف ~~والتنازع ، والله تعالى ذكر في معرض المنة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين ~~الخالي عن التفرق والمخالفة ومعلوم أن فتح باب القياس يفضي إلى أعظم أنواع ~~التفرق والمنازعة ، فإن الحس شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على الأخذ ~~بالقياس تفرقوا تفرقا لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى آخر القيامة ، ~~فوجب أن يكون ذلك محرما ممنوعا عنه . # المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن هذه الشرائع قسمين منها ما يمتنع ~~دخول النسخ والتغيير فيه ، بل يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان ، ~~كالقول بحسن اصدق والعدل والإحسان ، والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء ، ~~ومنها ما يختلف باختلاف الشرائع والأديان ، ودلت هذه الآية على أن سعي ~~الشرع في تقرير النوع الأول أقوى من سعيه في تقرير النوع الثاني ، لأن ~~المواظبة على القسم الأول مهمة في اكتساب الأحوال المفيدة لحصول السعادة في ~~الدار الآخرة . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } ~~مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل ، وبيان منفعته من وجوه ~~الأول : أن للنفوس تأثيرات ، وإذا تطابقت النفوس وتوافقت على واحد قوي ~~التأثير الثاني : أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معينا للآخر في ذلك ~~المقصود المعين ، وكثرة الأعوان توجب حصول ms8038 المقصود ، أما إذا تخالفت تنازعت ~~وتجادلت فضعفت فلا يحصل المقصود الثالث : أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم ~~لأن ذلك يفضي إلى الهرج والمرج والقتل والنهب ، فلهذا السبب أمر الله تعالى ~~في هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق وقال في آية أخرى { ~~ولا تنازعوا فتفشلوا } ( الأنفال : 46 ) . # ثم قال تعالى : { الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب } وفيه ~~وجهان الأول : أنه تعالى لما أرشضد أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى التمسك ~~بالدين المتفق عليه بين أنه تعالى إنما أرشدهم إلى هذا الخير ، لأنه ~~اجتباهم واصطفاهم وخصهم بمزيد الرحمة والكرامة الثاني : أنه إنما كبر عليهم ~~هذا الدعاء من الرسل لما فيه من PageV27P135 الانقياد لهم تكبرا وأنفة فبين ~~تعالى أنه يخص من يشاء بالرسالة ويلزم الانقياد لهم / ولا يعتبر الحسب ~~والنسب والغنى ، بل الكل سواء في أنه يلزمهم اتباع الرسل الذين اجتباهم ~~الله تعالى ، واشتقاق لفظ الاجتباء يدل على الضم والجمع ، فمنه جبى الخراج ~~واجتباه وجبى الماء في الحوض فقوله { الله يجتبى إليه } أي يضمه إليه ~~ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة ، وقوله { من يشآء } كقوله تعالى : { ~~يعذب من يشاء ويرحم من يشاء } ( العنكبوت : 21 ) . # ثم قال : { ويهدى إليه من ينيب } وهو كما روي في الخبر ( من تقرب مني ~~شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ) أي من أقبل إلي بطاعته ~~أقبلت إليه بهدايتي وإرشادي بأن أشرح له صدره وأسهل أمره . # واعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين ~~المتفق عليه ، كان لقائل أن يقول : فلماذا نجدهم متفرقين ؟ فأجاب الله ~~تعالى عنهم بقوله { وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } ~~يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة ، ولكنهم فعلوا ~~ذلك للبغي وطلب الرياسة فحملتهم الحمية النفسانية والأنفة الطبعية ، على أن ~~ذهب كل طائفة إلى مذهب ودعا الناس إليه وقبح ما سواه طلبا للذكر والرياسة ، ~~فصار ذلك سببا لوقوع الاختلاف ، ثم أخب تعالى أنهم ms8039 استحقوا العذاب بسبب هذا ~~الفعل ، إلا أنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب ، لأن لكل عذاب عنده أجلا مسمى ~~، أي وقتا معلوما ، إما لمحض المشيئة كما هو قولنا ، أو لأنه علم أن الصلاح ~~تحقيقه به كما عند المعتزلة ، وهو معنى قوله { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى ~~أجل مسمى لقضى بينهم } والأجل المسمى قد يكون في الدنيا وقد يكون في ~~القيامة ، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة من هم ؟ فقال الأكثرون هم ~~اليهود والنصارى ، والدليل قوله تعالى في آل عمران { وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } ( آل عمران : 19 ) وقال في ~~سورة لم يكن { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } ~~( البينة : 4 ) ولأن قوله { إلا من بعد ما جاءهم العلم } لائق بأهل الكتاب ~~، وقال آخرون : إنهم هم العرب ، وهذاباطل للوجوه المذكورة ، لأن قوله تعالى ~~بعد هذه الآية { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } لا يليق بالعرب ، لأن ~~الذين أورثوا الكتاب من بعدهم ، هم أهل الكتاب الذين كانوا في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { لفى شك منه } من كتابهم { مريب } لا يؤمنون به ~~حق الإيمان . # ثم قال تعالى : { فلذلك فادع واستقم كما أمرت } يعني فلأجل ذلك التفرق ~~ولأجل مات حدث من الاختلافات الكثيرة في الدين ، فادع إلى الاتفاق على ~~الملة الحنيفية واستقم عليهاوعلى الدعوة إليها ، كما أمرك الله ، ولا تتبع ~~أهواءهم المختلفة الباطلة { وقل ءامنت بما أنزل الله من كتاب } أي بأي كتاب ~~صح أن الله أنزله ، يعني لإيمان بجميع الكتب المنزلة ، لأن المتفرقين آمنوا ~~ببعض وكفروا ببعض ، ونظيره قوله { نؤمن ببعض ونكفر ببعض } إلى قوله { أولئك ~~هم الكافرون } ( النساء : 151 ) ثم قال : { وأمرت لاعدل بينكم } أي في ~~الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم إلي ، قل القفال : معناه أن ربي أمرني أن لا ~~أفرق بين نفسي وأنفسكم بأن آمركم بما لا أعمله ، أو أخالفكم إلى ما نهيتكم ~~عنه ، لكني أسوي بينكم وبين نفسي ، وكذلك أسوي بين أكابركم وأصاغركم فيما ~~يتعلق ms8040 بحكم الله . # ثم قال : { الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا ~~وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير } PageV27P136 والمعنى أن إله الكل ~~واحد / وكل واحد مخصوص بعمل نفسه ، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه ~~، فإن الله يجمع بين الكل في يوم القيامة ويجازيه على عمله ، والمقصود منه ~~المتاركة واشتغال كل أحد بمهم نفسه ، فإن قيل كيف يليق بهذه المتاركة ما ~~فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء ؟ قلنا هذه المتاركة ~~كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ، ودخل ~~فيه التوحيد ، وترك عبادة الأصنام ، والإقرار بنبوة الأنبياء ، وبحصة البعث ~~والقيامة ، فلما لم يقبلوا هذا الدين ، فحينئذ فات الشرط ، فلا جرم فات ~~المشروط . # وأعلم أنه ليس المراد من قوله { لا حجة بيننا وبينكم } تحريم ما يجري ~~مجرى محاجتهم ، ويدل عليه وجوه الأول : أن هذا الكلام مذكور فيمعرض المحاجة ~~، فلو كان المقصود من هذه الآية تحريم المحاجة ، لزم كونها محرمة لنفسها ~~وهو متناقض والثاني : أنه لولا الأدلة لما توجه التكليف الثالث : أن الدليل ~~يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه ، بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، وإنما تركوا تصديقه بغيا وعنادا ، فبين تعالى ~~أنه قد حصل الاستغناء عن محاجتهم لأنهم عرفوا بالحجة صدقه فلا حاجة معهم ~~إلى المحاجة ألبتة ، ومما يقوي قولنا : أنه لا يجوز تحريم المحاجة ، قوله { ~~وجادلهم بالتى هى أحسن } ( النحل : 125 ) وقوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك ~~} ( النحل : 125 ) وقوله { لا * تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن } ( ~~العنكبوت : 46 ) وقوله { قالوا يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } ( هود : ~~32 ) وقوله { وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه } ( الأنعام : 83 ) . # ثم قال تعالى : { والذين يحاجون فى الله } أي يخاصمون في دينه { من بعد ~~ما استجيب له } أي من بعد ما استجاب الناس لذلك الدين { حجتهم داحضة } أي ~~باطلة وتلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا ألستم تقولن إن الأخذ بالمتفق أولى ~~من الأخذ بالمختلف ؟ فنبوة موسى وحقية ms8041 التوراة معلومة بالاتفاق ، ونبوة ~~محمد ليست متفقا عليها ، فإذا بنيتم كلامكم في هذه الآية على أن الأخذ ~~بالمتفق أولى ، وجب أن يكون الأخذ باليهودية أولى ، فبين تعالى أن هذه ~~الحجة داحضة ، أي باطلة فاسدة ، وذلك لأن اليهود أطبقوا على أنه إنما وجب ~~الإيمان بموسى عليه السلام لأجد ظهور المعجزات على وقف قوله ، وههنا ظهرت ~~المعجزات على وفق قول محمد عليه السلام ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات ، ~~فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق ، فههنا يجب الإعتراف بنبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا ~~بنبوته . وأما الإقرار بنبوة موسى والإصرار على إنكار نبوة محمد مع ~~استوائهما في ظهور المعجزة يكون متناقضا ، ولما قرر الله هذه الدلائل خوف ~~المنكرين بعذاب القيامة ، فقال : { الله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان ~~وما يدريك لعل الساعة قريب } والمعنى أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على ~~أنواع الدلائل والبينات ، وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس ~~المستقيم ، وأنهم لا يعلمون أن القيامة متى تفاجئهم ومتى كان الأمر كذلك ، ~~وجب على العاقل أن يجد ويجتهد في النظر والاستدلال ، ويترك طريقة أهل الجهل ~~والتقليد ، ولما كان الرسول يهددهم بنزول القيامة وأكثر في ذلك ، وأنهم ما ~~رأوا منه أثرا قالوا على سبيل السخرية : فمتى تقوم القيامة ، وليتها قامت ~~حتى يظهر لنا أن الحق ما نحن عليه أو الذي عليه محمد وأصحابه ، فلدفع هذه ~~الشبهة قال تعالى : { يستعجل بها الذين لا يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ~~} والمعنى ظهر / وإنما يشفقون ويخافون لعلمهمأن عندها تمتنع التوبة ، وأما ~~منكر البعث فلأن لا يحصل له هذا الخوف . PageV27P137 # ثم قال : { ألا إن الذين يمارون فى الساعة لفى ضلال بعيد } والممارة ~~الملاجة ، قال الزجاج : الذين تدخلهم المرية والشك في وقوع الساعة ، ~~فيمارون فيها ويجحدون { لفى ضلال بعيد } لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم ~~واجب في العدل ، فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله تعالى ، ~~وهذا من أمحل المحالات ، فلا جرم كان إنكار القيامة ms8042 ضلالا بعيدا . # ثم قال : { الله لطيف بعباده } أي كثير الإحسان بهم ، وإنما حسن ذكر هذا ~~الكلام ههنا لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة ، ~~فكان ذلك من لطف الله بعباده ، وأيضا المتفرقون استوجبوا العذاب الشديد ، ~~ثم إنه تعالى أخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضا من لطف ا لله تعالى ، فلما ~~سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم ودفع أعظم المضار عنهم ، لا جرم حسن ذكره ~~ههنا ، ثم قال : { يرزق من يشاء } يعني أن أصل الإحسان والبر عام في حق كل ~~العباد ، وذلك هو الإحسان بالحياة والعقل والفهم ، وإعطاء ما لا بد منه من ~~الرزق ، ودفع أكثر الآفات والبليات عنهم ، فأما مراتب العطية والبهجة ~~فمتفاوتة مختلفة . # ثم قال : دهو القوي } أي القادر على كل ما يشاء { * } أي القادر على كل ~~ما يشاء { العزيز } الذي لا يغالب ولا يدافع . # ! 7 < { من كان يريد حرث الا خرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا ~~نؤته منها وما له فى الا خرة من نصيب * أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما ~~لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم * ~~ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~فى روضات الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير * ذلك الذى ~~يبشر الله عباده الذين ءامنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة فى القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور * أم ~~يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ~~ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور * وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ~~ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون * ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد } > 7 @QB@ < # | الشورى : ( 20 - 26 ) من كان يريد . . . . . # > > PageV27P138 # اعلم أنه تعالى لما بين كون لطيفا بعبداه كثير الإحسان إليهم بين أنه لا ~~بد لهم من أن ms8043 يسعوا في طلب الخيرات وفي الاحتراز عن القبائح فقال : { من ~~كان يريد حرث الاخرة نزد له فى حرثه } قال صاحب ( الكشاف ) إنه تعالى سمى ~~ما يعمله العامل مما يطلب به القائدة حرثا على سبيل المجاز وفي الآية مسائل ~~: # المسألة الأولى : أنه تعالى أظهر الفرق في هذه الآية بين من أراد الآخرة ~~وبين من أراد الدنيا من وجوه الأول : أنه قدم مريد حرث الآخرة في الذكر على ~~مريد حرث الدنيا ، وذلك يدل على التفضيل ، لأنه وصفه بكونه آخرة ثم قدمه في ~~الذكر تنبيها على قوله ( نحن لآخرون السابقون ) الثاني : أنه قال في مريد ~~حرث الآخرة { نزد له فى حرثه } وقال في مريد حرث الدينا { نؤته منها } ~~وكلمة من للتبعيض ، فالمعنى أنه يعطيه بعض ما يطلبه ولا يؤتين كله ، وقال ~~في سورة بني إسرائيل { عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد } ( الإسرار : 18 ) ~~وأقوال البرهان العقلي مساعد على البابين ، وذلك لأن كل من عمل للآخرة ~~وواظب على ذلك العمل ، فكثرة الأعمال سبب لحصول الملكات ، فكل من كانت ~~مواظبته على تلك الأعمال أكثر كان ميل قلبه إلى طلب الآخرة أكثر ، وكلما ~~كان الأمر كذلك كان الابتهاج أعظم والسعادات أكثر ، وذلك هو المراد بقوله { ~~نزد له فى حرثه } وأما طالب الدنيا فكلما كانت مواظبته على أعمال ذلك الطلب ~~أكثر كانت رغبته في الفوز بالدنيا أكثر وميله إليها أشد ، وإذا كان الميل ~~أبدا في التزايد ، وكان حصول المطلوب باقيا على حالة واحدة كان الحرمان ~~لازما لامحالة الثالث : أنه تعالى قال في طالب حرث الآخرة { نرد * له فى ~~حرثه } ذ ولم يذكر أنه تعالى يعطيه الدنيا أم لا ، بل بقي الكلام ساكتا عنه ~~نفيا وإثباتا ، وأما طالب حرث الدنيا فإنه تعالى بين أنه لا يعطيه شيئا من ~~نصيب الآخرة على التنصيص ، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول الآخرة ~~أصل والدنيا تبع ، فواجد الأصل يكون واجدا للتبع بقدر الحاجة / إلا أنه لم ~~يذكر ذلك تنبيها على أن الدنيا أخس من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة والرابع ms8044 : ~~أنه تعالى بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه ، وبينأن طالب الدنيا يعطي ~~بعض مطلوبه من الدنيا ، وأما افي الآخرة فإنه لا يحصل له نصيب ألبتة ، فبين ~~بالكلام الأول أن طالب الآخرة يكون حاله أبدا في الترقي والتزايد وبين ~~بالكلام الثاني أن طالب الدني يكون حاله في المقام الأول في النقصان وفي ~~المقام الثاني في البطلان التامالخامس : أن الآخرة نسيئة والدنيا نقد ~~والنسيئة مرجوجة بالنسبة إلى النقد ، لأنالناس يقولون النقد خير من النسيئة ~~فبين تعالى أن هذه القضية انعكست بالنسبة إلى أحوال الآخرة والدنيا ، ~~فالآخرة وإن كانت نقدا إلا أنها متوجهة للزيادة والدوام فكانت أفضل وأكمل ، ~~والدنيا وإن كانت نقدا إلا أنها متوجهة إلى النقصان ثم إلى البطلان فكانت ~~أخس وأرذل ، فهذا يدل على أن حال الآخرة لا يناسب حال الدنيا ألبتة ، وأنه ~~ليس في الدنيا من أحوال الآخرة إلا مجرد الاسم كما هو مروي عن ابن عباس ~~السادس : الآية دالة على أن منافع الآخرة والدنيا ليست حاضرة بل لا بد في ~~البابين من الحرث ، والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق في البذر ثم التسقية ~~والتنمية والحصد ثم التنقية ، فلما سمى الله كلا القسمين حرثا علمنا أن كل ~~واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق ، ثم بين تعالى أن مصير ~~الآخرة إلى الزيادة والكمال وإن مصير الدنيا PageV27P139 إلى النقصان ثم ~~الفناء ، فكأنه قيل إذا كان لا بد في القسمين جميعا من تحمل متاعب الحراثة ~~والتسمية والتنمية والحصد والتنقية ، فلأن تصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في ~~التزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يكون في النقصان والانقضاء والفناء . # المسألة الثانية : في تفسير قوله { نزد له فى حرثه } قولان الأول : ~~المعنى أنا نزيد في توقيفه وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطاعات عليه ، ~~وقال مقاتل { نزد له فى حرثه } بتضعيف الثواب ، قال تعالى : { ليوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله } ( فاطر : 30 ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : ( من أصبح وهمه الدنيا شئت لله تعالى عليه همه وجعل فقره بين عينيه ، ~~ولم ms8045 يأته من الدنيا إلى ما كتب له ، ومن أصبح همه الآخرة جمع الله همه وجعل ~~غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة عن أنفها ) أو لفظ يقرب من أن يكون ~~هذا معناه . # المسألة الثالثة : ظاهر اللفظ يدل على أن من صلى لأجل طلب الثواب أو لأجل ~~دفع العقاب فإنه تصح صلاته ، وأجمعوا على أنها لا تصح والجواب : أنه تعالى ~~قال : { من كان يريد حرث الاخرة } والحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح ~~في الأرض ، والبذر الصحيح لجميع الخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله ~~تعالى . # المسألة الرابعة : قال أصحابنا إذا توضأ بغير نية لم يصح ، قالوا لأن هذا ~~الإنسان ما أراد حرث الآخرة ، لأن الكلام فيما إذا كان غافلا عن ذكر الله ~~وعن الآخرة ، فوجب أن لا يحصل له نصيب فيما يتعلق بالآخرة والخروج عن عهدة ~~الصلاة من باب منافع الآخرة ، فوجب أن لا يحصل في الوضوء العاري عن النية . # وأعلم أن الله تعالى لما بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال ~~الآخرة والدنيا أردفه بالتنبيه على ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة ~~فقال : { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } ومعنى ~~الهمزة في أم التقرير والتقريع و { شركاؤهم } شياطينهم الذين زينوا الشرك ~~وإنكار البعث والعمل للدنيا لأنهم يعلمون غيرها ، وقيل { شركاؤهم } أوثانهم ~~، وإنما أضيفت إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء الله ، ولما كان سببا ~~لضلالتهم جعلت شارعة لدين الضلالة كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : { ~~رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } ( إبراهيم : 36 ) وقوله { شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله } يعني أن تكل الشرائع بأسرها على ضدين لله ، ثم ~~قال : { ولولا كلمة الفصل } أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ، أو يقال ~~ولولا الوعد بأن الفصل أن يكون يوم القيمة { لقضي بينهم } أي بين الكافرين ~~والمؤمنين أو بين المشركين وشركائهم { وإن الظالمين لهم عذاب أليم } وقرأ ~~بعضهم ، وأن بفتح الهمزة في أن عطفا له على كلمة الفصل يعني { ولولا كلمة ~~الفصل } وأن تقريره ms8046 تعذيب الظالمين في الآخرة { لقضي بينهم } في الدنيا إنه ~~تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب الأول : فهو قوله { ترى ~~الظالمين مشفقين } خائفين خوفا شديدا { مما كسبوا } من السيئات { وهو واقع ~~بهم } يريد أن وباله واقع بهم سواء أشفقوا أو لم يشفقو ، أما الثاني : فهو ~~أحوال أهل الثواب وهو قوله تعالى : { والذين ءامنوا * وعملوا الصالحات فى ~~روضات الجنات } لأن روضة الجنة أطيب بقعة فيها ، وفي الآية تنبيه على أن ~~الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة ، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بروضات الجنات ، وهي البقاع الشريفة من الجنة ، فالبقاع التي دون ~~تلك الروضات لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ، ثم قال : { لهم ما يشاءون عند ربهم } PageV27P140 وهذا يدل على ~~أن كل الأشياء حاضرة عنده مهيأة ، ثم قال تعالى في تعظيم هذه الدرجة { ذلك ~~هو الفضل الكبير } وأصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الثواب غير واجب على ~~الله ، وإنما يحصل بطريق الفضل من الله تعالى قال : { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات فى روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم } فهذا يدل على أن روضات ~~الجنات ووجدان كل ما يريدونه إنما كان جزاء على الإيمان والأعمال الصالحات ~~. # ثم قال تعالى : { ذلك هو الفضل الكبير } وهذا تصريح بأن الجزاء المرتب ~~على العمل إنما حصل بطريق الفضل لا بطريق الاستحقاق . # ثم قال : { ذلك الذى يبشر الله عباده الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } قال ~~صاحب ( الكشاف ) قرىء يبشر من بشره ويبشر من أبشره ويبشر من بشره . # واعلم أن هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه الأول : أن الله ~~سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصاحات روضات الجنات ، والسلطان الذي هو أعظم ~~الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاء ، دل ذلك على أن ذلك الجزاء ~~قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا الله تعالى الثاني : أنه تعالى قال : { ~~لهم ما يشاءون عند ربهم } وقوله { لهم ما يشاءون } يدخل في باب غير ~~المتناهي لأنه لا درجة ms8047 إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منهاالثالث : أنه ~~تعالى قال : { ذلك هو الفضل الكبير } والذي يحكم بكبره من له الكبرياء ~~والعظمة على الإطلاق كان في غاية الكبر الرابع : أنه تعالى أعاد البشارة ~~على سبيل التعظيم فقال : { الذين * يبشر الله عباده } وذلك يدل أيضا على ~~غاية العظمة ، نسأل الله الفوز بها والوصول إليها . # واعمل أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب الشريف ~~العالي وأودع فيه الثلاثة أقسام الدلائل وأصناف التكاليف ، ورتب على الطاعة ~~الثواب ، وعلى المعصية العقاب ، بين أني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ ~~نفعا عاجلا ومطلوبا حاضرا ، لئلا يتخيل جاهل أن مقصود محمد صلى الله عليه ~~وسلم من هذا التبليغ المال والجاه فقال : { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا ~~المودة فى القربى } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكر الناس في هذه الآية ثلاثة أقوال : # الأول : قال الشعبي أكثر الناس علينا في هذه الآية ، فكتبنا إلى بن عباس ~~نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط ~~النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله { قل لا أسألكم } ~~على ما أدعوكم إليه { أجرا إلا } أن تودوني لقرابتي منكم ، والمعنى أنكم ~~قومي وأحق من أجابني وأطاعني ، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا ~~تؤذوني ولا تهيجوا علي . # والقول الثاني : روى الكلبي عن بن عباس رضي الله عنهما قال إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس في يده سعة ، ~~فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في ~~بلدكم ، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم ، فنزل ~~قوله تعلى : { قل لا أسألكم عليه أجرا } أي على الإيمان إلا أنتودوا أقاربي ~~فحثهم على مودة أقاربه . PageV27P141 # القول الثالث : ما ذكره الحسن فقال : إلا أن تودوا إلى الله فيما يقربكم ~~إليه من التودد إليه بالعمل الصالح ، فالقربى على القول الأول القرابة التي ~~هي ms8048 بمعنى الرحم وعلى الثاني القرابة التي هي بمعنى الأقارب ، وعلى الثالث ~~هي فعلى من القرب والتقريب ، فإن قيل الآية مشكلة ، ذلك لأن طلب الأجر على ~~تبليغ الوحي لايجوز ويدل عليه وجوه : # الأول : أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء عليهم السلام أنهم صرحوا بنفي ~~طلب الأجرة ، فذكر في قصة نوح عليه السلام { وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجرى إلا على رب العالمين } ( الشعراء : 109 ) وكذا في قصة هود وصالح ، وفي ~~قصة لوط وشعيب عليهم السلام ، ورسولنا أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام ~~فكان بأن لا يطلب الأجر على النوبة والرسالة أولى الثاني : أنه صلى الله ~~عليه وسلم صرح بنفي طلب الأجر في سائر الآيات فقال : { قل ما سألتكم من أجر ~~فهو لكم } ( سبأ : 47 ) وقال : { قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين } ( ص : 86 ) الثالث : العقل يدل عليه وذلك لأن ذلك التبليغ كان ~~واجبا عليه قال تعالى : { بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته } ( المائدة : 67 ) وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس ~~فضلا عن أعلم العلماء الرابع : أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى في ~~صفة الحكمة { ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } ( البقرة : 269 ) وقال ~~في صفة الدنيا { قل متاع الدنيا قليل } ( النساء : 77 ) فكيف يحسن في العقل ~~مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء الخامس : أن طلب الأجر كان يوجب التهمة ، ~~وذلك ينافي القطع بصحة النبوة ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يطلب أجرا ألبتة على التبليغ والرسالة ، وظاهر هذه الآية ~~يقتضي أنه طلب أجرا على التبليغ والرسالة ، وهو المودة في القربى هذا تقرير ~~السؤال ، والجواب عنه : أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ ~~والرسالة ، بقي قوله { إلا المودة فى القربى } نقول الجواب عنه من وجهين ~~الأول : أن هذا من باب قوله : # ولا عيب غير أن سيوفهم # بها من قراع الدارعين فلول المعنى أنا لا أطلب ms8049 منكم إلا هذا وهذا في ~~الحقيقة ليس أجرا لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى : { ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ( التوبة : 71 ) وقال صلى الله ~~عليه وسلم : ( المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا ) والآيات والأخبار في هذا ~~الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجبا فحصولها في حق ~~أشرف المسلمين وأكابرهم أولى ، وقوله تعلى : { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا ~~المودة فى القربى } تقديره والمودة في القربى ليست أجرا ، فرجع الحاصل إلى ~~أنه لا أجر ألبتة الوجه الثاني : في الجواب أن هذا استثناء منقطع ، وتم ~~الكلام عند قوله { قل لا أسألكم عليه أجرا } . # ثم قال : { إلا المودة فى القربى } أي لكن أذكركم قرابتي منكم وكأنه في ~~اللفظ أجر وليس بأجر . # المسألة الثالثة : نقل صاحب ( الكشاف ) : عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : ( من مات على حب آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد ~~مات مغفورا له ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا ، ألا ومن مات على ~~حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ~~ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى ~~الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له ~~في قبره بابان إلى الجنة ، ألا ومن مات على حب آل محمد PageV27P142 جعل ~~الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة ~~والجماعة ، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه ~~آيس من رحمة الله ، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا ، ألا ومن مات ~~على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة ) هذا هو الذي رواه صاحب ( الكشاف ) ، ~~وأنا أقول : آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل من ~~كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل ، ولا شك ms8050 أن فاطمة وعليا والحسن ~~والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التعلقات ~~وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل ، وأيضا اختلف الناس ~~في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته ، فإن حملناه على القرابة فهم الآل ، ~~وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضا آل فثبت أن على جميع ~~التقديرات هم الآل ، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل ؟ فمختلف فيه . ~~وروى صاحب ( الكشاف ) أنه لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله من قرابتك ~~هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ فقال علي وفاطمة وابناهما ، فثبت أن هؤلاء ~~الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا ~~مخصوصين بمزيد التعظيم ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى : { إلا المودة ~~فى القربى } ووجه الاستدلال به ما سبق الثاني : لا شك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يحب فاطمة عليها السلام قال صلى الله عليه وسلم : ( فاطمة ~~بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ) وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يحب عليا والحسن والحسين وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة ~~مثله لقوله { واتبعوه لعلكم تهتدون } ( الأعراف : 158 ) ولقوله تعالى : { ~~فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ( النور : 63 ) ولقوله { قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعونى يحببكم الله } ( آل عمران : 31 ) ولقوله سبحانه { لقد كان ~~لكم فى رسول الله أسوة حسنة } ( الأحزاب : 21 ) الثالث : أن الدعاء للآل ~~منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد ، وهذا التعظيم لم يوجد في حق ~~غير الآل ، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب ، وقال الشافعي رضي الله ~~عنه : # يا راكبا قف بالمحصب من منى # واهتف بساكن خيفها والناهضسحرا إذا فاض الحجيج إلى منى # فيضا كما نظم الفرات الفائضإن كان رفضا حب آل محمد # فليشهد الثقلان أنى رافضي المسألة الثانية : قوله { إلا المودة فى القربى ~~} فيه ms8051 منصب عظيم للصحابة لأنه تعالى قال : { والسابقون السابقون * أولئك ~~المقربون } ( الواقعة : 10 ) فكل من أطاع الله كان مقربا عند الله تعالى ~~فدخل تحت قوله { إلا المودة فى القربى } والحاصل أن هذه الآية تدل على وجوب ~~حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه ، وهذا المنصب لا يسلم إلا ~~على وقل أصحابنا أهل السنة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة ، ~~وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل أهل بيتي كمثل ~~سفينة نوح من ركب فيها نجا ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( أصحابي كالنجوم ~~بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات ~~والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين أحدهما : السفينة الخالية عن العيوب ~~والثقب والثاني : الكواتكب الظاهرة الطالعة النيرة ، فإذا ركب تلك السفينة ~~ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالبا ، فكذلك ركب ~~أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة فرجوا ~~من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدينا والآخرة . ~~PageV27P143 # ولنرجع إلى التفسير : أورد صاحب ( الكشاف ) : على نفسه سؤالا فقال : هلا ~~قيل إلا مودة القربى ، أو إلا مودة للقربى ، وما معنى قوله { إلا المودة فى ~~القربى } ؟ وأجاب عنه بأن قال جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها كقوله لي في آل ~~فلان مودة ولي فيهم هوى وحب شديد ، تريد أحبهم وخم مكان حبي ومحله . # ثم قال تعالى : { ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا } قيل نزلت هذه الآية ~~في أبي بكر رضي الله عنه ، والظاهر العموم في أي حسنة كانت ، إلا أنها لما ~~ذكرت عقيب ذكر المودة في القربى ذل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك ~~المودة . # ثم قال تعالى : { إن الله غفور شكور } والشكور في حق الله تعالى مجاز ~~والمعنى أنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد ~~عليه أنواعا كثيرة من التفضيل . # وقال تعالى : { أم يقولون * فترى * على الله كذبا } واعلم أن الكلام في ~~أول السورة إنما اتبدىء في ms8052 تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بوحي الله وهو ~~قوله تعالى : { كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } ( ~~الشورى : 3 ) واتصل الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق البعض بالبعض حتى وصل ~~إلى ههنا ، ثم حكى ههنا شبهة القوم وهي قولهم : إن هذا ليس وحيا من الله ~~تعالى فقال : { أم * ممن افترى على الله كذبا } قال صاحب ( الكشاف ) : أم ~~منقطعة ، ومعنى الهمزة نفس التوبيخ كأنه قيل : أيقع في قلوبهم ويجري في ~~ألسنتهم أن ينسبوا مثله إلى الافتراء على الله الذي هو أقبح أنواع الفرية ~~وأفحشها ، ثم أجاب عنه بأن قال : { فإن يشإ الله يختم على قلبك } وفيه وجوه ~~الأول : قال مجاهد يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم ~~إن مفتر كذاب والثاني : يعني بهذا الكلام أنه إن يشأ الله يجعلك من المختوم ~~على قلوبهم حتى يفتري عليه الكذب فإن لا يجترىء على افتراء الكذب على الله ~~إلا من كان في مثل هذه الحالة ، والمقصود من ذكر هذا الكلام المبالغة في ~~تقرير الاستبعاد ، ومثاله أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول ~~الأمين / لعل الله خذلني لعل الله أعمى قلبي ، وهو لا يريد إثبات الخذلان ~~وعمى القلب لنفسه ، وإنما يريد استبعاد صدور الخيانة عنه . # ثم قال تعالى : { ويمح الله الباطل ويحق الحق } أي ومن عادة الله إبطال ~~الباطل وتقرير الحق فلو كان محمد مبطلا كذابا لفضحه الله ولكشف عن باطله ~~ولما أيده بالقوة والنصرة ، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس من ~~الكاذبين المفترين على الله ، ويجوز أن يكون هذا وعدا من الله لرسوله بأنه ~~يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والفرية والتكذيب ويثبت الحق الذي كان ~~محمد صلى الله عليه وسلم عليه . # ثم قال : { إنه عليم بذات الصدور } أي إن الله عليم بما في صدرك وصدورهم ~~فيجري الأمر على حسب ذلك ، وعن قتادة يختم على قلبك ينسيك القرآن ويقطع عنك ~~الوحي ، بمعنى لو افترى على الله الكذب لفعل الله به ذلك . # واعلم ms8053 أنه تعالى لما قال : { أم يقولون افترى على الله كذبا } ثم برأ ~~رسوله مما أضافوه إليه من هذا وكان من المعلوم أنهم قد استحقوا بهذه الفرية ~~عقابا عظيما ، لا جرم ندبهم الله على التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء ~~وإن عظمت إساءته ، فقال : { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن ~~السيئات } وفي هذه الآية مسائل : PageV27P144 # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : يقال قبلت منه الشيء وقبلته عنه ~~، فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته مبدأ قبلو ومنشأه ، ومعنى قبلته عنه ~~أخذته وأثبته عنه وقد سبق البحث المستقصى عن حقيقة التوبة في سورة البقرة ، ~~وأقل ما لا بد منه الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود ~~إليه في المستقبل ، وروى جابر أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر ، فلما فرغ من صلاته قال له ~~علي عليه السلام يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين فتوبتك ~~تحتاج إلى توبة ، فقال يا أمير المؤمنين وما التوبة ؟ فقال اسم يقع على ستة ~~أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم ~~وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة ~~كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة يجب على الله تعالى عقلا قبول التوبة ، ~~وقال أصحابنا لا يجب على الله شيء وكل ما يفعله فإنما يفعله بالكرم والفضل ~~، واحتجوا على صحة مذهبهم بهذه الآية فقالوا إنه تعالى تمدح بقبول التوبة ، ~~ولو كان ذلك القبول واجبا لما حصل التمدح العظيم ، ألا ترى أن من مدح نفسه ~~بأن لا يضرب الناس ظلما ولا يقتلهم غضبا ، كان ذلك مدحا قليلا ، أما إذا ~~قال إني أحسن إليهم مع أن ذلك لا يجب علي كان ذلك مدحا وثناء . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ويعفوا عن السيئات } إما أن يكون ~~المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد الإتيان بالتوبة ، أو المراد منه أنه ~~يعفو عن ms8054 الصغائر ، أو المراد منته أنه يعفو عن الكبائر قبل التوبة ، والأول ~~باطل وإلا لصار قوله { ويعفوا عن السيئات } عين قوله { وهو الذى يقبل ~~التوبة } والتكرار خلاف الأصل ، والثاني أيضا باطل لأن ذلك واجب وأداء ~~الواجب لا يتمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة ~~قبول التوبة وتارة يعفو ابتداء من غير توبة . # ثم قال : { ويعلم ما تفعلون } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على ~~المخاطبة والباقون بالياء على المغايبة ، والمعنى أنه تعالى يعلمه فيثيبه ~~على حسناته ويعاقبه على سيئاته . # ثم قال : { ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله } وفيه ~~قولان أحدهما : الذين آمنوا وعملوا الصالحات رفع على أنه فاعل تقديره ويجيب ~~المؤمنون الله فيما دعاهم إليه . والثاني : محله نصب والفاعل مضمر وهو الله ~~وتقديره ، ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف في قوله { وإذا ~~كالوهم } ( المطففين : 3 ) وهذا الثاني أولى لأن الخبر فيما قبل وبعد عن ~~الله لأن ما قبل الآية قوله تعالى : { وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ~~ويعفوا عن السيئات } وما بعدها قوله { ويزيدهم من فضله } فيزيد عطف على ~~ويستجيب ، وعلى الأول ويجيب العبد ويزيد الله من فضله . # أما من قال إن الفعل للذين آمنوا ففيه وجهان : أحدهما : ويجيب المؤمنون ~~ربهم فيما دعاهم إليه والثاني : يطيعونه فيما أمرهم به ، والاستجابة الطاعة ~~. # وأما من قال إن الفعل لله فقد اختلفوا ، فقيل يجيب الله دعاء المؤمنين ~~ويزيدهم ما طلبوه من فضله ، فإن قالوا تخصيص المؤمنين بإجابة الدعاء هل يدل ~~على أنه تعالى لا يجيب دعاء اكفار ؟ قلنا قال بعضهم لا يجوز لأن إجابة ~~الدعاء تعظيم ، وذلك لا يليق بالكفار ، وقيل يجوز على بعض الوجوه ، وفائدة ~~التخصيص أن PageV27P145 إجابة دعاء المؤمنين تكون على سلبيل التشريف ، ~~وإجابة دعاء الكافرين تكون على سبيل الاستدراج ، ثم قال : { ويزيدهم من ~~فضله } أي يزيدهم على ما طلبوه بالدعاء { والكافرون لهم عذاب شديد } ~~والمقصود التهديد . # ! 7 < { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الا رض ولاكن ينزل بقدر ما ~~يشآء ms8055 إنه بعباده خبير بصير * وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته وهو الولى الحميد * ومن ءاياته خلق السماوات والا رض وما بث فيهما من ~~دآبة وهو على جمعهم إذا يشآء قدير * ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير * ومآ أنتم بمعجزين فى الا رض وما لكم من دون الله من ولى ~~ولا نصير } . > 7 ! # < < # | الشورى : ( 27 ) ولو بسط الله . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : إنه يجيب ~~دعاء المؤمنين ورد عليه سؤال وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبلية وفقر ثم ~~يدعو فلا يشاهد أثر الإجابة فكيف الحال فيه مع ما تقدم من قوله { ويستجيب ~~الذين ءامنوا } ؟ فأجاب تعالى عنه بقوله { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ~~فى الارض } أي ولأقدموا على المعاصي ، ولما كان ذلك محذورا وجب أن يعطيهم ~~ما طلبوه ، قال الجبائي : هذه الآية تدل على بطلان قول المجبرة من وجهين : ~~الأول : أن حاصل الكلام أنه تعالى : { لو * بسط * الرزق لعباده لبغوا فى ~~الارض } والبغي في الأرض غير مراد فإرادة بسط الرزق غير حاصلة ، فهذا ~~الكلام إنما يتم إذا قلنا إنه تعالى يريد البغي في الأرض ، وذلك يوجب فساد ~~قول المجبرة الثاني : أنه تعالى بين أنه إنما لم يرد بسط الرزق لأنه يفضي ~~إلى المفسدة فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون ~~مريدا للمفسدة كان أولى ، أجاب أصحابنا بأن الميل الشديد إلى البغي والقسوة ~~والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن فلا بد لها من فاعل ، وفاعل هذه الأحوال إما ~~العبد أو الله والأول باطل لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليها ~~فيعود السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني ؟ ويلزم التسلسل ، وأيضا ~~فالميل الشديد إلى الظلم ولاقسوة عيوب ونقصانات ، والعاقل لا يرضى بتحصيل ~~موجبات النقصان لنفسه ، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو ~~الله تعالى ، ثم أورد الجبائي في ( تفسيره ) على ms8056 نفسه سؤالا قال : فإن قيل ~~أليس قد بسط الله الرزق لبعض عباده مع أنه بغى ؟ وأجاب عنه بأن الذي عنده ~~الرزق وبغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أعطى ذلك الرزق ~~أو لم يعط ، وأقول هذا الجواب فاسد ويدل عليه القرآن PageV27P146 والعقل ، ~~أما القرآن فقوله تعالى : { إن الإنسان ليطغى * أن رءاه استغنى } ( العلق : ~~6 ، 7 ) حكم مطلقا بأن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان . وأما العقل فهو أن ~~النفس إذا كانت مائلة إلى الشر لكنها كانت فاقدة للآلات والأدوات كان الشر ~~أقل ، وإذا كانت واجدة لها كان الشر أكثر ، فثبت أن وجدان المال يوجب ~~الطغيان . # المسألة الثانية : في بيان الوجه الذي لأجله كان التوسع موجبا للطغيان ~~ذكروا فيه وجوها الأول : أن الله تعالى لو سوى في الرزق بين الكل لامتنع ~~كون البعض خادما للبعض ولو صار الأمر كذلك لخرب العالم وتعطلت المصالح ~~الثاني : أن هذه الآية مختصة بالعرب فإنه كلما اتسع رزقهم ووجدوا من المطر ~~ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم أقدموا على النهب والغارة الثالث : ~~أن الإنسان متكبر بالطبع فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته ~~الأصلية وهو التكبر ، وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر فعاد إلى الطاعة ~~والتواضع . # المسألة الثالثة : قال خباب بن الأرث فينا نزلت هذه الآية وذلك أنا نظرنا ~~إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها ، وقيل نزلت في أهل ~~الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى . # ثم قال تعالى : { ولاكن ينزل بقدر ما يشاء } قرأ ابن كثير وأبو عمرو { ~~ينزل } خفيفة والباقون بالتشديد ، ثم نقول { بقدر } بتقدير يقال قدره قدرا ~~وقدرا { إنه بعباده خبير بصير } يعني أنه عالم بأحوال الناس وبطباعهم ~~وبعواقب أمورهم فيقدر أرزاقهم على وفق مصالحهم ، ولما بين تعالى أنه لا ~~يعطيهم ما زاد على قدر حاجتهم لأجل أنه علم أن تلك الزيادة تضرهم في دينهم ~~بين أنهم إذا احتاجوا إلى الرزق فإنه لا يمنعهم منه فقال : { وهو الذى ينزل ~~الغيث من بعد ما قنطوا } قرأ نافع وابن ms8057 عامر وعاصم { ينزل } مشددة والباقون ~~مخففة ، قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { قنطوا } بفتح النون وكسرها ، وإنزال ~~الغيث بعد القنوط أدعى إلى الشكر لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتم ، ~~فكان إقدام صاحبه على الشكر أكثر { وينشر رحمته } أي بركات الغيث ومنافعه ~~وما يحصل به من الخصب ، وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له ( اشتد القحط وقنط ~~الناس فقال : إذن مطروا ) أراد هذه الآية ، ويجوز أن يريد رحمته الواسعة في ~~كل شيء كأنه قيل ينزل الرحمة التي هي الغيث وينشر سائر أنواع الرحمة { وهو ~~الولى } { * الوالي } الذي يتولى عباده بإحسانه و { العزيز الحميد } ~~المحمود على ما يوصل للخلق من أقسام الرحمة ، ثم ذكر آية أخرى تدل على ~~إلهيته فقال : { ومن ءاياته خلق * السماوات والارض * وما بث فيهما من دابة ~~} فنقول : أما دلالة خلق السموات والأرض على وجود الإله الحكيم فقد ذكرناها ~~وكذلك دلالة وجود الحيوانات على وجود الإله الحكيم ، فإن قيل كيف يجوز ~~إطلاق لفظ الدابة على الملائكة ؟ قلنا فيه وجوه الأول : أنه قد يضاف الفعل ~~إلى جماعة وإن كان فاعله واحدا منهم يقال بنو فلان فعلوا كذا ، وإنما فعله ~~واحد منهم ومنه قوله تعالى : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ( الرحمن : 22 ~~) الثاني : أن الدبيب هو الحركة ، والملائكة لهم حركة الثالث : لا يبعد أن ~~يقال إنه تعالى خلق في السموات أنواعا من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على ~~الأرض . # ثم قال تعالى : { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } قال صاحب ( الكشاف ) : ~~إذا تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي ، قال تعالى : { واليل إذا يغشى ~~} ( الليل : 1 ) ومنه { إذا يشاء قدير } والمقصود أنه تعالى خلقها متفرقة ، ~~لا لعجز ولكن لمصلحة ، فلهذا قال : { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } يعني ~~الجمع للحشر PageV27P147 والمحاسبة ، وإنما قال : { على جمعهم } ولم يقل ~~على جمعها ، لأجل أن المقصود من هذا الجمع المحاسبة ، فكأنه تعالى قال : ~~وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير ، واحتج الجبائي بقوله { إذا يشاء قدير ~~} على أن مشيئته تعالى محدثة بأن قال : إن كلمة { إذا } تفيد ms8058 ظرف الزمان ، ~~وكلمة { يشاء } صيغة المستقبل ، فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن ~~لتخصيصها بذلك الوقت المعين من المستقبل فائدة ، ولما دل قوله { إذا يشاء ~~قدير } على هذا التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة والجواب : أن هاتين ~~الكلمتين كما دخلتا على المشيئة ، أي مشيئة الله ، فقد دخلتا أيضا على لفظ ~~القدير فلزم على هذا أن يكون كونه قادرا صفة محدثة ، ولما كان هذا باطلا ، ~~فكذا القول فيما ذكره ، والله أعلم . # ثم قال تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر { بما كسبت } بغير فاء ، وكذلك هي ~~في مصاحف الشام والمدينة ، والباقون بالفاء وكذلك هي في مصاحفهم ، وتقدير ~~الأول أن ما مبتدأ بمعنى الذي ، وبما كسبت خبره ، والمعنى والذي أصابكم وقع ~~بما كسبت أيديكم ، وتقدير الثاني تضمين كلمة : ما معنى الشرطية . # المسألة الثانية : المراد بهذه الصمائب الأحوال المكروهة نحو الآلام ~~والأسقام القحط والغرق والصواعق وأشباهها ، واختلفوا في نحو الآلام أنها هل ~~هي عقوبات على ذنوب سلفت أم لا ؟ منهم من أنكر ذلك لوجوه الأولى : قوله ~~تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ( غافر : 17 ) بين تعالى أن الجزاء ~~إنما يحصل في يوم القيامة ، وقال تعالى في سورة الفاتحة { مالك يوم الدين } ~~( الفاتحة : 4 ) أي يوم الجزاء ، وأطبقوا على أن المراد منه يوم القيامة ~~والثاني : أن مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق ، وما يكون كذلك ~~امتنع جعله من باب العقوبة على الذنوب ، بل الاستقراء يدل على أن حصول هذه ~~المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين ، ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم : ( خص البلاء بالأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل ) الثالث ~~: أن الدنيا دار التكليف ، فلو جعل الجزاء فيها لكانت الدينا دار التكليف ~~ودار الجزاء معا ، وهو محال ، وأما القائلون بأن هذه المصائب قد تكون أجزية ~~على الذنوب المتقدنمة ، فقد تمسكوا أيضا بما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن قال : ( لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا غيره إلا بذنب أو لفظ ms8059 ) هذا ~~معناه وتمسكوا أيضا بقوله تعالى بعد هذه الآية { أو يوبقهن بما كسبوا } ( ~~الشورى : 34 ) وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك كان بسبب كسبهم ، وأجاب الأولون ~~عن التمسك بهذه الآية ، فقالوا إن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان ~~في التكليف ، لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء ، ويحمل قوله ~~{ فبما كسبت أيديكم } على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه ~~المصائب عليكم ، وكذا الجواب عن بقية الدلائل ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : احتج أهل التناسخ بهذه الآية ، وكذلك الذين يقولون إن ~~الأطفال البهائم لا تتألم ، فقالوا دلت الآية على أن حصول المصائب لا يكون ~~إلا لسابقة الجرم ، ثم إن أهل التناسخ قالوا : لكن هذه المصائب حاصلة ~~للأطفال والبهائم ، فوجب أن يكون قد حصل لها ذنوب في الزمان السابق ، وأما ~~القائلون بأن الأطفال والبهائم ليس لها ألم قالوا قد ثبت أن هذه الأطفال ~~والبهائم ما كانت موجودة فيبدن آخر لفساد القول بالتناسخ فوجب القطع بأنها ~~لا تتألم إذ الألم مصيبة والجواب : أن قوله تعالى : { وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم } PageV27P148 خطاب مع من يفهم ويعقل ، فلا يدخل فيه ~~البهائم والأطفال ، ولم يقل تعالى : إن جميع ما يصيب الحيوان من المكاره ~~فإنه بسبب ذنب سابق ، والله أعلم . # المسألة الرابعة : قوله { فبما كسبت أيديكم } يقتضي إضافة الكسب إلى اليد ~~، قال والكسب لا يكون باليد ، بل بالقدرة القائمة باليد ، وإذا كان المراد ~~من لفظ اليد هاهنا القدرة ، وكان هذا المجاز مشهورا مستعملا كان لفظ اليد ~~الوارد في حق الله تعالى يجب حمله على القدرة تنزيها لله تعالى عن الأعضاء ~~والأجزاء ، والله أعلم . # ثم قال تعالى : { ويعفوا عن كثير } ومعناه أنه تعالى قد يترك الكثير من ~~هذه التشديدات بفضله ورحمته ، وعن الحسن قال : دخلنا على عمران بن حصين في ~~الوجع الشديد ، فقيل له : إنا لنغتم لك من بعض ما نرى ، فقال لا تفعلوا ~~فوالله إن أحبه إلى الله أحبه إلي ، وقرأ { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم } فهذا بما كسبت يداي ms8060 / وسيأتيني عفو ربي ، وقد روى أبو سخلة عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال ~~: ( ما عفى الله عنه فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة ، وما عاقب ~~عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد العذاب عليه في الآخرة ) رواه ~~الواحدي في ( البسيط ) ، وقال إذا كان كذلك فهذه أرجى آية في كتاب الله لأن ~~الله تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين : صنف كفره عنهم بالمصائب في الدنيا ، ~~وصنف عفا عنه في الدنيا ، وهو كريم لا يرجع في عفوه ، وهذه سنة الله مع ~~المؤمنين ، وأما الكافر فلأنه لا يعجل عليه عقوبة ذنبه حتى يوافي ربه يوم ~~القيامة . # ثم قال تعالى : { وما أنتم بمعجزين فى الارض } يقول ما أنتم معشر ~~المشركين بمعجزين في الأرض ، أي لا تعجزونني حيثما كنتم ، فلا تسبقونني ~~بسبب هربكم في الأرض { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } والمراد بهم ~~من يعبد الأصنام ، بين أنه لا فائدة فيها ألبتة ، والنصير هو الله تعالى ، ~~فلا جرم هو الذي تحسن عبادته . # ! 7 < { ومن ءاياته الجوار فى البحر كالا علام * إن يشأ يسكن الريح ~~فيظللن رواكد على ظهره إن فى ذلك لايات لكل صبار شكور * أو يوبقهن بما ~~كسبوا ويعف عن كثير * ويعلم الذين يجادلون فىءاياتنا ما لهم من محيص * فمآ ~~أوتيتم من شىء فمتاع الحيواة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين ءامنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون * والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم ~~يغفرون * والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلواة وأمرهم شورى بينهم ومما ~~رزقناهم ينفقون * والذين إذآ أصابهم البغى هم ينتصرون } . > 7 @QB@ < # | الشورى : ( 32 ) ومن آياته الجوار . . . . . # > > PageV27P149 # في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وأبو عمرو { * الجواري } بياء في الوصل والوقف ~~، فإثبات الياء في الأصل وحذفها للتخفيف . # المسألة الثانية : الجواري ، يعني السفن الجواري ، فحذف الموصوف لعدم ~~الالتباس . # المسألة الثالثة : اعمل أ ه تعالى ذكر من آياته أيضا هذه السفن العظيمة ~~التي تجري على وجه ms8061 البحر عند هبوب الرياح ، واعلم أن المقصود من ذكره أمران ~~أحدهما : أن يستدل به على وجود القادر الحكيم والثاني : أن يعرف ما فيه من ~~النعم العظيمة لله تعالى على العباد أما الوجه الأول : فقد اتفقوا على أن ~~المراد بالأعلام الجبال ، قالت الخنساء في مرثية أخيها : # وإن صخرا لتأتم لهداة به # كأنه علم في رأسه نار ونقل أن النبي صلى الله عليه وسلم استنشد قصيدتها ~~هذه فلما وصل الراوي إلى هذا البيت ، قال : ( قاتلها الله ما رضيت بتشبيهها ~~له بالجبل حتى جعلت على رأسه نارا ! ) إذا عرفت هذا فنقول : هذه السفن ~~العظيمة التي تكون كالجبال تجري على وجه البحر عند هبوب الرياح على أسرع ~~الوجوه ، وعند سكون هذه الرياح تقف ، وقد بينا بالدليل في سورة النحل ، أن ~~محرك الرياح ومسكنها هو الله تعالى ، إذ لا يقدر أحد على تحريكها من البشر ~~ولا على تسكينها ، وذلك يدل على وجود الإلاه القادر ، وأيضا أن السفينة ~~تكون في غاية الثقل ، ثم إنها معثقلها بقيت على وجه الماء ، وهو أيضا دلالة ~~أخرى وأما الوجه الثاني : وهو معرفة ما فيها من المنافع ، فهو أنه تعالى خص ~~كل جانب من جوانب الأرض بنوع آخر من الأمتعة ، وإذا نقل متاع هذا الجانب ~~إلى ذلك الجانب في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة في التجارة ، فلهذه ~~الأسباب ذكر الله تعالى حال هذه السفينة . # ثم قال تعالى : { كالاعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره } ~~قرأ أبو عمرو والجمهور : بهمزة { إن يشأ } لأن سكون الهمزة علامة للجزم ، ~~وعن ورش عن نافع بلا همزة ، وقرأ نافع وحده { يسكن * الرياح } على الجمع ، ~~والباقون { الريح } على الواحد ، قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { * يظللن } ~~بفتح اللام وكسرها من ظل يظل ويظل ، وقوله تعالى : { فيظللن رواكد } أي ~~رواتب ، أي لا تجري على ظهره ، أي على ظهر البحر { إن فى ذالك لآيات لكل ~~صبار } على بلاء الله { شكور } لنعمائه ، والمقصود التنبيه ، على أن المؤمن ~~يجب أن لا يكون غافلا عن دلائل معرفة الله ألبتة ، لأنه لا بد ms8062 وأن يكون إما ~~في البلاء ، وإما في الآلاء ، فإن كان في البلاء كان من الصابرين ، وإن كان ~~من النعماء كان من الشاكرين ، وعلى هذا التقدير فإنه لا يكون ألبتة من ~~الغافلين . # ثم قال تعالى : { أو يوبقهن بما كسبوا } يعني أو يهلكهن ، يقال أوبقه ، ~~أي أهلكه ، ويقال للمجرم أوبقته ذنوبه ، أي أهلكته ، والمعنى أنه تعالى إن ~~شاء ابتلى المسافرين في البحر بإحدى بليتين : إما أن يسكن الريح ~~PageV27P150 فتركد الجواري على متن البحر وتقف ، وإما أن يرسل الرياح عاصفة ~~فيها فيهلكن بسبب الإغراق ، وعلى هذا التقدير فقوله { أو يوبقهن } معطوف ~~على قوله { يسكن } لأن التقدير إن يشأ يسكن الريح فيركدن ، أو يعصفها ~~فيغرقن بعصفها ، وقوله { ويعفوا عن كثير } معناه إن يشأ يهلك ناسا وينج ~~ناسا عن طريق العفو عنهم ، فإن قيل فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق ~~حيث جعل مجزوما مثله ، قلنا معناه إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق ~~العفو عنهم ، وأما من قرأ { * ويعفو } فقد استأنف الكلام . # ثم قال : { كثير ويعلم الذين يجادلون فىءاياتنا ما لهم من محيص } قرأ ~~نافع وابن عامر : يعلم بالرفع على الاستئناف ، وقرأ الباقون بالنصب ، ~~فالقراءة بالرفع على الاستئناف ، وأما بالنصب فللعطف على تعليل محذوف ~~تقديره لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون في آياتنا والعطف على التعليل ~~المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه قوله تعالى : { ولنجعله ءاية للناس } ( ~~مريم : 21 ) وقوله تعالى : { وخلق * السماوات والارض بالحق * ولتجزى كل نفس ~~بما كسبت } ( الجاثية : 22 ) قال صاحب ( الكشاف ) : ومن قرأ على جزم { ~~ويعلم } فكأنه قال أو إن يشأ ، يجمع بين ثلاثة أمور : هلاك قوم ، ونجاة قوم ~~، وتحذير آخرين . إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية { وليعلم الذين * يجادلون ~~} أي ينازعون على وجه التكذيب ، أن لا مخلص لهم إذا وقفت السفن ، وءذا عصفت ~~الرياح فيصير ذلك سببا لاعترافهم بأن الإلاه النافع الضار ليس إلا الله . # واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد أردفها بالتفسير عن الدنيا وتحقير ~~شأنها ، لأن الذي يمنع من قبول الدليل إنما هو الرغبة في الدنيا ms8063 بسبب ~~الرياسة وطلب الجاه ، فإذا صغرت الدنيا في عين الرجل لم يلتفت إليها ، ~~فحينئذ ينتفع بذكر الدلائل ، فقال : { فما أوتيتم من شىء فمتاع الحيواة ~~الدنيا } وسماه متاعا تنبيها على قلته وحقارته ، ولأن الحس شاهد بأن كل ما ~~يتعلق بالدنيا فإنه يكون سريع الانقراض والانقضاء . # ثم قال تعالى : { وما عند الله خير وأبقى } والمعنى أن مطالب الدنيا ~~خسيسة منقرضة ، ونبه على خساستها بتسميتها بالممتاع ، ونبه على انقراضها ~~بأن جعلها من الدنيا ، وأما الآخرة فإنها خير وأبقى ، وصريح العقل يقتضي ~~ترجيح الخير الباقي على الخسيس الفاني ، ثم بين أن هذه الخيرية إنما تحصل ~~لمن كان موصوفا بصفات : # الصفة الأولى : أن يكون من المؤمنين بدليل قوله تعالى : { الذين كفروا } ~~. # الصفة الثانية : أن يكون من المتوكلين على فضل الله ، بدليل قوله تعالى : ~~{ وعلى ربهم يتوكلون } فأما من زعم أن الطاعة توجب الثواب ، فهو متكل على ~~عمل نفسه لا على الله ، فلا يدخل تحت الآية . # الصفة الثالثة : أن يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش ، عن ابن عباس ~~: كبير الإثم ، هو الشرك ، نقله صاحب ( الكشاف ) : وهو عندي بعيد ، لأن شرط ~~الإيمان مذكور أولا وهو يغني عن عدم الشرك ، وقيل المراد بكبائر الإثم ما ~~يتعلق بالبدع واستخراج الشبهات ، وبالفواحش ما يتعلق بالقوة الشهوانية ، ~~وبقوله { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ما يتعلق بالقوة الغضبية ، وإنما خص ~~الغضب بلفظ الغفران ، لأن الغضب على طبع النار ، واستيلاؤه شديد ومقاومته ~~صعبة / فلهذا السبب خصه بهذا اللفظ ، والله أعلم . # الصفة الرابعة : قوله تعالى : { والذين استجابوا لربهم } والمراد منه ~~تمام الانقياد ، فإن قالوا أليس أنه لما PageV27P151 جعل الإيمان شرطا فيه ~~فقد دخل في الإيمان إجابة الله ؟ قلنا الأقرب عندي أن يحمل هذا على الرضاء ~~بقضاء الله من صميم القلب ، وأن لا يكون في قلبه منازعة في أمر من الأمور . ~~ولما ذكر هذا الشرط قال : { والذين يمسكون } والمراد منه إقامة الصلوات ~~الواجبة ، لأن هذا هو الشرط في حصول الثواب . # وأما قوله تعالى : { وأمرهم شورى بينهم } فقيل كان إذا وقعت بينهم واقعة ~~اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله ms8064 عليهم ، أي لا ينفردون برأي بل ما لم يجتمعوا ~~عليه لا يقدمون عليه ، وعن الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم ، ~~والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور ، ومعنى قوله { وأمرهم شورى بينهم } أي ~~ذو شورى . # الصفة الخامسة : قوله تعالى : { والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون } ~~والمعنى أن يقتصروا في الانتصار على ما يجعله الله لهم ولا يتعدونه ، وعن ~~النخعي أنه كان إذا قرأها قال كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم ~~السفهاء ، فإن قيل هذه الآية مشكلة لوجهين الأول : أنه لما ذكر قبله { وإذا ~~ما غضبوا هم يغفرون } فكيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى الضد له وهو قوله ~~{ والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون } ؟ الثاني : وهو أن جميع الآيات ~~دالة على أن العفو أحسن قال تعالى : { وأن تعفوا * أقرب للتقوى } ( البقرة ~~: 237 ) وقال : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) وقال : { ~~خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) وقال { وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } ( النحل : ~~126 ) فهذه الآيات تناقض مدلول هذه الآية والجواب : أن العفو على قسمين ~~أحدهما : أن يكون العفو سببا لتسكين الفتنة وجناية الجاني ورجوعه عن جنايته ~~والثاني : أن يصير العفو سببا لمزيد جراءة الجاني ولقوة غيظه وغضبه ، ~~والآيات في العفو محمولة على القسم الأول ، وهذه الآية محمولة على القسم ~~الثاني ، وحينئذ يزول التناقض والله أعلم ، ألا ترى أن العفو عن المصر يكون ~~كالإغراء له ولغيره ، فلو أن رجلا وجد عبده فجر بجاريته وهو مصر فلو عفا ~~عنه كان مذموما ، وروي أن زينب أقبلت على عائشة فشتمتها فنهاها النبي صلى ~~الله عليه وسلم عنها فلم تنته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( دونك ~~فانتصري ) وأيضا إنه تعالى لم يرغب في الانتصار بل بين أنه مشروع فقط ، ثم ~~بين بعده أن شرعه مشروط برعاية المماثلة ، ثم بين أن العفو أولى بقوله { ~~فمن عفا وأصلح فأجره على الله } فزال السؤال والله أعلم . # PageV27P152 ! 7 < { وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا ms8065 وأصلح فأجره على الله ~~إنه لا يحب الظالمين * ولمن انتصر بعد ظلمه فأولائك ما عليهم من سبيل * ~~إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون فى الا رض بغير الحق أولائك لهم ~~عذاب أليم * ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الا مور * ومن يضلل الله فما له ~~من ولى من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل * ~~وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى وقال الذين ءامنوا ~~إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين فى ~~عذاب مقيم * وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما ~~له من سبيل } . > 7 @QB@ < # | الشورى : ( 40 - 46 ) وجزاء سيئة سيئة . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما قال : { والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون } ( ~~الشورى : 39 ) أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيدا بالمثل ~~فإن النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوي هو العدل وبه قامت السماوات والأرض ~~، فلهذا السبب قال : { وجزاء سيئة * مثلها } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : لقائل أن يقول جزاء السيئة مشروع مأذون فيه ، فكيف سمي ~~بالسيئة ؟ أجاب صاحب ( الكشاف ) : عنه كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة ~~لأنها تسوء من تنزل به ، قال تعالى : { وإن تصبهم سيئة يقولوا هاذه من عندك ~~} ( النساء : 78 ) يريد ما يسوءهم من المصائب والبلايا ، وأجاب غيره بأنه ~~لما جعل أحدهما في مقابلة الآخر على سبيل المجاز أطلق اسم أحدهما على الآخر ~~، والحق ما ذكره صاحب ( الكشاف ) . # والمسألة الثانية : هذه الآية أصل كبير في علم الفقه فإن مقتضاها أن ~~تقابل كل جناية بمثلها وذلك لأن الإهدار يوجب فتح باب الشر والعدوان ، لأن ~~في طبع كل أحد الظلم والبغي والعدوان ، فإذا لم يزجر عنه أقدم عليه ولم ~~يتركه ، وأما الزيادة على قدر الذنب فهو ظلم والشرع منزه عنه فلم يبق إلا ~~أن يقابل بالمثل ، ثم تأكد هذا النص بنصوص أخر ، كقوله تعالى : { وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ( النحل : 126 ) وقوله تعالى : { من ms8066 ~~عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها } ( غافر : 40 ) وقوله عز وجل : { كتب عليكم ~~القصاص في القتلى } ( البقرة : 178 ) والقصاص عبارة عن المساواة والمماثلة ~~وقوله تعالى : { والجروح قصاص } ( المائدة : 45 ) وقوله تعالى : { ولكم في ~~القصاص حيواة } ( البقرة : 179 ) فهذه النصوص بأسرها تقتضي مقابلة الشيء ~~بمثله . ثم هاهنا دقيقة : وهي أنه إذا لم يمكن استيفاء الحق إلا باستيفاء ~~الزيادة فههنا وقع التعارض بين إلحاق زيادة الضرر بالجاني وبين منع المجني ~~عليه من استيفاء حقه ، فأيهما أولى ؟ فههنا محل اجتهاد المجتهدين ، ويختلف ~~ذلك باختلاف الصور ، وتفرع على هذا الأصل بعض المسائل تنبيها على الباقي . # المثال الأول : احتج الشافعي رضي الله عنه على أن المسلم لا يقتل بالذمي ~~وأن الحر لا يقتل بالعبد ، بأن قال المماثلة شرط لجريان اللقصاص وهي مفقودة ~~في هاتين المسألتين ، فوجب أن لا يجري القصاص PageV27P153 بينهما ، أما ~~بيان أن المماثلة شرط لجريان القصاص فهي النصوص المذكورة / وكيفية ~~الاستدلال بها أن نقول إما أن نحمل المماثلة المذكورة في هذه النصوص على ~~المماثلة في كل الأمور إلا ما خصه الدليل أو نحملها على المماثلة في أمر ~~معين ، والثاني مرجوح لأن ذلك الأمر المعين غير مذكور الآية ، فلو حملنا ~~الآية عليها لزم الإجمال ، ولو حملنا النص على القسم الأول لزم تحمل ~~التخصيص ، ومعلوم أن دفع الإجمال أولى من دفع التخصيص ، فثبت أن الآية ~~تقتضي رعاية المماثلة في كل الأمور إلا ما خصه دليل العقل ودليل نقلي منفصل ~~، وإذا ثبت هذا فنقول رعاية المماثلة في قتل المسلم بالذمي ، وقي قتل الحر ~~بالعبد لا تمكن لأن الإسلام اعتبره الشرع في إيجاب القتل ، لتحصيله عند ~~عدمه كما في حق الكافر الأصلي ، ولإبقائه عند وجوده كما في حق المرتد وأيضا ~~الحرية صفة اعتبرها الشرع في حق القضاء والإمامة والشهادة ، فثبت أن ~~المماثلة شرط لجريان القصاص وهي مفقودة ههنا فوجب المنع من القصاص . # المثال الثاني : احتج الشافعي رضي الله عنه في أن الأيدي تقطع باليد ~~الواحد ، فقال لا شك أنه إذا صدر كل القطع أو بعضه عن كل ms8067 أولئك القاطعين أو ~~عن بعضهم فوجب أن يشرع في حق أولئك القاطعين مثله لهذه النصوص وكل من قال ~~يشرع القطع إما كله أو بعضه في حق كلهم أو بعضهم قال بإيجابه على الكل ، ~~بقي أن يقال فيلزم منه استيفاء الزيادة من الجاني وهو ممنوع منه إلا أنا ~~نقول لما وقع التعارض بين جانب الجاني وبين جانب المجني عليه كان جانب ~~المجني عليه بالرعاية أولى . # المثال الثالث : شريك الأب شرع في حقه القصاص ، والدليل عليه أنه صدر عنه ~~الجرح فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى : { والجروح قصاص } ( المائدة : 45 ~~) وإذا ثبت هذا ثبت تمام القصاص لأنه لا قائل بالفرق . # المثال الرابع : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه من حرق حرقناه ومن غرق ~~غرقناه والدليل عليه هذه النصوص الدالة على مقابلة كل شيء بمماثله . # المثال الخامس : شهود القصااص إذا رجعوا وقالوا تعمدنا الكذب يلزمهم ~~القصاص لأنهم بتلك الشهادة أهدروا دمه ، فوجب أن يصير دمهم مهدرا لقوله ~~تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } . # المثال السادس : قال الشافعي رضي الله عنه المكره يجب عليه القود لأنه ~~صدر عنه القتل ظلما فوجب أن يجب عليه مثله ، أما أنه صدر عنه القتل فالحس ~~يدل عليه وأما أنه قتل ظلما فلأن المسلمين أجمعوا على أنه مكلف من قبل الله ~~تعالى بأن لا يقتل وأجمعوا على أنه يستحق به الإثم العظيم والعقاب الشديد ، ~~وإذا ثبت هذا فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ~~. # المثال السابع : قال الشافعي رضي الله عنه القتل بالمثقل يوجب القود ، ~~والدليل عليه أن الجاني أبطل حياته فوجب أن يتمكن ولي المقتول من إبطال ~~حياة القاتل لقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } . # المثال الثامن : الحر لا يقتل بالعبد قصاصا ونحن وإن ذكرنا هذه المسألة ~~في المثال الأول إلا أنا نذكر ههنا وجها آخر من البيان ، فنقول إن القاتل ~~أتلف على مالك العبد شيئا يساوي عشرة دنانير مثلا فوجب عليه أداء عشرة ~~دنانير لقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } وإذا وجب الضمان وجب أن ms8068 لا ~~يجب القصاص لأنه لا قائل بالفرق . PageV27P154 # المثال التاسع : منافع الغضب مضمونة عند الشافعي رضي الله عنه والدليل ~~عليه أن الغاضب فوت على المالك منافع تقابل في العرب بدينار فوجب أن يفوت ~~على الغاضب مثله من المال لقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة } وكل من أوجب ~~تفويت هذا القدر على الغاضب قال بأنه يجب أداؤه إلى المغصوب منه . # المثال العاشر : الحر لا يقتل بالعبد قصاصا لأنه لو قتل بالعبد هو مساويا ~~للعبد في المعاني الموجبة للقصاص لقوله { القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها } ( غافر : 40 ) ولسائر النصوص التي تلوناها ثم إن عبده يقتل قصاصا ~~بعبد نفسه فيجب أن يكون عبد غيره مساويا لعبد نفسه في المعاني الموجبة ~~للقصاص لعين هذه النصوص التي ذكرناها ، فعلى هذا التقدير يكون عبد نفسه ~~مساويا لعبد غيره في المعاني الموجبة للقصاص ، فكان عبد نفسه مثلا لمثل ~~نفسه ، ومثل المثل مثل فوجب كون عبد نفسه مثلا لنفسه في المعاني الموجبة ~~للقصاص ، ولو قتل الحر بعبد غيره لقتل بعبد نفسه بالبيان الذي ذكرناه ولا ~~يقتل بعبد نفسه فوجب أن لا يقتل بعبد غيره ، فقد ذكرنا هذه الأمثلة العشرة ~~في التفريع على هذه الآية ، ومن أخذت الفطانة بيده سهل عليه تفريع كثير من ~~مسائل الشريعة على هذا الأصل والله أعلم ، ثم ههنا بحث وهو أن أبا حنيفة ~~رضي الله عنه قال في قطع الأيدي لا شك أنه صدر كل القطع أو بعضه عن كلهم أو ~~عن بعضهم إلا أنه لا يمكن استيفاء ذلك الحق إلا باستيفاء الزيادة لأن تفويت ~~عشرة من الأيدي أزيد من تفويت يد واحدة ، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة ، ~~فقال الشافعي رضي الله عنه لو كان تفويت عشرة من الأيدي من الأويدي في ~~مقابلة يد واحدة حراما لكان تفويت عشرة من النفوس في مقابلة نفس واحدة ~~حراما ، لأن تفويث النفس يشتمل على تفويث اليد فتفويت عشرة من النفوس في ~~مقابلة النفس الواحدة يوجب تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة ~~فلو كان ms8069 تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة حراما لكان تفويت ~~عشرة من النفوس لأجل النفس الواحدة مشتملا على الحرام وكل ما اشتمل على ~~الحرام فهو حرام فكان يجب أن يحرم قتل النفوس العشرة في مقابلة النفس ~~الواحدة ، وحيث أجمعنا على أنه لا يحرم علمنا أن ما ذكرتم من استيفاء ~~الزيادة غير ممنوع منه شرا ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : قد بينا أن قوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها } يتقضي وجوب ~~رعاية المماثلة مطلقا في كل الأحوال إلا فيما خصه الدليل ، والفقهاء أدخلوا ~~التخصيص فيه في صور كثيرة فتارة بناء على نص آخر أخس منه وأخرى بناء على ~~القياس ، ولا شك أن من اعدى التخصيص فعليه البيان والمكلف يكفيه أن يتمسك ~~بهذا النص في جميع المطالب ، قال مجاهد والسدي إذا قال له أخزاه الله ، ~~فليقل له أخزاه الله ، أما إذا قذفه قذفا يوجب الحد فليس له ذلك بل الحد ~~الذي أمر الله به . # ثم قال تعالى : { فمن عفا وأصلح } بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء كما ~~قال تعالى : { فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم } ( فصلت : 34 ) ( ~~، { فأجره على الله } وهو وعد مبهم لا يقاس أمره في التعظيم . # ثم قال تعالى : { إنه لا يحب الظالمين } وفيه قولان الأول : أن المقصود ~~منه التنبيه على أن المجني عليه لا يجوز له استيفاء الزيادة من الظالم لأن ~~الظالم فيما وراء ظلمه معصوم والانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز التسوية ~~والتعدي خصوصا في حال الحرب والتهاب الحمية ، فربما صار المظلوم عند ~~الإقدام على استيفاء القصاص ظالما ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا ~~كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم ، قال PageV27P155 ~~فيقوم خلق فقال لهم ما أجركم على الله ؟ فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا ~~، فيقال لهم ادخلوا الجنة بإذن الله تعالى ) الثاني : أنه تعالى لما حث على ~~العفو عن الظالم أخبر أنه مع ذلك لا يحبه تنبيها على أنه إذ كان لا يحبه ~~ومع ذلك فإنه يندب على عفوه ، فالمؤمن ms8070 الذي هو حبيب الله بسبب إيمانه أولى ~~أن يعفو عنه . # ثم قال تعالى : { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي ظالم الظالم إياه ، وهذا من ~~باب إضافة المصدر إلى المفعول { فأولئك } يعني المنتصرين { ما عليهم من ~~سبيل } كعقوبة ومؤاخذة لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار واحتج الشافعي ~~رضي الله تعالى عنه بهذه الآية في بيان أن سراية القود مهدرة / فقال الشرع ~~إما أن يقال إنه أذن له في القطع مطلقا أو بشرط عدم السريان ، وهذا الثاني ~~باطل لأن الأصل في القطع الحرمة ، فإذا كان تجويزه معلقا بشرط عدم السريان ~~، وكان هذا الشرط مجهولا وجبأن يبقى ذلك القطع على أصل الحرمة ، لأن الأصل ~~فيها هو الحرمة ، والحل إنما يحصل معلقا على شرط مجهول فوجب أن يبقى ذبك ~~أصل الحرمة ، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الشرع أذن له في القطع كيف كان ~~سواء سرى أو لم يسر ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون ذلك السريان مضمونا ~~لأنه قد انتصر من بعد ظلمه فوجب أن لا يحصل لأحد عليه سبيل . # ثم قال : { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } أي يبدأون بالظلم { ~~ويبغون فى الارض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } . # ثم قال تعالى : { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور } يعني أن عزمه ~~على ترك الانتصار لمن عزم الأمور الجيدة وحذف الراجع لأنه مفهوم كما حذف من ~~قولهم السمن منوان بدرهم ويحكى أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن فكان المسبوب ~~يكظم ويعرقة فيمسح العرق ثم قام وتلا هذه الآية ، فقال الحسن عقلها والله ~~وفهمها لما ضيعها الجاهلون . # ثم قال تعالى : { ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده } أي فليس له من ~~ناصر يتولاه من بعد خذلانه أي من بعد إضلاه الله أياه ، وهذا صريح في جواز ~~الإضلال من الله تعالى ، وفي أن الهداية ليست في مقدور أحد سوى الله تعالى ~~، قال القاضي المراد من يضلل الله عن الجنة فما له من ولي من بعده ينصره ~~والجواب : أن تتقيد ms8071 الإضلال بهذه الصورة المعينة خلاف الدليل ، وأيضا ~~فاللهتعالى ما أضله عن الجنة على قولكم بل هوأضل نفسه عن الجنة . # ثم قال تعالى : { وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من ~~سبيل } والمراد أنهم يطلبون لرجوع إلى الدنيا لعظم ما يشاهدون من العذاب ، ~~ثم ذكر حالهم عند عرض النار عليهم فقال : { وتراهم يعرضون عليها خاشعين من ~~الذل } أي حال كونهم خاشعين حقيرين مهانين بسبب ما لحقهم من الذل ، ثم قال ~~: { ينظرون من طرف خفى } أي يبتدىء نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي ~~بمسارقة كما ترى الذي يتيقن أن يقتل فإنه ينظر إلى السيف كأنه لا يقدر على ~~أن يفتح أجفانه عليه ويملأ عينيه منه كما يفعل في نظره إلى الحبوبات ، فإن ~~قيل أليس أنه تعالى قال في صفة الكفار إنهم يحشرون عميا فكيف قال ههنا إنهم ~~ينظرون من طرف خفي ؟ قلنا لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ، ثم يجعلون عميا ~~أو لعل هذا في قوم ، وذلك PageV27P156 في قوم آخرين ، ولما وصف الله تعالى ~~حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال : { وقال الذين ءامنوا إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } قال صاحب ( الكشاف ) : ~~{ يوم القيامة } إما أن يتعلق بخسروا أو يكون قول المؤمنين واقعا في الدنيا ~~، وإما أن يتعلق بقال أي يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة . # ثم قال : { ألا إن الظالمين فى عذاب مقيم } أي دائم قال القاضي ، وهذا ~~يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب : أن لفظ الظالم المطلق في ~~القرآن مخصوص بالكفر قال تعالى : { والكافرون هم الظالمون } ( البقرة : 254 ~~) والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال بعده هذه الآية { وما كان لهم من أولياء ~~ينصرونهم من * الله } والمعنى أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لأجل أن تشفع ~~لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة ومعلوم أن هذا لا يليق إلا ~~بالكفار ثم قال : { ومن يضلل الله فما له من سبيل } وذلك يدل على أن المضل ~~والهادي هو الله تعالى على ما هو قولنا ms8072 ومذهبنا والله أعلم . # ! 7 < { استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله ما لكم من ~~ملجأ يومئذ وما لكم من نكير * فإن أعرضوا فمآ أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك ~~إلا البلاغ وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور * لله ملك السماوات والا رض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من ~~يشآء عقيما إنه عليم قدير } > 7 ! # < < # | الشورى : ( 47 ) استجيبوا لربكم من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعد والوعيد ذكر بعده ما هو المقصود ~~فقال : { استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لا * تملك له من الله } وقوله ~~{ من الله } يجوز أن يكون صلة لقوله { لا مرد له } يعني لا يرده الله بعد ~~ما حكم به ، ويجوز أن يكون صلة لقوله { يأتى } أي من قبل أن يأتي من الله ~~يوم لا يقدر أحد على رده ، واختلفوا في المراد بذلك اليوم فقيل يوم ورود ~~الموت ، وقيل يوم القيامة لأنه وصف ذلك اليوم بأنه لا مرد له وهذا الوصف ~~موجود في كلا اليومين ، ويحتمل أن يكون معنى قوله { لا مرد له } أنه لا ~~يقبل التقديم والتأخير أو أن يكون معناه أن لا مرد فيه إلى حال التكليف حتى ~~يحصل فيه التلافي . # ثم قال تعالى في وصف ذلك اليوم { ما لكم من ملجأ } ينفع في التخلص من ~~العذاب { وما لكم من نكير } ممن ينكر ذلك حتى يتغير حالكم بسبب ذلك المنكر ~~، ويجوز أن يكون المراد من النكير الإنكار أي لا تقدرون أن تنكروا شيئا مما ~~افترفتموه من الأعمال { فإن أعرضوا } أي هؤلاء الذين أمرتهم بالاستجابة أي ~~لم PageV27P157 يقبلوا هذا الأمر { فما أرسلناك عليهم حفيظا } بأن تحفظ ~~أعمالهم وتحصيها { إن عليك إلا البلاغ } وذلك تسلية من الله تعالى ، ثم أنه ~~تعالى بين السبب في إصرارهم على مذاهبهم الباطلة ، وذلك أنهم وجدوا في ~~الدنيا سعادة وكرامة الفوز بمطالب الدنيا يفيد الغرور ms8073 والفجور والتكبر وعدم ~~الانقياد للحق فقال : { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها } ونعم ~~الله في الدنيا وإن كانت عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى السعادات المعدة في ~~الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سماها ذوقا فبين تعالى أن الإنسان ~~إذا فاز بهذا القدر الحقير الذي حصل في الدنيا فإنه يفرح بها ويعظم غروره ~~بسببها ويقع في العجب والكبر ، ويظن أنه فاز بكل المنى ووصل إلى أقاصي ~~السعادات ، وهذه طريقة من يضعف اعتقاده في سعادات الآخرة ، وهذه الطريقة ~~مخالفة لطريقة المؤمن الذي لا يعد نعم الدنيا إلا كالوصلة إلى نعم الآخرة ، ~~ثم بين أنه متى أصبتهم سيئة أي شيء يسوءهم في لحال كالمرض والفقر وغيرهما ~~فإنه يظهر منه الكفر وهو معنى قوله { فإن الإنسان } والكفور الذي يكون ~~مبالغا في الكفران ولم يقل فإنه كفور ، ليبين أن طبيعة الإنسان تقتضي هذه ~~الحالة إلا إذا أدبها الرجل بالآداب التي أرشد الله إليها ، ولما ذكر الله ~~إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها أتبع ذلك بقوله { لله ملك * السماوات ~~والارض } والمقصود منه أن لا يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه بل إذا ~~علم أن الكل ملك الله ومله ، وأنه إنما حصل ذلك القدر تحت يده لأن الله ~~أنعم عليه به فحينئذ يصير ذلك حاملا له على مزيد الطاعة والخدمة / وأما إذا ~~اعتقد أن تلك النعم ، إنما تحصل بسبب عقله وجده واجتهاده بقي مغرورا بنفسه ~~معرضا عن طاعة الله تعالى ، ثم ذكر من أقسام تصرف الله في العالم أنه يخص ~~البعض بالأولاد والإناث والبعض بالذكور والبعض بهما والبعض بأن يجعله ~~محروما من الكل ، وهو المراد من قوله { * وجيعل من يشاء عميقا } . # واعلم أن أهل الطبائع يقولوه السبب في حدوث الولد صلاح حال النطفة والرحم ~~وسبب الذكورة استيلاء الحرارة ، وسبب الأنوثة استيلاء البرودة ، وقد ذكرنا ~~هذا الفصل بالاستقصاء التام في سورة النحل ، وأبطلناه بالدلائل اليقينية ، ~~وظهر أن ذكل من الله تعالى لا أنه من الطبائع والأنجم والأفلاك وفي الآسة ~~سؤالات : # السؤال الأول : أنه قدم الإناث في ms8074 الذكر على الذكور فقال : { والارض يخلق ~~ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور } ثم في الآية الثانية ~~قدم الذكور على الاناث فقال : { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } فما السبب في ~~هذا التقديم والتأخير ؟ # السؤال الثاني : أنه ذكر الإناث على سبيل التنكير فقال : { يهب لمن يشاء ~~إناثا } وذلك الذكور بلفظ التعريف فقال : { ويهب لمن يشاء الذكور } فما ~~السبب في هذا الفرق ؟ # السؤال الثالث : لم قال في إعطاء الإناث وحدهن ، وفي إعطاء الذكور وحدهم ~~بلفظ الهبة فقال : { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور } وقال في ~~إعطاء الصنفين معا { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } . # والسؤال الرابع : لما كان حصول الولد هبة من الله فيكفي في عدم حصوله أن ~~لا يهب فأي حاجة في عدم حصوله إلى أن يقول { ويجعل من يشاء } ؟ . # السؤال الخامس : هل المراد من هذا الحكم جمع معينون أو المراد الحكم على ~~الإنسان المطلق ؟ PageV27P158 # والجواب : عن السؤال الأول من وجوه الأول : أن الكريم يسعى في أن يقع ~~الختم على الخير والراحة والسرور والبهجة فإذا وهب الولد الأنثى أولا ثم ~~أعطاه الذكر بعده فكأنه نقله من الغم إلى الفرح وهذا غاية الكرم ، أما إذا ~~أعطى الولد أولا ثم أعطى الأنثى ثانيا فكأنه نقله من الفرح إلى الغم فذكر ~~تعالى هبة الولد الأنثى أولا وثانيا هبة الولد الذكر حتى يكون قد نقله من ~~الغم إلى الفرح فيكون ذلك أليق بالكرم الوجه الثاني : أنه إذا أعطى الولد ~~الأنثى أولا علم أنه لا اعتراض له على الله تعالى فيرضى بذلك فإذا أعطاه ~~الولد الذكر بعد ذلك علم أن هذه الزيادة فضل من الله تعالى وإحسان إليه ~~فزيداد شكره وطاعته ، ويعلم أن ذلك إنما حصل بمحض الفضل والكرم والوجه ~~الثالث : قال بعض المذكرين الأنثى ضعيفة ناقصة عاجزة فقدم ذكرها تنبيها على ~~أنه كلما كان العجز والحاجة أتم كانت عناية الله به أكثر الوجه الرابع : ~~كأنه يقال أيتها المرأة الضعيفة العاجزة إن أباك وأمك يكرهان وجودك فإن ~~كانا قد كرها وجودك فأنا قدمتك في ms8075 الذكر لتعلمي أن المحسن المكرم هو الله ~~تعالى ، فإذا علمت المرأة ذلك زادت في الطاعة والخدمة والبعد عن موجبات ~~الطعن والذم ، فهذه المعاني هي التي لأجلها وقع ذكر الإناث مقدما على ذكر ~~الذكور وإنما قدم ذكر الذكور بعد ذلك على ذكر الإناث لأن الذكر أكمل وأفضل ~~من الأنثى والأفضل الأكمل مقدم على الأخس الأرذل ، والحاصل أن النظر إلى ~~كونه ذكرا أو أنثى يقتضي تقديم ذكر الذكر على ذكر الأنثى ، أما العوارض ~~الخارجية التي ذكرناها فقد أوجبت تقديم ذكر الأنثى على ذكر الذكر ، فلما ~~حصل المقتضي للتقديم والتأخير في البابين لا جرم قدم هذا مرة وقدم ذلك مرة ~~أخرى والله أعلم . # وأما السؤال الثاني : وهو قوله لم عبر عن الإناث بلفظ التنكير / وعن ~~الذكور بلفظ التعريف ؟ فجوابه أن المقصود منه التنبيه على كون الذكر أفضل ~~من الأنثى . # وأما السؤال الثالث : وهو قوله لم قال تعالى في إعطاء الصنفين { الذكور ~~أو يزوجهم ذكرانا وإناثا } ؟ فجوابه أن كل شيئين يقرن أحدهما بالآخر فهما ~~زوجان ، وكل واحد منهما يقال له زوج والكناية في { يزوجهم } عائدة على ~~الإناث والذكور التي في الآية الأولى ، والمعنى يقرن الإناث والذكور ~~فيجعلهم أزواجا . # وأما السؤال الرابع : فجوابه أن العقيم هو الذي لا يولد له ، يقال رجل ~~عقيم لا يلد ، وامرأة عقيم لا تلد وأصل العقم القطع ، ومنه قيل الملك عقيم ~~لأنه يقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق . # وأما السؤال الخامس : فجوابه قال ابن عباس { يهب لمن يشاء إناثا } يريد ~~لوطا وشعيبا عليهم السلام لم يكن لهما إلا النبات { ويهب لمن يشاء الذكور } ~~يريد إبراهيم عليه السلام لم يكن له إلا الذكور { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ~~} يريد محمدا صلى الله عليه وسلم كان له من البنين أربعة القاسم ولطاهر ~~وعبد الله وإبراهيم ، ومن البنات أربعة زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة { ~~ويجعل من يشاء عقيما } يريد عيسى ويحيى ، وقال الأكثرون من المفسرين هذ ~~الحكم عام في حق كل الناس ، لأن المقصود بيان قدرة الله في تكوين الأشياء ~~كيف شاء وأراد فلم يكن ms8076 للتخصيص معنى والله أعلم . ثم ختم الآية بقوله { إنه ~~عليم قدير } قال ابن عباس عليم بما خلق قدير على ما يشاء أن يخلقه والله ~~أعلم . # PageV27P159 ! 7 < { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء ~~حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشآء إنه على حكيم * وكذلك أوحينآ إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ولاكن جعلناه نورا نهدى ~~به من نشآء من عبادنا وإنك لتهدىإلى صراط مستقيم * صراط الله الذى له ما فى ~~السماوات وما فى الا رض ألا إلى الله تصير الا مور } > 7 ! # < < # | الشورى : ( 51 ) وما كان لبشر . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين كمال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف ~~يخص أنبياءه بوحيه وكلامه وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : { وما كان لبشر } وما صح لأحد من البشر { أن يكلمه الله ~~} إلا على أحد ثلاثة أوجه ، إما على الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب أو ~~المنام كما أوحى الله إلى أم موسى وإبراهيم عليه السلام في ذبح ولده ، وعن ~~نجاهد أوحى الله تعالى الزبور إلى داود عليه السلام في صدره ، وإما على أن ~~يسمعه كلامه من غير واسطة مبلغ ، وهذا أيضا وحي بدليل أنه تعالى أسمع موسى ~~كلامه من غير واسطة مع أنه سماه وحيا ، قوله تعالى : { فاستمع لما يوحى } ( ~~طه : 13 ) وإما على أن يرسل إليه رسولا من الملائكة فيبلغ ذلك الملك الذي ~~الوحي إلى الرسول البشري فطريق الحصر أن يقال وصول الوحي من الله إلى البشر ~~إما أن يكون من غير واسطة مبلغ أو يكون بواسطة مبلغ ، وإذا كان الأول هو أن ~~يصل إليه وحي الله لا بواسطة شخص آخر فههنا إما أن يقال إنه لم يسمع عين ~~كلام الله أو يسمعه ، أما الأول : وهو أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص ~~آخر وما سمع عين كلام لله فهو المراد بقوله { إلا وحيا } وأم الثاني : وهو ~~أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص آخر ولكنه مسع عين كلام الله ms8077 فهو المراد ~~من قوله { أو من وراء حجاب } وأما الثالث : وهو أنه وصل إليه لوحي بواسطة ~~شخص آخر فهو المراد بقوله { أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء } # واعلم أن كل واحد من هذه الأ ) قسام الثلاثة وحي ، إلا أنه تعالى خصص ~~القسم الأول باسم الوحي ، لأن ما يقع في القلب على سبيل الإلهام فهو يقع ~~دفعة فكن تخصيص لفظ الوحي به أولى فهذا هو الكلام في تمييز هذه الأقسام ~~بعضها عن بعض . # المسألة الثانية : القائلون بأن الله في مكان احتجوا بقوله { أو من وراء ~~حجاب } وذلك لأن التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد ثلاثة ~~أوجه أحدها : أن يكون الله من وراء حجاب ، وإنما يصحب ذلك لو كان مختصا ~~بمكان معين وجهة معينة والجواب : أن ظاهر اللفظ وإن أوهم ما ذكرتم إلا أنه ~~دلت الدلائل العقلية والنقلية على أنه تعالى يمتنع حصوله في المكان والجهة ~~، فوجب حمل هذا اللفظ على التأويل ، والمعنى أن الرجل سمع كلاما مع أنه لا ~~يرى ذلك المتكلم كان ذلك شبيها بما إذا تكلم من وراء حجاب ، والمشابهة سبب ~~لجواز المجاز . PageV27P160 # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يرى ، ~~وذلك لأنه تعالى حصر أقسام وحيه في هذه الثلاثة ولو صحت رؤية الله تعالى ~~لصح من الله تعالى أنه يتكلم مع العبد حال ما يراه العبد ، فحينئذ يكون ذلك ~~قسما رابعا زائدا على هذه الأقسام الثلاثة ، والله تعالى نفى القسم الرابع ~~بقوله { وما كان لبشر أن يكلمه الله } إلا على هذه الأوجه الثلاثة الجواب : ~~نزيد في اللفظ قيدا فيكون التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله في الدنيا ~~إلا على أحد هذه الأقسام الثلاثة وحينئذ لا يلزم ما ذكرتموه / وزيادة هذا ~~القيد وإن كانت على خلاف الظاهر لكنه يجب المصير إليها للتوفيق بين هذه ~~الآيات وبين الآيات الدالة على حصول الرؤية في يوم القيامة والله أعلم . # المسألة الرابعة : أجمعت الأمة على أن الله تعالى متكلم ، ومن سوى ~~الأشعري وأتباعه ms8078 أطبقوا على أن كلام الله هو هذه الحروف المسموعة والأصوات ~~المؤلفة ، وأما الأشعري وأتباعه فإنهم زعموا أن كلام الله تعالى صفة قديمة ~~يعبر عنها بهذه الحروف والأصوات . # أما الفريق الأول : وهم الذين قالوا كلام الله تعالى هو هذه الحروف ~~والكلمات فهم فريقان أحدهما : الحنابلة الذين قالوا بقدم هذه الحروف وهؤلاء ~~أخس من أن يذكروا في زمرة العقلاء ، واتفق أني قلت يوما لبعضهم لو تكلم ~~الله بهذه الحروف إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي ~~والأول باطل لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم ~~المركب على هذ التعاقب والتوالي ، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه ~~الحروف المتوالية كلام الله تعالى ، والثاني : باطل لأنه تعالى لو تكلم بها ~~على التوالي والتعاقب كانت محدثة ، ولما سمع ذلك لرجل هذا الكلام قال لواجب ~~علينا أن نقر ونمر ، يعني نقر بأن القرآن قديم ونمر على هذا الكلام على وفق ~~ما سمعناه فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل ، وأما العقلاء من الناس فقد ~~أطبقوا على أن هذه الحروف والأصوات كائنة بعد أن لم تكن حاصلة بعد أن كانت ~~معدومة ، ثم اختلفت عباراتهم في أنها هل هي مخلوقة ، أو لا يقال ذلك ، بل ~~يقال إنها حادثة أو يعبر عنها بعبارة أخرى ، واختلفوا أيضا في أن هذه ~~الحروف هل هي قائمة بذات الله تعالى أو يخلقها في جسم آخر ، فالأول : هو ~~قول الكرامية والثاني : قول المعتزلة ، وأما الأشعرية الذين زعموا أن كلام ~~الله صفة قديمة تدل عليها هذه الألفاظ والعبارات فقد اتفقوا على أن قوله { ~~أو من وراء حجاب } هو أن الملك والرسول يسمع ذلك الكلام المنزه عن الحرف ~~والصوت من وراء حجاب ، قالوا وكما لا يبعد أن ترى ذات الله مع أنه ليس بجسم ~~ولا في حيز فأي بعد في أن يسمع كلام الله مع أنه لا يكون حرفا ولا صوتا ؟ ~~وزعم أبو منصور الماتريدي السمرقندي أن تلك الصفة القائمة يمتنع كونها ~~مسموعة ، وإنما المسموع حروف وأصوات ms8079 يخلقها الله تعالى في الشجرة وهذا ~~القول قريب من قول المعتزلة والله أعلم . # المسألة الخامسة : قال القاضي هذه الآية تدل على حدوث كلام الله تعالى من ~~وجوه الأول : أن قوله تعالى : { أن يكلمه الله } يدل عليه لأن كلمة أن مع ~~المضرع تفيد الاستقبال الثاني : أنه وصف الكلام بأنه وحي لأن لفظ الوحي ~~يفيد أنه وقع على أسرع الوجوه الثالث : أن قوله { أو يرسل رسولا فيوحى ~~بإذنه ما يشاء } يقتضي أن يكون الكلام الذي يبلغه الملك إلى الرسول البشر ~~مثل الكلام الذي سمعه من الله والذي يبلغه إلى الرسول البشري حادث ، فلما ~~كان الكلام الذي سمعه من الله مماثلا لهذا الذي بلغه إلى الرسول ~~PageV27P161 البشري ، وهذا الذي بلغه إلى الرسول البشري حادث ومثل الحادث ~~حادث ، وجب أن يقال إن الكلام الذي سمعه من الله حادث الرابع : أن قوله { ~~أو يرسل رسولا فيوحى } يقتضي كون الوحي حاصلا بعد الإرسال ، وما كان حصوله ~~متأخرا عن حصول غيره كان حادثا والجواب : أنا نصرف جملة هذه الوجوه التي ~~ذكرتموها إلى الحروف والأصوات ونعترف بأنها حادثة كائنة بعد أن لم تكن ~~وبديهة العقل شاهدة بأن الأمر كذلك ، فأي حاجة إلى إثبات هذا المطلوب الذي ~~علمت صحته ببديهة العقل وبظواهر القرآن ؟ والله أعلم . # المسألة السادسة : ثبت أن الوحي من الله تعالى ، إما أن لا يكون بواسطة ~~شخص آخر ، ويمتنع أن يكون كل وحي حاصلا بواسطة شخص آخر / وإلا لزم إما ~~التسلسل وإما الدور ، هما محالان ، فلا بد من الاعتراف بحصول وحي يحصل لا ~~بواسطة شخص آخر ، ثم ههنا أبحاث : # البحث الأول : أن الشخص الأول الذي سمع وحي الله لا بواسطة شخص آخر كيف ~~يعرف أن الكلام الذي سمعه كلام الله ، فإن قلنا إنه سمع تلك الصفة القديمة ~~المنزنة عن كونها حرفا وصوتا ، لم يبعد أنه إذا سمعها علم بالضرورة كونها ~~كلام الله تعالى ، ولم يبعد أن يقال إنه يحتاج بعد ذلك إلى دليل زائد ، أما ~~إن قلنا إن المسموع هو الحرف والصوت امتنع أن يقطع بكونه كلاما ms8080 لله تعالى ، ~~إلا إذا ظهرت دلالة على أن ذلك المسموع هو كلام الله تعالى . # البحث الثاني : أن الرسول إذاسمعه من الملك كيف يعرف أن ذلك المبلغ ملك ~~معصوم لا شيطان مضل ؟ والحق أنه لا يمكنه القطع بذلك إلا بناء على معجزة ~~تدل على أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان خبيث ، وعلى هذا التقدير ، ~~فالوحي من الله تعالى لا يتم إلا بثلاث مراتب في ظهور المعجزات : # المرتبة الأولى : أن الملك إذا سمع ذلك الكلام من الله تعالى ، فلا بد له ~~من معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى . # المرتبة الثانية : أن ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول ، لا بد له أيضا من ~~معجزة . # المرتبة الثالثة : أن ذلك الرسول إذا أوصله إلى الأمة ، فلا بد له أيضا ~~من معجزة ، فثبت أن التكليف لا يتوجه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب في ~~المعجزات . # البحث الثالث : أنه لا شك أن ملكا من الملائكة قد سمع الوحي من الله ~~تعالى ابتداء ، فذلك الملك هو جبريل ، ويقال لعل جبريل سمعه من ملك آخر ، ~~فالكل محتمل ولو بألف واسطة ، ولو يوج ، ما يدل على القطع بواحد من هذه ~~الوجوه . # البحث الرابع : هل في البشر من سمع وحي الله تعالى من غير واسطة ؟ ~~المشهور أن موسى عليه السلام سمع كلام الله من غير واسطة ، بدليل قوله ~~تعالى : { فاستمع لما يوحى } ( طه : 13 ) وقيل إن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~سمعه أيضا لقوله تعالى : { فأوحى إلى عبده ما أوحى } ( النجم : 10 ) . # البحث الخامس : أن الملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال ~~مختلفة ، فبتقدير أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مرة وجب أن ~~يحتاج إلى المعجزة ، ليعرف أن هذا الذي رآه في هذه المرة عين ما رآه في ~~المرة الأولى ، وإن كان لا يرى شخصه كانت الحاجة إلى المعجزة أقوى ، ~~لاحتمال أنه حصل الاشتباه في PageV27P162 الصوت ، إلا أن الإشكال في أن ~~الحاجة إلى إظهار المعجزة في كل مرة لم يقل به أحد ms8081 . # المسألة السابعة : دلت المناظرات المذكورة في القرآن بين الله تعالى وبين ~~إبليس على أنه تعالى كان يتكلم مع إبليس من غير واسطة ، فذلك هل يسمى وحيا ~~من الله تعالى إلى إبليس أو لا ، الأظهر منعه ، ولا بد في هذا الموضع من ~~بحث غامض كامل . # المسألة الثامنة : قرأ نافع { أو يرسل رسولا } برفع اللام ، فيوحي بسكون ~~الياء ومحله رفع على تقدير ، وهو يرسل فيوحي ، والباقون بالنصب على تأويل ~~المصدر ، كأنه قيل ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا إو إسماعا لكلامه من ~~وراء حجاب أو يرسل ، لكن فيه إشكال لأن قوله وحيا أو إسماعا اسم وقوله { أو ~~يرسل } فعل ، وعطف الفعل على الاسم قبيح ، فأجيب عنه بأن التقدير : وما كان ~~لبشر أن يكلمه إلا أن يوحي إليه وحيا أو يسمع إسماعا من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا . # المسألة التاسعة : الصحيح عند أهل الحق أن عندما يبلغ الملك الوحي إلى ~~الرسول ، لا يقدر الشيطان على إلقاء الباطل في أثناء ذلك الوحي ، وقال ~~بعضهم : يجوز ذلك لقوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى الشفاعة ترتجى ، وكان صديقنا الملك سام بن محمد رحمه الله / وكان ~~أفضل من لقيته من أرباب السلطنة يقول هذا الكلام بعد الدلائل القوية ~~القاهرة ، باطل من وجهين آخرين الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~( من رآني في المنام فقد رآني ، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتيا ) فإذا لم ~~يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول ، فكيف قدر على التشبه ~~بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي الله تعالى ؟ والثاني : أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( ما سلك عمر فجا إلا وسلك الشيطان فجا آخر ) فإذا لم يقدر ~~الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد ، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في ~~موقف تبليغ وحي الله تعالى ؟ # المسألة العاشرة : قوله تعالى : { فيوحي بإذنه ما يشاء } يعني فويحي ذلك ~~الملك بإذن الله ما يشاء الله ، وهذا يقتضي أن الحسن لا يحسن ms8082 لوجه عائد ~~عليه ، وأن القبيح لا يقبح لوجه عائد إليه ، بل لله أن يأمر بما يشاء من ~~غير تخصيص ، وأن ينهى عما يشاء من غير تخصيص ، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما ~~صح قوله { ما يشاء } والله أعلم . # ثم قال تعالى في آخر الآية { إنه على حكيم } يعني أنه علي عن صفات ~~المخلوقين حكيم يجري أفعاله على موجب الحكمة ، فيتكلم تارة بغير واسطة على ~~سبيل الإلهام ، وأخرى بإسماع الكلام ، وثالثا بتوسيط الملائكة الكرام ، ~~ولما بين الله تعالى كيفية أقسام الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام ، قال : ~~{ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } والمراد به القرآن وسماه روحا ، لأنه ~~يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر . # ثم قال تعالى : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } واختلف العلماء في ~~هذه الآية مع الإجماع على أنه لا يجوز أن يقال الرسل كانوا قبل الوحي على ~~الكفر ، وذكروا في الجواب وجوها الأول : { ما كنت تدرى ما الكتاب } أي ~~القرآن { ولا الإيمان } أي الصلاة ، لقوله تعالى : { وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم } ( البقرة : 143 ) PageV27P163 أي صلاتكم الثاني : أن يحمل هذا ~~على حذف المضاف ، أي ما كنت تدري ما الكتاب ومن أهل الإيمان ، يعني من الذي ~~يؤمن ، ومن الذي لا يؤمن الثالث : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان حين ~~كنت طفلا في المهد الرابع : الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله ~~تعالى به ، وإنه قبل النبوة ما كان عارفا بجميع تكاليف الله تعالى ، بل إنه ~~كان عارفا بالله تعالى ، وذلك لا ينافي ما ذكرناه الخامس : صفات الله تعالى ~~على قسمين : منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقل ، ومنها ما لا يمكن ~~معرفته إلا بالدلائل السمعية . فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل ~~النبوة . # ثم قال تعالى : { ولاكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا } ~~واختلفوا في الضمير في قوله { ولاكن جعلناه } منهم من قال إنه راجع إلى ~~القرآن دون الإيمان لأنه هو الذي يعرف به الأحكام ، فلا جرم شبه بالنور ~~الذي يهتدي ms8083 به ، ومنهم من قال إنه راجع إليهما معا ، وحسن ذلك لأن معناهما ~~واحد كقوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : ~~11 ) . # ثم قال : { نهدى به من نشاء من عبادنا } وهذا يدل على أنه تعالى بعد أن ~~جعل القرآن نفسه في نفسه هدى كما قال : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) ~~فإنه قد يهدي به البعض دون البعض وهذه الهداية ليست إلا عبارة عن الدعوة ~~وإيضاح الأدلة لأنه تعالى قال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم { وإنك لتهدى ~~إلى صراط مستقيم } وهو يفيد العموم بالنسبة إلى الكل وقوله { نهدى به من ~~نشاء من عبادنا } يفيد الخصوص فثبت أن الهداية بمعنى الدعوة عامة والهداية ~~في قوله { نهدى به من نشاء من عبادنا } خاصة والهداية الخاصة غير الهداية ~~العامة فوجب أن يكون المراد من قوله { نهدى به من نشاء من عبادنا } أمرا ~~مغايرا لإظهار الدلائل ولإزالة الأعذار / ولا يجوز أيضا أن يكون عبارة عن ~~الهداية إلى طريق الجنة لأنه تعالى قال : { ولاكن جعلناه نورا نهدى به من ~~نشاء من عبادنا } أي جعلنا القرآن نورا نهدي به من نشاء ، وهذا لا يليق إلا ~~بالهداية التي تحصل في الدينا ، وأيضا فالهذاية إلى الجنة عندكم في حق ~~البعض واجب ، وفي حق الآخرين محظور ، وعلى التقديرين فلا يبقى لقوله { من ~~نشاء من عبادنا } فائدة ، فثبت أن المراد أنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من ~~يشاء ولا اعتراض عليه فيه . # ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } ~~فبين تعالى أنه كما أن القرآن يهدي فكذلك الرسول يهدي ، وبين أنه يهدي إلى ~~صراط مستقيم وبين أن ذلك الصراط هو { صراط الله الذى له ما فى * السماوات ~~وما في الارض } نبه بذلك على أن الذي تجوز عبادته هو الذي يملك السموات ~~والأرض ، والغرض منه إبطال قول من يعبد غير الله . # ثم قال : { ألا إلى الله تصير الامور } وذلك كالوعيد والزجر ، فبين أن ~~أمر من لا يقبل هذه التكاليف يرجع إلى الله تعالى ms8084 ، أي إلى حيث لا حاكم ~~سواه فيجازي كلا منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب . # PageV27P164 < # > 1 ( سورة الزخرف ) 1 < # > # وهي تسع وثمانون آية مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { حم* والكتاب المبين * إنا جعلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون * ~~وإنه فىأم الكتاب لدينا لعلى حكيم * أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما ~~مسرفين * وكم أرسلنا من نبي فى الا ولين * وما يأتيهم من نبى إلا كانوا به ~~يستهزءون * فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل الا ولين } . > 7 @QB@ < # | الزخرف : ( 1 - 8 ) حم # > > # اعلم أن قوله { حم * والكتاب المبين } يحتمل وجهين الأول : أن يكون ~~التقدير هذه حام والكتاب المبين فيكون القسم واقعا على أن هذه السورة هي ~~سورة حام ويكتن قوله { إنا جعلناه قرءانا عربيا } ابتداء لكلام رخر الثاني ~~: أن يكون التقدير هذه حام . # ثم قال : { والكتاب المبين * إنا جعلناه قرءانا عربيا } فيكون المقسم ~~عليه هو قوله { إنا جعلناه قرءانا عربيا } وفي المراد بالكتاب قولان أحدهما ~~: أن المراد به القرآن ، وعلى هذا التقدير فقد أقسم بالقرآن أنه جعله عربيا ~~الثاني : أن المراد بالكتاب الكتابة والخط وأقسم بالكتابة لكثرة ما فيثا من ~~المنافع ، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط فإن المتقدم إذا استنبط علما ~~وأثبته في كتاب ، وجاء المتأخر ووقف عليه أمكنه أن يزيد في استنباط الفوائد ~~، فبهذا الطريق تكاثرت الفوائد وانتهت إلى الغايات العظيمة ، وفي وصف ~~الكتاب بكونه مبينا من وجوه الألأل : أنه المبين للذين أنزل إليهم لأنه ~~بلغتهم ولسانهم والثاني : المبين هو الذي PageV27P165 أبان طريق الهدى من ~~طريق الضلالة وأبان كل باب عما سواه وجعلها مفصلة ملخصة . # واعلم أن وصفه بكونه مبينا نجاز لأن المبين هو الله تعالى وسمي القرآن ~~بذلك توسعا من حيث إنه حصل البيان عنده . # أما قوله { إنا جعلناه قرءانا عربيا لعلكم تعقلون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه الأول ~~: أن الآية تدل على أن القرآن مجعول ، والمجعول هو المصنوع المخلوق ، فإن ~~قالوا لم لا يجوز أن يكون المراد أنه سماه عربيا ؟ قلنا ms8085 هذا مدفوع من وجهين ~~الأول : أنه لو كان المراد بالجعل هذا لوجب أن من سماه عجميا أن يصير عجميا ~~وإن كان بلغة العرب ومعلوم أنه باطل الثاني : أنه لو صرف الجعل إلى التسمية ~~لزم كون التسمية مجعولة ، والتسمية أيضا كلام الله ، وذلك يوجب أنه فعل بعض ~~كلامه ، وإذا صح ذلك في البعض صح في الكل الثاني : أنه وصفه بكونه قرآنا ، ~~وهو إنما سمي قرآنا لأنه جعل بعضه مقرونا بالبعض وما كان كذلك كان مصنوعا ~~معمولا الثالث : أنه وصفه بكونه عربيا ، وهو إنما كان عربيا لأن هذه ~~الألفاظ إنما اختصت بمسمياتهم بوضع العرب واصطلاحاتهم ، وذلك يدل على كونه ~~معمولا ومجعولا والرابع : أن القسم بغير الله لا يجوز على ما هو معلوم فكان ~~التقدير حام ورب الكتاب المبين ، وتأكد هذا أيضا بما روي أنه عليه السلام ~~كان يقول يا رب طه وياس ويا رب القرآن العظيم والجواب : أن هذا الذي ~~ذكرتموه حق ، وذلك لأنكم إنما استدللتم بهذه الوجوه على كون هذه الحروف ~~المتوالية والكلمات المتعاقبة محدثة مخلوقة ، وذلك معلوم بالضرورة ومن ~~ينازعكم فيه ، بل كان كلامكم يرجع حاصله إلى إقامة الدليل على ما عرف ثبوته ~~بالضرورة . # المسألة الثانية : كلمة لعل للتمني والترجي وهو لا يليق بمن كان عالما ~~بعواقب الأمور ، فكان المراد منها هاهنا : كي أي أنزلناه قرآنا عربيا لكي ~~تعقلوا معناه / وتحيطوا بفحواه ، قالت المعتزلة فصار حاصل الكلام إنا ~~أنزلناه قرآنا عربيا لأجل أن تحيطوا بمعناه ، وهذا يفيد أميرين أحدهما : أن ~~أفعال الله تعالى معللة بالأغراض والدواعي والثاني : أنه تعالى إنما أنزل ~~القرآن ليهتدي به الناس ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من الكل الهداية ~~والمعرفة ، خلاف قول من يقول إنه تعالى أراد من البعض الكفر والإعراض ، ~~واعلم أن هذا النوع من استدلالات المعتزلة مشهور ، وأجوبتنا عنه مشهورة ، ~~فلا فائدة في الإعادة والله أعلم . # المسألة الثالثة : قوله { لعلكم تعقلون } يدل على أن القرآن معلوم وليس ~~فيه شيء مبهم مجهول خلافا لمن يقول بعضه معلوم وبعضه مجهول . # ثم قال تعالى : { وإنه فى ms8086 أم الكتاب لدينا لعلى حكيم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { أم الكتاب } بكسر الألف والباقون ~~بالضم . # المسألة الثانية : الضمير في قوله { وأنه } عائد إلى الكتاب الذي تقدم ~~ذكره في { أم الكتاب لدينا } واختلفوا في المراد بأم الكتاب على قولين : ~~فالقول الأول : إنه اللوح المحفوظ لقوله { بل هو قرءان مجيد * فى لوح محفوظ ~~} ( البروج : 22 ) . PageV27P166 # واعلم أن على هذا التقدير فالصفات المذكورة ههنا كلها صفات اللوح المحفوظ ~~. # الصفة الأولى : أنه أم الكتاب والسبب فيه أن أصل كل شيء أمه والقرآن مثبت ~~عند الله في اللوح المحفوظ ، ثم نقل إلى سماء الدنيا ، ثم أنزل حالا بحسب ~~المصلحة ، عن ابن عباس رضي الله عنه : ( إن أول ما خلق الله القلم ، فأمره ~~أن يكتب ما يريد أن يخلق ) فالكتاب عنده فإن قيل وما الحكمة في خلق هذا ~~اللوح المحفوظ مع أنه تعالى علام الغيوب ويستحيل عليه السهو والنسيان ؟ ~~قلنا إنه تعالى لما أثبت في ذلك أحكام حوادث المخلوقات ، ثم إن الملائكة ~~يشاهدون أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافقة ذلك المكتوب ، استدلوا بذلك ~~على كمال حكمة الله وعلمه . # الصفة الثانية : من صفات اللوح المحفوظ قوله { لدينا } هكذا ذكره ابن ~~عباس ، و ( إنما خصه الله تعالى بهذا التشريف لكونه كتابا جامعا لأحوال ~~جميع المحدثات ، فكأنه الكتاب المشتمل على جميع ما يقع في ملك الله وملكوته ~~، فلا جرم حصل له هذا التشريف ، قال الواحدي ، ويحتمل أن يكون هذا صفة ~~القرآن والتقدير إنه لدينا في أم الكتاب . # الصفة الثالثة : كونه عليا والمعنى كونه عاليا عن وجوه الفساد والبطلان ~~وقيل المراد كونه عاليا على جميع الكتب بسبب كونه معجزا باقيا على وجه ~~الدهر . # الصفة الرابعة : كونه حكيما أي محكما في أبواب البلاغة والفصاحة ، وقيل ~~حكيم أي ذو حكمة بالغة ، وقيل إن هذه الصفات كلها صفات القرآن على ما ~~ذكرناه والقول الثاني : في تفسير أم الكتاب أنه الآيات المحكمة لقوله تعالى ~~: { هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات * من أمة * الكتاب } ( آل ~~عمران : 7 ) ومعناه أن ms8087 سورة حام واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل ~~والأم . # ثم قال تعالى : { أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وحمزة والكسائي { إن كنتم } بكسر الألف تقديره ~~: ءن كنتم مسرفين لا نضرب عنكم الذكر صفحا ، وقيل ( إن ) بمعنى إذ كقوله ~~تعالى : { وذروا ما بقى من الربواا إن كنتم مؤمنين } ( البقرة : 278 ) ~~وبالجملة فالجزاء مقدم على الشرط ، وقرأ الباقون بفتح الألف على التعليل أي ~~لأن كنتم مسرفين . # المسألة الثانية : قال الفراء والزجاج يقول ضربت عنه وأضربت عنه أي تركته ~~وأمسكت عنه وقوله { صفحا } أي إعراضا والأصل فيه أنك توليت بصفحة عنقك وعلى ~~هذا فقوله { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } تقديره : أفنضرب عنكم إضرابنا أو ~~تقديره أفنصفح عنكم صفحا ، واختلفوا في معنى الذكر فقيل معناه أفنرد عنكم ~~ذكر عذاب الله ، وقيل أفنرد عنكم النصائح والمواعظ ، وقيل أفنرد عنكم ~~القرآن ، وهذا استفهام رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ولكن الله ~~برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة إذا عرفت هذا فنقول هذا الكلام ~~يحتمل وجهين : الأول : الرحمة يعني أن لا نترككم مع سوء اختياركم بل نذكركم ~~ونعظكم إلى أن ترجعوا إلى الطريق الحق الثاني : المبالغة في التغليظ يعني ~~أتظنون أن تتركوا مع ما PageV27P167 تريدون ، كلا بل نلزمكم العمل وندعوكم ~~إلى الدين ونؤاخذكم متى أخللتم بالواجب وأقدمتم على القبيح . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : الفاء في قوله { أفنضرب } للعطف ~~على محذوف تقديره أنهملكم فنضرب عنكم الذكر . # ثم قال تعالى : { وكم أرسلنا من نبي فى الاولين * وما يأتيهم من نبى إلا ~~كانوا به يستهزءون } والمعنى أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى ~~الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء ، فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب ~~إقدامهم على التكذيب والاستهزاء لأن المصيبة إذا عمت خفت . # ثم قال تعالى : { فأهلكنا أشد منهم بطشا } يعني أن أولئك المتقدمين الذين ~~أرسل الله إليهم الرسل كانوا أشد بطشا من قريش يعني أكثر عددا وجلدا ، ثم ~~قال : { ومضى مثل الاولين } والمعنى أن كفار مكة ms8088 سلكوا في الكفر والتكذيب ~~مسلك من كان قبلهم فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي مثل ما نزل بهم فقد ضربنا ~~لهم مثلهم كما قال : { وكلا ضربنا له الامثال } ( الفرقان : 39 ) وكقوله { ~~وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم } إلى قوله { وضربنا لكم الامثال } ( ~~إبراهيم : 45 ) والله أعلم . # ! 7 < { ولئن سألتهم من خلق السماوات والا رض ليقولن خلقهن العزيز العليم ~~* الذى جعل لكم الا رض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون * والذى نزل ~~من السمآء مآء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون * والذى خلق الأزواج ~~كلها وجعل لكم من الفلك والا نعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم تذكروا ~~نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هاذا وما كنا له ~~مقرنين * وإنآ إلى ربنا لمنقلبون { . > 7 ! # < < # | الزخرف : ( 9 ) ولئن سألتهم من . . . . . # > > اعلم أنه قد تقدم ذكر المسرفين وهم المشركون وتقدم أيضا ذكر الأنبياء ~~فقوله { ولئن سألتهم } يحتمل أن يرجع إلى الأنبياء ، ويحتمل أن يرجع إلى ~~الكفار إلا أن الأقرب رجوعه إلى الكفار ، فبين تعال أنهم مقرون بأن خالق ~~السماوات والأرض وما بينهما هو الله العزيز الحكيم ، والمقصود أنهم مع ~~كونهم مقرين بهذا المعنى يعبدون معه غيره وينكرون قدرته على البعث ، وقد ~~تقدم الإخبار عنهم ، ثم إنه تعالى ابتدأ دالا على نفسه بذكر مصنوعاته فقال ~~: { الذى جعل لكم الارض مهدا } ولو كان هذا من PageV27P168 جملة كلام ~~الكفار ولوجب أن يقولوا : الذي جعل لنا الأرض مهدا ، ولأن قوله في أثناء ~~الكلام { فأنشرنا به بلدة ميتا } لا يتعلق إلا بكلام الله ونظيره من كلام ~~الناس يأن يسمع الرجل رجلا يقول الذي بنى هذا المسجد فلان العالم فيقول ~~السامع لهذا الكلام الزاهد الكريم كأن ذلك السامع يقول أنا أعرفه بصفات ~~حميدة فوق ما تعرفه فأزيد في وصفه فيكون النعتان جميعا من رجلين لرجل واحد ~~. إذا عرفت كيفية النظم في الآية فنقول إنها تدل على أنواع من صفات الله ~~تعالى . # الصفة الأولى : كونه خالقا للسموات والأرض والمتكلمون بينوا أن أول العمل ~~بالله ms8089 العلم بكونه محدثا للعالم فاعلا له ، فلهذا السبب وقع الابتداء بذكر ~~كونه خالقا ، وهذاإنما يتم إذا فسرنا الخلق بالإحداث والإبداع . # الصفة الثانية : العزيز وهو الغالب وما لأجله يحصل المكنة من الغلبة هو ~~القدرة وكان العزيز إشارة إلى كمال القدرة . # الصفة الثالثة : العليم وهو إشارة إلى كمال العلم ، واعلم أن كمال العلم ~~والقدرة إذا حصل كان الموصوف به قادرا على خلق جميع الممكنات ، فلهذا ~~المعنى أثبت تعالى كونه موصوفا بهاتين الصفتين ثم فرع عليه سائر التفاصيل . # الصفة الرابعة : قوله { الذى جعل لكم الارض مهدا } وقد ذكرنا في هذا ~~الكتاب أن كون الأرض مهدا إنما حصل لأجل كونها واقفة ساكنة ولأجل كونها ~~موصوفة بصفات مخصوصة باعتبارها يمكن الانتفاع بها في الزراعة وبناء الأبنية ~~في كونها ساترة لعيوب الأحياء والأموات ، ولما كان المهد موضع الراحة للصبي ~~جعل الأرض مهدا لكثرة ما فيها من الراحات . # الصفة الخامسة : قوهل { وجعل لكم فيها سبلا } والمقصود أن انتفاع الناس ~~إنما يكمل إذا قدر كل أحد أن يذهب من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم ، ~~ولولا أن الله تعالى هيأ تلك السبل ووضع عليها علامات مخصوصة وإلا لما حصل ~~هذا الانتفاع . # ثم قال تعالى : { لعلكم تهتدون } يعني المقصود من وضع السبل أن يحصل لكم ~~المكنة من الاهتداء ، والثاني المعنى لتهتدوا إلى الحق في الدين . # الصفة السادسة : قوله تعالى : { والذى نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به ~~بلدة ميتا } وههنا مباحث أحدها : أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن الماء ينزل من ~~السماء ، فهل الأمر كذلك أو يقال إنه ينزل من السحاب وسمي نازلا من السماء ~~لأن كل ماسماك فهو سماء ؟ وهذا البحث قد مر ذكره بالاستقصاء وثانيها : قوله ~~{ بقدر } أي إنما ينزل من السماء بقدر ما يحتاج إليه أهل تلك البقعة من غير ~~زيادة ولا نقصان لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم بل يقدر حتى ~~يكون معاشا لكم ولأنعامكم وثالثها : قوله { فأنشرنا به بلدة ميتا } أي ~~خالية من النبات فأحييناها وهو الإنشار . # ثم قال ms8090 : { كذلك تخرجون } يعني أن هذا الدليل كما يدل على قدرة الله ~~وحكمته فكذلك يدل على قدرته على البعث والقيامة ووجه التشبيه أنه يجعلهم ~~أحياء بعد الإماتة كهذه الأرض التي أنشرت بعد ما كانت PageV27P169 ميتة ، ~~وقال بعضهم بل وجه التشبيه أن يعيدهم ويخرجهم من الأرض بماء كالمني كما ~~تنبت الأرض بماء المطر ، وهذا الوجه ضعيف لأنه ليس في ظاهر اللفظ إلا إثبات ~~الإعادة فقط دون هذه الزيادة . # الصفة السابعة : قوله تعالى { والذى خلق الازواج كلها } قال ابن عباس ~~الأزاج الضروب والأنواع كالحلو الحامض والأبيض والأسود والذكر والأنثى ، ~~وقال بعض المحققين كل ما سوى الله فهو زوج كالفوق والتحت واليمين واليسار ~~والقدام والخلف والماضي والمستقبل والذوات والصفات والصيف والشتاء والربيع ~~والخريف ، وكونها أزواجا يدل على كونها ممكنة الوجود في ذواتها مخدثة ~~مسبوقة بعدم ، فأما الحق سبحانه فهو الفرد المنزه عن الشد والند والمقابل ~~والمعاضد فلهذا قال سبحانه : { والذى خلق * الاسماء كلها } أي كل ما هو زوج ~~فهو مخلوق ، فدل هذا على أن خالقها فرد مطلق منزه عن الزوجية ، وأقول أيضا ~~العلماء بعلم الحساب بينوا أن الفرد أفضل من الزوج من وجوه الأول : أن أقل ~~الأزواج هو الإثنان وهو لا يوجد إلا عند ، حصول وحدتين فالزوج يحتاج إلى ~~الفرد وهو الوحدة غنية عن الزوج والغني أفضل من المحتاج الثاني : أن الزوج ~~يقبل القسمة بقسمين متساويين والفرد هو الذي لا يقل القسمة وقبول القسمة ~~انفعال وتأثر وعدم قبولها قوة وشدة ومقاومة فكان الفرد أفضل من الزوج ~~الثالث : أن العدد الفرد لا بد وأن يكون أحد قسميه زوجا والثاني فردا ~~فالعدد الفرد حصل فيه الزوج والفرد معا ، وأما العدد الزوج فلا بد وأن يكون ~~كل واحد من قسميه وزجا والمشتمل على القسمين أفضل من الذي لا يكون كذلك ~~الرابع : أن الزوجية عبارة عن كون كل واحد من قسميه معادلا للقسم الآخر في ~~الذات والصفات والمقدار ، وإذا كان كل ما حصل له من الكمال فمثله حاصل ~~لغيره لم يكن هو كاملا على الإطلاق ، أما الفرد فالفردية ms8091 كائنة له خاصة لا ~~لغيره ولا لمثله فكماله حاصلا له لا لغيره فكان أفضل الخامس : أن الزوج لا ~~بد وأن يكون كل واحد من قسميه مشاركا للقسم الآخر في بعض الأمور ومغايرا له ~~في أمور أخرى وما به المشاركة غير ما به المخالفة فكل زوجين فهما ممكنا ~~الوجود لذاتيهما وكل ممكن فهو محتاج فثبت أن الزوجية منشأ الفقر والحاجة ، ~~وأما الفردانية فهي منشأ الاستغناء والاستقلال لأن العدد محتاج إلى كل واحد ~~من تلك الوحدات ، وأما كل واحد من تلك الوحدات فإنه غني عن ذلك العدد ، ~~فثبت أن الأزواج ممكنات ومحدثات ومخلوقات وأن الفرد هو القائم بذاته ~~المستقبل بنفسه الغين عن كل ما سواه ، فلهذا قال سبحانه : { والذى خلق ~~الازواج كلها } . # الصفة الثامنة : قوله { وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون } وذلك لأن ~~السفر إما سفر البحر أو البر ، أما سفر البحر فالحامل هو السفينة ، وأما ~~سفر البر فالحامل هو الأنعام وههنا سؤالان : # السؤال الأول : لم لم يقل على ظهورها ؟ أجابوا عنه من وجوه الأول : قال ~~أبو عبيدة التذكير لقوله ما والتقدير ما تركبون الثاني : قال الفراء أضاف ~~الظهور إلى واحد فيه معنى الجمع بمنزل الجيش والجند ، ولذلك ذكر وجمع ~~الظهور الثالث : أن هذا التأنيث ليس تأنيثا حقيقيا فجاز أن يختلف اللفظ فيه ~~كما يقال عندي من النساء من يوافقك . # السؤال الثاني : يقال ركبوا الأنعام وركبوا في الفلك وقد ذكر الجنسين ~~فكيف قال تركبون ؟ والجواب : غلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المعتدي ~~بواسطة . # ثم قال تعالى : { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } ومعنى ذكر نعمة ~~الله ، أن يذكروها في PageV27P170 قلوبهم ، وذلك الذكر هو أن يعرف أن الله ~~تعالى خلق وجه البحر ، وخلق الرياح ، وخلق جرم السفينة على وجه يتمكن ~~الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي جانب شاء وأراد ، فإذا تذكروا أن خلق ~~البحر ، وخلق الرياح ، وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصريفات ~~الإنسان ولتحريكاته ليس من تدبير ذلك الإنسان ، وإنما هو من تدبير الحكيم ~~العليم القدير ، عرف أن ذلك ms8092 نعمة عظيمة من الله تعالى ، فيحمله ذلك على ~~الانقياد والطاعة له تعالى ، وعلى الاشتغال بالشكر لنعمه التي لا نهاية لها ~~. # ثم قال تعالى : { وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هاذا وما كنا له مقرنين } . # واعلم أنه تعالى عين ذكرا معينا لركوب السفينة ، وهو قوله { بسم الله ~~مجراها ومرساها } ( هود : 41 ) وذكرا آخر لركوب الأنعام ، وهو قوله { سبحان ~~الذى سخر لنا هاذا } وذكر عند دخول المنازل ذكرا آخر ، وهو قوله { رب ~~أنزلنى منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } ( المؤمنون : 29 ) وتحقيق القول ~~فيه أن الدابة التي يركبها الإنسان ، لا بد وأن تكون أكثر قوة من الإنسان ~~بكثير ، وليس لها عقل يهديها إلى طاعة الإنسان ، ولكنه سبحانه خلق تلك ~~البهيمة على وجوه مخصوصة في خلقها الظاهر ، وفي خلقها الباطن يحصل منها هذا ~~الانتفاع ، أما خلقها الظاهر : فلأنها تمشي على أربع قوائم ، فكان ظاهرها ~~كالموضع الذي يحسن استقرار الإنسان عليه ، وأما خلقها الباطن ، فلأنها مع ~~قوتها الشديدة قد خلقها الله سبحانه بحث تصير منقادة للإنسان ومسخرة له ، ~~فإذا تأمل الإنسان في هذه العجائب وغاص بعقله في بحار هذه الأسرار ، عظم ~~تعجبه من تلك القدرة القاهرة والحكمة غير المتناهية ، فلا بد وأن يقول { ~~سبحان الذى سخر لنا هاذا وما كنا له مقرنين } قال أبو عبيدة : فلان مقرن ~~لفلان ، أي ضابط له . قال الواحدي : وكان اشتقاقه من قولك ضرب له قرنا ، ~~ومعن أنا قرن لفلان ، أي مثاله في الشدة ، فكان المعنى أنه ليس عندنا من ~~القوة والطاقة أن نقرن هذه الدابة والفلك وأن نضبطها ، فسبحان من سخرها لنا ~~بعلمه وحكمته وكمال قدرته ، روى صاحب ( الكشفا ) : عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، أنه كان إذا وضع رجليه في الركاب قال : ( بسم الله ، فإذا استوى على ~~الدابة ، قال الحمد لله على كل حال ، سبحان الذي سخر لنا هذا ، إلى قوله ~~لمنقلبون ) وروى القاضي في ( تفسيره ) : عن أبي مخلد أن الحسن بن علي ~~عليهما السلام : رأى رجلا ركب دابة ، فقال سبحان الذي من علينا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم ، والحمد ms8093 لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس ، ثم تقول ~~: سبحان الذي سخر لنا هذا ، وروي أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ~~أنه كان إذا سافر وركب راحلته ، كبر ثلاثا ، ثم يقول : سبحان الذي سخر لنا ~~هذا ، ثم قال : اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ~~ترضى ، اللهم هون علينا السفر واطو عنا بعد الأرض / اللهم أنت الصاحب في ~~السفر والخليفة على الأهل ، اللهم أصحبنا في سفرنا ، وأخلفنا في أهلنا ) ~~وكان إذا رجع إلى أهله يقول ( آيبون تائبون ، لربنا حامدون ) قال صاحب ( ~~الكشاف ) : دلت هذه الآية على خلاف قول المجبرة من وجوه الأول : أنه تعالى ~~قال : { لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم } فذكره بلام كي ، وهذا يدل ~~على أنه تعالى أراد منا هذا الفعل ، وهذايدل على بطلان قولهم أنه تعالى ~~أراد الكفر منه ، وأراد الإصرار على الإنكار الثاني : أن قوله { لتستووا } ~~يدل على أن فعله معلل بالأغراض الثالث : أنه تعالى بين أن خلق هذه ~~الحيوانات على هذه الطبائع إنما كان لغرض أن يصدر الشكر على العبد ، فلو ~~كان فعل القبد فعلا لله تعالى ، لكان معنى الآية إني PageV27P171 خلقت هذه ~~الحيوانات لأجل أن أخلق سبحان الله في لسان العبد : وهذا بالطل ، لأنه ~~تعالى قارد على أن يخلق هذا اللفظ في لسانه بدون هذه الوسايط . # واعلم أن الكلام على هذه الوجوه معلوم ، فلا فائدة في الإعادة . # ثم قال تعالى : { وإنا إلى ربنا لمنقلبون } واعلم أن وجه اتصال هذا ~~الكلام بما قبله أن ركوب الفلك في خطر الهلاك ، فإنه كثيرا ما تنكسر ~~السفينة ويهلك الإنسان وراكب الدابة أيضا كذلك لأن الدابة قد يتفق لها ~~اتفاقات توجب هلاك الراكب ، وإذا كان كذلك فركوب الفلك والدابة يوجب تعريض ~~النفس للهلاك ، فوجب على الراكب أن يتذكر أمر الموت ، وأن يقطع أنه هالك لا ~~محالة ، وأنه منقلب إلى الله تعالى وغير منقلب من قضائه وقدره ، حتى لو ~~اتفق له ذلك المحذور كان قد وطن نفسه على الموت . # ! 7 < { وجعلوا له ms8094 من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين * أم اتخذ مما ~~يخلق بنات وأصفاكم بالبنين * وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمان مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم * أومن ينشأ فى الحلية وهو فى الخصام غير مبين * وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ~~} . > 7 ! # < < # | الزخرف : ( 15 ) وجعلوا له من . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قال : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض * ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم } ( الزخرف : 9 ) بين أنهم مع إقرارهم بذلك ، ~~جعلوا له من عباده جزءا والمقصود منه التنبيه على قلة عقولهم وسخافة عقولهم ~~. وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { جزء } بضم الزاي والهمزة ~~في كل القرآن وهما لغتان ، وأما حمزة فإذا وقف عليه قال جزا بفتح الزاي بلا ~~همزة . # المسألة الثانية : في المراد من قوله { وجعلوا له من عباده جزءا } قولان ~~: الأول : وهو المشهور أن المراد أنهم أثبتوا له ولدا ، وتقرير الكلام أن ~~ولد الرجل جزء منه ، قال عليه السلام : ( فاطمة بضعة مني ) ولأن المعقول من ~~الوابد أن ينفصل عنه جزء من أجزائه ، ثم يتربى ذلك الجزء ويتولد منه شخص ~~مثل ذلك اوصل ، وإذا كان كذلك فولد الرجل جزء منه وبعض منه ، فقوله { ~~وجعلوا له من عباده جزءا } معنى جعلوا حكموا وأثبتوا وقالوا به ، والمعنى ~~أنهم أثبتوا له جزءا ، وذلك الجزء هو عبد من عباده . # واعلم أنه لو قال وجعلوا لعباده منه جزءا ، أفاد ذلك أنهم أثبتوا أنه حصل ~~جزء من أجزائه في بعض PageV27P172 عباده وذلك هو الولد ، فكذا قوله { ~~وجعلوا له من عباده جزءا } معناه وأثبتوا له جزءا ، وذلك الجزء هو عبد من ~~عباده ، والحاصل أنهم أثبتوا لله ولدا ، وذكروا في تقرير هذا القول وجوها ~~أخر ، فقالوا الجزء هو الأنثى في لغة العرب ، واحتجوا في إثبات هذه اللغة ~~ببيتين فالأول قوله : # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب # قد تجزىء الحرة المذكاة أحيانا وقوله : # زوجتها من بنات الأوس مجزئة # للعوسج اللدن في أبياتها غزل وزعم الزجاج والأزهري وصاحب ( الكشاف ) : أن ms8095 ~~هذه اللغة فاسدة ، وأن هذه الأبيات مصنوعة والقول الثاني : في تفسير الآية ~~أن المراد من قوله { وجعلوا له من عباده جزءا } إثبات الشركاء لله ، وذلك ~~لأنهم لما أثبتوا الشركاء لله تعالى فقد زعموا أن كل العباد ليس لله ، بل ~~بعضها لله ، وبعضها لغير الله ، فهم ما جعلوا لله من عباده كلهم ، بل جعلوا ~~له منهم بعضا وجزءا منهم ، قالوا والذي يدل على أن هذا القول أولى من الأول ~~، أنا إذا حملنا هذه الآية على إنكار الشريك لله ، وحملنا الآية التي بعدها ~~إلى إنكار الولد لله ، كانت الآية جامعة للرد على جميع المبطلين . # ثم قال تعالى : { أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين } . # واعلم أنه تعهالى رتب هذه المناظرة على أحسن الوجوه ، وذلك لأنه تعالى ~~بين أن إثبات الولد لله محال ، وبتقدير أن يثبت الولد فجعله بنتا أيضا محال ~~، أما بيان أن إثبات الولد لله محال ، فلأن الولد لا بد وأن يكون جزءا من ~~الوالد ، وما كان له جزء كان مركبا ، وكل مركب ممكن ، وأيضا ما كان كذلك ~~فإنه يقبل الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق ، وما كان كذلك فهو عبد ~~محدث ، فلا يكون إلها قديما أزليا . # وأما المقام الثاني : وهو أن بتقدير ثبوت الولد فإنه يمتنع كونه بنتا ، ~~وذلك أن الابن أفضل من البنت ، فلو قلنا إنه اتخذ لنفسه البنات وأعطى ~~البنين لعباده ، لزم أن يكون حال العبد أكمل وأفضل من حال الله ، وذلك ~~مدفوع في بديهة العقل ، يقال أصفيت فلانا بكذا ، أي آثرته به إيثارا حصل له ~~على سبيل الصفاء من غير أن يكون له فيه مشارك ، وهو كقوله { أفأصفاكم ربكم ~~بالبنين } ( الإسراء : 40 ) ثم بين نقصان البنات من وجوه الأول : قوله { ~~وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمان مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم } والمعنى أن ~~الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحد كيف يجوز للعاقل إثباته لله تعالى وعن ~~بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى ، فهجر البيت الذي فيه المرأة ، فقالت : # ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل في البيت ms8096 الذي يلينا غضبان أن لا نلد ~~البنيناليس لنا من أمرنا ماشينا # وإنما نأخذ ما أعطينا وقوله { ظل } أي صار ، كما يستعمل أكثر الأفعال ~~الناقصة ، قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء مسود مسواد ، والتقدير وهو مسود ، ~~فتقع هذه الجملة موقع الخبر والثاني : قوله { أو من * ينشأ فى الحلية وهو ~~فى الخصام غير مبين } PageV27P173 وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ينشؤ بضم الياء وفتح ~~النون وتشديد الشين على ما لم يسم فاعله ، أي يربى ، والباقون ينشأ ، بضم ~~الياء وسكون النون وفتح الشين ، قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء يناشأ ، قال ~~ونظير المناشأة بمعنى الإنشاء ، المغالاة بمعنى الإغلاء . # المسألة الثانية : المراد من قوله { أو من * ينشأ فى الحلية } التنبيه ~~على نقصانها ، وهو أن الذي يربى في الحلية يكون ناقص الذات ، لأنه لولا ~~نقصان في ذاتها لما احتاجت إلى تزيين نفسها بالحلية ، ثم بين نقصان حالها ~~بطريق آخر ، وهو قوله { وهو فى الخصام غير مبين } يعني أنها إذا احتاجت ~~المخاصمة والمنازعة عجزت وكانت غير مبين ، وذلك لضعف لسانها وقلة عقلها ~~وبلادة طبعها ، ويقال قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت ~~بما كان حجة عليها ، فهذه الوجوه دالة على كمال نقصها ، فكيف يجوز إضافتهن ~~بالولدية إليها . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن التحلي مباح للنساء ، وأنه حرام ~~للرجال ، لأنه تعالى جعل ذلك من المعايب وموجبات النقصان ، وإقدام الرجل ~~عليه يكون إلقاء لنفسه في الذل وذلك حرام ، لقوله عليه السلام : ( ليس ~~للمؤمن أن يذل نفسه ) وإنما زينة الرجل الصبر على طاعة الله ، والتزين ~~بزينة التقوى ، قال الشافعي : # % فتدرعت يوما للقنوع حصينة % % أصون بها عرضي أوجعلها ذخرا % # % فولم أحذر الدهر الخئون وإنما % % قصاراه أن يرمي بي الموت والفقرا % # % ففأعددت للموت الإله وعفوه % % وأعددت للفقر التجلد والصبرا % # ثم قال تعالى : { وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمان إناثا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : المراد بقوله : { جعلوا } ، أي حكموا به ، ثم قال : { ~~أشهدوا خلقهم } وهذا استفهام على سبيل الإنكار ، يعني أنهم لم يشهدوا خلقهم ~~، وهذا مما لا سبيل إلى ms8097 معرفته بالدلائل العقلية ، وأما الدلائل النقلية ~~فكلها مفرعة على إثبات النبوة ، وهؤلاء الكفار منكرون للنبوة ، فلا سبيل ~~لهم إلى إثبات هذا المطلوب بالدلائل النقلية / فثبت أنهم ذكروا هذه الدعوى ~~من غير أن عرفوه لا بضرورة ولا بدليل ، ثم إنه تعالى هددهم فقال : { ستكتب ~~شهادتهم ويسئلون } وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر ، وأن التقليد ~~يوجب الذم العظيم والعقاب الشديد . قال أهل التحقيق : هؤلاء الكفار كفروا ~~في هذا القول من ثلاثة أوجه أولها : إثبات الولد لله تعالى وثانيها : أن ~~ذلك الولد بنت وثالثها : الحكم على الملائكة بالأنوثة . # المسألة الثانية : قرأ نافع وابن كثير وابن عامر : ( عند الرحمن ) بالنون ~~، وهو اختيار أبي حاتم واحتج عليه بوجوه الأول : أنه يوافق قوله { إن الذين ~~عند ربك } ( الأعراف : 206 ) وقوله { ومن عنده } ( الأنبياء : 19 ) والثاني ~~: أن كل الخلق عباده فلا مدح لهم فيه والثالث : أن التقدير أن الملائكة ~~يكونون عند الرحمن ، لا عند هؤلاء الكفار ، فكيف عرفوا كونهم إناثا ؟ وأما ~~الباقون فقرأوا عباد جمع عبد وقيل جمع عابد ، كقائم وقيام ، وصائم وصيام ، ~~ونائم ونيام ، وهي قراءة ابن عباس ، واختيار أبي عبيد ، قال لأنه تعالى رد ~~عليهم قولهم : إنهم بنات الله ، وأخبر أنهم عبيد ، ويؤيد هذه القراءة قوله ~~{ بل عباد مكرمون } ( الأنبياء : 26 ) . PageV27P174 # المسألة الثالثة : قرأ نافع وحده : { * آأشهدوا } بهمزة ومدة بعدها خفيفة ~~لينة وضمة ، أي ( أ ) أحضروا خلقهم ، وعن نافع غير ممدود على ما لم يسم ~~فاعله ، والباقون : أشهدوا ، بفتح الألف ، من ( أ ) شهدوا ، أي أحضروا . # المسألة الرابعة : احتج من قال بتفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية ، ~~فقال أما قراءة ( عند ) بالنون ، فهذه العندية لا شك أنها عندية الفضل ~~والقرب من الله تعالى بسبب الطاعة ، ولفظة { قرن هم } توجب الحصر ، والمعنى ~~أنهم هم الموصوفون بهذه العندية لا غيرهم ، فوجب كونهم أفضل من غيرهم رعاية ~~للفظ الدال على الحصر ، وأما من قرأ ( عباد ) جمع العبد ، فقد ذكرنا أن لفظ ~~العباد مخصوص في القرآن بالمؤمنين فقوله { هم عباد الرحمان } يفيد حصر ~~العبودية فيهم ، فإذا كان اللفظ ms8098 الدال على العبودية دالا على الفضل والشرف ~~، كان اللفظ الدال على حصر العبودية دالا على حصر الفضل والمنقبة والشرف ~~فيهم وذلك يوجب كونهم أفضل من غيرهم والله أعلم . # ! 7 < { وقالوا لو شآء الرحمان ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يخرصون * أم ءاتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون * بل قالوا إنا وجدنآ ~~ءابآءنا على أمة وإنا علىءاثارهم مهتدون * وكذلك مآ أرسلنا من قبلك فى قرية ~~من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا علىءاثارهم مقتدون ~~* قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ءابآءكم قالوا إنا بمآ أرسلتم به ~~كافرون * فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين } . > 7 ! # < < # | الزخرف : ( 20 ) وقالوا لو شاء . . . . . # > > اعلم أنه تعالى حكى نوعا آخر من كفرهم وشبهاتهم ، وهو أنهم قالوا لو ~~شاء الرحمن ما عبدناهم ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قالت المعتزلة هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة في ~~أن كفر الكافر يقع بإرادة الله من وجهين الأول : أنه تعالى حكى عنهم أنهم ~~قالوا { لو شاء الرحمان ما عبدناهم } وهذا صريح قول المجبرة ، ثم إنه تعالى ~~أبطله بقوله { ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } فثبت أنه حكى مذهب ~~المجبرة ، ثم أردفه بالإبطال والإفساد ، فثبت أن هذا المذهب باطل ، ونظيره ~~قوله تعالى في سورة الأنعام : { سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~} إلى قوله { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم ~~إلا تخرصون } ، PageV27P175 ( الأنعام : 148 ) والوجه الثاني : أنه تعالى ~~حكى عنهم قبل هذه الآية أنواع كفرهم فأولها : قوله { وجعلوا له من عباده ~~جزءا } ( الزخرف : 15 ) ، وثانيها : قوله { وجعلوا الملئكة الذين هم عباد ~~الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) ، وثالثها : قوله تعالى : { وقالوا لو شاء ~~الرحمان ما عبدناهم } فلما حكى هذه الأقاويل الثلاثة بعضها على إثر بعض ، ~~وثبت أن القولين الأولين كفر محض فكذلك هذا القول الثالث يجب أن يكون كفرا ~~، واعلم أن الواحدي أجاب في ( البسيط ) عنه من وجهين الأول : ما ذكره ms8099 ~~الزجاج : وهو أن قوله تعالى : { ما لهم بذلك من علم } عائد إلى قولهم ~~الملائكة إناث وإلى قولهم الملائكة بنات الله والثاني : أنهم أرادوا بقولهم ~~{ لو شاء الرحمان ما عبدناهم } أنه أمرنا بذلك ، وأنه رضي بذلك ، وأقرنا ~~عليه ، فأنكر ذلك عليهم ، فهذا ما ذكره الواحدي في الجواب ، وعندي هذان ~~الوجهان ضعيفان أما الأول : فلأنه تعالى حكى عن القوم قولين باطلين ، وبين ~~وجه بطلانهما ، ثم حكى بعده مذهبا ثالثا في مسألة أجنبية عن المسألتين ~~الأوليين ، ثم حكم بالبطلان والوعيد فصرف هذا الإبطال عن هذا الذي ذكره ~~عقيبه إلى كلام متقدم أجنبي عنه في غاية البعد وأما الوجه الثاني : فهو ~~أيضا ضعيف ، لأن قوله { لو شاء الرحمان ما عبدناهم } ليس فيه بيان متعلق ~~بتلك المشيئة ، والإجمال خلاف الدليل ، فوجب أن يكون التقدير لو شاء الله ~~ألاة نعبدهم ما عبدناهم ، وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فهذا ~~يدل على أنه لم توجد مشيئة الله لعدم عبادتهم ، وهذا عين مذهب المجبرة ، ~~فالإبطال والإفساد يرجع إلى هذا المعنى ، ومن الناس من أجاب عن هذا ~~الاستدلال بأن قال إنهم إنما ذكروا ذلك الكلام على سبيل الاستهزاء والسخرية ~~/ فلهذا السبب استوجبوا الطعن والذم ، وأجاب صاحب ( الكشاف ) عنه من وجهين ~~الأول : أنه ليس في اللفظ ما يدل على أنهم قالوا مستهزئين ، وادعاء ما لا ~~دليل عليه باطل الثاني : أنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء وهي : أنهم جعلوا ~~له من عباده جزءا وأنهم جعلوا الملائكة إناثا ، وأنهم قالوا { لو شاء ~~الرحمان ما عبدناهم } فلو قلنا بأنه إنما جاء الذم على القول الثالث لأنهم ~~ذكروه على طريق الجد ، وجب أن يكون الحال في حكاية القولين الأولين كذلك ، ~~فلزم أنهم لو نطقوا بتلك الأشياء على سبيل الجد أن يكونوا محقين ، ومعلوم ~~أنه كفر ، وأما القول بأن الطعن في القولين الأولين إنما توجه على نفس ذلك ~~القول ، وفي القول الثالث لا على نفسه بل على سبيل الاستهزاء ، فهذايوجب ~~تشويش النظم ، وأنه لا يجوز في كلام الله . # واعلم أن الجواب الحق عندي عن ms8100 هذا الكلام ما ذكرناه في سورة الأنعام ، ~~وهو أن القوم إنما ذكروا هذا الكلام لأنهم استدلوا بمشيئة الله تعالى للكفر ~~على أنه لا يجوز ورود الأمر بالإيمان فاعتقدوا أن الأمر والإرادة يجب ~~كونهما متطابقين ، وعندنا أن هذا باطل فالقوم لم يستحقوا الذم بمجرد قولهم ~~إن الله يريد الكفر من الكافر بل لأجل أنهم قالوا لما أراد الكفر من الكافر ~~وجب أن يقبح منه أمر الكافر بالإيمان ، وإذا صرفنا الذم والطعن إلى هذا ~~المقام سقط استدلال المعتزلة بهذه الآية ، وتمام التقرير مذكور في سورة ~~الأنعام والله أعلم . # المسألة الثانية : أنه تعالى لما حكى عنهم ذلك المذهب الباطل قال : { ما ~~لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } وتقريره كأنه قيل إن القوم يقولون لما ~~أراد الله الكفر من الكافر وخلق فيه ما أوجب ذلك الكفدر وجب أن يقبح منه أن ~~يأمره بالإيمان لأن مثل هذا التكليف قبيح في الشاهد فيكون قبيحا في الغائب ~~فقال تعالى : { ما لهم بذلك من علم } أي ما لهم بصحة هذا القياس من علم ، ~~وذلك لأن أفعال الواحد منا وأحكامه PageV27P176 مبنية على رعاية المصالح ~~والمفاسد لأجل أن كل ما سوى الله فإنه ينتفع بحصول المصالح ويستضر بحصول ~~المفاسد ، فلا جرم أن صريح طبعه وعقله يحمله على بناء أحكامه وأفعاله على ~~رعاية المصالح ، أما الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينفعه شيء ولا يضره شيء ~~فكيف يمكن القطع بأنه تعالى يبني أحكامه وأفعاله على رعاية المصالح مع ظهور ~~هذا الفارق العظيم فقوله تعالى : { ما لهم بذلك من علم } أي ما لهم بصحة ~~قياس الغائب على الشاهد في هذا الباب علم . # ثم قال : { إن هم إلا يخرصون } أي كما لم يثبت لهم صحة ذلك القياس فقد ~~ثبت بالبرهان القاطع كونهم كذابين خراصين في ذلك القياس لأن قياس المنزه عن ~~النفع والضر من كل الوجوه على المحتاج المنتفع المتضرر قياس باطل في بديهة ~~العقل . # ثم قال : { أم ءاتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون } يعني أن القول ~~الباطل الذي حكاه الله ms8101 تعالى عنهم عرفوا صحته بالعقل أو بالنقل ، أما ~~إثباته بالعقل فهو باطل لقوله { ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون } ~~وأما إثباته بالنقل فهو أيضا بالطل لقوله { أم ءاتيناهم كتابا من قبله فهم ~~به مستمسكون } والضمير في قوله { من قبله } للقرآن أو للرسول ، والمعنى ~~أنهم ( هل ) وجدوا ذلك الباطل في كتاب منزل قبل القرآن حتى جاز لهم أن ~~يعولوا عليه ، وأن يتمسكوا به ، والمقصود منه ذكره في معرض الإنكار ، ولما ~~ثبت أنه لم يدل عليه لا دليل عقلي ولا دليل نقلي وجب أن يكون القول به ~~باطلا . # ثم قال تعالى : { بل قالوا إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا علىءاثارهم ~~مهتدون } والمقصود أنه تعالى لما بين أن تمسك الجهال بطريقة التقليد أمر ~~كان حاصلا من قديم الدهر فقال : { وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من نذير ~~إلا قال مترفوها إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { على أمة } بالكسر ~~وكلتاهما من الأم وهو القصد ، فالأمة الطريقة التي تؤم أي تقصد كالرحلة ~~للمرحول إليه ، والإمة الحالة التي يكون عليها الآم وهو القاصد . # المسألة الثانية : لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآيات لكفت في إبطال ~~القول بالتقليد وذلك لأنه تعالى بين أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا في إثبات ~~ما ذهبوا إليه لا بطريق عقلي ولا بدليل نقلي ، ثم بين أنهم إنما ذهبوا إليه ~~بمجرد تقليد الآباء والأسلاف ، وإنم ذكر تعالى هذه المعاني في معرض الذم ~~والتهجين ، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل ، ومما يدل عليه أيضا من ~~حيث العقل أن التقليد أمر مشترك فيه بين المبطل وبين المحق وذلك لأنه كم ~~حصل لهذه الطائفة قوم من المقلدة فكذلك حصل لأضدادهم أقوام من المقلدة فلو ~~كان التقليد طريقا إلى الحق لوجب كون الشيء ونقيضه حقا ومعلوم أن ذلك باطل ~~. # المسألة الثالثة : أنه تعالى بين أن الداعي إلى القول بالتقليد والحامل ~~عليه ، إنما هو حب التنعم في طيبات الدنيا وحب ms8102 الكسل والبطالة وبغض تحمل ~~مشاق النظر والاستدلال لقوله { وكذلك ما أرسلنا من قبلك فى قرية من } ~~والمترفون هم الذين أترفتهم النعمة أي أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات ~~والملاهي ويبغضون تحمل المشاق في طلب الحق ، وإذاعرفت هذا علمت أن رأسي ~~جميع الآفات حب الدينا واللذات PageV27P177 الجسمانية ورأس جميع الخيرات هو ~~حب الله والدار الآخرة ، فلهذا قال عليه السلام : ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ~~) . # ثم قال تعالى لرسوله : { قال أوحى * لو * جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ~~ءاباءكم } أي بدين أهدى من دين آبائكم فعند هذات حكى الله عنهم أنهم قالوا ~~إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه وإن جئتنا بما هو أهدى { فإنما * ~~بما أرسلتم به كافرون } وإن كان أهدى مما كنا عليه ، فعند هذا لم يبق لهم ~~عذر ولا علة ، فلهذا قال تعالى : { فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة ~~المكذبين } والمراد منه تهديد الكفار والله أعلم . # ! 7 < { وإذ قال إبراهيم لابيه وقومه إننى برآء مما تعبدون * إلا الذى ~~فطرنى فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية فى عقبه لعلهم يرجعون * بل متعت ~~هاؤلاء وءابآءهم حتى جآءهم الحق ورسول مبين * ولما جآءهم الحق قالوا هاذا ~~سحر وإنا به كافرون } . > 7 ! # < < # | الزخرف : ( 26 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أنه ليس لأولئك الكفار داع ~~يدعوهم إلى تلك الأقاويل الباطلة إلا تقليد الآباء والأسلاف ، ثم بين أنه ~~طريق باطل ومنهج فاسد ، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من الاعتماد على ~~التقليد ، أردفه بهذه الآية والمقصود منها ذكر وجه آخر يدل على فساد القول ~~بالتقليد وتقريره من وجهين : الأول : أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام ~~أنه تبرأ عن دين آبائه بناء على الدليل فنقول : إما أن يكون تقليد الآباء ~~في الأديان محرما أو جائزا ، فإن كان محرما فقد بطل القول بالتقليد ، وإن ~~كان جائزا فمعلوم أن أشرف آباء العرب هو إبراهيم عليه السلام ، وذلك لأنهم ~~ليس لهم فخر ولا شرف إلا بأنهم من أولاده ، وإذا كان كذلك فتقليد هذا الأب ~~الذي ms8103 هو أشرف الآباء أولى من تقليد سائر الآباء ، وإذا ثبت أن تقليده أولى ~~من تقليد غيره فنقول إنه ترك دين الآباء ، وحكم بأن اتباع الدليل أولى من ~~متابعة الآباء ، وإذا كان كذلك وجب تقليده في ترك تقليد الآباء ووجب ~~تقليدعه في ترجيح الدليل على التقليد ، وإذا ثبت هذا فنقول : فقد ظهر أن ~~القول بوجوب التقليد يوجب المنع من التقليد ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان ~~باطلا ، فوجب أن يكون القول بالتقليد باطلا ، فهذا طريق رقيق في إبطال ~~التقليد وهو المراد بهذه الآية . # الوجه الثاني : في بيان أن ترك التقليد والرجوع إلى متابعة الدليل أولى ~~في الدنيا وفي الدين ، أنه تعالى بين أن إبراهيم عليه السلام لما عدل عن ~~طريقة أبيه إلى متابعة الدليل لا جرم جعل الله دينه ومذهله باقيا في عقبه ~~إلى يوم القيامة ، وأما أديان آبائه فقد اندرست وبطلت ، فثبت أن الرجوع إلى ~~متابعة الدليل يبقى محمود الأثر إلى قيام الساعة ، وأن التقليد والإصرار ~~ينقطع أثره ولا يبقى منه في الدينا خير ولا أير ، فثبت من هذين الوجهين أن ~~متابعة الدليل وترك التقليد أولى ، فهذا بيان المقصود الأصلي من هذه الآية ~~، ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية . PageV27P178 # أما قوله { إننى براء مما تعبدون } فقال الكسائي والفراء والمبرد والزجاج ~~{ براء } مصدر لا يثنى وا يجمع مثل عدل ورضا وتقول العرب أنا البراء منك ~~والخلاء منك ونحن الراء منك والخلاء ولا يقولون البراآن ولا البرؤن لأن ~~المعنى ذوا البراء وذوو البراء فإن قلت برىء وخلى ثنيت وجمعت . # ثم استثنى خالقه من البراءة فقال : { إلا الذى فطرنى } والمعنى أنا أتبرأ ~~مما تعبدون إلا من الله عز وجل ، ويجوز أن يكون إلا بمعنى لكن فيكون المعنى ~~لكن الذي فطرني فإنه سيهدين أي سيرشدني لدينه ويوفقني لطاعته . # واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في آية أخرى أنه قال : { ~~الذى خلقنى فهو يهدين } ( الشعراء : 78 ) وحكى عنه ههنا أنه قال : { سيهدين ~~} فأجمع بينهما وقدر كأنه قال : فهو يهدين وسيهدين ، فيدلان على استمرار ~~الهداية ms8104 في الحال والاستقبال { وجعلها } أي وجعل إبراهيم كلمة التوحيد التي ~~تكلم بها وهي قوله { إننى براء مما تعبدون } جاريا مجرى لا إله وقوله { إلا ~~الذى فطرنى } جاريا مجرى قوله إلا الله فكان مجموع قوله { إننى براء مما ~~تعبدون * إلا الذى فطرنى } جاريا مجرى قوله لا إله إلا الله ثم بين تعالى ~~أن إبراهيم جعل هذه الكلمة باقية في عقبه أي في ذريته فلا يزال فيهم من ~~يوحد الله ويدعو إلى توحيده { لعلهم يرجعون } أي لعل من أشرك منهم يرجع ~~بدعاء من وحد منهم / وقيل وجعلها الله ، وقرىء كلمة على التخفيف وفي عقيبه ~~. # ثم قال تعالى : { بل متعت هؤلاء وءاباءهم } يعني أهل مكة وهم عقب إبراهيم ~~بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بالمهلة واشتغلوا بالتنعم واتباع الشهوات ~~وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد { حتى جاءهم الحق } وهو القرآن { ورسول مبين ~~} بين الرسالة وأوضحها بما معه من الآيات والبينات فكذبوا به وسموه ساحرا ~~وما جاء به سحرا وكفروا به ، ووجه النظم أنهم لما عولوا على تقليد الآباء ~~ولم يتفكروا في الحجة اغتروا بطول الإمهال وإمتاع الله إياهم بنعيم الدينا ~~فأعرضوا عن الحق ، قال صاحب ( الكشاف ) : إن قيل ما وجه قراءة من قرأ متعت ~~بفتح التاء ؟ قلنا كأن الله سبحانه اعترض على ذاته في قوله { وجعلها كلمة ~~باقية فى عقبه لعلهم يرجعون } فقال بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر ~~والسعة في الرزق حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد ، وأراد بذلك المبالغة في ~~تعييرهم لأنه إذا متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببا في ~~زيادة الشكر والثبات على التوحيد لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادا ، ~~فمثاله أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه ثم يقبل على نفسه فيقول أنت السبب ~~في ذلك بمعروفك وإحسانك إليه ، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح ~~فعل نفسه . # ! 7 < { وقالوا لولا نزل هاذا القرءان على رجل من القريتين عظيم * أهم ~~يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحيواة الدنيا ورفعنا بعضهم ~~فوق بعض درجات ms8105 ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون } . > 7 ~~@QB@ < # | الزخرف : ( 31 ) وقالوا لولا نزل . . . . . # > > PageV27P179 # اعلم أن هذا هو النوع الرابع : من كفرياتهم التي حكاها الله تعالى عنهم ~~في هذه السورة ، وهؤلاء المساكين قالوا منصب رسالة الله منصب شريف فلا يليق ~~إلا برجل شريف ، وقد صدقوا في ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة وهي أن ~~الرجل الشريف هو الذي يكون كثير المال والجاه ومحمد ليس كذلك فلا تليق ~~رسالة الله به ، وإنما يليق هذا المنصب برجل عظيم الجاه كثير المال في إحدى ~~القريتين وهي مكة والطائف ، قال المفسرون والذي بمكة هو الوليد بن المغيرة ~~والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي ، ثم أبطل الله تعالى هذه الشبهة من ~~وجهين الأول : قوله { أهم يقسمون * رحمت ربك } وتقرير هذا الجواب من وجوه ~~أحدها : أنا أوقعنا التفاوت في مناصب الدنيا ولم يقدر أحد من الخلق على ~~تغييره فالتفاوت الذي أوقعناه في مناصب الدين والنبوة بأن لا يقدروا على ~~التصريف فيه كان أولى وثانيها : أن يكون المراد أن اختصاص ذلك الغنى بذلك ~~المال الكثير إنما كان لأجل حكمنا وفضلنا وإحساننا إليه ، فكيف يليق بالعقل ~~أن نجلع إحساننا إليه بكثرة المال حجة علينا في أن نحسن إليه أيضا بالنبوة ~~؟ وثالثها : إنا لما أوقعنا التفاوت في الإحسان بمناصب الدينا لا لسبب سابق ~~فلم لا يجوز أيضا أن نوقع التفاوت في الإحسان بمناصب الدين والنبوة لا لسبب ~~سابق ؟ فهذا تقرير الجواب ، ونرجع إلى تفسير الألفاظ فنقول الهمزة في قوله ~~{ أهم يقسمون * رحمت ربك } للإنكار الدال على التجهيل والتعجب من إعراضهم ~~وتحكمهم أن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوة ، ثم ضرب لهذا مثالا فقال : { ~~نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحيواة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنا أوقعنا هذا التفاوت بين العباد في القوة والضعف ~~والعلم والجهل والحذاقة والبلاهة والشهرة والخمول ، وإنما فعلنا ذلك لأنا ~~لو سوينا بينهم في كل هذه الأحوال لم يخدم أحد أحدا ولم يصر أحد منهم مسخرا ~~لغيره وحينئذ يفضي ms8106 ذلك إلى خراب العالم وفساد نظام الدينا ، ثم إن أحدا من ~~الخلق لم يقدر على تغيير حكمنا ولا على الخروج عن قضائنا ، فإن عجزوا عن ~~الإعراض عن حكمنا في أحوال الدنيا مع قلتها ودناءتها ، فكيف يمكنهم ~~الاعتراض على حكمنا وقضائنا في تخصيص العباد بمنصب النبوة والرسالة ؟ . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحيواة } ~~يقتضي أن تكون كل أقسام معايشهم إنتما تحصل بحكم الله وتقديره ، وهذا يقتضي ~~أن يكون الرزق الحرام والحلال كله من الله تعالى والوجه الثاني : في الجواب ~~ما هو المراد من قوله { ورحمة ربك خير مما يجمعون } ؟ ، وتقريره أن الله ~~تعالى إذا خص بعض عبيده بنوع فضله ورحمته في الدين فهذه الرحمة خير من ~~الأموال التي يجمعها لأن الدينا على شرف الانقضاء والانقراض وفضل الله ~~ورحمته تبقى أبد الآباد . # PageV27P180 ! 7 < { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا ~~عليها يتكئون * وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحيواة الدنيا والا خرة عند ~~ربك للمتقين * ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جآءنا قال ياليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين * ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم فى ~~العذاب مشتركون } . > 7 ! # < < # | الزخرف : ( 33 ) ولولا أن يكون . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى أجاب عن الشبهة التي ذكروها بناء على ~~تفضيل الغني على الفقير بوجه ثالث وهو أنه تعالى بين أن منافع الدينا ~~وطيباتها حقيرة خسيسة عند الله وبين حقارتها بقوله { ولولا أن يكون الناس ~~أمة واحدة } والمعنى لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكافر في سعة ~~من الخير والرزق لأعطيتهم أكثر الأسباب المفيدة للتنعم أحدها : أن يكون ~~سقفهم من فضة وثانيها : معارج أيضا من فضة عليها يظهرون وثالثها : أن نجعل ~~لبيوتهم أبوابا من فضة وسررا أيضا من فضة عليها يتكئون . # ثم قال : { وزخرفا } وله تفسيران أحدها : أنه الذهب ms8107 والثاني : أنه الزينة ~~، بدليل قوله تعالى : { حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت } ( يونس : 24 ) ~~فعلى التقدير الأول يكون المعنى ونجعل بهم مع ذلك ذهبا كثيرا ، وعلى الثاني ~~أنا نعطيهم زينة عظيمة في كل باب ، ثم بين تعالى أن كل ذلك متاع الحياة ~~الدينا ، وإنما سماه متاعا لأن الإنسان يستمتع به قليلا ثم ينقضي في الحال ~~، وأما الآخرة فهي باقية دائمة ، وهي عند الله تعهالى وفي حكمه للمتقين عن ~~حب الدينا المقبلين على حب المولى ، وحاصل الجواب أن أولئك الجهال ظنوا أن ~~الرجل الغني أولى بمنصظب الرسالة من محمد بسبب فقره ، فبين تعالى أن المال ~~والجاه حقيران عند الله ، وأنهما شرف الزوال فحصولهما لا يفيد حصول الشرف ~~والله أعلم . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وأبو عمرو { سقفا } بفتح السين وسكون ~~القاف على لفظ الواحد لإرادة الجنس ، كما في قوله { فخر عليهم السقف من ~~فوقهم } ( النحل : 26 ) والباقون سقفا على الجمع واختلفوا فقيل هو جمع سقف ~~، كرهن ورهن ، قال أبو عبيد : ولا ثالث لهما ، وقيل السقف جمع سقوف ، كرهن ~~ورهون وزبر وزبور ، فهو جمع الجمع . # المسألة الثالثة : قوله { لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم } فقوله { لبيوتهم } ~~بدل اشتمال من قوله { لمن يكفر } قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء معارج ومعاريج ~~، والمعارج كمع معرج ، أو اسم جمع لمعراج ، وهي المصاعد إلى المساكن ~~العالية كالدرج والسلالم عليها يظهرون ، أي على تلك المعارج يطهرون ، وفي ~~نصب PageV27P181 قوله { وزخرفا } قولان : قيل لجعلنا لبيوتهم سقفا من فضة ، ~~ولجعلنا لهم زخرفا وقيل من فضة وزخرف ، فلما حذف الخافض انتصب . وأما قوله ~~{ وإن كل ذلك * وأبقى * قالوا لن } قرأ عاصم وحمزة { لما } بتشديد الميم ، ~~والباقون بالتخفيف ، وأما قراءة حمزة بالتشديد فإنه جعل لما في معنى إلا ، ~~وحكى سيبويه : نشدتك بالله لما فعلت ، بمعنى إلا فعلت ، ويقوي هذه القراءة ~~أن في حرف أبي ، وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا / وهذايدل على أن لما ~~بمعنى إلا ، وأما القراءة بالتخفيف ، فقال الواحدي لفظة ما لغو ، والتقدير ~~لمتاع الحياة الدنيا ، قال أبو الحسن : الوجه التخفيف ، لأن لما ms8108 بمعنى إلا ~~لا تعرف ، وحكي عن الكسائي أنه قال : لا أعرف وجه التثقيل . # المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : دلت الآية على أنه تعالى إنما لم يعط ~~الناس نعم الدنيا ، لأجل أنه لو فعل بهم ذلك لدعاهم ذلك إلى الكفر ، فهو ~~تعالى لم يفعل بهم ذلك لأجل أن يدعوهم إلى الكفر ، وهذا يدل على أحكام ~~أحدها : أنه إذا لم يفعل بهم ما يدعوهم إلى الكفر فلأن لا يخلق فيهم الكفر ~~أولى وثانيها : أنه ثبت أن فعل اللطلفل قائم مقام إزاحة العذر والعلة ، ~~فلما بين تعالى أنه لم يفعل ذلك إزاحة للعذر والعلة عنهم ، دل ذلك على أنه ~~يجب أن يفعل بهم كل ما كان لطفا داعيا لهم إلى الإيمان ، فصارت هذه الآية ~~من هذا الوجه دالة على أنه يجب على الله تعالى فعل اللطف وثالثها : أنه ثبت ~~بهذه الآية ، أن الله تعالى إنما يفعل ما يفعله ويترك ما يتركه لأجل حكمة ~~ومصلحة ، وذلك يدل على تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله بالمصالح والعلل ، ~~فإن قيل لما بين تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم ، لصار ذلك سببا ~~لاجتماع الناس على الكفر ، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك سببا ~~لاجتماع الناس على الإسلام ؟ قلنا لأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون ~~على الإسلام لطلب الدنيا ، وهذا الإيمان إيمان المنافقين ، فكان الأصوب أن ~~يضيق الأمر على المسلمين ، حتى أن كل من دخل الإسلام ، فإنما يدخل فيه ~~لمتابعة الدليل ولطلب رضوان الله تعالى ، فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب . # ثم قال تعالى : { ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين } ~~والمراد منه التنبيه على آفات الدنيا ، وذلك أن من فاز بالمال والجاه صار ~~كالأعشى عن ذكر الله ، ومن صار كذلك صار من جلساء الشياطين الضالين المضلين ~~، فهذا وجه تعلق هذا الكلام بما قبله ، قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { ومن ~~يعش } بضم الشين وفتحها ، والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل ~~عشي ، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به ، قيل عشى ms8109 ونظيره عرج لمن به الآفة ، ~~وعرج لمن مشى مشية العرجان من غير عرج ، قال الحطيئة : # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # أي تنظر إليه نظر العشي ، لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء ، ~~وقرىء يعشو على أن من موصولة غير مضنة معنى الشرط ، وحق هذا القارىء أن ~~يرفع { نقيض } ومعنى القراءة بالفتح ، ومن يعم عن ذكر الرحمن وهو القرآن ، ~~كقوله { صم بكم عمى } ( البقرة : 18 ) وأما القراءة بالضم فمعناها ومن ~~يتعام عن ذكره ، أي يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتعامى ، كقوله تعالى : { ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } ( النمل : 14 ) ، و { نقيض له شيطانا } قال ~~مقاتل : نضم إليه شيطانا { فهو له قرين } . # ثم قال : { وإنهم ليصدونهم عن السبيل } يعني وإن الشياطين ليصدونهم عن ~~سبيل الهدى والحق وذكر PageV27P182 الكناية عن الإنسان والشياطين بلفظ ~~الجمع ، لأن قوله { ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا } يفيد الجمع ، ~~وإن كان اللفظ على الواحد { ويحسبون أنهم مهتدون } يعني الشياطين يصدون ~~الكفار عن السبيل ، واتلكفار يحسبون أنهم مهتدون ، ثم عاد إلى لفظ الواحد ، ~~فقال : { حتى إذا جاءنا } يعني الكافر ، وقرىء ( جاءانا ) ، يعني الكافر ~~وشيطانه ، روي أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطانه بيده ، ~~فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار ، فذلك حيث يقول { قال ياليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين } والمراد يا ليت حصل بيني وبينك بعد على أعظم الوجوه / ~~واختلفوا في تفسير قوله { بعد المشرقين } وذكروا فيه وجوها الأول : قال ~~الأكثرون : المراد بعد المشرق والمغرب ، ومن عادة العرب تسمية الشيئين ~~المتقابلين باسم أحدهما ، قال الفرزدق : # لنا قمراها والنجوم الطوالع # يريد الشمس والقمر ، ويقولون للكوفة والبصرة : البصرتان ، وللغداة والعصر ~~: العصران ، ولأبي بكر وعمر : العمران ، وللماء والتمر : الأسودان الثاني : ~~أن أهل النجوم يقولون : الحركة التي تكون من المشرق إلى المغرب ، هي حركة ~~الفلك الأعظم ، والحركة التي من المغرب إلى المشرق ، هي حركة الكواكب ~~الثابتة ، وحركة الأفلاك الممثلة التي للسيارات سوى القمر ، وإذاكان كذلك ~~فالمشرق والمغرب كل واحد منهما مشرق بالنسبة إلى شيء آخر ، فثبت أن ms8110 إطلاق ~~لفظ المشرق على كل واحد من الجهتين حقيقة الثالث : قالوا يحمل ذلك على مشرق ~~الصيف ومشرق الشتاء وبينهما بعد عظيم ، وهذا بعيد عندي ، لأن المقصود من ~~قوله { قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين } المبالغة في حصول البعد ، وهذه ~~المبالغة إنما تحصل عن ذكر بعد لا يمكن وجود بعد آخر أزيد منه ، والبعد بين ~~مشرق الصيف ومشرق الشتاء ليس كذلك ، فيبعد حمل اللفظ عليه الرابع : وهو أن ~~الحس يدل على أن الحركة اليومية إنما تحصل بطلوع الشمس من المشرق إلى ~~المغرب ، وأما القمر فإنه يظهر في أول الشهر في جانب المغرب ، ثم لا يزال ~~يتقدم إلى جانب المشرق ، وذلك يدل على أن مشرق حركة القمر هو المغرب ، وإذا ~~ثبت هذا فالجانب المسمى بالمشرق هو مشرق الشمس ، ولكنه مغرب القمر ، وأما ~~الجانب المسمى بالمغرب ، فإنه مشرق القمر ولكنه مغرب الشمس ، وبهذا التقدير ~~يصح تسمية المشرق والمغرب بالمشرقين ، ولعل هذا الوجه أقرب إلى مطابقة ~~اللفظ ورعاية المقصود من سائر الوجوه ، والله أعلم . # ثم قال تعالى : { فبئس القرين } أي الكافر يقول لذلك الشيطان يا ليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين أنت ، فهذا ما يتعلق بتفسير الألفاظ ، ~~والمقصود من هذا الكلام تحقير الدنيا وبيان ما في المال والجاه من المضار ~~العظيمة ، وذلك لأن كثرة المال والجاه تجعل الإنسان كالأعشى عن مطالعة ذكر ~~الله تعالى ومن صار كذلك صار جليسا للشيطان ومن صار كذلك ضل عن سبيل الهدى ~~والحق وبقي جليس الشيطان في الدنيا وفي القيامة ، ومجالسة الشيطان حالة ~~توجب الضرر الشديد في القيامة بحيث يقول الكافر يا ليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين فبئس القرين أنت فثبت بما ذكرنا أن كثرة المال والجاه توجب كمال ~~النقصان والحرمان في الدين والدنيا ، وإذا ظهر هذا فقد ظهر أن الذين قالوا ~~{ لولا نزل هاذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) ، ~~قالوا كلاما فاسدا وشبهة باطلة . PageV27P183 # ثم قال تعالى : { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم فى العذاب مشتركون } ~~فقوله { إنكم } في محل الرفع على الفاعلية يعني ms8111 ولن ينفعكم اليوم كونكم ~~مشتركين في العذاب والسبب فيه أن الناس يقولون المصيبة إذا عمت طابت ، ~~وقالت الخنساء في هذا المعنى : # ولولا كثرة الباكين حولي # على إخوانهم لقتلت نفسيولا يبكون مثل أخي ولكن # أعزي النفس عنه بالتأسي فبين تعالى أن حصول الشركة في ذلك العذاب لا يفيد ~~التخفيف كما كان يفيده في الدنيا والسبب فيه وجوه الأول : أن ذلك العذاب ~~شديد فاشتغال كل واحد بنفسه يذهله عن حال الآخر ، فلا جرم الشركة لا تفيد ~~الخفة الثاني : أن قوما إذا اشتركوا في العذاب أعان كل واحد منهم صاحبه بما ~~قدر عليه فيحصل بسببه بعض التخفيف وهذا المعنى متعذر في القيامة الثالث : ~~أن جلوس الإنسان مع قرينه يفيده أنواعا كثيرة من السلوة . فبين تعالى أن ~~الشيطان وإن كان قرينا إلا أن مجالسته في القيامة لا توجب السلوة وخفة ~~العقنبة وفي كتاب ابن مجاهد عن ابن عامر قرأ { إذا * ظلمتم أنكم } بكسر ~~الألف وقرأ الباقون أنكم بفتح الألف والله أعلم . # ! 7 < { أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى ومن كان فى ضلال مبين * فإما ~~نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذى وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون * ~~فاستمسك بالذىأوحى إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف ~~تسألون * واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحمان ءالهة ~~يعبدون } . > 7 ! # < < # | الزخرف : ( 40 ) أفأنت تسمع الصم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم في هذه ~~الآية بالصمم والعمى وما أحسن هذا الترتيب ، وذلك لأن الإنسان في أول ~~اشتغاله بطلب الدينا يكون كمن حصل بعينه رمد ضعيف ، ثم كلما كان اشتغاله ~~بتلك الأعمال أكثركان ميله إلى الجسمانيات أشد وإعراضه عن الروحانيات أكمل ~~، لما ثبت في علوم العقل أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة فينتقل ~~الإنسان من الرمد إلى أن يصير أعشى فإذا واظب على تلك الحالة أياما أخرى ~~انتقل من كونه أعشى إلى كونه أعمى ، فهذا ترتيب حسن موافق لما ثبت ~~بالبراهين اليقينية ، روي أنه صلى الله عليه وسلم ms8112 كان يجتهد في دعاء قومه ~~وهم لا يزيدون إلا تصميما على الكفر وتماديا في الغي ، فقال تعالى : { ~~أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى } يعني أنهم بلغوا في النفرة عنك وعن دينك ~~إلى حيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالأصم ، وإذا أريتهم المعجزات كانوا ~~كالأعمى ، ثم بين PageV27P184 تعالى أن صممهم وعماهم إنما كان بسبب كونهم ~~في ضلال مبين . # ولما بين تعالى أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم قال : { فإما نذهبن بك } يريد ~~حصول الموت قبل نزول النقمة بهم { فإنا منهم منتقمون } بعدك أو نرينك في ~~حياتك ما وعدناهم من الذل والقتل فإنا مقتدرون على ذلك ، واعلم أن هذا ~~الكلام يفيد كمال التسلية للرسول عليه السلام لأنه تعالى بين أنهم لا تؤثر ~~فيهم دعوته واليأس إحدى الراحتين ، ثم بين أنه لا بد وأن ينتقم لأجله متهم ~~إما حال حياته أو بعد وفاته ، وذلك أيضا يوجب التسلية ، فبعد هذا أمره أن ~~يستمسك بما أمره تعالى ، فقال : { فاستمسك بالذى أوحى إليك } بأن تعتقد أنه ~~حق وبأن تعمل بموجبه فإنه الصراط المستقيم الذي لا يميل عنه إلا ضال في ~~الدين . # ولما بين تأثير التمسك بهذا الدين فيمنافع الدين بين أيضا تأثيره في ~~منافع الدنيا فقال : { وأنه * لك ولقومك } أي إنه يوجب الشرف العظيم لك ~~ولقولنك حيث يقال إن هذا الكتاب العظيم أنزله الله على رجل من قوم هؤلاء ، ~~واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لا بد وأن يكون عظيم الرغبة في ~~الثناء الحسن والذكر الجميل ، ولو لم يكن الذكر الجميل أمرا مرغوبا فيه لما ~~من الله به على محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال : { وإنه لذكر لك ولقومك } ~~ولما طلبه إبراهيم عليه السلام حيث قال : { واجعل لى لسان صدق فى الاخرين } ~~( الشعراء : 84 ) ولأن الذكر الجميل قائم مقام الحياة الشريفة ، بل الذكر ~~أفضل من الحياة لأن أثر الحياة لا يحصل إلا في مسكن ذلك الحي ، أما أثر ~~الذكر الجميل فإنه يحصل في كل مكان وفي كل زمان . # ثم قال تعالى : { وسوف تسئلون } وفيه ms8113 وجوه الأول : قال الكلبي تسألون هل ~~أديتم شكر إنعامنا عليكم بهذا الذكر الجميل الثاني : قال مقاتل المراد أن ~~من كذب به يسأل لم كذبه ، فيسأل سؤال توبيخ الثالث : تسألون هل عملتم بما ~~دل عليه من التكاليف / واعلم أن السبب الأقوى في إنكار الكفار لرسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ولبغضهم له أنه كان ينكر عبادة الأصنام ، فبين تعالى أن ~~إنكار عبادة الأصنام ليس من خواص دين محمد صلى الله عليه وسلم ، بل كل ~~الأنبياء والرسل كانوا مطبقين على إنكاره فقال : { واسئل من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان ءالهة يعبدون } وفيه أقوال الأول : معناه ~~واسأل مؤمني أهل الكتاب أي أهل التوراة والإنجيل فإنهم سيخبرونك أنه لم يرد ~~في دين أحد من الأنبياء عبادة الأصنام ، وإذا كان هذا الأمر متفقا عليه بين ~~كل الأنبياء والرسل وجب أن لا يجعلوه سببا لبغض محمد صلى الله عليه وسلم . # والقول الثاني : قال عطاء عن ابن عباس ( لما أسرى به صلى الله عليه وسلم ~~إلى المسجد الأقصى بعث الله له آدم وجميع المرسلين من ولده ، فأذن جبريل ثم ~~أقام فقال : يا محمد تقدم فصل بهم فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الصلاة قال له جبريل عليه السلام واسأل يا محمد من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنا الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم لا أسأل لأني لست شاكا فيه ) . # والقول الثلث : أن ذكر السؤال في موضع لا يمكن السؤال فيه يكون المراد ~~منه النظر والاستدلال ، كقول من قال : سل الأرض من شق أنهارك ، وغرس أشجارك ~~، وجنى ثمارك ، فإنها إن لم تجبك جوابا أجابتك اعتبارا ، فههنا سؤال النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء الذين كانوا قبله ممتنع ، فكان المراد منه ~~انظر في هذه المسألة بعقلك وتدبر فيها بفهمك والله أعلم . # PageV27P185 ! 7 < { ولقد أرسلنا موسى بأاياتنآ إلى فرعون وملايه فقال ~~إنى رسول رب العالمين * فلما جآءهم بأاياتنآ إذا هم منها يضحكون * وما ~~نريهم من ءاية إلا هى أكبر من أختها وأخذناهم ms8114 بالعذاب لعلهم يرجعون * ~~وقالوا ياأيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون * فلما كشفنا ~~عنهم العذاب إذا هم ينكثون * ونادى فرعون فى قومه قال ياقوم أليس لى ملك ~~مصر وهاذه الا نهار تجرى من تحتىأفلا تبصرون * أم أنآ خير من هاذا الذى هو ~~مهين ولا يكاد يبين * فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جآء معه الملائكة ~~مقترنين * فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين * فلمآ ءاسفونا ~~انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين * فجعلناهم سلفا ومثلا للا خرين } . > 7 ! # < < # | الزخرف : ( 46 ) ولقد أرسلنا موسى . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المقصود من إعادة قصة موسى عليه السلام وفرعون ~~في هذا المقام تقرير الكلام الذي تقدم ، وذلك لأن كفار قريش طعنوا في نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بسبب كونه فقيرا عديم المال والجاه ، فبين الله ~~تعالى أن موسى عليه السلام بعد أن أورد المعجزات القاهرة الباهرة التي لا ~~يشك في صحتها عاقل أورد فرعون عليه هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش فقال : ~~إني غني كثير المال والجاه ، ألا ترون أنه حصل لي ملك مصر وهذه الأنهار ~~تجري من تحتي ، وأما موسى فإنه فقير مهين وليس له بيان ولسان ، والرجل ~~الفقير كيفليكون رسولا من عند الله إلى الملك الكبير الغني ، فثبت أن هذه ~~الشبهة التي ذكرها كفارمكة وهي قولهن { لولا نزل هاذا القرءان على رجل من ~~القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) وقد أوردها بعينها فرعون على موسى ، ثم ~~إنا انتقمنا منهم فأغرقناهم ، والمقظصود من إيراد هذه القصة تقرير أمرين ~~أحدهما : أن الكفار والجهال أبدا يحتجون على الأنبياء بهذه الشبهة الركيكة ~~فلا يبالي بها ولا يلتفت إليها والثاني : أن فرعون على غاية كمال حاله في ~~الدنيا صار مقهورا باطلا ، فيكون الأمر في حق أعدائك هكذا ، فثبت أنه ليس ~~المقصود من إعادة هذه القصة عين هذه القصة ، بل المقصود تقرير الجواب عن ~~الشبهة المذكورة ، وعلى هذا PageV27P186 فلا يكون هذا تقريرا للقصة ألبتة ~~وهذا من نفائس الأبحاث والله أعلم . # المسألة الثانية : في تفسير الألفاظ ms8115 ذكر تعالى أنه أرسل موسى بآياته وهي ~~المعجزات التي كانت مع موسى عليه السلام إلى فرعون وملائه أي قومه ، فقال ~~موسى إني رسول رب العالمين ، فلما جاءهم بتلك الآيات إذا هم منها يضحكون ، ~~قيل إنه لما ألقى عصاه صار ثعبانا ، ثم أخذ فعاد عصا كما كان ضحكوا ، ولم ~~عرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت ضحكوا ، فإن قيل كيف جاز أن يجاب ~~عن لما بإذا الذي يفيد المفاجأة ؟ قلنا لأن فعل المفاجأة معها مقدر كأنه ~~قيل فلما جاءهم بآياتنا فاجأوا وقت ضحكهم . # ثم قال : { وما نريهم من ءاية إلا هى أكبر من أختها } فإن قيل ظاهر اللفظ ~~يقتضي كون كل واحد منها أفضل من التالي وذلك محال ، قلنا إذا أريد المبالغة ~~في كون كل من تلك الأشياء بالغا إلى أقصى الدرجات في الفضيلة ، فقد يذكر ~~هذا الكلام بمعنى أنه لا يبعد في أناس ينظرون إليها أن يقول هذا إن هذا ~~أفضل من الثاني / وأن يقول الثاني لا بل الثاني أفضل ، وأن يقول الثالث ~~أفضل ، وحينئذ يصير كل واحد من تلك الأشياء مقولا فيه إنه أفضل من غيره . # ثم قال تعالى : { وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون } أي عن الكفر إلى ~~الإيمان ، قالت المعتزلة هذا يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل وأنه ~~إنما أظهر تلك المعجزات القاهرة لإرادة أن يرجعوا من الكفر إلى الإيمان ، ~~قال المفسرون ومعنى قوله { وأخذناهم بالعذاب } أي بالأشياء التي سلطها ~~عليها كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس . # ثم قال تعالى : { وقالوا يأيها * أيها * الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك ~~إننا لمهتدون } فإن قيل كيف سموه بالساحر مع قولهم { إننا لمهتدون } ؟ قلنا ~~فيه وجوه الأول : أنهم كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر ، لأنهم كانوا ~~يستعظمون السحر ، وكما يقال في زماننا في العامل العجيب الكامل إنه أتى ~~بالسحر الثاني : { وقالوا يأيه الساحر } في زعم الناس ومتعارف قوم فرعون ~~كقوله { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) أي ~~نزل عليه الذكر في اعتقاده وزعمه الثالث : أن ms8116 قولهم { إننا لمهتدون } وقد ~~كانوا عازمين على خلافه ألا ترى إلى قوله { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ~~ينكثون } فتسميتهم إياه بالسحر لا ينافي قولهم { إننا لمهتدون } ثم بين ~~تعالى أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا ذلك العهد . # ولما حكى الله تعالى معاملة فرعون مع موسى ، حكى أيضا معاملة فرعون معه ~~فقال : { ونادى فرعون فى قومه } والمعنى أنه أظهر هذا القول فقال : { قال ~~ياءادم * قوم * أليس لى ملك مصر وهاذه الانهار تجرى من تحتى } يعني الأنهار ~~التي فصلوها من النيل ومعظمها أربعة نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر ~~تنيس ، قيل كانت تجري تحت قصره ، وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله وقوة ~~جاهه على فضيلة نفسه . # ثم قال : { أم أنا خير من هاذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين } وعنى بكونه ~~مهينا كونه فقيرا ضعيف الحال ، وبقوله { ولا يكاد يبين } حبسة كانت في ~~لسانه ، واختفلوا في معنى أم ههنا فقال أبو عبيدة مجازها بل أنا خير ، وعلى ~~هذا فقد تم الكلام عند قوله { أفلا تبصرون } ثم ابتدأ فقال : { أم أنا خير ~~} بمعنى بل أنا خير ، وقال الباقون أم هذه متصلة لأن المعنى أفلا تبصرون أم ~~تبصرون إلا أنه وصع قوله { أنا خير } موضع تبصرون ، لأنهم إذا قالوا له أنت ~~خير فهم عنده بصراء ، وقال آخرون إن تمام الكلام عند قوله { أم } وقوله ~~PageV27P187 { أنا خير } ابتداء الكلام والتقدير أفلا تبصرون لكنه اكتفى ~~فيه بذكر أم كما تقول لغيرك : أتأكل أم أي أتأكل أم لا تأكل ، تقتصر على ~~ذكر كلمة أم إيثارا للاختصار فكذا ههنا ، فإن قيل أليس أن موسى عليه السلام ~~سأل الله تعالى أن يزيل الرتة عن لسانه بقوله { واحلل عقدة من لسانى * ~~يفقهوا قولي } ( طه : 27 ) فأعطاه الله تعالى ذلك بقوله { قد أوتيت سؤلك ~~ياموسى * موسى } ( طه : 36 ) فكيف عابه فرعون بتلك الرتة ؟ والجواب : عنه ~~من وجهين : الأول : أن فرعون أراد بقوله { ولا يكاد يبين } حجته التي تدل ~~على صدقه فيما يدعي ولم يرد أنه لا قدرة له على ms8117 الكلام والثاني : أنه عابه ~~بما كان عليه أولا ، وذلك أن موسى كان عند فرعون زمانا طويلا وفي لسانه ~~حبسة ، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرتة لأنه لم يعلم أن الله تعالى ~~أزال ذلك العيب عنه . # ثم قال : { فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب } والمراد أن عادة القوم جرت ~~بأنهم إذا جعلوا واحدا منهم رئيسا لهم سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ~~ذهب ، فطلب فرعون من موسى مثل هذه الحالة ، واختلف القراء في أسورة فبعضهم ~~قرأ وآخرون أساورة فأسورة جمع سوار لأدنى العدد ، كقولك حمار وأحمرة وغراب ~~وأغربة ، ومن قرأ أساورة فذاك لأن أساوير جمع أسوار وهو السوار فأساورة ~~تكون الهاء عوضا عن الياء ، نحو بطريق وبطارقة وزنديق وزنادقة وفرزين ~~وفرازنة فتكون أساورة جمع أسوار ، وحاصل الكلام يرجع إلى حرف واحد وهو أن ~~فرعون كان يقول أنا أكثر مالا وجاها ، فوجب أن أكون أفضل منه فيمتنع كونه ~~رسولا من الله ، لأن منصب النبوة يقتضي المخدومية ، والأخس لا يكون مخدوما ~~للأشرف ، ثم المقدمة الفاسدة هي قوله من كان أكثر مالا وجاها فهو أفضل وهي ~~عين المقدمة التي تمسك بها كفار قريش في قولهم { لولا نزل هاذا القرءان على ~~رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) ثم قال : { أو جاء معه الملئكة ~~مقترنين } يجوز أن يكون المراد مقرنين به ، من قولك قرنته به فاقترن وأن ~~يكون من قولهم اقترنوا بمعنى تقارنوا ، قال الزجاج معناه يمشون معه فيدلون ~~على صحة نبوته . # ثم قال تعالى : { فاستخف قومه فأطاعوه } أي طلب منهم الخفة في الإتيان ~~بما كان يأمرهم به فأطاعوه { إنهم كانوا قوما فاسقين } حيث أطاعوا ذلك ~~الجاهل الفاسق { فلما ءاسفونا } أغضبونا ، حكي أن ابن جريج غضب في شيء فقيل ~~له أتغضب يا أبا خالد ؟ فقال قد غضب الذي خلق الأحلام إن الله يقول { فلما ~~ءاسفونا } أي أغضبونا . # ثم قال تعالى : { انتقمنا منهم } واعلم أن ذكر لفظ الأسف في حق الله ~~تعالى محال وذكر لفظ الانتقام وكل واحد منهما من المتشابهات التي يجب أن ms8118 ~~يصار فيها إلى التأويل ، ومعنى الغضب في حق الله إرادة العقاب ، ومعنى ~~الانتقام إرادة العقاب لجرم سابق . # ثم قال تعالى : { فجعلناهم سلفا ومثلا } السلف كل شيء قدمته من عمل صالح ~~أو قرض فهو سلف والسلف أيضا من تقدم من آبائك وأقاربك واحدهم سالف ، ومنه ~~قول طفيل يرثي قومه : # مضوا سلفا قصد السبيل عليهم # وصرف المنايا بالرجال تقلب فعلى هذا قال الفراء والزجاج يقول : جعلناهم ~~متقدمين ليتعظ بهم الآخرون ، أي جعلناهم سلفا لكفار أمة محمد عليه السلام . ~~وأكثر القراء قرأوا بالفتح وهو جمع سالف كما ذكرناه ، وقرأ حمزة والكسائي { ~~سلفا } PageV27P188 بالضم وهو جمع سلف ، قال الليث : يقال سلف بضم اللام ~~يسلف سلوفا فهو سلف أي متقدم ، وقوله { ومثلا للاخرين } يريد عظة لمن بقي ~~بعدهم وآية وتبرة ، قال أبو علي الفارسي المثل واحد يراد به الجمع ، ومن ثم ~~عطف على سلف ، والدليل على وقوعه على أكثر من واحد قوله تعالى : { ضرب الله ~~مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء ومن رزقناه } ( النحل : 75 ) فأدخل تحت ~~المثل شيئين والله أعلم . # ! 7 < { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالوا ءأالهتنا ~~خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا ~~عليه وجعلناه مثلا لبنىإسراءيل * ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة فى الا رض ~~يخلفون * وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هاذا صراط مستقيم * ولا ~~يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين } . > 7 ! # < < # | الزخرف : ( 57 ) ولما ضرب ابن . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر أنواعا كثيرة من كفرياتهم في هذه ~~السورة وأجاب عنها بالوجوه الكثيرة فأولها : قوله تعالى : { وجعلوا له من ~~عباده جزءا } ( الزخرف : 15 ) وثانيها : قوله تعالى : { وجعلوا الملئكة ~~الذين هم عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) وثالثها : قوله { وقالوا لو ~~شاء الرحمان ما عبدناهم } ( الزخرف : 20 ) ورابعها : قوله { وقالوا لولا ~~نزل هاذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) وخامسها : ~~هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها ، ولفظ الآية لا يدل ms8119 إلا على أنه لما ~~ضرب ابن مريم مثلا أخذ القوم يضجون ويرفعون أصواتهم ، فأما أن ذلك المثل ~~كيف كان ، وفي أي شيء كان فاللفظ لا يدل عليه والمفسرون ذكروا فيه وجوها ~~كلها محتملة فالأول : أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا ~~إذا عبدوا عيسى فآلهتنا خير من عيسى ، وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعبدون ~~الملائكة الثاني : روي أنه لما نزل قوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم } ( الأنبياء : 98 ) قال عبد الله بن الزبعري هذا خاصة لنا ~~ولآلهتنا أم لجميع الأمم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( بل لجميع الأمم ) ~~فقال خصمتك ورب الكعبة ، ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثني عليه خيرا ~~وعلى أمه ، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما واليهود يعبدون عزيرا والملائكة ~~يعبدون ، فإذا كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم فسكت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفرح القوم وضحكوا وضجوا ، فأنزل الله تعالى : { ~~إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } ( الأنبياء : 101 ) ~~ونزلت هذه الآية أيضا والمعنى ، ولما ضرب عبدالله بن الزبعري عيسى ابن مريم ~~مثلا وجادل رسول الله بعبادة النصارى إياه PageV27P189 إذا قومك قريش منه ~~أي من هذا المثل يصدون أي يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحا وجدلا وضحكا بسبب ما ~~رأوا من إسكات رسول الله فإنه قد جرت العادة بأن أحد الخصمين إذا انقطع ~~أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج ، وقالوا أآلهتنا أهون الوجه الثالث : في ~~التأويل وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح ~~وجعلوه إلها لأنفسهم ، قال كفار مكة إن محمدا يريد أن يجعل لنا إلها كما ~~جعل النصارى المسيح إلها لأنفسهم ، ثم عند هذا قالوا { خير أم هو ما } يعني ~~أآلهتنا خير أم محمد ، وذكروا ذلك لأجل أنهم قالوا : إن محمدا يدعونا إلى ~~عبادة نفسه ، وآباؤنا زعموا أنه يجب عبادة هذه الأصنام ، وإذا كان لا بد من ~~أحد هذين الأمرين فعبادة هذه الأصنام أولى ، لأن آباءنا وأسلافنا كانوا ms8120 ~~متطابقين عليه ، وأما محمد فإنه متهم في أمرنا بعبادته فكان الاشتغال ~~بعبادة الأصنام أولى ، ثم إنه تعالى بين أنا لم نقل إن الاشتغال بعبادة ~~المسيح طريق حسن بل هو كلام باطل / فإن عيسى ليس إلا عبدا أنعمنا عليه ، ~~فإذا كان الأمر كذلك فقد زالت شبهتهم في قولهم : إن محمدا يريد أن يأمرنا ~~بعبادة نفسه ، فهذه الوجوه الثلاثة مما يحتمل كل واحد منها لفظ الآية . # المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم يصدون ~~بضم الصاد وهو قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام والباقون بكسر الصاد وهي ~~قراءة ابن عباس ، واختلفوا فقال الكسائي هما بمعنى نحو يعرشون ويعرشون ~~ويعكفون ، ومنهم من فرق ، أما القراءة بالضم فمن الصدود ، أي من أجل هذا ~~المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه ، وأما بالكسر فمعناه يضجون . # المسألة الثالثة : قرأ عاصم وحمزة والكسائي أآلهتنا استفهاما بهمزتين ~~الثانية مطولة والباقون استفهاما بهمزة ومدة . # ثم قال تعالى : { ما ضربوه لك إلا جدلا } أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا ~~لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الفرق بين الحق والباطل { بل هم قوم ~~خصمون } مبالغون في الخصومة ، وذلك لأن قوله { إنكم وما تعبدون من دون الله ~~} لا يتناول الملائكة وعيسى ، وبيانه من وجوه الأول : أن كلمة ما لا تتناول ~~العقلاء ألبتة والثاني : أن كلمة ما ليست صريحة في الاستغراق بدليل أنه يصح ~~إدخال لفظتي الكل والبعض عليه ، فيقال إنكم وكل ما تعبدون من دون الله ، أو ~~إنكم وبعض ما تبعدون من دون الله الثالث : أن قوله إنكم وكل ما تعبدون من ~~دون الله أو وبعض ما تعبدون خطاب مشافهة فلعله ما كان فيهم أحد يعبد المسيح ~~والملائكة الرابع : أن قوله { إنكم وما تعبدون من دون الله } هب أنه عام ~~إلا أن النصوص الدالة على تعظيم الملائكة وعيسى أخص منه ، والخاص مقدم على ~~العام . # المسألة الرابعة : القائلون بذم الجدل تمسكوا بهذه الآية إلا أنا قد ~~ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { ما يجادل فىءايات الله إلا الذين ms8121 كفروا } ( ~~غافر : 4 ) أن الآيات الكثيرة دالة على أن الجدل موجب للمدح والثناء ، ~~وطريق التوفيق أن تصرف تلك الآيات إلى الجدل الذي يفيد تقرير الحق ، وأن ~~تصرف هذه الآية إلى الجدل الذي يوجب تقرير الباطل . # ثم قال تعالى : { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } يعني ما عيسى إلا عبد ~~كسائر العبيد أنعمنا عليه حيث جعلناه آية بأن خلقناه من غير أب كما خلقنا ~~آدم وشرفناه بالنبوة وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر { ولو نشاء لجعلنا ~~منكم } PageV27P190 لولدنا منك يا رجال { ملئكة * ضللنا فى الارض } كما ~~يخلفكم أولادكم كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل لتعرفوا تميزنا بالقدرة ~~الباهرة ولتعرفوا أن دخول التوليد والتولد في الملائكة أمر ممكن وذات الله ~~متعالية عن ذلك { وأنه } أي عيسى { لعلم للساعة } شرط من أشراطها تعلم به ~~فسمي الشرط الدال على الشيء علما لحصول العلم به ، وقرأ ابن عباس : { لعلم ~~} وهو العلامة وقرىء للعلم وقرأ أبي : لذكر ، وفي الحديث : ( أن عيسى ينزل ~~على ثنية في الأرض المقدسة يقال لها أفيق وبيده حربة وبها يقتل الدجال ~~فيأتي ببيت المقدس في صلاة الصبح والإمام يؤم بهم فيتأخر الإمام فيقدمه ~~عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يقتل الخنازير ويكسر ~~الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به ) { فلا تمترن ~~بها } من المرية وهو الشك { واتبعون } واتبعوا هداي وشرعي { هاذا صراط ~~مستقيم } أي هذا الذي أدعوكم إليه صراط مستقيم { ولا يصدنكم الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين } قد بانت عداواته لكم لأجل أنه هو الذي أخرج أباكم من الجنة ~~ونزع عنه لباس النور . # ! 7 < { ولما جآء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض ~~الذى تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون * إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه هاذا ~~صراط مستقيم * فاختلف الا حزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ~~* هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } . > 7 ! # < < # | الزخرف : ( 63 ) ولما جاء عيسى . . . . . # > > اعلم أنه تعالى ذكر أنه ms8122 لما جاء عيسى بالمعجزات وبالشرائع البينات ~~الواضحات { قال قد جئتكم بالحكمة } وهي معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله { ~~ولابين لكم بعض الذى تختلفون فيه } يعني أن قوم موسى كانوا قد اختلفوا في ~~أشياء من أحكام التكاليف واتفقوا على أشياء فجاء عيسى ليبين لهم الحق في ~~تلك المسائل الخلافية ، وبالجملة فالحكمة معناها أصول الدين { لهم الذى ~~يختلفون فيه } معناه فروع الدين ، فإن قيل لم لم يبين لهم كل الذي يختلفون ~~فيه ؟ قلنا لأن الناس قد يختلفون في أشياء لا حاجة بهم إلى معرفتها ، فلا ~~يجب على الرسول بيانها ، ولما بين الأصول والفروع قال : { فاتقوا الله } في ~~الكفر به والإعراض عن دينه { وأطيعون } فيما أبلغه إليكم من التكاليف { إن ~~الله هو ربى وربكم * فاعبدون * هاذا صراط مستقيم } والمعنى ظاهر { فاختلف ~~الاحزاب } أي الفرق المتحزبة بعد عيسى وهم الملكانية واليعقوبية والنسطورية ~~، وقيل اليهود والنصارى { فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم } وهو وعيد ~~بيوم الأحزاب ، فإن قيل قوله { من بينهم } الضمير فيه إلى من يرجع ؟ قلنا ~~إلى الذين خاطبهم عيسى في قوله { قد جئتكم بالحكمة } وهم قومه . # ثم قال : { هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } فقوله أن تأتيهم بدل ~~من الساعة والمعنى هل ينظرون PageV27P191 إلا إتيان الساعة . فإن قالوا ~~قوله { بغتة } يفيد عين ما يفيده قوله { وهم لا يشعرون } فما الفائدة فيه ؟ ~~قلنا يجوز أن تأتيهم بغتة وهم يعرفونه بسبب أنهم يشاهدونه . # ! 7 < { الا خلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين * ياعباد لا خوف ~~عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون * الذين ءامنوا بأاياتنا وكانوا مسلمين * ~~ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون * يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ~~ما تشتهيه الا نفس وتلذ الا عين وأنتم فيها خالدون * وتلك الجنة ~~التىأورثتموها بما كنتم تعملون * لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون } . > 7 ~~@QB@ < # | الزخرف : ( 67 - 73 ) الأخلاء يومئذ بعضهم . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما قال : { هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } ( ~~الزخرف : 66 ) ذكر عقيبه بعض ما يتعلق بأحوال القيامة فأولها : { الاخلاء ~~يومئذ بعضهم عدو إلا المتقين ms8123 } والمعنى { الاخلاء } في الدنيا { يومئذ } ~~يعني في الآخرة { بعضهم لبعض عدو } يعني أن الخلة إذا كانت على المعصية ~~والكفر صارت عداوة يوم القيامة { إلا المتقين } يعني الموحدين الذين يخالل ~~بعضهم بعضا على الإيمان والتقوى ، فإن خلتهم لا تصير عداوة ، وللحكماء في ~~تفسير هذه الآية طريق حسن ، قالوا إن المحبة أمر لا يحصل إلا عند اعتقاد ~~حصول خير أو دفع ضرر ، فمتى حصل هذا الإعتقاد حصلت المحبة لا محالة ، ومتى ~~حصل اعتقاد أنه يوجب ضررا حصل البغض والنفرة ، إذا عرفت هذا فنقول : تلك ~~الخيرات التي كان اعتقاد حصولها يوجب حصول المحبة ، إما أن تكون قابلة ~~للتغير والتبدل ، أو لا تكون كذلك ، فإن كان الواقع هو القسم الأول ، وجب ~~أن تبدل تلك المحبة بالنفرة ، لأن تلك المحبة إنما حصلت لاعتقاد حصول الخير ~~والراحة ، فإذا زال ذلك الإعتقاد ، وحصل عقيبه اعتقاد أن الحاصل هو الضرر ~~والألم ، وجب أن تتبدل تلك المحبة بالبغضة ، لأن تبدل العلة يوجب تبدل ~~المعلول ، أما إذا كانت الخيرات الموجبة للمحبة ، خيرات باقية أبدية ، غير ~~قابلة للتبدل والتغير ، كانت تلك المحبة أيضا محبة باقية آمنة من التغير ، ~~إذا عرفت هذا الأصل فنقول الذين حصلت بينهم محبة ومودة في الدنيا ، إن كانت ~~تلك المحبة لأجل طلب الدينا وطيباتها ولذاتها ، فهذه المطالب لا تبقى في ~~القيامة ، بل يصير طلب الدنيا سببا لحصول الآلام والآفات في يوم القيامة ، ~~فلا جرم تنقلب هذه المحبة الدنيوية بغضة ونفرة في القيامة ، أما إن كان ~~الموجب لحصول المحبة في الدنيا الاشتراك في محبة الله وفي خدمته وطاعته ، ~~فهذا السبب غير قابل للنسخ والتغير ، فلا جرم كانت هذه المحبة باقية في ~~القيامة ، بل كأنها تصير أقوى وأصفى وأكمل وأفضل مما كانت في الدنيا ، فهذا ~~هو التفسير المطابق لقوله PageV27P192 تعالى : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو * تحزنون } وقد ذكرنا مرارا أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد ، ~~بالمؤمنين المطيعين المتقين ، فقوله { فبشر عباد } كلام الله تعالى ، فكأن ~~الحق يخاطبهم بنفسه ويقول لهم { المتقين ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا ~~أنتم ms8124 تحزنون } وفيه أنواع كثيرة مما يوجب الفرح أولها : أن الحق سبحانه ~~وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة وثانيها : أنه تعالى وصفهم بالعبودية ، ~~وهذا تشريف عظيم ، بدليل أنه لما أراد أن يشرف محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ليلة المعراج ، قال : { سبحان الذى أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) وثالثها : ~~قوله { لا خوف عليكم اليوم } فأزال عنهم الخوف في يوم القيامة بالكلية / ~~وهذا من أعظم النعم ورابعها : قوله { ولا أنتم تحزنون } فنفى عنهم الحزن ~~بسبب فوت الدنيا الماضية . # ثم قال تعالى : { الذين ءامنوا بئاياتنا وكانوا مسلمين } قيل { الذين ~~كفروا } مبتدأ ، وخبره مضمر ، والتقدير يقال لهم : أدخلوا الجنة ، ويحتمل ~~أن يكون المعنى أعني الذين آمنوا ، قال مقاتل : إذا وقع الخوف يوم القيامة ~~، نادى مناد { المتقين ياعباد لا خوف عليكم اليوم } فإذا سمعوا النداء رفع ~~الخلائق رؤوسهم ، فيقال { الذين ءامنوا بئاياتنا وكانوا مسلمين } فتنكس أهل ~~الأديان الباطلة رؤوسهم الحكم الثالث : من وقائع القيامة ، أنه تعالى إذا ~~أمن المؤمنين من الخوف والحزن ، وجب أن يمر حسابهم على أسهل الوجوه وعلى ~~أحسنها ، ثم يقال لهم { ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون } والحبرة ~~المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل ، يعني يكرمون إكراما على سبيل ~~المبالغة ، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم . # ثم قال : { يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب } قال الفراء : الكوب ~~المستدير الرأس الذي لا أذن له ، فقوله { يطاف عليهم بصحاف من ذهب } إشارة ~~إلى المطعوم ، وقوله { وأكواب } إشارة إلى المشروب ، ثم إنه تعالى ترك ~~التفصيل وذكر بيانا كليا ، فقال : { وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين ~~وأنتم فيها خالدون } . # ثم قال : { وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون } وقد ذكرنا في ~~وراثة الجنة وجهين في قوله { أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس } ( ~~المؤمنون : 10 ، 11 ) ولما ذكر الطعام والشراب فيما تقدم ، ذكر ههنا حال ~~الفاكهة ، فقال : { لكم فيها فاكهة منها تأكلون } . # واعلم أنه تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب أولا ، ثم إلى ~~العالمين ثانيا ، والعرب كانوا في ضيق شديد بسبب المأكول والمشروب والفاكهة ~~، فلهذا السبب ms8125 تفضل الله تعالى عليهم بهذه المعاني مرة بعد أخرى ، تكميلا ~~لرغبتهم وتقوية لدواعيهم . # PageV27P193 ! 7 < { إن المجرمين فى عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم ~~فيه مبلسون * وما ظلمناهم ولاكن كانوا هم الظالمين * ونادوا يامالك ليقض ~~علينا ربك قال إنكم ماكثون * لقد جئناكم بالحق ولاكن أكثركم للحق كارهون * ~~أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ~~ورسلنا لديهم يكتبون } > 7 ! # < < # | الزخرف : ( 74 ) إن المجرمين في . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد ، أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر ~~في القرآن ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج القاضي على القطع بوعيد الفسق بقوله { إن المجرمين ~~فى عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون } ولفظ المجرم يتناول ~~الكافر والفاسق ، فوجب كون الكل في عذاب جهنم ، وقوله { خالدون } يدل على ~~الخلود ، وقوله أيضا { لا يفتر عنهم } يدل على الخلود والدوام أيضا والجواب ~~: أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ، يدل على أن المراد من لفظ المجرمين ههنا ~~الكفار ، أما ما قبل هذه الآية فلأنه قال : { عدو إلا المتقين ياعباد لا ~~خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين ءامنوا بئاياتنا } ( الزخرف : 68 ، ~~69 ) فهذا يدل على أن كل من آمن بآيات الله وكانوا مسلمين ، فإنهم يدخلون ~~تحت قوله { المتقين ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين ~~ءامنوا بئاياتنا وكانوا مسلمين } والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله تعالى ~~وبآياته وأسلم ، فوجب أن يكون داخلا تحت ذلك الوعد ، ووجب أن يكون خارجا عن ~~هذا الوعيد ، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله { جئناكم بالحق ولاكن أكثركم ~~للحق كارهون } والمراد بالحق ههنا إما الإسلام وإما القرآن ، والرجل المسلم ~~لا يكره الإسلام ولا القرآن ، فثبت أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ، يدل ~~على أن المراد من المجرمين الكفار ، والله أعلم . # المسألة الثانية : أنه تعالى وصف عذاب جهنم في حق المجرمين بصفات ثلاثة ~~أحدهما : الخلود ، وقد ذكرنا في مواضع كثيرة أنه عبارة عن طول المكث ولا ~~يفيد الدوام وثانيها : قوله : { لا يفتر عنهم ms8126 } أي لا يخفف ولا ينقص من ~~قولهم فترت عنه الحمى إذا سكنت ونقص حرها وثالثها : قوله { وهم فيه مبلسون ~~} والمبلس اليائس الساكت سكوت يائس من فرج ، عن الضحاك يجعل المجرم في ~~تابوت من نار ، ثم يقفل عليه فيبقى فيه خالدا لا يرى ، قال صاحب ( الكشاف ) ~~: وقرىء { وهم فيها } أي وهم في النار . # المسألة الثالثة : احتج القاضي بقوله تعالى : { وما ظلمناهم ولاكن كانوا ~~هم الظالمين } فقال إن كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار فما الذي نفه ~~بقوله { وما ظلمناهم } وما الذي نسبه إليهم مما نفاه عن نفسه ؟ أو ليس لو ~~أثبتناه ظلما لهم كان لا يزيد على ما يقوله القوم ، فإن قالوا ذلك الفعل لم ~~يقع بقدرة الله عز وجل فقط ، بل إنما وقع بقدرة الله مع قدرة العبد معا ، ~~فلم يكن ذلك ظلما من الله . قلنا : عندكم أن القدرة على الظلم موجبة للظلم ~~، وخالق تلك القدرة هو الله تعالى ، فكأنه لما فعل مع خلق الكفر قدرة على ~~الكفر خرج عن أن يكون ظالما لهم ، وذلك محال لأن من يكون ظالما في فعل ، ~~فإذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون بذلك أحق ، فيقال للقاضي قدرة العبد ~~هل هي صالحة للطرفين أو هي متعينة لأحد الطرفين ؟ فإن كانت صالحة لكلا ~~الطرفين فالترجيح إن وقع لا لمرجع لزم نفي الصانع ، وإن افتقر إلى مرجح عاد ~~التقسيم الأول فيه ، ولا بد وأن ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها الله في ~~العبد ، وإن كانت متعينة لأحد الطرفين فحينئذ يلزمك ما أوردته علينا . ~~PageV27P194 # واعلم أنه ليس الرجل من يرى وجه الاستدلال فيذكره ، إنما الرجل الذي ينظر ~~فيما قبل الكلام وفيما بعده ، فإن رآه واردا على مذهبه بعينه لم يذكره ~~والله أعلم . # المسألة الرابعة : قرأ ابن مسعود { من مال } بحذف الكاف للترخيم فقيل ~~لابن عباس إن ابن مسعود قرأ { ونادوا يامالك * مال } فقال : ما أشغل أهل ~~النار عن هذا الترخيما واجيب عنه بأنه إنما حسن هذا الترخيم لأنه يدل على ~~أنهم بلغوا في الضعف والنحافة إلى حيث ms8127 لا يمكنهم أن يذكروا من الكلمة إلا ~~بعضها . # المسألة الخامسة : اختلفوا في أن قولنم { ونادوا يامالك ليقض علينا ربك } ~~على أي وجه طلبوا فقال بعضهم على التمني ، وقال آخرون على وجه الاستغاثة ، ~~وإلا فهم عالمون بأنه لا خلاص لهم عن ذلك العقاب ، وقيل لا يبعد أن يقال ~~إنهم لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا تلك المسألة فذكروه على وجه الطلب . ثم ~~إنه تعالى بين أن مالكا يقول لهم { إنكم ماكثون } وليس في القرآن متى ~~أجابهم ، هل أجابهم في الحال أو بمدة طويلة ، فلا يمتنع أن تؤخر الإجابة ~~استخفافا بهم وزيادة في غمهم ، فعن عبد الله بن عمر بعد أربعين سنة ، وعن ~~غيره بعد مائة سنة ، وعن ابن عباس بعد ألف سنة والله أعلم بذلك المقدار . # ثم بين تعالى أن مالكا لما أجابهم بقوله { إنكم ماكثون } ذكر بعده ما هو ~~كالعلة لذلك الجواب فقال : { لقد جئناكم بالحق ولاكن أكثركم للحق كارهون } ~~والمراد نفرتهم عن محمد وعن القرآن وشدة بغضهم لقبول الدين الحق ، فإن قيل ~~كيف قال : { ونادوا يامالك * مالك } بعد ما وصفهم بالإبلاس ؟ قلنا تلك ~~أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة ، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة ~~اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتا لشدة ما بهم ، روي أنه يلقى على أهل النار ~~الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب ، فيقولون ادعوا مالكا فيدعون { ونادوا ~~يامالك ليقض علينا ربك } ولما ذكر الله تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر ~~بعده كيفية مكرهم وفساد باطنهم في الدنيا فقال : { أم أبرموا أمرا فإنا ~~مبرمون } والمعنى أم أبرموا أي مشركون مكة أمرا من كيدهم ومكرهم برسول الله ~~، فإنا مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله تعالى : { أم يريدون كيدا ~~فالذين كفروا هم المكيدون } ( الطور : 42 ) قال مقاتل : نزلت في تدبيرهم في ~~المكر به في دار الندوة ، وهو ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى : { وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا } ( الأنفال : 30 ) وقد ذكرنا القصة . # ثم قال : { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } السر ما حدث به الرجل ~~نفسه ms8128 أو غيره في مكان خال ، والنجوى ما تكلموا به فيما بينهم { بلى } ~~نسمعها ونطلع عليها { ورسلنا } يريد الحفظة { يكتبون } عليهم تلك الأحوال ، ~~وعن يحيى بن معاذ من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في ~~السموات فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق . # PageV27P195 ! 7 < { قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين * سبحان رب ~~السماوات والا رض رب العرش عما يصفون * فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا ~~يومهم الذى يوعدون * وهو الذى فى السمآء إلاه وفى الا رض إلاه وهو الحكيم ~~العليم * وتبارك الذى له ملك السماوات والا رض وما بينهما وعنده علم الساعة ~~وإليه ترجعون * ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون * ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون * وقيله يارب إن ~~هاؤلاء قوم لا يؤمنون * فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون } > 7 ! # < < # | الزخرف : ( 81 ) قل إن كان . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { ولد } بضم الواو وإسكان اللام ~~والباقون بفتحها { فأنا أول العابدين } قرأ نافع { فإنا } بفتحة طويلة على ~~النون والباقون بلا تطويل . # المسألة الثانية : اعلم أن الناس ظنوا أن قوله { قل إن كان للرحمان ولد ~~فأنا أول العابدين } لو أجريناه على ظاهره فإنه يقتضي وقوع الشك في إثبات ~~ولد لله تعالى ، وذلك محال فلا جرم افتقروا إلى تأويل الآية ، وعندي أنه ~~ليس الأمر كذلك وليس في ظاهر اللفظ ما يوجب العدول عن الظاهر ، وتقريره أن ~~قوله { إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين } قضية شرطية والقضية الشرطية ~~مركبة من قضيتين خبريتين أدخل على إحداهما حرف الشرط وعلى الأخرى حرف ~~الجزاء فحصل بمجموعها قضية واحدة ، ومثاله هذه الآية فإن قوله { إن كان ~~للرحمان ولد فأنا أول } قضية مركبة من قضيتين : إحداهما : قوله { قل إن كان ~~للرحمان ولد } ، والثانية : قوله { فأنا أول * العابدون } ثم أدخل حرف ~~الشرط وهو لفظة إن على لقضية الأولى وحرف الجزاء وهو الفاء على القضية ~~الثانية فحصل من مجموعها قضية الأولى واحدة ، وهو ms8129 القضية الشرطية ، إذ عرفت ~~هذا فنقول القضية الشرطية لا تفيد إلا كون الشرط مستلزما للجزاء ، وليس فيه ~~إشعار بكون الشرط حقا أو باطلا أو بكون الجزاء حقا أو باطلا ، بل نقول ~~القضية الشرطية الحقة قد تكون مركبة من قضيتين حقيتين أو من قضيتين باطلتين ~~أو من شرط باطل وجزاء حق أو من شرط حق وجزاتء باطل ، فأما القسم الرابع وهو ~~أن تكون القضية الشرطية الحقة مركبة من شرط حق وجزاء باطل فهذا محال . # ولنبين أمثال هذه الأقسام الأربعة ، فإذا قلنا إن كان الإنسان حيوانا ~~فالإنسان جسم فهذه شرطية حقة وهي مركبة من قضيتين حقيتين ، إحداهما قولنا ~~الإنسان حيوان ، والثانية قولنا الإنسان PageV27P196 جسم ، وإذا قلنا إن ~~كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين فهذه شرطية حقة لكنها مركبة من ~~قولنا لخمسة زوج ، ومن قولنا لخمسة منقسمة بمتساويين وهما باطلان ، وكونهم ~~باطلين لا يمنع من أن كيون استلزام أحدهما للآخر حقا ، وقد ذكرنا أن القضية ~~الشرطية لا تفيد إلا مجرد الاستلزام وإذا قلنا إن كان الإنسان حجرا فهو جسم ~~، فهذ جسم ، فهذا أيضا حق لكنها مركبة من شرط باطل وهو قولنا الإنسان حجر ، ~~ومن جزء حق وهو قولنا الإنسان جسم ، وإنما جاز هذالأن الباطل قد يكون بحيث ~~يلزم من فرض وقوعه وقوع حق ، فإنا فرضنا كون لإنسان حجرا وجب كونه جسما ~~فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حقا . # وأما القسم الرابع : وهو تركيب قضية شرطية حقة من شرط حق وجزاء باطل ، ~~فهذا محال ، لأن هذا التركيب يلزم منه كون الحق مستلزما للباطل وذلك محال ~~بخلاف القسم الثالث فإنه يلزم منه كون الباطل مستلزما للحق وذلك ليس بمحال ~~، إذا عرفت هذا الأصل فلنرجع إلى الآية فنقول قوله { إن كان * الرحمان ولدا ~~* فأنا أول العابدين } قضية شرطية حقة من شرط باطل ومن جزاء باطل لأن قولنا ~~كان للرحمن ولد باطل ، وقولنا أنا أول العابدين لذلك الولد باطل أيضا إلا ~~أنا بينا أن كون كل واحد منهما باطلا لا يمنع من أن يكون استلزام أحدهما ~~للآخر حقا ms8130 كما ضربنا من المثال في قولنا إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة ~~بمتساويين ، فثبت أن هذا لكلام لا امتناع في إجرائه على ظاهره ، ويكون ~~المراد منه أنه إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لذلك الولد ، فإن ~~لسلطان إذا كان له ولد فكما يجب على عبده أن يخدمه فكذلك يجب عليه أن يخدم ~~ولده ، وقد بينا أن هذا التركيب لا يدل على الاعتراف بإثبات ولد أم لا . # ومما يقرب من هذا الباب قوله { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } ( ~~الأنبياء : 22 ) فهذا الكلام قضية شرطية والشرط هو قولنا { فيهما الهة } ~~والجزاء هو قولنا { * فسدتا } فالشرط في نفسه باطل والجزاء أيضا باطل لأن ~~الحق أنه ليس فيهما آلهة ، وكلمة لو تفيد الشيء باتنفاء غيره لأنهما ما ~~فسدتا ثم مع كون الشرط باطلا وكون الجزاء باطلا كان استلزام ذلك الشرط لهذا ~~الجزء حقا فكذا ههنا ، فإن قالوا الفرق أن هننا ذكر الله تعالى هذه الشرطية ~~بصيغة لو فقال : { ينشرون لو كان فيهما الهة } وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء ~~لانتفاء غيره ، وأما في لآية التي نحن في تفسيرها إنما ذكر الله تعالى كلمة ~~إن وهذه الكلمة لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، بل هذه الكلمة تفيد ~~الشك في أنه هل حصل الشرط أم لا ، وحصول هذا الشك للرسول غير ممكن ، قلنا ~~القرف الذي ذكرتم صحيح إلا أن مقصودنا بيان أنه لا يلزم من كون الشرطية ~~صادقة كون جزءيها صادقتين أو كذبتين على ما قررناه أما قوله إن لفظة أن ~~تفيد حصول الشرط هل حصل أم لا ، قلنا هذا ممنوع فإن حرف ءن حرف الشرط وحرف ~~الشرط لا يفيد كون الشرط مستلزما للجزار ، وأما بيان أن ذلك الشرط معلوم ~~الوقوع أو مشكوك الوقوع ، فاللفظ لا دلالة فيه عليه البتة ، فظهر من ~~المباحث التي لخصناها أن الكلام ههنا ممكن الإجراء على ظاهره من جميع ~~الوجوه وأنه لا حاجة فيه ألبتة إلى التأويل ، والمعنى أنه تعالى قال : { قل ~~} يا محمد { إن كان للرحمان ولد فأنا ms8131 أول العابدين } لذلك الولد وأنا أول ~~الخادمين له ، والمقصود من هذا الكلام بيان أنى لا أنكر ولده لأجل العناد ~~والمنازعة فإن بتقدير أن يقوم الدليل على ثبوت هذا الولد كنت مقرا به ~~معترفا بوجوب خدمته إلا أنه لم يوجد هذا الولد ولم يقم الدليل على ثبوته ~~ألبتة ، فكيف أقول به ؟ بل الدليل القاطع قائم على عدمه فكيف أقول به وكيف ~~أعترف بوجوده ؟ وهذا الكلام ظاهر كامل لا حاجة به ألبتة إلى التأويل ~~والعدول عن الظاهر ، فهذا ما عندي في هذ الموضع ونقل عن السدي من المفسرين ~~أنه كان يقول حمل هذه الآية على ظاهرها ممكن ولا حاجة إلى لتأويل ، ~~والتقرير الذي ذكرناه يدل على أن الذي قاله هو الحق ، أما القائلون بأنه لا ~~بد من التأويل فقد ذكروا وجوها الأول : قال الواحدي كثرت الوجوه في تفسير ~~هذه الآية ، والأقوى أن يقال المعنى { إن كان للرحمان ولد } في زعمكم { ~~فأنا أول العابدين } أي الموحدين لله PageV27P197 المكذبين لوقلكم بإضافة ~~الولد إليه ، ولقائل أن يقول إما أن يكون تقدير الكلام : إن يثبت للرحمن ~~ولد في نفس الأمر فأنا أول المنكرين له أو يكون التقدير إن يثبت لكم ادعاء ~~أن للرحمن ولدا فأنا أول المنكرين له ، والأول : باطل لأن ثبوت الشيء في ~~نفسه لا يقتضي كون الرسول منكرا له ، لأن قوله إن كان الشيء إثباتا في نفسه ~~فأنا أول المنكرين يقتضي إصراره على الكذب والجهل وذلك لا يليق بالرسول ، ~~والثاني : أيضا باطل لأنهم سواء أثبتوا لله ولدا أو لم يثبتوه له فالرسول ~~منكر لذلك الولد ، فلم يكن لزعمهم تأثير في كون الرسول منكرا لذلك الولد ~~فلم يصلح جعل زعمهم إثبات الولد مؤثرا في كون الرسول منكرا للولد . # الوجه الثاني : قالوا معناه : إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ~~لآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتدت أنفته فهو عبد وعابد ، ~~وقرأ بعضهم ( عبدين ) . # واعلم أن السؤال المذكور قائم ههنا لأنه إن كان المراد : إن كان للرحمن ~~ولد في نفس الأمر فأنا ms8132 أول الآنفين من الإقرار به ، فهذا يقتضي الإصرار على ~~الجهل والكذب ، وإن كن المرد إن كان للرحمن ولد في زعمكم واعتقادكم فأنا ~~أول الآنفين ، فهذا التعليق فاسد لأن هذه الأنفة حاصلة سواء حصل ذلك الزعم ~~والاعتقاد أو لم يحصل ، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن هذا التعليق جائزا . # والوجه الثالث : قال بعضهم إن كلمة إن ههنا هي النفية والتقدير ما كان ~~للرحمن ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له . # واعلم أن التزام هذه الوجوه البعيدة إنما يكون للضرورة ، وقد بينا أنه لا ~~ضرورة ألبتة فلم يجز المصير إليها والله أعلم . # ثم قال سبحانه وتعالى : { سبحان رب * السماوات والارض * رب العرش عما * ~~يصفون } والمعنى أن إله العالم يجب أن يكون واجب الوجود لذاته ، وكل ما كان ~~كذلك فهو فرد مطلق لا يقبل التجزأ بوجه من الوجوه ، والولد عبارة عن أن ~~ينفصل عن الشيء جزء من أجزائه فيتولد عن ذلك الجزء شخص مثله ، وهذا إنما ~~يعقل فيما تكون ذاته قابلة للتجزىء والتبعيض ، وإذا كان ذلك محالا في حق ~~إله العالم امتنع إثبات الولد له ، ولما ذكر هذا البرهان القاطع قال : { ~~فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون } والمقصود منه التهديد ~~، يعني قد ذكرت الحجة القاطعة على فساد ما ذكروا وهم لم يلتفتوا إليها لأجل ~~كونهم مستغرقين في طلب المال والجاه والرياسة فاتركهم في ذلك الباطل واللعب ~~حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الذي وعدوا فيه بما وعدوا ، والمقصود منه التهديد ~~. # ثم قال تعالى : { وهو الذى فى السماء إلاه وفى الارض إلاه } وفي أبحاث : # البحث الأول : قال أبو علي نظرت فيما يرتفع به إله فوجدت ارتفاعه يصح بأن ~~يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير وهو الذي في السماء هو إله . # والبحث الثاني : هذه الآية من أدل الدلائل على أنه تعالى غير مستقر في ~~المساء ، لأنه تعالى بين بهذه الآية أن نسبته إلى السماء بالإلهية كنسبته ~~إلى الأرض ، فلما كان إلها للأرض مع أنه غير مستقر فيها فكذلك يجب أن يكون ms8133 ~~إلها للسماء مع أنه لا يكون مستقرا فيها ، فإن قيل وأي تعلق لهذا الكلام ~~بنفي الولد عن الله PageV27P198 تعالى ؟ قلنا تعلقه به أنه تعالى خلق عيسى ~~بمحض كن فيكون من غير واسطة النطفة والأب ، فكأنه قيل إن هذا القدر لا يوجب ~~كون عيسى ولدا لله سبحانه ، لأن هذا المعنى حاصل في تخليق السموات والأرض ~~وما بينهما من انتفاء حصول الولدية هناك . # ثم قال تعالى : { وهو الحكيم العليم } وقد ذركنا في سورة الأنعام أن كون ~~تعالى حكيما عليما ينافي حصول الولد له . # ثم قال : { وتبارك الذى له ملك السماوات والارض وما بينهما وعنده علم ~~الساعة وإليه ترجعون } واعلم أن قوله تبارك إما أن يكون مشتقا من الثبات ~~والبقاء / وإما أن يكون مشتقا من كثرة الخير ، وعلى التقديرين فكل واحد من ~~هذين الوجهين ينافي كون عيسى عليه السلام ولدا لله تعالى ، لأنه إن كان ~~المراد منه الثبات والبقاء فعيس عليه السلام لم يكن واجب البقاء والدوام ، ~~لأنه حدث بعد أن لم يكن ، ثم عند النصارى أنه قتل ومات ومن كان كذلك لم يكن ~~بينه وبين الباقي الدائم الأزلي مجانسة ومشابهة ، فامتنع كونه ولدا له ، ~~وإن كان المراد بالبركة كثرة الخيرات مثل كونه خالقا للسموات والأرض وما ~~بينهما فعيسى لم يكن كذلك بل كان محتاجا إلى الطعام وعند النصارى أنه كان ~~خائفا من اليهود وبالآخرة أخذوه وقتلوه ، فالذي هذا صفته كيف يكون ولد لمن ~~كان خالقا للسموات والأرض وما بينهماا # وأما قوله { وعنده علم الساعة } فالمقصود منه أنه لما شرح كمال قدرته ~~فكذلك شرح كمال علمه ، والمقصود التنبيه على أن من كان كاملا في الذات ~~والعلم والقدرة على الحد الذي شرحناه امتنع أن يكون ولده في العجز وعدم ~~الوقوف على أحوال العالم بالحد الذي وصفه النصارى . # ولما أطنب الله تعالى في نفي الولد أردفه ببيان نفي الشركاء فقال : { ولا ~~يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم } ذكر المفسرون في ~~هذه الآية قولين أحدهما : أن الذين يدعون من دونه الملائكة ms8134 وعيسى وعزيز ، ~~والمعنى أن الملائكة وعيس وعزيزا لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق ، روي أن ~~النصر بن الحرث ونفرا معه قالوا إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى ~~الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد ، فأنزل الله هذه الآية يقول لا يقدر ~~هؤلاء أن يشفعوا لأحد ثم استثنى فقال : { الشفاعة إلا من شهد بالحق } ~~والمعنى على هذا القول هؤلاء لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق ، فأضمر اللام أو ~~يقال التقدير إلا شفاعة من شهد بلحق فحذف المضاف ، وهذ على لغة من يعدي ~~الشفاعة بغير لام ، فيقول شفعت فلانا بمعنى شفعت له كما تقول كلمته وكلمت ~~له ونصحته ونصحت له والقول الثاني : ى ن الذين يدعون من دونه كل معبود من ~~دون الله ، وقوله { إلا من شهد بالحق } الملائكة وعيسى وعزيز ، والمعنى أن ~~الأشياء التي عبدها الكفار لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق ، وهم ~~الملائكة وعيسى وعزيز فإن لهم شفاعة عند الله ومنزلة ، ومعنى من شهد بالحق ~~من شهد أنه لا إله إلا الله . # ثم قال تعالى : { وهم يعلمون } وهذا القيد يدل على أن الشهادة باللسان ~~فقط لا تفيد ألبتة ، واحتج القائلون بأن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة ، ~~فقالوا بين الله تعالى أن الشهادة لا تنفع إلا إذا حصل معها العلم والعلم ~~عبارة عن اليقين الذي لو شكك صاحبه فيه لم يتشكك ، وهذا لم يحصل إلا عند ~~الدليل ، فثبت أن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة . PageV27P199 # ثم قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : ظن قوم أن هذه الآية وأمثالها في القرآن تدل على أن ~~القوم مضطرون إلى الاعتراف بوجود الإله للعالم ، قال الجبائي وهذا لا يصح ~~لأن قوم فرعون قالوا لا إله لهم غيره ، وقوم إبراهيم قالوا { وإنا لفى شك ~~مما تدعوننا إليه } ( إبراهيم : 9 ) فيقال لهم لا نسلم أن قوم فرعون كانوا ~~منكرين لوجود الإله ، والدليل على قولنا قوله تعالى : { وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما } ( النمل : 14 ) وقال موسى لفرعون { لقد علمت ms8135 ما ~~أنزل هؤلاء إلا رب * السماوات والارض * بصائر } ( الإسراء : 102 ) فالقراءة ~~بفتح التاء في علمت تدل على أن فرعون كان عارفا بالله ، وأما قوم إبراهيم ~~حيث قالوا { وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه } فهو مصروف إلى إثبات القيامة ~~وإثبات التكاليف وإثبات النبوة . # المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى ذكر هذا الكلام في أول هذه السورة وفي ~~آخرها ، والمقصود التنبيه على أنهم لما اعتقدوا أن خالق العالم وخالق ~~الحيوانات هو الله تعالى فكيف أقدموا مع هذا الإعتقاد على عبادة أجسام ~~خسيسة وأصنام خبيثة لا تضر ولا تنفع ، بل هي جمادات محضة . # وأما قوله { فأنى تؤفكون } معناه لم تكذبون على الله فتقولون إن الله ~~أمرنا بعبادة الأصنام ، وقد احتج بعض أصحابنا به على أن إفكهم ليس منهم بل ~~من غيرهم بقوله { فأنى تؤفكون } وأجاب القاضي بأن من يضل في فهم الكلام أو ~~في الطريق يقال له أين يذهب بك ، والمراد أين تذهب ، وأجاب الأصحاب بأن قول ~~القائل أين يذهب بك ظاهره يدل على أن ذاهبا آخر ذهب به ، فصرف الكلام عن ~~حقيقته خلاف الأصل الظاهر ، وأيضا فإن الذي ذهب به هو الذي خلق تلك الداعية ~~في قلبه ، وقد ثبت بالبرهان الباهر أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى . # ثم قال تعالى : { وقيله يارب * رب إن * هؤلاء قوم لا يؤمنون } وفيه مباحث ~~: # الأول : قرأ الأكثرون { وقيله } بفتح اللام وقرأ عاصم وحمزة بكسر اللام ، ~~قال الواحدي وقرأ أناس من غير السبعة بالرفع ، أما الذين قرؤا بالنصب فذكر ~~الإخفش والفراء فيه قولين أحدهما : أنه نصب على المصدر بتقدير وقال قيله ~~وشكا شكواه إلى ربه يعني النبي صلى الله عليه وسلم فانتصب قيله بإضمار قال ~~والثاني : أنه عطف على ما تقدم من قوله { أنا لا نسمع سرهم ونجواهم * وقيله ~~} ( الزخرف : 80 ) وذكر الزجاج فيه وجها ثالثا : فقال إنه نصب على موضع ~~الساعة لأن قوله { وعنده علم الساعة } معناه أنه علم الساعة ، والتقدير علم ~~الساعة ، وقيله ، ونظيره قولك عجبت من ضرب زيد وعمرا ، وأما القراءة يبالجر ~~فقال الأخفش ms8136 والفراء والزجاج إنه معطوف على الساعة ، أي عنده علم الساعة ، ~~وعلم قيله يا رب ، قال المبرد العطف على المنصوب حسن وإن تباعد المعطوف من ~~المعطوف عليه لأنه يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور يجوز ذلك فيه ~~على قبح ، وأما القراءة بالرفع ففيها وجهان الأول : أن يكون { وقيله } ~~مبتدأ وخبره ما بعده والثاني : أن يكون معطوفا على علم الساعة على تقدير ~~حذف المضاف معناه وعنده علم الساعة وعلم قيله ، قال صاحب ( الكشاف ) : هذه ~~الوجوه ليست قوية في المعنى لا سيما وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه ~~بما لا يحسن اعتراضا ، ثم ذكر وجها آخر وزعم أنه أقوى مما سبق ، وهو أن ~~يكون النصب والجر على إضمار حرف القسم وحذفه والرفع على قولهم أيمن الله ~~وأمانة الله ويمين الله ، يكون قوله { إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } جواب القسم ~~كأنه قيل PageV27P200 وأقسم بقيله يا رب أو وقيله يا رب قسمي ، وأقوله هذا ~~الذي ذكره صاحب ( الكشاف ) متكلف أيضا وههنا إضمار امتلأ القرآن منه وهو ~~إضمار اذكر ، والتقدير واذكر قيله يا رب ، وأما القراءة بالجر ، فالتقدير ~~واذكر وقت قيله يا رب ، وإذا وجب التزام الإضمار فلأن يضمر شيئا جرت العادة ~~في القرآن بالتزام إضمار أولى من غيره ، وعن ابن عباس أنه قال في تفسير ~~قوله { وقيله يارب * رب } المراد وقيل يا رب والهاء زيادة . # البحث الثاني : القيل مصدر كالقول ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~( نهى عن قيل وقال ) قال الليث تقول العرب كثر فيه القيل والقال ، وروى شمر ~~عن أبي زيد يقال ما أحسن قيلك وقولك وقالك ومقالتك خمسة أوجه . # البحث الثالث : الضمير في قيله لرسول الله صلى الله عليه وسلم . # البحث الرابع : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضجر منهم وعرف إصرارهم ~~أخبر عنهم أنهم قوم لا يؤمنون وهو قريب مما حكى الله عن نوح أنه قال : { رب ~~إنهم عصونى واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ( نوح : 21 ) . # ثم إنه تعالى قال له : { فاصفح عنهم } فأمره بأن ms8137 يصفح عنهم وفي ضمنه منعه ~~من أن يدعو عليهم بالعذاب ، والصفح هو الإعراض . # ثم قال : { وقل سلام } قال سيبويه إنما معناه المتاركة ، ونظيره قول ~~إبراهيم لأبيه { سلام عليك سأستغفر لك ربي } ( مريم : 47 ) وكقوله { سلام ~~عليكم لا نبتغى الجاهلين } ( القصص : 55 ) . # قوله { فسوف تعلمون } والمقصود منه التهديد . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء على الخطاب ، ~~والباقون بالياء كناية عن قوم لا يؤمنون . # المسألة الثانية : احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر ، ~~وأقول إن صظح هذا الاستدلال فهذا يوجب الاقتصار على نجرد قوله سلام وأن ~~يقال للمؤمن سلام عليكم . والمقصود التنبيه على التحية التي تذكر للمسلم ~~والكافر . # المسألة الثالثة : قال ابن عباس قوله تعالى : { فاصفح عنهم وقل سلام } ~~منسوخ بآية السيف ، وعندي أن التزام النسخ في أمثال هذه المواضع مشكل ، لأن ~~الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة ~~اللفظ ، فأي حاجة فيه إلى التزام النسخ ، وأيضا فمثله يمين الفور مشهورة ~~عند الفقهاء وهي دالة على أن اللفظ قد يتقيد بحسب قرينة العرف ، وإذا كان ~~الأمر كذلك فلا حاجة فيه إلى التزام النسخ والله أعلم بالصواب . # PageV27P201 < # > 1 ( سورة الدخان ) 1 < # > # خمسون وتسع آيات مكية # إلا قوله { إنا كاشفوا العذاب } # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { حم* والكتاب المبين * إنآ أنزلناه فى ليلة مباركة إنا كنا منذرين ~~* فيها يفرق كل أمر حكيم * أمرا من عندنآ إنا كنا مرسلين * رحمة من ربك إنه ~~هو السميع العليم * رب السماوات والا رض وما بينهمآ إن كنتم موقنين * لا ~~إلاه إلا هو يحى ويميت ربكم ورب ءابآئكم الا ولين * بل هم فى شك يلعبون } . ~~> 7 ! # < < # | الدخان : ( 1 ) حم # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في قوله { حم * والكتاب المبين } وجوه من الاحتمالات ~~أولها : أن يكون التقدير : هذه حام والكتاب المبين كقولك هذا زيد والله ~~وثانيها : أن يكون الكلام قد تم عند قوله { حم } ثم يقال { والكتاب المبين ~~* إنا أنزلناه } ، وثالثها : أن يكون التقدير : وحام ms8138 ، والكتاب المبين ، ~~إنا أنزلناه ، فيكون ذلك في التقدير قسمين على شيء واحد . # المسألة الثانية : قالوا هذا يدل على حدوث القرآن لوجوه الأول : أن قوله ~~{ حم } تقديره : هذه حام ، يعني هذاشيء مؤلف من هذه الحروف ، والمؤلفد من ~~الحروف المتعاقبة محدث الثاني : أنه ثبت أن الحلف لا يصح بهذه الأشياء بل ~~بإلاه هذه الأشياء فيكون التقدير ورب حام ورب الكتاب المبين ، وكل من كان ~~مربوبا فهو محدث الثالث : أنه وصفه بكونه كتابا والكتاب مشتق من الجمع ~~فمعناه أنه مجموع والمجموع محل تصرف PageV27P202 الغير ، وما كان كذلك فهو ~~محدث الرابع : قوله { إنا أنزلناه } والمنزل محل تصرف الغير ، وما كان كذلك ~~فهو محدث ، وقد ذكرنا مرارا أن جميع هذه الدلائل تدل على أن الشيء المركب ~~من الحروف المتعاقبة والأصوات المتوالية محدث ، والعلم بذلك ضروري بديهي ، ~~لا ينازع فيه إلا من كان عديم العقل وكان غير عارف بمعنى القديم والمحدث ، ~~وإذا كان كذلك فكيف ينازع في صحة هذه الدلائل ، إنما الذي ثبت قدمه شيء آخر ~~سوى ما تركب من هذه الحروف والأصوات . # المسألة الثالثة : يجوز أن يكون المراد بالكتاب ههنا الكتب المتقدمة التي ~~أنزلها الله على أنبيائه ، كما قال تعالى : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } ( الحديد : 25 ) ويجوز أن يكون المراد ~~اللوح المحفوظ ، كما قال : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ( ~~الرعد : 39 ) وقال : { وإنه فى أم الكتاب لدينا } ( الزخرف : 4 ) ويجوز أن ~~يكون المراد به القرآن ، وبهذا التقدير فقد أقسم بالقرآن على أنه أنزل ~~القرآن في ليلة مباركة ، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن ، ~~فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم رجل له حاجة إليه : أستشفع بك إليك وأقسم ~~بحقك عليك . # المسألة الرابعة : { المبين } هو المشتمل على بيان ما بالناس حاجة إليه ~~في دينهم ودنياهم ، فوصفه بكونه مبينا ، وإن كانت حقيقة الإبانة لله تعالى ~~، لأجل أن الإبانة حصلت به ، كما قال تعالى : { وأن هاذا * إن هاذا القرءان ~~يقص على } ( النمل : 76 ) وقال في آية أخرى { نحن نقص ms8139 عليك أحسن القصص } ( ~~يوسف : 3 ) وقال : { أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ~~} ( الروم : 35 ) فوصفه بالتكلم إذ كان غاية في الإبانة ، فكأنه ذو لسان ~~ينطق ، والمعنى فيه المبالغة في وصفه بهذا المعنى . # المسألة الخامسة : اختلفوا في هذه الليلة المباركة ، فقال الأكثرون : ~~إنها ليلة القدر / وقال عكرمة وطائفة آخرون : إنها ليلة البراءة ، وهي ليلة ~~النصف من شعبان أما الأولون فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه أولها : أنه ~~تعالى قال : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) وهاهنا قال : { ~~إنا أنزلناه فى ليلة مباركة } فوجب أن تكون هذه الليلة المباركة هي تلك ~~المسماة بليلة القدر ، لئلا يلزم التناقض وثانيها : أنه تعالى قال : { شهر ~~رمضان الذى أنزل فيه القرآن } ( البقرة : 185 ) فبين أن إنزال القرآن إنما ~~وقع في شهر رمضان ، وقال هاهنا { إنا أنزلناه فى ليلة مباركة } فوجب بأن ~~تكون هذه الليلة واقعة في شهر رمضان ، وكل من قال إن هذه الليلة المباركة ~~واقعة في شهر رمضان ، قال إنها ليلة القدر ، فثبت أنها ليلة القدر وثالثها ~~: أنه تعالى قال في صفة ليلة القدر { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم ~~من كل أمر * سلام هى } ( القدر : 4 ، 5 ) وقال أيضا ههنا { فيها يفرق كل ~~أمر حكيم } وهذا مناسب لقوله { تنزل الملائكة والروح فيها } وههنا قال : { ~~أمرا من عندنا } وقال في تلك الآية { بإذن ربهم من كل أمر } وقال ههنا { ~~رحمة من ربك } وقال في تلك الآية { سلام هى } وإذا تقاربت الأوصاف وجب ~~القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى ورابعها : نقل محمد بن جرير الطبري في ( ~~تفسيره ) : عن قتادة أنه قال : نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، ~~والتوراة لست ليال منه ، والزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت منه ، والإنجيل ~~لثمان عشرة ليلة مضت منه ، والقرآن لأربع وعشرين ليلة مضت من رمضان ، ~~والليلة المباركة هي ليلة القدر وخامسها : أن ليلة القدر إنما سميت بهذا ~~الاسم ، لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم ، ومعلوم أنه ليس قدرها وشرفها ~~لسبب ذلك الزمان ، لأن الزمان ms8140 شيء واحد في الذات والصفات ، فيمتنع كون بعضه ~~أشرف من بعض لذاته ، فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة عالية ~~لها قدر عظيم ومرتبة رفيعة ، ومعلوم أن PageV27P203 منصب الدين أعلى وأعظم ~~من منصب الدينا ، وأعلى الأشياء وأشرفها منصبا في الدين هو القرآن ، لأجل ~~أن به ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل ~~في سائر كتب الله المنزلة ، كما قال في صفته { ومهيمنا عليه } ( المائدة : ~~48 ) وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ، ودركات أرباب الشقاوات ، فعلى هذا لا ~~شيء إلا والقرآن أعظم قدرا وأعلى ذكرا وأعظم منصبا منه فلو كان نزوله إنما ~~وقع في ليلة أخرى سوى ليلة القدر ، لكانت ليلة القدر هي هذه الثانية لا ~~الأولى ، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر التي وقعت في رمضان ، علمنا أن ~~القرآن إنما أنزل في تلك الليلة ، وأما القائلون بأن المراد من الليلة ~~المباركة المذكورة في هذه الآية ، هي ليلة النصف من شعبان ، فما رأيت لهم ~~فيه دليلا يعول عليه ، وإنما قنعوا فيه بأن نقلوه عن بعض الناس ، فإن صح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه كلام فلا مزيد عليه ، وإلا فالحق هو ~~الأول ، ثم إن هؤلاء القائلين بهذا القول زعموا أن ليلة النصف من شعبان لها ~~أربعة أسماء : الليلة المباركة ، وليلة البراءة ، وليلة الصك ، وليلة ~~الرحمة ، وقيل إنما سميت بليلة البراءة ، وليلة الصك ، لأن البندار إذا ~~استوفى الخلاج من أهله كتب لهم البراءة ، كذلك الله عز وجل يكتب لعباده ~~المؤمنين البراءة في هذه الليلة ، وقيل هذه الليلة مختصة بخمس خصال الأول : ~~تفريق كل أمر حكيم فيها ، قال تعالى : { فيها يفرق كل أمر حكيم } والثانية ~~: فضيلة العبادة فيها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى في ~~هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة ، ~~وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار ، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا ، وعشرة ~~يدفعون عنه مكايد الشيطان ) ، الخصلة الثالثة : نزول الرحمة ، قال عليه ~~السلام : ( إن ms8141 الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب ) ~~والخصلة الرابعة : حصول المغفرة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ~~تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة ، إلا لكاهن ، أو مشاحن ، أو مدمن ~~خمر ، أو عاق للوالدين ، أو مصر على الزنا ) والخصلة الخامسة : أنه تعالى ~~أعطى رسوله في هذه الليلة تمام الشفاعة ، وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من ~~شعبان في أمته فأعطي الثلث منها ، ثم سأل ليلة الرابع عشر ، فأعطي الثلثين ~~، ثم سأل ليلة الخامس عشر ، فأعطي الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير ~~، هذا الفصل نقلته من ( الكشاف ) ، فإن قيل لا شك أن الزمان عبارة عن المدة ~~الممتدة التي تقديرها حركات الأفلاك والكواكب ، وأنه في ذاته أمر متشابه ~~الأجزاء فيمتنع كون بعضها أفضل من بعض ، والمكان عبارة عن الفضاء الممتد ~~والخلاء الخالي فيمتنع كون بعض أجزائه أشرف من البعض ، وإذا كان كذلك كان ~~تخصيص بعض أجزائه بمزيد الشرف دون الباقي ترجيحا لأحد طرفي الممكن على ~~الآخر لا لمرجح وإنه محال ، قلنا القول بإثبات حدوث العالم وإثبات أن فاعله ~~فاعل مختار بناء على هذا الحرف وهو أنه لا يبعد من الفاعل المختار تخصيص ~~وقت معين بإحداث العالم فيه دون ما قبله وما بعده ، فإن بطل هذا الأصل فقد ~~بطل حدوث العالم وبطل الفاعل المختار وحينئذ لا يكون الخوض في تفسير القرآن ~~فائدة ، وإن صح هذا الأصل فقد زال ما ذكرتم من السؤال ، فهذا هو الجواب ~~لالمعتمد ، والناس قالوا لا يبعد ( أن يخص الله تعالى بعض الأوقات بمزيد ~~تشريف حتى يصير ذلك داعيا للمكلف إلى الإقدام على الطاعات في ذلك الوقت ، ~~ولهذا السبب بين أنه تعالى أخفاه في الأوقات وماعيته لأنه لم يكن معينا جوز ~~المكلف في كل وقت معين أن يكون هو ذلك الوقت الشريف فيصير ذلك حاملا له على ~~المواظبة على الطاعات في كل الأوقات ، وإذا وقعت على هذا الحرف ظهر عندك أن ~~الزمان والمكان إنما فازا بالتشريفات الزائدة تبعا لشرف الإنسان فهو الأصل ~~وكل ms8142 ما سواه فهو تبع له والله أعلم . PageV27P204 # المسألة السادسة : روي أن عطية الحروري سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن ~~قوله { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) وقوله { إنا أنزلناه فى ~~ليلة مباركة } كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل القرآن في جميع الشهور ؟ ~~فقال ابن عباس رضي الله عنهما : يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع هذا في ~~نفسك ولم تجد جوابه هلكت ، نزل القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى البيت ~~المعمور ، وهو في السماء الدنيا ، ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالا ~~فحالا . والله أعلم . # المسألة السابعة : في بيان نظم هذه الآيات ، اعلم أن المقصود منها تعظيم ~~القرآن من ثلاثة أوجه أحدها : بيان تعظيم القرآن بحسب ذاته الثاني : بيان ~~تعظيمه بسبب شرف الوقت الذي نزل فيه الثالث : بيان تعظيمه بحسب شرف منزلته ~~، أما بيان تعظيمه بحسب ذاته فمن ثلاثة أوجه أحدها : أنه تعالى أقسم به ~~وذلك يدل على شرفه وثانيها : أنه تعالى أقسم به على كونه نازلا في ليلة ~~مباركة ، وقد ذكرنا أن القسم بالشيء على حالة من أحوال نفسه يدل على كونه ~~في غاية الشرف وثالثها : أنه تعالى وصفه بكونه مبينا وذلك يدل أيضا على ~~شرفه في ذاته . # وأما النوع الثاني : وهو بيان شرفه لأجل شرف الوقت الذي أنزل فيه فهو ~~قوله { إنا أنزلناه فى ليلة مباركة } وهذا تنبيه على أن نزوله في ليلة ~~مباركة يقتضي شرفه وجلالته / ثم نقول إن قوله { إنا أنزلناه فى ليلة مباركة ~~} يقتضي أمرين : أحدها : أنه تعالى أنزله والثاني : كون تلك الليلة مباركة ~~فذكر تعالى عقيب هذه الكلمة ما يجرى مجرى البيان لكل واحد منهما ، أما بيان ~~أنه تعالى لم أنزله فهو قوله { إنا كنا منذرين } يعني الحكمة في إنزال هذه ~~السورة أن إنذار الخلق لا يتم إلا به ، وأما بيان أن هذه الليلة ليلة ~~مباركة فهو أمران : أحدهما : أنه تعالى يفرق فيها كل أمر حكيم ، والثاني : ~~أن ذلك الأمر الحكيم مخصوصا بشرف أنه إنما يطهر من عنده ، وإليه ms8143 الإشارة ~~بقوله { أمرا من عندنا } . # وأما النوع الثالث : فهو بيان شرف القرآن لشرف منزله وذلك هو قوله { إنا ~~كنا مرسلين } فبين أن ذلك الإنذار والإرسال إنما حصل من الله تعالى ، ثم ~~بين أن ذلك الإرسال إنما كان لأجل تكميل الرحمة وهو قوله { رحمة من ربك } ~~وكان الواجب أن يقال رحمة منا إلا أنه وضع الظاهر موضع المضمر إيذانا بأن ~~الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين ، ثم بين أن تلك الرحمة وقعت على وفق ~~حاجات المحتاجين لأنه تعالى يسمع تضرعاتهم ، ويعلم أنواع حاجاتهم ، فلهذا ~~قال : { إنه هو السميع العليم } فهذا ما خطر بالبال في كيفية تعلق بعض هذه ~~الآيات ببعض . # المسألة الثامنة : في تفسير مفردات هذه الألفاظ ، أما قوله تعالى : { إنا ~~أنزلناه فى ليلة مباركة } فقد قيل فيه إنه تعالى أنزل كلية القرآن من اللوح ~~المحفوظ إلى سماء الدنيا في هذه الليلة ، ثم أنزل في كل وقت ما يحتاج إليه ~~المكلف ، وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع ~~الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ، ونسخة الحروب إلى ~~جبرائيل وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب ~~سماء الدينا وهو ملك عظيم ، ونسخة المصائب إلى ملك الموت . PageV27P205 # أما قوله تعالى : { فيها يفرق } أي في تلك الليلة المباركة يفرق أي يفصل ~~ويبين من قوله فرقت الشيء أفرقه فرقا وفرقانا ، قال صاحب ( الشكاف ) وقرىء ~~يفرق بالتشديد ويفرق على إسناد الفعل إلى الفاعل ونصل كل والفارق هو الله ~~عز وجل ، وقرأ زيد بن علي نفرق بالنون . # أما قوله { كل أمر حكيم } فالحكيم معناه ذو الحكمة ، وذلك لأن تخصيص الله ~~تعالى كل أحد بحالة معينة من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة يدل ~~على حكمة بالغة لله تعالى ، فما كانت تلك الأفعال والأقضية دالة على حكمة ~~فاعلها وصفت بكونها حكيمة ، وهذا من الإسناد بالمجازي ، لأن الحكيم صفة ~~صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجاز ، ثم قال : { أمرا من عندنا } ~~وفي انتصاب قوله { أمرا } وجهان : الأول : أنه نصب على ms8144 الاختصاص ، وذلك أنه ~~تعالى بين شرف تلك الأقضية والأحكام بسبب أن وصفها بكونها حكيمة ، ثم زاد ~~في بين شرفها بأن قال أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا كائنا من لدنا ، ~~وكما اقتضه علمنا وتدبيرنا والثاني : أنه نصب على الحال وفيه ثلاثة أوجه : ~~الأول : أن يكون حال من أحد الضميرين في { أنزلناه } ، إما من ضمير الفاعل ~~أي : إنا أنزلناه آمرين أمرا أو من ضمير المفعول أي : إنا أنزلناه في حال ~~كونه أمرا من عندنا بما يجب أن يفعل والثالث : ما حكاه أبوعلي الفارسي عن ~~أبي الحسن زحمهما الله أنه حمل قوله { أمرا } على الحال وذو الحال قوله { ~~كل أمر حكيم } وهو نكرا . # ثم قال : { إنا كنا مرسلين } يعني أنا إنما فعلنا ذلك الإنذار لأجل إنا ~~كنا مرسلين يعني الأنبياء . # ثم قال : { رحمة من ربك } أي للرحمة فهي نصب على أن يكون مفعولا له . # ثم قال : { إنه هو السميع العليم } يعني أن تلك الرحمة كانت رحمة في ~~الحقيقة لأن المحتاجين ، إما أن يذكروا بألسنتهم حاجاتهم ، وإما أن لا ~~يذكروها فهو تعالى يسمع كلامهم فيعرف حاجاتهم ، وإن لم يذكروها فهي تعالى ~~عالم بها فثبت أن كونه سمعيعا عليما يقتضي أن ينزل رحمته عليهم . # ثم قال : { رب * السماوات والارض * وما بينهما إن كنتم موقنين } وفيه ~~مسائل : # المسألة لأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الباء من رب عطفا على قوله ~~{ رحمة من ربك } والباقون بالرفع عطفا على قوله { هو السميع العليم } . # المسألة الثانية : المقصود من هذه الآية أن المنزل إذا كان موصوفا بهذه ~~الجلالة والكبرياء كان المنزل الذي هو القرآن في غاية الشرف والرفعة . # المسألة الثالثة : الفائدة في قوله { إن كنتم موقنين } من وجوه الأول : ~~قال أبو مسلم معناه إن كنتم تطلبون اليقين وتريدونه ، فاعرفوا أن الأمر كما ~~قلنا ، كقولهم فلان منجد منهم أي يريد نجدا وتهامة والثاني : قال صاحب ( ~~الكشاف ) كانوا يقرون بأن للسموت والأرض ربا وخالقا فقيل لهم إن إرسال ~~الرسل وإنزال الكتب رحمة من الرب سبحانه وتعالى ، ثم قيل إن هذا ms8145 هو السميع ~~العليم الذي أنتم مقرون به ومعترفون يأنه رب السموات والأرض وما بينهما إن ~~كان إقراركم عن علم ويقين ، كما تقول هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس بكرمه ~~إن بلغك حديثه وسمعت قصته ، ثم إنه تعالى رد أن يكونوا موقنين بقوله { بل ~~هم فى شك يلعبون } وأن إقرارهم غير صادر عن علم ويقين ولا عن جد وحقيقة بل ~~قول مخلوط بهزء ولعب والله أعلم . # PageV27P206 ! 7 < { فارتقب يوم تأتى السمآء بدخان مبين * يغشى الناس ~~هاذا عذاب أليم * ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون * أنى لهم الذكرى وقد ~~جآءهم رسول مبين * ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون * إنا كاشفوا العذاب ~~قليلا إنكم عآئدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } > 7 @QB@ < # | الدخان : ( 10 - 16 ) فارتقب يوم تأتي . . . . . # > > # اعلم أن المراد بقوله { فارتقب } انتظر ويقال ذلك في المكروه ، والمعنى ~~انتظر يا محمد عذابهم فحذف مفعول الارتقاب لدلالة ما ذكر بعده عليه وهو ~~قوله { هاذا عذب * أليم } ويجوز أيضا أن يكون { يوم تأتى السماء } مفعول ~~الارتقاب وقوله { بدخان } فيه قولان : # الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قومه بمكة لما كذبوه فقال : ~~( اللهم اجعل سنيهم كسني يوسف ) فارتفع المطر وأجدبت الأرض وأصابت قريشا ~~شدة المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف ، فكان الرجل لما به من الجوع ~~يرى بينه وبين السماء كالدخان ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض ~~الرويات ومقاتل مجاهد واختيار الفراء والمزجاج وهو قول ابن مسعود رضي الله ~~عنه وكان ينكر أن يكنن الدخان إلا هذا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظلمة في ~~أبصارهم حتى كانوا كأنهم يرون دخانا ، فالحاصل أن هذا الدخان هو الصلمة ~~التي في أبصارهم من شدة الجوع ، وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان بهذه ~~الحالة وجيهن الأول : أن في سنة القحط يعظم يبس الأرض بسبب انقطاع المطر ~~ويرتفع المطر ويرتفع الغبار الكثير ويظلم الهواء ، وذلك يشبه الدخان ولهذا ~~يقال لسنة المجاعة الغبراء الثاني : أن العرب يسمون الشر الغالب بالدخان ~~فيقول كان بيننا أمر ارتفع ms8146 له دخان ، والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد خوفه ~~أو ضعفه أظلمت عيناه فيرى الدنيا كالمملوءة من الدخان . # والقول الثاني : في الدخان أنه دخان يظهر في العالم وهو إحدى علامات ~~القيامة ، قالو فإذا حصلت هذه الحالة حصل لأهل الإيمان منه حالة تشبه ~~الزكام ، وحصل لأهل الكفر حالة يصير لأجلها رأسه كرأس الحنيذ ، وهذا القول ~~هو المنقول عن علي بن أبي طلب عليه السلام وهو قول مشهور لابن عباس واحتج ~~القائلون بهذا القول بوجوه الأول : أن قوله { يوم تأتى السماء بدخان } ~~يقتضي وجود دخان تأتي به السماء وما ذكرتموه من الظلمة الحاصلة في العين ~~بسبب شدة الجوع فذاك ليس بدخان أتت به السماء فكان حمل لفظ الآية على هذا ~~الوجه عدولا عن الظاهر لا لدليل منفصل ، وإنه لا يجوز الثاني : أنه وصف ذلك ~~الدخان بكونه مبينا ، والحالة التي ذكرتموها ليست كذلك لأنها عارضة تعرض ~~لبعض الناس في أدمغتهم ، ومثل هذا لا يوصف بكونها دخانا مبينا والثالث : ~~أنه وصف ذلك الدخان بأنه يغشي الناس ، وهذا إنما يصدق إذا وصل PageV27P207 ~~ذلك الدخان إليهم واتصل بهم والحال التي ذكرتموها لا توصف بأنها تغشي الناس ~~إلا على سبيل المجاز وقد ذكرنا أن العدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز ~~إلا لدليل منفصل الرابع : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أول ~~الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم عليهما السلام ونار تخرج من قعر عدن ~~تسوق الناس إلى المحشر ، قال حذيفة يا رسول الله وما الدخان فتلا رسلو الله ~~صلى الله عليه وسلم الآية وقال دخان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث ~~أربعين يوما وليلة ، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة ، وأما الكافر فهو ~~كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره ) رواه صاحب ( الشكاف ) وروى القاضي ~~عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( باكروا بالأعمال ستا ، ~~وذلك منه طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة ) أما القائلون ~~بالقول الأول ، فلا شك أن ذلك يقتضي صرف اللفظ عن حقيقته إلى المجاز ، وذلك ~~لا يجوز ms8147 إلا عند قيام دليل يدل على أن حمله على حقيقته ممتنع والقوم لم ~~يذكروا ذلك الدليل فكان المصير إلى ما ذكروه مشكلا جدا ، فإن قالوا الدليل ~~على أن المراد ما ذكرناه ، أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون { ربنا اكشف عنا ~~العذاب إنا مؤمنون } وهذ إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة استقام فإنه ~~نقل أن القحط لما اشتد بمكة مشى إليه أبو سيفان وناشده بالله والرحم وأوعده ~~أنه إن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به ، فلما أزال الله ~~تعالى عنهم ذلك رجعوا إلى شركهم ، أما إذا حملناه على أن المراد منه ظهور ~~علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك ، لأن عند صهور علامات القيامة لا ~~يمكنهم أن يقولوا { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } ولم يصح أيضا أن ~~يقال لهم { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون } والجواب : لم لا يجوز أن ~~يكون ظهور هذه العلامة جاريا مجرى ظهور سائر علامات القيامة في أنه لا يوجب ~~انقطاع التكليف فتحدث هذه الحالة ، ثم إن الناس يخافون جدا فيتضرعون ، فإاذ ~~زالت تلك الواقعة عادوا إلى الكفر والفسق ، وإذ كان هذا محتملا فقد سقط ما ~~قالوه والله اعلم . # ولنرجع إلى التفسير فنقول قوله تعالى : { يوم تأتى السماء بدخان مبين } ~~أي ظاهر الحال لا يشك أحد في أنه دخان يغشي الناس أي يشملهم وهو في محل ~~الجر صفة لقوله { بدخان } وفي قوله { وهاذا * عذاب أليم } قولان الأول : ~~أنه منصوب لمحل بفعل مضمر وهو يقولون ويقولون منصوب على الحال أي قائلين ~~ذلك الثاني : قال الجرجاني صاحب ( النظم ) هذا إشارة إليه وإخبار عن دنوه ~~واقترابه كما يقال هذا العدو فاستقبله والغرض منه التنبيه على القرب . # ثم قال : { ربنا اكشف عنا العذاب } فإن قلنا التقدير : يقولون هذا عذاب ~~أليم ربنا اكشف عنا العذاب فالمعنى ظاهر وإن لم يضمر القول هناك أضمرناه ~~ههنا والعذاب على القول الأول هو القحط الشديد ، وعلى القول الثاني الدخان ~~المهلك { إنا مؤمنون } أي بمحمد وبالقرآن ، والمراد منه الوعيد بالإيمان إن ms8148 ~~كشف عنهم العذاب . # ثم قال تعالى : { أنى لهم الذكرى } يعني كيف يتذكرون وكيف يتعظون بهذه ~~الحالة وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الطاعة وهو ما ظهر على رسول ~~الله من لمعجزات القاهرة والبينات الباهرة { ثم تولوا عنه } PageV27P208 ~~ولم يلتفتوا إليه { وقالوا معلم مجنون } وذلك لأن كفار مكة كان لهم في ظهور ~~القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام قولان منهم من كان يقول إن محمدا ~~يتعلم هذه الكلمات من بعض الناس لقوله { إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون ~~إليه أعجمى } ( النحل : 103 ) وكقوله تعالى : { وقال الذين كفروا إن } ( ~~الفرقان : 4 ) ومنهم من كان يقول إنه مجنون والجن يلقون عليه هذه الكلمات ~~حال ما يعرض له الغشي . # ثم قال تعالى : { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون } أي كما يكشف ~~العذاب عنكم تعودون في الاحال إلى ما كنتم عليه من الشرك ، والمقصود ~~التنبيه على أنهم لا يوفون بعهدهم وأنهم في حال العجز يتضرعون إلى الله ~~تعالى ، فإذا زال الخوف عادوا إلى الكفر والتقليد لمذاهب الأسلاف . # ثم قال تعالى : { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } قال صاحب ( ~~الكشاف ) وقرىء نبطش بضم الطاء / وقرأ الحسن نبطش بضم النون كأنه تعالى ~~يأمر الملائكة بأن يبطشوا بهم والبطش الأخذ بشدة ، وأكثر ما يكون بوقع ~~الضرب المتابع ثم صار بحيث يستعمل في إيصال الآلام المتتابعة ، وفي المراد ~~بهذا اليوم قولان : # القول الأول : أنه يوم بدر وهو قول ابن سمعود وابن عباس ومجاهد ومقاتل ~~وأبي لعالية رضي الله تعلى عنهم ، قالوا إن كفار مكة لما أزال الله تعالى ~~عنهم القحط والجوع عادوا إلى لتكذيب فانتقم الله منهم يوم بدر . # والقول الثاني : أنه يوم القيامة روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما أنه قال : قال ابن معسود : البطشة الكبرى يوم بدر ، وأنا أقول هي يوم ~~القيامة ، وهذا لقول أصح لأن يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف بهذا ~~الوصف العظيم ، ولأن الانتقام التام إنما يحصل يوم القيامة لقوله تعالى : { ~~اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ms8149 } ( غفر : 17 ) ولأن هذه البطشة لما وصفت ~~بكونها كبرى على الإطلاق وجب أن تكون أعظم أنواع البطش وذلك ليس إلا في ~~القيامة ولفظ الانتقام في حق الله تعالى من المتشابهات كالغضب والحياء ~~ولتعجب ، والمعنى معلوم والله أعلم . # ! 7 < { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجآءهم رسول كريم * أن أدوا إلى عباد ~~الله إنى لكم رسول أمين * وأن لا تعلوا على الله إنىءاتيكم بسلطان مبين * ~~وإنى عذت بربى وربكم أن ترجمون * وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون * فدعا ربه أن ~~هاؤلاء قوم مجرمون * فأسر بعبادى ليلا إنكم متبعون * واترك البحر رهوا إنهم ~~جند مغرقون * كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا ~~فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما ءاخرين * فما بكت عليهم السمآء والا رض ~~وما كانوا منظرين } > 7 @QB@ < # | الدخان : ( 17 ) ولقد فتنا قبلهم . . . . . # > > PageV27P209 # اعلم أنه تعالى لما بين أن كفار مكة مصرون على كفرهم ، بين أن كثيرا من ~~المتقدمين أيضا كانوا كذلك ، فبين حصول هذه الصفة في أكثر قوم فرعون ، قال ~~صاحب ( الكشاف ) قرىء ، { ولقد فتنا } بالتشديد للتأكيد قال ابن عباس ~~ابتلينا ، وقال لازجاج بلونا ، والمعنى عاملناهم معاملة المختبر ببعث ~~الرسول إليهم { وجاءهم رسول كريم } وهو موسى واختلفوا في معنى الكريم ههنا ~~فقال الكلبي كريم على ربه يعني أنه استحق على ربه أنواعا كثيرة من الإكرام ~~، وقال مقاتل حسن الخلق وقال الفراء يقل فلان كريم قومه لأنه قال ما بعث ~~رسول ألا من أشراف قومه وكرامهم . # ثم قال : { أن أدوا * إلى * عبدا * الله } وفي أن قولان الأول : أنها أن ~~المفسرة وذلك لأن مجيء الرسول إلى من بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا ~~يجيئهم إلا مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله الثاني : أنها المخففة من الثقيلة ~~ومعناه وجاءهم بأن الشأن والحديث أدواء ، وعبدا الله مفعول به وهم بنو ~~إسرائيل يقول أدوهم إلى وأرسلوهم معي وهو كقوله { فأرسل معنا بنى إسراءيل ~~ولا تعذبهم } ( طه : 47 ) ويجوز أيضا أن يكون نداء لهم والتقدير : أدوا إلى ~~عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان ، وقبول ms8150 دعوتي ، وأتباع سبيلي ، ~~وعلل ذلك بأنه { رسول أمين } قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته وأن لا تعلوا ~~أن هذه مثل الأول في وجيهيها أي لا تتكبروا على الله بإهانة وحيه ورسلوه { ~~وأن لا تعلوا على } بحجة بينة يعترف بصحتها كل عاقل { وإنى عذت بربى وربكم ~~أن ترجمون } قيل المراد أن تقتلون وقيل { أن ترجمون } بالقول فتقولوا ساحر ~~كذاب { وإن لم تؤمنوا لى } أي إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل ما ~~أتيتكم به من الحجة ، فاللام في لي لام الأجل { فاعتزلون } أي اخلوا سبيلي ~~لا لي ولا علي . # قل مصنف الكتاب رحمه الله تعالى : إن المعتزلة يتصلفون ويقولون إن لفظ ~~الاعتزال أينما جاء في القرآن كان المراد منه الاعتزال عن الباطل لا عن ~~الحق ، فاتقف حضوري في بعض المحافل ، وذكر بعضهم هذا الكلام فأوردت عليه ~~هذه الآية ، وقلت المراد الاعتزال في هذه الآية الاعتزال عن دين موسى عليه ~~السلام وطريقته وذلك لا شك أنه اعتزال عن الحق فانقطع الرجل . # ثم قال تعالى : { فدعا ربه } الفاء في فدع تدل على أنه متصل بمحذوف قبله ~~التأويل أنهم كفروا ولم يؤمنوا فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قوم مجرمون ، فإن ~~قالوا الكفر أعظم حال من الجرم ، فما السبب في أن جعل صفة الكفار كونهم ~~مجرمين حل ما أراد المبالغة في ذمهم ؟ قلت لأن الكافر قد يكون عدلا في دينه ~~وقد يكون مجرما في دينه وقد يكون فاسقا في دينه فيكون أخس الناس / قال صاحب ~~( الكشاف ) قرىء ( إن هؤلاء ) بالكسر على إضمار القول أي فدعا ربه فقال : ~~إن هؤلاء قوم مجرمون . # ثم قال : { فأسر بعبادى ليلا } قرأ بن كثير ونافع { فأسر } موصولة بالألف ~~والباقون مقطوعة لألف سرى وأسرى لغتان أي أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ~~ليلا إنكم متبعون ، أي يتبعكم فرعون وقومه ذلك سببا PageV27P210 لهلاكهم { ~~واترك البحر رهوا } وفي الرهو قولان أحدهما : أنه الساكن يقال عيش راه إذا ~~كان خافضا وادعا ، وافعل ذلك سهوا رهوا أي ساكنا بغير تشدد ، أراد موسى ~~عليه السلام لما ms8151 جاوز لبحر أن يضربه بعصاه فينطبق كما كان فأمره الله تعالى ~~بأن يرتكه ساكنا على هيئته قارا على حاله في انفلاق الماء وبقاء الطريق ~~يبسا حتى تدخله القبط فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم والثاني : أن لرهو ~~هو الفرجة الواسعة ، والمعنى ذا رهو أي ذا فرجة يعني الطريق الذي أظهره ~~الله فيما بين لبحر أنهم جند مفرقون ، يعني اترك الطريق كما كان يدخلوا ~~فيغرقوا ، وإنما أخبره الله تعالى بذلك حتى يبقى فارغ القلب عن شرهم ~~وإيذائهم . # ثم قال تعالى : { كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم } دلت هذه ~~الآية على أنه تعالى أغرقهم ، ثم قال بعد غرقهم هذا الكلام ، وبين تعالى ~~أنهم تركوا هذه لأشياء الخمسة ، وهي الجنات والعيون والزروع والمقام الكريم ~~والمراد بالمقام الكريم ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة ، وقيل ~~المنابر التي كانوا يمدحون فرعون عليها { ونعمة كانوا فيها فاكهين } قال ~~علماء اللغة نعمة العيش ، بفتح النون حسنه ونضارته ، ونعمة الله إحسانه ~~وعطاؤه ، قال صاحب ( الكشاف ) النعمة بالفتح من لتنعم وبالكسر من االإنعام ~~، وقرىء فاكهين وفكهين كذلك الكاف منصوبة على معنى مثل ذلك الإخراج ~~أخرجناهم منها وأورثناها أو في موضع الرفع على تقدير أن الأمر { كذلك ~~وأورثناها قوما ءاخرين } ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء ، ~~وهم بنو إسرائيل كانوا مستعبدين في أيديهم فأهلكهم الله على أيديهم وأورثهم ~~ملكهم وديارهم . # ثم قال تعالى : { فما بكت عليهم السماء والارض } وفيه وجوه : الأول : قال ~~الواحدي في ( البسيط ) روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~( ما من عبد إلا وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله ~~، فإذا مات فقداه وبكيا عليه ) وتلا هذه الآية ، قال وذلك لأنهم لم يكونوا ~~يعملون على الأرض عملا صالحا فتبكي عليهم ، ولم يصعد لهم إلى السماء كلام ~~طيب ولا عمل صالح فتبكي عليهم ، وهذا قول أكثر المفسرين . # القول الثاني : التقدير : فم بكت عليهم أهل السماء وأهل الأرض ، فحذف ~~المضاف والمعنى ما بكت ms8152 عليهم الملائكة ولا المؤمنون ، بل كانوا بهلاكهم ~~مسرورين . # والقول الثالث : أن عادة النس جرت بأن يقولوا في هلاك الرجل العظيم الشأن ~~: إنه أظلمت له الدنيا ، وكسفت الشمس والقمر لأجله وبكت الريح والسماء ~~والأرض ، ويريدون المبالغة في تعظيم تلك المصيبة لا نفس هذا الكذب . ونقل ~~صاحب ( الكشاف ) : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من مؤمن مات ~~في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض ) . # وقال جرير : # الشمس طالعة ليس بكاسفة # تبكي عليك نجوم الليل والقمرا وفيه ما يشبه السخرية بهم يعني أنهم كانوا ~~يستعظمون أنفسهم ، وكانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم لو ماتوا لبكت عليهم ~~السماء والأرض ، فما كانوا في هذا الحد ، بل كانوا دون ذلك ، وهذا إنما ~~يذكر على سبيل التهكم . PageV27P211 # ثم قال : { وما كانوا منظرين } أي لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت ~~آخر لتوبة وتدارك وتقصير . # ! 7 < { ولقد نجينا بنىإسراءيل من العذاب المهين * من فرعون إنه كان ~~عاليا من المسرفين * ولقد اخترناهم على علم على العالمين * وءاتيناهم من ~~الا يات ما فيه بلؤ ا مبين * إن هاؤلاء ليقولون * إن هى إلا موتتنا الا ولى ~~وما نحن بمنشرين * فأتوا بأابآئنا إن كنتم صادقين * أهم خير أم قوم تبع ~~والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين * وما خلقنا السماوات والا رض ~~وما بينهما لاعبين * ما خلقناهمآ إلا بالحق ولاكن أكثرهم لا يعلمون } > 7 ~~@QB@ < # | الدخان : ( 30 - 39 ) ولقد نجينا بني . . . . . # > > # علم أنه تعالى لما بين كيفية إهلاك فرعون وقومه بين كيفية إحسانه إلى ~~موسى وقومه . واعلم أن دفع الضرر مقدم على إيصال النفع فبدأ تعالى ببيان ~~دفع الضرر عنهم فقال : { ولقد نجينا بنى إسراءيل من العذاب المهين } يعني ~~قتل الأبناء واستخدام النساء والإتعاب في الأعمال الشاقة . # ثم قال : { من فرعون } وفيه وجهان : الأول : أن يكون التقدير من العذاب ~~المهين الصادر من فرعون الثاني : أن يكون فرعون بدلا من لعذاب المهين كأنه ~~في نفسه كان عذابا مهينا لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم . قال صاحب ( الكشاف ~~) وقرىء { من عذاب ms8153 * المهين } وعلى هذه القراءة ( فالمهين ) هو فرعون لأنه ~~كان عظيم السعي في إهانة المحقين . وفي قراءة ابن عباس { من فرعون } وهو ~~بمعنى الاستفهام وقوله { إنه كان عاليا من } جوابه كأن التقدير أن يقال هل ~~تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته ؟ ثم عرف حاله بقوله { إنه كان عاليا من } ~~أي كان عالي الدرجة في طبقة المفسرين ، ويجوز أن يكون المراد { فرعون إنه ~~كان عاليا } لقوله { إن فرعون علا فى الارض } ( القصص : 4 ) وكان أيضا ~~مسرفا ومن إسرافه أنه على حقارته وخسته ادعى الإلهية ، ولما بين الله تعالى ~~أنه كيف دفع الضرر عن بني إسرائيل وبين أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال : ~~{ ولقد اخترناهم على علم على العالمين } وفيه بحثان : # البحث الأول : أن قوله { على علم } في موضع الحال ثم فيه وجهان أحدهما : ~~أي عالمين بكونهم مستحقين لأن يختاروا ويرجحوا على غيرهم والثاني : أن يكون ~~المعنى مع علمنا بأنهم قد يزيغون ويصدر عنهم الفرطات في بعض الأحوال . # البحث الثاني : ظاهر قوله { ولقد اخترناهم على علم على العالمين } يقتضي ~~كونهم أفضل من كل PageV27P212 العالمين فقيل المراد على عالمي زمانهم ، ~~وقيل هذا عام دخله التخصيص كقوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ( آل عمران ~~: 110 ) . # ثم قال تعالى : { وءاتيناهم من الايات } مثل فلق البحر ، وتظليل الغعمام ~~، وإنزال المن والسلوى ، وغيرها من الآيت القاهرة لتي ما أظهر الله مثلها ~~على أحد سواهم { وءاتيناهم من } أي نعمة ظاهرة ، لأنه تعالى لما كان يبلو ~~بالمحنة فقد يبلو أيضا بالنعمة اختبارا ظاهرا ليتميز لصديق عن الزنديق ، ~~وههنا آخر الكلام في قصة موسى عليه السلام ثم رجع إلى ذكر كفار مكة ، وذلك ~~لأن الكلام فيهم حيث قال : { بل هم فى شك يلعبون } أي بل هم في شك من البعث ~~والقيامة ، ثم بين كيفية إصرارهم على كفرهم ، ثم بين أن قوم فرعون كانوا في ~~الإصرار على الكفر على هذه القصة / ثم بين كيف أهلكهم وكيف أنعم على بني ~~إسرائيل ، ثم رجع إلى الحديث الأول ، وهو كون كفار مكة منكرين للبعث ، فقال ms8154 ~~: { إن هؤلاء ليقولون * إن هى إلا موتتنا الاولى وما نحن بمنشرين } فإن قيل ~~القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية فكان من حقهم أن يقولوا : إن هي إلا ~~حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين ؟ قلنا إنه قيل لهم إنكم تموتون موتة تعقبها ~~حياة ، كما أنكم حال كونكم نطفا كنتم أمواتا وقد تعقبها حياة ، وذلك قوله { ~~وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم * فقالوا أنؤمن * هى إلا موتتنا ~~الاولى } يريدون ما الموتة التي من شأنها أن تعقبها حياة إلا الموتة الأولى ~~دون الموتة الثانية ، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقيب الحياة ~~لها إلا الموتة الأولى خاصة ، فلا فرق إذا بين هذا الكلام وبين قوله { إن ~~هى إلا حياتنا الدنيا } هذا ما ذكره صاحب ( الكشاف ) . ويمكن أن يذكر فيه ~~وجه آخر ، فيقال قوله { إن هى إلا * سيرتها الاولى } يعني أنه لا يأتينا ~~شيء من الأحوال إلا الموتة الأولى ، نهذا الكلام يدل على أنهم لا تأتيهم ~~الحياة الثانية ألبتة ، ثم صرحوا بهذا المزمور فقالوا { وما نحن بمنشرين } ~~فلا حاجة إلى التكلف الذي ذكره صاحب ( الكشاف ) . # ثم قال تعالى : { وما نحن بمنشرين } يقال نشر الله الموتى وأنشرهم إذا ~~بعثهم ، ثم إن الكفار احتجوا على نفي الحشر والنشر بأن قالوا : إن كان ~~البعث والنشور ممكن معقولا فجعلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بأن نسألوا ~~ربكم ذلك ، حتى يصير ذلك دليلا عندنا على صدق دعواكم في النبوة والبعث في ~~القيامة ، قيل طلبوا من الرسول لله أن يدعو الله حتى ينشر قصي بن كلاب ~~ليشاوروه في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي صحة البعث ، ولما حكى ~~عنهم ذلك قال : { أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا ~~} والمعنى أن كفار مكة لم يذكروا في نفي الحشر والنشر شبهة حتى يحتاج إلى ~~الجواب عنها ، ولكنهم أصروا على الجهل والتقليد في ذلك الإنكار ، فلهذا ~~السبب اقتصر لله تعالى على الوعيد ، فقال إن سائر الكفار كانوا أقوى من ~~هؤلاء ، ثم إن الله تعالى أهلكهم ms8155 فكذلك يهلك هؤلاء ، فقوله تعالى : { ~~صادقين أهم خير أم قوم تبع } استفهام على سبيل الإنكار ، قال أبو عبيدة : ~~ملوك اليمن كان كل واحد منهم يسمى تبعا لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه ، ~~وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وهم الأعاظم من ملوك العرب ~~قالت عائشة ، كان تبع رجلا صالحا ، وقال كعب : ذم الله قومه ولم يذمه ، قال ~~الكلبي هو أبو كرب أسعد ، وعن PageV27P213 النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ~~تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي ) فإن قيل ~~ما معنى قوله { أهم خير أم قوم تبع } مع أنه لا خير في الفريقين ؟ قلنا ~~معناه أهم خير في القوة والشوكة ، كقوله { أكفاركم خير من أولئكم } ( القمر ~~: 43 ) بعد ذكر آل فرعون ، ثم إنه تعالى ذكر الدليل القاطع على القول ~~بالبعث والقيامة ، فقال : { وما خلقنا * السماوات والارض * وما بينهما ~~لاعبين } ولو لم يحصل البعث لكان هذا الخلق لعبا وعبثا ، وقد مر تقرير هذه ~~لطريقة بالاستقصاء في أول سورة يونس ، وفي آخر سورة { قد أفلح المؤمنون } ~~حيث قال : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } ( المؤمنون : 115 ) وفي سورة ص ~~حيث قال : دوما خلقنا السماء والأرض وما بينهم باطلا } ( ص : 27 ) . # ثم قال : { * } ( ص : 27 ) . # ثم قال : { ما خلقناهما إلا بالحق ولاكن أكثرهم لا يعلمون } والمراد أهل ~~مكة ، وأما استدلال المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر ~~والفسق ولا يريدهما فهو مع جوابه معلوم ، والله أعلم . # ! 7 < { إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين * يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ~~ولا هم ينصرون * إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم * إن شجرة الزقوم * ~~طعام الا ثيم * كالمهل يغلى فى البطون * كغلى الحميم * خذوه فاعتلوه إلى ~~سوآء الجحيم * ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم ~~* إن هاذا ما كنتم به تمترون } > 7 @QB@ < # | الدخان : ( 40 - 50 ) إن يوم الفصل . . . . . # > > # اعلم أن المقصود من قوله { وما خلقنا * السماوات والارض * وما بينهما ~~لاعبين } ( الدخان : 38 ms8156 ) إثبات القول بالبعث والقيامة ، فلا جرم ذكر عقيبه ~~قوله { إن يوم الفصل ميقاتهم } وفي تسمية يوم القيامة بيوم الفصل وجوه ~~الأول : قال الحسن : يفصل الله فيه بين أهل الجنة وأهل النار الثاني : يفصل ~~في الحكم والقضاء بين عباده الثالث : أنه في حق المؤمنين يوم الفصل ، بمعنى ~~أنه يفصل بينه وبين كل ما يكرهه ، وفي حق الكفار ، بمعنى أنه يفصل بينه ~~وبين كل ما يريده ، الرابع : أنه يظهر حال كل أحد كما هو ، فلا يبقى في ~~حاله ريبة ولا شبهة ، فتنفصل الخيالات والشبهات ، وتبقى الحقائق والبينات ، ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما : المعنى أن يوم يفصل الرحمن بين عبداه ~~ميقاتهم أجمعين البر والفاخر ، ثم وصف ذلك اليوم فقال : { أجمعين يوم لا ~~يغنى مولى عن مولى شيئا } يريد قريب عن قريب { ولا هم ينصرون } أي ليس لهم ~~ناصر ، والمعنى أن الذي يتوقع منه النصرة إما القريب في الدين أو في النسب ~~أو المعتق ، وكل هؤلاء يسمون بالمولى ، فلما لم تحصل النصرة منهم فبأن لا ~~تحصل ممن سواهم أولى ، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : { واتقوا يوما لا ~~تجزى نفس عن نفس شيئا } إلى قوله { ولا هم ينصرون } ( البقرة : 123 ) قال ~~الواحدي : والمراد بقوله { مولى عن مولى } الكفار ألا PageV27P214 ترى أنه ~~ذكر المؤمن فقال : { إلا من رحم الله } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد ~~المؤمن فإنه تشفع له الأنبياء والملائكة . # اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على أن القول بالقيامة حق ، ثم أردفه ~~بوصف ذلك اليوم ذكر عقيبه وعيد الكفار ، ثم بعده وعد الأبرار ، أما وعيد ~~الكفار فهو قوله { إن شجرة الزقوم * طعام الاثيم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { إن شجرة الزقوم } بكسر ~~الشين ، ثم قال وفيها ثلاث لغات : شجرة بفتح الشين وكسرها ، وشيرة بالياء ، ~~وشبرة بالباء . # المسألة الثانية : لبحث عن اشتقاق لفظ الزقوم قد تقدم في سورة والصافات ، ~~فلا فائدة في الإعدة . # المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : الآية تدل على حصول هذا الوعيد الشديد ~~للأثيم ، والأثيم هو الذي صدر عنه ms8157 الإثم ، فيكون هذا الوعيد حاصلا للفساق ~~والجواب : أنا بينا في أصول الفقه أن اللفظ المفرد الذي دخل عليه حرف ~~التعريف الأصل فيه أن ينصرف إلى المذكور السابق ، ولا يفيد المعموم ، وههنا ~~المذكور السابق هو الكافر ، فينصرف إليه . # المسألة الرابعة : مذهب أبي حنيفة أن قرأة القرآن بالمعنى جائز ، واحتج ~~عليه بأنه نقل أن ابن مسعود كان يقرىء رجلا هذه الآية فكان يقول : طعام ~~اللئيم ، فقال قل طعام الفاجر ، وهذا الدليل في غاية الضعف على ما بيناه في ~~أصول الفقه . # ثم قال : { كالمهل } قرىء بضم الميم وفتحها وسبق تفسيره في سورة الكهف ، ~~وقد شبه الله تعالى هذا الطعام بالمهل / وهو دردى الزيت وعكر القطران ومذاب ~~النحاس وسائر الفلزات ، وتم الكلام ههنا ، هم أخبر عن غليانه في بطون ~~الكفار فقال : { يغلى فى البطون } وقرىء بالتاء فمن قرأ بالتاء فلتأنيث ~~الشجرة ، ومن قرأ بالياء حمله على الطعام في قوله { طعام الاثيم } لأن ~~الطعام هو ( ثمر ) الشجرة في المعنى ، واختار أبو عبيد الياء لأن الاسم ~~المذكور يعني المهل هو الذي بل الفعل فصار التذكير به أولى ، واعلم أنه لا ~~يجوز أن يحمل الغلي على المهل لأن المهل مشبه به ، وإنما يغلي ما يشبه ~~بالمهل كغلي الحميم والماء إذا اشتد غليانه فهو حميم . # ثم قال : { خذوه } أي خذوا الأثيم { فاعتلوه } قرىء بكسر التاء ، قال ~~الليث : العتل أن تأخذ بمنكث الرجل فتعتله أي تجره إليك وتذهب به إلى حبس ~~أو منحة ، وأخذ فلان بزمان النقة يعتلها وذلك إذا قبض على أصل الزمام عند ~~الرأس وقادها قودا عنيفا ، وقال ابن السكيت عتلته إلى السجن وأعتلته إذا ~~دعته دفعا عنيفا ، هذا قول جميع أهل اللغة في العتل ، وذكروا في اللغتين ضم ~~التاء وكسرها وهما صيحيان مثل يعكفون ويكعفون ، ويعرضون ويعرشون . # قوله تعالى : { إلى سواء الجحيم } أي إلى وسط الجحيم { ثم صبوا فوق رأسه ~~من عذاب الحميم } وكان الأصل أن يقال : ثم صبوا من فوق رأسه الحميم أو يصب ~~من فوق رؤوسهم الحميم إلا أن هذه الاستعارة أكمل في المبالغة ms8158 كأنه يقول : ~~صبوا عليه عذاب ذلك الحميم ، ونظيره قوله تعالى : { ربنا أفرغ علينا صبرا } ~~( البقرة : 25 ) و { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) وذكروا ~~فيه وجوها الأول : أنه يخاطب بذلك على PageV27P215 سبيل الاستهزاء ، ~~والمراد إنك أنت بالضد منه والثاني : أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك ~~أن تفعلا بي شيئا والثالث : أنك كنت تعتز لا بالله فانظر ما وقعت فيه ، ~~وقرىء أنك بمعنى لأنك . # ثم قال : { إن هاذا ما كنتم به تمترون } أي أن هذا العذاب ما كنتم به ~~تمترون أي تشكون ، ولمراد منه ما ذكره في أول السورة حيث قال : { بل هم فى ~~شك يلعبون } ( الدخان : 9 ) . # ! 7 < { إن المتقين فى مقام أمين * فى جنات وعيون * يلبسون من سندس ~~وإستبرق متقابلين * كذلك وزوجناهم بحور عين * يدعون فيها بكل فاكهة ءامنين ~~* لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الا ولى ووقاهم عذاب الجحيم * فضلا من ~~ربك ذلك هو الفوز العظيم * فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون * فارتقب ~~إنهم مرتقبون } > 7 @QB@ < # | الدخان : ( 51 - 59 ) إن المتقين في . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في لآيات المتقدمة ذكر الوعد في هذه ~~الآيات فقال : { إن المتقين } قال أصحابنا كل من اتقى الشرك فقد صدق عليه ~~اسم المتقي فوجب أن يدخل الفاسق في هذا الوعد . # واعلم أنه تعالى ذكر من أسباب تنعمهم أربعة أشياء أولها : مساكنهم فقال : ~~{ فى مقام أمين } . # واعلم أن المسكين إنما يطيب بشرطين أحدهما : أن يكون آمنا عن جميع ما ~~يخاف ويحذر وهو المراد من قوله { فى مقام أمين } قرأ الجمهور في مقام بفتح ~~الميم ، وقرأ نافع وابن عامر بضم الميم ، قال صاحب ( الكشاف ) المقام بفتح ~~الميم هو موضع القيام ، والمراد المكان وهو من الخاص الذي جعل مستعملا في ~~المعنى العام وبالضم هو موضع الإقامة ، والأمين من قولك أمن الرجل أمانة ~~فهو أمين وهو ضد الخائن ، فوصف به المكان استعارة لأن المكان المخيف كأنه ~~يخون صاحبه ms8159 والشرط الثاني : لطيب المكان أن يكون قد حصل فيه أسباب النزهة ~~وهي الجنات والعيون ، فلما ذكر تعالى هذين الشرطين في مساكن أهل الجنة فقد ~~وصفها بما لا يقبل الزيادة . # والقسم الثاني : من تنعماتهم الملبوسات فقال : { يلبسون من سندس وإستبرق ~~} قيل السندس ما رق من الديباج ، والإستبرق ما غلظ منه ، وهو تعريب استبرك ~~، فإن قالوا كيف جاز ورود الأعجمي في القرآن ؟ قلنا لما عرب فقد صار عربيا ~~. PageV27P216 # والقسم الثالث : فهو جلوسهم على صفة التقابل والغرض منه استئناس البعض ~~بالبعض ، فإن قاوا الجلوس على هذا الوجه موحش لأنه يكون كل واحد منهم مطلعا ~~على ما يفعله الآخر ، وأيضا فالذي يقل ثوابه إذا اطلع على حال من يكثر ~~ثوابه يتنغص عيشه ، قلنا أحوال الآخرة بخلاف أحوال الدنيا . # والقسم الرابع : أزواجهم فقال : { كذلك وزوجناهم بحور عين } الكاف فيه ~~وجهان أن تكون مرفوعة والتقدير الأمر كذلك أو منصوبة والتقدير آتيناهم مثل ~~ذلك ، قال أبو عبيدة : جعلناهم أزواجا كما يزوج البعل بالبعل أي جلعناهم ~~اثنين اثنين ، واختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزويج أم لا ~~؟ ، قال يونس قوله { وزوجناهم بحور عين } أي قرناهم بهن فليس من عقد ~~التزويج ، والعرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها ، قال الواحدي رحمه ~~لله والتنزيل يدل على ما قال يونس وذلك قوله { فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها } ( الأحزاب : 37 ) ولو كان المراد تزوجت بها زوجناك بها وأيضا ~~فقول القائل زوجته به معناه أنه كان فردا فزوجته بآخر كما يقال شفعته بآخر ~~، وأما الحور ، فقال الواحدي أصل الحور بياض والتحوير التبييض ، وقد ذكرنا ~~ذلك في تفسير الحوارين ، وعين حوراء إذا اشتد بياض بياضها واشتد سواد ~~سوادها ، ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون حور عينهيا بياضا في لون الجسد ، ~~والدليل على أن المراد بالحور في هذه الآية البيض قراءة ابن مسعود بعيس عين ~~والعيس البيض ، وأما العين فجمع عيناء وهي التي تكون عظيمة العينين في ~~النساء ، فقال الجبائي رجل أعين إذا كان ضخم العين واسعها والأنثى عيناء ms8160 ~~والجمع عين / ثم اختلفوا في هؤلاء الحور العين ، فقال الحسن هن عجائزكم ~~الدرد ينشئهن الله خلقا آخر ، وقال أبو هريرة إنهن ليسوا من نساء الدنيا . # والنوع الخامس : من تنعمات أهل الجنة المأكول فقال : { يدعون فيها بكل ~~فاكهة ءامنين } قالوا إنهم يأكلون جميع أنواع الفاكهة لأجل أنهم آمنون من ~~التخم والأمراض . # ولما وصف الله تعالى أنواع ما هم فيه من الخيرات والراحات ، بين أن ~~حياتهم دائمة ، فقال : { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى } وفيه ~~سؤالان : # السؤال الأول : أنهم ما ذاقوا الموتة الأولى في الجنة فكيف حسن هذا ~~الاستثناء ؟ وأجيب عنه من وجوه الأول : قال صاحب ( الكشاف ) أريد أن يقال : ~~لا يذوقون فيها الموت البتة فوضع قوله { إلا الموتة الاولى } موضع ذلك لأن ~~الموتة الماضية محال في المستقبل ، فهو من باب التعليق بالمحال ، كأنه قيل ~~إن كانت الموتة الأولى يمكن ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها الثاني : أن ~~إلا بمعنى لكن والتقدير لا يذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى قد ذاقوها ~~والثالث : أن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله تعالى وبطاعته ~~ومحبته ، وإذا كان الأمر كذلك فإن الإنسان الذي فاز بهذه السعادة فهو في ~~الدنيا في الجنة وفي الآخرة أيضا في الجنة ، وإذا كان لأمر كذلك فقد وقعت ~~الموتة الأولى حين كان الإنسان في لجنة الحقيقية التي هي جنة المعرفة بالله ~~ولمحبة ، فذكر هذا الاستثناء كالتنبيه على قولنا إن الجنة الحقيقية هي حصول ~~هذه الحالة لا الدار التي هي دار الأكل والشرب ، ولهذا السبب قال عليه ~~السلام : ( أنبياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار ) والرابع : ~~أن من جرب شيئا ووقف عليه صح أن يقال إنه ذاقه ، وإذا صح أن يسمى العلم ~~بالذوق صح أن يسمى تذكره أيضا بالذوق فقوله { لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الاولى } يعني إلا الذوق PageV27P217 الحاصل بسبب تذكر الموتة ~~الأولى . # السؤال الثاني : أليس أن أهل النار أيضا لا يموتون فلم بشر أهل الجنة ~~بهذا مع أهل النار يشاركونهم فيه ؟ والجواب : أن البشارة ما وقعت ms8161 بدوام ~~الحياة مع سابقة حصول تلك الخيرات والسعادات فظهر الفرق . # ثم قال تعالى : { ووقاهم عذاب } قرىء ووقاهم بالتشديد ، فإن قالوا مقتضى ~~الدليل أن يكون ذكر الوقاية عن عذاب الجحيم متقدم على ذكر الفوز بالجنة لأن ~~الذي وقى عن عذاب الجحيم قد يفوز وقد لا يفوز ، فإذا ذكر بعده أنه قاز ~~بالجنة حصلت الفائدة ، أما الذي فاز بخيرات الجنة فقد تخلص عن عقاب الله لا ~~محالة فلم يكن ذكر الفوم عن عذاب جهنم بعد الفوز بثواب الجنة مفيدا ، قلنا ~~التقدير كأنه تعالى قال : ووقاهم في أول الأمر عن عذاب الجحيم . # ثم قال : { الجحيم فضلا من ربك } يعني كل ما وصل إليه المتقون من الخلاص ~~عن النار والفوز بالجنة فإنما يحصل بتفضل الله ، واحتج أصحابنا بهذه الآية ~~على أن الثواب يحصل تفضلا من الله تعالى لا بطريق الاستحقاق لأنه تعالى لما ~~عدد أقسام ثواب المتقين بين أنها بأسرها إنما حصلت على سبيل الفضل والإحسان ~~من الله تعالى ، قال القاضي أكثر ههذ الأشياء وإن كانوا قد استحقوه بعملهم ~~فهو بفضل الله لأنه تعالى تفضل بالتكليف ، وغرضه منه أن يصيرهم إلى هذه ~~المنزلة فهو كمن أعطى غيره مالا ليصل به إلى ملك ضيعة ، فإنه يقال في تلك ~~الضيعة إنها من فضله ، قلنا مذهبك أن هذا الثواب حق لازم على الله ، وإنه ~~تعالى لو أخل به لصار سفيها ولخرج به عن الإلهية فكيف يمكن وصف مثل هذا ~~الشيء بأنه فضل من الله تعالى ؟ # ثم قال تعالى ؛ { ذالك هو الفوز العظيم } واحتج أصحابنا بهذه الآية على ~~أن التفضيل أعلى درجة من الثواب المستحق / فإنه تعالى وصفه بكونه فضلا من ~~الله ثم وصف الفضل من الله بكونه فوزا عظيما ، ويدل عليه أيضا أن الملك ~~العظيم إذا أعطى الأجير أجرته ثم خلع على إنسان آخر فإن تلك الخلعة أعلى ~~حالا من إعطاء تلك الأجرة ، ولما بين الله تعالى الدلائل وشرح الوعد ~~والوعيد قال : { فإنما يسرناه بلسانك * لعلهم يتذكرون } والمعنى أنه تعالى ~~وصف القرآن في أول هذه السورة بكونه ms8162 كتابا مبينا أي كثير البيان والفائدة ~~وذكر في خاتمتها ما يؤكد ذلك فقال : إن ذلك الكتاب المبين ، الكثير الفائدة ~~إنما يسرناه بلسانك ، أي إنما أنزلنا عربيا بلغتك ، لعلهم يتذكرون ، قال ~~القاضي وهذا يدل على أنه أراد من الكل الإيمان والمعرفة وأنه ما أراد من ~~أحد الكفر وأجاب أصحابنا أن الضمير في قوله { لعلهم يتذكرون } عائد إلى ~~أقوام مخصوصين فنحن نحمل ذلك على المؤمنين . # ثم قال : { فارتقب } أي فانتظر ما يحل بهم { إنهم مرتقبون } ما يحل بك ، ~~متربصون بك الدوائر والله أعلم . # قال المصنف رحمه الله تعالى : تم تفسير هذه السورة ليلة الثلاثاء في نصف ~~الليل الثاني عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة . يا دائم المعروف ، يا ~~قديم الإحسان ، شهد لك إشراق العرش وضوء الكرسي ، ومعارج السموات ، وأنوار ~~الثوابت والسيارات ، على منابرها ، المتوغلة في العلو الأعلى ، ومعارجها ~~المقدسة عن غبار عالم الكون والفساد ، بأن الأول الحق الأزلي ، لا يناسبه ~~شيء من علائق العقول ، وشوائب PageV27P218 الخواطر ، ومناسبات المحدثات ، ~~فالقمر بسبب محوه مقر بالنقصان ، والشمس بشهادة المعارج بتغيراتها معترفة ~~بالحاجة إلى تدبير الرحمن ، والطبائع مقهورة تحت القدرة القاهرة ، فالله في ~~غيبيات المعارج العالية والمتغيرات شاهدة بعدم تغيره ، والمتعاقبات ناطقة ~~بدوام سرمديته ، وكل ما نوجه عليه أنه مضى وسيأتي فهو خالقه وأعلى منه ، ~~فبجوده الوجود وإيجاد ، وبإعدامه الفناء والفساد ، وكل ما سواه فهو تائه في ~~جبروته ، نائر عند طلوع نور ملكوته ، وليس عند عقول الخلق إلا أنه بخلاف كل ~~الخلق ، له العز والجلال ، والقدرة والكمال ، والجود والإفضال ، ربنا ورب ~~مبادينا إياك نروم ، ولك نصلي ونصوم ، وعليك المعول ، وأنت المبدأ الأول ، ~~سبحانك سبحانك . PageV27P219 < # > 1 ( الجاثية ) 1 < # > # ثلاثون وسبع آيات مكية # بسم الله الرحمن الرحيم # ! 7 < { حم* تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إن فى السماوات والا ~~رض لايات للمؤمنين * وفى خلقكم وما يبث من دآبة ءايات لقوم يوقنون * ~~واختلاف اليل والنهار ومآ أنزل الله من السمآء من رزق فأحيا به الا رض بعد ~~موتها وتصريف الرياح ءايات لقوم يعقلون * تلك ءايات الله نتلوها عليك ms8163 بالحق ~~فبأى حديث بعد الله وءاياته يؤمنون } . > 7 @QB@ < # | الجاثية : ( 1 - 6 ) حم # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله دحم ، تنزيل الكتاب } وجوها الأول : أن ~~يكون { * } وجوها الأول : أن يكون { حم } مبتدأ و { تنزيل الكتاب } خبره ~~وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف مضاف ، والتقدير تنزيل حم ، تنزيل الكتاب ، ~~و { من الله } صلة للتنزيل الثاني : أن يكون قوله { حم } في تقدير : هذه حم ~~ثم نقول { تنزيل الكتاب } واقع من الله العزيز الحكيم الثالث : أن يكون { ~~حم } قسما { أم الكتاب } نعتا له ، وجواب القسم { إن فى * السماوات } ~~والتقدير : وحم الذي هو تنزيل الكتاب أن الأمر كذا وكذا . # المسألة الثانية : قوله { العزيز الحكيم } يجوز جعلهما صفة للكتاب ، ~~ويجوز جعلهما صفة لله تعالى ، إلا أن هذا الثاني أولى ، ويدل عليه وجوه ~~الأول : أنا إذا جعلناهما صفة لله تعالى كان ذلك حقيقة ، وإذا جعلناهما صفة ~~للكتاب كان ذلك مجازا والحقيقة أولى من المجاز الثاني : أن زيادة القرب ~~توجب PageV27P220 الرجحان الثالث : أنا إذا جعلنا العزيز الحكيم صفة لله ~~كان ذلك إشارة إلى الدليل الدال على أن الفرآن حق ، لأن كونه عزيزا يدل على ~~كونه قادرا على كل الممكنات وكونه حكيما يدل على كونه عالما بجميع ~~المعلومات غنيا عن كل الحاجات ، ويحصل لنا من مجموع كونه تعالى : عزيزا ~~حكيما كونه قادرا على جميع الممكنات ، عالما بجميع المعلومات ، غنيا عن كل ~~الحاجات ، وكل ما كان كذلك امتنع منه صدور العبث والباطل ، وإذا كان كذلك ~~كان ظهور المعجز دليلا على الصدق ، فثبت أنا إذا جعلنا كونه عزيزا حكيما ~~صفتين لله تعالى يحصل منه هذه الفائدة ، وأما إذا جعلناهما صفتين للكتاب لم ~~يحصل منه هذه الفائدة ، فكان الأول أولى والله أعلم . # ثم قال تعالى : { إن فى * السماوات والارض * لايات للمؤمنين } وفيه مباحث ~~: # البحث الأول : أن قوله { إن فى * السماوات والارض * لايات } يجوز إجراؤه ~~على ظاهره ، لأنه حصل في ذوات السموات والأرض أحوال دالة على وجود الله ~~تعالى مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها ، وأيضا الشمس والقمر والنجوم ~~والجبال والبحار موجودة في ms8164 السموات والأرض وهي آيات ، ويجوز أن يكون المعنى ~~: إن في خلق السموات والأرض كما صرح به في سورة البقرة في قوله { إن في خلق ~~* السماوات والارض } ( البقرة : 164 ) وهو يدل على وجود القادر المختار في ~~تفسير قوله { الحمد لله الذى خلق * السماوات والارض } ( الأنعام : 1 ) . # البحث الثاني : قد ذكرنا الوجوه الكثيرة في دلالة السموات والأرض على ~~وجود الإله القادر المختار في تفسير قوله { الحمد لله الذى خلق * السماوات ~~والارض } ولا بأس بإعادة بعضها فنقول إنها تدل على وجود الإله من وجوه : ~~الأول : أنها أجسام لا تخلو عن الحوادث ، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ~~فهذه الأجسام حادثة وكل حادث فله محدث الثاني : أنها مركبة من الأجزاء وتلك ~~الأجزاء متماثلة ، لما بينا أن الأجسام متماثلة ، وتلك الأجزاء وقع بعضها ~~في العمق دون السطح وبعضها في السطح دون العمق فيكون وقوع كل جزء في الموضع ~~الذي وقع فيه من الجائزات وكل جائز فلا بد له من مرجح ومخصص الثالث : أن ~~الأفلاك والعناصر مع تماثلها في تمام الماهية الجسمية اختص كل واحد منها ~~بصفة معينة كالحرارة والبرودة واللطافة والكثافة الفلكية والعنصرية ، فيكون ~~ذلك أمرا جائزا ولا بد لها من مرجح الرابع : أن أجرام الكواكب مختلفة في ~~الألوان مثل كمودة زحل ، وبياض المشتري ، وحمرة المريخ ، والضوء الباهر ~~للشمس ، ودرية الزهرة ، وصفرة عطارد ، ومحو القمر ، وأيضا فبعضها سعيدة ، ~~وبعضها نحسة ، وبعضها نهاري ذكر ، وبعضها ليلي أنثى ، وقد بينا أن الأجسام ~~في ذواتها متماثلة ، فوجب أن يكون اختلاف الصفات لأجل أن الإله القادر ~~المختار خصص كل واحد منها بصفته المعينة الخامس : أن كل فلك فإنه مختص ~~بالحركة إلى جهة معينة ومختص بمقدار واحد من السرعة والبطء ، وكل ذكل أيضا ~~من الجائزات ، فلا بد من الفاعل المختار السادس : أن كل فلك مختص بشيء معين ~~وكل ذلك أيضا من الجائزات ، فلا بد من الفاعل المختار ، وتمام الوجوه مذكور ~~في تفسير تلك الآيات . # البحث الثالث : قوله { لايات للمؤمنين } يقتضي كون هذه الآيات مختصة ~~بالمؤمنين ، وقالت المعتزلة إنها آيات ms8165 للمؤمن والكافر ، إلا أنه ملا انتفع ~~PageV27P221 بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آيات إلى المؤمنين ، ونظيره ~~قوله تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) فإنه هدى لكل الناس كما قال ~~تعالى : { هدى للناس } ( البقرة : 185 ) إلا أنه لما انتفع بها المؤمن خاصة ~~لا جرم قيل { هدى للمتقين } فكذا ههنا ، وقال الأصحاب الدليل والآية هو ~~الذي يترتب على معرفته حصول العلم ، وذلك العلم إنما يحصل بخلق الله تعالى ~~لا بإيجاب ذلك الدليل ، والله تعالى إنما خلق ذلك العلم للمؤمن لا للكافر ~~فكان ذلك آية دليلا في حق المؤمن لا في حق الكافر والله أعلم . # ثم قال تعالى ؛ { وفى خلقكم وما يبث من دابة ءايات لقوم يوقنون } وفيه ~~مباحث : # البحث الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله { وما يبث } عطف على الخلق ~~المضاف لا على الضمير المضاف إليه ، لأن المضاف ضمير متصل مجرور والعطف ~~عليه مستقبح ، فلا يقال مررت بك وزيد ، ولهذا طعنا في قراءة حمزة { تساءلون ~~به والارحام } ( النساء : 1 ) بالجر في قوله { والارحام } وكذلك إن الذيثن ~~استقبحوا هذا العطف ، فلا يقولون مررت بك أنت وزيد . # البحث الثاني : قرأ حمزة الكسائي { ءايات } بكسر التاء وكذلك الذي بعده { ~~وتصريف الرياح ءايات } والباقون بالرفع فيهما ، أما الرفع فمن وجهين ذكرهما ~~المبرد والزجاج وأبو علي : أحدهما : العطف على موضع إن وما عملت فيه ، لأن ~~موضعهما رفع بالابتداء فيحمل الرفع فيه على الموضع ، كما تقول إن زيدا ~~منطلق وعمر ، و { أن الله برىء من المشركين ورسوله } ( التوبة : 3 ) لأن ~~معنى قوله { أن الله برىء } أن يقول الله برىء من المشركين ورسوله ، والوجه ~~الثاني : أن يكون قوله { وفى خلقكم } مستأنفا ، ويكون الكلام جملة معطوفة ~~على جملة أخرى كما تقول إن زيدا منطلق وعمرو كاتب ، جعلت قولك وعمرو كاتب ~~كلاما آخر ، كما تقول زيد في الدار وأخرج غدا إلى بلد كذا ، فإنما حدثت ~~بحديثين ووصلت أحدهما بالآخر بالواو ، وهذا الوجه هو اختيار أبي الحسن ~~والفراء ، وأما وجه القراءة بالنصب فهو بالعطف على قوله { إن فى * السماوات ~~} على معنى وإن في خلقكم ms8166 لآيات ويقولون هذه القراءة إنها في قراءة أبي وعبد ~~الله { لايات } ودخول اللام يدل على أن الكلام محمول على إن . # البحث الثالث : قوله { وفى خلقكم } معناه خلق الإنسان ، وقوله { وما يبث ~~من دابة } إشارة إلى خلق سائر الحيوانات ، ووجه دلالتها على وجود الإله ~~القادر المختار أن الأجسام متساوية فاختصاص كل واحد من الأعضاء بكونه ~~المعين وصفته المعينة وشكله المعين ، لا بد وأن يكون بتخصيص القادر المختار ~~، ويدخل في هذا الباب انتقاله من سن إلى سن آخر ومن حال إلى حال آخر ، ~~والاستقصاء في هذا الباب قد تقدم . # ثم قال تعالى : { واختلاف اليل والنهار } وهذا الاختلاف يقع على وجوه : ~~أحدها : تبدل النهار بالليل وبالضد منه وثانيها : أنه تارة يزداد طول ~~النهار على طول الليل وتارة بالعكس وبمقدار ما يزداد في النهار الصيفي ~~يزداد في الليل الشتوي وثالثها : اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة . # ثم قال تعالى : { وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الارض بعد ~~موتها } وهو يدل على القول بالفاعل المختار من وجوه أحدها : إنشاء السحاب ~~وإنزال المطر منه وثانيها : تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض ~~وثالثها : تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة وأغصانها وأوراقها وثمارها ~~ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطا باللب كالجوز واللوز ، ومنها ما ~~يكون اللب محيطا بالقشر كالمشمش والخوخ ، ومنها ما يكون خاليا من القشر ~~كالتين ، فتولد أقسام النبات على كثرة أصنافها وتباين أقسامها يدل على صحة ~~القول بالفاعل المختار الحكيم الرحيم . PageV27P222 # ثم قال : { وتصريف الرياح } وهي تنقسم إلى إقسام كثيرة بحسب تقسيمات ~~مختلفة فمنها المشرقية والمغربية والشمالية والجنوبية ، ومنها الحارة ~~والباردة ومنها الرياح النافعة والرياح الضارة ، ولما ذكر الله تعالى هذه ~~الأنواع الكثيرة من الدلائل قال إنها آيات لقوم يعقلون . # واعلم أن الله تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال : { إن في خلق ~~* السماوات والارض * واختلاف الليل والنهار والفلك التى تجرى فى البحر بما ~~ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا } ( البقرة : 164 ) فذكر ~~الله ms8167 تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل والتفاوت بين الموضعين من وجوه ~~الأول : أنه تعالى قال في سورة البقرة : { إن في خلق * السماوات والارض } ~~وقال ههنا : { إن فى * السماوات } والصحيح عند أصحابنا أن الخلق عين ~~المخلوق ، وقد ذكر لفظ الخلق في سورة البقرة ولم يذكره في هذه السورة ~~تنبيها على أنه لا يتفاوت بين أن يقال السموات وبين أن يقال خلق السموات ~~فيكون هذا دليلا على أن الخلق عين المخلوق الثاني : أنه ذكر هناك ثمانية ~~أنواع من الدلائل وذكر ههنا ستة أنواع وأهمل منها الفلك والسحاب ، والسبب ~~أن مدار حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة فذكر الرياح الذي هو ~~كالسبب يغني عن ذكرهما والتفاوت الثالث : أنه جمع الكل وذكر لها مقطعا ~~واحدا وههنا رتبها على ثلاثة مقاطع والغرض التنبيه على أنه لا بد من ~~إفرادكلواحد منها بنظر تام شاف الرابع : أنه تعالى ذكر في هذا الموضوع ~~ثلاثة مقاطع أولها : يؤمنون وثانيها : يوقنون وثالثها : يعقلون ، وأظن أن ~~سبب هذا الترتيب أنه قيل إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل ، وإن ~~كنتم لستم من المؤمنين بل أنتم من طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل ، ~~وإن منتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة ~~العاقلين فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل ، واعلم أن كثيرا من الفقهاء ~~يقولون إنه ليس في القرآن العلوم التي يبحث عنها المتكلمون ، بل ليس فيه ~~إلا ما يتعلق بالأحكام والفقه / وذلك غفلة عظيمة لأنه ليس في القرآن سورة ~~طويلة منفردة بذكر الأحكام وفيه سور كثيرة خصوصا المكيات ليس فيها إلا ذكر ~~دلائل التوحيد والنبوة والبعث والقيامة وكل ذلك من علوم الأصوليين ، ومن ~~تأمل علم أنه ليس في يد علماء الأصول إلا تفصيل ما اشتمل القرآن عليه على ~~سبيل الإجمال . # ثم قال تعالى : { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } والمراد من قوله { ~~بالحق } هو أن صحتها معلومة بالدلائل العقلية وذلك لأن العلم بأنها حقة ~~صحيحة إما أن يكون مستفادا من النقل أو العقل والأول باطل لأن ms8168 صحة الدلائل ~~النقلية موقوفة على سبق العلم بإثبات الإله العالم القادر الحكيم وبإثبات ~~النبوة وكيفية دلالة المعجزات على صحتها ، فلو أثبتنا هذه الأصول بالدلائل ~~النقلية لزم الدور وهو باطل ، ولما بطل هذا ثبت أن العلم بحقيقة هذه ~~الدلائل لا يمكن تحصيله إلا بمحض العقل ، وإذا كان كذلك كان قوله { تلك * ~~ءايات الله نتلوها عليك بالحق } ومن أعظم الدلائل على الترغيب في علم ~~الأصول وتقرير المباحث العقلية . # ثم قال تعالى : { تلك ءايات الله نتلوها عليك بالحق } يعني أن لم ينتفع ~~بهذه الآيات فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع به ، وأبطل بهذا قول من يزعم أن ~~التقليد كاف وبين أنه يجب على المكلف التأمل في دلائل دين الله ، وقوله { ~~يؤمنون } قرىء بالياء والتاء ، واختار أبو عبيدة الياء لأن قبله غيبة وهو ~~قوله { لقوم يوقنون } PageV27P223 و { لقوم يعقلون } فإن قيل إن في أول ~~الكلام خطابا وهو قوله { وفى خلقكم } قلنا الغيبة التي ذكرنا أقرب إلى ~~الحرف المختلف فيه والأقرب أولى ، ووجه قول من قرأ على الخطاب أن قل فيه ~~مقدر أي قل لهم فبأي حديث بعد ذلك تؤمنون . # ! 7 < { ويل لكل أفاك أثيم * يسمع ءايات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا ~~كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم * وإذا علم من ءاياتنا شيئا اتخذها هزوا ~~أولائك لهم عذاب مهين * من ورآئهم جهنم ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما ~~اتخذوا من دون الله أوليآء ولهم عذاب عظيم * هاذا هدى والذين كفروا بأايات ~~ربهم لهم عذاب من رجز أليم } . > 7 ! # < < # | الجاثية : ( 7 ) ويل لكل أفاك . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين الآيات للكفار وبين أنهم بأي حديث يؤمنون إذا ~~لم يؤمنوا بها مع ظهورها ، أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال : { ويل لكل أفاك ~~أثيم } الأفاك الكذب والأثيم المبالغ في اقتراف الآثام ، واعلم ن هذا ~~الأثيم له مقامان : # المقام الأول : أن يبقى مصرا على الإنكار والاستكبار ، فقال تعالى : { ~~يسمع ءايات الله تتلى عليه ثم يصر } أي يقيم على كفره إقاملاة بقوة وشدة { ~~* مستكرا } عن الإيمان بالآيات معجبا ms8169 بما عنده ، قيل نزلت في النضر بن ~~الحرث وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن ~~والآية عامة في كل من كان موصوفا بالصفة المذكورة ، فإن قالوا ما معنى ثم ~~في قوله { عليه ثم يصر مستكبرا } ؟ ، قلنا نظيره قوله تعالى : { الحمد لله ~~الذى خلق * السماوات والارض } إلى قوله { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( ~~الأنعام : 1 ) ومعناه أنه تعالى لما كان خالقا للسموات والأرض كان من ~~المستبعد أن يقابل بالإنكار والإعراض . # ثم قال تعالى : { كأن لم يسمعها } الأصل كأنه لم يسمعها ضمير الشأن ومحل ~~الجملة النصب على الحال أي يصير مثل غير السامع . # المقام الثاني : أن ينتقل من مقام الإصرار والاستكبار إلى مقام الاستهزاء ~~فقال : { وإذا علم من ءاياتنا شيئا اتخذها هزوا } وكان من حق الكلام أن ~~يقال اتخذه خزوا أي اتخذ ذلك الشيء هزوا إلا أنه تعالى قال : { اتخذها } ~~للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي ~~أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم خاض في الاستهزاء بجميع ~~الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد . PageV27P224 # ثم قال تعالى : { أولئك لهم عذاب مهين } أولئك إشارة إلى كل أفاك أثيم ~~لشموله جميع الأفاكين ، ثم وصف كيفية ذلك العذاب المهين فقال : { من ورائهم ~~جهنم } أي من قدامهم جهنم ، قال صاحب ( الكشاف ) : الوراء اسم للجهة التي ~~توارى بها الشخص من خلف أو قدام ، ثم بين أن ما ملكوه في الدنيا لا ينفعهم ~~فقال : { ولا * يغنى عنهم ما كسبوا شيئا } . # ثم بين أن أصنامهم لا تنفعهم فقال : { ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ~~} . # ثم قال : { ولهم عذاب عظيم } فإن قالوا إنه قال قبل هذه الآية { لهم عذاب ~~مهين } فما الفائدة في قوله بعده { ولهم عذاب عظيم } قلنا كون العذاب مهينا ~~يدل على حصول الإهانة مع العذاب وكونه تظيما يدل على كونه بالغا إلى أقصى ~~الغايات في كونه ضررا . # ثم قال : { هاذا هدى } أي كامل في كونه هدى { والذين كفروا بئايات ربهم ~~لهم ms8170 عذاب من رجز أليم } والرجز أشد العذاب بدلالة قوله تعالى : { فأنزلنا ~~على الذين ظلموا رجزا من السماء } ( القرة : 59 ) وقوله { لئن كشفت عنا ~~الرجز } ( الأعراف : 134 ) وقرىء { أليم } بالجر والرفع ، أما الجر فتقديره ~~لهم عذاب من عذاب أليم وإذاكان عذابهم من عذاب أليم كان عذابهم أليما ، ومن ~~رفع كان المعنى له عذاب أليم ويكون المراد من الرجز الرجس الذي هو النجاسة ~~ومعنى النجاسة فيه قوله { ويسقى من ماء صديد } ( إبراهيم : 16 ) وكأن ~~المعنى لهم عذاب من تجرع رجس أو شرب رجس فتكون من تبيينا للعذاب . # ! 7 < { الله الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الا رض جميعا منه إن فى ~~ذلك لايات لقوم يتفكرون * قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ~~ليجزى قوما بما كانوا يكسبون * من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها ثم إلى ~~ربكم ترجعون } > 7 ! # < < # | الجاثية : ( 12 ) الله الذي سخر . . . . . # > > اعلم أنه تعالى ذكر الاستدلال بكيفية جريان الفلك على وجه البحر وذلك ~~لا يحصل إلا بسبب تسخير ثلاثة أشياء أحدها : الرياح التي تجري على وفق ~~المراد ثانيها : خلق وجه الماء على الملاسة التي تجري عليها الفلك ثالثها : ~~خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تغوص فيه . # وهذه الأحوال الثلاثة لا يقدر عليها واحد من البشر ، فلا بد من موجد قادر ~~عليها وهو الله سبحانه وتعالى ، وقوله { ولتبتغوا من فضله } معناه إما بسبب ~~التجارة ، أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان ، أو لأجل استخراج اللحم الطري . ~~PageV27P225 # ثم قال تعالى : { وسخر لكم ما فى * السماوات وما في الارض * جميعا منه } ~~والمعنى لولا أن الله تعالى أوقف أجرام السموات والأرض في مقارها وأحيازه ~~لم حصل الانتفاع ، لأن بتقدير كون الأرض هابطة أو صاعدة لم يحصل الانتفاع ~~بها ، وبتقدير كون الأرض من الذهب والفضة أو الحديد لم يحصل الانتفاع ، وكل ~~ذلك قد بيناه ، فإن قيل ما معنى { منه } في قوله { جميعا منه } ؟ قلنا ~~معناه أنها ms8171 وقعة موقع الحال ، والمعنى أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه ~~وحاصلة من عنده يعني أنه تعالى مكونها وموجودها بقدرته وحكمته ثم مسخرها ~~لخلقه ، قال صاحب ( الكشاف ) قرأ سلمة بن محارب منه على أن يكون منه فعل ~~سخر على الإسناد المجازي أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ذلك منه أو هو منه ~~. # واعلم أنه تعالى لم علم عباده دلائل التوحيد والقدرة والحكمة ، أتبع ذلك ~~بتعليم الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة بقوله { قل للذين ءامنوا يغفروا ~~للذين لا يرجون أيام الله } والمراد بالذين لا يرجون أيام الله الكفار ، ~~واختلفوا في سبب نزول الآية قال ابن عباس { قل للذين ءامنوا } يعني عمر { ~~يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } يعني عبد لله بن أبي ، وذلك أنهم نزلوا ~~في غزوة بني المصطلق على بئر يقال لها المريسيع ، فأرسل عبد الله غلامة ~~ليستقي الماء فأبطأ عليه ، فلما أتاه قال له ما حبسك ؟ قال غلام عمر قعد ~~على طرف البئر فما ترك أحد يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقرب أبي بكر وملأ لمولاه ، فقال عبد الله ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل ~~سمن كلبك يأكلك ، فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه ، فأنزل ~~الله هذه الآية ، وقال مقاتل شتم رجل من كفار قريش عمر بمكة فهم أن يبطش به ~~فأمر الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية . # وروى ميمون بن مهران أن فنحاص اليهودي لما أنزل قوله { من ذا الذى يقرض ~~الله قرضا حسنا } ( البقرة : 245 ) قال احتاج رب محمد ، فسمع بذلك عمر ~~فاشتمل على سيفه وخرج في طلبه ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى ~~رده ، وقوله { للذين لا يرجون أيام الله } قال ابن عباس لا يرجون ثواب الله ~~ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عقاب الأمم الخالية ، وذكرنا تفسير أيام ~~الله عند قوله { وذكرهم بأيام الله } ( إبراهيم : 5 ) وأكثر المفسرين ~~يقولون إنه منسوخ ، وإنما قالوا ذلك لأنه يدخل تحت الغفران أو لا يقتلوا ، ~~فما أمر الله بهذه المقاتلة ms8172 كان نسخا ، والأقرب أن يقل إنه محمول على ترك ~~المنازعة في المحقرات على التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية ~~والأفعال الموحشة . # ثم قال تعالى : { ليجزى قوما بما كانوا يكسبون } أي لكي يجازي بالمغفرة ~~قوما يعملون الخير ، قإن قيل : ما الفائدة في التنكير في قوله { بعدها قوما ~~} مع أن المراد بهم هم المؤمنون المذكورون في قوله { قل للذين ءامنوا } ؟ ~~قلنا التنكير يدل على تعظيم شأنهم كأنه قيل : ليجزي قوما وأي قوم من شأنهم ~~الصفح عن السيئات والتجاوز عن المؤذيات وتحمل الوحشة وتجرع المكروه ، وقال ~~آخرون معنى الآية قل للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار ، ليجزي الله الكفار بما ~~كانوا يكسبون من الإثم ، كأنه قيل لهم لا تكافئوهم أنتم حتى نكافئهم نحن ، ~~ثم ذكر الحكم العام فقال : { من عمل صالحا فلنفسه } وهو مثل ضربه الله ~~للذين يغفرون { ومن أساء فعليها } مثل ضربه للكفار الذين كانوا يقدمون على ~~إيذاء الرسول والمؤمنين وعلى ما لا يحل ، فبين تعالى أن العمل الصالح يعود ~~بالنفع العظيم على فاعله ، والعمل الردىء يعود بالضرر على فاعله ، وأنه ~~تعالى أمر بهذا ونهى عن ذلك لحظ العبد لا لنفع يرجع إليه ، وهذ ترغيب منه ~~في العمل الصالح وزجر عن العمل الباطل . # PageV27P226 ! 7 < { ولقد ءاتينا بنىإسراءيل الكتاب والحكم والنبوة ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين * وءاتيناهم بينات من الا مر ~~فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون * ثم جعلناك على شريعة من الا مر فاتبعها ~~ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن ~~الظالمين بعضهم أوليآء بعض والله ولى المتقين * هاذا بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لقوم يوقنون * أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات سوآء محياهم ومماتهم سآء ما يحكمون } > 7 ! # < < # | الجاثية : ( 16 ) ولقد آتينا بني . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بين أنه أنعم بنعم كثيرة على بني إسرائيل ، مع أنه ~~حصل بينهم الاختلاف على سبيل البغي والحسد : والمقصود أن يبين ms8173 أن طريقة ~~قومه كطريقة من تقدم . # واعلم أن النعم على قسمين : نعم الدين ، ونعم الدنيا ، ونعم الدين أفضل ~~من نعم الدنيا ، فلهذا بدأ الله تعالى بذكر نعم الدين ، فقل { ولقد ءاتينا ~~بنى إسراءيل الكتاب والحكم والنبوة } والأقرب أن كل واحد من هذه الثلاثة ~~يجب أن يكنن مغايرا لصاحبه ، أما الكتاب فهو التوراة ، وأما الحكم ففيه ~~وجوه ، يجوز أن يكون المراد العلم والحكمة ، ويجوز أن يكون المراد العلم ~~بفصل الحكومات ، ويجوز أن يكون المراد معرفة أحكام الله تعالى وهو علم ~~الفقه ، وأما النبوة فمعلومة ، وأما نعم الدنيا فهي المراد من قوله تعالى : ~~{ ورزقكم من الطيبات } وذلك لأنه تعالى وسع عليهم في الدنيا ، فأورثهم ~~أموال قوم فرعون وديارهم ثم أنزل عليهم المن والسلوى ، ولما بين تعالى أنه ~~أعطاهم من نعم الدين ونعم الدنيا نصيبا وافرا ، قال : { وفضلناهم على ~~العالمين } يعني أنهم كانوا أكبر درجة وأرفع منقبة ممن سواهم في وقتهم ، ~~فلهذا المعنى قال المفسرون المراد : وفضلناهم عن عالمي زمانهم . # ثم قال تعالى : { وءاتيناهم بينات من الامر } وفيه وجوه الأول : أنه ~~آتاهم بينات من الأمر ، أي أدلة على أمور الدنيا الثاني : قال ابن عباس : ~~يعني بين لهم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهاجر من تهامة إلى يثرب ~~، ويكون أنصاره أهل يثرب الثالث : المراد { وءاتيناهم بينات } أي معجزات ~~قاهرة على صحة نبوتهم ، والمراد PageV27P227 معجزات موسى عليه السلام . # ثم قال تعالى : { فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم } ~~وهذا مفسر في سورة { حم * عسق } ( الشورى : 1 ، 2 ) والمقصود من ذكر هذا ~~الكلام التعجب من هذه الحالة ، لأن حصول العم يوجب ارتفاع الخلاف ، وههنا ~~صار مجيء العلم سببا لحصول الاختلاف ، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم ~~نفس العلم ، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم ، ثم ههنا احتمالات ~~يريد أنهم علموا ثم عاندوا ، ويجوز أن يريد بالعلم الدلالة التي توصل إلى ~~العلم ، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها ~~لعرفوا الحق ، لكنهم على وجه الحسد والعناد اختلفوا ms8174 وأظهروا النزاع . # ثم قال تعالى : { إن ربك * يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون } والمرد أنه لا ينبغي أن يغتر المبطل بنعم الدنيا / فإنها وإن ~~ساوت نعم المحق أو زادت عليها ، فإنه سيرى في الآخرة ما يسؤوه ، وذلك ~~كالزجر لهم ، ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق لأجل البغي والسحد ، أمر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعدل عن تلك الطريقة ، وأن يتمسك بالحق ، وأن ~~لا يكون له غرض سوى إظهار الحق وتقرير الصدق ، فقال تعالى : { ثم جعلناك ~~على شريعة من الامر } أي على طريقة ومنهاج من أمر الدين ، فاتبع شريعتك ~~الثابتة بالدلائل والبينات ، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال ~~وأديانهم المبنية على الأهواء والجهل ، قال الكلبي : إن رؤساء قريش قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة : ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل ~~منك وأسن ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . # ثم قال تعالى : { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } أي لو ملت إلى ~~أديانهم الباطلة فصرت مستحقا للعذاب ، فهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك ~~، ثم بين تعالى أن الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا وفي الآخرة ، ولا ~~ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب ، وأما المتقون لامهتدون ، ~~فالله وليهم وناصرهم وهم موالوه ، وما أبين الفرق بين الولايتين ، ولما بين ~~الله تعالى هذه البيانات الباقية النافعة ، قال : { هاذا بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لقوم يوقنون } وقد فسرناه في آخر سورة الأعراف ، والمعنى هذا القرآن ~~بصائر للناس جعل ما فيه من البيانات الشافية ، والبينات الكافية بمنزلة ~~البصائر في القلوب ، كما جعل في سائر الآيات روحا وحياة ، وهو هدى من ~~الضلالة ، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن ، ولم بين لله تعالى الفرق بين ~~الظالمين وبين المتقين من الوجه الذي تقدم ، بين الفرق بينهما من وجه آخر ، ~~فقال : { ما يحكمون وخلق الله السماوات والارض بالحق ولتجزى كل نفس بما } ~~وفيه مباحث : # البحث الأول : { أم } كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفا على ~~شيء آخر ms8175 ، سواء كان ذلك المعطوف مذكورا أو مضمرا ، والتقدير ههنا : أفيعلم ~~المشركون هذا ، أم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين ؟ # البحث الثاني : الاجتراح : الاكتساب ، ومنه الجوارح ، وفلان جارحة أهله ، ~~أي كاسبهم ، قال تعالى : { ويعلم ما جرحتم بالنهار } ( الأنعام : 60 ) . # البحث الثالث : قال الكلبي : نزلت هذه الآية في علي وحمزة وأبي عبيدة بن ~~الجراح رضي الله عنهم ، وفي ثلاثة من المشركين : عتبة وشيبة والوليد بن ~~عتبة ، قالوا للمؤمنين : وا ما أنتم على شيء ، ولو كان ما PageV27P228 ~~تقولون حقا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة ، كما أنا أفضل حالا منكم ~~في الدنيا ، فأنكر الله عليهم هذا الكلام ، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال ~~لمؤمن المطيع مساويا لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ، ومنازل السعادات ~~. # واعلم أن لفظ { حسب } يستدعي مفعولين أحدهما : الضمير المذكور في قوله { ~~أن نجعلهم } والثاني : الكاف في قوله { كالذين ءامنوا } والمعنى أحسب هؤلاء ~~المجترحين أن نجعلهم أمثال الذين آمنوا ؟ ونظيره قوله تعالى : { أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ( السجدة : 18 ) وقوله { إنا لننصر رسلنا ~~والذين ءامنوا فى الحيواة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد * يوم لا ينفع الظالمين ~~معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار } ( غافر : 51 ، 52 ) وقوله تعالى : { ~~أفنجعل المسلمين فما لكم كيف تحكمون } ( القلم : 35 ، 36 ) وقوله { أم نجعل ~~الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الارض أم نجعل المتقين كالفجار ~~} ( ص : 28 ) . # ثم قال تعلى : { سواء محياهم ومماتهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { * صواء } بالنصب ، ~~والباقون بالرفع ، واختيار أبي عبيد النصب ، أما وجه القراءة بالرفع ، فهو ~~أن قوله { سواء محياهم ومماتهم } مبتدأ والجملة في حكم المفرد في محل النصب ~~على البدل من المفعول الثاني لقوله { أم نجعل } وهو الكاف في قوله { كالذين ~~ءامنوا } ونظيره قوله : ظننت زيدا أبوه منطلق ، وأما وجه القراءة بالنصب ~~فقال صاحب ( الكشاف ) أجرى سواء مجرى مستويا ، فارتفع محياهم ومماتهم على ~~الفاعلية وكان مفردا غير جملة ، ومن قرأ { ومماتهم } بالنصب جعل { محياهم ~~ومماتهم } ظرفين كمقدم الحاج ، وخفوق النجم ms8176 ، أي سواء في محياهم وفي مماتهم ~~، قال أبو علي من نصب سواء جعل المحيا والممات بدلا من الضمير المنصوب في ~~نجعلهم فيصير التقدير أن نجعله ( محياهم ومماتهم سواء ، قال ويجوز أن نجعله ~~حالا ويكون المفعول الثاني هو الكاف في قوله { كالذين } . # المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله { محياهم ومماتهم } قال مجاهد ~~عن ابن عباس يعني أحسبوا أن حياتهم ومماتهم كحياة المؤمنين وموتهم ، كلا ~~فإنهم يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون ~~مؤمنين ، وذلك لأن المؤمن ما دام يكون في الدينا فإنه يكون وليه هو الله ~~وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه ، والكافر بالضد منه ، كما ذكره في قوله { ~~وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض } وعند القرب إلى الموت ، فإن حال المؤمن ما ~~ذكره في قوله تعالى : { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ~~ادخلوا الجنة } ( النمل : 32 ) وحال الكافر ما ذكره في قوله : { الذين ~~تتوفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم } ( النحل : 28 ) وأما في القيامة فقال ~~تعالى : { وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ~~ترهقها قترة } ( عبس : 38 41 ) فهذا هو الإشارة إلى بيان وقوع التفاوت بين ~~الحالتين والوجه الثاني : في تأويل الآية أن يكون المعنى إنكار أن يستووا ~~في الممات كما استووا في الحياة ، وذلك لأن المؤمن والكافر قد يستوي محياهم ~~في الصحة والرزق والكفاية بل قد يكون الكافر أرجح حالا من المؤمن ، وإنما ~~يظهر الفرق بينهما في الممات والوجه الثالث : في التأويل أن قوله { سواء ~~محياهم ومماتهم } مستأنف على معنى أن نحيا المسيئين ومماتهم سواء فكذلك ~~محيا المسحنين ومماتهم ، أي كل يموت على حسب ما عاش عليه ، ثم إنه تعالى ~~صرح بإنكار تلك التسوية فقال : { ساء ما يحكمون } وهو ظاهر . # PageV27P229 ! 7 < { وخلق الله السماوات والا رض بالحق ولتجزى كل نفس بما ~~كسبت وهم لا يظلمون * أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه وأضله الله على علم وختم ~~على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون * ~~وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ ms8177 إلا الدهر وما لهم ~~بذلك من علم إن هم إلا يظنون * وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات ما كان حجتهم ~~إلا أن قالوا ائتوا بأابآئنآ إن كنتم صادقين * قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم ~~يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } > 7 ! # < < # | الجاثية : ( 22 ) وخلق الله السماوات . . . . . # > > اعلم إنه تعالى لما أفتى بأن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات ~~السعادات ، أتبعه بالدلالة الظاهرة على صحة هذه الفتوى ، فقال : { وخلق ~~الله * السماوات والارض بالحق } ولو لم يوجد البحث لما كان ذلك بالحق بل ~~كان بالباطل ، لأنه تعالى لما خلق الظالم وسلطه على المظلوم الضعيف ، ثم لا ~~ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالما ، ولو كان ظالما لبطل أنه خلق السموات ~~والأرض بالحق وتمام تقرير هذه الدلائل مذكور في أول سورة يونس ، قال القاضي ~~هذه الآية تدل على أن في مقدور الله ما لو حصل لكان ظلما ، وذلك لا يصح إلا ~~على مذهب المجبرة الذين يقولون لو فعل كحل شيء أراده لم يكن ظلما ، وعلى ~~قول من يقول إنه لا يوصف بالقدرة على الظلم ، وأجاب الأصحاب عنه بأن المراد ~~فعل ما لو فعله غيره لكان ظلما كما أن المراد من الابتلاء والاختبار فعل ما ~~لو فعله غيره لكان ابتلاء واختبارا ، وقوله تعالى : { * ولتجزي } فيه وجهان ~~: الأول : أنه معطوف على قوله { ءادم بالحق } فيكون التقدير وخلق الله ~~السموات والأرض لأجل إظهار الحق ولتجزى كل نفس ، الثاني : أن يكون العطف ~~على محذوف ، والتقدير : وخلق الله السموات والأرض بالحق ليدل بهما على ~~قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العلم إظهار العدل ~~والرحمة ، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث والقيامة وحصل التفاوت في الدرجات ~~والدركات بين المحقين وبين المبطلين ، ثم عاد تعالى إلى شرح أحوال الكفار ~~وقبائح طوائفهم ، فقال : { أفرأيت من اتخذ إلاهه هواه } يعني تركوا متابعة ~~الهدى وأقبلوا على متابعة الهوى فكانوا يعبدون الهوى كما يعبد الرجل إلهه ، ~~وقرىء { إلاهه هواه } كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه ms8178 وذهب خلفه ، فكأنه اتخذ ~~هواه آلهة شتى يعبد كل وقت واحدا منها . PageV27P230 # ثم قال تعالى : { وأضله الله على علم } يعني على علم بأن جوهر روحه لا ~~يقبل الصلاح ، ونظيره في جانب التعظيم قوله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته } ( الأنعام : 124 ) وتحقيق الكلام فيه أن جواهر الأرواح البشرية ~~مختلفة فمنها مشرقة نورانية علوية إلهية ، ومنها كدرة ظلمانية سفلية عظيمة ~~الميل إلى الشهوات الجسمانية ، فهو تعالى يقابل كلا منهم بحسب ما يليق ~~بجوهره وماهيته ، وهو المراد من قوله { وأضله الله على علم } في حق ~~المردودين وبقوله { الله أعلم حيث يجعل رسالته } في حق المقبولين . # ثم قال : { وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة } فقوله { وأضله ~~الله على علم } هو المذكور في قوله { إن الذين كفروا } إلى قوله { لا ~~يؤمنون } ( البقرة : 6 ) وقوله { وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ~~} هو المراد من قوله { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ~~} ( البقرة : 7 ) وكل ذلك قد مر تفسيره في سورة البقرة باللاستقصاء ، ~~والتفاوت بين الآيتين أنه في هذه الآية قدم ذكر السمع على القلب ، وفي سورة ~~البقرة قدم القلب على السمع ، والفرق أن الإنسان قد يسمع كلاما فيقع في ~~قلبه منه أثر ، مثل أن جماعة من الكفار كانوا يلقون إلى الناس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة ، فالسامعون إذا سمعوا ~~ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه ، وأما كفار مكة فهم كانوا يبغضونه بقلوبهم ~~بسبب الحسد الشديد فكانوا يستمعون إليه ، ولو سمعوا كلامه ما فهموا منه ~~شيئا نافعا ، ففي الصورة الأولى كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس ، ~~وفي الصورة الثانية كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن ، فلما ~~اختلف القسمان لا جرم أرشد الله تعالى إلى كلا هذين القسمين بهذين ~~الترتيبين اللذين نبهنا عليهما ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام قال : { فمن ~~يهديه من بعد الله } أي من بعد أن أضله الله { أفلا تذكرون } أيها الناس ، ~~قال الواحدي وليس يبقى ms8179 للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة ، لأن الله تعالى ~~صرح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره ~~، وأقول هذه المناظرة قد سبقت بالاستقصاء في أول سورة البقرة . # واعلم أنه تعالى حكى عنهم بعد ذلك شبهتهم في إنكار القيامة وفي إنكار ~~الإله القادر ، أما شبهتهم في إنكار القيامة فهي قوله تعالى : { وقالوا ما ~~هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا } فإن قالوا الحياة مقدمة على الموت في ~~الدينا فمنكرو القيامة كان يجب أن يقولوا نحيا ونموت ، فما السبب في تقديم ~~ذكر الموت على الحياة ؟ قلنا فيه وجوه الأول : المراد بقوله { نموت } حال ~~كونهم نطفا في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ، وبقوله { * نحيا } ما حصل بعد ~~ذلك في الدينا الثاني : نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا الثالث : يموت ~~بعض ويحيا بعض الرابع : وهو الذي خطر بالبال عند كتابة هذا الموضع أنه ~~تعالى قدم ذكر الحياة فقال : { وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا } ثم قال ~~بعده : { نموت ونحيا } يعني أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك ~~في حق الذين ماتوا ، ومنها ما لم يطرأ الموت عليها ، وذلك في حق الأحياء ~~الذين لم يموتوا بعد ، وأما شبهتهم في إنكار الإله الفاعل المختار ، فهو ~~قولهم { وما يهلكنا إلا الدهر } يعني تولد الأشخاص إنما كان بسبب حركات ~~الأفلاك الموجبة لامتزاجات الطبائع ، وإذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاص ~~حصلت الحياة ، وإذا وقعت على وجه آخر حصل الموت ، فالموجب للحياة والموت ~~تأثيرات الطبائع وحركات الأفلاك ، ولا حاجة في هذا الباب إلى إثبات الفاعل ~~المختار ، فهذه الطائفة جمعوا بين إنكار الإله وبين إنكار البعث والقيامة . ~~PageV27P231 # ثم قال تعالى : دوما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون } والمعنى أن قبل ~~النظر ومعرفة الدليل الاحتمالات بأسرها قائمة ، فالذي قالوه يحتمل وضده ~~أيضا يحتمل ، وذلك هو أن يكون القول بالبعث والقيامة حقا ، وأن يكون القول ~~بوجود الإله الحكيم حقا ، فإنهم لم يذكروا شبهة ضعيفة ولا قوية في أن هذا ~~الاحتمال الثاني باطل ms8180 ، ولكنه خطر ببالهم ذلك الاحتمال الأول فجزموة به ~~وأصروا عليه من غير حجة ولا بينة ، فثبت أنه ليس علم ولا جزم ولا يقين في ~~صحة القول الذي اختاروه بسبب الظن والحسبان وميل القلب إليه من غير موجب ، ~~وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بغير حجة وبينة قول باطل فاسد / ~~وأن متابعة الظن والحسبان منكر عند الله تعالى . # ثم قال تعالى : { * } والمعنى أن قبل النظر ومعرفة الدليل الاحتمالات ~~بأسرها قائمة ، فالذي قالوه يحتمل وضده أيضا يحتمل ، وذلك هو أن يكون القول ~~بالبعث والقيامة حقا ، وأن يكون القول بوجود الإله الحكيم حقا ، فإنهم لم ~~يذكروا شبهة ضعيفة ولا قوية في أن هذا الاحتمال الثاني باطل ، ولكنه خطر ~~ببالهم ذلك الاحتمال الأول فجزموة به وأصروا عليه من غير حجة ولا بينة ، ~~فثبت أنه ليس علم ولا جزم ولا يقين في صحة القول الذي اختاروه بسبب الظن ~~والحسبان وميل القلب إليه من غير موجب ، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن ~~القول بغير حجة وبينة قول باطل فاسد ، وأن متابعة الظن والحسبان منكر عند ~~الله تعالى . # ثم قال تعالى : { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن ~~قالوا ائتوا بئابائنا إن كنتم صادقين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء حجتهم بالنصب والرفع على تقديم خبر كان وتأخيره . # المسألة الثانية : سمى قولهم حجة لوجوه الأول : أنه في زعمهم حجة الثاني ~~: أن يكون المراد من كان حجتهم هذا فليس ألبتة حجة كقوله : # تحية بينهم ضرب وجيع # ( أي ليس بينهم تحية لمنافاة الضرب للتحية ) الثالث : أنهم ذكروها في ~~معرض الاحتجاج بها . # المسألة الثالثة : أن حجتهم على إنكار البعث أن قالوا لو صح ذلك فائتوا ~~بآبائنا الذين ماتوا ليشهودوا لنا بصحة البعث . # واعلم أن هذه الشبهة ضعيفة جدا ، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال وجب أن ~~يكون ممتنع الحصول ، فإن حصول كل واحد منا كان معدوما من الأزل إلى الوقت ~~الذي حصلنا فيه ، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع ms8181 الحصول ~~لكان عدم حصولنا كذلك ، وذلك باطل بالاتفاق . # ثم قال تعالى : { قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة } ~~فإن قيل هذا الكلام مذكور لأجل جواب من يقول { ما هى إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } فهذا القائل كان منكرا لوجود الإله ~~ولوجود يوم القيامة ، فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله { قل الله يحييكم ثم ~~يميتكم } وهل هذا إلا إثبات للشيء بنفسه وهو باطل ، قلنا إنه تعالى ذكر ~~الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الفاعل الحكيم في القرآن مرارا ~~وأطوارا . فقوله ها هنا { قل الله يحييكم } إشارة إلى تلك الدلائل التي ~~بينها وأوضحها مرار ، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله بقول ~~الإله ، بل المقصود منه التنبيه على ما الدليل الحق القاطع في نفس الأمر . # ولما ثبت أن الإحياء من الله تعالى ، وثبت أن الإعادا مثل الإحياء الأول ~~، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله ، ثبت أنه تعالى قادر على ~~الإعادة ، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها ، وثبت أن القادر الحكيم أخبر عن ~~وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقة . # وأما قوله تعالى : { ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه } فهو إشارة ~~إلى ما تقدم ذكره في الآية المتقدمة ، وهو أن كونه تعال ، عادلا خالقا ~~بالحق منزها عن الجور والظلم ، يقتضي صحة البعث والقيامة . PageV27P232 # ثم قال تعالى : { ولاكن أكثر الناس لا يعلمون } أي لكن أكثر الناس لا ~~يعلمون دلالة حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم ~~، ولا يعلمون أيضا أنه تعالى لما كان قادرا على الإيجاد ابتداء وجب أن يكون ~~قادرا على الإعادة ثانيا . # ! 7 < { ولله ملك السماوات والا رض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ~~* وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون * ~~هاذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إن كنا نستنسخ ما كنتم تعملون * فأما الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم فى رحمته ذلك هو الفوز المبين * وأما ~~الذين كفروا أفلم تكن ءاياتى تتلى عليكم ms8182 فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين } . > ~~7 ! # < < # | الجاثية : ( 27 ) ولله ملك السماوات . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما احتج بكونه قادرا على الإحياء في المرة الأولى ، ~~وعلى كونه قادرا على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة ، عمم ~~الدليل فقال : { ولله ملك * السماوات والارض } أي لله القدرة على جميع ~~الممكنات سواء كانت من السموات أو من الأرض ، وإذا ثبت كونه تعالى قادرا ~~على كل الممكنات ، وثبت أن حصول الحياة في هذه الذات ممكن ، إذ لو لم يكن ~~ممكنا لما حصل في المرة الأولى فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادرا ~~على الإحياء في المرة الثانية . # ولما بين تعالى إمكان القول بالحشر والنشر بهذين الطريقين ، ذكر تفاصيل ~~أحوال القيامة فأولها : قوله تعالى : { ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر ~~المبطلون } وفيه أبحاث : # البحث الأول : عامل النصب في يوم تقوم يخسر ، ويومئذ بدل من يوم تقوم . # البحث الثاني : قد ذكرنا في مواضع من هذا الكتاب أن الحياة والعقل والصحة ~~كأنها رأس المال ، والتصرف فيها لطلب سعادة الآخرة يجري مجرى تصرف التاجر ~~في رأس المال لطلب الربح ، والكفار قد أتعبوا أنفسهم في هذه التصرفات وما ~~وجدوا منها إلا الحرمان والخذلان فكان ذلك في الحقيقة نهاية الخسران ~~وثانيها : قوله تعالى : { وترى كل أمة جاثية } قال الليث الجثو الجلوس على ~~الركب كما يجثى بين يدي الحاكم ، قال الزجاج ومثله جذا يجذو ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) : وقرىء جاذية ، قال أهل اللغة والجذو أشد استيفازا من الجثو ، ~~لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه ، وعن ابن عباس جاثية مجتمعة ~~مرتقبة لما يعمل بها . # ثم قال تعالى : { كل أمة تدعى إلى كتابها } على الابتداء وكل أمة على ~~الإبدال من كل أمة ، وقوله { إلى كتابها } أي إلى صحائف أعمالها ، فاكتفى ~~باسم الجسني كقوله تعالى : { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه } ~~PageV27P233 ( الكهف : 49 ) والظاهر أنه يدخل فيه المؤمنون والكافرون لقوله ~~تعالى بعد ذلك { فأما الذين ءامنوا } . # ثم قال تعالى : { وأما الذين كفروا } فإن قيل الجثو على الركبة إنما يليق ~~بالخائف والمؤمنون لا خوف عليهم يوم ms8183 القيامة ، قلنا إن المحق الآمن قد ~~يشارك المبطل في مثل هذه الحالة إلى أن يظهر كونه محقا . # ثم قال تعالى : { اليوم تجزون } والتقدير يقال لهم اليوم تجزون ، فإن قيل ~~كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى ؟ قلنا لا منافاة بين الأمرين لأنه ~~كتابهم بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي ~~أمر الملائكة بكتبه { ينطق عليكم } أي يشهد عليكم بما عملتم من غير زيادة ~~ولا نقصان { إنا كنا نستنسخ } الملائكة { ما كنتم تعملون } أي نستكتبهم ~~أعمالكم . # ثم بين أحوال المطيعين فقال : { فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ~~فيدخلهم ربهم فى رحمته ذلك هو الفوز المبين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكر بعد وصفهم بالإيمان كونهم عاملين للصالحات ، فوجب ~~أن يكون عمل الصالحات مغايرا للإيمان زائدا عليه . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة علق الدخول في رحمة الله على كونه آتيا ~~بالإيمان والأعمال الصالحة ، والمعلق على مجموع أمرين يكون عدما عند عدم ~~أحدهما ، فعند عدم الأعمال الصالحة وجب أن لا يحصل الفوز بالجنة وجوابنا : ~~أن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف . # المسألة الثالثة : سمى الثواب رحمة والرحمة إنما تصح تسميتها بهذا الاسم ~~إذا لم تكن واجبة ، فوجب أن لا يكون الثواب واجبا على الله تعالى . # ثم قال تعالى : { وأما الذين كفروا أفلم تكن ءاياتى تتلى عليكم فاستكبرتم ~~وكنتم قوما مجرمين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قسما ثالثا وهذا ~~يدل على أن مذهب المعتزلة إثبات المنزلتين باطل . # المسألة الثانية : أنه تعالى علل أن استحقاق العقوبة بأن آياته تليت ~~عليهم فاستكبروا عن قبولها ، وهذا يدل على استحقاق العقوبة لا يحصل إلا بعد ~~مجيء الشرع ، وذلك يدل على أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع ، خلافا لما ~~يقوله المعتزلة من أن بعض الواجبات قد يجب بالعقل . # المسألة الثالثة : جواب { أما } محذوف والتقدير : وأما الذين كفروا فيقال ~~لهم : أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم عن قبول الحق وكنتم قوما مجرمين ~~فإن قالوا كيف يحسن وصف ms8184 الكافر بكونه مجرما في معرض الطعن فيه والذم له ؟ ~~قلنا معناه أنهم مع كونهم كفارا ما كانوا عدولا في أديان أنفسهم ، بل كانوا ~~فساقا في ذلك الدين والله أعلم . # PageV27P234 ! 7 < { وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ~~ما ندرى ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين * وبدا لهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون * وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء ~~يومكم هاذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين * ذلكم بأنكم اتخذتم ءايات ~~الله هزوا وغرتكم الحيواة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون * ~~فلله الحمد رب السماوات ورب الا رض رب العالمين * وله الكبريآء فى السماوات ~~والا رض وهو العزيز الحكيم } . > 7 ! # < < # | الجاثية : ( 32 ) وإذا قيل إن . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء والساعة رفعا ونصبا قال الزجاج من نصب عطف على ~~الوعد ومن رفع فعلى معنى وقيل : الساعة لا ريب فيها قال الأخفش الرفع أجود ~~في المعنى وأكثر في كلام العرب ، إذا جاء بعد خبر إن لأنه كلام مستقل بنفسه ~~بعد مجيء الكلام الأول بتمامه . # المسألة الثانية : حكى الله تعالى عن الكفار أنهم إذا قيل إن وعد الله ~~بالثواب والعقاب حق وإن الساعة آتية لا ريب فيها قالوا ما ندري ما الساعة ~~إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين . # أقول الأغلب على الظن أن القوم كانوا في هذه المسألة على قولين منهم من ~~كان قاطعا بنفي البعث والقيامة ، وهم الذين ذكرهم الله في الآية المتقدمة ~~بقوله { وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا } ( الجاثية : 24 ) ومنهم من كان ~~شاكا متحيرا فيه ، لأنهم لكثرة ما سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحبته صاروا شاكين فيه وهم الذين أرادهم ~~الله بهذه الآية ، والذي يدل عليه أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين ، ثم ~~أتبعه بحكاية قول هؤلاء فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول . # ثم قال تعالى : { وبدا لهم } أي في الآخرة { سيئات ما عملوا } وقد كانوا ~~من ms8185 قبل يعدونها حسنات فصار ذلك أول خسرانهم { وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزءون } وهذا كالدليل على أن هذه الفرقة لما قالوا { ءان * تظن * إلا ~~ظنا } إنما ذكروه على سبيل الاستهزاء والسخرية ، وعلى هذا الوجه فهذا ~~الفريق شر من الفريق الأول ، لأن الأولين كانوا منكرين وما كانوا مستهزئين ~~، وهذا الفريق ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء . # ثم قال تعالى : { وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هاذا } وفي ~~تفسير هذا النسيان وجهان الأول : نترككم في العذاب كما تركتم الطاعة التي ~~هي الزاد ليوم المعاد الثاني : نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به ~~، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم ولم تلتفتوا إليه بل جعلتموه كالشيء الذي ~~يطرح نسيا PageV27P235 منسيا ، فجمع الله تعالى عليهم من وجوه العذاب ~~الشديد ثلاثة أشياء فأولها : قطع رحمة الله تعالى عنهم بالكلية وثانيها : ~~أنه يصير مأواهم النار وثالثها : الاستغراق في حب الدنيا والإعراض بالكلية ~~عن الآخرة ، وهو المراد من قوله تعالى : { وغرتكم الحيواة الدنيا } . # ثم قال تعالى : { فاليوم لا يخرجون منها } قرأ حمزة والكسائي { يخرجون } ~~بفتح الياء ، والباقون بضمها { ولا هم يستعتبون } أي ولا يطلب منهم أن ~~يعتبوا ربهم ، أي يرضوه ، ولما تم الكلام في هذه المباحث الشريفة الروحانية ~~ختم السورة بتحميد الله تعالى / فقال : { فلله الحمد رب * السماوات * ورب ~~الارض رب العالمين } أي فاحمدوا الله الذي هو خالق السموات والأرض ، بل ~~خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات ، فإنت هذه الربوبية ~~توجب الحمد والثناء على كل أحد من المخلوقين والمربوبين . # ثم قال تعالى : { وله الكبرياء فى * السماوات والارض } وهذا مشعر بأمرين ~~أحدهما : أن التكبير لا بد وأن يكون بعد التحميد ، والإشارة إلى أن ~~الحامدين إذا حمدوه وجب أن يقرفوا أنه أعلى وأكبر من أن يكون الحمد الذي ~~ذكروه لائقا بإنعامه ، بل هو أكبر من حمد الحامدين ، وأياديه أعلى وأجل من ~~شكر الشاكرين والثاني : أن هذا الكبرياء له لا لغيره ، لأن واجب الوجود ~~لذاته ليس إلا هو . # ثم قال تعالى : { وهو العزيز الحكيم } يعني أنه لكمال قدرته ms8186 يقدر على خلق ~~أي شيء أراد ، ولكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة ~~والفضل والكرم ، وقوله { وهو العزيز الحكيم } يفيد الحصر ، فهذا يفيد ، أن ~~الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلا هو ، وذلك يدل على أنه لا ~~إله للخلق إلا هو ، ولا محسن ولا متفضل إلا هو . # PageV27P236 < # > 1 ( سورة الاحقاف ) 1 < # > # وهي ثلاثون وخمس آيات مكية وقيل اربع وثلاثون آية # ! 7 < { حم* تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * ما خلقنا السماوات ~~والا رض وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون * ~~قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أرونى ماذا خلقوا من الا رض أم لهم شرك فى ~~السماوات ائتونى بكتاب من قبل هاذآ أو أثارة من علم إن كنتم صادقين } . > 7 ~~! # / < < # | الأحقاف : ( 1 ) حم # > > اعلم أن نظم أول هذه السورة كنظم أول سورة الجاثية ، وقد ذكرنا ما ~~فيه . # وأما قوله { ما خلقنا * السماوات والارض * وما بينهما إلا بالحق } فهذا ~~يدل على إثبات الإلاه بهذا العالم ، ويدل على أن ذلك الإلاه يجب أن يكون ~~عادلا رحيما بعباده ، ناظرا لهم محسنا إليهم ، ويدل على أن القيامة حق . # أما المطلب الأول : وهو إثبات الإلاه بهذا العالم ، وذلك لأن الخلق عبارة ~~عن التقدير ، وآثار التقدير ظاهرة في السماوات والأرض من الوجوه العشرة ~~المذكورة في سورة الأنعام ، وقد بينا أن تلك الوجوه تدل على وجود الإلاه ~~القادر المختار . PageV28P003 # / وأما المطلب الثاني : وهو إثبات أن إلاه العالم عادل رحيم فيدل عليه ~~قوله تعالى : { إلا بالحق } لأن قوله { إلا بالحق } معناه إلا لأجل الفضل ~~والرحمة والإحسان ، وأن الإلاه يجب أن يكون فضله زائدا وأن يكون إحسانه ~~راجحا ، وأن يكون وصول المنافع منه إلى المحتاجين أكثر من وصول المضار ~~إليهم ، قال الجبائي هذا يدل على أن كل ما بين السماوات والأرض من القبائح ~~فهو ليس من خلقه بل هو من أفعال عباده ، وإلا لزم أن يكون خالقا لكل باطل ، ~~وذلك ينافي قوله { ما خلقناهما إلا بالحق } ( الدخان : 39 ) أجاب ms8187 أصحابنا ~~وقالوا : خلق الباطل غير ، والخلق بالباطل غير ، فنحن نقول إنه هو الذي خلق ~~الباطل إلا أنه خلق ذلك الباطل بالحق لأن ذلك تصرف من الله تعالى في ملك ~~نفسه وتصرف المالك في ملك نفسه يكون بالحق لا بالباطل ، قالوا والذي يقرر ~~ما ذكرناه أن قوله تعالى : { ما خلقنا * السماوات والارض * وما بينهما } ~~يدل على كونه تعالى خالقا لكل أعمال العباد ، لأن أعمال العباد من جملة ما ~~بين السماوات والأرض ، فوجب كونها مخلوقة لله تعالى ووقوع التعارض في الآية ~~الواحدة محال فلم يبق إلا أن يكون المراد ما ذكرناه فإن قالوا أفعال العباد ~~أعراض ، والأعراض لا توصف بأنها حاصلة بين السماوات والأرض ، فنقول فعلى ~~هذا التقدير سقط ما ذكرتموه من الاستدلال والله أعلم . # وأما المطلب الثالث : فهو دلالة الآية على صحة القول بالبعث والقيامة ، ~~وتقريره أنه لو لم توجد القيامة لتعطل استيفاء حقوق المظلومين من الظالمين ~~، ولتعطل توفية الثواب على المطيعين وتوفية العقاب على الكافرين وذلك يمنع ~~من القول بأنه تعالى خلق السماوات والأرض وما بينها لابالحق . # وأما قوله تعالى : { وأجل مسمى } فالمراد أنه ما خلق هذه الأشياء إلا ~~بالحق وإلا لأجل مسمى وهذا يدل على أن إلاه العالم ما خلق هذا العالم ليبقى ~~مخلدا سرمدا ، بل إنما خلقه ليكون دارا للعمل ، ثم إنه سبحانه يفنيه ثم ~~يعيده ، فيقع الجزاء في الدار الآخرة ، فعلى هذا الأجل المسمى هو الوقت ~~الذي عينه الله تعالى لإفناء الدنيا . # ثم قال تعالى : { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } والمراد أن مع نصب ~~الله تعالى هذه الدلائل ومع إرسال الرسل وإنزال الكتب ومع مواظبة الرسل على ~~الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار / بقي هؤلاء الكفار معرضين عن هذه ~~الدلائل غير ملتفتين إليها ، وهذا يدل على وجوب النظر والاستدلال ، وعلى أن ~~الإعراض عن الدليل مذموم في الدين والدنيا . # واعلم أنه تعالى لما قرر هذا الأصل الدال على إثبات الإلاه ، وعلى إثبات ~~كونه عادلا رحيما ، وعلى إثبات البعث والقيامة بنى عليه التفاريع . # فالفرع الأول : الرد على عبدة الأصنام فقال : { قل ms8188 أرأيتم ما تدعون من ~~دون الله } وهي الأصنام { أرونى } أي أخبروني { ماذا خلقوا من الارض أم لهم ~~شرك فى * السماوات } والمراد أن / هذه الأصنام ، هل يعقل أن يضاف إليها خلق ~~جزء من أجزاء هذا العالم ؟ فإن لم يصح ذلك فهل يجوز أن يقال إنها أعانت ~~إلاه العالم في خلق جزء من أجزاء هذا العالم ، ولما كان صريح العقل حاكما ~~بأنه لا يجوز إسناد خلق جزء من أجزاء هذا PageV28P004 العالم إليها ، وإن ~~كان ذلك الجزء أقل الأجزاء ، ولا يجوز أيضا إسناد الإعانة إليها في أقل ~~الأفعال وأذلها ، فحينئذ صح أن الخالق الحقيقي لهذا العالم هو الله سبحانه ~~، وأن المنعم الحقيقي بجميع أقسام النعم هو الله سبحانه ، والعبادة عبارة ~~عن الإتيان بأكمل وجوه التعظيم ، وذلك لا يليق إلا بمن صدر عنه أكمل وجوه ~~الإنعام ، فلما كان الخالق الحق والمنعم الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى ، ~~وجب أن لا يجوز الإتيان بالعبادة والعبودية إلا له ولأجله ، بقي أن يقال ~~إنا لا نعبدها لأنها تستحق هذه العبادة ، بل إنما نعبدها لأجل أن الإلاه ~~الخالق المنعم أمرنا بعبادتها ، فعند هذا ذكر الله تعالى ما يجري مجرى ~~الجواب عن هذا السؤال ، فقال : { ائتونى بكتاب من قبل هاذا أو أثارة من علم ~~} وتقرير هذا الجواب أن ورود هذا الأمر لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي ~~والرسالة ، فنقول هذا الوحي الدال على الأمر بعبادة هذه الأوثان ، إما أن ~~يكون على محمد أو في سائر الكتب الإلاهية المنزلة على سائر الأنبياء ، وإن ~~لم يوجد ذلك في الكتب الإلاهية لكنه من تقابل العلوم المنقولة عنهم والكل ~~باطل ، أما إثبات ذلك بالوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهو معلوم ~~البطلان ، وأما إثباته بسبب اشتمال الكتب الإلاهية المنزلة على الأنبياء ~~المتقدمين عليه ، فهو أيضا باطل ، لأنه علم بالتواتر الضروري إطباق جميع ~~الكتب الإلاهية على المنع من عبادة الأصنام ، وهذا هو المراد من قوله تعالى ~~: { ائتونى بكتاب من قبل هاذا } ، وأما إثبات ذلك بالعلوم المنقولة عن ~~الأنبياء سوى ما جاء في الكتب فهذا ms8189 أيضا باطل ، لأن العلم الضروري حاصل بأن ~~أحدا من الأنبياء ما دعا إلى عبادة الأصنام ، وهذا هو المراد من قوله { أو ~~أثارة من علم } ولما بطل الكل ثبت أن الاشتغال بعبادة الأصنام عمل باطل ~~وقول فاسد وبقي في قوله تعالى : { أو أثارة من علم } نوعان من البحث . # النوع الأول : البحث اللغوي قال أبو عبيدة والفراء والزجاج { أثارة من ~~علم } أي بقية وقال المبرد { أثارة } ما يؤثر من علم أي بقية ، وقال المبرد ~~{ أثارة } تؤثر { من علم } كقولك هذا الحديث يؤثر عن فلان ، ومن هذا المعنى ~~سميت الأخبار بالآثار يقال جاء في الأثر كذا وكذا ، قال الواحدي : وكلام ~~أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال : الأول : البقية ~~واشتقاقها من أثرت الشيء أثيره إثارة كأنها بقية تستخرج فتثار الثاني : من ~~الأثر الذي هو الرواية والثالث : هو الأثر بمعنى العلامة ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) وقرىء { أثارة } أي من شيء أوثرتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به ~~لغيركم وقرىء { أثارة } بالحركات الثلاث مع سكون الثاء فالإثرة بالكسر ~~بمعنى الأثر / وأما الإثر فالمرأة من مصدر أثر الحديث إذا رواه ، وأما ~~الأثرة بالضم فاسم ما يؤثر كالخطبة اسم لما يخطب به ، وهاهنا قول آخر في ~~تفسير قوله تعالى : { أو أثارة من علم } / وهو ما روي عن ابن عباس أنه قال ~~: { أو أثارة من علم } هو علم الخط الذي يخط في الرمل والعرب كانوا يخطونه ~~وهو علم مشهور ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كان نبي من ~~الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه علم علمه ) وعلى هذا الوجه فمعنى الآية ~~ائتوني بعلم من قبل هذا الخط الذي تخطونه في الرمل يدل على صحة مذهبكم في ~~عبادة الأصنام ، فإن صح تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من باب التهكم بهم ~~وبأقوالهم ودلائلهم والله تعالى أعلم . # PageV28P005 ! 7 < { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى ~~يوم القيامة وهم عن دعآئهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين ms8190 * وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما ~~جآءهم هاذا سحر مبين * أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لى من ~~الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بينى وبينكم وهو الغفور ~~الرحيم } . > 7 ! # / < < # | الأحقاف : ( 5 ) ومن أضل ممن . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بين فيما سبق أن القول بعبادة الأصنام قول باطل ، من ~~حيث إنها لا قدرة لها ألبتة على الخلق والفعل والإيجاد والإعدام والنفع ~~والضر ، فأردفه بدليل آخر يدل على بطلان ذلك المذهب ، وهي أنها جمادات فلا ~~تسمع دعاء الداعين ، ولا تعم حاجات المحتاجين ، وبالجملة فالدليل الأول كان ~~إشارة إلى نفي العلم من كل الوجوه ، وإذا انتفى العلم والقدرة من كل الوجوه ~~لم تبق عبادة معلومة ببديهة العقل فقوله { ومن أضل ممن * يدعوا * من دون ~~الله } استفهام على سبيل الإنكار والمعنى أنه لا أمرا أبعد عن الحق ، وأقرب ~~إلى الجهل ممن يدعوا من دون الله الأصنام ، فيتخذها آلهة ويعبدها وهي إذا ~~دعيت لا تسمع ، ولا تصح منها الإجابة لا في الحال ولا بعد ذلك اليوم إلى ~~يوم القيامة ، وإنما جعل ذلك غاية لأن يوم القيامة قد قيل إنه تعالى يحييها ~~وتقع بينها وبين من / يعبدها مخاطبة فلذلك جعله تعالى حدا ، وإذا قامت ~~القيامة وحشر الناس فهذه الأصنام تعادي هؤلاء العابدين ، واختلفوا فيه ~~فالأكثرون على أنه تعالى يحيي هذه الأصنام يوم القيامة وهي تظهر عداوة ~~هؤلاء العابدين وتتبرأ منهم ، وقال بعضهم بل المراد عبدة الملائكة وعيسى ~~فإنهم في يوم القيامة يظهرون عداوة هؤلاء العابدين فإن قيل ما المراد بقوله ~~تعالى : { وهم عن دعائهم غافلون } وكيف يعقل وصف الأصنام وهي جمادات ~~بالغفلة ؟ وأيضا كيف جاز وصف الأصنام بما لا يليق إلا بالعقلاء ؟ وهي لفظة ~~من وقوله { هم غافلون } قلنا إنهم لما عبدوها ونزلوها منزلة من يضر وينفع ~~صح أن يقال فيها إنها بمنزلة الغافل الذي لا يسمع ولا يجيب . وهذا هو ~~الجواب أيضا عن قوله إن لفظة من ولفظة { هم } كيف يليق بها ، وأيضا يجوز أن ms8191 ~~يريد كل معبود من دون الله من الملائكة وعيسى وعزير والأصنام إلا أنه غلب ~~غير الأوثان على الأوثان . # واعلم أنه تعالى لما تكلم في تقرير التوحيد ونفي الأضداد والأنداد تكلم ~~في النبوة وبين أن محمدا صلى الله عليه وسلم كلما عرض عليهم نوعا من أنواع ~~المعجزات زعموا أنه سحر فقال وإذا تتلى عليهم الآيات البينة وعرضت عليهم ~~المعجزات الظاهرة سموها بالسحر ، ولما بين أنهم يسمون المعجزة بالسحر بين ~~أنهم متى سمعوا القرآن قالوا إن محمدا افتراه واختلقه من عند نفسه ، ومعنى ~~الهمزة في أم للإنكار والتعجب كأنه قيل دع هذا واسمع القول المنكر العجيب ، ~~ثم إنه تعالى بين بطلان شبهتهم فقال إن افتريته على سبيل الفرض ، فإن الله ~~تعالى يعاجلني بعقوبة بطلان ذلك الافتراء وأنتم لا تقدرون على دفعه عن ~~معاجلتي بالعقوبة فكيف أقدم على PageV28P006 هذه الفرية ، وأعرض نفسي ~~لعقابه ؟ يقال فلان لا يملك نفسه إذا غضب ولا يملك عنانه إذا صمم ، ومثله { ~~فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم } ( المائدة : 17 ) ~~، { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } ( المائدة : 41 ) ومن ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا أملك لكم من الله شيئا ) . # ثم قال تعالى : { هو أعلم بما تفيضون فيه } أي تندفعون فيه من القدح في ~~وحي الله تعالى والطعن في آياته وتسميته سحرا تارة وفرية أخرى { كفى به ~~شهيدا بينى وبينكم } يشهد لي بالصدق ويشهد عليكم بالكذب والجحود ، ومعنى ~~ذكر العلم والشهادة وعيد لهم على إقامتهم في الطعن والشتم . # ثم قال : { وهو الغفور الرحيم } بمن رجع عن الكفر وتاب واستعان بحكم الله ~~عليهم مع عظم ما ارتكبوه . # ! 7 < { قل ما كنت بدعا من الرسل ومآ أدرى ما يفعل بى ولا بكم إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلى ومآ أنا إلا نذير مبين * قل أرءيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به وشهد شاهد من بنىإسراءيل على مثله فأامن واستكبرتم إن الله لا ~~يهدى القوم الظالمين * وقال الذين كفروا للذين ءامنوا ms8192 لو كان خيرا ما ~~سبقونآ إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هاذآ إفك قديم * ومن قبله كتاب موسى ~~إماما ورحمة وهاذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ~~* إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * ~~أولائك أصحاب الجنة خالدين فيها جزآء بما كانوا يعملون * ووصينا الإنسان ~~بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى ~~إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنىأن أشكر نعمتك التىأنعمت على ~~وعلى والدى وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لى فى ذريتىإنى تبت إليك وإنى من ~~المسلمين * أولائك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم ~~فىأصحاب الجنة وعد الصدق الذى كانوا يوعدون * والذى قال لوالديه أف لكمآ ~~أتعداننى أن أخرج وقد خلت القرون من قبلى وهما يستغيثان الله ويلك ءامن إن ~~وعد الله حق فيقول ما هاذآ إلا أساطير الا ولين * أولائك الذين حق عليهم ~~القول فىأمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين * ولكل ~~درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون * ويوم يعرض الذين كفروا ~~على النار أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون ~~عذاب الهون بما كنتم تستكبرون فى الا رض بغير الحق وبما كنتم تفسقون * ~~واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالا حقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ~~ألا تعبدوا إلا الله إنىأخاف عليكم عذاب يوم عظيم } . > 7 ! # / < < # | الأحقاف : ( 9 ) قل ما كنت . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم شكو في كون القرآن معجزا ، بأن ~~قالوا إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام الله على سبيل الفرية ~~، حكى عنهم نوعا آخر من الشبهات ، وهو أنهم كانوا يقترحون منه معجزات عجيبة ~~قاهرة ، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات ، فأجاب الله تعالى عنه بأن قال ~~: { قل ما كنت بدعا من الرسل } والبدع والبديع من كل شيء المبدأ والبدعة ما ~~اخترع مما لم يكن موجودا قبله بحكم السنة ، وفيه ms8193 وجوه الأول : { ما كنت ~~بدعا من الرسل } أي ما كنت أولهم / فلا ينبغي أن تنكروا إخباري بأني رسول ~~الله إليكم ، ولا تنكروا دعائي لكم إلى التوحيد ، ونهيي عن عبادة الأصنام ، ~~فإن كل الرسل إنما بعثوا بهذا الطريق الوجه الثاني : أنهم طلبوا منه معجزات ~~عظيمة وأخبارا عن الغيوب فقال : { قل ما كنت بدعا من الرسل } والمعنى أن ~~الإتيان بهذه المعجزات القاهرة والإخبار عن هذه الغيوب ليس في وسع البشر ، ~~وأنا من جنس الرسل واحد منهم لم يقدر على ما تريدونه فكيف أقدر عليه ؟ ~~الوجه الثالث : أنهم كانوا يعيبونه أنه PageV28P007 يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق وبأن أتباعه فقراء فقال : { قل ما كنت بدعا من الرسل } وكلهم كانوا ~~على هذه الصفة وبهذه المثابة فهذه الأشياء لا تقدح في نبوتي كما لا تقدح في ~~نبوتهم . # ثم قال : { وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : في تفسير الآية وجهان أحدهما : أن يحمل ذلك على أحوال ~~الدنيا والثاني : أن يحمل على أحوال الآخرة أما الأول : ففيه وجوه الأول : ~~لا أدري ما يصير إليه أمري وأمركم ، ومن الغالب منا والمغلوب والثاني : قال ~~ابن عباس في رواية الكلبي : لما اشتد البلاء بأصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء ، فقصها على ~~أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج مما هم فيه من أذى المشركين ، ثم ~~إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك ، ، فقالوا يا رسول الله ما ~~رأينا الذي قلت ومتى نهاجر إلى الأرض التي رأيتها في المنام ؟ فسكت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { ما * أدرى ما يفعل بى ولا بكم } ~~وهو شيء رأيته في المنام ، وأنا لا أتبع إلا ما أوحاه الله إلي الثالث : ~~قال الضحاك لا أدري ما تؤمرون به ولا أؤمر به في باب التكاليف والشرائع ~~والجهاد ولا في الابتلاء والامتحان وإنما أنذركم بما أعلمني الله به من ~~أحوال الآخرة في الثواب والعقاب والرابع : المراد أنه ms8194 يقول لا أدري ما يفعل ~~بي في الدنيا أأموت أم أقتل كما قتل الأنبياء قبلي ولا أدري ما يفعل بكم ~~أيها المكذبون ، أترمون بالحجارة من السماء ، أم يخسف بكم أم يفعل بكم ما ~~فعل بسائر الأمم ، أما الذين حملوا هذه الآية على أحوال الآخرة ، فروي عن ~~ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود ~~وقالوا كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به وبنا ؟ فأنزل الله تعالى : { إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } إلى قوله { وكان ~~ذلك عند الله فوزا عظيما } ( الفتح : 1 5 ) فبين تعالى ما يفعل به وبمن ~~أتبعه ونسخت هذه الآية ، وأرغم الله أنف المنافقين والمشركين . وأكثر ~~المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا عليه بوجوهالأول : أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا بد وأن يعلم من نفسه كونه نبيا ومتى علم كونه نبيا علم أنه لا ~~تصدر عنه الكبائر وأنه مغفور له ، وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكا في أنه هل ~~هو مغفور له أم لا الثاني : لا شك أن الأنبياء أرفع حالا من الأولياء ، ~~فلما قل في هذا { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون } ( الأحقاف : 17 ) فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس ~~الأتقياء وقدوة الأنبياء والأولياء شاكا في أنه هل هو من المغفورين أو من ~~المعذبين ؟ الثالث : أنه تعالى قال : { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ( ~~الأنعام : 124 ) والمراد منه كمال حاله ونهاية قربه من حضرة الله تعالى ، ~~ومن هذا حاله كيف يليق به أن يبقى شاكا في أنه من المعذبين أو من المغفورين ~~؟ فثبت أن هذا القول ضعيف . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) قرىء { ما يفعل } يفتح الياء أي ~~يفعل الله عز وجل فإن قالوا { ما يفعل } مثبت وغير منفي وكان وجه الكلام أن ~~يقال : ما يفعل بي وبكم ؟ قلنا التقدير ما أدري ما يفعل بي وما أدري ما ~~يفعل بكم . # ثم قال تعالى : { إن أتبع إلا ما ms8195 يوحى إلى } يعني إني لا أقول قولا ولا ~~أعمل عملا إلا بمقتضى الوحي واحتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما قال قولا ولا عمل عملا إلا بالنص الذي أوحاه الله إليه ، ~~فوجب أن يكون حالنا كذلك بيان الأول : قوله تعالى : { إن أتبع إلا ما يوحى ~~إلى } بيان الثاني : قوله تعالى : PageV28P008 { واتبعوه } ( الأعراف : 158 ~~) وقوله تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } ( النور : 63 ) . # ثم قال تعالى : { وما أنا إلا نذير مبين } كانوا يطالبونه بالمعجزات ~~العجيبة وبالإخبار عن الغيوب فقال قل : { وما أنا إلا نذير مبين } والقادر ~~على تلك الأعمال الخارجة عن قدرة البشر والعالم بتلك الغيوب ليس إلا الله ~~سبحانه . # ثم قال تعالى : { قل أرءيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من ~~بنى إسراءيل على مثله فئامن واستكبرتم إن } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : جواب الشرط محذوف والتقدير أن يقال إن كان هذا الكتاب ~~من عند الله ثم كفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على صحته ثم استكبرتم ~~لكنتم من الخاسرين ثم حذف هذا الجواب ، ونظيره قولك إن أحسنت إليك وأسأت ~~إلي وأقبلت عليك وأعرضت عني فقد ظلمتني ، فكذا ههنا التقدير أخبروني إن ثبت ~~أن القرآن من عند الله بسبب عجز الخلق عن معارضته ثم كفرتم به وحصل أيضا ~~شهادة أعلم بني إسرائيل بكونه معجزا من عند الله فلو استكبرتم وكفرتم ألستم ~~أضل الناس وأظلمهم ، واعلم أن جواب الشرط قد يحذف في بعض الآيات وقد يذكر ، ~~أما الحذف فكما في هذه الآية ، وكما في قوله تعالى : { ولو أن قرانا سيرت ~~به الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى } ( الرعد : 31 ) وأما ~~المذكور ، فكما في قوله تعالى : { قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم ~~به من أضل } ( فصلت : 52 ) وقوله { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إلاه غير الله يأتيكم بضياء } ( القصص : 71 ) . # المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله تعالى : { وشهد شاهد من بنى ms8196 ~~إسراءيل } على قولين الأول : وهو الذي قال به الأكثرون أن هذا الشاهد عبد ~~الله بن سلام ، روى صاحب ( الكشاف ) أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب وتأمله وتحقق أنه هو ~~النبي صلى الله عليه وسلم المنتظر ، فقال له إني سائلك عن ثلاث ما يعلمهن ~~إلا نبي ما أول أشراط الساعات ، وما أول طعام يأكله أهل الجنة ، والولد ~~ينزع إلى أبيه أو إلى أمه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( أما أول أشراط ~~الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب ، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة ~~فزيادة كبد الحوت ، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزع له وإن سبق ماء ~~المرأة نزع لها ) فقال أشهد أنك لرسول الله حقا ، ثم قال يا رسول الله إن ~~اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك ، فجاءت ~~اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أي رجل عبد الله فيكم ؟ فقالوا ~~خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا فقال أرأيتم إن ~~أسلم عبد الله ؟ فقالوا أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله فقال أشهد أن لا ~~إلاه إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه ~~فقال هذا ما كنت أخاف يا رسول الله فقال سعد بن أبي وقاص ما سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض / إنه من أهل الجنة إلا لعبد ~~الله بن سلام ، وفيه نزل { وشهد شاهد من بنى إسراءيل على مثله } . # واعلم أن الشعبي ومسروقا وجماعة آخرين أنكروا أن يكون الشاهد المذكور في ~~هذه الآية هو عبد الله بن سلام قالوا لأن إسلامه كان بالمدينة قبل وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامين وهذه السورة مكية فكيف يمكن حمل هذه ~~الآية المكية على واقعة حدثت في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة ، وأجاب الكلبي بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية ms8197 وكانت ~~الآية تنزل فيؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في سورة كذا فهذا ~~PageV28P009 الآية نزلت بالمدينة وإن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بأن يضعها في هذه السورة المكية في هذا الموضع المعين ، ولقائل أن ~~يقول إن الحديث الذي رويتم عن عبد الله بن سلام مشكل ، وذلك لأن ظاهر ~~الحديث يوهم أنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاثة ، ~~وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الجوابات من عبد الله بن سلام لأجل أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تلك الجوابات وهذا بعيد جدا لوجهين الأول : ~~أن الإخبار عن أول أشراط الساعة وعن أول طعام يأكله أهل الجنة إخبار عن ~~وقوع شيء من الممكنات ، وما هذا سبيله فإنه لا يعرف كون ذلك الخبر صدقا إلا ~~إذا عرف أولا كون المخبر صادقا فلو أنا عرفنا صدق المخبر يكون ذلك الخبر ~~صدقا لزم الدور وإنه محال والثاني : أنا نعلم بالضرورة أن الجوابات ~~المذكورة عن هذه المسائل لا يبلغ العلم بها إلى حد الإعجاز ألبتة ، بل نقول ~~الجوابات القاهرة عن المسائل الصعبة لما لم تبلغ إلى حد الإعجاز فأمثال هذه ~~الجوابات عن هذه السؤالات كيف يمكن أن يقال إنها بلغت إلى حد الإعجاز ~~والجواب : يحتمل أنه جاء في بعض كتب الأنبياء المتقدمين أن رسول آخر الزمان ~~يسأل عن هذه المسائل وهو يجيب عنها بهذه الجوابات وكان عبد الله بن سلام ~~عالما بهذا المعنى فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم وأجاب بتلك الأجوبة ~~عرف بهذا الطريق كونه رسولا حقا من عند الله ، وعلى هذا الوجه فلا حاجة بنا ~~إلى أن نقول العلم بهذه الجوابات معجز والله أعلم . # القول الثاني : في تفسير قوله تعالى : { وشهد شاهد من بنى إسراءيل } أنه ~~ليس المراد منه شخصا معينا بل المراد منه أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ~~موجود في التوراة والبشارة بمقدمه حاصلة فيها فتقدير الكلام لو أن رجلا ~~منصفا عارفا بالتوراة أقر بذلك واعترف به ، ثم ms8198 إنه آمن بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وأنكرتم ألستم كنتم ظالمين لأنفسكم ضالين عن الحق ؟ فهذا الكلام مقرر ~~سواء كان المراد بذلك الشاهد شخصا معينا أو لم يكن كذلك لأن المقصود الأصلي ~~من هذا الكلام أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب من عند الله وثبت ~~أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم ومع هذين ~~الأمرين كيف يليق بالعقل إنكار نبوته . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { على مثله } ذكروا فيه وجوها ، والأقرب ~~أن نقول إنه صلى الله عليه وسلم قال لهم أرأيتم إن كان هذا القرآن من عند ~~الله كما أقول وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل ما قلت فآمن واستكبرتم ~~ألستم كنتم ظالمين أنفسكم . # / ثم قال تعالى : { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تهديد وهو قائم مقام الجواب المحذوف والتقدير قل ~~أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ~~ضالين . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى إنما منعهم ~~الهداية بناء على الفعل القبيح الذي صدر منهم أولا ، فإن قوله تعالى : { إن ~~الله لا يهدى القوم الظالمين } صريح في أنه تعالى لا يهديهم لكونهم ظالمين ~~أنفسهم فوجب أن يعتقدوا في جميع الآيات الواردة في المنع من الإيمان ~~والهداية أن يكون الحال فيها كما ههنا والله أعلم . # ثم قال تعالى : { وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ما سبقونا ~~إليه } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذه شبهة أخرى للقوم في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، وفي سبب نزوله وجوه : الأول : أن PageV28P010 هذا كلام كفار مكة ~~قالوا إن عامة من يتبع محمدا الفقراء والأراذل مثل عمار وصهيب وابن مسعود ، ~~ولو كان هذا الدين خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء الثاني : قيل لما أسلمت جهينة ~~ومزينة وأسلم وغفار ، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لو كان هذا خيرا ما ~~سبقنا إليه رعاء ألبهم الثالث : قيل إن أمة لعمر أسلمت وكان عمر يضربها ms8199 حتى ~~يفتر ، ويقول لولا أني فترت لزدتك ضربا ، فكان كفار قريش يقولون لو كان ما ~~يدعو محمد إليه حقا ما سبقتنا إليه فلانة . الرابع : قيل كان اليهود يقولون ~~هذا الكلام عند إسلام عبد الله بن سلام . # المسألة الثانية : اللام في قوله تعالى : { للذين ءامنوا } ذكروا فيه ~~وجهين : الأول : أن يكون المعنى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا ، على وجه ~~الخطاب كما تقول قال زيد لعمرو ، ثم تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة كقوله ~~تعالى : { حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم } ( يونس : 22 ) الثاني : قال ~~صاحب ( الكشاف ) { للذين ءامنوا } لأجلهم يعني أن الكفار قالوا لأجل إيمان ~~الذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ، وعندي فيه وجه الثالث : وهو أن ~~الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا ~~جماعة من المؤمنين الحاضرين ، وقالوا لهم لو كان هذا الدين خيرا لما سبقنا ~~إليه أولئك الغائبون الذين أسلموا . # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا الكلام أجاب عنه بقوله { وإذ لم يهتدوا ~~به فسيقولون هاذا إفك قديم } والمعنى أنهم لما لم يقفوا على وجه كونه معجزا ~~، فلا بد من عامل في الظرف في قوله { وإذ لم يهتدوا به } ومن متعلق لقوله { ~~فسيقولون } وغير مستقيم أن يكون { فسيقولون } هو العامل في الظرف لتدافع ~~دلالتي المضي والاستقبال ، فما وجه هذا الكلام ؟ وأجاب عنه بأن العامل في ~~إذ محذوف لدلالة الكلام عليه ، والتقدير { وإذ لم يهتدوا به } ظهر عنادهم { ~~فسيقولون هاذا إفك قديم } . # ثم قال تعالى : { ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة } كتاب موسى مبتدأ ، ~~ومن قبله ظرف / واقع خبرا مقدما عليه ، وقوله { إماما } نصب على الحال ~~كقولك في الدار زيد قائما ، وقرىء { ومن قبله كتاب موسى } والتقدير : ~~وآتينا الذي قبله التوراة ، ومعنى { إماما } أي قدوة { ورحمة } يؤتم به في ~~دين الله وشرائعه ، كما يؤتم بالإمام { ورحمة } لمن آمن به وعمل بما فيه ، ~~ووجه تعلق هذا الكلام بما قبله أن القوم طعنوا في صحة القرآن / وقالوا لو ~~كان خيرا ما سبقنا إليه ms8200 هؤلاء الصعاليك ، وكأنه تعالى قال : الذي يدل على ~~صحة القرآن أنكم لا تنازعون في أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه ~~السلام ، وجعل هذا الكتاب إماما يقتدى به ، ثم إن التوراة مشتملة على ~~البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا سلمتم كون التوراة إماما يقتدى ~~به ، فاقبلوا حكمه في كون محمد صلى الله عليه وسلم حقا من الله . # ثم قال تعالى : { وهاذا كتاب مصدق لسانا عربيا } أي هذا القرآن مصدق ~~لكتاب موسى في أن محمدا رسول حقا من عند الله وقوله تعالى : { لسانا عربيا ~~} نصب على الحال ، ثم قال : { لينذر الذين ظلموا } قال ابن عباس مشركي مكة ~~، وفي قوله { لتنذر } قراءتان التاء لكثرة ما ورد من هذا المعنى بالمخاطبة ~~كقوله تعالى : { لتنذر به وذكرى للمؤمنين } ( الأعراف : 2 ) والياء لتقدم ~~ذكر الكتاب فأسند الإنذار إلى الكتاب كما أسند إلى الرسول ، وقوله تعالى : ~~{ الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب } إلى قوله { لينذر بأسا شديدا من ~~لدنه } ( الكهف : 1 / 2 ) . PageV28P011 # ثم قال تعالى : { وبشرى للمحسنين } قال الزجاج الأجود أن يكون قوله { ~~وبشرى } في موضع رفع ، والمعنى وهو بشرى للمحسنين ، قال ويجوز أن يكون في ~~موضع نصب على معنى { لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين } وحاصل الكلام أن ~~المقصود من إنزال هذا الكتاب إنذار المعرضين وبشارة المطيعين . # ! 7 < { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون * أولائك أصحاب الجنة خالدين فيها جزآء بما كانوا يعملون * ووصينا ~~الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنىأن أشكر نعمتك ~~التىأنعمت على وعلى والدى وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لى فى ذريتىإنى تبت ~~إليك وإنى من المسلمين * أولائك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن ~~سيئاتهم فىأصحاب الجنة وعد الصدق الذى كانوا يوعدون } . > 7 ! # / < < # | الأحقاف : ( 13 ) إن الذين قالوا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبهات المنكرين ~~وأجاب عنها ، ذكر بعد ذلك طريقة ms8201 المحقين والمحققين فقال : { إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا } وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة في سورة السجدة والفرق ~~بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلون ويقولون { أن لا * ~~تخافوا ولا تحزنوا } ( فصلت : 30 ) وهاهنا رفع الواسطة من البين وذكر أنه { ~~لا خوف عليهم ولا هم } فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة ~~يبلغون إليهم هذه البشارة ، وأن الحق سبحانه يسمعهم هذه البشارة أيضا من ~~غير واسطة . # واعلم أن هذه الآيات دالة على أن من آمن بالله وعمل صالحا فإنهم بعد ~~الحشر لا ينالهم خوف ولا حزن ، ولهذا قال أهل التحقيق إنهم يوم القيامة ~~آمنون من الأهوال ، وقال بعضهم خوف العقاب زائل عنهم ، أما خوف الجلال ~~والهيبة فلا يزول ألبتة عن العبد ، ألا ترى أن الملائكة مع علو درجاتهم ~~وكمال عصمتهم لا يزول الخوف عنهم فقال تعالى : { يستكبرون يخافون ربهم من ~~فوقهم } ( النحل : 50 ) وهذه المسألة سبقت بالاستقصاء في آيات كثيرة منها ~~قوله تعالى : { لا يحزنهم الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ) . PageV28P012 # ثم قال تعالى : { أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون } ~~قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على مسائل أولها : قوله تعالى : { أولئك ~~أصحاب الجنة } وهذا يفيد الحصر ، وهذا يدل على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل ~~التوبة لا يدخل الجنة وثانيها : قوله تعالى : { جزاء بما كانوا يعملون } ~~وهذا يدل على فساد قول من يقول : الثواب فضل لا جزاء وثالثها : أن قوله ~~تعالى : { بما كانوا يعملون } يدل على إثبات العمل للعبد ورابعها : أن هذا ~~يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر في حال المؤثر ، أو أي أثر كان موجودا قبل ~~ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر وخامسها : كون العبد / ~~مستحقا على الله تعالى ، وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين ، لا ~~جرم أردفه بهذا المعنى ، فقال تعالى : { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } وقد ~~تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت ms8202 ، وفي سورة لقمان ، وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي { بوالديه إحسانا } والباقون { ~~حسنا } . # واعلم أن الإحسان خلاف الإساءة والحسن خلاف القبيح ، فمن قرأ { إحسانا } ~~فحجته قوله تعالى في سورة بني إسرائيل { وبالوالدين إحسانا } ( الإسراء : ~~43 ) والمعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحسانا ، وحجة القراءة الثانية قوله ~~تعالى في العنكبوت { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } ( العنكبوت : 8 ) ولم ~~يختلفوا فيه ، والمراد أيضا أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلا حسنا ، إلا ~~أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل المبالغة ، كما يقال : هذا الرجل ~~علم وكرم ، وانتصب حسنا على المصدر ، لأن معنى { ووصينا الإنسان بوالديه } ~~أمرناه أن يحسن إليهما { إحسانا } . # ثم قال تعالى : { حملته أمه كرها ووضعته كرها } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي { كرها } بضم الكاف ~~، والباقون بفتحها ، قيل هما لغتان : مثل الضعف والضعف ، والفقر والفقر ، ~~ومن غير المصادر : الدف والدف ، والشهد والشهد ، قال الواحدي : الكره مصدر ~~من كرهت الشيء أكرهه ، والكره الاسم كأنه الشيء المكروه قال تعالى : { كتب ~~عليكم القتال وهو كره لكم } ( البقرة : 216 ) فهذا بالضم ، وقال : { أن ~~ترثوا النساء كرها } ( النساء : 19 ) فهذا في موضع الحال ، ولم يقرأ ~~الثانية بغير الفتح ، فما كان مصدرا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن ، ~~وما كان اسما نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن . # المسألة الثانية : قال المفسرون . حملته أمه على مشقة ووضعته في مشقة ، ~~وليس يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة ، وقد قال تعالى : { فلما ~~تغشاها حملت حملا خفيفا } ( الأعراف : 189 ) يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك ~~لا يكون مشقة ، فالحمل نطفة وعلقة ومضغة ، فإذا أثقلت فحينئذ { حملته كرها ~~ووضعته كرها } يريد شدة الطلق . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن حق الأم أعظم ، لأنه تعالى قال أولا ~~: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } فذكرهما معا ، ثم خص الأم بالذكر ، فقال ~~: { حملته أمه كرها ووضعته كرها } وذلك يدل على أن حقها أعظم ، وأن وصول ~~المشاق إليها بسبب الولد أكثر ، والأخبار مذكورة في هذا الباب . ~~PageV28P013 # ثم قال ms8203 تعالى : { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا من باب حذف المضاف ، والتقدير ومرة حمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا والفصال الفطام وهو فصله عن اللبن ، فإن قيل المراد بيان مدة ~~الرضاعة لا الفطام ، فكيف عبر عنه بالفصال ؟ قلنا : لما كان الرضاع يليه ~~الفصال ويلائمه ، لأنه ينتهي ويتم به سمي فصالا . # / المسألة الثانية : دلت الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، لأنه لما ~~كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرا ، قال : { والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين } ( البقرة : 233 ) فإذا أسقطت الحولين الكاملين وهي ~~أربعة وعشرون شهرا من الثلاثين ، بقي أقل مدة الحمل ستة أشهر . روي عن عمر ~~أن امرأة رفعت إليه ، وكانت قد ولدت لستة أشهر ، فأمر برجمها ، فقال علي : ~~لا رجم عليها ، وذكر الطريق الذي ذكرناه ، وعن عثمان أنه هم بذلك ، فقرأ ~~ابن عباس عليه ذلك . # واعلم أن العقل والتجربة يدلان أيضا على أن الأمر كذلك ، قال أصحاب ~~التجارب : إن لتكوين الجنين زمانا مقدرا ، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك ~~الجنين ، فإذا انضاف إلى ذلك المجموع مثلاه انفصل الجنين عن الأم ، فلنفرض ~~أنه يتم خلقه في ثلاثين يوما ، فإذا تضاعف ذلك الزمان حتى صار ستين تحرك ~~الجنين / فإذا تضاعف إلى هذا المجموع مثلاه وهو مائة وعشرون حتى صار ~~المجموع مائة وثمانين وهو ستة أشهر ، فحينئذ ينفصل الجنين ، فلنفرض أنه يتم ~~خلقه في خمسة وثلاثين يوما فيتحرك في سبعين يوما ، فإذا انضاف إليه مثلاه ~~وهو مائة وأربعون يوما صار المجموع مائة وثمانين وعشرة أيام ، وهو سبعة ~~أشهر انفصل الولد ، ولنفرض أنه يتم خلقه في أربعين يوما ، فيتحرك في ثمانين ~~يوما ، فينفصل عند مائتين وأربعين يوما ، وهو ثمانية أشهر ، ولنفرض أنه تمت ~~الخلقة في خمسة وأربعين يوما ، فيتحرك في تسعين يوما ، فينفصل عند مائتين ~~وسبعين يوما ، وهو تسعة أشهر ، فهذا هو الضبط الذي ذكره أصحاب التجارب . ~~قال جالينوس : إن كنت شديد التفحص عن مقادير أزمنة الحمل ، فرأيت امرأة ~~ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة ، وزعم أو علي بن سينا أنه شاهد ms8204 ذلك ~~، فقد صار أقل مدة الحمل بحسب نص القرآن ، وبحسب التجارب الطيبة شيئا واحدا ~~، وهو ستة أشهر ، وأما أكثر مدة الحمل ، فليس في القرآن ما يدل عليه ، قال ~~أبو علي بن سينا : في الفصل السادس من المقالة التاسعة من عنوان الشفاء ، ~~بلغني من حيث وثقت به كل الثقة ، أن امرأة وضعت بعد الرابع من سني الحمل ~~ولدا قد نبتت أسنانه وعاش . وحكي عن أرسطاطاليس أنه قال : أزمنة الولادة ، ~~وحبل الحيوان مضبوطة سوى الإنسان ، فربما وضعت الحبلى لسبعة أشهر ، وربما ~~وضعت في الثامن ، وقلما يعيش المولود في الثامن إلا في بلاد معينة مثل مصر ~~، والغالب هو الولادة بعد التاسع . قال أهل التجارب : والذي قلناه من أنه ~~إذا تضاعف زمان التكوين تحرك الجنين ، وإذا انضم إلى المجموع مثلاه انفصل ~~الجنين ، إنما قلناه بحسب التقريب لا بحسب التحديد ، فإنه ربما زاد أو نقص ~~بحسب الأيام ، لأنه لم يقم على هذا الضبط برهان ، إنما هو تقريب ذكروه بحسب ~~التجربة ، والله أعلم . # ثم قال المدة التي فيها تتم خلقة الجنين تنقسم إلى أقسام فأولها : أن ~~الرحم إذا اشتملت على المني ولم تقذفه إلى الخارج استدار المني على نفسه ~~منحصرا إلى ذاته وصار كالكرة ، ولما كان من شأن المني أن يفسده الحركات ، ~~لا جرم يثخن في هذا الوقت وبالحري أن خلق المني من مادة تجف / بالحر إذا ~~كان الغرض منه تكون الحيوان واستحصاف أجزائه ويصير المني زبدا في اليوم ~~السادس وثانيها : ظهور النقط الثلاثة PageV28P014 الدموية فيه إحداها : في ~~الوسط وهو الموضع الذي إذا تمت خلقته كان قلبا والثاني : فوق وهو الدماغ ~~والثالث : على اليمين وهو الكبد ، ثم إن تلك النقط تتباعد ويظهر فيما بينها ~~خيوط حمر ، وذلك يحصل بعد ثلاثة أيام أخرى فيكون المجموع تسعة أيام وثالثها ~~: أن تنفذ الدموية في الجميع فيصير علقة وذلك بعد ستة أيام أخرى حتى يصير ~~المجموع خمسة عشر يوما ورابعها : أن يصير لحما وقد تميزت الأعضاء الثلاثة ، ~~وامتدت رطوبة النخاع ، وذلك إنما يتم باثني عشر يوما فيكون المجموع سبعة ~~وعشرين ms8205 يوما وخامسها : أن ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع ~~والبطن يميز الحس في بعض ويخفى في بعض وذلك يتم في تسعة أيام أخرى فيكون ~~المجموع ستة وثلاثين يوما وسادسها : أن يتم انفصال هذه الأعضاء بعضها عن ~~بعض ويصير بحيث يظهر ذلك الحس ظهورا بينا ، وذلك يتم في أربعة أيام أخرى ~~فيكون المجموع أربعين يوما وقد يتأخر إلى خمسة وأربعين يوما قال والأقل هو ~~الثلاثون ، فصارت هذه التجارب الطبية مطابقة لما أخبر عنه الصادق المصدوق ~~في قوله صلى الله عليه وسلم : ( يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما ) ~~قال أصحاب التجارب إن السقط بعد الأربعين إذا شق عنه السلالة ووضع في الماء ~~البارد ظهر شيء صغير متميز الأطراف . # المسألة الثالثة : هذه الآية دلت على أقل الحمل وعلى أكثر مدة الرضاع / ~~أما أنها تدل على أقل مدة الحمل فقد بيناه ، وأما أنها تدل على أكثر مدة ~~الرضاع فلقوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة } ( البقرة : 233 ) والفقهاء ربطوا بهذين الضابطين أحكاما ~~كثيرة في الفقه ، وأيضا فإذا ثبت أن أقل مدة الحمل هو الأشهر الستة ، ~~فبتقدير أن تأتي المرأة بالولد في هذه الأشهر يبقى جانبها مصونا عن تهمة ~~الزنا والفاحشة وبتقدير أن يكون أكثر مدة الرضاع ما ذكرناه ، فإذا حصل ~~الرضاع بعد هذه المدة لا يترتب عليها أحكام الرضاع فتبقى المرأة مستورة عن ~~الأجانب ، وعند هذا يظهر أن المقصود من تقدير أقل الحمل ستة أشهر وتقدير ~~أكثر الرضاع حولين كاملين السعي في دفع المضار والفواحش وأنواع التهمة عن ~~المرأة ، فسبحان من له تحت كل كلمة من هذا الكتاب الكريم أسرار عجيبة ~~ونفائس لطيفة ، تعجز العقول عن الإحاطة بكمالها . # وروى الواحدي في ( البسيط ) عن عكرمة أنه قال إذا حملت تسعة أشهر أرضعته ~~أحدا وعشرين شهرا ، وإذا حملت ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهرا ، والصحيح ~~ما قدمناه . # ثم قال تعالى : { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنى أن ~~أشكر نعمتك التى أنعمت على } وفيه مسائل ms8206 : # المسألة الأولى : اختلف المفسرون في تفسير الأشد ، قال ابن عباس في رواية ~~عطاء يريد ثماني عشرة سنة والأكثرون من المفسرين على أنه ثلاثة وثلاثون سنة ~~، واحتج الفراء عليه / بأن قال أن الأربعين أقرب في النسق إلى ثلاث وثلاثين ~~منها إلى ثمانية عشر ، ألا ترى أنك تقول أخذت عامة المال أو كله ، فيكون ~~أحسن من قولك أخذت أقل المال أو كله ، ومثله قوله تعالى : { ربه سبيلا إن ~~ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ونصفه وثلثه } ( المزمل : 20 ) فبعض ~~هذه الأقسام قريب من بعض فكذا هاهنا ، وقال الزجاج الأولى حمله على ثلاث ~~وثلاثين سنة لأن هذا الوقت الذي يكمل فيه بدن الإنسان ، وأقول تحقيق الكلام ~~في هذا الباب أن يقال إن مراتب سن الحيوان ثلاثة ، وذلك لأن بدن الحيوان لا ~~يتكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية ، ولا شك أن الرطوبة الغريزية ~~PageV28P015 غالبة في أول العمر وناقصة في آخر العمر ، والانتقال من ~~الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلا إذا حصل الاستواء في وسط هاتين ~~المدتين ، فثبت أن مدة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام أولها : أن تكون ~~الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية وحينئذ تكون الأعضاء قابلة ~~للتمدد في ذواتها وللزيادة بحسب الطول والعرض والعمق وهذا هو سن النشوء ~~والنماء . # والمرتبة الثانية : وهي المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية ~~بحفظ الحرارة الغريزية من غير زيادة ولا نقصان وهذا هو سن الوقوف وهو سن ~~الشباب . # والمرتبة الثالثة : وهي المرتبة الأخيرة أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة ~~عن الوفاء بحفظ الحرارة الغريزية ثم هذا النقصان على قسمين فالأول : هو ~~النقصان الخفي وهو سن الكهولة والثاني : هو النقصان الظاهر وهو سن الشيخوخة ~~، فهذا ضبط معلوم . ثم ههنا مقدمة أخرى وهي أن دور القمر إنما يكمل في مدة ~~ثمانية وعشرين يوما وشيء ، فإذا قسمنا هذه المدة بأربعة أقسام كان كل قسم ~~منها سبعة فلهذا السبب قدروا الشهر بالأسابيع الأربعة ، ولهذه الأسابيع ~~تأثيرات عظيمة في اختلاف أحوال هذا العالم ، إذا عرفت هذا فنقول إن ~~المحققين من ms8207 أصحاب التجارب قسموا مدة سن النماء والنشوء إلى أربعة أسابيع ~~ويحصل للآدمي بحسب انتهاء كل سابوع من هذه السوابيع الأربعة نوع من التغير ~~يؤدي إلى كماله أما عند تمام السوابيع الأول من العمر فتصلب أعضاءه بعض ~~الصلابة / وتقوى أفعاله أيضا بعض القوة ، وتتبدل أسنانه الضعيفة الواهية ~~بأسنان قوية وتكون قوة الشهوة في هذا السابوع أقوى في الهضم مما كان قبل ~~ذلك ، وأما في نهاية السابوع الثاني فتقوى الحرارة وتقل الرطوبات وتتسع ~~المجاري وتقوى قوة الهضم وتقوى الأعضاء وتصلب قوة وصلابة كافية ويتولد فيه ~~مادة الزرع ، وعند هذا يحكم الشرع عليه بالبلوغ على قول الشافعي رضي الله ~~عنه ، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه ، لأن هذا الوقت لما قويت الحرارة ~~الغريزية قلت الرطوبات واعتدل الدماغ فتكمل القوى النفسانية التي هي الفكر ~~والذكر ، فلا جرم يحكم عليه بكمال العقل ، فلا جرم حكمت الشريعة بالبلوغ ~~وتوجه التكاليف الشرعية فما أحسن قول من ضبط البلوغ الشرعي بخمس عشرة سنة . # / واعلم أنه يتفرع على حصول هذه الحالة أحوال في ظاهر البدن أحدها : ~~انفراق طرف الأرنبة لأن الرطوبة الغريزية التي هناك تنتقص فيظهر الانفراق ~~وثانيها : نتوء الحنجرة وغلظ الصوت لأن الحرارة التي تنهض في ذلك الوقت ~~توسع الحنجرة فتنتوء ويغلظ الصوت وثالثها : تغير ريح الإبط وهي الفضلة ~~العفينة التي يدفعها القلب إلى ذلك الموضع وذلك لأن القلب لما قويت حرارته ~~، لا جرم قويت على إنضاج المادة ، ودفعها إلى اللحم الغددي الرخو الذي في ~~الإبط ورابعها : نبات الشعر وحصول الاحتلام ، وكل ذلك لأن الحرارة قويت ~~فقدرت على توليد الأبخرة المولدة للشعر وعلى توليد مادة الزرع ، وفي هذا ~~الوقت تتحرك الشهوة في الصبايا وينهد ثديهن وينزل حيضهن وكل ذلك بسبب أن ~~الحرارة الغريزية التي فيهن قويت في آخر هذا السابوع ، وأما في السابوع ~~الثالث فيدخل في حد الكمال وينبت للذكر اللحية ويزداد حسنه وكماله ، وأما ~~في السابوع الرابع فلا تزال هذه الأحوال فيه متكاملة متزايدة ، وعند انتهاء ~~السابوع الرابع نهاية أن لا يظهر الازدياد ، أما مدة سن ms8208 الشباب وهي مدة ~~الوقوف السابوع واحد فيكون المجموع خمسة وثلاثين سنة . ولما كانت هذه المدة ~~إما قد PageV28P016 تزداد ، وإما قد تنقص بحسب الأمزجة جعل الغاية فيه مدة ~~أربعين سنة . وهذا هو السن الذي يحصل فيه الكمال اللائق بالإنسان شرعا وطبا ~~، فإن في هذا الوقت تسكن أفعال القوى الطبيعية بعض السكون وتنتهي له أفعال ~~القوة الحيوانية غايتها ، وتبتدىء أفعال القوة النفسانية بالقوة والكمال ، ~~وإذا عرفت هذه المقدمة ظهر لك أن بلوغ الإنسان وقت الأشد شيء وبلوغه إلى ~~الأربعين شيء آخر ، فإن بلوغه إلى وقت الأشد عبارة عن الوصول إلى آخر سن ~~النشوء والنماء ، وأن بلوغه إلى الأربعين عبارة عن الوصول إلى آخر مدة ~~الشباب ، ومن ذلك الوقت تأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتقاص ، ~~وتأخذ القوة العقلية والنطقية في الاستكمال وهذا أحد ما يدل على أن النفس ~~غير البدن ، فإن البدن عند الأربعين يأخذ في الانتقاص ، والنفس من وقت ~~الأربعين تأخذ في الاستكمال ، ولو كانت النفس عين البدن لحصل للشيء الواحد ~~في الوقت الواحد الكمال والنقصان وذلك محال ، وهذا الكلام الذي ذكرناه ~~ولخصناه مذكور في صريح لفظ القرآن ، لأنا بينا أن عند الأربعين تنتهي ~~الكمالات الحاصلة بسبب القوى الطبيعية والحيوانية ، وأما الكمالات الحاصلة ~~بحسب القوى النطقية والعقلية فإنها تبتدىء بالاستكمال ، والدليل عليه قوله ~~تعالى : { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك ~~التى أنعمت على وعلى والدى } فهذا يدل على أن توجه الإنسان إلى عالم ~~العبودية والاشتغال بطاعة الله إنما يحصل من هذا الوقت ، وهذا تصريح بأن ~~القوة النفسانية العقلية النطقية إنما تبتدىء بالاستكمال من هذا الوقت ~~فسبحان من أودع في هذا الكتاب الكريم هذه الأسرار الشريفة المقدسة / قال ~~المفسرون لم يبعث نبي قط إلا بعد أربعين سنة ، وأقول هذا مشكل بعيسى عليه ~~السلام فإن الله جعله نبيا من أول عمره إلا أنه يجب أن يقال / الأغلب أنه ~~ما جاءه الوحي إلا بعد الأربعين ، وهكذا كان الأمر في حق رسولنا صلى الله ~~عليه وسلم ويروى أن عمر ms8209 بن عبد العزيز لما بلغ أربعين سنة كان يقول : اللهم ~~أوزعني أن أشكر نعمتك إلي تمام الدعاء ، وروي أنه جاء جبريل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ققال : ( يؤمر الحافظان أن أرفقا بعبدي من حداثة سنه ، حتى ~~إذا بلغ الأربعين قيل احفظا وحققا ) فكان راوي هذا الحديث إذا ذكر هذا ~~الحديث بكى حتى تبتل لحيته رواه القاضي في ( التفسير ) . # المسألة الثانية : اعلم أن قوله { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة } ~~يدل على أن الإنسان كالمحتاج إلى مراعاة الوالدين له إلى قريب من هذه المدة ~~، وذلك لأن العقل كالناقص ، فلا بد له من رعاية الأبوين على رعاية المصالح ~~ودفع الآفات ، وفيه تنبيه على أن نعم الوالدين على الولد بعد دخوله في ~~الوجود تمتد إلى هذه المدة الطويلة ، وذلك يدل على أن نعم الوالدين كأنه ~~يخرج عن وسع الإنسان مكافأتهما إلا بالدعاء والذكر الجميل . # المسألة الثالثة : حكى الواحدي عن ابن عباس وقوم كثير من متأخري المفسرين ~~ومتقدميهم أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، قالوا ~~والدليل عليه أن الله تعالى قد وقت الحمل والفصال ههنا بمقدار يعلم أنه قد ~~ينقص وقد يزيد عنه بسبب اختلاف الناس في هذه الأحوال فوجب أن يكون المقصود ~~منه شخصا واحدا حتى يقال إن هذا التقدير آخبار عن حاله فيمكن أن يكون أبو ~~بكر كان حمله وفصاله هذا القدر . # ثم قال تعالى في صفة ذلك الإنسان { حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ~~رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى } PageV28P017 ومعلوم ~~أنه ليس كل إنسان يقول هذا القول ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية ~~إنسانا معينا قال هذا القول ، وأما أبو بكر فقد قال هذا القول في قريب من ~~هذا السن ، لأنه كان أقل سنا من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وشيء ، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم بعث عند الأربعين وكان أبو بكر قريبا من ~~الأربعين وهو قد صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به ms8210 ، فثبت بما ذكرناه ~~أن هذه الآيات صالحة لأن يكون المراد منها أبو بكر ، وإذا ثبت القول بهذه ~~الصلاحية فنقول : ندعي أنه هو المراد من هذه الآية ، ويدل عليه أنه تعالى ~~قال في آخر هذه الآية { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن ~~سيئاتهم فى أصحاب الجنة } وهذا يدل على أن المراد من هذه الآية أفضل الخلق ~~لأن الذي يتقبل الله عنه أحسن أعماله ويتجاوز عن كل سيئاته يجب أن يكون من ~~أفاضل الخلق وأكابرهم ، وأجمعت الأمة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إما أبو بكر وإما علي ، ولا يجوز أن يكون المراد من هذه ~~الآية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن هذه الآية إنما تليق بمن أتى بهذه ~~الكلمة عند بلوغ الأشد وعند القرب من الأربعين ، وعلي بن أبي طالب ما كان ~~كذلك لأنه إنما آمن في زمان الصبا أو عند القرب من الصبا ، فثبت أن المراد ~~من هذه الآية هو أبو بكر والله أعلم . # / المسألة الرابعة : قوله تعالى : { أوزعنى } قال ابن عباس معناه ألهمني ~~، قال صاحب ( الصحاح ) أوزعته بالشيء أغريته به فأوزع به فهو موزع به أي ~~مغرى به ، واستوزعت الله شكره ، فأوزعني أي استلهمته فألهمني . # المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى حكى عن هذا الداعي أنه طلب من الله ~~تعالى ثلاثة أشياء : أحدها : أن يوفقه الله للشكر على نعمه والثاني : أن ~~يوفقه للإتيان بالطاعة المرضية عند الله الثالث : أن يصلح له في ذريته ، ~~وفي ترتيب هذه الأشياء الثلاثة على الوجه المذكور وجهان : الأول : أنا بينا ~~أن مراتب السعادات ثلاثة أكملها النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها ~~الخارجية والسعادات النفسانية هي اشتغال القلب بشكر آلاء الله ونعمائه ، ~~والسعادات البدنية هي اشتغال البدن بالطاعة والخدمة ، والسعادات الخارجية ~~هي سعادة الأهل والولد ، فلما كانت المراتب محصورة في هذه الثلاثة لا جرم ~~رتبها الله تعالى على هذا الوجه . # والسبب الثاني : لرعاية هذا الترتيب أنه تعالى قدم الشكر على العمل ، لأن ~~الشكر من أعمال القلوب ، والعمل من ms8211 أعمال الجوارح ، وعمل القلب أشرف من عمل ~~الجارحة ، وأيضا المقصود من الأعمال الظاهرة أحوال القلب قال تعالى : { ~~إننى أنا الله } ( طه : 14 ) بين أن الصلاة مطلوبة لأجل أنها تفيد الذكر ، ~~فثبت أن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح ، والأشرف يجب تقديمه في الذكر ~~، وأيضا الاشتغال بالشكر اشتغال بقضاء حقوق النعم الماضية ، والاشتغال ~~بالطاعة الظاهرة اشتغال بطلب النعم المستقبلة ، وقضاء الحقوق الماضية يجري ~~مجرى قضاء الدين ، وطلب المنافع المستقبلة طلب للزوائد . ومعلوم أن قضاء ~~الدين مقدم على سائر المهمات ، فلهذا السبب قدم الشكر على سائر الطاعات ، ~~وأيضا أنه قدم طلب التوفيق على الشكر ، وطلب التوفيق على الطاعة على طلب أن ~~يصلح له ذريته ، وذلك لأن المطلوبين الأولين اشتغال بالتعظيم لأمر الله ، ~~والمطلوب الثالث اشتغال بالشفقة على خلق الله ، ومعلوم أن التعظيم لأمر ~~الله يجب تقديمه على الشفقة على خلق الله . # المسألة السادسة : قال أصحابنا إن العبد طلب من الله تعالى أن يلهمه ~~الشكر على نعم الله ، وهذا يدل PageV28P018 على أنه لا يتم شيء من الطاعات ~~والأعمال إلا بإعانة الله تعالى ، ولو كان العبد مستقلا بأفعاله لكان هذا ~~الطلب عبثا ، وأيضا المفسرون قالوا المراد من قوله { أوزعنى أن أشكر نعمتك ~~التى أنعمت على } هو الإيمان أو الإيمان يكون داخلا فيه ، والدليل عليه ~~قوله تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم } ( ~~الفاتحة : 6 ، 7 ) والمراد صراط الذين أنعمت عليهم بنعمة الإيمان وإذا ثبت ~~هذا فنقول العبد يشكر الله على نعمة الإيمان ، فلو كان الإيمان من العبد لا ~~من الله لكان ذلك شكرا لله تعالى على فعله لا على فعل غيره ، وذلك قبيح ~~لقوله تعالى : { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } ( آل عمران : 188 ) فإن ~~قيل : فهب أن يشكر الله على ما أنعم به عليه فكيف يشكره على النعم التي ~~أنعم / بها على والديه ؟ وإنما يجب على الرجل أن يشكر ربه على ما يصل إليه ~~من النعم ، قلنا كل نعمة وصلت من الله تعالى إلى والديه ، فقد وصل منها أثر ~~إليه فلذلك وصاه ms8212 الله تعالى على أن يشكر ربه على الأمرين . # وأما المطلوب الثاني : من المطالب المذكورة في هذا الدعاء ، فهو قوله { ~~وأن أعمل صالحا ترضاه } . # واعلم أن الشيء الذي يعتقد أن الإنسان فيه كونه صالحا على قسمين : أحدهما ~~: الذي يكون صالحا عنده ويكون صالحا أيضا عند الله تعالى والثاني : الذي ~~يظنه صالحا ولكنه لا يكون صالحا عند الله تعالى ، فلما قسم الصالح في ظنه ~~إلى هذين القسمين طلب من الله أن يوفقه لأن يأتي بعمل صالح يكون صالحا عند ~~الله ويكون مرضيا عند الله . # والمطلوب الثالث : من المطالب المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { ~~وأصلح لى فى ذريتى } لأن ذلك من أجل نعم الله على الوالد ، كما قال إبراهيم ~~عليه السلام : { واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام } ( إبراهيم : 35 ) فإن قيل ~~ما معنى { فى } في قوله { وأصلح لى فى ذريتى } ؟ قلنا تقدير الكلام هب لي ~~الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم . # واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الداعي ، أنه طلب هذه الأشياء الثلاثة ، ~~قال بعد ذلك { إنى تبت إليك وإنى من المسلمين } والمراد أن الدعاء لا يصح ~~إلا مع التوبة ، وإلا مع كونه من المسلمين فتبين أني إنما أقدمت على هذا ~~الدعاء بعد أن تبت إليك من الكفر ومن كل قبيح ، وبعد أن دخلت في الإسلام ~~والانقياد لأمر الله تعالى ولقضائه . # واعلم أن الذين قالوا إن هذه الآية نزلت في أبي بكر ، قالوا إن أبا بكر ~~أسلم والداه ، ولم يتفق لأحد من الصحابة والمهاجرين إسلام الأبوين إلا له ، ~~فأبوه أبو قحافة عثمان بن عمرو وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو ، وقوله { ~~وأن أعمل صالحا ترضاه } قال ابن عباس فأجابه الله إليه فأعتق تسعة من ~~المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة ولم يترك شيئا من الخير ~~إلا أعانه الله عليه ، وقوله تعالى : { وأصلح لى فى ذريتى } قال ابن عباس ~~لم يبق لأبي بكر ولد من الذكور والإناث إلا وقد آمنوا ، ولم يتفق لأحد من ~~الصحابة أن أسلم أبواه وجميع أولاده ms8213 الذكور والإناث إلا لأبي بكر . # ثم قال تعالى : { أولائك } أي أهل هذا القول { الذين نتقبل عنهم } قرىء ~~بضم الياء على بناء الفعل للمفعول وقرىء بالنون المفتوحة ، وكذلك نتجاوز ~~وكلاهما في المعنى واحد ، لأن الفعل وإن كان مبنيا للمفعول فمعلوم أنه لله ~~سبحانه وتعالى ، فهو كقوله { يغفر لهم ما قد سلف } ( الأنفال : 38 ) فبين ~~تعالى بقوله PageV28P019 { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا } أن من ~~تقدم ذكره ممن يدعو بهذا الدعاء ، ويسلك هذه الطريقة التي تقدم ذكرها { ~~نتقبل عنهم } والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله ، / فإن قيل ولم ~~قال تعالى : { أحسن ما عملوا } والله يتقبل الأحسن وما دونه ؟ قلنا الجواب ~~من وجوه الأول : المراد بالأحسن الحسن كقوله تعالى : { واتبعوا أحسن ما ~~أنزل إليكم من ربكم } ( الزمر : 55 ) كقولهم : الناقص والأشج أعدلا بني ~~مروان ، أي عادلا بني مروان الثاني : أن الحسن من الأعمال هو المباح الذي ~~لا يتعلق به ثواب ولا عقاب والأحسن ما يغاير ذلك ، وهو وكل ما كان مندوبا ~~واجبا . # ثم قال تعالى : { ونتجاوز عن سيئاتهم } والمعنى أنه تعالى يتقبل طاعاتهم ~~ويتجاوز عن سيئاتهم . ثم قال : { فى أصحاب الجنة } قال صاحب ( الكشاف ) ~~ومعنى هذا الكلام مثل قولك : أكرمني الأمير في مائتين من أصحابه ، يريد ~~أكرمني في جملة من أكرم منهم وضمني في عدادهم ، ومحله النصب على الحال على ~~معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين منهم ، وقوله { وعد الصدق } مصدر مؤكد ~~، لأن قوله { نتقبل } وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز ، والمقصود بيان ~~أنه تعالى يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء ، وذلك وعد من الله تعالى ~~فبين أنه صدق ولا شك فيه . # ! 7 < { والذى قال لوالديه أف لكمآ أتعداننى أن أخرج وقد خلت القرون من ~~قبلى وهما يستغيثان الله ويلك ءامن إن وعد الله حق فيقول ما هاذآ إلا ~~أساطير الا ولين * أولائك الذين حق عليهم القول فىأمم قد خلت من قبلهم من ~~الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين * ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم ~~وهم لا يظلمون * ويوم ms8214 يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم فى حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون فى الا رض ~~بغير الحق وبما كنتم تفسقون } . > 7 ! # / < < # | الأحقاف : ( 17 ) والذي قال لوالديه . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما وصف الولد البار بوالديه في الآية المتقدمة ، وصف ~~الولد العاق لوالديه في هذه الآية ، فقال : { يوعدون والذى قال لوالديه أف ~~لكما } وفي هذه الآية قولان الأول : أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ، ~~قالوا كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى ، وهو { أف لكما } واحتج ~~القائلون بهذا القول على صحته ، بأنه لما كتب معاوية إلى مروان يبايع الناس ~~ليزيد ، قال عبد الرحمن بن أبي بكر : لقد جئتم بها هرقلية ، أتبايعون ~~لأبنائكم ؟ فقال مروان : يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه { والذى قال ~~لوالديه أف لكما } . والقول الثاني : أنه ليس المراد من شخص معين ، بل ~~المراد منه كل من كان موصوفا بهذه الصفة ، وهو كل من دعاه أبواه إلى ~~PageV28P020 الدين الحق فأباه وأنكره ، وهذا القول هو الصحيح عندنا ، ويدل ~~عليه وجوه الأول : أنه تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني ~~بقوله { أولئك الذين حق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس ~~إنهم كانوا خاسرين } ولا شك أن عبد الرحمن آمن وحسن إسلامه ، وكان من سادات ~~المسلمين ، فبطل حمل الآية عليه ، فإن قالوا : روي أنه لما دعاه أبواه إلى ~~الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت ، قال : { أتعداننى أن أخرج } من القبر ، ~~يعني أبعث بعد الموت { وقد خلت القرون من قبلى } يعني الأمم الخالية ، فلم ~~أر أحدا منهم بعث فأين عبد الله بن جدعان ، وأين فلان وفلان ؟ إذا عرفت هذا ~~فنقول قوله { أولئك الذين حق عليهم القول } المراد هؤلاء الذين ذكرهم عبد ~~الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله ، وهم الذين حق عليهم القول ، ~~وبالجملة فهو عائد إلى المشار إليهم بقوله { وقد خلت القرون من قبلى } لا ~~إلى المشار إليه بقوله { والذى قال لوالديه أف لكما } هذا ما ذكره الكلبي ~~في ms8215 دفع ذلك الدليل ، وهو حسن والوجه الثاني : في إبطال ذلك القول ، ما روي ~~أن مروان لما خطب عبد الرحمن بن أبي بكر بذلك الكلام سمعت عائشة ذلك فغضبت ~~وقالت : والله ما هو به ، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه الوجه الثالث : ~~وهو الأقوى ، أن يقال إنه تعالى وصف الولد البار بأبويه في الآية المتقدمة ~~، ووصف الولد العاق لأبويه في هذه الآية ، وذكر من صفات ذلك الولد أنه بلغ ~~في العقوق إلى حيث لما دعاه أبواه إلى الدين الحق ، وهو الإقرار بالبعث ~~والقيامة أصر على الإنكار وأبى واستكبر ، وعول في ذلك الإنكار على شبهات ~~خسيسة وكلمات واهية ، وإذا كان كذلك كان المراد كل ولد اتصف بالصفات ~~المذكورة ولا حاجة ألبتة إلى تخصيص اللفظ المطلق بشخص معين / قال صاحب ( ~~الكشاف ) : قرىء { أف } بالفتح والكسر بغير تنوين ، وبالحركات الثلاث مع ~~التنوين ، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر ، كما إذا قال حس ، ~~علم أنه متوجع ، واللام للبيان معناه هذا / التأفيف لكما خاصة ، ولأجلكما ~~دون غيركما ، وقرىء { أتعداننى } بنونين ، وأتعداني بأحدهما وأتعداني ~~بالإدغام ، وقرأ بعضهم : أتعدانني بفتح النون كأنه استثقل اجتماع النونين ~~والكسرين والياء ، ففتح الأولى تحريا للتخفيف كما تحراه من أدغم ومن طرح ~~أحدهما . # ثم قال : { أن أخرج } أي أن أبعث وأخرج من الأرض ، وقرىء { أخرج وقد خلت ~~القرون من قبلى } يعني ولم يبعث منهم أحد . # ثم قال : { وهما يستغيثان الله } أي الوالدان يستغيثان الله ، فإن قالوا ~~: كان الواجب أن يقال يستغيثان بالله ؟ قلنا الجواب : من وجهين الأول : أن ~~المعنى أنهما يستغيثان الله من كفره وإنكاره ، فلما حذف الجار وصل الفعل ~~الثاني : يجوز أن يقال الباء حذف ، لأنه أريد بالاستغاثة ههنا الدعاء على ~~ما قاله المفسرون { عبد الله } فلما أريد بالاستغاثة الدعاء حذف الجار ، ~~لأن الدعاء لا يقتضيه ، وقوله { ويلك } أي يقولان له ويلك { من } وصدق ~~بالبعث وهو دعاء عليه بالثبور ، والمراد به الحث ، والتحريض على الإيمان لا ~~حقيقة الهلاك . # ثم قال : { إن وعد الله } بالبعث حق ، فيقول لهما ما ms8216 هذا الذي تقولان من ~~أمر البعث وتدعوانني إليه { إلا أساطير الاولين } . # ثم قال تعالى : { أولئك الذين حق عليهم القول } أي حقت عليهم كلمة العذاب ~~، ثم ههنا قولان : PageV28P021 فالذين يقولون المراد بنزول الآية عبد ~~الرحمن بن أبي بكر ، قالوا المراد بهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب هم ~~القرون الذين خلوا من قبله ، والذين قالوا المراد به ليس عبد الرحمن ، بل ~~كل ولد كان موصوفا بالصفة المذكورة ؛ قالوا هذا الوعيد مختص بهم ، وقوله { ~~فى أمم } نظير لقوله { فى أصحاب الجنة } وقد ذكرنا أنه نظير لقوله : أكرمني ~~الأمير في أناس من أصحابه ، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم . # ثم قال : { إنهم كانوا خاسرين } وقرىء أن بالفتح على معنى آمن بأن وعد ~~الله حق . # ثم قال : { ولكل درجات مما عملوا } وفيه قولان الأول : أن الله تعالى ذكر ~~الولد البار ، ثم أردفه بذكر الولد العاق ، فقوله { ولكل درجات مما عملوا } ~~خاص بالمؤمنين ، وذلك لأن المؤمن البار بوالديه له درجات متفاوتة ، ومراتب ~~مختلفة في هذا الباب والقول الثاني : أن قوله { لكل * درجات مما عملوا } ~~عائد إلى الفريقين ، والمعنى ولكل واحد من الفريقين درجات في الإيمان ~~والكفر والطاعة والمعصية ، فإن قالوا كيف يجوز ذكر لفظ الدرجات في أهل ~~النار ، وقد جاء في الأثر الجنة الدرجات ، والنار دركات ؟ قلنا فيه وجوه ~~الأول : يجوز أن يقال ذلك على جهة التغليب الثاني : قال ابن زيد : درج أهل ~~الجنة يذهب علوا ، ودرج أهل النار ينزلوا هبوطا . الثالث : أن المراد ~~بالدرجات المراتب المتزايدة ، إلا أن زيادات أهل الجنة في الخيرات والطاعات ~~، وزيادات أهل النار في المعاصي والسيئات . # / ثم قال تعالى : { وليوفيهم } وقرىء بالنون وهذا تعليل معلله محذوف ~~لدلالة الكلام عليه كأنه وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم ، قدر جزاءهم ~~على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات ، ولما بين الله تعالى ~~أنه يوصل حق كل أحد إليه بين أحوال أهل العقاب أولا ، فقال : { ويوم يعرض ~~الذين كفروا على النار } قيل يدخلون النار / وقيل تعرض عليهم النار ليروا ~~أهوالها { أذهبتم طيباتكم فى حياتكم ms8217 الدنيا } قرأ ابن كثير { أذهبتم } ~~استفهام بهمزة ومدة ، وابن عامر استفهام بهمزتين بلا مدة والباقون { أذهبتم ~~} بلفظ الخبر والمعنى أن كل ما قدر لكم من الطيبات والراحات فقد استوفيتموه ~~في الدنيا وأخذتموه ، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها ، وعن عمر لو ~~شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم لباسا ، ولكني أستبقي طيباتي ، وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ~~ما يجدون لها رقاعا فقال : ( أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ~~ويروح في أخرى ، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر ~~الكعبة ، قالوا نحن يومئذ خير قال بل أنتم اليوم خير ؟ ) ، رواه صاحب ( ~~الكشاف ) قال الواحدي : إن الصالحين يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء ~~أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل ، إلا أن هذه الآية لا تدل على المنع من ~~التنعم ، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر ، وإنما وبخ الله الكافر لأنه ~~يتمتع بالدنيا ولم يؤد شكر المنعم بطاعته والإيمان به ، وأما المؤمن فإنه ~~يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ، والدليل عليه قوله تعالى : { قل ~~من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق } ( الأعراف : 32 ) ~~نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى ، لأن النفس إذا اعتادت التنعم صعب ~~عليها الاحتراز والإنقباض ، وحينئذ فربما حمله الميل إلى تلك الطيبات على ~~فعل ما لا ينبغي ، وذلك مما يجر بعضه إلى بعض ويقع في البعد عن الله تعالى ~~بسببه . # ثم قال تعالى : { فاليوم تجزون عذاب الهون } أي الهوان ، وقرىء عذاب ~~الهوان { بما كنتم تستكبرون فى الارض بغير الحق وبما كنتم تفسقون } ~~PageV28P022 فعلل تعالى ذلك العذاب بأمرين : أولهما : الاستكبار والترفع ~~وهو ذنب القلب الثاني : الفسق وهو ذنب الجوارح ، وقدم الأول على الثاني لأن ~~أحوال القلوب أعظم وقعا من أعمال الجوارح ، ويمكن أن يكون المراد من ~~الاستكبار أنهم يتكبرون عن قبول الدين الحق ، ويستنكفون عن الإيمان بمحمد ~~عليه الصلاة والسلام ، وأما الفسق فهو المعاصي واحتج أصحابنا بهذه ms8218 الآية ~~على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ، قالوا لأنه تعالى علل عذابهم بأمرين ~~: أولهما : الكفر وثانيهما : الفسق ، وهذا الفسق لا بد وأن يكون مغايرا ~~لذلك الكفر ، لأن العطف يوجب المغايرة ، فثبت أن فسق الكفار يوجب العقاب في ~~حقهم ، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات ، والله أعلم . # ! 7 < { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالا حقاف وقد خلت النذر من بين يديه ~~ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إنىأخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قالوا أجئتنا ~~لتأفكنا عن ءالهتنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين * قال إنما العلم ~~عند الله وأبلغكم مآ أرسلت به ولاكنىأراكم قوما تجهلون * فلما رأوه عارضا ~~مستقبل أوديتهم قالوا هاذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب ~~أليم * تدمر كل شىء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزى القوم ~~المجرمين * ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ~~فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شىء إذ كانوا يجحدون ~~بأايات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } . > 7 ! # / < < # | الأحقاف : ( 21 ) واذكر أخا عاد . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أورد أنواع الدلائل في إثبات التوحيد والنبوة ، ~~وكان أهل مكة بسبب / استغراقهم في لذات الدنيا واشتغالهم بطلبها أعرضوا ~~عنها ، ولم يلتفتوا إليها ، ولهذا السبب قال تعالى في حقهم { ويوم يعرض ~~الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا } فلما كان الأمر ~~كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالا وقوة وجاها منهم ، ثم إن الله تعالى ~~سلط العذاب عليهم بسبب شؤم كفرهم فذكر هذه القصة ههنا PageV28P023 ليعتبر ~~بها أهل مكة ، فيتركوا الاغترار بما وجدوه من الدنيا ويقبلوا على طلب الدين ~~، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذه القصة في هذا الموضع ، وهو مناسب لما ~~تقدم لأن من أراد تقبيح طريقة عند قوم كان الطريق فيه ضرب الأمثال ، ~~وتقديره أن من واظب على تلك الطريقة نزل به من البلاء كذا وكذا ، وقوله ~~تعالى : { واذكر أخا عاد } أي واذكر يا ms8219 محمد لقومك أهل مكة هودا عليه ~~السلام { إذ أنذر قومه } أي حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا ، وقوله { ~~بالاحقاف } قال أبو عبيدة الحقف الرمل المعوج ، ومنه قيل للمعوج محقوف وقال ~~الفراء الأحقاف واحدها حقف وهو الكثيب المكسر غير العظيم وفيه اعوجاج ، قال ~~ابن عباس الأحقاف واد بين عمان ومهرة والنذر جمع نذير بمعنى المنذر { من ~~بين يديه } من قبله { ومن خلفه } من بعده والمعنى أن هودا عليه السلام قد ~~أنذرهم وقال لهم أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم العذاب . # واعلم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو ~~إنذاره . # ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم { قالوا أجئتنا لتأفكنا } الإفك الصرف ، ~~يقال أفكه عن رأيه أي صرفه ، وقيل بل المراد لتزيلنا بضرب من الكذب { عن ~~ءالهتنا } وعن عبادتها { فأتنا بما تعدنا } معاجلة العذاب على الشرك { إن ~~كنت من الصادقين } في وعدك ، فعند هذا قال هود { إنما العلم عند الله } ~~وإنما صلح هذا الكلام جوابا لقولهم { فأتنا بما تعدنا } لأن قولهم { فأتنا ~~بما تعدنا } استعجال منهم لذلك العذاب فقال لهم هود لا علم عندي بالوقت ~~الذي يحصل فيه ذلك العذاب ، إنما علم ذلك عند الله تعالى { وأبلغكم ما ~~أرسلت به } وهو التحذير عن العذاب / وأما العلم بوقته فما أوحاه الله إلي { ~~ولاكنى أراكم قوما * تجهلون } وهذا يحتمل وجوها الأول : المراد أنكم لا ~~تعلمون أن الرسل لم يبعثوا سائلين عن غير ما أذن لهم فيه وإنما بعثوا ~~مبلغين الثاني : أراكم قوما تجهلون من حيث إنكم بقيتم مصرين على كفركم ~~وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذ الجهل ~~المفرط والوقاحة التامة الثالث : { إنى أراكم * قوما تجهلون } حيث تصرون ~~على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقا ، ولكن لم يظهر أيضا لكم ~~كوني كاذبا فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم . # ثم قال تعالى : { فلما رأوه } ذكر المبرد في الضمير في رأوه قولين أحدهما ~~: أنه عائد إلى غير مذكور وبينه قوله ms8220 { عارضا } كما قال : { ما ترك على ~~ظهرها من دابة } ( فاطر : 45 ) ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا هاهنا ~~الضمير عائد إلى السحاب ، كأنه قيل : فلما رأوا السحاب عارضا وهذا اختيار ~~الزجاج / ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير والقول الثاني : أن ~~يكون الضمير عائدا إلى ما في قوله { فأتنا بما تعدنا } أي فلما رأوا ما ~~يوعدون به عارضا ، قال أبو زيد العارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم ~~تطبق ، وقوله { مستقبل أوديتهم } قال المفسرون كانت عاد قد حبس عنهم المطر ~~أياما فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد يقال له المغيث { ~~فلما رأوه * مستقبل أوديتهم } استبشروا و { قالوا هاذا عارض ممطرنا } ~~والمعنى ممطر إيانا ، قيل كان هود قاعدا في قومه فجاء سحاب مكثر فقالوا { ~~هاذا عارض ممطرنا } فقال : { بل هو ما استعجلتم به } من العذاب ثم بين ~~ماهيته فقال : { ريح فيها عذاب أليم } . ثم وصف تلك الريح فقال : { تدمر كل ~~شىء } أي تهلك كل شيء من الناس والحيوان والنبات { بأمر ربها } والمعنى أن ~~هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب والقرانات ، بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة ~~الله تعالى لأجل تعذيبكم PageV28P024 { فأصبحوا } يعني عادا { لا يرى إلا ~~مساكنهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : روي أن الريح كانت تحمل الفسطاط فترفعها في الجو حتى ~~يرى كأنها جرادة ، وقيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحا فيها ~~كشهب النار ، وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم ، أنهم رأوا ما كان في ~~الصحراء من رجالهم ومواشيهم يطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم ~~وغلقوا أبوابهم فعلقت الريح الأبواب وصرعتهم ، وأحال الله عليهم الأحقاف ، ~~فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين ، ثم كشفت الريح عنهم ~~فاحتملتهم فطرحتهم في البحر ، وروي أن هودا لما أحس بالريح خط على نفسه ~~وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين تنبع فكانت الريح التي تصيبهم ريحا لينة ~~هادئة طيبة ، والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطيرهم إلى السماء ~~وتضربهم على ms8221 الأرض ، وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه ، ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما أمر الله خازن الرياح أن يرسل ~~على عاد إلا مثل مقدار الخاتم ) ثم إن ذلك القدر أهلكهم بكليتهم ، والمقصود ~~من هذا الكلام إظهار كمال قدرة الله تعالى ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال : ( اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت ~~به ، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به ) . # المسألة الثالثة : قرأ عاصم وحمزة { لا يرى } بالياء وضمها { مساكنهم } ~~بضم النون ، قال الكسائي معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم / وقرأ نافع وابن ~~كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي { لا ترى } على الخطاب أي لا ترى أنت ~~أيها المخاطب ، وفي بعض الروايات عن عاصم { لا ترى } بالتاء { مساكنهم } ~~بضم النون وهي قراءة الحسن والتأويل لا ترى من بقايا عاد أشياء إلا مساكنهم ~~. وقال الجمهور هذه القراءة ليست بالقوية . # ثم قال تعالى : { كذالك نجزي القوم المجرمين } والمقصود منه تخويف كفار ~~مكة ، فإن قيل / لما قال الله تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ~~( الأنفال : 33 ) فكيف يبقى التخويف حاصلا ؟ قلنا : قوله { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم } إنما أنزل في آخر الأمر فكان التخويف حاصلا قبل نزوله ~~. # ثم إنه تعالى خوف كفار مكة ، وذكر فضل عاد بالقوة والجسم عليهم فقال : { ~~ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه } قال المبرد ما في قوله { فيما } بمنزلة ~~الذي . و { ءان } بمنزلة ما والتقدير : ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه ~~، والمعنى أنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر منكم أموالا ، وقال ابن قتيبة ~~كلمة إن زائدة . والتقدير ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ، وهذا غلط لوجوه ~~الأول : أن الحكم بأن حرفا من كتاب الله عبث لا يقول به عاقل والثاني : أن ~~المقصود من هذا الكلام أنهم كانوا أقوى منكم قوة ، ثم إنهم مع زيادة القوة ~~ما نجوا من عقاب الله فكيف يكون حالكم ، وهذا المقصود إنما يتم لو دلت ms8222 ~~الآية على أنهم كانوا أقوى قوة من قوم مكة الثالث : أن سائر الآيات تفيد ~~هذا المعنى ، قال تعالى : { هم أحسن أثاثا } ( مريم : 74 ) وقال : { قبلهم ~~كانوا أكثر منهم وأشد قوة وءاثارا فى الارض } ( غافر : 82 ) . # ثم قال تعالى : { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة } والمعنى أنا فتحنا ~~عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمعا فما استعملوه في سماع الدلائل ، ~~وأعطيناهم أبصارا فما استعملوها في تأمل العبر ، وأعطيناهم أفئدة فما ~~استعملوها في طلب معرفة الله تعالى ، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ~~ولذاتها ، فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله ~~شيئا . PageV28P025 # ثم بين تعالى أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل ~~أنهم كانوا يجحدون بآيات الله ، وقوله { إذ كانوا يجحدون } بمنزلة التعليل ~~، ولفظ إذ قد يذكر لإفادة التعليل تقول : ضربته إذ أساء ، والمعنى ضربته ~~لأنه أساء ، وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة فإن قوم عاد لما اغتروا بدنياهم ~~وأعرضوا عن قبول الدليل والحجة نزل بهم عذاب الله ، ولم تغن عنهم قوتهم ولا ~~كثرتهم ، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله تعالى ~~ويخافوا . # ثم قال تعالى : { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } يعني أنهم كانوا ~~يطلبون نزول العذاب وإنما كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء والله أعلم . # ! 7 < { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الا يات لعلهم يرجعون * ~~فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ءالهة بل ضلوا عنهم وذلك ~~إفكهم وما كانوا يفترون } . > 7 ! # / < < # | الأحقاف : ( 27 ) ولقد أهلكنا ما . . . . . # > > اعلم أن المراد ولقد أهلكنا ما حولكم يا كفار مكة من القرى ، وهي قرى ~~عاد وثمود باليمن والشام { وصرفنا الايات } بيناها لهم { لعلهم } أي لعل ~~أهل القرى يرجعون ، فالمراد بالتصريف الأحوال الهائلة التي وجدت قبل ~~الإهلاك . قال الجبائي : قوله { لعلهم يرجعون } معناه لكي يرجعوا عن كفرهم ~~، دل بذلك على أنه تعالى أراد رجوعهم ولم يرد إصرارهم والجواب : أنه فعل ما ~~لو فعله غيره لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة ، وإنما ms8223 ذهبنا إلى هذا ~~التأويل للدلائل الدالة على أنه سبحانه مريد لجميع الكائنات . # ثم قال تعالى : { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ءالهة } ~~القربان ما يتقرب به إلى الله تعالى ، أي اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى ~~الله حيث قالوا { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } ( يونس : 18 ) وقالوا { ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) وفي إعراب الآية وجوه ~~الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : أحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الذين هو محذوف ~~والثاني : آلهة وقربانا حال ، وقيل عليه إن الفعل المتعدي إلى مفعولين لا ~~يتم إلا بذكرهما لفظا ، والحال مشعر بتمام الكلام ، ولا شك أن إتيان الحال ~~بين المفعولين على خلاف الأصل الثاني : قال بعضهم { قربانا } مفعول ثان قدم ~~على المفعول الأول وهو آلهة ، فقيل عليه إنه يؤدي إلى خلو الكلام عن الراجع ~~إلى الذين والثالث : قال بعض المحققين : يضمر أحد مفعولي اتخذوا وهو الراجع ~~إلى الذين ، ويجعل قربانا مفعولا ثانيا ، وآلهة عطف بيان ، إذا عرفت الكلام ~~في الإعراب ، فنقول المقصود أن يقال إن أولئك الذين أهلكهم الله هلا نصرهم ~~الذين عبدوهم ، وزعموا أنهم متقربون بعبادتهم إلى الله ليشفعوا لهم { بل ~~ضلوا عنهم } أي غابوا عن نصرتهم ، وذلك إشارة إلى أن كون آلهتهم ناصرين لهم ~~أمر ممتنع . # ثم قال تعالى : { وذلك إفكهم } أي وذلك الامتناع أثر إفكهم الذي هو ~~اتخاذهم إياها آلهة ، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب في إثبات ~~الشركاء له ، قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { إفكهم } والإفك PageV28P026 ~~والأفك كالحذر والحذر ، وقرىء { وذلك إفكهم } بفتح الفاء والكاف ، أي ذلك ~~الاتخاذ الذي هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق ، وقرىء { إفكهم } على التشديد ~~للمبالغة أفكهم جعلهم آفكين وآفكهم ، أي قولهم الإفك ، أي ذو الإفك كما ~~تقول قول كاذب . # ثم قال : { وما كانوا يفترون } والتقدير وذلك إفكهم وافتراؤهم في إثبات ~~الشركاء لله تعالى ، والله أعلم . # ! 7 < { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرءان فلما حضروه قالوا ~~أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا ياقومنآ إنا سمعنا كتابا ~~أنزل من بعد موسى ms8224 مصدقا لما بين يديه يهدىإلى الحق وإلى طريق مستقيم * ~~ياقومنآ أجيبوا داعى الله وءامنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب ~~أليم * ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز فى الا رض وليس له من دونه أوليآء ~~أولائك فى ضلال مبين } . > 7 @QB@ < # | الأحقاف : ( 29 - 32 ) وإذ صرفنا إليك . . . . . # > > # / في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين أن في الإنس من آمن وفيهم من ~~كفر ، بين أيضا أن الجن فيهم من آمن وفيهم من كفر ، وأن مؤمنهم معرض للثواب ~~، وكافرهم معرض للعقاب ، وفي كيفية هذه الواقعة قولان الأول : قال سعيد بن ~~جبير : كانت الجن تستمع فلما رجموا قالوا : هذا الذي حدث في السماء إنما ~~حدث لشيء في الأرض فذهبوا يطلبون السبب ، وكان قد اتفق أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما أيس من أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى ~~الإسلام ، فلما انصرف إلى مكة ، وكان ببطن نخل قام يقرأ القرآن في صلاة ~~الفجر ، فمر به نفر من أشراف جن نصيبين ، لأن إبليس بعثهم ليعرفوا السبب ~~الذي أوجب حراسة السماء بالرجم ، فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب ~~والقول الثاني : أن الله تعالى أمر رسوله أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله ~~تعالى ويقرأ عليهم القرآن ، فصرف الله إليه نفرا من الجن ليستمعوا منه ~~القرآن وينذروا قومهم . # ويتفرع على ما ذكرناه فروع الأول : نقل عن القاضي في تفسيره الجن أنه قال ~~: إنهم كانوا يهودا ، لأن في الجن ( مللا ) كما في الإنس من اليهود ~~والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام ، وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون ، سئل ~~ابن عباس : هل للجن ثواب ؟ فقال نعم لهم ثواب وعليهم عقاب ، يلتقون في ~~الجنة ويزدحمون على أبوابها الفرع الثاني : قال صاحب ( الكشاف ) : النفر ~~دون العشرة ويجمع على أنفار ، ثم روى PageV28P027 محمد بن جرير الطبري عن ~~ابن عباس : أن أولئك الجن كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين ، فجعلهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم ، وعن زر ابن حبيش كانوا تسعة أحدهم ms8225 ~~ذوبعة ، وعن قتادة ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من ساوة الفرع الثالث : اختلفوا ~~في أنه هل كان عبد الله بن مسعود مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ؟ ~~والروايات فيه مختلفة ومشهورة الفرع / الرابع : روى القاضي في ( تفسيره ) ~~عن أنس قال : ( كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبال مكة إذ أقبل ~~شيخ متوكىء على عكازة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مشية جني ونغمته ، ~~فقال أجل ، فقال من أي الجن أنت ؟ فقال أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس ~~، فقال لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين فكم أتى عليك ؟ فقال أكلت عمر ~~الدنيا إلا أقلها ، وكنت وقت قتل قابيل هابيل أمشي بين الآكام ، وذكر كثيرا ~~مما مر به ، وذكر في جملته أن قال : قال لي عيسى بن مريم إن لقيت محمدا ~~فأقرئه مني السلام ، وقد بلغت سلامه وآمنت بك ، فقال عليه السلام ، وعلى ~~عيسى السلام ، وعليك يا هامة ما حاجتك ؟ فقال إن موسى عليه السلام علمني ~~التوراة ، وعيسى علمني الإنجيل ، فعلمني القرآن ، فعلمه عشر سور ، وقبض صلى ~~الله عليه وسلم ولم ينعه ) قل عمر بن الخطاب ولا أراه إلا حيا واعلم أن ~~تمام الكلام في قصة الجن مذكور في سورة الجن . # المسألة الثانية : اختلفوا في تفسير قوله { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن ~~} فقال بعضهم : لما لم يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة القرآن عليهم ~~، فهو تعالى ألقى في قلوبهم ميلا وداعية إلى استماع القرآن ، فلهذا السبب ~~قال : { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } . # ثم قال تعالى : { فلما حضروه } الضمير للقرآن أو لرسول الله { قالوا } أي ~~قال بعضهم لبعض { أنصتوا } أي اسكتوا مستمعين ، يقال أنصت لكذا واستنصت له ~~، فلما فرغ من القراءة { ولوا إلى قومهم منذرين } ينذرونهم ، وذلك لا يكون ~~إلا بعد إيمانهم ، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن والتصديق به إلا ~~وقد آمنوا ، فعنده { قالوا يأبانا * قومنا * إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد ~~موسى } ووصفوه بوصفين الأول : كونه { مصدقا لما بين ms8226 يديه } أي مصدقا لكتب ~~الأنبياء ، والمعنى أن كتب سائر الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى ~~التوحيد والنبوة والمعاد والأمر بتطهير الأخلاق فكذلك هذا الكتاب مشتمل على ~~هذه المعاني الثاني : قوله { يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم } . # واعلم أن الوصف الأول يفيد أن هذا الكتاب يماثل سائر الكتب الإلاهية في ~~الدعوة إلى هذه المطالب العالية الشريفة ، والوصف الثاني يفيد أن هذه ~~المطالب التي اشتمل القرآن عليها مطلب حقة صدق في أنفسها ، يعلم كل أحد ~~بصريح عقله كونها كذلك ، سواء وردت الكتب الإلاهية قبل ذلك بها أو لم ترد ، ~~فإن قالوا كيف قالوا { من بعد موسى } ؟ قلنا قد نقلنا عن الحسن إنه قال ~~إنهم كانوا على اليهودية ، وعن ابن عباس أن الجن ما سمعت أمر عيسى فلذلك ~~قالوا من بعد موسى ، ثم إن الجن لما وصفوا القرآن بهذه الصفات الفاضلة ~~قالوا { مستقيم ياقومنا أجيبوا داعى الله } واختلفوا في أنه هل المراد ~~بداعي الله الرسول أو الواسطة التي تبلغ عنه ؟ والأقرب أنه هو الرسول لأنه ~~هو الذي يطلق عليه هذا الوصف . # واعلم أن قوله { أجيبوا داعى الله } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا ~~إلى الجن كما كان مبعوثا إلى الإنس / قال مقاتل ، ولم يبعث الله نبيا إلى ~~الإنس والجن قبله . PageV28P028 # المسألة الثانية : قوله { أجيبوا داعى الله } أمر بإجابته في كل ما أمر ~~به ، فيدخل فيه الأمر بالإيمان إلا أنه أعاد ذكر الإيمان على التعيين ، ~~لأجل أنه أهم الأقسام وأشرفها ، وقد جرت عادة القرآن بأنه يذكر اللفظ العام ~~، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه كقوله { وملئكته ورسله وجبريل } ( البقرة : 98 ~~) وقوله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } ( الأحزاب : 70 ) ~~ولما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك الإيمان وهي قوله { يغفر لكم من ذنوبكم ~~} وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال بعضهم كلمة { من } ههنا زائدة والتقدير : يغفر لكم ~~ذنوبكم ، وقيل بل الفائدة فيه أن كلمة { من } ههنا لابتداء الغاية ، فكان ~~المعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب ms8227 ، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر عنكم ~~من ترك الأولى والأكمل . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا ؟ فقيل لا ثواب ~~لهم إلا النجاة من النار ، ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل البهائم ، واحتجوا ~~على صحة هذا المذهب بقوله تعالى : { ويجركم من عذاب أليم } ( الأحقاف : 31 ~~) وهو قول أبي حنيفة ، والصحيح أنهم في حكم بني آدم فيستحقون الثواب على ~~الطاعة والعقاب على المعصية / وهذا القول قول ابن أبي ليلى ومالك ، وجرت ~~بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة ، قال الضحاك يدخلون الجنة ~~ويأكلون ويشربون ، والدليل على صحة هذا القول أن كل دليل على أن البشر ~~يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن ، والفرق بين البابين ~~بعيد جدا . # واعلم أن ذلك الجني لما أمر قومه بإجابة الرسول والإيمان به حذرهم من تلك ~~تلك الإجابة فقال : { ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز فى الارض } أي لا ~~ينجي منه مهرب ولا يسبق قضاءه سابق ، ونظيره قوله تعالى : { وأنا ظننا أن ~~لن نعجز الله فى الارض ولن نعجزه هربا } ( الجن : 12 ) ولا نجد له أيضا ~~وليا ولا نصيرا ، ولا دافعا من دون الله ثم بين أنهم في ضلال مبين . # ! 7 < { أولم يروا أن الله الذى خلق السماوات والا رض ولم يعى بخلقهن ~~بقادر على أن يحى الموتى بلى إنه على كل شىء قدير * ويوم يعرض الذين كفروا ~~على النار أليس هاذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون } . > 7 ! # / < < # | الأحقاف : ( 33 ) أو لم يروا . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة ما يدل على وجود ~~الإلاه القادر الحكيم المختار ، ثم فرع عليه فرعين : الأول : إبطال قول ~~عبدة الأصنام والثاني : إثبات النبوة وذكر شبهاتهم في الطعن في النبوة ، ~~وأجاب عنها ، ولما كان أكثر إعراض كفار مكة عن قبول الدلائل بسبب اغترارهم ~~بالدنيا واستغراقهم في استيفاء طيباتهم وشهواتها ، وبسبب أنه كان يثقل ~~عليهم الانقياد لمحمد والاعتراف بتقدمه عليهم ضرب ms8228 لذلك مثلا وهم قوم عاد ~~فإنهم كانوا أكمل في منافع الدنيا من قوم محمد فلما أصروا على الكفر أبادهم ~~الله وأهلكهم ، PageV28P029 فكان ذلك تخويفا لأهل مكة بإصرارهم على إنكار ~~نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم لما قرر نبوته على الإنس أردفه بإثبات ~~نبوته في الجن ، وإلى ههنا قد تم الكلام في التوحيد وفي النبوة ، ثم ذكر ~~عقيبهما تقرير مسألة المعاد ومن تأمل في هذا البيان الذي ذكرناه علم أن ~~المقصود من كل القرآن تقرير التوحيد والنبوة والمعاد ، وأما القصص فالمراد ~~من ذكرها ما يجري مجرى ضرب الأمثال في تقرير هذه الأصول . # المسألة الثانية : المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على كونه تعالى ~~قادرا على البعث ، والدليل عليه أنه تعالى أقام الدلائل في أول هذه السورة ~~على أنه { هو الذى خلق * السماوات والارض } ولا شك أن خلقها أعظم وأفخم من ~~إعادة هذا الشخص حيا بعد أن صار ميتا ، والقادر على الأقوى الأكمل لا بد ~~وأن يكون قادرا على الأقل والأضعف ، ثم ختم الآية بقوله { إنه على كل شىء ~~قدير } والمقصود منه أن تعلق الروح بالجسد أمر ممكن إذ لو لم يكن ممكنا في ~~نفسه لما وقع أولا ، والله تعالى قادر على كل الممكنات ، فوجب كونه قادرا ~~على تلك الإعادة ، وهذه الدلائل يقينية ظاهرة . # المسألة الثالثة : في قوله تعالى : { بقادر } إدخاله الباء على خبر إن ، ~~وإنما جاز ذلك لدخول حرف النفي على أن وما يتعلق بها ، فكأنه قيل أليس الله ~~بقادر ، قال الزجاج لو قلت ما ظننت أن زيدا بقائم جاز ، ولا يجوز ظننت أن ~~زيدا بقائم والله أعلم . # المسألة الرابعة : يقال عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه ومنه { أفعيينا ~~بالخلق الاول } ( ق : 15 ) . # واعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على صحة القول بالحشر والنشر ذكر بعض ~~أحوال الكفار فقال : { ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هاذا بالحق ~~قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } فقوله { أليس هاذا ~~بالحق } التقدير يقال لهم أليس هذا بالحق والمقصود التهكم بهم والتوبيخ ms8229 على ~~استهزائهم بوعد الله ووعيده ، وقولهم { وما نحن بمعذبين } ( الصافات : 59 ) ~~. # ! 7 < { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم ~~يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون } . > 7 ! # / < < # | الأحقاف : ( 35 ) فاصبر كما صبر . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما قرر المطالب الثلاثة وهي التوحيد والنبوة ~~والمعاد ، وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة للرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، وذلك لأن الكفار كانوا يؤذونه ويوجسون صدره ، فقال تعالى ~~: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } أي أولو الجد والصبر والثبات ، ~~وفي الآية قولان . # الأول : أن تكون كلمة { من } للتبعيض ويراد بأولو العزم بعض الأنبياء قيل ~~هم نوح صبر على أذى قومه وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه ، وإبراهيم على ~~النار وذبح الولد ، وإسحاق على الذبح ، ويعقوب على فقدان الولد وذهاب البصر ~~، ويوسف على الجب والسجن ، وأيوب على الضر وموسى قال له قومه { إنا لمدركون ~~* كلا إن معى ربى سيهدين } ( الشعراء : 61 ، 62 ) وداود بكى على زلته ~~أربعين سنة ، وعيسى لم PageV28P030 يضع لبنة على لبنة وقال : إنها معبرة ~~فاعبروها ولا تعمروها ، وقال الله تعالى في آدم { ولم نجد له عزما } ( طه : ~~115 ) وفي يونس { ولا تكن كصاحب الحوت } ( القلم : 48 ) . # والقول الثاني : أن كل الرسل أولو عزم ولم يبعث الله رسولا إلا كان ذا ~~عزم وحزم ، ورأي وكمال وعقل ، ولفظة من في قوله { من الرسل } تبيين لا ~~تبعيض كما يقال كسيته من الخز وكأنه قيل اصبر كما صبر الرسل من قبلك على ~~أذى قومهم ، ووصفهم بالعزم لصبرهم وثباتهم . # ثم قال : { ولا تستعجل لهم } ومفعول الاستعجال محذوف ، والتقدير لا ~~تستعجل لهم بالعذاب ، قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم ضجر من قومه بعض ~~الضجر ، وأحب أن ينزل الله العذاب بمن أبى من قومه فأمر بالصبر وترك ~~الاستعجال ، ثم أخبر أن ذلك العذاب منهم قريب ، وأنه نازل بهم لا محالة وإن ~~تأخر ، وعند نزول ذلك العذاب بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا ، حتى ms8230 ~~يحسبونها ساعة من نهار ، والمعنى أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في ~~الدنيا والبرزخ ، كأنه ساعة من النهار ، أو كأن لم يكن لهول ما عاينوا ، أو ~~لأن الشيء إذا مضى صار كأنه لم يكن ، وإن كان طويلا قال الشاعر : # % كأن شيئا لم يكن إذا مضى % % كأن شيئا لم يزل إذا أنى % # / واعلم أنه ههنا ، ثم قال تعالى : { * يلاغ } أي هذا بلاغ ، ونظيره قوله ~~تعالى : { الحساب هاذا بلاغ للناس } ( إبراهيم : 25 ) أي هذا الذي وعظتم به ~~فيه كفاية في الموعظ أو هذا تبليغ من الرسل ، فهل يهلك إلا الخارجون عن ~~الاتعاظ به والعمل بموجبه والله أعلم . # # PageV28P031 < # > 1 ( سورة محمد صلى الله عليه وسلم ) 1 < # > # ( ثلاثون وتسع آيات مكية # ! 7 < { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 1 ) الذين كفروا وصدوا . . . . . # > > أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة ، فإن آخرها قوله تعالى : ~~{ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } ( الأحقاف : 35 ) فإن قال قائل كيف يهلك ~~الفاسق وله أعمال صالحة كإطعام الطعام وصلة الأرحام وغير ذلك ؟ مما لا يخلو ~~عنه الإنسان في طول عمره فيكون في إهلاكه إهدار عمله وقد قال تعالى : { فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ( الزلزله : 7 ) وقال تعالى : { الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } أي لم يبق لهم عمل ولم يوجد فلم يمتنع ~~الإهلاك ، وسنبين كيف إبطال الأعمال مع تحقيق القول فيه ، وتعالى الله عن ~~الظلم ، وفي التفسير مسائل : # المسألة الأولى : من المراد بقوله { الذين كفروا } ؟ قلنا فيه وجوه الأول ~~: هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر منهم أبو جهل والحرث ابنا هشام ~~وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وغيرهم الثاني : كفار قريش الثالث : أهل الكتاب ~~الرابع : هو عام يدخل فيه كل كافر . # المسألة الثانية : في الصد وجهان أحدهما : صدوا أنفسهم معناه أنهم صدوا ~~أنفسهم عن السبيل ومنعوا عقولهم من اتباع الدليل وثانيهما : صدوا غيرهم ~~ومنعوهم كما قال تعالى عن المستضعفين { يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا ~~لولا أنتم لكنا مؤمنين } ( سبأ : 31 ) وعلى هذا بحث : وهو ms8231 أن إضلال الأعمال ~~مرتب على الكفر والصد ، والمستضعفون لم يصدوا فلا يضل أعمالهم ، فنقول ~~التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه ، ولا سيما إذا كان المذكور أولى ~~بالذكر من غيره / وههنا الكافر الصاد أدخل في الفساد فصار هو أولى بالذكر ~~أو نقول كل من كفر صار صادا لغيره ، أما المستكبر فظاهر ، وأما المستضعف ~~فلأنه PageV28P032 بمتابعته أثبت للمستكبر ما يمنعه من اتباع الرسول فإنه ~~بعد ما يكون متبوعا يشق عليه بأن يصير تابعا ، ولأن كل من كفر صار صادا لمن ~~بعده لأن عادة الكفار اتباع المتقدم كما قال عنهم { بل قالوا إنا وجدنا ~~ءاباءنا على أمة وإنا على } ( الزخرف : 22 ) أو مقتدون ، فإن قيل فعلى هذا ~~كل كافر صاد فما الفائدة في ذكر الصد بعد الكفر نقول هو من باب ذكر السبب ~~وعطف المسبب عليه تقول أكلت كثيرا وشبعت ، والكفر على هذا سبب الصد ، ثم ~~إذا قلنا بأن المراد منه أنهم صدوا أنفسهم ففيه إشارة إلى أن ما في الأنفس ~~من الفطرة كان داعيا إلى الإيمان ، والامتناع لمانع وهو الصد لنفسه . # المسألة الثالثة : في المصدود عنه وجوه الأول : عن الإنفاق على محمد عليه ~~السلام وأصحابه الثاني : عن الجهاد الثالث : عن الإيمان الرابع : عن كل ما ~~فيه طاعة الله تعالى وهو اتباع محمد عليه السلام ، وذلك لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم على الصراط المستقيم هاد إليه ، وهو صراط الله قال تعالى : { ~~وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم * صراط الله } ( الشورى : 52 ، 53 ) فمن منع من ~~اتباع محمد عليه السلام فقد صد عن سبيل الله . # المسألة الرابعة : في الإضلال وجوه الأول : المراد منه الإبطال ، ووجهه ~~هو أن المراد أنه أضله بحيث لا يجده ، فالطالب إنما يطلبه في الوجود ، وما ~~لا يوجد في الوجود فهو معدوم . فإن قيل كيف يبطل الله حسنة أوجدها ؟ نقول ~~إن الابطال على وجوه أحدها : يوازن بسيئاتهم الحسنات التي صدرت منهم ~~ويسقطها بالموازنة ويبقي لهم سيئات محضة ، لأن الكفر يزيد على غير الإيمان ~~من الحسنات والإيمان يترجح على غير ms8232 الكفر من السيئات وثانيها : أبطلها لفقد ~~شرط ثبوتها وإثباتها وهو الإيمان لأنه شرط قبول العمل قال تعالى : { من عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } ( غافر : 40 ) وإذا لم يقبل الله العمل لا ~~يكون له وجود لأن العمل لا بقاء له في نفسه بل هو يعدم عقيب ما يوجد في ~~الحقيقة غير أن الله تعالى يكتب عنده بفضله أن فلانا عمل صالحا وعندي جزاؤه ~~فيبقى حكما ، وهذا البقاء حكما خير من البقاء الذي للأجسام التي هي محل ~~الأعمال حقيقة ، فإن الأجسام وإن بقيت غير أن مآلها إلى الفناء والعمل ~~الصالح من الباقيات عند الله أبدا ، وإذا ثبت هذا تبين أن الله بالقبول ~~متفضل ، وقد أخبر أني لا أقبل إلا من مؤمن فمن عمل وتعب من غير سبق الإيمان ~~فهو المضيع تعبه لا الله تعالى وثالثها : لم يعمل الكافر عمله لوجه الله ~~تعالى فلم يأت بخير فلا يرد علينا قوله { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ( ~~الزلزلة : 7 ) وبيانه هو أن العمل لا يتميز إلا بمن له العمل لا بالعامل ~~ولا بنفس العمل ، وذلك لأن من قام ليقتل شخصا ولم يتفق قتله ، ثم قال ~~ليكرمه ولم يتفق الإكرام ولا القتل ، وأخبر عن نفسه أنه قام في اليوم ~~الفلاني لقتله وفي اليوم الآخر لإكرامه يتميز القيامان لا بالنظر إلى ~~القيام فإنه واحد ولا بالنظر إلى القائم / فإنه حقيقة واحدة ، وإنما يتميز ~~بما كان لأجله القيام ، وكذلك من قام وقصد بقيامه إكرام الملك وقام وقصد ~~بقيامه إكرام بعض العوام يتميز أحدهما عن الآخر بمنزلة العمل لكن نسبة الله ~~الكريم إلى الأصنام فوق نسبة الملوك إلى العوام فالعمل للأصنام ليس بخير ثم ~~إن اتفق أن يقصد واحد بعمله وجه الله تعالى ومع ذلك يعبد الأوثان لا يكون ~~عمله خيرا ، لأن مثل ما أتى به لوجه الله أتى به للصنم المنحوت فلا تعظيم ~~الوجه الثاني : الإضلال هو جعله مستهلكا وحقيقته هو أنه إذا كفر وأتى ~~للأحجار والأخشاب بالركوع والسجود فلم يبق لنفسه حرمة وفعله ms8233 لا يبقى معتبرا ~~بسبب كفره ، وهذا كمن يخدم عند الحارس والسايس إذا قام فالسلطان لا يعمل ~~قيامه تعظيما لخسته كذلك الكافر ، وأما المؤمن فبقدر ما يتكبر على غير الله ~~يظهر تعظيمه لله ، كالملك الذي لا ينقاد لأحد إذا انقاد في وقت لملك من ~~الملوك يتبين به عظمته الوجه الثالث : { * أضله } أي أهمله وتركه ، ~~PageV28P033 كما يقال أضل بعيره إذا تركه مسيبا فضاع . # ثم إن الله تعالى لما بين حال الكفار بين حال المؤمنين فقال : # ! 7 < { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات وءامنوا بما نزل على محمد وهو ~~الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 2 ) والذين آمنوا وعملوا . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قد ذكرنا مرارا أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان والعمل ~~الصالح ، رتب عليهما المغفرة والأجر كما قال : { إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصالحات لهم * مغفرة ورزق كريم } ( الحج : 50 ) وقال : { والذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم } ( العنكبوت : 70 ) وقلنا ~~بأن المغفرة ثواب الإيمان والأجر على العمل الصالح واستوفينا البحث فيه في ~~سورة العنكبوت فنقول ههنا جزاء ذلك قوله { كفر عنهم سيئاتهم } إشارة إلى ما ~~يثيب على الإيمان ، وقوله { وأصلح بالهم } إشارة إلى ما يثيب على العمل ~~الصالح . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة تكفير السيئات مرتب على الإيمان والعمل ~~الصالح فمن آمن ولم يفعل الصالحات يبقى في العذاب خالدا ، فنقول لو كان كما ~~ذكرتم لكان الإضلال مرتبا على الكفر والضد ، فمن يكفر لا ينبغي أن تضل ~~أعماله ، أو نقول قد ذكرنا أن الله رتب أمرين على أمرين فمن آمن كفر سيئاته ~~ومن عمل صالحا أصلح باله أو نقول أي مؤمن يتصور أنه غير آت بالصالحات بحيث ~~لا يصدر عنه صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا إطعام ، وعلى هذا فقوله { وعملوا } ~~عطف المسبب على السبب ، كما قلنا في قول القائل أكلت كثيرا وشبعت . # / المسألة الثالثة : قوله { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات وءامنوا } مع ~~أن قوله آمنوا وعملوا الصالحات أفاد هذا المعنى فما الحكمة فيه وكيف وجهه ؟ ~~فنقول : أما وجهه فبيانه من ms8234 وجوه الأول : قوله { والذين ءامنوا } أي بالله ~~ورسوله واليوم الآخر ، وقوله { والذين ءامنوا وعملوا } أي بجميع الأشياء ~~الواردة في كلام الله ورسوله تعميم بعد أمور خاصة وهو حسن ، تقول خلق الله ~~السماوات والأرض وكل شيء إما على معنى وكل شيء غير ما ذكرنا وإما على ~~العموم بعد ذكر الخصوص الثاني : أن يكون المعنى آمنوا وآمنوا من قبل بما ~~نزل على محمد وهو الحق المعجز الفارق بين الكاذب والصادق يعني آمنوا أولا ~~بالمعجز وأيقنوا بأن القرآن لا يأتي به غير الله ، فآمنوا وعملوا الصالحات ~~والواو للجمع المطلق ، ويجوز أن يكون المتأخر ذكرا متقدما وقوعا ، وهذا ~~كقول القائل آمن به ، وكان الإيمان به واجبا ، أو يكون بيانا لإيمانهم ~~كأنهم { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات وءامنوا } أي آمنوا وآمنوا بالحق ~~كما يقول القائل خرجت وخرجت مصيبا أي وكان خروجي جيدا حيث نجوت من كذا ~~وربحت كذا فكذلك لما قال آمنوا بين أن إيمانهم كان أمر الله وأنزل الله لا ~~بما كان باطلا من عند غير الله الثالث : ما قاله أهل المعرفة ، وهو أن ~~العلم العمل والعمل العلم ، فالعلم يحصل ليعمل به لما جاء : إذا عمل العالم ~~العمل الصالح علم ما لم يكن يعلم ، فيعلم الإنسان مثلا قدرة الله بالدليل ~~وعلمه وأمره فيحمله الأمر على PageV28P034 الفعل ويحثه عليه علمه فعلمه ~~بحاله وقدرته على ثوابه وعقابه ، فإذا أتى بالعمل الصالح علم من أنواع ~~مقدورات الله ومعلومات الله تعالى ما لم يعلمه أحد إلا باطلاع الله عليه ~~وبكشفه ذلك له فيؤمن ، وهذا هو المعنى في قوله { هو الذى أنزل السكينة فى ~~قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } ( الفتح : 4 ) فإذا آمن المكلف ~~بمحمد بالبرهان وبالمعجزة وعمل صالحا حمله علمه على أن يؤمن بكل ما قاله ~~محمد ولم يجد في نفسه شكا ، وللمؤمن في المرتبة الأولى أحوال وفي المرتبة ~~الأخيرة أحوال ، أما في الإيمان بالله ففي الأول يجعل الله معبودا ، وقد ~~يقصد غيره في حوائجه فيطلب الرزق من زيد وعمر ويجعل أمرا سببا لأمر ، وفي ~~الأخيرة يجعل الله ms8235 مقصودا ولا يقصد غيره ، ولا يرى إلا منه سره وجهره ، فلا ~~ينيب إلى شيء في شيء فهذا هو الإيمان الآخر بالله وذلك الإيمان الأول . # وأما ما في النبي صلى الله عليه وسلم فيقول أولا هو صادق فيما ينطق ، ~~ويقول آخر لا نطق له إلا بالله ، ولا كلام يسمع منه إلا وهو من الله ، فهو ~~في الأول يقول بالصدق ووقوعه منه ، وفي الثاني يقول بعدم إمكان الكذب منه ~~لأن حاكي كلام الغير لا ينسب إليه الكذب ولا يمكن إلا في نفس الحكاية ، وقد ~~علم هو أنه حاك عنه كما قاله ، وأما في المرتبة الأولى فيجعل الحشر مستقبلا ~~والحياة العاجلة حالا وفي المرتبة الأخيرة يجعل الحشر حالا والحياة الدنيا ~~ماضيا ، فيقسم حياة نفسه في كل لحظة ، ويجعل الدنيا كلها عدما لا يلتفت ~~إليها ولا يقبل عليها . # المسألة الرابعة : قوله { والذين ءامنوا وعملوا الصالحات وءامنوا } هو في ~~مقابلة قوله في حق الكافر { وصدوا } ( محمد : 1 ) لأنا بينا في وجه أن ~~المراد بهم صدوا عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا حث على اتباع ~~محمد / صلى الله عليه وسلم ، فهم صدوا أنفسهم عن سبيل الله ، وهو محمد عليه ~~السلام وما أنزل عليه ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على اتباع سبيله ، لا جرم حصل ~~لهؤلاء ضد ما حصل لأولئك ، فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { وهو الحق من ربهم } هل يمكن أن يكون من ~~ربهم وصفا فارقا ، كما يقال رأيت رجلا من بغداد ، فيصير وصفا للرجل فارقا ~~بينه وبين من يكون من الموصل وغيره ؟ نقول لا ، لأن كل ما كان من الله فهو ~~الحق ، فليس هذا هو الحق من ربهم ، بل قوله { من ربهم } خبر بعد خبر ، كأنه ~~قال وهو الحق وهو من ربهم ، أو إن كان وصفا فارقا فهو على معنى أنه الحق ~~النازل من ربهم لأن الحق قد يكون مشاهدا ، فإن كون الشمس مضيئة حق وهو ليس ~~نازل من الرب ، بل هو علم حاصل بطريق يسره الله تعالى ms8236 لنا . # ثم قال تعالى : { كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم } أي سترها وفيه إشارة ~~إلى بشارة ما كانت تحصل بقوله أعدمها ومحاها ، لأن محو الشيء لا ينبىء عن ~~إثبات أمر آخر مكانه ، وأما الستر فينبىء عنه ، وذلك لأن من يريد ستر ثوب ~~بال أو وسخ لا يستره بمثله ، وإنما يستره بثوب نفيس نظيف ، ولا سيما الملك ~~الجواد إذا ستر على عبد من عبيده ثوبه البالي أمر بإحضار ثوب من الجنس ~~العالي لا يحصل إلا بالثمن الغالي ، فيلبس هذا هو الستر بينه وبين ~~المحبوبين ، وكذلك المغفرة ، فإن المغفرة والتكفير من باب واحد في المعنى ، ~~وهذا هو المذكور في قوله تعالى : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } ( ~~الفرقان : 70 ) وقوله { وأصلح بالهم } إشارة إلى ما ذكرنا من أنه يبدلها ~~حسنة ، فإن قيل كيف تبدل السيئة حسنة ؟ نقول معناه أنه يجزيه بعد سيئاته ما ~~يجزى المحسن على إحسانه ، فإن قال الإشكال باق وباد ، وما زال بل زاد ، فإن ~~الله تعالى لو أثاب على PageV28P035 السيئة كما يثيب عن الحسنة ، لكان ذلك ~~حثا على السيئة ، نقول ما قلنا إنه يثيب على السيئة وإنما قلنا إنه يثيب ~~بعد السيئة بما يثيب على الحسنة ، وذلك حيث يأتي المؤمن بسيئة ، ثم يتنبه ~~ويندم ويقف بين يدي ربه معترفا بذنبه مستحقرا لنفسه / فيصير أقرب إلى ~~الرحمة من الذي لم يذنب ، ودخل على ربه مفتخرا في نفسه ، فصار الذنب شرطا ~~للندم ، والثواب ليس على السيئة ، وإنما هو على الندم ، وكأن الله تعالى ~~قال عبدي أذنب ورجع إلي ، ففعله شيء لكن ظنه بي حسن حيث لم يجد ملجأ غيري ~~فاتكل على فضلي ، والظن عمل القلب ، والفعل عمل البدن ، واعتبار عمل القلب ~~أولى ، ألا ترى أن النائم والمغمى عليه لا يلتفت إلى عمل بدنه ، والمفلوج ~~الذي لا حركة له يعتبر قصد قلبه ، ومثال الروح والبدن راكب دابة يركض فرسه ~~بين يدي ملك يدفع عنه العدو بسيفه وسنانه ، والفرس يلطخ ثوب الملك بركضه في ~~استنانه ، فهل يلتفت إلى فعل الدابة مع فعل الفارس ، بل لو ms8237 كان الراكب ~~فارغا / الفرس يؤذي بالتلويث يخاطب الفارس به ، فكذلك الروح راكب والبدن ~~مركوب ، فإن كانت الروح مشغولة بعبادة الله وذكره ، ويصدر من البدن شيء لا ~~يلتفت إليه ، بل يستحسن منه ذلك ويزاد في تربية الفرس الراكض ويهجر الفرس ~~الواقف ، وإن كان غير مشغول فهو مؤاخذ بأفعال البدن ثم قال تعالى : # ! 7 < { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين ءامنوا اتبعوا الحق ~~من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } . > 7 @QB@ < # | محمد : ( 3 ) ذلك بأن الذين . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : في الباطل وجوه الأول : ما لا يجوز وجوده ، وذلك لأنهم ~~اتبعوا إلاها غير الله ، وإلاه غير الله محال الوجود ، وهو الباطل وغاية ~~الباطل ، لأن الباطل هو المعدوم ، يقال بطل كذا ، أي عدم ، والمعدوم الذي ~~لا يجوز وجوده ولا يمكن أن يوجد ، ولا يجوز أن يصير حقا موجودا ، فهو في ~~غاية البطلان ، فعلى هذا فالحق هو الذي لا يمكن عدمه وهو الله تعالى ، وذلك ~~لأن الحق هو الموجود ، يقال تحقق الأمر ، أي وجد وثبت ، والموجود الذي لا ~~يجوز عدمه هو في غاية الثبوت الثاني : الباطل الشيطان بدليل قوله تعالى : { ~~لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ( ص: 85 ) فبين أن الشيطان متبوع ~~وأتباعه هم الكفار والفجار ، وعلى هذا فالحق هو الله ، لأنه تعالى جعل في ~~مقابلة حزب الشيطان حزب الله الثالث : الباطل ، هو قول كبرائهم ودين آبائهم ~~، كما قال تعالى عنهم : { بل قالوا إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على } ( ~~الزحرف : 22 ) ومقتدون فعلى هذا الحق ما قاله النبي عليه السلام عن الله ~~الرابع : الباطل كل ما سوى الله تعالى ، لأن الباطل والهالك بمعنى واحد . و ~~{ كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) وعلى هذا فالحق هو الله تعالى ~~أيضا . # المسألة الثانية : لو قال قائل من ربهم لا يلائم إلا وجها واحدا من أربعة ~~أوجه ، وهو قولنا المراد من الحق هو ما أنزل الله وما قال النبي عليه ~~السلام من الله ، فأما على قولنا الحق هو الله فكيف يصح قوله { اتبعوا ms8238 الحق ~~من ربهم } PageV28P036 نقول على هذا { من ربهم } لا يكون متعلقا بالحق ، ~~وإنما يكون تعلقه بقوله بقوله تعالى : { اتبعوا } أي اتبعوا أمر ربهم ، أي ~~من فضل الله أو هداية ربهم اتبعوا الحق ، وهو الله سبحانه . # المسألة الثالثة : إذا كان الباطل هو المعدوم الذي لا يجوز وجوده ، فكيف ~~يمكن اتباعه ؟ نقول لما كانوا يقولون إنما يفعلون للأصنام وهي آلهة وهي ~~تؤجرهم بذلك كانوا متبعين في زعمهم ، ولا متبع هناك . # / المسألة الرابعة : قال في حق المؤمنين { اتبعوا الحق من ربهم } وقال في ~~حق الكفار { اتبعوا الباطل } من آلهتهم أو الشيطان ، نقول أما آلهتهم ~~فلأنهم لا كلام لهم ولا عقل ، وحيث ينطقهم الله ينكرون فعلهم ، كما قال ~~تعالى : { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } ( فاطر : 14 ) وقال تعالى : { ~~وكانوا بعبادتهم كافرين } ( الأحقاف : 6 ) والله تعالى رضي بفعلهم وثبتهم ~~عليه ، ويحتمل أن يقال قوله { من ربهم } عائد إلى الأمرين جميعا ، أي من ~~ربهم اتبع هؤلاء الباطل ، وهؤلاء الحق ، أي من حكم ربهم ، ومن عند ربهم . # ثم قال تعالى : { كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } وفيه أيضا مسائل : # المسألة الأولى : أي مثل ضربه الله تعالى حتى يقول { كذلك يضرب الله ~~للناس أمثالهم } ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : إضلال أعمال الكفار وتكفير ~~سيئات الأبرار الثاني : كون الكافر متبعا للباطل ، وكون المؤمن متبعا للحق ~~، ويحتمل وجهين آخرين أحدهما : على قولنا { من ربهم } أي من عند ربهم اتبع ~~هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق ، نقول هذا مثل يضرب عليه جميع الأمثال ، فإن ~~الكل من عند الله الإضلال وغيره والاتباع وغيره وثانيهما : هو أن الله ~~تعالى لما بين أن الكافر يضل الله عمله والمؤمن يكفر الله سيئاته ، وكان ~~بين الكفر والإيمان مباينة ظاهرة فإنهما ضدان ، نبه على أن السبب كذا أي ~~ليس الإضلال والتكفير بسبب المضادة والاختلاف بل بسبب اتباع الحق والباطل ، ~~وإذا علم السبب فالفعلان قد يتحدان صورة وحقيقة وأحدهما يورث إبطال الأعمال ~~والآخر يورث تكفير السيئات بسبب أن أحدهما يكون فيه اتباع الحق والآخر ~~اتباع الباطل ، فإن من يؤمن ظاهرا وقلبه مملوء من ms8239 الكفر ، ومن يؤمن بقلبه ~~وقلبه مملوء من الإيمان اتحد فعلاهما في الظاهر ، وهما مختلفان بسبب اتباع ~~الحق واتباع الباطل ، لا بدع من ذلك فإن من يؤمن ظاهرا وهو يسر الكفر ، ومن ~~يكفر ظاهرا بالإكراه وقلبه مطمئن بالإيمان اختلف الفعلان في الظاهر ، ~~وإبطال الأعمال لمن أظهر الإيمان بسبب أن اتباع الباطل من جانبه فكأنه ~~تعالى قال الكفر والإيمان مثلان يثبت فيهما حكمان وعلم سببه ، وهو اتباع ~~الحق والباطل ، فكذلك اعلموا أن كل شيء اتبع فيه الحق كان مقبولا مثابا ~~عليه ، وكل أمر اتبع فيه الباطل كان مردودا معاقبا عليه فصار هذا عاما في ~~الأمثال ، على أنا نقول قوله { كذالك } لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب ~~بل معناه أنه تعالى لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير ~~سيئاته وبين السبب فيهما ، كان ذلك غاية الإيضاح فقال : { كذالك } أي مثل ~~هذا البيان { يضرب الله للناس أمثالهم } ويبين لهم أحوالهم . # المسألة الثانية : الضمير في قوله { أمثالهم } عائد إلى من ؟ فيه وجهان : ~~أحدهما : إلى الناس / كافة قال تعالى : { يضرب الله للناس أمثالهم } على ~~أنفسهم وثانيهما : إلى الفريقين السابقين في الذكر معناه : يضرب الله للناس ~~أمثال الفريقين السابقين . # PageV28P037 ! 7 < { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذآ ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فدآء حتى تضع الحرب أوزارها ذالك ~~ولو يشآء الله لانتصر منهم ولاكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا فى سبيل ~~الله فلن يضل أعمالهم } . > 7 @QB@ < # | محمد : ( 4 ) فإذا لقيتم الذين . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم ~~} وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الفاء في قوله { فإذا لقيتم } يستدعي متعلقا يتعلق به ~~ويترتب عليه ، فما وجه التعلق بما قبله ؟ نقول هو من وجوه : الأول : لما ~~بين أن الذين كفروا أضل الله أعمالهم واعتبار الإنسان بالعمل ، ومن لم يكن ~~له عمل فهو همج فإن صار مع ذلك يؤذي حسن إعدامه { فإذا لقيتم } بعد ظهور أن ~~لا حرمة لهم وبعد إبطال أعمالهم ، فاضربوا أعناقهم الثاني : إذا تبين تباين ~~الفريقين ms8240 وتباعد الطريقين ، وأن أحدهما يتبع الباطل وهو حزب الشيطان ، ~~والآخر يتبع الحق وهو حزب الرحمن حق القتال عند التحزب ، فإذا لقيتموهم ~~فاقتلوهم الثالث : أن من الناس من يقول لضعف قلبه وقصور نظره إيلام الحيوان ~~من الظلم والطغيان ، ولا سيما القتل الذي هو تخريب بنيان ، فيقال ردا عليهم ~~: لما كان اعتبار الأعمال باتباع الحق والباطل فمن يقتل في سبيل الله ~~لتعظيم أمر الله لهم من الأجر ما للمصلي والصائم ، فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فاقتلوهم ولا تأخذكم بهما رأفة فإن ذلك اتباع للحق والاعتبار به لا بصورة ~~الفعل . # المسألة الثانية : { فضرب } منصوب على المصدر ، أي فاضربوا ضرب الرقاب . # المسألة الثالثة : ما الحكمة في اختيار ضرب الرقبة على غيرها من الأعضاء ~~نقول فيه : لما بين أن المؤمن ليس يدافع إنما هو دافع ، وذلك أن من يدفع ~~الصائل لا ينبغي أن يقصد أولا مقتله بل يتدرج ويضرب على غير المقتل ، فإن ~~اندفع فذاك ولا يترقى إلى درجة الإهلاك ، فقال تعالى ليس المقصود إلا دفعهم ~~عن وجه الأرض ، وتطهير الأرض منهم ، وكيف لا والأرض لكم مسجد ، والمشركون ~~نجس ، والمسجد يطهر من النجاسة ، فإذا ينبغي أن يكون قصدكمم أولا إلى قتلهم ~~بخلاف دفع الصائل ، والرقبة أظهر المقاتل لأن قطع الحلقوم والأوداج مستلزم ~~للموت لكن في الحرب لا يتهيأ ذلك ، والرقبة ظاهرة في الحرب ففي ضربها حز ~~العنق وهو مستلزم للموت بخلاف سائر المواضع ، ولا سيما في الحرب ، وفي قوله ~~{ لقيتم } ما ينبىء عن مخالفتهم الصائل لأن قوله { لقيتم } يدل على أن ~~القصد من جانبهم بخلاف قولنا لقيكم ، ولذلك قال في غير هذا الموضع { ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم } ( البقرة : 191 ) . # المسألة الرابعة : قال ههنا { ضرب * الرقاب } بإظهار المصدر وترك الفعل ، ~~وقال في الأنفال { فاضربوا فوق الاعناق } ( الأنفال : 12 ) بإظهار الفعل ، ~~وترك المصدر ، فهل فيه فائدة ؟ نقول نعم ولنبينها بتقديم مقدمة ، وهي أن ~~المقصود أولا في بعض السور قد يكون صدور الفعل من فاعل ويتبعه المصدر / ~~ضمنا ، إذ لا يمكن أن يفعل فاعل إلا ويقع منه المصدر في الوجود ms8241 ، وقد يكون ~~المقصود أولا المصدر ولكنه لا يوجد إلا من فاعل فيطلب منه أن يفعل ، مثاله ~~من قال : إني حلفت أن أخرج من المدينة . فيقال له : فاخرج ، صار المقصود ~~منه صدور الفعل منه والخروج في نفسه غير مقصود الانتفاء ، ولو أمكن أن يخرج ~~من غير تحقق الخروج منه لما كان PageV28P038 عليه إلا أن يخرج لكن من ~~ضرورات الخروج أن يخرج / فإذا قال قائل ضاق بي المكان بسبب الأعداء فيقال ~~له مثلا الخروج يعني الخروج فاخرج فإن الخروج هو المطلوب حتى لو أمكن ~~الخروج من غير فاعل لحصل الغرض لكنه محال فيتبعه الفعل ، إذا عرفت هذا ~~فنقول في الأنفال الحكاية عن الحرب الكائنة وهم كانوا فيها والملائكة ~~أنزلوا لنصرة من حضر في صف القتال فصدور الفعل منه مطلوب ، وههنا الأمر ~~وارد وليس في وقت القتال بدليل قوله تعالى : { فإذا لقيتم } والمقصود بيان ~~كون المصدر مطلوبا لتقدم المأمور على الفعل قال : { فضرب الرقاب } وفيما ~~ذكرنا تبيين فائدة أخر وهي أن الله تعالى قال هناك { واضربوا منهم كل بنان ~~} ( الأنفال : 12 ) وذلك لأن الوقت وقت القتال فأرشدهم إلى المقتل وغيره إن ~~لم يصيبوا المقتل ، وههنا ليس وقت القتال فبين أن المقصود القتل وغرض ~~المسلم ذلك . # المسألة الخامسة : { حتى } لبيان غاية الأمر لا لبيان غاية القتل أي حتى ~~إذا اثخنتموهم لا يبقى الأمر بالقتل ، ويبقى الجواز ولو كان لبيان القتل ~~لما جاز القتل ، والقتل جائز إذا التحق المثخن بالشيخ الهرم ، والمراد كما ~~إذا قطعت يداه ورجلاه فنهى عن قتله . # ثم قال تعالى : { فشدوا الوثاق } أمر إرشاد . # ثم قال تعالى : { فإما منا بعد وإما فداء } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ( إما ) وإنما للحصر وحالهم بعد الأسر غير منحصر في ~~الأمرين ، بل يجوز القتل والاسترقاق والمن والفداء ، نقول هذا إرشاد فذكر ~~الأمر العام الجائز في سائر الأجناس ، والاسترقاق غير جائز في أسر العرب ، ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم فلم يذكر الاسترقاق ، وأما القتل ~~فلأن الظاهر في المثخن الإزمان ، ولأن القتل ذكره بقوله { فضرب الرقاب ms8242 } ~~فلم يبق إلا الأمران . # المسألة الثانية : منا وفداء منصوبان لكونهما مصدرين تقديره : فإما تمنون ~~منا وإما تفدون فداء وتقديم المن على الفداء إشارة إلى ترجيح حرمة النفس ~~على طلب المال ، والفداء يجوز أن يكون مالا يكون وأن يكون غيره من الأسرى ~~أو شرطا يشرط عليهم أو عليه وحده . # المسألة الثالثة : إذا قدرنا الفعل وهو تمنون أو تفدون على تقدير المفعول ~~، حتى نقول إما تمنون عليهم منا أو تفدونهم فداء ، نقول لا لأن المقصود ~~المن والفداء لا عليهم وبهم كما يقول / القائل : فلان يعطي ويمنع ولا يقال ~~يعطي زيدا ويمنع عمرا لأن غرضه ذكر كونه فاعلا لا بيان المفعول ، وكذلك ~~ههنا المقصود إرشاد المؤمنين إلى الفضل . # ثم قال تعالى : { حتى تضع الحرب أوزارها } . # وفي تعلق { حتى } وجهان أحدهما : تعلقها بالقتل أي اقتلوهم حتى تضع ~~وثانيهما : بالمن والفداء ، ويحتمل أن يقال متعلقة بشدوا الوثاق وتعلقها ~~بالقتل أظهر وإن كان ذكره أبعد ، وفي الأوزار وجهان أحدهما : السلاح ~~والثاني : الآثام وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إن كان المراد الإثم ، فكيف تضع الحرب الإثم والإثم على ~~المحارب ؟ وكذلك السؤال في السلاح لكنه على الأول أشد توجها ، فيقول تضع ~~الحرب الأوزار لا من نفسها ، بل تضع الأوزار PageV28P039 التي على ~~المحاربين والسلاح الذي عليهم . # المسألة الثانية : هل هذا كقوله تعالى : { واسئل } ( يوسف : 82 ) حتى ~~يكون كأنه قال حتى تضع أمة الحرب أو فرقة الحرب أوزارها ؟ نقول ذلك محتمل ~~في النظر الأول ، لكن إذا أمعنت في المعنى تجد بينهما فرقا ، وذلك لأن ~~المقصود من قوله { فداء حتى تضع الحرب أوزارها } الحرب بالكلية بحيث لا ~~يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر يحارب حزبا من أحزاب الإسلام / ولو قلنا ~~حتى تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة ويتركوا الحرب وهي باقية بمادتها ~~كما تقول خصومتي ما انفصلت ولكني تركتها في هذه الأيام ، وإذا أسندنا الوضع ~~إلى الحرب يكون معناه إن الحرب لم يبق . # المسألة الثالثة : لو قال حتى لا يبقى حزب أو ينفر من الحرب هل يحصل معنى ~~قوله { حتى ms8243 تضع الحرب أوزارها } نقول لا والتفاوت بين العبارتين مع قطع ~~النظر عن النظم ، بل النظر إلى نفس المعنى كالتفاوت بين قولك انقرضت دولة ~~بني أمية ، وقولك لم يبق من دولتهم أثر ، ولا شك أن الثاني أبلغ ، فكذلك ~~ههنا قوله تعالى : { أوزارها } معناه آثارها فإن من أوزار الحرب آثارها . # المسألة الرابعة : وقت وضع أوزار الحرب متى هو ؟ نقول فيه أقوال حاصلها ~~راجع إلى أن ذلك الوقت هو الوقت الذي لا يبقى فيه حزب من أحزاب الإسلام ~~وحزب من أحزاب الكفر وقيل ذلك عند قتال الدجال ونزول عيسى عليه السلام . # ثم قال تعالى : { ذالك ولو يشاء الله لانتصر منهم } . # في معنى ذلك وجهان أحدهما : الأمر ذلك والمبتدأ محذوف ويحتمل أن يقال ذلك ~~واجب أو مقدم ، كما يقول القائل إن فعلت فذاك أي فذاك مقصود ومطلوب ، ثم ~~بين أن قتالهم ليس طريقا متعينا بل الله لو أراد أهلكهم من غير جند . # / قوله تعالى : { ولاكن ليبلو بعضكم ببعض } . # أي ولكن ليكلفكم فيحصل لكم شرف باختياره إياكم لهذا الأمر . فإن قيل ما ~~التحقيق في قولنا التكليف ابتلاء وامتحان والله يعلم السر وأخفى ، وماذا ~~يفهم من قوله { ولاكن ليبلو بعضكم ببعض } ؟ نقول فيه وجوه الأول : أن ~~المراد منه يفعل ذلك فعل المبتلين أي كما يفعل المبتلى المختبر ، ومنها أن ~~الله تعالى يبلو ليظهر الأمر لغيره إما للملائكة وإما للناس ، والتحقيق هو ~~أن الابتلاء والامتحان والاختبار فع يظهر بسببه أمر غيره متعين عند العقلاء ~~بالنظر إليه قصدا إلى ظهوره ، وقولنا فعل يظهر بسببه أمر ظاهر الدخول في ~~مفهوم الابتداء ، لأن ما لا يظهر بسببه شيء أصلا لا يسمى ابتلاء ، أما ~~قولنا أمر غير متعين عند العقلاء ، وذلك لأن من يضرب بسيفه على القثاء ~~والخيار لا يقال إنه يمتحن ، لأن الأمر الذي يظهر منه متعين وهو القطع ~~والقد بقسمين ، فإذا ضرب بسيفه سبعا يقال يمتحن بسيفه ليدفع عن نفسه وقد ~~يقده وقد لا يقده ، وأما قولنا ليظهر منه ذلك فلأن من يضرب سبعا بسيفه ~~ليدفعه عن نفسه لا ms8244 يقال إنه ممتحن لأن ضربه ليس لظهور أمر متعين ، إذا علم ~~هذا فنقول الله تعالى إذا أمرنا بفعل يظهر بسببه أمر غير متعين ، وهو إما ~~الطاعة أو المعصية في العقول ليظهر ذلك يكون ممتحنا ، وإن كان عالما به ~~لكون عدم العلم مقارنا فينا لابتلائنا فإذا ابتلينا وعدم العلم فينا مستمر ~~أمرنا وليس من ضرورات الابتلاء ، فإن قيل الابتلاء فائدته حصول العلم عند ~~المبتلى ، فإذا كان الله تعالى عالما فأية فائدة PageV28P040 فيه ؟ نقول ~~ليس هذا سؤال يختص بالابتلاء ، فإن قول القائل : لم ابتلى كقول القائل لم ~~عاقب الكافر وهو مستغن ، ولم خلق النار محرقة وهو قادر على أن يخلقها بحيث ~~تنفع ولا تضر ؟ وجوابه : لا يسأل عما يفعل ، ونقول حينئذ ما قاله المتقدمون ~~إنه لظهور الأمر المتعين لإلاه ، وبعد هذا فنقول : المبتلى لا حاجة له إلى ~~الأمر الذي يظهر من الابتلاء ، فإن الممتحن للسيف فيما ذكرنا من الصورة لا ~~حاجة له إلى قطع ما يجرب السيف فيه حتى أنه لو كان محتاجا ، كما ضربنا من ~~مثال دفع السبع بالسيف لا يقال إنه يمتحن وقوله { ليبلو بعضكم ببعض } إشارة ~~إلى عدم الحاجة تقريرا لقوله { ذالك ولو يشاء الله لانتصر منهم } . # ثم قال تعالى : { والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم } . # قرىء قتلوا وقاتلوا والكل مناسب لما تقدم ، أما من قرأ قتلوا فلأنه لما ~~قال : { فضرب الرقاب } ومعناه فاقتلوهم بين ما للقاتل بقوله { والذين قتلوا ~~فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم } ردا على من زعم أن القتل فساد محرم إذ هو ~~إفناء من هو مكرم ، فقال عملهم ليس كحسنة الكافر يبطل بل هو فوق حسنات ~~الكافر أضل الله أعمال الكفار ، ولن يضل القاتلين ، فكيف يكون القتل سيئة ، ~~وأما من قرأ { قاتلوا } فهو أكثر فائدة وأعم تناولا ، لأنه يدخل فيه من سعى ~~في القتل سواء قتل أو لم يقتل ، وأما من قرأ { والذين قتلوا } على البناء ~~للمفعول فنقول هي مناسبة لما تقدم من وجوه أحدها : هو أنه تعالى / لما قال ~~: { فضرب الرقاب } أي ms8245 اقتلوا والقتل لا يتأتى إلا بالإقدام وخوف أن يقتل ~~المقدم يمنعه من الإقدام ، فقال لا تخافوا القتل فإن من يقتل في سبيل الله ~~له من الأجر والثواب ما لا يمنع المقاتل من القتال بل يحثه عليه وثانيها : ~~هو أنه تعالى لما قال : { ليبلو بعضكم ببعض } والمبتلى بالشيء له على كل ~~وجه من وجوه الأثر الظاهر بالابتلاء حال من الأحوال ، فإن السيف الممتحن ~~تزيد قيمته على تقدير أن يقطع وتنقص على تقدير أن لا يقطع فحال المبتلين ~~ماذا فقال إن قتل فله أن لا يضل عمله ويهدى ويكرم ويدخل الجنة ، وأما إن ~~قتل فلا يخفى عاجلا وآجلا ، وترك بيانه على تقدير كونه قاتلا لظهوره وبين ~~حاله على تقدير كونه مقتولا وثالثها : هو أنه تعالى لما قال : { ليبلوكم } ~~ولا يبتلي الشيء النفيس بما يخاف منه هلاكه ، فإن السيف المهند العضب ~~الكبير القيمة لا يجرب بالشيء الصلب الذي يخاف عليه منه الانكسار ، ولكن ~~الآدمي مكرم كرمه الله وشرفه وعظمه ، فلماذا ابتلاه بالقتال وهو يفضي إلى ~~القتل والهلاك إفضاء غير نادر ، فكيف يحسن هذا الابتلاء ؟ فنقول القتل ليس ~~بإهلاك بالنسبة إلى المؤمن فإنه يورث الحياة الأبدية فإذا ابتلاه بالقتال ~~فهو على تقدير أن يقتل مكرم وعلى تقدير أن لا يقتل هذا إن قاتل وإن لم ~~يقاتل ، فالموت لا بد منه وقد فوت على نفسه الأجر الكبير . # وأما قوله تعالى : { فلن يضل أعمالهم } قد علم معنى الإضلال ، بقي الفرق ~~بين العبارتين في حق الكافر والضال قال { أضل } ( محمد : 1 ) وقال في حق ~~المؤمن الداعي { لن * يضل } ، لأن المقاتل داع إلى الإيمان لأن قوله { حتى ~~تضع الحرب أوزارها } قد ذكر أن معناه حتى لم يبق إثم بسبب حرب ، وذلك حيث ~~يسلم الكافر فالمقاتل يقول إما أن تسلم وإما أن تقتل ، فهو داع والكافر صاد ~~وبينهما تباين وتضاد فقال في حق الكافر أضل بصيغة الماضي ، ولم يقل يضل ~~إشارة إلى أن عمله حيث وجد عدم ، وكأنه لم يوجد من أصله ، وقال في حق ~~المؤمن فلن يضل ، ولم ms8246 يقل ما أضل إشارة إلى أن عمله كلما ثبت عليه أثبت له ~~، فلن يضل للتأبيد وبينهما غاية الخلاف ، كما أن بين الداعي والصاد غاية ~~التباين والتضاد ، فإن قيل ما معنى الفاء في قوله { فلن يضل } ؟ ~~PageV28P041 جوابه لأن في قوله تعالى : { والذين قتلوا } معنى الشرط . # ! 7 < { سيهديهم ويصلح بالهم } . > 7 @QB@ < # | محمد : ( 5 ) سيهديهم ويصلح بالهم # > > # إن قرىء { قاتلوا } أو { قاتلوا } فالهداية محمولة على الآجلة والعاجلة ، ~~وإن قرىء { قاتلوا } فهو الآخرة { سيهديهم } طريق الجنة من غير وقفة من ~~قبورهم إلى موضع حبورهم . # وقوله : { ويصلح بالهم } . # قد تقدم تفسيره في قوله تعالى : { إصلاح * بالهم } ( محمد : 2 ) والماضي ~~والمستقبل راجع إلى أن هناك وعدهم ما وعدهم بسبب الإيمان والعمل الصالح ، ~~وذلك كان واقعا منهم فأخبر عن الجزاء بصيغة تدل على / الوقوع ، وههنا وعدهم ~~بسبب القتال والقتل ، فكان في اللفظ ما يدل على الاستقبال ، لأن قوله تعالى ~~: { فإذا لقيتم } ( محمد : 4 ) يدل على الاستقبال فقال : { ويصلح بالهم } ~~ثم قال تعالى : # ! 7 < { ويدخلهم الجنة عرفها لهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 6 ) ويدخلهم الجنة عرفها . . . . . # > > وكأن الله تعالى عند حشرهم يهديهم إلى طريق الجنة ويلبسهم في الطريق ~~خلع الكرامة ، وهو إصلاح البال { ويدخلهم الجنة } فهو على ترتيب الوقوع . # وأما قوله { عرفها لهم } . ففيه وجوه : أحدها : هو أن كل أحد يعرف منزلته ~~ومأواه ، حتى أن أهل الجنة يكونون أعرف بمنازلهم فيها من أهل الجمعة ~~ينتشرون في الأرض كل أحد يأوي إلى منزله ، ومنهم من قال الملك الموكل ~~بأعماله يهديه الوجه الثاني : { عرفها لهم } أي طيبها يقال طعام معرف الوجه ~~الثالث : قال الزمخشري يحتمل أن يقال عرفها لهم حددها من عرف الدار وأرفها ~~أي حددها ، وتحديدها في قوله { وجنة عرضها * السماوات والارض } ( آل عمران ~~: 133 ) ويحتمل أن يقال المراد هو قوله تعالى : { وتلك الجنة التى ~~أورثتموها } ( الزخرف : 72 ) مشيرا إليها معرفا لهم بأنها هي تلك وفيه وجه ~~آخر وهو أن يقال معناه { عرفها لهم } قبل القتل فإن الشهيد قبل وفاته تعرض ~~عليه منزلته في الجنة فيشتاق إليها ووجه ثان : معناه { ويدخلهم ms8247 الجنة } ولا ~~حاجة إلى وصفها فإنه تعالى : { عرفها لهم } مرارا ووصفها ووجه ثالث : وهو ~~من باب تعريف الضالة فإن الله تعالى لما قال : { إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ( التوبة : 111 ) فكأنه تعالى قال من يأخذ ~~الجنة ويطلبها بماله أو بنفسه فالذي قتل سمع التعريف وبذل ما طلب منه عليها ~~فأدخلها ، ثم إنه تعالى لما بين ما على القتال من الثواب والأجر وعدهم ~~بالنصر في الدنيا زيادة في الحث ليزداد منهم الإقدام فقال : # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } . > ~~7 ! # < < # | محمد : ( 7 ) يا أيها الذين . . . . . # > > وفي نصر الله تعالى وجوه : الأول : إن تنصروا دين الله وطريقه ~~والثاني : إن تنصروا حزب الله وفريقه الثالث : المراد نصرة الله حقيقة ، ~~فنقول النصرة تحقيق مطلوب أحد المتعاديين عند الاجتهاد والأخذ في تحقيق ~~علامته ، فالشيطان عدو الله يجتهد في PageV28P042 تحقيق الكفر وغلبة أهل ~~الإيمان ، والله يطلب قمع الكفر وإهلاك أهله وإفناء من اختار الإشراك بجهله ~~، فمن حقق نصرة الله حيث حقق مطلوبه لا تقول حقق مراده فإن مراد الله لا ~~يحققه غيره ، ومطلوبه عند أهل السنة غير مراده فإنه طلب الإيمان من الكافر ~~ولم يرده وإلا لوقع . # ثم قال : { ينصركم } فإن قيل فعلام قلت إذا نصر المؤمنين الله تعالى ، ~~فقد حقق ما طلبه ، فكيف / يحقق ما طلبه العبد وهو شيء واحد ، فنقول المؤمن ~~ينصر الله بخروجه إلى القتال وإقدامه ، والله ينصره بتقويته وتثبيت أقدامه ~~، وإرسال الملائكة الحافظين له من خلفه وقدامه ثم قال تعالى : # ! 7 < { والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 8 ) والذين كفروا فتعسا . . . . . # > > هذا زيادة في تقوية قلوبهم ، لأنه تعالى لما قال : { ويثبت أقدامكم } ~~( محمد : 7 ) جاز أن يتوهم أن الكافر أيضا يصير ويثبت للقتال فيدوم القتال ~~والحراب والطعان والضراب ، وفيه المشقة العظيمة فقال تعالى : لكم الثبات ~~ولهم الزوال والتغير والهلاك فلا يكون الثبات ، وسببه ظاهر لأن آلهتهم ~~جمادات لا قدرة لها ولا ثبات عند من له قدرة ، فهي غير صالحة لدفع ما ms8248 قدره ~~الله تعالى عليهم من الدمار ، وعند هذا لا بد عن زوال القدم والعثار ، وقال ~~في حق المؤمنين { ويثبت } بصيغة الوعد لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء ، ~~وقال في حقهم بصيغة الدعاء ، وهي أبلغ من صيغة الإخبار من الله لأن عثارهم ~~واجب لأن عدم النصرة من آلهتهم واجب الوقوع إذ لا قدرة لها والتثبيت من ~~الله ليس بواجب الوقوع ، لأنه قادر مختار يفعل ما يشاء . # وقوله { وأضل أعمالهم } إشارة إلى بيان مخالفة موتاهم لقتلى المسلمين ، ~~حيث قال في حق قتلاهم { فلن يضل أعمالهم } ( محمد : 4 ) وقال في موتى ~~الكافرين { وأضل أعمالهم } ثم بين الله تعالى سبب ما اختلفوا فيه فقال : # ! 7 < { ذلك بأنهم كرهوا مآ أنزل الله فأحبط أعمالهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 9 ) ذلك بأنهم كرهوا . . . . . # > > وفيه وجوه الأول : المراد القرآن ، ووجهه هو أن كيفية العمل الصالح ~~لا تعلم بالعقل وإنما تدرك بالشرع والشرع بالقرآن فلما أعرضوا لم يعرفوا ~~العمل الصالح وكيفية الإتيان به ، فأتوا بالباطل فأحبط أعمالهم الثاني : { ~~كرهوا ما أنزل الله } من بيان التوحيد كما قال الله تعالى عنهم { اعتراك ~~بعض ءالهتنا } ( الصافات : 36 ) وقال تعالى : { أجعل الالهة إلاها واحدا } ~~إلى أن قال : { إن هاذا إلا اختلاق } ( ص : 5 7 ) وقال تعالى : { وإذا ذكر ~~الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالاخرة } ( الزمر : 45 ) ووجهه أن ~~الشرك محبط للعمل ، قال الله تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر : ~~65 ) وكيف لا والعمل من المشرك لا يقع لوجه الله فلا بقاء له في نفسه ولا ~~بقاء له ببقاء من له العمل ، لأن ما سوى وجه الله تعالى هالك محبط الثالث : ~~{ كرهوا ما أنزل الله } من بيان أمر الآخرة فلم يعملوا لها ، والدنيا وما ~~فيها ومآلها باطل ، فأحبط الله أعمالهم . # PageV28P043 ! 7 < { أفلم يسيروا فى الا رض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها } . > 7 ! # / < < # | محمد : ( 10 ) أفلم يسيروا في . . . . . # > > فيه مناسبة للوجه الثالث يعني فينظروا إلى حالهم ويعلموا أن الدنيا ~~فانية . # وقوله { دمر الله عليهم } أي ms8249 أهلك عليهم متاع الدنيا من الأموال والأولاد ~~والأزواج والأجساد . # وقوله تعالى : { وللكافرين أمثالها } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون ~~المراد لهم أمثالها في الدنيا ، وحينئذ يكون المراد من الكافرين هم ~~الكافرون بمحمد عليه الصلاة والسلام وثانيهما : أن يكون المراد لهم أمثالها ~~في الآخرة ، فيكون المراد من تقدم كأنه يقول : دمر الله عليهم في الدنيا ~~ولهم في الآخرة أمثالها ، وفي العائد إليه ضمير المؤنث في قوله { أمثالها } ~~وجهان أحدهما : هو المذكور وهو العاقبة وثانيهما : هو المفهوم وهو العقوبة ~~، لأن التدمير كان عقوبة لهم ، فإن قيل على قولنا المراد للكافرين بمحمد ~~عليه السلام أمثال ما كان لمن تقدمهم من العاقبة يرد سؤال ، وهو أن الأولين ~~أهلكوا بوقائع شديدة كالزلازل والنيران وغيرهما من الرياح والطوفان ، ولا ~~كذلك قوم محمد صلى الله عليه وسلم ، نقول جاز أن يكون عذابهم أشد من عذاب ~~الأولين لكون دين محمد أظهر بسبب تقدم الأنبياء عليهم السلام عليه وإخبارهم ~~عنه وإنذارهم به على أنهم قتلوا وأسروا بأيديهم من كانوا يستخفونهم ~~ويستضعفونهم والقتل بيد المثل آلم من الهلاك بسبب عام وسؤال آخر : إذا كان ~~الضمير عائدا إلى العاقبة فكيف يكون لها أمثال ؟ قلنا يجوز أن يقال المراد ~~العذاب الذي هو مدلول العاقبة أو الألم الذي كانت العاقبة عليه ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن الكافرين لا مولى لهم } . > ~~7 @QB@ < # | محمد : ( 11 ) ذلك بأن الله . . . . . # > > # { ذالك } يحتمل أن يكون إشارة إلى النصر وهو اختيار جماعة ذكره الواحدي ، ~~ويحتمل وجها آخر أغرب من حيث النقل ، وأقرب من حديث العقل ، وهو أنا لما ~~بينا أن قوله تعالى : { وللكافرين أمثالها } ( محمد : 10 ) إشارة إلى أن ~~قوم محمد عليه الصلاة والسلام أهكلوا بأيدي أمثالهم الذين كانوا لا يرضون ~~بمجالستهم وهو آلم من الهلاك بالسبب العام ، قال تعالى : { ذالك } أي ~~الإهلاك والهوان بسبب أن الله تعالى ناصر المؤمنين ، والكافرون اتخذوا آلهة ~~لا تنفع ولا تضر ، وتركوا الله فلا ناصر لهم ولا شك أن من ينصره الله تعالى ~~يقدر على القتل والأسر وإن ms8250 كان له ألف ناصر فضلا عن أن يكون لا ناصر لهم ، ~~فإن قيل كيف الجمع بين قوله تعالى { لا مولى لهم } وبين قوله { مولاهم الحق ~~} ( الأنعام : 62 ) نقول المولى ورد بمعنى السيد والرب والناصر فحيث قال : ~~{ لا مولى لهم } أراد لا ناصر لهم ، وحيث قال : { مولاهم الحق } أي ربهم ~~ومالكهم ، كما قال : { تفلحون يأيها الناس اتقوا ربكم } ( النساء : 1 ) ~~وقال : { ربكم ورب ءابائكم الاولين } ( الشعراء : 26 ) / وفي الكلام تباين ~~عظيم بين الكافر والمؤمن لأن المؤمن ينصره الله وهو خير الناصرين ، والكافر ~~لا مولى له بصيغة نافية للجنس ، فليس له ناصر وإنه شر الناصرين ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها ~~الا نهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الا نعام والنار مثوى لهم ~~} . > 7 @QB@ < # | محمد : ( 12 ) إن الله يدخل . . . . . # > > PageV28P044 # لما بين الله تعالى حال المؤمنين والكافرين في الدنيا بين حالهم في ~~الآخرة وقال إنه يدخل المؤمن الجنة والكافر النار وفيه مسائل : # المسألة الأولى : كثيرا ما يقتصر الله على ذكر الأنهار في وصف الجنة لأن ~~الأنهار يتبعها الأشجار والأشجار تتبعها الثمار ولأنه سبب حياة العالم ، ~~والنار سبب الإعدام ، وللمؤمن الماء ينظر إليه وينتفع به ، وللكافر النار ~~يتقلب فيها ويتضرر بها . # المسألة الثانية : ذكرنا مرارا أن من في قوله { من تحتها الانهار } يحتمل ~~أن يكون صلة معناه تجري تحتها الأنهار ، ويحتمل أن يكون المراد أن ماءها ~~منها لا يجري إليها من موضع آخر ، فيقال هذا النهر منبعه من أين ؟ يقال من ~~عين كذا من تحت جبل كذا . # لمسألة الثالثة : قال : { والذين كفروا يتمتعون } خصهم بالذكر مع أن ~~المؤمن أيضا له التمتع بالدنيا وطيباتها ، نقول من يكون له ملك عظيم ويملك ~~شيئا يسيرا أيضا لا يذكر إلا بالملك العظيم ، يقال في حق الملك العظيم صاحب ~~الضيعة الفلانية ومن لا يملك إلا شيئا يسيرا فلا يذكر إلا به ، فالمؤمن له ~~ملك الجنة فمتاع الدنيا لا يلتفت إليه في حقه والكافر ليس له إلا الدنيا ، ~~ووجه آخر ms8251 : الدنيا للمؤمن سجن كيف كان ، ومن يأكل في السجن لا يقال إنه ~~يتمتع ، فإن قيل كيف تكون الدنيا سجنا مع ما فيها من الطيبات ؟ نقول للمؤمن ~~في الآخرة طيبات معدة وإخوان مكرمون نسبتها ونسبتهم إلى الدنيا ومن فيها ~~تتبين بمثال ، وهو أن من يكون له بستان فيه من كل الثمرات الطيبة في غاية ~~اللذة وأنهار جارية في غاية الصفاء ودور وغرف في غاية الرفعة وأولاده فيها ~~، وهو قد غاب عنهم سنين ثم توجه إليهم وهم فيها ، فلما قرب منهم عوق في ~~أجمة فيها من بعض الثمار العفصة والمياه الكدرة ، وفيها سباع وحشرات كثيرة ~~، فهل يكون حاله فيها كحال مسجون في بئر مظلمة وفي بيت خراب أم لا ؟ وهل ~~يجوز أن يقال له اترك ما هو لك وتعلل بهذه الثمار وهذه الأنهار أم لا ؟ . / ~~كذلك حال المؤمن ، وأما الكافر فحاله كحال من يقدم إلى القتل فيصبر عليه ~~أياما في مثل تلك الأجمة التي ذكرناها يكون في جنة ، ونسبة الدنيا إلى ~~الجنة والنار دون ما ذكرنا من المثال ، لكنه ينبىء ذا البال ، عن حقيقة ~~الحال . # وقوله تعالى : { كما تأكل الانعام } يحتمل وجوها أحدها : أن الأنعام ~~يهمها الأكل لا غير والكافر كذلك والمؤمن يأكل ليعمل صالحا ويقوى عليه ~~وثانيها : الأنعام لا تستدل بالمأكول على خالقها والكافر كذلك وثالثها : ~~الأنعام تعلف لتسمن وهي غافلة عن الأمر ، لا تعلم أنها كلما كانت أسمن كانت ~~أقرب إلى الذبح والهلاك ، وكذلك الكافر ويناسب ذلك قوله تعالى : { والنار ~~مثوى لهم } . # المسألة الرابعة : قال في حق المؤمن { إن الله يدخل } بصيغة الوعد ، وقال ~~في حق الكافر { والنار مثوى لهم } بصيغة تنبىء عن الاستحقاق لما ذكرنا أن ~~الإحسان لا يستدعي أن يكون عن استحقاق ، فالمحسن إلى من لم يوجد منه ما ~~يوجب الإحسان كريم ، والمعذب من غير استحقاق ظالم . # PageV28P045 ! 7 < { وكأين من قرية هى أشد قوة من قريتك التىأخرجتك ~~أهلكناهم فلا ناصر لهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 13 ) وكأين من قرية . . . . . # > > لما ضرب الله تعالى لهم مثلا بقوله { أفلم يسيروا فى الارض ms8252 } ( محمد ~~: 10 ) ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل ضرب للنبي عليه السلام مثلا تسلية ~~له فقال : { وكأين من قرية هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك أهلكناهم } ~~وكانوا أشد من أهل مكة كذلك نفعل بهم ، فاصبر كما صبر رسلهم ، وقوله { فلا ~~ناصر لهم } قال الزمخشري كيف قوله { فلا ناصر لهم } مع أن الإهلاك ماض ، ~~وقوله { فلا ناصر لهم } للحال والاستقبال ؟ والجواب أنه محمول على الحكاية ~~والحكاية كالحال الحاضر ، ويحتمل أن يقال أهلكناهم في الدنيا فلا ناصر لهم ~~ينصرهم ويخلصهم من العذاب الذي هم فيه ، ويحتمل أن يقال قوله { فلا ناصر ~~لهم } عائد إلى أهل قرية محمد عليه السلام كأنه قال أهلكنا من تقدم أهل ~~قريتك ولا ناصر لأهل قريتك ينصرهم ويخلصهم مما جرى على الأولين . # ! 7 < { أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم } ~~. > 7 ! # < < # | محمد : ( 14 ) أفمن كان على . . . . . # > > اعلم أن هذا إشارة إلى الفرق بين النبي عليه السلام والكفار ليعلم أن ~~إهلاك الكفار ونصرة / النبي عليه السلام في الدنيا محقق ، وأن الحال يناسب ~~تعذيب الكافر وإثابة المؤمن ، وقوله { على بينة } فرق فارق ، وقوله { من ~~ربه } مكمل له ، وذلك أن البينة إذا كانت نظرية تكون كافية للفرق بين ~~المتمسك بها وبين القائل قولا لا دليل عليه ، فإذا كانت البينة منزلة من ~~الله تعالى تكون أقوى وأظهر فتكون أعلى وأبهر ، ويحتمل أن يقال قوله { من ~~ربه } ليس المراد إنزالها منه بل المراد كونها من الرب بمعنى قوله { يهدى ~~من يشآء } ( المدثر : 31 ) وقولنا الهداية من الله ، وكذلك قوله تعالى : { ~~كمن زين له سوء عمله } فرق فارق ، وقوله { واتبعوا أهواءهم } تكملة وذلك أن ~~من زين له سوء عمله وراجت الشبهة عليه في مقابلة من يتبين له البرهان وقبله ~~، لكن من راجت الشبهة عليه قد يتفكر في الأمر ويرجع إلى الحق ، فيكون أقرب ~~إلى من هو على البرهان ، وقد يتبع هواه ولا يتدبر في البرهان ولا يتفكر في ~~البيان فيكون في غاية البعد ، فإذن حصل النبي ms8253 صلى الله عليه وسلم والمؤمن ~~مع الكافر في طرفي التضاد وغاية التباعد حتى مدهم بالبينة ، والكافر له ~~الشبهة وهو مع الله وأولئك مع الهوى وعلى قولنا { من ربه } معناه الإضافة ~~إلى الله ، كقولنا الهداية من الله ، فقوله { اتبعوا * أهواءهم } مع ذلك ~~القول يفيد معنى قوله تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك } ( النساء : 79 ) وقوله { كمن زين له سوء عمله } بصيغة ~~التوحيد محمول على لفظة من ، وقوله { واتبعوا أهواءهم } محمول على معناه ~~فإنها للجميع والعموم ، وذلك لأن التزيين للكل على حد واحد فحمل على اللفظ ~~لقربه منه في الحس والذكر ، وعند اتباع الهوى كل أحد يتبع هوى نفسه ، فظهر ~~التعدد فحمل على المعنى . # ! 7 < { مثل الجنة التى وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن وأنهار ~~من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم ~~فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد فى النار وسقوا مآء حميما ~~فقطع أمعآءهم } . > 7 @QB@ < # | محمد : ( 15 ) مثل الجنة التي . . . . . # > > PageV28P046 # قوله تعالى : { مثل الجنة التى وعد المتقون } . # لما بين الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال بين الفرق بينهما في ~~مرجعهما ومآلهما ، وكما قدم من على البينة في الذكر على من اتبع هواه ، قدم ~~حاله في مآله على حال من هو بخلاف حاله ، وفي التفسير مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { مثل الجنة } يستدعي أمرا يمثل به فما هو ~~؟ نقول فيه وجوه : الأول : قول سيبويه حيث قال المثل هو الوصف معناه وصف ~~الجنة ، وذلك لا يقتضي ممثلا به ، وعلى هذا ففيه احتمالان أحدهما : أن يكون ~~الخبر محذوفا ويكون { مثل الجنة } مبتدأ تقديره فيما قصصناه مثل الجنة ، ثم ~~يستأنف ويقول { فيها أنهار } ، وكذلك القول في سورة الرعد يكون قوله تعالى ~~: { تجرى من تحتها الانهار } ( الرعد : 35 ) ابتداء بيان والاحتمال الثاني ~~: أن يكون فيها أنهار وقوله { تجرى من تحتها } خبرا كما يقال صف لي زيدا ، ~~فيقول القائل : زيد أحمر قصير ، والقول الثاني : أن المثل ms8254 زيادة والتقدير : ~~الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار . الوجه الثاني : ههنا الممثل به محذوف ~~غير / مذكور وهو يحتمل قولين أحدهما : قال الزجاج حيث قال : { مثل الجنة } ~~جنة تجري { فيها أنهار } كما يقال مثل زيد رجل طويل أسمر فيذكر عين صفات ~~زيد في رجل منكر لا يكون هو في الحقيقة إلا زيدا الثاني : من القولين هو أن ~~يقال معناه { مثل الجنة التى وعد المتقون } مثل عجيب ، أو شيء عظيم أو مثل ~~ذلك ، وعلى هذا يكون قوله { فيها أنهار } كلاما مستأنفا محققا لقولنا مثل ~~عجيب الوجه الثالث : الممثل به مذكور وهو قول الزمخشري حيث قال : { كمن هو ~~خالد فى النار } مشبه به على طريقة الإنكار ، وحينئذ فهذا كقول القائل ~~حركات زيد أو أخلاقه كعمرو ، وكذلك على أحد التأويلين ، إما على تأويل ~~كحركات عمرو أو على تأويل زيد في حركاته كعمر ، وكذلك على أحد التأويلين ، ~~إما على تأويل كحركات عمرو أو على تأويل زيد في حركاته كعمر ، وكذلك ههنا ~~كأنه تعالى قال : مثل الجنة كمن هو خالد في النار ، وهذا أقصى ما يمكن أن ~~يقرر به قول الزمخشري ، وعلى هذا فقوله تعالى : { فيها أنهار } وما بعد هذا ~~جمل اعتراضية وقعت بين المبتدأ والخبر كما يقال نظير زيد فيه مروءة وعنده ~~علم وله أصل عمرو . # ثم قال تعالى : { فيها أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من } . # اختار الأنهار من الأجناس الأربعة ، وذلك لأن المشروب إما أن يشرب لطعمه ~~، وإما أن يشرب لأمر غير عائد إلى الطعم ، فإن كان للطعم فالطعوم تسعة : ~~المر والمالح والحريف والحامض والعفص والقابض والتفه والحلو والدسم ألذها ~~الحلو والدسم ، لكن أحلى الأشياء العسل فذكره وأما أدسم الأشياء فالدهن ، ~~لكن الدسومة إذا تمحضت لا تطيب للأكل ولا للشرب ، فإن الدهن لا يؤكل ولا ~~يشرب كما هو في الغالب / وأما اللبن فيه الدسم الكائن في غيره وهو طيب ~~للأكل وبه تغذية الحيوان أولا فذكره الله تعالى ، وأما ما يشرب لا ~~PageV28P047 لأمر ms8255 عائد إلى الطعم فالماء والخمر فإن الخمر فيها أمر يشربها ~~الشارب لأجله ، هي كريهة الطعم باتفاق من يشربها وحصول التواتر به ثم عرى ~~كل واحد من الأشياء الأربعة عن صفات النقص التي هي فيها وتتغير بها الدنيا ~~فالماء يتغير يقال أسن الماء يأسن على وزن أمن يأمن فهو آسن وأسن اللبن إذا ~~بقي زمانا تغير طعمه ، والخمر يكرهه الشارب عند الشرب ، والعسل يشوبه أجزاء ~~من الشمع ومن النحل يموت فيه كثيرا ، ثم إن الله تعالى خلط الجنسين فذكر ~~الماء الذي يشرب لا للطعم وهو عام الشرب ، وقرن به اللبن الذي يشرب لطعمه ~~وهو عام الشرب إذ ما من أحد إلا وكان شربه اللبن ، ثم ذكر الخمر الذي يشرب ~~لا للطعم وهو قليل الشرب ، وقرن به العسل الذي يشرب للطعم وهو قليل الشرب ، ~~فإن قيل العسل / لا يشرب ، نقول شراب الجلاب لم يكن إلا من العسل والسكر ~~قريب الزمان ، ألا ترى أن السكنجبين من ( سركه وانكبين ) وهو الخل والعسل ~~بالفارسية كما أن استخراجه كان أولا من الخل والعسل ولم يعرف السكر إلا في ~~زمان متأخر ، ولأن العسل اسم يطلق على غير عسل النحل حتى يقال عسل النحل ~~للتمييز والله أعلم . # المسألة الثانية : قال في الخمر { لذة للشاربين } ولم يقل في اللبن لم ~~يتغير طعمه للطاعمين ولا قال في العسل مصفى للناظرين لأن اللذة تختلف ~~باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص ويعافه الآخر ، فقال : { لذة ~~للشاربين } بأسرهم ولأن الخمر كريهة الطعم فقال : { لذة } أي لا يكون في ~~خمر الآخرة كراهة الطعم ، وأما الطعم واللون فلا يختلفان باختلاف الناس ، ~~فإن الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد كذلك ، لكنه قد يعافه بعض الناس ~~ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أن له طعما واحدا وكذلك اللون فلم يكن إلى ~~التصريح بالتعميم حاجة ، وقوله { لذة } يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون ~~تأنيث لذ يقال طعام لذ ولذيذ وأطعمة لذة ولذيذة وثانيهما : أن يكون ذلك ~~وصفا بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال للحليم هو حلم كله ms8256 وللعاقل كله . # ثم قال تعالى : { ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم } . # بعد ذكر المشروب أشار إلى المأكول ، ولما كان في الجنة الأكل للذة لا ~~للحاجة ذكر الثمار فإنها تؤكل للذة بخلاف الخبز واللحم ، وهذا كقوله تعالى ~~في سورة الرعد { مثل الجنة التى وعد المتقون تجرى من تحتها الانهار أكلها ~~دائم وظلها } ( الرعد : 35 ) حيث أشار إلى المأكول والمشروب ، وههنا لطيفة ~~وهي أنه تعالى قال فيها { وظلها } ولم يقل ههنا ذلك ، نقول قال ههنا { ~~ومغفرة } والظل فيه معنى الستر والمغفرة كذلك ، ولأن المغفور تحت نظر من ~~رحمة الغافر يقال نحن تحت ظل الأمير ، وظلها هو رحمة الله ومغفرته حيث لا ~~يمسهم حر ولا برد . # المسألة الثالثة : المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة فكيف يكون لهم ~~فيها مغفرة ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين : الأول : ليس بلازم أن يكون ~~المعنى لهم مغفرة من ربهم فيها ، بل يكون عطفا على قوله ( لهم ) كأنه تعالى ~~قال لهم الثمرات فيها ولهم المغفرة قبل دخولها والثاني : هو أن يكون المعنى ~~لهم فيها مغفرة أي PageV28P048 رفع التكليف عنهم فيأكلون من غير حساب بخلاف ~~الدنيا فإن الثمار فيها على حساب أو عقاب ، ووجه آخر وهو أن الآكل في ~~الدنيا لا يخلو عن استنتاج قبيح أو مكروه كمرض أو حاجة إلى تبرز ، فقال : { ~~ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة } لا قبيح على الآكل بل مستور القبائح ~~مغفور ، وهذا استفدته من المعلمين في بلادنا فإنهم يعودون الصبيان بأن ~~يقولون / وقت حاجتهم إلى إراقة البول وغيره : يا معلم غفر الله لك ، فيفهم ~~المعلم أنهم يطلبون الإذن في الخروج لقضاء الحاجة فيأذن لهم ، فقلت في نفسي ~~معناه هو أن الله تعالى في الجنة غفر لمن أكل ، وأما في الدنيا ، فلأن ~~للأكل توابع ولوازم لا بد منها فيفهم من قولهم حاجتهم . # ثم قال تعالى : { كمن هو خالد فى النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } ~~وفيه أيضا مسائل : # المسألة الأولى : على قول من قال : { مثل الجنة } معناه وصف الجنة فقوله ~~{ كمن هو ms8257 } بماذا يتعلق ؟ نقول قوله { لهم فيها * من كل الثمرات } يتضمن ~~كونهم فيها فكأنه قال هو فيها كمن هو خالد في النار ، فالمشبه يكون محذوفا ~~مدلولا عليه بما سبق ، ويحتمل أن يقال ما قيل في تقرير قول الزمخشري أن ~~المراد هذه الجنة التي مثلها ما ذكرنا كمقام من هو خالد في النار . # المسألة الثانية : قال الزجاج قوله تعالى : { كمن هو خالد فى النار } ~~راجع إلى ما تقدم كأنه تعالى قال : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له ~~سوء عمله وهو خالد في النار فهل هو صحيح أم لا ؟ نقول لنا نظر إلى اللفظ ~~فيمكن تصحيحه بتعسف ونظر إلى المعنى لا يصح إلا بأن يعود إلى ما ذكرناه ، ~~أما التصحيح فبحذف كمن في المرة الثانية أو جعله بدلا عن المتقدم أو بإضمار ~~عاطف يعطف { كمن هو خالد } على { كمن زين له سوء عمله } أو { كمن هو خالد ~~فى النار } ، وأما التعسف فبين نظرا إلى الحذف وإلى الإضمار مع الفاصل ~~الطويل بين المشبه والمشبه به ، وأما طريقة البدل ففاسدة وإلا لكان ~~الاعتماد على الثاني فيكون كأنه قال : أفمن كان على بينة كمن هو خالد ؟ وهو ~~سمج في التشبيه تعالى كلام الله عن ذلك ، والقول في إضمار العاطف كذلك لأن ~~المعطوف أيضا يصير مستقلا في التشبيه ، اللهم إلا أن يقال المجموع بالمجموع ~~كأنه يقول : أفمن كان على بينة من ربه ، وهو في الجنة التي وعد المتقون ~~فيها أنهار ، كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار ، وعلى هذا تقع ~~المقابلة بين من هو على بينة من ربه ، وبين من زين له سوء عمله ، وبين من ~~في الجنة وبين من هو خالد في النار ، وقد ذكرناه فلا حاجة إلى خلط الآية ~~بالآية ، وكيف وعلى ما قاله تقع المقابلة بين من هو في النار وسقوا ماء ~~حميما وبين من هو على بينة من ربه وأية مناسبة بينهما ، بخلاف ما ذكرناه من ~~الوجوه الأخر فإن المقابلة بين الجنة التي فيها الأنهار وبين النار التي ms8258 ~~فيها الماء الحميم وذلك تشبيه إنكار مناسب . # المسألة الثالثة : قال : { كمن هو خالد } حملا على اللفظ الواحد وقال : { ~~وسقوا ماء حميما } على المعنى وهو جمع وكذلك قال من قبل { كمن زين له سوء ~~عمله } ( محمد : 14 ) على التوحيد والإفراد { واتبعوا أهواءهم } على الجمع ~~فما الوجه فيه ؟ نقول المسند إلى من إذا كان متصلا فرعاية اللفظ أولى لأنه ~~هو المسموع ، إذا كان مع انفصال فالعود إلى المعنى أولا ، لأن اللفظ لا ~~يبقى في السمع ، والمعنى يبقى في ذهن / السامع فالحمل في الثاني على المعنى ~~أولى وحمل الأول على اللفظ أولى ، فإن قيل كيف قال في سائر المواضع { من ~~ءامن وعمل صالحا } ( سبأ : 37 ) و { فمن تاب * وأصلح } ( المائدة : 39 ) ؟ ~~نقول إذا كان المعطوف مفردا أو شبيها PageV28P049 بالمعطوف عليه في المعنى ~~فالأولى أن يختلفا كما ذكرت فإنه عطف مفرد على مفرد وكذلك لو قال : كمن هو ~~خالد في النار ومعذب فيها لأن المشابهة تنافي المخالفة ، وأما إذا لم يكن ~~كذلك كما في هذا الموضع ، فإن قوله { السماء ماء } جملة غير مشابهة لقوله { ~~هو خالد } وقوله تعالى : { وسقوا ماء حميما } بيان لمخالفتهم في سائر أحوال ~~أهل الجنة فلهم أنهار من ماء غير آسن / ولهم ماء حميم ، فإن قيل المشابهة ~~الإنكارية بالمخالفة على ما ثبت ، وقد ذكرت البعض وقلت بأن قوله { على بينة ~~} في مقابلة { زين له سوء عمله } و { من ربه } في مقابلة قوله { واتبعوا ~~أهواءهم } والجنة في مقابلة النار في قوله { خالد فى النار } والماء الحميم ~~في مقابلة الأنهار ، فأين ما يقابل قوله { ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة ~~} فنقول تقطع الأمعاء في مقابلة مغفرة لأنا بينا على أحد الوجوه أن المغفرة ~~التي في الجنة هي تعرية أكل الثمرات عما يلزمه من قضاء الحاجة والأمراض ~~وغيرها ، كأنه قال : للمؤمن أكل وشرب مطهر طاهر لا يجتمع في جوفهم فيؤذيهم ~~ويحوجهم إلى قضاء حاجة ، وللكافر ماء حميم في أول ما يصل إلى جوفهم يقطع ~~أمعاءهم ويشتهون خروجه من جوفهم ، وأما الثمار فلم يذكر مقابلها ms8259 ، لأن في ~~الجنة زيادة مذكورة فحققها بذكر أمر زايد . # المسألة الرابعة : الماء الحار يقطع أمعاءهم لأمر آخر غير الحرارة ، وهي ~~الحدة التي تكون في السموم المدوفة ، وإلا فمجرد الحرارة لا يقطع ، فإن قيل ~~قوله تعالى : { فقطع } بالفاء يقتضي أن يكون القطع بما ذكر ، نقول نعم ، ~~لكنه لا يقتضي أن يقال : يقطع ، لأنه ماء حميم فحسب ، بل ماء حميم مخصوص ~~يقطع . ثم قال تعالى : # ! 7 < { ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم ماذا قال ءانفا أولائك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوآءهم } ~~. > 7 ! # < < # | محمد : ( 16 ) ومنهم من يستمع . . . . . # > > لما بين الله تعالى حال الكافر ذكر حال المنافق بأنه من الكفار ، ~~وقوله { ومنهم } يحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الناس ، كما قال تعالى في ~~سورة البقرة { ومن الناس من يقول ءامنا بالله } ( البقرة : 8 ) بعد ذكر ~~الكفار ، ويحتمل أن يكون راجعا إلى أهل مكة ، لأن ذكرهم سبق في قوله تعالى ~~: { هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك أهلكناهم } ( محمد : 13 ) ويحتمل أن ~~يكون راجعا إلى معنى قوله { كمن هو خالد فى النار وسقوا ماء حميما } ( محمد ~~: 15 ) يعني ومن الخالدين في النار قوم يستمعون إليك ، وقوله { حتى إذا ~~خرجوا من عندك } على ما ذكرنا حمل على المعنى الذي هو الجمع ، ويستمع حمل ~~على اللفظ ، وقد سبق التحقيق فيه ، وقوله { حتى } للعطف في قول المفسرين ، ~~وعلى هذا فالعطف بحتى لا يحسن إلا إذا كان المعطوف جزءا من المعطوف عليه ~~إما أعلاه أو دونه ، كقول القائل : أكرمني الناس حتى الملك ، وجاء الحاج ~~حتى المشاة ، وفي الجملة ينبغي أن يكون المعطوف عليه من حيث المعنى ، ولا ~~يشترط في العطف بالواو ذلك ، فيجوز أن تقول في الواو : جاء الحاج وما علمت ~~، ولا يجوز مثل ذلك في حتى ، إذا علمت هذا فوجه التعلق ههنا هو أن قوله ~~PageV28P050 { حتى إذا خرجوا من عندك } يفيد معنى زائدا في الاستماع كأنه ~~يقول : يستمعون استماعا بالغا جيدا ، لأنهم يستمعون وإذا خرجوا يستعيدون من ~~العلماء ms8260 كما يفعله المجتهد في التعلم الطالب للتفهم ، فإن قلت فعلى هذا ~~يكون هذا صفة مدح لهم ، وهو ذكرهم في معرض الذم ، نقول يتميز بما بعده ، ~~وهو أحد أمرين : إما كونهم بذلك مستهزئين ، كالذكي يقول للبليد : أعد كلامك ~~حتى أفهمه ، ويرى في نفسه أنه مستمع إليه غاية الاستماع ، وكل أحد يعلم أنه ~~مستهزىء غير مستفيد ولا مستعيد ، وإما كونهم لا يفهمون مع أنهم يستمعون ~~ويستعيدون ، ويناسب هذا الثاني قوله تعالى : { كذلك يطبع الله على قلوب ~~الكافرين } ( الأعراف : 101 ) ، والأول : يؤكده قوله تعالى : { وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون } ( البقرة : 14 ) . ~~والثاني : يؤكده قوله تعالى : { قالت الاعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولاكن ~~قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان فى قلوبكم } ( الحجرات : 14 ) وقوله { ~~ءانفا } قال بعض المفسرين : معناه الساعة ، ومنه الاستئناف وهو الابتداء ، ~~فعلى هذا فالأولى أن يقال يقولون ماذا قال آنفا بمعنى أنهم يستعيدون كلامه ~~من الابتداء ، كما يقول المستعيد للمعيد : أعد كلامك من الابتداء حتى لا ~~يفوتني شيء منه . # ثم قال تعالى : { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم } . # أي تركوا اتباع الحق إما بسبب عدم الفهم ، أو بسبب عدم الاستماع ~~للاستفادة واتبعوا ضده ثم قال تعالى : # ! 7 < { والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتاهم تقواهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 17 ) والذين اهتدوا زادهم . . . . . # > > لما بين الله تعالى أن المنافق يستمع ولا ينتفع ، ويستعيد ولا يستفيد ~~، بين أن حال المؤمن المهتدي بخلافه ، فإنه يستمع فيفهم ، ويعمل بما يعلم ، ~~والمنافق يستعيد ، والمهتدي يفسر ويعيد ، وفيه فائدتان إحداهما : ما ذكرنا ~~من بيان التباين بين الفريقين وثانيهما : قطع عذر المنافق وإيضاح كونه ~~مذموم الطريقة ، فإنه لو قال ما فهمته لغموضه وكونه معمى ، يرد عليه ويقول ~~ليس / كذلك ، فإن المهتدي فهم واستنبط لوازمه وتوابعه ، فذلك لعماء القلوب ~~، لا لخفاء المطلوب وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الفاعل للزيادة في قوله { زادهم } ؟ نقول فيه وجوه ~~الأول : المسموع من النبي عليه الصلاة والسلام من كلام الله وكلام الرسول ~~يدل عليه قوله { ومنهم من يستمع إليك } ( محمد : 16 ms8261 ) فإنه يدل على مسموع ، ~~والمقصود بيان التباين بين الفريقين ، فكأنه قال : هم لم يفهموه ، وهؤلاء ~~فهموه والثاني : أن الله تعالى زادهم ويدل عليه قوله تعالى : { أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم } ( محمد : 16 ) وكأنه تعالى طبع على قلوبهم فزادهم ~~عمى ، والمهتدين زاده هدى والثالث : استهزاء المنافق زاد المهتدي هدى ، ~~ووجهه أنه تعالى لما قال : { واتبعوا أهواءهم } قال : { والذين اهتدوا ~~زادهم } اتباعهم الهدى هدى ، فإنهم استقبحوا فعلهم فاجتنبوه . # المسألة الثانية : ما معنى قوله { والذين اهتدوا } ؟ نقول فيه وجوه ~~منقولة ومستنبطة ، أما المنقولة فنقول : قيل فيه إن المراد آتاهم ثواب ~~تقواهم ، وقيل آتاهم نفس تقواهم من غير إضمار ، يعني بين لهم التقوى ، وقيل ~~آتاهم توفيق العمل بما علموا . وأما المستنبط فنقول : يحتمل أن يكون المراد ~~به بيان حال PageV28P051 المستمعين للقرآن الفاهمين لمعانيه المفسرين له ~~بيانا لغاية الخلاف بين المنافق ، فإنه استمع ولم يفهمه ، وستعاد ولم يعلمه ~~، والمهتدي فإنه علمه وبينه لغيره ، ويدل عليه قوله تعالى : { زادهم هدى } ~~ولم يقل اهتداء ، والهدى مصدر من هدى ، قال الله تعالى : { فبهداهم اقتده } ~~( الأنعام : 90 ) أي خذ بما هدوا واهتد كما هدوا ، وعلى هذا فقوله تعالى : ~~{ والذين اهتدوا } معناه جنبهم عن القول في القرآن بغير برهان ، وحملهم على ~~الاتقاء من التفسير بالرأي ، وعلى هذا فقوله { زادهم هدى } معناه كانوا ~~مهتدين فزادهم على الاهتداء هدى حتى ارتقوا من درجة المهتدين إلى درجة ~~الهادين ويحتمل أن يقال قوله { زادهم هدى } إشارة إلى العلم { والذين ~~اهتدوا } إشارة إلى الأخذ بالاحتياط فيما لم يعلموه ، وهو مستنبط من قوله ~~تعالى : { فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ( الزمر : 17 ، ~~18 ) وقوله { والرسخون في العلم يقولون ءامنا به } ( آل عمران : 7 ) . # المعنى الثالث : يحتمل أن يكون المراد بيان أن المخلص على خطر فهو أخشى ~~من غيره ، وتحقيقه هو أنه لما قال : { زادهم هدى } أفاد أنهم ازداد علمهم ، ~~وقال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) فقال ~~آتاهم خشيتهم التي يفيدها العلم . # والمعنى الرابع : تقواهم من يوم القيامة كما قال تعالى ms8262 : { كفور ياأيها ~~الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده } ( لقمان : 33 ) ويدل ~~عليه قوله تعالى : { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة } ( محمد : 18 ) ~~كأن ذكر الساعة عقيب التقوى يدل عليه . # المعنى الخامس : آتاهم تقواهم ، التقوى التي تليق بالمؤمن ، وهي التقوى ~~التي لا يخاف معها لومة لائم . # / ثم قال تعالى : { الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا ~~الله } ( الأحزاب : 39 ) وكذلك قوله تعالى : { منتظرون ياأيها النبى اتق ~~الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } ( الأحزاب : 1 ) وهذا الوجه مناسب لأن ~~الآية لبيان تباين الفريقين ، وهذا يحقق ذلك ، من حيث إن المنافق كان يخشى ~~الناس وهم الفريقان ، المؤمنون والكافرون فكان يتردد بينهما ويرضي الفريقين ~~ويسخط الله فقال الله تعالى المؤمن المهتدي بخلاف المنافق حيث علم ذاك ولم ~~يعلم ذلك واتقى الله لا غير ، واتقى ذلك غير الله . # ! 7 < { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جآء أشراطها فأنى لهم ~~إذا جآءتهم ذكراهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 18 ) فهل ينظرون إلا . . . . . # > > يعني الكافرون والمنافقون لا ينظرون إلا الساعة ، وذلك لأن البراهين ~~قد صحت والأمور قد اتضحت وهم لم يؤمنوا فلا يتوقع منهم الإيمان إلا عند ~~قيام الساعة وهو من قبيل بدل الاشتمال على تقدير لا ينظرون PageV28P052 إلا ~~الساعة إتيانها بغتة ، وقرىء { فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم } على ~~الشرط وجزاؤه لا ينفعهم ذكراهم ، يدل عليه قوله تعالى : { فأنى لهم إذا ~~جاءتهم ذكراهم } ، وقد ذكرنا أن القيامة سميت بالساعة لساعة الأمور الواقعة ~~فيها من البعث والحشر والحساب . # وقوله { فقد جاء أشراطها } يحتمل وجهين أحدهما : لبيان غاية عنادهم ~~وتحقيقه هو أن الدلائل لما ظهرت ولم يؤمنوا لم يبق إلا إيمان اليأس وهو عند ~~قيام الساعة لكن أشراطها بانت فكان ينبغي أن يؤمنوا ولم يؤمنوا فهم في لجة ~~الفساد وغاية العناد ثانيهما : يكون لتسلية قلوب المؤمنين كأنه تعالى لما ~~قال : { فهل ينظرون } فهم منه تعذيبهم والساعة عند العوام مستبطأة فكأن ~~قائلا قال متى الساعة ؟ فقد جاء أشراطها كقوله تعالى : { اقتربت الساعة ~~وانشق القمر ms8263 } ( القمر : 1 ) والأشراط العلامات ، قال المفسرون هي مثل ~~انشقاق القمر ورسالة محمد عليه السلام ، ويحتمل أن يقال معنى الأشراط ~~البينات الموضحة لجواز الحشر ، مثل خلق الإنسان ابتداء وخلق السماوات ~~والأرض ، كما قال تعالى : { أوليس الذى خلق * السماوات والارض * بقادر على ~~أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) والأول هو التفسير . # ثم قال تعالى : { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } يعني لا تنفعهم الذكرى إذ ~~لا تقبل التوبة ولا يحسب الإيمان ، والمراد فكيف لهم الحال إذا جاءتهم ~~ذكراهم ، ومعنى ذلك يحتمل أن يكون هو قوله تعالى : { هاذا يومكم الذى كنتم ~~توعدون } ( الأنبياء : 103 ) { هاذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون } ( ~~الصافات : 21 ) فيذكرون به للتحسر ، وكذلك قوله تعالى : { وسيق الذين كفروا ~~إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال } ( الزمر : 71 ) . # ! 7 < { فاعلم أنه لا إلاه إلأ الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ~~والله يعلم متقلبكم ومثواكم } . > 7 ! # / < < # | محمد : ( 19 ) فاعلم أنه لا . . . . . # > > ولبيان المناسبة وجوه الأول : هو أنه تعالى لما قال : { فقد جاء ~~أشراطها } ( محمد : 18 ) قال : { فاعلم أنه لا إلاه إلائ * الله } يأتي ~~بالساعة ، كما قال تعالى : { أزفت الازفة * ليس لها من دون الله كاشفة } ، ~~وثانيها : { فقد جاء أشراطها } وهي آتية فكأن قائلا قال متى هذا ؟ فقال : { ~~فاعلم أنه لا إلاه إلائ * الله } فلا تشتغل به واشتغل بما عليك من ~~الاستغفار ، وكن في أي وقت مستعدا للقائها ويناسبه قوله تعالى : { واستغفر ~~لذنبك } ، الثالث : { فاعلم أنه لا إلاه إلائ * الله } ينفعك ، فإن قيل ~~النبي عليه الصلاة والسلام كان عالما بذلك فما معنى الأمر ، نقول عنه من ~~وجهين أحدهما : فاثبت على ما أنت عليه من العلم كقول القائل لجالس يريد ~~القيام : اجلس أي لا تقم ثانيهما : الخطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام ، ~~والمراد قومه والضمير في أنه للشأن ، وتقدير هذا هو أنه عليه السلام لما ~~دعا القوم إلى الإيمان ولم يؤمنوا ولم يبق شيء يحملهم على الإيمان إلا ظهور ~~الأمر بالبعث والنشور ، وكان ذلك مما يحزن النبي عليه الصلاة والسلام ، ~~فسلى قلبه وقال أنت ms8264 كامل في نفسك مكمل لغيرك فإن لم يكمل بك قوم لم يرد ~~الله تعالى بهم خيرا فأنت في نفسك عامل بعلمك وعلمك حيث تعلم أن الله واحد ~~وتستغفر وأنت بحمد الله مكمل وتكمل المؤمنين والمؤمنات وأنت تستغفر لهم ، ~~فقد حصل لك الوصفان ، فاثبت على ما أنت عليه ، ولا يحزنك كفرهم ، وقوله ~~تعالى : { واستغفر لذنبك } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون الخطاب معه ~~والمراد المؤمنون وهو بعيد لإفراد المؤمنين والمؤمنات بالذكر . وقال بعض ~~الناس { لذنبك } أي لذنب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات أي الذين ليسوا منك ~~بأهل بيت PageV28P053 وثالثهما : المراد هو النبي والذنب هو ترك الأفضل ~~الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحاشاه من ذلك وثالثها : وجه حسن مستنبط وهو أن ~~المراد توفيق العمل الحسن واجتناب العمل السيء ، ووجهه أن الاستغفار طلب ~~الغفران ، والغفران هو الستر على القبيح ومن عصم فقد ستر عليه قبائح الهوى ~~، ومعنى طلب الغفران أن لا تفضحنا وذلك قد يكون بالعصمة منه فلا يقع فيه ~~كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وقد يكون بالستر عليه بعد الوجود كما هو ~~في حق المؤمنين والمؤمنات ، وفي هذه الآية لطيفة وهي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم له أحوال ثلاثة حال مع الله وحال مع نفسه وحال مع غيره ، فأما مع ~~الله وحده ، وأما مع نفسك فاستغفر لذنبك واطلب العصمة من الله ، وأما مع ~~المؤمنين فاستغفر لهم واطلب الغفران لهم من الله { والله يعلم متقلبكم ~~ومثواكم } يعني حالكم في الدنيا وفي الآخرة وحالكم في الليل والنهار . # ! 7 < { ويقول الذين ءامنوا لولا نزلت سورة فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر ~~فيها القتال رأيت الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من ~~الموت فأولى لهم } . > 7 ! # / < < # | محمد : ( 20 ) ويقول الذين آمنوا . . . . . # > > لما بين الله حال المنافق والكافر والمهتدي المؤمن عند استماع الآيات ~~العلمية من التوحيد والحشر وغيرهما بقوله { ومنهم من يستمع إليك } ( محمد : ~~16 ) وقوله { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) بين حالهم في الآيات ~~العملية ، فإن المؤمن كان ينتظر ورودها ويطلب تنزيلها ms8265 وإذا تأخر عنه ~~التكليف كان يقول هلا أمرت بشيء من العبادة خوفا من أن لا يؤهل لها ، ~~والمنافق إذا نزلت السورة أو الآية وفيها تكليف شق عليه ، ليعلم تباين ~~الفريقين في العلم والعمل ، حيث لا يفهم المنافق العلم ولا يريد العمل ، ~~والمؤمن يعلم ويحب العمل وقولهم { لولا نزلت سورة } المراد منه سورة فيها ~~تكليف بمحن المؤمن والمنافق . # ثم إنه تعالى أنزل سورة فيها القتال فإنه أشق تكليف وقوله { سورة محكمة } ~~فيها وجوه : أحدها : سورة لم تنسخ ثانيها : سورة فيها ألفاظ أريدت حقائقها ~~بخلاف قوله { الرحمان على العرش استوى } ( طه : 5 ) وقوله { فى جنب الله } ~~( الزمر : 56 ) فإن قوله تعالى : { فضرب الرقاب } ( محمد : 4 ) أراد القتل ~~وهو أبلغ من قوله { فاقتلوهم } ( البقرة : 191 ) وقوله { واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم } ( النساء : 91 ) صريح وكذلك غير هذا من آيات القتال وعلى ~~الوجهين فقوله { محكمة } فيها فائدة زائدة من حيث إنهم لا يمكنهم أن يقولوا ~~المراد غير ما يظهر منه ، أو يقولوا هذه آية وقد نسخت فلا نقاتل ، وقوله { ~~رأيت الذين فى قلوبهم مرض } أي المنافقين { ينظرون إليك نظر المغشى عليه من ~~الموت } لأن عند التكليف بالقتال لا يبقى لنفاقهم فائدة ، فإنهم قيل القتال ~~كانوا يترددون إلى القبيلتين وعند الأمر بالقتال لم يبق لهم إمكان ذلك { ~~فأولى لهم } دعاء كقول القائل فويل لهم ، ويحتمل PageV28P054 أن يكون هو ~~خبر لمبتدأ محذوف سبق ذكره وهو الموت كأن الله تعالى لما قال : { نظر ~~المغشى عليه من الموت } قال فالموت أولى لهم ، لأن الحياة التي لا في طاعة ~~الله ورسوله الموت خير منها ، وقال الواحدي يجوز أن يكون المعنى فأولى لهم ~~طاعة أي الطاعة أولى لهم . # ! 7 < { طاعة وقول معروف فإذا عزم الا مر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم } ~~. > 7 ! # < < # | محمد : ( 21 ) طاعة وقول معروف . . . . . # > > ثم قال تعالى : { طاعة وقول معروف } . # كلام مستأنف محذوف الخبر تقديره خير لهم أي أحسن وأمثل ، لا يقال طاعة ~~نكرة لا تصلح / للابتداء ، لأنا نقول هي موصوفة بدل عليه قوله { وقول معروف ~~} فإنه موصوف ms8266 فكأنه تعالى قال : { طاعة } مخلصة { وقول معروف } خير ، وقيل ~~معناه قالوا { طاعة وقول معروف } أي قولهم أمرنا { طاعة وقول معروف } ويدل ~~عليه قراءة أبي { يقولون * طاعة وقول معروف } . # وقوله { فإذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم } . # جوابه محذوف تقديره { فإذا عزم الامر } خالفوا وتخلفوا ، وهو مناسب لمعنى ~~قراءة أبي كأنه يقول في أول الأمر قالوا سمعا وطاعة ، وعند آخر الأمر ~~خالفوا وأخلفوا موعدهم ، ونسب العزم إلى الأمر والعزم لصاحب الأمر معناه : ~~فإذا عزم صاحب الأمر . هذا قول الزمخشري ، ويحتمل أن يقال هو مجاز كقولنا ~~جاء الأمر وولى فإن الأمر في الأول يتوقع أن لا يقع وعند إظلاله وعجز ~~الكاره عن إبطاله فهو واقع فقال { عزم } والوجهان متقاربان ، وقوله تعالى : ~~{ فلو صدقوا } فيه وجهان على قولنا المراد من قوله طاعة أنهم قالوا طاعة ~~فمعناه لو صدقوا في ذلك القول وأطاعوا { لكان خيرا لهم } وعلى قولنا { طاعة ~~وقول معروف } خير لهم وأحسن ، فمعناه { لو * صدقوا } في إيمانهم واتباعهم ~~الرسول { لكان خيرا لهم } . # ! 7 < { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الا رض وتقطعوا أرحامكم } . > ~~7 ! # < < # | محمد : ( 22 ) فهل عسيتم إن . . . . . # > > وهذه الآية فيها إشارة إلى فساد قول قالوه ، وهو أنهم كانوا يقولون ~~كيف نقاتل والقتل إفساد والعرب من ذوي أرحامنا وقبائلنا ؟ فقال تعالى : { ~~إن توليتم } لا يقع منكم إلا الفساد في الأرض فإنكم تقتلون من تقدرون عليه ~~وتنهبونه والقتال واقع بينكم ، أليس قتلكم البنات إفسادا وقطعا للرحم ؟ فلا ~~يصح تعللكم بذلك مع أنه خلاف ما أمر الله وهذا طاعة وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في استعمال عسى ثلاثة مذاهب أحدها : الإتيان بها على ~~صورة فعل ماض معه فاعل تقول عسى زيد وعسينا وعسوا وعسيت وعسيتما وعسيتم ~~وعست وعستا والثاني : أن يؤتى بها على صورة فعل مع مفعول تقول عساه وعساهما ~~وعساك وعساكما وعساي وعسانا . والثالث : الإتيان بها من غير أن يقرن بها ~~شيء تقول عسى زيد يخرج وعسى أنت تخرج وعسى أنا أخرج والكل له وجه وما عليه ~~كلام الله أوجه ms8267 ، وذلك لأن عسى من الأفعال الجامدة واقتران الفاعل بالفعل ~~أولى من اقتران المفعول لأن الفاعل كالجزء من الفعل ولهذا لم يجز فيه أربع ~~متحركات في مثل قول القائل نصرت وجوز في مثل قولهم نصرك ولأن كل فعل له ~~فاعل سواء كان لازما أو متعديا ولا كذلك المفعول به ، فعسيت وعساك كعصيت ~~وعصاك في اقتران الفاعل بالفعل / والمفعول به ، وأما قول من قال عسى أنت ~~تقوم وعسى أن أقوم فدون ما ذكرنا للتطويل الذي فيه . # المسألة الثانية : الاستفهام للتقرير المؤكد ، فإنه لو قال على سبيل ~~الإخبار { عسيتم إن توليتم } لكان للمخاطب أن ينكره فإذا قال بصيغة ~~الاستفهام كأنه يقول أنا أسألك عن هذا وأنت لا تقدر أن تجيب إلا بلا أو ~~PageV28P055 نعم ، فهو مقرر عندك وعندي . # المسألة الثالثة : عسى للتوقيع والله تعالى عالم بكل شيء فنقول فيه ما ~~قلنا في لعل ، وفي قوله { لنبلوهم } ( الكهف : 7 ) إن بعض الناس قال يفعل ~~بكم فعل المترجي والمبتلي والمتوقع ، وقال آخرون كل من ينظر إليهم يتوقع ~~منهم ذلك ونحن قلنا محمول على الحقيقة وذلك لأن الفعل إذا كان ممكنا في ~~نفسه فالنظر إليه غير مستلزم لأمر ، وإنما الأمر يجوز أن يحصل منه تارة ولا ~~يحصل منه أخرى فيكون الفعل لذلك الأمر المطلوب على سبيل الترجي سواء كان ~~الفاعل يعلم حصول الأمر منه وسواء أن لم يكن يعلم ، مثاله من نصب شبكة ~~لاصطياد الصيد يقال هو متوقع لذلك فإن حصل له العلم بوقوعه فيه بإخبار صادق ~~أنه سيقع فيه أو بطريق أخرى لا يخرج عن التوقع ، غاية ما في الباب أن في ~~الشاهد لم يحصل لنا العلم فيما نتوقعه فيظن أن عدم العلم لازم للمتوقع ، ~~وليس كذلك بل المتوقع هو المنتظر لأمر ليس بواجب الوقوع نظرا لذلك الأمر ~~فحسب سواء كان له به علم أو لم يكن وقوله { إن توليتم } فيه وجهان : أحدهما ~~: أنه من الولاية يعني إن أخذتم الولاية وصار الناس بأمركم أفسدتم وقطعتم ~~الأرحام وثانيهما : هو من التولي الذي هو الإعراض وهذا مناسب ms8268 لما ذكرنا ، ~~أي كنتم تتركون القتال وتقولون فيه الإفساد وقطع الأرحام لكون الكفار ~~أقاربنا فلا يقع منكم إلا ذلك حيث تقاتلون على أدنى شيء كما كان عادة العرب ~~الأول : يؤكده قراءة علي عليه السلام توليتم ، أي إن تولاكم ولاة ظلمة جفاة ~~غشمة ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم معهم وقطعتم أرحامكم ، والنبي ~~عليه السلام لا يأمركم إلا بالإصلاح وصلة الأرحام ، فلم تتقاعدون عن القتال ~~وتتباعدون في الضلال . # ! 7 < { أولائك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 23 ) أولئك الذين لعنهم . . . . . # > > إشارة لمن سبق ذكرهم من المنافقين أبعدهم الله عنه أو عن الخير ~~فأصمهم فلا يسمعون الكلام المستبين وأعماهم فلا يتبعون الصراط المستقيم ، ~~وفيه ترتيب حسن ، وذلك من حيث إنهم استمعوا الكلام العلمي ولم يفهموه فهم ~~بالنسبة إليه صم أصمهم الله وعند الأمر بالعمل تركوه وعللوا بكونه إفسادا ~~وقطعا للرحم وهم كانوا يتعاطونه عند النهي عنه فلم يروا حالهم عليه وتركوا ~~اتباع النبي الذي يأمرهم بالإصلاح وصلة الأرحام ولو دعاهم من يأمر بالإفساد ~~وقطيعة الرحم لاتبعوه فهم عمي أعماهم الله ، وفيه لطيفة : وهي أن الله ~~تعالى قال أصمهم ولم يقل أصم آذانهم ، وقال : { وأعمى أبصارهم } ولم يقل ~~أعماهم ، وذلك لأن العين آلة الرؤية ولو أصابها آفة لا يحصل الإبصار والأذن ~~لو أصابها آفة من قطع أو قلع تسمع الكلام ، لأن الأذن خلقت وخلق فيها ~~تعاريج ليكثر فيها الهواء المتموج ولا يقرع الصماخ بعنف فيؤذي كما يؤذي ~~الصوت القوي فقال : { * أصمهم } من غير ذكر الأذن ، وقال : { أعمى * ~~أبصارهم } مع ذكر العين لأن البصر ههنا بمعنى العين ، ولهذا جمعه بالأبصار ~~، ولو كان مصدرا لما جمع فلم يذكر الأذن إذ لا مدخل لها في الإصمام ، ~~والعين لها مدخل في الرؤية بل هي الكل ، ويدل عليه أن الآفة في غير هذه ~~المواضع لما أضافها إلى الأذن سماها وقرا ، كما قال تعالى : { وقالوا ~~قلوبنا فى } ( فصلت : 5 ) وقال : { كأن فى أذنيه وقرا } ( لقمان : 7 ) ~~والوقر دون الصم وكذلك الطرش . # PageV28P056 ! 7 < { أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب ms8269 أقفالهآ } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 24 ) أفلا يتدبرون القرآن . . . . . # > > ولنذكر تفسيرها في مسائل : # المسألة الأولى : لما قال الله تعالى : { فأصمهم وأعمى أبصارهم } ( محمد ~~: 23 ) كيف يمكنهم التدبر في القرآن قال تعالى : { أفلا يتدبرون } وهو كقول ~~القائل للأعمى أبصر وللأصم اسمع ؟ فنقول الجواب : عنه من ثلاثة أوجه مترتبة ~~بعضها أحسن من البعض الأول : تكليفه ما لا يطاق جائز والله أمر من علم أنه ~~لا يؤمن بأن يؤمن ، فكذلك جاز أن يعميهم ويذمهم على ترك التدبر الثاني : أن ~~قوله { أفلا يتدبرون } المراد منه الناس الثالث : أن نقول هذه الآية وردت ~~محققة لمعنى الآية المتقدمة ، فإنه تعالى قال : { أولئك الذين لعنهم الله } ~~( محمد : 23 ) أي أبعدهم عنه أو عن الصدق أو عن الخير أو غير ذلك من الأمور ~~الحسنة { فأصمهم } لا يسمعون حقيقة الكلام وأعماهم لا يتبعون طريق الإسلام ~~فإذن هم بين أمرين ، إما لا يتدبرون القرآن فيبعدون منه ، لأن الله تعالى ~~لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق ، والقرآن منهما الصنف الأعلى بل النوع ~~الأشرف ، وأما يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة ، تقديره ~~أفلا يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مبعودين ، أم على قلوب أقفال فيتدبرون ~~ولا يفهمون ، وعلى هذا لا نحتاج أن نقول أم بمعنى بل ، بل هي على حقيقتها ~~للاستفهام واقعة في وسط الكلام والهمزة أخذت مكانها وهو الصدر ، وأم دخلت ~~على القلوب التي في وسط الكلام . # المسألة الثانية : قوله { على قلوب } على التنكير ما الفائدة فيه ؟ نقول ~~قال الزمخشري يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون للتنبيه على كونه موصوفا لأن ~~النكرة بالوصف أولى من المعرفة فكأنه قال أم على قلوب قاسية أو مظلمة ~~الثاني : أن يكون للتبعيض كأنه قال أم على بعض القلوب لأن النكرة لا تعم ، ~~تقول جاءني رجال فيفهم البعض وجاءني الرجال فيفهم الكل ، ونحن نقول التنكير ~~للقلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب ، وذلك لأن القلب إذا كان عارفا ~~كان / معروفا لأن القلب خلق للمعرفة ، فإذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه لا ~~يعرف ، وهذا كما يقول القائل في الإنسان المؤذي ms8270 : هذا ليس بإنسان هذا سبع ، ~~ولذلك يقال هذا ليس بقلب هذا حجر . إذا علم هذا فالتعريف إما بالألف واللام ~~وإما بالإضافة ، واللام لتعريف الجنس أو للعهد ، ولم يمكن إرادة الجنس إذ ~~ليس على قلب قفل ، ولا تعريف العهد لأن ذلك القلب ليس ينبغي أن يقال له قلب ~~، وأما بالإضافة بأن نقول على قلوب أقفالها وهي لعدم عود فائدة إليهم ، ~~كأنها ليست لهم . فإن قيل فقد قال : { ختم الله على قلوبهم } ( البقرة : 7 ~~) وقال : { فويل للقاسية قلوبهم } ( الزمر : 22 ) فنقول الأقفال أبلغ من ~~الختم فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأسا . # المسألة الثالثة : في قوله { أقفالها } بالإضافة ولم يقل أقفال كما قال : ~~{ قلوب } لأن الأقفال كانت من شأنها فأضافها إليها كأنها ليست إلا لها ، ~~وفي الجملة لم يضف القلوب إليهم لعدم نفعها إياهم وأضاف الأقفال إليها ~~لكونها مناسبة لها ، ونقول أراد به أقفالا مخصوصة هي أقفال الكفر والعناد . # PageV28P057 ! 7 < { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم ~~الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم } . > 7 @QB@ < # | محمد : ( 25 ) إن الذين ارتدوا . . . . . # > > # إشارة إلى أهل الكتاب الذي تبين لهم الحق في التوراة بنعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم وبعثه وارتدوا ، أو إلى كل من ظهرت له الدلائل وسمعها ولم يؤمن ، ~~وهم جماعة منعهم حب الرياسة عن اتباع محمد عليه السلام وكانوا يعلمون أنه ~~الحق { الشيطان سول لهم } سهل لهم { وأملى لهم } يعني قالوا نعيش أياما ثم ~~نؤمن به ، وقرىء { وأملى لهم } فإن قيل الإملاء والإمهال وحد الآجال لا ~~يكون إلا من الله ، فكيف يصح قراءة من قرأ { وأملى لهم } فإن المملي حينئذ ~~يكون هو الشيطان نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : جاز أن يكون المراد { ~~وأملى لهم } الله فيقف على { سول لهم } وثانيها : هو أن المسول أيضا ليس هو ~~الشيطان ، وإنما أسند إليه من حيث إن الله قدر على يده ولسانه ذلك ، فذلك ~~الشيطان يمليهم ويقول لهم في آجالكم فسحة فتمتعوا برياستكم ثم في آخر الأمر ~~تؤمنون ، وقرىء { وأملى لهم } بفتح الياء وضم الهمزة ms8271 على البناء للمفعول . # ! 7 < { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم فى بعض الا مر ~~والله يعلم إسرارهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 26 ) ذلك بأنهم قالوا . . . . . # > > قال بعض المفسرين ذلك إشارة إلى الإملاء ، أي ذلك الإملاء بسبب أنهم ~~{ قالوا للذين كرهوا } وهو اختيار الواحدي ، وقال بعضهم { ذالك } إشارة إلى ~~التسويل ، ويحتمل أن يقال ذلك الارتداد بسبب أنهم قالوا { سنطيعكم } وذلك ~~لأنا نبين أن قوله { سنطيعكم فى بعض الامر } هو أنهم قالوا : نوافقكم على ~~أن محمدا ليس بمرسل ، وإنما هو كاذب ، ولكن لا نوافقكم في إنكار الرسالة ~~والحشر والإشراك بالله من الأصنام ، ومن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فهو كافر ، وإن آمن بغيره . لا بل من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ~~لا يؤمن بالله ولا برسله ولا بالحشر ، لأن الله كما أخبر عن الحشر وهو جائز ~~، أخبر عن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، وهي جائزة فإذا لم يصدق الله في ~~شيء لا ينفي الكذب بقول الله في غيره ، فلا يكون مصدقا موقنا بالحشر ، ولا ~~برسالة أحد من الأنبياء ، لأن طريق معرفتهم واحد ، والمراد من الذين كرهوا ~~ما نزل الله هم المشركون والمنافقون ، وقيل المراد اليهود ، فإن أهل مكة ~~قالوا لهم : نوافقكم في إخراج محمد وقتله وقتال أصحابه ، والأول أصح ، لأن ~~قوله { كرهوا ما نزل الله } لو كان مسندا إلى أهل الكتاب لكان مخصوصا ببعض ~~ما أنزل الله ، وإن قلنا بأنه مسند إلى المشركين يكون عاما ، لأنهم كرهوا ~~ما نزل الله وكذبوا الرسل بأسرهم ، وأنكروا الرسالة رأسا ، وقوله { سنطيعكم ~~فى بعض الامر } يعني فيما يتعلق بمحمد من الإيمان به فلا نؤمن ، والتكذيب ~~به فنكذبه كما تكذبونه والقتال معه ، وأما الإشراك بالله ، واتخاذ الأنداد ~~له من الأصنام ، وإنكار الحشر والنبوة فلا ، وقوله { والله يعلم إسرارهم } ~~قال أكثرهم : المراد منه هو أنهم قالوا ذلك سرا ، فأفشاه الله وأظهره لنبيه ~~عليه الصلاة والسلام ، والأظهر أن يقال { والله يعلم إسرارهم } وهو ما في ~~قلوبهم من العلم بصدق محمد عليه PageV28P058 الصلاة والسلام ، فإنهم ms8272 كانوا ~~مكابرين معاندين ، وكانوا يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون ~~أبناءهم ، وقرىء { إسرارهم } بكسر الهمزة على المصدر ، وما ذكرنا من المعنى ~~ظاهر على هذه القراءة ، فإنهم كانوا يسرون نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، ~~وعلى قولنا المراد من الذين ارتدوا المنافقون ، فكانوا يقولون للمجاهدين من ~~الكفار { سنطيعكم فى بعض الامر } ( محمد : 26 ) وكانوا يسرون أنهم إن غلبوا ~~انقلبوا ، كما قال الله تعالى ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم } ~~وقال تعالى : { * } وقال تعالى : { فإذا جاء الخوف سلقوكم بألسنة حداد } ( ~~الأحزاب : 15 ) . # ! 7 < { فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } . > 7 @QB@ < # | محمد : ( 27 ) فكيف إذا توفتهم . . . . . # > > # اعلم أنه لما قال الله تعالى : { والله يعلم إسرارهم } ( محمد : 26 ) قال ~~فهب أنهم يسرون والله لا يظهره اليوم فكيف يبقى مخفيا وقت وفاتهم ، أو نقول ~~كأنه تعالى قال : { والله يعلم إسرارهم } وهب أنهم / يختارون القتال لما ~~فيه الضراب والطعان ، مع أنه مفيد على الوجهين جميعا ، إن غلبوا فالمال في ~~الحال والثواب في المآل ، وإن غلبوا فالشهادة والسعادة ، فكيف حالهم إذا ~~ضرب وجوههم وأدبارهم ، وعلى هذا فيه لطيفة ، وهي أن القتال في الحال إن ~~أقدم المبارزة فربما يهزم الخصم ويسلم وجهه وقفاه ، وإن لم يهزمه فالضرب ~~على وجهه إن صبر وثبت وإن لم يثبت وانهزم ، فإن فات القرن فقد سلم وجهه ~~وقفاه وإن لم يفته فالضرب على قفاه لا غير ، ويوم الوفاة لا نصرة له ولا ~~مفر ، فوجهه وظهره مضروب مطعون ، فكيف يحترز عن الأذى ويختار العذاب الأكبر ~~. # ! 7 < { ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } . ~~> 7 @QB@ < # | محمد : ( 28 ) ذلك بأنهم اتبعوا . . . . . # > > # قوله تعالى : { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه } وفيه ~~لطيفة ، وهي أن الله تعالى ذكر أمرين : ضرب الوجه ، وضرب الأدبار ، وذكر ~~بعدهما أمرين آخرين : اتباع ما أسخط الله وكراهة رضوانه ، فكأنه تعالى قابل ~~الأمرين فقال : يضربون وجوههم حيث أقبلوا على سخط الله ، فإن المتسع للشيء ~~متوجه إليه ، ويضربون أدبارهم لأنهم تولوا عما فيه رضا ms8273 الله ، فإن الكاره ~~للشيء يتولى عنه ، وما أسخط الله يحتمل وجوها الأول : إنكار الرسول عليه ~~الصلاة والسلام ورضوانه الإقرار به والإسلام الثاني : الكفر هو ما أسخط ~~الله والإيمان يرضيه يدل عليه قوله تعالى : { إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ~~ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا * الله لكم } ( الزمر : 7 ) وقال تعالى : ~~{ إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } PageV28P059 إلى ~~أن قال : { رضى الله عنهم ورضوا عنه } ( البينة : 7 ، 8 ) الثالث : ما أسخط ~~الله تسويل الشيطان ، ورضوان الله التعويل على البرهان والقرآن ، فإن قيل ~~هم ما كانوا يكرهون رضوان الله ، بل كانوا يقولون : إن ما نحن عليه فيه ~~رضوان الله ، ولا نطلب إلا رضاء الله ، وكيف لا والمشركون بإشراكهم كانوا ~~يقولون : إنا نطلب رضاء الله . كما قالوا { ليقربونا إلى الله زلفى } ( ~~الزمر : 3 ) وقالوا { فيشفعوا لنا } ( الأعراف : 53 ) فنقول معناه كرهوا ما ~~فيه رضاء الله تعالى . # وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال : { ما أسخط الله } ولم يقل : ما أرضى ~~الله وذلك لأن رحمة الله سابقة ، فله رحمة ثابتة وهي منشأ الرضوان ، وغضب ~~الله متأخر فهو يكون على ذنب ، فقال : { رضوانه } لأنه وصف ثابت لله سابق ، ~~ولم يقل سخط الله ، بل { ما أسخط الله } إشارة إلى أن السخط ليس ثبوته ~~كثبوت الرضوان ، ولهذا المعنى قال في اللعان في حق المرأة { والخامسة أن ~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين } ( النور : 9 ) يقال : غضب الله مضافا ~~لأن لعانه قد سبق مظهر الزنا بقوله وأيمانه ، وقبله لم يكن لله غضب ، و ~~رضوان الله أمر يكون منه الفعل ، وغضب الله أمر يكون من فعله ، ولنضرب له ~~مثالا : الكريم الذي رسخ الكرم في نفسه يحمله الكرم على الأفعال الحسنة ، ~~فإذا كثر من السيء الإساءة فغضبه لا لأمر يعود إليه ، بل غضبه عليه يكون ~~لإصلاح / حالة ، وزجرا لأمثاله عن مثل فعاله ، فيقال هو كان الكريم فكرمه ~~لما فيه من الغريزة الحسنة ، لكن فلانا أغضبه وظهر منه الغضب ، فيجعل الغضب ~~ظاهرا من الفعل ، والفعل الحسن ms8274 ظاهرا من الكرم ، فالغضب في الكريم بعد فعل ~~، والفعل منه بعد كرم ، ومن هذا يعرف لطف قوله { ما أسخط الله وكرهوا ~~رضوانه } . # ثم قال تعالى : { فأحبط أعمالهم } حيث لم يطلبوا إرضاء الله ، وإنما ~~طلبوا إرضاء الشيطان والأصنام . # ! 7 < { أم حسب الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم } . > 7 ! # قوله تعالى : { أم حسب الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم } . ~~< < # | محمد : ( 29 ) أم حسب الذين . . . . . # > > # هذا إشارة إلى المنافقين و { أم } تستدعي جملة أخرى استفهامية إذا كانت ~~للاستفهام ، لأن كلمة { أم } إذا كانت متصلة استفهامية تستدعي سبق جملة ~~أخرى استفهامية ، يقال أزيد في الدار أم عمرو ، وإذا كانت منقطعة لا تستدعي ~~ذلك ، يقال إن هذا لزيد أم عمرو ، وكما يقال بل عمرو ، والمفسرون على أنها ~~منقطعة ، ويحتمل أن يقال إنها استفهامية ، والسابق مفهوم من قوله تعالى : { ~~والله يعلم إسرارهم } فكأنه تعالى قال : أحسب الذين كفروا أن لن يعلم الله ~~إسرارهم أم حسب المنافقون أن لن يظهرها والكل قاصر ، وإنما يعلمها ويظهرها ~~، ويؤيد هذا أن المتقطعة لا تكاد تقع في صدر الكلام فلا يقال ابتداء ، بل ~~جاء زيد ، ولا أم جاء عمرو ، والإخراج بمعنى الإظهار فإنه إبراز ، والأضغان ~~هي الحقود والأمراض ، واحدها ضغن . # ! 7 < { ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم فى لحن القول ~~والله يعلم أعمالكم } . > 7 @QB@ < # | محمد : ( 30 ) ولو نشاء لأريناكهم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم فى لحن ~~القول والله يعلم أعمالكم } . # لما كان مفهوم قوله { أم حسب الذين فى قلوبهم مرض أن لن يخرج الله ~~أضغانهم } ( محمد : 29 ) أن الله يظهر ضمائرهم ويبرز سرائرهم كأن قائلا قال ~~فلم لم يظهر فقال أخرناه لمحض المشيئة لا لخوف منهم ، كما لا تفشى أسرار ~~الأكابر خوفا منهم { ولو نشاء لاريناكهم } أي لا مانع لنا والإراءة بمعنى ~~التعريف ، وقوله PageV28P060 { * فلتعرفنهم } لزيادة فائدة ، وهي أن ~~التعريف قد يطلق ولا يلزمه المعرفة ، يقال عرفته ولم يعرف وفهمته ولم يفهم ~~فقال ههنا { لاريناكهم فلعرفتهم } يعني عرفناهم تعريفا تعرفهم به ms8275 ، إشارة ~~إلى قوة التعريف ، واللام في قوله { فلعرفتهم } هي التي تقع في جزاء لو كما ~~في قوله { لاريناكهم } أدخلت على المعرفة إشارة إلى أن المعرفة كالمرتبة ~~على المشيئة كأنه قال : ولو نشاء لعرفتهم ، ليفهم أن المعرفة غير متأخرة عن ~~التعريف فتفيد تأكيد التعريف ، أي لو نشاء لعرفناك تعريفا معه المعرفة / لا ~~بعده ، وأما اللام في قوله تعالى : { ولتعرفنهم } جواب لقسم محذوف كأنه قال ~~ولتعرفنهم والله ، وقوله { فى لحن القول } فيه وجوه أحدها : في معنى القول ~~وعلى هذا فيحتمل أن يكون المراد من القول قولهم أي لتعرفنهم في معنى قولهم ~~حيث يقولون ما معناه النفاق كقولهم حين مجيء النصر إنا كنا معكم ، وقولهم { ~~لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن } ( المنافقون : 8 ) وقولهم { إن بيوتنا عورة ~~} ( الأحزاب : 13 ) وغير ذلك ، ويحتمل أن يكون المراد قول الله عز وجل أي ~~لتعرفنهم في معنى قول الله تعالى حيث قال ما تعلم منه حال المنافقين كقوله ~~تعالى : { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر ~~جامع لم يذهبوا } ( النور : 62 ) وقوله { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم } ( الأنفال : 2 ) إلى غير ذلك ، وثانيها : في ميل القول عن ~~الصواب حيث قالوا ما لم يعتقدوا ، فأمالوا كلامهم حيث قالوا { نشهد إنك ~~لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ~~وقالوا { إن بيوتنا عورة وما هى بعورة } ( الأحزاب : 13 ) ، { ولقد كانوا ~~عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار } ( الأحزاب : 15 ) إلى غير ذلك ~~وثالثها : في لحن القول أي في الوجه الخفي من القول الذي يفهمه النبي عليه ~~السلام ولا يفهمه غيره ، وهذا يحتمل أمرين أيضا والنبي عليه السلام كان ~~يعرف المنافق ولم يكن يظهر أمره إلى أن أذن الله تعالى له في إظهار أمرهم ~~ومنع من الصلاة على جنائزهم والقيام على قبورهم ، وأما قوله { بسيماهم } ~~فالظاهر أن المراد أن الله تعالى لو شاء لجعل على وجوههم علامة أو يمسخهم ~~كما قال تعالى : { ولو نشاء لمسخناهم } ( يس : 67 ) وروي أن جماعة منهم ms8276 ~~أصبحوا وعلى جباههم مكتوب هذا منافق ، وقوله تعالى : { والله يعلم أعمالكم ~~} وعد للمؤمنين ، وبيان لكون حالهم على خلاف حال المنافق / فإن المنافق كان ~~له قول بلا عمل ، والمؤمن كان له عمل ولا يقول به ، وإنما قوله التسبيح ~~ويدل عليه قوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( البقرة : ~~286 ) وقوله { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا } ( آل عمران : 193 ~~) وكانوا يعملون الصالحات ويتكلمون في السيئات مستغفرين مشفقين ، والمنافق ~~كان يتكلم في الصالحات كقوله { إنا معكم } ( البقرة : 14 ) { قالت الاعراب ~~ءامنا } ( الحجرات : 14 ) ، { ومن الناس من يقول ءامنا } ( البقرة : 8 ) ~~ويعمل السيء فقال تعالى الله يسمع أقوالهم الفارغة ويعلم أعمالكم الصالحة ~~فلا يضيع . # ! 7 < { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم } . ~~> 7 ! # < < # | محمد : ( 31 ) ولنبلونكم حتى نعلم . . . . . # > > أي لنأمرنكم بما لا يكون متعينا للوقوع ، بل بما يحتمل الوقوع ويحتمل ~~عدم الوقوع كما يفعل المختبر ، وقوله تعالى : { حتى نعلم المجاهدين } أي ~~نعلم المجاهدين من غير المجاهدين ويدخل في علم الشهادة فإنه تعالى قد علمه ~~علم الغيب وقد ذكرنا ما هو التحقيق في الابتلاء ، وفي قوله { حتى نعلم } ~~وقوله PageV28P061 { المجاهدين } أي المقدمين على الجهاد { والصابرين } أي ~~الثابتين الذين لا يولون الأدبار وقوله { ونبلو أخباركم } يحتمل وجوها ~~أحدها : قوله { من } ( البقرة : 8 ) لأن المنافق وجد منه هذا الخبر / ~~والمؤمن وجد منه ذلك أيضا ، وبالجهاد يعلم الصادق من الكاذب ، كما قال ~~تعالى : { أولئك هم الصادقون } ، ( الحجرات : 15 ) وثانيها : إخبارهم من ~~عدم التولية في قوله { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار } ( ~~الأحزاب : 15 ) إلى غير ذلك ، فالمؤمن وفى بعهده وقاتل مع أصحابه في سبيل ~~الله كأنهم بنيان مرصوص والمنافق كان كالهباء ينزعج بأدنى صيحة وثالثها : ~~المؤمن كان له أخبار صادقة مسموعة من النبي عليه السلام كقوله تعالى : { ~~لتدخلن المسجد الحرام } ( الفتح : 27 ) ، { لاغلبن أنا ورسلى } ( المجادلة ~~: 21 ) ، و { ءان * جندنا لهم الغالبون } ( الصافات : 173 ) وللمنافق أخبار ~~أراجيف كما قال تعالى في حقهم { والمرجفون فى المدينة } ( الأحزاب : 60 ) ~~فعند تحقق الإيجاف ms8277 ، يتبين الصدق من الإرجاف . # ! 7 < { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشآقوا الرسول من بعد ما تبين ~~لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 32 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > فيه وجهان أحدهما : هم أهل الكتاب قريظة والنضير والثاني : كفار قريش ~~يدل على الأول قوله تعالى : { من بعد ما تبين لهم الهدى } قيل أهل الكتاب ~~تبين لهم صدق محمد عليه السلام ، وقوله { لن يضروا الله شيئا } تهديد معناه ~~هم يظنون أن ذلك الشقاق مع الرسول وهم به يشاقونه وليس كذلك ، بل الشقاق مع ~~الله فإن محمدا رسول الله ما عليه إلا البلاغ فإن ضروا يضروا الرسل لكن ~~الله منزه عن أن يتضرر بكفر كافر وفسق فاسق ، وقوله { وسيحبط أعمالهم } قد ~~علم معناه . فإن قيل قد تقدم في أول السورة أن الله تعالى أحبط أعمالهم ~~فكيف يحبط في المستقبل ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المراد من ~~قوله { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } ( محمد : 1 ) في أول السورة ~~المشركون ، ومن أول الأمر كانوا مبطلين ، وأعمالهم كانت على غير شريعة ، ~~والمراد من الذين كفروا ههنا أهل الكتاب وكانت لهم أعمال قبل الرسول ~~فأحبطها الله تعالى بسبب تكذيبهم الرسول ولا ينفعهم إيمانهم بالحشر والرسل ~~والتوحيد ، والكافر المشرك أحبط عمله حيث لم يكن على شرع أصلا ولا كان ~~معترفا بالحشر الثاني : هو أن المراد بالأعمال ههنا مكايدهم في القتال وذلك ~~في تحقق منهم والله سيبطله حيث يكون النصر للمؤمنين ، والمراد بالأعمال في ~~أول السورة هو ما ظنوه حسنة . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 33 ) يا أيها الذين . . . . . # > > العطف ههنا من باب عطف المسبب على السبب يقال اجلس واسترح وقم وامش ~~لأن طاعة / الله تحمل على طاعة الرسول ، وهذا إشارة إلى العمل بعد حصول ~~العلم ، كأنه تعالى قال : يا أيها الذين آمنوا علمتم الحق فافعلوا الخير ، ~~وقوله { ولا تبطلوا أعمالكم } يحتمل وجوها أحدها : دوموا على ما أنتم عليه ~~ولا تشركوا فتبطل أعمالكم ، قال ms8278 تعالى : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( الزمر ~~: 65 ) الوجه الثاني : { لا تبطلوا * أعمالكم } PageV28P062 بترك طاعة ~~الرسول كما أبطل الكتاب أعمالهم بتكذيب الرسول وعصيانه ، ويؤيده قوله تعالى ~~: { عليم ياأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم } إلى أن قال : { أن تحبط ~~أعمالكم وأنتم لا تشعرون } ( الحجرات : 2 ) الثالث : { لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والاذى } ( البقرة : 264 ) كما قال تعالى : { يمنون عليك أن أسلموا ~~قل لا تمنوا على إسلامكم } ( الحجرات : 17 ) وذلك أن من يمن بالطاعة على ~~الرسول كأنه يقول هذا فعلته لأجل قلبك ، ولولا رضاك به لما فعلت ، وهو مناف ~~للاخلاص ، والله لا يقبل إلا العمل الخالص . # ! 7 < { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر ~~الله لهم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 34 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > بين أن الله لا يغفر الشرك وما دون ذلك يغفره إن شاء حتى لا يظن ظان ~~أن أعمالهم وإن بطلت لكن فضل الله باق يغفر لهم بفضله ، وإن لم يغفر لهم ~~بعملهم . # ! 7 < { إنا كل شىء خلقناه بقدر } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 35 ) فلا تهنوا وتدعوا . . . . . # > > لما بين أن عمل الكافر الذي له صورة الحسنات محبط ، وذنبه الذي هو ~~أقبح السيئات غير مغفور ، بين أن لا حرمة في الدنيا ولا في الآخرة ، وقد ~~أمر الله تعالى بطاعة الرسول بقوله { } . > 7 ! # لما بين أن عمل الكافر الذي له صورة الحسنات محبط ، وذنبه الذي هو أقبح ~~السيئات غير مغفور ، بين أن لا حرمة في الدنيا ولا في الآخرة ، وقد أمر ~~الله تعالى بطاعة الرسول بقوله { وأطيعوا الرسول } ( النساء : 59 ) وأمر ~~بالقتال بقوله { فلا تهنوا } أي لا تضعفوا بعد ما وجد السبب في الجد في ~~الأمر والاجتهاد في الجهاد فقاله { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } وفي ~~الآيات ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن قوله { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~} ( التغابن : 120 ) يقتضي السعي في القتال لأن أمر الله وأمر الرسول ورد ~~بالجهاد وقد أمروا بالطاعة ، فذلك يقتضي أن لا يضعف المكلف ولا يكسل ولا ~~يهن ولا يتهاون ، ثم إن بعد المقتضي قد ms8279 يتحقق مانع ولا يتحقق المسبب ، ~~والمانع من القتال إما أخروي وإما دنيوي ، فذكر الأخروي وهو أن الكافر لا ~~حرمة له في الدنيا والآخرة ، لأنه لا عمل له في الدنيا ولا مغفرة له في ~~الآخرة ، فإذا وجد السبب ولم يوجد المانع ينبغي أن يتحقق المسبب ، ولم يقدم ~~المانع الدنيوي على قوله { فلا تهنوا } إشارة إلى أن الأمور الدنيوية لا ~~ينبغي أن تكون / مانعة من الإتيان ، فلا تهنوا فإن لكم النصر ، أو عليكم ~~بالعزيمة على تقدير الاعتزام للهزيمة . # ثم قال تعالى بعد ذلك المانع الدنيوي مع أنه لا ينبغي أن يكون مانعا ليس ~~بموجود أيضا حيث { أنتم * الاعلون } والأعلون والمصطفون في الجمع حالة ~~الرفع معلوم الأصل ، ومعلوم أن الأمر كيف آل إلى هذه الصيغة في التصريف ، ~~وذلك لأن أصله في الجمع الموافق أعليون ومصطفيون فسكنت الياء لكونها حرف ~~علة فتحرك ما قبلها والواو كانت ساكنة فالتقى ساكنان ولم يكن بد من حذف ~~أحدهما أو تحريكه والتحريك كان يوقع في المحذور الذي اجتنب منه فوجب الحذف ~~، والواو كانت فيه لمعنى لا يستفاد إلا منها وهو الجمع فأسقطت الياء وبقي ~~أعلون ، وبهذا الدليل صار في الجر أعلين ومصطفين ، وقوله تعالى : { والله ~~معكم } هداية وإرشاد يمنع الملكف من الإعجاب بنفسه ، وذلك لأنه تعالى لما ~~قال : { وأنتم الاعلون } كان ذلك سبب الافتخار فقال : { والله معكم } يعني ~~ليس ذلك من أنفسكم بل من الله ، أو نقول لما قال : { وأنتم الاعلون } ~~PageV28P063 فكان المؤمنون يرون ضعف أنفسهم وقلتهم مع كثرة الكفار وشوكتهم ~~وكان يقع في نفس بعضهم أنهم كيف يكون لهم الغلبة فقال إن الله معكم لا يبقى ~~لكم شك ولا ارتياب في أن الغلبة لكم وهذا كقوله تعالى : { لاغلبن أنا ورسلى ~~} ( المجادلة : 21 ) وقوله { وإن جندنا لهم الغالبون } ( الصافات : 273 ) ~~وقوله { ولن يتركم أعمالكم } وعد آخر وذلك لأن الله لما قال إن الله معكم ، ~~كان فيه أن النصرة بالله لا بكم فكان القائل يقول لم يصدر مني عمل له ~~اعتبار فلا أستحق تعظيما ، فقال هو ينصركم ومع ذلك ms8280 لا ينقص من أعمالكم شيئا ~~، ويجعل كأن النصرة جعلت بكم ومنكم فكأنكم مستقلون في ذلك ويعطيكم أجر ~~المستبد ، والترة النقص ، ومنه الموتر كأنه نقص منه ما يشفعه ، ويقول عند ~~القتال إن قتل من الكافرين أحد فقد وتروا في أهلهم وعملهم حيث نقص عددهم ~~وضاع عملهم ، والمؤمن إن قتل فإنما ينقص من عدده ولم ينقص من عمله / وكيف ~~ولم ينقص من عدده أيضا ، فإنه حي مرزوق ، فرح بما هو إليه مسوق . # ! 7 < { إنما الحيواة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ~~ولا يسألكم أموالكم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 36 ) إنما الحياة الدنيا . . . . . # > > زيادة في التسلية يعني كيف تمنعك الدنيا من طلب الآخرة بالجهاد ، وهي ~~لا تفوتك لكونك منصورا غالبا ، وإن فاتتك فعملك غير موتر ، فكيف وما يفوتك ~~، فإن فات فائت ولم يعوض لا ينبغي لك أن تلتفت إليها لكونها لعبا ولهوا ، ~~وقد ذكرنا في اللعب واللهو مرارا أن اللعب / ما تشتغل به ولا يكون فيه ~~ضرورة في الحال ولا منفعة في المآل ، ثم إن استعمله الإنسان ولم يشتغله عن ~~غيره ، ولم يثنه عن أشغاله المهمة فهو لعب وإن شغله ودهشه عن مهماته فهو ~~لهو ، ولهذا يقال ملاهي لآلات الملاهي لأنها مشغلة عن الغير ، ويقال لما ~~دونه لعب كاللعب بالشطرنج والحمام ، وقد ذكرنا ذلك غير مرة ، وقوله { وإن ~~تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم } إعادة للوعد والإضافة للتعريف ، أي الأجر ~~الذي وعدكم بقوله { أجر كريم } ( يس : 11 ) { وأجر كبير } ( هود : 11 ) { ~~وأجر عظيم } ( آل عمران : 172 ) وقوله { ولا يسئلكم أموالكم } يحتمل وجوها ~~أحدها : أن الجهاد لا بد له من إنفاق ، فلو قال قائل أنا لا أنفق مالي ، ~~فيقال له الله لا يسئلكم ظمالكم في الجهات المعينة من الزكاة والغنيمة ~~وأموال المصالح فيها تحتاجون إليه من المال لا تراعون بإخراجه وثانيها : ~~الأموال لله وهي في أيديكم عارية وقد طلب منكم أو أجاز لكم في صرفها في جهة ~~الجهاد فلا معنى لبخلكم بماله ، وإلى هذا إشارة بقوله تعالى : { وما لكم ~~ألا تنفقوا فى سبيل الله ولله ميراث ms8281 * السماوات والارض } ( الحديد : 10 ) ~~أي الكل لله وثالثها : لا يسألكم أموالكم كلها ، وإنما يسألكم شيئا يسيرا ~~منها وهو ربع العشر ، وهو قليل جدا لأن العشر هو الجزء الأقل إذ ليس دونه ~~جزء وليس اسما مفردا ، وأما الجزء من أحد عشر ومن إثنى عشر و ( إلى ) مائة ~~جزء لما لم يكن ملتفتا إليه لم يوضع له اسم مفرد . # ثم إن الله تعالى لم يوجب ذلك في رأس المال بل أوجب ذلك في الربح الذي هو ~~من فضل الله PageV28P064 وعطائه ، وإن كان رأس المال أيضا كذلك لكن هذا ~~المعنى في الربح أظهر ، ولما كان المال منه ما ينفق للتجارة فيه ومنه ما لا ~~ينفق ، وما أنفق منه للتجارة أحد قسميه وهو يحتمل أن تكون التجارة فيه ~~رابحة ، ويحتمل أن لا تكون رابحة فصار القسم الواحد قسمين فصار في التقدير ~~كان الربح في ربعه فأوجب ( ربع ) عشر الذي فيه الربح وهو عشر فهو ربع العشر ~~وهو الواجب ، فعلم أن الله لا يسألكم أموالكم ولا الكثير منه . # ! 7 < { ؤإن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم } . > 7 ! # < < # | محمد : ( 37 ) إن يسألكموها فيحفكم . . . . . # > > الفاء في قوله { فيحفكم } للإشارة إلى أن الإحفاء يتبع السؤال بيانا ~~لشح الأنفس ، وذلك لأن العطف بالواو قد يكون للمثلين وبالفاء لا يكون إلا ~~للمتعاقبين أو متعلقين أحدهما بالآخر فكأنه تعالى بين أن الإحفاء يقع عقيب ~~السؤال لأن الإنسان بمجرد السؤال لا يعطي شيئا وقوله { تبخلوا ويخرج ~~أضغانكم } يعني ما طلبها ولو طلبها وألح عليكم في الطلب لبخلتم ، كيف وأنتم ~~تبخلون باليسير لا تبخلون بالكثير وقوله { ويخرج أضغانكم } يعني بسببه فإن ~~الطالب وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يطلبونكم وأنتم لمحبة المال ~~وشح الأنفس تمتنعون فيفضي إلى القتال وتظهر به الضغائن . # ! 7 < { هآ أنتم هاؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله فمنكم من يبخل ومن ~~يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنى وأنتم الفقرآء وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } . > 7 ! # / ( < < # | محمد : ( 38 ) ها أنتم هؤلاء . . . . . # > > يعني ) قد طلبت منكم اليسير ms8282 فبخلتم فكيف لو طلبت منكم الكل وقوله { ~~هؤلاء } يحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون موصولة كأنه قال : أنتم هؤلاء ~~الذين تدعون لتنفقوا في سبيل الله وثانيهما : { هؤلاء } وحدها خبر { أنتم } ~~كما يقال أنت هذا تحقيقا للشهرة والظهور أي ظهر أثركم بحيث لا حاجة إلى ~~الإخبار عنكم بأمر مغاير ثم يبتدىء { تدعون } وقوله { تدعون } أي إلى ~~الإنفاق إما في سبيل الله تعالى بالجهاد ، وإما في صرفه إلى المستحقين من ~~إخوانكم ، وبالجملة ففي الجهتين تخذيل الأعداء ونصرة الأولياء { فمنكم من ~~يبخل } ، ثم بين أن ذلك البخل ضرر عائد إليه فلا تظنوا أنهم لا ينفقونه على ~~غيرهم بل لا ينفقونه على أنفسهم فإن من يبخل بأجرة الطبيب وثمن الدواء وهو ~~مريض فلا يبخل إلا على نفسه ، ثم حقق ذلك بقوله { والله الغنى } غير محتاج ~~إلى مالكم وأتمه بقوله { وأنتم الفقراء } حتى لا تقولوا إنا أيضا أغنياء عن ~~القتال ، ودفع حاجة الفقراء فإنهم لا غنى لهم عن ذلك في الدنيا والآخرة ، ~~أما في الدنيا فلأنه لولا القتال لقتلوا ، فإن الكافر إن يغز يغز ، ~~والمحتاج إن لم يدفع حاجته يقصده ، لا سيما أباح الشارع للمضطر ذلك ، وأما ~~في الآخرة فظاهر فكيف لا يكون فقيرا وهو موقوف مسؤول يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون . # ثم قال تعالى : { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } ~~بيان الترتيب من وجهين : PageV28P065 أحدهما : أنه ذكره بيانا للاستغناء ، ~~كما قال تعالى : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } ( إبراهيم : 19 ) وقد ~~ذكر أن هذا تقرير بعد التسليم ، كأنه تعالى يقول : الله غني عن العالم ~~بأسره فلا حاجة له إليكم . فإن كان ذاهب يذهب إلى أن ملكه بالعالم وجبروته ~~يظهر به وعظمته بعباده ، فنقول هب أن هذا الباطل حق لكنكم غير متعينين له ، ~~بل الله قادر على أن يخلق خلقا غيركم يفتخرون بعبادته ، وعالما غير هذا ~~يشهد بعظمته وكبريائه وثانيهما : أنه تعالى لما بين الأمور وأقام عليها ~~البراهين وأوضحها بالأمثلة قال إن أطعتم فلكم أجوركم وزيادة وإن تتولوا لم ~~يبق لكم إلا ms8283 الإهلاك فإن ما من نبي أنذر قومه وأصروا على تكذيبه إلا وقد حق ~~عليهم القول بالإهلاك وطهر الله الأرض منهم وأتى بقوم آخرين طاهرين ، وقوله ~~{ ثم لا يكونوا أمثالكم } فيه مسألة نحوية يتبين منها فوائد عزيزة وهي : / ~~أن النحاة قالوا : يجوز في المعطوف على جواب الشرط بالواو والفاء وثم ، ~~الجزم والرفع جميعا ، قال الله تعالى ههنا { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ~~ثم لا يكونوا أمثالكم } بالجزم ، وقال في موضع آخر { وإن يقاتلوكم يولوكم ~~الادبار ثم لا ينصرون } ( آل عمران : 111 ) بالرفع بإثبات النون وهو مع ~~الجواز ، ففيه تدقيق : وهو أن ههنا لا يكون متعلقا بالتولي لأنهم إن لم ~~يتولوا يكونون ممن يأتي بهم الله على الطاعة وإن تولوا لا يكونون مثلهم ~~لكونهم عاصين ، كون من يأتي بهم مطيعين ، وأما هناك سواء قاتلوا أو لم ~~يقاتلوا لا ينصرون ، فلم يكن للتعليق هناك وجه فرفع بالابتداء ، وههنا جزم ~~للتعليق . # وقوله { ثم لا يكونوا أمثالكم } يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المراد { ~~ثم لا يكونوا أمثالكم } في الوصف ولا في الجنس وهو لائق الوجه الثاني : ~~وفيه وجوه أحدها : قوم من العجم ثانيها : قوم من فارس روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سئل عمن يستبدل بهم إن تولوا وسلمان إلى جنبه فقال : ( هذا ~~وقومه ) ثم قال : ( لو كان الإيمان منوطا بالثريا لناله رجال من فارس ) و ~~ثالثها : قوم من الأنصار والله أعلم . # PageV28P066 < # > 1 ( سورة الفتح ) 1 < # > # وهي عشرون وتسع آيات مدنية # ! 7 < { إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا } . > ~~7 @QB@ < # | الفتح : ( 1 - 3 ) إنا فتحنا لك . . . . . # > > # / فيه مسائل : # المسألة الأولى : في الفتح وجوه : أحدها : فتح مكة وهو ظاهر وثانيها : ~~فتح الروم وغيرها وثالثها : المراد من الفتح صلح الحديبية ورابعها : فتح ~~الإسلام بالحجة والبرهان ، والسيف والسنان وخامسها : المراد منه الحكم ~~كقوله { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } ( الأعراف : 89 ) وقوله { ثم ~~يفتح بيننا بالحق } ( سبأ : 26 ) والمختار من ms8284 الكل وجوه : أحدها : فتح مكة ~~، والثاني : فتح الحديبية ، والثالث : فتح الإسلام بالآية والبيان والحجة ~~والبرهان . والأول مناسب لآخر ما قبلها من وجوه أحدها : أنه تعالى لما قال ~~: { أضغانكم هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا فى سبيل الله } . إلى أن قال : { ~~ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } ( محمد : 38 ) بين تعالى أنه فتح لهم مكة ~~وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون ~~بخلهم إلا على أنفسهم ثانيها : لما قال : { والله معكم } وقال : { وأنتم ~~الاعلون } ( محمد : 35 ) بين برهانه بفتح مكة ، فإنهم كانوا هم الأعلون ~~ثالثها : لما قال تعالى : { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } ( محمد : 35 ) ~~وكان معناه لا تسألوا الصلح من عندكم ، بل اصبروا فإنهم يسألون الصلح ~~ويجتهدون فيه كما كان يوم الحديبية وهو المراد بالفتح في أحد الوجوه ، وكما ~~كان فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ومسلمين ، فإن قيل : إن ~~كان المراد فتح مكة ، فمكة لم تكن قد فتحت ، فكيف قال تعالى : { فتحنا لك ~~فتحا مبينا } بلفظ الماضي ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين : أحدهما : فتحنا ~~في حكمنا وتقديرنا ثانيهما : ما PageV28P067 قدره الله تعالى فهو كائن ، ~~فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر لا دافع له ، واقع لا رافع له . # / المسألة الثانية : قوله { ليغفر لك الله } ينبىء عن كون الفتح سببا ~~للمغفرة ، والفتح لا يصلح سببا للمغفرة ، فما الجواب عنه ؟ نقول : الجواب ~~عنه من وجوه : الأول : ما قيل إن الفتح لم يجعله سببا للمغفرة وحدها ، بل ~~هو سبب لاجتماع الأمور المذكورة وهي : المغفرة ، وإتمام النعمة والهداية ~~والنصرة ، كأنه تعالى قال : ليغفر للك الله ويتم نعمته ويهديك وينصرك ، ولا ~~شك أن الاجتماع لم يثبت إلا بالفتح ، فإن النعمة به تمت ، والنصرة بعده قد ~~عمت الثاني : هو أن فتح مكة كان سببا لتطهير بيت الله تعالى من رجس الأوثان ~~، وتطهير بيته صار سببا لتطهير عبده الثالث : هو أن بالفتح يحصل الحج ، ثم ~~بالحج تحصل المغفرة ، ألا ترى إلى دعاء النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال ~~في ms8285 الحج : ( اللهم اجعله حجا مبرورا ، وسعيا مشكورا ، وذنبا مغفورا ) ~~الرابع : المراد منه التعريف تقديره إنا فتحنا لك ليعرف أنك مغفور ، معصوم ~~، فإن الناس كانوا علموا بعد عام الفيل أن مكة لا يأخذها عدو الله المسخوط ~~عليه ، وإنما يدخلها ويأخذها حبيب الله المغفور له . # المسألة الثالثة : لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ذنب ، فماذا يغفر له ~~؟ قلنا الجواب عنه قد تقدم مرارا من وجوه أحدها : المراد ذنب المؤمنين ~~ثانيها : المراد ترك الأفضل ثالثها : الصغائر فإنها جائزة على الأنبياء ~~بالسهو والعمد ، وهو يصونهم عن العجب رابعها : المراد العصمة / وقد بينا ~~وجهه في سورة القتال . # المسألة الرابعة : ما معنى قوله { وما تأخر } ؟ نقول فيه وجوه أحدها : ~~أنه وعد النبي عليه السلام بأنه لا يذنب بعد النبوة ثانيها : ما تقدم على ~~الفتح ، وما تأخر عن الفتح ثالثها : العموم يقال اضرب من لقيت ومن لا تلقاه ~~، مع أن من لا يلقى لا يمكن ضربه إشارة إلى العموم رابعها : من قبل النبوة ~~ومن بعدها ، وعلى هذا فما قبل النبوة بالعفو وما بعدها بالعصمة ، وفيه وجوه ~~أخر ساقطة ، منها قول بعضهم : ما تقدم من أمر مارية ، وما تأخر من أمر زينب ~~، وهو أبعد الوجوه وأسقطها لعدم التئام الكلام ، وقوله تعالى : { ويتم ~~نعمته عليك } يحتمل وجوها : أحدها : هو أن التكاليف عند الفتح تمت حيث وجب ~~الحج ، وهو آخر التكاليف ، والتكاليف نعم ثانيها : يتم نعمته عليك بإخلاء ~~الأرض لك عن معانديك ، فإن يوم الفتح لم يبق للنبي عليه الصلاة والسلام عدو ~~ذو اعتبار ، فإن بعضهم كانوا أهلكوا يوم بدر والباقون آمنوا واستأمنوا يوم ~~الفتح ثالثها : ويتم نعمته عليك في الدنيا باستجابة دعائك في طلب الفتح ، ~~وفي الآخرة بقول شفاعتك في الذنوب ولو كانت في غاية القبح ، وقوله تعالى : ~~{ ويهديك صراطا مستقيما } يحتمل وجوها أظهرها : يديمك على الصراط المستقيم ~~حتى لا يبقى من يلتفت إلى قوله من المضلين ، أو ممن يقدر على الإكراه على ~~الكفر ، وهذا يوافق قوله تعالى : { ورضيت لكم الأسلام دينا } ( المائدة : 3 ~~) حيث أهلكت المجادلين فيه ms8286 ، وحملتهم على الإيمان وثانيها : أن يقال جعل ~~الفتح سببا للهداية إلى / الصراط المستقيم ، لأنه سهل على المؤمنين الجهاد ~~لعلمهم بالفوائد العاجلة بالفتح والآجلة بالوعد ، والجهاد سلوك سبيل الله ، ~~ولهذا يقال للغازي في سبيل الله مجاهد وثالثها : ما ذكرنا أن المراد ~~التعريف ، أي ليعرف أنك على صراط مستقيم ، من حيث إن الفتح لا يكون إلا على ~~يد من يكون على صراط الله بدليل حكاية الفيل ، وقوله { وينصرك الله نصرا ~~عزيزا } ظاهر ، لأن بالفتح ظهر النصر واشتهر الأمر ، وفيه مسألتان إحداهما ~~لفظية والأخرى معنوية : PageV28P068 # أما المسألة اللفظية : فهي أن الله وصف النصر بكونه عزيزا ، والعزيز من ~~له النصر والجواب : من وجهين أحدهما : ما قاله الزمخشري أنه يحتمل وجوها ~~ثلاثة الأول : معناه نصر إذ عز ، كقوله { فى عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) ~~أي ذات رضى الثاني : وصف النصر بما يوصف به المنصور إسنادا مجازيا يقال له ~~كلام صادق ، كما يقال له متكلم صادق الثالث : المراد نصرا عزيزا صاحبه ~~الوجه الثاني من الجواب أن نقول : إنما يلزمنا ما ذكره الزمخشري من ~~التقديرات إذا قلنا : العزة من الغلبة ، والعزيز الغالب وأما إذا قلنا : ~~العزيز هو النفيس القليل النظير ، أو المحتاج إليه القليل الوجود ، يقال عز ~~الشيء إذا قل وجوده مع أنه محتاج إليه ، فالنصر كان محتاجا إليه ومثله لم ~~يوجد وهو أخذ بيت الله من الكفار المتمكنين فيه من غير عدد . # أما المسألة المعنوية : وهي أن الله تعالى لما قال : { ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك } أبرز الفاعل وهو الله ، ثم عطف عليه بقوله { ويتم } وبقوله ~~{ ويهديك } ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام ، وهو أن الأفعال ~~الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول ، ولا يظهر فيما بعده ~~تقول : جاء زيد وتكلم ، وقام وراح ، ولا تقول : جاء زيد ، وقعد زيد اختصارا ~~للكلام بالاقتصار على الأول ، وههنا لم يقل وينصرك نصرا ، بل أعاد لفظ الله ~~، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر ، ولهذا قلما ذكر الله النصر من غير ~~إضافة ، فقال تعالى ms8287 : { بنصر الله ينصر } ( الروم : 5 ) ولم يقل بالنصر ~~ينصر / وقال : { هو الذى أيدك بنصره } ( الأنفال : 62 ) ولم يقل بالنصر ، ~~وقال : { إذا جاء نصر الله والفتح } ( النصر : 1 ) وقال : { نصر من الله ~~وفتح قريب } ( الصف : 13 ) ولم يقل نصر وفتح ، وقال : { وما النصر إلا من ~~عند الله } ( الأنفا : 10 ) وهذا أدل الآيات على مطلوبنا ، وتحقيقه هو أن ~~النصر بالصبر ، والصبر بالله ، قال تعالى : { واصبر وما صبرك إلا بالله } ( ~~النحل : 127 ) وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه ، وذلك بذكر الله ، كما ~~قال تعالى : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) فلما قال ههنا ~~وينصرك الله ، أظهر لفظ الله ذكرا للتعليم أن بذكر الله يحصل اطمئنان ~~القلوب ، وبه يحصل الصبر ، وبه يتحقق النصر ، وههنا مسألة أخرى وهو أن الله ~~تعالى قال : { إنا فتحنا } ثم قال : { ليغفر لك الله } ولم يقل إنا فتحنا ~~لنغفر لك تعظيما لأمر الفتح ، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة ~~لقوله تعالى : { إن الله يغفر الذنوب جميعا } ( الزمر : 53 ) وقال : { ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) ولئن قلنا بأن المراد من ~~المغفرة في حق النبي عليه السلام العصمة ، فذلك لم يختص بنبينا ، بل غيره ~~من الرسل كان معصوما ، وإتمام / النعمة كذلك ، قال الله تعالى : { اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى } ( المائدة : 3 ) وقال : { خالدون ~~يابنى إسراءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } ( البقرة : 47 ) وكذلك ~~الهداية قال الله تعالى : { يهدى * إليه من يشاء } فعمم ، وكذلك النصر قال ~~الله تعالى : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون } ~~( الصافات : 171 ، 172 ) وأما الفتح فلم يكن لأحد غير النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، فعظمه بقوله تعالى : { إنا فتحنا لك فتحا } وفيه التعظيم من وجهين ~~أحدهما : إنا وثانيهما : لك أي لأجلك على وجه المنة . # PageV28P069 ! 7 < { هو الذىأنزل السكينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والا رض وكان الله عليما حكيما } . > ~~7 @QB@ < # | الفتح : ( 4 ) هو الذي أنزل . . . . . # > > # لما قال تعالى : { وينصرك الله } ( الفتح : 3 ) بين وجه ms8288 النصر ، وذلك لأن ~~الله تعالى قد ينصر رسله بصيحة يهلك بها أعداءهم ، أو رجفة تحكم عليهم ~~بالفناء ، أو جند يرسله من السماء ، أو نصر وقوة وثبات قلب يرزق المؤمنين ~~به ، ليكون لهم بذلك الثواب الجزيل فقال : { هو الذى أنزل السكينة } أي ~~تحقيقا للنصر ، وفي السكينة وجوه أحدها : هو السكون الثاني : الوقار لله ~~ولرسول الله وهو من السكون الثالث : اليقين والكل من السكون وفيه مسائل : # المسألة الأولى : السكينة هنا غير السكينة في قوله تعالى : { وقال لهم ~~نبيهم إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه } ( البقرة : 248 ) في قول أكثر ~~المفسرين ويحتمل هي تلك المقصود منها على جميع الوجوه اليقين وثبات القلوب ~~. # المسألة الثانية : السكينة المنزلة عليهم هي سبب ذكرهم الله كما قال ~~تعالى : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) . # المسألة الثالثة : قال الله تعالى في حق الكافرين { وقذف فى قلوبهم } ( ~~الأحزاب : 26 ) بلفظ القذف المزعج وقال في حق المؤمنين { أنزل السكينة } ~~بلفظ الإنزال المثبت ، وفيه معنى حكمي وهو أن من علم شيئا من قبل وتذكره ~~واستدام تذكره فإذا وقع لا يتغير ، ومن كان غافلا عن شيء فيقع دفعة يرجف ~~فؤاده ، ألا ترى أن من أخبر بوقوع صيحة وقيل له لا تنزعج منها فوقعت الصيحة ~~لا يرجف ، ومن لم يخبر به و أخبر وغفل عنه يرتجف إذا وقعت ، فكذلك الكافر ~~أتاه الله من حيث لا يحتسب وقذف في قلبه فارتجف ، والمؤمن أتاه من حيث كان ~~يذكره فسكن ، وقوله تعالى : { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } فيه وجوه أحدها ~~: أمرهم بتكاليف شيئا بعد شيء فآمنوا بكل وحد منها ، مثلا أمروا بالتوحيد ~~فآمنوا وأطاعوا ، ثم أمروا بالقتال والحج فآمنوا وأطاعوا ، فازدادوا إيمانا ~~مع إيمانهم / ثانيها : أنزل السكينة عليهم فصبروا فرأوا عين اليقين بما ~~علموا من النصر علم اليقين إيمانا بالغيب فازدادوا إيمانا مستفادا من ~~الشهادة مع إيمانهم المستفاد من الغيب ثالثها : ازدادوا بالفروع مع إيمانهم ~~بالأصول ، فإنهم آمنوا بأن محمدا رسول الله وأن الله واحد والحشر كائن ~~وآمنوا بأن كل ما يقول النبي صلى الله ms8289 عليه وسلم صدق وكل ما يأمر الله ~~تعالى به واجب رابعها : ازدادوا إيمانا استدلاليا مع إيمانهم الفطري ، وعلى ~~هذا الوجه نبين لطيفة وهي أن الله تعالى قال في حق الكافر { إنما نملى لهم ~~ليزدادوا إثما } ( آل عمران : 178 ) ولم يقل مع كفرهم لأن كفرهم عنادي وليس ~~في الوجود كفر فطري لينضم إليه الكفر العنادي بل الكفر ليس إلا عناديا ~~وكذلك الكفر بالفروع لا يقال انضم إلى الكفر بالأصول لأن من ضرورة الكفر ~~بالأصول الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان بالأصول الإيمان بالفروع ~~بمعنى الطاعة والانقياد فقال : { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } وقوله { ~~ولله جنود * السماوات والارض } فكان قادرا على إهلاك عدوه بجنوده بل بصيحة ~~ولم يفعل بل أنزل السكينة على المؤمنين ليكون إهلاك أعدائهم بأيديهم فيكون ~~لهم الثواب ، وفي جنود السماوات والأرض وجوه أحدها : ملائكة السماوات ~~والأرض ثانيها : من في السماوات من الملائكة ومن في الأرض من الحيوانات ~~والجن وثالثها : الأسباب السماوية والأرضية حتى يكون PageV28P070 سقوط كسف ~~من السماء والخسف من جنوده ، وقوله تعالى : { وكان الله عليما حكيما } لما ~~قال : { ولله جنود * السماوات والارض } وعددهم غير محصور ، أثبت العلم ~~إشارة إلى أنه { لا يعزب عنه مثقال ذرة فى * السماوات * ولا فى الارض } ( ~~سبأ : 3 ) وأيضا لما ذكر أمر القلوب بقوله { هو الذى أنزل السكينة فى قلوب ~~المؤمنين } والإيمان من عمل القلوب ذكر العلم إشارة إلى أنه يعلم السر ~~وأخفى ، وقوله { حكيما } بعد قوله { عليما } إشارة إلى أنه يفعل على وفق ~~العلم فإن الحكيم من يعمل شيئا متقنا ويعلمه ، فإن من يقع منه صنع عجيب ~~اتفاقا لا يقال له حكيم ومن يعلم ويعمل على خلاف العلم لا يقال له حكيم . ~~وقوله تعالى : # ! 7 < { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين ~~فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } . > 7 ! # < < # | الفتح : ( 5 ) ليدخل المؤمنين والمؤمنات . . . . . # > > يستدعي فعلا سابقا { ليدخل } فإن من قال ابتداء لتكرمني لا يصح ما لم ~~يقل قبله جئتك أو ما يقوم مقامه وفي ذلك الفعل ms8290 وجوه وضبط الأحوال فيه بأن ~~تقول ذلك الفعل إما أن يكون مذكورا بصريحه أو لا يكون ، وحينئذ ينبغي أن ~~يكون مفهوما ، فإما أن يكون مفهوما من لفظ يدل عليه بل فهم بقرينة حالية ~~فإن كان مذكورا فهو يحتمل وجوها أحدها : قوله { ليزدادوا إيمانا } ( الفتح ~~: 4 ) كأنه تعالى أنزل السكينة / ليزدادوا إيمانا بسبب الإنزال ليدخلهم ~~بسبب الإيمان جنات ، فإن قيل فقوله { ويعذب } ( الفتح : 6 ) عطف على قوله { ~~ليدخل } وازدياد إيمانهم لا يصلح سببا لتعذيبهم ، نقول بلى وذلك من وجهين ~~أحدهما : أن التعذيب مذكور لكونه مقصودا للمؤمنين ، كأنه تعالى يقول بسبب ~~ازديادكم في الإيمان يدخلكم في الآخرة جنات ويعذب بأيديكم في الدنيا الكفار ~~والمنافقين الثاني : تقديره ويعذب بسبب ما لكم من الازدياد ، يقال فعلته ~~لأجرب به العدو والصديق أي لأعرف بوجوده الصديق وبعدمه العدو فكذلك ليزداد ~~المؤمن إيمانا فيدخله الجنة ويزداد الكافر كفرا فيعذبه به ووجه آخر ثالث : ~~وهو أن سبب زيادة إيمان المؤمنين بكثرة صبرهم وثباتهم فيعيى المنافق ~~والكافر معه ويتعذب وهو قريب مما ذكرنا الثاني : قوله { وينصرك الله } ( ~~الفتح : 3 ) كأنه تعالى قال وينصرك الله بالمؤمنين ليدخل المؤمنين جنات ~~الثالث : قوله { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } ( الفتح : 2 ) على قولنا ~~المراد ذنب المؤمن كأنه تعالى قال ليغفر لك ذنب المؤمنين ، ليدخل المؤمنين ~~جنات ، وأما إن قلنا هو مفهوم من لفظ غير صريح فيحتمل وجوها أيضا أحدها : ~~قوله { حكيما } ( الفتح : 4 ) يدل على ذلك كأنه تعالى قال : الله حكيم ، ~~فعل ما فعل ليدخل المؤمنين جنات وثانيها : قوله تعالى : { ويتم نعمته عليك ~~} ( الفتح : 2 ) في الدنيا والآخرة ، فيستجيب دعاءك في الدنيا ويقبل شفاعتك ~~في العقبى { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات } ثالثها : قوله { إنا فتحنا لك ~~} ( الفتح : 1 ) ووجهه هو أنه روي أن المؤمنين قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم هنيئا لك إن الله غفر لك فماذا لنا ؟ فنزلت هذه الآية كأنه تعالى قال ~~: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك وفتحنا للمؤمنين ليدخلهم جنات ، وأما ~~إن قلنا إن ذلك مفهوم من ms8291 غير مقال بل من قرينة الحال ، فنقول هو الأمر ~~بالقتال لأن من ذكر الفتح والنصر علم أن الحال حال القتال ، فكأنه تعالى ~~قال إن الله تعالى أمر بالقتال ليدخل المؤمنين ، أو نقول عرف من قرينة ~~الحال أن الله اختار المؤمنين ليدخلهم جنات . PageV28P071 # المسألة الرابعة : قال ههنا وفي بعض المواضع { المؤمنين والمؤمنات } وفي ~~بعض المواضع اكتفى بذكر المؤمنين ودخلت المؤمنات فيهم كما في قوله تعالى : ~~{ وبشر المؤمنين } ( الأحزاب : 47 ) وقوله تعالى : { قد أفلح المؤمنون } ( ~~المؤمنون : 1 ) فما الحكمة فيه ؟ نقول في المواضع التي فيها ما يوهم اختصاص ~~المؤمنين بالجزاء الموعود به مع كون المؤمنات يشتركن معهم ذكرهن الله صريحا ~~، وفي المواضع التي ليس فيها ما يوهم ذلك اكتفى بدخولهم في المؤمنين فقوله ~~{ وبشر المؤمنين } مع أنه علم من قوله تعالى : { وما أرسلناك إلا كافة ~~للناس بشيرا ونذيرا } ( سبأ : 28 ) العموم لا يوهم خروج المؤمنات عن ~~البشارة ، وأما ههنا فلما كان قوله تعالى : { ليدخل المؤمنين } لفعل سابق ~~وهو إما الأمر بالقتال أو الصبر فيه أو النصر للمؤمنين أو الفتح بأيديهم ~~على ما كان يتوهم لأن إدخال المؤمنين كان للقتال ، والمرأة لا تقاتل فلا ~~تدخل الجنة الموعود بها صرح الله بذكرهن ، وكذلك في المنافقات والمشركات ، ~~والمنافقة والمشركة لم تقاتل فلا تعذب فصرح الله تعالى بذكرهن ، وكذلك في ~~قوله تعالى : { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات } ( الأحزاب : ~~35 ) لأن الموضع موضع ذكر النساء وأحوالهن لقوله { ولا تبرجن وأقمن وءاتين ~~وأطعن } ( الأحزاب : 33 ) وقوله { واذكرن ما يتلى فى بيوتكن } ( الأحزاب : ~~34 ) فكان ذكرهن هناك أصلا ، لكن الرجال لما كان لهم ما للنساء من الأجر ~~العظيم ذكرهم وذكرهن بلفظ مفرد من غير تبعية لما بينا أن الأصل ذكرهن في ~~ذلك الموضع . # المسألة الخامسة : قال الله تعالى : { ويكفر عنهم سيئاتهم } بعد ذكر ~~الإدخال مع أن تكفير السيئات قبل الإدخال ؟ نقول الجواب عنه من وجهين ~~أحدهما : الواو لا تقتضي الترتيب الثاني : تكفر السيئات والمغفرة وغيرهما ~~من توابع كون المكلف من أهل الجنة ، فقدم الإدخال في الذكر بمعنى أنه من ms8292 ~~أهل الجنة الثالث : وهو أن التكفير يكون بإلباس خلع الكرامة وهي في الجنة ، ~~وكان الإنسان في الجنة تزال عنه قبائح البشرية الجرمية كالفضلات ، ~~والمعنوية كالغضب والشهوة وهو التكفير وتثبت فيه الصفات الملكية وهي أشرف ~~أنواع الخلع ، وقوله تعالى : { وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } فيه وجهان ~~أحدهما : مشهور وهو أن الإدخال والتكفير في الله فوز عظيم ، يقال عندي هذا ~~الأمر على هذا الوجه ، أي في اعتقادي وثانيهما : أغرب منه وأقرب منه عقلا ، ~~وهو أن يجعل عند الله كالوصف لذلك كأنه تعالى يقول ذلك عند الله ، أي بشرط ~~أن يكون عند الله تعالى ويوصف أن يكون عند الله فوز عظيم حتى أن دخول الجنة ~~لو لم يكن فيه قرب من الله بالعندية لما كان فوزا . # ! 7 < { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنين بالله ~~ظن السوء عليهم دآئرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وسآءت ~~مصيرا * ولله جنود السماوات والا رض وكان الله عزيزا حكيما } . > 7 @QB@ < # | الفتح : ( 6 ) ويعذب المنافقين والمنافقات . . . . . # > > PageV28P072 # واعلم أنه قدم المنافقين على المشركين في الذكر في كثير من المواضع لأمور ~~أحدها : أنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكافر المجاهر لأن المؤمن كان ~~يتوقى المشرك المجاهر وكان يخالط المنافق لظنه بإيمانه ، وهو كان يفشي ~~أسراره ، وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( أعدى عدوك نفسك ~~التي بين جنبيك ) والمنافق على صورة الشيطان فإنه لا يأتي الإنسان على أني ~~عدوك ، وإنما / يأتيه على أني صديقك ، والمجاهر على خلاف الشيطان من وجه ، ~~ولأن المنافق كان يظن أن يتخلص للمخادعة ، والكافر لا يقطع بأن المؤمن إن ~~غلب يفديه ، فأول ما أخبر الله أخبر عن المنافق وقول { الظانين بالله ظن ~~السوء } هذا الظن يحتمل وجوها أحدها : هو الظن الذي ذكره الله في هذه ~~السورة بقوله { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول } ( الفتح : 12 ) ثانيها : ظن ~~المشركين بالله في الإشراك كما قال تعالى : { إن هى إلا أسماء سميتموها ~~أنتم } إلى أن قال : { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى ms8293 من الحق شيئا } ~~( النجم : 23 28 ) ثالثها : ظنهم أن الله لا يرى ولا يعلم كما قال : { ~~ولاكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } ( فصلت : 22 ) والأول أصح ~~أو نقول المراد جميع ظنونهم حتى يدخل فيه ظنهم الذي ظنوا أن الله لا يحيي ~~الموتى ، وأن العالم خلقه باطل ، كما قال تعالى : { ذالك ظن الذين كفروا } ~~( ص : 27 ) ويؤيد هذا الوجه الألف واللام الذي في السوء وسنذكره في قوله { ~~ظن السوء } وفيه وجوه أحدها : ما اختاره المحققون من الأدباء ، وهو أن ~~السوء صار عبارة عن الفساد ، والصدق عبارة عن الصلاح يقال مررت برجل سوء أي ~~فاسد ، وسئلت عن رجل صدق أي صالح ، فإذا كان مجموع قولنا رجل سوء يؤدي معنى ~~قولنا فاسد ، فالسوء وحده يكون بمعنى الفساد ، وهذا ما اتفق عليه الخليل ~~والزجاج واختاره الزمخشري ، وتحقيق هذا أن السوء في المعاني كالفساد في ~~الأجساد ، يقال ساء مزاجه ، وساء خلقه ، وساء ظنه ، كما يقال فسد اللحم ~~وفسد الهواء ، بل كان ما ساء فقد فسد وكل ما فسد فقد ساء غير أن أحدهما ~~كثير الاستعمال في المعاني والآخر في الأجرام قال الله تعالى : { ظهر ~~الفساد فى البر والبحر } ( الروم : 41 ) وقال : { ساء ما كانوا يعملون } ( ~~التوبة : 9 ) هذا ما يظهر لي من تحقيق كلامهم . # ثم قال تعالى : { عليهم دائرة السوء } أي دائرة الفساد وحاق بهم الفساد ~~بحيث لا خروج لهم منه . # ثم قال تعالى : { وغضب الله عليهم } زيادة في الإفادة لأن من كان به بلاء ~~فقد يكون مبتلى به على وجه الامتحان فيكون مصابا لكي يصير مثابا ، وقد يكون ~~مصابا على وجه التعذيب فقوله { وغضب الله عليهم } إشارة إلى أن الذي حاق ~~بهم على وجه التعذيب وقوله { ولعنهم } زيادة إفادة لأن المغضوب عليه قد ~~يكون بحيث يقنع الغاضب بالعتب والشتم أو الضرب ، ولا يفضي غضبه إلى إبعاد ~~المغضوب عليه من جنابه وطرده من بابه ، وقد يكون بحيث يفضي إلى الطرد ~~والإبعاد / فقال : { ولعنهم } لكون الغضب شديدا ، ثم لما بين حالهم في ~~الدنيا ms8294 بين مآلهم في العقبى قال : { وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا } وقوله { ~~ساءت } إشارة لمكان التأنيث في جهنم يقال هذه الدار نعم المكان ، وقوله ~~تعالى : { ولله جنود * السماوات والارض } ( الفتح : 4 ) قد تقدم تفسيره ، ~~وبقي فيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الفائدة في الإعادة ؟ نقول لله جنود الرحمة وجنود ~~العذاب أو جنود الله إنزالهم قد يكون للرحمة ، وقد يكون للعذاب فذكرهم أولى ~~لبيان الرحمة بالمؤمنين قال تعالى : { وكان بالمؤمنين رحيما } ( الأحزاب : ~~43 ) وثانيا لبيان إنزال العذاب على الكافرين . PageV28P073 # المسألة الثانية : قال هناك { وكان الله عليما حكيما } ( الفتح : 4 ) ~~وهنا { وكان الله عزيزا حكيما } لأن قوله { ولله جنود * السماوات والارض } ~~( الفتح : 4 ) قد بينا أن المقصود من ذكرهم الإشارة إلى شدة العذاب فذكر ~~العزة كما قال تعالى : { أليس الله بعزيز ذى انتقام } ( الزمر : 37 ) وقال ~~تعالى : { فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر } ( القمر : 42 ) وقال تعالى : { العزيز ~~الجبار } . # المسألة الثالثة : ذكر جنود السماوات والأرض قبل إدخال المؤمنين الجنة ، ~~وذكرهم ههنا بعد ذكر تعذيب الكفار وإعداد جنهم ، نقول فيه ترتيب حسن لأن ~~الله تعالى ينزل جنود الرحمة فيدخل المؤمنين مكرمين معظمين الجنة ثم يلبسهم ~~خلع الكرامة بقوله { ويكفر عنهم سيئاتهم } ( الفتح : 5 ) كما بينا ثم تكون ~~لهم القربى والزلفى بقوله { وكان ذلك عند الله فوزا عظيما } وبعد حصول ~~القرب والعندية لا تبقى واسطة الجنود فالجنود في الرحمة أولا ينزلون ~~ويقربون آخرا وأما في الكافر فيغضب عليه أولا فيبعد ويطرد إلى البلاد ~~النائية عن ناحية الرحمة وهي جهنم ويسلط عليهم ملائكة العذاب وهم جنود الله ~~كما قال تعالى : { عليها ملئكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم } ( ~~التحريم : 6 ) ولذلك ذكر جنود الرحمة أولا والقربة بقوله عند الله آخرا ، ~~وقال ههنا { غضب الله عليهم * ولعنهم } وهو الإبعاد أولا وجنود السماوات ~~والأرض آخرا . # ! 7 < { إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ~~وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا } . > 7 @QB@ < # | الفتح : ( 8 - 9 ) إنا أرسلناك شاهدا . . . . . # > > # قال المفسرون : { شاهدا } على أمتك بما يفعلون كما قال تعالى : { ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا ms8295 } ( البقرة : 143 ) والأولى أن يقال إن الله تعالى قال ~~: { إنا أرسلناك شاهدا } وعليه يشهد أنه لا إلاه إلا الله كما قال تعالى : ~~{ شهد الله أنه لا إلاه إلا هو والملائكة وأولوا العلم } ( آل عمران : 18 ) ~~وهم الأنبياء عليهم السلام ، الذين آتاهم الله علما من عنده وعلمهم ما لم ~~يكونوا يعلمون ، ولذلك قال تعالى : { فاعلم أنه لا إلاه إلائ * الله } ( ~~محمد : 19 ) أي فاشهد وقوله { ومبشرا } لمن قبل شهادته وعمل بها ويوافقه ~~فيها { ونذيرا } لمن رد شهادته ويخالفه فيها ثم بين فائدة الإرسال على ~~الوجه الذي ذكره فقال : { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه ~~بكرة وأصيلا } وهذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون الأمور الأربعة ~~المذكورة مرتبة على الأمور المذكورة من قبل فقوله { لتؤمنوا بالله ورسوله } ~~مرتب على قوله { إنا أرسلناك } / لأن كونه مرسلا من الله يقتضي أن يؤمن ~~المكلف بالله والمرسل وبالمرسل وقوله { شاهدا } يقتضي أن يعزر الله ويقوي ~~دينه لأن قوله { شاهدا } على ما بينا معناه أنه يشهد أنه لا إلاه إلا هو ~~فدينه هو الحق وأحق ن يتبع وقوله { مبشرا } يقتضي أن يوقر الله لأن تعظيم ~~الله عنده على شبه تعظيم الله إياه . وقوله { نذيرا } يقتضي أن ينزه عن ~~السوء والفحشاء مخافة عذابه الأليم وعقابه الشديد ، وأصل الإرسال مرتب على ~~أصل الإيمان ووصف الرسول يترتب عليه وصف المؤمن وثانيهما : أن يكون كل واحد ~~مقتضيا للأمور الأربعة فكونه مرسلا يقتضي أن يؤمن المكلف بالله ورسوله ~~PageV28P074 ويعزره ويوقره ويسبحه ، وكذلك كونه { شاهدا } بالوحدانية يقتضي ~~الأمور المذكورة ، وكذلك كونه { مبشرا ونذيرا } لا يقال إن اقتران اللام ~~بالفعل يستدعي فعلا مقدما يتعلق به ولا يتعلق بالوصف وقوله { لتؤمنوا } ~~يستدعي فعلا وهو قوله { إنا أرسلناك } فكيف تترتب الأمور على كونه { شاهدا ~~ومبشرا } لأنا نقول يجوز الترتيب عليه معنى لا لفظا ، كما أن القائل إذا ~~قال بعثت إليك عالما لتكرمه فاللفظ ينبىء عن كون البعث سبب الإكرام ، وفي ~~المعنى كونه عالما هو السبب للإكرام ، ولهذا لو قال بعثت إليك جاهلا لتكرمه ~~كان حسنا ، وإذا أردنا ms8296 الجمع بين اللفظ والمعنى نقول : الإرسال الذي هو ~~إرسال حال كونه شاهدا كما تقول بعث العالم سبب جعله سببا لا مجرد البعث ، ~~ولا مجرد العالم ، في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال في الأحزاب { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } ( الأحزاب : 45 ، 46 ) وههنا اقتصر ~~على الثلاثة من الخمسة فما الحكمة فيه ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : ~~أن ذلك المقام كان مقام ذكره لأن أكثر السورة في ذكر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأحواله وما تقدمه من المبايعة والوعد والدخول ففصل هنالك ، ولم يفصل ~~ههنا ثانيهما : أن نقول الكلام مذكور ههنا لأن قوله { شاهدا } لما لم يقتض ~~أن يكون داعيا لجواز أن يقول مع نفسه أشهد أن لا إلاه إلا الله ، ولا يدعو ~~الناس قال هناك وداعيا لذلك / وههنا لما لم يكن كونه { شاهدا } منبئا عن ~~كونه داعيا قال : { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه } دليل ~~على كونه سراجا لأنه أتى بما يجب من التعظيم والاجتناب عما يحرم من السوء ~~والفحشاء بالتنزيه وهو التسبيح . # المسألة الثانية : قد ذكرنا مرارا أن اختيار البكرة والأصيل يحتمل أن ~~يكون إشارة إلى المداومة ، ويحتمل أن يكون أمرا بخلاف ما كان المشركون ~~يعملونه فإنهم كانوا يجتمعون على عبادة الأصنام في الكعبة بكرة وعشية ~~فأمروا بالتسبيح في أوقات كانوا يذكرون فيها الفحشاء والمنكر . # المسألة الثالثة : الكنايات المذكور في قوله تعالى : { وتعزروه وتوقروه ~~وتسبحوه } راجعة إلى الله تعالى أو إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ ~~والأصح هو الأول . # ! 7 < { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث ~~فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } . > ~~7 ! # / < < # | الفتح : ( 10 ) إن الذين يبايعونك . . . . . # > > لما بين أنه مرسل ذكر أن من بايعه فقد بايع الله ، وقوله تعالى : { ~~يد الله فوق أيديهم } يحتمل وجوها ، وذلك أن اليد في الموضعين إما أن تكون ~~بمعنى واحد ، وإما أن تكون بمعنيين ، فإن قلنا إنها بمعنى واحد ، ففيه ~~وجهان أحدهما : { يد الله ms8297 } بمعنى نعمة الله عليهم فوق إحسانهم إلى الله ~~كما قال تعالى : { بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان } ( الحجرات : 17 ) ~~وثانيهما : { يد الله فوق أيديهم } أي نصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم ~~إياه ، يقال : اليد لفلان ، أي الغلبة والنصرة والقهر . وأما إن قلنا إنها ~~بمعنيين ، فنقول في حق الله تعالى PageV28P075 بمعنى الحفظ ، وفي حق ~~المبايعين بمعنى الجارحة ، واليد كناية عن الحفظ مأخوذ من حال المتبايعين ~~إذا مد كل واحد منهما يده إلى صاحبه في البيع والشراء ، وبينهما ثالث متوسط ~~لا يريد أن يتفاسخا العقد من غير إتمام البيع ، فيضع يده على يديهما ، ~~ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ، ولا يترك أحدهما يترك يد الآخر ، فوضع ~~اليد فوق الأيدي صار سببا للحفظ على البيعة ، فقال تعالى : { يد الله فوق ~~أيديهم } يحفظهم على البيعة كما يحفظ ذلك المتوسط أيدي المتبايعين ، وقوله ~~تعالى : { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } أما على قولنا المراد من اليد ~~النعمة أو الغلبة والقوة ، فلأن من نكث فوت على نفسه الإحسان الجزيل في ~~مقابلة العمل القليل ، فقد خسر ونكثه على نفسه ، وأما على قولنا المراد ~~الحفظ ، فهو عائد إلى قوله { إنما يبايعون الله } يعني من يبايعك أيها ~~النبي إذا نكث لا يكون نكثه عائدا إليك ، لأن البيعة مع الله ولا إلى الله ~~، لأنه لا يتضرر بشيء ، فضرره لا يعود إلا إليه . قال : { ومن أوفى بما ~~عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } وقد ذكرنا أن العظم في الأجرام ، لا ~~يقال إلا إذا اجتمع فيه الطول البالغ والعرض الواسع والسمك الغليظ ، فيقال ~~في الجبل الذي هو مرتفع ، ولا اتساع لعرضه جبل عال أو مرتفع أو شاهق ، فإذا ~~انضم إليه الاتساع في الجوانب يقال عظيم ، والأجر كذلك ، لأن مآكل الجنة ~~تكون من أرفع الأجناس ، وتكون في غاية الكثرة ، وتكون ممتدة إلى الأبد لا ~~انقطاع لها ، فحصل فيه ما يناسب أن يقال له عظيم والعظيم في حق الله تعالى ~~إشارة إلى كماله في صفاته ، كما أنه في الجسم إشارة إلى كماله في ms8298 جهاته . # ! 7 < { سيقول لك المخلفون من الا عراب شغلتنآ أموالنا وأهلونا فاستغفر ~~لنا يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن ~~أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا } . > 7 ! # / < < # | الفتح : ( 11 ) سيقول لك المخلفون . . . . . # > > لما بين حال المنافقين ذكر المتخلفين ، فإن قوما من الأعراب امتنعوا ~~عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لظنهم أنه يهزم ، فإنهم قالوا ~~أهل مكة يقاتلون عن باب المدينة ، فكيف يكون حالهم إذا دخلوا بلادهم وأحاط ~~بهم العدو فاعتذروا ، وقولهم { شغلتنا أموالنا وأهلونا } فيه أمران يفيدان ~~وضوح العذر أحدهما : ( قولهم ) { أموالنا } ولم يقولوا شغلتنا الأموال ، ~~وذلك لأن جمع المال لا يصلح عذرا ( لأنه ) لا نهاية له ، وأما حفظ ما جمع ~~من الشتات ومنع الحاصل من الفواتت يصلح عذرا ، فقالوا { شغلتنا أموالنا } ~~أي ما صار مالا لنا لا مطلق الأموال وثانيهما : قوله تعالى : { وأهلونا } ~~وذلك لو أن قائلا قال لهم : المال لا ينبغي أن يبلغ إلى درجة يمنعكم حفظه ~~من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لكان لهم أن يقولوا : فالأهل يمنع ~~الاشتغال بهم وحفظهم عن أهم الأمور ، ثم إنهم مع العذر تضرعوا وقالوا { ~~فاستغفر لنا } يعني فنحن مع إقامة العذر معترفون بالإساءة ، فاستغفر لنا ~~واعف عنا في أمر الخروج ، فكذبهم الله تعالى فقال : { يقولون بألسنتهم ما ~~ليس فى قلوبهم } وهذا PageV28P076 يحتمل أمرين أحدهما : أن يكون التكذيب ~~راجعا إلى قولهم { فاستغفر لنا } وتحقيقه هو أنهم أظهروا أنهم يعتقدون أنهم ~~مسيئون بالتخلف حتى استغفروا ، ولم يكن في اعتقادهم ذلك ، بل كانوا يعتقدون ~~أنهم بالتخلف محسنون ثانيهما : قالوا { شغلتنا } إشارة إلى أن امتناعنا ~~لهذا لا غير ، ولم يكن ذلك في اعتقادهم ، بل كانوا يعتقدون امتناعهم ~~لاعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يقهرون ويغلبون ، كما قال ~~بعده { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } ( الفتح : ~~12 ) وقوله { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم ms8299 ~~نفعا } معناه أنكم تحترزون عن الضر . وتتركون أمر الله ورسوله ، وتقعدون ~~طلبا للسلامة ، ولو أراد بكم الضرر لا ينفعكم قعودكم من الله شيئا ، أو ~~معناه أنكم تحترزون عن ضرر القتال والمقاتلين وتعتقدون أن أهليكم وبلادكم ~~تحفظكم من العدو ، فهب أنكم حفظتم أنفسكم عن ذلك ، فمن يدفع عنكم عذاب الله ~~في الآخرة ، مع أن ذلك أولى بالاحتراز ، وقد ذكرنا في سورة يس في قوله ~~تعالى : { إن يردن الرحمان بضر } ( يس : 23 ) أنه في / صورة كون الكلام مع ~~المؤمن أدخل الباء على الضر ، فقال : { إن أرادنى الله بضر } ( الزمر : 38 ~~) وقال : { وإن يمسسك الله بضر } ( الأنعام : 17 ) وفي صورة كون الكلام مع ~~الكافر أدخل الباء عل الكافر ، فقال ههنا { إن أراد بكم ضرا } وقال : { من ~~ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا } ( الأحزاب : 17 ) وقد ذكرنا ~~الفرق الفائق هناك ، ولا نعيده ليكون هذا باعثا على مطالعة تفسير سورة يس ، ~~فإنها درج الدرر اليتيمة ، { بل كان الله بما تعملون خبيرا } أي بما تعملون ~~من إظهار الحرب وإضمار غيره . # ! 7 < { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك ~~فى قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا } . > 7 ! # < < # | الفتح : ( 12 ) بل ظننتم أن . . . . . # > > يعني لم يكن تخلفكم لما ذكرتم { بل ظننتم أن لن ينقلب } وأن مخففة من ~~الثقيلة ، أي ظننتم أولا ، فزين الشيطان ظنكم عندكم حتى قطعتم به ، وذلك ~~لأن الشبهة قد يزينها الشيطان ، ويضم إليها مخايلة يقطع بها الغافل ، وإن ~~كان لا يشك فيها العاقل ، وقوله تعالى : { وظننتم ظن السوء } يحتمل وجهين ~~أحدهما : أن يكون هذا العطف عطفا يفيد المغايرة ، فقوله { وظننتم ظن السوء ~~} غير الذي في قوله { بل ظننتم } وحينئذ يحتمل أن يكون الظن الثاني معناه : ~~وظننتم أن الله يخلف وعده ، أو ظننتم أن الرسول كاذب في قوله وثانيهما : أن ~~يكون قوله { وظننتم ظن السوء } هو ما تقدم من ظن أن لا ينقلبوا ، ويكون على ~~حد قول القائل : علمت هذه المسألة وعلمت PageV28P077 كذا ، أي هذه المسألة ~~لا ms8300 غيرها ، وذلك كأنه قال : بل ظننتم ظن أن لن ينقلب . وظنكم ذلك فاسد ، ~~وقد بينا التحقيق في ظن السوء ، وقوله تعالى : { وكنتم قوما بورا } يحتمل ~~وجهين أحدهما : وصرتم بذلك الظن بائرين هالكين وثانيهما : أنتم في الأصل ~~بائرون وظننتم ذلك الظن الفاسد . # ! 7 < { ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنآ أعتدنا للكافرين سعيرا } . > 7 ~~@QB@ < # | الفتح : ( 13 ) ومن لم يؤمن . . . . . # > > # على قولنا : { وظننتم ظن السوء } ( الفتح : 12 ) ظن آخر غير ما في قوله { ~~بل ظننتم } ظاهر ، لأنا بينا أن ذلك ظنهم بأن الله يخلف وعده أو ظنهم بأن ~~الرسول كاذب فقال : { ومن لم يؤمن بالله ورسوله } ويظن به خلفا وبرسوله ~~كذبا فإنا أعتدنا له سعيرا ، وفي قوله { للكافرين } بدلا عن أن يقول فإنا ~~أعتدنا له / فائدة وهي التعميم كأنه تعالى قال : ومن لم يؤمن بالله فهو من ~~الكافرين وإنا أعتدنا للكافرين سعيرا . # ! 7 < { ولله ملك السماوات والا رض يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء وكان ~~الله غفورا رحيما } . > 7 ! # < < # | الفتح : ( 14 ) ولله ملك السماوات . . . . . # > > بعد ما ذكر من له أجر عظيم من المبايعين ومن له عذاب أليم من الظانين ~~الضالين ، أشار إلى أنه يغفر للأولين بمشيئته ويعذب الآخرين بمشيئته ، ~~وغفرانه ورحمته أعم وأشمل وأتم وأكمل ، وقوله تعالى : { والله * ملك * ~~السماوات والارض } يفيد عظمة الأمرين جميعا لأن من عظم ملكه يكون أجره ~~وهبته في غاية العظم وعذابه وعقوبته كذلك في غاية النكال والألم . # ! 7 < { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم ~~يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون ~~بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } . > 7 @QB@ < # | الفتح : ( 15 ) سيقول المخلفون إذا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا ~~نتبعكم } . # أوضح الله كذبهم بهذا حيث كانوا عندما يكون السير إلى مغانم يتوقعونها ~~يقولون من تلقاء أنفسهم { ذرونا نتبعكم } فإذا كان أموالهم وأهلوهم شغلتهم ~~يوم دعوتكم إياهم إلى أهل مكة ، فما بالهم لا يشتغلون بأموالهم يوم الغنيمة ~~، والمراد من المغانم مغانم أهل ms8301 خيبر وفتحها وغنم المسلمون ولم يكن معهم ~~إلا من كان معه في المدينة ، وفي قوله { سيقول المخلفون } وعد المبايعين ~~الموافقين بالغنيمة والمتخلفين المخالفين بالحرمان . PageV28P078 # وقوله تعالى : { يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال ~~الله من قبل } . # يحتمل وجوها أحدها : هو ما قال الله إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ~~وعاهد بها لا غير وهو الأشهر عند المفسرين ، والأظهر نظرا إلى قوله تعالى : ~~{ كذلكم قال الله من قبل } ، ثانيها : يريدون أن يبدلوا كلام الله وهو قوله ~~{ وغضب الله عليهم } ( الفتح : 6 ) وذلك لأنهم لو اتبعوكم لكانوا في حكم ~~بيعة أهل الرضوان الموعودين بالغنيمة فيكونون من الذين رضي الله عنهم كما ~~قال تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } ( الفتح ~~: 18 ) فلا يكونون من الذين غضب الله عليهم فيلزم تبديل كلام الله ثالثها : ~~هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تخلف القوم أطلعه الله على باطنهم ~~وأظهر له نفاقهم وأنه يريد أن يعاقبهم وقال للنبي صلى الله عليه وسلم { فقل ~~لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا } ( التوبة : 83 ) فأرادوا أن ~~يبدلوا ذلك الكلام بالخروج معه ، لا يقال فالآية / التي ذكرتم واردة في ~~غزوة تبوك لا في هذه الواقعة ، لأنا نقول قد وجد ههنا بقوله { لن تتبعونا } ~~على صيغة النفي بدلا عن قوله : لا تتبعونا ، على صيغة النهي معنى لطيف وهو ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى على إخبار الله تعالى عنهم النفي لوثوقه ~~وقطعه بصدقه فجزم وقال : { لن تتبعونا } يعني لو أذنتكم ولو أردتم واخترتم ~~لا يتم لكم ذلك لما أخبر الله تعالى . # ثم قال تعالى : { فسيقولون بل تحسدوننا } . # ردا على قوله تعالى : { كذلكم قال الله من قبل } كأنهم قالوا : ما قال ~~الله كذلك من قبل ، بل تحسدوننا ، وبل للاضراب والمضروب عنه محذوف في ~~الموضعين ، أما ههنا فهو بتقدير ما قال الله وكذلك ، فإن قيل بماذا كان ~~الحسد في اعتقادهم ؟ نقول كأنهم قالوا نحن كنا مصيبين في عدم الخروج حيث ~~رجعوا من ms8302 الحديبية من غير حاصل ونحن استرحنا ، فإن خرجنا معهم ويكون فيه ~~غنيمة يقولون هم غنموا معنا ولم يتعبوا معنا . # ثم قال تعالى ردا عليهم كما ردوا { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } أي لم ~~يفقهوا من قولك لا تخرجوا إلا ظاهر النهي ولم يفهموا من حكمه إلا قليلا ~~فحملوه على ما أرادوه وعللوه بالحسد . # ! 7 < { قل للمخلفين من الا عراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم ~~أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل ~~يعذبكم عذابا أليما } . > 7 ! # < < # | الفتح : ( 16 ) قل للمخلفين من . . . . . # > > لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { قل لن تتبعونا } ( الفتح : 15 ~~) وقال : { فقل لن تخرجوا معى أبدا } ( التوبة : 83 ) فكان المخلفون جمعا ~~كثيرا ، من قبائل متشعبة ، دعت الحاجة إلى بيان قبول توبتهم فإنهم لم يبقوا ~~على ذلك ولم يكونوا من الذين مردوا على النفاق ، بل منهم من حسن حاله وصلح ~~باله فجعل لقبول توبتهم علامة ، وهو أنهم يدعون إلى قتال قوم أولي بأس شديد ~~ويطيعون بخلاف حال ثعلبة حيث امتنع من أداء الزكاة ثم أتى بها ولم يقبل منه ~~النبي صلى الله عليه وسلم واستمر عليه الحال ولم يقبل منه أحد من الصحابة ، ~~كذلك كان يستمر حال هؤلاء لولا أنه تعالى بين أنهم يدعون فإن كانوا يطيعون ~~يؤتون الأجرر الحسن وما كان أحد من الصحابة يتركهم يتبعونه ، والفرق بين ~~حال ثعلبة / وبين حال هؤلاء من وجهين أحدهما : أن ثعلبة جاز أن يقال حاله ~~لم يكن يتغير في علم الله ، فلم يبين لتوبته علامة ، والأعراب تغيرت ، فإن ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق من المنافقين على النفاق أحد على مذهب ~~أهل السنة وثانيهما : أن الحاجة إلى بيان حال الجمع الكثير والجم الغفير ~~أمس ، لأنه لولا البيان لكان PageV28P079 يفضي الأمر إلى قيام الفتنة بين ~~فرق المسلمين ، وفي قوله { ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد } وجوه أشهرها ~~وأظهرها أنهم بنو حنيفة حيث تابعوا مسيلمة وغزاهم أبو بكر وثانيها : هم ~~فارس ms8303 والروم غزاهم عمر ثالثها : هوازن وثقيف غزاهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وأقوى الوجوه هو أن الدعاء كان من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ~~الأظهر غيره ، أما الدليل على قوة هذا الوجه هو أن أهل السنة اتفقوا على أن ~~أمر العرب في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ظهر ولم يبق إلا كافر مجاهر ، ~~أو مؤمن تقي طاهر ، وامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على موتى ~~المنافقين ، وترك المؤمنون مخالطتهم حتى إن عبادة بن كعب مع كونه بين ~~المؤمنين لم يكلمه المؤمنون مدة ، وما ذكره الله علامة لظهور حال من كان ~~منافقا ، فإن كان ظهر حالهم بغير هذا ، فلا معنى لجعل هذا علامة وإن ظهر ~~بهذا الظهور كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن النبي عليه الصلاة ~~والسلام لو امتنع من قبولهم لاتباعه لامتنع أبو بكر وعمر لقوله تعالى : { ~~واتبعوه } ( الأعراف : 158 ) وقوله { فاتبعونى } ( مريم : 43 ) فإن قيل هذا ~~ضعيف لوجهين أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لن تتبعونا } ( ~~الفتح : 15 ) وقال : { لن تخرجوا معى أبدا } ( التوبة : 83 ) فكيف كانوا ~~يتبعونه مع النفي ؟ الثاني : قوله تعالى : { أولى بأس شديد } ولم يبق بعد ~~ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام حرب قوم أولي بأس شديد فإن الرعب استولى على ~~قلوب الناس ولم يبق الكفار بعده شدة وبأس ، واتفاق الجمهور يدل على القوة ~~والظهور ، نقول أما الجواب عن الأول فمن وجهين أحدهما : أن يكون ذلك مقيدا ~~، تقديره : لن تخرجوا معي أبدا وأنتم على ما أنتم عليه ، ويجب هذا التقييد ~~لأنا أجمعنا على أن منهم من أسلم وحسن إسلامه بل الأكثر ذلك ، وما كان يجوز ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم لستم مسلمين لقوله تعالى : { ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } ( النساء : 94 ) ومع القول ~~بإسلامهم ما كان يجوز أن يمنعهم ما كان من الجهاد في سبيل الله مع وجوبه ~~عليهم وكان ذلك مقيدا ، وقد تبين حسن حالهم ، فإن النبي صلى الله عليه ms8304 وسلم ~~دعاهم إلى جهاد فأطاعه قوم وامتنع آخرون ، وظهر أمرهم وعلم من استمر على ~~الكفر ممن استقر قلبه على الإيمان الثاني : المراد من قوله { لن تتبعونا } ~~( الفتح : 15 ) في هذا القتال فحسب وقوله { لن تخرجوا معى } ( التوبة : 83 ~~) كان في غير هذا وهم المنافقون الذين تخلفوا في غزوة تبوك ، وأما اتفاق ~~الجمهور فنقول لا مخالفة بيننا وبينهم لأنا نقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~دعاهم أولا ، وأبو بكر رضي الله عنه أيضا دعاهم بعد معرفته جواز ذلك من فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما نحن نثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~دعاهم فإن قالوا أبو بكر رضي الله عنه دعاهم لم يكن بين القولين تناف ، وإن ~~قالوا لم يدعهم النبي صلى الله عليه وسلم فالنفي والجزم به في غاية البعد ~~لجواز أن يكون ذلك قد وقع ، وكيف لا والنبي عليه الصلاة والسلام قال من ~~كلام / الله { إن كنتم تحبون الله فاتبعونى } ( آل عمران : 31 ) وقال : { ~~واتبعون هاذا صراط مستقيم } ( الزخرف : 61 ) ومنهم من أحب الله واختار ~~اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأن بقاء جمعهم على النفاق والكفر بعد ~~ما اتسعت دائرة الإسلام واجتمعت العرب على الإيمان بعيد ، ويوم قوله صلى ~~الله عليه وسلم { لن تتبعونا } كان أكثر العرب على الكفر والنفاق ، لأنه ~~كان قبل فتح مكة وقبل أخذ حصون كثيرة . # وأما قوله لم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم حرب مع أولي بأس شديد ، قلنا ~~لا نسلم ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية دعاهم إلى الحرب ~~لأنه خرج محرما ومعه الهدى ليعلم قريش أنه لا يطلب القتال وامتنعوا فقال ~~ستدعون إلى الحرب ولا شك أن من يكون خصمه مسلحا محاربا أكثر بأسا ممن يكون ~~على خلاف ذلك فكان قد علم من حال مكة أنهم لا يوقرون حاجا ولا معتمرا فقوله ~~{ أولى بأس شديد } يعني أولي سلاح من آلة الحديد فيه بأس شديد ، ومن قال ~~بأن الداعي أبو بكر وعمر تمسك بالآية على خلافتهما ms8305 ودلالتها ظاهرة ، وحينئذ ~~PageV28P080 { تقاتلونهم أو يسلمون } إشارة إلى أن أحدهما يقع ، وقرىء { أو ~~} بالنصب بإضمار أن على معنى تقاتلونهم إلى أن يسلموا ، والتحقيق فيه هو أن ~~{ لبعولتهن أو } لا تجيء إلا بين المتغايرين وتنبىء عن الحصر فيقال العدد ~~زوج أو فرد ، ولهذا لا يصح أن يقال هو زيد أو عمرو ، ولهذا يقال العدد زوج ~~أو خمسة أو غيرهما ، إذا علم هذا فقال القائل لألزمنك أو تقضيني حقي يفهم ~~منه أن الزمان انحصر في قسمين : قسم يكون فيه الملازمة ، وقسم يكون فيه ~~قضاء الحق ، فلا يكون بين الملازمة وقضاء الحق زمان لا يوجد فيه الملازمة ~~ولا قضاء الحق ، فيكون في قوله لألزمنك أو تقضيني ، كما حكي في قول القائل ~~، لألزمنك إلى أن تقضيني ، لامتداد زمان الملازمة إلى القضاء ، وهذا ما ~~يضعف قول القائل الداعي هو عمر والقوم فارس والروم لأن الفريقين يقران ~~بالجزية ، فالقتال معهم لا يمتد إلى الإسلام لجواز أن يؤدوا الجزية ، وقوله ~~تعالى : { فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل } ~~فيه فائدة لأن التولي إذا كان بعذر كما قال تعالى : { ليس على الاعمى حرج } ~~( النور : 61 ) لا يكون للمتولي عذاب أليم ، فقال : { وإن تتولوا كما ~~توليتم } يعني إن كان توليكم بناء على الظن الفاسد والاعتقاد الباطل كما ~~كان حيث قلتم بألسنتكم لا بقلوبكم { شغلتنا أموالنا } ( الفتح : 11 ) فالله ~~يعذبكم عذابا أليما . # ! 7 < { ليس على الا عمى حرج ولا على الا عرج حرج ولا على المريض حرج ومن ~~يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الا نهار ومن يتول يعذبه عذابا ~~أليما } . > 7 ! # < < # | الفتح : ( 17 ) ليس على الأعمى . . . . . # > > بين من يجوز له التخلف وترك الجهاد وما بسببه يجوز ترك الجهاد وهو ما ~~يمنع من الكر والفر وبين ذلك ببيان ثلاثة أصناف الأول : { الاعمى } فإنه لا ~~يمكنه الإقدام على العدو والطلب ولا يمكنه الاحتراز والهرب ، والأعرج كذلك ~~والمريض كذلك ، وفي معنى الأعرج الأقطع / والمقعد ، بل ذلك أولى بأن يعذر ، ~~ومن به عرج لا يمنعه من ms8306 الكر والفر لا يعذر ، وكذلك المرض القليل الذي لا ~~يمنع من الكر والفر كالطحال والسعال إذ به يضعف وبعض أوجاع المفاصل لا يكون ~~عذرا وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن هذه أعذار تكون في نفس المجاهد ولنا أعذار خارجة ~~كالفقر الذي لا يتمكن صاحبه من استصحاب ما يحتاج إليه والاشتغال بمن لولاه ~~لضاع كطفل أو مريض ، والأعذار تعلم من الفقه ونحن نبحث فيما يتعلق بالتفسير ~~في بيان مسائل : # المسألة الأولى : ذكر الأعذار التي في السفر ، لأن غيرها ممكن الإزالة ~~بخلاف العرج والعمى . # المسألة الثانية : اقتصر منها على الأصناف الثلاثة ، لأن العذر إما أن ~~يكون بإخلال في عضو أو بإخلال في القوة ، والذي بسبب إخلال العضو ، فإما أن ~~يكون بسبب اختلال في العضو الذي به الوصول إلى العدو PageV28P081 والانتقال ~~في مواضع القتال ، أو في العضو الذي تتم به فائدة الحصول في المعركة ~~والوصول ، والأول : هو الرجل ، والثاني : هو العين ، لأن بالرجل يحصل ~~الانتقال ، وبالعين يحصل الانتفاع في الطلب والهرب . وأما الأذن والأنف ~~واللسان وغيرها من الأعضاء ، فلا مدخل لها في شيء من الأمرين ، بقيت اليد ، ~~فإن المقطوع اليدين لا يقدر على شيء ، وهو عذر واضح ولم يذكره ، نقول : لأن ~~فائدة الرجل وهي الانتقال تبطل بالخلل في إحداهما ، وفائدة اليد وهي الضراب ~~والبطش لا تبطل إلا ببطلان اليدين جميعا ، ومقطوع اليدين لا يوجد إلا نادرا ~~، ولعل في جماعة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد مقطوع اليدين فلم ~~يذكره ، أو لأن المقطوع ينتفع به في الجهاد ، فإنه ينظر ولولاه لاستقل به ~~مقاتل فيمكن أن يقاتل ، وهو غير معذور في التخلف ، لأن المجاهدين ينتفعون ~~به بخلاف الأعمى ، فإن قيل كما أن مقطوع اليد الواحدة لا تبطل منفعة بطشه ~~كذلك الأعور لا تبطل منفعة رؤيته ، وقد ذكر الأعمى ، وما ذكر الأشل وأقطع ~~اليدين ، قلنا لما بينا أن مقطوع اليدين نادر الوجود والآفة النازلة بإحدى ~~اليدين لا تعمهما والآفة النازلة بالعين الواحدة تعم العينين لأن منبع ~~النور واحد وهما متجاذبان والوجود يفرق بينهما ، فإن الأعمى ms8307 كثير الوجود ~~ومقطوع اليدين نادر . # المسألة الثالثة : قدم الآفة في الآلة على الآفة في القوة ، لأن الآفة في ~~القوة تزول وتطرأ ، والآفة في الآلة إذ طرأت لا تزول ، فإن الأعمى لا يعود ~~بصيرا فالعذر في محل الآلة أتم . # المسألة الرابعة : قدم الأعمى على الأعرج ، لأن عذر الأعمى يستمر ولو حضر ~~القتال ، والأعرج إن حضر راكبا أو بطريق آخر يقدر على القتال بالرمي وغيره ~~. # ! 7 < { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى ~~قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة يأخذونها ~~وكان الله عزيزا حكيما } . > 7 ! # / < < # | الفتح : ( 18 ) لقد رضي الله . . . . . # > > اعلم أن طاعة كل واحد منهما طاعة الآخر فجمع بينهما بيانا لطاعة الله ~~، فإن الله تعالى لو قال : ومن يطع الله ، كان لبعض الناس أن يقول : نحن لا ~~نرى الله ولا نسمع كلامه ، فمن أين نعلم أمره حتى نطيعه ؟ فقال طاعته في ~~طاعة رسوله وكلامه يسمع من رسوله . # ثم قال : { ومن يتول } أي بقلبه ، ثم لما بين حال المخلفين بعد قوله { إن ~~الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } ( الفتح : 10 ) عاد إلى بيان حالهم ~~وقال : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى ~~قلوبهم } من الصدق كما علم ما في قلوب المنافقين من المرض { فأنزل السكينة ~~عليهم } حتى بايعوا على الموت ، وفيه معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال قبل ~~هذه الآية { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات } ( الفتح : 17 ) فجعل طاعة ~~الله والرسول علامة لإدخال الله الجنة في تلك الآية ، وفي هذه الآية بين أن ~~طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان ، أما طاعة الله فالإشارة ~~إليها بقوله { لقد رضي الله عن المؤمنين } وأما طاعة الرسول فبقوله { إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة } بقي الموعود به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله ~~تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين } لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة كما ~~قال تعالى : { ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها رضى الله ~~عنهم } ( المجادلة : 22 ) . # ثم ms8308 قال تعالى : { فعلم ما فى قلوبهم } والفاء للتعقيب وعلم الله قبل ~~الرضا لأنه علم ما في قلوبهم من PageV28P082 الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم ~~التعقيب في العلم ؟ نقول قوله { فعلم ما فى قلوبهم } متعلق بقوله { إذا * ~~يبايعونك تحت الشجرة } كما يقول القائل فرحت أمس إذ كلمت زيدا فقام إلي ، ~~أو إذ دخلت عليه فأكرمني ، فيكون الفرح بعد الإكرام ترتيبا كذلك ، ههنا قال ~~تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما فى ~~قلوبهم } من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب ، بل عند ~~المبايعة التي كان معها علم الله بصدقهم ، والفاء في قوله { فأنزل السكينة ~~عليهم } / للتعقيب الذي ذكرته فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم ، ~~وفي علم بيان وصف المبايعة بكونها معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم وهذا ~~توفيق لا يتأتى إلا لمن هداه الله تعالى إلى معاني كتابه الكريم وقوله ~~تعالى : { وأثابهم فتحا قريبا } هو فتح خيبر { ومغانم كثيرة يأخذونها } ~~مغانمها وقيل مغانم هجر { وكان الله عزيزا } كامل القدرة غنيا عن إعانتكم ~~إياه { حكيما } حيث جعل هلاك أعدائه على أيديكم ليثيبكم عليه أو لأن في ذلك ~~إعزاز قوم وإذلال آخرين ، فإنه يذل من يشاء بعزته ويعز من يشاء بحكمته . # ! 7 < { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هاذه وكف أيدى الناس ~~عنكم ولتكون ءاية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما } . > 7 ! # < < # | الفتح : ( 20 ) وعدكم الله مغانم . . . . . # > > إشارة إلى أن ما أتاهم من الفتح والمغانم ليس هو كل الثواب بل الجزاء ~~قدامهم ، وإنما هي لعاجلة عجل بها ، وفي المغانم الموعود بها أقوال ، أصحها ~~أنه وعدهم مغانم كثيرة من غير تعيين وكل ما غنموه كان منها والله كان عالما ~~بها ، وهذا كما يقول الملك الجواد لمن يخدمه : يكون لك مني على ما فعلته ~~الجزاء إن شاء الله ، ولا يريد شيئا بعينه ، ثم كل ما يأتي به ويؤتيه يكون ~~داخلا تحت ذلك الوعد ، غير أن الملك لا يعلم تفاصيل ما يصل إليه وقت الوعد ~~، ولله عالم بها ، وقوله ms8309 تعالى : { وكف أيدى الناس عنكم } لإتمام المنة ، ~~كأنه قال رزقتكم غنيمة باردة من غير مس حر القتال ولو تعبتم فيه لقلتم هذا ~~جزاء تعبنا ، وقوله تعالى : { ولتكون ءاية للمؤمنين } عطف على مفهوم لأنه ~~لما قال الله تعالى : { فعجل لكم هاذه } واللام ينبىء عن النفع كما أن علي ~~ينبىء عن الضر القائل لا علي ولا ليا بمعنى لا ما أتضرر به ولا ما أنتفع به ~~ولا أضر به ولا أنفع ، فكذلك قوله { فعجل لكم هاذه } لتنفعكم { ولتكون ءاية ~~للمؤمنين } وفيه معنى لطيف وهو أن المغانم الموعود بها كل ما يأخذه ~~المسلمون فقوله { ولتكون ءاية للمؤمنين } يعني لينفعكم بها وليجعلها لمن ~~بعدكم آية تدلهم على أن ما وعدهم الله يصل إليهم كما وصل إليكم ، أو نقول : ~~معناه لتنفعكم في الظاهر وتنفعكم في الباطن حيث يزداد يقينكم إذا رأيتم صدق ~~الرسول في إخباره عن الغيوب فتجمل أخباركم ويكمل اعتقادكم ، وقوله { ~~ويهديكم صراطا مستقيما } وهو التوكل عليه والتفويض إليه والاعتزاز به . # ! 7 < { وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شىء ~~قديرا } . > 7 @QB@ < # | الفتح : ( 21 ) وأخرى لم تقدروا . . . . . # > > PageV28P083 # / قيل غنيمة هوازن ، وقيل غنائم فارس والروم وذكر الزمخشري في أخرى ثلاثة ~~أوجه أن تكون منصوبة بفعل مضمرر يفسره { قد أحاط } و { لم تقدروا عليها } ~~صفة لأخرى كأنه يقول وغنيمة أخرى غير مقدورة { قد أحاط الله بها } ثانيها : ~~أن تكون مرفوعة ، وخبرها { قد أحاط الله بها } وحسن جعلها مبتدأ مع كونه ~~نكرة لكونها موصوفة بلم تقدروا وثالثها : الجر بإضمار رب ويحتمل أن يقال ~~منصوبة بالعطف على منصوب وفيه وجهان أحدهما : كأنه تعالى قال : { فعجل لكم ~~هاذه } وأخرى ما قدرتم عليها وهذا ضعيف لأن أخرى لم يعجل بها وثانيهما : ~~على مغانم كثيرة تأخذونها ، وأخرى أي وعدكم الله أخرى ، وحينئذ كأنه قال : ~~وعدكم الله مغانم تأخذونها ومغانم لا تأخذونها أنتم ولا تقدرون عليها ، ~~وإنما يأخذها من يجيء بعدكم من المؤمنين وعلى هذا تبين لقول الفراء حسن ، ~~وذلك لأنه فسر قوله تعالى : { قد أحاط الله ms8310 بها } أي حفظها للمؤمنين لا ~~يجري عليها هلاك إلى أن يأخذها المسلمون كإحاطة الحراس بالخزائن . # ! 7 < { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الا دبار ثم لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا } . > 7 ! # < < # | الفتح : ( 22 ) ولو قاتلكم الذين . . . . . # > > وهو يصلح جوابا لمن يقول : كف الأيدي عنهم كان أمرا اتفاقيا ، ولو ~~اجتمع عليهم العرب كما عزموا لمنعوهم من فتح خيبر واغتنام غنائمها ، فقال ~~ليس كذلك ، بل سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون ، والغلبة واقعة ~~للمسلمين ، فليس أمرهم أمرا اتفاقيا ، بل هو إلاهي محكوم به محتوم . # وقوله تعالى : { ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا } . # قد ذكرنا مرارا أن دفع الضرر عن الشخص إما أن يكون بولي ينفع باللطف ، أو ~~بنصير يدفع بالعنف ، وليس للذين كفروا شيء من ذلك ، وفي قوله تعالى : { ثم ~~} لطيفة وهي أن من يولي دبره يطلب الخلاص من القتل بالالتحاق بما ينجيه ، ~~فقال وليس إذا ولوا الأدبار يتخلصون ، بل بعد التولي الهلاك لاحق بهم . # ! 7 < { سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } . > 7 ! # < < # | الفتح : ( 23 ) سنة الله التي . . . . . # > > جواب عن سؤال آخر يقوم مقام الجهاد وهو أن الطوالع لها تأثيرات ، ~~والاتصالات لها تغيرات ، فقال ليس كذلك ( بل ) سنة الله نصرة رسوله ، ~~وإهلاك عدوه . # وقوله تعالى : { ولن تجد لسنة الله تبديلا } . # بشارة ودفع وهن يقع بسبب وهم ، وهو أنه إذا قال الله تعالى ليس هذا ~~بالتأثيرات فلا يجب وقوعه ، بل الله فاعل مختار ، ولو أراد أن يهلك العباد ~~لأهلكهم ، بخلاف قول المنجم بأن الغلب لمن / له طالع وشواهد تقتضي غلبته ~~قطعا ، فقال الله تعالى : { ولن تجد لسنة الله تبديلا } يعني أن الله فاعل ~~مختار يفعل ما يشاء ويقدر على إهلاك أصدقائه ، ولكن لا يبدل سنته ولا يغير ~~عادته . # PageV28P084 ! 7 < { وهو الذى كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من ~~بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا } . > 7 @QB@ < # | الفتح : ( 24 ) وهو الذي كف . . . . . # > > # تبيينا لما تقدم من قوله { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الادبار } ( ~~الفتح : 22 ms8311 ) أي هو بتقدير الله ، لأنه كف أيديهم عنكم بالفرار ، وأيديكم ~~عنهم بالرجوع عنهم وتركهم ، وقوله تعالى : { ببطن مكة } إشارة إلى أمر كان ~~هناك يقتضي عدم الكف ، ومع ذاك وجد كف الأيدي ، وذلك الأمر هو دخول ~~المسلمين ببطن مكة ، فإن ذلك يقتضي أن يصبر المكفوف على القتال لكون العدو ~~دخل دارهم طالبين ثأرهم ، وذلك مما يوجب اجتهاد البليد في الذب عن الحريم ، ~~ويقتضي أن يبالغ المسلمون في الاجتهاد في الجهاد لكونهم لو قصروا لكسروا ~~وأسروا لبعد مأمنهم ، فقوله { ببطن مكة } إشارة إلى بعد الكف ، ومع ذلك وجد ~~بمشيئة الله تعالى ، وقوله تعالى : { من بعد أن أظفركم عليهم } صالح لأمرين ~~أحدهما : أن يكون منة على المؤمنين بأن الظفر كان لكم ، مع أن الظاهر كان ~~يستدعي كون الظفر لهم لكون البلاد لهم ، ولكثرة عددهم الثاني : أن يكون ذكر ~~أمرين مانعين من الأمرين الأولين ، مع أن الله حققهما مع المنافقين ، أما ~~كف أيدي الكفار ، فكان بعيدا لكونهم في بلادهم ذابين عن أهليهم وأولادهم ، ~~وإليه أشار بقوله { ببطن مكة } وأما كف أيدي المسلمين ، فلأنه كان بعد أن ~~ظفروا بهم ، ومتى ظفر الإنسان بعدوه الذي لو ظفر هو به لاستأصله يبعد ~~انكفافه عنه ، مع أن الله كف اليدين . # وقوله تعالى : { وكان الله بما تعملون بصيرا } . # يعني كان الله يرى فيه من المصلحة ، وإن كنتم لا ترون ذلك ، وبينه بقوله ~~تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا } إلى أن ~~قال : { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } ( الفتح : 25 ) يعني كان الكف ~~محافظة على ما في مكة من المسلمين ليخرجوا منها ، ويدخلوها على وجه لا يكون ~~فيه إيذاء من فيها من المؤمنين والمؤمنات ، واختلف المفسرون في ذلك الكف ~~منهم من قال المراد ما كان عام الفتح ، ومنهم من قال ما كان عام الحديبية ، ~~فإن المسلمين هزموا جيش الكفار حتى أدخلوهم بيوتهم ، وقيل إن الحرب كان ~~بالحجارة . # ! 7 < { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ ~~محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم ms8312 أن تطئوهم فتصيبكم منهم ~~معرة بغير علم ليدخل الله فى رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا ~~منهم عذابا أليما } . > 7 @QB@ < # | الفتح : ( 25 ) هم الذين كفروا . . . . . # > > # / وقوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا ~~أن يبلغ محله } . PageV28P085 # إشارة إلى أن الكف لم يكن لأمر فيهم لأنهم كفروا وصدوا وأحصروا ، وكل ذلك ~~يقتضي قتالهم ، فلا يقع لأحد أن الفريقين اتفقوا ، ولم يبق بينهما خلاف ~~واصطلحوا ، ولم يبق بينهما نزاع ، بل الاختلاف باق والنزاع مستمر ، لأنهم ~~هم الذين كفروا وصدوكم ومنعوا فازدادوا كفرا وعداوة ، وإنما ذلك للرجال ~~المؤمنين والنساء المؤمنات ، وقوله { والهدى } منصوب على العطف على كم في { ~~صدوكم } ويجوز الجر عطفا على المسجد ، أي وعن الهدي . و { معكوفا } حال و { ~~أن يبلغ } تقديره على أن يبلغ ، ويحتمل أن يقال { أن يبلغ محله } رفع ، ~~تقديره معكوفا بلوغه محله ، كما يقال : رأيت زيدا شديدا بأسه ، ومعكوفا ، ~~أي ممنوعا ، ولا يحتاج إلى تقدير عن على هذا الوجه . # وقوله تعالى : { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم } . # وصف الرجال والنساء ، يعني لولا رجال ونساء يؤمنون غير معلومين ، وقوله ~~تعالى : { أن تطئوهم } بدل اشتمال ، كأنه قال : رجال غير معلومي الوطء ~~فتصيبكم منهم معرة عيب أو إثم ، وذلك لأنكم ربما تقتلونهم فتلزمكم الكفارة ~~وهي دليل الإثم ، أو يعيبكم الكفار بأنهم فعلوا بإخوانهم ما فعلوا بأعدائهم ~~، وقوله تعالى : { بغير علم } قال الزمخشري : هو متعلق بقوله { أن تطئوهم } ~~يعني تطئوهم بغير علم ، وجاز أن يكون بدلا عن الضمير المنصوب في قوله { لم ~~تعلموهم } ولقائل أن يقول : يكون هذا تكرارا ، لأن على قولنا هو بدل من ~~الضمير يكون التقدير : لم تعلموا أن تطئوهم بغير علم ، فيلزم تكرار بغير ~~علم الحصول بقوله { لم تعلموهم } فالأولى أن يقال { بغير علم } هو في موضعه ~~تقديره : لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ، من يعركم ويعيب ~~عليكم ، يعني إن وطأتموهم غير عالمين يصبكم مسبة الكفار { بغير علم } أي ~~بجهل لا يعلمون ms8313 أنكم معذورون فيه ، أو نقول تقديره : لم تعلموا أن تطئوهم ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم ، أي فتقتلوهم بغير علم ، أو تؤذوهم بغير علم ، ~~فيكون الوطء سبب القتل ، والوطء غير معلوم لكم ، والقتل الذي هو بسبب ~~المعرة وهو الوطء الذي يحصل بغير علم . أو نقول : المعرة قسمان أحدهما : ما ~~يحصل من القتل العمد ممن هو غير العالم بحال المحل والثاني : ما يحصل من ~~القتل خطأ ، وهو / غير عدم العلم ، فقال : تصيبكم منهم معرة غير معلومة ، ~~لا التي تكون عن العلم وجواب : لولا محذوف تقديره : لولا ذلك لما كف أيديكم ~~عنهم ، هذا ما قاله الزمخشري وهو حسن ، ويحتمل أن يقال جوابه : ما يدل عليه ~~قوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام } يعني قد استحقوا ~~لأن لا يهملوا ، ولولا رجال مؤمنون لوقع ما استحقوه ، كما يقول القائل : هو ~~سارق ولولا فلان لقطعت يده ، وذلك لأن لولا لا تستعمل إلا لامتناع الشيء ~~لوجود غيره / وامتناع الشيء لا يكون إلا إذا وجد المقتضي له فمنعه الغير ~~فذكر الله تعالى أولا المقتضي التام البالغ وهو الكفر والصد والمنع ، وذكر ~~ما امتنع لأجله مقتضاه وهو وجود الرجال المؤمنين . # وقوله تعالى : { ليدخل الله فى رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما } فيه أبحاث : # الأول : في الفعل الذي يستدعي اللام الذي بسببه يكون الإدخال وفيه وجوه ~~أحدها : أن يقال هو قوله { كف * أيديكم * عنهم } ليدخل ، لا يقال بأنك ذكرت ~~أن المانع وجود رجال مؤمنين فيكون كأنه قال : كف PageV28P086 أيديكم لئلا ~~تطئوا فكيف يكون لشيء آخر ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن نقول كف ~~أيديكم لئلا تطئوا لتدخلوا كما يقال أطعمته ليشبع ليغفر الله لي أي الإطعام ~~للشابع كان ليغفر الثاني : هو أنا بينا أن لولا جوابه ما دل عليه قوله { هم ~~الذين كفروا } فيكون كأنه قال هم الذين كفروا واستحقوا التعجل في إهلاكهم ، ~~ولولا رجال لعجل بهم ولكن كف أيديكم ليدخل ثانيها : أن يقال فعل ما فعل ~~ليدخل لأن هناك أفعالا من ms8314 الألطاف والهداية وغيرهما ، وقوله { ليدخل الله ~~فى رحمته من يشاء } ليؤمن منهم من علم الله تعالى أنه يؤمن في تلك السنة أو ~~ليخرج من مكة ويهاجر فيدخلهم في رحمته وقوله تعالى : { لو تزيلوا } أي لو ~~تميزوا ، والضمير يحتمل أن يقال هو ضمير الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات ~~، فإن قيل كيف يصح هذا وقد قلتم بأن جواب لولا محذوف وهو قوله لما كف أو ~~لعجل ولو كان { لو تزيلوا } راجعا إلى الرجال لكان لعذبنا جواب لولا ؟ نقول ~~وقد قال به الزمخشري فقال : { لو تزيلوا } يتضمن ذكر لولا فيحتمل أن يكون ~~لعذبنا جواب لولا ، ويحتمل أن يقال هو ضمير من يشاء ، كأنه قال ليدخل من ~~يشاء في رحمته لو تزيلوا هم وتميزوا وآمنوا لعذبنا الذين كتب الله عليهم ~~أنهم لا يؤمنون ، وفيه أبحاث : # البحث الأول : وهو على تقدير نفرضه فالكلام يفيد أن العذاب الأليم اندفع ~~عنهم ، إما بسبب عدم التزييل ، أو بسبب وجود الرجال وعلم تقدير وجود الرجال ~~والعذاب الأليم لا يندفع / عن الكافر ، نقول المراد عذابا عاجلا بأيديكم ~~يبتدىء بالجنس إذ كانوا غير مقرنين ولا منقلبين إليهم فيظهرون ويقتدرون ~~يكون أليما . # البحث الثاني : ما الحكمة في ذكر المؤمنين والمؤمنات مع أن المؤنث يدخل ~~في ذكر المذكر عند الاجتماع ؟ قلنا الجواب عنه من وجهين أحدهما : ما تقدم ~~يعني أن الموضع موضع وهم اختصاص الرجال بالحكم لأن قوله { تطئوهم فتصيبكم } ~~معناه تهلكوهم والمراد لا تقاتل ولا تقتل فكان المانع وهو وجود الرجال ~~المؤمنين فقال : والنساء المؤمنات أيضا لأن تخريب بيوتهن ويتم أولادهن بسبب ~~رجالهن وطأة شديدة وثانيهما : أن في محل الشفقة تعد المواضع لترقيق القلب ، ~~يقال لمن يعذب شخصا لا تعذبه وارحم ذله وفقره وضعفه ، ويقال أولاده وصغاره ~~وأهله الضعفاء العاجزين ، فكذلك ههنا قال : { لولا * رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات } لترقيق قلوب المؤمنات ورضاهم بما جرى من الكف بعد الظفر . # ! 7 < { إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ~~وكان ms8315 الله بكل شىء عليما } . > 7 ! # { < < # | الفتح : ( 26 ) إذ جعل الذين . . . . . # > > إذ } يحتمل أن يكون ظرفا فلا بد من فعل يقع فيه ويكون عاملا له ، ~~ويحتمل أن يكون مفعولا به ، فإن قلنا إنه ظرف فالفعل الواقع فيه يحتمل أن ~~يقال هو مذكور ، ويحتمل أن يقال هو مفهوم غير مذكور ، فإن قلنا هو مذكور ~~ففيه وجهان أحدهما : هو قوله تعالى : { وصدوكم } ( الفتح : 25 ) أي وصدوكم ~~حين جعلوا في قلوبهم الحمية PageV28P087 وثانيها : قوله تعالى : { لعذبنا ~~الذين كفروا منهم } ( الفتح : 25 ) أي لعذبناهم حين جعلوا في قلوبهم الحمية ~~والثاني : أقرب لقربه لفظا وشدة مناسبته معنى لأنهم إذا جعلوا في قلوبهم ~~الحمية لا يرجعون إلى الاستسلام والانقياد ، والمؤمنون لما أنزل الله عليهم ~~السكينة لا يتركون الاجتهاد في الجهاد والله مع المؤمنين فيعذبونهم عذابا ~~أليما أو غير المؤمنين ، وأما إن قلنا إن ذلك مفهوم غير مذكور ففيه وجهان ~~أحدهما : حفظ الله المؤمنين عن أن يطئوهم وهم الذين كفروا الذين جعل في ~~قلوبهم الحمية وثانيها : أحسن الله إليكم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم ~~الحمية ، وعلى هذا فقوله تعالى : { فأنزل الله سكينته } تفسير لذلك الإحسان ~~، وأما إن قلنا إنه مفعول به ، فالعامل مقدر تقديره أذكر ، أي : أذكر ذلك ~~الوقت ، كما تقول أتذكر إذ قام زيد ، أي أتذكر وقت قيامه / كما تقول أتذكر ~~زيدا ، وعلى هذا يكون الظرف للفعل المضاف إليه عاملا فيه ، وفي . لطائف ~~معنوية ولفظية : الأولى : هو أن الله تعالى أبان غاية البون بين الكافر ~~والمؤمن ، فأشار إلى ثلاثة أشياء أحدها : جعل ما للكافرين بجعلهم فقال : { ~~إذ جعل الذين كفروا } وجعل ما للمؤمنين بجعل الله ، فقال : { فأنزل الله } ~~وبين الفاعلين ما لا يخفى ثانيها : جعل للكافرين الحمية وللمؤمنين السكينة ~~وبين المفعولين تفاوت على ما سنذكره ثالثها : أضاف الحمية إلى الجاهلية ~~وأضاف السكينة إلى نفسه حيث قال : حمية الجاهلية ، وقال : سكينته ، وبين ~~الإضافتين ما لا يذكر الثانية : زاد المؤمنين خيرا بعد حصول مقابلة شيء ~~بشيء فعلهم بفعل الله والحمية بالسكينة والإضافة إلى الجاهلية بالإضافة إلى ~~الله تعالى ms8316 : { وألزمهم كلمة التقوى } وسنذكر معناه ، وأما اللفظية فثلاث ~~لطائف الأولى : قال في حق الكافر ( جعل ) وقال في حق المؤمن ( أنزل ) ولم ~~يقل خلق ولا جعل سكينته إشارة إلى أن الحمية كانت مجعولة في الحال في العرض ~~الذي لا يبقى ، وأما السكينة فكانت كالمحفوظة في خزانة الرحمة معدة لعباده ~~فأنزلها الثانية : قال الحمية ثم أضافها بقوله { حمية الجاهلية } لأن ~~الحمية في نفسها صفة مذمومة وبالإضافة إلى الجاهلية تزداد قبحا ، وللحمية ~~في القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح كالمضاف إلى الجاهلية . وأما ~~السكينة في نفسها وإن كانت حسنة لكن الإضافة إلى الله فيها من الحسن ما لا ~~يبقى معه لحسن اعتبار ، فقال { سكينته } اكتفاه بحسن الإضافة الثالثة : ~~قوله { فأنزل } بالفاء لا بالواو إشارة إلى أن ذلك كالمقابلة تقول أكرمني ~~فأكرمته للمجازاة والمقابلة ولو قلت أكرمني وأكرمكته لا ينبىء عن ذلك ، ~~وحينئذ يكون فيه لطيفة : وهي أن عند اشتداد غضب أحد العدوين فالعدو الآخر ~~إما أن يكون ضعيفا أو قويا ، فإن كان ضعيفا ينهزم وينقهر / وإن كان قويا ~~فيورث غضبه فيه غضبا ، وهذا سبب قيام الفتن والقتال فقال في نفس الحركة عند ~~حركتهم ما أقدمنا وما انهزمنا ، وقوله تعالى : { فأنزل الله } بالفاء يدل ~~تعلق الإنزال بالفاء على ترتيبه على شيء ، نقول فيه وجهان : أحدهما : ما ~~ذكرنا من أن إذ ظرف كأنه قال أحسن الله { إذ جعل الذين كفروا } وقوله { ~~فأنزل } تفسير لذلك الإحسان كما يقال أكرمني فأعطاني لتفسير الإكرام ~~وثانيهما : أن تكون الفاء للدلالة على أن تعلق إنزال السكينة بجعلهم الحمية ~~في قلوبهم على معنى المقابلة ، تقول أكرمني فأثنيت عليه ، ويجوز أن يكونا ~~فعلين واقعين من غير مقابلة ، كما تقول جاءني زيد وخرج عمرو ، وهو هنا كذلك ~~لأنهم لما جعلوا في قلوبهم الحمية فالمسلمون على مجرى العادة لو نظرت إليهم ~~لزم أن يوجد منهم أحد الأمرين : إما إقدام ، وإما PageV28P088 انهزام لأن ~~أحد العدوين إذا اشتد غضبه فالعدو الآخر إن كان مثله في القوة يغضب أيضا ~~وهذا يثير الفتن ، وإن كان أضعف منه ms8317 ينهزم أو ينقاد له فالله تعالى أنزل في ~~مقابلة حمية الكافرين على المؤمنين سكينته حتى لم يغضبوا ولم ينهزموا بل ~~يصبروا ، وهو بعيد في العادة فهو من فضل الله تعالى ، قوله تعالى : { على ~~رسوله وعلى المؤمنين } فإنه هو الذي أجاب الكافرين إلى الصلح ، وكان في نفس ~~المؤمنين أن لا يرجعوا إلا بأحد الثلاثة بالنحر في المنحر ، وأبوا أن / لا ~~يكتبوا محمدا رسول الله وبسم الله ، فلما سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سكن المؤمنون ، وقوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } فيه وجوه أظهرها أنه ~~قول لا إلاه إلا الله فإن بها يقع الاتقاء عن الشرك ، وقيل هو بسم الله ~~الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله فإن الكافرين أبوا ذلك والمؤمنون التزموه ، ~~وقيل هي الوفاء بالعهد إلى غير ذلك ونحن نوضح فيه ما يترجح بالدليل فنقول { ~~وألزمهم } يحتمل أن يكون عائدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~جميعا يعني ألزم النبي والمؤمنين كلمة التقوى ، ويحتمل أن يكون عائدا إلى ~~المؤمنين فحسب ، فإن قلنا إنه عائد إليهما جميعا نقول هو الأمر بالتقوى فإن ~~الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم : { ياأيها النبى اتق الله ولا ~~تطع الكافرين } ( الأحزاب : 1 ) وقال للمؤمنين { مستقيم ياأيها الذين ~~ءامنوا اتقوا الله حق تقاته } ( آل عمران : 102 ) والأمر بتقوى الله حتى ~~تذهله تقواه عن الالتفات إلى ما سوى الله ، كما قال في حق النبي صلى الله ~~عليه وسلم { اتق الله ولا تطع الكافرين } وقال تعالى : { وتخشى الناس والله ~~أحق أن تخشاه } ( الأحزاب : 77 ) ثم بين له حال من صدقه بقوله { الذين ~~يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله } ( الأحزاب : 39 ) ~~أما في حق المؤمنين فقال : { مستقيم ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق ~~تقاته } وقال : { فلا تخشوهم واخشونى } ( البقرة : 150 ) وإن قلنا بأنه ~~راجع إلى المؤمنين فهو قوله تعالى : { وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا } ( الحشر : 7 ) ألا ترى إلى قوله { واتقوا الله } ( الحجرات : ~~1 ) وهو قوله تعالى : { عظيما ياأيها الذين ءامنوا لا ms8318 تقدموا بين يدى الله ~~ورسوله } وفي معنى قوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } على هذا معنى لطيف ~~وهو أنه تعالى إذا قال : ( اتقوا ) يكون الأمر واردا ثم إن من الناس من ~~يقبله بتوفيق الله ويلتزمه ومنهم من لا يلتزمه / ومن التزمه فقد التزمه ~~بإلزام الله إياه فكأنه قال تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } وفي هذا ~~المعنى رجحان من حيث إن التقوى وإن كان كاملا ولكنه أقرب إلى الكلمة ، وعلى ~~هذا فقوله { وكانوا أحق بها وأهلها } معناه أنهم كانوا عند الله أكرم الناس ~~فألزموا تقواه ، وذلك لأن قوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( ~~الحجرات : 13 ) يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون معناه أن من يكون تقواه أكثر ~~يكرمه الله أكثر والثاني : أن يكون معناه أن من سيكون أكرم عند الله وأقرب ~~إليه كان أتقى ، كما في قوله ( والمخلصون على خطر عظيم ) وقوله تعالى : { ~~هم من خشية ربهم مشفقون } ( المؤمنون : 57 ) وعلى الوجه الثاني يكون معنى ~~قوله { وكانوا أحق بها } لأنهم كانوا أعلم بالله لقوله تعالى : { إنما يخشى ~~الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) وقوله { وأهلها } يحتمل وجهين ~~أحدهما : أنه يفهم من معنى الأحق أنه يثبت رجحانا على الكافرين إن لم يثبت ~~الأهلية ، كما لو اختار الملك اثنين لشغل وكل واحد منهما غير صالح له ولكن ~~أحدهما أبعد عن الاستحقاق فقال في الأقرب إلى الاستحقاق إذا كان ولا بد ~~فهذا أحق ، كما يقال الحبس أهون من القتل مع أنه لاهين هناك فقال : { ~~وأهلها } دفعا لذلك الثاني : وهو أقوى وهو أن يقال قوله تعالى : { وأهلها } ~~فيه وجوه نبينها بعد ما نبين معنى الأحق ، فنقول هو يحتمل وجهين أحدهما : ~~أن يكون الأحق بمعنى الحق لا للتفضيل كما في قوله تعالى : { خير مقاما ~~وأحسن نديا } PageV28P089 ( مريم : 73 ) إذ لا خير في غيره والثاني : أن ~~يكون للتفضيل وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون / بالنسبة إلى غيرهم أي ~~المؤمنون أحق من الكافرين والثاني : أن يكون بالنسبة إلى كلمة التقوى من ~~كلمة أخرى غير تقوى ، تقول زيد أحق بالإكرام منه ms8319 بالإهانة ، كما إذا سأل ~~شخص عن زيد إنه بالطب أعلم أو بالفقه ، نقول هو بالفقه أعلم أي من الطب . # ! 7 < { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شآء ~~الله ءامنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من ~~دون ذلك فتحا قريبا } . > 7 ! # < < # | الفتح : ( 27 ) لقد صدق الله . . . . . # > > بيان لفساد ما قاله المنافقون بعد إنزال الله السكينة على رسوله وعلى ~~المؤمنين ووقوفهم عند ما أمروا به من عدم الإقبال على القتال وذلك قولهم ما ~~دخلنا المسجد الحرام ولا حلقنا ولا قصرنا حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~رأى في منامه أن المؤمنين يدخلون مكة ويتمون الحج ولم يعين له وقتا فقص ~~رؤياه على المؤمنين ، فقطعوا بأن الأمر كما رأى لنبي صلى الله عليه وسلم في ~~منامه وظنوا أن الدخول يكون عام الحديبية ، والله أعلم أنه لا يكون إلا عام ~~الفتح فلما صالحوا ورجعوا قال المنافقون استهزاء ما دخلنا ولا حلقنا فقال ~~تعالى : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } وتعدية صدق إلى مفعولين يحتمل ~~أن يكون بنفسه ، وكونه من الأفعال التي تتعدى إلى المفعولين ككلمة جعل وخلق ~~، ويحتمل أن يقال عدى إلى الرؤيا بحرف تقديره صدق الله رسوله في الرؤيا ، ~~وعلى الأول معناه جعلها واقعة بين صدق وعده إذ وقع الموعود به وأتى به ، ~~وعلى الثاني معناه ما أراه الله لم يكذب فيه ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون رأى ~~في منامه أن الله تعالى يقول ستدخلون المسجد الحرام فيكون قوله { صدق } ~~ظاهرا لأن استعمال الصدق في الكلام ظاهر ، ويحتمل أن يكون عليه الصلاة ~~والسلام رأى أنه يدخل المسجد فيكون قوله { صدق الله } معناه أنه أتى بما ~~يحقق المنام ويدل على كونه صادقا يقال صدقني سن بكره مثلا وفيما إذا حقق ~~الأمر الذي يريه من نفسه ، مأخوذ من الإبل إذا قيل له هدع سكن فحقق كونه من ~~صغار الإبل ، فإن هدع كلمة يسكن بها صغار الإبل وقوله تعالى : { بالحق } ~~قال الزمخشري هو حال أو قسم ms8320 أو صفة صدق ، وعلى كونه حال تقديره صدقه الرؤيا ~~ملتبسة بالحق وعلى تقدير كونه صفة تقديره صدقه صدقا ملتبسا بالحق وعلى ~~تقدير كونه قسما ، إما أن يكون قسما بالله فإن الحق من أسمائه ، وإما أن ~~يكون قسما بالحق الذي هو نقيض الباطل هذا ما قاله ، ويحتمل أن يقال ( إن ) ~~فيه وجهين آخرين : أحدهما : أن يقال فيه تقديم / تأخير تقديره : صدق الله ~~رسوله بالحق الرؤيا ، أي الرسول الذي هو رسول بالحق وفيه إشارة إلى امتناع ~~الكذب في الرؤيا لأنه لما كان رسولا بالحق فلا يرى في منامه الباطل والثاني ~~: أن يقال بأن قوله { لتدخلن المسجد الحرام } إن قلنا بأن الحق قسم فأمر ~~اللام ظاهر ، وإن لم يقل به فتقديره : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ، ~~والله لتدخلن ، وقوله : والله لتدخلن ، جاز أن يكون تفسيرا للرؤيا يعني ~~الرؤيا هي : PageV28P090 والله لتدخلن ، وعلى هذا تبين أن قوله { صدق الله ~~} كان في الكلام لأن الرؤيا كانت كلاما ، ويحتمل أن يكون تحقيقا لقوله ~~تعالى : { صدق الله رسوله } يعني والله ليقعن الدخول وليظهرن الصدق فلتدخلن ~~ابتداء كلام وقوله تعالى : { إن شاء الله } فيه وجوه أحدها : أنه ذكره ~~تعليما للعباد الأدب وتأكيدا لقوله تعالى : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك ~~غدا * إلا أن يشاء الله } ( الكهف : 23 ، 24 ) الثاني : هو أن الدخول لما ~~لم يقع عام الحديبية ، وكان المؤمنون يريدون الدخول ويأبون الصلح قال : { ~~لتدخلن } ولكن لا بجلادتكم ولا بإرادتكم ، إنما تدخلون بمشيئة الله تعالى ~~الثالث : هو أن الله تعالى لما قال في الوحي المنزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم { لتدخلن } ذكر أنه بمشيئة الله تعالى / لأن ذلك من الله وعد ليس ~~عليه دين ، ولا حق واجب ، ومن وعد بشيء لا يحققه إلا بمشيئة الله تعالى ~~وإلا فلا يلزمه به أحد ، وإذا كان هذا حال الموعود به في الوحي المنزل ~~صريحا في اليقظة فما ظنكم بالوحي بالمنام وهو يحتمل التأويل أكثر مما ~~يحتمله الكلام ، فإذا تأخر الدخول لم يستهزئون ؟ الرابع : هو أن ذلك تحقيقا ~~للدخول وذلك ms8321 لأن أهل مكة قالوا لا تدخلوها إلا بإرادتنا ولا نريد دخولكم في ~~هذه السنة ، ونختار دخولكم في السنة القابلة ، والمؤمنون أرادوا الدخول في ~~عامهم ولم يقع . فكان لقائل أن يقول بقي الأمر موقوفا على مشيئة أهل مكة إن ~~أرادوا في السنة الآتية يتركوننا ندخلها وإن كرهوا لا ندخلها فقال لا تشترط ~~إرادتهم ومشيئتهم ، بل تمام الشرط بمشيئة الله ، وقوله { محلقين * رءوسكم * ~~ومقصرين لا تخافون } إشارة إلى أنكم تتمون الحج من أوله إلى آخره ، فقوله { ~~لتدخلن } إشارة إلى الأول وقوله { محلقين } إشارة إلى الآخر ، وفيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : { محلقين } حال الداخلين والداخل لا يكون الآن محرما ، ~~والمحرم لا يكون محلقا ، فقوله { ءامنين } ينبىء عن الدوام فيه إلى الحلق ~~فكأنه قال : تدخلونها آمنين متمكنين من أن تتموا الحج محلقين . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { لا تخافون } أيضا حال معناه غير خائفين ~~، وذلك حصل بقوله تعالى : { ءامنين } فما الفائدة في إعادتها ؟ نقول : فيه ~~بيان كمال الأمن ، وذلك لأن بعد الحلق يخرج الإنسان عن الإحرام فلا يحرم ~~عليه القتال ، وكان عند أهل مكة يحرم قتال من أحرم ومن دخل الحرم فقال : ~~تدخلون آمنين ، وتحلقون ، ويبقى أمنكم بعد خروجكم عن الإحرام ، وقوله تعالى ~~: { فعلم ما لم تعلموا } أي من المصلحة وكون دخولكم في سنتكم سببا لوطء ~~المؤمنين والمؤمنات / أو { فعلم } للتعقيب ، { فعلم } وقع عقيب ماذا ؟ نقول ~~إن قلنا المراد من { فعلم } وقت الدخول فهو عقيب صدق ، وإن قلنا المراد { ~~فعلم } المصلحة فالمعنى علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب ، والتقدير يعني ~~حصلت المصلحة في العام القابل { فعلم ما لم تعلموا } من المصلحة المتجددة { ~~فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } إما صلح الحديبية ، وإما فتح خيبر ، وقد ~~ذكرناه وقوله تعالى : { وكان الله بكل شىء عليما } يدفع وهم حدوث علمه من ~~قوله { فعلم } وذلك لأن قوله { وكان الله بكل شىء عليما } يفيد سبق علمه ~~العام لكل علم محدث . # ! 7 < { هو الذىأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا * محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ms8322 الكفار رحمآء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من أثر ~~السجود ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } . > 7 @QB@ < # | الفتح : ( 28 - 29 ) هو الذي أرسل . . . . . # > > PageV28P091 # ثم قال تعالى : { هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله وكفى بالله شهيدا * محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا } . # تأكيدا لبيان صدق الله في رسوله الرؤيا ، وذلك لأنه لما كان مرسلا لرسوله ~~ليهدي ، لا يريد ما لا يكون مهديا للناس فيظهر خلافه ، فيقع ذلك سببا ~~للضلال ، ويحتمل وجوها أقوى من ذلك ، وهو أن الرؤيا بحيث توافق الواقع تقع ~~لغير الرسل ، لكن رؤية الأشياء قبل وقوعها في اليقظة لا تقع لكل أحد فقال ~~تعالى : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } وحكى له ما سيكون في اليقظة ، ولا ~~يبعد من أن يريه في المنام ما يقع فلا استبعاد في صدق رؤياه ، وفيها أيضا ~~بيان وقوع الفتح ودخول مكة بقوله تعالى : { ليظهره على الدين كله } أي من ~~يقويه على الأديان لا يستبعد منه فتح مكة له و ( الهدى ) يحتمل أن يكون هو ~~القرآن كما قال تعالى : { أنزل فيه القرآن هدى للناس } ( البقرة : 185 ) ~~وعلى هذا { دين الحق } هو ما فيه من الأصول والفروع ، ويحتمل أن يكون الهدى ~~هو المعجزة أي أرسله بالحق أي مع الحق إشارة إلى ما شرع ، ويحتمل أن يكون ~~الهدى هو الأصول و { دين الحق } هو الأحكام ، وذلك لأن من الرسل من لم يكن ~~له أحكام بل بين الأصول فحسب ، والألف واللام في الهدى يحتمل أن تكون ~~للاستغراق أي كل ما هو هدى ، ويحتمل أن تكون للعهد وهو قوله تعالى : { ذالك ~~هدى الله يهدى به من يشاء } ( الزمر : 23 ) وهو إما القرآن لقوله تعالى : { ~~كتابا متشابها مثاني تقشعر } إلى أن قال ms8323 : { ذالك هدى الله يهدى به من يشاء ~~} ( الزمر : 23 ) وإما ما اتفق عليه الرسل لقوله تعالى : { أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) والكل من باب واحد لأن ما في القرآن ~~موافق لما اتفق / عليه الأنبياء وقوله تعالى : { ودين الحق } يحتمل وجوها : ~~أحدها : أن يكون الحق اسم الله تعالى فيكون كأنه قال : بالهدى ودين الله ، ~~وثانيها : أن يكون الحق نقيض الباطل فيكون كأنه قال : ودين الأمر الحق ~~وثالثها : أن يكون المراد به الانقياد إلى الحق والتزامه { ليظهره } أي ~~أرسله بالهدى وهو المعجز على أحد الوجوه { ليظهره على الدين كله } أي جنس ~~الدين ، فينسخ الأديان دون دينه ، وأكثر المفسرين على أن الهاء في قوله { ~~ليظهره } راجعة إلى الرسول ، والأظهر أنه راجع إلى دين الحق أي أرسل الرسول ~~بالدين الحق ليظهره أي ليظهر الدين الحق على الأديان / وعلى هذا فيحتمل أن ~~يكون الفاعل للاظهار هو الله ، ويحتمل أن يكون هو النبي أي ليظهر النبي دين ~~الحق ، وقوله تعالى : { وكفى بالله شهيدا } أي في أنه رسول الله وهذا مما ~~يسلي قلب المؤمنين فإنهم تأذوا من رد الكفار عليهم العهد المكتوب ، وقالوا ~~لا نعلم أنه رسول الله فلا تكتبوا محمد رسول الله بل اكتبوا محمد بن عبد ~~الله ، فقال تعالى : { وكفى بالله شهيدا } في أنه رسول الله ، وفيه معنى ~~لطيف وهو أن قول الله مع أنه كاف في كل شيء ، لكنه في الرسالة أظهر كفاية ، ~~لأن PageV28P092 الرسول لا يكون إلا بقول المرسل ، فإذا قال ملك هذا رسولي ~~، لو أنكر كل من في الدنيا أنه رسول فلا يفيد إنكارهم فقال تعالى أي خلل في ~~رسالته بإنكارهم مع تصديقي إياه بأنه رسولي ، وقوله { محمد رسول الله } فيه ~~وجوه أحدها : خبر مبتدأ محذوف تقديره هو محمد الذي سبق ذكره بقوله { أرسل ~~رسوله } ورسول الله عطف بيان وثانيها : أن محمدا مبتدأ خبره رسول الله وهذا ~~تأكيد لما تقدم لأنه لما قال : { هو الذي أرسل رسوله } ولا تتوقف رسالته ~~إلا على شهادته ، وقد شهد له بها محمد رسول ms8324 اللهمن غير نكير وثالثها : وهو ~~مستنبط وهو أن يقال { محمد } مبتدأ و { رسول الله } عطف بيان سيق للمدح لا ~~للتمييز { والذين معه } عطف على محمد ، وقوله { أشداء } خبره ، كأنه تعالى ~~قال : { والذين معه } جميعهم { أشداء على الكفار رحماء بينهم } لأن وصف ~~الشدة والرحمة وجد في جميعهم ، أما في المؤمنين فكما في قوله تعالى : { ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } ( المائدة : 54 ) وأما في حق النبي ~~صلى الله عليه وسلم فكما في قوله { واغلظ عليهم } ( التوبة : 73 ) وقال في ~~حقه { بالمؤمنين * رءوف * رحيم } ( التوبة : 128 ) وعلى هذا قوله { تراهم } ~~لا يكون خطابا مع النبي صلى الله عليه وسلم بل يكون عاما أخرج مخرج الخطاب ~~تقديره أيها السامع كائنا من كان ، كما قلنا إن الواعظ يقول انتبه قبل أن ~~يقع الانتباه ولا يريد به واحدا بعينه ، وقوله تعالى : { يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا } لتمييز ركوعهم وسجودهم عن ركوع الكفار وسجودهم ، وركوع ~~المرائي وسجوده ، فإنه لا يبتغي به ذلك . وفيه إشارة إلى معنى لطيف وهو أن ~~الله تعالى قال الراكعون والساجدون { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } ( ~~فاطر : 30 ) وقال الراكع يبتغي الفضل ولم يذكر الأجر لأن الله تعالى إذا ~~قال لكم أجر كان ذلك منه تفضلا ، وإشارة إلى أن عملكم جاء على ما طلب الله ~~منكم ، لأن الأجرة لا تستحق إلا على العمل الموافق للطلب من المالك ، ~~والمؤمن إذا قال أنا أبتغي فضلك يكون منه اعترافا / بالتقصير فقال : { ~~يبتغون فضلا من الله } ولم يقل أجرا . # وقوله تعالى : { سيماهم فى وجوههم من أثر السجود } فيه وجهان أحدهما : أن ~~ذلك يوم القيامة كما قال تعالى : { يوم تبيض وجوه } ( آل عمران : 106 ) ~~وقال تعالى : { نورهم يسعى } ( التحريم : 8 ) وعلى هذا فنقول نورهم في ~~وجوههم بسبب توجههم نحو الحق كما قال إبراهيم عليه السلام : { إنى وجهت * ~~العالمون * خلق الله السماوات والارض } ( الأنعام : 79 ) ومن يحاذي الشمس ~~يقع شعاعها على وجهه ، فيتبين على وجهه النور منبسطا ، مع أن الشمس لها نور ~~عارضي يقبل الزوال ، والله نور السماوات والأرض ms8325 فمن يتوجه إلى وجهه يظهر في ~~وجهه نور يبهر الأنوار وثانيهما : أن ذلك في الدنيا وفيه وجهان أحدهما : أن ~~المراد ما يظهر في الجباه بسبب كثرة السجود والثاني : ما يظهره الله تعالى ~~في وجوه الساجدين ليلا من الحسن نهارا ، وهذا محقق لمن يعقل فإن رجلين ~~يسهران بالليل أحدهما قد اشتغل بالشراب واللعب والآخر قد اشتغل بالصلاة ~~والقراءة واستفادة العلم فكل أحد في اليوم الثاني يفرق بين الساهر في الشرب ~~واللعب ، وبين الساهر في الذكر والشكر . # وقوله تعالى : { ذلك مثلهم فى التوراة } فيه ثلاثة أوجه مذكورة أحدها : ~~أن يكون { ذالك } مبتدأ ، و { مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل } خبرا ~~له ، وقوله تعالى : { كزرع أخرج شطأه } خبرا مبتدأ محذوف تقديره ومثلهم في ~~التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع وثانيها : أن يكون خبر ذلك هو قوله { مثلهم ~~فى التوراة } وقوله { ومثلهم فى الإنجيل } مبتدأ وخبره كزرع وثالثها : أن ~~يكون ذلك إشارة غير معينة أوضحت PageV28P093 بقوله تعالى : { كزرع } كقوله ~~{ ذلك الامر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } ( الحجر : 66 ) وفيه وجه رابع : ~~وهو أن يكون ذلك خبرا له مبتدأ محذوف تقديره هذا الظاهر في وجوههم ذلك يقال ~~ظهر في وجهه أثر الضرب ، فنقول أي والله ذلك أي هذا ذلك الظاهر ، أو الظاهر ~~الذي تقوله ذلك . # وقوله تعالى : { ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه فازره فاستغلظ فاستوى ~~على سوقه يعجب الزراع } . # أي وصفوا في الكتابين به ومثلوا بذلك وإنما جعلوا كالزرع لأنه أول ما ~~يخرج يكون ضعيفا وله نمو إلى حد الكمال ، فكذلك المؤمنون ، والشطء الفرخ و ~~{ فازره } يحتمل أن يكون المراد أخرج / الشطء وآزر الشطء ، وهو أقوى وأظهر ~~والكلام يتم عند قوله { يعجب الزراع } . # وقوله تعالى : { ليغيظ بهم الكفار } أي تنمية الله ذلك ليغيظ أو يكون ~~الفعل المعلل هو . # وقوله تعالى : { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } أي وعد ليغيظ ~~بهم الكفار يقال رغما لأنفك أنعم عليه . # وقوله تعالى : { منهم مغفرة وأجرا عظيما } لبيان الجنس لا للتبعيض ، ~~ويحتمل أن يقال هو للتبعيض ، ومعناه : ليغيظ الكفار والذين ms8326 آمنوا من الكفار ~~لهم الأجر العظيم ، والعظيم والمغفرة قد تقدم مرارا والله تعالى أعلم ، ~~وههنا لطيفة وهو أنه تعالى قال في حق الراكعين والساجدين إنهم { يبتغون ~~فضلا من الله } وقال : لهم أجر ولم يقل لهم ما يطلبونه من ذلك الفضل وذلك ~~لأن المؤمن عند العمل لم يلتفت إلى عمله ولم يجعل له أجرا يعتد به ، فقال ~~لا أبتغي إلا فضلك ، فإن عملي نزر لا يكون له أجر والله تعالى آتاه ما آتاه ~~من الفضل وسماه أجرا إشارة إلى قبول عمله ووقوعه الموقع وعدم كونه عند الله ~~نزرا لا يستحق عليه المؤمن أجرا ، وقد علم بما ذكرنا مرارا أن قوله { وعد ~~الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } لبيان ترتب المغفرة على الإيمان فإن ~~كل مؤمن يغفر له كما قال تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) والأجر العظيم على العمل الصالح والله ~~أعلم . # # PageV28P094 < # > 1 ( سورة الحجرات ) 1 < # > # ثماني عشرة آية مدنية # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله ~~إن الله سميع عليم } . > 7 ! # < < # | الحجرات : ( 1 ) يا أيها الذين . . . . . # > > في بيان حسن الترتيب وجوه : أحدها : أن في السورة المتقدمة لما جرى ~~منهم ميل إلى الامتناع مما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم من الصلح وترك ~~آية التسمية والرسالة وألزمهم كلمة التقوى كأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال لهم على سبيل العموم : لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ، ولا ~~تتجاوزوا ما يأمر الله تعالى ورسوله الثاني : هو أن الله تعالى لما بين محل ~~النبي عليه الصلاة والسلام وعلو درجته بكونه رسوله الذي يظهر دينه وذكره ~~بأنه رحيم بالمؤمنين بقوله { رحيم } ( التوبة : 128 ) قال لا تتركوا من ~~احترامه شيئا لا بالفعل ولا بالقول ، ولا تغتروا برأفته ، وانظروا إلى رفعة ~~درجته الثالث : هو أن الله تعالى وصف المؤمنين بكونهم أشداء ورحماء فيما ~~بينهم راكعين ساجدين نظرا إلى جانب الله تعالى ، وذكر أن لهم من الحرمة عند ~~الله ما أورثهم حسن ms8327 الثناء في الكتب المتقدمة بقوله { ذلك مثلهم فى التوراة ~~ومثلهم فى الإنجيل } ( الفتح : 29 ) فإن الملك العظيم لا يذكر أحدا في ~~غيبته إلا إذا كان عنده محترما ووعدهم بالأجر العظيم ، فقال في هذه السورة ~~لا تفعلوا ما يوجب انحطاط درجتكم وإحباط حسناتكم ولا تقدموا . فقال وقيل في ~~سبب نزول الآية وجوه : قيل نزلت في صوم يوم الشك ، وقيل نزلت في التضحية ~~قبل صلاة العيد ، وقيل نزلت في ثلاثة قتلوا اثنين من سليم ظنوهما من بني ~~عامر ، وقيل نزلت في جماعة أكثروا من السؤال وكان قد قدم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وفود والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل ومنع مطلق يدخل فيه كل ~~إثبات وتقدم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ضروري من غير مشاورة وفي ~~التفسير مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { لا تقدموا } يحتمل وجهين : أحدهما : أن ~~يكون من التقديم الذي هو PageV28P095 متعد ، وعلى هذا ففيه وجهان : أحدهما ~~: ترك مفعوله برأسه كما في قوله تعالى : / { لا إلاه } وقول القائل فلان ~~يعطي ويمنع ولا يريد بهما إعطاء شيء معين ولا منع شيء معين وإنما يريد بهما ~~أن له منعا وإعطاء كذلك ههنا ، كأنه تعالى يقول لا ينبغي أن يصدر منكم ~~تقديم أصلا والثاني : أن يكون المفعول الفعل أو الأمر كأنه يقول { لا ~~تقدموا } يعني فعلا { بين يدى الله ورسوله } أو لا تقدموا أمرا الثاني : أن ~~يكون المراد { لا تقدموا } بمعنى لا تتقدموا ، وعلى هذا فهو مجاز ليس ~~المراد هو نفس التقديم بل المراد لا تجعلوا لأنفسكم تقدما عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقال فلان تقدم من بين الناس إذا ارتفع أمره وعلا شأنه ، ~~والسبب فيه أن من ارتفع يكون متقدما في الدخول في الأمور العظام ، وفي ~~الذكر عند ذكر الكرام ، وعلى هذا نقول سواء جعلناه متعديا أو لازما لا ~~يتعدى إلى ما يتعدى إليه التقديم في قولنا قدمت زيدا ، فالمعنى واحد لأن ~~قوله { لا تقدموا } إذا جعلناه متعديا أو لازما لا يتعدى إلى ما يتعدى إليه ~~التقديم في ms8328 قولنا قدمت زيدا ، فتقديره لا تقدموا أنفسكم في حضرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم أي لا تجعلوا لأنفسكم تقدما ورأيا عنده ، ولا نقول بأن ~~المراد لا تقدموا أمرا وفعلا ، وحينئذ تتحد القراءتان في المعنى ، وهما ~~قراءة من قرأ بفتح التاء والدال وقراءة من قرأ بضم التاء وكسر الدال ، ~~وقوله تعالى : { بين يدى الله ورسوله } أي بحضرتهما لأن ما بحضرة الإنسان ~~فهو بين يديه وهو ناظر إليه وهو نصب عينيه وفي قوله { بين يدى الله ورسوله ~~} فوائد : أحدها : أن قول القائل فلان بين يدي فلان ، إشارة إلى كون كل ~~واحد منهما حاضرا عند الآخر مع أن لأحدهما علو الشأن وللآخر درجة العبيد ~~والغلمان ، لأن من يجلس بجنب الإنسان يكلفه تقليب الحدقة إليه وتحريك الرأس ~~إليه عند الكلام والأمر ، ومن يجلس بين يديه لا يكلفه ذلك ، ولأن اليدين ~~تنبىء عن القدرة يقول القائل هو بين يدي فلان ، أي يقلبه كيف شاء في أشغاله ~~كما يفعل الإنسان بما يكون موضوعا بين يديه ، وذلك مما يفيد وجوب الاحتراز ~~من التقدم ، وتقديم النفس لأن من يكون كمتاع يقلبه الإنسان بيديه كيف يكون ~~له عنده التقدم وثانيها : ذكر الله إشارة إلى وجوب احترام الرسول عليه ~~الصلاة والسلام والانقياد لأوامره ، وذلك لأن احترام الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قد يترك على بعد المرسل وعدم اطلاعه على ما يفعل برسوله فقال : { بين ~~يدى الله } أي أنتم بحضرة من الله تعالى وهو ناظر إليكم ، وفي مثل هذه ~~الحالة يجب احترام رسوله وثالثها : هو أن هذه العبارة كما تقرر النهي ~~المتقدم تقرر معنى الأمر المتأخر وهو قوله { واتقوا } لأن من يكون بين يدي ~~الغير كالمتاع الموضوع بين يديه يفعل به ما يشاء يكون جديرا بأن يتقيه ، ~~وقوله تعالى : { واتقوا الله } يحتمل أن يكون ذلك عطفا يوجب مغايرة مثل ~~المغايرة التي في قول القائل لا تتم واشتغل ، أي فائدة ذلك النهي هو ما في ~~هذا الأمر ، وليس المطلوب به ترك النوم كيف كان ، بل المطلوب بذلك الاشتغال ~~فكذلك لا تقدموا أنفسكم ms8329 ولا تتقدموا على وجه التقوى ، ويحتمل أن يكون ~~بينهما مغايرة أتم من ذلك ، وهي التي في قول القائل احترم زيدا واخدمه ، أي ~~ائت بأتم الاحترام ، فكذلك ههنا معناه لا تتقدموا عنده وإذا تركتم التقدم ~~فلا تتكلوا على ذلك فلا تنتفعوا / بل مع أنكم قائمون بذلك محترمون له اتقوا ~~الله واخشوه وإلا لم تكونوا أتيتم بواجب الاحترام وقوله تعالى : { إن الله ~~سميع عليم } يؤكد ما تقدم لأنهم قالوا آمنا ، لأن الخطاب يفهم بقوله { ذلك ~~بأن الذين كفروا } فقد يسمع قولهم ويعلم فعلهم وما في قلوبهم من التقوى ~~والخيانة ، فلا ينبغي أن يختلف قولكم وفعلكم وضمير قلبكم ، بل ينبغي أن يتم ~~مما في سمعه من قولكم آمنا وسمعنا وأطعنا وما في علمه من فعلكم الظاهر ، ~~وهو عدم التقدم وما في قلوبكم من الضمائر وهو التقوى . # ( 2 ) # PageV28P096 ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون } . > 7 @QB@ < # | الحجرات : ( 2 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # { لا تقدموا } ( الحجرات : 1 ) نهي عن فعل ينبىء عن كونهم جاعلين لأنفسهم ~~عند الله ورسوله بالنسبة إليهما وزنا ومقدارا ومدخلا في أمر من أوامرهما ~~ونواهيهما ، وقوله { لا ترفعوا } نهي عن قول ينبىء عن ذلك الأمر ، لأن من ~~يرفع صوته عند غيره يجعل لنفسه اعتبارا وعظمة وفيه مباحث : # البحث الأول : ما الفائدة في إعادة النداء ، وما هذا النمط من الكلامين ~~على قول القائل { عظيما ياأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله } ( ~~الحجرات : 1 ) ، و { لا ترفعوا أصواتكم } ؟ نقول في إعادة النداء فوائد ~~خمسة : منها أن يكون في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كما في قول ~~لقمان لابنه { يعظه يابنى لا تشرك بالله } ( لقمان : 13 ) { تعملون يابنى ~~إنها إن تك مثقال حبة } ( لقمان : 16 ) ، { لسنتنا تحويلا أقم الصلواة } ( ~~لقمان : 17 ) لأن النداء لتنبيه المنادى ليقبل على استماع الكلام ويجعل ~~باله منه ، فإعادته تفيد ذلك ، ومنها أن لا يتوهم متوهم أن المخاطب ثانيا ~~غير المخاطب أولا : فإن من ms8330 الجائز أن يقول القائل يا زيد افعل كذا وقل كذا ~~يا عمرو ، فإذا أعاده مرة أخرى ، وقال يا زيد قل كذا ، يعلم من أول الكلام ~~أنه هو المخاطب ثانيا أيضا ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود ، ~~وليس الثاني تأكيدا للأول كما تقول يا زيد لا تنطق ولا تتكلم إلا بالحق ~~فإنه لا يحسن أن يقال يا زيد لا تنطق يا زيد لا تتكلم كما يحسن عند اختلاف ~~المطلوبين ، وقوله تعالى : { لا ترفعوا أصواتكم } يحتمل وجوها : أحدها : أن ~~يكون المراد حقيقته ، وذلك لأن رفع الصوت دليل قلة الاحتشام وترك الاحترام ~~، وهذا من مسألة حكمية وهي أن الصوت بالمخارج ومن خشي قلبه ارتجف وتضعف ~~حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة ، ومن لم يخف ثبت قلبه وقوي ، فرفع ~~الهواء دليل عدم الخشية ثانيها : أن يكون المراد المنع من كثر الكلام لأن ~~من يكثر الكلام يكون متكلما عن سكوت الغير فيكون في وقت سكوت الغير لصوته ~~ارتفاع وإن كان خائفا إذا نظرت إلى حال غيره فلا ينبغي أن يكون لأحد عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم كلام كثير بالنسبة إلى كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم / لأن النبي عليه الصلاة والسلام مبلغ ، فالمتكلم عنده إن أراد ~~الإخبار لا يجوز ، وإن استخبر النبي عليه السلام عما وجب عليه البيان ، فهو ~~لا يسكت عما يسأل وإن لم يسأل ، وربما يكون في السؤال حقيدة برد جواب لا ~~يسهل على المكلف الإتيان به فيبقى في ورطة العقاب ثالثها : أن يكون المراد ~~رفع الكلام بالتعظيم أي لا تجعلوا لكلامكم ارتفاعا على كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الخطاب كما يقول القائل لغيره أمرتك مرارا بكذا عندما يقول له ~~صاحبه مرني بأمر مثله ، فيكون أحد الكلامين أعلى وأرفع من الآخر ، والأول ~~أصح والكل يدخل في حكم المراد ، لأن المنع من رفع الصوت لا يكون إلا ~~للاحترام وإظهار الاحتشام ، ومن بلغ احترامه إلى حيث تنخفض الأصوات عنده من ~~هيبته وعلو مرتبته لا يكثر عنده الكلام ، ولا ms8331 يرجع المتكلم مع في الخطاب ، ~~وقوله تعالى : { ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض } فيه فوائد : ~~PageV28P097 # إحداها : أن بالأول حصل المنع من أن يجعل الإنسان كلامه أو صوته أعلى من ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم وصوته / ولقائل أن يقول فما منعت من ~~المساواة فقال تعالى : ولا تجهروا له كما تجهرون لأقرانكم ونظرائكم بل ~~اجعلوا كلمته عليا . # والثانية : أن هذا أفاد أنه لا ينبغي أن يتكلم المؤمن عند النبي عليه ~~السلام كما يتكلم العبد عند سيده ، لأن العبد داخل تحت قوله { كجهر بعضكم ~~لبعض } لأنه للعموم فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم كما ~~يجهر العبد للسيد وإلا لكان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض ، لا يقال ~~المفهوم من هذا النمط أن لا تجعلوه كما يتفق بينكم ، بل تميزوه بأن لا ~~تجهروا عنده أبدا وفيما بينكم لا تحافظون على الاحترام ، لأنا نقول ما ~~ذكرنا أقرب إلى الحقيقة ، وفيه ما ذكرتم من المعنى وزيادة ، ويؤيد ما ذكرنا ~~قوله تعالى : { النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم } ( الأحزاب : 6 ) والسيد ~~ليس أولى عند عبده من نفسه حتى لو كانا في مخمصة ووجد العبد ما لو لم يأكله ~~لمات لا يجب عليه بذله لسيده ، ويجب البذل للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولو ~~علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقى نفسه في التهلكة لإنجاء ~~سيده ، ويجب لإنجاء النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد ذكرنا حقيقته عند ~~تفسير الآية ، وأن الحكمة تقتضي ذلك كما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من ~~غيره ، لأن عند خلل القلب مثلا لا يبقى لليدين والرجلين استقامة فلو حفظ ~~الإنسان نفسه وترك النبي عليه الصلاة والسلام لهلك هو أيضا بخلاف العبد ~~والسيد . # الفائدة الثانية : أن قوله تعالى : { لا ترفعوا أصواتكم } لما كان من جنس ~~{ لا * تجهروا } لم يستأنف النداء ، ولما كان هو يخالف التقدم لكون أحدهما ~~فعلا والآخر قولا استأنف كما في قول لقمان { يعظه يابنى لا تشرك } ( لقمان ~~: 13 ) وقوله { لسنتنا تحويلا أقم الصلواة } ( لقمان : 17 ms8332 ) لكون الأول من ~~عمل القلب والثاني من عمل الجوارح ، وقوله { لطيف خبير يابنى أقم الصلواة ~~وأمر بالمعروف وانه عن } من غير استئناف النداء لأن الكل من عمل الجوارح . # / واعلم أنا إن قلنا المراد من قوله { لا ترفعوا أصواتكم } أي لا تكثروا ~~الكلام فقوله { ولا تجهروا } يكون مجازا عن الإتيان بالكلام عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقدر ما يؤتى به عند غيره ، أي لا تكثروا وقللوا غاية ~~التقليل ، وكذلك إن قلنا المراد بالرفع الخطاب فالمراد بقوله { لا * تجهروا ~~} أي لا تخاطبوه كما تخاطبون غيره وقوله تعالى : { أن تحبط أعمالكم } فيه ~~وجهان مشهوران : أحدهما : لئلا تحبط والثاني : كراهة أن تحبط ، وقد ذكرنا ~~ذلك في قوله تعالى : { يبين الله لكم أن تضلوا } ( النساء : 176 ) وأمثاله ~~، ويحتمل ههنا وجها آخر وهو أن يقال معناه : واتقوا الله واجتنبوا أن تحبط ~~أعمالكم ، والدليل على هذا أن الإضمار لما لم يكن منه بد فما دل عليه ~~الكلام الذي هو فيه أولى أن يضمر والأمر بالتقوى قد سبق في قوله تعالى : { ~~واتقوا } ( الحجرات : 1 ) وأما المعنى فنقول قوله { أن تحبط } إشارة إلى ~~أنكم إن رفعتم أصوتكم وتقدمتكم تتمكن منكم هذه الرذائل وتؤدي إلى الاستحقار ~~، وإنه يفضي إلى الانفراد والارتداد المحبط وقوله تعالى : { وأنتم لا ~~تشعرون } إشارة إلى أن الردة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان ، فإن من ~~ارتكب ذنبا لم يرتكبه في عمره تراه نادما غاية الندامة خائفا غاية الخوف ~~فإذا ارتكبه مرارا يقل الخوف والندامة ويصير عادة من حيث لا يعلم أنه لا ~~يتمكن ، وهذا كان للتمكن في المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو غيرها ، ~~وهذا كما أن من بلغه خبر فإنه لا يقطع بقول المخبر PageV28P098 في المرة ~~الأولى / فإذا تكرر عليه ذلك وبلغ حد التواتر يحصل له اليقين ويتمكن ~~الإعتقاد ، ولا يدري متى كان ذلك ، وعند أي خبر حصل هذا اليقين ، فقوله { ~~وأنتم لا تشعرون } تأكيد للمنع أي لا تقولوا بأن المرة الواحدة تعفي ولا ~~توجب رده ، لأن الأمر غير معلوم فاحسموا الباب ms8333 ، وفيه بيان آخر وهو أن ~~المكلف إذا لم يحترم النبي صلى الله عليه وسلم ويجعل نفسه مثله فيما يأتي ~~به بناء على أمره يكون كما يأتي به بناء على أمر نفسه ، لكن ما تأمر به ~~النفس لا يوجب الثواب وهو محبط حابط ، كذلك ما يأتي به بغير أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم حينئذ حابط محبط والله أعلم . # واعلم أن الله تعالى لما أمر المؤمنين باحترام النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإكرامه وتقديمه على أنفسهم وعلى كل من خلقه الله تعالى أمر نبيه عليه ~~السلام بالرأفة والرحمة ، وأن يكون أرأف بهم من الوالد ، كما قال : { واخفض ~~جناحك للمؤمنين } ( الحجر : 88 ) وقال تعالى : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم } ( الكهف : 28 ) وقال : { ولا تكن كصاحب الحوت } ( القلم : 48 ) إلى ~~غير ذلك لئلا تكون خدمته خدمة الجبارين الذين يستعبدون الأحرار بالقهر ~~فيكون انقيادهم لوجه الله . # ! 7 < { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولائك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم } . > 7 ! # / < < # | الحجرات : ( 3 ) إن الذين يغضون . . . . . # > > وفيه الحث على ما أرشدهم إليه من وجهين أحدهما : ظاهر لكل أحد وذلك ~~في قوله تعالى : { امتحن الله قلوبهم للتقوى } وبيانه هو أن من يقدم نفسه ~~ويرفع صوته يريد إكرام نفسه واحترام شخصه ، فقال تعالى ترك هذا الاحترام ~~يحصل به حقيقة الاحترام ، وبالإعراض عن هذا الإكرام يكمل الإكرام ، لأن به ~~تتبين تقواكم ، و { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) ومن ~~القبيح أن يدخل الإنسان حماما فيتخير لنفسه فيه منصبا ويفوت بسببه منصبه ~~عند السلطان ، ويعظم نفسه في الخلاء والمستراح وبسببه يهون في الجمع العظيم ~~، وقوله تعالى : { امتحن الله قلوبهم للتقوى } فيه وجوه : أحدها : امتحنها ~~ليعلم منه التقوى فإن من يعظم واحدا من أبناء جنسه لكونه رسول مرسل يكون ~~تعظيمه للمرسل أعظم وخوفه منه أقوى ، وهذا كما في قوله تعالى : { ومن يعظم ~~شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } ( الحج : 32 ) أي تعظيم أوامر الله من ~~تقوى الله فكذلك تعظيم رسول الله من تقواه ms8334 الثاني : امتحن أي علم وعرف ، ~~لأن الامتحان تعرف الشيء فيجوز استعماله في معناه ، وعلى هذا فاللام تتعلق ~~بمحذوف تقديره عرف الله قلوبهم صالحة ، أي كائنة للتقوى ، كما يقول القائل ~~أنت لكذا أي صالح أو كائن الثالث : امتحن : أي أخلص يقال للذهب ممتحن ، أي ~~مخلص في النار وهذه الوجوه كلها مذكورة ويحتمل أن يقال معناه امتحنها ~~للتقوى اللام للتعليل ، وهو يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون تعليلا يجري مجرى ~~بيان السبب المتقدم ، كما يقول القائل : جئتك لإكرامك لي أمس ، أي صار ذلك ~~الإكرام السابق سبب المجيء وثانيها : أن يكون تعليلا يجري مجرى بيان غاية ~~المقصود المتوقع الذي يكون لاحقا لا سابقا كما يقول القائل جئتك لأداء ~~الواجب ، فإن قلنا بالأول فتحقيقه هو أن الله علم ما في قلوبهم من تقواه ، ~~وامتحن قلوبهم للتقوى التي كانت فيها ، ولولا أن قلوبهم كانت PageV28P099 ~~مملوءة من التقوى لما أمرهم بتعظيم رسوله وتقديم نبيه على أنفسهم ، بل كان ~~يقول لهم آمنوا برسولي ولا تؤذوه ولا تكذبوه ، فإن الكافر أول ما يؤمن يؤمن ~~بالاعتراف بكون النبي صلى الله عليه وسلم صادقا ، وبين من قيل له لا ~~تستهزىء برسول الله ولا تكذبه ولا تؤذه ، وبين من قيل له لا ترفع صوتك عنده ~~ولا تجعل لنفسك وزنا بين يديه ولا تجهر بكلامك الصادق بين يديه ، بون عظيم ~~. # واعلم أن بقدر تقديمك للنبي عليه الصلاة والسلام على نفسك في الدنيا يكون ~~تقديم النبي عليه الصلاة والسلام إياك في العقبى ، فإنه لن يدخل أحد الجنة ~~ما لم يدخل الله أمته المتقين الجنة ، فإن قلنا بالثاني فتحقيقه هو أن الله ~~تعالى امتحن قلوبهم بمعرفته ومعرفة رسوله بالتقوى ، أي ليرزقهم الله التقوى ~~التي هي حق التقاة ، وهي التي لا تخشى مع خشية الله أحدا فتراه آمنا من كل ~~مخيف لا يخاف / في الدنيا بخسا ، ولا يخاف في الآخرة نحسا ، والناظر العاقل ~~إذا علم أن بالخوف من السلطان يأمن جور الغلمان ، وبتجنب الأراذل ينجو من ~~بأس السلطان فيجعل خوف السلطان جنة فكذلك العالم لو أمعن ms8335 النظر لعلم أن ~~بخشية الله النجاة في الدارين وبالخوف من غيره الهلاك فيهما فيجعل خشية ~~الله جنته التي يحس بها نفسه في الدنيا والآخرة . # ثم قال تعالى : { لهم مغفرة وأجر عظيم } . # وقد ذكرنا أن المغفرة إزالة السيئات التي هي في الدنيا لازمة للنفس ~~والأجر العظيم إشارة إلى الحياة التي هي بعد مفارقة الدنيا عن النفس / ~~فيزيل الله عنه القبائح البهيمية ويلبسه المحاسن الملكية . # ! 7 < { إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } . > 7 ! # < < # | الحجرات : ( 4 ) إن الذين ينادونك . . . . . # > > بيانا لحال من كان في مقابلة من تقدم فإن الأول غض صوته والآخر رفعه ~~، وفيه إشارة إلى أنه ترك لأدب الحضور بين يديه وعرض الحاجة عليه ، وأما ~~قول القائل للملك يا فلان من سوء الأدب ، فإن قلت كل أحد يقول يا الله مع ~~أن الله أكبر ، نقول النداء على قسمين أحدهما : لتنبيه المنادى وثانيهما : ~~لإظهار حاجة المنادي مثال الأول : قول القائل لرفيقه أو غلامه : يا فلان ~~ومثال الثاني : قول القائل في الندبة : يا أمير المؤمنين أو يا زيداه ، ~~ولقائل أن يقول : إن كان زيد بالمشرق لا تنبيه فإنه محال ، فكيف يناديه وهو ~~ميت ؟ فنقول قولنا يا الله لإظهار حاجة الأنفس لا لتنبيه المنادى ، وإنما ~~كان في النداء الأمران جميعا لأن المنادي لا ينادي إلا لحاجة في نفسه ~~يعرضها ولا ينادي في الأكثر إلا معرضا أو غافلا ، فحصل في النداء الأمران ~~ونداؤهم كان للتنبيه وهو سوء أدب وأما قول أحدنا للكبير يا سيدي ويا مولاي ~~فهو جار مجرى الوصف والإخبار الثاني : النداء من وراء الحجرات فإن من ينادي ~~غيره ولا حائل بينهما لا يكلفه المشي والمجيء بل يجيبه من مكانه ويكلمه ولا ~~يطلب المنادي إلا لالتفات المنادى إليه ومن ينادي غيره من وراء الحائل ~~فكأنه يريد منه حضوره كمن ينادي صاحب البستان من خارج البستان الثالث : ~~قوله { الحجرات } إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في خلوته التي لا ~~يحسن في الأدب إتيان المحتاج إليه في حاجته في ذلك الوقت ، بل ms8336 الأحسن ~~التأخير وإن كان في ورطة الحاجة ، وقوله تعالى : { أكثرهم لا يعقلون } فيه ~~بيان المعايب بقدر ما في سوء أدبهم من القبائح ، وذلك لأن الكلام من خواص ~~الإنسان ، وهو أعلى مرتبة من غيره ، وليس لمن دونه كلام ، لكن النداء في ~~المعنى كالتنبيه ، وقد يحصل بصوت ، يضرب شيء على شي / وفي الحيوانات العجم ~~ما يظهر PageV28P100 لكل أحد كالنداء ، فإن الشاة تصيح وتطلب ولدها وكذلك ~~غيرها من الحيوانات ، والسخلة كذلك فكأن النداء حصل في المعنى لغير الآدمي ~~، فقال الله تعالى في حقهم { أكثرهم لا يعقلون } يعني النداء الصادر منهم ~~لما لم يكن مقرونا بحسن الأدب كانوا فيه خارجين عن درجة من يعقل وكان ~~نداؤهم كصياح صدر من بعض الحيوان ، وقوله تعالى : { أكثرهم } فيه وجهان ~~أحدهما : أن العرب تذكر الأكثر وتريد الكل ، وإنما تأتي بالأكثر احترازا عن ~~الكذب واحتياطا في الكلام ، لأن الكذب مما يحبط به عمل الإنسان في بعض ~~الأشياء فيقول الأكثر وفي اعتقاده الكل ، ثم إن الله تعالى مع إحاطة علمه ~~بالأمور أتى بما يناسب كلامهم ، وفيه إشارة إلى لطيفة وهي أن الله تعالى ~~يقول : أنا مع إحاطة علمي بكل شيء جريت على عادتكم استحسانا لتلك العادة ~~وهي الاحتراز عن الكذب فلا تتركوها ، واجعلوا اختياري ذلك في كلامي دليلا ~~قاطعا على رضائي بذلك وثانيهما : أن يكون المراد أنهم في أكثر أحوالهم لا ~~يعقلون ، وتحقيق هذا هو أن الإنسان إذا اعتبر مع وصف ثم اعتبر مع وصف آخر ~~يكون المجموع الأول غير المجموع الثاني ، مثاله الإنسان يكون جاهلا وفقيرا ~~فيصير عالما وغنيا فيقال في العرف زيد ليس هو الذي رأيته من قبل بل الآن ~~على أحسن حال ، فيجعله كأنه ليس ذلك إشارة إلى ما ذكرنا . إذا علم هذا فهم ~~، في بعض الأحوال إذا اعتبرتهم مع تلك الحالة ، مغايرون لأنفسهم إذا ~~اعتبرتهم مع غيرها فقال تعالى : { أكثرهم } إشارة إلى ما ذكرناه ، وفيه وجه ~~ثالث وهو أن يقال لعل منهم من رجع عن تلك الأهواء ، ومنهم من استمر على تلك ~~العادة الرديئة فقال أكثرهم ms8337 إخراجا لمن ندم منهم عنهم . # ! 7 < { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم } ~~. > 7 ! # < < # | الحجرات : ( 5 ) ولو أنهم صبروا . . . . . # > > ثم قال تعالى : { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم } ~~إشارة إلى حسن الأدب الذي على خلاف ما أتوا به من سوء الأدب فإنهم لو صبروا ~~لما احتاجوا إلى النداء ، وإذا كنت تخرج إليهم فلا يصح إتيانهم في وقت ~~اختلائك بنفسك أو بأهلك أو بربك ، فإن للنفس حقا وللأهل حقا ، وقوله تعالى ~~: { لكان خيرا لهم } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون المراد أن ذلك هو الحسن ~~والخير كقوله تعالى : { خير مستقرا } ( الفرقان : 24 ) ، وثانيهما : أن ~~يكون المراد هو أن بالنداء وعدم الصبر يستفيدون تنجيز الشغل ودفع الحاجة في ~~الحال وهو مطلوب ، ولكن المحافظة على النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه خير ~~من ذلك ، لأنها تدفع الحاجة الأصلية التي في الآخرة وحاجات الدنيا فضلية ، ~~والمرفوع الذي يقتضيه كلمة كان إما الصبر وتقديره لو أنهم صبروا لكان الصبر ~~خيرا ، أو الخروج من غير نداء وتقديره لو صبروا حتى تخرج إليهم لكان خروجك ~~من غير نداء خيرا لهم ، وذلك مناسب للحكاية ، لأنهم طلبوا خروجه عليه ~~الصلاة والسلام ليأخذوا ذراريهم ، فخرج / وأعتق نصفهم وأخذوا نصفهم ، ولو ~~صبروا لكان يعتق كلهم والأول أصح . # ثم قال تعالى : { والله غفور رحيم } تحقيقا لأمرين أحدهما : لسوء صنيعهم ~~في التعجل ، فإن الإنسان إذا أتى بقبيح ولا يعاقبه الملك أو السيد يقال ما ~~أحلم سيده لا لبيان حلمه ، بل لبيان عظيم جناية العبد وثانيهما : لحسن ~~الصبر يعني بسبب إتيانهم بما هو خير ، يغفر الله لهم سيئاتهم ويجعل هذه ~~الحسنة كفارة PageV28P101 لكثير من السيئات ، كما يقال للآبق إذا رجع إلى ~~باب سيده أحسنت في رجوعك وسيدك رحيم ، أي لا يعاقبك على ما تقدم من ذنبك ~~بسبب ما أتيت به من الحسنة ويمكن أن يقال بأن ذلك حث للنبي صلى الله عليه ~~وسلم على الصفح ، وقوله تعالى : { أكثرهم لا يعقلون } كالعذر لهم ، وقد ~~ذكرنا أن الله تعالى ms8338 ذكر في بعض المواضع الغفران قبل الرحمة ، كما في هذه ~~السورة وذكر الرحمة قبل المغفرة في سورة سبأ في قوله { وهو الرحيم الغفور } ~~( سبأ : 2 ) فحيث قال : غفور رحيم أي يغفر سيئاته ثم ينظر إليه فيراه عاريا ~~محتاجا فيرحمه ويلبسه لباس الكرامة وقد يراه مغمورا في السيئات فيغفر ~~سيئاته ، ثم يرحمه بعد المغفرة ، فتارة تقع الإشارة إلى الرحمة التي بعد ~~المغفرة فيقدم المغفرة ، وتارة تقع الرحمة قبل المغفرة فيؤخرها ، ولما كانت ~~الرحمة واسعة توجد قبل المغفرة وبعدها ذكرها قبلها وبعدها . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما ~~بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } . > 7 ! # < < # | الحجرات : ( 6 ) يا أيها الذين . . . . . # > > هذه السورة فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ، وهي إما مع الله ~~تعالى أو مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو مع غيرهم من أبناء الجنس ، وهم ~~على صنفين ، لأنهم إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين وداخلين في رتبة ~~الطاعة أو خارجا عنها وهو الفاسق والداخل في طائفتهم السالك لطريقتهم إما ~~أن يكون حاضرا عندهم أو غائبا عنهم فهذه خمسة أقسام أحدها : يتعلق بجانب ~~الله وثانيها : بجانب الرسول وثالثها : بجانب الفساق ورابعها : بالمؤمن ~~الحاضر وخامسها : بالمؤمن الغائب فذكرهم الله تعالى في هذه السورة خمس مرات ~~{ ذلك بأن الذين كفروا } وأرشدهم في كل مرة إلى مكرمة مع قسم من الأقسام ~~الخمسة فقال أولا : { عظيما ياأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ~~ورسوله } ( الحجرات : 1 ) وذكر الرسول كان لبيان طاعة الله لأنها لا تعلم ~~إلا بقول رسول الله ، وقال ثانيا : { عليم ياأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبى } ( الحجرات : 2 ) لبيان وجوب احترم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال ثالثا : { رحيم ياأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ } ~~لبيان وجوب الاحتراز عن الاعتماد على أقوالهم ، فإنهم يريدون إلقاء الفتنة ~~/ بينكم وبين ذلك عند تفسير قوله { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ( ~~الحجرات : 9 ) وقال رابعا : { ترحمون ياأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من ~~قوم } ( الحجرات : 11 ms8339 ) وقال : { ولا تنابزوا } ( الحجرات : 11 ) لبيان ~~وجوب ترك إيذاء المؤمنين في حضورهم والازدراء بحالهم ومنصبهم ، وقال خامسا ~~: { الظالمون ياأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم } ~~( الحجرات : 12 ) وقال : { ولا تجسسوا } ( الحجرات : 12 ) وقال : { ولا ~~يغتب بعضكم بعضا } لبيان وجوب الاحتراز عن إهانة جانب المؤمن حال غيبته ، ~~وذكر ما لو كان حاضرا لتأذى ، وهو في غاية الحسن من الترتيب ، فإن قيل : لم ~~لم يذكر المؤمن قبل الفاسق لتكون المراتب متدرجة الابتداء بالله ورسوله ، ~~ثم بالمؤمن الحاضر ، ثم بالمؤمن الغائب ، ثم بالفاسق ؟ نقول : قدم الله ما ~~هو الأهم على ما دونه ، فذكر جانب الله ، ثم ذكر جانب الرسول ، ثم ذكر ما ~~يفضي إلى الاقتال بين طوائف المسلمين بسبب الإصغاء إلى كلام الفاسق ~~والاعتماد عليه ، فإنه يذكر كل ما كان أشد نفارا للصدور ، وأما المؤمن ~~الحاضر أو الغائب فلا يؤذي المؤمن إلى حد يفضي إلى القتل ، ألا ترى أن الله ~~تعالى ذكر عقيب نبأ الفاسق آية الاقتتال ، فقال : { وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا } وفي التفسير مسائل : # المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية ، هو أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث الوليد بن عقبة ، وهو أخو عثمان لأمه PageV28P102 إلى بني المصطلق ~~وليا ومصدقا فالتقوه ، فظنهم مقاتلين ، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال : إنهم امتنعوا ومنعوا ، فهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيقاع بهم ~~، فنزلت هذه الآية ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم لم يفعلوا من ~~ذلك شيئا ، وهذا جيد إن قالوا بأن الآية نزلت في ذلك الوقت ، وأما إن قالوا ~~بأنها نزلت لذلك مقتصرا عليه ومتعديا إلى غيره فلا / بل نقول هو نزل عاما ~~لبيان التثبت ، وترك الاعتماد على قول الفاسق ، ويدل على ضعف قول من يقول : ~~إنها نزلت لكذا ، أن الله تعالى لم يقل إني أنزلتها لكذا ، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم لم ينقل عنه أنه بين أن الآية وردت لبيان ذلك فحسب ، غاية ما في ~~الباب أنها نزلت في ذلك الوقت ، وهو مثل التاريخ ms8340 لنزول الآية ، ونحن نصدق ~~ذلك ، ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد سيء بعيد ، لأنه ~~توهم وظن فأخطأ ، والمخطىء لا يسمى فاسقا ، وكيف والفاسق في أكثر المواضع ~~المراد به من خرج عن ربقة الإيمان لقوله تعالى : { إن الله لا يهدى القوم ~~الفاسقين } ( المنافقون : 6 ) وقوله تعالى : { ففسق عن أمر ربه } ( الكهف : ~~50 ) وقوله تعالى : { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن ~~يخرجوا منها أعيدوا فيها } ( السجدة : 20 ) إلى غير ذلك . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { إن جاءكم فاسق بنبإ } إشارة إلى لطيفة ~~، وهي أن المؤمن كان موصوفا بأنه شديد على الكافر غليظ عليه ، فلا يتمكن ~~الفاسق من أن يخبره بنبأ ، فإن تمكن منه يكون نادرا ، فقال : { أن جاءكم } ~~بحرف الشرط الذي لا يذكر إلا مع التوقع ، إذ لا يحسن أن يقال : إن احمر ~~البسر ، وإن طلعت الشمس . # المسألة الثالثة : النكرة في معرض الشرط تعم إذا كانت في جانب الثبوت ، ~~كما أنها تعم في / الإخبار إذا كانت في جانب النفي ، وتخص في معرض الشرط إذ ~~كانت في جانب النفي ، كما تخص في الإخبار إذا كانت في جانب الثبوت ، فلنذكر ~~بيانه بالمثال ودليله ، أما بيانه بالمثال فنقول : إذا قال قائل لعبده : إن ~~كلمت رجلا فأنت حر ، فيكون كأنه قال : لا أكلم رجلا حتى يعتق بتكلم كل رجل ~~، وإذا قال : إن لم أكلم اليوم رجلا فأنت حر ، يكون كأنه قال : لا أكلم ~~اليوم رجلا حتى لا يعتق العبد بترك كلام كل رجل ، كما لا يظهر الحلف في ~~كلامه بكلام كل رجل إذا ترك الكلام مع رجل واحد ، وأما الدليل فلأن النظر ~~أولا إلى جانب الإثبات ، ألا ترى أنه من غير حرف لما أن الوضع للاثبات ~~والنفي بحرف ، فقول القائل : زيد قائم ، وضع أولا ولم يحتج إلى أن يقال مع ~~ذلك حرف يدل على ثبوت القيام لزيد ، وفي جانب النفي احتجنا إلى أن نقول : ~~زيد ليس بقائم ، ولو كان الوضع والتركيب أولا للنفي ، لما احتجنا إلى الحرف ~~الزائد اقتصارا أو اختصارا ، وإذا ms8341 كان كذلك فقول القائل : رأيت رجلا ، يكفي ~~فيه ما يصحح القول وهو رؤية واحد ، فإذا قلت : ما رأيت رجلا ، وهو وضع ~~لمقابلة قوله : رأيت رجلا ، وركب لتلك المقابلة ، والمتقابلان ينبغي أن لا ~~يصدقا ، فقول القائل : ما رأيت رجلا ، لو كفى فيه انتفاء الرؤية عن غير ~~واحد لصح قولنا : رأيت رجلا ، وما رأيت رجلا ، فلا يكونان متقابلين ، ~~فيلزمنا من الاصطلاح الأول الاصطلاح الثاني ، ولزم منه العموم في جانب ~~النفي ، إذا علم هذا فنقول : الشرطية وضعت أولا ، ثم ركبت بعد الجزمية ~~بدليل زيادة الحرف وهو في مقابلة الجزمية ، وكان قول القائل : إذا لم تكن ~~أنت حرا ما كلمت رجلا يرجع إلى معنى النفي ، وكما علم عموم القول في الفاسق ~~علم عمومه في النبأ فمعناه : أي فاسق جاءكم بأي نبأ ، فالتثبت فيه واجب . # المسألة الرابعة : متمسك أصحابنا في أن خبر الواحد حجة ، وشهادة الفاسق ~~لا تقبل ، أما في المسألة PageV28P103 الأولى فقالوا علل الأمر بالتوقف ~~بكونه فاسقا ، ولو كان خبر الوحد العدل لا يقبل ، لما كان للترتيب على ~~الفاسق فائدة ، وهو من باب التمسك بالمفهوم . وأما في الثانية فلوجهين : ~~أحدهما : أمر بالتبين ، فلو قبل قوله لما كان الحاكم مأمورا بالتبين ، فلم ~~يكن قول الفاسق مقبولا ، ثم إن الله تعالى أمر بالتبين في الخبر والنبأ / ~~وباب الشهادة أضيف من باب الخبر والثاني : هو أنه تعالى قال : { ءان * ~~تصيببوا قوما بجهالة } والجهل فوق الخطأ ، لأن المجتهد إذ أخطأ لا يسمى ~~جاهلا ، والذي يبني الحكم على قول الفاسق إن لم يصب جهل فلا يكون البناء ~~على قوله جائزا . # المسألة الخامسة : { ءان } ذكرنا فيها وجهين أحدهما : مذهب الكوفيين ، ~~وهو أن المراد لئلا تصيبوا ، وثانيها : مذهب البصريين ، وهو أن المراد ~~كراهة أن تصيبوا ، ويحتمل أن يقال : المراد فتبينوا واتقوا ، وقوله تعالى : ~~{ ءان * بعدها قوما } يبين ما ذكرنا أن يقول الفاسق : تظهر الفتن بين أقوام ~~، ولا كذلك بالألفاظ المؤذية في الوجه ، والغيبة الصادرة من المؤمنين ، لأن ~~المؤمن يمنعه دينه من الإفحاش والمبالغة في الإيحاش ، وقوله { بجهالة } في ~~تقدير حال ، أي ms8342 أن / تصيبوهم جاهلين وفيه لطيفة ، وهي أن الإصابة تستعمل في ~~السيئة والحسنة ، كما في قوله تعالى : { ما أصابك من حسنة فمن الله } ( ~~النساء : 79 ) لكن الأكثر أنها تستعمل فيما يسوء ، لكن الظن السوء يذكر معه ~~، كما في قوله تعالى : { وإن تصبهم سيئة } ( النساء : 78 ) ثم حقق ذلك ~~بقوله { فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } بيانا لأن الجاهل لا بد من أن يكون ~~على فعله نادما ، وقوله { فتصبحوا } معناه تصيروا ، قال النحاة : أصبح ~~يستعمل على ثلاثة أوجه أحدها : بمعنى دخول الرجل في الصباح ، كما يقول ~~القائل : أصبحنا نقضي عليه وثانيها : بمعنى كان الأمر وقت الصباح كذا وكذا ~~، كما يقول : أصبح اليوم مريضنا خيرا مما كان ، غير أنه تغير ضحوة النهار ، ~~ويريد كونه في الصبح على حاله ، كأنه يقول : كان المريض وقت الصبح خيرا ~~وتغير ضحوة النهار وثالثها : بمعنى صار يقول القائل أصبح زيد غنيا ويريد به ~~صار من غير إرادة وقت دون وقت ، والمراد ههنا هو المعنى الثالث وكذلك أمسى ~~وأضحى ، ولكن لهذا تحقيق وهو أن نقول لا بد في اختلاف الألفاظ من اختلاف ~~المعاني واختلاف الفوائد ، فنقول الصيرورة قد تكون من ابتداء أمر وتدوم ، ~~وقد تكون في آخر بمعنى آل الأمر إليه ، وقد تكون متوسطة . # مثال الأول : قول القائل صار الطفل فاهما أي أخذ فيه وهو في الزيادة . # مثال الثاني : قول القائل صار الحق بينا واجبا أي انتهى حده وأخذ حقه . # مثال الثالث : قول القائل صار زيد عالما وقويا إذا لم يرد أخذه فيه ، ولا ~~بلوغه نهايته بل كونه متلبسا به متصفا به ، إذا علمت هذا فأصل استعمال أصبح ~~فيما يصير الشيء آخذا في وصف ومبتدئا في أمر ، وأصل أمسى فيما يصير الشيء ~~بالغا في الوصف نهايته ، وأصل أضحى التوسط لا يقال أهل الاستعمال لا يفرقون ~~بين الأمور ويستعملون الألفاظ الثلاثة بمعنى واحد ، نقول إذا تقاربت ~~المعاني جاز الاستعمال ، وجواز الاستعمال لا ينافي الأصل ، وكثير من ~~الألفاظ أصله مضى واستعمل استعمالا شائعا فيما لا يشاركه ، إذا علم هذا ~~فنقول قوله تعالى ms8343 : { فتصبحوا } أي فتصيروا آخذين في الندم متلبسين به ثم ~~تستديمونه وكذلك في قوله تعالى : { فأصبحتم بنعمته إخوانا } أي أخذتم في ~~الأخوة وأنتم فيها زائدون ومستمرون ، وفي الجملة اختار في القرآن هذه ~~اللفظة لأن الأمر المقرون به هذه اللفظة ، إما في الثواب أو في العقاب ~~وكلاهما PageV28P104 في الزيادة ، ولا نهاية للأمور الإلاهية وقوله تعالى : ~~{ نادمين } الندم هم دائم والنون والدال والميم في تقاليبها لا تنفك عن ~~معنى الدوام ، كما في قول القائل : أدمن في الشرب ومدمن أي أقام ، ومنه ~~المدينة . وقوله تعالى : { فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } فيه فائدتان : # إحداهما : تقرير التحذير وتأكيده ، ووجهه هو أنه تعالى لما قال : { ءان * ~~تصيببوا قوما بجهالة } قال بعده وليس ذلك مما لا يلتفت إليه ، ولا يجوز ~~للعاقل أن يقول : هب أني أصبت قوما فماذا علي ؟ بل عليكم منه الهم الدائم ~~والحزن المقيم ، ومثل هذا الشيء واجب الاحتراز منه . # / والثانية : مدح المؤمنين ، أي لستم ممن إذا فعلوا سيئة لا يلتفتون ~~إليها بل تصبحون نادمين عليها . # ! 7 < { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم فى كثير من الا مر لعنتم ~~ولاكن الله حبب إليكم الايمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولائك هم الراشدون } . > 7 ! # < < # | الحجرات : ( 7 ) واعلموا أن فيكم . . . . . # > > ولنذكر في تفسير هذه الآية ما قيل وما يجوز أن يقال ، أما ما قيل ~~فلنختر أحسنه وهو ما اختاره الزمخشري فإنه بحث في تفسير هذه الآية بحثا ~~طويلا ، فقال قوله تعالى : { لو يطيعكم فى كثير من الامر لعنتم } ليس كلاما ~~مستأنفا لأدائه إلى تنافر النظم ، إذ لا تبقى مناسبة بين قوله { واعلموا } ~~وبين قوله { لو يطيعكم } ثم وجه التعلق هو أن قوله { لو يطيعكم } في تقدير ~~حال من الضمير المرفوع في قوله { فيكم } كان التقدير كائن فيكم ، أو موجود ~~فيكم ، على حال تريدون أن يطيعكم أو يفعل باستصوابكم ، ولا ينبغي أن يكون ~~في تلك الحال ، لأنه لو فعل ذلك { لعنتم } أو لوقعتم في شدة أو أولمتم به . # ثم قال تعالى : { ولاكن الله حبب إليكم ms8344 الايمان } خطابا مع بعض من ~~المؤمنين غير المخاطبين بقوله { لو يطيعكم } قال الزمخشري اكتفى بالتغاير ~~في الصفة واختصر ولم يقل حبب إلى بعضكم الإيمان ، وقال أيضا بأن قوله تعالى ~~: { لو يطيعكم } دون أطاعكم يدل على أنهم كانوا يريدون استمرار تلك الحالة ~~، ودوام النبي صلى الله عليه وسلم على العمل باستصوابهم ، ولكن يكون ما ~~بعدها على خلاف ما قبلها ، وههنا كذلك وإن لم يكن تحصل المخالفة بتصريح ~~اللفظ لأن اختلاف المخاطبين في الوصف يدلنا على ذلك لأن المخاطبين أولا ~~بقوله { لو يطيعكم } هم الذين أرادوا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعمل بمرادهم ، والمخاطبين بقوله { حبب إليكم الايمان } هم الذين أرادوا ~~عملهم بمراد النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا ما قاله الزمخشري واختاره وهو ~~حسن ، والذي يجوز أن يقال وكأنه هو الأقوى أن الله تعالى لما قال : { إن ~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } ( الحجرات : 6 ) أي فتثبتوا واكشفوا قال بعده : ~~{ واعلموا أن فيكم رسول الله } أي الكشف سهل عليكم بالرجوع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فإنه فيكم مبين مرشد ، وهذا كما يقول القائل عند اختلاف ~~تلاميذ شيخ في مسألة : هذا الشيخ قاعد لا يريد بيان قعوده ، وإنما يريد ~~أمرهم بالمراجعة إليه ، وذلك لأن المراد منه أنه / لا يطيعكم في كثير من ~~الأمر ، وذلك لأن الشيخ فيما ذكرنا من المثال PageV28P105 لو كان يعتمد على ~~قول التلاميذ لا تطمئن قلوبهم بالرجوع إليه ، أما إذا كان لا يذكر إلا من ~~النقل الصحيح ، ويقرره بالدليل القوي يراجعه كل أحد ، فكذلك ههنا قال ~~استرشدوه فإنه يعلم ولا يطيع أحدا فلا يوجد فيه حيف ولا يروج عليه زيف ، ~~والذي يدل على أن المراد من قوله { لو يطيعكم فى كثير من الامر لعنتم } ~~بيان أنه لا يطيعكم هو أن الجملة الشرطية في كثير من المواضع ترد لبيان ~~امتناع لشرط لامتناع الجزاء كما في قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا ~~الله لفسدتا } ( الأنبياء : 22 ) وقوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ( النساء ms8345 : 82 ) فإنه لبيان أنه ليس فيهما آلهة ~~وأنه ليس من عند غير الله . # ثم قال تعالى : { ولاكن الله حبب إليكم الايمان وزينه فى قلوبكم } إشارة ~~إلى جواب سؤال يرد على قوله { فتبينوا } وهو أن يقع لواحد أن يقول إنه لا ~~حاجة إلى المراجعة وعقولنا كافية بها أدركنا الإيمان وتركنا العصيان فكذلك ~~نجتهد في أمورنا / فقال ليس إدراك الإيمان بالاجتهاد ، بل الله بين البرهان ~~وزين الإيمان حتى حصل اليقين ، وبعد حصول اليقين لا يجوز التوقف والله إنما ~~أمركم بالتوقف عند تقليد قول الفاسق ، وما أمركم بالعناد بعد ظهور البرهان ~~، فكأنه تعالى قال : توقفوا فيما يكون مشكوكا فيه لكن الإيمان حببه إليكم ~~بالبرهان فلا تتوقفوا في قبوله ، وعلى قولنا المخاطب بقوله { حبب إليكم } ~~هو المخاطب بقوله { لو يطيعكم } إذا علمت معنى الآية جملة ، فاسمعه مفصلا ~~ولنفصله في مسائل : # المسألة الأولى : لو قال قائل إذا كان المراد بقوله { واعلموا أن فيكم ~~رسول الله } الرجوع إليه والاعتماد على قوله ، فلم لم يقل بصريح اللفظ ~~فتبينوا وراجعوا النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وما الفائدة في العدول إلى هذا ~~المجاز ؟ نقول الفائدة زيادة التأكيد وذلك لأن قول القائل فيما ذكرنا من ~~المثال هذا الشيخ قاعد آكد في وجوب المراجعة إليه من قوله راجعوا شيخكم ، ~~وذلك لأن القائل يجعل وجوب المراجعة إليه متفقا عليه ، ويجعل سبب عدم ~~الرجوع عدم علمهم بقعوده ، فكأنه يقول : إنكم لا تشكون في أن الكاشف هو ~~الشيخ ، وأن الواجب مراجعته فإن كنتم لا تعلمون قعدوه فهو قاعد فيجعل حسن ~~المراجعة أظهر من أمر القعود كأنه يقول خفي عليكم قعوده فتركتم مراجعته ، ~~ولا يخفى عليكم حسن مراجعته ، فيجعل حسن مراجعته أظهر من الأمر الحسي ، ~~بخلاف ما لو قال راجعوه ، لأنه حينئذ يكون قائلا بأنكم ما علمتم أن مراجعته ~~هو الطريق ، وبين الكلامين بون بعيد ، فكذلك قوله تعالى : { واعلموا أن ~~فيكم رسول الله } يعني لا يخفى عليكم وجوب مراجعته ، فإن كان خفي عليكم ~~كونه فيكم ، فاعلموا أنه فيكم فيجعل حسن المراجعة أظهر من كونه فيهم ms8346 حيث ~~ترك بيانه وأخذ في بيان كونه فيهم ، وهذا من المعاني العزيزة التي توجد في ~~المجازات ولا توجد في الصريح . # المسألة الثانية : إذا كان المراد من قوله { لو يطيعكم } بيان كونه غير ~~مطيع لأحد بل هو / متبع للوحي فلم لم يصرح به ؟ نقول بيان نفي الشيء مع ~~بيان دليل النفي أتم من بيانه من غير دليل ، والجملة الشرطية بيان النفي مع ~~بيان دليله فإن قوله ( ليس فيهما آلهة ) لو قال قائل : لم قلت إنه ليس ~~فيهما آلهة يجب أن يذكر الدليل فقال : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا ~~} ( الأنبياء : 22 ) فكذلك ههنا لو قال لا يطيعكم ، وقال قائل لم لا يطيع ~~لوجب أن يقال لو أطاعكم لأطاعكم لأجل مصلحتكم ، لكن لا مصلحة لكم فيه لأنكم ~~تعنتون وتأثمون وهو يشق عليه عنتكم ، كما قال تعالى : { عزيز عليه ما عنتم ~~} ( التوبة : 128 ) فإن طاعتكم لا تفيده شيئا فلا PageV28P106 يطيعكم ، ~~فهذا نفي الطاعة بالدليل وبين نفي الشيء بدليل ونفيه بغير دليل فرق عظيم . # المسألة الثالثة : قال { فى كثير من الامر } ليعلم أنه قد يوافقهم ويفعل ~~بمقتضى مصلحتهم تحقيقا لفائدة قوله تعالى : { وشاورهم فى الامر } . # المسألة الرابعة : إذا كان المراد بقوله تعالى { حبب إليكم الايمان } ، ~~فلا تتوقفوا فلم لم يصرح به ؟ قلنا لما بيناه من الإشارة إلى ظهور الأمر ~~يعني أنتم تعلمون أن اليقين لا يتوقف فيه ، إذ ليس بعده مرتبة حتى يتوقف ~~إلى بلوغ تلك المرتبة لأن من بلغ إلى درجة الظن فإنه يتوقف إلى أن يبلغ ~~درجة اليقين ، فلما كان عدم التوقف في اليقين معلوما متفقا عليه لم يقل فلا ~~تتوقفوا بل قال حبب إليكم الإيمان ، أي بينه وزينه بالبرهان اليقيني . # المسألة الخامسة : ما المعنى في قوله { حبب إليكم الايمان وزينه فى ~~قلوبكم } نقول قوله تعالى : { حبب إليكم } أي قربه وأدخله في قلوبكم ثم ~~زينه فيها بحيث لا تفارقونه ولا يخرج من قلوبكم ، وهذا لأن من يحب أشياء ~~فقد يمل شيئا منها إذا حصل عنده وطال لبثه والإيمان كل يوم يزداد ms8347 حسنا ، ~~ولكن من كانت عبادته أكثر وتحمله لمشاق التكليف أتم ، تكون العبادة ~~والتكاليف عنده ألذ وأكمل ، ولهذا قال في الأول : { حبب إليكم } وقال ثانيا ~~: { وزينه فى قلوبكم } كأنه قربه إليهم ثم أقامه في قلوبهم . # المسألة السادسة : ما الفرق بين الأمور الثلاثة وهي الكفر والفسوق ~~والعصيان ؟ فنقول هذه أمور ثلاثة في مقابلة الإيمان الكامل لأن الإيمان ~~الكامل المزين ، هو أن يجمع التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل ~~بالأركان أحدها : قوله تعالى : { وكره إليكم الكفر } وهو التكذيب في مقابلة ~~التصديق بالجنان والفسوق هو الكذب وثانيها : هو ما قبل هذه الآية وهو قوله ~~تعالى : { إن جاءكم فاسق بنبإ } ( الحجرات : 6 ) سمي من كذب فاسقا فيكون ~~الكذب فسوقا ثالثها : ما ذكره بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى : { بئس ~~الاسم الفسوق بعد الايمان } ( الحجرات : 11 ) فإنه يدل على أن الفسوق أمر ~~قولي لاقترانه بالاسم ، وسنبين تفسيره إن شاء الله تعالى ورابعها : وجه ~~معقول وهو أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة على ما علم في قول القائل : فسقت ~~الرطبة إذا خرجت ، وغير ذلك لأن الفسوق هو الخروج زيد في الاستعمال كونه ~~الخروج عن الطاعة ، لكن الخروج لا يكون / له ظهور بالأمر القلبي ، إذ لا ~~اطلاع على ما في القلوب لأحد إلا لله تعالى ، ولا يظهر بالأفعال لأن الأمر ~~قد يترك إما لنسيان أو سهو ، فلا يعلم حال التارك والمرتكب أنه مخطىء أو ~~متعمد ، وأما الكلام فإنه حصول العلم بما عليه حال المتكلم ، فالدخول في ~~الإيمان والخروج منه يظهر بالكلام فتخصيص الفسوق بالأمر القولي أقرب ، وأما ~~العصيان فترك الأمر وهو بالفعل أليق ، فإذا علم هذا ففيه ترتيب في غاية ~~الحسن ، وهو أنه تعالى كره إليكم الكفر وهو الأمر الأعظم كما قال تعالى : { ~~إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) . # ثم قال تعالى : { والفسوق } يعني ما يظهر لسانكم أيضا ، ثم قال : { ~~والعصيان } وهو دون الكل ولم يترك عليكم الأمر الأدنى وهو العصيان ، وقال ~~بعض الناس الكفر ظاهر والفسوق هو الكبيرة ، والعصيان هو الصغيرة ، وما ~~ذكرناه أقوى . # ثم قال تعالى : { أولئك ms8348 هم الرشدون } . PageV28P107 # خطابا مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيه معنى لطيف : وهو أن الله تعالى ~~في أول الأمر قال : { واعلموا أن فيكم رسول الله } أي هو مرشد لكم فخطاب ~~المؤمنين للتنبيه على شفقته بالمؤمنين ، فقال في الأول كفى النبي مرشدا لكم ~~ما تسترشدونه فأشفق عليهم وأرشدهم ، وعلى هذا قوله { الرشدون } أي ~~الموافقون للرشد يأخذون ما يأتيهم وينتهون عما ينهاهم . # ! 7 < { فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم } . > 7 ! # < < # | الحجرات : ( 8 ) فضلا من الله . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : نصب فضلا لأجل أمور ، إما لكونه مفعولا له ، وفيه وجهان ~~أحدهما : أن العامل فيه هو الفعل الذي في قوله { الرشدون } فإن قيل : كيف ~~يجوز أن يكون فضل الله الذي هو فعل الله مفعولا له بالنسبة إلى الرشد الذي ~~هو فعل العبد ؟ نقول لما كان الرشد توفيقا من الله كان كأنه فعل الله فكأنه ~~تعالى أرشدهم فضلا ، أي يكون متفضلا عليهم منعما في حقهم والوجه الثاني : ~~هو أن العامل فيه هو قوله { حبب إليكم الايمان وكره إليكم الكفر } ( ~~الحجرات : 7 ) فضلا وقوله { أولئك هم الرشدون } ( الحجرات : 7 ) جملة ~~اعترضت بين الكلامين أو يكون العامل فعلا مقدرا ، فكأنه قال تعالى جرى ذلك ~~فضلا من الله ، وإما لكونه مصدرا ، وفيه وجهان أحدهما : أن يكون مصدرا من ~~غير اللفظ ولأن الرشد فضل فكأنه قال أولئك هم الراشدون رشدا وثانيهما : هو ~~أن يكون مصدرا لفعل مضمر ، كأنه قال حبب إليكم الإيمان وكره إليكم الكفر ~~فأفضل فضلا وأنعم نعمة ، والقول بكونه منصوبا على أنه مفعول مطلق وهو ~~المصدر ، أو مفعول له قول الزمخشري ، وإما أن يكون فضلا مفعولا به ، والفعل ~~مضمرا دل عليه قوله تعالى : { أولئك هم الرشدون } أي يبتغون فضلا من الله ~~ونعمة . # / المسألة الثانية : ما الفرق بين الفضل والنعمة في الآية ؟ نقول فضل ~~الله إشارة إلى ما عنده من الخير وهو مستغن عنه ، والنعمة إشارة إلى ما يصل ~~إلى العبد وهو محتاج إليه ، لأن الفضل في الأصل ينبىء عن الزيادة ، وعنده ~~خزائن من الرحمة لا لحاجة ms8349 إليها ، ويرسل منها على عباده ما لا يبقون معه في ~~ورطة الحاجة بوجه من الوجوه ، والنعمة تنبىء عن الرأفة والرحمة وهو من جانب ~~العبد ، وفيه معنى لطيف وهو تأكيد الإعطاء ، وذلك لأن المحتاج يقول للغني : ~~أعطني ما فضل عنك وعندك ، وذلك غير ملتفت إليه وأنابه قيامي وبقائي ، فإذن ~~قوله { فضلا من الله } إشارة إلى ما هو من جانب الله الغني ، والنعمة إشارة ~~إلى ما هو من جانب العبد من اندفاع الحاجة ، وهذا مما يؤكد قولنا فضلا ~~منصوب بفعل مضمر ، وهو الابتغاء والطلب . # المسألة الثالثة : ختم الآية بقوله { والله عليم حكيم } فيه مناسبات عدة ~~منها أنه تعالى لما ذكر نبأ الفاسق ، قال إن يشتبه على المؤمن كذب الفاسق ~~فلا تعتمدوا على ترويجه عليكم الزور ، فإن الله عليم ، ولا تقولوا كما كان ~~عادة المنافق لولا يعذبنا الله بما نقول ، فإن الله حكيم لا يفعل إلا على ~~وفق حكمته وثانيها : لما قال الله تعالى : { واعلموا أن فيكم رسول الله لو ~~يطيعكم } ( الحجرات : 7 ) بمعنى لا يطيعكم ، بل يتبع الوحي ، قال فإن الله ~~من كونه عليما يعلمه ، ومن كونه حكيما يأمره بما تقتضيه الحكمة فاتبعوه ~~ثالثها : المناسبة التي بين قوله تعالى : { عليم حكيم } وبين قوله { حبب ~~إليكم الايمان } أي حبب بعلمه الإيمان لأهل الإيمان ، واختار له من يشاء ~~بحكمته رابعها : وهو الأقرب ، وهو أنه سبحانه وتعالى قال : { فضلا من الله ~~ونعمة } ولما كان الفضل هو ما عند الله من الخير المستغني عنه ، قال تعالى ~~هو عليم بما في خزائن رحمته من الخير ، وكانت النعمة PageV28P108 هو ما ~~يدفع به حاجة العبد ، قال هو حكيم ينزل الخير بقدر ما يشاء على وفق الحكمة ~~. # ! 7 < { وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين } . > 7 ! # < < # | الحجرات : ( 9 ) وإن طائفتان من . . . . . # > > لما حذر الله المؤمنين من النبأ الصادر من الفاسق ، أشار إلى ما يلزم ~~منه استدراكا لما ms8350 يفوت ، فقال فإن اتفق أنكم تبنون على قول من يوقع بينكم ، ~~وآل الأمر إلى اقتتال طائفتين من المؤمنين ، فأزيلوا ما أثبته ذلك الفاسق ~~وأصلحوا بينهما { فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغى } أي ~~الظالم يجب عليكم دفعه عنه ، ثم إن الظالم إن كان هو الرعية ، فالواجب على ~~الأمير دفعهم ، وإن كان هو الأمير ، فالواجب على المسلمين منعه بالنصيحة ~~فما فوقها ، وشرطه أن لا يثير فتنة مثل التي / في اقتتال الطائفتين أو أشد ~~منهما ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { وأن } إشارة إلى ندرة وقوع القتال بين ~~طوائف المسلمين ، فإن قيل فنحن نرى أكثر الاقتتال بين طوائفهم ؟ نقول قوله ~~تعالى : { وأن } إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يقع إلا نادرا ، غاية ما في ~~الباب أن الأمر على خلاف ما ينبغي ، وكذلك { إن جاءكم فاسق بنبإ } ( ~~الحجرات : 6 ) إشارة إلى أن مجيء الفاسق بالنبأ ينبغي أن يقع قليلا ، مع أن ~~مجيء الفاسق بالنبأ كثير ، وقول الفاسق صار عند أولي الأمر أشد قبولا من ~~قول الصادق الصالح . # المسألة الثانية : قال تعالى : { وإن طائفتان } ولم يقل وإن فرقتان ~~تحقيقا للمعنى الذي ذكرناه وهو التقليل ، لأن الطائفة دون الفرقة ، ولهذا ~~قال تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } ( التوبة : 122 ) . # المسألة الثالثة : قال تعالى : { من المؤمنين } ولم يقل منكم ، مع أن ~~الخطاب مع المؤمنين لسبق قوله تعالى : { رحيم ياأيها الذين ءامنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبإ } ( الحجرات : 6 ) تنبيها على قبح ذلك وتبعيدا لهم عنهم ، كما ~~يقول السيد لعبده : إن رأيت أحدا من غلماني يفعل كذا فامنعه ، فيصير بذلك ~~مانعا للمخاطب عن ذلك الفعل بالطريق الحسن ، كأنه يقول : أنت حاشاك أن تفعل ~~ذلك ، فإن فعل غيرك فامنعه ، كذلك ههنا قال : { وإن طائفتان من المؤمنين } ~~ولم يقل منكم لما ذكرنا من التنبيه مع أن المعنى واحد . # المسألة الرابعة : قال تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ولم ~~يقل : وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين ، مع أن كلمة { ءان } اتصالها بالفعل ~~أولى ، وذلك ليكون الابتداء بما يمنع من ms8351 القتال ، فيتأكد معنى النكرة ~~المدلول عليها بكلمة { ءان } وذلك لأن كونهما طائفتين مؤمنتين يقتضي أن لا ~~يقع القتال منهما ، فإن قيل فلم لم يقل : يا أيها الذين آمنوا إن فاسق ~~جاءكم ، أو إن أحد من الفساق جاءكم ، ليكون الابتداء بما يمنعهم ~~PageV28P109 من الإصغاء إلى كلامه ، وهو كونه فاسقا ؟ نقول المجيء بالنبأ ~~الكاذب يورث كون الإنسان فاسقا ، أو يزداد بسببه فسقه ، فالمجيء به سبب ~~الفسق فقدمه . وأما الاقتتال فلا يقع سببا للإيمان أو الزيادة ، فقال : { ~~إن جاءكم فاسق } أي سواء كان فاسقا أو لا أو جاءكم بالنبأ فصار فاسقا به ، ~~ولو قال : وإن أحد من الفساق جاءكم ، كان لا يتناول إلا مشهور الفسق قبل ~~المجيء إذا جاءهم بالنبأ . # المسألة الخامسة : قال تعالى : { اقتتلوا } ولم يقل : يقتتلوا ، لأن صيغة ~~الاستقبال تنبىء عن الدوام والاستمرار ، فيفهم منه أن طائفتين من المؤمنين ~~إن تمادى الاقتتال بينهما فأصلحوا ، وهذا لأن صيغة المستقبل تنبىء عن ذلك ، ~~يقال فلان يتهجد ويصوم . # المسألة السادسة : قال : { اقتتلوا } ولم يقل اقتتلا ، وقال : { فأصلحوا ~~بينهما } ولم يقل بينهم ، ذلك لأن عند الاقتتال تكون الفتنة قائمة ، وكل ~~أحد برأسه يكون فاعلا فعلا ، فقال : { اقتتلوا } وعند العود إلى الصلح تتفق ~~كلمة كل طائفة ، وإلا لم يكن يتحقق الصلح فقال : { بينهما } لكون / ~~الطائفتين حينئذ كنفسين . # ثم قال تعالى : { فإن بغت * أحدهما } إشارة إلى نادرة أخرى وهي البغي ، ~~لأنه غير متوقع ، فإن قيل كيف يصح في هذا الموضع كلمة { ءان } مع أنها ~~تستعمل في الشرط الذي لا يتوقع وقوعه ، وبغي أحدهما عند الاقتتال لا بد منه ~~، إذ كل واحد منهما لا يكون محسنا ، فقوله { ءان } تكون من قبيل قول القائل ~~: إن طلعت الشمس ، نقول فيه معنى لطيف ، وهو أن الله تعالى يقول : الاقتتال ~~بين طائفتين لا يكون إلا نادر الوقوع ، وهو كما تظن كل طائفة أن الأخرى ~~فيها الكفر والفساد ، فالقتال واجب كما سبق في الليالي المظلمة ، أو يقع ~~لكل واحد أن القتال جائز بالاجتهاد ، وهو خطأ ، فقال تعالى : الاقتتال لا ~~يقع إلا كذا ، فإن ms8352 بان لهما أو لأحدهما الخطأ واستمر عليه فهو نادر ، وعند ~~ذلك يكون قد بغى فقال : { فإن بغت إحداهما على الاخرى } يعني بعد استبانة ~~الأمر ، وحينئذ فقوله { فإن بغت } في غاية الحسن لأنه يفيد الندرة وقلة ~~الوقوع ، وفيه أيضا مباحث الأول : قال : { فإن بغت } ولم يقل فإن تبغ لما ~~ذكرنا في قوله تعالى : { اقتتلوا } ولم يقل يقتتلوا الثاني : قال : { حتى ~~تفىء } إشارة إلى أن القتال ليس جزاء للباغي كحد الشرب الذي يقام وإن ترك ~~الشرب ، بل القتال إلى حد الفيئة ، فإن فاءت الفئة الباغية حرم قتالهم ~~الثالث : هذا القتال لدفع الصائل ، فيندرج فيه وذلك لأنه لما كانت الفيئة ~~من إحداهما ، فإن حصلت من الأخرى لا يوجد البغي الذي لأجله حل القتال ~~الرابع : هذا دليل على أن المؤمن بالكبيرة لا يخرج عن كونه مؤمنا لأن ~~الباغي جعله من إحدى الطائفتين وسماهما مؤمنين الخامس : قوله تعالى : { إلى ~~أمر الله } يحتمل وجوها أحدها : إلى طاعة الرسول وأولي الأمر لقوله تعالى : ~~{ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم } ( النساء : 59 ) . ~~وثانيها : إلى أمر الله ، أي إلى الصلح فإنه مأمور به يدل عليه قوله تعالى ~~: { وأصلحوا ذات بينكم } ، ثالثها : إلى أمر الله بالتقوى ، فإن من خاف ~~الله حق الخوف لا يبقى له عداوة إلا مع الشيطان كما قال تعالى : { إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) ، السادس : لو قال قائل قد ~~ذكرتم ما يدل على كون الشرط غير متوقع الوقوع وقلتم بأن القتال والبغي من ~~المؤمن نادر ، فإذن تكون الفئة متوقعة فكيف قال : { فإن فاءت } ؟ نقول قول ~~القائل لعبده : إن مت فأنت حر ، مع أن الموت لا بد من وقوعه ، لكن لما كان ~~وقوعه بحيث يكون العبد محلا للعتق بأن يكون باقيا في ملكه حيا يعيش بعد ~~وفاته غير معلوم فكذلك ههنا لما كان الواقع فيئتهم من تلقاء أنفسهم ~~PageV28P110 فلما لم يقع دل على تأكيد الأخذ بينهم فقال تعالى : { فإن فاءت ~~} بقتالكم إياهم بعد اشتداد الأمر والتحام الحرب فأصلحوا ، وفيه معنى لطيف ~~وهو أنه تعالى ms8353 أشار إلى أن من لم يخف الله وبغى لا يكون رجوعه بقتالكم إلا ~~جبرا السابع : قال ههنا : { فأصلحوا بينهما بالعدل } ولم يذكر العدل في ~~قوله { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا } نقول لأن الإصلاح هناك ~~بإزالة الاقتتال نفسه / وذلك يكون بالنصيحة أو التهديد والزجر والتعذيب ، ~~والإصلاح ههنا بإزالة آثار القتل / بعد اندفاعه من ضمان المتلفات وهو حكم ~~فقال : { بالعدل } فكأنه قال : واحكموا بينهما بعد تركهما القتال بالحق ~~وأصلحوا بالعدل مما يكون بينهما ، لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة بينهما مرة ~~أخرى الثامن : إذا قال : { فأصلحوا بينهما بالعدل } فأية فائدة في قوله { ~~وأقسطوا } نقول قوله فأصلحوا بينهما بالعدل كان فيه تخصيص بحال دون حال ~~فعمم الأمر بقوله { وأقسطوا } أي في كل أمر مفض إلى أشرف درجة وأرفع منزلة ~~وهي محبة الله ، والإقساط إزالة القسط وهو الجور والقاسط هو الجائر ، ~~والتركيب دال على كون الأمر غير مرضي من القسط والقاسط في القلب وهو أيضا ~~غير مرضي ولا معتد به فكذلك القسط . # ! 7 < { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ~~} . > 7 @QB@ < # | الحجرات : ( 10 ) إنما المؤمنون إخوة . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } تتميما ~~للإرشاد وذلك لأنه لما قال : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ( ~~الحجرات : 9 ) كان لظان أن يظن أو لمتوهم أن يتوهم أن ذلك عند اختلاف قوم ، ~~فأما إذا كان الاقتتال بين اثنين فلا تعم المفسدة فلا يؤمر بالإصلاح ، ~~وكذلك الأمر بالإصلاح هناك عند الاقتتال ، وأما إذا كان دون الاقتتال ~~كالتشاتم والتسافه فلا يجب الإصلاح فقال : { بين أخويكم } وإن لم تكن ~~الفتنة عامة وإن لم يكن الأمر عظيما كالقتال بل لو كان بين رجلين من ~~المسلمين أدنى اختلاف فاسعوا في الإصلاح . # وقوله { واتقوا الله لعلكم ترحمون } فيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } قال بعض أهل اللغة ~~الأخوة جمع الأخ من النسب والإخوان جمع الأخ من الصداقة ، فالله تعالى قال ~~: { إنما المؤمنون إخوة } تأكيدا للأمر وإشارة إلى أن ما بينهم ما بين ~~الأخوة من النسب ms8354 والإسلام كالأب ، قال قائلهم : # % أبي الإسلام لا أب ( لي ) سواه % % إذا افتخروا بقيس أو تميم % # المسألة الثانية : عند إصلاح الفريقين والطائفتين لم يقل اتقوا ، وقال ~~ههنا اتقوا مع أن ذلك أهم ؟ نقول الفائدة هو أن الاقتتال بين طائفتين يفضي ~~إلى أن تعم المفسدة ويلحق كل مؤمن منها شيء وكل يسعى في الإصلاح لأمر نفسه ~~فلم يؤكد بالأمر بالتقوى ، وأما عند تخاصم رجلين لا يخاف الناس ذلك وربما ~~يزيد بعضهم تأكد الخصام بين الخصوم لغرض فاسد فقال : { فأصلحوا بين أخويكم ~~واتقوا الله } أو نقول قوله { فأصلحوا } إشارة إلى الصلح ، وقوله { واتقوا ~~الله } / إشارة إلى ما يصونهم عن التشاجر ، لأن من اتقى الله شغله تقواه عن ~~الاشتغال بغيره ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( المسلم من سلم ~~الناس من لسانه و ( يده ) ) لأن المسلم يكون منقادا لأمر الله مقبلا على ~~عباد الله فيشغله عيبه عن عيوب الناس ويمنعه أن يرهب الأخ المؤمن ، وإليه ~~أشار النبي صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن من يأمن جاره بوائقه ) يعني اتق ~~الله فلا تتفرغ لغيره . # المسألة الثالثة : { إنما } للحصر أي لا أخوة إلا بين المؤمنين ، وأما ~~بين المؤمن والكافر فلا ، لأن الإسلام هو الجامع ولهذا إذا مات المسلم وله ~~أخ كافر يكون ماله للمسلمين ولا يكون لأخيه الكافر ، وأما الكافر ~~PageV28P111 فكذلك لأن في النسب المعتبر الأب الذي هو أب شرعا ، حتى أن ~~ولدي الزنا من رجل واحد لا يرث أحدهما الآخر ، فكذلك الكفر كالجامع الفاسد ~~فهو كالجامع العاجز لا يفيد الأخوة ، ولهذا من مات من الكفر وله أخ مسلم ~~ولا وارث له من النسب لا يجعل ماله للكفار ، ولو كان الدين يجمعهم لكان مال ~~الكافر للكفار ، كما أن مال المسلم للمسلمين عند عدم الوارث ، فإن قيل قد ~~ثبت أن الأخوة للإسلام أقوى من الأخوة النسبية ، بدليل أن المسلم يرثه ~~المسلمون ولا يرثه الأخ الكافر من النسب ، فلم لم يقدموا الأخوة الإسلامية ~~على الأخوة النسبية مطلقا حتى يكون مال المسلم للمسلمين لا لأخوته من النسب ~~؟ نقول هذا ms8355 سؤال فاسد ، وذلك لأن الأخ المسلم إذا كان أخا من النسب فقد ~~اجتمع فيه أخوتان فصار أقوى والعصوبة لمن له القوة / ألا ترى أن الأخ من ~~الأبوين يرث ولا يرث الأخ من الأب معه فكذلك الأخ المسلم من النسب له ~~أخوتان فيقدم على سائر المسلمين والله أعلم . # المسألة الرابعة : قال النحاة ( ما ) في هذا الموضع كافة تكف إن عن العمل ~~، ولولا ذلك لقيل : إنما المؤمنين إخوة ، وفي قوله تعالى : { فبما رحمة من ~~الله } ( آل عمران : 159 ) وقوله { عما قليل } ( المؤمنون : 4 ) ليست كافة ~~. والسؤال الأقوى هو أن رب من حروف الجر والباء وعن كذلك ، وما في رب كافة ~~وفي عما وبما ليست كافة ، والتحقيق فيه هو أن الكلام بعد ربما وإنما يكون ~~تاما ، ويمكن جعله مستقلا ولو حذف ربما وإنما لم ضر ، فنقول ربما قام ~~الأمير وربما زيد في الدار ، ولو حذفت ربما وقلت زيد في الدار وقام الأمير ~~لصح ، وكذلك في إنما ولكيما ، وأما عما وبما فليست كذلك ، لأن قوله تعالى : ~~{ فبما رحمة من الله لنت لهم } لو أذهبت بما وقلت رحمة من الله لنت لهم ، ~~لما كان كلاما فالباء يعد تعلقها بما يحتاج إليها فهي باقية حقيقة ، ولكنما ~~وإنما وربما لما استغنى عنها فكأنها لم يبق حكمها ولا عمل للمعدوم ، فإن ~~قيل إن إذا لم تكف بما فما بعده كلام تام ، فوجب أن لا يكون له عمل تقول إن ~~زيدا قائم ولو قلت زيد قائم لكفى وتم ؟ نقول : ليس كذلك لأن ما بعد إن جاز ~~أن يكون نكرة ، تقول إن رجلا جاءني وأخبرني بكذا وأخبرني بعكسه ، وتقول ~~جاءني رجل وأخبرني ، ولا يحسن إنما رجل جاءني كما لو لم تكن هناك إنما ، ~~وكذلك القول في بينما وأينما فإنك لو حذفتهما واقتصرت على ما يكون بعدهما ~~لا يكون تاما فلم يكف ، والكلام في لعل قد تقدم مرارا . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ~~ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن ms8356 ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالا ~~لقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولائك هم الظالمون } . > 7 ~~! # / < < # | الحجرات : ( 11 ) يا أيها الذين . . . . . # > > وقد بينا أن السورة للإرشاد بعد إرشاد فبعد الإرشاد إلى ما ينبغي أن ~~يكون عليه المؤمن مع الله تعالى ومع النبي صلى الله عليه وسلم ومع من ~~يخالفهما ويعصيهما وهو الفاسق ، بين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع ~~المؤمن ، PageV28P112 وقد ذكرنا أن المؤمن إما أن يكون حاضرا وإما أن يكون ~~غائبا ، فإن كان حاضرا فلا ينبغي أن يسخر منه ولا يلتفت إليه بما ينافي ~~التعظيم ، وفي الآية إشارة إلى أمور ثلاثة مرتبة بعضها دون بعض وهي السخرية ~~واللمز والنبز ، فالسخرية هي أن لا ينظر الإنسان إلى أخيه بعين الإجلال ولا ~~يلتفت إليه ويسقطه عن درجته ، وحينئذ لا يذكر ما فيه من المعايب ، وهذا كما ~~قال بعض الناس تراهم إذا ذكر عندهم عدوهم يقولون هو دون أن يذكر ، وأقل من ~~أن يلتفت إليه ، فقال لا تحقروا إخوانكم ولا تستصغروهم الثاني : هو اللمز ~~وهو ذكر ما في الرجل من العيب في غيبته وهذا دون الأول ، لأن في الأول لم ~~يلتفت إليه ولم يرض بأن يذكره أحد وإنما جعله مثل المسخرة الذي لا يغضب له ~~ولا عليه الثالث : هو النبز وهو دون الثاني ، لأن في هذه المرتبة يضيف إليه ~~وصفا ثابتا فيه يوجب بغضه وحط منزلته ، وأما النبز فهو مجرد التسمية وإن لم ~~يكن فيه وذلك لأن اللقب الحسن والاسم المستحسن إذا وضع لواحد وعلق عليه لا ~~يكون معناه موجودا فإن من يسمى سعدا وسعيدا قد لا يكون كذلك ، وكذا من لقب ~~إمام الدين وحسام الدين لا يفهم منه أنه كذلك وإنما هو علامة وزينة ، وكذلك ~~النبز بالمروان ومروان الحمار لم يكن كذلك وإنما كان ذلك سمة ونسبة ، ولا ~~يكون اللفظ مرادا إذا لم يرد به الوصف كما أن الأعلام كذلك ، فإنك إذا قلت ~~لمن سمي بعبد الله أنت عبد الله فلا تعبد غيره ، وتريد به وصفه لا ms8357 تكون قد ~~أتيت باسم علمه إشارة ، فقال لا تتكبروا فتستحقروا إخوانكم وتستصغروهم بحيث ~~لا تلتفتوا إليهم أصلا وإذا نزلتم عن هذا من النعم إليهم فلا تعيبو ( هم ) ~~طالبين حط درجتهم والغض عن منزلتهم ، وإذا تركتم النظر في معايبهم ووصفهم ~~بما يعيبهم فلا تسموهم بما يكرهونه ولا تهولوا هذا ليس بعيب يذكر فيه إنما ~~هو اسم يتلفظ به من غير قصد إلى بيان صفة وذكر في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله { لا يسخر قوم من قوم } القوم اسم يقع على جمع من ~~الرجال ولا يقع / على النساء ولا على الأطفال لأنه جمع قائم كصوم جمع صائم ~~، والقائم بالأمور هم الرجال فعلى هذا الأقوام الرجال لا النساء فائدة : ~~وهي أن عدم الالتفات والاستحقار إنما يصدر في أكثر الأمر من الرجال بالنسة ~~إلى الرجال ، لأن المرأة في نفسها ضعيفة ، فإذا لم يلتفت الرجال إليها لا ~~يكون لها أمر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( النساء لحم على وضم إلا ~~ما رددت عنه ) وأما المرأة فلا يوجد منها استحقار الرجل وعدم التفاتها إليه ~~لاضطرارها في دفع حوائجها ( إليه ) ، وأما الرجال بالنسبة إلى الرجال ~~والنساء بالنسبة إلى النساء فيوجد فيهم هذا النوع من القبح وهذا أشهر . # المسألة الثانية : قال في الدرجة العالية التي هي نهاية المنكر { عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم } كسرا له وبغضا لنكره ، وقال في المرتبة الثانية { لا * ~~تلمزوا أنفسكم } جعلهم كأنفسهم لما نزلوا درجة رفعهم الله درجة وفي الأول ~~جعل المسخور منه خيرا / وفي الثاني جعل المسخور منه مثلا ، وفي قوله { عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم } حكمة وهي أنه وجد منهم النكر الذي هو مفض إلى ~~الإهمال وجعل نفسه خيرا منهم كما فعل إبليس حيث لم يلتفت إلى آدم وقال : { ~~أنا خير منه } ( الأعراف : 12 ) فصار هو خيرا ، ويمكن أن يقال المراد من ~~قوله { أن يكونوا } يصيروا فإن من استحقر إنسانا لفقره أو وحدته أو ضعفه لا ~~يأمن أن يفتقر هو ويستغني الفقير ، ويضعف هو ويقوى الضعيف . # المسألة الثالثة : قال تعالى : { قوم ms8358 من قوم } ولم يقل نفس من نفس ، وذلك ~~لأن هذا فيه إشارة إلى منع التكبر والمتكبر في أكثر الأمر يرى جبروته على ~~رؤوس الأشهاد ، وإذا اجتمع في الخلوات مع من لا يلتفت PageV28P113 إليه في ~~الجامع يجعل نفسه متواضعا ، فذكرهم بلفظ القوم منعا لهم عما يفعلونه . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم } فيه وجهان أحدهما ~~: أن عيب الأخ عائد إلى الأخ فإذا عاب عائب نفسا فكأنما عاب نفسه وثانيهما ~~: هو أنه إذا عابه وهو لا يخلو من عيب يحاربه المعيب فيعيبه فيكون هو بعيبه ~~حاملا للغير على عيبه وكأنه هو العائب نفسه وعلى هذا يحمل قوله تعالى : { ~~ولا تقتلوا أنفسكم } ( النساء : 29 ) أي إنكم إذا قتلتم نفسا قتلتم فتكونوا ~~كأنكم قتلتم أنفسكم ويحتمل وجها آخر ثالثا وهو أن تقول لا تعيبوا أنفسكم أي ~~كل واحد منكم فإنكم إن فعلتم فقد عبتم أنفسكم ، أي كل واحد عاب كل واحد ~~فصرتم عائبين من وجه معيبين من وجه ، وهذا الوجه ههنا ظاهر ولا كذلك في ~~قوله تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } . # المسألة الخامسة : إن قيل قد ذكرتم أن هذا إرشاد للمؤمنين إلى ما يجب أن ~~يفعله المؤمن عند حضوره بعد الإشارة إلى ما يفعله في غيبته ، لكن قوله ~~تعالى : { ولا تلمزوا } قيل فيه بأنه العيب خلف الإنسان والهمز هو العيب في ~~وجه الإنسان ، نقول ليس كذلك بل العكس أولى ، وذلك لأنا إذا نظرنا إلى قلب ~~الحروف دللن على العكس ، لأن لمز قلبه لزم وهمز قلبه هزم ، والأول : يدل ~~على القرب ، والثاني : على البعد ، فإن قيل اللمز هو الطعن والعيب في الوجه ~~كان أولى مع أن كل واحد / قيل بمعنى واحد . # المسألة السادسة : قال تعالى : { ولا تنابزوا } ولم يقل لا تنبزوا ، وذلك ~~لأن اللماز إذا لمز فالملموز قد لا يجد فيه في الحال عيبا يلمزه به ، وإنما ~~يبحث ويتبعه ليطلع منه على عيب فيوجد اللمز من جانب ، وأما النبز فلا يعجز ~~كل واحد عن الإتيان به ، فإن من نبز غيره بالحمار وهو ينبزه بالثور وغيره ms8359 ، ~~فالظاهر أن النبز يفضي في الحال إلى التنابز ولا كذلك اللمز . # وقوله تعالى : { بئس الاسم الفسوق بعد الايمان } . # قيل فيه إن المراد { بئس } أن يقول للمسلم يا يهودي بعد الإيمان أي بعد ~~ما آمن فبئس تسميته بالكافر ، ويحتمل وجها أحسن من هذا : وهو أن يقال هذا ~~تمام للزجر ، كأنه تعالى قال : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ولا ~~تلمزوا ولا تنابزوا فإنه إن فعل يفسق بعد ما آمن ، والمؤمن يقبح منه أن ~~يأتي بعد إيمانه بفسوق فيكون قوله تعالى : { الذين ءامنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم } ( الأنعام : 82 ) ويصير التقدير بئس الفسوق بعد الإيمان ، ~~وبئس أن تسموا بالفاسق بسبب هذه الأفعال بعد ما سميتموهم مؤمنين . # قال تعالى : { ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } وهذا يحتمل وجهين أحدهما ~~: أن يقال هذه الأشياء من الصغائر فمن يصر عليه يصير ظالما فاسقا وبالمرة ~~الواحدة لا يتصف بالظلم والفسق فقال ومن لم يترك ذلك ويجعله عادة فهو ظالم ~~وثانيهما : أن يقال قوله تعالى : { لا يسخر قوم } { ولا تلمزوا } { ولا ~~تنابزوا } منع لهم عن ذلك في المستقبل ، وقوله تعالى : { ومن لم يتب } ~~أمرهم بالتوبة عما مضى وإظهار الندم عليها مبالغة في التحذير وتشديدا في ~~الزجر ، والأصل في قوله تعالى : { ولا تنابزوا } لا تتنابزوا أسقطت إحدى ~~التاءين ، كما أسقط في الاستفهام إحدى الهمزتين فقال : { سواء عليهم } ( ~~البقرة : 6 ) والحذف ههنا أولى لأن تاء الخطاب وتاء الفاعل حرفان من جنس ~~واحد في كلمة وهمزة الاستفهام كلمة برأسها وهمزة أنذرتهم أخرى واحتمال ~~حرفين في كلمتين أسهل من احتماله في كلمة ، ولهذا وجب الإدغام في قولنا : ~~مد ، PageV28P114 ولم يجب في قولنا امدد ، و ( في ) قولنا : مر ، ( دون ) ~~قوله : أمر ربنا . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا ~~تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ~~واتقوا الله إن الله تواب رحيم } . > 7 ! # / < < # | الحجرات : ( 12 ) يا أيها الذين . . . . . # > > لأن الظن هو السبب فيما تقدم وعليه تبنى القبائح ms8360 ، ومنه يظهر العدو ~~المكاشح والقائل إذا أوقف أموره على اليقين فقلما يتيقن في أحد عيبا فيلمزه ~~به ، فإن الفعل في الصورة قد يكون قبيحا وفي نفس الأمر لا يكون كذلك ، ~~لجواز أن يكون فاعله ساهيا أو يكون الرائي مخطئا ، وقوله { خيرا كثيرا } ~~إخراج للظنون التي عليها تبنى الخيرات قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ~~ظنوا بالمؤمن خيرا ) وبالجملة كل أمر لا يكون بناؤه على اليقين ، فالظن فيه ~~غير مجتنب مثاله حكم الحاكم على قول الشهود وبراءة الذمة عند عدم الشهود ~~إلى غير ذلك فقوله { اجتنبوا كثيرا } وقوله تعالى : { إن بعض الظن إثم } ~~إشارة إلى الأخذ بالأحوط كما أن الطريق المخوفة لا يتفق كل مرة فيه قاطع ~~طريق ، لكنك لا تسلك لاتفاق ذلك فيه مرة ومرتين ، إلا إذا تعين فتسلكه مع ~~رفقة كذلك الظن ينبغي بعد اجتهاد تام ووثوق بالغ . # ثم قال تعالى : { ولا تجسسوا } إتماما لما سبق لأنه تعالى لما قال : { ~~اجتنبوا كثيرا من الظن } فهم منه أن المعتبر اليقين فيقول القائل أنا أكشف ~~فلانا يعني أعلمه يقينا وأطلع على عيبه مشاهدة فأعيب فأكون قد اجتنبت الظن ~~فقال تعالى : ولا تتبعوا الظن ، ولا تجتهدوا في طلب اليقين في معايب الناس ~~. # ثم قال تعالى : { ولا يغتب بعضكم بعضا } إشارة إلى وجوب حفظ عرض المؤمن ~~في غيبته وفيه معان أحدها : في قوله تعالى : { بعضكم بعضا } فإنه للعموم في ~~الحقيقة كقوله { لا * تلمزوا أنفسكم } ( الحجرات : 11 ) وأما من اغتاب ~~فالمغتاب أولا يعلم عيبه فلا يحمل فعله على أن يغتابه فلم يقل ولا تغتابوا ~~أنفسكم لما أن الغيبة ليست حاملة للعائب على عيبه من اغتابه ، والعيب حامل ~~على العيب ثانيها : لو قال قائل هذا المعنى كان حاصلا بقوله تعالى : لا ~~تغتابوا ، مع الاقتصار عليه نقول لا ، وذلك لأن الممنوع اغتياب المؤمن فقال ~~: { بعضكم بعضا } وأما الكافر فيعلن ويذكر بما فيه وكيف لا والفاسق يجوز أن ~~يذكر بما فيه عند الحاجة ثالثها : قوله تعالى : { أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا } دليل على أن الاغتياب ms8361 الممنوع اغتياب المؤمن لا ذكر الكافر ، ~~وذلك لأنه شبهه بأكل لحم الأخ ، وقال من قبل { إنما المؤمنون إخوة } ( ~~الحجرات : 10 ) فلا أخوة إلا بين المؤمنين ، ولا منع إلا من شيء يشبه أكل ~~لحم الأخ ففي هذه الآية نهى عن اغتياب المؤمن دون الكافر رابعها : ما ~~الحكمة في هذا التشبيه ؟ نقول هو إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه ، ~~وهذا من باب القياس الظاهر ، وذلك لأن عرض المرء أشرف من لحمه ، فإذا لم ~~يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى لأن ~~ذلك آلم ، وقوله { لحم أخيه } آكد في المنع لأن العدو يحمله الغضب على مضغ ~~لحم العدو ، فقال أصدق الأصدقاء من ولدته أمك ، فأكل لحمه أقبح / ما يكون ، ~~وقوله تعالى : { ميتا } إشارة إلى دفع PageV28P115 وهم ، وهو أن يقال القول ~~في الوجه يؤلم فيحرم ، وأما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلم ، ~~فقال أكل لحم الأخ وهو ميت أيضا لا يؤلم ، ومع هذا هو في غاية القبح لما ~~أنه لو اطلع عليه لتألم / كما أن الميت لو أحس بأكل لحمه لآلمه ، وفيه معنى ~~: وهو أن الاغتياب كأكل لحم الآدمي ميتا ، ولا يحل أكله إلا للمضطر بقدر ~~الحاجة ، والمضطر إذا وجد لحم الشاة الميتة ولحم الآدمي الميت فلا يأكل لحم ~~الآدمي ، فكذلك المغتاب أن وجد لحاجته مدفعا غير الغيبة فلا يباح له ~~الاغتياب ، وقوله تعالى : { ميتا } حال عن اللحم أو عن الأخ ، فإن قيل ~~اللحم لا يكون ميتا ، قلنا بلى قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أبين ~~من حي فهو ميت ) فسمى الغلفة ميتا ، فإن قيل إذا جعلناه حال عن الأخ ، لا ~~يكون هو الفاعل ولا المفعول فلا يجوز جعله حال ، كما يقول القائل : مررت ~~بأخي زيد قائما ، ويريد كون زيدا قائما ، قلنا يجوز أن يقال من أكل لحمة ~~فقد أكل ، فصار الأخ مأكولا مفعولا ، بخلاف المرور بأخي زيد ، فيجوز أن ~~تقول ضربت وجهه آثما أي وهو آثم ، أي صاحب الوجه ، كما أنك إذا ضربت وجهه ms8362 ~~فقد ضربته ، ولا يجوز أن تقول مزقت ثوبه آثما ، فتجعل الآثم حالا من غيرك ، ~~وقوله تعالى : { فكرهتموه } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : العائد إليه الضمير يحتمل وجوها الأول : وهو الظاهر أن ~~يكون هو الأكل ، لأن قوله تعالى : { أيحب أحدكم أن يأكل } معناه أيحب أحدكم ~~الأكل ، لأن أن مع الفعل تكون للمصدر ، يعني فكرهتم الأكل الثاني : أن يكون ~~هو اللحم ، أي فكرهتم اللحم الثالث : أن يكون هو الميت في قوله { ميتا } ~~وتقديره : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا متغيرا فكرهتموه ، فكأنه صفة ~~لقوله { ميتا } ويكون فيه زيادة مبالغة في التحذير ، يعني الميتة إن أكلت ~~في الندرة لسبب كان نادرا ، ولكن إذا أنتن وأروح وتغير لا يؤكل أصلا ، ~~فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة . # المسألة الثانية : الفاء في قوله تعالى : { فكرهتموه } تقتضي وجود تعلق ، ~~فما ذلك ؟ نقول فيه وجوه أحدها : أن يكون ذلك تقدير جواب كلام ، كأنه تعالى ~~لما قال : { أيحب } قيل في جوابه ذلك وثانيها : أن يكون الاستفهام في قوله ~~{ أيحب } للانكار كأنه قال : لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ~~إذا ولا يحتاج إلى إضمار وثالثها : أن يكون ذلك التعلق هو تعلق المسبب ~~بالسبب ، وترتبه عليه كما تقول : جاء فلان ماشيا فتعب ، لأن المشي يورث ~~التعب ، فكذا قوله { ميتا } لأن الموت يورث النفرة إلى حد لا يشتهي الإنسان ~~أن يبيت في بيت فيه ميت ، فكيف يقربه بحيث يأكل منه ، ففيه إذا كراهة شديدة ~~، فكذلك ينبغي أن يكون حال الغيبة . # ثم قال تعالى : { واتقوا الله إن الله تواب رحيم } عطف على ما تقدم من ~~الأوامر والنواهي ، / أي اجتنبوا واتقوا ، وفي الآية لطائف : منها أن الله ~~تعالى ذكر في هذه الآية أمور ثلاثة مرتبة بيانها ، هو أنه تعالى قال : { ~~اجتنبوا كثيرا } أي لا تقولوا في حق المؤمنين ما لم تعلموه فيهم بناء على ~~الظن ، ثم إذا سئلتم على المظنونات ، فلا تقولوا نحن نكشف أمورهم لنستيقنها ~~قبل ذكرها ، ثم إن علمتم منها شيئا من غير تجسس ، فلا تقولوه ولا تفشوه ~~عنهم ولا ms8363 تعيبوا ، ففي الأول نهى عما لم أن يعلم ، ثم نهى عن طلب ذلك العلم ~~، ثم نهى عن ذكر ما علم ، ومنها أن الله تعالى لم يقل اجتنبوا تقولوا أمرا ~~على خلاف ما تعلمونه ، ولا قال اجتنبوا الشك ، بل أول ما نهى عنه هو القول ~~بالظن ، وذلك لأن القول على خلاف العلم كذب وافتراء ، والقول PageV28P116 ~~بالشك ، والرجم بالغيب سفه وهزء ، وهما في غاية القبح ، فلم ينه عنه اكتفاء ~~بقوله تعالى : { ذلك بأن الذين كفروا } لأن وصفهم بالإيمان يمنعهم من ~~الافتراء والارتياب الذي هو دأب الكافر . وإنما منعهم عما يكثر وجوده في ~~المسلمين ، وذلك قال في الآية { لا يسخر } ومنها أنه ختم الآيتين بذكر ~~التوبة / فقال في الأولى : { ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } ( الحجرات : ~~11 ) وقال في الأخرى { إن الله تواب } ( الحجرات : 12 ) لكن في الآية ~~الأولى لما كان الابتداء بالنهي في قوله { لا يسخر قوم من قوم } ذكر النفي ~~الذي هو قريب من النهي ، وفي الآية الثانية لما كان الابتداء بالأمر في ~~قوله { اجتنبوا } ذكر الارتياب الذي هو قريب من الأمر . ثم قال تعالى : # ! 7 < { ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبآئل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } . > 7 ! # < < # | الحجرات : ( 13 ) يا أيها الناس . . . . . # > > تبيينا لما تقدم وتقريرا له ، وذلك لأن السخرية من الغير والعيب إن ~~كان بسبب التفاوت في الدين والإيمان ، فهو جائز لما بينا أن قوله { لا * ~~يغتب بعضكم بعضا } ( الحجرات : 12 ) وقوله { ولا تلمزوا أنفسكم } ( الحجرات ~~: 11 ) منع من عيب المؤمن وغيبته ، وإن لم يكن لذلك السبب فلا يجوز ، لأن ~~الناس بعمومهم كفارا كانوا أو مؤمنين يشتركون فيما يفتخر به المفتخر غير ~~الإيمان والكفر ، والافتخار إن كان بسبب الغنى ، فالكافر قد يكون غنيا ، ~~والمؤمن فقيرا وبالعكس ، وإن كان بسبب النسب ، فالكافر قد يكون نسيبا ، ~~والمؤمن قد يكون عبدا أسود وبالعكس ، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى ~~متساوون متقاربون ، وشيء من ذلك لا يؤثر مع عدم التقوى ، فإن كل من يتدين ms8364 ~~بدين يعرف أن من يوافقه في دينه أشرف ممن يخالفه فيه ، وإن كان أرفع نسبا ~~أو أكثر نشبا ، فكيف من له الدين الحق وهو فيه راسخ ، وكيف يرجح عليه من ~~دونه فيه بسبب غيره ، وقوله تعالى : { رحيم يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى } فيه وجهان أحدهما : من آدم وحواء ثانيهما : كل واحد منكم أيها ~~الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم ، فإن قلنا إن المراد هو الأول ، ~~فذلك إشارة إلى أن لا يتفاخر البعض على البعض لكونهم أبناء رجل واحد ، ~~وامرأة واحدة ، وإن قلنا إن المراد هو الثاني ، فذلك إشارة إلى أن الجنس ~~واحد ، فإن كل واحد خلق كما خلق الآخر من أب وأم ، والتفاوت في الجنس دون ~~التفاوت في الجنسين ، فإن من سنن التفاوت أن لا يكون تقدير التفاوت بين ~~الذباب والذئاب ، لكن التفاوت الذي بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت ~~الذي بين الجنسين ، لأن الكافر جماد إذ هو كالأنعام ، بل أضل ، والمؤمن ~~إنسان في المعنى الذي ينبغي أن يكون فيه ، والتفاوت في الإنسان تفاوت في ~~الحس لا في الجنس إذ كلهم من ذكر وأنثى ، فلا يبقى لذلك عند هذ اعتبار ، ~~وفيه مباحث : # البحث الأول : فإن قيل هذا مبني على عدم اعتبار النسب ، وليس كذلك فإن ~~للنسب اعتبارا عرفا وشرعا ، حتى لا يجوز تزويج الشريفة بالنبطي ، فنقول إذا ~~جاء الأمر العظيم لا يبقى الأمر الحقير معتبرا ، وذلك في الحس والشرع ~~والعرف ، أما الحس فلأن الكواكب لا ترى عند طلوع الشمس ، ولجناح الذباب دوي ~~ولا يسمع عندما يكون رعد قوي ، وأما في العرف ، فلأن من جاء مع الملك لا ~~يبقى له اعتبار ولا إليه PageV28P117 التفات ، إذا علمت هذا فيهما ففي ~~الشرع كذلك ، إذا جاء الشرف الديني الإلاهي ، لا يبقى الأمر هناك اعتبار ، ~~لا لنسب ولا لنشب ، ألا ترى أن الكافر وإن كان من أعلى الناس نسبا ، ~~والمؤمن وإن كان من أدونهم نسبا ، لا يقاس أحدهما بالآخر ، وكذلك ما هو من ~~الدين مع غيره ، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل ms8365 شريف ~~ووضيع إذا كان دينا عالما صالحا ، ولا يصلح لشيء منها فاسق ، وإن كان قرشي ~~النسب ، وقاروني النشب ، ولكن إذا اجتمع في اثنين الدين المتين ، وأحدهما ~~نسيب ترجح بالنسب عند الناس لا عند الله لأن الله تعالى يقول { وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 39 ) وشرف النسب ليس مكتسبا ولا يحصل بسعي ~~. # البحث الثاني : ما الحكمة في اختيار النسب من جملة أسباب التفاخر ، ولم ~~يذكر المال ؟ نقول الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة لكن ~~النسب أعلاها / لأن المال قد يحصل للفقير فيبطل افتخار المفتخر به ، والحسن ~~والسن ، وغير ذلك غير ثابت دائم ، والنسب ثابت مستمر غير مقدور التحصيل لمن ~~ليس له فاختاره الله للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه ~~بطلان غيره بالطريق الأولى . # البحث الثالث : إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بغير التقوى ~~فهل لقوله تعالى : { إنا خلقناكم } فائدة ؟ نقول نعم ، وذلك لأن كل شيء ~~يترجح على غيره ، فإما أن يترجح بأمر فيه يلحقه ، ويترتب عليه بعد وجوده ، ~~وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله ، والذي بعده / كالحسن والقوة وغيرهما من ~~الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء ، والذي قبله فإما راجع إلى الأصل الذي منه ~~وجد ، أو إلى الفاعل الذي هو له أوجد ، كم يقال في إناءين هذا من النحاس ~~وهذا من الفضة ، ويقال هذا عمل فلان ، وهذا عمل فلان ، فقال تعالى لا ترجيح ~~فيما خلقتم منه لأنكم كلكم من ذكر وأنثى ، ولا بالنظر إلى جاعلين لأنكم ~~كلكم خلقكم الله ، فإن كان بينكم تفاوت يكون بأمور تلحقكم وتحصل بعد وجودكم ~~وأشرفها التقوى والقرب من الله تعالى . # ثم قال تعالى : { وجعلناكم شعوبا وقبائل } وفيه وجهان : أحدهما : { ~~جعلناكم * شعوبا } متفرقة لا يدري من يجمعكم كالعجم ، وقبائل يجمعكم واحد ~~معلوم كالعرب وبني إسرائيل وثانيهما : { جعلناكم * شعوبا } داخلين في قبائل ~~، فإن القبيلة تحتها الشعوب ، وتحت الشعوب البطون وتحت البطون الأفخاذ ، ~~وتحت الأفخاذ الفصائل ، وتحت الفضائل الأقارب ، وذكر الأعم لأنه أذهب ~~للافتخار ، لأن لأمر الأعم منها يدخله فقراء ms8366 وأغنياء كثيرة غير محصورة ، ~~وضعفاء وأقوياء كثيرة غير معدودة ، ثم بين فائدة ذلك وهي التعارف وفيه ~~وجهان : أحدهما : أن فائدة ذلك التناصر لا التفاخر وثانيهما : أن فائدته ~~التعارف لا التناكر ، واللمز والسخرية والغيبة تفضي إلى التناكر لا إلى ~~التعارف وفيه معان لطيفة الأولى : قال تعالى : { إنا خلقناكم } وقال : { ~~وجعلناكم } لأن الخلق أصل تفرع عليه الجعل { شعوبا } فإن الأول هو الخلق ~~والإيجاد ، ثم الاتصاف بما اتصفوا به ، لكن الجعل شعوبا للتعارف والخلق ~~للعبادة كما قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات ~~: 56 ) واعتبار الأصل متقدم على اعتبار الفرع ، فاعلم أن النسب يعتبر بعد ~~اعتبار العبادة كما أن الجعل شعوبا يتحقق بعد ما يتحقق الخلق ، فإن كان ~~فيكم عبادة تعتبر فيكم أنسابكم وإلا فلا الثانية : قوله تعالى : { خلقناكم ~~* وجعلناكم } إشارة إلى عدم جواز الافتخاز لأن ذلك ليس لسعيكم ولا قدرة لكم ~~على شيء من ذلك ، فكيف تفتخرون بما لا مدخل لكم فيه ؟ فإن قيل الهداية ~~والضلال كذلك لقوله تعالى : { إنا هديناه السبيل } ( الإنسان : 3 ) { نهدى ~~به من نشاء } ( الشورى : 52 ) فنقول أثبت الله لنا فيه كسبا PageV28P118 ~~مبنيا على فعل ، كم قال الله تعالى : { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } . # ثم قال تعالى : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } وأما في النسب فلا ~~الثالثة : قوله تعالى : { لتعارفوا } إشارة إلى قياس خفي ، وبيانه هو أنه ~~تعالى قال : إنكم جعلتم قبائل لتعارفوا وأنتم إذا كنتم أقرب إلى شريف ~~تفتخرون به فخلقكم لتعرفوا ربكم ، فإذا كنتم أقرب منه وهو أشرف الموجودات ~~كان الأحق بالافتخار هناك من الكل الافتخار بذلك الرابعة : فيه إرشاد إلى ~~برهان يدل على أن الافتخار ليس بالأنساب ، وذلك لأن القبائل للتعارف بسبب ~~الانتساب إلى شخص فإن كان ذلك الشخص شريفا صح الافتخار في ظنكم ، وإن لم ~~يكن شريفا لم يصح ، فشرف ذلك الرجل الذي تفتخرون به هو بانتسابه إلى فصيلة ~~أو باكتساب فضيلة / فإن كان بالانتساب لزم الانتهاء ، وإن كان بالاكتساب ~~فالدين الفقيه الكريم المحسن صار مثل من يفتخر به المفتخر ms8367 ، فكيف / يفتخر ~~بالأب وأب الأب على من حصل له من الحظ والخير ما فضل به نفسه عن ذلك الأب ~~والجد ؟ اللهم إلا أن يجوز شرف الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، فإن أحدا لا يقرب من الرسول في الفضيلة حتى يقول أنا مثل أبيك ، ولكن في ~~هذا النسب أثبت النبي صلى الله عليه وسلم الشرف لمن انتسب إليه بالاكتساب ، ~~ونفاه لمن أراد الشرف بالانتساب ، فقال : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) . ~~وقال : ( العلماء ورثة الأنبياء ) أي لا نورث بالانتساب ، وإنما نورث ~~بالاكتساب ، سمعت أن بعض الشرفاء في بلاد خراسان كان في النسب أقرب الناس ~~إلى علي عليه السلام غير أنه كان فاسقا ، وكان هناك مولى أسود تقدم بالعلم ~~والعمل ، ومال الناس إلى التبرك به فاتفق أنه خرج يوما من بيته يقصد المسجد ~~، فأتبعه خلق فلقيه الشريف سكران ، وكان الناس يطردون الشريف ويبعدونه عن ~~طريقه ، فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال له : يا أسود الحوافر والشوافر ، ~~يا كافر ابن كافر ، أنا ابن رسول الله ، أذل وتجلا وأذم وتكرما وأهان ~~وتعانا فهم الناس بضربه فقال الشيخ : لا هذا محتمل منه لجده ، وضربه معدود ~~لحده ، ولكن يا أيها الشريف بيضت باطني وسودت باطنك ، فيرى الناس بياض قلبي ~~فوق سواد وجهي فحسنت ، وأخذت سيرة أبيك وأخذت سيرة أبي ، فرآني الخلق في ~~سيرة أبيك ورأوك في سيرة أبي فظنوني ابن أبيك وظنوك ابن أبي ، فعملوا معك ~~ما يعمل مع أبي ، وعملوا معي ما يعمل مع أبيكا / # ثم قال تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } وفيه وجهان : أحدهما : أن ~~المراد من يكون أتقى يكون عند الله أكرم أي التقوى تفيد الإكرام ثانيهما : ~~أن المراد أن من يكون أكرم عند الله يكون أتقى أي الإكرام يورث التقوى كما ~~يقال : المخلصون على خطر عظيم ، والأول أشهر والثاني أظهر لأن المذكور ~~ثانيا ينبغي أن يكون محمولا على المذكور أولا في الظاهر فيقال الإكرام ~~للتقي ، لكن ذوا العموم في المشهور هو الأول ، يقال ألذ الأطعمة أحلاها أي ~~اللذة بقدر الحلاوة ms8368 لا أن الحلاوة بقدر اللذة ، وهي إثبات لكون التقوى ~~متقدمة على كل فضيلة ، فإن قيل التقوى من الأعمال والعلم أشرف ، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ( لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ) نقول ~~التقوى ثمرة العلم قال الله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( ~~فاطر : 28 ) فلا تقوى إلا للعالم فالمتقي العالم أتم علمه ، والعالم الذي ~~لا يتقي كشجرة لا ثمرة لها ، لكن الشجرة المثمرة أشرف من الشجرة التي لا ~~تثمر بل هو حطب ، وكذلك العالم الذي لا يتقي حصب جهنم ، وأما العابد الذي ~~يفضل الله عليه الفقيه فهو الذي لا علم له ، وحينئذ لا يكون عنده من خشية ~~الله نصاب كامل ، ولعله يعبده مخافة PageV28P119 الإلقاء في النار ، فهو ~~كالمكره ، أو لدخول الجنة ، فهو يعمل كالفاعل له أجرة ويرجع إلى بيته ، ~~والمتقي هو العالم بالله ، المواظب لبابه ، أي المقرب إلى جنابه عنده يبيت ~~. وفيه مباحث : # البحث الأول : الخطاب مع الناس والأكرم يقتضي اشتراك الكل في الكرامة ولا ~~كرامة / للكافر ، فإنه أضل من الأنعام وأذل من الهوام . نقول ذلك غير لازم ~~مع أنه حاصل بدليل قوله تعالى : { ولقد كرمنا بنىءادم } ( الإسراء : 70 ) ~~لأن كل من خلق فقد اعترف بربه ، كأنه تعالى قال من استمر عليه لو زاد زيد ~~في كرامته ، ومن رجع عنه أزيل عنه أثر الكرامة الثاني : ما حد التقوى ومن ~~الأتقى ؟ تقول أدنى مراتب التقوى أن يجتنب العبد المناهي ويأتي بالأوامر ~~ولا يقر ولا يأمن إلا عندهما فإن اتفق أن ارتكب منهيا لا يأمن ولا يتكل له ~~بل يتبعه بحسنة ويظهر عليه ندامة وتوبة / ومتى ارتكب منهيا وما تاب في ~~الحال واتكل على المهلة في الأجل ومنعه عن التذاكر طول الأمل فليس بمتق ، ~~أما الأتقى فهو الذي يأتي بما أمر به ويترك ما نهى عنه ، وهو مع ذلك خاش ~~ربه لا يشتغل بغير الله ، فينور الله قلبه ، فإن التفت لحظة إلى نفسه أو ~~ولده جعل ذلك ذنبه ، وللأولين النجاة لقوله تعالى : { ثم ننجى الذين اتقوا ~~} ( مريم ms8369 : 72 ) وللآخرين السوق إلى الجنة لقوله تعالى : { إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم } فبين من أعطاه السلطان بستانا وأسكنه فيه ، وبين من استخلصه ~~لنفسه يستفيد كل يوم بسبب القرب من بساتين وضياعا بون عظيم . # ثم قال تعالى : { إن الله عليم خبير } أي عليم بظواهركم ، يعلم أنسابكم ~~خبير ببواطنكم لا تخفى عليه أسراركم ، فاجعلوا التقوى عملكم وزيدوا في ~~التقوى كما زادكم . # ! 7 < { قالت الا عراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولاكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الايمان فى قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن ~~الله غفور رحيم } . > 7 @QB@ < # | الحجرات : ( 14 ) قالت الأعراب آمنا . . . . . # > > # لما قال تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) والأتقى ~~لا يكون إلا بعد حصول التقوى ، وأصل الإيمان هو الاتقاء من الشرك ، قالت ~~الأعراب لنا النسب الشريف ، وإنما يكون لنا الشرف ، قال الله تعالى : ليس ~~الإيمان بالقول ، إنما هو بالقلب فما آمنتم لأنه خبير يعلم ما في الصدور ، ~~{ ولاكن قولوا أسلمنا } أي انقدنا واستسلمنا ، قيل إن الآية نزلت في بني ~~أسد ، أظهروا الإسلام في سنة مجدبة طالبين الصدقة ولم يكن قلبهم مطمئنا ~~بالإيمان ، وقد بينا أن ذلك كالتاريخ للنزول لا للاختصاص بهم ، لأن كل من ~~أظهر فعل المتقين وأراد أن يصير له ما للأتقياء من الإكرام لا يحصل له ذلك ~~، لأن التقوى من عمل القلب ، وقوله تعالى : { قل لم تؤمنوا } في تفسيره ~~مسائل : # / المسألة الأولى : قال تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا } ( النساء : 94 ) وقال ههنا { قل لم تؤمنوا } مع أنهم ألقوا إليهم ~~السلام ، نقول إشارة إلى أن عمل القلب غير معلوم واجتناب الظن واجب ، وإنما ~~يحكم بالظاهر فلا يقال لمن يفعل فعلا هو مرائي ، ولا لمن أسلم هو منافق ، ~~ولكن الله خبير بما في الصدور ، PageV28P120 إذا قال فلان ليس بمؤمن حصل ~~الجزم ، وقوله تعالى : { قل لم تؤمنوا } فهو الذي جوز لنا ذلك القول ، وكان ~~معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أطلعه الله على الغيب وضمير قلوبهم ، ~~فقال لنا : أنتم لا ms8370 تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا لعدم علمكم بما ~~في قلبه . # المسألة الثانية : لم ولما حرفا نفي ، وما وإن ولا كذلك من حروف النفي ، ~~ولم ولما يجزمان وغيرهما من حروف النفي لا يجزم ، فما الفرق بينهما ؟ نقول ~~لم ولما يفعلان بالفعل ما لا يفعل به غيرهما ، فإنهما يغيران معناه من ~~الاستقبال إلى المضي ، تقول لم يؤمن أمس وآمن اليوم ، ولا تقول لا يؤمن أمس ~~، فلما فعلا بالفعل ما لم يفعل به غيرهما جزم بهما ، فإن قيل مع هذا لم جزم ~~بهما غاية ما في الباب أن الفرق حصل ، ولكن ما الدليل على وجوب الجزم بهما ~~؟ نقول لأن الجزم والقطع يحصل في الأفعال الماضية ، فإن من قال قام حصل ~~القطع بقيامه ، ولا يجوز أن يكون ما قام والأفعال المستقبلة إما متوقعة ~~الحصول وإما ممكنة غير متوقعة ، ولا يحصل القطع والجزم فيه ، فإذا كان لم ~~ولما يقلبان اللفظ من الاستقبال إلى المضي كانا يفيدان الجزم والقطع في ~~المعنى فجعل لهما تناسبا بالمعنى وهو الجزم لفظا ، وعلى هذا نقول السبب في ~~الجزم ما ذكرنا ، وهذا في الأمر يجزم كأنه جزم على المأمور أنه يفعله ولا ~~يتركه ، فأي فائدة في أن اللفظ يجزم مع أن الفعل فيه لا بد من وقوعه وأن في ~~الشرط تغير ، وذلك لأن إن تغير معنى الفعل من المضي إلى الاستقبال إن لم ~~تغيره من الاستقبال إلى المضي ، تقول : إن جئتني جئتك ، وإن أكرمتني أكرمتك ~~، فلما كان إن مثل لم في كونه حرفا ، وفي لزوم الدخول على الأفعال وتغييره ~~معنى الفعل صار جازما لشبه لفظي ، أما الجزاء فجزم لما ذكرنا من المعنى ، ~~فإن الجزاء يجزم بوقوعه عند وجود الشرط ، فالجزم إذا إما لمعنى أو لشبه ~~لفظي ، كما أن الجزاء كذلك في الإضافة وفي الجر بحرف . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ولاكن قولوا } يقتضي قولا سابقا مخالفا ~~لما بعده / كقولنا لا تقدموا آمنا ولكن قولوا أسلمنا وفي ترك التصريح به ~~إرشاد وتأديب كأنه تعالى لم يجز النهي عن قولهم { من } فلم ms8371 يقل لا تقولوا ~~آمنا وأرشدهم إلى الامتناع عن الكذب فقال : { لم تؤمنوا } فإن كنتم تقولون ~~شيئا فقولوا أمرا عاما ، لا يلزم منه كذبكم وهو كقولهم { أسلمنا } فإن ~~الإسلام بمعنى الانقياد حصل . # المسألة الرابعة : المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة ، فكيف يفهم ذلك مع ~~هذا ؟ نقول بين العام والخاص فرق ، فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب وقد يحصل ~~باللسان ، والإسلام أعم / لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص ولا يكون ~~أمرا آخر غيره ، مثاله الحيوان أعم من الإنسان لكن الحيوان في صورة الإنسان ~~ليس أمرا ينفك عن الإنسان ولا يجوز أن يكون ذلك الحيوان حيوانا ولا يكون ~~إنسانا ، فالعام والخاص مختلفان في العموم متحدان في الوجود ، فكذلك المؤمن ~~والمسلم ، وسنبين ذلك في تفسير قوله تعالى : { فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } ( الذاريات : 363 ) إن ~~شاء الله تعالى . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { ولما يدخل الايمان فى قلوبكم } هل فيه ~~معنى قوله تعالى : { قل لم تؤمنوا } ؟ نقول نعم وبيانه من وجوه الأول : هو ~~أنهم لما قالوا آمنا وقيل لهم { لم تؤمنوا ولاكن قولوا أسلمنا } قالوا إذا ~~أسلمنا فقد آمنا ، قيل لا فإن الإيمان من عمل القلب لا غير والإسلام قد ~~يكون عمل اللسان ، وإذا كان ذلك PageV28P121 عمل القلب ولم يدخل في قلوبكم ~~الإيمان لم تؤمنوا الثاني : لما قالوا آمنا وقيل لهم لم تؤمنوا قالوا جدلا ~~قد آمنا عن صدق نية مؤكدين لما أخبروا فقال : { ولما يدخل الايمان فى ~~قلوبكم } لأن لما يفعل يقال في مقابلة قد فعل ، ويحتمل أن يقال بأن الآية ~~فيها إشارة إلى حال المؤلفة إذا أسلموا ويكون إيمانهم بعده ضعيفا قال لهم { ~~لم تؤمنوا } لأن الإيمان إيقان وذلك بعد لم يدخل في قلوبكم وسيدخل باطلاعكم ~~على محاسن الإسلام { وإن تطيعوا الله ورسوله } يكمل لكم الأجر ، والذي يدل ~~على هذا هو أن لما فيها معنى التوقع والانتظار ، والإيمان إما أن يكون بفعل ~~المؤمن واكتسابه ونظره في الدلائل ، وإما أن يكون إلهاما يقع في قلب ms8372 المؤمن ~~فقوله { قل لم تؤمنوا } أي ما فعلتم ذلك ، وقوله تعالى : { ولما يدخل ~~الايمان فى قلوبكم } أي ولا دخل الإيمان في قلبكم إلهاما من غير فعلكم فلا ~~إيمان لكم حينئذ . ثم إنه تعالى عند فعلهم قال : { لم تؤمنوا } بحرف ليس ~~فيه معنى الانتظار لقصور نظرهم وفتور فكرهم ، وعند فعل الإيمان قال لما ~~يدخل بحرف فيه معنى التوقع لظهور قوة الإيمان ، كأنه يكاد يغشي القلوب ~~بأسرها . # ثم إنه تعالى قال : { وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم } أي لا ينقصكم ~~والمراد أنكم إذا أتيتم بما يليق بضعفكم من الحسنة فهو يؤتيكم ما يليق به ~~من الجزاء ، وهذا لأن من حمل إلى ملك فاكهة طيبة يكون ثمنها في السوق درهما ~~، وأعطاه الملك درهما أو دينارا ينسب الملك إلى قلة العطاء بل البخل ، فليس ~~معناه أنه يعطي مثل ذلك من غير نقص ، بل المعنى يعطي ما تتوقعون بأعمالكم ~~من غير نقص . وفيه تحريض على الإيمان الصادق ، لأن من أتى بفعل من غير صدق ~~نية يضيع عمله ولا يعطي عليه أجرا فقال : وإن تطيعوا وتصدقوا لا ينقص عليكم ~~، فلا تضيعوا أعمالكم بعدم الإخلاص ، وفيه أيضا تسلية لقلوب من تأخر إيمانه ~~، كأنه يقول غيري سبقني وآمن حين كان النبي وحيدا وآواه حين كان ضعيفا / ~~ونحن آمنا عندما عجزنا عن مقاومته وغلبنا بقوته ، فلا يكون لإيماننا وقع ~~ولا لنا عليه أجر ، فقال تعالى إن أجركم لا ينقص وما تتوقعون تعطون ، غاية ~~ما في الباب أن التقدم يزيد في أجورهم ، وماذا عليكم إذا أرضاكم الله أن ~~يعطي غيركم من خزائن رحمته / رحمة واسعة ، وما حالكم في ذلك إلا حال ملك ~~أعطى واحدا شيئا وقال لغيره ماذا تتمنى ؟ فتمنى عليه بلدة واسعة وأموالا ~~فأعطاه ووفاه ، ثم زاد ذلك الأول أشياء أخرى من خزائنه فإن تأذى من ذلك ~~يكون بخلا وحسدا ، وذلك في الآخرة لا يكون ، وفي الدنيا هو من صفة الأرازل ~~، وقوله تعالى : { إن الله غفور رحيم } أي يغفر لكم ما قد سلف ويرحمكم بما ~~أتيتم به . ثم قال ms8373 تعالى : # ! 7 < { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله أولائك هم الصادقون } . > 7 @QB@ < # | الحجرات : ( 15 ) إنما المؤمنون الذين . . . . . # > > PageV28P122 # إرشادا للأعراب الذين قالوا آمنا إلى حقيقة الإيمان فقال إن كنتم تريدون ~~الإيمان فالمؤمنون من آمن بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ، يعني أيقنوا بأن ~~الإيمان إيقان ، وثم للتراخي في الحكاية ، كأنه يقول آمنوا ، ثم أقول شيئا ~~آخر لم يرتابوا ، ويحتمل أن يقال هو للتراخي في الفعل تقديره آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم من الحشر والنشر ، ~~وقوله تعالى : { وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم } يحقق ذلك ، أي أيقنوا أن بعد ~~هذه الدار دارا فجاهدوا طالبين العقبى ، وقوله { أولئك هم الصادقون } في ~~إيمانهم ، لا الأعراب الذين قالوا قولا ولم يخلصوا عملا . # ! 7 < { قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما فى السماوات وما فى الا رض ~~والله بكل شىء عليم } . > 7 ! # < < # | الحجرات : ( 16 ) قل أتعلمون الله . . . . . # > > فإنه عالم به لا يخفى عليه شيء ، وفيه إشارة إلى أن الدين ينبغي أن ~~يكون لله وأنتم أظهرتموه لنا لا لله ، فلا يقبل منكم ذلك . # ! 7 < { يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم ~~أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين } . > 7 ! # < < # | الحجرات : ( 17 ) يمنون عليك أن . . . . . # > > يقرر ذلك ويبين أن إسلامهم لمن يكن لله ، وفيه لطائف الأولى : في ~~قوله تعالى : { يمنون عليك } / زيادة بيان لقبيح فعلهم ، وذلك لأن الإيمان ~~له شرفان أحدهما : بالنسبة إلى الله تعالى وهو تنزيه الله عن الشرك وتوحيده ~~في العظمة ، وثانيهما : بالنسبة إلى المؤمن فإنه ينزه النفس عن الجهل ~~ويزينها بالحق والصدق ، فهم لا يطلبون بإسلامهم جانب الله ولا يطلبون شرف ~~أنفسهم بل منوا ولو علموا أن فيه شرفهم لما منوا به بل شكروا . # اللطيفة الثانية : قال : { قل لا تمنوا على إسلامكم } أي الذي عندكم ~~إسلام ، ولهذا قال تعالى : { ولاكن قولوا أسلمنا } ولم يقل : لم تؤمنوا ~~ولكن أسلمتم لئلا يكون تصديقا لهم في الإسلام أيضا كما لم ms8374 يصدقوا في ~~الإيمان ، فإن قيل لم لم يجز أن يصدقوا في إسلامهم ، والإسلام هو الانقياد ~~، وقد وجد منهم قولا وفعلا وإن لم يوجد اعتقادا وعلما وذلك القدر كاف في ~~صدقهم ؟ نقول التكذيب يقع على وجهين أحدهما : أن لا يوجد نفس المخبر عنه ~~وثانيهما : أن لا يوجد كما أخبر في نفسه فقد يقول ما جئتنا بل جاءت بك ~~الحاجة ، فالله تعالى كذبهم في قولهم آمنا على الوجه الأول ، أي ما آمنتم ~~أصلا ولم يصدقوا في الإسلام على الوجه الثاني فإنهم انقادوا للحاجة وأخذ ~~الصدقة . # اللطيفة الثالثة : قال : { بل الله يمن عليكم } يعني لا منة لكم ومع ذلك ~~لا تسلمون رأسا برأس بحيث لا يكون لكم علينا ولا لنا عليكم منة ، بل المنة ~~عليكم ، وقوله تعالى : { بل الله يمن عليكم } حسن أدب حيث لم يقل لا تمنوا ~~علي بل لي المنة عليكم حيث بينت لكم الطريق المستقيم ، ثم في مقابلة هذا ~~الأدب قال الله تعالى : { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } ( الشورى : 52 ) . # اللطيفة الرابعة : لم يقل يمن عليكم أن أسلمتم بل قال : { أن هداكم ~~للايمان } لأن إسلامهم كان ضلالا حيث كان نفاقا فما من به عليهم ، فإن قيل ~~كيف من عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه بين أنهم لم يؤمنوا ؟ نقول ~~PageV28P123 الجواب عنه من ثلاثة أوجه أحدها : أنه تعالى لم يقل : بل الله ~~يمن عليكم أن رزقكم الإيمان ، بل قال : { أن هداكم للايمان } وإرسال الرسل ~~بالآيات البينات هداية ثانيها : هو أنه تعالى يمن عليهم بما زعموا ، فكأنه ~~قال أنتم قلتم آمنا ، فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار ، فقال هداكم ~~في زعمكم ثالثها : وهو الأصح ، هو أن الله تعالى بين بعد ذلك شرطا فقال : { ~~إن كنتم صادقين } . # ! 7 < { إن الله يعلم غيب السماوات والا رض والله بصير بما تعملون } . > ~~7 ! # < < # | الحجرات : ( 18 ) إن الله يعلم . . . . . # > > إشارة إلى أنه لا يخفى عليه أسراركم ، وأعمال قلوبكم الخفية ، وقال : ~~{ بصير بما تعملون } يبصر أعمال جوارحكم الظاهرة ، وآخر السورة مع التئامه ~~بما قبله فيه تقرير ms8375 ما في أول السورة ، وهو قوله تعالى : { لا تقدموا بين ~~يدى الله ورسوله واتقوا الله } ( الحجرات : 1 ) فإنه لا يخفى عليه سر ، فلا ~~تتركوا خوفه في السر ولا يخفى عليه علن فلا تأمنوه في العلانية ، والحمد ~~لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . # # PageV28P124 < # > 1 ( سورة ق ) 1 < # > # أربعون وخمس آيات مكية # ! 7 < { قوالقرءان المجيد } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 1 ) ق والقرآن المجيد # > > # { ق والقرءان المجيد } وقبل التفسير نقول ما يتعلق بالسورة وهي أمور : # الأول : أن هذه السورة تقرأ في صلاة العيد ، لقوله تعالى فيها { ذلك يوم ~~الخروج } ( ق : 42 ) وقوله تعالى : { كذالك الخروج } ( ق : 11 ) وقوله ~~تعالى : { ذلك حشر علينا يسير } ( ق : 44 ) فإن العيد يوم الزينة ، فينبغي ~~أن لا ينسى الإنسان خروجه إلى عرصات الحساب ، ولا يكون في ذلك اليوم فرحا ~~فخورا ، ولا يرتكب فسقا ولا فجورا ، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتذكير بقوله في آخر السورة { فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } ( ق : 45 ) ~~ذكرهم بما يناسب حالهم في يومهم بقوله { ق والقرءان } . # الثاني : هذه السورة ، وسورة { ص } تشتركان في افتتاح أولهما بالحروف ~~المعجم والقسم بالقرآن وقوله { بل } والتعجب ، ويشتركان في شيء آخر ، وهو ~~أن أول السورتين وآخرهما متناسبان ، وذلك لأن في { ص } قال في أولها { ص ~~والقرءان ذى } ( ص : 1 ) وقال في آخرها { إن هو إلا ذكر للعالمين } ( ص : ~~87 ) وفي { ق } قال في أولها { ق والقرءان } وقال في آخرها { فذكر بالقرءان ~~من يخاف وعيد } ( ق : 45 ) فافتتح بما اختتم به . # والثالث : وهو أن في تلك السورة صرف العناية إلى تقرير الأصل الأول وهو ~~التوحيد ، بقوله تعالى : { أجعل الالهة إلاها واحدا } ( ص : 5 ) وقوله ~~تعالى : { وانطلق الملا منهم أن امشوا } ( ص : 6 ) وفي هذه السورة إلى ~~تقرير الأصل الآخر وهو الحشر ، بقوله تعالى : { أءذا متنا وكنا ترابا ذلك ~~رجع بعيد } ( ق : 3 ) ولما كان افتتاح السورة في { ص } في تقرير المبدأ ، ~~قال في آخرها { إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرا من طين } PageV28P125 ( ~~ص : 71 ) وختمه ms8376 بحكاية بدء ( خلق ) آدم ، لأنه دليل الوحدانية . ولما كان ~~افتتاح هذه لبيان الحشر ، قال في آخرها { يوم تشقق الارض عنهم سراعا ذلك ~~حشر علينا يسير } ( ق : 44 ) وأما التفسير ، ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قيل { ق } اسم جبل محيط بالعالم ، وقيل معناه حكمة ، هي ~~قولنا : قضى / الأمر . وفي ص : صدق الله ، وقد ذكرنا أن الحروف تنبيهات ~~قدمت على القرآن ، ليبقى السامع مقبلا على استماع ما يرد عليه ، فلا يفوته ~~شيء من الكلام الرائق والمعنى الفائق . # وذكرنا أيضا أن العبادة منها قلبية ، ومنها لسانية ، ومنها جارجية ظاهرة ~~، ووجد في الجارحية ما عقل معناه ، ووجد منها ما لم يعقل معناه ، كأعمال ~~الحج من الرمي والسعي وغيرهما ، ووجد في القلبية ما عقل بدليل ، كعلم ~~التوحيد ، وإمكان الحشر ، وصفات الله تعالى ، وصدق الرسل ، ووجد فيها ما ~~يبعدها عن كونها معقولة المعنى أمور لا يمكن التصديق ، والجزم بما لولا ~~السمع كالصراط الممدود الأحد من السيف الأرق من الشعر ، والميزان الذي يوزن ~~به الأعمال ، فكذلك كان ينبغي أن تكون الأذكار التي هي العبادة اللسانية ~~منها ما يعقل معناه كجميع القرآن إلا قليلا منه ، ومنها ما لا يعقل ولا ~~يفهم كحرف التهجي لكون التلفظ به محض الانقياد للأمر ، لا لما يكون في ~~الكلام من طيب الحكاية والقصد إلى غرض ، كقولنا { ربنا اغفر لنا * وارحمنا ~~} بل يكون النطق به تعبدا محضا ، ويؤيد هذا وجه آخر ، وهو أن هذه الحروف ~~مقسم بها ، وذلك لأن الله تعالى لما أقسم بالتين والزيتون كان تشريفا لهما ~~، فإذا أقسم بالحروف التي هي أصل الكلام الشريف الذي هو دليل المعرفة / ~~وآلة التعريف كان أولى ، وإذا عرفت هذا فنقول على هذا فيه مباحث : # الأول : القسم من الله وقع بأمر واحد ، كما في قوله تعالى : { والعصر } ~~وقوله تعالى : { والنجم } وبحرف واحد ، كما في قوله تعالى : { ص } و { ن } ~~ووقع بأمرين ، كما في قوله تعالى : { والضحى * واليل إذا سجى } وفي قوله ~~تعالى : { والسماء والطارق } وبحرفين ، كما في قوله تعالى : { طه } و { طس ~~} و { يس } و { حم } وبثلاثة أمور ms8377 ، كما في قوله تعالى : { والصافات * ~~فالزجرات * فالتاليات } وبثلاثة أحرف ، كما في { الم } وفي { طسم } وبأربعة ~~أمور ، كما في { وعيد والذريات } وفي { والسماء ذات البروج } وفي { والتين ~~} وبأربعة أحرف ، كما في { المص } وبخمسة أمور ، كما في { يوعدون والطور } ~~وفي { والمرسلات } وفي { والنازعات } وفي { والفجر } وبخمسة أحرف ، كما في ~~{ كهيعص } ولم يقسم بأكثر من خمسة أشياء إلا في سورة واحدة وهي { مؤصدة ~~والشمس وضحاها } ولم يقسم بأكثر من خمسة أصول ، لأنه يجمع كلمة الاستثقال ، ~~ولما استثقل حين ركب لمعنى ، كان استثقالها حين ركب من غير إحاطة العلم ~~بالمعنى أو لا لمعنى كان أشد . # البحث الثاني : عند القسم بالأشياء المعهودة ، ذكر حرف القسم وهي الواو ، ~~فقال : { والطور } { والنجم } { والشمس } وعند القسم بالحروف لم يذكر حرف ~~القسم ، فلم يقل و { ق } لأن القسم لما كان بنفس الحروف كان الحرف مقسما به ~~، فلم يورده في موضع كونه آلة القسم تسوية بين الحروف . PageV28P126 # البحث الثالث : أقسم الله بالأشياء : كالتين والطور ، ولم يقسم بأصولها ، ~~وهي الجواهر / الفردة والماء والتراب . وأقسم بالحروف من غير تركيب ، لأن ~~الأشياء عنده يركبها على أحسن حالها ، وأما الحروف إن ركبت بمعنى ، يقع ~~الحلف بمعناه لا باللفظ ، كقولنا ( والسماء والأرض ) وإن ركبت لا بمعنى ، ~~كان المفرد أشرف ، فأقسم بمفردات الحروف . # البحث الرابع : أقسم بالحروف في أول ثمانية وعشرين سورة ، وبالأشياء التي ~~عددها عدد الحروف ، وهي غير { مظلمون والشمس } في أربع عشرة سورة ، لأن ~~القسم بالأمور غير الحروف وقع في أوائل السور وفي أثنائها ، كقوله تعالى : ~~{ كلا والقمر * واليل إذ أدبر } ( المدثر : 32 ، 33 ) وقوله تعالى : { ~~واليل وما وسق } ( الانشقاق : 17 ) وقوله { واليل إذا عسعس } ( التكوير : ~~17 ) والقسم بالحروف لم يوجد ولم يحسن إلا في أوائل السور ، لأن ذكر ما لا ~~يفهم معناه في أثناء الكلام المنظوم المفهوم يخل بالفهم ، ولما كان القسم ~~بالأشياء له موضعان والقسم بالحروف له موضع واحد جعل القسم بالأشياء في ~~أوائل السور على نصف القسم بالحروف في أوائلها . # البحث الخامس : القسم بالحروف وقع في النصفين جميعا بل في كل ms8378 سبع ~~وبالأشياء المعدودة لم يوجد إلا في النصف الأخير بل لم يوجد إلا في السبع ~~الأخير غير والصافات ، وذلك لأنا بينا أن القسم بالحروف لم ينفك عن ذكر ~~القرآن أو الكتاب أو التنزيل بعده إلا نادرا فقال تعالى : { يس * والقرءان ~~الحكيم * حم * تنزيل الكتاب * الم * ذالك الكتاب } ولما كان جميع القرآن ~~معجزة مؤداة بالحروف وجد ذلك عاما في جميع المواضع ولا كذلك القسم بالأشياء ~~المعدودة ، وقد ذكرنا شيئا من ذلك في سورة العنكبوت ، ولنذكر ما يختص بقاف ~~قيل إنه اسم جبل محيط بالأرض عليه أطراف السماء وهو ضعيف لوجوه : أحدها : ~~أن القراءة الكثيرة الوقف ، ولو كان اسم جبل لما جاز الوقف في الإدراج ، ~~لأن من قال ذلك قال بأن الله تعالى أقسم به وثانيها : أنه لو كان كذلك لذكر ~~بحرف القسم كما في قوله تعالى : { والطور } وذلك لأن حرف القسم يحذف حيث ~~يكون المقسم به مستحقا لأن يقسم به ، كقولنا الله لأفعلن كذا ، واستحقاقه ~~لهذا غني عن الدلالة عليه باللفظ ولا يحسن أن يقال زيد لأفعلن ثالثها : هو ~~أنه لو كان كما ذكر لكان يكتب قاف مع الألف والفاء كما يكتب { عين جارية } ~~( الغاشية : 12 ) ويكتب { أليس الله بكاف عبده } ( الزمر : 36 ) وفي جميع ~~المصاحف يكتب حرف { ق } ، رابعها : هو أن الظاهر أن الأمر فيه ك . الأمر في ~~{ ص ن * حم } وهي حروف لا كلمات وكذلك في { ق } فإن قيل هو منقول عن ابن ~~عباس ، نقول المنقول عنه أن قاف اسم جبل ، وأما أن المراد في هذا الموضع به ~~ذلك فلا ، وقيل إن معناه قضى الأمر ، وفي { ص } صدق الله ، وقيل هو اسم ~~الفاعل من قفا يقفو و ص من صاد من المصاداة ، وهي المعارضة ، معناه هذا قاف ~~جميع الأشياء بالكشف ، ومعناه حينئذ هو قوله تعالى : { ولا رطب ولا يابس ~~إلا فى كتاب مبين } ( الأنعام : 59 ) إذا قلنا إن الكتاب هناك القرآن . هذا ~~ما قيل في { ق } وأما القراءة فيه فكثيرة وحصرها بيان معناها ، فنقول إن ~~قلنا هي مبنية على ms8379 ما بينا فحقها الوقف إذ لا عامل فيها فيشبه / بناء ~~الأصوات ويجوز الكسر حذرا من التقاء الساكنين ، ويجوز الفتح اختيارا للأخف ~~، فإن قيل كيف جاز اختيار الفتح ههنا ، ولم يجز عند التقاء الساكنين إذا ~~كان أحدهما آخر كلمة والآخر أول أخرى كما في قوله تعالى : { لم يكن الذين ~~كفروا } ( البينة : 1 ) { ولا تطرد الذين } ( الأنعام : 52 ) ؟ نقول لأن ~~هناك إنما وجب التحريك وعين الكسر في الفعل PageV28P127 للشبهة تحرك ~~الإعراب ، لأن الفعل محل يرد عليه الرفع والنصب ولا يوجد فيه الجر فاختيرت ~~الكسرة التي لا يخفى على أحد أنها ليست بجر ، لأن الفعل لا يجوز فيه الجر ~~ولو لاشتبه بالنصب ، وأما في أواخر الأسماء فلا اشتباه ، لأن الأسماء محل ~~ترد عليه الحركات الثلاث فلم يكن يمكن الاحتراز فاختاروا الأخف ، وأما إن ~~قلنا إنها حرف مقسم به فحقها الجر ويجوز النصب بجعله مفعولا باقسم على وجه ~~الاتصال ، وتقدير الباء كأن لم يوجد ، وإن قلنا هي اسم السورة ، فإن قلنا ~~مقسم بها مع ذلك فحقها الفتح لأنها لا تنصرف حينئذ ففتح في موضع الجر كما ~~تقول وإبراهيم وأحمد في القسم بهما ، وإن قلنا إنه ليس مقسما بها وقلنا اسم ~~السورة ، فحقها الرفع إن جعلناها خبرا تقديره : هذه ق ، وإن قلنا هو من قفا ~~يقفو فحقه التنوين كقولنا هذا داع وراع ، وإن قلنا اسم جبل فالجر والتنوين ~~وإن كان قسما ، ولنعد إلى التفسير فنقول الوصف قد يكون للتمييز وهو الأكثر ~~كقولنا الكلام القديم ليتميز عن الحادث والرجل الكريم ليمتاز عن اللئيم ، ~~وقد يكون لمجرد المدح كقولنا الله الكريم إذ ليس في الوجود إلاه آخر حتى ~~نميزه عنه بالكريم ، وفي هذا الموضع يحتمل الوجهين ، والظاهر أنه لمجرد ~~المدح ، وأما التمييز فبأن نجعل القرآن اسما للمقروء ، ويدل عليه قوله ~~تعالى : { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } ( الرعد : 31 ) والمجيد العظيم ، ~~وقيل المجيد هو كثير الكرم وعلى الوجهين القرآن مجيد ، أما على قولنا ~~المجيد هو العظيم ، فلأن القرآن عظيم الفائدة ، ولأنه ذكر الله العظيم ، ~~وذكر العظيم عظيم ms8380 ، ولأنه لم يقدر عليه أحد من الخلق ، وهو آية العظمة يقال ~~ملك عظيم إذا لم يكن يغلب ويدل عليه قوله تعالى : { ولقد ءاتيناك سبعا من ~~المثاني والقرءان العظيم } ( الحجر : 87 ) أي الذي لا يقدر على مثله أحد ~~ليكون معجزة دالة على نبوتك وقوله تعالى : { بل هو قرءان مجيد * فى لوح ~~محفوظ } ( البروج : 21 ، 22 ) أي محفوظ من أن يطلع عليه أحد إلا باطلاعه ~~تعالى فلا يبدل ولا يغير و { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } ( ~~فصلت : 42 ) فهو غير مقدور عليه فهو عظيم ، وأما على قولنا المجيد هو كثير ~~الكرم فالقرآن كريم كل من طلب منه مقصوده وجده ، وإنه مغن كل من لاذبه ، ~~وإغناء المحتاج غاية الكرم ويدل عليه هو أن المجيد مقرون بالحميد في قولنا ~~إنك حميد مجيد ، فالحميد هو المشكور والشكر على الإنعام والمنعم كريم ~~فالمجيد هو الكريم البالغ في الكرم ، وفيه مباحث : # الأول : القرآن مقسم به فالمقسم عليه ماذا ؟ نقول فيه وجوه وضبطها بأن ~~نقول ، ذلك إما أن يفهم بقرينة حالية أو قرينة مقالية ، والمقالية إما أن ~~تكون متقدمة على المقسم به أو متأخرة ، فإن قلنا بأنه مفهوم من قرينة ~~مقالية متقدمة فلا متقدم هناك لفظا إلا { ق } فيكون التقدير : هذا { ق ~~والقرءان المجيد } أو { ق } أنزلها الله تعالى : { والقرءان } كما يقول هذا ~~حاتم والله أي هو المشهور / بالسخاء ويقول الهلال رأيته والله ، وإن قلنا ~~بأنه مفهوم من قرينة مقالية متأخرة ، فنقول ذلك أمران : أحدهما : المنذر ~~والثاني : الرجع ، فيكون التقدير : والقرآن المجيد إنك المنذر ، أو : ~~والقرآن المجيد إن الرجع لكائن ، لأن الأمرين ورد القسم عليهما ظاهرا ، أما ~~الأول : فيدل عليه قوله تعالى : { يس * والقرءان الحكيم * إنك لمن المرسلين ~~} إلى أن قال : { لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم } ( يس : 1 6 ) . وأما الثاني ~~: فدل عليه قوله تعالى : { والطور * وكتاب مسطور } إلى أن قال : { إن عذاب ~~ربك لواقع } ( الطور : 1 7 ) وهذا الوجه يظهر عليه غاية الظهور على قول من ~~قال { ق } اسم جبل فإن القسم يكون ms8381 بالجبل والقرآن ، وهناك القسم بالطور ~~والكتاب المسطور وهو الجبل والقرآن ، فإن قيل أي الوجهين منهما أظهر عندك ؟ ~~قلت الأول : لأن المنذر أقرب من الرجع ، ولأن الحروف رأيناها مع القرآن ~~والمقسم كونه PageV28P128 مرسلا ومنذرا ، وما رأينا الحروف ذكرت ويعدها ~~الحشر ، واعتبر ذلك في سورة منها قوله تعالى : { الم * تنزيل الكتاب لا ريب ~~فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر } ( السجدة ~~: 1 3 ) ولأن القرآن معجزة دالة على كون محمد رسول الله ، فالقسم به عليه ~~يكون إشارة إلى الدليل على طريقة القسم ، وليس هو بنفسه دليلا على الحشر ، ~~بل فيه أمارات مفيدة للجزم بالحشر بعد معرفة صدق الرسول ، وأما إن قلنا هو ~~مفهوم بقرينة حالية ، فهو كون محمد صلى الله عليه وسلم على الحق ولكلامه ~~صفة الصدق ، فإن الكفار كانوا ينكرون ذلك والمختار ما ذكرناه والثاني : { ~~بل عجبوا } ( ق: 2 ) يقتضي أن يكون هناك أمر مضرب عنه فما ذلك ؟ نقول قال ~~الواحدي ووافقه الزمخشري إنه تقدير قوله ما الأمر كما يقولون ونزيده وضوحا ~~، فنقول على ما اخترناه : فإن التقدير والله أعلم ق والقرآن والقرآن المجيد ~~إنك لتنذر ، فكأنه قال بعده وإنهم شكوا فيه فأضرب عنه . # ! 7 < { بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم فقال الكافرون هاذا شىء عجيب } . > ~~7 @QB@ < # | ق : ( 2 ) بل عجبوا أن . . . . . # > > # وقال : { بل عجبوا أن جاءهم منذر } . # يعني لم يقتنعوا بالشك في صدق الأمر وطرحه بالترك وبعد الإمكان ، بل ~~جزموا بخلافه حتى جعلوا ذلك من الأمور العجيبة ، فإن قيل فما الحكمة في هذا ~~الاختصار العظيم في موضع واحد حذف المقسم عليه والمضرب عنه ، وأتى بأمر لا ~~يفهم إلا بعد الفكر العظيم ولا يفهم مع الفكر إلا بالتوفيق العزيز ؟ فنقول ~~إنما حذف المقسم عليه لأن الترك في بعض المواضع يفهم منه ظهور لا يفهم من ~~الذكر ، وذلك لأن من ذكر الملك العظيم في مجلس وأثنى عليه يكون قد عظمه ، ~~فإذا قال له غيره هو لا يذكر في هذا المجلس يكون بالإرشاد إلى ترك الذكر ~~دالا ms8382 على عظمته فوق ما يستفيد صاحبه بذكره فالله تعالى يقول لبيان رسالتك ~~أظهر من أن يذكر ، وأما حذف المضرب عنه ، فلأن المضرب عنه إذا ذكر وأضرب ~~عنه بأمر آخر إنما يحسن إذا كان بين المذكورين تفاوت ما ، فإذا عظم التفاوت ~~لا يحسن ذكرهما مع الإضراب ، مثاله يحسن أن يقال / الوزير يعظم فلانا بل ~~الملك يعظمه ، ولا يحسن أن يقال البواب يعظم فلانا بل الملك يعظمه لكون ~~البون بينهما بعيدا ، إذ الإضراب للتدرج ، فإذا ترك المتكلم المضرب عنه ~~صريحا وأتى بحرف الإضراب استفيد منه أمران أحدهما : أنه يشير إلى أمر آخر ~~قبله وثانيهما : أنه يجعل الثاني تفاوتا عظيما مثل ما يكون ومما لا يذكر ، ~~وههنا كذلك لأن الشك بعد قيام البرهان بعيد لكن القطع بخلافه في غاية ما ~~يكون من البعد . # المبحث الثالث : أن مع الفعل يكون بمثابة ذكر المصدر ، تقول أمرت بأن ~~أقوم وأمرت بالقيام ، وتقول ما كان جوابه إلا أن قال وما كان جوابه إلا ~~قوله كذا وكذا ، وإذا كان كذلك فلم ينزل عن الإتيان بالمصدر حيث جاز أن ~~يقال أمرت أن أقوم من غير حرف الإلصاق ، ولا يجوز أن يقال أمرت القيام بل ~~لا بد من الباء ، ولذلك قالوا أي عجبوا من مجيئه ، نقول { أن جاءهم } وإن ~~كان في المعنى قائما مقام المصدر لكنه في الصورة فعل وحرف ، وحروف التعدية ~~كلها حروف جارة والجار لا يدخل على الفعل ، فكان الواجب أن لا يدخل فلا أقل ~~من أن يجوز عدم الدخول ، فجاز أن يقال { عجبوا أن جاءهم } ولا يجوز عجبوا ~~مجيئهم لعدم المانع من إدخال الحروف عليه . PageV28P129 # وقوله تعالى : { منهم } يصلح أن يكون مذكورا كالمقرر لتعجبهم ، ويصلح أن ~~يكون مذكورا لإبطال تعجبهم ، أما التقرير فلأنهم كانوا يقولون { أبشرا منا ~~واحدا نتبعه } ( القمر : 24 ) و { قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا } ( يس : 15 ~~) إشارة إلى أنه كيف يجوز اختصاصكم بهذه المنزلة الرفيعة مع اشتراكنا في ~~الحقيقة واللوازم وأما الإبطال فلأنه إذا كان واحدا منهم ويرى بين أظهرهم ، ~~وظهر عليه ما ms8383 عجز عنه كلهم ومن بعدهم كان يجب عليهم أن يقولوا هذا ليس من ~~عنده ولا من عند أحد من جنسنا ، فهو من عند الله بخلاف ما لو جاءهم واحد من ~~خلاف جنسهم وأتى بما يعجزون عنه ، فإنهم كانوا يقولون نحن لا نقدر لأن لكل ~~نوع خاصية ، فإن خاصية النعامة بلع النار ، والطيور الطير في الهواء ، وابن ~~آدم لا يقدر عليه فإن قيل الإبطال جائز لأن قولهم كان باطلا ، ولكن تقرير ~~الباطل كيف يجوز ، نقول المبين لبطلان الكلام يجب أن يورده على أبلغ ما ~~يمكن ويذكر فيه كل ما يتوهم أنه دليل عليه ثم يبطله ، فلذلك قال عجبتم بسبب ~~أنه منكم ، وهو في الحقيقة سبب لهذا التعجب ، فإن قيل النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان بشيرا ونذيرا والله تعالى في جميع المواضع قدم كونه بشيرا على ~~كونه نذيرا / فلم لم يذكر : عجبوا أن جاءهم بشير منهم ؟ نقول هو لما لم ~~يتعين للبشارة موضعا كان في حقهم منذرا لا غير . # ثم قال تعالى : { فقال الكافرون هاذا شىء عجيب } . # قال الزمخشري هذا تعجب آخر من أمر آخر وهو الحشر الذي أشار إليه بقوله { ~~أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد } ( ق: 3 ) فعجبوا من كونه منذرا من ~~وقوع الحشر ، ويدل عليه النظر في أول / سورة ص حيث قال فيه { وعجبوا أن ~~جاءهم م نذر } ( ص: 4 ) وقال : { أجعل الالهة إلاها واحدا إن هاذا لشىء ~~عجاب } ( ص: 5 ) ذكر تعجبهم من أمرين والظاهر أن قولهم { هاذا شىء عجيب } ~~إشارة إلى مجيء المنذر لا إلى الحشر ويدل عليه وجوه الأول : هو أن هناك ذكر ~~{ إن هاذا لشىء عجاب } بعد الاستفهام الإنكاري فقال : { أجعل الالهة إلاها ~~واحدا إن هاذا لشىء عجاب } وقال ههنا { هاذا شىء عجيب } ولم يكن ما يقع ~~الإشارة إليه إلا مجيء المنذر . ثم قالوا : { أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع ~~بعيد } الثاني : ههنا وجد بعد الاستبعاد بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب ~~وهو قولهم { ذلك رجع بعيد } فإنه استبعاد وهو كالتعجب فلو كان التعجب ms8384 أيضا ~~عائدا إليه لكان كالتكرار ، فإن قيل التكرار الصريح يلزم من جعل قولك { ~~هاذا شىء عجيب } عائدا إلى مجيء المنذر ، فإن تعجبهم منه علم من قوله { ~~عجبوا أن جاءهم } فقوله { هاذا شىء عجيب } يكون تكرارا ، نقول ذلك ليس ~~بتكرار بل هو تقرير ، وذلك لأنه لما قال : { بل عجبوا } بصيغة الفعل وجاز ~~أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجيبا كما قال تعالى : { أتعجبين من أمر الله ~~} ( هود : 73 ) ويقال في العرف لا وجه لتعجبك مما ليس بعجب فكأنهم لما ~~عجبوا قيل لهم لا معنى لفعلكم وعجبكم فقالوا { هاذا شىء عجيب } فكيف لا ~~نعجب منه ، ويدل عليه أنه تعالى قال ههنا { فقال الكافرون } بحرف الفاء ، ~~وقال في ص { وقال الكافرون هاذا ساحر كذاب } ( ص: 4 ) لأن قولهم { ساحر ~~كذاب } كان تعنتا غير مرتب على ما تقدم ، و { هاذا شىء عجيب } أمر مرتب على ~~ما تقدم أي عجبوا وأنكروا عليه ذلك ، فقالوا { هاذا شىء عجيب } فكيف لا ~~نعجب منه ، ويدل PageV28P130 عليه أيضا قوله تعالى : { ذلك رجع بعيد } ( ق: ~~3 ) بلفظ الإشارة إلى البعد ، وقوله هذا إشارة إلى الحاضر القريب ، فينبغي ~~أن يكون المشار إليه بذلك غير المشار إليه بهذا ، وذلك لا يصح إلا على ~~قولنا . # ! 7 < { أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد } . > 7 ! # < < # | ق : ( 3 ) أئذا متنا وكنا . . . . . # > > فإنهم لما أظهروا العجب من رسالته أظهروا استبعاد كلامه ، وهذا كما ~~قال تعالى عنهم { قالوا ما هاذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد ~~ءاباؤكم } ( سبأ : 43 ) ، { وقالوا ما هاذا إلا إفك مفترى } ( سبأ : 43 ) ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : فقوله { أءذا متنا وكنا ترابا } إنكار منهم بقول أو ~~بمفهوم دل عليه قوله تعالى : { جاءهم منذر } ( ق: 2 ) لأن الإنذار لما لم ~~يكن إلا بالعذاب المقيم والعقاب الأليم ، كان فيه الإشارة للحشر ، فقالوا { ~~أءذا متنا وكنا ترابا } . # المسألة الثانية : ذلك إشارة إلى ما قاله وهو الإنذار ، وقوله { هاذا شىء ~~عجيب } ( ق: 2 ) إشارة إلى المجيء على ما قلنا ، فلما اختلفت الصفتان نقول ~~المجيء والجائي ms8385 كل واحد حاضر . وأما الإنذار وإن كان حاضرا لكن لكون المنذر ~~به لما كان غير حاضر قالوا فيه ذلك ، الرجع مصدر رجع يرجع إذا / كان متعديا ~~، والرجوع مصدره إذا كان لازما ، وكذلك الرجعي مصدر عند لزومه ، والرجع ~~أيضا يصح مصدرا للازم ، فيحتمل أن يكون المراد بقوله { ذلك رجع بعيد } أي ~~رجوع بعيد ، ويحتمل أن يكون المراد الرجع المتعدي ، ويدل على الأول قوله ~~تعالى : { إن إلى ربك الرجعى } ( العلق : 8 ) وعلى الثاني قوله تعالى : { ~~أءنا لمردودون } ( النازعات : 10 ) أي مرجعون فإنه من الرجع المتعدي ، فإن ~~قلنا هو من المتعدي ، فقد أنكروا كونه مقدورا في نفسه . # ! 7 < { قد علمنا ما تنقص الا رض منهم وعندنا كتاب حفيظ } . > 7 ! # < < # | ق : ( 4 ) قد علمنا ما . . . . . # > > إشارة إلى دليل جواز البعث وقدرته تعالى عليه ، وذلك لأن الله تعالى ~~بجميع أجزاء كل واحد من الموتى لا يشتبه عليه جزء أحد على الآخر ، وقادر ~~على الجمع والتأليف ، فليس الرجوع منه ببعد ، وهذا كقوله تعالى : { وهو ~~الخلاق العليم } ( يس : 11 ) حيث جعل للعلم مدخلا في الإعادة ، وقوله { قد ~~علمنا ما تنقص الارض } يعني لا تخفى علينا أجزاؤهم بسبب تشتتها في تخوم ~~الأرضين ، وهذا جواب لما كانوا يقولون { أءذا ضللنا فى الارض } ( السجدة : ~~10 ) يعني أن ذلك إشارة إلى أنه تعالى كما يعلم أجزاؤهم يعلم أعمالهم من ~~ظلمهم ، وتعديهم بما كانوا يقولون وبما كانوا يعملون ، ويحتمل أن يقال معنى ~~قوله تعالى : { وعندنا كتاب حفيظ } هو أنه عالم بتفاصيل الأشياء ، وذلك لأن ~~العلم إجمالي وتفصيلي ، فالإجمالي كما يكون عند PageV28P131 الإنسان الذي ~~يحفظ كتابا ويفهمه ، ويعلم أنه إذا سئل عن أية مسألة تكون في الكتاب يحضر ~~عنده الجواب ، ولكن ذلك لا يكون نصب عينيه حرفا بحرف ، ولا يخطر بباله في ~~حالة بابا بابا ، أو فصلا فصلا ، ولكن عند العرض على الذهن لا يحتاج إلى ~~تجديد فكر وتحديد نظر ، والتفصيلي مثل الذي يعبر عن الأشياء ، والكتاب الذي ~~كتب فيه تلك المسائل ، وهذا لا يوجد عند الإنسان إلا في مسألة أو مسألتين . ~~أما ms8386 بالنسبة إلى كتاب فلا يقال : { وعندنا كتاب حفيظ } يعني العلم عندي كما ~~يكون في الكتاب أعلم جزءا جزءا وشيئا شيئا ، والحفيظ يحتمل أن يكون بمعنى ~~المحفوظ ، أي محفوظ من التغيير والتبديل ، ويحتمل أن يكون بمعنى الحافظ ، ~~أي حافظ أجزاءهم وأعمالهم بحيث لا ينسى شيئا منها ، والثاني هو الأصح ~~لوجهين أحدهما : أن الحفيظ بمعنى الحافظ وارد في القرآن ، قال تعالى : { ~~وما أنا عليكم بحفيظ } ( الأنعام : 104 ) وقال تعالى : { والله * حفيظ ~~عليهم } ولأن الكتاب على ما ذكرنا للتمثيل فهو يحفظ الأشياء ، وهو مستغن عن ~~أن يحفظ . # ! 7 < { بل كذبوا بالحق لما جآءهم فهم فىأمر مريج } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 5 ) بل كذبوا بالحق . . . . . # > > # وقوله تعالى : { بل كذبوا بالحق } . # رد عليهم ، فإن قيل ما المضروب عنه ، نقول فيه وجهان أحدهما : تقديره لم ~~يكذب المنذر ، بل كذبوا هم ، وتقديره هو أنه تعالى لما قال عنهم إنهم قالوا ~~{ هاذا شىء عجيب } ( ق: 2 ) كان في معنى قولهم : / إن المنذر كاذب ، فقال ~~تعالى : لم يكذب المنذر ، بل هم كذبوا ، فإن قيل : ما الحق ؟ نقول يحتمل ~~وجوها الأول : البرهان القائم على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الثاني ~~: الفرقان المنزل وهو قريب من الأول ، لأنه برهان الثالث : النبوة الثابتة ~~بالمعجزة القاهرة فإنها حق الرابع : الحشر الذي لا بد من وقوعه فهو حق ، ~~فإن قيل بين لنا معنى الباء في قوله تعالى : { بالحق } وأية حاجة إليها ، ~~يعني أن التكذيب متعد بنفسه ، فهل هي للتعدية إلى مفعول ثان أو هي زائدة ، ~~كما في قوله تعالى : { فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون } ؟ ( القلم : 5 ، 6 ~~) نقول فيه بحث وتحقيق ، وهي في هذا الموضع لإظهار معنى التعدية ، وذلك لأن ~~التكذيب هو النسبة إلى الكذب ، لكن النسبة تارة توجد في القائل ، وأخرى في ~~القول ، تقول : كذبني فلان وكنت صادقا ، وتقول : كذب فلان قول فلان ، ويقال ~~كذبه ، أي جعله كاذبا ، وتقول : قلت لفلان زيد يجيء غدا ، فتأخر عمدا حتى ~~كذبني وكذب قولي ، والتكذيب في القائل يستعمل بالباء وبدونها ، قال تعالى : ~~{ كذبت ثمود المرسلين } ( الشعراء : 141 ) وقال ms8387 تعالى : { كذبت ثمود بالنذر ~~} ( القمر : 23 ) وفي القول كذلك غير أن الاستعمال في القائل بدون الباء ~~أكثر ، قال تعالى : { فكذبوه } ( الأعراف : 64 ) وقال : { وإن يكذبوك فقد ~~كذبت رسل من قبلك } ( فاطر : 4 ) إلى غير ذلك ، وفي القول الاستعمال بالباء ~~أكثر ، قال الله تعالى : { كذبوا بئاياتنا * كلها } ( القمر : 42 ) وقال : ~~{ بل كذبوا بالحق } وقال تعالى : { وكذب بالصدق إذ جاءه } ( الزمر : 32 ) ~~والتحقيق فيه هو أن المفعول المطلق هو المصدر ، لأنه هو الذي يصدر من ~~الفاعل ، فإن من ضرب لم يصدر منه غير الضرب ، غير أن له محلا يقع فيه فيسمى ~~مضروبا ، ثم إذا كان ظاهرا لكونه محلا للفعل يستغني بظهوره عن الحرف فيعدى ~~من غير حرف ، يقال ضربت عمرا ، وشربت خمرا ، للعلم بأن الضرب لا بد له من ~~محل يقوم به ، والشرب لا يستغني عن مشروب يتحقق فيه ، وإذا قلت مررت يحتاج ~~إلى الحرف ، ليظهر معنى التعدية لعدم ظهوره في نفسه ، لأن من قال : مر ~~السحاب يفهم منه مرور ولا يفهم منه من مر به ، ثم إن الفعل قد يكون في ~~الظهور دون PageV28P132 الضرب والشرب ، وفي الخفاء دون المرور ، فيجوز ~~الإتيان فيه بدون الحرف لظهوره الذي فوق ظهور المرور ، ومع الحرف لكون ~~الظهور دون ظهور الضرب ، ولهذا لا يجوز أن تقول : ضربت بعمرو ، إلا إذا ~~جعلته آلة الضرب . أما إذا ضربته بسوط أو غيره ، فلا يجوز فيه زيادة الباء ~~، ولا يجوز مروا به إلا مع الاشتراك ، وتقول مسحته ومسحت به وشكرته وشكرت ~~له ، لأن المسح إمرار اليد بالشيء فصار كالمرور ، والشكر فعل جميل غير أنه ~~يقع بمحسن ، فالأصل في الشكر ، الفعل الجميل ، وكونه واقعا بغيره كالبيع ~~بخلاف الضرب ، فإنه إمساس جسم بجسم بعنف ، فالمضروب داخل في مفهوم الضرب ~~أولا ، والمشكور داخل في مفهوم الشكر ثانيا ، إذا عرفت هذا فالتكذيب في ~~القائل ظاهر لأنه هو الذي يصدق أو يكذب ، وفي القول غير ظاهر فكان ~~الاستعمال فيه بالباء أكثر والباء فيه لظهور معنى التعدية . # / وقوله { لما جاءهم } في الجائي وجهان : أحدهما : أنه هو ms8388 المكذب تقديره ~~: كذبوا بالحق لما جاءهم الحق ، أي لم يؤخروه إلى الفكر والتدبر ثانيهما : ~~الجائي ههنا هو الجائي في قوله تعالى : { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } ( ~~ق: 2 ) تقديره : كذبوا بالحق لما جاءهم المنذر ، والأول لا يصح على قولنا ~~الحق وهو الرجع ، لأنهم لا يكذبون به وقت المجيء بل يقولون { هذا ما وعد ~~الرحمان } ( يس : 52 ) . # وقوله { فهم فى أمر مريج } أي مختلف مختلط قال الزجاج وغيره : لأنهم تارة ~~يقولون ساحر وأخرى شاعر ، وطورا ينسبونه إلى الكهانة ، وأخرى إلى الجنون ، ~~والأصح أن يقال : هذا بيان الاختلاف المذكور في الآيات ، وذلك لأن قوله ~~تعالى : { بل عجبوا } يدل على أمر سابق أضرب عنه ، وقد ذكرنا أنه الشك ~~وتقديره : والقرآن المجيد ، إنك لمنذر ، وإنهم شكوا فيك ، بل عجبوا ، بل ~~كذبوا . وهذه مراتب ثلاث الأولى : الشك وفوقها التعجب ، لأن الشاك يكون ~~الأمران عنده سيين ، والمتعجب يترجح عنده اعتقاد عدم وقوع العجيب لكنه لا ~~يقطع به والمكذب الذي يجزم بخلاف ذلك ، فكأنهم كانوا شاكين وصاروا ظانين ~~وصاروا جازمين فقال : { فهم فى أمر مريج } ويدل عليه الفاء في قوله { فهم } ~~لأنه حينئذ يصير كونهم { فى أمر مريج } مرتبا على ما تقدم وفيما ذكروه لا ~~يكون مرتبا . فإن قيل : المريج ، المختلط ، وهذه أمور مرتبة متميزة على ~~مقتضى العقل ، لأن الشاك ينتهي إلى درجة الظن ، والظان ينتهي إلى درجة ~~القطع ، وعند القطع لا يبقى الظن ، وعند لظن لا يبقى الشك ، وأما ما ذكروه ~~ففيه يحصل الاختلاط لأنهم لم يكن لهم في ذلك ترتيب ، بل تارة كانوا يقولون ~~كاهن وأخرى مجنون ، ثم كانوا يعودون إلى نسبته إلى الكهانة بعد نسبته إلى ~~الجنون وكذا إلى الشعر بعد السحر وإلى السحر بعد الشعر فهذا هو المريج . ~~نقول كان الواجب أن ينتقلوا من الشك إلى الظن بصدقه لعلمهم بأمانته ~~واجتنابه الكذب طول عمره بين أظهرهم ، ومن الظن إلى القطع بصدقه لظهور ~~المعجزات القاهرة على يديه ولسانه ، فلما غيروا الترتيب حصل عليه المرج ~~ووقع الدرك مع المرج ، وأما ما ذكروه فاللائق به ms8389 تفسير قوله تعالى : { إنكم ~~لفى قول مختلف } ( الذاريات : 8 ) لأن ما كان يصدر منهم في حقه كان قولا ~~مختلفا ، وأما الشك والظن والجزم فأمور مختلفة ، وفيه لطيفة وهي أن إطلاق ~~لفظ المريج على ظنهم وقطعهم ينبىء عن عدم كون ذلك الجزم صحيحا لأن الجزم ~~الصحيح لا يتغير ، وكان ذلك منهم واجب التغير فكان أمرهم مضطربا ، بخلاف ~~المؤمن الموفق فإنه لا يقع في اعتقاده تردد ولا يوجد معتقده تعدد . # ! 7 < { أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من ~~فروج } . > 7 ! # / < < # | ق : ( 6 ) أفلم ينظروا إلى . . . . . # > > إشارة إلى الدليل الذي يدفع قولهم { ذلك رجع بعيد } ( ق: 3 ) وهذا ~~كما في قوله تعالى : { أوليس الذى خلق * السماوات والارض * بقادر على أن ~~يخلق مثلهم } PageV28P133 ( يس : 80 ) وقوله تعالى : { لخلق * السماوات ~~والارض * أكبر من خلق الناس } ( غافر : 57 ) وقوله تعالى : { أولم يروا أن ~~الله الذى خلق * السماوات والارض * ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحى الموتى ~~بلى } ( الأحقاف : 33 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : همزة الاستفهام تارة تدخل على الكلام ولا واو فيه ، ~~وتارة تدخل عليه وبعدها واو ، فهل بين الحالتين فرق ؟ نقول فرق أدق مما على ~~الفرق ، وهو أن يقول القائل : أزيد في الدار بعد ، وقد طلعت الشمس ؟ يذكره ~~للإنكار ، فإذا قال : أو زيدا في الدار بعد ، وقد طلعت الشمس ؟ يشير بالواو ~~إشارة خفية إلى أن قبح فعله صار بمنزلة فعلين قبيحين ، كأنه يقول بعد ما ~~سمع ممن صدر عن زيد هو في الدار ، أغفل وهو في الدار بعد ، لأن الواو تنبىء ~~عن ضيف أمر مغاير لما بعدها وإن لم يكن هناك سابق لكنه يومىء بالواو إليه ~~زيادة في الإنكار ، فإن قيل قال في موضع { أو لم * ينظروا } ( الأعراف : ~~185 ) وقال ههنا { أفلم ينظروا } بالفاء فما الفرق ؟ نقول ههنا سبق منهم ~~إنكار الرجع فقال بحرف التعقيب بمخالفه ، فإن قيل ففي يس سبق ذلك بقوله قال ~~: { من يحى العظام } ( يس : 78 ) نقول هناك الاستدلال بالسماوات لما لم ~~يعقب الإنكار على عقيب الإنكار استدل ms8390 بدليل آخر ، وهو قوله تعالى : { قل ~~يحييها الذى أنشأها أول مرة } ( يس : 79 ) ثم ذكر الدليل الآخر ، وههنا ~~الدليل كان عقيب الإنكار فذكر بالفاء ، وأما قوله ههنا بلفظ النظر ، وفي ~~الأحقاف بلفظ الرؤية ، ففيه لطيفة وهي أنهم ههنا لما استبعدوا أمر الرجع ~~بقولهم { ذلك رجع بعيد } استبعد استبعادهم ، وقال : { أفلم ينظروا إلى ~~السماء } لأن النظر دون الرؤية فكأن النظر كان في حصول العلم بإنكار الرجع ~~ولا حاجة إلى الرؤية ليقع الاستبعاد في مقابلة الاستعباد ، وهناك لم يوجد ~~منهم بإنكار مذكور فأرشدهم إليه بالرؤية التي هي أتم من النظر ، ثم إنه ~~تعالى كمل ذلك وجمله بقوله { إلى السماء } ولم يقل في السماء لأن النظر في ~~الشيء ينبىء عن التأمل والمبالغة والنظر إلى الشيء ينبىء عنه ، لأن إلى ~~للغاية فينتهي النظر عنده في الدخول في معنى الظرف فإذا انتهى النظر إليه ~~ينبغي أن ينفذ فيه حتى يصح معنى الظرفية وقوله تعالى : { فوقهم } تأكيد آخر ~~أي وهو ظاهر فوق رؤوسهم غير غائب عنهم ، وقوله تعالى : { كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج } إشارة إلى وجه الدلالة وأولوية الوقوع وهي للرجع ~~، أما وجه الدلالة فإن الإنسان له أساس هي العظام التي هي كالدعامة وقوى ~~وأنوار كالسمع والبصر فبناء السماء أرفع من أساس البدن ، وزينة السماء أكمل ~~من زينة الإنسان بلحم وشحم . وأما الأولوية فإن السماء ما لها من فروج ~~فتأليفها أشد ، وللإنسان فروج ومسام ، ولا شك أن التأليف الأشد كالنسج ~~الأصفق والتأليف الأضعف كالنسج الأسخف ، والأول أصعب عند الناس وأعجب ، ~~فكيف يستبعدون الأدون مع علمهم بوجود الأعلى من الله تعالى ؟ قالت الفلاسفة ~~الآية دالة على أن السماء لا تقبل الخرق / وكذلك قالوا في قوله { هل ترى من ~~فطور } وقوله { سبعا } ( النبأ : 12 ) وتعسفوا فيه لأن / قوله تعالى : { ما ~~لها من * فروج } صريح في عدم ذلك ، والإخبار عن عدم الشيء لا يكون إخبارا ~~عن عدم إمكانه فإن من قال : ما لفلان قال ؟ لا يدل على نفي إمكانه ، ثم إنه ~~تعالى بينن خلاف قولهم بقوله { وإذا ms8391 السماء فرجت } ( المرسلات : 9 ) وقال : ~~{ إذا السماء انفطرت } ( الانفطار : 1 ) وقال : { فهى يومئذ واهية } ( ~~الحاقة : 16 ) في مقابلة قوله { سبعا شدادا } وقال : { فإذا انشقت السماء ~~فكانت وردة كالدهان } ( الرحمن : 37 ) إلى غير ذلك والكل في الرد عليهم ~~صريح وما ذكروه في الدلالة ليس بظاهر ، بل وليس له دلالة خفية أيضا ، وأما ~~دليلهم المعقول فأضعف وأسخف من PageV28P134 تمسكهم بالمنقول . # ! 7 < { والا رض مددناها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ~~} . > 7 ! # < < # | ق : ( 7 ) والأرض مددناها وألقينا . . . . . # > > إشارة إلى دليل آخر ووجه دلالة الأرض هو أنهم قالوا : الإنسان إذا ~~مات وفارقته القوة الغاذية والنامية لا تعود إليه تلك القوة ، فنقول الأرض ~~أشد جمودا وأكثر خمودا والله تعالى ينبت فيها أنواع النبات وينمو ويزيد ، ~~فكذلك الإنسان تعود إليه الحياة وذكر في الأرض ثلاثة أمور كما ذكر في ~~السماء ثلاثة أمور في الأرض المد وإلقاء الرواسي والإنبات فيها ، وفي ~~السماء البناء والتزيين وسد الفروج ، وكل واحد في مقابلة واحد فالمد في ~~مقابلة البناء ، لأن المد وضع والبناء رفع ، والرواسي في الأرض ثابتة ~~والكواكب في السماء مركوزة مزينة لها والإنبات في الأرض شقها كما قال تعالى ~~: { أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الارض شقا } ( عبس : 25 ، 26 ) وهو على ~~خلاف سد الفروج وإعدامها ، وإذا علمت هذا ففي الإنسان أشياء موضوعة وأشياء ~~مرفوعة وأشياء ثابتة كالأنف والأذن وأشياء متحركة كالمقلة واللسان ، وأشياء ~~مسدودة الفروج كدور الرأس والأغشية المنسوجة نسجا ضعيفا كالصفاق ، وأشياء ~~لها فروج وشقوق كالمناخر والصماخ والفم وغيرها ، فالقادر على الأضداد في ~~هذا المهاد ، في السبع الشداد ، غير عاجز عن خلق نظيرها في هذه الأجساد . ( ~~و ) تفسير الرواسي قد ذكرناه في سورة لقمان ، والبهيج الحسن . # ! 7 < { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } . > 7 ! # < < # | ق : ( 8 ) تبصرة وذكرى لكل . . . . . # > > يحتمل أن يكون الأمران عائدين إلى الأمرين المذكورين وهما السماء ~~والأرض ، على أن خلق السماء تبصرة وخلق الأرض ذكرى ، ويدل عليه أن السماء ~~زينتها مستمرة غير مستجدة في كل عام فهي كالشيء المرئي على مرور الزمان ms8392 ، ~~وأما الأرض فهي كل سنة تأخذ زخرفها فذكر السماء تبصرة والأرض تذكرة ، ~~ويحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين موجودا في كل واحد من الأمرين ، فالسماء ~~تبصرة والأرض كذلك ، والفرق بين التبصرة والتذكرة هو أن فيها آيات / مستمرة ~~منصوبة في مقابلة البصائر وآيات متجددة مذكرة عند التناسي ، وقوله { لكل ~~عبد منيب } أي راجع إلى التفكر والتذكر والنظر في الدلائل . # ! 7 < { ونزلنا من السمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد * ~~والنخل باسقات لها طلع نضيد } . > 7 ! # < < # | ق : ( 9 ) ونزلنا من السماء . . . . . # > > إشارة إلى دليل آخر وهو ما بين السماء والأرض ، فيكون الاستدلال ~~بالسماء والأرض وما بينهما ، وذلك إنزال ( الماء من ) السماء من فوق ، ~~وإخراج النبات من تحت وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا الاستدلال قد تقدم بقوله تعالى : { وأنبتنا فيها من ~~كل زوج بهيج } ( ق: 7 ) فما الفائدة في إعادته بقوله { فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد } ؟ نقول قوله { فأنبتنا } استدلال بنفس النبات أي الأشجار تنمو ~~وتزيد ، فكذلك بدن الإنسان بعد الموت ينمو ويزيد بأن يرجع الله تعالى إليه ~~قوة النشوء والنماء كما يعيدها إلى الأشجار بواسطة ماء السماء { وحب الحصيد ~~} فيه حذف تقديره وحب الزرع الحصيد وهو المحصود أي PageV28P135 أنشأنا جنات ~~يقطف ثمارها وأصولها باقية وزرعا يحصد كل سنة ويزرع في كل عام أو عامين ، ~~ويحتمل أن يقال التقدير وننبت الحب الحصيد والأول هو المختار ، وقوله تعالى ~~: { والنخل باسقات } إشارة إلى المختلط من جنسين ، لأن الجنات تقطف ثمارها ~~وتثمر من غير زراعة كل سنة ، لكن النخل يؤبر ولولا التأبير لم يثمر ، فهو ~~جنس مختلط من الزرع والشجر ، فكأنه تعالى خلق ما يقطف كل سنة ويزرع وخلق ما ~~لا يزرع كل سنة ويقطف مع بقاء أصلها وخلق المركب من جنسين في الأثمار ، لأن ~~بعض الثمار فاكهة ولا قوت فيه ، وأكثر الزرع قوت والثمر فاكهة وقوت ، ~~والباسقات الطوال من النخيل . # وقوله تعالى : { باسقات } يؤكد كمال القدرة والاختيار ، وذلك من حيث إن ~~الزرع إن قيل فيه إنه يمكن أن يقطف من ثمرته لضعفه وضعف ms8393 حجمه ، فكذلك يحتاج ~~إلى إعادته كل سنة والجنات لكبرها وقوتها تبقى وتثمر سنة بعد سنة فيقال : ~~أليس النخل الباسقات أكثر وأقوى من الكرم الضعيف والنخل محتاجة كل سنة إلى ~~عمل عامل والكرم غير محتاج ، فالله تعالى هو الذي قدر ذلك لذلك لا للكبر ~~والصغر والطول والقصر . # قوله تعالى : { لها طلع نضيد } أي منضود بعضها فوق بعض في أكمامها كما في ~~سنبله الزرع وهو عجيب ، فإن الأشجار الطوال أثمارها بارزها متميز بعضها من ~~بعض لكل واحد منها أصل يخرج منه كالجوز واللوز وغيرهما والطلع كالسنبلة ~~الواحدة يكون على أصل واحد . # ! 7 < { رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذالك الخروج } . > 7 ! # < < # | ق : ( 11 ) رزقا للعباد وأحيينا . . . . . # > > ثم قال تعالى : { رزقا للعباد } وفيه وجهان أحدهما نصب على المصدر ~~لأن الإنبات رزق / فكأنه تعالى قال : أنبتناها إنباتا للعباد ، والثاني نصب ~~على كونه مفعولا له كأنه قال : أنبتناها لرزق العباد ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قال في خلق السماء والأرض { تبصرة وذكرى } ( ق: 8 ) وفي ~~الثمار قال : { رزقا } والثمار أيضا فيها تبصرة ، وفي السماء والأرض أيضا ~~منفعة غير التبصرة والتذكرة ، فما الحكمة في اختيار الأمرين ؟ نقول فيه ~~وجوه أحدها : أن نقول الاستدلال وقع لوجود أمرين أحدهما الإعادة والثاني ~~البقاء بعد الإعادة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم بحشر وجمع ~~يكون بعد الثواب الدائم والعقاب الدائم ، وأنكروا ذلك ، فأما الأول فالله ~~القادر على خلق السماوات والأرض قادر على خلق الخلق بعد الفناء ، وأما ~~الثاني فلأن البقاء في الدنيا بالرزق والقادر على إخراج الأرزاق من النجم ~~والشجر ، قادر على أن يرزق العبد في الجنة ويبقى ، فكأن الأول تبصرة وتذكرة ~~بالخلق ، والثاني تذكرة بالبقاء بالرزق ، ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله ~~{ تبصرة وذكرى } حيث ذكر ذلك بعد الآيتين ، ثم بدأ بذكر الماء وإنزاله ~~وإنباته النبات ثانيها : أن منفعة الثمار الظاهرة هي الرزق فذكرها ومنفعة ~~السماء الظاهرة ليست أمرا عائدا إلى انتفاع العباد لبعدها عن ذهنهم ، حتى ~~أنهم لو توهموا عدم الزرع والثمر لظنوا أن يهلكوا ، ولو توهموا ms8394 عدم السماء ~~فوقهم لقالوا لا يضرنا ذلك مع أن الأمر بالعكس أولى ، لأن السماء سبب ~~الأرزاق بتقدير الله ، وفيها غير ذلك من المنافع ، والثمار وإن لم تكن ( ما ~~) كان العيش ، كما أنزل الله على قوم المن والسلوى وعلى قوم المائدة من ~~السماء فذكر الأظهر للناس في هذا الموضع ثالثها : قوله { رزقا } إشارة إلى ~~كونه منعما لكون تكذيبهم في غاية القبح فإنه يكون إشارة ( للتكذيب ) ~~بالمنعم وهو أقبح ما يكون . # المسألة الثانية : قال : { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } ( ق: 8 ) فقيد ~~العبد بكونه منيبا وجعل خلقها تبصرة لعباده المخلصين وقال : { رزقا للعباد ~~} مطلقا لأن الرزق حصل لكل أحد ، غير أن المنيب يأكل ذاكرا شاكرا للإنعام ، ~~وغيره يأكل كما تأكل الأنعام فلم يخصص الرزق بقيد . PageV28P136 # المسألة الثالثة : ذكر في هذه الآية أمور ثلاثة أيضا وهي إنبات الجنات ~~والحب والنخل كما ذكر في السماء والأرض في كل واحدة أمورا ثلاثة ، وقد ثبت ~~أن الأمور الثلاثة في الآيتين المتقدمين متناسبة ، فهل هي كذلك في هذه ~~الآية ؟ نقول قد بينا أن الأمور الثلاثة إشارة إلى الأجناس الثلاثة ، وهي ~~التي يبقى أصلها سنين ، ولا تحتاج إلى عمل عامل والتي لا يبقى أصلها وتحتاج ~~كل سنة إلى عمل عامل ، والتي يجتمع فيها الأمران وليس شيء من الثمار ~~والزروع خارجا عنه أصلا كما أن أمور الأرض منحصرة في ثلاثة : ابتداء وهو ~~المد ، ووسط وهو النبات بالجبال الراسية ، وثالثها هو غاية الكمال وهو ~~الإنبات والتزيين بالزخارف . # ثم قال تعالى : { وأحيينا به بلدة ميتا } عطفا على { أنبتنا * به } ( ق: ~~9 ) وفيه بحثان : # / الأول : إن قلنا إن الاستدلال بإنبات الزرع وإنزال الماء كان لإمكان ~~البقاء بالرزق فقوله { وأحيينا به } إشارة إلى أنه دليل على الإعادة كما ~~أنه دليل على البقاء ، ويدل عليه قوله تعالى : { كذالك الخروج } فإن قيل ~~كيف يصح قولك استدلالا / وإنزال الماء كان لبيان البقاء مع أنه تعالى قال ~~بعد ذلك { وأحيينا به بلدة ميتا } . # وقال : { كذالك الخروج } فيكون الاستدلال على البقاء قبل الاستدلال على ~~الإحياء والإحياء سابق على ms8395 الإبقاء ، فينبغي أن يبين أولا أنه يحيي الموتى ~~، ثم يبين أنه يبقيهم ، نقول لما كان الاستدلال بالسماوات والأرض على ~~الإعادة كافيا بعد ذكر دليل الإحياء ذكر دليل الإبقاء ، ثم عاد واستدرك ~~فقال هذا الدليل الدال على الإبقاء دال على الإحياء ، وهو غير محتاج إليه ~~لسبق دليلين قاطعين فبدأ ببيان البقاء وقال : { وأنبتنا * به جنات } ثم ثنى ~~بإعادة ذكر الإحياء فقال : { وأحيينا به } وإن قلنا إن الاستدلال بإنزال ~~الماء وإنبات الزرع لا لبيان إمكان الحشر فقوله { وأحيينا به } ينبغي أن ~~يكون مغايرا لقوله { فأنبتنا به } بخلاف ما لو قلنا بالقول الأول لأن ~~الإحياء ، وإن كان غير الإنبات لكن الاستدلال لما كان به على أمرين ~~متغايرين جاز العطف ، تقول خرج للتجارة وخرج للزيارة ، ولا يجوز أن يقال ~~خرج للتجارة وذهب للتجارة إلا إذا كان الذهاب غير الخروج فنقول الإحياء غير ~~إنبات الرزق لأن بإنزال الماء من السماء يخضر وجه الأرض ويخرج منها أنواع ~~من الأزهار ولا يتغذى به ولا يقتات ، وإنما يكون به زينة وجه الأرض وهو أعم ~~من الزرع والشجر لأنه يوجد في كل مكان والزرع والثمر لا يوجدان في كل مكان ~~، فكذلك هذا الإحياء ، فإن قيل فكان ينبغي أن يقدم في الذكر لأن اخضرار وجه ~~الأرض يكون قبل حصول الزرع والثمر ، ولأنه يوجد في كل مكان بخلاف الزرع ~~والثمر ، نقول لما كان إنبات الزرع والثمر أكمل نعمة قدمه في الذكر . # الثاني : في قوله { بلدة ميتا } نقول جاز إثبات التاء في الميت وحذفها ~~عند وصف المؤنث بها ، لأن الميت تخفيف للميت ، والميت فيعل بمعنى فاعل ~~فيجوز فيه إثبات التاء لأن التسوية في الفعيل بمعنى المفعول كقوله { ولا ~~تفسدوا فى الارض بعد إصلاحها } ( الأعراف : 56 ) فإن قيل لم سوى بين المذكر ~~والمؤنث في الفعيل بمعنى المفعول ؟ قلنا لأن الحاجة إلى التمييز بين الفاعل ~~والمفعول أشد من الحاجة إلى التمييز المفعول المذكر والمفعول المؤنث نظرا ~~إلى المعنى ونظرا إلى اللفظ ، فأما المعنى فظاهر ، وأما اللفظ فلأن ~~المخالفة بين الفاعل والمفعول في الوزن والحرف ms8396 أشد من المخالفة بين المفعول ~~والمفعول له ، إذا علم هذا فنقول في الفعيل لم يتميز الفاعل بحرف فإن فعيلا ~~جاء بمعنى الفاعل كالنصير والبصير وبمعنى المفعول كالكسير والأسير ، ولا ~~يتميز بحرف عند المخالفة إلا الأقوى فلا يتميز عند المخالفة / الأدنى ، ~~والتحقيق فيه أن فعيلا وضع لمعنى لفظي ، والمفعول وضع لمعنى حقيقي ~~PageV28P137 فكأن القائل قال استعملوا لفظ المفعول للمعنى الفلاني ، ~~واستعملوا لفظ الفعيل مكان لفظ المفعول فصار فعيل كالموضوع للمفعول ، ~~والمفعول كالموضوع للمعنى ، ولما كان تغير اللفظ تابعا لتغير المعنى تغير ~~المفعول لكونه بإزاء المعنى ، ولم يتغير الفعيل لكونه بإزاء اللفظ في أول ~~الأمر ، فإن قيل فما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله { وءاية لهم الارض ~~الميتة أحييناها } ( يس : 33 ) حيث أثبت التاء هناك ؟ نقول الأرض أراد بها ~~الوصف فقال : { الارض الميتة } لأن معنى الفاعلية ظاهر هناك والبلدة الأصل ~~فيها الحياة ، لأن الأرض إذا صارت حية صارت آهلة ، وأقام بها الناس وعمروها ~~فصارت بلدة فأسقط التاء لأن معنى الفاعلية ثبت فيها والذي بمعنى الفاعل لا ~~يثبت فيه التاء ، وتحقيق هذا قوله { بلدة طيبة } ( سبأ : 15 ) حيث أثبت ~~التاء حيث ظهر بمعنى الفاعل ، ولم يثبت حيث لم يظهر وهذا بحث عزيز . # قوله تعالى : { كذالك الخروج } أي كالإحياء { الخروج } فإن قيل الإحياء ~~يشبه به الإخراج لا الخروج فنقول تقديره { وأحيينا به بلدة ميتا } فتشققت ~~وخرج منها النبات كذلك تشقق ويخرج منها الأموات ، وهذا يؤكد قولنا الرجع ~~بمعنى الرجوع في قوله { ذلك رجع بعيد } ( ق: 3 ) لأنه تعالى بين لهم ما ~~استبعدوه فلو استبعدوا الرجع الذي هو من المتعدي لناسب أن يقول ، كذلك ~~الإخراج ، ولما قال : { كذالك الخروج } فهم أنهم أنكروا الرجوع فقال : { ~~كذالك الخروج } نقول فيه معنى لطيف على القول الآخر ، وذلك لأنهم استبعدوا ~~الرجع الذي هو من المتعدي بمعنى الإخراج والله تعالى أثبت الخروج وفيهما ~~مبالغة تنبيها على بلاغة القرآن مع أنها مستغنية عن البيان ، ووجهها هو أن ~~الرجع والإخراج كالسبب للرجوع والخروج ، والسبب إذا انتفى ينتفي المسبب ~~جزما ، وإذا وجد قد ms8397 يتخلف عنه المسبب لمانع تقول كسرته فلم ينكسر وإن كان ~~مجازا والمسبب إذا وجد فقد وجد سببه وإذا انتفى لا ينتفي السبب لما تقدم ، ~~إذا علم هذا فهم أنكروا وجود السبب ونفوه وينتفي المسبب عند انتفائه جزما ~~فبالغوا وأنكروا الأمر جميعا ، لأن نفي السبب نفي المسبب ، فأثبت الله ~~الأمرين بالخروج كما نفوا الأمرين جميعا بنفي الإخراج . # ! 7 < { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط ~~* وأصحاب الا يكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد } . > 7 ! # < < # | ق : ( 12 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . # > > ذكر المكذبين تذكيرا لهم بحالهم ووبالهم وأنذرهم بإهلاكهم واستئصالهم ~~، وتفسيره ظاهر وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتنبيه بأن حاله كحال ~~من تقدمه من الرسل ، كذبوا وصبروا فأهلك الله / مكذبيهم ونصرهم { وأصحاب ~~الرس } فيهم وجوه من المفسرين من قال هم قوم شعيب ومنهم من قال هم الذين ~~جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى وهم قوم عيسى عليه السلام ، ومنهم من قال ~~هم أصحاب الأخدود ، والرس موضع نسبوا إليه أو فعل وهو حفر البئر يقال رس ~~إذا حفر بئرا وقد تقدم في سورة الفرقان ذلك ، وقال ههنا { إخوان * لوط } ~~وقال : { قوم نوح } لأن لوطا كان مرسلا إلى طائفة من قوم إبراهيم عليه ~~السلام معارف لوط ، PageV28P138 ونوح كان مرسلا إلى خلق عظيم ، وقال : { ~~فرعون } ولم يقل قوم فرعون ، وقال : { وقوم تبع } لأن فرعون كان هو المغتر ~~المستخف بقومه المستبد بأمره ، وتبع كان معتمدا بقومه فجعل الاعتبار لفرعون ~~، ولم يقل إلى قوم فرعون . # وقوله تعالى : { كل كذب الرسل فحق وعيد } . # يحتمل وجهين أحدهما : أن كل واحد كذب رسوله فهم كذبوا الرسل واللام حينئذ ~~لتعريف العهد وثانيهما : وهو الأصح هو أن كل واحد كذب جميع الرسل واللام ~~حينئذ لتعريف الجنس وهو على وجهين أحدهما : أن المكذب للرسول مكذب لكل رسول ~~وثانيهما : وهو الأصح أن المذكورين كانوا منكرين للرسالة والحشر بالكلية ، ~~وقوله { فحق وعيد } أي ما وعد الله من نصرة الرسل عليهم وإهلاكهم . # ! 7 < { أفعيينا بالخلق الا ول بل هم ms8398 فى لبس من خلق جديد } . > 7 ! # < < # | ق : ( 15 ) أفعيينا بالخلق الأول . . . . . # > > وفيه وجهان أحدهما : أنه استدلال بدلائل الأنفس ، لأنا ذكرنا مرارا ~~أن الدلائل آفاقية ونفسية كما قال تعالى : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى ~~أنفسهم } ( فصلت : 53 ) ولما قرن الله تعالى دلائل الآفاق عطف بعضها على ~~بعض بحرف الواو فقال : { والارض مددناها } ( الحجر : 19 ) وفي غير ذلك ذكر ~~الدليل النفسي ، وعلى هذا فيه لطائف لفظية ومعنوية . # أما اللفظية فهي أنه تعالى في الدلائل الآفاقية عطف بعضها على بعض بحرف ~~الواو فقال : { والارض مددناها } وقال : { ونزلنا من السماء ماء مباركا } ( ~~ق: 9 ) ثم في الدليل النفسي ذكر حرف الاستفهام والفاء بعدها إشارة إلى أن ~~تلك الدلائل من جنس ، وهذا من جنس ، فلم يجعل هذا تبعا لذلك ، ومثل هذا ~~مراعى في أواخر يس ، حيث قال تعالى : { أولم ير الإنسان أنا خلقناه } ( يس ~~: 77 ) ثم لم يعطف الدليل الآفاقي ههنا ؟ نقول والله أعلم ههنا وجد منهم ~~الاستبعاد بقول { ذلك رجع بعيد } ( ق: 3 ) فاستدل بالأكبر وهو خلق السماوات ~~، ثم نزل كأنه قال لا حاجة إلى ذلك الاستدلال بل في أنفسهم دليل جواز ذلك ، ~~وفي سورة يس لم يذكر استبعادهم فبدأ بالأدنى وارتقى إلى الأعلى . # / والوجه الثاني : يحتمل أن يكون المراد بالخلق الأول هو خلق السماوات ، ~~لأنه هو الخلق الأول وكأنه تعالى قال : { أفلم ينظروا إلى السماء } ( ق: 6 ~~) ثم قال : { أفعيينا } بهذا الخلق ويدل على هذا قوله تعالى : { أولم يروا ~~أن الله الذى خلق * السماوات والارض * ولم يعى بخلقهن } ( الأحقاف : 33 ) ~~ويؤيد هذا الوجه هو أن الله تعالى قال بعد هذه الآية { ولقد خلقنا الإنسان ~~ونعلم ما توسوس به نفسه } ( ق: 16 ) فهو كالاستدلال بخلق الإنسان وهو معطوف ~~بحرف الواو على ما تقدم من الخلق وهو بناء السماء ومد الأرض وتنزيل الماء ~~وإنبات الجنات ، وفي تعريف الخلق الأول وتنكير خلق جديد وجهان أحدهما : ما ~~عليه الأمران لأن الأول عرفه كل واحد وعلم لنفسه ، والخلق الجديد لم يعلم ~~لنفسه ولم يعرفه كل أحد ولأن الكلام ms8399 عنهم وهم لم يكونوا عالمين بالخلق ~~الجديد والوجه الثاني : أن ذلك لبيان إنكارهم للخلق الثاني من كل وجه ، ~~كأنهم قالوا أيكون لنا خلق ما على وجه الإنكار له بالكلية ؟ وقوله تعالى : ~~{ بل هم فى لبس } تقديره ما عيينا بل هم في شك من خلق جديد ، يعني لا مانع ~~من جهة الفاعل ، فيكون من جانب المفعول وهو الخلق الجديد ، لأنهم كانوا ~~يقولون ذلك محال وامتناع وقوع المحال بالفاعل لا يوجب عجزا فيه ، ويقال ~~للمشكوك فيه ملتبس كما يقل لليقين إنه ظاهر PageV28P139 وواضح ، ثم إن ~~اللبس يسند إلى الأمر كم قلنا : إنه يقال إن هذا أمر ظهر ، وهذا أمر ملتبس ~~وههنا أسند الأمر إليهم حيث قال : { هم فى لبس } وذلك لأن الشيء يكون وراء ~~حجاب والناظر إليه بصير فيختفي الأمر من جانب الرائي فقال ههنا { بل هم فى ~~لبس } ومن في قوله { من خلق جديد } يفيد فائدة وهي ابتداء الغاية كأن اللبس ~~كان حاصلا لهم من ذلك . # ! 7 < { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 16 ) ولقد خلقنا الإنسان . . . . . # > > # وقوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان } فيه وجهان : # أحدهما : أن يكون ابتداء استدلال بخلق الإنسان ، وهذا على قولنا { ~~أفعيينا بالخلق الاول } ( ق: 15 ) معناه خلق السماوات وثانيهما : أن يكون ~~تتميم بيان خلق الإنسان ، وعلى هذا قولنا الخلق الأول هو خلق الإنسان أول ~~مرة ، ويحتمل أن يقال هو تنبيه على أمر يوجب عودهم عن مقالهم ، وبيانه أنه ~~تعالى لما قال : { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } كان ذلك ~~إشارة إلى أنه لا يخفى عليه خافية ويعلم ذوات صدورهم . # وقوله { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } . # بيان لكمال علمه ، والوريد العرق الذي هو مجرى الدم يجري فيه ويصل إلى كل ~~جزء من أجزاء البدن والله أقرب من ذلك بعلمه ، لأن العرق تحجبه أجزاء اللحم ~~ويخفى عنه ، وعلم الله تعالى / لا يحجب عنه شيء ، ويحتمل أن يقال { ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد } بتفرد قدرتنا فيه ms8400 يجري فيه أمرنا كما يجري الدم ~~في عروقه . # ! 7 < { إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد } . > 7 ! # { < < # | ق : ( 17 ) إذ يتلقى المتلقيان . . . . . # > > إذ } ظرف والعامل فيه ما في قوله تعالى : { ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد } وفيه إشارة إلى أن المكلف غير متروك سدى ، وذلك لأن الملك إذا ~~أقام كتابا على أمر اتكل عليهم ، فإن كان له غفلة عنه فيكون في ذلك الوقت ~~يتكل عليهم ، وإذا كان عند إقامة الكتاب لا يبعد عن ذلك الأمر ولا يغفل عنه ~~فهو عند عدم ذلك أقرب إليه وأشد إقبالا عليه ، فنقول : الله في وقت أخذ ~~الملكين منه فعله وقوله أقرب إليه من عرقه المخالط له ، فعندما يخفى عليهما ~~شيء يكون حفظنا بحاله أكمل وأتم ، ويحتمل أن يقال التلقي من الاستقبال يقال ~~فلان يتلقى الركب وعلى هذا الوجه فيكون معناه وقت ما يتلقاه المتلقيان يكون ~~عن يمينه وعن شماله قعيد ، فالمتلقيان على هذا الوجه هما الملكان اللذان ~~يأخذان روحه من ملك الموت أحدهما يأخذ أرواح الصالحين وينقلها إلى السرور ~~والحبور إلى يوم النشور والآخر يأخذ أرواح الطالحين وينقلها إلى الويل ~~والثبور إلى يوم الحشر من القبور ، فقال تعالى وقت تلقيهما وسؤالهما إنه من ~~أي القبيلين يكون عند الرجل قعيد عن اليمين PageV28P140 وقعيد عن الشمال ، ~~يعني الملكان ينزلان وعنده ملكان آخران كاتبان لأعماله يسألانهما من أي ~~القيلين كان ، فإن كان من الصالحين يأخذ روحه ملك السرور ، ويرجع إلى الملك ~~الآخر مسرورا حيث لم يكن مسرورا ممن يأخذها هو ، وإن كان من الطالحين ~~يأخذها ملك العذاب ويرجع إلى الآخر محزونا حيث لم يكن ممن يأخذها هو ، ~~ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى : { سائق وشهيد } ( ق: 21 ) فالشهيد هو القعيد ~~والسائق هو المتلقي يتلقى أخذ روحه من ملك الموت فيسوقه إلى منزله وقت ~~الإعادة . وهذا أعرف الوجهين وأقربهما إلى الفهم ، وقول القائل جلست عن ~~يمين فلان فيه إنباء عن تنح ما عنه احتراما له واجتنابا منه ، وفيه لطيفة ~~وهي ms8401 أن الله تعالى قال : { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق: 16 ) ~~المخالط لأجزائه المداخل في أعضائه والملك متنح عنه فيكون علنا به أكمل من ~~علم الكاتب لكن من أجلس عنده أحدا ليكتب أفعاله وأقواله ويكون الكاتب ناهضا ~~خبيرا والملك الذي أجلس الرقيب يكون جبارا عظيما فنفسه أقرب إليه من الكاتب ~~بكثير ، والقعيد هو الجليس كما أن قعد بمعنى جلس . # ! 7 < { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 19 ) وجاءت سكرة الموت . . . . . # > > # / أي شدته التي تذهب العقول وتذهل الفطن ، وقوله { بالحق } يحتمل وجوها ~~أحدها : أن يكون المراد منه الموت فإنه حق ، كأن شدة الموت تحضر الموت ~~والباء حينئذ للتعدية ، يقال جاء فلان بكذا أي أحضره ، وثانيهما : أن يكون ~~المراد من الحق ما أتى به من الدين لأنه حق وهو يظهر عند شدة الموت وما من ~~أحد إلا وهو في تلك الحالة يظهر الإيمان لكنه لا يقبل إلا ممن سبق منه ذلك ~~وآمن بالغيب ، ومعنى المجيء به هو أنه يظهره ، كما يقال الدين الذي جاء به ~~النبي صلى الله عليه وسلم أي أظهره ، ولما كانت شدة الموت مظهرة له قيل فيه ~~جاء به ، والباء حينئذ يحتمل أن يكون المراد منها ملبسة يقال جئتك بأمل ~~فسيح وقلب خاشع ، وقوله { ذالك } يحتمل أن يكون إشارة إلى الموت ويحتمل أن ~~يكون إشارة إلى الحق ، وحاد عن الطريق أي مال عنه ، والخطاب قيل مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو منكر ، وقيل مع الكافرين وهو أقرب ، والأقوى أن ~~يقال هو خطاب عام مع السامع كأنه يقول { ذلك ما كنت منه تحيد } أيها السامع ~~. # ! 7 < { ونفخ فى الصور ذلك يوم الوعيد } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 20 ) ونفخ في الصور . . . . . # > > # عطف على قوله { وجاءت سكرة الموت } ( ق: 19 ) والمراد منه إما النفخة ~~الأولى فيكون بيانا لما يكون عند مجيء سكرة الموت أو النفخة الثانية وهو ~~أظهر لأن قوله تعالى : { ذلك يوم الوعيد } بالنفخة الثانية أليق ويكون قوله ~~{ وجاءت سكرة الموت } إشارة إلى الإماتة ، وقوله { ونفخ ms8402 فى الصور } إشارة ~~إلى الإعادة والإحياء ، وقوله تعالى : { ذالك } ذكر الزمخشري أنه إشارة إلى ~~المصدر الذي من قوله { ونفخ } أي وقت ذلك النفخ يوم الوعيد وهو ضعيف لأن ~~يوم لو كان منصوبا لكان ما ذكرنا ظاهرا وأما رفع يوم فيفيد أن ذلك نفس ~~اليوم ، والمصدر لا يكون نفس الزمان وإنما يكون في الزمان فالأولى أن يقال ~~ذلك إشارة إلى الزمان المفهوم من قوله PageV28P141 { ونفخ } لأن الفعل كما ~~يدل على المصدر يدل على الزمان فكأنه تعالى قال ذلك الزمان يوم الوعيد ، ~~والوعيد هو الذي أوعد به من الحشر والإيتاء والمجازاة . # ! 7 < { وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد } . > 7 ! # < < # | ق : ( 21 ) وجاءت كل نفس . . . . . # > > قد بينا من قبل أن السائق هو الذي يسوقه إلى الموقف ومنه إلى مقعده ~~والشهيد هو الكاتب ، والسائق لازم للبر والفاجر أما البر فيساق / إلى الجنة ~~وأما الفاجر فإلى النار ، وقال تعالى : { وسيق الذين كفروا } ( الزمر : 71 ~~) { وسيق الذين اتقوا ربهم } ( الزمر : 73 ) . # ! 7 < { لقد كنت فى غفلة من هاذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد } . ~~> 7 @QB@ < # | ق : ( 22 ) لقد كنت في . . . . . # > > # وقوله تعالى : { لقد كنت فى غفلة من هاذا } إماعلى تقدير يقال له أو قيل ~~له { لقد كنت } كما قال تعالى : { وقال لهم خزنتها } ( الزمر : 73 ) وقال ~~تعالى : { قيل ادخلوا أبواب جهنم } ( الزمر : 72 ) والخطاب عام أما الكافر ~~فمعلوم الدخول في هذا الحكم وأما المؤمن فإنه يزداد علما ويظهر له ما كان ~~مخفيا عنه ويرى علمه يقينا رأى المعتبر يقينا فيكون بالنسبة إلى تلك ~~الأحوال وشدة الأهوال كالغافل وفيه الوجهان اللذان ذكرناهما في قوله تعالى ~~: { ما كنت منه تحيد } ( ق: 19 ) والغفلة شيء من الغطاء كاللبس وأكثر منه ~~لأن الشاك يلتبس الأمر عليه والغافل يكون الأمر بالكلية محجوبا قلبه عنه ~~وهو الغلف . # وقوله تعالى : { فكشفنا عنك غطاءك } أي أزلنا عنك غفلتك { فبصرك اليوم ~~حديد } وكان من قبل كليلا ، وقرينك حديدا ، وكان في الدنيا خليلا ، وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى . # ! 7 < { وقال قرينه هاذا ما لدى عتيد * ألقيا فى ms8403 جهنم كل كفار عنيد } . > ~~7 ! # < < # | ق : ( 23 ) وقال قرينه هذا . . . . . # > > وفي القرين وجهان أحدهما الشيطان الذي زين الكفر له والعصيان وهو ~~الذي قال تعالى فيه { وقيضنا لهم قرناء } ( فصلت : 25 ) وقال تعالى : { ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين } ( الزخرف : 36 ) وقال تعالى : { فبئس القرين ~~} ( الزخرف : 38 ) فالإشارة بهذا المسوق إلى المرتكب الفجور والفسوق ، ~~والعتيد معناه المعد للنار وجملة الآية معناها أن الشيطان يقول هذا العاصي ~~شيء هو عندي معد لجهنم أعددته بالإغواء والإضلال ، والوجه الثاني { وقال ~~قرينه } أي القعيد الشهيد الذي سبق ذكره وهو الملك وهذا إشارة إلى كتاب ~~أعماله ، وذلك لأن الشيطان في ذلك الوقت لا يكون له من المكانة أن يقول ذلك ~~القول ، ولأن قوله { هاذا ما لدى عتيد } فيكون عتيد صفته ، وثانيهما أن ~~تكون موصولة ، فيكون عتيد محتملا الثلاثة أوجه أحدها : أن يكون خبرا بعد ~~خبر والخبر الأول { ما لدى } معناه هذا الذي هو لدي وهو عتيد وثانيها : أن ~~يكون عتيد هو الخبر لا غير ، و { ما لدى } يقع كالوصف المميز للعتيد عن ~~غيره كما تقول هذا الذي عند زيد وهذا الذي يجيئني عمرو فيكون الذي عندي ~~والذي يجيئني لتمييز المشار إليه عن غيره PageV28P142 ثم يخبر عنه بما بعده ~~ثم يقال للسائق أو الشهيد { ألقيا فى جهنم } فيكون هو أمرا لواحد ، وفيه ~~وجهان أحدهما أنه ثنى تكرار الأمر كما ألق ألق ، وثانيهما عادة العرب ذلك . # وقوله { كل كفار عنيد } الكفار يحتمل أن يكون من الكفران فيكون بمعنى ~~كثير / الكفران ، ويحتمل أن يكون من الكفر ، فيكون بمعنى شديد الكفر ، ~~والتشديد في لفظة فعال يدل على شدة في المعنى ، والعنيد فعيل بمعنى فاعل من ~~عند عنودا ومنه العناد ، فإن كان الكفار من الكفران ، فهو أنكر نعم الله مع ~~كثرتها . # ! 7 < { مناع للخير معتد مريب } . > 7 ! # < < # | ق : ( 25 ) مناع للخير معتد . . . . . # > > وقوله تعالى : { مناع للخير } . # فيه وجهان أحدهما : كثير المنع للمال الواجب ، وإن كان من الكفر ، فهو ~~أنكر دلائل وحدانية الله مع قوتها وظهورها ، فكان شديد الكفر عنيدا حيث ~~أنكر ms8404 الأمر اللائح والحق الواضح ، وكان كثير الكفران لوجود الكفران منه عند ~~كل نعمة عنيد ينكرها مع كثرتها عن المستحق الطالب ، والخير هو المال ، ~~فيكون كقوله تعالى : { وويل * للمشركين * الذين لا يؤتون الزكواة } ( فصلت ~~: 6 ، 7 ) حيث بدأ ببيان الشرك ، وثنى بالامتناع من إيتاء الزكاة ، وعلى ~~هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفران ، كأنه يقول : كفر أنعم ~~الله تعالى ، ولم يؤد منها شيئا لشكر أنعمه وثانيهما : شديد المنع من ~~الإيمان فهو مناع للخير وهو الإيمان الذي هو خير محض من أن يدخل في قلوب ~~العباد ، وعلى هذا ففيه مناسبة شديدة إذا جعلنا الكفار من الكفر ، كأنه ~~يقول : كفر بالله ، ولم يقتنع بكفره حتى منع الخير من الغير . # وقوله تعالى : { معتد } . # فيه وجهان أحدهما : أن يكون قوله { معتد } مرتبا على { مناع } بمعنى مناع ~~الزكاة ، فيكون معناه لم يؤد الواجب ، وتعدى ذلك حتى أخذ الحرام أيضا ~~بالربا والسرقة ، كما كان عادة المشركين وثانيهما : أن يكون قوله { معتد } ~~مرتبا على { مناع } بمعنى منع الإيمان ، كأنه يقول : منع الإيمان ولم يقنع ~~به حتى تعداه ، وأهان من آمن وآذاه ، وأعان من كفر وآواه . # وقوله تعالى : { مريب } . # فيه وجهان أحدهما : ذو ريب ، وهذا على قولنا : الكفار كثير الكفران ، ~~والمناع مانع الزكاة ، كأنه يقول : لا يعطي الزكاة لأنه في ريب من الآخرة ، ~~والثواب فيقول : لا أقرب مالا من غير عوض وثانيهما : { مريب } يوقع الغير ~~في الريب بإلقاء الشبهة ، والإرابة جاءت بالمعنيين جميعا ، وفي الآية ترتيب ~~آخر غير ما ذكرناه ، وهو أن يقال : هذا بيان أحوال الكفر بالنسبة إلى الله ~~، وإلى رسول الله ، وإلى اليوم الآخر ، فقوله { كفار عنيد } إشارة إلى حاله ~~مع الله يكفر بعد ويعاند آياته ، وقوله { مناع للخير معتد } إشارة إلى حاله ~~مع رسول الله ، فيمنع الناس من اتباعه ، ومن الإنفاق على من عنده ، ويتعدى ~~بالإيذاء وكثرة الهذاء ، وقوله { مريب } إشارة إلى حاله بالنسبة إلى اليوم ~~الآخر يريب فيه ويرتاب ، ولا يظن أن الساعة قائمة ، فإن قيل قوله ~~PageV28P143 تعالى : { ألقيا فى جهنم كل كفار ms8405 عنيد * مناع للخير } إلى غير ~~ذلك يوجب أن يكون الإلقاء خاصا بمن اجتمع فيه هذه الصفات بأسرها ، والكفر ~~كاف في إيراث الإلقاء في جهنم والأمر به ، فنقول قوله تعالى : { كل كفار ~~عنيد } ليس المراد منه الوصف المميز ، كما يقال : أعط العالم الزاهد ، بل ~~المراد الوصف المبين بكون الموصوف موصوفا به إما على سبيل المدح ، أو على ~~سبيل الذم ، كما يقال : هذا حاتم السخي ، فقوله { كل كفار عنيد } يفيد أن ~~الكفار عنيد ومناع ، فالكفار كافر ، لأن آيات الوحدانية ظاهرة ، ونعم الله ~~تعالى على عبده وافرة ، وعنيد ومناع للخير ، لأنه يمدح دينه ويذم دين الحق ~~فهو يمنع ، ومريب لأنه شاك في الحشر ، فكل كافر فهو موصوف بهذه الصفات . # ! 7 < { الذى جعل مع الله إلاها ءاخر فألقياه فى العذاب الشديد } . > 7 ! # < < # | ق : ( 26 ) الذي جعل مع . . . . . # > > فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه بدل من قوله { كل كفار عنيد } ( ق: 24 ) ~~ثانيها : أنه عطف على { كل كفار عنيد } ثالثها : أن يكون عطفا على قوله { ~~ألقيا فى جهنم } كأنه قال : { ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد } أي والذي جعل ~~مع الله إلاها آخر فألقياه بعد ما ألقيتموه في جهنم في عذاب شديد من عذاب ~~جهنم . ثم قال تعالى : # ! 7 < { قال قرينه ربنا مآ أطغيته ولاكن كان فى ضلل بعيد } . > 7 ! # < < # | ق : ( 27 ) قال قرينه ربنا . . . . . # > > وهو جواب لكلام مقدر ، كأن الكافر حينما يلقى في النار يقول : ربنا ~~أطغاني شيطاني ، فيقول الشيطان : ربنا ما أطغيته ، يدل عليه قوله تعالى بعد ~~هذا { قال لا تختصموا لدى } ( ق: 28 ) لأن الاختصام يستدعي كلاما من ~~الجانبين وحينئذ هذا ، كما قال الله تعالى في هذه السورة وفي ص { قالوا بل ~~أنتم لا مرحبا بكم } ( ص: 60 ) وقوله تعالى : { قالوا ربنا من قدم لنا هاذا ~~فزده } إلى أن قال : { إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } ( ص: 61 ، 64 ) وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال الزمخشري : المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو ~~الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد ، واستدل عليه بهذا . وقال غيره ms8406 ، ~~المراد الملك لا الشيطان ، وهذا يصلح دليلا لمن قال ذلك ، وبيانه هو أنه في ~~الأول لو كان المراد الشيطان ، فيكون قوله { هاذا ما لدى عتيد } ( ق: 23 ) ~~معناه هذا الشخص عندي عتيد متعد للنار اعتدته بإغوائي ، فإن الزمخشري صرح ~~في تفسير تلك بهذه ، وعلى هذا فيكون قوله { ربنا ما أطغيته } مناقضا لقوله ~~اعتدته وللزمخشري أن يقول الجواب : عنه من وجهين أحدهما : أن يقول إن ~~الشيطان يقول اعتدته بمعنى زينت له الأمر وما ألجأته فيصح القولان من ~~الشيطان وثانيهما : أن تكون الإشارة إلى حالين : ففي الحالة / الأولى إنما ~~فعلت به ذلك إظهارا للانتقام من بني آدم ، وتصحيحا لما قال : { فبعزتك ~~لاغوينهم أجمعين } ( ص: 82 ) ثم إذا رأى العذاب وأنه معه مشترك وله على ~~الإغواء عذاب ، كما قال تعالى : { فالحق والحق أقول * لاملان جهنم منك وممن ~~تبعك } ( ص : 84 ، 85 ) فيقول { ربنا ما أطغيته } فيرجع عن مقالته عند ظهور ~~العذاب . PageV28P144 # المسألة الثانية : قال ههنا { قال قرينه } من غير واو ، وقال في الآية ~~الأولى { وقال قرينه } ( ق: 23 ) بالواو العاطفة ، وذلك لأن في الأول ~~الإشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين ، وأن كل نفس في ذلك الوقت تجيء ومعها ~~سائق ، ويقول الشهيد ذلك القول ، وفي الثاني لم يوجد هناك معنيان مجتمعان ~~حتى يذكر بالواو ، والفاء في قوله { فألقياه فى العذاب } ( ق: 26 ) لا ~~يناسب قوله تعالى : { قال قرينه ربنا ما أطغيته } مناسبة مقتضية للعطف ~~بالواو . # المسألة الثالثة : القائل ههنا واحد ، وقال { ربنا } ولم يقل رب ، وفي ~~كثير من المواضع مع كون القائل واحدا ، قال رب ، كما في قوله { قال رب أرنى ~~أنظر إليك } ( الأعراف : 143 ) وقول نوح { رب اغفر لى } ( نوح : 28 ) وقوله ~~تعالى : { قال رب السجن أحب إلى } ( يوسف : 33 ) وقوله { قالت رب ابن لى ~~عندك بيتا فى الجنة } ( التحريم : 11 ) إلى غير ذلك ، وقوله تعالى : { قال ~~رب * أنظرنى إلى يوم يبعثون } ( ص : 79 ) نقول في جميع تلك المواضع القائل ~~طالب ، ولا يحسن أن يقول الطالب : يا رب عمرني واخصصني وأعطني كذا ، وإنما ~~يقول ms8407 : أعطنا لأن كونه ربا لا يناسب تخصيص الطالب ، وأما هذا الموضع فموضع ~~الهيبة والعظمة وعرض الحال دون الطلب فقال : { ربنا ما أطغيته } . # وقوله تعالى : { ولاكن كان فى ضلال بعيد } . # يعني أن ذلك لم يكن بإطغائه ، وإنما كان ضالا متغلغلا في الضلال فطغى ، ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الوجه في اتصاف الضلال بالبعيد ؟ نقول الضال يكون ~~أكثر ضلالا عن الطريق ، فإذا تمادى في الضلال وبقي فيه مدة يبعد عن المقصد ~~كثيرا ، وإذا علم الضلال قصر في الطريق من قريب فلا يبعد عن المقصد كثيرا ، ~~فقوله { ضلال بعيد } وصف المصدر بما يوصف به الفاعل ، كما يقال كلام صادق ~~وعيشة راضية أي ضلال ذو بعد ، والضلال إذا بعد مداه وامتد الضال فيه يصير ~~بينا ويظهر الضلال ، لأن من حاد عن الطريق وأبعد عنه تتغير عليه السمات ~~والجهات ولا يرى عين المقصد ويتبين له أنه ضل عن الطريق ، وربما يقع في ~~أودية ومفاوز ويظهر له أمارات الضلال بخلاف من حاد قليلا ، فالضلال وصفه ~~الله تعالى بالوصفين في كثير من المواضع فقال تارة في ضلال مبين وأخرى قال ~~: { فى ضلال بعيد } . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولاكن كان فى ضلال بعيد } إشارة إلى ~~قوله { إلا عبادك منهم المخلصين } ( الحجر : 40 ) وقوله تعالى : { إن عبادى ~~ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) أي لم يكونوا من العباد ، فجعلهم أهل ~~العناد ، ولو كان لهم في سبيلك قدم صدق لما كان لي عليهم من يد ، والله ~~أعلم . # المسألة الثالثة : كيف قال ما أطغيته مع أنه قال : { لاغوينهم أجمعين } ؟ ~~( الحجر : 39 ) قلنا الجواب عنه من ثلاثة أوجه وجهان : قد تقدما في ~~الاعتذار عما قاله الزمخشري والثالث : هو أن يكون المراد من قوله { ~~لاغوينهم } أي لأديمنهم على الغواية كما أن الضال إذا قال له شخص أنت على ~~الجادة ، فلا تتركها ، يقال أنه يضله كذلك ههنا ، وقوله { ما أطغيته } أي ~~ما كان ابتداء الإطغاء مني . # ! 7 < { قال لا تختصموا لدى وقد قدمت إليكم بالوعيد } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 28 ) قال لا تختصموا . . . . . # > > # ثم قال تعالى ms8408 : { قال لا تختصموا لدى } . PageV28P145 # قد ذكرنا أن هذا دليل على أن هناك كلاما قبل قوله { قال قرينه ربنا ما ~~أطغيته } ( ق: 27 ) وهو قول الملقى في النار ربنا أطغاني وقوله { لا ~~تختصموا لدى } يفيد مفهومه أن الاختصام كان ينبغي أن يكون قبل الحضور ~~والوقوف بين يدي . # وقوله تعالى : { وقد قدمت إليكم بالوعيد } . # تقرير للمنع من الاختصام وبيان لعدم فائدته ، كأنه يقول قد قلت إنكم إذا ~~اتبعتم الشيطان تدخلون النار وقد اتبعتموه ، فإن قيل ما حكم الباء في قوله ~~تعالى : { بالوعيد } ؟ قلنا فيها وجوه أحدها : أنها مزيدة كما في قوله ~~تعالى { تنبت بالدهن } ( المؤمنون : 20 ) ، على قول من قال إنها هناك زائدة ~~، وقوله { وكفى بالله } ( النساء : 6 ) وثانيها : معدية فقدمت بمعنى تقدمت ~~كما في قوله تعالى : { عظيما ياأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله } ~~( الحجرات : 1 ) ثالثها : في الكلام إضمار تقديره ، وقد قدمت إليكم مقترنا ~~بالوعيد { ما يبدل القول لدى } ( ق: 29 ) فيكون المقدم هو قوله ، ما يبدل ~~القول لدي ، رابعها : هي المصاحبة يقول القائل : اشتريت الفرس بلجامه وسرجه ~~أي معه فيكون كأنه تعالى قال : قدمت إليكم ما يجب مع الوعيد على تركه ~~بالإنذار . # ! 7 < { ما يبدل القول لدى ومآ أنا بظلام للعبيد } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 29 ) ما يبدل القول . . . . . # > > # وقوله تعالى : { ما يبدل القول لدى } يحتمل وجهين : # أحدهما : أن يكون قوله { لدى } متعلقا بالقول أي { ما يبدل القول لدى } ~~وثانيهما : أن يكون ذلك متعلقا بقوله { ما يبدل } أي لا يقع التبديل عندي ، ~~وعلى الوجه الأول في القول الذي لديه وجوه أحدها : هو أنهم لما قالوا حتى ~~يبدل ما قيل في حقهم { ألقيا } ( ق: 24 ) بقول الله بعد اعتذارهم لا تلقياه ~~فقال تعالى : ما يبدل هذا القول لدي ، وكذلك قوله { وقيل * ادخلوا أبواب ~~جهنم } ( الزمر : 72 ) لا تبديل له ثانيها : هو قوله { ولاكن حق القول منى ~~لاملان جهنم } ( السجدة : 13 ) أي لا تبديل لهذا القول ثالثها : لا خلف في ~~إيعاد الله تعالى كما لا إخلاف في ميعاد الله ، وهذا يرد على ms8409 المرجئة حيث ~~قالو ما ورد في القرآن من الوعيد ، فهو تخويف لا يحقق الله شيئا منه ، ~~وقالوا الكريم إذا وعد أنجز ووفى ، وإذا أوعد أخلف وعفا رابعها : لا يبدل ~~القول السابق أن هذا شقي ، وهذا سعيد ، حين خلقت العباد ، قلت هذا شقي ~~ويعمل عمل الأشقياء ، وهذا تقي ويعمل عمل الأتقياء ، وذلك القول عندي لا ~~تبديل له بسعي ساع ولا سعادة إلا بتوفيق الله تعالى ، وأما على الوجه ~~الثاني ففي { ما يبدل } وجوه أيضا أحدها : لا يكذب لدي ولا يفتري بين يدي ، ~~فإني عالم علمت من طغى ومن أطغى ، ومن كان طاغيا ومن كان أطغى ، فلا يفيدكم ~~قولكم أطغاني شيطاني ، ولا قول الشيطان { ربنا ما أطغيته } ( ق: 27 ) ~~ثانيها : إشارة إلى معنى قوله تعالى : { ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا } ( ~~الحديد : 13 ) كأنه تعالى قال لو أردتم أن لا أقول فألقياه في العذاب ~~الشديد كنتم بدلتم هذا من قبل بتبديل الكفر بالإيمان قبل أن تقفوا بين يدي ~~، وأما الآن فما يبدل القول لدي كما قلنا في قوله تعالى : { قال لا تختصموا ~~لدى } ( ق: 28 ) المراد أن اختصامكم كان يجب أن يكون قبل هذا حيث قلت { إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) ثالثها : معناه لا يبدل الكفر ~~بالإيمان لدي ، فإن الإيمان عند اليأس غير مقبول فقولكم ربنا وإلاهنا لا ~~يفيدكم فمن تكلم بكلمة الكفر لا يفيده قوله ربنا ما أشركنا وقوله ربنا آمنا ~~وقوله تعالى : { ما يبدل القول } إشارة إلى نفي الحال كأنه تعالى يقول ما ~~يبدل اليوم لدي القول ، لأن ما ينفي بها الحال إذا دخلت على الفعل المضارع ~~، يقول القائل ماذا تفعل غدا ؟ PageV28P146 يقال ما أفعل شيئا أي في الحال ~~، وإذا قال القائل ماذا يفعل غدا ، يقال لا يفعل شيئا أو لن يفعل شيئا إذا ~~أريد زيادة بيان النفي ، فإن قيل هل فيه بيان معنوي يفيد افتراق ما ولا في ~~المعنى نقول : نعم ، وذلك لأن كلمة لا أدل على النفي لكونها موضوعة للنفي ~~وما في معناه كالنهي خاصة لا يفيد ms8410 الإثبات إلا بطريق الحذف أو الإضمار ~~وبالجملة فبطريق المجاز كما في قوله { لا أقسم } ( البلد : 1 ) وأما ما ~~فغير متمحضة للنفي لأنها واردة لغيره من المعاني حيث تكون اسما والنفي في ~~الحال لا يفيد النفي المطلق لجواز أن يكون مع النفي في الحال الإثبات في ~~الاستقبال ، كما يقال ما يفعل الآن شيئا وسيفعل إن شاء الله ، فاختص بما لم ~~يتمحض نفيا حيث لم تكن متمحضة للنفي لا يقال إن لا للنفي في الاستقبال ~~والإثبات في الحال فاكتفى في استقبال بما لم يتمحض نفيا لأنا نقول ليس كذلك ~~إذ لا يجوز أن يقال لا يفعل زيد ويفعل الآن نعم يجوز أن يقال لا يفعل غدا ~~ويفعل الآن لكون قولك غدا يجعل الزمان مميزا فلم يكن قولك لا يفعل للنفي في ~~الاستقبال بل كان للنفي في بعض أزمنة الاستقبال / وفي مثالنا قلنا ما يفعل ~~وسيفعل وما قلنا سيفعل غدا وبعد غد ، بل ههنا نفينا في الحال وأثبتنا في ~~الاستقبال من غير تمييز زمان من أزمة الاستقبال عن زمان ، ومثاله في العكس ~~أن يقال لا يفعل زيد وهو يفعل من غير تعيين وتمييز ومعلوم أن ذلك غير جائز ~~. # / وقوله تعالى { وما أنا بظلام للعبيد } مناسب لما تقدم على الوجهين ~~جميعا ، أما إذا قلنا بأن المراد من قوله { لدى } أن قوله { فألقياه } ( ق: ~~26 ) وقول القائل في قوله : { قيل ادخلوا أبواب جهنم } ( الزمر : 72 ) لا ~~تبديل له فظاهر ، لأن الله تعالى بين أن قوله : { ألقيا فى جهنم } ( ق: 24 ~~) لا يكون إلا للكافر العنيد فلا يكون هو ظلاما للعبيد . وأما إذا قلنا بأن ~~المراد { ما يبدل القول لدى } بل كان الواجب التبديل قبل الوقوف بين يدي ~~فكذلك لأنه أنذر من قبل ، وما عذب إلا بعد أن أرسل وبين السبل ، وفيه مباحث ~~لفظية ومعنوية . # أما اللفظية فهي من الباء من قوله ليس { بظلام } وفي اللام من قوله { ~~للعبيد } أما الباء فنقول الباء تدخل في المفعول به حيث لا يكون تعلق الفعل ~~به ظاهرا ولا يجوز ms8411 إدخالها فيه حيث يكون في غاية الظهور ، ويجوز الإدخال ~~والترك حيث لا يكون في غاية الظهور ولا في غاية الخفاء ، فلا يقال ضربت ~~بزيد لظهور تعلق الفعل يزيد ، ولا يقال خرجت وذهبت زيدا بدل قولنا خرجت ~~وذهبت بزيد لخفاه تعلق الفعل بزيد فيهما ، ويقال شكرته وشكرت له للتوسط ~~فكذلك خبر ما لما كان مشبها بالمفعول ، وليس في كونه فعلا غير ظاهر غاية ~~الظهور ، لأن إلحاق الضمائر التي تلحق بالأفعال الماضية كالتاء والنون في ~~قولك : لست ولستم ولستن ولسنا يصحح كونها فعلا كما في قولك كنت وكنا ، لكن ~~في الاستقبال يبين الفرق حيث نقول يكون وتكون ، وكن ، ولا نقول ذلك في ليس ~~وما يشبه بها فصارتا كالفعل الذي لا يظهر تعلقه بالمفعول غاية الظهور ، ~~فجاز أن يقال ليس زيد جاهلا وليس زيد بجاهل ، كما يقال مسحته ومسحت به وغير ~~ذلك مما يعدى بنفسه وبالباء ، ولم يجز أن يقال كان زيد بخارج وصار عمرو ~~بدارج لأن صار وكان فعل ظاهر غاية الظهور بخلاف ليس وما النافية ، وهذا ~~يؤيد قول من قال : ( ما هذا بشر ) وهذا ظاهر . # البحث الثاني : لو قال قائل : كان ينبغي أن لا يجوز إخلاء خبر ما عن ~~الباء ، كما لا يجوز إدخال الباء في خبر كان وخبر ليس يجوز فيه الأمران ~~وتقرير هذا السؤال هو أن كان لما كان فعلا ظاهرا جعلناه بمنزلة ضرب حيث ~~منعنا دخول الباء في خبره كما منعناه في مفعوله ، وليس لما كان فعلا من وجه ~~نظرا إلى قولنا لست ولسنا PageV28P147 ولستم ، ولم يكن فعلا ظاهرا نظرا إلى ~~صيغ الاستقبال والأمر جعلناه متوسطا وجوزنا إدخال الباء في خبره وتركه ، ~~كما قلنا في مفعول شكرته وشكرت له ، وما لما لم يكن فعلا بوجه كان ينبغي أن ~~يكون بمنزلة الفعل الذي لا يتعدى إلى المفعول إلا بالحرف وكان ينبغي أن لا ~~يجيء خبره إلا مع الباء كما لا يجيء مفعول ذهب إلا مع الباء ، ويؤيد هذا ~~أنا فرقنا بين ما وليس وكان ، وجعلنا لكل واحدة مرتبة ليست ms8412 للأخرى فجوزنا ~~تأخير كان في اللفظ حيث جوزنا أن يقول القائل زيد خارجا كان وما جوزنا زيد ~~خارجا ليس ، لأن كان فعل ظاهر وليس / دونه في الظهور ، وما جوزنا تأخير ما ~~عن أحد شطري الكلام أيضا بخلاف ليس ، حيث لا يجوز أن يقول القائل : زيد ما ~~بظلام ، إلا أن يعيد ما يرجع إليه فيقول زيد ما هو بظلام فصار بينهما ترتيب ~~ما يوجه ، وليس يؤخر عن أحد الشطرين ولا يؤخر في الكلام بالكلية ، وكان ~~يؤخر بالكلية لما ذكرنا من الظهور والخفاء ، فكذلك القول في إلحاق الباء ~~كان ينبغي أن لا يصح إخلاء خبر ما عن الباء / وفي ليس يجوز الأمران ، وفي ~~كان لا يجوز الإدخال ، وهذا هو المعتمد عليه في لغة بني تميم حيث قالوا : ~~إن ما بعد ما إذا جعل خبرا يجب إدخال الباء عليه فإن لم تدخل عليه يكون ذلك ~~معربا على الابتداء أو على وجه آخر ولا يكون خبرا ، والجواب عن السؤال هو ~~أن نقول الأكثر إدخال الباء في خبر ما ولا سيما في القرآن قال الله تعالى : ~~{ وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم } ( الروم : 53 ) ، { وما أنت بمسمع } ( ~~فاطر : 22 ) ، { وما هم بخارجين } ( البقرة : 167 ) ، { وما أنا بظلام } ~~وأما الوجوب فلا لأن ما أشبه ليس في المعنى في الحقيقة وخالفها في العوارض ~~وهو لحوق التاء والنون ، وأما في المعنى فهما لنفي الحال فالشبه مقتض لجواز ~~الإخلاء والمخالفة مقتضية لوجوب الإدخال ، لكن ذلك المقتضي أقوى لأنه راجع ~~إلى الأمر الحقيقي ، وهذا راجع إلى الأمر العارضي وما بالنفس أقوى مما ~~بالعارض ، وأما التقديم والتأخير فلا يلزم منه وجوب إدخال الباء ، وأما ~~الكلام في اللام فنقول اللام لتحقيق معنى الإضافة يقال غلام زيد وغلام لزيد ~~، وهذا في الإضافات الحقيقية بإثبات التنوين فيه ، وأما في الإضافات ~~اللفظية كقولنا : ضارب زيد وقاتل عمرو ، فإن الإضافة فيه غير معنوية فإذا ~~خرج الضارب عن كونه مضافا بإثبات التنوين فقد كان يجب أن يعاد الأصل وينصب ~~ما كان مضافا إليه الفاعل بالمفعول به ولا ms8413 يؤتى باللام لأنه حينئذ لم تبق ~~الإضافة في اللفظ ، ولم تكن الإضافة في المعنى ، غير أن اسم الفاعل منحط ~~الدرجة عن الفعل فصار تعلقه بالمفعول أضعف من تعلق الفعل بالمفعول ، وصار ~~من باب الأفعال الضعيفة التعلق حيث بينا جواز تعديتها إلى المفعول بحرف ~~وغير حرف ، فلذلك جاز أن يقال : ضارب زيد أو ضارب لزيد ، كما جاز : مسحته ~~ومسحت به وشكرته وشكرت له ، وذلك إذا تقدم المفعول كما في قوله تعالى : { ~~إن كنتم للرؤيا تعبرون } ( يوسف : 43 ) للضعف ، وأما المعنوية فمباحث : # الأول : الظلام مبالغة في الظالم ويلزم من إثباته إثبات أصل الظلم إذا ~~قال القائل هو كذاب يلزم أن يكون كاذبا كثر كذبه ، ولا يلزم من نفيه نفي ~~أصل الكذب لجواز أن يقال فلان ليس بكذاب كثير الكذب لكنه يكذب أحيانا ففي ~~قوله تعالى : { وما أنا بظلام } لا يفهم منه نفي أصل الظلم والله ليس بظالم ~~فما الوجه فيه ؟ نقول : الجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها : أن الظلام ~~بمعنى الظالم كالتمار بمعنى التامر وحينئذ يكون اللام في قوله : { للعبيد } ~~لتحقيق النسبة لأن الفعال حينئذ بمعنى ذي ظلم ، وهذا وجه جيد مستفاد من ~~الإمام زين الدين أدام الله فوائده . والثاني : ما ذكره الزمخشري وهو أن ~~ذلك أمر تقديري كأنه تعالى يقول : لو ظلمت عبدي PageV28P148 الضعيف الذي هو ~~محل الرحمة لكان ذلك غاية الظلم ، وأما أنا بذلك فيلزم من نفي كونه ظلاما ~~نفي كونه ظالما ، ويحقق هذا الوجه / إظهار لفظ العبيد حيث يقول : { ما أنا ~~* بظلام للعبيد } أي في ذلك اليوم الذي امتلأت جهنم مع سعتها حتى تصيح ~~وتقول لم يبق لي طاقة بهم ، ولم يبق في موضع لهم فهل من مزيد استفهام ~~استكثار ، فذلك اليوم مع أني ألقي فيها عددا لا حصر له لا أكون بسبب كثرة ~~التعذيب كثير الظلم وهذا مناسب ، وذلك لأنه تعالى خصص النفي بالزمان حيث ~~قال : ما أنا بظلام يوم نقول : أي وما أنا بظلام في جميع الأزمان أيضا ، ~~وخصص بالعبيد حيث قال : { وما أنا بظلام للعبيد } ولم ms8414 يطلق ، فكذلك خصص ~~النفي بنوع من أنواع الظلم ولم يطلق ، فلم يلزم منه أن يكون ظالما في غير ~~ذلك الوقت ، وفي حق غير العبيد وإن خصص والفائدة في التخصيص أنه أقرب إلى ~~التصديق من التعميم . والثالث : هذا يدل على أن التخصيص بالذكر لا يدل على ~~نفي ما عداه / لأنه نفى كونه ظلاما ولم يلزم منه نفي كونه ظالما ، ونفي ~~كونه ظلاما للعبيد ، ولم يلزم منه نفي كونه ظلاما لغيرهم ، كما قال في حق ~~الآدمي : { فمنهم ظالم لنفسه } ( فاطر : 32 ) . # البحث الثاني : قال ههنا : { وما أنا بظلام للعبيد } من غير إضافة ، وقال ~~: { ما أنت * بهادى العمى } ( النمل : 81 ) ، { وما أنت بمسمع من فى القبور ~~} ( فاطر : 22 ) على وجه الإضافة ، فما الفرق بينهما ؟ نقول الكلام قد يخرج ~~أولا مخرج العموم ، ثم يخصص لأمر ما لا لغرض التخصيص ، يقول القائل : فلان ~~يعطي ويمنع ويكون غرضه التعميم ، فإن سأل سائل : يعطي من ، ويمنع من ؟ يقول ~~: زيدا وعمرا ، ويأتي بالمخصص لا لغرض التخصيص ، وقد يخرج أولا مخرج الخصوص ~~، فيقول فلان يعطي زيدا ماله إذا علمت هذا فقوله : { وما أنا بظلام } كلام ~~لو اقتصر عليه لكان للعموم ، فأتى بلفظ العبيد لا لكون عدم الظلم مختصا بهم ~~، بل لكونهم أقرب إلى كونهم محل الظلم من نفسه تعالى ، وأما النبي صلى الله ~~عليه وسلم فكان في نفسه هاديا ، وإنما أراد نفي ذلك الخاص فقال : { وما أنت ~~بهادى العمى } وما قال : ما أنت بهاد ، وكذلك قوله تعالى : { أليس الله ~~بكاف عبده } ( الزمر : 36 ) . # البحث الثالث : العبيد يحتمل أن يكون المراد منه الكفار ، كما في قوله ~~تعالى : { خامدون ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول } ( يس : 30 ) يعني ~~أعذبهم وما أنا بظلام لهم ، ويحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين ووجهه هو ~~أن الله تعالى يقول : لو أبدلت القول ورحمت الكافر ، لكنت في تكليف العباد ~~ظالما لعبادي المؤمنين ، لأني منعتهم من الشهوات لأجل هذا اليوم ، فإن كان ~~ينال من لم يأت بما أتى المؤمن ما يناله المؤمن ، لكان إتيانه بما أتى ms8415 به ~~من الإيمان والعبادة غير مفيد فائدة ، وهذا معنى قوله تعالى : { لا يستوى ~~أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون } ( الحشر : 20 ) ، ~~ومعنى قوله تعالى : { قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ( الزمر ~~: 9 ) ، وقوله تعالى : { لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر } ( ~~النساء : 95 ) ويحتمل أن يكون المراد التعميم . ثم قال تعالى : # ! 7 < { يوم نقول لجهنم هل امتلات وتقول هل من مزيد } . > 7 ! # < < # | ق : ( 30 ) يوم نقول لجهنم . . . . . # > > العامل في { يوم } ماذا ؟ فيه وجوه : الأول : ما أنا بظلام مطلقا . ~~والثاني : الوقت ، حيث قال ما أنا يوم PageV28P149 كذا ، / ولم يقل : ما أن ~~بظلام في سائر الأزمان ، وقد تقدم بيانه ، فإن قيل فما فائدة التخصيص ؟ ~~نقول النفي الخاص أقرب إلى التصديق من النفي العام لأن المتوهم ذلك ، فإن ~~قاصر النظر يقول : يوم يدخل الله عبده الضعيف جهنم يكون ظالما له ، ولا ~~يقول : بأنه يوم خلقه يرزقه ويربيه يكون ظالما ، ويتوهم أنه يظلم عبده ~~بإدخاله النار ، ولا يتوهم أنه يظلم نفسه أو غير عبيده المذكورين ، ويتوهم ~~أنه من يدخل خلقا كثيرا لا يجوزه حد ، ولا يدركه عد النار ، ويتركهم فيه ~~زمانا لا نهاية له كثير الظلم ، فنفى ما يتوهم دون ما لا يتوهم ، وقوله : { ~~هل امتلات } بيان لتصديق قوله تعالى : { لاملان جهنم } ، وقوله : { هل من ~~مزيد } فيه وجهان : أحدهما : أنه لبيان استكثارها الداخلين ، كما أن من ~~يضرب غيره ضربا مبرحا ، أو يشتمه شتما قبيحا فاحشا ، ويقول المضروب : هل ~~بقي شيء آخرا ، ويدل عليه قوله تعالى : { لاملان } لأن الامتلاء لا بد من ~~أن يحصل ، فلا يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد . والثاني : هو أنها ~~تطلب الزيادة ، وحينئذ لو قال قائل فكيف يفهم مع هذا معنى قوله تعالى : { ~~لاملان } ؟ نقول : الجواب : عنه من وجوه : أحدها : أن هذا الكلام ربما يقع ~~قبل إدخال الكل ، وفيه لطيفة ، وهي أن جهنم تتغيظ على الكفار فتطلبهم ، ثم ~~يبقى فيها موضع لعصاة المؤمنين ، فتطلب جهنم امتلاءها لظنها بقاء أحد من ~~الكفار خارجا ، فيدخل العاصي ms8416 من المؤمنين ، فيبرد إيمانه حرارتها ، ويسكن ~~إيقانه غيظها فتسكن ، وعلى هذا يحمل ما ورد في بعض الأخبار ، أن جهنم تطلب ~~الزيادة حتى يضع الجبار قدمه ، والمؤمن جبار متكبر على ما سوى الله تعالى ~~ذليل متواضع لله . الثاني : أن تكون جهنم تطلب أولا سعة في نفسها ، ثم ~~مزيدا في الداخلين لظنها بقاء أحد من الكفار . الثالث : أن الملء له درجات ~~، فإن الكيل إذا ملىء من غير كبس صح أن يقال : ملىء وامتلأ ، فإذا كبس يسع ~~غيره ولا ينافي كونه ملآن أو لا ، فكذلك في جهنم ملأها الله ثم تطلب زيادة ~~تضييقا للمكان عليهم وزيادة في التعذيب ، والمزيد جار أن يكون بمعنى ~~المفعول ، أي هل بقي أحد تزيد به ، ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد } . > 7 ! # < < # | ق : ( 31 ) وأزلفت الجنة للمتقين . . . . . # > > بمعنى قريبا أو بمعنى قريب ، والأول أظهر وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما وجه التقريب ، مع أن الجنة مكان والأمكنة يقرب منها ~~وهي لا تقرب ؟ نقول : الجواب : عنه من وجوه : الأول : أن الجنة لا تزال ولا ~~تنقل ، ولا المؤمن يؤمر في ذلك اليوم بالانتقال إليها مع بعدها ، لكن الله ~~تعالى يطوي المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب . فإن قيل : فعلى ~~هذا ليس إزلاف الجنة من المؤمن بأولى من إزلاف المؤمن من الجنة ، فما ~~الفائدة في / قوله : أزلفت الجنة ؟ نقول إكراما للمؤمن ، كأنه تعالى أراد ~~بيان شرف المؤمن المتقي أنه ممن يمشي إليه ويدني منه . الثاني : قربت من ~~الحصول في الدخول ، لا بمعنى القرب المكاني ، يقال يطلب من الملك أمرا ~~خطيرا ، والملك بعيد عن ذلك ، ثم إذا رأى منه مخايل إنجاز حاجته ، يقال قرب ~~الملك وما زلت أنهي إليه حالك حتى قربته ، فكذلك الجنة كانت بعيدة الحصول ، ~~لأنها بما فيها لا قيمة لها ، ولا قدرة للمكلف على تحصيلها لولا فضل الله ~~تعالى ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ما من أحد يدخل الجنة إلا بفضل ~~الله تعالى ، فقيل : ولا أنت يا رسول الله ، فقال : ولا أنا ) PageV28P150 ~~وعلى هذا فقوله ms8417 غير نصب على الحال ، تقديره قربت من الحصول ، ولم تكن بعيدة ~~في المسافة حتى يقال كيف قربت . الثالث : هو أن الله تعالى قادر على نقل ~~الجنة من السماء إلى الأرض فيقربها للمؤمن . وأما إن قلنا إنها قربت ، ~~فمعناه جمعت محاسنها ، كما قال تعالى : { والصلح خير وأحضرت الأنفس } ( ~~الزخرف : 71 ) . # المسألة الثانية : على هذا الوجه وعلى قولنا قربت تقريب حصول ودخول ، فهو ~~يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون قوله تعالى : { وأزلفت } أي في ذلك اليوم ~~ولم يكن قبل ذلك ، وأما في جمع المحاسن قربما يزيد الله فيها زينة وقت ~~الدخول ، وأما في الحصول فلأن الدخول قبل ذلك كان مستبعدا إذا لم يقدر الله ~~دخول المؤمنين الجنة في الدنيا ووعد به في الآخرة فقربت في ذلك اليوم . ~~وثانيهما : أن يكون معنى قوله تعالى : { وأزلفت الجنة } أي أزلفت في الدنيا ~~، إما بمعنى جمع المحاسن فلأنها مخلوقة وخلق فيها كل شيء ، وإما بمعنى ~~تقريب الحصول فلأنها تحصل بكلمة حسنة وإما على تفسير الإزلاف بالتقريب ~~المكاني فلا يكون ذلك محمولا إلا على ذلك الوقت أي أزلفت في ذلك اليوم ~~للمتقين . # المسألة الثانية : إن حمل على القرب المكاني ، فما الفائدة في الاختصاص ~~بالمتقين مع أن المؤمن والكافر في عرصة واحدة ؟ فنقول قد يكون شخصان في ~~مكان واحد وهناك مكان آخر هو إلى أحدهما في غاية القرب ، وعن الآخر في غاية ~~البعد ، مثاله مقطوع الرجلين والسليم الشديد العدو إذا اجتمعا في موضع ~~وبحضرتهما شيء لا تصل إليه اليد بالمد فذلك بعيد عن المقطوع وهو في غاية ~~القرب من العادي ، أو نقول : إذا اجتمع شخصان في مكان وأحدهما أحيط به سد ~~من حديد ووضع بقربه شيء لا تناله يده بالمد والآخر لم يحط به ذلك السد يصح ~~أن يقال هو بعيد عن المسدود وقريب من المحظوظ والمجدود ، وقوله تعالى : { ~~غير بعيد } يحتمل أن يكون نصبا على الظرف يقال اجلس غير بعيد مني أي مكانا ~~غير بعيد ، وعلى هذا فقوله غير بعيد يفيد التأكيد وذلك لأن القريب قد يكون ~~بعيدا ms8418 بالنسبة إلى شيء ، فإن المكان الذي هو على مسيرة يوم قريب بالنسبة ~~إلى البلاد النائية وبعيد بالنسبة إلى متنزهات المدينة ، فإذا قال قائل ~~أيما أقرب المسجد الأقصى أو البلد الذي هو بأقصى المغرب أو المشرق ؟ يقال ~~له المسجد الأقصى قريب ، وإن قال أيهما أقرب هو أو البلد ؟ يقل له هو بعيد ~~. فقوله تعالى : { وأزلفت الجنة * غير بعيد } أي قربت قربا حقيقيا لا نسبيا ~~حيث لا يقال فيها إنها بعيدة عنه مقايسة أو مناسبة ، ويحتمل أن يكون نصبا ~~على / الحال تقديره : قربت حال كون ذلك غاية التقريب أو نقول على هذا الوجه ~~يكون معنى أزلفت قربت وهي غير بعيد ، فيحصل المعنيان جميعا الإقراب ~~والاقتراب أو يكون المراد القرب والحصول لا للمكان فيحصل معنيان القرب ~~المكاني بقوله غير بعيد والحصول بقوله : { أزلفت } وقوله : { غير بعيد } مع ~~قوله : { أزلفت } على التأنيث يحتمل وجوها : الأول : إذا قلنا إن { غير } ~~نصب على المصدر تقديره مكانا غير . الثاني : التذكير فيه كما في قوله تعالى ~~: { ولا تفسدوا فى الارض } ( الأعراف : 56 ) إجراء لفعيل بمعنى فاعل مجرى ~~فعيل بمعنى مفعول . الثالث : أن يقال { غير } منصوب نصبا على المصدر على ~~أنه صفة مصدر محذوف تقديره : أزلفت الجنة إزلافا غير بعيد ، أي عن قدرتنا ~~فإنا قد ذكرنا أن الجنة مكان ، والمكان لا يقرب وإنما يقرب منه ، فقال : ~~الإزلاف غير بعيد عن قدرتنا فإنا نطوي المسافة بينهما . # ! 7 < { هاذا ما توعدون لكل أواب حفيظ } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 32 ) هذا ما توعدون . . . . . # > > PageV28P151 # ثم قال تعالى : { هاذا ما توعدون } قال الزمخشري : هي جملة معترضة بين ~~كلامين وذلك لأن قوله تعالى : { لكل أواب } بدل عن المتقين كأنه تعالى قال ~~: ( أزلفت الجنة للمتقين لكل أواب ) كما في قوله تعالى : { لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمان لبيوتهم } ( الزخرف : 33 ) غير أن ذلك بدل الاشتمال وهذا بدل الكل ~~وقال : { هاذا } إشارة إلى الثواب أي هذا الثواب ما توعدون أو إلى الإزلاف ~~المدلول عليه بقوله : { أزلفت } ( ق: 31 ) أي هذا الإزلاف ما وعدتم به ، ~~ويحتمل أن يقال هو كلام مستقل ووجهه ms8419 أن ذلك محمول على المعنى لا ما يوعد به ~~يقال للموعود هذا لك وكأنه تعالى قال هذا ما قلت إنه لكم . # ثم قال تعالى : { لكل أواب حفيظ } بدلا عن الضمير في { توعدون } ، وكذلك ~~إن قرىء بالياء يكون تقديره هذا لكل أواب بدلا عن الضمير ، والأواب الرجاع ~~، قيل هو الذي يرجع من الذنوب ويستغفر ، والحفيظ الحافظ للذي يحفظ توبته من ~~النقض . ويحتمل أن يقال الأواب هو الرجاع إلى الله بفكره ، والحفيظ الذي ~~يحفظ الله في ذكره أي رجع إليه بالفكر فيرى كل شيء واقعا به وموجدا منه ثم ~~إذا انتهى إليه حفظه بحيث لا ينساه عند الرخاء والنعماء ، والأواب الحفيظ ~~كلاهما من باب المبالغة أي يكون كثير الأوب شديد الحفظ ، وفيه وجوه أخر أدق ~~، وهو أن الأواب هو الذي رجع عن متابعة هواه في الإقبال على ما سواه ، ~~والحفيظ هو الذي إذا أدركه بأشرف قواه لا يتركه فيكمل بها تقواه ويكون هذا ~~تفسيرا للمتقي ، لأن المتقي هو الذي أتقى الشرك والتعطيل ولم ينكره ولم ~~يعترف بغيره ، والأواب هو الذي لا يعترف بغيره ويرجع عن كل شيء غير الله ~~تعالى ، والحفيظ هو الذي لم يرجع عنه إلى شيء مما عداه . ثم قال تعالى : # ! 7 < { من خشى الرحمان بالغيب وجآء بقلب منيب } . > 7 ! # < < # | ق : ( 33 ) من خشي الرحمن . . . . . # > > وفي { من } وجوه . أحدها : / وهو أغربها أنه منادى كأنه تعالى قال : ~~يا من خشيء الرحمن أدخلوها بسلام وحذف حرف النداء شائع . وثانيها : { من } ~~بدل عن كل في قوله تعالى : { لكل أواب } ( ق: 32 ) من غير إعادة حرف الجر ~~تقديره أزلفت الجنة لمن خشي الرحمن بالغيب ، ثالثها : في قوله تعالى : { ~~أواب حفيظ } ( ق: 32 ) موصوف معلوم غير مذكور كأنه يقول لكل شخص أواب أو ~~عبد أو غير ذلك ، فقوله تعالى : { من خشى الرحمان بالغيب } بدل عن ذلك ~~الموصوف هذه وجوه ثلاثة ذكرها الزمخشري ، وقال لا يجوز أن يكون بدلا عن ~~أواب أو حفيظ لأن أواب وحفيظ قد وصف به موصوف معلوم غير مذكور كما بيناه ~~والبدل ms8420 في حكم المبدل منه ، فتكون { من } موصوفا بها ومن لا يوصف بها لا ~~يقال : الرجل من جاءني جالسني ، كم يقال الرجل الذي جاءني جالسني ، هذا ~~تمام كلام الزمخشري ، فإن قال قائل إذا كان { من } والذي يشتركان في كونهما ~~من الموصولات فلماذا لا يشتركان في جواز الوصف بهما ؟ نقول : الأمر معقول ~~نبينه في ما ، ومنه يتبين الأمر فيه فنقول : ما اسم مبهم يقع على كل شيء ~~فمفهومه هو شيء لكن الشيء هو أعم الأشياء فإن الجوهر شيء والعرض شيء ~~والواجب شيء والممكن شيء والأعم قبل الأخص في الفهم لأنك إذا رأيت من البعد ~~شبحا تقول أولا إنه شيء ثم إذا ظهر لك منه ما يختص بالناس تقول إنسان فإذا ~~بان ذلك أنه ذكر قلت هو رجل فإذا وجدته ذا قوة تقول شجاع إلى غير ذلك ، ~~فالأعم أعرف وهو قبل الأخص في الفهم فمفهوم ما قبل كل شيء فلا يجوز أن يكون ~~صفة لأن الصفة بعد الموصوف هذا من حيث PageV28P152 المعقول ، وأما من حيث ~~النحو فلأن الحقائق لا يوصف بها ، فلا يقال جسم رجل جاءني كما يقال جسم ~~ناطق جاءني كما يقال جسم ناطق جاءني لأن الوصف يقوم بالموصوف والحقيقة تقوم ~~بنفسها لا بغيرها وكل ما يقع وصفا للغير يكون معناه شيء له كذا ، فقولنا ~~عالم معناه شيء له علم أو عالمية فيدخل في مفهوم الوصف شيء مع أمر آخر وهو ~~له كذا لكن ما لمجرد شيء فلا يوجد فيه ما يتم به الوصف وهو الأمر الآخر ~~الذي معناه ذو كذا فلم يجز أن يكون صفة وإذا بان القول فمن في العقلاء كما ~~في غيرهم وفيهم فمن معناه إنسان أو ملك أو غيرهما من الحقائق العاقلة ، ~~والحقائق لا تقع صفات ، وأما الذي يقع على الحقائق والأوصاف ويدخل في ~~مفهومه تعريف أكثر مما يدخل في مجاز الوصف بما دون من . # وفي الآية لطائف معنوية . الأول : الخشية والخوف معناهما واحد عند أهل ~~اللغة ، لكن بينهما فرق وهو أن الخشية من عظمة المخشي ، وذلك لأن ms8421 تركيب حرف ~~خ ش ي في تقاليبها يلزمه معنى الهيبة يقال شيخ للسيد والرجل الكبير السن ~~وهم جميعا مهيبان ، والخوف خشية من ضعف الخاشي وذلك لأن تركيب خ و ف في ~~تقاليبها يدل على الضعف تدل عليه الخيفة والخفية ولولا قرب معناهما لما ورد ~~في القرآن { تضرعا وخفية } ( الأنعام : 63 ) و { تضرعا وخفية } ( الأعراف : ~~205 ) والمخفي فيه ضعف كالخائف إذا علمت هذا تبين لك اللطيفة وهي أن الله ~~تعالى في كثير من المواضع ذكر لفظ الخشية حيث كان الخوف من عظمة المخشي قال ~~تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) ، وقال : { لو ~~أنزلنا هاذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } ( الحشر : ~~21 ) فإن الجبل ليس فيه ضعف يكون الخوف من ضعفه وإنما الله عظيم يخشاه كل ~~قوي { هم من خشية ربهم مشفقون } ( المؤمنون : 57 ) مع أن الملائكة أقوياء ~~وقال تعالى : { وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ( الأحزاب : 33 ) أي ~~تخافهم إعظاما لهم إذ لا ضعف فيك بالنسبة إليهم ، وقال تعالى : { لا تخف ~~ولا تحزن } ( العنكبوت : 33 ) أي لا تخف ضعفا فإنهم لا عظمة لهم وقال : { ~~يخافون يوما } ( الإنسان : 7 ) حيث كان عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله ~~ضعيفة وقال : { ألا تخافوا ولا تحزنوا } ( فصلت : 30 ) أي بسبب مروه يلحقكم ~~من الآخرة فإن المكروهات كلها مدفوعة عنكم ، وقال تعالى : { خائفا يترقب } ~~( القصص : 21 ) وقال : { إنى أخاف إن * يقتلون } ( القصص : 33 ) لوحدته ~~وضعفه وقال هارون : { إنى خشيت } ( طه : 94 ) لعظمة موسى في عين هارون لا ~~لضعف فيه وقال : { فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا } ( الكهف : 80 ) حيث لم ~~يكن لضعف فيه ، وحاصل الكلام أنك إذا تأملت استعمال الخشية وجدتها مستعملة ~~لخوف بسبب عظمة المخشي ، وإذا نظرت إلى استعمال الخوف وجدته مستعملا لخشية ~~من ضعف الخائف ، وهذا في الأكثر وربما يتخلف المدعى عنه لكن الكثرة كافية . ~~الثانية : قال الله تعالى ههنا : { خشى الرحمان * مع * ءان * تكونوا كالذين ~~نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون * لا يستوى أصحاب النار وأصحاب ms8422 ~~الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون * لو أنزلنا هاذا القرءان على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله } ( الحشر : 21 ) إشارة إلى ذم الكافر حيث لم ~~تحمله الألوهية التي تنبىء عنها لفظة الله وفيها العظمة على خوفه وقال : { ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) لأن { إنما } للحصر فكان ~~فيه إشارة إلى أن الجاهل لا يخشاه فذكر الله ليبين أن عدم خشيته مع قيام ~~المقتضى وعدم المانع وهو الرحمة ، وقد ذكرنا ذلك في سورة يسونزيد ههنا شيئا ~~آخر ، وهو أن نقول لفظة : { الرحمان } إشارة إلى مقتضى لا إلى المانع ، ~~وذلك لأن الرحمن معناه واهب الوجود بالخلق ، والرحيم واهب البقاء بالرزق ~~وهو في الدنيا رحمان حيث أوجدنا بالرحمة ، ورحيم حيث أبقى بالرزق ، ولا ~~يقال لغيره رحيم لأن PageV28P153 البقاء بالرزق قد يظن أن مثل ذلك يأتي ممن ~~يطعم المضطر ، فيقال فلان هو الذي أبقى فلانا ، وهو في الآخرة أيضا رحمان ~~حيث يوجدنا ، ورحيم حيث يرزقنا ، وذكرنا ذلك في تفسير الفاتحة حيث قلنا قال ~~: { بسم الله الرحمان الرحيم } إشارة إلى كونه رحمانا في الدنيا حيث خلقنا ~~، رحيما في الدنيا حيث رزقنا رحمة ثم قال مرة أخرى بعد قوله : { الحمد لله ~~رب العالمين * الرحمان الرحيم } أي هو رحمان مرة أخرى في الآخرة بخلقنا ~~ثانيا ، واستدللنا عليه بقوله بعد ذلك : { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ~~) أي يخلقنا ثانيا ، ورحيم يرزقنا ويكون هو المالك في ذلك اليوم ، إذا علمت ~~هذا فمن يكون منه وجود الإنسان لا يكون خوفه خشية من غيره ، فإن القائل ~~يقول لغيره أخاف منك أن تقطع رزقي أو تبدل حياتي ، فإذا كان الله تعالى ~~رحمانا منه الوجود ينبغي أن يخشى ، فإن من بيده الوجود بيده العدم ، وقال ~~صلى الله عليه وسلم : ( خشية الله رأس كل حكمة ) وذلك لأن الحكيم إذا تفكر ~~في غير الله وجده محل التغير يجوز عليه العدم في كل طرفة عين ، وربما يقدر ~~الله عدمه قبل أن يتمكن من الإضرار ، لأن غير الله إن / لم يقدر الله أن ~~يضر لا ms8423 يقدر على الضرر وإن قدر عليه بتقدير الله فسيزول الضرر بموت المعذب ~~أو المعذب ، وأما الله تعالى فلا راد لما أراد ولا آخر لعذابه / وقال تعالى ~~: { بالغيب } أي كانت خشيتهم قبل ظهور الأمور حيث ترى رأي العين ، وقوله ~~تعالى : { وجاء بقلب منيب } إشارة إلى صفة مدح أخرى ، وذلك لأن الخاشي قد ~~يهرب ويترك القرب من المخشي ولا ينتفع ، وإذا علم المخشي أنه تحت حكمه ~~تعالى علم أنه لا ينفعه الهرب ، فيأتي المخشي وهو ( غير ) خاش فقال : { ~~وجاء } ولم يذهب كما يذهب الآبق ، وقوله تعالى : { بقلب منيب } الباء فيه ~~يحتمل وجوها ذكرناها في قوله تعالى : { وجاءت سكرة الموت بالحق } ( ق: 19 ) ~~. أحدها : التعدية أي أحضر قلبا سليما ، كما يقال ذهب به إذا أذهبه . ~~ثانيها : المصاحبة يقال : اشترى فلان الفرس بسرجه أي مع سرجه ، وجاء فلان ~~بأهله أي مع أهله . ثالثها : وهو أعرفها الباء للسبب يقال : ما أخذ فلان ~~إلا بقول فلان وجاء بالرجاء له فكأنه تعالى قال : جاء وما جاء إلا بسبب ~~إنابة في قلبه علم أنه لا مرجع إلا إلى الله فجاء بسبب قلبه المنيب ، ~~والقلب المنيب كالقلب السليم في قوله تعالى : { إذا جاء * ربه بقلب سليم } ~~( الصافات : 84 ) أي سليم من الشرك ، ومن سلم من الشرك يترك غير الله ويرجع ~~إلى الله فكان منيبا ، ومن أناب إلى الله برىء من الشرك فكان سليما : # ! 7 < { ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 34 ) ادخلوها بسلام ذلك . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ادخلوها بسلام } . # فالضمير عائد إلى الجنة التي في { وأزلفت الجنة } ( ق: 31 ) أي لما تكامل ~~حسنها وقربها وقيل لهم إنها منزلكم بقوله : { هاذا ما توعدون } ( ق: 32 ) ~~أذن لهم في دخولها وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الخطاب مع من ؟ نقول : إن قرىء { ما توعدون } بالتاء ~~فهو ظاهر إذ لا يخفى أن الخطاب مع الموعودين ، وإن قرىء بالياء فالخطاب مع ~~المتقين أي يقال للمتقين أدخلوها . # المسألة الثانية : هذا يدل على أن ذلك يتوقف على الإذن ، وفيه من ~~الانتظار ما لا يليق بالإكرام ، نقول ms8424 ليس كذلك ، فإن من دعا مكرما إلى ~~بستانه يفتح له الباب ويجلس في موضعه ، ولا يقف على الباب من PageV28P154 ~~يرحبه ، ويقول إذا بلغت بستاني فادخله ، وإن لم يكن هناك أحد يكون قد أخل ~~بإكرامه بخلاف من يقف على باب قوم يقولون : أدخل باسم الله ، يدل على ~~الإكرام قوله تعالى : { بسلام } كما يقول المضيف : أدخل مصاحبا بالسلامة ~~والسعادة والكرامة ، والباء للمصاحبة في معنى الحال ، أي سالمين مقرونين ~~بالسلامة ، أو معناه أدخلوها مسلما عليكم ، ويسلم الله وملائكته عليكم ، ~~ويحتمل عندي وجها آخر ، وهو أن يكون ذلك إرشادا للمؤمنين إلى مكارم الاخلاق ~~في ذلك اليوم كما أرشدوا إليها في الدنيا ، حيث قال تعالى : { لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ( النور : 27 ) فكأنه ~~تعالى قال : هذه داركم ومنزلكم ، ولكن لا تتركوا حسن / عادتكم ، ولا تخلوا ~~بمكارم أخلاقكم ، فادخلوها بسلام ، ويصيحون سلاما على من فيها ، ويسلم ممن ~~فيها عليهم ، ويقولون السلام عليكم ، ويدل عليه قوله تعالى : { إلا قيلا ~~سلاما سلاما } ( الواقعة : 26 ) أي يسلمون على من فيها ، ويسلم من فيها ~~عليهم ، وهذا الوجه إن كان منقولا فنعم ، وإن لم يكن منقولا فهو مناسب ~~معقول أيده دليل منقول . # قوله تعالى : { ذلك يوم الخلود } . # حتى لا يدخل في قلبهم أن ذلك ربما ينقطع عنهم فتبقى في قلبهم حسرته ، فإن ~~قيل المؤمن قد علم أنه إذا دخل الجنة خلد فيها ، فما الفائدة في التذكير ؟ ~~والجواب : عنه من وجهين . أحدهما : أن قوله : { ذلك يوم الخلود } قول قاله ~~الله في الدنيا إعلاما وإخبارا ، وليس ذلك قولا يقوله عند قوله : { ادخلوها ~~} فكأنه تعالى أخبرنا في يومنا أن ذلك اليوم يوم الخلود . ثانيهما : ~~اطمئنان القلب بالقول أكثر ، قال الزمخشري في قوله : { يوم الخلود } إضمار ~~تقديره : ذلك يوم تقدير الخلود ، ويحتمل أن يقال اليوم يذكر ، ويراد الزمان ~~المطلق سواء كان يوما أو ليلا ، نقول : يوم ولد لفلان ابن يكون السرور ~~العظيم ، ولو ولد له بالليل لكان السرور حاصلا ، فتريد به الزمان ، فكأنه ~~تعالى قال : ذلك زمان الإقامة الدائمة . ثم ms8425 قال تعالى : # ! 7 < { لهم ما يشآءون فيها ولدينا مزيد } . > 7 ! # < < # | ق : ( 35 ) لهم ما يشاؤون . . . . . # > > وفي الآية ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه تعالى بدأ ببيان إكرامهم ~~حيث قال : { وأزلفت الجنة للمتقين } ( الشعراء : 90 ) ولم يقل : قرب ~~المتقون من الجنة بيانا للإكرام حيث جعلهم ممن تنقل إليهم الجنان بما فيها ~~من الحسان ، ثم قال لهم هذا لكم ، بقوله : { هاذا ما توعدون } ( ق: 32 ) ثم ~~بين أنه أجر أعمالهم الصالحة بقوله : { لكل أواب حفيظ حفيظ * من خشى ~~الرحمان } ( ق: 33 ) فإن تصرف المالك الذي ملك شيئا بعوض أتم فيه من تصرف ~~من ملك بغير عوض ، لإمكان الرجوع في التمليك بغير عوض ، ثم زاد في الإكرام ~~بقوله : { ادخلوها } ( ق: 34 ) كما بينا أن ذلك إكرام ، لأن من فتح بابه ~~للناس ، ولم يقف ببابه من يرحب الداخلين ، لا يكون قد أتى بالإكرام التام ، ~~ثم قال : { ذلك يوم الخلود } ( ق: 34 ) أي لا تخافوا ما لحقكم من قبل حيث ~~أخرج أبويكم منها ، فهذا دخول لا خروج بعده منها . # ثم لما بين أنهم فيها خالدون قال : لا تخافوا انقطاع أرزاقكم وبقاءكم في ~~حاجة ، كما كنتم في الدنيا من كان يعمر ينكس ويحتاج ، بل لكم الخلود ، ولا ~~ينفد ما تمتعون به فلكم ما تشاءون في أي وقت تشاءون ، وإلى الله المنتهى ، ~~وعند الوصول إليه ، والمثول بين يديه ، فلا يوصف ما لديه ، ولا يطلع أحد ~~عليه ، وعظمة من عنده تدلك على فضيلة ما عنده ، هذا هو الترتيب ، وأما ~~التفسير ، ففيه مسألتان : PageV28P155 # / المسألة الأولى : قال تعالى : { ادخلوها بسلام } ( ق: 34 ) على سبيل ~~المخاطبة ، ثم قال : { لهم } ولم يقل لكم ما الحكمة فيه ؟ الجواب : عنه من ~~وجوه . الأول : هو أن قوله تعالى : { ادخلوها } مقدر فيه يقال لهم ، أي ~~يقال لهم { ادخلوها } فلا يكون على هذا التفاتا . الثاني : هو أنه من باب ~~الالتفات والحكمة الجمع بين الطرفين ، كأنه تعالى يقول : أكرمهم به في ~~حضورهم ، ففي حضورهم الحبور ، وفي غيبتهم الحور والقصور . والثالث : هو أن ~~يقال قوله تعالى : { لهم } جاز أن ms8426 يكون كلاما مع الملائكة ، يقول للملائكة ~~: توكلوا بخدمتهم ، واعلموا أن لهم ما يشاءون فيها ، فأحضروا بين أيديهم ما ~~يشاءون ، وأما أنا فعندي ما لا يخطر ببالهم ، ولا تقدرون أنتم عليه . # المسألة الثانية : قد ذكرنا أن لفظ { مزيد } ( ق: 30 ) يحتمل أن يكون ~~معناه الزيادة ، فيكون كما في قوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ~~( يونس : 26 ) ويحتمل أن يكون بمعنى المفعول ، أي عندنا ما نزيده على ما ~~يرجون وما يكون مما يشتهون : # ! 7 < { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا فى البلاد هل ~~من محيص } . > 7 ! # < < # | ق : ( 36 ) وكم أهلكنا قبلهم . . . . . # > > ثم قال تعالى : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا } . # لما أنذرهم بما بين أيديهم من اليوم العظيم والعذاب الأليم ، أنذرهم بما ~~يعجل لهم من العذاب المهلك والإهلاك المدرك ، وبين لهم حال من تقدمهم ، وقد ~~تقدم تفسيره في مواضع ، والذي يختص بهذا الموضع أمور . أحدها : إذا كان ذلك ~~للجمع بين الإنذار بالعذاب العاجل والعقاب الآجل ، فلم توسطهما قوله تعالى ~~: { وأزلفت الجنة للمتقين } إلى قوله : { ولدينا مزيد } ( ق: 31 35 ) نقول ~~ليكون ذلك دعاء بالخوف والطمع ، فذكر حال الكفور المعاند ، وحال الشكور ~~العابد في الآخرة ترهيبا وترغيبا ، ثم قال تعالى : إن كنتم في شك من العذاب ~~الأبدي الدائم ، فما أنتم في ريب من العذاب العاجل المهلك الذي أهلك ~~أمثالكم ، فإن قيل : فلم لم يجمع بين الترهيب والترغيب في العاجلة ، كما ~~جمع بينهما في الآجلة ، ولم يذكر حال من أسلم من قبل وأنعم عليه ، كما ذكر ~~حال من أشرك به فأهلكه نقول لأن النعمة كانت قد وصلت إليهم ، وكانوا ~~متقلبين في النعم ، فلم يذكرهم به ، وإنما كانوا غافلين عن الهلاك فأنذرهم ~~به ، وأما في الآخرة ، فكانوا غافلين عن الأمرين جميعا ، فأخبرهم بهما . # الثاني : قوله تعالى : { فنقبوا فى البلاد } . # في معناه وجوه . أحدها : هو ما قاله تعالى في حق ثمود : { الذين جابوا ~~الصخر بالواد } ( الفجر : 9 ) من قوتهم خرق الطرق ونقبوها ، وقطعوا الصخور ~~وثقبوها . ثانيها : نقبوا ، أي ساروا ms8427 في الأسفار ولم يجدوا ملجأ ومهربا ، ~~وعلى هذا يحتمل أن يكون المراد أهل مكة ، أي هم ساروا في الأسفار ، ورأوا ~~ما فيها من الآثار . ثالثها : { فنقبوا فى البلاد } أي صاروا نقباء في ~~الأرض أراد ما أفادهم / بطشهم وقوتهم ، ويدل على هذا الفاء ، لأنها تصير ~~حينئذ مفيدة ترتب الأمر على مقتضاه ، تقول كان زيد أقوى من عمرو فغلبه ، ~~وكان عمرو مريضا PageV28P156 فغلبه زيد ، كذلك ههنا قال تعالى : { هم أشد ~~منهم بطشا } فصاروا نقباء في الأرض ، وقرىء : { فنقبوا } بالتشديد ، وهو ~~أيضا يدل على ما ذكرنا في الوجه الثالث ، لأن التنقيب البحث ، وهو من نقب ~~بمعنى صار نقيبا . # الثالث : قوله تعالى : { هل من محيص } . # يحتمل وجوها ثلاثة . الأول : على قراءة من قرأ بالتشديد يحتمل أن يقال هو ~~مفعول ، أي بحثوا عن المحيص { هل من محيص } . الثاني : على القراءات جميعا ~~استفهام بمعنى الإنكار أي لم يكن لهم محيص . الثالث : هو كلام مستأنف كأنه ~~تعالى يقول لقوم محمد صلى الله عليه وسلم هم أهلكوا مع قوة بطشهم فهل من ~~محيص لكم تعتمدون عليه والمحيص كالمحيد غير أن المحيص معدل ومهرب عن الشدة ~~، يدلك عليه قولهم وقعوا في حيص بيص أي في شدة وضيق ، والمحيد معدل وإن كان ~~لهم بالاختيار يقال حاد عن الطريق نظرا ، ولا يقال حاص عن الأمر نظرا . # ! 7 < { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } . > 7 ~~@QB@ < # | ق : ( 37 ) إن في ذلك . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { إن فى ذالك لذكرى لمن كان له قلب } . # الإشارة إلى الإهلاك ويحتمل أن يقال هو إشارة إلى ما قاله من إزلاف الجنة ~~وملء جهنم وغيرهما ، والذكرى اسم مصدر هو التذكر والتذكرة وهي في نفسها ~~مصدر ذكره يذكره ذكرا وذكرى وقوله لمن { كان له قلب } قيل : المراد قلب ~~موصوف بالوعي ، أي لمن كان له قلب واع يقال لفلان مال أي كثير فالتنكير يدل ~~على معنى في الكمال ، والأولى أن يقال هو لبيان وضوح الأمر بعد الذكر وأن ~~لا خفاء فيه لمن كان له ms8428 قلب ما ولو كان غير كامل ، كما يقال أعطه شيئا ولو ~~كان درهما ، ونقول الجنة لمن عمل خيرا ولو حسنة ، فكأنه تعالى قال : إن في ~~ذلك لذكرى لمن يصح أن يقال له قلب وحينئذ فمن لا يتذكر لا قلب له أصلا كما ~~في قوله تعالى : { صم بكم عمى } ( البقرة : 18 ) حيث لم تكن آذانهم ~~وألسنتهم وأعينهم مفيدة لما يطلب منها كذلك من لا يتذكر كأنه لا قلب له ، ~~ومنه قوله تعالى : { كالانعام بل هم أضل } ( الأعراف : 179 ) أي هم كالجماد ~~وقوله تعالى : { كأنهم خشب مسندة } ( المنافقون : 4 ) أي لهم صور وليس لهم ~~قلب للذكر ولا لسان للشكر . # وقوله تعالى : { أو ألقى السمع وهو شهيد } أي استمع وإلقاء السمع كناية ~~في الاستماع ، لأن من لا يسمع فكأنه حفظ سمعه وأمسكه فإذا أرسله حصل ~~الاستماع ، فإن قيل على قول من قال التنكير في القلب للتكثير يظهر حسن ~~ترتيب في قوله : { أو ألقى السمع } وذلك لأنه يصير كأنه / تعالى يقول : إن ~~في ذلك لذكرى لمن كان ذا قلب واع ذكي يستخرج الأمور بذكائه أو ألقى السمع ~~ويستمع من المنذر فيتذكر ، وأما على قولك المراد من صح أن يقال له قلب ولو ~~كان غير واع لا يظهر هذا الحسن ، نقول على ما ذكرنا ربما يكون الترتيب أحسن ~~وذلك لأن التقدير يصير كأنه تعالى قال : فيه ذكرى لكل واحد كيف كان له قلب ~~لظهور الأمر ، فإن كان لا يحصل لكل أحد فلمن يستمع حاصل ويؤيد ما ذكرنا ~~قوله تعالى : { أو ألقى السمع } حيث لم يكل أو استمع لأن الاستماع ينبىء عن ~~طلب زائد ، وأما إلقاء السمع فمعناه أن الذكرى حاصلة لمن لا يمسك سمعه بل ~~يرسله إرسالا ، وإن لم يقصد السماع كالسامع في الصوت الهائل فإنه يحصل عند ~~مجرد فتح الأذن وإن لم يقصد السماع والصوت الخفي لا يسمع إلا باستماع وتطلب ~~، فنقول الذكرى حاصلة لمن كان PageV28P157 له قلب كيف كان قلبه لظهورها فإن ~~لم تحصل فلمن له أذن غير مسدودة كيف كان حاله سواء ms8429 استمع باجتهاده أو لم ~~يجتهد في سماعه ، فإن قيل فقوله تعالى : { وهو شهيد } للحال وهو يدل على أن ~~إلقاء السمع بمجرده غير كاف ، نقول هذا يصحح ما ذكرناه لأنا قلنا بأن ~~الذكرى حاصلة لمن له قلب ما ، فإن لم تحصل له فتحصل له إذا ألقى السمع وهو ~~حاضر بباله من القلب ، وأما على الأول فمعناه من ليسه له قلب واع ، يحصل له ~~الذكر إذا ألقى السمع وهو حاضر بقلبه فيكون عند الحضور بقلبه يكون له قلب ~~واع ، وقد فرض عدمه هذا إذا قلنا بأن قوله : { وهو شهيد } بمعنى الحال ، ~~وإذا لم نقل به فلا يرد ما ذكر وهو يحتمل غير ذلك بيانه هو أن يقال ذلك ~~إشارة إلى القرآن وتقريره هو أن الله تعالى لما قال في أول السورة : { ق ~~والقرءان المجيد * بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } ( ق: 1 ، 2 ) وذكر ما ~~يدفع تعجبهم وبين كونه منذرا صادقا وكون الحشر أمرا واقعا ورغب وأرهب ~~بالثواب والعذاب آجلا وعاجلا وأتم الكلام قال : { إن فى ذلك } أي القرآن ~~الذي سبق ذكره { لذكرى لمن كان له قلب } أو لمن يستمع ، ثم قال : { وهو ~~شهيد } أي المنذر الذي تعجبتم منه شهيد كما قال تعالى : { إنا أرسلناك ~~شاهدا } ( الفتح : 8 ) وقال تعالى : { ليكون الرسول شهيدا عليكم } ( الحج : ~~78 ) . ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولقد خلقنا السماوات والا رض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من ~~لغوب } . > 7 ! # < < # | ق : ( 38 ) ولقد خلقنا السماوات . . . . . # > > أعاد الدليل مرة أخرى ، وقد ذكرنا تفسير ذلك في الم السجدة ، وقلنا : ~~إن الأجسام ثلاثة أجناس . أحدها : السماوات ، ثم حركها وخصصها بأمور ومواضع ~~وكذلك الأرض خلقها ، ثم دحاها وكذلك ما بينهما خلق أعيانها وأصنافها { في ~~ستة أيام } إشارة إلى ستة أطوار ، والذي يدل عليه / ويقرره هو أن المراد من ~~الأيام لا يمكن أن يكون هو المفهوم في وضع اللغة ، لأن اليوم عبارة في ~~اللغة عن زمان مكث الشمس فوق الأرض من الطلوع إلى الغروب ، وقبل السماوات ~~لم يكن شمس ولا قمر لكن ms8430 اليوم يطلق ويراد به الوقت يقال يوم يولد للملك ابن ~~يكون سرور عظيم ويوم يموت فلان يكون حزن شديد ، وإن اتفقت الولادة أو الموت ~~ليلا ولا يتعين ذلك ويدخل في مراد العاقل لأنه أراد باليوم مجرد الحين ~~والوقت ، إذا علمت الحال من إضافة اليوم إلى الأفعال فافهم ما عند إطلاق ~~اليوم في قوله : { ستة أيام } وقال بعض المفسرين : المراد من الآية الرد ~~على اليهود ، حيث قالوا : بدأ الله تعالى خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه في ~~ستة أيام آخرها يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على عرشه فقال تعالى ~~: { وما مسنا من لغوب } ردا عليهم ، والظاهر أن المراد الرد على المشرك ~~والاستدلال بخلق السماوات والأرض ومما بينهما وقوله تعالى : { وما مسنا من ~~لغوب } أي ما تعبنا بالخلق الأول حتى لا نقدر على الإعادة . ثانيا : والخلق ~~الجديد كما قال تعالى : { أفعيينا بالخلق الاول } ( ق: 15 ) وأما ما قاله ~~اليهود ونقلوه من التوراة فهو إما تحريف منهم أو لم يعلموا تأويله ، وذلك ~~لأن الأحد والاثنين أزمنة متميز بعضها عن بعض ، فلو كان خلق السماوات ~~ابتدىء يوم الأحد لكان الزمان متحققا قبل الأجسام والزمان لا ينفك عن ~~الأجسام فيكون قبل خلق الأجسام أجسام أخر فيلزم القول بقدم العالم وهو مذهب ~~الفلاسفة ، ومن العجيب أن بين الفلاسفة والمشبهة غاية الخلاف ، فإن الفلسفي ~~لا يثبت لله تعالى صفة أصلا ويقول بأن الله تعالى لا يقبل صفة بل هو واحد ~~من جميع الوجوه ، فعلمه وقدرته وحياته هو حقيقته وعينه وذاته ، والمشبهي ~~يثبت لله صفة الأجسام من الحركة والسكون والاستواء والجلوس والصعود والنزول ~~فبينهما PageV28P158 منافاة ، ثم إن اليهود في هذا الكلام جمعوا بين ~~المسألتين فأخذوا بمذهب الفلاسفة في المسألة التي هي أخص المسائل بهم وهي ~~القدم حيث أثبتوا قبل خلق الأجسام أياما معدودة وأزمنة محدودة ، وأخذوا ~~بمذهب المشبهة في المسألة التي هي أخص المسائل بهم وهي الاستواء على العرش ~~فأخطوا ( وضلوا ) وأضلوا في الزمان والمكان جميعا . # ! 7 < { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ms8431 وقبل الغروب } ~~. > 7 @QB@ < # | ق : ( 39 ) فاصبر على ما . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { فاصبر على ما يقولون } قال من تقدم ذكرهم من المفسرين ~~إن معناه اصبر على ما يقولون من حديث التعب بالاستلقاء ، وعلى ما قلناه ~~معناه اصبر على ما يقولون إن هذا لشيء عجيب ، { وسبح بحمد ربك } وما ذكرناه ~~أقرب لأنه مذكور ، وذكر اليهود وكلامهم لم يجر . # وقوله : { وسبح بحمد ربك } يحتمل وجوها . أحدها : أن يكون الله أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالصلاة ، فيكون كقوله تعالى : { وأقم الصلواة طرفى ~~النهار وزلفا من اليل } ( هود : 114 ) . # وقوله تعالى : { قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } إشارة إلى طرفي النهار . # ! 7 < { ومن اليل فسبحه وأدبار السجود } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 40 ) ومن الليل فسبحه . . . . . # > > # / وقوله : { ومن اليل فسبحه } إشارة إلى زلفا من الليل ، ووجه هذا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم له شغلان . أحدهما : عبادة الله . وثانيهما : ~~هداية الخلق فإذا هداهم ولم يهتدوا ، قيل له أقبل على شغلك الآخر وهو عبادة ~~الحق . ثانيها : سبح بحمد ربك ، أي نزهه عما يقولون ولا تسأم من امتناعهم ~~بل ذكرهم بعظمة الله تعالى ونزهه عن الشرك والعجز عن الممكن الذي هو الحشر ~~قبل الطلوع وقبل الغروب ، فإنهما وقت اجتماعهم { ومن اليل فسبحه } أي أوائل ~~الليل ، فإنه أيضا وقت اجتماع العرب ، ووجه هذا أنه لا ينبغي أن تسأم من ~~تكذيبهم فإن الرسل من قبلك أوذوا وكذبوا وصبروا على ما كذبوا وأوذوا ، وعلى ~~هذا فلقوله تعالى : { وأدبار السجود } فائدة جليلة وهي الإشارة إلى ما ~~ذكرنا أن شغل الرسول أمر أن العبادة والهداية فقوله : { وأدبار السجود } أي ~~عقب ما سجدت وعبدت نزه ربك بالبرهان عند اجتماع القوم ليحصل لك العبادة ~~بالسجود والهداية أدبار السجود . ثالثها : أن يكون المراد قل سبحان الله ، ~~وذلك لأن ألفاظا معدودة جاءت بمعنى التلفظ بكلامهم ، فقولنا كبر يطلق ويراد ~~به قول القائل الله أكبر ، وسلم يراد به قوله السلام عليكم ، وحمد يقال لمن ~~قال الحمد لله ، ويقال هلل لمن قال لا إلاه إلا الله ، وسبح لمن قال سبحان ~~الله ms8432 ، ووجه هذا أن هذه أمور تتكرر من الإنسان في الكلام والحاجة تدعو إلى ~~الإخبار عنها ، فلو قال القائل فلان قال لا إلاه إلا الله أو قال الله أكبر ~~طول الكلام ، فمست الحاجة إلى استعمال لفظة واحدة مفيدة لذلك لعدم تكرر ما ~~في الأول ، وأما مناسبة هذا الوجه للكلام الذي هو فيه ، فهي أن تكذيبهم ~~الرسول وتعجبهم من قوله أو استهزاءهم كان يوجب في العادة أن يشتغل النبي ~~صلى الله عليه وسلم بلعنهم وسبهم والدعاء عليهم فقال : فاصبر على ما يقولون ~~واجعل كلامك بدل الدعاء عليهم التسبيح لله والحمد له ولا تكن كصاحب الحوت ~~أو كنوح عليه السلام حيث قال : { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ~~PageV28P159 ( نوح : 26 ) بل ادع إلى ربك فإذا ضجرت عن ذلك بسبب إصرارهم ~~فاشتغل بذكر ربك في نفسك ، وفيه مباحث : # البحث الأول : استعمل الله التسبيح تارة مع اللام في قوله تعالى : { يسبح ~~* الله } ( الجمعة : 1 ) ، و { يسبحون له } ( فصلت : 38 ) وأخرى مع الباء ~~في قوله تعالى : { فسبح باسم ربك العظيم } ( الواقعة : 74 ) و { سبح * بحمد ~~ربك } ( طه : 42 ) وقوله : { سبح اسم ربك الاعلى } ( الأعلى : 1 ) فما ~~الفرق بينهما ؟ نقول : أما الباء فهي الأهم وبالتقديم أولى في هذا الموضع ~~كقوله تعالى : { وسبع * بحمد ربك } فنقول أما على قولنا المراد من سبح قل ~~سبحان الله ، فالباء للمصاحبة أي مقترنا بحمد الله ، فيكون كأنه تعالى قال ~~قل سبحان الله والحمد لله ، وعلى قولنا المراد التنزيه لذلك أي نزهه وأقرنه ~~بحمده أي سبحه واشكره حيث وفقك الله لتسبيحه فإن السعادة الأبدية لمن سبحه ~~، وعلى هذا فيكون المفعول / غير مذكور لحصول العلم به من غير ذكر تقديره : ~~سبح الله بحمد ربك ، أي ملتبسا ومقترنا بحمد ربك ، وعلى قولنا صل ، نقول ~~يحتمل أن يكون ذلك أمرا بقراءة الفاتحة في الصلاة يقال : صلى فلان بسورة ~~كذا أو صلى بقل هو الله أحد ، فكأنه يقول صلى بحمد الله أي مقروءا فيها : ~~الحمد لله رب العالمين ، وهو أبعد الوجوه ، وأما التعدية من غير ms8433 حرف فنقول ~~هو الأصل لأن التسبيح يتعدى بنفسه لأن معناه تبعيد من السوء / وأما اللام ~~فيحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون كما في قول القائل نصحته ونصحت له ، ~~وشكرته وشكرت له . وثانيهما : أن يكون لبيان الأظهر أي يسبحون الله وقلوبهم ~~لوجه الله خالصة . # البحث الثاني : قال ههنا : { سبح * بحمد ربك } ثم قال تعالى : { ومن اليل ~~فسبحه } من غير باء فما الفرق بين الموضعين ؟ نقول الأمر في الموضعين واحد ~~على قولنا التقدير سبح الله مقترنا بحمد ربك ، وذلك لأن سبح الله كقول ~~القائل فسبحه غير أن المفعول لم يدكر . أولا : لدلالة قوله بحمد ربك عليه . ~~وثانيا : لدلالة ما سبق عليه لم يذكر بحمد ربك ، الجواب الثاني على قولنا ~~سبح بمعنى صل يكون الأول أمرا بالصلاة ، والثاني أمرا بالتنزيه ، أي وصل ~~بحمد ربك في الوقت وبالليل نزهه عما لا يليق ، وحينئذ يكون هذا إشارة إلى ~~العمل والذكر والفكر . فقوله : { سبح } إشارة إلى خير الأعمال وهو الصلاة ، ~~وقوله : { بحمد ربك } إشارة إلى الذكر ، وقوله : { ومن اليل فسبحه } إشارة ~~إلى خير الأعمال وهو الصلاة ، وقوله : { بحمد ربك } إشارة إلى الذكر ، ~~وقوله : { ومن اليل فسبحه } إشارة إلى الفكر حين هدوا الأصواب ، وصفاء ~~الباطن أي نزهه عن كل سوء بفكرك ، واعلم أنه لا يتصف إلا بصفات الكمال ~~ونعوت الجلال ، وقوله تعالى : { وأدبار السجود } قد تقدم بعض ما يقال في ~~تفسيره ، ووجه آخر هو أنه إشارة إلى الأمر بإدامة التسبيح ، فقوله : { بحمد ~~ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن اليل فسبحه } إشارة إلى أوقات الصلاة ~~، وقوله : { وأدبار السجود } يعني بعدما فرغت من السجود وهو الصلاة فلا ~~تترك تسبيح الله وتنزيهه بل داوم أدبار السجود ليكون جميع أوقاتك في ~~التسبيح فيفيد فائدة قوله تعالى : { واذكر ربك إذا نسيت } ( الكهف : 24 ) ~~وقوله : { فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب } ( الشرح : 7 ، 8 ) وقرىء : { ~~والركع السجود } . # البحث الثالث : الفاء في قوله تعالى : { فسبحه } ما وجهها ؟ نقول هي تفيد ~~تأكيد الأمر بالتسبيح من الليل ، وذلك لأنه يتضمن الشرط كأنه يقول : وأما ~~من الليل ms8434 فسبحه ، وذلك لأن الشرط يفيد أن عند وجوده يجب وجود الجزاء ، ~~وكأنه تعالى يقول النهار محل الاشتغال وكثرة الشواغل ، فأما الليل فمحل ~~السكون PageV28P160 والانقطاع فهو وقت التسبيح ، أو نقول بالعكس الليل محل ~~النوم والثبات والغفلة ، فقال : أما الليل فلا تجعله للغفلة بل اذكر فيه ~~ربك ونزهه . # البحث الرابع : { من } في قوله : { ومن اليل } يحتمل وجهين . أحدهما : أن ~~يكون لابتداء الغاية أي من أول الليل فسبحه ، وعلى هذا فلم يذكر له غاية ~~لاختلاف ذلك بغلبة النوم وعدمها ، يقال أنا من الليل أنتظرك . ثانيهما : أن ~~يكون للتبعيض أي اصرف من الليل طرفا إلى التسبيح يقال : من مالك منع ومن ~~الليل انتبه ، أي بعضه . # / البحث الخامس : قوله : { وأدبار السجود } عطف على ماذا ؟ نقول : يحتمل ~~أن يكون عطفا على ما قبل الغروب كأنه تعالى قال : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب وأدبار السجود ) وذكر بينهما قوله : { ومن اليل فسبحه } ~~وعلى هذا ففيه ما ذكرنا من الفائدة وهي الأمر بالمداومة ، كأنه قال : سبح ~~قبل طلوع الشمس ، وإذا جاء وقت الفراغ من السجود قبل الطلوع فسبح وسبح قبل ~~الغروب ، وبعد الفراغ من السجود قبل الغروب سبحه فيكون ذلك إشارة إلى صرف ~~الليل إلى التسبيح ، ويحتمل أن يكون عطفا على { ومن اليل فسبحه } وعلى هذا ~~يكون عطفا على الجار والمجرور جميعا ، تقديره وبعض الليل ( فسبحه وأدبار ~~السجود ) . ثم قال تعالى : # ! 7 < { واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب } . > 7 ! # < < # | ق : ( 41 ) واستمع يوم يناد . . . . . # > > هذا إشارة إلى بيان غاية التسبيح ، يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر ~~المنادي كقوله تعالى : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ) وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ما الذي يستمعه ؟ قلنا : يحتمل وجوها ثلاثة . أحدها : ~~أن يترك مفعوله رأسا ويكون المقصود كن مستمعا ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين ~~الغافلين ، يقال هو رجل سميع مطيع ولا يراد مسموع بعينه كما يقال فلان وكاس ~~، وفلان يعطي ويمنع . ثانيهما : استمع لما يوحي إليك . ثالثها : استمع نداء ~~المنادي . # المسألة الثانية : { يوم يناد المناد } منصوب بأي فعل ؟ نقول ms8435 : هو مبني ~~على المسألة الأولى ، إن قلنا استمع لا مفعول له فعامله ما يدل عليه قوله ~~تعالى : { يوم الخروج } ( ق: 42 ) تقديره : يخرجون يوم ينادي المنادي ، وإن ~~قلنا مفعوله لما يوحى فتقديره ( واستمع ) لما يوحى ( يوم ينادي ) ويحتمل ما ~~ذكرنا وجها آخر ، وهو ما يوحي أي ما يوحى { يوم * يناد المناد } اسمعه ، ~~فإن قيل : استمع عطف على فاصبر وسبح وهو في الدنيا ، والاستماع يكون في ~~الدنيا ، وما يوحى { يوم يناد المناد } لا يستمع في الدنيا ، نقول ليس ~~بلازم ذلك لجواز أن يقال صل وادخل الجنة أي صل في الدنيا وادخل الجنة في ~~العقبى ، فكذلك ههنا ، ويحتمل أن يقال بأن استمع بمعنى انتظر فيحتمل الجمع ~~في الدنيا ، وإن قلنا استمع الصيحة وهو نداء المنادي : يا عظام انتشري ، ~~والسؤال الي ذكره علم الجواب منه ، وجواب آخر نقوله حينئذ وهو أن الله ~~تعالى قال : { ونفخ فى الصور فصعق من فى * السماوات * ومن فى الارض إلا من ~~شاء الله } ( الزمر : 68 ) قلنا : إن PageV28P161 من شاء الله هم الذين ~~علموا وقوع الصيحة ، واستيقظوا لها فلم تزعجهم كمن يرى برقا أومض ، وعلم أن ~~عقبيه يكون رعد قوي فينظره ويستمع له ، وآخر غافل فإذا رعد بقوة ربما يغشى ~~على الغافل ولا يتأثر منه المستمع ، فقال : استمع ذلك كي لا تكون ممن يصعق ~~في ذلك اليوم . # / المسألة الثانية : ما الذي ينادي المنادي ؟ فيه وجوه محتملة منقولة ~~معقولة وحصرها بأن نقول المنادي إما أن يكون هو الله تعالى أو الملائكة أو ~~غيرهما وهم المكلفون من الإنس والجن في الظاهر ، وغيرهم لا ينادي ، فإن ~~قلنا هو تعالى فيه وجوه . أحدها : ينادي : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } ~~( الصافات : 22 ) . ثانيها : ينادي { ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد } ( ق: 24 ~~) مع قوله : أدخلوها بسلام } ( ق: 34 ) ومثله قوله تعالى : { * } ( ق: 34 ) ~~ومثله قوله تعالى : { خذوه فغلوه } ( الحاقة : 30 ) يدل على هذا قوله تعالى ~~: { يوم يناد المناد من مكان قريب } ( ق: 41 ) وقال : { وأخذوا من مكان ~~قريب } ( سبأ : 51 ) . ثالثها : غيرهما لقوله تعالى : { يناديهم ms8436 أين شركائى ~~} وغير ذلك ، وأما على قولنا المنادي غير الله ففيه وجوه أيضا . أحدها : ~~قول إسرافيل : أيتها العظام البالية اجتمعوا للوصل واستمعوا للفصل . ثانيها ~~: النداء مع النفس يقال للنفس ارجعي إلى ربك لتدخلي مكانك من الجنة أو ~~النار . ثالثها : ينادي مناد هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار ، كما قال تعالى : { ~~فريق فى الجنة وفريق فى السعير } ( الشورى : 7 ) وعلى قولنا المنادي هو ~~المكلف فيحتمل أن يقال هو ما بين الله تعالى في قوله : { ونادوا يامالك * ~~مالك } ( الزخرف : 77 ) أو غير ذلك إلا أن الظاهر أن المراد أحد الوجهين ~~الأولين ، لأن قوله المنادي للتعريف وكون الملك في ذلك اليوم مناديا معروف ~~عرف حاله وإن لم يجر ذكره / فيقال : قال صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن قد ~~سبق ذكره ، وأما أن الله تعالى مناد فقد سبق في هذه السورة في قوله : { ~~ألقيا } ( ق: 24 ) وهذا نداء ، وقوله : { يوم نقول لجهنم } ( ق: 30 ) وهو ~~نداء ، وأما المكلف ليس كذلك ، وقوله تعالى : { من مكان قريب } إشارة إلى ~~أن الصوت لا يخفى على أحد بل يستوي في استماعه كل أحد وعلى هذا فلا يبعد ~~حمل المنادي على الله تعالى إذ ليس المراد من المكان القريب نفس المكان بل ~~ظهور النداء وهو من الله تعالى أقرب ، وهذا كما قال في هذه السورة : { ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق: 16 ) وليس ذلك بالمكان . ثم قال تعالى : # ! 7 < { يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 42 ) يوم يسمعون الصيحة . . . . . # > > # هذا تحقيق ما بينا من الفائدة في قوله : { واستمع } ( ق: 41 ) أي لا تكن ~~من الغافلين حتى لا تصعق يوم الصيحة ، وبيانه هو أنه قال استمع أي كن قبل ~~أن تستمع مستيقظا لوقوعه ، فإن السمع لا بد منه أنت وهم فيه سواء فهم ~~يسمعون لكن من غير استماع فيصعقون وأنت تسمع بعد الاستماع فلا يؤثر فيك إلا ~~ما لا بد منه و { يوم } يحتمل وجوها . أحدها : ما قاله الزمخشري أنه بدل من ~~يوم في قوله : { واستمع يوم ms8437 يناد المناد } والعامل فيهما الفعل الذي يدل ~~عليه قوله تعالى : { ذلك يوم الخروج } ( ق: 42 ) أي يخرجون يوم يسمعون . ~~ثانيها : أن { يوم يسمعون } العامل فيه مما في قوله ذلك { يوم يناد المناد ~~} العامل فيه ما ذكرنا . ثالثها : أن يقال استمع عامل في يوم ينادي كما ~~ذكرنا وينادي عامل في يسمعون ، وذلك لأن يوم ينادي وإن لم يجز أن يكون ~~منصوبا بالمضاف إليه وهو ينادي لكن غيره يجوز أن يكون منصوبا به ، يقال : ~~اذكر حال زيد ومذلته يوم ضربه عمرو ، ويوم كان عمرو واليا ، إذا كان القائل ~~يريد PageV28P162 / بيان مذلة زيد عندما صار زيد يكرم بسبب من الأسباب ، ~~فلا يكون يوم كان عمرو واليا منصوبا بقوله اذكر لأن غرض القائل التذكير ~~بحال زيد ومذلته وذلك يوم الضرب ، لكن يوم كان عمرو منصوب بقوله ضربه عمرو ~~يوم كان واليا ، فكذلك ههنا قال : { واستمع يوم يناد المناد } لئلا تكون ~~ممن يفزع ويصعق ، ثم بين هذا النداء بقوله : { يناد المناد } يوم يسمعون أي ~~لا يكون نداء خفيا بحيث لا يسمعه بعض الناس بل يكون نداؤه بحيث تكون نسبته ~~إلى من في أقصى المغرب كنسبته إلى من في المشرق ، وكلكم تسمعون ، ولا شك أن ~~مثل هذا الصوت يجب أن يكون الإنسان متهيئا لاستماعه ، وذلك يشغل النفس ~~بعبادة الله تعالى وذكره والتفكير فيه فظهر فائدة جليلة من قوله : { فاصبر ~~* وسبح * واستمع يوم يناد المناد * ويوم * يسمعون } واللام في الصيحة ~~للتعريف ، وقد عرف حالها وذكرها الله مرارا كما في قوله تعالى : { إن كانت ~~إلا صيحة واحدة } ( يس : 29 ) وقوله } ( فإنما هي زجرة واحدة } ( الصافات : ~~19 ) وقوله : { * } ( فإنما هي زجرة واحدة } ( الصافات : 19 ) وقوله : { * ~~} ( الصافات : 19 ) وقوله : { نفخة واحدة } ( الحاقة : 13 ) وقوله : { ~~بالحق } جاز أن يكون متعلقا بالصيحة أي الصحة بالحق يسمعونها ، وعلى هذا ~~ففيه وجوه : # الأول : الحق الحشر أي الصيحة بالحشر وهو حق يسمعونها يقال صاح زيد بيا ~~قوم اجتمعوا على حد استعمال تكلم بهذا الكلام وتقديره حينئذ يسمعون الصيحة ~~بيا عظام اجتمعي وهو المراد بالحق . الثاني ms8438 : الصيحة بالحق أي باليقين ~~والحق هو اليقين ، يقل صاح فلان بيقين لا بظن وتخمين أي وجد منه الصياح ~~يقينا لا كالصدى وغيره وهو يجري مجرى الصفة للصيحة ، يقال استمع سماعا بطلب ~~، وصاح صيحة بقوة أي قوية فكأنه قال الصيحة المحققة . الثالث : أن يكون ~~معناه الصيحة المقترنة بالحق وهو الوجود ، يقال كن فيتحقق ويكون ، ويقال ~~اذهب بالسلام وارجع بالسعادة أي مقرونا ومصحوبا ، فإن قيل زد بيانا فإن ~~الباء في الحقيقة للإلصاق فكيف يفهم معنى الإلصاق في هذه المواضع ؟ نقول ~~التعدية قد تتحقق بالباء يقال ذهب بزيد على معنى ألصق الذهاب بزيد فوجد ~~قائما به فصار مفعولا ، فعلى قولنا المراد يسمعون صيحة من صاح بيا عظام ~~اجتمعي هو تعدية المصدر بالباء يقال أعجبني ذهاب زيد بعمرو ، وكذلك قوله : ~~{ الصيحة بالحق } أي ارفع الصوت على الحق وهو الحشر / وله موعد نبينه في ~~موضع آخر إن شاء الله تعالى . الوجه الثاني : أن يكون الحق متعلقا بقوله : ~~{ يسمعون } أي يسمعون الصيحة بالحق وفيه وجهان . الأول : هو قول القائل ~~سمعته بيقين . الثاني : الباء في يسمعون بالحق قسم أي يسمعون الصيحة بالله ~~الحق وهو ضعيف وقوله تعالى : { ذلك يوم } فيه وجهان . أحدهما : ذلك إشارة ~~إلى يوم أي ذلك اليوم يوم الخروج . ثانيهما : ذلك إشارة إلى نداء المنادي . ~~ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنا نحن نحى ونميت وإلينا المصير } . > 7 @QB@ < # | ق : ( 43 ) إنا نحن نحيي . . . . . # > > # / قد ذكرنا في سورة يس ما يتعلق بقوله : { كريم إنا نحن } ، وأما قوله : ~~{ إنا نحن } فالمراد من الإحياء الإحياء أولا { ونميت } إشارة إلى الموتة ~~الأولى وقوله : { وإلينا } بيان للحشر فقدم { إنا نحن } لتعريف عظمته يقول ~~القائل أنا أنا أي مشهور و { إنا نحن } أمور مؤكدة معنى العظمة { وإلينا ~~المصير } بيان للمقصود . # PageV28P163 ! 7 < { يوم تشقق الا رض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير } . ~~> 7 @QB@ < # | ق : ( 44 ) يوم تشقق الأرض . . . . . # > > # وقوله تعالى : { يوم تشقق الارض عنهم سراعا } العامل فيه هو ما في قوله { ~~يوم الخروج } ( ق: 42 ) من الفعل أي يخرجون يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ms8439 ~~وقوله : { سراعا } حال للخارجين لأن قوله تعالى : { عنهم } يفيد كونهم ~~مفعولين بالتشقق فكان التشقق عند الخروج من القبر كما يقال كشف عنه فهو ~~مكشوف عنه فيصير سراعا هيئة المفعول كأنه قال مسرعين والسراع جمع سريع ~~كالكرام جمع كريم . # قوله : { ذلك حشر } يحتمل أن يكون إشارة إلى التشقق عنهم ، ويحتمل أن ~~يكون إشارة إلى الإخراج المدلول عليه بقوله سراعا ، ويحتمل أن يكون معناه ~~ذلك الحشر حشر يسير ، لأن الحشر علم مما تقدم من الألفاظ . # وقوله تعالى : { علينا يسير } بتقديم الظرف يدل على الاختصاص ، أي هو ~~علينا هين لا على غيرنا وهو إعادة جواب قولهم : { ذلك رجع بعيد } ( ق: 3 ) ~~والحشر الجمع ويوم القيامة جمع الأجزاء بعضها إلى بعض وجمع الأرواح مع ~~الأشباح أي يجمع بين كل روح وجسدها وجمع الأمم المتفرقة والرمم المتمزقة ~~والكل واحد في الجمع . # ! 7 < { نحن أعلم بما يقولون ومآ أنت عليهم بجبار فذكر بالقرءان من يخاف ~~وعيد } . > 7 ! # < < # | ق : ( 45 ) نحن أعلم بما . . . . . # > > فيه وجوه . أحدها : تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ~~وتحريض لهم على ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر والتسبيح ، أي ~~اشتغل بما قلناه ولا يشغلك الشكوى إلينا فإنا نعلم أقوالهم ونرى أعمالهم ، ~~وعلى هذا فقوله : { وما أنت عليهم بجبار } مناسب له أي لا تقل بأني أرسلت ~~إليهم لأهديهم ، فكيف أشتغل بما يشغلني عن الهداية وهو الصلاة والتسبيح ، ~~فإنك ما بعثت مسلطا على دواعيهم وقدرهم ، وإنما أمرت بالتبليغ ، وقد بلغت ~~فاصبر وسبح وانتظر اليوم الذي يفصل فيه بينكم . ثانيها : هي كلمة تهديد ~~وتخويف لأن قوله : { وإلينا المصير } ( ق: 43 ) ظاهر في التهديد بالعلم ~~بعملكم لأن من يعلم أن مرجعه إلى الملك ولكنه يعتقد أن الملك لا يعلم ما ~~يفعله لا يمتنع من القبائح ، أما إذا علم أنه يعلمه وعنده غيبه وإليه عوده ~~يمتنع فقال تعالى : { وإلينا المصير } و { نحن أعلم } / وهو ظاهر في ~~التهديد ، وهذا حينئذ كقوله تعالى : { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم ~~تعملون إنه عليم بذات ms8440 الصدور } ( الزمر : 7 ) . ثالثها تقرير الحشر وذلك ~~لأنه لما بين أن الحشر عليه يسير لكمال قدرته ونفوذ إرادته ولكن تمام ذلك ~~بالعلم الشامل حتى يميز بين جزء بدنين جزء بدن زيد وجزء بدن عمرو فقال : { ~~ذلك حشر علينا يسير } لكمال قدرتنا ، ولا يخفى علينا الأجزاء لمكان علمنا ، ~~وعلى هذا فقوله : { نحن أعلم بما يقولون } معناه نحن نعلم عين ما يقولون في ~~قولهم { أءذا متنا وكنا ترابا } ( المؤمنون : 82 ) { أءذا ضللنا فى الارض } ~~( السجدة : 10 ) فيقول : نحن نعلم الأجزاء التي يقولون فيها إنها ضالة ~~وخفية ولا يكون المراد نحن نعلم وقولهم في الأول جاز أن تكون ما مصدرية ~~فيكون المراد من قوله : { بما يقولون } أي قولهم ، وفي الوجه الآخر تكون ~~خبرية ، وعلى هذا الدليل فلا يصح قوله : { نحن أعلم } إذ لا عالم بتلك ~~الأجزاء سواه حتى يقول : { نحن أعلم } نقول قد علم الجواب عنه مرارا من ~~وجوه : # أحدها : أن أفعل لا يقتضي الاشتراك في أصل الفعل كما في قوله تعالى : { ~~والله أحق أن تخشاه } PageV28P164 ( الأحزاب : 37 ) وفي قوله تعالى : { ~~أحسن * نديا } ( مريم : 77 ) ، وفي قوله : { وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ~~) ( . # ثانيها : معناه نحن أعلم بما يقولون من كل عالم بما يعلمه ، والأول أصح ~~وأظهر وأوضح وأشهر وقوله : { وما أنت عليهم بجبار } فيه وجوه : أحدها : أن ~~للتسلية أيضا ، وذلك لأنه لما من عليه بالإقبال على الشغل الأخروي وهو ~~العبادة أخبر بأنه لم يصرف عن الشغل الآخر وهو البعث ، كما أن الملك إذا ~~أمر بعض عبيده بشغلين فظهر عجزه في أحدهما : يقول له أقبل على الشغل الآخر ~~ومنهما ونحن نبعث من يقدر على الذي عجزت عن منهما ، فقال : { اصبر * وسبح * ~~وما أنت * بجبار } أي فما كان امتناعهم بسبب تجبر منك أو تكبر فاشمأزوا من ~~سوء خلقك ، بل كنت بهم رؤوفا وعليهم عطوفا وبالغت وبلغت وامتنعوا فأقبل على ~~الصبر والتسبيح غير مصروف عن الشغل الأول بسبب جبروتك ، وهذا في معنى قوله ~~تعالى : { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } إلى أن قال : { وإنك لعلى خلق عظيم ms8441 } ~~( القلم : 2 4 ) ، ثانيها : هو بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بما ~~عليه من الهداية / وذلك لأنه أرسله منذرا وهاديا لا ملجأ ومجبرا ، وهذا كما ~~في قوله تعالى : { فما أرسلناك عليهم حفيظا } ( الشورى : 18 ) أي تحفظهم من ~~الكفر والنار ، وقوله : { وما أنت عليهم } في معنى قول القائل : اليوم فلان ~~علينا ، في جواب من يقول : من عليكم اليوم ؟ أي من الوالي عليكم . ثالثها : ~~هو بيان لعدم وقت نزول العذاب بعد ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~أنذر وأعذر وأظهر لم يؤمنوا كان يقول إن هذا وقت العذاب ، فقال : نحن أعلم ~~بما يقولون وما أنت عليهم بمسلط فذكر بعذابي إن لم يؤمنوا من بقي منهم ممن ~~تعلم أنه يؤمن ثم تسلط ، ويؤيد هذا قول المفسرين أن الآية نزلت قبل نزول ~~آية القتال ، وعلى هذا فقوله : { فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } أي من بقي ~~منهم ممن يخاف يوم الوعيد ، وفيه وجوه أخر . أحدها : أنا بينا في أحد ~~الوجوه أن قوله تعالى : { فاصبر على ما يقولون وسبح } ( ق: 39 ) معناه أقبل ~~على العبادة ، ثم قال : ولا تترك الهداية بالكلية بل وذكر المؤمنين { فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين } ( الذاريات : 55 ) { وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف ~~: 199 ) / وقوله : { بالقرءان } فيه وجوه . الأول : فذكر بما في القرآن ~~واتل عليهم القرآن يحصل لهم بسبب ما فيه المنفعة . الثاني : { فذكر ~~بالقرءان } أي بين به أنك رسول لكونه معجزا ، وإذا ثبت كونك رسولا لزمهم ~~قبول قولك في جميع ما تقول به . الثالث : المراد فذكر بمقتضى ما في القرآن ~~من الأوامر الواردة بالتبليغ والتذكير ، وحينئذ يكون ذكر القرآن لانتفاع ~~النبي صلى الله عليه وسلم به أي اجعل القرآن إمامك ، وذكرهم بما أخبرت فيه ~~بأن تذكرهم ، وعلى الأول معناه اتل عليهم القرآن ليتذكروا بسببه ، وقوله ~~تعالى : { من يخاف وعيد } من جملة ما يبين كون الخشية دالة على عظمة المخشي ~~أكثر مما يدل عليه الخوف ، حيث قال : { يخاف } عندما جعل المخوف عذاب ~~ووعيده ، وقال : { * اخشوني } ( البقرة : 150 ) عندما جعل المخوف نفسه ms8442 ~~العظيم ، وفي هذه الآية إشارة إلى الأصول الثلاثة ، وقوله : { تزكى وذكر } ~~إشارة إلى أنه مرسل مأمور بالتذكير منزل عليه القرآن حيث قال : { بالقرءان ~~} وقوله : { وعيد } إشارة إلى اليوم الآخر وضمير المتكلم في قوله : { وعيد ~~} يدل على الوحدانية ، فإنه لو قال من يخاف وعيد الله كان يذهب وهم الله ~~إلى كل صوب فلذا قال : { وعيد } والمتكلم أعرف المعارف وأبعد عن الإشراك به ~~وقبول الاشتراك فيه ، وقد بينا في أول السورة أن أول السورة وآخرها ~~متقاربان في المعنى حيث قال في الأول : { ق والقرءان المجيد } ( ق: 1 ) ~~وقال في آخرها : { فذكر بالقرءان } . # وهذا آخر تفسير هذه السورة والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على خاتم ~~النبيين وسيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه وأزواجه وذريته أجمعين . # PageV28P165 < # > 1 ( سورة الذاريات ) 1 < # > # ستون آية مكية # بسم الله الرحمن الرحيم / # ! 7 < { والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات ~~أمرا } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 1 ) والذاريات ذروا # > > أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ، وذلك لأنه تعالى لما بين الحشر ~~بدلائله وقال : { ذلك حشر علينا * يسيرا } ( ق: 44 ) وقال : { وما أنت ~~عليهم بجبار } ( ق: 45 ) أي تجبرهم وتلجئهم إلى الإيمان إشارة إلى إصرارهم ~~على الكفر بعد إقامة البرهان وتلاوة القرآن عليهم لم يبق إلا اليمين فقال : ~~{ والذريات ذروا * إنما توعدون لصادق } وأول هذه السورة وآخرها متناسبان ~~حيث قال في أولها : { إنما توعدون لصادق } ( الذاريات : 5 ) وقال في آخرها ~~: { فويل للذين كفروا من يومهم الذى يوعدون } ( الذاريات : 60 ) وفي تفسير ~~الآيات مسائل : # المسألة الأولى : قد ذكرنا الحكمة وهي في القسم من المسائل الشريفة ~~والمطالب العظيمة في سورة والصافات ، ونيدها ههنا وفيها وجوه . الأول : أن ~~الكفار كانوا في بعض الأوقات يعترفون بكون النبي صلى الله عليه وسلم غالبا ~~في إقامة الدليل وكانوا ينسبونه إلى المجادلة وإلى أنه عارف في نفسه بفساد ~~ما يقوله ، وإنه يغلبنا بقوة الجدل لا بصدق المقال ، كما أن بعض الناس إذا ~~أقام عليه الخصم الدليل ولم يبق له حجة ، يقول : إنه غلبني لعلمه بطريق ~~الجدل وعجزي عن ذلك ms8443 ، وهو في نفسه يعلم أن الحق بيدي فلا يبقى للمتكلم ~~المبرهن طريق غير اليمين ، فيقول : والله إن الأمر كما أقول ، ولا أجادلك ~~بالباطل ، وذلك لأنه لو سلك طريقا آخر من ذكر دليل آخر ، فإذا تم الدليل ~~الآخر يقول الخصم فيه مثل ما قال في الأول إن ذلك تقرير بقوة علم الجدل فلا ~~يبقى إلا السكوت أو التمسك بالإيمان وترك إقامة البرهان . الثاني : هو أن ~~العرب كانت تحترز عن الأيمان PageV28P166 الكاذبة وتعتقد أنها تدع الديار ~~بلافع ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من الأيمان بكل شريف ولم يزده ~~ذلك إلا رفعة وثباتا ، وكان يحصل لهم العلم بأنه لا يحلف بها كاذبا ، وإلا ~~لأصابه شؤم الإيمان ولناله / المكروه في بعض الأزمان . الثالث : وهو أن ~~الأيمان التي حلف الله تعالى بها كلها دلائل أخرجها في صورة الأيمان مثاله ~~قول القائل لمنعمه : وحق نعمك الكثيرة إني لا أزال أشكرك فيذكر النعم وهي ~~سبب مفيد لدوام الشكر ويسلك مسلك القسم ، كذلك هذه الأشياء كلها دليل على ~~قدرة الله تعالى على الإعادة ، فإن قيل فلم أخرجها مخرج الإيمان ؟ نقول لأن ~~المتكلم إذا شرع في أول كلامه بحلف بعلم السامع أنه يريد أن يتكلم بكلام ~~عظيم فيصغي إليه أكثر من أن يصغي إليه حيث يعلم أن الكلام ليس بمعتبر فبدأ ~~بالحلف وأدرج الدليل في صورة اليمين حتى أقبل القوم على سماعه فخرج لهم ~~البرهان المبين ، والتبيان المتين في صورة اليمين ، وقد استوفينا الكلام في ~~سورة الصافات . # المسألة الثانية : في جميع السور التي أقسم الله في ابتدائها بغير الحروف ~~كان القسم لإثبات أحد الأصول الثلاثة وهي : الوحدانية والرسالة والحشر ، ~~وهي التي يتم بها الإيمان ، ثم إنه تعالى لم يقسم لإثبات الوحدانية إلا في ~~سورة واحدة من تلك السور وهي { والصافات } حيث قال فيها : { إن إلاهكم ~~لواحد } ( الصافات : 4 ) وذلك لأنهم وإنن كانوا يقولون : { أجعل الالهة ~~إلاها واحدا } } ( ص: 50 ) على سبيل الإنكار ، وكانوا يبالغون في الشرك ، ~~لكنهم في تضاعيف أقوالهم ، وتصاريف أحوالهم كانوا يصرحون بالتوحيد ، وكانوا ms8444 ~~يقولون : { * } ( ص: 50 ) على سبيل الإنكار ، وكانوا يبالغون في الشرك ، ~~لكنهم في تضاعيف أقوالهم / وتصاريف أحوالهم كانوا يصرحون بالتوحيد ، وكانوا ~~يقولون : { ما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) وقال تعالى : ~~{ ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ليقولن الله } ( الزمر : 38 ) فلم ~~يبالغوا في الحقيقة في إنكار المطلوب الأول ، فاكتفى بالبرهان ، ولم يكثر ~~من الأيمان ، وفي سورتين منها أقسم لإثبات صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وكونه رسولا في إحداهما بأمر واحد ، وهو قوله تعالى : { والنجم إذا هوى * ~~ما ضل صاحبكم } ( النجم : 1 ، 2 ) وفي الثانية بأمرين وهو قوله تعالى : { ~~والضحى * واليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى } ( الضحى : 1 3 ) وذلك لأن ~~القسم على إثبات رسالته قد كثر بالحروف والقرآن ، كما في قوله تعالى : { يس ~~* والقرءان الحكيم * إنك لمن المرسلين } ( يس : 1 3 ) وقد ذكرنا الحكم فيه ~~أن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، فأقسم به ليكون في القسم ~~الإشارة واقعة إلى البرهان ، وفي باقي السور كان المقسم عليه الحشر والجزاء ~~وما يتعلق به لكون إنكارهم في ذلك خارجا عن الحد ، وعدم استيفاء ذلك في ~~صورة القسم بالحروف . # المسألة الثالثة : أقسم الله تعالى بجموع السلامة المؤنثة في سور خمس ، ~~ولم يقسم بجموع السلامة المذكورة في سورة أصلا ، فلم يقل : والصالحين من ~~عبادي ، ولا المقربين إلى غير ذلك ، مع أن المذكر أشرف ، وذلك لأن جموع ~~السلام بالواو والنون في الأمر الغالب لمن يعقل ، وقد ذكرنا أن القسم بهذه ~~الأشياء ليس لبيان التوحيد إلا في صورة ظهور الأمر فيه ، وحصول الاعتراف ~~منهم به ، ولا للرسالة لحصول ذلك في صور القسم بالحروف والقرآن . # بقي أن يكون المقصود إثبات الحشر والجزاء ، لكن إثبات الحشر لثواب الصالح ~~، وعذاب / الصالح ، ففائدة ذلك راجع إلى من يعقل ، فكان الأمر يقتضي أن ~~يكون القسم بغيرهم ، والله أعلم . # المسألة الرابعة : في السورة التي أقسم لإثبات الوحدانية ، أقسم في أول ~~الأمر بالساكنات حيث قال : PageV28P167 { والصافات } ( الصافات : 1 ) وفي ~~السور الأربع الباقية أقسم بالمتحركات ، فقال : { والذريات } وقال : { ~~والمرسلات ms8445 } ( المرسلات : 1 ) وقال : { والنازعات } ( النازعات : 1 ) ~~ويؤيده قوله تعالى : { والسابحات * فالسابقات } ( النازعات : 3 ، 4 ) وقال ~~: { والعاديات } ( العاديات : 1 ) وذلك لأن الحشر فيه جمع وتفريق ، وذلك ~~بالحركة أليق ، أو أن نقول في جميع السور الأربع أقسم بالرياح على ما بين ~~وهي التي تجمع وتفرق ، فالقادر على تأليف السحاب المتفرق بالرياح الذارية ~~والمرسلة ، قادر على تأليف الأجزاء المتفرقة بطريق من الطرق التي يختارها ~~بمشيئته تعالى . # المسألة الخامسة : في الذاريات أقوال . الأول : هي الرياح تذور التراب ~~وغيره ، كما قال تعالى : { تذروه الرياح } ( الكهف : 45 ) . الثاني : هي ~~الكواكب من ذرا يذرو إذا أسرع . الثالث : هي الملائكة . الرابع : رب ~~الذاريات ، والأول أصح . # المسألة السادسة : الأمور الأربعة جاز أن تكون أمورا متباينة ، وجاز أن ~~تكون أمرا له أربع اعتبارات . الأول : هي ما روي عن علي عليه السلام ، أن ~~الذاريات هي الرياح والحاملات هي السحاب ، والجاريات هي السفن ، والمقسمات ~~هي الملائكة الذين يقسمون الأرزاق . والثاني : وهو الأقرب أن هذه صفات أربع ~~للرياح ، فالذاريات هي الرياح التي تنشىء السحاب أولا ، والحاملات هي ~~الرياح التي تحمل السحب التي هي بخار المياه التي إذا سحت جرت السيول ~~العظيمة ، وهي أوقار أثقال من جبال ، والجاريات هي الرياح التي تجري بالسحب ~~بعد حملها ، والمقسمات هي الرياح التي تفرق الأمطار على الأقطار / ويحتمل ~~أن يقال هذه أمور أربعة مذكورة في مقابلة أمور أربعة بها تتم الإعادة ، ~~وذلك لأن الأجزاء التي تفرقت بعضها في تخوم الأرضين ، وبعضها في قعور ~~البحور ، وبعضها في جو الهواء ، وهي الأجزاء اللطيفة البخارية التي تنفصل ~~عن الأبدان ، فقوله تعالى : { والذريات } يعني الجامع للذاريات من الأرض ، ~~على أن الذارية هي التي تذرو التراب عن وجه الأرض ، وقوله تعالى : { ~~فالحاملات وقرا } هي التي تجمع الأجزاء من الجو وتحمله حملا ، فإن التراب ~~لا ترفعه الرياح حملا ، بل تنقله من موضع ، وترميه في موضع بخلاف السحاب ، ~~فإنه يحمله وينقله في الجو حملا لا يقع منه شيء ، وقوله : { فالجاريات يسرا ~~} إشارة إلى الجامع من الماء ، فإن من يجري السفن الثقيلة من تيار البحار ~~إلى ms8446 السواحل يقدر على نقل الأجزاء من البحر إلى البر ، فإذا تبين أن الجمع ~~من الأرض ، وجو الهواء ووسط البحار ممكن ، وإذا اجتمع يبقى نفخ الروح لكن ~~الروح من أمر الله ، كما قال تعالى : { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربى } ( الإسراء : 85 ) فقال : { فالمقسمات أمرا } الملائكة التي تنفخ ~~الروح في الجسد بأمر الله ، وإنما ذكرهم بالمقسمات ، لأن الإنسان في ~~الأجزاء الجسمية غير مخالف تخالفا بينا ، فإن لكل أحد رأسا ورجلا ، والناس ~~متقاربة في الأعداد والأقدار ، لكن التفاوت الكثير في / النفوس ، فإن ~~الشريفة والخسيسة بينهما غاية الخلاف ، وتلك القسمة المتفاوتة تنقسم بمقسم ~~مختار ومأمور مختار فقال : { فالمقسمات أمرا } . # المسألة الخامسة : ما هذه المنصوبات من حيث النحو ؟ فنقول أما { ذروا } ~~فلا شك في كونه منصوبا على أنه مصدر ، وأما { وقرا } فهو مفعول به ، كما ~~يقال : حمل فلان عدلا ثقيلا ، ويحتمل أن يكون اسما أقيم مقام المصدر ، كما ~~يقال : ضربه سوطا يؤيده قراءة من قرأ بفتح الواو . وأما { يسرا } فهو أيضا ~~منصوب PageV28P168 على أنه صفة مصدر ، تقديره جريا ذا يسر ، وأما { لك أمرا ~~} فهو إما مفعول به ، كما يقال : فلان قسم الرزق أو المال وإما حال أتى على ~~صورة المصدر ، كما يقال : قتلته صبرا ، أي مصبورا كذلك ههنا { لك أمرا } أي ~~مأمورة ، فإن قيل : إن كان { وقرا } مفعوله به فلم لم يجمع ، ومما قيل : ~~والحاملات أوقارا ؟ نقول : لأن الحاملات على ما ذكرنا صفة الرياح ، وهي ~~تتوارد على وقر واحد ، فإن ريحا تهب وتسوق السحابة فتسبق السحاب ، فتهب ~~أخرى وتسوقها ، وربما تتحول عنه يمنة ويسرة بسبب اختلاف الرياح ، وكذلك ~~القول في المقسمات أمرا ، إذا قلنا هو مفعول به ، لأن جماعة يكونون مأمورين ~~تنقسم أمرا واحدا ، أو نقول هو في تقدير التكرير كأنه قال : فالحاملات وقرا ~~وقرا ، والمقسمات أمرا أمرا . # المسألة الثامنة : ما فائدة الفاء ؟ نقول : إن قلنا إنها صفات الرياح ~~فلبيان ترتيب الأمور في الوجود ، فإن الذاريات تنشىء السحاب فتقسم الأمطار ~~على الأمطار ، وإن قلنا إنها أمور أربعة فالفاء للترتيب في القسم لا ms8447 ~~للترتيب في القسم لا للترتيب في المقسم به ، كأنه يقول : أقسم بالرياح ~~الذاريات ثم بالسحب الحاملات ثم بالسفن الجاريات ثم بالملائكة المقسمات ، ~~وقوله : { فالحاملات } وقوله : { فالجاريات } إشارة إلى بيان ما في الرياح ~~من الفوائد ، أما في البر فإنشاء السحب ، وأما في البحر فإجراء السفن ، ثم ~~المقسمات إشارة إلى ما يترتب على حمل السحب وجري السفن من الأرزاق ، ~~والأرياح التي تكون بقسمة الله تعالى فتجري سفن بعض الناس كما يشتهي ولا ~~تربح وبعضهم تربح وهو غافل عنه ، كما قال تعالى : { نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم } ( الزخرف : 32 ) . ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنما توعدون لصادق } . > 7 ! # ( < < # | الذاريات : ( 5 ) إنما توعدون لصادق # > > ما ) يحتمل أن يكون مصدرية معناه الإيعاد صادق و ( إن ) تكون موصولة ~~أي الذي توعدون صادق ، والصادق معناه ذو صدق كعيشة راضية ووصف المصدر بما ~~يوصف به الفاعل بالمصدر فيه إفادة مبالغة ، فكما أن من قال فلان لطف محض ~~وحلم يجب أن يكون قد بالغ كذلك من قال كلام صادق وبرهان قاهر للخصم أو غير ~~ذلك يكون قد بالغ ، والوجه فيه هو أنه إذا قال هو لطف بدل قوله لطيف فكأنه ~~قال اللطيف شيء له لطف ففي اللطيف لطف وشيء آخر ، فأراد أن يبين كثرة اللطف ~~فجعله كله لطفا ، وفي الثاني لما كان / الصدق يقوم بالمتكلم بسبب كلامه ، ~~فكأنه قال هذا الكلام لا يحوج إلى شيء آخر حتى يصح إطلاق الصادق عليه ، بل ~~هو كاف في إطلاق الصادق لكونه سببا قويا وقوله تعالى : { توعدون } يحتمل أن ~~يكون من وعد ويحتمل أن يكون من أوعد ، والثاني هو الحق لأن اليمين مع ~~المنكر بوعيد لا بوعد . وقوله تعالى : # ! 7 < { وإن الدين لواقع } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 6 ) وإن الدين لواقع # > > أي الجزاء كائن ، وعلى هذا فالإبعاد بالحشر في الموعد هو الحساب ~~والجزاء هو العقاب ، فكأنه بين بقوله : { إن ما توعدون * لصادق * وإن الدين ~~لواقع } أن الحساب يستوفي والعقاب يوفى ثم قال تعالى : # ! 7 < { والسمآء ذات الحبك * إنكم لفى قول مختلف } . > 7 @QB@ < # | الذاريات : ( 7 - 8 ) والسماء ذات ms8448 الحبك # > > # وفي تفسيره مباحث : PageV28P169 # الأول : { والسماء ذات الحبك } قيل : الطرائق ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون ~~المراد طرائق الكواكب وممراتها كما يقال في المحابك ، ويحتمل أن يكون ~~المراد ما في السماء من الأشكال بسبب النجوم ، فإن في سمت كواكبها طريق ~~التنين والعقرب والنسر الذي يقول به أصحاب الصور ومنطقة الجوزاء وغير ذلك ~~كالطرائق ، وعلى هذا فالمراد به السماء المزينة بزينة الكواكب ، ومثله قوله ~~تعالى : { والسماء ذات البروج } ( البروج : 1 ) وقيل : حبكها صفاقها يقال ~~في الثوب الصفيق حسن الحبك وعلى هذا فهو كقوله تعالى : { والسماء ذات الرجع ~~} ( الطارق : 11 ) لشدتها وقوتها وهذا ما قيل فيه . # البحث الثاني : في المقسم عليه وهو قوله تعالى : { إنكم لفى قول مختلف } ~~وفي تفسيره أقوال مختلفة كلها محكمة . الأول : إنكم لفي قول مختلف ، في حق ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، تارة يقولون إنه أمين وأخرى إنه كاذب ، وتارة ~~تنسبونه إلى الجنون ، وتارة تقولون إنه كاهن وشاعر وساحر ، وهذا محتمل لكنه ~~ضعيف إذ لا حاجة إلى اليمين على هذا ، لأنهم كانوا يقولون ذلك من غير إنكار ~~حتى يؤكد بيمين . الثاني : { إنكم لفى قول مختلف } أي غير ثابتين على أمر ~~ومن لا يثبت على قول لا يكون متيقنا في اعتقاده فيكون كأنه قال تعالى ، ~~والسماء إنكم غير جازمين في اعتقادكم وإنما تظهرون الجزم لشدة عنادكم وعلى ~~هذا القول فيه فائدة وهي أنهم لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك تعلم ~~أنك غير صادق في قولك ، وإنما تجادل ونحن نعجز عن الجدل قال : { والذريات ~~ذروا } أي أنك صادق ولست معاندا ، ثم قال تعالى : بل أنتم والله جازمون ~~بأني صادق فعكس الأمر عليهم . الثالث : إنك لفي قول مختلف ، أي متناقض ، ~~أما في الحشر فلأنكم تقولون لا حشر ولا حياة بعد الموت ثم تقولون إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة ، فإذا كان لا حياة بعد الموت ولا شعور للميت ، فماذا يصيب ~~آباءكم إذا خالفتموهم ؟ وإنما يصح هذا ممن يقولون بأن بعد الموت عذابا فلو ~~/ علمنا شيئا يكرهه الميت يبدي فلا معنى لقولكم ms8449 إنا لا ننسب آباءنا بعد ~~موتهم إلى الضلال ، وكيف وأنتم تربطون الركائب على قبور الأكابر ، وأما في ~~التوحيد فتقولون خالق السماوات والأرض هو الله تعالى لا غيره ثم تقولون هو ~~إلاه الآلهة وترجعون إلى الشرك ، وأما في قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~فتقولون إنه مجنون ثم تقولون له إنك تغلبنا بقوة جدلك ، والمجنون كيف يقدر ~~على الكلام المنتظم المعجز ، إلى غير ذلك من الأمور المتناقضة . ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { يؤفك عنه من أفك } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 9 ) يؤفك عنه من . . . . . # > > وفيه وجوه . أحدها : أنه مدح للمؤمنين ، أي يؤفك عن القول المختلف ~~ويصرف من صرف عن ذلك القول ويرشد إلى القول المستوي . وثانيها : أنه ذم ~~معناه يؤفك عن الرسول . ثالثها : يؤفك عن القول بالحشر . رابعها : يؤفك عن ~~القرآن ، وقرىء يؤفن عنه من أفن ، أي يحرم ، وقرىء يؤفك عنه من أفك ، أي ~~كذب . ثم قال تعالى : # ! 7 < { قتل الخراصون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 10 ) قتل الخراصون # > > وهذا يدل على أن المراد من قوله : { لفى قول مختلف } ( الذاريات : 8 ~~) أنهم غير ثابتين على أمر وغير جازمين بل هم يظنون ويخرصون ، ومعناه لعن ~~الخراصون دعاء عليهم بمكروه . ثم وصفهم فقال : # ! 7 < { الذين هم فى غمرة ساهون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 11 ) الذين هم في . . . . . # > > وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية . # أما اللفظية : فقوله : { ساهون } يحتمل أن يكون خبرا بعد خبر ، والمبتدأ ~~هو قوله : { هم } وتقديره هم PageV28P170 كائنون في غمرة ساهون ، كما يقال ~~زيد جاهل جائز لا على قصد وصف الجاهل بالجائز ، بل الإخبار بالوصفين عن زيد ~~، ويحتمل أن يكون { ساهون } خبرا و { فى غمرة } ظرف له كما يقال : زيد في ~~بيته قاعد يكون الخبر هو القاعد لا غير وفي بيته لبيان ظرف القعود كذلك { ~~فى غمرة } لبيان ظرف السهو الذي يصحح وصف المعرفة بالجملة ، ولولاها لما ~~جاز وصف المعرفة بالجملة . # وأما المعنوية : فهي أن وصف الخراص بالسهو والانهماك في الباطل ، يحقق ~~ذلك كون الخراص صفة ذم ، وذلك لأن ما لا سبيل إليه إلا الظن إذا خرص الخارص ~~وأطلق ms8450 عليه الخراص لا يكون ذلك مفيد نقص ، كما يقال في خراص الفواكه ~~والعساكر وغير ذلك ، وأما الخرص في محل المعرفة واليقين فهو ذم فقال : قتل ~~الخراصون الذين هم جاهلون ساهلون لا الذين تعين طريقهم في التخمين والحزر ~~وقوله تعالى : { ساهون } بعد قوله : { فى غمرة } يفيد أنهم وقعوا في جهل ~~وباطل ونسوا أنفسهم يه فلم يرجعوا عنه . ثم قال تعالى : # ! 7 < { يسألون أيان يوم الدين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 12 ) يسألون أيان يوم . . . . . # > > فإن قيل : الزمان يجعل ظرف الأفعال ولا يمكن / أن يكون الزمان ظرفا ~~لظرف آخر ، وههنا جعل أيان ظرف اليوم فقال : { أيان يوم الدين } ويقال متى ~~يقدم زيد ، فيقال : يوم الجمعة ولا يقال : متى يوم الجمعة ، فالجواب : ~~التقدير متى يكون يوم الجمعة وأيان يكون يوم الدين ، وأيان من المركبات ركب ~~من أي التي يقع بها الاستفهان وآن التي هي الزمان أو من أي وأوان فكأنه قال ~~أي أوان فلما ركب بني وهذا منهم جواب لقوله : { وإن الدين لواقع } فكأنهم ~~قالوا أيان يقع استهزاء وترك المسؤول في قوله : { يسئلون } حيث لم يقل ~~يسألون من ، يدل على أن غرضهم ليس بالجواب وإنما يسألون استهزاء . وقوله ~~تعالى : # ! 7 < { يوم هم على النار يفتنون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 13 ) يوم هم على . . . . . # > > يحتمل وجهين . أحدهما : أن يكون جوابا عن قولهم { أيان } يقع وحينئذ ~~كما أنهم لم يسألوا سؤال مستفهم طالب لحصول العلم كذلك لم يجبهم جواب مجيب ~~معلم مبين حيث قال : { يوم هم على النار يفتنون } وجهلهم بالثاني أقوى من ~~جهلهم بالأول ، ولا يجوز أن يكون الجواب بالأخفى ، فإذا قال قائل متى يقدم ~~زيد فلو قال المجيب يوم يقدم رفيقه ولا يعلم يوم قدوم الرفيق ، لا يصح هذا ~~الجواب إلا إذا كان الكلام في صورة جواب ، ولا يكون جوابا كما أن القائل ~~إذا قال كم تعد عداتي تخلفها إلى متى هذا الإخلاف فيغضب ويقول إلى أشأم يوم ~~عليك ، الكلامان في صورة سؤال وجواب ولا الأول يريد به السؤال ، ولا الثاني ~~يريد به الجواب ، فكذلك ههنا قال : { يوم ms8451 هم على النار يفتنون } مقابلة ~~استهزائهم بالإيعاد لا على وجه الإتيان . والثاني : أن يكون ذلك ابتداء ~~كلام تمامه . في قوله تعالى : # ! 7 < { ذوقوا فتنتكم هاذا الذى كنتم به تستعجلون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 14 ) ذوقوا فتنتكم هذا . . . . . # > > فإن قيل : هذا يفضي إلى الإضمار ، نقول الإضمار لا بد منه لأن قوله : ~~{ ذوقوا فتنتكم } غير متصل بما قبله إلا بإضمار ، يقال : ويفتنون قيل معناه ~~: يحرقون ، والأولى أن يقال معناه يعرضون على النار عرض المجرب الذهب على ~~النار كلمة على تناسب ذلك ، ولو كان المراد يحرقون لكان بالنار أو في النار ~~أليق لأن الفتنة هي التجربة ، وأما ما يقال من اختبره ومن أنه تجربة ~~الحجارة فعنى بذلك المعنى مصدر الفتن ، وههنا يقال : { ذوقوا فتنتكم } ~~والفتنة الامتحان ، فإن قيل : فإذا جعلت { يوم هم على النار يفتنون } مقولا ~~لهم { ذوقوا فتنتكم } فما قوله : { هاذا الذى كنتم به تستعجلون } ؟ ~~PageV28P171 قلنا : يحتمل أن يكون المراد كنتم تستعجلون بصريح القول كما في ~~قوله تعالى حكاية عنهم : { ربنا عجل لنا قطنا } ( ص: 16 ) وقوله : { فأتنا ~~بما تعدنا } ( الأعراف : 70 ) إلى غير ذلك يدله عليه ههنا قوله تعالى : { ~~يسئلون أيان يوم الدين } ( الذاريات : 12 ) فإنه نوع استعجال ، ويحتمل أن ~~يكون المراد الاستعجال بالفعل وهو الإصرار على العنار وإظهار الفساد فإنه ~~يعجل العقوبة . / ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن المتقين فى جنات وعيون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 15 ) إن المتقين في . . . . . # > > بعد بيان حال المغترين المجرمين بين حال المحق المتقي ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قد ذكرنا أن المتقي له مقامات أدناها أن يتقي الشرك ، ~~وأعلاها أن يتقي ما سوى الله ، وأدنى درجات المتقي الجنة ، فما من مكلف ~~اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة فيرزق نعيمها . # المسألة الثانية : الجنة تارة وحدها كما قال تعالى : { مثل الجنة التى ~~وعد المتقون } ( الرعد : 35 ) وأخرى جمعها كما في هذا المقام قال : { إن ~~المتقين فى جنات } وتارة ثناها فقال تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( ~~الرحمن : 46 ) فما الحكمة فيه ؟ نقول : أما الجنة عند التوحيد فلأنها ~~لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة ms8452 ، وأما حكمة الجمع فلأنها ~~بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إلى جنانها جنات لا يحصرها عدد ، وأما ~~التثنية فسنذكرها في سورة الرحمن غير أنا نقول ههنا الله تعالى عند الوعد ~~وحد الجنة ، وكذلك عند الشراء حيث قال : { إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ( التوبة : 111 ) وعند الإعطاء جمعها ~~إشارة إلى أن الزيادة في الوعد موجودة والخلاف ما لو وعد بجنات ، ثم كان ~~يقول إنه في جنة لأنه دون الموعود . الثالثة : قوله تعالى : { وعيون } ~~يقتضي أن يكون المتقي فيها ولا لذة في كون الإنسان في ماء أو غير ذلك من ~~المائعات ، نقول معناه في خلال العيون ، وذلك بين الأنهار بدليل أن قوله ~~تعالى : { في جنات } ليس معناه إلا بين جنات وفي خلالها لأن الجنة هي ~~الأشجار ، وإنما يكون بينها كذلك القول في العيون والتنكير ، مع أنها معرفة ~~للتعظيم يقال فلان رجل أي عظيم في الرجولية . # ! 7 < { ءاخذين مآ ءاتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } > 7 ! . < < # | الذاريات : ( 16 ) آخذين ما آتاهم . . . . . # > > # وقوله تعالى : { ءاخذين ما ءاتاهم ربهم } فيه مسائل ولطائف ، أما المسائل ~~: # فالأولى منها : ما معنى آخذين ؟ نقول فيه وجهان . أحدهما : قابضين ما ~~آتاهم شيئا فشيئا ولا يستوفونه بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له . ~~ثانيها : آخذين قابلين قبول راض كما قال تعالى : { ويأخذ الصدقات } ( ~~التوبة : 104 ) أي يقبلها ، وهذا ذكره الزمخشري وفيه وجه ثالث : وهو أن ~~قوله : { في جنات } يدل على السكنى فحسب وقوله : { ءاخذين } يدل على التملك ~~ولذا يقال أخذ بلاد كذا وقلعة كذا إذا دخلها متملكا لها ، وكذلك يقال لمن ~~اشترى دارا أو بستانا أخذه بثمن قليل أي تملكه ، وإن لم يكن هناك قبض حسا ~~ولا قبول برضا ، وحينئذ فائته بيان أن دخولهم فيها ليس دخول مستعير أو ضعف ~~يسترد منه ذلك ، بل هو ملكه الذي اشتراه بماله ونفسه من الله تعالى وقوله : ~~{ ءاتاهم } يكون لبيان أن أخذهم ذلك لم يكن عنوة وفتوحا ، وإنما كان ~~PageV28P172 بإعطاء الله تعالى ، وعلى هذا الوجه { ما } راجعة إلى الجنات ~~والعيون ms8453 . # / وقوله : { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين } إشارة إلى ثمنها أي أخذوها ~~وملكوها بالإحسان ، كما قال تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : 26 ) ~~بلام الملك وهي الجنة . # المسألة الثانية : { ءاخذين } حال وهو في معنى قول القائل يأخذون فكيف ~~قال ما آتاهم ولم يقل ما يؤتيهم ليتفق اللفظان ، ويوافق المعنى لأن قوله : ~~{ ءاتاهم } ينبىء عن الانقراض وقوله : { يؤتيهم } تنبيه على الدوام وإيتاء ~~الله في الجنة كل يوم متجدد ولا نهاية له ، ولا سيما إذا فسرنا الأخذ ~~بالقبول ، كيف يصح أن يقال فلان يقبل اليوم ما آتاه زيد أمس ؟ نقول : أما ~~على ما ذكرنا من التفسير لا يرد لأن معناه يتملكون ما أعطاهم ، وقد يوجد ~~الإعطاء أمس ويتملكاليوم ، وأما على ما ذكروه فنقول الله تعالى أعطى المؤمن ~~الجنة وهو في الدنيا غير أنه لم يكن جنى ثمارها فهو يدخلها على هيئة الآخذ ~~وربما يأخذ خيرا مما أتاه ، ولا ينافي ذلك كونه داخلا على تلك الهيئة ، ~~يقول القائل : جئتك خائفا فإذا أنا آمن وما ذكرتم إنما يلزم أن لو كان ~~أخذهم مقتصرا على ما آتاهم من قبل ، وليس كذلك وإنما هم دخلوها على ذلك ولم ~~يخطر ببالهم غيره فيؤتيهم الله ما لم يخطر ببالهم فيأخذون ما يؤتيهم الله ~~وإن دخلوها ليأخذوا ما آتاهم ، وقوله تعالى : { إن أصحاب الجنة اليوم فى ~~شغل } هو أخذهم ما آتاهم وقد ذكرناه في سورة يس ( 55 ) . # المسألة الثالثة : { ذالك } إشارة إلى ماذا ؟ نقول : يحتمل وجهين . ~~أحدهما : قبل دخولهم لأن قولهتعالى : { في جنات } فيه معنى الدخول يعني قبل ~~دخولهم الجنة أحسنوا . ثانيهما : قبل إيتاء الله ما آتاهم الحسنى وهي الجنة ~~فأخذوها ، وفيه وجوه أخر ، وهو أن ذلك إشارة إلى يوم الدين وقد تقدم . وأما ~~اللطائف فقد سبق بعضها ، ومنها أن قوله تعالى : { إن المتقين } لما كان ~~إشارة إلى التقوى من الشرك كان كأنه قال الذين آمنا لكن الإيمان مع العمل ~~الصالح يفيد سعادتين ، ولذلك دلالة أتم من قول القائل أنهم أحسنوا . ~~اللطيفة الثانية : أما التقوى فلأنه لما قال لا إلاه فقد ms8454 اتقى الشرك ، وأما ~~الإحسان فلأنه لما قال إلا الله فقد أتى بالإحسان ، ولهذا قيل في معنى كلمة ~~التقوى إنها لا إلاه إلا الله وفي الإحسان قال تعالى : { ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله } ( فصلت : 33 ) وقيل في تفسير : { هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان } ( الرحمن : 60 ) إن الإحسان هو الإتيان بكلمة لا إلاه إلا الله ~~وهما حينئذ لا يتفاصلان بل هما متلازمان . وقوله تعالى : # ! 7 < { كانوا قليلا من اليل ما يهجعون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 17 ) كانوا قليلا من . . . . . # > > كالتفسير لكونهم محسنين ، تقول حاتم كان سخيا كان يبذل موجوده ولا ~~يترك مجهوده ، وفيه مباحث : # الأول : { * قللا } منصوب على الظرف تقديره يهجعون قليلا تقول قام بعض ~~الليل فتنصب بعض على الظرف وخبر كان هو قوله : { ما يهجعون } و ( ما ) ~~زائدة هذا هو المشهور وفيه وجه آخر وهو / أن يقال كانوا قليلا ، معناه نفي ~~النوم عنهم وهذا منقول عن الضحاك ومقاتل ، وأنكر الزمخشري كون ما نافية ، ~~وقال : لا يجوز أن تكون نافية لأن بعد ما لا يعمل فيما قبلها لا تقول زيدا ~~ما ضربت ويجوز أن يعمل ما بعد لم فيما تقول زيدا لم أضرب ، وسبب ذلك هو أن ~~الفعل المتعدي إنما يفعل في النفي حملا له على الإثبات لأنك إذا قلت ضرب ~~زيد عمرا ثبت تعلق فعله بعمرو فإذا قلت ما ضربه لم يوجد منه فعل حتى يتعلق ~~به ويتعدى إليه لكن المنفي محمول على الإثبات ، فإذا ثبت هذا فالنفي ~~بالنسبة إلى الإثبات كاسم الفاعل بالنسبة إلى الفعل فإنه يعمل عمل ~~PageV28P173 الفعل ، لكن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل ، فلا ~~تقول زيد ضارب عمرا أمس ، وتقول : زيد ضارب عمرا غدا واليوم والآن ، لأن ~~الماضي لم يبق موجودا ولا متوقع الوجود فلا يتعلق بالمفعول حقيقة لكن الفعل ~~لقوته يعمل واسم الفاعل لضعفه لم يعمل ، إذا عرفت هذا فنقول ما ضرب للنفي ~~في المضي فاجتمع فيه النفي والمضي فضعف ، وأما لم أضرب وإن كان يقلب ~~المستقبل إلى الماضي لكن الصيغة صيغة المستقبل فوجد ms8455 فيه ما يوجد في قول ~~القائل زيد ضارب عمرا غدا فاعمل هذا بيان قوله غير أن القائل بذلك القول ~~يقول : { قليلا } ليس منصوبا بقوله : { يهجعون } وإنما ذلك خبر كانوا أي ~~كانوا قليلين ، ثم قال : { ومن اليل * ما يهجعون } أي ما يهجعون أصلا بل ~~يحيون الليل جميعه ومن يكون لبيان الجنس لا للتبعيض ، وهذا الوجه حينئذ فيه ~~معنى قوله تعالى : { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن } ( ص: 24 ) ~~وذلك لأنا ذكرنا أن قوله : { إن المتقين } ( الذاريات : 16 ) فيه معنى ~~الذين آمنوا ، وقوله : { محسنين } فيه معئنى الذين عملوا الصالحات ، وقوله ~~: { كانوا قليلا } فيه معنى قوله تعالى : { وقليل ما هم } . # البحث الثاني : على القول المشهور وهو أن ما زائدة يحتمل أن يكون قليلا ~~صفة مصدر تقديره يهجعون هجوعا قليلا . # البحث الثالث : يمكن أن يقال : { قليلا } منصوب على أنه خبر كان و ( ما ) ~~مصدرية تقديره كان هجوعهم من الليل قليلا كما يقال : كان زيد خلقه حسنا ، ~~فلا يحتاج إلى القول بزيادة ، واعلم أن النحاة لا يقولون فيه إنه بدل ~~فيفرقون بين قول القائل زيد حسن وجهه أو الوجه وبين قوله زيد وجهه حسن ~~فيقولون في الأول صفة وفي الثاني بدل ونحن حيث قلنا إنه من باب بدل ~~الاشتمال أردنا به معنى لا اصطلاحا ، وإلا فقليلا عند التقديم ليس في النحو ~~مثله عند التأخير حتى قولك فلان قليل هجوعه ليس ببدل ، وفلان هجوعه قليل ~~بدل ، وعلى هذا يمكن أن تكون ما موصولة معناه كان ما يهجعون فيه قليلا من ~~الليل ، هذا ما يتعلق باللفظ ، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول تقديم قليلا في ~~الذكر ليس لمجرد السجع حتى يقع يهجعون ويستغفرون في أواخر الآيات ، بل فيه ~~فائدتان . الأولى : هي أن الهجوع راحة لهم ، وكان المقصود بيان اجتهادهم ~~وتحملهم السهر لله / تعالى فلو قال كانوا يهجعون كان المذكور أولا راحتهم ~~ثم يصفه بالقلة وربما يغفل الإنسان السامع عما بعد الكلام فيقول إحسانهم ~~وكونهم محسنين بسبب أنهم يهجعون وإذا قدم قوله : { قليلا } يكون السابق إلى ~~الفهم ms8456 قلة الهجوع ، وهذه الفائدة من يراعيها يقول فلان قليل الهجوع ولا ~~يقول هجوعه قليل ، لأن الغرض بيان قلة الهجوع لا بيان الهجوع بوصف القلة أو ~~الكثرة ، فإن الهجوع لو لم يكن لكان نفي القلة أولى ولا كذلك قلة الهجوع ~~لأنها لو لم تكن لكان بدلها الكثرة في الظاهر . # الفائدة الثانية : في قوله تعالى : { من اليل } وذلك لأن النوم القليل ~~بالنهار قد يوجد من كل أحد ، وأما الليل فهو زمان النوم لا يسهره في الطاعة ~~إلا متعبد مقبل ، فإن قيل : الهجوع لا يكون إلا بالليل والنوم نهارا ، لا ~~يقال له الهجوع قلنا ذكر الأمر العام وإرادة التخصيص حسن فنقول : رأيت ~~حيوانا ناطقا فصيحا ، وذكر الخاص وإرادة العام لا يحسن إلا في بعض المواضع ~~فلا نقول رأيت فصيحا ناطقا حيوانا ، إذا عرفت هذا فنقول في قوله تعالى : { ~~كانوا قليلا من اليل } ذكر أمرا هو كالعام يحتمل أن يكون بعده : كانوا من ~~الليل يسبحون ويستغفرون أو يسهرون أو غير ذلك ، فإذا قال يهجعون فكأنه خصص ~~ذلك العام المحتمل له ولغيره فلا إشكال فيه . PageV28P174 ثم قال تعالى : # ! 7 < { وبالا سحار هم يستغفرون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 18 ) وبالأسحار هم يستغفرون # > > إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون يريدون أن يكون عملهم أكثر من ~~ذلك وأخلص منه ويستغفرون من التقصير وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه ~~الكرم ويستقله ويعتذر من التقصير ، واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويمن به ~~. # وفيه وجه آخر ألطف منه ، وهو أنه تعالى لما بين أنهم يهجعون قليلا ، ~~والهجوع مقتضى الطبع ، قال : { يستغفرون } أي من ذلك القدر من النوم القليل ~~، وفيه لطيفة أخرى تنبيها في جواب سؤال ، وهو أنه تعالى مدحهم بقلة الهجوع ~~، ولم يمدحهم بكثرة السهر ، وما قال : كانوا كثيرا من الليل ما يسهرون ، ~~فما الحكمة فيه ، مع أن السهر هو الكلفة والاجتهاد لا الهجوع ؟ نقول : ~~إشارة إلى أن نومهم عبادة ، حيث مدحهم الله تعالى بكونهم هاجعين قليلا ، ~~وذلك الهجوع أورثهم لاشتغال بعبادة أخرى ، وهو الاستغفار في وجوه الأسحار ، ~~ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم والاستكبار . وفيه ms8457 مباحث : # البحث الأول : في الباء فإنها استعملت للظرف ههنا ، وهي ليست للظرف ، ~~نقول : قال بعض النحاة : إن حروف الجر ينوب بعضها مناب بعض ، يقال في الظرف ~~خرجت لعشر بقين وبالليل وفي شهر رمضان ، فيستعمل اللام والباء وفي ، وكذلك ~~في المكان ، نقول : أقمت بالمدينة كذا وفيها ، ورأيته ببلدة كذا وفيها ، ~~فإن قيل ما التحقيق فيه ؟ نقول : الحروف لها معاني مختلفة ، كما أن الأسماء ~~والأفعال كذلك ، غير أن الحروف غير مستقلة بإفادة المعنى ، والاسم والفعل / ~~مستقلان ، لكن بين بعض الحروف وبعضها تناف وتباعد ، كما في الأسماء ~~والأفعال ، فإن البيت والمسكن مختلفان متفاوتان ، وكذلك سكن ومكث ، ولا ~~كذلك كل اسمين يفرض أو كل فعلين يوجد ، إذا عرفت هذا فنقول : بين الباء ~~واللام وفي مشاركة ، أما الباء فإنها للإلصاق ، والمتمكن في مكان ملتصق به ~~متصل ، وكذلك الفعل بالنسبة إلى الزمان ، فإذا قال : سار بالنهار معناه ذهب ~~ذهابا متصلا بالنهار ، وكذا قوله تعالى : { وبالاسحار هم يستغفرون } أي ~~استغفارا متصلا بالأسحار مقترنا بها ، لأن الكائن فيها مقترنا بها ، فإن ~~قيل : فهل يكون بينهما في المعنى تفاوت ؟ نقول : نعم ، وذلك لأن من قال : ~~قمت بالليل واستغفر بالأسحار أخبر عن الأمرين ، وذلك أدل على وجود الفعل مع ~~أول جزء من أجزاء الوقت من قوله : قمت في الليل ، لأنه يستدعي احتواش ~~الزمان بالفعل وكذلك قول القائل : أقمت ببلد كذا ، لا يفيد أنه كان محاطا ~~بالبلد ، وقوله : أقمت فيها يدل على إحاطتها به ، فإذن قول القائل : أقمت ~~بالبلدة ودعوت بالأسحار ، أعم من قوله : قمت فيه ، لأن القائم فيه قائم به ~~، والقائم به ليس قائما فيه من كل بد ، إذا علمت هذا فقوله تعالى : { ~~وبالاسحار هم يستغفرون } إشارة إلى أنهم لا يخلون وقتا عن العبادة ، فإنهم ~~بالليل لا يهجعون ، ومع أول جزء من السحر يستغفرون ، فيكون فيه بيان كونهم ~~مستغفرين من غير أن يسبق منهم ذنب ، لأنهم وقت الانتباه في الأسحار لم يخلو ~~الوقت للذنب ، فإن قيل : زدنا بيانا فإن من الأزمان أزمانا لا تجعل ظروفا ~~بالباء ، فلا يقال خرجت بيوم ms8458 الجمعة ويقال بفي ، نقول : إن كل فعل جار في ~~زمان فهو متصل به ، فالخروج يوم الجمعة متصل مقترن بذلك الزمان ، ولم ~~يستعمل خرجت بيوم الجمعة ، نقول الفارق بينهما الإطلاق والتقييد ، بدليل ~~أنك إن قلت : خرجت بنهارنا وبليلة الجمعة لم يحسن ، ولو قلت : خرجت بيوم ~~PageV28P175 سعد ، وخرج هو بيوم نحس حسن ، فالنهار والليل لما لم يكن فيهما ~~خصوص وتقييد جاز استعمال الباء فيهما ، فإذا قيدتهما وخصصتهما زال ذلك ~~الجواز ، ويوم الجمعة لما كان فيه خصوص لم يجز استعمال الباء / وحيث زال ~~الخصوص بالتنكير ، وقلت خرت بيوم كذا عاد الجواز ، والسر فيه أن مثل يوم ~~الجمعة ، وهذه الساعة ، وتلك الليلة وجد فيها أمر غير الزمان وهو خصوصيات ، ~~وخصوصية الشيء في الحقيقة أمور كثيرة غير محصورة عند العاقل على وجه ~~التفصيل لكنها محصورة على الإجمال ، مثاله إذا قلت هذا الرجل فالعام فيه هو ~~الرجل ، ثم إنك لو قلت الرجل الطويل ، ما كان يصير مخصصا ، لكنه يقرب من ~~الخصوص ، ويخرج من القصار ، فإن قلت العالم لم يصر مخصصا لكنه يخرج عن ~~الجهال ، فإذا قلت الزاهد فكذلك ، فإذا قلت ابن عمرو خرج عن أبناء زيد وبكر ~~وخالد وغيرهم ، فإذا قلت هذا يتناول تلك المخصصات التي بأجمعها لا تجتمع ~~إلا في ذلك ، فإذن الزمان المتعين فيه أمور غير الزمان ، والفعل حدث مقترن ~~بزمان لا ناشىء عن الزمان ، وأما في فصحيح ، لأن ما حصل في العام فهو في ~~الخاص ، لأن العام أمر داخل في الخاص ، وأما في فيدخل في الذي فيه الشيء ، ~~فصح أن يقال : في يوم الجمعة ، وفي / هذه الساعة ، وأما بحث اللام فنؤخره ~~إلى موضعه ، وقد تقدم بعضه في تفسير قوله تعالى : { والشمس تجرى لمستقر لها ~~} ( يس : 38 ) وقوله : { هم } غير خال عن فائدة ، قال الزمخشري : فائدته ~~انحصار المستغفرين ، أي لكمالهم في الاستغفار ، كأن غيرهم ليس بمستغفر ، ~~فهم المستغفرون لا غير ، يقال فلان هو العالم لكماله في العلم كأنه تفرد به ~~وهو جيد ، ولكن فيه فائدة أخرى ، وهي أن الله تعالى لما عطف { وبالاسحار هم ms8459 ~~يستغفرون } على قوله : { كانوا قليلا من اليل ما يهجعون } ( الذاريات : 17 ~~) فلو لم يؤكد معنى الإثبات بكلمة { هم } لصلح أن يكون معناه : وبالأسحار ~~قليلا ما يستغفرون ، تقول فلان قليلا ما يؤذي وإلى الناس يحسن قد يفهم أنه ~~قليل الإيذاء قليل الإحسان ، فإذا قلت قليلا ما يؤذي وهو يحسن زال ذلك ~~الفهم وظهر فيه معنى قوله : قليل الإيذاء كثير الإحسان ، والاستغفار يحتمل ~~وجوها . أحدها : طلب المغفرة بالذكر بقولهم ربنا اغفر لنا . الثاني : طلب ~~المغفرة بالفعل ، أي بالأسحار يأتون بفعل آخر طلبا للغفران ، وهو الصلاة أو ~~غيرها من العبادات . الثالث : وهو أغربها الاستغفار من باب استحصد الزرع ~~إذا جاء أوان حصاده ، فكأنهم بالأسحار يستحقون المغفرة ويأتيهم أوان ~~المغفرة ، فإن قيل : فالله لم يؤخر مغفرتهم إلى السحر ؟ نقول وقت السحر ~~تجتمع ملائكة الليل والنهار ، وهو الوقت المشهود ، فيقول الله على ملأ منهم ~~: إني غفرت لعبدي ، والأول أظهر ، والثاني عند المفسرين أشهر . ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { وفىأموالهم حق للسآئل والمحروم } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 19 ) وفي أموالهم حق . . . . . # > > وقد ذكرنا مرارا أن الله تعالى بعد ذكر تعظيم نفسه يذكر الشفقة على ~~خلقه ، ولا شك أن قليل الهجوع المستغفر في وجوه الأسحار وجد منه التعظيم ~~العظيم ، فأشار إلى الشفقة بقوله : { وفى أموالهم حق } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أضاف المال إليهم ، وقال في مواضع : { أنفقوا مما رزقكم ~~الله } ( يس : 47 ) وقال : { ومما رزقناهم ينفقون } ( الشورى : 38 ) نقول ~~سببه أن في تلك المواضع كان الذكر للحث ، فذكر معه ما يدفع الحث ويرفع ~~المانع ، فقال : هو رزق الله والله يزرقكم فلا تخافوا الفقر وأعطوا ، وأما ~~ههنا فمدح على ما فعلوه فلم يكن إلى PageV28P176 الحرص حاجة . # المسألة الثانية : المشهور في الحق أنه هو القدر الذي علم شرعا وهو ~~الزكاة وحينئذ لا يبقى هذا صفة مدح ، لأن كون المسلم في ماله حق وهو الزكاة ~~ليس صفة مدح لأن كل مسلم كذلك ، بل الكافر إذا قلنا إنه مخاطب بفروع ~~الإسلام في ماله حق معلوم غير أنه إذا أسلم سقط عنه وإن مات عوقب ms8460 على تركه ~~، وإن أدى من غير الإسلام لا يقع الموقع ، فكيف يفهم كونه مدحا ؟ نقول ~~الجواب عنه من وجوه . أحدها : أنا نفسر بمن يطلب شرعا ، والمحروم الذي لا ~~مكنة له / من الطلب ومنعه الشارع من المطالبة ، ثم إن المنع قد يكون لكون ~~الطالب غير مستحق ، وقد يكون لكون المطلوب منه لم يبق عليه حق فلا يطالب ~~فقال تعالى في ماله حق للطالب وهو الزكاة ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع ~~بها فإن ذلك المالك لا يطالب بها ويحرم الطالب منه طلبا على سبيل الجزية ~~والزكاة ، بل يسأل سؤالا اختياريا فيكون حينئذ كأنه قال في ماله زكاة وصدقة ~~والصدقة في المال لا تكون إلا بفرضه هو ذلك وتقديره وإفرازه للفقراء ~~والمساكين ، الجواب الثاني : هو أن قوله : { وفى أموالهم حق للسائل } أي ~~مالهم ظرف لحقوقهم فإن كلمة في للظرفية لكن الظرف لا يطلب إلا للمظروف ~~فكأنه تعالى قال هم لا يطلبون المال ولا يجمعونه إلا ويجعلونه ظرفا للحق ، ~~ولا شك أن المطلوب من الظرف هو المظروف والظرف مالهم فجعل مالهم ظرفا ~~للحقوق ولا يكون فوق هذا مدح فإن قيل فلو قيل مالهم للسائل هل كان أبلغ ؟ ~~قلنا : لا وذلك لأن من يكون له أربعون دينارا فتصدق بها لا تكون صدقته ~~دائمة لكن إذا اجتهد واتجر وعاش سنين وأدى الزكاة والصدقة يكون مقدار ~~المؤدى أكثر وهذا كما في الصلاة والصوم ولو أضعف واحد نفسه بهما حتى عجز ~~عنهما لا يكون مثل من اقتصد فيهما ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه ~~وسلم : ( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ~~ظهرا أبقى ) وفي السائل والمحروم وجوه . أحدها : أن السائل هو الناطق وهو ~~الآدمي والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوانات المحرومة قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ( لكل كبد حرى أجر ) . وثانيها : وهو الأظهر والأشهر ، أن ~~السائل هو الذي يسأل ، والمحروم المتعفف الذي يحسبه بعض الناس غنيا فلا ~~يعطيه شيئا . والأول : كقوله تعالى : { كلوا وارعوا أنعامكم } ( طه : 54 ) ~~. والثاني : كقوله ms8461 : { وأطعموا القانع والمعتر } ( الحج : 36 ) فالقانع ~~كالمحروم فإن قيل على الوجه الأول الترتيب في غاية الحسن ، فإن دفع حاجة ~~الناطق مقدم على دفع حاجة البهائم ، فما وجه الترتيب في الوجه الثاني ؟ ~~نقول فيه وجهان . أحدهما : أن السائل اندفاع حاجته قبل اندفاع حاجة المحروم ~~في الوجود لأنه يعرف حاله بمقاله ويطلب لقلة ماله فيقدم بدفع حاجته ، ~~والمحروم غير معلوم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاطلاع عليه / فكان الذكر على ~~الترتيب الواقع . وثانيهما : هو أن ذلك إشارة إلى كثرة العطاء فيقول يعطي ~~السائل فإذا لم يجدهم يسأل هو عن المحتاجين فيكون سائلا ومسؤولا . الثالث : ~~هو أن المحاسن اللفظية غير مهجورة في الكلام الحكمي ، فإن قول القائل إن ~~رجوعهم إلينا وعلينا حسابهم ليس كقوله تعالى : { إن إلينا إيابهم * ثم إن ~~علينا حسابهم } ( الغاشية : 26 ) والكلام له جسم وهو اللفظ وله روح وهو ~~المعنى ، وكما أن الإنسان الذي نور روحه بالمعرفة ينبغي أن ينور جسمه ~~الظاهر بالنظافة ، كذلك الكلام ورب كلمة حكمية لا تؤثر في النفوس لركاكة ~~لفظها ، إذا عرفت هذا فقوله : { وبالاسحار هم يستغفرون * وفى أموالهم حق ~~للسائل والمحروم } أحسن من حيث اللفظ من قولنا وبالأسحار هم يستغفرون ، وفي ~~أموالهم حق للمحروم والسائل ، فإن قيل قدم السائل على المحروم ههنا لما ~~ذكرت من الوجوه ، ولم قدم المحروم على السائل في قوله : { القانع والمعتر } ~~PageV28P177 لأن القانع / هو الذي لا يسأل { والمعتر } السائل ؟ نقول قد ~~قيل إن القانع هو السائل والمعتر الذي لا يسأل ، فلا فرق بين الموضعين ، ~~وقيل بأن القانع والمعتر كلاهما لا يسأل لكن القانع لا يتعرض ولا يخرج من ~~بيته والمعتر يتعرض للأخذ بالسلام والتردد ولا يسأل ، وقيل بأن القانع لا ~~يسأل والمعتر يسأل ، فعلى هذا فلحم البدنة يفرق من غير مطالبة ساع أو مستحق ~~مطالبة جزية ، والزكاة لها طالب وسائل هو الساعي والإمام ، فقوله : { ~~للسائل } إشارة إلى الزكاة وقوله : { والمحروم } أي الممنوع إشارة إلى ~~الصدقة المتطوع بها واحدهما قبل الأخرى بخلاف إعطاء اللحم . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وفى الا رض ءايات ms8462 للموقنين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 20 ) وفي الأرض آيات . . . . . # > > وهو يحتمل وجهين . أحدهما : أن يكون متعلقا بقوله : { إنما توعدون ~~لصادق * وإن الدين لواقع * وفى الارض ءايات للموقنين } تدلهم على أن الحشر ~~كائن كما قال تعالى : { ومن ءاياته أنك ترى الارض خاشعة } إلى أن قال : { ~~إن الذى أحياها * فانظر إلى } ( فصلت : 39 ) . وثانيهما : أن يكون متعلقا ~~بأفعال المتقين ، فإنهم خافوا الله فعظموه فأظهروا الشفقة على عباده ، وكان ~~لهم آيات في الأرض ، وفي أنفسهم على إصابتهم الحق في ذلك ، فإن من يكون له ~~في الأرض الآيات العجيبة يكون له القدرة التامة فيخشى ويتقى ، ومن له من ~~أنفس الناس حكم بالغة ونعم سابغة يستحق أن يعبد ويترك الهجوع لعبادته ، ~~وإذا قابل العبد العبادة بالنعمة يجدها دون حد الشكر فيستغفر على التقصير ، ~~وإذا علم أن الرزق من السماء لا يبخل بماله ، فالآيات الثلاثة المتأخرة ~~فيها تقرير ما تقدم ، وعلى هذا فقوله تعالى : { فورب السماء والارض } ( ~~الذاريات : 23 ) يكون عود الكلام بعد اعتراض الكلام الأول أقوى وأظهر ، ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : كيف خصص الموقنين بكون الآيات لهم مع أن الآيات حاصلة ~~للكل قال تعالى : { وءاية لهم الارض الميتة أحييناها } ( يس : 33 ) نقول قد ~~ذكرنا أن اليمين آخر ما يأتي به المبرهن وذلك لأنه أولا يأتي بالبرهان ، ~~فإن صدق فذلك وإن لم يصدق لا بد له من أن ينسبه الخصم إلى إصرار على الباطل ~~لأنه إذا لم يقدر على قدح فيه ولم يصدقه يعترف له بقوة الجدل وينسبه إلى ~~المكابرة فيتعين طريقه في اليمين ، فإذا آيات الأرض لم تفدهم لأن اليمين ~~بقوله : { والذريات ذروا } ( الذاريات : 1 ) دلت على سبق إقامة البينات ~~وذكر الآيات ولم يفد فقال فيها : { وفى الارض ءايات للموقنين } وإن لم يحصل ~~للمصر المعاند منها فائدة ، وأما في سورة يس وغيرها من الموانع التي جعل ~~فيها آيات الأرض للعامة لم يحصل فيها اليمين وذكر الآيات قبله فجاز أن يقال ~~إن الأرض آيات لمن ينظر فيها . الجواب الثاني : وهو الأصح أن هنا الآيات ~~بالفعل والاعتبار للمؤمنين أي ms8463 حصل ذلك لهم وحيث قال لكل معناه إن فيها آيات ~~لهم إن نظروا وتأملوا . # / المسألة الثانية : ههنا قال : { وفى الارض ءايات } وقال هناك : { وءاية ~~لهم الارض } ( يس : 33 ) نقول لما جعل الآية { للموقنين } ذكر بلفظ الجمع ~~لأن الموقن لا يغفل عن الله تعالى في حال ويرى في كل شيء آيات دالة ، وأما ~~الغافل فلا يتنبه إلا بأمور كثيرة فيكون الكل له كالآية الواحدة . # PageV28P178 ! 7 < { وفىأنفسكم أفلا تبصرون } . > 7 @QB@ < # | الذاريات : ( 21 ) وفي أنفسكم أفلا . . . . . # > > # إشارة إلى دليل الأنفس ، وهو كقوله تعالى : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق ~~وفى أنفسهم } ( فصلت : 53 ) وإنما اختار من دلائل الآفاق ما في الأرض ~~لظهورها لمن على ظهورها فإن في أطرافها وأكنافها ما لا يمكن عد أصنافها ~~فدليل الأنفس في قوله : { وفى أنفسكم } عام ويحتمل أن يكون مع المؤمنين ، ~~وإنما أتى بصيغة الخطاب لأنها أظهر لكون علم الإنسان بما في نفسه أتم وقوله ~~تعالى : { وفى أنفسكم } يحتمل أن يكون المراد وفيكم ، يقال الحجارة في ~~نفسها صلبة ولا يراد بها النفس التي هي منبع الحياة والحس والحركات ، ~~ويحتمل أن يكون المراد وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات وقوله : { أفلا ~~تبصرون } بالاستفهام إشارة إلى ظهورها . # ! 7 < { وفى السمآء رزقكم وما توعدون } . > 7 @QB@ < # | الذاريات : ( 22 ) وفي السماء رزقكم . . . . . # > > # وقوله تعالى : { وفى السماء رزقكم } فيه وجوه . أحدها : في السحاب المطر ~~. ثانيها : { فى السماء * رزقكم } مكتوب . ثالثها : تقدير الأرزاق كلها من ~~السماء ولولاه لما حصل في الأرض حبة قوت ، وفي الآيات الثلاث ترتيب حسن ~~وذلك لأن الإنسان له أمور يحتاج إليها لا بد من سبقها حتى يوجد هو في نفسه ~~وأمور تقارنه في الوجود وأمور تلحقه وتوجد بعده ليبقى بها ، فالأرض هي ~~المكان وإليه يحتاج الإنسان ولا بد من سبقها فقال : { وفى الارض ءايات } ثم ~~في نفس الإنسان أمور من الأجسام والأعراض فقال : { وفى أنفسكم } ثم بقاؤه ~~بالرزق فقال : { وفى السماء رزقكم } ولولا السماء لما كان للناس البقاء . # وقوله تعالى : { وما توعدون } فيه وجوه . أحدها : الجنة الموعود بها ~~لأنها في السماء . ثانيها : هو ms8464 من الإيعاد لأن البناء للمفعول من أوعد يوعد ~~أي وما توعدون إما من الجنة والنار في قوله تعالى : { يوم هم على النار } ( ~~الذاريات : 13 ) وقوله : { إن المتقين فى جنات } ( الذاريات : 15 ) فيكون ~~إيعادا عاما ، وأما من العذاب وحينئذ يكون الخطاب مع الكفار فيكون كأنه ~~تعالى قال : وفي الأرض آيات للموقنين كافية ، وأما أنتم أيها الكافرون ففي ~~أنفسكم آيات هي أظهر الآيات وتكفرون لها لحطام الدنيا وحب الرياسة ، وفي ~~السماء الأرزاق ، فلو نظرتم وتأملتم حق التأمل ، لما تركتم الحق لأجل الرزق ~~، فإنه واصل بكل طريق ولاجتنبتم الباطل اتقاء لما توعدون من العذاب النازل ~~. ثم قال تعالى : # ! 7 < { فورب السمآء والا رض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 23 ) فورب السماء والأرض . . . . . # > > وفي المقسم عليه وجوه . / أحدها : { ما توعدون } أي ما توعدون لحق ~~يؤيده قوله تعالى : { إنما توعدون لصادق } ( الذاريات : 5 ) وعلى هذا يعود ~~كل ما قلناه من وجوه { ما توعدون } إن قلنا إن ذلك هو الجنة فالمقسم عليه ~~هو هي . ثانيها : الضمير راجع إلى القرآن أي أن القرآن حق وفيما ذكرناه في ~~قوله تعالى : { يؤفك عنه } ( الذاريات : 9 ) دليل هذه وعلى هذا فقوله : { ~~مثل ما أنكم تنطقون } معناه تكلم به الملك النازل من عند الله به مثل ما ~~أنكم تتكلمون وسندكره . ثالثها : أنه راجع إلى الدين كما في قوله تعالى : { ~~وإن الدين لواقع } ( الذاريات : 6 ) . رابعها : أنه راجع إلى اليوم المذكور ~~في قوله : { أيان يوم الدين } ( الذاريات : 12 ) يدل عليه وصف الله اليوم ~~بالحق في قوله تعالى : { ذلك اليوم الحق } ( النبأ : 39 ) . خامسها : أنه ~~راجع PageV28P179 إلى القول الذي يقال : { هاذا الذى كنتم به تستعجلون } ( ~~الذاريات : 14 ) وفي التفسير مباحث : # الأول : الفاء تستدعي تعقيب أمر لأمر فما الأمر المتقدم ؟ نقول فيه وجهان ~~. أحدهما : الدليل المتقدم كأنه تعالى يقول : إن ما توعدون لحق بالبرهان ~~المبين ، ثم بالقسم واليمين . ثانيهما : القسم المتقدم كأنه تعالى يقول : { ~~والذريات } ثم { ورب * السماء والارض } وعلى هذا يكون الفاء حرف عطف أعيد ~~معه حرف القسم كما يعاد ms8465 الفعل إذ يصح أن يقال ومررت بعمرو ، فقوله : { ~~والذريات ذروا * فالحاملات وقرا } ( الذاريات : 1 ، 2 ) عطف من غير إعادة ~~حرف القسم ، وقوله : { فورب السماء } مع إعادة حرفه ، والسبب فيه وقوع ~~الفصل بين القسمين ، ويحتمل أن يقال الأمر المتقدم هو بيان الثواب في قوله ~~: { يوم هم على النار يفتنون } ( الذاريات : 13 ) وقوله : { إن المتقين فى ~~جنات } ( الذاريات : 15 ) وفيه فائدة ، وهو أن الفاء تكون تنبيها على أن لا ~~حاجة إلى اليمين مع ما تقدم من الكشف المبين ، فكأنه يقول ورب السماء ~~والأرض إنه لحق ، كما يقول القائل بعدما يظهر دعواه هذا والله إن الأمر كما ~~ذكرت فيؤكد قوله باليمين ، ويشير إلى ثبوته من غير يمين . # البحث الثاني : أقسم من قبل بالأمور الأرضية وهي الرياح وبالسماء في قوله ~~: { والسماء ذات الحبك } ( الذاريات : 7 ) ولم يقسم بربها ، وههنا أقسم ~~بربها نقول كذلك الترتيب يقسم المتكلم أولا بالأدنى فإن لم يصدق به يرتقي ~~إلى الأعلى ، ولهذا قال بعض الناس إذا قال قائل وحياتك ، والله لا يكفر ~~وإذا قال : والله وحياتك لا شك يكفر وهذا استشهاد ، وإن كان الأمر على خلاف ~~ما قاله ذلك القائل لأن الكفر إما بالقلب ، أو باللفظ الظاهر في أمر القلب ~~، أو بالفعل الظاهر ، وما ذكره ليس بظاهر في تعظيم جانب غير الله ، والعجب ~~من ذلك القائل أنه لا يجعل التأخير في الذكر مفيدا للترتيب في الوضوء وغيره ~~. # البحث الثالث : قرىء مثل بالرفع وحينئذ يكون وصفا لقوله لحق ومثل وإن ~~أضيف إلى المعرفة لا يخرجه عن جواز وصف المنكر به ، تقول رأيت رجلا مثل ~~عمرو ، لأنه لا يفيده تعريفا لأنه في غاية الإبهام وقرىء : { مثل } بالنصب ~~، ويحتمل وجهين . أحدهما : أن يكون مفتوحا لإضافته إلى ما هو ضعيف وإلا جاز ~~أن يقال زيد قاتل من يعرفه أو ضارب من يشتمه . ثانيهما : أن يكون / منصوبا ~~على البيان تقديره لحق حقا مثل ، ويحتمل أن يقال إنه منصوب على أنه صفة ~~مصدر معلوم غير مذكور ، ووجهه أنا دللنا أن المراد من الضمير في قوله : { ~~أنه ms8466 } هو القرآن فكأنه قال إن القرآن لحق نطق به الملك نطقا { مثل ما أنكم ~~تنطقون } وما مجرور لا شك فيه . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 24 ) هل أتاك حديث . . . . . # > > إشارة إلى تسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم ببيان أن غيره من ~~الأنبياء عليهم السلام كان مثله ، واختار إبراهيم لكونه شيخ المرسلين كون ~~النبي عليه الصلاة والسلام على سنته في بعض الأشياء ، وإنذار لقومه بما جرى ~~من الضيف ، ومن إنزال الحجارة على المذنبين المضلين ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إذا كان المراد ما ذكرت من التسلية والإنذار فأي فائدة ~~في حكاية الضيافة ؟ نقول ليكون ذلك إشارة إلى الفرج في حق الأنبياء ، ~~والبلاء على الجهلة والأغبياء ، إذا جاءهم من حيث لا يحتسب . PageV28P180 ~~قال الله تعالى : { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } ( الحشر : 2 ) فلم يكن ~~عند إبراهيم عليه السلام خبر من إنزال العذاب مع ارتفاع مكانته . # المسألة الثانية : كيف سماهم ضيفا ولم يكونوا ؟ نقول لما حسبهم إبراهيم ~~عليه السلام ضيفا لم يكذبه الله تعالى في حسابه إكراما له ، يقال في كلمات ~~المحققين الصادق يكون ما يقول ، والصديق يقول ما يكون . # المسألة الثالثة : ضيف لفظ واحد والمكرمين جمع ، فكيف وصف الواحد بالجمع ~~؟ نقول الضيف يقع على القوم ، يقال قوم ضيف ولأنه مصدر فيكون كلفظ الرزق ~~مصدرا ، وإنما وصفهم بالمكرمين إما لكونهم عبادا مكرمين كما قال تعالى : { ~~بل عباد مكرمون } ( الأنبياء : 26 ) وإما لإكرام إبراهيم عليه السلام إياهم ~~، فإن قيل : بماذا أكرمهم ؟ قلنا ببشاشة الوجه أولا ، وبالإجلاس في أحسن ~~المواضع وألطفها ثانيا ، وتعجيل القرى ثالثا ، وبعد التكليف للضيف بالأكل ~~والجلوس وكانوا عدة من الملائكة في قول ثلاثة جبريل وميكائيل وثالث ، وفي ~~قول عشرة ، وفي آخر اثنا عشرة . # المسألة الرابعة : هم أرسلوا للعذاب بدليل قولهم : { إنآ أرسلنآ إلى قوم ~~مجرمين } ( الذاريات : 32 ) وهم لم يكونوا من قوم إبراهيم عليه السلام ، ~~وإنما كانوا من قوم لوط فما الحكمة في مجيئهم إلى إبراهيم عليه السلام ؟ ~~نقول فيه حكمة بالغة ، وبيانها ms8467 من وجهين . أحدهما : أن إبراهيم عليه السلام ~~شيخ المرسلين وكان لوط من قومه ومن إكرام الملك للذي في عهدته وتحت طاعته ~~إذا كان يرسل رسول إلى غيره يقول له اعبر على فلان الملك وأخبره برسالتك ~~وخذ فيها رأيه . وثانيهما : هو أن / الله تعالى لما قدر أن يهلك قوما كثيرا ~~وجما غفيرا ، وكان ذلك مما يحزن إبراهيم عليه السلام شفقة منه على عباده ~~قال لهم بشروه بغلام يخرج من صلبه أضعاف ما يهلك ، ويكون من صلبه خروج ~~الأنبياء عليهم السلام . ثم قال تعالى : # ! 7 < { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 25 ) إذ دخلوا عليه . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما العامل في إذ ؟ فيه وجوه . أحدها : ما في المكرمين ~~من الإشارة إلى الفعل إن قلنا وصفهم بكونهم مكرمين بناء على أن إبراهيم ~~عليه السلام أكرمهم فيكون كأنه تعالى يقول : أكرموا إذ دخلوا ، وهذا من شأن ~~الكريم أن يكرم ضيفه وقت الدخول . ثانيها : ما في الضيف من الدلالة على ~~الفعل ، لأنا قلنا إن الضيف مصدر فيكون كأنه يقول : أضافهم إذ دخلوا . ~~وثالثها : يحتمل أن يكون العامل فيه أتاك تقديره ما أتاك حديثهم وقت دخولهم ~~، فاسمع الآن ذلك ، لأن هل ليس للاستفهام في هذا الموضع حقيقة بل للإعلام ، ~~وهذا أولى لأنه فعل مصرح به ، ويحتمل أن يقال اذكر إذ دخلوا . # المسألة الثانية : لماذا اختلف إعراب السلامين في القراءة المشهورة ؟ ~~نقول : نبين أولا وجوه النصب والرفع ، ثم نبين وجوه الاختلاف في الإعراب ، ~~أما النصب فيحتمل وجوها : # أحدها : أن يكون المراد من السلام هو التحية وهو المشهور ، ونصبه حينئذ ~~على المصدر تقديره نسلم سلاما . ثانيها : هو أن يكون السلام نوعا من أنواع ~~الكلام وهو كلام سلم به المتكلم من أن يلغو أو يأثم PageV28P181 فكأنهم لما ~~دخلوا عليه فقالوا حسنا سلموا من الإثم ، وحينئذ يكون مفعولا للقول لأن ~~مفعول القول هو الكلام ، يقال قال فلان كلاما ، ولا يكون هذا من باب ضربه ~~سوطا لأن المضروب هناك ليس هو السوط ، وههنا القول هو ms8468 الكلام فسره قوله ~~تعالى : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ( الفرقان : 63 ) وقوله ~~تعالى : { قيلا سلاما سلاما } ( الواقعة : 21 ) . # ثالثها : أن يكون مفعول فعل محذوف تقديره نبلغك سلاما ، لا يقال على هذا ~~إن المراد لو كان ذلك لعلم كونهم رسل الله عند السلام فما كان يقول : { قوم ~~منكرون } ولا كان يقرب إليهم الطعام ، ولما قال : { نكرهم } ( هود : 70 ) ~~لأنا نقول جاز أن يقال إنهم قالوا : نبلغك سلاما ولم يقولوا من الله تعالى ~~إلى أن سألهم إبراهيم عليه السلام ممن تبلغون لي السلام ، وذلك لأن الحكيم ~~لا يأتي بالأمر العظيم إلا بالتدريج فلما كانت هيبتهم عظيمة ، فلو ضموا ~~إليه الأمر العظيم الذي هو السلام من الله تعالى لانزعج إبراهيم عليه ~~السلام ، ثم إن إبراهيم عليه السلام اشتغل بإكرامهم عن سؤالهم وآخر السؤال ~~إلى حين الفراغ فنكرهم بين السلام والسؤال عمن منه السلام هذا وجه النصب ، ~~وأما الرفع فنقول يحتمل أن المراد منه السلام الذي هو التحية وهو المشهور ~~أيضا ، وحينئذ يكون مبتدأ / خبره محذوف تقديره سلام عليكم ، وكون المبتدأ ~~نكرة يحتمل في قول القائل سلام عليكم وويل له ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ~~قال جوابه سلام ، ويحتمل أن يكون المراد قولا يسلم به أو ينبىء عن السلامة ~~فيكون خبر مبتدأ محذوف تقديره أمي سلام بمعنى مسالمة لا تعلق بيني وبينكم ~~لأني لا أعرفكم ، أو يكون المبتدأ قولكم ، وتقديره قولكم سلام ينبىء عن ~~السلامة وأنتم قوم منكرون فما خطبكم فإن الأمر أشكل علي وهذا ما يحتمل أن ~~يقال في النصب والرفع ، وأما الفرق فنقول أما على التفسير المشهور وهو أن ~~السلام في الموضعين بمعنى التحية فنقول الفرق بينهما من حيث اللفظ ومن حيث ~~المعنى . # أما من حيث اللفظ : فنقول سلام عليك إنما جوز واستحسن لكونه مبتدأ وهو ~~نكرة ، من حيث إنه كالمتروك على أصله لأن الأصل أن يكون منصوبا على تقدير ~~أسلم سلاما وعليك يكون لبيان من أريد بالسلام ، ولا يكون لعليك حظ من ~~المعنى غير ذلك البيان فيكون كالخارج عن الكلام ، والكلام ms8469 التام أسلم سلاما ~~/ كما أنك تقول ضربت زيدا على السطح يكون على السطح خارجا عن الفعل والفاعل ~~والمفعول لبيان مجرد الظرفية ، فإذا كان الأمر كذلك وكان السلام والأدعية ~~كثير الوقوع ، قالوا نعدل عن الجملة الفعلية إلى الإسمية ونجعل لعليك حظا ~~في الكلام ، فنقول سلام عليك ، فتصير عليك لفائدة لا بد منها ، وهي الخبرية ~~، ويترك السلام نكرة كما كان حال النصب ، إذا علم هذا فالنصب أصل والرفع ~~مأخوذ منه ، والأصل مقدم على المأخوذ منه ، فقال : { بالبشرى قالوا سلاما ~~قال سلام } قدم الأصل على المتفرع منه . # وأما من حيث المعنى : فذلك لأن إبراهيم عليه السلام أراد أن يرد عليهم ~~بالأحسن ، فأتى بالجملة الإسمية فإنها أدل على الدوام والاستمرار ، فإن ~~قولنا جلس زيد لا ينبىء عنه لأن الفعل لا بد فيه من الإنباء عن التجدد ~~والحدوث ولهذا لو قلت : الله موجود الآن لأثبت العقل الدوام إذ لا ينبىء عن ~~التجدد ، ولو قال قائل : وجد الله الآن لكاد ينكره العاقل لما بينا فلما ~~قالوا : سلاما قال : سلام عليكم مستمر دائم ، وأما على قولنا المراد القول ~~ذو السلامة فظاهر الفرق ، فإنهم قالوا قولا ذا سلام ، وقال لهم إبراهيم ~~عليه السلام : PageV28P182 سلام أي قولكم ذو سلام وأنتم قوم منكرون فالتبس ~~الأمر علي ، وإن قلنا المراد أمر مسالمة ومتاركة وهم سلموا عليه تسليما ، ~~فنقول فيه جمع بين أمرين : تعظيم جانب الله ، ورعاية قلب عباد الله ، فإنه ~~لو قال : سلام عليكم وهو لم يعلم كونهم من عباد الله الصالحين كان يجوز أن ~~يكونوا على غير ذلك ، فيكون الرسول قد أمنهم ، فإن السلام أمان وأمان ~~الرسول أمان المرسل فيكون فاعلا للأمر من غير إذن الله نيابة عن الله فقال ~~: أنتم سلمتم علي وأنا متوقف أمري متاركة لا تعلق بيننا إلى أن يتبين الحال ~~ويدل على هذا هو أن الله تعالى قال : { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ~~( الفرقان : 63 ) وقال في مثل هذا المعنى للنبي صلى الله عليه وسلم : { ~~فاصفح عنهم وقل سلام } ( الزخرف : 89 ) ولم يقل قل سلاما ، وذلك ms8470 لأن ~~الأخيار المذكورين في القرآن لو / سلموا على الجاهلين لا يكون ذلك سببا ~~لحرمة التعرض إليهم ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم لو سلم عليهم لصار ذلك ~~سببا لحرمة التعرض إليهم ، فقال : قل سلام أي أمري معكم متاركة تركناه إلى ~~أن يأتي أمر الله بأمر ، وأما على قولنا بمعنى نبلغ سلاما فنقول هم لما ~~قالوا نبلغك سلاما ولم يعلم إبراهيم عليه السلام أنه ممن قال سلام أي إن ~~كان من الله فإن هذا منه قد ازداد به شرفي وإلا فقد بلغني منه سلام وبه ~~شرفي ولا أتشرف بسلام غيره ، وهذا ما يمكن أن يقال فيه والله أعلم بمراده ~~الأول والثاني عليهما الاعتماد فإنهما أقوى وقد قيل بهما . # المسألة الثالثة : قال في سورة هود : { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ~~نكرهم } ( هود : 70 ) فدل على أن إنكارهم كان حاصلا بعد تقريبه العجل منهم ~~وقال ههنا : { قال سلام قوم منكرون } . ثم قال تعالى : # ! 7 < { فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين * فقربه إليهم قال ألا تأكلون } . ~~> 7 ! # < < # | الذاريات : ( 26 ) فراغ إلى أهله . . . . . # > > بفاء التعقيب فدل على أن تقريب الطعام منهم بعد حصول الإنكار لهم ، ~~فما الوجه فيه ؟ نقول : جاز أن يحصل أولا عنده منهم نكر ثم زاد عند إمساكهم ~~، والذي يدل على هذا هو أنهم كانوا على شكل وهيئة غير ما يكون عليه الناس ~~وكانوا في أنفسهم عند كل أحد منكرين ، واشترك إبراهيم عليه السلام وغيره ~~فيه ولهذا لم يقل أنكرتكم بل قال : أنتم منكرون في أنفسكم عند كل أحد منا ، ~~ثم إن إبراهيم عليه السلام تفرد بمشاهدة أمر منهم هو الإمساك فنكرهم فوق ما ~~كان منهم بالنسبة إلى الكل لكن الحالة في سورة هود محكية على وجه أبسط مما ~~ذكره ههنا ، فإن ههنا لم يبين المبشر به ، وهناك ذكر باسمه وهو إسحاق ، ولم ~~يقل ههنا إن القوم قوم من وهناك قال قوم لوط ، وفي الجملة من يتأمل ~~السورتين يعلم أن الحكاية محكية هناك على وجه الإضافة أبسط ، فذكر فيها ~~النكتة الزائدة ، ولم ms8471 يذكر ههنا ولنعد إلى بيان ما أتى به من آداب الإضافة ~~وما أتوا به من آداب الضيافة ، فالإكرام أولا ممن جاءه ضيف قبل أن يجتمع به ~~ويسلم أحدهما على الآخر أنواع من الإكرام وهي اللقاء الحسن والخروج إليه ~~والتهيؤ له ثم السلام من الضيف على الوجه الحسن الذي دل عليه النصب في قوله ~~: { سلاما } إما لكونه مؤكدا بالمصدر أو لكونه مبلغا ممن هو أعظم منه ، ثم ~~الرد الحسن الذي دل عليه الرفع والإمساك عن الكلام لا يكون فيه وفاء إن ~~إبراهيم عليه السلام لم يقل سلام عليكم بل قال أمري مسالمة أو قولكم سلام ~~وسلامكم منكر فإن ذلك وإن كان مخلا بالإكرام ، لكن العذر ليس من شيم الكرام ~~ومودة أعداء الله لا تليق بالأنبياء عليهم السلام ثم تعجيل القرى الذي دل ~~عليه قوله تعالى : { فما لبث أن جاء } ( هود : 69 ) PageV28P183 وقوله ههنا ~~: { فراغ } فإن الروغان يدل على السرعة والروغ الذي بمعنى النظر الخفي أو ~~الرواح المخفي أيضا كذلك ، ثم الإخفاء فإن المضيف إذا أحضر شيئا ينبغي أن ~~يخفيه عن الضيف كي لا يمنعه من الإحضار بنفسه حيث راغ هو ولم يقل هاتوا ، ~~وغيبة المضيف لحظة / من الضيف مستحسن ليستريح ويأتي بدفع ما يحتاج إليه ~~ويمنعه الحياء منه ثم اختيار الأجود بقوله : { سمين } ثم تقديم الطعام ~~إليهم لا نقلهم إلى الطعام بقوله : { فقربه إليهم } لأن من قدم الطعام إلى ~~قوم يكون كل واحد مستقرا في مقره لا يختلف عليه المكان فإن نقلهم إلى مكان ~~الطعام ربما يحصل هناك اختلاف جلوس فيقرب الأدنى ويضيق على الأعلى ثم العرض ~~لا الأمر حيث قال : { ألا تأكلون } ولم يقل كلوا ثم كون المضيف مسرورا ~~بأكلهم غير مسرور بتركهم الطعام كما يوجد في بعض البخلاء المتكلفين الذين ~~يحضرون طعاما كثيرا ويكون نظره ونظر أهل بيته في الطعام متى يمسك الضيف يده ~~عنه يدل عليه قوله تعالى : # ! 7 < { فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 28 ) فأوجس منهم خيفة . . . . . # > > ثم أدب الضيف أنه ms8472 إذا أكل حفظ حق المؤاكلة ، يدل عليه أنه خافهم حيث ~~لم يأكلوا ، ثم وجوب إظهار العدر عند الإمساك يدل عليه قوله : { لا تخف } ~~ثم تحسين العبارة في العذر وذلك لأن من يكون محتميا وأحضر لديه الطعام ~~فهناك أمران . أحدهما : أن الطعام لا يصلح له لكونه مضرا به . الثاني : ~~كونه ضعيف القوة عن هضم ذلك الطعام فينبغي أن لا يقول الضيف هذا طعام غليظ ~~لا يصلح لي بل الحسن أن يأتي بالعبارة الأخرى ويقول : لي مانع من أكل ~~الطعام وفي بيتي لا آكل أيضا شيئا ، يدل عليه قوله : { وبشروه بغلام } حيث ~~فهموه أنهم ليسوا ممن يأكلون ولم يقولوا لا يصلح لنا الطعام والشراب ، ثم ~~أدب آخر في البشارة أن لا يخبر الإنسان بما يسره دفعة فإنه يورث مرضا يدل ~~عليه أنهم جلسوا واستأنس بهم إبراهيم عليه السلام ثم قالوا نبشرك ثم ذكروا ~~أشرف النوعين وهو الذكر ولم يقتنعوا به حتى وصفوه بأحسن الأوصاف فإن الابن ~~يكون دون البنت إذا كانت البنت كاملة الخلقة حسنة الخلق والابن بالضد ، ثم ~~إنهم تركوا سائر الأوصاف من الحسن والجمال والقوة والسلامة واختاروا العلم ~~إشارة إلى أن العلم رأس الأوصاف ورئيس النعوت ، وقد ذكرنا فائدة تقديم ~~البشارة على الإخبار عن إهلاكهم قوم لوط ، ليعلم أن الله تعالى يهلكهم إلى ~~خلف ، ويأتي ببدلهم خيرا منهم . # ! 7 < { فأقبلت امرأته فى صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم * قالوا كذلك ~~قال ربك إنه هو الحكيم العليم } . > 7 @QB@ < # | الذاريات : ( 29 ) فأقبلت امرأته في . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { فأقبلت امرأته فى صرة فصكت وجهها وقالت * يوم عقيم } . # أي أقبلت على أهلها ، وذلك لأنها كانت في خدمتهم ، فلما تكلموا مع زوجها ~~بولادتها استحيت وأعرضت عنهم ، فذكر الله تعالى ذلك بلفظ الإقبال على الأهل ~~، ولم يقل بلفظ الإدبار عن الملائكة ، وقوله تعالى : { فى صرة } أي صيحة ، ~~كما جرت عادة النساء حيث يسمعن شيئا من أحوالهن يصحن صيحة معتادة ~~PageV28P184 لهن عند الاستحياء أو التعجب ، ويحتمل أن يقال تلك الصيحة / ~~كانت بقولها يا ويلتا ، تدل عليه الآية ms8473 التي في سورة هود ، وصك الوجه أيضا ~~من عادتهن ، واستبعدت ذلك لوصفين من اجتماعهما . أحدهما : كبر السن . ~~والثاني : العقم ، لأنها كانت لا تلد في صغر سنها ، وعنفوان شبابها ، ثم ~~عجزت وأيست فاستبعدت ، فكأنها قالت : يا ليتكم دعوتم دعاء قريبا من الإجابة ~~، ظنا منها أن ذلك منهم ، كما يصدر من الضيف على سبيل الأخبار من الأدعية ~~كقول الداعي : الله يعطيك مالا ويرزقك ولدا ، فقالوا : هذا منا ليس بدعاء . ~~وإنما ذلك قول الله تعالى : { قالوا كذلك قال ربك } < < # | الذاريات : ( 30 ) قالوا كذلك قال . . . . . # > > ثم دفعوا استبعادها بقولهم : { إنه هو الحكيم العليم } . # وقد ذكرنا تفسيرهما مرارا ، فإن قيل لم قال ههنا { الحكيم العليم } وقال ~~في هود : { حميد مجيد } ( هود : 73 ) نقول لما بينا أن الحكاية هناك أبسط ، ~~فذكروا ما يدفع الاستبعاد بقولهم : { أتعجبين من أمر الله } ( هود : 73 ) ~~ثم لما صدقت أرشدوهم إلى القيام بشكر نعم الله ، وذكروهم بنعمته بقولهم : { ~~حميد } فإن الحميد هو الذي يتحقق منه الأفعال الحسنة ، وقولهم : { مجيد } ~~إشارة إلى أن الفائق العالي الهمة لا يحمده لفعله الجميل ، وإنما يحمده ~~ويسبح له لنفسه ، وههنا لما لم يقولوا : { أتعجبين } إشارة إلى ما يدفع ~~تعجبها من التنبيه على حكمه وعلمه ، وفيه لطيفة وهي أن هذا الترتيب مراعى ~~في السورتين ، فالحميد يتعلق بالفعل ، والمجيد يتعلق بالقول ، وكذلك الحكيم ~~هو الذي فعله ، كما ينبغي لعلمه قاصدا لذلك الوجه بخلاف من يتفق فعله ~~موافقا للمقصود اتفاقا ، كمن ينقلب على جنبه فيقتل حية وهو نائم ، فائدة لا ~~يقال له حكيم ، وأما إذا فعل فعلا قاصدا لقتلها بحيث يسلم عن نهشها ، يقال ~~له حكيم فيه ، والعليم راجع إلى الذات إشارة إلى أنه يستحق الحمد بمجده ، ~~وإن لم يفعل فعلا وهو قاصد لعلمه ، وإن لم يفعل على وفق القاصد . ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { قال فما خطبكم أيها المرسلون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 31 ) قال فما خطبكم . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لما علم حالهم بدليل قوله : { منكرون } ( الذاريات : 25 ~~) لم لم يقنع بما بشروه لجواز أن يكون نزولهم للبشارة لا غير ms8474 ؟ نقول ~~إبراهيم عليه السلام أتى بما هو من آداب المضيف حيق يقول لضيفه إذا استعجل ~~في الخروج ما هذه العجلة ، وما شغلك الذي يمنعنا من التشرف بالاجتماع بك ، ~~ولا يسكت عند خروجهم مخافة أن يكون سكوته يوهم استثقالهم ، ثم إنهم أتوا ~~بما هو من آداب الصديق الذي لا يسر عن الصديق الصدوق ، لا سيما وكان ذلك ~~بإذن الله تعالى لهم في إطلاع إبراهيم عليه السلام على إهلاكهم ، وجبر قلبه ~~بتقديم البشارة بخير البدل ، وهو أبو الأنبياء إسحاق عليه السلام على ~~الصحيح ، فإن قيل فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ، ولو كان كما ذكرتم لقال ~~ماهذا / الاستعجال ، وما خطبكم المعجل لكم ؟ نقول : لو كان أوجس منهم خيفة ~~وخرجوا من غير بشارة وإيناس ما كان يقول شيئا ، فلما آنسوه قال : ما خطبكم ~~، أي بعد هذا الأنس العظيم ، ما هذا الإيحاش الأليم . # المسألة الثانية : هل في الخطب فائدة لا توجد في غيره من الألفاظ ؟ نقول ~~: نعم ، وذلك من حيث إن الألفاظ المفردة التي يقرب منها الشغل والأمر ~~والفعل وأمثالها ، وكل ذلك لا يدل على عظم الأمر ، وأما الخطب فهو الأمر ~~العظيم ، وعظم الشأن يدل على عظم من على يده ينقضي ، فقال : { ما خطبكما } ~~أي لعظمتكم لا ترسلون إلا في عظيم ، ولو قال بلفظ مركب بأن يقول ما شغلكم ~~الخطير وأمركم العظيم للزم التطويل ، فالخطب أفاد التعظيم مع الإيجاز . ~~PageV28P185 # المسألة الثالثة : من أين عرف كونهم مرسلين ، فنقول قالوا له بدليل قوله ~~تعالى : { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } ( هود : 70 ) وإنما لم يذكر ههنا لما ~~بينا أن الحكاية ببسطها مذكورة في سورة هود ، أو نقول لما قالوا لامرأته : ~~{ كذلك قال ربك } ( الذاريات : 30 ) علم كونهم منزلين من عند الله حيث ~~كانوا يحكون قول الله تعالى ، يدل على هذا أن قولهم : { إنآ أرسلنآ إلى قوم ~~مجرمين } كان جواب سؤاله منهم . # ! 7 < { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 32 ) قالوا إنا أرسلنا . . . . . # > > المسألة الرابعة : هذه الحكاية بعينها هي المحكية في هود ، وهناك ~~قالوا : { أنا أرسلنا } ( هود ms8475 : 70 ) بعد ما زال عنه الروع وبشروه ، وهنا ~~قالوا : { أنا أرسلنا } بعدما سألهم عن الخطب ، وأيضا قالوا هناك : { إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط } ( هود : 70 ) وقالوا ههنا : { إنآ أرسلنآ إلى قوم ~~مجرمين } والحكاية من قولهم ، فإن لم يقولوا ذلك ورد السؤال أيضا ، فنقول ~~إذا قال قائل حاكيا عن زيد : قال زيد عمرو خرج ، ثم يقول مرة أخرى : قال ~~زيد إن بكرا خرج ، فإما أن يكون صدر من زيد قولان ، وإما أن لا يكون حاكيا ~~مما قاله زيد ، والجواب عن الأول : هو أنه لما خاف جاز أنهم ما قالوا له { ~~لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط } فلما قال لهم ماذا تفعلون بهم ، كان لهم ~~أن يقولوا : { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } لنهلكهم ، كما يقول القائل : خرجت ~~من البيت ، فيقال : لماذا خرجت ؟ فيقول : خرجت لأتجر ، لكن ههنا فائدة ~~معنوية ، وهي أنهم إنما قالوا في جواب ما خطبكم نهلكهم ؟ بأمر الله ، لتعلم ~~براءتهم عن إيلام البريء ، وإهمال الرديء فأعادوا لفظ الإرسال ، وأما عن ~~الثاني : نقول الحكاية قد تكون حكاية اللفظ ، كما تقول : قال زيد بعمرو ~~مررت ، فيحكي لفظه المحكي ، وقد يكون حكاية لكلامه بمعناه تقول : زيد قال ~~عمرو خرج ، ولك أن تبدل مرة أخرى في غير تلك الحكاية بلفظة أخرى ، فتقول ~~لما قال زيد بكر خرج ، قلت كيت وكيت ، كذلك ههنا القرآن لفظ معجز ، وما صدر ~~ممن تقدم نبينا عليه السلام سوا كان منهم ، وسواء كان منزلا عليهم لم يكن ~~لفظه معجزا ، فيلزم أن لا تكون هذه الحكايات بتلك الألفاظ ، فكأنهم قالوا ~~له : { إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } وقالوا : / { إنا أرسلنا إلى قوم لوط } ~~وله أن يقول ، إنا أرسلنا إلى قوم من آمن بك ، لأنه لا يحكي لفظهم حتى يكون ~~ذلك واحدا ، بل يحكي كلامهم بمعناه وله عبارات كثيرة . ألا ترى أنه تعالى ~~لما حكى لفظهم في السلام على أحد الوجوه في التفسير ، قال في الموضعين : ~~سلاما وسلام ثم بين ما لأجله أرسلوا بقوله : # ! 7 < { لنرسل عليهم حجارة من طين } . > 7 ! # < < # | الذاريات ms8476 : ( 33 ) لنرسل عليهم حجارة . . . . . # > > وقد فسرنا ذلك في العنكبوت ، وقلنا : إن ذلك دليل على وجوب الرمي ~~بالحجارة على اللائط وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أي حاجة إلى قوم من الملائكة ، وواحد منهم كان يقلب ~~المدائن بريشة من جناحه ؟ نقول الملك القادر قد يأمر الحقير بإهلاك الرجل ~~الخطير ، ويأمر الرجل الخطير بخدمة الشخص الحقير ، إظهارا لنفاذ أمره ، ~~فحيث أهلك الخلق الكثير بالقمل والجراد والبعوض بل بالريح التي بها الحياة ~~، كان أظهر في القدرة وحيث أمر آلاف من الملائكة بإهلاك أهل بدر مع قلتهم ~~كان أظهر في نفاذ الأمر وفيه فائدة أخرى ، وهي أن من يكون تحت طاعة ملك ~~عظيم ، ويظهر له عدو ويستعين بالملك فيعينه بأكابر عسكره ، يكون ذلك تعظيما ~~منه له وكلما كان العدو أكثر والمدد أوفر كان التعظيم أتم ، لكن الله تعالى ~~أعان لوطا بعشرة ونبينا عليه السلام بخمسة آلاف ، وبين العددين من التفاوت ~~ما لا يخفى وقد ذكرنا نبذا منه في تفسير قوله تعالى : { وما أنزلنا على ~~قومه من بعده من جند من السماء } ( يس : 28 ) . PageV28P186 # المسألة الثانية : ما الفائدة في تأكيد الحجارة بكونها من طين ؟ نقول : ~~لأن بعض الناس يسمي البرد حجارة فقوله : { من طين } يدفع ذلك التوهم ، ~~واعلم أن بعض من يدعي النظر يقول لا ينزل من السماء إلا حجارة من طين ~~مدورات على هيئة البرد وهيئة البنادق التي يتخذها الرماة ، قالوا : وسبب ~~ذلك هو أن الإعصار يصعد الغبار من الفلوات العظيمة التي لا عمارة فيها ~~والرياح تسوقها إلى بعض البلاد ، ويتفق وصول ذلك إلى هواء ندي ، فيصير طينا ~~رطبا ، والرطب إذا نزل وتفرق واستدار ، بدليل أنك إذا رميت الماء إلى فوق ~~ثم نظرت إليه رأيته ينزل كرات مدورات كاللآلىء الكبار ، ثم في النزول إذا ~~اتفق أن تضربه النيران التي في الجو ، جعلته حجارة كالآجر المطبوخ ، فينزل ~~فيصيب من قدر الله هلاكه ، وقد ينزل كثيرا في المواضع التي لا عمارة بها ~~فلا يرى ولا يدرى به ، ولهذا قال : { من طين } لأن ما لا يكون من طين ~~كالحجر ms8477 الذي في الصواعق لا يكون كثيرا بحيث يمطر وهذا تعسف ، ومن يكون كامل ~~العقل يسند الفكر إلى مما قاله ذلك القائل ، فيقول ذلك الإعصار لما وقع فإن ~~وقع بحادث آخر يلزم التسلسل ولا بد من الانتهاء إلى محدث ليس بحادث ، فذلك ~~المحدث لا بد وأن يكون فاعلا مختارا ، والمختار له أن يفعل ما ذكر وله أن ~~يخلق الحجارة من طين على وجه آخر من غير نار ولا غبار ، لكن العقل لا طريق ~~له إلى الجزم / بطريق إحداثه وما لا يصل العقل إليه يجب أخذه بالنقل ، ~~والنص ورد به فأخذنا به ولا نعلم الكيفية وإنما المعلوم أن الحجارة التي من ~~طين نزولها من السماء أغرب وأعجب من غيرها ، لأنها في العادة لا بد لها من ~~مكث في النار . # ! 7 < { مسومة عند ربك للمسرفين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 34 ) مسومة عند ربك . . . . . # > > فيه وجوه . أحدها : مكتوب على كل واحد اسم واحد يقتل به . ثانيها : ~~أنها خلقت باسمهم ولتعذيبهم بخلاف سائر الأحجار فإنها مخلوقة للانتفاع في ~~الأبنية وغيرها . ثالثها : مرسلة للمجرمين لأن الإرسال يقال في السوائم ~~يقال أرسلها لترعى فيجوز أن يقول سومها بمعنى أرسلها وبهذا يفسر قوله تعالى ~~: { والخيل المسومة } ( آل عمران : 14 ) إشارة إلى الاستغناء عنها وأنها ~~ليست للركوب ليكون أدل على الغنى ، كما قال : { والقناطير المقنطرة } ( آل ~~عمران : 14 ) وقوله تعالى : { للمسرفين } إشارة إلى خلاف ما يقول الطبيعيون ~~إن الحجارة إذا أصابت واحدا من الناس فذلك نوع من الاتفاق فإنها تنزل ~~بطبعها يتفق شخص لها فتصيبه فقوله : { مسومة } أي في أول ما خلق وأرسل إذا ~~علم هذا فإنما كان ذلك على قصد إهلاك المسرفين ، فإن قيل : إذا كانت ~~الحجارة مسومة للمسرفين فكيف قالوا : { إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * لنرسل ~~عليهم } ( الذاريات : 32 ، 33 ) مع أن المسرف غير المجرم في اللغة ؟ نقول : ~~المجرم هو الآتي بالذنب العظيم لأن الجرم فيه دلالة على العظم ومنه جرم ~~الشيء لعظمة مقداره ، والمسرف هو الآتي بالكبيرة ، ومن أسرف ولو في الصغائر ~~يصير مجرما لأن الصغير إلى الصغير ms8478 إذا انضم صار كبيرا ، ومن أجرم فقد أسرف ~~لأنه أتى بالكبيرة ولو دفعة واحدة فالوصفان اجتمعا فيهم . لكن فيه لطيفة ~~معنوية ، وهي أن الله تعالى سومها للمسرف المصر الذي لا يترك الجرم والعلم ~~بالأمور المستقبلة عند الله تعالى ، يعلم أنهم مسرفون فأمر الملائكة ~~بإرسالها عليهم ، وأما الملائكة فعلمهم تعلق بالحاضر وهم كانوا مجرمون ~~فقالوا : إنا أرسلنا إلى قوم نعلمهم مجرمين لنرسل عليهم حجارة خلقت لمن لا ~~يؤمن ويصر ويسرف ولزم من هذا علمنا بأنهم لو عاشوا سنين لتمادوا في الإجرام ~~، فإن قيل اللام لتعريف الجنس أو لتعريف العهد ؟ نقول لتعريف العهد أي ~~مسومة PageV28P187 لهؤلاء المسرفين إذ ليس لكل مسرف حجارة مسومة ، فإن قيل ~~ما إسرافهم ؟ نقول ما دل عليه قوله تعالى : { ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين } ( العنكبوت : 28 ) أي لم يبلغ مبلغكم أحد وقوله تعالى : # ! 7 < { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 35 ) فأخرجنا من كان . . . . . # > > فيه فائدتان : # إحداهما : بيان القدرة والاختيار فإن من يقول بالاتفاق يقول يصيب البر ~~والفاجر فلما ميز الله المجرم عن المحسن دل على الاختيار . # / ثانيها : بيان أنه ببركة المحسن ينجو المسيء فإن القرية ما دام فيها ~~المؤمن لم تهلك ، والضمير عائد إلى القرية معلومة وإن لم تكن مذكورة وقوله ~~تعالى : # ! 7 < { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 36 ) فما وجدنا فيها . . . . . # > > فيه إشارة إلى أن الكفر إذا غلب والفسق إذا فشا لا تنفع معه عبادة ~~المؤمنين ، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة وفيهم شرذمة ~~يسيرة يسرقون ويزنون ، وقيل في مثاله إن العالم كبدن ووجود الصالحين ~~كالأغذية الباردة والحارة والكفار والفساق كالسموم الواردة عليه الضارة ، ~~ثم إن البدن إن خلا عن المنافع وفيه المضار هلك وإن خلا عن المضار وفيه ~~المنافع طاب عيشه ونما ، وإن وجد فيه كلاهما فالحكم للغالب فكذلك البلاد ~~والعباد والدلالة على أن المسلم بمعنى المؤمن ظاهرة ، والحق أن المسلم أعم ~~من المؤمن وإطلاق العام على الخاص لا مانع منه ، فإذا سمي المؤمن ms8479 مسلما لا ~~يدل على اتحاد مفهوميهما ، فكأنه تعالى قال أخرجنا المؤمنين فما وجدنا ~~الأعم منهم إلا بيتا من المسلمين ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من ~~المؤمنين ، وهذا كما لو قال قائل لغيره : من في البيت من الناس ؟ فيكول له ~~: ما في البيت من الحيوانات أحد غير زيد ، فيكون مخبرا له بخلو البيت عن كل ~~إنسان غير زيد . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وتركنا فيهآ ءاية للذين يخافون العذاب الا ليم } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 37 ) وتركنا فيها آية . . . . . # > > وفي الآية خلاف . قيل : هو ماء أسود منتن انشقت أرضهم وخرج منها ذلك ~~، وقيل : حجارة مرمية في ديارهم وهي بين الشام والحجاز ، وقوله : { للذين ~~يخافون العذاب الاليم } أي المنتفع بها هو الخائف ، كما قال تعالى : { لقوم ~~يعقلون } ( العنكبوت : 45 ) في سورة العنكبوت ، وبينهما في اللفظ فرق قال ~~ههنا : { ءاية } وقال هناك : { بينة لقوم } وقال هناك : { لقوم يعقلون } ~~وقال ههنا : { للذين يخافون } فهل في المعنى فرق ؟ نقول هناك مذكور بأبلغ ~~وجه يدل عليه قوله تعالى : { بينة لقوم } حيث وصفها بالظهور ، وكذلك منها ~~وفيها فإن من للتبعيض ، فكأنه تعالى قال : من نفسها لكم آية باقية ، وكذلك ~~قال : { لقوم يعقلون } فإن العاقل أعم من الخائف ، فكانت الآية هناك أظهر ، ~~وسببه ما ذكرنا أن القصد هناك تخويف القوم ، وههنا تسلية القلب ألا ترى إلى ~~قوله تعالى : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت ~~من المسلمين } ( الذاريات : 35 ، 36 ) وقال هناك : { إنا منجوك وأهلك } ( ~~العنكبوت : 33 ) من غير بيان واف بنجاة المسلمين والمؤمنين بأسرهم . / ~~PageV28P188 ثم قال تعالى : # ! 7 < { وفى موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 38 ) وفي موسى إذ . . . . . # > > قوله : { وفى موسى } يحتمل أن يكون معطوفا على معلوم ، ويحتمل أن ~~يكون معطوفا على مذكور ، أما الأول ففيه وجوه . الأول : أن يكون المراد ذلك ~~في إبراهيم وفي موسى ، لأن من ذكر إبراهيم يعلم ذلك . الثاني : لقوم في لوط ~~وقومه عبرة ، وفي موسى وفرعون . الثالث : أن يكون هناك معنى قوله تعالى : ~~تفكروا ms8480 في إبراهيم ولوط وقومهما ، وفي موسى وفرعون ، والكل قريب بعضه من ~~بعض ، وأما الثاني ففيه أيضا وجوه . أحدها : أنه عطف على قوله : { وفى ~~الارض ءايات للموقنين } ( الذاريات : 20 ) ، { وفى موسى } وهو بعيد لبعده ~~في الذكر ، ولعدم المناسبة بينهما . ثانيها : أنه عطف على قوله : { وتركنا ~~فيها ءاية للذين يخافون } ( الذاريات : 37 ) ، { وفى موسى } أي وجعلنا في ~~موسى على طريقة قولهم : علفتها تبنا وماء باردا ، وتقلدت سيفا ورمحا ، وهو ~~أقرب ، ولا يخلو عن تعسف إذا قلنا بما قال به بعض المفسرين إن الضمير في ~~قوله تعالى : { وتركنا فيها } عائد إلى القرية . ثالثها : أن نقول فيها ~~راجع إلى الحكاية ، فيكون التقدير : وتركنا في حكايتهم آية أو في قصتهم ، ~~فيكون : وفي قصة موسى آية ، وهو قريب من الاحتمال الأول ، وهو العطف على ~~المعلوم . رابعها : أن يكون عطفا على { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم } ( ~~الذاريات : 24 ) وتقديره : وفي موسى حديث إذ أرسلناه ، وهو مناسب إذ جمع ~~الله كثيرا من ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام ، كما قال تعالى : { أم لم ~~ينبأ بما فى صحف موسى * وإبراهيم الذى وفى } ( النجم : 36 ) وقال تعالى : { ~~صحف إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 19 ) والسلطان القوة بالحجة والبرهان ، ~~والمبين الفارق ، وقد ذكرنا أنه يحتمل أن يكون المراد منه ما كان معه من ~~البراهين القاطعة التي حاج بها فرعون ، ويحتمل أن يكون المراد المعجز ~~الفارق بين سحر الساحر وأمر المسلمين . # ! 7 < { فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 39 ) فتولى بركنه وقال . . . . . # > > قوله تعالى : { فتولى بركنه } فيه وجوه . الأول : الباء للمصاحبة ، ~~والركن إشارة إلى القوم كأنه تعالى يقول : أعرض مع قومه ، يقال نزل فلان ~~بعسكره على كذا ، ويدل على هذا الوجه قوله تعالى : { فأراه الاية الكبرى * ~~فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى } ( النازعات : 20 22 ) قال : { أدبر } وهو بمعنى ~~تولى وقوله : { فحشر فنادى } ( النازعات : 23 ) وفي معنى قوله تعالى : { ~~بركنه } . الثاني : { فتولى } أي اتخذ وليا ، والباء للتعدية حينئذ يعني ~~تقوى بجنده . والثالث : تولى أمر موسى بقوته ، كأنه قال : أقتل موسى لئلا ~~يبدل دينكم ، ولا ms8481 يظهر في الأرض الفساد ، فتولى أمره بنفسه ، وحينئذ يكون ~~المفعول غير مذكور ، وركنه هو نفسه القوية ، ويحتمل أن يكون المراد من ركنه ~~هامان ، فإنه كان وزيره ، وعلى هذا الوجه الثاني أظهر . # { وقال ساحر أو مجنون } أي هذا ساحر أو مجنون ، وقوله : { ساحر } أي يأتي ~~الجن بسحره / أو يقرب منهم ، والجن يقربون منه ويقصدونه إن كان هو لا ~~يقصدهم ، فالساحر والمجنون كلاهما أمره مع الجن ، غير أن الساحر يأتيهم ~~باختياره ، والمجنون يأتونه من غير اختياره ، فكأنه أراد صيانة كلامه عن ~~الكذب فقال هو يسحر الجن أو يسحر ، فإن كان ليس عنده منه خبر ، ولا يقصد ~~ذلك فالجن يأتونه ، ثم قال تعالى : # ! 7 < { فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم وهو مليم } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 40 ) فأخذناه وجنوده فنبذناهم . . . . . # > > وهو إشارة إلى بعض ما أتى به ، كأنه يقول : واتخذ الأولياء فلم ~~ينفعوه ، وأخذه الله وأخذ أركانه وألقاهم جميعا في اليم وهو البحر ، ~~والحكاية PageV28P189 مشهورة ، وقوله تعالى : } وهو مليم } نقول فيه شرف ~~موسى عليه السلام وبشارة للمؤمنين ، أما شرفه فلأنه قال بأنه أتى بما يلام ~~عليه بمجرد قوله : إني أريد هلاك أعدائك يا إلاه العالمين ، فلم يكن له سبب ~~إلا هذا ، أما فرعون فقال : { * } وهو مليم } نقول فيه شرف موسى عليه ~~السلام وبشارة للمؤمنين ، أما شرفه فلأنه قال بأنه أتى بما يلام عليه بمجرد ~~قوله : إني أريد هلاك أعدائك يا إلاه العالمين ، فلم يكن له سبب إلا هذا ، ~~أما فرعون فقال : { * } نقول فيه شرف موسى عليه السلام وبشارة للمؤمنين ، ~~أما شرفه فلأنه قال بأنه أتى بما يلام عليه بمجرد قوله : إني أريد هلاك ~~أعدائك يا إلاه العالمين ، فلم يكن له سبب إلا هذا ، أما فرعون فقال : { ~~أنا ربكم الاعلى } ( النازعات : 24 ) فكان سببه تلك ، وهذا كما قال القائل ~~: فلان عيبه أنه سارق ، أو قاتل ، أو يعاشر الناس يؤذيهم ، وفلان عيبه أنه ~~مشغول بنفسه لا يعاشر ، فتكون نسبة العيبين بعضهما إلى بعض سببا لمدح ~~أحدهما وذم الآخر . وأما بشارة المؤمنين فهو بسبب أن من التقمه الحوت وهو ms8482 ~~مليم نجاه الله تعالى بتسبيحه ، ومن أهلكه الله بتعذيبه لم ينفعه إيمانه ~~حين قال : { وجاوزنا ببنى إسراءيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا * ~~إسراءيل } ( يونس : 90 ) . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 41 ) وفي عاد إذ . . . . . # > > وفيه ما ذكرنا من الوجوه التي ذكرناها في عطف موسى عليه السلام ، ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكر أن المقصود ههنا تسلية قلب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتذكيره بحال الأنبياء ، ولم يذكر في عاد وثمود أنبياءهم ، كما ذكر ~~إبراهيم وموسى عليهما السلام ، نقول في ذكر الآيات ست حكايات : حكاية ~~إبراهيم عليه السلام وبشارته ، وحكاية قوم لوط ونجاة من كان فيها من ~~المؤمنين ، وحكاية موسى عليه السلام ، وفي هذه الحكايات الثلاث ذكر الرسل ~~والمؤمنين ، لأن الناجين فيهم كانوا كثيرين ، أما في حق إبراهيم وموسى ~~عليهما السلام فظاهر ، وأما في قوم لوط فلأن الناجين ، وإن كانوا أهل بيت ~~واحد ، ولكن المهلكين كانوا أيضا أهل بقعة واحدة . # وأما عاد وثمود وقوم نوح فكان عدد المهلكين بالنسبة إلى الناجين أضعاف ما ~~كان عدد المهلكين بالنسبة إلى الناجين من قوم لوط عليه السلام . # فذكر الحكايات الثلاث الأول للتسلية بالنجاة ، وذكر الثلاث المتأخرة ~~للتسلية بإهلاك العدو ، والكل مذكور للتسلية بدليل قوله تعالى في آخر هذه ~~الآيات : { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } ~~إلى أن قال : { فتول عنهم فما أنت بملوم * وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } ~~( الذاريات : 54 / 55 ) . # وفي هود قال بعد الحكايات : { ذالك من أنباء القرى نقصه عليك } إلى أن ~~قال : { وكذالك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد } ( هود ~~: 100 102 ) فذكر بعدها ما يؤكد التهديد ، وذكر بعد الحكايات ههنا ما يفيد ~~التسلي ، وقوله : { العقيم } أي ليست من اللواقح لأنها كانت تكسر وتقلع ~~فكيف كانت تلقح والفعيل لا يلحق به تاء التأنيث إذا كان بمعنى مفعول وكذلك ~~إذا كان بمعنى فاعل في بعض الصور ، وقد ذكرنا سببه أن فعيل لما ms8483 جاء للمفعول ~~والفاعل جميعا ولم يتميز المفعول عن الفاعل فأولى أن لا يتميز المؤنث عن ~~المذكر فيه لأنه لو تميز لتميز الفاعل عن المفعول قبل تميز المؤنث والمذكر ~~لأن الفاعل جزء من الكلام محتاج إليه فأول ما يحصل في الفعل الفاعل ثم ~~التذكير والتأنيث يصير كالصفة للفاعل والمفعول ، تقول فاعل وفاعلة ومفعول ~~ومفعولة ، ويدل على ذلك أيضا أن التمييز بين الفاعل والمفعول جعل بحرف ~~ممازج للكلمة فقيل فاعل بألف فاصلة بين الفاء والعين التي هي من أصل الكلمة ~~، وقيل مفعول بواو فاصلة بين العين واللام والتأنيث كان بحرف في آخر الكلمة ~~فالمميز فيهما غير نظم الكلمة لشدة الحاجة وفي PageV28P190 التأنيث لم يؤثر ~~، ولأن التمييز في الفاعل والمفعول كان بأمرين يختص كل واحد منهما بأحدهما ~~فالألف بعد الفاء يختص بالفاعل والميم والواو يختص بالمفعول والتمييز في ~~التذكير والتأنيث بحرف عند وجوده يميز المؤنث وعند عدمه يبقى اللفظ على أصل ~~التذكير فإذا لم يكن فعيل يمتاز فيه الفاعل عن المفعول إلا بأمر منفصل كذلك ~~المؤنث والمذكر لا يمتاز أحدهما عن الآخر إلا بحرف ير متصل به وقوله تعالى ~~: # ! 7 < { ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 42 ) ما تذر من . . . . . # > > وفيه مباحث : # الأول : في إعرابه وفيه وجهان . أحدهما : نصب على أنه صفة الريح بعد صفة ~~العقيم ذكر الواحدي أنه وصف فإن قيل كيف يكون وصفا والمعرفة لا توصف بالجمل ~~وما تذر جملة ولا يوصف بها إلا النكرات ؟ نقول الجواب فيه من وجهين . ~~أحدهما : أنه يكون بإعادة الريح تقديرا كأنه يقول : وأرسلنا عليهم الريح ~~العقيم ريحا ما تذر . ثانيهما : هو أن المعرف نكرة لأن تلك الريح منكرة ~~كأنه يقول : وأرسلنا الريح التي لم تكن من الرياح التي تقع ولا وقع مثلها ~~فهي لشدتها منكرة ، ولهذا أكثر ما ذكرها في القرآن ذكرها منكرة ووصفها ~~بالجملة من جملتها قوله تعالى : { بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ~~} ( الأحقاف : 24 ) وقوله : { ريح * صرصر عاتية * سخرها } ( الحاقة : 6 ، 6 ~~) إلى غير ms8484 ذلك . الوجه الثاني : وهو الأصح أنه نصب على الحال تقول جاءني ما ~~يفهم شيئا فعلمته وفهمته أي حاله كذا ، فإن قيل لم تكن حال الإرسال ما تذر ~~والحال ينبغي أن يكون موجودا مع ذي الحال وقت الفعل / فلا يجوز أن يقال ~~جاءني زيد أمس راكبا غدا ، والريح بعدما أرست بزمان صارت ما تذر شيئا نقول ~~المراد به البيان بالصلاحية أي أرسلناها وهي على قوة وصلاحية أن لا تذر ، ~~نقول لمن جاء وأقام عندك أياما ثم سألك شيئا ، جئتني سائلا أي قبل السؤال ~~بالصلاحية والإمكان ، هذا إن قلنا إنه نصب وهو المشهور ، ويحتمل أنه رفع ~~على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي ما تذر . # البحث الثاني : { ما تذر } للنفي حال التكلم يقال ما يخرج زيد أي الآن ، ~~وإذا أردت المستقبل تقول لا يخرج أو لن يخرج ، وأما الماضي تقول ما خرج ولم ~~يخرج ، والريح حالة الكلام مع النبي صلى الله عليه وسلم كانت ما تركت شيئا ~~إلا جعلته كالرميم فكيف قال بلفظ الحالة { ما تذر } نقول الحكاية مقدرة على ~~أنها محكية حال الوقوع ، ولهذا قال تعالى : { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } ~~( الكهف : 18 ) مع أن اسم الفاعل الماضي لا يعمل وإنما يعمل ما كان منه ~~بمعنى الحال والاستقبال . # البحث الثالث : هل في قوله تعالى : { ما تذر من شىء أتت عليه } مبالغة ~~ودخول تخصيص كما في قوله تعالى : { تدمر كل شىء بأمر ربها } ( الأحقاف : 25 ~~) نقول هو كما وقع لأن قوله : { أتت عليه } وصف لقوله : { شىء } كأنه قال ~~كل شيء أتت عليه أو كل شيء تأتي عليه جعلته كالرميم ولا يدخل فيه السموات ~~لأنها ما أتت عليها وإنما يدخل فيه الأجسام التي تهب عليها الرياح ، فإن ~~قيل فالجبال والصخور أتت عليها وما جعلتها كالرميم ؟ نقول المراد أتت عليه ~~قصدا وهو عاد وأبنيتهم وعروشهم وذلك لأنها كانت مأمورة بأمر من عند الله ~~فكأنها كانت قاصدة إياهم فما تركت شيئا من تلك الأشياء إلا جعلته كالرميم ~~مع أن الصر الريح الباردة والمكرر لا ينفك عن ms8485 المعنى الذي في اللفظ من غير ~~تكرير ، تقول حث وحثحث وفيه ما في حث نقول PageV28P191 فيه قولان . أحدهما ~~: أنها كانت باردة فكانت في أيام العجوز وهي ثمانية أيام من آخر شباط وأول ~~آذار ، والريح الباردة من شدة بردها تحرق الأشجار والثمار وغيرهما وتسودهما ~~. والثاني : أنها كانت حارة والصر هو الشديد لا البارد وبالشدة فسر قوله ~~تعالى : { فى صرة } ( الذاريات : 29 ) أي في شدة من الحر . # البحث الرابع : في قوله تعالى : { ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته ~~كالرميم } لأن في قوله تعالى : { ما تذر } نفي الترك مع إثبات الإتيان ~~فكأنه تعالى قال تأتي على أشياء وما تتركها غير محرقة وقول القائل : ما أتى ~~على شيء إلا جعله كذا يكون نفي الإتيان عما لم يجعله كذلك . # ! 7 < { وفى ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 43 ) وفي ثمود إذ . . . . . # > > قوله تعالى : { وفى ثمود } والبحث فيه وفي عاد هو ما تقدم في قوله ~~تعالى : { وفى موسى } ( الذاريات : 38 ) . # وقوله تعالى : { إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } قال بعض المفسرين : المراد ~~منه هو ما أمهلهم الله ثلاثة أيام بعد قتلهم الناقة وكانت في تلك الأيام ~~تتغير ألوانهم فتصفر وجوههم وتسود ، وهو ضعيف لأن قوله تعالى : { فعتوا عن ~~أمر ربهم } ( الذاريات : 44 ) بحرف الفاء دليل على أن العتو كان بعد قوله : ~~/ { تمتعوا } فإن الظاهر أن المراد هو ما قدر الله للناس من الآجال ، فما ~~من أحد إلا وهو ممهل مدة الأجل يقول له تمتع إلى آخر أجلك فإن أحسنت فقد ~~حصل لك التمتع في الدارين وإلا فما لك في الآخرة من نصيب . وقوله : # ! 7 < { فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 44 ) فعتوا عن أمر . . . . . # > > فيه بحث وهو أن عتا يستعمل بعلى قال تعالى : } أيهم أشد على الرحمن ~~عتيا } ( مريم : 69 ) وههنا استعمل مع كلمة عن فنقول فيه معنى الاستعتاء ~~فحيث قال تعالى : { * } أيهم أشد على الرحمن عتيا } ( مريم : 69 ) وههنا ~~استعمل مع كلمة عن فنقول فيه معنى ms8486 الاستعتاء فحيث قال تعالى : { * } ( مريم ~~: 69 ) وههنا استعمل مع كلمة عن فنقول فيه معنى الاستعتاء فحيث قال تعالى : ~~{ عن * أمرهم * ربهم } كان كقوله : { لا يستكبرون عن عبادته } ( الأعراف : ~~206 ) وحيث قال على كان كقول القائل فلان يتكبر علينا ، والصاعقة فيه وجهان ~~ذكرناهما هنا . أحدها : أنها الواقعة . والثاني : الصوت الشديد وقوله : { ~~وهم ينظرون } إشارة إلى أحد معنيين إما بمعنى تسليمهم وعدم قدرتهم على ~~الدفع كما يقول القائل للمضروب يضربك فلان وأنت تنظر إشارة إلى أنه لا يدفع ~~، وإما بمعنى أن العذاب أتاهم لا على غفلة بل أنذروا به من قبل بثلاثة أيام ~~وانتظروه ، ولو كان على غفلة لكان لمتوهم أن يتوهم أنهم أخذوا على غفلة أخذ ~~العاجل المحتاج ، كما يقول المبارز الشجاع أخبرتك بقصدي إياك فانتظرني . # ! 7 < { فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين } . > 7 @QB@ < # | الذاريات : ( 45 ) فما استطاعوا من . . . . . # > > # وقوله تعالى : { فما استطاعوا من قيام } يحتمل وجهين . أحدهما : أنه ~~لبيان عجزهم عن الهرب والفرار على سبيل المبالغة ، فإن من لا يقدر على قيام ~~كيف يمشي فضلا عن أن يهرب ، وعلى هذا فيه لطائف لفظية . إحداها : قوله ~~تعالى : { فما استطاعوا } فإن الاستطاعة دون القدرة ، لأن في الاستطاعة ~~دلالة الطلب وهو ينبىء عن عدم القدرة والاستقلال ، فمن استطاع شيئا كان دون ~~من يقدر عليه ، ولهذا يقول المتكلمون الاستطاعة مع الفعل أو قبل الفعل ~~إشارة إلى قدرة مطلوبه من الله تعالى مأخوذة منه وإليه الإشارة بقوله تعالى ~~: { هل يستطيع ربك } ( المائدة : 112 ) على قراءة من قرأ بالتاء وقوله : { ~~فما استطاعوا } أبلغ من قول القائل ما قدروا على قيام . ثانيها : قوله ~~تعالى : { من قيام } بزيادة من ، وقد عرفت ما فيه من التأكيد . ثالثها : ~~قوله : { قيام } بدل قوله هرب لما بينا أن العاجز عن القيام أولى أن يعجز ~~عن الهرب . الوجه الثاني : هو أن المراد PageV28P192 من قيام القيام بالأمر ~~، أي ما استطاعوا من قيام به . # وقوله تعالى : { وما كانوا منتصرين } أي ما استطاعوا الهزيمة والهرب ، ~~ومن لا يقدر عليه يقاتل وينتصر بكل ما يمكنه لأنه ms8487 يدفع عن الروح وهم مع ذلك ~~ما كانوا منتصرين ، وقد عرفت أن قول القائل ما هو بمنتصر أبلغ من قوله ما ~~انتصر ولا ينتصر والجواب ترك مع كونه يجب تقديره وقوله : / { ما * انتصر } ~~أي لشيء من شأنه ذلك ، كما تقول فلان لا ينصر أو فلان ليس ينصر . ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 46 ) وقوم نوح من . . . . . # > > قرىء : { قوم } بالجر والنصب فما وجههما ؟ نقول : أما الجر فظاهر ~~عطفا على ما تقدم في قوله تعالى : { وفى عاد } ( الذاريات : 41 ) { وفى ~~موسى } ( الذاريات : 38 ) ، تقول لك في فلان عبرة وفي فلان وفلان ، وأما ~~النصب فعلى تقدير : وأهلكنا قوم نوح من قبل ، لأن ما تقدم دل على الهلاك ~~فهو عطف على المحل ، وعلى هذا فقوله : { من قبل } معناه ظاهر كأنه يقول : { ~~وأهلكنا * قوم نوح * من قبل } وأما على الوجه الأول فتقديره : وفي قوم نوح ~~لكم عبرة من قبل ثمود وعاد وغيرهم . ثم قال تعالى : # ! 7 < { والسمآء بنيناها بأيد وإنا لموسعون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 47 ) والسماء بنيناها بأيد . . . . . # > > وهو بيان للوحدانية ، وما تقدم كان بيانا للحشر . # وأما قوله ههنا : { والسماء بنيناها بأيد } وأنتم تعرفون أن ما تعبدون من ~~دون الله ما خلقوا منها شيئا فلا يصح الإشراك ، ويمكن أن يقال هذا عود بعد ~~التهديد إلى إقامة الدليل ، وبناء السماء دليل على القدرة على خلق الأجسام ~~ثانيا ، كما قال تعالى : { أو ليس * الذى خلق * السماوات والارض * بقادر ~~على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : النصب على شريطة التفسير يختار في مواضع ، وإذا كان ~~العطف على جملة فعليه فما تلك الجملة ؟ نقول في بعض الوجوه التي ذكرناها في ~~قوله تعالى : { وفى عاد } ( الذاريات : 41 ) { وفى ثمود } ( الذاريات : 43 ~~) تقديره وهل أتاك حديث عاد وهل أتاك حديث ثمود ، عطفا على قوله : { هل ~~أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } ( الذاريات : 24 ) وعلى هذا يكون ما تقدم ~~جملة فعلية لا خفاء فيه ، وعلى غير ذلك الوجه فالجار والمجرور النصب أقرب ms8488 ~~منه إلى الرفع فكان عطفا على ما بالنصب أولى ، ولأن قوله تعالى : { ~~فنبذناهم } ( الذاريات : 40 ) وقوله : { أرسلنا } ( الذاريات : 32 ) وقوله ~~تعالى : { فأخذتهم الصاعقة } ( الذاريات : 44 ) و { فما استطاعوا } ( ~~الذاريات : 45 ) كلها فعليات فصار النصب مختارا . # المسألة الثانية : كرر ذكر البناء في السماوات ، قال تعالى : { والسماء ~~وما بناها } ( الشمس : 5 ) وقال تعالى : { أم السماء بناها } ( النازعات : ~~27 ) وقال تعالى : { جعل لكم الارض قرارا والسماء بناء } ( غافر : 65 ) فما ~~الحكمة فيه ؟ نقول فيه وجوه . أحدها : أن البناء باق إلى قيام القيامة لم ~~يسقط منه شيء ولم يعدم منه جزء ، وأما الأرض فهي في التبدل والتغير فهي ~~كالفرش الذي يبسط ويطوي وينقل ، والسماء كالبناء المبني الثابت ، وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى : { سبعا شدادا } ( النبأ : 12 ) وأما الأراضي فكم ~~منها ما صار بحرا وعاد أرضا من وقت / حدوثها . ثانيها : أن السماء ترى ~~كالقبة المبنية فوق الرؤوس ، والأرض مبسوطة مدحوة والبناء بالمرفوع أليق ، ~~كما قال تعالى : { رفع سمكها } ( النازعات : 28 ) . ثالثها : قال بعض ~~الحكماء : السماء مسكن الأرواح والأرض PageV28P193 موضع الأعمال والمسكن ~~أليق بكونه بناء والله أعلم . # المسألة الثالثة : الأصل تقديم العامل على المعمول والفعل هو العامل ~~فقوله : { بنيانا } عامل في السماء ، فما الحكمة في تقديم المفعول على ~~الفعل ولو قال : وبنينا السماء بأيد ، كان أوجز ؟ نقول الصانع قبل الصنع ~~عند الناظر في المعرفة ، فلما كان المقصود إثبات العلم بالصانع ، قدم ~~الدليل فقال والسماء المزينة التي لا تشكون فيها بنيناها فاعرفونا بها إن ~~كنتم لا تعرفوننا . # المسألة الرابعة : إذا كان المقصود إثبات التوحيد ، فكيف قال : { بنيناها ~~} ولم يقل بنيتها أو بناها الله ؟ نقول قوله : { بنيانا } أدل على عدم ~~الشريك في التصرف والاستبداد وقوله بنيتها يمكن أن يكون فيه تشريك ، وتمام ~~التقرير هو أن قوله تعالى : { بنيناها } لا يورث إيهاما بأن الآلها التي ~~كانوا يعبدونها هي التي يرجع إليها الضمير في { بنيناها } لأن تلك إما ~~أصنام منحوتة وإما كواكب جعلوا الأصنام على صورها وطبائعها ، فأما الأصنام ~~المنحوتة فلا يشكون أنها ما بنت من السماء شيئا ، وأما الكواكب فهي ms8489 في ~~السماء محتاجة إليها فلا تكون هي بانيتها / وإنما يمكن أن يقال إنما بنيت ~~لها وجعلت أماكنها ، فلما لم يتوهم ما قالوا قال بنينا نحن ونحن غير ما ~~يقولون ويدعون فلا يصلحون لنا شركاء لأن كل ما هو غير السماء ودون السماء ~~في المرتبة فلا يكون خالق السماء وبانيها فإذن علم أن المراد جمع التعظيم ~~وأفاد النص عظمته ، فالعظمة أنفى للشريك فثبت أن قوله : { بنيناها } أدل ~~على نفي الشريك من بنيتها وبناها الله . # فإن قيل : لم قلت : إن الجمع يدل على التعظيم ؟ قلنا الجواب من الوجهين . ~~الأول : أن الكلام على قدر فهم السامع ، والسامع هو الإنسان ، والإنسان ~~يقيس الشاهد على الغائب ، فإن الكبير عندهم من يفعل الشيء بجنده وخدمه ولا ~~يباشر بنفسه ، فيقول الملك فعلنا أي فعله عبادنا بأمرنا ويكون في ذلك تعظيم ~~، فكذلك في حق الغائب . الوجه الآخر : هو أن القول إذا وقع من واحد وكان ~~الغير به راضيا يقول القائل فعلنا كلنا كذا وإذا اجتمع جمع على فعل لا يقع ~~إلا بالبعض ، كما إذا خرج جم غفير وجمع كثير لقتل سبع وقتلوه يقال قتله أهل ~~بلدة كذا لرضا الكل به وقصد الكل إليه ، إذا عرفت هذا فالله تعالى كيفما ~~أمر بفعل شيء لا يكون لأحد رده وكان كل واحد منقادا له ، يقول بدل فعلت ~~فعلنا ، ولهذا الملك العظيم أجمعنا بحيث لا ينكره أحد ولا يرده نفس ، وقوله ~~تعالى : { بأيد } أي قوة والأيد القوة هذا هو المشهور وبه فسر قوله تعالى : ~~{ ذا الايد إنه أواب } ( ص: 17 ) يحتمل أن يقال إن المراد جمع اليد ، ~~ودليله أنه قال تعالى : { لما خلقت بيدى } ( ص: 75 ) وقال تعالى : { مما ~~عملت أيدينا أنعاما } ( يس : 71 ) وهو راجع في الحقيقة إلى المعنى الأول ~~وعلى هذا فحيث قال : { خلقت } قال : { بيدى } وحيث قال : { بأيد } لمقابلة ~~الجمع بالجمع ، فإن قيل فلم لم يقل بنيناها بأيدينا وقال : { وما علمتم * ~~أيدينا } ؟ نقول لفائدة / جليلة ، وهي أن السماء لا يخطر ببال أحد أنها ~~مخلوقة لغير الله والأنعام ليست كذلك ms8490 ، فقال هناك : { مما عملت أيدينا } ~~تصريحا بأن الحيوان مخلوق لله تعالى من غير واسطة وكذلك { خلقت بيدى } وفي ~~السماء { بأيد } من غير إضافة للاستغناء عنها وفيه لطيفة أخرى وهي أن هناك ~~لما أثبت الإضافة بعد حذف الضمير العائد إلى المفعول ، فلم يقل خلقته بيدي ~~ولا قال عملته أيدينا وقال ههنا : { بنيناها } لأن هناك لم يخطر ببال أحد ~~أن الإنسان غير مخلوق وأن الحيوان غير معمول فلم يقل خلقته ولا عملته وأما ~~السماء فبعض الجهال يزعم أنها غير مجعولة فقال : { بنيناها } بعود الضمير ~~تصريحا بأنها مخلوقة . PageV28P194 # وقوله تعالى : { وإنا لموسعون } فيه وجوه . أحدها : أنه من السعة أي ~~أوسعناها بحيث صارت الأرض وما يحيط به من الماء والهواء بالنسبة إلى السماء ~~وسعتها كحلقة في فلاة ، والبناء الواسع الفضاء عجيب فإن القبة الواسعة لا ~~يقدر عليها البناءون لأنهم يحتاجون إلى إقامة آلة يصح بها استدارتها ويثبت ~~بها تماسك أجزائها إلى أن يتصل بعضها ببعض . ثانيها : قوله : } وإنا ~~لموسعون } أي لقادرون ومنه قوله تعالى : { * } وإنا لموسعون } أي لقادرون ~~ومنه قوله تعالى : { * } أي لقادرون ومنه قوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) أي قدرتها والمناسبة حينئذ ظاهرة ، ويحتمل أن ~~يقال بأن ذلك حينئذ إشارة إلى المقصود الآخر وهو الحشر كأنه يقول : بنينا ~~السماء ، وإنا لقادرون على أن نخلق أمثالها ، كما في قوله تعالى : { أو ليس ~~* الذى خلق * السماوات والارض * بقادر على أن يخلق مثلهم } ( يس : 81 ) . ~~ثالثها : { أنا * لموسعون } الرزق على الخلق . ثم قال تعالى : # ! 7 < { والا رض فرشناها فنعم الماهدون } . > 7 @QB@ < # | الذاريات : ( 48 ) والأرض فرشناها فنعم . . . . . # > > # استدلالا بالأرض وقد علم ما في قوله : { والارض فرشناها } وفيه دليل على ~~أن دحو الأرض بعد خلق السماء ، لأن بناء البيت يكون في العادة قبل الفرش ، ~~وقوله تعالى : { فنعم الماهدون } أي نحن أو فنعم الماهدون ماهدوها . # ! 7 < { ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 49 ) ومن كل شيء . . . . . # > > ثم قال تعالى : { ومن كل شىء خلقنا زوجين } استدلالا بما بينهما ~~والزوجان إما الضدان فإن ms8491 الذكر والأنثى كالضدين والزوجان منهما كذلك ، وإما ~~المتشاكلان فإن كل شيء له شبيه ونظير وضد وند ، قال المنطقيون المراد ~~بالشيء الجنس وأقل ما يكون تحت الجنس نوعان فمن كل جنس خلق نوعين من الجوهر ~~مثلا المادي والمجرد ، ومن المادي النامي والجامد ومن النامي المدرك ~~والنبات من المدرك للناطق والصامت ، وكل ذلك يدل على أنه فرد لا كثرة فيه . # وقوله تعالى : { لعلكم تذكرون } أي لعلكم تذكرون أن خالق الأزواج لا يكون ~~له زوج وإلا لكان ممكنا فيكون مخلوقا ولا يكون خالقا ، أو { لعلكم تذكرون } ~~أن خالق الأزواج لا يعجز عن حشر الأجسام وجمع الأرواح . / ثم قال تعالى : # ! 7 < { ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 50 ) ففروا إلى الله . . . . . # > > أمر بالتوحيد ، وفيه لطائف . الأولى : قوله تعالى : { ففروا } ينبىء ~~عن سرعة الإهلاك كأنه يقول الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب من أن يحتمل الحال ~~الإبطاء في الرجوع ، فافزعوا إلى الله سريعا وفروا . الثانية : قوله تعالى ~~: { إلى الله } بيان المهروب إليه ولم يذكر الذي منه الهرب لأحد وجهين ، ~~إما لكونه معلوما وهو هول العذاب أو الشيطان الذي قال فيه : { إن الشيطان ~~لكم عدو فاتخذوه عدوا } ( فاطر : 6 ) وإما ليكون عاما كأنه يقول : كل ما ~~عدا الله عدوكم ففروا إليه من كل ما عداه ، وبيانه وهو أن كل ما عداه فإنه ~~يتلف عليك رأس مالك الذي هو العمر ، ويفوت عليكم ما هو الحق والخير ، ~~PageV28P195 ومتلف رأس المال مفوت الكمال عدو ، وأما إذا فررت إلى الله ~~وأقبلت على الله فهو يأخذ عمرك ولكن يرفع أمرك ويعطيك بقاء لا فناء معه . ~~والثالثة : الفاء للترتيب معناه إذا ثبت أن خالق الزوجين فرد ففروا إليه ~~واتركوا غيره تركا مؤبدا . الرابعة : في تنوع الكلام فائدة وبيانها هو أن ~~الله تعالى قال : { والسماء بنيناها } ( الذاريات : 47 ) { والارض فرشناها ~~} ( الذاريات : 48 ) { ومن كل شىء خلقنا } ( الذاريات : 49 ) ثم جعل الكلام ~~للنبي عليه السلام وقال : { ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين } ولم ~~يقل ففروا إلينا ، وذلك لأن لاختلاف الكلام ms8492 تأثيرا ، وكذلك لاختلاف ~~المتكلمين تأثيرا ، ولهذا يكثر الإنسان من النصائح مع ولده الذي حاد عن ~~الجادة ، ويجعل الكلام مختلفا ، نوعا ترغيبا ونوعا ترهيبا ، وتنبيها ~~بالحكاية ، ثم يقول لغيره تكلم معه لعل كلامك ينفع ، لما في أذهان الناس أن ~~اختلاف المتكلمين واختلاف الكلام كلاهما مؤثر ، والله تعالى ذكر أنواعا من ~~الكلام وكثيرا من الاستدلالات والآيات وذكر طرفا صالحا من الحكايات ، ثم ~~ذكر كلاما من متكلم آخر هو النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن المفسرين من ~~يقول تقديره فقل لهم ففروا وقوله : { إنى لكم منه نذير } إشارة إلى الرسالة ~~. # وفيه أيضا لطائف . إحداها : أن الله تعالى بين عظمته بقوله : { والسماء ~~بنيناها } { والارض فرشناها } وهيبته بقوله : { فنبذناهم فى اليم } ( القصص ~~: 40 ) وقوله تعالى : { أرسلنا عليهم الريح العقيم } ( الذاريات : 48 ) ~~وقوله : { فأخذتهم الصاعقة } ( النسا : 153 ) وفيه إشارة إلى أنه تعالى إذا ~~عذب قدر على أن يعذب بما به البقاء والوجود وهو التراب والماء والهواء ~~والنار ، فحكايات لوط تدل على أن التراب الذي منه الوجود والبقاء إذا أراد ~~الله جعله سبب الفناء والماء كذلك في قوم فرعون والهواء في عاد والنار في ~~ثمود ، ولعل ترتيب الحكايات الأربع للترتيب الذي في العناصر الأربعة وقد ~~ذكرنا في سورة العنكبوت شيئا منه ، ثم إذا أبان عظمته وهيبته قال لرسوله ~~عرفهم الحال وقل أنا رسول بتقديم الآيات وسرد الحكايات فلإردافه بذكر ~~الرسول فائدة . ثانيها : في الرسالة أمور ثلاثة المرسل والرسول والمرسل ~~إليه وههنا ذكر الكل ، فقوله : { لكم } إشارة إلى المرسل إليهم وقوله : { ~~منه } إشارة إلى المرسل وقوله : { نذير } بيان للرسول ، وقدم المرسل إليه ~~في الذكر ، لأن المرسل إليه أدخل في أمر الرسالة / لأن عنده يتم الأمر ، ~~والملك لو لم يكن هناك من يخالفه أو يوافقه فيرسل إليه نذيرا أو بشيرا لا ~~يرسل وإن كان ملكا عظيما ، وإذا حصل المخالف أو الموافق يرسل وإن كان غير ~~عظيم / ثم المرسل لأنه متعين وهو الباعث ، وأما الرسول فباختياره ، ولولا ~~المرسل المتعين لما تمت الرسالة ، وأما الرسول فلا يتعين ، لأن للملك ~~اختيار من ms8493 يشاء من عباده ، فقال : { منه } ثم قال : { نذير } تأخيرا للرسول ~~عن المرسل . ثالثها : قوله : { مبين } إشارة إلى ما به تعرف الرسالة ، لأن ~~كل حادث له سبب وعلامة ، فالرسول هو الذي به تتم الرسالة ، ولا بد له من ~~علامة يعرف به ، فقوله : فقوله : { مبين } إشارة إليها وهي إما البرهان ~~والمعجزة . # ! 7 < { ولا تجعلوا مع الله إلاها ءاخر إنء لكم منه نذير مبين } . > 7 ~~@QB@ < # | الذاريات : ( 51 ) ولا تجعلوا مع . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ولا تجعلوا مع الله إلاها ءاخر } إتماما للتوحيد ، وذلك ~~لأن التوحيد بين التعطيل والتشريك ، وطريقة التوحيد هي الطريقة ، فالمعطل ~~يقول لا إلاه أصلا ، والمشرك يقول في الوجود آلهة ، والموحد يقول قوله ~~الاثنين باطل ، نفي الواحد باطل ، فقوله تعالى : { ففروا إلى الله } ( ~~الذاريات : 50 ) أثبت وجود الله ، ولما قال : { ولا تجعلوا مع الله إلاها ~~ءاخر } نفى الأكثر من الواحد فصح التوحيد بالآيتين ، ولهذا قال مرتين : { ~~إنى لكم منه نذير مبين } أي في المقامين والموضعين ، وقد ذكرنا مرارا أن ~~المعطل إذا قال لا واجب يجعل الكل ممكنا ، فإن كل موجود ممكن ، ولكن الله ~~في الحقيقة موجود ، فقد جعله في تضاعيف قوله كالممكنات فقد أشرك ، وجعل ~~الله كغيره ، والمشرك لما قال بأن غيره إلاه يلزم من قوله نفي كون الإلاه ~~إلاها لما ذكرنا في تقرير دلالة PageV28P196 التمانع مع أنه لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله للزم عجز كل واحد ، فلا يكون في الوجود إلاه أصلا ، فيكون ~~ناقيا للإلاهية ، فيكون معطلا ، فالمعطل مشرك ، والمشرك معطل ، وكل واحد من ~~الفريقين معترف بأن اسمه مبطل ، لكنه هو على مذهب خصمه يقول إنه نفسه مبطل ~~وهو لا يعلم ، والحمد لله الذي هدانا ، وقوله { ولا تجعلوا } فيه لطيفة ، ~~وهي أنه إشارة إلى أن الآلهة مجعولة ، لا يقال فالله متخذ لقوله { فاتخذه ~~وكيلا } ( المزمل : 9 ) قلنا الجواب : عنه الظاهر ، وقد سبق في قوله تعالى ~~: { واتخذوا من دون الله ءالهة } ( مريم : 81 ) . # ! 7 < { كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } . ~~> 7 ! # < < # | الذاريات : ( 52 ) كذلك ms8494 ما أتى . . . . . # > > والتفسير معلوم مما سبق ، وقد ذكرنا أنه يدل على أن ذكر الحكايات ~~للتسلية ، غير أن فيه لطيفة واحدة لا نتركها ، وهي أن هذه الآية دليل على ~~أن كل رسول كذب ، وحينئذ يرد عليه أسئلة الأول : هو أنه من الأنبياء من قرر ~~دين النبي الذي كان قبله ، وبقي القوم على ما كانوا عليه / كأنبياء بني ~~إسرائيل مدة ، وكيف وآدم لما أرسل لم يكذب الثاني : ما الحكمة في تقدير ~~الله تكذيب الرسل ، ولم يرسل رسولا مع كثرتهم واختلاف معجزاتهم بحيث يصدقه ~~أهل زمانه ؟ الثالث : قوله { ما أتى إلا قالوا } دليل على أنهم كلهم قالوا ~~ساحر ، وليس كذلك لأنه ما من رسول إلا وآمن به قوم ، وهم ما قالوا ذلك ~~والجواب عن الأول : هو أن نقول ، أما المقرر فلا نسلم أنه رسول ، بل هو نبي ~~على دين رسول ، ومن كذب رسوله فهو مكذبه أيضا ضرورة . وعن الثاني : هو أن ~~الله لا يرسل إلا عند حاجة الخلق ، وذلك عند ظهور الكفار في العلم ، ولا ~~يظهر الكفر إلا عند كثرة الجهل ، ثم إن الله تعالى لا يرسل رسولا مع كون ~~الإيمان به ضروريا ، وإلا لكان الإيمان به إيمان اليأس فلا يقبل ، والجاهل ~~إذا لم يكن المبين له في غاية الوضوح لا يقبله فيبقى في ورطة الضلالة ، ~~فهذا قدر لزم بقضاء الله على الخلق على هذا الوجه ، وقد ذكرنا مرة أخرى أن ~~بعض الناس يقول : كل ما هو قضاء الله فهو خير ، والشر في القدر ، فالله قضى ~~بأن النار فيها مصلحة للناس لأنها نور ، ويجعلونها متاعا في الأسفار وغيرها ~~كما ذكر الله ، والماء فيه مصلحة الشرب ، لكن النار إنما تتم مصلحتها ~~بالحرارة البالغة والماء بالسيلان القوي ، وكونهما كذلك يلزمهما بإجراء ~~الله عادته عليهما أن يحرق ثوب الفقير ، ويغرق شاة المسكين ، فالمنفعة في ~~القضاء والمضرة في القدر ، وهذا الكلام له غور ، والسنة أن نقول ( يفعل ~~الله ما يشاء ، ويحكم ما يريد ) وعن الثالث : أن ذلك ليس بعام ، فإنه لم ~~يقل إلا قال كلهم ، وإنما قال ms8495 : { إلا قالوا } ولما كان كثير منهم ، بل ~~أكثرهم قائلين به ، قال الله تعالى : { إلا قالوا } فإن قيل : فلم لم يذكر ~~المصدقين ، كما ذكر المكذبين ، وقال إلا قال بعضهم صدقت ، وبعضهم كذبت ؟ ~~نقول لأن المقصود التسلية وهي على التكذيب ، فكأنه تعالى قال : لا تأس على ~~تكذيب قومك ، فإن أقواما قبلك كذبوا ، ورسلا كذبوا . # ! 7 < { أتواصوا به بل هم قوم طاغون } . > 7 @QB@ < # | الذاريات : ( 53 ) أتواصوا به بل . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { أتواصوا به بل هم قوم طاغون } أي بذلك القول ، وهو ~~قولهم { ساحر أو مجنون } ومعناه التعجيب ، أي كيف اتفقوا على قول واحد ~~كأنهم تواطؤا عليه ، وقال بعضهم لبعض : لا تقولوا إلا هذا ، ثم قال : لم ~~يكن ذلك على التواطؤ ، وإنما كان لمعنى جامع هو أن الكل أترفوا فاستغنوا ~~فنسوا الله وطغوا فكذبوا رسله ، كما أن الملك إذا أمهل أهل بقعة ، ولم ~~يكلفهم بشيء ، ثم قعد بعد مدة وطلبهم إلى بابه PageV28P197 يصعب عليهم ~~لاتخاذهم القصور والجنان ، وتحسين بلادهم من الوجوه الحسان ، فيحملهم ذلك ~~على العصيان ، والقول بطاعة ملك آخر . # ! 7 < { فتول عنهم فمآ أنت بملوم } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 54 ) فتول عنهم فما . . . . . # > > هذه تسلية أخرى ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من كرم ~~الأخلاق ينسب نفسه إلى تقصير ، ويقول إن عدم إيمانهم لتقصيري في التبليغ / ~~فيجتهد في الإنذار والتبليغ ، فقال تعالى : قد أتيت بما عليك ، ولا يضرك ~~التولي عنهم ، وكفرهم ليس لتقصير منك ، فلا تحزن فإنك لست بملوم بسبب ~~التقصير ، وإنما هم الملومون بالإعراض والعناد . # ! 7 < { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 55 ) وذكر فإن الذكرى . . . . . # > > يعني ليس التولي مطلقا ، بل تول وأقبل وأعرض وادع ، فلا التولي يضرك ~~إذا كان عنهم ، ولا التذكير ينفع إلا إذا كان مع المؤمنين ، وفيه معنى آخر ~~ألطف منه ، وهو أن الهادي إذا كانت هدايته نافعة يكون ثوابه أكثر ، فلما ~~قال تعالى : { فتول } كان يقع لمتوهم أن يقول ، فحينئذ لا يكون للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ثواب عظيم ، فقل بلى وذلك لأن في المؤمنين كثرة ، فإذا ms8496 ~~ذكرتهم زاد هداهم ، وزيادة الهدى من قوله كزيادة القوم ، فإن قوما كثيرا ~~إذا صلى كل واحد ركعة أو ركعتين ، وقوما قليلا إذا صلى كل واحد ألف ركعة ~~تكون العبادة في الكثرة كالعبادة عن زيادة العدد ، فالهادي له على عبادة كل ~~مهتد أجر ، ولا ينقص أجر المهتدي ، قال تعالى : { إن لك * لاجرا } ( القلم ~~: 3 ) أي وإن توليت بسبب انتفاع المؤمنين بل وحالة إعراضك عن المعاندين ، ~~وقوله تعالى : { فإن الذكرى تنفع المؤمنين } يحتمل وجوها : أحدها : أن يراد ~~قوة يقينهم كما قال تعالى : { ليزدادوا إيمانا } ( الفتح : 4 ) وقال تعالى ~~: { وإذا ما أنزلت سورة فمنهم } ( التوبة : 124 ) وقال تعالى : { زادهم هدى ~~وءاتاهم تقواهم } ( محمد : 17 ) ثانيها : تنفع المؤمنين الذين بعدك فكأنك ~~إذا أكثرت التذكير بالتكرير نقل عنك ذلك بالتواتر فينتفع به من يجيء بعدك ~~من المؤمنين ثالثها : هو أن الذكرى إن أفاد إيمان كافر فقد نفع مؤمنا لأنه ~~صار مؤمنا ، وإن لم يفد يوجد حسنة ويزاد في حسنة المؤمنين فينتفعوا ، وهذا ~~هو الذي قيل في قوله تعالى : { تلك الجنة التى * أورثتموها } ( الزخرف : 72 ~~) . # ! 7 < { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 56 ) وما خلقت الجن . . . . . # > > وهذه الآية فيها فوائد كثيرة ، ولنذكرها على وجه الاستقصاء ، فنقول ~~أما تعلقها بما قبلها فلوجوه أحدها : أنه تعالى لما قال : { وذكر } ( ~~الذاريات : 55 ) يعني أقصى غاية التذكير وهو أن الخلق ليس إلا للعبادة ، ~~فالمقصود من إيجاد الإنسان العبادة فذكرهم به وأعلمهم أن كل ما عداه تضييع ~~للزمان الثاني : هو أنا ذكرنا مرارا أن شغل الأنبياء منحصر في أمرين عبادة ~~الله وهداية الخلق ، فلما قال تعالى : { فتول عنهم فما أنت بملوم } ( ~~الذاريات : 54 ) بين أن الهداية قد تسقط عند اليأس وعدم المهتدي ، وأما ~~العبادة فهي لازمة والخلق المطلق لها وليس الخلق المطلق للهداية ، فما أنت ~~بملوم إذا أتيت بالعبادة التي هي أصل إذا تركت الهداية بعد بذل الجهد فيها ~~الثالث : هو أنه لما بين حال من قبله من التكذيب ، ذكر هذه الآية ليبين سوء ~~/ صنيعهم حيث تركوا عبادة الله ms8497 فما كان خلقهم إلا للعبادة ، وأما التفسير ~~ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الملائكة أيضا من أصناف المكلفين ولم يذكرهم الله مع أن ~~المنفعة الكبرى في إيجاده لهم هي العبادة ولهذا قال : { بل عباد مكرمون } ( ~~الأنبياء : 26 ) وقال تعالى : { لا يستكبرون عن عبادته } ( الأعراف : 206 ) ~~فما الحكمة فيه ؟ PageV28P198 نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : قد ذكرنا ~~في بعض الوجوه أن تعلق الآية بما قبلها بيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما ~~خلقوا له ، وهذا مختص بالجن والإنس لأن الكفر في الجن أكثر ، والكافر منهم ~~أكثر من المؤمن لما بينا أن المقصود بيان قبحهم وسوء صنيعهم الثاني : هو أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن ، فلما قال وذكرهم ما يذكر ~~به وهو كون الخلق للعبادة خص أمته بالذكر أي ذكر الجن والإنس الثالث : أن ~~عباد الأصنام كانوا يقولون بأن الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم ~~مقربين فهم يعبدون الله وخلقهم لعبادته ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة ~~الله فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله ، فقال تعالى : { وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون } ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلما بين ~~القوم فذكر المتنازع فيه الرابع : قيل الجن يتناول الملائكة لأن الجن أصله ~~من الاستتار وهم مستترون عن الخلق ، وعلى هذا فتقديم الجن لدخول الملائكة ~~فيهم وكونهم أكثر عبادة وأخصلها الخامس : قال بعض الناس كلما ذكر الله ~~الخلق كان فيه التقدير في الجرم والزمان قال تعالى : { خلق * السماوات ~~والارض * وما بينهما فى ستة أيام } ( الفرقان : 59 ) وقال تعالى : { خلق ~~الارض فى يومين } ( فصلت : 9 ) وقال : { خلقت بيدى } ( ص: 75 ) إلى غير ذلك ~~، وما لم يكن ذكره بلفظ الأمر قال تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون } ( يس : 82 ) وقال : { قل الروح من أمر ربى } ( الإسراء ~~: 85 ) وقال تعالى : { ألا له الخلق والامر } ( الأعراف : 54 ) والملائكة ~~كالأرواح من عالم الأمر أوجدهم من غير مرور زمان فقوله { وما خلقت } إشارة ~~إلى من هو من عالم الخلق فلا ms8498 يدخل فيه الملائكة ، وهو باطل لقوله تعالى : { ~~خالق كل شىء } ( غافر : 62 ) فالملك من عالم الخلق . # المسألة الثانية : تقديم الجن على الإنس لأية حكمة ؟ نقول فيه وجوه الأول ~~: بعضها مر في المسألة الأولى الثاني : هو أن العبادة سرية وجهرية ، ~~وللسرية فضل على الجهرية لكن عبادة الجن سرية لا يدخلها الرياء العظيم / ~~وأما عبادة الإنس فيدخلها الرياء فإنه قد يعبد الله لأبناء جنسه ، وقد يعبد ~~الله ليستخبر من الجن أو مخافة منهم ولا كذلك الجن . # المسألة الثالثة : فعل الله تعالى ليس لغرض وإلا لكان بالغرض مستكملا وهو ~~في نفسه كامل فكيف يفهم لأمر الله الغرض والعلة ؟ نقول المعتزلة تمسكوا به ~~، وقالوا أفعال الله تعالى لأغراض وبالغوا في الإنكار على منكري ذلك ، ونحن ~~نقول فيه وجوه الأول : أن التعليل لفظي ومعنوي ، واللفظي ما يطلق الناظر ~~إليه اللفظ عليه وإن لم يكن له في الحقيقة ، مثاله إذا خرج ملك من بلاده ~~ودخل بلاد العدو وكان في قلبه أن يتعب عسكر نفسه لا غير ، ففي المعنى ~~المقصود ذلك ، وفي اللفظ لا يصح ولو قال هو أنا ما سافرت إلا لابتغاء أجر ~~أو لأستفيد حسنة يقال / هذا ليس بشيء ولا يصح عليه ، ولو قال قائل في مثل ~~هذه الصورة خرج ليأخذ بلاد العدو وليرهبه لصدق ، فالتعليل اللفظي هو جعل ~~المنفعة المعتبرة علة للفعل الذي فيه المنفعة ، يقال إتجر للربح ، وإن لم ~~يكن في الحقيقة له ، إذا عرفت هذا ، فنقول الحقائق غير معلومة عند الناس ، ~~والمفهوم من النصوص معانيها اللفظية لكن الشيء إذا كان فيه منفعة يصح ~~التعليل بها لفظا والنزاع في الحقيقة في اللفظ الثاني : هو أن ذلك تقدير ~~كالتمني والترجي في كلام الله تعالى وكأنه يقول العبادة عند الخلق شيء لو ~~كان ذلك من أفعالكم لقلتم إنه لها ، كما قلنا في قوله تعالى : { لعله يتذكر ~~} ( طه : 44 ) أي بحيث يصير تذكرة عندكم مرجوا وقوله { عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم } ( الأعراف : 129 ) أي يصير إهلاكه عندكم مرجوا تقولون إنه قرب ~~الثاني : هو أن اللام قد ms8499 تثبت فيما لا يصح غرضا كما في الوقت قال تعالى : { ~~أقم الصلواة لدلوك الشمس } PageV28P199 ( الإسراء : 78 ) وقوله تعالى : { ~~فطلقوهن لعدتهن } ( الطلاق : 1 ) والمراد المقارنة ، وكذلك في جميع الصور ، ~~وحينئذ يكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي بفرض العبادة أي خلقتهم وفرضت ~~عليهم العبادة ، والذي يدل على عدم جواز التعليل الحقيقي هو أن الله تعالى ~~مستغن عن المنافع فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره ، لأن الله ~~تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل فيكون توسط ذلك ~~لا ليكون علة ، وإذا لزم القول بأن الله تعالى يفعل فعلا هو لمتوسط لا لعلة ~~لزمهم المسألة ، وأما النصوص فأكثر من أن تعد وهي على أنواع ، منها ما يدل ~~على أن الإضلال بفعل الله كقوله تعالى : { يضل من يشاء } ( الرعد : 27 ) ~~وأمثاله ومنها ما يدل على أن الأشياء كلها بخلق الله كقوله تعالى : { خالق ~~كل شىء } ( الرعد : 16 ) ومنها الصرايح التي تدل على عدم ذلك ، كقوله تعالى ~~: { لا يسأل عما يفعل } ( الأنبياء : 23 ) وقوله تعالى : { ويفعل الله ما ~~يشاء } ( إبراهيم : 27 ) { يحكم ما يريد } ( المائدة : 1 ) والاستقصاء مفوض ~~فيه إلى المتكلم الأصولي لا إلى المفسر . # المسألة الرابعة : قال تعالى : { رحيم يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا } ( الحجرات : 13 ) وقال : { ليعبدون ~~} فهل بينها اختلاف ؟ نقول ليس كذلك فإن الله تعالى علل جعلهم شعوبا ~~بالتعارف ، وههنا علل خلقهم بالعبادة وقوله هناك { أكرمكم عند الله أتقاكم ~~} ( الحجرات : 13 ) دليل على ما ذكره ههنا وموافق له ، لأنه إذا كان أتقى ~~كان أعبد وأخلص عملا ، فيكون المطلوب منه أتم في الوجود فيكون أكرم وأعز ، ~~كالشيء الذي منفعته فائدة ، وبعض أفراده يكون أنفع في تلك الفائدة ، مثاله ~~الماء إذا كان مخلوقا للتطهير والشرب فالصافي منه أكثر فائدة في تلك ~~المنفعة فيكون أشرف من ماء آخر / فكذلك العبد الذي وجد فيه ما هو المطلوب ~~منه على وجه أبلغ . # المسألة الخامسة : ما العبادة التي خلق الجن والإنس لها ؟ قلنا : التعظيم ~~لأمر الله ms8500 والشفقة على خلق الله ، فإن هذين النوعين لم يخل شرع منهما ، ~~وأما خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها بالوضع والهيئة والقلة والكثرة ~~والزمان والمكان والشرائط والأركان ، ولما كان التعظيم اللائق بذي الجلال ~~والإكرام لا يعلم عقلا لزم اتباع الشرائع فيها والأخذ بقول الرسل عليهم ~~السلام فقد أنعم / الله على عباده بإرسال الرسل وإيضاح السبل في نوعي ~~العبادة ، وقيل إن معناه ليعرفوني ، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال عن ربه ( كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف ) . # ! 7 < { مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون } . > 7 ! # < < # | الذاريات : ( 57 ) ما أريد منهم . . . . . # > > فيه جواب سؤال وهو أن الخلق للغرض ينبىء عن الحاجة ، فقال ما خلقتهم ~~ليطعمون والنفع فيه لهم لا لي ، وذلك لأن منفعة العبد في حق السيد أن يكتسب ~~له ، إما بتحصيل المال له أو بحفظ المال عليه ، وذلك لأن العبد إن كان ~~للكسب فغرض التحصيل فيه ظاهر ، وإن كان للشغل فلولا العبد لاحتاج السيد إلى ~~استئجار من يفعل الشغل له فيحتاج إلى إخراج مال ، والعبد يحفظ ماله عليه ~~ويغنيه عن الإخراج فهو نوع كسب فقال تعالى : { ما أريد منهم من رزق وما ~~أريد أن يطعمون } أي لست كالسادة في طلب العبادة بل هم الرابحون في عبادتهم ~~، وفيه وجه آخر وهو أن يقال هذا تقرير لكونهم مخلوقين للعبادة ، وذلك لأن ~~الفعل في العرف لا بد له من منفعة ، لكن العبيد على PageV28P200 قسمين قسم ~~منهم يكون للعظمة والجمال كمماليك الملوك يطعمهم الملك ويسقيهم ويعطيهم ~~الأطراف من البلاد ويؤتيهم الطراف بعد التلاد ، والمراد منهم التعظيم ~~والمثول بين يديه ، ووضع اليمين على الشمال لديه ، وقسم منهم للانتفاع بهم ~~في تحصيل الأرزاق أو لإصلاحها فقال تعالى إني خلقتهم فلا بد فيهم من منفعة ~~فليتفكروا في أنفسهم هل هم من قبيل أن يطلب منهم تحصيل رزق وليسوا كذلك ، ~~فما أريد منهم من PageV28P201 رزق ، أو هل هم ممن يطلب منهم إصلاح قوت ~~كالطباخ والخواني الذي يقرب الطعام وليسوا كذلك فما أريد أن يطعمون ، فإذن ms8501 ~~هم عبيد من القسم الأول فينبغي أن لا يتركوا التعظيم ، وفيه لطائف نذكرها ~~في مسائل : # المسألة الأولى : ما الفائدة في تكرار الإرادتين ، ومن لا يريد من أحد ~~رزقا لا يريد أن يطعمه ؟ نقول هو لما ذكرناه من قبل ، وهو أن السيد قد يطلب ~~من العبد الكسب له ، وهو طلب الرزق منه ، وقد يكون للسيد مال وافر يستغني ~~عن الكسب لكنه يطلب منه قضاء حوائجه بماله من المال وإحضار الطعام بين يديه ~~من ماله ، فالسيد قال لا أريد ذلك ولا هذا . # المسألة الثانية : لم قدم طلب الرزق على طلب الإطعام ؟ نقول ذلك من باب ~~الارتقاء كقول القائل لا أطلب منك الإعانة ولا ممن هو أقوى ولا يعكس ، ويقل ~~فلان يكرمه الأمراء بل السلاطين ولا يعكس ، فقال ههنا لا أطلب منكم رزقا ~~ولا ما هو دون ذلك وهو تقديم طعام بين يدي السيد فإن ذلك أمر كثير الطلب من ~~العباد وإن كان الكسب لا يطلب منهم . # المسألة الثالثة : لو قال ما أريد منهم أن يرزقون وما أريد منهم من ~~الطعام هل تحصل هذه الفائدة ؟ نقول على ما فصل لا وذلك لأن بالتكسب يطلب ~~الغنى لا الفعل فإن اشتغل بشغل / ولم يحصل له غنى لا يكون كمن حصل له غنى ، ~~وإن لم يشتغل ، كالعبد المتكسب إذا ترك الشغل لحاجته ووجد مطلبا يرضى منه ~~السيد إذا كان شغله التكسب ، وأما من يراد منه الفعل لذات الفعل ، كالجائع ~~إذا بعث عبده لإحضار الطعام فاشتغل بأخذ المال من مطلب فربما لا يرضى به ~~السيد فالمقصود من الرزق الغنى ، فلم يقل بلفظ الفعل والمقصود من الإطعام ~~الفعل نفسه فذكر بلفظ الفعل ، ولم يقل وما أريد منهم من طعام هذا مع ما في ~~اللفظين من الفصاحة والجزالة للتنويع . # المسألة الرابعة : إذا كان المعنى به ما ذكرت ، فما فائدة الإطعام ~~وتخصيصه بالذكر مع أن المقصود عدم طلب فعل منهم غير التعظيم ؟ نقول لما عمم ~~في المطلب الأول اكتفى بقوله { من رزق } فإنه يفيد العموم ، وأشار إلى ~~التعظيم فذكر الإطعام ms8502 ، وذلك لأن أدنى درجات الأفعال أن تستعين السيد بعبده ~~أو جاريته في تهيئة أمر الطعام ، ونفي الأدنى يستتبعه نفي الأعلى بطريق ~~الأولى فصار كأنه تعالى قال : ما أريد منهم من عين ولا عمل . # المسألة الخامسة : على ما ذكرت لا تنحصر المطالب فيما ذكره ، لأن السيد ~~قد يشتري لعبد لا لطلب عمل منه ولا لطلب رزق ولا للتعظيم ، بل تشتريه ~~للتجارة والربح فيه ، نقول عموم قوله { ما أريد منهم من رزق } يتناول ذلك ~~فإن من اشترى عبدا ليتجر فيه فقد طلب منه رزقا . # المسألة السادسة : ما أريد في العربية يفيد النفي في الحال ، والتخصيص ~~بالذكر يوهم نفي ما عدا المذكور ، لكن الله تعالى لا يريد منهم رزقا لا في ~~الحال ولا في الاستقبال ، فلم لم يقل لا أريد منهم من رزق ولا أريد ؟ نقول ~~ما للنفي في الحال ، ولا للنفي في الاستقبال ، فالقائل إذا قال فلان لا ~~يفعل هذا الفعل وهو في الفعل لا يصدق ، لكنه إذا ترك مع فراغه من قوله يصدق ~~القائل ، ولو قال ما يفعل لما صدق فيما ذكرنا من الصورة ، مثاله إذا كان ~~الإنسان في الصلاة وقال قائل إنه ما يصلي فانظر إليه فإذا كان نظر إليه ~~الناظر وقد قطع صلاة نفسه صح أن يقول إنك لا تصلي ، ولو قال القائل إنه ما ~~يصلي في تلك الحالة لما صدق ، فإذا علمت هذا فكل واحد من اللفظين للنافية ~~فيه خصوص لكن النفي في الحال أولى لأن المراد من الحال الدنيا والاستقبال ~~هو في أمر الآخرة فالدنيا وأمورها كلها حالية فقوله { ما أريد } أي في هذه ~~الحالة الراهنة التي هي ساعة الدنيا ، ومن المعلوم أن العبد بعد موته لا ~~يصلح أن يطلب منه رزق أو عمل فكان قوله { ما أريد } مفيدا للنفي العام ، ~~ولو قال لا أريد لما أفاد ذلك . # ! 7 < { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } < < # | الذاريات : ( 58 ) إن الله هو . . . . . # > > تعليلا لما تقدم من الأمرين ms8503 ، فقوله هو الرزاق تعليل لعدم طلب الرزق ~~وقوله تعالى : { ذو القوة } تعليل لعدم طلب العمل ، لأن من يطلب رزقا يكون ~~فقيرا محتاجا ومن يطلب عملا من غيره يكون عاجزا لا قوة له ، فصار كأنه يقول ~~ما أريد منهم من رزق فإني أنا الرزاق ولا عمل فإني قوي وفيه مباحث الأول : ~~قال : { ما أريد } ولم يقل إني / رزاق بل قال على الحكاية عن الغائب { إن ~~الله } فما الحكمة فيه ؟ نقول قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { ~~إنى أنا * الرزاق } على ما ذكرت وأما القراءة المشهورة ففيها وجوه الأول : ~~أن يكون المعنى قل يا محمد { إن الله هو الرزاق } الثاني : أن يكون ذلك من ~~باب الالتفات والرجوع من التكلم عن النفس إلى التكلم عن الغائب ، وفيه ههنا ~~فائدة وهي أن اسم الله يفيد كونه رزاقا وذلك لأن الإلاه بمعنى المعبود كما ~~ذكرنا مرارا وتمسكنا بقوله تعالى : { ويذرك وءالهتك } ( الأعراف : 127 ) أي ~~معبوديك وإذ كان الله هو المعبود ورزق العبد استعمله من غير الكسب إذ رزقه ~~على السيد وههنا لما قال : { ما خلقت * الجن والإنس إلا ليعبدون } فقد بين ~~أنه استخلصهم لنفسه وعبادته وكان عليه رزقهم فقال تعالى : { إن الله هو ~~الرزاق } بلفظ الله الدال على كونه رزاقا ، ولو قال إني أنا الرزاق لحصلت ~~المناسبة التي ذكرت ولكن لا يحصل ما ذكرنا الثالث : أن يكون قل مضمرا عند ~~قوله تعالى : { ما أريد منهم } تقديره قل يا محمد { ما أريد منهم من رزق } ~~فيكون بمعنى قوله { قل ما أسألكم عليه من أجر } ( الفرقان : 57 ) ويكون على ~~هذا قوله تعالى : { إن الله هو الرزاق } من قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولم يقل القوي ، بل قال : { ذو القوة } وذلك لأن المقصود تقرير ما تقدم من ~~عدم إرادة الرزق وعدم الاستعانة بالغير ، ولكن في عدم طلب الرزق لا يكفي ~~كون المستغني بحيث يرزق واحدا فإن كثيرا من الناس يرزق ولده وغيره ويسترزق ~~والملك يرزق الجند ويسترزق ، فإذا كثر منه الرزق قل منه الطلب ms8504 ، لأن ~~المسترزق ممن يكثر الرزق لا يسترزق من رزقه ، فلم يكن ذلك المقصود يحصل له ~~إلا بالمبالغة في وصف الرزق ، فقال : { الرزاق } وأما ما يغني عن الاستعانة ~~بالغير فدون ذلك : وذلك لأن القوي إذا كان في غاية القوة يعين الغير فإذا ~~كان دون ذلك لا يعين غيره ولا يستعين به ، وإذا كان دون ذلك يستعين استعانة ~~ما وتتفاوت بعد ذلك ، ولما قال : { وما أريد أن يطعمون } كفاه بيان نفس ~~القوة فقال : { ذو القوة } إفادة معنى القوة دون القوى لأن ذا لا يقال في ~~الوصف اللازم البين فيقال في الآدمي ذو مال ومتمول وذو جمال وجميل وذو خلق ~~حسن وخليق إلى غير ذلك مما لا يلزمه PageV28P202 لزوما بينا ، ولا يقال في ~~الثلاثة ذات فردية ولا في الأربعة ذات زوجية ، ولهذا لم يرد في الأوصاف ~~الحقيقية التي ليست مأخوذة من الأفعال ولذا لم يسمع ذو الوجود وذو الحياة ~~ولا ذو العلم ويقال في الإنسان ذو علم وذو حياة لأنها عرض فيه عارض لا لازم ~~بين ، وفي صفات الفعل يقال الله تعالى ذو الفضل كثيرا وذو الخلق قليلا لأن ~~ذا كذا بمعنى صاحبه وربه والصحبة لا يفهم منها اللزوم فضلا عن اللزوم البين ~~، والذي يؤيد هذا هو أنه تعالى قال : { وفوق كل ذى علم عليم } ( يوسف : 76 ~~) فجعل غيره ذا علم ووصف نفسه بالفعل فبين ذي العلم والعليم فرق وكذلك بين ~~ذي القوة والقوي ، ويؤيده أيضا أنه تعالى قال : { فأخذهم الله إنه قوى شديد ~~العقاب } ( غافر : 22 ) وقال تعالى : { الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو ~~القوى العزيز } ( الشورى : 19 ) وقال تعالى : { لاغلبن أنا ورسلى إن الله ~~قوى عزيز } ( المجادلة : 21 ) لأن في هذه الصور كان المراد بيان القيام ~~بالأفعال العظيمة والمراد ههنا عدم الاحتياج ومن لا يحتاج إلى الغير يكفيه ~~من القوة قدر ما ، ومن يقوم مستبدا / بالفعل لا بد له من قوة عظيمة ، لأن ~~عدم الحاجة قد يكون بترك الفعل والاستغناء عنه ، ولو بين هذا البحث في معرض ~~الجواب عن سؤال ms8505 سائل عن الفرق بين قوله { ذو القوة } ههنا وبين قوله { قوى ~~} في تلك المواضع لكان أحسن ، فإن قيل فقد قال تعالى : { ليعلم الله من * ~~ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز } ( الحديد : 25 ) وفيه ما ذكرت من ~~المعنى وذلك لأن قوله { قوى } لبيان أنه غير محتاج إلى النصرة وإنما يريد ~~أن يعلم ليثيب الناصر ، لكن عدم الاحتياج إلى النصرة يكفي فيه قوة ما ، فلم ~~لم يقل إن الله ذو القوة ؟ نقول فيه إنه تعالى قال من ينصره ورسله ، ومعناه ~~أنه يغني رسله عن الحاجة ولا يطلب نصرتهم من خلقه ليعجزهم وإنما يطلبها ~~لثواب الناصرين لا لاحتياج المستنصرين وإلا فالله تعالى وعدهم بالنصر حيث ~~قال : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون } ( ~~الصافات : 171 ، 172 ) ولما ذكر الرسل قال قوي يكون ذلك تقوية تقارب رسله ~~المؤمنين ، وتسلية لصدورهم وصدور المؤمنين . # البحث الثاني : قال : { المتين } وذلك لأن { ذو القوة } كما بينا لا يدل ~~إلا على أن له قوة ما فزاد في الوصف بيانا وهو الذي له ثبات لا يتزلزل وهو ~~مع المتين من باب واحد لفظا ومعنى فإن متن الشيء هو أصله الذي عليه ثباته ، ~~والمتن هو الظهر الذي عليه أساس البدن ، والمتانة مع القوة كالعزة مع القوة ~~حيث ذكر الله تعالى في مواضع ذكر القوة والعزة فقال : { قوى عزيز } ( ~~الحديد : 25 ) وقال { القوى العزيز } ( هود : 66 ) . # وفيه لطيفة تؤيد ما ذكرنا من البحث في القوي وذي القوة ، وذلك لأن المتين ~~هو الثابت الذي لا يتزلزل والعزيز هو الغالب ، ففي المتين أنه لا يغلب ولا ~~يقهر ولا يهزم ، وفي العزيز أنه يغلب ويقهر ويزل الأقدام ، والعزة أكمل من ~~المتانة ، كما أن القوي أكمل من ذي القوة ، فقرن الأكمل بالأكمل وما دونه ~~بما دونه ، ولو نظرت حق النظر وتأملت حق التأمل لرأيت في كتاب الله تعالى ~~لطائف تنبهك على عناد المنكرين وقبح إنكار المعاندين . # ! 7 < { فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون * فويل ~~للذين كفروا من يومهم الذى يوعدون } . > 7 ms8506 @QB@ < # | الذاريات : ( 59 ) فإن للذين ظلموا . . . . . # > > PageV28P203 # وهو مناسب لما قبله وذلك لأنه تعالى بين أن من يضع نفسه في موضع عبادة ~~غير الله يكون وضع الشيء في غير موضعه فيكون ظالما ، فقال إذا ثبت أن الإنس ~~مخلوقون للعبادة فإن الذين ظلموا بعبادة الغير لهم هلاك مثل هلاك من تقدم ، ~~وذلك لأن الشيء إذا خرج عن الانتفاع المطلوب منه ، لا يحفظ وإن كان في موضع ~~يخلي المكان عنه ، ألا ترى أن الدابة التي لا يبقى منتفعا بها بالموت أو ~~بمرض يخلي عنها الإصطبل ، والطعام الذي يتعفن يبدد ويفرغ منه الإناء ، ~~فكذلك الكافر / إذا ظلم ، ووضع نفسه في غير موضعه ، خرج عن الانتفاع فحسن ~~إخلاء المكان عنه وحق نزول الهلاك به ، وفي التفسير مسائل : # المسألة الأولى : فيما يتعلق به الفاء ، وقد ذكرنا لك في وجه التعلق . # المسألة الثانية : ما مناسبة الذنوب ؟ نقول العذاب مصبوب عليهم ، كأنه ~~قال تعالى نصب من فوق رؤوسهم ذنوبا كذنوب صب فوق رؤوس أولئك ، ووجه آخر وهو ~~أن العرب يستقون من الآبار على النوبة ذنوبا فذنوبا وذلك وقت عيشهم الطيب ، ~~فكأنه تعالى قال : { فإن للذين ظلموا } من الدنيا وطيباتها { ذنوبا } أي ~~ملاء ، ولا يكون لهم في الآخرة من نصيب ، كما كان عليه حال أصحابهم استقوا ~~ذبوبا وتركوها ، وعلى هذا فالذنوب ليس بعذاب ولا هلاك ، وإنما هو رغد العيش ~~وهو أليق بالعربية ، وقوله تعالى : { فلا يستعجلون } فإن الرزق ما لم يفرغ ~~لا يأتي الأجل . # ثم أعاد ما ذكر في أول السورة فقال : { فويل للذين كفروا من يومهم الذى ~~يوعدون } . # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . # PageV28P204 < # > 1 ( سورة الطور ) 1 < # > # أربعون وتسع آيات مكية # ! 7 < { والطور * وكتاب مسطور * فى رق منشور * والبيت المعمور * والسقف ~~المرفوع * والبحر المسجور } . > 7 ! # / < < # | الطور : ( 1 ) والطور # > > هذه السورة مناسبة للسورة المتقدمة من حيث الافتتاح بالقسم وبيان ~~الحشر فيهما ، وأول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها ، لأن في آخرها قوله ~~تعالى : { فويل للذين كفروا } ( الذاريات : 60 ) وهذه السورة ددفي أولها { ~~فويل ms8507 يومئذ للمكذبين } ( الطور : 11 ) وفي آخر تلك السورة قال : { فإن ~~للذين ظلموا ذنوبا } ( الذاريات : 59 ) إشارة إلى العذاب وقال هنا { إن ~~عذاب ربك لواقع } ( الطور : 7 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الطور ، وما الكتاب المسطور ؟ نقول فيه وجوه : الأول ~~: الطور هو جبل معروف كلم الله تعالى موسى عليه السلام الثاني : هو الجبل ~~الذي قال الله تعالى : { وطور سينين } ( التين : 2 ) الثالث : هو اسم الجنس ~~والمراد القسم بالجبل غير أن الطور الجبل العظيم كالطود ، وأما الكتاب ففيه ~~أيضا وجوه : أحدها : كتاب موسى عليه السلام ثانيها : الكتاب الذي في السماء ~~ثالثها : صحائف أعمال الخلق رابعها : القرآن وكيفما كان فهي في رقوق ، ~~وسنبين فائدة قوله تعالى : { فى رق منشور } وأما البيت المعمور ففيه وجوه : ~~الأول : هو بيت في السماء العليا عند العرش ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين ~~به من الملائكة الثاني : هو بيت الله الحرام وهو معمور بالحاج الطائفين به ~~العاكفين الثالث : البيت المعمور اللام فيه لتعريف الجنس كأنه يقسم بالبيوت ~~المعمورة والعمائر المشهورة ، والسقف المرفوع السماء ، والبحر المسجور ، ~~قيل الموقد يقال سجرت التنور ، وقيل هو البحر المملوء ماء المتموج ، وقيل ~~هو بحر معروف في السماء يسمى بحر الحيوان . PageV28P205 # المسألة الثانية : ما الحكمة في اختيار هذه الأشياء ؟ نقول هي تحتمل ~~وجوها : أحدها : إن الأماكن الثلاثة وهي : الطور ، والبيت المعمور ، والبحر ~~المسجور ، أماكن كانت لثلاثة أنبياء ينفردون فيها للخلوة بربهم والخلاص من ~~الخلق والخطاب مع الله ، أما الطور فانتقل إليه موسى / عليه السلام ، ~~والبيت محمد صلى الله عليه وسلم ، والبحر المسجور يونس عليه السلام ، والكل ~~خاطبوا الله هناك فقال موسى : { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هى إلا ~~فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء } ( الأعراف : 155 ) وقال : { أرنى ~~أنظر إليك } ( الأعراف : 143 ) وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على ~~نفسك ) وأما يونس فقال : { لا إلاه إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين } ( ~~الأنبياء : 87 ) فصارت الأماكن شريفة بهذه الأسباب ، فحلف ms8508 الله تعالى بها ، ~~وأما ذكر الكتاب فإن الأنبياء كان لهم في هذه الأماكن مع الله تعالى كلام ~~والكلام في الكتاب واقترانه بالطور أدل على ذلك ، لأن موسى عليه السلام كان ~~له مكتوب ينزل عليه وهو بالطور ، وأما ذكر السقف المرفوع ومعه البيت ~~المعمور ليعلم عظمة شأن محمد صلى الله عليه وسلم ثانيها : وهو أن القسم لما ~~كان على وقوع العذاب وعلى أنه لا دافع له ، وذلك لأن لا مهرب من عذاب الله ~~لأن من يريد دفع العذاب عن نفسه ، ففي بعض الأوقات يتحصن بمثل الجبال ~~الشاهقة التي ليس لها طرف وهي متضايقة بين أنه لا ينفع التحصن بها من أمر ~~الله تعالى كما قال ابن نوح عليه السلام { ساوى إلى جبل يعصمنى من الماء ~~قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } ( هود : 43 ) حكاية عن نوح ~~عليه السلام . # المسألة الثالثة : ما الحكمة في تنكير الكتاب وتعريف باقي الأشياء ؟ نقول ~~ما يحتمل الخفاء من الأمور الملتبسة بأمثالها من الأجناس يعرف باللام ، ~~فيقال رأيت الأمير ودخلت على الوزير ، فإذا بلغ الأمير الشهرة بحيث يؤمن ~~الالتباس مع شهرته ، ويريد الواصف وصفه بالعظمة ، يقول : اليوم رأيت أميرا ~~ما له نظير جالسا وعليه سيما الملوك وأنت تريد ذلك الأمير المعلوم ، والسبب ~~فيه أنك بالتنكير تشير إلى أنه خرج عن أن يعلم ويعرف بكنه عظمته ، فيكون ~~كقوله تعالى : { الحاقة * ما الحاقة * وما أدراك ما الحاقة } ( الحاقة : 1 ~~، 3 ) فاللام وإن كانت معرفة لكن أخرجها عن المعرفة كون شدة هولها غير ~~معروف ، فكذلك ههنا الطور ليس في الشهرة بحيث يؤمن اللبس عند التنكير ، ~~وكذلك البيت المعمور ، وأما الكتاب الكريم فقد تميز عن سائر الكتب ، بحيث ~~لا يسبق إلى أفهام السامعين من النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الكتاب إلا ~~ذلك ، فلما أمن اللبس وحصلت فائدة التعريف سواء ذكر باللام أو لم يذكر قصدا ~~للفائدة الأخرى وهي في الذكر بالتنكير ، وفي تلك الأشياء لما لم تحصل فائدة ~~التعريف إلا بآلة التعريف استعملها ، وهذا يؤيد كون ms8509 المراد منه القرآن ~~وكذلك اللوح المحفوظ مشهور . # المسألة الرابعة : ما الفائدة في قوله تعالى : { فى رق منشور } وعظمة ~~الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطه ورقه ؟ نقول هو إشارة إلى الوضوح ، وذلك لأن ~~الكتاب المطوي لا يعلم ما فيه فقال هو في رق منشور وليس كالكتب المطوية ~~وعلى هذا المراد اللوح المحفوظ فمعناه هو منشور لكم لا يمنعكم أحد من ~~مطالعته ، وإن قلنا بأن المراد كتاب أعمال كل أحد فالتنكير لعدم المعرفة ~~بعينه وفي رق منشور لبيان وصفه كما قال تعالى : { كتابا يلقاه منشورا } ( ~~الإسراء : 13 ) وذلك لأن غير المعروف إذا / وصف كان إلى المعرفة أقرب شبها ~~. # المسألة الخامسة : في بعض السور أقسم بجموع كما في قوله تعالى : { ~~والذريات } PageV28P206 وقوله { والمرسلات } وقوله { والنازعات } وفي بعضها ~~بأفراد كما في هذه السورة حيث قال : { والطور } ولم يقل والأطوار والبحار ، ~~ولا سيما إذا قلنا المراد من الطور الجبل العظيم كالطود ، كما في قوله ~~تعالى : { ورفعنا فوقهم الطور } ( النساء : 154 ) أي الجبل فما الحكمة فيه ~~؟ نقول في الجموع في أكثرها أقسم بالمتحركات والريح الواحدة ليست بثابتة ~~مستمرة حتى يقع القسم بها ، بل هي متبدلة بأفرادها مستمرة بأنواعها ~~والمقصود منها لا يحصل إلا بالتبدل والتغير فقال : { والذريات } إشارة إلى ~~النوع المستمر إلى الفرد المعين المستقر ، وأما الجبل فهو ثابت قليل التغير ~~والواحد من الجبال دائم زمانا ودهرا ، فأقسم في ذلك بالواحد وكذلك قوله { ~~والنجم } والريح ما علم القسم به وفي الطور علم . # ! 7 < { إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 7 ) إن عذاب ربك . . . . . # > > إشارة إلى المقسم عليه وفيه مباحث الأول : في حرف { ءان } وفيه ~~مقامات الأول : هي تنصب الاسم وترفع الخبر والسبب فيه هو أنها شبهت بالفعل ~~من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلكون الفتح لازما فيها واختصاصها ~~بالدخول على الأسماء والمنصوب منها على وزن إن أنينا ، وأما المعنى ، فنقول ~~اعلم أن الجملة الإثباتية قبل الجملة الانتفائية ، ولهذا استغنوا عن حرف ~~يدل على الإثبات ، فإذا قالوا زيد منطلق فهم منه إرادة إثبات الانطلاق ms8510 لزيد ~~، والانتفائية لما كانت بعد المثبتة زيد فيها حرف يغيرها عن الأصل وهو ~~الإثبات فقيل ليس زيد منطلقا ، فصار ليس زيد منطلقا بعد قول القائل زيد ~~منطلق ، ثم إن قول القائل إن زيدا منطلق مستنبط من قوله ليس زيد منطلقا ، ~~كأن الواضع لما وضع أولا زيد منطلق للاثبات وعند النفي يحتاج إلى ما يغيره ~~أتى بلفظ مغير وهو فعل من وجه لأنك قد تبقى مكانه ما النافية ولهذا قيل لست ~~وليسوا ، فألحق به ضمير الفاعل ، ولولا أنه فعل لما جاز ذلك ، ثم أراد أن ~~يضع في مقابلة ليس زيد منطلقا جملة إثباتية فيها لفظ الإثبات ، كما أن في ~~النافية لفظ النفي فقال إن ولم يقصد أن إن فعل لأن ليس يشبه بالفعل لما فيه ~~من معنى الفعل وهو التغيير ، فإنها غيرت الجملة من أصلها الذي هو الإثبات ~~وأما إن فلم تغيره فالجملة على ما كانت عليه إثباتية فصارت مشبهة بالمشبهة ~~بالفعل وهي ليس ، وهذا ما يقوله النحويون في إن وأن وكأن وليت ولعل إنها ~~حروف مشبهة بالأفعال إذا علمت هذا ، فنقول كما إن ليس لها اسم كالفاعل وخبر ~~كالمفعول ، تقول ليس زيد لئيما بالرفع والنصب كما تقول بات زيد كريما ، ~~فكذلك إن لها اسم وخبر ، لكن اسمها يخالف اسم ليس وخبرها خبرها فإن اسم إن ~~منصوب وخبرها مرفوع ، لأن إن لما كانت زيادة على خلاف الأصل لأنها لا تفيد ~~إلا الإثبات الذي كان مستفادا من غير حرف ، وليس لما كانت زيادة على الأصل ~~لأنها تغير الأصل / ولولاها لما حصل المقصود جعل المرفوع والمنصوب في ليس ~~على الأصل ، لأن الأصل تقديم الفاعل ، وفي إن جعل ذلك على خلاف الأصل وقدم ~~المشبه بالمفعول على المشبه بالفاعل تقديما لازما فلا يجوز أن يقال إن ~~منطلق زيدا وهو في ليس منطلقا زيد جائز كما في الفعل لأنها فعل . # المقام الثاني : هي لم تكسر تارة وتفتح أخرى ؟ نقول الأصل فيها الكسرة ~~والعارض وإن كان هذا في الظاهر يخالف قول النحاة لكن في الحقيقة هي كذلك ms8511 . ~~PageV28P207 # المقام الثالث : لم تدخل اللام على خبر إن المكسورة دون المفتوحة ؟ قلنا ~~قد خرج مما سبق أن قول القائل زيد منطلق أصل ، لأن المثبتات هي المحتاجة ~~إلى الإخبار عنها فإن التغير في ذلك ، وأما العدميات فعلى أصولها مستمرة ، ~~ولهذا يقال الأصل في الأشياء البقاء ثم إن السامع له قد يحتاج إلى الرد ~~عليه فيقول ليس زيد منطلقا فيقول هو إن زيدا منطلق فيقول هو ردا عليه ليس ~~زيد بمنطلق فيقول ردا عليه إن زيدا لمنطلق وأن ليست في مقابلة ليس وإنما هي ~~متفرعة عن المكسورة . # المبحث الثاني : قوله تعالى : { عذاب ربك } فيه لطيفة عزيزة وهي أنه ~~تعالى لو قال إن عذاب الله لواقع ، والله اسم منبىء عن العظمة والهيبة كان ~~يخاف المؤمن بل النبي صلى الله عليه وسلم من أن يلحقه ذلك لكونه تعالى ~~مستغنيا عن العالم بأسره ، فضلا عن واحد فيه فآمنه بقوله { ربك } فإنه حين ~~يسمع لفظ الرب يأمن . # المبحث الثالث : قوله { لواقع } فيه إشارة إلى الشدة ، فإن الواقع ~~والوقوع من باب واحد فالواقع أدل على الشدة من الكائن . ثم قال تعالى : { ~~ما له من دافع } والبحث فيه قد تقدم في قوله تعالى : { وما ربك بظلام ~~للعبيد } ( فصلت : 46 ) وقد ذكرنا أن قوله { والطور * والبيت المعمور * ~~والبحر المسجور } فيه دلالة على عدم الدافع فإن من يدفع عن نفسه عذابا قد ~~يدفع بالتحصن بقلل الجبال ولجج البحار ولا ينفع ذلك بل الوصول إلى السقف ~~المرفوع ودخول البيت المعمور لا يدفع . # ! 7 < { يوم تمور السمآء مورا * وتسير الجبال سيرا } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 9 ) يوم تمور السماء . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الناصب ليوم ؟ نقول المشهور أن ذلك هو الفعل الذي ~~يدل عليه واقع أي يقع العذاب { يوم تمور السماء مورا } والذي أظنه أنه هو ~~الفعل المدلول عليه بقوله { ما له من دافع } ( الطور : 8 ) وإنما قلت ذلك ~~لأن العذاب الواقع على هذا ينبغي أن يقع في ذلك اليوم ، لكن العذاب الذي به ~~التخويف هو الذي بعد الحشر ، ومور السماء قبل الحشر ms8512 ، وأما إذا قلنا معناه ~~{ ليس له دافع } يوم تمور فيكون في معنى قوله { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا } ( غافر : 85 ) كأنه تعالى يقول : ما له من دافع في ذلك اليوم ~~وهو ما إذا صارت السماء تمور في أعينكم والجبال تسير ، وتتحققون أن الأمر ~~لا ينفع شيئا ولا يدفع . # / المسألة الثانية : ما مور السماء ؟ نقول خروجها عن مكانها تتردد وتموج ~~، والذي تقوله الفلاسفة قد علمت ضعفه مرارا وقوله تعالى : { وتسير الجبال ~~سيرا } يدل على خلاف قولهم ، وذلك لأنهم وفقوا على أن خروج الجبل العظيم من ~~مكانه جائز وكيف لا وهم يقولون بأن زلزلة الأرض مع ما فيها من الجبال ببخار ~~يجتمع تحت الأرض فيحركها ، وإذا كان كذلك فنقول السماء قابلة للحركة ~~بإخراجها خارجة عن السمتيات والجبل ساكن يقتضي طبعه السكون ، وإذا قبل جسم ~~الحركة مع أنها على خلاف طبعه ، فلأن يقبلها جرم آخر مع أنها على موافقته ~~أولى ، وقولهم القابل للحركة المستديرة لا يقبل الحركة المستقيمة في غاية ~~الضعف ، وقوله { مورا } يفيد فائدة جليلة وهي أن قوله تعالى : { وتسير ~~الجبال } يحتمل أن يكون بيانا لكيفية مور السماء ، وذلك لأن الجبال إذا ~~سارت وسيرت معها سكانها يظهر أن السماء كالسيارة إلى خلاف تلك الجهة كما ~~يشاهده راكب السفينة فإنه يرى الجبل الساكن متحركا ، فكان لقائل أن يقول ~~السماء تمور في رأي العين PageV28P208 بسبب سير الجبال كما يرى القمر سائرا ~~راكب السفينة ، والسماء إذا مارت كذلك فلا يبقى مهرب ولا مفزع لا في السماء ~~ولا في الأرض . # المسألة الثالثة : ما السبب في مورها وسيرها ؟ قلنا قدرة الله تعالى ، ~~وأما الحكمة فالإيذان والإعلام بأن لا عود إلى الدنيا ، وذلك لأن الأرض ~~والجبال والسماء والنجوم كلها لعمارة الدنيا والانتفاع لبني آدم بها ، فإن ~~لم يتفق لهم عود لم يبق فيها نفع فأعدمها الله تعالى . # المسألة الرابعة : لو قال قائل كنت وعدت ببحث في الزمان يستفيد العاقل ~~منه فوائد في اللفظ والمعنى وهذا موضعه ، فإن الفعل لا يضاف إليه شيء غير ~~الزمان فيقال يوم ms8513 يخرج فلان وحين يدخل فلان ، وقال الله تعالى : { يوم ينفع ~~الصادقين } ( المائدة : 119 ) وقال : { ويوم * تمور السماء } وقال : { يوم ~~خلق * السماوات والارض } ( التوبة : 36 ) وكذلك يضاف إلى الجملة فما السبب ~~في ذلك ؟ # فنقول الزمان ظرف الأفعال كما أن المكان ظرف الأعيان ، وكما أن جوهرا من ~~الجواهر لا يوجد إلا في مكان ، فكذلك عرض من الأعراض لا يتجدد إلا في زمان ~~، وفيهما تحير خلق عظيم ، فقالوا إن كان المكان جوهرا فله مكان آخر ويتسلسل ~~الأمر ، وإن كان عرضا فالعرض لا بد له من جوهر ، والجوهر لا بد له من مكان ~~فيدور الأمر أو يتسلسل ، وإن لم يكن جوهرا ولا عرضا ، فالجوهر يكون حاصلا ~~فيما لا وجود له أو فيما لا إشارة إليه ، وليس كذلك ، وقالوا في الزمان إن ~~كان الزمان غير متجدد فيكون كالأمور المستمرة فلا يثبت فيه المضي ~~والاستقبال / وإن كان متجددا وكل متجدد فهو في زمان ، فللزمان زمان آخر ~~فيتسلسل الأمر ، ثم إن الفلاسفة التزموا التسلسل في الأزمنة ، ووقعوا بسبب ~~هذا في القول بقدم العالم ولم يلتزموا التسلسل في الأمكنة وفرقوا بينهما من ~~غير فارق وقوم التزموا التسلسل فيهما جميعا ، وقالوا بالقدم وأزمان لا ~~نهاية لها وبالامتداد وأبعاد لا نهاية لها ، وهم وإن خالفونا في المسألتين ~~جميعا والفلاسفة وافقونا في إحداهما دون / الأخرى لكنهم سلكوا جادة الوهم ~~ولم يتركوا على أنفسهم سبيل الإلتزام في الأزمان ، فإن قيل فالمتجدد الأول ~~قبله ماذا ؟ نقول ليس قبله شيء ، فإن قيل فعدمه قبله أو قبله عدمه ؟ نقول ~~قولنا ليس قبله شيء أعم من قولك قبله عدمه ، لأنا إذا قلنا ليس قبل آدم ~~حيوان بألف رأس ، صدقنا ولا يستلزم ذلك صدق قولنا آدم قبل حيوان بألف رأس ~~أو حيوان بألف رأس بعد آدم ، لانتفاء ذلك الحيوان أولا وآخرا وعدم دخوله في ~~الوجود أزلا وأبدا ، فكذلك ما قلنا ، فإن قيل هذا لا يصح ، لأن الله تعالى ~~شيء موجود وهو قبل العالم ، نقول قولنا ليس قبل المتجدد الأول شيء معناه ~~ليس قبله شيء بالزمان ، وأما الله ms8514 تعالى فليس قبله بالزمان إذ كان الله ولا ~~زمان ، والزمان وجد مع المتجدد الأول ، فإن قيل فما معنى وجود الله قبل كل ~~شيء غيره ؟ نقول معناه كان الله ولم يكن شيء غيره لا يقال ما ذكرتم إثبات ~~شيء بشيء ولا يثبت ذلك الشيء إلا بما ترومون إثباته ، فإن بداية الزمان ~~غرضكم وهو مبني على المتجدد الأول والنزاع في المتجدد ، فإن عند الخصم ليس ~~في الوجود متجدد أول بل قبل كل متجدد ، لأنا نقول نحن ما ذكرنا ذلك دليلا ، ~~وإنما ذكرناه بيانا لعدم الإلزام ، وأنه لا يرد علينا شيء إذا قلنا بالحدوث ~~ونهاية الأبعاد واللزم والإلزام ، فيسلم الكلام الأول ، ثم يلزم ويقول : ~~ألست تقول إن لنا متجددا أولا فكذلك قل له عدم ، فنقول لا بل ليس قبله أمر ~~بالزمان ، فيكون ذلك نفيا عاما ، وإنما يكون ذلك لانتفاء الزمان ، كما ~~ذكرنا في المثال ، إذا علمت هذا فصار الزمان تارة موجودا مع عرض وأخرى ~~موجودا PageV28P209 بعد عرض ، لأن يومنا هذا وغيره من الأيام كلها صارت ~~متميزة بالمتجدد الأول ، والمتجدد الأول له زمان هو معه ، إذا عرفت أن ~~الزمان والمكان أمرهما مشكل بالنسبة إلى بعض الأفهام والأمر الخفي يعرف ~~بالوصف والإضافة ، فإنك إذا قلت غلام لم يعرف ، فإذا وصفته أو أضفته وقلت ~~غلام صغير أو كبير ، وأبيض أو أسود قرب من الفهم ، وكذلك إذا قلت غلام زيد ~~قرب ، ولم يكن بد من معرفة الزمان ، ولا يعرف الشيء إلا بما يختص به ، فإنك ~~إذا قلت في الإنسان حيوان موجود بعدته عن الفهم ، وإذا قلت حيوان طويل ~~القامة قربته منه ، ففي الزمان كان يجب أن يعرف بما يختص به لأن الفعل ~~الماضي والمستقبل والحال يختص بأزمنة ، والمصدر له زمان مطلق ، فلو قلت ~~زمان الخروج تميز عن زمان الدخول وغيره ، فإذا قلت يوم خرج أفاد ما أفاد ~~قولك يوم الخروج مع زيادة هو أنه تميز عن يوم يخرج والإضافة إلى ما هو أشد ~~تمييزا أولى ، كما أنك إذا قلت غلام رجل ميزته عن غلام امرأة ، وإذا قلت ms8515 ~~غلام زيد زدت عليه في الإفادة وكان أحسن ، كذلك قولنا يوم خرج لتعريف ذلك ~~اليوم خير من قولك يوم الخروج ، فظهر من هذا البحث أن الزمان يضاف إلى ~~الفعل وغيره لا يضاف لاختصاص الفعل بالزمان دون غيره إلا المكان في قوله ~~اجلس حيث يجلس ، فإن حيث يضاف إلى الجمل لمشابهة ظرف المكان لظرف الزمان ، ~~وأما الجمل فهي إنما يصح بواسطة تضمنها الفعل ، فلا يقال يوم زيد أخوك ، ~~ويقال يوم زيد فيه خارج . # / ومن جملة الفوائد اللفظية أن لات يختص استعمالها بالزمان قال الله ~~تعالى : { ولات حين مناص } ( ص: 3 ) ولا يقال لات الرجل سوء / وذلك لأن ~~الزمان تجدد بعد تجدد ولا يبقى بعد الفناء حياة أخرى وبعد كل حركة حركة ~~أخرى وبعد كل زمان زمان وإليه الإشارة بقوله تعالى : { كل يوم هو فى شأن } ~~( الرحمن : 29 ) أي قبل الخلق لم يخلق شيئا ، لكنه يعد ما خلق فهو أبدا ~~دائما يخلق شيئا بعد شيء فبعد حياتنا موت وبعد موتنا حياة وبعد حياتنا حساب ~~وبعد الحساب ثواب دائم أو عقاب لازم ولا يترك الله الفعل فلما بعد الزمان ~~عن النفي زيد في الحروف النافية زيادة ، فإن قيل فالله تعالى أبعد عن ~~الانتفاء فكان ينبغي أن لا تقرب التاء بكلمة لا هناك ، نقول { لأت * حين ~~مناص } تأويل وعليه لا يرد ما ذكرتم وهو أن لا هي المشبهة بليس تقديره ليس ~~الحين حين مناص ، وهو المشهور ، ولذلك اختص بالحين دون اليوم والليل لأن ~~الحين أدوم من الليل والنهار فالليل والنهار قد لا يكون والحين يكون . # ! 7 < { فويل يومئذ للمكذبين * الذين هم فى خوض يلعبون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 11 ) فويل يومئذ للمكذبين # > > أي إذا علم أن عذاب الله واقع وأنه ليس له دافع فويل إذا للمكذبين ، ~~فالفاء لاتصال المعنى ، وهو الإيذان بأمان أهل الإيمان ، وذلك لأنه لما قال ~~: { إن عذاب ربك لواقع } ( الطور : 7 ) لم يبين بأن موقعه بمن ، فلما قال : ~~{ فويل يومئذ للمكذبين } علم المخصوص به وهو المكذب ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إذا قلت بأن ms8516 قوله { ويل يومئذ للمكذبين } بيان لمن يقع ~~به العذاب وينزل عليه فمن لا يكذب لا يعذب ، فأهل الكبائر لا يعذبون لأنهم ~~لا يكذبون ، نقول ذلك العذاب لا يقع على أهل الكبائر وهذا كما في قوله ~~تعالى : { كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد ~~جاءنا نذير فكذبنا } PageV28P210 ( الملك : 8 ، 9 ) فنقول المؤمن لا يلقى ~~فيها إلقاء بهوان ، وإنما يدخل فيها ليظهر إدخال مع نوع إكرام ، فكذلك ~~الويل للمكذبين ، والويل ينبىء عن الشدة وتركيب حروف الواو والياء واللام ~~لا ينفك عن نوع شدة ، منه لوى إذا دفع ولوى يلوي إذا كان قويا والولي فيه ~~القوة على المولى عليه ، ويدل عليه قوله تعالى : { يدعون } ( الطور : 13 ) ~~فإن المكذب يدع والمصدق لا يدع ، وقد ذكرنا جواز التنكير في قوله { ويل } ~~مع كونه مبتدأ لأنه في تقدير المنصوب لأنه دعاء ومضى ، وجهه في قوله تعالى ~~: { قال سلام } ( الذاريات : 25 ) والخوض نفسه خص في استعمال القرآن ~~بالاندفاع في الأباطيل ، ولهذا قال تعالى : { وخضتم كالذي خاضوا } ( التوبة ~~: 69 ) وقال تعالى : { وكنا نخوض مع الخائضين } ( المدثر : 45 ) وتنكير ~~الخوض يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون للتكثير أي في خوض كامل عظيم ثانيهما : ~~أن يكون التنوين تعويضا عن المضاف إليه ، كما في قوله تعالى : { إلا } ( ~~التوبة : 8 ) وقوله { وإن كلا } ( هود : 111 ) و { بعضهم ببعض } ( البقرة : ~~251 ) . والأصل في خوضهم المعروف منهم وقوله { الذين هم فى خوض } ليس وصفا ~~للمكذبين بما يميزهم ، وإنما هو للذم كما أنك تقول الشيطان الرجيم / ولا ~~تريد فصله عن الشيطان الذي ليس برجيم بخلاف قولك أكرم الرجل العالم ، ~~فالوصف بالرجيم للذم به لا للتعريف وتقول في المدح : الله الذي خلق ، والله ~~العظيم للمدح لا للتمييز ولا للتعريف عن إلاه لم يخلق أو إلاه ليس بعظيم ، ~~فإن الله واحد لا غير . # ! 7 < { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 13 ) يوم يدعون إلى . . . . . # > > فيه مباحث لفظية ومعنوية . أما اللفظية ففيها مسائل : # المسألة الأولى : يوم منصوب بماذا ؟ نقول الظاهر أنه منصوب ms8517 بما بعده وهو ~~ما يدل عليه قوله تعالى : { هاذه النار } ( الطور : 14 ) تقديره يوم يدعون ~~يقال لهم هذه النار التي كنتم بها تكذبون ، ويحتمل غير هذا وهو أن يكون يوم ~~بدلا عن يوم في يومئذ تقريره فويل يومئذ للمكذبين ويوم يوعدون أي المكذبون ~~وذلك أن قوله { يومئذ } ( الطور : 11 ) معناه يوم يقع العذاب وذلك اليوم هو ~~يوم يوعدون فيه إلى النار . # المسألة الثانية : قوله { يدعون إلى النار } يدل على هول نار جهنم ، لأن ~~خزنتها لا يقربون منها وإنما يدفعون أهلها إليها من بعيد ويلقونهم فيها وهم ~~لا يقربونها . # المسألة الثالثة : { دعا } مصدر ، وقد ذكرت فائدة ذكر المصادر وهي ~~الإيذان بأن الدع دع معتبر يقال له دع ولا يقال فيه ليس بدع ، كما يقول ~~القائل في الضرب الخفيف مستحقرا له : هذا ليس بضرب والعدو المهين : هذا ليس ~~بعدو في غير المصادر ، والرجل الحقير ليس برجل إلا على قراءة من قرأ { ~~يدعون إلى نار جهنم * دعاء } فإن دعاء حينئذ يكون منصوبا على الحال تقديره ~~يقال لهم هلموا إلى النار مدعوين إليها . # أما المعنوية فنقول قوله تعالى : { يوم يدعون إلى نار جهنم } يدل على أن ~~خزنتها يقذفونهم فيها وهم بعداء عنها ، وقال تعالى : { يوم يسحبون فى النار ~~} ( القمر : 48 ) نقول الجواب عنه من وجوه أحدها : أن الملائكة يسحبونهم في ~~النار ثم إذا قربوا من نار مخصوصة هي نار جهنم يقذفونهم فيها من بعيد فيكون ~~السحب في النار والدفع في نار أشد وأقوى ، ويدل عليه قوله تعالى : { يسحبون ~~فى * الحميم ثم فى النار يسجرون } PageV28P211 ( غافر : 71 ، 72 ) أي يكون ~~لهم سحب في حموة النار ثم بعد ذلك يكون لهم إدخال الثاني : جاز أن يكون في ~~كل زمان يتولى أمرهم ملائكة ، فإلى النار يدفعهم ملك وفي النار يسحبهم آخر ~~. # الثالث : جاز أن يكون السحب بسلاسل يسحبون في النار والساحب خارج النار . # الرابع : يحتمل أن يكون الملائكة يدفعون أهل النار إلى النار إهانة ~~واستخفافا بهم ، ثم يدخلون معهم النار ويسحبونهم فيها . # ! 7 < { هاذه النار التى كنتم ms8518 بها تكذبون } . > 7 @QB@ < # | الطور : ( 14 ) هذه النار التي . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { هاذه النار التى كنتم بها * تكذبون } على تقدير قال . # ! 7 < { أفسحر هاذا أم أنتم لا تبصرون } . > 7 ! # / ثم قال تعالى : { أفسحر هاذا أم أنتم لا تبصرون } < < # | الطور : ( 15 ) أفسحر هذا أم . . . . . # > > تحقيقا للأمر ، وذلك لأن من يرى شيئا ولا يكون الأمر على ما يراه ، ~~فذلك الخطأ يكون لأجل أحد أمرين إما لأمر عائد إلى المرئي وإما لأمر عائد ~~إلى الرائي فقوله { أفسحر هاذا } أي هل في المرئي شك أم هل في بصركم خلل ؟ ~~استفهام إنكار ، أي لا واحد منها ثابت ، فالذي ترونه حق وقد كنتم تقولون ~~إنه ليس بحق ، وإنما قال : { أفسحر } وذلك أنهم كانوا ينسبون المرئيات إلى ~~السحر فكانوا يقولون بأن انشقاق لقمر وأمثاله سحر وفي ذلك اليوم لما تعلق ~~بهم مع البصر الألم المدرك بحس اللمس وبلغ الإيلام الغاية لم يمكنهم أن ~~يقولوا هذا سحر ، وإلا لما صح منهم طلب الخلاص من النار . # ! 7 < { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سوآء عليكم إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما ~~كنتم تعملون } < < # | الطور : ( 16 ) اصلوها فاصبروا أو . . . . . # > > أي إذا لم يمكنكم إنكارها وتحقق أنه ليس بسحر ولا خلل في أبصاركم ~~فاصلوها . وقوله تعالى : { فاصبروا أو لا تصبروا } فيه فائدتان إحداهما : ~~بيان عدم الخلاص وانتفاء المناص فإن من لا يصبر يدفع الشيء عن نفسه إما بأن ~~يدفع المعذب فيمنعه وإما بأن يغضبه فيقتله ويريحه ولا شيء من ذلك يفيد في ~~عذاب الآخرة فإن من لا يغلب المعذب فيدفعه ولا يتلخص بالإعدام فإنه لا يقضي ~~عليه فيموت ، فإذن الصبر كعدمه ، لأن من يصبر يدوم فيه ، ومن لا يصبر يدوم ~~فيه الثانية : بيان ما يتفاوت به عذاب الآخرة عن عذاب الدنيا ، فإن المعذب ~~في الدنيا إن صبر ربما انتفع بالصبر إما بالجزاء في الآخرة ، وإما بالحمد ~~في الدنيا ، فيقال له ما أشجعه وما أقوى قلبه ، وإن جزع يذم ، فيقال يجزع ms8519 ~~كالصبيان والنسوان ، وأما في الآخرة لا مدح ولا ثواب على الصبر ، وقوله ~~تعالى : { سواء عليكم } { سوآء } خبر ، ومبتدأه مدلول عليه بقوله { فاصبروا ~~أو لا تصبروا } كأنه يقول : الصبر وعدمه سواء ، فإن قيل يلزم الزيادة في ~~التعذيب ، ويلزم التعذيب على المنوي الذي لم يفعله ، نقول فيه لطيفة ، وهي ~~أن المؤمن بإيمانه استفاد أن الخير الذي ينويه يثاب عليه ، والشر الذي ~~ينويه ولا يحققه لا يعاقب عليه ، والكافر بكفره صار على الضد ، فالخير الذي ~~ينويه ولا يعمله لا يثاب عليه ، والشر الذي يقصده ولا يقع منه يعاقب عليه ~~ولا ظلم ، فإن الله تعالى أخبره به ، وهو اختار ذلك ودخل فيه باختياره ، ~~كأن الله تعالى قال : فإن من كفر ومات كافرا أعذبه أبدا فاحذروا ، ومن آمن ~~أثيبه دائما ، فمن ارتكب الكفر ودام عليه بعد ما PageV28P212 سمع ذلك ، ~~فإذا عاقبه المعاقب دائما تحقيقا لما أوعده به لا يكون ظالما . # ! 7 < { إن المتقين فى جنات ونعيم } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { إن المتقين فى جنات ونعيم } < < # | الطور : ( 17 ) إن المتقين في . . . . . # > > على ما هو عادة القرآن من بيان حال المؤمن / بعد بيان حال الكافر ، ~~وذكر الثواب عقيب ذكر العقاب ليتم أمر الترهيب والترغيب ، وقد ذكرنا تفسير ~~المتقين في مواضع ، والجنة وإن كانت موضع السرور ، لكن الناطور قد يكون في ~~البستان الذي هو غاية الطيبة وهو غير متنعم ، فقوله { ونعيم } يفيد أنهم ~~فيها يتنعمون ، كما يكون المتفرج لا كما يكون الناطور . # ! 7 < { فاكهين بمآ ءاتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } . > 7 @QB@ < # | الطور : ( 18 ) فاكهين بما آتاهم . . . . . # > > # وقوله { فاكهين } يزيد في ذلك لأن المتنعم قد يكون آثار التنعم على ظاهره ~~وقلبه مشغول ، فلما قال : { فاكهين } يدل على غاية الطيبة ، وقوله { بما ~~ءاتاهم ربهم } يفيد زيادة في ذلك ، لأن الفكه قد يكون خسيس النفس فيسره ~~أدنى شيء ، ويفرح بأقل سبب ، فقال : { فاكهين } لا لدنو هممهم بل لعلو ~~نعمهم حيث هي من عند ربهم . # وقوله تعالى : { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون ~~المراد أنهم فاكهون بأمرين أحدهما ms8520 : بما آتاهم ، والثاني : بأنه وقاهم ~~وثانيهما : أن يكون ذلك جملة أخرى منسوقة على الجملة الأولى ، كأنه بين أنه ~~أدخلهم جنات ونعيما ووقاهم عذاب الجحيم . # ! 7 < { كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون * متكئين على سرر مصفوفة ~~وزوجناهم بحور عين } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 19 ) كلوا واشربوا هنيئا . . . . . # > > فيه بيان أسباب التنعيم على الترتيب ، فأول ما يكون المسكن وهو ~~الجنات ثم الأكل والشرب ، ثم الفرش والبسط ثم الأزواج ، فهذه أمور أربعة ~~ذكرها الله على الترتيب ، وذكر في كل واحد منها ما يدل على كماله قوله { ~~جنات } إشارة إلى المسكن والمسكن للجسم ضروري وهو المكان ، فقال : { فاكهين ~~} لأن مكان التنعيم قد ينتغص بأمور وبين سبب الفكاهة وعلو المرتبة يكون مما ~~آتاهم الله ، وقد ذكرنا هذا ، وأما في الأكل والشرب والإذن المطلق فترك ذكر ~~المأكول والمشروب لتنوعهما وكثرتهما ، وقوله تعالى : { هنيئا } إشارة إلى ~~خلوهما عما يكون فيها من المفاسد في الدنيا ، منها أن الآكل يخاف من المرض ~~فلا يهنأ له الطعام ، ومنها أنه يخاف النفاد فلا يسخو بالأكل والكل منتف في ~~الجنة فلا مرض ولا انقطاع ، فإن كل أحد عنده ما يفضل عنه ، ولا إثم ولا تعب ~~في تحصيله ، فإن الإنسان في الدنيا ربما يترك لذة الأكل لما فيه من تهيئة ~~المأكول بالطبخ والتحصيل من التعب أو المنة أو ما فيه من قضاء الحاجة ~~واستقذار ما فيه ، فلا يتهنأ ، وكل ذلك في الجنة منتف . وقوله تعالى : { ~~بما كنتم تعملون } إشارة إلى أنه تعالى يقول / أي مع أني ربكم وخالقكم ~~وأدخلتكم بفضلي الجنة ، وإنما منتي عليكم في الدنيا إذ هديتكم ووفقتكم ~~للأعمال الصالحة كما قال تعالى : { بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان } ( ~~الحجرات : 17 ) . وأما اليوم فلا من عليكم لأن هذا إنجاز الوعد فإن قيل قال ~~في حق الكفار { إنما تجزون ما كنتم تعملون } ( التحريم : 7 ) وقال في حق ~~المؤمنين { بما كنتم تعملون } فهل بينهما فرق ؟ قلت بينهما بون عظيم من ~~وجوه PageV28P213 الأول : كلمة { إنما } للحصر أي لا تجزون إلا ذلك ، ولم ~~يذكر هذا في حق ms8521 المؤمن فإنه يجزيه أضعاف ما عمل ويزيده من فضله ، وحينئذ إن ~~كان يمن الله على عبده فيمن بذلك لا بالأكل والشرب الثاني : قال هنا { بما ~~كنتم } وقال هناك { ما كنتم } أي تجزون عين أعمالكم إشارة إلى المبالغة في ~~المماثلة كما تقول هذا عين ما عملت وقد تقدم بيان هذا وقال في حق المؤمن { ~~بما كنتم } كأن ذلك أمر ثابت مستمر بعملكم هذا الثالث : ذكر الجزاء هناك ~~وقال ههنا { بما كنتم تعملون } لأن الجزاء ينبىء عن الانقطاع فإن من أحسن ~~إلى أحد فأتى بجزائه لا يتوقع المحسن منه شيئا آخر . فإن قيل فالله تعالى ~~قال في مواضع { جزاء بما كانوا يعملون } ( الأحقاف : 14 ) في الثواب ، نقول ~~في تلك المواضع لما لم يخاطب المجزي لم يقل تجزى وإنما أتى بما يفيد العالم ~~بالدوام وعدم الانقطاع . وأما في السرر فذكر أمورا أيضا أحدها : الاتكاء ~~فإنه هيئة تختص بالمنعم ، والفارغ الذي لا كلفة عليه ولا تكلف لديه فإن من ~~يكون عنده من يتكلف له يجلس له ولا يتكىء عنده ، ومن يكون في مهم لا يتفرغ ~~للاتكاء فالهيئة دليل خير . ثم الجمع يحتمل أمرين أحدهما : أن يكون لكل ~~واحد سرر وهو الظاهر لأن قوله { مصفوفة } يدل على أنها لواحد لأن سرر الكل ~~لا تكون في موضع واحد مصطفة ولفظ السرير فيه حروف السرور بخلاف التخت وغيره ~~، وقوله { مصفوفة } دليل على أنه لمجرد العظم فإنها لو كات متفرقة لقيل في ~~كل موضع واحد ليتكىء عليه صاحبه إذا حضر في هذا الموضع ، وقوله تعالى : { ~~وزوجناهم } إشارة إلى النعمة الرابعة وفيها أيضا ما يدل على كمال الحال من ~~وجوه أحدها : أنه تعالى هو المزوج وهو يتولى الطرفين يزوج عباده بأمانه ومن ~~يكون كذلك لا يفعل إلا ما فيه راحة العباد والإماء ثانيها : قال : { ~~وزوجناهم بحور } ولم يقل وزوجناهم حورا مع أن لفظة التزويج يتعدى فعله إلى ~~مفعولين بغير حرف يقال زوجتكها قال تعالى : { فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها } ( الأحزاب : 37 ) وذلك إشارة إلى أن المنفعة في التزويج ms8522 لهم ~~وإنما زوجوا للذتهم بالحور لا للذة الحور بهم وذلك لأن المفعول بغير حرف ~~يعلق الفعل به كذلك التزويج تعلق بهم ثم بالحور ، لأن ذلك بمعنى جعلنا ~~ازدواجهم بهذا الطريق وهو الحور ثالثها : عدم الاقتصار على الزوجات بل ~~وصفهن بالحسن واختار الأحسن من الأحسن ، فإن أحسن ما في صورة الآدمي وجهه ~~وأحسن ما في الوجه العين ، ولأن الحور والعين يدلان على حسن المزاج في ~~الأعضاء ووفرة المادة في الأرواح ، أما حسن المزاج فعلامته الحور ، وأما ~~وفرة الروح فإن سعة العين بسبب كثرة الروح المصوبة إليها ، فإن قيل قوله { ~~* زوجناهم } ذكره بفعل ماض و { تكذبان متكئين } حال ولم يسبق ذكر فعل ماض / ~~يعطف عليه ذلك وعطف الماضي على الماضي والمستقبل على المستقبل أحسن ، نقول ~~الجواب من وجوه اثنان لفظيان ومعنوي أحدها : أن ذلك حسن في كثير من المواضع ~~، تقول جاء زيد ويجيء عمرا وخرج زيد ثانيها : أن قوله تعالى : { إن المتقين ~~فى جنات ونعيم } تقديره أدخلناهم في جنات ، وذلك لأن الكلام على تقدير أن ~~في اليوم الذي يدع الكافر في النار في ذلك الوقت يكون المؤمن قد أدخل مكانه ~~، فكأنه تعالى يقول في يوم يدعون إلى نار جهنم إن المتقين كائنون في جنات ~~والثالث : المعنوي وهو أنه تعالى ذكر مجزاة الحكم ، فهو في هذا اليوم زوج ~~عباده حورا عينا ، وهن منتظرات الزفاف يوم الآزفة . # PageV28P214 < < # | الطور : ( 21 ) والذين آمنوا واتبعتهم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم } وفيه لطائف الأولى : أن شفقة الأبوة كما هي في الدنيا متوفرة كذلك ~~في الآخرة ، ولهذا طيب الله تعالى قلوب عباده بأنه لا يولههم بأولادهم بل ~~يجمع بينهم ، فإن قيل قد ذكرت في تفسير بعض الآيات أن الله تعالى يسلي ~~الآباء عن الأبناء وبالعكس ، ولا يتذكر الأب الذي هو من أهل الجنة الابن ~~الذي هو من أهل النار ، نقول الولد الصغير وجد في والده الأبوة الحسنة ولم ~~يوجد لها معارض ولهذا ألحق الله الولد بالوالد في الإسلام في دار الدنيا ~~عند الصغر ms8523 وإذا كبر استقل ، فإن كفر ينسب إلى غير أبيه ، وذلك لأن الإسلام ~~للمسلمين كالأب ولهذا قال تعالى : { إنما المؤمنون إخوة } ( الحجرات : 10 ) ~~جمع أخ بمعنى أخوة الولادة والإخوان جمعه بمعنى أخوة الصداقة والمحبة فإذن ~~الكفر من حيث الحس والعرف أب ، فإن خالف دينه دين أبيه صار له من حيث الشرع ~~أب آخر ، وفيه أرشاد الآباء إلى أن لا يشغلهم شيء عن الشفقة على الولد ~~فيكون من القبيح الفاحش أن يشتغل الإنسان بالتفرج في البستان مع الأحبة ~~الإخوان وعن تحصيل قوت الولدان ، وكيف لا يشتغل أهل الجنة بما في الجنة من ~~الحور العين عن أولادهم حتى ذكروهم فأراح الله قلوبهم بقوله { ألحقنا بهم } ~~وإذا كان كذلك فما ظنك بالفاسق الذي يبذر ماله في الحرام ويترك أولاده ~~يتكففون وجوه اللئام والكرام ، نعوذ بالله منه وهذا يدل على أن من يورث ~~أولاده مالا حلالا يكتب له به صدقة ، ولهذا لم يجوز للمريض التصرف في أكثر ~~من الثلث . # اللطيفة الثانية : قوله تعالى : { ءامنوا واتبعتهم ذريتهم } فهذا ينبغي ~~أن يكون دليلا على أنا في الآخرة نلحق بهم لأن في دار الدنيا مراعاة ~~الأسباب أكثر . ولهذا لم يجر الله عادته على أن يقدم بين يدي الإنسان طعاما ~~من السماء ، فما يتسبب له بالزراعة والطحن والعجن لا يأكله ، وفي الآخرة / ~~يؤتيه ذلك من غير سعي جزاء له على ما سعى له من قبل فينبغي أن يجعل ذلك ~~دليلا ظاهرا على أن الله تعالى يلحق به ولده وإن لم يعمل عملا صالحا كما ~~أتبعه ، وإن لم يشهد ولم يعتقد شيئا . # اللطيفة الثالثة : في قوله تعالى : { بإيمان } فإن الله تعالى أتبع الولد ~~الوالدين في الإيمان ولم يتبعه أباه في الكفر بدليل أن من أسلم من الكفار ~~حكم بإسلام أولاده ، ومن ارتد من المسلمين والعياذ بالله لا يحكم بكفر ولده ~~. # اللطيفة الرابعة : قال في الدنيا { * اتبعناهم } وقال في الآخرة { بإيمان ~~ألحقنا بهم } وذلك لأن في الدنيا لا يدرك الصغير التبع مساوات المتبوع ، ~~وإنما يكون هو تبعا والأب أصلا لفضل الساعي ms8524 على غير الساعي ، وأما في ~~الآخرة فإذا ألحق الله بفضله ولده به جعل له من الدرجة مثل ما لأبيه . ~~PageV28P215 # اللطيفة الخامسة : في قوله تعالى : { وما ألتناهم } تطييب لقلبهم وإزالة ~~وهم المتوهم أن ثواب عمل الأب يوزع على الوالد والولد بل للوالد أجر عمله ~~بفضل السعي ولأولاده مثل ذلك فضلا من الله ورحمة . # اللطيفة السادسة : في قوله تعالى : { من عملهم } ولم يقل من أجرهم ، وذلك ~~لأن قوله تعالى : { وما ألتناهم من عملهم } دليل على بقاء عملهم كما كان ~~والأجر على العمل مع الزيادة فيكون فيه الإشارة إلى بقاء العمل الذي له ~~الأجر الكبير الزائد عليه العظيم العائد إليه ، ولو قال : ما ألتناهم من ~~أجرهم / لكان ذلك حاصلا بأدنى شيء لأن كل ما يعطي الله عبده على عمله فهو ~~أجر كامل ولأنه لو قال تعالى ما ألتناهم من أجرهم ، كان مع ذلك يحتمل أن ~~يقال إن الله تعالى تفضل عليه بالأجر الكامل على العمل الناقص ، وأعطاه ~~الأجر الجزيل ، مع أن عمله كان له ولولده جميعا ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { والذين ءامنوا } عطف على ماذا ؟ نقول ~~على قوله { إن المتقين } ( الطور : 17 ) . # المسألة الثانية : إذا كان كذلك فلم أعاد لفظ { الذين كفروا } وكان ~~المقصود يحصل بقوله تعالى : { * وألحقنا بهم ذرياتهم } بعد قوله { وإستبرق ~~متقابلين كذلك وزوجناهم } ( الطور : 20 ) وكان يصير التقدير وزوجناهم ~~وألحقنا بهم ؟ نقول فيه فائدة وهو أن المتقين هم الذين اتقوا الشرك ~~والمعصية وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال ههنا { الذين كفروا } أي ~~بوجود الإيمان يصير ولده من أهل الجنة ، ثم إن ارتكب الأب كبيرة أو صغيرة ~~على صغيرة لا يعاقب به ولده بل الوالد وربما يدخل الجنة الابن قبل الأب ، ~~وفيه لطيفة معنوية ، وهو أنه ورد في الأخبار أن الولد الصغير يشفع لأبيه ~~وذلك إشارة إلى الجزاء . # المسألة الثالثة : هل يجوز غير ذلك ؟ نقول نعم يجوز أن يكون قوله تعالى : ~~{ والذين ءامنوا } عطفا على { بحور عين } ( الطور : 20 ) تقديره : زوجناهم ~~بحور عين ، أي قرناهم بهن ، وبالذين آمنوا ، إشارة ms8525 إلى قوله تعالى : { ~~إخوانا على سرر متقابلين } ( الحجر : 47 ) أي جمعنا شملهم بالأزواج ~~والإخوان والأولاد بقوله تعالى : { وأتبعناهم } وهذا الوجه ذكره الزمخشري ~~والأول أحسن وأصح ، فإن قيل كيف يصح على / هذا الوجه الإخبار بلفظ الماضي ~~مع أنه سبحانه وتعالى بعد ما قرن بينهم ؟ قلنا صح في وزوجناهم على ما ذكر ~~الله تعالى من تزويجهن منا من يوم خلقهن وإن تأخر زمان الاقتران . # المسألة الرابعة : قرىء { * ذرياتهم } في الموضعين بالجمع وذريتهم فيهما ~~بالفرد ، وقرىء في الأول { * ذرياتهم } وفي الثانية { واتبعتهم ذريتهم } ~~فهل للثالث وجه ؟ نقول نعم معنوي لا لفظي وذلك لأن المؤمن تتبعه ذرياته في ~~الإيمان ، وإن لم توجد على معنى أنه لو وجد له ألف ولد لكانوا أتباعه في ~~الإيمان حكما ، وأما الإلحاق فلا يكون حكما إنما هو حقيقة وذلك في الموجود ~~فالتابع أكثر من الملحوق فجمع في الأول وأفرد الثاني . # المسألة الخامسة : ما الفائدة في تنكير الإيمان في قوله { وأتبعناهم * ~~ذريتهم بإيمان } ؟ نقول هو إما التخصيص أو التنكير كأنه يقول : أتبعناهم ~~ذرياتهم بإيمان مخلص كامل أو يقول أتبعناهم بإيمان ما أي شيء منه فإن ~~الإيمان كاملا لا يوجد في الولد بدليل أن من له ولد صغير حكم بإيمانه فإذا ~~بلغ وصرح بالكفر وأنكر التبعية قيل بأنه لا يكون مرتدا وتبين بقول إنه لم ~~يتبع وقيل بأنه يكون مرتدا لأنه كفر بعد ما حكم بإيمانه PageV28P216 ~~كالمسلم الأصلي فإذن بهذا الخلاف تبين أن إيمانه يقوى وهذان الوجهان ذكرهما ~~الزمخشري ، ويحتمل أن يكون المراد غير هذا وهو أن يكون التنوين للعوض عن ~~المضاف إليه كما في قوله تعالى : { بعضهم ببعض } ( البقرة : 251 ) وقوله ~~تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى } ( النساء : 95 ) وبيانه هو أن التقدير ~~أتبعناهم ذرياتهم بإيمان أي بسبب إيمانهم لأن الاتباع ليس بإيمان كيف كان ~~وممن كان ، وإنما هو إيمان الآباء لكن الإضافة تنبىء عن تقييد وعدم كون ~~الإيمان إيمانا على الإطلاق ، فإن قول القائل ماء الشجر وماء الرمان يصح ~~وإطلاق اسم الماء من غير إضافة لا يصح فقوله { بإيمان } يوهم ms8526 أنه إيمان ~~مضاف إليهم / كما قال تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } ( ~~غافر : 85 ) حيث أثبت الإيمان المضاف ولم يكن إيمانا ، فقطع الإضافة مع ~~إرادتها ليعلم أنه إيمان صحيح وعوض التنوين ليعلم أنه لا يوجب الأمان في ~~الدنيا إلا إيمان الآباء وهذا وجه حسن . # ! 7 < { والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ~~ألتناهم من عملهم من شىء كل امرىء بما كسب رهين } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { كل امرىء بما كسب رهين } قال الواحدي : هذا عود إلى ذكر ~~أهل النار فإنهم مرتهنون في النار ، وأما المؤمن فلا يكون مرتهنا قال تعالى ~~: { كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين } ( المدثر : 38 ، 39 ) وهو ~~قول مجاهد وقال الزمخشري { كل امرىء بما كسب رهين } عام في كل أحد مرهون ~~عند الله بالكسب فإن كسب خيرا فك رقبته وإلا أربق بالرهن والذي يظهر منه ~~أنه عام في حق كل أحد ، وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون الرهين فعيلا بمعنى ~~الفاعل ، فيكون المعنى والله أعلم كل امرىء بما كسب راهن أي دائم ، إن أحسن ~~ففي الجنة مؤبدا ، وإن أساء ففي النار مخلدا ، / وقد ذكرنا أن في الدنيا ~~دوام الأعمال بدوام الأعيان فإن العرض لا يبقى إلا في جوهر ولا يوجد إلا ~~فيه ، وفي الآخرة دوام الأعيان بدوام الأعمال فإن الله يبقي أعمالهم لكونها ~~عند الله تعالى من الباقيات الصالحات وما عند الله باق والباقي يبقى مع ~~عامله . # ! 7 < { وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 22 ) وأمددناهم بفاكهة ولحم . . . . . # > > أي زدناهم مأكولا ومشروبا ، أما المأكول فالفاكهة واللحم ، وأما ~~المشروب فالكأس الذي يتنازعون فيها ، وفي تفسيرها لطائف : # اللطيفة الأولى : لما قال : { ألحقنا بهم } ( الطور : 21 ) بين الزيادة ~~ليكون ذلك جاريا على عادة الملوك في الدنيا إذا زادوا في حق عبد من عبيدهم ~~يزيدون في أقدار أخبازهم وأقطاعهم ، واختار من المأكول أرفع الأنواع وهو ~~الفاكهة واللحم فإنهما طعام المتنعمين ، وجمع أوصافا حسنة في قوله مما ~~يشتهون ، لأنه لو ذكر نوعا فربما يكون ms8527 ذلك النوع غير مشتهى عند بعض الناس ~~فقال كل أحد يعطى ما يشتهي ، فإن قيل الاشتهاء كالجوع وفيه نوع ألم ، نقول ~~ليس كذلك ، بل الاشتهاء به اللذة والله تعالى لا يتركه في الاشتهاء بدون ~~المشتهي حتى يتألم ، بل المشتهي حاصل مع الشهوة والإنسان في الدنيا لا ~~يتألم إلا بأحد أمرين ، إما باشتهاء صادق وعجزه عن الوصول إلى المشتهي ، ~~وإما بحصول أنواع الأطعمة والأشربة عنده وسقوط شهوته وكلاهما منتف في ~~الآخرة . # اللطيفة الثانية : لما قال : { ذريتهم وما ألتناهم } ونفي النقصان يصدق ~~بحصول المساوي ، فقال ليس عدم النقصان بالاقتصار على المساوي ، بطريق آخر ~~وهو الزيادة والإمداد ، فإن قيل أكثر الله من ذكر الأكل PageV28P217 والشرب ~~، وبعض العارفين يقولون لخاصة الله بالله شغل شاغل عن الأكل والشرب وكل ما ~~سوى الله ، نقول هذا على العمل ، ولهذا قال تعالى : { جزاء بما كانوا ~~يعملون } ( الواقعة : 24 ) وقال : { بما كنتم تعملون } ( الطور : 16 ) وأما ~~على العلم بذلك فذلك ، ولهذا قال : { لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون * سلام ~~قولا من رب رحيم } أي للنفوس ما تتفكه به ، وللأرواح ما تتمناه من القربة ~~والزلفى . # ! 7 < { يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم } . > 7 @QB@ < # | الطور : ( 23 ) يتنازعون فيها كأسا . . . . . # > > # وقوله تعالى : { يتنازعون فيها كأسا } فيكون ذلك على عادة الملوك إذا ~~جلسوا في مجالسهم للشرب يدخل عليهم بفواكه ولحوم وهم على الشرب ، وقوله ~~تعالى : { يتنازعون } أي يتعاطون ويحتمل أن يقال التنازع التجاذب وحينئذ ~~يكون تجاذبهم تجاذب ملاعبة لا تجاذب منازعة ، وفيه نوع لذة وهو بيان ما هو ~~عليه حال الشراب في الدنيا فإنهم يتفاخرون بكثرة الشرب ولا يتفاخرون بكثرة ~~الأكل ، ولهذا إذا شرب أحدهم يرى الآخر واجبا أن يشرب مثل ما شربه حريفه ~~ولا يرى واجبا أن يأكل مثل ما أكل نديمه وجليسه . # وقوله تعالى : { لا * لغو فيها ولا تأثيم } وسواء قلنا { فيها } عائدة ~~إلى الجنة أو إلى الكأس فذكرهما / لجريان ذكر الشراب وحكايته على ما في ~~الدنيا ، فقال تعالى ليس في الشرب في الآخرة كل ما فيه في الدنيا ms8528 من اللغو ~~بسبب زوال العقل ومن التأثيم الذي بسبب نهوض الشهوة والغضب عند وفور العقل ~~والفهم ، وفيه وجه ثالث ، وهو أن يقال لا يعتريه كما يعتري الشارب بالشرب ~~في الدنيا فلا يؤثم أي لا ينسب إلى إثم ، وفيه وجه رابع ، وهو أن يكون ~~المراد من التأثيم السكر ، وحينئذ يكون فيه ترتيب حسن وذلك لأن من الناس من ~~يسكر ويكون رزين العقل عديم اعتياد العربدة فيسكن وينام ولا يؤذي ولا يتأذى ~~ولا يهذي ولا يسمع إلى من هذى ، ومنهم من يعربد فقال : { لا لغو فيها } . # ! 7 < { ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون } . > 7 @QB@ < # | الطور : ( 24 ) ويطوف عليهم غلمان . . . . . # > > # أي بالكؤوس وقال تعالى : { يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق ~~وكأس من معين } ( الواقعة : 17 ، 18 ) وقوله { لهم } أي ملكهم إعلاما لهم ~~بقدرتهم على التصرف فيهم بالأمر والنهي والاستخدام وهذا هو المشهور ويحتمل ~~وجها آخر وهو أنه تعالى لما بين امتياز خمر الآخرة عن خمر الدنيا بين ~~امتياز غلمان الآخرة عن غلمان الدنيا ، فإن الغلمان في الدنيا إذا طافوا ~~على السادة الملوك يطوفون عليهم لحظ أنفسهم إما لتوقع النفع أو لتوفر الصفح ~~، وأما في الآخرة فطوفهم عليهم متمخض لهم ولنفعهم ولا حاجة لهم إليهم ~~والغلام الذي هذا شأنه له مزية على غيره وربما يبلغ درجة الأولاد . وقوله ~~تعالى : { كأنهم لؤلؤ } أي في الصفاء ، و { مكنون } ليفيد زيادة في صفاء ~~ألوانهم أو لبيان أنهم كالمخدرات لا بروز لهم ولا خروج من عندهم فهم في ~~أكنافهم . # PageV28P218 ! 7 < { وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالوا إنا كنا قبل ~~فىأهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ~~ندعوه إنه هو البر الرحيم } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 25 ) وأقبل بعضهم على . . . . . # > > إشارة إلى أنهم يعلمون ما جرى عليهم في الدنيا ويذكرونه ، وكذلك ~~الكافر لا ينسى ما كان له من النعيم في الدنيا ، فتزداد لذة المؤمن من حيث ~~يرى نفسه انتقلت من السجن إلى الجنة ومن الضيق إلى السعة ، ويزداد الكافر ~~ألما حيث يرى نفسه منتقلة من ms8529 الشرف إلى التلف ومن النعيم إلى الجحيم ، ثم ~~يتذكرون ما كانوا / عليه في الدنيا من الخشية والخوف ، فيقولون { إنا كنا ~~قبل فى أهلنا مشفقين } وهو أنهم يكون تساؤلهم عن سبب ما وصلوا إليه فيقولون ~~خشية الله كنا نخاف الله { فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم } وفيه لطيفة ~~وهو أن يكون إشفاقهم على فوات الدنيا والخروج منها ومفارقة الإخوان ثم لما ~~نزلوا الجنة علموا خطأهم . # ! 7 < { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون * أم يقولون شاعر نتربص ~~به ريب المنون * قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 29 ) فذكر فما أنت . . . . . # > > وتعلق الآية بما قبلها ظاهر لأنه تعالى بين أن في الوجود قوما يخافون ~~الله ويشفقون في أهليهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتذكير من يخاف ~~الله تعالى بقوله { فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } ( ق: 45 ) فحقق من يذكره ~~فوجب التذكير ، وأما الرسول عليه السلام فليس له إلا الإتيان بما أمر به ، ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الفاء في قوله { فذكر } قد علم تعلقه بما قبله فحسن ~~ذكره بالفاء . # المسألة الثانية : معنى الفاء في قوله { فما أنت } أيضا قد علم أي أنك ~~لست بكاهن فلا تتغير ولا تتبع أهواءهم ، فإن ذلك سيرة المزور { فذكر } فإنك ~~لست بمزور ، وذلك سبب التذكير . # المسألة الثالثة : ما وجه تعلق قوله { نتربص به ريب المنون } بقوله { ~~شاعر } ؟ نقول فيه وجهان الأول : أن العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء ~~وتتقي ألسنتهم ، فإن الشعر كان عندهم يحفظ ويدون ، وقالوا لا نعارضه في ~~الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره ، وإنما سبيلنا الصبر وتربص موته الثاني : ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إن الحق دين الله ، وإن الشرع الذي أتيت ~~به يبقى أبد الدهر وكتابي يتلى إلى قيام الساعة ، فقالوا ليس كذلك إنما هو ~~شاعر ، والذي يذكره في حق آلهتنا شعر ولا ناصر له وسيصيبه من بعض آلهتنا ~~الهلاك فنتربص به ذلك . # المسألة الرابعة : ما معنى ريب المنون ؟ نقول قيل هو اسم للموت فعول من ~~المن ms8530 وهو القطع والموت قطوع ، ولهذا سمي بمنون ، وقيل المنون الدهر وريبه ~~حوادثه ، وعلى هذا قولهم { نتربص } يحتمل وجها آخر ، وهو أن يكون المراد ~~أنه إذا كان شاعرا فصروف الزمان ربما تضعف ذهنه وتورث وهنه فيتبين لكل فساد ~~أمره وكساد شعره . # المسألة الخامسة : كيف قال : { تربصوا } بلفظ الأمر وأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوجب المأمور ( به ) أو يفيد جوازه ، PageV28P219 وتربصهم ذلك ~~كان حراما ؟ نقول ذلك ليس بأمر وإنما هو تهديد معناه تربصوا ذلك فإنا نتربص ~~الهلاك بكم على حد ما يقول السيد الغضبان لعبده افعل ما شئت فإني لست عنك / ~~بغافل وهو أمر لتهوين الأمر على النفس ، كما يقول القائل لمن يهدده برجل ~~ويقول أشكوك إلى زيد فيقول اشكني أي لا يهمني ذلك وفيه زيادة فائدة ، وذلك ~~لأنه لو قال لا تشكني لكان ذلك دليل الخوف وينافيه معناه ، فأتى بجواب تام ~~من حيث اللفظ والمعنى ، فإن قيل لو كان كذلك لقال تربصوا أو لا تربصوا كما ~~قال : { فاصبروا أو لا تصبروا } ( الطور : 16 ) نقول ليس كذلك لأنه إذا قال ~~القائل فيما ذكرناه من المثال اشكني أو لا تشكني يكون ذلك مفيدا عدم خوفه ~~منه ، فإذا قال اشكني يكون أدل على عدم الخوف ، فكأنه يقول أنا فارغ عنه ، ~~وإنما أنت تتوهم أنه يفيد فافعل حتى يبطل اعتقادك . # المسألة السادسة : في قوله تعالى : { فإنى معكم من المتربصين } وهو يحتمل ~~وجوها أحدها : إني معكم من المتربصين أتربص هلاككم وقد أهلكوا يوم بدر وفي ~~غيره من الأيام هذا ما عليه الأكثرون والذي نقوله في هذا المقام هو أن ~~الكلام يحتمل وجوها وبيانها هو أن قوله تعالى : { نتربص به ريب المنون } إن ~~كان المراد من المنون الموت فقوله { إنى معكم من * المتربصين } معناه إني ~~أخاف الموت ولا أتمناه لا لنفسي ولا لأحد / لعدم علمي بما قدمت يداه وإنما ~~أنا نذير وأنا أقول ما قال ربي { أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } ( ~~آل عمران : 144 ) فتربصوا موتي وأنا متربصه ولا يسركم ذلك لعدم حصول ما ms8531 ~~تتوقعون بعدي ، ويحتمل أن يكون كما قيل تربصوا موتي فإني متربص موتكم ~~بالعذاب ، وإن قلنا المراد من ريب المنون صروف الدهر فمعناه إنكار كون صروف ~~الدهر مؤثرة فكأنه يقول أنا من المتربصين حتى أبصر ماذا يأتي به دهركم الذي ~~تجعلونه مهلكا وماذا يصيبني منه ، وعلى التقديرين فنقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم يتربص ما يتربصون ، غير أن في الأول : تربصه مع اعتقاد الوقوع ، ~~وفي الثاني : تربصه مع اعتقاد عدم التأثير ، على طريقة من يقول أنا أيضا ~~أنتظر ما ينتظره حتى أرى ماذا يكون منكرا عليه وقوع ما يتوقع وقوعه ، وإنما ~~هذا لأن ترك المفعول في قوله { إنى معكم من * المتربصين } لكونه مذكورا وهو ~~ريب المنون أولى من تركه وإرادة غير المذكور وهو العذاب الثاني : أتربص ~~صروف الدهر ليظهر عدم تأثيرها فهو لم يتربص بهم شيئا على الوجهين ، وعلى ~~هذا الوجه يتربص بقاءه بعدهم وارتفاع كلمته فلم يتربص بهم شيئا على الوجوه ~~التي اخترناها فقال : { إنى معكم من * المتربصين } . # ! 7 < { أم تأمرهم أحلامهم بهاذآ أم هم قوم طاغون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 32 ) أم تأمرهم أحلامهم . . . . . # > > وأم هذه أيضا على ما ذكرنا متصلة تقديرها أنزل عليهم ذكر ؟ أم تأمرهم ~~أحلامهم بهذا ؟ وذلك لأن الأشياء إما أن تثبت بسمع وإما أن تثبت بعقل فقال ~~هل ورد أمر سمعي ؟ أم عقولهم تأمرهم بما كانوا يقولون ؟ أم هم قوم طاغون ~~يغترون ، ويقولون ما لا دليل عليه سمعا ولا مقتضى له عقلا ؟ والطغيان ~~مجاوزة الحد في العصيان وكذلك كل شيء ظاهره مكروه ، قال الله تعالى : { إنا ~~لما طغا الماء } ( الحاقه : 11 ) وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : إذا كان المراد ما ذكرت فلم أسقط ما يصدر به ؟ تقول ~~لأن كون ما يقولون به مسندا PageV28P220 إلى نقل معلوم عدمه لا ينفى ، وأما ~~كونه معقولا فهم كانوا يدعون أنه معقول ، وأما كونهم طاغين فهو حق ، فخص ~~الله تعالى بالذكر ما قالوا به وقال الله به ، فهم قالوا نحن نتبع العقل ، ~~والله تعالى قال هم طاغون فذكر الأمرين اللذين وقع فيهما الخلاف ms8532 . # المسألة الثانية : قوله { تأمرهم أحلامهم } إشارة إلى أن كل ما لا يكون ~~على وفق العقل ، لا ينبغي أن يقال ، وإنما ينبغي أن يقال ما يجب قوله عقلا ~~، فهل صار ( كل ) واجب عقلا مأمورا به . # المسألة الثالثة : ما الأحلام ؟ نقول جمع حلم وهو العقل وهما من باب واحد ~~من حيث المعنى ، لأن العقل يضبط المرء فيكون كالبعير المعقول لا يتحرك من ~~مكانه ، والحلم من الحلم وهو أيضا سبب وقار المرء وثباته ، وكذلك يقال ~~للعقول النهى من النهي وهو المنع ، وفيه معنى لطيف وهو أن الحلم في أصل ~~اللغة هو ما يراه النائم فينزل ويلزمه الغسل ، وهو سبب البلوغ وعنده يصير ~~الإنسان مكلفا ، وكأن الله تعالى من لطيف حكمته قرن الشهوة بالعقل وعند ~~ظهور الشهوة كمل العقل فأشار إلى العقل بالإشارة إلى ما يقارنه وهو الحلم ، ~~ليعلم أنه نذير كمال العقل ، لا العقل الذي به يحترز الإنسان تخطىء الشرك ~~ودخول النار ، وعلى هذا ففيه تأكيد لما ذكرنا أن الإنسان لا ينبغي أن يقول ~~كل معقول ، بل لا يقول إلا ما يأمر به العقل الرزين الذي يصحح التكليف . # المسألة الرابعة : هذا إشارة إلى ماذا ؟ نقول فيه وجوه الأول : أن يكون ~~هذا إشارة مهمة ، أي بهذا الذي يظهر منهم قولا وفعلا حيث يعبدون الأصنام ~~والأوثان ويقولون الهذيان من الكلام الثاني : هذا إشارة إلى قولهم هو كاهن ~~هو شاعر هو مجنون الثالث : هذا إشارة إلى التربص فإنهم لما قالوا نتربص قال ~~الله تعالى أعقولهم تأمرهم بتربص هلاكهم فإن أحدا لم يتوقع هلاك نبيه إلا ~~وهلك . # المسألة الخامسة : هل يصح أن تكون أم في هذا الموضع بمعنى بل ؟ نقول نعم ~~، تقديره يقولون : إنه شاعر قولا بل يعتقدونه عقلا ويدخل في عقولهم ذلك ، ~~أي ليس ذلك قولا منهم من غير عقل بل يعتقدون كونه كاهنا ومجنونا ، ويدل ~~عليه قراءة من قرأ بل هم قوم طاغون ، لكن بل ههنا واضح وفي قوله بل تأمرهم ~~أحلامهم خفي . # ! 7 < { أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 33 ) أم يقولون ms8533 تقوله . . . . . # > > وهو متصل بقوله تعالى { أم يقولون شاعر نتربص به } ( الطور : 30 ) ~~وتقديره على ما ذكرنا أتقولون كاهن ، أم تقولون شاعر ، أم تقوله . # ! 7 < { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 34 ) فليأتوا بحديث مثله . . . . . # > > ثم قال لبطلان جميع الأقسام { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } ~~أي إن كان هو شاعرا ففيكم الشعراء البلغاء والكهنة الأذكياء ومن يرتجل ~~الخطب والقصائر ويقص القصص ولا يختلف / الناقص والزائد فليأتوا بمثل ما أتى ~~به ، والتقول يراد به الكذب . وفيه إشارة إلى معنى لطيف وهو أن التفعل ~~للتكلف وإراءة الشيء وهو ليس على ما يرى يقال تمرض فلان أي لم يكون مريضا ~~وأرى من نفسه المرض وحينئذ كأنهم كانوا يقولون كذب وليس بقول إنما هو تقول ~~صورة القول وليس في الحقيقة به ليعلم أن المكذب هو الصادق ، وقوله تعالى : ~~{ بل لا يؤمنون } بيان هذا أنهم كانوا في زمان نزول الوحي وحصول المعجزة ~~كانوا PageV28P221 يشاهدونها وكان ذلك يقتضي أن يشهدوا له عند غيرهم ~~ويكونوا كالنجوم للمؤمنين كما كانت الصحابة رضي الله عنهم وهم لم يكونوا ~~كذلك بل أقل من ذلك لم يكونوا أيضا وهو أن يكونوا من آحاد المؤمنين الذين ~~لم يشهدوا تلك الأمور ولم يظهر الأمر عندهم ذلك الظهور . # وقوله تعالى : { فليأتوا } الفاء للتعقيب أي إذا كان كذلك فيجب عليهم أن ~~يأتوا بمثل ما أتى به ليصحح كلامهم ويبطل كلامه وفيه مباحث : # الأول : قال بعض العلماء { فليأتوا } أمر تعجيز بقول القائل لمن يدعي ~~أمرا أو فعلا ويكون غرضه إظهار عجزه ، والظاهر أن الأمر ههنا مبقي على ~~حقيقته لأنه لم يقل : ائتوا مطلقا بل إنما قال : ائتوا إن كنتم صادقين ، ~~وعلى هذا التقدير ووجود ذلك الشرط يجب الإتيان به وأمر التعجيز في كلام ~~الله تعالى قوله تعالى : { إن الله * يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذى كفر } ( البقرة : 258 ) وليس هذا بحثا يورث خللا في ~~كلامهم . # الثاني : قالت المعتزلة الحديث محدث والقرآن سماه حديثا فيكون محدثا ، ~~نقول الحديث اسم مشترك ، يقال ms8534 للمحدث والقديم ، ولهذا يصح أن يقال هذا حديث ~~قديم بمعنى متقادم العهد لا بمعنى سلب الأولية وذلك لا نزاع فيه . # الثالث : النحاة يقولون الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير ، لكن ~~الموصوف حديث وهو منكر ومثل مضاف إلى القرآن والمضاف إلى المعرف معرف ، ~~فكيف هذا ؟ نقول مثل وغير لا يتعرفان بالإضافة وكذلك كل ما هو مثلهما ~~والسبب أن غير أو مثلا وأمثالهما في غاية التنكير ، فإنك إذا قلت ما رأيت ~~شيئا مثل زيد يتناول كل شيء فإن كل شيء مثل زيد في كونه شيئا ، فالجماد ~~مثله في الجسم والحجم والإمكان ، والنبات مثله في النشوء والنماء والذبول ~~والفناء ، والحيوان مثله في الحركة والإدراك وغيرهما من الأوصاف ، وأما غير ~~فهو عند الإضافة ينكر وعند قطع الإضافة ربما يتعرف فإنك إذا قلت غير زيد ~~صار في غاية الإيهام فإنه يتناول أمورا لا حصر لها ، وأما إذا قطعته عن ~~الإضافة ربما تقول الغير والمغايرة من باب واحد وكذلك التغير فتجعل الغير ~~كأسماء الأجناس ، أو تجعله مبتدأ وتريد به معنى معينا . # الرابع : { إن كانوا صادقين } أي في قولهم { تقوله } ( الطور : 33 ) وقد ~~ذكرنا أن ذلك راجع إلى ما سبق من أنه كاهن وأن مجنون ، وأنه شاعر ، وأنه ~~متقول ، ولو كانوا صادقين في شيء من ذلك لهان عليهم الإتيان بمثل القرآن ، ~~ولما امتنع كذبوا في الكل . # / البحث الخامس : قد ذكرنا أن القرآن معجز ولا شك فيه ، فإن الخلق عجزوا ~~عن الإتيان بمثل ما يقرب منه عند التحدي فإما أن يكون كونه معجزا لفصاحته ~~وهو مذهب أكثر أهل السنة وإما أن يكون معجزا لصرف الله عقول العقلاء عن ~~الإتيان بمثله / وعقله ألسنتهم عن النطق بما يقرب منه ، ومنع القادر من ~~الإتيان بالمقدور كإتيان الواحد بفعل لا يقدر عليه غيره فإن من قال لغيره ~~أنا أحرك هذا الجبل يستبعد منه ، وكذا إذا قال إني أفعل فعلا لا يقدر الخلق ~~( معه ) على حمل تفاحة من موضعها يستبعد منه على أن كل واحد فعل معجز إذا ~~اتصل بالدعوى ، وهذا مذهب بعض ms8535 المتكلمين ولا فساد فيه وعلى أن يقال هو معجز ~~بهما جميعا . # PageV28P222 ! 7 < { أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 35 ) أم خلقوا من . . . . . # > > ومن هنا لا خلاف أن { أم } ليست بمعنى بل ، لكن أكثر المفسرين على أن ~~المراد ما يقع في صدر الكلام من الاستفهام ، إما بالهمزة فكأنه يقول أخلقوا ~~من غير شيء أو هل ، ويحتمل أن يقال هو على أصل الوضع للاستفهام الذي يقع في ~~أثناء الكلام وتقديره أما خلقوا ، أم خلقوا من غير شيء ، أم هم الخالقون ؟ ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما وجه تعلق الآية بما قبلها ؟ نقول لما كذبوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم ونسبوه إلى الكهانة والجنون والشعر وبرأه الله من ذلك ، ~~ذكر الدليل على صدقه إبطالا لتكذيبهم وبدأ بأنفسهم ، كأنه يقول كيف يكذبونه ~~وفي أنفسهم دليل صدقه لأن قوله في ثلاثة أشياء في التوحيد والحشر والرسالة ~~ففي أنفسهم ما يعلم به صدقه ، وبيانه هو أنهم خلقوا وذلك دليل التوحيد لما ~~بينا أن في كل شيء له آية ، تدل على أنه واحد ، وقد بينا وجهه مرارا فلا ~~نعيده . # وأما الحشر فلأن الخلق الأول دليل على جواز الخلق الثاني وإمكانه ، ويدل ~~على ما ذكرنا أن الله تعالى ختم الاستفهامات بقوله { أم لهم إلاه غير الله ~~سبحان الله عما يشركون } ( الطور : 43 ) . # المسألة الثانية : إذا كان الأمر على ما ذكرت فلم حذف قوله أما خلقوا ؟ ~~نقول : لظهور انتفاء ذلك ظهورا لا يبقى معه للخلاف وجه ، فإن قيل فلم لم ~~يصدر بقوله أما خلقوا ويقول أم خلقوا من غير شيء ؟ نقول ليعلم أن قبل هذا ~~أمرا منفيا ظاهرا ، وهذا المذكور قريب منه في ظهور البطلان فإن قيل قوله { ~~أم خلقوا من غير شىء } أيضا ظاهر البطلان ، لأنهم علموا أنهم مخلوقون من ~~تراب وماء ونطفة ، نقول الأول أظهر في البطلان لأن كونهم غير مخلوقين أمر ~~يكون مدعيه منكرا للضرورة فمنكره منكر لأمر ضروري . # المسألة الثالثة : ما المراد من قوله تعالى : { من غير شىء } نقول فيه ~~وجوه المنقول ms8536 منها أنهم / خلقوا من غير خالق وقيل إنهم خلقوا لا لشيء عبثا ~~، وقيل إنهم خلقوا من غير أب وأم ، ويحتمل أن يقال أم خلقوا من غير شيء ، ~~أي ألم يخلقوا من تراب أو من ماء ، ودليله قوله تعالى : { ألم نخلقكم من ~~ماء مهين } ( المرسلات : 20 ) ويحتمل أن يقال الاستفهام الثاني ليس بمعنى ~~النفي بل هو بمعنى الإثبات قال الله تعالى : { ءأنتم * تخلقونه أم نحن ~~الخالقون } ( الواقعة : 59 ) و { ءأنتم * تزرعونه أم نحن الزرعون } ( ~~الواقعة : 64 ) { ءأنتم * أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون } ( الواقعة : 72 ~~) كل ذلك في الأول منفي وفي الثاني مثبت كذلك ههنا قال الله تعالى : { أم ~~خلقوا من غير شىء } أي الصادق هو هذا الثاني حينئذ ، وهذا كما في قوله ~~تعالى : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } ( الإنسان ~~: 8 ) فإن قيل كيف يكون ذلك الإثبات والآدمي خلق من تراب ؟ نقول والتراب ~~خلق من غير شيء ، فالإنسان إذا نظرت إلى خلقه وأسندت النظر إلى ابتداء أمره ~~وجدته خلق من غير شيء ، أو نقول المراد أم خلقوا من غير شيء مذكور أو معتبر ~~وهو الماء المهين . PageV28P223 # المسألة الرابعة : ما الوجه في ذكر الأمور الثلاثة التي في الآية ؟ نقول ~~هي أمور مرتبة كل واحد منها يمنع القول بالوحدانية والحشر فاستفهم بها ، ~~وقال أما خلقوا أصلا ، ولذلك ينكرون القول بالتوحيد لانتفاء الإيجاد وهو ~~الخلق ، وينكرون الحشر لانتفاء الخلق الأول أم خلقوا من غير شيء / أي أم ~~يقولون بأنهم خلقوا لا لشيء فلا إعادة ، كما قال : { أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا } ( المؤمنون : 115 ) . وعلى قولنا إن المراد خلقوا لا من تراب ولا من ~~ماء فله وجه ظاهر ، وهو أن الخلق إذا لم يكن من شيء بل يكون إيداعيا يخفي ~~كونه مخلوقا على بعض الأغبياء ، ولهذا قال بعضهم السماء رفع اتفاقا ووجد من ~~غير خالق وأما الإنسان الذي يكون أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظما ~~لا يتمكن أحد من إنكاره بعد مشاهدة تغير أحواله فقال تعالى : { أم خلقوا ms8537 } ~~بحيث يخفى عليهم وجه خلقهم بأن خلقوا ابتداء من غير سبق حالة عليهم يكونون ~~فيها ترابا ولا ماء ولا نطفة ليس كذلك بل هم كانوا شيئا من تلك الأشياء ~~خلقوا منه خلقا ، فما خلقوا من غير شيء حتى ينكروا الوحدانية ولهذا قال ~~تعالى : { يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } ( الزمر : 6 ) ولهذا ~~أكثر الله من قوله { خلقنا الإنسان من نطفة } ( الإنسان : 2 ) وقوله { ألم ~~نخلقكم من ماء مهين } يتناول الأمرين المذكورين في هذا الموضع لأن قوله { ~~ألم نخلقكم من ماء } يحتمل أن يكون نفي المجموع بنفي الخلق فيكون كأنه قال ~~: أخلقتم لا من ماء ، وعلى قول من قال المراد منه أم خلقوا من غير شيء ، أي ~~من غير خالق ففيه ترتيب حسن أيضا وذلك لأن نفي الصانع ، إما أن يكون بنفي ~~كون العالم مخلوقا فلا يكون ممكنا ، وإما أن يكون ممكنا لكن الممكن لا يكون ~~محتاجا فيقع الممكن من غير مؤثر وكلاهما محال . وأما قوله تعالى : { أم هم ~~الخالقون } فمعناه أهم الخالقون للخلق فيعجز الخالق بكثرة العمل ، فإن دأب ~~الإنسان أنه يعيا بالخلق ، فما قولهم أما خلقوا فلا يثبت لهم إلاه ألبتة ، ~~أم خلقوا وخفي عليهم وجه الخلق أم جعلوا الخالق مثلهم فنسبوا إليه العجز ، ~~ومثل قوله تعالى : { أفعيينا بالخلق الاول } ( ق: 15 ) هذا بالنسبة إلى ~~الحشر وأما بالنسبة إلى التوحيد فهو رد عليهم حيث قالوا الأمور مختلفة ~~واختلاف الآثار يدل على اختلاف المؤثرات وقالوا { أجعل الالهة إلاها واحدا ~~} ( ص: 5 ) فقال تعالى : { أم هم الخالقون } حيث لا يقدر / الخباز على ~~الخياطة والخياط على البناء وكل واحد يشغله شأن عن شأن . # ! 7 < { أم خلقوا السماوات والا رض بل لا يوقنون } . > 7 @QB@ < # | الطور : ( 36 ) أم خلقوا السماوات . . . . . # > > # فيه وجوه : أحدها : ما اختاره الزمخشري وهو أنهم لا يوقنون بأنهم خلقوا ~~وهو حينئذ في معنى قوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ~~ليقولن الله } ( لقمان : 25 ) أي هم معترفون بأنه خلق الله وليس خلق أنفسهم ~~وثانيها : المراد بل لا يوقنون ms8538 بأن الله واحد وتقديره ليس الأمر كذلك أي ما ~~خلقوا وإنما لا يوقنون بوحدة الله وثالثها : لا يوقنون أصلا من غير ذكر ~~مفعول يقال فلان ليس بمؤمن وفلان ليس بكافر لبيان مذهبه وإن لم ينو مفعولا ~~، وكذلك قول القائل فلان يؤذي ويؤدي لبيان ما فيه لا مع القصد إلى ذكر ~~مفعول ، وحينئذ يكون تقديره أنهم ما خلقوا السماوات والأرض ولا يوقنون بهذه ~~الدلائل ، بل لا يوقنون أصلا وإن جئتهم بكل آية ، يدل عليه قوله تعالى بعد ~~ذلك PageV28P224 { وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم } ( ~~الطور : 44 ) وهذه الآية إشارة إلى دليل الآفاق ، وقوله من قبل { أم خلقوا ~~} ( الطور : 37 ) دليل الأنفس . # ! 7 < { أم عندهم خزآئن ربك أم هم المسيطرون } . > 7 @QB@ < # | الطور : ( 37 ) أم عندهم خزائن . . . . . # > > # فيه وجوه أحدها : المراد من الخزائن خزائن الرحمة ثانيها : خزائن الغيب ~~ثالثها : أنه إشارة إلى الأسرار الإلاهية المخفية عن الأعيان رابعها : ~~خزائن المخلوقات التي لم يرها الإنسان ولم يسمع بها ، وهذه الوجوه الأول ~~والثاني منقول ، والثالث والرابع مستنبط ، وقوله تعالى : { أم هم المسيطرون ~~} تتمة للرد عليهم ، وذلك لأنه لما قال : { أم عندهم خزائن ربك } إشارة إلى ~~أنهم ليسوا بخزنة ( رحمة ) الله فيعلموا خزائن الله ، وليس بمجرد انتفاء ~~كونهم خزنة ينتفي العلم لجواز أن يكون مشرفا على الخزانة ، فإن العلم ~~بالخزائن عند الخازن والكاتب في الخزانة ، فقال لستم بخزنة ولا بكتبة ~~الخزانة المسلطين عليها ، ولا يبعد تفسير المسيطرين بكتبة الخزانة ، لأن ~~التركيب يدل على السطر وهو يستعمل في الكتاب ، وقيل المسيطر المسلط وقرىء ~~بالصاد ، وكذلك في كثير من السيئات التي مع الطاء ، كما في قوله تعالى : { ~~بمسيطر } ( الغاشية : 22 ) و ( قد قرىء ) مصيطر . # ! 7 < { أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 38 ) أم لهم سلم . . . . . # > > وهو أيضا تتميم للدليل ، فإن من لا يكون خازنا ولا كاتبا قد يطلع على ~~الأمر بالسماع من الخازن أو الكاتب ، / فقال أنتم لستم بخزنة ولا كتبة ولا ~~اجتمعتم بهم ، لأنهم ملائكة ولا صعود لكم إليهم ms8539 ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المقصود نفي الصعود ، ولا يلزم من نفي السلم لهم نفي ~~الصعود ، فما الجواب عنه ؟ نقول النفي أبلغ من نفي الصعود ، وهو نفي ~~الاستماع وآخر الآية شامل للكل ، قال تعالى : { فليأت مستمعهم بسلطان مبين ~~} . # المسألة الثانية : السلم لا يستمع فيه ، وإنما يستمع عليه ، فما الجواب ؟ ~~نقول من وجهين : أحدهما : ما ذكره الزمخشري أن المراد { يستمعون } صاعدين ~~فيه وثانيهما : ما ذكره الواحدي أن في بمعنى على ، كما في قوله تعالى : { ~~ولاصلبنكم فى جذوع النخل } ( طه : 71 ) أي جذوع النخل ، وكلاهما ضعيف لما ~~فيه من الإضمار والتغيير . # المسألة الثالثة : لم ترك ذكر مفعول { يستمعون } وماذا هو ؟ نقول فيه ~~وجوه أحدها : المستمع هو الوحي ، أي هل لهم سلم يستمعون فيه الوحي ثانيها : ~~يستمعون ما يقولون من أنه شاعر ، وأن لله شريكا ، وأن الحشر لا يكون ثالثها ~~: ترك المفعول رأسا ، كأنه يقول : هل لهم قوة الاستماع من السماء حتى ~~يعلموا أنه ليس برسول ، وكلامه ليس بمرسل . # المسألة الرابعة : قال : { فليأت مستمعهم } ولم يقل فليأتوا ، كما قال ~~تعالى : { فليأتوا بحديث مثله } ( الطور : 34 ) نقول طلب منهم ما يكون أهون ~~على تقدير صدقهم ، ليكون اجتماعهم عليه أدل على بطلان قولهم ، فقال هناك { ~~فليأتوا } أي اجتمعوا عليه وتعاونوا ، وأتوا بمثله ، فإن ذلك عند الاجتماع ~~أهون ، وأما الارتقاء في السلم بالاجتماع ( فإنه ) متعذر لأنه لا يرتقي إلا ~~واحد بعد واحد ، ولا يحصل في الدرجة العليا إلا PageV28P225 واحد فقال : { ~~فليأت } ذلك الواحد الذي كان أشد رقيا بما سمعه . # المسألة الخامسة : قوله { بسلطان مبين } ما المراد به ؟ نقول هو إشارة ~~إلى لطيفة ، وهي أنه لو طلب منهم ما سمعوه ، وقيل لهم { فليأت مستمعهم } ~~بما سمع لكان لواحد أن يقول : أنا سمعت كذا وكذا فيفتري كذبا ، فقال لا بل ~~الواجب أن يأتي بدليل يدل عليه . # ! 7 < { أم له البنات ولكم البنون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 39 ) أم له البنات . . . . . # > > إشارة إلى نفي الشرك ، وفساد ما يقولون بطريق آخر ، وهو أن المتصرف ~~إنما يحتاج إلى الشريك لعجزه ، والله قادر فلا شريك ms8540 له ، فإنهم قالوا : نحن ~~لا نجعل هذه الأصنام وغيرها شركاء ، وإنما نعظمها لأنها بنات الله ، فقال ~~تعالى : كيف تجعلون لله البنات ، وخلق البنات والبنين إنما كان لجواز ~~الفناء على الشخص ، ولولا التوالد لانقطع النسل وارتفع الأصل ، من غير أن ~~يقوم مقامه الفصل ، فقدر الله التوالد ، ولهذا لا يكون في الجنة ولادة ، ~~لأن الدار دار البقاء ، لا موت فيها للآباء ، حتى تقام العمارة بحدوث ~~الأبناء . إذا ثبت هذا فالولد إنما يكون في صورة إمكان فناء الأب ، ولهذا ~~قال تعالى في أوائل سورة آل عمران / { الحى القيوم } ( آل عمران : 2 ) أي ~~حي لا يموت فيحتاج إلى ولد يرثه ، وهو قيوم لا يتغير ولا يضعف ، فيفتقر إلى ~~ولد ليقوم مقامه ، لأنه ورد في نصارى نجران . ثم إن الله تعالى بين هذا ~~بأبلغ الوجوه ، وقال إنهم يجعلون له بنات ، ويجعلون لأنفسهم بنين ، مع أن ~~جعل البنات لهم أولى ، وذلك لأن كثير البنات تعين عل كثرة الأولاد ، لأن ~~الإناث الكثيرة يمكن منهن الولادة بأولاد كثيرة من واحد . وأما الذكور ~~الكثيرة لا يمكن منهم إحبال أنثى واحدة بأولاد ، ألا ترى أن الغنم لا يذبح ~~منها الإناث إلا نادرا ، وذلك لما ثبت أن إبقاء النوع بالأنثى أنفع نظرا ~~إلى التكثير ، فقال تعالى : أنا القيوم الذي لا فناء لي ، ولا حاجة لي في ~~بقاء النوع في حدوث الشخص ، وأنتم معرضون للموت العاجل ، وبقاء العالم ~~بالإناث أكثر ، وتتبرءون منهن والله تعالى مستغن عن ذلك وتجعلون له البنات ~~، وعلى هذا فما تقدم كان إشارة إلى نفي الشريك نظرا إلى أنه لابتداء لله ، ~~وهذا إشارة إلى نفي الشريك نظرا إلى أنه لا فناء له ، فإن قيل كيف وقع لهم ~~نسبة البنات إلى الله تعالى مع أن هذا أمر في غاية القبح لا يخفى على عاقل ~~، والقوم كان لهم العقول التي هي مناط التكليف ، وذلك القدر كاف في العلم ~~بفساد هذا القول ؟ نقول ذلك القول دعاهم إليه اتباع العقل ، وعدم اعتبار ~~النقل ، ومذهبهم في ذلك مذهب الفلاسفة حيث يقولون يجب اتباع العقل ms8541 الصريح ، ~~ويقولون النقل بمعزل لا يتبع إلا إذا وافق العقل ، وإذا وافق فلا اعتبار ~~للنقل ، لأن العقل هناك كاف ، ثم قالوا الوالد يسمى والدا ، لأنه سبب وجود ~~الولد ، ولهذا يقال : إذا ظهر شيء من شيء هذا تولد من ذلك ، فيقولون الحمى ~~تتولد من عفونة الخلط ، فقالوا الله تعالى سبب وجود الملائكة سببا واجبا لا ~~اختيار له فسموه بالوالد ، ولم يلتفتوا إلى وجوب تنزيه الله في تسميته بذلك ~~عن التسمية بما يوهم النقص ، ووجوب الاقتصار في أسمائه على الأسماء الحسنى ~~التي ورد بها الشرع لعدم اعتبارهم النقل ، فقالوا يجوز إطلاق الأسماء ~~المجازية والحقيقية على الله تعالى وصفاته ، فسموه عاشقا ومعشوقا ، وسموه ~~أبا ووالدا ، ولم يسموه ابنا ولا مولودا باتفاقهم ، وذلك ضلالة . # PageV28P226 ! 7 < { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 40 ) أم تسألهم أجرا . . . . . # > > وجه التعلق هو أن المشركين لما اطرحوا الشرع واتبعوا ما ظنوه عقلا ، ~~وسموا الموجود بعد العدم مولودا ومتولدا ، والموجد والدا لزمهم الكفر بسببه ~~والإشراك ، فقال لهم ما الذي يحملكم على اطراح الشرع ، وترك اتباع الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ؟ هل ذلك لطلبه منكم شيئا فما كان يسعهم أن يقولوا نعم ~~، فلم يبق لهم إلا أن يقولوا لا ، فنقول لهم : كيف اتبعتم قول الفلسفي الذي ~~يسوغ لكم الزور وما يوجب الاستخفاف بجانب الله تعالى لفظا إن لم يكن معنى ~~كما تقولون ، ولا تتبعون الذي يأمركم بالعدل في المعنى والإحسان في اللفظ ، ~~ويقول لكم اتبعوا المعنى الحق الواضح واستعملوا اللفظ / الحسن المؤدب ؟ ~~وهذا في غاية الحسن من التفسير ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الفائدة في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال ~~أم تسألهم ولم يقل أم يسألون أجرا كما قال تعالى : { أم يقولون } ( يونس : ~~38 ) وقال تعالى : { أم يريدون كيدا } ( الطور : 42 ) إلى غير ذلك ؟ نقول ~~فيه فائدتان : # إحداهما : تسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأنهم لما امتنعوا ~~من الاستماع واستنكفوا من الاتباع صعب على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال ~~له ربه أنت ms8542 أتيت بما عليك فلا يضيق صدرك حيث لم يؤمنوا فأنت غير ملوم ، ~~وإنما كنت تلام لو كنت طلبت منهم أجرا فهل طلبت ذلك فأثقلهم ؟ لا فلا حرج ~~عليك إذا . # ثانيهما : أنه لو قال أم يسألون لزم نفي أجر مطلقا وليس كذلك ، وذلك ~~لأنهم كانوا يشركون ويطالبون بالأجر من رؤسائهم ، وأما النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال له أنت لا تسألهم أجرا فهم لا يتبعونك وغيرك يسألهم وهم يسألون ~~ويتبعون السائلين وهذا غاية الضلال . # المسألة الثانية : إن قال قائل ألزمت أن تبين أن أم لا تقع إلا متوسطة ~~حقيقة أو تقديرا فكيف ذلك ههنا ؟ نقول كأنه تعالى يقول أتهديهم لوجه الله ~~أم تسألهم أجرا ، وترك الأول لعدم وقوع الإنكار عليه كما قلنا في قوله { أم ~~له البنات } ( الطور : 39 ) إن المقدار هو واحد أم له البنات ، وترك ذكر ~~الأول لعدم وقوع الإنكار عليه من الله تعالى وكونهم قائلين بأنه لا يريد ~~وجه الله تعالى ، وإنما يريد الرياسة والأجر في الدنيا . # المسألة الثالثة : هل في خصوص قوله تعالى { أجرا } فائدة لا توجد في غيره ~~لو قال أم تسألهم شيئا أو مالا أو غير ذلك ؟ نقول نعم ، وقد تقدم القول مني ~~أن كل لفظ في القرآن فيه فائدة وإن كنا لا نعلمها ، والذي يظهر ههنا أن ذلك ~~إشارة إلى أن ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فيه مصلحتهم وذلك لأن ~~الأجر لا يطلب إلا عند فعل شيء يفيد المطلوب منه الأجر فقال : أنت أتيتهم ~~بما لو طلبت عليه أجرا وعلموا كمال ما في دعوتك من المنفعة لهم وبهم ، ~~لأتوك بجميع أموالهم ولفدوك بأنفسهم ، ومع هذا لا تطلب منهم أجرا ، ولو قال ~~شيئا أو مالا لما حصلت هذه الفائدة والله أعلم . # المسألة الرابعة : هذا يدل على أنه لم يطلب منهم أجرا ما ، وقوله تعالى : ~~{ قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى } PageV28P227 ( الشورى : ~~23 ) يدل على أنه طلب أجرا ما فكيف الجمع بينهما ؟ نقول لا تفرقة بينهما بل ~~الكل حق وكلاهما ms8543 ككلام واحد ، وبيانه هو أن المراد من قوله { إلا المودة فى ~~القربى } هو أني لا أسألكم عليه أجرا يعود إلى الدنيا ، وإنما أجرى المحبة ~~في الزلفى إلى الله تعالى / وأن عباد الله الكاملين أقرب إلى الله تعالى من ~~عباده الناقصين ، وعباد الله الذين كلمهم الله وكلموه وأرسلهم لتكميل عباده ~~فكملوا أقرب إلى الله من الذين ( لم يكلمهم و ) لم يرسلهم الله ولم يكملوا ~~وعلى هذا فهو في معنى قوله { إن أجرى إلا على الله } ( يونس : 72 ) وإليه ~~أنتمي وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ) ~~وقوله { فهم من مغرم مثقلون } وبين ما ذكرنا أن قوله { أم تسئلهم أجرا } ~~المراد أجر الدنيا وقوله { قل لا أسألكم عليه أجرا } المراد العموم ثم ~~استثنى ، ولا حاجة إلى ما قاله الواحدي إن ذلك منقطع معناه لكن المودة في ~~القربى ، وقد ذكرناه هناك فليطلب منه . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { فهم من مغرم مثقلون } إشارة إلى أنه ~~صلى الله عليه وسلم ما طلب منهم شيئا ولو طالبهم بأجر ما كان لهم أن يتركوا ~~اتباعه بأدنى شيء ، اللهم إلا إن أثقلهم التكليف ويأخذ كل ما لهم ويمنعهم ~~التخليف فيثقلهم الدين بعد ما لا يبقى لهم العين . # ! 7 < { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 41 ) أم عندهم الغيب . . . . . # > > وهو على الترتيب الذي ذكرناه كأنه تعالى قال لهم : بم اطرحتم الشرع ~~ومحاسنه ، وقلتم ما قلتم بناء على اتباعكم الأوهام الفاسدة التي تسمونها ~~المعقولات ، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يطلب منكم أجرا وأنتم لا تعلمون ~~فلا عذر لكم لأن العذر إما في الغرامة وإما في عدم الحاجة إلى ما جاء به ~~ولا غرامة عليكم فيه ولا غنى لكم عنه وفيه مسائل : # المسألة الأولى : كيف التقدير ؟ قلنا لا حاجة إلى التقدير بل هو استفهام ~~متوسط على ما ذكرنا كأنه قال أتهديهم لوجه الله تعالى أم تسألهم أجرا ~~فيمتنعون أم لا حاجة لهم إلى ما تقول لكونهم عندهم الغيب فلا يتبعون . # المسألة الثانية : الألف واللام في ms8544 الغيب لتعريف ماذا ألجنس أو لعهد ؟ ~~نقول الظاهر أن المراد نوع الغيب كما يقول القائل اشترى اللحم يريد بيان ~~الحقيقة لأكل لحم ولا لحما معينا ، والمراد في قوله تعالى : { عالم الغيب ~~والشهادة } ( الأنعام : 73 ) الجنس واستغراقه لكل غيب . # المسألة الثالثة : على هذا كيف يصح عندهم الغيب وما عند الشخص لا يكون ~~غيبا ؟ نقول معناه حضر عندهم ما غاب عن غيرهم ، وقيل هذا متعلق بقوله { ~~نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) أي أعندكم الغيب تعلمون أنه يموت ~~قبلكم وهو ضعيف ، لبعد ذلك ذكر ، أو لأن قوله تعالى : { قل تربصوا } متصل ~~به وذلك يمنع اتصال هذا بذلك . # المسألة الرابعة : ما الفائدة في قوله { فهم يكتبون } ؟ نقول وضوح الأمر ~~، وإشارة إلى أن ما عند النبي صلى الله عليه وسلم من علم الغيب علم بالوحي ~~أمورا وأسرارا وأحكاما وأخبارا كثيرة كلها هو جازم بها وليس كما يقول ~~PageV28P228 المتفرس ، الأمر كذا وكذا ، فإن قيل اكتب به خطك أنه يكون ~~يمتنع ويقول أنا لا أدعي فيه الجزم والقطع ولكن أذكره كذا وكذا على سبيل ~~الظن والاستنباط وإن كان قاطعا يقول اكتبوا هذا عني ، وأثبتوا في الدواوين ~~أن في اليوم الفلاني يقع كذا وكذا فقوله { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } ~~يعني هل صاروا في درجة محمد صلى الله عليه وسلم حتى استغنوا عنه / وأعرضوا ~~، ونقل عن ابن قتيبة أن المراد من الكتابة الحكم معناه يحكمون وتمسك بقوله ~~صلى الله عليه وسلم : ( اقض بيننا بكتاب الله ) أي حكم الله وليس المراد ~~ذلك ، بل هو من باب الإضمار معناه بما في كتاب الله تعالى يقال فلان يقضي ~~بمذهب الشافعي أي بما فيه ، ويقول الرسول الذي معه كتاب الملك للرعية ~~اعملوا بكتاب الملك . # ! 7 < { أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 42 ) أم يريدون كيدا . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : ما وجه التعلق والمناسبة بين الكلامين ؟ قلنا يبين ذلك ~~ببيان المراد من قوله { أم يريدون كيدا } فبعض المفسرين قال أم يريدون أن ~~يكيدوك فهم المكيدون ، أي لا يقدرون على ms8545 الكيد فإن الله يصونك بعينه وينصرك ~~بصونه ، وعلى هذا إذا قلنا بقول من يقول { أم عندهم الغيب } ( القلم : 47 ) ~~متصل بقوله تعالى : { نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) فيه ترتيب في ~~غاية الحسن وهو أنهم لما قالوا { نتربص به ريب المنون } قيل لهم أتعلمون ~~الغيب فتعلمون أنه يموت قبلكم أم تريدون كيدا فتقولون نقتله فيموت قبلنا ~~فإن كنتم تدعون الغيب فأنتم كاذبون ، وإن كنتم تظنون أنكم تقدرون عليه ~~فأنتم غالطون فإن الله يصونه عنكم وينصره عليكم ، وأما على ما قلنا إن ~~المراد منه أنه صلى الله عليه وسلم لا يسألكم على الهداية مالا وأنتم لا ~~تعلمون ما جاء به لولا هدايته لكونه من الغيوب ، فنقول فيه وجوه الأول : أن ~~المراد من قوله تعالى : { أم يريدون كيدا } أي من الشيطان وإزاغته فيحصل ~~مرادهم كأنه تعالى قال أنت لا تسألهم أجرا وهم يعلمون الغيب فهم محتاجون ~~إليك وأعرضوا فقد اختاروا كيد الشيطان ورضوا بإزاغته ، والإرادة بمعنى ~~الاختيار والمحبة ، كما قال تعالى : { من كان يريد حرث الاخرة نزد له فى ~~حرثه } ( الشورى : 20 ) وكما قال : { ءالهة دون الله تريدون فما } ( ~~الصافات : 86 ) وأظهر من ذلك قوله تعالى : { إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك ~~} ( المائدة : 29 ) الوجه الثاني : أن يقال إن المراد والله أعلم أم يريدون ~~كيدا لله فهو واصل إليهم وهم عن قريب مكيدون ، وترتيب الكلام هو أنهم لما ~~لم يبق حجة في الإعراض فهم يريدون نزول العذاب بهم والله أرسل إليهم رسولا ~~لا يسألهم أجرا ويهديهم إلى ما لا علم لهم ولا كتاب عندهم وهم يعرضون ، فهم ~~يريدون إذا أن يهلكهم ويكيدهم ، لأن الاستدراج كيد والإملاء لازدياد الإثم ~~، كذلك لا يقال هو فاسد لأن الكيد والإساءة لا يطلق على فعل الله تعالى إلا ~~بطريق المقابلة ، وكذلك المكر فلا يقابله أساء الله إلى الكفار ولا اعتدى ~~الله إلا إذا ذكر أولا فيهم شيء من ذلك ، ثم قال بعد ذلك بسببه لفظا في حق ~~الله تعالى كما في قوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها ms8546 } ( الشورى : 40 ) ~~وقال : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } ( البقرة : 194 ) وقال : { ومكروا ~~ومكر الله } ( آل عمران : 54 ) وقال : { يكيدون كيدا * وأكيد كيدا } ( ~~الطارق : 15 ، 16 ) لأنا نقول الكيد ما يسوء من نزل به وإن حسن ممن وجد منه ~~، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام قال : { لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا ~~مدبرين } ( الأنبياء : 57 ) من غير مقابلة . PageV28P229 # / المسألة الثانية : ما الفائدة في قوله تعالى : { فالذين كفروا هم ~~المكيدون } وما الفرق بين معنى هذا الكلام ومعنى قول القائل : أم يريدون ~~كيدا فهم المكيدون ؟ نقول الفائدة كون الكافر مكيدا في مقابلة كفره لا في ~~مقابلة إرادته الكيد ولو قال : أم يريدون كيدا فهم المكيدون ، كان يفهم منه ~~أنهم إن لم يريدوه لا يكونوا مكيدين ، وهذا يؤيد ما ذكرناه أن المراد من ~~الكيد كيد الشيطان أو كيد الله ، بمعنى عذابه إياهم لأن قوله { فالذين ~~كفروا هم المكيدون } عام في كل كافر كاده الشيطان ويكيده الله أي يعذبه / ~~وصار المعنى على ما ذكرناه أتهديهم لوجه الله أم تسألهم أجرا فتثقلهم ~~فيمتنعون عن الاتباع ، أم عندهم الغيب فلا يحتاجون إليك فيعرضون عنك ، أم ~~ليس شيء من هذين الأمرين الأخيرين فيريدون العذاب ، والعذاب غير مدفوع عنهم ~~بوجه من الوجوه لكفرهم فالذين كفروا معذبون . # المسألة الثالثة : ما الفائدة في تنكير الكيد حيث لم يقل أم يريدون كيدك ~~أو الكيد أو غير ذلك ليزول الإبهام ؟ نقول فيه فائدة ، وهي الإشارة إلى ~~وقوع العذاب من حيث لا يشعرون فكأنه قال يأتيهم بغتة ولا يكون لهم به علم ~~أو يكون إيرادا لعظمته كما ذكرنا مرارا . # ! 7 < { أم لهم إلاه غير الله سبحان الله عما يشركون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 43 ) أم لهم إله . . . . . # > > أعاد التوحيد وهو يفيد فائدة قوله تعالى : { أم له البنات ولكم ~~البنون } ( الطور : 39 ) وفي { سبحان الله } بحث شريف : وهو أهل اللغة ~~قالوا : سبحان اسم علم للتسبيح ، وقد ذكرنا ذلك في تفسير قوله تعالى : { ~~فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) وأكثرنا من الفوائد ، ~~فإن قيل يجوز أن نقول ms8547 سبحان الله اسم مصدر ، ونقول سبحان على وزن فعلان ~~فنذكر سبحان من غير مواضع الإيقاع لله كما يقال في التسبيح ، نقول ذلك مثل ~~قول القائل من حرف جار وفي كلمة ظرف حيث يخبر عنه مع أن الحرف لا يخبر عنه ~~فيجاب بأن من وفى حينئذ جعلا كالاسم ولم يتركا على أصلهما المستعمل في مثل ~~قولك أخذت من زيد والدرهم في الكيس ، فكذلك سبحان فيما ذكر من المواضع لم ~~يترك على مواضع استعماله فإنه حينئذ لم يترك علما كما يقال زيد على وزن فعل ~~بخلاف التسبيح فيما ذكرنا . # المسألة الرابعة : ما في قوله تعالى : { عما يشركون } يحتمل وجهين أحدهما ~~: أن تكون مصدرية معناه سبحانه عن إشراكهم ثانيهما : خبرية معناه عن الذين ~~يشركون ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون عن الولد لأنهم كانوا يقولون البنات لله ~~فقال سبحان الله على البنات والبنين ، ويحتمل أن يكون عن مثل الآلهة لأنهم ~~كانوا يقولون هو مثل ما يعبدونه فقال سبحان الله عن مثل ما يعبدونه . # ! 7 < { وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب مركوم } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 44 ) وإن يروا كسفا . . . . . # > > وجه الترتيب فيه هو أنه تعالى لما بين فساد أقوالهم وسقوطها عن درجة ~~الاعتبار أشار إلى أنه لم يبق لهم شيء من وجه الاعتذار ، فإن الآيات ظهرت ~~والحجج تميزت ولم يؤمنوا ، وبعد ذلك { يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا ~~سحاب } أي ينكرون الآية لكن الآية إذا أظهرت في أظهر الأشياء كانت أظهر ، ~~وبيانه هو أن من يأتي بجسم من الأجسام من بيته وادعى فيه أنه فعل به كذا ~~فربما يخطر ببال السامع أنه في بيته ولما PageV28P230 يبدعه ، فإذا قال ~~للناس هاتوا جسما تريدون حتى أجعل لكم منه كذا يزول ذلك الوهم ، لكن أظهر ~~الأشياء عند الإنسان الأرض التي هي مهده وفرشه ، والسماء التي هي سقفه ~~وعرشه ، وكانت العرب على مذهب الفلاسفة في أصل المذهب ، ولا يلتفت إلى قول ~~الفلسفي نحن ننزه غاية التنزيه حتى لا نجوز رؤيته واتصافه بوصف زائد على ~~ذاته ليكون واحدا في ms8548 الحقيقة ، فكيف يكون مذهبنا مذهب من يشرك بالله صنما ~~منحوتا ؟ نقول أنتم لما نسبتم الحوادث إلى الكواكب وشرعتم في دعوة الكواكب ~~أخذ الجهال عنكم ذلك واتخذوه مذهبا وإذا ثبت أن العرب في الجاهلية كانت في ~~الأصل على مذهب الفلاسفة وهم يقولون بالطبائع فيقولون الأرض طبعها التكوين ~~والسماء طبعها يمنع الانفصل والانفكاك ، فقال الله تعالى ردا عليهم في ~~مواضع { إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفا من السماء } ( سبأ : 9 ) ~~إبطالا للطبائع وإيثارا للاختيار في الوقائع ، فقال ههنا إن أتينا بشيء ~~غريب في غاية الغرابة في أظهر الأشياء وهو السماء التي يرونها أبدا ويعلمون ~~أن أحدا لا يصل إليها ليعدد بالأدوية وغيرها ما يجب سقوطها لأنكروا ذلك ، ~~فكيف فيما دون ذلك من الأمور ، والذي يؤيد ما ذكرناه وأنهم كانوا على مذهب ~~الفلاسفة في أمر السماء أنهم قالوا { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } ~~( الإسراء : 92 ) أي ذلك في زعمك ممكن ، فأما عندنا فلا ، والكسفة القطعة ~~يقال كسفة من ثوب أي قطعة ، وفيه مباحث : # البحث الأول : استعمل في السماء لفظة الكسف ، واللغويون ذكروا استعمالها ~~في الثوب لأن الله تعالى شبه السماء بالثوب المنشور ، ولهذا ذكره فيما مضى ~~فقال : { والسماوات مطويات } ( الزمر : 67 ) وقال تعالى : { يوم نطوى ~~السماء } ( الأنبياء : 104 ) . # البحث الثاني : استعمل الكسف في السماء والخسف في الأرض فقال تعالى : { ~~نخسف بهم الارض } ( سبأ : 9 ) وهو يدل على قول من قال يقال في القمر خسوف ، ~~وفي الشمس كسوف ووجهه أن مخرج الخاء دون مخرج الكاف ومخرج الكاف فوقه متصل ~~به فاستعمل وصف الأسفل للأسفل والأعلى للأعلى ، فقالوا في الشمس والسماء ~~الكسوف والكسف ، وفي القمر والأرض الخسوف والخسف ، وهذا من قبيل قولهم في ~~الماتح والمايح إن ما نقطه فوق لمن فوق البئر وما نقطه من أسفل عند من يجوز ~~نقطه من أسفل لمن تحت في أسفل البئر . # البحث الثالث : قال في السحاب ونجعله كسفا مع أنه تحت القمر ، وقال في ~~القمر { وانشق القمر } ( القيامة : 8 ) وذلك لأن القمر عند الخسوف ms8549 له نظير ~~فوقه وهو الشمس عند الكسوف والسحاب / اعتبر فيه نسبته إلى أهل الأرض حيث ~~ينظرون إليه ، فلم يقل في القمر خسف بالنسبة إلى السحاب وإنما قيل ذلك ~~بالنسبة إلى الشمس وفي السحاب قيل بالنسبة إلى الأرض . # المسألة الثانية : ساقطا يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون مفعولا ثانيا يقال ~~رأيت زيدا عالما وثانيهما : أن يكون حالا كما يقال ضربته قائما ، والثاني ~~أولا لأن الرؤية عند التعدي إلى مفعولين في أكثر الأمر تكون بمعنى العلم ، ~~تقول أرى هذا المذهب صحيحا وهذا الوجه ظاهرا وعند التعدي إلى واحد تكون ~~بمعنى رأي العين في الأكثر تقول رأيت زيدا وقال تعالى : { لما رأوا بأسنا } ~~( غافر : 84 ) ، وقال : { فإما ترين من البشر أحدا } ( مريم : 26 ) والمراد ~~في الآية رؤية العين . PageV28P231 # المسألة الثالثة : في قوله { ساقطا } فائدة لا تحصل في غير السقوط ، وذلك ~~لأن عندهم لا يجوز الانفصال على السماوات ولا يمكن نزولها وهبوطها ، فقال ~~ساقطا ليكون مخالفا لما يعتقدونه من وجهين أحدهما : الانفصال والآخر : ~~السقوط ولو قال وإن يروا كسفا منفصلا أو معلقا لما حصلت هذه الفائدة . # المسألة الرابعة : في قوله { يقولوا } فائدة أخرى ، وذلك لأنه يفيد بيان ~~العناد الذي هو مقصود سرد الآية ، وذلك لأنهم في ذلك الوقت يستخرجون وجوها ~~حتى لا يلزمهم التسليم فيقولون سحاب قولا من غير عقيدة ، وعلى هذا يحتمل أن ~~يقال { وإن يروا } المراد العلم ليكون أدخل في العناد ، أي إذا علموا ~~وتيقنوا أن السماء ساقطة غيروا وعاندوا ، وقالوا هذا سحاب مركوم . # المسألة الخامسة : قوله تعالى : { يقولوا سحاب مركوم } إشارة إلى أنهم ~~حين يعجزون عن التكذيب ولا يمكنهم أن يقولوا لم يقع شيء على الأرض يرجعون ~~إلى التأويل والتخييل وقوله { مركوم } أي مركب بعضه على بعض كأنهم يدفعون ~~عن أنفسهم ما يورد عليهم بأن السحاب كالهواء لا يمنع نفوذ الجسم فيه ، وهذا ~~أقوى مانع فيقولون إنه ركام فصار صلبا قويا . # المسألة السادسة : في إسقاط كلمة الإشارة حيث لم يقل : يقولوا هذا ، ~~إشارة إلى وضوح الأمر وظهور العناد فلا يستحسنون أن يأتوا ms8550 بما لا يبقى معه ~~مراء فيقولون { سحاب مركوم } مع حذف المبتدأ ليبقى للقائل فيه مجال فيقول ~~عند تكذيب الخلق إياهم ، قلنا { سحاب مركوم } شبهه ومثله ، وأن يتمشى الأمر ~~مع عوامهم استمروا ، وهذا مجال من يخاف من كلام ولا يعلم أنه يقبل منه أو ~~لا يقبل ، فيجعله ذا وجهين ، فإن رأى النكر على أحدهما فسره بالآخرون وإن ~~رأى القبول خرج بمراده . # ! 7 < { فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذى فيه يصعقون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 45 ) فذرهم حتى يلاقوا . . . . . # > > أي إذا تبين أنهم لا يرجعون فدعهم حتى يلاقوا وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : { فذرهم } أمر وكان يجب أن يقال لم يبق للنبي صلى ~~الله عليه وسلم جواز دعائهم إلى الإسلام وليس كذلك ، والجواب عنه من وجوه ~~أحدها : أن هذه الآيات مثل قوله تعالى : { فأعرض } ( النساء : 63 ) { تول ~~عنهم } ( الصافات : 78 ) إلى غير ذلك كلها منسوخة بآية القتال وهو ضعيف ، ~~ثانيها : ليس المراد الأمر وإنما المراد التهديد كما يقول سيد العبد الجاني ~~لمن ينصحه دعه فإنه سينال وبال جنايته ثالثها : أن المراد من يعاند وهو غير ~~معين والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الخلق على سبيل العموم ويجوز أن ~~يكون المراد بالخطاب من لم يظهر عناده لا من ظهر عناده فلم يقل الله في حقه ~~{ فذرهم } ويدل على هذا أنه تعالى قال من قبل { فذكر فما أنت بنعمة ربك ~~بكاهن ولا مجنون } ( الطور : 29 ) وقال ههنا { فذرهم } فمن يذكرهم هم ~~المشفقون الذين { قالوا إنا كنا قبل فى أهلنا مشفقين } ( الطور : 26 ) ومن ~~يذرهم الذين قالوا { شاعر نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) إلى غير ~~ذلك . # المسألة الثانية : { حتى } للغاية فيكون كأنه تعالى قال : ذرهم إلى ذلك ~~اليوم ولا تكلمهم ثم ذلك اليوم PageV28P232 تجدد الكلام وتقول ألم أقل لكم ~~إن الساعة آتية وإن الحساب يقوم والعذاب يدوم فلا تكلمهم إلى ذلك اليوم ثم ~~كلمهم لتعلمهم ثانيها : أن المراد من حتى الغاية التي يستعمل فيها اللام ~~كما يقول القائل لا تطعمه حتى يموت أي ليموت ، لأن اللام التي ms8551 للغرض عندها ~~ينتهي الفعل الذي للغرض فيوجد فيها معنى الغاية ومعنى التعليل ويجوز ~~استعمال الكلمتين فيها ولعل المراد من قوله تعالى : { واعبد ربك حتى يأتيك ~~اليقين } ( الحجر : 99 ) هذا أي إلى أن يأتيك اليقين ، فإن قيل فمن لا يذره ~~أيضا يلاقي ذلك اليوم ، نقول المراد من قوله { يصعقون } يهلكون فالمذكر ~~المشفق لا يهلك ويكون مستثنى منهم كما قال تعالى : { فصعق من فى * السماوات ~~* ومن الارض * إلا من شاء الله } ( الزمر : 68 ) وقذ ذكرنا هناك أن من ~~اعترف بالحق وعلم أن يوم الحساب كائن فإذا وقعت الصيحة يكون كمن يعلم أن ~~الرعد يرعد ويستعد لسماعه ، ومن لا يعلم يكون كالغافل ، فإذا وقعت الصيحة ~~ارتجف الغافل ولم يرتجف العالم ، وحينئذ يكون التوعد بملاقاة يومهم لأن كل ~~أحد يلاقي يومه وإنما يكون بملاقاة يومهم الذي فيه يصعقون ، أي اليوم ~~الموصوف بهذه الصفة ، وهذا كما قال تعالى : { لولا أن تداركه نعمة من ربه ~~لنبذ بالعراء وهو مذموم } ( القلم : 49 ) فإن المنفي ليس النبذ بالعراء ~~لأنه تحقق بدليل قوله تعالى : { فنبذناه بالعراء وهو سقيم } ( الصافات : ~~145 ) وإنما المنفي النبذ الذي يكون معه مذموما وهذا لم يوجد . # المسألة الثالثة : { حتى } ينصب ما بعدها من الفعل المستقبل تارة ويرفع ~~أخرى والفاصل بينهما أن الفعل إذا كان مستقبلا منتظرا لا يقع في الحال ينصب ~~تقول تعلمت الفقه حتى ترتفع درجتي فإنك تنتظره وإن كان حالا يرفع تقول أكرر ~~حتى تسقط قوتي ثم أنام ، والسبب فيه هو أن حتى المستقبل للغاية ولام ~~التعليل للغرض والغرض غاية الفعل ، تقول لم تبنى الدار يقول للسكنى أنصار ~~قوله حتى ترفع كقوله لأرفع وفيهما إضمار أن ، فإن قيل ما قلت شيئا وما ذكرت ~~السبب في النصب عند إرادة الاستقبال والرفع عند إرادة الحال / نقول الفعل ~~المستقبل إذا كان منتظرا وكان / تصب العين ومنصوبا لدى الذهن يرقبه يفعل ~~بلفظه ما كان في معناه ، ولهذا قالوا في الإضافة أن المضاف لما جر أمرا إلى ~~أمر في المعنى جزء في اللفظ ، والذي يؤيد ما ذكرنا أن ms8552 الفعل إنما ينصب بأن ~~ولن وكي وإذن ، وخلوص الفعل للاستقبال في هذه المواضع لازم والحرف الذي ~~يجعل الفعل للحال يمنع النصب حيث لا يجوز أن تقول إن فلانا ليضرب فإن قيل : ~~السين وسوف مع أنهما يخلصان الفعل للاستقبال لا ينصبان ويمنعان النصب ~~بالناصب كما في قوله تعالى : { علم أن سيكون منكم مرضى } ( المزمل : 20 ) ~~نقول : سوف والسين ليسا بمعنى غير اختصاص الفعل بالاستقبال وأن ولن بمعنى ~~لا يصح إلا في الاستقبال فلم يثبت بالسين إلا الاستقبال ولم يثبت به معنى ~~في الاستقبال والمنتظر هو ما في الاستقبال لا نفس الاستقبال ، مثاله إذا ~~قلت أعبد الله كي يغفر لي أو ليغفر لي أثبتت كي غرضا وهو المغفرة ، وهي في ~~المستقبل من الزمان ، وإذا قلت : أستغفرك ربي أثبتت السين استقبال المغفرة ~~، وفرق بين ما يكون المقصود من الكلام بيان الاستقبال ، لكن الاستقبال لا ~~يوجد إلا في معنى فأتى بالمعنى ليبين به الاستقبال وبين ما يكون المقصود ~~منه معنى في المستقبل فتذكر الاستقبال لتبين محل مقصودك . # ! 7 < { يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون } . > 7 @QB@ < # | الطور : ( 46 ) يوم لا يغني . . . . . # > > PageV28P233 # لما قال : { يلاقوا يومهم } ( الطور : 45 ) وكل بر وفاجر يلاقي يومه أعاد ~~صفة يومهم وذكر ما يتميز به يومهم عن يوم المؤمنين فقال : { يوم لا يغنى } ~~وهو يخالف يوم المؤمنين فإنه تعالى قال فيه { يوم ينفع الصادقين } ( ~~المائدة : 119 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في { يوم لا يغنى } وجهان الأول : بدل عن قوله { يومهم ~~} ( الطور : 45 ) ثانيهما : ظرف { يلاقوا } أي يلاقو يومهم يوم ، فإن قيل ~~هذا يلزم منه أن يكون اليوم في يوم فيكون اليوم ظرف اليوم نقول هو على حد ~~قول من يقول يأتي يوم قتل فلان يوم تبين جرائمه ولا مانع منه ، وقد ذكرنا ~~بحث الزمان وجواز كونه ظرفا في قوله تعالى : { يومئذ } وجواز إضافة اليوم ~~إلى الزمان مع أنه زمان . # المسألة الثانية : قال تعالى : { يوم لا يغنى عنهم كيدهم } ولم يقل يوم ~~لا يغنيهم كيدهم مع أن الإغناء يتعدى ms8553 بنفسه لفائدة جليلة وهي أن قول القائل ~~أغناني كذا يفهم منه أنه نفعني ، وقوله أغنى عني يفهم منه أنه دفع عني ~~الضرر وذلك لأن قوله أغناني معناه في الحقيقة أفادني غير مستفيد وقوله : ~~أغنى عني ، أي لم يحوجني إلى الحضور فأغنى غيري عن حضوري يقول من يطلب لأمر ~~: خذوا عني ولدي ، فإنه يغني عني أي يغنيكم عني فيدفع عني أيضا مشقة الحضور ~~فقوله { لا يغنى عنهم } أي لا يدفع عنهم الضرر ، ولا شك أن قوله لا يدفع ~~عنهم ضررا أبلغ من قوله لا ينفعهم نفعا وإنما في المؤمن لو قال يوم يغني ~~عنهم صدقهم لما فهم منه نفعهم فقال : { يوم ينفع } ( المائدة : 119 ) كأنه ~~قال يوم يغنيهم / صدقهم ، فكأنه استعمل في المؤمن يغنيهم وفي الكافر لا ~~يغني عنهم وهو مما لا يطلع عليه إلا من يكون عنده من علم البيان طرف ويتفكر ~~بقريحة وقادة آيات الله ووفقه الله . # المسألة الثالثة : الأصل تقديم الفاعل على المفعول والأصل تقديم المضمر ~~على المظهر ، أما في الأول فلأن الفاعل متصل بالفعل ولهذا قالوا فعلت ~~فأسكنوا اللام لئلا يلزم أربع متحركات في كلمة واحدة وقالوا ضربك ولم ~~يسكنوا لأن الكاف ضمير المفعول وهو منفصل ، وأما تقديم المضمر فلأنه يكون ~~أشد اختصارا ، فإنك إذا قلت ضربني زيد يكون أقرب إلى الاختصار من قولك ضرب ~~زيد إياي فإن لم يكن هناك اختصار كقولك مربي زيد ومربي فالأولى تقديم ~~الفاعل ، وههنا لو قال يوم لا يغنيهم كيدهم كان الأحسن تقديم المفعول ، ~~فإذا قال يوم لا يغني عنهم صار كما قلنا في مر زيد بي فلم لم يقدم الفاعل ، ~~نقول فيه فائدة مستفادة من علم البيان ، وهو أن تقديم الأهم أولى فلو قال ~~يوم لا يغني كيدهم كان السامع لهذا الكلام ربما يقول لا يغني كيدهم غيرهم ~~فيرجو الخير في حقهم وإذا سمع لا يغني عنهم انقطع رجاؤه وانتظر الأمر الذي ~~ليس بمغن . # المسألة الرابعة : قد ذكرنا أن معنى الكيد هو فعل يسوء من نزل به وإن حسن ~~ممن ms8554 صدر منه ، فما الفائدة في تخصيص العمل الذي يسوء بالذكر ولم يقل يوم لا ~~يغني عنهم أفعالهم على الإطلاق ؟ نقول هو قياس بالطريق الأولى لأنهم كانوا ~~يأتون بفعل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وكانوا يعتقدون أنه أحسن ~~أعمالهم فقال ما أغنى أحسن أعمالهم الذي كانوا يعتقدون فيه ليقطع رجاءهم ~~عما دونه ، وفيه وجه آخر وهو أنه تعالى لما قال من قبل { أم يريدون كيدا } ~~( الطور : 42 ) وقد قلنا إن أكثر المفسرين على أن المراد به تدبيرهم في قتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : { هم المكيدون } أي لا ينفعهم كيدهم في ~~الدنيا فماذا يفعلون يوم لا ينفعهم ذلك الكيد بل يضرهم وقوله { ولا هم ~~ينصرون } PageV28P234 فيه وجوه أحدها : أنه متمم بيان وجهه هو أن الداعي ~~أولا يرتب أمورا لدفع المكروه بحيث لا يحتاج إلى الانتصار بالغير والمنة ثم ~~إذا لم ينفعه ذلك ينتصر بالأغيار ، فقال لا ينفعهم أفعال أنفسهم ولا ينصرهم ~~عند اليأس وحصول اليأس عن إقبالهم ثانيها : أن المراد منه ما هو المراد من ~~قوله تعالى : { لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون } ( يس : 23 ) ، فقوله ~~{ يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا } أي عبادتهم الأصنام ، وقولهم { هؤلاء ~~شفعاؤنا } ( يونس : 18 ) وقولهم { ما نعبدهم إلا ليقربونا } ( الزمر : 3 ) ~~وقوله { ولا هم ينصرون } ، أي لا نصير لهم كما لا شفيع ، ودفع العذاب ، إما ~~بشفاعة شفيع أو بنصر ناصر ثالثها : أن نقول الإضافة في كيدهم إضافة المصدر ~~إلى المفعول ، لا إضافته إلى الفاعل ، فكأنه قال لا يغني عنهم كيد الشيطان ~~إياهم ، وبيانه هو أنك تقول أعجبني ضرب زيدا عمرا ، وأعجبني ضرب عمرو ، ~~فإذا اقتصرت على المصدر والمضاف إليه لا يعلم إلا بالقرينة والنية ، فإذا ~~سمعت قول القائل ، أعجبني ضرب زيد يحتمل أن يكون زيد ضاربا ويحتمل أن يكون ~~مضروبا فإذا سمعت قول القائل ، أعجبني قطع اللص على سرقته دلت القرينة على ~~أنه مضاف إلى المفعول ، فإن قيل هذا فاسد من حيث إنه إيضاح واضح / لأن كيد ~~المكيد لا ينفع قطعا ، ولا ms8555 يخفى على أحد ، فلا يحتاج إلى بيان ، لكن كيد ~~الكائد يظن أنه ينفع فقال تعالى : ذلك لا ينفع ، نقول كيد الشيطان إياهم ~~على عبادة الأصنام وهم كانوا يظنون أنها تنفع ، وأما كيدهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم كانوا يعلمون أنه لا ينفع في الآخرة وإنما طلبوا أن ينفعهم في ~~الدنيا لا في الآخرة فالإشكال ينقلب على صاحب الوجه الأول ولا إشكال على ~~الوجهين جميعا إذا تفكرت فيما قلناه . # ! 7 < { وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولاكن أكثرهم لا يعلمون } . > 7 ! # < < # | الطور : ( 47 ) وإن للذين ظلموا . . . . . # > > في اتصال الكلام وجهان أحدهما : متصل بقوله تعالى : { فذرهم } ( ~~الطور : 5 ) وذلك لأنه يدل على عدم جواز القتال ، وقد قيل إنه نازل قبل شرع ~~القتال ، وحينئذ كأنه قال فذرهم ولا تذرهم مطلقا من غير قتال ، بل لهم قبل ~~يوم القيامة عذاب يوم بدر حيث تؤمر بقتالهم ، فيكون بيانا وعدا ينسخ فذرهم ~~بالعذاب يوم بدر ثانيهما : هو متصل بقوله تعالى : { لا يغنى } ( الطور : 46 ~~) وذلك لأنه لما بين أن كيدهم لا يغني عنهم قال ولا يقتصر على عدم الإغناء ~~بل لهم مع أن كيدهم لا يغني ويل آخر وهو العذاب المعد لهم ، ولو قال لا ~~يغني عنهم كيدهم كان يوهم أنه لا ينفع ولكن لا يضر ولما قال مع ذلك { وإن ~~للذين ظلموا عذابا } زال ذلك ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الذين ظلموا هم أهل مكة إن قلنا العذاب هو عذاب يوم بدر ~~، وإن قلنا العذاب هو عذاب القبر فالذين ظلموا عام في كل ظالم . # المسألة الثانية : ما المراد من الظلم ههنا ؟ نقول فيه وجوه الأول : هو ~~كيدهم نبينهم ، والثاني : عبادتهم الأوثان ، والثالث : كفرهم وهذا مناسب ~~للوجه الثاني . # المسألة الثالثة : دون ذلك ، على قول أكثر المفسرين معناه قبل ويؤيده ~~قوله تعالى : { ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر } ( السجدة : ~~21 ) ويحتمل وجهين آخرين أحدهما : دون ذلك ، أي أقل من ذلك في الدوام ~~والشدة يقال الضرب دون القتل في الإيلام ، ولا شك أن عذاب الدنيا دون عذاب ~~الآخرة ms8556 PageV28P235 على هذا المعنى ، وعلى هذا ففيه فائدة التنبيه على عذاب ~~الآخرة العظيم وذلك لأنه إذا قال عذابا دون ذلك أي قتلا وعذابا في القبر ~~فيتفكر المتفكر ويقول ما يكون القتل دونه لا يكون إلا عظيما ، فإن قيل فهذا ~~المعنى لا يمكن أن يقال في قوله تعالى : { ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون ~~العذاب الاكبر } قلنا نسلم ذلك ولكن لا مانع من أن يكون المراد ههنا هذا ~~الثاني على طريقة قول القائل : تحت لجاجك مفاسد ودون غرضك متاعب ، وبيانه ~~هو أنهم لما عبدوا غير الله ظلموا أنفسهم حيث وضعوها في غير موضعها الذي ~~خلقت له فقيل لهم إن لكم دون ذلك الظلم عذابا . # المسألة الرابعة : { ذالك } إشارة إلى ماذا ؟ نقول الظاهر أنه إشارة إلى ~~اليوم وفيه وجهان / آخران أحدهما : في قوله { يصعقون } ( الطور : 45 ) ~~وقوله { يغنى عنهم } ( الطور : 46 ) إشارة إلى عذاب واقع فقوله ذلك إشارة ~~إليه ، ويمكن أن يقال قد تقدم قوله { إن عذاب ربك لواقع } ( الطور : 7 ) ~~وقوله { دون ذلك } ، أي دون ذلك العذاب ثانيهما : { دون ذلك } ، أي كيدهم ~~فذلك إشارة إلى الكيد وقد بينا وجهه في المثال الذي مثلنا وهو قول القائل : ~~تحت لجاجك حرمانك ، والله أعلم . # المسألة الخامسة : { ولاكن أكثرهم لا يعلمون } ذكرنا فيه وجوها أحدها : ~~أنه جرى على عادة العرب حيث تعبر عن الكل بالأكثر كما قال تعالى : { أكثرهم ~~بهم مؤمنون } ( سبأ : 41 ) ثم إن الله تعالى تكلم على تلك العادة ليعلم أن ~~الله استحسنها من المتكلم حيث يكون ذلك بعيدا عن الخلف ثانيها : منهم من ~~آمن فلم يكن ممن لا يعلم ثالثها : هم في أكثر الأحوال لم يعلموا وفي بعض ~~الأحوال علموا وأقله أنهم علموا حال الكشف وإن لم ينفعهم . # المسألة السادسة : مفعول { لا يعلمون } جاز أن يكون هو ما تقدم من الأمر ~~: وهو أن لهم عذابا دون ذلك / وجاز أن لا يكون له مفعول أصلا ، فيكون ~~المراد أكثرهم غافلون جاهلون . # ! 7 < { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم } . > 7 ~~@QB@ < # | الطور : ( 48 ) واصبر ms8557 لحكم ربك . . . . . # > > # وقد ذكرناه في تفسير قوله تعالى : { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس } ( طه : 130 ) ونشير إلى بعضه ههنا فإن طول العهد ينسي ، ~~فنقول لما قال تعالى : { فذرهم } ( الطور : 45 ) كان فيه الإشارة إلى أنه ~~لم يبق في نصحهم نفع ولا سيما وقد تقدم قوله تعالى : { وإن يروا كسفا من ~~السماء } ( الطور : 44 ) وكان ذلك مما يحمل النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الدعاء كما قال نوح عليه السلام { رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا } ~~( نوح : 26 ) وكما دعا يونس عليه السلام فقال تعالى : { واصبر } وبدل اللعن ~~بالتسبيح { وسبح بحمد ربك } بدل قولك اللهم أهلكهم ألا ترى إلى قوله تعالى ~~: { فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت } ( القلم : 48 ) وقوله تعالى : { ~~فإنك بأعيننا } فيه وجوه الأول : أنه تعالى لما بين أنهم يكيدونه كان ذلك ~~مما يقتضي في العرف المبادرة إلى إهلاكهم لئلا يتم كيدهم فقال : اصبر ولا ~~تخف ، فإنك محفوظ بأعيننا ثانيها : أنه تعالى قال فاصبر ولا تدع عليهم فإنك ~~بمرأى منا نراك وهذه الحالة تقتضي أن تكون على أفضل ما يكون من الأحوال لكن ~~كونك مسبحا لنا أفضل من كونك داعيا على عباد خلقناهم ، فاختر الأفضل فإنك ~~بمرأى منا ثالثها : أن من يشكو حاله عند PageV28P236 غيره يكون فيه إنباء ~~عن عدم علم المشكو إليه بحال الشاكي فقال تعالى : اصبر ولا تشك حالك فإنك ~~بأعيننا نراك فلا فائدة في شكواك ، وفيه مسائل مختصة بهذا الموضع لا توجد ~~في قوله { فاصبر على ما يقولون } ( طه : 130 ) . # المسألة الأولى : اللام في قوله { واصبر لحكم } تحتمل وجوها : الأول : هي ~~بمعنى إلى أي اصبر إلى أن يحكم الله الثاني : الصبر فيه معنى الثبات ، ~~فكأنه يقول فاثبت لحكم ربك يقال / ثبت فلان لحمل قرنه الثالث : هي اللام ~~التي تستعمل بمعنى السبب يقال لم خرجت فيقال لحكم فلان علي بالخروج فقال : ~~{ واصبر } واجعل سبب الصبر امتثال الأمر حيث قال واصبر لهذا الحكم عليك لا ~~لشيء آخر . # المسألة الثانية : قال ms8558 ههنا { بأعيننا } وقال في مواضع أخر { ولتصنع على ~~عينى } ( طه : 39 ) نقول لما وحد الضمير هناك وهو ياء المتكلم وحده وحد ~~العين ولما ذكر ههنا ضمير الجمع في قوله { بأعيننا } وهو النون جمع العين ، ~~وقال : { بأعيننا } هذا من حيث اللفظ ، وأما من حيث المعنى فلأن الحفظ ههنا ~~أتم لأن الصبر مطية الرحمة بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث اجتمع له الناس ~~وجمعوا له مكايد وتشاوروا في أمره ، وكذلك أمره بالفلك وأمره بالاتخاذ عند ~~عدم الماء وحفظه من الغرق مع كون كل البقاع مغمورة تحت الماء تحتاج إلى حفظ ~~عظيم في نظر الخلق فقال { بأعيننا } . # المسألة الثالثة : ما وجه تعلق الباء ههنا قلنا قد ظهر من جميع الوجوه ، ~~أما إن قلنا بأنه للحفظ فتقديره محفوظ بأعيننا ، وإن قلنا للعلم فمعناه ~~بمرأى منا أي بمكان نراك وتقديره فإنك بأعيننا مرئي وحينئذ هو كقول القائل ~~رأيته بعيني كما يقال كتب بالقلم الآلة وإن كان رؤية الله ليست بآلة ، فإن ~~قيل فما الفرق في الموضعين حيث قال في طه { على عينى } ( طه : 39 ) وقال ~~ههنا { بأعيننا } وما الفرق بين على وبين الباء نقول معنى على هناك هو أنه ~~يرى على ما يرضاه الله تعالى ، كما يقول أفعله على عيني أي على رضاي تقديره ~~على وجه يدخل في عيني وألتفت إليه فإن من يفعل شيئا لغيره ولا يرتضيه لا ~~ينظر فيه ولا يقلب عينه إليه والباء في قوله { وسبح بحمد ربك } قد ذكرناها ~~وقوله { حين تقوم } فيه وجوه الأول : تقوم من موضعك والمراد قبل القيام حين ~~ما تعزم على القيام وحين مجيء القيام ، وقد ورد في الخبر أن من قال : ( ~~سبحان الله ) من قبل أن يقوم من مجلسه يكتب ذلك كفارة لما يكون قد صدر منه ~~من اللفظ واللغو في ذلك المجلس الثاني : حين تقوم من النوم ، وقد ورد أيضا ~~فيه خبر يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان ( يسبح بعد الانتباه ) الثالث ~~: حين تقوم إلى الصلاة وقد ورد في الخبر أنه صلى الله ms8559 عليه وسلم كان يقول ~~في افتتاح الصلاة ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إلاه ~~غيرك ) الرابع : حين تقوم لأمر ما ولا سيما إذا قمت منتصبا لمجاهدة قومك ~~ومعاداتهم والدعاء عليهم { فسبح بحمد ربك } وبدل قيامك للمعاداة وانتصابك ~~للانتقام بقيامك لذكر الله وتسبيحه الخامس : { حين تقوم } أي بالنهار ، فإن ~~الليل محل السكون والنهار محل الإبتغاء وهو بالقيام أولى ، ويكون كقوله { ~~ومن اليل فسبحه } إشارة إلى ما بقي من الزمان وكذلك { وإدبار النجوم } ( ~~الطور : 49 ) وهو أول الصبح . # ! 7 < { ومن اليل فسبحه وإدبار النجوم } . > 7 @QB@ < # | الطور : ( 49 ) ومن الليل فسبحه . . . . . # > > # وقوله تعالى : { ومن اليل فسبحه وإدبار النجوم } . PageV28P237 # / وقد تقدم تفسيره وهو كقوله تعالى : { فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون } ( الروم : 17 ) وقد ذكرنا فائدة الاختصاص بهذه الأوقات ومعناه ، ~~ونختم هذه السورة بفائدة وهي أنه تعالى قال ههنا { وإدبار النجوم } وقال في ~~{ وأدبار السجود } ( ق: 40 ) ، ويحتمل أن يقال المعنى واحد والمراد من ~~السجود جمع ساجد وللنجوم سجود قال تعالى : { والنجم والشجر يسجدان } ( ~~الرحمن : 6 ) وقيل المراد من النجم نجوم السماء وقيل النجم ما لا ساق له من ~~النبات قال الله تعالى : { ولله يسجد ما فى * السماوات وما في الارض } ( ~~النحل : 49 ) أو المراد من النجوم الوظائف وكل وظيفة نجم في اللغة أي إذا ~~فرغت من وظائف الصلاة فقل سبحان الله ، وقد ورد في الحديث : ( من قال عقيب ~~الصلاة سبحان الله عشر مرات والحمد لله عشر مرات والله أكبر عشر مرات كتب ~~له ألف حسنة ) فيكون المعنى في الموضعين واحد لأن السجود من الوظائف ~~والمشهور والظاهر أن المراد من إدبار النجوم وقت الصبح حيث يدبر النجم ~~ويخفى ويذهب ضياؤه بضوء الشمس ، وحينئذ تبين ما ذكرنا من الوجه الخامس في ~~قوله { حين تقوم } ( الطور : 48 ) أن المراد منه النهار لأنه محل القيام { ~~ومن اليل } القدر الذي يكون الإنسان في يقظان فيه { وإدبار النجوم } وقت ~~الصبح فلا يخرج عن التسبيح إلا وقت النوم ، وهذا آخر تفسير هذه السورة ~~والله أعلم ، والحمد لله رب ms8560 العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم . # PageV28P238 < # > 1 ( سورة النجم ) 1 < # > # ستون وآيتان مكية # ! 7 < { والنجم إذا هوى . > 7 ! # / < < # | النجم : ( 1 ) والنجم إذا هوى # > > وقبل الشروع في التفسير نقدم مسائل ثم نتفرغ للتفسير وإن لم تكن منه ~~: # الأولى : أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها لفظا ومعنى ، أما اللفظ ~~فلأن ختم الطور بالنجم ، وافتتاح هذه بالنجم مع واو القسم ، وأما المعنى ~~فنقول : الله تعالى لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { ومن الليل فسبحه ~~وإدبار النجوم } ( الطور : 49 ) بين له أنه جزأه في أجزاء مكايدة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، بالنجم وبعده فقال : { ما ضل صاحبكم وما غوى } ( النجم : ~~2 ) . # المسألة الثانية : السورة التي تقدمت وافتتاحها بالقسم بالأسماء دون ~~الحروف وهي الصافات والذاريات ، والطور ، وهذه السورة بعدها بالأولى فيها ~~القسم لإثبات الوحدانية كما قال تعالى : { إن إلاهكم لواحد } ( الصافات : 4 ~~) وفي الثانية لوقوع الحشر والجزاء كما قال تعالى : { إنما توعدون لصادق * ~~وإن الدين لواقع } ( الذاريات : 5 ، 6 ) وفي الثالثة لدوام العذاب بعد ~~وقوعه كما قال تعالى : { إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع } ( الطور : 7 ~~/ 8 ) . # وفي هذه السورة لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم لتكمل الأصول الثلاثة : ~~الوحدانية ، والحشر ، والنبوة . # المسألة الثالثة : لم يقسم الله على الوحدانية ولا على النبوة كثيرا ، ~~أما على الوحدانية فلأنه أقسم بأمر واحد في سورة الصافات ، وأما على النبوة ~~فلأنه أقسم بأمر واحد في هذه السورة وبأمرين في سورة الضحى وأكثر من القسم ~~على الحشر وما يتعلق به فإن قوله تعالى : { واليل إذا يغشى } ( الليل : 1 ) ~~وقوله تعالى : { والشمس وضحاها } ( الشمس : 1 ) وقوله تعالى : { والسماء ~~ذات البروج } ( البروج : 1 ) إلى غير ذلك ، كلها فيها الحشر أو ما يتعلق به ~~، وذلك لأن دلائل الوحدانية كثيرة كلها عقلية كما قيل : # % وفي كل شيء له آية % % تدل على أنه واحد % % PageV28P239 # ودلائل النبوة أيضا كثيرة وهي المعجزات المشهورة والمتواترة ، وأما الحشر ~~فإمكانه يثبت بالعقل ، وأما وقوعه فلا يمكن إثباته إلا بالسمع فأكثر القسم ~~ليقطع به المكلف ms8561 ويعتقده اعتقادا جازما ، وأما التفسير ففيه مسائل : # الأولى : الواو للقسم بالنجم أو برب النجم ففيه خلاف قدمناه ، والأظهر ~~أنه قسم بالنجم / يقال ليس للقسم في الأصل حرف أصلا لكن الباء والواو ~~استعملنا فيه لمعنى عارض ، وذلك لأن الباء في أصل القسم هي الباء التي ~~للإلصاق والاستعانة فكما يقول القائل : استعنت بالله ، يقول : أقسمت بالله ~~، وكما يقول : أقوم بعون الله على العدو ، يقول : أقسم بحق الله فالباء ~~فيهما بمعنى كما تقول : كتب بالقلم ، فالباء في الحقيقة ليست للقسم غير أن ~~القسم كثر في الكلام فاستغنى عن ذكره وغيره لم يكثر فلم يستغن عنه ، فإذا ~~قال القائل : بحق زيد فهم منه القسم لأن المراد لو كان هو مثل قوله : ادخل ~~زيد ، أو اذهب بحق زيد ، أو لم يقسم بحق زيد لذكر كما ذكر في هذه الأشياء ~~لعدم الاستغناء فلما لم يذكر شيء علم أن الحذف للشهرة والاستغناء ، وذلك ~~ليس في غير القسم فعلم أن المحذوف فعل القسم ، فكأنه قال : أقسم بحق زيد ، ~~فالباء في الأصل ليس للقسم لكن لما عرض ما ذكرنا من الكثرة والاشتهار قيل ~~الباء للقسم ، ثم إن المتكلم نظر فيه فقال هذا لا يخلو عن التباس فإني إذا ~~قلت بالله توقف السامع فإن سمع بعده فعلا غير القسم كقوله : بالله استعنت ~~وبالله قدرت وبالله مشيت وأخذت ، لا يحمله على القسم ، وإن لم يسمع حمله ~~على القسم إن لم يتوهم وجود فعل ما ذكرته ولم يسمعه ، أما إن توهم أني ذكرت ~~مع قولي بالله شيئا آخر وما سمعه هو أيضا يتوقف فيه ففي الفهم توقف ، فإذا ~~أراد المتكلم الحكيم إذهاب ذلك مع الاختصار وترك ما استغنى عنه ، وهو فعل ~~القسم أبدل الباء بالتاء ، وقال : تالله ، فتكلم بها في كلمة الله لاشتهار ~~كلمة الله والأمن من الإلتباس فإن التاء في أوائل الكلمات قد تكون أصلية ، ~~وقد تكون للخطاب والتأنيث ، فلو أقسم بحرف التاء بمن اسمه داعي أو راعي أو ~~هادي أو عادي يقول تداعى أو تراعى أو تهادى أو تعادى فيلتبس ms8562 ، وكذلك فيمن ~~اسمه رومان أو توران إذا قلت ترومان أو تتوران على أنك تقسم بالتاء تلتبس ~~بتاء الخطاب والتأنيث في الاستقبال ، فأبدلوها واوا لا يقال عليه إشكالان ~~الأول : مع الواو لم يؤمن الالتباس ، نقول ولى فتلتبس الواو الأصلية بالتي ~~للقسم لأنا نقول ذلك لم يلزم فيما ذهبنا إليه ، وإنما كان ذلك في الواو حيث ~~يدل وينبىء عن العطف وإن لم يستعمل الواو للقسم ، كيف وذلك في الباء التي ~~هي كالأصل متحقق تقول برام في جمع برمة ، وبهام في جمع بهمة ، وبغال للبسية ~~الباء الأصلية التي في البغال والبرام بالباء التي تلصقها بقولك مال ورأى ~~فتقول بمال ، وأما التاء لما استعملت للقسم لزم من ذلك الاستعمال الالتباس ~~حيث لم يكن من قبل حرفا من الأدوات كالباء والواو الإشكال الثاني : لم تركت ~~مما لا التباس فيه كقولك : تالرحيم وتالعظيم ؟ نقول : لما كانت كلمة الله ~~تعالى في غاية الشهرة والظهور استعملت التاء فيها على خلاف الأصل ، بمعنى ~~لم يجز أن يقال عليها إلا ما يكون في شهرتها ، وأما غيرها فربما يخفى عند ~~البعض ، فإن من يسمع الرحيم وسمع في الندرة تر بمعنى قطع ربما يقول ترحيم ~~فعل وفاعل أو فعل ومفعول وإن كان ذلك في غاية البعد لكن الاستواء في الشهرة ~~في المنقول منه والمنقول إليه لازم ، ولا مشهور مثل كلمة الله ، على أنا ~~نقول لم قلت إن عند الأمن لا تستعمل ألا ترى أنه نقل عن العرب برب الكعبة / ~~والذي يؤيد ما ذكرنا أنت تقول أقسم بالله ولا تقول أقسم تالله لأن التاء ~~فيه مخافة PageV28P240 الالتباس عند حذف الفعل من القسم وعند الإتيان به لم ~~يخف ذلك فلم يجز . # المسألة الثانية : اللام في قوله تعالى : { والنجم } لتعريف العهد في قول ~~ولتعريف الجنس في قول ، والأول قول من قال : { والنجم } المراد منه الثريا ~~، قال قائلهم : # % إن بدا النجم عشيا % % ابتغى الراعي كسيا % # والثاني فيه وجوه أحدها : النجم هو نجم السماء التي هي ثابتة فيها ~~للاهتداء وقيل لا بل النجم المنقضة فيها التي هي ms8563 رجوم للشياطين ثانيها : ~~نجوم الأرض وهي من النبات ما لا ساق له ثالثها : نجوم القرآن ولنذكر مناسبة ~~كل وجه ونبين فيه المختار منها ، أما على قولنا المراد الثريا فهو أظهر ~~النجوم عند الرائي لأن له علامة لا يلتبس بغيره في السماء ويظهر لكل أحد ~~والنبي صلى الله عليه وسلم تميز عن الكل بآيات بينات فأقسم به ، ولأن ~~الثريا إذا ظهرت من المشرق بالبكر حان إدراك الثمار ، وإذا ظهرت بالعشاء ~~أواخر الخريف نقل الأمراض والنبي صلى الله عليه وسلم لما ظهر قل الشك ~~والأمراض القلبية وأدركت الثمار الحكمية والحلمية ، وعلى قولنا المراد هي ~~النجوم التي في السماء للاهتداء نقول النجوم بها الاهتداء في البراري فأقسم ~~الله بها لما بينهما من المشابهة والمناسبة ، وعلى قولنا المراد الرجوم من ~~النجوم ، فالنجوم تبعد الشياطين عن أهل السماء والأنبياء يبعدون الشياطين ~~عن أهل الأرض / وعلى قولنا المراد القرآن فهو استدل بمعجزة النبي صلى الله ~~عليه وسلم على صدقه وبراءته فهو كقوله تعالى : { يس * والقرءان الحكيم * ~~إنك لمن المرسلين * على صراط مستقيم } ( يس : 1 4 ) ما ضللت ولا غويت ، ~~وعلى قولنا النجم هو النبات ، فنقول النبات به ثبات القوى الجسمانية ~~وصلاحها والقوة العقلية أولى بالإصلاح ، وذلك بالرسل وإيضاح السبل ، ومن ~~هذا يظهر أن المختار هو النجوم التي هي في السماء لأنها أظهر عند السامع ~~وقوله { إذا هوى } أدل عليه ، ثم بعد ذلك القرآن أيضا فيه ظهور ثم الثريا . # المسألة الثالثة : القول في { والنجم } كالقول في { والطور } حيث لم يقل ~~والنجوم ولا الأطوار ، وقال : { والذريات } { * المرسلات } وقد تقدم ذكره . # المسألة الرابعة : ما الفائدة في تقييد القسم به بوقت هو به ؟ نقول النجم ~~إذا كان في وسط السماء يكون بعيدا عن الأرض لا يهتدي به الساري لأنه لا ~~يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال ، فإذا زال تبين بزواله ~~جانب المغرب من المشرق والجنوب من الشمال كذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~خفض جناحه للمؤمنين وكان على خلق عظيم كما قال تعالى : { ممنون وإنك لعلى ~~خلق ms8564 عظيم } ( القلم : 4 ) وكما قال تعالى : { فبما رحمة من الله لنت لهم ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ( آل عمران : 159 ) إن قيل ~~الاهتداء بالنجم إذا كان على أفق المشرق كالاهتداء به إذا كان على أفق ~~المغرب فلم يبق ما ذكرت جوابا عن السؤال ، نقول الاهتداء بالنجم وهو مائل ~~إلى المغرب أكثر لأنه يهدي في / الطريقين الدنيوي والديني ، أما الدنيوي ~~فلما ذكرنا ، وأما الديني فكما قال الخليل { لا أحب الافلين } ( الأنعام : ~~76 ) وفيه لطيفة ، وهي أن الله لما أقسم بالنجم شرفه وعظمه ، وكان من ~~المشركين من يعبده فقرن بتعظيمه وصفا يدل على أنه لم يبلغ درجة العبادة ، ~~فإنه هاو آفل . # ! 7 < { ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى . > 7 ! # < < # | النجم : ( 2 ) ما ضل صاحبكم . . . . . # > > ثم قال تعالى : { ما ضل صاحبكم وما غوى } أكثر المفسرين لم يفرقوا ~~بين الضلال والغي ، والذي قاله PageV28P241 بعضهم عند محاولة الفرق : أن ~~الضلال في مقابلة الهدى ، والغي في مقابلة الرشد ، قال تعالى : { وإن يروا ~~سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا } ( الأعراف : ~~146 ) وقال تعالى : { قد تبين الرشد من الغي } ( البقرة : 256 ) وتحقيق ~~القول فيه أن الضلال أعم استعمالا في الوضع ، تقول ضل بعيري ورحلي ، ولا ~~تقول غوى ، فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقا أصلا ، ~~والغواية أن لا يكون له طريق إلى المقصد مستقيم يدلك على هذا أنك تقول ~~للمؤمن الذي ليس على طريق السداد إنه سفيه غير رشيد ، ولا تقول إنه ضال ، ~~والضال كالكافر ، والغاوي كالفاسق ، فكأنه تعالى قال : { ما ضل } أي ما كفر ~~، ولا أقل من ذلك فما فسق ، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى : { وابتلوا اليتامى ~~حتى إذا بلغوا النكاح فإن } ( النساء : 6 ) أو نقول الضلال كالعدم ، ~~والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة ، وقوله { صاحبكم } فيه وجهان ~~الأول : سيدكم والآخر : مصاحبكم ، يقال صاحب البيت ورب البيت ، ويحتمل أن ~~يكون المراد من قوله { ما ضل } أي ما جن ، فإن المجنون ضال ، وعلى هذا ms8565 فهو ~~كقوله تعالى : { ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك ~~لاجرا غير ممنون } ( القلم : 1 ، 3 ) فيكون إشارة إلى أنه ما غوى ، بل هو ~~رشيد مرشد دال على الله بإرشاد آخر ، كما قال تعالى : { قل ما أسألكم عليه ~~من أجر } ( الشعراء : 109 ) وقال : { إن أجرى إلا على الله } ( يونس : 72 ) ~~وقوله تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } ( القلم : 4 ) إشارة إلى قوله ههنا { ~~وما ينطق عن الهوى } فإن هذا خلق عظيم ، ولنبين الترتيب فنقول : قال أولا { ~~ما ضل } أي هو على الطريق { وما غوى } أي طريقه الذي هو عليه مستقيم { وما ~~ينطق عن الهوى } أي هو راكب متنه آخذ سمت المقصود ، وذلك لأن من يسلك طريقا ~~ليصل إلى مقصده فربما يبقى بلا طريق ، وربما يجد إليه طريقا بعيدا فيه ~~متاعب ومهالك ، وربما يجد طريقا واسعا آمنا ، ولكنه يميل يمنة ويسرة فيبعد ~~عنه المقصد ، ويتأخر عليه الوصول ، فإذا سلك الجادة وركب متنها كان أسرع ~~وصولا ، ويمكن أن يقال { وما ينطق عن الهوى } دليل على أنه ما ضل وما غوى ، ~~تقديره : كيف يضل أو يغوى وهو لا ينطق عن الهوى ، وإنما يضل من يتبع الهوى ~~، ويدل عليه قوله تعالى : { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } ( ص: 26 ) ~~فإن قيل ما ذكرت من الترتيب الأول على صيغة الماضي في قوله { ما ضل } وصيغة ~~المستقبل في قوله { وما ينطق } في غاية الحسن ، أي ما ضل حين اعتزلكم وما ~~تعبدون في صغره { وما غوى } حين / اختلى بنفسه ورأى منامه ما رأى { وما ~~ينطق عن الهوى } الآن حيث أرسل إليكم وجعل رسولا شاهدا عليكم ، فلم يكن ~~أولا ضالا ولا غاويا ، وصار الآن منقذا من الضلالة ومرشدا وهاديا . وأما ~~على ما ذكرت أن تقديره كيف يضل وهو لا ينطق عن الهوى فلا توافقه الصيغة ؟ ~~نقول بلى ، وبيانه أن الله تعالى يصون من يريد إرساله في صغره عن الكفر ، ~~والمعايب القبيحة كالسرقة والزنا واعتياد الكذب ، فقال تعالى : { ما ضل } ~~في صغره / لأنه لا ينطق ms8566 عن الهوى ، وأحسن ما يقال في تفسير الهوى أنها ~~المحبة ، لكن من النفس يقال هويته بمعنى أحببته لكن الحروف التي في هوى تدل ~~على الدنو والنزول والسقوط ومنه الهاوية ، فالنفس إذا كانت دنيئة ، وتركت ~~المعالي وتعلقت بالسفاسف فقد هوت فاختص الهوى بالنفس الأمارة بالسوء ، ولو ~~قلت أهواه بقلبي لزال ما فيه من السفالة ، لكن الاستعمال بعد استبعاد ~~استعمال القرآن حيث لم يستعمل الهوى إلا في المواضع الذي يخالف المحبة ، ~~فإنها مستعملة في موضع المدح ، والذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى : { فأما ~~من طغى * وءاثر الحيواة الدنيا } إلى قوله { ونهى النفس عن الهوى } ( ~~النازعات : 37 40 ) إشارة إلى علو مرتبة النفس . # PageV28P242 ! 7 < { إن هو إلا وحى يوحى . > 7 ! # ثم قال تعالى : { إن هو إلا وحي يوحى } < < # | النجم : ( 4 ) إن هو إلا . . . . . # > > بكلمة البيان ، وذلك لأنه تعالى لما قال : { وما ينطق عن الهوى } ( ~~النجم : 3 ) كأن قائلا قال : فبماذا ينطق أعن الدليل أو الاجتهاد ؟ فقال لا ~~، وإنما ينطق عن الله بالوحي ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { ءان } استعملت مكان ما للنفي ، كما استعملت ما للشرط ~~مكان إن ، قال تعالى : { ما ننسخ من ءاية أو ننسها نأت بخير منها } ( ~~البقرة : 106 ) والمشابهة بينهما من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأن إن ~~من الهمزة والنون ، وما من الميم والألف ، والألف كالهمزة والنون كالميم ، ~~أما الأول : فبدليل جواز القلب ، وأما الثاني : فبدليل جواز الإدغام ووجوبه ~~، وأما المعنى فلأن إن تدل على النفي من وجه ، وعلى الإثبات من وجه ، ولكن ~~دلالتها على النفي أقوى وأبلغ ، لأن الشرط والجزاء في صورة استعمال لفظة إن ~~يجب أن يكون في الحالة معدوما إذا كان المقصود الحث أو المنع ، تقول إن ~~تحسن فلك الثواب ، وإن تسيء فلك العذاب ، وإن كان المراد بيان حال القسمين ~~المشكوك فيهما كقولك : إن كان هذا الفص زجاجا فقيمته نصف ، وإن كان جوهرا ~~فقيمته ألف ، فههنا وجود شيء منهما غير معلوم وعدم العلم حاصل ، وعدم العلم ~~ههنا كعدم الحصول في الحث والمنع ، فلا بد في صور ms8567 استعمال إن عدم ، إما في ~~الأمر ، وإما في العلم ، وإما الوجود فذلك عند وجود الشرط في بيان الحال ، ~~ولهذا قال النحاة : لا يحسن أن يقال إن احمر البسر آتيك ، لأن ذلك أمر ~~سيوجد لا محالة ، وجوزوا استعمال إن فيما لا يوجد أصلا ، يقال في قطع ~~الرجاء / إن ابيض القار تغلبني ، قال الله تعالى : { فإن استقر مكانه فسوف ~~ترانى } ( الأعراف : 143 ) ولم يوجد الاستقرار ولا الرؤية ، فعلم أن دلالته ~~على النفي أتم ، فإن مدلوله إلى مدلول ما أقرب فاستعمل أحدهما مكان الآخر ~~هذا هو الظاهر ، وما يقال إن وما ، حرفان نافيان في الأصل ، فلا حاجة إلى ~~الترادف . # المسألة الثانية : هو ضمير معلوم أو ضمير مذكور ، نقول فيه وجهان أشهرهما ~~: أنه ضمير معلوم وهو القرآن ، كأنه يقول : ما القرآن إلا وحي ، وهذا على ~~قول من قال النجم ليس المراد منه القرآن ، وأما على قول من يقول هو القرآن ~~فهو عائد إلى مذكور والوجه الثاني : أنه عائد إلى مذكور ضمنا وهو قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكلامه وذلك لأن قوله تعالى : { وما ينطق عن الهوى } ( ~~النجم : 3 ) في ضمنه النطق وهو كلام وقول فكأنه تعالى يقول وما كلامه وهو ~~نطقه إلا وحي وفيه وجه آخر أبعد وأدق ، وهو أن يقال قوله تعالى : { ما ضل ~~صاحبكم } قد ذكر أن المراد منه في وجه أنه ما جن وما مسه الجن فليس بكاهن ، ~~وقوله { وما غوى } أي ليس بينه وبين الغواية تعلق ، فليس بشاعر ، فإن ~~الشعراء يتبعهم الغاوون ، وحينئذ يكون قوله { وما ينطق عن الهوى } ردا ~~عليهم حيث قالوا قوله قول كاهن وقالوا قوله قول شاعر فقال ما قوله إلا وحي ~~وليس بقول كاهن ولا شاعر كما قال تعالى : { وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون } ( الحاقة : 41 / 42 ) . # المسألة الثالثة : الوحي اسم أو مصدر ، نقول يحتمل الوجهين ، فإن الوحي ~~اسم معناه الكتاب ومصدر وله معان منها الإرسال والإلهام ، والكتابة والكلام ~~والإشارة والإفهام فإن قلنا هو ضمير القرآن ، فالوحي ms8568 اسم PageV28P243 معناه ~~الكتاب كأنه يقول ، ما القرآن إلا كتاب ويوحى بمعنى يرسل ، ويحتمل على هذا ~~أيضا أن يقال هو مصدر / أي ما القرآن إلا إرسال وإلهام ، بمعنى المفعول أي ~~مرسل ، وإن قلنا المراد من قوله { إن هو } قوله وكلامه فالوحي حينئذ هو ~~الإلهام ملهم من الله ، أو مرسل وفيه مباحث : # البحث الأول : الظاهر خلاف ما هو المشهور عند بعض المفسرين وهو أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما كان ينطق إلا عن وحي ، ولا حجة لمن توهم هذا في ~~الآية ، لأن قوله تعالى : { إن هو إلا وحى يوحى } إن كان ضمير القرآن فظاهر ~~وإن كان ضميرا عائدا إلى قوله فالمراد من قوله هو القول الذي كانوا يقولون ~~فيه إنه قول شاعر ، ورد الله عليهم فقال : ولا بقول شاعر وذلك القول هو ~~القرآن ، وإن قلنا بما قالوا به فينبغي أن يفسر الوحي بالإلهام . # البحث الثاني : هذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يجتهد وهو خلاف ~~الظاهر ، فإنه في الحروب اجتهد وحرم ما قال الله لم يحرم وأذن لمن قال ~~تعالى : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ، نقول على ما ثبت لا تدل الآية عليه ~~. # البحث الثالث : بحث يحتمل أن يكون من وحي يوحى ويحتمل أن يكون من أوحى ~~ييوحى ، تقول عدم يعدم ، وأعدم يعدم وكذلك علم يعلم وأعلم يعلم فنقول يوحى ~~من أوحى لا من وحى ، وإن كان وحي وأوحى كلاهما جاء بمعنى ولكن الله في ~~القرآن عند ذكر المصدر لم يذكر / الإيحاء الذي هو مصدر أوحى ، وعند ذكر ~~الفعل لم يذكر وحي ، الذي مصدره وحى ، بل قال عند ذكر المصدر الوحي ، وقال ~~عند ذكر الفعل { أوحى } وكذلك القول في أحب وحب فإن حب وأحب بمعنى واحد ، ~~والله تعالى عند ذكر المصدر لم يذكر في القرآن الإحباب ، وذكر الحب إلى { ~~أو أشد * حبا } وعند الفعل لم يقل حبه الله بل قال : { يحبهم ويحبونه } ( ~~المائدة : 54 ) ، وقال : { أيحب أحدكم } ( الحجرات : 12 ) وقال : { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( آل ms8569 عمران : 92 ) إلى غير ذلك وفيه سر ~~من علم الصرف وهو أن المصدر والفعل الماضي الثلائي فيهما خلاف قال بعض ~~علماء الصرف المصدر مشتق من الفعل الماضي ، والماضي هو الأصل ، والدليل ~~عليه وجهان ، لفظي ومعنوي : # أما اللفظي فإنهم يقولون مصدر فعل يفعل إذا كان متعديا فعلا بسكون العين ~~، وإذا كان لازما فعول في الأكثر ، ولا يقولون الفعل الماضي من فعول فعلى ، ~~وهذا دليل ما ذكرنا . # وأما المعنوي فلأن ما يوجد من الأمور لا يوجد إلا وهو خاص وفي ضمنه العام ~~مثاله الإنسان الذي يوجد ويتحقق يكون زيدا أن عمرا أو غيرهما ، ويكون في ~~ضمنه أنه هندي أو تركي وفي ضمن ذلك أنه حيوان وناطق ، ولا يوجد أولا إنسان ~~ثم يصير تركيا ثم يصير زيدا أو عمرا . # إذا علمت هذا فالفعل الذي يتحقق لا ينفك من أن يكون ماضيا أو مستقبلا وفي ~~ضمنه أنه فعل مع قطع النظر عن مضيه واستقباله مثاله الضرب إذا وجد فأما أن ~~يكون قد مضى أو بعد لم يمض ، والأول ماض والثاني حاضر أو مستقبل ، ولا يوجد ~~الضرب من حيث إنه ضرب خاليا عن المضي والحضور والاستقبال ، غير أن العاقل ~~يدرك من فعل وهو يفعل الآن وسيفعل غدا أمرا مشتركا فيسميه فعلا ، كذلك يدرك ~~في ضرب وهو يضرب الآن وسيضرب غدا أمرا مشتركا فيسميه ضربا فضرب يوجد أولا ~~ويستخرج منه الضرب ، والألفاظ PageV28P244 وضعت لأمور تتحقق فيها فيعبر بها ~~عنها والأمور المشتركة لا تتحقق إلا في ضمن أشياء أخر ، فالوضع أولا لما ~~يوجد منه لا يدرك منه قبل الضرب ، وهذا ما يمكن أن يقال لمن يقول الماضي ~~أصل والمصدر مأخوذ منه وأما الذي يقول المصدر أصل والماضي مأخوذ منه فله ~~دلائل منها أن الاسم أصل ، والفعل متفرع ، والمصدر اسم ، ولأن المصدر معرب ~~والماضي مبني / والإعراب قبل البناء ولأن قال وقال ، وراع وراع ، إذا أردنا ~~الفرق بينهما نرد أبنيتهما إلى المصدر فنقول قال الألف منقلبة من واو بدليل ~~القول ، وقال ألف منقلبة من ياء بدليل القيل وكذلك الروع ms8570 والريع . وأما ~~المعقول فلأن الألفاظ وضعت للأمور التي في الأذهان ، والعام قبل الخاص في ~~الذهن ، فإن الموجود إذا أدرك يقول المدرك هذا الموجود جوهر أو عرض فإذا ~~أدرك أنه جوهر يقول إنه جسم أو غير جسم عند من يجعل الجسم جوهرا وهو الأصح ~~الأظهر ، ثم إذا أدرك كونه جسما يقول هو تام وكذلك الأمر إلى أن ينتهي إلى ~~أخص الأشياء إن أمكن الانتهاء إليه بالتقسيم ، فالوضع الأول الفعل وهو ~~المصدر من غير زيادة ، ثم إذا انضم إليه زمان تقول : ضرب أو سيضرب فالمصدر ~~قبل الماضي ، وهذا هو الأصح ، إذا علمت هذا فنقول على مذهب من يقول المصدر ~~في الثلاثي من الماضي فالحب وأحب كلاهما في درجة / واحدة لأن كليهما من حب ~~يحب والمصدر من الثلاثي قبل مصدر المنشعبة بمرتبة ، وعلى مذهب من يقول ~~الماضي في الثلاثي مأخوذ من المصدر فالمصدر الثلاثي قبل المصدر في المنشعبة ~~بمرتبتين فاستعمل مصدر الثلاثي لأنه قبل مصدر المنشعبة ، وأما الفعل في أحب ~~وأوحى فلأن الألف فيهما تفيد فائدة لا يفيدها الثلاثي المجرد لأن أحب أدخل ~~في التعدية وأبعد عن توهم اللزوم فاستعمله . # المسألة الرابعة : { إن هو إلا وحى } أبلغ من قول القائل هو وحي ، وفيه ~~فائدة غير المبالغة وهي أنهم كانوا يقولون هو قول كاهن ، هو قول شاعر فأراد ~~نفي قولهم وذلك يحصل بصيغة النفي فقال ما هو كما يقولون وزاد فقال : بل هو ~~وحي ، وفيه زيادة فائدة أخرى وهو قوله { يوحى } ذلك كقوله تعالى : { ولا ~~طائر يطير بجناحيه } ( الأنعام : 38 ) وفيه تحقيق الحقيقة فإن الفرس الشديد ~~العدو ربما يقال هو طائر فإذا قال يطير بجناحيه يزيل جواز المجاز ، كذلك ~~يقول بعض من لا يحترز في الكلام ويبالغ في المبالغة كلام فلان وحي ، كما ~~يقول شعره سحر ، وكما يقول قوله معجزة ، فإذا قال يوحى يزول ذلك المجاز أو ~~يبعد . # ! 7 < { علمه شديد القوى } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { علمه شديد القوى } < < # | النجم : ( 5 ) علمه شديد القوى # > > وفيه وجهان أشهرهما عند المفسرين أن الضمير في { علمه } عائدا ms8571 إلى ~~الوحي أي الوحي علمه شديد القوى والوحي وإن كان هو الكتاب فظاهر وإن كان ~~الإلهام فهو كقوله تعالى : { نزل به الروح الامين } ( الشعراء : 193 ) ~~والأولى أن يقال الضمير عائد إلى محمد صلى الله عليه وسلم تقديره علم محمد ~~شديد القوى جبريل وحينئذ يكون عائدا إلى صاحبكم ، تقديره علم صاحبكم وشديد ~~القوى هو جبريل ، أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة فيعلم ويعمل ، وقوله ~~{ شديد القوى } فيه فوائد الأولى : أن مدح المعلم مدح المتعلم فلو قال علمه ~~جبريل ولم يصفه ما كان يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة ظاهرة الثانية ~~: هي أن فيه ردا عليهم حيث قالوا أساطير الأولين سمعها وقت سفره إلى الشام ~~، فقال لم يعلمه أحد من الناس بل معلمه شديد القوى ، والإنسان خلق ضعيفا ~~وما أوتي من العلم إلا قليلا الثالثة : فيه وثوق بقول جبريل عليه السلام ~~فقوله تعالى : { علمه شديد القوى } جمع ما يوجب الوثوق لأن قوة الإدراك شرط ~~الوثوق بقول القائل لأنا إن ظننا PageV28P245 بواحد فساد ذهن ثم نقل إلينا ~~عن بعض الأكابر مسألة مشكلة لا نثق بقوله ونقول هو ما فهم ما قال ، وكذلك ~~قوة الحفظ حتى لا نقول أدركها لكن نسيها وكذلك قوة الأمانة حتى لا نقول ~~حرفها وغيرها فقال : { شديد القوى } ليجمع هذه الشرائط فيصير كقوله تعالى : ~~{ ذى قوة عند ذى العرش مكين } إلى أن قال : { أمين } ( التكوير : 20 ، 21 ) ~~الرابعة : في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وهي من حيث إن الله تعالى لم ~~يكن مختصا بمكان فنسبته إلى جبريل كنسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإذا ~~علم بواسطته يكون نقصا عن درجته فقال ليس كذلك لأنه شديد القوى يثبت ~~لمكالمتنا وأنت / بعد ما استويت فتكون كموسى حيث خر فكأنه تعالى قد علمه ~~بواسطة ثم علمه من غير واسطة كما قال تعالى : { وعلمك ما لم تكن تعلم } ( ~~النساء : 113 ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) . # ! 7 < { ذو مرة فاستوى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 6 ) ذو مرة فاستوى # > > وفي قوله ms8572 تعالى : { ذو مرة } وجوه : أحدها : ذو قوة ثانيها : ذو كمال ~~في العقل والدين جميعا ثالثها : ذو منظر وهيبة عظيمة رابعها : ذو خلق حسن ~~فإن قيل على قولنا المراد ذو قوة قد تقدم بيان كونه ذا قوى في قوله { شديد ~~القوى } ( النجم : 5 ) فكيف نقول قواه شديدة وله قوة ؟ نقول ذلك لا يحسن إن ~~جاء وصفا بعد وصف ، وأما إن جاء بدلا لا يجوز كأنه قال : علمه ذو قوة وترك ~~شديد القوى فليس وصفا له وتقديره : ذو قوة عظيمة أو كاملة وهو حينئذ كقوله ~~تعالى : { إنه لقول رسول كريم * ذى قوة عند ذى العرش مكين } ( التكوير : 19 ~~، 20 ) فكأنه قال : علمه ذو قوة فاستوى ، والوجه الآخر في الجواب هو أن ~~إفراد قوة بالذكر ربما يكون لبيان أن قواه المشهورة شديدة وله قوة أخرى خصه ~~الله بها ، يقال : فلان كثير المال ، وله مال لا يعرفه أحد أي أمواله ~~الظاهرة كثيرة وله مال باطن ، على أنا نقول المراد ذو شدة وتقديره : علمه ~~من قواه شديدة وفي ذاته أيضا شدة ، فإن الإنسان ربما تكون قواه شديدة وفي ~~جسمه صغر وحقارة ورخاوة ، وفيه لطيفة وهي أنه تعالى أراد بقوله { شديد ~~القوى } قوته في العلم . # ثم قال تعالى : { ذو مرة } أي شدة في جسمه فقدم العلمية على الجسمية كما ~~قال تعالى : { وزاده بسطة في العلم والجسم } ( البقرة : 247 ) وفي قوله { ~~فاستوى } وجهان المشهور أن المراد جبريل أي فاستوى جبريل في خلقه . # ! 7 < { وهو بالا فق الا على } . > 7 @QB@ < # | النجم : ( 7 ) وهو بالأفق الأعلى # > > # ثم قال تعالى : { وهو بالافق الاعلى } والمشهور أن هو ضمير جبريل وتقديره ~~استوى كما خلقه الله تعالى بالأفق الشرقي ، فسد المشرق لعظمته ، والظاهر أن ~~المراد محمد صلى الله عليه وسلم معناه استوى بمكان وهو بالمكان العالي رتبة ~~ومنزلة في رفعة القدر لا حقيقة في الحصول في المكان ، فإن قيل كيف يجوز هذا ~~والله تعالى يقول : { ولقد رءاه بالافق المبين } ( التكوير : 23 ) إشارة ~~إلى أنه رأى جبريل بالأفق المبين ؟ نقول وفي ذلك الموضع أيضا ms8573 نقول كما قلنا ~~ههنا إنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وهو بالأفق المبين يقول القائل رأيت ~~الهلال فيقال له أين رأيته فيقول فوق السطح أي أن الرائي فوق السطح لا ~~المرئي و { المبين } هو الفارق من أبان أي فرق ، أي هو بالأفق الفارق بين ~~درجة الإنسان ومنزلة الملك فإنه صلى الله عليه وسلم انتهى وبلغ الغاية وصار ~~نبيا كما صار بعض الأنبياء نبيا يأتيه الوحي في نومه وعلى هيئته وهو واصل ~~إلى الأفق الأعلى والأفق الفارق بين المنزلتين ، فإن قيل ما بعده يدل على ~~خلاف ما تذهب إليه ، فإن قوله { ثم دنا فتدلى } ( النجم : 8 ) إلى غير ذلك ~~، وقوله تعالى : { ولقد رءاه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى } PageV28P246 ( ~~النجم : 14 ) كل ذلك يدل على خلاف ما ذكرته ؟ نقول سنبين موافقته لما / ~~ذكرنا إن شاء الله في مواضعه عند ذكر تفسيره ، فإن قيل الأحاديث تدل على ~~خلاف ما ذكرته حيث ورد في الأخبار أن جبريل صلى الله عليه وسلم أرى النبي ~~صلى الله عليه وسلم نفسه على صورته فسد المشرق فنقول نحن ما قلنا إنه لم ~~يكن وليس في الحديث أن الله تعالى أراد بهذه الآية تلك الحكاية حتى يلزم ~~مخالفة الحديث ، وإنما نقول أن جبريل أرى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ~~مرتين وبسط جناحيه وقد ستر الجانب الشرقي وسده ، لكن الآية لم ترد لبيان ~~ذلك . # ! 7 < { ثم دنا فتدلى } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { ثم دنا فتدلى } < < # | النجم : ( 8 ) ثم دنا فتدلى # > > وفيه وجوه مشهورة أحدها : أن جبريل دنا من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أي بعد ما مد جناحه وهو بالأفق عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها ~~وقرب من النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا ففي { * تدلى } ثلاثة وجوه ~~أحدها : فيه تقديم وتأخير تقديره ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا من النبي ~~صلى الله عليه وسلم الثاني : الدنو والتدلي بمعنى واحد كأنه قال دنا فقرب ~~الثالث : دنا أي قصد القرب من محمد صلى الله عليه وسلم ms8574 وتحرك عن المكان ~~الذي كان فيه فتدلى فنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم الثاني : على ما ~~ذكرنا من الوجه الأخير في قوله { فاستوى وهو بالافق الاعلى } ( النجم : 7 ) ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم دنا من الخلق والأمة ولان لهم وصار كواحد منهم ~~{ * فتدل } أي فتدلى إليهم بالقول اللين والدعاء الرفيق فقال : { إنما أنا ~~بشر مثلكم يوحى إلى } ( فصلت : 6 ) وعلى هذا ففي الكلام كمالان كأنه تعالى ~~قال إلا وحي يوحي جبريل على محمد ، فاستوى محمد وكمل فدنا من الخلق بعد ~~علوه وتدلى إليهم وبلغ الرسالة الثالث : وهو ضعيف سخيف ، وهو أن المراد منه ~~هو ربه تعالى وهو مذهب القائلين بالجهة والمكان ، اللهم إلا أن يريد القرب ~~بالمنزلة ، وعلى هذا يكون فيه ما في قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه ~~تعالى ( من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت ~~إليه باعا ، ومن مشى إلي أتيته هرولة ) إشارة إلى المعنى المجازي ، وههنا ~~لما بين أن النبي صلى الله عليه وسلم استوى وعلا في المنزلة العقلية لا في ~~المكان الحسي قال وقرب الله منه تحقيقا لما في قوله ( من تقرب إلي ذراعا ~~تقربت إليه باعا ) . # ! 7 < { فكان قاب قوسين أو أدنى } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { فكان قاب قوسين أو أدنى } < < # | النجم : ( 9 ) فكان قاب قوسين . . . . . # > > أي بين جبرائيل ومحمد عليهما السلام مقدار قوسين أو أقل ، ورد هذا ~~على استعمال العرب وعادتهم ، فإن الأميرين منهم أو الكبيرين إذا اصطلحا ~~وتعاهدا خرجا بقوسيهما ووتر كل واحد منهما طرف قوسه بطرف قوس صاحبه ومن ~~دونهما من الرعية يكون كفه بكفه فينهيان باعيهما ، ولذلك تسمى مسايعة ، ~~وعلى هذا ففيه لطيفة وهي أن قوله { قاب قوسين } على جعل كونهما كبيرين ، ~~وقوله { أو أدنى } لفضل أحدهما على الآخر ، فإن الأمير إذا بايعه الرعية لا ~~يكون مع المبايع قوس فيصافحه الأمير فكأنه تعالى أخبر أنهما كأميرين كبيرين ~~فكان بينهما مقدار قوسين أو كان جبرائيل عليه السلام سفيرا بين الله تعالى ~~/ ومحمد صلى ms8575 الله عليه وسلم فكان كالتبع لمحمد صلى الله عليه وسلم فصار ~~كالمبايع الذي يمد الباع لا القوس ، هذا على قول من يفضل النبي صلى الله ~~عليه وسلم على جبرائيل عليه السلام وهو مذهب أهل السنة إلا قليلا منهم إذ ~~كان جبرائيل رسولا من الله واجب التعظيم والاتباع فصار النبي صلى الله عليه ~~وسلم عنده كالتبع له على قول من يفضل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وفيه وجه آخر على ما ذكرنا ، وهو أن يكون القوس عبارة عن بعد من قاس يقوس ، ~~وعلى هذا فنقول ذلك البعد هو البعد النوعي الذي كان للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ، فإنه على كل حال كان بشرا ، وجبريل على كل حال كان ملكا ، فالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وإن زال عن الصفات التي تخالف صفات الملك من الشهوة ~~والغضب والجهل والهوى PageV28P247 لكن بشريته كانت باقية ، وكذلك جبريل وإن ~~ترك الكمال واللطف الذي يمنع الرؤية والاحتجاب ، لكن لم يخرج عن كونه ملكا ~~فلم يبق بينهما إلا اختلاف حقيقتهما ، وأما سائر الصفات الممكنة الزوال ~~فزالت عنهما فارتفع النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الأفق الأعلى من ~~البشرية وتدلى جبريل عليه السلام حتى بلغ الأفق الأدنى من الملكية فتقاربا ~~ولم يبق بينهما إلا حقيقتهما ، وعلى هذا ففي فاعل أوحى الأول وجهان أحدهما ~~: أن الله تعالى أوحى ، وعلى هذا ففي عبده وجهان أحدهما : أنه جبريل عليه ~~السلام ومعناه أوحى الله إلى جبريل ، وعلى هذا ففي فاعل أوحى الأخير وجهان ~~أحدهما الله تعالى أيضا ، والمعنى حينئذ أوحى الله تعالى إلى جبريل عليه ~~السلام الذي أوحاه إليه تفخيما وتعظيما للموحي ثانيهما : فاعل أوحى ثانيا ~~جبريل ، والمعنى أوحى الله إلى جبريل ما أوحى جبريل إلى كل رسول ، وفيه ~~بيان أن جبرائيل أمين لم يخن في شيء مما أوحى إليه ، وهذا كقوله تعالى : { ~~نزل به الروح الامين } ( الشعراء : 193 ) وقوله { مطاع ثم أمين } ( التكوير ~~: 21 ) الوجه الثاني : في عبده على قولنا الموحي هو الله أنه محمد صلى الله ~~عليه وسلم ms8576 معناه أوحى الله إلى محمد ما أوحى إليه للتفخيم والتعظيم ، وهذا ~~على ما ذكرنا من التفسير ورد على ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم في الأول حصل في الأفق الأعلى من مراتب الإنسان وهو النبوة ~~ثم دنا من جبريل وهو في مرتبة النبوة فصار رسولا فاستوى وتكامل ودنا من ~~الأمة باللطف وتدلى إليهم بالقول الرفيق وجعل يتردد مرارا بين أمته وربه ، ~~فأوحى الله إليه من غير واسطة جبريل ما أوحى والوجه الثاني : في فاعل أوحى ~~أولا هو أنه جبريل أوحى أي عبده إلى عبد الله والله معلوم وإن لم يكن ~~مذكورا وفي قوله تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن } ( سبأ : 40 ، 41 ) ما يوجب القطع بعدم جواز إطلاق هذا اللفظ على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا ففاعل أوحى ثانيا يحتمل وجهين أحدهما ~~: أنه جبريل أي أوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحاه جبريل للتفخيم وثانيهما : ~~أن يكون هو الله تعالى أي أوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى ~~الله إليه وفي الذي وجوه أولها : الذي أوحى الصلاة . ثانيها : أن أحدا من ~~الأنبياء لا يدخل الجنة قبلك وأمة من الأمم لا تدخل الجنة قبل أمتك . ~~ثالثها : أن ما للعموم والمراد كل ما جاء به جبريل ، وهذا على قولنا بأن ~~المراد جبريل صحيح ، والوجهان المتقدمان على قولنا المراد محمد عليه الصلاة ~~والسلام أظهر ، وفيه وجه غريب من حيث العربية مشهور معناه عند الأصوليين ، ~~ولنبين ذلك في معرض الجواب عن سؤال ، وهو أن يقال بم عرف محمد صلى الله ~~عليه وسلم أن جبريل ملك من عند الله وليس أحدا من الجن ، والذي يقال إن ~~خديجة كشفت رأسها امتحانا في غاية الضعف إن ادعى ذلك القائل أن المعرفة ~~حصلت بأمثال ذلك ، وهذا إن أراد القصة والحكاية ، وإن خديجة فعلت هذا لأن ~~فعل خديجة غير منكر وإنما المنكر دعوى حصول ms8577 المعرفة بفعلها وأمثالها ، وذلك ~~لأن الشيطان ربما تستر عند كشف رأسها أصلا فكان يشتبه بالملائكة فيحصل ~~اللبس والإبهام ؟ والجواب الصحيح من وجهين أحدهما : أن الله أظهر على يد ~~جبريل معجزة عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بها كما أظهر على يد محمد ~~معجزات عرفناه بها وثانيهما : أن الله تعالى خلق في محمد صلى الله عليه ~~وسلم علما ضروريا بأن جبريل من عند الله ملك لا جني ولا شيطان كما أن الله ~~تعالى خلق في جبريل علما ضروريا أن المتكلم معه هو الله تعالى وأن المرسل ~~له ربه لا غيره . إذا علم الجوابان فنقول PageV28P248 قوله تعالى : # ! 7 < { فأوحى إلى عبده مآ أوحى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 10 ) فأوحى إلى عبده . . . . . # > > فيه وجهان أحدهما : أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحاه إلى ~~جبريل أي كلمه الله أنه وحي أو خلق فيه علما ضروريا ثانيهما : أوحى إلى ~~جبريل ما أوحى إلى محمد دليله الذي به يعرف أنه وحي ، فعلى هذا يمكن أن ~~يقال ما مصدرية تقديره فأوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم الإيحاء أي العلم ~~بالإيحاء ، ليفرق بين الملك والجن . # ! 7 < { ما كذب الفؤاد ما رأى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 11 ) ما كذب الفؤاد . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : الفؤاد فؤاد من ؟ نقول المشهور أنه فؤاد محمد صلى الله ~~عليه وسلم معناه أنه ما كذب فؤاده واللام لتعريف ما علم حاله لسبق ذكر محمد ~~عليه الصلاة والسلام في قوله { إلى عبده } وفي قوله { وهو بالافق الاعلى } ~~( النجم : 7 ) وقوله تعالى : { ما ضل صاحبكم } ( النجم : 2 ) ويحتمل أن ~~يقال { ما كذب الفؤاد } أي جنس الفؤاد لأن المكذب هو الوهم والخيال يقول ~~كيف يرى الله أو كيف يرى جبريل مع أنه ألطف من الهوى والهواء لا يرى ، ~~وكذلك يقول الوهم والخيال إن رأى ربه رأى في جهة ومكان وعلى هيئة والكل ~~ينافي كون المرئي إلاها ، ولو رأى جبريل عليه السلام مع أنه صار على صورة ~~دحية أو غيره فقد انقلبت حقيقته ولو جاز ذلك لارتفع الأمان عن ms8578 المرئيات ، ~~فنقول رؤية الله تعالى ورؤية جبريل عليه السلام على ما رآه محمد عليه ~~الصلاة والسلام جائزة عند من له قلب فالفؤاد لا ينكر ذلك ، وإن كانت النفس ~~المتوهمة والمتخيلة تنكره . # / المسألة الثانية : ما معنى { ما كذب } ؟ نقول فيه وجوه : الوجه الأول : ~~ما قاله الزمخشري وهو أن قلبه لم يكذب وما قال إن ما رآه بصرك ليس بصحيح ، ~~ولو قال فؤاده ذلك لكان كاذبا فيما قاله وهو قريب مما قاله المبرد حيث قال ~~: معناه صدق الفؤاد ، فيما رأى ، ( رأى ) شيئا فصدق فيه الثاني : قرىء { ما ~~كذب الفؤاد } بالتشديد ومعناه ما قال إن المرئي خيال لا حقيقة له الثالث : ~~هو أن هذا مقرر لما ذكرنا من أن محمدا صلى الله عليه وسلم ، لما رأى جبريل ~~عليه السلام خلق الله له علما ضروريا علم أنه ليس بخيال وليس هو على ما ~~ذكرنا قصد الحق ، وتقديره ما جوز أن يكون كاذبا وفي الوقوع وإرادة نفي ~~الجواز كثير قال الله تعالى : { لا يخفى على الله منهم شىء } ( غافر : 16 ) ~~وقال : { لا تدركه الابصار } ( الأنعام : 103 ) وقال : { وما ربك بغافل } ( ~~النمل : 93 ) والكل لنفي الجواز بخلاف قوله تعالى : { لا نضيع أجر * ~~المحسنين } ( يوسف : 56 ) { لا نضيع أجر من أحسن عملا } ، { ولا * يغفر أن ~~يشرك به } ( النساء : 48 ) فإنه لنفي الوقوع . # المسألة الثالثة : الرائي في قوله { ما رأى } هو الفؤاد أو البصر أو ~~غيرهما ؟ نقول فيه وجوه الأول : الفؤاد كأنه تعالى قال : { ما كذب الفؤاد } ~~ما رآه الفؤاد أي لم يقل إنه جني أو شيطان بل تيقن أن ما رآه بفؤاده صدق ~~صحيح الثاني : البصر أي { ما كذب الفؤاد } ما رآه البصر ، ولم يقل إن ما ~~رآه البصر خيال الثالث : ما كذب الفؤاد ما رأى محمد عليه الصلاة والسلام ، ~~وهذا على قولنا الفؤاد للجنس ظاهر أي القلوب تشهد بصحة ما رآه محمد صلى ~~الله عليه وسلم ( من الرؤيا ) وإن كانت ، الأوهام لا تعترف بها . # المسألة الرابعة : ما المرئي في قوله { ما رأى } ؟ نقول على الاختلاف ~~السابق ms8579 والذي يحتمل الكلام PageV28P249 وجوه ثلاثة : الأول : الرب تعالى ~~والثاني : جبريل عليه السلام والثالث : الآيات العجيبة الإلاهية ، فإن قيل ~~كيف تمكن رؤية الله تعالى بحيث لا يقدح فيه ولا يلزم منه كونه جسما في جهة ~~؟ نقول ، اعلم أن العاقل إذا تأمل وتفكر في رجل موجود في مكان ، وقال هذا ~~مرئي الله تعالى يراه الله ، و ( إذا ) تفكر في أمر لا يوجد أصلا وقال هذا ~~مرئي الله تعالى يراه الله تعالى يجد بينهما فرقا وعقله يصحح الكلام الأول ~~ويكذب الكلام الثاني ، فذلك ليس بمعنى كونه معلوما لأنه لو قال الموجود ~~معلوم الله والمعدوم معلوم الله لما وجد في كلامه خللا واستبعادا فالله راء ~~بمعنى كونه عالما / ثم إن الله يكون رائيا ولا يصير مقابلا للمرئي ، ولا ~~يحصل في جهة ولا يكون مقابلا له ، وإنما يصعب على الوهم ذلك من حيث إنه لم ~~ير شيئا إلا في جهة فيقول إن ذلك واجب ، ومما يصحح هذا أنك ترى في الماء ~~قمرا وفي الحقيقة ما رأيت القمر حالة نظرك إلى الماء إلا في مكانه فوق ~~السماء فرأيت القمر في الماء ، لأن الشعاع الخارج من البصر اتصل به فرد ~~الماء ذلك الشعاع إلى السماء ، لكن وهمك لما رأى أكثر ما رآه في المقابلة ~~لم يعهد رؤية شيء يكون خلفه إلا بالتوجه إليه ، قال إني أرى القمر ، ولا ~~رؤية إلا إذ كان المرئي في مقابلة الحدقة ولا مقابل للحدقة إلا الماء ، ~~فحكم إذن بناء على هذا أنه يرى القمر في الماء ، فالوهم يغلب العقل في ~~العالم لكون الأمور العاجلة أكثرها وهمية / حسية ، وفي الآخرة تزول الأوهام ~~وتنجلي الأفهام فترى الأشياء لوجودها لا لتحيزها ، واعلم أن من ينكر جواز ~~رؤية الله تعالى ، يلزمه أن ينكر جواز رؤية جبريل عليه السلام ، وفيه إنكار ~~الرسالة وهو كفر ، وفيه ما يكاد أن يكون كفرا ، وذلك لأن من شك في رؤية ~~الله تعالى يقول لو كان الله تعالى جائز الرؤية لكان واجب الرؤية لأن ~~حواسنا سليمة ، والله تعالى ليس من وراء حجاب ms8580 ولا هو في غاية البعد عنا ~~لعدم كونه في جهة ولا مكان فلو جاز أن يرى ولا نراه ، للزم القدح في ~~المحسوسات المشاهدات ، إذ يجوز حينئذ أن يكون عندنا جبل ولا نراه ، فيقال ~~لذلك القائل قد صح أن جبريل عليه السلام كان ينزل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعنده غيره وهو يراه ولو وجب ما يجوز لرآه كل أحد ، فإن قيل إن هناك ~~حجابا نقول وجب أن يرى هناك حجابا فإن الحجاب لا يحجب إذا كان مرئيا على ~~مذهبهم ، ثم إن النصوص وردت أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده ~~فجعل بصره في فؤاده أو رآه ببصره فجعل فؤاده في بصره ، وكيف لا ، وعلى مذهب ~~أهل السنة الرؤية بالإرادة لا بقدرة العبد ، فإذا حصل الله تعالى العلم ~~بالشيء من طريق البصر كان رؤية ، وإن حصله من طريق القلب كان معرفة والله ~~قادر على أن يحصل العلم بخلق مدرك للمعلوم في البصر كما قدر على أن يحصله ~~بخلق مدرك في القلب ، والمسألة مختلف فيها بين الصحابة في الوقوع واختلاف ~~الوقوع مما ينبىء عن الاتفاق على الجواز والمسألة مذكورة في الأصول فلا ~~نطولها . # ! 7 < { أفتمارونه على ما يرى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 12 ) أفتمارونه على ما . . . . . # > > أي كيف تجادلونه وتوردون شكوككم عليه مع أنه رأى ما رأى عين اليقين ؟ ~~ولا شك بعد الرؤية فهو جازم متيقن وأنتم تقولون أصابه الجن ويمكن أن يقال ~~هو مؤكد للمعنى الذي تقدم ، وذلك لأن من تيقن شيئا قد يكون بحيث لا يزول عن ~~نفسه تشكيك وأكد بقوله تعالى : # ! 7 < { ولقد رءاه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 13 ) ولقد رآه نزلة . . . . . # > > وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما رآه وهو على بسيط الأرض كان يحتمل ~~أن يقال أنه من الجن احتمالا في غاية البعد ، لما بينا أنه صلى الله عليه ~~وسلم حصل له العلم الضروري بأنه ملك مرسل ، واحتمال البعيد لا يقدح في ~~الجزم واليقين ، ألا ترى أنا إذا نمنا بالليل وانتبهنا بالنهار نجزم ms8581 ~~PageV28P250 بأن البحار وقت نومنا ما نشفت ولا غارت ، والجبال ما عدمت ولا ~~سارت ، مع احتمال ذلك فإن الله قادر على ذلك وقت نومنا ، ويعيدها إلى ما ~~كانت عليه في يومنا ، فلما رآه عند سدرة المنتهى وهو فوق السماء السادسة لم ~~يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس ، فنفى ذلك الاحتمال أيضا فقال تعالى : { ~~أفتمارونه على ما يرى } رأي العين ، وكيف وهو / قد رآه في السماء فماذا ~~تقدون فيه وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الواو يحتمل أن تكون عاطفة ، ويحتمل أن تكون للحال على ~~ما بيناه ، أي كيف تجادلونه فيما رآه ، على وجه لا يشك فيه ؟ ومع ذلك لا ~~يحتمل إيراد الشكوك عليه ، فإن كثيرا ما يشك المعتقد لشيء فيه ولكن تردد ~~عليه الشكوك ولا يمكنه الجواب عنها ، ولا تثريب مع ذلك في أن الأمر كما ~~ذكرنا من المثال ، لأنا لا نشك في أن البحار ما صارت ذهبا والجبال ما صارت ~~عهنا ، وإذا أورد علينا مورد شكا ، وقال وقت نومك يحتمل أن الله تعالى ~~قلبها ثم أغادها لا يمكننا الجواب عنه مع أنا لا نشك في استمرارها على ما ~~هي عليه ، لا يقال اللام تنافي كون الواو للحال ، فإن المستعمل يقال ~~أفتمارونه ، وقد رأى من غير لام ، لأنا نقول الواو التي للحال تدخل على ~~جملة والجملة تتركب من مبتدأ وخبر ، أو هن فعل وفاعل ، وكلاهما يجوز فيه ~~اللام . # المسألة الثانية : قوله { نزلة } فعلة من النزول فهي كجلسة من الجلوس ، ~~فلا بد من نزول ، فذلك النزول لمن كان ؟ نقول فيه وجوه ، وهي مرتبة على أن ~~الضمير في رآه عائد إلى من وفيه قولان الأول : عائد إلى الله تعالى أي رأى ~~الله نزلة أخرى ، وهذا على قول من قال { ما رأى } في قوله { ما كذب الفؤاد ~~ما رأى } ( النجم : 11 ) هو الله تعالى . وقد قيل بأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رأى ربه بقلبه مرتين ، وعلى هذا فالنزلة تحتمل وجهين أحدهما : أنها ~~لله ، وعلى هذا فوجهان أحدهما : قول من يجوز على الله تعالى الحركة ms8582 ~~والانتقال وهو باطل وثانيهما : النزول بالقرب المعنوي لا الحسي فإن الله ~~تعالى قد يقرب بالرحمة والفضل من عبده ولا يراه العبد ، ولهذا قال موسى ~~عليه السلام { رب أرنى } ( البقرة : 260 ) أي أزل بعض حجب العظمة والجلال ، ~~وادن من العبد بالرحمة والإفضال لأراك . # الوجه الثاني : أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى الله نزلة أخرى ، وحينئذ ~~يحتمل ذلك وجهين أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على متن الهوى ~~ومركب النفس ولهذا يقال لمن ركب متن هواه إنه علا في الأرض واستكبر ، قال ~~تعالى : { علا فى الارض } ( القصص : 4 ) ثانيهما : أن المراد من النزلة ~~ضدها وهي العرجة كأنه قال رآه عرجة أخرى ، وإنما اختار النزلة ، لأن العرجة ~~التي في الآخرة لا نزلة لها فقال نزلة ليعلم أنها من الذي كان في الدنيا ~~والقول الثاني : أنه عائد إلى جبريل عليه السلام أي رأى جبريل نزلة أخرى ، ~~والنزلة حينئذ يحتمل أن تكون لمحمد صلى الله عليه وسلم كما ذكرناه ، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ما ورد في بعض أخبار ليلة المعراج ، جاوز ~~جبريل عليه السلام ، وقال له جبريل عليه السلام لو دنوت أنملة لاحترقت / ثم ~~عاد إليه فذلك نزلة . فإن قيل فكيف قال : { أخرى } ؟ نقول لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أمر الصلاة تردد مرارا فربما كان يجاوز كل مرة ، وينزل ~~إلى جبريل ، ويحتمل أن تكون لجبريل عليه السلام وكلاهما منقول وعلى هذا ~~الوجه فنزلة أخرى ظاهر ، لأن جبريل كان له نزلات وكان له نزلتان عليه وهو ~~على صورته ، وقوله تعالى : { عند سدرة المنتهى } المشهور أن السدرة شجرة في ~~السماء السابعة وعليها / مثل النبق وقيل في السماء السادسة ، وورد في الخبر ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( نيقها كقلال هجر PageV28P251 وورقها كآذان ~~الفيلة ) وقيل سدرة المنتهى هي الحيرة القصوى من السدرة ، والسدرة كالركبة ~~من الراكب عندما يحار العقل حيرة لا حيرة فوقها ، ما حار النبي صلى الله ~~عليه وسلم وما غاب ورأى ما رأى ، وقوله { عند } ظرف مكان ، أو ms8583 ظرف زمان في ~~هذا الموضع ؟ نقول المشهور أنه ظرف مكان تقديره رأى جبريل أو غيره بقرب ~~سدرة المنتهى وقيل ظرف زمان ، كما يقال صليت عند طلوع الفجر ، وتقديره رآه ~~عند الحيرة القصوى ، أي في الزمان الذي تحار فيه عقول العقلاء ، والرؤية من ~~أتم العلوم وذلك الوقت من أشد أوقات الجهل والحيرة ، فهو عليه الصلاة ~~والسلام ما حار وقتا من شأنه أن يحار العاقل فيه ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : إن قلنا معناه رأى الله كيف يفهم { عند سدرة المنتهى } ~~؟ قلنا فيه أقوال : الأول : قول من يجعل الله في مكان وهو باطل ، وقد ~~بالغنا في بيان بطلانه في سورة السجدة الثاني : رآه محمد صلى الله عليه ~~وسلم وهو { عند سدرة المنتهى } لأن الظرف قد يكون ظرفا للرائي كما ذكرنا من ~~المثال يقال رأيت الهلال ، فيقاله لقائله أين رأيته ؟ فيقول على السطح ~~وربما يقول عند الشجرة الفلانية ، وأما إن قلنا إن المراد جبريل عليه ~~السلام فالوجهان ظاهران وكون النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل عند سدرة ~~المنتهى أظهر . # المسألة الرابعة : إضافة السدرة إلى المنتهى من أي ( أنواع ) الإضافة ؟ ~~نقول يحتمل وجوها أحدها : إضافة الشيء إلى مكانه يقال أشجار بلدة كذا لا ~~تطول من البرد ويقال أشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار ، فالمنتهى ~~حينئذ موضع لا يتعداه ملك ، وقيل لا يتعداه روح من الأرواح وثانيها : إضافة ~~المحل إلى الحال فيه ، يقال : كتاب الفقه ، ومحل السواد ، وعلى هذا ~~فالمنتهى عند السدرة تقديره سدرة عند منتهى العلوم ثالثها : إضافة الملك ~~إلى مالكه يقال دار زيد وأشجار زيد وحينئذ فالمنتهى إليه محذوف تقديره سدرة ~~المنتهى إليه ، قال الله تعالى : { إلى ربك المنتهى } ( النجم : 42 ) ~~فالمنتهى إليه هو الله وإضافة السدرة إليه حينئذ كإضافة البيت إليه للتشريف ~~والتعظيم ، ويقال في التسبيح : يا غاية مناه ، ويا منتهى أملاه . # ! 7 < { عندها جنة المأوى } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { عندها جنة المأوى } < < # | النجم : ( 15 ) عندها جنة المأوى # > > وفي الجنة خلاف قال بعضهم جنة المأوى هي الجنة التي وعد بها ms8584 المتقون ~~، وحينئذ الإضافة كما في قوله تعالى : { دار المقامة } ( فاطر : 35 ) وقيل ~~هي جنة أخرى عندها يكون أرواح الشهداء وقيل هي جنة للملائكة وقرىء { * جنه ~~} بالهاء من جن بمعنى أجن يقال جن الليل وأجن ، وعلى هذه القراءة يحتمل أن ~~يكون الضمير في قوله { المنتهى عندها } عائدا إلى النزلة ، أي عند النزلة ~~جن محمدا المأوى ، والظاهر أنه عائد إلى السدرة وهي الأصح ، وقيل إن عائشة ~~أنكرت / هذه القراءة ، وقيل إنها أجازتها . # ! 7 < { إذ يغشى السدرة ما يغشى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 16 ) إذ يغشى السدرة . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : العامل في { إذ } ما قبلها أو ما بعدها فيه وجهان ، فإن ~~قلنا ما قبلها ففيه احتمالان : PageV28P252 أظهرهما { رءاه } ( النجم : 13 ~~) أي رآه وقت ما يغشى السدرة الذي يغشى ، والاحتمال الآخر العامل فيه الفعل ~~الذي في النزلة ، تقديره رآه نزلة أخرى تلك النزلة وقت ما يغشى السدرة ما ~~يغشى ، أي نزوله لم يكن إلا بعد ما ظهرت العجائب عند السدرة وغشيها ما غشى ~~فحينئذ نزل محمد نزلة إشارة إلى أنه لم يرجع من غير فائدة ، وإن قلنا ما ~~بعده ، فالعامل فيه { ما زاغ البصر } ( النجم : 17 ) أي ما زاغ بصره وقت ~~غشيان السدرة ما غشيها ، وسنذكره عند تفسير الآية . # المسألة الثانية : قد ذكرت أن في بعض الوجوه { سدرة المنتهى } هي الحيرة ~~القصوى ، وقوله { يغشى السدرة } على ذلك الوجه ينادي بالبطلان ، فهل يمكن ~~تصحيحه ؟ نقول يمكن أن يقال المراد من الغشيان غشيان حالة على حالة ، أي ~~ورد على حالة الحيرة حالة الرؤية واليقين ، ورأى محمد صلى الله عليه وسلم ~~عندما حار العقل ما رآه وقت ما طرأ على تلك الحالة ما طرأ من فضل الله ~~تعالى ورحمته ، والأول هو الصحيح ، فإن النقل الذي ذكرنا من أن السدرة ~~نبقها كقلال هجر يدل على أنها شجرة . # المسألة الثالثة : ما الذي غشى السدرة ؟ نقول فيه وجوه الأول : فراش أو ~~جراد من ذهب وهو ضعيف ، لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي ، فإن صح فيه خبر ~~فلا يبعد من جواز ms8585 التأويل ، وإن لم يصح فلا وجه له الثاني : الذي يغشى ~~السدرة ملائكة يغشونها كأنهم طيور ، وهو قريب ، لأن المكان مكان لا يتعداه ~~الملك ، فهم يرتقون إليه متشرفين به متبركين زائرين ، كما يزور الناس ~~الكعبة فيجتمعون عليها الثالث : أنوار الله تعالى ، وهو ظاهر ، لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما وصل إليها تجلى ربه لها ، كما تجلى للجبل ، وظهرت ~~الأنوار ، لكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت ، فجعل الجبل دكا ، ولم ~~تتحرك الشجرة ، وخر موسى صعقا ، ولم يتزلزل محمد الرابع : هو مبهم للتعظيم ~~، يقول القائل : رأيت ما رأيت عند الملك ، يشير إلى الإظهار من وجه ، وإلى ~~الإخفاء من وجه . # المسألة الرابعة : { يغشى } يستر ، ومنه الغواشي أو من معنى الإتيان ، ~~يقال فلا يغشاني كل وقت ، أي يأتيني ، والوجهان محتملان ، وعلى قول من يقول ~~: الله يأتي ويذهب ، فالإتيان أقرب . # ! 7 < { ما زاغ البصر وما طغى } . > 7 @QB@ < # | النجم : ( 17 ) ما زاغ البصر . . . . . # > > # / ثم قال تعالى : { ما زاغ البصر وما طغى } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اللام في { البصر } يحتمل وجهين أحدهما : المعروف وهو ~~بصر محمد صلى الله عليه وسلم ، أي ما زاغ بصر محمد ، وعلى هذا فعدم الزيغ ~~على وجوه ، إن قلنا الغاشي للسدرة هو الجراد والفراش ، فمعناه لم يتلفت ~~إليه ولم يشتغل به ، ولم يقطع نظره عن المقصود ، وعلى هذا فغشيان الجراد ~~والفراش يكون ابتلاء ، وامتحانا لمحمد صلى الله عليه وسلم . وإن قلنا أنوار ~~الله ، ففيه وجهان أحدهما : لم يتلفت يمنة ويسرة ، واشتغل بمطالعتها ~~وثانيهما : ما زاغ البصر بصعقة بخلاف موسى عليه السلام ، فإنه قطع النظر ~~وغشي عليه ، وفي الأول : بيان أدب محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي الثاني : ~~بيان قوته الوجه الثاني : في اللام أنه لتعريف الجنس ، أي ما زاغ بصر أصلا ~~في ذلك الموضع لعظمة الهيبة ، فإن قيل لو كان كذلك لقال ما زاغ بصر ، لأنه ~~أدل على العموم ، لأن النكرة في معرض النفي تعم ، نقول هو كقوله { لا تدركه ~~الابصار } ( الأنعام : 103 ) ولم يقل لا يدركه بصر . PageV28P253 # المسألة الثانية : إن كان ms8586 المراد محمدا ، فلو قال ما زاغ قلبه كان يحصل ~~به فائدة قوله { ما زاغ البصر } ؟ نقول لا ، وذلك لأن من يحضر عند ملك عظيم ~~يرى من نفسه أنه يهابه ويرتجف إظهارا لعظمته مع أن قلبه قوي ، فإذا قال : { ~~ما زاغ البصر } يحصل منه فائدة أن الأمر كان عظيما ، ولم يزغ بصره من غير ~~اختيار من صاحب البصر . # المسألة الثالثة : { وما طغى } عطف جملة مستقلة على جملة أخرى ، أو عطف ~~جملة مقدرة على جملة ، مثال المستقلة : خرج زيد ودخل عمرو ، ومثال مقدرة : ~~خرج زيد ودخل ، فنقول الوجهان جائزان أما الأول : فكأنه تعالى قال عند ظهور ~~النور : ما زاغ بصر محمد صلى الله عليه وسلم ، وما طغى محمد بسبب الالتفات ~~، ولو التفت لكان طاغيا وأما الثاني : فظاهر على الأوجه ، أما على قولنا : ~~غشي السدرة جراد فلم يلتفت إليه { وما طغى } أي ما التفت إلى غير الله ، ~~فلم يلتفت إلى الجراد ، ولا إلى غير الجراد سوى الله . وأما على قولنا ~~غشيها نور ، فقوله { ما زاغ } أي ما مال عن الأنوار { وما طغى } أي ما طلب ~~شيئا وراءها وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال : ما زاغ وما طغى ، ولم يقل ~~: ما مال وما جاوز ، لأن الميل في ذلك الموضع والمجاوزة مذمومان ، فاستعمل ~~الزيغ والطغيان فيه ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون ذلك بيانا لوصول محمد صلى ~~الله عليه وسلم إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه ، ووجه ذلك أن بصر محمد ~~صلى الله عليه وسلم { ما زاغ } أي ما مال عن الطريق ، فلم ير الشيء على ~~خلاف ما هو عليه ، بخلاف من ينظر إلى عين الشمس مثلا ، ثم ينظر إلى شيء ~~أبيض ، فإنه يراه أصفر أو أخضر يزيغ بصره عن جادة الأبصار { وما طغى } ما ~~تخيل المعدوم موجودا فرأى المعدوم مجاوزا الحد . # ! 7 < { لقد رأى من ءايات ربه الكبرى } . > 7 ! # / ثم قال تعالى : { لقد رأى من ءايات ربه الكبرى } < < # | النجم : ( 18 ) لقد رأى من . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : فيه دليل على أن النبي ms8587 صلى الله عليه وسلم ، رأى ليلة ~~المعراج آيات الله ، ولم ير الله ، وفيه خلاف ووجهه : هو أن الله تعالى ختم ~~قصة المعراج ههنا برؤية الآيات ، وقال : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } ~~إلى أن قال : { لنريه من ءاياتنا } ( الإسراء : 1 ) ولو كان رأى ربه لكان ~~ذلك أعظم ما يمكن ، فكانت الآية الرؤية ، وكان أكبر شيء هو الرؤية ، ألا ~~ترى أن من له مال يقال له : سافر لتربح ، ولا يقال : سافر لتتفرج ، لما أن ~~الربح أعظم من التفرج . # المسألة الثانية : قال بعض المفسرين { لقد رأى من ءايات ربه الكبرى } وهي ~~أنه رأى جبريل عليه السلام في صورته ، فهل هو على ما قاله ؟ نقول الظاهر أن ~~هذه الآيات غير تلك ، وذلك لأن جبريل عليه السلام وإن كان عظيما ، لكن ورد ~~في الأخبار أن لله ملائكة أعظم منه ، والكبرى تأنيث الأكبر ، فكأنه تعالى ~~يقول : رأى من آيات ربه آيات هن أكبر الآيات ، فإن قيل قال الله تعالى : { ~~إنها لإحدى الكبر } ( المدثر : 35 ) مع أن أكبر من سقر عجائب الله ، فكذلك ~~الآيات الكبرى تكون جبريل وما فيه ، وإن كان لله آيات أكبر منه نقول سقر ~~إحدى الكبر أي إحدى الدواهي الكبر ، ولا شك أن في الدواهي سقر عظيمة كبيرة ~~، وأما آيات الله فليس جبريل أكبرها ولأن سقر في نفسها أعظم وأعجب من جبريل ~~عليه السلام فلا يلزم من صفتها بالكبر صفتها بالكبرى . PageV28P254 # المسألة الثالثة : الكبرى صفة ماذا ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : صفة محذوف ~~تقديره : لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى ، ثانيهما : صفة آيات ربه وعلى ~~هذا يكون مفعول رأى محذوفا تقديره رأى من الآيات الكبرى آية أو شيئا ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { أفرءيتم اللات والعزى * ومنواة الثالثة الا خرى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 19 ) أفرأيتم اللات والعزى # > > لما قرر الرسالة ذكر ما ينبغي أن يبتدىء به الرسول وهو التوحيد ومنع ~~الخلق عن الإشراك ، فقوله تعالى : { أفرءيتم } إشارة إلى إبطال قولهم بنفس ~~القول كما أن ضعيفا إذا ادعى الملك ثم رآه العقلاء في غاية البعد عما يدعيه ms8588 ~~يقولون انظروا إلى هذا الذي يدعي الملك ، منكرين عليه غير مستدلين بدليل ~~لظهور أمره ، فلذلك قال : { أفرءيتم اللات والعزى } أي كما هما فكيف ~~تشركونهما بالله ، والتاء في اللات تاء تأنيث كما في المناة لكنها تكتب ~~مطولة لئلا يوقف عليها فتصير هاء فيشتبه باسم الله تعالى ، فإن الهاء في ~~الله أصلية ليست تاء تأنيث وقف عليها فانقلبت هاء ، وهي صنم كانت لثقيف ~~بالطائف ، قال الزمخشري هي فعله من لوى يلوي ، وذلك لأنهم كانوا يلوون ~~عليها ، وعلى ما قال فأصله لوية أسكنت الياء / وحذفت لالتقاء الساكنين ~~فبقيت لوه قلبت الواو ألفا لفتح ما قبلها فصارت لات ، وقرىء اللات بالتشديد ~~من لت ، قيل إنه مأخوذ من رجل كان يلت بالسمن الطعام ويطعم الناس فعبد ~~واتخذ على صورته وثن وسموه باللات ، وعلى هذا فاللات ذكر ، وأما العزى ~~فتأنيث الأعز وهي شجرة كانت تعبد ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن ~~الوليد رضي الله عنه فقطعها وخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس منشورة الشعر ~~تضرب رأسها وتدعوا بالويل والثبور فقتلها خالد وهو يقول : # % يا عز كفرانك لا سبحانك % % إني رأيت الله قد أهانك % # ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما رأى وفعل فقال تلك العزى ~~ولن تعبد أبدا ، وأما مناة فهي فعلة صنم الصفا ، وهي صخرة كانت لهذيل ~~وخزاعة ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الآخر لا يصح أن يقال إلا إذا كان الأول مشاركا للثاني ~~فلا يقال رأيت امرأة ورجلا آخر ، ويقال رأيت رجلا ورجلا آخر لاشتراك الأول ~~والثاني في كونهما من الرجال وههنا قوله { الثالثة الاخرى } يقتضي على ما ~~ذكرنا أن تكون العزى ثالثة أولى ومناة ثالثة أخرى وليس كذلك ، والجواب عنه ~~من وجوه الأول : الأخرى كما هي تستعمل للذم ، قال الله تعالى : { قالت * ~~أولاهم لاخراهم } ( الأعراف : 39 ) أي لمتأخرتهم وهم الأتباع ويقال لهم ~~الأذناب لتأخرهم في المراتب فهي صفة ذم كأنه تعالى يقول ومناة الثالثة ~~المتأخرة الذليلة ، ونقول على هذا للأصنام الثلاثة ترتيب ، وذلك لأن الأول ~~كان وثنا على صورة آدمي والعزى ms8589 صورتها صورة نبات ومناة صورتها صورة صخرة هي ~~جماد ، فالآدمي أشرف من النبات ، والنبات أشرف من الجماد ، فالجماد متأخر ~~والمناة جماد فهي في الأخريات من المراتب الجواب الثاني : فيه محذوف تقديره ~~{ أفرءيتم اللات والعزى } المعبودين بالباطل { ومنواة الثالثة } المعبودة ~~الأخرى والجواب الثالث : هو أن الأصنام كان فيها كثرة واللات والعزى إذا ~~أخذتا متقدمتين فكل صنمة توجد فهي ثالثة ، فهناك ثوالث فكأنه يقول لهما ~~ثوالث كثيرة وهذه ثالثة أخرى ، وهذا كقول القائل يوما ويوما والجواب الرابع ~~: فيه تقديم وتأخير تقديره ومناة الأخرى الثالثة ، ويحتمل أن يقال الأخرى ~~تستعمل لموهوم أو مفهوم وإن لم يكن مشهورا ولا مذكورا يقول من يكثر تأذيه ~~من الناس إذا آذاه إنسان الآخر جاء يؤذينا ، وربما يسكت على قوله أنت الآخر ~~PageV28P255 فيفهم غرضه كذلك ههنا . # المسألة الثانية : وهي في الترتيب أولى ما فائدة الفاء في قوله { أفرءيتم ~~اللات والعزى } وقد استعمل في مواضع بغير الفاء ؟ قال تعالى : { أرأيتم ما ~~تدعون من دون الله } ( الأحقاف : 4 ) { أرءيتم شركاءكم } ( فاطر : 4 ) ، ~~نقول لما قدم من عظمة آيات الله في ملكوته أن رسول الله إلى الرسل الذي يسد ~~الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته لا يمكنه أن يتعدى السدرة في ~~مقام جلال الله وعزته ، قال أفرأيتم هذه الأصنام مع زلتها وحقارتها شركاء ~~الله مع ما تقدم ، فقال بالفاء أي عقيب ما سمعتم من عظمة آيات / الله تعالى ~~الكبرى ونفاذ أمره في الملأ الأعلى وما تحت الثرى ، فانظروا إلى اللات ~~والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه . # المسألة الثالثة : أين تتمة الكلام الذي يفيد فائدة ما ؟ نقول قد تقدم ~~بيانه وهو أنه يقول هل رأيتم هذه حق الرؤية ، فإن رأيتموها علمتم أنها لا ~~تصلح شركاء ، نظيره ما ذكرنا فيمن ينكر كون ضعيف يدعي ملكا ، يقول لصاحبه ~~أما تعرف فلانا مقتصرا عليه مشيرا إلى بطلان ما يذهب إليه ثم قال تعالى : # ! 7 < { ألكم الذكر وله الا نثى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 21 ) ألكم الذكر وله . . . . . # > > وقد ذكرنا ما يجب ذكره في سورة ms8590 والطور في قوله { أم له البنات ولكم ~~البنون } ( الطور : 39 ) ونعيد ههنا بعض ذلك أو ما يقرب منه ، فنقول لما ~~ذكر اللات والعزى ومناة ولم يذكر شيئا آخر قال إن هذه الأشياء التي ~~رأيتموها وعرفتموها تجعلونها شركاء لله وقد سمعتم جلال الله وعظمته وإن ~~الملائكة مع رفعتهم وعلوهم ينتهون إلى السدرة ويقفون هناك لا يبقى شك في ~~كونهم بعيدين عن طريقة المعقول أكثر مما بعدوا عن طريقة المنقول ، فكأنهم ~~قالوا نحن لا نشك أن شيئا منها ليس مثلا لله تعالى ولا قريبا من أن يماثله ~~، وإنما صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم ~~الأنبياء ، وقالوا إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى ويرد عليهم الأمر ~~والنهي وينهون إلى الله ما يصدر من عباده في أرضه وهم بنات الله ، فاتخذنا ~~صورا على صور الإناث وسميناها أسماء الإناث ، فاللات تأنيث اللوة وكان أصله ~~أن يقال اللاهة لكن في التأنيث يوقف عليها فتصير اللاهة فأسقط إحدى الهاءين ~~وبقيت الكلمة على حرفين أصليين وتاء التأنيث فجعلناها كالأصلية كما فعلنا ~~بذات مال وذا مال والعزى تأنيث الأعز ، فقال لهم كيف جعلتم لله بنات وقد ~~اعترفتم في أنفسكم أن البنات ناقصات والبنين كاملون ، والله كامل العظمة ~~فالمنسوب إليه كيف جعلتموه ناقصا وأنتم في غاية الحقارة والذلة حيث جعلتم ~~أنفسكم أذل من خمار وعبد ثم صخرة وشجرة ثم نسبتم إلى أنفسكم الكامل ، فهذه ~~القسمة جائزة على طريقكم أيضا حيث أذللتم أنفسكم ونسبتم إليها الأعظم من ~~الثقلين وأبغضتم البنات ونسبتموهن إلى الأعظم وهو الله تعالى وكان على ~~عادتكم أن تجعلوا الأعظم للعظيم والأنقص للحقير ، فإذن أنتم خالفتم الفكر ~~والعقل والعادة التي لكم . # ! 7 < { تلك إذا قسمة ضيزى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 22 ) تلك إذا قسمة . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : تلك إشارة إلى ماذا ؟ نقول إلى محذوف تقديره تلك القسمة ~~قسمة ضيزى أي غير عادلة ، ويحتمل أن يقال معناه تلك النسبة قسمة وذلك لأنهم ~~ما قسموا وما قالوا لنا البنون وله البنات ، وإنما PageV28P256 نسبوا إلى ~~الله البنات وكانوا يكرهونهن ms8591 كما قال تعالى : { ويجعلون لله ما يكرهون } ( ~~النحل : 62 ) / فلما نسبوا إلى الله البنات حصل من تلك النسبة قسمة جائزة ~~وهذا الخلاف لا يرهق . # المسألة الثانية : { إذا } جواب ماذا ؟ نقول يحتمل وجوها الأول : نسبتكم ~~البنات إلى الله تعالى إذا كان لكم البنون قسمة ضيزى الثاني : نسبتكم ~~البنات إلى الله تعالى مع اعتقادكم أنهن ناقصات واختياركم البنين مع ~~اعتقادكم أنهم كاملون إذا كنتم في غاية الحقارة والله تعالى في نهاية ~~العظمة قسمة ضيزى ، فإن قيل ما أصل { إذا } ؟ قلنا هو إذا التي للظرف قطعت ~~الإضافة عنها فحصل فيها تنوين وبيانه هو أنك تقول آتيك إذا طلعت الشمس ~~فكأنك أضفت إذا لطلوع الشمس وقلت آتيك وقت طلوع الشمس ، فإذا قال قائل آتيك ~~فتقول له إذن أكرمك أي إذا أتيتني أكرمك فلما حذفت الإتيان لسبق ذكره في ~~قول القائل أتيت بدله بتنوين وقلت إذن كما تقول : وكلا آتيناه . # المسألة الثالثة : { ضيزى } قرىء بالهمزة وبغير همزة وعلى الأولى هي فعلى ~~بكسر الفاء كذكرى على أنه مصدر وصف به كرجل عدل أي قسمة ضائزة وعلى القراءة ~~الثانية هي فعلى وكان أصلها ضوزى لكن عين الكلمة كانت يائية فكسرت الفاء ~~لتسلم العين عن القلب كذلك فعل ببيض فإن جمع أفعل فعل تقول أسود وسود وأحمر ~~وحمر وتقول أبيض وبيض وكان الوزن بيض وكان يلزم منه قلب العين فكسرت الباء ~~وتركت الباء على حالها ، وعلى هذا ضيزى للمبالغة من ضائزة ، تقول فاضل ~~وأفضل وفاضلة وفضلى وكبير وأكبر وكبيرى وكبرى كذلك ضائز وضوز وضائزة وضوزى ~~على هذا نقول أضوز من ضائز وضيزى من ضائزة ، فإن قيل قد قلت من قبل إن قوله ~~{ أم له البنات ولكم البنون } ( الطور : 39 ) ليس بمعنى إنكار الأمرين بل ~~بمعنى إنكار الأول وإظهار النكر بالأمر الثاني ، كما تقول أتجعلون لله ~~أندادا وتعلمون أنه خلق كل ما سواه فإنه لا ينكر الثاني ، وههنا قوله { تلك ~~إذا قسمة ضيزى } دل على أنه أنكر الأمرين جميعا نقول قد ذكرنا هناك أن ~~الأمرين محتملان : أما إنكار الأمرين ms8592 فظاهر في المشهور ، أما إنكار الأول ~~فثابت بوجوه ، وأما الثاني فلما ذكرنا أنه تعالى قال كيف تجعلون لله البنات ~~وقد صار لكم البنون بقدرته كما قال تعالى : { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن ~~يشاء الذكور } الشورى : 49 ) ( خالق البنين لكم لا يكون له بنات ، وأما ~~قوله { تلك إذا قسمة ضيزى } فنقول قد بينا أن تلك عائدة إلى النسبة أي ~~نسبتكم البنات إلى الله تعالى مع أن لكم البنين قسمة ضائزة فالمنكر تلك ~~النسبة وإن كان المنكر القسمة نقول يجوز أن يكون تقديره أيجوز جعل البنات ~~لله تعالى كما أن واحدا إذا كان بينه وبين شريكه شيء مشترك على السوية ~~فيأخذ نصفه لنفسه ويعطي من النصف الباقي نصفه لظالمه ونصفه لصاحبه فقال هذه ~~قسمة ضائزة لا لكونه أخذ النصف فذلك حقه بل لكونه لم يوصل إليه النصف ~~الباقي . # ! 7 < { إن هى إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم مآ أنزل الله بها من ~~سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الا نفس ولقد جآءهم من ربهم الهدى } . > ~~7 ! # < < # | النجم : ( 23 ) إن هي إلا . . . . . # > > ثم قال تعالى : { إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل ~~الله بها من سلطان } وفيه / مباحث تدق عن إدراك اللغوي إن يكن عنده من ~~العلوم حظ عظيم ، ولنذكر ما قيل فيه أولا فنقول قيل معناه : إن هي إلا ~~PageV28P257 أسماء ، أي كونها إناثا وكونها معبودات أسماء لا مسمى لها ~~فإنها ليست بإناث حقيقة ولا معبودات ، وقيل أسماء أي قلتم بعضها عزى ولا ~~عزة لها ، وقيل قلتم إنها آلهة وليست بآلهة ، والذي نقوله هو أن هذا جواب ~~عن كلامهم ، وذلك على ما بينا أنهم قالوا نحن لا نشك في أن الله تعالى لم ~~يلد كما تلد النساء ولم يولد كما تولد الرجال بالمجامعة والإحبال ، غير أنا ~~رأينا لفظ الولد مستعملا عند العرب في المسبب تقول : بنت الجبل وبنت الشفة ~~لما يظهر منهما ويوجد ، لكن الملائكة أولاد الله بمعنى أنهم وجدوا بسببه من ~~غير واسطة فقلنا إنهم أولاده ، ثم إن الملائكة ms8593 فيها تاء التأنيث فقلنا هم ~~أولاد مؤنثة ، والولد المؤنث بنت ، فقلنا لهم بنات الله ، أي لا واسطة ~~بينهم وبين الله تعالى في الإيجاد كما تقول الفلاسفة ، فقال تعالى : هذه ~~الأسماء استنبطتموها أنتم بهوى أنفسكم وأطلقتم على الله ما يوهم النقص وذلك ~~غير جائز ، وقوله تعالى : { نفس ياحسرتى على ما فرطت فى جنب الله } ( الزمر ~~: 56 ) وقوله ( بيده الخير ) أسماء موهمة غير أنه تعالى أنزلها ، وله أن ~~يسمي نفسه بما اختار وليس لأحد أن يسمى بما يوهم النقص من غير ورود الشرع ~~به ، ولنبين التفسير في مسائل : # المسألة الأولى : { هى } ضمير عائد إلى ماذا ؟ نقول الظاهر أنها عائدة ~~إلى أمر معلوم وهو الأسماء كأنه قال ما هذه الأسماء التي وضعتموها أنتم وهو ~~المشهور ، ويحتمل أن يقال هي عائدة إلى الأصنام بأنفسها أي ما هذه الأصنام ~~إلا أسماء ، وعلى هذا فهو على سبيل المبالغة والتجوز ، يقال لتحقير إنسان ~~ما زيد إلا اسم وما الملك إلا اسم إذا لم يكن مشتملا على صفة تعتبر في ~~الكلام بين الناس ، ويؤيد هذا القول قوله تعالى : { ما تعبدون من دونه إلا ~~أسماء } ( يوسف : 40 ) أي ما هذه الأصنام إلا أسماء . # المسألة الثانية : ما الفائدة في قوله { سميتموها } مع أن جميع الأسماء ~~وضعوها أو بعضها هم وضعوها ولم ينكر عليهم ؟ نقول المسألة مختلف فيها ولا ~~يتم الذم إلا بقوله تعالى : { ما أنزل الله بها من سلطان } وبيانه هو أن ~~الأسماء إن أنزلها الله تعالى فلا كلام فيها ، وإن وضعها للتفاهم فينبغي أن ~~لا يكون في ضمن تلك الفائدة مفسدة أعظم منها لكن إيهام النقص في صفات الله ~~تعالى أعظم منها ، فالله تعالى ما جوز وضع الأسماء للحقائق إلا حيث تسلم عن ~~المحرم ، فلم يوجد في هذه الأسماء دليل نقلي ولا وجه عقلي ، لأن ارتكاب ~~المفسدة العظيمة لأجل المنفعة القليلة لا يجوزه العاقل ، فإذا { ما أنزل ~~الله بها من سلطان } ووضع الاسم لا يكون إلا بدليل نقلي أو عقلي ، وهو أنه ~~يقع خاليا عن وجوه المضار الراجحة . # المسألة ms8594 الثالثة : كيف قال : { سميتموها أنتم } مع أن هذه الأسامي ~~لأصنامهم كانت قبلهم ؟ نقول فيه لطيفة وهي أنهم لو قالوا ما سميناها ، ~~وإنما هي موضوعة قبلنا ، قيل لهم كل من يطلق هذه الألفاظ فهو كالمبتدىء ~~الواضع / وذلك لأن الواضع الأول لهذه الأسماء لما لم يكن واضعا بدليل / ~~عقلي لم يجب اتباعه فمن يطلق اللفظ لأن فلانا أطلقه لا يصح منه كما لا يصح ~~أن يقول أضلني الأعمى ولو قاله لقيل له بل أنت أضللت نفسك حيث اتبعت من ~~عرفت أنه لا يصلح للاقتداء به . # المسألة الرابعة : الأسماء لا تسمى ، وإنما يسمى بها فكيف قال : { ~~سميتموها } ؟ نقول عنه جوابان أحدهما : لغوي وهو أن التسمية وضع الاسم ~~فكأنه قال أسماء وضعتموها فاستعمل سميتموها استعمال وضعتموها ، ويقال سميته ~~زيدا وسميته يزيد فسميتموها بمعنى سميتم بها وثانيهما : معنوي وهو أنه لو ~~قال أسماء سميتم بها لكان هناك غير الاسم شيء يتعلق به الباء في قوله { بها ~~} لأن قول القائل سميت به يستدعي مفعولا آخر PageV28P258 تقول سميت بزيد ~~ابني أو عبدي أو غير ذلك فيكون قد جعل للأصنام اعتبارا وراء أسمائها ، وإذا ~~قال : { إن هى إلا أسماء سميتموها } أي وضعتموها في أنفسها لا مسميات لها ~~لم يكن ذلك فإن قيل هذا باطل بقوله تعالى : { وإنى سميتها مريم } ( آل ~~عمران : 36 ) حيث لم يقل وإني سميتها بمريم ولم يكن ما ذكرت مقصودا وإلا ~~لكانت مريم غير ملتفت إليها كما قلت في الأصنام ؟ نقول بينهما بون عظيم ~~وذلك لأن هناك قال : { سميتها مريم } فذكر المفعولين فاعتبر حقيقة مريم ~~بقوله { سميتها } واسمها بقوله { مريم } وأما ههنا فقال : { إن هى إلا ~~أسماء سميتموها } أي ما هناك إلا أسماء موضوعة فلم تعتبر الحقيقة ههنا ~~واعتبرت في مريم . # المسألة الخامسة : { ما أنزل الله بها من سلطان } على أي وجه استعملت ~~الباء في قوله { بها من سلطان } ؟ نقول كما يستعمل القائل ارتحل فلان بأهله ~~ومتاعه ، أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع كذا ههنا . # ثم قال تعالى : { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد ms8595 جاءهم من ربهم ~~الهدى } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء { إن تتبعون } بالتاء على الخطاب ، وهو ظاهر مناسب ~~لقوله تعالى : { أنتم وءاباؤكم } على المغايبة وفيه وجهان : أحدهما : أن ~~يكون الخطاب معهم لكنه يكون التفاتا كأنه قطع الكلام معهم ، وقال لنبيه : ~~إنهم لا يتبعون إلا الظن ، فلا تلتفت إلى قولهم ثانيهما : أن يكون المراد ~~غيرهم وفيه احتمالان أحدهما : أن يكون المراد آباءهم وتقديره هو أنه لما ~~قال : { سميتموها أنتم } كأنهم قالوا هذه ليست أسماء وضعناها نحن ، وإنما ~~هي كسائر الأسماء تلقيناها ممن قبلنا من آبائنا فقال وسماها آباؤكم وما ~~يتبعون إلا الظن ، فإن قيل كان ينبغي أن يكون بصيغة الماضي ، نقول وبصيغة ~~المستقبل أيضا كأنه يفرض الزمان بعد زمان الكلام كما في قوله تعالى : { ~~وكلبهم باسط ذراعيه } ( الكهف : 18 ) . ثانيهما : أن يكون المراد عامة ~~الكفار كأنه قال : إن يتبع الكافرون إلا الظن . # المسألة الثانية : ما معنى الظن وكيف ذمهم به وقد وجب علينا اتباعه في ~~الفقه وقال / صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي ) ؟ ~~نقول أما الظن فهو خلاف العلم وقد استعمل مجازا مكان العلم والعلم مكانه ، ~~وأصل العلم الظهور ومنه العلم والعالم وقد بينا في تفسير العالمين أن حروف ~~ع ل م في تقاليبها فيها معنى الظهور ، ومنها لمع الآل إذا ظهر وميض السراب ~~ولمع الغزال إذا عدا وكذا النعام وفيه الظهور وكذلك علمت ، والظن إذا كان ~~في مقابلة العلم ففيه الخفاء ومنه بئر ظنون لا يدري أفيها ماء أم لا ، ومنه ~~الظنين المتهم لا يدري ما يظن ، نقول يجوز بناء الأمر على الظن الغالب عند ~~العجز عن درك اليقين والاعتقاد ليس كذلك لأن اليقين لم يتعذر علينا وإلى ~~هذا إشارة بقول { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } ( النجم : 23 ) أي اتبعوا ~~الظن ، وقد أمكنهم الأخذ باليقين وفي العمل يمتنع ذلك أيضا . # المسألة الثالثة : { ما } في قوله تعالى : { وما تهوى الانفس } خبرية أو ~~مصدرية ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : مصدرية كأنه قال : إن يتبعون إلا الظن ~~وهوى الأنفس ms8596 ، فإن قيل ما الفائدة في العدول عن صريح المصدر إلى الفعل مع ~~زيادة ما وفيه تطويل ؟ نقول فيه فائدة ، وإنها في أصل الوضع ثم نذكرها هنا ~~فنقول إذا قال القائل أعجبني صنعك يعلم من الصيغة أن الإعجاب من مصدر قد ~~تحقق وكذلك إذا قال أعجبني ما تصنع يعلم أن الإعجاب من مصدر هو فيه فلو قال ~~أعجبني صنعك وله صنع أمس وصنع اليوم لا يعلم أن المعجب أي صنع هو إذا علمت ~~هذا فنقول ههنا قوله { وما تهوى الانفس } يعلم منه أن المراد أنهم يتبعون ~~PageV28P259 ما تهوى أنفسهم في الحال والاستقبال إشارة إلى أنهم ليسوا ~~بثابتين على ضلال واحد وما هوت أنفسهم في الماضي شيئا من أنواع العبادة ~~فالتزموا به وداموا عليه بل كل يوم هم يستخرجون عبادة ، وإذا انكسرت ~~أصنامهم اليوم أتوا بغيرها غدا ويغيرون وضع عبادتهم بمقتضى شهوتهم اليوم ~~ثانيهما : أنها خبرية تقديره ، والذي تشتهيه أنفسهم والفرق بين المصدرية ~~والخبرية أن المتبع على الأول الهوى وعلى الثاني مقتضى الهوى كما إذا قلت ~~أعجبني مصنوعك . # المسألة الرابعة : كيف قال : { وما تهوى الانفس } بلفظ الجمع مع أنهم لا ~~يتبعون ما تهواه كل نفس فإن من النفوس ما لا تهوى ما تهواه غيرها ؟ نقول هو ~~من باب مقابلة الجمع بالجمع معناه اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه يقال ~~خرج الناس بأهليهم أي كل واحد بأهله لا كل واحد بأهل الجمع . # المسألة الخامسة : بين لنا معنى الكلام جملة ، نقول قوله تعالى : { إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس } أمران مذكوران يحتمل أن يكون ذكرهما ~~لأمرين تقدير بين يتبعون الظن في الإعتقاد ويتبعون ما تهوى الأنفس في العمل ~~والعبادة وكلاهما فاسد ، لأن الإعتقاد ينبغي أن يكون مبناه على اليقين ، ~~وكيف يجوز اتباع الظن في الأمر العظيم ، وكلما كان الأمر أشرف وأخطر كان ~~الاحتياط فيه أوجب وأحذر ، وأما العمل فالعبادة مخالفة الهوى فكيف تنبىء ~~على متابعته ، ويحتمل أن يكون في أمر واحد على طريقة النزول درجة درجة فقال ~~: { إن يتبعون إلا الظن وما ms8597 تهوى الانفس } أي وما دون الظن لأن القرونة ~~تهوى ما لا يظن به خير وقوله تعالى : { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } ( النجم ~~: 23 ) إشارة / إلى أنهم على حال لا يعتد به لأن اليقين مقدور عليه وتحقق ~~بمجيء الرسل { والهدى } فيه وجوه ثلاثة الأولى : القرآن الثاني : الرسل ~~الثالث : المعجزات . # ! 7 < { أم للإنسان ما تمنى } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { أم للإنسان ما تمنى } < < # | النجم : ( 24 ) أم للإنسان ما . . . . . # > > المشهور أن أم منقطعة معناه : أللإنسان ما اختاره واشتهاه ؟ وفي { ما ~~تمنى } وجوه الأولى : الشفاعة تمنوها وليس لهم شفاعة الثاني : قولهم { ولئن ~~رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى } ( فصلت : 50 ) الثالث : قول الوليد بن ~~المغيرة { لاوتين مالا وولدا } ( مريم : 77 ) الرابع : تمنى جماعة أن ~~يكونوا أنبياء ولم تحصل لهم تلك الدرجة الرفيعة ، فإن قلت هل يمكن أن تكون ~~أم ههنا متصلة ؟ نقول نعم والجملة الأولى حينئذ تحتمل وجهين أحدهما : أنها ~~مذكورة في قوله تعالى : { ألكم الذكر وله الانثى } ( النجم : 21 ) كأنه قال ~~ألكم الذكر وله الأنثى على الحقيقة أو تجعلون لأنفسكم ما تشتهون وتتمنون ~~وعلى هذا فقوله تلك { إذا قسمة ضيزى } ( النجم : 22 ) وغيرها جمل اعترضت ~~بين كلامين متصلين ثانيهما : أنها محذوفة وتقرير ذلك هو أنا بينا أن قوله { ~~أفرءيتم } ( النجم : 19 ) لبيان فساد قولهم ، والإشارة إلى ظهور ذلك من غير ~~دليل ، كما إذا قال قائل فلان يصلح للملك فيقول آخر لثالث ، أما رأيت هذا ~~الذي يقوله فلان ولا يذكر أنه لا يصلح للملك ، ويكون مراده ذلك فيذكره وحده ~~منها على عدم صلاحه ، فههنا قال تعالى : { أفرءيتم اللات والعزى } أي ~~يستحقان العبادة أم للإنسان أن يعبد ما يشتهيه طبعه وإن لم يكن يستحق ~~العبادة ، وعلى هذا فقوله أم للإنسان أي هل له أن يعبد بالتمنى والاشتهاء ، ~~ويؤيد هذا قوله تعالى : { وما تهوى الانفس } أي عبدتم بهوى أنفسكم ما لا ~~يستحق العبادة فهل لكم ذلك . # PageV28P260 ! 7 < { فلله الا خرة والا ولى } . > 7 @QB@ < # | النجم : ( 25 ) فلله الآخرة والأولى # > > # ثم قال تعالى : { فلله الاخرة والاولى } وفيه ms8598 مسائل : # المسألة الأولى : في تعلق الفاء بالكلام وفيه وجوه الأولى : أن تقديره ~~الإنسان إذا اختار معبودا في دنياه على ما تمناه واشتهاه فلله الآخرة ~~والأولى يعاقبه على فعله في الدنيا وإن لم يعاقبه في الدنيا فيعاقبه في ~~الآخرة ، وقوله تعالى : { وكم من ملك } إلى قوله تعالى : { لا تغنى شفاعتهم ~~} ( النجم : 26 ) يكون مؤكدا لهذا المعنى أي عقابهم يقع ولا يشفع فيهم أحد ~~ولا يغنيهم شفاعة شافع الثاني : أنه تعالى لما بين أن اتخاذ اللات والعزى ~~باتباع الظن وهوى الأنفس كأنه قرره وقال إن لم تعلموا هذا فلله الآخرة ~~والأولى ، وهذه الأصنام ليس لها من الأمر شيء فكيف يجوز الإشراك وقوله ~~تعالى : { وكم من ملك } على هذا الوجه جواب كلام كأنهم قالوا لا نشرك بالله ~~شيئا ، وإنما هذه الأصنام شفعاؤنا فإنها صورة ملائكة مقربين ، فقال : { وكم ~~من ملك فى * السماوات * لا تغنى شفاعتهم شيئا } الثالث : هذه تسلية كأنه ~~تعالى قال ذلك لنبيه حيث بين رسالته ووحدانية الله ولم يؤمنوا فقال لا تأس ~~{ فلله الاخرة والاولى } أي لا يعجزون الله الرابع : هو ترتيب حق على دليله ~~/ بيانه هو أنه تعالى لما بين رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله { إن ~~هو إلا وحى يوحى } ( النجم : 4 ) إلى آخره وبين بعض ما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم وهو التوحيد ، قال إذاعلمتم صدق محمد ببيان رسالة الله ~~تعالى : { فلله الاخرة والاولى } لأنه صلى الله عليه وسلم أخبركم عن الحشر ~~فهو صادق الخامس : هو أن الكفار كانوا يقولون للمؤمنين أهؤلاء أهدى منا ؟ ~~وقالوا { لو كان خيرا ما سبقونا إليه } ( الأحقاف : 11 ) فقال تعالى : إن ~~الله اختار لكم الدنيا وأعطاكم الأموال ولم يعط المؤمنين بعض ذلك الأمر بل ~~قلتم : لو شاء الله لأغناهم وتحققتم هذه القضية { فلله الاخرة والاولى } ~~قولوا في الآخرة ما قلتم في الدنيا يهدي الله من يشاء كما يغني الله ما ~~يشاء . # المسألة الثانية : { الاخرة } صفة ماذا ؟ نقول صفة الحياة أو صفة الدار ~~وهي اسم فاعل من فعل غير مستعمل ، تقول ms8599 أخرته فتأخر وكان من حقه أن تقول ~~فأخر كما تقول غبرته فغبر فمنعت منه سماعا ، ولهذا البحث فائدة ستأتي إن ~~شاء الله . # المسألة الثالثة : { الاولى } فعلى للتأنيث ، فالأول إذن أفعل صفة . وفيه ~~مباحث : # البحث الأول : لا بد من فاعل أخذ منه الأفعل والفعلى فإن كل فعلى وأفعل ~~للتأنيث والتذكير له أصل فليؤخذ منه كالفضلى والأفضل من الفاضلة والفاضل ، ~~فما ذلك ؟ نقول ههنا أخذ من أصل غير مستعمل كما قلنا إن الآخر فاعل من فعل ~~غير مستعمل ، وسبب ذلك هو أن كل فعل مستعمل فله آخر ، وذلك لأن له ماضيا ~~فإذا استعملت ماضيه لزم فراغ الفعل وإلا لكان الفاعل بعد في الفعل فلا يكون ~~ماضيا فإنك لا تقول لمن هو بعد الأكل أكل إلا متجوزا عندما يبقى له قليل ، ~~فيقول أكل إشارة إلى أن ما بقي غير معتد به وتقول لمن قرب من الفراغ فرغت ~~فيقول فرغت بمعنى أن ما بقي قليل لا يعتد به فكأني فرغت ، وأما الماضي في ~~الحقيقة لا يصح إلا عند تمام الشيء والفراغ عنه فإذا للفعل المستعمل آخر ~~فلو كان لقولنا آخر على وزن فاعل فعل هو آخر يأخر كأمر يأمر لكان معناه صدر ~~مصدره كجلس معناه صدر الجلوس منه بالتمام والكمال فكان ينبغي أن القائل إذا ~~قال فلان آخر كان معناه وجد منه تمام الآخرية وفرغ منها فلا يكون بعد ما ~~يكون آخر لكن تقدم أن كل فعل فله آخر بعده لا يقال يشكل بقولنا تأخر فإن ~~معناه صار آخرا لأنا نقول وزن الفعل ينادي PageV28P261 على صحة ما ذكرنا ~~فإنه من باب التكلف والتكبر إذا استعمل في غير المتكبر أي يرى أنه آخر / ~~وليس في الحقيقة كذلك ، إذا علمت هذا فنقول الآخر فاعل ليس له فعل ، ~~ومبالغته بأفعل وهو كقولنا أأخر ، فنقلت الهمزة إلى مكان الألف ، والألف ~~إلى مكان الهمزة ، فصارت الألف همزة والهمزة ألفا ، ويدل عليه التأويل في ~~المعنى ، فإن آخر الشيء جزء منه متصل به والآخر مباين عنه منفصل والمنفصل ~~بعد المتصل ، والآخر ms8600 أشد تأخرا عن الشيء من آخره ، والأول أفعل ليس له فاعل ~~، وليس له فعل ، والأول أبعد عن الفعل من الآخر ، وذلك لأن الفعل الماضي ~~علم له آخر من وصفه بالماضي ولولا ذلك الوصف لما علم له آخر ، وأما الفعل ~~لتفسير كونه فعلا علم له أول / لأن الفعل لا بد له من فاعل يقوم به ، أو ~~يوجد منه فإذا الفاعل أولا ثم الفعل ، فإذا كان الفاعل أول الفعل كيف يكون ~~الأول له فعل يوجد منه فلا فعل له ولا فاعل فلا يقال آل الشيء بمعنى سبق ~~كما يقال قال من القول ، أو نال من النيل ، لا يقال إن قولنا سبق أخذ منه ~~السابق ومن السابق الأسبق مع أن الفاعل يسبق الفعل ، وكذلك يقال تقدم الشيء ~~مع أن الفاعل متقدم على الفعل إلى غير ذلك ، نقول أما تقدم قد مضى الجواب ~~عنه في تأخر ، وأما سبق يقول القائل سابقته فسبقته فجيب عنه بأن ذلك مفتقر ~~إلى أمر يصدر من فاعل فالسابق إن استعمل في الأول فهو بطريق المشابهة لا ~~بطريق الحقيقة ، والفاعل أول الفعل بمعنى قبل الفعل ، وليس سابق الفعل لأن ~~الفاعل والفعل لا يتسابقان فالفاعل لا يسبقه ، والذي يوضح ما ذكرنا أن ~~الآخر أبعد من الأول عن الفعل بخلاف الآخر ، وما يقال إن أول بمعنى جعل ~~الآخر أولا لاستخراج معنى من الكلام فبعيد وإلا لم يكن آخر دونه في إفادة ~~ذلك ، بل التأويل من آل شيء إذا رجع أي رجعه إلى المعنى المراد وأبعد من ~~اللفظين قبل وبعد فإن الآخر فاعل من غير فعل والأول أفعل من غير فاعل ولا ~~فعل ، وقبل وبعد لا فاعل ولا أفعل فلا يفهم من فعل أصلا لأن الأول أول لما ~~فيه من معنى قبل وليس قبل قبلا لما فيه من معنى الأول والآخر آخر لما فيه ~~من معنى بعد ، وليس بعد بعدا لما فيه من معنى الآخر يدلك عليه أنك تعلل ~~أحدهما بالآخر ولا تعكسه فتقول هذا آخر من جاء لأنه جاء بعد الكل ولا ms8601 تقول ~~هو جاء بعد الكل لأنه آخر من جاء ، ويؤيده أن الآخر لا يتحقق إلا ببعدية ~~مخصوصة وهي التي لا بعدية بعدها وبعد ليس لا يتحقق إلا بالآخر فإن المتوسط ~~بعد الأول ليس بآخر . وهذا البحث من أبحاث الزمان ومنه يعلم معنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ( لا تسبوا الدهر ( فإن الدهر هو الله ) ) أي الدهر هو ~~الذي يفهم منه القبلية والبعدية والله تعالى هو الذي يفهم منه ذلك والبعدية ~~والقبلية حقيقة لإثبات الله ولا مفهوم للزمان إلا ما به القبلية والبعدية ~~فلا تسبوا الدهر فإن ما تفهمونه منه لا يتحقق إلا في الله وبالله ولولاه ~~لما كان قبل ولا بعد . # البحث الثاني : ورد في كلام العرب الأولة تأنيث الأول وهو ينافيه صحة ~~استعمال الأولى لأن الأولى تدل على أن الأول أفعل للتفصيل ، وأفعل للتفضيل ~~لا يلحقه تاء التأنيث فلا يقال زيد أعلم وزينب أعلمة لسبب يطول ذكره ، ~~وسنذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى ، نقول الجواب عنه هو أن أول لما ~~كان أفعل وليس له فاعل شابه الأربع والأرنب فجاز إلحاق التاء به ولما كان ~~صفة شابه الأكبر والأصغر فقيل أولى . # المسألة الرابعة : أولى تدل على أن أول لا ينصرف فكيف يقال أفعله أولا ~~ويقال جاء زيدا أولا وعمرو ثانيا فإن قيل جاز فيه الأمران بناء على أولة ~~وأولى فمن قال بأن تأنيث أول أولة فهو كالأربع والأربعة فجاز التنوين ، ومن ~~قال أولى لا يجوز ، نقول إذا كان كذلك كان الأشهر ترك التنوين لأن الأشهر ~~أن تأنيثه أولى PageV28P262 وعليه استعمال القرآن ، فإذن الجواب أن عند ~~التأنيث الأولى أن / يقال أولى نظرا إلى المعنى / وعند العرب أولة لأنه هو ~~الأصل ودل عليه دليل ، وإن كان أضعف من الغير وربما يقال بأن منع الصرف من ~~أفعل لا يكون إلا إذا لم يكن تأنيثه إلا فعلى ، وأما إذا كان تأنيثه بالتاء ~~أو جاز ذلك فيه لا يكون غير منصرف . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وكم من ملك فى السماوات لا تغنى شفاعتهم ms8602 شيئا إلا من بعد أن يأذن ~~الله لمن يشآء ويرضى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 26 ) وكم من ملك . . . . . # > > وقد علم وجه تعلقها بما قبلها في الوجوه المتقدمة في قوله تعالى : { ~~فلله الاخرة } ( النجم : 25 ) إن قلنا إن معناه أن اللات والعزى وغيرهما ~~ليس لهم من الأمر شيء { فلله الاخرة والاولى } فلا يجوز إشراكهم فيقولون ~~نحن لا نشرك بالله شيئا ، وإنما نقول هؤلاء شفعاؤنا فقال كيف تشفع هذه ومن ~~في السماوات لا يملك الشفاعة ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { كم } كلمة تستعمل في المقادير ، إما لاستبانتها فتكون ~~استفهامية كقولك كم ذراعا طوله وكم رجلا جاءك أي كم عدد الجائين تستبين ~~المقدار وهي مثل كيف لاستبانة الأحوال وأي الاستبانة الأفراد ، وما ~~لاستبانة الحقائق ، وإما لبيانها على الإجمال فتكون خبرية كقولك كم رجل ~~أكرمني أي كثير منهم أكرموني غير أن عليه أسئلة الأول : لم لم يجز إدخال من ~~على الاستفهامية وجاز على الخبرية الثاني : لم نصب مميز الاستفهامية وجر ~~الذي للخبرية الثالث : هي تستعمل في الخبرية في مقابلة رب فلم جعل اسما مع ~~أن رب حرف ، أما الجواب عن الأول فهو أن من يستعمل في الموضع المتعين ~~بالإضافة تقول خاتم من فضة كما تقول خاتم فضة ، ولما لم تضف في الاستفهامية ~~لم يجز استعمال ما يضاهيه وسنبين هذا الجواب ، والجواب عن السؤال الثاني هو ~~أن نقول إن الأصل في المميز الإضافة ، وعن الثالث هو أن كم يدخل عليه حرف ~~الجر فتقول إلى كم تصبر ، وفي كم يوم جئت ، وبكم رجل مررت ومن حيث المعنى ~~إن كم إذا قرن بها من وجعل مميزه جمعا كما في قول القائل كم من رجال خدمتهم ~~ويكون معناه كثير من الرجال خدمتهم ورب وإن كانت للتقليل لكن لا تقوم مقام ~~القليل ، فلا يمكن أن يقال في رب إنها عبارة عن قليل كما قلنا في كم إنه ~~عبارة عن كثير . # المسألة الثانية : قال شفاعتهم على عود الضمير إلى المعنى ، ولو قال ~~شفاعته لكان العود إلى اللفظ فيجوز أن يقال كم من رجل ms8603 رأيته ، وكم من رجل ~~رأيتهم ، فإن قلت هل بينهما فرق معنوي ؟ قلت نعم ، وهو أنه تعالى لما قال : ~~{ لا تغنى شفاعتهم } ( النجم : 26 ) يعني شفاعة الكل ، ولو قال شفاعته / ~~لكان معناه كثير من الملائكة كل واحد لا تغني شفاعته فربما كان يخطر ببال ~~أحد أن شفاعتهم تغني إذا جمعت ، وعلى هذا ففي الكلام أمور كلها تشير إلى ~~عظم الأمر أحدها : كم فإنه للتكثير ثانيها : لفظ الملك فإنه أشرف أجناس ~~المخلوقات ثالثها : في السماوات فإنها إشارة إلى علو منزلتهم ودنو مرتبتهم ~~من مقر السعادة رابعها : اجتماعهم على الأمر في قوله { شفاعتهم } وكل ذلك ~~لبيان فساد قولهم إن الأصنام يشفعون أي كيف تشفع مع حقارتها وضعفها ودناءة ~~منزلتها فإن الجماد أخس الأجناس والملائكة أشرفها وهم في أعلى السماوات ولا ~~تقبل شفاعة الملائكة PageV28P263 فكيف تقبل شفاعة الجمادات . # المسألة الثالثة : ما الفائدة في قوله تعالى : { وكم من ملك } بمعنى كثير ~~من الملائكة مع أن كل من في السماوات منهم لا يملك الشفاعة ؟ نقول المقصود ~~الرد عليهم في قولهم هذه الأصنام تشفع ، وذلك لا يحصل ببيان أن ملكا من ~~الملائكة لا تقبل شفاعته فاكتفى بذكر الكثيرة ، ولم يقل ما منهم أحد يملك ~~الشفاعة لأنه أقرب إلى المنازعة فيه من قوله كثير مع أن المقصود حاصل به ، ~~ثم ههنا بحث وهو أن في بعض الصور يستعمل صيغة العموم والمراد الكثير ، وفي ~~البعض يستعمل الكثير والمراد الكل وكلاهما على طريقة واحد ، وهو استقلال ~~الباقي وعدم الاعتداد / ففي قوله تعالى : { تدمر كل شىء } ( الأحقاف : 25 ) ~~كأنه يجعل الخارج عن الحكم غير ملتفت إليه ، وفي قوله تعالى : { وكم من ملك ~~} وقوله { بل أكثرهم لا يعلمون } ( النحل : 75 ) وقوله { أكثرهم بهم مؤمنون ~~} ( سبأ : 41 ) يجعل المخرج غير ملتفت إليه فيجعل كأنه ما أخرجه كالأمر ~~الخارج عن الحكم كأنه ما خرج ، وذلك يختلف بختلاف المقصود من الكلام ، فإن ~~كان الكلام مذكورا لأمر فيه يبالغ يستعمل الكل ، مثاله يقال للملك كل الناس ~~يدعون لك إذا كان الغرض بيان كثرة الدعاء له لا ms8604 غير ، وإن كان الكلام ~~مذكورا لأمر خارج عنه لا يبالغ فيه لأن المقصود غيره فلا يستعمل الكل ، ~~مثاله إذا قال الملك لمن قال له اغتنم دعائي كثير من الناس يدعون لي ، ~~إشارة إلى عدم احتياجه إلى دعائه لا لبيان كثرة الدعاء له ، فكذلك ههنا . # المسألة الرابعة : قال : { لا تغنى شفاعتهم } ولم يقل لا يشفعون مع أن ~~دعواهم أن هؤلاء شفعاؤنا لا أن شفاعتهم تنفع أو تغني وقال تعالى في مواضع ~~أخرى { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) فنفي الشفاعة ~~بدون الإذن وقال : { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع } نفى الشفيع وههنا ~~نفى الإغناء ؟ نقول هم كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا وكانوا يعتقدون نفع ~~شفاعتهم ، كما قال تعالى : { ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) ثم ~~نقول نفي دعواهم يشتمل على فائدة عظيمة ، أما نفي دعواهم لأنهم قالوا ~~الأصنام تشفع لنا شفاعة مقربة مغنية فقال : { لا تغنى شفاعتهم } بدليل أن ~~شفاعة الملائكة لا تغني ، وأما الفائدة فلأنه لما استثنى بقوله { إلا من ~~بعد أن يأذن الله } أي فيشفع ولكن لا يكون فيه بيان أنها تقبل وتغني أو لا ~~تقبل ، فإذا قال : { لا تغنى شفاعتهم } ثم قال : { إلا من بعد أن يأذن الله ~~} / فيكون معناه تغني فيحصل البشارة ، لأنه تعالى قال : { الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا } ( ~~غافر : 7 ) وقال تعالى : { ويستغفرون لمن فى الارض } ( الشورى : 5 ) ~~والاستغفار شفاعة . # وأما قوله { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( البقرة : 255 ) فليس ~~المراد نفي الشفاعة وقبولها كما في هذه الآية حيث رد عليهم قولهم وإنما ~~المراد عظمة الله تعالى ، وأنه لا ينطق في حضرته أحد ولا يتكلم كما في قوله ~~تعالى : { لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان } . # المسألة الخامسة : اللام في قوله { لمن يشاء ويرضى } تحتمل وجهين أحدهما ~~: أن تتعلق بالإذن وهو على طريقين أحدهما : أن يقال إلا من بعد أن يأذن ~~الله لمن يشاء من الملائكة في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة ms8605 ويرضى الثاني : أن ~~يكون الإذن في المشفوع له لأن الإذن حاصل للكل في الشفاعة للمؤمنين لأنهم ~~جميعهم يستغفرون لهم فلا معنى للتخصيص ، ويمكن أن ينازع فيه وثانيهما : أن ~~تتعلق بالإغناء يعني إلا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة فتغني شفاعتهم ~~لمن يشاء ويمكن أن يقال بأن هذا بعيد ، لأن ذلك PageV28P264 يقتضي أن تشفع ~~الملائكة ، والإغناء لا يحصل إلا لمن يشاء ، فيجاب عنه بأن التنبيه على ~~معنى عظمة الله تعالى فإن الملك إذا شفع فالله تعالى على مشيئته بعد ~~شفاعتهم يغفر لمن يشاء . # المسألة السادسة : ما الفائدة في قوله تعالى : { ويرضى } ؟ نقول فيه ~~فائدة الإرشاد ، وذلك لأنه لما قال : { لمن يشاء } كان المكلف مترددا لا ~~يعلم مشيئته فقال : { ويرضى } ليعلم أنه العابد الشاكر لا المعاند الكافر / ~~فإنه تعالى قال : { إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن ~~تشكروا يرضه لكم } ( الزمر : 7 ) فكأنه قال : { لمن يشاء } ثم قال : { ~~ويرضى } بيانا لمن يشاء ، وجواب آخر على قولنا : لا تغني شفاعتهم شيئا ممن ~~يشاء ، هو أن فاعل يرضى المدلول عليه لمن يشاء كأنه قال ويرضى هو أي تغنيه ~~الشفاعة شيئا صالحا فيحصل به رضاه كما قال : ويرضى هو أي تغنيه الشفاعة ~~وحينئذ يكون يرضى للبيان لأنه لما قال : { لا تغنى شفاعتهم } إشارة إلى نفي ~~كل قليل وكثير كان اللازم عنده بالاستثناء أن شفاعتهم تغني شيئا ولو كان ~~قليلا ويرضى المشفوع له ليعلم أنها تغني أكثر من اللازم بالاستثناء ، ويمكن ~~أن يقال { ويرضى } لتبيين أن قوله { يشاء } ليس المراد المشيئة التي هي ~~الرضا ، فإن الله تعالى إذا شاء الضلالة بعبد لم يرض به ، وإذا شاء الهداية ~~رضي فقال : { لمن يشاء ويرضى } ليعلم أن المشيئة ليست هي المشيئة العامة ، ~~إنما هي الخاصة . ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن الذين لا يؤمنون بالا خرة ليسمون الملائكة تسمية الا نثى } . ~~> 7 ! # < < # | النجم : ( 27 ) إن الذين لا . . . . . # > > وقد بينا ذلك في سورة الطور واستدللنا بهذه الآية ونذكر ما يقرب منه ~~ههنا فنقول { الذين لا ms8606 يؤمنون بالاخرة } / هم الذين لا يؤمنون بالرسل ولا ~~يتبعون الشرع ، وإنما يتبعون ما يدعون أنه عقل فيقولون أسماء الله تعالى ~~ليست توقيفية ، ويقولون الولد هو الموجود من الغير ويستدلون عليه بقول أهل ~~اللغة : كذا يتولد منه كذا ، يقال الزجاج يتولد من الآجر بمعنى يوجد منه ، ~~وكذا القول في بنت الكرم وبنت الجبل ، ثم قالوا الملائكة وجدوا من الله ~~تعالى فهم أولاده بمعنى الإيجاد ثم إنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث وصح ~~عندهم أن يقال سجدت الملائكة فقالوا : بنات الله ، فقال : { إن الذين لا ~~يؤمنون بالاخرة ليسمون الملائكة تسمية الانثى } أي كما سمي الإناث بنات . ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : كيف يصح أن يقال إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا ~~يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوبا على ~~قبر من يموت ويعتقدون أنه يحشر عليه ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : ~~أنهم لما كانوا لا يجزمون به كانوا يقولون لا حشر ، فإن كان فلنا شفعاء يدل ~~عليه قوله تعالى : { وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده ~~للحسنى } ( فصلت : 50 ) ثانيهما : أنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه ~~( الحق ) وهو ما ورد به الرسل . # المسألة الثانية : قال بعض الناس أنثى فعلى من أفعل يقال في فعلها آنث ~~ويقال في فاعلها أنبث يقال حديد ذكر وحديد أنيث ، والحق أن الأنثى يستعمل ~~في الأكثر على خلاف ذلك بدليل جمعها على إناث . # المسألة الثالثة : كيف قال تسمية الأنثى ولم يقل تسمية الإناث ؟ نقول عنه ~~جوابان أحدهما : ظاهر والآخر دقيق ، أما الظاهر فهو أن المراد بيان الجنس ، ~~وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لما جاء على وفقه آخر PageV28P265 الآيات . ~~والدقيق هو أنه لو قال يسمونهم تسمية الإناث كان يحتمل وجهين : أحدهما : ~~البنات وثانيهما : الأعلام المعتادة للإناث كعائشة وحفصة ، فإن تسمية ~~الإناث كذلك تكون فإذا قال تسمية الأنثى تعين أن تكون للجنس وهي البنت ~~والبنات ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي أنهم لما قيل لهم إن الصنم جماد ~~لا يشفع ms8607 وبين لهم إن أعظم أجناس الخلق لا شفاعة لهم إلا بالإذن قالوا نحن ~~لا نعبد الأصنام لأنها جمادات وإنما نعبد الملائكة بعباتها فإنها على صورها ~~وننصبها بين أيدينا ليذكرنا الشاهد والغائب ، فنعظم الملك الذي ثبت أنه ~~مقرب عظيم الشأن رفيع المكان فقال تعالى ردا عليهم كيف تعظمونهم وأنتم ~~تسمونهم تسمية الأنثى ، ثم ذكر فيه مستندهم في ذلك وهو لفظ الملائكة ، ولم ~~يقل إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى بل قال : { ~~ليسمون الملائكة } فإنهم اغتروا بالتاء واغترارهم باطل لأن التاء تجيء ~~لمعان غير التأنيث الحقيقي والبنت لا تطلق إلا على المؤنث الحقيقي بالإطلاق ~~والتاء فيها لتأكيد معنى الجمع كما في صياقلة وهي تشبه تلك التاء ، وذلك ~~لأن الملائكة في المشهور جمع ملك ، والملك اختصار من الملأك بحزف الهمزة ، ~~والملأك قلب المألك من الألوكة وهي الرسالة ، فالملائكة على هذا القول ~~مفاعلة ، والأصل مفاعل ورد إلى ملائكة في الجمع فهي تشبه فعائل وفعائلة ، ~~والظاهر أن الملائكة فعائل جمع مليكي / منسوب إلى المليك بدليل قوله تعالى ~~: { عند مليك مقتدر } في وعد المؤمن ، وقال في وصف الملائكة { الذين عند ~~ربك } ( الأعراف : 206 ) وقال أيضا في الوعد { وإن له عندنا لزلفى } ( ص: ~~40 ) وقال في وصف الملائكة { ولا الملئكة المقربون } ( النساء : 172 ) فهم ~~إذن عباد مكرمون اختصهم الله بمزيد قربه { ويفعلون ما يؤمرون } ( النحل : ~~50 ) كأمر الملوك والمستخدمين عند السلاطين الواقفين بأبوابهم منتظرين ~~لورود أمر عليهم ، فهم منتسبون إلى المليك المقتدر في الحال فهم مليكيون ~~وملائكة فالتاء للنسبة في الجمع كما في الصيارفة والبياطرة . # فإن قيل هذا باطل من وجوه الأول : أن أحدا لم يستعمل لواحد منهم مليكي ~~كما استعمل صيرفي والثاني : أن الإنسان عندما يصير عند الله تعالى يجب أن ~~يكون من الملائكة ، وليس كذلك لأن المفهوم من الملائكة جنس غير الآدمي ~~الثالث : هو أن فعائلة في جمع فعيلى لم يسمع وإنما يقال فعيلة كما يقال جاء ~~بالتميمة والحقيبة الرابع : لو كان كذلك لما جمع ملك ؟ نقول : # الجواب عن الأول : أما عدم ms8608 استعمال واحده فمسلم وهو لسبب وهو أن الملك ~~كلما كان أعظم كان حكمه وخدمه وحشمه أكثر ، فإذا وصف بالعظمة وصف بالجمع ~~فيقال صاحب العسكر الكثير ولا يوصف بواحد وصف تعظيم ، وأما ذلك الواحد فإن ~~نسب إلى المليك عين للخبر بأن يقال هذا مليكي وذلك عندما تعرف عينه فتجعله ~~مبتدأ وتخبر بالمليكي عنه ، والملائكة لم يعرفوا بأعيانهم إلا قليلا منهم ~~كجبريل وميكائيل ، وحينئذ لا فائدة في قولنا جبريل مليكي ، لأن من عرف ~~الخبر ولا يصاغ الحمل إلا لبيان ثبوت الخبر للمبتدأ فلا يقال للإنسان حيوان ~~أو جسم لأنه إيضاح واضح ، اللهم إلا أن يستعمل ذلك في ضرب مثال أو في صورة ~~نادرة لغرض ، وأما أن ينسب إلى المليك وهو مبتدأ فلا ، لأن العظمة في أن ~~يقول واحد من الملائكة فنبه على كثرة المقربين إليه كما تقول واحد من أصحاب ~~الملك ولا تقول صاحب الملك ، فإذا أردت التعظيم البالغ فعند الواحد استعمل ~~اسم الملك غير منسوب بل هو موضوع لشدته وقوته كما قال تعالى : { ذو مرة } ( ~~النجم : 6 ) و { ذى قوة } ( التكوير : 20 ) فقال : { شديد القوى } ( النجم ~~: 5 ) و م ل ك تدل على الشدة في تقاليبها على ما عرف وعند PageV28P266 ~~الجمع استعمل الملائكة للتعظيم ، كما قاله تعالى : { وما يعلم جنود ربك إلا ~~هو } ( المدثر : 31 ) . # الجواب عن الثاني : نقول قد يكون الاسم في الأول لوصف يختص ببعض من يتصف ~~به وغيره لو صار متصفا بذلك الوصف لا يسمى بذلك الاسم كالدابة فاعلة من دب ~~، ولا يقال للمرأة ذات الدب دابة اسما وربما يقال لها صفة عند حالة ما تدب ~~بدب مخصوص غير الدب العام الذي في الكل كما لو دبت بليل لأخذ شيء أو غيره ، ~~أو يقال إنما سميت الملائكة ملائكة لطول انتسابهم من قبل خلق الآدمي بسنين ~~لا يعلم عددها إلا الله ، فمن لم يصل إلى الله ويقوم ببابه لا يحصل له ~~العهد والانتساب فلا يسمى بذلك الاسم . # الجواب عن الثالث : نقول الجموع القياسية لا مانع لها كفعال في جمع ms8609 فعل ~~كجال وثمار وأفعال كأثقال وأشجار وفعلان وغيرها ، وأما السماع وإن لم يرد ~~إلا قليلا فاكتفى بما فيه من التعظيم من نسبة الجمع إلا باب الله ويكون من ~~باب المرأة والنساء . # / الجواب عن الرابع : فالمنع ولعل هذا منه أو نقول حمل فعيلى على فعيل في ~~الجمع كما حمل فيعل في الجمع على فعيل فقيل في جمع جيد جياد ولا يقال في ~~فعيل أفاعل ، ويؤيد ما ذكرنا أن إبليس عندما كان واقفا بالباب كان داخلا في ~~جملة الملائكة ، فنقول قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم ~~فسجدوا إلا إبليس } ( الكهف : 50 ) عندما صرف وأبعد خرج عنهم وصار من الجن ~~. # وأما ما قاله بعض أهل اللغة من أن الملائكة جمع ملأك ، وأصل ملأك مألك من ~~الألوكة وهي الرسالة ففيه تعسفات أكثر مما ذكرنا بكثير ، منها أن الملك لا ~~يكون فعل بل هو مفعل وهو خلاف الظاهر ، ولم لم يستعمل مآلك على أصله كمآرب ~~ومآثم ومآكل وغيرها مما لا يعد إلا بتعسف ؟ ومنها أن ملكا لم جعل ملأك ولم ~~يفعل ذلك بأخواته التي ذكرناها ؟ ومنها أن التاء لم ألحقت بجمعه ولم لم يقل ~~ملائك كما في جمع كل مفعل ؟ والذي يرد قولهم قوله تعالى : { جاعل الملائكة ~~رسلا } ( فاطر : 1 ) فهي غير الرسل فلا يصح أن يقال جعلت الملائكة رسلا كما ~~لا يصح جعلت الرسل مرسلين وجعل المقترب قريبا ، لأن الجعل لا بد فيه من ~~تغيير ومما يدل على خلاف ما ذكروا أن الكل منسوبون إليه موقوفون بين يديه ~~منتظرون أمره لورود الأوامر عليهم . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق ~~شيئا } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 28 ) وما لهم به . . . . . # > > وفيما يعود إليه الضمير في { به } وجوه أحدها : ما نقله الزمخشري وهو ~~أنه عائد إلى ما كانوا يقولون من غير علم ثانيها : أنه عائد إلى ما تقدم في ~~الآية المتقدمة من علم ، أي ما لهم بالله من علم فيشركون وقرىء { ما لهم * ~~بها } . وفيه ms8610 وجوه أيضا أحدها : ما لهم بالآخرة وثانيها : ما لهم بالتسمية ~~ثالثها : ما لهم بالملائكة ، فإن قلنا ( ما لهم بالآخرة ) فهو جواب لما ~~قلنا إنهم وإن كانوا يقولون الأصنام شفعاؤنا عند الله وكانوا يربطون الإبل ~~على قبور الموتى ليركبوها لكن ما كانوا يقولون به عن علم ، وإن قلنا ~~بالتسمية قد تكون وهو أن العلم بالتسمية حاصل لهم ، فإنهم يعلمون أنهم ~~ليسوا في شك ، إذ التسمية قد تكون وضعا أوليا وهو لا يكون بالظن بل بالعلم ~~بأنه PageV28P267 وضع ، وقد يكون استعمالا معنويا ويتطرق إليه الكذب والصدق ~~والعلم ، مثال الأول : من وضع أولا اسم السماء لموضوعها وقال هذا سماء ، ~~مثال الثاني : إذا قلنا بعد ذلك للماء والحجر هذا سماء ، فإنه كذب ، ومن ~~يعتقده فهو جاهل ، وكذلك قولهم في الملائكة إنها بنات الله ، لم تكن تسمية ~~وضعية ، وإنما أرادوا به أنهم موصوفون بأمر يجب استعمال لفظ البنات فيهم ، ~~وذلك كذب ومعتقده جاهل ، فهذا هو المراد بما ذكرنا أن الظن يتبع في الأمور ~~المصلحية ، والأفعال العرفية أو الشرعية عند عدم الوصول إلى اليقين ، وأما ~~في الاعتقادات فلا يغني الظن شيئا من الحق ، فإن قيل : أليس الظن قد يصيب ، ~~فكيف يحكم عليه بأنه لا يغني أصلا ؟ نقول المكلف يحتاج إلى يقين يميز الحق ~~من الباطل ، ليعتقد الحق ويميز الخير / من الشر ليفعل الخير ، لكن في الحق ~~ينبغي أن يكون جازما لاعتقاد مطابقه ، والظان لا يكون جازما ، وفي الخير ~~ربما يعتبر الظن في مواضع ، ويحتمل أن يقال المراد من الحق هو الله تعالى ، ~~ومعناه أن الظن لا يفيد شيئا من الله تعالى ، أي الأوصاف الإلاهية لا ~~تستخرج بالظنون يدل عليه قوله تعالى : { ذالك بأن الله هو الحق } ( الحج : ~~6 ) وفيه لطيفة ، وهي أن الله تعالى في ثلاثة مواضع منع من الظن ، وفي جميع ~~تلك المواضع كان المنع عقيب التسمية ، والدعاء باسم موضعان منها في هذه ~~السورة أحدهما : قوله تعالى : { إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما ~~أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن } ( النجم ms8611 : 23 ) . والثاني : ~~قوله تعالى : { ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم ~~يتب فأولئك هم الظالمون الظالمون * ياأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من ~~الظن } ( الحجرات : 11 ، 12 ) عقيب الدعاء بالقلب ، وكل ذلك دليل على أن ~~حفظ اللسان أولى من حفظ غيره من الأركان ، وأن الكذب أقبح من السيئات ~~الظاهرة من الأيدي والأرجل ، وهذه المواضع الثلاثة أحدها : مدح من لا يستحق ~~المدح كاللات والعزى من العز وثانيها : ذم من لا يستحق الذم ، وهم الملائكة ~~الذين هم عباد الرحمن يسمونهم تسمية الأنثى وثالثها : ذم من لم يعلم حاله ، ~~وأما مدح من حاله لا يعلم ، فلم يقل فيه : لا يتبعون إلا الظن ، بل الظن ~~فيه معتبر ، والأخذ بظاهر حال العاقل واجب . ثم قال تعالى : # ! 7 < { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيواة الدنيا } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 29 ) فأعرض عن من . . . . . # > > أي اترك مجادلتهم فقد بلغت وأتيت بما كان عليك ، وأكثر المفسرين ~~يقولون : بأن كل ما في القرآن من قوله تعالى : { فأعرض } منسوخ بآية القتل ~~وهو باطل ، فإن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال ، فكيف ينسخ به ؟ وذلك ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة ~~، فلما عارضوه بأباطيلهم قيل له { وجادلهم بالتى هى أحسن } ( النحل : 125 ) ~~ثم لما لم ينفع ، قال له ربه : فأعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان ، ~~فإنهم لا يتبعون إلا الظن ، ولا يتبعون الحق ، وقابلهم بالإعراض عن ~~المناظرة بشرط جواز المقابلة ، فكيف يكون منسوخا ، والإعراض من باب أشكاه ~~والهمزة فيه للسلب ، كأنه قال : أزل العرض ، ولا تعرض عليهم بعد هذا أمرا ، ~~وقوله تعالى : { من تولى عن ذكرنا } لبيان تقديم فائدة العرض والمناظرة ، ~~لأن من لا يصغي إلى القول كيف يفهم معناه ؟ وفي { ذكرنا } وجوه الأول : ~~القرآن الثاني : الدليل والبرهان الثالث : ذكر الله تعالى ، فإن من / لا ~~ينظر في الشيء كيف يعرف صفاته ؟ وهم كانوا يقولون : نحن لا نتفكر في آلاء ~~الله لعدم تعلقنا بالله ، وإنما أمرنا مع من خلقنا ، وهم الملائكة أو الدهر ms8612 ~~على اختلاف أقاويلهم وتباين أباطيلهم ، وقوله تعالى : { ولم يرد إلا ~~الحيواة الدنيا } إشارة إلى إنكارهم الحشر ، كما قالوا { إن هى إلا حياتنا ~~الدنيا } ( المؤمنون : 37 ) وقال تعالى : PageV28P268 { ياأيها الذين ~~ءامنوا } ( التوبة : 38 ) يعني لم يثبتوا وراءها شيئا آخر يعملون له ، ~~فقوله { من تولى عن ذكرنا } إشارة إلى إنكارهم الحشر ، لأنه إذا ترك النظر ~~في آلاء الله تعالى لا يعرفه فلا يتبع رسوله فلا ينفعه كلامه . وإذا لم يقل ~~بالحشر والحساب لا يخاف فلا يرجع عما هو عليه ، فلا يبقى إذن فائدة في ~~الدعاء ، واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان طبيب القلوب ، فأتى على ~~ترتيب الأطباء ، وترتيبهم أن الحال إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا يستعملون ~~الدواء ، وما أمكن إصلاحه بالدواء الضعيف لا يستعملون الدواء القوي ، ثم ~~إذا عجزوا عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحديد والكي وقيل آخر ~~الدواء الكي ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أولا أمر القلوب بذكر الله فحسب ~~فإن بذكر الله تطمئن القلوب كما أن بالغذاء تطمئن النفوس ، فالذكر غذاء ~~القلب ، ولهذا قال أولا : قولوا لا إلاه إلا الله أمر بالذكر لمن انتفع مثل ~~أبي بكر وغيره ممن انتفع ، ومن لم ينتفع ذكر لهم الدليل ، وقال : { أولم ~~يتفكروا } ( الأعراف : 184 ) { قل انظروا } ( يونس : 101 ) { أفلا ينظرون } ~~( الغاشيه : 17 ) إلى غير ذلك ، ثم أتى بالوعيد والتهديد ، فلما لم ينفعهم ~~قال : أعرض عن المعالجة ، واقطع الفاسد لئلا يفسد الصالح . # # PageV28P269 ! 7 < { ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بمن اهتدى } . > 7 @QB@ < # | النجم : ( 30 ) ذلك مبلغهم من . . . . . # > > # / ثم قال تعالى : { ذالك } مبلغهم من العلم } { * } { ذالك } فيه وجوه ~~الأول : أظهرها أنه عائد إلى الظن ، أي غاية ما يبلغون به أنهم يأخذون ~~بالظن وثانيها : إيثار الحياة الدنيا مبلغهم من العلم ، أي ذلك الإيثار ~~غاية ما بلغوه من العلم ثالثها : { فأعرض * الذى تولى } ( النجم : 29 ) ~~وذلك الإعراض غاية ما بلغوه من العلم ، والعلم على هذا يكون المراد منه ~~العلم بالمعلوم ، وتكون الألف واللام للتعريف ، والعلم بالمعلوم ms8613 هو ما في ~~القرآن ، وتقرير هذا أن القرآن لما ورد بعضهم تلقاه بالقبول وانشرح صدره ~~فبلغ الغاية القصوى ، وبعضهم قبله من حيث إنه معجزة ، واتبع الرسول فبلغ ~~الدرجة الوسطى ، وبعضهم توقف فيه كأبي طالب ، وذلك أدنى المراتب ، وبعضهم ~~رده وعابه ، فالأولون لم يجز الإعراض عنهم ، والآخرون وجب الإعراض عنهم ، ~~وكان موضع بلوغه من العلم أنه قطع الكلام معه الإعراض عنه ، وعليه سؤال وهو ~~: أن الله تعالى بين أن غايتهم ذلك : ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~والمجنون الذي لا علم له ، والصبي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم ~~الله ؟ . # نقول ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر الله ، فكأن عدم علمهم لعدم قبولهم ~~العلم ، وإنما قدر الله توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك فيحقق العقاب ، قال ~~الزمخشري : { ذلك مبلغهم من العلم } كلام معترض بين كلامين ، والمتصل قوله ~~تعالى : ( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله ) وعلى ما ذكرنا المقصود لا يتم إلا به ، يكون كأنه ~~تعالى قال : أعرض عنهم فإن ذلك غايتهم ، ولا يوجد وراء ما ظهر منهم شيء ، ~~وكأن قوله : { الذى تولى } إشارة إلى قطع عذرهم بسبب الجهل ، فإن الجهل كان ~~بالتولي وإيثار العاجل . # ثم ابتدأ وقال : { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } ~~وفي المناسبة وجوه الأول : أنه تعالى لما قال : للنبي صلى الله عليه وسلم ، ~~أعرض وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الميل إلى إيمان قومه وكان ربما ~~هجس في خاطره ، أن في الذكرى بعد منفعة ، وربما يؤمن من الكافرين قوم آخرون ~~من غير قتال فقال له : { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } علم أنه يؤمن ~~بمجرد الدعاء أحد من المكلفين ، وإنما ينفع فيهم أن يقع السيف والقتال ~~فأعرض عن الجدال وأقبل على / القتال ، وعلى هذا فقوله : { بمن اهتدى } أي ~~علم في الأزل ، من ضل في تقديره ومن اهتدى ، فلا يشتبه عليه الأمران ، ولا ~~يأس في الإعراض ويعد ms8614 في العرف مصلحة ثانيها : هو PageV29P003 على معنى قوله ~~تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين } ( سبأ : 24 ) وقوله ~~تعالى : { يحكم الله بيننا } ( الأعراف : 87 ) ووجهه أنهم كانوا يقولون : ~~نحن على الهدى وأنتم مبطلون وأقام النبي صلى الله عليه وسلم الحجة عليهم ~~فلم ينفعهم ، فقال تعالى : أعرض عنهم وأجرك وقع على الله ، فإنه يعلم أنكم ~~مهتدون ، ويعلم أنهم ضالون ، والمتناظران إذا تناظرا عند ملك قادر مقصودهم ~~ظهور الأمر عند الملك فإن اعترف الخصم بالحق فذاك ، وإلا فغرض المصيب يظهر ~~عند الملك فقال تعالى : جادلت وأحسنت والله أعلم بالمحق من المبطل ثالثها : ~~أنه تعالى لما أمر نبيه بالإعراض وكان قد صدر منهم إيذاء عظيم وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتحمله رجاء أن يؤمنوا / فنسخ جميع ذلك فلما لم يؤمنوا ~~فكأنه قال : سعيي وتحملي لإيذائهم وقع هباء ، فقال الله تعالى : إن الله ~~يعلم حال المضلين والمهتدين : ( لله ما في السموات والأرض ليجزي الذين ~~أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ) من المهتدين . وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { هو } يسمى عمادا وفصلا ، ولو قال : إن ربك أعلم لتم ~~الكلام ، غير أن عند خلو الكلام عن هذا العماد ربما يتوقف السامع على سماع ~~ما بعده ، ليعلم أن : { أعلم } خبر : { ربك } أو هو مع شيء آخر خبر ، مثاله ~~لو قال : إن زيدا أعلم منه عمرو يكون خبر زيد الجملة التي بعده ، فإن قال : ~~{ هو أعلم } إنتفى ذلك التوهم . # المسألة الثانية : { أعلم } يقتضي مفضلا عليه يقال : زيد أعلم من عمرو ~~والله أعلم ممن ؟ نقول : أفعل يجيء كثيرا بمعنى عالم لا عالم مثله ، وحينئذ ~~إن كان هناك عالم فذلك مفضل عليه وإن لم يكن ففي الحقيقة هو العالم لا غير ~~، وفي كثير من المواضع أفعل في صفات الله بذلك المعنى يقال : الله أكبر وفي ~~الحقيقة لا كبير مثله ولا أكبر إلا هو ، والذي يناسب هذا أنه ورد في ~~الدعوات يا أكرم الأكرمين كأنه قال : لا أكرم مثلك ، وفي الحقيقة لا أكرم ~~إلا هو وهذا معنى قول ms8615 من يقول : { أعلم } بمعنى عالم بالمهتدي والضال ، ~~ويمكن أن يقال : أعلم من كل عالم بفرض عالم غيره . # المسألة الثالثة : علمته وعلمت به مستعملان ، قال الله تعالى في الأنعام ~~: { هو أعلم من يضل عن سبيله } ( الأنعام : 117 ) ثم ينبغي أن يكون المراد ~~من المعلوم العلم إذا كان تعلقه بالمعلوم أقوى ، إما لقوة العلم وإما لظهور ~~المعلوم وإما لتأكيد وجوب العلم به ، وإما لكون الفعل له قوة ، أما قوة ~~العلم فكما في قوله تعالى : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ~~ونصفه } ( المزمل : 20 ) وقال : { ألم يعلم بأن الله يرى } ( العلق : 14 ) ~~لما كان علم الله تعالى تاما شاملا علقه بالمفعول الذي هو حال من أحوال ~~عبده الذي هو بمرأى منه من غير حرف ، ولما كان علم العبد ضعيفا حادثا علقه ~~بالمفعول الذي هو صفة من صفات الله تعالى الذي لا يحيط به علم البشر بالحرف ~~أو لما كان كون الله رائيا لم يكن محسوسا به مشاهدا علق الفعل به بنفسه ~~وبالآخر بالحرف ، وأما ظهور المعلوم فكما قال تعالى : { أو لم * يعلموا أن ~~الله يبسط الرزق لمن يشاء } ( الزمر : 52 ) وهو معلوم ظاهر وأما تأكيد وجوب ~~العلم به كما في قوله تعالى { فاعلم أنه لا إلاه إلائ * الله } ( محمد : 19 ~~) ويمكن أن يقال : هو من قبيل الظاهر ، وكذلك قوله تعالى : { واعلموا أنكم ~~غير معجزي الله } ( التوبة : 2 ) وأما قوة الفعل فقال تعالى : { علم أن لن ~~تحصوه } ( المزمل : 20 ) وقال تعالى : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى } لما ~~كان المستعمل صفة الفعل علقه بالمفعول بغير حرف وقال تعالى : { إن ربك هو ~~أعلم بمن } كما كان PageV29P004 المستعمل اسما دالا على فعل ضعف عمله ~~لتعلقه بالمفعول . # المسألة الرابعة : قدم العلم بمن ضل على العلم بالمهتدي في كثير من ~~المواضع منها في سورة الأنعام ومنها في سورة : { ن } ومنها في السورة ، لأن ~~في المواضع كلها المذكور نبيه صلى الله عليه وسلم والمعاندون ، فذكرهم أولا ~~تهديدا لهم وتسلية لقلب نبيه عليه الصلاة والسلام . # المسألة الخامسة ms8616 : قال في موضع واحد من المواضع : { هو أعلم من يضل عن ~~سبيله } ( الأنعام : 117 ) وفي غيره قال : { بمن ضل } فهل عندك فيه شيء ؟ ~~قلت : نعم ، ونبين ذلك ببحث عقلي وآخر نقلي : أما العقلي : فهو أن العلم ~~القديم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه ، إن وجد أمس علم أنه وجد أمس في ~~نهار أمس ، وليس مثل علمنا حيث يجوز أن يتحقق الشيء أمس ، ونحن لا نعلمه ~~إلا في يومنا هذا بل : { لا يعزب عنه مثقال ذرة فى * السماوات * ولا فى ~~الارض } ولا يتأخر الواقع عن علمه طرفة عين وأما النقلي : فهو أن اسم ~~الفاعل يعمل عمل الفعل إذا كان بمعنى المستقبل ولا يعمل عمله إذا كان ماضيا ~~فلا تقول : أنا ضارب زيدا أمس ، والواجب إن كنت تنصب أن تقول : ضربت زيدا ~~وإن كنت تستعمل اسم الفاعل فالواجب الإضافة تقول : ضارب زيد أمس أنا ويجوز ~~أن يقال : أنا غدا ضارب زيدا والسبب فيه أن الفعل إذا وجد فلا تجدد له في ( ~~غير ) الاستقبال ، ولا تحقق له في الحال فهو عدم وضعف عن أن يعمل ، وأما ~~الحال وما يتوقع فله وجود فيمكن إعماله . إذا ثبت هذا فنقول : لما قال { ضل ~~} كان الأمر ماضيا وعلمه تعلق به وقت وجوده فعلم ، وقوله { أعلم } بمعنى ~~عالم فيصير كأنه قال : عالم بمن ضل فلو ترك الباء لكان إعمالا للفاعل بمعنى ~~الماضي ، ولما قال : { يضل } كان يعلم الضلال عند الوقوع وإن كان قد علم في ~~الأزل أنه سيضل لكن للعلم بعد ذلك تعلق آخر سيوجد ، وهو تعلقه بكون الضلال ~~قد وقع وحصل ولم يكن ذلك في الأزل ، فإنه لا يقال : إنه تعالى علم أن فلانا ~~ضل في الأزل ، وإنما الصحيح أن يقال : علم في الأزل ، فإنه سيضل ، فيكون ~~كأنه يعلم أنه يضل فيكون اسم الفاعل بمعنى المستقبل وهو يعمل عمل الفعل ، ~~فلا يقال : زيد أعلم مسألتنا من عمرو ، وإنما الواجب أن يقال : زيد أعلم ~~بمسألتنا من عمرو ، ولهذا قالت النحاة في سورة الأنعام { إن ربك هو أعلم من ms8617 ~~يضل } يعلم من يضل وقالوا : { أعلم } للتفضيل لا يبنى إلا من فعل لازم غير ~~متعد ، فإن كان متعديا يرد إلى لازم . وقولنا : علم كأنه من باب علم بالضم ~~وكذا في التعجب إذا قلنا : ما أعلمه بكذا كأنه من فعل لازم . وأما أنا فقد ~~أجبت عن هذا بأن قوله : { أعلم من يضل } معناه عالم ، وقد قدمنا ما يجب أن ~~يعتقد في أوصاف الله في أكثر الأمر أن معناه أنه عالم ولا عالم مثله فيكون ~~أعلم على حقيقته وهو أحسن من أن يقال : هو بمعنى عالم لا غير ، فإن قيل : ~~فلم قال ههنا : { بمن ضل } وقال هناك : { يضل } ؟ قلنا : لأن / ههنا حصل ~~الضلال في الماضي وتأكد حيث حصل يأس الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر ~~بالإعراض ، وأما هناك فقال تعالى من قبل : { وإن تطع أكثر من فى الارض ~~يضلوك عن * سبيله } ( الأنعام : 116 ) . # ثم قال تعالى : { إن ربك هو أعلم بمن * يضل } بمعنى إن ضللت يعلمك الله ~~فكان الضلال غير حاصل فيه فلم يستعمل صيغة الماضي . # المسألة السادسة : قال في الضلال عن سبيله وهو كاف في الضلال لأن الضلال ~~لا يكون إلا في السبيل ، وأما بعد الوصول فلا ضلال أو لأن PageV29P005 من ~~ضل عن سبيله لا يصل إلى المقصود سواء سلك سبيلا أو ( لم ) يسلك وأما من ~~اهتدى إلى سبيل فلا وصول إن لم يسلكه ، ويصحح هذا أن من ضل في غير سبيله ~~فهو ضال ومن اهتدى إليها لا يكون مهتديا إلا إذا اهتدى إلى كل مسألة يضر ~~الجهل بها بالإيمان فكان الاهتداء اليقيني هو الاهتداء المطلق فقال { بمن ~~اهتدى } وقال { بالمهتدين } ( القلم : 7 ) # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولله ما فى السماوات وما فى الا رض ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ~~ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 31 ) ولله ما في . . . . . # > > إشارة إلى كمال غناه وقدرته ليذكر بعد ذلك ويقول : إن ربك هو أعلم من ~~الغني القادر لأن من علم ولم يقدر لا يتحقق منه الجزاء فقال : { ولله ما فى ~~* السماوات ms8618 وما في الارض } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الزمخشري : ما يدل على أنه يعتقد أن اللام في قوله ~~: { ليجزى } كاللام في قوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها } ( ~~النحل : 8 ) وهو جرى في ذلك على مذهبه فقال : { ولله ما فى * السماوات وما ~~في الارض } معناه خلق ما فيهما لغرض الجزاء وهو لا يتحاشى مما ذكره لما عرف ~~من مذهب الاعتزال ، وقال الواحدي : اللام للعاقبة كما في قوله تعالى : { ~~ليكون لهم عدوا } ( القصص : 8 ) أي أخذوه وعاقبته أنه يكون لهم عدوا ، ~~والتحقيق فيه وهو أن حتى ولام الغرض متقاربان في المعنى ، لأن الغرض نهاية ~~الفعل ، وحتى للغاية المطلقة فبينهما مقاربة فيستعمل أحدهما مكان الآخر ، ~~يقال : سرت حتى أدخلها ولكي أدخلها ، فلام العاقبة هي التي تستعمل في موضع ~~حتى للغاية ، ويمكن أن يقال : هنا وجه أقرب من الوجهين وإن كان أخفى منهما ~~وهو أن يقال : إن قوله : { ليجزى } متعلق بقوله : ضل واهتدى لا بالعلم ولا ~~بخلق ما في السموات ، تقديره كأنه قال : هو أعلم بمن ضل واهتدى : { ليجزى } ~~أن من ضل واهتدى يجزي الجزاء والله أعلم به ، فيصير قوله : { ولله ما فى * ~~السماوات وما في الارض } كلاما معترضا ، ويحتمل أن يقال : هو متعلق بقوله ~~تعالى : { فأعرض } ( النجم : 29 ) أي أعرض عنهم ليقع الجزاء ، كما يقول ~~المريد فعلا لمن يمنعه منه زرني لأفعله ، وذلك لأن ما دام النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم ييأس ما كان العذاب ينزل والإعراض وقت اليأس ، وقوله تعالى : ~~{ ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } حينئذ يكون مذكورا ليعلم أن العذاب الذي ~~عند إعراضه يتحقق ليس مثل الذي قال تعالى فيه : { واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) بل هو مختص بالذين ظلموا وغيرهم ~~لهم الحسنى ، وقوله تعالى في حق المسيء { بما عملوا } وفي حق المحسن { ~~بالحسنى } فيه لطيفة لأن جزاء المسيء عذاب فنبه على ما يدفع الظلم فقال : ~~لا يعذب إلا عن ذنب ، وأما في الحسنى فلم يقل : بما عملوا لأن الثواب إن ~~كان لا على حسنة ms8619 يكون في غاية الفضل فلا يخل بالمعنى هذا إذا قلنا الحسنى ~~هي المثوبة بالحسنى ، وأما إذا قلنا الأعمال الحسنى ففيه لطيفة غير ذلك ، ~~وهي أن أعمالهم لم يذكر فيها التساوي ، وقال في أعمال المحسنين { الحسنى } ~~إشارة إلى الكرم والصفح حيث ذكر أحسن الإسمين والحسنى صفة أقيمت مقام ~~الموصوف كأنه تعالى قال بالأعمال الحسنى كقوله تعالى : { الاسماء الحسنى } ~~( الأعراف : 180 ) وحينئذ هو كقوله تعالى : { لنكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولنجزينهم أحسن الذى كانوا يعملون } ( العنكبوت : 7 ) أي يأخذ أحسن أعمالهم ~~ويجعل ثواب كل ما وجد منهم لجزاء ذلك الأحسن أو هي صفة المثوبة ، كأنه قال ~~: ويجزي الذين PageV29P006 أحسنوا بالمثوبة الحسنى أو بالعاقبة الحسنى أي ~~جزاؤهم حسن العاقبة وهذا جزاء فحسب ، وأما الزيادة التي هي الفضل بعد الفضل ~~فغير داخلة فيه . # ! 7 < { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع ~~المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الا رض وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاتكم ~~فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } . > 7 @QB@ < # | النجم : ( 32 ) الذين يجتنبون كبائر . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } الذين ~~يحتمل أن يكون بدلا عن الذين أحسنوا وهو الظاهر ، وكأنه تعالى قال ليجزي ~~الذين أساءوا ويجزي الذين أحسنوا ، ويتبين به أن المحسن ليس ينفع الله ~~بإحسانه شيئا وهو الذي لا يسيء ولا يرتكب القبيح الذي هو سيئة في نفسه عند ~~ربه فالذين أحسنوا هم الذين اجتنبوا ولهم الحسنى ، وبهذا يتبين المسيء ~~والمحسن لأن من لا يجتنب كبائر الإثم يكون مسيئا والذي يجتنبها يكون محسنا ~~، وعلى هذا ففيه لطيفة وهو أن المحسن لما كان هو من يجتنب الآثام فالذي ~~يأتي بالنوافل يكون فوق المحسن ، لكن الله تعالى وعد المحسن بالزيادة فالذي ~~فوقه يكون له زيادات فوقها وهم الذين لهم جزاء الضعف ، ويحتمل أن يكون ~~ابتداء كلام تقديره الذين يجتنبون كبائر الإثم يغفر الله لهم والذي يدل ~~عليه قوله تعالى : { إن ربك واسع المغفرة } وعلى هذا تكون هذه الآية مع ما ~~قبلها مبينة لحال المسيء ms8620 والمحسن وحال من لم يحسن ولم يسيء وهم الذين لم ~~يرتكبوا سيئة وإن لم تصدر منهم الحسنات ، وهم كالصبيان الذين لم يوجد فيهم ~~شرائط التكليف ولهم الغفران وهو دون الحسنى ، ويظهر هذا بقوله تعالى بعده : ~~{ هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الارض وإذ أنتم أجنة } أي يعلم الحالة التي لا ~~إحسان فيها ولا / إساءة ، كما علم من أساء وضل ومن أحسن واهتدى ، وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : إذا كان بدلا عن الذين أحسنوا فلم خالف ما بعده بالمضي ~~والاستقبال حيث قال تعالى : { الذين أحسنوا } ( النجم : 31 ) وقال : { ~~الذين يجتنبون } ولم يقل اجتنبوا ؟ نقول : هو كما يقول القائل الذين سألوني ~~أعطيتهم ، الذين يترددون إلى سائلين أي الذين عادتهم التردد والسؤال سألوني ~~وأعطيتهم فكذلك ههنا قال : { الذين يجتنبون } أي الذين عادتهم ودأبهم ~~الاجتناب لا الذين اجتنبوا مرة وقدموا عليها أخرى ، فإن قيل : في كثير من ~~المواضع قال في الكبائر { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما ~~غضبوا هم يغفرون } ( الشورى : 37 ) وقال في عباد الطاغوت : { والذين ~~اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله } ( الزمر : 17 ) فما الفرق ؟ ~~نقول : عبادة الطاغوت راجعة إلى الإعتقاد والاعتقاد إذا وجد دام ظاهرا فمن ~~اجتنبها اعتقد بطلانها فيستمر ، وأما مثل الشرب والزنا أمر يختلف أحوال ~~الناس فيه فيتركه زمانا ويعود إليه ولهذا يستبرأ الفاسق إذا تاب ولا يستبرأ ~~الكافر إذا أسلم ، فقال في الآثام : { الذين يجتنبون } دائما ، ويثابرون ~~على الترك أبدا ، وفي عبادة الأصنام : { اجتنبوا } بصيغة الماضي ليكون أدل ~~على الحصول ، ولأن كبائر الإثم لها عدد أنواع فينبغي أن يجتنب عن نوع ~~ويجتنب عن آخر ويجتنب عن ثالث ففيه تكرر وتجدد فاستعمل فيه صيغة الاستقبال ~~، وعبادة الصنم أمر واحد متحد ، فترك فيه ذلك الاستعمال وأتى بصيغة الماضي ~~الدالة على وقوع الاجتناب لها دفعة . # المسألة الثانية : الكبائر جمع كبيرة وهي صفة فما الموصوف ؟ نقول : هي ~~صفة الفعلة كأنه يقول : الفعلات الكبائر من الإثم / فإن قيل : فما بال ~~اختصاص الكبيرة بالذنوب في الاستعمال ، ولو قال قائل : الفعلة الكبيرة ~~الحسنة لا ms8621 يمنعه مانع ؟ نقول : الحسنة لا تكون كبيرة لأنها إذا قوبلت بما ~~يجب أن يوجد من العبد في PageV29P007 مقابلة نعم الله تعالى تكون في غاية ~~الصغر ، ولولا أن الله يقبلها لكانت هباء لكن السيئة من العبد الذي أنعم ~~الله عليه بأنواع النعم كبيرة ، ولولا فضل الله لكان الاشتغال بالأكل ~~والشرب والإعراض عن عبادته سيئة ، ولكن الله غفر بعض السيئات وخفف بعضها . # المسألة الثالثة : إذا ذكر الكبائر فما الفواحش بعدها ؟ نقول : الكبائر ~~إشارة إلى ما فيها من مقدار السيئة ، والفواحش إشارة إلى ما فيها من وصف ~~القبح كأنه قال : عظيمة المقادير قبيحة الصور ، والفاحش في اللغة مختص ~~بالقبيح الخارج قبحه عن حد الخفاء وتركيب الحروف في التقاليب يدل عليه فإنك ~~إذا قلبتها وقلت : حشف كان فيه معنى الرداءة الخارجة عن الحد ، ويقال : ~~فحشت الناقة إذا وقفت على هيئة مخصوصة للبول فالفحش يلازمه القبح ، ولهذا ~~لم يقل : الفواحش من الإثم وقال في الكبائر : { كبائر الإثم } لأن الكبائر ~~إن لم يميزها بالإضافة إلى الإثم لما حصل المقصود بخلاف الفواحش . # المسألة الرابعة : كثرت الأقاويل في الكبائر والفواحش ، فقيل : الكبائر ~~ما أوعد الله عليه بالنار / صريحا وظاهرا ، والفواحش ما أوجب عليه حدا في ~~الدنيا ، وقيل : الكبائر ما يكفر مستحله ، وقيل : الكبائر مالا يغفر الله ~~لفاعله إلا بعد التوبة وهو على مذهب المعتزلة ، وكل هذه التعريفات تعريف ~~الشيء بما هو مثله في الخفاء أو فوقه ، وقد ذكرنا أن الكبائر هي التي ~~مقدارها عظيم ، والفواحش هي التي قبحها واضح فالكبيرة صفة عائدة إلى ~~المقدار ، والفاحشة صفة عائدة إلى الكيفية ، كما يقال مثلا : في الأبرص ~~علته بياض لطخة كبيرة ظاهرة اللون فالكبيرة لبيان الكمية والظهور لبيان ~~الكيفية وعلى هذا فنقول على ما قلنا : إن الأصل في كل معصية أن تكون كبيرة ~~، لأن نعم الله كثيرة ومخالفة المنعم سيئة عظيمة ، غير أن الله تعالى حط عن ~~عباده الخطأ والنسيان لأنهما لا يدلان على ترك التعظيم ، إما لعمومه في ~~العباد أو لكثرة وجوده منهم كالكذبة والغيبة مرة أو مرتين والنظرة والقبائح ms8622 ~~التي فيها شبهة ، فإن المجتنب عنها قليل في جميع الأعصار ، ولهذا قال ~~أصحابنا : إن استماع الغناء الذي مع الأوتار يفسق به ، وإن استمعه من أهل ~~بلدة لا يعتدون أمر ذلك لا يفسق فعادت الصغيرة إلى ما ذكرنا من أن العقلاء ~~إن لم يعدوه تاركا للتعظيم لا يكون مرتكبا للكبيرة ، وعلى هذا تختلف الأمور ~~باختلاف الأوقات والأشخاص فالعالم المتقي إذا كان يتبع النساء أو يكثر من ~~اللعب يكون مرتبكا للكبيرة ، والدلال والباعة والمتفرغ الذي لا شغل له لا ~~يكون كذلك ، وكذلك اللعب وقت الصلاة ، واللعب في غير ذلك الوقت ، وعلى هذا ~~كل ذنب كبيرة إلا ما علم المكلف أو ظن خروجه بفضل الله وعفوه عن الكبائر . # المسألة الخامسة : في اللمم وفيه أقوال : أحدها : ما يقصده المؤمن ولا ~~يحققه وهو على هذا القول من لم يلم إذا جمع فكأنه جمع عزمه وأجمع عليه ~~وثانيها : ما يأتي به المؤمن ويندم في الحال وهو من اللمم الذي هو مس من ~~الجنون كأنه مسه وفارقه ويؤيد هذا قوله تعالى : { والذين إذا فعلوا فاحشة ~~أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } ( آل عمران : 135 ) ثالثها ~~: اللمم الصغير من الذنب من ألم إذا نزل نزولا من غير لبث طويل ، ويقال : ~~ألم بالطعام إذا قلل من أكله ، وعلى هذا فقوله : { إلا اللمم } يحتمل وجوها ~~: أحدها : أن يكون ذلك استثناء من الفواحش وحينئذ فيه وجهان : أحدهما : ~~استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش وثانيهما : غير منقطع لما بينا أن ~~كل معصية إذا نظرت إلى جانب الله تعالى وما يجب أن يكون عليه فهي كبيرة ~~وفاحشة ، ولهذا قال الله تعالى : { وإذا فعلوا فاحشة } ( الأعراف : 28 ) ~~غير أن الله تعالى استثنى منها أمورا يقال : الفواحش كل معصية PageV29P008 ~~إلا ما استثناه الله تعالى منها ووعدنا بالعفو عنه ثانيها : { إلا } بمعنى ~~غير وتقديره والفواحش غير اللمم وهذا للوصف إن كان للتمييز كما يقال : ~~الرجال غير أولي الإربة فاللمم عين الفاحشة ، وإن كان لغيره كما يقال ~~الرجال غير النساء جاؤوني لتأكيد وبيان فلا وثالثها ms8623 : هو استثناء من الفعل ~~الذي يدل عليه قوله تعالى : { الذين يجتنبون } لأن ذلك يدل على أنهم لا ~~يقربونه فكأنه قال : لا يقربونه إلا مقاربة من غير مواقعة وهو اللمم . # / ثم قال تعالى : { إن ربك واسع المغفرة } وذلك على قولنا : { الذين ~~يجتنبون } ابتداء الكلام في غاية الظهور ، لأن المحسن مجزى وذنبه مغفور ، ~~ومجتنب الكبائر كذلك ذنبه الصغير مغفور ، والمقدم على الكبائر إذا تاب ~~مغفور الذنب ، فلم يبق ممن لم تصل إليهم مغفرة إلا الذين أساؤا وأصروا ~~عليها ، فالمغفرة واسعة وفيه معنى آخر لطيف ، وهو أنه تعالى لما أخرج ~~المسيء عن المغفرة بين أن ذلك ليس لضيق فيها ، بل ذلك بمشيئة الله تعالى ، ~~ولو أراد الله مغفرة كل من أحسن وأساء لفعل ، وما كان يضيق عنهم مغفرته ، ~~والمغفرة من الستر ، وهو لا يكون إلا على قبيح ، وكل من خلقه الله إذا نظرت ~~في فعله ، ونسبته إلى نعم الله تجده مقصرا مسيئا ، فإن من جازى المنعم بنعم ~~لا تحصى مع استغنائه الظاهر ، وعظمته الواضحة بدرهم أو أقل منه يحتاج إلى ~~ستر ما فعله . # ثم قال تعالى : { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الارض وإذ أنتم أجنة فى بطون ~~أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن } وفي المناسبة وجوه أحدها : هو ~~تقرير لما مر من قوله : { هو أعلم بمن ضل } ( النجم : 30 ) كأن العامل من ~~الكفار يقول : نحن نعمل أمورا في جوف الليل المظلم ، وفي البيت الخالي فكيف ~~يعلمه الله تعالى ؟ فقال : ليس عملكم أخفى من أحوالكم وأنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم ، والله عالم بتلك الأحوال ثانيها : هو إشارة إلى الضال والمهتدي ~~حصلا على ما هما عليه بتقدير الله ، فإن الحق علم أحوالهم وهم في بطون ~~الأمهات ، فكتب على البعض أنه ضال ، والبعض أنه مهتد ثالثها : تأكيد وبيان ~~للجزاء ، وذلك لأنه لما قال : { ليجزى الذين أساءوا بما عملوا } ( النجم : ~~31 ) قال الكافرون : هذا الجزاء لا يتحقق إلا بالحشر ، وجمع الأجزاء بعد ~~تفرقها وإعادة ما كان لزيد من الأجزاء في بدنه من غير اختلاط غير ms8624 ممكن ، ~~فقال تعالى : { هو أعلم بكم إذ أنشأكم } فيجمعها بقدرته على وفق علمه ~~كماأنشأكم ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : العامل في : { إذ } يحتمل أن يكون ما يدل عليه : { أعلم ~~} أي علمكم وقت الإنشاء ، ويحتمل أن يكون اذكروا فيكون تقريرا لكونه عالما ~~ويكون تقديره : { هو أعلم بكم } وقد تم الكلام ، ثم يقول : إن كنتم في شك ~~من علمه بكم فاذكروا حال إنشائكم من التراب . # المسألة الثانية : ذكرنا مرارا أن قوله : { من الارض } من الناس من قال ~~آدم فإنه من تراب ، وقررنا أن كل أحد أصله من التراب ، فإنه يصير غذاء ، ثم ~~يصير نطفة . # المسألة الثالثة : لو قال قائل : لا بد من صرف { إذ أنشأكم من الارض } ~~إلى آدم ، لأن { وإذ أنتم أجنة فى بطون أمهاتكم } PageV29P009 عائد إلى ~~غيره ، فإنه لم يكن جنينا ، ولو قلت بأن قوله تعالى / { إذ أنشأكم } عائد ~~إلى جميع الناس / فينبغي أن يكون جميع الناس أجنة في بطون الأمهات ، وهو ~~قول الفلاسفة ؟ نقول ليس كذلك ، لأنا نقول : الخطاب مع الموجودين حالة ~~الخطاب ، وقوله تعالى : { هو أعلم بكم } خطاب مع كل من بعد الإنزال على قول ~~، ومع من حضر وقت الإنزال على قول ، ولا شك أن كل هؤلاء من الأرض وهم كانوا ~~أجنة . # المسألة الرابعة : الأجنة هم الذين في بطون الأمهات ، وبعد الخروج لا ~~يسمى إلا ولدا أو سقطا ، فما فائدة قوله تعالى : { فى بطون أمهاتكم } ؟ ~~نقول : التنبيه على كمال العلم والقدرة ، فإن بطن الأم في غاية الظلمة ، ~~ومن علم بحال الجنين فيها لا يخفى عليه ما ظهر من حال العباد . # المسألة الخامسة : لقائل أن يقول : إذا قلنا إن قوله { هو أعلم بكم } ~~تقرير لكونه عالما بمن ضل ، فقوله تعالى : { فلا تزكوا أنفسكم } تعلقه به ~~ظاهر ، وأما إن قلنا إنه تأكيد وبيان للجزاء ، فإنه يعلم الأجزاء فيعيدها ~~إلى أبدان أشخاصها ، فكيف يتعلق به { فلا تزكوا أنفسكم } ؟ نقول : معناه ~~حينئذ فلا تبرئوا أنفسكم من العذاب ، ولا تقولوا تفرقت الأجزاء فلا يقع ~~العذاب ، لأن العالم بكم عند الإنشاء عالم بكم عند الإعادة ms8625 ، وعلى هذا قوله ~~: { أعلم بمن اتقى } أي يعلم أجزاءه فيعيدها إليه ، ويثيبه بما أقدم عليه . # المسألة السادسة : الخطاب مع من ؟ فيه ثلاثة احتمالات الأول : مع الكفار ~~، وهذا على قولنا إنهم قالوا كيف يعلمه الله ، فرد عليهم قولهم الثاني كل ~~من كان زمان الخطاب وبعده من المؤمنين والكفار الثالث هو مع المؤمنين ، ~~وتقريره : هو أن الله تعالى لما قال : { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا } ( ~~النجم : 29 ) قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : قد علم كونك ومن معك على الحق ~~، وكون المشركين على الباطل ، فأعرض عنهم ولا تقولوا : نحن على الحق وأنتم ~~على الضلال ، لأنهم يقابلونكم بمثل ذلك ، وفوض الأمر إلى الله تعالى ، فهو ~~أعلم بمن اتقى ومن طغى ، وعلى هذا فقول من قال : { فأعرض } منسوخ أظهر ، ~~وهو كقوله تعالى : { وإنا أو إياكم لعلى * هدى * أو فى ضلال مبين } ( سبأ : ~~24 ) والله أعلم بجملة الأمور ، ويحتمل أن يقال : على هذا الوجه الثالث إنه ~~إرشاد للمؤمنين ، فخاطبهم الله وقال : هو أعلم بكم أيها المؤمنون ، علم ما ~~لكم من أول خلقكم إلى آخر يومكم ، فلا تزكوا أنفسكم رياء وخيلاء ، ولا ~~تقولوا لآخر أنا خير منك وأنا أزكى منك وأتقى ، فإن الأمر عند الله ، ووجه ~~آخر وهو إشارة إلى وجوب الخوف من العاقبة ، أي لا تقطعوا بخلاصكم أيها ~~المؤمنون ، فإن الله يعلم عاقبة من يكون على التقي ، وهذا يؤيد قول من يقول ~~: أنا مؤمن إن شاء الله للصرف إلى العاقبة ثم قال تعالى : # ! 7 < { أفرأيت الذى تولى * وأعطى قليلا وأكدى * أعنده علم الغيب فهو يرى ~~} . > 7 ! # / < < # | النجم : ( 33 ) أفرأيت الذي تولى # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال بعض المفسرين : نزلت الآية في الوليد بن المغيرة ~~جلس عند النبي صلى الله عليه وسلم وسمع وعظه ، وأثرت الحكمة فيه تأثيرا ~~قويا ، فقال له رجل : لم تترك دين آبائك ، ثم قال له : لا تخف وأعطني كذا ~~وأنا أتحمل عنك أوزارك ، فأعطاه بعض ما التزمه ، وتولى عن الوعظ وسماع ~~الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : PageV29P010 نزلت ms8626 في ~~عثمان رضي الله عنه ، كان يعطي ماله عطاء كثيرا ، فقال له أخوه من أمه عبد ~~الله بن سعد بن أبي سرح : يوشك أن يفنى مالك فأمسك ، فقال له عثمان : إن لي ~~ذنوبا أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء ، فقال له أخوه : أنا أتحمل عنك ~~ذنوبك إن تعطي ناقتك مع كذا ، فأعطاه ما طلب وأمسك يده عن العطاء ، فنزلت ~~الآية ، وهذا قول باطل لا يجوز ذكره ، لأنه لم يتواتر ذلك ولا اشتهر ، ~~وظاهر حال عثمان رضي الله عنه يأبى ذلك ، بل الحق أن يقال : إن الله تعالى ~~لما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم من قبل { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم ~~يرد إلا الحيواة الدنيا } ( النجم : 29 ) وكان التولي من جملة أنواعه تولى ~~المستغني ، فإن العالم بالشيء لا يحضر مجالس ذكر ذلك الشيء ، ويسعى في ~~تحصيل غيره ، فقال { أفرأيت الذى تولى } عن استغناء ، أعلم بالغيب ؟ . # المسألة الثانية : الفاء تقتضي كلاما يترتب هذا عليه ، فماذا هو ؟ نقول : ~~هو ما تقدم من بيان علم الله وقدرته ، ووعده المسيء والمحسن بالجزاء ~~وتقديره هو أن الله تعالى لما بين أن الجزاء لا بد من وقوعه على الإساءة ~~والإحسان ، وأن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم ، فلم يكن الإنسان ~~مستغنيا عن سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، فبعد هذا من تولى ~~لا يكون توليه إلا بعد غاية الحاجة ونهاية الافتقار . # المسألة الثالثة : { الذى } على ما قال بعض المفسرين عائد إلى معلوم ، ~~وهو ذلك الرجل وهو الوليد ، والظاهر أنه عائد إلى مذكور ، فإن الله تعالى ~~قال من قبل { فأعرض * من تولى عن ذكرنا } وهو المعلوم لأن الأمر بالإعراض ~~غير مختص بواحد من المعاندين فقال : { أفرأيت الذى تولى } أي الذي سبق ذكره ~~، فإن قيل : كان ينبغي أن يقول الذين تولوا ، لأن ( من ) في قوله : { الذى ~~تولى } للعموم ؟ نقول : العود إلى اللفظ كثير شائع قال تعالى : { من جاء ~~بالحسنة فله } ( القصص : 84 ) ولم يقل فلهم . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { وأعطى قليلا } ما المراد ms8627 منه ؟ نقول : ~~على ما تقدم هو المقدار الذي أعطاه الوليد ، وقوله : { وأكدى } هو ما أمسك ~~عنه ولم يعط الكل ، وعلى هذا لو قال قائل إن الإكداء لا يكون مذموما لأن ~~الإعطاء كان بغير حق ، فالامتناع لا يذم عليه ، وأيضا فلا يبقى لقوله { ~~قليلا } فائدة ، لأن الإعطاء حينئذ نفسه يكون مذموما ، نقول فيه بيان ~~خروجهم عن العقل والعرف / أما العقل فلأنه منع من الإعطاء لأجل حمل الوزر ، ~~فإنه لا يحصل به ، وأما العرف فلأن عادة الكرام من العرب الوفاء بالعهد ، ~~وهو لم يف به حيث التزم الإعطاء وامتنع ، والذي يليق بما ذكرنا هو أن نقول ~~: تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، يعني إعطاء ما وجب إعطاؤه في ~~مقابلة ما يجب لإصلاح أمور الآخرة ، ويقع في قوله تعالى : { علم الغيب فهو ~~} في مقابلة قوله تعالى : { ذلك مبلغهم من العلم } ( النجم : 30 ) أي لم ~~يعلم الغيب وما في الآخرة < < # | النجم : ( 36 ) أم لم ينبأ . . . . . # > > وقوله تعالى : { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى * وإبراهيم الذى وفى * ~~ألا تزر وازرة وزر أخرى } ( النجم : 36 38 ) في مقابلة قوله : { هو أعلم ~~بمن ضل } إلى قوله : { ليجزى الذين } ( النجم : 30 31 ) لأن الكلامين جميعا ~~لبيان الجزاء ، ويمكن أن يقال : إن الله تعالى لما بين حال المشركين ~~المعاندين العابدين للات والعزى والقائلين بأن الملائكة بنات الله شرع في ~~بيان أهل الكتاب ، وقال بعدما رأيت حال المشرك الذي تولى عن ذكرنا ، أفرأيت ~~حال من تولى وله كتاب وأعطى قليلا من الزمان حقوق الله تعالى ، ولما بلغ ~~زمان محمد أكدى فهل علم الغيب فقال شيئا لم يرد في كتبهم ولم ينزل عليهم في ~~الصحف المتقدمة ، ووجد فيها بأن كل واحد يؤاخذ بفعله ويجازى PageV29P011 ~~بعمله ، وقوله تعالى : { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى * وإبراهيم الذى وفى } ~~يخبر أن المتولي المذكور من أهل الكتاب . # المسألة الخامسة : { * أكدى } قيل هو من بلغ الكدية وهي الأرض الصلبة لا ~~تحفر ، وحافر البئر إذا وصل إليها فامتنع عليه الحفر أو تعسر يقال ms8628 : أكدى ~~الحافر ، والأظهر أنه الرد والمنع يقال : أكديته أي رددته وقوله تعالى : { ~~فأعنده علم الغيب فهو يرى أم } قد علم تفسيره جملة أن المراد جهل المتولي ~~وحاجته وبيان قبح التولي مع الحاجة إلى الإقبال وعلم الغيب ، أي العلم ~~بالغيب ، أي علم ما هو غائب عن الخلق وقوله : { فهو يرى } تتمة بيان وقت ~~جواز التولي وهو حصول الرؤية وهو الوقت الذي لا ينفع الإيمان فيه ، وهناك ~~لا يبقى وجوب متابعة أحد فيما رآه ، لأن الهادي يهدي إلى الطريق فإذا رأى ~~المهتدي مقصده بعينه لا ينفيه السماع ، فقال تعالى : هل علم الغيب بحيث رآه ~~فلا يكون علمه علما نظريا بل علما بصريا فعصى فتولى وقوله تعالى : { فهو ~~يرى } يحتمل أن يكون مفعول { يرى } هو احتمال الواحد وزر الآخر كأنه قال ~~فهو يرى أن وزره محمول ألم يسمع أن وزره غير محمول فهو عالم بالحمل وغافل ~~عن عدم الحمل ليكون معذورا ، ويحتمل أن لا يكون له مفعول تقديره فهو يرى ~~رأي نظر غير محتاج إلى هاد ونذير . # ! 7 < { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى * وإبراهيم الذى وفى * ألا تزر وازرة ~~وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } . > 7 ! # وقوله تعالى : { أم لم ينبأ بما فى صحف موسى * وإبراهيم الذى وفى } حال ~~أخرى مضادة للأولى يعذر فيها المتولي وهو الجهل المطلق فإن من علم الشيء ~~علما تاما لا يؤمر بتعلمه ، والذي جهله جهلا مطلقا وهو الغافل على الإطلاق ~~كالنائم أيضا لا يؤمر فقال : هذا المتولي هل علم الكل فجاز له التولي / ~~أولم يسمع شيئا وما بلغه دعوة أصلا فيعذر ، ولا واحد من الأمرين بكائن فهو ~~في التولي غير معذور ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { بما * وفى } يحتمل وجهين : أحدهما : أن ~~يكون المراد ما فيها لا بصفة كونه فيها ، فكأنه تعالى يقول : أم لم ينبأ ~~بالتوحيد والحشر وغير ذلك ، وهذه أمور مذكورة في صحف موسى ، مثال : يقول ~~القائل لمن توضأ بغير الماء توضأ بما توضأ به النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعلى ms8629 هذا فالكلام مع الكل لأن المشرك وأهل الكتاب نبأهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بما في صحف موسى ثانيهما : أن المراد بما في الصحف مع كونه فيها ~~، كما يقول القائل فيما ذكرنا من المثال توضأ بما في القربة لا بما في ~~الجرة فيريد عين ذلك لا جنسه وعلى هذا فالكلام مع أهل الكتاب لأنهم الذين ~~نبئوا به . # المسألة الثانية : صحف موسى وإبراهيم ، هل جمعها لكونها صحفا كثيرة أو ~~لكونها مضافة إلى اثنين كما قال تعالى : { فقد صغت قلوبكما } ( التحريم : 4 ~~) ؟ الظاهر أنها كثيرة ، قال الله تعالى : { وأخذ * الالواح } ( الأعراف : ~~154 ) وقال تعالى : { وألقى الالواح } ( الأعراف : 150 ) وكل لوح صحيفة . # المسألة الثالثة : ما المراد بالذي فيها ؟ نقول قوله تعالى : { ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ( النجم : 38 ، 39 ) وما ~~بعده من الأمور المذكورة على قراءة من قرأ أن بالفتح وعلى قراءة من يكسر ~~ويقول : { وأن إلى ربك المنتهى } ففيه وجوه أحدها : هو ما ذكر بقوله : { ~~ألا تزر وازرة وزر أخرى } وهو الظاهر ، وإنما احتمل غيره ، لأن صحف موسى ~~وإبراهيم ليس فيها هذا فقط ، PageV29P012 وليس هذا معظم المقصود بخلاف ~~قراءة الفتح ، فإن فيها تكون جميع الأصول على ما بين ثانيها : هو أن الآخرة ~~خير من الأولى يدل عليه قوله تعالى : { إن هاذا لفى الصحف الاولى * صحف ~~إبراهيم وموسى } ( الأعلى : 18 ، 19 ) ثالثها : أصول الدين كلها مذكورة في ~~الكتب بأسرها ، ولم يخل الله كتابا عنها ، ولهذا قال لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم : { فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) وليس المراد في الفروع ، لأن ~~فروع دينه مغايرة لفروع دينهم من غير شك . # المسألة الرابعة : قدم موسى ههنا ولم يقل كما قال في { سبح اسم ربك ~~الاعلى } ( الأعلى : 1 ) فهل فيه فائدة ؟ نقول : مثل هذا في كلام الفصحاء ~~لا يطلب له فائدة ، بل التقديم والتأخير سواء في كلامهم فيصح أن يقتصر على ~~هذا الجواب ، ويمكن أن يقال : إن الذكر هناك لمجرد الإخبار والإنذار وههنا ~~المقصود بيان انتفاء الأعذار ، فذكر هناك على ترتيب ms8630 الوجود صحف إبراهيم قبل ~~صحف موسى في الإنزال ، وأما ههنا فقد قلنا إن الكلام مع أهل الكتاب وهم ~~اليهود فقدم كتابهم ، وإن قلنا الخطاب عام فصحف موسى عليه السلام كانت ~~كثيرة الوجود ، فكأنه قيل لهم انظروا فيها تعلموا أن الرسالة حق / وأرسل من ~~قبل موسى رسل والتوحيد صدق والحشر واقع فلما كانت صحف موسى عند اليهود ~~كثيرة الوجود قدمها ، وأما صحف إبراهيم فكانت بعيدة وكانت المواعظ التي ~~فيها غير مشهورة فيما بينهم كصحف موسى فأخر ذكرها . # المسألة الخامسة : كثيرا ما ذكر الله موسى فأخر ذكره عليه السلام لأنه ~~كان مبتلى في / أكثر الأمر بمن حواليه وهم كانوا مشركين ومتهودين والمشركون ~~كانوا يعظمون إبراهيم عليه السلام لكونه أباهم ، وأما قوله تعالى : { وفى } ~~ففيه وجهان أحدهما : أنه الوفاء الذي يذكر في العهود وعلى هذا فالتشديد ~~للمبالغة يقال وفى ووفى كقطع وقطع وقتل وقتل ، وهو ظاهر لأنه وفى بالنذر ~~وأضجع ابنه للذبح ، وورد في حقه : { قد صدقت الرؤيا } ( الصافات : 105 ) ~~وقال تعالى : { إن هاذا لهو البلاء المبين } ( الصافات : 106 ) وثانيهما : ~~أنه من التوفية التي من الوفاء وهو التمام والتوفية الإتمام يقال وفاه أي ~~أعطاه تاما ، وعلى هذا فهو من قوله : { وإذا * ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن } ( البقرة : 124 ) وقيل : { وفى } أي أعطى حقوق الله في بدنه ، ~~وعلى هذا فهو على ضد من قال تعالى فيه : { وأعطى قليلا وأكدى } مدح إبراهيم ~~ولم يصف موسى عليه السلام ، نقول : أما بيان توفيته ففيه لطيفة وهي أنه لم ~~يعهد عهدا إلا وفى به ، وقال لأبيه : { سأستغفر لك ربي } ( يوسف : 98 ) ~~فاستغفر ووفى بالعهد ولم يغفر الله له ، فعلم { ءان * ليس للإنسان إلا ما ~~سعى } وأن وزره لا تزره نفس أخرى ، وأما مدح إبراهيم عليه السلام فلأنه كان ~~متفقا عليه بين اليهود والمشركين والمسلمين ولم ينكر أحد كونه وفيا ، ~~وموفيا ، وربما كان المشركون يتوقفون في وصف موسى عليه السلام ، ثم قال ~~تعالى : { ألا تزر وازرة وزر أخرى } وقد تقدم تفسيره في سورة الملائكة ، ~~والذي يحسن بهذا الموضع مسائل ms8631 : # الأولى : أنا بينا أن الظاهر أن المراد من قوله : { بما فى صحف موسى } هو ~~ما بينه بقوله { ألا تزر } فيكون هذا بدلا عن ما وتقديره أم لم ينبأ بألا ~~تزر وذكرنا هناك وجهين أحدهما : المراد أن الآخرة خير وأبقى وثانيهما : ~~الأصول . # المسألة الثانية : { ألا تزر } أن خفيفة من الثقيلة كأنه قال : أنه لا ~~تزر وتخفيف الثقيلة لازم وغير لازم PageV29P013 جائز وغير جائز ، فاللازم ~~عندما يكون بعدها فعل أو حرف داخل على فعل ، ولزم فيها التخفيف ، لأنها ~~مشبهة بالفعل في اللفظ والمعنى ، والفعل لا يمكن إدخاله على فعل فأخرج عن ~~شبه الفعل إلى صورة تكون حرفا مختصا بالفعل فتناسب الفعل فتدخل عليه . # المسألة الثالثة : إن قال قائل : الآية مذكورة لبيان أن وزر المسيء لا ~~يحمل عنه وبهذا الكلام لا تحصل هذه الفائدة لأن الوازرة تكون مثقلة بوزرها ~~فيعلم كل أحد أنها لا تحمل شيئا ولو قال لا تحمل فارغة وزر أخرى كان أبلغ ~~تقول ليس كما ظننت ، وذلك لأن المراد من الوازرة هي التي يتوقع منها الوزر ~~والحمل لا التي وزرت وحملت كما يقال : شقاني الحمل ، وإن لم يكن عليه في ~~الحال حمل ، وإذا لم تزر تلك النفس التي يتوقع منها ذلك فكيف تتحمل وزر ~~غيرها فتكون الفائدة كاملة . # وقوله تعالى : { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } تتمة بيان أحوال المكلف ~~فإنه لما بين له / أن سيئته لا يتحملها عنه أحد بين له أن حسنة الغير لا ~~تجدي نفعا ومن لم يعمل صالحا لا ينال خيرا فيكمل بها ويظهر أن المسيء لا ~~يجد بسبب حسنة الغير ثوابا ولا يتحمل عنه أحد عقابا ، وفيه أيضا مسائل : # الأولى : { ليس للإنسان } فيه وجهان أحدهما : أنه عام وهو الحق وقيل عليه ~~بأن في الأخبار أن ما يأتي به القريب من الصدقة والصوم يصل إلى الميت ~~والدعاء أيضا نافع فللإنسان شيء لم يسمع فيه ، وأيضا قال الله تعالى : { من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ( الأنعام : 160 ) وهي فوق ما سعى ، الجواب ~~عنه أن الإنسان إن لم ms8632 يسع في أن يكون له صدقة القريب بالإيمان لا يكون له ~~صدقته فليس له إلا ما سعى ، وأما الزيادة فنقول : الله تعالى لما وعد ~~المحسن بالأمثال والعشرة وبالأضعاف المضاعفة فإذا أتى بحسنة راجيا أن يؤتيه ~~الله ما يتفضل به فقد سعى في الأمثال ، فإن قيل : أنتم إذن حملتم السعي على ~~المبادرة إلى الشيء ، يقال : سعى في كذا إذا أسرع إليه ، والسعي في قوله ~~تعالى : { إلا ما سعى } معناه العمل يقال : سعى فلان أي عمل ، ولو كان كما ~~ذكرتم لقال : إلا ما سعى فيه نقول على الوجهين جميعا : لا بد من زيادة فإن ~~قوله تعالى : { ليس للإنسان إلا ما سعى } ليس المراد منه أن له عين ما سعى ~~، بل المراد على ما ذكرت ليس له إلا ثواب ما سعى ، أو إلا أجر ما سعى ، أو ~~يقال : بأن المراد أن ما سعى محفوظ له مصون عن الإحباط فإذن له فعله يوم ~~القيامة الوجه الثاني : أن المراد من الإنسان الكافر دون المؤمن وهو ضعيف ، ~~وقيل بأن قوله : { ليس للإنسان إلا ما سعى } كان في شرع من تقدم ، ثم إن ~~الله تعالى نسخه في شرع محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للإنسان ما سعى وما ~~لم يسع وهو باطل إذ لا حاجة إلى هذا التكلف بعدما بان الحق ، وعلى ما ذكر ~~فقوله : { ما سعى } مبقى على حقيقته معناه له عين ما سعى محفوظ عند الله ~~تعالى ولا نقصان يدخله ثم يجزى به كما قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره } ( الزلزلة : 7 ) . # المسألة الثانية : أن { ما } خبرية أو مصدرية ؟ نقول : كونها مصدرية أظهر ~~بدليل قوله تعالى : { وأن سعيه سوف يرى } أي سوف يرى المسعي ، والمصدر ~~للمفعول يجيء كثيرا يقال : هذا خلق الله أي مخلوقه . # المسألة الثالثة : المراد من الآية بيان ثواب الأعمال الصالحة أو بيان كل ~~عمل ، نقول : المشهور أنهما لكل عمل فالخير مثاب عليه والشر معاقب به ~~والظاهر أنه لبيان الخيرات يدل عليه اللام في قوله تعالى : { للإنسان } فإن ~~اللام لعود المنافع ms8633 وعلى لعود المضار تقول : هذا له ، وهذا عليه ، ويشهد له ~~ويشهد عليه في المنافع PageV29P014 والمضار ، وللقائل الأول أن يقول : بأن ~~الأمرين إذا اجتمعا غلب الأفضل كجموع السلامة تذكر إذا اجتمعت الإناث مع ~~الذكور ، وأيضا يدل عليه قوله تعالى : { ثم يجزاه الجزاء الاوفى } والأوفى ~~لا يكون إلا في مقابلة الحسنة ، وأما في السيئة فالمثل أو دونه العفو ~~بالكلية . # المسألة الرابعة : { إلا ما سعى } بصيعة الماضي دون المستقبل لزياد الحث ~~على السعي في العمل الصالح وتقريره هو أنه تعالى لو قال : ليس للإنسان إلا ~~ما يسعى ، تقول النفس إني أصلي غدا / كذا ركعة وأتصدق بكذا درهما ، ثم يجعل ~~مثبتا في صحيفتي الآن لأنه أمر يسعى وله فيه ما يسعى فيه ، فقال : ليس له ~~إلا ما قد سعى وحصل وفرغ منه ، وأما تسويلات الشيطان وعداته فلا اعتماد ~~عليها ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزآء الأوفى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 40 ) وأن سعيه سوف . . . . . # > > أي يعرض عليه ويكشف له من أريته الشيء ، وفيه بشارة للمؤمنين على ما ~~ذكرنا ، وذلك أن الله يريه أعماله الصالحة ليفرح بها ، أو يكون يرى ملائكته ~~وسائر خلقه ليفتخر العامل به على ما هو المشهور وهو مذكور لفرح المسلم ~~ولحزن الكافر ، فإن سعيه يرى للخلق ، ويرى لنفسه ويحتمل أن يقال : هو من ~~رأى يرى فيكون كقوله تعالى : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } ( ~~التوبة : 105 ) وفيها وفي الآية التي بعدها مسائل : # الأولى : العمل كيف يرى بعد وجوده ومضيه ؟ نقول فيه وجهان : أحدهما : ~~يراه على صورة جميلة إن كان العمل صالحا ثانيهما : هو على مذهبنا غير بعيد ~~فإن كل موجود يرى ، والله قادر على إعادة كل معدوم فبعد الفعل يرى وفيه وجه ~~ثالث : وهو أن ذلك مجاز عن الثواب يقال : سترى إحسانك عند الملك أي جزاءه ~~عليه وهو بعيد لما قال بعده : { ثم يجزاه الجزاء الاوفى } . # المسألة الثانية : الهاء ضمير السعي أي ثم يجزى الإنسان سعيه بالجزاء ، ~~والجزاء يتعدى إلى مفعولين قال تعالى : { وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا ms8634 } ( ~~الإنسان : 12 ) ويقال : جزاك الله خيرا ، ويتعدى إلى ثلاثة مفاعيل بحرف ~~يقال : جزاه الله على عمله الخير الجنة ، ويحذف الجار ويوصل الفعل فيقال : ~~جزاه الله عمله الخير الجنة ، هذا وجه ، وفيه وجه آخر وهو أن الضمير للجزاء ~~، وتقديره ثم يجزى جزاء ويكون قوله : { الجزاء الاوفى } تفسيرا أو بدلا مثل ~~قوله تعالى : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } ( الأنبياء : 3 ) فإن التقدير ~~والذين ظلموا أسروا النجوى ، الذين ظلموا ، والجزاء الأوفى على ما ذكرنا ~~يليق بالمؤمنين الصالحين لأنه جزاء الصالح ، وإن قال تعالى : { فإن جهنم ~~جزاؤكم جزاء موفورا } ( الإسراء : 63 ) وعلى ما قيل : يجاب أن الأوفى ~~بالنظر إليه فإن جهنم ضررها أكثر بكثير مع نفع الآثام فهي في نفسها أوفى . # المسألة الثالثة : { ثم } لتراخي الجزاء أو لتراخي الكلام أي ثم نقول ~~يجزاه فإن كان لتراخي الجزاء فكيف يؤخر الجزاء عن الصالح ، وقد ثبت أن ~~الظاهر أن المراد منه الصالح ؟ نقول : الوجهان محتملان وجواب PageV29P015 ~~السؤال هو أن الوصف بالأوفى يدفع ما ذكرت لأن الله تعالى من أول زمان يموت ~~الصالح يجزيه جزاء على خيره ويؤخر له الجزاء الأوفى ، وهي الجنة أو نقول ~~الأوفى إشارة إلى الزيادة فصار كقوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى } ( ~~يونس : 26 ) وهي الجنة : { وزيادة } وهي الرؤية فكأنه / تعالى قال وأن سعيه ~~سوف يرى ثم يرزق الرؤية ، وهذا الوجه يليق بتفسير اللفظ فإن الأوفى مطلق ~~غير مبين فلم يقل : أوفى من كذا ، فينبغي أن يكون أوفى من كل واف ولا يتصف ~~به غير رؤية الله تعالى . # المسألة الرابعة : في بيان لطائف في الآيات الأولى : قال في حق المسيء : ~~{ ألا تزر وازرة وزر أخرى } وهو لا يدل إلا على عدم الحمل عن الوازرة وهذا ~~لا يلزم منه بقاء الوزر عليها من ضرورة اللفظ ، لجواز أن يسقط عنها ويمحو ~~الله ذلك الوزر فلا يبقى عليها ولا يتحمل عنها غيرها ولو قال : لا تزر ~~وازرة إلا وزر نفسها كان من ضرورة الاستثناء أنها تزر ، وقال في حق المحسن ~~: ليس للإنسان إلا ما سعى ، ولم يقل : ليس ms8635 له ما لم يسع لأن العبارة ~~الثانية ليس فيها أن له ما سعى ، وفي العبارة الأولى أن له ما سعى ، نظرا ~~إلى الاستثناء ، وقال : في حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه ، وفي حق المحسن ~~بعبارة تقطع خوفه / كل ذلك إشارة إلى سبق الرحمة الغضب # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأن إلى ربك المنتهى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 42 ) وأن إلى ربك . . . . . # > > القراءة المشهورة فتح الهمزة على العطف على ما ، يعني أن هذا أيضا في ~~الصحف وهو الحق ، وقرىء بالكسر على الاستئناف ، وفيه مسائل : # الأولى : ما المراد من الآية ؟ قلنا فيه وجهان : أحدهما : وهو المشهور ~~بيان المعاد أي للناس بين يدي الله وقوف ، وعلى هذا فهو يتصل بما تقدم لأنه ~~تعالى لما قال : { ثم يجزاه } كأن قائلا قال لا ترى الجزاء ، ومتى يكون ، ~~فقال : إن المرجع إلى الله ، وعند ذلك يجازى الشكور ويجزي الكفور وثانيهما ~~: المراد التوحيد ، وقد فسر الحكماء أكثر الآيات التي فيها الانتهاء ~~والرجوع بما سنذكره غير أن في بعضها تفسيرهم غير ظاهر ، وفي هذا الموضع ~~ظاهر ، فنقول : هو بيان وجود الله تعالى ووحدانيته ، وذلك لأنك إذا نظرت ~~إلى الموجودات الممكنة لا تجد لها بدا من موجد ، ثم إن موجدها ربما يظن أنه ~~ممكن آخر كالحرارة التي تكون على وجه يظن أنها من إشراق الشمس أو من النار ~~فيقال الشمس والنار ممكنتان فمم وجودهما ؟ فإن استندتا إلى ممكن آخر لم يجد ~~العقل بدا من الانتهاء إلى غير ممكن فهو واجب الوجود فإليه ينتهي الأمر ~~فالرب هو المنتهى ، وهذا في هذا الموضع ظاهر معقول موافق للمنقول ، فإن ~~المروي عن أبي بن كعب أنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( وأن ~~إلى ربك المنتهى ، لا فكرة في الرب ) أي انتهى الأمر إلى واجب الوجود ، وهو ~~الذي لا يكون وجوده بموجد ومنه كل وجود ، وقال أنس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( إذا ذكر الرب فانتهوا ) وهو محتمل لما ذكرنا ، وأما بعض ~~الناس فيبالغ ويفسر كل آية فيها الرجعى ms8636 والمنتهى وغيرهما بهذا التفسير حتى ~~قيل : { إليه يصعد الكلم الطيب } ( فاطر : 10 ) بهذا المعنى وهذا دليل ~~الوجود ، وأما دليل الوحدانية فمن حيث إن العقل انتهى إلى واجب الوجود من ~~حيث إنه واجب الوجود ، لأنه لو لم يكن واجب / الوجود لما كان منتهى بل يكون ~~له موجد ، فالمنتهى هو الواجب من حيث إنه واجب ، وهذا المعنى واحد في ~~الحقيقة والعقل ، لأنه لا بد من PageV29P016 الانتهاء إلى هذا الواجب أو ~~إلى ذلك الواجب فلا يثبت الواجب معنى غير أنه واجب فيبعد إذا وجوبه ، فلو ~~كان واجبان في الوجود لكان كل واحد قبل المنتهى لأن المجموع قبله الواجب ~~فهو المنتهى وهذان دليلان ذكرتهما على وجه الاختصار . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { إلى ربك المنتهى } في المخاطب وجهان : ~~أحدهما : أنه عام تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل ثانيهما : الخطاب ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيه بيان صحة دينه فإن كل أحد كان يدعى ربا ~~وإلها ، لكنه صلى الله عليه وسلم لما قال : ( ربي الذي هو أحد وصمد ) يحتاج ~~إليه كل ممكن فإذا ربك هو المنتهى ، وهو رب الأرباب ومسبب الأسباب ، وعلى ~~هذا القول الكاف أحسن موقعا ، أما على قولنا : إن الخطاب عام فهو تهديد ~~بليغ للمسيء وحث شديد للمحسن ، لأن قوله : أيها السامع كائنا من كان إلى ~~ربك المنتهى يفيد الأمرين إفادة بالغة حد الكمال ، وأما على قولنا : الخطاب ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم فهو تسلية لقلبه كأنه يقول : لا تحزن فإن ~~المنتهى إلى الله فيكون كقوله تعالى : { فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون ~~وما يعلنون } إلى أن قال تعالى في آخر السورة : { وإليه ترجعون } ( يس : 76 ~~83 ) وأمثاله كثيرة في القرآن . # المسألة الثالثة : اللام على الوجه الأول للعهد لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول : أبدا إن مرجعكم إلى الله فقال : { وأن إلى ربك المنتهى } ~~الموعود المذكور في القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى الوجه ~~الثاني للعموم أي إلى الرب كل منتهى وهو مبدأ ، وعلى هذا الوجه ms8637 نقول : ~~منتهى الإدراكات المدركات ، فإن الإنسان أولا يدرك الأشياء الظاهرة ثم يمعن ~~النظر فينتهي إلى الله فيقف عنده # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأنه هو أضحك وأبكى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 43 ) وأنه هو أضحك . . . . . # > > وفيه مسائل : # الأولى : على قولنا : إليه المنتهى المراد منه إثبات الوحدانية ، هذه ~~الآيات مثبتات لمسائل يتوقف عليها الإسلام من جملتها قدرة الله تعالى ، فإن ~~من الفلاسفة من يعترف بأن الله المنتهى وأنه واحد لكن يقول : هو موجب لا ~~قادر ، فقال تعالى : هو أوجد ضدين الضحك والبكاء في محل واحد والموت ~~والحياة والذكورة والأنوثة في مادة واحدة ، وإن ذلك لا يكون إلا من قادر ~~واعترف به كل عاقل ، وعلى قولنا : إن قوله تعالى : { وأن إلى ربك المنتهى } ~~( النجم : 42 ) بيان المعاد فهو إشارة إلى بيان أمره فهو كما يكون في بعضها ~~ضاحكا فرحا وفي بعضها باكيا محزونا كذلك يفعل به في الآخرة . # المسألة الثانية : { أضحك وأبكى } لا مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما ~~مسوقتان لقدرة الله لا لبيان المقدور ، فلا حاجة إلى المفعول . يقول القائل ~~: فلأن بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع ولا يريد ممنوعا ومعطى . # / المسألة الثالثة : اختار هذين الوصفين للذكر والأنثى لأنهما أمران لا ~~يعللان فلا يقدر أحد من الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بالضحك ~~والبكاء وجها وسببا ، وإذا لم يعلل بأمر ولا بد له من موجد فهو الله تعالى ~~، بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون : سببهما اختلال المزاج وخروجه عن ~~الاعتدال ، ويدلك على PageV29P017 هذا أنهم إذا ذكروا في الضحك أمرا له ~~الضحك قالوا : قوة التعجب وهو في غاية البطلان لأن الإنسان ربما يبهت عند ~~رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك ، وقيل : قوة الفرح ، وليس كذلك لأن الإنسان ~~يفرح كثيرا ولا يضحك ، والحزين الذي عند غاية الحزن يضحكه المضحك ، وكذلك ~~الأمر في البكاء ، وإن قيل لأكثرهم علما بالأمور التي يدعيها الطبيعيون إن ~~خروج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لماذا ؟ لا يقدر على تعليل صحيح ، ~~وعند الخواص كالتي في المغناطيس وغيرها ينقطع الطبيعي ، كما أن عند أوضاع ~~الكواكب ms8638 ينقطع هو والمهندس الذي لا يفوض أمره إلى قدرة الله تعالى وإرادته # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأنه هو أمات وأحيا } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 44 ) وأنه هو أمات . . . . . # > > والبحث فيه كما في الضحك والبكاء ، غير أن الله تعالى في الأول بين ~~خاصة النوع الذي هو أخص من الجنس ، فإنه أظهر وعن التعليل أبعد ثم عطف عليه ~~ما هو أعم منه ودونه في البعد عن التعليل وهي الإماتة والإحياء وهما صفتان ~~متضادتان أي الموت والحياة كالضحك والبكاء والموت على هذا ليس بمجرد العدم ~~وإلا لكان الممتنع ميتا ، وكيفما كان فالإماتة والإحياء أمر وجودي وهما من ~~خواص الحيوان ، ويقول الطبيعي في الحياة لاعتدال المزاج ، والمزاج من أركان ~~متضادة هي النار والهواء والماء والتراب وهي متداعية إلى الانفكاك ومالا ~~تركيب فيه من المتضادات لا موت له ، لأن المتضادات كل أحد يطلب مفارقة ~~مجاوره ، فقال تعالى : الذي خلق ومزج العناصر وحفظها مدة قادر على أن ~~يحفظها أكثر من ذلك فإذا مات فليس عن ضرورة فهو بفعل فاعل مختار وهو الله ~~تعالى : فهو الذي أمات وأحيا . فإن قيل : متى أمات وأحيا حتى يعلم ذلك بل ~~مشاهدة الإحياء والإماتة بناء على الحياة والموت ؟ نقول : فيه وجوه أحدها : ~~أنه على التقديم والتأخير كأنه قال : أحيا وأمات ثانيها : هو بمعنى ~~المستقبل ، فإن الأمر قريب يقال : فلان وصل والليل دخل إذا قرب مكانه ~~وزمانه ، فكذلك الإحياء والإماتة ثالثها : أمات أي خلق الموت والجمود في ~~العناصر ، ثم ركبها وأحيا أي خلق الحس والحركة فيها . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأنه خلق الزوجين الذكر والا نثى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 45 ) وأنه خلق الزوجين . . . . . # > > وهو أيضا من جملة المتضادات التي تتوارد على النطفة فبعضها يخلق ذكرا ~~، وبعضها أنثى ولا يصل إليه فهم الطبيعي الذي يقول : إنه من البرد والرطوبة ~~في الأنثى ، فرب امرأة أيبس مزاجا من الرجل ، وكيف وإذا نظرت في المميزات / ~~بين الصغير والكبير تجدها أمورا عجيبة منها نبات اللحية ، وأقوى ما قالوا ~~في نبات اللحية أنهم قالوا : الشعور مكونة من بخار دخاني ms8639 ينحدر إلى المسام ~~، فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة ، ~~لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون ~~شعرا ، وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف ينبت الشعر لعسر خروجه من ~~المخرج الضيق ، ثم إن تلك المواد تنجذب إلى مواضع مخصوصة فتندفع ، إما إلى ~~الرأس فتندفع إليه لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فتتصاعد إليه تلك ~~المواد ، فلهذا يكون شعر الرأس أكثر وأطول ، ولهذا في الرجل مواضع تنجذب ~~إليها الأبخرة والأدخنة ، منها الصدر لحرارة القلب والحرارة تجذب الرطوبة ~~كالسراج للزيت ، ومنها بقرب آلة التناسل لأن حرارة الشهوة تجذب أيضا ، ~~ومنها اللحيان فإنها كثيرة الحركة بسبب الأكل ، والكلام والحركة أيضا جاذبة ~~، فإذا قيل لهم : فما السبب الموجب لتلازم نبات شعر اللحية وآلة التناسل ~~فإنها إذا قطعت لم تنبت اللحية ؟ وما الفرق بين سن الصبا وسن الشباب ~~PageV29P018 وبين المرأة والرجل ؟ ففي بعضها يبهت وفي بعضها يتكلم بأمور ~~واهية ، ولو فوضها إلى حكمة إلهية لكان أولى ، وفي مسألتان : # الأول : قال تعالى : { وأنه خلق } ولم يقل : وأنه هو خلق كما قال : { ~~وأنه هو أضحك وأبكى } ( النجم : 43 ) وذلك لأن الضحك والبكاء ربما يتوهم ~~متوهم أنه بفعل الإنسان ، وفي الإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم بعيدا ، ~~لكن ربما يقول به جاهل ، كما قال من حاج إبراهيم الخليل عليه السلام حيث ~~قال : { أنا أحى وأميت } ( البقرة : 258 ) فأكد ذلك بذكر الفصل ، وأما خلق ~~الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أن يفعل أحد من الناس فلم يؤكد ~~بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى : { وأنه هو أغنى وأقنى } ( النجم : 48 ) ~~حيث كان الإغناء عندهم غير مستند إلى الله تعالى وكان في معتقدهم أن ذلك ~~بفعلهم كما قال قارون : { إنما أوتيته على علم عندى } ( القصص : 78 ) ولذلك ~~قال : { وأنه هو رب الشعرى } ( النجم : 49 ) لأنهم كانوا يستبعدون أن يكون ~~رب محمد هو رب الشعرى فأكد في مواضع استبعادهم النسبة إلى الله تعالى ~~الإسناد ولم يؤكده في غيره . # المسألة الثانية ms8640 : الذكر والأنثى اسمان هما صفة أو اسمان ليسا بصفة ؟ ~~المشهور عند أهل اللغة الثاني والظاهر أنهما من الأسماء التي هي صفات ، ~~فالذكر كالحسن والعزب والأنثى كالحبلى والكبرى وإنما قلنا : إنها كالحبلى ~~في رأي لأنها حيالها أنشئت لا كالكبرى ، وإن قلنا : إنها كالكبرى في رأي ، ~~وإنما قلنا : إن الظاهر أنهما صفتان ، لأن الصفة ما يطلق على شيء ثبت له ~~أمر كالعالم يطلق على شيء له علم والمتحرك يقال لشيء له حركة بخلاف الشجر ~~والحجر ، فإن الشجر لا يقال لشيء بشرط أن يثبت له أمر بل هو اسم موضوع لشيء ~~معين ، والذكر اسم يقال لشيء له أمر ، ولهذا يوصف به ، ولا يوصف بالشجر ، ~~يقال جاءني شخص ذكر ، أو إنسان ذكر ، ولا يقال جسم شجر ، والذي ذهب إلى أنه ~~اسم غير صفة إنما ذهب إليه ، لأنه لم يرد له فعل ، والصفة في الغالب له فعل ~~كالعالم والجاهل / والعزب والكبرى والحبلى ، وذلك لا يدل على ما ذهب إليه / ~~لأن الذكورة والأنوثة من الصفات التي لا يتبدل بعضها ببعض ، فلا يصاغ لها ~~أفعال لأن الفعل لما يتوقع له تجدد في صورة الغالب ، ولهذا لم يوجد ~~للإضافيات أفعال كالأبوة والبنوة والأخوة إذ لم تكن من الذي يتبدل ، ووجد ~~للإضافيات المتبدلة أفعال يقال : واخاه وتبناه لما لم يكن مثبتا بتكلف فقبل ~~التبدل . # ! 7 < { من نطفة إذا تمنى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 46 ) من نطفة إذا . . . . . # > > وقوله تعالى : { من نطفة } أي قطعة من الماء . # وقوله تعالى : { إذا تمنى } من أمنى المني إذا نزل أو منى يمني إذا قدر ~~وقوله تعالى : { من نطفة } تنبيه على كمال القدرة لأن النطفة جسم متناسب ~~الأجزاء ، ويخلق الله تعالى منه أعضاء مختلفة وطباعا متباينة وخلق الذكر ~~والأنثى منها أعجب ما يكون على ما بينا ، ولهذا لم يقدر أحد على أن يدعيه ~~كما لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السموات ، ولهذا قال تعالى : { ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله } كما قال : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات ~~والارض ليقولن الله } ( الزمر : 38 ) . # [ بم ثم قال تعالى ms8641 : # ! 7 < { وأن عليه النشأة الا خرى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 47 ) وأن عليه النشأة . . . . . # > > وهي في قول أكثر المفسرين إشارة إلى الحشر ، والذي ظهر لي بعد طول ~~التفكر والسؤال من فضل الله تعالى الهداية فيه إلى الحق ، أنه يحتمل أن ~~يكون المراد نفخ PageV29P019 الروح الإنسانية فيه ، وذلك لأن النفس الشريفة ~~لا الأمارة تخالط الأجسام الكثيفة المظلمة ، وبها كرم الله بني آدم ، وإليه ~~الإشارة في قوله : { فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ءاخر } ( المؤمنون ~~: 14 ) غير خلق النطفة علقة ، والعلقة مضغة ، والمضغة عظاما ، وبهذا الخلق ~~الآخر تميز الإنسان عن أنواع الحيوانات ، وشارك الملك في الإدراكات فكما ~~قال هنالك : { ثم خلقنا النطفة } ( المؤمنون : 14 ) بعد خلق النطفة قال ~~ههنا : { وأن عليه النشأة الاخرى } فجعل نفخ الروح نشأة أخرى كما جعله ~~هنالك إنشاء آخر ، والذي أوجب القول بهذا هو أن قوله تعالى : { وأن إلى ربك ~~المنتهى } ( النجم : 42 ) عند الأكثرين لبيان الإعادة ، وقوله تعالى : { ثم ~~يجزاه الجزاء الاوفى } ( النجم : 41 ) كذلك فيكون ذكر النشأة الأخرى إعادة ~~، ولأنه تعالى قال بعد هذا : { وأنه هو أغنى وأقنى } ( النجم : 48 ) وهذا ~~من أحوال الدنيا ، وعلى ما ذكرنا يكون الترتيب في غاية الحسن فإنه تعالى ~~يقول : خلق الذكر والأنثى ونفخ فيهما الروح الإنسانية الشريفة ثم أغناه ~~بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره ، ثم أقناه بالكسب بعد كبره ، فإن قيل : فقد ~~وردت النشأة الأخرى للحشر في قوله تعالى : { فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ~~ينشىء النشأة الاخرى } ( العنكبوت : 20 ) نقول الآخرة من الآخر لا من الآخر ~~لأن الآخر أفعل ، وقد تقدم على أن هناك لما ذكر البدء حمل على الإعادة ~~وههنا ذكر خلقه من نطفة ، كما في قوله : { ثم خلقنا النطفة علقة } ثم قال : ~~{ ثم خلقنا النطفة } ( المؤمنون : 14 ) وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : { على } للوجوب ، ولا يجب على الله الإعادة ، فما معنى ~~قوله تعالى : { وأن عليه } / قال الزمخشري على ما هو مذهبه عليه عقلا ، فإن ~~من الحكمة الجزاء ، وذلك لا يتم إلا بالحشر ، فيجب عليه عقلا الإعادة ، ~~ونحن لا ms8642 نقول بهذا القول ، ونقول فيه وجهان الأول : عليه بحكم الوعد فإنه ~~تعالى قال : { إنا نحن نحى الموتى } ( يس : 12 ) فعليه بحكم الوعد لا ~~بالعقل ولا بالشرع الثاني : عليه للتعيين فإن من حضر بين جمع وحاولوا أمرا ~~وعجزوا عنه ، يقال : وجب عليك إذن أن تفعله أي تعينت له . # المسألة الثانية : قرىء : { النشأة } على أنه مصدر كالضربة على وزن فعلة ~~وهي للمرة ، تقول : ضربته ضربتين ، أي مرة بعد مرة ، يعني النشأة مرة أخرى ~~عليه ، وقرىء النشأة بالمد على أنه مصدر على وزن فعالة كالكفالة ، وكيفما ~~قرىء فهي من نشأ ، وهو لازم وكان الواجب أن يقال : عليه الإنشاء لا النشأة ~~، نقول فيه فائدة وهي أن الجزم يحصل من هذا بوجود الخلق مرة أخرى ، ولو قال ~~: عليه الإنشاء ربما يقول قائل : الإنشاء من باب الإجلاس ، حيث يقال في ~~السعة أجلسته فما جلس ، وأقمته فما قام فيقال : أنشاء وما نشأ أي قصده ~~لينشأ ولم يوجد ، فإذا قال : عليه النشأة أي يوجد النشء ويحققه بحيث يوجد ~~جزما . # المسألة الثالثة : هل بين قول القائل : عليه النشأة مرة أخرى ، وبين قوله ~~: عليه النشأة الأخرى فرق ؟ نقول : نعم إذا قال : عليه النشأة مرة أخرى لا ~~يكون النشء قد علم أولا ، وإذا قال : { عليه النشأة الاخرى } يكون قد علم ~~حقيقة النشأة الأخرى / فنقول ذلك المعلوم عليه . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأنه هو أغنى وأقنى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 48 ) وأنه هو أغنى . . . . . # > > وقد ذكرنا تفسيره فنقول : { أغنى } يعني دفع حاجته ولم يتركه محتاجا ~~لأن الفقير في مقابلة الغني ، فمن لم يبق فقيرا بوجه من الوجوه فهو غني ~~مطلقا ، ومن لم يبق فقيرا من وجه PageV29P020 فهو غني من ذلك الوجه ، قال ~~صلى الله عليه وسلم : ( أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم ) وحمل ذلك على ~~زكاة الفطر ، ومعناه إذا أتاه ما احتاج إليه ، وقوله تعالى : { * أقنى } ~~معناه وزاد عليه الإقناء فوق الإغناء ، والذي عندي أن الحروف متناسبة في ~~المعنى ، فنقول لما كان مخرج القاف فوق مخرج الغين جعل الإقناء لحالة فوق ~~الإغناء ، وعلى ms8643 هذا فالإغناء هو ما آتاه الله من العين واللسان ، وهداه إلى ~~الارتضاع في صباه أو هو ما أعطاه الله تعالى من القوت واللباس المحتاج ~~إليهما وفي الجملة كل ما دفع الله به الحاجة فهو إغناء ؛ وكل ما زاد عليه ~~فهو إقناء . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأنه هو رب الشعرى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 49 ) وأنه هو رب . . . . . # > > إشارة إلى فساد قول قوم آخرين ، وذلك لأن بعض الناس يذهب إلى أن ~~الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده فمن كسب استغنى ، ومن كسل افتقر وبعضهم ~~يذهب إلى أن ذلك بالبخت ، وذلك بالنجوم ، فقال : { وأنه هو أغنى وأقنى } ~~وإن قائل الغنى بالنجوم غالط ، فنقول هو رب النجوم وهو محركها ، كما قال ~~تعالى : { هو رب الشعرى } وقوله : { هو رب الشعرى } لإنكارهم ذلك أكد ~~بالفصل ، والشعرى نجم مضيء ، وفي النجوم شعريان إحداهما شامية والأخرى ~~يمانية ، والظاهر أن المراد اليمانية لأنهم كانوا يعبدونها . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأنه أهلك عادا الاولى } . > 7 @QB@ < # | النجم : ( 50 ) وأنه أهلك عادا . . . . . # > > # لما ذكر أنه : { أغنى وأقنى } ( النجم : 48 ) وكان ذلك بفضل الله لا ~~بعطاء الشعرى وجب الشكر لمن قد أهلك وكفى لهم دليلا حال عاد وثمود وغيرهم : ~~و { عادا الاولى } قيل : بالأولى تميزت من قوم كانوا بمكة هم عاد الآخرة ، ~~وقيل : الأولى لبيان تقدمهم لا لتمييزهم ، تقول : زيد العالم جاءني فتصفه ~~لا لتميزه ولكن لتبين علمه ، وفيه قراءات { عادا الاولى } بكسر نون التنوين ~~لالتقاء الساكنين ، و { عاد * الاولى } بإسقاط نون التنوين أيضا لالتقاء ~~الساكنين كقراءة { عزير ابن الله } ( التوبة : 30 ) { وقل * هو الله أحد * ~~الله الصمد } ( النجم : 50 ) و { عادا الاولى } بإدغام النون في اللام ونقل ~~ضمة الهمزة إلى اللام و { * عادالؤلي } بهمزة الواو وقرأ هذا القارىء { على ~~} ( الفتح : 29 ) ودليله ضعيف وهو يحتمل هذا في موضع { * المؤقدة } و { * ~~المؤصدة } ( الهمزة : 6 ، 8 ) للضمة والواو فهي في هذا الموضع تجزي على ~~الهمزة ، وكذا في سؤقه لوجود الهمزة في الأصل ، وفي موسى وقوله لا يحسن . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وثمود فمآ ms8644 أبقى } . > 7 ! # { الاولى وثمود فما أبقى } < < # | النجم : ( 51 ) وثمود فما أبقى # > > يعني وأهلك ثمود وقوله : { فما أبقى } عائد إلى عاد وثمود أي فما ~~أبقى عليهم ، ومن المفسرين من قال : فما أبقاهم أي فما أبقى منهم أحدا ~~ويؤيد هذا قوله تعالى : { فهل ترى لهم من باقية } ( الحاقة : 8 ) وتمسك ~~الحجاج على من قال : إن ثقيفا من ثمود بقوله تعالى : { فما أبقى } . # ! 7 < { وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } . > 7 ! # { < < # | النجم : ( 52 ) وقوم نوح من . . . . . # > > وقوم نوح } أي أهلكهم { من قبل } والمسألة مشهورة في قبل وبعد تقطع ~~عن الإضافة فتصير كالغاية فتبنى على الضمة . أما البناء فلتضمنه الإضافة ، ~~وأما على الضمة فلأنها لو بنيت على الفتحة لكان قد أثبت فيه ما يستحقه ~~بالإعراب من حيث إنها ظروف زمان فتستحق النصب والفتح مثله ، ولو بنيت على ~~الكسر لكان الأمر على ما يقتضيه الإعراب وهو الجر بالجار فبنى على ما يخالف ~~حالتي إعرابها . # وقوله تعالى : { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } أما الظلم فلأنهم هم ~~البادئون به المتقدمون فيه ( ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ~~) والبادىء أظلم ، وأما أطغى فلأنهم سمعوا المواعظ وطال عليهم الأمد ولم ~~يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم ، ولا يدعو نبي على قومه إلا بعد الإصرار ~~العظيم ، والظالم واضع PageV29P021 الشيء في غير موضعه ، والطاغي المجاوز ~~الحد فالطاغي أدخل في الظلم فهو كالمغاير والمخالف فإن المخالف مغاير مع ~~وصف آخر زائد ، وكذا المغاير والمضاد وكل ضد غير وليس كل غير ضدا ، وعليه ~~سؤال وهو أن قوله : { وقوم نوح } المقصود منه تخويف الظالم / بالهلاك ، ~~فإذا قال : هم كانوا في غاية الظلم والطغيان فأهلكوا يقول الظالم هم كانوا ~~أظلم فأهلكوا لمبالغتهم في الظلم ، ونحن ما بالغنا فلا نهلك ، وأما لو قال ~~أهلكوا لأنهم ظلمة لخاف كل ظالم فما الفائدة في قوله : { أظلم } ؟ نقول : ~~المقصود بيان شدتهم وقوة أجسامهم فإنهم لم يقدموا على الظلم والطغيان ~~الشديد إلا بتماديهم وطول أعمارهم ، ومع ذلك ما نجا أحد منهم فما حال من ms8645 هو ~~دونهم من العمر والقوة فهو كقوله تعالى : { أشد منهم بطشا } ( الزخرف : 8 ) ~~. # [ بم وقوله تعالى : # ! 7 < { والمؤتفكة أهوى } . > 7 @QB@ < # | النجم : ( 53 ) والمؤتفكة أهوى # > > # المؤتفكة المنقلبة ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء : { والمؤتفكات } والمشهور فيه أنها قرىء قوم لوط ~~لكن كانت لهم مواضع ائتفكت فهي مؤتفكات ، ويحتمل أن يقال المراد كل من ~~انقلبت مساكنه ودثرت أماكنه ولهذا ختم المهلكين بالمؤتفكات كمن يقول : مات ~~فلان وفلان وكل من كان من أمثالهم وأشكالهم . # المسألة الثانية : { أهوى } أي أهواها بمعنى أسقطها ، فقيل : أهواها من ~~الهوى إلى الأرض من حيث حملها جبريل عليه السلام على جناحه ، ثم قلبها ، ~~وقيل : كانت عمارتهم مرتفعة فأهواها بالزلزلة وجعل عاليها سافلها . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { والمؤتفكة أهوى } على ما قلت : كقول ~~القائل والمنقلبة قلبها وقلب المنقلب تحصيل الحاصل ، نقول : ليس معناه ~~المنقلبة ما انقلبت بنفسها بل الله قلبها فانقلبت . # المسألة الرابعة : ما الحكمة في اختصاص المؤتفكة باسم الموضع في الذكر ، ~~وقال في عاد وثمود ، وقوم نوح اسم القوم ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين ~~أحدهما : أن ثمود اسم الموضع فذكر عادا باسم القوم ، وثمود باسم الموضع ، ~~وقوم نوح باسم القوم والمؤتفكة باسم الموضع ليعلم أن القوم لا يمكنهم صون ~~أماكنهم عن عذاب الله تعالى ولا الموضع يحصن القوم عنه فإن في العادة تارة ~~يقوي الساكن فيذب عن مسكنه وأخرى يقوي المسكن فيرد عن ساكنه وعذاب الله لا ~~يمنعه مانع ، وهذا المعنى حصل للمؤمنين في آيتين أحدهما قوله تعالى : { وكف ~~أيدى الناس عنكم } ( الفتح : 20 ) وقوله تعالى : { وظنوا أنهم مانعتهم ~~مانعتهم حصونهم من الله } ( الحشر : 2 ) ففي الأول لم يقدر الساكن على حفظ ~~مسكنه وفي الثاني لم يقو الحصن على حفظ الساكن والوجه الثاني : هو أن عادا ~~وثمود وقوم نوح ، كان أمرهم متقدما ، وأماكنهم كانت قد دثرت ، ولكن أمرهم ~~كان مشهورا متواترا ، وقوم لوط كانت مساكنهم وآثار الانقلاب فيها ظاهرة ، ~~فذكر الأظهر من الأمرين في كل قوم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فغشاها ما غشى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 54 ) فغشاها ما غشى ms8646 # > > يحتمل أن يكون ما مفعولا وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون الذي غشي هو ~~الله تعالى فيكون كقوله تعالى : PageV29P022 { والسماء وما بناها } ويحتمل ~~أن يكون فاعلا يقال : ضربه من ضربه ، وعلى هذا نقول : يحتمل أن يكون ذلك ~~إشارة إلى سبب غضب الله عليهم أي / غشاها عليهم السبب ، بمعنى أن الله غضب ~~عليهم بسببه ، يقال لمن أغضب ملكا بكلام فضربه الملك كلامك الذي ضربك . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فبأى آلاء ربك تتمارى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 55 ) فبأي آلاء ربك . . . . . # > > قيل هذا أيضا مما في الصحف ، وقيل هو ابتداء كلام والخطاب عام ، كأنه ~~يقول : بأي النعم أيها السامع تشك أو تجادل ، وقيل : هو خطاب مع الكافر ، ~~ويحتمل أن يقال مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يقال : كيف يجوز أن يقول ~~للنبي صلى الله عليه وسلم : { تتمارى } لأنا نقول هو من باب : { لئن أشركت ~~ليحبطن عملك } ( الزمر : 65 ) يعني لم يبق فيه إمكان الشك ، حتى أن فارضا ~~لو فرض النبي صلى الله عليه وسلم ممن يشك أو يجادل في بعض الأمور الخفية ~~لما كان يمكنه المراء في نعم الله والعموم هو الصحيح كأنه يقول : بأي آلاء ~~ربك تتمارى أيها الإنسان ، كما قال : { وأخرت ياأيها الإنسان ما غرك بربك ~~الكريم } ( الانفطار : 6 ) وقال تعالى : { وكان الإنسان أكثر شىء جدلا } ( ~~الكهف : 54 ) فإن قيل : المذكور من قبل نعم والآلاء نعم ، فكيف آلاء ربك ؟ ~~نقول : لما عد من قبل النعم وهو الخلق من النطفة ونفخ الروح الشريفة فيه ~~والإغناء والإقناء ، وذكر أن الكافر بنعمه أهلك قال : { فبأى الاء ربك ~~تتمارى } فيصيبك مثل ما أصاب الذين تماروا من قبل ، أو تقول : لما ذكر ~~الإهلاك ، قال للشاك : أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك : { ~~فبأى الاء ربك تتمارى } وسنزيده بيانا في قوله : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان ~~} ( الرحمن : 13 ) في مواضع . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { هاذا نذير من النذر الا ولى } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 56 ) هذا نذير من . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المشار إليه بهذا ماذا ؟ نقول ms8647 فيه وجوه أحدها : محمد ~~صلى الله عليه وسلم من جنس النذر الأولى ثانيها : القرآن ثالثها : ما ذكره ~~من أخبار المهلكين ، ومعناه حينئذ هذا بعض الأمور التي هي منذرة ، وعلى ~~قولنا : المراد محمد صلى الله عليه وسلم فالنذير هو المنذر و { من } لبيان ~~الجنس ، وعلى قولنا : المراد هو القرآن يحتمل أن يكون النذير بمعنى المصدر ~~، ويحتمل أن يكون بمعنى الفاعل ، وكون الإشارة إلى القرآن بعيد لفظا ومعنى ~~، أما معنى : فلأن القرآن ليس من جنس الصحف الأولى لأنه معجز وتلك لم تكن ~~معجزة ، وذلك لأنه تعالى لما بين الوحدانية وقال : { فبأى الاء ربك تتمارى ~~} قال : { هاذا نذير } إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإثباتا للرسالة ~~، وقال بعد ذلك : { أزفت الازفة } إشارة إلى القيامة ليكون في الآيات ~~الثلاث المرتبة إثبات أصول ثلاث مرتبة ، فإن الأصل الأول هو الله ووحدانيته ~~ثم الرسول ورسالته ثم الحشر والقيامة ، وأما لفظا فلأن النذير إن كان كاملا ~~، فما ذكره من حكاية المهلكين أولى لأنه أقرب ويكون / على هذا من بقي على ~~حقيقة التبعيض أي هذا الذي ذكرنا بعض ما جرى ونبذ مما وقع ، أو يكون ~~لابتداء الغاية ، بمعنى هذا إنذار من المنذرين المتقدمين ، يقال : هذا ~~الكتاب ، وهذا الكلام من فلان وعلى الأقوال كلها ليس ذكر الأولى لبيان ~~الموصوف بالوصف وتمييزه عن النذر الآخرة كما يقال : الفرقة الأولى احترازا ~~عن الفرقة الأخيرة ، وإنما هو لبيان الوصف للموصوف ، كما يقال : زيد العالم ~~جاءني فيذكر العالم ، إما لبيان أن زيدا عالم غير أنك لا تذكره بلفظ الخبر ~~فتأتي به على طريقة الوصف ، وإما لمدح زيد به ، وإما لأمر آخر ، والأولى ~~على العود إلى لفظ الجمع وهو النذر ولو كان PageV29P023 لمعنى الجمع لقال : ~~من النذر الأولين يقال من الأقوام المتقدمة والمتقدمين على اللفظ والمعنى . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أزفت الا زفة } . > 7 @QB@ < # | النجم : ( 57 ) أزفت الآزفة # > > # وهو كقوله تعالى : { وقعت الواقعة } ( الواقعة : 1 ) ويقال : كانت ~~الكائنة . وهذا الاستعمال يقع على وجوه منها ما إذا كان الفاعل صار فاعلا ~~لمثل ذلك ms8648 الفعل من قبل ، ثم صدر منه مرة أخرى مثل الفعل ، فيقال : فعل ~~الفاعل أي الذي كان فاعلا صار فاعلا مرة أخرى ، يقال : حاكه الحائك أي من ~~شغله ذلك من قبل فعله ، ومنها ما يصير الفاعل فاعلا بذلك الفعل ، ومنه يقال ~~: ( إذا مات الميت انقطع عمله ) وإذا غصب العين غاصب ضمنه ، فقوله : { أزفت ~~الازفة } يحتمل أن يكون من القبيل الأول أي قربت الساعة التي كل يوم يزداد ~~قربها فهي كائنة قريبة وازدادت في القرب ، ويحتمل أن يكون كقوله تعالى : { ~~وقعت الواقعة } أي قرب وقوعها وأزفت فاعلها في الحقيقة القيامة أو الساعة ، ~~فكأنه قال : أزفت القيامة الآزفة أو الساعة أو مثلها . # [ بم وقوله تعالى : # ! 7 < { ليس لها من دون الله كاشفة } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 58 ) ليس لها من . . . . . # > > فيه وجوه أحدها : لا مظهر لها إلا الله فمن يعلمها لا يعلم إلا ~~بإعلام الله تعالى إياه وإظهاره إياها له ، فهو كقوله تعالى : { إن الله ~~عنده علم الساعة } ( لقمان : 34 ) وقوله تعالى : { لا يجليها لوقتها إلا هو ~~} ( الأعراف : 187 ) . ثانيها : لا يأتي بها إلا الله ، كقوله تعالى : { ~~وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو } ( الأنعام : 17 ) وفيه مسائل : # الأولى : { من } زائدة تقديره ليس لها غير الله كاشفة ، وهي تدخل على ~~النفي فتؤكد معناه ، تقول : ما جاءني أحد وما جاءني من أحد ، وعلى هذا ~~يحتمل أن يكون فيه تقديم وتأخير ، تقديره ليس لها من كاشفة دون الله ، ~~فيكون نفيا عاما بالنسبة إلى الكواشف ، ويحتمل أن يقال : ليست بزائدة بل ~~معنى الكلام أنه ليس في الوجود نفس تكتشفها أي تخبر عنها كما هي ومتى وقتها ~~من غير الله تعالى يعني من يكشفها فإنما يكشفها من الله لا من غير الله ~~يقال : كشف الأمر من زيد ، ودون يكون بمعنى غير كما في قوله تعالى : { ~~ءالهة دون الله تريدون فما } ( الصافات : 86 ) أي غير الله . # المسألة الثانية : كاشفة صفة لمؤنث أي نفس كاشفة ، وقيل هي للمبالغة كما ~~في العلامة وعلى هذا لا يقال بأنه نفى أن يكون ms8649 لها كاشفة بصيغة المبالغة ~~ولا يلزم من الكاشف الفائق نفي / نفس الكاشف ، لأنا نقول : لو كشفها أحد ~~لكان كاشفا بالوجه الكامل ، فلا كاشف لها ولا يكشفها أحد وهو كقوله تعالى : ~~{ وما أنا بظلام للعبيد } ( ق : 29 ) من حيث نفى كونه ظالما مبالغا ، ولا ~~يلزم منه نفي كونه ظالما ، وقلنا هناك : إنه لو ظلم عبيده الضعفاء بغير حق ~~لكان في غاية الظلم وليس في غاية الظلم فلا يظلمهم أصلا . # المسألة الثالثة : إذا قلت : إن معناه ليس لها نفس كاشفة ، فقوله : { من ~~دون الله } استثناء على الأشهر من الأقوال ، فيكون الله تعالى نفسا لها ~~كاشفة ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : لا فساد في ذلك قال الله تعالى ~~: { ولا أعلم ما فى نفسك } ( المائدة : 116 ) حكاية عن عيسى عليه السلام ~~والمعنى الحقيقة . الثاني : ليس هو صريح الاستثناء فيجوز فيه أن لا يكون ~~نفسا الثالث : الاستثناء الكاشف المبالغ . PageV29P024 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أفمن هاذا الحديث تعجبون } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 59 ) أفمن هذا الحديث . . . . . # > > قيل : من القرآن ، ويحتمل أن يقال : هذا إشارة إلى حديث : { أزفت ~~الازفة } ( النجم : 57 ) فإنهم كانوا يتعجبون من حشر الأجساد وجمع العظام ~~بعد الفساد . # ! 7 < { وتضحكون ولا تبكون } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 60 ) وتضحكون ولا تبكون # > > وقوله تعالى : { وتضحكون } يحتمل أن يكون المعنى وتضحكون من هذا ~~الحديث ، كما قال تعالى : { فلما جاءهم بئاياتنا إذا هم منها يضحكون } ( ~~الزخرف : 47 ) في حق موسى عليه السلام ، وكانوا هم أيضا يضحكون من حديث ~~النبي والقرآن ، ويحتمل أن يكون إنكارا على مطلق الضحك مع سماع حديث ~~القيامة ، أي أتضحكون وقد سمعتم أن القيامة قربت ، فكان حقا أن لا تضحكوا ~~حينئذ . # وقوله تعالى : { ولا تبكون } أي كان حقا لكم أن تبكوا منه فتتركون ذلك ~~وتأتون بضده . # ! 7 < { وأنتم سامدون } . > 7 @QB@ < # | النجم : ( 61 ) وأنتم سامدون # > > # وقوله تعالى : { وأنتم سامدون } أي غافلون ، وذكر باسم الفاعل ، لأن ~~الغفلة دائمة ، وأما الضحك والعجب فهما أمران يتجددان ويعدمان . # ! 7 < { فاسجدوا لله واعبدوا } . > 7 ! # < < # | النجم : ( 62 ) فاسجدوا لله واعبدوا # > > يحتمل أن يكون الأمر ms8650 عاما ، ويحتمل أن يكون التفاتا ، فيكون كأنه قال ~~: أيها المؤمنون اسجدوا شكرا على الهداية واشتغلوا بالعبادة ، ولم يقل : ~~اعبدوا الله إما لكونه معلوما ، وإما لأن العبادة في الحقيقة لا تكون إلا ~~لله ، فقال : { واعبدوا } أي ائتوا بالمأمور ، ولا تعبدوا غير الله ، لأنها ~~ليست بعبادة ، وهذا يناسب السجدة عند قراءته مناسبة أشد وأتم مما إذا ~~حملناه على العموم . # والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على سيدنا محمد سيد المرسلين ، وخاتم ~~النبيين ، وعلى آله وصحبه أجمعين . # PageV29P025 < # > 1 ( سورة القمر ) 1 < # > # خمسون وخمس آيات مكية # ! 7 < { اقتربت الساعة وانشق القمر } . > 7 ! # / < < # | القمر : ( 1 - 2 ) اقتربت الساعة وانشق . . . . . # > > أول السورة مناسب لآخر ما قبلها ، وهو قوله : { أزفت الازفة } ( ~~النجم : 57 ) فكأنه أعاد ذلك مع الدليل ، وقال قلت : { أزفت الازفة } وهو ~~حق ، إذ القمر انشق ، والمفسرون بأسرهم على أن المراد أن القمر انشق ، وحصل ~~فيه الانشقاق ، ودلت الأخبار على حديث الانشقاق ، وفي الصحيح خبر مشهور ~~رواه جمع من الصحابة ، وقالوا : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم آية ~~الانشقاق بعينها معجزة ، فسأل ربه فشقه ومضى ، وقال بعض الفسرين المراد ~~سينشق ، وهو بعيد ولا معنى له ، لأن من منع ذلك وهو الفلسفي يمنعه في ~~الماضي والمستقبل ، ومن يجوزه لا حاجة إلى التأويل ، وإنما ذهب إليه ذلك ~~الذاهب ، لأن الانشقاق أمر هائل ، فلو وقع لعم وجه الأرض فكان ينبغي أن ~~يبلغ حد التواتر ، نقول : النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يتحدى بالقرآن ~~، وكانوا يقولون : إنا نأتي بأفصح ما يكون من الكلام ، وعجزوا عنه ، فكان ~~القرآن معجزة باقية إلى قيام القيامة لا يتمسك بمعجزة أخرى فلم ينقله ~~العلماء بحيث يبلغ حد التواتر . وأما المؤرخون فتركوه ، لأن التواريخ في ~~أكثر الأمر يستعملها المنجم ، وهو لما وقع الأمر قالوا : بأنه مثل خسوف ~~القمر ، وظهور شيء في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر فتركوا حكايته في ~~تواريخهم ، والقرآن أدل دليل وأقوى مثبت له ، وإمكانه لا يشك فيه ، وقد ~~أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه ، وحديث امتناع الخرق والالتئام حديث ms8651 ~~اللئام ، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السموات ، وذكرناه مرارا فلا ~~نعيده . # [ بم وقوله تعالى : # ! 7 < { وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 2 ) وإن يروا آية . . . . . # > > تقديره : وبعد هذا إن يروا آية يقولوا سحر ، فإنهم رأوا آيات أرضية ، ~~وآيات سماوية ، ولم يؤمنوا ، ولم يتركوا عنادهم ، فإن يروا ما يرون بعد هذا ~~لا يؤمنون ، وفيه وجه آخر وهو أن يقال : المعنى أن عادتهم أنهم إن يروا آية ~~يعرضوا ، فلما رأوا انشقاق القمر أعرضوا لتلك العادة ، وفيه مسائل : # الأولى : قوله : { ءاية } ماذا ؟ نقول آية اقتراب الساعة ، فإن انشقاق ~~القمر من آياته ، وقد / ردوا وكذبوا ، فإن يروا غيرها أيضا يعرضوا ، أو آية ~~الانشقاق فإنها معجزة ، أما كونها معجزة ففي غاية الظهور ، وأما كونها آية ~~PageV29P026 الساعة ، فلأن منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء وانفطارها ~~وكذلك قوله : في كل جسم سماوي من الكواكب ، فإذا انشق بعضها ثبت خلاف ما ~~يقول به ، وبان جواز خراب العالم ، وقال أكثر المفسرين : معناه أن من ~~علامات قيام الساعة انشقاق القمر عن قريب ، وهذا ضعيف حملهم على هذا القول ~~ضيق المكان ، وخفاء الأمر على الأذهان ، وبيان ضعفه هو أن الله تعالى لو ~~أخبر في كتابه أن القمر ينشق ، وهو علامة قيام الساعة ، لكان ذلك أمرا لا ~~بد من وقوعه مثل خروج دابة الأرض ، وطلوع الشمس من المغرب ، فلا يكون معجزة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أن هذه الأشياء عجائب ، وليست بمعجزة للنبي ~~، لا يقال : الإخبار عنها قبل وقوعها معجزة ، لأنا نقول : فحينئذ يكون هذا ~~من قبيل الإخبار عن الغيوب ، فلا يكون هو معجزة برأسه وذلك فاسد ، ولا يقال ~~: بأن ذلك كان معجزة وعلامة ، فأخبر الله في الصحف والكتب السالفة أن ذلك ~~يكون معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وتكون الساعة قريبة حينئذ ، وذلك لأن ~~بعثة النبي صلى الله عليه وسلم علامة كائنة حيث قال : ( بعثت أنا والساعة ~~كهاتين ) ولهذا يحكى عن سطيح أنه لما أخبر بوجود النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال عن أمور تكون ، فكان ms8652 وجوده دليل أمور ، وأيضا القمر لما انشق كان ~~انشقاقه عند استدلال النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين ، وهم كانوا ~~غافلين عما في الكتب ، وأما أصحاب الكتب فلم يفتقروا إلى بيان علامة الساعة ~~، لأنهم كانوا يقولون بها وبقربها ، فهي إذن آية دالة على جواز تخريب ~~السموات وهو العمدة الكبرى ، لأن السموات إذا طويت وجوز ذلك ، فالأرض ومن ~~عليها لا يستبعد فناؤهما ، إذا ثبت هذا فنقول : معنى { اقتربت الساعة } ~~يحتمل أن يكون في العقول والأذهان ، يقول : من يسمع أمرا لا يقع هذا بعيد ~~مستبعد ، وهذا وجه حسن ، وإن كان بعض ضعفاء الأذهان ينكره ، وذلك لأن حمله ~~على قرب الوقوع زمانا لا إمكانا يمكن الكافر من مجادلة فاسدة ، فيقول : قال ~~الله تعالى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم : { اقتربت } ويقولون بأن من ~~قبل أيضا في الكتب ( السابقة ) كان يقول : ( اقترب الوعد ) ثم مضى مائة سنة ~~ولم يقع ، ولا يبعد أن يمضي ألف آخر ولا يقع ، ولو صح إطلاق لفظ القرب ~~زمانا على مثل هذا لا يبقى وثوق بالإخبارات ، وأيضا قوله : { اقتربت } ~~لانتهاز الفرصة ، والإيمان قبل أن لا يصح الإيمان ، فللكافر أن يقول ، إذا ~~كان القرب بهذا المعنى فلا خوف منها ، لأنها لا تدركني ، ولا تدرك أولادي ، ~~ولا أولاد أولادي ، وإذا كان إمكانها قريبا في العقول يكون ذلك ردا بالغا ~~على المشركين والفلاسفة ، والله سبحانه وتعالى أول ما كلف الاعتراف ~~بالوحدانية واليوم الآخر ، وقال : اعلموا أن الحشر كائن فخالف المشرك ~~والفلسفي ، ولم يقنع بمجرد إنكار ما ورد الشرع ببيانه ، ولم يقل لا يقع أو ~~ليس بكائن ، بل قال ذلك بعيد ، ولم يقنع بهذا أيضا / بل قال ذلك غير ممكن ، ~~ولم يقنع به أيضا ، بل قال فإن امتناعه ضروري ، فإن مذهبهم أن إعادة ~~المعدوم وإحياء الموتى محال / بالضرورة ، ولهذا قالوا : { أءذا متنا } ( ~~المؤمنون : 82 ) { أءذا كنا عظاما } ( الأسراء : 49 ) { أءذا ضللنا فى ~~الارض } ( السجدة : 10 ) بلفظ الاستفهام بمعنى الإنكار مع ظهور الأمر ، ~~فلما استبعدوا لم يكتف الله ورسوله ببيان وقوعه ، بل قال : { إن ms8653 الساعة ~~ءاتية * لا ريب فيها } ( الحج : 7 ) ولم يقتصر عليه بل قال : { وما يدريك ~~لعل الساعة تكون قريبا } ( الأحزاب : 63 ) ولم يتركها حتى قال ( اقتربت ~~الساعة واقترب الوعد الحق اقترب للناس حسابهم ) اقترابا عقليا لا يجوز أن ~~ينكر ما يقع في زمان طرفة عين ، لأنه على الله يسير ، كما أن تقليب الحدقة ~~علينا يسير ، بل هو أقرب منه بكثير ، والذي يقويه قول العامة : إن زمان ~~وجود العالم زمان مديد ، والباقي بالنسبة إلى الماضي شيء يسير ، فلهذا قال ~~: { اقتربت الساعة } . PageV29P027 # وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) فمعناه لا ~~نبي بعدي فإن زماني يمتد إلى قيام الساعة ، فزماني والساعة متلاصقان كهاتين ~~، ولا شك أن الزمان زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، وما دامت أوامره نافذة ~~فالزمان زمانه وإن كان ليس هو فيه ، كما أن المكان الذي تنفذ فيه أوامر ~~الملك مكان الملك يقال له بلاد فلان ، فإن قيل : كيف يصح حمله على القرب ~~بالمعقول مع أنه مقطوع به ؟ قلت : كما صح قوله تعالى : { لعل الساعة تكون ~~قريبا } ( الأحزاب : 63 ) فإن لعل للترجي والأمر عند الله معلوم ، وفائدته ~~أن قيام الساعة ممكن لا إمكانا بعيدا عن العادات كحمل الآدمي في زماننا ~~حملا في غاية الثقل أو قطعة مسافة بعيدة في زمان يسير ، فإن ذلك ممكن ~~إمكانا بعيدا ، وأما تقليب الحدقة فممكن إمكانا في غاية القرب . # المسألة الثانية : الجمع الذين تكون الواو ضميرهم في قوله { يروا } و { ~~يعرضوا } غير مذكور فمن هم ؟ نقول : هم معلومون وهم الكفار تقديره : وهؤلاء ~~الكفار إن يروا آية يعرضوا . # المسألة الثالثة : التنكير في الآية للتعظيم أي إن يروا آية قوية أو ~~عظيمة يعرضوا . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ويقولوا سحر مستمر } ما الفائدة فيه ؟ ~~نقول : فائدته بيان كون الآية خالية عن شوائب الشبه ، وأن الاعتراف لزمهم ~~لأنهم لم يقدروا أن يقولوا : نحن نأتي بمثلها وبيان كونهم معرضين لا إعراض ~~معذور ، فإن من يعرض إعراض مشغول بأمر مهم فلم ينظر في الآية لا يستقبح منه ~~الإعراض مثل ms8654 ما يستقبح لمن ينظر فيها إلى آخرها ويعجز عن نسبتها إلى أحد ~~ودعوى الإتيان بمثلها ، ثم يقول : هذا ليس بشيء هذا سحر لأن ما من آية إلا ~~ويمكن المعاند أن يقول فيها هذا القول . # المسألة الخامسة : ما المستمر ؟ نقول : فيه وجوه أحدها : دائم فإن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم كان يأتي كل زمان بمعجزة قولية أو فعلية أرضية أو ~~سماوية ، فقالوا : هذا سحر مستمر دائم لا يختلف بالنسبة إلى النبي عليه ~~السلام بخلاف سحر السحرة ، فإن بعضهم يقدر على أمر وأمرين / وثلاثة ويعجز ~~عن غيرها وهو قادر على الكل وثانيها : مستمر أي قوى من حبل مرير الفتل من ~~المرة وهي الشدة وثالثها : من المرارة أي سحر مر مستبشع ورابعها : مستمر أي ~~مار ذاهب ، فإن السحر لا بقاء له . # ! 7 < { وكذبوا واتبعوا أهوآءهم وكل أمر مستقر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 3 ) وكذبوا واتبعوا أهواءهم . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وكذبوا واتبعوا أهواءهم } وهو يحتمل أمرين أحدهما : ~~وكذبوا محمدا المخبر عن اقتراب الساعة وثانيهما : كذبوا بالآية وهي انشقاق ~~القمر ، فإن قلنا : كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقوله : { واتبعوا ~~أهواءهم } أي تركوا الحجة وأولوا الآيات وقالوا : هو مجنون تعينه الجن ~~وكاهن يقول : عن النجوم ويختار الأوقات للأفعال وساحر ، فهذه أهواءهم ، وإن ~~قلنا : كذبوا بانشقاق القمر ، فقوله : { واتبعوا أهواءهم } في أنه سحر ~~القمر ، وأنه خسوف والقمر لم يصبه شيء فهذه أهواءهم ، وكذلك قولهم في كل ~~آية . # وقوله تعالى : { وكل أمر مستقر } فيه وجوه أحدها : كل أمر مستقر على سنن ~~الحق يثبت والباطل يزهق ، وحينئذ يكون تهديدا لهم ، وتسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وهو كقوله تعالى : { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم } ( الزمر : 7 ~~) PageV29P028 أي بأنها حق ثانيها : وكل أمر مستقر في علم الله تعالى : لا ~~يخفى عليه شيء فهم كذبوا واتبعوا أهواءهم ، والأنبياء صدقوا وبلغوا ما ~~جاءهم ، كقوله تعالى : { لا يخفى على الله منهم شىء } ( غافر : 16 ) ، وكما ~~قال تعالى في هذه السورة : { وكل شىء فعلوه فى الزبر * وكل صغير وكبير ~~مستطر } ( القمر : 52 ، 53 ) ، ثالثها : هو ms8655 جواب قولهم : { سحر مستمر } أي ~~ليس أمره بذاهب بل كل أمر من أموره مستقر . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولقد جآءهم من الا نبآء ما فيه مزدجر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 4 ) ولقد جاءهم من . . . . . # > > إشارة إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد ، فأخبرهم الرسول باقتراب ~~الساعة ، وأقام الدليل على صدقه ، وإمكان قيام الساعة عقيب دعواه بانشقاق ~~القمر الذي هو آية لأن من يكذب بها لا يصدق بشيء من الآيات فكذبوا بها ~~واتبعوا الأباطيل الذاهبة ، وذكروا الأقاويل الكاذبة فذكر لهم أنباء ~~المهلكين بالآيتين تخويفا لهم ، وهذا هو الترتيب الحكمي ، ولهذا قال بعد ~~الآيات : { حكمة بالغة } ( القمر : 5 ) أي هذه حكمة بالغة ، والأنباء هي ~~الأخبار العظام ، ويدلك على صدقه أن في القرآن لم يرد النبأ والأنباء إلا ~~لما له وقع قال : { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } ( النمل : 22 ) لأنه كان خبرا ~~عظيما وقال : { إن جاءكم فاسق بنبإ } ( الحجرات : 6 ) أي محاربة أو مسالمة ~~وما يشبهه من الأمور العرفية ، وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب ~~عليه أمر ذو بال ، وكذلك قال تعالى : { ذالك من أنباء الغيب نوحيه إليك } ( ~~آل عمران : 44 ) فكذلك الأنباء ههنا ، وقال تعالى عن موسى : { لعلى اتيكم ~~منها * بخبر أو جذوة } ( القصص : 29 ) حيث لم يكن يعلم أنه يظهر له شيء ~~عظيم يصلح أن يقال له : نبأ / ولم يقصده ، والظاهر أن المراد أنباء ~~المهلكين بسبب التكذيب وقال بعضهم : المراد القرآن ، وتقديره جاء فيه ~~الأنباء ، وقيل قوله : { جاءكم من * الانباء } يتناول جميع ما ورد في ~~القرآن من الزواجر والمواعظ وما ذكرناه أظهر لقوله : { فيه مزدجر } وفي : { ~~ما } وجهان أحدهما : أنها موصولة أي جاءكم الذي فيه مزدجر ثانيهما : موصوفة ~~تقديره : جاءكم من الأنباء شيء موصوف بأن فيه مزدجر وهذاأظهر والمزدجر فيه ~~وجهان أحدهما ازدجار وثانيهما موضع ازدجار ، كالمرتقى ، ولفظ المفعول بمعنى ~~المصدر كثير لأن المصدر هو المفعول الحقيقي . [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { حكمة بالغة فما تغنى النذر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 5 ) حكمة بالغة فما . . . . . # > > وفيه وجوه الأول : على قول ms8656 من قال : { ولقد جاءهم من الانباء } ~~المراد منه القرآن ، قال : { حكمة بالغة } بدل كأنه قال : ولقد جاءهم حكمة ~~بالغة ثانيها : أن يكون بدلا عن ما في قوله : { ما فيه مزدجر } الثاني : ~~حكمة بالغة خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه حكمة بالغة والإشارة حينئذ تحتمل ~~وجوها أحدها : هذا الترتيب الذي في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار ~~بمن مضى من القرون وانقضى حكمة بالغة ثانيها : إنزال ما فيه الأنباء : { ~~حكمة بالغة } ثالثها : هذه الساعة المقتربة والآية الدالة عليها حكمة ~~الثالث : قرىء بالنصب فيكون حالا وذو الحال ما في قوله : { ما فيه مزدجر } ~~أي جاءكم ذلك حكمة ، فإن قيل : إن كان { ما } موصولة تكون معرفة فيحسن كونه ~~ذا الحال فأما إن كانت بمعنى جاءهم من الأنباء شيء فيه ازدجار يكون منكرا ~~وتنكير ذي الحال قبيح نقول : كونه موصوفا يحسن ذلك . # وقوله : { فما تغنى النذر } فيه وجهان أحدهما : أن { ما } نافية ، ومعناه ~~أن النذر لم يبعثوا ليغنوا ويلجئوا قومهم إلى الحق ، وإنما أرسلوا مبلغين ~~وهو كقوله تعالى : { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا } ( الشورى : 48 ) ~~ويؤيد هذا قوله تعالى : { فتولى عنهم } أي ليس عليك ولا على الأنبياء ~~الإغناء والإلجاء ، فإذا بلغت فقد PageV29P029 أتيت بماعليك من الحكمة ~~البالغة التي أمرت بها بقوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة } ( النحل : 125 ) وتول إذا لم تقدر ثانيهما : { ما } استفهامية ، ~~ومعنى الآيات حينئذ أنك أتيت بما عليك من الدعوى وإظهار الآية عليها وكذبوا ~~فأنذرتهم بما جرى على المكذبين فلم يفدهم فهذه حكمة بالغة وما الذي تغني ~~النذر غير هذا فلم يبق عليك شيء آخر . # ! 7 < { فتول عنهم يوم يدعو الداع إلى شىء نكر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 6 ) فتول عنهم يوم . . . . . # > > قوله تعالى : { فتول عنهم } قد ذكرنا أن المفسرين يقولون إلى قوله : ~~{ تول } منسوخ وليس كذلك ، بل المراد منه لا تناظرهم بالكلام . # ثم قال تعالى : { يوم يدعو الداع إلى شىء نكر } قد ذكرنا أيضا أن من ينصح ~~شخصا ولا يؤثر فيه النصح يعرض عنه ويقول مع غيره : ما فيه ms8657 نصح المعرض عنه ، ~~ويكون فيه قصد إرشاده أيضا فقال بعدما قال : { فتول عنهم يوم يدعو * الداع ~~} { يخرجون من الاجداث } للتخويف ، والعامل / في : { يوم } هو ما بعده ، ~~وهو قوله : { يخرجون من الاجداث } والداعي معرف كالمنادي في قوله : { يوم ~~يناد المناد } ( ق : 41 ) لأنه معلوم قد أخبر عنه ، فقيل : إن مناديا ينادي ~~وداعيا يدعو وفي الداعي وجوه أحدها أنه إسرافيل وثانيها : أنه جبريل ~~وثالثها : أنه ملك موكل بذلك والتعريف حينئذ لا يقطع حد العلمية ، وإنما ~~يكون ذلك كقولنا : جاء رجل فقال : الرجل ، وقوله تعالى : { إلى شىء نكر } ~~أي منكر وهو يحتمل وجوها أحدها : إلى شيء نكر في يومنا هذا لأنهم أنكروه أي ~~يوم يدعو الداعي إلى الشيء الذي أنكروه يخرجون ثانيها : نكر أي منكر يقول : ~~ذلك القائل كان ينبغي أن لا يكون أي من شأنه أن لا يوجد يقال : فلان ينهى ~~عن المنكر ، وعلى هذا فهو عندهم كان ينبغي أن لا يقع لأنه يرديهم في ~~الهاوية ، فإن قيل : ما ذلك الشيء النكر ؟ نقول : الحساب أو الجمع له أو ~~النشر للجمع ، وهذا أقرب ، فإن قيل : النشر لا يكون منكرا فإنه إحياء ولأن ~~الكافر من أين يعرف وقت النشر وما يجري عليه لينكره ؟ نقول : يعرف ويعلم ~~بدليل قوله تعالى عنهم : { قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا } ( يس : 52 ) ~~. # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { خشعا أبصارهم يخرجون من الا جداث كأنهم جراد منتشر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 7 ) خشعا أبصارهم يخرجون . . . . . # > > وفيه قراءات خاشعا وخاشعة وخشعا ، فمن قرأ خاشعا على قول القائل : ~~يخشع أبصارهم على ترك التأنيث لتقدم الفعل ومن قرأ خاشعة على قوله : تخشع ~~أبصارهم ومن قرأ خشعا فله وجوه أحدها : على قول من يقول : يخشعن أبصارهم ~~على طريقة من يقول : أكلوني البراغيث ثانيها : في : { خشعا } ضمير أبصارهم ~~بدل عنه ، تقديره يخشعون أبصارهم على بدل الاشتمال كقول القائل : أعجبوني ~~حسنهم . ثالثها : فيه فعل مضمر يفسره يخرجون تقديره يخرجون خشعا أبصارهم ~~على بدل الاشتمال والصحيح خاشعا ، روي أن مجاهدا رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في منامه ms8658 فقال له : يا نبي الله خشعا أبصارهم أو خاشعا أبصارهم ؟ فقال ~~عليه السلام : خاشعا ، ولهذه القراءة وجه آخر أظهر مما قالوه وهو أن يكون ~~خشعا منصوبا على أنه مفعول بقوله : { يوم يدعو * الداع } خشعا أي يدعو ~~هؤلاء ، فإن قيل : هذا فاسد من وجوه أحدها : أن التخصيص لا فائدة فيه لأن ~~الداعي يدعو كل أحد ، ثانيها : قوله : { يخرجون من الاجداث } بعد الدعاء ~~فيكونون خشعا قبل الخروج وإنه باطل ، ثالثها : قراءة خاشعا تبطل هذا ، نقول ~~أما الجواب عن الأول فهو أن يقال قوله : { إلى شىء نكر } يدفع ذلك لأن كل ~~PageV29P030 أحد لا يدعى إلى شيء نكر وعن الثاني المراد : ( من شيء نكر ) ~~الحساب العسر يعني يوم يدع الداع إلى الحساب العسر خشعا ولا يكون العامل في ~~: { يوم يدعو } يخرجون بل اذكروا ، أو : { فما تغنى النذر } كما قال تعالى ~~: { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } ( المدثر : 48 ) ويكون يخرجون ابتداء كلام ~~، وعن الثالث أنه لا منافاة بين القراءتين ؛ وخاشعا نصب على الحال أو على ~~أنه مفعول يدعو / كأنه يقول : يدعو الداعي قوما خاشعة أبصارهم والخشوع ~~السكون قال تعالى : { وخشعت الاصوات } ( طه : 108 ) وخشوع الأبصار سكونها ~~على كل حال لا تنفلت يمنة ولا يسرة كما في قوله تعالى : { لا يرتد إليهم ~~طرفهم } ( إبراهيم : 43 ) وقوله تعالى : { يخرجون من الاجداث كأنهم جراد ~~منتشر } ( القمر : 7 ) مثلهم بالجراد المنتشر في الكثرة والتموج ، ويحتمل ~~أن يقال : المنتشر مطاوع نشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض ويدب ~~إشارة إلى كيفية خروجهم من الأجداث وضعفهم . # ! 7 < { مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هاذا يوم عسر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 8 ) مهطعين إلى الداع . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { مهطعين إلى الداع } أي مسرعين إليه إنقيادا { يقول ~~الكافرون هاذا يوم عسر } يحتمل أن يكون العامل الناصب ليوم في قوله تعالى : ~~{ يوم يدعو * الداع } ( القمر : 6 ) أي يوم يدعو الداعي : { يقول الكافرون ~~هاذا يوم عسر } ، وفيه فائدتان إحداهما : تنبيه المؤمن أن ذلك اليوم على ~~الكافر عسير فحسب ، كما قال تعالى : { فذلك يومئذ عسير * على الكافرين غير ~~يسير ms8659 } ( المدثر : 9 ، 10 ) يعني له عسر لا يسر معه ثانيتهما : هي أن ~~الأمرين متفقان مشتركان بين المؤمن والكافر ، فإن الخروج من الأجداث كأنهم ~~جراد والانقطاع إلى الداعي يكون للمؤمن فإنه يخاف ولا يأمن العذاب إلا ~~بإيمان الله تعالى إياه فيؤتيه الله الثواب فيبقى الكافر فيقول : { هاذا ~~يوم عسر } . # ! 7 < { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 9 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . # > > ثم إنه تعالى أعاد بعض الأنباء فقال : { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا ~~عبدنا وقالوا مجنون وازدجر } فيها تهوين وتسلية لقلب محمد صلى الله عليه ~~وسلم فإن حاله كحال من تقدمه وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إلحاق ضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز بالاتفاق ~~وحسن ، وإلحاق ضمير الجمع به قبيح عند الأكثرين ، فلا يجوزون كذبوا قوم نوح ~~، ويجوزون كذبت فما الفرق ؟ نقول : التأنيث قبل الجمع لأن الأنوثة والذكورة ~~للفاعل أمر لا يتبدل ولا تحصل الأنوثة للفاعل بسبب فعلها الذي هو فاعله ~~فليس إذا قلنا : ضربت هذه كانت هذه أنثى لأجل الضرب بخلاف الجمع ، لأن ~~الجمع للفاعلين بسبب فعلهم الذي هم فاعلوه ، فإنا إذا قلنا : جمع ضربوا وهم ~~ضاربون ليس مجرد اجتماعهم في الوجود يصحح قولنا : ضربوا وهم ضاربون ، لأنهم ~~إن اجتمعوا في مكان فهم جمع ، ولكن إن لم يضرب الكل لا يصح قولنا : ضربوا ، ~~فضمير الجمع من الفعل فاعلون جمعهم بسبب الاجتماع في الفعل والفاعلية ، ~~وليس بسبب الفعل ، فلم يجز أن يقال : ضربوا جمع ، لأن الجمع لم يفهم إلا ~~بسبب أنهم ضربوا جميعهم ، فينبغي أن يعلم أولا اجتماعهم في الفعل ، فيقول : ~~الضاربون ضربوا ، وأما ضربت هند فصحيح ، لأنه لا يصح أن يقال : التأنيث لم ~~يفهم إلا بسبب PageV29P031 أنها ضربت ، بل هي كانت أنثى فوجد منها ضرب ~~فصارت ضاربة ، وليس الجمع كانوا جمعا فضربوا / فصاروا ضاربين ، بل صاروا ~~ضاربين لاجتماعهم في الفعل ولهذا ورد الجمع على اللفظ بعد ورود التأنيث ~~عليه فقيل : ضاربة وضاربات ولم يجمع اللفظ أولا لأنثى ولا لذكر ، ولهذا لم ~~يحسن أن يقال : ضرب هند ms8660 ، وحسن بالإجماع ضرب قوم والمسلمون . # المسألة الثانية : لما قال تعالى : { كذبت } ما الفائدة في قوله تعالى : ~~{ فكذبوا عبدنا } ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : أن قوله : { كذبت ~~قبلهم قوم نوح } أي بآياتنا وآية الانشقاق فكذبوا الثاني كذبت قوم نوح ~~الرسل وقالوا : لم يبعث الله رسولا وكذبوهم في التوحيد : فكذبوا عبدنا كما ~~كذبوا غيره وذلك لأن قوم نوح مشركون يعبدون الأصنام ومن يعبد الأصنام يكذب ~~كل رسول وينكر الرسالة لأنه يقول : لا تعلق لله بالعالم السفلي وإنما أمره ~~إلى الكواكب فكان مذهبهم التكذيب فكذبوا الثالث : قوله تعالى : { فكذبوا ~~عبدنا } للتصديق والرد عليهم تقديره : { كذبت قوم نوح } وكان تكذيبهم عبدنا ~~أي لم يكن تكذيبا بحق كما يقول القائل : كذبني فكذب صادقا . # المسألة الثالثة : كثيرا ما يخص الله الصالحين بالإضافة إلى نفسه كما في ~~قوله تعالى : { إن عبادى } ( الحجر : 42 ) { فى عبادى } ( العنكبوت : 56 ) ~~{ اذكر * عبدنا } ( ص : 170 ) { إنه من عبادنا } ( يوسف : 24 ) وكل واحد ~~عبده فما السر فيه ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : ما قيل : في ~~المشهور أن الإضافة إليه تشريف منه فمن خصصه بكونه عبده شرف وهذا كقوله ~~تعالى : { أن طهرا بيتى } ( البقرة : 125 ) وقوله تعالى : { ناقة الله } ( ~~الأعراف : 73 ) الثاني : المراد من عبدنا أي الذي عبدنا فالكل عباد لأنهم ~~مخلوقون للعبادة لقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات ~~: 56 ) لكن منهم من عبد فحقق المقصود فصار عبده ، ويؤيد هذا قوله تعالى : { ~~كونوا عبادا لى } ( آل عمران : 79 ) أي حققوا المقصود الثالث : الإضافة ~~تفيد الحصر فمعنى عبدنا هو الذي لم يقل : بمعبود سوانا ، ومن اتبع هواه فقد ~~اتخذ إلها فالعبد المضاف هو الذي بكليته في كل وقت لله فأكله وشربه وجميع ~~أموره لوجه الله تعالى وقليل ما هم . # المسألة الرابعة : ما الفائدة في اختيار لفظ العبد مع أنه لو قال رسولنا ~~لكان أدل على قبح فعلهم ؟ نقول : قوله عبدنا أدل على صدقه وقبح تكذيبهم من ~~قوله رسولنا لو قاله لأن العبد أقل تحريفا لكلام السيد من الرسول ، فيكون ~~كقوله ms8661 تعالى : { ولو تقول علينا بعض الاقاويل * لاخذنا منه باليمين * ثم ~~لقطعنا منه الوتين } ( الحاقة : 44 46 ) . # المسألة الخامسة : قوله تعالى { وقالوا مجنون } إشارة إلى أنه أتى ~~بالآيات الدالة على صدقه حيث رأوا ما عجزوا منه ، وقالوا : هو مصاب الجن أو ~~هو لزيادة بيان قبح صنعهم حيث لم يقنعوا بقولهم إنهم كاذب ، بل قالوا مجنون ~~، أي يقول مالا يقبله عاقل ، والكاذب العاقل يقول ما يظن به أنه صادق ~~فقالوا : مجنون أي يقول مالم يقل به عاقل فبين مبالغتهم في التكذيب . # المسألة السادسة : { وازدجر } إخبار من الله تعالى أو حكاية قولهم ، نقول ~~: فيه خلاف منهم من قال : إخبار من الله تعالى وهو عطف على كذبوا ، وقالوا ~~: أي هم كذبوا وهو ازدجر أي أوذي وزجر ، وهو كقوله تعالى : { كذبوا وأوذوا ~~} ( الأنعام : 34 ) وعلى هذا إن قيل : لو قال كذبوا عبدنا وزجروه / كان ~~الكلام أكثر مناسبة ، PageV29P032 نقول : لا بل هذا أبلغ لأن المقصود تقوية ~~قلب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر من تقدمه فقال : وازدجر أي فعلوا ما ~~يوجب الإنزجار من دعائهم حتى ترك دعوتهم وعدل عن الدعاء إلى الإيمان إلى ~~الدعاء عليهم ، ولو قال : زجروه ما كان يفيد أنه تأذى منهم لأن في السعة ~~يقال : آذوني ولكن ما تأذيت ، وأما أوذيت فهو كاللازم لا يقال إلا عند حصول ~~الفعل لا قبله ، ومنهم من قال : { وازدجر } حكاية قولهم أي هم قالوا ازدجر ~~، تقديره قالوا : مجنون مزدجر ، ومعناه : ازدجره الجن أو كأنهم قالوا : جن ~~وازدجر ، والأول أصح ويترتب عليه قوله تعالى : # ! 7 < { فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 10 ) فدعا ربه أني . . . . . # > > ترتيبا في غاية الحسن لأنهم لما زجروه وانزجر هو عن دعائهم دعا ربه ~~أني مغلوب وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء { إنى } بكسر الهمزة على أنه دعاء ، فكأنه قال : ~~إني مغلوب ، وبالفتح على معنى بأني . # المسألة الثانية : ما معنى مغلوب ؟ نقول فيه وجوه الأول : غلبني الكفار ~~فانتصر لي منهم الثاني : غلبتني نفسي وحملتني على الدعاء عليهم فانتصر لي ~~من نفسي ، وهذا الوجه نقله ms8662 ابن عطية وهو ضعيف الثالث : وجه مركب من الوجهين ~~وهو أحسن منهما وهو أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعو على ~~قومه ما دام في نفسه احتمال وحلم ، واحتمال نفسه يمتد ما دام الإيمان منهم ~~محتملا ، ثم إن يأسه يحصل والاحتمال يفر بعد اليأس بمدة ، بدليل قوله تعالى ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم : { لعلك باخع نفسك } ( الكهف : 6 ) ، { فلا تذهب ~~نفسك عليهم حسرات } ( فاطر : 8 ) وقال تعالى : { ولا تخاطبنى فى الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون } ( المؤمنون : 27 ) فقال نوح : يا إلهي إن نفسي غلبتني ~~وقد أمرتني بالدعاء عليهم فأهلكهم ، فيكون معناه ( إني ) مغلوب بحكم ~~البشرية أي غلبت وعيل صبري فانتصر لي منهم لا من نفسي . # المسألة الثالثة : فانتصر معناه انتصر لي أو لنفسك فإنهم كفروا بك وفيه ~~وجوه أحدها : فانتصر لي مناسب لقوله مغلوب ثانيها : فانتصر لك ولدينك فإني ~~غلبت وعجزت عن الانتصار لدينك ثالثها : فانتصر للحق ولا يكون فيه ذكره ولا ~~ذكر ربه ، وهذا يقوله قوي النفس بكون الحق معه ، يقول القائل : اللهم أهلك ~~الكاذب منا ، وانصر المحق منا . ثم قال تعالى : # ! 7 < { ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 11 ) ففتحنا أبواب السماء . . . . . # > > عقيب دعائه وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المراد من الفتح والأبواب والسماء حقائقها أو هو مجاز ؟ ~~نقول فيه قولان أحدهما : حقائقها وللسماء أبواب تفتح وتغلق ولا استبعاد فيه ~~وثانيهما : هو على طريق الاستعارة ، فإن الظاهر أن الماء كان من السحاب ، ~~وعلى هذا فهو كما يقول القائل في المطر الوابل جرت ميازيب السماء وفتح ~~أفواه القرب أي كأنه ذلك ، فالمطر في الطوفان كان بحيث يقول القائل / فتحت ~~أبواب السماء ، ولا شك أن المطر من فوق كان في غاية الهطلان . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { ففتحنا } بيان أن الله انتصر منهم ~~وانتقم بماء لا بجند أنزله ، كما قال PageV29P033 تعالى : { وما أنزلنا على ~~قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة واحدة } ~~( يس : 28 ، 29 ) بيانا لكمال القدرة ، ومن العجيب أنهم كانوا ms8663 يطلبون المطر ~~سنين فأهلكهم بمطلوبهم . # المسألة الثالثة : الباء في قوله : { بماء منهمر } ما وجهه وكيف موقعه ؟ ~~نقول فيه وجهان أحدهما : كما هي في قول القائل فتحت الباب بالمفتاح وتقديره ~~هو أن يجعل كأن الماء جاء وفتح الباب وعلى هذا تفسير قول من يقول : يفتح ~~الله لك بخير أي يقدر خيرا يأتي ويفتح الباب ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي من ~~بدائع المعاني ، وهي أن يجعل المقصود مقدما في الوجود ، ويقول كأن مقصودك ~~جاء إلى باب مغلق ففتحه وجاءك ، وكذلك قول القائل : لعل الله يفتح برزق ، ~~أي يقدر رزقا يأتي إلى الباب الذي كالمغلق فيدفعه ويفتحه ، فيكون الله قد ~~فتحه بالرزق ثانيهما : { فتحنا * أبواب السماء } مقرونة { بماء منهمر } ~~والانهمار الانسكاب والانصباب صبا شديدا ، والتحقيق فيه أن المطر يخرج من ~~السماء التي هي السحاب خروج مترشح من ظرفه ، وفي ذلك اليوم كان يخرج خروج ~~مرسل خارج من باب . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وفجرنا الا رض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 12 ) وفجرنا الأرض عيونا . . . . . # > > وفيه من البلاغة ما ليس في قول القائل : وفجرنا عيون الأرض ، وهذا ~~بيان التمييز في كثير من المواضع ، إذا قلت ضاق زيد ذرعا ، أثبت مالا يثبته ~~قولك ضاق ذرع زيد ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال : { وفجرنا الارض عيونا } ولم يقل ففتحنا السماء ~~أبوابا ، لأن السماء أعظم من الأرض وهي للمبالغة ، ولهذا قال : { أبواب ~~السماء } ولم يقل : أنابيب ولا منافذ ولا مجاري أو غيرها . # وأما قوله تعالى : { وفجرنا الارض عيونا } فهو أبلغ من قوله : وفجرنا ~~عيون الأرض ، لأنه يكون حقيقة لا مبالغة فيه ، ويكفي في صحة ذلك القول أن ~~يجعل في الأرض عيونا ثلاثة ، ولا يصلح مع هذا في السماء إلا قول القائل : ~~فأنزلنا من السماء ماء أو مياها ، ومثل هذا الذي ذكرناه في المعنى لا في ~~المعجزة ، والحكمة قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ~~ينابيع فى الارض } ( الزمر : 21 ) حيث لا مبالغة فيه ، وكلامه لا يماثل ~~كلام الله ولا يقرب ms8664 منه ، غير أني ذكرته مثلا : { ولله المثل الاعلى } ( ~~النحل : 60 ) . # المسألة الثانية : العيون في عيون الماء حقيقة أو مجاز ؟ نقول : المشهور ~~أن لفظ العين / مشترك ، والظاهر أنها حقيقة في العين التي هي آلة الأبصار ~~ومجاز في غيرها ، أما في عيون الماء فلأنها تشبه العين الباصرة التي يخرج ~~منها الدمع ، أو لأن الماء الذي في العين كالنور الذي في العين غير أنها ~~مجاز مشهور صار غالبا حتى لا يفتقر إلى القرينة عند الاستعمال إلا للتمييز ~~بين العينين ، فكما لا يحمل اللفظ على العين الباصرة إلا بقرينة ، كذلك لا ~~يحمل على الفوارة إلا بقرينة مثل : شربت من العين واغتسلت منها ، وغير ذلك ~~من الأمور التي توجد في الينبوع ، ويقال : عانه يعينه إذا أصابه بالعين ، ~~وعينه تعيينا ، حقيقته جعله بحيث تقع عليه العين ، وعاينه معاينة وعيانا ، ~~وعين أي صار بحيث تقع عليه العين . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فالتقى الماء } قرىء فالتقى الماءان ، ~~أي النوعان ، منه ماء السماء وماء PageV29P034 الأرض ، فتثنى أسماء الأجناس ~~على تأويل صنف ، تجمع أيضا ، يقال : عندي تمران وتمور وأتمار على تأويل ~~نوعين وأنواع منه والصحيح المشهور : { فالتقى الماء } وله معنى لطيف ، وذلك ~~أنه تعالى لما قال : { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } ( القمر : 11 ) ~~ذكر الماء وذكر الانهمار وهو النزول بقوة ، فلما قال : { وفجرنا الارض ~~عيونا } كان من الحسن البديع أن يقول : ما يفيد أن الماء نبع منها بقوة ، ~~فقال : { فالتقى الماء } أي من العين فار الماء بقوة حتى ارتفع والتقى بماء ~~السماء ، ولو جرى جريا ضعيفا لما كان هو يلتقي مع ماء السماء بل كان ماء ~~السماء يرد عليه ويتصل به ، ولعل المراد من قوله : { وفار التنور } ( هود : ~~40 ) مثل هذا . # وقوله تعالى : { على أمر قد قدر } فيه وجوه الأول : على حال قد قدرها ~~الله تعالى كما شاء الثاني : على حال قدر أحد الماءين بقدر الآخر الثالث : ~~على سائر المقادير ، وذلك لأن الناس اختلفوا ، فمنهم من قال : ماء السماء ~~كان أكثر ، ومنهم من قال : ماء الأرض ، ومنهم من قال : كانا ms8665 متساويين ، ~~فقال : على أي مقدار كان ، والأول إشارة إلى عظمة أمر الطوفان ، فإن تنكير ~~الأمر يفيد ذلك ، يقول القائل : جرى على فلان شيء لا يمكن أن يقال إشارة ~~إلى عظمته ، وفيه احتمال آخر ، وهو أن يقال : التقى الماء ، أي اجتمع على ~~أمر هلاكهم ، وهو كان مقدورا مقدرا ، وفيه رد على المنجمين الذين يقولون إن ~~الطوفان كان بسبب اجتماع الكواكب السبعة حول برج مائي ، والغرق لم يكن ~~مقصودا بالذات ، وإنما ذلك أمر لزم من الطوفان الواجب وقوعه ، فقال : لم ~~يكن ذلك إلا لأمر قد قدر ، ويدل عليه أن الله تعالى أوحى إلى نوح بأنهم من ~~المغرقين . # ! 7 < { وحملناه على ذات ألواح ودسر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 13 ) وحملناه على ذات . . . . . # > > أي سفينة ، حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه ، إشارة إلى أنها كانت من ~~ألواح مركبة موثقة بدثر ، وكان انفكاكها في غاية السهولة ، ولم يقع فهو ~~بفضل الله ، والدسر المسامير . # ! 7 < { تجرى بأعيننا جزآء لمن كان كفر } . > 7 ! # / < < # | القمر : ( 14 ) تجري بأعيننا جزاء . . . . . # > > وقوله تعالى : { تجرى } أي سفينة ذات ألواح جارية ، وقوله تعالى : { ~~بأعيننا } أي بمرأى منا أو بحفظنا ، لأن العين آلة ذلك فتستعمل فيه } . # وقوله تعالى : { } . # وقوله تعالى : { جزاء لمن كان كفر } يحتمل وجوها أحدها : أن يكون نصبه ~~بقوله : { * حملناه } أي حملناه جزاء ، أي ليكون ذلك الحمل جزاء الصبر على ~~كفرانهم وثانيها : أن يكون بقوله : { ودسر تجرى بأعيننا } لأن فيه معنى ~~حفظنا ، أي ما تركناه عن أعيننا وعوننا جزاء له ثالثها : أن يكون بفعل حاصل ~~من مجموع ما ذكره كأنه قال : فتحنا أبواب السماء وفجرنا الأرض عيونا ~~وحملناه ، وكل ذلك فعلناه جزاء له ، وإنما ذكرنا هذا ، لأن الجزاء ما كان ~~يحصل إلا بحفظه وإنجائه لهم ، فوجب أن يكون جزاء منصوبا بكونه مفعولا له ~~بهذه الأفعال ، ولنذكر ما فيه من اللطائف في مسائل : # المسألة الأولى : قال في السماء : { ففتحنا أبواب السماء } ( القمر : 11 ~~) لأن السماء ذات الرجع وما لها فطور ، ولم يقل : وشققنا السماء ، وقال في ~~الأرض : { وفجرنا الارض } ( القمر : 12 ) لأنها ذات الصدع . PageV29P035 # الثانية ms8666 : لما جعل المطر كالماء الخارج من أبواب مفتوحة واسعة ، ولم يقل ~~في الأرض وأجرينا من الأرض بحارا وأنهارا ، بل قال : { عيونا } والخارج من ~~العين دون الخارج من الباب ذكر في الأرض أنه تعالى فجرها كلها ، فقال : { ~~وفجرنا الارض } لتقابل كثرة عيون الأرض سعة أبواب السماء فيحصل بالكثرة ~~ههنا ما حصل بالسعة ههنا . # الثالثة : ذكر عند الغضب سبب الإهلاك وهو فتح أبواب السماء وفجر الأرض ~~بالعيون ، وأشار إلى الإهلاك بقوله تعالى : { على أمر قد قدر } ( القمر : ~~12 ) أي أمر الإهلاك ولم يصرح وعند الرحمة ذكر الإنجاء صريحا بقوله تعالى : ~~{ وحملناه } وأشار إلى طريق النجاة بقوله : { ذات ألواح } وكذلك قال في ~~موضع آخر : { فأخذهم الطوفان } ( العنكبوت : 14 ) ، ولم يقل فأهلكوا ، وقال ~~: { فأنجيناه وأصحاب السفينة } ( العنبكوت : 15 ) فصرح بالإنجاء ولم يصرح ~~بالإهلاك إشارة إلى سعة الرحمة وغاية الكرم أي خلقنا سبب الهلاك ولو رجعوا ~~لما ضرهم ذلك السبب كما قال صلى الله عليه وسلم : { معزل يابنى اركب معنا } ~~( هود : 42 ) وعند الإنجاء أنجاه وجعل للنجاة طريقا وهو اتخاذ السفينة ولو ~~انكسرت لما ضره بل كان ينجيه فالمقصود عند الإنجاء هو النجاة فذكر المحل ~~والمقصود عند الإهلاك إظهار البأس فذكر السبب صريحا . # الرابعة : قوله تعالى : { تجرى بأعيننا } أبلغ من حفظنا ، يقول القائل ~~اجعل هذا نصب عينك ولا يقول احفظه طلبا للمبالغة . # الخامسة : { بأعيننا } يحتمل أن يكون المراد بحفظنا ، ولهذا يقال : ~~الرؤية لسان العين . # السادسة : قال : كان ذلك جزاء على ما كفروا به لا على إيمانه وشكره فما ~~جوزي به كان جزاء صبره على كفرهم ، وأما جزاء شكره لنا فباق ، وقرىء : { ~~جزاء } بكسر الجيم أي مجازاة كقتال / ومقاتلة وقرىء : { لمن كان كفر } بفتح ~~الكاف ، وأما : { كفر } ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون كفر مثل شكر يعدى ~~بالحرف وبغير حرف يقال شكرته وشكرت له ، قال تعالى : { واشكروا لي ولا ~~تكفرون } ( البقرة : 152 ) وقال تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله } ~~( البقرة : 256 ) . ثانيهما : أن يكون من الكفر لا من الكفران أي جزاء لمن ~~ستر أمره وأنكر شأنه ويحتمل ms8667 أن يقال : كفر به وترك الظهور المراد . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولقد تركناها ءاية فهل من مدكر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 15 ) ولقد تركناها آية . . . . . # > > وفي العائد إليه الضمير وجهان أحدهما : عائد إلى مذكور وهو السفينة ~~التي فيها ألواح وعلى هذا ففيه وجهان أحدهما : ترك الله عينها مدة حتى رؤيت ~~وعلمت وكانت على الجودي بالجزيرة وقيل بأرض الهند وثانيهما : ترك مثلها في ~~الناس يذكر وثاني الوجهين الأولين أنه عائد إلى معلوم أي تركنا السفينة آية ~~، والأول أظهر وعلى هذا الوجه يحتمل أن يقال : { تركناها } أي جعلناها آية ~~لأنها بعد الفراغ منها صارت متروكة ومجعولة يقول القائل : تركت فلانا مثلة ~~أي جعلته ، لما بينا أنه من فرغ من أمر تركه وجعله فذكر أحد الفعلين بدلا ~~عن الآخر . # وقوله تعالى : { فهل من مدكر } إشارة إلى أن الأمر من جانب الرسل قد تم ~~ولم يبق إلا جانب المرسل PageV29P036 إليهم بأن كانوا منذرين متفكرين ~~يهتدون بفضل الله فهل من مدكر مهتد ، وهذا الكلام يصلح حثا ويصلح تخويفا ~~وزجرا ، وفيه مسائل : # الأولى : قال ههنا { ولقد تركناها } وقال في العنكبوت : { وجعلناها ءاية ~~} ( العنكبوت : 15 ) قلنا هما وإن كانا في المعنى واحدا على ما تقدم بيانه ~~لكن لفظ الترك يدل على الجعل والفراغ بالأيام فكأنها هنا مذكورة بالتفصيل ~~حيث بين الإمطار من السماء وتفجير الأرض وذكر السفينة بقوله : { ذات ألواح ~~ودسر } ( القمر : 13 ) وذكر جريها فقال : { تركناها } إشارة إلى تمام الفعل ~~المقدور وقال هناك { وجعلناها } إشارة إلى بعض ذلك فإن قيل : إن كان الأمر ~~كذلك فكيف قال ههنا { وحملناه } ( القمر : 13 ) ولم يقل : وأصحابه وقال ~~هناك { فأنجيناه وأصحاب السفينة } ؟ نقول : النجاة ههنا مذكورة على وجه ~~أبلغ مما ذكره هناك لأنه قال : { تجرى بأعيننا } ( القمر : 14 ) أي حفظنا ~~وحفظ السفينة حفظ لأصحابه وحفظ لأموالهم ودوابهم والحيوانات التي معهم ~~فقوله : { فأنجيناه وأصحاب السفينة } لا يلزم منه إنجاء الأموال إلا ببيان ~~آخر والحكاية في سورة هود أشد تفصيلا وأتم فلهذا قال : { قلنا احمل فيها من ~~كل زوجين اثنين } ( هود : 40 ) يعني ms8668 المحمول ثم قال تعالى : { واستوت على ~~الجودى } ( هود : 44 ) تصريحا بخلاص السفينة وإشارة إلى خلاص كل من فيها ~~وقوله : { ءاية } منصوبة على أنها مفعول ثان للترك لأنه بمعنى الجعل على ما ~~تقدم بيانه وهو الظاهر ، ويحتمل أن يقال حال فإنك تقول تركتها وهي آية وهي ~~إن لم تكن على وزن الفاعل والمفعول / فهي في معناه كأنه قال : تركناها دالة ~~، ويحتمل أن يقال : نصبها على التمييز لأنها بعض وجوه الترك كقوله ضربته ~~سوطا . # المسألة الثانية : { مدكر } مفتعل من ذكر يذكر وأصله مذتكو ( لما ) كان ~~مخرج الذال قريبا من مخرج التاء ، والحروف المتقاربة المخرج يصعب النطق بها ~~على التوالي ولهذا إذا نظرت إلى الذال مع التاء عند النطق تقرب الذال من أن ~~تصير تاء والتاء تقرب من أن تصير دالا فجعل التاء دالا ثم أدغمت الدال فيها ~~ومنهم من قرأ على الأصل مذتكر ومنهم من قلب التاء دالا وقرأ مذدكر ومن ~~اللغويين من يقول في مدكر مذدكر فيقلب التاء ولا يدغم ولكل وجهة ، والمدكر ~~المعتبر المتفكر ، وفي قوله : { مدكر } إما إشارة إلى ما في قوله : { ألست ~~بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) أي هل من يتذكر تلك الحالة وإما إلى ~~وضوح الأمر كأنه حصل للكل آيات الله ونسوها { فهل من مدكر } يتذكر شيئا ~~منها . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فكيف كان عذابى ونذر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 16 ) فكيف كان عذابي . . . . . # > > وفيه وجهان أحدهما : أن يكون ذلك استفهاما من النبي صلى الله عليه ~~وسلم تنبيها له ووعدا بالعاقبة وثانيهما : أن يكون عاما تنبيها للخلق ونذر ~~أسقط منه ياء الإضافة كما حذف ياء يسري في قوله تعالى : { واليل إذا يسر } ~~( الفجر : 4 ) وذلك عند الوقف ومثله كثير كما في قوله تعالى : { فإياى ~~فاعبدون } ( العنكبوت : 51 ) { ولا هم ينقذون } ( يس : 43 ) ( الزمر : 16 ) ~~وقوله تعالى : { قليلا وإياى فاتقون } ( الزمر : 16 ) وقوله تعالى : { ولا ~~تكفرون } ( البقرة : 152 ) وقرىء بإثبات الياء : { عذابى } وفيه مسائل : ~~PageV29P037 # الأولى : ما الذي اقتضى الفاى في قوله تعالى : { مدكر فكيف كان } ؟ نقول ~~: أما إن قلنا ms8669 إن الاستفهام من النبي صلى الله عليه وسلم ، فكأنه تعالى قال ~~له قد علمت أخبار من كان قبلك فكيف كان أي بعدما أحاط بهم علمك بنقلها إليك ~~، وأما إن قلنا الاستفهام عام فنقول لما قال : { هل من * مدكر } ( القمر : ~~15 ) فرض وجودهم وقال : يا من يتذكر ، وعلم الحال بالتذكير : { فكيف كان ~~عذابى } ويحتمل أن يقال : هو متصل بقوله : { فهل من مدكر } تقديره مدكر كيف ~~كان عذابي . # المسألة الثانية : ما رأوا العذاب ولا النذر فكيف استفهم منهم ؟ نقول : ~~أما على قولنا الاستفهام من النبي صلى الله عليه وسلم فقد علم لما علم ، ~~وأما على قولنا عام فهو على تقدير الإدكار وعلى تقدير الإدكار يعلم الحال ، ~~ويحتمل أن يقال : إنه ليس باستفهام وإنما هو إخبار عن عظمة الأمر كما في ~~قوله تعالى : { الحاقة * ما الحاقة } ( الحاقة : 1 ، 2 ) و { القارعة * ما ~~القارعة } ( القارعة : 1 ، 2 ) وهذا لأن الاستفهام يذكر للأخبار كما أن ~~صيغة هل تذكر للاستفهام فيقال زيد في الدار ؟ بمعنى هل زيد في الدار ، ~~ويقول المنجز وعده هل صدقت ؟ فكأنه تعالى قال : عذابي وقع وكيف كان أي كان ~~عظيما وحينئذ لا يحتاج إلى علم من يستفهم منه . # / المسألة الثالثة : قال تعالى من قبل : { ففتحنا * وفجرنا } ولم يقل كيف ~~كان عذابنا نقول لوجهين أحدهما : لفظي وهو أن ياء المتكلم يمكن حذفها لأنها ~~في اللفظ تسقط كثيرا فيما إذا التقى ساكنان ، تقول : غلامي الذي ، وداري ~~التي ، وهنا حذفت لتواخي آخر الآيات ، وأما النون والألف في ضمير الجمع فلا ~~تحذف وأما الثاني : وهو المعنوي فنقول : إن كان الاستفهام من النبي صلى ~~الله عليه وسلم فتوحيد الضمير للأنباء ، وفي فتحنا وفجرنا لترهيب العصاة ، ~~ونقول : قد ذكرنا أن قوله : { من مدكر } ( القمر : 15 ) فيه إشارة إلى قوله ~~: { ألست بربكم } ( الأعراف : 172 ) فلما وحد الضمير بقوله : { ألست بربكم ~~} قال فكيف كان . # المسألة الرابعة : النذر جمع نذير فهل هو مصدر كالنسيب والنحيب أو فاعل ~~كالكبير والصغير ؟ نقول : أكثر المفسرين على أنه مصدر ههنا ، أي كيف كان ~~عاقبة عذابي ms8670 وعاقبة إنذاري والظاهر أن المراد الأنباء ، أي كيف كان عاقبة ~~أعداء الله ورسله ؟ هل أصاب العذاب من كذب الرسل أم لا ؟ فإذا علمت الحال ~~يا محمد فاصبر فإن عاقبة أمرك كعاقبة أولئك النذر ولم يجمع العذاب لأنه ~~مصدر ولو جمع لكان في جمعه تقدير وفرض ولا حاجة إليه ، فإن قيل : قوله ~~تعالى : { كذبت ثمود بالنذر } ( القمر : 23 ) أي بالإنذارات لأن الإنذارات ~~جاءتهم ، وأما الرسل فقد جاءهم واحد ، نقول : كل من تقدم من الأمم الذين ~~أشركوا بالله كذبوا بالرسل وقالوا : ما أنزل الله من شيء وكان المشركون ~~مكذبين بالكل ما خلا إبراهيم عليه السلام فكانوا يعتقدون فيه الخير لكونه ~~شيخ المرسلين فلا يقال { كذبت ثمود بالنذر } / أي بالأنبياء بأسرهم ، كما ~~أنكم أيها المشركون تكذبون بهم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 17 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . # > > # وفيه وجوه الأول : للحفظ فيمكن حفظه ويسهل ، ولم يكن شيء من كتب الله ~~تعالى يحفظ على ظهر القلب غير القرآن . # وقوله تعالى : { فهل من مدكر } أي هل من يحفظ ويتلوه الثاني : سهلناه ~~للاتعاظ حيث أتينا فيه بكل حكمة الثالث : جعلناه بحيث يعلق بالقلوب ويستلذ ~~سماعه ومن لا يفهم يتفهمه ولا يسأم من سمعه وفهمه ولا يقول PageV29P038 قد ~~علمت فلا أسمعه بل كل ساعة يزداد منه لذة وعلما . الرابع : وهو الأظهر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر بحال نوح عليه السلام وكان له معجزة قيل ~~له : إن معجزتك القرآن { ولقد يسرنا القرءان للذكر } تذكرة لكل أحد وتتحدى ~~به في العالم ويبقى على مرور الدهور ، ولا يحتاج كل من يحضرك إلى دعاء ~~ومسألة في إظهار معجزة ، وبعدك لا ينكر أحد وقوع ما وقع كما ينكر البعض ~~انشقاق القمر ، وقوله تعالى : { فهل من مدكر } أي متذكر لأن الافتعال ~~والتفعل كثيرا ما يجيء بمعنى ، وعلى هذا فلو قال قائل : هذا يقتضي وجود أمر ~~سابق فنسي ، نقول : ما في الفطرة من الانقياد للحق هو كالمنسي فهل من مدكر ~~يرجع إلى ما ms8671 فطر عليه / وقيل : فهل من مدكر أي حافظ أو متعظ على ما فسرنا ~~به قوله تعالى : { يسرنا القرءان للذكر } وقوله : { فهل من مدكر } وعلى ~~قولنا المراد متذكر إشارة إلى ظهور الأمر فكأنه لا يحتاج إلى نكر ، بل هو ~~أمر حاصل عنده لا يحتاج إلى معاودة ما عند غيره . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { كذبت عاد فكيف كان عذابى ونذر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 18 ) كذبت عاد فكيف . . . . . # > > وفيه مسائل : # الأولى : قال في قوم نوح : { كذبت قوم نوح } ( الشعراء : 105 ) ولم يقل ~~في عاد كذبت قوم هود وذلك لأن التعريف كلما أمكن أن يؤتى به على وجه أبلغ ~~فالأولى أن يؤتى به والتعريف بالاسم العلم أولى من التعريف بالإضافة إليه ، ~~فإنك إذا قلت : بيت الله لا يفيد ما يفيد قولك الكعبة ، فكذلك إذا قلت : ~~رسول الله لا يفيد ما يفيد قولك محمد فعاد اسم علم للقوم لا يقال قوم هود ~~أعرف لوجهين أحدهما : أن الله تعالى وصف عادا بقوم هود حيث قال : { ألا ~~بعدا لعاد قوم هود } ( هود : 60 ) ولا يوصف الأظهر بالأخفى والأخص بالأعم ~~ثانيهما : أن قوم هود واحد وعاد ، قيل : إنه لفظ يقع على أقوام ولهذا قال ~~تعالى : { عادا الاولى } ( النجم : 50 ) لأنا نقول : أما قوله تعالى : { ~~لعاد قوم هود } ( هود : 60 ) فليس ذلك صفة وإنما هو بدل ويجوز في البدل أن ~~يكون دون المبدل في المعرفة ، ويجوز أن يبدل عن المعرفة بالنكرة ، وأما ~~عادا الأولى فقد قدمنا أن ذلك لبيان تقدمهم أي عادا الذين تقدموا وليس ذلك ~~للتمييز والتعريف كما تقول محمد النبي شفيعي والله الكريم ربي ورب الكعبة ~~المشرفة لبيان الشرف لا لبيانها وتعريفها كما تقول : دخلت الدار المعمورة ~~من الدارين وخدمت الرجل الزاهد من الرجلين فتبين المقصود بالوصف . # المسألة الثانية : لم يقل كذبوا هودا كما قال : { فكذبوا عبدنا } ( القمر ~~: 9 ) وذلك لوجهين أحدهما : أن تكذيب نوح كان أبلغ وأشد حيث دعاهم قريبا من ~~ألف سنة وأصروا على التكذيب ، ولهذا ذكر الله تعالى تكذيب نوح في مواضع ولم ~~يذكر ms8672 تكذيب غير نوح صريحا وإن نبه عليه ( في ) واحد منها في الأعراف قال : ~~{ فأنجيناه والذين معه في الفلك } ( الأعراف : 64 ) وقال حكاية عن نوح : { ~~قال رب إن قومى كذبون } ( الشعراء : 117 ) وقال : { إنهم عصونى } ( نوح : ~~21 ) وفي هذه المواضع لم يصرح بتكذيب قوم غيره منهم إلا قليلا ولذلك قال ~~تعالى في مواضع ذكر شعيب فكذبوه : وقال { الذين كذبوا شعيبا } ( الأعراف : ~~92 ) وقال تعالى عن قومه : { وإنا لنظنك من الكاذبين } ( الأعراف : 66 ) ~~لأنه دعا قومه زمانا مديدا وثانيهما : أن حكاية عاد مذكورة ههنا على سبيل ~~الاختصار فلم يذكر إلا تكذيبهم وتعذيبهم فقال : { كذبت عاد } كما قال : { ~~كذبت قوم نوح } ولم يذكر PageV29P039 دعاءه عليهم وإجابته كما قال في نوح . # المسألة الثالثة : قال تعالى : { فكيف كان عذابى ونذر } قبل أن بين ~~العذاب وفي حكاية نوح بين العذاب ، ثم قال : { فكيف كان } فما الحكمة فيه ؟ ~~نقول : الاستفهام الذي ذكره في حكاية نوح / مذكور ههنا ، وهو قوله تعالى : ~~{ فكيف كان عذابى ونذر } كما قال من قبل ومن بعد في حكاية ثمود غير أنه ~~تعالى حكى في حكاية عاد { فكيف كان } مرتين ، المرة الأولى استفهم ليبين ~~كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسئول سائلا ، ~~فيقول : كيف هي فيقول إنها كذا وكذا فكذلك ههنا قال : { كذبت عاد فكيف كان ~~عذابى } فقال السامع : بين أنت فإني لا أعلم فقال : { أنا أرسلنا } ( القمر ~~: 19 ) وأما المرة الثانية فاستفهم للتعظيم كما يقول القائل للعارف المشاهد ~~كيف فعلت وصنعت فيقول : نعم ما فعلت ويقول : أتيت بعجيبة فيحقق عظمة الفعل ~~بالاستفهام ، وإنما ذكر ههنا المرة الأولى ولم يذكر في موضع آخر لأن ~~الحكاية ذكرها مختصرة فكان يفوت الاعتبار بسبب الاختصار فقال : { كيف كان * ~~عذابى } حثا على التدبر والتفكر ، وأما الاختصار في حكايتهم فلأن أكثر ~~أمرهم الاستكبار والاعتماد على القوة وعدم الالتفات إلى قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، ويدل على قوله تعالى : { فأما عاد فاستكبروا فى الارض بغير ~~الحق وقالوا من أشد منا قوة } ( فصلت : 15 ) وذكر استكبارهم ms8673 كثيرا ، وما ~~كان قوم محمد صلى الله عليه وسلم مبالغين في الاستكبار وإنما كانت مبالغتهم ~~في التكذيب ونسبته إلى الجنون ، وذكر حالة نوح على التفصيل فإن قومه جمعوا ~~بين التكذيب والاستكبار ، وكذلك حال صالح عليه السلام ذكرها على التفصيل ~~لشدة مناسبتها بحال محمد صلى الله عليه وسلم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا فى يوم نحس مستمر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 19 ) إنا أرسلنا عليهم . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال تعالى : { فكيف كان عذابى } بتوحيد الضمير هناك ولم ~~يقل عذابنا ، وقال : ههنا { أنا } ، ولم يقل إني ، والجواب ما ذكرناه في ~~قوله تعالى : { ففتحنا أبواب السماء } ( القمر : 11 ) . # المسألة الثانية : الصرصر فيها وجوه أحدها : الريح الشديدة الصوت من ~~الصرير والصرة شدة الصياح ثانيها : دائمة الهبوب من أصر على الشيء إذا دام ~~وثبت ، وفيه بحث وهو أن الأسماء المشتقة هي التي تصلح لأن يوصف بها ، وأما ~~أسماء الأجناس فلا يوصف بها سواء كانت أجراما أو معاني ، فلا يقال : إنسان ~~رجل جاء ولا يقال : لون أبيض وإنما يقال : إنسان عالم وجسم أبيض . وقولنا : ~~أبيض معناه شيء له بياض ، ولا يكون الجسم مأخوذا فيه ، ويظهر ذلك في قولنا ~~رجل عالم فإن العالم شيء له علم حتى الحداد والخباز ولو أمكن قيام العلم ~~بهما لكان عالما ولا يدخل الحي في المعنى من حيث المفهوم فإنا إذا قلنا : ~~عالم يفهم أن ذلك حي لأن اللفظ ما وضع لحي يعلم بل اللفظ وضع لشيء يعلم ~~ويزيده ظهورا قولنا : معلوم فإنه شيء يعلم أو أمر يعلم وإن لم يكن شيئا ، ~~ولو دخل الجسم في الأبيض لكان قولنا جسم أبيض كقولنا جسم له بياض فيقع ~~الوصف بالجثة ، إذا علمت هذا فمن المستفاد بالجنس شيء دون شيء ، فإن قولنا ~~الهندي يقع على كل منسوب إلى الهند وأما المهند فهو سيف منسوب إلى الهند ~~فيصح أن يقال : عبد هندي وتمر هندي ولا يصح أن يقال : مهند وكذا الأبلق ~~ولون آخر / في فرس ولا يقال للثوب أبلق ، كذلك الأفطس أنف ms8674 فيه تقعير إذا ~~قال لقائل : PageV29P040 أنف أفطس فيكون كأنه قال أنف به فطس فيكون وصفه ~~بالجثة وكان ينبغي أن لا يقال فرس أبلق ولا أنف أفطس ولا سيف مهند وهم ~~يقولون فما الجواب ؟ وهذا السؤال يرد على الصرصر لأنها الريح الباردة ، ~~فإذا قال : ريح صرصر فليس ذلك كقولنا : ريح باردة فإن الصرصر هي الريح ~~الباردة فحسب ، فكأنه قال : ريح باردة فنقول : الألفاظ التي في معانيها ~~أمران فصاعدا ، كقولنا : عالم فإنه يدل على شيء له علم ففيه شيء وعلم هي ~~على ثلاثة أقسام أحدها : أن يكون الحال هو المقصود والمحل تبع كما في ~~العالم والضارب والأبيض فإن المقاصد في هذه الألفاظ العلم والضرب والبياض ~~بخصوصها ، وأما المحل فمقصود من حيث إنه على عمومه حتى أن البياض لو كان ~~يبدل بلون غيره اختل مقصوده كالأسود . وأما الجسم الذي هو محل البياض إن ~~أمكن أن يبدل وأمكن قيام البياض بجوهر غير جسم لما اختل الغرض ثانيها : أن ~~يكون المحل هو المقصود كقولنا الحيوان لأنه اسم لجنس ما له الحياة لا كالحي ~~الذي هو اسم لشيء له الحياة ، فالمقصود هنا المحل وهو الجسم حتى لو وجد حي ~~ليس بجسم لا يحصل مقصود من قال : الحيوان ولو حمل اللفظ على الله الحي الذي ~~لا يموت لحصل غرض المتكلم ولو حمل لفظ الحيوان على فرس قائم أو إنسان نائم ~~لم تفارقه الحياة لم يبق للسامع نفع ولم يحصل للمتكلم غرض فإن القائل إذا ~~قال لإنسان قائم وهو ميت هذا حيوان ثم بان موته لا يرجع عما قال بل يقول : ~~ما قلت إنه حي بل قلت إنه حيوان فهو حيوان فارقته الحياة ثالثها : ما يكون ~~الأمران مقصودين كقولنا رجل وامرأة وناقة وجمل فإن الرجل اسم موضوع لإنسان ~~ذكر والمرأة لإنسان أنثى والناقة لبعير أنثى والجمل لبعير ذكر فالناقة إن ~~أطلقت على حيوان فظهر فرسا أو ثور اختل الغرض وإن بان جملا كذلك ، إذا علمت ~~هذا ففي كل صورة كان المحل مقصودا إما وحده وإما مع الحال فلا ms8675 يوصف به فلا ~~يقال جسم حيوان ولا يقال بعير ناقة وإنما يجعل ذلك جملة / فيوصف بالجملة ، ~~فيقال جسم هو حيوان وبعير هو ناقة ، ثم إن الأبلق والأفطس شأنه الحيوان من ~~وجه وشأنه العالم من وجه وكذلك المهند لكن دليل ترجيح الحال فيه ظاهر ، لأن ~~المهند لا يذكر إلا لمدح السيف ، والأفطس لا يقال إلا لوصف الأنف لا ~~لحقيقته ، وكذلك الأبلق بخلاف الحيوان فإنه لا يقال لوصفه ، وكذلك الناقة ، ~~إذا علمت هذا فالصرصر يقال لشدة الريح أو لبردها فوجب أن يعمل به ما يعمل ~~بالبارد والشديد فجاز الوصف وهذا بحث عزيز . # المسألة الثالثة : قال تعالى ههنا { إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا } وقال ~~في الطور : { وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } ( الذاريات : 41 ) ~~فعرف الريح هناك ونكرها هنا لأن العقم في الريح أظهر من البرد الذي يضر ~~النبات أو الشدة التي تعصف الأشجار لأن الريح العقيم هي التي لا تنشىء ~~سحابا ولا تلقح شجرا وهي كثيرة الوقوع ، وأما الريح المهلكة الباردة فقلما ~~توجد ، فقال : الريح العقيم أي هذا الجنس المعروف ، ثم زاده بيانا بقوله : ~~{ ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } ( الذاريات : 42 ) فتميزت عن ~~/ الرياح العقم ، وأما الصرصر فقليلة الوقوع فلا تكون مشهورة فنكرها . # المسألة الرابعة : قال هنا { فى يوم نحس مستمر } وقال في السجدة : { فى ~~أيام نحسات } ( فصلت : 16 ) وقال في الحاقة : { سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما } ( الحاقة : 7 ) والمراد من اليوم هنا الوقت والزمان كما في قوله ~~تعالى : { يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } ( مريم : 33 ) وقوله : { ~~مستمر } يفيد ما يفيده الأيام لأن الاستمرار ينبىء عن إمرار الزمان كما ~~ينبىء عنه الأيام ، وإنما اختلف اللفظ مع اتحاد المعنى ، لأن الحكاية ~~PageV29P041 هنا مذكورة على سبيل الاختصار ، فذكر الزمان ولم يذكر مقداره ~~ولذلك لم يصفها ، ثم إن فيه قراءتين إحدهما : { يوم نحس } بإضافة يوم ، ~~وتسكين نحس على وزن نفس ، وثانيتهما : { يوم نحس } بتنوين الميم وكسر الحاء ~~على وصف اليوم بالنحس ، كما في قوله تعالى : { فى أيام نحسات ms8676 } فإن قيل ~~أيتهما أقرب ؟ قلنا : الإضافة أصح ، وذلك لأن من يقرأ : { يوم نحس مستمر } ~~يجعل المستمر صفة ليوم ، ومن يقرأ يوم نحس مستمر يكون المستمر وصفا لنحس ، ~~فيحصل منه استمرار النحوسة فالأول أظهر وأليق ، فإن قيل : من يقرأ يوم نحس ~~بسكون الحاء ، فماذا يقول في النحس ؟ نقول : يحتمل أن يقول هو تخفيف نحس ~~كفخذ وفخذ في غير الصفات ، ونصر ونصر ورعد ورعد ، وعلى هذا يلزمه أن يقول ~~تقديره : يوم كائن نحس ، كما تقول في قوله تعالى : { بجانب الغربى } ( ~~القصص : 44 ) ويحتمل أن يقول : نحس ليس بنعت ، بل هو اسم معنى أو مصدر ، ~~فيكون كقولهم يوم برد وحر ، وهو أقرب وأصح . # المسألة الخامسة : ما معنى { مستمر } ؟ نقول فيه وجوه الأول : ممتد ثابت ~~مدة مديدة من استمر الأمر إذا دام ، وهذا كقوله تعالى : { فى أيام نحسات } ~~( فصلت : 16 ) لأن الجمع يفيد معنى الاستمرار والامتداد ، وكذلك قوله : { ~~حسوما } ( الحاقة : 7 ) الثاني : شديد من المرة كما قلنا من قبل في قوله : ~~{ سحر مستمر } ( القمر : 2 ) وهذا كقولهم أيام الشدائد ، وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى : { فى أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى } ( فصلت : 16 ) فإنه ~~يذيقهم المر المضر من العذاب . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 20 ) تنزع الناس كأنهم . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : { تنزع الناس } وصف أو حال ؟ نقول : يحتمل الأمرين ~~جميعا ، إذ يصح أن يقال : أرسل ريحا صرصرا نازعة للناس ، ويصح أن يقال : ~~أرسل الريح نازعة ، فإن قيل : كيف يمكن جعلها حالا ، وذو الحال نكرة ؟ نقول ~~: الأمر هنا أهون منه في قوله تعالى : { ولقد جاءهم من الانباء ما فيه ~~مزدجر } ( القمر : 4 ) فإنه نكرة ، وأجابوا عنه بأن { ما } موصوفة فتخصصت ~~فحسن جعلها ذات الحال ، فكذلك نقول ههنا الريح موصوفة بالصرصر ، والتنكير ~~فيه للتعظيم ، وإلا فهي ثلاثة فلا يبعد جعلها ذات حال ، وفيه وجه آخر ، وهو ~~أنه كلام مستأنف على فعل وفاعل ، كما تقول : جاء زيد جذبني ، وتقديره جاء ~~فجذبني ، كذلك ههنا قال : { إنا أرسلنا عليهم ريحا } ( القمر : 19 ms8677 ) / ~~فأصبحت { تنزع الناس } ويدل عليه قوله تعالى : { فترى القوم فيها صرعى } ( ~~الحاقة : 7 ) فالتاء في قوله : { تنزع الناس } إشارة إلى ما أشار إليه ~~بقوله : { صرعى } وقوله تعالى : { كأنهم أعجاز نخل منقعر } فيه وجوه أحدها ~~: نزعتهم فصرعتهم : { كأنهم أعجاز نخل } كما قال : { صرعى كأنهم أعجاز نخل ~~} ثانيها : نزعتهم فهم بعد النزع : كأنهم أعجاز نخل وهذا أقرب ، لأن ~~الانقعار قبل الوقوع ، فكأن الريح تنزع ( الواحد ) وتقعر ( ه ) فينقعر فيقع ~~فيكون صريعا ، فيخلو الموضع عنه فيخوى ، وقوله في الحاقة : { فترى القوم ~~فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية } إشارة إلى حالة بعد الانقعار الذي هو ~~بعد النزع ، وهذا يفيد أن الحكاية ههنا مختصرة حيث لم يشر إلى صرعهم وخلو ~~منازلهم عنهم بالكلية ، فإن حال الانقعار لا يحصل الخلو التام إذ هو مثل ~~الشروع في الخروج والأخذ فيه ثالثها : تنزعهم نزعا بعنف كأنهم أعجاز نخل ~~تقعرهم فينقعروا إشارة PageV29P042 إلى قوتهم وثباتهم على الأرض ، وفي ~~المعنى وجوه أحدها : أنه ذكر ذلك إشارة إلى عظمة أجسادهم وطول أقدادهم ~~ثانيها : ذكره إشارة إلى ثباتهم في الأرض ، فكأنهم كانوا يعملون أرجلهم في ~~الأرض ويقصدون المنع به على الريح وثالثها : ذكره إشارة إلى يبسهم وجفافهم ~~بالريح ، فكانت تقتلهم وتحرقهم ببردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة . # المسألة الثانية : قال ههنا : { منقعر } فذكر النخل ، وقال في الحاقة : { ~~كأنهم أعجاز نخل خاوية } فأنثها ، قال المفسرون : في تلك السورة كانت أواخر ~~الآيات تقتضي ذلك لقوله : { مستمر } ( القمر : 19 ، 11 ، 7 ) وهو جواب حسن ~~، فإن الكلام كما يزين بحسن المعنى يزين بحسن اللفظ ، ويمكن أن يقال : ~~النخل لفظه لفظ الواحد ، كالبقل والنمل ومعناه معنى الجمع ، فيجوز أن يقال ~~فيه : نخل منقعر ومنقعرة ومنقعرات ، ونخل خاو وخاوية وخاويات ونخل باسق ~~وباسقة وباسقات ، فإذا قال قائل : منقعر أو خاو أو باسق جرد النظر إلى ~~اللفظ ولم يراع جانب المعنى ، وإذا قال : منقعرات أو خاويات أو باسقات جرد ~~النظر إلى المعنى ولم يراع جانب اللفظ ، وإذا قال : منقعرة أو خاوية أو ~~باسقة جمع بين الاعتبارين من حيث وحدة ms8678 اللفظ ، وربما قال : منقعرة على ~~الإفراد من حيث اللفظ ، وألحق به تاء التأنيث التي في الجماعة إذا عرفت هذا ~~فنقول : ذكر الله تعالى لفظ النخل في مواضع ثلاثة ، ووصفها على الوجوه ~~الثلاثة ، فقال : { وحب الحصيد والنخل باسقات } ( ق: 10 ) فإنها حال منها ~~وهي كالوصف ، وقال : { نخل خاوية } ( الحاقة : 7 ) وقال : { نخل منقعر } ~~فحيث قال : { منقعر } كان المختار ذلك لأن المنقعر في حقيقة الأمر كالمفعول ~~، لأنه الذي ورد عليه القعر فهو مقعور ، والخاو والباسق فاعل ومعناه إخلاء ~~ما هو مفعول من علامة التأنيث أولا ، كما تقول : امرأة كفيل ، وامرأة كفيلة ~~، وامرأة كبير ، وامرأة كبيرة . وأما الباسقات ، فهي فاعلات حقيقة ، لأن ~~البسوق أمر قام بها ، وأما الخاوية ، فهي من باب حسن الوجه ، لأن الخاوي ~~موضعها ، فكأنه قال : نخل خاوية المواضع ، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ ~~مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث / اللفظ ، فكان الدليل يقتضي ذلك ، ~~بخلاف الشاعر الذي يختار اللفظ على المذهب الضعيف لأجل الوزن والقافية . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فكيف كان عذابى ونذر * ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } . ~~> 7 ! # < < # | القمر : ( 21 ) فكيف كان عذابي . . . . . # > > وتفسيره قد تقدم والتكرير للتقرير ، وفي قوله : { عذابى ونذر } لطيفة ~~ما ذكرناها ، وهي تثبت بسؤال وجواب لو قال القائل : أكثر المفسرين على أن ~~النذر في هذا الموضع جمع نذير الذي هو مصدر معناه إنذار ، فما الحكمة في ~~توحيد العذاب حيث لم يقل : فكيف كان أنواع عذابي ووبال إنذاري ؟ نقول : فيه ~~إشارة إلى غلبة الرحمة الغضب ، وذلك لأن الإنذار إشفاق ورحمة ، فقال : ~~الإنذارات التي هي نعم ورحمة تواترت ، فلما لم تنفع وقع العذاب دفعة واحدة ~~، فكانت النعم كثيرة ، والنقمة واحدة وسنبين هذا زيادة بيان حين نفسر قوله ~~تعالى : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ( الرحمن : 13 ) حيث جمع الآلاء وكثر ~~ذكرها وكررها ثلاثين مرة ، ثم بين الله تعالى حال قوم آخرين . فقال : # PageV29P043 ! 7 < { كذبت ثمود بالنذر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 23 ) كذبت ثمود بالنذر # > > وقد تقدم تفسيره غير أنه في قصة عاد قال : { كذبت } ( القمر : 18 ) ~~ولم ms8679 يقل : بالنذر ، وفي قصة نوح قال : { كذبت قوم نوح * بالنذر } ( الشعراء ~~: 105 ) فنقول : هذا يؤيد ما ذكرنا من أن المراد بقوله : { كذبت قبلهم قوم ~~نوح } ( القمر : 9 ) أن عادتهم ومذهبهم إنكار الرسل وتكذيبهم فكذبوا نوحا ~~بناء على مذهبهم وإنما صرح ههنا لأن كل قوم يأتون بعد قوم وأتاهما رسولان ~~فالمكذب المتأخر يكذب المرسلين جميعا حقيقة والأولون يكذبون رسولا واحدا ~~حقيقة ويلزمهم تكذيب من بعده بناء على ذلك لأنهم لما كذبوا من تقدم في قوله ~~: الله تعالى واحد ، والحشر كائن ، ومن أرسل بعده كذلك قوله ومذهبه لزم منه ~~أن يكذبوه ويدل على هذا أن الله تعالى قال في قوم نوح : { فكذبوه فأنجيناه ~~} ( الأعراف : 64 ) وقال في عاد : { عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ~~واتبعوا } ( هود : 59 ) وأما قوله تعالى : { كذبت قوم نوح المرسلين } ( ~~الشعراء : 105 ) فإشارة إلى أنهم كذبوا وقالوا ما يفضي إلى تكذيب جميع ~~المرسلين ، ولهذا ذكره بلفظ الجمع المعرف للاستغراق ، ثم إنه تعالى قال ~~هناك عن نوح : { رب إن قومى كذبون } ( الشعراء : 117 ) ولم يقل : كذبوا ~~رسلك إشارة إلى ما صدر منهم حقيقة لا أن ما ألزمهم لزمه . إذا عرفت هذا ~~فلما سبق قصة ثمود ذكر رسولين ورسولهم ثالثهم قال : { كذبت ثمود بالنذر } ~~هذا كله إذا قلنا إن النذر جمع نذير بمعنى منذر ، أما إذا قلنا إنها ~~الإنذارات فنقول : قوم نوح وعاد لم تستمر المعجزات التي ظهرت في زمانهم ، ~~وأما ثمود فأنذروا وأخرج لهم ناقة من صخرة وكانت تدور بينهم وكذبوا فكان ~~تكذيبهم بإنذارات وآيات ظاهرة فصرح بها ، وقوله : { فقالوا أبشرا منا واحدا ~~نتبعه } ( القمر : 24 ) يؤيد الوجه الأول ، لأن من يقول لا أتبع بشرا مثلي ~~وجميع المرسلين من البشر يكون مكذبا للرسل والباء في قوله { بالنذر } يؤيد ~~الوجه الثاني لأنا بينا أن الله تعالى في تكذيب الرسل عدى التكذيب بغير حرف ~~فقال : { كذبوه } ( الأعراف : 64 ) { وكذبوا * رسلنا } ( غافر : 70 ) { ~~فكذبوا عبدنا } ( القمر : 9 ) { * وكذبوني } ( المؤمنون : 26 ) وقال : { ~~وكذبوا بئاياتنا * ربهم } ( الأنفال : 54 ) { * وبآياتنا } ( البقرة : 39 ) ~~فعدى بحرف لأن ms8680 التكذيب هو النسبة إلى الكذب والقائل هو الذي يكون كاذبا ~~حقيقة والكلام والقول يقال فيه كاذب مجازا وتعلق التكذيب بالقائل أظهر ~~فيستغني عن الحرف بخلاف القول ، وقد ذكرنا ذلك وبيناه بيانا شافيا . # ! 7 < { فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفى ضلال وسعر } . > 7 ~~@QB@ < # | القمر : ( 24 ) فقالوا أبشرا منا . . . . . # > > # وفي قوله تعالى : { بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه } مسائل : # المسألة الأولى : زيدا ضربته وزيد ضربته كلاهما جائز والنصب مختار في ~~مواضع منها هذا الموضع وهو الذي يكون ما يرد عليه النصب والرفع بعد حرف ~~الاستفهام ، والسبب في اختيار النصب أمر معقول وهو أن المستفهم يطلب من ~~المسئول أن يجعل ما ذكره بعد حرف الاستفهام مبدأ لكلامه ويخبر عنه ، فإذا ~~قال : أزيد عندك معناه أخبرني عن زيد واذكر لي حاله ، فإذا انضم إلى هذه ~~الحالة فعل مذكور ترجح جانب النصب فيجوز أن يقال : أزيدا ضربته وإن لم يجب ~~فالأحسن ذلك فإن قيل : من قرأ { أبشر * منا واحدا نتبعه } كيف ترك الأجود ؟ ~~نقول : نظرا إلى قوله تعالى : { فقالوا } إذ ما بعد القول لا يكون إلا جملة ~~والاسمية أولى والأولى أقوى وأظهر . PageV29P044 # المسألة الثانية : إذا كان بشرا منصوبا بفعل ، فما الحكمة في تأخر الفعل ~~في الظاهر ؟ نقول : قد تقدم مرارا أن البليغ يقدم في الكلام ما يكون تعلق ~~غرضه به أكثر وهم كانوا يريدون تبيين كونهم محقين في ترك الاتباع فلو قالوا ~~: أنتبع بشرا يمكن أن يقال نعم اتبعوه وماذا يمنعكم من اتباعه ، فإذا قدموا ~~حاله وقالوا هو نوعنا بشر ومن صنفنا رجل ليس غريبا نعتقد فيه أنه يعلم ما ~~لا نعلم أو يقدر مالا نقدر وهو واحد وحيد وليس له جند وحشم وخيل وخدم فكيف ~~نتبعه ، فيكونون قد قدموا الموجب لجواز الامتناع من الاتباع ، واعلم أن في ~~هذه الآية إشارات إلى ذلك أحدها : نكروه حيث قالوا { أبشرا } ولم يقولوا : ~~أنتبع صالحا أو الرجل المدعي النبوة أو غير ذلك من المعرفات والتنكير تحقير ~~ثانيها : قالوا أبشرا ولم يقولوا أرجلا ثالثها : قالوا { منا } وهو ms8681 يحمل ~~أمرين أحدهما من صنفنا ليس غريبا ، وثانيهما { منا } أي تبعنا يقول القائل ~~لغيره أنت منا فيتأذى السامع ويقول : لا بل أنت منا ولست أنا منكم ، ~~وتحقيقه أن من للتبعيض والبعض يتبع الكل لا الكل يتبع البعض رابعها : { ~~واحدا } يحتمل أمرين أيضا أحدهما : وحيدا إلى ضعفه وثانيهما : واحدا أي هو ~~من الآحاد لا من الأكابر المشهورين ، وتحقيق القول في استعمال الآحاد في ~~الأصاغر حيث يقال : هو من آحاد الناس هو أن من لا يكون مشهودا بحسب ولا نسب ~~إذا حدث عنه / من لا يعرفه فلا يمكن أن يقول عنه قال فلان أو ابن فلان ~~فيقول قال واحد وفعل واحد فيكون ذلك غاية الخمول ، لأن الأرذل لا ينضم إليه ~~أحد فيبقى في أكثر أوقاته واحدا فيقال : للأرذال آحاد . # وقوله تعالى عنهم : { إنا إذا لفى ضلال وسعر } يحتمل وجهين أحدهما : أن ~~يكونوا قد قالوا في جواب من يقول لهم إن لم تتبعوه تكونوا في ضلال ، ~~فيقولون له : لا بل إن تبعناه نكون في ضلال ثانيهما : أن يكون ذلك ترتيبا ~~على ما مضى أي حاله ما ذكرنا من الضعف والوحدة فإن اتبعناه نكون في ضلال ~~وسعر أي جنون على هذا الوجه ، فإن قلنا : إن ذلك قالوه على سبيل الجواب ~~فيكون القائل قال لهم : إن لم تتبعوه فإنا إذا في الحال في ضلال وفي سعر في ~~العقبى فقالوا : لا بل لو اتبعناه فإنا إذا في الحال في ضلال وفي سعر من ~~الذل والعبودية مجازا فإنهم ما كانوا يعترفون بالسعير . # المسألة الثالثة : السعير في الآخرة واحد فكيف جمع ؟ نقول : الجواب عنه ~~من وجوه أحدها : في جهنم دركات يحتمل أن تكون كل واحدة سعيرا أو فيها سعير ~~ثانيها : لدوام العذاب عليهم فإنه كلما نضجت جلودهم يبدلهم جلودا كأنهم في ~~كل زمان في سعير آخر وعذاب آخر ثالثها : لسعة السعير الواحد كأنها سعر يقال ~~للرجل الواحد : فلان ليس برجل واحد بل هو رجال . # [ بم ثم قال تعالى عنهم : # ! 7 < { أءلقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب ms8682 أشر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 25 ) أؤلقي الذكر عليه . . . . . # > > وقد تقدم أن النفي بطريق الاستفهام أبلغ لأن من قال : ما أنزل عليه ~~الذكر ربما يعلم أو يظن أو يتوهم أن السامع يكذبه فيه فإذا ذكر بطريق ~~الاستفهام يكون معناه أن السامع يجيبني بقوله : ما أنزل فيجعل الأمر حينئذ ~~منفيا ظاهرا لا يخفى على أحد بل PageV29P045 كل أحد يقول : ما أنزل ، ~~والذكر الرسالة أو الكتاب إن كان ويحتمل أن يراد به ما يذكره من الله تعالى ~~كما يقال الحق ويراد به ما يحل من الله وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قولهم أألقي بدل أأنزل وفيه إشارة إلى ما كانوا ينكرونه ~~من طريق المبالغة وذلك لأن الإلقاء إنزال بسرعة والنبي كان يقول : ( جاءني ~~الوحي مع الملك في لحظة يسيرة ) فكأنهم قالوا : الملك جسم والسماء بعيدة ~~فكيف ينزل في لحظة فقالوا : أألقي وما قالوا : أأنزل ، وقولهم عليه إنكار ~~آخر كأنهم قالوا : ما ألقى ذكر أصلا ، قالوا : إن ألقى فلا يكون عليه من ~~بيننا وفينا من هو فوقه في الشرف والذكاء ، وقولهم أألقى بدل عن قولهم ~~أألقي الله للإشارة إلى أن الإلقاء من السماء غير ممكن فضلا عن أن يكون من ~~الله تعالى . # المسألة الثانية : عرفوا الذكر ولم يقولوا : أألقى عليه ذكر ، وذلك لأن ~~الله تعالى حكى إنكارهم / لما لا ينبغي أن ينكر فقال : أنكروا الذكر الظاهر ~~المبين الذي لا ينبغي أن ينكر فهو كقول القائل : أنكروا المعلوم . # المسألة الثالثة : { بل } يستدعي أمرا مضروبا عنه سابقا فما ذاك ؟ نقول ~~قولهم : أألقى للإنكار فهم قالوا : ما ألقى ، ثم إن قولهم : أألقى عليه ~~الذكر لا يقتضي إلا أنه ليس بنبي ، ثم قالوا : بل هو ليس بصادق . # المسألة الرابعة : { الكذاب } فعال من فاعل للمبالغة أو يقال : بل من ~~فاعل كخياط وتمار ؟ نقول : الأول هو الصحيح الأظهر على أن الثاني من باب ~~الأولى لأن المنسوب إلى الشيء لا بد له من أن يكثر من مزاولة الشيء فإن من ~~خاط يوما ثوبه مرة لا يقال له خياط ، إذا عرفت هذا فنقول المبالغة ms8683 إما في ~~الكثرة ، وإما في الشدة فالكذاب ، إما شديد الكذب يقول مالا يقبله العقل أو ~~كثير الكذب ، ويحتمل أن يكونوا وصفوه به لاعتقادهم الأمرين فيه وقولهم : { ~~أشر } إشارة إلى أنه كذب لا لضرورة وحاجة إلى خلاص كما يكذب الضعيف ، وإنما ~~هو استغنى وبطر وطلب الرياسة عليكم وأراد اتباعكم له فكان كل وصف مانعا من ~~الاتباع لأن الكاذب لا يلتفت إليه ، ولا سيما إذا كان كذبه لا لضرورة ، ~~وقرىء : { أشر } فقال المفسرون : هذا على الأصل المرفوض في الأشر والأخير ~~على وزن أفعل التفضيل ، وإنما رفض الأصل فيه لأن أفعل إذا فسر قد يفسر ~~بأفعل أيضا والثاني بأفعل ثالث ، مثاله إذا قال : ما معنى الأعلم ؟ يقال : ~~هو الأكثر علما فإذا قيل : الأكثر ماذا ؟ فيقال : الأزيد عددا أو شيء مثله ~~فلا بد من أمر يفسر به الأفعل لا بمن بابه فقالوا : أفعل التفضيل والفضيلة ~~أصلها الخير والخير أصل في باب أفعل فلا يقال : فيه أخير ، ثم إن الشر في ~~مقابلة الخير يفعل به ما يفعل بالخير فيقال هو شر من كذا وخير من كذا ~~والأشر في مقابلة الأخير ، ثم إن خيرا يستعمل في موضعين : أحدهما : مبالغة ~~الخير بفعل أو أفعل على اختلاف يقال : هذا خير وهذا أخير ويستعمل في مبالغة ~~خير على المشابهة لا على الأصل فمن يقول : أشر يكون قد ترك الأصل المستعمل ~~لأنه أخذ في الأصل المرفوض بمعنى هو شر من غيره وكذا معنى الأعلم أن علمه ~~خير من علم غيره ، أو هو خير من غرة الجهل كذلك القول في الأضعف وغيره . ~~PageV29P046 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { سيعلمون غدا من الكذاب الا شر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 26 ) سيعلمون غدا من . . . . . # > > فإن قال قائل : سيعلم للاستقبال ووقت أنزال القرآن على محمد صلى الله ~~عليه وسلم كانوا قد علموا ، لأن بعد الموت تتبين الأمور وقد عاينوا ما ~~عاينوا فكيف القول فيه ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : أن يكون هذا القول ~~مفروض الوقوع في وقت قولهم : بل هو كذاب أشر ، فكأنه تعالى قال يوم قالوا : ~~بل ms8684 هو كذاب أشر سيعلمون غدا وثانيهما : أن هذا التهديد بالتعذيب لا بحصول ~~العلم بالعذاب الأليم وهو عذاب جهنم لا عذاب القبر فهم سيعذبون يوم القيامة ~~وهو مستقبل وقوله تعالى : { غدا } لقرب الزمان في الإمكان والأذهان / ثم إن ~~قلنا : إن ذلك للتهديد بالتعذيب لا للتكذيب فلا حاجة إلى تفسيره بل يكون ~~ذلك إعادة لقولهم من غير قصد إلى معناه ، وإن قلنا : هو للرد والوعد ببيان ~~انكشاف الأمر فقوله تعالى : { سيعلمون غدا } معناه سيعلمون غدا أنهم ~~الكاذبون الذين كذبوا لا لحاجة وضرورة ، بل بطروا وأشروا لما استغنوا ، ~~وقوله تعالى : { غدا } يحتمل أن يكون المراد يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون ~~المراد يوم العذاب وهذا على الوجه الأول . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 27 ) إنا مرسلو الناقة . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { إنا مرسلوا الناقة } بمعنى الماضي أو بمعنى ~~المستقبل ، إن كان بمعنى الماضي فكيف يقول : { فارتقبهم واصطبر } وإن كان ~~بمعنى المستقبل فما الفرق بين حكاية عاد وحكاية ثمود حيث قال هناك : { أنا ~~أرسلنا } ( القمر : 19 ) وقال ههنا : { إنا مرسلوا الناقة } بمعنى إنا نرسل ~~؟ نقول : هو بمعنى المستقبل ، وما قبله وهو قوله : { سيعلمون غدا } يدل ~~عليه ، فإن قوله : { إنا مرسلوا الناقة } كالبيان له ، كأنه قال سيعلمون ~~حيث : نرسل الناقة وما بعده من قوله : { فارتقبهم } { ونبئهم } ( القمر : ~~28 ) أيضا يقتضي ذلك ، فإن قيل قوله تعالى : { فنادوا } ( القمر : 29 ) ~~دليل على أن المراد الماضي قلنا سنجيب عنه في موضعه ، وأما الفارق فنقول : ~~حكاية ثمود مستقصاة في هذا الموضع حيث ذكر تكذيب القوم بالنذر وقولهم ~~لرسولهم وتصديق الرسل بقوله : { يعلمون } وذكر المعجزة وهي الناقة وما ~~فعلوه بها والعذاب والهلاك يذكر حكاية على وجه الماضي والمستقبل ليكون وصفه ~~للنبي صلى الله عليه وسلم كأنه حاضرها فيقتدي بصالح في الصبر والدعاء إلى ~~الحق ويثق بربه في النصر على الأعداء بالحق فقال : إني مؤيدك بالمعجزة ~~القاطعة ، واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص ، وجعل القصة ~~المتوسطة مذكورة على ms8685 أتم وجه لأن حال صالح كان أكثر مشابهة بحال محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، لأنه أتى بأمر عجيب أرضى كان أعجب مما جاء به الأنبياء ، ~~لأن عيسى عليه السلام أحيا الميت لكن الميت كان محلا للحياة فأثبت بإذن ~~الله الحياة في محل كان قابلا لها ، وموسى عليه السلام انقلبت عصاه ثعبانا ~~فأثبت الله له في الخشبة الحياة لكن الخشبة نبات كان له قوة في النماء يشبه ~~الحيوان في النمو فهو أعجب ، وصالح عليه السلام كان الظاهر في يده خروج ~~الناقة من الحجر والحجر جماد لا محل للحياة ولا محل للنمو ( فيه ) والنبي ~~صلى الله عليه وسلم أتى بأعجب من الكل وهو التصرف في جرم السماء الذي يقول ~~المشرك لا وصول PageV29P047 لأحد إلى السماء ولا إمكان لشقه وخرقه ، وأما ~~الأرضيات فقالوا : إنها أجسام مشتركة المواد يقبل كل واحد منها صورة الأخرى ~~، والسموات لا تقبل ذلك فلما أتى بما عرفوا فيه أنه لا يقدر على مثله آدمي ~~كان أتم وأبلغ من معجزة صالح عليه السلام التي هي أتم معجزة من معجزات من ~~كان من الأنبياء غير محمد صلى الله عليه وسلم ( وفيه لطيفة ) وهو أن اسم ~~الفاعل إذا كان بمعنى / الماضي . وذكر معه مفعوله فالواجب الإضافة تقول : ~~وحشي قاتل عم النبي صلى الله عليه وسلم . فإن قلنا : قاتل عم النبي ~~بالإعمال فلا بد من تقدير الحكاية في الحال كما في قوله تعالى : { وكلبهم ~~باسط ذراعيه } ( الكهف : 18 ) على أنه يحكي القصة في حال وقوعها تقول : ~~خرجت أمس فإذا زيد ضارب عمرا كما تقول : يضرب عمرا ، وإن كان الضرب قد مضى ~~، وإذا كان بمعنى المستقبل فالأحسن الإعمال تقول : إني ضارب عمرا غدا ، فإن ~~قلت إني ضارب عمرو غدا حيث كان الأمر وقع وكان جاز لكنه غير الأحسن ، ~~والتحقيق فيه أن قولنا : ضارب وسارق وقاتل أسماء في الحقيقة غير أن لها ~~دلالة على الفعل فإذا كان الفعل تحقق في الماضي فهو قد عدم حقيقة فلا وجود ~~للفعل في الحقيقة ولا في التوقع فيجب الحمل ms8686 على ما للاسم من الإضافة وترك ~~ما للفعل من الأعمال لغلبة الإسمية وفقدان الفعل بالماضي ، وإذا كان الفعل ~~حاضرا أو متوقعا في الاستقبال فله وجود حقيقة أو في التوقع فتجوز الإضافة ~~لصورة الاسم / والإعمال لتوقع الفعل أو لوجوده ولكن الإعمال أولى لأن في ~~الاستقبال لن يضرب يفيد لا يكون ضاربا فلا ينبغي أن يضاف ، أما الإعمال فهو ~~ينبىء عن توقع الفعل أو وجوده ، لأنه إذا قال : زيد ضارب عمرا فالسامع إذا ~~سمع بضرب عمرو علم أنه يفعل فإذا لم يره في الحال يتوقعه في الاستقبال غير ~~أن الإضافة تفيد تخفيفا حيث سقط بها التنوين والنون فتختار لفظا لا معنى ، ~~إذا عرفت هذا فنقول : { مرسلوا الناقة } مع ما فيه من التخفيف فيه تحقيق ~~الأمر وتقديره كأنه وقع وكان بخلاف ما لو قيل : إنا نرسل الناقة . # المسألة الثانية : { فتنة } مفعول له فتكون الفتنة هي المقصودة من ~~الإرسال لكن المقصود منه تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو صالح عليه ~~السلام لأنه معجزة فما التحقيق في تفسيره ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : أن ~~المعجزة فتنة لأن بها يتميز حال من يثاب ممن يعذب ، لأن الله تعالى ~~بالمعجزة لا يعذب الكفار إلا إذا كان ينبئهم بصدقه من حيث نبوته فالمعجزة ~~ابتلاء لأنها تصديق وبعد التصديق يتميز المصدق عن المكذب وثانيهما : وهو ~~أدق أن إخراج الناقة من الصخرة كان معجزة وإرسالها إليهم ودورانها فيما ~~بينهم وقسمة الماء كان فتنة ولهذا قال : { إنا مرسلوا الناقة فتنة } ولم ~~يقل : إنا مخرجوا الناقة فتنة ، والتحقيق في الفتنة والابتلاء والامتحان قد ~~تقدم مرارا وإليه إشارة خفية وهي أن الله تعالى يهدي من يشاء وللهداية طرق ~~، منها ما يكون على وجه يكون للإنسان مدخل فيه بالكسب ، مثاله يخلق شيئا ~~دالا ويقع تفكر الإنسان فيه ونظره إليه على وجه يترجح عنده الحق فيتبعه ~~وتارة يلجئه إليه ابتداء ويصونه عن الخطأ من صغره فإظهار المعجز على يد ~~الرسول أمر يهدي به من يشاء اهتداء مع الكسب وهداية الأنبياء من غير كسب ~~منهم بل ms8687 يخلق فيهم علوما غير كسبية فقوله : { إنا مرسلوا الناقة فتنة } ~~إشارة إليهم ، ولهذا قال لهم : ومعناه على وجه يصلح لأن يكون فتنة وعلى هذا ~~كل من كانت معجزته أظهر يكون ثواب قومه أقل ، وقوله تعالى : { فارتقبهم } ~~أي فارتقبهم بالعذاب ، ولم يقل : فارتقب العذاب إشارة إلى حسن الأدب ~~والاجتناب عن طلب الشر وقوله تعالى : / { واصطبر } يؤيد ذلك بمعنى إن كانوا ~~يؤذونك فلا تستعجل لهم العذاب ، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى قرب الوقت ~~إلى أمرهما والأمر بحيث يعجز عن الصبر . PageV29P048 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ونبئهم أن المآء قسمة بينهم كل شرب محتضر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 28 ) ونبئهم أن الماء . . . . . # > > أي مقسوم وصف بالمصدر مرادا به المشتق منه كقوله ماء ملح وقوله زور ~~وفيه ضرب من المبالغة يقال للكريم : كرم كأنه هو عين الكرم ويقال : فلان ~~لطف محض ، ويحتمل أن تكون القسمة وقعت بينهما لأن الناقة كانت عظيمة وكانت ~~حيوانات القوم تنفر منها ولا ترد الماء وهي على الماء ، فصعب عليهم ذلك ~~فجعل الماء بينهما يوما للناقة ويوما للقوم ، ويحتمل أن تكون لقلة الماء ~~فشربه يوما للناقة ويوما للحيوانات ، ويحتمل أن يكون الماء كان بينهم قسمة ~~يوم لقوم ويوم لقوم ولما خلق الله الناقة كانت ترد الماء يوم فكان الذين ~~لهم الماء في غير يوم ورودها يقولون : الماء كله لنا في هذا اليوم ويومكم ~~كان أمس والناقة ما أخرت شيئا فلا نمكنكم من الورود أيضا في هذا اليوم ~~فيكون النقصان واردا على الكل وكانت الناقة تشرب الماء بأسره وهذا أيضا ~~ظاهر ومنقول والمشهور هنا الوجه الأوسط ، ونقول : إن قوما كانوا يكتفون ~~بلبنها يوم ورودها الماء والكل ممكن ولم يرد في شيء خبر متواتر والثالث : ~~قطع وهو من القسمة لأنها مثبتة بكتاب الله تعالى أما كيفية القسمة والسبب ~~فلا وقوله تعالى : { كل شرب محتضر } مما يؤيد الوجه الثالث أي كل شرب محتضر ~~للقوم بأسرهم لأنه لو كان ذلك لبيان كون الشرب محتضرا للقوم أو الناقة فهو ~~معلوم لأن الماء ما كان يترك من ms8688 غير حضور وإن كان لبيان أنه تحضره الناقة ~~يوما والقوم يوما فلا دلالة في اللفظ عليه ، وأما إذا كانت العادة قبل ~~الناقة على أن يرد الماء قوم في يوم وآخرون في يوم آخر ، ثم لما خلقت ~~الناقة كانت تنقص شرب البعض وتترك شرب الباقين من غير نقصان ، فقال : { كل ~~شرب محتضر } كم أيها القوم فردوا كل يوم الماء وكل شرب ناقص تقاسموه وكل ~~شرب كامل تقاسموه . # ! 7 < { فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 29 ) فنادوا صاحبهم فتعاطى . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { فنادوا صاحبهم } نداء المستغيث كأنهم قالوا : يالقدار ~~للقوم ، كما يقول القائل : بالله للمسلمين وصاحبهم قدار وكان أشجع وأهجم ~~على الأمور ويحتمل أن يكون رئيسهم . # وقوله تعالى : { فتعاطى فعقر } يحتمل وجوها الأول : تعاطى آلة العقر فعقر ~~الثاني : تعاطى الناقة فعقرها وهو أضعف الثالث : التعاطي يطلق ويراد به ~~الإقدام على الفعل العظيم والتحقيق هو أن الفعل العظيم يقدم كل أحد فيه ~~صاحبه ويبرىء نفسه منه فمن يقبله ويقدم عليه يقال : تعاطاه كأنه كان فيه ~~تدافع فأخذه هو بعد التدافع الرابع : أن القوم جعلوا له على عمله جعلا ~~فتعاطاه وعقر الناقة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فكيف كان عذابى ونذر } . > 7 ! # / < < # | القمر : ( 30 ) فكيف كان عذابي . . . . . # > > وقد تقدم بيانه وتفسيره غير أن هذه الآية ذكرها في ثلاثة مواضع ذكرها ~~في حكاية نوح بعد بيان العذاب ، وذكرها ههنا قبل بيان العذاب ، وذكرها في ~~حكاية عاد قبل بيانه وبعد بيانه ، فحيث ذكر قبل بيان العذاب ذكرها للبيان ~~كما تقول : ضربت فلانا أي ضرب وأيما ضرب ، وتقول : ضربته وكيف ضربته أي ~~قويا ، وفي حكاية عاد ذكرها مرتين للبيان والاستفهام وقد ذكرنا السبب فيه ، ~~ففي حكاية نوح ذكر الذي للتعظيم وفي حكاية ثمود ذكر الذي للبيان لأن عذاب ~~قوم نوح كان بأمر عظيم عام وهو الطوفان الذي عم العالم ولا كذلك عذاب قوم ~~هود فإنه كان مختصا بهم . PageV29P049 # [ ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 31 ) إنا أرسلنا عليهم . . . . . # > > سمعوا ms8689 صيحة فماتوا وفيه مسائل : # المسألة الأولى : كان في قوله : { فكانوا } من أي الأقسام ؟ نقول : قال ~~النحاة تجيء تارة بمعنى صار وتمسكوا بقول القائل : # % بتيماء قفر والمطي كأنها % % قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها % # بمعنى صارت فقال بعض المفسرين : في هذا موضع إنها بمعنى صار ، والتحقيق ~~أن كان لا تخالف غيرها من الأفعال الماضية اللازمة التي لا تتعدى والذي ~~يقال إن كان تامة وناقصة وزائدة وبمعنى صار فليس ذلك يوجب اختلاف أحوالها ~~اختلافا يفارق غيرها من الأفعال وذلك لأن كان بمعنى وجد أو حصل أو تحقق غير ~~أن الذي وجد تارة يكون حقيقة الشيء وأخرى صفة من صفاته فإذا قلت : كانت ~~الكائنة وكن فيكون جعلت الوجود والحصول للشيء في نفسه فكأنك قلت : وجدت ~~الحقيقة الكائنة وكن أي احصل فيوجد في نفسه وإذا قلت : كان زيد عالما أي ~~وجد علم زيد ، غير أنا نقول في وجد زيد عالما إن عالما حال ، وفي كان زيد ~~عالما نقول : إنه خبر كقولنا حصل زيد عالما غير أن قولنا وجد زيد عالما ~~ربما يفهم منه أن الوجود والحصول لزيد في تلك الحال كما تقول قام زيد ~~منتحيا حيث يكون القيامة لزيد في تلك الحال ، وقولنا : كان زيد عالما ليس ~~معناه كان زيد وفي تلك الحال هو عالم لكن هذا لا يوجب أن كان على خلاف غيره ~~من الأفعال اللازمة التي لها بالحال تعلق شديد ، لأن من يفهم من قولنا حصل ~~زيد اليوم على أحسن حال ما نفهمه من قولنا خرج زيد اليوم في أحسن زي لا ~~يمنعه مانع من أن يفهم من قولنا : كان زيد على أحسن حال مثل ما فهم هناك ، ~~إذا عرفت هذا فنقول : الفعل الماضي يطلق تارة على ما يوجد في الزمان المتصل ~~/ بالحاضر ، كقولنا : قام زيد في صباه ، ويطلق تارة على ما يوجد في الزمان ~~الحاضر كقولنا قام زيد فقم وقم فان زيدا قام ، وكذلك القول في كان ربما ~~يقال كان زيد قائما عام كذا وربما يقال كان زيد قائما الآن كما ms8690 في قام زيد ~~فقوله تعالى : { فكانوا } فيه استعمال الماضي فيما اتصل بالحال فهو كقولك ~~أرسل عليهم صيحة فماتوا أي متصلا بتلك الحال ، نعم لو استعمل في هذا الموضع ~~صار يجوز لكن كان وصار كل واحد بمعنى في نفسه وليس وإنما يلزم حمل كان على ~~صار إذا لم يمكن أن يقال هو كذا كما في البيت حيث لا يمكن أن يقال : البيوض ~~فراخ ، وأما هنا يمكن أن يقال هم كهشيم ولولا الكاف لأمكن أن يقال : يجب ~~حمل كان على صار إذا كان المراد أنهم انقلبوا هشيما كما يقلب الممسوخ وليس ~~المراد ذلك . # المسألة الثانية : ما الهشيم ؟ نقول هو المهشوم أي المكسور وسمي هاشم ~~هاشما لهشمه الثريد في الجفان غير أن الهشيم استعمل كثيرا في الحطب المتكسر ~~اليابس ، فقال المفسرون : كانوا كالحشيش الذي يخرج من الحظائر بعد البلا ~~بتفتت ، واستدلوا عليه بقوله تعالى : { هشيما تذروه الرياح } ( الكهف : 54 ~~) وهو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف كما يقال : رأيت جريحا ومثله السعير ~~. # المسألة الثالثة : لماذا شبههم به ؟ قلنا : يحتمل أن يكون التشبيه بكونهم ~~يابسين كالحشيش بين الموتى الذين ماتوا من زمان وكأنه يقول : سمعوا الصيحة ~~فكانوا كأنهم ماتوا من أيام ، ويحتمل أن يكون لأنهم انضموا بعضهم إلى بعض ~~كما ينضم الرفقاء عند الخوف داخلين بعضهم في بعض فاجتمعوا بعضهم فوق بعض ~~PageV29P050 كحطب الحاطب الذي يصفه شيئا فوق شيء منتظرا حضور من يشتري منه ~~شيئا فإن الحطاب الذي عنده الحطب الكثير يجعل منه كالحظيرة / ويحتمل أن ~~يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم أي كانوا كالحطب اليابس الذي للوقيد فهو ~~محقق لقوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ( الأنبياء : ~~98 ) وقوله تعالى : { فكانوا لجهنم حطبا } ( الجن : 15 ) وقوله : { أغرقوا ~~فأدخلوا نارا } ( نوح : 25 ) كذلك ماتوا فصاروا كالحطب الذي لا يكون إلا ~~للإحراق لأن الهشيم لا يصلح للبناء . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 32 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . # > > والتكرار للتذكار . ثم بين حال قوم آخرون ms8691 وهم قوم لوط فقال : # ! 7 < { كذبت قوم لوط بالنذر * إنآ أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط ~~نجيناهم بسحر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 33 - 34 ) كذبت قوم لوط . . . . . # > > # ثم بين عذابهم وإهلاكهم ، فقال : # وفيه مسائل : # الأولى : الحاصب فاعل من حصب إذا رمى الحصباء وهي اسم الحجارة والمرسل ~~عليهم / هو نفس الحجارة قال الله تعالى : { وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } ~~( الحجر : 74 ) وقال تعالى عن الملائكة : { لنرسل عليهم حجارة * من طين } ( ~~الذاريات : 33 ) فالمرسل عليهم ليس بحاصب فكيف الجواب عنه ؟ نقول : الجواب ~~من وجوه الأول : أرسلنا عليهم ريحا حاصبا بالحجارة التي هي الحصباء وكثر ~~استعمال الحاصب في الريح الشديدة فأقام الصفة مقام الموصوف ، فإن قيل : هذا ~~ضعيف من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأن الريح مؤنثة قال تعالى : { ~~بريح صرصر عاتية } ( الحاقة : 6 ) ، { بريح طيبة } ( يونس : 22 ) وقال ~~تعالى : { فسخرنا له الريح تجرى بأمره } ( ص : 36 ) وقال تعالى : { غدوها ~~شهر } ( سبأ : 12 ) وقال تعالى في : { وأرسلنا الرياح لواقح } ( الحجر : 22 ~~) وما قال لقاحا ولا لقحة ، وأما المعنى فلأن الله تعالى بين أنه أرسل ~~عليهم حجارة من سجيل مسومة عليها علامة كل واحد وهي لا تسمى حصباء ، وكان ~~ذلك بأيدي الملائكة لا بالريح ، نقول : تأنيث الريح ليس حقيقة ولها أصناف ~~الغالب فيها التذكير كالإعصار ، قال تعالى : { فأصابها إعصار فيه نار } ( ~~البقرة : 266 ) فلما كان حاصب حجارة كان كالذي فيه نار ، وأما قوله : كان ~~الرمي بالسجيل لا بالحصباء ، وبأيدي الملائكة لا بالريح ، فنقول : كل ريح ~~يرمي بحجارة يسمى حاصبا ، وكيف لا والسحاب الذي يأتي بالبرد يسمى حاصبا ~~تشبيها للبرد بالحصباء ، فكيف لا يقال في السجيل . وأما الملائكة فإنهم ~~حركوا الريح وهي حصبت الحجارة عليهم الجواب الثاني : المراد عذاب حاصب وهذا ~~أقرب لتناوله الملك والحساب والريح وكل ما يفرض الجواب الثالث : قوله : { ~~حاصبا } هو أقرب من الكل لأن قوله : { أنا أرسلنا } يدل على مرسل هو مرسل ~~الحجارة وحاصبها ، فإن قيل : كان ينبغي أن يقول حاصبين ، نقول لما لم يذكر ~~الموصوف رجح جانب اللفظ كأنه قال شيئا حاصبا ms8692 إذ المقصود بيان جنس العذاب لا ~~بيان من على يده العذاب ، وهذا وارد على من قال : الريح مؤنث لأن ترك ~~التأنيث هناك كترك علامة الجمع هنا . # المسألة الثانية : ما رتب الإرسال على التكذيب بالفاء فلم يقل : ( كذبت ~~قوم لوط بالنذر ) فأرسلنا كما PageV29P051 قال : { ففتحنا أبواب السماء } ( ~~القمر : 11 ) لأن الحكاية مسوقة على مساق ما تقدم من الحكايات ، فكأنه قال ~~: { فكيف كان عذابى ونذر } ( القمر : 30 ) كما قال من قبل ثم قيل : لا علم ~~لنا به وإنماأنت العليم فأخبرنا ، فقال : { أنا أرسلنا } . # المسألة الثالثة : ما الحكمة في ترك العذاب حيث لم يقل : { فكيف كان ~~عذابى } كما قال في الحكايات الثلاث ، نقول : لأن التكرار ثلاث مرات بالغ ، ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ( ألا هل بلغت ثلاثا ) وقال صلى الله عليه ~~وسلم : ( فنكاحها باطل باطل باطل ) والإذكار تكرر ثلاث مرات فبثلاث مرار ~~حصل التأكيد وقد بينا أنه تعالى ذكر : { فكيف كان عذابى } في حكاية نوح ~~للتعظيم وفي حكاية ثمود للبيان وفي حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم والبيان ~~جميعا واعلم أنه تعالى ذكر : { فكيف كان عذابى } في ثلاث حكايات أربع مرات ~~فالمرة الواحدة للإنذار ، والمرات الثلاث للإذكار / لأن المقصود حصل بالمرة ~~الواحدة ، وقوله تعالى : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ( الرحمن : 13 ) ذكره ~~مرة للبيان وأعادها ثلاثين مرة غير المرة الأولى كما أعاد : { فكيف كان ~~عذابى ونذر } ثلاث مرات غير المرة / الأولى فكان ذكر الآلاء عشرة أمثال ذكر ~~العذاب إشارة إلى الرحمة التي قال في بيانها { من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا * يجزى * إلا مثلها } ( الأنعام : 160 ) ~~وسنبين ذلك في سورة : الرحمن . # المسألة الرابعة : { إلا ءال لوط } استثناء مماذا ؟ إن كان من الذين قال ~~فيهم : { إنا أرسلنا عليهم حاصبا * ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم * كذبت قوم لوط } ثم قال : { إنا أرسلنا عليهم } لكن ~~لم يستثن عند قوله : { كذبت قوم لوط } وآله من قومه فيكون آله قد كذبوا ولم ~~يكن كذلك ؟ الجواب عنه من وجهين أحدهما ms8693 : أن الاستثناء ممن عاد إليهم ~~الضمير في عليهم وهم القوم بأسرهم غير أن قوله : { كذبت قوم لوط } لا يوجب ~~كون آله مكذبين ، لأن قول القائل : عصى أهل بلدة كذا يصح وإن كان فيها ~~شرذمة قليلة يطيعون فكيف إذا كان فيهم واحد أو اثنان من المطيعين لا غير ، ~~فإن قيل : ماله حاجة إلى الاستثناء لأن قوله : { إنا أرسلنا عليهم } يصح ~~وإن نجا منهم طائفة يسيرة نقول : الفائدة لما كانت لا تحصل إلا ببيان إهلاك ~~من كذب وإنجاء من آمن فكان ذكر الإنجاء مقصودا ، وحيث يكون القليل من الجمع ~~الكثير مقصودا لا يجوز التعميم والإطلاق من غير بيان حال ذلك المقصود ~~بالاستثناء أو بكلام منفصل مثاله : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا ~~إبليس } ( الحجر : 30 ، 31 ) استثنى الواحد لأنه كان مقصودا ، وقال تعالى : ~~{ وأوتيت من كل شىء } ( النمل : 23 ) ولم يستثن إذ المقصود بيان أنها أوتيت ~~، لا بيان أنها ما أوتيت ، وفي حكاية إبليس كلاهما مراد ليعلم أن من تكبر ~~على آدم عوقب ومن تواضع أثيب كذلك القول ههنا ، وأما عند التكذيب فكأن ~~المقصود ذكر المكذبين فلم يستثن الجواب الثاني : أن الاستثناء من كلام ~~مدلول عليه ، كأنه قال : ( إنا أرسلنا عليهم حاصبا فما أنجينا من الحاصب ~~إلا آل لوط ) ، وجاز أن يكون الإرسال عليهم والإهلاك يكون عاما كما في قوله ~~تعالى : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ( الأنفال : 25 ) ~~فكان الحاصب أهلك من كان الإرسال عليه مقصودا ومن لم يكن كذلك كأطفالهم ~~ودوابهم ومساكنهم فما نجا منهم أحد إلا آل لوط . فإن قيل إذا لم يكن ~~الاستثناء من قوم لوط بل كان من أمر عام فيجب أن يكون لوط أيضا مستثنى ؟ ~~نقول : هو مستثنى عقلا لأن من المعلوم أنه لا يجوز تركه وإنجاء أتباعه ~~والذي يدل عليه أنه مستثنى قوله تعالى عن الملائكة : { نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته } ( العنكبوت : 32 ) في جوابهم لإبراهيم عليه ~~السلام حيث قال : PageV29P052 { إن فيها لوطا } ( العنكبوت : 32 ) فإن قيل ~~قوله في سورة الحجر ms8694 : { إلا ءال لوط إنا لمنجوهم } ( الحجر : 59 ) استثناء ~~من المجرمين وآل لوط لم يكونوا مجرمين فكيف استثنى منهم ؟ والجواب مثل ما ~~ذكرنا فأحد الجوابين إنا أرسلنا إلى قوم يصدق عليهم إنهم مجرمون وإن كان ~~فيهم من لم يجرم ثانيهما : إلى قوم مجرمين بإهلاك يعم الكل إلا آل لوط ، ~~وقوله تعالى : { نجيناهم بسحر } كلام مستأنف لبيان وقت الإنجاء أو لبيان ~~كيفية الاستثناء لأن آل لوط كان يمكن أن يكونوا فيهم ولا يصيبهم الحاصب كما ~~في عاد كانت الريح تقلع الكافر ولا يصيب المؤمن منها مكروه أو يجعل لهم ~~مدفعا كما في قوم نوح / فقال : { نجيناهم بسحر } أي أمرناهم بالخروج من ~~القرية في آخر الليل والسحر قبيل الصبح وقيل هو السدس الأخير من الليل . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { نعمة من عندنا كذلك نجزى من شكر } . > 7 ! # / < < # | القمر : ( 35 ) نعمة من عندنا . . . . . # > > أي ذلك الإنجاء كان فضلا منا كما أن ذلك الإهلاك كان عدلا ولو أهلكوا ~~لكان ذلك عدلا ، قال تعالى : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ~~} ( الأنفال : 25 ) قال الحكماء العضو الفاسد يقطع ولا بد أن يقطع معه جزء ~~من الصحيح ليحصل استئصال الفساد ، غير أن الله تعالى قادر على التمييز ~~التام فهو مختار إن شاء أهلك من آمن وكذب ، ثم يثبت الذين أهلكهم من ~~المصدقين في دار الجزاء وإن شاء أهلك من كذب ، فقال : نعمة من عندنا إشارة ~~إلى ذلك وفي نصبها وجهان أحدهما : أنه مفعول له كأنه قال : نجيناهم نعمة ~~منا ثانيهما : على أنه مصدر ، لأن الإنجاء منه إنعام فكأنه تعالى قال : ~~أنعمنا عليهم بالإنجاء إنعاما وقوله تعالى : { كذلك نجزى من شكر } فيه ~~وجهان أحدهما : ظاهر وعليه أكثر المفسرين وهو أنه من آمن كذلك ننجيه من ~~عذاب الدنيا ولا نهلكه وعدا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه يصونهم عن ~~الإهلاكات العامة والسيئات المطبقة الشاملة وثانيهما : وهو الأصح أن ذلك ~~وعد لهم وجزاؤهم بالثواب في دار الآخرة كأنه قال : كما نجيناهم في الدنيا ، ~~أي كما أنعمنا عليهم ms8695 ننعم عليهم يوم الحساب والذي يؤيد هذا أن النجاة من ~~الإهلاكات في الدنيا ليس بلازم ، ومن عذاب الله في الآخرة لازم بحكم الوعيد ~~، وكذلك ينجي الله الشاكرين من عذاب النار ويذر الظالمين فيه ، ويدل عليه ~~قوله تعالى : { من يرد * ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الاخرة نؤته ~~منها وسنجزى الشاكرين } ( آل عمران : 145 ) وقوله تعالى : { فأثابهم الله ~~بما قالوا جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها وذالك جزاء المحسنين } ( ~~المائدة : 85 ) والشاكر محسن فعلم أن المراد جزاؤهم في الآخرة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 36 ) ولقد أنذرهم بطشتنا . . . . . # > > وفيه تبرئة لوط عليه السلام وبيان أنه أتى بما عليه فإنه تعالى لما ~~رتب التعذيب على التكذيب وكان من الرحمة أن يؤخره ويقدم عليه الإنذارات ~~البالغة بين ذلك فقال : أهلكناهم وكان قد أنذرهم من قبل ، وفي قوله : { ~~بطشتنا } وجهان أحدهما : المراد البطشة التي وقعت وكان يخوفهم بها ، ويدل ~~عليه قوله تعالى : { إنا أرسلنا عليهم حاصبا } ( القمر : 34 ) فكأنه قال : ~~إنا أرسلنا عليهم ما سبق ، ذكرها للإندار بها والتخويف وثانيهما : المراد ~~بها ما في الآخرة كما في قوله تعالى : { يوم نبطش البطشة الكبرى } ( الدخان ~~: 16 ) وذلك لأن الرسل كلهم كانوا ينذرون قومهم بعذاب الآخرة كما قال تعالى ~~: { فأنذرتكم نارا تلظى } ( الليل : 14 ) وقال : { وأنذرهم يوم الازفة } ( ~~غافر : 18 ) وقال تعالى : { إنا أنذرناكم عذابا قريبا } ( النبأ : 40 ) إلى ~~غير PageV29P053 ذلك ، وعلى ذلك ففيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال : { إن ~~بطش ربك لشديد } ( البروج : 12 ) وقال ههنا : { بطشتنا } ولم يقل : بطشنا ~~وذلك لأن قوله تعالى : { إن بطش ربك لشديد } بيان لجنس بطشه ، فإذا كان ~~جنسه شديدا فكيف الكبرى منه ، وأما لوط عليه السلام فذكر لهم البطشة الكبرى ~~لئلا يكون مقصرا في التبليغ ، وقوله تعالى : { فتماروا بالنذر } يدل على أن ~~النذر هي الإنذارات . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم فذوقوا عذابى ونذر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 37 ) ولقد راودوه عن . . . . . # > > والمراودة من الرود ، ومنه ms8696 الإرادة وهي قريبة من المطالبة غير أن ~~المطالبة تستعمل في العين يقال : طالب زيد عمرا بالدراهم ، والمراودة لا ~~تستعمل إلا في العمل يقال : راوده عن المساعدة ، ولهذا تعدى المراودة إلى ~~مفعول ثان بعن ، والمطالبة بالباء ، وذلك لأن الشغل منوط باختيار الفاعل ، ~~والعين قد توجد من غير اختيار منه وهذا فرق الحال ، فإذا قلت : أخبرني ~~بأمره تعين عليه الخبر العين بخلاف ما إذا قيل عن كذا ، ويزيد هذا ظهورا ~~قول القائل : أخبرني زيد عن مجيء فلان ، وقوله : أخبرني بمجيئه فإن من قال ~~عن مجيئه ربما يكون الإخبار عن كيفية المجيء لا عن نفسه وأخبرني بمجيئه لا ~~يكون إلا عن نفس المجيء والضيف يقع على الواحد والجماعة ، وقد ذكرناه في ~~سورة الذاريات وكيفية المراودة مذكورة فيما تقدم ، وهي أنهم كانوا مفسدين ~~وسمعوا يضيف دخلوا على لوط فراودوه عنهم . وقوله : { فطمسنا أعينهم } نقول ~~: إن جبريل كان فيهم فضرب ببعض جناحه على وجوههم فأعماهم ، وفي الآية مسائل ~~: # الأولى : الضمير في راودوه إن كان عائدا إلى قوم لوط فما في قوله : { ~~أعينهم } أيضا عائدا إليهم فيكون قد طمس أعين قوم ولم يطمس إلا أعين قليل ~~منهم وهم الذين دخلوا دار لوط ، وإن كان عائدا إلى الذين دخلوا الدار فلا ~~ذكر لهم فكيف القول فيه ؟ نقول : المراودة حقيقة حصلت من جمع منهم لكن لما ~~كان الأمر من القوم وكان غيرهم ذلك مذهبه أسندها إلى الكل ثم بقوله راودوه ~~حصل قوم هم المراودون حقيقة فعاد الضمير في أعينهم إليهم مثاله قول القائل ~~: الذين آمنوا صلوا فصحت صلاتهم فيكون هم في صلاتهم عائدا إلى الذين صلوا ~~بعدما آمنوا ولا يعود إلى مجرد الذين آمنوا لأنك لو اقتصرت على الذين آمنوا ~~فصحت صلاتهم لم يكن كلاما منظوما ولو قلت الذين صلوا فصحت صلاتهم صح الكلام ~~، فعلم أن الضمير عائد إلى ما حصل بعد قوله : { راودوه } والضمير في راودوه ~~عائد إلى المنذرين المتمارين بالنذر . # المسألة الثانية : قال ههنا : { فطمسنا أعينهم } ( يس : 66 ) وقال في يس ~~: { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ms8697 } فما الفرق ؟ نقول : هذا مما يؤيد قول ابن ~~عباس فإنه نقل عنه أنه قال : المراد من الطمس الحجب عن الإدراك فما جعل على ~~بصرهم شيء غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئا فكانوا كالمطموسين ، وفي يس ~~أراد أنه لو شاء لجعل على بصرهم غشاوة ، أي ألزق أحد الجفنين بالآخر فيكون ~~على / العين جلدة فيكون قد طمس عليها ، وقال غيره : إنهم عموا وصارت عينهم ~~مع وجههم كالصفحة الواحدة ، ويؤيده قوله تعالى : { فذوقوا عذابى } لأنهم إن ~~بقوا مصرين ولم يروا شيئا هناك لا يكون ذلك عذابا والطمس بالمعنى الذي قاله ~~غير ابن عباس عذاب ، فنقول : الأولى أن يقال : إنه تعالى حكى ههنا ما وقع ~~وهو طمس العين وإذهاب ضوئها وصورتها PageV29P054 بالكلية حتى صارت وجوههم ~~كالصفحة الملساء ولم يمكنهم الإنكار لأنه أمر وقع ، وأما هناك فقد خوفهم ~~بالممكن المقدور عليه فاختار ما يصدقه كل أحد ويعرف به وهو الطمس على العين ~~، لأن إطباق الجفن على العين أمر كثير الوقوع وهو بقدرة الله تعالى وإرادته ~~فقال : { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } وما شققنا جفنهم عن عينهم وهو أمر ~~ظاهر الإمكان كثير الوقوع والطمس على ما وقع لقوم لوط نادر ، فقال : هناك ~~على أعينهم ليكون أقرب إلى القبول . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فذوقوا عذابى ونذر } خطاب ممن وقع ومع ~~من وقع ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : فيه إضمار تقديره فقلت : على لسان ~~الملائكة ذوقوا عذابي ثانيها : هذا خطاب مع كل مكذب تقديره كنتم تكذبون ~~فذوقوا عذابي فإنهم لما كذبوا ذاقوه ثالثها : أن هذا الكلام خرج مخرج كلام ~~الناس فإن الواحد من الملوك إذا أمر بضرب مجرم وهو شديد الغضب فإذا ضرب ~~ضربا مبرحا وهو يصرح والملك يسمع صراخه يقول عند سماع صراخه ذق إنك مجرم ~~مستأهل ويعلم الملك أن المعذب لا يسمع كلامه ويخاطب بكلامه المستغيث الصارخ ~~وهذا كثير فكذلك لما كان كل أحد بمرأى من الله تعالى يسمع إذا عذب معاندا ~~كان قد سخط الله عليه يقول : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) ~~{ فذوقوا ms8698 * لقاء يومكم هاذا } ( السجدة : 14 ) { فذوقوا عذابى } ولا يكون ~~به مخاطبا لمن يسمع ويجيب ، وذلك إظهار العدل أي لست بغافل عن تعذيبك ~~فتتخلص بالصراخ والضراعة ، وإنما أنا بك عالم وأنت له أهل لما قد صدر منك ، ~~فإن قيل : هذا وقع بغير الفاء ، وأما بالفاء فلا تقول : وبالفاء فإنه ربما ~~يقول : كنتم تكذبون فذوقوا . # المسألة الرابعة : النذر كيف يذاق ؟ نقول : معناه ذق فعلك أي مجازاة فعلك ~~وموجبه ويقال : ذق الألم على فعلك وقوله : { فذوقوا عذابى } كقولهم : ذق ~~الألم ، وقوله : { ونذر } كقولهم ذق فعلك أي ذق ما لزم من إنذاري ، فإن قيل ~~: فعلى هذا لا يصح العطف لأن قوله : { فذوقوا عذابى } وما لزم من إنذاري ~~وهو العذاب يكون كقول القائل : ذوقوا عذابي وعذابي ؟ نقول : قوله تعالى : { ~~فذوقوا عذابى } أي العاجل منه ، وما لزم من إنذاري وهو العذاب الآجل ، لأن ~~الإنذار كان به على ما تقدم بيانه ، فكأنه قال : ذوقوا عذابي العاجل وعذابي ~~الآجل ، فإن قيل : هما لم يكونا في زمان واحد ، فكيف يقال : ذوقوا ، نقول : ~~العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل ، فهما كالواقع في زمان واحد ~~وهو كقوله تعالى : { أغرقوا فأدخلوا نارا } ( نوح : 25 ) . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر } . > 7 ! # / < < # | القمر : ( 38 ) ولقد صبحهم بكرة . . . . . # > > أي العذاب الذي عم القوم بعد الخاص الذي طمس أعين البعض ، وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : { صبحهم } فيه دلالة على الصبح ، فما معنى : { بكرة } ؟ ~~نقول : فائدته تبيين انطراقه فيه ، فقوله : { بكرة } يحتمل وجهين أحدهما : ~~أنها منصوبة على أنها ظرف ، ومثله نقوله في قوله تعالى : { أسرى بعبده ليلا ~~} ( الإسراء : 1 ) وفيه بحث ، وهو أن الزمخشري قال : ما الفائدة في قوله : ~~{ ليلا } وقال : جوابا في التنكير دلالة على أنه كان في بعض الليل ، وتمسك ~~بقراءة من قرأ : { من اليل } وهو غير ظاهر ، والأظهر فيه أن يقال : بأن ~~الوقت المبهم يذكر لبيان أن تعيين الوقت ليس بمقصود المتكلم وأنه لا يريد ~~بيانه ، كما يقول : PageV29P055 خرجنا في بعض الأوقات ، مع أن الخروج لا بد ~~من أن ms8699 يكون في بعض الأوقات ، فإنه لا يريد بيان الوقت المعين ، ولو قال : ~~خرجنا ، فربما يقول السامع : متى خرجتم ، فإذا قال : في بعض الأوقات أشار ~~إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته ، فكذلك قوله تعالى : { صبحهم بكرة ~~} أي بكرة من البكر و { أسرى بعبده ليلا } أي ليلا من الليالي فلا أبينه ، ~~فإن المقصود نفس الإسراء ، ولو قال : أسرى بعبده من المسجد الحرام ، لكان ~~للسامع أن يقول : أيما ليلة ؟ فإذا قال : ليلة من الليالي قطع سؤاله وصار ~~كأنه قال : لا أبينه ، وإن كان القائل ممن يجوز عليه الجهل ، فإنه يقول : ~~لا أعلم الوقت ، فهذا أقرب فإذا علمت هذا في أسرى ليلا ، فاعلم مثله في : { ~~صبحهم بكرة } ويحتمل أن يقال : على هذا الوجه : { صبحهم } بمعنى قال لهم : ~~عموا صباحا استهزاء بهم ، كما قال : { فبشرهم بعذاب أليم } ( آل عمران : 21 ~~) فكأنه قال : جاءهم العذاب بكرة كالمصبح ، والأول أصح ، ويحتمل في قوله ~~تعالى : { صبحهم بكرة } على قولنا : إنها منصوبة على الظرف مالا يحتمله ~~قوله تعالى : { أسرى بعبده ليلا } وهو أن : { صبحهم } معناه أتاهم وقت ~~الصبح ، لكن التصبيح يطلق على الإتيان في أزمنة كثيرة من أول الصبح إلى ما ~~بعد الإسفار ، فإذا قال : { بكرة } أفاد أنه كان أول جزء منه ، وما أخر إلى ~~الإسفار ، وهذا أوجه وأليق ، لأن الله تعالى أوعدهم به وقت الصبح ، بقوله : ~~{ إن موعدهم الصبح } ( هود : 81 ) وكان من الواجب بحكم الإخبار تحققه بمجيء ~~العذاب في أول الصبح ، ومجرد قراءة : { صبحهم } ما كان يفيد ذلك ، وهذا ~~أقوى لأنك تقول : صبيحة أمس بكرة واليوم بكرة ، فيأتي فيه ما ذكرنا من أن ~~المراد بكرة من البكر الوجه الثاني : أنها منصوبة على المصدر من باب ضربته ~~سوطا ضربا فإن المنصوب في ضربته ضربا على المصدر ، وقد يكون غير المصدر كما ~~في ضربته سوطا ضربا ، لا يقال : ضربا سوطا بين أحد أنواع الضرب ، لأن الضرب ~~قد يكون بسوط وقد يكون بغيره ، وأما : { بكرة } فلا يبين ذلك ، لأنا نقول : ~~قد بينا أن بكرة بين ذلك ، لأن الصبح ms8700 قد يكون بالإتيان وقت الإسفار ، وقد ~~يكون بالإتيان بالأبكار ، فإن قيل : مثله يمكن أن يقال : في / { أسرى بعبده ~~ليلا } قلنا : نعم ، فإن قيل : ليس هناك بيان نوع من أنواع الإسراء ، نقول ~~: هو كقول القائل : ضربته شيئا ، فإن شيئا لا بد منه في كل ضرب ، ويصح ذلك ~~على أنه نصب على المصدر ، وفائدته ما ذكرنا من بيان عدم تعلق الغرض بأنواعه ~~، وكأن القائل يقول : إني لا أبين ما ضربته به ، ولا أحتاج إلى بيانه لعدم ~~تعلق المقصود به ليقطع سؤال السائل : بماذا ضربه بسوط أو بعصا ، فكذلك ~~القول في : { أسرى بعبده ليلا } يقطع سؤال السائل عن الإسراء / لأن الإسراء ~~هو السير أول الليل ، والسرى هو السير آخر الليل أو غير ذلك . # المسألة الثانية : { مستقر } يحتمل وجوها أحدها : عذاب لا مدفع له ، أي ~~يستقر عليهم ويثبت ، ولا يقدر أحد على إزالته ورفعه أو إحالته ودفعه ثانيها ~~: دائم ، فإنهم لما أهلكوا نقلوا إلى الجحيم ، فكأن ما أتاهم عذاب لا يندفع ~~بموتهم ، فإن الموت يخلص من الألم الذي يجده المضروب من الضرب والمحبوس من ~~الحبس ، وموتهم ما خلصهم ثالثها : عذاب مستقر عليهم لا يتعدى غيرهم ، أي هو ~~أمر قد قدره الله عليهم وقرره فاستقر ، وليس كما يقال : إنه أمر أصابهم ~~اتفاقا كالبرد الذي يضر زرع قوم دون قوم ، ويظن به أنه أمر اتفاقي ، وليس ~~لو خرجوا من أماكنهم لنجوا كما نجا آل لوط ، بل كان ذلك يتبعهم ، لأنه كان ~~أمرا قد استقر . # المسألة الثالثة : الضمير في { صبحهم } عائد إلى الذين عاد إليهم الضمير ~~في أعينهم فيعود لفظا إليهم للقرب ، ومعنى إلى الذين تماروا بالنذر ، أو ~~الذين عاد إليهم الضمير في قوله : { ولقد أنذرهم بطشتنا } ( القمر : 36 ) . ~~PageV29P056 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فذوقوا عذابى ونذر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 39 ) فذوقوا عذابي ونذر # > > مرة أخرى ، لأن العذاب كان مرتين أحدهما : خاص بالمراودين ، والآخر ~~عام . # ! 7 < { ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 40 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . # > > قد فسرناه مرارا وبينا ما لأجله تكرارا . # [ بم ثم ms8701 قال تعالى : # ! 7 < { ولقد جآء ءال فرعون النذر * كذبوا بأاياتنا كلها فأخذناهم أخذ ~~عزيز مقتدر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 41 - 42 ) ولقد جاء آل . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الفائدة في لفظ : { فرعون أشد } بدل قوم فرعون ؟ ~~نقول : القوم أعم من الآل ، فالقوم كل من يقوم الرئيس بأمرهم أو يقومون ~~بأمره ، والآل كل من يؤول إلى / الرئيس خيرهم وشرهم أو يؤول إليهم خيره ~~وشره ، فالبعيد الذي لا يعرفه الرئيس ولا يعرف هو عين الرئيس وإنما يسمع ~~اسمه ، فليس هو بآله ، إذا عرفت الفرق ، نقول : قوم الأنبياء الذين هم غير ~~موسى عليهم السلام ، لم يكن فيهم قاهر يقهر الكل ويجمعهم على كلمة واحدة ، ~~وإنما كانوا هم رؤساء وأتباعا ، والرؤساء إذا كثروا لا يبقى لأحد منهم حكم ~~نافذ على أحد ، أما على من هو مثله فظاهر ، وأما على الأراذل فلأنهم يلجئون ~~إلى واحد منهم ويدفعون به الآخر ، فيصير كل واحد برأسه ، فكأن الإرسال ~~إليهم جميعا ، وأما فرعون فكان قاهرا يقهر الكل ، وجعلهم بحيث لا يخالفونه ~~في قليل ولا كثير ، فأرسل الله إليه الرسول وحده ، غير أنه كان عنده جماعة ~~من التابعين المقربين مثل قارون تقدم عنده لماله العظيم ، وهامان لدهائه ، ~~فاعتبرهم الله في الإرسال ، حيث قال : في مواضع : { ولقد أرسلنا موسى ~~بئاياتنا إلى فرعون } ( الزخرف : 46 ) وقال تعالى : { ثم بعثنا من * وهامان ~~وقشرون } ( غافر : 23 ، 24 ) وقال في العنكبوت : { وقارون وفرعون وهامان ~~ولقد جاءهم موسى } ( العنكبوت : 39 ) لأنهم إن آمنوا آمن الكل بخلاف ~~الأقوام الذين كانوا قبلهم وبعدهم ، فقال : { ولقد جاء ءال فرعون النذر } ~~وقال كثيرا مثل هذا كما في قوله : { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } ( ~~غافر : 46 ) ، { وقال رجل مؤمن من ءال فرعون يكتم إيمانه } ( غافر : 28 ) ~~وقال : بلفظ الملأ أيضا كثيرا . # المسألة الثانية : قال : { ولقد جاء } ولم يقل في غيرهم جاء لأن موسى ~~عليه السلام ما جاءهم ، كما جاء المرسلون أقوامهم ، بل جاءهم حقيقة حيث كان ~~غائبا عن القوم فقدم عليهم ، ولهذا قال تعالى : { فلما جآء ءال لوط ~~المرسلون } وقوله تعالى : { لقد ms8702 جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) ~~حقيقة أيضا لأنه جاءهم من الله من السموات بعد المعراج ، كما جاء موسى قومه ~~من الطور حقيقة . # المسألة الثالثة : النذر إن كان المراد منها الإنذارات وهو الظاهر ، ~~فالكلام الذي جاءهم على لسان موسى ويده تلك ، وإن كان المراد الرسل فهو لأن ~~موسى وهرون عليهما السلام جاءه وكل مرسل تقدمهما جاء لأنهم كلهم قالوا ما ~~قالا من التوحيد وعبادة الله وقوله بعد ذلك : { كذبوا بئاياتنا } من غير ~~فاء تقتضي ترتب التكذيب على المجيء فيه وجهان أحدهما : أن الكلام تم عند ~~قوله : { ولقد جاء ءال فرعون النذر } وقوله : { كذبوا } كلام مستأنف ~~والضمير عائد إلى كل من تقدم ذكرهم من قوم نوح إلى آل فرعون ثانيهما : أن ~~الحكاية مسوقة PageV29P057 على سياق ما تقدم ، فكأنه قال : ( فكيف كان ~~عذابي ونذر وقد كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم ) ، وعلى الوجه الأول آياتنا ~~كلها ظاهرة ، وعلى الوجه الثاني المراد آياته التي كانت مع موسى عليه ~~السلام وهي التسع في قول أكثر المفسرين ، ويحتمل أن يقال : المراد أنهم ~~كذبوا بآيات الله كلها السمعية والعقلية فإن في كل شيء له آية تدل على أنه ~~واحد . وقوله تعالى : { فأخذناهم } إشارة إلى أنهم كانوا كالآبقين أو إلى ~~أنهم عاصون يقال : أخذ الأمير فلانا إذا حبسه ، وفي قوله : { عزيز مقتدر } ~~لطيفة وهي أن العزيز المراد منه الغالب لكن العزيز قد يكون ( الذي ) يغلب ~~على العدو ويظفر به وفي الأول يكون غير متمكن من أخذه لبعده إن كان هاربا ~~ولمنعته إن / كان محاربا ، فقال أحد غالب لم يكن عاجزا وإنما كان ممهلا . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أكفاركم خير من أولائكم أم لكم برآءة فى الزبر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 43 ) أكفاركم خير من . . . . . # > > تنبيها لهم لئلا يأمنوا العذاب فإنهم ليسوا بخير من أولئك الذين ~~أهلكوا وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الخطاب مع أهل مكة فينبغي أن يكون كفارهم بعضهم وإلا ~~لقال : أنتم خير من أولئكم ، وإذا كان كفارهم بعضهم فكيف قال : { أم لكم ~~براءة } ولم يقل : أم لهم كما يقول ms8703 القائل : جاءنا الكرماء فأكرمناهم ، ولا ~~يقول : فأكرمناكم ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المراد منه ~~أكفاركم المستمرون على الكفر الذين لا يرجعون وذلك لأن جمعا عظيما ممن كان ~~كافرا من أهل مكة يوم الخطاب أيقنوا بوقوع ذلك ، والعذاب لا يقع إلا بعد ~~العلم بأنه لم يبق من القوم من يؤمن فقال : الذين يصرون منكم على الكفر يا ~~أهل مكة خير ، أم الذين أصروا من قبل ؟ فيصح كون التهديد مع بعضهم ، وأما ~~قوله تعالى : { أم لكم براءة } ففيه وجهان أحدهما : أم لكم لعمومكم براءة ~~فلا يخاف المصر منكم لكونه في قوم لهم براءة وثانيهما : أم لكم براءة إن ~~أصررتم فيكون الخطاب عاما والتهديد كذلك ، فالشرط غير مذكور وهو الإصرار . # المسألة الثانية : ما المراد بقوله : { خير } ، وقول القائل : خير يقتضي ~~اشتراك أمرين في صفة محمودة مع رجحان أحدهما على الآخر ولم يكن فيهم خير ~~ولا صفة محمودة ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه أحدها : منع اقتضاء الاشتراك ~~يدل عليه قول حسان : # % أنتهجوه ولست له بكفء % % فشركما لخيركما الفداء % # مع اختصاص الخير بالنبي عليه السلام والشر بمن هجاه وعدم اشتراكهما في ~~شيء منهما ثانيها : أن ذلك عائد إلى ما في زعمهم أي : أيزعم كفاركم أنهم ~~خير من الكفار المتقدمين الذين أهلكوا وهم كانوا يزعمون في أنفسهم الخير ، ~~وكذا فيمن تقدمهم من عبدة الأوثان ومكذبي الرسل وكانوا يقولون : إن الهلاك ~~كان بأسباب سماوية من اجتماع الكواكب على هيئة مذمومة ثالثها : المراد : ~~أكفاركم أشد قوة ، فكأنه قال : أكفاركم خير في القوة ؟ والقوة محمودة في ~~العرف رابعها : أن كل موجود ممكن ففيه صفات محمودة وأخرى غير محمودة فإذا ~~نظرت إلى المحمودة في الموضعين وقابلت إحداهما بالأخرى ، تستعمل فيها لفظ ~~الخير ، وكذلك في الصفات المذمومة تستعمل فيها لفظ الشر ؟ فإذا نظرت إلى ~~كافرين وقلت : أحدهما خير من الآخر فلك حينئذ أن تريد أحدهما خير من الآخر ~~في الحسن والجمال ، وإذا نظرت إلى مؤمنين يؤذيانك قلت : PageV29P058 أحدهما ~~شر من الآخر ، أي في الأذية لا الإيمان فكذلك ههنا أكفاركم ms8704 خير لأن النظر ~~وقع على ما يصلح مخلصا لهم من العذاب ، فهو كما يقال أكفاركم فيهم شيء مما ~~يخلصهم لم يكن في غيرهم فهم خير أم لا شيء فيهم يخلصهم لكن الله بفضله ~~أمنهم لا بخصال فيهم . # / المسألة الثالثة : { أم لكم براءة } إشارة إلى سبب آخر من أسباب الخلاص ~~، وذلك لأن الخلاص إما أن يكون بسبب أمر فيهم أو لا يكون كذلك ، فإن كان ~~بسبب أمر فيهم وذلك السبب لم يكن في غيرهم من الذين تقدموهم فيكونون خيرا ~~منهم وإن كان لا بسبب أمر فيهم فيكون بفضل الله ومسامحته إياهم وإيمانه ~~إياهم من العذاب فقال لهم : أنتم خير منهم فلا تهلكون أم لستم بخير منهم ~~لكن الله آمنكم وأهلكهم وكل واحد منهما منتف فلا تأمنوا ، وقوله تعالى : { ~~أم لكم براءة فى الزبر } إشارة إلى لطيفة وهي أن العاقل لا يأمن إلا إذا ~~حصل له الجزم بالأمن أو صار له آيات تقرب الأمر من القطع ، فقال : لكم ~~براءة يوثق بها وتكون متكررة في الكتب / فإن الحاصل في بعض الكتب ربما ~~يحتمل التأويل أو يكون قد تطرق إليه التحريف والتبديل كما في التوراة ~~والإنجيل ، فقال : هل حصل لكم براءة متكررة في كتب تأمنون بسببها العذاب ~~فإن لم يكن كذلك لا يجوز الأمن لكن البراءة لم تحصل في كتب ولا كتاب واحد ~~ولا شبه كتاب ، فيكون أمنهم من غاية الغفلة وعند هذا تبين فضل المؤمن ، ~~فإنه مع ما في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ~~من الوعد لا يأمن وإن بلغ درجة الأولياء والأنبياء ، لما في آيات الوعيد من ~~احتمال التخصيص ، وكون كل واحد ممن يستثنى من الأمة ويخرج عنها فالمؤمن ~~خائف والكافر آمن في الدنيا ، وفي الآخرة الأمر على العكس . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أم يقولون نحن جميع منتصر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 44 ) أم يقولون نحن . . . . . # > > تتميما لبيان أقسام الخلاص وحصره فيها ، وذلك لأن الخلاص إما أن يكون ~~لاستحقاق من يخلص عن العذاب كما أن الملك ms8705 إذا عذب جماعة ورأى فيهم من أحسن ~~إليه فلا يعذبه ، وإما أن يكون لأمر في المخلص كما إذا رأى فيهم من له ولد ~~صغير أو أم ضعيفة فيرحمه وإن لم يستحق ويكتب له الخلاص ، وإما أن لا يكون ~~فيه ما يستحق الخلاص بسببه ولا في نفس المعذب مما يوجب الرحمة لكنه لا يقدر ~~عليه بسبب كثرة أعوانه وتعصب إخوانه ، كما إذا هرب واحد من الملك والتجأ ~~إلى عسكر يمنعون الملك عنه ، فكما نفى القسمين الأولين كذلك نفى القسم ~~الثالث وهو التمتع بالأعوان وتحزب الإخوان ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في حسن الترتيب وذلك لأن المستحق لذاته أقرب إلى الخلاص ~~من المرحوم ، فإن المستحق لم يوجد فيه سبب العذاب والمرحوم وجد فيه ذلك ، ~~ووجد المانع من العذاب ، وما لا سبب له لا يتحقق أصلا ، وماله مانع ربما لا ~~يقوى المانع على دفع السبب ، وما في نفس المعذب من المانع أقوى من الذي ~~بسبب الغير ، لأن الذي من عنده يمنع الداعية ولا يتحقق الفعل عند عدم ~~الداعية ، والذي من الغير بسبب التمتع لا يقطع قصده بل يجتهد وربما يغلب ~~فيكون تعذيبه أضعاف ما كان من قبل ، بخلاف من يرق له قلبه وتمنعه الرحمة ~~فإنها وإن لم تمنعه / لكن لا يزيد في حمله وحبسه وزيادته في التعذيب عند ~~القدرة ، فهذا ترتيب في غاية الحسن . PageV29P059 # المسألة الثانية : { جميع } فيه فائدتان إحداهما الكثرة والأخرى الاتفاق ~~، كأنه قال : نحن كثير متفقون فلنا الانتصار ولا يقوم غير هذه اللفظة ~~مقامها من الألفاظ المفردة ، إنما قلنا : إن فيه فائدتين لأن الجمع يدل على ~~الجماعة بحروفه الأصلية من ج م ع وبوزنه وهو فعيل بمعنى مفعول على أنهم ~~جمعوا جمعيتهم العصبية ، ويحتمل أن يقال : معناه نحن الكل لا خارج عنا ~~إشارة إلى أن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم لا اعتداد به قال تعالى في ~~نوح : { أنؤمن لك واتبعك الارذلون } ( الشعراء : 111 ) { إلا الذين هم ~~أراذلنا بادى الرأى } ( هود : 27 ) وعلى هذا { جميع } يكون التنوين فيه ~~لقطع الإضافة كأنهم ms8706 قالوا : نحن جمع الناس . # المسألة الثالثة : ما وجه إفراد المنتصر مع أن نحن ضمير الجمع ؟ نقول : ~~على الوجه الأول ظاهر لأنه وصف الجزء الآخر الواقع خبرا فهو كقول القائل : ~~أنتم جنس منتصر وهم عسكر غالب والجميع كالجنس لفظه لفظ واحد ، ومعناه جمع ~~فيه الكثرة ، وأما على الوجه الثاني فالجواب عنه من وجهين أحدهما : أن ~~المعنى وإن كان جميع الناس لا خارج عنهم إلا من لا يعتد به ، لكن لما قطع ~~ونون صار كالمنكر في الأصل فجاز وصفه بالمنكر نظرا إلى اللفظ فعاد إلى ~~الوجه الأول وثانيهما : أنه خبر بعد خبر ، ويجوز أن يكون أحد الخبرين معرفة ~~والآخرين نكرة ، قال تعالى : { وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد * فعال ~~لما يريد } ( البروج : 14 16 ) وعلى هذا فقوله : { نحن جميع منتصر } أفرده ~~لمجاورته { جميع } ، ويحتمل أن يقال معنى : { نحن جميع منتصر } أن جميعا ~~بمعنى كل واحد كأنه قال : نحن كل واحد منا منتصر ، كما تقول : هم جميعهم ~~أقوياء بمعنى أن كل واحد منهم قوي ، وهم كلهم علماء أي كل واحد عالم فترك ~~الجمع واختار الإفراد لعود الخبر إلى كل واحد فإنهم كانوا يقولون : كل واحد ~~منا يغلب محمدا صلى الله عليه وسلم كما قال أبي بن خلف الجمحي وهذا فيه ~~معنى لطيف وهو أنهم ادعوا أن كل واحد غالب ، والله رد عليهم بأجمعهم بقوله ~~: # ! 7 < { سيهزم الجمع ويولون الدبر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 45 ) سيهزم الجمع ويولون . . . . . # > > وهو أنهم ادعوا القوة العامة بحيث يغلب كل واحد منهم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم والله تعالى بين ضعفهم الظاهر الذي يعمهم جميعهم بقوله : { ~~ويولون الدبر } وحينئذ يظهر سؤال وهو أنه قال : { يولون * الدبر } ولم يقل ~~: يولون الأدبار . وقال في موضع آخر : { يولوكم الادبار ثم لا ينصرون } ( ~~آل عمران : 111 ) وقال : { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار ~~} ( الأحزاب : 15 ) وقال في موضع آخر : { فلا تولوهم الادبار } فكيف تصحيح ~~الإفراد وما الفرق بين المواضع ؟ نقول : أما التصحيح فظاهر لأن قول القائل ~~: فعلوا كقوله فعل هذا وفعل ms8707 ذاك وفعل الآخر . قالوا : وفي الجمع تنوب مناب ~~الواوات التي في العطف ، وقوله : { يولون } بمثابة يول هذا / الدبر ، ويول ~~ذاك ويول الآخر أي كل واحد يولي دبره ، وأما الفرق فنقول اقتضاء أواخر ~~الآيات حسن الإفراد ، فقوله : { يولون * الدبر } إفراده إشارة إلى أنهم في ~~التولية كنفس واحدة ، فلا يتخلف أحد عن الجمع ولا يثبت أحد للزحف فهم كانوا ~~في التولية كدبر واحد ، وأما في قوله : { فلا تولوهم الادبار } أي كل واحد ~~يوجد به ينبغي أن يثبت ولا يولي دبره ، فليس المنهي هناك توليتهم بأجمعهم ~~بل المنهي أن يولي واحد منهم دبره ، فكل أحد منهي عن تولية دبره ، فجعل كل ~~واحد برأسه في الخطاب ثم جمع الفعل بقوله : { فلا تولوهم } ولا يتم إلا ~~بقوله : { الادبار } وكذلك في قوله : { ولقد كانوا عاهدوا الله } ( لأحزاب ~~: 15 ) أي كل واحد قال : أنا أثبت ولا أولي دبري ، وأما في قوله : { ليولن ~~الادبار } ( الحشر : 12 ) PageV29P060 فإن المراد المنافقون الذين وعدوا ~~اليهود وهم متفرقون بدليل قوله تعالى : { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } ( ~~الحشر : 14 ) ، وأما في هذا الموضع فهم كانوا يدا واحدة على من سواهم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 46 ) بل الساعة موعدهم . . . . . # > > إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على انهزامهم وإدبارهم بل الأمر أعظم ~~منه فإن الساعة موعدهم فإنه ذكر ما يصيبهم في الدنيا من الدبر ، ثم بين ما ~~هو منه على طريقة الإصرار ، هذا قول أكثر المفسرين ، والظاهر أن الإنذار ~~بالساعة عام لكل من تقدم ، كأنه قال : أهلكنا الذين كفروا من قبلك وأصروا ~~وقوم محمد عليه السلام ليسوا بخير منهم فيصيبهم ما أصابهم إن أصروا ، ثم إن ~~عذاب الدنيا ليس لإتمام المجازاة فإتمام المجازاة بالأليم الدائم . وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ما الحكمة في كون اختصاص الساعة موعدهم مع أنها موعد كل ~~أحد ؟ نقول : الموعد الزمان الذي فيه الوعد والوعيد والمؤمن موعود بالخير ~~ومأمور بالصبر فلا يقول هو : متى يكون ، بل يفوض الأمر إلى الله ، وأما ~~الكافر فغير مصدق ms8708 فيقول : متى يكون العذاب ؟ فيقال له : اصبر فإنه آت يوم ~~القيامة ، ولهذا كانوا يقولون : { عجل لنا قطنا } ( ص : 16 ) وقال : { ~~ويستعجلونك بالعذاب } ( الحج : 47 ) . # المسألة الثانية : أدهى من أي شيء ؟ نقول : يحتمل وجهين أحدهما : ما مضى ~~من أنواع عذاب الدنيا ثانيهما : أدهى الدواهي فلا داهية مثلها . # المسألة الثالثة : ما المراد من قوله : { وأمر } ؟ قلنا : فيه وجهان ~~أحدهما : هو مبالغة من المر وهو مناسب لقوله تعالى : { فذوقوا عذابى } ( ~~القمر : 37 ) وقوله : { ذوقوا مس سقر } ( القمر : 48 ) وعلى هذا فأدهى أي ~~أشد وأمر أي آلم ، والفرق بين الشديد والأليم أن الشديد يكون إشارة إلى أنه ~~لا يطيقه أحد لقوته ولا يدفعه أحد بقوته ، مثاله ضعيف ألقى في ماء يغلبه أو ~~نار لا يقدر على الخلاص منها ، وقوي ألقي في بحر أو نار عظيمة يستويان في ~~الألم ويتساويان في الإيلام لكن يفترقان في الشدة فإن نجاة الضعيف من الماء ~~الضعيف بإعانة معين ممكن ، ونجاة القوي من البحر العظيم غير ممكن ثانيهما : ~~أمر مبالغة / في المار إذ هي أكثر مرورا بهم إشارة إلى الدوام ، فكأنه يقول ~~: أشد وأدوم ، وهذا مختص بعذاب الآخرة ، فإن عذاب الدنيا إن اشتد قتل ~~المعذب وزال فلا يدوم وإن دام بحيث لا يقتل فلا يكون شديدا ثالثها : أنه ~~المرير وهو من المرة التي هي الشدة ، وعلى هذا فإما أن يكون الكلام كما ~~يقول القائل : فلان نحيف نحيل وقوي شديد ، فيأتي بلفظين مترادفين إشارة إلى ~~التأكيد وهو ضعيف ، وإما أن يكون أدهى مبالغة من الداهية التي هي اسم ~~الفاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ، وهو أمر صعب لأن الداهية صارت كالاسم ~~الموضوع للشديد على وزن الباطية والسائبة التي لا تكون من أسماء الفاعلين ، ~~وإن كانت الداهية أصلها ذلك ، غير أنها استعملت استعمال الأسماء وكتبت في ~~أبوابها وعلى هذا يكون معناه ألزم وأضيق ، أي هي بحيث لا تدفع . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن المجرمين فى ضلال وسعر * يوم يسحبون فى النار على وجوههم ~~ذوقوا مس سقر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 47 - 48 ms8709 ) إن المجرمين في . . . . . # > > # وفي الآية مسائل : PageV29P061 # الأولى : فيمن نزلت الآية في حقهم ؟ أكثر المفسرين اتفقوا على أنها نازلة ~~في القدرية روى الواحدي في تفسيره قال : سمعت الشيخ رضي الدين المؤيد ~~الطوسي بنيسابور ، قال : سمعت عبد الجبار قال : أخبرنا الواحدي قال : ~~أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج قال : أخبرنا أبو محمد عبد ~~الله الكعبي ، قال : حدثنا حمدان بن صالح الأشج حدثنا عبد الله بن عبد ~~العزيز بن أبي داود ، حدثنا سفيان الثوري عن زياد بن إسماعيل المخزومي عن ~~محمد بن عباد بن جعفر عن أبي هريرة قال : جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في القدر ، فأنزل الله تعالى : { إن المجرمين فى ضلال ~~وسعر } إلى قوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) وكذلك نقل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت في القدرية . وروي عن عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( مجوس هذه الأمة القدرية ) وهم ~~المجرمون الذين سماهم الله تعالى في قوله : { إن المجرمين فى ضلال وسعر } ~~وكثرت الأحاديث في القدرية وفيها مباحث الأول : في معنى القدرية الذين قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : نزلت الآية فيهم ، فنقول : كل فريق في خلق ~~الأعمال يذهب إلى أن القدري خصمه ، فالجبري يقول القدري من يقول : الطاعة ~~والمعصية ليستا بخلق الله وقضائه وقدره ، فهم قدرية لأنهم ينكرون القدر ~~والمعتزلي يقول : القدري هو الجبري الذي يقول حين يزني ويسرق الله قدرني ~~فهو قدري لإثباته القدر ، وهما جميعا يقولان لأهل السنة الذي يعترف بخلق ~~الله وليس من العبد إنه قدري ، والحق أن القدري الذي نزلت فيه الآية هو ~~الذي ينكر القدر ويقول بأن الحوادث كلها حادثة بالكواكب واتصالاتها ويدل ~~عليه قوله جاء مشركو قريش يحاجون رسول الله صلى الله عليه وسلم / في القدر ~~فإن مذهبهم ذلك ، وما كانوا يقولون مثل ما يقول المعتزلة إن الله خلق لي ~~سلامة الأعضاء وقوة الإدراك ومكنني من الطاعة والمعصية ، والله قادر على أن ~~يخلق في الطاعة إلجاء ms8710 والمعصية إلجاء ، وقادر على أن يطعم الفقير الذي ~~أطعمه أنا بفضل الله ، والمشركون كانوا يقولون : { أنطعم من لو يشاء الله ~~أطعمه } ( يس : 47 ) منكرين لقدرة الله تعالى على الإطعام ، وأما قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ( مجوس هذه الأمة هم القدرية ) فنقول : المراد من هذه ~~الأمة ، إما الأمة التي كان محمد صلى الله عليه وسلم مرسلا إليهم سواء ~~آمنوا به أو لم يؤمنوا كلفظ القوم ، وإما أمته الذين آمنوا به فإن كان ~~المراد الأول فالقدرية في زمانه هم المشركون الذين أنكروا قدرة الله على ~~الحوادث فلا يدخل فيهم المعتزلة ، وإن كان المراد هو الثاني فقوله : ( مجوس ~~هذه الأمة ) يكون معناه الذين نسبتهم إلى هذه الأمة كنسبة المجوس إلى الأمة ~~المتقدمة ، لكن الأمة المتقدمة أكثرهم كفرة ، والمجوس نوع منهم أضعف شبهة ~~وأشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة تكون نوعا منهم أضعف دليلا ~~ولا يقتضي ذلك الجزم بكونهم في النار فالحق أن القدري هو الذي ينكر قدرة ~~الله تعالى ، إن قلنا : إن النسبة للنفي أو الذي يثبت قدرة غير الله تعالى ~~على الحوادث إن قلنا : إن النسبة للإثبات وحينئذ يقطع بكونه : { فى ضلال ~~وسعر } وإنه ذائق مس سقر . # البحث الثاني : في بيان من يدخل في القدرية التي في النص ممن هو منتسب ~~إلى أنه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم / إن قلنا : القدرية سموا بهذا ~~الاسم لنفيهم قدرة الله تعالى فالذي يقول لا قدرة لله على تحريك العبد ~~بحركة هي الصلاة وحركة هي الزنا مع أن ذلك أمر ممكن لا يبعد دخوله فيهم ، ~~وأما الذي يقول : بأن الله قادر غير أنه لم يجبره وتركه مع داعية العبد ~~كالوالد الذي يجرب الصبي في حمل شيء تركه معه لا لعجز الوالد بل للابتلاء ~~والامتحان ، لا كالمفلوج الذي لا قوة له إذا قال لغيره : احمل هذا فلا يدخل ~~فيهم ظاهرا وإن كان مخطئا ، وإن قلنا إن القدرية سموا بهذا الاسم لإثباتهم ~~القدرة على الحوادث لغير الله من الكواكب ، PageV29P062 والجبري الذي قال : ~~هو الحائط ms8711 الساقط الذي لا يجوز تكليفه بشيء لصدور الفعل من غيره وهم أهل ~~الإباحة ، فلا شك في دخوله في القدرية فإنه يكفر بنفيه التكليف وأما الذي ~~يقول : خلق الله تعالى فينا الأفعال وقدرها وكلفنا ، ولا يسأل عما يفعل فما ~~هو منهم . # البحث الثالث : اختلف القائلون في التعصب أن الاسم بالمعتزلة أحق أم ~~بالأشاعرة ؟ فقالت : المعتزلة الاسم بكم أحق لأن النسبة تكون للإثبات لا ~~للنفي ، يقال للدهري : دهري لقوله بالدهر ، وإثباته ، وللمباحي إباحي ~~لإثباته الإباحة وللتنوية تنوية لإثباتهم الإثنين وهما النور والظلمة ، ~~وكذلك أمثله وأنتم تثبتون القدر ، وقالت الأشاعرة : النصوص تدل على أن ~~القدري من ينفي قدرة الله تعالى ومشركو قريش ما كانوا قدرية إلا لإثباتهم ~~قدرة لغير الله ، قالت : المعتزلة إنما سمي المشركون قدرية لأنهم قالوا : ~~إن كان قادرا على الحوادث كما تقول يا محمد فلو شاء الله لهدانا ولو شاء / ~~لأطعم الفقير ، فاعتقدوا أن من لوازم قدرة الله تعالى على الحوادث خلقه ~~الهداية فيهم إن شاء ، وهذا مذهبكم أيها الأشاعرة ، والحق الصراح أن كل ~~واحد من المسلمين الذين ذهبوا إلى المذهبين خارج عن القدرية ، ولا يصير ~~واحد منهم قدريا إلا إذا صار النافي نافيا للقدرة والمثبت منكرا للتكليف . # المسألة الثانية : المجرمون هم المشركون ههنا كما في قوله تعالى : { ولو ~~ترى إذ المجرمون ناكسوا * رؤوسهم } ( السجدة : 12 ) وقوله : { يود المجرم ~~لو يفتدي } ( المعارج : 11 ) وفي قوله : { يعرف المجرمون بسيماهم } ( ~~الرحمن : 41 ) فالآية عامة ، وإن نزلت في قوم خاص . وجرمهم تكذيب الرسل ~~والنذر بالإشراك وإنكار الحشر وإنكار قدرة الله تعالى على الإحياء بعد ~~الإماتة ، وعلى غيره من الحوادث . # المسألة الثالثة : { فى ضلال وسعر } يحتمل وجوها ثلاثة أحدها : الجمع بين ~~الأمرين في الدنيا أي هم في الدنيا في ضلال وجنون لا يعقلون ولا يهتدون ، ~~وعلى هذا فقوله : { يسحبون } بيان حالهم في تلك الصورة وهو أقرب ثانيها : ~~الجمع في الآخرة أي هم في ضلال الآخرة وسعر أيضا . أما السعر فكونهم فيها ~~ظاهر ، وأما الضلال فلا يجدون إلى مقصدهم أو إلى ما يصلح مقصدا وهم ms8712 متحيرون ~~سبيلا ، فإن قيل : الصحيح هو الوجه الأخير لا غير لأن قوله تعالى : { يوم ~~يسحبون } ظرف القول أي يوم يسحبون يقال لهم ذوقوا ، وسنبين ذلك فنقول : { ~~يوم يسحبون } يحتمل أن يكون منصوبا بعامل مذكور أو مفهوم غير مذكور ، ~~والاحتمال الأول له وجهان أحدهما : العامل سابق وهو معنى كائن ومستقر غير ~~أن ذلك صار نسيا منسيا ثانيهما : العامل متأخر وهو قوله : { ذوقوا } تقديره ~~: ذوقوا مس سقر يوم يسحب المجرمون ، والخطاب حينئذ مع من خوطب بقوله : { ~~أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة } ( القمر : 43 ) والاحتمال الثالث : ~~أن المفهوم هو أن يقال لهم : يوم يسحبون ذوقوا ، وهذا هو المشهور ، وقوله ~~تعالى : { ذوقوا } استعارة وفيه حكمة وهو أن الذوق من جملة الإدراكات فإن ~~المذوق إذا لاقى اللسان يدرك أيضا حرارته وبرودته وخشونته وملاسته / كما ~~يدرك سائر أعضائه الحسية ويدرك أيضا طعمه ولا يدركه غير اللسان ، فإدراك ~~اللسان أتم ، فإذا تأذى من نار تأذى بحرارته ومرارته إن كان الحار أو غيره ~~لا يتأذى إلا بحرارته فإذن الذوق إدراك لمسي أتم من PageV29P063 غيره في ~~الملموسات فقال : { ذوقوا } إشارة إلى أن إدراكهم بالذوق أتم الإدراكات ~~فيجتمع في العذاب شدته وإيلامه بطول مدته ودوامه ، ويكون المدرك له لا عذر ~~له يشغله وإنما هو على أتم ما يكون من الإدراك فيحصل الألم العظيم . وقد ~~ذكرنا أن على قول الأكثرين يقال لهم أو نقول مضمر . وقد ذكرنا أنه لا حاجة ~~إلى الإضمار إذا كان الخطاب مع غير من قيل في حقهم : { إن المجرمين فى ضلال ~~} فإنه يصير كأنه قال : ذوقوا أيها المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم مس ~~سقر يوم يسحب المجرمون المتقدمون في النار . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنا كل شىء خلقناه بقدر } . > 7 ! # / < < # | القمر : ( 49 ) إنا كل شيء . . . . . # > > وفيه مسائل : # الأولى : المشهور أن قوله : { إنا كل شىء } متعلق بما قبله كأنه قال : ~~ذوقوا فإنا كل شيء خلقناه بقدر ، أي هو جزاء لمن أنكر ذلك ، وهو كقوله ~~تعالى : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) والظاهر أنه ms8713 ابتداء ~~كلام وتم الكلام عند قوله : { ذوقوا مس سقر } ( القمر : 48 ) ثم ذكر بيان ~~العذاب لأن عطف : { وما أمرنا إلا واحدة } ( القمر : 50 ) يدل على أن قوله ~~: { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ليس آخر الكلام . ويدل عليه قوله تعالى : { ~~ألا له الخلق والامر } ( الأعراف : 54 ) وقد ذكر في الآية الأولى الخلق ~~بقوله : { إنا كل شىء خلقناه } فيكون من اللائق أن يذكر الأمر فقال : { وما ~~أمرنا إلا واحدة } وأما ما ذكر من الجدل فنقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~تمسك عليهم بقوله : { إن المجرمين فى ضلال } إلى قوله : { ذوقوا مس سقر } ( ~~القمر : 47 ، 48 ) وتلا آية أخرى على قصد التلاوة ، ولم يقرأ الآية الأخيرة ~~اكتفاء بعلم من علم الآية كما تقول في الاستدلالات : { لا تأكلوا أموالكم } ~~( النساء : 29 ) الآية : { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ( ~~الأنعام : 121 ) الآية : { وإذا * تداينتم } ( البقرة : 283 ) الآية إلى ~~غير ذلك . # المسألة الثانية : { كل } قرىء بالنصب وهو الأصح المشهور ، وبالرفع فمن ~~قرأ بالنصب فنصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر كقوله : { والقمر قدرناه } ( يس : ~~39 ) وقوله : { والظالمين أعد لهم } ( الإنسان : 31 ) وذلك الفعل هو خلقناه ~~وقد فسره قوله : { خلقناه } كأنه قال : إنا خلقنا كل شيء بقدر ، وخلقناه ~~على هذا لا يكون صفة لشيء كما في قوله تعالى : { ومن كل شىء خلقنا زوجين } ~~( الذاريات : 49 ) غير أن هناك يمنع من أن يكون صفة كونه خاليا عن ضمير ~~عائد إلى الموصوف ، وههنا لم يوجد ذلك المانع ، وعلى هذا فالآية حجة على ~~المعتزلة لأن أفعالنا شيء فتكون داخلة في كل شيء فتكون مخلوقة لله تعالى ، ~~ومن قرأ بالرفع لم يمكنه أن يقول كما يقول في قوله : { وأما ثمود فهديناهم ~~} ( فصلت : 17 ) حيث قرىء بالرفع لأن كل شيء نكرة فلا يصح مبتدأ فيلزمه أن ~~يقول : كل شيء خلقناه فهو بقدر ، كقوله تعالى : { وكل شىء عنده بمقدار } ( ~~الرعد : 8 ) في المعنى ، وهذان الوجهان ذكرهما ابن عطية في تفسيره وذكر أن ~~المعتزلي يتمسك بقراءة الرفع ويحتمل أن يقال : القراءة الأولى وهو النصب ms8714 له ~~وجه آخر ، وهو أن يقال : نصبه بفعل معلوم لا بمضمر مفسر وهو قدرنا أو خلقنا ~~، كأنه قال : إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر ، أو قدرنا كل شيء خلقناه بقدر ~~، وإنما قلنا : إنه معلوم لأن قوله : { ذلكم الله ربكم خالق كل شىء } ( ~~غافر : 62 ) دل عليه ، وقوله : { وكل شىء * بمقدار } دل على أنه قدر وحينئذ ~~لا يكون في الآية دلالة على بطلان قول المعتزلي وإنما يدل على بطلان قوله : ~~{ الله خالق كل شىء } ( الزمر : 62 ) وأما على القراءة الثانية وهي الرفع ، ~~فنقول : جاز أن يكون كل شيء مبتدأ وخلقناه بقدر خبره وحينئذ تكون الحجة ~~قائمة عليهم بأبلغ PageV29P064 وجه ، وقوله : { كل شىء } نكرة فلا يصلح ~~مبتدأ ضعيف لأن قوله : { كل شىء } عم الأشياء كلها بأسرها ، فليس فيه / ~~المحذور الذي في قولنا : رجل قائم ، لأنه لا يفيد فائدة ظاهرة ، وقوله : { ~~كل شىء } يفيد ما يفيد زيد خلقناه وعمرو خلقناه مع زيادة فائدة / ولهذا ~~جوزوا ما أحد خير منك لأنه أفاد العموم ولم يحسن قول القائل أحد خير منك ~~حيث لم يفد العموم . # المسألة الثالثة : ما معنى القدر ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : المقدار كما ~~قال تعالى : { وكل شىء عنده بمقدار } ( العرد : 8 ) وعلى هذا فكل شيء مقدر ~~في ذاته وفي صفاته ، أما المقدر في الذات فالجسم وذلك ظاهر فيه وكذلك ~~القائم بالجسم من المحسوسات كالبياض والسواد ، وأما الجوهر الفرد مالا ~~مقدار له والقائم بالجوهر مالا مقدار له بمعنى الامتداد كالعلم والجهل ~~وغيرهما ، فنقول : ههنا مقادير لا بمعنى الامتداد ، أما الجواهر الفرد فإن ~~الإثنين منه أصغر من الثلاثة ، ولولا أن حجما يزداد به الامتداد ، وإلا لما ~~حصل دون الامتداد فيه ، وأما القائم بالجوهر فله نهاية وبداية ، فمقدار ~~العلوم الحادثة والقدر المخلوقة متناهية ، وأما الصفة فلأن لكل شيء ابتدىء ~~زمانا فله مقدار في البقاء لكون كل شيء حادثا ، فإن قيل : الله تعالى وصف ~~به ، ولا مقدار له ولا ابتداء لوجوده ، نقول : المتكلم إذا كان موصوفا بصفة ~~أو مسمى باسم ، ثم ذكر الأشياء المسماة بذلك الاسم ms8715 أو الأشياء الموصوفة ~~بتلك الصفة ، وأسند فعلا من أفعاله إليه يخرج هو عنه ، كما يقول القائل : ~~رأيت جميع من في هذا البيت فرأيتهم كلهم أكرمني ، ويقول ما في البيت أحد ~~إلا وضربني أو ضربته يخرج هو عنه لا لعدم كونه مقتضى الاسم ، بل بما في ~~التركيب من الدليل على خروجه عن الإرادة ، فكذلك قوله : { خلقناه } و { ~~خالق كل شىء } ( الزمر : 62 ) يخرج عنه لا بطريق التخصيص ، بل بطريق ~~الحقيقة إذا قلنا : إن التركيب وضعي ، فإن هذا التركيب لم يوضع حينئذ إلا ~~لغير المتكلم ثانيها : القدر التقدير ، قال الله تعالى : { فقدرنا فنعم ~~القادرون } ( المرسلات : 23 ) وقال الشاعر : # % وقد قدر الرحمن ما هو قادر % % # أي قدر ما هو مقدر ، وعلى هذا فالمعنى أن الله تعالى لم يخلق شيئا من غير ~~تقدير ، كما يرمي الرامي السهم فيقع في موضع لم يكن قد قدره ، بل خلق الله ~~كما قدر بخلاف قول الفلاسفة إنه فاعل لذاته والاختلاف للقوابل ، فالذي جاء ~~قصيرا أو صغيرا فلاستعداد مادته ، والذي جاء طويلا أو كبيرا فلاستعداد آخر ~~، فقال تعالى : { كل شىء خلقناه بقدر } منا فالصغير جاز أن يكون كبيرا ، ~~والكبير جاز خلقه صغيرا ثالثها : { بقدر } هو ما يقال مع القضاء ، يقال ~~بقضاء الله وقدره ، وقالت الفلاسفة في القدر الذي مع القضاء : إن ما يقصد ~~إليه فقضاء وما يلزمه فقدر ، فيقولون : خلق النار حارة بقضاء وهو مقضي به ~~لأنها ينبغي أن تكون كذلك ، لكن من لوازمها أنها إذا تعلقت بقطن عجوز أو ~~وقعت في قصب صعلوك تخرقه ، فهو بقدر لا بقضاء ، وهو كلام فاسد ، بل القضاء ~~ما في العلم والقدر ما في الإرادة فقوله : { كل شىء خلقناه بقدر } أي بقدره ~~مع إرادته ، لا على ما يقولون إنه موجب ردا على المشركين . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 50 ) وما أمرنا إلا . . . . . # > > PageV29P065 # أي إلا كلمة واحدة ، وهو قوله له : ( كن ) هذا هو المشهور الظاهر ، وعلى ~~هذا فالله إذا أراد شيئا قال له : ( كن ) فهناك شيئان ms8716 : الإرادة والقول ، ~~فالإرادة والقول ، فالإرادة قدر ، والقول قضاء ، وقوله : { واحدة } يحتمل ~~أمرين أحدهما : بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول إشارة إلى نفاذ الأمر ~~ثانيهما : بيان عدم اختلاف الحال ، فأمره عند خلق العرش العظيم كأمره عند ~~خلق النمل الصغير ، فأمره عند الكل واحد وقوله : { كلمح بالبصر } تشبيه ~~الكون لا تشبيه الأمر ، فكأنه قال : أمرنا واحدة ، فإذن المأمور كائن كلمح ~~بالبصر ، لأنه لو كان راجعا إلى الأمر لا يكون ذلك صفة مدح يليق به ، فإن ~~كلمة ( كن ) شيء أيضا يوجد كلمح بالبصر هذا هو التفسير الظاهر المشهور ، ~~وفيه وجه ظاهر ذهب إليه الحكماء ، وهي أن مقدورات الله تعالى هي الممكنات ~~يوجدها بقدرته ، وفي عدمها خلاف لا يليق بيانه بهذا الموضع لطوله لا لسبب ~~غيره ، ثم إن الممكنات التي يوجدها الله تعالى قسمان أحدهما : أمور لها ~~أجزاء ملتئمة عند التئامها يتم وجودها ، كالإنسان والحيوان والأجسام ~~النباتية والمعدنية وكذلك الأركان الأربعة ، والسموات ، وسائر الأجسام ~~وسائر ما يقوم بالأجسام من الأعراض ، فهي كلها مقدرة له وحوادث ، فإن ~~أجزاءها توجد أولا ، ثم يوجد فيها التركيب والالتئام بعينها ، ففيها ~~تقديرات نظرا إلى الأجزاء والتركيب والأعراض وثانيهما : أمور ليس لها أجزاء ~~ومفاصل ومقادير امتدادية ، وهي الأرواح الشريفة المنورة للأجسام ، وقد ~~أثبتها جميع الفلاسفة إلا قليلا منهم ، ووافقهم جمع من المتكلمين ، وقطع ~~بها كثير ممن له قلب من أصحاب الرياضات وأرباب المجاهدات ، فتلك الأمور ~~وجودها واحد ليس يوجد أولا أجزاء ، وثانيا تتحقق تلك الأجزاء بخلاف الأجسام ~~والأعراض القائمة بها ، إذا عرفت هذا قالوا : الأجسام خلقية قدرية ، ~~والأرواح إبداعية أمرية ، وقالوا إليه الإشارة بقوله تعالى : { ألا له ~~الخلق والامر } ( الأعراف : 54 ) فالخلق في الأجسام والأمر في الأرواح ثم ~~قالوا : لا ينبغي أن يظن بهذا الكلام أنه على خلاف الأخبار فإنه صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( أول ما خلق الله العقل ) ، وروى عنه عليه السلام أنه قال ~~: ( خلق الله الأرواح قبل الأجسام بألفي عام ) وقال تعالى : { الله خالق كل ~~شىء } ( الزمر : 62 ) فالخلق أطلق على إيجاد الأرواح والعقل لأن إطلاق ms8717 ~~الخلق على ما يطلق عليه الأمر جائز ، وإن العالم بالكلية حادث وإطلاق الخلق ~~بمعنى الإحداث جائز ، وإن كان في حقيقة الخلق تقدير في أصل اللغة ولا كذلك ~~في الأحداث ، ولولا الفرق بين العبارتين وإلا لاستقبح الفلسفي من أن يقول ~~المخلوق قديم كما يستقبح من أن المحدث قديم ، فإذن قوله صلى الله عليه وسلم ~~خلق الله الأرواح بمعنى أحدثها بأمره ، وفي هذا الإطلاق فائدة عظيمة وهي ~~أنه صلى الله عليه وسلم لو غير العبارة وقال في الأرواح أنها موجودة / ~~بالأمر والأجسام بالخلق لظن الذي لم يرزقه الله العلم الكثير أن الروح ليست ~~بمخلوقة بمعنى ليست بمحدثة فكان يضل والنبي صلى الله عليه وسلم بعث رحمة ، ~~وقالوا : إذا نظرت إلى قوله تعالى : { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ~~ربى } ( الإسراء : 85 ) وإلى قوله تعالى : { خلق * السماوات والارض * في ~~ستة أيام } ( الحديد : 4 ) وإلى قوله تعالى : { ثم خلقنا النطفة علقة ~~فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما } ( المؤمنون : 14 ) تجد التفاوت ~~بين الأمر والخلق والأرواح والأشباح حيث جعل لخلق بعض الأجسام زمانا ممتدا ~~هو ستة أيام وجعل لبعضها تراخيا وترتيبا بقوله : { ثم خلقنا } وبقوله : { ~~فخلقنا } ولم يجعل للروح ذلك ، ثم قالوا : ينبغي أن لا يظن بقولنا هذا إن ~~الأجسام لا بد لها من زمان ممتد وأيام حتى يوجدها الله تعالى فيه ، بل الله ~~مختار إن أراد خلق السموات والأرض والإنسان والدواب والشجر والنبات في أسرع ~~من لمح البصر لخلقها كذلك ، ولكن مع هذا لا تخرج عن كونها موجودات حصلت لها ~~أجزاء ووجود أجزائها قبل PageV29P066 وجود التركيب فيها ووجودها بعد وجود ~~الأجزاء والتركيب فيها فهي ستة ثلاثة في ثلاثة كما يخلق الله الكسر ~~والإنكسار في زمان واحد ولهما ترتيب عقلي . فالجسم إذن كيفما فرضت خلقه ~~ففيه تقدير وجودات كلها بإيجاد الله على الترتيب والروح لها وجود واحد ~~بإيجاد الله تعالى هذا قولهم . ولنذكر ما في الخلق والأمر من الوجود ~~المنقولة والمعقولة أحدها : ما ذكرنا أن الأمر هو كلمة : { كن } والخلق هو ~~ما بالقدرة والإرادة ms8718 ثانيها : ما ذكروا في الأجسام أن منها الأرواح ثالثها ~~: هو أن الله له قدرة بها الإيجاد وإرادة بها التخصيص ، وذلك لأن المحدث له ~~وجود مختص بزمان وله مقدار معين فوجوده بالقدرة واختصاصه بالزمان بالإرادة ~~فالذي بقدرته خلق والذي بالإرادة أمر حيث يخصصه بأمره بزمان ويدل عليه ~~المنقول والمعقول ، أما المنقول فقوله تعالى : { إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون } ( يس : 82 ) جعل { كن } لتعلق الإرادة ، واعلم أن المراد من : { ~~كن } ليس هو الحرف والكلمة التي من الكاف والنون ، لأن الحصول أسرع من كلمة ~~كن إذا حملتها على حقيقة اللفظ فإن الكاف والنون لا يوجد من متكلم واحد إلا ~~الترتيب ففي كن لفظ زمان والكون بعد بدليل قوله تعالى : { فيكون } بالفاء ~~فإذن لو كان المراد يكن حقيقة الحرف والصوت لكان الحصول بعده بزمان وليس ~~كذلك ، فإن قال قائل : يمكن أن يوجد الحرفان معا وليس كلام الله تعالى ~~ككلامنا يحتاج إلى الزمان قلنا : قد جعل له معنى غير ما نفهمه من اللفظ . ~~وأما المعقول فلأن الاختصاص بالزمان ليس لمعنى وعلة وإن كان بعض الناس ذهب ~~إلى أن الخلق والإيجاد لحكمة وقال : بأن الله خلق الأرض لتكون مقر الناس أو ~~مثل هذا من الحكم ولم يمكنه أن يقول : خلق الأرض في الزمان المخصوص لتكون ~~مقرا لهم لأنه لو خلقها في غير ذلك لكانت أيضا مقرا لهم فإذن التخصيص ليس ~~لمعنى فهو لمحض الحكمة فهو يشبه أمر الملك الجبار الذي يأمر ولا يقال له : ~~لم أمرت ولم فعلت ولا يعلم مقصود الآمر إلا منه رابعها : هو أن الأشياء ~~المخلوقة لا تنفك عن أوصاف ثلاثة أو عن وصفين متقابلين ، مثاله الجسم لا بد ~~له بعد خلقه أن يكون متحيزا ولا بد له من أن يكون / ساكنا أو متحركا ~~فإيجاده أولا يخلقه وما هو عليه بأمره يدل عليه قوله تعالى : { إن ربكم ~~الله الذى خلق * السماوات والارض * في ستة أيام } إلى أن قال : { مسخرات ~~بأمره } ( الأعراف : 54 ) فجعل مالها بعد خلقها من الحركة والسكون وغيرهما ms8719 ~~بأمره ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( أول ما خلق الله تعالى العقل ~~فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ) جعل الخلق في الحقيقة والأمر في ~~الوصف ، وكذلك قوله تعالى : { خلق * السماوات والارض * وما بينهما فى ستة ~~أيام } ثم قال : { يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه فى يوم كان ~~مقداره } ( السجدة : 4 ، 5 ) وقد ذكرنا تفسيره خامسها : مخلوقات الله تعالى ~~على قسمين أحدهما : خلقه الله تعالى في أسرع ما يكون كالعقل وغيره وثانيهما ~~: خلقه بمهلة كالسموات والإنسان والحيوان والنبات ، فالمخلوق سريعا أطلق ~~عليه الأمر والمخلوق بمهلة أطلق عليه الخلق ، وهذا مثل الوجه الثاني سادسها ~~: ما قاله فخر الدين الرازي في تفسير قوله تعالى : { فقال لها وللارض ائتيا ~~طوعا أو كرها } ( فصلت : 11 ) وهو أن الخلق هو التقدير والإيجاد بعده بعدية ~~ترتيبية لا زمانية ففي علم الله تعالى أن السموات تكون سبع سموات في يومين ~~تقديرية فهو قدر خلقه كما علم وهو إيجاد فالأول خلق والثاني وهو الإيجاد ~~أمر وأخذ هذا من المفهوم اللغوي قال الشاعر : # % وبعض الناس يخلق ثم لا يفري % % # أي يقدر ولا يقطع ولا يفصل كالخياط الذي يقدر أولا ويقطع ثانيا وهو قريب ~~إلى اللغة لكنه بعيد PageV29P067 الاستعمال في القرآن ، لأن الله تعالى حيث ~~ذكر الخلق أراد الإيجاد منه قوله تعالى : { ولئن سألتهم من خلق } ( ~~العنكبوت : 61 ) ومنه قوله تعالى : { أو لم * ير الإنسان أنا خلقناه من ~~نطفة } ( يس : 77 ) وليس المراد أنا قدرنا أنه سيوجد منها إلى غير ذلك ~~سابعها : الخلق هو الإيجاد ابتداء والأمر هو ما به الإعادة فإن الله خلق ~~الخلق أولا بمهلة ثم يوم القيامة ببعثهم في أسرع من لحظة ، فيكون قوله : { ~~وما أمرنا إلا واحدة } كقوله تعالى : { فإنما هى زجرة واحدة } ( الصافات : ~~19 ج وقوله : { صيحة واحدة } ( يس : 29 ) { نفخة واحدة } ( الحاقة : 13 ) ~~وعلى هذا فقوله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) إشارة إلى ~~الوحدانية . وقوله تعالى : { وما أمرنا إلا واحدة } إلى الحشر فكأنه بين ~~الأصل ms8720 الأول والأصل الآخر بالآيات ثامنها : الإيجاد خلق والإعدام أمر ، ~~يعني يقول للملائكة الغلاظ الشداد أهلكوا وافعلوا فلا يعصون الله ما أمرهم ~~ولا يقفون الامتثال على إعادة الأمر مرة أخرى فأمره مرة واحدة يعقبه العدم ~~والهلاك . # وفيه لطيفة : وهي أن الله تعالى جعل الإيجاد الذي هو من الرحمة بيده ، ~~والإهلاك يسلط عليه رسله وملائكته ، وجعل الموت بيد ملك الموت ولم يجعل ~~الحياة بيد ملك ، وهذا مناسب لهذا الموضع لأنه بين النعمة بقوله : { إنا كل ~~شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) وبين قدرته على النقمة فقال : { وما ~~أمرنا إلا واحدة } . { وإنا على ذهاب به لقادرون } ( المؤمنون : 18 ) وهو ~~كقوله : { فإذا جاء أمرنا وفار التنور } ( المؤمنون : 27 ) عند العذاب ، ~~وقوله تعالى : { فلما جاء أمرنا نجينا صالحا } ( هود : 66 ) وقوله تعالى : ~~{ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها } ( هود : 82 ) وكما ذكر في هذه ~~الحكايات العذاب بلفظ الأمر وبين الإهلاك به كذلك ههنا / ولا سيما إذا نظرت ~~إلى ما تقدم من الحكايات ووجدتها عين تلك الحكايات يقوي هذا القول وكذلك ~~قوله تعالى : { ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر } ( القمر : 51 ) يدل على ~~صحة هذا القول تاسعها : في معنى اللمح بالبصر وجهان أحدهما : النظر بالعين ~~يقال : لمحته ببصري كما يقال : نظرت إليه بعيني والباء حينئذ كما يذكر في ~~الآيات فيقال : كتبت بالقلم ، واختار هذا المثال لأن النظر بالعين أسرع ~~حركة توجد في الإنسان لأن العين وجد فيها أمور تعين على سرعة الحركة أحدها ~~: قرب المحرك منها فإن المحرك العصبية ومنبتها الدماغ والعين في غاية القرب ~~منه ثانيها : صغر حجمها فإنها لا تعصى على المحرك ولا تثقل عليه بخلاف ~~العظام ثالثها : استدارة شكلها فإن دحرجة الكرة أسهل من دحرجة المربع ~~والمثلث رابعها : كونها في رطوبة مخلوقة في العضو الذي هو موضعها وهذه ~~الحكمة في أن المرئيات في غاية الكثرة بخلاف المأكولات والمسموعات والمقاصد ~~التي تقصد بالأرجل والمذوقات ، فلولا سرعة حركة الآلة التي بها إدراك ~~المبصرات لما وصل إلى الكل إلا بعد طول زمان وثانيهما : اللمح بالبصر معناه ~~البرق ms8721 يخطف بالبصر ويمر به سريعا والباء حينئذ للإلصاق لا للاستعانة كقوله ~~: مررت به وذلك في غاية السرعة ، وقوله : { بالبصر } فيه فائدة وهي غاية ~~السرعة فإنه لو قال : كلمح البرق حين برق ويبتدىء حركته من مكان وينتهي إلى ~~مكان آخر في أقل زمان يفرض لصح ، لكن مع هذا فالقدر الذي مروره يكون بالبصر ~~أقل من الذي يكون من مبتداه إلى منتهاه ، فقال : { كلمح } لا كما قيل : من ~~المبدأ إلى المنتهى بل القدر الذي يمر بالبصر وهو غاية القلة ونهاية السرعة ~~. PageV29P068 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولقد أهلكنآ أشياعكم فهل من مدكر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 51 ) ولقد أهلكنا أشياعكم . . . . . # > > والأشياع الأشكال ، وقد ذكرنا أن هذا يدل على أن قوله : { وما أمرنا ~~إلا واحدة } ( القمر : 50 ) تهديد بالإهلاك والثاني ظاهر . # [ بم وقوله تعالى : # ! 7 < { وكل شىء فعلوه فى الزبر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 52 ) وكل شيء فعلوه . . . . . # > > إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على إهلاكهم بل الإهلاك هو العاجل ~~والعذاب الآجل الذي هو معد لهم على ما فعلوه ، مكتوب عليهم ، والزبر هي كتب ~~الكتبة الذين قال تعالى فيهم : { كلا بل تكذبون بالدين * وإن عليكم لحافظين ~~* كراما كاتبين } ( الانفطار : 9 11 ) و : { فعلوه } صفة شيء والنكرة توصف ~~بالجمل . # [ بم وقوله تعالى : # ! 7 < { وكل صغير وكبير مستطر } . > 7 ! # < < # | القمر : ( 53 ) وكل صغير وكبير . . . . . # > > تعميم للحكم أي ليست الكتابة مقتصرة على ما فعلوه بل ما فعله غيرهم ~~أيضا مسطور فلا يخرج عن الكتب صغيرة ولا كبيرة ، وقد ذكرنا في قوله تعالى : ~~{ لا يعزب عنه مثقال ذرة فى * السماوات * ولا فى الارض ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا فى كتاب } ( سبأ : 3 ) أن في قوله { أكبر } فائدة عظيمة وهي أن من ~~يكتب حساب إنسان فإنما يكتبه في غالب الأمر لئلا ينسى فإذا جاء بالجملة ~~العظيمة التي يأمن نسيانها ربما يترك كتابتها ويشتغل بكتابة ما يخاف نسيانه ~~، فلما قال : { ولا أكبر } أشار إلى الأمور العظام التي يؤمن من نسيانها ~~أنها مكتوبة أي ليست كتابتنا مثل كتابتكم التي يكون المقصود منها ms8722 الأمن من ~~النسيان ، فكذلك نقول : ههنا وفي قوله : { ما لهاذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) وفي جميع هذه المواضع قدم الصغيرة ~~لأنها أليق بالتثبت عند الكتابة فيبتدىء بها حفظا عن النسيان في عادة الخلق ~~فأجرى الله الذكر على عادتهم ، وهذا يؤيد ما ذكرنا من قبل أن كلا وإن كان ~~نكرة يحسن الابتداء به للعموم وعدم الإبهام . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن المتقين فى جنات ونهر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 54 ) إن المتقين في . . . . . # > > # قد ذكرنا تفسير المتقين والجنات في سور منها : { الطور } وأما النهر ففيه ~~قراءات فتح النون والهاء كحجر وهو اسم جنس ويقوم مقام الأنهار وهذا هو ~~الظاهر الأصح وفيه مسائل : # المسألة الأولى : لا شك أن كمال اللذة بالبستان أن يكون الإنسان فيه ، ~~وليس من اللذة بالنهر أن يكون الإنسان فيه ، بل لذته أن يكون في الجنة عند ~~النهر ، فما فمعنى قوله تعالى : { ونهر } ؟ نقول : قد أجبنا عن هذا في ~~تفسير قوله تعالى : { إن المتقين فى جنات وعيون } ( الذاريات : 15 ) في ~~سورة الذاريات ، وقلنا : المراد في خلال العيون ، وفيما بينها من المكان ~~وكذلك في جنات لأن الجنة هي الأشجار التي تستر شعاع الشمس ، ولهذا قال ~~تعالى : { فى ظلال وعيون } ( المرسلات : 41 ) . وإذا كانت الجنة هي الأشجار ~~الساترة فالإنسان لا يكون في الأشجار وإنما يكون بينها أو خلالها ، فكذلك ~~النهر ، ونزيد ههنا وجها آخر وهو أن المراد في جنات وعند نهر لكون المجاورة ~~تحسن إطلاق اللفظ الذي لا يحسن إطلاقه عند عدم المجاورة كما قال : # % علفتها تبنا وماء باردا % % # وقالوا : تقلدت سيفا ورمحا ، والماء لا يعلف والرمح لا يتقلد ولكن ~~لمجاورة التبن والسيف حسن الإطلاق فكذلك هنا لم يأت في الثاني بما أتى به ~~في الأول من كلمة في . PageV29P069 # المسألة الثانية : وحد النهر مع جمع الجنات وجمع الأنهار وفي كثير من ~~المواضع كما في قوله تعالى : { تجرى من تحتها الانهار } ( البقرة : 25 ) ~~إلى غيره من المواضع فما الحكمة فيه ؟ نقول : أما على الجواب الأول فنقول : ~~لما ms8723 بين أن معنى في نهر في خلال فلم يكن للسامع حاجة إلى سماع الأنهار ، ~~لعلمه بأن النهر الواحد لا يكون له خلال . وأما في قوله تعالى : { تجرى من ~~تحتها الانهار } فلو لم يجمع الأنهار لجاز أن يفهم أن في الجنات كلها نهرا ~~واحدا كما في الدنيا فقد يكون نهر واحد ممتد جار في جنات كثيرة وأما على ~~الثاني فنقول : الإنسان يكون في جنات لأنا بينا أن الجمع في جنات إشارة إلى ~~سعتها وكثرة / أشجارها وتنوعها والتوحيد عندما قال : { مثل الجنة } ( محمد ~~: 15 ) وقال : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~} ( التوبة : 111 ) لاتصال أشجارها ولعدم وقوع القيعان الخربة بينها ، وإذا ~~علمت هذا فالإنسان في الدنيا إذا كان في بيت في دار وتلك الدار في محلة ، ~~وتلك المحلة في مدينة ، يقال إنه في بلدة كذا ، وأما القرب فإذا كان ~~الإنسان في الدنيا بين نهرين بحيث يكون قربه منهما على السواء يقال إنه ~~جالس عند نهرين ، فإذا قرب من أحدهما يقال من عند أحد نهرين دون الآخر ، ~~لكن في دار الدنيا لا يمكن أن يكون عند ثلاثة أنهار وإنما يمكن أن يكون عند ~~نهرين ، والثالث منه أبعد من النهرين ، فهو في الحقيقة ليس يكون في زمان ~~واحد عند أنهار والله تعالى يذكر أمر الآخرة على ما نفهمه في الدنيا ، فقال ~~: عند نهر لما بينا أن قوله : { ونهر } وإن كان يقتضي في نهر لكن ذلك ~~للمجاورة كما في تقلدت سيفا ورمحا ، وأما قوله : { تجرى من تحتها الانهار } ~~فحقيقته مفهومة عندنا لأن الجنة الواحدة قد يجري فيها أنهار كثيرة أكثر من ~~ثلاثة وأربعة ، فهذا ما فيه مع أن أواخر الآيات يحسن فيها التوحيد دون ~~الجمع ، ويحتمل أن يقال و { * نهر } التنكير للتعظيم . وفي الجنة نهر وهو ~~أعظم الأنهر وأحسنها ، وهو الذي من الكوثر / ومن عين الرضوان وكان الحصول ~~عنده شرفا وغبطه وكل أحد يكون له مقعد عنده وسائر الأنهار تجري في الجنة ~~ويراها أهلها ولا يرون القاعد عندها فقال : { المتقين فى ms8724 جنات ونهر } أي ~~ذلك النهر الذي عنده مقاعد المؤمنين ، وفي قوله تعالى : { إن الله مبتليكم ~~بنهر } ( البقرة : 249 ) لكونه غير معلوم لهم ، وفي هذا وجه حسن أيضا ولا ~~يحتاج على الوجهين أن نقول : نهر في معنى الجمع لكونه اسم جنس . # المسألة الثالثة : قال ههنا : { فى } وقال في الذاريات : { جنات وعيون } ~~( الذاريات : 15 ) فما الفرق بينهما ؟ نقول : إنا إن قلنا في نهر معناه في ~~خلال فالإنسان يمكن أن يكون في الدنيا في خلال عيون كثيرة تحيط به إذا كان ~~على موضع مرتفع من الأرض والعيون تنفجر منه وتجري فتصير أنهارا عند ~~الامتداد ولا يمكن أن يكون وفي خلال أنهار وإنما هي نهران فحسب ، وأما إن ~~قلنا : إن المراد عند نهر فكذلك وإن قلنا : . . . أي عظيم عليه مقاعد ، ~~فنقول : يكون ذلك النهر ممتدا وأصلا إلى كل واحد وله عنده مقعد عيون كثيرة ~~تابعة ، فالنهر للتشريف والعيون للتفرج والتنزه مع أن النهر العظيم يجتمع ~~مع العيون الكثيرة فكان النهر مع وحدته يقوم مقام العيون مع كثرتها وهذا ~~كله مع النظر إلى أواخر الآيات ههنا وهناك يحسن ذكر لفظ الواحد ههنا والجمع ~~هناك . # المسألة الرابعة : قرىء : { فى جنات ونهر } على أنها جمع نهار إذ لا ليل ~~هناك وعلى هذا فكلمة في حقيقة فيه فقوله : { في جنات } ظرف مكان ، وقوله : ~~{ ونهر } أي وفي نهر إشارة إلى ظرف زمان ، وقرىء { * نهر } بسكون الهاء وضم ~~النون على أنه جمع نهر كأسد في جمع أسد نقله الزمخشري ، ويحتمل أن يقال : ~~نهر بضم الهاء جمع نهر كثمر في جمع ثمر . PageV29P070 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فى مقعد صدق عند مليك مقتدر } . > 7 @QB@ < # | القمر : ( 55 ) في مقعد صدق . . . . . # > > # / فيه مسائل : # المسألة الأولى : { ونهر فى مقعد صدق } ، كيف مخرجه ؟ نقول : يحتمل وجهين ~~أحدهما : أن يكون على صورة بدل كما يقول القائل : فلان في بلدة كذا في دار ~~كذا وعلى هذا يكون مقعد من جملة الجنات موضعا مختارا له مزية على مافي ~~الجنات من المواضع وعلى هذا قوله : { عند مليك } لأنا بينا ms8725 في أحد الوجوه ~~أن المراد من قوله : { فى جنات ونهر } ( القمر : 54 ) في جنات عند نهر فقال ~~: { فى مقعد صدق عند مليك مقتدر } ويحتمل أن يقال : { عند مليك } صفة مقعد ~~صدق تقول درهم في ذمة ملىء خير من دينار في ذمة معسر ، وقليل عند أمين أفضل ~~من كثير عند خائن فيكون صفة وإلا لما حسن جعله مبتدأ ثانيهما : أن يكون : { ~~فى مقعد صدق } كالصفة لجنات ونهر أي في جنات ونهر موصوفين بأنهما في مقعد ~~صدق ، تقول : وقفة في سبيل الله أفضل من كذا و : { عند مليك } صفة بعد صفة ~~. # المسألة الثانية : قوله : { فى مقعد صدق } يدل على لبث لا يدل عليه ~~المجلس ، وذلك لأن قعد وجلس ليسا على ما يظن أنهما بمعنى واحد لا فرق ~~بينهما بل بينهما فرق ولكن لا يظهر إلا للبارع ، والفرق هو أن القعود جلوس ~~فيه مكث حقيقة واقتضاء ، ويدل عليه وجوه الأول : هو أن الزمن يسمى مقعدا ~~ولا يسمى مجلسا لطول المكث حقيقة ومنه سمي قواعد البيت والقواعد من النساء ~~قواعد ولا يقال لهن : جوالس لعدم دلالة الجلوس على المكث الطويل فذكر ~~القواعد في الموضعين لكونه مستقرا بين الدوام والثبات على حالة واحدة ويقال ~~للمركوب من الإبل قعود لدوام اقتعاده اقتضاء ، وإن لم يكن حقيقة فهو لصونه ~~عن الحمل واتخاذه للركوب كأنه وجد فيه نوع قعود دائم اقتضى ذلك ولم يرد ~~للإجلاس الثاني : النظر إلى تقاليب الحروف فإنك إذا نظرت إلى ق ع د وقلبتها ~~تجد معنى المكث في الكل فإذا قدمت القاف رأيت قعد وقدع بمعنى ومنه تقادع ~~الفراش بمعنى تهافت ، وإذا قدمت العين رأيت عقد وعدق بمعنى المكث في غاية ~~الظهور وفي عدق لخفاء يقال : أعدق بيدك الدلو في البئر إذا أمره بطلبه بعد ~~وقوعه فيها والعودقة خشبة عليها كلاب يخرج معه الدلو الواقع في البئر ، ~~وإذا قدمت الدال رأيت دقع ودعق والمكث في الدقع ظاهر والدقعاء هي التراب ~~الملتصق بالأرض والفقر المدقع هو الذي يلصق صاحبه بالتراب . وفي دعق أيضا ~~إذ الدعق ms8726 مكان تطؤه الدواب بحوافرها فيكون صلبا أجزاؤه متداخل بعضها ببعض ~~لا يتحرك شيء منها عن موضعه الوجه الثالث : الاستعمالات في القعود إذا ~~اعتبرت ظهر ما ذكرنا قال تعالى : { لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى ~~الضرر } ( النساء : 95 ) والمراد الذي لا يكون بعده اتباع وقال تعالى : { ~~مقاعد للقتال } ( آل عمران : 121 ) مع أنه تعالى قال : { إن الله يحب الذين ~~يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } ( الصف : 4 ) فأشار إلى الثبات ~~العظيم . وقال تعالى : { إذا لقيتم فئة فاثبتوا } ( الأنفال : 45 ) ~~فالمقاعد إذن هي المواضع التي يكون فيها المقاتل بئبات ومكث وإطلاق مقعدة ~~على العضو الذي عليه القعود أيضا يدل عليه ، إذا عرفت هذا الفرق بين الجلوس ~~والقعود حصل لك فوائد منها ههنا فإنه يدل على دوام المكث وطول اللبث ، ~~ومنها في قوله تعالى : { عن اليمين وعن الشمال قعيد } ( ق : 17 ) فإن ~~القعيد بمعنى الجليس والنديم ، ثم إذا عرف هذا وقيل PageV29P071 للمفسرين ~~الظاهرين فما الفائدة في اختيار لفظ القعيد يدل لفظ الجليس مع أن الجليس ~~أشهر ؟ يكون جوابهم أن آخر الآيات من قوله : { حبل الوريد } ( ق: 16 ) { ~~والدى * عتيد } ( ق: 23 ) وقوله : { بجبار * عنيد } ( هود : 59 ) يناسب ~~القعيد ، ولا الجليس وإعجاز القرآن ليس في السجع ، وإذا نظرت إلى ما ذكر ~~تبين لك فائدة جليلة معنوية حكمية في وضع اللفظ المناسب لأن القعيد دل على ~~أنهما لا يفارقانه ويداومان الجلوس معه ، وهذا هو المعجز وذلك لأن الشاعر ~~يختار اللفظ الفاسد لضرورة الشعر والسجع ويجعل المعنى تبعا للفظ ، والله ~~تعالى بين الحكمة على ما ينبغي وجاء باللفظ على أحسن ما ينبغي ، وفائدة ~~أخرى في قوله تعالى : { المؤمنون ياأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا ~~فى المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا } ( المجادلة : ~~11 ) فإن قوله : { فافسحوا } إشارة إلى الحركة ، وقوله : { فانشزوا } إشارة ~~إلى ترك الجلوس فذكر المجلس إشارة إلى أن ذلك موضع جلوس فلا يجب ملازمته ~~وليس بمقعد حتى لا يفارقونه . # المسألة الثالثة : { فى مقعد صدق } وجهان أحدهما : مقعد صدق ms8727 ، أي صالح ~~يقال : رجل صدق للصالح ورجل سوء للفاسد ، وقد ذكرناه في سورة : { إنا فتحنا ~~} في قوله تعالى : { وظننتم ظن السوء } ( الفتح : 12 ) ، وثانيهما : الصدق ~~المراد منه ضد الكذب ، وعلى هذا ففيه وجهان الأول : مقعد صدق من أخبر عنه ~~وهو الله ورسوله الثاني : مقعد ناله من صدق فقال : بأن الله واحد وأن محمدا ~~رسوله ، وحتمل أن يقال المراد أنه مقعد لا يوجد فيه كذب لأن الله تعالى ~~صادق ويستحيل عليه الكذب ومن وصل إليه امتنع عليه الكذب لأن مظنة الكذب ~~الجهل والواصل إليه ، يعلم الأشياء كما هي ويستغني بفضل الله عن أن يكذب ~~ليستفيد بكذبه شيئا فهو مقعد صدق وكلمة { عند } قد عرفت معناها والمراد منه ~~قرب المنزلة والشأن لا قرب المعنى والمكان ، وقوله تعالى : { مليك مقتدر } ~~لأن القربة من الملوك لذيذة كلما كان الملك أشد اقتدارا كان المتقرب منه ~~أشد التذاذا وفيه إشارة إلى مخالفة معنى القرب منه من معنى القرب من الملوك ~~، فإن الملوك يقربون من يكون ممن يحبونه وممن يرهبونه ، مخافة أن يعصوا ~~عليه وينحازوا إلى عدوه فيغلبونه ، والله تعالى قال : { مقتدر } لا يقرب ~~أحدا إلا بفضله . # والحمد لله وصلاته على سيدنا محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلامه . # PageV29P072 < # > 1 ( سورة الرحمن ) 1 < # > # خمسون وخمس آيات مكية # ! 7 < { الرحمان * علم القرءان * خلق الإنسان * علمه البيان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 1 ) الرحمن # > > اعلم أولا أن مناسبة هذه السورة لما قبلها بوجهين أحدهما : أن الله ~~تعالى افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على العزة والجبروت والهيبة ~~وهو انشقاق القمر ، فإن من يقدر على شق القمر يقدر على هد الجبال وقد ~~الرجال ، وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والرحموت وهو القرآن ~~الكريم ، فإن شفاء القلوب بالصفاء عن الذنوب ثانيهما : أنه تعالى ذكر في ~~السورة المتقدمة : { فكيف كان عذابى ونذر } ( القمر : 16 ) غير مرة ، وذكر ~~في السورة : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ( الرحمن : 13 ) مرة بعد مرة لما ~~بينا أن تلك السورة سورة إظهار الهيبة ، وهذه السورة سورة إظهار الرحمة ، ~~ثم إن أول ms8728 هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها حيث قال في آخر تلك السورة : { ~~عند مليك مقتدر } ( القمر : 55 ) ، والاقتدار إشارة إلى الهيبة والعظمة ~~وقال ههنا : { الرحمان } أي عزيز شديد منتقم مقتدر بالنسبة إلى الكفار ~~والفجار ، رحمن منعم غافر للأبرار . ثم في التفسير مسائل : # المسألة الأولى : في لفظ { الرحمان } أبحاث ، ولا يتبين بعضها إلا بعد ~~البحث في كلمة الله فنقول : # المبحث الأول : من الناس من يقول : إن الله مع الألف واللام اسم علم ~~لموجد الممكنات وعلى هذا فمنهم من قال : { الرحمان } أيضا اسم علم له وتمسك ~~بقوله تعالى : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمان أيا ما تدعوا فله الاسماء ~~الحسنى } ( الإسراء : 11 ) أي أيا ما منهما ، وجوز بعضهم قول القائل : يا ~~الرحمن كما يجوز يا الله وتمسك بالآية وكل هذا ضعيف وبعضها أضعف من بعض ، ~~أما قوله : الله مع الألف واللام اسم علم ففيه بعض الضعف وذلك لأنه لو كان ~~كذلك لكانت الهمزة فيه أصلية ، فلا يجوز أن تجعل وصلية ، وكان يجب أن يقال ~~: خلق الله كما يقال : علم أحمد وفهم إسماعيل ، بل الحق فيه أحد القولين : ~~إما أن نقول : إله أو لاه اسم لموجد الممكنات اسم علم ، ثم استعمل مع الألف ~~واللام كما في الفضل والعباس والحسن والخليل ، وعلى هذا PageV29P073 فمن ~~سمى غيره إلها فهو كمن يستعمل في مولود له فيقول لابنه محمد وأحمد وإن كان ~~علمين لغيره قبله في أنه جائز لأن من سمى ابنه أحمد لم يكن له من الأمر ~~المطاع / ما يمنع الغير عن التسمية به ولم يكن له الاحتجار وأخذ الاسم ~~لنفسه أو لولده بخلاف الملك المطاع إذا استأثر لنفسه اسما لا يستجرىء أحد ~~ممن تحت ولايته ما دام له الملك أن يسمى ولده أو نفسه بذلك الاسم خصوصا من ~~يكون مملوكا لا يمكنه أن يسمي نفسه باسم الملك ولا أن يسمي ولده به ، والله ~~تعالى ملك مطاع وكل من عداه تحت أمره فإذا استأثر لنفسه اسما لا يجوز ~~للعبيد أن يتسموا بذلك الاسم ، فمن يسمى فقد ms8729 تعدى فالمشركون في التسمية ~~متعدون ، وفي المعنى ضالون وإما أن نقول : إله أو لاه اسم لمن يعبد والألف ~~واللام للتعريف ، ولما امتنع المعنى عن غير الله امتنع الاسم ، فإن قيل : ~~فلو سمى أحد ابنه به كان ينبغي أن يجوز ؟ قلنا : لا يجوز لأنه يوهم أنه اسم ~~موضوع لذلك الابن لمعنى لا لكونه علما ، فإن قيل : تسمية الواحد بالكريم ~~والودود جائزة قلنا : كل ما يكون حمله على العلم وعلى اسم لمعنى ملحوظ في ~~اللفظ الذكرى لا يفضي إلى خلل يجوز ذلك فيه فيجوز تسمية الواحد بالكريم ~~والودود ولا يجوز تسميته بالخالق ، والقديم لأن على تقدير حمله على أنه علم ~~غير ملحوظ فيه المعنى يجوز ، وعلى تقدير حمله على أنه اسم لمعنى هو قائم به ~~كالقدرة التي بها بقاء الخلق أو العدم / فلا يجوز لكن اسم المعبود من هذا ~~القبيل فلا يجوز التسمية به ، فأحد هذين القولين حق وقولهم مع الألف واللام ~~علم ليس بحق ، إذا عرفت البحث في الله فما يترتب عليه ، وهو أن الرحمن اسم ~~على أضعف منه ، وتجويز يا الرحمن أضعف من الكل . # البحث الثاني : الله والرحمن في حق الله تعالى كالاسم الأول والوصف ~~الغالب الذي يصير كالاسم بعد الاسم الأول كما في قولنا : عمر الفاروق ، ~~وعلى المرتضى وموسى الرضا ، وغير ذلك مما نجده في أسماء الخلفاء وأوصافهم ~~المعرفة لهم التي كانت لهم وصفا وخرجت بكثرة الاستعمال عن الوصفية ، حتى إن ~~الشخص وإن لم يتصف به أو فارقه الوصف يقال له ذلك كالعلم فإذن للرحمن ~~اختصاص بالله تعالى ، كما أن لتلك الأوصاف اختصاصا بأولئك غير أن في تلك ~~الأسماء والأوصاف جاز الوضع لما بينا حيث استوى الناس في الاقتدار والعظمة ~~، ولا يجوز في حق الله تعالى ، فإن قيل : إن من الناس من أطلق لفظ الرحمن ~~على اليمامي ، نقول : هو كما أن من الناس من أطلق لفظ الإله على غير الله ~~تعديا وكفرا ، نظرا إلى جوازه لغة وهو اعتقاد باطل . # البحث الثالث : لله تعالى رحمتان سابقة ولاحقة فالسابقة هي التي ms8730 بها خلق ~~الخلق واللاحقة هي التي أعطى بها الخلق بعد إيجاده إياهم من الرزق والفطنة ~~وغير ذلك فهو تعالى بالنظر إلى الرحمة السابقة رحمن ، وبالنظر إلى اللاحقة ~~رحيم ، ولهذا يقال : يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ، فهو رحمن ، لأنه خلق ~~الخلق أولا برحمته ، فلما لم يوجد في غيره هذه الرحمة ولم يخلق أحد حدا لم ~~يجز أن يقال لغيره : رحمن ، ولما تخلق الصالحون من عباده ببعض أخلاقه على ~~قدر الطاقة البشرية ، وأطعم الجائع وكسا العاري ، وجد شيء من الرحمة ~~اللاحقة التي بها الرزق والإعانة فجاز أن يقال له رحيم ، وقد ذكرنا هذا كله ~~في تفسير سورة الفاتحة غير أنا أردنا أن يصير ما ذكرنا مضموما إلى ما ~~ذكرناه هناك ، / فأعدناه ههنا لأن هذا كله كالتفصيل لما ذكرناه في الفاتحة ~~. PageV29P074 # المسألة الثانية : { الرحمان } مبتدأ خبره الجملة الفعلية التي هي قوله : ~~{ علم القرءان } وقيل { الرحمان } ( خبر ) مبتدأ تقديره هو الرحمن ، ثم أتى ~~بجملة بعد جملة فقال : { علم القرءان } والأول أصح ، وعلى القول الضعيف ~~الرحمن آية . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { علم القرءان } لا بد له من مفعول ثان ~~فما ذلك ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : قيل : علم بمعنى جعله علامة ~~أي هو علامة النبوة ومعجزة وهذا يناسب قوله تعالى : { وانشق القمر } ( ~~القمر : 1 ) على ما بينا أنه ذكر في أول تلك السورة معجزة من باب الهيئة ~~وهو أنه شق مالا يشقه أحد غيره ، وذكر في هذه السورة معجزة من باب الرحمة ، ~~وهو أنه نشر من العلوم مالا ينشره غيره ، وهو ما في القرآن ، وعلى هذا ~~الوجه من الجواب ففيه احتمال آخر ، وهو أنه جعله بحيث يعلم فهو كقوله : { ~~ولقد يسرنا القرءان للذكر } ( القمر : 17 ) والتعليم على هذا الوجه مجاز . ~~يقال : إن أنفق على متعلم وأعطى أجرة على تعليمة علمه وثانيهما : أن ~~المفعول الثاني لا بد منه وهو جبريل وغيره من الملائكة علمهم القرآن ثم ~~أنزله على عبده كما قال تعالى : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ( ~~الشعراء : 193 ، 194 ) ويحتمل أن يقال : المفعول ms8731 الثاني هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، وفيه إشارة إلى أن القرآن كلام الله تعالى لا كلام محمد ، وفيه ~~وجه ثالث : وهو أنه تعالى علم القرآن الإنسان ، وهذا أقرب ليكون الإنعام ~~أتم والسورة مفتتحة لبيان الأعم من النعم الشاملة . # المسألة الرابعة : لم ترك المفعول الثاني ؟ نقول : إشارة إلى أن النعمة ~~في تعميم التعليم لا في تعليم شخص دون شخص / يقال : فلان يطعم الطعام إشارة ~~إلى كرمه ، ولا يبين من يطعمه . # المسألة الخامسة : ما معنى التعليم ؟ نقوله على قولنا له مفعول ثان إفادة ~~العلم به ، فإن قيل : كيف يفهم قوله تعالى : { علم القرءان } مع قوله : { ~~وما يعلم تأويله إلا الله } ؟ ( آل عمران : 7 ) نقول : من لا يقف عند قوله ~~: { إلا الله } ويعطف : { الراسخون } على الله عطف المفرد على المفرد لا ~~يرد عليه هذا ، ومن يقف ويعطف قوله تعالى : { والرسخون في العلم } على قوله ~~: { وما يعلم تأويله } عطف جملة على جملة يقول : إنه تعالى علم القرآن ، ~~لأن من علم كتابا عظيما ووقع على ما فيه ، وفيه مواضع مشكلة فعلم ما في تلك ~~المواضع بقدر الإمكان ، يقال : فلان يعلم الكتاب الفلاني ويتقنه بقدر وسعه ~~، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين ، وكذلك القول في تعليم القرآن ، ~~أو تقول : لا يعلم تأويله إلا الله وأما غيره فلا يعلم من تلقاء نفسه مالم ~~يعلم ، فيكون إشارة إلى أن كتاب الله تعالى ليس كعيره من الكتب التي يستخرج ~~ما فيها بقوة الذكاء والعلوم . # ثم قال تعالى : { خلق الإنسان * علمه البيان } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في وجه الترتيب وهو على وجهين أحدهما : ما ذكرنا أن ~~المراد من علم علم الملائكة وتعليمه الملائكة قبل خلق الإنسان ، فعلم تعالى ~~ملائكته المقربين القرآن حقيقة / يدل عليه قوله تعالى : { إنه لقرءان كريم ~~* فى كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون } ثم قال تعالى : { تنزيل من رب ~~العالمين } ( الواقعة : 77 80 ) إشارة إلى تنزيله بعد تعليمه ، وعلى هذا ~~ففي النظم حسن زائد وذلك من حيث إنه تعالى ذكر أمورا علوية وأمورا سفلية ms8732 ، ~~وكل علوي قابله بسفلي ، وقدم العلويات على السفليات إلى آخر الآيات ، فقال ~~: { علم القرءان } إشارة إلى تعليم العلويين ، وقال : { علمه البيان } ~~إشارة إلى تعليم PageV29P075 السفليين ، وقال : { الشمس والقمر } ( القيامة ~~: 9 ) في العلويات وقال في مقابلتهما من السفليات : { والنجم والشجر يسجدان ~~} ( الرحمن : 6 ) . # ثم قال تعالى : { والسماء رفعها } ( الرحمن : 7 ) وفي مقابلتها : { ~~والارض وضعها } ( الرحمن : 10 ) ، وثانيهما : أن تقديم تعليم القرآن إشارة ~~إلى كونه أتم نعمة وأعظم إنعاما ، ثم بين كيفية تعليم القرآن ، فقال : { ~~خلق الإنسان * علمه البيان } وهو كقول القائل : علمت فلانا الأدب حملته ~~عليه ، وأنفقت عليه مالي ، فقوله : حملته وأنفقت بيان لما تقدم ، وإنما قدم ~~ذلك لأنه الإنعام العظيم . # المسألة الثانية : ما الفرق بين هذه السورة وسورة العلق ، حيث قال هناك : ~~{ اقرأ باسم ربك الذى خلق } ( العلق : 1 ) ثم قال : { وربك الاكرم * الذى ~~علمكم * بالقلم } ( العلق : 3 ، 4 ) فقدم الخلق على التعليم ؟ نقول : في ~~تلك السورة لم يصرح بتعليم القرآن فهو كالتعليم الذي ذكره في هذه السورة ~~بقوله : { علمه البيان } بعد قوله : { خلق الإنسان } . # المسألة الثالثة : ما المراد من الإنسان ؟ نقول : هو الجنس ، وقيل : ~~المراد محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : المراد آدم والأول أصح نظرا إلى ~~اللفظ في { خلق } ويدخل فيه محمد وآدم وغيرهما من الأنبياء . # المسألة الرابعة : ما البيان وكيف تعليمه ؟ نقول : من المفسرين من قال : ~~البيان المنطق فعلمه ما ينطق به ويفهم غيره ما عنده ، فإن به يمتاز الإنسان ~~عن غيره عن الحيوانات ، وقوله : { خلق الإنسان } إشارة إلى تقدير خلق جسمه ~~الخاص / و { علمه البيان } إشارة إلى تميزه بالعلم عن غيره . وقد خرج ما ~~ذكرنا أولا أن البيان هو القرآن وأعاده ليفصل ماذكره إجمالا بقوله تعالى : ~~{ علم القرءان } كما قلنا في المثال حيث يقول القائل : علمت فلانا الأدب ~~حملته عليه ، وعلى هذا فالبيان مصدر أريد به ما فيه المصدر ، وإطلاق البيان ~~بمعنى القرآن على القرآن في القرآن كثير ، قال تعالى : { هاذا بيان للناس } ~~( آل عمران : 138 ) وقد سمى الله تعالى القرآن فرقانا وبيانا والبيان فرقان ~~بين ms8733 الحق والباطل ، فصح إطلاق البيان ، وإرادة القرآن . # المسألة الخامسة : كيف صرح بذكر المفعولين في علمه البيان ولم يصرح بهما ~~في علم القرآن نقول : أما إن قلنا : إن المراد من قوله علم القرآن هو أنه ~~علم الإنسان القرآن ، فنقول حذفه لعظم نعمة التعليم وقدم ذكره على من علمه ~~وعلى بيان خلقه ، ثم فصل بيان كيفية تعليم القرآن ، فقال : { خلق الإنسان * ~~علمه } وقد بين ذلك ، وأما إن قلنا : المراد { علم القرءان } الملائكة فلأن ~~المقصود تعديد النعم على الإنسان ومطالبته بالشكر ومنعه من التكذيب به ، ~~وتعليمه للملائكة لا يظهر للإنسان أنه فائدة / راجعة إلى الإنسان وأما ~~تعليم الإنسان فهي نعمة ظاهرة ، فقال : { علمه البيان } أي علم الإنسان ~~تعديدا للنعم عليه ومثل هذا قال في : { اقرأ } قال مرة : { علم بالقلم } من ~~غير بيان المعلم ، ثم قال مرة أخرى : { علم الإنسان لم يعلم } وهو البيان ، ~~ويحتمل أن يتمسك بهذه الآية على أن اللغات توقيفية حصل العلم بها بتعليم ~~الله . PageV29P076 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 5 ) الشمس والقمر بحسبان # > > وفي الترتيب وجوه أحدها : هو أن الله تعالى لما ثبت كونه رحمن وأشار ~~إلى ما هو شفاء ورحمة وهو القرآن ذكر نعمه وبدأ بخلق الإنسان فإنه نعمة ~~جميع النعم به تتم ، ولولا وجوده لما انتفع بشيء ، ثم بين نعمة الإدراك ~~بقوله : { علمه البيان } ( الرحمن : 4 ) وهو كالوجود إذ لولاه لما حصل ~~النفع والانتفاع ، ثم ذكر من المعلومات نعمتين ظاهرتين هما أظهر أنواع ~~النعم السماوية وهما الشمس والقمر ولولا الشمس لما زالت الظلمة ، ولولا ~~القمر لفات كثير من النعم الظاهرة بخلاف غيرهما من الكواكب فإن نعمها لا ~~تظهر لكل أحد مثل ما تظهر نعمتهما ، ثم بين كمال نفعهما في حركتهما بحساب ~~لا يتغير ولو كانت الشمس ثابتة في موضع لما انتفع بها أحد ، ولو كان سيرها ~~غير معلوم للخلق لما انتفعوا بالزراعات في أوقاتها وبناء الأمر على الفصول ~~، ثم بين في مقابلتهما نعمتين ظاهرتين من الأرض وهما النبات الذي لا ms8734 ساق له ~~والذي له ساق ، فإن الرزق أصله منه ، ولولا النبات لما كان للآدمي رزق إلا ~~ما شاء الله ، وأصل النعم على الرزق الدار ، وإنما قلنا : النبات هو أصل ~~الرزق لأن الرزق إما نباتي وإما حيواني كاللحم واللبن وغيرهما من أجزاء ~~الحيوان ، ولولا النبات لما عاش الحيوان والنبات وهو الأصل وهو قسمان قائم ~~على ساق كالحنطة والشعير والأشجار الكبار وأصول الثمار وغير قائم كالبقول ~~المنبسطة على الأرض والحشيش والعشب الذي هو غذاء الحيوان ثانيها : هو أنه ~~تعالى لما ذكر القرآن وكان هو كافيا لا يحتاج معه إلى دليل آخر قال بعده : ~~{ الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر } وغيرها من الآيات إشارة إلى أن ~~بعض الناس إن تكن له النفس الزكية التي يغنيها الله بالدلائل التي في ~~القرآن ، فله في الآفاق آيات منها الشمس والقمر ، وإنما اختارهما للذكر لأن ~~حركتهما بحسبان تدل على فاعل مختار سخرهما على وجه مخصوص ، ولو اجتمع من في ~~العالم من الطبيعيين والفلاسفة وغيرهم وتواطئوا أن يثبتوا حركتهما على ~~الممر المعين على الصواب المعين والمقدار المعلوم في البطء والسرعة لما بلغ ~~أحد مراده إلى أن يرجع إلى الحق / ويقول : حركهما الله تعالى كما أراد ، ~~وذكر الأرض والسماء وغيرهما إشارة إلى ما ذكرنا من الدلائل العقلية المؤكدة ~~لما في القرآن من الدلائل السمعية ثالثها : هو أنا ذكرنا أن هذه السورة ~~مفتتحة بمعجزة دالة عليها من باب الهيئة فذكر معجزة القرآن بما يكون جوابا ~~لمنكري النبوة على الوجه الذي نبهنا عليه ، وذلك هو أنه تعالى أنزل على ~~نبيه الكتاب وأرسله إلى الناس بأشرف خطاب ، فقال : بعض المنكرين كيف يمكن ~~نزول الجرم من السماء إلى الأرض وكيف يصعد ما حصل في الأرض إلى السماء ؟ ~~فقال تعالى : { الشمس والقمر بحسبان } إشارة إلى ( أن ) حركتهما بمحرك ~~مختار ليس بطبيعي وهم وافقونا فيه وقالوا : إن الحركة الدورية لا يمكن أن ~~تكون طبيعية اختيارية فنقول : من حرك الشمس والقمر على الإستدارة أنزل ~~الملائكة على الاستقامة ثم النجم والشجر يتحركان إلى فوق على الاستقامة مع ~~أن ms8735 الثقيل على مذهبكم لا يصعد إلى جهة فوق فذلك بقدرة الله تعالى وإرادته ، ~~فكذلك حركة الملك جائزة مثل الفلك ، وأما قوله : { بحسبان } ففيه إشارة إلى ~~الجواب عن قولهم : { عليه الذكر من بيننا بل } ( ص: 8 ) وذلك لأنه تعالى ~~كما اختار لحركتهما ممرا معينا وصوبا معلوما ومقدارا مخصوصا كذلك اختار ~~للملك وقتا معلوما وممرا معينا بفضله وفي التفسير مباحث : PageV29P077 # الأول : ما الحكمة في تعريفه عما يرجع إلى الله تعالى حيث قال هما : { ~~بحسبان } ولم يقل : حركهما الله بحسبان أو سخرهما أو أجراهما كما قال : { ~~خلق الإنسان } وقال : { علمه البيان } ؟ ( الرحمن : 3 ، 4 ) نقول : فيه حكم ~~منها أن يكون إشارة إلى أن خلق الإنسان وتعليمه البيان أتم وأعظم من خلق ~~المنافع له من الرزق وغيره ، حيث صرح هناك بأنه فاعله وصانعه ولم يصرح هنا ~~، ومنها أن قوله : { الشمس والقمر } ههنا بمثل هذا في العظم يقول القائل : ~~إني أعطيتك الألوف والمئات مرارا وحصل لك الآحاد والعشرات كثيرا وما شكرت ، ~~ويكون معناه حصل لك مني ومن عطائي لكنه يخصص التصريح بالعطاء عند الكثير ، ~~ومنها أنه لما بينا أن قوله : { الشمس والقمر } إشارة إلى دليل عقلي مؤكد ~~السمعي ولم يقل : فعلت صريحا إشارة إلى أنه معقول إذا نظرت إليه عرفت أنه ~~مني واعترفت به ، وأما السمعي فصرح بما يرجع إليه من الفعل الثاني : على أي ~~وجه تعلق الباء من { بحسبان } ، نقول : هو بين من تفسيره والتفسير أيضا مر ~~بيانه وخرج من وجه آخر ، فنقول : في الحسبان وجهان الأول : المشهور أن ~~المراد الحساب يقال : حسب حسابا وحسبانا ، وعلى هذا فالباء للمصالحة تقول : ~~قدمت بخير أي مع خير ومقرونا بخير فكذلك الشمس والقمر يجريان ومعهما ~~حسابهما ومثله : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( الرعد : 8 ) ، { وكل شىء ~~عنده بمقدار } ( الرعد : 8 ) ويحتمل أن تكون للاستعانة كما في قولك : بعون ~~الله غلبت ، وبتوفيق الله حجت ، فكذلك يجريان بحسبان من الله والوجه الثاني ~~: أن الحسبان هو الفلك تشبيها له بحسبان الرحا وهو ما يدور فيدير الحجر ، ~~وعلى هذا فهو للاستعانة ms8736 كما يقال : في الآلات كتبت بالقلم فهما يدوران ~~بالفلك وهو كقوله تعالى : { وكل فى فلك يسبحون } ( يس : 40 ) ، الثالث : ~~على الوجه المشهور هل كل واحد يجري بحسبان أو كلاهما بحسبان واحد ما المراد ~~؟ نقول : كلاهما محتمل فإن نظرنا إليهما فلكل واحد منهما حساب على حدة فهو ~~/ كقوله تعالى : { كل فى فلك } ( الأنبياء : 33 ) لا بمعنى أن الكل مجموع ~~في فلك واحد وكقوله : { وكل شىء عنده بمقدار } ( الرعد : 8 ) وإن نظرنا إلى ~~الله تعالى فللكل حساب واحد قدر الكل بتقدير حسبانهما بحساب ، مثاله من ~~يقسم ميراث نفسه لكل واحد من الورثة نصيبا معلوما بحساب واحد ، ثم يختلف ~~الأمر عندهم فيأخذ البعض السدس والبعض كذا والبعض كذا ، فكذلك الحساب ~~الواحد . وأما قوله : { والنجم والشجر يسجدان } ففيه أيضا مباحث : # الأول : ما الحكمة في ذكر الجمل السابقة من غير واو عاطفة ، ومن هنا ~~ذكرها بالواو العاطفة ؟ نقول ليتنوع الكلام نوعين ، وذلك لأن من بعد النعم ~~على غيره تارة يذكر نسقا من غير حرف ، فيقول : فلان أنعم عليك كثيرا ، ~~أغناك بعد فقر ، أعزك بعد ذل ، قواك بعد ضعف ، وأخرى يذكرها بحرف عاطف وذلك ~~العاطف قد يكون واوا وقد يكون فاء وقد يكون ثم ، فيقول : فلان أكرمك وأنعم ~~عليك وأحسن إليك ، ويقول : رباك فعلمك فأغناك ، ويقول : أعطاك ثم أغناك ثم ~~أحوج الناس إليك ، فكذلك هنا ذكر التعديد بالنوعين جميعا ، فإن قيل : زده ~~بيانا وبين الفرق بين النوعين في المعنى ، قلنا : الذي يقول بغير حرف كأنه ~~يقصد به بيان النعم الكثيرة فيترك الحرف ليستوعب الكل من غير تطويل كلام ، ~~ولهذا يكون ذلك النوع في أغلب الأمر عند مجاوزة النعم ثلاثا أو عندما تكون ~~أكثر من نعمتين فإن ذكر ذلك عند نعمتين فيقول : فلان أعطاك المال وزوجك ~~البنت ، فيكون في كلامه إشارة إلى نعم كثيرة وإنما اقتصر على النعمتين ~~للأنموذج ، والذي يقول بحرف فكأنه يريد التنبيه على استقلال كل نعمة بنفسها ~~/ وإذهاب توهم البدل والتفسير ، فإن قول القائل : أنعم عليك أعطاك المال هو ~~تفسير للأول فليس في كلامه ms8737 ذكر نعمتين معا بخلاف ما إذا ذكر بحرف ، فإن قيل ~~: إن PageV29P078 كان الأمر على ما ذكرت فلو ذكر النعم الأول بالواو ثم عند ~~تطويل الكلام في الآخر سردها سردا ، هل كان أقرب إلى البلاغة ؟ وورود كلامه ~~تعالى عليه كفاه دليلا على أن ما ذكره الله تعالى أبلغ ، وله دليل تفصيلي ~~ظاهر يبين ببحث وهو أن الكلام قد يشرع فيه المتكلم أولا على قصد الاختصار ~~فيقتضي الحال التطويل ، إما لسائل يكثر السؤال ، وإما لطالب يطلب الزيادة ~~للطف كلام المتكلم ، وإما لغيرهما من الأسباب وقد يشرع على قصد الإطناب ~~والتفصيل ، فيعرض ما يقتضي الاقتصار على المقصود من شغل السامع أو المتكلم ~~وغير ذلك مما جاء في كلام الآدميين ، نقول : كلام الله تعالى فوائده لعباده ~~لا له ففي هذه السورة ابتدأ الأمر بالإشارة إلى بيان أتم النعم إذ هو ~~المقصود ، فأتى بما يختص بالكثرة ، ثم إن الإنسان ليس بكامل العلم يعلم ~~مراد المتكلم إذا كان الكلام من أبناء جنسه ، فكيف إذا كان الكلام كلام ~~الله تعالى ، فبدأ الله به على الفائدة الأخرى وإذهاب توهم البدل والتفسير ~~والنعي على أن كل واحد منها نعمة كاملة ، فإن قيل : إذا كان كذلك فما ~~الحكمة في تخصيص العطف بهذا الكلام والابتداء به لا بما قبله ولا بما بعده ~~؟ قلنا : ليكون النوعان على السواء فذكر الثمانية من النعم كتعليم القرآن ~~وخلق الإنسان وغير ذلك أربعا منها بغير واو وأربعا بواو ، / وأما قوله ~~تعالى : { فيها فاكهة والنخل } ( الرحمن : 11 ) وقوله : { والحب ذو العصف } ~~( الرحمن : 12 ) فلبيان نعمة الأرض على التفصيل ثم في اختيار الثمانية ~~لطيفة ، وهي أن السبعة عدد كامل والثمانية هي السبعة مع الزيادة فيكون فيه ~~إشارة إلى أن نعم الله خارجة عن حد التعديد لما أن الزائد على الكمال لا ~~يكون معينا مبينا ، فذكر الثمانية منها إشارة إلى بيان الزيادة على حد ~~العدد لا لبيان الانحصار فيه . # المسألة الثانية : النجم ماذا ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : النبات الذي ~~لا ساق له والثاني : نجم السماء والأول أظهر لأنه ذكره ms8738 مع الشجر في مقابلة ~~الشمس والقمر ذكر أرضين في مقابلة سماوين ، ولأن قوله : { يسجدان } يدل على ~~أن المراد ليس نجم السماء لأن من فسر به قال : يسجد بالغروب ، وعلى هذا ~~فالشمس والقمر أيضا كذلك يغربان ، فلا يبقى للاختصاص فائدة ، وأما إذا قلنا ~~: هما أرضان فنقول : { يسجدان } بمعنى ظلالهما تسجد فيختص السجود بهما دون ~~الشمس والقمر ، وفي سجودهما وجوه أحدها : ما ذكرنا من سجود الظلال ثانيها : ~~خضوعهما لله تعالى وخروجهما من الأرض ودوامهما وثباتهما عليها بإذن الله ~~تعالى ، فسخر الشمس والقمر بحركة مستديرة والنجم بحركة مستقيمة إلى فوق ، ~~فشبه النبات في مكانها بالسجود لأن الساجد يثبت . ثالثها : حقيقة السجود ~~توجد منهما وإن لم تكن مرئية كما يسمح كل منهما وإن لم يفقه كما قال تعالى ~~: { ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } ( الإسراء : 44 ) ، رابعها : السجود وضع ~~الجبهة أو مقاديم الرأس على الأرض والنجم والشجر في الحقيقة رؤوسهما على ~~الأرض وأرجلهما في الهواء ، لأن الرأس من الحيوان ما به شربه واغذاؤه ، ~~وللنجم والشجر اغتذاؤهما وشربهما بأجذالهما ولأن الرأس لا تبقى بدونه ~~الحياة والشجر والنجم لا يبقى شيء منهما ثابتا غضا عند وقوع الخلل في ~~أصولهما ، ويبقى عند قطع فروعهما وأعاليهما ، وإنما يقال : للفروع رؤوس ~~الأشجار ، لأن الرأس في الإنسان هو ما يلي جهة فوق فقيل لأعالي الشجر رؤوس ~~، إذا علمت هذا فالنجم والشجر رؤوسهما على الأرض دائما ، فهو سجودهما ~~بالشبه لا بطريق الحقيقة . # المسألة الثالثة : في تقديم النجم على الشجر موازنة لفظية للشمس والقمر ~~وأمر معنوي ، وهو أن النجم في معنى السجود أدخل لما أنه ينبسط على الأرض ~~كالساجد حقيقة ، كما أن الشمس في الحسبان أدخل ، لأن حساب سيرها أيسر عند ~~المقومين من حساب سير القمر ، إذ ليس عند المقومين أصعب من تقويم القمر في ~~حساب الزيج . PageV29P079 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { والسمآء رفعها ووضع الميزان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 7 ) والسماء رفعها ووضع . . . . . # > > ورفع السماء معلوم معنى ، ونصبها معلوم لفظا فإنها منصوبة بفعل يفسره ~~قوله : { رفعها } كأنه تعالى قال : رفع السماء ، وقرىء { والسماء } بالرفع ~~على ms8739 الابتداء والعطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله : { الشمس والقمر ~~} ( الرحمن : 5 ) وأما وضع الميزان / فإشارة إلى العدل وفيه لطيفة وهي أنه ~~تعالى بدأ أولا بالعلم ثم ذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم وهو القرآن ، ثم ~~ذكر العدل وذكر أخص الأمور له وهو الميزان ، وهو كقوله تعالى : { وأنزلنا ~~معهم الكتاب والميزان } ( الحديد : 25 ) ليعمل الناس بالكتاب ويفعلوا ~~بالميزان ما يأمرهم به الكتاب فقوله : { علم القرءان } { ووضع الميزان } ~~مثل : { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } فإن قيل : العلم لا شك في كونه ~~نعمة عظيمة ، وأما الميزان فما الذي فيه من النعم العظيمة التي بسببها يعد ~~في الآلاء ؟ نقول : النفوس تأبى الغبن ولا يرضى أحد بأن يغلبه الآخر ولو في ~~الشيء اليسير ، ويرى أن ذلك استهانة به فلا يتركه لخصمه لغلبة ، فلا أحد ~~يذهب إلى أن خصمه يغلبه فلولا التبيين ثم التساوي لأوقع الشيطان بين الناس ~~البغضاء كما وقع عند الجهل وزوال العقل والسكر ، فكما أن العقل والعلم صارا ~~سببا لبقاء عمارة العالم ، فكذلك العدل في الحكمة سبب ، وأخص الأسباب ~~الميزان فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته لكثرته وسهولة الوصول ~~إليه كالهواء والماء اللذين لا يتبين فضلهما إلا عند فقدهما . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ألا تطغوا فى الميزان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 8 ) ألا تطغوا في . . . . . # > > وعلى هذا قيل : المراد من الميزان الأول العدل ووضعه شرعه كأنه قال : ~~شرع الله العدل لئلا تطغوا في الميزان الذي هو آلة العدل ، هذا هو المنقول ~~، والأولى أن يعكس الأمر ، ويقال : الميزان الأول هو الآلة ، والثاني هو ~~بمعنى المصدر ومعناه وضع الميزان لئلا تطغوا في الوزن أو بمعنى العدل وهو ~~إعطاء كل مستحق حقه ، فكأنه قال : وضع الآلة لئلا تطغوا في إعطاء المستحقين ~~حقوقهم . ويجوز إرادة المصدر من الميزان كإرادة الوثوق من الميثاق والوعد ~~من الميعاد ، فإذن المراد من الميزان آلة الوزن . والوجه الثاني : ( أن ) ( ~~أن ) مفسرة والتقدير شرع العدل ، أي لا تطغوا ، فيكون وضع الميزان بمعنى ~~شرع العدل ، وإطلاق الوضع للشرع والميزان للعدل جائز ، ويحتمل ms8740 أن يقال : ~~وضع الميزان أي الوزن . # وقوله : { ألا تطغوا فى الميزان } على هذا الوجه ، المراد منه الوزن ، ~~فكأنه نهى عن الطغيان في الوزن ، والاتزان وإعادة الميزان بلفظه يدل على أن ~~المراد منهما واحد ، فكأنه قال : ألا تطغوا فيه ، فإن قيل : لو كان المراد ~~الوزن ، لقال : ألا تطغوا في الوزن ، نقول : لو قال في الوزن لظن أن النهي ~~مختص بالوزن للغير لا بالاتزان للنفس ، فذكر بلفظ الآلة التي تشتمل على ~~الأخذ والإعطاء ، وذلك لأن المعطي لو وزن ورجح رجحانا ظاهرا يكون قد أربى ، ~~ولا سيما في الصرف وبيع المثل . # ! 7 < { وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان } . > 7 @QB@ < # | الرحمن : ( 9 ) وأقيموا الوزن بالقسط . . . . . # > > # وقوله تعالى : { وأقيموا الوزن بالقسط } يدل على أن المراد من قوله : { ~~ألا تطغوا فى الميزان } هو بمعنى لا تطغوا في الوزن ، لأن قوله : { وأقيموا ~~الوزن } كالبيان لقوله : { ألا تطغوا فى الميزان } وهو الخروج PageV29P080 ~~عن إقامته بالعدل ، وقوله : { وأقيموا الوزن بالقسط } يحتمل وجهين / أحدهما ~~: أقيموا بمعنى قوموا به كما في قوله تعالى : { وإذ أخذنا } ( البقرة : 43 ~~) أي قوموا بها دواما ، لأن الفعل تارة يعدى بحرف الجر ، وتارة بزيادة ~~الهمزة ، تقول : أذهبه وذهب به ثانيها : أن يكون أقيموا بمعنى قوموا ، يقال ~~: في العود أقمته وقومته ، والقسط العدل ، فإن قيل : كيف جاء قسط بمعنى جار ~~لا بمعنى عدل ؟ نقول : القسط اسم ليس بمصدر ، والأسماء التي لا تكون مصادر ~~إذا أتى بها آت أو وجدها موجد ، يقال فيها : أفعل بمعنى أثبت ، كما قال : ~~فلان أطرف وأتحف وأعرف بمعنى جاء بطرفة وتحفة وعرف ، وتقول : أقبض السيف ~~بمعنى أثبت له قبضة ، وأعلم الثوب بمعنى جعل له علما ، وأعلم بمعنى أثبت ~~العلامة ، وكذا ألجم الفرس وأسرج ، فإذا أمر بالقسط أو أثبته فقد أقسط ، ~~وهو بمعنى عدل ، وأما قسط فهو فعل من اسم ليس بمصدر ، والاسم إذا لم يكن ~~مصدرا في الأصل ، ويورد عليه فعل فربما يغيره عما هو عليه في أصله ، مثاله ~~الكتف إذا قلت كتفته كتافا فكأنك قلت : أخرجته عما كان عليه من الانتفاع ~~وغيرته ms8741 ، فإن معنى كتفته شددت كتفيه بعضهما إلى بعض فهو مكتوف ، فالكتف ~~كالقسط صارا مصدرين عن اسم وصار الفعل معناه تغير عن الوجه الذي ينبغي أن ~~يكون ، وعلى هذا لا يحتاج إلى أن يقال : القاسط والمقسط ليس أصلهما واحدا ~~وكيف كان يمكن أن يقال : أقسط بمعنى أزال القسط ، كما يقال : أشكى بمعنى ~~أزال الشكوى أو أعجم بمعنى أزال العجمة ، وهذا البحث فيه فائدة فإن قول ~~القائل : فلان أقسط من فلان وقال الله تعالى : { ذالكم أقسط عند الله } ( ~~البقرة : 282 ) والأصل في أفعل التفضيل أن يكون من الثلاثي المجرد تقول : ~~أظلم وأعدل من ظالم وعادل ، فكذلك أقسط كان ينبغي أن يكون من قاسط ، ولم ~~يكن كذلك ، لأنه على ما بينا الأصل القسط ، وقسط فعل فيه لا على الوجه ، ~~والإقساط إزالة ذلك ، ورد القسط إلى أصله ، فصار أقسط موافقا للأصل ، وأفعل ~~التفضيل يؤخذ مما هو أصل لا من الذي فرع عليه ، فيقال : أظلم من ظالم لا من ~~متظلم وأعلم من عالم لا من معلم ، والحاصل أن الأقسط وإن كان نظرا إلى ~~اللفظ ، كان ينبغي أن يكون من القاسط ، لكنه نظرا إلى المعنى ، يجب أن يكون ~~من المقسط ، لأن المقسط أقرب من الأصل المشتق وهو القسط ، ولا كذلك الظالم ~~والمظلم ، فإن الأظلم صار مشتقا من الظالم ، لأنه أقرب إلى الأصل لفظا ~~ومعنى ، وكذلك العالم والمعلم والخبر والمخبر . # ثم قال : { ولا تخسروا الميزان } أي لا تنقصوا الموزون . والميزان ذكره ~~الله تعالى ثلاث مرات كل مرة بمعنى آخر ، فالأول هو الآلة { ووضع الميزان } ~~( الرحمن : 7 ) ، والثاني بمعنى المصدر { ألا تطغوا فى الميزان } ( الرحمن ~~: 8 ) أي الوزن ، والثالث للمفعول : { ولا تخسروا الميزان } أي الموزون ، ~~وذكر الكل بلفظ الميزان لما بينا أن الميزان أشمل للفائدة وهو كالقرآن ذكره ~~الله تعالى بمعنى المصدر في قوله تعالى : { فاتبع قرءانه } ( القيامة : 18 ~~) وبمعنى المقروء في قوله : { إن علينا جمعه وقرءانه } ( القيامة : 17 ) ~~وبمعنى الكتاب الذي فيه المقروء في / قوله تعالى : { ولو أن قرانا سيرت به ~~الجبال } ( الرعد : 31 ) فكأنه آلة ومحل ms8742 له ، وفي قوله تعالى : { ولقد ~~ءاتيناك سبعا من المثاني والقرءان } ( الحجر : 87 ) وفي كثير من المواضع ~~ذكر القرآن لهذا الكتاب الكريم ، وبين القرآن والميزان مناسبة ، فإن القرآن ~~فيه من العلم مالا يوجد في غيره من الكتب ، والميزان فيه من العدل مالا ~~يوجد في غيره PageV29P081 من الآلات ، فإن قيل : ما الفائدة في تقديم ~~السماء على الفعل حيث قال : { والسماء رفعها } وتقديم الفعل على الميزان ~~حيث قال : { ووضع الميزان } ( الرحمن : 7 ) نقول : قد ذكرنا مرارا أن في كل ~~كلمة من كلمات الله فوائد لا يحيط بها علم البشر إلا ما ظهر والظاهر ههنا ~~أنه تعالى لما عد النعم الثمانية كما بينا وكان بعضها أشد اختصاصا بالإنسان ~~من بعض فما كان شديد الاختصاص بالإنسان قدم فيه الفعل ، كما بينا أن ~~الإنسان يقول : أعطيتك الألوف وحصلت لك العشرات ، فلا يصرح في القليل ~~بإسناد الفعل إلى نفسه ، وكذلك يقول : في النعم المختصة ، أعطيتك كذا ، وفي ~~التشريك وصل إليك مما اقتسمتم بينكم كذا ، فيصرح بالإعطاء عند الاختصاص ، ~~ولا يسند الفعل إلى نفسه عند التشريك ، فكذلك ههنا ذكر أمورا أربعة بتقديم ~~الفعل ، قال تعالى : { علم القرءان * خلق الإنسان * علمه البيان } { ووضع ~~الميزان } ( الرحمن : 7 ) وأمورا أربعة بتقديم الاسم ، قال تعالى : { ~~والشمس والقمر * والنجم والشجر * والسماء رفعها * والارض وضعها } ( الرحمن ~~: 5 10 ) لما أن تعليم القرآن نفعه إلى الإنسان أعود ، وخلق الإنسان مختص ~~به ، وتعليمه البيان كذلك ووضع الميزان ، كذلك لأنهم هم المنتفعون به ~~الملائكة ، ولا غير الإنسان من الحيوانات ، وأما الشمس والقمر والنجم ~~والشجر والسماء والأرض فينتفع به كل حيوان على وجه الأرض وتحت السماء . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { والا رض وضعها للا نام } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 10 ) والأرض وضعها للأنام # > > في مباحث : # الأول : هو أنه قد مر أن تقديم الاسم على الفعل كان في مواضع عدم ~~الاختصاص وقوله تعالى : { للانام } يدل على الاختصاص ، فإن اللام لعود ~~النفع نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : ما قيل : إن الأنام يجمع ~~الإنسان وغيره من الحيوان ، فقوله { للانام } لا يوجب ms8743 الاختصاص بالإنسان ~~ثانيهما : أن الأرض موضوعة لكل ما عليها ، وإنما خص الإنسان بالذكر لأن ~~انتفاعه بها أكثر فإنه ينتفع بها وبما فيها وبما عليها ، فقال { للانام } ~~لكثرة انتفاع الأنام بها ، إذا قلنا إن الأنام هو الإنسان ، وإن قلنا إنه ~~الخلق فالخلق يذكر ويراد به الإنسان في كثير من المواضع . # ! 7 < { فيها فاكهة والنخل ذات الا كمام } . > 7 @QB@ < # | الرحمن : ( 11 ) فيها فاكهة والنخل . . . . . # > > # وقوله تعالى : { فيها فاكهة والنخل ذات الاكمام } إشارة إلى الأشجار ، ~~وقوله : { والحب ذو العصف } ( الرحمن : 12 ) إشارة إلى النبات الذي ليس ~~بشجر والفاكهة ما تطيب به النفس ، وهي فاعلة إما على طريقة : { عيشة راضية ~~} ( الحاقة : 21 ) أي ذات رضى يرضى بها كل أحد ، وإما على تسمية الآلة ~~بالفاعل يقال : راوية للقربة التي يروى بها العطشان ، وفيه معنى المبالغة ~~كالراحلة لما يرحل عليه ، ثم صار اسما لبعض الثمار / وضعت أولا من غير ~~اشتقاق ، والتنكير للتكثير ، أي كثيرة كما يقال لفلان مال أي عظيم ، وقد ~~ذكرنا وجه دلالة التنكير على التعظيم وهو أن القائل : كأنه يشير إلى أنه ~~عظيم لا يحيط به معرفة كل أحد فتنكيره إشارة إلى أنه خارج عن أن يعرف كنهه ~~. # وقوله تعالى : { والنخل ذات الاكمام } إشارة إلى النوع الآخر من الأشجار ~~، لأن الأشجار المثمرة أفضل الأشجار وهي منقسمة إلى أشجار ثمار هي فواكه لا ~~يقتات بها وإلى أشجار ثمار هي قوت وقد يتفكه بها ، كما أن الفاكهة قد يقتات ~~بها ، فإن الجائع إذا لم يجد غير الفواكه يتقوت بها ويأكل غير متفكه بها ، ~~وفيه مباحث : PageV29P082 # الأول : ما الحكمة في تقديم الفاكهة على القوت ؟ نقول : هو باب الابتداء ~~بالأدنى والارتقاء إلى الأعلى ، والفاكهة في النفع دون النخل الذي منه ~~القوت ، والتفكه وهو دون الحب الذي عليه المدار في سائر المواضع ، وبه ~~يتغذى الأنام في جميع البلاد ، فبدأ بالفاكهة ثم ذكر النخل ثم ذكر الحب ~~الذي هو أتم نعمة لموافقته مزاج الإنسان ، ولهذا خلقه الله في سائر البلاد ~~وخصص النخل بالبلاد الحارة . # البحث الثاني : ما الحكمة في تنكير ms8744 الفاكهة وتعريف النخل ؟ وجوابه من ~~وجوه أحدها : أن القوت محتاج إليه في كل زمان متداول في كل حين وأوان فهو ~~أعرف والفاكهة تكون في بعض الأزمان وعند بعض الأشخاص وثانيها : هو أن ~~الفاكهة على ما بينا ما يتفكه به وتطيب به النفس وذلك عند كل أحد بحسب كل ~~وقت شيء ، فمن غلب عليه حرارة وعطش ، يريد التفكه بالحامض وأمثاله ، ومن ~~الناس من يريد التفكه بالحلو وأمثاله ، فالفاكهة غير متعينة فنكرها والنخل ~~والحب معتادان معلومان فعرفهما وثالثها : النخل وحدها نعمة عظيمة تعلقت بها ~~منافع كثيرة ، وأما الفاكهة فنوع منها كالخوخ والإجاص مثلا ليس فيه عظيم ~~النعمة كما في النخل ، فقال : { فاكهة } بالتنكير ليدل على الكثرة وقد صرح ~~بالكثرة في مواضع أخر فقال : { يدعون فيها بفاكهة كثيرة } ( ص: 51 ) وقال : ~~{ وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة } ( الواقعة : 32 ، 33 ) ، فالفاكهة ~~ذكرها الله تعالى ووصفها بالكثرة صريحا وذكرها منكرة ، لتحمل على أنها ~~موصوفة بالكثرة اللائقة بالنعمة في النوع الواحد منها بخلاف النخل . # البحث الثالث : ما الحكمة في ذكر الفاكهة باسمها لا باسم أشجارها ، وذكر ~~النخل باسمها لا باسم ثمرها ؟ نقول : قد تقدم بيانه في سورة : يس حيث قال ~~تعالى : { من نخيل وأعناب } ( يس : 34 ) وهو أن شجرة العنب ، وهي الكرم ~~بالنسبة إلى ثمرتها وهي العنب حقيرة ، وشجرة النخل بالنسبة إلى ثمرتها ~~عظيمة ، وفيها من الفوائد الكثيرة على ماعرف من اتخاذ الظروف منها ~~والانتفاع بجمارها وبالطلع والبسر والرطب وغير ذلك ، فثمرتها في أوقات ~~مختلفة كأنها ثمرات مختلفة ، فهي أتم نعمة بالنسبة إلى الغير من الأشجار ، ~~فذكر النخل باسمه وذكر الفاكهة دون أشجارها ، فإن فوائد أشجارها في عين ~~ثمارها . # البحث الرابع : ما معنى : { ذات الاكمام } ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : ~~الأكمام كل ما يغطي / جمع كم بضم الكاف ، ويدخل فيه لحاؤها وليفها ونواها ~~والكل منتفع به ، كما أن النخل منتفع بها وأغصانها وقلبها الذي هو الجمار ~~ثانيهما : الأكمام جمع كم بكسر الكاف وهو وعاء الطلع فإنه يكون أولا في ~~وعاء فينشق ويخرج منه الطلع ، فإن قيل ms8745 على الوجه الأول : { ذات الاكمام } ~~في ذكرها فائدة لأنها إشارة إلى أنواع النعم ، وأما على الوجه الثاني فما ~~فائدة ذكرها ؟ نقول : الإشارة إلى سهولة جمعها والانتفاع بها فإن النخلة ~~شجرة عظيمة لا يمكن هزها لتسقط منها الثمرة فلا بد من قطف الشجرة فلو كان ~~مثل الجميز الذي يقال : إنه يخرج من الشجرة متفرقا واحدة واحدة لصعب قطافها ~~فقال : { ذات الاكمام } أي يكون في كم شيء كثير إذا أخذ عنقود واحد منه كفى ~~رجلا واثنين كعناقيد العنب ، فانظر إليها فلو كان العنب حباتها في الأشجار ~~متفرقة كالجميز والزعرور لم يمكن جمعه بالهز متى أريد جمعه ، فخلقه الله ~~تعالى عناقيد مجتمعة ، كذلك الرطب فكونها { ذات الاكمام } من جملة إتمام ~~الإنعام . PageV29P083 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { والحب ذو العصف والريحان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 12 ) والحب ذو العصف . . . . . # > > اقتصر من الأشجار على النخل لأنها أعظمها ودخل في الحب القمح والشعير ~~وكل حب يقتات به خبزا أو يؤدم به بينا أنه أخره في الذكر على سبيل الارتقاء ~~درجة فدرجة فالحبوب أنفع من النخل وأعم وجودا في الأماكن . وقوله تعالى : { ~~ذو العصف } فيه وجوه أحدها : التبن الذي تنتفع به دوابنا التي خلقت لنا ~~ثانيها : أوراق النبات الذي له ساق الخارجة من جوانب الساق كأوراق السنبلة ~~من أعلاها إلى أسفلها ثالثها : العصف هو ورق ما يؤكل فحسب والريحان فيه ~~وجوه ، قيل : ما يشم وقيل : الورق ، وقيل : هو الريحان المعروف عندنا وبزره ~~ينفع في الأدوية ، والأظهر أن رأسها كالزهر وهو أصل وجود المقصود ، فإن ذلك ~~الزهر يتكون بذلك الحب وينعقد إلى أن يدرك فالعصف إشارة إلى ذلك الورق ~~والريحان إلى ذلك الزهر ، وإنما ذكرهما لأنهما يؤولان إلى المقصود من ~~أحدهما علف الدواب ، ومن الآخر دواء الإنسان ، وقرىء الريحان بالجر معطوفا ~~على العصف ، وبالرفع عطفا على الحب وهذا يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون ~~المراد من الريحان المشموم فيكون أمرا مغايرا للحب فيعطف عليه والثاني : أن ~~يكون التقدير ذو الريحان بحذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه كما في : ~~{ واسئل القرية } ( يوسف ms8746 : 82 ) وهذا مناسب للمعنى الذي ذكرنا ، ليكون ~~الريحان الذي ختم به أنواع النعم الأرضية أعز وأشرف ، ولو كان المراد من ~~الريحان هو المعروف أو المشمومات لما حصل ذلك الترتيب ، وقرىء : { والريحان ~~} ولا يقرأ : { والحب ذو العصف } ويعود الوجهان فيه . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 13 ) فبأي آلاء ربكما . . . . . # > > وفيه مباحث : # الأول : الخطاب مع من ؟ نقول : فيه وجوه الأول : الإنس والجن وفيه ثلاثة ~~أوجه / أحدها : يقال : الأنام اسم للجن والإنس وقد سبق ذكره ، فعاد الضمير ~~إلى ما في الأنام من الجنس ثانيها : الأنام اسم الإنسان و الجان لما كان ~~منويا وظهر من بعد بقوله : { وخلق الجان } ( الرحمن : 15 ) جاز عود الضمير ~~إليه ، وكيف لا وقد جاز عود الضمير إلى المنوي ، وإن لم يذكر منه شيء ، ~~تقول : لا أدري أيهما خير من زيد وعمرو ثالثها : أن يكون المخاطب في النية ~~لا في اللفظ كأنه قال فبأي آلاء ربكما تكذبان أيها الثقلان الثاني : الذكر ~~والأنثى . فعاد الضمير إليهما والخطاب معهما الثالث : فبأي آلاء ربك تكذب ، ~~فبأي آلاء ربك تكذب ، بلفظ واحد والمراد التكرار للتأكيد الرابع : المراد ~~العموم ، لكن العام يدخل فيه قسمان بهما ينحصر الكل ولا يبقى شيء من العام ~~خارجا عنه فإنك إذا قلت : إنه تعالى خلق من يعقل ومن لا يعقل ، أو قلت : ~~الله يعلم ما ظهر وما لم يظهر إلى غير ذلك من التقاسيم الحاصرة يلزم ~~التعميم ، فكأنه قال : يا أيها القسمان : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ~~واعلم أن التقسيم الحاصر لا يخرج عن أمرين أصلا ولا يحصل الحصر إلا بهما ، ~~فإن زاد فهناك قسمان قد طوى أحدهما في الآخر ، مثاله إذا قلت : اللون إما ~~سواد وإما بياض ، وإما حمرة وإما صفرة وإما غيرها فكأنك قلت : اللون إما ~~أسود وإما ليس بسواد أو إما بياض وإما ليس ببياض ، ثم الذي ليس ببياض إما ~~حمرة وإما ليس بحمرة وكذلك إلى جملة التقسيمات ، فأشار إلى القسمين ~~الحاصرين على أن ليس لأحد ولا لشيء أن ينكر نعم الله ms8747 الخامس : التكذيب قد ~~يكون بالقلب دون اللسان ، كما في المنافقين ، وقد يكون باللسان دون القلب ~~كما في المعاندين وقد يكون بهما جميعا ، فالكذب لا يخرج عن أن يكون باللسان ~~أو PageV29P084 بالقلب فكأنه تعالى قال : يا أيها القلب واللسان فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان فإن النعم بلغت حدا لا يمكن المعاند أن يستمر على تكذيبها ، ~~السادس : المكذب مكذب بالرسول والدلائل السمعية التي بالقرآن ومكذب بالعقل ~~والبراهين والتي في الآفاق والأنفس فكأنه تعالى قال : يا أيها المكذبان بأي ~~آلاء ربكما تكذبان ، وقد ظهرت آيات الرسالة فإن الرحمن علم القرآن ، وآيات ~~الوحدانية فإنه تعالى خلق الإنسان وعلمه البيان ، ورفع السماء ووضع الأرض ~~السابع : المكذب قد يكون مكذبا بالفعل وقد يكون التكذيب منه غير واقع بعد ~~لكنه متوقع فالله تعالى قال : يا أيها المكذب تكذب وتتلبس بالكذب ، ويختلج ~~في صدرك أنك تكذب ، { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ، وهذه الوجوه قريبة بعضها ~~من بعض والظاهر منها الثقلان ، لذكرهما في الآيات من هذه السورة بقوله : { ~~سنفرغ لكم أيها الثقلان } ( الرحمن : 31 ) ، وبقوله : { وما خلقت الجن ~~والإنس } ( الرحمن : 33 ) وبقوله : { خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق ~~الجان } ( الرحمن : 14 ) إلى غير ذلك ، ( والزوجان ) لوروده في القرآن كثير ~~والتعميم بإرادة نوعين حاصرين للجميع ، ويمكن أن يقال : التعميم أولى لأن ~~المراد لو كان الإنس والجن اللذان خاطبهما بقوله : { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } ما كان يقول بعد خلق الإنسان ، بل كان يخاطب ويقول : خلقناك يا ~~أيها الإنسان من صلصال وخلقناك يا أيها الجان أو يقول : خلقك يا أيها ~~الإنسان / لأن الكلام صار خطابا معهما ، ولما قال الإنسان ، دل على أن ~~المخاطب غيره وهو العموم فيصير كأنه قال : يا أيها الخلق والسامعون إنا ~~خلقنا الإنسان من صلصال كالفخار / وخلقنا الجان من مارج من نار . وسيأتي ~~باقي البيان في مواضع من تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى الثاني : ما ~~الحكمة في الخطاب ولم يسبق ذكر مخاطب ، نقول : هو من باب الالتفات إذ مبنى ~~افتتاح السورة على الخطاب مع كل من يسمع ، فكأنه لما ms8748 قال : { الرحمان * علم ~~القرءان } ( الرحمن : 1 ، 2 ) قال : اسمعوا أيها السامعون ، والخطاب ~~للتقريع والزجر كأنه تعالى نبه الغافل المكذب على أنه يفرض نفسه كالواقف ~~بين يدي ربه يقول له ربه : أنعمت عليك بكذا وكذا ، ثم يقول : فبأي آلائي ~~تكذب ولا شك أنه عند هذا يستحي استحياء لا يكون عنده فرض الغيبة الثالث : ~~ما الفائدة في اختيار لفظة الرب وإذا خاطب أراد خطاب الواحد فلم قال : { ~~ربكما تكذبان } وهو الحاضر المتكلم فكيف يجعل التكذيب المسند إلى المخاطب ~~واردا على الغائب ولو قال : بأي آلائي تكذبان كان أليق في الخطاب ؟ نقول : ~~في السورة المتقدمة قال : { كذبت ثمود بالنذر } ( القمر : 23 ) { كذبت قوم ~~لوط بالنذر } ( القمر : 33 ) وقال : { كذبوا بئاياتنا } ( القمر : 42 ) ~~وقال : { فأخذناهم } ( القمر : 42 ) وقال : { كيف كان * عذابى ونذر } ( ~~القمر : 21 ) كلها بالاستناد إلى ضمير المتكلم حيث كان ذلك للتخويف فالله ~~تعالى أعظم من أن يخشى فلو قال : أخذهم القادر أو المهلك لما كان في ~~التعظيم مثل قوله : { فأخذناهم } ولهذا قال تعالى : { ويحذركم الله نفسه } ~~( آل عمران : 28 ، 30 ) وهذا كما أن المشهور بالقوة يقول أنا الذي تعرفني ~~فيكون في إثبات الوعيد فوق قوله أنا المعذب فلما كان الإسناد إلى النفس ~~مستعملا في تلك السورة عند الإهلاك والتعذيب ذكر في هذه السورة عند بيان ~~الرحمة لفظ يزيل الهيبة وهو لفظ الرب فكأنه تعالى قال فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان وهو رباكما الرابع : ما الحكمة في تكرير هذه الآية وكونه إحدى ~~وثلاثين مرة ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : إن فائدة التكرير التقرير ~~وأما هذا العدد الخاص فالأعداد توقيفية لا تطلع على تقدير المقدرات أذهان ~~الناس والأولى أن لا يبالغ الإنسان في استخراج الأمور البعيدة في كلام الله ~~تعالى تمسكا بقول عمر PageV29P085 رضي الله تعالى عنه حيث قال مع نفسه عند ~~قراءته سورة عبس : كل هذا قد عرفناه فما الأب ثم رفع عصا كانت بيده وقال ~~هذا لعمر الله التكليف وما عليك يا عمر أن لا تدري ما الأب ثم قال : اتبعوا ~~ما ms8749 بين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه وسيأتي فائدة كلامه تعالى في تفسير ~~السورة إن شاء الله تعالى الجواب الثاني : ما قلناه : إنه تعالى ذكر في ~~السورة المتقدمة : { فكيف كان عذابى ونذر } أربع مرات لبيان ما في ذلك من ~~المعنى وثلاث مرات للتقرير والتكرير وللثلاث والسبع من بين الأعداد فوائد ~~ذكرناها في قوله تعالى : { والبحر يمده من بعده سبعة أبحر } ( لقمان : 27 ) ~~فلما ذكرنا العذاب ثلاث مرات ذكر الآلاء إحدى وثلاثين مرة لبيان ما فيه من ~~المعنى وثلاثين مرة للتقرير الآلاء مذكورة عشر مرات أضعاف مرات ذكر العذاب ~~إشارة إلى معنى قوله تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } ( الأنعام : 16 ) ، الثالث : إن الثلاثين مرة ~~تكرير بعد البيان في المرة الأولى لأن / الخطاب مع الجن والإنس ، والنعم ~~منحصرة في دفع المكروه وتحصيل المقصود ، لكن أعظم المكروهات عذاب جهنم ولها ~~سبعة أبواب وأتم المقاصد نعيم الجنة ولها ثمانية أبواب فإغلاق الأبواب ~~السبعة وفتح الأبواب الثمانية جميعه نعمة وإكرام ، فإذا اعتبرت تلك النعم ~~بالنسبة إلى جنسي الجن والإنس تبلغ ثلاثين مرة وهي مرات التكرير للتقرير / ~~والمرة الأولى لبيان فائدة الكلام ، وهذا منقول وهو ضعيف ، لأن الله تعالى ~~ذكر نعم الدنيا والآخرة ، وما ذكره اقتصار على بيان نعم الآخرة الرابع : هو ~~أن أبواب النار سبعة والله تعالى ذكر سبع آيات تتعلق بالتخويف من النار ، ~~من قوله تعالى : { سنفرغ لكم أيها الثقلان } ، إلى قوله تعالى : { يطوفون ~~بينها وبين حميم ءان } ( الرحمن : 31 44 ) ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك جنتين ~~حيث قال : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) ولكل جنة ثمانية ~~أبواب تفتح كلها للمتقين ، وذكر من أول السورة إلى ما ذكرنا من آيات ~~التخويف ثماني مرات : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } سبع مرات للتقرير ~~بالتكرير استيفاء للعدد الكثير الذي هو سبعة ، وقد بينا سبب اختصاصه في ~~قوله تعالى : { سبعة أبحر } ( لقمان : 27 ) وسنعيد منه طرفا إن شاء الله ~~تعالى ، فصار المجموع ثلاثين مرة المرة الواحدة ms8750 التي هي عقيب النعم الكثيرة ~~لبيان المعنى وهو الأصل والتكثير تكرار فصار إحدى وثلاثين مرة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 14 ) خلق الإنسان من . . . . . # > > وفي الصلصال وجهان أحدهما : هو بمعنى المسنون من صل اللحم إذا أنتن ، ~~ويكون الصلصال حينئذ من الصلول وثانيهما : من الصليل يقال : صل الحديد ~~صليلا إذا حدث منه صوت ، وعلى هذا فهو الطين اليابس الذي يقع بعضه على بعض ~~فيحدث فيما بينهما صوت ، إذ هو الطين اللازب الحر الذي إذا التزق بالشيء ثم ~~انفصل عنه دفعة سمع منه عند الانفصال صوت ، فإن قيل : الإنسان إذا خلق من ~~صلصال كيف ورد في القرآن أنه خلق من التراب وورد أنه خلق من الطين ومن حمأ ~~ومن ماء مهين إلى غير ذلك نقول : أما قوله { من تراب } ( الحج : 5 ) تارة ، ~~و { من ماء مهين } ( المرسلات : 20 ) أخرى ، فذلك باعتبار شخصين آدم خلق من ~~الصلصال ومن حمأ وأولاده خلقوا من ماء مهين ، ولولا خلق آدم لما خلق أولاده ~~، ويجوز أن يقال : زيد خلق من حمأ بمعنى أن أصله الذي هو جده خلق منه ، ~~وأما قوله : { من طين لازب } ( الصافات : 11 ) { من حمإ } ( الحجر : 26 ) ~~وغير ذلك فهو إشارة إلى أن آدم عليه السلام خلق أولا من التراب ، ثم صار ~~طينا ثم حمأ مسنونا ثم PageV29P086 لازبا ، فكأنه خلق من هذا ومن ذاك ، ومن ~~ذلك ، والفخار الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف مستعمل على أصل الاشتقاق ، ~~وهو مبالغة الفاخر كالعلام في العالم ، وذلك أن التراب الذي من شأنه التفتت ~~إذا صار بحيث يجعل ظرف الماء والمائعات ولا يتفتت ولا ينقع فكأنه يفخر على ~~أفراد جنسه . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وخلق الجآن من مارج من نار * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 15 ) وخلق الجان من . . . . . # > > وفي الجان وجهان أحدهما : هو أبو الجن كما أن الإنسان المذكور هنا هو ~~أبو الإنس وهو آدم ثانيهما : هو الجن بنفسه فالجان والجن وصفان من باب واحد ~~، كما يقال : ملح ومالح ms8751 ، أو نقول الجن اسم الجنس كالملح والجان مثل الصفة ~~كالمالح . # وفيه بحث : وهو أن العرب تقول : جن الرجل ولا يعلم له فاعل يبني الفعل ~~معه على المذكور ، وأصل ذلك جنه الجان فهو مجنون ، فلا يذكر الفاعل لعدم ~~العلم به ، ويقتصر على قولهم : جن فهو مجنون ، وينبغي أن يعلم أن القائل ~~الأول لا يقول : الجان اسم علم لأن الجان للجن كآدم لنا ، وإنما يقول بأن ~~المراد من الجان أبوهم ، كما أن المراد من الإنسان أبونا آدم ، فالأول منا ~~خلق من صلصال ، ومن بعده خلق من صلبه ، كذلك الجن الأول خلق من نار ، ومن ~~بعده من ذريته خلق من مارج ، والمارج المختلط ثم فيه وجهان أحدهما : أن ~~المارج هو النار المشوبة بدخان والثاني : النار الصافية والثاني أصح من حيث ~~اللفظ والمعنى أما اللفظ : فلأنه تعالى قال : { من مارج من نار } أي نار ~~مارجة ، وهذا كقول القائل : هو مصوغ من ذهب فإن قوله من ذهب فيه بيان تناسب ~~الأخلاط فيكون المعنى الكل من ذهب غير أنه يكون أنواعا مختلفة مختلطة بخلاف ~~ما إذا قلت : هذا قمح مختلط فلك أن تقول : مختلط بماذا فيقول : من كذا وكذا ~~فلو اقتصر على قوله : من قمح وكان منه ومن وغيره أيضا لكان اقتصاره عليه ~~مختلط بما طلب من البيان وأما المعنى : فلأنه تعالى كما قال : { خلق ~~الإنسان من صلصال } ( الرحمن : 14 ) أي من طين حر كذلك بين أن خلق الجان من ~~نار خالصة فإن قيل : فكيف يصح قوله : { مارج } بمعنى مختلط مع أنه خالص ؟ ~~نقول : النار إذا قويت التهبت ، ودخل بعضها في بعض كالشيء الممتزج امتزاجا ~~جيدا لا تميز فيه بين الأجزاء المختلطة وكأنه من حقيقة واحدة كما في الطين ~~المختمر ، وذلك يظهر في التنور المسجور ، إن قرب منه الحطب تحرقه فكذلك ~~مارج بعضها ببعض لا يعقل بين أجزائها دخان وأجزاء أرضية ، وسنبين هذا في ~~قوله تعالى : { مرج البحرين } ( الرحمن : 19 ) فإن قيل : المقصود تعديد ~~النعم على الإنسان ، فما وجه بيان خلق الجان ؟ نقول : الجواب عندي من ms8752 وجوه ~~أحدها : ما بينا أن قوله : { ربكما } خطاب مع الإنس والجن يعدد عليهما ~~النعم بل على الإنسان وحده ثانيها : أنه بيان فضل الله تعالى على الإنسان ، ~~حيث بين أنه خلق من أصل كثيف كدر ، وخلق الجان من أصل لطيف ، وجعل الإنسان ~~أفضل من الجان فإنه إذا نظر إلى أصله ، علم أنه ما نال الشرف إلا بفضل الله ~~تعالى فكيف يكذب بآلاء الله ثالثها : أن الآية مذكورة لبيان القدرة لا ~~لبيان النعمة ، وكأنه تعالى لما بين النعم الثمانية التي ذكرها في أول ~~السورة ، فكأنه ذكر الثمانية لبيان خروجها عن العدد الكثير الذي هو سبعة ~~ودخولها في / الزيادة التي يدل عليها الثمانية كما بينا وقلنا إن العرب عند ~~الثامن تذكر الواو إشارة إلى أن الثامن من جنس آخر ، فبعد تمام السبعة ~~الأول PageV29P087 شرع في بيان قدرته الكاملة ، وقال : هو الذي خلق الإنسان ~~من تراب والجان من نار : ( فبأي آلاء ) الكثيرة المذكورة التي سبقت من ~~السبعة ، والتي دلت عليها الثامنة : ( تكذبان ) وإذا نظرت إلى ما دلت عليه ~~الثمانية وإلى قوله : { كل يوم هو فى شأن * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يظهر ~~لك صحة ما ذكر أنه بين قدرته وعظمته ثم يقول : فبأي تلك الآلاء التي عددتها ~~أولا تكذبان ، وسنذكر تمامه عند تلك الآيات . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { رب المشرقين ورب المغربين * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 17 ) رب المشرقين ورب . . . . . # > > وفيه وجوه أولها مشرق الشمس والقمر ومغربهما ، والبيان حينئذ في حكم ~~إعادة ما سبق مع زيادة ، لأنه تعالى لما قال : { الشمس والقمر بحسبان } ( ~~الرحمن : 5 ) دل على أن لهما مشرقين ومغربين ، ولما ذكر : { خلق الإنسان * ~~علمه البيان } ( الرحمن : 3 ، 4 ) دل على أنه مخلوق من شيء فبين أنه ~~الصلصال الثاني : مشرق الشتاء ومشرق الصيف فإن قيل : ما الحكمة في ~~اختصاصهما مع أن كل يوم من ستة أشهر للشمس مشرق ومغرب يخالف بعضها البعض ؟ ~~نقول : غاية انحطاط الشمس في الشتاء وغاية ارتفاعها في الصيف والإشارة إلى ~~الطرفين تتناول ما بينهما فهو كما يقول ms8753 القائل في وصف ملك عظيم له المشرق ~~والمغرب ويفهم أن له ما بينهما أيضا الثالث : التثنية إشارة إلى النوعين ~~الحاصرين كما بينا أن كل شيء فإنه ينحصر في قسمين فكأنه قال : رب مشرق ~~الشمس ومشرق غيرها فهما مشرقان فتناول الكل ، أو يقال : مشرق الشمس والقمر ~~وما يغرض إليهما العاقل من مشرق غيرهما فهو تثنية في معنى الجمع . # ! 7 < { مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان * فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 19 ) مرج البحرين يلتقيان # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في تعلق الآية بما قبلها فنقول : لما ذكر تعالى المشرق ~~والمغرب وهما حركتان في الفلك ناسب ذلك ذكر البحرين لأن الشمس والقمر ~~يجريان في الفلك كما يجري الإنسان في البحر قال تعالى : { وكل فى فلك ~~يسبحون } ( الأنبياء : 33 ) فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين ولأن ~~المشرقين والمغربين فيهما إشارة إلى البحر لانحصار البر والبحر بين المشرق ~~والمغرب ، لكن البر كان مذكورا بقوله تعالى : { والارض وضعها } ( الرحمن : ~~10 ) فذكر ههنا مالم يكن مذكورا . / المسألة الثانية : { مرج } ، إذا كان ~~متعديا كان بمعنى خلط أو ما يقرب منه فكيف قال تعالى : { من مارج من نار } ~~( الرحمن : 15 ) ولم يقل : من ممروج ؟ نقول : مرج متعد ومرج بكسر الراء ~~لازم فالمارج والمريج من مرج يمرج كفرح يفرح ، والأصل في فعل أن يكون ~~غريزيا والأصل في الغريزي أن يكون لازما ، ويثبت له حكم الغريزي ، وكذلك ~~فعل في كثير من المواضع . # المسألة الثالثة : في البحرين وجوه أحدها : بحر السماء وبحر الأرض ثانيها ~~: البحر الحلو والبحر المالح كما قال تعالى : { وما يستوى البحران هاذا * ~~عذاب * فرات سائغ شرابه * هاذا * ملح أجاج } ( فاطر : 12 ) وهو أصح وأظهر ~~من PageV29P088 الأول ثالثها : ما ذكر في المشرقين وفي قوله : { تكذبان } ~~إنه إشارة إلى النوعين الحاصرين فدخل فيه بحر السماء وبحر الأرض والبحر ~~العذب والبحر المالح ، رابعها : أنه تعالى خلق في الأرض بحارا تحيط بها ~~الأرض وببعض جزائرها يحيط الماء وخلق بحرا محيطا بالأرض وعليه الأرض وأحاط ~~به الهواء كما قال به أصحاب علم الهيئة ms8754 وورد به أخبار مشهورة ، وهذه البحار ~~التي في الأرض لها اتصال بالبحر المحيط ، ثم إنهما لا يبغيان على الأرض ولا ~~يغطيانها بفضل الله تعالى لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكانا وعند ~~النظر إلى أمر الأرض يحار الطبيعي ويتلجلج في الكلام ، فإن عندهم موضع ~~الأرض بطبعه أن يكون في المركز ويكون الماء محيطا بجميع جوانبه ، فإذا قيل ~~لهم : فكيف ظهرت الأرض من الماء ولم ترسب يقولون لانجذاب البحار إلى بعض ~~جوانبها ، فإن قيل : لماذا انجذب ؟ فالذي يكون عنده قليل من العقل يرجع إلى ~~الحق ويجعله بإرادة الله تعالى ومشيئته ، والذي يكون عديم العقل يجعل سببه ~~من الكواكب وأوضاعها واختلاف مقابلاتها ، وينقطع في كل مقام مرة بعد أخرى ، ~~وفي آخر الأمر إذا قيل له : أوضاع الكواكب لم اختلفت على الوجه الذي أوجب ~~البرد في بعض الأرض دون بعض آخر صار كما قال تعالى : { فبهت الذى كفر } ( ~~البقرة : 258 ) ويرجع إلى الحق إن هداه الله تعالى . # المسألة الرابعة : إذا كان المرج بمعنى الخلط فما الفائدة في قوله تعالى ~~: { يلتقيان } ؟ نقول قوله تعالى : { مرج البحرين } أي أرسل بعضهما في بعض ~~وهما عند الإرسال بحيث يلتقيان أو من شأنهما الاختلاط والالتقاء ولكن الله ~~تعالى منعهما عما في طبعهما ، وعلى هذا يلتقيان حال من البحرين ، ويحتمل أن ~~يقال : من محذوف تقديره تركهما فهما يلتقيان إلى الآن ولا يمتزجان وعلى ~~الأول : فالفائدة إظهار القدرة في النفع فإنه إذا أرسل الماءين بعضهما على ~~بعض وفي طبعهما بخلق الله وعادته السيلان والالتقاء ويمنعهما البرزخ الذي ~~هو قدرة الله أو بقدرة الله ، يكون أدل على القدرة مما إذا لم يكونا على ~~حال يلتقيان / وفيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي : أن الحكماء اتفقوا على أن ~~الماء له حيز واحد بعضه ينجذب إلى بعض كأجزاء الزئبق غير أن عند الحكماء ~~المحققين ذلك بإجراء الله تعالى ذلك عليه وعند من يدعي الحكمة ولم يوفقه ~~الله من الطبيعيين يقول : ذلك له بطبعه ، فقوله : { يلتقيان } أي من شأنهما ~~أن يكون مكانهما واحدا ، ثم إنهما بقيا ms8755 / في مكان متميزين فذلك برهان ~~القدرة والاختيار وعلى الوجه الثاني : الفائدة في بيان القدرة أيضا على ~~المنع من الاختلاط ، فإن الماءين إذا تلاقيا لا يمتزجان في الحال بل يبقيان ~~زمانا يسيرا كالماء المسخن إذا غمس إناء مملوء منه في ماء بارد إن لم يمكث ~~فيه زمانا لا يمتزج بالبارد ، لكن إذا دام مجاورتهما فلا بد من الامتزاج ~~فقال تعالى : { مرج البحرين } خلاهما ذهابا إلى أن يلتقيان ولا يمتزجان ~~فذلك بقدرة الله تعالى . # ثم قال تعالى : { بينهما برزخ لا يبغيان } إشارة إلى ما ذكرنا من منعه ~~إياهما من الجريان على عادتهما ، والبرزخ الحاجز وهو قدرة الله تعالى في ~~البعض وبقدرة الله في الباقي ، فإن البحرين قد يكون بينهما حاجز أرضي محسوس ~~وقد لا يكون ، وقوله : { لا يبغيان } فيه وجهان أحدهما : من البغي أي لا ~~يظلم أحدهما على الآخر بخلاف قول الطبيعي حيث يقول : الماءآن كلاهما جزء ~~واحد ، فقال : هما لا { يبغيان } ذلك وثانيهما : أن يقال : لا يبغيان من ~~البغي بمعنى الطلب أي لا يطلبان شيئا ، وعلى هذا ففيه وجه آخر ، وهو أن ~~يقال : إن يبغيان لا مفعول له معين ، بل هو بيان أنهما لا يبغيان في ذاتهما ~~ولا يطلبان شيئا أصلا ، بخلاف ما يقول الطبيعي : أنه يطلب الحركة والسكون ~~في موضع عن موضع . PageV29P089 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 22 ) يخرج منهما اللؤلؤ . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في القراءات التي فيها قرىء يخرج من خرج ويخرج بفتح ~~الراء من أخرج وعلى الوجهين فاللؤلؤ والمرجان مرفوعان ويخرج بكسر الراء ~~بمعنى يخرج الله ونخرج بالنون المضمومة والراء المكسورة ، وعلى القراءتين ~~ينصب اللؤلؤ والمرجان ، اللؤلؤ كبار الدر والمرجان صغاره وقيل : المرجان هو ~~الحجر الأحمر . # المسألة الثانية : اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح فكيف قال : { منهما } ؟ ~~نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن ظاهر كلام الله تعالى أولى بالاعتبار ~~من كلام بعض الناس الذي لا يوثق بقوله ، ومن علم أن اللؤلؤ لا يخرج من ~~الماء العذب ms8756 وهب أن الغواصين ما أخرجوه إلا من المالح وما وجدوه إلا فيه ، ~~لكن لا يلزم من هذا أن لا يوجد في الغير سلمنا لم قلتم : أن الصدف يخرج ~~بأمر الله من الماء العذب إلى الماء المالح وكيف يمكن الجزم والأمور ~~الأرضية الظاهرة خفيت عن التجار الذين قطعوا المفاوز وداروا البلاد فكيف لا ~~يخفى أمر ما في قعر البحر عليهم ثانيهما : أن نقول : إن صح قولهم في اللؤلؤ ~~إنه لا يخرج إلا من البحر المالح فنقول : فيه وجوه أحدها : أن الصدف لا ~~يتولد فيه اللؤلؤ إلا من المطر وهو بحر السماء ثانيها : أنه يتولد في ~~ملتقاهما ثم يدخل الصدف في المالح عند انعقاد الدر فيه طالبا للملوحة ~~كالمتوحمة التي تشتهي الملوحة أوائل / الحمل فيثقل هناك فلا يمكنه الدخول ~~في العذب ثالثها : أن ما ذكرتم إنما كان يرد أن لو قال : يخرج من كل واحد ~~منهما فأما على قوله : { يخرج منهما } لا يرد إذ الخارج من أحدهما مع أن ~~أحدهما مبهم خارج منهما كما قال تعالى : { وجعل القمر فيهن نورا } ( نوح : ~~16 ) يقال : فلان خرج من بلاد كذا ودخل في بلاد كذا ولم يخرج إلا من موضع ~~من بيت من محلة في بلدة رابعها : أن ( من ) ليست لابتداء شيء كما يقال : ~~خرجت الكوفة بل لابتداء عقلي كما يقال : خلق آدم من تراب ووجدت الروح من ~~أمر الله فكذلك اللؤلؤ يخرج من الماء أي منه يتولد . # المسألة الثالثة : أي نعمة عظيمة في اللؤلؤ والمرجان حتى يذكرهما الله مع ~~نعمة تعلم القرآن وخلق الإنسان ؟ وفي الجواب قولان : الأول : أن نقول : ~~النعم منها خلق الضروريات كالأرض التي هي مكاننا ولولا الأرض لما أمكن وجود ~~التمكين وكذلك الرزق الذي به البقاء ومنها خلق المحتاج إليه وإن لم يكن ~~ضروريا كأنواع الحبوب وإجراء الشمس والقمر ، ومنها النافع وإن لم يكن ~~محتاجا إليه كأنواع الفواكه وخلق البحار من ذلك ، كما قال تعالى : { والفلك ~~التى تجرى فى البحر بما ينفع الناس } ( البقرة : 164 ) ومنها الزينة وإن لم ~~يكن نافعا ms8757 كاللؤلؤ والمرجان كما قال تعالى : { وتستخرجون حلية تلبسونها } ( ~~فاطر : 12 ) فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة التي تتعلق بالقوى ~~الجسمانية وصدرها بالقوة العظيمة التي هي الروح وهي العلم بقوله : { علم ~~القرءان } ( الرحمن : 2 ) والثاني : أن نقول : هذه بيان عجائب الله تعالى ~~لا بيان النعم ، والنعم قد تقدم ذكرها هنا ، وذلك لأن خلق الإنسان من صلصال ~~، وخلق الجان من نار ، من باب العجائب لا من باب النعم ، ولو خلق الله ~~الإنسان من أي شيء خلقه لكان إنعاما ، إذا عرفت هذا فنقول : الأركان أربعة ~~، التراب والماء والهواء والنار فالله تعالى PageV29P090 بين بقوله : { خلق ~~الإنسان من صلصال } ( الرحمن : 14 ) أن الإنسان خلقه من تراب وطين وبين ~~بقوله : { خلق * الجان من مارج من نار } ( الرحمن : 15 ) أن النار أيضا أصل ~~لمخلوق عجيب ، وبين بقوله : { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } أن الماء أصل ~~لمخلوق آخر ، كالحيوان عجيب ، بقي الهواء لكنه غير محسوس ، فلم يذكر أنه ~~أصل مخلوق بل بين كونه منشأ للجواري في البحر كالأعلام . فقال : # ! 7 < { وله الجوار المنشئات فى البحر كالا علام * فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 24 ) وله الجوار المنشآت . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الفائدة في جعل الجواري خاصة له وله السموات وما ~~فيها والأرض وما عليها ؟ نقول : هذا الكلام مع العوام ، فذكر مالا يغفل عنه ~~من له أدنى عقل فضلا عن الفاضل الذكي ، فقال : لا شك أن الفلك في البحر لا ~~يملكه في الحقيقة أحد إذ لا تصرف لأحد في هذا الفلك وإنما كلهم منتظرون ~~رحمة الله تعالى معترفون بأن أموالهم وأرواحهم في قبضة قدرة الله تعالى وهم ~~في ذلك يقولون لك : الفلك ولك الملك وينسبون البحر والفلك إليه ، ثم إذا ~~خرجوا ونظروا إلى / بيوتهم المبنية بالحجارة والكلس وخفي عليهم وجوه الهلاك ~~، يدعون مالك الفلك ، وينسبون ما كانوا ينسبون البحر والفلك إليه ، وإليه ~~الإشارة بقوله : { فإذا ركبوا فى الفلك } ( العنكبوت : 65 ) الآية . # المسألة الثانية : ( الجواري ) جمع جارية ، وهي اسم للسفينة أو صفة ، فإن ~~كانت اسما لزم الاشتراك والأصل عدمه ، وإن ms8758 كانت صفة الأصل أن تكون الصفة ~~جارية على الموصوف ، ولم يذكر الموصوف هنا ، فنقول : الظاهر أن تكون صفة ~~للتي تجري ونقل عن الميداني أن الجارية السفينة التي تجري لما أنها موضوعة ~~للجري ، وسميت المملوكة جارية لأن الحرة تراد للسكن والازدواج ، والمملوكة ~~لتجري في الحوائج ، لكنها غلبت السفينة ، لأنها في أكثر أحوالها تجري ، ودل ~~العقل على ما ذكرنا من أن السفينة هي التي تجري غير أنها غلبت بسبب ~~الاشتقاق على السفينة الجارية ، ثم صار يطلق عليها ذلك وإن لم تجر ، حتى ~~يقال : للسفينة الساكنة أو المشدودة على ساحل البحر جارية ، لما أنها تجري ~~، وللملوكة الجالسة جارية للغلبة ، ترك الموصوف ، وأقيمت الصفة مقامه فقوله ~~تعالى : { وله الجوار } أي السفن الجاريات ، على أن السفينة أيضا فعيلة من ~~السفن وهو النحت ، وهي فعيلة بمعنى فاعلة عند ابن دريد أي تسفن الماء ، أو ~~فعيلة بمعنى مفعولة عند غيره بمعنى منحوتة فالجارية والسفينة جاريتان على ~~الفلك وفيه لطيفة لفظية : وهي أن الله تعالى لما أمر نوحا عليه السلام ~~باتخاذ السفينة ، قال : { واصنع الفلك بأعيننا } ( هود : 37 ) ففي أول ~~الأمر قال لها : الفلك لأنها بعد لم تكن جرت ، ثم سماها بعدما عملها سفينة ~~كما قال تعالى : { فأنجيناه وأصحاب السفينة } ( العنكبوت : 15 ) وسماها ~~جارية كما قال تعالى : { إنا لما طغا الماء حملناكم فى الجارية } ( الحاقة ~~: 11 ) وقد عرفنا أمر الفلك وجريها وصارت كالمسماة بها ، فالفلك قبل الكل ، ~~ثم السفينة ثم الجارية . # المسألة الثالثة : ما معنى المنشآت ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : ~~المرفوعات من نشأت السحابة إذا ارتفعت ، وأنشأ الله إذا رفعه وحينئذ إما هي ~~بأنفسها مرتفعة في البحر ، وإما مرفوعات الشراع وثانيهما : المحدثات ~~الموجودات من أنشأ الله المخلوق أي خلقه فإن قيل : الوجه الثاني بعيد لأن ~~قوله : { فى البحر كالاعلام } PageV29P091 متعلق بالمنشآت فكأنه قال : وله ~~الجواري التي خلقت في البحر كالأعلام ، وهذا غير مناسب ، وأما على الأول ~~فيكون كأنه قال : الجواري التي رفعت في البحر كالأعلام ، وذلك جيد والدليل ~~على صحة ما ذكرنا أنك تقول : الرجل الجريء في الحرب ms8759 كالأسد فيكون حسنا ، ~~ولو قلت : الرجل العالم بدل الجريء في الحرب كالأسد لا يكون كذلك ، نقول : ~~إذا تأملت فيما ذكرنا من كون الجارية صفة أقيمت مقام الموصوف ، كان الإنشاء ~~بمعنى الخلق لا ينافي قوله : { فى البحر كالاعلام } لأن التقدير حينئذ له ~~السفن الجارية في البحر كالأعلام / فيكون أكثر بيانا للقدرة كأنه قال : له ~~السفن التي تجري في البحر كالأعلام ، أي كأنها الجبال والجبال لا تجري إلا ~~بقدرة الله تعالى ، فالأعلام جمع العلم الذي هو الجبل وأما الشراع المرفوع ~~كالعلم الذي هو معروف ، فلا عجب فيه ، وليس العجب فيه كالعجب في جري الجبل ~~في الماء وتكون المنشآت / معروفة ، كما أنك تقول : الرجل الحسن الجالس ~~كالقمر فيكون متعلق قولك كالقمر الحسن لا الجالس فيكون منشأ للقدرة ، إذ ~~السفن كالجبال والجبال لا تجري إلا بقدرة الله تعالى . # المسألة الرابعة : قرىء { * المنشآت } بكسر الشين ، ويحتمل حينئذ أن يكون ~~قوله : { البحر كالاعلام } ، يقوم مقام الجملة ، والجواري معرفة ولا توصف ~~المعارف بالجمل ، فلا نقول : الرجل كالأسد جاءني ولا الرجل هو أسد جاءني ، ~~وتقول : رجل كالأسد جاءني ، ورجل هو أسد جاءني ، فلا تحمل قراءة الفتح إلا ~~على أن يكون حالا وهو على وجهين أحدهما : أن تجعل الكاف اسما فيكون كأنه ~~قال : الجواري المنشآت شبه الأعلام ثانيهما : يقدر حالا هذا شبهه كأنه يقول ~~: كالأعلام ويدل عليه قوله : { فى موج كالجبال } ( هود : 42 ) . # المسألة الخامسة : في جمع الجواري وتوحيد البحر وجمع الأعلام فائدة عظيمة ~~، وهي أن ذلك إشارة إلى عظمة البحر ، ولو قال : في البحار لكانت كل جارية ~~في بحر ، فيكون البحر دون بحر يكون فيه الجواري التي هي كالجبال ، وأما إذا ~~كان البحر واحدا وفيه الجواري التي هي كالجبال يكون ذلك بحرا عظيما وساحله ~~بعيدا فيكون الإنجاء بقدرة كاملة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { كل من عليها فان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 26 ) كل من عليها . . . . . # > > وفيه وجهان أحدهما : وهو الصحيح أن الضمير عائد إلى الأرض ، وهي ~~معلومة وإن لم تكن مذكورة قال تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ms8760 } ~~( فاطر : 45 ) الآية وعلى هذا فله ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه تعالى ~~لما قال : { وله الجوار } ( الرحمن : 24 ) إشارة إلى أن كل أحد يعرف ويجزم ~~بأنه إذا كان في البحر فروحه وجسمه وماله في قبضة الله تعالى فإذا خرج إلى ~~البر ونظر إلى الثبات الذي للأرض والتمكن الذي له فيها ينسى أمره فذكره ~~وقال : لا فرق بين الحالتين بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وكل من على وجه ~~الأرض فإنه كمن على وجه الماء ، ولو أمعن العاقل النظر لكان رسوب الأرض ~~الثقيلة في الماء الذي هي عليه أقرب إلى العقل من رسوب الفلك الخفيفة فيه ~~الثاني : أن الضمير عائد إلى الجارية إلا أنه بضرورة ما قبلها كأنه تعالى ~~قال : الجواري ولا شك في أن كل من فيها إلى الفناء أقرب ، فكيف يمكنه إنكار ~~كونه في ملك الله تعالى وهو لا يملك لنفسه في تلك الحالة نفعا ولا ضرا ، ~~وقوله تعالى : { فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } ( الرحمن : 27 ) ~~يدل على أن الصحيح الأول وفيه مسائل : PageV29P092 # المسألة الأولى : { من } للعقلاء وكل ما على وجه الأرض مع الأرض فان ، ~~فما فائدة الاختصاص بالعقلاء ؟ نقول : المنتفع بالتخويف هو العاقل فخصه ~~تعالى بالذكر . # المسألة الثانية : الفاني هو الذي فنى وكل من عليها سيفنى فهو باق بعد ~~ليس بفان ، نقول كقوله : { إنك ميت } ( الزمر : 30 ) وكما يقال للقريب إنه ~~واصل ، وجواب آخر : وهو أن وجود الإنسان / عرض وهو غير باق وما ليس بباق ~~فهو فان ، فأمر الدنيا بين شيئين حدوث وعدم ، أما البقاء فلا بقاء له لأن ~~البقاء استمرار ، ولا يقال هذا تثبيت بالمذهب الباطل الذي هو القول بأن ~~الجسم لا يبقى زمانين كما قيل في العرض ، لأنا نقول قوله { من } بدل قوله ( ~~ما ) ينفي ذلك التوهم لأني قلت : ( من عليها فان ) لا بقاء له ، وما قلت : ~~ما عليها فان ، ومن مع كونه على الأرض يتناول جسما قام به أعراض بعضها ~~الحياة والأعراض غير باقية ، فالمجموع لم يبق كما كان وإنما الباقي أحد ~~جزأيه ms8761 وهو الجسم وليس يطلق عليه بطريق الحقيقة لفظة ( من ) ، فالفاني ليس ~~ما عليها وما عليها ليس بباق . # المسألة الثالثة : ما الفائدة في بيان أنه تعالى قال : { فان } ؟ نقول : ~~فيه فوائد منها : الحث على العبادة وصرف الزمان اليسير إلى الطاعة ، ومنها ~~: المنع من الوثوق بما يكون للمرء فلا يقول : إذا كان في نعمة إنها لن تذهب ~~فيترك الرجوع إلى الله معتمدا على ماله وملكه ، ومنها : الأمر بالصبر إن ~~كان في ضر فلا يكفر بالله معتمدا على أن الأمر ذاهب والضر زائل ، ومنها : ~~ترك اتخاذ الغير معبودا والزجر على الاغترار بالقرب من الملوك وترك التقرب ~~إلى الله تعالى فإن أمرهم إلى الزوال قريب فيبقى القريب منهم عن قريب في ~~ندم عظيم لأنه إن مات قبلهم يلقى الله كالعبد الآبق ، وإن مات الملك قبله ~~فيبقى بين الخلق وكل أحد ينتقم منه ويتشفى فيه ، ويستحي ممن كان يتكبر عليه ~~وإن ماتا جميعا فلقاء الله عليه بعد التوفي في غاية الصعوبة ، ومنها : حسن ~~التوحيد وترك الشرك الظاهر والخفي جميعا لأن الفاني لا يصلح لأن يعبد . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . ~~> 7 ! # < < # | الرحمن : ( 27 ) ويبقى وجه ربك . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الوجه يطلق على الذات والمجسم يحمل الوجه على العضو وهو ~~خلاف العقل والنقل أعني القرآن لأن قوله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ~~( القصص : 88 ) يدل على أن لا يبقى إلا وجه الله تعالى ، فعلى القول الحق ~~لا إشكال فيه لأن المعنى لا يبقى غير حقيقة الله أو غير ذات الله شيء وهو ~~كذلك ، وعلى قول المجسم يلزم أن لا تبقى يده التي أثبتها ورجله التي قال ~~بها ، لا يقال : فعلى قولكم أيضا يلزم أن لا يبقى علم الله ولا قدرة الله ، ~~لأن الوجه جعلتموه ذاتا ، والذات غير الصفات فإذا قلت : كل شيء هالك إلا ~~حقيقة الله خرجت الصفات عنها فيكون قولكم نفيا للصفات ، نقول : الجواب عنه ~~بالعقل والنقل ، أما النقل فذلك أمر يذكر في ms8762 غير هذا الموضع ، وأما العقل ~~فهو أن قول القائل : لم يبق لفلان إلا ثوب يتناول الثوب وما قام به من ~~اللون والطول والعرض ، وإذا قال : لم يبق إلا كمه لا يدل على بقاء جيبه ~~وذيله ، فكذلك قولنا : يبقى ذات الله تعالى يتناول صفاته وإذا قلتم : لا ~~يبقى غير وجهه بمعنى العضو يلزمه أن لا تبقى يده . # / المسألة الثانية : فما السبب في حسن إطلاق لفظ الوجه على الذات ؟ نقول ~~: إنه مأخوذ من عرف الناس ، PageV29P093 فإن الوجه يستعمل في العرف لحقيقة ~~الإنسان ، ألا ترى أن الإنسان إذا رأى وجه غيره يقول : رأيته ، وإذا رأى ~~غير الوجه من اليد والرجل مثلا لا يقول : رأيته ، وذلك لأن اطلاع الإنسان ~~على حقائق الأشياء في أكثر الأمر يحصل بالحس ، فإن الإنسان إذا رأى شيئا ~~علم منه مالم يكن يعلم حال غيبته ، لأن الحس لا يتعلق بجميع المرئي وإنما ~~يتعلق ببعضه ، ثم إن الحس يدرك والحدس يحكم فإذا رأى شيئا بحسه يحكم عليه ~~بأمر بحدسه ، لكن الإنسان اجتمع في وجهه أعضاء كثيرة كل واحد يدل على أمر ، ~~فإذا رأى الإنسان وجه الإنسان حكم عليه بأحكام ما كان يحكم بها لولا رؤيته ~~وجهه ، فكان أدل على حقيقة الإنسان وأحكامه من غيره ، فاستعمل الوجه في ~~الحقيقة في الإنسان ثم نقل إلى غيره من الأجسام ، ثم نقل لي ما ليس بجسم ، ~~يقال في الكلام هذا وجه حسن وهذا وجه ضعيف ، وقول من قال : إن الوجه من ~~المواجهة كما هو المسطور في البعض من الكتب الفقهية فليس بشيء إذ الأمر على ~~العكس ، لأن الفعل من المصدر والمصدر من الاسم الأصلي وإن كان بالنقل ، ~~فالوجه أول ما وضع للعضو ثم استعمل واشتق منه غيره ، ويعرف ذلك العارف ~~بالتصريف البارع في الأدب . # المسألة الثالثة : لو قال : ويبقى ربك أو الله أو غيره فحصلت الفائدة من ~~غير وقوع في توهم ما هو ابتدع ، نقول : ما كان يقوم مقام الوجه لفظ آخر ولا ~~وجه فيه إلا ما قاله الله تعالى ، وذلك لأن سائر الأسماء المعروفة ms8763 لله ~~تعالى أسماء الفاعل كالرب والخالق والله عند البعض بمعنى المعبود ، فلو قال ~~: ويبقى ربك ربك ، وقولنا : ربك معنيان عند الاستعمال أحدهما أن يقال : شيء ~~من كل ربك ، ثانيهما أن يقال : يبقى ربك مع أنه حالة البقاء ربك فيكون ~~المربوب في ذلك الوقت ، وكذلك لو قال : يبقى الخالق والرازق وغيرهما . # المسألة الرابعة : ما الحكمة في لفظ الرب وإضافة الوجه إليه ، وقال في ~~موضع آخر : { فأينما تولوا فثم وجه الله } ( البقرة : 115 ) وقال : { ~~يريدون وجه الله } ؟ ( الروم : 38 ) نقول : المراد في الموضعين المذكورين ~~هو العبادة . أما قوله : { فثم وجه الله } فظاهر لأن المذكور هناك الصلاة ، ~~وأما قوله : { يريدون وجه الله } فالمذكور هو الزكاة قال تعالى من قبل : { ~~فئات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } ( الروم : 38 ) { ذلك خير للذين ~~يريدون وجه الله } ( الروم : 38 ) ولفظ الله يدل على العبادة ، لأن الله هو ~~المعبود ، والمذكور في هذا الموضع النعم التي بها تربية الإنسان فقال : { ~~وجه ربك } . # المسألة الخامسة : الخطاب بقوله : { ربك } مع من ؟ نقول : الظاهر أنه مع ~~كل أحد كأنه يقول : ويبقى وجه ربك أيها السامع ، ويحتمل أن يكون الخطاب مع ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن قيل : فيكف قال : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان ~~} خطابا مع الإثنين ، وقال : { وجه ربك } خطابا مع الواحد ؟ نقول : عند ~~قوله : { ويبقى وجه ربك } وقعت الإشارة إلى فناء كل أحد ، وبقاء الله فقال ~~/ وجه ربك أي يا أيها السامع فلا تلتفت إلى أحد غير الله تعالى ، فإن كل من ~~عداه فان ، والمخاطب كثيرا ما يخرج عن الإرادة في الكلام ، فإنك إذا قلت : ~~لمن يشكو إليك من أهل موضع سأعاقب لأجلك كل من في ذلك الموضع يخرج المخاطب ~~عن الوعيد ، وإن كان من أهل الموضع فقال : { ويبقى وجه ربك } ليعلم كل أحد ~~أن غيره فان ، ولو قال : وجه ربكما لكان كل واحد يخرج نفسه ورفيقه المخاطب ~~من الفناء ، فإن قلت : لو قال ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء ~~الكل ؟ نقول : كأن الخطاب في الرب ms8764 إشارة إلى اللطف والإبقاء إشارة إلى ~~القهر ، والموضع موضع بيان اللطف PageV29P094 وتعديد النعم ، فلو قال : ~~بلفظ الرب لم يدل عليه الخطاب ، وفي لفظ الرب عادة جارية وهي أنه لا يترك ~~استعماله مع الإضافة . فالعبد يقول : ربنا اغفر لنا ، ورب اغفر لي ، والله ~~تعالى يقول : { ربكم ورب ءابائكم } ( الدخان : 8 ) و { رب العالمين } ( ~~الفاتحة : 2 ) وحيث ترك الإضافة ذكره مع صفة أخرى من أوصاف اللفظ ، حيث قال ~~تعالى : { بلدة طيبة ورب غفور } ( سبأ : 15 ) وقال تعالى : { سلام قولا من ~~رب رحيم } ( يس : 58 ) ولفظ الرب يحتمل أن يكون مصدرا بمعنى التربية ، يقال ~~: ربه يربه ربا مثل رباه يربيه ، ويحتمل أن يكون وصفا من الرب الذي هو مصدر ~~بمعنى الراب كالطب للطبيب ، والسمع للحاسة ، والبخل للبخيل ، وأمثال ذلك ~~لكن من باب فعل ، وعلى هذا فيكون كأنه فعل من باب فعل يفعل أي فعل الذي ~~للغريزي كما يقال فيما إذا قلنا : فلان أعلم وأحكم ، فكان وصفا له من باب ~~فعل اللازم ليخرج عن التعدي . # المسألة السادسة : { الجلال } إشارة إلى كل صفة من باب النفي ، كقولنا : ~~الله ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، ولهذا يقال : جل أن يكون محتاجا ، وجل أن ~~يكون عاجزا ، والتحقيق فيه أن الجلال هو بمعنى العظمة غير أن العظمة أصلها ~~في القوة ، والجلال في الفعل ، فهو عظيم لا يسعه عقل ضعيف فجل أن يسعه كل ~~فرض معقول : { والإكرام } إشارة إلى كل صفة هي من باب الإثبات ، كقولنا : ~~حي قادر عالم ، وأما السميع والبصير فإنهما من باب الإثبات كذلك عند أهل ~~السنة ، وعند المعتزلة من باب النفي ، وصفات باب النفي قبل صفات باب ~~الإثبات عندنا ، لأنا أولا نجد الدليل وهو العالم فنقول : العالم محتاج إلى ~~شيء وذلك الشيء ليس مثل العالم فليس بمحدث ولا محتاج ، ولا ممكن ، ثم نثبت ~~له القدرة والعلم وغيرهما ، ومن هنا قال تعالى لعباده : { لا إلاه إلا الله ~~} ( الصافات : 35 ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله ) ونفي الإلهية ms8765 عن غير الله ، نفي صفات غير الله عن ~~الله ، فإنك إذا قلت : الجسم ليس بإله لزم منه قولك : الله ليس بجسم و ( ~~الجلال والإكرام ) وصفان مرتبان على أمرين سابقين ، فالجلال مرتب على فناء ~~الغير والإكرام على بقائه تعالى / فيبقى الفرد وقد عز أن يحد أمره بفناء من ~~عداه وما عداه ، ويبقى وهو مكرم قادر عالم فيوجد بعد فنائهم من يريد ، ~~وقرىء : { ذو الجلال } ، و { ذى الجلال } . وسنذكر ما يتعلق به في تفسير ~~آخر السورة إن شاء الله تعالى . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { يسأله من فى السماوات والا رض كل يوم هو فى شأن * فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 29 ) يسأله من في . . . . . # > > وفيه وجهان أحدهما : أنه حال تقديره : يبقى وجه ربك مسئولا وهذا ~~منقول معقول ، وفيه إشكال وهو أنه يفضي إلى التناقض لأنه لما قال : { ويبقى ~~وجه ربك } ( الرحمن : 27 ) كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض ، ~~فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولا لمن في الأرض ؟ فأما إذا قلنا : الضمير عائد ~~إلى ( الأمور ) الجارية ( في يومنا ) فلا إشكال في هذا الوجه ، وأما على ~~الصحيح فنقول عنه أجوبة أحدها : لما بينا أنه فان نظرا إليه ولا يبقى إلا ~~بإبقاء الله ، فيصح أن يكون الله مسئولا ثانيها : أن يكون مسئولا معنى لا ~~حقيقة ، لأن الكل إذا فنوا ولم يكن وجود إلا بالله ، فكأن القوم فرضوا ~~سائلين بلسان الحال ثالثها : أن قوله : { ويبقى } للاستمرار فيبقى ويعيد من ~~كان في الأرض ويكون مسئولا والثاني : أنه ابتداء كلام وهو أظهر وفيه مسائل ~~: PageV29P095 # المسألة الأولى : ماذا يسأله السائلون ؟ فنقول : يحتمل وجوها أحدها : أنه ~~سؤال استعطاء فيسأله كل أحد الرحمة وما يحتاج إليه في دينه ودنياه ثانيها : ~~أنه سؤال استعلام أي عنده علم الغيب لا يعلمه إلا هو ، فكل أحد يسأله عن ~~عاقبة أمره وعما فيه صلاحه وفساده . فإن قيل : ليس كل أحد يعترف بجهله وعلم ~~الله نقول : هذا كلام في حقيقة الأمر من جاهل ، فإن كان من جاهل معاند فهو ~~في الوجه ms8766 الأول أيضا وارد ، فإن من المعاندين من لا يعترف بقدرة الله فلا ~~يسأله شيئا بلسانه وإن كان يسأله بلسان حاله لإمكانه ، والوجه الأول إشارة ~~إلى كمال القدرة أي كل أحد عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه . والوجه الثاني ~~إشارة إلى كمال العلم أي كل أحد جاهل بما عند الله من المعلومات ثالثها : ~~أن ذلك سؤال استخراج ، أمر . وقوله : { من فى * السماوات والارض } أي من ~~الملائكة يسألونه كل يوم ويقولون : إلهنا ماذا نفعل وبماذا تأمرنا ، وهذا ~~يصلح جوابا آخر عن الإشكال على قول من قال : يسأله حال لأنه يقول : قال ~~تعالى : { كل من عليها فان } ( الرحمن : 26 ) ومن عليها تكون الأرض مكانه ~~ومعتمده ولولاها لا يعيش وأما من فيها من الملائكة الأرضية فهم فيها وليسوا ~~عليها ولا تضرهم زلزلتها ، فعندما يفنى من عليها ويبقى الله تعالى لا يفنى ~~هؤلاء في تلك الحال فيسألونه ويقولون : ماذا نفعل فيأمرهم بما يأمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون ، ثم يقول لهم : عندما يشاء موتوا فيموتوا هذا على قول ~~من قال : { يسأله } حال وعلى الوجه الآخر لا إشكال . # المسألة الثانية : هو عائد إلى من ؟ نقول : الظاهر المشهور أنه عائد إلى ~~الله تعالى وعليه اتفاق المفسرين ، ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل عن ذلك الشأن فقال : ( يغفر / ذنبا ويفرج كربا ، ويرفع ~~من يشاء ويضع من يشاء ) ويحتمل أن يقال : هو عائد إلى يوم و { كل يوم } ظرف ~~سؤالهم أي يقع سؤالهم في كل يوم وهو في شأن يكون جملة وصف بها يوم وهو نكرة ~~كما يقال : يسألني فلان كل يوم هو يوم راحتي أي يسألني أيام الراحة ، وقوله ~~: { هو فى شأن } يكون صفة مميزة للأيام التي فيها شأن عن اليوم الذي قال ~~تعالى فيه : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } ( غافر : 16 ) فإنه ~~تعالى في ذلك اليوم يكون هو السائل وهو المجيب ، ولا يسأل في ذلك اليوم ~~لأنه ليس يوما هو في شأن يتعلق بالسائلين من الناس والملائكة وغيرهم ، ~~وإنما يسألونه في يوم ms8767 هو في شأن يتعلق بهم فيطلبون ما يحتاجون إليه أو ~~يستخرجون أمره بما يفعلون فيه / فإن قيل : فهذا ينافي ما ورد في الخبر ، ~~نقول : لا منافاة لقوله عليه السلام في جواب من قال : ما هذا الشأن ؟ فقال ~~: ( يغفر ذنبا ( ويفرج كربا ) ) أي فالله تعالى جعل بعض الأيام موسومة بوسم ~~يتعلق بالخلق من مغفرة الذنوب والتفريج عن المكروب فقال تعالى : { يسأله من ~~فى * السماوات والارض } في تلك الأيام التي في ذلك الشأن وجعل بعضها موسومة ~~بأن لا داعي فيها ولا سائل ، وكيف لا نقول بهذا ، ولو تركنا كل يوم على ~~عمومه لكان كل يوم فيه فعل وأمر وشأن فيفضي ذلك إلى القول بالقدم والدوام ، ~~اللهم إلا أن يقال : عام دخله التخصيص كقوله تعالى : { وأوتيت من كل شىء } ~~( النمل : 23 ) و { تدمر كل شىء } ( الأحقاف : 25 ) . # المسألة الثالثة : فعلى المشهور يكون الله تعالى في كل يوم ووقت في شأن ، ~~وقد جف القلم بما هو كائن ، نقول : فيه أجوبة منقولة في غاية الحسن فلا ~~نبخل بها وأجوبة معقولة نذكرها بعدها : أما المنقولة فقال بعضهم : المراد ~~سوق المقادير إلى المواقيت ، ومعناه أن القلم جف بما يكون في كل ( يوم و ) ~~وقت ، فإذا جاء ذلك الوقت تعلقت إرادته بالفعل فيه فيوجد ، وهذا وجه حسن ~~لفظا ومعنى وقال بعضهم : شؤون يبديها لا PageV29P096 شؤون يبتديها ، وهو ~~مثل الأول معنى ، أي لا يتغير حكمه بأنه سيكون ولكن يأتي وقت قدر الله فيه ~~فعله فيبدو فيه ما قدره الله ، وهذان القولان ينسبان إلى الحسن بن الفضل ~~أجاب بهما عبد الله بن طاهر وقال بعضهم : يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويشفي سقيما ~~ويمرض سليما ، ويعز ذليلا ويذل عزيزا ، إلى غير ذلك وهو مأخوذ من قوله عليه ~~السلام : ( يغفر ذنبا ويفرج كربا ) وهو أحسن وأبلغ حيث بين أمرين أحدهما ~~يتعلق بالآخرة والآخر بالدنيا ، وقدم الأخروي على الدنيوي وأما المعقولة : ~~فهي أن نقول هذا بالنسبة إلى الخلق ، ومن يسأله من أهل ms8768 السموات والأرض لأنه ~~تعالى حكم بما أراد وقضى وأبرم فيه حكمه وأمضى ، غير أن ما حكمه يظهر كل ~~يوم ، فنقول : أبرم الله اليوم رزق فلان ولم يرزقه أمس ، ولا يمكن أن يحيط ~~علم خلقه بما أحاط به علمه ، فتسأله الملائكة كل يوم إنك يا إلهنا في هذا ~~اليوم في أي شأن في نظرنا وعلمنا الثاني : هو أن الفعل يتحقق بأمرين من ~~جانب الفاعل بأمر خاص ، ومن جانب المفعول في بعض الأمور ، ولا يمكن غيره ~~وعلى وجه يختاره الفاعل من وجوه متعددة مثال الأول : تحريك الساكن لا يمكن ~~إلا بإزالة السكون / عنه والإتيان بالحركة عقيبه من غير فصل ومثال الثاني : ~~تسكين الساكن فإنه يمكن مع إبقاء السكون فيه ومع إزالته عقيبه من غير فصل ~~أو مع فصل ، إذ يمكن أن يزيل عنه السكون ولا يحركه مع بقاء الجسم ، إذا ~~عرفت هذا فالله تعالى خلق الأجسام الكثيرة في زمان واحد وخلق فيها صفات ~~مختلفة في غير ذلك الزمان ، فإيجادها فيه لا في زمان آخر بعد ذلك الزمان ~~فمن خلقه فقيرا في زمان لم يمكن خلقه غنيا في عين ذلك الزمان مع خلقه فقيرا ~~فيه وهذا ظاهر ، والذي يظن أن ذلك يلزم منه العجز أو يتوهم فليس كذلك بل ~~العجز في خلاف ذلك لأنه لو خلقه فقيرا في زمان يريد كونه غنيا لما وقع ~~الغنى فيه مع أنه أراده ، فيلزم العجز من خلاف ما قلنا : لا فيما قلنا ، ~~فإذن كل زمان هو غير الزمان الآخر فهو معنى قوله : { كل يوم هو فى شأن } ~~وهو المراد من قول المفسرين : أغنى فقيرا وأفقر غنيا ، وأعز ذليلا وأذل ~~عزيزا ، إلى غير ذلك من الأضداد . ثم اعلم أن الضدين ليسا منحصرين في ~~مختلفين بل المثلان في حكمهما فإنهما لا يجتمعان ، فمن وجد فيه حركة إلى ~~مكان في زمان لا يمكن أن توجد فيه في ذلك الزمان حركة أخرى أيضا إلى ذلك ~~المكان ، وليس شأن الله مقتصرا على إفقار غنى أو إغناء فقير في يومنا دون ~~إفقاره أو ms8769 إغنائه أمس / ولا يمكن أن يجمع في زيد إغناء هو أمسي مع إغناء هو ~~يومي ، فالغنى المستمر للغني في نظرنا في الأمر متبدل الحال ، فهو أيضا من ~~شأن الله تعالى ، واعلم أن الله تعالى يوصف بكونه : لا يشغله شأن عن شأن ، ~~ومعناه أن الشأن الواحد لا يصير مانعا له تعالى عن شأن آخر كما أنه يكون ~~مانعا لنا ، مثاله : واحد منا إذا أراد تسويد جسم بصبغة يسخنه بالنار أو ~~تبييض جسم يبرده بالماء والماء والنار متضادان إذا طلب منه أحدهما وشرع فيه ~~يصير ذلك مانعا له من فعل الآخر ، وليس ذلك الفعل مانعا من الفعل لأن تسويد ~~جسم وتبييض آخر لا تنافي بينهما ، وكذلك تسخينه وتسويده بصبغة لا تنافي فيه ~~، فالفعل صار مانعا للفاعل من فعله ولم يصر مانعا من الفعل ، وفي حق الله ~~مالا يمنع الفعل لا يمنع الفاعل ، فيوجد تعالى من الأفعال المختلفة مالا ~~يحصر ولا يحصى في آن واحد ، أما ما يمنع من الفعل كالذي يسود جسما في آن لم ~~يمكنه أن يبيضه في ذلك الآن ، فهو قد يمنع الفاعل أيضا وقد لا يمنع ولكن لا ~~بد من منعه للفاعل ، فالتسويد لا يمكن معه التبييض ، والله تعالى لا يشغله ~~شأن عن شأن أصلا لكن أسبابه تمنع أسبابا آخر لا تمنع الفاعل . إذا علمت هذا ~~البحث فقد أفادك . # PageV29P097 ! 7 < { سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ~~. > 7 ! # التحقيق في قوله تعالى : { سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } < < # | الرحمن : ( 31 ) سنفرغ لكم أيها . . . . . # > > ولنذكر أولا ما قيل فيه تبركا بأقوال المشايخ ثم نحققه بالبيان ~~الشافي فنقول : اختلف المفسرون فيه وأكثرهم على أن المراد سنقصدكم بالفعل ، ~~وقال بعضهم : خرج ذلك مخرج التهديد على ما هي عادة استعمال الناس / فإن ~~السيد يقول لعبده عند الغضب : سأفرغ لك ، وقد يكون السيد فارغا جالسا لا ~~يمنعه شغل ، وأما التحقيق فيه ، فنقول : عدم الفراغ عبارة عن أن يكون ~~الفاعل في فعل لا يمكنه معه إيجاد فعل آخر فإن من يخيط يقول ms8770 : ما أنا بفارغ ~~للكتابة ، لكن عدم الفراغ قد يكون لكون أحد الفعلين مانعا للفاعل من الفعل ~~الآخر ، يقال : هو مشغول بكذا عن كذا كما في قول القائل : أنا مشغول ~~بالخياطة عن الكتابة ، وقد يكون عدم الفراغ لكون الفعل مانعا من الفعل لا ~~لكونه مانعا من الفاعل كالذي يحرك جسما في زمان لا يمكن تسكينه في ذلك ~~الزمان فهو ليس بفارغ للتسكين ، ولكن لا يقال في مثل هذا الوقت أنا مشغول ~~بالتحريك عن التسكين ، فإن في مثل هذا الموضع لو كان غير مشغول به بل كان ~~في نفس المحل حركة لا بفعل ذلك الفاعل لا يمكنه التسكين فليس امتناعه منه ~~إلا لاستحالته بالتحريك ، وفي الصورة الأولى لولا اشتغاله بالخياطة لتمكن ~~من الكتابة ، إذا عرفت هذا صار عدم الفراغ قسمين أحدهما : بشغل والآخر ليس ~~بشغل ، فنقول : إذا كان الله تعالى باختياره أوجد الإنسان وأبقاه مدة ~~أرادها بمحض القدرة والإرادة لا يمكن مع هذا إعدامه ، فهو في فعل لا يمنع ~~الفاعل لكن يمنع الفعل ومثل هذا بينا أنه ليس بفراغ ، وإن كان له شغل ، ~~فإذا أوجد ما أراد أولا ثم بعد ذلك أمكن الإعدام والزيادة في آنه فيتحقق ~~الفراغ لكن لما كان للإنسان مشاهدة مقتصرة على أفعال نفسه وأفعال أبناء ~~جنسه وعدم الفراغ منهم بسبب الشغل يظن أن الله تعالى فارغ فحمل الخلق عليه ~~أنه ليس بفارغ ، فيلزم منه الفعل وهو لا يشغله شأن عن شأن يلزمه حمل اللفظ ~~على غير معناه ، واعلم أن هذا ليس قولا آخر غير قول المشايخ ، بل هو بيان ~~لقولهم : سنقصدكم ، غير أن هذا مبين ، والحمد لله على أن هدانا للبيان من ~~غير خروج عن قول أرباب اللسان . واعلم أن أصل الفراغ بمعنى الخلو ، لكن ذلك ~~إن كان في المكان فيتسع ليتمكن آخر ، وإن كان في الزمان فيتسع للفعل ، ~~فالأصل أن زمان الفاعل فارغ عن فعله وغير فارغ لكن المكان مرئي بالخلو فيه ~~، فيطلق الفراغ على خلو المكان في الظرف الفلاني والزمان غير مرئي ، فلا ~~يرى خلوه . ويقال ms8771 : فلان في زمان كذا فارغ لأن فلانا هو المرئي لا الزمان ~~والأصل أن هذا الزمان من أزمنة فلان فارغ فيمكنه وصفه للفعل فيه ، وقوله ~~تعالى : { سنفرغ لكم } استعمال على ملاحظة الأصل ، لأن المكان إذا خلا يقال ~~: لكذا ولا يقال : إلى كذا فكذلك الزمان لكن لما نقل إلى الفاعل وقيل : ~~الفاعل على فراغ وهو عند الفراغ يقصد إلى شيء آخر قيل في الفاعل : فرغ من ~~كذا إلى كذا ، وفي الظرف يقال : فرغ من كذا لكذا فقال لكم على ملاحظة الأصل ~~، وهو يقوي ما ذكرنا أن المانع ليس بالنسبة إلى الفعل بل بالنسبة إلى الفعل ~~. وأما { أيه } فنقول : الحكمة في نداء المبهم والإتيان بالوصف بعده هي أن ~~المنادي يريد صون كلامه عن الضياع ، فيقول أولا : يا أي نداء لمبهم ليقبل ~~عليه كل من يسمع ويتنبه لكلامه من يقصده ، ثم عند إقبال السامعين يخصص ~~المقصود فيقول : الرجل والتزم فيه أمران أحدهما : الوصف بالمعرف باللام أو ~~باسم الإشارة / فتقول : يا أيها الرجل / أو يا أيهذا لا الأعرف منه وهو ~~العلم ، لأن بين المبهم الواقع على كل جنس والعلم المميز عن كل شخص تباعدا ~~وثانيهما : توسط ها التنبيه بينه وبين PageV29P098 الوصف لأن الأصل في أي ~~الإضافة لما أنه في غاية الإبهام فيحتاج إلى التمييز ، وأصل التمييز على ما ~~بينا الإضافة ، فوسط بينهما لتعويضه عن الإضافة ، والتزم أيضا حذف لام ~~التعريف عند زوال أي فلا تقول : يا الرجل لأن في ذلك تطويلا من غير فائدة ، ~~فإنك لا تفيد باللام التنبيه الذي ذكرنا ، فقولك : يا رجل مفيد فلا حاجة ~~إلى اللام فهو يوجب إسقاط اللام عند الإضافة المعنوية ، فإنها لما أفادت ~~التعريف كان إثبات اللام تطويلا من غير فائدة لكونه جمعا بين المعرفين ، ~~وقوله تعالى : { الثقلان } المشهور أن المراد الجن والإنس وفيه وجوه أحدها ~~: أنهما سميا بذلك لكونهما مثقلين بالذنوب ثانيهما : سميا بذلك لكونهما ~~ثقيلين على وجه الأرض فإن التراب وإن لطف في الخلق ليتم خلق آدم لكنه لم ~~يخرج عن كونه ثقيلا ، وأما النار فلما ولد ms8772 فيها خلق الجن كثفت يسيرا ، فكما ~~أن التراب لطف يسيرا فكذلك النار صارت ثقيلة ، فهما ثقلان فسميا بذلك ~~ثالثها : الثقيل أحدهما : لا غير وسمي الآخر به للمجاورة والاصطحاب كمايقال ~~: العمران والقمران وأحدهما عمر وقمر ، أو يحتمل أن يكون المراد العموم ~~بالنوعين الحاصرين ، تقول : يا أيها الثقل الذي هو كذا ، والثقل الذي ليس ~~كذا ، والثقل الأمر العظيم . قال عليه السلام : ( إني تارك فيكم الثقلين ) ~~. # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والا ~~رض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 33 ) يا معشر الجن . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في وجه الترتيب وحسنه ، وذلك لأنه تعالى لماقال : { ~~سنفرغ لكم أيها الثقلان } ( الرحمن : 31 ) وبينا أنه لم يكن له شغل فكأن ~~قائلا قال : فلم كان التأخير إذا لم يكن شغل هناك مانع ؟ فقال : المستعجل ~~يستعجل . إما لخوف فوات الأمر بالتأخير وإما لحاجة في الحال ، وإما لمجرد ~~الاختيار والإرادة على وجه التأخير ، وبين عدم الحاجة من قبل بقوله : { كل ~~من عليها فان * ويبقى وجه ربك } ( الرحمن : 26 ، 27 ) لأن ما يبقى بعد فناء ~~الكل لا يحتاج إلى شيء ، فبين عدم الخوف من الفوات ، وقال : لا يفوتون ولا ~~يقدرون على الخروج من السموات والأرض ، ولو أمكن خروجهم عنهما لما خرجوا عن ~~ملك الله تعالى فهو آخذهم أين كانوا وكيف كانوا . # المسألة الثانية : المعشر الجماعة العظيمة ، وتحقيقه هو أن المعشر العدد ~~الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلا بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد ويقول : ~~أحد عشر وإثنا عشر وعشرون وثلاثون ، / أي ثلاث عشرات فالمعشر كأنه محل ~~العشر الذي هو الكثرة الكاملة . # المسألة الثالثة : هذا الخطاب في الدنيا أو في الآخرة ؟ نقول : الظاهر ~~فيه أنه في الآخرة ، فإن الجن والإنس يريدون الفرار من العذاب فيجدون سبعة ~~صفوف من الملائكة محيطين بأقطار السموات والأرض ، والأولى ما ذكرنا أنه عام ~~بمعنى لا مهرب ولا مخرج لكم عن ملك الله تعالى ، وأينما توليتم فثم ملك ~~الله ، وأينما تكونوا ms8773 أتاكم حكم الله . PageV29P099 # المسألة الرابعة : ما الحكمة في تقديم الجن على الإنس ههنا وتقديم الإنس ~~على الجن في قوله تعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل ~~هاذا القرءان لا يأتون بمثله } ؟ ( الإسراء : 88 ) نقول : النفوذ من أقطار ~~السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن ، والإتيان بمثل القرآن بالإنس أليق إن ~~أمكن ، فقدم في كل موضع من يظن به القدرة على ذلك . # المسألة الخامسة : ما معنى : { لا تنفذون إلا بسلطان } ؟ نقول : ذلك ~~يحتمل وجوها أحدها : أن يكون بيانا بخلاف ما تقدم أي ما تنفذون ولا تنفذون ~~إلا بقوة وليس لكم قوة على ذلك . ثانيها : أن يكون على تقدير وقوع الأمر ~~الأول ، وبيان أن ذلك لا ينفعكم ، وتقديره ما تنفذوا وإن نفذتم ما تنفذون ~~إلا ومعكم سلطان الله ، كما يقول : خرج القوم بأهلهم أي معهم ثالثها : أن ~~المراد من النفوذ ما هو المقصود منه ؟ وذلك لأن نفوذهم إشارة إلى طلب ~~خلاصهم فقال : لا تنفذون من أقطار السموات لا تتخلصون من العذاب ولا تجدون ~~ما تطلبون من النفود وهو الخلاص من العذاب إلا بسلطان من الله يجيركم وإلا ~~فلا مجير لكم ، كما تقول : لا ينفعك البكاء إلا إذا صدقت وتريد به أن الصدق ~~وحده ينفعك ، لا أنك إن صدقت فينفعك البكاء رابعها : أن هذا إشارة إلى ~~تقرير التوحيد ، ووجهه هو كأنه تعالى قال : يا أيها الغافل لا يمكنك أن ~~تخرج بذهنك عن أقطار السموات والأرض فإذا أنت أبدا تشاهد دليلا من دلائل ~~الوحدانية ، ثم هب أنك تنفذ من أقطار السموات والأرض ، فاعلم أنك لا تنفذ ~~إلا بسلطان تجده خارج السموات والأرض قاطع دال على وحدانيته تعالى والسلطان ~~هو القوة الكاملة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } . > 7 @QB@ < # | الرحمن : ( 35 - 36 ) يرسل عليكما شواظ . . . . . # > > # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما وجه تعلق الآية بما قبلها ؟ نقول : إن قلنا يا معشر ~~الجن والإنس نداء ينادي به يوم القيامة ، فكأنه تعالى قال : يوم يرسل ms8774 ~~عليكما شواظ من نار فلا يبقى لكما انتصار / إن استطعتما النفوذ فانفذا ، ~~وإن قلنا : إن النداء في الدنيا ، فنقول قوله : { إن استطعتم } إشارة إلى ~~أنه لا مهرب لكم من الله فيمكنكم الفرار قبل الوقوع في العذاب ولا ناصر لكم ~~فيخلصكم من النار بعد وقوعكم فيها وإرسالها عليكم ، فكأنه قال : إن استطعتم ~~الفرار لئلا تقعوا في العذاب ففروا ثم إذا تبين لكم أن لا فرار لكم ولا بد ~~من الوقوع فيه فإذا وقعتم فيه وأرسل عليكم فاعلموا أنكم لا تنصرون فلا خلاص ~~لكم إذن ، لأن الخلاص إما بالدفع قبل الوقوع وإما بالرفع بعده ، ولا سبيل ~~إليهما . # المسألة الثانية : كيف ثنى الضمير في قوله : { عليكما } مع أنه جمع قبله ~~بقوله : { إن استطعتم } ( الرحمن : 33 ) والخطاب مع الطائفتين وقال : { فلا ~~تنتصران } وقال من قبل : { لا تنفذون إلا بسلطان } ؟ ( الرحمن : 33 ) نقول ~~: فيه لطيفة ، وهي أن قوله : { إن استطعتم } لبيان عجزهم وعظمة ملك الله ~~تعالى ، فقال : إن استطعتم أن تنفذوا باجتماعكم وقوتكم فانفذوا ، ولا ~~تستطيعون لعجزكم فقد بان عند اجتماعكم واعتضادكم بعضكم ببعض فهو عند ~~افتراقكم أظهر ، فهو خطاب عام مع كل أحد عند الانضمام إلى جميع من عداه من ~~الأعوان والإخوان ، PageV29P100 وأماقوله تعالى : { يرسل عليكما } فهو ~~لبيان الإرسال على النوعين لا على كل واحد منهما لأن جميع الإنس والجن لا ~~يرسل عليهم العذاب والنار ، فهو يرسل على النوعين ويتخلص منه بعض منهما ~~بفضل الله ولا يخرج أحد من الأقطار أصلا ، وهذا يتأيد بما ذكرنا أنه قال : ~~لا فرار لكم قبل الوقوع ، ولا خلاص لكم عند الوقوع لكن عدم الفرار عام وعدم ~~الخلاص ليس بعام والجواب الثاني : من حيث اللفظ ، هو أن الخطاب مع المعشر ~~فقوله : { إن استطعتم } أيها المعشر وقوله : { يرسل عليكما } ليس خطابا مع ~~النداء بل هو خطاب مع الحاضرين وهما نوعان وليس الكلام مذكورا بحرف واو ~~العطف حتى يكون النوعان مناديين في الأول وعند عدم التصريح بالنداء ~~فالتثنية أولى كقوله تعالى : { فبأى ءالاء ربكما } وهذا يتأيد بقول تعالى : ~~{ سنفرغ لكم أيها ms8775 الثقلان } ( الرحمن : 31 ) وحيث صرح بالنداء جمع الضمير ، ~~وقال بعد ذلك : { فبأى ءالاء ربكما } حيث لم يصرح بالنداء . # المسألة الثالثة : ما الشواظ وما النحاس ؟ نقول : الشواظ لهب النار وهو ~~لسانه ، وقيل ذلك لا يقال إلا للمختلط بالدخان الذي من الحطب ، والظاهر أن ~~هذا مأخوذ من قول الحكماء إن النار إذا صارت خالصة لا ترى كالتي تكون في ~~الكير الذي يكون في غاية الاتقاد ، وكما في التنور المسجور فإنه يرى فيه ~~نور وهو نار ، وأما النحاس ففيه وجهان ، أحدهما الدخان ، والثاني القطر وهو ~~النحاس المشهور عندنا ، ثم إن ذكر الأمرين بعد خطاب النوعين يحتمل أن يكون ~~لاختصاص كل واحد بواحد . وحينئذ فالنار الخفيف للإنس لأنه يخالف جوهره ، ~~والنحاس الثقيل للجن لأنه يخالف جوهره أيضا . فإن الإنس ثقيل والنار خفيفة ~~، والجن خفاف والنحاس ثقيل ، وكذلك إن قلنا : المراد من النحاس الدخان ، ~~ويحتمل أن يكون ورودهما على حد واحد منهما وهو الظاهر الأصح . # / المسألة الرابعة : من قرأ { * نحاس } بالجر كيف يعربه ولو زعم أنه عطف ~~على النار يكون شواظ من نحاس والشواظ لا يكون من نحاس ؟ نقول : الجواب عنه ~~من وجهين أحدهما : تقديره شيء من نحاس كقولهم : تقلدت سيفا ورمحا وثانيهما ~~: وهو الأظهر أن يقول : الشواظ لم يكن إلا عندما يكون في النار أجزاء ~~هوائية وأرضية ، وهو الدخان ، فالشواظ مركب من نار ومن نحاس وهو الدخان ، ~~وعلى هذا فالمرسل شيء واحد لا شيئان غير أنه مركب ، فإن قيل : على هذا لا ~~فائدة لتخصيص الشواظ بالإرسال إلا بيان كون تلك النار بعد غير قوية قوة ~~تذهب عنه الدخان ، نقول : العذاب بالنار التي لا ترى دون العذاب بالنار ~~التي ترى ، لتقدم الخوف على الوقوع فيه وامتداد العذاب والنار الصرفة لا ~~ترى أو ترى كالنور ، فلا يكون لها لهيب وهيبة ، وقوله تعالى : { ونحاس فلا ~~تنتصران } نفي لجميع أنواع الانتصار ، فلا ينتصر أحدهما بالآخر ، ولا هما ~~بغيرهما ، وإن كان الكفار يقولون في الدنيا : { نحن جميع منتصر } ( القمر : ~~44 ) والانتصار التلبس بالنصرة ، يقال لمن أخذ الثأر انتصر منه ms8776 كأنه انتزع ~~النصرة منه لنفسه وتلبس بها ، ومن هذا الباب الانتقام والادخار والادهان ، ~~والذي يقال فيه : إن الانتصار بمعنى الامتناع : { فلا تنتصران } بمعنى لا ~~تمتنعان ، وهو في الحقيقة راجع إلى ما ذكرنا لأنه يكون متلبسا بالنصرة فهو ~~ممتنع لذلك . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان ~~} . > 7 @QB@ < # | الرحمن : ( 37 - 38 ) فإذا انشقت السماء . . . . . # > > # إشارة إلى ما PageV29P101 أعظم من إرسال الشواظ على الإنس والجن ، فكأنه ~~تعالى ذكر أولا ما يخاف منه الإنسان ، ثم ذكر ما يخاف منه كل واحد ممن له ~~إدراك من الجن والإنس والملك حيث تخلوا أماكنهم بالشق ومساكن الجن والإنس ~~بالخراب ، ويحتمل أن يقال : إنه تعالى لما قال : { كل من عليها فان } ( ~~الرحمن : 26 ) إشارة إلى سكان الأرض ، قال بعد ذلك : { فإذا انشقت السماء } ~~بيانا لحال سكان السماء ، وفيه مسائل . # المسألة الأولى : الفاء في الأصل للتعقيب على وجوه ثلاثة منها : التعقيب ~~الزماني للشيئين اللذين لا يتعلق أحدهما بالآخر عقلا كقوله قعد زيد فقام ~~عمرو ، لمن سألك عن قعود زيد وقيام عمر ، وإنهما كانا معا أو متعاقبين ~~ومنها : التعقيب الذهني للذين يتعلق أحدهما بالآخر كقولك : جاء زيد فقام ~~عمرو إكراما له إذ يكون في مثل هذا قيام عمرو مع مجيء زيد زمانا ومنها : ~~التعقيب في القول كقولك : لا أخاف الأمير فالملك فالسلطان ، كأنك تقول : ~~أقول لا أخاف الأمير ، وأقول لا أخاف الملك ، وأقول لا أخاف السلطان ، إذا ~~عرفت هذا فالفاء هنا تحتمل الأوجه جميعا ، أما الأول : فلأن إرسال الشواظ ~~عليهم يكون قبل انشقاق السموات ، ويكون ذلك الإرسال / إشارة إلى عذاب القبر ~~، وإلى ما يكون عند سوق المجرمين إلى المحشر ، إذ ورد في التفسير أن الشواظ ~~يسوقهم إلى المحشر ، فيهربون منها إلى أن يجتمعوا في موضع واحد ، وعلى هذا ~~معناه يرسل عليكما شواظ ، فإذا انشقت السماء يكون العذاب الأليم ، والحساب ~~الشديد على ما سنبين إن شاء الله وأما الثاني : فوجهه أن يقال : يرسل ~~عليكما شواظ من نار ونحاس فيكون ذلك سببا لكون ms8777 السماء تكون حمراء ، إشارة ~~إلى أن لهيبها يصل إلى السماء ويجعلها كالحديد المذاب الأحمر ، وأما الثالث ~~: فوجهه أن يقال : لما قال : { فلا تنتصران } ( الرحمن : 35 ) أي في وقت ~~إرسال الشواظ عليكما قال : فإذا انشقت السماء وصارت كالمهل ، وهو كالطين ~~الذائب ، كيف تنتصران ؟ إشارة إلى أن الشواظ المرسل لهب واحد ، أو فإذا ~~انشقت السماء وذابت ، وصارت الأرض والجو والسماء كلها نارا فكيف تنتصران ؟ ~~. # المسألة الثانية : كلمة ( إذا ) قد تستعمل لمجرد الظرف وقد تستعمل للشرط ~~وقد تستعمل للمفاجأة وإن كانت في أوجهها ظرفا لكن بينها فرق فالأول : مثل ~~قوله تعالى : { واليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى } ( الليل : 1 ، 2 ) ~~والثاني : مثل قوله : إذا أكرمتني أكرمك ومن هذا الباب قوله تعالى : { فإذا ~~عزمت فتوكل على الله } ( آل عمران : 159 ) وفي الأول لا بد وأن يكون الفعل ~~في الوقت المذكور متصلا به وفي الثاني لا يلزم ذلك ، فإنك إذا قلت : إذا ~~علمتني تثاب يكون الثواب بعده زمانا لكن استحقاقه يثبت في ذلك الوقت متصلا ~~به والثالث : مثال ما يقول : خرجت فإذا قد أقبل الركب أما لو قال : خرجت ~~إذا أقبل الركب فهو في جواب من يقول متى خرجت إذا عرفت هذا فنقول : على أي ~~وجه استعمل ( إذا ) ههنا ؟ نقول : يحتمل وجهين أحدهما : الظرفية المجردة ~~على أن الفاء للتعقيب الزماني ، فإن قوله : { فإذا انشقت السماء } بيان ~~لوقت العذاب ، كأنه قال : إذا انشقت السماء يكون العذاب أي بعد إرسال ~~الشواظ ، وعند انشقاق السماء يكون وثانيهما : الشرطية وذلك على الوجه ~~الثالث وهو قولنا : { فلا تنتصران } عند إرسال الشواظ فكيف تنتصران إذا ~~انشقت السماء ، كأنه قال : إذا انشقت السماء فلا تتوقعوا الانتصار أصلا / ~~وأما الحمل على المفاجأة على أن يقال : يرسل عليكما شواظ فإذا السماء قد ~~انشقت ، فبعيد ولا يحمل ذلك إلا على الوجه الثاني من أن الفاء للتعقيب ~~الذهني . PageV29P102 # المسألة الثالثة : ما المختار من الأوجه ؟ نقول : الشرطية وحينئذ له ~~وجهان أحدهما : أن يكون الجزاء محذوفا رأسا ليفرض السامع بعده كل هائل ، ~~كما يقول القائل : إذا غضب السلطان ms8778 على فلان لا يدري أحد ماذا يفعله ، ثم ~~ربما يسكت عند قوله إذا غضب السلطان متعجبا آتيا بقرينة دالة على تهويل ~~الأمر ، ليذهب السامع مع كل مذهب ، ويقول : كأنه إذا غضب السلطان يقتل ~~ويقول الآخر : إذا غضب السلطان ينهب ويقول الآخر غير ذلك وثانيهما : ما ~~بينا من بيان عدم الانتصار ويؤيد هذا قوله تعالى : { ويوم تشقق السماء ~~بالغمام } إلى أن قال تعالى : { وكان يوما على الكافرين عسيرا } ( الفرقان ~~: 25 ، 26 ) فكأنه تعالى / قال : إذا أرسل عليهم شواظ من نار ونحاس فلا ~~ينتصران ، فإذا انشقت السماء كيف ينتصران ؟ فيكون الأمر عسيرا ، فيكون كأنه ~~قال : فإذا انشقت السماء يكون الأمر عسيرا في غاية العسر ، ويحتمل أن يقال ~~: فإذا انشقت السماء يلقى المرء فعله ويحاسب حسابه كما قال تعالى : { إذا ~~السماء انشقت } إلى أن قال : { وحقت يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه } ( الانشقاق : 1 6 ) الآية . # المسألة الرابعة : ما المعنى من الانشقاق ؟ نقول : حقيقته ذوبانها ~~وخرابها كما قال تعالى : { يوم نطوى السماء } ( السماء : 104 ) إشارة إلى ~~خرابها ويحتمل أن يقال : انشقت بالغمام كما قال تعالى : { ويوم تشقق السماء ~~بالغمام } ( الفرقان : 25 ) وفيه وجوه منها أن قوله : { بالغمام } أي مع ~~الغمام فيكون مثل ما ذكرنا ههنا من الانفطار والخراب . # المسألة الخامسة : ما معنى قوله تعالى : { فكانت وردة كالدهان } ؟ نقول : ~~المشهور أنها في الحال تكون حمراء يقال : فرس ورد إذا أثبت للفرس الحمرة ، ~~وحجرة وردة أي حمراء اللون . وقد ذكرنا أن لهيب النار يرتفح في السماء ~~فتذوب فتكون كالصفر الذائب حمراء ، ويحتمل وجها آخر وهو أن يقال : وردة ~~للمرة من الورود كالركعة والسجدة والجلسة والقعدة من الركوع والسجود ~~والجلوس والقعود ، وحينئذ الضمير في كانت كما في قوله : { إن كانت إلا صيحة ~~واحدة } ( يس : 53 ) أي الكائنة أو الداهية وأنث الضمير لتأنيث الظاهر وإن ~~كان شيئا مذكرا ، فكذا ههنا قال : { فكانت وردة } واحدة أي الحركة التي بها ~~الانشقاق كانت وردة واحدة ، وتزلزل الكل وخرب دفعة ، والحركة معلومة ~~بالانشقاق لأن المنشق يتحرك ، ويتزلزل ، وقوله تعالى ms8779 : { كالدهان } فيه ~~وجهان أحدهما : جمع دهن وثانيهما : أن الدهان هو الأديم الأحمر ، فإن قيل : ~~الأديم الأحمر مناسب للوردة فيكون معناه كانت السماء كالأديم الأحمر ، ولكن ~~ما المناسبة بين الوردة وبين الدهان ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : ~~المراد من الدهان ما هو المراد من قوله تعالى : { يوم تكون السماء كالمهل } ~~( المعارج : 8 ) وهو عكر الزيت وبينهما مناسبة ، فإن الورد يطلق على الأسد ~~فيقال : أسد ورد ، فليس الورد هو الأحمر القاني والثاني : أن التشبيه ~~بالدهن ليس في اللون بل في الذوبان والثالث : هو أن الدهن المذاب ينصب ~~انصبابة واحدة ويذوب دفعة والحديد والرصاص لا يذوب غاية الذوبان ، فتكون ~~حركة الدهن بعد الذوبان أسرع من حركة غيره فكأنه قال حركتها تكون وردة ~~واحدة كالدهان المصبوبة صبا لا كالرصاص الذي يذوب منه ألطفه وينتفع به ~~ويبقي الباقي ، وكذلك الحديد والنحاس ، وجمع الدهان لعظمة السماء وكثرة ما ~~يحصل من ذوبانها لاختلاف أجزائها / فإن الكواكب تخالف غيرها . PageV29P103 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ~~. > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 39 ) فيومئذ لا يسأل . . . . . # > > وفيه / وجهان أحدهما : لا يسأله أحد عن ذنبه ، فلا يقال : له أنت ~~المذنب أو غيرك ، ولا يقال : من المذنب منكم بل يعرفونه بسواد وجوههم وغيره ~~، وعلى هذا فالضمير في ذنبه عائد إلى مضمر مفسر بما يعده ، وتقديره لا يسأل ~~إنس عن ذنبه ولا جان يسأل ، أي عن ذنبه وثانيهما : معناه قريب من المعنى ~~قوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( الأنعام : 164 ) كأنه يقول : لا ~~يسأل عن ذنبه مذنب إنس ولا جان وفيه إشكال لفظي ، لأن الضمير في ذنبه إن ~~عاد إلى أمر قبله يلزم استحالة ما ذكرت من المعنى بل يلزم فساد المعنى رأسا ~~لأنك إذا قلت : لا يسأل مسؤول واحد أو إنسي مثلا عن ذنبه فقولك بعد إنس ولا ~~جان ، يقتضي تعلق فعل بفاعلين وأنه محال ، والجواب عنه من وجهين أحدهما : ~~أن لا يفرض عائدا وإنما يجعل بمعنى المظهر لا غير ويجعل عن ms8780 ذنبه كأنه قال : ~~عن ذنب مذنب ثانيهما : وهو أدق وبالقبول أحق أن يجعل ما يعود إليه الضمير ~~قبل الفعل فيقال : تقديره فالمذنب يومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ، ~~وفيه مسائل لفظية ومعنوية : # المسألة الأولى : اللفظية الفاء للتعذيب وأنه يحتمل أن يكون زمانيا كأنه ~~يقول : فإذا انشقت السماء يقع العذاب ، فيوم وقوعه لا يسأل ، وبين الأحوال ~~فاصل زماني غير متراخ ، ويحتمل أن يكون عقليا كأنه يقول : يقع العذاب فلا ~~يتأخر تعلقه بهم مقدار ما يسألون عن ذنبهم ، ويحتمل أن يكون أراد الترتيب ~~الكلامي كأنه يقول : تهربون بالخروج من أقطار السموات ، وأقول لا تمتنعون ~~عند انشقاق السماء ، فأقول : لا تمهلون مقدار ما تسألون . # المسألة الثانية : ما المراد من السؤال ؟ نقول : المشهور ما ذكرنا أنهم ~~لا يقال لهم : من المذنب منكم ، وهو على هذا سؤال استعلام ، وعلى الوجه ~~الثاني سؤال توبيخ أي لا يقال له : لم أذنب المذنب ، ويحتمل أن يكون سؤال ~~موهبة وشفاعة كما يقول القائل : أسألك ذنب فلان ، أي أطلب منك عفوه ، فإن ~~قيل : هذا فاسد من وجوه أحدها : أن السؤال إذا عدى بعن لا يكون إلا بمعنى ~~الاستعلام أو التوبيخ وإذا كان بمعنى لاستعطاء يعدى بنفسه إلى مفعولين ~~فيقال : نسألك العفو والعافية ثانيها : الكلام لا يحتمل تقديرا ولا يمكن ~~تقديره بحيث يطابق الكلام ، لأن المعنى يصير كأنه يقول : لا يسأل واحد ذنب ~~أحد بل أحد لا يسأل ذنب نفسه ثالثها : قوله : { يعرف المجرمون بسيماهم } ( ~~الرحمن : 41 ) لا يناسب ذلك نقول : أما الجواب عن الأول فهو أن السؤال ربما ~~يتعدى إلى مفعولين غير أنه عند الاستعلام يحذف الثاني ويؤتى بما يتعلق به ~~يقال : سألته عن كذا أي سألته الإخبار عن كذا فيحذف الإخبار ويكتفي بما يدل ~~عليه ، وهو الجار والمجرور فيكون المعنى طلبت منه أن يخبرني عن كذا وعن ~~الثاني : أن التقدير لا يسأل إنس ذنبه ولا جان ، والضمير يكون عائدا إلى ~~المضمر لفظا لا معنى ، كما نقول : قبلوا أنفسهم ، فالضمير في أنفسهم عائد ~~إلى ما في قولك : قتلوا ms8781 لفظا لا معنى لأن ما في قتلوا ضمير الفاعل ، وفي ~~أنفسهم ضمير المفعول ، إذ الواحد لا يقتل نفسه وإنما المراد كل واحد قتل ~~واحدا غيره ، فكذلك ( كل ) إنس لا يسأل ( عن ) ذنبه أي ذنب إنس غيره ، / ~~ومعنى الكلام لا يقال : لأحد اعف عن فلان ، لبيان أن لا مسئول في ذلك الوقت ~~من الإنس والجن ، وإنما كلهم سائلون الله والله PageV29P104 تعالى حينئذ هو ~~المسئول . # وأما المعنوية فالأولى : كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى : { فوربك ~~لنسئلنهم أجمعين } ( الحجر : 92 ) وبينه وبين قوله تعالى : { وقفوهم إنهم ~~مسئولون } ؟ ( الصافات : 24 ) نقول : على الوجه المشهور جوابان أحدهما : أن ~~للآخرة مواطن . فلا يسأل في موطن ، ويسأل في موطن وثانيهما : وهو أحسن لا ~~يسأل عن فعله أحد منكم ، ولكن يسأل بقوله : لم فعل الفاعل فلا يسأل سؤال ~~استعلام ، بل يسأل سؤال توبيخ ، وأما على الوجه الثاني فلا يرد السؤال ، ~~فلا حاجة إلى بيان الجمع . # والثانية : ما الفائدة في بيان عدم السؤال ؟ نقول : على الوجه المشهور ~~فائدته التوبيخ لهم كقوله تعالى : { وجوه يومئذ * عليها غبرة * ترهقها قترة ~~} ( عبس : 40 ، 41 ) وقوله تعالى : { فأما الذين اسودت وجوههم } ( آل عمران ~~: 106 ) وعلى الثاني بيان أن لا يؤخذ منهم فدية ، فيكون ترتيب الآيات أحسن ~~، لأن فيها حينئذ بيان أن لا مفر لهم بقوله : { إن استطعتم أن تنفذوا } ( ~~الرحمن : 33 ) ثم بيان أن لا مانع عنهم بقوله : { فلا تنتصران } ( الرحمن : ~~35 ) ثم بيان أن لا فداء لهم عنهم بقوله : لا يسأل ، وعلى الوجه الأخير ، ~~بيان أن لا شفيع لهم ولا راحم وفائدة أخرى : وهو أنه تعالى لما بين أن ~~العذاب في الدنيا مؤخر بقوله : { سنفرغ لكم } ( الرحمن : 31 ) بين أنه في ~~الآخرة لا يؤخر بقدر ما يسأل وفائدة أخرى : وهو أنه تعالى لما بين أن لا ~~مفر لهم بقول : { لا تنفذون } ( الرحمن : 33 ) ولا ناصر لهم يخلصهم بقوله : ~~{ فلا تنتصران } بين أمرا آخر ، وهو أن يقول المذنب : ربما أنجو في ظل خمول ~~واشتباه حال ، فقال : ولا يخفى أحد من المذنبين بخلاف ms8782 أمر الدنيا ، فإن ~~الشرذمة القليلة ربما تنجو من العذاب العام بسبب خمولهم . # [ بم وقال تعالى : # ! 7 < { يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصى والا قدام * فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 41 ) يعرف المجرمون بسيماهم . . . . . # > > اتصال الآيات بما قبلها على الوجه المشهور ، ظاهر لا خفاء فيه ، إذ ~~قوله : { يعرف المجرمون } كالتفسير وعلى الوجه الثاني من أن المعنى لا يسأل ~~عن ذنبه غيره كيف قال : يعرف ويؤخذ وعلى قولنا : لا يسأل سؤال حط وعفو أيضا ~~كذلك ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : السيما كالضيزى وأصله سومى من السومة وهو يحتمل وجوها ~~أحدها : كي على جباههم ، قال تعالى : { يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى ~~بها جباههم } ( التوبة : 35 ) ثانيها : سواد كما قال تعالى : { فأما الذين ~~اسودت وجوههم } ( آل عمران : 106 ) وقال تعالى : { وجوههم مسودة } ( الزمر ~~: 60 ) ثالثها : غبرة وقترة . # المسألة الثانية : ما وجه إفراد ( يؤخذ ) مع أن ( المجرمين ) جمع ، وهم ~~المأخوذون ؟ نقول فيه / وجهان أحدهما : أن يؤخذ متعلق بقوله تعالى : { ~~بالنواصى } كما يقول القائل ذهب بزيد وثانيهما : أن يتعلق بما يدل عليه ~~يؤخذ ، فكأنه تعالى قال ، فيؤخوذون بالنواصي ، فإن قيل كيف عدى الأخذ ~~بالباء وهو يتعدى بنفسه قال تعالى : { لا يؤخذ منكم فدية } ( الحديد : 15 ) ~~وقال : { خذها ولا تخف } ( طه : 21 ) نقول : الأخذ يتعدى بنفسه كما بينت ، ~~وبالباء PageV29P105 أيضا كقوله تعالى : { لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } ( طه ~~: 94 ) لكن في الاستعمال تدقيق ، وهو أن المأخوذ إن كان مقصودا بالأخذ توجه ~~الفعل نحوه فيتعدى إليه من غير حرف ، وإن كان المقصود بالأخذ غير الشيء ~~المأخوذ حسا تعدى إليه بحرف ، لأنه لما لم يكن مقصودا فكأنه ليس هو المأخوذ ~~، وكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه ، فذكر الحرف ، ويدل على ما ذكرنا استعمال ~~القرآن ، فإن الله تعالى قال : { خذها ولا تخف } في العصا وقال تعالى : { ~~وليأخذوا أسلحتهم } ( النساء : 102 ) { أخذ الالواح } ( الأعراف : 154 ) ~~إلى غير ذلك ، فلما كان ما ذكر هو المقصود بالأخذ عدى الفعل إليه من غير ~~حرف ، وقال تعالى : { لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى } وقال تعالى ms8783 : { فيؤخذ ~~بالنواصى والاقدام } ويقال : خذ بيدي وأخذ الله بيدك إلى غير ذلك مما يكون ~~المقصود بالأخذ غير ما ذكرنا ، فإن قيل : ما الفائدة في توجيه الفعل إلى ~~غير ما توجه إليه الفعل الأول ، ولم قال : { يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ ~~بالنواصى } ؟ نقول فيه بيان نكالهم وسوء حالهم ونبين هذا بتقديم مثال وهو ~~أن القائل إذا قال ضرب زيد فقتل عمرو فإن المفعول في باب ما لم يسم فاعله ~~قائم مقام الفاعل ومشبه به ولهذا أعرب إعرابه فلو لم يوجه يؤخذ إلى غير ما ~~وجه إليه يعرف لكان الأخذ فعل من عرف فيكون كأنه قال : يعرف المجرمين عارف ~~فيأخذهم ذلك العارف ، لكن المجرم يعرفه بسيماه كل أحد ، ولا يأخذه كل من ~~عرفه بسيماه ، بل يمكن أن يقال قوله : { يعرف المجرمون بسيماهم } المراد ~~يعرفهم الناس والملائكة الذين يحتاجون في معرفتهم إلى علامة ، أما كتبة ~~الأعمال والملائكة الغلاظ الشداد فيعرفونهم كما يعرفون أنفسهم من غير ~~احتياج إلى علامة ، وبالجملة فقوله : يعرف معناه يكونون معروفين عند كل أحد ~~فلو قال : يأخذون يكون كأنه قال : فيكونون مأخوذين لكل أحد ، كذلك إذا ~~تأملت في قول القائل : شغلت فضرب زيد علمت عند توجه التعليق إلى مفعولين ~~دليل تغاير الشاغل والضارب لأنه يفهم منه أنى شغلني شاغل فضرب زيدا ضارب / ~~فالضارب غير ذلك الشاغل ، وإذا قلت : شغل زيد فضرب لا يدل على ذلك حيث توجه ~~إلى مفعول واحد ، وإن كان يدل فلا يظهر مثل ما يظهر عند توجهه إلى مفعولين ~~، أما بيان النكال فلأنه لما قال : { فيؤخذ بالنواصى } بين كيفية الأخذ ~~وجعلها مقصود الكلام ، ولو قال : فيؤخذون لكان الكلام يتم عنده ويكون قوله ~~: { بالنواصى } فائدة جاءت بعد تمام الكلام فلا يكون هو المقصود ، وأما إذا ~~قال : فيؤخذ ، فلا بد له من أمر يتعلق به فينتظر السامع وجود ذلك ، فإذا ~~قال : { بالنواصى } يكون هذا هو المقصود ، وفي كيفية الأخذ ظهور نكالهم لأن ~~في نفس الأخذ بالناصية إذلالا وإهانة ، وكذلك الأخذ بالقدم ، لا يقال قد ~~ذكرت أن التعدية بالباء إنما تكون ms8784 حيث لا يكون المأخوذ مقصودا والآن ذكرت ~~أن الأخذ بالنواصي هو المقصود لأنا نقول : لا تنافي بينهما فإن الأخذ ~~بالنواصي مقصود الكلام والناصية ما أخذت لنفس كونها / ناصية وإنما أخذت ~~ليصير صاحبها مأخوذا ، وفرق بين مقصود الكلام وبين الأخذ ، وقوله تعالى : { ~~فيؤخذ بالنواصى والاقدام } فيه وجهان أحدهما : يجمع بين ناصيتهم وقدمهم ، ~~وعلى هذا ففيه قولان : أحدهما : أن ذلك قد يكون من جانب ظهورهم فيربط ~~بنواصيهم أقدامهم من جانب الظهر فتخرج صدورهم نتأ والثاني : أن ذلك من جانب ~~وجوههم فتكون رءوسهم على ركبهم ونواصيهم في أصابع أرجلهم مربوطة الوجه ~~الثاني : أنهم يسحبون سحبا فبعضهم يؤخذ بناصيته وبعضهم يجر برجله ، والأول ~~أصح وأوضح . PageV29P106 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { هاذه جهنم التى يكذب بها المجرمون } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 43 ) هذه جهنم التي . . . . . # > > والمشهور أن ههنا إضمارا تقديره يقال لهم : هذه جهنم ، وقد تقدم مثله ~~في مواضع . ويحتمل أن يقال : معناه هذه صفة جهنم فأقيم المضاف إليه مقام ~~المضاف ويكون ما تقدم هو المشار إليه ، والأقوى أن يقال : الكلام عند ~~النواصي والأقدام قد تم ، وقوله : { هاذه جهنم } لقربها كما يقال هذا زيد ~~قد وصل إذا قرب مكانه ، فكأنه قال جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة ~~غير بعيدة عنهم ، ويلائمه قوله : { يكذب } لأن الكلام لو كان بإضمار يقال ، ~~لقال تعالى لهم : هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون لأن في هذا الوقت لا ~~يبقى مكذب ، وعلى هذا التقدير يضمر فيه : كان يكذب . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { يطوفون بينها وبين حميم ءان } . > 7 @QB@ < # | الرحمن : ( 44 ) يطوفون بينها وبين . . . . . # > > # هو كقوله تعالى : { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل } ( الكهف : 29 ) ~~وكقوله تعالى : { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } ( السجدة : 20 ~~) لأنهم يخرجون فيستغيثون فيظهر لهم من بعد شيء مائع هو صديدهم المغلي ~~فيظنونه ماء ، فيردون عليه كما يرد العطشان فيقعون ويشربون منه شرب الهيم ، ~~فيجدونه أشد حرا فيقطع أمعاءهم ، كما أن العطشان إذا وصل إلى ماء مالح لا ~~يبحث عنه ولا يذوقه ، وإنما يشربه عبا فيحرق فؤاده ms8785 ولا يسكن عطشه . وقوله : ~~{ حميم } إشارة إلى ما فعل فيه من الإغلاء ، وقوله تعالى : { ءان } إشارة ~~إلى ما قبله ، وهو كما يقال : قطعته فانقطع فكأنه حمته النار فصار في غاية ~~السخونة وآن الماء إذا انتهى في الحر نهاية . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 45 ) فبأي آلاء ربكما . . . . . # > > وفيه بحث وهو أن هذه الأمور ليست من الآلاء فكيف قال : { فبأى الاء } ~~؟ نقول : الجواب من وجهين أحدهما : ما ذكرناه وثانيهما : أن المراد : { ~~فبأى ءالاء ربكما } مما أشرنا إليه في أول السورة . { تكذبان } فتستحقان ~~هذه الأشياء المذكورة من العذاب ، وكذلك نقول : في قوله : { ولمن خاف مقام ~~ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) هي الجنان ثم إن تلك الآلاء لا ترى ، وهذا ~~ظاهر لأن الجنان غير مرئية ، وإنما حصل الإيمان بها بالغيب ، فلا / يحسن ~~الاستفهام بمعنى الإنكار مثل ما يحسن الاستفهام عن هيئة السماء والأرض ~~والنجم والشجر والشمس والقمر وغيرها مما يدرك ويشاهد ، لكن النار والجنة ~~ذكرتا للترهيب والترغيب كما بينا أن المراد فبأيهما تكذبان فتستحقان العذاب ~~وتحرمان الثواب . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 @QB@ ~~< # | الرحمن : ( 46 - 47 ) ولمن خاف مقام . . . . . # > > # وفيه لطائف : الأولى : التعريف في عذاب جهنم قال : { هاذه جهنم } ( ~~الرحمن : 43 ) والتنكير في الثواب بالجنة إشارة إلى أن كثرة المراتب التي ~~لا تحد ونعمه التي لا تعد ، وليعلم أن آخر العذاب جهنم وأول مراتب الثواب ~~الجنة ثم بعدها مراتب وزيادات الثانية : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { ~~فذكر بالقرءان من يخاف وعيد } ( ق: 45 ) أن الخوف خشية سببها ذل الخاشي ، ~~والخشية خوف سببه عظمة المخشى ، قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء } ( فاطر : 28 ) لأنهم عرفوا عظمة الله فخافوه لا لذل منهم ، بل ~~لعظمة جانب الله ، وكذلك قوله : { من خشية ربهم مشفقون } ( المؤمنون : 57 ) ~~وقال تعالى : { لو أنزلنا هاذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من ~~خشية الله } ( الحشر : 21 ) أي لو كان المنزل عليه العالم بالمنزل كالجبل ms8786 ~~العظيم في القوة والارتفاع لتصدع من خشية الله لعظمته ، وكذلك قوله تعالى : ~~{ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ( الأحزاب : 37 ) وإنما قلنا : إن ~~الخشية تدل على ما ذكرنا لأن الشيخ للسيد والرجل الكبير يدل على حصول معنى ~~العظمة في خ ش ي ، وقال تعالى في الخوف : { ولا تخف سنعيدها } PageV29P107 ~~( طه : 21 ) لما كان الخوف يضعف في موسى ، وقال : { لا تخف ولا تحزن } ( ~~العنكبوت : 33 ) وقال : { فأخاف أن يقتلون } ( الشعراء : 14 ) وقال إني : { ~~خفت الموالى من ورائى } ( مريم : 5 ) ويدل عليه تقاليب خ و ف فإن قولك خفي ~~قريب منه ، والخافي فيه ضعف والأخيف يدل عليه أيضا ، وإذا علم هذا فالله ~~تعالى مخوف ومخشي ، والعبد من الله خائف وخاش ، لأنه إذا نظر إلى نفسه رآها ~~في غاية الضعف فهو خائف ، وإذا نظر إلى حضرة الله رآها في غاية العظمة فهو ~~خاش ، لكن درجة الخاشي فوق درجة الخائف ، فلهذا قال : { إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء } جعله منحصرا فيهم لأنهم وإن فرضوا أنفسهم على غير ما هم ~~عليه ، وقدروا أن الله رفع عنهم جميع ما هم فيه من الحوائج لا يتركون خشيته ~~، بل تزداد خشيتهم ، وإما الذي يخافه من حيث إنه يفقره أو يسلب جاهه ، ~~فربما يقل خوفه إذا أمن ذلك ، فلذلك قال تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان ~~} وإذا كان هذا للخائف فما ظنك بالخاشي ؟ الثالثة : لما ذكر الخوف ذكر ~~المقام ، وعند الخشية ذكر اسمه الكريم فقال : { إنما يخشى الله } وقال : { ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } وقال عليه السلام : ( خشية الله رأس كل ~~حكمة ) لأنه يعرف ربه بالعظمة فيخشاه . وفي مقام ربه قولان : أحدهما : مقام ~~ربه أي المقام الذي يقوم هو فيه بين يدي ربه ، وهو مقام عبادته كما يقال : ~~هذا معبد الله وهذا معبد الباري أي المقام الذي يعبد الله العبد فيه ~~والثاني : مقام ربه الموضع الذي فيه الله قائم على عباده من قوله تعالى : / ~~{ أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت } ( الرعد : 33 ) أي حافظ ومطلع أخذا ms8787 ~~من القائم على الشيء حقيقة الحافظ له فلا يغيب عنه ، وقيل : مقام مقحم يقال ~~: فلان يخاف جانب فلان أي يخاف فلانا وعلى هذا الوجه يظهر الفرق غاية ~~الظهور بين الخائف والخاشي ، لأن الخائف خاف مقام ربه بين يدي الله فالخاشي ~~لو قيل له : افعل ما تريد فإنك لا تحاسب ولا تسأل عما تفعل لما كان يمكنه ~~أن يأتي بغير التعظيم والخائف ربما كان يقدم على ملاذ نفسه لو رفع عنه ~~القلم وكيف لا / ويقال : خاصة الله من خشية الله في شغل شاغل عن الأكل ~~والشرب واقفون بين يدي الله سابحون في مطالعة جماله غائصون في بحار جلاله ، ~~وعلى الوجه الثاني قرب الخائف من الخاشي وبينهما فرق الرابعة : في قوله : { ~~جنتان } وهذه اللطيفة نبينها بعدما نذكر ما قيل في التثنية ، قال بعضهم : ~~المراد جنة واحدة كما قيل في قوله : { ألقيا فى جهنم } ( ق: 24 ) وتمسك ~~بقول القائل : # % ومهمهين سرت مرتين % % قطعته بالسهم لا السهمين % # فقال : أراد مهمها واحدا بدليل توحيد الضمير في قطعته وهو باطل ، لأن ~~قوله بالسهم يدل على أن المراد مهمهان ، وذلك لأنه لو كان مهمها واحدا لما ~~كانوا في قطعته يقصدون جدلا ، بل يقصدون التعجب وهو إرادته قطع مهمهين ~~بأهبة واحدة وسهم واحد وهو من العزم القوي ، وأما الضمير فهو عائد إلى ~~مفهوم تقديره قطعت كليهما وهو لفظ مقصور معناه التثنية ولفظه للواحد ، يقال ~~: كلاهما معلوم ومجهول ، قال تعالى : { كلتا الجنتين اتت أكلها } ( الكهف : ~~33 ) فوحد اللفظ ولا حاجة ههنا إلى التعسف ، ولا مانع من أن يعطي الله ~~جنتين وجنانا عديدة ، وكيف وقد قال بعد : { ذواتا أفنان } ( الرحمن : 48 ) ~~وقال : فيهما . والثاني وهو الصحيح أنهما جنتان وفيه وجوه أحدها : أنهما ~~جنة للجن وجنة للإنس لأن المراد هذان النوعان وثانيهما : جنة لفعل الطاعات ~~، وجنة لترك المعاصي لأن التكليف بهذين النوعين وثالثها : جنة هي جزاء وجنة ~~أخرى زيادة على الجزاء ، ويحتمل أن يقال : جنتان جنة جسمية والأخرى روحية ~~فالجسمية في نعيم والروحية في روح فكان كما قال تعالى : { فروح وريحان ms8788 * ~~وجنة * نعيم } PageV29P108 ( الواقعة : 89 ) وذلك لأن الخائف من المقربين ~~والمقرب في روح وريحان وجنة نعيم وأما اللطيفة : فنقول : لما قال تعالى في ~~حق المجرم إنه يطوف بين نار وبين حميم آن ، وهما نوعان ذكر لغيره وهو ~~الخائف جنتين في مقابلة ما ذكر في حق المحرم ، لكنه ذكر هناك أنهم يطوفون ~~فيفارقون عذابا ويقعون في الآخر ، ولم يقل : ههنا يطوفون بين الجنتين بل ~~جعلهم الله تعالى ملوكا وهم فيها يطاف عليهم ولا يطاف بهم احتراما لهم ~~وإكراما في حقهم ، وقد ذكرنا في قوله تعالى : { مثل الجنة التى وعد المتقون ~~} ( الرعد : 35 ) وقوله : { إن المتقين فى جنات } ( الذاريات : 15 ) أنه ~~تعالى ذكر الجنة والجنات ، فهي لاتصال أشجارها ومساكنها وعدم وقوع الفاصل ~~بينهما كمهامه وقفار صارت كجنة واحدة ، ولسعتها وتنوع أشجارها وكثرة ~~مساكنها كأنها جنات ، ولاشتمالها على ما تلتذ به الروح والجسم كأنها جنتان ~~، فالكل عائد إلى صفة مدح . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ذواتآ أفنان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! # / < < # | الرحمن : ( 48 ) ذواتا أفنان # > > هي جمع فنن أي ذواتا أغصان أو جمع فن أي فيهما فنون من الأشجار ~~وأنواع من الثمار . فإن قيل : أي الوجهين أقوى ؟ نقول : الأول لوجهين ~~أحدهما : أن الأفنان في جمع فنن هو المشهور والفنون في جمع الفن كذلك ، ولا ~~يظن أن الأفنان والفنون جمع فن بل كل واحد منهما جمع معرف بحرف التعريف ~~والأفعال في فعل كثير والفعول في فعل أكثر ثانيهما : قوله تعالى : { فيهما ~~من كل فاكهة زوجان } ( الرحمن : 52 ) مستقل بما ذكر من الفائدة ، ولأن ذلك ~~فيما يكون ثابتا لا تفاوت فيه ذهنا ووجودا أكثر ، فإن قيل : كيف تمدح ~~بالأفنان والجنات في الدنيا ذوات أفنان كذلك ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : ~~أن الجنات في الأصل ذوات أشجار ، والأشجار ذوات أغصان ، والأغصان ذوات ~~أزهار وأثمار ، وهي لتنزه الناظر إلا أن جنة الدنيا لضرورة الحاجة وجنة ~~الآخرة ليست كالدنيا فلا يكون فيها إلا ما فيه اللذة وأما الحاجة فلا ، ~~وأصول الأشجار وسوقها أمور محتاج إليها مانعة للإنسان عن التردد ms8789 في البستان ~~كيفما شاء ، فالجنة فيها أفنان عليها أوراق عجيبة ، وثمار طيبة من غير سوق ~~غلاظ ، ويدل عليه أنه تعالى لم يصف الجنة إلا بما فيه اللذة بقوله : { ~~ذواتا أفنان } أي الجنة هي ذات فنن غير كائن على أصل وعرف بل هي واقفة في ~~الجو وأهلها من تحتها والثاني : من الوجهين هو أن التنكير للأفنان للتكثير ~~أو للتعجب . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فيهما عينان تجريان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان * فيهما من كل ~~فاكهة زوجان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 50 ) فيهما عينان تجريان # > > أي في كل واحدة منهما عين جارية ، كما قال تعالى : { فيها عين جارية ~~} وفي كل واحدة منهما من الفواكه نوعان ، وفيها مسائل بعضها يذكر عند تفسير ~~قوله تعالى : { فيهما عينان نضاختان * فيهما فاكهة ونخل ورمان } ( الرحمن : ~~66 ، 68 ) وبعضها يذكر ههنا . # المسألة الأولى : هي أن قوله : { ذواتا أفنان } ( الرحمن : 48 ) و { ~~فيهما عينان تجريان } و { فيهما من كل فاكهة زوجان } كلها أوصاف للجنتين ~~المذكورتين فهو كالكلام الواحد تقديره : جنتان ذواتا أفنان ، ثابت فيهما ~~عينان ، كائن فيهما من كل فاكهة زوجان ، فإن قيل : ما الفائدة في فصل بعضها ~~عن بعض PageV29P109 بقوله تعالى : { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ثلاث مرات ~~مع أنه في ذكر العذاب ما فصل بين كلامين بها حيث قال : { يرسل عليكما شواظ ~~من نار ونحاس فلا تنتصران } ( الرحمن : 35 ) مع أن إرسال نحاس غير / إرسال ~~شواظ ، وقال : { يطوفون بينها وبين حميم ءان } ( الرحمن : 44 ) مع أن ~~الحميم غير الجحيم ، وكذا قال تعالى : { هاذه جهنم التى يكذب بها المجرمون ~~} ( الرحمن : 43 ) وهو كلام تام ، وقوله تعالى : { يطوفون بينها وبين حميم ~~ءان } ( الرحمن : 44 ) كلام آخر ولم يفصل بينهما بالآية المذكورة ؟ نقول : ~~فيه تغليب جانب الرحمة ، فإن آيات العذاب سردها سردا وذكرها جملة ليقصر ~~ذكرها ، والثواب ذكره شيئا فشيئا ، لأن ذكره يطيب للسامع فقال بالفصل ~~وتكرار عود الضمير إلى الجنس بقوله : { فيهما عينان } ، { فيهما من كل ~~فاكهة } لأن إعادة ذكر المحبوب محبوب ، والتطويل بذكر اللذات مستحسن . # المسألة ms8790 الثانية : قوله تعالى : { فيهما عينان تجريان } أي في كل واحدة ~~عين واحدة كما مر ، وقوله : { فيهما من كل فاكهة زوجان } معناه كل واحدة ~~منهما زوج ، أو معناه في كل واحدة منهما من الفواكه زوجان ، ويحتمل أن يكون ~~المراد مثل ذلك أي في كل واحدة من الجنتين زوج من كل فاكهة ففيهما جميعا ~~زوجان من كل فاكهة ، وهذا إذا جعلنا الكنايتين فيهما للزوجين ، أو نقول : ~~من كل فاكهة لبيان حال الزوجين ، ومثاله إذا دخلت من على ما لا يمكن أن ~~يكون كائنا في شيء كقولك : في الدار من الشرق رجل ، أي فيها رجل من الشرق ، ~~ويحتمل أن يكون المراد في كل واحدة منها زوجان ، وعلى هذا يكون كالصفة بما ~~يدل عليه من كل فاكهة كأنه قال : فيهما من كل فاكهة ، أي كائن فيهما شيء من ~~كل فاكهة ، وذلك الكائن زوجان ، وهذا بين فيما تكون من داخله على ما لا ~~يمكن أن يكون هناك كائن في الشيء غيره ، كقولك : في الدار من كل ساكن ، ~~فإذا قلنا : فيهما من كل فاكهة زوجان الثالث : عند ذكر الأفنان لو قال : ~~فيهما من كل فاكهة زوجان كان متناسبا لأن الأغصان عليها الفواكه ، فما ~~الفائدة في ذكر العينين بين الأمرين المتصل أحدهما بالآخر ؟ نقول : جرى ذكر ~~الجنة على عادة المتنعمين ، فإنهم إذا دخلوا البستان لا يبادرون إلى أكل ~~الثمار بل يقدمون التفرج على الأكل ، مع أن الإنسان في بستان الدنيا لا ~~يأكل حتى يجوع ويشتهي شهوة مؤلمة فكيف في الجنة فذكر ما يتم به النزهة وهو ~~خضرة الأشجار ، وجريان الأنهار ، ثم ذكر ما يكون بعد النزهة وهو أكل الثمار ~~، فسبحان من يأتي بالآي بأحسن المعاني في أبين المباني . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق وجنى الجنتين دان * فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 54 ) متكئين على فرش . . . . . # > > وفيه مسائل نحوية ولغوية ومعنوية . # المسألة الأولى من النحوية : هو أن المشهور أن ( متكئين ) حال وذو الحال ~~من في قوله : { ولمن خاف مقام ربه } ( الرحمن ms8791 : 46 ) والعامل ما يدل عليه ~~اللام الجارة تقديره لهم في حال الاتكاء جنتان / وقال صاحب الكشاف : يحتمل ~~أن يكون نصبا على المدح ، وإنما حمله على هذا إشكال في قول من قال : إنه ~~حال وذلك لأن الجنة ليست لهم حال الإتكاء بل هي لهم في كل حال فهي قبل ~~الدخول لهم ، ويحتمل أن يقال : هو حال وذو الحال ما تدل عليه الفاكهة . لأن ~~قوله تعالى : { فيهما من كل فاكهة زوجان } ( الرحمن : 52 ) يدل على متفكهين ~~بها كأنه قال : يتفكه المتفكهون بها ، متكئين ، وهذا فيه معنى لطيف ، وذلك ~~لأن الأكل إن كان ذليلا كالخول والخدم والعبيد PageV29P110 والغلمان ، فإنه ~~يأكل قائما ، وإن كان عزيزا فإن كان يأكل لدفع الجوع يأكل قاعدا ولا يأكل ~~متكئا إلا عزيز متفكه ليس عند جوع يقعده للأكل ، ولا هنالك من يحسمه ، ~~فالتفكه مناسب للإتكاء . # المسألة الثانية من المسائل النحوية : { على فرش } متعلق بأي فعل هو ؟ إن ~~كان متعلقا بما في { متكئين } ، حتى يكون كأنه يقول : يتكئون على فرش كما ~~كان يقال : فلان اتكأ على عصاه أو على فخذيه فهو بعيد لأن الفراش لا يتكأ ~~عليه ، وإن كان متعلقا بغيره فماذا هو ؟ نقول : متعلق بغيره تقديره يتفكه ~~الكائنون على فرش متكئين من غير بيان ما يتكئون عليه ، ويحتمل أن يكون ~~اتكاؤهم على الفرش غير أن الأظهر ما ذكرنا ليكون ذلك بيانا لما تحتهم وهم ~~بجميع بدنهم عليه وهو أنعم وأكرم لهم . # المسألة الثالثة : الظاهر أن لكل واحد فرشا كثيرة لا أن لكل واحد فراشا ~~فلكلهم فرش عليها كائنون . # المسألة الرابعة لغوية : الاستبرق هو الديباج الثخين وكما أن الديباج ~~معرب بسبب أن العرب لم يكن عندهم ذلك إلا من العجم ، استعمل الاسم المعجم ~~فيه غير أنهم تصرفوا فيه تصرفا وهو أن اسمه بالفارسية ستبرك بمعنى ثخين ~~تصغير ( ستبر ) فزادوا فيه همزة متقدمة عليه ، وبدلوا الكاف بالقاف ، أما ~~الهمزة ، فلأن حركات أوائل الكلمة في لسان العجم غير مبنية في كثير من ~~المواضع فصارت كالسكون ، فأثبتوا فيه همزة كما أثبتوا همزة الوصل ms8792 عند سكون ~~أول الكلمة ، ثم إن البعض جعلوها همزة وصل وقالوا : { من إستبرق } ~~والأكثرون جعلوها همزة قطع لأن أول الكلمة في الأصل متحرك لكن بحركة فاسدة ~~فأتوا بهمزة تسقط عنهم الحركة الفاسدة وتمكنهم من تسكين الأول وعند تساوي ~~الحركة ، فالعود إلى السكون أقرب ، وأواخر الكلمات عند الوقف تسكن ولا تبدل ~~حركة بحركة ، وأما القاف فلأنهم لو تركوا الكاف لاشتبه ستبرك بمسجدك ودارك ~~، فأسقطوا منه الكاف التي هي على لسان العرب في آخر الكلم للخطاب وأبدلوها ~~قافا ثم عليه سؤال مشهور ، وهو أن القرآن أنزل بلسان عربي مبين ، وهذا ليس ~~بعربي ، والجواب الحق أن اللفظة في أصلها لم تكن بين العرب بلغة ، وليس ~~المراد أنه أنزل بلغة هي في أصل وضعها على لسان العرب ، بل المراد أنه منزل ~~بلسان لا يخفى معناه على أحد من العرب ولم يستعمل فيه لغة لم تتكلم العرب ~~بها ، فيصعب عليهم مثله لعدم مطاوعة لسانهم التكلم بها فعجزهم عن مثله ليس ~~إلا لمعجز . # / المسألة الخامسة : معنوية الإتكاء من الهيئات الدالة على صحة الجسم ~~وفراغ القلب ، فالمتكىء تكون أمور جسمه على ما ينبغي وأحوال قلبه على ما ~~ينبغي / لأن العليل يضطجع ولا يستلقي أو يستند إلى شيء على حسب ما يقدر ~~عليه للاستراحة ، وأما الإتكاء بحيث يضع كفه تحت رأسه ومرفقه على الأرض ~~ويجافي جنبيه عن الأرض فذاك أمر لا يقدر عليه ، وأما مشغول القلب في طلب ~~شيء فتحركه تحرك مستوفز . # المسألة السادسة : قال أهل التفسير قوله : { بطائنها من إستبرق } يدل على ~~نهاية شرفها فإن ما تكون بطائنها من الإستبرق تكون ظهائرها خيرا منها ، ~~وكأن شيء لا يدركه البصر من سندس وهو الديباج الرقيق الناعم ، وفيه وجه آخر ~~معنوي وهو أن أهل الدنيا يظهرون الزينة ولا يتمكنون من أن يجعلوا البطائن ~~كالظهائر ، لأن غرضهم إظهار الزينة والبطائن لا تظهر ، وإذا انتفى السبب ~~انتفى المسبب ، فلما لم يحصل في جعل البطائن من الديباج مقصودهم وهو ~~الإظهار تركوه ، وفي الآخرة الأمر مبني على الإكرام والتنعيم فتكون البطائن ~~كالظهائر فذكر ms8793 البطائن . # المسألة السابعة : قوله تعالى : { وجنى الجنتين دان } فيه إشارة إلى ~~مخالفتها لجنة دار الدنيا من ثلاثة PageV29P111 أوجه : أحدها : أن الثمرة ~~في الدنيا على رءوس الشجرة والإنسان عند الاتكاء يبعد عن رءوسها وفي الآخرة ~~هو متكىء والثمرة تنزل إليه ثانيها : في الدنيا من قرب من ثمرة شجرة بعد عن ~~الأخرى وفي الآخرة كلها دان في وقت واحد ومكان واحد ، وفي الآخرة المستقر ~~في جنة عنده جنة أخرى ثالثها : أن العجائب كلها من خواص الجنة فكان أشجارها ~~دائرة عليهم ساترة إليهم وهم ساكنون على خلاف ما كان في الدنيا وجناتها وفي ~~الدنيا الإنسان متحرك ومطلوبه ساكن ، وفيه الحقيقة وهي أن من لم يكسل ولم ~~يتقاعد عن عبادة الله تعالى ، وسعى في الدنيا في الخيرات انتهى أمره إلى ~~سكون لا يحوجه شيء إلى حركة ، فأهل الجنة إن تحركوا تحركوا لا لحاجة وطلب ، ~~وإن سكنوا سكنوا لا لاستراحة بعد التعب ، ثم إن الولي قد تصير له الدنيا ~~أنموذجا من الجنة ، فإنه يكون ساكنا في بيته ويأتيه الرزق متحركا إليه ~~دائرا حواليه ، يدلك عليه قوله تعالى : { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد ~~عندها رزقا } ( آل عمران : 37 ) . # المسألة الثامنة : الجنتان إن كانتا جسميتين فهو أبدا يكون بينهما وهما ~~عن يمينه وشماله هو يتناول ثمارهما وإن كانت إحداهما روحية والأخرى جسمية ~~فلكل واحد منهما فواكه وفرش تليق بها . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } . > 7 ! # / < < # | الرحمن : ( 56 ) فيهن قاصرات الطرف . . . . . # > > وفيه مباحث : # الأول : في الترتيب وأنه في غاية الحسن لأنه في أول الأمر بين المسكن وهو ~~الجنة ، ثم بين ما يتنزه به فإن من يدخل بستانا يتفرج أولا فقال : { ذواتا ~~أفنان * فيهما عينان } ( الرحمن : 48 ، 50 ) ثم ذكر ما يتناول من المأكول ~~فقال : { فيهما من كل فاكهة } ( الرحمن : 52 ) ثم ذكر موضع الراحة بعد ~~التناول وهو الفراش ، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه . # الثاني : { فيهن } الضمير عائد إلى ماذا ؟ نقول : فيه ثلاثة أوجه أحدها : ~~إلى الآلاء ms8794 والنعم أي قاصرات الطرف ثانيها : إلى الفراش أي في الفرش قاصرات ~~وهما ضعيفان ، أما الأول فلأن اختصاص القاصرات بكونهن في الآلاء مع أن ~~الجنتين في الآلاء والعينين فيهما والفواكه كذلك لا يبقى له فائدة ، وأما ~~الثاني فلأن الفرش جعلها ظرفهم حيث قال : { متكئين على فرش } ( الرحمن : 54 ~~) وأعاد الضمير إليها بقوله : { بطائنها } ( الرحمن : 54 ) ولم يقل : ~~بطائنهن ، فقوله { فيهن } يكون تفسيرا للضمير فيحتاج إلى بيان فائدة لأنه ~~تعالى قال بعد هذا مرة أخرى : { فيهن خيرات } ( الرحمن : 70 ) ولم يكن هناك ~~ذكر الفرش فالأصح إذن هو الوجه الثالث : وهو أن الضمير عائد إلى الجنتين ، ~~وجمع الضمير ههنا وثنى في قوله : { فيهما عينان } ( الرحمن : 50 ) و : { ~~فيهما من كل فاكهة } ( الرحمن : 52 ) وذلك لأنا بينا أن الجنة لها اعتبارات ~~ثلاثة أحدها : اتصال أشجارها وعدم وقوع الفيافي والمهامة فيها والأراضي ~~الغامرة ، ومن هذا الوجه كأنها جنة واحدة لا يفصلها فاصل وثانيها : ~~اشتمالها على النوعين الحاصرين للخيرات ، فإن فيها ما في الدنيا ، وما ليس ~~في الدنيا وفيها ما يعرف ، ومالا يعرف ، وفيها ما يقدر على وصفه ، وفيها ~~مالا يقدر ، وفيها لذات جسمانية ولذات غير جسمانية فلاشتمالها على النوعين ~~كأنها جنتان وثالثها : لسعتها وكثرة أشحارها وأماكنها وأنهارها ومساكنها ~~كأنها جنات ، فهي من وجه جنة واحدة ومن وجه جنتان ومن وجه جنات . إذا ثبت ~~هذا فنقول : اجتماع النسوان للمعاشرة مع الأزواج والمباشرة في الفراش في ~~موضع واحد في الدنيا لا يمكن ، وذلك لضيق المكان ، أو عدم الإمكان أو دليل ~~ذلة النسوان ، فإن الرجل الواحد لا يجمع بين النساء في بيت إلا إذا كن ~~جواري غير ملتفت إليهن ، فأما إذا كانت كل واحدة كبيرة النفس كثيرة المال ~~فلا يجمع بينهن ، واعلم أن الشهوة في الدنيا كما تزداد بالحسن الذي في ~~الأزواج تزداد بسبب العظمة وأحوال الناس في PageV29P112 أكثر الأمر تدل ~~عليه ، إذا ثبت هذا فنقول : الحظايا في الجنة يجتمع فيهن حسن الصورة ~~والجمال والعز والشرف والكمال ، فتكون الواحدة لها كذا وكذا من الجواري ~~والغلمان فتزداد اللذة بسبب ms8795 كمالها ، فإذن ينبغي أن يكون لكل واحدة ما يليق ~~بها من المكان الواسع فتصير الجنة التي هي واحدة من حيث الاتصال كثيرة من ~~حيث تفرق المساكن فيها فقال : { فيهن } وأما الدنيا فليس فيها تفرق المساكن ~~دليلا للعظمة واللذة فقال { فيهما } ( الرحمن : 50 ) وهذا من اللطائف ~~الثالث : قاصرات الطرف صفة لموصوف حذف ، وأقيمت الصفة مكانه ، والموصوف ~~النساء أو الأزواج كأنه قال فيهن نساء قاصرات الطرف وفيه لطيفة : فإنه ~~تعالى لم يذكر النساء إلا بأوصافهن ولم يذكر اسم الجنس فيهن ، فقال تارة : ~~{ وحور عين } ( الواقعة : 22 ) / وتارة : { عربا أترابا } ( الرحمن : 56 ) ~~وتارة : { قاصرات الطرف } ( الرحمن : 56 ) ولم يذكر نساء كذا وكذا لوجهين ~~أحدهما : الإشارة إلى تنحدرهن وتسترهن ، فلم يذكرهن باسم الجنس لأن اسم ~~الجنس يكشف من الحقيقة مالا يكشفه الوصف فإنك إذا قلت المتحرك المريد الآكل ~~الشارب لا تكون بينته بالأوصاف الكثيرة أكثر مما بينته بقولك : حيوان ~~وإنسان وثانيهما : إعظاما لهن ليزداد حسنهن في أعين الموعودين بالجنة فإن ~~بنات الملوك لا يذكرن إلا بالأوصاف . # المسألة الرابعة : { قاصرات الطرف } من القصر وهو المنع أي المانعات ~~أعينهن من النظر إلى الغير ، أو من القصور ، وهو كون أعينهن قاصرة لا طماح ~~فيها للغير ، أقول والظاهر أنه من القصر إذ القصر مدح والقصور ليس كذلك ، ~~ويحتمل أن يقال : هو من القصر بمعنى أنهن قصرن أبصارهن ، فأبصارهن مقصورة ~~وهن قاصرات فيكون من إضافة الفاعل إلى المفعول والدليل عليه هو أن القصر ~~مدح والقصور ليس كذلك ، وعلى هذا ففيه لطيفة وهي أنه تعالى قال من بعد هذه ~~: { حور مقصورات } ( الرحمن : 72 ) فهن مقصورات وهن قاصرات ، وفيه وجهان ~~أحدهما : أن يقال : هن قاصرات أبصارهن كما يكون شغل العفائف ، وهن قاصرات ~~أنفسهن في الخيام كما هو عادة المخدرات لأنفسهن في الخيام ولأبصارهن عن ~~الطماح وثانيهما : أن يكون ذلك بيانا لعظمتهن وعفافهن وذلك لأن المرأة التي ~~لا يكون لها رادع من نفسها ولا يكون لها أولياء يكون فيها نوع هوان ، وإذا ~~كان لها أولياء أعزة امتنعت عن الخروج والبروز ، وذلك يدل ms8796 على عظمتهن ، ~~وإذا كن في أنفسهن عند الخروج لا ينظرن يمنة ويسرة فهن في أنفسهن عفائف ، ~~فجمع بين الإشارة إلى عظمتهن بقوله تعالى : { مقصورات } منعهن أولياؤهن ~~وههنا وليهن الله تعالى ، وبين الإشارة إلى عفتهن بقوله تعالى : { قاصرات ~~الطرف } ثم تمام اللطف أنه تعالى قدم ذكر ما يدل على العفة على ما يدل على ~~العظمة وذكر في أعلى الجنتين قاصرات وفي أدناهما مقصورات ، والذي يدل على ~~أن المقصورات يدل على العظمة أنهن يوصفن بالمخدرات لا بالمتخدرات ، إشارة ~~إلى أنهن خدرهن خادر لهن غيرهن كالذي يضرب الخيام ويدلي الستر ، بخلاف من ~~تتخذه لنفسها وتغلق بابها بيدها ، وسنذكر بيانه في تفسير الآية بعد . # المسألة الخامسة : { قاصرات الطرف } فيها دلالة عفتهن ، وعلى حسن ~~المؤمنين في أعينهن ، فيجبن أزواجهن حبا بشغلهن عن النظر إلى غيرهم ، ويدل ~~أيضا على الحياء لأن الطرف حركة الجفن ، والحورية لا تحرك جفنها ولا ترفع ~~رأسها . # المسألة السادسة : { لم يطمثهن } فيه وجوه أحدها : لم يفرعهن ثانيها : لم ~~يجامعهن ثالثها : لم يمسسهن ، وهو أقرب إلى حالهن وأليق بوصف كمالهن ، لكن ~~لفظ الطمث غير ظاهر فيه ولو كان المراد منه PageV29P113 المس لذكر اللفظ ~~الذي يستحسن ، وكيف وقد قال تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } ( ~~البقرة : 237 ) وقال : { فاعتزلوا } ( البقرة : 222 ) ولم يصرح بلفظ موضوع ~~للوطء ، فإن قيل : فما ذكرتم من / الإشكال باق وهو أنه تعالى كنى عن الوطء ~~في الدنيا باللمس كما في قوله تعالى : { أو لامستم النساء } ( النساء : 43 ~~) على الصحيح في تفسير الآية وسنذكره ، وإن كان على خلاف قول إمامنا ~~الشافعي رضي الله عنه وبالمس في قوله : { من قبل أن تمسوهن } ( البقرة : ~~237 ) ولم يذكر المس في الآخرة بطريق الكناية ، نقول : إنما ذكر الجماع ~~الدنيا بالكناية لما أنه في الدنيا قضاء للشهوة وأنه يضعف البدن ويمنع من ~~العبادة ، وهو في بعض الأوقات قبحه كقبح شرب الخمر ، وفي بعض الأوقات هو ~~كالأكل الكثير وفي الآخرة مجرد عن وجوه القبح ، وكيف لا والخمر في الجنة ~~معدودة من اللذات وأكلها وشربها دائم إلى ms8797 غير ذلك ، فالله تعالى ذكره في ~~الدنيا بلفظ مجازي مستور في غاية الخفاء بالكناية إشارة إلى قبحه وفي ~~الآخرة ذكره بأقرب الألفاظ إلى التصريح أو بلفظ صريح / لأن الطمث أدل من ~~الجماع والوقاع لأنهما من الجمع والوقوع إشارة إلى خلوه عن وجوه القبح . # المسألة السابعة : ما الفائدة في كلمة { قبلهم } ؟ قلنا لو قال : لم ~~يطمثهن إنس ولا جان يكون نفيا لطمث المؤمن إياهن وليس كذلك . # المسألة الثامنة : ما الفائدة في ذكر الجان مع أن الجان لا يجامع ؟ نقول ~~: ليس كذلك بل الجن لهم أولاد وذريات وإنما الخلاف في أنهم هل يواقعون ~~الإنس أم لا ؟ والمشهور أنهم يواقعون وإلا لما كان في الجنة أحساب ولا ~~أنساب ، فكأن مواقعة الإنس إياهن كمواقعة الجن من حيث الإشارة إلى نفيها . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { كأنهن الياقوت والمرجان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 58 ) كأنهن الياقوت والمرجان # > > وهذا التشبيه فيه وجهان أحدهما : تشبيه بصفائهما وثانيهما : بحسن ~~بياض اللؤلؤ وحمرة الياقوت ، والمرجان صغار اللؤلؤ وهي أشد بياضا وضياء من ~~الكبار بكثير ، فإن قلنا : إن التشبيه لبيان صفائهن ، فنقول : فيه لطيفة هي ~~أن قوله تعالى : { قاصرات الطرف } إشارة إلى خلوصهن عن القبائح ، وقوله : { ~~كأنهن الياقوت والمرجان } إشارة إلى صفائهن في الجنة ، فأول ما بدأ ~~بالعقليات وختم بالحسيات ، كما قلنا : إن التشبيه لبيان مشابهة جسمهن ~~بالياقوت والمرجان في الحمرة والبياض ، فكذلك القول فيه حيث قدم بيان العفة ~~على بيان الحسن ولا يبعد أن يقال : هو مؤكد لما مضى لأنهن لما كن قاصرات ~~الطرف ممتنعات عن الاجتماع بالإنس والجن لم يطمثهن فهن كالياقوت الذي يكون ~~في معدنه والمرجان المصون في صدفه لا يكون قد مسه يد لامس ، وقد بينا مرة ~~أخرى في قوله تعالى : { كأنهن بيض مكنون } أن ( كأن ) الداخلة على المشبه ~~به لا تفيد من التأكيد ما تفيده الداخلة على المشبه ، فإذا قلت : زيد ~~كالأسد ، كان معناه زيد يشبه الأسد ، وإذا قلت كأن زيدا الأسد فمعناه يشبه ~~أن زيدا هو الأسد حقيقة ، لكن قولنا : زيد يشبه ms8798 الأسد ليس فيه مبالغة عظيمة ~~، فإنه يشبهه في أنهما حيوانان / وجسمان وغير ذلك ، وقولنا : زيد يشبه لا ~~يمكن حمله على الحقيقة ، أما من حيث اللفظ فنقول : إذا دخلت الكاف على ~~المشبه به ، وقيل : إن زيدا كالأسد عملت الكاف في الأسد عملا لفظيا والعمل ~~اللفظي مع العمل المعنوي ، فكأن الأسد عمل به عمل حتى صار زيدا ، وإذا قلت ~~: كأن زيدا الأسد تركت الأسد على PageV29P114 إعرابه فإذن هو متروك على ~~حاله وحقيقته وزيد يشبه به في تلك الحال ولا شك في أن زيدا إذا شبه بأسد هو ~~على حاله باق يكون أقوى مما إذا شبه بأسد لم يبق على حاله ، وكأن من قال : ~~زيد كالأسد نزل الأسد عن درجته فساواه زيد ، ومن قال : كأن زيدا الأسد رفع ~~زيدا عن درجته حتى ساوى الأسد ، وهذا تدقيق لطيف . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ~~! # < < # | الرحمن : ( 60 ) هل جزاء الإحسان . . . . . # > > وفيه وجوه كثيرة حتى قيل : إن في القرآن ثلاث آيات في كل آية منها ~~مائة قول الأولى : قوله تعالى : { فاذكرونى أذكركم } ( البقرة : 152 ) ، ~~الثانية : قوله تعالى : { ءان * عدتم عدنا } ( الإسراء : 8 ) ، الثالثة : ~~قوله تعالى : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } ولنذكر الأشهر منها والأقرب ~~. أما الأشهر فوجوه أحدها : هل جزاء التوحيد غير الجنة ، أي جزاء من قال : ~~لا إله إلا الله إدخال الجنة ثانيها : هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا ~~الإحسان في الآخرة ثالثها : هل جزاء من أحسن إليكم في الدنيا بالنعم وفي ~~العقبى بالنعيم إلا أن تحسنوا إليه بالعبادة والتقوى ، وأما الأقرب فإنه ~~عام فجزاء كل من أحسن إلى غيره أن يحسن هو إليه أيضا ، ولنذكر تحقيق القول ~~فيه وترجع الوجوه كلها إلى ذلك ، فنقول : الإحسان يستعمل في ثلاث معان ~~أحدها : إثبات الحسن وإيجاده قال تعالى : { فأحسن صوركم } ( غافر : 64 ) ~~وقال تعالى : { الذى أحسن كل شىء خلقه } ( السجدة : 7 ) ثانيها : الإتيان ~~بالحسن كالإظراف والإغراب للإتيان بالظريف والغريب قال تعالى : { من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها } ( الأنعام ms8799 : 160 ) ثالثها : يقال : فلان لا يحسن ~~الكتابة ولا يحسن الفاتحة أي لا يعلمهما ، والظاهر أن الأصل في الإحسان ~~الوجهان الأولان والثالث مأخوذ منهما ، وهذا لا يفهم إلا بقرينة الاستعمال ~~مما يغلب على الظن إرادة العلم ، إذا علمت هذا فنقول : يمكن حمل الإحسان في ~~الموضعين على معنى متحد من المعنيين ويمكن حمله فيهما على معنيين مختلفين ~~أما الأول : فنقول : { هل جزاء الإحسان } أي هل جزاء من أتى بالفعل الحسن ~~إلا أن يؤتى في مقابلته بفعل حسن ، لكن الفعل الحسن من العبد ليس كل ما ~~يستحسنه هو ، بل الحسن هو ما استحسنه الله منه ، فإن الفاسق ربما يكون ~~الفسق في نظره حسنا وليس بحسن بل الحسن ما طلبه الله منه ، كذلك الحسن من ~~الله هو كل ما يأتي به مما يطلبه العبد كما أتى العبد بما يطلبه الله تعالى ~~منه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين } ~~( الزخرف : 71 ) وقوله تعالى : { وهم * فيما * اشتهت أنفسهم خالدون } ( ~~الأنبياء : 102 ) وقال تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى } ( يونس : 26 ) أي ~~ما هو حسن عندهم وأما الثاني فنقول : هل جزاء من أثبت / الحسن في عمله في ~~الدنيا إلا أن يثبت الله الحسن فيه وفي أحواله في الدارين وبالعكس هل جزاء ~~من أثبت الحسن فينا وفي صورنا وأحوالنا إلا أن نثبت الحسن فيه أيضا ، لكن ~~إثبات الحسن في الله تعالى محال ، فإثبات الحسن أيضا في أنفسنا وأفعالنا ~~فنحسن أنفسنا بعبادة حضرة الله تعالى ، وأفعالنا بالتوجه إليه وأحوال ~~باطننا بمعرفته تعالى ، وإلى هذا رجعت الإشارة ، وورد في الأخبار من حسن ~~وجوه المؤمنين وقبح وجوه الكافرين وأما الوجه الثالث : وهو الحمل على ~~المعنيين فهو أن تقول : على جزاء من أتى بالفعل الحسن إلا أن يثبت الله فيه ~~الحسن ، وفي جميع أحواله فيجعل وجهه حسنا وحاله حسنا ، ثم فيه لطائف : # اللطيفة الأولى : هذه إشارة إلى رفع التكليف عن العوام في الآخرة ، ~~وتوجيه التكليف على الخواص فيها أما الأول : فلأنه تعالى لما قال : { هل ~~جزاء الإحسان إلا الإحسان } والمؤمن ms8800 لا شك في أنه يثاب PageV29P115 بالجنة ~~فيكون له من الله الإحسان جزاء له ومن جازى عبدا على عمله لا يأمره بشكره / ~~ولأن التكليف لو بقي في الآخرة فلو ترك العبد القيام بالتكليف لاستحق ~~العقاب ، والعقاب ترك الإحسان لأن العبد لما عبد الله في الدنيا ما دام ~~وبقي يليق بكرمه تعالى أن يحسن إليه في الآخرة ما دام وبقي ، فلا عقاب على ~~تركه بلا تكليف وأما الثاني فنقول : خاصة الله تعالى عبدنا الله تعالى في ~~الدنيا لنعم قد سبقت له علينا ، فهذا الذي أعطانا الله تعالى ابتداء نعمة ~~وإحسان جديد فله علينا شكره ، فيقولون الحمد لله ، ويذكرون الله ويثنون ~~عليه فيكون نفس الإحسان من الله تعالى في حقهم سببا لقيامهم بشكره ، ~~فيعرضون هم على أنفسهم عبادته تعالى فيكون لهم بأدنى عبادة شغل شاغل عن ~~الحور والقصور والأكل والشرب فلا يأكلون ولا يشربون ولا يتنابذون ولا ~~يلعبون فيكون حالهم كحال الملائكة في يومنا هذا لا يتناكحون ولا يلعبون ، ~~فلا يكون ذلك تكليفا مثل هذه التكاليف الشاقة ، وإنما يكون ذلك لذة زائدة ~~على كل لذة في غيرها . # اللطيفة الثانية : هذه الآية تدل على أن العبد محكم في الآخرة كما قال ~~تعالى : { لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون } ( يس : 57 ) وذلك لأنا بينا أن ~~الإحسان هو الإتيان بما هو حسن عند من أتى بالإحسان ، لكن الله لما طلب منا ~~العبادة طلب كما أراد ، فأتى به المؤمن كما طلب منه ، فصار محسنا فهذا ~~يقتضي أن يحسن الله إلى عبده ويأتي بما هو حسن عنده ، وهو ما يطلبه كما ~~يريد فكأنه قال : { هل جزاء الإحسان } أي هل جزاء من أتى بما طلبته منه على ~~حسب إرادتي إلا أن يؤتى بما طلبه مني على حسب إرادته ، لكن الإرادة متعلقة ~~بالرؤية ، فيجب بحكم الوعد أن تكون هذه آية دالة على الرؤية البلكفية . # اللطيفة الثالثة : هذه الآية تدل على أن كل ما يفرضه الإنسان من أنواع ~~الإحسان من الله تعالى فهو دون الإحسان الذي وعد الله تعالى به لأن ms8801 الكريم ~~إذا قال للفقير : افعل كذا ولك كذا دينارا ، وقال لغيره افعل كذا على أن ~~أحسن إليك يكون رجاء من لم يعين له أجرا أكثر من / رجاء من عين له ، هذا ~~إذا كان الكريم في غاية الكرم ونهاية الغنى ، إذا ثبت هذا فالله تعالى قال ~~: جزاء من أحسن إلى أن أحسن إليه بما يغبط به ، وأوصل إليه فوق ما يشتهيه ~~فالذي يعطي الله فوق ما يرجوه وذلك على وفق كرمه وإفضاله . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ومن دونهما جنتان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان * مدهآمتان * فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان * فيهما عينان نضاختان * فبأىءالاء ربكما تكذبان } . > ~~7 ! # < < # | الرحمن : ( 62 ) ومن دونهما جنتان # > > لما ذكر الجزاء ذكر بعده مثله وهو جنتان أخريان ، وهذا كقوله تعالى : ~~{ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ( يونس : 26 ) وفي قوله تعالى : { دونهما } ~~وجهان أحدهما : دونهما في الشرف ، وهو ما اختاره صاحب الكشاف وقال قوله : { ~~مدهامتان } مع قوله في الأوليين : { ذواتا أفنان } ( الرحمن : 48 ) وقوله ~~في هذه : { عينان نضاختان } مع قوله في الأوليين : { عينان تجريان } ( ~~الرحمن : 50 ) لأن النضخ دون الجري ، وقوله في الأولين : { من كل فاكهة ~~زوجان } ( الرحمن : 52 ) مع قوله في هاتين : { فاكهة ونخل ورمان } ( الرحمن ~~: 68 ) وقوله في الأوليين : { فرش بطائنها من إستبرق } حيث ترك ذكر الظهائر ~~لعلوها ورفعتها وعدم إدراك العقول إياها مع قوله في هاتين : { رفرف خضر } ( ~~الرحمن : 76 ) دليل عليه ، ولقائل أن يقول : هذا ضعيف لأن عطايا الله في ~~الآخرة PageV29P116 متتابعة لا يعطي شيئا بعد شيء إلا ويظن الظان أنه ذلك ~~أو خير منه . ويمكن أن يجاب عنه تقريرا لما اختاره الزمخشري أن الجنتين ~~اللتين دون الأولين لذريتهم اللذين ألحقهم الله بهم ولأتباعهم ، ولكنه إنما ~~جعلهما لهم إنعاما عليهم ، أي هاتان الأخريان لكم أسكنوا فيهما من تريدون ~~الثاني : أن المراد دونهما في المكان كأنهم في جنتين ويطلعوا من فوق على ~~جنتين أخريين دونهما ، ويدل عليه قوله تعالى { لهم غرف من فوقها غرف } ( ~~الزمر : 20 ) الآية . والغرف العالية عندها أفنان ، والغرف التي دونها ~~أرضها مخضرة ، وعلى ms8802 هذا ففي الآيات لطائف : # الأولى : قال في الأوليين : { ذواتا أفنان } وقال في هاتين : { مدهامتان ~~} أي مخضرتان في غاية الخضرة ، وإدهام الشيء أي اسواد لكن لا يستعمل في بعض ~~الأشياء والأرض إذا اخضرت غاية الخضرة تضرب إلى أسود ، ويحتمل أن يقال : ~~الأرض الخالية عن الزرع يقال لها : بياض أرض وإذا كانت معمورة يقال لها : ~~سواد أرض كما يقال : سواد البلد ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( عليكم ~~بالسواد الأعظم ومن كثر سواد قوم فهو منهم ) والتحقيق فيه أن ابتداء ~~الألوان هو البياض / وانتهاءها هو السواد ، فإن الأبيض يقبل كل لون والأسود ~~لا يقبل شيئا من الألوان ، ولهذا يطلق الكافر على الأسود ولا يطلق على لون ~~آخر ، ولما كانت الخالية عن الزرع متصفة بالبياض واللاخالية بالسواد فهذا ~~يدل على أنهما تحت الأوليين مكانا ، فهم إذا نظروا إلى ما فوقهم ، يرون ~~الأفنان تظلهم ، وإذا نظروا إلى ما تحتهم يرون الأرض مخضرة ، وقوله تعالى : ~~{ فيهما عينان نضاختان } أي فائرتان ماؤهما متحرك إلى جهة فوق ، وأما ~~العينان المتقدمتان فتجريان إلى صوب المؤمنين فكلاهما حركتهما إلى جهة مكان ~~أهل الإيمان ، وأما قول صاحب الكشاف : النضخ دون الجري فغير لازم لجواز أن ~~يكون الجري يسيرا والنضخ قويا كثيرا ، بل المراد أن النضخ فيه الحركة إلى ~~جهة العلو ، والعينان في مكان المؤمنين ، فحركة الماء تكون إلى جهتهم ، ~~فالعينان الأوليان في مكانهم فتكون حركة مائهما إلى صوب المؤمنين جريا . # [ بم وأما قوله تعالى : # ! 7 < { فيهما فاكهة ونخل ورمان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 @QB@ ~~< # | الرحمن : ( 68 - 69 ) فيهما فاكهة ونخل . . . . . # > > # فهو كقوله تعالى : { فيهما من كل فاكهة زوجان } ( الرحمن : 52 ) وذلك لأن ~~الفاكهة أرضية نحوه البطيخ وغيره من الأرضيات المزروعات وشجرية نحو النخل ~~وغيره من الشجريات فقال : { مدهامتان } ( الرحمن : 64 ) بأنواع الخضر التي ~~منها الفواكه الأرضية وفيهما أيضا الفواكه الشجرية وذكر منها نوعين وهما ~~الرمان والرطب لأنهما متقابلان فأحدهما حلو والآخر غير حلو وكذلك أحدهما ~~حار والآخر بارد وأحدهما فاكهة وغذاء ، والآخر فاكهة ، وأحدهما من فواكه ~~البلاد الحارة والآخر من ms8803 فواكه البلاد الباردة ، وأحدهما أشجاره في غاية ~~الطول والآخر أشجاره بالضد وأحدهما ما يؤكل منه بارز ومالا يؤكل كامن ، ~~والآخر بالعكس فهما كالضدين والإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما ~~بينهما ، كما قال : PageV29P117 { رب المشرقين ورب المغربين } وقدمنا ذلك . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فيهن خيرات حسان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 70 ) فيهن خيرات حسان # > > أي في باطنهن الخير وفي ظاهرهن الحسن والخيرات جمع خيرة وقد بينا أن ~~في قوله تعالى : { قاصرات الطرف } إلى أن قال : { كأنهن } ( الرحمن : 56 58 ~~) إشارة إلى كونهن حسانا . # [ بم وقوله تعالى : # ! 7 < { حور مقصورات فى الخيام * فبأى ءالاء ربكما تكذبان * لم يطمثهن ~~إنس قبلهم ولا جآن * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . > 7 ! # / < < # | الرحمن : ( 72 ) حور مقصورات في . . . . . # > > إشارة إلى عظمتهن فإنهن ما قصرن حجرا عليهن ، وإنما ذلك إشارة إلى ~~ضرب الخيام لهن وإدلاء الستر عليهن ، والخيمة مبيت الرجل كالبيت من الخشب ، ~~حتى إن العرب تسمي البيت من الشعر خيمة لأنه معد للإقامة ، إذا ثبت هذا ~~فنقول : قوله : { مقصورات فى الخيام } إشارة إلى معنى في غاية اللطف ، وهو ~~أن المؤمن في الجنة لا يحتاج إلى التحرك لشيء وإنما الأشياء تتحرك إليه ~~فالمأكول والمشروب يصل إليه من غير حركة منه ، ويطاف عليهم بما يشتهونه ~~فالحور يكن في بيوت ، وعند الانتقال إلى المؤمنين في وقت إرادتهم تسير بهن ~~للارتحال إلى المؤمنين خيام وللمؤمنين قصور تنزل الحور من الخيام إلى ~~القصور ، وقوله تعالى : { لم يطمثهن إنس * إنس ولا جان } قد سبق تفسيره . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { متكئين على رفرف خضر وعبقرى حسان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان } . ~~> 7 ! # < < # | الرحمن : ( 76 ) متكئين على رفرف . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الحكمة في تأخير ذكر اتكائهم عن ذكر نسائهم في هذا ~~الموضع مع أنه تعالى قدم ذكر اتكائهم على ذكر نسائهم في الجنتين المتقدمتين ~~حيث قال : { متكئين على فرش } ( الرحمن : 54 ) ثم قال : { قاصرات الطرف } ( ~~الرحمن : 56 ) وقال ههنا : { فيهن خيرات حسان } ( الرحمن : 70 ) ثم قال : { ~~متكئين } ؟ والجواب عنه من ms8804 وجهين أحدهما : أن أهل الجنة ليس عليهم تعب ~~وحركة فهم منعمون دائما لكن الناس في الدنيا على أقسام منهم من يجتمع مع ~~أهله اجتماع مستفيض وعند قضاء وطره يستعمل الاغتسال والانتشار في الأرض ~~للكسب ، ومنهم من يكون مترددا في طلب الكسب وعند تحصيله يرجع إلى أهله ~~ويريح قلبه من التعب قبل قضاء الوطر فيكون التعب لازما قبل قضاء الوطر أو ~~بعده فالله تعالى قال في بيان أهل الجنة : متكئين قبل الاجتماع بأهلهم وبعد ~~الاجتماع كذلك ، ليعلم أنهم دائم على السكون فلا تعب لهم لا قبل الاجتماع ~~ولا بعد الاجتماع وثانيهما : هو أنا بينا في الوجهين المتقدمين أن الجنتين ~~المتقدمتين لأهل الجنة الذين جاهدوا والمتأخرين لذرياتهم الذين ألحقوا بهم ~~، فهم فيهما وأهلهم في الخيام منتظرات قدوم أزواجهن ، فإذا دخل المؤمن جنته ~~التي هي سكناه يتكىء على الفرش وتنتقل إليه أزواجه الحسان ، فكونهن في ~~الجنتين المتقدمتين بعد اتكائهم على الفرش ، وأما كونهم في الجنتين ~~المتأخرتين فذلك حاصل في يومنا ، واتكاء المؤمن غير حاصل في يومنا ، فقدم ~~ذكر كونهن فيهن هنا وأخره هناك . و { متكئين } حال والعامل فيه / ما دل ~~عليه قوله : { لم يطمثهن إنس قبلهم } ( الرحمن : 74 ) وذلك في قوة ~~الاستثناء كأنه قال : لم يطمثهن إلا المؤمنون فإنهم يطمثوهن متكئين وما ~~ذكرنا من قبل في قوله تعالى : { متكئين على فرش } ( الرحمن : 54 ) يقال هنا ~~. # المسألة الثانية : الرفرف إما أن يكون أصله من رف الزرع إذا بلغ من ~~نضارته فيكون مناسبا لقوله تعالى : { مدهامتان } ( الرحمن : 64 ) ويكون ~~التقدير أنهم متكئون على الرياض والثياب العبقرية ، وإما أن يكون من رفرفة ~~الطائر ، PageV29P118 وهي حومة في الهواء حول ما يريد النزول عليه فيكون ~~المعنى أنهم على بسط مرفوعة كما قال تعالى : { وفرش مرفوعة } ( الواقعة : ~~34 ) وهذا يدل على أن قوله تعالى : { ومن دونهما جنتان } ( الرحمن : 62 ) ~~أنهما دونهما في المكان حيث رفعت فرشهم ، وقوله تعالى : { خضر } صيغة جمع ~~فالرفرف يكون جمعا لكونه اسم جنس ويكون واحده رفرفة كحنظلة وحنظل والجمع في ~~متكئين يدل عليه فإنه لما ms8805 قال : { متكئين } دل على أنهم على رفارف . # المسألة الثالثة : ما الفرق بين الفرش والرفرف حيث لم يقل : رفارف اكتفاء ~~بما يدل عليه قوله : { متكئين } وقال : { فرش } ولم يكتف بما يدل عليه ذلك ~~؟ نقول : جمع الرباعي أثقل من جمع الثلاثي ، ولهذا لم يجيء للجمع في ~~الرباعي إلا مثال واحد وأمثلة الجمع في الثلاثي كثيرة وقد قرىء : ( على ~~رفارف خضر ) ، و ( رفارف خضار وعباقر ) . # المسألة الرابعة : إذ قلنا : إن الرفرف هي البسط فما الفائدة في الخضر ~~حيث وصف تعالى ثياب الجنة بكونها خضرا قال تعالى : { ثياب سندس خضر } ؟ ( ~~الإنسان : 21 ) نقول : ميل الناس إلى اللون الأخضر في الدنيا أكثر ، وسبب ~~الميل إليه هو أن الألوان التي يظن أنها أصول الألوان سبعة وهي الشفاف وهو ~~الذي لا يمنع نفوذ البصر فيه ولا يحجب ما وراءه كالزجاج والماء الصافي ~~وغيرهما ثم الأبيض بعده ثم الأصفر ثم الأحمر ثم الأخضر ثم الأزرق ثم الأسود ~~والأظهر أن الألوان الأصلية ثلاثة الأبيض والأسود وبينهما غاية الخلاف ~~والأحمر متوسط بين الأبيض والأسود فإن الدم خلق على اللون المتوسط / فإن لم ~~تكن الصحة على ما ينبغي فإن كان لفرط البرودة فيه كان أبيض وإن كان لفرط ~~الحرارة فيه كان أسود لكن هذه الثلاثة يحصل منها الألوان الأخر فالأبيض إذا ~~امتزج بالأحمر حصل الأصفر يدل عليه مزج اللبن الأبيض بالدم وغيره من ~~الأشياء الحمر وإذا امتزج الأبيض بالأسود حصل اللون الأزرق يدل عليه خلط ~~الجص المدقوق بالفحم وإذا امتزج الأحمر بالأسود حصل الأزرق أيضا لكنه إلى ~~السواد أميل ، وإذا امتزج الأصفر بالأزرق حصل الأخضر من الأصفر والأزرق وقد ~~علم أن الأصفر من الأبيض والأحمر والأزرق من الأبيض والأسود والأحمر ~~والأسود فالأخضر حصل فيه الألوان الثلاثة الأصلية فيكون ميل الإنسان إليه ~~لكونه مشتملا على الألوان الأصلية وهذا بعيد جدا والأقرب أن الأبيض يفرق ~~البصر ولهذا لا يقدر الإنسان على إدامة النظر في الأرض عند كونها مستورة ~~بالثلج وإنه يورث الجهر والنظر إلى الأشياء السود يجمع البصر ولهذا كره ~~الإنسان النظر إليه ms8806 وإلى الأشياء الحمر كالدم والأخضر لما اجتمع فيه الأمور ~~الثلاثة دفع بعضها أذى بعض وحصل اللون الممتزج من الأشياء التي في بدن ~~الإنسان وهي الأحمر / والأبيض والأصفر والأسود ولما كان ميل النفس في ~~الدنيا إلى الأخضر ذكر الله تعالى في الآخرة ما هو على مقتضى طبعه في ~~الدنيا . # المسألة الخامسة : العبقري منسوب إلى عبقر وهو عند العرب موضع من مواضع ~~الجن فالثياب المعمولة عملا جيدا يسمونها عبقريات مبالغة في حسنها كأنها ~~ليست من عمل الإنس ، ويستعمل في غير الثياب أيضا حتى يقال للرجل الذي يعمل ~~عملا عجيبا : هو عبقري أي من ذلك البلد قال صلى الله عليه وسلم في المنام ~~الذي رآه : ( فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه ) واكتفى بذكر اسم الجنس عن ~~الجمع ووصفه بما توصف به الجموع فقال حسان : وذلك لما بينا أن جمع الرباعي ~~يستثقل بعض الاستثقال ، وأما من قرأ : { * عباقري } فقد جعل اسم ذلك الموضع ~~عباقر فإن زعم أنه جمعه فقد وهم ، وإن جمع العبقري ثم نسب فقد التزم تكلفا ~~خلاف ما كلف PageV29P119 الأدباء التزامه فإنهم في الجمع إذا نسبوا ردوه ~~إلى الواحد وهذا القارىء تكلف في الواحد ورده إلى الجمع ثم نسبه لأن عند ~~العرب ليس في الوجود بلاد كلها عبقر حتى تجمع ويقال : عباقر ، فهذا تكلف ~~الجمع فيما لا جمع له ثم نسب إلى ذلك الجمع والأدباء تكره الجمع فيما ينسب ~~لئلا يجمعوا بين الجمع والنسبة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام } . > 7 ! # < < # | الرحمن : ( 78 ) تبارك اسم ربك . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الترتيب وفيه وجوه أحدها : أنه تعالى لما ختم نعم ~~الدنيا بقوله تعالى : { فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } ختم نعم ~~الآخرة بقوله : { تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام } إشارة إلى أن الباقي ~~والدائم لذاته هو الله تعالى لا غير والدنيا فانية ، والآخرة وإن كانت ~~باقية لكن بقاؤها بإبقاء الله تعالى ثانيها : هو أنه تعالى في أواخر هذه ~~السور كلها ذكر اسم الله فقال في ms8807 السورة التي قبل هذه : { عند مليك مقتدر } ~~( القمر : 55 ) وكون العبد عند الله من أتم النعم كذلك ههنا بعد ذكر الجنات ~~وما فيها من النعم قال : { تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام } إشارة إلى ~~أن أتم النعم عند الله تعالى ، وأكمل اللذات ذكر الله تعالى ، وقال في ~~السورة التي بعد هذه : { فروح وريحان * وجنة * نعيم } ( الواقعة : 89 ) ثم ~~قال تعالى في آخر السورة : { فسبح باسم ربك العظيم } ( الواقعة : 96 ) ~~ثالثها : أنه تعالى ذكر جميع الذات في الجنات ، ولم يذكر لذة السماع وهي من ~~أتم أنواعها ، فقال : { متكئين على رفرف خضر } يسمعون ذكر الله تعالى . # المسألة الثانية : أصل التبارك من البركة وهي الدوام والثبات ، ومنها ~~بروك البعير وبركة الماء ، فإن الماء يكون فيها دائما وفيه وجوه أحدها : ~~دام اسمه وثبت وثانيها : دام الخير عنده لأن البركة وإن كانت من الثبات ~~لكنها تستعمل في الخير وثالثها : تبارك بمعنى علا وارتفع شأنا لا مكانا . # / المسألة الثالثة : قال بعد ذكر نعم الدنيا : { ويبقى وجه ربك } ( ~~الرحمن : 27 ) وقال بعد ذكر نعم الآخرة : { تبارك اسم ربك } لأن الإشارة ~~بعد عد نعم الدنيا وقعت إلى عدم كل شيء من الممكنات وفنائها في ذواتها ، ~~واسم الله تعالى ينفع الذاكرين ولا ذاكر هناك يوحد الله غاية التوحيد فقال ~~: ويبقى وجه الله تعالى والإشارة هنا ، وقعت إلى أن بقاء أهل الجنة بإبقاء ~~الله ذاكرين اسم الله متلذذين به فقال : { تبارك اسم ربك } أي في ذلك اليوم ~~لا يبقى اسم أحد إلا اسم الله تعالى به تدور الألسن ولا يكون لأحد عند أحد ~~حاجة بذكره ولا من أحد خوف ، فإن تذاكروا تذاكروا باسم الله . # المسألة الرابعة : الاسم مقحم أو هو أصل مذكور له التبارك ، نقول : فيه ~~وجهان أحدهما : وهو المشهور أنه مقحم كالوجه في قوله تعالى : { ويبقى وجه ~~ربك } يدل عليه قوله : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنين : 14 ) و ~~: { تبارك الذى بيده الملك } ( الملك : 1 ) وغيره من صور استعمال لفظ تبارك ~~وثانيهما : هو أن الاسم تبارك ، وفيه إشارة إلى معنى ms8808 بليغ ، أما إذا قلنا : ~~تبارك بمعنى علا فمن علا اسمه كيف يكون مسماه وذلك لأن الملك إذا عظم شأنه ~~لا يذكر اسمه إلا بنوع تعظيم ثم إذا انتهى الذاكر إليه يكون تعظيمه له أكثر ~~، PageV29P120 فإن غاية التعظيم للاسم أن السامع إذا سمعه قام كما جرت عادة ~~الملوك أنهم إذا سمعوا في الرسائل اسم سلطان عظيم يقومون عند سماع اسمه ، ~~ثم إن أتاهم السلطان بنفسه بدلا عن كتابه الذي فيه اسمه يستقبلونه ويضعون ~~الجباه على الأرض بين يديه ، وهذا من الدلائل الظاهرة على أن علو الاسم يدل ~~على علو زائد في المسمى ، أما إن قلنا : بمعنى دام الخير عنده فهو إشارة ~~إلى أن ذكر اسم الله تعالى يزيل الشر ويهرب الشيطان ويزيد الخير ويقرب ~~السعادات / وأما إن قلنا : بمعنى دام اسم الله ، فهو إشارة إلى دوام ~~الذاكرين في الجنة على ما قلنا من قبل . # المسألة الخامسة : القراءة المشهورة ههنا : { ذى الجلال } وفي قوله تعالى ~~: { ويبقى وجه ربك ذو الجلال } لأن الجلال للرب ، والاسم غير المسمى ، وأما ~~وجه الرب فهو الرب فوصف هناك الوجه ووصف ههنا الرب ، دون الاسم ولو قال : ~~ويبقى الرب لتوهم أن الرب إذا بقي ربا فله في ذلك الزمان مربوب ، فإذا قال ~~وجه أنسى المربوب فحصل القطع بالبقاء للحق فوصف الوجه يفيد هذه الفائدة ، ~~والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلامه . # PageV29P121 < # > 1 ( سورة الواقعة ) 1 < # > # وهي ست وتسعون آية مكية # ! 7 < { إذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة * خافضة رافعة } . > 7 ! # / < < # | الواقعة : ( 1 ) إذا وقعت الواقعة # > > أما تعلق هذه السورة بما قبلها ، فذلك من وجوه أحدها : أن تلك السورة ~~مشتملة على تعديد النعم على الإنسان ومطالبته بالشكر ومنعه عن التكذيب كما ~~مر ، وهذه السورة مشتملة على ذكر الجزاء بالخير لمن شكر وبالشر لمن كذب ~~وكفر ثانيها : أن تلك السورة متضمنة للتنبيهات بذكر الآلاء في حق العباد ، ~~وهذه السورة كذلك لذكر الجزاء في حقهم يوم التناد ثالثها : أن تلك السورة ~~سورة إظهار الرحمة وهذه ms8809 السورة سورة إظهار الهيبة على عكس تلك السورة مع ما ~~قبلها ، وأما تعلق الأول بالآخر ففي آخر تلك السورة إشارة إلى الصفات من ~~باب النفي والإثبات ، وفي أول هذه السورة إلى القيامة وإلى ما فيها من ~~المثوبات والعقوبات ، وكل واحد منهما يدل على علو اسمه وعظمة شأنه ، وكمال ~~قدرته وعز سلطانه . ثم في الآية مسائل : # المسألة الأولى : ففي تفسيرها جملة وجوه أحدها : المراد إذا وقعت القيامة ~~الواقعة أو الزلزلة الواقعة يعترف بها كل أحد ، ولا يتمكن أحد من إنكارها ، ~~ويبطل عناد المعاندين فتخفض الكافرين في دركات النار ، وترفع المؤمنين في ~~درجات الجنة ، هؤلاء في الجحيم وهؤلاء في النعيم الثاني : { وقعت الواقعة } ~~تزلزل الناس ، فتخفض المرتفع ، وترفع المنخفض ، وعلى هذا فهي كقوله تعالى : ~~{ فجعلنا عاليها سافلها } ( الحجر : 74 ) في الإشارة إلى شدة الواقعة ، لأن ~~العذاب الذي جعل العالي سافلا بالهدم ، والسافل عاليا حتى صارت الأرض ~~المنخفضة كالجبال الراسية ، والجبال الراسية كالأرض المنخفضة أشد وأبلغ ، ~~فصارت البروج العالية مع الأرض متساوية ، والواقعة التي تقع ترفع المنخفضة ~~فتجعل من الأرض أجزاء عالية ومن السماء أجزاء سافلة ، ويدل عليه قوله تعالى ~~: { إذا رجت الارض رجا * وبست الجبال بسا } ( الواقعة : 4 ، 5 ) فإنه إشارة ~~إلى أن الأرض تتحرك بحركة مزعجة ، والجبال تتفتت ، فتصير الأرض المنخفضة ~~كالجبال الراسية ، والجبال الشامخة كالأرض السافلة ، كما يفعل هبوب الريح ~~في الأرض المرملة الثالث : { إذا وقعت الواقعة } يظهر PageV29P122 وقوعها / ~~لكل أحد ، وكيفية وقوعها ، فلا يوجد لها كاذبة ولا متأول يظهر فقوله : { ~~خافضة رافعة } معطوف على { كاذبة } نسقا ، فيكون كما يقول القائل : ليس لي ~~في الأمر شك ولا خطأ ، أي لا قدرة لأحد على رفع المنخفض ولا خفض المرتفع . # المسألة الثانية : { إذا وقعت الواقعة } يحتمل أن تكون الواقعة صفة ~~لمحذوف وهي القيامة أو الزلزلة على ما بينا ، ويحتمل أن يكون المحذوف شيئا ~~غير معين ، وتكون تاء التأنيث مشيرة إلى شدة الأمر الواقع وهوله ، كما يقال ~~: كانت الكائنة والمراد كان الأمر كائنا ما كان ، وقولنا : الأمر كائن لا ~~يفيد إلا حدوث أمر ms8810 ولو كان يسيرا بالنسبة إلى قوله : كانت الكائنة ، إذ في ~~الكائنة وصف زائد على نفس كونه شيئا ، ولنبين هذا ببيان كون الهاء للمبالغة ~~في قولهم : فلان راوية ونسابة ، وهو أنهم إذا أرادوا أن يأتوا بالمبالغة في ~~كونه راويا كان لهم أن يأتوا بوصف بعد الخبر ويقولون : فلان راو جيد أو حسن ~~أو فاضل ، فعدلوا عن التطويل إلى الإيجاز مع زيادة فائدة ، فقالوا : نأتي ~~بحرف نيابة عن كلمة كما أتينا بهاء التأنيث حيث قلنا : ظالمة بدل قول ~~القائل : ظالم أنثى ، ولهذا لزمهم بيان الأنثى عند مالا يمكن بيانها بالهاء ~~في قولهم شاة أنثى وكالكتابة في الجمع حيث قلنا : قالوا بدلا عن قول القائل ~~: قال وقال وقال ، وقالا بدلا عن قوله : قال وقال فكذلك في المبالغة أرادوا ~~أن يأتوا بحرف يغني عن كلمة والحرف الدال على الزيادة ينبغي أن يكون في ~~الآخر / لأن الزيادة بعد أصل الشيء ، فوضعوا الهاء عند عدم كونها للتأنيث ~~والتوحيد في اللفظ المفرد لا في الجمع للمبالغة إذا ثبت هذا فنقول : في ~~كانت الكائنة ووقعت الواقعة حصل هذا معنى لا لفظا ، أما معنى فلأنهم قصدوا ~~بقولهم : كانت الكائنة أن الكائن زائد على أصل ما يكون ، وأما لفظا فلأن ~~الهاء لو كانت للمبالغة لما جاز إثبات ضمير المؤنث في الفعل ، بل كان ينبغي ~~أن يقولوا : كان الكائنة ووقع الواقعة ، ولا يمكن ذلك لأنا نقول : المراد ~~به المبالغة . # المسألة الثالثة : العامل في { إذا } ماذا ؟ نقول : فيه ثلاث أوجه أحدها ~~: فعل متقدم يجعل إذا مفعولا به لا ظرفا وهو اذكر ، كأنه قال : اذكر ~~القيامة ثانيها : العامل فيها ليس لوقعتها كاذبة كما تقول : يوم الجمعة ليس ~~لي شغل ثالثها : يخفض قوم ويرفع قوم ، وقد دل عليه { خافضة رافعة } ، وقيل ~~: العامل فيها قوله : { وأصحاب * الميمنة ما أصحاب الميمنة } ( الواقعة : 8 ~~) أي في يوم وقوع الواقعة . # المسألة الرابعة : { ليس لوقعتها } إشارة إلى أنها تقع دفعة واحدة ~~فالوقعة للمرة الواحدة ، وقوله : { كاذبة } يحتمل وجوها أحدها : كاذبة صفة ~~لمحذوف أقيمت مقامه تقديره ليس لها نفس تكذب ms8811 ثانيها : الهاء للمبالغة كما ~~تقول في الواقعة وقد تقدم بيانه ثالثها : هي مصدر كالعاقبة فإن قلنا بالوجه ~~الأول فاللام تحتمل وجهين أحدهما : أن تكون للتعليل أي لا تكذب نفس في ذلك ~~اليوم لشدة وقعتها كما يقال : لا كاذب عند الملك لضبطه الأمور فيكون نفيا ~~عاما بمعنى أن كل أحد يصدقه فيما يقول وقال : وقبله نفوس كواذب في أمور ~~كثيرة ولا كاذب فيقول : / لا قيامة لشدة وقعتها وظهور الأمر وكما يقال : لا ~~يحتمل الأمر الإنكار لظهوره لكل أحد فيكون نفيا خاصا بمعنى لا يكذب أحد ~~فيقول : لا قيامة وقبله نفوس قائلة به كاذبة فيه ثانيهما : أن تكون للتعدية ~~وذلك كما يقال : ليس لزيد ضارب ، وحينئذ تقديره إذا وقعت الواقعة ليس ~~لوقعتها امرؤ يوجد لها كاذب إن أخبر عنها فهي خافضة رافعة تخفض قوما وترفع ~~قوما وعلى هذا لا تكون عاملا في { إذا } وهو بمعنى ليس لها كاذب يقول : هي ~~أمر سهل يطاق يقال لمن يقدم على أمر عظيم ظانا أنه يطيقه سل نفسك أي سهلت ~~الأمر PageV29P123 عليك وليس بسهل ، وإن قلنا بالوجه الثاني وهو المبالغة ~~ففيه وجهان أحدهما : ليس لها كاذب عظيم بمعنى أن من يكذب ويقدم على الكذب ~~العظيم لا يمكنه أن يكذب لهول ذلك اليوم وثانيهما : أن أحدا لو كذب وقال في ~~ذلك اليوم لا قيامة ولا واقعة لكان كاذبا عظيما ولا كاذب لهذه العظمة في ~~ذلك اليوم والأول أدل على هول اليوم ، وعلى الوجه الثالث يعود ما ذكرنا إلى ~~أنه لا كاذب في ذلك اليوم بل كل أحد يصدقه . # المسألة الخامسة : { خافضة رافعة } تقديره هي خافضة رافعة وقد سبق ذكره ~~في التفسير الجملي وفيه وجوه أخرى أحدها : خافضة رافعة صفتان للنفس الكاذبة ~~أي ليس لوقعتها من يكذب ولا من يغير الكلام فتخفض أمرا وترفع آخر فهي خافضة ~~أو يكون هو زيادة لبيان صدق الخلق في ذلك اليوم وعدم إمكان كذبهم والكاذب ~~يغير الكلام ، ثم إذا أراد نفي الكذب عن نفسه يقول ما عرفت مما كان كلمة ~~واحدة وربما ms8812 يقول ما عرفت حرفا واحدا ، وهذا لأن الكاذب قد يكذب في حقيقة ~~الأمر وربما يكذب في صفة صفاته والصفة قد يكون ملتفتا إليها وقد لا يكون ~~ملتفتا إليها التفاتا معتبرا وقد لا يكون ملتفتا إليها أصلا مثال الأول : ~~قول القائل : ما جاء زيد ويكون قد جاء ومثال الثاني : ما جاء يوم الجمعة ~~ومثال الثالث : ما جاء بكرة يوم الجمعة ويكون قد جاء بكرة يوم الجمعة وما ~~جاء أول بكرة يوم الجمعة والثاني دون الأول والرابع دون الكل / فإذا قال ~~القائل : ما أعرف كلمة كاذبة نفى عنه الكذب في الإخبار وفي صفته والذي يقول ~~: ما عرفت حرفا واحدا نفى أمرا وراءه ، والذي يقول : ما عرفت أعرافة واحدة ~~يكون فوق ذلك فقوله : { ليس لوقعتها كاذبة * خافضة رافعة } أي من يغير ~~تغييرا ولو كان يسيرا . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إذا رجت الا رض رجا * وبست الجبال بسا * فكانت هبآء منبثا } . > ~~7 ! # < < # | الواقعة : ( 4 ) إذا رجت الأرض . . . . . # > > أي كانت الأرض كثيبا مرتفعا والجبال مهيلا منبسطا ، وقوله تعالى : { ~~فكانت هباء منبثا } كقوله تعالى في وصف الجبال : { كالعهن المنفوش } ( ~~القارعة : 5 ) وقد تقدم بيان فائدة ذكر المصدر وهي أنه يفيد أن الفعل كان ~~قولا معتبرا ولم يكن شيئا لا يلتفت إليه ، ويقال فيه : إنه ليس بشيء فإذا ~~قال القائل : ضربته ضربا معتبرا لا يقول القائل فيه : ليس بضرب محتقرا له ~~كما يقال : هذا ليس بشيء ، والعامل في : { إذا رجت } / يحتمل وجوها أحدها : ~~أن يكون إذا رجت بدلا عن إذا وقعت فيكون العامل فيها ما ذكرنا من قبل ~~ثانيها : أن يكون العامل في : { إذا وقعت } ( الواقعة : 1 ) هو قوله : { ~~ليس لوقعتها } ( الواقعة : 2 ) والعامل في : { إذا رجت } هو قوله : { خافضة ~~رافعة } ( الواقعة : 3 ) تقديره تخفض الواقعة وترفع وقت رج الأرض وبس ~~الجبال والفاء للترتيب الزماني لأن الأرض مالم تتحرك والجبال مالم تنبس لا ~~تكون هباء منبثا ، والبس التقليب ، والهباء هو الهواء المختلط بأجزاء أرضية ~~تظهر في خيال الشمس إذا وقع شعاعها في كوة ، وقال : الذين يقولون ms8813 : إن بين ~~الحروف والمعاني مناسبة إن الهواء إذا خالطه أجزاء ثقيلة أرضية ثقل من لفظه ~~حرف فأبدلت الواو الخفيفة بالباء التي لا ينطق بها إلا بإطباق الشفتين بقوة ~~ما لو في الباء ثقل ما . PageV29P124 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وكنتم أزواجا ثلاثة * فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة * وأصحاب ~~المشأمة مآ أصحاب المشأمة } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 7 ) وكنتم أزواجا ثلاثة # > > أي في ذلك اليوم أنتم أزواج ثلاثة أصناف وفسرها بعدها بقوله : { ~~فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الفاء تدل على التفسير ، وبيان ما ورد على التقسيم كأنه ~~قال : ( أزواجا ثلاثة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ) إلخ ، ثم بين حال كل ~~قوم ، فقال : { ما أصحاب الميمنة } فترك التقسيم أولا واكتفى بما يدل عليه ~~، فإنه ذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها ، وسبق قوله تعالى : { وكنتم أزواجا ~~ثلاثة } يغني عن تعديد الأقسام ، ثم أعاد كل واحدة لبيان حالها . # المسألة الثانية : { الميمنة ما } هم أصحاب الجنة ، وتسميتهم بأصحاب ~~الميمنة إما لكونهم من جملة من كتبهم بأيمانهم ، وإما لكون أيمانهم تستنير ~~بنور من الله تعالى ، كما قال تعالى : { يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } ~~( الحديد : 12 ) وإما لكون اليمين يراد به الدليل على الخير ، والعرب ~~تتفاءل بالسانح ، و ( هو ) الذي يقصد جانب اليمين من الطيور والوحوش عند ~~الزجر والأصل فيه أمر حكمي ، وهو أنه تعالى لما خلق الخلق كان له في كل شيء ~~دليل على قدرته واختياره ، حتى إن في نفس الإنسان له دلائل لا تعد ولا تحصى ~~، ودلائل الاختيار إثبات مختلفين في محلين متشابهين ، أو إثبات متشابهين في ~~محلين مختلفين ، إذ حال الإنسان من أشد الأشياء مشابهة فإنه مخلوق من ~~متشابه ، ثم إنه تعالى أودع في الجانب الأيمن من الإنسان قوة ليست في ~~الجانب الأيسر لو اجتمع أهل العلم على أن يذكروا له مرجحا غير قدرة الله ~~وإرادته لا يقدرون عليه ، فإن كان بعضهم يدعى كياسة وذكاء يقول : إن الكبد ~~في الجانب الأيمن ، وبها قوة التغذية ، والطحال في الجانب الأيسر ، وليس ~~فيه قوة ظاهرة / النفع فصار ms8814 الجانب الأيمن قويا لمكان الكبد على اليمين ؟ ~~فنقول : هذا دليل الاختيار لأن اليمين كالشمال ، وتخصيص الله اليمين يجعله ~~مكان الكبد دليل الاختيار إذا ثبت أن الإنسان يمينه أقوى من شماله ، فضلوا ~~اليمين على الشمال ، وجعلوا الجانب الأيمن للأكابر ، وقيل : لمن له مكانة ~~هو من أصحاب اليمين ، ووضعوا له لفظا على وزن العزيز ، فينبغي أن يكون ~~الأمر على ذلك الوجه كالسميع والبصير ، ومالا يتغير كالطويل والقصير ، وقيل ~~له : اليمين ، وهو يدل على القوة ، ووضعوا مقابلته اليسار على الوزن الذي ~~اختص به الاسم المذموم عند النداء بذلك الوزن ، وهو الفعال ، فإن عند الشتم ~~والنداء بالاسم المذموم يؤتى بهذا الوزن مع البناء على الكسر ، فيقال : يا ~~فجار يا فساق يا خباث ، وقيل : اليمين اليسار ، ثم بعد ذلك استعمل في ~~اليمين ، وأما الميمنة فهي مفعلة كأنه الموضع الذي فيه اليمين وكل ما وقع ~~بيمين الإنسان في جانب من المكان ، فذلك موضع اليمين فهو ميمنة كقولنا : ~~ملعبة . # المسألة الثالثة : جعل الله تعالى الخلق على ثلاثة أقسام دليل غلبة ~~الرحمة ، وذلك لأن جوانب الإنسان أربعة ، يمينه وشماله ، وخلفه وقدامه ، ~~واليمين في مقابلة الشمال والخلف في مقابلة القدام ثم إنه تعالى أشار ~~بأصحاب اليمين إلى الناجين الذين يعطون كتبهم بأيمانهم وهم من أصحاب الجانب ~~الأشرف المكرمون ، وبأصحاب الشمال إلى الذين حالهم على خلاف أصحاب اليمين ~~وهم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم مهانون وذكر السابقين الذين لا حساب عليهم ~~ويسبقون الخلق من غير حساب بيمين أو شمال ، أن الذين يكونون في المنزلة ~~العليا من الجانب الأيمن / وهم المقربون بين يدي الله يتكلمون في حق الغير ~~ويشفعون للغير PageV29P125 ويقضون أشغال الناس وهؤلاء أعلى منزلة من أصحاب ~~اليمين ، ثم إنه تعالى لم يقل : في مقابلتهم قوما يكونون متخلفين مؤخرين عن ~~أصحاب الشمال لا يلتفت إليهم لشدة الغضب عليهم وكانت القسمة في العادة ~~رباعية فصارت بسبب الفضل ثلاثية وهو كقوله تعالى : { فمنهم ظالم لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } ( فاطر : 32 ) لم يقل : منهم متخلف عن ~~الكل . # المسألة الرابعة : ما الحكمة في ms8815 الابتداء بأصحاب اليمين والانتقال إلى ~~أصحاب الشمال ثم إلى السابقين مع أنه في البيان بين حال السابقين ثم أصحاب ~~الشمال على الترتيب والجواب : أن نقول : ذكر الواقعة وما يكون عند وقوعها ~~من الأمور الهائلة إنما يكون لمن لا يكون عنده من محبة الله تعالى ما يكفه ~~مانعا عن المعصية ، وأما الذين سرهم مشغول بربهم فلا يجزنون بالعذاب ، فلما ~~ذكر تعالى : { إذا وقعت الواقعة } ( اواقعة : 11 ) وكان فيه من التخويف ~~مالا يخفى وكان التخويف بالذين يرغبون ويرهبون بالثواب والعقاب أولى ذكر ما ~~ذكره لقطع العذر لا نفع الخبر ، وأما السابقون فهم غير محتاجين إلى ترغيب ~~أو ترهيب فقدم سبحانه أصحاب اليمين الذين يسمعون ويرغبون ثم ذكر السابقين ~~ليجتهد أصحاب اليمين ويقربوا من درجتهم وإن كان لا ينالها أحد إلا بجذب من ~~الله فإن السابق يناله ما يناله بجذب ، وإليه الإشارة بقوله : جذبة من ~~جذبات الرحمن خير من عبادة سبعين سنة . # / المسألة الخامسة : ما معنى قوله : { ما أصحاب الميمنة } ؟ نقول : هو ~~ضرب من البلاغة وتقريره هو أن يشرع المتكلم في بيان أمر ثم يسكت عن الكلام ~~ويشير إلى أن السامع لا يقدر على سماعه كما يقول القائل لغيره : أخبرك بما ~~جرى علي ثم يقول هناك هو مجيبا لنفسه لا أخاف أن يحزنك وكما يقول القائل : ~~من يعرف فلانا فيكون أبلغ من أن يصفه ، لأن السامع إذا سمع وصفه يقول : هذا ~~نهاية ما هو عليه ، فإذا قال : من يعرف فلانا بفرض السامع من نفسه شيئا ، ~~ثم يقول : فلان عند هذا المخبر أعظم مما فرضته وأنبه مما علمت منه . # المسألة السادسة : ما إعرابه ومنه يعرف معناه ؟ نقول : { فأصحاب الميمنة ~~} مبتدأ أراد المتكلم أن يذكر خبره فرجع عن ذكره وتركه وقوله : { ما أصحاب ~~الميمنة } جملة استفهامية على معنى التعجب كما تقول : لمدعي العلم ما معنى ~~كذا مستفهما ممتحنا زاعما أنه لا يعرف الجواب حتى إنك تحب وتشتهي ألا يجيب ~~عن سؤالك ولو أجاب لكرهته لأن كلامك مفهوم كأنك تقول : إنك لا تعرف الجواب ~~، إذا عرفت ms8816 هذا فكأن المتكلم في أول الأمر مخبرا ثم لم يخبر بشيء لأن في ~~الأخبار تطويلا ثم لم يسكت وقال ذلك ممتحنا زاعما أنك لا تعرف كنهه ، وذلك ~~لأن من يشرع في كلام ويذكر المبتدأ ثم يسكت عن الخبر قد يكون ذلك السكوت ~~لحصول علمه بأن المخاطب قد علم الخبر من غير ذكر الخبر ، كما أن قائلا : ~~إذا أراد أن يخبر غيره بأن زيدا وصل ، وقال : إن زيدا ثم قبل قوله : جاء ~~وقع بصره على زيد ورآه جالسا عنده يسكت ولا يقول جاء لخروج الكلام عن ~~الفائدة وقد يسكت عن ذكر الخبر من أول الأمر لعلمه بأن المبتدأ وحده يكفي ~~لمن قال : من جاء فإنه إن قال : زيد يكون جوابا وكثيرا ما نقول : زيد ولا ~~نقول : جاء ، وقد يكون السكوت عن الخبر إشارة إلى طول القصة كقول القائل : ~~الغضبان من زيد ويسكت ثم يقول : ماذا أقول عنه . إذا علم هذا فنقول لما قال ~~: { فأصحاب الميمنة } كان كأنه يريد أن يأتي بالخبر فسكت عنه ثم قال في ~~نفسه : إن السكوت قد يوهم أنه لظهور حال الخبر كما يسكت على زيد في جواب من ~~جاء فقال : { ما أصحاب الميمنة } ممتحنا زاعما أنه لا يفهم ليكون ~~PageV29P126 ذلك دليلا على أن سكوته على المبتدأ لم يكن لظهور الأمر بل ~~لخفائه وغرابته ، وهذا وجه بليغ ، وفيه وجه ظاهر وهو أن يقال : معناه أنه ~~جملة واحدة استفهامية كأنه قال : وأصحاب الميمنة ما هم ؟ على سبيل ~~الاستفهام غير أنه أقام المظهر مقام المضمر وقال : { فأصحاب الميمنة ما ~~أصحاب الميمنة } والإتيان بالمظهر إشارة إلى تعظيم أمرهم حيث ذكرهم ظاهرا ~~مرتين وكذلك القول في قوله تعالى : { وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة } ~~وكذلك في قوله : { الحاقة * ما الحاقة } ( الحاقة : 1 ، 2 ) وفي قوله : { ~~القارعة * ما القارعة } ( القارعة : 1 / 2 ) . # المسألة السابعة : ما الحكمة في اختيار لفظ { المشئمة } في مقابلة { ~~الميمنة } ، مع أنه قال في بيان أحوالهم : { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ~~} ؟ نقول : اليمين وضع للجانب المعروف أولا ثم تفاءلوا به واستعملوا ms8817 منه ~~ألفاظا في مواضع وقالوا : هذا ميمون وقالوا : أيمن به ووضعوا للجانب ~~المقابل / له اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه ، فصار في مقابلة ~~اليمين كيفما يدور فيقال : في مقابلة اليمنى اليسرى ، وفي مقابلة الأيمن ~~الأيسر ، وفي مقابلة الميمنة الميسرة ، ولا تستعمل الشمال كما تستعمل ~~اليمين ، فلا يقال : الأشمل ولا المشملة ، وتستعمل المشأمة كما تستعمل ~~الميمنة ، فلا يقال : في مقابلة اليمين لفظ من باب الشؤم ، وأما الشآم فليس ~~في مقابلة اليمين بل في مقابلة يمان ، إذا علم هذا فنقول : بعد ما قالوا ~~باليمين لم يتركوه واقتصروا على استعمال لفظ اليمين في الجانب المعروف من ~~الآدمي ، ولفظ الشمال في مقابلته وحدث لهم لفظان آخران فيه أحدهما : الشمال ~~وذلك لأنهم نظروا إلى الكواكب من السماء وجعلوا ممرها وجه الإنسان وجعلوا ~~السماء جانبين وجعلوا أحدهما أقوى كما رأوا في الإنسان ، فسموا الأقوى ~~بالجنوب لقوة الجانب كما يقال : غضوب ورءوف ، ثم رأوا في مقابلة الجنوب ~~جانبا آخر شمل ذلك الجانب عمارة العالم فسموه شمالا واللفظ الآخر : المشأمة ~~والأشأم في مقابلة الميمنة والأيمن ، وذلك لأنهم لما أخذوا من اليمين اليمن ~~وغيره للتفاؤل وضعوا الشؤم في مقابلته لا في أعضائهم وجوانبهم تكرها لجعل ~~جانب من جوانب نفسه شؤما ، ولما وضعوا ذلك واستمر الأمر عليه نقلوا اليمين ~~من الجانب إلى غيره ، فالله تعالى ذكر الكفار بلفظين مختلفين فقال : { ~~وأصحاب المشئمة } { وأصحاب الشمال } وترك لفظ الميسرة واليسار الدال على ~~هون الأمر ، فقال ههنا : { وأصحاب المشئمة } بأفظع الاسمين ، ولهذا قالوا ~~في العساكر : الميمنة والميسرة اجتنابا من لفظ الشؤم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { والسابقون السابقون * أولائك المقربون } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 10 ) والسابقون السابقون # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في إعرابه ثلاثة أوجه أحدها : { والسابقون } عطف على { ~~وأصحاب * الميمنة } ( الواقعة : 8 ) وعنده تم الكلام ، وقوله : { والسابقون ~~* أولئك المقربون } جملة واحدة والثاني : أن قوله : { والسابقون السابقون } ~~جملة واحدة ، كما يقول القائل : أنت أنت وكما قال الشاعر : # أنا أبو النجم وشعري شعري # وفيه وجهان أحدهما : أن يكون لشهرة أمر المبتدأ بما هو عليه فلا ms8818 حاجة إلى ~~الخبر عنه وهو مراد الشاعر وهو المشهور عند النحاة والثاني : للإشارة إلى ~~أن في المبتدأ مالا يحيط العلم به ولا يخبر عنه ولا يعرف منه إلا نفس ~~المبتدأ ، وهو كمايقول القائل لغيره أخبرني عن حال الملك فيقول : لا أعرف ~~من الملك إلا أنه PageV29P127 ملك فقوله : { والسابقون السابقون } أي لا ~~يمكن الإخبار عنهم إلا بنفسهم فإن حالهم وما هم عليه فوق أن يحيط به علم ~~البشر وههنا لطيفة : وهي أنه في أصحاب الميمنة قال : { ما أصحاب الميمنة } ~~( الواقعة : 8 ) بالاستفهام وإن كان للإعجاز لكن جعلهم مورد الاستفهام ~~وههنا لم يقل : والسابقون ما السابقون ، لأن الاستفهام الذي للإعجاز يورد ~~على مدعي العلم فيقال / له : إن كنت تعلم فبين الكلام وأما إذا كان يعترف ~~بالجهل فلا يقال له : كذبت ولا يقال : كيف كذا ، وما الجواب عن ذلك ، فكذلك ~~في : { والسابقون } ما جعلهم بحيث يدعون ، فيورد عليهم الاستفهام فيبين ~~عجزهم بل بنى الأمر على أنهم معترفون في الابتداء بالعجز ، وعلى هذا فقوله ~~تعالى : { والسابقون السابقون } كقول العالم : لمن سأل عن مسألة معضلة وهو ~~يعلم أنه لا يفهمها وإن كان أبانها غاية الإبانة أن الأمر فيها على ما هو ~~عليه ولا يشتغل بالبيان وثالثها : هو أن السابقون ثانيا تأكيد لقوله : { ~~والسابقون } والوجه الأوسط هو الأعدل الأصح ، وعلى الوجه الأوسط قول آخر : ~~وهو أن المراد منه أن السابقين إلى الخيرات في الدنيا هم السابقون إلى ~~الجنة في العقبى . # المسألة الثانية : { أولئك المقربون } يقتضي الحصر فينبغي أن لا يكون ~~غيرهم مقربا ، وقد قال في حق الملائكة إنهم مقربون ، نقول : { أولئك ~~المقربون } من الأزواج الثلاثة ، فإن قيل : { فأصحاب الميمنة } ليسوا من ~~المقربين ، نقول : للتقريب درجات { والسابقون } في غاية القرب ، ولا حد ~~هناك ، ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يقال : المراد السابقون مقربون من الجنات ~~حال كون أصحاب اليمين متوجهين إلى طريق الجنة لأنه بمقدار ما يحاسب المؤمن ~~حسابا يسيرا ويؤتى كتابه بيمينه يكون السابقون قد قربوا من المنزل أو قربهم ~~إلى الله في الجنة وأصحاب اليمين بعد ms8819 متوجهون إلى ما وصل إليه المقربون ، ~~ثم إن السير والارتفاع لا ينقطع فإن السير في الله لا انقطاع له ، ~~والارتفاع لا نهاية له ، فكلما تقرب أصحاب اليمين من درجة السابق ، يكون قد ~~انتقل هو إلى موضع أعلى منه ، فأولئك هم المقربون في جنات النعيم ، في أعلى ~~عليين حال وصول أصحاب اليمين إلى الحور العين . # المسألة الثالثة : بعد بيان أقسام الأزواج لم يعد إلى بيان حالهم على ~~ترتيب ذكرهم ، بل بين حال السابقين مع أنه أخرهم ، وأخر ذكر أصحاب الشمال ~~مع أنه قدمهم أولا في الذكر على السابقين ، نقول : قد بينا أن عند ذكر ~~الواقعة قدم من ينفعه ذكر الأهوال ، وأخر من لا يختلف حاله بالخوف والرجاء ~~، وأما عند البيان فذكر السابق لفضيلته وفضيلة حاله . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فى جنات النعيم } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 12 ) في جنات النعيم # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : عرف النعيم باللام ههنا وقال في آخر السورة : { فروح ~~وريحان * وجنة * نعيم } ( الواقعة : 89 ) بدون اللام ، والمذكور في آخر ~~السورة هو واحد من السابقين فله جنة من هذه الجنات وهذه معرفة بالإضافة إلى ~~المعرفة ، وتلك غير معرفة فما الفرق بينهما ؟ فنقول : الفرق لفظي ومعنوي ~~فاللفظي هو أن السابقين معرفون باللام المستغرقة لجنسهم ، فجعل موضع ~~المعرفين معرفا ، وأما هناك فهو غير معرف ، لأن قوله : { إن كان من ~~المقربين } ( الواقعة : 88 ) أي إن كان فردا منهم فجعل موضعه غير معرف / مع ~~جواز أن يكون الشخص معرفا PageV29P128 وموضعه غير معرف ، كما قال تعالى : { ~~إن المتقين فى جنات وعيون } ( الذاريات : 15 ) و { إن المتقين فى جنات ونهر ~~} ( القمر : 54 ) وبالعكس أيضا ، وأما المعنوي : فنقول : عند ذكر الجمع جمع ~~الجنات في سائر المواضع فقال تعالى : { إن المتقين فى جنات } وقال تعالى : ~~{ أولئك المقربون * في جنات } ( الواقعة : 11 ، 12 ) لكن السابقون نوع من ~~المتقين ، وفي المتقين غير السابقون أيضا ، ثم إن السابقين لهم منازل ليس ~~فوقها منازل ، فهي صارت معروفة لكونها في غاية العلو أو لأنها لا أحد فوقها ~~، وأما باقي المتقين فلكل واحد ms8820 مرتبة وفوقها مرتبة فهم في جنات متناسبة في ~~المنزلة لا يجمعها صقع واحد لاختلاف منازلهم ، وجنات السابقين على حد واحد ~~في على عليين يعرفها كل أحد ، وأما الواحد منهم فإن منزلته بين المنازل ، ~~ولا يعرف كل أحد أنه لفلان السابق فلم يعرفها ، وأما منازلهم فيعرفها كل ~~أحد ، ويعلم أنها للسابقين ، ولم يعرف الذي للمتقين على وجه كذا . # المسألة الثانية : إضافة الجنة إلى النعيم من أي الأنواع ؟ نقول : إضافة ~~المكان إلى ما يقع في المكان يقال : دار الضيافة ، ودار الدعوة ، ودار ~~العدل ، فكذلك جنة النعيم ، وفائدتها أن الجنة في الدنيا قد تكون للنعيم ، ~~وقد تكون للاشتغال والتعيش بأثمان ثمارها ، بخلاف الجنة في الآخرة فإنها ~~للنعيم لا غير . # المسألة الثالثة : في { جنات النعيم } ، يحتمل أن يكون خبرا بعد خبر ، ~~ويحتمل أن يكون خبرا واحدا ، أما الأول فتقديره : أولئك المقربون كائنون في ~~جنات ، كقوله : { ذو العرش المجيد * فعال لما يريد } ، وأما الثاني ~~فتقديرهم المقربون في الجنات من الله كما يقال : هو المختار عند الملك في ~~هذه البلدة ، وعلى الوجه الأول فائدته بيان تنعيم جسمهم ، وكرامة نفسهم فهم ~~مقربون عند الله فهم في غاية اللذة وفي جنات ، فجسمهم في غاية النعيم ، ~~بخلاف المقربين عند الملوك ، فإنهم يلتذون بالقرب لكن لا يكون لجسمهم راحة ~~، بل يكونون في تعب من الوقوف وقضاء الأشغال ، ولهذا قال : { في جنات ~~النعيم } ولم يقتصر على جنات ، وعلى الوجه الثاني فائدته التمييز عن ~~الملائكة ، فإن المقربين في يومنا هذا في السموات هم الملائكة والسابقون ~~المقربون في الجنة فيكون المقربون في غيرها هم الملائكة وفيه لطيفة : وهي ~~أن قرب الملائكة قرب الخواص عند الملك الذين هم للأشغال ، فهم ليسوا في ~~نعيم ، وإن كانوا في لذة عظيمة ولا يزالون مشفقين قائمين بباب الله يرد ~~عليهم الأمر ولا يرتفع عنهم التكليف ، والسابقون لهم قرب عند الله ، كما ~~يكون لجلساء الملوك ، فهم لا يكون بيدهم شغل ولا يرد عليهم أمر ، فيلتذون ~~بالقرب ، ويتنعمون بالراحة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ثلة من الا ولين * وقليل من ms8821 الا خرين } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 13 ) ثلة من الأولين # > > وهذا خبر بعد خبر ، وفيه مسائل . # المسألة الأولى : قد ذكرت أن قوله : { والسابقون السابقون } ( الواقعة : ~~10 ) جملة ، وإنما كان الخبر عين المبتدأ / لظهور حالهم أو لخفاء أمرهم على ~~غيرهم ، فكيف جاء خبر بعده ؟ نقول : ذلك المقصود قد أفاد ذكر خبر آخر ~~لمقصود آخر ، كما أن واحدا يقول : زيد لا يخفى عليك حاله إشارة إلى كونه من ~~المشهورين ثم يشرع في حال يخفى على السامع مع أنه قال : لا يخفى ، لأن ذلك ~~كالبيان كونه ليس من الغرباء كذلك ههنا قال : { والسابقون السابقون } لبيان ~~عظمتهم ثم ذكر حال عددهم . # المسألة الثانية : { الاولين } من هم ؟ نقول : المشهور أنهم من كان قبل ~~نبينا صلى الله عليه وسلم وإنما قال : { ثلة } والثلة PageV29P129 الجماعة ~~العظيمة ، لأن من قبل نبينا من الرسل والأنبياء من كان من كبار أصحابهم إذا ~~جمعوا يكونون أكثر بكثير من السابقين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وعلى هذا قيل : إن الصحابة لما نزلت هذه الآية صعب عليهم قلتهم ، فنزل بعده ~~: { ثلة من الاولين } ( الواقعة : 13 ) ، { وثلة من الاخرين } ( الواقعة : ~~40 ) هذا في غاية الضعف من وجوه أحدها : أن عدد أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم إذا كان في ذلك الزمان بل إلى آخر الزمان ، بالنسبة إلى من مضى في ~~غاية القلة فماذا كان عليهم من إنعام الله على خلق كثير من الأولين وما هذا ~~إلا خلف غير جائز وثانيها : أن هذا كالنسخ في الأخبار وأنه في غاية البعد ~~ثالثها : ما ورد بعدها لا يرفع هذا لأن الثلة من الأولين هنا في السابقين ~~من الأولين وهذا ظاهر لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم كثروا ورحمهم الله ~~تعالى فعفا عنهم أمورا لم تعف عن غيرهم ، وجعل للنبي صلى الله عليه وسلم ~~الشفاعة فكثر عدد الناجين وهم أصحاب اليمين ، وأما من لم يأثم ولم يرتكب ~~الكبيرة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهم في غاية القلة وهم السابقون ~~ورابعها : هذا توهم وكان ينبغي أن ms8822 يفرحوا بهذه الآية لأنه تعالى لما قال : ~~{ ثلة من الاولين } دخل فيهم الأول من الرسل والأنبياء ، ولا نبي بعد محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، فإذا جعل قليلا من أمته مع الرسل والأنبياء والأولياء ~~الذين كانوا في درجة واحدة ، يكون ذلك إنعاما في حقهم ولعله إشارة إلى قوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) الوجه الثاني : ~~المراد منه : { السابقون * الاولون من المهاجرين والانصار } ( التوبة : 100 ~~) فإن أكثرهم لهم الدرجة العليا ، لقوله تعالى : { لا يستوى منكم من أنفق } ~~( الحديد : 10 ) الآية . { وقليل من الاخرين } الذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم ، وعلى هذا فقوله : { وكنتم أزواجا ثلاثة } ( الواقعة : 7 ) يكون ~~خطابا مع الموجودين وقت التنزيل ، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا ~~قبل نبينا عليه السلام ، وهذا ظاهر فإن الخطاب لا يتعلق إلا بالموجودين من ~~حيث اللفظ ، ويدخل فيه غيرهم بالدليل الوجه الثالث : { ثلة من الاولين } ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنفسهم { وقليل من الاخرين } الذين قال الله ~~تعالى فيهم : { واتبعتهم } ( الطور : 21 ) فالمؤمنون وذرياتهم إن كانوا من ~~أصحاب اليمين فهم في الكثرة سواء ، لأن كل صبي مات وأحد أبويه مؤمن فهو من ~~أصحاب اليمين ، وأما إن كانوا من المؤمنين السابقين ، فقلما يدرك ولدهم ~~درجة السابقين وكثيرا ما يكون ولد المؤمن أحسن حالا من الأب لتقصير في أبيه ~~ومعصية لم توجد في الابن الصغير وعلى هذا فقوله : { ثم الاخرين } المراد ~~منه الآخرون التابعون من الصغار . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين } . > 7 ! # / < < # | الواقعة : ( 15 ) على سرر موضونة # > > والموضونة هي المنسوجة القوية اللحمة والسدى ، ومنه يقال للدرع ~~المنسوجة : موضونة والوضين هو الحبل العريض الذي يكون منه الحزم لقوة سداه ~~ولحمته ، والسرر التي تكون للملوك يكون لها قوائم من شيء صلب ويكون مجلسهم ~~عليها معمولا بحرير وغير ذلك لأنه أنعم من الخشب وما يشبهه في الصلابة وهذه ~~السرر قوائمها من الجواهر النفيسة ، وأرضها من الذهب الممدود ، وقوله تعالى ~~: { متكئين عليها } للتأكيد ، والمعنى أنهم كائنون على سرر متكئين عليها ~~متقابلين ms8823 ، ففائدة التأكيد هو أن لا يظن أنهم كائنون على سرر متكئين على ~~غيرها كما يكون حال من يكون على كرسي صغير لا يسعه للاتكاء فيوضع تحته شيء ~~آخر للاتكاء عليه ، فلما قال : على سرر متكئين عليها دل هذا على أن ~~استقرارهم واتكاءهم جميعا على سرر ، وقوله تعالى : { متقابلين } فيه وجهان ~~أحدهما : أن أحدا لا يستدبر أحدا وثانيهما : أن أحدا PageV29P130 من ~~السابقين لا يرى غيره فوقه ، وهذا أقرب لأن قوله : { متقابلين } على الوجه ~~الأول يحتاج إلى أن يقال : متقابلين معناه أن كل أحد يقابل أحدا في زمان ~~واحد ، ولا يفهم هذا إلا فيما لا يكون فيه اختلاف جهات ، وعلى هذا فيكون ~~معنى الكلام أنهم أرواح ليس لهم أدبار وظهور ، فيكون المراد من السابقين هم ~~الذين أجسامهم أرواح نورانية جميع جهاتهم وجه كالنور الذي يقابل كل شيء ولا ~~يستدبر أحدا ، والوجه الأول أقرب إلى أوصاف المكانيات . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { يطوف عليهم ولدان مخلدون } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 17 ) يطوف عليهم ولدان . . . . . # > > والولدان جمع الوليد ، وهو في الأصل فعيل بمعنى مفعول وهو المولود ~~لكن غلب على الصغار مع قطع النظر عن كونهم مولودين ، والدليل أنهم قالوا ~~للجارية الصغيرة وليدة ، ولو نظروا إلى الأصل لجردوها عن الهاء كالقتيل ، ~~إذا ثبت هذا فنقول : في الولدان وجهان أحدهما : أنه على الأصل وهم صغار ~~المؤمنين وهو ضعيف ، لأن صغار المؤمنين أخبر الله تعالى عنهم أنه يلحقهم ~~بآبائهم ، ومن الناس المؤمنين الصالحين من لا ولد له فلا يجوز أن يخدم ولد ~~المؤمن مؤمنا غيره ، فيلزم إما أن يكون لهم اختصاص ببعض الصالحين وأن لا ~~يكون لمن لا يكون له ولد من يطوف عليه من الولدان ، وإما أن يكون ولد الآخر ~~يخدم غير أبيه وفيه منقصة بالأب ، وعلى هذا الوجه قيل : هم صغار الكفار وهو ~~أقرب من الأول إذ ليس فيه ما ذكرنا من المفسدة والثاني : أنه على الاستعمال ~~الذي لم يلحظ فيه الأصل وهو إرادة الصغار مع قطع النظر عن كونهم مولودين ~~وهو حينئذ كقوله تعالى : { ويطوف عليهم ms8824 غلمان لهم } ( الطور : 24 ) وفي ~~قوله تعالى : { مخلدون } وجهان أحدهما : أنه من الخلود والدوام ، وعلى هذا ~~الوجه يظهر / وجهان آخران أحدهما : أنهم مخلدون ولا موت لهم ولا فناء ~~وثانيهما : لا يتغيرون عن حالهم ويبقون صغارا دائما لا يكبرون ولا يلتحون ~~والوجه الثاني : أنه من الخلدة وهو القرط بمعنى في آذانهم حلق ، والأول ~~أظهر وأليق . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { بأكواب وأباريق وكأس من معين } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 18 ) بأكواب وأباريق وكأس . . . . . # > > أواني الخمر تكون في المجالس ، وفي الكوب وجهان أحدهما : أنه من جنس ~~الأقداح وهو قدح كبير وثانيهما : من جنس الكيزان ولا عروة له ولا خرطوم ~~والإبريق له عروة وخرطوم ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ما الفرق بين الأكواب والأباريق والكأس حيث ذكر الأكواب ~~والأباريق بلفظ الجميع والكأس بلفظ الواحد ولم يقل : وكئوس ؟ نقول : هو على ~~عادة العرب في الشرب يكون عندهم أوان كثيرة فيها الخمر معدة موضوعة عندهم ، ~~وأما الكأس فهو القدح الذي يشرب به الخمر إذا كان فيه الخمر ولا يشرب واحد ~~في زمان واحد إلا من كأس واحد ، وأما أواني الخمر المملوءة منها في زمان ~~واحد فتوجد كثيرا ، فإن قيل : الطواف بالكأس على عادة أهل الدنيا وأما ~~الطواف بالأكواب والأباريق فغير معتاد فما الفائدة فيه ؟ نقول : عدم الطواف ~~بها في الدنيا لدفع المشقة عن الطائف لثقلها وإلا فهي محتاج إليها بدليل ~~أنه عند الفراغ يرجع إلى الموضع الذي هو فيه ، وأما في الآخرة فالآنية تدور ~~بنفسها والوليد معها إكراما لا للحمل ، وفيه وجه آخر من حيث اللغة وهو أن ~~الكأس إناء فيه شراب فيدخل في مفهومه المشروب ، والإبريق آنية لا يشترط في ~~PageV29P131 إطلاق اسم الإبريق عليها أن يكون فيها شراب ، وإذا ثبت هذا ~~فنقول الإناء المملوء الاعتبار لما فيه لا للإناء ، وإذا كان كذلك فاعتبار ~~الكأس بما فيه لكن فيه مشروب من جنس واحد وهو المعتبر ، والجنس لا يجمع إلا ~~عند تنوعه فلا يقال للأرغفة من جنس واحد : أخباز ، وإنما يقال : أخباز ~~عندما يكون بعضها أسود وبعضها أبيض ms8825 وكذلك اللحوم يقال عند تنوع الحيوانات ~~التي منها اللحوم ولا يقال للقطعتين من اللحم لحمان ، وأما الأشياء المصنفة ~~فتجمع ، فالأقداح وإن كانت كبيرة لكنها لما ملئت خمرا من جنس واحد لم يجز ~~أن يقال لها : خمور فلم يقل : كئوس وإلا لكان ذلك ترجيحا للظروف ، لأن ~~الكأس من حيث إنها شراب من جنس واحد لا بجمع واحد فيترك الجمع ترجيحا لجانب ~~المظروف بخلاف الإبريق فإن المعتبر فيه الإناء فحسب ، وعلى هذا يتبين بلاغة ~~القرآن حيث لم يرد فيه لفظ الكئوس إذ كان ما فيها نوع واحد من الخمر ، وهذا ~~بحث عزيز في اللغة . # المسألة الثانية : في تأخير الكأس ترتيب حسن ، فكذلك في تقديم الأكواب ~~إذا كان الكوب منه يصب الشراب في الإبريق ومن الإبريق الكأس . # / المسألة الثالثة : { من معين } بيان ما في الكأس أو بيان ما في الأكواب ~~والأباريق ، نقول : يحتمل أن يكون الكل من معين والأول أظهر بالوضع ، ~~والثاني ليس كذلك ، فلما قال : { وكأس } فكأنه قال : ومشروب ، وكأن السامع ~~محتاجا إلى معرفة المشروب ، وأما الإبريق فدلالته على المشروب ليس بالوضع ، ~~وأما المعنى فلأن كون الكل ملآنا هو الحق ، ولأن الطواف بالفارغ لا يليق ~~فكان الظاهر بيان ما في الكل ، ومما يؤيد الأول هو أنه تعالى عند ذكر ~~الأواني ذكر جنسها لا نوع ما فيها فقال تعالى : { ويطاف عليهم بئانية من ~~فضة وأكواب } ( الإنسان : 15 ) الآية ، وعند ذكر الكأس بين ما فيها فقال : ~~{ وكأس من معين } فيحتمل أن الطواف بالأباريق ، وإن كانت فارغة للزينة ~~والتجمل وفي الآخرة تكون للإكرام والتنعم لا غير . # المسألة الرابعة : ما معنى المعين ؟ قلنا : ذكرنا في سورة الصافات أنه ~~فعيل أو مفعول ومضى فيه خلاف ، فإن قلنا : فعيل فهو من معن الماء إذا جرى ~~وإن قلنا : مفعول فهو من عانه إذا شخصه بعينه وميزه ، والأول أصح وأظهر لأن ~~المعيون يوهم بأنه معيوب لأن قول القائل : عانني فلان معناه ضرني إذا ~~أصابتني عينه / ولأن الوصف بالمفعول لا فائدة فيه ، وأما الجريان في ~~المشروب فهو إن كان في الماء ms8826 فهو صفة مدح وإن كان في غيره فهو أمر عجيب لا ~~يوجد في الدنيا ، فيكون كقوله تعالى : { وأنهار من خمر } ( محمد : 15 ) . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { لا يصدعون عنها ولا ينزفون } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 19 ) لا يصدعون عنها . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { لا يصدعون } فيه وجهان أحدهما : لا يصيبهم منها صداع ~~يقال : صدعني فلان أي أورثني الصداع والثاني : لا ينزفون عنها ولا ينفدونها ~~من الصدع ، والظاهر أن أصل الصداع منه ، وذلك لأن الألم الذي في الرأس يكون ~~في أكثر الأمر بخلط وريح في أغشية الدماغ فيؤلمه فيكون الذي به صداع كأنه ~~يتطرف في غشاء دماغه . PageV29P132 # المسألة الثانية : إن كان المراد نفي الصداع فكيف يحسن عنها مع أن ~~المستعمل في السبب كلمة من ، فيقال : مرض من كذا وفي المفارقة يقال : عن ، ~~فيقال : برىء عن المرض ؟ نقول : الجواب هو أن السبب الذي يثبت أمرا في شيء ~~كأنه ينفصل عنه شيء ويثبت في مكانه فعله ، فهناك أمران ونظران إذا نظرت إلى ~~المحل ورأيت فيه شيئا تقول : هذا من ماذا ، أي ابتداء وجوده من أي شيء فيقع ~~نظرك على السبب فتقول : هذا من هذا أي ابتداء وجوده منه ، وإذا نظرت إلى ~~جانب المسبب ترى الأمر الذي صدر عنه كأنه فارقه والتصق بالمحل ، ولهذا لا ~~يمكن أن يوجد ذلك مرة أخرى ، والسبب كأنه كان فيه وانتقل عنه في أكثر الأمر ~~فههنا يكون الأمران من الأجسام والأمور التي لها قرب وبعد ، إذا علم هذا ~~فنقول : المراد ههنا بيان خمر الآخرة في / نفسها وبيان ما عليها ، فالنظر ~~وقع عليها لا على الشاربين ولو كان المقصود أنهم لا يصدعون عنها لوصف منهم ~~لما كان مدحا لها ، وأما إذا قال : هي لا تصدع لأمر فيها يكون مدحا لها ~~فلما وقع النظر عليها قال عنها ، وأما إذا كنت تصف رجلا بكثرة الشرب وقوته ~~عليه ، فإنك تقول : في حقه هو لا يصدع من كذا من الخمر ، فإذا وصفت الخمر ~~تقول هذه لا يصدع عنها أحد . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ولا ينزفون ms8827 } تقدم تفسيره في الصافات ~~والذي يحسن ذكره هنا أن نقول : إن كان معنى { لا * ينزفون } لا يسكرون ، ~~فنقول : إما أن نقول معنى : { لا يصدعون } أنهم لا يصيبهم الصداع ، وإما ~~أنهم لا يفقدون ، فإن قلنا : بالقول الأول فالترتيب في غاية الحسن لأنه على ~~طريقة الارتقاء ، فإن قوله تعالى : { لا يصدعون } معناه لا يصيبهم الصداع ~~لكن هذا لا ينفي السكر فقال : بعده ولا يورث السكر ، كقول القائل : ليس فيه ~~مفسدة كثيرة ، ثم يقول : ولا قليلة ، تتميما للبيان ، ولو عكست الترتيب لا ~~يكون حسنا ، وإن قلنا : { لا * ينزفون } لا يفقدون فالترتيب أيضا كذلك لأن ~~قولنا : { لا يصدعون } أي لا يفقدونه ومع كثرته ودوام شربه لا يسكرون فإن ~~عدم السكر لنفاد الشراب ليس بعجب ، لكن عدم سكرهم مع أنهم مستديمون للشراب ~~عجيب وإن قلنا : { لا * ينزفون } بمعنى لا ينفد شرابهم كما بينا هناك . ~~فنقول : أيضا إن كان لا يصدعون بمعنى لا يصيبهم صداع فالترتيب في غاية ~~الحسن ، وذلك لأن قوله : { لا يصدعون } لا يكون بيان أمر عجيب إن كان ~~شرابهم قليلا فقال : { لا يصدعون عنها } مع أنهم لا يفقدون الشراب ولا ~~ينزفون الشراب ، وإن كان بمعنى لا ينزفون عنها فالترتيب حسن لأن معناه لا ~~ينزفون عنها بمعنى لا يخرجون عما هم فيه ولا يؤخذ منهم ما أعطوا من الشراب ~~، ثم إذا أفنوها بالشراب يعطون . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 20 ) وفاكهة مما يتخيرون # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما وجه الجر ، والفاكهة لا يطوف بها الولدان والعطف ~~يقتضي ذلك ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن الفاكهة واللحم في ~~الدنيا يطلبان في حالتين أحدهما : حالة الشرب والأخرى حال عدمه ، فالفاكهة ~~من رءوس الأشجار تؤخذ ، كما قال تعالى : { قطوفها دانية } ( الحاقة : 23 ) ~~وقال : { وجنى الجنتين دان } ( الرحمن : 54 ) إلى غير ذلك ، وأما حالة ~~الشراب فجاز أن يطوف بها الولدان ، فيناولوهم الفواكه الغريبة واللحوم ~~العجيبة لا للأكل بل للإكرام ، كما يضع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده ~~عنده وإن ms8828 PageV29P133 كان كل واحد منهما مشاركا للآخر في القرب منها والوجه ~~الثاني : أن يكون عطفا في المعنى على جنات النعيم ، أي هم المقربون في جنات ~~وفاكهة ، ولحم وحور ، أي في هذه النعم يتقلبون ، والمشهور أنه عطف في اللفظ ~~للمجاورة لا في المعنى ، وكيف لا يجوز هذا ، وقد جاز تقلد سيفا ورمحا . # / المسألة الثانية : هل في تخصيص التخيير بالفاكهة والاشتهاء باللحم ~~بلاغة ؟ قلت : وكيف لا وفي كل حرف من حروف القرآن بلاغة وفصاحة ، وإن كان ~~لا يحيط بها ذهني الكليل ، ولا يصل إليها على القليل ، والذي يظهر لي فيه ~~أن اللحم والفاكهة إذا حضرا عند الجائع تميل نفسه إلى اللحم ، وإذا حضرا ~~عند الشبعان تميل إلى الفاكهة ، والجائع مشته والشبعان غير مشته ، وإنما هو ~~مختار إن أراد أكل ، وإن لم يرد لا يأكل ، ولا يقال في الجائع إن أراد أكل ~~لأن أن لا تدخل إلا على المشكوك ، إذا علم هذا ثبت أن في الدنيا اللحم عند ~~المشتهي مختار والفاكهة عند غير المشتهى مختارة وحكاية الجنة على ما يفهم ~~في الدنيا فحص اللحم بالاشتهاء والفاكهة بالاختيار ، والتحقيق فيه من حيث ~~اللفظ أن الاختيار هو أخذ الخير من أمرين والأمران اللذان يقع فيهما ~~الاختيار في الظاهر لا يكون للمختار أو لا ميل إلى أحدهما ، ثم يتفكر ~~ويتروى ، ويأخذ ما يغلبه نظره على الآخر فالتفكه هو ما يكون عند عدم الحاجة ~~، وأما إن اشتهى واحد فاكهة بعينها فاستحضرها وأكلها فهو ليس بمتفكه وإنما ~~هو دافع حاجة ، وأما فواكه الجنة تكون أولا عند أصحاب الجنة من غير سبق ميل ~~منهم إليها ثم يتفكهون بها على حسب اختيارهم ، وأما اللحم فتميل أنفسهم ~~إليه أدنى ميل فيحضر عندهم ، وميل النفس إلى المأكول شهوة ، ويدل على هذا ~~قوله تعالى : { قطوفها دانية } ( الحاقة : 23 ) وقوله : { وجنى الجنتين دان ~~} ( الرحامن : 54 ) وقوله تعالى : { وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة } ~~( الواقعة : 32 ، 33 ) فهو دليل على أنها دائمة الحضور ، وأما اللحم ~~فالمروي أن الطائر يطير فتميل نفس المؤمن إلى لحمه فينزل مشويا ms8829 ومقليا على ~~حسب ما يشتهيه ، فالحاصل أن الفاكهة تحضر عندهم فيتخير المؤمن بعد الحضور ~~واللحم يطلبه المؤمن وتميل نفسه إليه أدنى ميل ، وذلك لأن الفاكهة تلذ ~~الأعين بحضورها ، واللحم لا تلذ الأعين بحضوره ، ثم إن في اللفظ لطيفة ، ~~وهي أنه تعالى قال : { مما يتخيرون } ولم يقل : مما يختارون مع قرب أحدهما ~~إلى الآخر في المعنى ، وهو أن التخير من باب التكلف فكأنهم يأخذون ما يكون ~~في نهاية الكمال ، وهذا لا يوجد إلا ممن لا يكون له حاجة ولا اضطرار . # المسألة الثالثة : ما الحكمة في تقديم الفاكهة على اللحم ؟ نقول : الجواب ~~عنه من وجوه أحدها : العادة في الدنيا التقديم للفواكه في الأكل والجنة ~~وضعت بما علم في الدنيا من الأوصاف وعلى ما علم فيها / ولا سيما عادة أهل ~~الشرب وكأن المقصود بيان حال شرب أهل الجنة وثانيها : الحكمة في الدنيا ~~تقتضي أكل الفاكهة أولا لأنها ألطف وأسرع انحدارا وأقل حاجة إلى المكث ~~الطويل في المعدة للهضم ، ولأن الفاكهة تحرك الشهوة للأكل واللحم يدفعها ~~وثالثها : يخرج مما ذكرنا جوابا خلا عن لفظ التخيير والاشتهاء هو أنه تعالى ~~لما بين أن الفاكهة دائمة الحضور والوجود ، واللحم يشتهي ويحضر عند ~~الاشتهاء دل هذا على عدم الجوع لأن الجائع حاجته إلى اللحم أكثر من اختياره ~~اللحم فقال : { وفاكهة } لأن الحال في الجنة يشبه حال الشبعان في الدنيا ~~فيميل إلى الفاكهة أكثر فقدمها ، وهذا الوجه أصح لأن من الفواكه مالا يؤكل ~~إلا بعد الطعام ، فلا يصح الأول جوابا في الكل . PageV29P134 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 22 ) وحور عين # > > وفيها قراءات الأولى : الرفع وهو المشهور ، ويكون عطفا على ولدان ، ~~فإن قيل قال قبله : { حور مقصورات فى الخيام } ( الرحمن : 72 ) إشارة إلى ~~كونها مخدرة ومستورة ، فكيف يصح قولك : إنه عطف على ولدان ؟ نقول : الجواب ~~عنه من وجهين أحدهما : وهو المشهور أن نقول : هو عطف عليهم في اللفظ لا في ~~المعنى ، أو في المعنى على التقدير والمفهوم لأن قوله تعالى : { يطوف عليهم ms8830 ~~ولدان } ( الواقعة : 17 ) معناه لهم ولدان كما قال تعالى : { ويطوف عليهم ~~غلمان لهم } ( الطور : 24 ) فيكون : { وحور عين } بمعنى ولهم حور عين ~~وثانيهما : وهو أن يقال : ليست الحور منحصرات في جنس ، بل لأهل الجنة : { ~~حور مقصورات } في حظائر معظمات ولهن جواري وخوادم ، وحور تطوف مع الولدان ~~السقاة فيكون كأنه قال : يطوف عليهم ولدان ونساء الثانية : الجر عطفا على ~~أكواب وأباريق ، فإن قيل : كيف يطاف بهن عليهم ؟ نقول : الجواب سبق عند ~~قوله : { ولحم طير } ( الواقعة : 21 ) أو عطفا على : { جنات } أي : { أولئك ~~المقربون * في جنات النعيم } ( الواقعة : 12 ) وحور وقرىء { وقرى عينا } ~~بالنصب ، ولعل الحاصل على هذه القراءة على غير العطف بمعنى العطف لكن هذا ~~القارىء لا بد له من تقدير ناصب فيقول : يؤتون حورا فيقال : قد رافعا فقال ~~: ولهم حور عين فلا يلزم الخروج عن موافقة العاطف وقوله تعالى : { كأمثال ~~اللؤلؤ المكنون } فيه مباحث . # الأول : الكاف للتشبيه ، والمثل حقيقة فيه ، فلو قال : أمثال اللؤلؤ ~~المكنون لم يكن إلى الكاف حاجة ، فما وجه الجمع بين كلمتي التشبيه ؟ نقول : ~~الجواب المشهور أن كلمتي التشبيه يفيدان التأكيد والزيادة في التشبيه ، فإن ~~قيل : ليس كذلك بل لا يفيدان ما يفيد أحدهما لأنك إن قلت مثلا : هو ~~كاللؤلؤة للمشبه ، دون المشبه به في الأمر الذي لأجله التشبيه ؟ نقول : ~~التحقيق فيه ، هو أن الشيء إذا كان له مثل فهو مثله ، فإذا قلت هو مثل ~~القمر لا يكون في المبالغة مثل قولك هو قمر وكذلك قولنا : هو كالأسد ، وهو ~~أسد ، فإذا قلت : كمثل اللؤلؤ كأنك قلت : مثل اللؤلؤ وقولك : هو اللؤلؤ ~~أبلغ من قولك : هو كاللؤلؤ ، وهذا البحث يفيدنا ههنا ، ولا يفيدنا في قوله ~~تعالى : { ليس كمثله شىء } لأن النفي في مقابلة الإثبات ، ولا يفهم معنى ~~النفي من الكلام مالم يفهم معنى الإثبات الذي يقابله ، فنقول قوله : { ليس ~~كمثله شىء } في مقابلة قول من يقول : كمثله شيء ، فنفى ما أثبته لكن معنى ~~قوله : { كمثله شىء } إذا لم نقل بزيادة الكاف هو أن مثل مثله شيء ، وهذا ~~كلام ms8831 يدل على أن له مثلا ، ثم إن لمثله مثلا ، فإذا قلنا : ليس كذلك كان ~~ردا عليه ، والرد عليه صحيح بقي أن يقال : إن الراد على من يثبت أمورا لا ~~يكون نافيا لكل ما أثبته ، فإذا قال قائل : زيد عالم جيد ، ثم قيل ردا عليه ~~: ليس زيد عالما جيدا لا يلزم من هذا أن يكون نافيا لكونه عالما ، فمن يقول ~~: { ليس كمثله شىء } بمعنى ليس مثل مثله شيء لا يلزم أن يكون نافيا لمثله ، ~~بل يحتمل أن يكون نافيا لمثل المثل ، فلا يكون / الراد أيضا موحدا فيخرج ~~الكلام عن إفادة التوحيد ، فنقول : يكون مفيدا للتوحيد لأنا إذا قلنا : ليس ~~مثل مثله شيء لزم أن لا يكون له مثل لأنه لو كان له مثل لكان هو مثل مثله ، ~~وهو شيء بدليل قوله تعالى : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله } ( الأنعام : ~~19 ) فإن حقيقة الشيء هو الموجود فيكون مثل مثله شيء وهو منفي بقولنا : ليس ~~مثل مثله PageV29P135 شيء ، فعلم أن الكلام لا يخرج عن إفادة التوحيد ، ~~فعلم أن الحمل على الحقيقة يفيد في الكلام مبالغة في قوله تعالى : { كأمثال ~~} وأما عدم الحمل عليها في قوله : { ليس كمثله شىء } فهو أوجز فتجعل الكاف ~~زائدة لئلا يلزم التعطيل ، وهو نفي الإله ، نقول : فيه فائدة ، وهو أن يكون ~~ذلك نفيا مع الإشارة إلى وجه الدليل على النفي ، وذلك لأنه تعالى واجب ~~الوجود ، وقد وافقنا من قال بالشريك ، ولا يخالفنا إلا المعطل ، وذلك ~~إثباته ظاهرا ، وإذا كان هو واجب الوجود فلو كان له مثل لخرج عن كونه واجب ~~الوجود ، لأنه مع مثله تعادلا في الحقيقة ، وإلا لما كان ذلك مثله وقد تعدد ~~فلا بد من انضمام مميز إليه به يتميز عن مثله ، فلو كان مركبا فلا يكون ~~واجبا لأن كل مركب ممكن ، فلو كان له مثل لما كان هو هو فيلزم من إثبات ~~المثل له نفيه ، فقوله : { ليس كمثله شىء } إذا حملناه أنه ليس مثل مثله ~~شيء ، ويكون في مقابلته قول الكافر : مثل مثله شيء فيكون ms8832 مثبتا لكونه مثل ~~مثله ويكون مثله يخرج عن حقيقة نفسه ومنه لا يبقى واجب الوجود فذكر المثلين ~~لفظا يفيد التوحيد مع الإشارة إلى وجه الدليل على بطلان قول المشرك ولو ~~قلنا : ليس مثله شيء يكون نفيا من غير إشارة إلى دليل ، والتحقيق فيه أنا ~~نقول : في نفي المثل ردا على المشرك لا مثل لله ، ثم نستدل عليه ونقول : لو ~~كان له مثل لكان هو مثلا لذلك المثل فيكون ممكنا محتاجا فلا يكون إلها ولو ~~كان له مثل لما كان الله إلها واجب الوجود ، لأن عند فرض مثل له يشاركه ~~بشيء وينافيه بشيء ، فيلزم تركه فلو كان له مثل لخرج عن حقيقة كونه إلها ~~فإثبات الشريك يفضي إلى نفي الإله فقوله : { ليس كمثله شىء } توحيد بالدليل ~~وليس مثله شيء توحيد من غير دليل وشيء من هذا رأيته في كلام الإمام فخر ~~الدين الرازي رحمه الله بعدما فرغت من كتابة هذا مما وافق خاطري خاطره على ~~أني معترف بأني أصبت منه فوائدلا لا أحصيها ، وأما قوله تعالى : { اللؤلؤ ~~المكنون } إشارة إلى غاية صفائهن أي اللؤلؤ الذي لم يغير لونه الشمس ~~والهواء . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { جزآء بما كانوا يعملون } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 24 ) جزاء بما كانوا . . . . . # > > وفي نصبه وجهان أحدهما : أنه مفعول له وهو ظاهر تقديره فعل بهم هذا ~~ليقع جزاء وليجزون بأعمالهم ، وعلى هذا فيه لطيفة : وهي أن نقول : المعنى ~~أن هذا كله جزاء عملكم وأما الزيادة / فلا يدركها أحد منكم وثانيهما : أنه ~~مصدر لأن الدليل على أن كل ما يفعله الله فهو جزاء فكأنه قال : تجزون جزاء ~~، وقوله : { بما كانوا } قد ذكرنا فائدته في سورة الطور وهي أنه تعالى قال ~~في حق المؤمنين : { فينبئهم بما كانوا يعملون } ( الواقعة : 24 ) وفي حق ~~الكافرين : { إنما تجزون ما كنتم تعملون } ( التحريم : 7 ) إشارة إلى أن ~~العذاب عين جزاء ما فعلوا فلا زيادة عليهم ، والثواب : { جزاء * مما * ~~كانوا يعملون } ( السجدة : 17 ) فلا يعطيهم الله عين عملهم ، بل يعطيهم ~~بسبب عملهم ما يعطيهم ، والكافر يعطيه ms8833 عين ما فعل ، فيكون فيه معنى قوله ~~تعالى : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا * يجزى * ~~إلا مثلها } ( الأنعام : 160 ) وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أصولية ذكرها الإمام فخر الدين رحمه الله في مواضع ~~كثيرة ، ونحن نذكر بعضها PageV29P136 فالأولى : قالت المعتزلة : هذا يدل ~~على أن يقال : الثواب على الله واجب ، لأن الجزاء لا يجوز المطالبة به ، ~~وقد أجاب عنه الإمام فخر الدين رحمه الله بأجوبة كثيرة ، وأظن به أنه لم ~~يذكر ما أقوله فيه وهو ما ذكروه . ولو صح لما كان في الوعد بهذه الأشياء ~~فائدة ، وذلك لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح وعلم بالعقل أن القبيح ~~من الله لا يوجد علم أن الله يعطي هذه الأشياء لأنها أجزية ، وإيصال الجزاء ~~واجب ، وأما إذا قلنا : بمذهبنا تكون الآيات مفيدة مبشرة ، لأن البشارة لا ~~تكون إلا بالخير عن أمر غير معلوم ، لا يقال : الجزاء كان واجبا على الله ~~وأما الخبر بهذه الأشياء فلا يذكرها مبشرا ، لأنا نقول : إذا وجب نفس ~~الجزاء فما أعطانا الله تعالى من النعم في الدنيا جزاء فثواب الآخرة لا ~~يكون إلا تفضلا منه ، غاية ما في الباب أنه تعالى كمل النعمة بقوله : هذا ~~جزاؤكم ، أي جعلته لكم جزاء ، ولم يكن متعينا ولا واجبا ، كما أن الكريم ~~إذا أعطى من جاء بشيء يسير شيئا كثيرا ، فيظن أنه يودعه إيداعا أو يأمره ~~بحمله إلى موضع ، فيقول له : هذا لك فيفرح ، ثم إنه يقول : هذا إنعام عظيم ~~يوجب على خدمة كثيرة ، فيقول له هذا جزاء ما أتيت به ، ولا أطلب منك على ~~هذا خدمة ، فإن أتيت بخدمة فلها ثواب جديد ، فيكون هذا غاية الفضل ، وعند ~~هذا نقول : هذا كله إذا كان الآتي غير العبد ، وأما إذا فعل العبد ما أوجب ~~عليه سيده لا يستحق عليه أجرا ، ولا سيما إذا أتى بما أمر به على نوع ~~اختلال ، فما ظنك بحالنا مع الله عز وجل ، مع أن السيد لا يملك من عبده إلا ~~البنية ، والله تعالى يملك منا ms8834 أنفسنا وأجسامنا ، ثم إنك إذا تفكرت في مذهب ~~أهل السنة تجدهم قد حققوا معنى العبودية غاية التحقيق ، واعترفوا أنهم عبيد ~~لا يملكون شيئا ولا يجب للعبد على السيد دين ، والمعتزلة لم يحققوا ~~العبودية ، وجعلوا بينهم وبين الله معاملة توجب مطالبة ، ونرجوا أن يحقق ~~الله تعالى معنا المالكية غاية التحقيق ، ويدفع حاجاتنا الأصلية ويطهر ~~أعمالنا ، كما أن السيد يدفع حاجة عبده بإطعامه وكسوته ، ويطهر صومه بزكاة ~~فطره ، وإذا جنى جناية لم يمكن المجنى عليه منه ، بل يختار فداءه ويخلص ~~رقبته من الجناية ، كذلك يدفع الله حاجاتنا في الآخرة ، وأهم الحاجات أن ~~يرحمنا ويعفو عنا ، ويتغمدنا / بالمغفرة والرضوان ، حيث منع غيره عن تملك ~~رقابنا باختيار الفداء عنا / وأرجو أن لا يفعل مع إخواننا المعتزلة ما ~~يفعله المتعاملان في المحاسبة بالنقير والقطمير ، والمطالبة بما يفضل ~~لأحدهما من القليل والكثير . # المسألة الثانية : قالوا : لو كان في الآخرة رؤية لكانت جزاء ، وقد حصر ~~الله الجزاء فيما ذكر والجواب عنه : أن نقول : لم قلتم : إنها لو كانت تكون ~~جزاء ، بل تكون فضلا منه فوق الجزاء ، وهب أنها تكون جزاء ، ولكن لم قلتم : ~~إن ذكر الجزاء حصر وإنه ليس كذلك ، لأن من قال لغيره : أعطيتك كذا جزاء على ~~عمل لا ينافي قوله : وأعطيتك شيئا آخر فوقه أيضا جزاء عليه ، وهب أنه حصر ، ~~لكن لم قلتم : إن القربة لا تدل على الرؤية ، فإن قيل : قال في حق الملائكة ~~: { ولا الملئكة المقربون } ( النساء : 172 ) ، ولم يلزم من قربهم الرؤية ، ~~نقول : أجبنا أن قربهم مثل قرب من يكون عند الملك لقضاء الأشغال ، فيكون ~~عليه التكليف والوقوف بين يديه بالباب تخرج أوامره عليه ، كما قال تعالى : ~~{ ويفعلون ما يؤمرون } ( التحريم : 6 ) وقرب المؤمن قرب المنعم من الملك ، ~~وهو الذي لا يكون إلا للمكالمة والمجالسة في الدنيا ، لكن المقرب المكلف ~~ليس كلما يروح إلى باب الملك يدخل عليه وأما المنعم لا يذهب إليه إلا ويدخل ~~عليه فظهر الفرق . # والذي يدل على أن قوله : { أولئك المقربون } ( الواقعة : 11 ) فيه إشارة ~~إلى الرؤية هو ms8835 أن الله تعالى في سورة المطففين ذكر الأبرار والفجار ، ثم ~~إنه تعالى قال في حق الفجار : { إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } PageV29P137 ~~( المطففين : 15 ) وقال في الأبرار : { يشرب بها المقربون } ( المطففين : ~~28 ) ولم يذكر في مقابلة المحجوبون ما يدل على مخالفة حال الأبرار حال ~~الفجار في الحجاب والقرب ، لأن قوله : { لفى عليين } ( المطففين : 18 ) وإن ~~كان دليلا على القرب وعلو المنزلة لكنه في مقابلة قوله : { لفى سجين } ( ~~المطففين : 7 ) فقوله تعالى في حقهم : { يشرب بها المقربون } مع قوله تعالى ~~: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } ( الإنسان : 21 ) يدل على أن المراد منه ~~القرب الذي يكون لجلساء الملك عند الملك ، وقوله في حق الملائكة في تلك ~~السورة : { يشهده المقربون } ( المطففين : 21 ) يدل على أن المراد منه ~~القرب الذي يكون للكتاب والحساب عند الملك لما أنه في الدنيا يحسد أحدهما ~~الآخر ، فإن الكاتب إن كان قربه من الملك بسبب الخدمة لا يختار قرب الكتاب ~~والحساب ، بل قرب النديم ، ثم إنه بين ذلك النوع من القرب وبين القرب الذي ~~بسبب الكتابة ما يحمله على أن يختار غيره ، وفي سورة المطففين قوله : { ~~لمحجوبون } يدل على أن المقربين غير محجوبين عن النظر إلى الله تعالى ، ~~وينبغي أن لا ينظر إلى الله قولنا : جلساء الملك في ظاهر النظر الذي يقتضي ~~في نظر القوم الجهة وإلى القرب الذي يفهم العامي منه المكان إلا بنظر ~~العلماء الأخبار الحكماء الأخبار . # المسألة الثالثة : قالوا قوله تعالى : { بما كانوا يعملون } يدل على أن ~~العمل عملهم وحاصل بفعلهم ، نقول : لا نزاع في أن العلم في الحقيقة اللغوية ~~وضع للفعل والمجنون للذي لا عقل له والعاقل للذي بلغ الكمال فيه ، وذلك ليس ~~إلا بوضع اللغة لما يدرك بالحس ، وكل أحد يرى / الحركة من الجسمين فيقول : ~~تحرك وسكن على سبيل الحقيقة ، كما يقول : تدور الرحا ويصعد الحجر ، وإنما ~~الكلام في القدرة التي بها الفعل في المحل المرئي ، وذلك خارج عن وضع اللغة ~~. # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما ms8836 } . > 7 ~~! # ثم قال تعالى : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما ~~} < < # | الواقعة : ( 25 ) لا يسمعون فيها . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الحكمة في تأخير ذكره عن الجزاء مع أنه من النعم ~~العظيمة ؟ نقول فيه لطائف الأولى : أن هذا من أتم النعم ، فجعلها من باب ~~الزيادة التي منها الرؤية عند البعض ولا مقابل لها من الأعمال ، وإنما قلنا ~~: إنها من أتم النعم ، لأنها نعمة سماع كلام الله تعالى على ما سنبين أن ~~المراد من قوله : { سلاما } هو ما قال في سورة يس : { سلام قولا من رب رحيم ~~} ( يس : 58 ) فلم يذكرها فيما جعله جزاء ، وهذا على قولنا : { أولئك ~~المقربون } ( الواقعة : 11 ) ليس فيه دلالة على الرؤية الثانية : أنه تعالى ~~بدأ بأتم النعم وهي نعمة الرؤيا ، وهي الرؤية بالنظر كما مر وختم بمثلها ، ~~وهي نعمة المخاطبة الثالثة : هي أنه تعالى لما ذكر النعم الفعلية وقابلها ~~بأعمالهم حيث قال : { جزاء بما كانوا يعملون } ( الواقعة : 24 ) ذكر النعم ~~القولية في مقابلة أذكارهم الحسنة ولم يذكروا اللذات العقلية التي في ~~مقابلة أعمال قلوبهم من إخلاصهم واعتقادهم ، لأن العمل القلبي لم ير ولم ~~يسمع ، فما يعطيهم الله تعالى من النعمة تكون نعمة لم ترها عين ولا سمعتها ~~أذن ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم فيها : ( مالا عين رأت ، ولا ~~أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ) وقوله عليه السلام : ( ولا خطر ) إشارة ~~إلى الزيادة ، والذي يدل على النعمة القولية في مقابلة قولهم الطيب قوله ~~تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا } إلى قوله : { نزلا من غفور رحيم } PageV29P138 ~~( فصلت : 30 32 ) . # المسألة الثانية : قوله تعالى : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } نفي ~~للمكروه لما أن اللغو كلام غير معتبر ، لأنه عند المعتبرين من الرجال مكروه ~~، ونفي المكروه لا يعد من النعم العظيمة التي مر ذكرها ، كيف وقد ذكرت أن ~~تأخير هذه النعمة لكونها أتم ، ولو قال : إن فلانا في بلدة كذا محترم مكرم ~~لا ms8837 يضرب ولا يشتم فهو غير مكرم وهو مذموم والواغل مذموم وهو الذي يدخل على ~~قوم يشربون ويأكلون فيأكل ويشرب معهم من غير دعاء ولا إذن فكأنه بالنسبة ~~إليهم في عدم الاعتبار كلام غير معتبر وهو اللغو ، وكذلك ما يتصرف منه مثل ~~الولوغ لا يقال إلا إذا كان الوالغ كلبا أو ما يشبهه من السباع ، وأما ~~التأثيم فهو النسبة إلى الإثم ومعناه لا يذكر إلا باطلا ولا ينسبه أحد إلا ~~إلى الباطل ، وأما التقديم فلأن اللغو أعم من التأثيم أي يجعله آثما كما ~~تقول : إنه فاسق أو سارق ونحو ذلك وبالجملة فالمتكلم ينقسم إلى أن يلغو ~~وإلى أن لا يلغو والذي لا يلغو يقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ~~فيأخذ الناس بأقوالهم وهو لا يؤخذ عليه شيء ، فقال / تعالى : لا يلغو أحد ~~ولا يصدر منه لغو ولا ما يشبه اللغو فيقول له : الصادق لا يلغو ولا يأثم ~~ولا شك في أن الباطل أقبح ما يشبهه فقال : لا يأثم أحد . # المسألة الثالثة : قال تعالى في سورة النبأ : { لا يسمعون فيها لغوا ولا ~~كذبا } ( النبأ : 35 ) فهل بينهما فرق ؟ قلنا : نعم الكذاب كثير التكذيب ~~ومعناه هناك أنهم لا يسمعون كذبا ولا أحدا يقول لآخر : كذبت وفائدته أنهم ~~لا يعرفون كذبا من معين من الناس ولا من واحد منهم غير معين لتفاوت حالهم ~~وحال الدنيا فإنا نعلم أن بعض الناس بأعيانهم كذابون فإن لم نعرف ذلك نقطع ~~بأن في الناس كذابا لأن أحدهم يقول لصاحبه : كذبت فإن صدق فصاحبه كذاب ، ~~وإن لم يصدق فهو كاذب فيعلم أن في الدنيا كذابا بعينه أو بغير عينه ولا ~~كذلك في الآخرة فلا كذب فيها ، وقال ههنا : { ولا تأثيما } وهو أبلغ من ~~التكذيب فإن من يقول في حق من لا يعرفه : إنه زان أو شارب الخمر مثلا فإنه ~~يأثم وقد يكون صادقا ، فالذي ليس عن علم إثم فلا يقول أحد لأحد : قلت مالا ~~علم لك به فالكلام ههنا أبلغ لأنه قصر السورة على بيان أحوال الأقسام لأن ~~المذكورين ms8838 هنا هم السابقون وفي سورة النبأ هم المتقون ، وقد بينا أن السابق ~~فوق المتقي . # المسألة الرابعة : { إلا قيلا } استثناء متصل منقطع ، فنقول : فيه وجهان ~~أحدهما : وهو الأظهر أنه منقطع لأن السلام ليس من جنس اللغو تقديره لكن ~~يسمعون : قيلا سلاما سلاما ثانيهما : أنه متصل ووجهه أن نقول : المجاز قد ~~يكون في المعنى ، ومن جملته أنك تقول : مالي ذنب إلا أحبك ، فلهذا تؤذيني ~~فتستثني محبته من الذنب ولا تريد المنقطع لأنك لا تريد بهذا القول بيان أنك ~~تحبه إنما تريد في تبرئتك عن الذنوب ووجهه هو أن بينهما غاية الخلاف ~~وبينهما أمور متوسطة ، مثاله : الحار والبارد وبينهما الفاتر الذي هو أقرب ~~إلى الحار من البارد وأقرب إلى البارد من الحار ، والمتوسط يطلق عليه اسم ~~البارد عند النسبة إلى الحار فيقال : هذا بارد ويخبر عنه بالنسبة إلى ~~البارد فيقال : إنه حار ، إذا ثبت هذا فنقول قول القائل : مالي ذنب إلا أني ~~أحبك ، معناه لا تجد ما يقرب من الذنب إلا المحبة فإن عندي أمورا فوقها إذا ~~نسبتها إلى الذنب تجد بينها غاية الخلاف فيكون ذلك كقوله : درجات الحب عندي ~~طاعتك وفوقها إن أفضل جانب أقل أمر من أمورك على جانب الحفظ لروحي ، إشارة ~~إلى المبالغة كما يقول القائل : ليس هذا بشيء مستحقرا بالنسبة إلى ما ~~PageV29P139 فوقه فقوله : { لا يسمعون فيها لغوا } أي يسمعون فيها كلاما ~~فائقا عظيم الفائدة كامل اللذة أدناها وأقربها إلى اللغو قول بعضهم لبعض : ~~سلام عليك فلا يسمعون ما يقرب من اللغو إلا سلاما ، فما ظنك بالذين يبعد ~~منه كما يبعد الماء البارد الصادق والماء الذي كسرت الشمس برودته وطلب منه ~~ماء حار ليس عندي ماء حار إلا هذا أي ليس عندي ما يبعد من البارد الصادق ~~البرودة ويقرب من الحار إلا هذا وفيه المبالغة الفائقة والبلاغة الرائقة ~~وحينئذ يكون اللغو مجازا ، والاستثناء متصلا فإن قيل : إذا لم يكن بد من ~~مجاز وحمل اللغو على ما يقرب منه بالنسبة إليه فليحمل إلا على لكن لأنهما / ~~مشتركان في إثبات خلاف ms8839 ما تقدم ، نقول : المجاز في الأسماء أولى من المجاز ~~في الحروف لأنها تقبل التغير في الدلالة وتتغير في الأحوال ، ولا كذلك ~~الحروف لأن الحروف لا تصير مجازا إلا بالاقتران باسم والإسم يصير مجازا من ~~غير الاقتران بحرف فإنك تقول : رأيت أسدا يرمي ويكون مجازا ولا اقتران له ~~بحرف ، وكذلك إذا قلت لرجل : هذا أسد وتريد بأسد كامل الشجاعة ، ولأن عرض ~~المتكلم في قوله مالي ذنب إلا أني أحبك ، لا يحصل بما ذكرت من المجاز ، ~~ولأن العدول عن الأصل لا يكون له فائدة من المبالغة والبلاغة . # المسألة الخامسة : في قوله تعالى : { قيلا } قولان : أحدهما : إنه مصدر ~~كالقول فيكون قيلا مصدرا ، كما أن القول مصدر لكن لا يظهر له في باب فعل ~~يفعل إلا حرف ثانيهما : إنه اسم والقول مصدر فهو كالسدل والستر بكسر السين ~~اسم وبفتحها مصدر وهو الأظهر ، وعلى هذا نقول : الظاهر أنه اسم مأخوذ من ~~فعل هو : قال وقيل ، لما لم يذكر فاعله ، وما قيل : إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن القيل والقال ، يكون معناه نهى عن المشاجرة ، وحكاية أمور جرت ~~بين أقوام لا فائدة في ذكرها ، وليس فيها إلا مجرد الحكاية من غير وعظ ولا ~~حكمة لقوله صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله عبدا قال خيرا فغنم ، أو سكت ~~فسلم ) وعلى هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم قائله ، والقال اسم للقول مأخوذ ~~من قيل لما لم يذكر فاعله ، تقول : قال فلان كذا ، ثم قيل له : كذا ، فقال ~~: كذا ، فيكون حاصل كلامه قيل وقال ، وعلى هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم ~~قائله ، والقال مأخوذ من قيل هو قال ، ولقائل أن يقول : هذا باطل لقوله ~~تعالى : { وقيله يارب * رب إن * هؤلاء قوم لا يؤمنون } ( الزخرف : 88 ) فإن ~~الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم أي يعلم الله قيل محمد : { وقيله يارب إن ~~هؤلاء قوم لا يؤمنون } ، كما قال نوح عليه السلام : { إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك } ( نوح : 27 ) ، وعلى هذا فقوله تعالى : { فاصفح عنهم وقل سلام } ( ~~الزخرف : 89 ) إرشاد ms8840 له لئلا يدعو على قومه عند يأسه منهم كما دعا عليهم ~~نوح عنده ، وإذا كان القول مضافا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلا يكون ~~القيل اسما لقول لم يعلم قائله ؟ فنقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : إن ~~قولنا : إنه اسم مأخوذ من قيل الموضوع لقول لم يعلم قائله في الأصل لا ~~ينافي جواز استعماله في قول من علم بغير الموضوع وثانيهما : وهو الجواب ~~الدقيق أن نقول : الهاء في : { وقيله } ضمير كما في ربه وكالضمير المجهول ~~عند الكوفيين وهو ضمير الشأن ، وعند البصريين قال : { فإنها لا * لاولى ~~الابصار } ( الحج : 46 ) والهاء غير عائد إلى مذكور ، غير أن الكوفيين ~~جعلوه لغير معلوم والبصريين جعلوه ضمير القصة ، والظاهر في هذه المسألة قول ~~الكوفيين ، وعلى هذا معنى عبارتهم بلغ غاية علم الله تعالى قيل القائل منهم ~~: { يستبشرون قال إن هؤلآء } ، إشارة إلى أن الاختصاص بذلك القول في كل أحد ~~إنهم لا يؤمنون لعلمه أنهم قائلون بهذا وأنهم عالمون ، وأهل السماء علموا ~~بأن عند الله علم الساعة يعلمها فيعلم قول من يقول : { وقيله يارب إن هؤلاء ~~قوم لا يؤمنون } ( الزخرف : 88 ) من غير PageV29P140 تعيين قول لاشتراك ~~الكل فيه ، ويؤيد هذا أن الضمير لو كان عائدا إلى معلوم فإما أن يكون إلى ~~مذكور قبله ، ولا شيء فيما / قبله يصح عود الضمير إليه ، وإما إلى معلوم ~~غير مذكور وهو محمد صلى الله عليه وسلم لكن الخطاب بقوله : { فاصفح } ( ~~الحجر : 85 ) كان يقتضي أن يقول ، وقيلك يا رب لأن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم هو المخاطب أولا بكلام الله ، وقد قال قبله : { ولئن سألتهم } ( ~~الزخرف : 87 ) وقال من قبل : { قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين } ~~( الزخرف : 81 ) وكان هو المخاطب أولا ، إذا تحقق هذا ؟ نقول : إذا تفكرت ~~في استعمال لفظ القيل في القرآن ترى ما ذكرنا ملحوظا مراعى ، فقال ههنا : { ~~إلا قيلا سلاما سلاما } لعدم اختصاص هذا القول بقائل دون قائل فيسمع هذا ~~القول دائما من الملائكة والناس كما قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم ~~من ms8841 كل باب سلام } ( الرعد : 23 ، 24 ) وقال تعالى : { سلام قولا من رب رحيم ~~} ( يس : 58 ) حيث كان المسلم منفردا ، وهو الله كأنه قال : سلام قولا منا ~~، وقال تعالى : { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا } ( فصلت : 33 ~~) وقال : { هى أشد * وطأ وأقوم قيلا } ( المزمل : 6 ) لأن الداعي معين وهم ~~الرسل ومن اتبعهم من الأمة وكل من قام ليلا فإن قوله : قويم ، ونهجه مستقيم ~~، وقال تعالى : { وقيله يارب * رب } ( الزخرف : 88 ) لأن كل أحد يقول : ~~إنهم لا يؤمنون . أما هم فلاعترافهم ولإقرارهم وأما غيرهم فلكفرانهم ~~بإسرافهم وإصرارهم / ويؤيد ما ذكرنا أنه تعالى قال : { لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا تأثيما } والاستثناء المتصل يقرب إلى المعنى بالنسبة إلى غيره وهو قول ~~لا يعرف قائله ، فقال : { إلا قيلا } وهو سلام عليك ، وأما قول من يعرف وهو ~~الله فهو الأبعد عن اللغو غاية البعد وبينهما نهاية الخلاف فقال : { سلام ~~قولا } ( يس : 58 ) . # المسألة السادسة : { سلام } ، فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه صفة وصف الله ~~تعالى بها { قيلا } كما يوصف الشيء بالمصدر حيث يقال : رجل عدل ، وقوم صوم ~~، ومعناه إلا قيلا سالما عن العيوب ، وثانيها : هو مصدر تقديره ، إلا أن ~~يقولوا سلاما وثالثها : هو بدل من { قيلا } ، تقديره : إلا سلاما . # المسألة السابعة : تكرير السلام هل فيه فائدة ؟ نقول : فيه إشارة إلى ~~تمام النعمة ، وذلك لأن أثر السلام في الدنيا لا يتم إلا بالتسليم ورد ~~السلام ، فكما أن أحد المتلاقيين في الدنيا يقول للآخر : السلام عليك ، ~~فيقول الآخر : وعليك السلام ، فكذلك في الآخرة يقولون : { سلاما سلاما } ثم ~~إنه تعالى لما قال : { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) لم يكن له رد ~~لأن تسليم الله على عبده مؤمن له ، فأما الله تعالى فهو منزه عن أن يؤمنه ~~أحد ، بل الرد إن كان فهو قول المؤمن : سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ~~. # المسألة الثامنة : ما الفرق بين قوله تعالى : { سلاما سلاما } بنصبهما ، ~~وبين قوله تعالى : { قالوا سلاما قال سلام } ( هود : 69 ) قلنا : قد ذكرنا ~~هناك أن قوله ms8842 : ( سلام عليك ) أتم وأبلغ من قولهم سلاما عليك فإبراهيم عليه ~~السلام أراد أن يتفضل عليهم بالذكر ويجيبهم بأحسن ما حيوا ، وأما هنا فلا ~~يتفضل أحد من أهل الجنة على الآخر مثل التفضل في تلك الصورة إذ هم من جنس ~~واحد ، وهم المؤمنون ولا ينسب أحد إلى أحد تقصيرا . # المسألة التاسعة : إذا كان قول القائل : ( سلام عليك ) أتم وأبلغ فما بال ~~القراءة المشهورة / صارت بالنصب ، ومن قرأ ( سلام ) ليس مثل الذي قرأ ~~بالنصب ، نقول ذلك من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأنه يستثنى من ~~المسموع وهو مفعول منصوب ، فالنصب بقوله : { لا يسمعون فيها لغوا } وأما ~~المعنى فلأنا بينا أن الاستثناء متصل ، وقولهم : { سلام } أبعد من اللغو من ~~قولهم : { سلاما } فقال : { إلا قيلا سلاما } ليكون أقرب إلى اللغو من غيره ~~، وإن كان في نفسه بعيدا عنه . PageV29P141 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين * فى سدر مخضود * وطلح منضود } . ~~> 7 ! # < < # | الواقعة : ( 27 ) وأصحاب اليمين ما . . . . . # > > لما بين حال السابقين شرع في شأن أصحاب الميمنة من الأزواج الثلاثة ، ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الفائدة في ذكرهم بلفظ : { الميمنة ما } ( الواقعة : ~~8 ) عند ذكر الأقسام ، وبلفظ : { اليمين ما } عند ذكر الإنعام ؟ نقول : ~~الميمنة مفعلة إما بمعنى موضع اليمين كالمحكمة لموضع الحكم ، أي الأرض التي ~~فيها اليمين وإما بمعنى موضع اليمن كالمنارة موضع النار ، والمجمرة موضع ~~الجمر ، فكيفما كان الميمنة فيها دلالة على الموضع ، لكن الأزواج الثلاثة ~~في أول الأمر يتميز بعضهم عن بعض ، ويتفرقون لقوله تعالى : { يومئذ يتفرقون ~~} ( الروم ) 14 ) وقال : { يصدعون } ( الروم : 43 ) فيتفرقون بالمكان فأشار ~~في الأول إليهم بلفظ يدل على المكان ، ثم عند الثواب وقع تفرقهم بأمر مبهم ~~لا يتشاركون فيه كالمكان ، فقال : { وأصحاب اليمين } وفيه وجوه أحدها : ~~أصحاب اليمين الذين يأخذون بأيمانهم كتبهم ثانيها : أصحاب القوة ثالثها : ~~أصحاب النور ، وقد تقدم بيانه . # المسألة الثانية : ما الحكمة في قوله تعالى : { فى سدر } وأية نعمة تكون ~~في كونهم في سدر ، والسدر من أشجار البوادي ، لا بمر ولا بحلو ولا بطيب ms8843 ؟ ~~نقول : فيه حكمة بالغة غفلت عنها الأوائل والأواخر ، واقتصروا في الجواب ~~والتقريب أن الجنة تمثل بما كان عند العرب عزيزا محمودا ، وهو صواب ولكنه ~~غير فائق ، والفائق الرائق الذي هو بتفسير كلام الله لائق ، هو أن نقول : ~~إنا قد بينا مرارا أن البليغ يذكر طرفي أمرين ، يتضمن ذكرهما الإشارة إلى ~~جميع ما بينهما ، كما يقال : فلان ملك الشرق والغرب ، ويفهم منه أنه ملكهما ~~وملك ما بينهما ، ويقال : فلان أرضى الصغير والكبير ، ويفهم منه أنه أرضى ~~كل أحد إلى غير ذلك ، فنقول : لا خفاء في أن تزين المواضع التي يتفرج فيها ~~بالأشجار ، وتلك الأشجار تارة يطلب منها نفس الورق والنظر إليه والاستظلال ~~به ، وتارة يقصد إلى ثمارها ، وتارة يجمع بينهما ، لكن الأشجار أوراقها على ~~أقسام كثيرة ، ويجمعها نوعان : أوراث صغار ، وأوراق كبار ، والسدر في غاية ~~الصغر ، والطلح وهو شجر الموز في غاية الكبر ، فقوله تعالى : { فى سدر ~~مخضود * وطلح منضود } إشارة إلى ما يكون ورقه / في غاية الصغر من الأشجار ، ~~وإلى ما يكون ورقه في غاية الكبر منها ، فوقعت الإشارة إلى الطرفين جامعة ~~لجميع الأشجار نظرا إلى أوراقها ، والورق أحد مقاصد الشجر ونظيره في الذكر ~~ذكر النخل والرمان عند القصد إلى ذكر الثمار ، لأن بينهما غاية الخلاف كما ~~بيناه في موضعه ، فوقعت الإشارة إليهما جامعة لجميع الأشجار نظرا إلى ~~ثمارها ، وكذلك قلنا في النخيل والأعناب ، فإن النخل من أعظم الأشجار ~~المثمرة ، والكرم من أصغر الأشجار المثمرة ، وبينهما أشجار فوقعت الإشارة ~~إليهما جامعة لسائر الأشجار ، وهذا جواب فائق وفقنا الله تعالى له . # المسألة الثالثة : ما معنى المخضود ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : مأخوذ ~~الشوك ، فإن شوك السدر يستقصف ورقها ، ولولاه لكان منتزه العرب ، ذلك لأنها ~~تظل لكثرة أوراقها ودخول بعضها في بعض وثانيهما : مخضود أي متعطف إلى أسفل ~~، فإن رؤوس أغصان السدر في الدنيا تميل إلى فوق بخلاف أشجار الثمار ، فإن ~~رؤوسهما تتدلى ، وحينئذ معناه أنه يخالف سدر الدنيا ، فإن لها ثمرا كثيرا . ~~PageV29P142 # المسألة الرابعة : ما الطلح ؟ نقول : الظاهر أنه شجر الموز ، وبه ms8844 يتم ما ~~ذكرنا من الفائدة روي أن عليا عليه السلام سمع من يقرأ : { وطلح منضود } ~~فقال : ما شأن الطلح ؟ إنما هو ( وطلع ) ، واستدل بقوله تعالى : { لها طلع ~~نضيد } ( ق : 10 ) فقالوا : في المصاحف كذلك ، فقال : لا تحول المصاحف ، ~~فنقول : هذا دليل معجزة القرآن ، وغزارة علم علي رضي الله عنه . أما ~~المعجزة فلأن عليا كان من فصحاء العرب ولما سمع هذا حمله على الطلع واستمر ~~عليه ، وما كان قد اتفق حرفه لمبادرة ذهنه إلى معنى ، ثم قال في نفسه : إن ~~هذا الكلام في غاية الحسن ، لأنه تعالى ذكر الشجر المقصود منه الورق ~~للاستظلال به ، والشجر المقصود منه الثمر للاستغلال به ، فذكر النوعين ، ثم ~~إنه لما اطلع على حقيقة اللفظ علم أن الطلح في هذا الموضع أولى ، وهو أفصح ~~من الكلام الذي ظنه في غاية الفصاحة فقال : المصحف بين لي أنه خير مما كان ~~في ظني فالمصحف لا يحول . والذي يؤيد هذا أنه لو كان طلع لكان قوله تعالى : ~~{ وفاكهة كثيرة } ( الواقعة : 32 ) تكرار أحرف من غير فائدة ، وأما على ~~الطلح فتظهر فائدة قوله تعالى : { وفاكهة } وسنبينها إن شاء الله تعالى . # المسألة الخامسة : ما المنضود ؟ فنقول : إما الورق وإما الثمر ، والظاهر ~~أن المراد الورق ، لأن شجر الموز من أوله إلى أعلاه يكون ورقا بعد ورق ، ~~وهو ينبت كشجر الحنطة ورقا بعد ورق وساقه يغلظ وترتفع أوراقه ، ويبقى بعضها ~~دون بعض ، كما في القصب ، فموز الدنيا إذا ثبت كان بين القصب وبين بعضها ~~فرجة ، وليس عليها ورق ، وموز الآخرة يكون ورقه متصلا بعضه ببعض فهو أكثر ~~أوراقا ، وقيل : المنضود المثمر ، فإن قيل : إذا كان الطلح شجرا فهو لا ~~يكون منضودا وإنما يكون له ثمر منضود ، فكيف وصف به الطلح ؟ نقول : هو من ~~باب حسن الوجه وصف بسبب اتصاف ما يتصل به ، يقال : زيد حسن الوجه ، وقد ~~يترك الوجه ويقال : زيد حسن والمراد / حسن الوجه ولا يترك إن أوهم فيصح أن ~~يقال : زيد مضروب الغلام ، ولا يجوز ترك الغلام لأنه يوهم الخطأ ، وأما حسن ms8845 ~~الوجه فيجوز ترك الوجه . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وظل ممدود } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 30 ) وظل ممدود # > > وفيه وجوه الأول : ممدود زمانا ، أي لا زوال له فهو دائم ، كما قال ~~تعالى : { أكلها دائم وظلها } ( الرعد : 35 ) أي كذلك الثاني : ممدود مكانا ~~، أي يقع على شيء كبير ويستره من بقعة الجنة الثالث : المراد ممدود أي ~~منبسط ، كما قال تعالى : { والارض مددناها } ( الحجر : 19 ) فإن قيل : كيف ~~يكون الوجه الثاني ؟ نقول : الظل قد يكون مرتفعا ، فإن الشمس إذا كانت تحت ~~الأرض يقع ظلها في الجو فيتراكم الظل فيسود وجه الأرض وإذا كانت على أحد ~~جانبيها قريبة من الأفق ينبسط على وجه الأرض فيضيء الجو ولا يسخن وجه الأرض ~~، فيكون في غاية الطيبة ، فقوله : { وظل ممدود } أي عند قيامه عمودا على ~~الأرض كالظل بالليل ، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار بل ظل يخلقه الله ~~تعالى . # [ بم وقوله تعالى : # ! 7 < { ومآء مسكوب } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 31 ) وماء مسكوب # > > فيه أيضا وجوه الأول : مسكوب من فوق ، وذلك لأن العرب أكثر ما يكون ~~عندهم الآبار والبرك فلا سكب للماء عندهم بخلاف المواضع التي فيها العيون ~~النابعة من الجبال الحاكمة على الأرض تسكب عليها الثاني : جار في غير أخدود ~~، لأن الماء المسكوب يكون جاريا في الهواء ولا نهر هناك ، كذلك الماء في ~~الجنة الثالث : كثير وذلك الماء عند العرب عزيز لا يسكب ، بل يحفظ ~~PageV29P143 ويشرب ، فإذا ذكروا النعم يعدون كثرة الماء ويعبرون عن كثرتها ~~بإراقتها وسكبها ، والأول أصح . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 32 ) وفاكهة كثيرة # > > لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها ذكر بعدها الأشجار التي يقصد ~~ثمرها ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الحكمة في تقديم الأشجار المورقة على غير المورقة ؟ ~~نقول : هي ظاهرة ، وهو أنه قدم الورق على الشجر على طريقة الارتقاء من نعمة ~~إلى ذكر نعمة فوقها ، والفواكه أتم نعمة . # المسألة الثانية : ما الحكمة في ذكر الأشجار المورقة بأنفسها ، وذكر ~~أشجار الفواكه بثمارها ؟ نقول : هي أيضا ظاهرة ، فإن ms8846 الأوراق حسنها عند ~~كونها على الشجر ، وأما الثمار فهي في أنفسها مطلوبة سواء كانت عليها أو ~~مقطوعة ، ولهذا صارت الفواكه لها أسماء بها تعرف أشجارها ، فيقال : شجر ~~التين وورقه . # / المسألة الثالثة : ما الحكمة في وصف الفاكهة بالكثرة ، لا بالطيب ~~واللذة ؟ نقول : قد بينا في سورة الرحمن أن الفاكهة فاعلة كالراضية في قوله ~~: { فى عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) أي ذات فكهة ، وهي لا تكون بالطبيعة ~~إلا بالطيب واللذة ، وأما الكثرة ، فبينا أن الله تعالى حيث ذكر الفاكهة ~~ذكر ما يدل على الكثرة ، لأنها ليست لدفع الحاجة حتى تكون بقدر الحاجة ، بل ~~هي للتنعم ، فوصفها بالكثرة والتنوع . # المسألة الرابعة : { لا مقطوعة } أي ليست كفواكه الدنيا ، فإنها تنقطع في ~~أكثر الأوقات والأزمان ، وفي كثير من المواضع والأماكن { ولا ممنوعة } أي ~~لا تمنع من الناس لطلب الأعواض والأثمان ، والممنوع من الناس لطلب الأعواض ~~والأثمان ظاهر في الحس ، لأن الفاكهة في الدنيا تمنع عن البعض فهي ممنوعة ، ~~وفي الآخرة ليست ممنوعة . وأما القطع فيقال في الدنيا : إنها انقطعت فهي ~~منقطعة لا مقطوعة ، فقوله تعالى : { لا مقطوعة } في غاية الحسن ، لأن فيه ~~إشارة إلى دليل عدم القطع ، كما أن في : { لا * ممنوعة } دليلا على عدم ~~المنع ، وبيانه هو أن الفاكهة في الدنيا لا تمنع إلا لطلب العوض ، وحاجة ~~صاحبها إلى ثمنها لدفع حاجة به ، وفي الآخرة مالكها الله تعالى ولا حاجة له ~~، فلزم أن لا تمنع الفاكهة من أحد كالذي له فاكهة كثيرة ، ولا يأكل ولا ~~يبيع ، ولا يحتاج إليها بوجه من الوجوه لا شك في أن يفرقها ولا يمنعها من ~~أحد . وأما الانقطاع فنقول الذي يقال في الدنيا : الفاكهة انقطعت ، ولا ~~يقال عند وجودها : امتنعت ، بل يقال : منعت ، وذلك ون الإنسان لا يتكلم إلا ~~بما يفهمه الصغير والكبير ، ولكن كل أحد إذا نظر إلى الفاكهة زمان وجودها ~~يرى أحدا يحوزها ويحفظها ولا يراها ينفسها تمتنع فيقول : إنها ممنوعة ، ~~وأما عند انقطاعها وفقدها لا يرى أحدا قطعها حسا وأعدمها فيظنها منقطعة ~~بنفسها لعدم إحساسه بالقاطع ووجود ms8847 إحساسه بالمانع ، فقال تعالى : لو نظرتم ~~في الدنيا حق النظر علمتم أن كل زمان نظرا إلى كونه ليلا ونهارا ممكن فيه ~~الفاكهة فهي بنفسها لا تنقطع ، وإنما لا توجد عند المحقق لقطع الله إياها ~~وتخصيصها بزمان دون زمان ، وعند غير المحقق لبرد الزمان وحره ، وكونه ~~محتاجا إلى الظهور والنمو والزهر ولذلك تجري العادة بأزمنة فهي يقطعها ~~الزمان في نظر غير المحقق فإذا كانت الجنة ظلها ممدودا لا شمس هناك ولا ~~زمهرير استوت الأزمنة والله تعالى يقطعها فلا تكون مقطوعة بسبب حقيقي ولا ~~ظاهر ، فالمقطوع يتفكر الإنسان فيه ويعلم أنه مقطوع لا منقطع من غير قاطع ، ~~وفي الجنة لا قاطع فلا تصير مقطوعة . PageV29P144 # المسألة الخامسة : قدم نفي كونها مقطوعة لما أن القطع للموجود والمنع بعد ~~الوجود لأنها توجد أولا ثم تمنع فإن لم تكن موجودة لا تكون ممنوعة محفوظة ~~فقال : لا تقطع فتوجد أبدا ثم إن ذلك الموجود لا يمنع من أحد وهو ظاهر غير ~~أنا نحب أن لا نترك شيئا مما يخطر بالبال ويكون صحيحا . # [ بم / ثم قال تعالى : # ! 7 < { وفرش مرفوعة } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 34 ) وفرش مرفوعة # > > وقد ذكرنا معنى الفرش ونذكر وجها آخر فيها إن شاء الله تعالى ، وأما ~~المرفوعة ففيها ثلاثة أوجه أحدها : مرفوعة القدر يقال : ثوب رفيع أي عزيز ~~مرتفع القدر والثمن ويدل عليه قوله تعالى : { على فرش بطائنها } ( الرحمن : ~~54 ) وثانيها : مرفوعة بعضها فوق بعض ثالثها : مرفوعة فوق السرير . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا * لاصحاب ~~اليمين } . > 7 @QB@ < # | الواقعة : ( 35 - 38 ) إنا أنشأناهن إنشاء # > > # وفي الإنشاء مسائل : # المسألة الأولى : الضمير في : { أنشأناهن } عائد إلى من ؟ فيه ثلاثة أوجه ~~أحدها : إلى { حور * عين } ( الواقعة : 22 ) وهو بعيد لبعدهن ووقوعهن في ~~قصة أخرى ثانيها : أن المراد من الفرش النساء والضمير عائد إليهن لقوله ~~تعالى : { هن لباس لكم } ( البقرة : 187 ) ، ويقال للجارية صارت فراشا وإذا ~~صارت فراشا رفع قدرها بالنسبة إلى جارية لم تصر فراشا ، وهو أقرب من الأول ~~لكن يبعد ظاهرا لأن ms8848 وصفها بالمرفوعة ينبىء عن خلاف ذلك وثالثها : أنه عائد ~~إلى معلوم دل عليه فرش لأنه قد علم في الدنيا وفي مواضع من ذكر الآخرة ، أن ~~في الفرش حظايا تقديره وفي فرش مرفوعة حظايا منشآت وهو مثل ما ذكر في قوله ~~تعالى : { قاصرات الطرف } ( الرحمن : 56 ) { * ومقصورات } ( الرحمن : 72 ) ~~فهو تعالى أقام الصفة مقام الموصوف ولم يذكر نساء الآخرة بلفظ حقيقي أصلا ~~وإنما عرفهن بأوصافهن ولباسهن إشارة إلى صونهن وتخدرهن ، وقوله تعالى : { ~~مرفوعة إنا أنشأناهن } يحتمل أن يكون المراد الحور فيكون المراد الإنشاء ~~الذي هو الابتداء ، ويحتمل أن يكون المراد بنات آدم فيكون الإنشاء بمعنى ~~إحياء الإعادة ، وقوله تعالى : { أبكارا } يدل على الثاني لأن الإنشاء لو ~~كان بمعنى الابتداء لعلم من كونهن أبكارا من غير حاجة إلى بيان ولما كان ~~المراد إحياء بنات آدم قال : { أبكارا } أي نجعلهن أبكارا وإن متن ثيبات ، ~~فإن قيل : فما الفائدة على الوجه الأول ؟ نقول : الجواب من وجهين الأول : ~~أن الوصف بعدها لا يكون من غيرها إذا كن أزواجهم بين الفائدة لأن البكر في ~~الدنيا لا تكون عارفة بلذة الزوج فلا ترضى بأن تتزوج من رجل لا تعرفه ~~وتختار التزويج بأقرانها ومعارفها لكن أهل الجنة إذا لم يكن من جنس أبناء ~~آدم وتكون الواحدة منهن بكرا لم تر زوجا ثم تزوجت بغير جنسها فربما يتوهم ~~منها سوء عشرة فقال : { أبكارا } فلا يوجد فيهن ما يوجد في أبكار الدنيا ~~الثاني : المراد أبكارا بكارة تخالف بكارة الدنيا ، فإن البكارة لا تعود ~~إلا على بعد . وقوله تعالى : { أترابا } يحتمل وجوها أحدها : مستويات في ~~السن فلا تفضل إحداهن على الأخرى بصغر ولا كبر كلهن خلقن في زمان / واحد ، ~~ولا يلحقهن عجز ولا زمانة ولا تغير لون ، وعلى هذا إن كن من بنات آدم فالفظ ~~فيهن حقيقة ، وإن كن من غيرهن فمعناه ما كبرن سمين به لأن كلا منهن تمس وقت ~~مس الأخرى لكن نسي الأصل ، وجعل عبارة عن ذلك كاللذة للمتساويين من العقلاء ~~، فأطلق على حور PageV29P145 الجنة أترابا ثانيها : أترابا ms8849 متماثلات في ~~النظر إليهن كالأتراب سواء وجدن في زمان أو في أزمنة ، والظاهر أنه في ~~أزمنة لأن المؤمن إذا عمل عملا صالحا خلق له منهن ما شاء الله ثالثها : ~~أترابا لأصحاب اليمين ، أي على سنهم ، وفيه إشارة إلى الاتفاق ، لأن أحد ~~الزوجين إذا كان أكبر من الآخر فالشاب يعيره . # المسألة الثانية : إن قيل ما الفائدة في قوله : { فجعلناهن } ؟ نقول : ~~فائدته ظاهرة تتبين بالنظر إلى اللام في : { لاصحاب اليمين } فنقول : إن ~~كانت اللام متعلقة بأترابا يكون معناه : { أنشأناهن } وهذا لا يجوز وإن ~~كانت متعلقة بأنشأناهن يكون معناه أنشأناهن لأصحاب اليمين والإنشاء حال ~~كونهن أبكارا وأترابا فلا يتعلق الإنشاء بالأبكار بحيث يكون كونهن أبكارا ~~بالإنشاء لأن الفعل لا يؤثر في الحال تأثيرا واجبا فنقول : صرفه للإنشاء لا ~~يدل على أن الإنشاء كان بفعل فيكون الإنعام عليهم بمجرد إنشائهن لأصحاب ~~اليمين : { فجعلناهن أبكارا } ليكون ترتيب المسبب على السبب فاقتضى ذلك ~~كونهن أبكارا ، وأما إن كان الإنشاء أولا من غير مباشرة للأزواج ما كان ~~يقتضي جعلهن أبكارا فالفاء لترتيب المقتضى على المقتضى . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ثلة من الا ولين * وثلة من الا خرين } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 39 ) ثلة من الأولين # > > وقد ذكرنا ما فيه لكن هنا لطيفة : وهي أنه تعالى قال في السابقين : { ~~ثلة من الاولين } ( الواقعة : 13 ) قبل ذكر السرر والفاكهة والحور وذكر في ~~أصحاب اليمين : { ثلة من الاولين } بعد ذكر هذه النعم ، نقول : السابقون لا ~~يلتفتون إلى الحور العين والمأكول والمشروب ونعم الجنة تتشرف بهم ، وأصحاب ~~اليمين يلتفتون إليها فقدم ذكرها عليهم ثم قال : هذا لكم وأما السابقون ~~فذكرهم أولا ثم ذكر مكانهم ، فكأنه قال لأهل الجنة هؤلاء واردون عليكم . ~~والذي يتمم هذه اللطيفة أنه تعالى لم يقدم ثلة السابقين إلا لكونهم مقربين ~~حسا فقال : { المقربون * في جنات } ( الواقعة : 11 ، 12 ) ثم قال : { ثلة } ~~ثم ذكر النعم لكونها فوق الدنيا إلا المودة في القربى من الله فإنها فوق كل ~~شيء ، وإلى هذا أشار بقوله تعالى : { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا ms8850 المودة فى ~~القربى } ( الشورى : 23 ) أي في المؤمنين ووعد المرسلين بالزلفى في قوله : ~~{ وإن له عندنا لزلفى } ( ص : 25 ) وأما قوله : { في جنات النعيم } ( ~~الواقعة : 12 ) فقد ذكرنا أنه لتمييز مقربي المؤمنين من مقربي الملائكة ، ~~فإنهم مقربون في الجنة وهم مقربون في أماكنهم لقضاء الأشغال التي للناس ~~وغيرهم بقدرة الله وقد بان من هذا أن المراد من أصحاب اليمين هم الناجون ~~الذين أذنبوا وأسرفوا وعفا الله عنهم بسبب أدنى حسنة لا الذين غلبت حسناتهم ~~وكثرت وسنذكر الدليل عليه في قوله تعالى : { فسلام لك من أصحاب اليمين } ( ~~الواقعة : 91 ) . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال * فى سموم وحميم * وظل من يحموم } ~~. > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 41 ) وأصحاب الشمال ما . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما الحكمة في ذكر السموم والحميم وترك ذكر النار ~~وأهوالها ؟ نقول : فيه إشارة بالأدنى إلى الأعلى فقال : هواؤهم الذي يهب ~~عليهم سموم ، وماؤهم الذي يستغيثون به حميم ، مع أن الهواء والماء أبرد ~~الأشياء ، وهما أي السموم والحميم من أضر الأشياء بخلاف الهواء والماء في ~~الدنيا فإنهما من أنفع PageV29P146 الأشياء فما ظنك بنارهم التي هي عندنا ~~أيضا أحر ، ولو قال : هم في نار ، كنا نظن أن نارهم كنارنا لأنا ما رأينا ~~شيئا أحر من التي رأيناها ، ولا أحر من السموم ، ولا أبرد من الزلال ، فقال ~~: أبرد الأشياء لهم أحرها فكيف حالهم مع أحرها ، فإن قيل : ما السموم ؟ ~~نقول : المشهور هي ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل غالبا ، والأولى أن يقال : ~~هي هواء متعفن ، يتحرك من جانب إلى جانب فإذا استنشق الإنسان منه يفسد قلبه ~~بسبب العفونة ويقتل الإنسان ، وأصله من السم كسم الحية والعقرب وغيرهما ، ~~ويحتمل أن يكون هذا السم من السم ، وهو خرم الإبرة ، كماقال تعالى : { حتى ~~يلج الجمل فى سم الخياط } ( الأعراف : 40 ) لأن سم الأفعى ينفذ في المسام ~~فيفسدها ، وقيل : إن السموم مختصة بما يهب ليلا ، وعلى هذا فقوله : { سموم ~~} إشارة إلى ظلمة ما هم فيه غير أنه بعيد جدا ، لأن السموم قد ترى ms8851 بالنهار ~~بسبب كثافتها . # المسألة الثانية : الحميم هو الماء الحار وهو فعيل بمعنى فاعل من حمم ~~الماء بكسر الميم ، أو بمعنى مفعول من حمم الماء إذا سخنه ، وقد ذكرناه ~~مرارا غير أن ههنا لطيفة لغوية : وهي أن فعولا لما تكرر منه الشيء والريح ~~لما كانت كثيرة الهبوب تهب شيئا بعد شيء خص السموم بالفعول ، والماء الحار ~~لما كان لا يفهم منه الورود شيئا بعد شيء لم يقل : فيه حموم ، فإن قيل : ما ~~اليحموم ؟ نقول : فيه وجوه أولها : أنه اسم من أسماء جهنم ثانيها : أنه ~~الدخان ثالثها : أنه الظلمة ، وأصله من الحمم وهو الفحم فكأنه لسواده فحم ~~فسموه باسم مشتق منه ، وزيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه ، وربما ~~تكون الزيادة فيه جاءت لمعنيين : الزيادة في سواده والزيادة في حرارته ، ~~وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى دونهم في العذاب دائما لأنهم إن تعرضوا لمهب ~~الهواء أصابهم الهواء الذي هو السموم ، وإن استكنوا كما يفعله الذي يدفع عن ~~نفسه السموم بالاستكنان في الكن يكونوا في ظل من يحموم وإن أرادوا الرد عن ~~أنفسهم السموم بالاستكنان في مكان من حميم فلا انفكاك لهم من عذاب الحميم ، ~~ويحتمل أن يقال فيه ترتيب وهو أن السموم يضربه فيعطش وتلتهب نار السموم في ~~أحشائه فيشرب الماء / فيقطع أمعاءه ويريد الاستظلال بظل فيكون ذلك الظل ظل ~~اليحموم ، فإن قيل : كيف وجه استعمال ( من ) في قوله تعالى : { من يحموم } ~~؟ فنقول : إن قلنا إنه اسم جهنم فهو لابتداء الغاية كما تقول : جاءني نسيم ~~من الجنة ، وإن قلنا : إنه دخان فهو كما في قولنا : خاتم من فضة ، وإن قلنا ~~: إنه الظلمة فكذلك ، فإن قيل : كيف يصح تفسيره بجهنم مع أنه اسم منصرف ~~منكر فكيف وضع لمكان معرف ، ولو كان اسما لها ، قلنا : استعماله بالألف ~~واللام كالجحيم ، أو كان غير منصرف كأسماء جهنم يكون مثله على ثلاثة مواضع ~~كلها يحموم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { لا بارد ولا كريم } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 44 ) لا بارد ولا . . . . . # > > قال الزمخشري : كرم الظل نفعه الملهوف ، ودفعه أذى ms8852 الحر عنه ، ولو ~~كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد ، والأقرب أن يقال : فائدة الظل ~~أمران : أحدهما دفع الحر ، والآخر كون الإنسان فيه مكرما ، وذلك لأن ~~الإنسان في البرد يقصد عين الشمس ليتدفأ بحرها إذا كان قليل الثياب ، فإذا ~~كان من المكرمين يكون أبدا في مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه في الظل ، أما ~~الحر فظاهر ، PageV29P147 وأما البرد فيدفعه بإدفاء الموضع بإيقاد ما يدفئه ~~، فيكون الظل في الحر مطلوبا للبرد فيطلب كونه باردا ، وفي البرد يطلب ~~لكونه ذا كرامة لا لبرد يكون في الظل فقال : { لا بارد } يطلب لبرده ، ولا ~~ذي كرامة قد أعد للجلوس فيه ، وذلك لأن المواضع التي يقع عليها ظل كالمواضع ~~التي تحت أشجار وأمام الجدار يتخذ منها مقاعد فتصير تلك المقاعد محفوظة عن ~~الفاذورات ، وباقي المواضع تصير مزابل ، ثم إذا وقعت الشمس في بعض الأوقات ~~عليها تطلب لنظافتها ، وكونها معدة للجلوس ، فتكون مطلوبة في مثل هذا الوقت ~~لأجل كرامتها لا لبردها ، فقوله تعالى : { لا بارد ولا كريم } يحتمل هذا ، ~~ويحتمل أن يقال : إن الظل يطلب لأمر يرجع إلى الحس ، أو لأمر يرجع إلى ~~العقل ، فالذي يرجع إلى الحس هو برده ، والذي يرجع إلى العقل أن يكون ~~الرجوع إليه كرامة ، وهذا لا برد له ولا كرامة فيه ، وهذا هو المراد بما ~~نقله الواحدي عن الفراء أن العرب تتبع كل منفي بكريم إذا كان المنفي أكرم ~~فيقال : هذه الدار ليست بواسعة ولا كريمة ، والتحقيق فيه ما ذكرنا أن وصف ~~الكمال ، إما حسي ، وإما عقلي ، والحسي يصرح بلفظه ، وأما العقلي فلخفائه ~~عن الحس يشار إليه بلفظ جامع ، لأن الكرامة ، والكرامة عند العرب من أشهر ~~أوصاف المدح ونفيهما نفي وصف الكمال العقلي ، فيصير قوله تعالى : { لا بارد ~~ولا كريم } معناه لا مدح فيه أصلا لا حسا ولا عقلا . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين * وكانوا يصرون على الحنث العظيم * ~~وكانوا يقولون أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون * أو ءابآؤنا الا ~~ولون } . > 7 ! # / < < # | الواقعة : ( 45 ) إنهم ms8853 كانوا قبل . . . . . # > > وفي الآيات لطائف ، نذكرها في مسائل : # المسألة الأولى : ما الحكمة في بيان سبب كونهم في العذاب مع أنه تعالى لم ~~يذكر سبب كون أصحاب اليمين في النعيم ، ولم يقل : إنهم كانوا قبل ذلك ~~شاكرين مذعنين ؟ فنقول : قد ذكرنا مرارا أن الله تعالى عند إيصال الثواب لا ~~يذكر أعمال العباد الصالحة ، وعند إيصال العقاب يذكر أعمال المسيئين لأن ~~الثواب فضل والعقاب عدل ، والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر لا يتوهم في ~~المتفضل به نقص وظلم ، وأما العدل فإن لم يعلم سبب العقاب ، يظن أن هناك ~~ظلما فقال : هم فيها بسبب ترفهم ، والذي يؤيد هذه اللطيفة أن الله تعالى ~~قال في حق السابقين : { جزاء بما كانوا يعملون } ( الواقعة : 24 ) ولم يقل ~~: في حق أصحاب اليمين ، ذلك لأنا أشرنا أن أصحاب اليمين هم الناجون بالفضل ~~العظيم ، وسنبين ذلك في قوله تعالى : { فسلام لك } ( الواقعة : 91 ) وإذا ~~كان كذلك فالفضل في حقهم متمحض فقال : هذه النعم لكم ، ولم يقل جزاء لأن ~~قوله : { جزاء } في مثل هذا الموضع ، وهو موضع العفو عنهم لا يثبت لهم ~~سرورا بخلاف من كثرت حسناته ، فيقال له : نعم ما فعلت خذ هذا لك جزاء . # المسألة الثانية : جعل السبب كونهم مترفين وليس كل من هو من أصحاب الشمال ~~يكون مترفا فإن فيهم من يكون فقيرا ؟ نقول قوله تعالى : { إنهم كانوا قبل ~~ذلك مترفين } ليس بذم ، فإن المترف هو الذي جعل ذا ترف أي نعمة ، فظاهر ذلك ~~لا يوجب ذما ، لكن ذلك يبين قبح ما ذكر عنهم بعده وهو قوله تعالى : { ~~وكانوا يصرون } لأن صدور الكفران ممن عليه غاية الإنعام أقبح القبائح فقال ~~: إنهم كانوا مترفين ، ولم يشكروا نعم الله بل أصروا على الذنب وعلى هذا ~~فنقول : النعم التي تقتضي شكر الله وعبادته في كل أحد كثيرة فإن الخلق ~~والرزق وما يحتاج إليه وتتوقف مصالحه عليه حاصل للكل ، غاية ما في الباب أن ~~حال الناس في الإتراف متقارب ، فيقال في حقل البعض بالنسبة إلى بعض : إنه ~~في ضر ، ولو ms8854 حمل نفسه على القناعة لكان أغنى PageV29P148 الأغنياء وكيف لا ~~والإنسان إذا نظر إلى حالة يجدها مفتقرة إلى مسكني يأوي إليه ولباس الحر ~~والبرد وما يسد جوعه من المأكول والمشروب ، وغير هذا من الفضلات التي يحمل ~~عليها شح النفس ، ثم إن أحدا لا يغلب عن تحصيل مسكن باشتراء أو اكتراء ، ~~فإن لم يكن فليس هو أعجز من الحشرات ، لا تفقد مدخلا أو مغارة ، وأما ~~اللباس فلو اقتنع بما يدفع الضرورة كان يكفيه في عمره لباس واحد ، كلما ~~تمزق منه موضع يرقعه من أي شيء كان ، بقي أمر المأكول والمشروب ، فإذا نظر ~~الناظر يجد كل أحد في جميع الأحوال غير مغلوب عن كسرة خبز وشربة ماء ، غير ~~أن طلب الغنى يورث الفقر فيريد الإنسان بيتا مزخرفا ولباسا فاخرا ومأكولا ~~طيبا ، وغير ذلك من أنواع الدواب / والثياب ، فيفتقر إلى أن يحمل المشاق ، ~~وطلب الغنى يورث فقره ، وارتياد الارتفاع يحط قدره ، وبالجملة شهوة بطنه ~~وفرجه تكسر ظهره على أننا نقول في قوله تعالى : { كانوا قبل ذلك مترفين } ~~لا شك أن أهل القبور لما فقدوا الأيدي الباطشة ، والأعين الباصرة ، وبان ~~لهم الحقائق ، علموا { إنهم كانوا * قبل ذلك مترفين } بالنسبة إلى تلك ~~الحالة . # المسألة الثالثة : ما الإصرار على الحنث العظيم ؟ نقول : الشرك ، كما قال ~~تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ( لقمان : 13 ) وفيها لطيفة وهي أنه أشار ~~في الآيات الثلاث إلى الأصول الثلاثة فقوله تعالى : { إنهم كانوا قبل ذلك ~~مترفين } من حيث الاستعمال يدل على ذمهم بإنكار الرسل ، إذ المترف متكبر ~~بسبب الغنى فينكر الرسالة ، والمترفون كانوا يقولون : { أبشر * منا واحدا ~~نتبعه } ( القمر : 34 ) وقوله : { يصرون على الحنث العظيم } ( الواقعة : 46 ~~) إشارة إلى الشرك ومخالفة التوحيد ، وقوله تعالى : { وكانوا يقولون * أءذا ~~متنا وكنا ترابا } إشارة إلى إنكار الحشر والنشر ، وقوله تعالى : { وكانوا ~~يصرون على الحنث العظيم } فيه مبالغات من وجوه أحدها : قوله تعالى : { ~~كانوا * يصرون } وهو آكد من قول القائل : إنهم قبل ذلك أصروا لأن اجتماع ~~لفظي الماضي والمستقبل يدل على الاستمرار ، لأن قولنا : فلان كان يحسن ms8855 إلى ~~الناس ، يفيد كون ذلك عادة له ثانيها : لفظ الإصرار فإن الإصرار مداومة ~~المعصية والغلول ، ولا يقال : في الخير أصر ثالثها : الحنث فإنه فوق الذنب ~~فإن الحنث لا يكاد في اللغة يقع على الصغيرة والذنب يقع عليها ، وأما الحنث ~~في اليمين فاستعملوه لأن نفس الكذب عند العقلاء قبيح ، فإن مصلحة العالم ~~منوطة بالصدق وإلا لم يحصل لأحد بقول أحد ثقة فلا يبنى على كلامه مصالح ، ~~ولا يجتنب عن مفاسد ، ثم إن الكذب لما وجد في كثير من الناس لأغراض فاسدة ~~أرادوا توكيد الأمر بضم شيء إليه يدفع توهمه فضموا إليه الأيمان ولا شيء ~~فوقها ، فإذا حنث لم يبق أمر يفيد الثقة فيلزم منه فساد فوق فساد الزنا ~~والشرب ، غير أن اليمين إذا كانت على أمر مستقبل ورأى الحالف غيره جوز ~~الشرع الحنث ولم يجوزه في الكبيرة كالزنا والقتل لكثرة وقوع الأيمان وقلة ~~وقوع القتل والذي يدل على أن الحنث هو الكبيرة قولهم للبالغ : بلغ الحنث ، ~~أي بلغ مبلغا بحيث يرتكب الكبيرة وقبله ما كان ينفي عنه الصغيرة ، لأن ~~الولي مأمور بالمعاقبة على إساءة الأدب وترك الصلاة . # المسألة الرابعة : قوله تعالى : { العظيم } هذا يفيد أن المراد الشرك ، ~~فإن هذه الأمور لا تجتمع في غيره . # المسألة الخامسة : كيف اشتهر { متنا } بكسر الميم مع أن استعمال القرآن ~~في المستقبل يموت قال تعالى عن يحيى وعيسى عليهما السلام : { ويوم أموت } ( ~~مريم : 33 ) ولم يقرأ أمات على وزن أخاف ، وقال PageV29P149 تعالى : { قل ~~موتوا } ( آل عمران : 119 ) ولم يقل : قل ماتوا ، وقال تعالى : { ولا تموتن ~~} ( آل عمران : 102 ) ولم يقل : ولا تماتوا كما قال : { لا * تخافوا } ( ~~الصافات : 30 ) أقلنا : فيه وجهان أحدهما : أن هذه الكلمة خالفت غيرها ، ~~فقيل فيها : { أموات } والسماع مقدم على القياس والثاني : مات يمات لغة في ~~مات يموت ، فاستعمل ما فيها الكسر لأن / الكسر في الماضي يوجد أكثر الأمرين ~~أحدهما : كثرة يفعل على يفعل وثانيهما : كونه على فعل يفعل ، مثل خاف يخاف ~~، وفي مستقبلها الضم لأنه يوجد لسببين أحدهما : كون الفعل على فعل ms8856 يفعل ، ~~مثل طال يطول ، فإن وصفه بالتطويل دون الطائل يدل على أنه من باب قصر يقصر ~~، وثانيهما : كونه على فعل يفعل ، تقول : فعلت في الماضي بالكسر وفي ~~المستقبل بالضم . # المسألة السادسة : كيف أتى باللام المؤكدة في قوله : { لمبعوثون } مع أن ~~المراد هو النفي وفي النفي لا يذكر في خبر إن اللام يقال : إن زيدا ليجيء ~~وإن زيدا لا يجيء ، فلا تذكر اللام ، وما مرادهم بالاستفهام إلا الإنكار ~~بمعنى إنا لا نبعث ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : عند إرادة ~~التصريح بالنفي يوجد التصريح بالنفي وصيغته ثانيهما : أنهم أرادوا تكذيب من ~~يخبر عن البعث فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار ونحن نستكثر مبالغته ~~وتأكيده فحكوا كلامهم على طريقة الاستفهام بمعنى الإنكار ، ثم إنهم أشاروا ~~في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم فقالوا أولا : { أءذا ~~متنا } ولم يقتصروا عليه بل قالوا بعده : { وكنا ترابا وعظاما } أي فطال ~~عهدنا بعد كوننا أمواتا حتى صارت اللحوم ترابا والعظام رفاتا ، ثم زادوا ~~وقالوا : مع هذا يقال لنا : { إنكم * لمبعوثون } بطريق التأكيد من ثلاثة ~~أوجه أحدها : استعمال كلمة إن ثانيها : إثبات اللام في خبرها ثالثها : ترك ~~صيغة الاستقبال ، والإتيان بالمفعول كأنه كائن ، فقالوا لنا : { إنكم * ~~لمبعوثون } ثم زادوا وقالوا : { أو ءاباؤنا الاولون } يعني هذا أبعد فإنا ~~إذا كنا ترابا بعد موتنا والآباء حالهم فوق حال العظام الرفات فكيف يمكن ~~البعث ؟ وقد بينا في سورة والصافات هذا كله وقلنا : إن قوله : { أو ءاباؤنا ~~الاولون } ( الصافات : 17 ) معناه : أو يقولوا : آباؤنا الأولون ، إشارة ~~إلى أنهم في الإشكال أعظم ، ثم إن الله تعالى أجابهم ورد عليهم في الجواب ~~في كل مبالغة بمبالغة أخرى فقال : # ! 7 < { قل إن الا ولين والا خرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } . > ~~7 ! # < < # | الواقعة : ( 49 ) قل إن الأولين . . . . . # > > فقوله : { قل } إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور ، وذلك أن في ~~الرسالة أسرارا لا تقال إلا للأبرار ، ومن جملتها تعيين وقت القيامة لأن ~~العوام لو علموا لاتكلوا والأنبياء ربما اطلعوا على علاماتها أكثر مما ms8857 ~~بينوا وربما بينوا للأكابر من الصحابة علامات على ما نبين ففيه وجوه أولها ~~: قوله : { قل } يعني أن هذا من جملة الأمور التي بلغت في الظهور إلى حد ~~يشترك فيه العوام والخواص ، فقال : قل قولا عاما وهكذا في كل موضع ، قال : ~~قل كان الأمر ظاهرا ، قال الله تعالى : { قل هو الله أحد } ( الصمد : 1 ) ~~وقال : { قل إنما أنا بشر مثلكم } ( الكهف : 110 ) وقال : { قل الروح من ~~أمر ربى } ( الإسراء : 85 ) أي هذا هو الظاهر من أمر الروح وغيره خفي ~~ثانيها : قوله تعالى : { إن الاولين والاخرين } بتقديم الأولين على الآخرين ~~في جواب قولهم : { أو ءاباؤنا الاولون } ( الواقعة : 48 ) فإنهم أخروا ذكر ~~الآباء لكون الاستبعاد فيهم أكثر ، فقال إن الأولين الذين تستبعدون بعثهم ~~وتؤخرونهم يبعثهم الله في أمر مقدم على الآخرين ، يتبين منه إثبات / حال من ~~أخرتموه PageV29P150 مستبعدين ، إشارة إلى كون الأمر هينا ثالثها : قوله ~~تعالى : { لمجموعون } فإنهم أنكروا قوله : { لمبعوثون } ( الواقعة : 47 ) ~~فقال : هو واقع مع أمر زائد ، وهو أنهم يحشرون ويجمعون في عرصة الحساب ، ~~وهذا فوق البعث ، فإن من بقي تحت التراب مدة طويلة ثم حشر ربما لا يكون له ~~قدرة على الحركة ، وكيف لو كان حيا محبوسا في قبره مدة لتعذرت عليه الحركة ~~، ثم إنه تعالى بقدرته يحركه بأسرع حركة ويجمعه بأقوى سير ، وقوله تعالى : ~~{ لمجموعون } فوق قول القائل : مجموعون كما قلنا : إن قول قول القائل : إنه ~~يموت في إفادة التوكيد دون قوله : إنه ميت رابعها : قوله تعالى : { إلى ~~ميقات يوم معلوم } فإنه يدل على أن الله تعالى يجمعهم في يوم واحد معلوم ، ~~واجتماع عدد من الأموات لا يعلم عددهم إلا الله تعالى في وقت واحد أعجب من ~~نفس البعث وهذا كقوله تعالى في سورة والصافات : { فإنما هى زجرة واحدة } ( ~~الصافات : 19 ) أي أنتم تستبعدون نفس البعث ، والأعجب من هذا أنه يبعثهم ~~بزجرة واحدة أي صيحة واحدة : { فإذا هم ينظرون } أي يبعثون مع زيادة أمر ، ~~وهو فتح أعينهم ونظرهم ، بخلاف من نعس فإنه إذا انتبه يبقى ساعة ثم ينظر في ms8858 ~~الأشياء ، فأمر الإحياء عند الله تعالى أهون من تنبيه نائم خامسها : حرف { ~~إلى } أدل على البعث من اللام ، ولنذكر هذا في جواب سؤال هو أن الله تعالى ~~قال : { يوم يجمعكم ليوم الجمع } ( التغابن : 9 ) وقال هنا : { لمجموعون ~~إلى ميقات يوم معلوم } ولم يقل : لميقاتنا وقال : { ولما جاء موسى لميقاتنا ~~} ( التغابن : 143 ) نقول : لما كان ذكر الجمع جوابا للمنكرين المستبعدين ~~ذكر كلمة { إلى } الدالة على التحرك والانتقال لتكون أدل على فعل غير البعث ~~ولا يجمع هناك قال : { يوم يجمعكم ليوم } ولا يفهم النشور من نفس الحرف وإن ~~كان يفهم من الكلام ، ولهذا قال ههنا : { لمجموعون } بلفظ التأكيد ، وقال ~~هناك : { يجمعكم } وقال ههنا : { إلى ميقات } وهو مصير الوقت إليه ، وأما ~~قوله تعالى : { فلما جآء * موسى لميقاتنا } فنقول : الموضع هناك لم يكن ~~مطلوب موسى عليه السلام ، وإنما كان مطلوبه الحضور ، لأن من وقت له وقت ~~وعين له موضع كانت حركته في الحقيقة لأمر بالتبع إلى أمر / وأما هناك ~~فالأمر الأعظم الوقوف في موضعه لا زمانه فقال بكلمة دلالتها على الموضع ~~والمكان أظهر . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون * لاكلون من شجر من زقوم * ~~فمالأون منها البطون * فشاربون عليه من الحميم * فشاربون شرب الهيم } . > 7 ~~! # < < # | الواقعة : ( 51 ) ثم إنكم أيها . . . . . # > > في تفسير الآيات مسائل : # / المسألة الأولى : الخطاب مع من ؟ نقول : قال بعض المفسرين مع أهل مكة ، ~~والظاهر أنه عام مع كل ضال مكذب وقد تقدم مثل هذا في مواضع ، وهو تمام كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى قال لنبيه : قل إن الأولين والآخرين ~~لمجموعون ثم إنكم تعذبون بهذه الأنواع من العذاب . # المسألة الثانية : قال ههنا : { الضالون المكذبون } بتقديم الضال وقال في ~~آخر السورة : { وأما إن كان من المكذبين الضالين } ( الواقعة : 92 ) بتقديم ~~المكذبين ، فهل بينهما فرق ؟ قلت : نعم ، وذلك أن المراد من الضالين ههنا ~~هم الذين صدر منهم الإصرار على الحنث العظيم ، فضلوا في سبيل الله ولم ~~يصلوا إليه ولم PageV29P151 يوحدوه ، وذلك ضلال عظيم ، ثم كذبوا رسله ~~وقالوا ms8859 : { أءذا متنا } فكذبوا بالحشر ، فقال : { أيها الضالون } الذين ~~أشركتم : { المكذبون } الذين أنكرتم الحشر لتأكلون ما تكرهون ، وأما هناك ~~فقال لهم : { أيها * المكذبون } الذين كذبتم بالحشر : { الضالون } في طريق ~~الخلاص الذين لا يهتدون إلى النعيم ، وفيه وجه آخر وهو أن الخطاب هنا مع ~~الكفار فقال : يا أيها الذين ضللتم أولا وكذبتم ثانيا ، والخطاب في آخر ~~السورة مع محمد صلى الله عليه وسلم يبين له حال الأزواج الثلاثة فقال : ~~المقربون في روح وريحان وجنة ونعيم ، وأصحاب اليمين في سلام ، وأما ~~المكذبون الذين كذبوا فقد ضلوا فقدم تكذيبهم إشارة إلى كرامة محمد صلى الله ~~عليه وسلم حيث بين أن أقوى سبب في عقابهم تكذيبهم والذي يدل على أن الكلام ~~هناك مع محمد صلى الله عليه وسلم قوله : { فسلام لك من أصحاب اليمين } ( ~~الواقعة : 91 ) . # المسألة الثالثة : ما الزقوم ؟ نقول : قد بيناه في موضع آخر واختلف فيه ~~أقوال الناس ومآل الأقوال إلى كون ذلك في الطعم مرا وفي اللمس حارا ، وفي ~~الرائحة منتنا ، وفي المنظر أسود لا يكاد آكله يسيغه فيكره على ابتلاعه ، ~~والتحقيق اللغوي فيه أن الزقوم لغية عربية دلنا تركيبه على قبحه ، وذلك لأن ~~زق لم يجتمع إلا في مهمل أو في مكروه منه مزق ، ومنه زمق شعره إذا نتفه ، ~~ومنه القزم للدناءة ، وأقوى من هذا أن القاف مع كل حرف من الحرفين الباقيين ~~يدل على المكروه في أكثر الأمر ، فالقاف مع الميم قمامة وقمقمة ، وبالعكس ~~مقامق ، الغليظ الصوت والقمقمة هو السور ، وأما القاف مع الزاي فالزق رمي ~~الطائر بذرقه ، والزقزقة الخفة ، وبالعكس القزنوب فينفر الطبع من تركيب ~~الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة والقبح ، ثم قرن بالأكل فدل على أنه ~~طعام ذو غضة ، وأما ما يقال بأن العرب تقول : زقمني بمعنى أطعمتني الزبد ~~والعسل واللبن ، فذلك للمجانة كقولهم : أرشقني بثوب حسن ، وأرجمني بكيس من ~~ذهب ، وقوله : { من شجر } لابتداء الغاية أي تناولكم منه ، وقوله : { ~~فمالئون منها } زيادة في بيان العذاب أي لا يكتفى منكم بنفس كما الأكل ~~يكتفي من يأكل الشيء ms8860 لتحلة القسم ، بل يلزمون بأن تملأوا منها البطون ~~والهاء عائدة إلى الشجرة ، والبطون يحتمل أن يكون المراد منه مقابلة الجمع ~~بالجمع أي يملأ كل واحد منكم بطنه / ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد منكم ~~يملأ البطون ، والبطون حينئذ تكون بطون الأمعاء ، لتخيل وصف المعي في باطن ~~الإنسان له / كيأكل في سبعة أمعاء ، فيملأون بطون الأمعاء وغيرها ، والأول ~~أظهر ، والثاني أدخل في التعذيب والوعيد ، قوله : { فشاربون عليه } أي عقيب ~~الأكل تجر مرارته وحرارته إلى شرب الماء فيشربون على ذلك المأكول وعلى ذلك ~~الزقوم من الماء الحار ، وقد تقدم بيان الحميم ، وقوله : { فشاربون شرب ~~الهيم } بيان أيضا لزيادة العذاب أي لا يكون أمركم أمر من شرب ماءا حارا ~~منتنا فيمسك عنه بل يلزمكم أن تشربوا منه مثل ما تشرب الهيم وهي الجمال ~~التي أصابها العطش فتشرب ولا تروى ، وهذا البيان في الشرب لزيادة العذاب ، ~~وقوله : { فمالئون منها } في الأكل ، فإن قيل : الأهيم إذا شرب الماء ~~الكثير يضره ولكن في الحال يلتذ به ، فهل لأهل الجحيم من شرب الحميم الحار ~~في النار لذة ؟ قلنا : لا ، وإنما ذلك لبيان زيادة العذاب ، ووجهه أن يقال ~~: يلزمون بشرب الحميم ولا يكتفي منهم بذلك الشرب بل يلزمون أن يشربوا كما ~~يشرب الجمل الأهيم الذي به الهيام ، أو هم إذا شربوا تزداد حرارة الزقوم في ~~جوفهم فيظنون أنه من الزقوم لا من الحميم فيشربون منه شيئا كثيرا بناء على ~~وهم الري ، والقول في الهيم كالقول في البيض ، أصله هوم ، وهذا من هام يهيم ~~كأنه من العطش يهيم ، والهيام ذلك الداء الذي يجعله كالهائم من العطش . ~~PageV29P152 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { هاذا نزلهم يوم الدين } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 56 ) هذا نزلهم يوم . . . . . # > > يعني ليس هذا كل العذاب بل هذا أول ما يلقونه وهو بعض منه وأقطع ~~لأمعائهم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { نحن خلقناكم فلولا تصدقون * أفرءيتم ما تمنون * أءنتم تخلقونه أم ~~نحن الخالقون } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 57 ) نحن خلقناكم فلولا . . . . . # > > دليلا على كذبهم وصدق الرسل في الحشر لأن قوله ms8861 : { ءأنتم * تخلقونه } ~~إلزام على الإقرار بأن الخالق في الابتداء هو الله تعالى ، ولما كان قادرا ~~على الخلق أولا كان قادرا على الخلق ثانيا ، ولا مجال للنظر في ذاته وصفاته ~~تعالى وتقدس ، وإن لم يعترفوا به ، بل يشكون ويقولن : الخلق الأول من مني ~~بحسب الطبيعة ، فنقول : المنى من الأمور الممكنة ولا وجود للممكن بذاته بل ~~بالغير على ما عرف ، فيكون المنى من القادر القاهر ، وكذلك خلق الطبيعة ~~وغيرها من الحادثات أيضا ، فقال لهم : هل تشكون في أن الله خلقكم أولا أم ~~لا ؟ فإن قالوا : لا نشك في أنه خالقا ، فيقال : فهل تصدقون أيضا بخلقكم ~~ثانيا ؟ فإن من خلقكم أولا من لا شيء لا يعجز أن يخلقكم ثانيا من أجزاء هي ~~عنده معلومة ، وإن كنتم تشكون وتقولون : الخلق لا يكون إلا من منى وبعد ~~الموت لا والده ولا مني ، فيقال لهم : هذا المنى أنتم تخلقونه أم الله ، ~~فإن كنتم تعترفون بالله وبقدرته وإرادته وعمله ، فذلك / يلزمكم القول بجواز ~~الحشر وصحته ، و ( لولا ) كلمة مركبة من كلمتين معناها التحضيض والحث ~~والأصل فيه : لم لا ، فإذا قلت : لم لا أكلت ولم ما أكلت ، جاز الاستفهامان ~~، فإن معناه لا علة لعدم الأكل ولا يمكنك أن تذكر علة له ، كما تقول : لم ~~فعلت ؟ موبخا ، يكون معناه فعلت أمرا لا سبب له ولا يمكنك ذكر سبب له ثم ~~إنهم تركوا حرف الاستفهام عن العلة وأتوا بحرف الاستفهام عن الحكم ، فقالوا ~~: هلا فعلت ؟ كما يقولون في موضع : لم فعلت هذا وأنت تعلم فساده ، أتفعل ~~هذا وأنت عاقل ؟ وفيه زيادة حث لأن قول القائل : لم فعلت حقيقته سؤال عن ~~العلة ، ومعناه أن علته غير معلومة وغير ظاهرة ، فلا يجوز ظهور وجوده ، ~~وقوله : أفعلت ، سؤال عن حقيقته ، ومعناه أنه في جنسه غير ممكن ، والسائل ~~عن العلة كأنه سلم الوجود وجعله معلوما وسأل عن العلة كما يقول القائل : ~~زيد جاء فلم جاء ، والسائل عن الوجود لم يسلمه ، وقول القائل : لم فعلت ~~وأنت تعلم ما فيه دون قوله : أفعلت وأنت تعلم ما ms8862 فيه ، لأن في الأول جعله ~~كالمصيب في فعله لعلة خفية تطلب منه ، وفي الثاني جعله مخطئا في أول الأمر ~~، وإذا علم ما بين لم فعلت ، وأفعلت ، علم ما بين لم تفعل وهلا تفعل ، وأما ~~( لولا ) فنقول : هي كلمة شرط في الأصل والجملة الشرطية غير مجزومة بها كما ~~أن جملة الاستفهام غير مجزوم به لكن لولا تدل على الاعتساف وتزيد نفي النظر ~~والتواني ، فيقول : لولا تصدقون ، بدل قوله : لم لا ، وهلا ، لأنه أدل على ~~نفي ما دخلت عليه وهو عدم التصديق وفيه لطيفة : وهي أن لولا تدخل على فعل ~~ماض على مستقبل قال تعالى : { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } ( التوبة ~~: 122 ) فما وجه اختصاص المستقبل ههنا بالذكر وهلا قال : فلولا صدقتم ؟ ~~نقول : هذا كلام معهم في الدنيا والإسلام فيها مقبول ويجب ما قبله فقال : ~~لم لا تصدقون في ساعتكم ، والدلائل واضحة مستمر والفائدة حاصلة ، فأما في ~~قوله : { فلولا نفر } لم تكن الفائدة تحصل إلا بعد مدة فقال : لو سافرتم ~~PageV29P153 لحصل لكم الفائدة في الحال وقد فات ذلك ، فإن كنتم لا تسافرون ~~في الحال تفوتكم الفائدة أيضا في الاستقبال ، ثم قال تعالى : { أفرءيتم ما ~~تمنون } من تقرير قوله تعالى : { نحن خلقناكم } وذلك لأنه تعالى لما قال : ~~{ نحن خلقناكم } قال الطبيعيون : نحن موجودون من نطف الخلق بجواهر كامنة ~~وقبل كل واحد نطفة واحد فقال تعالى ردا عليهم : هل رأيتم هذا المنى وأنه ~~جسم ضعيف متشابه الصورة لا بد له من مكون ، فأنتم خلقتم النطفة أم غيركم ~~خلقها ، ولا بد من الاعتراف بخالق غير مخلوق قطعا للتسلسل الباطل وإلى ربنا ~~المنتهى ، ولا يرتاب فيه أحد من أول ما خلق الله النطفة وصورها وأحياها ~~ونورها فلم لا تصدقون أنه واحد أحد صمد قادر على الأشياء ، فإنه يعيدكم كما ~~أنشأكم في الابتداء ، والاستفهام يفيد زيادة تقرير وقد علمت ذلك مرارا . # [ بم قال تعالى : # ! 7 < { نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم فى ما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الا ms8863 ولى فلولا تذكرون } . > 7 ~~! # / فيما لا تعلمون ، ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } < < # | الواقعة : ( 60 ) نحن قدرنا بينكم . . . . . # > > وفيه مسائل . # المسألة الأولى : في الترتيب فيه وجهان أحدهما : أنه تقرير لما سبق وهو ~~كقوله تعالى : { * } وفيه مسائل . # المسألة الأولى : في الترتيب فيه وجهان أحدهما : أنه تقرير لما سبق وهو ~~كقوله تعالى : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) فقال : { نحن ~~خلقناكم } ( الواقعة : 57 ) ثم قال : { نحن قدرنا بينكم الموت } فمن قدر ~~على الإحياء والإماتة وهما ضدان ثبت كونه مختارا فيمكن الإحياء ثانيا منه ~~بعد الإماتة بخلاف ما لو كان الإحياء منه ولم يكن له قدرة على الإماتة فيظن ~~به أنه موجب لا مختار ، والموجب لا يقدر على كل شيء ممكن فقال : نحن ~~خلقناكم وقدرنا الموت بينكم فانظروا فيه واعلموا أنا قادرون أن ننشئكم ، ~~ثانيهما : أنه جواب عن قول مبطل يقول : إن لم تكن الحياة والموت بأمور ~~طبيعية في الأجسام من حرارات ورطوبات إذا توفرت بقيت حية ، وإذا نقصت وفنيت ~~ماتت لم يقع الموت وكيف يليق بالحكيم أن يخلق شيئا يتقن خلقه ويحسن صورته ~~ثم يفسده ويعدمه ثم يعيده وينشئه ، فقال تعالى : نحن قدرنا الموت ، ولا يرد ~~قولكم : لماذا أعدم ولماذا أنشأ ، ولماذا هدم ، لأن كمال القدرة يقتضي ذلك ~~وإنما يقبح من الصائغ والباني صياغة شيء وبناؤه وكسره وإنشاؤه لأنه يحتاج ~~إلى صرف زمان إليه وتحمل مشقة وما مثله إلا مثل إنسان ينظر إلى شيء فيقطع ~~نظره عنه طرفة عين ، ثم يعاوده ولا يقال له : لم قطعت النظر ولم نظرت إليه ~~، ولله المثل الأعلى من هذا ، لأن هنا لا بد من حركة وزمان ولو توارد على ~~الإنسان أمثاله لتعب لكن في المرة الواحدة لا يثبت التعب والله تعالى منزه ~~عن التعب ولا افتقار لفعله إلى زمان ولا زمان لفعله ولا إلى حركة بجرم ، ~~وفيه وجه آخر ألطف منها ، وهو أن قوله تعالى : { أفرءيتم ما تمنون } ( ~~الواقعة : 58 ) معناه أفرأيتم ذلك ميتا لا حياة فيه وهو منى ، ولو تفكرتم ~~فيه لعلمتم أنه كان قبل ms8864 ذلك حيا متصلا بحي وكان أجزاء مدركة متألمة متلذذة ~~ثم إذا أمنيتموه لا تستريبون في كونه ميتا كالجمادات ، ثم إن الله تعالى ~~يخلقه آدميا ويجعله بشرا سويا فالنطفة كانت قبل الانفصال حية ، ثم صارت ~~ميتة ثم أحياها الله تعالى مرة أخرى فاعلموا أنما إذا خلقناكم أولا ثم ~~قدرنا بينكم الموت ثانيا ثم ننشئكم مرة أخرى فلا تستبعدوا ذلك كما في النطف ~~. PageV29P154 # المسألة الثانية : ما الفرق بين هذا الموضع وبين أول سورة تبارك حيث قال ~~هناك : { خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) بتقديم ذكر الموت ؟ نقول : ~~الكلام هنا على الترتيب الأصلي كما قال تعالى في مواضع منها قوله تعالى : { ~~ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون : 12 ) ثم قال بعد ذلك : ~~{ ثم إنكم بعد ذالك لميتون } ( المؤمنون : 15 ) وأما في سورة الملك فنذكر ~~إن شاء الله تعالى فائدتها ومرجعها إلى ما ذكرنا أنه قال : خلق الموت في ~~النطف بعد كونها حية عند الاتصال ثم خلق الحياة فيها بعد الموت وهو دليل ~~الحشر ، وقيل : المراد من الموت هنا الموت الذي بعد الحياة ، والمراد هناك ~~الذي قبل الحياة . # / المسألة الثالثة : قال ههنا : { نحن قدرنا } وقال في سورة الملك : { ~~خلق الموت والحيواة } فذكر الموت والحياة بلفظ الخلق ، وههنا قال : { ~~خلقناكم } وقال : { قدرنا بينكم الموت } فنقول : كان المراد هناك بيان كون ~~الموت والحياة مخلوقين مطلقا لا في الناس على الخصوص ، وهنا لما قال : { ~~خلقناكم } ( الواقعة : 57 ) خصصهم بالذكر فصار كأنه قال : خلقنا حياتكم ، ~~فلو قال : نحن قدرنا موتكم ، كان ينبغي أنه يوجد موتهم في الحال ولم يكن ~~كذلك ، ولهذا قال : { قدرنا بينكم } وأما هناك فالموت والحياة كانا مخلوقين ~~في محلين ولم يكن ذلك بالنسبة إلى بعض مخصوص . # المسألة الرابعة : هل في قوله تعالى : { بينكم } بدلا عن غيره من الألفاظ ~~فائدة ؟ نقول : نعم فائدة جليلة ، وهي تبين بالنظر إلى الألفاظ التي تقوم ~~مقامها فنقول : قدرنا لكم الموت ، وقدرنا فيكم الموت ، فقوله : قدرنا فيكم ~~يفيد معنى الخلق لأن تقدير الشيء في الشيء يستدعي كونه ظرفا له إما ms8865 ظرف ~~حصول فيه أو ظرف حلول فيه كما يقال : البياض في الجسم والكحل في العين ، ~~فلو قال : قدرنا فيكم الموت لكان مخلوقا فينا وليس كذلك ، وإن قلنا : قدرنا ~~لكم الموت كان ذلك ينبىء عن تأخره عن الناس فإن القائل إذا قال : هذا معد ~~لك كان معناه أنه اليوم لغيرك وغدا لك ، كما قال تعالى : { وتلك الايام ~~نداولها بين الناس } ( آل عمران : 140 ) . # المسألة الخامسة : قوله : { وما نحن بمسبوقين } المشهور أن المراد منه : ~~وما نحن بمغلوبين عاجزين عن خلق أمثالكم وإعادتكم بعد تفرق أوصالكم ، يقال ~~: فاته الشيء إذا غلبه ولم يقدر عليه ومثله سبقه وعلى هذا نعيد ما ذكرناه ~~من الترتيب ، ونقول : إذا كان قوله : { نحن قدرنا بينكم } لبيان أنه خلق ~~الحياة وقدر الموت ، وهما ضدان وخالق الضدين يكون قادرا مختارا فقال : { ~~وما نحن بمسبوقين } عاجزين عن الشيء بخلاف الموجب الذي لا يمكنه من إيقاع ~~كل واحد من الضدين فيسبقه ويفوته ، فإن النار لا يمكنها التبريد لأن ~~طبيعتها موجبة للتسخين ، وأما إن قلنا بأنه ذكره ردا عليهم حيث قالوا : لو ~~لم يكن الموت من فناء الرطوبات الأصلية وانطفاء الحرارة الغريزية وكان بخلق ~~حكيم مختار ما كان يجوز وقوعه لأن الحكيم كيف يبني ويهدم ويوجد ويعدم فقال ~~: { وما نحن بمسبوقين } أي عاجزين بوجه من الوجوه التي يستبعدونها من ~~البناء والصائغ فإنه يفتقر في الإيجاد إلى زمان ومكان وتمكين من المفعول ~~وإمكان ويلحقه تعب من تحريك وإسكان والله تعالى يخلق بكن فيكون ، فهو فوق ~~ما ذكرنا من المثل من قطع النظر وإعادته في أسرع حين حيث لا يصح من القائل ~~أن يقول : لم قطعت النظر في ذلك الزمان اللطيف الذي لا يدرك ولا يحس بل ~~ربما يكون مدعى القدرة التامة على الشيء في الزمان اليسير بالحركة السريعة ~~يأتي بشيء ثم يبطله ثم يأتي بمثله ثم يبطله يدلك عليه فعل أصحاب خفة اليد ، ~~حيث يوهم أنه يفعل شيئا ثم يبطله ، ثم يأتي بمثله إراءة من نفسه القدرة ، ~~وعلى هذا PageV29P155 فنقول قوله في سورة تبارك ms8866 : { خلق الموت والحيواة ~~ليبلوكم } ( الملك : 2 ) معناه أمات وأحيا لتعلموا أنه فاعل مختار ، ~~فتعبدونه وتعتقدون الثواب والعقاب فيحسن عملكم ولو اعتقدتموه / موجبا لما ~~عملتم شيئا على هذا التفسير المشهور ، والظاهر أن المراد من قوله : { وما ~~نحن بمسبوقين } حقيقته وهي أنا ما سبقنا وهو يحتمل شيئين أحدهما : أن يكون ~~معناه أنه هو الأول لم يكن قبله شيء وثانيهما : في خلق الناس وتقدير الموت ~~فيهم ما سبق وهو على طريقة منع آخر وفيه فائدتان أما إذا قلنا : { وما نحن ~~بمسبوقين } معناه ما سبقنا شيء فهو إشارة إلى أنكم من أي وجه تسلكون طريق ~~النظر تنتهون إلى الله وتقفون عنده ولا تجاوزونه / فإنكم إن كنتم تقولون : ~~قبل النطفة أب وقبل الأب نطفة فالعقل يحكم بانتهاء النطف والآباء إلى خالق ~~غير مخلوق ، وأنا ذلك فإني لست بمسبوق وليس هناك خالق ولا سابق غيري ، وهذا ~~يكون على طريقة التدرج والنزول من مقام إلى مقام ، والعاقل الذي هداه الله ~~تعالى الهداية القوية يعرف أولا والذي دونه يعرف بعد ذلك برتبة ، والمعاند ~~لا بد من أن يعرف إن عاد إلى عقله بعد المراتب ، ويقول : لا بد للكل من إله ~~، وهو ليس بمسبوق فيما فعله ، فمعناه أنه فعل ما فعل ، ولم يكن لمفعوله ~~مثال ، وأما إن قلنا : إنه ليس بمسبوق ، وأي حاجة في إعادته له بمثال هو ~~أهون فيكون كقوله تعالى : { وهو أهون * عليه } ( الروم : 27 ) ويؤيده قوله ~~تعالى : { على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فى * مالا * تعلمون } فإن قيل : هذا ~~لا يصح ، لأن مثل هذا ورد في سؤال سائل ، والمراد ما ذكرنا كأنه قال : وإنا ~~لقادرون على أن نبدل أمثالكم وما نحن بمسبوقين ، أي لسنا بعاجزين مغلوبين ~~فهذا دليلنا ، وذلك لأن قوله تعالى : { إنا لقادرون } أفاد فائدة انتفاء ~~العجز عنه ، فلا بد من أن يكون لقوله تعالى : { وما نحن بمسبوقين } فائدة ~~ظاهرة ، ثم قال تعالى : { على أن نبدل أمثالكم } في الوجه المشهور ، قوله ~~تعالى : { على أن نبدل } يتعلق بقوله : { وما نحن بمسبوقين } أي على ~~التبديل ، ومعناه وما نحن ms8867 عاجزين عن التبديل . # والتحقيق في هذا الوجه أن من سبقه الشيء كأنه غلبه فعجز عنه ، وكلمة على ~~في هذا الوجه مأخوذة من استعمال لفظ المسابقة فإنه يكون على شيء ، فإن من ~~سبق غيره على أمر فهو الغالب ، وعلى الوجه الآخر يتعلق بقوله تعالى : { نحن ~~قدرنا } وتقديره : نحن قدرنا بينكم على وجه التبديل لا على وجه قطع النسل ~~من أول الأمر ، كما يقول القائل : خرج فلان على أن يرجع عاجلا ، أي على هذا ~~الوجه خرج ، وتعلق كلمة على هذا الوجه أظهر ، فإن قيل : على ما ذهب إليه ~~المفسرون لا إشكال في تبديل أمثالكم ، أي أشكالكم وأوصافكم ، ويكون الأمثال ~~جمع مثل ، ويكون معناه وما نحن بعاجزين على أن نمسخكم ، ونجعلكم في صورة ~~قردة وخنازير ، فيكون كقوله تعالى : { ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم } ( ~~يس : 67 ) وعلى ما قلت في تفسير المسبوقين ، وجعلت المتعلق لقوله : { على ~~أن نبدل أمثالكم } هو قوله : { نحن قدرنا } فيكون قوله : { نبدل أمثالكم } ~~معناه على أن نبدل أمثالهم لا على عملهم ، نقول : هذا إيراد وارد على ~~المفسرين بأسرهم إذا فسروا الأمثال بجمع المثل ، وهو الظاهر كما في قوله ~~تعالى : { ثم لا يكونوا أمثالكم } ( محمد : 38 ) وقوله : { وإذا شئنا بدلنا ~~أمثالهم تبديلا } ( الإنسان : 28 ) فإن قوله : { إذا } دليل الوقوع ، وتغير ~~أوصافهم بالمسخ ليس أمرا يقع والجواب أن يقال : الأمثال / إما أن يكون جمع ~~مثل ، وإما جمع مثل ، فإن كان جمع مثل فنقول معناه قدرنا بينكم الموت على ~~هذا الوجه ، وهو أن نغير أوصافكم فتكونوا أطفالا ، ثم شبانا ، ثم كهولا ، ~~ثم شيوخا ، ثم يدرككم الأجل ، وما قدرنا بينكم الموت على أن نهلككم دفعة ~~واحدة إلا إذا جاء وقت ذلك فتهلكون بنفخة واحدة وإن قلنا : هو جمع مثل ~~فنقول معنى : { نبدل أمثالكم } نجعل أمثالكم بدلا وبدله بمعنى جعله بدلا ، ~~ولم يحسن أن يقال : PageV29P156 بدلناكم على هذا الوجه ، لأنه يفيد أنا ~~جعلنا بدلا فلا يدل على وقوع الفناه عليهم ، غاية ما في الباب أن قول ~~القائل : جعلت كذا بدلا لا تتم فائدته إلا إذا ms8868 قال : جعلته بدلا عن كذا ~~لكنه تعالى لما قال : { نبدل أمثالكم } فالمثل يدل على المثل / فكأنه قال : ~~جعلنا أمثالكم بدلا لكم ، ومعناه على ما ذكرنا أنه لم نقدر الموت على أن ~~نفني الخلق دفعة بل قدرناه على أن نجعل مثلهم بدلهم مدة طويلة ثم نهلكهم ~~جميعا ثم ننشئهم ، وقوله تعالى : { فيما * لا تعلمون } على الوجه المشهور ~~في التفسير أنه فيما لا تعلمون من الأوصاف والأخلاق ، والظاهر أن المراد : ~~{ فيما * لا تعلمون } من الأوصاف والزمان ، فإن أحدا لا يدري أنه متى يموت ~~ومتى ينشأ أو كأنهم قالوا : ومتى الساعة والإنشاء ؟ فقال : لا علم لكم بهما ~~، هذا إذا قلنا : إن المراد ما ذكر فيه على الوجه المشهور وفيه لطيفة : وهي ~~أن قوله : { فيما * لا تعلمون } تقرير لقوله : { تخلقونه أم نحن الخالقون ~~نحن } ( الواقعة : 59 ) وكأنه قال : كيف يمكن أن تقولوا هذا وأنتم تنشأون ~~في بطون أمهاتكم على أوصاف لا تعلمون وكيف يكون خالق الشيء غير عالم به ؟ ~~وهو كقوله تعالى : { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الارض وإذ أنتم أجنة فى بطون ~~أمهاتكم } ( النجم : 32 ) وعلى ما ذكرنا فيه فائدة وهي التحريض على العمل ~~الصالح ، لأن التبديل والإنشاء وهو الموت والحشر إذا كان واقعا في زمان لا ~~يعلمه أحد فينبغي أن لا يتكل الإنسان على طول المدة ولا يغفل عن إعداد ~~العدة ، وقال تعالى : { ولقد علمتم النشأة الاولى } تقريرا لإمكان النشأة ~~الثانية . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أفرءيتم ما تحرثون * أءنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } . > 7 @QB@ ~~< # | الواقعة : ( 63 - 64 ) أفرأيتم ما تحرثون # > > # ذكر بعد دليل الخلق دليل الرزق فقوله : { أفرءيتم ما تمنون } إشارة إلى ~~دليل الخلق وبه الابتداء ، وقوله : { أفرءيتم ما تحرثون } إشارة إلى دليل ~~الرزق وبه البقاء ، وذكر أمورا ثلاثة المأكول ، والمشروب ، وما به إصلاح ~~المأكول ، ورتبه ترتيبا فذكر المأكول أولا لأنه هو الغذاء ، ثم المشروب لأن ~~به الاستمراء ، ثم النار للتي بها الإصلاح وذكر من كل نوع ما هو الأصل ، ~~فذكر من المأكول الحب فإنه هو الأصل ، ومن المشروب الماء ms8869 لأنه هو الأصل ، ~~وذكر من المصلحات النار لأن بها إصلاح أكثر الأغذية وأعمها ، ودخل في كل ~~واحد منها ما هو دونه ، هذا هو الترتيب ، وأما التفسير فنقول : الفرق بين ~~الحرث والزرع هو أن الحرث أوائل الزرع ومقدماته / من كراب الأرض ، وإلقاء ~~البذر ، وسقي المبذور ، والزرع هو آخر الحرث من خروج النبات واستغلاظه ~~واستوائه على الساق ، فقوله : { أفرءيتم ما تحرثون } أي ما تبتدئون منه من ~~الأعمال أأنتم تبلغونها المقصود أم الله ؟ ولا يشك أحد في أن إيجاد الحب في ~~السنبلة ليس بفعل الناس ، وليس بفعلهم إن كان سوى إلقاء البذر والسقي ، فإن ~~قيل : هذا يدل على أن الله هو الزارع ، فكيف قال تعالى : { يعجب الزراع } ( ~~الفتح : 29 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الزرع للزارع ) قلنا قد ~~ثبت من التفسير أن الحرث متصل بالزرع ، فالحرث أوائل الزرع ، والزرع أواخر ~~الحرث ، فيجوز إطلاق أحدهما على الآخر ، لكن قوله : { يعجب الزراع } بدلا ~~عن قوله : يعجب الحراث ، يدل على أن الحارث إذا كان هو المبتدي ، فربما ~~يتعجب بما يترتب على فعله من خروج النبات والزارع لما كان هو المنتهى ، ولا ~~يعجبه إلا شيء عظيم ، فقال : { يعجب الزراع } الذين تعودوا أخذ الحراث ، ~~فما ظنك بإعجابه الحراث ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( الزرع للزارع ) فيه ~~فائدة ، لأنه لو قال : للحارث فمن ابتدأ بعمل الزرع وأتى بكراب الأرض ~~وتسويتها يصير حارثا ، وذلك قبل إلقاء البذرة لزرع لمن أتى بالأمر المتأخر ~~وهو إلقاء البذر ، أي من له البذر على مذهب أبي حنيفة PageV29P157 رحمة ~~الله تعالى عليه وهذا أظهر ، لأنه بمجرد الإلقاء في الأرض يجعل الزرع ~~للملقى سواء كان مالكا أو غاصبا . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون * إنا لمغرمون * بل نحن ~~محرومون } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 65 ) لو نشاء لجعلناه . . . . . # > > وهو تدريج في الإثبات ، وبيانه هو أنه لما قال : { تزرعونه أم نحن ~~الزرعون لو } ( الواقعة : 64 ) لم يبعد من معاند أن يقول : نحن نحرث وهو ~~بنفسه يصير زرعا ، لا بفعلنا ولا بفعل غيرنا ، فقال تعالى ms8870 : ولو سلم لكم ~~هذا الباطل هذا الباطل ، فما تقولون في سلامته عن الآفات التي تصيبه ، ~~فيفسد قبل اشتداد الحب وقبل انعقاده ، أو قبل اشتداد الحب وقبل ظهور الحب ~~فيه ، فهل تحفظونه منها أو تدفعونها عنه ، أو هذا الزرع بنفسه يدفع عن نفسه ~~تلك الآفات ، كما تقولون : إنه بنفسه ينبت ، ولا يشك أحد أن دفع الآفات ~~بإذن الله تعالى ، وحفظه عنها بفضل الله ، وعلى هذا أعاده ليذكر أمورا ~~مرتبة بعضها على بعض فيكون الأمر الأول : للمهتدين والثاني : للظالمين ~~والثالث : للمعاندين الضالين فيذكر الأمر الذي لا شك فيه في آخر الأمر ~~إقامة للحجة على الضال المعاند . # وفيه سؤال وهو أنه تعالى ههنا قال : { لجعلناه } بلام الجواب وقال في ~~الماء : { جعلناه أجاجا } ( الواقعة : 7 ) من غير لام فما الفرق بينهما ؟ ~~نقول : ذكر الزمخشري عنه جوابين أحدهما : قوله تعالى : { لو نشاء لجعلناه ~~حطاما } كان قريب الذكر فاستغنى بذكر اللام فيه عن ذكرها ثانيا ، وهذا ضعيف ~~لأن / وقوله تعالى : { لو نشاء * لطمسنا على أعينهم } ( يس : 66 ) مع قوله ~~: { لو نشاء * لمسخناهم } ( يس : 67 ) أقرب من قوله : { لجعلناه حطاما } و ~~{ جعلناه أجاجا } ( الواقعة : 30 ) اللهم إلا أن نقول : هناك أحدهما قريب ~~من الآخر ذكرا لا معنى لأن الطمس لا يلزمه المسخ ولا بالعكس والمأكول معه ~~المشروب في الدهر ، فالأمران تقاربا لفظا ومعنى والجواب الثاني : أن اللام ~~يفيد نوع تأكيد فذكر اللام في المأكول ليعلم أن أمر المأكول أهم من أمر ~~المشروب وأن نعمته أعظم وما ذكرنا أيضا وارد عليه لأن أمر الطمس أهون من ~~أمر المسخ وأدخل فيهما اللام ، وههنا جواب آخر يبين بتقديم بحث عن فائدة ~~اللام في جواب لو ، فنقول : حرف الشرط آذا دخل على الجملة يخرجها عن كونها ~~جملة في المعنى فاحتاجوا إلى علامة تدل على المعنى ، فأتوا بالجزم في ~~المستقبل لأن الشرط يقتضي جزاء ، وفيه تطويل فالجزم الذي هو سكون أليق ~~بالموضع وبينه وبين المعنى أيضا مناسبة لكن كلمة لو مختصة بالدخول على ~~الماضي معنى فإنها إذا دخلت على المستقبل جعلته ماضيا ms8871 ، والتحقيق فيه أن ~~الجملة الشرطية لا تخرج عن أقسام فإنها إذا ذكرت لا بد من أن يكون الشرط ~~معلوم الوقوع لأن الشرط إن كان معلوم الوقوع فالجزاء لازم الوقوع فجعل ~~الكلام جملة شرطية عدول عن جملة إسنادية إلى جملة تعليقية وهو تطويل من غير ~~فائدة فقول القائل : آتيك إن طلعت الشمس تطويل والأولى أن يقول : آتيك جزما ~~من غير شرط فإذا علم هذا فحال الشرط لا يخلو من أن يكون معلوم العدم أو ~~مشكوكا فيه فالشرط إذا وقع على قسمين فلا بد لهما من لفظين وهما إن ولو ، ~~واختصت إن بالشكوك ، ولو بمعلوم لأمر بيناه في موضع آخر لكن ما علم عدم ~~يكون الآخر فقد أثبت منه فهو ماض أو في حكمه لأن العلم بالأمور يكون بعد ~~وقوعها وما يشك فيه فهو مستقبل أو في معناه لأننا نشك في الأمور المستقبلة ~~أنها تكون أولا تكون والماضي خرج عن التردد ، PageV29P158 وإذا ثبت هذا ، ~~فنقول : لما دخل لو على الماضي وما اختلف آخر بالعامل لم يتبين فيه إعراب ، ~~وإن لما دخل على المستقبل بان فيه الإعراب ، ثم إن الجزاء على حسب الشرط ~~وكان الجزاء في باب لو ماضيا فلم يتبين فيه الحال ولا سكون / فيضاف له حرف ~~يدل على خروجه عن كونه جملة ودخوله في كونه جزء جملة ، إذا ثبت هذا فنقول : ~~عندما يكون الجزاء ظاهرا يستغني عن الحرف الصارف ، لكن كون الماء المذكور ~~في الآية ، وهو الماء المشروب المنزل من المزن أجاجا ليس أمرا واقعا يظن ~~أنه خبر مستقل ، ويقويه أنه تعالى يقول : { جعلناه أجاجا } على طريقة ~~الإخبار والحرث والزرع كثيرا ما وقع كونه حطاما فلو قال : جعلناه حطاما ، ~~كان يتوهم منه الإخبار فقال هناك : { لو نشاء لجعلناه } ليخرجه عما هو صالح ~~له في الواقع ، وهو الحطامية وقال الماء المنزل المشروب من المزن جعلناه ~~أجاجا لأنه لا يتوهم ذلك فاستغنى عن اللام ، وفيه لطيفة : أخرى نحوية ، وهي ~~أن في القرآن إسقاط اللام عن جزاء لو حيث كانت لو داخلة على مستقبل ms8872 لفظا ، ~~وأما إذا كان ما دخل عليه لو ماضيا ، وكان الجزاء موجبا فلا كما في قوله ~~تعالى : { ولو شئنا لاتينا } ( السجدة : 13 ) { لو هدانا الله لهديناكم } ( ~~إبراهيم : 21 ) وذلك لأن لو إذا دخلت على فعل مستقل كما في / قوله : { لو ~~نشاء } فقد أخرجت عن حيزها لفظا ، لأن لو للماضي فإذا خرج الشرط عن حيزه ~~جاز في الجزاء الإخراج عن حيزه لفظا وإسقاط اللام عنه ، لأن إن كان حيزها ~~المستقبل وتدخل على المستقبل ، فإذا جعل ما دخل إن عليه ماضيا كقولك : إن ~~جئتني ، جاز في الخبر الإخراج عن حيزه وترك الجزم فنقول : أكرمك بالرفع ، ~~وأكرمك بالجزم ، كما تقول في : { لو نشاء لجعلناه } وفي : { لو نشاء جعلناه ~~} ( الواقعة : 70 ) وما ذكرناه من الجواب في قوله : { أنطعم من لو يشاء ~~الله أطعمه } ( يس : 47 ) إذا نظرت إليه تجده مستقيما ، وحيث لم يقل : لو ~~شاء الله أطعمه ، علم أن الآخر جزاء ولم يبق فيه توهم ، لأنه إما أن يكون ~~عند المتكلم ، وذلك غير جائز لأن المتكلم عالم بحقيقة كلامه ، وإما أن يكون ~~عندهم وذلك غير جائز ههنا ، لأن قولهم : لو شاء الله أطعمه رد على المؤمنين ~~في زعمهم يعني أنتم تقولون : إن الله لو شاء فعل فلا نطعم من لو شاء الله ~~أطعمه على زعمكم ، فلما كان أطعمه جزاءا معلوما عند السامع والمتكلم استغنى ~~عن اللام ، والحطام كالفتات والجذاذ وهو من الحطم كما أن الفتات والجذاذ من ~~الفت والجذ والفعال في أكثر الأمر يدل على مكروه أو منكر ، أما في المعاني ~~: فكالسبات والفواق والزكام والدوار والصداع لأمراض وآفات في الناس والنبات ~~. وأما في الأعيان : فكالجذاذ والحطام والفتات وكذا إذا لحقته الهاء ~~كالبرادة والسحالة ، وفيه زيادة بيان وهو أن ضم الفاء من الكلمة يدل على ما ~~ذكرنا في الأفعال فإنا نقول : فعل لما لم يسم فاعله وكان السبب أن أوائل ~~الكلم لما لم يكن فيه التخفيف المطلق وهو السكون لم يثبت التثقيل المطلق ~~وهو الضم ، فإذا ثبت فهو لعارض ، إن علم كما ذكرنا فلا كلام ms8873 وإن لم يعلم ~~كما في برد وقفل فالأمر خفي يطول ذكره والوضع يدل عليه في الثلاثي . وقوله ~~تعالى : { إنا لمغرمون * بل نحن محرومون } وفيه وجهان : أما على الوجه ~~الأول : كأنما هو كلام مقدر عنهم كأنه يقول : وحينئذ يحق أن تقولوا : إنا ~~لمعذبون دائمون في العذاب . وأما على الوجه الثاني : فيقولون : إنا لمعذبون ~~ومحرمون عن إعادة الزرع مرة أخرى ، يقولون : إنا لمعذبون بالجوع بهلاك ~~الزرع ومحرومون عن دفعه بغير الزرع لفوات الماء والوجه الثاني : في الغرم ~~إنا لمكرهون بالغرامة من غرم الرجل وأصل الغرم والغرام لزوم المكروه . ~~PageV29P159 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أفرءيتم المآء الذى تشربون * أءنتم أنزلتموه من المزن أم نحن ~~المنزلون * لو نشآء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 68 ) أفرأيتم الماء الذي . . . . . # > > خصه بالذكر لأنه ألطف وأنظف أو تذكيرا لهم بالإنعام عليهم ، والمزن ~~السحاب الثقيل بالماء لا بغيره من أنواع العذاب يدل على ثقله قلب اللفظ ~~وعلى مدافعة الأمر وهو التزم في بعض اللغات / السحاب الذي مس الأرض وقد ~~تقدم تفسير الأجاج أنه الماء المر من شدة الملوحة ، والظاهر أنه هو الحار ~~من أجيج النار كالحطام من الحطيم ، وقد ذكرناه في قوله تعالى : { هاذا عذب ~~فرات وهاذا ملح أجاج } ( الفرقان : 53 ) ذكر في الماء الطيب صفتين إحداهما ~~عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية ملمسه وهي البرودة واللطافة ، وفي ~~الماء الآخر أيضا صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية ~~لمسه وهي الحرارة ، ثم قال تعالى : { فلولا تشكرون } لم يقل عند ذكر الطعام ~~الشكر وذلك لوجهين أحدهما : أنه لم يذكر في المأكول أكلهم ، فلما لم يقل : ~~تأكلون لم يقل : تشكرون وقال في الماء : { تشربون } فقال : { تشكرون } ~~والثاني : أن في المأكول قال : { تحرثون } ( الواقعة : 63 ) فأثبت لهم سعيا ~~فلم يقل : تشكرون وقال في الماء : { أنزلتموه من المزن أم } لا عمل لكم فيه ~~أصلا فهو محض النعمة فقال : { فلولا تشكرون } وفيه وجه ثالث : وهو الأحسن ~~أن يقال : النعمة لا تتم إلا عند الأكل والشرب ألا ترى أن في البراري ms8874 التي ~~لا يوجد فيها الماء لا يأكل الإنسان شيئا مخافة العطش ، فلما ذكر المأكول ~~أولا وأتمه بذكر المشروب ثانيا قال : { فلولا تشكرون } على هذه النعمة ~~التامة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أفرءيتم النار التى تورون * أءنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون ~~} . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 71 ) أفرأيتم النار التي . . . . . # > > وفي شجرة النار وجوه أحدها : أنها الشجرة التي تورى النار منها ~~بالزند والزندة كالمرخ وثانيها : الشجرة التي تصلح لإيقاد النار كالحطب ~~فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار ، لأن النار لا تتعلق بكل شيء كما ~~تتعلق بالحطب وثالثها : أصول شعلها ووقود شجرتها ولولا كونها ذات شعل لما ~~صلحت لإنضاج الأشياء والباقي ظاهر . # ! 7 < { نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 73 ) نحن جعلناها تذكرة . . . . . # > > في قوله : { تذكرة } وجهان أحدهما : تذكرة لنار القيامة فيجب على ~~العاقل أن يخشى الله تعالى وعذابه إذا رأى النار الموقدة وثانيهما : تذكرة ~~بصحة البعث ، لأن من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع ~~الحرارة الغريزية في بدن الميت وقد ذكرناه في تفسير قوله تعالى : { الذى ~~جعل لكم من الشجر الاخضر نارا } ( يس : 80 ) والمقوى : هو الذي PageV29P160 ~~أوقده فقواه وزاده وفيه لطيفة : وهو أنه تعالى قدم كونها تذكرة على كونها ~~متاعا ليعلم أن الفائدة الأخروية أتم وبالذكر أهم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فسبح باسم ربك العظيم } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 74 ) فسبح باسم ربك . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في وجه تعلقه بما قبله ؟ نقول : لما ذكر الله تعالى حال ~~المكذبين بالحشر والوحدانية ذكر الدليل عليهما بالخلق والرزق ولم يفدهم ~~الإيمان قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : / أن وظيفتك أن تكمل في نفسك وهو ~~علمك بربك وعملك لربك : { فسبح باسم ربك } وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى : { ~~فسبح بحمد ربك * قبل طلوع الشمس } ( طه : 130 ) وفي موضع آخر . # المسألة الثانية : التسبيح التنزيه عما لا يليق به فما فائدة ذكر الاسم ~~ولم يقل : فسبح بربك العظيم ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : هو ~~المشهور وهو أن الاسم مقحم ms8875 ، وعلى هذا الجواب فنقول : فيه فائدة زيادة ~~التعظيم ، لأن من عظم عظيما وبالغ في تعظيمه لم يذكر اسمه إلا وعظمه ، فلا ~~يذكر اسمه في موضع وضيع ولا على وجه الاتفاق كيفما اتفق ، وذلك لأن من يعظم ~~شخصا عند حضوره ربما لا يعظمه عند غيبته فيذكره باسم علمه ، فإن كان بمحضر ~~منه لا يقول ذلك ، فإذا عظم عنده لا يذكره في حضوره وغيبته إلا بأوصاف ~~العظمة ، فإن قيل : فعلى هذا فما فائدة الباء وكيف صار ذلك ، ولم يقل : ~~فسبح اسم ربك العظيم ، أو الرب العظيم ، نقول : قد تقدم مرارا أن الفعل إذا ~~كان تعلقه بالمفعول ظاهرا غاية الظهور لا يتعدى إليه بحرف فلا يقال : ضربت ~~بزيد بمعنى ضربت زيدا ، وإذا كان في غاية الخفاء لا يتعدى إليه إلا بحرف ~~فلا يقال : ذهبت زيدا بمعنى ذهبت بزيد ، وإذا كان بينهما جاز الوجهان فنقول ~~: سبحته وسبحت به وشكرته وشكرت له ، إذا ثبت هذا فنقول : لما علق التسبيح ~~بالاسم وكان الاسم مقحما كان التسبيح في الحقيقة متعلقا بغيره وهو الرب ~~وكان التعلق خفيا من وجه فجاز ادخال الباء ، فإن قيل : إذا جاز الإسقاط ~~والإثبات فما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله تعالى : { سبح اسم ربك الاعلى ~~} ؟ ( الأعلى : 1 ) فنقول : ههنا تقديم الدليل على العظمة أن يقال : الباء ~~في قوله : { باسم } غير زائدة ، وتقريره من وجهين أحدهما : أنه لما ذكر ~~الأمور وقال : نحن أم أنتم ، فاعترف الكل بأن الأمور من الله ، وإذا طولبوا ~~بالوحدانية قالوا : نحن لا نشرك في المعنى وإنما نتخذ أصناما آلهة في الاسم ~~ونسميها آلهة والذي خلقها وخلق السموات هو الله فنحن ننزهه في الحقيقة فقال ~~: { فسبح باسم ربك } وكما أنك أيها العاقل اعترفت بعدم اشتراكهما في ~~الحقيقة اعترف بعدم اشتراكهما في الاسم ، ولا تقل لغيره إله ، فإن الاسم ~~يتبع المعنى والحقيقة ، وعلى هذا فالخطاب لا يكون مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم بل يكون كما يقول الواعظ : يا مسكين أفنيت عمرك وما أصلحت عملك ، ولا ~~يريد أحدا بعينه ، وتقديره يا أيها ms8876 المسكين السامع وثانيهما : أن يكون ~~المراد بذكر ربك ، أي إذا قلت : وتولوا ، فسبح ربك بذكر اسمه بين قومك ~~واشتغل بالتبليغ ، والمعنى اذكره باللسان والقلب وبين وصفه لهم وإن لم ~~يقبلوا فإنك مقبل على شغلك الذي هو التبليغ ، ولو قال : فسبح ربك ، ما أفاد ~~الذكر لهم ، وكان ينبىء عن التسبيح بالقلب ، ولما قال : فسبح باسم ربك ، ~~والاسم هو الذي يذكر لفظا دل على أنه مأمور بالذكر اللساني وليس له أن ~~يقتصر على الذكر القلبي ويحتمل أن يقال : فسبح مبتدئا باسم ربك العظيم فلا ~~تكون الباء زائدة . # المسألة الثالثة : كيف يسبح ربنا ؟ نقول : إما معنى ، فبأن يعتقد فيه أنه ~~واحد منزه عن / الشريك وقادر PageV29P161 بريء عن العجز فلا يعجز عن الحشر ~~وإما لفظا فبأن يقال : سبحان الله وسبحان الله العظيم ، وسبحانه عما يشركون ~~/ أو ما يقوم مقامه من الكلام الدال على تنزيهه عن الشريك والعجز فإنك إذا ~~سبحته واعتقدت أنه واحد منزه عن كل مالا يجوز في حقيقته ، لزم أن لا يكون ~~جسما لأن الجسم فيه أشياء كثيرة وهو واحد حقيقي لا كثرة لذاته ، ولا يكون ~~عرضا ولا في مكان ، وكل مالا يجوز له ينتفي عنه بالتوحيد ولا يكون على شيء ~~، ولا في شيء ، ولا عن شيء ، وإذا قلت : هو قادر ثبت له العلم والإرادة ~~والحياة وغيرها من الصفات وسنذكر ذلك في تفسير سورة الإخلاص إن شاء الله ~~تعالى . # المسألة الرابعة : ما الفرق بين { العظيم } وبين { الاعلى } ، وهل في ذكر ~~{ العظيم } هنا بدل { الاعلى } وذكر { الاعلى } في قوله : { سبح اسم ربك ~~الاعلى } ( الأعلى : 1 ) بدل { العظيم } فائدة ؟ نقول : أما الفرق بين ~~العظيم والأعلى فهو أن العظيم يدل على القرب ، والأعلى يدل على البعد ، ~~بيانه هو أن ما عظم من الأشياء المدركة بالحس قريب من كل ممكن ، لأنه لو ~~بعد عنه لخلا عنه موضعه ، فلو كان فيه أجزاء أخر لكان أعظم مما هو عليه ~~فالعظيم بالنسبة إلى الكل هو الذي يقرب من الكل ، وأما الصغير إذا قرب من ~~جهة فقد بعد عن أخرى ms8877 ، وأما العلي فهو البعيد عن كل شيء لأن ما قرب من شيء ~~من جهة فوق يكون أبعد منه وكان أعلى فالعلي المطلق بالنسبة إلى كل شيء هو ~~الذي في غاية البعد عن كل شيء ، إذا عرفت هذا فالأشياء المدركة تسبح الله ، ~~وإذا علمنا من الله معنى سلبيا فصح أن نقول : هو أعلى من أن يحيط به ~~إدراكنا وإذا علمنا منه وصفا ثبوتيا من علم وقدرة يزيد تعظيمه أكثر مما وصل ~~إليه علمنا ، فنقول : هو أعظم وأعلى من أن يحيط به علمنا ، وقولنا : أعظم ~~معناه عظيم لا عظيم مثله ، ففيه مفهوم سلبي ومفهوم ثبوتي وقوله : أعلى ، ~~معناه هو علي ولا علي مثله ، والعلي إشارة إلى مفهوم سلبي والأعلى مثله ~~بسبب آخر ، فالأعلى مستعمل على حقيقته لفظا ومعنى ، والأعظم مستعمل على ~~حقيقته لفظا ، وفيه معنى سلبي ، وكأن الأصل في العظيم مفهوم ثبوتي لا سلب ~~فيه فالأعلى أحسن استعمالا من الأعظم هذا هو الفرق . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 75 ) فلا أقسم بمواقع . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الترتيب ووجهه هو أن الله تعالى لما أرسل رسوله ~~الهدى ودين الحق آتاه كل ما ينبغي له وطهره عن كل مالا ينبغي له فآتاه ~~الحكمة وهي البراهين القاطعة واستعمالها على وجوهها ، والموعظة الحسنة وهي ~~الأمور المفيدة المرققة للقلوب المنورة للصدور ، والمجادلة التي هي على ~~أحسن الطرق فأتى بها وعجز الكل عن معارضته بشيء ولم يؤمنوا والذي يتلى عليه ~~، كل ذلك ولا يؤمن لا يبقى له غير أنه يقول : هذا البيان ليس لظهور المدعى ~~بل لقوة ذهن المدعى وقوته على تركيب الأدلة وهو يعلم أنه يغلب بقوة جداله ~~لا بظهور مقاله وربما يقول أحد المناظرين للآخر عند / انقطاعه أنت تعلم أن ~~الحق بيدي لكن تستضعفني ولا تنصفني وحينئذ لا يبقى للخصم جواب غير القسم ~~بالأيمان التي لا مخارج عنها أنه غير مكابر وأنه منصف ، وذلك لأنه لو أتى ~~بدليل آخر لكان له أن يقول : وهذا ms8878 الدليل أيضا غلبتني فيه بقوتك وقدرتك ، ~~فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما آتاه الله جل وعز ما ينبغي قالوا : إنه ~~يريد التفضل علينا وهو يجادلنا فيما يعلم PageV29P162 خلافه ، فلم يبق له ~~إلا أن يقسم فأنزل الله تعالى عليه أنواعا من القسم بعد الدلائل ، ولهذا ~~كثرت الأيمان في أوائل التنزيل وفي السبع الأخير خاصة . # المسألة الثانية : في تعلق الباء ، نقول : إنه لما بين أنه خالق الخلق ~~والرزق وله العظمة بالدليل القاطع ولم يؤمنوا قال : لم يبق إلا القسم فأقسم ~~بالله إني لصادق . # المسألة الثالثة : ما المعنى من قوله . { فلا أقسم } مع أنك تقول : إنه ~~قسم ؟ نقول : فيه وجوه منقولة ومعقولة غير مخالفة للنقل ، أما المنقول ~~فأحدها : أن ( لا ) زائدة مثلها في قوله تعالى : { لئلا يعلم } ( الحديد : ~~29 ) معناه ليعلم ثانيها : أصلها لأقسم بلام التأكيد أشبعت فتحتها فصارت لا ~~كما في الوقف ثالثها : لا ، نافية وأصله على مقالتهم والقسم بعدها كأنه قال ~~: لا ، والله لا صحة لقول الكفار أقسم عليه ، أما المعقول فهو أن كلمة لا ~~هي نافية على معناها غير أن في الكلام مجازا تركيبيا ، وتقديره أن نقول : ~~لا في النفي هنا كهي في قول القائل لا تسألني عما جرى علي ، يشير إلى أن ما ~~جرى عليه أعظم من أن يشرح فلا ينبغي أن يسأله فإن غرضه من السؤال لا يحصل ~~ولا يكون غرضه من ذلك النهي إلا بيان عظمة الواقعة ويصير كأنه قال : جرى ~~على أمر عظيم . ويدل عليه أن السامع يقول : له ماذا جرى عليك ولو فهم من ~~حقيقة كلامه النهي عن السؤال لما قال : ماذا جرى عليك ، فيصح منه أن يقول : ~~أخطأت حيث منعتك عن السؤال ، ثم سألتني وكيف لا ، وكثيرا ما يقول ذلك ~~القائل الذي قال : لا تسألني عند سكون صاحبه عن السؤال ، أو لا تسألني ، ~~ولا تقول : ماذا جرى عليك ولا يكون للسامع أن يقول : إنك منعتني عن السؤال ~~كل ذلك تقرر في أفهامهم أن المراد تعظيم الواقعة لا النهي ، إذا علم هذا ~~فنقول في ms8879 القسم : مثل هذا موجود من أحد وجهين إما لكون الواقعة في غاية ~~الظهور فيقول : لا أقسم بأنه على هذا الأمر لأنه أظهر من أن يشهر ، وأكثر ~~من أن ينكر ، فيقول : لا أقسم ولا يريد به القسم ونفيه ، وإنما يريد ~~الإعلام بأن الواقعة ظاهرة ، وإما لكون المقسم به فوق ما يقسم به ، والمقسم ~~صار يصدق نفسه فيقول لا أقسم يمينا بل ألف يمين ، ولا أقسم برأس الأمير بل ~~برأس السلطان ويقول : لا أقسم بكذا مريدا لكونه في غاية الجزم والثاني : ~~يدل عليه أن هذه الصيغة لم ترد في القرآن والمقسم به هو الله تعالى أو صفة ~~من صفاته / وإنما جاءت أمور مخلوقة والأول لا يرد عليه إشكال إن قلنا إن ~~المقسم به في جميع المواضع رب الأشياء كما في قوله : { والصافات } ( ~~الصافات : 1 ) المراد منه رب الصافات ورب القيامة ورب الشمس إلى غير ذلك ~~فإذا قوله : { لا أقسم * بمواقع النجوم } أي الأمر أظهر من أن يقسم عليه ، ~~وأن يتطرق الشك إليه . # / المسألة الرابعة : مواقع النجوم ما هي ؟ فنقول : فيه وجوه الأول : ~~المشارق والمغارب أو المغارب وحدها ، فإن عندها سقوط النجوم الثاني : هي ~~مواضعها في السماء في بروجها ومنازلها الثالث : مواقعها في اتباع الشياطين ~~عند المزاحمة الرابع : مواقعها يوم القيامة حين تنتثر النجوم ، وأما مواقع ~~نجوم القرآن ، فهي قلوب عباده وملائكته ورسله وصالحي المؤمنين ، أو معانيها ~~وأحكامها التي وردت فيها . # المسألة الخامسة : هل في اختصاص مواقع النجوم للقسم بها فائدة ؟ قلنا : ~~نعم فائدة جليلة ، وبيانها أنا قد ذكرنا أن القسم بمواقعها كما هي قسم كذلك ~~هي من الدلائل ، وقد بيناه في الذاريات ، وفي الطور ، وفي النجم ، وغيرها ، ~~فنقول : هي هنا أيضا كذلك ، وذلك من حيث إن الله تعالى لما ذكر خلق الآدمي ~~من المنى PageV29P163 وموته ، بين بإشارته إلى إيجاد الضدين في الأنفس ~~قدرته واختياره ، ثم لما ذكر دليلا من دلائل الأنفس ذكر من دلائل الآفاق ~~أيضا قدرته واختياره ، فقال : { أفرءيتم ما تحرثون } ( الواقعة : 63 ) { ~~أفرءيتم الماء } ( الواقعة : 68 ) إلى غير ذلك ، وذكر ms8880 قدرته على زرعه وجعله ~~حطاما ، وخلقه الماء فراتا عذبا ، وجعله أجاجا ، إشارة إلى أن القادر على ~~الضدين مختار ، ولم يكن ذكر من الدلائل السماوية شيئا ، فذكر الدليل ~~السماوي في معرض القسم ، وقال : مواقع النجوم ، فإنها أيضا دليل الاختيار ، ~~لأن كون كل واحد في موضع من السماء دون غيره من المواضع مع استواء المواضع ~~في الحقيقة دليل فاعل مختار ، فقال : { بمواقع النجوم } ليس إلى البراهين ~~النفسية والآفاقية بالذكر كما قال تعالى : { سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى ~~أنفسهم } ( فصلت : 53 ) وهذا كقوله تعالى : { وفى الارض ءايات للموقنين * ~~وفى أنفسكم أفلا تبصرون } ( الذاريات : 20 ، 21 ) { وفى السماء رزقكم وما ~~توعدون } ( الذاريات : 22 ) حيث ذكر الأنواع الثلاثة كذلك هنا ، ثم قال ~~تعالى : { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } والضمير عائد إلى القسم الذي يتضمنه ~~قوله تعالى : { فلا أقسم } فإنه يتضمن ذكر المصدر ، ولهذا توصف المصادر ~~التي لم تظهر بعد الفعل ، فيقال : ضربته قويا ، وفيه مسائل نحوية ومعنوية ، ~~أما النحوية : # فالمسألة الأولى : هو أن يقال : جواب { لو تعلمون } ماذا ، وربما يقول ~~بعض من لا يعلم : إن جوابه ما تقدم وهو فاسد في جميع المواضع ، لأن جواب ~~الشرط لا يتقدم ، وذلك لأن عمل الحروف في معمولاتها لا يكون قبل وجودها ، ~~فلا يقال : زيدا إن قام ولا غيره من الحروف والسر فيه أن عمل الحروف مشبه ~~بعمل المعاني ، ويميز بين الفاعل والمفعول وغيرهما ، فإذا كان العامل معنى ~~لا موضع له في الحس فيعلم تقدمه وتأخر مدرك بالحس ، جاز أن يقال : قائما ~~ضربت زيد ، أو ضربا شديدا ضربته ، وأما الحروف فلها تقدم وتأخر مدرك بالحس ~~فلم يمكن بعد علمنا بتأخرها فرض وجودها متقدمة بخلاف المعاني ، إذا ثبت هذا ~~فنقول : عمل حرف الشرط في المعنى إخراج كل واحدة من الجملتين عن كونها جملة ~~مستقلة ، فإذا قلت : من ، وأن ، لا يمكن إخراج الجملة الأولى عن كونها جملة ~~بعد وقوعها جمل ، ليعلم أن حرفها أضعف من عمل المعنى لتوقفه على / عمله مع ~~أن المعنى أمكن فرضه متقدما ومتأخرا / وعمل الأفعال عمل معنوي ms8881 ، وعمل ~~الحروف عمل مشبه بالمعنى ، إذا ثبت هذا فنقول في قوله تعالى : { ولقد همت ~~به وهم بها لولا أن رأى } ( يوسف : 24 ) قال بعض الوعاظ متعلق بلولا ، فلا ~~يكون الهم وقع منه ، وهو باطل لما ذكرنا ، وهنا أدخل في البطلان ، لأن ~~المتقدم لا يصلح جزاء للمتأخر ، فإن من قال : لو تعلمون إن زيدا لقائم ، لم ~~يأت بالعربية ، إذا تبين هذا فالقول يحتمل وجهين أحدهما : أن يقال : الجواب ~~محذوف بالكلية لم يقصد بذلك جواب ، وإنما يراد نفي ما دخلت عليه لو ، وكأنه ~~قال : وإنه لقسم لا تعلمون ، وتحقيقه أن لو تذكر لامتناع الشيء لامتناع ~~غيره ، فلا بد من انتفاء الأول ، فإدخال لو على تعلمون أفادنا أن علمهم ~~منتف ، سواء علمنا الجواب أو لم نعلم ، وهو كقولهم في الفعل المتعدي فلان ~~يعطى ويمنع ، حيث لا يقصد به مفعول ، وإنما يراد إثبات القدرة ، وعلى هذا ~~إن قيل : فما فائدة العدول إلى غير الحقيقة ، وترك قوله : إنه لقسم ولا ~~تعلمون ؟ فنقول : فائدته تأكيد النفي ، لأن من قال : لو تعلمون كان ذلك ~~دعوى منه ، فإذا طولب وقيل : لم قلت إنا لا نعلم يقول : لو تعلمون لفعلتم ~~كذا ، فإذا قال في ابتداء الأمر : لا تعلمون كان مريدا للنفي ، فكأنه قال : ~~أقول : إنكم لا تعلمون قولا من غير تعلق بدليل وسبب وثانيهما : أن يكون له ~~جواب تقديره : لو تعلمون لعظمتموه لكنكم ما عظمتموه ، فعلم أنكم لا تعلمون ~~، إذ لو تعلمون لعظم في أعينكم ، ولا تعظيم فلا تعلمون . PageV29P164 # المسألة الثانية : إن قيل قوله : { لو تعلمون } هل له مفعول أم لا ؟ قلنا ~~: على الوجه الأول لا مفعول له ، كما في قولهم : فلان يعطي ويمنع ، وكأنه ~~قال : لا علم لكم ، ويحتمل أن يقال : لا علم لكم بعظم القسم ، فيكون له ~~مفعول ، والأول أبلغ وأدخل في الحسن ، لأنهم لا يعلمون شيئا أصلا لأنهم لو ~~علموا لكان أولى الأشياء بالعلم هذه الأمور الظاهرة بالبراهين القاطعة ، ~~فهو كقوله : { صم بكم } ( الفرقان : 44 ) وقوله : { كالانعام بل هم أضل } ~~وعلى الثاني أيضا يحتمل وجهين أحدهما ms8882 : لو كان لكم علم بالقسم لعظمتموه ~~وثانيهما : لو كان لكم علم بعظمته لعظمتموه . # المسألة الثالثة : كيف تعلق قوله تعالى : { لو تعلمون } بما قبله وما ~~بعده ؟ فنقول : هو كلام اعتراض في أثناء الكلام تقديره : وإنه لقسم عظيم لو ~~تعلمون لصدقتم ، فإن قيل : فما فائدة الاعتراض ؟ نقول : الاهتمام بقطع ~~اعتراض المعترض ، لأنه لما قال : { وإنه لقسم } أراد أن يصفه بالعظمة بقوله ~~: عظيم والكفار كانوا يجهلون ذلك ويدعون العلم بأمور النجم ، وكانوا يقولون ~~: لو كان كذلك فما باله لا يحصل لنا علم وظن ، فقال : لو تعلمون لحصل لكم ~~القطع ، وعلى ما ذكرنا الأمر أظهر من هذا ، وذلك لأنا قلنا : إن قوله : { ~~لا أقسم } معناه الأمر واضح من أن يصدق بيمين ، والكفار كانوا يقولون : أين ~~الظهور ونحن نقطع بعدمه ، فقال : لو تعلمون شيئا لما كان كذلك ، والأظهر ~~منه أنا بينا أن كل ما جعله الله قسما فهو في نفسه دليل على المطلوب وأخرجه ~~مخرج القسم ، فقوله : { وإنه لقسم } معناه عند التحقيق ، وإنه دليل وبرهان ~~قوي لو تعلمون وجهه لاعترفتم بمدلوله ، وهو التوحيد / والقدرة على الحشر ، ~~وذلك لأن دلالة اختصاص الكواكب بمواضعها في غاية الظهور ولا يلزم الفلاسفة ~~دليل أظهر منه ، وأما المعنوية : # فالمسألة الأولى : ما المقسم عليه ؟ نقول : فيه وجهان الأول : القرآن ~~كانوا يجعلونه تارة شعرا وأخرى سحرا وغير ذلك وثانيهما : هو التوحيد والحشر ~~وهو أظهر ، وقوله : { لقرءان } ابتداء كلام وسنبين ذلك . # المسألة الثانية : ما الفائدة في وصفه بالعظيم في قوله : { وإنه لقسم } ~~فنقول : لما قال : { فلا أقسم } وكان معناه : لا أقسم بهذا لوضوح المقسم به ~~عليه . قال : لست تاركا للقسم بهذا ، لأنه ليس بقسم أو ليس بقسم عظيم ، بل ~~هو قسم عظيم ولا أقسم به ، بل بأعظم منه أقسم لجزمي بالأمر وعلمي بحقيقته . # المسألة الثالثة : اليمين في أكثر الأمر توصف بالمغلظة ، والعظم يقال : ~~في المقسم حلف فلان بالأيمان العظام ، ثم تقول في حقه يمين مغلظة لأن ~~آثامها كبيرة . وأما في حق الله عز وجل فبالعظيم وذلك هو المناسب ، لأن ~~معناه هو الذي قرب ms8883 قوله من كل قلب وملأ الصدر بالرعب لما بينا أن معنى ~~العظيم فيه ذلك ، كما أن الجسم العظيم هو الذي قرب من أشياء عظيمة وملأ ~~أماكن كثيرة من العظم ، كذلك العظيم الذي ليس بجسم قرب من أمور كثيرة ، ~~وملأ صدورا كثيرة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنه لقرءان كريم * فى كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون * تنزيل ~~من رب العالمين } . > 7 @QB@ < # | الواقعة : ( 77 - 80 ) إنه لقرآن كريم # > > # وفيه مسائل : PageV29P165 # المسألة الأولى : الضمير في قوله تعالى : { أنه } عائد إلى ماذا ؟ فنقول ~~: فيه وجهان أحدهما : إلى معلوم وهو الكلام الذي أنزل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، وكان معروفا عند الكل ، وكان الكفار يقولون : إنه شعر وإنه سحر ~~، فقال تعالى ردا عليهم : { إنه لقرءان } عائد إلى مذكور وهو جميع ما سبق ~~في سورة الواقعة من التوحيد ، والحشر ، والدلائل المذكورة عليهما ، والقسم ~~الذي قال فيه : { وإنه لقسم } ( الواقعة : 76 ) وذلك لأنهم قالوا : هذا كله ~~كلام محمد ومخترع من عنده ، فقال : { إنه لقرءان كريم * فى كتاب مكنون } . # المسألة الثانية : القرآن مصدر أو اسم غير مصدر ؟ فنقول : فيه وجهان ~~أحدهما : مصدر أريد به المفعول وهو المقروء ومثله في قوله تعالى : { ولو أن ~~قرانا سيرت به الجبال } ( الرعد : 31 ) وهذا كما يقال في الجسم العظيم : ~~أنظر إلى قدرة الله تعالى أي مقدوره وهو كما في قوله تعالى : { هاذا خلق ~~الله فأرونى } ( لقمان : 11 ) ثانيهما : اسم لما يقرأ كالقربان لما يتقرب ~~به ، والحلوان لما يحلى به فم المكاري أو الكاهن / وعلى هذا سنبين فساد قول ~~من رد على الفقهاء قولهم في باب الزكاة : يعطى شيئا أعلى مما وجب ويأخذ ~~الجبران أو يعطى شيئا دونه ، ويعطى الجبران أيضا ، حيث قال : الجبران مصدر ~~لا يؤخذ ولا يعطى ، فيقال له هو كالقرآن بمعنى المقروء ، ويجوز أن يقال : ~~لما أخذ جابر أو مجبور أو يقال : هو اسم لما يجبر به كالقربان . # المسألة الثالثة : إذا كان هذا الكلام للرد على المشركين فهم ما كانوا ~~ينكرون كونه مقروءا فما الفائدة في قوله : { إنه ms8884 لقرءان } ؟ نقول فيه وجهان ~~أحدهما : أنه إخبار عن الكل وهو قوله : { قرءان * كريم } فهم كانوا ينكرون ~~كونه قرآنا كريما وهم ما كانوا يقرون به وثانيهما : وهو أحسن من الأول ، ~~أنهم قالوا : هو مخترع من عنده وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إنه ~~مسموع سمعته وتلوته عليكم فما كان القرآن عندهم مقروءا ، وما كانوا يقولون ~~: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن وفرق بين القراءة والإنشاء ، ~~فلما قال : { إنه لقرءان } أثبت كونه مقروءا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليقرأ ويتلى فقال تعالى : { إنه لقرءان } سماه قرآنا لكثرة ما قرىء ، ويقرأ ~~إلى الأبد بعضه في الدنيا وبعضه في الآخرة . # المسألة الرابعة : قوله : { كريم } فيه لطيفة ؟ وهي أن الكلام إذا قرىء ~~كثيرا يهون في الأعين والآذان ، ولهذا ترى من قال : شيئا في مجلس الملوك لا ~~يذكره ثانيا ، ولو قيل فيه : يقال لقائله لم تكرر هذا ، ثم إنه تعالى لما ~~قال : { إنه لقرءان } أي مقروء قرىء ويقرأ ، قال : { كريم } أي لا يهون ~~بكثرة التلاوة ويبقى أبد الدهر كالكلام الغض والحديث الطري ، ومن هنا يقع ~~أن وصف القرآن بالحديث مع أنه قديم يستمد من هذا مددا فهو قديم يسمعه ~~السامعون كأنه كلام الساعة ، وما قرع سمع الجماعة لأن الملائكة الذين علموه ~~قبل النبي بألوف من السنين إذا سمعوه من أحدنا يتلذذون به التذاذ السامع ~~بكلام جديد لم يذكر له من قبل ، والكريم اسم جامع لصفات المدح ، قيل : ~~الكريم هو الذي كان طاهر الأصل ظاهر الفضل ، حتى إن من أصله غير زكي لا ~~يقال له كريم مطلقا ، بل يقال له : كريم في نفسه ، ومن يكون زكي الأصل غير ~~زكي النفس لا يقال له : كريم إلا مع تقييد ، فيقال : هو كريم الأصل لكنه ~~خسيس في نفسه ، ثم إن السخي المجرد هو الذي يكثر عطاؤه للناس ، أو يسهل ~~عطاؤه ويسمى كريما ، وإن لم يكن له فضل آخر لا على الحقيقة ولكن ذلك لسبب ، ~~وهو أن الناس يحبون من يعطيهم ، ويفرحون بمن يعطى أكثر مما يفرحون ms8885 بغيره ، ~~فإذا رأوا زاهدا أو عالما لا يسمونه كريما ، ويؤيد هذا أنهم إذا رأوا واحدا ~~لا يطلب منهم شيئا يسمونه كريم النفس لمجرد تركه الاستعطاء لما أن الأخذ ~~منهم صعب عليهم وهذا كله في العادة الرديئة ، وأما في الأصل فيقال : الكريم ~~هو PageV29P166 الذي استجمع فيه ما ينبغي من طهارة الأصل وظهور الفضل ، ~~ويدل على هذا أن السخي في معاملته ينبغي أن لا يوجد منه ما يقال بسببه إنه ~~لئيم ، فالقرآن أيضا كريم بمعنى طاهر الأصل ظاهر الفضل لفظه فصيح ، ومعناه ~~صحيح لكن القرآن أيضا كريم على مفهوم العوام فإن كل من / طلب منه شيئا ~~أعطاه ، فالفقيه يستدل به ويأخذ منه ، والحكيم يستمد به ويحتج به ، والأديب ~~يستفيد منه ويتقوى به ، والله تعالى وصف القرآن بكونه كريما ، وبكونه عزيزا ~~، وبكونه حكيما ، فلكونه كريما كل من أقبل عليه نال منه ما يريده فإن كثيرا ~~من الناس لا يفهم من العلوم شيئا وإذا اشتغل بالقرآن سهل عليه حفظه ، وقلما ~~يرى شخص يحفظ كتابا يقرؤه بحيث لا يغير منه كلمة بكلمة ، ولا يبدل حرفا ~~بحرف وجميع القراء يقرأون القرآن من غير توقف ولا تبديل ، ولكونه عزيزا أن ~~كل من يعرض عنه لا يبقى معه منه شيء ، بخلاف سائر الكتب ، فإن من قرأ كتابا ~~وحفظه ثم تركه يتعلق بقلبه معناه حتى ينقله صحيحا ، والقرآن من تركه لا ~~يبقى معه منه شيء لعزته ولا يثبت عند من لا يلزمه بالحفظ ، ولكونه حكيما من ~~اشتغل به وأقبل عليه بالقلب أغناه عن سائر العلوم . وقوله تعالى : { فى ~~كتاب } جعله شيئا مظروفا بكتاب فما ذلك ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : المظروف ~~: القرآن ، أي هو قرآن في كتاب ، كما يقال : فلان رجل كريم في بيته ، لا ~~يشك السامع أن مراد القائل : أنه في الدار قاعد ولا يريد به أنه كريم إذا ~~كان في الدار ، وغير كريم إذا كان خارجا ولا يشك أيضا أنه لا يريد به أنه ~~كريم في بيته ، بل المراد أنه رجل كريم وهو في البيت ، فكذلك ههنا أن ms8886 ~~القرآن كريم وهو في كتاب ، أو المظروف كريم على معنى أنه كريم في كتاب ، ~~كما يقال : فلان رجل كريم في نفسه ، فيفهم كل أحد أن القائل لم يجعله رجلا ~~مظروفا فإن القائل : لم يرد أنه رجل في نفسه قاعد أو نائم ، وإنما أراد به ~~أنه كريم كرمه في نفسه ، فكذلك قرآن كريم فالقرآن كريم في اللوح المحفوظ ~~وإن لم يكن كريما عند الكفار ثانيهما : المظروف هو مجموع قوله تعالى : ( ~~لقرآن كريم ) أي هو كذا في كتاب كما يقال : { وما أدراك ما عليون } ( ~~المطففين : 19 ) في كتاب الله تعالى ، والمراد حينئذ أنه في اللوح المحفوظ ~~نعته مكتوب : { إنه لقرءان كريم } والكل صحيح ، والأول أبلغ في التعظيم ~~بالمقروء السماوي . # المسألة الخامسة : ما المراد من الكتاب ؟ نقول فيه وجوه الأول : وهو ~~الأصح أنه اللوح المحفوظ ويدل عليه قوله تعالى : { بل هو قرءان مجيد * فى ~~لوح محفوظ } ( البروج : 20 ، 21 ) الثاني : الكتاب هو المصحف الثالث : كتاب ~~من الكتب المنزلة فهو قرآن في التوراة والإنجيل وغيرهما فإن قيل كيف سمي ~~الكتاب كتابا والكتاب فعال ، وهو إذا كان للواحد فهو إما مصدر كالحساب ~~والقيام وغيرهما ، أو اسم لما يكتب كاللباس واللثام وغيرهما ، فكيفما كان ~~فالقرآن لا يكون في كتاب بمعنى المصدر ، ولا يكون في مكتوب ، وإنما يكون ~~مكتوبا في لوح أو ورق ، فالمكتوب لا يكون في الكتاب ، إنما يكون في القرطاس ~~، نقول : ما ذكرت من الموازين يدل على أن الكتاب ليس المكتوب ولا هو ~~المكتوب فيه أو المكتوب عليه / فإن اللثام ما يلثم به ، والصوان ما يصان ~~فيه الثوب ، لكن اللوح لما لم يكن إلا الذي يكتب فيه صح تسميته كتابا . # المسألة السادسة : المكتوب هو المستور قال الله تعالى : { كأمثال اللؤلؤ ~~المكنون } ( الواقعة : 23 ) ، قال : { بيض مكنون } ( الصمد : 24 ) فإن كان ~~المراد من الكتاب اللوح فهو ليس بمستور وإنما الشيء فيه منشور ، وإن كان ~~المراد هو المصحف فعدم كونه مكتوبا مستورا ، فكيف الجواب عنه ؟ فنقول : ~~المكنون المحفوظ إذا كان غير عزيز يحفظ بالعين ، وهو ظاهر للناس ms8887 فإذا كان ~~شريفا عزيزا لا يكتفي بالصون والحفظ بالعين بل يستر PageV29P167 عن العيون ~~، ثم كلما تزداد عزته يزداد ستره فتارة يكون مخزونا ثم يجعل مدفونا ، ~~فالستر صار كاللازم للصون البالغ فقال : { مكنون } أي محفوظ غاية الحفظ ، ~~فذكر اللام وأراد الملزوم وهو باب من الكلام الفصيح تقول مثلا : فلان كبريت ~~أحمر ، أي قليل الوجود والجواب الثاني : إن اللوح المحفوظ مستور عن العين ~~لا يطلع عليه إلا ملائكة مخصوصون ، ولا ينظر إليه إلا قوم مطهرون ، وأما ~~القرآن فهو مكتوب مستور أبد الدهر عن أعين المبدلين ، مصون عن أيدي ~~المحرفين ، فإن قيل : فما فائدة كونه { فى كتاب } وكل مقروء في كتاب ؟ نقول ~~: هو لتأكيد الرد على الكفار لأنهم كانوا يقولون : إنه مخترع من عنده مفترى ~~، فلما قال : مقروء عليه اندفع كلامهم ، ثم إنهم قالوا : إن كان مقروءا ~~عليه فهو كلام الجن فقال : { فى كتاب } أي لم ينزل به عليه الملك إلا بعدما ~~أخذه من كتاب فهو ليس بكلام الملائكة فضلا أن يكون كلام الجن ، وأما إذا ~~قلنا : إذا كان كريما فهو في كتاب ، ففائدته ظاهرة ، وأما فائدة كونه { فى ~~كتاب مكنون } فيكون ردا على من قال : إنه أساطير الأولين في كتب ظاهرة ، أي ~~فلم لا يطالعها الكفار ، ولم لا يطلعون عليه لا بل هو { فى كتاب مكنون * لا ~~يمسه إلا المطهرون } ، فإذا بين فيما ذكرنا أن وصفه بكونه قرآنا صار ردا ~~على من قال : يذكره من عنده ، وقوله : { فى كتاب } رد على من قال : يتلوه ~~عليه الجن حيث اعترف بكونه مقروءا ونازع في شيء آخر ، وقوله : { مكنون } رد ~~على من قال : إنه مقروء في كتاب لكنه من أساطير الأولين . # المسألة السابعة : { لا يمسه } الضمير عائد إلى الكتاب على الصحيح ، ~~ويحتمل أن يقال : هو عائد إلى ما عاد إليه المضمر من قوله : { أنه } ومعناه ~~: لا يمس القرآن إلا المطهرون ، والصيغة إخبار ، لكن الخلاف في أنه هل هو ~~بمعنى النهي ، كما أن قوله تعالى : { والمطلقات يتربصن } ( البقرة : 228 ) ~~إخبار بمعنى الأمر ، فمن قال : المراد من ms8888 الكتاب اللوح المحفوظ ، وهو الأصح ~~على ما بينا ، قال : هو إخبار معنى كما هو إخبار لفظا ، إذا قلنا : إن ~~المضمر في { يمسه } للكتاب ، ومن قال : المراد المصحف اختلف في قوله ، وفيه ~~وجه ضعيف نقله ابن عطية أنه نهي لفظا ومعنى وجلبت إليه ضمة الهاء لا ~~للإعراب ولا وجه له . # المسألة الثامنة : إذا كان الأصح أن المراد من الكتاب اللوح المحفوظ ، ~~فالصحيح أن الضمير في { لا يمسه } للكتاب ، فكيف يصح قول الشافعي رحمة الله ~~تعالى عليه : لا يجوز مس المصحف للمحدث ، نقول : الظاهر أنه ما أخذه من ~~صريح الآية ولعله أخذه من السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو ~~بن حزم : ( لا يمس القرآن من هو على غير طهر ) أو أخذه من الآية على طريق ~~الاستنباط ، وقال : إن المس يطهر صفة من الصفات الدالة على التعظيم والمس ~~بغير طهور / نوع إهانة في المعنى ، وذلك لأن الأضداد ينبغي أن تقابل ~~بالأضداد ، فالمس بالمطهر في مقابلة المس على غير طهر ، وترك المس خروج عن ~~كل واحدة منهما فكذلك الإكرام في مقابلة الإهانة وهناك شيء لا إكرام ولا ~~إهانة فنقول : إن من لا يمس المصحف لا يكون مكرما ولا مهينا وبترك المس خرج ~~عن الضدين ففي المس عن الطهر التعظيم ، وفي المس على الحدث الإهانة فلا ~~تجوز وهو معنى دقيق يليق بالشافعي رحمه الله ومن يقرب منه في الدرجة . # ثم إن ههنا لطيفة فقهية لاحت لهذا الضعيف في حال تفكره في تفسير هذه ~~الآية فأراد تقييدها هنا فإنها من فضل الله فيجب علي إكرامها بالتقييد ~~بالكتاب ، وهي أن الشافعي رحمه الله منع المحدث والجنب من مس المصحف ~~وجعلهما غير مطهرين ثم منع الجنب عن قراءة القرآن ولم يمنع المحدث وهو ~~استنباط منه PageV29P168 من كلام الله تعالى ، وذلك لأن الله تعالى منعه عن ~~المسجد بصريح قوله : { ولا جنبا } ( النساء : 43 ) فدل ذلك على أنه ليس ~~أهلا للذكر لأنه لو كان أهلا للذكر لما منعه من دخول المسجد لأنه تعالى أذن ~~لأهل الذكر ms8889 في الدخول بقوله تعالى : { فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه } ( النور : 36 ) الآية ، والمأذون في الذكر في المسجد مأذون في دخول ~~المسجد ضرورة فلو كان الجنب أهلا للذكر لما كان ممنوعا عن دخول المسجد ~~والمكث فيه وأنه ممنوع عنهما وعن أحدهما ، وأما المحدث فعلم أنه غير ممنوع ~~عن دخول المسجد فإن من الصحابة من كان يدخل المسجد وجوز النبي صلى الله ~~عليه وسلم نوم القوم في المسجد وليس النوم حدثا إذ النوم الخاص يلزمه الحكم ~~بالحدث على اختلاف بين الأئمة ومالم يكن ممنوعا من دخول المسجد لم يثبت ~~كونه غير أهل للذكر فجاز له القراءة ، فإن قيل : وكان ينبغي أن لا يجوز ~~للجنب أن يسبح ويستغفر لأنه ذكر ، نقول : القرآن هو الذكر المطلق قال الله ~~تعالى : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) وقال الله تعالى : { ص ~~والقرءان ذى } ( ص : 1 ) وقوله : { يذكر فيها اسمه } مع أنا نعلم أن المسجد ~~يسمى مسجدا ، ومسجد القوم محل السجود ، والمراد منه الصلاة والذكر الواجب ~~في الصلاة هو القرآن ، فالقرآن مفهوم من قوله : { يذكر فيها اسمه } ، ومن ~~حيث المعقول هو أن غير القرآن ربما يذكر مريدا به معناه فيكون كلاما غير ~~ذكرا ، فإن من قال : أستغفر الله أخبر عن نفسه بأمر ، ومن قال : لا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم كذلك أخبر عن أمر كائن بخلاف من قال : { قل هو ~~الله أحد } ( الصمد : 1 ) فإنه ليس بمتكلم به بل هو قائل له غير آمر لغيره ~~بالقول ، فالقرآن هو الذكر الذي لا يكون إلا على قصد الذكر لا على قصد ~~الكلام فهو المطلق وغيره قد يكون ذكرا ، وقد لا يكون ، فإن قيل : فإذا قال ~~: { ادخلوها بسلام } ( الحجر : 46 ) وأراد الإخبار ينبغي أن لا يكون قرآنا ~~وذكرا ، نقول : هو في نفسه قرآن ، ومن ذكره على قصد الإخبار ، وأراد الأمر ~~والإذن في الدخول يخرج عن كونه قارئا للقرآن ، وإن كان لا يخرج عن كونه ~~قرآنا ، ولهذا نقول نحن ببطلان صلاته ولو كان قارئا لما ms8890 بطلت ، وهذا جواب ~~فيه لطف ينبغي أن يتنبه له المطالع لهذا الكتاب ، وذلك من حيث إني فرقت بين ~~أن يقال ليس قول / القائل : { ادخلوها بسلام } على قصد الإذن قرآنا ، وبين ~~قوله : ليس القائل { ادخلوها بسلام } على غير قصد بقارىء للقرآن ، وأما ~~الجواب من حيث المعقول فهو أن العبادة على منافاة الشهوة ، والشهوة إما ~~شهوة البطن ، وإما شهوة شهوة البطن ، وإما شهوة الفرج في أكثر الأمر ، فإن ~~أحدا لا يخلو عنهما ، وإن لم يشته شيئا آخر من المأكول والمشروب والمنكوح ، ~~لكن شهوة البطن قد لا تبقى شهوة بل تصير حاجة عند الجوع وضرورة عند الخوف ، ~~ولهذا قال تعالى : { ولحم طير مما يشتهون } ( الواقعة : 21 ) أي لا يكون ~~لحاجة ولا ضرورة بل لمجرد الشهوة وقد بيناه في هذه السورة / وأما شهوة ~~الفرج فلا تخرج عن كونها شهوة وإن خرجت تكون في محل الحاجة لا الضرورة ، ~~فلا يعلم أن شهوة الفرج ليست شهوة محضة ، والعبادة فيها منضمة للشهوة ، فلم ~~تخرج شهوة الفرج عن كونها عبادة بدنية قط بل حكم الشارع ببطلان الحج به ، ~~وبطلان الصوم والصلاة ، وأما قضاء شهوة البطن فلما لم يكن شهوة مجردة بطل ~~به الصلاة والصوم دون الحج ، وربما لم تبطل به الصلاة أيضا ، إذا ثبت هذا ~~فنقول : خروج الخارج دليل قضاء الشهوة البطنية ، وخروج المني دليل قضاء ~~الشهوة الفرجية ، فواجب بهما تطهير النفس ، لكن الظاهر والباطن متحاذيان ، ~~فأمر الله تعالى بتطهير الظاهر عند الحدث والإنزال لموافقه الباطن ، ~~والإنسان إذا كان له بصيرة وينظر في تطهير باطنه عند الاغتسال للجنابة ، ~~فإنه يجد خفة ورغبة في الصلاة والذكر وهنا تتمة لهذه اللطيفة وهي أن قائلا ~~لو قال : لو صح قولك للزم أن يجب الوضوء بالأكل كما يجب PageV29P169 بالحدث ~~لأن الأكل قضاء الشهوة ، وهذا كما أن الاغتسال لما وجب بالإنزال ، لكونه ~~دليل قضاء الشهوة ، وكذا بالإيلاج لكونه قضاء بالإيلاج ، فكذلك الإحداث ~~والأكل فنقول : ههنا سر مكنون وهو ما بيناه أن الأكل قد يكون لحاجة وضرورة ~~فنقول : الأكل لا يعلم كونه للشهوة إلا ms8891 بعلامة ، فإذا أحدث علم أنه أكل ولا ~~يعلم كونه للشهوة وأما الإيلاج فلا يكون للحاجة ولا يكون للضرورة فهو شهوة ~~كيفما كان ، فناط الشارع إيجاب التطهير بدليلين أحدهما : قوله صلى الله ~~عليه وسلم : ( إنما الماء من الماء ) فإن الإنزال كالإحداث ، وكما أن الحدث ~~هو الخارج وهو أصل في إيجاب الوضوء ، كذلك ينبغي أن يكون الإنزال الذي هو ~~الخروج هو الأصل في إيجاب الغسل فإن عنده يتبين قضاء الحاجة والشهوة فإن ~~الإنسان بعد الإنزال لا يشتهي الجماع في الظاهر وثانيهما : ما روي عنه صلى ~~الله عليه وسلم : الوضوء من أكل ما مسته النار فإن ذلك دليل قضاء الشهوة ~~كما أن خروج الحدث دليله ، وذلك لأن المضطر لا يصبر إلى أن يستوي الطعام ~~بالنار بل يأكل كيفما كان ، فأكل الشيء بعد الطبخ دليل على أنه قاض به ~~الشهوة لا دافع به الضرورة ، ونعود إلى الجواب عن السؤال ونقول : إذا تبين ~~هذا فالشافعي رضي الله عنه قضى بأن شهوة الفرج شهوة محضة ، فلا تجامع ~~العبادة الجنابة ، فلا ينبغي أن يقرأ الجنب القرآن ، والمحدث يجوز له أن ~~يقرأ لأن الحدث ليس يكون عن شهوة محضة . # المسألة التاسعة : قوله : { إلا المطهرون } هم الملائكة طهرهم الله في ~~أول أمرهم وأبقاهم / كذلك طول عمرهم ولو كان المراد نفي الحدث لقال : لا ~~يمسه إلا المطهرون أو المطهرون ، بتشديد الطاء والهاء ، والقراءة المشهورة ~~الصحيحة { المطهرون } من التطهير لا من الإطهار ، وعلى هذا يتأيد ما ذكرنا ~~من وجه آخر ، وذلك من حيث إن بعضهم كان يقول : هو من السماء ينزل به الجن ~~ويلقيه عليه كما كانوا يقولون في حق الكهنة فإنهم كانوا يقولون : النبي صلى ~~الله عليه وسلم كاهن ، فقال : لا يمسه الجن وإنما يمسه المطهرون الذين ~~طهروا عن الخبث ، ولا يكونون محلا للإفساد والسفك ، فلا يفسدون ولا يسفكون ~~، وغيرهم ليس بمطهر على هذا الوجه ، فيكون هذا ردا على القائلين : بكونه ~~مفتريا ، وبكونه شاعرا ، وبكونه مجنونا بمس الجن ، وبكونه كاهنا ، وكل ذلك ~~قولهم والكل رد عليهم بما ذكر الله تعالى ms8892 ههنا من أوصاف كتاب الله العزيز . # المسألة العاشرة : قوله : { تنزيل من رب العالمين } مصدر ، والقرآن الذي ~~في كتاب ليس تنزيلا إنما هو منزل كما قال تعالى : { نزل به الروح الامين } ~~( الشعراء : 193 ) نقول : ذكر المصدر وإرادة المفعول كثير كما قلنا في قوله ~~تعالى : { هاذا خلق الله } ( لقمان : 11 ) فإن قيل : ما فائدة العدول عن ~~الحقيقة إلى المجاز في هذا الموضع ؟ فنقول : التنزيل والمنزل كلاهما ~~مفعولان ولهما تعلق بالفاعل ، لكن تعلق الفاعل بالمصدر أكثر ، وتعلق ~~المفعول عبارة عن الوصف القائم به ، فنقول : هذا في الكلام ، فإن كلام الله ~~أيضا وصف قائم بالله عندنا ، وإنما نقول : من حيث الصيغة واللفظ ولك أن ~~تنظر في مثال آخر ليتيسر لك الأمر من غير غلط وخطأ في الإعتقاد ، فنقول : ~~في القدرة والمقدور تعلق القدرة بالفاعل أبلغ من تعلق المقدور ، فإن القدرة ~~في القادر والمقدور ليس فيه ، فإذا قال : هذا قدرة الله تعالى كان له من ~~العظمة مالا يكون في قوله : هذا مقدور الله ، لأن عظمة الشيء بعظمة الله ، ~~فإذا جعلت الشيء قائما بالتعظيم غير مباين عنه كان أعظم ، وإذا ذكرته بلفظ ~~يقال مثله فيما لا يقوم بالله وهو المفعول به كان دونه ، فقال : { تنزيل } ~~ولم يقل : منزل ، ثم إن ههنا : بلاغة أخرى وهي أن المفعول قد يذكر ويراد به ~~المصدر على ضد ما ذكرنا ، كما في قوله : { مدخل صدق } PageV29P170 ( ~~الإسراء : 80 ) أي دخول صدق أو إدخال صدق وقال تعالى : { كل ممزق } ( سبأ : ~~7 ) أي تمزيق ، فالممزق بمعنى التمزيق ، كالمنزل بمعنى التنزيل ، وعلى ~~العكس سواء ، وهذه البلاغة هي أن الفعل لا يرى ، والمفعول به يصير مرئيا ، ~~والمرئي أقوى في العلم ، فيقال : مزقهم تمزيقا وهو فعل معلوم لكل أحد علما ~~بينا يبلغ درجة الرؤية ويصير التمزق هنا كما صار الممزق ثابتا مرئيا ، ~~والكلام يختلف بمواضع الكلام ، ويستخرج الموفق بتوفيق الله ، وقوله : { من ~~رب العالمين } أيضا لتعظيم القرآن ، لأن الكلام يعظم بعظمة المتكلم ، ولهذا ~~يقال لرسول الملك هذا كلام الملك أو كلامك وهذا كلام الملك الأعظم أو كلام ms8893 ~~الملك الذي دونه ، إذا كان الرسول رسول ملوك ، فيعظم الكلام بقدر عظمة ~~المتكلم ، فإذا قال : { من رب العالمين } تبين منه عظمة لا عظمة مثلها وقد ~~بينا تفسير العالم وما فيه من اللطائف ، وقوله : { تنزيل } رد على طائفة ~~أخرى ، وهم الذين يقولون : { أنه * فى كتاب } و { لا يمسه إلا المطهرون } ~~وهم الملائكة ، لكن الملك يأخذ ويعلم الناس من عنده ولا / يكون من الله ~~تعالى ، وذلك أن طائفة من الروافض يقولون : إن جبرائيل أنزل على علي ، فنزل ~~على محمد ، فقال تعالى : هو من الله ليس باختيار الملك أيضا ، وعند هذا ~~تبين الحق فعاد إلى توبيخ الكفار . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أفبهاذا الحديث أنتم مدهنون * وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } . > 7 ~~! # < < # | الواقعة : ( 81 ) أفبهذا الحديث أنتم . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ( هذا ) إشارة إلى ماذا ؟ فنقول : المشهور أنه إشارة ~~إلى القرآن وإطلاق الحديث في القرآن على الكلام القديم كثير بمعنى كونه ~~اسما لا وصفا فإن الحديث اسم لما يتحدث به ، ووصف يوصف به ما يتجدد ، فيقال ~~: أمر حادث ورسم حديث أي جديد ، ويقال : أعجبني حديث فلان وكلامه وقد بينا ~~أن القرآن قديم له لذة الكلام الجديد ، والحديث الذي لم يسمع الوجه الثاني ~~: أنه إشارة إلى ما تحدثوا به من قبل في قوله تعالى : { وكانوا يقولون * ~~أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون * أو ءاباؤنا الاولون } ( ~~الواقعة : 47 ، 48 ) وذلك لأن الكلام مستقل منتظم فإنه تعالى رد عليهم ذلك ~~بقوله تعالى : { قل إن الاولين والاخرين } ( الواقعة : 49 ) وذكر الدليل ~~عليهم بقوله : { نحن خلقناكم } ( الواقعة : 57 ) وبقوله : { أفرءيتم ما ~~تمنون } ( الواقعة : 58 ) { أفرءيتم ما تحرثون } ( الواقعة : 63 ) وأقسم ~~بعد إقامة الدلائل بقوله : { فلا أقسم } ( الواقعة : 75 ) وبين أن ذلك كله ~~إخبار من الله بقوله : { إنه لقرءان } ( الواقعة : 77 ) ثم عاد إلى كلامهم ~~، وقال : { أفبهاذا الحديث } الذي تتحدثون به { أنتم مدهنون } لأصحابكم ~~تعلمون خلافه وتقولونه ، أم أنتم به جازمون ، وعلى الإصرار عازمون ، وسنبين ~~وجهه بتفسير المدهن ، وفيه وجهان أحدهما : أن المدهن المراد به المكذب قال ~~الزجاج : معناه ms8894 أفبالقرآن أنتم تكذبون ، والتحقيق فيه أن الإدهان تليين ~~الكلام لاستمالة السامع من غير اعتقاد صحة الكلام من المتكلم كما أن العدو ~~إذا عجز عن عدوه يقول له أنا داع لك ومثن عليك مداهنة وهو كاذب ، فصار ~~استعمال المدهن في المكذب استعمالا ثانيا وهذا إذا قلنا : إن الحديث هو ~~القرآن والوجه الثاني : المدهن هو الذي يلين في الكلام ويوافق باللسان وهو ~~مصر على الخلاف فقال : { أنتم } فمنهم من يقول : إن النبي كاذب ، وإن الحشر ~~محال وذلك لما هم عليه من حب الرياسة ، وتخافون أنكم إن صدقتم ومنعتم ~~ضعفاءكم عن الكفر يفوت عليكم من كسبكم ما تربحونه بسببهم فتجعلون رزقكم ~~PageV29P171 أنكم تكذبون الرسل ، والأول عليه أكثر المفسرين ، لكن الثاني ~~مطابق لصريح اللفظ فإن الحديث بكلامهم أولى وهو عبارة عن قولهم : { أءنا ~~لمبعوثون } ( الواقعة : 47 ) والمدهن يبقى على حقيقته فإنهم ما كانوا ~~مدهنين بالقرآن ، وقول الزجاج : مكذبون جاء بعده صريحا . وأما قوله : { ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } ففيه وجوه الأول : تجعلون شكر النعم أنكم ~~تقولون مطرنا بنوء كذا ، وهذا عليه أكثر المفسرين ، الثاني : تجعلون معاشكم ~~وكسبكم تكذيب محمد ، يقال : فلان قطع الطريق معاشه ، والرزق في الأصل مصدر ~~سمي به ما يرزق ، يقال للمأكول رزق ، كما يقال للمقدور قدرة ، والمخلوق خلق ~~، وعلى هذا / فالتكذيب مصدر قصد به ما كانوا يحصلون به مقاصدهم ، وأما قوله ~~: { تكذبون } فعلى الأول المراد تكذيبهم بما قال الله تعالى : { وما من ~~دابة في الارض إلا على الله رزقها } وغير ذلك ، وعلى الثاني المراد جميع ما ~~صدر منهم من التكذيب ، وهو أقرب إلى اللفظ . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه ~~منكم ولاكن لا تبصرون } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 83 ) فلولا إذا بلغت . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المراد من كلمة : { لولا } معنى هلا من كلمات التحضيض ~~وهي أربع كلمات : لولا ، ولوما ، وهلا ، وألا ويمكن أن يقال : أصل الكلمات ~~لم لا ، على السؤال كما يقول القائل : إن كنت صادقا فلم لا يظهر صدقك ، ثم ~~إنما قلنا : الأصل ms8895 لم لا لكونه استفهاما أشبه قولنا : هلا ، ثم إن ~~الاستفهام تارة يكون عن وجود شيء وأخرى عن سبب وجوده ، فيقال : هل جاء زيد ~~ولم جاء ، والاستفهام بهل قبل الاستفهام بلم ، ثم إن الاستفهام قد يستعمل ~~للإنكار وهو كثير ، ومنه قوله تعالى ههنا : { أفبهاذا الحديث أنتم مدهنون } ~~( الواقعة : 81 ) وقوله : { أتدعون بعلا وتذرون } ( الصافات : 125 ) وقوله ~~تعالى : { أءفكا ءالهة دون الله تريدون } ( الصافات : 86 ) ونظائرها كثيرة ~~، وقد ذكرنا لك الحكمة فيه ، وهي أن النافي والناهي لا يأمر أن يكذب ~~المخاطب فعرض بالنفي لئلا يحتاج إلى بيان النفي ، إذا ثبت هذا فالاستفهام ( ~~بهل ) لإنكار الفعل ، والاستفهام ( بلم ) لإنكار سببه ، وبيان ذلك أن من ~~قال : لم فعلت كذا ، يشير إلى أنه لا سبب للفعل ، ويقول : كان الفعل وقع من ~~غير سبب الوقوع ، وهو غير جائز ، وإذا قال : هل فعلت ، ينكر نفس الفعل لا ~~الفعل من غير سبب ، وكأنه في الأول يقول : لو وجد للفعل سبب لكان فعله أليق ~~، وفي الثاني يقول : الفعل غير لائق ولو وجد له سبب . # المسألة الثانية : إن كل واحد منهما يقع في صدر الكلام ، ويستدعي كلاما ~~مركبا من كلامين في الأصل ، أما في ( هل ) فلأن أصلها أنك تستعملها في ~~جملتين ، فتقول : هل جاء زيد أو ما جاء ، لكنك ربما تحذف أحديهما ، وأما في ~~( لو ) فإنك تقول : لو كان كذا لكان كذا ، وربما تحذف الجزاء كما ذكرنا في ~~قوله تعالى : { لو تعلمون } ( الواقعة : 76 ) لأنه يشير بلو إلى أن المنفي ~~له دليل ، فإذا قال القائل : لو كنتم تعلمون ، وقيل له لم لا يعلمون ، قال ~~: إنهم لو يعلمون لفعلوا كذا ، فدليله مستحضر إن طولب به بينه وإذا ثبت أن ~~النفي بلو ، والنفي بهل ، أبلغ من النفي بلا ، والنفي بقوله : لم ، وإن كان ~~بينهما اشتراك معنى ولفظا وحكما وصارت كلمات التحضيض وهي : لو ما ، ولولا ، ~~وهلا وألا ، كما تقول : لم لا فإذن قول القائل : هل تفعل وأنت عنه مستغن ، ~~PageV29P172 كقوله : لم تفعل وهو قبي ، وقوله : وهلا تفعل وأنت إليه محتاج ~~، وألا تفعل ms8896 / وأنت إليه محتاج ، وقوله : لولا ، ولوما ، كقوله : لم لا ~~تفعل ، ولم لا فعلت ، فقد وجد في ألا زيادة نص ، لأن نقل اللفظ لا يخلو من ~~نص ، كما أن المعنى صار فيه زيادة ما ، على ما في الأصل كما بيناه ، وقوله ~~تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم } أي لم لا يقولون عند الموت وهو وقت ~~ظهور الأمور وزمان اتفاق الكلمات ، ولو كان ما يقولونه حقا ظاهرا كما ~~يزعمون لكان الواجب أن يشركوا عند النزع ، وهذا إشارة إلى أن كل أحد يؤمن ~~عند الموت لكن لم يقبل إيمان من لم يؤمن قبله ، فإن قيل : ما سمع منهم ~~الاعتراف وقت النزع بل يقولون : نحن نكذب الرسل أيضا وقت بلوغ النفس إلى ~~الحلقوم ونموت عليه ؟ فنقول : هذه الآية بعينها إشارة وبشارة ، أما الإشارة ~~فإلى الكفار ، وأما البشارة فللرسل ، أما الإشارة وهي أن الله تعالى ذكر ~~للكفار حالة لا يمكنهم إنكارها وهي حالة الموت فإنهم وإن كفروا بالحشر وهو ~~الحياة بعد الموت لكنهم لم ينكروا الموت ، وهو أظهر من كل ما هو من مثله ~~فلا يشكون في حالة النزع ، ولا يشكون في أن في ذلك الوقت لا يبقى لهم لسان ~~ينطق / ولا إنكار بعمل فتفوتهم قوة الاكتساب لإيمانهم ولا يمكنهم الإتيان ~~بما يجب فيكون ذلك حثا لهم على تجديد النظر النظر في طلب الحق قبل تلك ~~الحالة ، وأما البشارة فلأن الرسل لما كذبوا وكذب مرسلهم صعب عليهم ، ~~فبشروا بأن المكذبين سيرجعون عما يقولون ، ثم هو إن كان قبل النزع فذلك ~~مقبول وإلا فعند الموت وهو غير نافع ، والضمير في { بلغت } للنفس أو للحياة ~~أو الروح ، وقوله : { وأنتم حينئذ تنظرون } تأكيد لبيان الحق أي في ذلك ~~الوقت تصير الأمور مرئية مشاهدة ينظر إليها كل من بلغ إلى تلك الحالة ، فإن ~~كان ما ذكرتم حقا كان ينبغي أن يكون في ذلك الوقت ، وقد ذكرنا التحقيق في { ~~حينئذ } في قوله : { يومئذ } ( الطور : 11 ) في سورة والطور واللفظ والمعنى ~~متطابقان على ما ذكرنا لأنهم كانوا يكذبون بالرسل والحشر ، وصرح به ms8897 الله في ~~هذه السورة عنهم حيث قال : إنهم { وكانوا يصرون على الحنث العظيم * وكانوا ~~يقولون * أءذا متنا } ( الواقعة : 46 ، 47 ) وهذا كالتصريح بالتكذيب لأنهم ~~ما كانوا ينكرون أن الله تعالى منزل لكنهم كانوا يجعلون أيضا الكواكب من ~~المنزلين ، وأما المضمر فذكره الله تعالى عند قوله : { أفرءيتم الماء الذى ~~تشربون } ( الواقعة : 68 ) ثم قال : { أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ~~لو } ( الواقعة : 69 ) بالواسطة وبالتفويض على ما هو مذهب المشركين أو مذهب ~~الفلاسفة . وأيضا التفسير المشهور محتاج إلى إضمار تقديره أتجعلون شكر ~~رزقكم ، وأما جعل الرزق بمعنى المعاش فأقرب ، يقال : فلان رزقه في لسانه ، ~~ورزق فلان في رجله ويده ، وأيضا فقوله تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم } ~~متصل بما قبله لما بينا أن المراد أنكم تكذبون الرسل فلم لا تكذبونهم وقت ~~النزع لقوله تعالى : { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الارض من ~~بعد موتها ليقولن الله } ( العنكبوت : 63 ) فعلم أنهم كذبوا كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ( كذب المنجمون ورب الكعبة ) ولم يكذبوا وهذا على ~~قراءة من يقرأ { تكذبون } بالتخفيف ، وأما المدهن فعلى ما ذكرنا يبقى على ~~الأصل ويوافقه : { ودوا لو تدهن فيدهنون } ( القلم : 9 ) فإن المراد هناك ~~ليس تكذب فيكذبون ، لأنهم أرادوا النفاق لا التكذيب الظاهر . # [ بم / ثم قال تعالى : # ! 7 < { فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونهآ إن كنتم صادقين } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 86 ) فلولا إن كنتم . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أكثر المفسرين على أن ( لولا ) في المرة الثانية مكررة ~~وهي بعينها هي التي قال تعالى : { فلولا إذا بلغت الحلقوم } ( الواقعة : 83 ~~) ولها جواب واحد ، وتقديره على ما قاله الزمخشري : فلولا ترجعونها إذا ~~PageV29P173 بلغت الحلقوم ، أي إن كنتم غير مدينين ، وقال بعضهم : هو كقوله ~~تعالى : { فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم } ( البقرة : ~~38 ) حيث جعل { فلا خوف } جزاء شرطين ، والظاهر خلاف ما قالوا ، وهو أن ~~يقال : جواب لولا في قوله : { فلولا إذا بلغت الحلقوم } هو ما يدل عليه ما ~~سبق يعني تكذبون مدة حياتكم ms8898 جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم فلولا تكذبون وقت ~~النزع وأنتم في ذلك الوقت تعلمون الأمور وتشاهدونها ، وأما لولا في المرة ~~الثانية فجوابها : { ترجعونها } . # المسألة الثانية : في { مدينين } أقوال منهم من قال : المراد مملوكين ، ~~ومنهم من قال : مجزيين ، وقال الزمخشري : من دانه السلطان إذا ساسه ، ~~ويحتمل أن يقال : المراد غير مقيمين من مدن إذا أقام ، هو حينئذ فعيل ، ~~ومنه المدينة ، وجمعها مدائن ، من غير إظهار الياء ، ولو كانت مفعلة لكان ~~جمعها مداين كمعايش بإثبات الياء ، ووجهه أن يقال : كان قوم ينكرون العذاب ~~الدائم ، وقوم ينكرون العذاب ومن اعترف به كان ينكر دوامه ، ومثله قوله ~~تعالى : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) قيل : إن ~~كنتم على ما تقولون لا تبقون في العذاب الدائم فلم لا ترجعون أنفسكم إلى ~~الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة ، وأما على قوله : ( مجزيين ) ~~فالتفسير مثل هذا كأنه قال : ستصدقون وقت النزع رسل الله في الحشر ، فإن ~~كنتم بعد ذلك غير مجزيين فلم لا ترجعون أنفسكم إلى دنياكم ، فإن التعويق ~~للجزاء لا غير ، ولولا الجزاء لكنتم مختارين كما كنت في دنياكم التي ليست ~~دار الجزاء مختارين تكونون حيث تريدون من الأماكن ، وأما على قولنا : ~~مملوكين من الملك ، ومنه المدينة للملوكة ، فالأمر أظهر بمعنى أنكم إذا ~~كنتم لستم تحت قدرة أحد ، فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا كما كنتم في ~~دنياكم التي ليست دار جزاء مع أن ذلك مشتهى أنفسكم ومنى قلوبكم ، وكل ذلك ~~عند التحقيق راجع إلى كلام واحد ، وأنهم كانوا يأخذون بقول الفلاسفة في بعض ~~الأشياء دون بعض ، وكانوا يقولون بالطبائع ، وأن الأمطار من السحب ، وهي ~~متولدة بأسباب فلكية ، والنبات كذلك ، والحيوان كذلك ، ولا اختيار لله في ~~شيء وسواء عليه إنكار الرسل والحشر ، فقال تعالى : إن كان الأمر كما يقولون ~~فما بال الطبيعي الذي يدعى العلم لا يقدر على أن يرجع النفس من الحلقوم ، ~~مع أن في الطبع عنده إمكانا لذلك ، فإن عندهم البقاء بالغداء وزوال الأمراض ~~بالدواء ، وإذا علم هذا فإن قلنا : { غير مدينين ms8899 } معناه غير مملوكين رجع ~~إلى قولهم من إنكار الاختيار وقلب الأمور كما يشاء الله ، وإن قلنا : غير ~~مقيمين فكذلك ، لأن إنكار الحشر بناء على القول بالطبع ، وإن قلنا : غير / ~~محاسبين ومجزيين فكذلك ، ثم لما بين أن الموت كائن والحشر بعده لازم ، بين ~~ما يكون بعد الحشر ليكون ذلك باعثا للمكلف على العمل الصالح ، وزاجرا ~~للمتمرد عن العصيان والكذب فقال : # ! 7 < { فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنات نعيم } . > 7 ! # < < # | الواقعة : ( 88 ) فأما إن كان . . . . . # > > هذا وجه تعلقه معنى ، وأماتعلقه لفظا فنقول : لما قال : { فلولا إن ~~كنتم غير مدينين * ترجعونها } ( الواقعة : 86 ، 87 ) وكان فيها أن رجوع ~~الحياة والنفس إلى البدن ليس تحت قدرتهم ولا رجوع لهم بعد الموت إلى الدنيا ~~صار كأنه قال : أنتم بعد الموت دائمون في دار الإقامة ومجزيون ، فالمجزى إن ~~كان من المقربين فله الروح والريحان ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في معنى الروح وفيه وجوه الأول : هو الرحمة قال تعالى : ~~{ ولا تايئسوا من روح الله } PageV29P174 ( يوسف : 87 ) أي من رحمة الله ~~الثاني : الراحة الثالث : الفرح ، وأصل الروح السعة ، ومنه الروح لسعة ما ~~بين الرجلين دون الفحج ، وقرىء ، { فروح } بضم الراء بمعنى الرحمة . # المسألة الثانية : في الكلام إضمار تقديره : فله روح أفصحت الفاء عنه ~~لكونه فاء الجزاء لربط الجملة بالشرط فعلم كونها جزاء ، وكذلك إذا كان أمرا ~~أو نهيا أو ماضيا ، لأن الجزاء إذا كان مستقبلا يعلم كونه جزاء بالجزم ~~الظاهر في السمع والخط ، وهذه الأشياء التي ذكرت لا تحتمل الجزم ، أما غير ~~الأمر والنهي فظاهر ، وأما الأمر والنهي فلأن الجزم فيهما ليس لكونهما ~~جزاءين فلا علامة للجزاء فيه ، فاختاروا الفاء فإنها لترتيب أمر على أمر ، ~~والجزاء مرتب على الشرط . # المسألة الثالثة : في الريحان ، وقد تقدم تفسيره في قوله تعالى : { ذو ~~العصف والريحان } ( الرحمن : 12 ) ولكن ههنا فيه كلام ، فمنهم من قال : ~~المراد ههنا ما هو المراد ثمة ، إما الورق وإما الزهر وإما النبات المعروف ~~، وعلى هذا فقد قيل : إن أرواح أهل الجنة لا تخرج من الدنيا ms8900 إلا ويؤتى ~~إليهم بريحان من الجنة يشمونه ، وقيل : إن المراد ههنا غير ذلك وهو الخلود ~~، وقيل : هو رضاء الله تعالى عنهم فإذا قلنا : الروح هو الرحمة فالآية ~~كقوله تعالى : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم } ~~( التوبة : 21 ) وأما : { جنة نعيم } فقد تقدم القول فيها عند تفسير ~~السابقين في قوله : { أولئك المقربون * في جنات النعيم } ( الواقعة : 11 ، ~~12 ) وذكرنا فائدة التعريف هناك وفائدة التنكير ههنا . # المسألة الرابعة : ذكر في حق المقربين أمورا ثلاثة ههنا وفي قوله تعالى : ~~{ يبشرهم ربهم } ( التوبة : 21 ) وذلك لأنهم أتوا بأمور ثلاثة وهي : عقيدة ~~حقة وكلمة طيبة وأعمال حسنة ، فالقلب واللسان والجوارح كلها كانت مرتبة ~~برحمة الله على عقيدته ، وكل من له عقيدة حقة يرحمه الله ويرزقه الله دائما ~~وعلى الكلمة الطيبة وهي كلمة الشهادة ، وكل من قال : لا إله إلا الله فله ~~رزق كريم والجنة له على أعماله الصالحة ، قال تعالى : { إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله } ( التوبة : ~~111 ) وقال : { ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هى المأوى } ( النازعات : ~~40 ، 41 ) فإن قيل : فعلى هذا من أتى بالعقيدة / الحقة ، ولم يأت بالكلمة ~~الطيبة ينبغي أن يكون من أهل الرحمة ولا يرحم الله إلا من قال : لا إله إلا ~~الله ، نقول : من كانت عقيدته حقة ، لا بد وأن يأتي بالقول الطيب فإن لم ~~يسمع لا يحكم به ، لأن العقيدة لا اطلاع لنا عليها فالقول دليل لنا ، وأما ~~الله تعالى فهو عالم الأسرار ، ولهذا ورد في الأخبار أن من الناس من يدفن ~~في مقابر الكفار ويحشر مع المؤمنين / ومنهم من يدفن في مقابر المسلمين ~~ويحشر مع الكفار لا يقال : إن من لا يعمل الأعمال الصالحة لا تكون له الجنة ~~على ما ذكرت ، لأنا نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن عقيدته الحقة ~~وكلمته الطيبة لا يتركانه بلا عمل ، فهذا أمر غير واقع وفرض غير جائز ~~وثانيهما : أنا نقول من حيث الجزاء ، وأما من قال : لا إله ms8901 إلا الله فيدخل ~~الجنة ، وإن لم يعمل عملا لا على وجه الجزاء بل بمحض فضل الله من غير جزاء ~~، وإن كان الجزاء أيضا من الفضل لكن من الفضل ما يكون كالصدقة المبتدأة ، ~~ومن الفضل مالا كما يعطي الملك الكريم آخر والمهدي إليه غيرملك لا يستحق ~~هديته ولا رزقه . PageV29P175 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين } . > 7 ~~! # < < # | الواقعة : ( 90 ) وأما إن كان . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في السلام وفيه وجوه أولها : يسلم به صاحب اليمين على ~~صاحب اليمين ، كما قال تعالى من قبل : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * ~~إلا قيلا سلاما سلاما } ( الواقعة : 25 ، 26 ) ، ثانيها : { فسلام لك } أي ~~سلامة لك من أمر خاف قلبك منه فإنه في أعلى المراتب ، وهذا كما يقال لمن ~~تعلق قلبه بولده الغائب عنه ، إذا كان يخدم عند كريم ، يقول له : كن فارغا ~~من جانب ولدك فإنه في راحة . ثالثها : أن هذه الجملة تفيد عظمة حالهم كما ~~يقال : فلان ناهيك به ، وحسبك أنه فلان ، إشارة إلى أنه ممدوح فوق الفضل . # المسألة الثانية : الخطاب بقوله : { لك } مع من ؟ نقول : قد ظهر بعض ذلك ~~فنقول : يحتمل أن يكون المراد من الكلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وحينئذ ~~فيه وجه وهو ما ذكرنا أن ذلك تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم ~~غير محتاجين إلى شيء من الشفاعة وغيرها ، فسلام لك يا محمد منهم فإنهم في ~~سلامة وعافية لا يهمك أمرهم ، أو فسلام لك يا محمد منهم ، وكونهم ممن يسلم ~~على محمد صلى الله عليه وسلم دليل العظمة ، فإن العظيم لا يسلم عليه إلا ~~عظيم ، وعلى هذا ففيه لطيفة : وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم مكانته فوق ~~مكانة أصحاب اليمين بالنسبة إلى المقربين الذين هم في عليين ، كأصحاب الجنة ~~بالنسبة إلى أهل عليين ، فلما قال : { وأما إن كان من أصحاب اليمين } كان ~~فيه إشارة إلى أن مكانهم غير مكان الأولين المقربين ، فقال تعالى : هؤلاء ~~وإن كانوا دون ms8902 الأولين لكن لا تنفع بينهم المكانة والتسليم ، بل هم يرونك ~~ويصلون إليك وصول جليس الملك إلى الملك والغائب إلى أهله وولده ، وأما ~~المقربون فهم يلازمونك ولا يفارقونك وإن كنت أعلى مرتبة منهم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم } ~~. > 7 @QB@ < # | الواقعة : ( 92 - 94 ) وأما إن كان . . . . . # > > # وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال ههنا : { من المكذبين الضالين } وقال من قبل : { ثم ~~إنكم أيها الضالون المكذبون } وقد بينا فائدة التقديم والتأخير هناك . # المسألة الثانية : ذكر الأزواج الثلاثة في أول السورة بعبارة وأعادهم ~~بعبارة أخرى فقال : { فأصحاب الميمنة } ( الواقعة : 8 ) ثم قال : { وأصحاب ~~اليمين } ( الواقعة : 27 ) وقال : { وأصحاب المشئمة } ( الواقعة : 9 ) ثم ~~قال : { وأصحاب الشمال } ( الواقعة : 41 ) وأعادهم ههنا ، وفي المواضع ~~الثلاثة ذكر أصحاب اليمين بلفظ واحد أو بلفظين مرتين ، أحدهما غير الآخر ، ~~وذكر السابقين في أول السورة بلفظ السابقين ، وفي آخر السورة بلفظ المقربين ~~، وذكر أصحاب النار في الأول بلفظ { وأصحاب المشئمة } ثم بلفظ { الشمال ما ~~} ثم بلفظ { المكذبين } فما الحكمة فيه ؟ نقول : أما السابق فله حالتان ~~إحداهما في الأولى ، والأخرى في الآخرة ، فذكره في المرة الأولى بماله في ~~الحالة الأولى ، وفي الثانية بماله في الحالة الآخرة ، وليس له حالة هي ~~واسطة بين الوقوف للعرض وبين الحساب ، بل هو ينقل من الدنيا إلى أعلى عليين ~~، ثم ذكر أصحاب اليمين بلفظين متقاربين ، لأن حالهم قريبة من حال السابقين ~~، وذكر الكفار بألفاظ ثلاثة كأنهم في الدنيا ضحكوا عليهم بأنهم أصحاب موضع ~~شؤم ، فوصفوهم بموضع الشؤم ، فإن المشأمة مفعلة وهي الموضع ، ثم قال : { ~~الشمال ما } PageV29P176 فإنهم في الآخرة يؤتون كتابهم بشمالهم ، ويقفون في ~~موضع هو شمال ، لأجل كونهم من أهل النار ، ثم إنه تعالى لما ذكر حالهم في ~~أول الحشر بكونهم من أصحاب الشمال ذكر ما يكون لهم من السموم والحميم ، ثم ~~لم يقتصر عليه ، ثم ذكر السبب فيه ، فقال : { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين * ~~وكانوا يصرون } ( الواقعة : 45 ، 46 ) فذكر سبب العقاب لما بينا مرارا أن ms8903 ~~العادل يذكر للعقاب سببا ، والمتفضل لا يذكر للإنعام والتفضل سببا ، فذكرهم ~~في الآخرة ما عملوه في الدنيا ، فقال : { وأما إن كان من المكذبين } ليكون ~~ترتيب العقاب على تكذيب الكتاب فظهر العدل ، وغير ذلك ظاهر . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن هاذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم } . > 7 @QB@ < # | الواقعة : ( 95 - 96 ) إن هذا لهو . . . . . # > > # وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : { هاذا } إشارة إلى ماذا ؟ نقول : فيه وجوه أحدها : ~~القرآن ثانيها : ما ذكره في السورة ثالثها : جزاء الأزواج الثلاثة . # المسألة الثانية : كيف أضاف الحق إلى اليقين مع أنهما بمعنى واحد ؟ نقول ~~: فيه وجوه / أحدها : هذه الإضافة ، كما أضاف الجانب إلى الغربي في قوله : ~~{ وما كنت بجانب الغربى } ( القصص : 44 ) وأضاف الدار إلى الآخرة في قوله : ~~{ ولدار الاخرة } ( الأنعام : 32 ) غير أن المقدر هنا غير ظاهر ، فإن شرط ~~ذلك أن يكون بحيث يوصف باليقين ، ويضاف إليه الحق ، وما يوصف باليقين بعد ~~إضافة الحق إليه وثانيها : أنه من الإضافة التي بمعنى من ، كما يقال : باب ~~من ساج ، وباب ساج ، وخاتم من فضة ، وخاتم فضة ، فكأنه قال : لهو الحق من ~~اليقين ثالثها : وهو أقرب منها ما ذكره ابن عطية أن ذلك نوع تأكيد يقال : ~~هذا من حق الحق ، وصواب الصواب ، أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه ، ~~والذي وقع في تقرير هذا أن الإنسان أظهر ما عنده الأنوار المدركة بالحس ، ~~وتلك الأنوار أكثرها مشوبة بغيرها ، فإذا وصل الطالب إلى أوله يقول : وجدت ~~أمر كذا ، ثم إنه مع صحة إطلاق اللفظ عليه لا يتميز عن غيره ، فيتوسط ~~الطالب ويأخذ مطلوبه من وسطه ، مثاله من يطلب الماء ، ثم يصل إلى بركة ~~عظيمة ، فإذا أخذ من طرفه شيئا يقول : هو ماء ، وربما يقول قائل آخر : هذا ~~ليس بماء ، وإنما هو طين ، وأما الماء ما أخذته من وسط البركة ، فالذي في ~~طرف البركة ماء بالنسبة إلى أجسام أخرى ، ثم إذا نسب إلى الماء الصافي ربما ~~يقال له شيء آخر ، فإذا قال : هذا هو الماء حقا قد أكد ، وله أن ms8904 يقول : حق ~~الماء ، أي الماء حقا هذا بحيث لا يقول أحد فيه شيء ، فكذلك ههنا كأنه قال ~~: هذا هو اليقين حقا لا اليقين الذي يقول بعض إنه ليس بيقين ، ويحتمل وجها ~~آخر ، وهو أن يقال : الإضافة على حقيقتها ، ومعناه أن هذا القول لك يا محمد ~~وللمؤمنين ، وحق اليقين أن تقول كذا ، ويقرب من هذا ما يقال : حق الكمال أن ~~يصلي المؤمن ، وهذا كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها ) أن الضمير راجع إلى الكلمة أي إلا بحق الكلمة ، ومن حق الكلمة ~~أداء الزكاة والصلاة ، فكذلك حق اليقين أن يعرف ما قاله الله تعالى في ~~الواقعة في حق الأزواج الثلاثة ، وعلى هذا معناه : أن اليقين لا يحق ولا ~~يكون إلا إذا صدق فيما قاله بحق ، فالتصديق حق اليقين الذي يستحقه ، وأما ~~قوله : { فسبح باسم ربك العظيم } فقد تقدم تفسيره ، وقلنا إنه تعالى لما ~~بين الحق وامتنع الكفار ، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم هذا هو حق ، فإن ~~امتنعوا فلا تتركهم ولا تعرض عنهم وسبح ربك في نفسك ، وما عليك من قومك ~~سواء صدقوك أو كذبوك ، ويحتمل أن يكون المراد فسبح واذكر ربك باسمه الأعظم ~~، وهذا PageV29P177 متصل بما بعده لأنه قال في السورة التي تلي هذه : { سبح ~~لله ما فى * السماوات } ( الحديد : 1 ) فكأنه قال : سبح الله ما في السموات ~~، فعليك أن توافقهم ولا تلتفت إلى الشرذمة القليلة الضالة ، فإن كل شيء معك ~~يسبح الله عز وجل . # PageV29P178 < # > 1 ( سورة الحديد ) 1 < # > # وهي تسع وعشرون آية مكية # ! 7 < { سبح لله ما فى السماوات والا رض وهو العزيز الحكيم } . > 7 ! # / < < # | الحديد : ( 1 ) سبح لله ما . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : التسبيح تبعيد الله تعالى من السوء ، وكذا التقديس من ~~سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد . # واعلم أن التسبيح عن السوء يدخل فيه تبعيد الذات عن السوء ، وتبعيد ~~الصفات وتبعيد الأفعال ، وتبعيد الأسماء ms8905 وتبعيد الأحكام ، أما في الذات : ~~فأن لا تكون محلا للإمكان ، فإن السوء هو العدم وإمكانه ، ثم نفي الإمكان ~~يستلزم نفي الكثرة ، ونفيها يستلزم نفي الجسمية والعرضية ، ونفي الضد والند ~~وحصول الوحدة المطلقة . وأما في الصفات : فأن يكون منزها عن الجهل بأن يكون ~~محيطا بكل المعلومات ، ويكون قادرا على كل المقدورات ، وتكون صفاته منزهة ~~عن التغيرات . وأما في الأفعال : فأن تكون فاعليته موقوفة على مادة ومثال ، ~~لأن كل مادة ومثال فهو فعله ، لما بينا أن كل ما عداه فهو ممكن ، وكل ممكن ~~فهو فعله ، فلو افتقرت فاعليته إلى مادة ومثال ، لزم التسلسل ، وغير موقوفة ~~على زمان ومكان ، لأن كل زمان فهو مركب من أجزاء منقضية ، فيكون ممكنا ، كل ~~مكان فهو يعد ممكن مركب من أفراد الأحياز ، فيكون كل واحد منهما ممكنا ~~ومحدثا ، فلو افتقرت فاعليته إلى زمان وإلى مكان ، لافتقرت فاعلية الزمان ~~والمكان إلى زمان ومكان ، فيلزم التسلسل ، وغير موقوفة على جلب منفعة ، ولا ~~دفع مضرة ، وإلا لكان مستكملا بغيره ناقصا في ذاته ، وذلك محال . وأما في ~~الأسماء : فكما قال : { ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها } ( الأعراف : 18 ) ~~. وأما في الأحكام : فهو أن كل ما شرعه فهو مصلحة وإحسان وخير ، وأن كونه ~~فضلا وخيرا ليس على سبيل الوجوب عليه ، بل على سبيل الإحسان ، وبالجملة يجب ~~أن يعلم من هذا الباب أن حكمه وتكليفه لازم لكل أحد ، وأنه ليس لأحد عليه ~~حكم ولا تكليف ولا يجب لأحد عليه شيء أصلا ، فهذا هو ضبط معاقد التسبيح . # / المسألة الثانية : جاء في بعض الفواتح { سبح } على لفظ الماضي ، وفي ~~بعضها على لفظ المضارع ، وذلك إشارة إلى أن كون هذه الأشياء مسبحة غير مختص ~~بوقت دون وقت ، بل هي كانت مسبحة أبدا في PageV29P179 الماضي ، وتكون مسبحة ~~أبدا في المستقبل ، وذلك لأن كونها مسبحة صفة لازمة لماهياتها ، فيستحيل ~~انفكاك تلك الماهيات عن ذلك التسبيح ، وإنما قلنا : إن هذه المسبحية صفة ~~لازمة لماهياتها ، لأن كل ما عدا الواجب ممكن ، وكل ممن فهو مفتقر إلى ~~الواجب ، وكون الواجب واجبا يقتضي ms8906 تنزيهه عن كل سوء في الذات والصفات ~~والأفعال والأحكام والأسماء على ما بيناه ، فظهر أن هذه المسبحية كانت ~~حاصلة في الماضي ، وتكون حاصلة في المستقبل ، والله أعلم . # المسألة الثالثة : هذا الفعل تارة عدي باللام كما في هذه السورة ، وأخرى ~~بنفسه كما في قوله : { وتسبحوه بكرة وأصيلا } وأصله التعدي بنفسه ، لأن ~~معنى سبحته أي بعدته عن السوء ، فاللام إما أن تكون مثل اللام في نصحته ~~ونصحت له ، وإما أن يراد يسبح لله أحدث التسبيح لأجل الله وخالصا لوجهه . # المسألة الرابعة : زعم الزجاج أن المراد بهذا التسبيح ، التسبيح الذي هو ~~القول ، واحتج عليه بوجهين الأول : أنه تعالى قال : { وإن من شىء إلا يسبح ~~بحمده ولاكن لا تفقهون تسبيحهم } ( الإسراء : 44 ) فلو كان المراد من ~~التسبيح ، هو دلالة آثار الصنع على الصانع لكانوا يفقهونه الثاني : أنه ~~تعالى قال : { وسخرنا مع * داوود * الجبال يسبحن } ( الأنبياء : 79 ) فلو ~~كان تسبيحا عبارة عن دلالة الصنع على الصانع لما كان في ذلك تخصيص لداود ~~عليه السلام . واعلم أن هذا الكلام ضعيف ( لحجتين ) : # أما الأولى : فلأن دلالة هذه الأجسام على تنزيه ذات الله وصفاته وأفعاله ~~من أدق الوجوه ، ولذالك فإن العقلاء اختلفوا فيها ، فقوله : { ولاكن لا ~~تفقهون } لعله إشارة إلى أقوام جهلوا بهذه الدلالة ، وأيضا فقوله : { لا ~~تفقهون } إشارة إن لم يكن إشارة إلى جمع معين ، فهو خطاب مع الكل فكأنه قال ~~: كل هؤلاء ما فقهوا ذلك ، وذلك لا ينافي أن يفقهه بعضهم . # وأما الحجة الثانية : فضعيفة ، لأن هناك من المحتمل أن الله خلق حياة في ~~الجبل حتى نطق بالتسبيح . أما هذه الجمادات التي تعلم بالضرورة أنها جمادات ~~يستحيل أن يقال : إنها تسبح الله على سبيل النطق بذلك التسبيح ، إذ لو ~~جوزنا صدور الفعل المحكم عن الجمادات لما أمكننا أن نستدل بأفعال الله ~~تعالى على كونه عالما حيا ، وذلك كفر ، بل الحق أن التسبيح الذي هو القول ~~لا يصدر إلا من العاقل العارف بالله تعالى ، فينوي بذلك القول تنزيه ربه ~~سبحانه ، ومثل ذلك لا يصح من الجمادات ، فإذا ms8907 التسبيح العام الحاصل من ~~العاقل والجماد لا بد وأن يكون مفسرا بأحد وجهين الأول : أنها تسبح بمعنى ~~أنها تدل على تعظيمه وتنزيهه والثاني : أن الممكنات بأسرها منقادة له يتصرف ~~فيها كيف يريد ليس له عن فعله وتكوينه مانع ولا دافع ، إذا عرفت هذه ~~المقدمة ، فنقول : إن حملنا / التسبيح المذكور في الآية على التسبيح بالقول ~~، كان المراد بقوله : { ما في السماوات } من في السموات ومنهم حملة العرش : ~~{ فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون } ( فصلت : 38 ) ومنهم المقربون : { ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم } ( سبأ : 41 ) ومن سائر الملائكة : { ~~قالوا سبحانك ما كان ينبغى لنا } ( الفرقان : 18 ) وأما المسبحون الذين هم ~~في الأرض فمنهم الأنبياء كما قال ذو النون : { لا إلاه إلا أنت سبحانك } ( ~~الأنبياء : 87 ) وقال موسى : { سبحانك إنى * تبت إليك } ( الأعراف : 143 ) ~~والصحابة يسبحون كما قال : { سبحانك فقنا عذاب النار } ( آل عمران : 191 ) ~~وأما إن حملنا هذا التسبيح على التسبيح المعنوي : فأجزاء السموات وذرات ~~الأرض والجبال والرمال والبحار والشجر والدواب والجنة والنار والعرش ~~والكرسي واللوح والقلم والنور والظلمة والذوات والصفات والأجسام ~~PageV29P180 والأعراض كلها مسبحة خاشعة خاضعة لجلال الله منقادة لتصرف الله ~~كما قال عز من قائل : { وإن من شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) وهذا ~~التسبيح هو المراد بالسجود في قوله : { ولله يسجد ما فى * السماوات وما في ~~الارض } ( النحل : 49 ) أما قوله : { وهو العزيز الحكيم } فالمعنى أنه ~~القادر الذي لا ينازعه شيء ، فهو إشارة إلى كمال القدرة ، والحكيم إشارة ~~إلى أنه العالم الذي لا يحتجب عن علمه شيء من الجزئيات والكليات أو أنه ~~الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب ، ولما كان العلم بكونه قادرا ~~متقدما على العلم بكونه عالما لا جرم قدم العزيز على الحكيم في الذكر . # واعلم أن قوله : { وهو العزيز الحكيم } يدل على أن العزيز ليس إلا هو لأن ~~هذه الصيغة تفيد الحصر ، يقال : زيد هو العالم لا غيره ، فهذا يقتضي أنه لا ~~إله إلا الواحد ، لأن غيره ليس بعزيز ولا حكيم ومالا يكون كذلك لا ms8908 يكون ~~إلها . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { له ملك السماوات والا رض يحى ويميت وهو على كل شىء قدير } . > 7 ~~! # < < # | الحديد : ( 2 ) له ملك السماوات . . . . . # > > واعلم أن الملك الحق هو الذي يستغني في ذاته ، وفي جميع صفاته عن كل ~~ما عداه ، ويحتاج كل ما عداه إليه في ذواتهم وفي صفاتهم ، والموصوف بهذين ~~الأمرين ليس إلا هو سبحانه . أما أنه مستغن في ذاته وفي جميع صفاته عن كل ~~ما عداه فلأنه لو افتقر في ذاته إلى الغير لكان ممكنا لذاته فكان محدثا ، ~~فلم يكن واجب الوجود ، وأما أنه مستغن في جميع صفاته السلبية والإضافية عن ~~كل ما عداه ، فلأن كل ما يفرض صفة له ، فإما أن تكون هويته سبحانه كافية في ~~تحقق تلك الصفة سواء كانت الصفة سلبا أو إيجابا أو لا تكون كافية في ذلك ، ~~فإن كانت هويته كافية في ذلك من دوام تلك الهوية دوام تلك الصفة سلبا كانت ~~الصفة أو إيجابا ، وإن لم تكن تلك لزم الهوية كافية ، فحينئذ تكون تلك ~~الهوية ممتنعة الانفكاك عن ثبوت تلك الصفة وعن سلبها ، ثم ثبوت تلك الصفة ~~وسلبها ، يكون متوقفا على ثبوت أمر آخر وسلبه ، والموقوف على الموقوف على ~~الشيء موقوف على ذلك الشيء ، فهويته سبحانه تكون موقوفة التحقق على تحقق ~~علة / ثبوت تلك الصفة أو علة سلبها ، والموقوف على الغير ممكن لذاته فواجب ~~الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته ، وهذا خلف ، فثبت أنه سبحانه غير مفتقر لا ~~في ذاته ، ولا في شيء من صفاته السلبية ولا الثبوتية إلى غيره ، وأما أن كل ~~ما عداه مفتقر إليه فلأن كل ما عداه ممكن ، لأن واجب الوجود لا يكون أكثر ~~من واحد والممكن لا بد له من مؤثر ، ولا واجب إلا هذا الواحد فإذن كل ما ~~عداه فهو مفتقر إليه سواء كان جوهرا أو عرضا ، وسواء كان الجوهر روحانيا أو ~~جسمانيا ، وذهب جمع من العقلاء إلى أن تأثير واجب الوجود في إعطاء الوجود ~~لا في الماهيات فواجب الوجود يجعل السواد موجودا ، أما أنه يستحيل ms8909 أن يجعل ~~السواد سوادا ، قالوا : لأنه لو كان كون السواد سوادا بالفاعل ، لكان يلزم ~~من فرض عدم ذلك الفاعل أن لا يبقى السواد سوادا وهذا محال ، فيقال لهم ~~يلزمكم على هذا التقدير أن لا يكون الوجود أيضا بالفاعل ، وإلا لزم من فرض ~~عدم ذلك الفاعل أن لا يكون الوجود وجودا ، فإن قالوا : تأثير الفاعل ليس في ~~الوجود بل في جعل الماهية موصوفة بالوجود ، قلنا : هذا مدفوع من وجهين ~~الأول : أن موصوفية الماهية بالوجود ليس أمرا ثبوتيا ، إذ لو PageV29P181 ~~كان أمرا ثبوتيا لكانت له ماهية ووجود ، فحينئذ تكون موصوفية تلك الماهية ~~بالوجود زائدة عليه ولزم التسلسل وهو محال ، وإذا كان موصوفية الماهية ~~بالوجوه ليس أمرا ثبوتيا ، استحال أن يقال : لا تأثير للفاعل في الماهية ~~ولا في الوجود بل تأثيره في موصوفية الماهية بالوجود الثاني : أن بتقدير أن ~~تكون تلك الموصوفية أمرا ثبوتيا ، استحال أيضا جعلها أثرا للفاعل ، وإلا ~~لزم عند فرض عدم ذلك الفاعل أن تبقى الموصوفية موصوفية ، فظهر أن الشبهة ~~التي ذكروها لو تمت واستقرت يلزم نفي التأثير والمؤثر أصلا ، بل كما أن ~~الماهيات إنما صارت موجودة بتأثير واجب الوجود ، فكذا أيضا الماهيات إنما ~~صارت ماهيات بتأثير واجب الوجود ، وإذا لاحت هذه الحقائق ظهر بالبرهان ~~العقلي صدق قوله تعالى : { له ملك السماوات والارض } بل ملك السموات والأرض ~~بالنسبة إلى كمال ملكه أقل من الذرة ، بل لا نسبة له إلى كمال ملكه أصلا ، ~~لأن ملك السموات والأرض ملك متناه ، وكمال ملكه غير متناه ، والمتناهي لا ~~نسبة له ألبتة إلى غير المتناهي ، لكنه سبحانه وتعالى ذكر ملك السموات ~~والأرض لأنه شيء مشاهد محسوس ، وأكثر الخلق عقولهم ضعيفة قلما يمكنهم ~~الترقي من المحسوس إلى المعقول . # ثم إنه سبحانه لما ذكر من دلائل الآفاق ملك السموات والأرض ذكر بعده ~~دلائل الأنفس فقال : { له ملك السماوات والارض يحى ويميت وهو } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : ذكر المفسرون فيه وجهين أحدهما : يحيي الأموات للبعث ، ~~ويميت الأحياء في الدنيا والثاني : قال الزجاج : يحيي النطف فيجعلها أشخاصا ~~عقلاء فاهمين ms8910 ناطقين ، ويميت / وعندي فيه وجه ثالث وهو أنه ليس المراد من ~~تخصيص الإحياء والإماتة بزمان معين وبأشخاص معينين ، بل معناه أنه هو ~~القادر على خلق الحياة والموت ، كما قال في سورة الملك : { الذى خلق الموت ~~والحيواة } ( الملك : 2 ) والمقصود منه كونه سبحانه هو المنفرد بإيجاد ~~هاتين الماهيتين على الإطلاق ، لا يمنعه عنهما مانع ولا يرده عنهما راد ، ~~وحينئذ يدخل فيه الوجهان اللذان ذكرهما المفسرون . # المسألة الثانية : موضع { لا إلاه } رفع على معنى هو يحيي ويميت ، ويجوز ~~أن يكون نصبا على معنى : له ملك السموات والأرض حال كونه محييا ومميتا . ~~واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الآفاق أولا : ودلائل الأنفس ثانيا : ذكر ~~لفظا يتناول الكل فقال : { وهو على كل شىء قدير } وفوائد هذه الآية مذكورة ~~في أول سورة الملك . # ! 7 < { هو الا ول والا خر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 3 ) هو الأول والآخر . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسير ~~هذه الآية : ( إنه الأول ليس قبله شيء والآخر ليس بعده شيء ) وأعلم أن هذا ~~المقام مقام مهيب غامض عميق والبحث فيه من وجوه : الأول : أن تقدم ~~PageV29P182 الشيء على الشيء يعقل على وجوه أحدها : التقدم بالتأثير فإنا ~~نعقل أن لحركة الأصبع تقدما على حركة الخاتم ، والمراد من هذا التقدم كون ~~المتقدم مؤثرا في المتأخر وثانيها : التقدم بالحاجة لا بالتأثير ، لأنا ~~نعقل احتياج الاثنين إلى الواحد وإن كنا نعلم أن الواحد ليس علة للاثنين ~~وثالثها : التقدم بالشرف كتقدم أبي بكر على عمر ورابعها : التقدم بالرتبة ، ~~وهو إما من مبدأ محسوس كتقدم الإمام على المأموم ، أو من مبدأ معقول ، وذلك ~~كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي ، فإنه كلما كان النوع أشد تسفلا كان ~~أشد تأخرا ، ولو قلبناه انقلب الأمر وخامسها : التقدم بالزمان ، وهو أن ~~الموجود في الزمان المتقدم ، متقدم على الموجود في الزمان المتأخر ، فهذا ~~ما حصله أرباب العقول من أقسام القبلية والتقدم وعندي أن ههنا قسما سادسا ، ~~وهو مثل ms8911 تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ، فإن ذلك التقدم ليس تقدما ~~بالزمان ، وإلا وجب أن يكون الزمان محيطا بزمان آخر ، ثم الكلام في ذلك ~~المحيط كالكلام في المحاط به ، فيلزم أن يحيط بكل زمان زمان آخر لا نهاية ~~بحيث تكون كلها حاضرة في هذا الآن ، فلا يكون هذا الآن الحاضر واحدا ، بل ~~يكون كل حاضر في حاضر آخر لا إلى نهاية وذلك غير معقول ، وأيضا فلأن مجموع ~~تلك الآنات الحاضرة متأخر عن مجموع الآنات الماضية ، فلمجموع الأزمنة زمان ~~آخر محيط بها لكن ذلك محال ، لأنه لما كان زمانا كان داخلا في مجموع ~~الأزمنة ، فإذا ذلك لزمان داخل في ذلك المجموع وخارج عنه وهو محال ، فظهر ~~بهذا البرهان الظاهر أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ليس بالزمان ، ~~وظاهر أنه ليس بالعلة ولا بالحاجة ، وإلا لوجدا معا ، كما أن العلة والعلول ~~/ يوجدان معا ، والواحد والإثنين يوجدان معا ، وليس أيضا بالشرف ولا ~~بالمكان ، فثبت أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض قسم سادس غير الأقسام ~~الخمسة المذكورة ، وإذا عرفت هذا فنقول : إن القرآن دل على أنه تعالى أول ~~لكل ما عداه ، والبرهان دل أيضا على هذا المعنى ، لأنا نقول : كل ما عدا ~~الواجب ممكن ، وكل ممكن محدث ، فكل ما عدا الواجب فهو محدث ، وذلك الواجب ~~أول لكل ما عداه ، إنما قلنا : أن ما عدا الواجب ممكن ، لأنه لو وجد شيئآن ~~واجبان لذاتهما لاشتركا في الواجب الذاتي ، ولتباينا بالتعين وما به ~~المشاركة غير ما به الممايزة ، فيكون كل واحد منهما مركبا ، ثم كل واحد من ~~جزأيه إن كان واجبا فقد اشترك الجزآن في الوجوب وتباينا بالخصوصية ، فيكون ~~كل واحد من ذينك الجزأين أيضا مركبا ولزم التسلسل ، وإن لم يكونا واجبين أو ~~لم يكن أحدهما واجبا ، كان الكل المتقوم به أولى بأن لا يكون واجبا ، فثبت ~~أن كل ما عدا الواجب ممكن ، وكل ممكن محدث ، لأن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر ~~، وذلك الافتقار إما حال الوجود أو حال العدم ، فإذا كان حال الوجود ، فإما ms8912 ~~حال البقاء وهو محال لأنه يقتضي إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل وهو محال ، ~~فإن تلك الحاجة إما حال الحدوث أو حال العدم ، وعلى التقديرين فيلزم أن ~~يكون كل ممكن محدثا ، فثبت أن كل ما عدا ذلك الواجب فهو محدث محتاج إلى ذلك ~~الواجب ، فإذا ذلك الواجب يكون قبل كل ما عداه ، ثم طلب العقل كيفية تلك ~~القبلية فقلنا : لا يجوز أن تكون تلك القبلية بالتأثير ، لأن المؤثر من حيث ~~هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معا ، والمع لا يكون قبل ، ~~ولا يجوز أن تكون لمجرد الحاجة لأن المحتاج والمحتاج إليه لا يمتنع أن ~~يوجدا معا ، وقد بينا أن تلك المعية ههنا ممتنعة ، ولا يجوز أن تكون لمحض ~~الشرف فإنه ليس المطلوب من هذه القبلية ههنا مجرد أنه تعالى أشرف من ~~الممكنات ، وأما القبلية المكانية فباطلة ، وبتقدير ثبوتها فتقدم المحدث ~~على PageV29P183 المحدث أمر زائد آخر وراء كون أحدهما فوق الآخر بالجهة ، ~~وأما التقدم الزماني فباطل ، لأن الزمان أيضا ممكن ومحدث ، أما أولا فلما ~~بينا أن واجب الوجود لا يكون أكثر من واحد ، وأما ثانيا فلأن أمارة الإمكان ~~والحدوث فيه أظهر كما في غيره لأن جميع أجزائه متعاقبة ، وكل ما وجد بعد ~~العدم وعدم بعد الوجود فلا شك أنه ممكن المحدث ، وإذا كان جميع أجزاء ~~الزمان ممكنا ومحدثا والكل متقوم بالأجزاء فالمفتقر إلى الممكن المحدث أولى ~~بالإمكان والحدوث ، فإذن الزمان بمجموعه وبأجزائه ممكن ومحدث ، فتقدم موجده ~~عليه لا يكون بالزمان ، لأن المتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان ، ~~وإلا فيلزم في ذلك الزمان أن يكون داخلا في مجموع الأزمنة لأنه زمان ، وأن ~~يكون خارجا عنها لأنه ظرفها ، والظرف مغاير للمظروف لا محال ، لكن كون ~~الشيء الواحد داخلا في شيء وخارجا عنه محال ، وأما ثالثا فلأن الزمان ~~ماهيته تقتضي السيلان والتجدد ، وذلك يقتضي المسبوقية بالغير والأزل ينافي ~~المسبوقية بالغير ، فالجمع بينهما محال ، فثبت أن تقدم الصانع على كل ما ~~عداه ليس بالزمان ألبتة ، فإذن الذي عند العقل أنه متقدم على ms8913 كل ما عداه ، ~~أنه ليس ذلك التقدم على أحد هذه الوجوه / الخمسة ، فبقي أنه نوع آخر من ~~التقدم يغاير هذه الأقسام الخمسة ، فأما كيفية ذلك التقدم فليس عند العقل ~~منها خبر ، لأن كل ما يخطر ببال العقل فإنه لا بد وأن يقترن به حال من ~~الزمان ، وقد دل الدليل على أن كل ذلك محال ، فإذن كونه تعالى أولا معلوم ~~على سبيل الإجمال ، فأما على سبيل التفصيل والإحاطة بحقيقة تلك الأولية ، ~~فليس عند عقول الخلق منه أثر . # النوع الثاني : من هذا غوامض الموضع ، وهو أن الأزل متقدم على اللا يزال ~~، وليس الأزل شيئا سوى الحق ، فتقدم الأزل على اللا يزال ، يتسدعي الامتياز ~~بين الأزل وبين اللا يزال ، فهذا يقتضي أن يكون اللا يزال له مبدأ وطرف ، ~~حتى يحصل هذا الامتياز ، لكن فرض هذا الطرف محال ، لأن كل مبدأ فرضته ، فإن ~~اللايزال ، كان حاصلا قبله ، لأن المبدأ الذي يفرض قبل ذلك الطرف المفروض ~~بزيادة مائة سنة ، يكون من جملة اللايزال ، لا من جملة الأزل ، فقد كان ~~معنى اللايزال موجودا قبل أن كان موجودا وذلك محال . # النوع الثالث : من غوامض هذا الموضوع ، أن امتياز الأزل عن اللا يزال ، ~~يستدعي انقضاء حقيقة الأزل ، وانقضاء حقيقة الأزل محال ، لأن مالا أول له ~~يمتنع انقضاؤه ، وإذا امتنع انقضاؤه امتنع أن يحصل عقيبه ماهية اللا يزال ، ~~فإذن يمتنع امتياز الأزل عن اللا يزال ، وامتياز اللا يزال عن الأزال ، ~~وإذا امتنع حصول هذا الإمتياز امتنع حصول التقدم والتأخر ، فهذه أبحاث ~~غامضة في حقيقة التقدم والأولية والأزلية ، وما هي إلا بسبب حيرة العقول ~~البشرية في نور جلال ماهية الأزلية والأولية ، فإن العقل إنما يعرف الشيء ~~إذا أحاط به ، وكل ما استحضره العقل ، ووقف عليه فذاك يصير محاطا به ، ~~والمحاط يكون متناهيا ، والأزلية تكون خارجة عنه ، فهو سبحانه ظاهر باطن في ~~كونه أولا ، لأن العقول شاهدة بإسناد المحدثات إلى موجد متقدم عليها فكونه ~~تعالى أولا أظهر من كل ظاهر من هذه الجهة ، ثم إذا أردت أن تعرف حقيقة تلك ~~الأولية ms8914 عجزت لأن كل ما أحاط به عقلك وعلمك فهو محدود عقلك ومحاط علمك ~~فيكون متناهيا / فتكون الأولية خارجة عنا ، فكونه تعالى أولا إذا اعتبرته ~~من هذه الجهة كان إبطن من كل باطن ، فهذا هو البحث عن كونه تعالى أولا . # أما البحث عن كونه آخرا ، فمن الناس من قال : هذا محال ، لأنه تعالى إنما ~~يكون آخر الكل ما عداه ، لو بقي هو مع عدم كل ما عداه لكن عدم ما عداه إنما ~~يكون بعد وجوده ، وتلك البعدية ، زمانية ، فإذن لا يمكن PageV29P184 فرض ~~عدم كل عداه إلا مع وجود الزمان الذي به تتحقق تلك البعدية ، فإذن حال ما ~~فرض عدم كل ما عداه ، أن لا يعدم كل ما عداه ، فهذا خلف ، فإذن فرض بقائه ~~مع عدم كل ما عداه محال ، وهذه الشبهة مبنية أيضا على أن التقدم والتأخر لا ~~يتقرران إلا بالزمان ، وقد دللنا على فساد هذه المقدمة فبطلت هذه الشبهة ، ~~وأما الذين سلموا إمكان عدم كل ما عداه مع بقائه ، فمنهم من أوجب ذلك حتى ~~يتقرر كونه تعالى آخرا للكل ، وهذا مذهب جهم ، فإنه زعم أنه / سبحانه يوصل ~~الثواب إلى أهل الثواب ، ويوصل العقاب إلى أهل العقاب ، ثم يفني الجنة ~~وأهلها ، والنار وأهلها ، والعرش والكرسي والملك والفلك ، ولا يبقى مع الله ~~شيء أصلا ، فكما أنه كان موجودا في الأزل ولا شيء يبقى موجودا في اللا يزال ~~أبد الآباد ولا شيء ، واحتج عليه بوجوه أولها : قوله هو الآخر ، يكون آخرا ~~إلا عند فناء الكل وثانيها : أنه تعالى إما أن يكون عالما بعدد حركات أهل ~~الجنة والنار ، أو لا يكون عالما بها ، فإن كان عالما بها كان عالما ~~بكميتها ، وكل ماله عدد معين فهو متناه ، فإذن حركات أهل الجنة متناهية ، ~~فإذن لا بد وأن يحصل بعدها عدم أبدي غير منقض وإذا لم يكن عالما بها كان ~~جاهلا بها والجهل على الله محال وثالثها : أن الحوادث المستقبلة قابلة ~~للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك فهو متناه والجواب : أن إمكان استمرار ~~هذه الأشياء حاصل إلى ms8915 الأبد ، والدليل عليه هو أن هذه الماهيات لو زالت ~~إمكاناتها ، لزم أن ينقلب الممكن لذاته ممتنعا لذاته ، ولو انقلبت قدرة ~~الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير ، لانقلبت الماهيات وذلك محال ، ~~فوجب أن يبقى هذا الإمكان أبدا ، فإذن ثبت أنه يجب انتهاء هذه المحدثات إلى ~~العدم الصرف ، أما التمسك بالآية فسنذكر الجواب عنه بعد ذلك إن شاء الله ~~تعالى وأما الشبهة الثانية : فجوابها أنه يعلم أنه ليس لها عدد معين ، وهذا ~~لا يكون جهلا ، إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه ، أما إذا لم يكن ~~له عدد معين وأنت تعلمه على الوجه فهذا لا يكون جهلا بل علما وأما الشبهة ~~الثالثة : فجوابها أن الخارج منه إلى الوجود أبدا لا يكون متناهيا ، ثم إن ~~المتكلمين لما أثبتوا إمكان بقاء العالم أبدا عولوا في بقاء الجنة والنار ~~أبدا ، على إجماع المسلمين وظواهر الآيات ، ولا يخفى تقريرها ، وأما جمهور ~~المسلمين الذين سلموا بقاء الجنة والنار أبدا ، فقد اختلفوا في معنى كونه ~~تعالى آخرا على وجوه أحدها : أنه تعالى يفني جميع العالم والممكنات فيتحقق ~~كونه آخرا ، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبدا وثانيها : أن الموجود الذي يصح في ~~العقل أن يكون آخرا لكل الأشياء ليس إلا هو ، فلما كانت صحة آخرية كل ~~الأشياء مختصة به سبحانه ، لا جرم وصف بكونه آخرا وثالثها : أن الوجود منه ~~تعالى يبتدىء ، ولا يزال ينزل وينزل حتى ينتهي إلى الموجود الأخير ، الذي ~~كون هو مسببا لكل ما عداه ، ولا يكون سببا لشيء آخر ، فبهذا الاعتبار يكون ~~الحق سبحانه أولا ، ثم إذا انتهى أخذ يترقى من هذا الموجود الأخير درجة ~~فدرجة حتى ينتهي إلى آخر الترقي ، فهناك وجود الحق سبحانه ، فهو سبحانه أول ~~في نزول الوجود منه إلى الممكنات ، آخر عند الصعود من الممكنات إليه ~~ورابعها : أنه يميت الخلق ويبقى بعدهم ، فهو سبحانه آخر بهذا الاعتبار ~~وخامسها : أنه أول في الوجود وآخر في الاستدلال ، لأن المقصود من جميع ~~الاستدلالات معرفة الصانع ، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد منها معرفة ms8916 ~~الصانع فهي حقيرة خسيسة ، أما كونه تعالى ظاهرا وباطنا ، فاعلم أنه ظاهر ~~بحسب الوجود ، فإنك لا ترى شيئا من الكائنات والممكنات إلا ويكون دليلا / ~~على وجوده وثبوته وحقيقته وبراءته عن جهات التغير على ما قررناه ، وأما ~~كونه تعالى باطنا فمن وجوه الأول : أن كمال كونه ظاهرا سبب لكونه باطنا ، ~~فإن هذه الشمس لو دامت على الفلك لما كنا نعرف أن هذا الضوء PageV29P185 ~~إنما حصل بسببها ، بل ربما كنا نظن أن الأشياء مضيئة لذواتها إلا أنها لما ~~كانت بحيث تغرب ثم ترى أنها متى غربت أبطلت الأنوار وزالت الأضواء عن هذا ~~العالم ، علمنا حينئذ أن هذه الأضواء من الشمس ، فههنا لو أمكن انقطاع وجود ~~الله عن هذه الممكنات لظهر حينئذ أن وجود هذه الممكنات من وجود الله تعالى ~~، لكنه لما دام ذلك الجود ولم ينقطع صار دوامه وكماله سببا لوقوع الشبهة ، ~~حتى إنه ربما يظن أن نور الوجود ليس منه بل وجود كل شيء له من ذاته ، فظهر ~~أن هذا الاستتار إنما وقع من كمال وجوده ، ومن دوام جوده ، فسبحان من اختفى ~~عن العقول لشدة ظهوره ، واحتجب عنها بكمال نوره . # الوجه الثاني : أن ماهيته غير معقولة للبشر ألبتة ، ويدل عليه أن الإنسان ~~لا يتصور ماهية الشيء إلا إذا أدركه من نفسه على سبيل الوجدان كالألم ~~واللذة وغيرهما أو أدركه بحسه كالألوان والطعوم وسائر المحسوسات ، فأما ~~مالا يكون كذلك فيتعذر على الإنسان أن يتصور ماهيته ألبتة ، وهويته ~~المخصوصة جل جلاله ليست كذلك فلا تكون معقولة للبشر ، ويدل عليه أيضا أن ~~المعلوم منه عند الخلق ، إما الوجود وإما السلوب ، وهو أنه ليس بجسم ولا ~~جوهر ، وإما الإضافة ، وهو أنه الأمر الذي من شأنه كذا وكذا ، والحقيقة ~~المخصوصة مغايرة لهذه الأمور فهي غير معقولة ويدل عليه أن أظهر الأشياء منه ~~عند العقل كونه خالقا لهذه المخلوقات ، ومتقدما عليها ، وقد عرفت حيرة ~~العقل ودهشته في معرفة هذه الأولية ، فقد ظهر بما قدمناه أنه سبحانه هو ~~الأول وهو الآخر ، وهو الظاهر وهو الباطن ، وسمعت والدي رحمه ms8917 الله يقول : ~~إنه كان يروى أنه لما نزلت هذه الآية أقبل المشركون نحو البيت وسجدوا . # المسألة الثانية : احتج كثير من العلماء في إثبات أن الإله واحد بقوله : ~~{ هو الاول } قالوا الأول هو الفرد السابق ، ولهذا المعنى لو قال : أول ~~مملوك اشتريته فهو حر ، ثم اشترى عبدين لم يعتقا ، لأن شرط كونه أولا حصول ~~الفردية ، وههنا لم تحصل ، فلو اشترى بعد ذلك عبدا واحدا لم يعتق ، لأن شرط ~~الأولية كونه سابقا وههنا لم يحصل ، فثبت أن الشرط في كونه أولا أن يكون ~~فردا ، فكانت الآية دالة على أن صانع العالم فرد . # المسألة الثالثة : أكثر المفسرين قالوا : إنه أول لأنه قبل كل شيء ، وإنه ~~آخر لأنه بعد كل شيء ، وإنه ظاهر بحسب الدلائل ، وإنه باطن عن الحواس محتجب ~~عن الأبصار ، وأن جماعة لما عجزوا عن جواب جهم قالوا : معنى هذه الألفاظ ~~مثل قول القائل : فلان هو أول هذا الأمر وآخره وظاهره وباطنه ، أي عليه ~~يدور ، وبه يتم . # واعلم أنه لما أمكن حمل الآية على الوجوه التي ذكرناها مع أنه يسقط بها ~~استدلال جهم / لم يكن بنا إلى حمل الآية على هذا المجاز حاجة ، وذكروا في ~~الظاهر والباطن أن الظاهر هو الغالب العالي على كل شيء ، ومنه قوله تعالى : ~~{ فأصبحوا ظاهرين } ( الصف : 14 ) أي غالبين عالين ، من قولك : ظهرت على ~~فلان أي علوته ، ومنه قوله تعالى : { عليها يظهرون } ( الزخرف : 33 ) وهذا ~~معنى ما روى في الحديث : ( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ) وأما الباطن فقال ~~الزجاج : إنه العالم بما بطن ، كما يقول القائل : فلان يظن أمر فلان ، أي ~~يعلم أحواله الباطنة قال الليث : يقال : أنت أبطن بهذا الأمر من فلان ، أي ~~أخبر بباطنه ، فمعنى كونه باطنا ، كونه عالما ببواطن الأمور ، وهذا التفسير ~~عندي فيه نظر ، لأن قوله بعد ذلك : { وهو بكل شىء عليم } يكون تكرارا . أما ~~على التفسير الأول فإنه يحسن موقعه لأنه يصير التقدير كأنه قيل : إن أحدا ~~لا يحيط به ولا يصل إلى PageV29P186 أسراره ، وإنه لا يخفى عليه شيء من ~~أحوال غيره ms8918 ونظيره { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك } ( المائدة : ~~116 ) . # ! 7 < { هو الذى خلق السماوات والا رض فى ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يعلم ما يلج فى الا رض وما يخرج منها وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها وهو ~~معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير } . > 7 @QB@ < # | الحديد : ( 4 ) هو الذي خلق . . . . . # > > # قوله تعالى : { هو الذى خلق * السماوات والارض * في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش } وهو مفسر في الأعراف والمقصود منه دلائل القدرة . # ثم قال تعالى : { يعلم ما يلج فى الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها } وهو مفسر في سبأ ، والمقصود منه كمال العلم ، وإنما قدم ~~وصف القدرة على وصف العلم ، لأن العلم بكونه تعالى قادرا قبل العلم بكونه ~~تعالى عالما ، ولذلك ذهب جمع من المحققين إلى أن أول العلم بالله ، هو ~~العلم بكونه قادرا ، وذهب آخرون إلى أن أول العلم بالله هو العلم بكونه ~~مؤثرا ، وعلى التقديرين فالعلم بكونه قادرا متقدم على العلم بكونه عالما . # ثم قال تعالى : { وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه قد ثبت أن كل ما عدا الواجب الحق فهو ممكن ، ~~وكل ممكن فوجوده من الواجب ، فإذن وصول الماهية الممكنة إلى وجودها بواسطة ~~إفادة الواجب الحق ذلك الوجود لتلك الماهية فالحق سبحانه هو المتوسط بين كل ~~ماهية وبين وجودها ، فهو إلى كل ماهية أقرب من وجود تلك الماهية ، ومن هذا ~~السر قال المحققون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله ، ~~وقال المتوسطون : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله معه ، وقال الظاهريون : ما ~~رأيت الله بعده . # واعلم أن هذه الدقائق التي أظهرناها في هذه المواضع لها درجتان إحداهما : ~~أن يصل الإنسان إليها بمقتضى الفكرة والروية والتأمل والتدبر والدرجة ~~الثانية : أن تتفق لنفس الإنسان / قوة ذوقية وحالة وجدانية لا يمكن التعبير ~~عنها ، وتكون نسبة الإدراك مع الذوق إلى الإدراك لا مع الذوق ، كنسبة من ~~يأكل ms8919 السكر إلى من يصف حلاوته بلسانه . # المسألة الثانية : قال المتكلمون : هذه المعية إما بالعلم وإما بالحفظ ~~والحراسة ، وعلى التقديرين فقد انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا ~~بالمكان والجهة والحيز ، فإذن قوله : { وهو معكم } لا بد فيه من التأويل ~~وإذا جوزنا التأويل في موضع وجب تجويزه في سائر المواضع . # المسألة الثالثة : اعلم أن في هذه الآيات ترتيبا عجيبا ، وذلك لأنه بين ~~قوله : { هو الاول والاخر والظاهر والباطن } كونه إلها لجميع الممكنات ~~والكائنات ، ثم بين كونه إلها للعرش والسموات والأرضين . ثم بين بقوله : { ~~وهو معكم * أينما * كنتم } معينه لنا بسبب القدرة والإيجاد والتكوين وبسبب ~~العلم وهو كونه عالما بظواهرنا وبواطننا ، فتأمل في كيفية هذا الترتيب ، ثم ~~تأمل في ألفاظ هذه الآيات فإن فيها أسرارا عجيبة وتنبيهات على أمور عالية . ~~PageV29P187 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { له ملك السماوات والا رض وإلى الله ترجع الا مور } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 5 ) له ملك السماوات . . . . . # > > أي إلى حيث لا مالك سواه ، ودل بهذا القول على إثبات المعاد . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل وهو عليم بذات الصدور ~~} . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 6 ) يولج الليل في . . . . . # > > وهذه الآيات قد تقدم تفسيرها في سائر السور ، وهي جامعة بين الدلالة ~~على قدرته ، وبين إظهار نعمه ، والمقصود من إعادتها البعث على النظر ~~والتأمل ، ثم الاشتغال بالشكر . # ! 7 < { ءامنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين ~~ءامنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } . > 7 @QB@ < # | الحديد : ( 7 ) آمنوا بالله ورسوله . . . . . # > > # قوله تعالى : { بالله ورسوله ثم } اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواعا من ~~الدلائل على التوحيد والعلم والقدرة ، أتبعها بالتكاليف ، وبدأ بالأمر ~~بالإيمان ورسوله ، فإن قيل قوله : { ءامنوا } خطاب مع من عرف الله ، أو مع ~~من لم يعرف الله ، فإن كان الأول كان ذلك أمرا بأن يعرفه من عرف ، فيكون ~~ذلك أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال ، وإن كان الثاني ، كان الخطاب متوجها على ~~من لم يكن عارفا به ، ومن لم يكن عارفا به استحال أن يكون عارفا بأمره ms8920 ، ~~فيكون الأمر متوجها على من يستحيل أن يعرف كونه مأمورا بذلك الأمر ، وهذا ~~تكليف مالا يطاق والجواب : من الناس من قال : معرفة وجود الصانع حاصلة للكل ~~، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات . # ثم قال تعالى : { ءامنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ~~فالذين ءامنوا منكم وأنفقوا } في هذه الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه أمر الناس أولا بأن يشتغلوا بطاعة الله ، ثم ~~أمرهم ثانيا بترك الدنيا والإعراض عنها وإنفاقها في سبيل الله ، كما قال : ~~{ قل الله ثم ذرهم } ( الأنعام : 91 ) ، فقوله : { قل الله } هو المراد ~~ههنا من قوله : { بالله ورسوله ثم } وقوله : { ثم ذرهم } هو المراد ههنا من ~~قوله : { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } . # المسألة الثانية : في الآية وجهان الأول : أن الأموال التي في أيديكم ~~إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها ، ثم إنه تعالى جعلها تحت يد المكلف ~~، وتحت تصرفه لينتفع بها على وفق إذن الشرع ، فالمكلف في تصرفه في هذه ~~الأموال بمنزلة الوكيل والنائب والخليفة ، فوجب أن يسهل عليكم الإنفاق من ~~تلك الأموال ، كما يسهل على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه ~~الثاني : أنه جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم ، لأجل أنه نقل أموالهم إليكم ~~على سبيل الإرث ، فاعتبروا بحالهم ، فإنها كما انتقلت منهم إليكم فستنقل ~~منكم إلى غيركم فلا تبخلوا بها . # المسألة الثالثة : اختلفوا في هذا الإنفاق ، فقال بعضهم : هو الزكاة ~~الواجبة ، وقال آخرون : بل يدخل فيه التطوع ، ولا يمتنع أن يكون عاما في ~~جميع وجوه البر ، ثم إنه تعالى ضمن لمن فعل ذلك أجرا كبيرا فقال : ~~PageV29P188 { فالذين ءامنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } قال القاضي : هذه ~~الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالإيمان المنفرد حتى ينضاف هذا ~~الإنفاق إليه ، فمن هذا الوجه يدل على أن من أخل بالواجب من زكاة وغيرها ~~فلا أجر له . # واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، وذلك لأن الآية تدل على أن من أخل بالزكاة ~~الواجبة لم يحصل له ذلك الأجر الكبير ، فلم قلتم : إنها تدل على ms8921 أنه لا أجر ~~له أصلا . # [ بم وقوله تعالى : # ! 7 < { وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ~~ميثاقكم إن كنتم مؤمنين } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 8 ) وما لكم لا . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى وبخ على ترك الإيمان بشرطين أحدهما : أن ~~يدعو الرسول ، والمراد أنه يتلو عليهم القرآن المشتمل على الدلائل الواضحة ~~الثاني : أنه أخذ الميثاق عليهم ، وذكروا في أخذ الميثاق وجهين الأول : ما ~~نصب في العقول من الدلائل الموجبة لقبول دعوة الرسل ، واعلم أن تلك الدلائل ~~كما اقتضت وجوب القبول فهي أوكد من الحلف واليمين ، / فلذلك سماه ميثاقا ، ~~وحاصل الأمر أنه تطابقت دلائل النقل والعقل ، أما النقل فبقوله : { والرسول ~~يدعوكم } ، وأما العقل فبقوله : { وقد أخذ ميثاقكم } ومتى اجتمع هذان ~~النوعان ، فقد بلغ الأمر إلى حيث تمتنع الزيادة عليه ، واحتج بهذه الآية من ~~زعم أن معرفة الله تعالى لا تجب إلا بالسمع ، قال : لأنه تعالى إنما ذمهم ~~بناء على أن الرسول يدعوهم ، فعلمنا أن استحقاق الذم لا يحصل إلا عند دعوة ~~الرسول الوجه الثاني في تفسير أخذ الميثاق : قال عطاء ومجاهد والكلبي ~~والمقاتلان : يريد حين أخرجهم من ظهر آدم ، وقال : { ألست بربكم قالوا بلى ~~} ( الأعراف : 172 ) وهذا ضعيف ، وذلك لأنه تعالى إنما ذكر أخذ الميثاق ~~ليكون ذلك سببا في أنه لم يبق لهم عذر في ترك الإيمان بعد ذلك ، وأخذ ~~الميثاق وقت إخراجهم من ظهر آدم غير معلوم للقوم إلا بقول الرسول ، فقبل ~~معرفة صدق الرسول لا يكون ذلك سببا في وجوب تصديق الرسول ، أما نصب الدلائل ~~والبينات فمعلوم لكل أحد ، فذلك يكون سببا لوجوب الإيمان بالرسول ، فعلمنا ~~أن تفسير الآية بهذا المعنى غير جائز . # المسألة الثانية : قال القاضي قوله : { وما لكم } يدل على قدرتهم على ~~الإيمان إذ لا يجوز أن يقال ذلك إلا لمن لا يتمكن من الفعل ، كما لا يقال : ~~مالك لا تطول ولا تبيض ، فيدل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل ، وعلى أن ~~القدرة صالحة للضدين ، وعلى أن الإيمان حصل بالعبد لا بخلق الله ms8922 . # المسألة الثالثة : قرىء : { وقد أخذ ميثاقكم } على البناء للفاعل ، أما ~~قوله : { إن كنتم مؤمنين } فالمعنى إن كنتم تؤمنون بشيء لأجل دليل ، فما ~~لكم لا تؤمنون الآن ، فإنه قد تطابقت الدلائل النقلية والعقلية ، وبلغت ~~مبلغا لا يمكن الزيادة عليها . # PageV29P189 ! 7 < { هو الذى ينزل على عبده ءايات بينات ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 9 ) هو الذي ينزل . . . . . # > > قال القاضي : بين بذلك أن مراده بإنزال الآيات البينات التي هي ~~القرآن ، وغيره من المعجزات أن يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وأكد ذلك ~~بقوله : { وإن الله بكم لرءوف رحيم } ولو كان تعالى يريد من بعضهم الثبات ~~على ظلمات الكفر ، ويخلق ذلك فيهم ، ويقدره لهم تقديرا لا يقبل الزوال لم ~~يصح هذا القول ، فإن قيل : أليس أن ظاهره يدل على أنه تعالى يخرج من ~~الظلمات إلى النور ، فيجب أن يكون الإيمان من فعله ؟ قلنا : لو أراد بهذا ~~الإخراج خلق الإيمان فيه لم يكن لقوله تعالى : { هو الذى ينزل على عبده ~~ءايات بينات ليخرجكم } معنى ، لأنه سواء تقدم ذلك أو لم يتقدم ، فخلقه لما ~~خلقه لا يتغير ، فالمراد إذن بذلك أنه يلطف بهم في إخراجهم من الظلمات إلى ~~/ النور ولولا ذلك لم يكن بأن يصف نفسه بأنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ~~أولى من أن يصف نفسه بأنه يخرجهم من النور إلى الظلمات . # واعلم أن هذا الكلام على خسته وروغته معارض بالعلم ، وذلك لأنه تعالى كان ~~عالما بأن علمه سبحانه بعدم إيمانهم قائم ، وعالما بأن هذا العلم ينافي ~~وجود الإيمان ، فإذا كلفهم بتكوين أحد الضدين مع علمه بقيام الضد الآخر في ~~الوجود بحيث لا يمكن إزالته وإبطاله ، فهل يعقل مع ذلك أن يريد بهم ذلك ~~الخير والإحسان ، لا شك أن مما لا يقوله عاقل ، وإذا توجهت المعارضة زالت ~~تلك القوة ، أما قوله : { وإن الله بكم لرءوف رحيم } فقد حمله بعضهم على ~~بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فقط ، وهذا التخصيص لا وجه له ، بل يدخل فيه ~~ذلك مع سائر ما ms8923 يتمكن به المرء من أداء التكاليف . # ! 7 < { وما لكم ألا تنفقوا فى سبيل الله ولله ميراث السماوات والا رض لا ~~يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولائك أعظم درجة من الذين أنفقوا ~~من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 10 ) وما لكم ألا . . . . . # > > ثم قال تعالى : { وما لكم ألا تنفقوا فى سبيل الله ولله ميراث * ~~السماوات والارض } . # لما أمر أولا بالإيمان وبالإنفاق ، ثم أكد في الآية المتقدمة إيجاب ~~الإيمان أتبعه في هذه الآية بتأكيد إيجاب الإنفاق ، والمعنى أنكم ستموتون ~~فتورثون ، فهلا قدمتموه في الإنفاق في طاعة الله ، وتحقيقه أن المال لا بد ~~وأن يخرج عن اليد ، إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله ، فإن وقع على ~~الوجه الأول ، كان أثره اللعن والمقت والعقاب ، وإن وقع على الوجه الثاني ، ~~كان أثره المدح والثواب ، وإذا كان لا بد من خروجه عن اليد ، فكل عاقل يعلم ~~أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه بحيث يستعقب اللعن ~~والعقاب . # ثم لما بين تعالى أن الإنفاق فضيلة بين أن المسابقة في الإنفاق تمام ~~الفضيلة فقال : # { لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : تقدير الآية : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ، ~~ومن أنفق من بعد الفتح ، كما PageV29P190 قال : { لا يستوى أصحاب النار ~~وأصحاب الجنة } ( الحشر : 20 ) إلا أنه حذف لوضوح الحال . # المسألة الثانية : المراد بهذا الفتح فتح مكة ، لأن إطلاق لفظ الفتح في ~~المتعارف ينصرف إليه ، قال عليه الصلاة والسلام : ( لا هجرة بعد الفتح ) ~~وقال أبو مسلم : ويدل القرآن على فتح آخر بقوله : { فجعل من دون ذلك فتحا ~~قريبا } ( الفتح : 27 ) وأيهما كان ، فقد بين الله عظم موقع الإنفاق قبل ~~الفتح . # / المسألة الثالثة : قال الكلبي : نزلت هذه الآية في فضل أبي بكر الصديق ~~، لأنه كان أول من أنفق المال على رسول الله في سبيل الله ، قال عمر : ( ~~كنت قاعدا ms8924 عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد ~~خللها في صدره بخلال ، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام ، فقال : مالي أرى ~~أبا بكر عليه عباءة خللها في صدره ؟ فقال : أنفق ماله علي قبل الفتح ) . # واعلم أن الآية دلت على أن من صدر عنه الإنفاق في سبيل الله ، والقتال مع ~~أعداء الله قبل الفتح يكون أعظم حالا ممن صدر عنه هذان الأمران بعد الفتح ، ~~ومعلوم أن صاحب الإنفاق هو أبو بكر ، وصاحب القتال هو علي ، ثم إنه تعالى ~~قدم صاحب الإنفاق في الذكر على صاحب القتال ، وفيه إيماء إلى تقديم أبي بكر ~~، ولأن الإنفاق من باب الرحمة ، والقتال من باب الغضب ، وقال تعالى : ( ~~سبقت رحمتي غضبي ) فكان السبق لصاحب الإنفاق ، فإن قيل : بل صاحب الإنفاق ~~هو علي ، لقوله تعالى : { ويطعمون الطعام } ( الإنسان : 8 ) قلنا : إطلاق ~~القول بأنه أنفق لا يتحقق إلا إذا أنفق في الوقائع العظيمة أموالا عظيمة ، ~~وذكر الواحدي في البسيط أن أبا بكر كان أول من قاتل على الإسلام ، ولأن ~~عليا في أول ظهور الإسلام كان صبيا صغيرا ، ولم يكن صاحب القتال وأما أبا ~~بكر فإنه كان شيخا مقدما ، وكان يذب عن الإسلام حتى ضرب بسببه ضربا أشرف به ~~على الموت . # المسألة الرابعة : جعل علماء التوحيد هذه الآية دالة على فضل من سبق إلى ~~الإسلام ، وأنفق وجاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الفتح ، وبينوا ~~الوجه في ذلك وهو عظم موقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام بالنفس ، ~~وإنفاق المال في تلك الحال ، وفي عدد المسلمين قلة ، وفي الكافرين شوكة ~~وكثرة عدد ، فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح ، ~~فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قويا ، والكفر ضعيفا ، ويدل عليه قوله تعالى ~~: { والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار } ( التوبة : 100 ) وقوله ~~عليه الصلاة والسلام : ( لا تسبوا أصحابي ، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما ~~بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) . # ثم قال تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى ms8925 : أي وكل واحد من الفريقين { وعد الله * بالحسنى } أي ~~المثوبة الحسنى ، وهي الجنة مع تفاوت الدرجات . # المسألة الثانية : القراءة المشهورة { وكلا } بالنصب ، لأنه بمنزلة : ~~زيدا وعدت خيرا ، فهو مفعول وعد ، وقرأ ابن عامر : ( وكل ) بالرفع ، وحجته ~~أن الفعل إذا تأخر عن مفعوله لم يقع عمله فيه ، والدليل عليه أنهم قالوا : ~~PageV29P191 زيد ضربت ، وكقوله في الشعر : # % / قد أصبحت أم الخيار تدعى % % علي ذنبا كله لم أصنع % # روي ( كله ) بالرفع لتأخر الفعل عنه لموجب آخر ، واعلم أن للشيخ عبد ~~القاهر في هذا الباب كلاما حسنا ، قال : إن المعنى في هذا البيت يتفاوت ~~بسبب النصب والرفع ، وذلك لأن النصب يفيد أنه ما فعل كل الذنوب ، وهذا لا ~~ينافي كونه فاعلا لبعض الذنوب ، فإنه إذا قال : ما فعلت كل الذنوب ، أفاد ~~أنه ما فعل الكل ، ويبقى احتمال أنه فعل البعض ، بل عند من يقول : بأن دليل ~~الخطاب حجة يكون ذلك اعترافا بأنه فعل بعض الذنوب . أما رواية الرفع ، وهي ~~قوله : كله لم أصنع ، فمعناه أن كل واحد واحد من الذنوب محكوم عليه بأنه ~~غير مصنوع ، فيكون معناه أنه ماأتى بشيء من الذنوب ألبتة ، وغرض الشاعر أن ~~يدعي البراءة عن جميع الذنوب ، فعلمنا أن المعنى يتفاوت بالرفع والنصب ، ~~ومما يتفاوت فيه المعنى بسبب تفاوت الإعراب في هذا الباب قوله تعالى : { ~~إنا كل شىء خلقناه بقدر } ( القمر : 49 ) فمن قرأ ( كل ) شيء بالنصب ، أفاد ~~أنه تعالى خلق الكل بقدر ، ومن قرأ ( كل ) بالرفع لم يفد أنه تعالى خلق ~~الكل ، بل يفيد أن كل ما كان مخلوقا له فهو إنما خلقه بقدر ، وقد يكون ~~تفاوت الإعراب في هذا الباب بحيث لا يوجب تفاوت المعنى كقوله : { والقمر ~~قدرناه } ( يس : 39 ) فإنك سواء قرأت { والقمر } بالرفع أو بالنصب فإن ~~المعنى واحد فكذا في هذه الآية سواء قرأت { وكلا وعد الله الحسنى } أو قرأت ~~{ وكل * وعد الله الحسنى } فإن المعنى واحد غير متفاوت . # المسألة الثالثة : تقدير الآية : وكلا وعده الله الحسنى إلا أنه حذف ~~الضمير لظهوره كما في قوله : { أهاذا ms8926 الذى بعث الله رسولا } ( الفرقان : 41 ~~) وكذا قوله : { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا } ( البقرة : 48 ) ثم ~~قال : { والله بما تعملون خبير } والمعنى أنه تعالى لما وعد السابقين ~~والمحسنين بالثواب فلا بد وأن يكون عالما بالجزئيات ، وبجميع المعلومات ، ~~حتى يمكنه إيصال الثواب إلى المستحقين ، إذ لو لم يكن عالما بهم وبأفعالهم ~~على سبيل التفصيل ، لما أمكن الخروج عن عهدة الوعد بالتمام ، فلهذا السبب ~~أتبع ذلك الوعد بقوله : { والله بما تعملون خبير } . # [ بم < < # | الحديد : ( 11 ) من ذا الذي . . . . . # > > ثم قال تعالى : # ! 7 < { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم } . > 7 ~~! # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا أن رجلا من اليهود قال عند نزول هذه الآية ما ~~استقرض إله محمد حتى افتقر ، فلطمه أبو بكر ، فشكا اليهودي ذلك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ما أردت بذلك ؟ فقال : ما ملكت نفسي أن ~~لطمته فنزل قوله تعالى : { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا } ( آل عمران : 186 ) قال المحققون : اليهودي إنما ~~قال ذلك على سبيل الاستهزاء ، لا لأن العاقل يعتقد أن الإله يفتقر ، وكذا ~~القول في قولهم : { إن الله فقير ونحن أغنياء } ( آل عمران : 181 ) . # المسألة الثانية : أنه تعالى أكد بهذه الآية ترغيب الناس في أن ينفقوا ~~أموالهم في نصرة / المسلمين وقتال الكافرين ومواساة فقراء المسلمين ، وسمى ~~ذلك الإنفاق قرضا من حيث وعد به الجنة تشبيها بالقرض . # المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد من هذا الإنفاق ، فمنهم من قال : ~~المراد الإنفاقات الواجبة ، ومنهم PageV29P192 من قال : بل هو في التطوعات ~~، والأقرب دخول الكل فيه . # المسألة الرابعة : ذكروا في كون القرض حسنا وجوها أحدها : قال مقاتل : ~~يعني طيبة بها نفسه وثانيها : قال الكلبي : يعني يتصدق بها لوجه الله ~~وثالثها : قال بعض العلماء : القرض لا يكون حسنا حتى يجمع أوصافا عشرة ~~الأول : أن يكون من الحلال قال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله طيب لا ~~يقبل إلا الطيب ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا يقبل ms8927 الله صلاة بغير ~~طهور ، ولا صدقة من غلول ) والثاني : أن يكون من أكرم ما يملكه دون أن ينفق ~~الرديء ، قال الله تعالى : { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } ( البقرة : ~~267 ) ، الثالث : أن تتصدق به وأنت تحبه وتحتاج إليه بأن ترجو الحياة وهو ~~المراد بقوله تعالى : { ليس البر أن تولوا } ( البقرة : 177 ) وبقول : { ~~ويطعمون الطعام على حبه } ( الإنسان : 8 ) على أحد التأويلات وقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( الصدقة أن تعطي وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ، ولا تمهل ~~حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا ) والرابع : أن تصرف صدقتك ~~إلى الأحوج الأولى بأخذها ، ولذلك خص الله تعالى أقواما بأخذها وهم أهل ~~السهمان الخامس : أن تكتم الصدقة ما أمكنك لأنه تعالى قال : { وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } ( البقرة : 271 ) ، السادس : أن لا تتبعها ~~منا ولا أذى ، قال تعالى : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى } ( البقرة : ~~264 ) ، السابع : أن تقصد بها وجه الله ولا ترائي ، كما قال : { إلا ابتغاء ~~وجه ربه الاعلى * ولسوف يرضى } ( الليل : 20 ، 21 ) ولأن المرائي مذموم ~~بالاتفاق الثامن : أن تستحقر ما تعطي وإن كثر ، لأن ذلك قليل من الدنيا ، ~~والدنيا كلها قليلة ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : { ولا تمنن تستكثر } ~~( المدثر : 6 ) في أحد التأويلات التاسع : أن يكون من أحب أموالك إليك ، ~~قال تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ( آل عمران : 92 ) ، ~~العاشر : أن لا ترى عز نفسك وذل الفقير ، بل يكون الأمر بالعكس في نظرك ، ~~فترى الفقير كأن الله تعالى أحال عليك رزقه الذي قبله بقوله : { وما من ~~دابة في الارض إلا على الله رزقها } ( هود : 6 ) وترى نفسك تحت دين الفقير ~~، فهذه أوصاف عشرة إذا اجتمعت كانت الصدقة قرضا حسنا / وهذه الآية مفسرة في ~~سورة البقرة . # ثم إنه تعالى قال : { فيضاعفه له وله أجر كريم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : أنه تعالى ضمن على هذا القرض الحسن أمرين أحدهما : ~~المضاعفة على ما ذكر في سورة البقرة ، وبين أن مع المضاعفة له أجر كريم ، ~~وفيه قولان ms8928 : الأول : وهو قول أصحابنا أن المضاعفة إشارة إلى أنه تعالى يضم ~~إلى قدر الثواب مثله من التفضيل والأجر الكريم / عبارة عن الثواب ، فإن قيل ~~: مذهبكم أن الثواب أيضا تفضل فإذا لم يحصل الامتياز لم يتم هذا التفسير ~~الجواب : أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ ، أن كل من صدر منه الفعل الفلاني ~~، فله قدر كذا من الثواب ، فذاك القدر هو الثواب ، فإذا ضم إليه مثله فذلك ~~المثل هو الضعف والقول الثاني : هو قول الجبائي من المعتزلة أن الأعواض تضم ~~إلى الثواب فذلك هو المضاعفة ، وإنما وصف الأجر بكونه كريما لأنه هو الذي ~~جلب ذلك الضعف ، وبسببه حصلت تلك الزيادة ، فكان كريما من هذا الوجه . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر : ( فيضعفه ) مشددة بغير ألف ، ~~ثم إن ابن كثير قرأ بضم الفاء وابن PageV29P193 عامر بفتح الفاء ، وقرأ ~~عاصم ( فيضاعفه ) بالألف وفتح الفاء ، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ~~: فيضاعفه بالألف وضم الفاء ، قال أبو علي الفارسي : يضاعف ويضعف بمعنى ~~إنما الشأن في تعليل قراءة الرفع والنصب ، أما الرفع فوجهه ظاهر لأنه معطوف ~~على { يقرض } ، أو على الإنقطاع من الأول ، كأنه قيل : فهو يضاعف ، وأما ~~قراء النصب فوجهها أنه لما قال : { من ذا الذى يقرض } فكأنه قال : أيقرض ~~الله أحد قرضا حسنا ، ويكون قوله : { فيضاعفه } جوابا عن الاستفهام فحينئذ ~~ينصب . # ! 7 < { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ~~بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم ~~} . > 7 @QB@ < # | الحديد : ( 12 ) يوم ترى المؤمنين . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمانهم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { يوم ترى } ظرف لقوله : { وله أجر كريم } ( الحديد : ~~11 ) أو منصوب بأذكر تعظيما لذلك اليوم . # المسألة الثانية : المراد من هذا اليوم هو يوم المحاسبة ، واختلفوا في ~~هذا النور على وجوه : أحدها : قال قوم : المراد نفس النور على ما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن كل مثاب فإنه يحصل له النور على قدر ~~عمله ms8929 وثوابه في العظم والصغر ) فعلى هذا مراتب الأنوار مختلفة فمنهم من ~~يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء ، ومنهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من ~~لا يضيء له نور إلا موضع قدميه ، وأدناهم نورا من يكون نوره على إبهامه ~~ينطفىء مرة ويتقد أخرى ، وهذا القول منقول عن ابن مسعود ، وقتادة وغيرهما ، ~~وقال مجاهد : ما من عبد إلا وينادي يوم القيامة يا فلان ها نورك ، ويا فلان ~~لا نور لك ، نعوذ بالله منه ، واعلم أنا بينا في سورة النور ، أن النور ~~الحقيقي هو الله تعالى ، وأن نور العلم الذي هو نور البصيرة أولى بكونه ~~نورا من نور البصر ، وإذا كان كذلك ظهر أن معرفة الله هي النور في القيامة ~~فمقادير الأنوار يوم القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا القول ~~الثاني : أن المراد من النور ما يكون سببا للنجاة ، وإنما قال : { بين ~~أيديهم وبأيمانهم } لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين ، ~~كماأن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ، ووراء ظهورهم القول الثالث : المراد ~~بهذا النور الهداية إلى الجنة ، كما يقال / ليس لهذا الأمر نور ، إذا لم ~~يكن المقصود حاصلا ، ويقال : هذا الأمر له نور ورونق ، إذا كان المقصود ~~حاصلا . # المسألة الثالثة : قرأ سهل بن شعيب { وبأيمانهم } بكسر الهمزة ، والمعنى ~~يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم حصل ذلك السعي ، ونظيره قوله تعالى : { ~~ذالك بما قدمت يداك } ( الحج : 10 ) أي ذلك كائن بذلك . # ثم قال تعالى : { بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ~~ذلك هو الفوز العظيم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : حقيقة البشارة ذكرناها في تفسير قوله : { وبشر الذين ~~ءامنوا } ( البقرة : 25 ، يونس : 2 ) ثم قالوا : تقدير PageV29P194 الآية ، ~~وتقول لهم الملائكة بشراكم اليوم ، كما قال : { والملائكة يدخلون عليهم من ~~كل باب * سلام عليكم } ( الرعد : 23 / 24 ) . # المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال يوم ~~القيامة لأنه تعالى بين أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص . # المسألة الثالثة : احتج الكعبي على أن الفاسق ليس بمؤمن فقال : لو كان ms8930 ~~مؤمنا لدخل تحت هذه البشارة ، ولو كان كذلك لقطع بأنه من أهل الجنة ، ولما ~~لم يكن كذلك ثبت أنه ليس بمؤمن والجواب : أن الفاسق قاطع بأنه من أهل الجنة ~~لأنه إما أن لا يدخل النار أو إن دخلها لكنه سيخرج منها وسيدخل الجنة ويبقى ~~فيها أبد الآباد ، فهو إذن قاطع بأنه من أهل الجنة ، فسقط هذا الاستدلال . # المسألة الرابعة : قوله : { ذالك } عائد إلى جميع ما تقدم وهو النور ~~والبشرى بالجنات المخلدة . # المسألة الخامسة : قرىء : ( ذلك الفوز ) ، بإسقاط كلمة : هو . # واعلم أنه تعالى لما شرح حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال ~~المنافقين . فقال : # ! 7 < { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين ءامنوا انظرونا نقتبس من ~~نوركم قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه ~~الرحمة وظاهره من قبله العذاب } . > 7 @QB@ < # | الحديد : ( 13 ) يوم يقول المنافقون . . . . . # > > # قوله : { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين ءامنوا انظرونا نقتبس من ~~نوركم قيل ارجعوا وراءكم * لكم نورا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { يوم يقول } ، بدل من { يوم ترى } ( الحديد : 12 ) ، ~~أو هو أيضا منصوب باذكر تقديرا . # المسألة الثانية : قرأ حمزة وحده ( أنظرونا ) مكسورة الظاء ، والباقون ( ~~أنظروا ) ، قال أبو علي / الفارسي لفظ النظر يستعمل على ضروب أحدها : أن ~~تريد به نظرت إلى الشيء ، فيحذف الجار ويوصل الفعل ، كما أنشد أبو الحسن : # % ظاهرات الجمال والحسن ينظرن % % كما ينظر الأراك الظباء % # والمعنى ينظرن إلى الأراك وثانيها : أن تريد به تأملت وتدبرت ، ومنه قولك ~~: إذهب فانظر زيدا أيؤمن ، فهذا يراد به التأمل ، ومنه قوله تعالى : { انظر ~~كيف ضربوا لك الامثال } ( الأسراء : 48 ) ، { انظر كيف يفترون على الله ~~الكذب } ( النساء : 50 ) ، { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } ( الإسراء : ~~21 ) قال : وقد يتعدى هذا بإلى كقوله : { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } ~~( الغاشية : 17 ) وهذا نص على التأمل ، وبين وجه الحكمة فيه ، وقد يتعدى ~~بفي ، كقوله : { أولم ينظروا فى ملكوت * السماوات والارض } ( الأعراف : 185 ~~) ، { ولم * يتفكروا فى أنفسهم } ( الروم : 8 ) وثالثها : أن يراد بالنظر ~~الرؤية كما في قوله : # % ولما ms8931 بدا حوران والآل دونه % % نظرت فلم تنظر بعينك منظرا % # والمعنى نظرت ، فلم تر بعينك منظرا تعرفه في الآل قال : إلا أن هذا على ~~سبيل المجاز ، لأنه دلت الدلائل على أن النظر عبارة عن تقلب الحدقة نحو ~~المرئي التماسا لرؤيته ، فلما كانت الرؤية من توابع النظر ولوازمه غالبا ~~أجرى على الرؤية لفظ النظر على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب قال : ~~ويجوز أن يكون قوله : نظرت فلم تنظر ، كما يقال : تكلمت وما تكلمت ، أي ما ~~تكلمت بكلام مفيد ، فكذا هنا نظرت وما نظرت PageV29P195 نظرا مفيدا ورابعها ~~: أن يكون النظر بمعنى الانتظار ، ومنه قوله تعالى : { إلى طعام غير ناظرين ~~إناه } ( الأحزاب : 53 ) أي غير منتظرين إدراكه وبلوغه ، وعلى هذا الوجه ~~يكون نظرت معناه انتظرت ، ومجيء فعلت وافتعلت بمعنى واحد كثير ، كقولهم : ~~شويت واشتويت ، وحقرت واحتقرت ، إذا عرفت هذا فقوله : { انظرونا } يحتمل ~~وجهين الأول : أنظرونا ، أي انتظرونا ، لأنه يسرع بالمؤمنين إلى الجنة ~~كالبروق الخاطفة ، والمنافقون مشاة والثاني : أنظرونا أي أنظروا إلينا ، ~~لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم ، والنور بين أيديهم فيستضيئون به ~~، وأما قراءة ( أنظرونا ) مكسورة الظاء فهي من النظرة والإمهال ، ومنه قوله ~~تعالى : { أنظرنى إلى يوم يبعثون } ( الحجر : 36 ) وأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بإنظار المعسر ، والمعنى أنه جعل اتئادهم في المشي إلى أن يلحقوا ~~بهم إنظارا لهم . # واعلم أن أبا عبيدة والأخفش كانا يطعنان في حصة هذه القراءة / وقد ظهر ~~الآن وجه صحتها . # المسألة الثالثة : اعلم أن الاحتمالات في هذا الباب ثلاثة أحدها : أن ~~يكون الناس كلهم في الظلمات ، ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار ، ~~والمنافقون يطلبونها منهم وثانيها : أن تكون الناس كلهم في الأنوار ، ثم إن ~~المؤمنين يكونون في الجنات فيمرون سريعا ، والمنافقون يبقون وراءهم فيطلبون ~~منهم الانتظار وثالثها : أن يكون المؤمنون في النور والمنافقون في الظلمات ~~، ثم المنافقون يطلبون النور مع المؤمنين ، وقد ذهب إلى كل واحد من هذه ~~الاحتمالات قوم ، فإن كانت هذه الحالة إنما تقع / عند الموقف ، فالمراد من ~~قوله : { انظرونا } انظروا إلينا ، لأنهم ms8932 إذا نظروا إليهم ، فقد أقبلوا ~~عليهم ، ومتى أقبلوا عليهم وكانت أنوارهم من قدامهم استضاءوا بتلك الأنوار ~~، وإن كانت هذه الحالة إنما تقع عند مسير المؤمنين إلى الجنة ، كان المراد ~~من قوله : { انظرونا } يحتمل أن يكون هو الانتظار وأن يكون النظر إليهم . # المسألة الرابعة : القبس : الشعلة من النار أو السراج ، والمنافقون طمعوا ~~في شيء من أنوار المؤمنين أن يقتبسوه كاقتباس نيران الدنيا وهو منهم جهل ، ~~لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا ، فلما لم توجد تلك ~~الأعمال في الدنيا امتنع حصول تلك الأنوار في الآخرة ، قال الحسن : يعطى ~~يوم القيامة كل أحد نورا على قدر عمله ، ثم إنه يؤخذ من حر جهنم ومما فيه ~~من الكلاليب والحسك ويلقى على الطريق ، فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم ~~كالقمر ليلة البدر ، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء ، ثم على ~~ذلك تغشاهم ظلمة فتطفىء نور المنافقين ، فهنالك يقول المنافقون للمؤمنين : ~~{ انظرونا نقتبس من نوركم } كقبس النار . # المسألة الخامسة : ذكروا في المراد من قوله تعالى : { قيل ارجعوا وراءكم ~~فالتمسوا نورا } وجوها أحدها : أن المراد منه : ارجعوا إلى دار الدنيا ~~فالتمسوا هذه الأنوار هنالك ، فإن هذه الأنوار إنما تتولد من اكتساب ~~المعارف الإلهية ، والأخلاق الفاضلة والتنزه عن الجهل والأخلاق الذميمة ، ~~والمراد من ضرب السور ، هو امتناع العود إلى الدنيا وثانيها : قال أبو ~~أمامة : الناس يكونون في ظلمة شديدة ، ثم المؤمنون يعطون الأنوار ، فإذا ~~أسرع المؤمن في الذهاب قال المنافق : { انظرونا نقتبس من نوركم } فيقال لهم ~~: { ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا } قال : وهي خدعة خدع بها المنافقون ، كما ~~قال : { يخادعون الله وهو خادعهم } ( النساء : 142 ) فيرجعون إلى المكان ~~الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا ، فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروبا ~~PageV29P196 بينهم وبين المؤمنين وثالثها : قال أبو مسلم : المراد من قول ~~المؤمنين : { ارجعوا } منع المنافقين عن الاستضاءة ، كقول الرجل لمن يريد ~~القرب منه : وراءك أوسع لك ، فعلى هذا القول المقصود من قوله : { ارجعوا } ~~أن يقطعوا بأنه لا سبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب ألبتة ، لا أنه أمر ms8933 لهم ~~بالرجوع . # قوله تعالى : { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله ~~العذاب } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اختلفوا في السور ، فمنهم من قال : المراد منه الحجاب ~~والحيلولة أي / المنافقون منعوا عن طلب المؤمنين ، وقال آخرون : بل المراد ~~حائط بين الجنة والنار ، وهو قول قتادة ، وقال مجاهد : هو حجاب الأعراف . # المسألة الثانية : الباء في قوله : { بسور } صلة وهو للتأكيد والتقدير : ~~ضرب بينهم سور كذا ، قاله الأخفش ، ثم قال : { له باب } أي لذلك السور باب ~~{ باطنه فيه الرحمة } أي في باطن ذلك السور الرحمة / والمراد من الرحمة ~~الجنة التي فيها المؤمنين { وظاهره } يعني وخارج السور { من قبله العذاب } ~~أي من قبله يأتيهم العذاب ، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة ، وما ~~يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب ، والحاصل أن بين الجنة والنار حائط ~~وهو السور ، ولذلك السور باب ، فالمؤمنون يدخلون الجنة من باب ذلك السور ، ~~والكافرون يبقون في العذاب والنار . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولاكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم ~~وارتبتم وغرتكم الا مانى حتى جآء أمر الله وغركم بالله الغرور } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 14 ) ينادونهم ألم نكن . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : { ألم نكن معكم } في الدنيا ~~والثاني : { ألم نكن معكم } في العبادات والمساجد والصلوات والغزوات ، وهذا ~~القول هو المتعين . # المسألة الثانية : البعد بين الجنة والنار كثير ، لأن الجنة في أعلى ~~السموات ، والنار في الدرك الأسفل ، فهذا يدل على أن البعد الشديد لا يمنع ~~من الإدراك ، ولا يمكن أن يقال : إن الله عظم صوت الكفار بحيث يبلغ من أسفل ~~السافلين إلى أعلى عليين ، لأن مثل هذا الصوت إنما يليق بالأشداء الأقوياء ~~جدا ، والكفار موصوفون بالضعف وخفاء الصوت ، فعلمنا أن البعد لا يمنع من ~~الإدراك على ما هو مذهبنا ، ثم حكى تعالى : أن المؤمنين قالوا بلى كنتم ~~معنا إلا أنكم فعلتم أشياء بسببها وقعتم في هذا العذاب أولها : { ولاكنكم ~~فتنتم أنفسكم } أي بالكفر والمعاصي وكلها فتنة وثانيها : قوله : { وتربصتم ~~} وفيه وجوه أحدها ms8934 : قال ابن PageV29P197 عباس : تربصتم بالتوبة وثانيها : ~~قال مقاتل : وتربصتم بمحمد الموت ، قلتم يوشك أن يموت فنستريح منه وثالثها ~~: كنتم تتربصون دائرة السوء لتلتحقوا بالكفار ، وتتخلصوا من النفاق وثالثها ~~: قوله : { وارتبتم } وفيه وجوه الأول : شككتم في وعيد الله وثانيها : ~~شككتم في نبوة محمد وثالثها : شككتم في البعث والقيامة ورابعها : قوله : { ~~وغرتكم الامانى } قال ابن عباس : يريد الباطل وهو ما كانوا يتمنون من نزول ~~الدوائر بالمؤمنين { حتى جاء أمر الله } يعني الموت ، والمعنى / ما زالوا ~~في خدع الشيطان وغروره حتى أماتهم الله وألقاهم في النار . # قوله تعالى : { وغركم بالله الغرور } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ سماك بن حرب : { الغرور } بضم الغين ، والمعنى ~~وغركم بالله الاغترار وتقديره على حذف المضاف أي غركم بالله سلامتكم منه مع ~~الاغترار . # المسألة الثانية : { الغرور } بفتح الغين هو الشيطان لإلقائه إليكم أن لا ~~خوف عليكم من محاسبة ومجازاة . # ! 7 < { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هى ~~مولاكم وبئس المصير } . > 7 @QB@ < # | الحديد : ( 15 ) فاليوم لا يؤخذ . . . . . # > > # الفدية ما يفتدى به وهو قولان : الأول : لا يؤخذ منكم إيمان ولا توبة فقد ~~زال التكليف وحصل الإلجاء . # الثاني : بل المراد لا يقبل منكم فدية تدفعون بها العذاب عن أنفسكم ، ~~كقوله تعالى : { ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة } ( البقرة : 123 ) ، ~~واعلم أن الفدية ما يفتدى به فهو يتناول الإيمان والتوبة والمال ، وهذا يدل ~~على أن قبول التوبة غير واجب عقلا على ما تقوله المعتزلة لأنه تعالى بين ~~أنه لا يقبل الفدية أصلا والتوبة فدية ، فتكون الآية دالة على أن التوبة ~~غير مقبولة أصلا ، وإذا كان كذلك لم تكن التوبة واجبة القبول عقلا أما قوله ~~: { ولا من الذين كفروا } ففيه بحث : وهو عطف الكافر على المنافق يقتضي أن ~~لا يكون المنافق كافرا لوجوب حصول المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ~~والجواب : المراد الذين أظهروا الكفر وإلا فالمنافق كافر . # ثم قال تعالى : { مأواكم النار هى مولاكم وبئس المصير } . # وفي لفظ المولى ههنا أقوال : أحدها قال ابن عباس : { مولاكم } أي مصيركم ms8935 ~~، وتحقيقه أن المولى موضع الولي ، وهو القرب ، فالمعنى أن النار هي موضعكم ~~الذي تقربون منه وتصلون إليه ، والثاني : قال الكلبي : يعني أولى بكم ، وهو ~~قول الزجاج والفراء وأبي عبيدة ، واعلم أن هذا الذي قالوه معنى وليس بتفسير ~~للفظ ، لأن لو كان مولى وأولى بمعنى واحد في اللغة ، لصح استعمال كل واحد ~~منهما في مكان الآخر ، فكان يجب أن يصح أن يقال : هذا مولى من فلان كما ~~يقال : هذا أولى من فلان ، ويصح أن يقال : هذا أولى فلان كما PageV29P198 ~~يقال : هذا مولى فلان ، ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنى وليس بتفسير ~~، وإنما نبهنا على هذه الدقيقة لأن الشريف المرتضى لما تسمك بإمامة علي ، ~~بقوله / عليه السلام : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) قال : أحد معاني مولى ~~معناه أولى ، واحتج في ذلك بأقوال أئمة اللغة في تفسير هذه الآية ، بأن ~~مولى معناه أولى ، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه ، لأن ما عداه ~~إما بين الثبوت ، ككونه ابن العم والناصر ، أو بين الإنتفاء ، كالمعتق ~~والمعتق ، فيكون على التقدير الأول عبثا ، وعلى التقدير الثاني كذبا ، وأما ~~نحن فقد بينا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير ، وحينئذ ~~يسقط الاستدلال به ، وفي الآية وجه آخر : وهو أن معنى قوله : { هى مولاكم } ~~أي لا مولى لكم ، وذلك لأن من كانت النار مولاه فلا مولى له ، كما يقال : ~~ناصره الخذلان ومعينه البكاء ، أي لا ناصر له ولا معين ، وهذا الوجه متأكد ~~بقوله تعالى : { وأن الكافرين لا مولى لهم } ( محمد : 11 ) ومنه قوله تعالى ~~: { يغاثوا بماء كالمهل } ( الكهف : 29 ) . # ( 16 ) # ! 7 < { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ~~ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الا مد فقست قلوبهم ~~وكثير منهم فاسقون } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 16 ) ألم يأن للذين . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ الحسن : ( ألما يأن ) ، قال ابن جني : أصل لما لم ، ~~ثم زيد عليها ما فلم نفي لقوله أفعل ، ولما نفي لقوله ms8936 قد يفعل ، وذلك لأنه ~~لما زيد في الإثبات قد لا جرم زيد في نفيه ما ، إلا أنهم لما ركبوا لم مع ~~ما حدث لها معنى ولفظ ، أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفا ، ~~فقالوا : لما قمت قام زيد ، أي وقت قيامك قام زيد ، وأما اللفظ فإنه يجوز ~~أن تقف عليها دون مجزومها ، فيجوز أن تقول : جئت ولما ، أي ولما يجيء ، ولا ~~يجوز أن يقول : جئت ولم . # وأما الذين قرأوا : { ألم يأن } فالمشهور ألم يأن من أنى الأمر يأني إذا ~~جاء إناء أتاه أي وقته . وقرىء : ( ألم يئن ) ، من أن يئين بمعنى أنى يأني ~~. # المسألة الثانية : اختلفوا في قوله : { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله } فقال بعضهم : نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان ~~وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع ، والقائلون بهذا القول لعلهم ذهبوا إلى ~~أن المؤمن لا يكون مؤمنا في الحقيقة إلا مع خشوع القلب ، فلا يجوز أن يقول ~~تعالى ذلك إلا لمن ليس بمؤمن ، وقال آخرون : بل المراد من هو مؤمن على ~~الحقيقة ، / لكن المؤمن قد يكون له خشوع وخشية ، وقد لا يكون كذلك ، ثم على ~~هذا القول تحتمل الآية وجوها أحدها : لعل طائفة من المؤمنين ما كان فيهم ~~مزيد خشوع ولا رقة ، فحثوا عليه بهذه الآية وثانيها : لعل قوما كان فيهم ~~خشوع كثير ، ثم زال منهم شدة ذلك الخشوع فحثوا على المعاودة إليها ، عن ~~الأعمش قال : إن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا لينا في العيش ورفاهية ، ~~ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية وعن أبي بكر : أن هذه ~~الآية قرئت بين يديه وعنده PageV29P199 قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء ~~شديدا ، فنظر إليهم فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب ، وأما قوله : { لذكر ~~الله } ففيه قولان : الأول : أن تقدير الآية ، أما حان للمؤمنين أن ترق ~~قلوبهم لذكر الله ، أي مواعظ الله التي ذكرها في القرآن ، وعلى هذا الذكر ~~مصدر أضيف إلى الفاعل والقول الثاني : أن الذكر مضاف إلى المفعول ، والمعنى ~~لذكرهم الله ، أي يجب أن ms8937 يورثهم الذكر خشوعا ، ولا يكونوا كمن ذكره بالغفلة ~~فلا يخشع قلبه للذكر ، وقوله تعالى : { وما نزل من الحق } فيه مسائل : # المسألة الأولى : ( ما ) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول ، ~~والعائد إليه محذوف على تقدير { وما نزل من الحق } ، ثم قال ابن عباس في ~~قوله : { وما نزل من الحق } يعني القرآن . # المسألة الثانية : قال أبو علي : قرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم ، { وما ~~نزل من الحق } خفيفة ، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ، { وما نزل } ، ~~مشددة ، وعن أبي عمرو { وما نزل من الحق } مرتفعة النون مكسورة الزاي ، ~~والتقدير في القراءة الأولى : أن تخشع قلوبهم لذكر الله ولما نزل من الحق ، ~~وفي القراءة الثانية ولما نزله الله من الحق ، وفي القراءة الثالثة ولما ~~نزل من الحق . # المسألة الثالثة : يحتمل أن يكون المراد من الحق هو القرآن لأنه جامع ~~للوصفين الذكر والموعظة وإنه حق نازل من السماء ، ويحتمل أن يكون المراد من ~~الذكر هو ذكر الله مطلقا ، والمراد بما نزل من الحق هو القرآن / وإنما قدم ~~الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن ، لأن الخشوع والخوف والخشية ~~لا تحصل إلا عند ذكر الله ، فأما حصولها عند سماع القرآن فذاك لأجل اشتمال ~~القرآن على ذكر الله ، ثم قال تعالى : { ولا يكونوا } قال الفراء : هو في ~~موضع نصب معناه : ألم يأن أن تخشع قلوبهم ، وأن لا يكونوا ، قال : ولو كان ~~جزما على النهي كان صوابا ، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء على ~~سبيل الالتفات ، ثم قال : { كالذين أوتوا الكتاب من قبل } يريد اليهود ~~والنصارى : { فطال عليهم الامد } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : ذكروا في تفسير طول الأمد وجوها أحدها : طالت المدة ~~بينهم وبين أنبيائهم فقست قلوبهم وثانيها : قال ابن عباس : مالوا إلى ~~الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله وثالثها : طالت أعمارهم في الغفلة فحصلت ~~القسوة في قلوبهم بذلك السبب ورابعها : قال : / ابن جبان : الأمد ههنا ~~الأمل البعيد ، والمعنى على هذا طال عليهم الأمد بطول الأمل ، أي لما طالت ~~آمالهم لا جرم قست ms8938 قلوبهم وخامسها : قال مقاتل بن سليمان : طال عليهم أمد ~~خروج النبي عليه السلام وسادسها : طال عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال ~~وقعهما عن قلوبهم فلا جرم قست قلوبهم ، فكأنه تعالى نهى المؤمنين عن أن ~~يكونوا كذلك ، قاله القرظي . # المسألة الثانية : قرىء ( الأمد ) بالتشديد ، أي الوقت الأطول ، ثم قال : ~~{ وكثير منهم فاسقون } أي خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين ، وكأنه ~~إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسق في آخر الأمر . ~~PageV29P200 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { اعلموا أن الله يحى الا رض بعد موتها قد بينا لكم الا يات لعلكم ~~تعقلون } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 17 ) اعلموا أن الله . . . . . # > > وفيه وجهان الأول : أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب ~~القساوة ، فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله ~~الأرض بالغيث والثاني : أن المراد من قوله : { فانظر إلىءاثار رحمة } بعث ~~الأموات فذكر ذلك ترغيبا في الخشوع والخضوع وزجرا عن القساوة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم ~~أجر كريم } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 18 ) إن المصدقين والمصدقات . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو علي الفارسي : قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي ~~بكر : { إن المصدقين والمصدقات } بالتخفيف ، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم : { ~~إن المصدقين والمصدقات } بتشديد الصاد فيهما ، فعلى القراءة الأولى يكون ~~معنى المصدق المؤمن ، فيكون المعنى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ~~لأن إقراض الله من الأعمال الصالحة ، ثم قالوا : وهذه القراءة أولى لوجهين ~~الأول : أن من تصدق لله وأقرض إذا لم يكن مؤمنا لم يدخل تحت الوعد ، فيصير ~~ظاهر الآية متروكا على قراءة التشديد ، ولا يصير متروكا على قراءة التخفيف ~~والثاني : أن المتصدق هو الذي يقرض الله ، فيصير قوله : { إن المصدقين ~~والمصدقات } وقوله : { وأقرضوا الله } شيئا واحدا وهو تكرار ، أما على ~~قراءة التخفيف فإنه لا يلزم التكرار ، وحجة من نقل وجهان أحدهما : أن في ~~قراءة أبي : { ءان * المتصدقين * والمتصدقات } بالتاء والثاني : أن قوله : ~~{ وأقرضوا الله قرضا حسنا } اعتراض بين الخبر ms8939 والمخبر عنه ، والاعتراض ~~بمنزلة الصفة ، فهو للصدقة أشد ملازمة / منه للتصديق ، وأجاب الأولون : ~~بأنا لا نحمل قوله : { وأقرضوا } على الاعتراض ، ولكنا نعطفه على المعنى ، ~~ألا ترى أن المصدقين والمصدقات معناه : إن الذين صدقوا ، فصار تقدير الآية ~~: إن الذين صدقوا وأقرضوا الله . # المسألة الثانية : في الآية إشكال وهو أن عطف الفعل على الاسم قبيح فما ~~الفائدة في التزامه ههنا ؟ قال صاحب الكشاف قوله : { وأقرضوا } معطوف على ~~معنى الفعل في المصدقين ، لأن اللام بمعنى الذين ، واسم الفاعل بمعنى صدقوا ~~، كأنه قيل : إن الذين صدقوا وأقرضوا ، واعلم أن هذا لا يزيل الإشكال فإنه ~~ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ إلى هذا اللفظ ، والذي عندي فيه أن ~~الألف واللام في المصدقين والمصدقات للمعهود ، فكأنه ذكر جماعة معينين بهذا ~~الوصف ثم قبل ذكر الخبر أخبر عنهم بأنهم أتوا بأحسن أنواع الصدقة وهو ~~الإتيان بالقرض الحسن ، ثم ذكر الخبر بعد ذلك وهو قوله : { يضاعف لهم } ~~فقوله : { وأقرضوا الله } هو المسمى بحشو اللوزنج كما في قوله : # % إن الثمانين وبلغتها # % قد أحوجت سمعي إلى ترجمان % # المسألة الثالثة : من قرأ : { المصدقين } بالتشديد اختلفوا في أن المراد ~~هو الواجب أو التطوع أو هما جميعا ، أو المراد بالتصدق الواجب وبالإقراض ~~التطوع لأن تسميته بالقرض كالدلالة على ذلك فكل هذه الاحتمالات مذكورة ، ~~أما قوله : { يضاعف لهم ولهم أجر كريم } فقد تقدم القول فيه . # PageV29P201 ! 7 < { والذين ءامنوا بالله ورسله أولائك هم الصديقون ~~والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بأاياتنآ أولائك ~~أصحاب الجحيم } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 19 ) والذين آمنوا بالله . . . . . # > > اعلم أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية حال المؤمنين والمنافقين ، وذكر ~~الآن حال المؤمنين وحال الكافرين ، ثم في الآية مسألتان : # المسألة الأولى : الصديق نعت لمن كثر منه الصدق ، وجمع صدقا إلى صدق في ~~الإيمان بالله تعالى ورسله وفي هذه الآية قولان : أحدهما : أن الآية عامة ~~في كل من آمن بالله ورسله وهو مذهب مجاهد قال : كل من آمن بالله ورسله فهو ~~صديق ثم قرأ هذه الآية ، ويدل على هذا ms8940 ما روي عن ابن عباس في قوله : { هم ~~الصديقون } أي الموحدون الثاني : أن الآية خاصة ، وهو قول المقاتلين : أن ~~الصديقين هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم ولم يكذبوا ساعة قط مثل آل ياسين ~~، ومثل مؤمن آل فرعون ، وأما في ديننا فهم ثمانية سبقوا أهل الأرض إلى ~~الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر ~~ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته . # / المسألة الثانية : قوله : { والشهداء } فيه قولان : الأول : أنه عطف ~~على الآية الأولى والتقدير : إن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم ~~الشهداء ، قال مجاهد : كل مؤمن فهو صديق وشهيد وتلا هذه الآية ، جذا القول ~~اختلفوا في أنه لم سمي كل مؤمن شهيد ؟ فقال بعضهم لأن المؤمنين هم الشهداء ~~عند ربهم على العباد في أعمالهم ، والمراد أنهم عدول الآخرة الذي تقبل ~~شهادتهم ، وقال الحسن : السبب في هذا الاسم أن كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه ~~، وقال الأصم : كل مؤمن شهيد لأنه قائم لله تعالى بالشهادة فيما تعبدهم به ~~من وجوب الإيمان ووجوب الطاعات وحرمة الكفر والمعاصي ، وقال أبو مسلم : قد ~~ذكرنا أن الصديق نعت لمن كثر منه الصدق وجمع صدقا إلى صدق في الإيمان بالله ~~تعالى ورسله فصاروا بذلك شهداء على غيرهم القول الثاني : أن قوله : { ~~والشهداء } ليس عطفا على ما تقدم بل هو مبتدأ ، وخبره قوله : { عند ربهم } ~~أو يكون ذلك صفة وخبره هو قوله : { لهم أجرهم } وعلى هذا القول اختلفوا في ~~المراد من الشهداء ، فقال الفراء والزجاج : هم الأنبياء لقوله تعالى : { ~~فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) ~~وقال مقاتل ومحمد بن جرير : الشهداء هم الذين استشهدوا في سبيل الله ، وروى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما تعدون الشهداء فيكم ؟ قالوا : ~~المقتول ، فقال : إن شهداء أمتي إذا لقليل ، ثم ذكر أن المقتول شهيد ، ~~والمبطون شهيد ، والمطعون شهيد ) الحديث . # واعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين ، أتبعه بذكر حال الكافرين فقال : ~~{ والذين كفروا وكذبوا ms8941 بئاياتنا أولائك أصحاب الجحيم } . PageV29P202 ولما ~~ذكر أحوال المؤمنين والكافرين ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا وكمال حال ~~الآخرة فقال : # ! 7 < { اعلموا أنما الحيواة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر ~~فى الا موال والا ولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم ~~يكون حطاما وفى الا خرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحيواة ~~الدنيآ إلا متاع الغرور } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 20 ) اعلموا أنما الحياة . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال ~~الآخرة فقال : / الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ، ولا شك أن هذه الأشياء ~~أمور محقرة ، وأما الآخرة فهي عذاب شديد دائم أو رضوان الله على سبيل ~~الدوام ، ولا شك أن ذلك عظيم . # المسألة الثانية : اعلم أن الحياة الدنيا حكمة وصواب ، ولذلك لما قال ~~تعالى : { إني جاعل فى الارض خليفة قالوا * إنى * علم * مالا * تعلمون } ( ~~البقرة : 30 ) ولولا أنها حكمة وصواب لما قال ذلك ، ولأن الحياة خلقه ، كما ~~قال : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) وأنه لا يفعل العبث على ~~ما قال : { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } ( المؤمنين : 115 ) وقال : { وما ~~خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا } ولأن الحياة نعمة بل هي أصل لجميع ~~النعم ، وحقائق الأشياء لا تختلف بأن كانت في الدنيا أو في الآخرة ، ولأنه ~~تعالى عظم المنة بخلق الحياة فقال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم } ( البقرة : 28 ) فأول ما ذكر من أصناف نعمه هو الحياة ، فدل ~~مجموع ما ذكرنا على أن الحياة الدنيا غير مذمومة ، بل المراد أن من صرف هذه ~~الحياة الدنيا لا إلى طاعة الله بل إلى طاعة الله بل إلى طاعة الشيطان ~~ومتابعة الهوى ، فذاك هو المذموم ، ثم إنه تعالى وصفها بأمور : أولها : ~~أنها { لعب } وهو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جدا ، ثم إن تلك المتاعب ~~تنقضي من غير فائدة وثانيها : أنها { لهو } وهو فعل الشبان ، والغالب أن ~~بعد انقضائه لا يبقى إلا الحسرة ، وذلك لأن العاقل بعد انقضائه يرى المال ~~ذاهبا والعمر ms8942 ذاهبا ، واللذة منقضية ، والنفس ازدادت شوقا وتعطشا إليه مع ~~فقدانها ، فتكون المضار مجتمعة متوالية وثالثها : أنها { زينة } وهذا دأب ~~النساء لأن المطلوب من الزينة تحسين القبيح ، وعمارة البناء المشرف على أن ~~يصير خرابا ، والاجتهاد في تكميل الناقص ، ومن المعلوم أن العرضي لا يقاوم ~~الذاتي ، فإذا كانت الدنيا منقضية لذاتها ، فاسدة لذاتها ، فكيف يتمكن ~~العاقل من إزالة هذه المفاسد عنها ، قال ابن عباس : المعنى أن الكافر يشتغل ~~طول حياته بطلب زينة الدنيا دون العمل للآخرة ، وهذا كما قيل : # % حياتك يا مغرور سهو وغفلة % % # ورابعها : { شهادة بينكم } بالصفات الفانية الزائلة ، وهو إما التفاخر ~~بالنسب ، أو التفاخر بالقدرة والقوة والعساكر وكلها ذاهبة وخامسها : قوله : ~~{ وتكاثر فى الاموال والاولاد } قال ابن عباس : يجمع المال في PageV29P203 ~~سخط الله ، ويتباهى به على أولياء الله ، ويصرفه في مساخط الله ، فهو ظلمات ~~بعضها فوق بعض ، وأنه لا وجه بتبعية أصحاب الدنيا يخرج عن هذه الأقسام ، ~~وبين أن حال الدنيا إذا لم يخل من هذه الوجوه فيجب أن يعدل عنها إلى ما ~~يؤدي إلى عمارة الآخرة ، ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلا ، فقال : { كمثل ~~غيث } يعني المطر ، ونظيره قوله تعالى : { واضرب لهم مثل الحيواة الدنيا ~~كماء } ( الكهف : 45 ) والكاف في قوله : { كمثل غيث } موضعة رفع من وجهين ~~أحدهما : أن يكون صفة لقوله : { لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر } ، ~~والآخر : أن يكون خبرا بعد خبر قاله الزجاج ، وقوله : { أعجب الكفار نباته ~~} فيه قولان : الأول : قال ابن مسعود : المراد من الكفار الزراع قال ~~الأزهري : والعرب تقول للزارع : كافر ، لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب ~~الأرض ، وإذا / أعجب الزراع نباته مع علمهم به فهو في غاية الحسن الثاني : ~~أن المراد بالكفار في هذه الآية الكفار بالله وهم أشد إعجابا بزينة الدنيا ~~وحرثها من المؤمنين ، لأنهم لا يرون سعادة سوى سعادة الدنيا ، وقوله : { ~~نباته } أي ما نبت من ذلك الغيث ، وباقي الآية مفسر في سورة الزمر . # ثم إنه تعالى ذكر بعده حال الآخرة فقال : { وفى الاخرة عذاب شديد } أي ~~لمن كانت حياته بهذه ms8943 الصفة ، ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته ، ~~وذلك لأنه لما وصف الدنيا بالحقارة وسرعة الانقضاء ، بين أن الآخرة إما ~~عذاب شديد دائم ، وإما رضوان ، وهو أعظم درجات الثواب ، ثم قال : { وما ~~الحيواة الدنيا إلا متاع الغرور } يعني لمن أقبل عليها ، وأعرض بها عن طلب ~~الآخرة ، قال سعيد بن جبير : الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة ، ~~فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم الوسيلة . # ! 7 < { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السمآء والا رض أعدت ~~للذين ءامنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 21 ) سابقوا إلى مغفرة . . . . . # > > ثم قال تعالى : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء ~~والارض } والمراد كأنه تعالى قال : لتكن مفاخرتكم ومكاثرتكم في غير ما أنتم ~~عليه ، بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة . # واعلم أنه تعالى أمر بالمسارعة في قوله : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } ~~ثم شرح ههنا كيفية تلك المسارعة ، فقال : { * سارعوا } مسارعة المسابقين ~~لأقرانهم في المضمار ، وقوله : { وسارعوا إلى مغفرة } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : لا شك أن المراد منه المسارعة إلى ما يوجب المغفرة ، ~~فقال قوم المراد سابقوا إلى التوبة ، وقال آخرون : المراد سابقوا إلى سائر ~~ما كلفتم به فدخل فيه التوبة ، وهذا أصح لأن المغفرة والجنة لا ينالان إلا ~~بالانتهاء عن جميع المعاصي والاشتغال بكل الطاعات . # المسألة الثانية : احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية ، ~~فقالوا : هذه الآية دلت على وجوب المسارعة ، فوجب أن يكون التراخي محظورا ، ~~أما قوله تعالى : { وجنة عرضها كعرض السماء والارض } وقال : في آل عمران { ~~وجنة عرضها * السماوات والارض } ( آل عمران : 133 ) ، فذكروا فيه وجوها ~~أحدها : أن السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض ~~لكانت الجنة في عرضها ، هذا قول مقاتل وثانيها : قال : عطاء ( عن ) ابن ~~عباس يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه الصفة ، وثالثها : قال السدي : ~~إن الله PageV29P204 تعالى شبه عرض الجنة بعرض ms8944 السموات السبع والأرضين ~~السبع ، ولا شك أن طولها أزيد من عرضها ، فذكر العرض تنبيها على أن طولها ~~أضعاف ذلك ، ورابعها : أن هذا تمثيل للعبادة بما يعقلونه ويقع في نفوسهم ~~وأفكارهم ، وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض وهذا قول الزجاج ، ~~وخامسها : / وهو اختيار ابن عباس أن الجنان أربعة ، قال تعالى : { ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) وقال : { ومن دونهما جنتان } ( الرحمن : ~~62 ) فالمراد ههنا تشبيه واحدة من تلك الجنان في العرض بالسموات السبع ~~والأرضين السبع . # ثم قال تعالى : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : احتج جمهور الأصحاب بهذا على أن الجنة مخلوقة ، وقالت ~~المعتزلة هذه الآية : لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجهين : الأول : أن قوله ~~تعالى : { أكلها دائم } ( الرعد : 35 ) يدل على أن من صفتها بعد وجودها أن ~~لا تفنى ، لكنها لو كانت الآن موجودة لفنيت بدليل قوله تعالى : { كل شىء ~~هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) الثاني : أن الجنة مخلوقة وهي الآن في ~~السماء السابعة ، ولا يجوز مع أنها في واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل ~~السموات ، قالوا : فثبت بهذين الوجهين أنه لا بد من التأويل ، وذلك من ~~وجهين : الأول : أنه تعالى لما كان قادرا لا يصح المنع عليه ، وكان حكيما ~~لا يصح الخلف في وعده ، ثم إنه تعالى وعد على الطاعة بالجنة ، فكانت الجنة ~~كالمعدة المهيأة لهم تشبيها لما سيقع قطعا بالواقع ، وقد يقول المرء لصاحبه ~~: ( أعدت لك المكافأة ) إذا عزم عليها ، وإن لم يوجدها ، والثاني : أن ~~المراد إذا كانت الآخرة أعدها الله تعالى لهم كقوله تعالى : { ونادى أصحاب ~~النار أصحاب الجنة } ( الأعراف : 50 ) أي إذا كان يوم القيامة نادى الجواب ~~: أن قوله : { كل شىء هالك } عام ، وقوله : { أعدت للمتقين } مع قوله : { ~~أكلها دائم } خاص ، والخاص مقدم على العام ، وأما قوله ثانيا : الجنة ~~مخلوقة في السماء السابعة قلنا : إنها مخلوقة فوق السماء السابعة على ما ~~قال عليه السلام في صفة الجنة : ( سقفها عرش الرحمن ) وأي استبعاد في أن ~~يكون المخلوق فوق الشيء أعظم ms8945 منه ، أليس أن العرش أعظم المخلوقات ، مع أنه ~~مخلوق فوق السماء السابعة . # المسألة الثانية : قوله : { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } فيه أعظم رجاء ~~وأقوى أمل ، إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله ؛ ولم يذكر مع ~~الإيمان شيئا آخر ، والمعتزلة وإن زعموا أن لفظ الإيمان يفيد جملة الطاعات ~~بحكم تصرف الشرع ، لكنهم اعترفوا بأن لفظ الإيمان إذا عدي بحرف الباء ، ~~فإنه باق على مفهومه الأصلي وهو التصديق ، فالآية حجة عليهم ، ومما يتأكد ~~به ما ذكرناه قوله بعد هذه الآية : { ذالك فضل الله يؤتيه من يشاء } يعني ~~أن الجنة فضل لا معاملة ، فهو يؤتيها من يشاء من عباده سواء أطاع أو عصى ، ~~فإن قيل : فيلزمكم أن تقطعوا بحصول الجنة لجميع العصاة ، وأن تقطعوا بأنه ~~لا عقاب لهم ؟ قلنا : نقطع بحصول الجنة لهم ، ولا نقطع بنفي العقاب عنهم ، ~~لأنهم إذا عذبوا مدة ثم نقلوا إلى الجنة وبقوا فيها أبد الآباد ، فقد كانت ~~الجنة معدة لهم ، فإن قيل : فالمرتد قد آمن بالله ، فوجب أن يدخل تحت الآية ~~قلت : خص من العموم ، فيبقى العموم حجة فيما عداه . PageV29P205 # / ثم قال تعالى : { ذالك فضل الله يؤتيه من يشاء } زعم جمهور أصحابنا أن ~~نعيم الجنة تفضل محض لا أنه مستحق بالعمل ، وهذا أيضا قول الكعبي من ~~المعتزلة ، واحتجوا على صحة هذا المذهب بهذه الآية ، أجاب القاضي عنه فقال ~~: هذا إنما يلزم لو امتنع بين كون الجنة مستحقة وبين كونها فضلا من الله ~~تعالى ، فأما إذا صح اجتماع الصفتين فلا يصح هذا الاستدلال ، وإنما قلنا : ~~إنه لا منافاة بين هذين الوصفين ، لأنه تعالى هو المتفضل بالأمور التي ~~يتمكن المكلف معها من كسب هذا الاستحقاق ، فلما كان تعالى متفضلا بما يكسب ~~أسباب هذا الاستحقاق كان متفضلا بها ، قال : ولما ثبت أن قوله : { يؤتيه من ~~يشاء } لا بد وأن يكون مشروطا بما يستحقه ، ولولا ذلك لم يكن لقوله من قبل ~~: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } معنى . # واعلم أن هذا ضعيف لأن كونه تعالى متفضلا بأسباب ذلك الكسب لا يوجب ms8946 كونه ~~تعالى متفضلا بنفس الجنة ، فإن من وهب من إنسان كاغدا ودواة وقلما ، ثم إن ~~ذلك الإنسان كتب بذلك المداد على ذلك الكاغد مصحفا وباعه من الواهب ، لا ~~يقال : إن أداء ذلك الثمن تفضيل ، بل يقال : إنه مستحق ، فكذا ههنا ، وأما ~~قوله أولا إنه لا بد من الاستحقاق ، وإلا لم يكن لقوله من قبل : { سابقوا ~~إلى مغفرة } معنى ، فجوابه أن هذا الاستدلال عجيب ، لأن للمتفضل أن يشرط في ~~تفضله أي شرط شاء ، ويقول : لا أتفضل إلا مع هذا الشرط . # ثم قال تعالى : { والله ذو الفضل العظيم } والمراد منه التنبيه على عظم ~~حال الجنة ، وذلك لأن ذا الفضل العظيم إذا أعطى عطاء مدح به نفسه وأثنى ~~بسببه على نفسه ، فإنه لا بد وأن يكون ذلك العطاء عظيما . # ! 7 < { مآ أصاب من مصيبة فى الا رض ولا فىأنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن ~~نبرأهآ إن ذلك على الله يسير } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 22 ) ما أصاب من . . . . . # > > قال الزجاج : إنه تعالى لما قال : { سابقوا إلى مغفرة } ( الحديد : ~~21 ) بين أن المؤدي إلى الجنة والنار لا يكون إلا بقضاء وقدر ، فقال : { ما ~~أصاب من مصيبة } والمعنى لا توجد مصيبة من هذه المصائب إلا وهي مكتوبة عند ~~الله ، والمصيبة في الأرض هي قحط المطر ، وقلة النبات ، ونقص الثمار ، ~~وغلاء الأسعار ، وتتابع الجوع ، والمصيبة في الأنفس فيها قولان : الأول : ~~أنها هي : الأمراض ، والفقر ، وذهاب الأولاد ، وإقامة الحدود عليها والثاني ~~: أنها تتناول الخير / والشر أجمع لقوله بعد ذلك : { لكيلا تأسوا على ما ~~فاتكم ولا تفرحوا بما ءاتاكم } ( الحديد : 23 ) ثم قال : { إلا فى كتاب } ~~يعني مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذه الآية دالة على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها ~~في الوجود مكتوبة في اللوح المحفوظ . قال المتكلمون : وإنما كتب كل ذلك ~~لوجوه أحدها : تستدل الملائكة بذلك المكتوب على كونه سبحانه وتعالى عالما ~~بجميع الأشياء قبل وقوعها وثانيها : ليعرفوا حكمة الله فإنه تعالى مع علمه ~~بأنهم يقدمون على تلك المعاصي خلقهم ورزقهم ms8947 وثالثها : ليحذروا من أمثال تلك ~~المعاصي ورابعها : ليشكروا الله تعالى على توفيقه إياهم على الطاعات وعصمته ~~إياهم من المعاصي . وقالت الحكماء : إن الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم هم ~~المدبرات أمرا ، وهم المقسمات أمرا ، إنما هي المبادىء لحدوث الحوادث في ~~PageV29P206 هذا العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية ~~، فتصوراتها لانسياق تلك الأسباب إلى المسببات هو المراد من قوله تعالى : { ~~إلا فى كتاب } . # المسألة الثانية : استدل جمهور أهل التوحيد بهذه الآية على أنه تعالى ~~عالم بالأشياء قبل وقوعها خلافا لهشام بن الحكم ، ووجه الاستدلال أنه تعالى ~~لما كتبها في الكتاب قبل وقوعها وجاءت مطابقة لذلك الكتاب علمنا أنه تعالى ~~عالما بها بأسرها . # المسألة الثالثة : قوله : { ولا فى أنفسكم } يتناول جميع مصائب الأنفس ~~فيدخل فيها كفرهم ومعاصيهم ، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها ~~مكتوبة في اللوح المحفوظ ، ومثبتة في علم الله تعالى ، فكان الامتناع من ~~تلك الأعمال محالا ، لأن علم الله بوجودها مناف لعدمها ، والجمع بين ~~المتنافيين محال ، فلما حصل العلم بوجودها ، وهذا العلم ممتنع الزوال كان ~~الجمع بين عدمها وبين علم الله بوجودها محالا . # المسألة الرابعة : أنه تعالى لم يقل : إن جميع الحوادث مكتوبة في الكتاب ~~، لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية ، فإثباتها في الكتاب محال ، ~~وأيضا خصص ذلك بالأرض والأنفس وما أدخل فيها أحوال السموات ، وأيضا خصص ذلك ~~بمصائب الأرض والأنفس لا بسعادات الأرض والأنفس ، وفي كل هذه الرموز إشارات ~~وأسرار ، أما قوله : { من قبل أن نبرأها } فقد اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : ~~من قبل أن نخلق هذه المصائب ، وقال بعضهم : بل المراد الأنفس ، وقال آخرون ~~: بل المراد نفس الأرض ، والكل محتمل لأن ذكر الكل قد تقدم ، وإن كان ~~الأقرب نفس المصيبة لأنها هي المقصود ، وقال آخرون : المراد من قبل أن نبرأ ~~المخلوقات ، والمخلوقات وإن لم يتقدم ذكرها إلا أنها لظهورها يجوز عود ~~الضمير إليها كما في قوله : { إنا أنزلناه } ( يوسف : 2 ) . # ثم قال تعالى : { إن ذالك على الله يسير } وفيه قولان : أحدهما : إن حفظ ~~ذلك على الله هين ، والثاني ms8948 : إن إثبات ذلك على كثرته في الكتاب يسير على ~~الله وإن كان عسيرا على العباد ، ونظير هذه الآية قوله : { وما يعمر من ~~معمر ولا ينقص من عمره إلا فى كتاب إن ذلك على الله يسير } ( فاطر : 11 ) . # [ بم / ثم قال تعالى : # ! 7 < { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ءاتاكم والله لا يحب كل ~~مختال فخور } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 23 ) لكي لا تأسوا . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذه اللام تفيد جعل أول الكلام سببا لآخره ، كما تقول : ~~قمت لأضربك فإنه يفيد أن القيام سبب للضرب ، وههنا كذلك لأنه تعالى بين أن ~~إخبار الله عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء والقدر ، ومثبتة في الكتاب ~~الذي لا يتغير يوجب أن لا يشتد فرح الإنسان بما وقع ، وأن لا يشتد حزنه بما ~~لم يقع ، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام : ( من عرف سر الله في القدر ~~هانت عليه المصائب ) وتحقيق الكلام فيه أن على مذهب أهل السنة أن وقوع كل ~~ما وقع واجب ، وعدم كل ما لم يقع واجب أيضا لأسباب أربعة أحدها : أن الله ~~تعالى علم وقوعه ، فلو لم يقع انقلب العلم جهلا ثانيها : أن الله أراد ~~وقوعه ، فلو لم يقع انقلبت PageV29P207 الإرادة تمنيا ثالثها : أنه تعلقت ~~قدرة الله تعالى بإيقاعه ، فلو لم يقع لانقلبت تلك القدرة عجزا ، رابعها : ~~أن الله تعالى حكم بوقوعه بكلامه الذي هو صدق فلو لم يقع لانقلب ذلك الخبر ~~الصدق كذبا ، فإذن هذا الذي وقع لو لم يقع لتغيرت هذه الصفات الأربعة من ~~كمالها إلى النقص ، ومن قدمها إلى الحدوث ، ولما كان ذلك ممتنعا علمنا أنه ~~لا دافع لذلك الوقوع ، وحينئذ يزول الغم والحزن ، عند ظهور هذه الخواطر ~~وهانت عليه المحن والمصائب ، وأما المعتزلة فهب أنهم ينازعون في القدرة ~~والإرادة ، ولكنهم يوافقون في العلم والخير ، وإذا كان الجبر لازما في ~~هاتين الصفتين ، فأي فرق بين أن يلزم الجبر بسبب هاتين الصفتين وبين أن ~~يلزم بسبب الصفات الأربع ، وأما الفلاسفة فالجبر مذهبهم ، وذلك لأنهم ربطوا ~~حدوث الأفعال الإنسانية ms8949 بالتصورات الذهنية والتخيلات الحيوانية ، ثم ربطوا ~~تلك التصورات والتخيلات بالأدوار الفلكية التي لها مناهج مقدرة ، ويمتنع ~~وقوع ما يخالفها ، وأما الدهرية الذين لا يثبتون شيئا من المؤثرات فهم لا ~~بد وأن يقولوا بأن حدوث الحوادث اتفاقي ، وإذا كان اتفاقيا لم يكن اختياريا ~~، فيكون الجبر لازما ، فظهر أنه لا مندوحة عن هذا لأحد من فرق العقلاء ، ~~سواء أقروا به أو أنكروه ، فهذا بيان وجه استدلال أهل السنة بهذه الآية ، ~~قالت المعتزلة : الآية دالة على صحة مذهبنا في كون العيد متمكنا مختارا ، ~~وذلك من وجوه الأول : أن قوله : { لكيلا تأسوا على ما فاتكم } يدل على أنه ~~تعالى إنما أخبرهم بكون تلك المصائب مثبتة في الكتاب لأجل أن يحترزوا عن ~~الحزن والفرح ، ولولا أنهم قادرون على تلك الأفعال لما بقي لهذه اللام ~~فائدة والثاني : أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يريد أن يقع منهم الحزن ~~والفرح وذلك خلاف قول المجبرة : إن الله تعالى / أراد كل ذلك منهم والثالث ~~: أنه تعالى قال بعد هذه الآية : { والله لا يحب كل مختال فخور } وهذا يدل ~~على أنه تعالى لا يريد ذلك لأن المحبة والإرادة سواء ، فهو خلاف قول ~~المجبرة : إن كل واقع فهو مراد الله تعالى الرابع : أنه تعالى أدخل لام ~~التعليل على فعله بقوله : { لكيلا } وهذا يدل على أن أفعال الله تعالى ~~معللة بالغرض ، وأقول : العاقل يتعجب جدا من كيفية تعلق هذه الآيات بالجبر ~~والقدر وتعلق كلتا الطائفتين بأكثرها . # المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي قرأ أبو عمرو وحده : { بما ءاتاكم ~~} قصرا ، وقرأ الباقون : { ءاتاكم } ممدودا ، حجة أبي عمرو أن : { ءاتاكم } ~~معادل لقوله : { فاتكم } فكما أن الفعل للغائب في قوله : { فاتكم } كذلك ~~يكون الفعل للآني في قوله : { بما ءاتاكم } والعائد إلى الموصول في ~~الكلمتين الذكر المرفوع بأنه فاعل ، وحجة الباقين أنه إذا مد كان ذلك ~~منسوبا إلى الله تعالى وهو المعطي لذلك ، ويكون فاعل الفعل في : { ءاتاكم } ~~ضميرا عائدا إلى اسم الله سبحانه وتعالى والهاء محذوفة من الصلة تقديره بما ~~آتاكموه . # المسألة الثالثة ms8950 : قال المبرد : ليس المراد من قوله : { يسير لكيلا تأسوا ~~على ما فاتكم ولا تفرحوا بما } نفي الأسى والفرح على الإطلاق بل معناه لا ~~تحزنوا حزنا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم ولا تعتدوا بثواب على فوات ما سلب ~~منكم ، ولا تفرحوا فرحا شديد يطغيكم حتى تأشروا فيه وتبطروا ، ودليل ذلك ~~قوله تعالى : { والله لا يحب كل مختال } فدل بهذا على أنه ذم الفرح الذي ~~يختال فيه صاحبه ويبطر ، وأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم ، ~~وهذا كله معنى ما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : ليس أحد إلا وهو يفرح ~~ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبرا وللخير شكرا . واحتج القاضي بهذه الآية على ~~أنه تعالى لا يريد أفعال العباد والجواب عنه أن كثيرا من أصحابنا من فرق ~~بين المحبة والإرادة فقال : المحبة إرادة مخصوصة ، وهي إرادة الثواب فلا ~~يلزم من نفي هذه الإرادة نفي مطلق الإرادة . PageV29P208 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغنى ~~الحميد } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 24 ) الذين يبخلون ويأمرون . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : أن هذا بدل من قوله : { كل ~~مختال فخور } كأنه قال : لا يحب المختال ولا يحب الذين يبخلون يريد الذين ~~يفرحون الفرح المطغى فإذا رزقوا مالا وحظا من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم ~~يبخلون به ولا يكفيهم أنهم بخلوا به بل يأمرون الناس بالبخل به ، وكل ذلك ~~نتيجة فرحهم عند إصابته ، ثم قال بعد ذلك : { ومن يتول } عن أوامر الله ~~ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي فإن الله ~~غني عنه القول الثاني : أن قوله : / { الذين يبخلون } كلام مستأنف لا تعلق ~~له بما قبله ، وهو في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ويخلوا ببيان نعته ، وهو مبتدأ وخبره محذوف دل عليه قوله : { ومن يتول فإن ~~الله هو الغنى الحميد } وحذف الخبر كثير في القرآن كقوله : { ولو أن قرانا ~~سيرت به الجبال } . # المسألة الثانية : قال أبو ms8951 علي الفارسي : قرأ نافع وابن عامر { فإن الله ~~* الغنى الحميد } ، وحذفوا لفظ { هو } وكذلك { هو } في مصاحف أهل المدينة ~~والشأم ، وقرأ الباقون { هو الغنى الحميد } قال أبو علي : ينبغي أن هو في ~~هذه الآية فصلا لا مبتدأ ، لأن الفصل حذفه أسهل ، ألا ترى أنه لا موضع ~~للفصل من الإعراب ، وقد يحذف فلا يخل بالمعنى كقوله : { إن ترن أنا أقل منك ~~مالا وولدا } ( الكهف : 39 ) . # المسألة الثالثة : قوله : { فإن الله هو الغنى الحميد } معناه أن الله ~~غني فلا يعود ضرر عليه ببخل ذلك البخيل ، وقوله : { الحميد } كأنه جواب عن ~~السؤال يذكر ههنا ، فإنه يقال : لما كان تعالى عالما بأنه يبخل بذلك المال ~~ولا يصرفه إلى وجوه الطاعات ، فلم أعطاه ذلك المال ؟ فأجاب بأنه تعالى حميد ~~في ذلك الإعطاء ، ومستحق حيث فتح عليه أبواب رحمته ونعمته ، فإن قصر العبد ~~في الطاعة فإن وباله عائد إليه . # ! 7 < { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز } . > 7 @QB@ < # | الحديد : ( 25 ) لقد أرسلنا رسلنا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } وفي تفسير البينات قولان : ~~الأول : وهو قول مقاتل بن سليمان إنها هي المعجزات الظاهرة والدلائل ~~القاهرة والثاني : وهو قول مقاتل بن حيان : أي أرسلناهم بالأعمال التي ~~تدعوهم إلى طاعة الله وإلى الإعراض عن غير الله ، والأول هو الوجه الصحيح ~~لأن نبوتهم إنما ثبتت بتلك المعجزات . # ثم قال تعالى : { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ~~وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس } . # واعلم أن نظير هذه الآية قوله : { الله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان ~~} ( الشورى : 17 ) وقال : { والسماء رفعها ووضع الميزان } PageV29P209 ( ~~الرحمن : 7 ) وههنا مسائل : # المسألة الأولى : في وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه . ~~أحدها : وهو الذي أقوله أن مدار التكليف على أمرين : أحدهما : فعل ما ينبغي ~~فعله والثاني : ترك ما ينبغي تركه ، والأول هو المقصود بالذات ، لأن ~~المقصود بالذات لو كان هو الترك ms8952 لوجب أن لا يخلق أحد ، لأن الترك كان حاصلا ~~في الأزل ، وأما فعل ما ينبغي فعله ، فإما أن يكون متعلقا بالنفس ، وهو ~~المعارف ، أو بالبدن وهو أعمال الجوارح ، فالكتاب هو الذي يتوسل به إلى فعل ~~ما ينبغي من / الأفعال النفسانية ، لأن يتميز الحق من الباطل ، والحجة من ~~الشبهة ، والميزان هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال البدنية ، ~~فإن معظم التكاليف الشاقة في الأعمال هو ما يرجع إلى معاملة الخلق ، ~~والميزان هو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص ، وأما الجديد ~~ففيه بأس شديد ، وهو زاجر للخلق عما لا ينبغي ، والحاصل أن الكتاب إشارة ~~إلى القوة النظرية ، والميزان إلى القوة العملية ، والحديد إلى دفع مالا ~~ينبغي ، ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية ، ثم رعاية المصالح ~~الجسمانية ، ثم الزجر عما لا ينبغي ، روعي هذا الترتيب في هذه الآية ~~وثانيها : المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم : إما ~~الأحباب والمعاملة معهم بالسوية وهي بالميزان ، أو مع الأعداء والمعاملة ~~معهم بالسيف والحديد وثالثها : الأقوام ثلاثة : أما السابقون وهم يعاملون ~~الخلق بمقتضى الكتاب ، فينصفون ولا ينتصفون ، ويحترزون عن مواقع الشبهات ، ~~وإما مقتصدون وهم الذين ينصفون وينتصفون ، فلا بد لهم من الميزان ، وإما ~~ظالمون وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون ولا بد لهم من الحديد والزجر ورابعها ~~: الإنسان ، إما أن يكون في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة ومقام ~~المقربين ، فههنا لا يسكن إلا إلى الله ، ولا يعمل إلا بكتاب الله ، كما ~~قال : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) وإما أن يكون في مقام ~~الطريقة وهو مقام النفس اللوامة ، ومقام أصحاب اليمين ، فلا بد له من ~~الميزان في معرفة الأخلاق حتى يحترز عن طرفي الإفراط والتفريط ، ويبقى على ~~الصراط المستقيم وإما أن يكون في مقام الشريعة وهو مقام النفس الأمارة ، ~~وههنا لا بد له من حديد المجاهدة والرياضات الشاقة وخامسها : الإنسان إما ~~أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فلا أنس له إلا بالكتاب / أو صاحب الطلب ~~والاستدلال فلا ms8953 بد له من ميزان الدليل والحجة أو صاحب العناد واللجاج ، فلا ~~بد وأن ينفى من الأرض بالحديد وسادسها : أن الدين هو إماالأصول وإما الفروع ~~، وبعبارة أخرى : إما المعارف وإما الأعمال ، فالأصول من الكتاب ، وأما ~~الفروع : فالمقصود الأفعال التي فيها عدلهم ومصلحتهم وذلك بالميزان فإنه ~~إشارة إلى رعاية العدل ، والحديد لتأديب من ترك ذينك الطريقين وسابعها : ~~الكتاب إشارة إلى ما ذكر الله في كتابه من الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف ~~، والميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل ~~والإنصاف وهو شأن الملوك ، والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن ~~يحملوا عليهما بالسيف ، وهذا يدل على أن مرتبة العلماء وهم أرباب الكتاب ~~مقدمة على مرتبة الملوك الذين هم أرباب السيف ، ووجوه المناسبات كثيرة ، ~~وفيما ذكرناه تنبيه على الباقي . # المسألة الثانية : ذكروا في : إنزال الميزان وإنزال الحديد ، قولين : ~~الأول : أن الله تعالى أنزلهما من السماء ، روي أن جبريل عليه السلام نزل ~~بالميزان فدفعه إلى نوح ، وقال : مر قومك يزنوا به ، وعن ابن عباس نزل آدم ~~من الجنة ومعه خمسة أشياء من الحديد السندان والكلبتان / والمقمعة والمطرقة ~~والإبرة ، والمقعمة ما PageV29P210 يحدد به ، ويدل على صحة هذا ما روى ابن ~~عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( إن الله تعالى أنزل أربع بركات من ~~السماء إلى الأرض : أنزل الحديد والنار والماء والملح ) . والقول الثاني : ~~أن معنى هذا الإنزال الإنشاء والتهيئة ، كقوله تعالى : { وأنزل لكم من ~~الانعام ثمانية أزواج } ( لزمر : 6 ) قال قطرب : { أنزلناها } ( النور : 1 ~~) أي هيأناها من النزل ، يقال : أنزل الأمير على فلان نزلا حسنا ، ومنهم من ~~قال هذا من جنس قوله : علفتها تبنا وماء باردا ، وأكلت خبزا ولبنا . # المسألة الثالثة : ذكر في منافع الميزان أن يقوم الناس بالقسط ، والقسط ~~والإقساط هو الإنصاف وهو أن تعطى قسط غيرك كما تأخذ قسط نفسك ، والعادل ~~مقسط قال الله تعالى : { إن الله يحب المقسطين } ( الحجرات : 9 ) والقاسط ~~الجائر قال تعالى : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } ( الجن : 15 ) ~~وأما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحروب ms8954 متخذة منه ، وفيه أيضا ~~منافع كثيرة منها قوله تعالى : { وعلمناه صنعة لبوس لكم } ( الأنبياء : 8 ) ~~ومنها أن مصالح العالم ، إما أصول ، وإما فروع ، أما الأصول فأربعة : ~~الزراعة والحياكة وبناء البيوت والسلطنة ، وذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام ~~يأكله وثوب يلبسه وبناء يجلس فيه ، والإنسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته ~~إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه يشتغل كل واحد منهم بمهم خاص ، فحينئذ ~~ينتظم من الكل مصالح الكل ، وذلك الانتظام لا بد وأن يفضي إلى المزاحمة ، ~~ولا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض ، وذلك هو السلطان ، فثبت أنه لا ~~تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الحروف الأربعة ، أما الزراعة فمحتاجة إلى ~~الحديد ، وذلك في كرب الأراضي وحفرها ، ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لا ~~بد من خبزها وتنقيتها ، وذلك لا يتم إلا بالحديد ، ثم الحبوب لا بد من ~~طحنها وذلك لا يتم إلا بالحديد ، ثم لا بد من خبزها ولا يتم إلا بالنار ، ~~ولا بد من المقدحة الحديدية ، وأما الفواكه فلا بد من تنظيفها عن قشورها ، ~~وقطعها على الوجوه الموافقة للأكل ولا يتم ذلك إلا بالحديد ، وأما الحياكة ~~فمعلوم أنه يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم يحتاج في قطع الثياب ~~وخياطتها إلى الحديد ، وأما البناء فمعلوم أن كمال الحال فيه لا يحصل إلا ~~بالحديد ، وأما أسباب السلطنة فمعلوم أنها لا تتم ولا تكمل إلا بالحديد / ~~وعند هذا يظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ، ويظهر أيضا أن ~~الذهب لا يقوم مقام الحديد في شيء من هذه المصالح فلو لم يوجد الذهب في ~~الدنيا ما كان يختل شيء من مصالح الدنيا ، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع ~~مصالح الدنيا ، ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة ، جعله سهل ~~الوجدان ، كثير الوجود ، والذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود ، ~~وعند هذا يظهر أثر وجود الله تعالى ورحمته على عبيده ، فإن كل ما كانت ~~حاجتهم إليه أكثر ، جعل وجدانه أسهل ، ولهذا قال بعض الحكماء إن أعظم ~~الأمور ms8955 حاجة إليه هو الهواء ، فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظة لمات ~~الإنسان في الحال ، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء وجدانا ، وهيأ أسباب ~~التنفس وآلاته ، حتى إن الإنسان يتنفس دائما بمقتضى طبعه من غير / حاجة فيه ~~إلى تكلف عمل ، وبعد الهواء الماء ، إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل ~~من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلا من تحصيل الهواء ، وبعد ~~الماء الطعام ، ولما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء ، جعل ~~تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء ، ثم تتفاوت الأطعمة في درجات الحاجة ~~والعزة فكل ما كانت الحاجة إليه أشد ، كان وجدانه أسهل ، وكل ما كان وجدانه ~~أعسر كانت الحاجة إليه أقل ، والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جدا ، ~~لا جرم كانت عزيزة جدا ، فعلمنا أن كل شيء كانت الحاجة إليه أكثر كان ~~وجدانه أسهل ، ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله تعالى أشد من الحاجة إلى كل ~~شيء فنرجو من PageV29P211 فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا ، قال الشاعر ~~: # % سبحان من خص العزيز بعزه % % والناس مستغنون عن أجناسه % # % وأذل أنفاس الهواء وكل ذي % % نفس فمحتاج إلى أنفاسه % # ثم قال تعالى : { وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز } ~~وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المعنى وليعلم الله من ينصره ، أي ينصر دينه ، وينصر ~~رسله باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين بالغيب ~~أي غائبا عنهم . قال ابن عباس : ينصرونه ولا يبصرونه ، ويقرب منه قوله ~~تعالى : { إن تنصروا الله ينصركم } ( محمد : 7 ) . # المسألة الثانية : احتج من قال بحدوث علم الله بقوله : { وليعلم الله } ~~والجواب عنه أنه تعالى أراد بالعلم المعلوم ، فكأنه تعالى قال : ولتقع نصرة ~~الرسول عليه الصلاة والسلام ممن ينصره . # المسألة الثالثة : قال الجبائي : قوله تعالى : { ليقوم الناس بالقسط } ~~فيه دلالة على أنه تعالى أنزل الميزان والحديد ، ومراده من العباد أن ~~يقوموا بالقسط وأن ينصروا الرسول ، وإذا كان هذا مراده من الكل فقد بطل قول ~~المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك جوابه ms8956 : أنه كيف يمكن أن يريد من الكل ~~ذلك مع علمه بأن ضده موجود ، وأن الجمع بين الضدين محال ، وأن المحال غير ~~مراد . # المسألة الرابعة : لما كانت النصرة قد تكون ظاهرة ، كما يقع من منافق أو ~~ممن مراده المنافع في الدنيا ، بين تعالى أن الذي أراده النصرة بالغيب ، ~~ومعناه أن تقع عن إخلاص بالقلب ، ثم بين تعالى أنه قوي على الأمور عزيز لا ~~يمانع . # ! 7 < { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتاب ~~فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون } . > 7 @QB@ < # | الحديد : ( 26 ) ولقد أرسلنا نوحا . . . . . # > > # قوله تعالى : { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا فى ذريتهما النبوة ~~والكتاب } واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أرسل الرسل بالبينات والمعجزات ، ~~وأنه أنزل الميزان والحديد ، وأمر الخلق بأن / يقوموا بنصرتهم أتبع ذلك ~~ببيان سائر الأشياء التي أنعم بها عليهم ، فبين أنه تعالى شرف نوحا ~~وإبراهيم عليهما السلام بالرسالة ، ثم جعل في ذريتهما النبوة والكتاب فما ~~جاء بعدهما أحد بالنبوة إلا وكان من أولادهما ، وإنما قدم النبوة على ~~الكتاب ، لأن كمال حال النبي أن يصير صاحب الكتاب والشرع . # ثم قال تعالى : { فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون } وفيه مسائل : ~~PageV29P212 # المسألة الأولى : { فمنهم مهتد } أي فمن الذرية أو من المرسل إليهم ، وقد ~~دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين ، والمعنى أن منهم مهتد ومنهم فاسق ، ~~والغلبة للفساق ، وفي الفاسق ههنا قولان : الأول : أنه الذي ارتكب الكبيرة ~~سواء كان كافرا أو لم يكن ، لأن هذا الاسم يطلق على الكافر وعلى من لا يكون ~~، كذلك إذا كان مرتكبا للكبيرة ، والثاني : أن المراد بالفاسق ههنا الكافر ~~، لأن الآية دلت على أنه تعالى جعل الفساق بالضد من المهتدين ، فكأن المراد ~~أن فيهم من قبل الدين واهتدى ، ومنهم من لم يقبل ولم يهتد ، ومعلوم أن من ~~كان كذلك كان كافرا ، وهذا ضعيف ، لأن المسلم الذي عصى قد يقال فيه : إنه ~~لم يهتد إلى وجه رشده ودينه . # ! 7 < { ثم قفينا علىءاثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتيناه ~~الإنجيل وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ms8957 ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فأاتينا الذين ~~ءامنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } . > 7 @QB@ < # | الحديد : ( 27 ) ثم قفينا على . . . . . # > > # قوله تعالى : { ثم قفينا علىءاثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم ~~وءاتيناه الإنجيل } . # وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : معنى قفاه أتبعه بعد أن مضى ، والمراد أنه تعالى أرسل ~~بعضهم بعد بعض إلى أن انتهى إلى أيام عيسى عليه السلام فأرسله الله تعالى ~~بعدهم وآتاه الإنجيل . # المسألة الثانية : قال ابن جني قرأ الحسن : { وقفينا على } بفتح الهمزة ، ~~ثم قال : هذا مثال لا نظير له ، لأن أفعيل وهو عندهم من نجلت الشيء إذا ~~استخرجته ، لأنه يستخرج به الأحكام ، والتوراة فوعلة من ورى الزند يرى إذا ~~أخرج النار ، ومثله الفرقان وهو فعلان من فرقت بين الشيئين ، فعلى هذا لا ~~يجوز فتح الهمزة لأنه لا نظير له ، وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع وله ~~وجهان أحدهما : أنه شاذ كما حكى بعضهم في البرطيل وثانيهما : أنه ظن ~~الإنجيل أعجميا فحرف مثاله تنبيها على كونه أعجميا . # قوله تعالى : { وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها } وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق لله ~~تعالى وكسب للعبد ، قالوا : لأنه تعالى حكم بأن هذه الأشياء مجعولة لله ~~تعالى ، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية ، قال القاضي : المراد بذلك أنه ~~تعالى لطف بهم حتى قويت دواعيهم إلى الرهبانية ، التي هي تحمل الكلفة ~~الزائدة على ما يجب من الخلوة واللباس الخشن والجواب : أن هذا ترك للظاهر ~~من غير دليل ، على أنا وإن سلمنا ذلك فهو يحصل مقصودنا أيضا ، وذلك لأن حال ~~الاستواء يمتنع حصول الرجحان وإلا فقد حصل الرجحان عند الاستواء والجمع ~~بينهما متناقض ، وإذا كان الحصول عند الاستواء ممتنعا ، كان عند المرجوحية ~~أولى أن يصير ممتنعا ، وإذا امتنع المرجوح وجب الراجح ضرورة أنه لا خروج عن ~~طرفي النقيض . # المسألة الثانية : قال مقاتل : المراد من الرأفة والرحمة هو أنهم كانوا ~~متوادين بعضهم مع بعض ، كما وصف الله أصحاب ms8958 محمد عليه الصلاة والسلام بذلك ~~في قوله : { رحماء بينهم } ( الفتح : 29 ) . # المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : قرىء ( رآفة ) على فعالة . # المسألة الرابعة : الرهبانية معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو ~~الخائف فعلان من رهب ، كخشيان من خشي ، وقرىء : ( ورهبانية ) بالضم كأنها ~~نسبة إلى الرهبان ، وهو جمع راهب كراكب وركبان ، PageV29P213 والمراد من ~~الرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين ، مخلصين أنفسهم ~~للعبادة ومتحملين كلفا زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة ~~واللباس الخشن ، والاعتزال عن النساء والتعبد في الغيران والكهوف ، عن ابن ~~عباس أن في أيام الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام غير الملوك التوراة ~~والإنجيل ، فساح قوم في الأرض ولبسوا الصوف ، وروى ابن مسعود أنه عليه ~~السلام ، قال : ( يا ابن مسعود : أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين ~~فرقة ، كلها في النار إلا ثلاث فرق ، فرقة آمنت بعيسى عليه السلام / ~~وقاتلوا أعداء الله في نصرته حتى قتلوا ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال ، ~~فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين ، فلبس ~~العباء ، وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله : { وجعلنا فى قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة } إلى آخر الآية ) . # المسألة الخامسة : لم يعن الله تعالى بابتدعوها طريقة الذم ، بل المراد ~~أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ، ولذلك قال تعالى بعده : { ما كتبناها ~~عليهم } . # المسألة السادسة : { * رهبانية } منصوبة بفعل مضمر ، يفسره الظاهر ، ~~تقديره : ابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، وقال أبو علي الفارسي : الرهبانية لا ~~يستقيم حملها على { وما جعلنا } ، لأن ما يبتدعونه هم لا يجوز أن يكون ~~مجعولا لله تعالى ، وأقول : هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين ~~قادرين ، ومن أين يليق بأبي على أن يخوض في أمثال هذه الأشياء . # / ثم قال تعالى : { ما كتبناها عليهم } أي لم نفرضها نحن عليهم . # أما قوله : { إلا ابتغاء رضوان الله } ففيه قولان : أحدهما : أنه استثناء ~~منقطع . أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله الثاني : أنه استثناء متصل ، ~~والمعنى أنا ما تعبدناهم بها إلا على وجه ابتغاء مرضاة الله تعالى ، ~~والمراد ms8959 أنها ليست واجبة ، فإن المقصود من فعل الواجب ، دفع العقاب وتحصيل ~~رضا الله ، أما المندوب فليس المقصود من فعله دفع العقاب ، بل المقصود منه ~~ليس إلا تحصيل مرضاة الله تعالى . # أما قوله تعالى : { فما رعوها حق رعايتها فئاتينا الذين ءامنوا منهم ~~أجرهم وكثير منهم فاسقون } ففيه أقوال : أحدها : أن هؤلاء الذين ابتدعوا ~~هذه الرهبانية ما رعوها حق رعايتها ، بل ضموا إليها التثليث والاتحاد ، ~~وأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمدا عليه الصلاة والسلام فآمنوا ~~به فهو قوله : { ثم قفينا علىءاثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن } ، وثانيها ~~: أنا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلا ليتوسلوا بها إلى مرضاة الله تعالى ~~، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال ، لكن لا لهذا الوجه ، بل لوجه آخر ، وهو طلب ~~الدنيا والرياء والسمعة وثالثها : أنا لما كتباها عليهم تركوها ، فيكون ذلك ~~ذما لهم من حيث إنهم تركوا الواجب PageV29P214 ورابعها : أن الذين لم ~~يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمدا عليه الصلاة والسلام ، ولم يؤمنوا ~~به ، وقوله : { ثم قفينا علىءاثارهم برسلنا } أي الذين آمنوا بمحمد وكثير ~~منهم فاسقون يعني الذين لم يؤمنوا به ، ويدل على هذا ما روي أنه عليه ~~السلام قال : ( من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ، ومن لم ~~يؤمن بي فأولئك هم الهالكون ) وخامسها : أن الصالحين من قوم عيسى عليه ~~السلام ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ، ثم جاء بعدهم قوم اقتدوا بهم في ~~اللسان ، وما كانوا مقتدين بهم في العمل ، فهم الذين ما رعوها حق رعايتها ، ~~قال عطاء : لم يرعوها كما رعاها الحواريون ، ثم قال : { وكثير منهم فاسقون ~~} والمعنى أن بعضهم قام برعايتها وكثير منهم أظهر الفسق وترك تلك الطريقة ~~ظاهرا وباطنا . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم } . > 7 @QB@ < # | الحديد : ( 28 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # / اعلم أنه لما قال في الآية الأولى : { ثم قفينا علىءاثارهم } أي من قوم ~~عيسى : { أجرهم } ( الحديد : 27 ) قال في هذه الآية : { ذلك بأن ms8960 الذين ~~كفروا } والمراد به أولئك فأمرهم أن يتقوا الله ويؤمنوا بمحمد عليه الصلاة ~~والسلام ثم قال : { يؤتكم كفلين } أي نصيبين من رحمته لإيمانكم أولا بعيسى ~~، وثانيا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ونظيره قوله تعالى : { أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين } ( القصص : 54 ) عن ابن عباس أنه نزل في قوم جاءوا من اليمن ~~من أهل الكتاب إلى الرسول وأسلموا فجعل الله لهم أجرين ، وههنا سؤالان : # السؤال الأول : ما الكفل في اللغة ؟ الجواب : قال المؤرج : الكفل النصيب ~~بلغة هذيل وقال غيره بل هذه لغة الحبشة ، وقال المفضل بن مسلمة : الكفل ~~كساء يديره الراكب حول السنام حتى يتمكن من القعود على البعير . # السؤال الثاني : أنه تعالى لما آتاهم كفلين وأعطى المؤمنين كفلا واحدا ~~كان حالهم أعظم والجواب : روى أن أهل الكتاب افتخروا بهذا السبب على ~~المسلمين ، وهو ضعيف لأنه لا يبعد أن يكون النصيب الواحد أزيد قدرا من ~~النصيبين ، فإن المال إذا قسم بنصفين كان الكفل الواحد نصفا ، وإذا قسم ~~بمائة قسم كان الكفل الواحد جزء من مائة جزء ، فالنصيب الواحد من القسمة ~~الأولى أزيد من عشرين نصيبا من القسمة الثانية ، فكذا ههنا ، ثم قال تعالى ~~: { ويجعل لكم } أي يوم القيامة { نورا تمشون به } وهو النور المذكور في ~~قوله { يسعى نورهم } ( الحديد : 12 ) { ويغفر لكم } ما أسلفتم من المعاصي { ~~والله غفور رحيم } . # ! 7 < { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شىء من فضل الله وأن الفضل ~~بيد الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم } . > 7 ! # < < # | الحديد : ( 29 ) لئلا يعلم أهل . . . . . # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال الواحدي هذه آية مشكلة وليس للمفسرين فيها كلام ~~واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها . PageV29P215 # واعلم أن أكثر المفسرين على أن ( لا ) ههنا صلة زائدة ، والتقدير : ليعلم ~~أهل الكتاب ، وقال أبو مسلم الأصفهاني وجمع آخرون : هذه الكلمة ليست بزائدة ~~، ونحن نفسر الآية على القولين بعون الله تعالى وتوفيقه . أما القول ~~المشهور : وهو أن هذه اللفظة زائدة ، فاعلم أنه لا بد ههنا من تقديم مقدمة ~~وهي : أن أهل الكتاب وهم ms8961 بنو إسرائيل كانوا يقولون : الوحي والرسالة فينا ، ~~والكتاب والشرع ليس إلا لنا ، والله تعالى خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من ~~بين جميع العالمين ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى لما أمر أهل الكتاب ~~بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وعدهم / بالأجر العظيم على ذلك الإيمان ~~أتبعه بهذه الآية ، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة ~~مختصة بهم وغير حاصلة إلا في قومهم ، فقال : إنما بالغنا في هذا البيان ، ~~وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل ~~الله بقوم معينين ، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين ، وأن ~~الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعتراض عليه في ذلك أصلا أما القول ~~الثاني : وهو أن لفظة ( لا ) غير زائدة ، فاعلم أن الضمير في قوله : { ألا ~~يقدرون } عائد إلى الرسول وأصحابه ، والتقدير : لئلا يعلم أهل الكتاب أن ~~النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله ، وأنهم إذا لم يعلموا أنهم ~~لا يقدرون عليه فقد علموا أنهم يقدرون عليه ، ثم قال : { وأن الفضل بيد ~~الله } أي وليعلموا أن الفضل بيد الله ، فيصير التقدير : إنا فعلنا كذا ~~وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه في أقوام ~~معينين ، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله ، واعلم أن هذا القول ليس فيه إلا ~~أنا أضمرنا فيه زيادة ، فقلنا في قوله : { وأن الفضل بيد الله } تقدير ~~وليعتقدوا أن الفضل بيد الله وأما القول الأول : فقد افتقرنا فيه إلى حذف ~~شيء موجد ، ومن المعلوم أن الإضمار أولى من الحذف ، لأن الكلام إذا افتقر ~~إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلا أصلا ، أماإذا افتقر إلى الحذف كان ظاهره ~~موهما للباطل ، فعلمنا أن هذا القول أولى والله أعلم . # المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف قرىء : ( لكي يعلم ) ، و ( لكيلا يعلم ~~) ، و ( ليعلم ) ، و ( لأن يعلم ) ، بأدغام النون في الياء ، وحكى ابن جني ~~في ( المحتسب ) عن قطرب : أنه روي عن الحسن : ( ليلا ) ، بكسر اللام وسكون ~~الياء ، وحكى ابن مجاهد عنه ليلا بفتح اللام ms8962 وجزم الياء من غير همز ، قال ~~ابن جني : وما ذكر قطرب أقرب ، وذلك لأن الهمزة إذا حذفت بقي لنلا فيجب ~~إدغام النون في اللام فيصير للا فتجتمع اللامات فتجعل الوسطى لسكونها ~~وانكسار ما قبلها ياء فيصير ليلا ، وأما رواية ابن مجاهد عنه ، فالوجه فيه ~~أن لام الجر إذا أضفته إلى المضمر فتحته تقول له : فمنهم من قاس المظهر ~~عليه ، حكى أبو عبيدة أن بعضهم قرأ : { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } ( ~~إبراهيم : 46 ) . # وأما قوله تعالى : { وأن الفضل بيد الله } أي في ملكه وتصرفه واليد مثل { ~~يؤتيه من يشاء } لأنه قارد مختار يفعل بحسب الاختيار { والله ذو الفضل ~~العظيم } والعظيم لا بد وأن يكون إحسانه عظيما / والمراد تعظيم حال محمد ~~صلى الله عليه وسلم في نبوته وشرعه وكتابه ، والله أعلم بالصواب وإليه ~~المرجع والمآب ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم . # PageV29P216 < # > 1 ( سورة المجادلة ) 1 < # > # وهي عشرون وآيتان مدنية # ! 7 < { قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكىإلى الله والله يسمع ~~تحاوركمآ إن الله سميع بصير } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 1 ) قد سمع الله . . . . . # > > روي أن خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت رآها ~~زوجها وهي تصلي ، وكانت حسنة الجسم ، وكان بالرجل لمم ، فلما سلمت راودها ، ~~فأبت ، فغضب ، وكان به خفة فظاهر منها ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالت : إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في ، فلما خلا سني وكثر ولدي جعلني ~~كأمه ، وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلي جاعوا ، ~~ثم ههنا روايتان : يروي أنه عليه السلام قال لها : ( ما عندي في أمرك شيء ) ~~وروي أنه عليه السلام قال لها : ( حرمت عليه ) فقالت : يا رسول الله ما ذكر ~~طلاقا ، وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إلي ، فقال : ( حرمت عليه ) فقالت : ~~أشكو إلى الله فاقتي ووجدي ، وكلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ~~حرمت عليه ) هتفت وشكت إلى الله ، فبينما هي كذلك إذ تربد ms8963 وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام أرسل ~~إلى زوجها ، وقال : ( ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : الشيطان فهل من رخصة ؟ ~~فقال : نعم ، وقرأ عليه الأربع آيات ، وقال له : هل تستطيع العتق ؟ فقال : ~~لا والله ، فقال : هل تستطيع الصوم ؟ فقال : لا والله لولا أني آكل في ~~اليوم مرة أو مرتين لكل بصري ولظننت أني أموت ، فقال له : هل تستطيع أن ~~تطعم ستين مسكينا ؟ فقال : لا والله يا رسول الله إلا أن تعينني منك بصدقة ~~، فأعانه بخمسة عشر صاعا ، وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين ~~مسكينا ) واعلم أن في هذا الخبر مباحث : # الأول : قال أبو سليمان الخطابي : ليس المراد من قوله في هذا الخبر : ( ~~وكان به لمم ) ، الخبل والجنون إذ لو كان به ذلك ثم ظاهر في تلك الحالة لم ~~يكن يلزمه شيء ، بل معنى اللمم هنا : الإلمام بالنساء ، وشدة PageV29P217 ~~الحرص ، والتوقان إليهن . # / البحث الثاني : أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية ، لأنه في التحريم ~~أوكد ما يمكن ، وإن كان ذلك الحكم صار مقررا بالشرع كانت الآية ناسخة له ، ~~وإلا لم يعد نسخا ، لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لا في عادة الجاهلية ، ~~لكن الذي روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لها : ( حرمت ) أو قال : ( ما ~~أراك إلا قد حرمت ) كالدلالة على أنه كان شرعا . وأما ما روي أنه توقف في ~~الحكم فلا يدل على ذلك . # البحث الثالث : أن هذه الواقعة تدل على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق ، ولم ~~يبق له في مهمه أحد سوى الخالق كفاه الله ذلك المهم ، ولنرجع إلى التفسير ، ~~أماقوله : { قد سمع الله } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { قد } معناه التوقع ، لأن رسول الله والمجادلة ~~كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها ، وينزل في ذلك ما يفرج عنها . # المسألة الثانية : كان حمزة يدغم الدال في السين من : { قد سمع } وكذلك ~~في نظائره ، واعلم أن الله تعالى حكى عن هذه المرأة أمرين أولهما : ~~المجادلة وهي ms8964 قوله : { تجادلك فى زوجها } أي تجادلك في شأن زوجها ، وتلك ~~المجادلة أنه عليه الصلاة والسلام كلما قال لها : ( حرمت عليه ) قالت : ~~والله ما ذكر طلاقا وثانيهما : شكواها إلى الله ، وهو قولها : أشكو إلى ~~الله فاقتي ووجدي ، وقولها : إن لي صبية صغارا ، ثم قال سبحانه : { والله ~~يسمع تحاوركما } والمحاورة المراجعة في الكلام ، من حار الشيء يحور حورا ، ~~أي رجع يرجع رجوعا ، ومنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور ، ومنه فما أحار ~~بكلمة / أي فما أجاب ، ثم قال : { إن الله سميع بصير } أي يسمع كلام من ~~يناديه ، ويبصر من يتضرع إليه . # ! 7 < { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا ~~اللائى ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور } . ~~> 7 @QB@ < # | المجادلة : ( 2 ) الذين يظاهرون منكم . . . . . # > > # قوله تعالى : { الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم } اعلم أن ~~قوله : { الذين يظاهرون } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : ما يتعلق بالمباحث اللغوية والفقهية ، فنقول في هذه ~~الآية بحثان . # أحدهما : أن الظهار ما هو ؟ . الثاني : أن المظاهر من هو ؟ وقوله : { من ~~نسائهم } فيه بحث : وهو أن المظاهر منها من هي ؟ . # أما البحث الأول : وهو أن الظهار ما هو ؟ ففيه مقامان : # المقام الأول : في البحث عن هذه اللفظة بحسب اللغة وفيه قولان : أحدهما : ~~أنه عبارة عن قول الرجل لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، فهو مشتق من الظهر . # / والثاني : وهو صاحب النظم ، أنه ليس مأخوذا من الظهر الذي هو عضو من ~~الجسد ، لأنه ليس الظهر أولى بالذكر في هذا الموضع من سائر الأعضاء التي هي ~~مواضع المباضعة والتلذذ ، بل الظهر ههنا مأخوذ من العلو ، ومنه قوله تعالى ~~: { فما اسطاعوا أن يظهروه } ( الكهف : 97 ) أي يعلوه ، وكل من علا شيئا ~~فقد PageV29P218 ظهره ، ومنه سمي المركوب ظهرا ، لأن راكبه يعلوه ، وكذلك ~~امرأة الرجل ظهره ، لأنه يعلوها بملك البضع ، وإن لم يكن من ناحية الظهر ، ~~فكأن امرأة الرجل مركب للرجل وظهر له ، ويدل على صحة هذا المعنى أن العرب ~~تقول في الطلاق : نزلت عن امرأتي أي ms8965 طلقتها ، وفي قولهم : أنت علي كظهر أمي ~~، حذف وإضمار ، لأن تأويله : ظهرك علي ، أي ملكي إياك ، وعلوي عليك حرام ، ~~كما أن علوي على أمي وملكها حرام علي . # المقام الثاني : في الألفاظ المستعملة بهذا المعنى في عرف الشريعة . ~~الأصل في هذا الباب أن يقال : أنت علي كظهر أمي ، فإما أن يكون لفظ الظهر ، ~~ولفظ الأم مذكورين وإما أن يكون لفظ الأم مذكورا دون لفظ الظهر ، وإما أن ~~يكون لفظ الظهر مذكورا دون لفظ الأم ، وإما أن لا يكون واحد منهما مذكورا ، ~~فهذه أقسام أربعة . # القسم الأول : إذا كانا مذكورين وهو معتبر بالاتفاق ، ثم لا مناقشة في ~~الصلات إذا انتظم الكلام ، فلو قال : أنت علي كظهر أمي ، أو أنت مني كظهر ~~أمي ، فهذه الصلات كلها جائزة ولو لم يستعمل صلة ، وقال : أنت كظهر أمي ، ~~فقيل : إنه صريح ، وقيل : يحتمل أن يريد إنها كظهر أمه في حق غيره ، ولكن ~~هذا الاحتمال كما لو قال لامرأته : أنت طالق ، ثم قال : أردت بذلك الإخبار ~~عن كونها طالقا من جهة فلان . # القسم الثاني : أن تكون الأم مذكورة ، ولا يكون الظهر مذكورا ، وتفصيل ~~مذهب الشافعي فيه أن الأعضاء قسمان ، منها ما يكون التشبيه بها غير مشعر ~~بالإكرام ، ومنها ما يكون التشبيه بها مشعر بالإكرام ، أما الأول : فهو ~~كقوله : أنت علي كرجل أمي ، أو كيد أمي ، أو كبطن أمي ، وللشافعي فيه قولان ~~: الجديد أن الظهار يثبت ، والقديم أنه لا يثبت ، أما الأعضاء التي يكون ~~التشبيه بها سببا للإكرام ، فهو كقوله : أنت علي كعين أمي ، أو روح أمي ، ~~فإن أراد الظهار كان ظهارا ، وإن أراد الكرامة فليس بظهار ، فإن لفظه محتمل ~~لذلك ، وإن أطلق ففيه تردد ، هذا تفصيل مذهب الشافعي ، وأما مذهب أبي حنيفة ~~، فقال أبو بكر الرازي في ( أحكام القرآن ) : إذا شبه زوجته بعضو من الأم ~~يحل له النظر إليه لم يكن ظهارا ، وهو قوله : أنت علي كيد أمي أو كرأسها ، ~~أما إذا شبهها بعضو من الأم يحرم عليه النظر إليه كان ظهارا / كما إذا قال ~~: أنت علي ms8966 كبطن أمي أو فخذها ، والأقرب عندي هو القول القديم للشافعي ، وهو ~~أنه لا يصح الظهار بشيء من هذه الألفاظ ، والدليل عليه أن حل الزوجة كان ~~ثابتا ، وبراءة الذمة عن وجوب الكفارة كانت ثابتة ، والأصل في الثابت ~~البقاء على ما كان ترك العمل به فيما إذا قال : أنت علي / كظهر أمي لمعنى ~~مفقود في سائر الصور ، وذلك لأن اللفظ المعهود في الجاهلية هو قوله : أنت ~~علي كظهر أمي ، ولذلك سمي ظهارا ، فكان هذا اللفظ بسبب العرف مشعرا ~~بالتحريم ، ولم يوجد هذا المعنى في سائر الألفاظ ، فوجب البقاء على حكم ~~الأصل . # القسم الثالث : ما إذا كان الظهر مذكورا ولم تكن الأم مذكورة ، فهذا يدل ~~على ثلاثة مراتب : المرتبة الأولى : أن يجري التشبيه بالمحرمات من النسب ~~والرضاع ، وفيه قولان : القديم أنه لا يكون ظهارا ، والقول الجديد أنه يكون ~~ظهارا ، وهو قول أبي حنيفة . المرتبة الثانية : تشبيهها بالمرأة المحرمة ~~تحريما مؤقتا مثل أن يقول لامرأته : أنت علي كظهر فلانة ، وكان طلقها ~~والمختار عندي أن شيئا من هذا لا يكون ظهارا ، ودليله ما ذكرناه في المسألة ~~السالفة ، وحجة أبي حنيفة أنه تعالى قال : { والذين يظاهرون } وظاهر هذه ~~الآية يقتضي حصول الظهار بكل محرم فمن قصره على الأم فقد خص والجواب : أنه ~~تعالى لما قال بعده : { ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم } ~~PageV29P219 دل على أن المراد هو الظهار بذكر الأم ، ولأن حرمة الأم أشد من ~~حرمة سائر المحارم ، فنقول : المقتضي لبقاء الحل قائم على ما بيناه ، وهذا ~~الفارق موجود ، فوجب أن لا يجوز القياس . # القسم الرابع : ما إذا لم يذكر لا الظهر ولا الأم ، كما لو قال : أنت علي ~~كبطن أختي ، وعلى قياس ما تقدم يجب أن لا يكون ذلك ظهارا . # البحث الثاني : في المظاهر ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه الله : الضابط أن كل من صح طلاقه صح ~~ظهاره ، فعلى هذا ظهار الذمي عنده صحيح ، وقال أبو حنيفة لا يصح ، واحتج ~~الشافعي بعموم قوله تعالى : { والذين يظاهرون من نسائهم } وأما القياس فمن ms8967 ~~وجهين الأول : أن تأثير الظهار في التحريم والذمي أهل لذلك ، بدليل صحة ~~طلاقه ، وإذا ثبت هذا وجب أن يصح هذا التصرف منه قياسا على سائر التصرفات ~~الثاني : أن الكفارة إنما وجبت على المسلم زجرا له عن هذا الفعل الذي هو ~~منكر من القور وزور ، وهذا المعنى قائم في حق الذمي فوجب أن يصح ، واحتجوا ~~لقول أبي حنيفة بهذه الآية من وجهين الأول : احتج أبو بكر الرازي بقوله ~~تعالى : { والذين يظاهرون * منكم من نسائهم } وذلك خطاب للمؤمنين فيدل على ~~أن الظهار مخصوص بالمؤمنين الثاني : من لوازم الظهار الصحيح ، وجوب الصوم ~~على العائد العاجز عن الإعتاق بدليل قوله تعالى : { والذين يظاهرون من ~~نسائهم ثم يعودون لما قالوا * إلى * قوله * فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين } ( المجادلة : 3 4 ) وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع ، لأنه لو وجب ~~لوجب ، إما مع الكفر وهو باطل بالإجماع ، أو بعد الإيمان وهو باطل ، لقوله ~~عليه السلام : ( الإسلام يجب ما قبله ) والجواب : عن الأول / من وجوه أحدها ~~: أن قوله : { منكم } خطاب مشافهة فيتناول جميع الحاضرين ، فلم قلتم : إنه ~~مختص بالمؤمنين ؟ سلمنا أنه مختص بالمؤمنين ، فلم قلتم : إن تخصيصه ~~بالمؤمنين في الذكر يدل على أن حال غيرهم بخلاف ذلك ، لا سيما ومن مذهب هذا ~~القائل : أن التخصيص بالذكر لا يدل على أن حال ما عداه بخلافه ، سلمنا بأنه ~~يدل عليه ، لكن دلالة المفهوم أضعف من دلالة المنطوق ، فكان التمسك بعموم ~~قوله : { والذين يظاهرون } أولى ، سلمنا الاستواء في القوة ، لكن مذهب أبي ~~حنيفة أن العام إذا ورد بعد الخاص كان ناسخا للخاص ، والذي تمسكنا به وهو ~~قوله : { والذين يظاهرون من نسائهم } ( المجادلة : 3 ) متأخر في الذكر عن ~~قوله : { الذين يظاهرون منكم } والظاهر أنه كان متأخرا في النزول أيضا لأن ~~قوله : { الذين يظاهرون منكم } ليس فيه بيان حكم الظهار ، وقوله : { والذين ~~يظاهرون من نسائهم } فيه بيان حكم الظهار ، وكون المبين متأخرا في النزول ~~عن المجمل أولى والجواب عن الثاني من وجوه الأول : أن لوازمه أيضا أنه متى ~~عجز عن الصوم اكتفى ms8968 منه بالإطعام فههنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفى منه ~~بالإطعام ، وإن لم يتحقق العجز فقد زال السؤال ، والثاني : أن الصوم يدل عن ~~الإعتاق ، والبدل أضعف من المبدل ، ثم إن العبد عاجز عن الإعتاق مع أنه يصح ~~ظهاره ، فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب المنع ، مع صحة الظهار ، ~~ففوات أضعف اللازمين كيف يمنع من القول بصحة الظهار الثالث : قال القاضي ~~حسين من أصحابنا إنه يقال : إن أردت الخلاص من التحريم ، فأسلم وصم ، أما ~~قوله عليه والسلام : ( الإسلام يجب ما قبله ) قلنا : إنه عام ، والتكليف ~~بالتكفير خاص ، والخاص مقدم على العام ، وأيضا فنحن لا نكلفه بالصوم بل ~~نقول : إذا أردت إزالة التحريم فصم ، وإلا فلا تصم . PageV29P220 # المسألة الثانية : قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك رحمهم الله : لا يصح ~~ظهار المرأة من زوجها وهو أن تقول المرأة لزوجها : أنت علي كظهر أمي ، وقال ~~الأزواعي : هو يمين تكفرها ، وهذا خطأ لأن الرجل لا يلزمه بذلك كفارة يمين ~~، وهو الأصل فكيف يلزم المرأة ذلك ؟ ولأن الظهار يوجب تحريما بالقول ، ~~والمرأة لا تملك ذلك بدليل أنها لا تملك الطلاق . # المسألة الثالثة : قال الشافعي وأبو حنيفة إذا قال أنت علي كظهر أمي ~~اليوم ، بطل الظهار بمضي اليوم ، وقال مالك وابن أبي ليلى ، هو مظاهر أبدا ~~لنا أن التحريم الحاصل بالظهار قابل للتوقيت وإلا لما انحل بالتفكير ، وإذا ~~كان قابلا للتوقيت ، فإذا وقته وجب أن يتقدر بحسب ذلك التوقيت قياسا على ~~اليمين ، فهذا ما يتعلق من المسائل بقوله تعالى : { الذين يظاهرون } ، أما ~~قوله تعالى : { من نسائهم } فيتعلق به أحكام المظاهر منه ، واختلفوا في أنه ~~هل يصح الظهار عن الأمة ؟ فقال أبو حنيفة والشافعي : لا يصح ، وقال مالك ~~والأوزاعي : يصح ، حجة الشافعي أن الحل كان ثابتا ، والتكفير لم يكن واجبا ~~، والأصل في الثابت البقاء ، والآية لا تتناول هذه الصورة لأن قوله : { ~~والذين يظاهرون من نسائهم } ( المجادلة : 3 ) يتناول الحرائر دون الإماء ، ~~والدليل عليه قوله : { أو نسائهن } ( النور : 31 ) والمفهوم منه الحرائر / ~~ولولا ذلك لما صح عطف قوله : { أو ms8969 ما ملكت أيمانهن } لأن الشيء لا يعطف على ~~نفسه ، وقال تعالى : { وأمهات نسائكم } ( النساء : 23 ) فكان ذلك على ~~الزوجات دون ملك اليمين . # المسألة الرابعة : فيما يتعلق بهذه الآية من القراءات ، قال أبو علي : ~~قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر : { والذين يظاهرون } بغير الألف ، وقرأ عاصم ~~: { يظاهرون } بضم الياء وتخفيف الظاء والألف ، وقرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي يظاهرون بفتح الياء وبالألف مشددة الظاء ، قال أبو علي : ظاهر من ~~امرأته ، ظهر مثل ضاعف وضعف ، وتدخل التاء على كل واحد منهما فيصير تظاهر ~~وتظهر ، ويدخل حرف المضارعة فيصير يتظاهر ويتظهر ، ثم تدغم التاء في الظاء ~~لمقاربتها لها ، فيصير يظاهر ويظهر ، وتفتح الياء التي هي حرف المضارعة ، ~~لأنها للمطاوعة كما يفتحها في يتدحرج الذي هو مطاوع / دحرجته فتدحرج ، ~~وإنما فتح الياء في يظاهر ويظهر ، لأنه المطاوع كما أن يتدحرج كذلك ، ولأنه ~~على وزنهما ، وإن لم يكونا للإلحاق ، وأما قراءة عاصم يظاهرون فهو مشتق من ~~ظاهر يظاهر إذا أتى بمثل هذا التصرف . # المسألة الخامسة : لفظة : { منكم } في قوله : { الذين يظاهرون منكم } ~~توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصة ~~دون سائر الأمم ، وقوله تعالى : { ما هن أمهاتهم } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية المفضل : { أمهاتهم } بالرفع ~~والباقون بالنصب على لفظ الخفض ، وجه الرفع أنه لغة تميم ، قال سيبويه : ~~وهو أقيس الوجهين ، وذلك أن النفي كالاستفهام فكما لا يغير الاستفهام ~~الكلام عما كان عليه ، فكذا ينبغي أن لا يغير النفي الكلام عما كان عليه ، ~~ووجه النصب أنه لغة أهل الحجاز والأخذ في التنزيل بلغتهم أولى ، وعليها جاء ~~قوله : { ما هاذا بشرا } ( يوسف : 31 ) ووجهه من القياس أن ما تشبه ليس في ~~أمرين أحدهما : أن : ( ما ) تدخل على المبتدأ والخبر ، كما أن ( ليس ) تدخل ~~عليهما والثاني : أن ( ما ) تنفي ما في الحال ، كما أن ( ليس ) تنفي ما في ~~الحال ، وإذا حصلت المشابهة من وجهين وجب حصول المساواة في سائر الأحكام ، ~~إلا ما خص بالدليل قياسا على باب مالا ينصرف . # المسألة ms8970 الثانية : في الآية إشكال : وهو أن من قال لامرأته : أنت علي ~~كظهر أمي ، فهو شبه الزوجة PageV29P221 بالأم ، ولم يقل : إنها أم ، فكيف ~~يليق أن يقال على سبيل الإبطال لقوله : { ما هن أمهاتهم } وكيف يليق أن ~~يقال : { وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } والجواب : أما الكذب إنما ~~لزم لأن قوله : أنت علي كظهر أمي ، إما أن يجعله إخبارا أو إنشاء وعلى ~~التقدير الأول أنه كذب ، لأن الزوجة محللة والأم محرمة ، وتشبيه المحللة ~~بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب ، وإن جعلناه إنشاء كان ذلك أيضا كذبا ، ~~لأن كونه إنشاء معناه أن الشرع جعله سببا في حصول الحرمة ، فلما لم يرد ~~الشرع بهذا التشبيه ، كان جعله إنشاء في وقوع هذا الحكم يكون كذبا وزورا ، ~~وقال / بعضهم : إنه تعالى إنما وصفه بكونه : { منكرا من القول وزورا } لأن ~~الأم محرمة تحريما مؤبدا ، والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريما مؤبدا ، ~~فلا جرم كان ذلك منكرا من القول وزورا ، وهذا الوجه ضعيف لأن تشبيه الشيء ~~بالشيء لا يقتضي وقوع المشابهة بينهما من كل الوجوه ، فلا يلزم من تشبيه ~~الزوجة بالأم في الحرمة تشبيهها بها في كون الحرمة مؤبدة ، لأن مسمى الحرمة ~~أعم من الحرمة المؤبدة والمؤقتة . # قوله تعالى : { إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا } أما الكلام في تفسير لفظة اللائي ، فقد تقدم في سورة الأحزاب ~~عند قوله : { وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون } ( الأحزاب : 4 ) ثم في ~~الآية سؤالان : وهو أن ظاهرها يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة ، وهذا مشكل ، ~~لأنه قال في آية آخرى : { وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم } ( النساء : 23 ) وفي ~~آية أخرى : { وأزواجه أمهاتهم } ( الأحزاب : 6 ) ولا يمكن أن يدفع هذا ~~السؤال بأن المعنى من كون المرضعة أما ، وزوجة الرسول أما ، حرمة النكاح ، ~~وذلك لأنا نقول : إن بهذا الطريق ظهر أنه لا يلزم من عدم الأمومة الحقيقية ~~عدم الحرمة ، فإذا لا يلزم من عدم كون الزوجة أما عدم الحرمة ، وظاهر الآية ~~يوهم أنه تعالى استدل بعدم الأمومة على عدم الحرمة ، وحينئذ ms8971 يتوجه السؤال ~~والجواب : أنه ليس المراد من ظاهر الآية ما ذكره السائل بل تقدير الآية ~~كأنه قيل : الزوجة ليست بأم ، حتى تحصل الحرمة بسبب الأمومة ، ولم يرد ~~الشرع بجعل هذا اللفظ سببا لوقوع الحرمة حتى تحصل الحرمة ، فإذا لا تحصل ~~الحرمة هناك ألبتة فكان وصفهم لها بالحرمة كذبا وزورا . # ثم قال تعالى : { وإن الله لعفو غفور } إما من غير التوبة لمن شاء كما ~~قال : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } أو بعد التوبة . # ! 7 < { والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من ~~قبل أن يتمآسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير } . > 7 @QB@ < # | المجادلة : ( 3 ) والذين يظاهرون من . . . . . # > > # قوله تعالى : { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير ~~رقبة من قبل أن يتماسا } قال الزجاج : { الذين } رفع بالابتداء وخبره ~~فعليهم تحرير رقبة ، ولم يذكر عليهم لأن في الكلام دليلا عليه ، وإن شئت ~~أضمرت فكفارتهم تحرير رقبة . أما قوله تعالى : { ثم يعودون لما قالوا } ~~فاعلم أنه كثر اختلاف الناس في تفسير هذه الكلمة ، ولا بد أولا من بيان ~~أقوال أهل العربية في هذه الكلمة ، وثانيا من بيان أقوال أهل الشريعة ، ~~وفيها مسائل : PageV29P222 # / المسألة الأولى : قال الفراء : لا فرق في اللغة بين أن يقال : يعودون ~~لما قالوا ، وإلى ما قالوا وفيما قالوا ، أبو علي الفارسي : كلمة إلى ~~واللام يتعاقبان ، كقوله : { الحمد لله الذى هدانا لهاذا } ( الأعراف : 43 ~~) وقال : { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } ( الصافات : 23 ) وقال تعالى : { ~~وأوحى إلى نوح } ( هود : 36 ) وقال : { بأن ربك أوحى لها } ( الزلزلة : 5 ) ~~. # المسألة الثانية : لفظ { ما قالوا } في قوله : { ثم يعودون لما قالوا } ~~فيه وجهان أحدهما : أنه لفظ الظهار ، والمعنى أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ ~~والثاني : أن يكون المراد بقوله : { لما قالوا } المقول فيه ، وهو الذي ~~حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار ، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه ، ونظيره ~~قوله تعالى : { ونرثه ما يقول } ( مريم : 80 ) أي ونرثه المقول ، وقال عليه ~~السلام : ( العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ) وإنما هو عائد في الموهوب ms8972 ~~، ويقول الرجل : اللهم أنت رجاؤنا ، أي مرجونا ، وقال تعالى : { واعبد ربك ~~حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ) أي الموقن به ، وعلى هذا معنى قوله : { ~~ثم يعودون لما قالوا } أي يعودون إلى الشيء الذي قالوا فيه ذلك القول ، ثم ~~إذا فسرنا هذا اللفظ بالوجه الأول فنقول : قال أهل اللغة ، يجوز أن يقال : ~~عاد لما فعل ، أي فعله مرة أخرى ، ويجوز أن يقال : عاد لما فعل ، أي نقض ما ~~فعل ، وهذا كلام معقول ، لأن من فعل شيئا ثم أراد أن يقال مثله ، فقد عاد ~~إلى تلك الماهية لا محالة أيضا ، وأيضا من فعل شيئا ثم أراد إبطاله فقد عاد ~~إليه ، لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعود إليه . # المسألة الثالثة : ظهر مما قدمنا أن قوله : { ثم يعودون لما قالوا } ~~يحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بالنقض والرفع والإزالة ، ويحتمل أن ~~يكون المراد منه ، ثم يعودون إلى تكوين مثله مرة أخرى ، أما الاحتمال الأول ~~فهو الذي ذهب إليه أكثر المجتهدين واختلفوا فيه على وجوه : الأول : وهو قول ~~الشافعي أن معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه ~~أن يطلقها فيه ، وذلك لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم ، فإن وصل ذلك بالطلاق ~~فقد تمم ما شرع منه من إيقاع التحريم ، ولا كفارة عليه ، فإذا سكت عن ~~الطلاق ، فذاك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم ، فحينئذ تجب ~~عليه الكفارة ، واحتج أبو بكر الرازي في ( أحكام القرآن ) على فساد هذا ~~القول من وجهين : الأول : أنه تعالى قال : { ثم يعودون لما قالوا } وثم ~~تقتضي التراخي ، وعلى هذا القول يكون المظاهر عائدا عقيب القول بلا تراخ ، ~~وذلك خلاف مقتضى الآية الثاني : أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها / ~~فتشبيه الزوجة بالأم لا يقتضي حرمة إمساك الزوجة ، فلا يكون إمساك الزوجة ~~نقضا لقوله : أنت علي كظهر أمي ، فوجب أن لا يفسر العود بهذا الإمساك ~~والجواب عن الأول : أن هذا أيضا وارد عى قول أبي حنيفة فإنه جعل تفسير ~~العود استباحة ms8973 الوطء ، فوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا ~~التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي ، مع أن الأمة ~~مجمعة على أن له ذلك ، فثبت أن هذا الإشكال وارد عليه أيضا ، ثم نقول : إنه ~~ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه ، لا يحكم عليه بكونه عائدا ، فقد ~~تأخر كونه عائدا عن / كونه مظاهرا بذلك القدر من الزمان ، وذلك يكفي في ~~العمل بمقتضى كلمة : ثم والجواب عن الثاني : أن الأم يحرم إمساكها على سبيل ~~الزوجية ويحرم الاستمتاع بها ، فقوله : أنت علي كظهر أمي ، ليس فيه بيان أن ~~التشبيه وقع في إمساكها على سبيل الزوجية ، أو في الاستمتاع بها ، فوجب ~~حمله على الكل ، فقوله : أنت علي كظهر أمي ، يقتضي PageV29P223 تشبيهها ~~بالأم في حرمة إمساكها على سبيل الزوجية ، فإذا لم يطلقها فقد أمسكها على ~~سبيل الزوجية ، فكان هذا الإمساك مناقضا لمقتضى قوله : أنت علي كظهر أمي ، ~~فوجب الحكم عليه بكونه عائدا ، وهذا كلام ملخص في تقرير مذهب الشافعي الوجه ~~الثاني : في تفسير العود ، وهو قول أبي حنيفة : أنه عبارة عن استباحة الوطء ~~والملامسة والنظر إليها بالشهوة ، قالوا : وذلك لأنه لما شبهها بالأم في ~~حرمة هذه الأشياء ، ثم قصد استباحة هذه الأشياء كان ذلك مناقضا لقوله : أنت ~~علي كظهر أمي ، واعلم أن هذا الكلام ضعيف ، لأنه لما شبهها بالأم ، لم يبين ~~أنه في أي الأشياء شبهها بها ، فليس صرف هذا التشبيه إلى حرمة الاستمتاع ، ~~وحرمة النظر أولى من صرفه إلى حرمة إمساكها على سبيل الزوجية ، فوجب أن ~~يحمل هذا التشبيه على الكل ، وإذا كان كذلك ، فإذا أمسكها على سبيل الزوجية ~~لحظة ، فقد نقض حكم قوله : أنت علي كظهر أمي ، فوجب أن يتحقق العود الوجه ~~الثالث : في تفسير العود وهو قول مالك : أن العود إليها عبارة عن العزم على ~~جماعها وهذا ضعيف ، لأن القصة إلى جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما ~~المناقض لكونها محرمة القصد إلى استحلال جماعها ، وحينئذ نرجع إلى قول أبي ~~حنيفة رحمه الله الوجه الرابع : في تفسير ms8974 العود وهو قول طاوس والحسن البصري ~~: أن العود إليها عبارة عن جماعها ، وهذا خطأ لأن قوله تعالى : { ثم يعودون ~~لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } بفاء التعقيب في قوله : { فتحرير ~~رقبة } يقتضي كون التكفير بعد العود ، ويقتضي قوله : { من قبل أن يتماسا } ~~أن يكون التكفير قبل الجماع ، وإذا ثبت أنه لا بد وأن يكون التكفير بعد ~~العود ، وقبل الجماع ، جب أن يكون العود غير الجماع ، واعلم أن أصحابنا ~~قالوا : العود المذكور ههنا ، هب أنه صالح للجماع ، أو للعزم على الجماع ، ~~أو لاستباحة الجماع ، إلا أن الذي قاله الشافعي رحمه الله ، هو أقل ما ~~ينطلق عليه الاسم فيجب تعليق الحكم عليه لأنه هو الذي به يتحقق مسمى العود ~~، وأما الباقي فزيادة لا دليل عليها ألبتة . # الاحتمال الثاني : في قوله : { ثم يعودون } أي يفعلون مثل ما فعلوه ، ~~وعلى هذا الاحتمال في الآية أيضا وجوه الأول : قال الثوري : العود هو ~~الإتيان بالظهار في الإسلام ، وتقريره أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون ~~بالظهار ، فجعل الله تعالى حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في ~~الجاهلية ، فقال : { والذين يظاهرون من نسائهم } يريد في الجاهلية : { ثم ~~يعودون لما قالوا } أي في الإسلام والمعنى أنهم يقولون في الإسلام مثل ما ~~كانوا يقولونه في الجاهلية ، فكفارته كذا وكذا ، قال أصحابنا هذا القول ~~ضعيف لأنه تعالى ذكر الظهار وذكر العود بعده بكلمة : ثم وهذا يقتضي أن يكون ~~المراد من العود شيئا غير الظهار ، فإن قالوا : المراد والذين كانوا ~~يظاهرون من نسائهم قبل الإسلام ، والعرب / تضمر لفظ كان ، كما في قوله : { ~~واتبعوا ما تتلوا * الشياطين } أي ما كانت تتلو الشياطين ، قلنا : الإضمار ~~خلاف الأصل القول الثاني : قال أبو العالية : إذا كرر لفظ الظهار فقد عاد ، ~~فإن لم يكن يكرر لم يكن عودا ، وهذا قول أهل الظاهر ، واحتجوا عليه بأن ~~ظاهر قوله : { ثم يعودون لما قالوا } يدل على إعادة ما فعلوه ، وهذا لا ~~يكون إلا بالتكرير ، وهذا أيضا ضعيف من وجهين : الأول : أنه لو كان المراد ~~هذا لكان يقول ، ثم ms8975 يعيدون ما قالوا الثاني : حديث أوس فإنه لم يكرر الظهار ~~إنما عزم على الجماع وقد ألزمه رسول الله الكفارة ، وكذلك حديث سلمة بن ~~صخرة البياضي فإنه قال : كنت لا أصبر عن الجماع فلما دخل شهر رمضان ظاهرت ~~من امرأتي مخافة أن لا أصبر عنها بعد طلوع الفجر فظاهرت منها شهر رمضان كله ~~ثم لم أصبر فواقعته فأتيت رسول الله PageV29P224 فأخبرته بذلك وقلت : أمض ~~في حكم الله ، فقال : ( أعتق رقبة ) فأوجب الرسول عليه السلام عليه الكفارة ~~مع أنه لم يذكر تكرار الظهار القول الثالث : قال أبو مسلم الأصفهاني : معنى ~~العود ، هو أن يحلف على ما قال أولا من لفظ الظهار ، فإنه إذا لم يحلف لم ~~تلزمه الكفارة قياسا على مالو قال في بعض الأطعمة ، إنه حرام علي كلحم ~~الآدمي ، فإنه لا تلزمه الكفارة ، فأما إذا حلف عليه لزمه كفارة اليمين ، ~~وهذا أيضا ضعيف لأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين هناك وفي ~~قتل الخطأ ولا يمين هناك . # أما قوله تعالى : { فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا فيما يحرمه الظهار ، فللشافعي قولان : أحدهما : ~~أنه يحرم الجماع فقط القول الثاني : وهو الأظهر أنه يحرم جميع جهات ~~الاستمتاعات وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ودليله وجوه الأول : قوله تعالى : ~~{ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } فكان ذلك عاما في جميع ضروب المسيس ، من ~~لمس بيد أو غيرها والثاني : قوله تعالى : { والذين يظاهرون من نسائهم } ~~ألزمه حكم التحريم بسبب أنه شبهها بظهر الأم ، فكما أن مباشرة ظهر الأم ~~ومسه يحرم عليه ، فوجب أن يكون الحال في المرأة كذلك الثالث : روى عكرمة : ~~( أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره بذلك فقال اعتزلها حتى تكفر ) . # المسألة الثانية : اختلفوا فيمن ظاهر مرارا ، فقال الشافعي وأبو حنيفة : ~~لكل ظهار كفارة إلا أن يكون في مجلس واحد ، وأراد بالتكرار التأكيد ، فإنه ~~يكون عليه كفارة واحدة ، وقال مالك : من ظاهر من امرأته في مجالس ms8976 متفرقة ~~مائة فليس عليه إلا كفارة واحدة ، دليلنا أن قوله تعالى : { والذين يظاهرون ~~من نسائهم * فتحرير رقبة } يقتضي كون الظهار علة لإيجاب الكفارة ، فإذا وجد ~~الظهار الثاني فقد وجدت علة وجوب الكفارة ، والظهار الثاني إما أن يكون علة ~~للكفارة الأولى ، أو لكفارة ثانية والأول باطل لأن الكفارة وجبت بالظهار ~~الأول وتكوين الكائن محال ، ولأن تأخر العلة عن الحكم محال ، فعلمنا أن ~~الظهار الثاني يوجب كفارة / ثانية ، واحتج مالك بأن قوله : { والذين ~~يظاهرون } يتناول من ظاهر مرة واحدة ، ومن ظاهر مرارا كثيرة ، ثم إنه تعالى ~~أوجب عليه تحرير رقبة ، فعلمنا أن التكفير الواحد كاف في الظهار ، سواء كان ~~مرة واحدة أو مرارا كثيرة والجواب : أنه تعالى قال : { لا يؤاخذكم الله ~~باللغو فى أيمانكم ولاكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين } ( المائدة : 89 ) فهذا يقتضي أن لا يجب في الإيمان الكثيرة إلا ~~كفارة واحدة ، ولما كان باطلا ، فكذا ما قلتموه . # المسألة الثالثة : رجل تحته أربعة نسوة فظاهر منهن بكلمة واحدة وقال : ~~أنتن علي كظهر أمي ، للشافعي قولان : أظهرهما أنه يلزمه أربع كفارات ، نظرا ~~إلى عدد اللواتي ظاهر منهن ، ودليله ما ذكرنا ، أنه ظاهر عن هذه ، فلزمه ~~كفارة بسبب هذا الظهار ، وظاهر أيضا عن تلك ، فالظهار الثاني لا بد وأن ~~يوجب كفارة أخرى . # المسألة الرابعة : الآية تدل على إيجاب الكفارة قبل المماسة ، فإن جامع ~~قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة ، وهو قول أكثر أهل العلم ، كمالك ~~وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق رحمهم الله ، وقال بعضهم : إذا ~~واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان ، وهو قول عبدالرحمن بن مهدي دليلنا أن ~~الآية دلت على أنه يجب على المظاهر كفارة قبل العود ، فههنا فاتت صفة ~~القبلية ، فيبقى أصل وجوب الكفارة ، وليس في PageV29P225 الآية دلالة على ~~أن ترك التقديم يوجب كفارة أخرى . # المسألة الخامسة : الأظهر أنه لا ينبغي للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفر ، ~~فإن تهاون بالتكفير حال الإمام بينه وبينها ويجبره على التكفير ، وإن كان ~~بالضرب حتى يوفيها حقها من ms8977 الجماع ، قال الفقهاء : ولا شيء من الكفارات ~~يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها ، لأن ترك التكفير إضرار بالمرأة ~~وامتناع من إيفاء حقها . # المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رحمه الله هذه الرقبة تجزىء سواء كانت ~~مؤمنة أو كافرة ، لقوله تعالى : { فتحرير رقبة } فهذا اللفظ يفيد العموم في ~~جميع الرقاب ، وقال الشافعي : لا بد وأن تكون مؤمنة ودليله وجهان الأول : ~~أن المشرك نجس ، لقوله تعالى : { إنما المشركون نجس } ( التوبة : 28 ) وكل ~~نجس خبيث بإجماع الأمة وقال تعالى : { ولا تيمموا الخبيث } ( البقرة : 267 ~~) الثاني : أجمعنا على أن الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان ، فكذا ~~ههنا ، والجامع أن الإعتاق إنعام ، فتقييده بالإيمان يقتضي صرف هذا الإنعام ~~إلى أولياء الله وحرمان أعداء الله ، وعدم التقييد بالإيمان قد يفضي إلى ~~حرمان أولياء الله ، فوجب أن يتقيد بالإيمان تحصيلا لهذه المصلحة . # المسألة السابعة : إعتاق المكاتب لا يجزىء عند الشافعي رحمه الله ، وقال ~~أبو حنيفة رحمه الله إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئا جاز عن الكفارة ، وإذا ~~أعتقه بعد أن يؤدي شيئا ، فظاهر الرواية أنه لا يجزىء ، وروى الحسن عن أبي ~~حنيفة أنه يجزىء ، حجة أبي حنيفة أن المكاتب رقبة / لقوله تعالى : { وفي ~~الرقاب } ( البقرة : 117 ) والرقبة مجزئة لقوله تعالى : { فتحرير رقبة } ، ~~حجة الشافعي أن المقتضى لبقاء التكاليف بإعتاق الرقبة قائم ، بعد إعتاق ~~المكاتب ، وما لأجله ترك العمل به في محل الرقاب غير موجود ههنا ، فوجب أن ~~يبقى على الأصل ، بيان المقتضي أن الأصل في الثابت البقاء على ما كان ، ~~بيان الفارق أن المكاتب كالزائل عن ملك المولى وإن لم يزل عن ملكه ، لكنه ~~يمكن نقصان في رقه ، بدليل أنه صار أحق بمكاسبه ، ويمتنع على المولى ~~التصرفات فيه ، ولو أتلفه المولى يضمن قيمته ، ولو وطىء مكاتبته يغرم المهر ~~، ومن المعلوم أن إزالة الملك الخالص عن شوائب الضعف أشق على المالك من ~~إزالة الملك الضعيف ، ولا يلزم من خروج الرجل عن العهدة بإعتاق العبد القن ~~خروجه عن العهدة بإعتاق المكاتب ، والوجه الثاني : أجمعنا على أنه لو أعتقه ~~الوارث ms8978 بعد موته لا يجزىء عن الكفارة ، فكذا إذا أعتقه المورث والجامع كون ~~الملك ضعيفا . # المسألة الثامنة : لو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة عتق عليه ~~، لكنه لا يقع عن الكفارة عند الشافعي ، وعند أبي حنيفة يقع / حجة أبي ~~حنيفة التمسك بظاهر الآية ، وحجة الشافعي ما تقدم . # المسألة التاسعة : قال أبو حنيفة : الإطعام في الكفارات يتأدى بالتمكين ~~من الطعام ، وعند الشافعي لا يتأدى إلا بالتمليك من الفقير ، حجة أبي حنيفة ~~ظاهر القرآن وهو أن الواجب هو الإطعام ، وحقيقة الإطعام هو التمكين ، بدليل ~~قول تعالى : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } ( المائدة : 89 ) وذلك يتأدى ~~بالتمكين والتمليك ، فكذا ههنا ، وحجة الشافعي القياس عن الزكاة وصدقة ~~الفطر . # المسألة العاشرة : قال الشافعي : لكل مسكين مد من طعام بلده الذي يقتات ~~منه حنطة أو شعيرا أو أرزا أو تمرا أو أقطا ، وذلك بمد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا يعتبر مد حدث بعده ، وقال أبو حنيفة : يعطى كل مسكين نصف ~~PageV29P226 صاع من بر أو دقيق أو سويق أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير ولا ~~يجزئه دون ذلك ، حجة الشافعي أن ظاهر الآية يقتضي الإطعام ، ومراتب الإطعام ~~مختلفة بالكمية والكيفية ، فليس حمل اللفظ على البعض أولى من حمله على ~~الباقي ، فلا بد من حمله على أقل مالا بد منه ظاهرا ، وذلك هو المد ، حجة ~~أبي حنيفة ما روي في حديث أوس بن الصامت : ( لكل مسكين نصف صاع من بر ) وعن ~~علي وعائشة قالا : لكل مسكين مدان من بر ، ولأن المعتبر حاجة اليوم لكل ~~مسكين ، فيكون نظير صدقة الفطر ، ولا يتأدى ذلك بالمد ، بل بما قلنا ، ~~فكذلك هنا . # المسألة الحادية عشرة : لو أطعم مسكينا واحدا ستين مرة لا يجزىء عند ~~الشافعي ، وعند أبي حنيفة يجزىء ، حجة الشافعي ظاهر الآية ، وهو أنه أوجب ~~إطعام ستين مسكينا ، فوجب رعاية ظاهر الآية ، وحجة أبي حنيفة أن المقصود ~~دفع الحاجة وهو حاصل ، وللشافعي أن يقول : التحكمات غالبة على هذه ~~التقديرات ، فوجب الامتناع فيها من القياس ، وأيضا فلعل إدخال السرور ms8979 / في ~~قلب ستين إنسانا ، أقرب إلى رضا الله تعالى من إدخال السرور في قلب الإنسان ~~الواحد . # المسألة الثانية عشرة : قال أصحاب الشافعي : إنه تعالى قال في الرقبة : { ~~فمن لم يجد فصيام شهرين } وقال في الصوم : { فمن لم يستطع فإطعام ستين ~~مسكينا } فذكر في الأول : { فمن لم يجد } وفي الثاني : { فمن لم يستطع } ~~فقالوا : من ماله غائب لم ينتقل إلى الصوم بسبب عجزه عن الإعتاق في الحال ~~أما من كان مريضا في الحال ، فإنه ينتقل إلى الإطعام وإن كان مرضه بحيث ~~يرجى زواله ، قالوا : والفرق أنه قال في الانتقال إلى الإطعام : { فمن لم ~~يستطع } وهو بسبب المرض الناجز ، والعجز العاجل غير مستطيع ، وقال في ~~الرقبة : { فمن لم يجد } والمراد فمن لم يجد رقبة أو مالا يشتري به رقبة ، ~~ومن ماله غائب لا يسمى فاقدا للمال ، وأيضا يمكن أن يقال في الفرق إحضار ~~المال يتعلق باختياره وأما إزالة المرض فليس باختياره . # المسألة الثالثة عشرة : قال بعض أصحابنا : الشبق المفرط والغلمة الهائجة ~~، عذر في الانتقال إلى الإطعام ، والدليل عليه أنه عليه السلام لما أمر ~~الأعرابي بالصوم قال له : وهل أتيت إلا من قبل الصوم فقال عليه السلام أطعم ~~) دل الحديث على أن الشبق الشديد عذر في الانتقال من الصوم إلى الإطعام ، ~~وأيضا الاستطاعة فوق الوسع ، والوسع فوق الطاقة ، فالاستطاعة هو أن يتمكن ~~الإنسان من الفعل على سبيل السهولة ، ومعلوم أن هذا المعنى لا يتم مع شدة ~~الشبق ، فهذه جملة مختصرة مما يتعلق بفقه القرآن في هذه الآية ، والله أعلم ~~. # قوله تعالى : { ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير } قال الزجاج : { ~~ذالكم } للتغليظ في الكفارة { توعظون به } أي أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى ~~تتركوا الظهار ولا تعاودوه / وقال غيره { ذلكم توعظون به } أي تؤمرون به من ~~الكفارة { والله بما تعملون خبير } من التكفير وتركه . # PageV29P227 ! 7 < { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا ~~فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله ~~وللكافرين عذاب أليم } . > 7 ! # < < # | المجادلة ms8980 : ( 4 ) فمن لم يجد . . . . . # > > ثم ذكر تعالى حكم العاجز عن الرقبة فقال : { فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا } فدلت الآية ~~على أن التتابع شرط ، وذكر في تحرير الرقبة والصوم أنه لا بد وأن يوجدا من ~~قبل أن يتماسا ، ثم ذكر تعالى أن من لم يستطع ذلك فإطعام ستين مسكينا ، ولم ~~يذكر أنه لا بد من وقوعه قبل المماسة ، إلا أنه كالأولين بدلالة الإجماع ، ~~والمسائل الفقهية المفرعة على هذه الآية كثيرة مذكورة في كتاب الفقه . # ثم قال تعالى : { ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين ~~عذاب أليم } وفي قوله : { ذالك } وجهان الأول : قال الزجاج : إنه في محل ~~الرفع ، والمعنى الفرض ذلك الذي وضعناه ، الثاني : فعلنا ذلك البيان ~~والتعليم للأحكام لتصدقوا بالله ورسوله في العمل بشرائعه ، ولا تستمروا على ~~أحكام الجاهلية من جعل الظهار أقوى أنواع الطلاق ، وفي الآية مسائل . # المسألة الأولى : استدلت المعتزلة باللام في قوله : { لتؤمنوا } على أن ~~فعل الله معلل بالغرض وعلى أن غرضه أن تؤمنوا بالله ، ولا تستمروا على ما ~~كانوا عليه في الجاهلية من الكفر ، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم ~~الإيمان وعدم الكفر . # المسألة الثانية : استدل من أدخل العمل في مسمى الإيمان بهذه الآية ، ~~فقال : أمرهم بهذه الأعمال ، وبين أنه أمرهم بها ليصيروا بعملها مؤمنين ، ~~فدلت الآية على أن العمل من الإيمان ومن أنكر ذلك قال : إنه تعالى لم يقل : ~~( ذلك لتؤمنوا بالله بعمل هذه الأشياء ) ، ونحن نقول المعنى ذلك لتؤمنوا ~~بالله بالإقرار بهذه الأحكام ، ثم إنه تعالى أكد في بيان أنه لا بد لهم من ~~الطاعة { وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم } أي لمن جحد هذا وكذب به . # ! 7 < { إن الذين يحآدون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد ~~أنزلنآ ءايات بينات وللكافرين عذاب مهين } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 5 ) إن الذين يحادون . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في المحادة قولان قال المبرد : أصل المحادة الممانعة ، ~~ومنه يقال للبواب : حداد ، وللمنوع الرزق محدود ، قال ms8981 أبو مسلم الأصفهاني : ~~المحادة مفاعلة من لفظ الحديد ، والمراد المقابلة بالحديد سواء كان ذلك في ~~الحقيقة ، أو كان ذلك منازعة شديدة شبيهة بالخصومة بالحديد ، أما المفسرون ~~فقالوا : يحادون أي يعادون ويشاقون ، وذلك تارة بالمحاربة مع أولياء الله ~~وتارة بالتكذيب والصد عن دين الله . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { يحادون } يمكن أن يكون راجعا إلى ~~المنافقين ، فإنهم كانوا يوادون PageV29P228 الكافرين ويظاهرون على الرسول ~~عليه السلام فأذلهم الله تعالى ، ويحتمل سائر الكفار فأعلم الله رسوله أنهم ~~{ كبتوا } أي خذلوا ، قال المبرد : يقال : كبت الله فلانا إذا أذله ، ~~والمردود بالذل يقال له : مكبوت ، ثم قال : { كما كبت الذين من قبلهم } من ~~أعداء الرسل : { وقد أنزلنا ءايات بينات } / تدل على صدق الرسول : { ~~وللكافرين } بهذه الآيات : { عذاب مهين } يذهب بعزهم وكبرهم ، فبين سبحانه ~~أن عذاب هؤلاء المحادين في الدنيا الذل والهوان ، وفي الآخرة العذاب الشديد ~~. # ثم ذكر تعالى ما به يتكامل هذا الوعيد فقال : # ! 7 < { يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله ~~على كل شىء شهيد } . > 7 ! # { < < # | المجادلة : ( 6 ) يوم يبعثهم الله . . . . . # > > يوم } منصوب بينبئهم أو بمهين أو بإضمار اذكر ، تعظيما لليوم ، وفي ~~قوله : { جميعا } قولان : أحدهما : كلهم لا يترك منهم أحد غير مبعوث ~~والثاني : مجتمعين في حال واحدة ، ثم قال : { فينبئهم بما عملوا } تجليلا ~~لهم ، وتوبيخا وتشهيرا لحالهم ، الذي يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار ، ~~لما يلحقهم من الخزي على رؤس الإشهاد وقوله : { أحصاه الله } أي أحاط بجميع ~~أحوال تلك الأعمال من الكمية والكيفية ، والزمان والمكان لأنه تعالى عالم ~~بالجزئيات ، ثم قال : { ونسوه } لأنهم استحقروها وتهاونوا بها فلا جرم ~~نسوها : { والله على كل شىء شهيد } أي مشاهد لا يخفى عليه شيء ألبتة . # ! 7 < { ألم تر أن الله يعلم ما فى السماوات وما فى الا رض ما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ~~إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شىء ms8982 ~~عليم } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 7 ) ألم تر أن . . . . . # > > ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالما بكل المعلومات فقال : # { ألم تر أن الله يعلم ما فى * السماوات وما في الارض } . # قال ابن عباس : { ألم تر } أي ألم تعلم وأقول هذا حق لأن كونه تعالى ~~عالما بالأشياء لا يرى ، ولكنه معلوم بواسطة الدلائل ، وإنما أطلق لفظ ~~الرؤية على هذا العلم ، لأن الدليل على كونه عالما ، هو أن أفعاله محكمة ~~متقنة منتسقة منتظمة ، وكل من كانت أفعاله كذلك فهو عالم . # أما المقدمة الأولى : فمحسوسة مشاهدة في عجائب السموات والأرض ، وتركيبات ~~النبات والحيوان . # أما المقدمة الثانية : فبديهية ، ولما كان الدليل الدال على كونه تعالى ~~كذلك ظاهرا لا جرم بلغ هذا العلم والاستدلال إلى أعلى درجات الظهور والجلاء ~~، صار جاريا مجرى المحسوس المشاهد ، فلذلك أطلق لفظ الرؤية فقال : { ألم تر ~~} وأما أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، فلأن علمه علم قديم ، فلو تعلق ~~بالبعض دون البعض من أن جميع المعلومات مشتركة في صحة المعلومية لافتقر ذلك ~~العلم في ذلك التخصيص إلى مخصص ، وهو على الله تعالى محال ، فلا جرم وجب ~~كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، واعلم أنه سبحانه قال : { يعلم ما فى * ~~السماوات وما في الارض } ولم يقل : يعلم ما في الأرض وما في السموات وفي ~~رعاية هذا الترتيب سر عجيب . # ثم إنه تعالى خص ما يكون من العباد من النجوى فقال : PageV29P229 # / { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر } . # وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن جني : قرأ أبو حيوة { ما تكونوا * من نجوى ~~ثلاثة } بالتاء ثم قال والتذكير الذي عليه العامة هو الوجه ، لما هناك من ~~الشياع وعموم الجنسية ، كقولك : ما جاءني من امرأة ، وما حضرني من جارية ، ~~ولأنه وقع الفاصل بين الفاعل والمفعول ، وهو كلمة من ، ولأن النجوى تأنيثه ~~ليس تأنيثا حقيقيا ، وأما التأنيث فلأن تقدير الآية : ما تكون نجوى ، كما ~~يقال : ما قامت امرأة وما حضرت جارية . # المسألة الثانية : قوله : { ما يكون } من ms8983 كان التامة ، أي ما يوجد ولا ~~يحصل من نجوى ثلاثة . # المسألة الثالثة : النجوى التناجي وهو مصدر ، ومنه قوله تعالى : { لا خير ~~فى كثير من نجواهم } ( النساء : 114 ) وقال الزجاج : النجوى مشتق من النجوة ~~، وهي ما ارتفع ونجا ، فالكلام المذكور سرا لما خلا عن استماع الغير صار ~~كالأرض المرتفعة ، فإنها لارتفاعها خلت عن اتصال الغير ، ويجوز أيضا أن ~~تجعل النجوى وصفا ، فيقال : قوم نجوى ، وقوله تعالى : { وإذ هم نجوى } ( ~~الإسراء : 47 ) والمعنى ، هم ذوو نجوى ، فحذف المضاف ، وكذلك كل مصدر وصف ~~به . # المسألة الرابعة : جر ثلاثة في قوله : { من نجوى ثلاثة } يحتمل وجهين ~~أحدهما : أن يكون مجرورا بالإضافة والثاني : أن يكون النجوى بمعنى ~~المتناجين ، ويكون التقدير : ما يكون من متناجين ثلاثة فيكون صفة . # المسألة الخامسة : قرأ ابن أبي عبلة ( ثلاثة ) و ( خمسة ) بالنصب على ~~الحال ، بإضمار يتناجون لأن نجوى يدل عليه . # المسألة السادسة : أنه تعالى ذكر الثلاثة والخمسة ، وأهمل أمر الأربعة في ~~البين ، وذكروا فيه وجوها : أحدها : أن هذا إشارة إلى كمال الرحمة ، وذلك ~~لأن الثلاثة إذا اجتمعوا ، فإذا أخذ إثنان في التناجي والمشاورة ، بقي ~~الواحد ضائعا وحيدا ، فيضيق قلبه فيقول الله تعالى : أنا جليسك وأنيسك ، ~~وكذلك الخمسة إذا اجتمعوا بقي الخامس وحيدا فريدا ، أما إذا كانوا أربعة لم ~~يبق واحد منهم فريدا ، / فهذا إشارة إلى أن كل من انقطع عن الخلق ما يتركه ~~الله تعالى ضائعا وثانيها : أن العدد الفرد أشرف من الزوج ، لأن الله وتر ~~يحب الوتر ، فخص الأعداد الفرد بالذكر تنبيها على أنه لا بد من رعاية ~~الأمور الإلهية في جميع الأمور وثالثها : أن أقل مالا بد منه في المشاورة ~~التي يكون الغرض منها تمهيد مصلحة ثلاثة ، حتى يكون الإثنان كالمتنازعين في ~~النفي والإثبات ، والثالث كالمتوسط الحاكم بينهما ، فحينئذ تكمل تلك ~~المشورة ويتم ذلك الغرض ، وهكذا في كل جمع اجتمعوا للمشاورة ، فلا بد فيهم ~~من واحد يكون حكما مقبول القول ، فلهذا السبب لا بد PageV29P230 وأن تكون ~~أرباب المشاورة عددهم فردا ، فذكر سبحانه الفردين الأولين واكتفى بذكرهما ~~تنبيها على ms8984 الباقي ورابعها : أن الآية نزلت في قوم من المنافقين ، اجتمعوا ~~على التناجي مغايظة للمؤمنين ، وكانوا على هذين العددين ، قال ابن عباس ~~نزلت هذه الآية في ربيعة وحبيب ابني عمرو ، وصفوان بن أمية ، كانوا يوما ~~يتحدثون ، فقال أحدهم : هل يعلم الله ما تقول ؟ وقال الثاني : يعلم البعض ~~دون البعض ، وقال الثالث : إن كان يعلم البعض فيعلم الكل وخامسها : أن في ~~مصحف عبدالله : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا الله رابعهم ، ولا أربعة إلا ~~الله خامسهم ، ولا خمسة إلا الله سادسهم ، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا ~~الله معهم إذا أخذوا في التناجي ) . # المسألة السابعة : قرىء : { ولا أدنى من ذلك ولا أكثر } بالنصب على أن لا ~~لنفي الجنس ، ويجوز أن يكون { ولا أكثر } بالرفع معطوفا على محل ( لا ) مع ~~( أدنى ) ، كقولك : لا حول ولا قوة إلا بالله ، بفتح الحول ورفع القوة ~~والثالث : يجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء ، كقولك : لا حول ولا قوة ~~إلا بالله والرابع : أن يكون ارتفاعهما عطفا على محل { من نجوى } كأنه قيل ~~: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم ، والخامس : يجوز أن يكونا مجروروين ~~عطفا على { نجوى } كأنه قيل : ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم . # المسألة الثامنة : قرىء : { ولا أكبر } بالباء المنقطعة من تحت . # المسألة التاسعة : المراد من كونه تعالى رابعا لهم ، والمراد من كونه ~~تعالى معهم كونه تعالى عالما بكلامهم وضميرهم وسرهم وعلنهم ، وكأنه تعالى ~~حاضر معهم ومشاهد لهم ، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة . # المسألة العاشرة : قرأ بعضهم : { ثم ينبئهم } بسكون النون ، وأنبأ ونبأ ~~واحد في المعنى ، وقوله : { ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة } أي يحاسب ~~على ذلك ويجازي على قدر الاستحقاق ، ثم قال : { أن الله بكل شىء عليم } وهو ~~تحذير من المعاصي وترغيب في الطاعات . # ! 7 < { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ~~ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به ~~الله ويقولون فىأنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها ms8985 فبئس ~~المصير } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 8 ) ألم تر إلى . . . . . # > > ثم إنه تعالى بين حال أولئك الذين نهوا عن النجوى فقال : { ألم تر ~~إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه } واختلفوا في أنهم من هم ~~؟ فقال الأكثرون : هم اليهود ، ومنهم من قال : هم المنافقون ، ومنهم من قال ~~: فريق من الكفار ، والأول أقرب ، لأنه تعالى حكى عنهم فقال : { وإذا جاءوك ~~حيوك بما لم يحيك به الله } ، وهذا الجنس فيما روي وقع من اليهود ، فقد ~~كانوا إذا سلموا على الرسول عليه السلام قالوا : السام عليك ، يعنون الموت ~~، والأخبار في ذلك متظاهرة ، وقصة عائشة فيها مشهورة . # ثم قال تعالى : { ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاءوك ~~حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون فى أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } ~~وفيه مسألتان : PageV29P231 # المسألة الأولى : قال المفسرون : إنه صح أن أولئك الأقوام كانوا يتناجون ~~فيما بينهم ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم ، فيحزنون لذلك ، ~~فلما أكثروا ذلك شكا المسلمون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين ، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى ~~مناجاتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقوله : { ويتناجون بالإثم ~~والعدوان } يحتمل وجهين أحدهما : أن الإثم والعدوان هو مخالفتهم للرسل في ~~النهي عن النجوى لأن الإقدام على المنهي يوجب الإثم والعدوان ، سيما إذا ~~كان ذلك الإقدام لأجل المناصبة وإظهار التمرد . والثاني : أن الإثم ~~والعدوان هو ذلك السر الذي كان يجري بينهم ، لأنه إما مكر وكيد بالمسلمين ~~أو شيء يسوءهم . # المسألة الثانية : قرأ حمزة وحده ، ( ويتنجون ) بغير ألف ، والباقون : { ~~* يتناجون } ، قال أبو علي : ينتجون يفتعلون من النجوى ، والنجوى مصدر ~~كالدعوى والعدوى ، فينتجون ويتناجون واحد ، فإن يفتعلون ، ويتفاعلون ، قد ~~يجريان مجرى واحد ، كما يقال : ازدوجوا ، واعتوروا ، وتزاوجوا وتعاوروا ، ~~وقوله تعالى : { أختها حتى إذا اداركوا فيها } ( الأعراف : 38 ) وادركوا ~~فادركوا افتعلوا ، وادركوا تفاعلوا وحجة من قرأ : { * يتناجون } ، قوله : { ~~ءامنوا إذا ناجيتم الرسول } ( المجادلة : 12 ) { وتناجوا بالبر والتقوى } ( ~~المجادلة : 9 ) فهذا مطاوع ناجيتم ، وليس في هذا رد لقراءة حمزة ms8986 : ينتجون ، ~~لأن هذا مثله في الجواز ، وقوله تعالى : { ألم تر } قال صاحب الكشاف : قرىء ~~( ومعصيات الرسول ) ، والقولان ههنا كما ذكرناه في الإثم والعدوان وقوله : ~~{ وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله } يعني أنهم يقولون في تحيتك : ~~السام عليك يا محمد والسام الموت ، والله تعالى يقول : { وسلام على عباده ~~الذين اصطفى } ( النمل : 59 ) و { الله وأطيعوا الرسول } و { منتظرون ~~ياأيها النبى } ثم ذكر تعالى أنهم { يقولون * فى أنفسهم لولا يعذبنا الله ~~بما نقول } يعني أنهم / يقولون في أنفسهم : إنه لو كان رسولا فلم لا يعذبنا ~~الله بهذا الاستخفاف . # ثم قال تعالى : { حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } والمعنى أن تقدم ~~العذاب إنما يكون بحسب المشيئة ، أو بحسب المصلحة ، فإذا لم يقتض المشيئة ~~تقديم العذاب ، ولم يقتض الصلاح أيضا ذلك ، فالعذاب في القيامة كافيهم في ~~الردع عما هم عليه . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذىإليه تحشرون } . > 7 ~~@QB@ < # | المجادلة : ( 9 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { المصير ياأيها الذين ءامنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا ~~بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى } . # اعلم أن المخاطبين بقوله : { ذلك بأن الذين كفروا } قولين ، وذلك لأنا إن ~~حملنا قوله فيما تقدم : { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } ( المجادلة : ~~8 ) على اليهود حملنا في هذه الآية قوله : { ذلك بأن الذين كفروا } على ~~المنافقين ، أي يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ، وإن حملنا ذلك على جميع ~~الكفار من اليهود والمنافقين ، حملنا هذا على المؤمنين ، وذلك لأنه تعالى ~~لما ذم اليهود والمنافقين على التناجي بالإثم والعدوان ومعصية PageV29P232 ~~الرسول ، أتبعه بأن نهى أصحابه المؤمنين أن يسلكوا مثل طريقتهم ، فقال : { ~~فلا تتناجوا بالإثم } وهو ما يقبح مما يخصهم { والعدوان } وهو يؤدي إلى ظلم ~~الغير { ألم تر } وهو ما يكون خلافا عليه ، وأمرهم أن يتناجوا بالبر الذي ~~يضاد العدوان وبالتقوى وهو ما يتقي به من النار من فعل الطاعات وترك ~~المعاصي ، واعلم أن القوم متى تناجوا بما هذه صفته قلت : مناجاتهم ، لأن ms8987 ما ~~يدعو إلى مثل هذا الكلام يدعو إظهاره ، وذلك يقرب من قوله : { لا خير فى ~~كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس } ( النساء : ~~114 ) وأيضا فمتى عرفت طريقة الرجل في هذه المناجاة لم يتأذ من مناجاته أحد ~~. # ثم قال تعالى : { واتقوا الله الذى إليه تحشرون } أي إلى حيث يحاسب ~~ويجازي وإلا فالمكان لا يجوز على الله تعالى . # ! 7 < { إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا وليس بضآرهم شيئا إلا ~~بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . > 7 @QB@ < # | المجادلة : ( 10 ) إنما النجوى من . . . . . # > > # قوله تعالى : { إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا } الألف ~~واللام في لفظ { النجوى } لا يمكن أن يكون للاستغراق ، لأن في النجوى ما ~~يكون من الله ولله ، بل المراد منه المعهود السابق وهو النجوى بالإثم ~~والعدوان ، والمعنى أن الشيطان يحملهم على أن يقدموا على تلك النجوى التي / ~~هي سبب لحزن المؤمنين ، وذلك لأن المؤمنين إذا رأوهم متناجين ، ثالوا : ما ~~نراهم إلا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم ~~قتلوا وهزموا ، ويقع ذلك في قلوبهم ويحزنون له . # ثم قال تعالى : { وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله } وفيه وجهان : أحدهما ~~: ليس يضر التناجي بالمؤمنين شيئا والثاني : الشيطان ليس بضارهم شيئا إلا ~~بإذن الله ، وقوله : { إلا بإذن الله } فقيل : بعلمه وقيل : بخلقه ، ~~وتقديره للأمراض وأحوال القلب من الحزن والفرح ، وقيل : بأن يبين كيفية ~~مناجاة الكفار حتى يزول الغم . # ثم قال : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } فإن من توكل عليه لا يخيب أمله ~~ولا يبطل سعيه . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس فافسحوا يفسح ~~الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير } . > 7 @QB@ < # | المجادلة : ( 11 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { المؤمنون ياأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى ~~المجالس فافسحوا يفسح الله لكم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما نهى عباده المؤمنين عما يكون سببا ~~للتباغض والتنافر ms8988 ، أمرهم الآن بما يصير سببا لزيادة المحبة والمودة ، ~~وقوله : { تفسحوا فى المجالس } توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض ، من قولهم ~~: افسح عني ، أي تنح ، ولا تتضاموا ، يقال : بلدة فسيحة ، ومفازة فسيحة ، ~~ولك فيه فسحة ، أي سعة . # المسألة الثانية : قرأ الحسن وداود بن أبي هند : ( تفاسحوا ) ، قال ابن ~~جني : هذا لائق بالغرض لأنه إذا قيل : ( تفسحوا ) ، فمعناه ليكن هناك تفسح ~~، وأما التفاسح فتفاعل ، والمراد ههنا المفاعلة ، فإنها تكون لما فوق ~~الواحد كالمقاسمة والمكايلة ، وقرىء : { فى * المجالس } قال الواحدي : ~~والوجه التوحيد لأن المراد مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وهو واحد ، ووجه ~~الجمع أن يجعل لكل جالس مجلس على حدة ، أي موضع جلوس . PageV29P233 # المسألة الثالثة : ذكروا في الآية أقوالا : الأول : أن المراد مجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتضامون فيه تنافسا على القرب منه ، وحرصا ~~على استماع كلامه ، وعلى هذا القول ذكروا في سبب النزول وجوها الأول : قال ~~مقاتل بن حيان : كان عليه السلام يوم الجمعة في الصفة ، وفي المكان ضيق ، ~~وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فجاء ناس من أهل بدر ، وقد ~~سبقوا إلى المجلس ، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون أن يوسع ~~لهم ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام وشق ذلك على ~~الرسول ، فقال لمن حوله من غير أهل بدر : قم يا فلان ، قم يا فلان ، فلم ~~يزل يقيم بعدة النفر الذين هم قيام بين يديه ، وشق ذلك على من أقيم / من ~~مجلسه ، وعرفت الكراهية في وجوههم ، وطعن المنافقون في ذلك ، وقالوا : ~~والله ما عدل على هؤلاء ، إن قوما أخذوا مجالسهم ، وأحبوا القرب منه ~~فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه ، فنزلت هذه الآية يوم الجمعة الثاني : روى عن ~~ابن عباس أنه قال : نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس بن الشماس ، وذلك أنه ~~دخل المسجد وقد أخذ القوم مجالسهم ، وكان يريد القرب من الرسول عليه الصلاة ~~والسلام للوقر الذي كان في أذنيه فوسعوا له حتى قرب ، ثم ضايقه بعضهم وجرى ~~بينه ms8989 وبينه كلام ، ووصف للرسول محبة القرب منه ليسمع كلامه ، وإن فلانا لم ~~يفسح له ، فنزلت هذه الآية ، وأمر القوم بأن يوسعوا ولا يقوم أحد لأحد ، ~~الثالث : أنهم كانوا يحبون القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ~~الرجل منهم يكره أن يضيق عليه فربما سأله أخوه أن يفسح له فيأبى فأمرهم ~~الله تعالى بأن يتعاطفوا ويتحملوا المكروه وكان فيهم من يكره أن يمسه ~~الفقراء ، وكان أهل الصفة يلبسون الصوف ولهم روائح ، القول الثاني : وهو ~~اختيار الحسن أن المراد تفسحوا في مجالس القتال ، وهو كقوله : { مقاعد ~~للقتال } ( آل عمران : 121 ) وكان الرجل يأتي الصف فيقول تفسحوا ، فيأبون ~~لحرصهم على الشهادة والقول الثالث : أن المراد جميع المجالس والمجامع ، قال ~~القاضي : والأقرب أن المراد ، منه مجلس الرسول عليه السلام / لأنه تعالى ~~ذكر المجلس على وجه يقتضي كونه معهودا ، والمعود في زمان نزول الآية ليس ~~إلا مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يعظم التنافس عليه ، ومعلوم أن ~~للقرب منه مزية عظيمة لما فيه من سماع حديثه ، ولما فيه من المنزلة ، ولذلك ~~قال عليه السلام : ( ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ) ولذلك كان يقدم ~~الأفاضل من أصحابه ، وكانوا لكثرتهم يتضايقون ، فأمروا بالتفسح إذا أمكن ، ~~لأن ذلك أدخل في التحبب ، وفي الاشتراك في سماع مالا بد منه في الدين ، ~~وإذا صح ذلك في مجلسه ، فحال الجهاد ينبغي أن يكون مثله ، بل ربما كان أولى ~~، لأن الشديد البأس قد يكون متأخرا عن الصف الأول ، والحاجة إلى تقدمه ماسة ~~فلا بد من التفسح ، ثم يقاس على هذا سائر مجالس العلم والذكر . # أما قوله تعالى : { يفسح الله لكم } فهو مطلق في كل ما يطلب الناس الفسحة ~~فيه من المكان والرزق والصدر والقبر والجنة . # واعلم أن هذه الآية دلت على أن كل من وسع على عباد الله أبواب الخير ~~والراحة ، وسع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة ، ولا ينبغي للعاقل أن يقيد ~~الآية بالتفسح في المجلس ، بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم ، وإدخال ~~السرور في قلبه ، ولذلك قال عليه ms8990 السلام : ( لا يزال الله في عون العبد ما ~~زال العبد في عون أخيه المسلم ) . PageV29P234 # ثم قال تعالى : { ياأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا فى المجالس ~~فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : إذا قيل لكم : ارتفعوا فارتفعوا ، ~~واللفظ يحتمل وجوها أحدها : إذا قيل لكم : قوموا للتوسعة على الداخل ، ~~فقوموا وثانيها : إذا قيل : قوموا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ولا تطولوا في الكلام ، فقوموا ولا تركزوا معه ، كما قال : { ولا مستأنسين ~~لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبى } ( الأحزاب : 53 ) وهو قول الزجاج وثالثها : ~~إذا قيل لكم : قوموا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير وتأهبوا له ، ~~فاشتغلوا به وتأهبوا له ، ولا تتثاقلوا فيه ، قال الضحاك وابن زيد : إن ~~قوما تثاقلوا عن الصلاة ، فأمروا بالقيام لها إذا نودي . # المسألة الثانية : قرىء : { انشزوا } بكسر الشين وبضمها ، وهما لغتان مثل ~~: { يعكفون } و { يعكفون } ( الأعراف : 138 ) ، و { يعرشون } و { يعرشون } ~~( الأعراف : 137 ) . # واعلم أنه تعالى لما نهاهم أولا عن بعض الأشياء ، ثم أمرهم ثانيا ببعض ~~الأشياء وعدهم على الطاعات ، فقال : { يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات } أي يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامر رسوله ، ~~والعالمين منهم خاصة درجات ، ثم في المراد من هذه الرفعة قولان : الأول : ~~وهو القول النادر : أن المراد به الرفعة في مجلس الرسول عليه السلام ~~والثاني : وهو القول المشهور : أن المراد منه الرفعة في درجات الثواب ، ~~ومراتب الرضوان . # واعلم أنا أطنبنا في تفسير قوله تعالى : { وعلم ءادم الاسماء كلها } ( ~~البقرة : 31 ) في فضيلة العلم ، وقال القاضي : لا شبهة أن علم العالم يقتضي ~~لطاعته من المنزلة مالا يحصل للمؤمن ، ولذلك فإنه يقتدى بالعلم في كل ~~أفعاله ، ولا يقتدى بغير العالم ، لأنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام ~~والشبهات ، ومحاسبة النفس مالا يعرفه الغير ، ويعلم من كيفية الخشوع ~~والتذلل في العبادة مالا يعرفه غيره ، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها ~~وصفاتها مالا يعرفه غيره ، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق مالا يتحفظ منه ~~غيره ms8991 ، وفي الوجوه كثرة / لكنه كما تعظم منزلة أفعاله من الطاعات في درجة ~~الثواب ، فكذلك يعظم عقابه فيما يأتيه من الذنوب ، لمكان علمه حتى لا يمتنع ~~في كثير من صغائر غيره أن يكون كبيرا منه . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم ~~صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 12 ) يا أيها الذين . . . . . # > > فيه مسائل : # / المسألة الأولى : هذا التكليف يشتمل على أنواع من الفوائد أولها : ~~إعظام الرسول عليه السلام وإعظام مناجاته فإن الإنسان إذا وجد الشيء مع ~~المشقة استعظمه ، وإن وجده بالسهولة استحقره وثانيها : PageV29P235 نفع ~~كثير من الفقراء بتلك الصدقة المقدمة قبل المناجاة وثالثها : قال ابن عباس ~~: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا ~~عليه ، وأراد الله أن يخفف عن نبيه ، فلما نزلت هذه الآية شح كثير من الناس ~~فكفوا عن المسألة ورابعها : قال مقالت بن حيان : إن الأغنياء غلبوا الفقراء ~~على مجلس النبي عليه الصلاة والسلام وأكثروا من مناجاته حتى كره النبي صلى ~~الله عليه وسلم طول جلوسهم ، فأمر الله بالصدقة عند المناجاة ، فأما ~~الأغنياء فامتنعوا ، وأما الفقراء فلم يجدوا شيئا ، واشتاقوا إلى مجلس ~~الرسول عليه السلام ، فتمنوا أن لو كانوا يملكون شيئا فينفقونه ويصلون إلى ~~مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعند هذا التكليف ازدادت درجة الفقراء ~~عند الله ، وانحطت درجة الأغنياء وخامسها : يحتمل أن يكون المراد منه ~~التخفيف عليه ، لأن أرباب الحاجات كانوا يلحون على الرسول ، ويشغلون أوقاته ~~التي هي مقسومة على الإبلاغ إلى الأمة وعلى العبادة ، ويحتمل أنه كان في ~~ذلك ما يشغل قلب بعض المؤمنين ، لظنه أن فلانا إنما ناجى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأمر يقتضي شغل القلب فيما يرجع إلى الدنيا وسادسها : أنه ~~يتميز به محب الآخرة عن محب الدنيا ، فإن المال محك الدواعي . # المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن تقديم الصدقة كان واجبا ، لأن ~~الأمر للوجوب ، ويتأكد ذلك بقوله في آخر الآية : { فإن ms8992 لم تجدوا فإن الله ~~غفور رحيم } فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده يزول وجوبه ، ومنهم من قال : ~~إن ذلك ما كان واجبا ، بل كان مندوبا ، واحتج عليه بوجهين الأول : أنه ~~تعالى قال : { ذلك خير لكم وأطهر } وهذا إنما يستعمل في التطوع لا في الفرض ~~والثاني : أنه لو كان ذلك واجبا لما أزيل وجوبه بكلام متصل به ، وهو قوله : ~~{ أن تقدموا بين } ( المجادلة : 13 ) إلى آخر الآية والجواب عن الأول : أن ~~المندوب كما يوصف بأنه خير وأطهر ، فالواجب أيضا يوصف بذلك والجواب عن ~~الثاني : أنه لا يلزم من كون الآيتين متصلتين في التلاوة ، كونهما متصلتين ~~في النزول ، وهذا كما قلنا في الآية الدالة على وجوب الاعتداد بأربعة أشهر ~~وعشرا ، إنها ناسخة للاعتداد بحول ، وإن كان الناسخ متقدما في التلاوة على ~~المنسوخ ، ثم اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ ، فقال الكلبي : ما ~~بقي ذلك التكليف إلا ساعة من النهار ثم نسخ ، وقال مقاتل بن حيان : بقي ذلك ~~التكليف عشرة أيام ثم نسخ . # المسألة الثالثة : روي عن علي عليه السلام أنه قال : إن في كتاب الله ~~لآية ما عمل بها أحد قبلي ، ولا يعمل بها أحد بعدي ، كان لي دينار فاشتريت ~~به عشرة دراهم ، فكلما ناجيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي ~~نجواي درهما ، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد ، وروي عن ابن جريج والكلبي وعطاء ~~عن ابن عباس : أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه أحد إلا / علي ~~عليه السلام تصدق بدينار ، ثم نزلت الرخصة . قال القاضي والأكثر في ~~الروايات : أنه عليه السلام تفرد بالتصدق قبل مناجاته / ثم ورد النسخ ، وإن ~~كان قد روي أيضا أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك ، وإن ثبت أنه ~~اختص بذلك فلأن الوقت لم يتسع لهذا الغرض ، وإلا فلا شبهة أن أكابر الصحابة ~~لا يقعدون عن مثله ، وأقول على تقدير أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما ~~فعلوا ذلك ، فهذا لا يجر إليهم طعنا ، وذلك الإقدام على هذا العمل مما ms8993 يضيق ~~قلب الفقير ، فإنه لا يقدر على مثله فيضيق قلبه ، ويوحش قلب الغني فإنه لما ~~لم يفعل الغني ذلك وفعله غيره صار ذلك الفعل سببا للطعن فيمن لم يفعل ، ~~فهذا الفعل لما كان سببا لحزن الفقراء ووحشة الأغنياء ، لم يكن في تركه ~~كبير مضرة ، لأن الذي يكون سببا للألفة أولى مما يكون سببا للوحشة ، وأيضا ~~فهذه المناجاة ليست من الواجبات PageV29P236 ولا من الطاعات المندوبة ، بل ~~قد بينا أنهم إنما كلفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة ، ولما كان ~~الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة لم يكن تركها سببا للطعن . # المسألة الرابعة : روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال : لما ~~نزلت الآية دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما تقول في دينار ~~؟ قلت : لا يطيقونه ، قال : كم ؟ قلت : حبة أو شعيرة ، قال : إنك لزهيد ) ~~والمعنى إنك قليل المال فقدرت على حسب حالك . # أما قوله تعالى : { ذلك خير لكم وأطهر } أي ذلك التقديم في دينكم وأطهر ~~لأن الصدقة طهرة . # أما قوله : { فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم } فالمراد منه الفقراء ، ~~وهذا يدل على أن من لم يجد ما يتصدق به كان معفوا عنه . # المسألة الخامسة : أنكر أبو مسلم وقوع النسخ وقال : إن المنافقين كانوا ~~يمتنعون من بذل الصدقات ، وإن قوما من المنافقين تركوا النفاق وآمنوا ظاهرا ~~وباطنا إيمانا حقيقيا ، فأراد الله تعالى أن يميزهم عن المنافقين ، فأمر ~~بتقديم الصدقة على النجوى ليتميز هؤلاء الذين آمنوا إيمانا حقيقيا عمن بقي ~~على نفاقه الأصلي ، وإذا كان هذا التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة لذلك ~~الوقت ، لا جرم يقدر هذا التكليف بذلك الوقت ، وحاصل قول أبي مسلم : أن ذلك ~~التكليف كان مقدرا بغاية مخصوصة ، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية ~~المخصوصة ، فلا يكون هذا نسخا ، وهذا الكلام حسن ما به بأس ، والمشهور عند ~~الجمهور أنه منسوخ بقوله : { أءشفقتم } ومنهم من قال : إنه منسوخ بوجوب ~~الزكاة . # ! 7 < { أءشفقتم أن تقدموا بين يدى نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله ~~عليكم فأقيموا الصلواة ms8994 وءاتوا الزكواة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما ~~تعملون } . > 7 ! # / < < # | المجادلة : ( 13 ) أأشفقتم أن تقدموا . . . . . # > > والمعنى أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من إنفاق المال ، فإذ لم تفعلوا ~~ما أمرتم به وتاب الله عليكم ورخص لكم في أن لا تفعلوه ، فلا تفرطوا في ~~الصلاة والزكاة وسائر الطاعات . فإن قيل : ظاهر الآية يدل على تقصير ~~المؤمنين في ذلك التكليف ، وبيانه من وجوه أولها : قوله : { أن تقدموا بين ~~} وهو يدل على تقصيرهم وثانيها : قوله : { فإذ لم تفعلوا } وثالثها : قوله ~~: { وتاب الله عليكم } قلنا : ليس الأمر كما قلتم ، وذلك لأن القوم لما ~~كلفوا بأن يقدموا الصدقة ويشغلوا بالمناجاة ، فلا بد من تقديم الصدقة ، فمن ~~ترك PageV29P237 المناجاة يكون مقصرا ، وأما لو قيل بأنهم ناجوا من غير ~~تقديم الصدقة ، فهذا أيضا غير جائز ، لأن المناجاة لا تمكن إلا إذا مكن ~~الرسول من المناجاة ، فإذا لم يمكنهم من ذلك لم يقدروا على المناجاة ، ~~فعلمنا أن الآية لا تدل على صدور التقصير منهم ، فأما قوله : { أءشفقتم } ~~فلا يمتنع أن الله تعالى علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في ~~المستقبل لو دام الوجوب ، فقال هذا القول ، وأما قوله : { وتاب الله عليكم ~~} فليس في الآية أنه تاب عليكم من هذا التقصير ، بل يحتمل أنكم إذا كنتم ~~تائبين راجعين إلى الله ، وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ، فقد كفاكم هذا ~~التكليف ، أما قوله : { والله خبير بما تعملون } يعني محيط بأعمالكم ~~ونياتكم . # ! 7 < { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 14 ) ألم تر إلى . . . . . # > > كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله : { ~~من لعنه الله وغضب عليه } وينقلون إليهم أسرار المؤمنين : { ما هم منكم } ~~أيها المسلمون ولا من اليهود { ويحلفون على الكذب } والمراد من هذا الكذب ~~إما ادعاؤهم كونهم مسلمين ، وإما أنهم كانوا يشتمون الله ورسوله ويكيدون ~~المسلمين فإذا قيل لهم : إنكم فعلتم ذلك خافوا على أنفسهم من القتل ، ~~فيحلفون أنا ما قلنا ذلك وما ms8995 فعلناه ، فهذا هو الكذب الذي يحلفون عليه . # واعلم أن هذه الآية تدل على فساد قول الجاحظ إن الخبر الذي يكون مخالفا ~~للمخبر عنه إنما يكون كذبا لو علم المخبر كون الخبر مخالفا للمخبر عنه ، ~~وذلك لأن لو كان الأمر على ما ذهب إليه لكان قوله : { وهم يعلمون } تكرارا ~~غير مقيد ، يروى أن عبد الله بن نبتل المنافق كان / يجالس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود ، فبينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حجرته إذ قال : يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان أو بعيني شيطان ~~فدخل رجل عيناه زرقاوان فقال له : لم تسبني فجعل يحلف فنزل قوله : { ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } . # ! 7 < { أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم سآء ما كانوا يعملون } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 15 ) أعد الله لهم . . . . . # > > والمراد منه عند بعض المحققين عذاب القبر . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين } . > 7 ~~@QB@ < # | المجادلة : ( 16 ) اتخذوا أيمانهم جنة . . . . . # > > # وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ الحسن : { اتخذوا أيمانهم } بكسر الهمزة ، قال ابن ~~جني : هذا على حذف المضاف ، أي اتخذوا ظهار إيمانهم جنة عن ظهور نفاقهم ~~وكيدهم للمسلمين ، أو جنة عن أن يقتلهم المسلمون ، فلما أمنوا من القتل ~~اشتغلوا بصد الناس عن الدخول في الإسلام بإلقاء الشبهات في القلوب وتقبيح ~~حال الإسلام . PageV29P238 # المسألة الثانية : قوله تعالى : { فلهم عذاب مهين } أي عذاب الآخر ، ~~وإنما حملنا قوله : { أعد الله لهم عذابا شديدا } على عذاب القبر ، وقوله ~~ههنا : { فلهم عذاب مهين } على عذاب الآخر ، لئلا يلزم التكرار ، ومن الناس ~~من قال : المراد من الكل عذاب الآخرة ، وهو كقوله : { الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب } ( النحل : 88 ) . # ! 7 < { لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولائك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 17 ) لن تغني عنهم . . . . . # > > روي أن واحدا منهم قال : لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا ، ~~فنزلت هذه الآية . # ! 7 < { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له ms8996 كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم ~~على شىء ألا إنهم هم الكاذبون } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 18 ) يوم يبعثهم الله . . . . . # > > قال ابن عباس : إن المنافق يحلف لله يوم القيامة كذبا كما يحلف ~~لأوليائه في الدنيا كذبا أما الأول : فكقوله : { والله ربنا ما كنا مشركين ~~} ( الأنعام : 23 ) . وأما الثاني : فهو كقوله : { ويحلفون بالله إنهم ~~لمنكم } ( البقرة : 56 ) والمعنى أنهم لشدة توغلهم في النفاق ظنوا يوم ~~القيامة أنه يمكنهم ترويج / كذبهم بالأيمان الكاذبة على علام الغيوب ، فكان ~~هذا الحلف الذميم يبقى معهم أبدا ، وإليه الإشارة بقوله : { ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) قال الجبائي والقاضي : إن أهل ~~الآخرة لا يكذبون ، فالمراد من الآية أنهم يحلفون في الآخرة أنا ما كنا ~~كافرين عند أنفسنا ، وعلى هذا الوجه لا يكون هذا الحلف كذبا ، وقوله : { ~~ألا إنهم هم الكاذبون } أي في الدنيا ، واعلم أن تفسير الآية بهذا الوجه لا ~~شك أنه يقتضي ركاكة عظيمة في النظم ، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة ~~الأنعام في تفسير قوله : { والله ربنا ما كنا مشركين } ( الأنعام : 23 ) . # ! 7 < { استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولائك حزب الشيطان ألا ~~إن حزب الشيطان هم الخاسرون } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 19 ) استحوذ عليهم الشيطان . . . . . # > > قال الزجاج : استحوذ في اللغة استولى ، يقال : حاوزت الإبل ، وحذتها ~~إذا استوليت عليها وجمعتها ، قال المبرد : استحوذ على الشيء حواه وأحاط به ~~، وقالت عائشة في حق عمر : كان أحوذيا ، أي سائسا ضابطا للأمور ، وهو أحد ~~ما جاء على الأصل نحو : استصوب واستنوق ، أي ملكهم الشيطان واستولى عليهم ، ~~ثم قال : { فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون } واحتج القاضي به في خلق الأعمال من وجهين الأول : ذلك النسيان ~~لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذبا والثاني : لو حصل ذلك ~~بخلق الله لكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن الذين يحآدون الله ورسوله أولائك فى الا ذلين * كتب الله ~~لاغلبن أنا ورسلىإن الله قوى عزيز } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 20 ms8997 ) إن الذين يحادون . . . . . # > > أي في جملة من هو أذل خلق الله ، لأن ذل أحد الخصمين على حسب عز ~~الخصم الثاني ، فلما كانت عزة الله غير متناهية ، كانت ذلة من ينازعه غير ~~متناهية أيضا ، ولما شرح ذلهم ، بين عز المؤمنين PageV29P239 فقال : { كتب ~~الله لاغلبن أنا ورسلى } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر : { أنا ورسلى } بفتح الياء ، ~~والباقون لا يحركون ، قال أبو علي : التحريك والإسكان جميعا جائزان . # المسألة الثانية : غلبة جميع الرسل بالحجة مفاضلة ، إلا أن منهم من ضم ~~إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالسيف ، ومنهم من لم يكن كذلك ، ثم قال : { إن ~~الله قوى } على نصرة أنبيائه : { عزيز } غالب لا يدفعه أحد عن مراده ، لأن ~~كل ما سواه ممكن الوجود لذاته ، والواجب لذاته يكون غالبا للممكن / لذاته ، ~~قال مقاتل : إن المسلمين قالوا : إنا لنرجو أن يظهرنا الله على فارس والروم ~~، فقال عبد الله بن أبي : أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم ~~، كلا والله إنهم أكثر جمعا وعدة فأنزل الله هذه الآية . # ! 7 < { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الا خر يوآدون من حآد الله ~~ورسوله ولو كانوا ءابآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولائك كتب فى ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الا نهار ~~خالدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولائك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون } . > 7 ! # < < # | المجادلة : ( 22 ) لا تجد قوما . . . . . # > > المعنى أنه لا يجتمع الإيمان مع وداد أعداء الله ، وذلك لأن من أحب ~~أحدا امتنع أن يحب مع ذلك عدوه وهذا على وجهين أحدهما : أنهما لا يجتمعان ~~في القلب ، فإذا حصل في القلب وداد أعداء الله ، لم يحصل فيه الإيمان ، ~~فيكون صاحبه منافقا والثاني : أنهما يجتمعان ولكنه معصية وكبيرة ، وعلى هذا ~~الوجه لا يكون صاحب هذا الوداد كافرا بسبب هذا الوداد ، بل كان عاصيا في ~~الله ، فإن قيل : أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم ومعاشرتهم ، فما هذه ~~المودة المحرمة المحظورة ؟ قلنا : المودة المحظورة هي إرادة منافسه دينا ms8998 ~~ودنيا مع كونه كافرا ، فأما ما سوى ذلك فلا حظر فيه ، ثم إنه تعالى بالغ في ~~المنع من هذه المودة من وجوه أولها : ما ذكر أن هذه المودة مع الإيمان لا ~~يجتمعان وثانيها : قوله : { ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم } والمراد أن الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع الميل ، ومع هذا فيجب أن ~~يكون هذا الميل مغلوبا مطروحا بسبب الدين ، قال ابن عباس : نزلت هذه الآية ~~في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد ، وعمر بن ~~لخطاب قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر ، وأبي بكر دعا ابنه يوم ~~بدر إلى البراز ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ( متعنا بنفسك ) ومصعب ~~بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير ، / وعلي بن أبي طالب وعبيدة قتلوا عتبة ~~وشيبة والوليد بن عتبة يوم بدر ، أخبر أن هؤلاء لم يوادوا أقاربهم ~~PageV29P240 وعشائرهم غضبا لله ودينه وثالثها : أنه تعالى عدد نعمه على ~~المؤمنين ، فبدأ بقوله : { أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المعنى أن من أنعم الله عليه بهذه النعمة العظيمة كيف ~~يمكن أن يحصل في قلبه مودة أعداء الله ، واختلفوا في المراد من قوله : { ~~كتاب } أما القاضي فذكر ثلاثة أوجه على وفق قول المعتزلة أحدها : جعل في ~~قلوبهم علامة تعرف بها الملائكة ما هم عليه من الإخلاص وثانيها : المراد ~~شرح صدورهم للإيمان بالألطاف والتوفيق وثالثها : قيل في : { كتاب } قضى أن ~~قلوبهم بهذا الوصف ، واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة نسلمها للقاضي ونفرع ~~عليها صحة قولنا ، فإن الذي قضى الله به أخبر عنه وكتبه في اللوح المحفوظ ، ~~لو لم يقع لانقلب خبر الله الصدق كذبا وهذا محال ، والمؤدي إلى المحال محال ~~، وقال أبو علي الفارسي معناه : جمع ، والكتيبة : الجمع من الجيش ، ~~والتقدير أولئك الذين جمع الله في قلوبهم الإيمان ، أي استكملوا فلم يكونوا ~~ممن يقولون : { نؤمن ببعض ونكفر ببعض } ( النساء : 150 ) ومتى كانوا كذلك ~~امتنع أن يحصل في قلوبهم مودة الكفار ، وقال جمهور أصحابنا : { كتاب } ~~معناه ms8999 أثبت وخلق ، وذلك لأن الإيمان لا يمكن كتبه ، فلا بد من حمله على ~~الإيجاد والتكوين . # المسألة الثانية : روى المفضل عن عاصم : { كتاب } على فعل مالم يسم فاعله ~~، والباقون : { كتاب } على إسناد الفعل إلى الفاعل والنعمة الثانية : قوله ~~: { وأيدهم بروح منه } وفيه قولان : الأول : قال ابن عباس : نصرهم على ~~عدوهم ، وسمى تلك النصرة روحا لأن بها يحيا أمرهم والثاني : قال السدي : ~~الضمير في قوله : { منه } عائد إلى الإيمان والمعنى أيدهم بروح من الإيمان ~~يدل عليه قوله : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) ~~النعمة الثالثة : { ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها } وهو ~~إشارة إلى نعمة الجنة النعمة الرابعة : قوله تعالى : { رضى الله عنهم ورضوا ~~عنه } وهي نعمة الرضوان ، وهي أعظم النعم وأجل المراتب ، ثم لما عدد هذه ~~النعم ذكر الأمر الرابع من الأمور التي توجب ترك الموادة مع أعداء الله ~~فقال : { أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون } وهو في مقابلة قوله ~~فيهم : { أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } ( المجادلة : ~~19 ) . # واعلم أن الأكثرين اتفقوا على أن قوله : { لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله } نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ~~وإخباره أهل مكة بمسير النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد فتح مكة ، وتلك ~~القصة معروفة وبالجملة فالآية زجر عن التودد إلى الكفار والفساق . # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ( اللهم لا تجعل لفاجر ولا ~~لفاسق عندي نعمة فإني وجدت فيما أوحيت { لا تجد قوما } إلى آخره ) والله ~~سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه على سيد ~~المرسلين وخاتم النبيين ، سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين . # PageV29P241 < # > 1 ( سورة الحشر ) 1 < # > # وهي عشرون وأربع آيات مدنية # ! 7 < { سبح لله ما فى السماوات وما فى الا رض وهو العزيز الحكيم } . > 7 ~~@QB@ < # | الحشر : ( 1 ) سبح لله ما . . . . . # > > # / { سبح لله ما فى * السماوات وما في الارض * وهو العزيز الحكيم * ياأيها ~~* الذى أخرج الذين كفروا ms9000 من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر } صالح بنو ~~النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له ، فلما ~~ظهر يوم بدر قالوا : هو النبي المنعوت في التوراة بالنصر ، فلما هزم ~~المسلمون يوم أحد تابوا ونكثوا ، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى ~~مكة وحالفوا أبا سفيان عند الكعبة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~محمد بن مسلمة الأنصاري ، فقتل كعبا غيلة ، وكان أخاه من الرضاعة ، ثم ~~صحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف ، ~~فقال لهم : أخرجوا من المدينة ، فقالوا : الموت أحب إلينا من ذلك فتنادوا ~~بالحرب ، وقيل : استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا ~~للخروج ، فبعث إليهم عبد الله بن أبي وقال : لا تخرجوا من الحصن فإن ~~قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ، ولئن خرجتم لنخرجن معكم ، فحصنوا الأزقة ~~فحاصرهم إحدى وعشرون ليلة ، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب ، وآيسوا من نصر ~~المنافقين طلبوا الصلح ، فأبى إلا الجلاء ، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على ~~بعير ما شاءوا من متاعهم ، فجلوا إلى الشأم إلى أريحاء وأزرعات إلا أهل ~~بيتين منهم آل أبي الحقيق ، وآل حيي بن أخطب ، فإنهم لحقوا بخيبر ، ولحقت ~~طائفة بالحيرة . وههنا سؤالات . # السؤال الأول : ما معنى هذه اللام في قوله : { لاول الحشر } الجواب : ~~إنها هي اللام في قولك : جئت لوقت كذا ، والمعنى : أخرج الذين كفروا عند ~~أول الحشر . السؤال الثاني : ما معنى أول الحشر ؟ الجواب : أن الحشر هو ~~أخراج الجمع من مكان إلى مكان ، وإما أنه لم سمي هذا الحشر بأول الحشر ~~فبيانه من وجوه : أحدها : وهو قول ابن عباس والأكثرين إن هذا أول حشر أهل ~~الكتاب ، أي أول مرة حشروا وأخرجوا من جزيرة / العرب لم يصبهم هذا الذل قبل ~~ذلك ، لأنهم PageV29P242 كانوا أهل منعة وعز وثانيها : أنه تعالى جعل ~~إخراجهم من المدينة حشرا ، وجعله أول الحشر من حيث يحشر الناس للساعة إلى ~~ناحية الشام ، ثم تدركهم الساعة هناك وثالثها : أن ms9001 هذا أول حشرهم ، وأما ~~آخر حشرهم فهو إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام ورابعها : معناه أخرجهم ~~من ديارهم لأول ما يحشرهم لقتالهم ، لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله ~~وخامسها : قال قتادة هذا أول الحشر ، والحشر الثاني نار تحشر الناس من ~~المشرق إلى المغرب ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا ، وذكروا ~~أن تلك النار ترى بالليل ولا ترى بالنهار . # ! 7 < { هو الذىأخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ما ~~ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف فى قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين ~~فاعتبروا ياأولى الا بصار } . > 7 @QB@ < # | الحشر : ( 2 ) هو الذي أخرج . . . . . # > > # قوله تعالى : { ما ظننتم أن يخرجوا } . # قال ابن عباس : إن المسلمين ظنوا أنهم لعزتهم وقوتهم لا يحتاجون إلى أن ~~يخرجوا من ديارهم ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك تعظيما لهذه النعمة ، فإن ~~النعمة إذا وردت على المرء والظن بخلافه تكون أعظم ، فالمسلمون ما ظنوا ~~أنهم يصلون إلى مرادهم في خروج هؤلاء اليهود ، فيتخلصون من ضرر مكايدهم ، ~~فلما تيسر لهم ذلك كان توقع هذه النعمة أعظم . # قوله تعالى : { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله } . # قالوا كانت حصونهم منيعة فظنوا أنها تمنعهم من رسول الله ، وفي الآية ~~تشريف عظيم لرسول الله ، فإنها تدل على أن معاملتهم مع رسول الله هي بعينها ~~نفس المعاملة مع الله ، فإن قيل : ما الفرق بين قولك : ظنوا أن حصونهم ~~تمنعهم أو مانعتهم وبين النظم الذي جاء عليه ، قلنا : في تقديم الخبر على ~~المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم ، وفي تصيير ضميرهم ~~إسما ، وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة ~~لا يبالون بأحد يطمع في منازعتهم ، وهذه المعاني لا تحصل في قولك : وظنوا ~~أن حصونهم تمنعهم . # قوله تعالى : { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في الآية وجهان الأول : أن يكون الضمير في قوله : { ~~فأتاهم } عائد إلى اليهود ، أي فأتاهم ms9002 عذاب الله وأخذهم من حيث لم يحتسبوا ~~والثاني : أن يكون عائدا إلى المؤمنين أي فأتاهم نصر الله وتقويته من حيث ~~لم يحتسبوا ، ومعنى : لم يحتسبوا ، أي لم يظنوا ولم يخطر ببالهم ، وذلك ~~بسبب أمرين أحدهما : قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة ، وذلك مما ~~أضعف قوتهم ، وفتت عضدهم ، وقل من شوكتهم والثاني : بما قذف في قلوبهم من ~~الرعب . # / المسألة الثانية : قوله : { فاتاهم الله } لا يمكن إجراؤه على ظاهره ~~باتفاق جمهور العقلاء ، فدل على أن باب التأويل مفتوح ، وأن صرف الآيات عن ~~ظواهرها بمقتضى الدلائل العقلية جائز . # المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : قرىء { فاتاهم الله } أي فآتاهم ~~الهلاك ، واعلم أن هذه القراءة لا تدفع ما بيناه من وجوه التأويل ، لأن هذه ~~القراءة لا تدفع القراءة الأولى ، فإنها ثابتة بالتواتر ، ومتى كانت ثابتة ~~بالتواتر لا يمكن دفعها ، بل لا بد فيها من التأويل . PageV29P243 # قوله تعالى : { وقذف فى قلوبهم الرعب } قال أهل اللغة : الرعب ، الخوف ~~الذي يستوعب الصدر ، أي يملؤه ، وقذفه إثباته فيه ، وفيه قالوا في صفة ~~الأسد : مقذف ، كأنما قذف باللحم قذفا لاكتنازه وتداخل أجزائه ، واعلم أن ~~هذه الآية تدل على قولنا من أن الأمور كلها لله ، وذلك لأن الآية دلت على ~~أن وقوع ذلك الرعب في قلوبهم كان من الله ودلت على أن ذلك الرعب سببا في ~~إقدامهم على بعض الأفعال ، وبالجملة فالفعل لا يحصل إلا عند حصول داعية ~~متأكدة في القلب ، وحصول تلك الداعية لا يكون إلا من الله ، فكانت الأفعال ~~بأسرها مسندة إلى الله بهذا الطريق . # قوله تعالى : { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين } فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو علي : قرأ أبو عمرو وحده : { يخربون } مشددة ، ~~وقرأ الباقون : { يخربون } خفيفة ، وكان أبو عمرو يقول : الإخراب أن يترك ~~الشيء خرابا والتخريب الهدم ، وبنو النضير خربوا وما أخربوا قال المبرد : ~~ولا أعلم لهذا وجها ، ويخربون هو الأصل خرب المنزل ، فإنما هو تكثير ، لأنه ~~ذكر بيوتا تصلح للقليل والكثير ، وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في الكلام ، ~~فيجري كل واحد مجرى الآخر ms9003 ، نحو فرحته وأفرحته ، وحسنه الله وأحسنه ، وقال ~~الأعمش : # % وأخربت من أرض قوم ديارا % % # وقال الفراء : { يخربون } بالتشديد يهدمون ، وبالتخفيف يخربون منها ~~ويتركونها . # المسألة الثانية : ذكر المفسرون في بيان أنهم كيف كانوا يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين وجوها أحدها : أنهم لما أيقنوا بالجلاء ، حسدوا ~~المسلمين أن يسكنوا مساكنهم ومنازلهم ، فجعلوا يخربونها من داخل ، ~~والمسلمون من خارج وثانيها : قال مقاتل : إن المنافقين دسوا إليهم أن لا ~~يخرجوا ، ودربوا على الأزقة وحصنوها ، فنقضوا بيوتهم وجعلوها كالحصون على ~~أبواب الأزقة ، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب وثالثها : أن المسلمين ~~إذا ظهروا على درب من دروبهم خربوه ، وكان اليهود يتأخرون إلى ما وراء ~~بيوتهم ، وينقبونها من أدبارها ورابعها : أن المسلمين كانوا يخربون ظواهر ~~البلد ، واليهود لما أيقنوا بالجلاء ، وكانوا ينظرون / إلى الخشبة في ~~منازلهم مما يستحسنونه أو الباب فيهدمون بيوتهم ، وينزعونها ويحملونها على ~~الإبل ، فإن قيل : ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين ؟ قلنا قال الزجاج : ~~لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوه إياهم . # قوله تعالى : { فاعتبروا ياأولى * أولى * الابصار } . # اعلم أنا قد تمسكنا بهذه الآية في كتاب ( المحصول من أصول الفقه ) على أن ~~القياس حجة فلا نذكره PageV29P244 ههنا ، إلا أنه لا بد ههنا من بيان الوجه ~~الذي أمر الله فيه بالاعتبار ، وفيه احتمالات أحدها : أنهم اعتمدوا على ~~حصونهم ، وعلى قوتهم وشوكتهم ، فأباد الله شوكتهم وأزال قوتهم ، ثم قال : { ~~فاعتبروا ياأولى * أولى * الابصار } ولا تعتمدوا على شيء غير الله ، فليس ~~للزاهد أن يتعمد على زهده ، فإن زهده لا يكون أكثر من زهد بلعام ، وليس ~~للعالم أن يعتمد على علمه ، أنظر إلى ابن الراوندي مع كثرة ممارسته كيف صار ~~، بل لا اعتماد لأحد في شيء إلا على فضل الله ورحمته وثانيها : قال القاضي ~~: المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الغدر والكفر والطعن في النبوة ، فإن أولئك ~~اليهود وقعوا بشؤم الغدر ، والكفر في البلاء والجلاء ، والمؤمنين أيضا ~~يعتبرون به فيعدلون عن المعاصي . # فإن قيل : هذا الاعتبار إنما يصح لو قلنا : إنهم غدروا وكفروا فعذبوا ، ~~وكان السبب في ms9004 ذلك العذاب هو الكفر والغدر ، إلا أن هذا القول فاسد طردا ~~وعكسا أما الطرد فلأنه رب شخص غدر وكفر ، وما عذب في الدنيا وأما العكس ~~فلأن أمثال هذه المحن ، بل أشد منها وقعت للرسول عليه السلام ولأصحابه ، ~~ولم يدل ذلك على سوء أديانهم وأفعالهم ، وإذا فسدت هذه العلة فقد بطل هذا ~~الاعتبار ، وأيضا فالحكم الثالث في الأصل هو أنهم : { يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدى المؤمنين } وإذا عللنا ذلك بالكفر والغدر يلزم في كل من غدر ~~وكفر أن يخرب بيته بيده وبأيدي المسلمين ، ومعلوم أن هذا لا يصلح ، فعلمنا ~~أن هذا الاعتبار غير صحيح والجواب : أن الحكم الثابت في الأصل له ثلاث ~~مراتب أولها : كونه تخريبا للبيت بأيديهم وأيدي المؤمنين وثانيها : وهو أعم ~~من الأول ، كونه عذابا في الدنيا وثالثها : وهو أعم من الثاني ، كونه مطلق ~~العذاب ، والغدر والكفر إنما يناسبان العذاب من حيث هو عذاب ، فأما خصوص ~~كونه تخريبا أو قتلا في الدنيا أو في الآخرة فذاك عديم الأثر ، فيرجع حاصل ~~القياس إلى أن الذين غدروا وكفروا وكذبوا عذبوا من غير اعتبار أن ذلك ~~العذاب كان في الدنيا أو في الآخرة ، والغدر والكفر يناسبان العذاب ، ~~فعلمنا أن الكفر والغدر هما السببان في العذاب ، فأينما حصلا حصل العذاب / ~~من غير بيان أن ذلك العذاب في الدنيا أو في الآخرة ، ومتى قررنا القياس ~~والاعتبار على هذا الوجه زالت المطاعن والنقوض وتم القياس على الوجه الصحيح ~~. # المسألة الثانية : الاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء ، ~~ولهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد ، وسمي المعبر معبرا ~~لأن به تحصل المجاوزة ، وسمي العلم المخصوص بالتعبير ، لأن صاحبه ينتقل من ~~المتخيل إلى المعقول ، وسميت الألفاظ عبارات ، لأنها تنقل المعاني من لسان ~~القائل إلى عقل المستمع ، ويقال : السعيد من اعتبر بغيره ، لأنه ينتقل عقله ~~من حال ذلك الغير إلى حال نفسه ، ولهذا قال المفسرون : الاعتبار هو النظر ~~في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها ، وفي ~~قوله : { لعبرة لاولى ms9005 الابصار } وجهان الأول : قال ابن عباس : يريد يا أهل ~~اللب والعقل والبصائر والثاني : قال الفراء : { لعبرة لاولى الابصار } يا ~~من عاين تلك الواقعة المذكورة . # PageV29P245 ! 7 < { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم فى الدنيا ~~ولهم فى الا خرة عذاب النار } . > 7 ! # < < # | الحشر : ( 3 ) ولولا أن كتب . . . . . # > > معنى الجلاء في اللغة ، الخروج من الوطن والتحول عنه ، فإن قيل : أن ~~{ لولا } تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره فيلزم من ثبوت الجلاء عدم التعذيب ~~في الدنيا ، لكن الجلاء نوع من أنواع التعذيب ، فإذا يلزم من ثبوت الجلاء ~~عدمه وهو محال ، قلنا معناه : ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في ~~الدنيا بالقتل كمافعل بإخوانهم بني قريظة ، وأما قوله : { ولهم فى الاخرة ~~عذاب النار } فهو كلام مبتدأ وغير معطوف على ما قبله ، إذ لو كان معطوفا ~~على ما قبله لزم أن لا يوجد لما بينا ، أن ( لولا ) تقتضي انتفاء الجزاء ~~لحصول الشرط . # ! 7 < { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشآق الله فإن الله شديد العقاب ~~} . > 7 @QB@ < # | الحشر : ( 4 ) ذلك بأنهم شاقوا . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { ذالك بأنهم شاقوا الله ورسوله } فهو يقتضي أن علة ذلك ~~التخريب هو مشاقة الله ورسوله ، فإن قيل : لو كانت المشاقة علة لهذا ~~التخريب لوجب أن يقال : أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب ، ومعلوم أنه ~~ليس كذلك ، قلنا : هذا أحد ما يدل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في ~~صحتها . # ثم قال : { ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب } والمقصود منه الزجر . # ! 7 < { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله ~~وليخزى الفاسقين } . > 7 ! # < < # | الحشر : ( 5 ) ما قطعتم من . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : { من لينة } بيان ل { ما قطعتم } ، ومحل { ما } نصب ~~بقطعتم ، كأنه قال : أي شيء قطعتم ، وأنث الضمير الراجع إلى ما في قوله : { ~~أو تركتموها } لأنه في معنى اللينة . # المسألة الثانية : قال أبو عبيدة : اللينة النخلة ما لم تكن عجوة أو ~~برنية ، وأصل لينة لونة ، فذهبت الواو لكسرة اللام ، وجمعها ألوان ، وهي ~~النخل كله سوى البرني ms9006 والعجوة ، وقال بعضهم : اللينة النخلة الكريمة ، ~~كأنهم اشتقوها من اللين وجمعها لين ، فإن قيل : لم خصت اللينة بالقطع ؟ ~~قلنا : إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية ، وإن كانت ~~من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد . # المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : قرىء ( قوما على أصلها ) ، وفيه ~~وجهان أحدهما : أنه جمع أصل كرهن ورهن ، واكتفى فيه بالضمة عن الواو ، ~~وقرىء ( قائما على أصوله ) ، ذهابا إلى لفظ ما ، وقوله : { فبإذن الله } أي ~~قطعها بإذن الله وبأمره { وليخزى الفاسقين } أي ولأجل إخزاء الفاسقين ، أي ~~اليهود أذن الله في قطعها . # المسألة الرابعة : روي أنه عليه الصلاة والسلام حين أمر أن يقطع نخلهم ~~ويحرق ، قالوا : يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل ~~وتحريقها ؟ وكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء ، فنزلت هذه الآية ، والمعنى ~~أن الله إنما أذن في ذلك حتى يزداد غيظ الكفار ، وتتضاعف حسرتهم بسبب نفاذ ~~PageV29P246 حكم أعدائهم في أعز أموالهم . # المسألة الخامسة : احتج العلماء بهذه الآية على أن حصون الكفرة وديارهم ~~لا بأس أن تهدم وتحرق وتغرق وترمى بالمجانيق ، وكذلك أشجارهم لا بأس بقلعها ~~مثمرة كانت أو غير مثمرة ، وعن ابن مسعود قطعوا منها ما كان موضعا للقتال . # المسألة السادسة : روي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة ، والآخر ~~اللون ، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال هذا : تركتها لرسول ~~الله ، وقال هذا : قطعتها غيظا للكفار ، فاستدلوا به على جواز الاجتهاد ، ~~وعلى جوازه بحضرة الرسول . # ! 7 < { ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ~~ولاكن الله يسلط رسله على من يشآء والله على كل شىء قدير } . > 7 ! # / < < # | الحشر : ( 6 ) وما أفاء الله . . . . . # > > قال المبرد : يقال فاء يفيء إذا رجع ، وأفاءه الله إذا رده ، وقال ~~الأزهري : الفيء ما رده الله على أهل دينه ، من أموال من خالف أهل دينه بلا ~~قتال ، إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين ، أو يصالحوا على جزية ~~يؤدونها عن رؤوسهم ، أو مال غير الجزية يفتدون به من ms9007 سفك دمائهم ، كما فعله ~~بنو النضير حين صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لكل ثلاثة منهم ~~حمل بعير مما شاءوا سوى السلاح ، ويتركوا الباقي ، فهذا المال هو الفيء ، ~~وهو ما أفاء الله على المسلمين ، أي رده من الكفار إلى المسلمين ، وقوله : ~~{ منهم } أي من يهود بني النضير ، قوله : { فما أوجفتم } يقال : وجف الفرس ~~والبعير يجف وجفا ووجيفا ، وهو سرعة السير ، وأوجفه صاحبه ، إذا حمله على ~~السير السريع ، وقوله : { عليه } أي على ما أفاء الله ، وقوله : { من خيل ~~ولا ركاب } الركاب ما يركب من الإبل ، واحدتها راحلة ، ولا واحد لها من ~~لفظها ، والعرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير ، ويسمون راكب ~~الفرس فارسا ، ومعنى الآية أن الصحابة طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام ~~أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة بينهم ، فذكر الله الفرق بين الأمرين ~~، وهو أن الغنيمة ما أتعبتم أنفسكم في تحصيلها وأوجفتم عليها الخيل والركاب ~~بخلاف الفيء فإنكم ما تحملتم في تحصيله تعبا ، فكان الأمر فيه مفوضا إلى ~~الرسول يضعه حيث يشاء . # ثم ههنا سؤال : وهو أن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا ~~أياما ، وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من ~~جملة الغنيمة لا من جملة الفيء ، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون ههنا وجهين ~~الأول : أن هذه الآية ما نزلت في قرى بني النضير لأنهم أوجفوا عليهم بالخيل ~~والركاب وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بل هو في فدك ، ~~وذلك لأن أهل فدك انجلوا عنه فصارت تلك القرى والأموال في يد الرسول عليه ~~السلام من غير حرب فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ من غلة فدك نفقته ونفقة ~~من يعوله ، ويجعل الباقي في السلاح والكراع ، فلما مات ادعت فاطمة عليها ~~السلام أنه كان ينحلها فدكا ، فقال أبو بكر : أنت أعز الناس علي فقرا ، ~~وأحبهم إلي غنى ، لكني لا أعرف صحة قولك ، ولا يجوز أن أحكم بذلك ، فشهد ~~لها أم أيمن ومولى للرسول عليه السلام ، فطلب ms9008 منها أبو بكر الشاهد الذي ~~يجوز قبول شهادته في الشرع فلم يكن ، فأجرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول ، ويجعل ~~ما يبقى في السلاح والكراع ، وكذلك عمر جعله في يد علي ليجريه على هذا ~~المجرى ، ورد ذلك في آخر عهد عمر إلى عمر ، وقال : إن بنا غنى وبالمسلمين ~~حاجة إليه ، وكان عثمان PageV29P247 رضي الله عنه يجريه كذلك ، ثم صار إلى ~~علي فكان يجريه هذا المجرى / فالأئمة الأربعة اتفقوا على ذلك والقول الثاني ~~: أن هذه الآية نزلت في بني النضير وقراهم ، وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ~~ولا ركاب ، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة ، وإنما كانوا على ميلين من ~~المدينة فمشوا إليها مشيا ، ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان راكب جمل ، فلما كانت المقاتلة قليلة والخيل والركب غير حاصل ، أجراه ~~الله تعالى مجرى مالم يحصل فيه المقاتلة أصلا فخص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بتلك الأموال / ثم روى أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها ~~شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن ~~الصمة . ثم إنه تعالى ذكر حكم الفيء فقال : # ! 7 < { مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الا غنيآء منكم ومآ ~~ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب } . > 7 ! # < < # | الحشر : ( 7 ) ما أفاء الله . . . . . # > > قال صاحب الكشاف : لم يدخل العاطف على هذه الجملة لأنها بيان للأولى ~~فهي منها وغير أجنبية عنها ، واعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله : { ~~ولذى القربى } بنو هاشم وبنو المطلب . قال الواحدي : كان الفيء في زمان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مقسوما على خمسة أسهم أربعة منها لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خاصة وكان الخمس الباقي يقسم على خمسة أسهم ، سهم منها ~~لرسول الله أيضا ، والأسهم ms9009 الأربعة لذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل ، وأما بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام فللشافعي فيما كان من ~~الفيء لرسول الله قولان أحدهما : أنه للمجاهدين المرصدين للقتال في الثغور ~~لأنهم قاموا مقام رسول الله في رباط الثغور والقول الثاني : أنه يصرف إلى ~~مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر ، يبدأ بالأهم ~~فالأهم ، هذا في الأربعة أخماس التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف ، ~~وقوله تعالى : { كى لا يكون دولة بين الاغنياء منكم } فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال المبرد : الدولة اسم للشيء الذي يتداوله القوم ~~بينهم يكون كذا مرة وكذا مرة ، والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن ~~قوم ، فالدولة بالضم اسم ما يتداول ، وبالفتح مصدر من هذا ، ويستعمل في ~~الحالة السارة التي تحدث للإنسان ، فيقال : هذه دولة فلان / أي تداوله ، ~~فالدولة اسم لما يتداول من المال ، والدولة اسم لما ينتقل من الحال ، ومعنى ~~الآية كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى للفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون ~~بها واقعا في يد الأغنياء ودولة لهم . # المسألة الثانية : قرىء : ( دولة ) و ( دولة ) بفتح الدال وضمها ، وقرأ ~~أبو جعفر : ( دولة ) مرفوعة الدال والهاء ، قال أبو الفتح : { يكون } ههنا ~~هي التامة كقوله : { وإن كان ذو عسرة فنظرة } ( البقرة : 280 ) يعني كي لا ~~يقع دولة جاهلية ، ثم قال : { وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا } يعني ما أعطاكم الرسول من الفيء PageV29P248 فخذوه فهو لكم حلال ~~وما نهاكم عن أخذه فانتهوا { واتقوا الله } في أمر الفيء { أن الله شديد ~~العقاب } على ما نهاكم عنه الرسول ، والأجود أن تكون هذه الآية عامة في كل ~~ما آتى رسول الله ونهى عنه وأمر الفيء داخل في عمومه . # ! 7 < { للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولائك هم الصادقون } . > 7 @QB@ < # | الحشر : ( 8 ) للفقراء المهاجرين الذين . . . . . # > > # اعلم أن هذا بدل من قوله : { ولذى القربى واليتامى ms9010 والمساكين وابن السبيل ~~} ( الحشر : 7 ) كأنه قيل : أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء والمهاجرين ~~الذين من صفتهم كذا وكذا ، ثم إنه تعالى وصفهم بأمور : أولها : أنهم فقراء ~~وثانيها : أنهم مهاجرون وثالثها : أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم يعني أن ~~كفار مكة أحوجوهم إلى الخروج فهم الذين أخرجوهم ورابعها : أنهم يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا ، والمراد بالفضل ثواب الجنة وبالرضوان قوله : { ورضوان من ~~الله أكبر } ( التوبة : 72 ) وخامسها : قوله : { وينصرون الله ورسوله } أي ~~بأنفسهم وأموالهم وسادسها : قوله : { أولئك هم الصادقون } يعني أنهم لما ~~هجروا لذات الدنيا وتحملوا شدائدها لأجل الدين ظهر صدقهم في دينهم ، وتمسك ~~بعض العلماء بهذه الآية على إمامة أبي بكر رضي الله عنه ، فقال : هؤلاء ~~الفقراء من المهاجرين والأنصار كانوا يقولون لأبي بكر يا خليفة رسول الله ، ~~والله يشهد على كونهم صادقين ، فوجب أن يكونوا صادقين في قولهم يا خليفة ~~رسول الله ، ومتى كان الأمر كذلك وجب الجزم بصحة إمامته . # ثم إنه تعالى ذكر الأنصار وأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ ~~للمهاجرين دونهم فقال : # ! 7 < { والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا ~~يجدون فى صدورهم حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن ~~يوق شح نفسه فأولائك هم المفلحون } . > 7 ! # / < < # | الحشر : ( 9 ) والذين تبوؤوا الدار . . . . . # > > والمراد من الدار المدينة وهي دار الهجرة تبوأها الأنصار قبل ~~المهاجرين وتقدير الآية : والذين تبوءوا المدينة والإيمان من قبلهم فإن قيل ~~: في الآية سؤالان أحدهما : أنه لا يقال : تبوأ الإيمان والثاني : بتقدير ~~أن يقال : ذلك لكن الأنصار ما تبوءوا الإيمان قبل المهاجرين والجواب عن ~~الأول من وجوه أحدها : تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله : # % ولقد رأيتك في الوغى % % متقلدا سيفا ورمحا % PageV29P249 # وثانيها : جعلوا الإيمان مستقرا ووطنا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه ، ~~كما أنهم لما سألوا سلمان عن نسبه فقال : أنا ابن الإسلام وثالثها : أنه ~~سمى المدينة بالإيمان ، لأن فيها ظهر الإيمان وقوي والجواب : عن السؤال ~~الثاني من وجهين الأول : أن الكلام على التقديم والتأخير ، والتقدير : ~~والذين تبوءوا ms9011 الدار من قبلهم والإيمان والثاني : أنه على تقدير حذف المضاف ~~والتقدير : تبوءوا الدار والإيمان من قبل هجرتهم ، ثم قال : { ولا يجدون فى ~~صدورهم حاجة مما أوتوا } وقال الحسن : أي حسدا وحرارة وغيظا مما أوتي ~~المهاجرون من دونهم ، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحرارة ، لأن ~~هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة ، فأطلق اسم اللام على الملزوم على سبيل ~~الكناية ، ثم قال : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } يقال : آثره ~~بكذا إذا خصه به ، ومفعول الإيثار محذوف ، والتقدير : ويؤثرونهم بأموالهم ~~ومنازلهم على أنفسهم . عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~للأنصار : ( إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من ~~الغنيمة كما قسمت لهم وإن شئتم كان لهم الغنيمة ولكم دياركم وأموالكم ~~فقالوا : لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في الغنيمة ) ~~فأنزل الله تعالى : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } فبين أن هذا ~~الإيثار ليس غنى عن المال ، ولكنه عن حاجة وخصاصة وهي الفقر ، وأصلها من ~~الخصاص وهي الفرج ، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص ، ~~الواحد خصاصة ، وذكر المفسرون أنواعا من إيثار الأنصار للضيف بالطعام ~~وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف ، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار ، ~~والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء ، ثم لا يمتنع أن يدخل ~~فيها سائر الإيثارات ، ثم قال : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ~~الشح بالضم والكسر ، وقد قرىء بهما . # واعلم أن الفرق بين الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع ، والشح هو الحالة ~~النفسانية التي / تقتضي ذلك المنع ، فلما كان الشح من صفات النفس ، لا جرم ~~قال تعالى : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الظافرون بما أرادوا ، ~~قال ابن زيد : من لم يأخذ شيئا نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئا أمره الله ~~بإعطائه فقد وقى شح نفسه . # ! 7 < { والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا ms9012 للذين ءامنوا ربنآ إنك رءوف رحيم } ~~. > 7 @QB@ < # | الحشر : ( 10 ) والذين جاؤوا من . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { والذين جاءوا من بعدهم } عطف أيضا على المهاجرين وهم ~~الذين هاجروا من بعد ، وقيل : التابعون بإحسان وهم الذين يجيئون بعد ~~المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ، وذكر تعالى أنهم يدعون لأنفسهم ولمن ~~سبقهم بالإيمان ، وهو قوله : { يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين ءامنوا } أي غشا وحسدا وبغضا ~~. # واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون أ ~~الأنصار أو الذين جاءوا من PageV29P250 بعدهم ، وبين أن من شأن من جاء من ~~بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء ~~والرحمة فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء كان خارجا من جملة أقسام المؤمنين ~~بحسب نص هذه الآية . # ! 7 < { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون } . > 7 ! # < < # | الحشر : ( 11 ) ألم تر إلى . . . . . # > > قال المقاتلان : يعني عبد الله بن أبي ، وعبد الله بن نبتل ، ورفاعة ~~بن زيد ، كانوا من الأنصار ، ولكنهم نافقوا يقولون لإخوانهم ، وهذه الأخوة ~~تحتمل وجوها أحدها : الأخوة في الكفر لأن اليهود والمنافقين كانوا مشتركين ~~في عموم الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وثانيها : الأخوة بسبب المصادقة ~~والموالاة والمعاونة وثالثها : الأخوة بسبب ما بينهما من المشاركة في عداوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم أخبر / تعالى عنهم أنهم قالوا لليهود : { لئن ~~أخرجتم } من المدينة { لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم } أي في خذلانكم { أحدا ~~أبدا } ووعدوهم النصر أيضا بقولهم : { وإن قوتلتم لننصرنكم } ثم إنه تعالى ~~شهد على كونهم كاذبين في هذا القول فقال : { والله يشهد إنهم لكاذبون } . # ولما شهد على كذبهم على سبيل الإجمال أتبعه بالتفصيل فقال : ! 7 < { لئن ~~أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الا دبار ~~ثم لا ينصرون } . > 7 ! # < < # | الحشر : ( 12 ) لئن أخرجوا لا . . . . . # > > واعلم أنه تعالى عالم ms9013 بجميع المعلومات التي لا نهاية لها ، فعلم ~~الموجودات في الأزمنة الثلاثة ، والمعدومات في الأزمنة الثلاثة ، وعلم في ~~كل واحد من هذه الوجوه الستة ، أنه لو كان على خلاف ما وقع كيف كان يكون ~~على ذلك التقدير ، فههنا أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لئن أخرجوا فهؤلاء ~~المنافقون لا يخرجون معهم ، وقد كان الأمر كذلك ، لأن بني النضير لما ~~أخرجوا لم يخرج معهم المنافقين ، وقوتلوا أيضا فما نصروهم ، فأما قوله ~~تعالى : { ولئن نصروهم } فتقديره كما يقول المعترض الطاعن في كلام الغير : ~~لا نسلم أن الأمر كما تقول ، ولئن سلمنا أن الأمر كما تقول ، لكنه لا يفيد ~~لك فائدة ، فكذا ههنا ذكر تعالى أنهم لا ينصرونهم ، وبتقدير أن ينصروا إلا ~~أنهم لا بد وأن يتركوا تلك النصرة وينهزموا ، ويتركوا أولئك المنصورين ~~PageV29P251 في أيدي الأعداء ، ونظير هذه الآية قوله : { ولو علم الله فيهم ~~خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون } ، فأما قوله : { ثم لا ينصرون ~~} ففيه وجهان : الأول : أنه راجع إلى المنافقين يعني لينهز من المنافقون : ~~{ ثم لا ينصرون } بعد ذلك أي يهلكهم الله ، ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم ~~والثاني : لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين . # ثم ذكر تعالى أن خوف المنافقين من المؤمنين أشد من خوفهم من الله تعالى ~~فقال : # ! 7 < { لانتم أشد رهبة فى صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } . > ~~7 ! # < < # | الحشر : ( 13 ) لأنتم أشد رهبة . . . . . # > > أي لا يعلمون عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته . # ! 7 < { لا يقاتلونكم جميعا إلا فى قرى محصنة أو من ورآء جدر بأسهم بينهم ~~شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } . > 7 @QB@ < # | الحشر : ( 14 ) لا يقاتلونكم جميعا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { لا يقاتلونكم جميعا إلا فى قرى محصنة أو من وراء جدر } ~~يريد أن هؤلاء اليهود والمنافقين لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين إلا إذا ~~كانوا في قرى محصنة بالخنادق والدروب / أو من وراء جدر ، وذلك بسبب أن الله ~~ألقى في قلوبهم الرعب ، وأن تأييد الله ونصرته معكم ، وقرىء { جدر } ~~بالتخفيف وجدار وجدر ms9014 وجدر وهما الجدار . # ثم قال تعالى : { بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم ~~قوم لا يعقلون } وفيه ثلاثة أوجه أحدها : يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون ~~به إنما يكون إذا كان بعضهم مع بعض ، فأما إذا قاتلوكم لم يبق لهم ذلك ~~البأس والشدة ، لأن الشجاع يجبن والعز يذل عند محاربة الله ورسوله وثانيها ~~: قال مجاهد : المعنى أنهم إذا اجتمعوا يقولون : لنفعلن كذا وكذا ، فهم ~~يهددون المؤمنين ببأس شديد من وراء الحيطان والحصون ، ثم يحترزون عن الخروج ~~للقتال فبأسهم فيما بينهم شديد ، لا فيما بينهم وبين المؤمنين وثالثها : ~~قال ابن عباس : معناه بعضهم عدو للبعض ، والدليل على صحة هذا التأويل قوله ~~تعالى : { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } يعني تحسبهم في صورتهم مجتمعين على ~~الألفة والمحبة ، أما قلوبهم فشتى ، لأن كل أحد منهم على مذهب آخر ، وبينهم ~~عداوة شديدة ، وهذا تشجيع للمؤمنين على قتالهم ، وقوله : { ذالك بأنهم قوم ~~لا يعقلون } فيه وجهان : الأول : أن ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون ما فيه ~~الحظ لهم والثاني : لا يعقلون أن تشيت القلوب مما يوهن قواهم . # ! 7 < { كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم } . ~~> 7 ! # < < # | الحشر : ( 15 ) كمثل الذين من . . . . . # > > أي مثلهم كمثل أهل بدر في زمان قريب فإن قيل : بم انتصب { قريبا } ، ~~قلنا : بمثل ، والتقدير كوجود مثل أهل بدر . { قريبا ذاقوا وبال أمرهم } أي ~~سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله من قولهم : كلأ وبيل أي وخيم سيىء ~~العاقبة يعني ذاقوا عذاب القتل في الدنيا { ولهم فى الاخرة عذاب * أليم } . ~~PageV29P252 ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا فقال : # ! 7 < { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنى برىء منك ~~إنىأخاف الله رب العالمين } . > 7 ! # < < # | الحشر : ( 16 ) كمثل الشيطان إذ . . . . . # > > أي مثل المنافقين الذين غروا بني النضير بقولهم : { لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم } ( الحشر : 11 ) ثم خذلوهم وما وفوا بعهدهم : { كمثل الشيطان ~~إذ قال للإنسان اكفر } / ثم تبرأ منه في العاقبة ، والمراد إما عموم دعوة ~~الشيطان إلى الكفر ، وإما إغواء الشيطان قريشا ms9015 يوم بدر بقوله : { لا غالب ~~لكم اليوم من الناس وإني جار لكم * إلى * قوله * إني برىء منكم } ( الأنفال ~~: 48 ) . ثم قال : # ( 17 ) # ! 7 < { فكان عاقبتهمآ أنهما فى النار خالدين فيها وذلك جزآء الظالمين } ~~. > 7 ! # < < # | الحشر : ( 17 ) فكان عاقبتهما أنهما . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال مقاتل : فكان عاقبة المنافقين واليهود مثل عاقبة ~~الشيطان والإنسان حيث صارا إلى النار . # المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : قرأ ابن مسعود ( خالدان فيها ) ، ~~على أنه خبران ، و ( في النار ) لغو ، وعلى القراءة المشهورة الخبر هو ~~الظرف { وأنزلنا فيها } حال ، وقرىء : { عاقبتهما } بالرفع ، ثم قال : { ~~وذلك جزاء الظالمين } أي المشركين ، لقوله تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } ~~( لقمان : 13 ) . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا ~~الله إن الله خبير بما تعملون } . > 7 @QB@ < # | الحشر : ( 18 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # ثم إنه تعالى رجع إلى موعظة المؤمنين فقال : { الظالمين ياأيها الذين ~~ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد } . الغد : يوم القيامة سماه ~~باليوم الذي يلي يومك تقريبا له ، ثم ذكر النفس والغد على سبيل التنكير . ~~أما الفائدة في تنكير النفس فاستقلال الأنفس التي تنظر فيما قدمت للآخرة ~~كأنه قال : فلتنظر نفس واحدة في ذلك ، وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام ~~أمره كأنه قيل : الغد لا يعرف كنهه لعظمه . # ثم قال : { واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } كرر الأمر بالتقوى ~~تأكيدا أو يحمل الأول : على أداء الواجبات والثاني : على ترك المعاصي . # ! 7 < { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولائك هم الفاسقون ~~} . > 7 @QB@ < # | الحشر : ( 19 ) ولا تكونوا كالذين . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } وفيه ~~وجهان : الأول : قال المقاتلان : نسوا حق الله فجعلهم ناسين حق أنفسهم حتى ~~لم يسعوا لها بما ينفعهم عنده الثاني : { فأنساهم أنفسهم } أي أراهم يوم ~~القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم ، كقوله : { لا يرتد إليهم طرفهم ~~وأفئدتهم } ( إبراهيم : 43 ) { وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ( الحج : ~~2 ) . # ثم قال : { أولئك هم الفاسقون } والمقصود منه الذم ، واعلم ms9016 أنه تعالى لما ~~أرشد المؤمنين إلى ما هو مصلحتهم يوم القيامة بقوله : { ولتنظر نفس ما قدمت ~~لغد } ( الحشر : 18 ) وهدد الكافرين بقوله : { كالذين نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم } بين الفرق بين الفريقين فقال : # PageV29P253 ! 7 < { لا يستوىأصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم ~~الفآئزون } . > 7 ! # < < # | الحشر : ( 20 ) لا يستوي أصحاب . . . . . # > > واعلم أن التفاوت بين هذين الفريقين معلوم بالضرورة ، فذكر هذا الفرق ~~في مثل هذا الموضع يكون الغرض منه التنبيه على عظم ذلك الفرق ، وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا على أن صاحب الكبيرة لا يدخل الجنة ، ~~لأن الآية دلت على أن أصحاب النار وأصحاب الجنة لا يستويان ، فلو دخل صاحب ~~الكبيرة في الجنة لكان أصحاب النار وأصحاب الجنة يستويان ، وهو غير جائز ، ~~وجوابه معلوم . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي ~~، وقد بينا وجهه في الخلافيات . # ! 7 < { لو أنزلنا هاذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله وتلك الا مثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون } . > 7 ! # < < # | الحشر : ( 21 ) لو أنزلنا هذا . . . . . # > > ثم إنه تعالى لما شرح هذه البيانات عظم أمر القرآن فقال : # { لو أنزلنا هاذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } ~~والمعنى أنه لو جعل في الجبل عقل كما جعل فيكم ، ثم أنزل عليه القرآن لخشع ~~وخضع وتشقق من خشية الله . # ثم قال : { وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون } أي الغرض من ذكر ~~هذا الكلام التنبيه على قساوة قلوب هؤلاء الكفار ، وغلظ طباعهم ، ونظير ~~قوله : { ثم قست قلوبكم من بعد ذالك فهى كالحجارة أو أشد قسوة } ( البقرة : ~~74 ) واعلم أنه لما وصف القرآن بالعظم ، ومعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم ~~الموصوف ، أتبع ذلك بشرح عظمة الله فقال : # ! 7 < { هو الله الذى لا إلاه إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمان ~~الرحيم } . > 7 ! # < < # | الحشر : ( 22 ) هو الله الذي . . . . . # > > وقيل : السر والعلانية وقيل : الدنيا والآخرة . # اعلم أنه تعالى قدم الغيب على الشهادة في اللفظ وفيه سر عقلي ، أما ~~المفسرون فذكروا أقوالا في الغيب والشهادة ، فقيل ms9017 : الغيب المعدوم ، ~~والشهادة الموجود ما غاب عن العباد وما شاهدوه . # ! 7 < { هو الله الذى لا إلاه إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ~~العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون } . > 7 @QB@ < # | الحشر : ( 23 ) هو الله الذي . . . . . # > > # ثم قال : { هو الله الذى لا إلاه إلا هو الملك } وكل ذلك قد تقدم تفسيره ~~. # / ثم قال : { القدوس } قرىء : بالضم والفتح ، وهو البليغ في النزاهة في ~~الذات والصافات ، والأفعال والأحكام والأسماء ، وقد شرحناه في أول سورة ~~الحديد ، ومضى شيء منه في تفسير قوله : { ونقدس لك } ( البقرة : 30 ) وقال ~~الحسن : إنه الذي كثرت بركاته . PageV29P254 # وقوله : { السلام } فيه وجهان الأول : أنه بمعنى السلامة ومنه دار السلام ~~، وسلام عليكم وصف به مبالغة في كونه سليما من النقائص كما يقال : رجاء ، ~~وغياث ، وعدل فإن قيل فعلى هذا التفسير لايبقى بين القدوس ، وبين السلام ~~فرق ، والتكرار خلاف الأصل ، قلنا : كونه قدوسا ، إشارة إلى براءته عن جميع ~~العيوب في الماضي والحاضر ، كونه : سليما ، إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء ~~من العيوب في الزمان المستقبل فإن الذي يطرأ عليه شيء من العيوب ، فإنه ~~تزول سلامته ولا يبقى سليما الثاني : أنه سلام بمعنى كونه موجبا للسلامة . # وقوله : { المؤمن } فيه وجهان الأول : أنه الذي آمن أولياءه عذابه ، يقال ~~: آمنه يؤمنه فهو مؤمن والثاني : أنه المصدق ، إما على معنى أنه يصدق ~~أنبياءه بإظهار المعجزة لهم ، أو لأجل أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~يشهدون لسائر الأنبياء ، كما قال : { لتكونوا شهداء على الناس } ( البقرة : ~~143 ) ثم إن الله يصدقهم في تلك الشهادة ، وقرىء بفتح الميم ، يعني المؤمن ~~به على حذف الجار كما حذف في قوله : { واختار موسى قومه } ( الأعراف : 155 ~~) . # وقوله : { المهيمن } قالوا : معناه الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء . ثم في ~~أصله قولان ، قال الخليل وأبو عبيدة : هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيب ~~على الشيء ، وقال آخرون : مهيمن أصله مؤيمن ، من آمن يؤمن ، فيكون بمعنى ~~المؤمن ، وقد تقدم استقصاؤه عند قوله : { ومهيمنا عليه } ( المائدة : 48 ) ~~وقال ابن الأنباري : المهيمن القائم على ms9018 خلقه برزقه وأنشد : # % ألا إن خير الناس بعد نبيه % % مهيمنه التاليه في العرف والنكر % # قال معناه : القائم على الناس بعده . # وما { العزيز } فهو إما الذي لا يوجد له نظير ، وإما الغالب القاهر . # وأما { الجبار } ففيه وجوه أحدها : أنه فعال من جبر إذا أغنى الفقير ، ~~وأصلح الكسير . قال الأزهري : وهو لعمري جابر كل كسير وفقير ، وهو جابر ~~دينه الذي ارتضاه ، قال العجاج : # % قد جبر الدين الإله فجبر % % # والثاني : أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراده ، قال ~~السدي : إنه الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراده ، قال الأزهري : هي لغة ~~تميم ، وكثير من الحجازيين يقولونها ، وكان الشافعي يقول : جبره السلطان ~~على كذا بغير ألف . وجعل الفراء الجبار بهذا معنى / من أجبره ، وهي اللغة ~~المعروفة في الإكراه ، فقال : لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين ، وهما ~~جبار من أجبر ، ودراك من أدرك ، وعلى هذا القول الجبار هو القهار الثالث : ~~قال ابن الأنباري : الجبار في صفة الله الذي لا ينال ، ومنه قيل للنخلة ~~التي فاتت يد المتناول : جبارة الرابع : قال ابن عباس : الجبار ، هو الملك ~~العظيم ، قال الواحدي : هذا الذي ذكرناه من معاني الجبار في صفة الله ، ~~وللجبار معان في صفة الخلق أحدها : المسلط كقوله : { وما أنت عليهم بجبار } ~~( ق : 45 ) ، والثاني : العظيم الجسم كقوله : { إن فيها قوما جبارين } ( ~~المائدة : 22 ) والثالث : المتمرد عن عبادة الله ، كقوله : { ولم يجعلنى ~~جبارا } مريم : 32 ) ، والرابع : القتال كقوله : { بطشتم جبارين } ( ~~الشعراء : 130 ) وقوله : { إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الارض } ( القصص : ~~19 ) . PageV29P255 # أما قوله : { المتكبر } ففيه وجوه أحدها : قال ابن عباس : الذي تكبر ~~بربوبيته فلا شيء مثله وثانيها : قال قتادة : المتعظم عن كل سوء وثالثها : ~~قال الزجاج : الذي تعظم عن ظلم العباد ورابعها : قال ابن الأنباري : ~~المتكبرة ذو الكبرياء ، والكبرياء عند العرب : الملك ، ومنه قوله تعالى : { ~~وتكون لكما الكبرياء فى الارض } ( يونس ) 78 ) ، واعلم أن المتكبر في حق ~~الخلق اسم ذم ، لأن المتكبر هو الذي يظهر من نفسه الكبر ، وذلك ms9019 نقص في حق ~~الخلق ، لأنه ليس له كبر ولا علو ، بل ليس معه إلا الحقارة والذلة والمسكنة ~~، فإذا أظهر العلو كان كاذبا ، فكان ذلك مذموما في حقه أما الحق سبحانه فله ~~جميع أنواع العلو والكبرياء ، فإذا أظهره فقد أرشد العباد إلى تعريف جلاله ~~وعلوه ، فكان ذلك في غاية المدح في حقه سبحانه ولهذا السبب لما ذكر هذا ~~الإسم : # قال : { سبحان الله عما يشركون } كأنه قيل : إن المخلوقين قد يتكبرون ~~ويدعون مشاركة الله في هذا الوصف لكنه سبحانه منزه عن التكبر الذي هو حاصل ~~للخلق لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم ، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى ~~النقصان الذاتي ، أما الحق سبحانه فله العلو والعزة ، فإذا أظهره كان ذلك ~~ضم كمال إلى كمال ، فسبحان الله عما يشركون في إثبات صفة المتكبرية للخلق . # ! 7 < { هو الله الخالق البارىء المصور له الا سمآء الحسنى يسبح له ما فى ~~السماوات والا رض وهو العزيز الحكيم } . > 7 @QB@ < # | الحشر : ( 24 ) هو الله الخالق . . . . . # > > # ثم قال : { هو الله الخالق } والخلق هو التقدير معناه أنه يقدر أفعاله ~~على وجوه مخصوصة ، فالخالقية راجعة إلى صفة الإرادة . # ثم قال : { البارىء } وهو بمنزلة قولنا : صانع وموجد إلا أنه يفيد اختراع ~~الأجسام ، ولذلك يقال في الخلق : برية ولا يقال في الأعراض التي هي كاللون ~~والطعم . # وأما { المصور } فمعناه أنه يخلق صور الخلق على ما يريد ، وقدم ذكر ~~الخالق على البارىء ، / لأن ترجيح الإرادة مقدم على تأثير القدرة وقدم ~~البارىء على المصور ، لأن إيجاد الذوات مقدم على إيجاد الصفات . # ثم قال تعالى : { له الاسماء الحسنى } وقد فسرناه في قوله : { ولله ~~الاسماء الحسنى } ( الأعراف : 180 ) . # أما قوله : { يسبح له ما فى * السماوات والارض * وهو العزيز الحكيم } فقد ~~مر تفسيره في أول سورة الحديد والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، والحمد ~~لله رب العالمين ، وصلاته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه ~~أجمعين ، وسلم تسليما كثيرا . # PageV29P256 < # > 1 ( سورة الممتحنة ) 1 < # > # وهي ثلاث عشرة آية مدنية # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أوليآء تلقون إليهم ms9020 ~~بالمودة وقد كفروا بما جآءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى وابتغآء مرضاتى تسرون إليهم بالمودة ~~وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل } . > ~~7 @QB@ < # | الممتحنة : ( 1 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # { الحكيم ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم ~~بالمودة } وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن من جملة ما يتحقق به التعلق بما قبلها هو أنهما ~~يشتركان في بيان حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع الحاضرين في زمانه من ~~اليهود والنصارى وغيرهم ، فإن بعضهم أقدموا على الصلح واعترفوا بصدقه ، ومن ~~جملتهم بنو النضير ، فإنهم قالوا : والله إنه النبي الذي وجدنا نعته وصفته ~~في التوراة ، وبعضهم أنكروا ذلك وأقدموا على القتال ، إما على التصريح وإما ~~على الإخفاء ، فإنهم مع أهل الإسلام في الظاهر ، ومع أهل الكفر في الباطن ، ~~وأما تعلق الأول بالآخر فظاهر ، لما أن آخر تلك السورة يشتمل على الصفات ~~الحميدة لحضرة الله تعالى من الوحدانية وغيرها ، وأول هذه السورة مشتمل على ~~حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات . # المسألة الثانية : أما سبب النزول فقد روي أنها نزلت في حاطب بن أبي ~~بلتعة ، لما كتب إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز للفتح ~~ويريد أن يغزوكم فخذوا حذركم ، ثم أرسل ذلك الكتاب مع امرأة مولاة لبني ~~هاشم ، يقال لها سارة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ~~المدينة ، فقال عليه السلام : أمسلمة جئت ؟ قالت : لا ، قال : أمهاجرة جئت ~~؟ قالت : لا ، قال : فما جاء بك ؟ قالت : قد ذهب الموالي يوم بدر أي قتلوا ~~في ذلك اليوم فاحتجت حاجة شديدة فحث عليها بني المطلب فكسوها وحملوها ~~وزودوها ، فأتاها حاطب وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا واستحملها ذلك ~~الكتاب إلى أهل مكة ، فخرجت سائرة ، فأطلع الله الرسول عليه السلام على ذلك ~~، فبعث عليا وعمر وعمارا وطلحة والزبير خلفها وهم فرسان ، فأدركوها وسألوها ~~عن ذلك فأنكرت وحلفت ، فقال علي ms9021 عليه السلام : والله ما كذبنا ، ولا كذب ~~رسول الله ، وسل سيفه ، فأخرجته من عقاص شعرها ، فجاءوا بالكتاب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعرضه على حاطب فاعترف ، وقال : إن لي بمكة أهلا ~~ومالا فأردت أن أتقرب منهم ، وقد علمت أن الله / تعالى ينزل بأسه عليهم ، ~~فصدقه وقبل عذره ، فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ، ~~فقال صلى الله عليه وسلم : ما يدريك يا عمر لعل الله تعالى قد اطلع على أهل ~~بدر PageV29P257 فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، ففاضت عينا عمر ~~، وقال : الله ورسوله أعلم فنزلت ، وأما تفسير الآية فالخطاب في : { ذلك ~~بأن الذين كفروا } قد مر ، وكذلك في الإيمان أنه في نفسه شيء واحد وهو ~~التصديق بالقلب أو أشياء كثيرة وهي الطاعات ، كما ذهب إليه المعتزلة ، وأما ~~قوله تعالى : { لا تتخذوا عدوى وعدوكم } فاتخذ يتعدى إلى مفعولين ، وهما ~~عدوي وأولياء ، والعدو فعول من عدا ، كعفو من عفا ، ولكونه على زنة المصدر ~~أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد ، والعداوة ضد الصداقة ، وهما لا يجتمعان ~~في محل واحد ، في زمان واحد ، من جهة واحدة / لكنهما يرتفعان في مادة ~~الإمكان ، وعن الزجاج والكرابيسي { عدوى } أي عدو ديني ، وقال عليه السلام ~~: ( المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل ) وقال عليه السلام لأبي ~~ذر : ( يا أبا ذر أي عرا الإيمان أوثق ، فقال الله ورسوله أعلم ، فقال ~~الموالاة في الله والحب في الله والبغض في الله ) وقوله تعالى : { تلقون ~~إليهم بالمودة } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله : { تلقون } بماذا يتعلق ، نقول : فيه وجوه الأول ~~: قال صاحب النظم : هو وصف النكرة التي هي أولياء ، قاله الفراء والثاني : ~~قال في الكشاف : يجوز أن يتعلق بلا تتخذوا حالا من ضميره ، وأولياء صفة له ~~الثالث : قال ويجوز أن يكون استئنافا ، فلا يكون صلة لأولياء ، والباء في ~~المودة كهي في قوله تعالى : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم } ( الحج : 25 ) ~~والمعنى : تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي ~~بينكم وبينهم ، ويدل ms9022 عليه : { تسرون إليهم بالمودة } . # المسألة الثانية : في الآية مباحث الأول : اتخاذ العدو وليا كيف يمكن ، ~~وقد كانت العداوة منافية للمحبة والمودة ، والمحبة المودة من لوازم ذلك ~~الاتخاذ ، نقول : لا يبعد أن تكون العداوة بالنسبة إلى أمر ، والمحبة ~~والمودة بالنسبة إلى أمر آخر ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم } ( التغابن : 14 ) والنبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~أولادنا أكبادنا ) الثاني : لما قال : { عدوى } فلم لم يكتف به حتى قال : { ~~وعدوكم } لأن عدو الله إنما هو عدو المؤمنين ؟ نقول : الأمر لازم من هذا ~~التلازم ، وإنما لا يلزم من كونه عدوا للمؤمنين أن يكون عدوا لله ، كما قال ~~: { إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم } ، الثالث : لم قال : { عدوى وعدوكم ~~} ولم يقل بالعكس ؟ فنقول : العداوة بين المؤمن والكافر بسبب محبة الله ~~تعالى ومحبة رسوله ، فتكون محبة العبد من أهل الإيمان لحضرة الله تعالى ~~لعلة ، ومحبة حضرة الله تعالى للعبد لا لعلة ، لما أنه غني على الإطلاق ، ~~فلا حاجة به إلى الغير أصلا ، والذي لا لعلة مقدم على الذي لعلة ، ولأن ~~الشيء إذا كان له نسبة إلى الطرفين ، فالطرف الأعلى مقدم على الطرف الأدنى ~~، الرابع : قال : { أولياء } ولم يقل : وليا ، والعدو والولي بلفظ ، فنقول ~~: كما أن المعرف بحرف التعريف / يتناول كل فرد ، فكذلك المعرف بالإضافة ~~الخامس : منهم من قال : الباء زائدة ، وقد مر أن الزيادة في القرآن لا تمكن ~~، والباء مشتملة على الفائدة ، فلا تكون زائدة في الحقيقة . PageV29P258 # ثم قال تعالى : { وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن ~~تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى } . # { وقد كفروا } الواو للحال ، أي وحالهم أنهم كفروا : { بما جاءكم من } ~~الدين { الحق } ، وقيل : من القرآن { يخرجون الرسول وإياكم } يعني من مكة ~~إلى المدينة { أن تؤمنوا } أي لأن تؤمنوا { بالله ربكم } وقوله : { إن كنتم ~~خرجتم } قال الزجاج : هو شرط جوابه متقدم وهو : لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء ، وقوله : { جهادا فى سبيلى وابتغاء مرضاتى } منصوبان لأنهما ~~مفعولان لهما ، { تسرون إليهم بالمودة ms9023 } عن مقاتل بالنصيحة ، ثم ذكر أنه لا ~~يخفى عليه من أحوالهم شيء ، فقال : { وأنا أعلم بما أخفيتم } من المودة ~~للكفار { وما أعلنتم } أي أظهرتم ، ولا يبعد أن يكون هذا عاما في كل ما ~~يخفى ويعلن / قال بعضهم : هو أعلم بسرائر العبد وخفاياه وظاهره وباطنه ، من ~~أفعاله وأحواله ، وقوله : { ومن يفعله منكم } يجوز أن تكون الكناية راجعة ~~إلى الإسرار ، وإلى الإلقاء ، وإلى اتخاذ الكفار أولياء ، لما أن هذه ~~الأفعال مذكورة من قبل ، وقوله تعالى : { فقد ضل سواء السبيل } فيه وجهان : ~~الأول : عن ابن عباس : أنه عدل عن قصد الإيمان في اعتقاده ، وعن مقاتل : قد ~~أخطأ قصد الطريق عن الهدى ، ثم في الآية مباحث : # الأول : { إن كنتم خرجتم } متعلق بلا تتخذوا ، يعني لا تتولوا أعدائي إن ~~كنتم أوليائي ، { * وتسرون } استئناف ، معناه : أي طائل لكم في إسراركم وقد ~~علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي . # الثاني : لقائل أن يقول : { ربكم إن كنتم خرجتم } الآية ، قضية شرطية ، ~~ولو كان كذلك فلا يمكن وجود الشرط ، وهو قوله : { إن كنتم خرجتم } بدون ذلك ~~النهي ، ومن المعلوم أنه يمكن ، فنقول : هذا المجموع شرط لمقتضى ذلك النهي ~~، لا للنهي بصريح اللفظ ، ولا يمكن وجود المجموع بدون ذلك لأن ذلك موجود ~~دائما ، فالفائدة في ابتغاء مرضاتي ظاهرة ، إذ الخروج قد يكون ابتغاء ~~لمرضاة الله وقد لا يكون . # / الثالث : قال تعالى : { بما أخفيتم وما أعلنتم } ولم يقل : بما أسررتم ~~وما أعلنتم ، مع أنه أليق بما سبق وهو { تسرون } ، فنقول فيه من المبالغة ~~ما ليس في ذلك ، فإن الإخفاء أبلغ من الإسرار ، دل عليه قوله : { يعلم السر ~~وأخفى } ( طه : 7 ) أي أخفى من السر . # الرابع : قال : { بما أخفيتم } قدم العلم بالإخفاء على الإعلان ، مع أن ~~ذلك مستلزم لهذا من غير عكس . هذا بالنسبة إلى علمنا ، لا بالنسبة إلى علمه ~~تعالى ، إذ هما سيان في علمه كما مر ، ولأن المقصود هو بيان ما هو الأخفى ~~وهو الكفر ، فيكون مقدما . # الخامس : قال تعالى : { ومن يفعله منكم } ما الفائدة في قوله : { منكم } ~~ومن المعلوم ms9024 أن من فعل هذا الفعل { فقد ضل سواء السبيل } نقول : إذا كان ~~المراد من { منكم } من المؤمنين فظاهر ، لأن من يفعل ذلك الفعل لا يلزم أن ~~يكون مؤمنا . PageV29P259 # ثم إنه أخبر المؤمنين بعداوة كفار أهل مكة فقال : # ! 7 < { إن يثقفوكم يكونوا لكم أعدآء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء وودوا لو تكفرون * لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل ~~بينكم والله بما تعملون بصير } . > 7 @QB@ < # | الممتحنة : ( 2 ) إن يثقفوكم يكونوا . . . . . # > > # {يثقفوكم } يظفروا بكم ويتمكنوا منكم { يكونوا لكم } في غاية العداوة ، ~~وهو قول ابن عباس ، وقال مقاتل : يظهروا عليكم يصادقوكم { ويبسطوا إليكم ~~أيديهم } بالضرب { وألسنتهم } بالشتم { وودوا } أن ترجعوا إلى دينهم ، ~~والمعنى أن أعداء الله لا يخلصون المودة لأولياء الله لما بينهم من ~~المباينة { لن تنفعكم أرحامكم } لما عوتب حاطب على ما فعل اعتذر بأن له ~~أرحاما ، وهي القرابات ، والأولاد فيما بينهم ، وليس له هناك من يمنع ~~عشيرته ، فأراد أن يتخذ عندهم يدا ليحسنوا إلى من خلفهم بمكة من عشيرته ، ~~فقال : { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم } الذين توالون الكفار من أجلهم ، ~~وتتقربون إليهم مخافة عليهم ، ثم قال : { يوم القيامة يفصل بينكم } وبين ~~أقاربكم وأولادكم فيدخل أهل الإيمان الجنة ، وأهل الكفر النار { والله بما ~~تعملون بصير } أي بما عمل حاطب ، ثم في الآية مباحث : # الأول : ما قاله صاحب الكشاف : { إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء } كيف يورد ~~جواب الشرط مضارعا مثله ، ثم قال : { وودوا } بلفظ الماضي نقول : الماضي ~~وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب فإن فيه نكتة ، ~~كأنه قيل : وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم . # / الثاني : { يوم القيامة } ظرف لاي شيء ، قلنا لقوله : { لن تنفعكم } أو ~~يكون ظرفا ليفصل وقرأ ابن كثير : { يفصل } بضم الياء وفتح الصاد ، و { يفصل ~~} على البناء للفاعل وهو الله ، و ( نفصل ) و ( نفصل ) بالنون . # الثالث : قال تعالى : { والله بما تعملون بصير } ولم يقل : خبير ، مع أنه ~~أبلغ في العلم بالشيء ، والجواب : أن الخبير أبلغ في العلم والبصير أظهر ~~منه فيه ، لما أنه يجعل ms9025 عملهم كالمحسوس بحس البصر والله أعلم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { قد كانت لكم أسوة حسنة فىإبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لابيه لاستغفرن لك ~~ومآ أملك لك من الله من شىء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير } . ~~> 7 ! # < < # | الممتحنة : ( 4 ) قد كانت لكم . . . . . # > > اعلم أن الأسوة ما يؤتسى به مثل القدوة لما يقتدى به ، يقال : هو ~~أسوتك ، أي أنت مثله وهو مثلك ، وجمع الأسوة أسى ، فالأسوة اسم لكل ما ~~يقتدى به ، قال المفسرون أخبر الله تعالى أن إبراهيم وأصحابه تبرءوا من ~~قومهم وعادوهم ، وقالوا لهم : { أنا * براء * منكم } ، وأمر أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يأنسوا بهم وبقوله ، قال الفراء : يقول أفلا ~~تأسيت يا حاطب بإبراهيم في التبرئة من أهله في قوله تعالى : { إذ قالوا ~~لقومهم إنا * براء * منكم } وقوله تعالى : { إلا قول إبراهيم لابيه ~~لاستغفرن لك } وهو مشرك وقال مجاهد : نهوا أن يتأسوا باستغفار PageV29P260 ~~إبراهيم لأبيه فيستغفرون للمشركين ، وقال مجاهد وقتادة : ائتسوا بأمر ~~إبراهيم كله إلا في استغفاره لأبيه ، وقيل : تبرءوا من كفار قومكم فإن لكم ~~أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه من المؤمنين في البراءة من قومهم ، لا في ~~الاستغفار لأبيه ، وقال ابن قتيبة : يريد أن إبراهيم عاداهم وهجرهم في كل ~~شيء إلا في قوله لأبيه : { لاستغفرن لك } وقال ابن الأنباري : ليس الأمر ~~على ما ذكره ، بل المعنى قد كانت لكم أسوة في كل شيء فعله ، إلا في قوله ~~لأبيه : { لاستغفرن لك } / وقوله تعالى : { وما أملك لك من الله من شىء } ~~هذا من قول إبراهيم لأبيه يقول له : ما أغنى عنك شيئا ، ولا أدفع عنك عذاب ~~الله إن أشركت به ، فوعده الاستغفار رجاء الإسلام ، وقال ابن عباس : كان من ~~دعاء إبراهيم وأصحابه : { ربنا عليك توكلنا } الآية ، أي في جميع أمورنا { ~~وإليك أنبنا } رجعنا بالتوبة عن المعصية إليك إذ المصير ليس إلا ms9026 إلى حضرتك ~~، وفي الآية مباحث : # الأول : لقائل أن يقول : { حتى تؤمنوا بالله وحده } ما الفائدة في قوله : ~~{ وحده } والإيمان به وبغيره من اللوازم ، كما قال تعالى : { كل ءامن بالله ~~وملئكته وكتبه ورسله } ( البقرة : 285 ) فنقول : الإيمان بالملائكة والكتب ~~والرسل واليوم الآخر ، من لوازم الإيمان بالله وحده ، إذ المراد من قوله : ~~{ وحده } هو وحده في الألوهية ، ولا نشك في أن الإيمان بألوهية غيره ، لا ~~يكون إيمانا بالله ، إذ هو الإشراك في الحقيقة ، والمشرك لا يكون مؤمنا . # الثاني : قوله تعالى : { إلا قول إبراهيم } استثناء من أي شيء هو ، نقول ~~: من قوله : { أسوة حسنة } لما أنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي حق ~~عليهم أن يأتسوا به ، ويتخذوه سنة يستنون بها . # الثالث : إن كان قوله : { لاستغفرن لك } مستثنى من القول الذي سبق وهو : ~~{ أسوة حسنة } فما بال قوله : { وما أملك لك من الله من شىء } وهو غير حقيق ~~بالاستثناء ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { قل فمن يملك لكم من الله شيئا } ( ~~الفتح : 11 ) نقول : أراد الله تعالى استثناء جملة قوله لأبيه ، والقصد إلى ~~موعد الاستغفار له وما بعده مبني عليه وتابع له / كأنه قال : أنا استغفر لك ~~، وما وسعي إلا الاستغفار . # الرابع : إذا قيل : بم اتصل قوله : { ربنا عليك توكلنا } نقول : بما قبل ~~الاستثناء ، وهو من جملة الأسوة الحسنة ، ويجوز أن يكون المعنى هو الأمر ~~بهذا القول تعليما للمؤمنين وتتميما لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم ~~وبين الكفرة ، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم تنبيها على ~~الإنابة إلى حضرة الله تعالى ، والاستعاذة به . # الخامس : إذا قيل : ما الفائدة في هذا الترتيب ؟ فنقول : فيه من الفوائد ~~مالا يحيط به إلا هو ، والظاهر من تلك الجملة أن يقال : التوكل لأجل ~~الإفادة ، وإفادة التوكل مفتقرة إلى التقوى قال تعالى : { ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا } ( الطلاق : 2 ) والتقوى الإنابة ، إذ التقوى الاحتراز عما ~~لا ينبغي من الأمور ، والإشارة إلى أن المرجع والمصير للخلائق حضرته ~~المقدسة ليس إلا ، فكأنه ذكر الشيء ، وذكر عقيبه ما يكون من اللوازم ms9027 لإفادة ~~ذلك كما ينبغي ، والقراءة في { براء } على أربعة أوجه : برآء كشركاء ، ~~وبراء كظراف ، وبراء على إبدال الضم من الكسر كرخال ، وبراء على الوصف ~~بالمصدر والبراء والبراءة ، مثل الطماء والطماءة . PageV29P261 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنآ إنك أنت العزيز ~~الحكيم * لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الا خر ومن ~~يتول فإن الله هو الغنى الحميد * عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم } . > 7 ! # < < # | الممتحنة : ( 5 ) ربنا لا تجعلنا . . . . . # > > قوله : { ربنا لا تجعلنا فتنة } من دعاء إبراهيم . قال ابن عباس : لا ~~تسلط علينا أعداءنا فيظنوا أنهم على الحق ، وقال مجاهد : لا تعذبنا بأيديهم ~~ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ذلك ، وقيل : ~~لا تبسط عليهم الرزق دوننا ، فإن ذلك فتنة لهم ، وقيل : قوله { لا تجعلنا ~~فتنة } ، أي عذابا أي سببا يعذب به الكفرة ، وعلى هذا ليست الآية من قول ~~إبراهيم . وقوله تعالى : { واغفر لنا ربنا } الآية ، من جملة ما مر ، فكأنه ~~قيل : لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ~~} ثم أعاد ذكر الأسوة تأكيدا للكلام ، فقال : { لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ~~} أي في إبراهيم والذين معه ، وهذا هو الحث عن الائتساء بإبراهيم وقومه ، ~~قال ابن عباس : كانوا يبغضون من خالف الله ويحبون من أحب الله ، وقوله ~~تعالى : { لمن كان يرجو الله } بدل من قوله : { لكم } وبيان أن هذه الأسوة ~~لمن يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة ، { ومن يتول } أي يعرض عن الائتساء بهم ~~ويميل إلى مودة الكفار { فإن الله هو الغنى } عن مخالفة أعدائه { الحميد } ~~إلى أوليائه . أما قوله : { عسى الله } فقال مقاتل : لما أمر الله تعالى ~~المؤمنين بعداوة الكفار شددوا في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقاربهم ~~والبراءة منهم فأنزل الله تعالى قوله : { عسى الله أن يجعل بينكم وبين ~~الذين عاديتم منهم } أي من كفار مكة { مودة } وذلك بميلهم إلى ms9028 الإسلام ~~ومخالطتهم مع أهل الإسلام ومناكحتهم إياهم . وقيل : تزوج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أم حبيبة ، فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان ، واسترخت شكيمته ~~في العداوة ، وكانت أم حبيبة قد أسلمت ، وهاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش ~~إلى الحبشة ، فتنصر وراودها على النصرانية فأبت ، وصبرت على دينها ، ومات ~~زوجها ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ، فخطبها عليه ، ~~وساق عنه إليها أربعمائة دينار ، وبلغ ذلك أباها فقال : ذلك الفحل لا يفدغ ~~أنفه ، / و { عسى } وعد من الله تعالى : { وبين الذين عاديتم منهم مودة } ~~يريد نفرا من قريش آمنوا بعد فتح مكة ، منهم أبو سفيان بن حرب ، وأبو سفيان ~~بن الحرث ، والحرث بن هشام ، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام ، والله تعالى ~~قادر على تقليب القلوب ، وتغيير الأحوال ، وتسهيل أسباب المودة ، { والله ~~غفور رحيم } بهم إذا تابوا وأسلموا ، ورجعوا إلى حضرة الله تعالى ، قال ~~بعضهم : لا تهجروا كل الهجر ، فإن الله مطلع على الخفيات والسرائر . ويروى ~~: أحبب حبيبك هونا ما ، عسى أن يكون بغيضك يوما ما . # ومن المباحث في هذه الحكمة هو أن قوله تعالى : { ربنا لا تجعلنا فتنة } ~~إذا كان تأويله : لا تسلط علينا أعداءنا مثلا ، فلم ترك هذا ، وأتى بذلك ؟ ~~فنقول : إذا كان ذلك بحيث يحتمل أن يكون عبارة عن هذا ، فإذا أتى به فكأنه ~~أتى بهذا وذلك ، وفيه من الفوائد ما ليس في الاقتصار على واحد من تلك ~~التأويلات . # الثاني : لقائل أن يقول : ما الفائدة في قوله تعالى : { واغفر لنا ربنا } ~~وقد كان الكلام مرتبا إذا قيل : لا تجعلنا فتنة للذين كفروا إنك أنت العزيز ~~الحكيم فنقول : إنهم طلبوا البراءة عن الفتنة ، والبراءة عن الفتنة لا ~~PageV29P262 يمكن وجودها بدون المغفرة ، إذ العاصي لو لم يكن مغفورا كان ~~مقهورا بقهر العذاب ، وذلك فتنة ، إذ الفتنة عبارة عن كونه مقهورا ، و { ~~الحميد } قد يكون بمعنى الحامد ، وبمعنى المحمود ، فالمحمود أي يستحق الحمد ~~من خلقه بما أنعم عليهم ، والحامد أي يحمد الخلق ، ويشكرهم حيث يجزيهم ~~بالكثير من ms9029 الثواب عن القليل من الأعمال . # ثم إنه تعالى بعدما ذكر من ترك انقطاع المؤمنين بالكلية عن الكفار رخص في ~~صلة الذين لم يقاتلوهم من الكفار فقال : # ! 7 < { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من ~~دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله ~~عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن ~~تولوهم ومن يتولهم فأولائك هم الظالمون } . > 7 @QB@ < # | الممتحنة : ( 8 - 9 ) لا ينهاكم الله . . . . . # > > # اختلفوا في المراد من { الذين لم يقاتلوكم } فالأكثرون على أنهم أهل ~~العهد الذين عاهدوا / رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترك القتال ، ~~والمظاهرة في العداوة ، وهم خزاعة كانوا عاهدوا الرسول على أن لا يقاتلوه ~~ولا يخرجوه ، فأمر الرسول عليه السلام بالبر والوفاء إلى مدة أجلهم ، وهذا ~~قول ابن عباس والمقاتلين والكلبي ، وقال مجاهد : الذين آمنوا بمكة ولم ~~يهاجروا ، وقيل : هم النساء والصبيان ، وعن عبد الله بن الزبير : أنها نزلت ~~في أسماء بنت أبي بكر قدمت أمها فتيلة عليها وهي مشركة بهدايا ، فلم تقبلها ~~ولم تأذن لها بالدخول ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخلها وتقبل ~~منها وتكرمها وتحسن إليها ، وعن ابن عباس : أنهم قوم من بني هاشم منهم ~~العباس أخرجوا يوم بدر كرها ، وعن الحسن : أن المسلمين استأمروا رسول الله ~~في أقربائهم من المشركين أن يصلوهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقيل ~~الآية في المشركين ، وقال قتادة نسختها آية القتال . وقوله : { أن تبروهم } ~~بدل من { الذين لم يقاتلوكم } وكذلك { أن تولوهم } بدل من { الذين قاتلوكم ~~} والمعنى : لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء ، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء ، وهذا ~~رحمة لهم لشدتهم في العداوة ، وقال أهل التأويل : هذه الآية تدل على جواز ~~البر بين المشركين والمسلمين ، وإن كانت الموالاة منقطعة ، وقوله تعالى : { ~~وتقسطوا إليهم } قال ابن عباس يريد بالصلة وغيرها { إن الله يحب المقسطين } ~~يريد أهل البر والتواصل ، وقال مقاتل : أن توفوا لهم بعهدهم وتعدلوا ، ثم ~~ذكر من الذين ينهاهم عن صلتهم فقال : { إنما ms9030 ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم ~~فى الدين أن تولوهم } وفيه لطيفة : وهي أنه يؤكد قوله تعالى : { لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم } . PageV29P263 ياأيها الذين ءامنوا إذا جآءكم ~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وءاتوهم مآ أنفقوا ولا ~~جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ ءاتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر ~~واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم ~~حكيم # [ ثم قال تعالى : # / < < # | الممتحنة : ( 10 ) يا أيها الذين . . . . . # > > في نظم هذه الآيات وجه حسن معقول ، وهو أن المعاند لا يخلو من أحد ~~أحوال ثلاثة ، إما أن يستمر عناده ، أو يرجى منه أن يترك العناد ، أو يترك ~~العناد ويستسلم ، وقد بين الله تعالى في هذه الآيات أحوالهم ، وأمر ~~المسلمين أن يعاملوهم في كل حالة على ما يقتضيه الحال . # أما قوله تعالى : { قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا * براء * منكم } ( الممتحنة : 4 ) فهو إشارة إلى الحالة ~~الأولى ، ثم قوله : { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة ~~} ( الممتحنة : 7 ) إشارة إلى الحالة الثانية ، ثم قوله : { الظالمون ~~ياأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنات } إشارة إلى الحالة الثالثة ، ثم ~~فيه لطيفة وتنبيه وحث على مكارم الأخلاق ، لأنه تعالى ما أمر المؤمنين في ~~مقابلة تلك الأحوال الثلاث بالجزاء إلا بالتي هي أحسن ، وبالكلام إلا بالذي ~~هو أليق . # واعلم أنه تعالى سماهن مؤمنات لصدور ما يقتضي الإيمان وهو كلمة الشهادة ~~منهن / ولم يظهر منهن ما هو المنافي له ، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن ~~بالامتحان والامتحان وهو الابتلاء بالحلف ، والحلف لأجل غلبة الظن بإيمانهن ~~، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للممتحنة : ( بالله الذي لا إله ~~إلا هو ما خرجت من بغض زوج ، بالله ما خرجت رغبة من أرض إلى أرض ، بالله ما ~~خرجت التماس دنيا ، بالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله ) وقوله : { الله ~~أعلم بإيمانهن } منكم والله ms9031 يتولى السرائر : { فإن علمتموهن } العلم الذي ~~هو عبارة عن الظن الغالب بالحلف وغيره ، { فلا ترجعوهن إلى الكفار } أي ~~تردوهن إلى أزواجهن المشركين ، وقوله تعالى : { لا هن حل لهم ولا هم يحلون ~~لهن وءاتوهم ما أنفقوا } أي أعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور ، ~~وذلك أن الصلح عام الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة يرد إليهم ، ~~ومن أتى مكة منكم لم يرد إليكم ، وكتبوا بذلك العهد كتابا وختموه ، فجاءت ~~سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، ~~فأقبل زوجها مسافر المخزومي ، وقيل : صيفي بن الراهب ، فقال : يا محمد أردد ~~علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا شرطا أن ترد علينا من أتاك منا ، وهذه طية ~~الكتاب لم تجف ، فنزلت بيانا لأن الشرط إنما كان للرجال دون النساء . وعن ~~الزهري أنه قال : إنها جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي عاتق ، فجاء ~~أهلها يطلبون من رسول PageV29P264 الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم ~~، وكانت هربت من زوجها عمرو بن العاس ومعها أخواها عمارة والوليد ، فرد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أخويها وحبسها فقالوا : أرددها علينا ، فقال ~~عليه السلام : ( كان الشرط في الرجال دون النساء ) وعن الضحاك : أن العهد ~~كان إن يأتك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا ، وإن دخلت في دينك ~~ولها زوج ردت على زوجها الذي أنفق عليها ، وللنبي صلى الله عليه وسلم من ~~الشرط مثل ذلك ، ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد ، واستحلفها الرسول عليه ~~السلام فحلفت وأعطى زوجها ما أنفق ، ثم تزوجها عمر ، وقوله تعالى : { ولا ~~هم يحلون لهن وءاتوهم ما أنفقوا ولا } أي مهورهن إذ المهر أجر البضع { ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر } والعصمة ما يعتصم به من عهد / وغيره ، ولا عصمة ~~بينكم وبينهن ولا علقة النكاح كذلك ، وعن ابن عباس أن اختلاف الدارين يقطع ~~العصمة ، وقيل : لا تقعدوا للكوافر ، وقرىء : { تمسكوا } ، بالتخفيف ~~والتشديد ، و { تمسكوا } أي ولا تتمسكوا ، وقوله تعالى : { ياأيها الذين ~~ءامنوا } وهو إذا لحقت ms9032 امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسألوهم ما ~~أنفقتم من المهر إذا منعوها ولم يدفعوها إليكم فعليهم أن يغرموا صداقها كما ~~يغرم لهم وهو قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن } أي بين المسلمين والكفار وفي الآية مباحث : # الأول : قوله : { فامتحنوهن } أمر بمعنى الوجوب أو بمعنى الندب أو بغير ~~هذا وذلك ؟ قال الواحدي : هو بمعنى الاستحباب . # الثاني : ما الفائدة في قوله : { الله أعلم بإيمانهن } وذلك معلوم من غير ~~شك ؟ نقول : فائدته بيان أن لا سبيل إلى ما تطمئن به النفس من الإحاطة ~~بحقيقة إيمانهن ، فإن ذلك مما استأثر به علام الغيوب . # الثالث : ما الفائدة في قوله : { ولا هم يحلون لهن } ويمكن أن يكون في ~~أحد الجانبين دون الآخر ؟ نقول : هذا باعتبار الإيمان من جانبهن ومن جانبهم ~~إذ الإيمان من الجانبين شرط للحل ولأن الذكر من الجانبين مؤكد لارتفاع الحل ~~/ وفيه من الإفادة مالا يكون في غيره ، فإن قيل : هب أنه كذلك لكن يكفي ~~قوله : { فلا ترجعوهن إلى الكفار } لأنه لا يحل أحدهما للآخر فلا حاجة إلى ~~الزيادة عليه والمقصود هذا لا غير ، نقول : التلفظ بهذا اللفظ لا يفيد ~~ارتفاع الحل من الجانبين بخلاف التلفظ بذلك اللفظ وهذا ظاهر . # البحث الرابع : كيف سمى الظن علما في قوله : { فإن علمتموهن } ؟ نقول : ~~إنه من باب أن الظن الغالب وما يفضي إليه الاجتهاد ، والقياس جار مجرى ~~العلم ، وأن صاحبه غير داخل في قوله : { ولا تقف ما ليس لك به علم } ( ~~الإسراء : 36 ) . # ! 7 < { * وإن فاتكم شىء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل مآ أنفقوا واتقوا الله الذىأنتم به مؤمنون } . > 7 ! # < < # | الممتحنة : ( 11 ) وإن فاتكم شيء . . . . . # > > روى عن الزهري ومسروق أن من حكم الله تعالى أن يسأل المسلمون من ~~الكفار مهر المرأة المسلمة PageV29P265 إذا صارت إليهم ، ويسأل الكفار من ~~المسلمين مهر من صارت إلينا من نسائهم مسلمة ، فأقر المسلمون بحكم الله ~~وأبى المشركون فنزلت : { وإن فاتكم شىء من أزواجكم } أي سبقكم وانفلت / ~~منكم ، قال الحسن ومقاتل : نزلت ms9033 في أم حكيم بنت أبي سفيان ارتدت وتركت ~~زوجها عباس بن تميم القرشي ، ولم ترتد امرأة من غير قريش غيرها ، ثم عادت ~~إلى الإسلام ، وقوله تعالى : { فعاقبتم } أي فغنمتم ، على قول ابن عباس ~~ومسروق ومقاتل ، وقال أبو عبيدة أصبتم منهم عقبى ، وقال المبرد { فعاقبتم } ~~أي فعلتم ما فعل بكل يعني ظفرتم ، وهو من قولك : العقبى لفلان ، أي العاقبة ~~، وتأويل العاقبة الكرة الأخيرة ، ومعنى عاقبتم : غزوتم معاقبين غزوا بعد ~~غزو ، وقيل : كانت العقبى لكم والغلبة ، فأعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما ~~أنفقوا عليهن من المهر ، وهو قوله : { فاتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما ~~أنفقوا } ، وقرىء : ( فأعقبتم ) بالتشديد ، و ( فعقبتم ) بالتخفيف بفتح ~~القاف وكسرها . # ! 7 < { ياأيها النبى إذا جآءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله ~~شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك فى معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور ~~رحيم } . > 7 ! # < < # | الممتحنة : ( 12 ) يا أيها النبي . . . . . # > > روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال ~~أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا وعمر أسفل منه يبايع النساء بأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويبلغهن عنه ، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان ~~متقنعة متنكرة خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها ، فقال عليه ~~الصلاة والسلام : ( أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا ، فرفعت هند رأسها ~~وقالت : والله لقد عبدنا الأصنام وإنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته ~~على الرجال ، تبايع الرجال على الإسلام والجهاد فقط ، فقال عليه الصلاة ~~والسلام : ولا تسرقن ، فقالت هند : إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ~~ماله هناة فما أدري أتحل لي أم لا ؟ فقال : أبو سفيان ما أصبت من شيء فيما ~~مضى وفيما غبر فهو لك حلال ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها ، ~~فقال لها : وإنك لهند بنت عتبة ، قالت : نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا ~~الله عنك ، فقال : ولا ms9034 تزنين ، فقالت : أتزن الحرة ، وفي رواية مازنت منهن ~~امرأة قط ، فقال : ولا تقتلن أولادكن ، فقالت : ربيناهم صغارا وقتلتهم ~~كبارا ، فأنتم وهم أعلم ، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر ، ~~فضحك رضي الله عنه حتى استلقى ، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ~~ولا تأتين ببهتان تفترينه ، وهو أن تقذف على زوجها ما ليس منه ، فقالت هند ~~: والله / إن البهتان لأمر قبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق ، ~~فقال : ولا تعصينني في معروف ، فقالت : والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي ~~أنفسنا أن نعصينك في شيء ) وقوله : { ولا يسرقن } يتضمن النهي عن الخيانة ~~في الأموال والنقصان من العبادة ، فإنه يقال : أسرق من السارق من سرق من ~~صلاته : { ولا يزنين } يحتمل حقيقة الزنا ودواعيه أيضا على ما قال صلى الله ~~عليه وسلم : ( اليدان تزنيان ، والعينان PageV29P266 تزنيان ، والرجلان ~~والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) وقوله : { ولا يقتلن أولادهن } أراد وأد البنات ~~الذي كان يفعله أهل الجاهلية ثم هو عام في كل نوع من قتل الولد وغيره ، ~~وقوله : { ولا يأتين ببهتان } نهى عن النميمة أي لا تنم إحداهن على صاحبها ~~فيورث القطيعة ، ويحتمل أن يكون نهيا عن إلحاق الولد بأزواجهن . قال ابن ~~عباس : لا تلحق بزوجها ولدا ليس منه ، قال الفراء : كانت المرأة تلتقط ~~المولود فتقول لزوجها : هذا ولدي منك فذلك البهتان المفترى بين أيديهن ~~وأرجلهن وذلك أن الولد إذا رضعته الأم سقط بين يديها ورجليها ، وليس المعنى ~~نهيهن عن الزنا ، لأن النهي عن الزنا قد تقدم ، وقوله : { ولا يعصينك فى ~~معروف } أي كل أمر وافق طاعة الله ، وقيل : في أمر بر وتقوى ، وقيل في كل ~~أمر فيه رشد ، أي ولا يعصينك في جميع أمرك ، وقال ابن المسيب والكلبي وعبد ~~الرحمن بن زيد : { ولا يعصينك فى معروف } أي مما تأمرهن به وتنهاهن عنه ، ~~كالنوح وتمزيق الثياب ، وجز الشعر ونتفه ، وشق الجيب ، وخمش الوجه ، ولا ~~تحدث الرجال إلا إذا كان ذا رحم محرم ، ولا تخلو برجل غير محرم ، ولا تسافر ~~إلا مع ذي ms9035 رحم محرم ، ومنهم من خص هذا المعروف بالنوح / وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، قال : ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن : ~~الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستقاء بالنجوم ، والنياحة ) ~~وقال : ( النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة عليها سربال من ~~قطران ودرع من جرب ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( ليس منا من ضرب الخدود ~~وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ) وقوله : { فبايعهن } جواب { إذا } ، أي ~~إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن ، واختلفوا في كيفية المبايعة ، فقالوا ~~: كان يبايعهن وبين يده وأيديهن ثوب ، وقيل : كان يشترط عليهن البيعة وعمر ~~يصافحهن ، قاله الكلبي ، وقيل : بالكلام ، وقيل : دعا بقدح من ماء فغمس يده ~~فيه ، ثم غمسن أيديهن فيه ، وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد ~~امرأة قط ، وفي الآية مباحث : # البحث الأول : قال تعالى : { إذا جاءك المؤمنات } ولم يقل : فامتحنوهن ، ~~كما قال في المهاجرات والجواب : من وجهين أحدهما : أن الامتحان حاصل بقوله ~~تعالى : { على أن لا يشركن } إلى آخره وثانيهما : أن المهاجرات يأتين من ~~دار الحرب فلا اطلاع لهن على الشرائع ، فلا بد من الامتحان ، وأما المؤمنات ~~فهن في دار الإسلام وعلمن الشرائع فلا حاجة إلى الامتحان . # الثاني : ما الفائدة في قوله تعالى : { بين أيديهن وأرجلهن } وما وجهه ؟ ~~نقول : من قال المرأة إذا التقطت ولدا ، فإنما التقطت بيدها ، ومشت إلى ~~أخذه برجلها ، فإذا أضافته إلى زواجها فقد أتت / ببهتان تفترينه بين يديها ~~ورجليها ، وقيل : يفترينه على أنفسهن ، حيث يقلن : هذا ولدنا وليس كذلك ، ~~إذ الولد ولد الزنا ، وقيل : الولد إذا وضعته أمه سقط بين يديها ورجليها . # الثالث : ما وجه الترتيب في الأشياء المذكورة وتقديم البعض منها على ~~البعض في الآية ؟ نقول : قدم الأقبح على ما هو الأدنى منه في القبح ، ثم ~~كذلك إلى آخره ، وقيل : قدم من الأشياء المذكورة ما هو الأظهر فيما بينهم . ~~PageV29P267 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من ~~الا خرة كما يئس ms9036 الكفار من أصحاب القبور } . > 7 ! # < < # | الممتحنة : ( 13 ) يا أيها الذين . . . . . # > > قال ابن عباس : يريد حاطب ابن أبي بلتعة يقول : لا تتولوا اليهود ~~والمشركين ، وذلك لأن جمعا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار ~~المسلمين لحاجتهم إليهم ، فنهوا عن ذلك ويئسوا من الآخرة ، يعني أن اليهود ~~كذبت محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهم يعرفون أنه رسول الله وأنهم أفسدوا ~~آخرتهم بتكذيبهم إياه فهم يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ~~، والتقييد بهذا القيد ظاهر ، لأنهم إذا ماتوا على كفرهم كان العلم ~~بخذلانهم وعدم حظهم في الآخرة قطعيا ، وهذا هو قول الكلبي وجماعة ، يعني ~~الكفار الذين ماتوا يئسوا من الجنة ، ومن أن يكون لهم في الآخرة خير ، وقال ~~الحسن : يعني الأحياء من الكفار يئسوا من الأموات ، وقال أبو إسحق : يئس ~~اليهود الذين عاندوا النبي صلى الله عليه وسلم كما يئس الكفار الذين لا ~~يؤمنون بالبعث من موتاهم . # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV29P268 < # > 1 ( سورة الصف ) 1 < # > # أربع عشرة آية مكية # ! 7 < { سبح لله ما فى السماوات وما فى الا رض وهو العزيز الحكيم * ~~ياأيها الذين ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون } . > 7 ! # / < < # | الصف : ( 1 ) سبح لله ما . . . . . # > > وجه التعلق بما قبلها هو أن في تلك السورة بيان الخروج جهادا في سبيل ~~الله وابتغاء مرضاته بقوله : { إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى وابتغاء ~~مرضاتى } ( الممتحنة : 1 ) وفي هذه السورة بيان ما يحمل أهل الإيمان ويحثهم ~~على الجهاد بقوله تعالى : { إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم ~~بنيان مرصوص } ( الصف : 4 ) وأما الأول بالآخر ، فكأنه قال : إن كان الكفرة ~~بجهلهم يصفون لحضرتنا المقدسة بما لا يليق بالحضرة ، فقد كانت الملائكة ~~وغيرهم من الإنس والجن يسبحون لحضرتنا ، كما قال : { سبح لله ما فى * ~~السماوات وما في الارض } أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات ~~الحميدة جميع ما في السموات والأرض و { العزيز } من عز إذا غلب ، وهو الذي ~~يغلب على غيره أي ms9037 شيء كان ذلك الغير ، ولا يمكن أن يغلب عليه غيره و { ~~الحكيم } من حكم على الشيء إذا قضى عليه ، وهو الذي يحكم على غيره ، أي شيء ~~كان ذلك الغير ، ولا يمكن أن يحكم عليه غيره ، فقوله : { سبح لله ما فى * ~~السماوات وما في الارض } يدل على الربوبية والوحدانية إذن ، ثم إنه تعالى ~~قال في البعض من السور : { سبح لله } ( الحديد : 1 ، الحشر : 1 ) ، وفي ~~البعض : { يسبح } ( الجمعة : 1 ، التغاب : 1 ) ، وفي البعض : { سبح } ( ~~الأعلى : 1 ) بصيغة الأمر ، ليعلم أن تسبيح حضرة الله تعالى دائم غير منقطع ~~لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان ، والمستقبل يدل عليه في ~~المستقبل من الزمان ، والأمر يدل عليه في الحال ، وقوله تعالى : { الله ~~عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون } منهم من قال : هذه الآية في حق جماعة ~~من المؤمنين ، وهم الذين أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى الله ، فأنزل ~~الله تعالى : { المشركون يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجارة } ( الصف : ~~10 ) الآية و { إن الله يحب الذين يقاتلون } ( الصف : 4 ) فأحبوا الحياة ~~وتولوا يوم أحد فأنزل الله تعالى : { لم تقولون * مالا * تفعلون } ~~PageV29P269 وقيل في حق من يقول : قاتلت ولم يقاتل ، وطعنت ولم يطعن ، ~~وفعلت ولم يفعل ، وقيل : / إنها في حق أهل النفاق في القتال ، لأنهم تمنوا ~~القتال ، فلما أمر الله تعالى به قالوا : { لم كتبت علينا القتال } ( ~~النساء : 77 ) وقيل : إنها في حق كل مؤمن ، لأنهم قد اعتقدوا الوفاء بما ~~وعدهم الله به من الطاعة والاستسلام والخضوع والخشوع فإذا لم يوجد الوفاء ~~بما وعدهم خيف عليهم في كل زلة أن يدخلوا في هذه الآية ثم في هذه الجملة ~~مباحث : # الأول : قال تعالى : { سبح لله ما فى * السماوات وما في الارض } ( الحديد ~~: 1 ، الحشر : 1 ) في أول هذه السورة ، ثم قاله تعالى في أول سورة أخرى ، ~~وهذا هو التكرار ، والتكرار عيب ، فكيف هو ؟ فنقول : يمكن أن يقال : كرره ~~ليعلم أنه في نفس الأمر غير مكرر لأن ما وجد منه التسبيح عند وجود العالم ms9038 ~~بإيجاد الله تعالى فهو غير ما وجد منه التسبيح بعد وجود العالم ، وكذا عند ~~وجود آدم وبعد وجوده . # الثاني : قال : { سبح لله ما فى * السماوات وما في الارض } ولم يقل : سبح ~~لله السموات والأرض وما فيهما ، مع أن في هذا من المبالغة ما ليس في ذلك ؟ ~~فنقول : إنما يكون كذلك إذا كان المراد من التسبيح ، التسبيح بلسان الحال ~~مطلقا ، أما إذا كان المراد هو التسبيح المخصوص فالبعض يوصف كذا ، فلا يكون ~~كما ذكرتم . # الثالث : قال صاحب الكشاف : { لم } هي لام الإضافة داخلة على ما ~~الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك : بم وفيم وعم ومم ، ~~وإنما حذفت الألف لأن ( ما ) والحرف كشيء واحد ، وقد وقع استعمالها في كلام ~~المستفهم ، ولو كان كذلك لكان معنى الاستفهام واقعا في قوله تعالى : { لم ~~تقولون * مالا * تفعلون } والاستفهام من الله تعالى محال وهو عالم بجميع ~~الأشياء ، فنقول : هذا إذا كان المراد من الاستفهام طلب الفهم ، أما إذا ~~كان المراد إلزام من أعرض عن الوفاء ما وعد أو أنكر الحق وأصر على الباطل ~~فلا . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } . > 7 ! # < < # | الصف : ( 3 ) كبر مقتا عند . . . . . # > > والمقت هو البغض ، ومن استوجب مقت الله لزمه العذاب ، قال صاحب ~~الكشاف : المقت أشد البغض وأبلغه وأفحشه ، وقال الزجاج : { ءان } في موضع ~~رفع و : { مقتا } منصوب على التمييز ، والمعنى : كبر قولكم ما لا تفعلون ~~مقتا عند الله ، وهذا كقوله تعالى : { كبرت كلمة } ( الكهف : 5 ) . # ! 7 < { إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } . > ~~7 @QB@ < # | الصف : ( 4 ) إن الله يحب . . . . . # > > # قرأ زيد بن علي : { يقاتلون } بفتح التاء ، وقرىء ( يقتلون ) أن يصفون ~~صفا ، والمعنى يصفون أنفسهم عند القتال كأنهم بنيان مرصوص ، قال الفراء : ~~مرصوص بالرصاص ، يقال : رصصت البناء إذا / لا يمت بينه وقاربت حتى يصير ~~كقطعة واحدة ، وقال الليث : يقال : رصصت البناء إذا ضممته ، والرص انضمام ~~الأشياء بعضها إلى بعض ، وقال ابن عباس : يوضع الحجر على الحجر ms9039 ثم يرص ~~بأحجار صغار ثم يوضع اللبن عليه PageV29P270 فتسميه أهل مكة المرصوص ، وقال ~~أبو إسحق : أعلم الله تعالى أنه يحب من يثبت في الجهاد ويلزم مكانه كثبوت ~~البناء المرصوص ، وقال : ويجوز أن يكون على أن يستوي شأنهم في حرب عدوهم ~~حتى يكونوا في اجتماع الكلمة ، وموالاة بعضهم بعضا كالبنيان المرصوص ، وقيل ~~: ضرب هذا المثل للثبات : يعني إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الثابت ~~المستقر ، وقيل : فيه دلالة على فضل القتال راجلا ، لأن العرب يصطفون على ~~هذه الصفة ، ثم المحبة في الظاهر على وجهين أحدهما : الرضا عن الخلق ~~وثانيها : الثناء عليهم بما يفعلون ، ثم ما وجه تعلق الآية بما قبلها وهو ~~قوله تعالى : { كبر مقتا عند الله أن } نقول تلك الآية مذمة المخالفين في ~~القتال وهم الذين وعدوا بالقتال ولم يقاتلوا ، وهذه الآية محمدة الموافقين ~~في القتال وهم الذين قاتلوا في سبيل الله وبالغوا فيه . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وإذ قال موسى لقومه ياقوم لم تؤذوننى وقد تعلمون أنى رسول الله ~~إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفاسقين } . > 7 ! # < < # | الصف : ( 5 ) وإذ قال موسى . . . . . # > > معناه اذكر لقومك هذه القصة ، و { إذ } منصوب بإضمار اذكر أي حين قال ~~لهم : { تؤذوننى } وكانوا يؤذونه بأنواع الأذى قولا وفعلا ، فقالوا : { ~~أرنا الله جهرة } ( النساء : 153 ) ، { لن نصبر على طعام واحد } ( البقرة : ~~61 ) وقيل : قد رموه بالأدرة ، وقوله تعالى : { وقد تعلمون أنى رسول الله } ~~في موضع الحال ، أي تؤذونني عالمين علما قطعيا أني رسول الله وقضية علمكم ~~بذلك موجبة للتعظيم والتوقير ، وقوله : { فلما زاغوا } أي مالوا إلى غير ~~الحق { أزاغ الله قلوبهم } أي أمالها عن الحق ، وهو قول ابن عباس وقال ~~مقاتل : { زاغوا } أي عدلوا عن الحق بأبدانهم { أزاغ الله } أي أمال الله ~~قلوبهم عن الحق وأضلهم جزاء ما عملوا ، ويدل عليه قوله تعالى : { والله لا ~~يهدى القوم الفاسقين } قال أبو إسحق معناه : والله لا يهدي من سبق في عمله ~~أنه فاسق ، وفي هذا تنبيه على عظيم إيذاء الرسول صلى الله عليه ms9040 وسلم حتى ~~إنه يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى { وقد } معناه التوكيد كأنه قال : ~~وتعلمون علما يقينيا لا شبهة لكم فيه . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وإذ قال عيسى ابن مريم يابنى إسراءيل إنى رسول الله إليكم مصدقا ~~لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد فلما جاءهم ~~بالبينات قالوا هاذا سحر مبين * ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو ~~يدعى إلى الإسلام والله لا يهدى القوم الظالمين } . > 7 @QB@ < # | الصف : ( 6 - 7 ) وإذ قال عيسى . . . . . # > > # / قوله : { إنى رسول الله } أي اذكروا أني رسول الله أرسلت إليكم بالوصف ~~الذي وصفت به في التوراة ومصدقا بالتوراة وبكتب الله وبأنبيائه جميعا ممن ~~تقدم وتأخر { ومبشرا برسول } يصدق بالتوراة على مثل PageV29P271 تصديقي ، ~~فكأنه قيل له : ما اسمه ؟ فقال : اسمه أحمد ، فقوله : { يأتى من بعدى اسمه ~~أحمد } جملتان في موضع الجر لأنهما صفتان للنكرة التي هي رسول ، وفي { بعدى ~~اسمه } قراءتان تحريك الياء بالفتح على الأصل ، وهو الاختيار عند الخليل ~~وسيبويه في كل موضع تذهب فيه الياء لالتقاء ساكنين وإسكانها ، كما في قوله ~~تعالى : { ولمن دخل بيتى } فمن أسكن في قوله : { من بعدى اسمه } حذف الياء ~~من اللفظ لالتقاء الساكنين ، وهما الياء والسين من اسمه ، قاله المبرد وأبو ~~علي ، وقوله تعالى : { أحمد } يحتمل معنيين أحدهما : المبالغة في الفاعل ، ~~يعني أنه أكثر حمدا لله من غيره وثانيهما : المبالغة من المفعول ، يعني أنه ~~يحمد بما فيه من الإخلاص والأخلاق الحسنة أكثر ما يحمد غيره . # ولنذكر الآن بعض ما جاء به عيسى عليه السلام ، بمقدم سيدنا محمد عليه ~~السلام في الإنجيل في عدة مواضع أولها : في الإصحاح الرابع عشر من إنجيل ~~يوحنا هكذا : ( وأنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم ، ويعطيكم الفارقليط حتى ~~يكون معكم إلى الأبد ، والفارقليط هو روح الحق اليقين ) هذا لفظ الإنجيل ~~المنقول إلى العربي ، وذكر في الإصحاح الخامس عشر هذا اللفظ : ( وأما ~~الفارقليط روح القدس يرسله أبي باسمي ، ويعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء ، وهو ~~يذكركم ما قلت لكم ) ثم ms9041 ذكر بعد ذلك بقليل : ( وإني قد خبرتكم بهذا قبل أن ~~يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنون ) ، وثانيها : ذكر في الإصحاح السادس عشر هكذا ~~: ( ولكن أقول لكم الآن حقا يقينا انطلاقي عنكم خير لكم ، فإن لم أنطلق ~~عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط ، وإن انطلقت أرسلته إليكم ، فإذا جاء هو ~~يفيد أهل العالم ، ويدينهم ويمنحهم ويوقفهم على الخطيئة والبر والدين ) ~~وثالثها : ذكر بعد ذلك بقليل هكذا : ( فإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله ~~لكم ، ولكن لا تقدرون على قبوله والاحتفاظ به ، ولكن إذا جاء روح الحق ~~إليكم يلهمكم ويؤيدكم بجميع الحق ، لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه ) ~~هذا ما في الإنجيل ، فإن قيل : المراد بفارقليط إذا / جاء يرشدهم إلى الحق ~~ويعلمهم الشريعة ، وهو عيسى يجيء بعد الصلب ؟ نقول : ذكر الحواريون في آخر ~~الإنجيل أن عيسى لما جاء بعد الصلب ما ذكر شيئا من الشريعة ، وما علمهم ~~شيئا من الأحكام ، وما لبث عندهم إلا لحظة ، وما تكلم إلا قليلا ، مثل أنه ~~قال : ( أنا المسيح فلا تظنوني ميتا ، بل أنا ناج عند الله ناظر إليكم ، ~~وإني ما أوحي بعد ذلك إليكم ) فهذا تمام الكلام ، وقوله تعالى : { فلما ~~جاءهم بالبينات } قيل : هو عيسى ، وقيل : هو محمد ، ويدل على أن الذي جاءهم ~~بالبينات جاءهم بالمعجزات والبينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء به ~~من عند الله ، وقوله تعالى : { هاذا سحر مبين } أي ساحر مبين . وقوله : { ~~ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب } أي من أقبح ظلما ممن بلغ افتراؤه ~~المبلغ الذي يفتري على الله الكذب وأنهم قد علموا أن ما نالوه من نعمة ~~وكرامة فإنما نالوه من الله تعالى / ثم كفروا به وكذبوا على الله وعلى ~~رسوله : { والله لا يهدى القوم الظالمين } أي لا يوافقهم الله للطاعة عقوبة ~~لهم . # وفي الآية بحث : وهو أن يقال : بم انتصب { مصدقا } و { مبشرا } أبما في ~~الرسول من معنى الإرسال أم { إليكم } ؟ نقول : بل بمعنى الإرسال لأن إليكم ~~صلة للرسول . PageV29P272 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { يريدون ms9042 ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره ~~الكافرون * هو الذىأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون } . > 7 @QB@ < # | الصف : ( 8 ) يريدون ليطفئوا نور . . . . . # > > # {ليطفئوا } أي أن يطفئوا وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيدا له ~~لما فيها من معنى الإرادة في قولك : جئتك لإكرامك ، كما زيدت اللام في لا ~~أبا لك ، تأكيدا لمعنى الإضافة في أباك ، وإطفاء نور الله تعالى بأفواههم ، ~~تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن : { هاذا ساحر } ( ~~الصف : 6 ) مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه ، كذا ذكره ~~في الكشاف ، وقوله : { والله متم نوره } قرىء بكسر الراء على الإضافة ، ~~والأصل هو التنوين ، قال ابن عباس : يظهر دينه ، وقال صاحب الكشاف : متم ~~الحق ومبلغه غايته ، وقيل : دين الله ، وكتاب الله ، ورسول الله ، وكل واحد ~~من هذه الثلاثة بهذه الصفة لأنه يظهر عليهم من الآثار وثانيها : أن نور ~~الله ساطع أبدا وطالع من مطلع لا يمكن زواله أصلا وهو الحضرة القدسية ، وكل ~~واحد من الثلاثة كذلك وثالثها : أن النور نحو العلم ، والظلمة نحو الجهل ، ~~أو النور الإيمان يخرجهم من / الظلمات إلى النور ، أو الإسلام هو النور ، ~~أو يقال : الدين وضع إلهي سائق لأولي الألباب إلى الخيرات باختيارهم ~~المحمود وذلك هو النور ، والكتاب هو المبين قال تعالى : { تلك ءايات الكتاب ~~المبين } ( الشعراء : 2 ) فالإبانة والكتاب هو النور ، أو يقال : الكتاب ~~حجة لكونه معجزا ، والحجة هو النور ، فالكتاب كذلك ، أو يقال في الرسول : ~~إنه النور ، وإلا لما وصف بصفة كونه رحمة للعالمين ، إذ الرحمة بإظهار ما ~~يكون من الأسرار وذلك بالنور ، أو نقول : إنه هو النور ، لأنه بواسطته ~~اهتدى الخلق ، أو هو النور لكونه مبينا للناس ما نزل إليهم ، والمبين هو ~~النور ، ثم الفوائد في كونه نورا وجوه منها : أنه يدل على علو شأنه وعظمة ~~برهانه ، وذلك لوجهين أحدهما : الوصف بالنور وثانيهما : الإضافة إلى الحضرة ~~، ومنها : أنه إذا كان نورا من أنوار الله تعالى كان مشرقا في جميع أقطار ms9043 ~~العالم ، لأنه لا يكون مخصوصا ببعض الجوانب ، فكان رسولا إلى جميع الخلائق ~~، لما روي عنه صلى الله عليه وسلم : ( بعثت إلى الأحمر والأسود ) فلا يوجد ~~شخص من الجن والإنس إلا ويكون من أمته إن كان مؤمنا فهو من أمة المتابعة ، ~~وإن كان كافرا فهو من أمة الدعوة . # وقوله تعالى : { ولو كره الكافرون } أي اليهود والنصارى وغيرهم من ~~المشركين ، وقوله : { بالهدى } لمن اتبعه { ودين الحق } قيل : الحق هو الله ~~تعالى ، أي دين الله : وقيل : نعت للدين ، أي والدين هو الحق ، وقيل : الذي ~~يحق أن يتبعه كل أحد و { ليظهره على الدين كله } يريد الإسلام ، وقيل : ~~ليظهره ، أي الرسول صلى الله عليه وسلم بالغلبة وذلك بالحجة ، وههنا مباحث ~~: # الأول : { والله متم نوره } والتمام لا يكون إلا عند النقصان ، فكيف ~~نقصان هذا النور ؟ فنقول إتمامه بحسب النقصان في الأثر ، وهو الظهور في ~~سائر البلاد من المشارق إلى المغارب ، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار وهو ~~الإتمام ، يؤيده قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم } ( المائدة : 3 ) ~~وعن أبي هريرة : أن ذلك عند نزول عيسى من السماء ، قال مجاهد . PageV29P273 # الثاني : قال ههنا : { متم نوره } ( النور : 35 ) وقال في موضع آخر : { ~~مثل نوره } وهذا عين ذلك أو غيره ؟ نقول : هو غيره ، لأن نور الله في ذلك ~~الموضع هو الله تعالى عند أهل التحقيق ، وهنا هو الدين أو الكتاب أو الرسول ~~. # الثالث : قال في الآية المتقدمة : { ولو كره الكافرون } وقال في المتأخرة ~~: { ولو كره المشركون } فما الحكمة فيه ؟ فنقول : إنهم أنكروا الرسول ، وما ~~أنزل إليه وهو الكتاب ، وذلك من نعم الله ، والكافرون كلهم في كفران النعم ~~، فلهذا قال : { ولو كره الكافرون } ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك ، ~~والمراد من الكافرين ههنا اليهود والنصارى والمشركون ، وهنا ذكر النور ~~وإطفاءه ، واللائق به الكفر لأنه الستر والتغطية ، لأن من يحاول الإطفاء ~~إنما يريد الزوال ، وفي الآية الثانية ذكر الرسول والإرسال ودين الحق ، ~~وذلك منزلة عظيمة للرسول عليه السلام ، وهي اعتراض على الله تعالى كما قال ~~: # % / ألا قل لمن ظل ms9044 لي حاسدا % % أتدري على من أسأت الأدب % # % أسأت على الله في فعله % % كأنه لم ترض لي ما وهب % # والاعتراض قريب من الشرك ، ولأن الحاسدين للرسول عليه السلام ، كان ~~أكثرهم من قريش وهم المشركون ، ولما كان النور أعم من الدين والرسول ، لا ~~جرم قابله بالكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام والإرسال ، والرسول ~~والدين أخص من النور قابله بالمشركين الذين هم أخص من الكافرين . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون } . > 7 ! # < < # | الصف : ( 10 ) يا أيها الذين . . . . . # > > إعلم أن قوله تعالى : { هل أدلكم } في معنى الأمر عند الفراء ، يقال ~~: هل أنت ساكت أي اسكت وبيانه : أن هل ، بمعنى الاستفهام ، ثم يتدرج إلى أن ~~يصير عرضا وحثا ، والحث كالإغراء ، والإغراء أمر ، وقوله تعالى : { على ~~تجارة } هي التجارة بين أهل الإيمان وحضرة الله تعالى ، كما قال تعالى : { ~~إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ( التوبة : 111 ~~) دل عليه { تؤمنون بالله ورسوله } والتجارة عبارة عن معاوضة الشيء بالشيء ~~، وكما أن التجارة تنجي التاجر من محنة الفقر ، ورحمة الصير على ما هو من ~~لوازمه ، فكذلك هذه التجارة وهي التصديق بالجنان والإقرار باللسان ، كما ~~قيل في تعريف الإيمان فلهذا قال : بلفظ التجارة ، وكما أن التجارة في الربح ~~والخسران ، فكذلك في هذا ، فإن من آمن وعمل صالحا فله الأجر ، والربح ~~الوافر ، واليسار المبين ، ومن أعرض عن العمل الصالح فله التحسر والخسران ~~المبين ، وقوله تعالى : { تنجيكم من عذاب أليم } قرىء مخففا ومثقلا ، { ~~وتؤمنون } استئناف ، كأنهم قالوا : كيف نعمل ؟ فقال : { تؤمنون بالله ~~ورسوله } وهو خبر في معنى الأمر ، ولهذا أجيب بقوله : { يغفر لكم } وقوله ~~تعالى : { وتجاهدون فى سبيل الله } والجهاد بعد هذين الوجهين ثلاثة ، جهاد ~~فيما بينه وبين نفسه ، وهو قهر النفس ، ومنعها عن PageV29P274 اللذات ~~والشهوات ، وجهاد فيما بينه وبين الخلق ، وهو أن يدع الطمع منهم ، ويشفق ~~عليهم ويرحمهم وجهاد فيما بينه بين ms9045 الدنيا وهو أن يتخذها زادا المادة فتكون ~~على خمسة أوجه ، وقوله تعالى : { ذالكم خير لكم } يعني الذي أمرتم به من ~~الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهواءكم { إن ~~كنتم تعلمون } / أي أن كنتم تنتفعون بما عملتم فهو خير لكم ، وفي الآية ~~مباحث : # الأول : لم قال : { تؤمنون } بلفظ الخبر ؟ نقول : للإيذان بوجوب الامتثال ~~، عن ابن عباس قالوا : لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملنا ، فنزلت ~~هذه الآية ، فمكثوا ما شاء الله يقولون : يا ليتنا نعلم ما هي ؟ فدلهم الله ~~عليها بقوله : { تؤمنون بالله } . # الثاني : ما معنى : { إن كنتم تعلمون } نقول : { إن كنتم تعلمون } أنه ~~خير لكم كان خيرا لكم ، وهذه الوجوه للكشاف ، وأما الغير فقال : الخوف من ~~نفس العذاب لا من العذاب الأليم ، إذ العذاب الأليم هو نفس العذاب مع غيره ~~، والخوف من اللوازم كقوله تعالى : { وخافون إن كنتم مؤمنين } ( آل عمران : ~~175 ) ومنها أن الأمر بالإيمان كيف هو بعد قوله : { ذلك بأن الذين كفروا } ~~فنقول : يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين ، وهم الذين آمنوا في ~~الظاهر ، ويمكن أن يكون أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب ~~المتقدمة فكأنه قال : يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا بالله ~~وبمحمد رسول الله ، ويمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله : { فزادتهم إيمانا } ~~( التوبة : 124 ) ، { ليزدادوا إيمانا } ( الفتح : 4 ) وهو الأمر بالثبات ~~كقوله : { يثبت الله الذين ءامنوا } ( إبراهيم : 27 ) وهو الأمر بالتجدد ~~كقوله : { خبيرا يأيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ~~) وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( من جدد وضوءه فكأنما جدد إيمانه ) ، ~~ومنها : أن رجاء النجاة كيف هو إذا آمن بالله ورسوله ، ولم يجاهد في سبيل ~~الله ، وقد علق بالمجموع ، ومنها أن هذا المجموع وهو الإيمان بالله ورسوله ~~والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله خبر في نفس الأمر . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الا نهار ومساكن ~~طيبة فى جنات عدن ذلك الفوز العظيم * وأخرى تحبونها نصر ms9046 من الله وفتح قريب ~~وبشر المؤمنين } . > 7 @QB@ < # | الصف : ( 12 - 13 ) يغفر لكم ذنوبكم . . . . . # > > # اعلم أن قوله تعالى : { غفر * لكم ذنوبكم } جواب قوله : { تؤمنون بالله ~~ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله } ( الصف : 11 ) لما أنه في معنى الأمر ، كما ~~مر فكأنه قال : آمنوا بالله وجاهدوا في سبيل الله يغفر لكم ، وقيل جوابه : ~~{ ذلك خير لكم } ( الصف : 11 ) وجزم : { يغفر لكم } لما أنه ترجمة : { ~~ذالكم خير لكم } ومحله جزم ، كقوله تعالى : { لولا أخرتنى إلى أجل قريب ~~فأصدق وأكن } ( المنافقون : 10 ) لأن محل { فأصدق } جزم على قوله : { لولا ~~أخرتنى } وقيل : جزم { يغفر لكم } بهل ، لأنه في معنى الأمر ، وقوله تعالى ~~: { ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الانهار } إلى آخر الآية ، من جملة ما قدم ~~بيانه في التوراة ، ولا يبعد أن يقال : إن الله تعالى رغبهم في هذه الآية ~~إلى مفارقة مساكنهم وإنفاق أموالهم والجهاد ، وهو قوله : { يغفر لكم } ~~وقوله تعالى : { ذالك الفوز العظيم } يعني ذلك PageV29P275 الجزاء الدائم ~~هو الفوز العظيم ، وقد مر ، وقوله تعالى : { وأخرى تحبونها } أي تجارة أخرى ~~في العاجل مع ثواب الآجل ، قال الفراء : وخصلة أخرى تحبونها في الدنيا مع ~~ثواب الآخرة ، وقوله تعالى : { نصر من الله } هو مفسر للأخرى ، لأنه يحسن ~~أن يكون : { نصر من الله } مفسرا للتجارة إذ النصر لا يكون تجارة لنا بل هو ~~ريح للتجارة ، وقوله تعالى : { وفتح قريب } أي عاجل وهو فتح مكة ، وقال ~~الحسن : هو فتح فارس والروم ، وفي { تحبونها } شيء من التوبيخ على محبة ~~العاجل ، ثم في اة ية مباحث : # الأول : قوله تعالى : { وبشر المؤمنين } عطف على تؤمنون لأنه في معنى ~~الأمر ، كأنه قيل : آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم ، وبشر يا رسول الله ~~المؤمنين بذلك . ويقال أيضا : بم نصب من قرأ : { نصرا * من الله * يكون ~~قريبا } ( الصف : 11 ) ، فيقال : على الاختصاص ، أو على تنصرون نصرا ، ~~ويفتح لكم فتحا ، أو على يغفر لكم ، ويدخلكم ويؤتكم خيرا ، ويرى نصرا وفتحا ~~، هكذا ذكر في الكشاف . # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من ms9047 أنصارىإلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فأامنت طآئفة من ~~بنىإسراءيل وكفرت طآئفة فأيدنا الذين ءامنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } . ~~> 7 @QB@ < # | الصف : ( 14 ) يا أيها الذين . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { المؤمنين يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ~~} . # قوله : { كونوا أنصار الله } أمر بإدامة النصرة والثبات عليه ، أي ودوموا ~~على ما أنتم عليه من النصرة ، ويدل عليه قراءة ابن مسعود : { كونوا * أنتم ~~* أنصار الله } فأخير عنهم بذلك ، أي أنصار دين الله وقوله : { كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين } أي انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال ~~لهم : { من أنصارى إلى الله } قال مقاتل ، يعني من يمنعني من الله ، وقال ~~عطاء : من ينصر دين الله ، ومنهم من قال : أمر الله المؤمنين أن ينصروا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم كما نصر الحواريون عيسى عليه السلام ، وفيه إشارة ~~إلى أن النصر بالجهاد لا يكون مخصوصا بهذه الأمة ، والحواريون أصفياؤه ، ~~وأول من آمن به ، وكانوا اثني عشر رجلا ، وحواري الرجل صفيه وخلصاؤه من ~~الحور ، وهو البياض الخالص ، وقيل : كانوا قصارين يحورون الثياب ، أي ~~يبيضونها ، وأما الأنصار فعن قتادة : أن الأنصار كلهم من قريش : أبو بكر ، ~~وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وحمزة ، وجعفر ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وعثمان بن ~~مظعون ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وعثمان بن عوف ، وطلحة بن ~~عبيد الله ، والزبير بن العوام ، ثم في الآية مباحث : # / البحث الأول : التشبيه محمول على المعنى والمراد كونوا كما كان ~~الحواريون . # الثاني : ما معنى قوله : { من أنصارى إلى الله } ؟ نقول : يجب أن يكون ~~معناه مطابقا لجواب الحواريين والذي يطابقه أن يكون المعنى : من عسكري ~~متوجها إلى نصرة الله ، وإضافة { أنصارى } خلاف إضافة { أنصار الله } لما ~~أن المعنى في الأول : الذين ينصرون الله ، وفي الثاني : الذين يختصون بي ~~ويكونون معي في نصرة الله . PageV29P276 # الثالث : أصحاب عيسى قالوا : { نحن أنصار الله } وأصحاب محمد لم يقولوا ~~هكذا ، نقول : خطاب عيسى عليه السلام بطريق السؤال ms9048 فالجواب لازم ، وخطاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الإلزام ، فالجواب غير لازم ، بل اللازم هو ~~امتثال هذا الأمر ، وهو قوله تعالى : { كونوا أنصار الله } . # ثم قال تعالى : { يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن ~~مريم للحواريين من أنصارى } . # قال ابن عباس يعني الذين آمنوا في زمن عيسى عليه السلام ، والذين كفروا ~~كذلك ، وذلك لأن عيسى عليه السلام لما رفع إلى السماء تفرقوا ثلاث فرق ، ~~فرقة قالوا : كان الله فارتفع ، وفرقة قالوا : كان ابن الله فرفعه إليه ، ~~وفرقة قالوا : كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه ، وهم المسلمون ، واتبع كل ~~فرقة منهم طائفة من الناس ، واجتمعت الطائفتان الكافرتان على الطائفة ~~المسلمة فقتلوهم وطردوهم في الأرض ، فكانت الحالة هذه حتى بعث الله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم ، فظهرت المؤمنة على الكافرة فذلك قوله تعالى : { يأيها ~~الذين ءامنوا كونوا أنصار } ، وقال مجاهد : { فأصبحوا ظاهرين } يعني من ~~اتبع عيسى ، وهو قول المقاتلين ، وعلى هذا القول معنى الآية : أن من آمن ~~بعيسى ظهروا على من كفروا به فأصبحوا غالبين على أهل الأديان ، وقال ~~إبراهيم : أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأن عيسى كلمة الله وروحه ، قال الكلبي : ظاهرين بالحجة ، والظهور بالحجة ~~هو قول زيد بن علي رضي الله عنه ، والله أعلم بالصواب والحمد لله رب ~~العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . # # PageV29P277 < # > 1 ( سورة الجمعة ) 1 < # > # وهي إحدى عشرة آية مدنية # ! 7 < { يسبح لله ما فى السماوات وما فى الا رض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم } . > 7 ! # / < < # | الجمعة : ( 1 ) يسبح لله ما . . . . . # > > وجه تعلق هذه السورة بما قبلها هو أنه تعالى قال في أول تلك السورة : ~~{ سبح لله } ( الصف : 1 ) بلفظ الماضي وذلك لا يدل على التسبيح في المستقبل ~~، فقال في أول هذه السورة بلفظ المستقبل ليدل على التسبيح في زماني الحاضر ~~والمستقبل ، وأما تعلق الأول بالآخر ، فلأنه تعالى ذكر في آخر تلك السورة ~~أنه كان يؤيد أهل الإيمان حتى صاروا عالين على الكفار ، وذلك ms9049 على وفق ~~الحكمة لا للحاجة إليه إذ هو غني على الإطلاق ، ومنزه عما يخطر ببال الجهلة ~~في الآفاق ، وفي أول هذه السورة ما يدل على كونه مقدسا ومنزها عما لا يليق ~~بحضرته العالية بالاتفاق ، ثم إذا كان خلق السموات والأرض بأجمعهم في تسبيح ~~حضرة الله تعال فله الملك ، كما قال تعالى : { يسبح لله ما فى * السماوات ~~وما في الارض * له الملك } ( التغابن : 1 ) ولا ملك أعظم من هذا ، وهو أنه ~~خالقهم ومالكهم وكلهم في قبضة قدرته وتحت تصرفه ، يسبحون له آناء الليل ~~وأطراف النهار بل في سائر الأزمان ، كما مر في أول تلك السورة ، ولما كان ~~الملك كله له فهو الملك على الإطلاق ، ولما كان الكل بخلقه فهو المالك ، ~~والمالك والملك أشرف من المملوك ، فيكون متصفا بصفات يحصل منها الشرف ، فلا ~~مجال لما ينافيه من الصفات فيكون قدوسا ، فلفظ { الملك } إشارة إلى إثبات ~~ما يكون من الصفات العالية ، ولفظ { القدوس } هو إشارة إلى نفي مالا يكون ~~منها ، وعن الغزالي { القدوس } المنزه عما يخطر ببال أوليائه ، وقد مر ~~تفسيره وكذلك { العزيز الحكيم } ثم الصفات المذكورة قرئت بالرفع على المدح ~~، أي هو الملك القدوس ، ولو قرئت بالنصب لكان وجها ، كقول العرب : الحمد ~~لله أهل الحمد ، كذا ذكره في ( الكشاف ) ، ثم في الآية مباحث : # الأول : قال تعالى : { يسبح لله } ولم يقل : يسبح الله ، فما الفائدة ؟ ~~نقول : هذا من جملة ما يجري فيه PageV30P003 اللفظان : كشكره وشكر له ، ~~ونصحه ونصح له . # الثاني : { القدوس } من الصفات السلبية ، وقيل : معناه المبارك . # / الثالث : لفظ { الحكيم } يطلق على الغير أيضا ، كما قيل في لقمان : إنه ~~حكيم ، نقول : الحكيم عند أهل التحقيق هو الذي يضع الأشياء ( في ) مواضعها ~~، والله تعالى حكيم بهذا المعنى . # ثم إنه تعالى بعدما فرغ من التوحيد والتنزيه شرع في النبوة فقال : # ! 7 < { هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم ءاياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين } . > 7 ! # < < # | الجمعة : ( 2 ) هو الذي بعث . . . . . # > > الأمي منسوب إلى أمة العرب ، لما أنهم ms9050 أمة أميون لا كتاب لهم ، ولا ~~يقرأون كتابا ولا يكتبون . وقال ابن عباس : يريد الذين ليس لهم كتاب ولا ~~نبي بعث فيهم ، وقيل : الأميون الذين هم على ما خلقوا عليه وقد مر بيانه ، ~~وقرىء الأمين بحذف ياء النسب ، كما قال تعالى : { رسولا منهم } ( المؤمنون ~~: 32 ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم نسبه من نسبهم ، وهو من جنسهم ، كما ~~قال تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) قال أهل ~~المعاني : وكان هو صلى الله عليه وسلم أيضا أميا مثل الأمة التي بعث فيهم ، ~~وكانت البشارة به في الكتب قد تقدمت بأنه النبي الأمي ، وكونه بهذه الصفة ~~أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة ، فكانت حاله ~~مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم ، وذلك أقرب إلى صدقة . # وقوله تعالى : { يتلوا عليهم ءاياته } أي بيناته التي تبين رسالته وتظهر ~~نبوته ، ولا يبعد أن تكون الآيات هي الآيات التي تظهر منها الأحكام الشرعية ~~، والتي يتميز بها الحق من الباطل { ويزكيهم } أي يطهرهم من خبث الشرك ، ~~وخبث ما عداه من الأقوال والأفعال ، وعند البعض { يزكيهم } أي يصلحهم ، ~~يعني يدعوهم إلى اتباع ما يصيرون به أزكياء أتقياء { ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة } والكتاب : ما يتلى من الآيات ، والحكمة : هي الفرائض ، وقيل : { ~~الحكمة } السنة ، لأنه كان يتلو عليهم آياته ويعلمهم سننه ، وقيل : { ~~الكتاب } الآيات نصا ، والحكمة ما أودع فيها من المعاني ، ولا يبعد أن يقال ~~: الكتاب آيات القرآن والحكمة وجه التمسك بها ، وقوله تعالى : { وإن كانوا ~~من قبل لفى ضلال مبين } ظاهر لأنهم كانوا عبدة الأصنام وكانوا في ضلال مبين ~~وهو الشرك ، فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد والإعراض عما ~~كانوا فيه ، وفي هذه الآية مباحث : # أحدها : احتجاج أهل الكتاب بها قالوا قوله : { بعث فى الاميين رسولا منهم ~~} يدل على أنه عليه السلام كان رسولا إلى الأميين وهم العرب خاصة ، غير أنه ~~ضعيف فإنه لا يلزم من تخصيص الشيء بالذكر نفي ما عداه ، ألا ترى إلى قوله ~~تعالى : { ولا تخطه بيمينك } ( العنكبوت : 48 ms9051 ) أنه لا يفهم منه أنه / يخطه ~~بشماله ، ولأنه PageV30P004 لو كان رسولا إلى العرب خاصة كان قوله تعالى : ~~{ كافة للناس بشيرا ونذيرا } ( سبإ : 28 ) لا يناسب ذلك ، ولا مجال لهذا ~~لما اتفقوا على ذلك ، وهو صدق الرسالة المخصوصة ، فيكون قوله تعالى : { ~~كافة * الناس } دليلا على أنه عليه الصلاة والسلام كان رسولا إلى الكل . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم } . > 7 ! # { < < # | الجمعة : ( 3 ) وآخرين منهم لما . . . . . # > > وءاخرين } عطف على الأميين . يعني بعث في آخرين منهم ، قال المفسرون ~~: هم الأعاجم يعنون بهم غير العرب أي طائفة كانت قاله ابن عباس وجماعة ، ~~وقال مقاتل : يعني التابعين من هذه الأمة الذين لم يلحقوا بأوائلهم ، وفي ~~الجملة معنى جميع الأقوال فيه كل من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى يوم القيامة فالمراد بالأميين العرب . وبالآخرين سواهم من ~~الأمم ، وقوله : { وءاخرين } مجرور لأنه عطف على المجرور يعني الأميين ، ~~ويجوز أن ينتصب عطفا على المنصوب في { ويعلمهم } ( الجمعة : 2 ) أي ويعلمهم ~~ويعلم آخرين منهم ، أي من الأميين وجعلهم منهم ، لأنهم إذا أسلموا صاروا ~~منهم ، فالمسلمون كلهم أمة واحدة وإن اختلف أجناسهم ، قال تعالى : { ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ( التوبة : 71 ) وأما من لم يؤمن ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في دينه فإنهم كانوا بمعزل عن المراد ~~بقوله : { وءاخرين منهم } وإن كان النبي مبعوثا إليهم بالدعوة فإنه تعالى ~~قال في الآية الأولى : { ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } ( الجمعة : 2 ) ~~وغير المؤمنين ليس من جملة من يعلمه الكتاب والحكمة { وهو العزيز } من حيث ~~جعل في كل واحد من البشر أثر الذل له والفقر إليه ، والحكيم حيث جعل في كل ~~مخلوق ما يشهد بوحدانيته ، قوله تعالى : { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم } قال ابن عباس : يريد حيث ألحق العجم وابناءهم ~~بقريش ، يعني إذا آمنوا ألحقوا في درجة الفضل بمن شاهد الرسول عليه السلام ~~، وشاركوهم في ms9052 ذلك ، وقال مقاتل : { ذالك فضل الله } يعني الإسلام { يؤتيه ~~من يشاء } وقال مقاتل بن حيان : يعني النبوة فضل الله يؤتيه من يشاء ، ~~فاختص بها محمدا صلى الله عليه وسلم . والله ذو المن العظيم على جميع خلقه ~~في الدنيا بتعليم الكتاب والحكمة كما مر ، وفي الآخرة بتفخيم الجزاء على ~~الأعمال . # ثم إنه تعالى ضرب لليهود الذين أعرضوا عن العمل بالتوراة ، والإيمان ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم مثلا فقال : # ! 7 < { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ~~بئس مثل القوم الذين كذبوا بأايات الله والله لا يهدى القوم الظالمين } . > ~~7 ! # / < < # | الجمعة : ( 5 ) مثل الذين حملوا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما أثبت التوحيد والنبوة ، وبين في النبوة أنه عليه ~~السلام بعث إلى الأميين واليهود لما أوردوا تلك الشبهة ، وهي أنه عليه ~~السلام بعث إلى العرب خاصة ، ولم يبعث إليهم بمفهوم الآية أتبعه الله تعالى ~~بضرب المثل للذين أعرضوا عن العمل بالتوراة ، والإيمان بالنبي عليه السلام ~~، والمقصود منه أنهم لما PageV30P005 لم يعملوا بما في التوراة شبهوا ~~بالحمار ، لأنهم لو عملوا بمقتضاها لانتفعوا بها ، ولم يوردوا تلك الشبهة ، ~~وذلك لأن فيها نعت الرسول عليه السلام ، والبشارة بمقدمه ، والدخول في دينه ~~، وقوله : { حملوا التوراة } أي حملوا العمل بما فيها ، وكلفوا القيام بها ~~، وحملوا وقرىء : بالتخفيف والتثقيل ، وقال صاحب ( النظم ) : ليس هو من ~~الحمل على الظهر ، وإنما هو من الحمالة بمعنى الكفالة والضمان ، ومنه قيل ~~للكفيل : الحميل ، والمعنى : ضمنوا أحكام التوراة ثم لم يضمنوها ولم يعملوا ~~بما فيها . قال الأصمعي : الحميل ، الكفيل ، وقال الكسائي : حملت له حمالة ~~. أي كفلت به ، والأسفار جمع سفر وهو الكتاب الكبير ، لأنه يسفر عن المعنى ~~إذا قرىء ، ونظيره شبر وأشبار ، شبه اليهود إذ لم ينتفعوا بما في التوراة ، ~~وهي دالة على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بالحمار الذي يحمل الكتب ~~العلمية ولا يدري ما فيها . وقال أهل المعاني : هذا المثل مثل من يفهم ~~معاني القرآن ولم يعمل به ، وأعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه ، ولهذا قال ~~ميمون ms9053 بن مهران : يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم ثم تلا هذه ~~الآية ، وقوله تعالى : { لم يحملوها } أي لم يؤدوا حقها ولم يحملوها حق ~~حملها على ما بيناه ، فشبههم والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها بحمار ~~يحمل كتبا ، وليس له من ذلك إلا ثقل الحمل من غير انتفاع مما يحمله ، كذلك ~~اليهود ليس لهم من كتابهم إلا وبال الحجة عليهم ، ثم ذم المثل ، والمراد ~~منه ذمهم فقال : { بئس مثل القوم الذين كذبوا بئايات الله } أي بئس القوم ~~مثلا الذين كذبوا ، كما قال : { ساء مثلا القوم } ( الأعراف : 177 ) وموضع ~~الذين رفع ، ويجوز أن يكون جرا ، وبالجملة لما بلغ كذبهم مبلغا وهو أنهم ~~كذبوا على الله تعالى كان في غاية الشر والفساد ، فلهذا قال : { بئس مثل ~~القوم } والمراد بالآيات ههنا الآيات الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، وهو قول ابن عباس ومقاتل ، وقيل : الآيات التوراة لأنهم كذبوا ~~بها حين تركوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا أشبه هنا { والله ~~لا يهدى القوم الظالمين } قال عطاء : يريد الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب ~~الأنبياء وههنا مباحث : # البحث الأول : ما الحكمة في تعيين الحمار من بين سائر الحيوانات ؟ نقول : ~~لوجوه منها : أنه تعالى خلق { الخيل * والبغال والحمير لتركبوها وزينة } ~~والزينة في الخيل أكثر وأظهر ؛ بالنسبة / إلى الركوب ، وحمل الشيء عليه ، ~~وفي البغال دون ، وفي الحمار دون البغال ، فالبغال كالمتوسط في المعاني ~~الثلاثة ، وحينئذ يلزم أن يكون الحمار في معنى الحمل أظهر وأغلب بالنسبة ~~إلى الخيل والبغال ، وغيرهما من الحيوانات ، ومنها : أن هذا التمثيل لإظهار ~~الجهل والبلادة ، وذلك في الحمار إظهر ، ومنها : أن في الحمار من الذل ~~والحقارة مالا يكون في الغير / والغرض من الكلام في هذا المقام تعيير القوم ~~بذلك وتحقيرهم ، فيكون تعيين الحمار أليق وأولى ، ومنها أن حمل الأسفار على ~~الحمار أتم وأعم وأسهل وأسلم ، لكونه ذلولا ، سلس القياد ، لين الانقياد ، ~~يتصرف فيه الصبي الغبي من غير كلفة ومشقة . وهذا من جملة ما يوجب حسن الذكر ~~بالنسبة إلى غيره ms9054 ومنها : أن رعاية الألفاظ والمناسبة بينها من اللوازم في ~~الكلام ، وبين لفظي الأسفار والحمار مناسبة لفظية لا توجد في الغير من ~~الحيوانات فيكون ذكره أولى . # الثاني : { يحمل } ما محله ؟ نقول : النصب على الحال ، أو الجر على الوصف ~~كما قال في ( الكشاف ) إذا الحمار كاللئيم في قوله : PageV30P006 # % ولقد أمر على اللئيم يسبني # % فمررت ثمة قلت لا يعنيني % # الثالث : قال تعالى : { بئس مثل القوم } كيف وصف المثل بهذا الوصف ؟ نقول ~~: الوصف وإن كان في الظاهر للمثل فهو راجع إلى القوم ، فكأنه قال : بئس ~~القوم قوما مثلهم هكذا . # ثم إنه تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب لهم وهو قوله ~~تعالى : # ! 7 < { قل ياأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله ~~عليم بالظالمين } . > 7 ! # < < # | الجمعة : ( 6 ) قل يا أيها . . . . . # > > هذه الآية من جملة ما مر بيانه ، وقرىء : { فتمنوا الموت } بكسر ~~الواو ، و { هادوا } أي تهودوا ، وكانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه ، ~~فلو كان قولكم حقا وأنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعا ~~إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه ، قال الشاعر : # % ليس من مات فاستراح بميت % % إنما الميت ميت الأحياء % # فهم يطلبون الموت لا محالة إذا كانت الحالة هذه ، وقوله تعالى : { ولا ~~يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } أي بسبب ما قدموا من الكفر وتحريف الآيات ، ~~وذكر مرة بلفظ التأكيد { ولن يتمنوه أبدا } ومرة بدون لفظ التأكيد { ولا ~~يتمنونه } وقوله : { أبدا * والله عليم بالظالمين } أي بظلمهم من تحريف ~~الآيات وعنادهم لها ، ومكابرتهم إياها . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { قل إن الموت الذى تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } . > 7 ! # < < # | الجمعة : ( 8 ) قل إن الموت . . . . . # > > يعني أن الموت الذي تفرون منه بما قدمت أيديكم من تحريف الآيات وغيره ~~ملاقيكم لا محالة ، ولا ينفعكم الفرار ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~يعني ما أشهدتم الخلق من التوراة والإنجيل وعالم ms9055 بما غيبتم عن الخلق من نعت ~~محمد صلى الله عليه وسلم وما أسررتم في أنفسكم من تكذيبكم رسالته ، وقوله ~~تعالى : { فينبئكم بما كنتم تعملون } إما عيانا مقرونا بلقائكم يوم القيامة ~~، أو بالجزاء إن كان خيرا فخير . وإن كان شرا فشر ، فقوله : { إن الموت ~~الذى تفرون منه } هو التنبيه على السعي فيما ينفعهم في الآخرة وقوله : { ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } هو الوعيد البليغ والتهديد الشديد . ثم في الآية ~~مباحث : # البحث الأول : أدخل الفاء لما أنه في معنى الشرط والجزاء ، وفي قراءة ابن ~~مسعود { ملاقيكم } من غير { فإنه } . PageV30P007 # الثاني : أن يقال : الموت ملاقيهم على كل حال ، فروا أو لم يفروا ، فما ~~معنى الشرط والجزاء ؟ قيل : إن هذا على جهة الرد عليهم إذ ظنوا أن الفرار ~~ينجيهم ، وقد صرح بهذا المعنى ، وأفصح عنه بالشرط الحقيقي في قوله : # % ومن هاب أسباب المنايا تناله < / 1 > % ولو نال أسباب السماء بسلم % # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلواة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلواة ~~فانتشروا فى الا رض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } ~~. > 7 ! # < < # | الجمعة : ( 9 ) يا أيها الذين . . . . . # > > وجه التعلق بما قبلها هو أن الذين هادوا يفرون من الموت لمتاع الدنيا ~~وطيباتها والذين آمنوا يبيعون ويشرون لمتاع الدنيا وطيباتها كذلك ، فنبههم ~~الله تعالى بقوله : { فاسعوا إلى ذكر الله } أي إلى ما ينفعكم في الآخرة ، ~~وهو حضور الجمعة ، لأن الدنيا ومتاعها فانية والآخرة وما فيها باقية ، قال ~~تعالى : { والاخرة خير وأبقى } ( الأعلى : 17 ) ووجه آخر في التعلق ، قال ~~بعضهم : قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث ، افتخروا بأنهم أولياء الله ~~واحباؤه ، فكذبهم بقوله : { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } ( الجمعة : 6 ) ~~وبأنهم أهل الكتاب ، والعرب لا كتاب لهم ، فشبههم بالحمار يحمل أسفارا ، ~~وبالسبت وليس للمسلمين مثله فشرع الله تعالى لهم الجمعة ، وقوله تعالى : { ~~إذا نودى } يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة وهو قول ~~مقاتل ، وأنه كما قال لأنه ms9056 لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نداء سواء كان إذا جلس عليه الصلاة والسلام على المنبر أذن بلال على باب ~~المسجد ، وكذا على عهد أبي بكر وعمر ، وقوله تعالى : { للصلواة } أي لوقت ~~الصلاة يدل عليه قوله : { من يوم الجمعة } ولا تكون الصلاة من اليوم ، ~~وإنما يكون وقتها من اليوم ، قال الليث : الجمعة يوم خص به لاجتماع الناس ~~في ذلك اليوم ، ويجمع على الجمعات والجمع ، وعن سلمان رضي الله عنه قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سميت الجمعة جمعة لأن آدم جمع فيه ~~خلقه ) وقيل : لما أنه تعالى فرغ فيها من خلق الأشياء ، فاجتمعت فيها ~~المخلوقات . قال الفراء : وفيها ثلاث لغات التخفيف ، وهي قراءة الأعمش ~~والتثقيل ، وهي قراءة العامة ، ولغة لبني عقيل ، وقوله تعالى : { فاسعوا ~~إلى ذكر الله } أي فامضوا ، وقيل : فامشوا وعلى هذا معنى ، السعي : المشي ~~لا العدو ، وقال الفراء : المضي والسعي والذهاب في معنى واحد ، وعن عمر أنه ~~سمع رجلا يقرأ : { فاسعوا } قال من أقرأك هذا ، قال : أبي ، قال : لا يزال ~~يقرأ بالمنسوخ ، لو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي ، وقيل : المراد ~~بالسعي القصد دون العدو ، والسعي التصرف في كل عمل ، ومنه قوله تعالى : { ~~فلما بلغ معه السعى } قال الحسن : والله ما هو سعي على الأقدام ولكنه سعي ~~بالقلوب ، وسعي بالنية ، وسعي بالرغبة ، ونحو هذا ، والسعي ههنا هو العمل ~~عند قوم ، وهو مذهب مالك والشافعي ، إذ السعي PageV30P008 في كتاب الله ~~العمل ، قال تعالى : { وإذا تولى سعى فى الارض } ( البقرة : 205 ) { وأن * ~~سعيكم لشتى } ( الليل : 4 ) أي العمل ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : ( ~~إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، ولكن ائتوها وعليكم السكينة ) ~~واتفق الفقهاء على : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان ) متى أتى الجمعة ~~أتى على هينة ) وقوله : { إلى ذكر الله } الذكر هو الخطبة عند الأكثر من ~~أهل التفسير ، وقيل : هو الصلاة ، وأما الأحكام المتعلقة بهذه الآية فإنها ~~تعرف من الكتب الفقهية ، وقوله تعالى : { وذروا البيع } قال الحسن : إذا ~~أذن ms9057 المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع ، وقال عطاء : إذا زالت الشمس ~~حرم البيع والشراء ، / وقال الفراء إنما حرم البيع والشراء إذا نودي للصلاة ~~لمكان الاجتماع ولندرك له كافة الحسنات ، وقوله تعالى : { ذالكم خير لكم } ~~أي في الآخرة { إن كنتم تعلمون } ما هو خير لكم وأصلح ، وقوله تعالى : { ~~فإذا قضيت الصلواة } أي إذا صليتم الفريضة يوم الجمعة { فانتشروا فى الارض ~~} هذا صيغة الأمر بمعنى الإباحة لما أن إباحة الانتشار زائلة بفرضية أداء ~~الصلاة ، فإذا زال ذلك عادت الإباحة فيباح لهم أن يتفرقوا في الأرض ويبتغوا ~~من فضل الله ، وهو الرزق ، ونظيره : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم } ( البقرة : 198 ) ، وقال ابن عباس : إذا فرغت من الصلاة فإن شئت ~~فاخرج ، وإن شئت فصل إلى العصر ، وإن شئت فاقعد ، كذلك قوله : { وابتغوا من ~~فضل الله } فإنه صيغة أمر بمعنى الإباحة أيضا لجلب الرزق بالتجارة بعد ~~المنع ، بقوله تعالى : { وذروا البيع } وعن مقاتل : أحل لهم ابتغاء الرزق ~~بعد الصلاة ، فمن شاء خرج . ومن شاء لم يخرج ، وقال مجاهد : إن شاء فعل ، ~~وإن شاء لم يفعل ، وقال الضحاك ، هو إذن من الله تعالى إذا فرغ ، فإن شاء ~~خرج ، وإن شاء قعد ، والأفضل في الابتغاء من فضل الله أن يطلب الرزق ، أو ~~الولد الصالح أو العلم النافع وغير ذلك من الأمور الحسنة ، والظاهر هو ~~الأول ، وعن عراك بن مالك أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب ~~المسجد ( و ) قال : اللهم أجبت دعوتك ، وصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتني ~~، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين ، وقوله تعالى : { واذكروا الله كثيرا ~~} قال مقاتل : باللسان ، وقال سعيد بن جبير : بالطاعة ، وقال مجاهد : لا ~~يكون من الذاكرين كثيرا حتى يذكره قائما وقاعدا ومضطجعا ، والمعنى إذا ~~رجعتم إلى التجارة وانصرفتم إلى البيع والشراء مرة أخرى فاذكروا الله كثيرا ~~، قال تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } . وعن عمر رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتيتم السوق فقولوا لا إله ~~إلا ms9058 الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء ~~قدير ، فإن من قالها كتب الله له ألف ألف حسنة وحط عنه ألف ألف خطيئة ورفع ~~له ألف ألف درجة ) وقوله تعالى : { لعلكم تفلحون } من جملة ما قد مر مرارا ~~، وفي الآية مباحث : # البحث الأول : ما الحكمة في أن شرع الله تعالى في يوم الجمعة هذا التكليف ~~؟ فنقول : قال القفال : هي أن الله عز وجل خلق الخلق فأخرجهم من العدم إلى ~~الوجود وجعل منهم جمادا وناميا وحيوانا ، فكان ما سوى الجماد أصنافا ، منها ~~بهائم وملائكة وجن وإنس ، ثم هي مختلفة المساكن من العلو والسفل فكان أشرف ~~العالم السفلي هم الناس لعجيب تركيبهم ، ولما كرمهم الله تعالى به من النطق ~~، وركب فيهم من العقول والطباع التي بها غاية التعبد بالشرائع ، ولم يخف ~~موضع عظم المنة وجلالة قدر الموهبة لهم فأمروا بالشكر على هذه الكرامة في ~~يوم من الأيام السبعة التي فيها أنشئت الخلائق وتم وجودها ، ليكون في ~~اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ماأنعم الله تعالى به عليهم ، وإذا ~~كان شأنهم لم يخل من حين ابتدئوا من نعمة تتخللهم ، وإن منة الله مثبتة ~~عليهم / قبل استحقاقهم لها ، ولكل أهل ملة من الملل المعروفة PageV30P009 ~~يوم منها معظم ، فلليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد ، وللمسلمين يوم ~~الجمعة ، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يوم الجمعة هذا ~~اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غدا وللنصارى بعد غد ) ولما ~~جعل يوم الجمعة يوم شكر وإظهار سرور وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع ~~الذي به تقع شهرته فجمعت الجماعات له كالسنة في الأعياد / واحتيج فيه إلى ~~الخطبة تذكيرا بالنعمة وحثا على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر ، ~~ولما كان مدار التعظيم ، إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط ~~النهار ليتم الاجتماع ولم تجز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى إلى ~~الاجتماع والله أعلم . # الثاني : كيف خص ذكر الله بالخطبة ، وفيها ms9059 ذكر الله وغير الله ؟ نقول : ~~المراد من ذكر الله الخطبة والصلاة لأن كل واحدة منهما مشتملة على ذكر الله ~~، وأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة والثناء عليهم والدعاء لهم فذلك ذكر ~~الشيطان . # الثالث : قوله : { وذروا البيع } لم خص البيع من جميع الأفعال ؟ نقول : ~~لأنه من أهم ما يشتغل به المرء في النهار من أسباب المعاش ، وفيه إشارة إلى ~~ترك التجارة ، ولأن البيع والشراء في الأسواق غالبا ، والغفلة على أهل ~~السوق أغلب ، فقوله : { وذروا البيع } تنبيه للغافلين ، فالبيع أولى بالذكر ~~ولم يحرم لعينه ، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض ~~المغصوبة . # الرابع : ما الفرق بين ذكر الله أولا وذكر الله ثانيا ؟ فنقول : الأول من ~~جملة مالا يجتمع مع التجارة أصلا إذ المراد منه الخطبة والصلاة كما مر ، ~~والثاني من جملة ما يجتمع كما في قوله تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا ~~بيع عن ذكر الله } ( النور : 37 ) . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قآئما قل ما عند ~~الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين } . > 7 ! # < < # | الجمعة : ( 11 ) وإذا رأوا تجارة . . . . . # > > قال مقاتل : إن دحية بن خليفة الكلبي أقبل بتجارة من الشام قبل أن ~~يسلم وكان معه من أنواع التجارة ، وكان يتلقاه أهل المدينة بالطبل والصفق : ~~وكان ذلك في يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب ~~فخرج إليه الناس وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق إلا إثنا عشر ~~رجلا أو أقل كثمانية أو أكثر كأربعين ، فقال عليه السلام : لولا هؤلاء ~~لسومت لهم الحجارة ، ونزلت الآية : وكان من الذين معه أبو بكر وعمر . وقال ~~الحسن : أصاب أهل المدينة جوع وغلاء / سعر فقدمت عير والنبي صلى الله عليه ~~وسلم يخطب يوم الجمعة فسمعوا بها وخرجوا إليها ، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ( لو اتبع آخرهم أولهم لالتهب الوادي عليهم نارا ) قال قتادة : ~~فعلوا ذلك ثلاث مرات ، وقوله تعالى : { أو لهوا } وهو الطبل ، وكانوا إذا ms9060 ~~أنكحوا الجواري يضربون المزامير ، فمروا يضربون ، فتركوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وقوله : { انفضوا إليها } أي تفرقوا وقال المبرد : مالوا إليها ~~وعدلوا نحوها ، والضمير في ( إليها ) للتجارة ، وقال الزجاج : انفضوا إليه ~~وإليها ، ومعناهما واحد كقوله تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلواة } ( ~~البقرة : 45 ) PageV30P010 واعتبر هنا الرجوع إلى التجارة لما أنها أهم ~~إليهم ، وقوله تعالى : { وتركوك قائما } اتفقوا على أن هذا القيام كان في ~~الخطبة للجمعة قال جابر : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطبة ~~إلا وهو قائم ، وسئل عبد الله أكان النبي يخطب قائما أو قاعدا فقرأ : { ~~وتركوك قائما } وقوله تعالى : { قل ما عند الله خير } أي ثواب الصلاة ~~والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم { خير من اللهو ومن التجارة } من ~~اللهو الذي مر ذكره ، والتجارة التي جاء بها دحية ، وقوله تعالى : { والله ~~خير الرزقين } هو من قبيل أحكم الحاكمين وأحسن الخالقين ، والمعنى إن أمكن ~~وجود الرازقين فهو خير الرازقين ، وقيل : لفظ الرازق لا يطلق على غيره إلا ~~بطريق المجاز ، ولا يرتاب في أن الرازق بطريق الحقيقة خير من الرازق بطريق ~~المجاز ، وفي الآية مباحث : # البحث الأول : أن التجارة واللهو من قبيل ما لا يرى أصلا ، ولو كان كذلك ~~كيف يصح { وإذا رأوا تجارة أو لهوا } نقول : ليس المراد إلا ما يقرب منه ~~اللهو والتجارة ، ومثله حتى يسمع كلام الله ، إذ الكلام غير مسموع ، بل ~~المسموع صوت يدل عليه . # الثاني : كيف قال : { انفضوا إليها } وقد ذكر شيئين وقد مر الكلام فيه ، ~~وقال صاحب ( الكشاف ) : تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، أو لهوا ~~انفضوا إليه ، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه . # الثالث : أن قوله تعالى : { والله خير الرزقين } مناسب للتجارة التي مر ~~ذكرها لا للهو ، نقول : بل هو مناسب للمجموع لماأن اللهو الذي مر ذكره ~~كالتبع للتجارة ، لما أنهم أظهروا ذلك فرحا بوجود التجارة كما مر ، والله ~~أعلم بالصواب ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه أجمعين . # PageV30P011 < # > 1 ( سورة المنافقون ) 1 < # > # إحدى عشرة آية مدنية # ! 7 ms9061 < { إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } . > 7 ! # / < < # | المنافقون : ( 1 ) إذا جاءك المنافقون . . . . . # > > وجه تعلق هذه السورة بما قبلها ، هو أن تلك السورة مشتملة على ذكر ~~بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذكر من كان يكذبه قلبا ولسانا بضرب ~~المثل كما قال : { مثل الذين حملوا التوراة } ( الجمعة : 5 ) وهذه السورة ~~على ذكر من كان يكذبه قلبا دون اللسان ويصدقه لسانا دون القلب ، وأما الأول ~~بالآخر ، فذلك أن في آخر تلك السورة تنبيها لأهل الإيمان على تعظيم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ورعاية حقه بعد النداء لصلاة الجمعة وتقديم متابعته في ~~الأداء على غيره وأن ترك التعظيم والمتابعة من شيم المنافقين ، والمنافقون ~~هم الكاذبون ، كما قال في أول هذه السورة : { إذا جاءك المنافقون } يعني ~~عبد الله بن أبي وأصحابه { قالوا نشهد إنك لرسول الله } وتم الخبر عنهم ثم ~~ابتدأ فقال : { والله يعلم إنك لرسوله } أي أنه أرسلك فهو يعلم أنك لرسوله ~~{ والله يشهد إنهم } أضمروا غير ما أظهروا ، وإنه يدل على أن حقيقة الإيمان ~~بالقلب ، وحقيقة كل كلام كذلك ، فإن من أخبر عن شيء واعتقد بخلافه فهو كاذب ~~، لما أن الكذب باعتبار المخالفة بين الوجود اللفظي والوجود الذهني ، كما ~~أن الجهل باعتبار المخالفة بين الوجود الذهني ، والوجود الخارجي ، ألا ترى ~~أنهم كانوا يقولون بألسنتهم : نشهد إنك لرسول الله ، وسماهم الله كاذبين ~~لما أن قولهم : يخالف اعتقادهم ، وقال : قوم لم يكذبهم الله تعالى في قولهم ~~: { نشهد إنك لرسول الله } إنما كذبهم بغير هذا من الأكاذيب الصادرة عنهم ~~في قوله تعالى : { يحلفون بالله ما قالوا } ( التوبة : 74 ) الآية . و { ~~يحلفون بالله * إنهم لمنكم } ( التوبة : 56 ) وجواب إذا { قالوا نشهد } أي ~~PageV30P012 أنهم إذا أتوك شهدوا لك بالرسالة ، فهم كاذبون في تلك الشهادة ~~، لما مر أن قولهم يخالف اعتقادهم ، وفي الآية مباحث : # / البحث الأول : أنهم قالوا : نشهد إنك لرسول الله ، فلو قالوا : نعلم ~~إنك لرسول الله ، أفاد مثل ما أفاد هذا ، أم لا ؟ نقول : ما ms9062 أفاد ، لأن ~~قولهم : نشهد إنك لرسول الله ، صريح في الشهادة على إثبات الرسالة ، وقولهم ~~: نعلم ليس بصريح في إثبات العلم ، لما أن علمهم في الغيب عند غيرهم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم سآء ما كانوا يعملون ~~* ذلك بأنهم ءامنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } . > 7 @QB@ < # | المنافقون : ( 2 - 3 ) اتخذوا أيمانهم جنة . . . . . # > > # قوله : { اتخذوا أيمانهم جنة } أي سترا ليستتروا به عما خافوا على أنفسهم ~~من القتل . قال في ( الكشاف ) : { اتخذوا أيمانهم جنة } يجوز أن يراد أن ~~قولهم : { نشهد إنك لرسول الله } يمين من أيمانهم الكاذبة ، لأن الشهادة ~~تجري مجرى الحلف في التأكيد ، يقول الرجل : أشهد وأشهد بالله ، وأعزم وأعزم ~~بالله في موضع أقسم وأولى : وبه استشهد أبو حنيفة على أن أشهد يمين ، ويجوز ~~أن يكون وصفا للمنافقين في استخفافهم بالإيمان ، فإن قيل : لم قالوا نشهد ، ~~ولم يقولوا : نشهد بالله كما قلتم ؟ أجاب بعضهم عن هذا بأنه في معنى الحلف ~~من المؤمن وهو في المتعارف إنما يكون بالله ، فلذلك أخبر بقوله : نشهد عن ~~قوله بالله . # وقوله تعالى : { فصدوا عن سبيل الله } أي أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله ~~تعالى ، وطاعة رسوله ، وقيل : صدوا ، أي صرفوا ومنعوا الضعفة عن اتباع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { ساء } أي بئس { ما كانوا يعملون } حيث آثروا ~~الكفر على الإيمان وأظهروا خلاف ما أضمروا مشاكلة للمسلمين . # وقوله تعالى : { ذلك بأنهم ءامنوا ثم كفروا } ذلك إشارة إلى قوله : { ساء ~~ما كانوا يعملون } قال مقاتل : ذلك الكذب بأنهم آمنوا في الظاهر ، ثم كفروا ~~في السر ، وفيه تأكيد لقوله : { والله يشهد إنهم لكاذبون } وقوله : { فطبع ~~على قلوبهم فهم لا يفقهون } لا يتدبرون ، ولا يستدلون بالدلائل الظاهرة . ~~قال ابن عباس : ختم على قلوبهم ، وقال مقاتل : طبع على قلوبهم بالكفر فهم ~~لا يفقهون القرآن ، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إنهم كانوا ~~يظنون أنهم على الحق ، فأخبر تعالى أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم ، ثم ~~في الآية مباحث : # البحث ms9063 الأول : أنه تعالى ذكر أفعال الكفرة من قبل ، ولم يقل : إنهم ساء ~~ما كانوا يعملون ، فلم قلنا هنا ؟ نقول : إن أفعالهم مقرونة بالأيمان ~~الكاذبة التي جعلوها جنة ، أي سترة لأموالهم ودمائهم عن أن يستبيحها ~~المسلمون كما مر . # / الثاني : المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم ، فما معنى ~~قوله تعالى : { ثم كفروا ثم } ؟ PageV30P013 نقول : قال في ( الكشاف ) ~~ثلاثة أوجه أحدها : { ءامنوا } نطقوا بكلمة الشهادة ، وفعلوا كما يفعل من ~~يدخل في الإسلام { ثم كفروا } ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وثانيها : { ءامنوا } ~~نطقوا بالإيمان عند المؤمنين { ثم كفروا } نطقوا بالكفر عند شياطينهم ~~استهزاء بالإسلام كقوله تعالى : { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا } ~~وثالثها : أن يراد أهل الذمة منهم . # الثالث : الطبع على القلوب لا يكون إلا من الله تعالى ، ولما طبع الله ~~على قلوبهم لا يمكنهم أن يتدبروا ويستدلوا بالدلائل ، ولو كان كذلك لكان ~~هذا حجة لهم على الله تعالى ، فيقولون : إعراضنا عن الحق لغفلتنا ، وغفلتنا ~~بسبب أنه تعالى طبع على قلوبنا ، فنقول : هذا الطبع من الله تعالى لسوء ~~أفعالهم ، وقصدهم الإعراض عن الحق ، فكأنه تعالى تركهم في أنفسهم الجاهلة ~~وأهوائهم الباطلة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب ~~مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون * ~~وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون * سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن ~~الله لا يهدى القوم الفاسقين } . > 7 ! # < < # | المنافقون : ( 4 ) وإذا رأيتهم تعجبك . . . . . # > > اعلم أن قوله تعالى : { وإذا رأيتهم } يعني عبد الله بن أبي ، ومغيث ~~بن قيس ، وجد بن قيس ، كانت لهم أجسام ومنظر ، تعجبك أجسامهم لحسنها ~~وجمالها ، وكان عبد الله بن أبي جسيما صبيحا فصيحا ، وإذا قال : سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم قوله ، وهو قوله تعالى : { وإن يقولوا تسمع لقولهم } أي ~~ويقولوا : إنك لرسول الله تسمع لقولهم ، وقرىء يسمع على البناء للمفعول ، ~~ثم شبههم بالخشب المسندة ، وفي ms9064 الخشب التخفيف كبدنة وبدن وأسد وأسد ، ~~والتثقيل كذلك كثمرة وثمر ، وخشبة / وخشب ، ومدرة ومدر . وهي قراءة ابن ~~عباس ، والتثقيل لغة أهل الحجاز ، والخشب لا تعقل ولا تفهم ، فكذلك أهل ~~النفاق كأنهم في ترك التفهم ، والاستبصار بمنزلة الخشب . وأما المسندة يقال ~~: سند إلى شيء ، أي مال إليه ، وأسنده إلى الشيء ، أي أماله فهو مسند ، ~~والتشديد للمبالغة ، وإنما وصف الخشب بها ، لأنها تشبه الأشجار القائمة ~~التي تنمو وتثمر بوجه ما ، ثم نسبهم إلى الجبن وعابهم به ، فقال : { يحسبون ~~كل صيحة عليهم هم العدو } وقال مقاتل : إذا نادى مناد في العسكر ، وانفلتت ~~دابة ، أو نشدت ضالة مثلا ظنوا أنهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب ، ~~وذلك لأنهم على وجل من أن يهتك الله أستارهم ، ويكشف أسرارهم ، يتوقعون ~~الإيقاع بهم ساعة فساعة ، ثم أعلم ( الله ) رسوله بعداوتهم فقال : { هم ~~العدو فاحذرهم } أن تأمنهم على السر ولا تلتفت إلى ظاهرهم فإنهم الكاملون ~~في العداوة بالنسبة إلى غيرهم وقوله تعالى : { قاتلهم الله أنى يؤفكون } ~~مفسر وهو دعاء عليهم PageV30P014 وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم وتعليم ~~للمؤمنين أن يدعوا بذلك ، و { أنى يؤفكون } أي يعدلون عن الحق تعجبا من ~~جهلهم وضلالتهم وظنهم الفاسد أنهم على الحق . # وقوله تعالى : { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله } قال الكلبي ~~: لما نزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم بصفة المنافقين مشى إليه ~~عشائرهم من المؤمنين وقالوا : لهم ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم ~~فأتوا رسول الله وتوبوا إليه من النفاق واسألوه أن يستغفر لكم ، فأبوا ذلك ~~وزهدوا في الاستغفار فنزلت ، وقال ابن عباس لما رجع عبد الله بن أبي من أحد ~~بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه وأسمعوه المكروه فقال له بنو أبيه : ~~لو أتيت رسول صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك ويرضى عنك ، فقال : لا أذهب ~~إليه ، ولا أريد أن يستغفر لي ، وجعل يلوي رأسه فنزلت . وعند الأكثرين ، ~~إنما دعى إلى الاستغفار لأنه قال : { ليخرجن الاعز منها الاذل } ( ~~المنافقون : 8 ) وقال : { لا تنفقوا على من عند ms9065 رسول الله } ( المنافقون : ~~7 ) فقيل له : تعال يستغفر لك رسول الله فقال : ماذا قلت : فذلك قوله تعالى ~~: { لووا رءوسهم } وقرىء : { لووا } بالتخفيف والتشديد للكثرة والكناية قد ~~تجعل جمعا والمقصود واحد وهو كثير في أشعار العرب قال جرير : # % لا بارك الله فيمن كان يحسبكم % % إلا على العهد حتى كان ما كانا % # وإنما خاطب بهذا امرأة وقوله تعالى : { ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون } أي ~~عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكر تعالى أن استغفاره لا ~~ينفعهم فقال : { سواء عليهم أستغفرت لهم } قال قتادة : نزلت هذه الآية بعد ~~قوله : { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } وذلك لأنها لما نزلت قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ( خيرني ربي فلأزيدنهم على السبعين ) فأنزل الله ~~تعالى : { لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدى القوم الفاسقين } قال ابن عباس ~~: المنافقين ، وقال قوم : فيه بيان أن الله تعالى يملك هداية وراء هداية ~~البيان ، وهي خلق فعل الاهتداء فيمن علم منه ذلك ، وقيل : معناه لا يهديهم ~~لفسقهم وقالت المعتزلة : لا يسميهم المهتدين إذا فسقوا وضلوا وفي الآية ~~مباحث : # / البحث الأول : لم شبههم بالخشب المسندة لا بغيره من الأشياء المنتفع ~~بها ؟ نقول لاشتمال هذا التشبيه على فوائد كثيرة لا توجد في الغير الأولى : ~~قال في ( الكشاف ) : شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان ~~والخير ، بالخشب المسندة إلى الحائط ، ولأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف ~~أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به ~~أسند إلى الحائط ، فشبهوا به في عدم الانتفاع ، ويجوز أن يراد بها الأصنام ~~المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحائط شبهوا بها في حسن صورهم ، وقلة ~~جداوهم الثانية : الخشب المسندة في الأصل كانت غصنا طريا يصلح لأن يكون من ~~الأشياء المنتفع بها ، ثم تصير غليظة يابسة ، والكافر والمنافق كذلك كان في ~~الأصل صالحا لكذا وكذا ، ثم يخرج عن تلك الصلاحية الثالثة : الكفرة من جنس ~~الإنس حطب ، كما قال تعالى : { حصب جهنم أنتم لها واردون } ( الأنبياء ms9066 : 98 ~~) والخشب المسندة حطب أيضا الرابعة : أن الخشب المسندة إلى الحائط أحد ~~طرفيها إلى جهة ، والآخر إلى جهة أخرى ، والمنافقون كذلك ، لأن المنافق أحد ~~طرفيه وهو الباطن إلى جهة أهل الكفر ، والطرف الآخر وهو الظاهر إلى جهة أهل ~~الإسلام الخامسة : المعتمد عليه الخشب المسندة ما يكون من الجمادات ~~والنباتات ، والمعتمد عليه للمنافقين كذلك ، وإذا كانوا من المشركين إذ هو ~~الأصنام ، إنها من الجمادات أو النباتات . # الثاني : من المباحث أنه تعالى شبهم بالخشب المسندة ، ثم قال من بعد ما ~~ينافي هذا التشبيه وهو PageV30P015 قوله تعالى : { يحسبون كل صيحة عليهم هم ~~العدو } ( المنافقون : 4 ) والخشب المسندة لا يحسبون أصلا ، نقول : لا يلزم ~~أن يكون المشبه والمشبه به يشتركان في جميع الأوصاف ، فهم كالخشب المسندة ~~بالنسبة إلى الانتفاع وعدم الانتفاع ، وليسوا كالخشب المسندة بالنسبة إلى ~~الاستماع وعدم الاستماع للصيحة وغيرها . # الثالث : قال تعالى : { إن الله لا يهدى القوم الفاسقين } ولم يقل : ~~القوم الكافرين أو المنافقين أو المستكبرين مع أن كل واحد منهم من جملة ما ~~سبق ذكره ؟ نقول : كل أحد من تلك الأقوام داخل تحت قوله : { الفاسقين } أي ~~الذين سبق ذكرهم وهم الكافرون والمنافقون والمستكبرون . # ! 7 < { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله ~~خزآئن السماوات والا رض ولاكن المنافقين لا يفقهون * يقولون لئن رجعنآ إلى ~~المدينة ليخرجن الا عز منها الا ذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولاكن ~~المنافقين لا يعلمون } . > 7 @QB@ < # | المنافقون : ( 7 - 8 ) هم الذين يقولون . . . . . # > > # / أخبر الله تعالى بشنيع مقالتهم فقال : { هم الذين يقولون } كذا وكذا : ~~{ * وينفضوا } أي يتفرقوا ، وقرىء : { حتى ينفضوا } من أنفض القوم إذا فنيت ~~أزوادهم ، قال المفسرون : اقتتل أجير عمر مع أجير عبد الله بن أبي في بعض ~~الغزوات فأسمع أجير عمر عبد الله بن أبي المكروه واشتد عليه لسانه ، فغضب ~~عبد الله وعنده رهط من قومه فقال : أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل ، يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم أقبل على قومه ms9067 فقال : لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء يعني المهاجرين لأوشكوا ~~أن يتحولوا عن دياركم وبلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد ~~فنزلت ، وقرىء : { ليخرجن } بفتح الياء ، وقرأ الحسن وابن أبي عيلة : { ~~لنخرجن } بالنون ونصب الأعز والأذل ، وقوله تعالى : { ولله خزائن * ~~السماوات والارض } قال مقاتل : يعني مفاتيح الرزق والمطر والنبات ، والمعنى ~~أن الله هو الرزاق : { قل من يرزقكم من السماء والارض } ( يونس : 31 ) وقال ~~أهل المعاني : خزائن الله تعالى مقدوراته لأن فيها كل ما يشاء مما يريد ~~إخراجه ، وقال الجنيد : خزائن الله تعالى في السموات الغيوب وفي الأرض ~~القلوب وهو علام الغيوب ومقلب القلوب ، وقوله تعالى : { ولاكن المنافقين لا ~~يفقهون } أي لا يفقهون أن : { أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( ~~يس : 82 ) وقوله يقولون : { لئن رجعنا } أي من تلك الغزوة وهي غزوة بني ~~المصطلق إلى المدينة فرد الله تعالى عليه وقال : { ولله العزة } أي الغلبة ~~والقوة ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين وعزهم بنصرته إياهم ~~وإظهار دينهم على سائر الأديان وأعلم رسوله بذلك ولكن المنافقين لا يعلمون ~~ذلك ولو علموه ما قالوا : مقالتهم هذه ، قال صاحب ( الكشاف ) : { ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين } وهم الأخصاء بذلك كما أن المذلة والهوان للشيطان ~~وذويه من الكافرين والمنافقين ، وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست ~~على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه ، والغنى الذي لا فقر معه ، وعن الحسن ~~بن علي رضي الله عنهما أن رجلا قال له : إن الناس يزعمون أن PageV30P016 ~~فيك تيها قال : ليس بتيه ولكنه عزة فإن هذا العز الذي لا ذل معه والغنى ~~الذي لا فقر معه ، وتلا هذه الآية قال بعض العارفين في تحقيق هذا المعنى : ~~العزة غير الكبر ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه ، فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة ~~نفسه وإكرامها عن أن يضعها لأقسام عاجلة دنيوية كما أن الكبر جهل الإنسان ~~بنفسه وإنزالها فوق منزلها فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة ، وتختلف من ~~حيث الحقيقة كاشتباه التواضع بالضعة والتواضع محمود ، والضعة مذمومة ms9068 ، ~~والكبر مذموم ، والعزة محمودة ، ولما كانت غير مذمومة وفيها مشاكلة للكبر ، ~~قال تعالى : { ذلكم بما كنتم * تستكبرون فى الارض بغير الحق } وفيه إشارة / ~~خفية لإثبات العزة بالحق ، والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الضعة ~~وقوف على صراط العزة المنصوب على متن نار الكبر / فإن قيل : قال في الآية ~~الأولى : { لا يفقهون } وفي الأخرى { لا يعلمون } فما الحكمة فيه ؟ فنقول : ~~ليعلم بالأول قلة كياستهم وفهمهم ، وبالثاني كثرة حماقتهم وجهلهم ، ولا ~~يفقهون من فقه يفقه ، كعلم يعلم ، ومن فقه يفقه : كعظم يعظم ، والأول لحصول ~~الفقه بالتكلف والثاني لا بالتكلف ، فالأول علاجي ، والثاني مزاجي . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ~~ومن يفعل ذلك فأولائك هم الخاسرون * وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتى ~~أحدكم الموت فيقول رب لولاأخرتنىإلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن ~~يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ والله خبير بما تعملون } . > 7 ! # { < < # | المنافقون : ( 9 ) يا أيها الذين . . . . . # > > لا تلهكم } لا تشغلكم كما شغلت المنافقين ، وقد اختلف المفسرون منهم ~~من قال : نزلت في حق المنافقين ، ومنهم من قال في حق المؤمنين ، وقوله : { ~~عن ذكر الله } عن فرائض الله تعالى نحو الصلاة والزكاة والحج أو عن طاعة ~~الله تعالى وقال الضحاك : الصلوات الخمس ، وعند مقاتل : هذه الآية وما ~~بعدها خطاب للمنافقين الذين أفروا بالإيمان { ومن يفعل ذالك } أي ألهاه ~~ماله وولده عن ذكر الله { فأولئك هم الخاسرون } أي في تجارتهم حيث باعوا ~~الشريف الباقي بالخسيس الفاني وقيل : هم الخاسرون في إنكار ما قال به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد والبعث . # وقال الكلبي : الجهاد ، وقيل : هو القرآن وقيل : هو النظر في القرآن ~~والتفكر والتأمل فيه { وأنفقوا مما * رزقناكم } قال ابن عباس يريد زكاة ~~المال ومن للتبعيض ، وقيل : المراد هو الإنفاق الواجب { من قبل أن يأتى ~~أحدكم الموت } أي دلائل الموت وعلاماته فيسأل الرجعة إلى الدنيا وهو قوله : ~~{ رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب } وقيل حضهم على ms9069 إدامة الذكر ، وأن لا يضنوا ~~بالأموال ، أي هلا أمهلتني وأخرت أجلي إلى زمان PageV30P017 قليل ، وهو ~~الزيادة في أجله حتى يتصدق ويتزكى وهو / قوله تعالى : { فأصدق وأكن من ~~الصالحين } قال ابن عباس هذا دليل على أن القوم لم يكونوا مؤمنين إذ المؤمن ~~لا يسأل الرجعة . وقال الضحاك : لا ينزل بأحد لم يحج ولم يؤد الزكاة الموت ~~إلا وسأل الرجعة وقرأ هذه الآية ، وقال صاحب ( الكشاف ) : من قبل أن يعاين ~~ما ييأس معه من الإمهال ويضيق به الخناق ويتعذر عليه الإنفاق ، ويفوت وقت ~~القبول فيتحسر على المنع ويعض أنامله على فقد ما كان متمكنا منه ، وعن ابن ~~عباس تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل ~~وقوله : { وأكن من الصالحين } قال ابن عباس : أحج وقرىء فأكون وهو على لفظ ~~فأصدق وأكون ، قال المبرد : وأكون على ما قبله لأن قوله : { فأصدق } جواب ~~للاستفهام الذي فيه التمني والجزم على موضع الفاء ، وقرأ أبي فأتصدق على ~~الأصل وأكن عطفا على موضع فأصدق : وأنشد سيبويه أبياتا كثيرة في الحمل على ~~الموضع منها : # % معاوى إننا بشر فأسجح % % فلسنا بالجبال ولا الحديدا % # فنصب الحديد عطفا على المحل والباء في قوله : بالجبال ، للتأكيد لا لمعنى ~~مستقبل يجوز حذفه وعكسه قول ابن أبي سلمى : # % بدا لي أني لست مدرك ماضي % % ولا سابق شيئا إذا كان جاثيا % # توهم أنه قال بمدرك فعطف عليه قوله سابق ، عطفا على المفهوم ، وأما قراءة ~~أبي عمرو { * وأكون } فإنه حمله على اللفظ دون المعنى ، ثم أخبر تعالى أنه ~~لا يؤخر من انقضت مدته وحضر أجله فقال : { الصالحين ولن يؤخر الله نفسا } ~~يعني عن الموت إذا جاء أجلها / قال في ( الكشاف ) : هذا نفي للتأخير على ~~وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي ، وبالجملة فقوله : { لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم } تنبيه على الذكر قبل الموت : { وأنفقوا مما * ~~رزقناكم } تنبيه على الشكر لذلك وقوله تعالى : { والله خبير بما تعملون } ~~أي لو رد إلى الدنيا ما زكى ولا حج ، ويكون هذا كقوله : { ولو ردوا لعادوا ~~لما ms9070 نهوا عنه } ( الأنعام : 28 ) والمفسرون على أن هذا خطاب جامع لكل عمل ~~خيرا أو شرا وقرأ عاصم يعملون بالياء على قوله : { ولن يؤخر الله نفسا } ~~لأن النفس وإن كان واحدا في اللفظ ، فالمراد به الكثير فحمل على المعنى ~~والله أعلم وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . # PageV30P018 < # > 1 ( سورة التغابن ) 1 < # > # ثمان عشرة آية مكية # ! 7 < { يسبح لله ما فى السماوات وما فى الا رض له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شىء قدير } . > 7 ! # / < < # | التغابن : ( 1 ) يسبح لله ما . . . . . # > > وجه التعلق بما قبلها ظاهر لما أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين ~~وهذه السورة للمنافقين الصادقين ، وأيضا تلك السورة مشتملة على بطالة أهل ~~النفاق سرا وعلانية ، وهذه السورة على ما هو التهديد البالغ لهم ، وهو قوله ~~تعالى : { يعلم ما فى * السماوات والارض * ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله ~~عليم بذات الصدور } وأما الأول بالآخر فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على ~~الذكر والشكر كما مر ، وفي أول هذه إشارة إلى أنهم إن أعرضوا عن الذكر ~~والشكر ، قلنا : من الخلق قوم يواظبون على الذكر والشكر دائما ، وهم الذين ~~يسبحون ، كما قال تعالى : { يسبح لله ما فى * السماوات وما في الارض } ، ~~وقوله تعالى : { له الملك وله الحمد } معناه إذا سبح لله ما في السموات وما ~~في الأرض فله الملك وله الحمد ، ولما كان له الملك فهو متصرف في ملكه ~~والتصرف مفتقر إلى القدرة فقال : { والله على كل شيء قدير } وقال في ( ~~الكشاف ) : قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله ~~تعالى وذلك لأن الملك في الحقيقة له لأنه مبدىء لكل شيء ومبدعه والقائم به ~~والمهيمن عليه ، كذلك الحمد فإن أصول النعم وفروعها منه ، وأما ملك غيره ~~فتسليط منه واسترعاء ، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده ، وقوله ~~تعالى : { وهو على كل شىء قدير } قيل : معناه وهو على كل شيء أراده قدير ، ~~وقيل : قدير يفعل ما يشاء بقدر ما يشاء لا يزيد عليه ولا ينقص . وقد مر ذلك ~~، وفي الآية ms9071 مباحث : # الأول : أنه تعالى قال في الحديد : { سبح } ( الحديد : ) والحشر والصف ~~كذلك ، وفي الجمعة والتغابن { يسبح لله } فما الحكمة فيه ؟ نقول : الجواب ~~عنه قد تقدم . # البحث الثاني : قال في موضع : { سبح لله ما فى * السماوات وما في الارض } ~~( الحشر : 1 ) وفي موضع PageV30P019 / آخر { سبح لله ما فى * السماوات ~~والارض } ( الحديد : 1 ) فما الحكمة فيه ؟ قلنا : الحكمة لا بد منها ، ولا ~~نعلمها كما هي ، لكن نقول : ما يخطر بالبال ، وهو أن مجموع السموات والأرض ~~شيء واحد ، وهو عالم مؤلف من الأجسام الفلكية والعنصرية ، ثم الأرض من هذا ~~المجموع شيء والباقي منه شيء آخر ، فقوله تعالى : { يسبح لله ما فى * ~~السماوات وما في الارض } بالنسبة إلى هذا الجزء من المجموع وبالنسبة إلى ~~ذلك الجزء منه كذلك ، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال ، قال تعالى في بعض ~~السور كذا وفي البعض هذا ليعلم أن هذا العالم الجسماني من وجه شيء واحد ، ~~ومن وجه شيئان بل أشياء كثيرة ، والخلق في المجموع غير ما في هذا الجزء ، ~~وغير ما في ذلك أيضا ولا يلزم من وجود الشيء في المجموع أن يوجد في كل جزء ~~من أجزائه إلا بدليل منفصل ، فقوله تعالى : { سبح لله ما فى * السماوات وما ~~في الارض } على سبيل المبالغة من جملة ذلك الدليل لما أنه يدل على تسبيح ما ~~في السموات وعلى تسبيح ما في الأرض ، كذلك بخلاف قوله تعالى : { سبح لله ما ~~فى * السماوات والارض } . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { هو الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير * ~~خلق السماوات والا رض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير * يعلم ما فى ~~السماوات والا رض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } . > ~~7 ! # < < # | التغابن : ( 2 ) هو الذي خلقكم . . . . . # > > قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه تعالى خلق بني آدم مؤمنا وكافرا ، ~~ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا ، وقال عطاء : إنه يريد ~~فمنكم مصدق ، ومنكم جاحد ، وقال الضحاك : مؤمن في العلانية كافر في السر ~~كالمنافق ms9072 ، وكافر في العلانية مؤمن في السر كعمار بن ياسر ، قال الله تعالى ~~: { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ( النحل : 106 ) وقال الزجاج : ~~فمنكم كافر بأنه تعالى خلقه ، وهو من أهل الطبائع والدهرية ، ومنكم مؤمن ~~بأنه تعالى خلقه كما قال : { قتل الإنسان ما أكفره * من أى شىء خلقه } ( ~~عيس : 17 ، 18 ) وقال : { أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة } ( الكهف : ~~37 ) وقال أبو إسحاق : خلقكم في بطون أمهاتكم كفارا ومؤمنين ، وجاء في بعض ~~التفاسير أن يحي خلق في بطن أمه مؤمنا وفرعون خلق في بطن أمه كافرا ، دل ~~عليه قوله تعالى : { أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله } وقوله ~~تعالى : { والله بما تعملون بصير } أي عالم بكفركم / وإيمانكم اللذين من ~~أعمالكم ، والمعنى أنه تعالى تفضل عليكم بأصل النعم التي هي الخلق فأنظروا ~~النظر الصحيح وكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين ، فما فعلتم مع تمكنكم بل تفرقتم ~~فرقا فمنكم كافر ومنكم مؤمن وقوله تعالى : { خلق * السماوات والارض بالحق } ~~أي بالإرادة القديمة على وفق الحكمة ، ومنهم من قال : بالحق ، أي للحق ، ~~وهو البعث ، وقوله : { وصوركم فأحسن صوركم } يحتمل وجهين أحدهما : أحسن أي ~~أتقن وأحكم على وجه لا يوجد بذلك الوجه في الغير ، وكيف يوجد وقد وجد في ~~أنفسهم من القوى الدالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته دلالة مخصوصة لحسن ~~هذه الصورة وثانيهما : أن نصرف الحسن إلى حسن المنظر ، فإن من نظر في قد ~~الإنسان وقامته وبالنسبة بين أعضائه فقد علم أن صورته أحسن صورة وقوله ~~تعالى : { وإليه المصير } أي البعث وإنما أضافه PageV30P020 إلى نفسه لأنه ~~هو النهاية في خلقهم والمقصود منه ، ثم قال تعالى : { وصوركم فأحسن صوركم } ~~لأنه لا يلزم من خلق الشيء أن يكون مصورا بالصورة ، ولا يلزم من الصورة أن ~~تكون على أحسن الصور ، ثم قال : { وإليه المصير } أي المرجع ليس إلا له ، ~~وقوله تعالى : { يعلم ما فى * السماوات والارض * ويعلم ما تسرون وما تعلنون ~~والله عليم بذات الصدور } نبه بعلمه ما في السموات والأرض ، ثم بعلمه ما ~~يسره العباد وما ms9073 يعلنونه ، ثم بعلمه ما في الصدور من الكليات والجزئيات على ~~أنه لا يخفى عليه شيء لما أنه تعالى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة ألبتة أزلا ~~وأبدا ، وفي الآية مباحث : # الأول : أنه تعالى حكيم ، وقد سبق في علمه أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا ~~الكفر ، والإصرار عليه فأي حكمة دعته إلى خلقهم ؟ نقول : إذا علمنا أنه ~~تعالى حكيم ، علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة ، وخلق هذه الطائفة فعله ~~، فيكون على وفق الحكمة ، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك بل ~~اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة . # الثاني : قال : { وصوركم فأحسن صوركم } وقد كان من أفراد هذا النوع من ~~كان مشوه الصورة سمج الخلقة ؟ نقول : لا سماجة ثمة لكن الحسن كغيره من ~~المعاني على طبقات ومراتب فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا ~~بينا لا يظهر حسنه ، وإلا فهو داخل في حيز الحسن غير خارج عن حده . # الثالث : قوله تعالى : { وإليه المصير } يوهم الانتقال من جانب إلى جانب ~~، وذلك لا يمكن إلا أن يكون الله في جانب ، فكيف هو ؟ قلت : ذلك الوهم ~~بالنسبة إلينا وإلى زماننا لا بالنسبة إلى ما يكون في نفس الأمر ، فإن نفس ~~الأمر بمعزل عن حقيقة الانتقال من جانب إلى جانب إذا كان المنتقل إليه ~~منزها عن الجانب وعن الجهة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب ~~أليم * ذالك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا ~~وتولوا واستغنى الله والله غنى حميد * زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى ~~وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير } . > 7 @QB@ < # | التغابن : ( 5 - 7 ) ألم يأتكم نبأ . . . . . # > > # / اعلم أن قوله : { ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا } خطاب لكفار مكة وذلك ~~إشارة إلى الويل الذي ذاقوه في الدنيا وإلى ما أعد لهم من العذاب في الآخرة ~~. فقوله : { فذاقوا وبال أمرهم } أي شدة أمرهم مثل قوله : { ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم } وقوله ms9074 : { ذالك بأنه } أي بأن الشأن والحديث أنكروا أن ~~يكون الرسول بشرا . ولم ينكروا أن يكون معبودهم حجرا فكفروا وتولوا ، ~~وكفروا بالرسل وأعرضوا واستغنى الله عن طاعتهم وعبادتهم من الأزل ، وقوله ~~تعالى : { والله غنى حميد } من جملة ما سبق ، والحميد بمعنى المحمود أي ~~المستحق للحمد بذاته ويكون بمعنى الحامد ، وقوله تعالى : { زعم الذين كفروا ~~} قال في ( الكشاف ) : الزعيم PageV30P021 ادعاء العلم ، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ( زعموا مطية الكذب ) وعن شريح لكل شيء كنية وكنية الكذب ~~زعموا ، ويتعدى إلى مفعولين ، تعدى ، العلم ، قال الشاعر : # % ولم أزعمك عن ذلك معزولا % % # والذين كفروا هم أهل مكة { بلى } إثبات لما بعد أن وهو البعث وقيل : قوله ~~تعالى : { قل بلى وربى } يحتمل أن يكون تعليما للرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~أي يعلمه القسم تأكيدا لما كان يخبر عن البعث وكذلك جميع القسم في القرآن ~~وقوله تعالى : { وذلك على الله يسير } أي لا يصرفه صارف ، وقيل : إن أمر ~~البعث على الله يسير ، لأنهم أنكروا البعث بعد أن صاروا ترابا ، فأخبر أن ~~إعادتهم أهون في العقول من إنشائهم ، وفي الآية مباحث . # الأول : قوله : { فكفروا } يتضمن قوله : { وتولوا } فما الحاجة إلى ذكره ~~؟ نقول : إنهم كفروا وقالوا : { أبشر يهدوننا } وهذا في معنى الإنكار ~~والإعراض بالكلية ، وذلك هو التولي ، فكأنهم كفروا وقالوا قولا يدل على ~~التولي ، ولهذا قال : { فكفروا وتولوا } . # الثاني : قوله : { وتولوا واستغنى الله } يوهم وجود التولي والاستغناء ~~معا ، والله تعالى لم يزل غنيا ، قال في ( الكشاف ) : معناه أنه ظهر ~~استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ، ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ~~ذلك . # الثالث : كيف يفيد القسم في إخباره عن البعث وهم قد أنكروا رسالته . نقول ~~: إنهم / وإن أنكروا الرسالة لكنهم يعتقدون أنه يعتقد ربه اعتقادا لا مزيد ~~عليه فيعلمون أنه لا يقدم على القسم بربه إلا وأن يكون صدق هذا الإخبار ~~أظهر من الشمس عنده وفي اعتقاده ، والفائدة في الإخبار مع القسم ليس إلا ~~هذا ، ثم إنه أكد الخبر باللام والنون فكأنه قسم بعد قسم . # ولما بالغ ms9075 في الإخبار عن البعث والاعتراف بالبعث من لوازم الإيمان قال : # ! 7 < { فأامنوا بالله ورسوله والنور الذىأنزلنا والله بما تعملون خبير * ~~يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر ~~عنه سيئاته ويدخله جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز ~~العظيم * والذين كفروا وكذبوا بأاياتنآ أولائك أصحاب النار خالدين فيها ~~وبئس المصير } . > 7 ! # < < # | التغابن : ( 8 ) فآمنوا بالله ورسوله . . . . . # > > قوله : { فئامنوا } يجوز أن يكون صلة لما تقدم لأنه تعالى لما ذكر ما ~~نزل من العقوبة بالأمم الماضية ، وذلك لكفرهم بالله وتكذيب الرسل قال : { ~~فئامنوا } أنتم { بالله ورسوله } لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من العقوبة { ~~والنور الذى أنزلنا } وهو القرآن فإنه يهتدى به في الشبهات كما يهتدى ~~بالنور في الظلمات ، وإنما ذكر النور الذي هو القرآن لما أنه مشتمل على ~~الدلالات الظاهرة على البعث ، ثم ذكر في ( الكشاف ) أنه عنى برسوله ~~PageV30P022 والنور محمدا صلى الله عليه وسلم والقرآن { والله بما تعملون ~~خبير } أي بما تسرون وما تعلنون فراقبوه وخافوه في الحالين جميعا وقوله ~~تعالى : { يوم يجمعكم ليوم الجمع } يريد به يوم القيامة جمع فيه أهل ~~السموات وأهل الأرض ، و { ذلك يوم التغابن } والتغابن تفاعل من الغبن في ~~المجازاة والتجارات ، يقال : غبنه يغبنه غبنا إذا أخذ الشيء منه بدون قيمته ~~، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن قوما في النار يعذبون وقوما في الجنة ~~يتنعمون ، وقيل : هو يوم يغبن فيه أهل الحق ، أهل الباطل ، وأهل الهدى أهل ~~الضلالة ، وأهل الإيمان . أهل الكفر ، فلا غبن أبين من هذا ، وفي الجملة ~~فالغبن في البيع والشراء وقد ذكر تعالى في حق الكافرين أنهم اشتروا الحياة ~~/ الدنيا بالآخرة واشتروا الضلالة بالهدى ، ثم ذكر أنهم ما ربحت تجارتهم ~~ودل المؤمنين على تجارة رابحة ، فقال : { هل أدلكم على تجارة } ( الصف : 10 ~~) الآية ، وذكر أنهم باعوا أنفسهم بالجنة فخسرت صفقة الكفار وربحت صفقة ~~المؤمنين ، وقوله تعالى : { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا } يؤمن بالله على ~~ما جاءت به الرسل من الحشر والنشر والجنة ms9076 والنار وغير ذلك ، ويعمل صالحا أي ~~يعمل في إيمانه صالحا إلى أن يموت ، قرىء يجمعكم ويكفر ويدخل بالياء والنون ~~، وقوله : { والذين كفروا } أي بوحدانية الله تعالى وبقدرته { وكذبوا ~~بئاياتنا } أي بآياته الدالة على البعث { أولئك أصحاب النار خالدين فيها ~~وبئس المصير } ثم في الآية مباحث : # الأول : قال : { قل ياأيها الناس } بطريق الإضافة ، ولم يقل : ونوره الذي ~~أنزلنا بطريق الإضافة مع أن النور ههنا هو القرآن والقرآن كلامه ومضاف إليه ~~؟ نقول : الألف واللام في النور بمعنى الإضافة كأنه قال : ورسوله ونوره ~~الذي أنزلنا . # الثاني : بم انتصب الظرف ؟ نقول : قال الزجاج : بقوله : { لتبعثن } وفي ( ~~الكشاف ) بقوله : { لتنبؤن } أو بخبير لما فيه من معنى الوعيد . كأنه قيل : ~~والله معاقبكم يوم يجمعكم أو بإضمار اذكر . # الثالث : قال تعالى في الإيمان : { ومن يؤمن بالله } بلفظ المستقبل ، وفي ~~الكفر وقال : { والذين كفروا } بلفظ الماضي ، فنقول : تقدير الكلام : ومن ~~يؤمن بالله من الذين كفروا وكذبوا بآيتاتنا يدخله جنات ومن لم يؤمن منهم ~~أولئك أصحاب النار . # الرابع : قال تعالى : { ومن يؤمن } بلفظ الواحد و { خالدين فيها } بلفظ ~~الجمع ، نقول : ذلك بحسب اللفظ ، وهذا بحسب المعنى . # الخامس : ما الحكمة في قوله : { وبئس المصير } بعد قوله : { خالدين فيها ~~} وذلك بئس المصير فنقول : ذلك وإن كان في معناه فلا يدل عليه بطريق ~~التصريح فالتصريح مما يؤكده . PageV30P023 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله ~~بكل شىء عليم * وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين * الله لا إلاه إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون } . > 7 ~~@QB@ < # | التغابن : ( 11 - 13 ) ما أصاب من . . . . . # > > # قوله تعالى : { إلا بإذن الله } أي بأمر الله قاله الحسن ، وقيل : بتقدير ~~الله وقضائه ، وقيل : بإرادة / الله تعالى ومشيئته ، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : بعلمه وقضائه وقوله تعالى : { يهد قلبه } أي عند المصيبة أو ~~عند الموت أو المرض أو الفقر أو القحط ، ونحو ذلك فيعلم أنها من الله تعالى ~~فيسلم لقضاء الله تعالى ويسترجع ، فذلك قوله ms9077 : { يهد قلبه } أي للتسليم ~~لأمر الله ، ونظيره قوله : { الذين إذا أصابتهم مصيبة } إلى قوله : { ~~أولائك هم * المهتدون } ( البقرة : 156 ، 157 ) ، قال أهل المعاني : يهد ~~قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء ، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله ~~عنهما يهد قلبه إلى ما يحب ويرضى وقرىء { أغفلنا قلبه } بالنون وعن عكرمة { ~~يهد قلبه } بفتح الدال وضم الياء ، وقرىء { * يهدأ } قال الزجاج : هدأ قلبه ~~يهدأ إذا سكن ، والقلب بالرفع والنصب ووجه النصب أن يكون مثل { من سفه نفسه ~~} ( البقرة : 130 ) { والله بكل شيء عليم } يحتمل أن يكون إشارة إلى ~~اطمئنان القلب عند المصيبة ، وقيل : عليم بتصديق من صدق رسوله فمن صدقه فقد ~~هدى قلبه : { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } فيما جاء به من عند الله يعني ~~هونوا المصائب والنوازل واتبعوا الأوامر الصادرة من الله تعالى ، ومن ~~الرسول فيما دعاكم إليه . # وقوله : { فإن توليتم } أي عن إجابة الرسول فيما دعاكم إليه { فإنما على ~~رسولنا البلاغ المبين } الظاهر والبيان البائن ، وقوله : { الله لا إلاه ~~إلا هو } يحتمل أن يكون هذا من جملة ما تقدم من الأوصاف الحميدة لحضرة الله ~~تعالى من قوله : { له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير } ( التغابن : 1 ~~) فإن من كان موصوفا بهذه الصفات ونحوها : { فهو * الذى لا إلاه إلا هو } ~~أي لا معبود إلا هو ولا مقصود إلا هو عليه التوكل في كل باب ، وإليه المرجع ~~والمآب ، وقوله : { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } بيان أن المؤمن لا يعتمد ~~إلا عليه ، ولا يتقوى إلا به لما أنه يعتقد أن القادر بالحقيقة ليس إلا هو ~~، وقال في ( الكشاف ) : هذا بعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم على التوكل ~~عليه والتقوى به في أمره حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه ، فإن قيل : كيف ~~يتعلق { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } بما قبله ويتصل به ؟ نقول : ~~يتعلق بقوله تعالى : { قل ياأيها الناس } ( التغابن : 8 ) لما أن من يؤمن ~~بالله فيصدقه يعلم ألا تصيبه مصيبة إلا بإذن الله . PageV30P024 # [ بم ثم قال تعالى ms9078 : # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ~~وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم * إنمآ أموالكم وأولادكم ~~فتنة والله عنده أجر عظيم * فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ~~وأنفقوا خيرا لانفسكم ومن يوق شح نفسه فأولائك هم المفلحون } . > 7 ! # / < < # | التغابن : ( 14 ) يا أيها الذين . . . . . # > > قال الكلبي : كان الرجل إذا أراد الهجرة تعلق به بنوه وزوجته فقالوا ~~: أنت تذهب وتذرنا ضائعين فمنهم من يطيع أهله ويقيم فحذرهم الله طاعة ~~نسائهم وأولادهم ، ومنهم من لا يطيع ويقول : أما والله لو لم نهاجر ويجمع ~~الله بيننا وبينكم في دار الهجرة لا ننفعكم شيئا أبدا ، فلما جمع الله ~~بينهم أمرهم أن ينفقوا ويحسنوا ويتفضلوا ، وقال مسلم الخراساني : نزلت في ~~عوف بن مالك الأشجعي كان أهله وولده يثبطونه عن الهجرة والجهاد ، وسئل ابن ~~عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية ، فقال : هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا ~~وأرادوا أن يأتوا المدينة فلم يدعهم أزواجهم وأولادهم فهو قوله : عدوا لكم ~~فاحذروهم أن تطيعوا وتدعوا الهجرة ، وقوله تعالى : { وإن تعفوا وتصفحوا } ~~قال هو أن الرجل من هؤلاء إذا هاجر ورأى الناس قد سبقوا بالهجرة وفقهوا في ~~الدين هم أن يعاقب زوجته وولده الذين منعوه الهجرة وإن لحقوا به في دار ~~الهجرة لم ينفق عليهم ، ولم يصبهم بخير فنزل : { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا ~~} الآية ، يعني أن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ، ينهون عن الإسلام ~~ويثبطون عنه وهم من الكفار فاحذروهم ، فظهر أن هذه العداوة إنما هي للكفر ~~والنهي عن الإيمان ، ولا تكون بين المؤمنين فأزواجهم وأولادهم المؤمنون لا ~~يكونون عدوا لهم ، وفي هؤلاء الأزواج والأولاد الذين منعوا عن الهجرة نزل : ~~{ إنما أموالكم وأولادكم فتنة } قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا تطيعوهم ~~في معصية الله تعالى وفتنة أي بلاء وشغل عن الآخرة ، وقيل : أعلم الله ~~تعالى أن الأموال والأولاد من جميع ما يقع بهم في الفتنة وهذا عام يعم جميع ~~الأولاد ، فإن الإنسان مفتون بولده لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه وباشر ~~الفعل ms9079 الحرام لأجله ، كغصب مال الغير وغيره : { والله عنده أجر عظيم } أي ~~جزيل ، وهو الجنة أخبر أن عنده أجرا عظيما ليتحملوا المؤونة العظيمة ، ~~والمعنى لا تباشروا المعاصي بسبب الأولاد ولا تؤثروهم على ما عند الله من ~~الأجر العظيم . وقوله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } قال مقاتل : أي ~~ما أطقتم يجتهد المؤمن في تقوى الله ما استطاع ، قال قتادة : نسخت هذه ~~الآية قوله تعالى : { اتقوا الله حق تقاته } ( آل عمران : 102 ) ومنهم من ~~طعن فيه وقال : لا يصح لأن قوله تعالى : { اتقوا الله حق تقاته } لا يراد ~~به الاتقاء فيما لا يستطيعون لأنه فوق الطاقة والاستطاعة ، وقوله : { * ~~اسمعوا } أي لله ولرسوله ولكتابه وقيل : لما أمركم الله ورسوله به { الله ~~وأطيعوا } الله فيما يأمركم { وأنفقوا } من أموالكم في حق الله خيرا ~~لأنفسكم ، والنصب بقوله : { وأنفقوا } كأنه قيل : وقدموا خيرا لأنفسكم ، ~~وهو / كقوله : { يأيها الناس قد } ( النساء : 170 ) وقوله تعالى : { ومن ~~يوق شح نفسه } الشح هو البخل ، وإنه يعم المال وغيره ، يقال : فلان شحيح ~~بالمال وشحيح بالجاه وشحيح بالمعروف ، وقيل : يوق ظلم نفسه فالشح هو الظلم ~~/ ومن كان بمعزل عن الشح فذلك من أهل الفلاح فإن قيل : { إنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة } ، يدل على أن الأموال والأولاد كلها من الأعداء و { إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم } يدل على أن بعضهم من الأعداء دون البعض ، ~~فنقول : هذا في حيز المنع فإنه لا يلزم أن يكون البعض من المجموع الذي مر ~~ذكره من الأولاد يعني من الأولاد من يمنع ومنهم من لا يمنع ، فيكون البعض ~~منهم عدوا دون البعض . PageV30P025 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم ~~* عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم } . > 7 @QB@ < # | التغابن : ( 17 - 18 ) إن تقرضوا الله . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { إن تقرضوا الله قرضا حسنا } أي إن تنفقوا في طاعة الله ~~متقاربين إليه يجزكم بالضعف لما أنه شكور يحب المتقربين إلى حضرته حليم لا ~~يعجل بالعقوبة غفور يغفر لكم ، والقرض الحسن عند بعضهم هو التصدق ms9080 من الحلال ~~، وقيل : هو التصدق بطيبة نفسه ، والقرض هو الذي يرجى مثله وهو الثواب مثل ~~الإنفاق في سبيل الله ، وقال في ( الكشاف ) : ذكر القرض تلطف في الاستدعاء ~~وقوله : { يضاعفه لكم } أي يكتب لكم بالواحدة عشرة وسبعمائة إلى ما شاء من ~~الزيادة وقرىء ( يضعفه ) { شكور } مجاز أي يفعل بكم ما يفعل المبالغ في ~~الشكر من عظيم الثواب وكذلك حليم يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسيء فلا ~~يعاجلكم بالعذاب مع كثرة ذنوبكم ، ثم لقائل أن يقول : هذه الأفعال مفتقرة ~~إلى العلم والقدرة ، والله تعالى ذكر العلم دون القدرة فقال : { عالم الغيب ~~} ، فنقول قوله : { العزيز } يدل على القدرة من عز إذا غلب و { الحكيم } ~~على الحكمة ، وقيل : العزيز الذي لا يعجزه شيء ، والحكيم الذي لا يلحقه ~~الخطأ في التدبير ، والله تعالى كذلك فيكون عالما قادرا حكيما جل ثناؤه ~~وعظم كبرياؤه ، والله أعلم بالصواب ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة ~~والسلام على سيد المرسلين ، وخاتم النبيين سيدنا محمد وآله وسلم تسليما ~~كثيرا . # PageV30P026 < # > 1 ( سورة الطلاق ) 1 < # > # إثنتا عشرة آية مدنية # ! 7 < { ياأيها النبى إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ~~واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا } . > 7 @QB@ < # | الطلاق : ( 1 ) يا أيها النبي . . . . . # > > # / { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة } ~~. # أما التعلق بما قبلها فذلك أنه تعالى قال في أول تلك السورة : { له الملك ~~وله الحمد وهو على كل شىء قدير } ( التغابن : 1 ) والملك يفتقر إلى التصرف ~~على وجه يحصل منه نظام الملك ، والحمد يفتقر إلى أن ذلك التصرف بطريق العدل ~~والإحسان في حق المتصرف فيه وبالقدرة على من يمنعه عن التصرف وتقرير ~~الأحكام في هذه السورة متضمن لهذه الأمور المفتقرة إليها تضمنا لا يفتقر ~~إلى التأمل فيه ، فيكون لهذه السورة نسبة إلى تلك السورة ، وأما الأول ~~بالآخر فلأنه تعالى أشار في آخر تلك السورة ms9081 إلى كمال علمه بقوله : { عالم ~~الغيب } ( التغابن : 18 ) وفي أول هذه السورة إلى كمال علمه بمصالح النساء ~~وبالأحكام المخصوصة بطلاقهن ، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات ، وقوله : ~~{ الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فأتت إلى أهلها فنزلت ، وقيل : راجعها فإنها ~~صوامة قوامة وعلى هذا إنما نزلت الآية بسبب خروجها إلى أهلها لما طلقها ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله في هذه الآية : { ولا يخرجن من بيوتهن ~~} وقال الكلبي : إنه عليه السلام غضب على حفصة لما أسر إليها حديثا فأظهرته ~~لعائشة فطلقها تطليقة فنزلت ، وقال السدي : نزلت في عبد الله بن عمر لما ~~طلق امرأته حائضا والقصة في ذلك مشهورة وقال مقاتل : إن رجالا فعلوا مثل ما ~~فعل ابن عمر ، وهم عمرو بن سعيد بن العاص وعتبة بن غزوان فنزلت فيهم ، وفي ~~قوله تعالى : { الحكيم يأيها النبى إذا طلقتم النساء } وجهان أحدهما : أنه ~~نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثم خاطب أمته لما أنه سيدهم وقدوتهم ، فإذا ~~خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب . قال أبو إسحق : هذا خطاب ~~النبي عليه السلام ، والمؤمنون داخلون معه في الخطاب وثانيهما : أن المعنى ~~يا أيها النبي قل لهم : إذا طلقتم النساء فأضمر القول ، وقال الفراء : ~~خاطبه وجعل الحكم للجميع ، كما تقول للرجل : ويحك أما تتقون الله أما ~~PageV30P027 تستحيون ، تذهب إليه وإلى أهل بيته و { إذا طلقتم } أي إذا ~~أردتم التطليق ، كقوله : { يأيها الذين ءامنوا إذا } ( المائدة : 6 ) أي ~~إذا أردتم / الصلاة ، وقد مر الكلام فيه ، وقوله تعالى : { فطلقوهن لعدتهن ~~} قال عبد الله : إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته ، فيطلقها طاهرا من غير ~~جماع ، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل والحسن ، قالوا : أمر الله تعالى ~~الزوج بتطليق امرأته إذا شاء الطلاق في طهر لم يجامعها فيه ، وهو قوله ~~تعالى : { لعدتهن } أي لزمان عدتهن ، وهو الطهر بإجماع الأمة ، وقيل : ~~لإظهار عدتهن ، وجماعة من المفسرين قالوا : الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرة ms9082 ~~من غير جماع ، وبالجملة ، فالطلاق في حال الطهر لازم ، وإلا لا يكون الطلاق ~~سنيا ، والطلاق في السنة إنما يتصور في البالغة المدخول بها غير الآيسة ~~والحامل / إذ لا سنة في الصغير وغير المدخول بها ، والآيسة والحامل ، ولا ~~بدعة أيضا لعدم العدة بالأقراء ، وليس في عدد الطلاق سنة وبدعة ، على مذهب ~~الشافعي حتى لو طلقها ثلاثا في طهر صحيح لم يكن هذا بدعيا بخلاف ما ذهب ~~إليه أهل العراق ، فإنهم قالوا : السنة في عدد الطلاق أن يطلق كل طلقة في ~~طهر صحيح . وقال صاحب ( النظم ) : { فطلقوهن لعدتهن } صفة للطلاق كيف يكون ~~، وهذه اللام تجيء لمعان مختلفة للإضافة وهي أصلها ، ولبيان السبب والعلة ~~كقوله تعالى : { إنما نطعمكم لوجه الله } ( الإنسان : 9 ) وبمنزلة عند مثل ~~قوله : { أقم الصلواة لدلوك الشمس } ( الإسراء : 78 ) أي عنده ، وبمنزلة في ~~مثل قوله تعالى : { هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لاول ~~الحشر } ( الحشر : 2 ) وفي هذه الآية بهذا المعنى ، لأن المعنى فطلقوهن في ~~عدتهن ، أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن فقال صاحب ( الكشاف ) : فطلقوهن ~~مستقبلات لعدتهن كقوله : أتيته لليلة بقيت من المحرم أي مستقبلا لها ، وفي ~~قراءة النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قبل عدتهن ) فإذا طلقت المرأة في ~~الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها فقد طلقت مستقبلة العدة ، المراد أن ~~يطلقن في طهر لم يجامعن فيه ، يخلين إلى أن تنقضي عدتهن ، وهذا أحسن الطلاق ~~وأدخله في السنة وأبعده من الندم ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم ~~للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة وكان أحسن عندهم من ~~أن يطلق الرجل ثلاث تطليقات ، وقال مالك بن أنس : لا أعرف طلاقا إلا واحدة ~~، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة ، وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما ~~كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لابن عمر حين طلق امرأته ms9083 وهي حائض : ما هكذا أمرك الله تعالى إنما ~~السنة أن تستقبل الطهر استقبالا وتطلقها لكل قرء تطليقة وعند الشافعي لا ~~بأس بإرسال الثلاث ، وقال : لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح ~~فمالك يراعى في طلاق السنة الواحدة والوقت ، وأبو حنيفة يراعي التفريق ~~والوقت ، والشافعي يراعي الوقت وحده ، وقوله تعالى : { وأحصوا العدة } أي ~~أقراءها فاحتفظوا لها واحفظوا الحقوق والأحكام التي تجب في العدة واحفظوا ~~نفس ما تعتدون به وهو عدد الحيض ، ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج يحتمل وجهين ~~أحدهما : أنهم هم الذين يلزمهم الحقوق والمؤن وثانيهما : ليقع / تحصين ~~الأولاد في العدة ، ثم في الآية مباحث : # الأول : ما الحكمة في إطلاق السنة وإطلاق البدعة ؟ نقول : إنما سمي بدعة ~~لأنها إذا كانت حائضا لم تعتد بأيام حيضها عن عدتها بل تزيد على ثلاثة ~~أقراء فتطول العدة عليها حتى تصير كأنها أربعة أقراء وهي في الحيض الذي ~~طلقت فيه في صورة المعلقة التي لا هي معتدة ولا ذات بعل والعقول تستقبح ~~الإضرار ، وإذا كانت طاهرة مجامعة لم يؤمن أن قد علقت من ذلك الجمع بولد ~~ولو علم الزوج لم يطلقها ، وذلك أن الرجل PageV30P028 قد يرغب في طلاق ~~امرأته إذا لم يكن بينهما ولد ولا يرغب في ذلك إذا كانت حاملا منه بولد ، ~~فإذا طلقها وهي مجامعة وعنده أنها حائل في ظاهر الحال ثم ظهر بها حمل ندم ~~على طلاقها ففي طلاقه إياها في الحيض سوء نظر للمرأة ، وفي الطلاق في الطهر ~~الذي جامعها فيه وقد حملت فيه سوء نظر للزوج ، فإذا طلقت وهي طاهر غير ~~مجامعة أمن هذان الأمران ، لأنها تعتد عقب طلاقه إياها ، فتجري في الثلاثة ~~قروء ، والرجل أيضا في الظاهر على أمان من اشتمالها على ولد منه . # الثاني : هل يقع الطلاق المخالف للسنة ؟ نقول : نعم ، وهو آثم لما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يديه ، فقال له : ( ~~أو تلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم ) . # الثالث : كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر ms9084 أو كبر أو غير ذلك ؟ نقول : ~~الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبي حنيفة وأبي يوسف يفرق عليهن الثلاث ~~في الأشهر ، وقال محمد وزفر : لا يطلق للسنة إلا واحدة . وأما غير المدخول ~~بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة ، ولا يراعى الوقت . # الرابع : هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة ؟ نقول : اختلفت ~~الرواية فيه عن أصحابنا ، والظاهر الكراهة . # الخامس : { إذا طلقتم النساء } عام يتناول المدخول بهن ، وغير المدخول ~~بهن من ذوات الأقراء ، والآيسات والصغار والحوامل ، فكيف يصح تخصيصه بذوات ~~الأقراء والمدخول بهن ؟ نقول : لا عموم ثمة ولا خصوص أيضا ، لكن النساء اسم ~~جنس للإناث من الإنس ، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن ، وفي بعضهن ، فجاز ~~أن يراد بالنساء هذا وذاك فلما قيل : { فطلقوهن لعدتهن } علم أنه أطلق على ~~بعضهن ، وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض ، كذا ذكره في ( الكشاف ) . # ثم قال تعالى : { واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد } . # قوله : { اتقوا الله } قال مقاتل : اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم و { ~~لا تخرجوهن } أي لا تخرجوا المعتدات من المساكن التي كنتم تساكنونهن فيها ~~قبل الطلاق ، فإن كانت المساكن عارية فارتجعت كان على الأزواج أن يعينوا ~~مساكن أخرى بطريق الشراء ، أو بطريق الكراء ، أو بغير ذلك ، وعلى الزوجات ~~أيضا أن لا يخرجن حقا لله تعالى إلا لضرورة ظاهرة ، فإن خرجت ليلا أو نهارا ~~كان ذلك الخروج حراما ، ولا تنقطع العدة . # وقوله تعالى : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال ابن عباس : هو أن يزنين ~~فيخرجن لإقامة الحد عليهن ، PageV30P029 قال الضحاك الأكثرون : فالفاحشة ~~على هذا القول هي الزنا ، وقال ابن عمر : الفاحشة خروجهن قبل انقضاء العدة ~~، قال السدي والباقون : الفاحشة المبينة هي العصيان المبين ، وهو النشوز ، ~~وعن ابن عباس : إلا أن يبذون فيحل إخراجهن لبذائهن وسوء خلقهن ، فيحل ~~للأزواج إخراجهن من بيوتهن ، وفي الآية مباحث : # البحث الأول : هل للزوجين التراضي على إسقاطها ؟ نقول : السكنى الواجبة ~~في حال قيام الزوجية حق للمرأة وحدها ms9085 فلها إبطالها ، ووجه هذا أن الزوجين ~~ما داما ثابتين على النكاح فإنما مقصودهما المعاشرة والاستمتاع ، ثم لا بد ~~في تمام ذلك من أن تكون المرأة مستعدة له لأوقات حاجته إليها ، وهذا لا ~~يكون إلا بأنه يكفيها في نفقتها ، كطعامها وشرابها وأدمها ولباسها وسكناها ~~، وهذه كلها داخلة في إحصاء الأسباب التي بها يتم كل ما ذكرنا من الاستمتاع ~~، ثم ما وراء ذلك من حق صيانة الماء ونحوها ، فإن وقعت الفرقة زال الأصل ~~الذي هو الانتفاع وزواله بزوال الأسباب الموصلة إليه من النفقة عليها ، ~~واحتيج إلى صيانة الماء فصارت السكنى في هذه الحالة بوجوبها الإحصاء ~~لأسبابها ، لأن أصلها السكنى ، لأن بها تحصينها ، فصارت السكنى في هذه ~~الحالة لا اختصاص لها بالزوج ، وصيانة الماء من حقوق الله ، ومما لا يجوز ~~التراضي من الزوجين على إسقاطه ، فلم يكن لها الخروج ، وإن رضي الزوج ، ولا ~~إخراجها ، وإن رضيت إلا عن ضرورة مثل انهدام المنزل ، وإخراج غاصب إياها أو ~~نقلة من دار بكراء قد انقضت إجارتها أو خوف فتنة أو سيل أو حريق ، أو غير ~~ذلك من طريق الخوف على النفس ، فإذا انقضى ما أخرجت له رجعت إلى موضعها حيث ~~كان الثاني : قال : { واتقوا الله ربكم } ولم يقل : واتقوا الله مقصورا ~~عليه فنقول : فيه من المبالغة ما ليس في ذلك فإن لفظ الرب ينبههم على أن ~~التربية التي هي الإنعام والإكرام بوجوه متعددة غاية التعداد فيبالغون في ~~التقوى حينئذ خوفا من فوت تلك التربية الثاني : ما معنى الجمع بين إخراجهم ~~وخروجهن ؟ نقول : معنى الإخراج أن لا يخرجهن / البعولة غضبا عليهن وكراهة ~~لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ~~ذلك ، إيذانا بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر ، ولا يخرجن بأنفسهن إن ~~أردن ذلك . الثالث : قرىء : { بفاحشة مبينة } و { مبينة } فمن قرأ مبينة ~~بالخفض فمعناه : أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها تبين أنها فاحشة ، ومن قرأ { ~~مبينة } بالفتح فمعناه أنها مبرهنة بالبراهين ، ومبينة بالحجج ، وقوله : { ~~وتلك حدود الله } والحدود ms9086 هي الموانع عن المجاوزة نحو النواهي ، والحد في ~~الحقيقة هي النهاية التي ينتهي إليها الشيء ، قال مقاتل : يعود ما ذكر من ~~طلاق السنة وما بعده من الأحكام { ومن يتعد حدود الله } وهذا تشديد فيمن ~~يتعدى طلاق السنة ، ومن يطلق لغير العدة { فقد ظلم نفسه } أي ضر نفسه ، ولا ~~يبعد أن يكون المعنى ومن يتجاوز الحد الذي جعله الله تعالى فقد وضع نفسه ~~موضعا لم يضعه فيه ربه ، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه ، وقوله تعالى : ~~{ لا * تدرى * لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } قال ابن عباس : يريد الندم على ~~طلاقها والمحبة لرجعتها في العدة وهو دليل على أن المستحب في التطليق أن ~~يوقع متفرقا ، قال أبو إسحق : إذا طلقها ثلاثا في وقت واحد فلا معنى في ~~قوله : { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } . PageV30P030 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى ~~عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الا ~~خر ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء قدرا } . > 7 ! # { < < # | الطلاق : ( 2 ) فإذا بلغن أجلهن . . . . . # > > فإذا بلغن أجلهن } أي قاربن انقضاء أجل العدة لا انقضاء أجلهن ، ~~والمراد من بلوغ الأجل هنا مقاربة البلوغ ، وقد مر تفسيره . قال صاحب ( ~~الكشاف ) : هو آخر العدة وشارفته ، فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك ~~بالمعروف ، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة ، وإتقاء الضرار / وهو أن ~~يراجعها في آخر العدة ، ثم يطلقها تطويلا للعدة وتعذيبا لها . # وقوله تعالى : { وأشهدوا * ذوى * عدل منكم } أي أمروا أن يشهدوا عند ~~الطلاق وعند الرجعة ذوي عدل ، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كما ~~في قوله : { وأشهدوا إذا تبايعتم } ( البقرة : 282 ) وعند الشافعي هو واجب ~~في الرجعة مندوب إليه في الفرقة ، وقيل : فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما ~~التجاحد ، وأن لا يتهم في إمساكها ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ms9087 ثبوت ~~الزوجية ليرث ، وقيل : الإشهاد إنما أمروا به للاحتياط مخافة أن تنكر ~~المرأة المراجعة فتنقضي العدة فتنكح زوجا . ثم خاطب الشهداء فقال : { ~~وأقيموا الشهادة } وهذا أيضا مر تفسيره ، وقوله : { ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا } قال الشعبي : من يطلق للعدة يجعل الله له سبيلا إلى الرجعة ، وقال ~~غيره : مخرجا من كل أمر ضاق على الناس ، قال الكلبي : ومن يصبر على المصيبة ~~يجعل الله له مخرجا من النار إلى الجنة ، وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ، ومن شدائد يوم القيامة ، ~~وقال أكثر أهل التفسير : أنزل هذا وما بعده في عوف بن مالك الأشجعي أسر ~~العدو ابنا له فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر له ذلك وشكا إليه ~~الفاقة فقال له : ( اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله ~~) ففعل الرجل ذلك فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه ، وقد غفل عنه العدو ، ~~فأصاب إبلا وجاء بها إلى أبيه ، وقال صاحب ( الكشاف ) : فبينا هو في بيته ، ~~إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها ، فذلك قوله ~~: ويرزقه من حيث لا يحتسب ويجوز أنه إن اتقى الله وآثر الحلال والصبر على ~~أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق { ويرزقه من حيث لا يحتسب } وقال في ( ~~الكشاف ) : { ومن يتق الله } جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر ~~الطلاق على السنة كما مر . وقوله تعالى : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } ~~أي من وثق به فيما ناله كفاه الله ما أهمه ، ولذلك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ( من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ) وقرىء : { إن ~~الله بالغ أمره } بالإضافة { ما أمره } أي نافذ أمره ، وقرأ المفضل { ما ~~أمره } ، على أن قوله { قد جعل } خبر { ءان } ، و { مخرجا ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىء ~~قدرا } أي تقديرا وتوقيتا ms9088 / وهذا بيان لوجوب التوكل على الله تعالى وتفويض ~~الأمر إليه ، قال الكلبي ومقاتل : لكل شيء من الشدة والرخاء أجل ينتهي إليه ~~قدر الله تعالى ذلك كله لا يقدم PageV30P031 ولا يؤخر . وقال ابن عباس : ~~يريد قدرت ما خلقت بمشيئتي ، وقوله : { فإذا بلغن أجلهن } إلى قوله : { ~~مخرجا } آية ومنه إلى قوله : { قدرا } آية أخرى عند الأكثر ، وعند الكوفي ~~والمدني المجموع آية واحدة ثم في هذه الآية لطيفة : وهي أن التقوي في رعاية ~~أحوال النساء مفتقرة إلى المال ، فقال تعالى : { ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا } وقريب من هذا قوله : { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } ( ~~النور : 32 ) فإن قيل : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } يدل على عدم ~~الاحتياج للكسب في طلب الرزق ، وقوله تعالى : / { فإذا قضيت الصلواة ~~فانتشروا فى الارض وابتغوا من فضل الله } ( الجمعة : 10 ) يدل على الاحتياج ~~فكيف هو ؟ نقول : لا يدل على الاحتياج ، لأن قوله : { فانتشروا فى الارض ~~وابتغوا من فضل الله } للإباحة كما مر والإباحة مما ينافي الاحتياج إلى ~~الكسب لما أن الاحتياج مناف للتخيير . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { واللائى يئسن من المحيض من نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللاتي لم يحضن وأولات الا حمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له ~~من أمره يسرا * ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ~~ويعظم له أجرا } . > 7 @QB@ < # | الطلاق : ( 4 - 5 ) واللائي يئسن من . . . . . # > > # قوله : { واللائى يئسن من المحيض } الآية ، ذكر الله تعالى في سورة ~~البقرة عدة ذوات الأقراء والمتوفى عنها زوجها وذكر عدة سائر النسوة اللائي ~~لم يذكرن هناك في هذه السورة ، وروي أن معاذ بن جبل قال : يا رسول الله قد ~~عرفنا عدة التي تحيض ، فما عدة التي لم تحض فنزل : { واللائى يئسن من ~~المحيض } وقوله : { إن ارتبتم } أي إن أشكل عليكم حكمهن في عدة التي لا ~~تحيض ، فهذا حكمهن ، وقيل : إن ارتبتم في دم البالغات مبلغ الإياس وقد ~~قدروه بستين سنة وبخمس وخمسين أهو دم حيض أو ms9089 استحاضة { فعدتهن ثلاثة أشهر } ~~فلما نزل قوله تعالى : { فعدتهن ثلاثة أشهر } قام رجل فقال : يا رسول الله ~~فما عدة الصغيرة التي لم تحض ؟ فنزل : { واللائى لم يحضن } أي هي بمنزلة ~~الكبيرة التي قد يئست عدتها ثلاثة أشهر ، فقام آخر وقال ، وما عدة الحوامل ~~يا رسول الله ؟ فنزل : { وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن } معناه أجلهن ~~في انقطاع ما بينهن وبين الأزواج وضع الحمل ، وهذا عام في كل حامل ، وكان ~~علي عليه السلام يعتبر أبعد الأجلين ، ويقول : { والذين يتوفون منكم } ( ~~البقرة : 234 ) لا يجوز أن يدخل في قوله : { وأولات الاحمال } وذلك لأن ~~أولات الأحمال إنما هو في عدة الطلاق ، وهي لا تنقض عدة الوفاة إذا كانت ~~بالحيض ، وعند ابن عباس عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين . وأما ~~ابن مسعود فقال : يجوز أن يكون قوله : { وأولات الاحمال } مبتدأ خطاب ليس ~~بمعطوف على قوله تعالى : { واللائى يئسن } ولما كان مبتدأ يتناول العدد ~~كلها ، ومما يدل عليه خبر سبيعة بنت الحرث أنها وضعت حملها بعد وفاة زوجها ~~بخمسة عشر يوما ، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج ، فدل على ~~إباحة النكاح / قبل مضي أربعة أشهر وعشر ، على أن عدة الحامل تنقضي بوضع ~~الحمل في جميع الأحوال . وقال الحسن : إن وضعت PageV30P032 أحد الولدين ~~انقضت عدتها ، واحتج بقوله تعالى : { أن يضعن حملهن } ولم يقل : أحمالهن ، ~~لكن لا يصح ، وقرىء ( أحمالهن ) ، وقوله : { ومن يتق الله يجعل له من أمره ~~يسرا } أي ييسر الله عليه في أمره ، ويوفقه للعمل الصالح . وقال عطاء : ~~يسهل الله عليه أمر الدنيا والآخرة ، وقوله : { ذلك أمر الله أنزله إليكم } ~~يعني الذي ذكر من الأحكام أمر الله أنزله إليكم ، ومن يتق الله بطاعته ، ~~ويعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يكفر عنه سيئاته من الصلاة إلى ~~الصلاة ، ومن الجمعة إلى الجمعة ، ويعظم له في الآخرة أجرا ، قاله ابن عباس ~~. فإن قيل قال تعالى : { أجلهن أن يضعن حملهن } ولم يقل : أن يلدن ، نقول : ~~الحمل اسم لجميع ما في بطنهن ، ولو ms9090 كان كما قاله ، لكانت عدتهن بوضع بعض ~~حملهن ، وليس كذلك . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن ~~أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فأاتوهن أجورهن ~~وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى * لينفق ذو سعة من سعته ~~ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ ءاتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا مآ ءاتاها ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا } . > 7 ! # < < # | الطلاق : ( 6 ) أسكنوهن من حيث . . . . . # > > قوله تعالى : { أسكنوهن } وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله : ~~{ ومن يتق الله } ( الطلاق : 4 ) كأنه قيل : كيف نعمل بالتقوى في شأن ~~المعتدات ، فقيل : { أسكنوهن } قال صاحب ( الكشاف ) : ( من ) صلة ، والمعنى ~~أسكنوهن حيث سكنتم . قال أبو عبيدة : { من وجدكم } أي وسعكم وسعتكم ، وقال ~~الفراء : على قدر طاقتكم ، وقال أبو إسحاق : يقال وجدت في المال وجدا ، أي ~~صرت ذا مال ، وقرىء بفتح الواو أيضا وبخفضها ، والوجد الوسع والطاقة ، ~~وقوله : { ولا تضاروهن } نهي عن مضارتهن بالتضييق عليهن في السكنى والنفقة ~~{ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } وهذا بيان حكم المطلقة ~~البائنة ، لأن الرجعية تستحق النفقة ، وإن لم تكن حاملا ، وإن كانت مطلقة ~~ثلاثا أو مختلعة فلا نفقة لها إلا أن تكون حاملا ، وعند مالك والشافعي ، ~~ليس للمبتوتة إلا السكنى ولا نفقة لها ، وعن الحسن وحماد لا نفقة لها ولا ~~سكنى ، لحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها ، فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا سكنى لك ولا نفقة . وقوله : { أسكنوهن من حيث سكنتم من } ~~يعني حق الرضاع وأجرته وقد مر ، وهو دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد ~~فهو ملك لها وإلا لم يكن لها أن تأخذ الأجر ، وفيه دليل على أن حق الرضاع ~~والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على ~~الزوجات وإلا لكان لها بعض الأجر دون الكل ، وقوله تعالى : { وأتمروا بينكم ~~بمعروف } قال عطاء : يريد بفضل معروفا منك ، وقال ms9091 مقاتل : بتراضي الأب ~~والأم ، وقال المبرد : ليأمر PageV30P033 بعضكم بعضا بالمعروف ، والخطاب ~~للأزواج من النساء والرجال ، والمعروف ههنا أن لا يقصر الرجل في حق المرأة ~~ونفقتها ولا هي في حق الولد ورضاعه وقد مر تفسير الائتمار ، وقيل : ~~الائتمار التشاور في إرضاعه إذا تعاسرت هي ، وقوله تعالى : { وإن تعاسرتم } ~~أي في الأجرة : { فسترضع له أخرى } غير الأم ، ثم بين قدر الإنفاق بقوله : ~~{ لينفق ذو سعة من سعته } أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات ~~على قدر سعتهم ومن كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على مقدار ذلك ، ونظيره : ~~{ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } ( البقرة : 236 ) وقوله تعالى : { لا ~~يكلف الله نفسا إلا ما ءاتاها } أي ما أعطاها من الرزق ، قال السدي : لا ~~يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني ، وقوله : { سيجعل الله بعد عسر يسرا } أي ~~بعد ضيق وشدة غنى وسعة ورخاء وكان الغالب في ذلك الوقت الفقر والفاقة ، ~~فأعلمهم الله تعالى أن يجعل بعد عسر يسرا وهذا كالبشارة لهم بمطلوبهم ، ثم ~~في الآية مباحث : # الأول : إذا قيل : ( من ) في قوله : { من حيث سكنتم } ما هي ؟ نقول : هي ~~التبعيضية أي بعض مكان سكناكم إن لم يكن ( لكم ) غير بيت واحد فأسكنوها في ~~بعض جوانبه . # الثاني : ما موقع { من وجدكم } ؟ نقول : عطف بيان لقوله : { من حيث سكنتم ~~} وتفسير له ، أي مكانا من مسكنكم على قدر طاقتكم . # الثالث : فإذا كانت كل مطلقة عندكم يجب لها النفقة ، فما فائدة الشرط في ~~قوله تعالى : { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن } نقول : فائدته أن مدة ~~الحمل ربما طال وقتها ، فيظن أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار مدة الحمل ، ~~فنفى ذلك الظن . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ~~وعذبناها عذابا نكرا * فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا * أعد الله ~~لهم عذابا شديدا فاتقوا الله ياأولى الألباب الذين ءامنوا قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا * رسولا يتلو عليكم ءايات الله مبينات ليخرج الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات من الظلمات إلى ms9092 النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله ~~جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيهآ أبدا قد أحسن الله له رزقا } . > ~~7 ! # / < < # | الطلاق : ( 8 ) وكأين من قرية . . . . . # > > قوله تعالى : { وكأين من قرية } الكلام في كأين قد مر ، وقوله : { ~~عتت عن أمر ربها } وصف القرية بالعتو والمراد أهلها ، كقوله : { واسئل ~~القرية } ( يوسف : 82 ) قال ابن عباس : { عتت عن أمر ربها } أي أعرضت عنه ، ~~وقال مقاتل : خالفت أمر ربها ، وخالفت رسله ، فحاسبناها حسابا شديدا ، ~~فحاسبها الله بعملها في الدنيا فجازاها العذاب ، وهو قوله : { وعذبناها ~~عذابا نكرا } أي عذابا منكرا عظيما ، فسر المحاسبة بالتعذيب . وقال ~~PageV30P034 الكلبي : هذا على التقديم والتأخير ، يعني فعذبناها في الدنيا ~~وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا ، والمراد حساب الآخرة وعذابها { فذاقت ~~وبال أمرها } أي شدة أمرها وعقوبة كفرها . وقال ابن عباس : عاقبة كفرها { ~~وكان عاقبة أمرها خسرا } أي عاقبة عتوها خسارا في الآخرة ، وهو قوله تعالى ~~: { أعد الله لهم عذابا شديدا } يخوف كفار مكة أن يكذبوا محمدا فينزل بهم ~~ما نزل بالأمم قبلهم ، وقوله تعالى : { فاتقوا الله ياأولى * أولى * ~~الالباب } خطاب لأهل الإيمان ، أي فاتقوا الله عن أن تكفروا به وبرسوله ، ~~وقوله : { قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا } هو على وجهين أحدهما : أنزل ~~الله إليكم ذكرا ، هو الرسول ، وإنما سماه ذكرا لأنه يذكر ما يرجع إلى ~~دينهم وعقباهم وثانيهما : أنزل الله إليكم ذكرا ، وأرسل رسولا . وقال في ( ~~الكشاف ) : { رسولا } هو جبريل عليه السلام ، أبدل من { ذكرا } لأنه وصف ~~بتلاوة آيات الله ، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر ، والذكر قد يراد به ~~الشرف ، كما في قوله تعالى : { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) وقد ~~يراد به القرآن ، كما في قوله تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر } ( النحل : 44 ~~) وقرىء ( رسول ) على هو رسول ، و { يتلو عليكم ءايات الله مبينات } بالخفض ~~والنصب ، والآيات هي الحجج فبالخفض ، لأنها تبين الأمر والنبي والحلال ~~والحرام ، ومن نصب يريد أنه تعالى أوضح آياته وبينها أنها من عنده . # وقوله تعالى : { ليخرج الذين ءامنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى ~~النور ms9093 } يعني من ظلمة / الكفر إلى نور الإيمان ومن ظلمة الشبهة إلى نور ~~الحجة ، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم . # وفي الآية مباحث : # الأولى : قوله تعالى : { فاتقوا الله ياأولى * أولى * الالباب } يتعلق ~~بقوله تعالى : { وكأين من قرية عتت عن أمر ربها } أم لا ؟ فنقول : قوله : { ~~فاتقوا الله } يؤكد قول من قال : المراد من قرية أهلها ، لما أنه يدل على ~~أن خطاب الله تعالى لا يكون إلا لذوي العقول فمن لا عقل له فلا خطاب عليه / ~~وقيل قوله تعالى : { وكأين من قرية } مشتمل على الترهيب والترغيب . # الثاني : الإيمان هو التقوى في الحقيقة وأولوا الألباب الذين آمنوا كانوا ~~من المتقدمين بالضرورة فكيف يقال لهم : { فاتقوا الله } ؟ نقول : للتقوى ~~درجات ومراتب فالدرجة الأولى هي التقوى من الشرك والبواقي هي التقوى من ~~المعاصي التي هي غير الشرك فأهل الإيمان إذا أمروا بالتقوى كان ذلك الأمر ~~بالنسبة إلى الكبائر والصغائر لا بالنسبة إلى الشرك . # الثالث : كل من آمن بالله فقد خرج من الظلمات إلى النور وإذا كان كذلك ~~فحق هذا الكلام وهو قوله تعالى : { ليخرج الذين ءامنوا } أن يقال : ليخرج ~~الذين كفروا ؟ نقول : يمكن أن يكون المراد : ليخرج الذين يؤمنون على ما جاز ~~أن يراد من الماضي المستقبل كما في قوله تعالى : { وإذ قال الله ياعيسى * ~~عيسى } ( آل عمران : 55 ) أي وإذ يقول الله ، ويمكن أن يكون ليخرج الذين ~~آمنوا من ظلمات تحدث لهم بعد إيمانهم . PageV30P035 # ثم قال تعالى : { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجرى من تحتها ~~الانهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا } . # قوله : { ومن يؤمن بالله } فيه معنى التعجب والتعظيم لما رزق الله المؤمن ~~من الثواب ، وقرىء { يدخله } بالياء والنون ، و { قد أحسن الله له * زرقا } ~~قال الزجاج : رزقه الله الجنة التي لا ينقطع نعيمها ، وقيل : { رزقا } أي ~~طاعة في الدنيا وثوابا في الآخرة ونظيره { ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي ~~الاخرة حسنة وقنا عذاب النار } ( البقرة : 201 ) . # ! 7 < { الله الذى خلق سبع سماوات ومن الا رض مثلهن يتنزل الا ms9094 مر بينهن ~~لتعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط بكل شىء علما } . > 7 ! # < < # | الطلاق : ( 12 ) الله الذي خلق . . . . . # > > قال الكلبي : خلق سبع سموات بعضها فوق بعض مثل القبة ، ومن الأرض / ~~مثلهن في كونها طباقا متلاصقة كما هو المشهور أن الأرض ثلاث طبقات طبقة ~~أرضية محضة وطبقة طينية ، وهي غير محضة ، وطبقة منكشفة بعضها في البحر ~~وبعضها في البر وهي المعمورة ، ولا بعد في قوله : { ومن الارض مثلهن } من ~~كونها سبعة أقاليم على حسب سبع سموات ، وسبع كواكب فيها وهي السيارة فإن ~~لكل واحد من هذه الكواكب خواص تظهر آثار تلك الخواص في كل إقليم من أقاليم ~~الأرض فتصير سبعة بهذا الاعتبار ، فهذه هي الوجوه التي لا يأباها العقل ، ~~وما عداها من الوجوه المنقولة عن أهل التفسير فذلك من جملة ما يأباها العقل ~~مثل ما يقال : السموات السبع أولها : موج مكفوف وثانيها : صخر وثالثها : ~~حديد ورابعها : نحاس وخامسها : فضة وسادسها : ذهب وسابعها : ياقوت ، وقول ~~من قال : بين كل واحدة منها مسيرة خمسمائة سنة وغلظ كل واحدة منها كذلك ، ~~فذلك غير معتبر عند أهل التحقيق ، اللهم إلا أن يكون نقل متوتر ( ا ) ، ~~ويمكن أن يكون أكثر من ذلك والله أعلم بأنه ما هو وكيف هو . فقوله : { الله ~~الذى خلق } مبتدأ وخبر ، وقرىء { مثلهن } بالنصب عطفا على { سبع سماوات } ~~وبالرفع على الإبتداء وخبره { من الارض } . وقوله تعالى : { يتنزل الامر ~~بينهن } قال عطاء يريد الوحي بينهن إلى خلقه في كل أرض وفي كل سماء ، وقال ~~مقاتل : يعني الوحي من السماء العليا إلى الأرض السفلى ، وقال مجاهد : { ~~يتنزل الامر بينهن } بحياة بعض وموت بعض وسلامة هذا وهلاك ذاك مثلا وقال ~~قتادة : في كل سماء من سماواته وأرض من أرضه خلق من خلقه وأمر من أمره ~~وقضاء من قضائه ، وقرىء { ينزل * الامر بينهن } قوله تعالى : { لتعلموا أن ~~الله على كل شىء قدير } قرىء { ليعلموا } بالياء والتاء أي لكي تعلموا إذا ~~تفكرتم في خلق السموات والأرض ، وما جرى من التدبير فيها أن من ms9095 بلغت قدرته ~~هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يكون لغيره كانت قدرته ذاتية لا يعجزه شيء عما ~~أراده وقوله : { إن الله على كل شىء قدير } من قبل ما تقدم ذكره { وأن الله ~~قد أحاط بكل شىء علما } يعني بكل شيء من الكليات والجزئيات لا يعزب عن علمه ~~مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، عالم بجميع الأشياء وقادر على الإنشاء ~~بعد الإفناء ، فتبارك الله رب العالمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، ~~وخاتم النبيين ، وعلى آله وصحبه أجمعين . # PageV30P036 < # > 1 ( سورة التحريم ) 1 < # > # إثنتا عشرة آية مدنية # ! 7 < { ياأيها النبى لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله ~~غفور رحيم } . > 7 ! # / < < # | التحريم : ( 1 ) يا أيها النبي . . . . . # > > أما التعلق بما قبلها ، فذلك لاشتراكهما في الأحكام المخصوصة بالنساء ~~، واشتراك الخطاب بالطلاق في أول تلك السورة مع الخطاب بالتحريم في أول هذه ~~السورة لما كان الطلاق في الأكثر من الصور أو في الكل كما هو مذهب البعض ~~مشتملا على تحريم ما أحل الله ، وأما الأول بالآخر ، فلأن المذكور في آخر ~~تلك السورة ، يدل على عظمة حضرة الله تعالى ، كما أنه يدل على كمال قدرته ~~وكمال علمه ، لما كان خلق السموات والأرض وما فيهما من الغرائب والعجائب ~~مفتقرا إليهما وعظمة الحضرة مما ينافي القدرة على تحريم ما أحل الله ، ~~ولهذا قال تعالى : { لم تحرم ما أحل الله لك } واختلفوا في الذي حرمه النبي ~~صلى الله عليه وسلم على نفسه ، قال في ( الكشاف ) : روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة ، فقال لها : اكتمي علي ~~وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي ، ~~فأخبرت به عائشة ، وكانتا متصادقتين ، وقيل : خلا بها في يوم حفصة ، ~~فأرضاها بذلك واستكتمها ، فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ، ومكث تسعا وعشرين ~~ليلة في بيت مارية ، وروي أن عمر قال لها لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك ms9096 ~~، فنزل جبريل عليه السلام ، وقال : راجعها فإنها صوامة قوامة وإنها من ~~نسائك في الجنة ، وروي أنه ما طلقها وإنما نوه بطلاقها ، وروي أنه عليه ~~الصلاة والسلام شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة ، فقالتا ~~له : إنا نشم منك ريح المغافير ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره ~~التفل فحرم العسل ، فمعناه : لم تحرم ما أحل الله لك من ملك اليمين أو من ~~العسل ، والأول قول الحسن ومجاهد وقتادة والشعبي ومسروق ورواية ثابت عن أنس ~~قال مسروق : حرم النبي صلى الله عليه وسلم أم ولده وحلف أن لا يقربها / ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية فقيل له : أما الحرام فحلال ، وأما اليمين التي ~~حلفت عليها ، فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم . وقال PageV30P037 الشعبي : ~~كان مع الحرام يمين فعوتب في الحرام ، وإنما يكفر اليمين ، فذلك قوله تعالى ~~: { قد فرض الله } الآية قال صاحب ( النظم ) قوله : { لم تحرم } استفهام ~~بمعنى الإنكار والإنكار من الله تعالى نهي ، وتحريم الحلال مكروه ، والحلال ~~لا يحرم إلا بتحريم الله تعالى وقوله تعالى : { تبتغى مرضات أزواجك } و { ~~تبتغى } حال خرجت مخرج المضارع والمعنى : لم تحرم مبتغيا مرضات أزواجك قال ~~في ( الكشاف ) : { تبتغى } ، إما تفسير لتحرم ، أو حال أو استئناف ، وهذا ~~زلة منه ، لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله { والله غفور رحيم } قد غفر ~~لك ما تقدم من الزلة ، { رحيم } قد رحمك لم يؤاخذك به ، ثم في الآية مباحث ~~: # البحث الأول : { لم تحرم ما أحل الله لك } يوهم أن هذا الخطاب بطريق ~~العتاب وخطاب الوصف ، وهو النبي ينافي ذلك لما فيه من التشريف والتعظيم ~~فكيف هو نقول : الظاهر أن هذا الخطاب ليس بطريق العتاب بل بطريق التنبيه ~~على أن ما صدر منه لم يكن كما ينبغي . # البحث الثاني : تحريم ما أحل الله تعالى غير ممكن ، لما أن الإحلال ترجيح ~~جانب الحل والتحريم ترجيح جانب الحرمة ، ولا مجال للاجتماع بين الترجيحين ~~فكيف يقال : { لم تحرم ما أحل الله } ؟ نقول : المراد من هذا التحريم هو ~~الامتناع ms9097 عن الانتفاع بالأزواج لا اعتقاد كونه حراما بعدما أحل الله تعالى ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الانتفاع معها مع اعتقاده بكونه حلالا ~~ومن اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحله الله تعالى بعينه فقد كفر فكيف ~~يضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مثل هذا . # البحث الثالث : إذا قيل : ما حكم تحريم الحلال ؟ نقول : اختلفت الأئمة ~~فيه فأبو حنيفة يراه يمينا في كل شيء ، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه ~~فإذا حرم طعاما فقد حلف على أكله أو أمة فعلى وطئها أو زوجة فعلى الإيلاء ~~منها إذا لم يكن له نية وإن نوى الظهار فظهار ، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن ~~وكذلك إن نوى اثنتين ، وإن نوى ثلاثا فكما نوى ، فإن قال : نويت الكذب دين ~~فيما بينه وبين ربه ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء ، وإن قال : كل حلال ~~عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى ولا يراه ~~الشافعي يمينا ، ولكن سببا ( في الكفارة ) في النساء وحدهن ، وإن نوى ~~الطلاق فهو رجعي عنده ، وأما اختلاف الصحابة فيه فكما هو في ( الكشاف ) ، ~~فلا حاجة بنا إلى ذكر ذلك . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم * ~~وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف ~~بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هاذا قال نبأنى العليم ~~الخبير } . > 7 @QB@ < # | التحريم : ( 2 - 3 ) قد فرض الله . . . . . # > > # / { قد فرض الله لكم } . قال مقاتل : قد بين الله ، كما في قوله تعالى : ~~{ سورة أنزلناها وفرضناها } ( النور : 1 ) وقال الباقون : قد أوجب ، قال ~~صاحب ( النظم ) : إذا وصل بعلى لم يحتمل غير الإيجاب كما في قوله تعالى : { ~~قد علمنا ما فرضنا عليهم } PageV30P038 ( الأحزاب : 50 ) وإذا وصل باللام ~~احتمل الوجهين ، وقوله تعالى : { تحلة أيمانكم } أي تحليلها بالكفارة وتحلة ~~على وزن تفعلة وأصله تحللة وتحلة القسم على وجهين أحدهما : تحليله بالكفارة ~~كالذي في هذه الآية وثانيهما : أن يستعمل ms9098 بمعنى الشيء القليل ، وهذا هو ~~الأكثر كما روي في الحديث : ( لن يلج النار إلا تحلة القسم ) يعني زمانا ~~يسيرا ، وقرىء ( كفارة أيمانكم ) ، ونقل جماعة من المفسرين أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حلف أن لا يطأ جاريته فذكر الله له ما أوجب من كفارة اليمين ~~، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الحرام يمين ، يعني إذا قال : أنت علي ~~حرام ولم ينو طلاقا ولا ظهارا كان هذا اللفظ موجبا لكفارة يمين { والله ~~مولاكم } ، أي وليكم وناصركم وهو العليم بخلقه الحكيم فيما فرض من حكمه ، ~~وقوله تعالى : { وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثا } يعني ما أسر إلى ~~حفصة من تحريم الجارية على نفسه واستكتمها ذلك وقيل لما رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم الغيرة في وجه حفصة أراد أن يترضاها فأسر إليها بشيئين تحريم ~~الأمة على نفسه والبشارة بأن الخلافة بعده في أبي بكر وأبيها عمر ، قاله ~~ابن عباس وقوله : { فلما نبأت به } أي أخبرت به عائشة وأظهره الله عليه ~~أطلع نبيه على قول حفصة لعائشة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم حفصة عند ~~ذلك ببعض ما قالت وهو قوله تعالى : { عرف بعضه } حفصة : { وأعرض عن بعض } ~~لم يخبرها أنك أخبرت عائشة على وجه التكرم والإغضاء ، والذي أعرض عنه ذكر ~~خلافة أبي بكر وعمر ، وقرىء ( عرف ) مخففا أي جازى عليه من قولك للمسيء ~~لأعرفن لك ذلك وقد عرفت ما صنعت قال تعالى : { أولئك الذين يعلم الله ما فى ~~قلوبهم } ( النساء : 63 ) أي يجازيهم وهو يعلم ما في قلوب الخلق أجمعين ~~وقوله تعالى : { فلما نبأها به قالت } حفصة : { من أنبأك هاذا قال نبأنى ~~العليم الخبير } وصفه بكون خبيرا بعد ما وصفه بكون عليما لما أن في الخبير ~~من المبالغة ما ليس في العليم ، وفي الآية مباحث : # البحث الأول : كيف يناسب قوله : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } إلى ~~قوله { لم تحرم ما أحل الله لك } ( التحريم : 1 ) ؟ نقول : يناسبه لما كان ~~تحريم المرأة يمينا حتى إذا قال لامرأته : أنت علي ms9099 حرام فهو يمين ويصير ~~موليا بذكره من بعد ويكفر . # البحث الثاني : ظاهر قوله تعالى : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } إنه ~~كانت منه يمين / فهل كفر النبي عليه الصلاة والسلام لذلك ؟ نقول : عن الحسن ~~أنه لم يكفر لأنه كان مغفورا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وإنما هو تعليم ~~للمؤمنين / وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية . PageV30P039 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذالك ظهير * عسى ربه إن طلقكن ~~أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ~~ثيبات وأبكارا } . > 7 @QB@ < # | التحريم : ( 4 - 5 ) إن تتوبا إلى . . . . . # > > # قوله : { إن تتوبا إلى الله } خطاب لعائشة وحفصة على طريقة الالتفات ~~ليكون أبلغ في معاتبتهما والتوبة من التعاون على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالإيذاء { فقد صغت قلوبكما } أي عدلت ومالت عن الحق ، وهو حق الرسول ~~عليه الصلاة والسلام ، وذلك حق عظيم يوجد فيه استحقاق العتاب بأدنى تقصير ~~وجواب الشرط محذوف للعلم به على تقدير : كان خيرا لكما ، والمراد بالجمع في ~~قوله تعالى : { قلوبكما } التثنية ، قال الفراء : وإنما اختير الجمع على ~~التثنية لأن أكثر ما يكون عليه الجوارح إثنان إثنان في الإنسان كاليدين ~~والرجلين والعينين ، فلما جرى أكثره على ذلك ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى ~~إثنين مذهب الإثنين ، وقد مر هذا ، وقوله تعالى : { وإن تظاهرا عليه } أي ~~وإن تعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء { فإن الله هو مولاه } ~~أي لم يضره ذلك التظاهر منكما { * ومولاه } أي وليه وناصره { مولاه وجبريل ~~} رأس الكروبيين ، قرن ذكره بذكره مفردا له من الملائكة تعظيما له وإظهارا ~~لمكانته ( عنده ) { وصالح المؤمنين } . قال ابن عباس : يريد أبا بكر وعمر ~~مواليين النبي صلى الله عليه وسلم على من عاداه ، وناصرين له ، وهو قول ~~المقاتلين ، وقال الضحاك خيارالمؤمنين ، وقيل من صلح من المؤمنين ، أي كل ~~من آمن وعمل صالحا ، وقيل : من برىء منهم من النفاق ms9100 ، وقيل : الأنبياء كلهم ~~، وقيل : الخلفاء وقيل : الصحابة ، وصالح ههنا ينوب عن الجمع ، ويجوز أن ~~يراد به الواحد والجمع ، وقوله تعالى : { والملئكة بعد ذالك } أي بعد حضرة ~~الله وجبريل وصالح المؤمنين { ظهير } أي فوج مظاهر للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وأعوان له وظهير في معنى الظهراء ، كقوله : { وحسن أولئك رفيقا } ( ~~النساء : 69 ) قال الفراء : والملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير ، قال أبو علي : ~~/ وقد جاء فعيل مفردا يراد به الكثرة كقوله تعالى : { ولا يسئل حميم حميما ~~* يبصرونهم } ( المعارج : 10 ، 11 ) ثم خوف نساءه بقوله تعالى : { عسى ربه ~~إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن } قال المفسرون : عسى من الله واجب ، ~~وقرأ أهل الكوفة { أن يبدله } بالتخفيف ، ثم إنه تعالى كان عالما أنه لا ~~يطلقهن لكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدله خيرا منهم تخويفا لهن ، ~~والأكثر في قوله : { طلقكن } الإظهار ، وعن أبي عمرو إدغام القاف في الكاف ~~، لأنهما من حروف الفم ، ثم وصف الأزواج اللاتي كان يبدله فقال : { مسلمات ~~} أي خاضعات لله بالطاعة { مؤمنات } مصدقات بتوحيد الله تعالى مخلصات { ~~قانتات } طائعات ، وقيل : قائمات بالليل للصلاة ، وهذا أشبه لأنه ذكر ~~السائحات بعد هذا والسائحات الصائمات ، فلزم أن يكون قيام الليل مع صيام ~~النهار ، وقرىء ( سيحات ) ، وهي أبلغ وقيل للصائم : سائح لأن السائح لا زاد ~~معه ، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد من يطعمه فشبه بالصائم الذي يمسك إلى أن ~~يجيء وقت إفطاره ، وقيل : سائحات مهاجرات ، ثم قال تعالى : { ثيبات وأبكارا ~~} لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة بعضها من الثيب ~~وبعضها من الأبكار / فالذكر على حسب ما وقع ، وفيه إشارة إلى أن تزوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليس على حسب الشهوة والرغبة ، بل على حسب ابتغاء مرضات ~~الله تعالى وفي الآية مباحث : # البحث الأول : قوله { بعد ذلك } تعظيم للملائكة ومظاهرتهم ، وقرىء { ~~تظاهرا } و { * تتظاهرا } و { سحران تظاهرا } . # البحث الثاني : كيف يكون المبدلات خيرا منهن ، ولم يكن على وجه الأرض ~~نساء خير من أمهات المؤمنين ؟ نقول : إذا طلقهن الرسول ms9101 لعصيانهن له ، ~~وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة ، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه ~~الأوصاف مع الطاعة لرسول الله خيرا منهن . PageV30P040 # البحث الثالث : قوله : { مسلمات مؤمنات } يوهم التكرار ، والمسلمات ~~والمؤمنات على السواء ؟ نقول : الإسلام هو التصديق باللسان والإيمان هو ~~التصديق بالقلب ، وقد لا يتوافقان فقوله : { مسلمات مؤمنات } تحقيق للتصديق ~~بالقلب واللسان . # البحث الرابع : قال تعالى : { ثيبات وأبكارا } بواو العطف ، ولم يقل : ~~فيما عداهما بواو العطف ، نقول : قال في ( الكشاف ) : إنها صفتان متنافيتان ~~، لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات . ( فلم يكن بد من الواو ) . # البحث الخامس : ذكر الثيبات في مقام المدح وهي من جملة ما يقلل رغبة ~~الرجال إليهن . نقول : يمكن أن يكون البعض من الثيب خيرا بالنسبة إلى البعض ~~من الأبكار عند الرسول لاختصاصهن بالمال والجمال ، أو النسب ، أو المجموع ~~مثلا ، وإذا كان كذلك فلا يقدح ذكر الثيب في المدح لجواز أن يكون المراد ~~مثل ما ذكرناه من الثيب . # [ بم / ثم قال تعالى : # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ~~* ياأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون } . > 7 ~~! # { < < # | التحريم : ( 6 ) يا أيها الذين . . . . . # > > قوا أنفسكم } أي بالانتهاء عما نهاكم الله تعالى عنه ، وقال مقاتل : ~~أن يؤدب المسلم نفسه وأهله ، فيأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر ، وقال في ( ~~الكشاف ) : { قوا أنفسكم } بترك المعاصي وفعل الطاعات ، { وأهليكم } بأن ~~تؤاخذوهم بما تؤاخذون به أنفسكم ، وقيل : { قوا أنفسكم } مما تدعو إليه ~~أنفسكم إذ الأنفس تأمرهم بالشر وقرىء : { * وأهلوكم } عطفا على واو { ~~ءامنوا قوا } وحسن العطف للفاصل ، و { نارا } نوعا من النار لا يتقد إلا ~~بالناس والحجارة ، وعن ابن عباس هي حجارة الكبريت ، لأنها أشد الأشياء حرا ~~إذا أوقد عليها ، وقرىء : { وقودها } بالضم ، وقوله : { عليها ملئكة } يعني ~~الزبانية التسعة عشر وأعوانهم { غلاظ شداد } في أجرامهم غلظة وشدة أي جفاء ~~وقوة ، أو في أفعالهم جفاء وخشونة ، ولا يبعد أن يكونوا بهذه الصفات في ~~خلقهم ، أو في ms9102 أفعالهم بأن يكونوا أشداء على أعداء الله ، رحماء على أولياء ~~الله كما قال تعالى : { أشداء على الكفار رحماء بينهم } ( الفتح : 29 ) ~~وقوله تعالى : { ويفعلون ما يؤمرون } يدل على اشتدادهم لمكان الأمر ، لا ~~تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله تعالى والانتقام من أعدائه ، وفيه إشارة ~~إلى أن الملائكة مكلفون في الآخرة بما أمرهم الله تعالى به وبما ينهاهم عنه ~~والعصيان منهم مخالفة للأمر والنهي . # وقوله تعالى : { يؤمرون يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم } لما ذكر ~~شدة العذاب بالنار ، واشتداد الملائكة في PageV30P041 انتقام الأعداء ، ~~فقال : { لا تعتذروا اليوم } أي يقال لهم : لا تعتذروا اليوم إذ الاعتذار ~~هو التوبة ، والتوبة غير مقبولة بعد الدخول في النار ، فلا ينفعكم الاعتذار ~~، وقوله تعالى : { إنما تجزون ما كنتم تعملون } يعني إنما أعمالكم السيئة ~~ألزمتكم العذاب في الحكمة ، وفي الآية مباحث : # البحث الأول : أنه تعالى خاطب المشركين في قوله : { فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة } وقال : { أعدت للكافرين ~~} ( البقرة : 24 ) جعلها معدة للكافرين ، فما معنى مخاطبته به المؤمنين ؟ ~~نقول : الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار ، فإنهم مع الكفار في دار ~~واحدة فقيل للذين آمنوا : { قوا أنفسكم } باجتناب الفسق مجاورة الذين أعدت ~~لهم هذه النار ، ولا يبعد أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد . # / البحث الثاني : كيف تكون الملائكة غلاظا شدادا وهم من الأرواح ، فنقول ~~: الغلظة والشدة بحسب الصفات لما كانوا من الأرواح لا بحسب الذات ، وهذا ~~أقرب بالنسبة إلى الغير من الأقوال . # البحث الثالث : قوله تعالى : { لا يعصون الله ما أمرهم } في معنى قوله : ~~{ ويفعلون ما يؤمرون } فما الفائدة في الذكر فنقول : ليس هذا في معنى ذلك ~~لأن معنى الأول أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا ينكرونها ، ومعنى ~~الثاني أنهم ( يؤدون ) ما يؤمرون به كذا ذكره في ( الكشاف ) . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر ~~عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الا نهار يوم لا يخزى الله النبى ~~والذين ءامنوا معه نورهم يسعى ms9103 بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنآ أتمم لنا ~~نورنا واغفر لنآ إنك على كل شىء قدير * ياأيها النبى جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير } . > 7 ! # < < # | التحريم : ( 8 ) يا أيها الذين . . . . . # > > قوله : { توبة نصوحا } أي توبة بالغة في النصح ، وقال الفراء : نصوحا ~~من صفة التوبة والمعنى توبة تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه ، وهو ~~أنها الصادقة الناصحة ينصحون بها أنفسهم ، وعن عاصم ، { نصوحا } بضم النون ~~، وهو مصدر نحو العقود ، يقال : نصحت له نصحا ونصاحة ونصوحا ، وقال في ( ~~الكشاف ) : وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازي ، وهو أن يتوبوا عن ~~القبائح نادمين عليها غاية الندامة لا يعودون ، وقيل : من نصاحة الثوب ، أي ~~خياطته و { عسى ربكم } إطماع من الله تعالى لعباده . # وقوله تعالى : { يوم لا * يخزى الله النبى } نصب بيدخلكم ، و { لا } ~~تعريض لمن أخزاهم الله من أهل الكفر والفسق واستحماد للمؤمنين على أنه ~~عصمهم من مثل حالهم ، ثم المعتزلة تعلقوا بقوله تعالى : { يوم لا * يخزى ~~الله النبى } PageV30P042 وقالوا : الإخزاء يقع بالعذاب ، فقد وعد بأن لا ~~يعذب الذين آمنوا ، ولو كان أصحاب الكبائر من الإيمان لم نخف عليهم العذاب ~~، وأهل السنة أجابوا / عنه بأنه تعالى وعد أهل الإيمان بأن لا يخزيهم ، ~~والذين آمنوا ابتداء كلام ، وخبره { يسعى } ، أو { لا * عبد الله } ، ثم من ~~أهل السنة من يقف على قوله : { يوم لا * يخزى الله النبى } أي لا يخزيه في ~~رد الشفاعة ، والإخزاء الفضيحة ، أي لا يفضحهم بين يدي الكفار ، ويجوز أن ~~يعذبهم على وجه لا يقف عليه الكفرة ، وقوله : { بين أيديهم } أي عند المشي ~~{ وبأيمانهم } عند الحساب ، لأنهم يؤتون الكتاب بأيمانهم وفيه نور وخير ، ~~ويسعى النور بين أيديهم في موضع وضع الأقدام وبأيمانهم ، لأن خلفهم وشمالهم ~~طريق الكفرة . # وقوله تعالى : { يقولون ربنا أتمم لنا نورنا } قال ابن عباس : يقولون ذلك ~~عند إطفاء نور المنافقين إشفاقا ، وعن الحسن : أنه تعالى متمم لهم نورهم ، ~~ولكنهم يدعون تقربا إلى حضرة الله تعالى ، كقوله : { واستغفر لذنبك } ( ~~محمد : 19 ) وهو مغفور ، وقيل : أدناهم منزلة من ms9104 نوره بقدر ما يبصر مواطىء ~~قدمه ، لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه ، وقيل : السابقون إلى ~~الجنة يمرون مثل البرق على الصراط ، وبعضهم كالريح ، وبعضهم حبوا وزحفا ، ~~فهم الذين يقولون : { ربنا أتمم لنا نورنا } قاله في ( الكشاف ) ، وقوله ~~تعالى : { العظيم ياأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين } ذكر المنافقين مع ~~أن لفظ الكفار يتناول المنافقين { واغلظ عليهم } أي شدد عليهم ، والمجاهدة ~~قد تكون بالقتال ، وقد تكون بالحجة تارة باللسان ، وتارة بالسنان ، وقيل : ~~جاهدهم بإقامة الحدود عليهم ، لأنهم هم المرتكبون الكبائر ، لأن أصحاب ~~الرسول عصموا منها { ومأواهم جهنم } وقد مر بيانه ، وفي الآية مباحث : # البحث الأول : كيف تعلق { ذلك بأن الذين كفروا } بما سبق وهو قوله : { ~~عمون وقال الذين كفروا } ( التحريم : 7 ) ؟ فنقول : نبههم تعالى على دفع ~~العذاب في ذلك اليوم بالتوبة في هذا اليوم ، إذ في ذلك اليوم لا تفيد وفيه ~~لطيفة : وهي أن التنبيه على الدفع بعد الترهيب فيما مضى يفيد الترغيب بذكر ~~أحوالهم والإنعام في حقهم وإكرامهم . # البحث الثاني : أنه تعالى لا يخزي النبي في ذلك اليوم ولا الذين آمنوا ، ~~فما الحاجة إلى قوله { معه } ؟ فنقول : هي إفادة الاجتماع ، يعني لا يخزي ~~الله المجموع الذي يسعى نورهم وهذه فائدة عظيمة ، إذ الاجتماع بين الذين ~~آمنوا وبين نبيهم تشريف في حقهم وتعظيم . # البحث الثالث : قوله : { واغفر لنا } يوهم أن الذنب لازم لكل واحد من ~~المؤمنين والذنب لا يكون لازما ، فنقول : يمكن أن يكون طلب المغفرة لما هو ~~اللازم لكل ذنب ، وهو التقصير في الخدمة والتقصير لازم لكل واحد من ~~المؤمنين . # البحث الرابع : قال تعالى في أول السورة : { علما ياأيها النبى لم تحرم } ~~( التحريم : 1 ) ومن بعده { العظيم ياأيها النبى جاهد الكفار } خاطبه بوصفه ~~وهو النبي لا باسمه كقوله لآدم يا آدم ، ولموسى يا موسى ولعيسى يا عيسى ، ~~نقول : خاطبه بهذا الوصف ، ليدل على فضله عليهم وهذا ظاهر . # / البحث الخامس : قوله تعالى : { ومأواهم جهنم } يدل على أن مصيرهم بئس ~~المصير مطلقا إذ المطلق يدل على الدوام ، وغير المطلق لا يدل لما أنه ms9105 ~~يطهرهم عن الآثام . PageV30P043 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين ~~من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنينا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين * وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ~~ابن لى عندك بيتا فى الجنة ونجنى من فرعون وعمله ونجنى من القوم الظالمين } ~~. > 7 @QB@ < # | التحريم : ( 10 - 11 ) ضرب الله مثلا . . . . . # > > # قوله : { ضرب الله مثلا } أي بين حالهم بطريق التمثيل أنهم يعاقبون على ~~كفرهم وعداوتهم للمؤمنين معاقبة مثلهم من غير اتقاء ولا محاباة ، ولا ~~ينفعهم مع عداوتهم لهم ما كانوا فيه من القرابة بينهم وبين نبيهم وإنكارهم ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ، فيما جاء به من عند الله وإصرارهم عليه ، وقطع ~~العلائق ، وجعل الأقارب من جملة الأجانب بل أبعد منهم وإن كان المؤمن الذي ~~يتصل به الكافر نبيا كحال امرأة نوح ولوط ، لما خانتاهما لم يغن هذان ~~الرسولان وقيل لهما في اليوم الآخر ادخلا النار ثم بين حال المسلمين في أن ~~وصلة الكافرين لا تضرهم كحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى مع كونها ~~زوجة ظالم من أعداء الله تعالى ، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة ~~الدنيا والآخرة ، والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفارا ، ~~وفي ضمن هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين ، وهما حفصة وعائشة لما فرط ~~منهما وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر ، وضرب ~~مثلا آخر في امرأة فرعون آسية بنت مزاحم ، وقيل : هي عمة موسى عليه السلام ~~آمنت حين سمعت قصة إلقاء موسى عصاه ، وتلقف العصا ، فعذبها فرعون عذابا ~~شديدا بسبب الإيمان ، وعن أبي هريرة أنه وتدها بأربعة أوتاد ، واستقبل بها ~~الشمس ، وألقى عليها صخرة عظيمة ، فقالت : رب نجني من فرعون فرقى بروحها ~~إلى الجنة ، فألقيت الصخرة على / جسد لا روح فيه ، قال الحسن . رفعها إلى ~~الجنة تأكل فيها وتشرب ، وقيل : لما قالت : { رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ~~} رأت بيتها في الجنة ms9106 يبنى لأجلها ، وهو من درة واحدة ، والله أعلم كيف هو ~~وما هو ؟ وفي الآية مباحث : # البحث الأول : ما فائدة قوله تعالى { من عبادنا } ؟ نقول : هو على وجهين ~~أحدهما : تعظيما لهم كما مر الثاني : إظهارا للعبد بأنه لا يترجح على الآخر ~~عنده إلا بالصلاح . # البحث الثاني : ما كانت خيانتهما ؟ نقول : نفاقهما وإخفاؤهما الكفر ، ~~وتظاهرهما على الرسولين ، فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون وامرأة لوط ~~كانت تدل على نزول ضيف إبراهيم ، ولا يجوز أن تكون خيانتهما بالفجور ، وعن ~~ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط ، وقيل : خيانتهما في الدين . # البحث الثالث : ما معنى الجمع بين { عندك } و { فى الجنة } ؟ نقول : طلبت ~~القرب من رحمة الله ثم بينت مكان القرب بقولها : { فى الجنة } أو أرادت ~~ارتفاع درجتها في جنة المأوى التي هي أقرب إلى العرش . PageV30P044 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ومريم ابنة عمران التىأحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت ~~بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين } . > 7 ! # < < # | التحريم : ( 12 ) ومريم ابنة عمران . . . . . # > > أحصنت أي عن الفواحش لأنها قذفت بالزنا . والفرج حمل على حقيقته ، ~~قال ابن عباس : نفخ جبريل في جيب الدرع ومده بأصبعيه ونفخ فيه ، وكل ما في ~~الدرع من خرق ونحوه فإنه يقع عليه اسم الفرج ، وقيل : { أحصنت } تكلفت في ~~عفتها ، والمحصنة العفيفة : { فنفخنا فيه من روحنا } أي فرج ثوبها ، وقيل : ~~خلقنا فيه ما يظهر به الحياة في الأبدان . وقوله : { فيه } أي في عيسى ، ~~ومن قرأ ( فيها ) أي في نفس عيسى والنفث مؤنث ، وأما التشبيه بالنفخ فذلك ~~أن الروح إذا خلق فيه انتشر في تمام الجسد كالريح إذا نفخت في شيء ، وقيل : ~~بالنفخ لسرعة دخوله فيه نحو الريح وصدقت بكلمات ربها . قال مقاتل : يعني ~~بعيسى ، ويدل عليه قراءة الحسن ( بكلمة ربها ) وسمي عيسى ( كلمة الله ) في ~~مواضع من القرآن . وجمعت تلك الكلمة هنا ، وقال أبو علي الفارسي : الكلمات ~~الشرائع التي شرع لها دون القول ، فكأن المعنى صدقت الشرائع وأخذت بها ~~وصدقت الكتب فلم تكذب والشرائع سميت بكلمات كما في قوله تعالى : { وإذ ms9107 ~~ابتلى إبراهيم ربه بكلمات } ( البقرة : 124 ) وقوله تعالى : { صدقت } قرىء ~~بالتخفيف والتشديد على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة يعني وصفتها بالصدق ~~، وهو معنى التصديق بعينه ، وقرىء ( كلمة ) و ( كلمات ) ، و ( كتبه ) و ( ~~كتابه ) ، والمراد بالكتاب هو الكثرة والشياع أيضا قوله تعالى : { وكانت من ~~القانتين } الطائعين قاله ابن عباس ، وقال عطاء : من المصلين ، وفي الآية ~~مباحث . # / البحث الأول : ما كلمات الله وكتبه ؟ نقول : المراد بكلمات الله الصحف ~~المنزلة على إدريس وغيره ، وبكتبه الكتب الأربعة ، وأن يراد جميع ما كلم ~~الله تعالى ( به ) ملائكته وما كتبه في اللوح المحفوظ وغيره ، وقرىء : { ~~بكلمة * الله } أي بعيسى وكتابه وهو الإنجيل ، فإن قيل : ( لم قيل ) { ~~وكانت من القانتين } على التذكير ، نقول : لأن القنوت صفة تشمل من قنت من ~~القبيلين ، فغلب ذكوره على إناثه ، ومن للتبعيض ، قاله في ( الكشاف ) ، ~~وقيل : من القانتين لأن المراد هو القوم ، وأنه عام ، ك { واركعوا مع ~~الراكعين } ( آل عمران : 43 ) أي كوني من المقيمن على طاعة الله تعالى ، ~~ولأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام . # وأما ضرب المثل بامرأة نوح المسماة بواعلة ، وامرأة لوط المسماة بواهلة ، ~~فمشتمل على فوائد متعددة لا يعرفها بتمامها إلا الله تعالى ، منها التنبيه ~~للرجال والنساء على الثواب العظيم ، والعذاب الأليم ، ومنها العلم بأن صلاح ~~الغير لا ينفع المفسد ، وفساد الغير لا يضر المصلح ، ومنها أن الرجل وإن ~~كان في غاية الصلاح فلا يأمن المرأة ، ولا يأمن نفسه ، كالصادر من امرأتي ~~نوح ولوط ، ومنها العلم بأن إحصان المرأة وعفتها مفيدة غاية الإفادة ، كما ~~أفاد مريم بنت عمران ، كما أخبر الله تعالى ، فقال : { إن الله اصطفاك ~~وطهرك واصطفاك } ( آل عمران : 42 ) ومنها التنبيه على أن التضرع بالصدق في ~~حضرة الله تعالى وسيلة إلى الخلاص من العقاب ، وإلى الثواب بغير حساب ، وأن ~~الرجوع إلى الحضرة الأزلية لازم في كل باب ، وإليه المرجع والمآب ، جلت ~~قدرته وعلت كلمته ، لا إله إلا هو وإليه المصير ، والحمد لله رب العالمين ، ~~وصلاته على سيد المرسلين ، وآله وصحبه وسلم . # PageV30P045 < # > 1 ( سورة الملك ) 1 ms9108 < # > # وهي ثلاثون آية مكية # / سورة الملك وتسمى المنجية : لأنها تنجي قارئها من عذاب القبر ، وعن ابن ~~عباس أنه كان يسميها المجادلة لأنها تجادل عن قارئها في القبر ، وهي ثلاثون ~~آية مكية . # ! 7 < { تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شىء قدير } . > 7 @QB@ < # | الملك : ( 1 ) تبارك الذي بيده . . . . . # > > # أما قوله : { تبارك } فقد فسرناه في أول سورة الفرقان ، وأما قوله : { ~~بيده الملك } فاعلم أن هذه اللفظة إنما تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكا ~~ومالكا ، كما يقال : بيد فلان الأمر والنهي والحل والعقد ولا مدخل للجارحة ~~في ذلك . قال صاحب ( الكشاف ) : { بيده الملك } على كل موجود ، { وهو على ~~كل } ما لم يوجد من الممكنات { قدير } ، وقوله : { وهو على كل شىء قدير } ~~فيه مسائل : # المسألة الأولى : هذه الآية احتج بها من زعم أن المعدوم شيء ، فقال قوله ~~: { إن الله على كل شىء قدير } يقتضي كون مقدوره شيئا ، فذلك الشيء الذي هو ~~مقدور الله تعالى ، إما أن يكون موجودا أو معدوما ، لا جائز أن يكون موجودا ~~، لأنه لو كان قادرا على الموجود ، لكان إما أن يكون قادرا على إيجاده وهو ~~محال ، لأن إيجاد الموجود محال ، وإما أن يكون قادرا على إعدامه وهو محال ، ~~لاستحالة وقوع الإعدام بالفاعل ، وذلك لأن القدرة صفة مؤثرة فلا بد لها من ~~تأثير ، والعدم نفي محض ، فيستحيل جعل العدم أثر القدرة ، فيستحيل وقوع ~~الإعدام بالفاعل فثبت أن الشيء الذي هو مقدور الله ليس بموجود ، فوجب أن ~~يكون معدوما ، فلزم أن يكون ذلك المعدوم شيئا ، واحتج أصحابنا النافون لكون ~~المعدوم شيئا بهذه الآية فقالوا : لا شك أن الجوهر من حيث إنه جوهر شيء ~~والسواد من حيث هو سواد شيء ، والله قادر على كل شيء . فبمقتضى هذه الآية ~~يلزم أن يكون قادرا على الجوهر من حيث إنه جوهر ، وعلى السواد من حيث هو ~~سواد ، وإذا كان PageV30P046 كذلك كان كون الجوهر جوهرا ، والسواد سوادا ~~واقعا بالفاعل ، والفاعل المختار لا بد وأن يكون متقدما على فعله ، فإذا ~~وجود الله وذاته متقدم على كون الجوهر جوهرا ، أو ms9109 السواد سوادا ، فيلزم أن ~~لا يكون المعدوم شيئا وهو المطلوب ، ثم أجابوا عن شبهة / الخصم بأنا لا ~~نسلم أن الإعدام لا يقع بالفاعل ، ولئن سلمنا ذلك ، لكن لم يجوز أن يقال ~~المقدور الذي هو معدوم سمي شيئا ، لأجل أنه سيصير شيئا ، وهذا وإن كان ~~مجازا إلا أنه يجب المصير إليه ، لقيام سائر الدلائل الدالة على أن المعدوم ~~ليس بشيء . # المسألة الثانية : زعم القاضي أبو بكر في أحد قوليه أن إعدام الأجسام ~~إنما يقع بالفاعل ، وهذا اختيار أبي الحسن الخياط من المعتزلة ، ومحمود ~~الخوارزمي ، وزعم الجمهور منا ومن المعتزلة أنه يستحيل وقوع الإعدام ~~بالفاعل ، احتج القاضي بأن الموجودات أشياء ، والله على كل شيء قدير ، فهو ~~إذا قادر على الموجودات ، فإما أن يكون قادرا على إيجادها وهو محال لأن ~~إيجاد الموجود محال ، أو على إعدامها ، وذلك يقتضي إمكان وقوع الإعدام ~~بالفاعل . # المسألة الثالثة : زعم الكعبي أنه تعالى غير قادر على مثل مقدور العبد ، ~~وزعم أبو علي وأبو هاشم أنه تعالى غير قادر على مقدور العبد ، وقال أصحابنا ~~: إنه تعالى قادر على مثل مقدور العبد وعلى غير مقدوره ، واحتجوا عليه بأن ~~عين مقدور العبد ومثل مقدوره شيء ، والله على كل شيء قدير ، فثبت بهذا صحة ~~وجود مقدور واحد بين قادرين . # المسألة الرابعة : زعم أصحابنا أنه لا مؤثر إلا قدرة الله تعالى ، ~~وأبطلوا القول بالطبائع على ما يقوله الفلاسفة ، وأبطلوا القول بالمتولدات ~~على ما يقوله المعتزلة ، وأبطلوا القول بكون العبد موجدا لأفعال نفسه ، ~~واحتجوا على الكل بأن الآية دالة على أنه تعالى قادر على كل شيء ، فلو وقع ~~شيء من الممكنات لا بقدرة الله بل بشيء آخر ، لكان ذلك الآخر قد منع قدرة ~~الله عن التأثير فيما كان مقدورا له وذلك محال / لأن ما سوى الله ممكن محدث ~~، فيكون أضعف قوة من قدرة الله ، والأضعف لا يمكن أن يدفع الأقوى . # المسألة الخامسة : هذه الآية دالة على أن الإله تعالى واحد ، لأنا لو ~~قدرنا إلها ثانيا ، فإما أن يقدر على إيجاد شيء أو لا يقدر ms9110 ، فإن لم يقدر ~~ألبتة على إيجاد شيء أصلا لم يكن إلها ، وإن قدر كان مقدور ذلك الإله ~~الثاني شيئا ، فيلزم كونه مقدورا للإله الأول لقوله : { وهو على كل شىء ~~قدير } فيلزم وقوع مخلوق بين خالقين وهو محال ، لأنه إذا كان واحد منهما ~~مستقلا بالإيجاد ، يلزم أن يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما ، فيكون ~~محتاجا إليهما ، وغنيا عنهما ، وذلك محال . # المسألة السادسة : احتج جهم بهذه الآية على أنه تعالى ليس بشيء فقال : لو ~~كان شيئا لكان قادرا على نفسه لقوله : { وهو على كل شىء قدير } لكن كونه ~~قادرا على نفسه محال ، فيمتنع كونه شيئا ، وقال أصحابنا لما دل قوله : { قل ~~أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } ( الأنعام : 19 ) على أنه تعالى شيء وجب ~~تخصيص هذا العموم ، فإذا هذه الآية قد دلت على أن العام المخصوص وارد في ~~كتاب الله تعالى ، ودلت على أن تخصيص العام بدليل العقل جائز بل واقع . # المسألة السابعة : زعم جمهور المعتزلة أن الله تعالى قادر على خلق الكذب ~~والجهل / والعبث والظلم ، PageV30P047 وزعم النظام أنه غير قادر عليه ، ~~واحتج الجمهور بأن الجهل والكذب أشياء { والله على كل شيء قدير } فوجب كونه ~~تعالى قادرا عليها . # المسألة الثامنة : احتج أهل التوحيد على أنه تعالى منزه عن الحيز والجهة ~~، فإنه تعالى لو حصل في حيز دون حيز لكان ذلك الحيز الذي حكم بحصوله فيه ~~متميزا عن الحيز الذي حكم بأنه غير حاصل فيه ، إذ لو لم يتميز أحد الحيزين ~~عن الآخر لاستحال الحكم بأنه تعالى حصل فيه ولم يحصل في الآخر ثم إن امتياز ~~أحد الحيزين عن الآخر في نفسه يقتضي كون الحيز أمرا موجودا لأن العدم المحض ~~يمتنع أن يكون مشارا إليه بالحس وأن يكون بعضه متميزا عن البعض في الحس ، ~~وأن يكون مقصدا للمتحرك ، فإذن لو كان الله تعالى حاصلا في حيز لكان ذلك ~~الحيز موجودا ، ولو كان ذلك الحيز موجودا لكان شيئا ولكان مقدور الله لقوله ~~تعالى : { وهو على كل شىء قدير } وإذا كان تحقق ms9111 ذلك الحيز بقدرة الله ~~وبإيجاده ، فيلزم أن يكون الله متقدما في الوجود على تحقق ذلك الحيز ، ومتى ~~كان كذلك كان وجود الله في الأزل محققا من غير حيز وله جهة أصلا والأزلي لا ~~يزول ألبتة ، فثبت أنه تعالى منزه عن الحيز والمكان أزلا وأبدا . # المسألة التاسعة : أنه تعالى قال أولا : { بيده الملك } ثم قال بعده : { ~~وهو على كل شىء قدير } وهذا مشعر بأنه إنما يكون بيده الملك لو ثبت أنه على ~~كل شيء قدير ، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا من أنه لو وقع مراد العبد ولا ~~يقع مراد الله ، لكان ذلك مشعرا بالعجز والضعف ، وبأن لا يكون مالك الملك ~~على الإطلاق ، فدل ذلك ، على أنه لما كان مالك الملك وجب أن يكون قادرا على ~~جميع الأشياء . # المسألة العاشرة : القدير مبالغة في القادر ، فلما كان قديرا على كل ~~الأشياء وجب أن لا يمنعه ألبتة مانع عن إيجاد شيء من مقدوراته ، وهذا يقتضي ~~أن لا يجب لأحد عليه شيء وإلا لكان ذلك الوجوب مانعا له من الترك وأن لا ~~يقبح منه شيء وإلا لكان ذلك القبح مانعا له من الفعل ، فلا يكون كاملا في ~~القدرة ، فلا يكون قديرا والله أعلم . # ! 7 < { الذى خلق الموت والحيواة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز ~~الغفور } . > 7 @QB@ < # | الملك : ( 2 ) الذي خلق الموت . . . . . # > > # قوله تعالى : { الذى خلق الموت والحيواة } فيه مسائل : # المسألة الأولى : قالوا : الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث ~~يصح أن يعلم ويقدر واختلفوا في الموت ، فقال قوم : إنه عبارة عن عدم هذه ~~الصفة وقال أصحابنا : إنه صفة وجودية مضادة للحياة واحتجوا على قولهم بأنه ~~تعالى قال : { الذى خلق الموت } والعدم لا يكون مخلوقا هذا هو التحقيق ، ~~وروى الكلبي بإسناده عن ابن عباس أن الله تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح ~~لا يمر بشيء ، ولا يجد رائحته شيء إلا مات وخلق الحياة / في صورة فارس ~~يلقاه فوق الحمار ودون البغل ، لا تمر بشيء ولا يجد ريحتها شيء إلا حيي . ~~واعلم أن هذا لا ms9112 بد وأن يكون مقولا على سبيل التمثيل والتصوير ، وإلا ~~فالتحقيق هو الذي ذكرناه . # المسألة الثانية : إنما قدم ذكر الموت على ذكر الحياة مع أن الحياة مقدمة ~~على الموت لوجوه : أحدها : قال مقاتل : يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة ~~والحياة نفخ الروح وثانيها : روى عطاء عن ابن عباس قال : يريد PageV30P048 ~~الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان وثالثها : أنه روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ( أن مناديا ينادي يوم القيامة يا أهل الجنة ، ~~فيعلمون أنه من قبل الله عز وجل فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، فيقول : هل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا : نعم ، ثم يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ~~ويذبح ثم ينادي يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت ~~فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح ، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزن ) واعلم ~~أنا بينا أن الموت عرض من الأعراض كالسكون والحركة فلا يجوز أن يصير كبشا ~~بل المراد منه التمثيل ليعلم أن في ذلك اليوم قد انقضى أمر الموت ، فظهر ~~بما ذكرناه أن أيام الموت هي أيام الدنيا وهي منقضية ، وأما أيام الآخرة ~~فهي أيام الحياة وهي متأخرة فلما كانت أيام الموت متقدمة على أيام الحياة ~~لا جرم قدم الله ذكر الموت على ذكر الحياة ورابعها إنما قدم الموت على ~~الحياة لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه ~~فيما يرجع إلى الغرض له أهم . # المسألة الثالثة : اعلم أن الحياة هي الأصل في النعم ولولاها لم يتنعم ~~أحد في الدنيا وهي الأصل أيضا في نعم الآخرة ولولاها لم يثبت الثواب الدائم ~~، والموت أيضا نعمة على ما شرحنا الحال فيه في مواضع من هذا الكتاب ، وكيف ~~لا وهو الفاصل بين حال التكليف وحال المجازاة وهو نعمة من هذا الوجه ، قال ~~عليه الصلاة والسلام : ( أكثروا من ذكر هازم اللذات ) وقال لقوم : ( لو ~~أكثرتم ذكر هازم اللذات لشغلكم عما أرى ) وسأل عليه الصلاة والسلام عن رجل ~~فأثنوا عليه ، فقال : ( كيف ذكره الموت ms9113 ؟ قالوا قليل ، قال فليس كما تقولون ~~) . # قوله تعالى : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الابتلاء هو التجربة والامتحان حتى يعلم أنه هل يطيع أو ~~يعصي وذلك في حق من وجب أن يكون عالما بجميع المعلومات أزلا وأبدا محال ، ~~إلا أنا قد حققنا هذه المسألة في تأويل قوله : { وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات } ( البقرة : 124 ) والحاصل أن الابتلاء من الله هو أن يعامل عبده ~~معاملة تشبه ( الابتلاء ) على المختبر . # المسألة الثانية : احتج القائلون بأنه تعالى يفعل الفعل لغرض بقوله : { ~~ليبلوكم } قالوا : هذه اللام للغرض ونظيره قوله تعالى : { إلا ليعبدون } ( ~~الذاريات : 56 ) وجوابه أن الفعل في نفسه ليس بابتلاء إلا أنه / لما أشبه ~~الابتلاء سمي مجازا ، فكذا ههنا ، فإنه يشبه الغرض وإن لم يكن في نفسه غرضا ~~، فذكر فيه حرف الغرض . # المسألة الثالثة : اعلم أنا فسرنا الموت والحياة بالموت حال كونه نطفة ~~وعلقة ومضغة ، والحياة بعد ذلك فوجه الابتلاء على هذا الوجه أن يعلم أنه ~~تعالى هو الذي نقله من الموت إلى الحياة وكما فعل ذلك فلا بد وأن يكون ~~قادرا على أن ينقله من الحياة إلى الموت فيحذر مجيء الموت الذي به ينقطع ~~استدراك ما فات ويستوي فيه الفقير والغني والمولى والعبد ، وأما إن ~~فسرناهما بالموت في الدنيا وبالحياة في القيامة فالابتلاء فيهما أتم لأن ~~الخوف من الموت في الدنيا حاصل وأشد منه الخوف من تبعات الحياة في القيامة ~~، والمراد من الابتلاء أنه هل ينزجر عن القبائح بسبب هذا الخوف أم لا . ~~PageV30P049 # المسألة الرابعة : في تعلق قوله : { ليبلوكم } بقوله : { أيكم أحسن عملا ~~} وجهان : الأول : وهو قول الفراء والزجاج : إن المتعلق بأيكم مضمر ~~والتقدير ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملا والثاني : قال صاحب ( ~~الكشاف ) : { ليبلوكم } في معنى ليعلمكم والتقدير ليعلمكم أيكم أحسن عملا . # المسألة الخامسة : ارتفعت ( أي ) بالابتداء ولا يعمل فيها ما قبلها لأنها ~~على أصل الاستفهام فإنك إذا قلت : لا أعلم أيكم أفضل كان المعنى لا أعلم ~~أزيد أفضل أم عمرو ، واعلم أن مالا يعمل ms9114 فيما بعد الألف فكذلك لا يعمل في ( ~~أي ) لأن المعنى واحد ، ونظير هذه الآية قوله : { سلهم أيهم بذالك زعيم } ( ~~القلم : 40 ) وقد تقدم الكلام فيه . # المسألة السادسة : ذكروا في تفسير { أحسن عملا } وجوها : أحدها : أن يكون ~~أخلص الأعمال وأصوبها لأن العمل إذا كان خالصا غير صواب لم يقبل ، وكذلك ~~إذا كان صوابا غير خالص فالخالص أن يكون لوجه الله ، والصواب أن يكون على ~~السنة وثانيها : قال قتادة : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( ~~يقول أيكم أحسن عقلا ) ثم قال : أتمكم عقلا أشدكم لله خوفا وأحسنكم فيما ~~أمر الله به ونهى عنه نظرا ، وإنما جاز أن يفسر حسن العمل بتمام العقل لأنه ~~يترتب على العقل ، فمن كان أتم عقلا كان أحسن عملا على ما ذكر في حديث ~~قتادة وثالثها : روي عن الحسن أيكم أزهد في الدنيا وأشد تركا لها ، واعلم ~~أنه لما ذكر حديث الابتلاء قال بعده : { وهو العزيز الغفور } أي وهو العزيز ~~الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل ، الغفور لمن تاب من أهل الإساءة . # واعلم أن كونه عزيزا غفورا لا يتم إلا بعد كونه قادرا على كل المقدورات ~~عالما بكل المعلومات أما أنه لا بد من القدرة التامة ، فلأجل أن يتمكن من ~~إيصال جزاء كل أحد بتمامه إليه سواء كان عقابا أو ثوابا ، وأما أنه لا بد ~~من العلم التام فلأجل أن يعلم أن المطيع من هو والعاصي من هو فلا يقع الخطأ ~~في إيصال الحق إلى مستحقه ، فثبت أن كونه عزيزا غفورا لا يمكن ثبوتها إلا ~~بعد ثبوت / القدرة التامة والعلم التام ، فلهذا السبب ذكر الله الدليل على ~~ثبوت هاتين الصفتين في هذا المقام ، ولما كان العلم بكونه تعالى قادرا ~~متقدما على العلم بكونه عالما ، لا جرم ذكر أولا دلائل القدرة وثانيا دلائل ~~العلم . # ! 7 < { الذى خلق سبع سماوات طباقا ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت فارجع ~~البصر هل ترى من فطور } . > 7 @QB@ < # | الملك : ( 3 ) الذي خلق سبع . . . . . # > > # أما دليل القدرة فهو قوله : { الذى خلق ms9115 سبع * سماوات * طباقا } وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ذكر صاحب ( الكشاف ) في { طباقا } ثلاثة أوجه أولها : ~~طباقا أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق النعل إذا خصفها طبقا على طبق ، ~~وهذا وصف بالمصدر وثانيها : أن يكون التقدير ذات طباق وثالثها : أن يكون ~~التقدير طوبقت طباقا . # المسألة الثانية : دلالة هذه السموات على القدرة من وجوه أحدها : من حيث ~~إنها بقيت في جو الهواء معلقة بلا عماد ولا سلسلة وثانيها : من حيث إن كل ~~واحد منها اختص بمقدار معين مع جواز ما هو أزيد منه وأنقص وثالثها : أنه ~~اختص كل واحد منها بحركة خاصة مقدرة بقدر معين من السرعة والبطء إلى جهة ~~PageV30P050 معينة ورابعها : كونها في ذواتها محدثة وكل ذلك يدل على ~~استنادها إلى قادر تام القدرة . # وأما دليل العلم فهو قوله : { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت فارجع ~~البصر هل ترى من فطور } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي { من تفاوت } والباقون { من تفاوت } ~~، قال الفراء : وهما بمنزلة واحدة مثل تظهر وتظاهر ، وتعهد وتعاهد ، وقال ~~الأخفش : { تفاوت } أجود لأنهم يقولون : تفاوت الأمر ولا يكادون يقولون : ~~تفوت ، واختار أبو عبيدة : { تفاوت } ، وقال : يقال تفوت الشيء إذا فات ، ~~واحتج بما روي في الحديث أن رجلا تفوت على أبيه في ماله . # المسألة الثانية : حقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضه ~~ولا يلائمه ومنه قولهم : ( تعلق متعلق متفاوت ونقيضه متناسب ) ، وأما ألفاظ ~~المفسرين فقال السدي : من تفاوت أي من اختلاف عيب ، يقول الناظر : لو كان ~~كذا كان أحسن ، وقال آخرون : التفاوت الفطور بدليل قوله بعد ذلك : { فارجع ~~البصر هل ترى من فطور } نظيره قوله : { وما لها من فروج } ( ق : 6 ) قال ~~القفال : ويحتمل أن يكون المعنى : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت في ~~الدلالة على حكمة صانعها وأنه لم يخلقها عبثا . # المسألة الثالثة : الخطاب في قوله : { ما ترى } إما للرسول أو لكل مخاطب ~~وكذا القول في / قوله : { فارجع البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر ~~كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا ms9116 } . # المسألة الرابعة : قوله : { طباقا } صفة للسموات ، وقوله بعد ذلك : { ما ~~ترى فى خلق الرحمان من تفاوت } صفة أخرى للسموات والتقدير خلق سبع سموات ~~طباقا ما ترى فيهن من تفاوت إلا أنه وضع مكان الضمير قوله : { خلق الرحمان ~~} تعظيما لخلقهن وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت ، وهو أنه خلق الرحمن ~~وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب . # المسألة الخامسة : اعلم أن وجه الاستدلال بهذا على كمال علم الله تعالى ~~هو أن الحس دل أن هذه السموات السبع ، أجسام مخلوقة على وجه الإحكام ~~والإتقان ، وكل فاعل كان فعله محكما متقنا فإنه لا بد وأن يكون عالما ، فدل ~~هذه الدلالة على كونه تعالى عالما بالمعلومات فقوله : { ما ترى فى خلق ~~الرحمان من تفاوت } إشارة إلى كونها محكمة متقنة . # المسألة السادسة : احتج الكعبي بهذه الآية على أن المعاصي ليست من خلق ~~الله تعالى ، قال : لأنه تعالى نفى التفاوت في خلقه / وليس المراد نفي ~~التفاوت في الصغر والكبر والنقص والعيب فوجب حمله على نفي التفاوت في خلقه ~~من حيث الحكمة ، فيدل من هذا الوجه على أن أفعال العباد ليست من خلقه على ~~ما فيها من التفاوت الذي بعضه جهل وبعضه كذب وبعضه سفه ، الجواب : بل نحن ~~نحمله على أنه لا تفوت فيه بالنسبة إليه ، من حيث إن الكل يصح منه بحسب ~~القدرة والإرادة والداعية ، وإنه لا يقبح منه شيء أصلا ، فلم كان حمل الآية ~~على التفاوت من الوجه الذي ذكرتم أولى من حملها على نفي التفاوت من الوجه ~~الذي ذكرناه ، ثم إنه تعالى أكد بيان كونها محكمة متقنة ، وقال : { فارجع ~~البصر هل ترى من فطور } والمعنى أنه لما قال : { ما ترى فى خلق الرحمان من ~~تفاوت } كأنه قال بعده : ولعلك لا تحكم بمقتضى ذلك بالبصر PageV30P051 ~~الواحد ، ولا تعتمد عليه بسبب أنه قد يقع الغلط في النظرة الواحدة ، ولكن ~~ارجع البصر واردد النظرة مرة أخرى ، حتى تتيقن أنه ليس في خلق الرحمن من ~~تفاوت ألبتة . والفطور جمع فطر ، وهو الشق يقال : فطره فانفطر ms9117 ومنه فطر ناب ~~البعير ، كما يقال : شق ومعناه شق اللحم فطلع ، قال المفسرون : { هل ترى من ~~فطور } أي من فروج وصدوع وشقوق ، وفتوق ، وخروق ، كل هذا ألفاظهم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 4 ) ثم ارجع البصر . . . . . # > > أمر بتكرير البصر في خلق الرحمن على سبيل التصفح والتتبع ، هل يجد ~~فيه عيبا وخللا ، يعني أنك إذا كررت نظرك لم يرجع إليك بصرك بما طلبته من ~~وجدان الخلل والعيب ، بل يرجع إليك خاسئا أي مبعدا من قولك خسأت الكلب إذا ~~باعدته ، قال المبرد : الخاسيء المبعد المصغر ، وقال ابن عباس : الخاسيء ~~الذي لم ير ما يهوى ، وأما الحسير فقال ابن عباس : هو الكليل ، قال الليث : ~~/ الحسر والحسور الإعياء ، وذكر الواحدي ههنا احتمالين أحدهما : أن يكون ~~الحسير مفعولا من حسر العين بعد المرئي ، قال رؤبة : # % يحسر طرف عيناه فضا % % # الثاني : قول الفراء : أن يكون فاعلا من الحسور الذي هو الإعياء ، ~~والمعنى أنه وإن كرر النظر وأعاده فإنه لا يجد عيبا ولا فطورا ، بل البصر ~~يرجع خاسئا من الكلال والإعياء ، وههنا سؤالان : # السؤال الأول : كيف ينقلب البصر خاسئا حسيرا برجعه كرتين اثنتين الجواب : ~~التثنية للتكرار بكثرة كقولهم : لبيك وسعديك يريد إجابات متوالية . # السؤال الثاني : فما معنى { ثم ارجع } الجواب : أمره برجع البصر ثم أمره ~~بأن لا يقنع بالرجعة الأولى ، بل أن يتوقف بعدها ويجم بصره ثم يعيده ~~ويعاوده إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من فطور . # ! 7 < { ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ~~وأعتدنا لهم عذاب السعير } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 5 ) ولقد زينا السماء . . . . . # > > اعلم أن هذا هو الدليل الثاني على كونه تعالى قادرا عالما ، وذلك لأن ~~هذه الكواكب نظرا إلى أنها محدثة ومختصة بمقدار خاص ، وموضع معين ، وسير ~~معين ، تدل على أن صانعها قادر ونظرا إلى كونها محكمة متقنة موافقة لمصالح ~~العباد من كونها زينة لأهل الدنيا ، وسببا لانتفاعهم بها ، تدل على أن ~~صانعها عالم ، ونظير ms9118 هذه الآية في سورة الصفات { إنا زينا السماء الدنيا ~~بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد } ( الصافات : 7 ) وههنا مسائل . ~~PageV30P052 # المسألة الأولى : { السماء الدنيا } القربى ، وذلك لأنها أقرب السموات ~~إلى الناس ومعناها السماء الدنيا من الناس ، والمصابيح السرج سميت بها ~~الكواكب ، والناس يزينون مساجدهم ودورهم بالمصابيح ، فقيل : ولقد زينا سقف ~~الدار التي اجتمعتم فيها بمصابيح أي بمصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة ، ~~أما قوله تعالى : { وجعلناها رجوما للشياطين } فاعلم أن الرجوم جمع رجم ، ~~وهو مصدر سمي به ما يرجم به ، وذكروا في معرض هذه الآية وجهين : الوجه ~~الأول أن الشياطين إذا أرادوا استراق السمع رجموا بها ، فإن قيل : جعل ~~الكواكب زينة للسماء يقتضي بقاءها واستمرارها وجعلها رجوما للشياطين ورميهم ~~بها يقتضي زوالها والجمع بينهما متناقض ، قلنا : ليس معنى رجم الشياطين هو ~~أنهم يرمون بأجرام الكواكب ، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب شعل ترمى ~~الشياطين بها ، وتلك الشعل هي الشهب ، وما ذاك إلا قبس يؤخذ من نار والنار ~~/ باقية الوجه الثاني : في تفسير كون الكواكب رجوما للشياطين أنا جعلناها ~~ظنونا ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من المنجمين . # المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن هذه الكواكب ~~مركوزة في السماء الدنيا ، وذلك لأن السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء ~~كانت في السماء الدنيا أو كانت في سموات أخرى فوقها ، فهي لا بد وأن تظهر ~~في السماء الدنيا وتلوح منها ، فعلى التقديرين تكون السماء الدنيا مزينة ~~بهذه المصابيح . # واعلم أن أصحاب الهيئة اتفقوا على أن هذه الثوابت مركوزة في الفلك الثامن ~~الذي هو فوق كرات السيارات ، واحتجوا عليه بأن بعض هذه الثوابت في الفلك ~~الثامن ، فيجب أن تكون كلها هناك ، وإنما قلنا : إن بعضها في الفلك الثامن ~~، وذلك لأن الثوابت التي تكون قريبة من المنطقة تنكسف بهذه السيارات ، فوجب ~~أن تكون الثوابت المنكسفة فوق السيارات الكاسفة ، وإنما قلنا : إن هذه ~~الثوابت لما كانت في الفلك الثامن وجب أن تكون كلها هناك ، لأنها بأسرها ~~متحركة حركة واحدة بطيئة في كل ms9119 مائة سنة درجة واحدة ، فلا بد وأن تكون ~~مركوزة في كرة واحدة . # واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، فإنه لا يلزم من كون بعض الثوابت فوق ~~السيارات كون كلها هناك ، لأنه لا يبعد وجود كرة تحت القمر ، وتكون في ~~البطء مساوية لكرة الثوابت ، وتكون الكواكب المركوزة فيما يقارن القطبين ~~مركوزة في هذه الكرة السفلية ، إذ لا يبعد وجود كرتين مختلفتين بالصغر ~~والكبر مع كونهما متشابهتين في الحركة ، وعلى هذا التقدير لا يمتنع أن تكون ~~هذه المصابيح مركوزة في السماء الدنيا ، فثبت أن مذهب الفلاسفة في هذا ~~الباب ضعيف . # المسألة الثالثة : اعلم أن منافع النجوم كثيرة ، منها أن الله تعالى زين ~~السماء بها ، ومنها أنه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء ، ولذلك فإنه ~~إذا تكاثف السحاب في الليل عظمت الظلمة / وذلك بسبب أن السحاب يحجب أنوارها ~~، ومنها أنه يحصل بسببها تفاوت في أحوال الفصول الأربعة ، فإنها أجسام ~~عظيمة نورانية ، فإذا قارنت الشمس كوكبا مسخنا في الصيف ، صار الصيف أقوى ~~حرا ، وهو مثل نار تضم إلى نار أخرى ، فإنه لا شك أن يكون الأثر الحاصل من ~~المجموع أقوى ، ومنها أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البر ~~والبحر ، على ما قال تعالى : { وعلامات وبالنجم هم يهتدون } ( النحل : 16 ) ~~ومنها أنه تعالى جعلها رجوما PageV30P053 للشياطين الذين يخرجون الناس من ~~نور الإيمان إلى ظلمات الكفر ، يروى أن السبب في ذلك أن الجن كانت تتسمع ~~لخبر السماء ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرست السماء ، ورصدت ~~الشياطين ، فمن جاء منهم مسترقا للسمع رمي بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى ~~الأرض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النبي أمره ويرتاب الناس بخبره ، فهذا هو ~~السبب في انقضاض الشهب ، وهو المراد من قوله : { وجعلناها رجوما للشياطين } ~~ومن الناس / من طعن في هذا من وجوه أحدها : أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب ~~قدماء الفلاسفة ، قالوا : إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس ، ~~وإذا بلغ الناس التي دون الفلك احترق بها ، فتلك الشعلة هي الشهاب وثانيها ms9120 ~~: أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحدا وألفا من جنسهم يسترقون السمع ~~فيحترقون ، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم فإن العاقل إذا رأى الهلاك ~~في شيء مرة ومرارا وألفا امتنع أن يعود إليه من غير فائدة وثالثها : أنه ~~يقال في ثخن السماء فإنه مسيرة خمسمائة عام ، فهؤلاء الجن إن نفذوا في جرم ~~السماء وخرقوا اتصاله ، فهذا باطل لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما ~~قال : { فارجع البصر هل ترى من فطور } ( الملك : 3 ) وإن كانوا لا ينفذون ~~في جرم السماء ، فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم ~~، ثم إن جاز أن يسمعوا كلامهم من ذلك البعد العظيم ، فلا يسمعوا كلام ~~الملائكة حال كونهم في الأرض ورابعها : أن الملائكة إنما اطلعوا على ~~الأحوال المستقبلة ، إما لأنهم طالعوها في اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقفوها ~~من وحي الله تعالى إليهم ، وعلى التقديرين فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا ~~يتمكن الجن من الوقوف عليها وخامسها : أن الشياطين مخلوقون من النار ، ~~والنار لا تحرق النار بل تقويها ، فكيف يعقل أن يقال : إن الشياطين زجروا ~~عن استراق السمع بهذه الشهب وسادسها : أنه كان هذا الحذف لأجل النبوة فلم ~~دام بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام وسابعها : أن هذه الرجوم إنما ~~تحدث بالقرب من الأرض ، بدليل أنا نشاهد حركتها بالعين ولو كانت قريبة من ~~الفلك ، لما شاهدنا حركتها كما لم نشاهد حركات الكواكب ، وإذا ثبت أن هذه ~~الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض ، فكيف يقال : إنها تمنع الشياطين من ~~الوصول إلى الفلك وثامنها : أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا ~~أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة ، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى ~~الكفار ، حتى يتوصل الكفار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم ~~؟ وتاسعها : لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء حتى لا يحتاج ~~في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب ؟ . # والجواب عن السؤال الأول : أنا لا ننكر أن هذه الشهب كانت موجودة قبل ~~مبعث ms9121 النبي صلى الله عليه وسلم لأسباب آخر ، إلا أن ذلك لا ينافي أنها بعد ~~مبعث النبي عليه الصلاة والسلام قد توجد بسبب آخر وهو دفع الجن وزجرهم . ~~يروى أنه قيل للزهري : أكان يرمى في الجاهلية قال : نعم ، قيل : أفرأيت ~~قوله تعالى : { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الان يجد له ~~شهابا رصدا } ( الجن : 9 ) قال : غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم . # والجواب عن السؤال الثاني : أنه إذا جاء القدر عمي البصر ، فإذا قضى الله ~~على طائفة منها الحرق لطغيانها وضلالتها ، قيض لها من الدواعي المطمعة في ~~درك المقصود ما عندها ، تقدم على العمل المفضي إلى الهلاك والبوار . ~~PageV30P054 # / ووالجواب عن السؤال الثالث : أن البعد بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة ~~عام ، فأما ثخن الفلك فلعله لا يكون عظيما . # وأما الجواب عن السؤال الرابع : ما روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب عليه السلام عن ابن عباس قال : بينا النبي صلى الله عليه وسلم ~~جالسا في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار ، فقال : ( ما كنتم تقولون في ~~الجاهلية إذا حدث مثل هذا ، قالوا : كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم ) قال ~~عليه الصلاة والسلام : ( فإنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته ، ولكن ربنا ~~تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ، ثم سبح أهل السماء ، وسبح ~~أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء ، ويستخبر أهل السماء حملة ~~العرش ، ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم ، ولا يزال ذلك الخبر من سماء إلى سماء ~~إلى أن ينتهي الخبر إلى هذه السماء ، ويتخطف الجن فيرمون ، فما جاءوا به ~~فهو حق ، ولكنهم يزيدون فيه . # والجواب عن السؤال الخامس : أن النار قد تكون أقوى من نار أخرى ، فالأقوى ~~يبطل الأضعف . # والجواب عن السؤال السادس : أنه إنما دام لأنه عليه الصلاة والسلام أخبر ~~ببطلان الكهانة ، فلو لم يدم هذا العذاب لعادت الكهانة ، وذلك يقدح في خبر ~~الرسول عن بطلان الكهانة . # والجواب عن السؤال السابع : أن البعد على ms9122 مذهبنا غير مانع من السماع ، ~~فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقفوا في تلك الموضع سمعوا كلام الملائكة ~~. # والجواب عن السؤال الثامن : لعله تعالى أقدرهم على استماع الغيوب عن ~~الملائكة وأعجزهم عن إيصال أسرار المؤمنين إلى الكافرين . # والجواب عن السؤال التاسع : أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فهذا ~~ما يتعلق بهذا الباب على سبيل الاختصار والله أعلم . # واعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الكواكب وذكر أن من جملة المنافع أنها ~~رجوم للشياطين ، قال بعد ذلك : { وأعتدنا لهم عذاب السعير } أي أعتدنا ~~للشياطين بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عذاب السعير في الآخرة ، قال المبرد ~~: سعرت النار فهي مسعورة وسعير كقولك : مقبولة وقبيل ، واحتج أصحابنا على ~~أن النار مخلوقة الآن بهذه الآية ، لأن قوله : { وأعتدنا } إخبار عن الماضي ~~. # ! 7 < { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 6 ) وللذين كفروا بربهم . . . . . # > > اعلم أنه تعالى بين في أول السورة أنه قادر على جميع الممكنات ، ثم ~~ذكر بعده أنه وإن كان قادرا على الكل إلا أنه إنما خلق ما خلق لا للعبث ~~والباطل بل لأجل الابتلاء والامتحان ، وبين / أن المقصود من ذلك الابتلاء ~~أن يكون عزيزا في حق المصرين على الإساءة غفورا في حق التائبين ومن ذلك كان ~~كونه عزيزا وغفورا لا يثبتان إلا إذا ثبت كونه تعالى كاملا في القدرة ~~والعلم بين ذلك بالدلائل المذكورة ، وحينئذ ثبت كونه قادرا على تعذيب ~~العصاة فقال : { وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم } أي ولكل من كفر بالله من ~~PageV30P055 الشياطين وغيرهم عذاب جهنم ، ليس الشياطين المرجومون مخصوصين ~~بذلك ، وقرىء : { عذاب جهنم } بالنصب عطف بيان على قوله : { عذاب السعير } ~~( الحج : 4 ) ثم إنه تعالى وصف ذلك العذاب بصفاته كثيرة . # ! 7 < { إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهى تفور } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 7 ) إذا ألقوا فيها . . . . . # > > الصفة الأولى : قوله تعالى : { إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا } . # { ألقوا } طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة ويرمى به فيها ، ومثله ~~قوله : { حصب جهنم } ( الأنبياء : 98 ) وفي قوله : { سمعوا لها شهيقا ms9123 } ~~وجوه أحدها : قال مقاتل : سمعوا لجهنم شهيقا ، ولعل المراد تشبيه صوت لهب ~~النار بالشهيق ، قال الزجاج : سمع الكفار للنار شهيقا ، وهو أقبح الأصوات ، ~~وهو كصوت الحمار ، وقال المبرد : هو والله أعلم تنفس كتنفس المتغيظ وثانيها ~~: قال عطاء : سمعوا لأهلها ممن تقدم طرحهم فيها شهيقا وثالثها : سمعوا من ~~أنفسهم شهيقا ، كقوله تعالى : { لهم فيها زفير وشهيق } ( هود : 106 ) ~~والقول هو الأول . # الصفة الثانية : قوله : { وهى تفور } قال الليث : كل شيء جاش فقد فار ، ~~وهو فور القدر والدخان والغضب والماء من العين ، قال ابن عباس : تغلي بهم ~~كغلي المرجل ، وقال مجاهد : تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل ، ~~ويجوز أن يكون هذا من فور الغضب ، قال المبرد : يقال تركت فلانا يفور غضبا ~~، ويتأكد هذا القول بالآية الآتية . # ! 7 < { تكاد تميز من الغيظ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم يأتكم ~~نذير } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 8 ) تكاد تميز من . . . . . # > > الصفة الثالثة : قوله : { تكاد تميز من الغيظ } يقال : فلان يتميز ~~غيظا ، ويتعصف غيظا وغضب فطارت منه ( شعلة في الأرض وشعلة ) في السماء إذا ~~وصفوه بالإفراط فيه . وأقول لعل السبب في هذا المجاز أن الغضب حالة تحصل ~~عند غليان دم القلب والدم عند الغليان يصير أعظم حجما ومقدارا فتتمدد تلك ~~الأوعية عند ازدياد مقادير الرطوبات في البدن ، فكلما كان الغضب أشد كان ~~الغليان أشد ، فكان الازدياد أكثر ، وكان تمدد الأوعية وانشقاقها وتميزها ~~أكثر ، فجعل ذكر هذه الملازمة كناية عن شدة الغضب ، فإن قيل : النار ليست ~~من الأحياء ، فكيف يمكن وصفها بالغيظ قلنا الجواب من وجوه أحدها : أن ~~البنية عندنا ليست شرطا للحياة فلعل الله يخلق فيها وهي نار حياة وثانيها : ~~أنه شبه صوت لهبها وسرعة تبادرها بصوت الغضبان وحركته وثالثها : يجوز أن ~~يكون المراد غيظ الزبانية . # / الصفة الرابعة : قوله تعالى : { كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم ~~يأتكم نذير } . # الفوج الجماعة من الناس والأفواج الجماعات في تعرفه ، ومنه قوله : { ~~فتأتون أفواجا } ( النبأ : 18 ) و { خزنتها } مالك وأعوانه من الزبانية { ~~ألم يأتكم نذير } وهو سؤال توبيخ ms9124 ، قال الزجاج : وهذا التوبيخ زيادة لهم في ~~العذاب ، وفي الآية مسألتان : PageV30P056 # المسألة الأولى : احتجت المرجئة على أنه لا يدخل النار أحد إلا الكفار ~~بهذه الآية ، قالوا : لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي في النار أنهم قالوا : ~~كذبنا النذير ، وهذا يقتضي أن من لم يكذب الله ورسوله لا يدخل النار ، ~~واعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي القطع بأن الفاسق المصر لا يدخل النار ، ~~وأجاب القاضي عنه بأن النذير قد يطلق على ما في العقول من الأدلة المحذرة ~~المخوفة ، ولا أحد يدخل النار إلا وهو مخالف للدليل غير متمسك بموجبه . # المسألة الثانية : احتج القائلون بأن معرفة الله وشكره لا يجبان إلا بعد ~~ورود السمع بهذه الآية وقالوا : هذه الآية دلت على أنه تعالى إنما عذبهم ~~لأنه أتاهم النذير ، وهذا يدل على أنه لو لم يأتهم النذير لما عذبهم . # ثم إنه تعالى حكى عن الكفار جوابهم عن ذلك السؤال من وجهين : # ! 7 < { قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شىء إن ~~أنتم إلا فى ضلال كبير } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 9 ) قالوا بلى قد . . . . . # > > الأول : قوله تعالى : { قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل ~~الله من شىء } . # واعلم أن قوله : { بلى قد جاءنا نذير فكذبنا } اعتراف منهم بعدل الله ، ~~وإقرار بأن الله أزاح عللهم ببعثة الرسل ، ولكنهم كذبوا الرسل وقالوا : { ~~ما نزل الله من شىء } . # أما قوله تعالى : { إن أنتم إلا فى ضلال كبير } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية وجهان الوجه الأول : وهو الأظهر أنه من جملة ~~قول الكفار وخطابهم للمنذرين الوجه الثاني : يجوز أن يكون من كلام الخزنة ~~للكفار ، والتقدير أن الكفار لما قالوا ذلك الكلام قالت الخزنة لهم : { إن ~~أنتم إلا فى ضلال كبير } . # المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد من الضلال الكبير ما كانوا عليه ~~من ضلالهم في الدنيا ، ويحتمل أن يكون المراد بالضلال الهلاك ، ويحتمل أن ~~يكون سمي عقاب الضلال باسمه . # ! 7 < { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فىأصحاب السعير } . > 7 ms9125 ! # < < # | الملك : ( 10 ) وقالوا لو كنا . . . . . # > > هذا هو الكلام / الثاني مما حكاه الله تعالى عن الكفار جوابا للخزنة ~~حين قالوا : { ألم يأتكم نذير } ( الملك : 8 ) والمعنى لو كنا نسمع الإنذار ~~سماع من كان طالبا للحق أو نعقله عقل من كان متأملا متفكرا لما كنا من ~~أصحاب السعير ، وقيل : إنما جمع بين السمع والعقل ، لأن مدار التكليف على ~~أدلة السمع والعقل ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة الهدى والإضلال بأن ~~قالوا لفظة لو تفيد امتناع الشيء لامتناع غيره فدلت الآية على أنه ما كان ~~لهم سمع ولا عقل ، لكن لا شك أنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة ، وأنهم ما ~~كانوا صم الأسماع ولا مجانين ، فوجب أن يكون المراد أنه ما كان لهم سمع ~~الهداية ولا عقل الهداية . # المسألة الثانية : احتج بهذه الآية من قال : الدين لا يتم إلا بالتعليم ~~فقال : إنه قدم السمع على العقل تنبيها على أنه لا بد أولا من إرشاد المرشد ~~وهداية الهادي ، ثم إنه يترتب عليه فهم المستجيب وتأمله فيما يلقيه المعلم ~~والجواب : أنه إنما قدم السمع لأن المدعو إذا لقي الرسول فأول المراتب أنه ~~يسمع كلامه ثم إنه يتفكر فيه ، فلما كان السمع مقدما بهذا السبب على التعقل ~~والتفهم لا جرم قدم عليه في الذكر . PageV30P057 # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : ومن بدع التفاسير أن المراد لو ~~كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي ، ثم قال كأن هذه الآية ~~نزلت بعد ظهور هذين المذهبين ، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين قد أنزل ~~الله وعيدهم . # المسألة الرابعة : احتج من فضل السمع على البصر بهذه الآية ، وقالوا : ~~دلت الآية على أن للسمع مدخلا في الخلاص عن النار والفوز بالجنة ، والبصر ~~ليس كذلك ، فوجب أن يكون السمع أفضل . # ! 7 < { فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 11 ) فاعترفوا بذنبهم فسحقا . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار هذا القول قال : { فاعترفوا ~~بذنبهم } قال مقاتل : يعني بتكذيبهم الرسول وهو قولهم : { فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله ms9126 من شىء } ( الملك : 9 ) وقوله : { بذنبهم } فيه قولان : أحدهما : ~~أن الذنب ههنا في معنى الجمع ، لأن فيه معنى الفعل ، كما يقال : خرج عطاء ~~الناس ، أي عطياتهم هذا قول الفراء والثاني : يجوز أن يراد بالواحد المضاف ~~الشائع ، كقوله : { وإن تعدوا نعمة الله } ( النحل : 34 ) . # ثم قال : { فسحقا لاصحاب السعير } قال المفسرون : فبعدا لهم اعترفوا أو ~~جحدوا ، فإن ذلك لا ينفعهم ، والسحق البعد ، وفيه لغتان : التخفيف والتثقيل ~~، كما تقول في العنق والطنب ، قال الزجاج : سحقا منصوب على المصدر ، ~~والمعنى أسحقهم الله سحقا ، أي باعدهم الله من رحمته مباعدة ، وقال أبو علي ~~الفارسي : كان القياس سحاقا ، فجاء المصدر على الحذف كقولهم : عمرك الله . ~~/ واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد المؤمنين فقال : # ! 7 < { إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 12 ) إن الذين يخشون . . . . . # > > وفيه وجهان الوجه الأول : أن المراد : إن الذين يخشون ربهم وهم في ~~دار التكليف والمعارف النظرية وبهم حاجة إلى مجاهدة الشيطان ودفع الشبه ~~بطريق الاستدلال الوجه الثاني : أن هذا إشارة إلى كونه متقيا من جميع ~~المعاصي لأن من يتقي معاصي الله في الخلوة اتقاها حيث يراه الناس لا محالة ~~، واحتج أصحابنا بهذه الآية على انقطاع وعيد الفساق فقالوا : دلت الآية على ~~أن من كان موصوفا بهذه الخشية فله الأجر العظيم ، فإذا جاء يوم القيامة مع ~~الفسق ومع هذه الخشية ، فقد حصل الأمران فإما أن يثاب ثم يعاقب وهو ~~بالإجماع باطل أو يعاقب ثم ينقل إلى دار الثواب وهو المطلوب . # واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار ووعد المؤمنين على سبيل المغايبة ~~رجع بعد ذلك إلى خطاب الكفار فقال : # ! 7 < { وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 13 ) وأسروا قولكم أو . . . . . # > > وفيه وجهان : الوجه الأول : قال ابن عباس كانوا ينالون من رسول الله ~~فيخبره جبريل فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فأنزل الله ~~هذه الآية القول الثاني : أنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال ، ~~والمراد أن ms9127 قولكم وعملكم على أي سبيل وجد ، فالحال واحد في علمه تعالى بهذا ~~فاحذروا من المعاصي سرا كما تحترزون عنها جهرا PageV30P058 فإنه لا يتفاوت ~~ذلك بالنسبة إلى علم الله تعالى ، وكما بين أنه تعالى عالم بالجهر وبالسر ~~بين أنه عالم بخواطر القلوب . # ثم إنه تعالى لما ذكر كونه عالما بالجهر وبالسر وبما في الصدور ذكر ~~الدليل على كونه عالما بهذه الأشياء فقال : # ! 7 < { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 14 ) ألا يعلم من . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أن معنى الآية أن من خلق شيئا لا بد وأن يكون عالما ~~بمخلوقه ، وهذه المقدمة كما أنها مقررة بهذا النص فهي أيضا مقررة بالدلائل ~~العقلية ، وذلك لأن الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين على سبيل القصد ، ~~والقاصد إلى الشيء لا بد وأن يكون عالما بحقيقة ذلك الشيء فإن الغافل عن ~~الشيء يستحيل أن يكون قاصدا إليه ، وكما أنه ثبت أن الخالق لا بد وأن يكون ~~عالما بماهية المخلوق لا بد وأن يكون عالما بكميته ، لأن وقوعه على ذلك ~~المقدار دون ما هو أزيد منه أو / أنقص لا بد وأن يكون بقصد الفاعل واختياره ~~، والقصد مسبوق بالعلم فلا بد وأن يكون قد علم ذلك المقدار وأراد إيجاد ذلك ~~المقدار حتى يكون وقوع ذلك المقدار أولى من وقوع ما هو أزيد منه أو أنقص ~~منه ، وإلا يلزم أن يكون اختصاص ذلك المقدار بالوقوع دون الأزيد أو الأنقص ~~ترجيحا لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال ، فثبت أن من خلق ~~شيئا فإنه لا بد وأن يكون عالما بحقيقة ذلك المخلوق وبكميته وكيفيته ، وإذا ~~ثبتت هذه المقدمة فنقول : تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن العبد غير ~~موجد لأفعاله من وجهين الوجه الأول : قالوا : لو كان العبد موجدا لأفعال ~~نفسه لكان عالما بتفاصيلها ، لكنه غير عالم بتفاصيلها فهو غير موجد لها ، ~~بيان الملازمة من وجهين الأول : التمسك بهذه الآية الثاني : أن وقوع عشرة ~~أجزاء من الحركة مثلا ممكن ووقوع الأزيد منه والأنقص منه أيضا ms9128 ممكن ، ~~فاختصاص العشرة بالوقوع دون الأزيد ودون الأنقص ، لا بد وأن يكون لأجل أن ~~القادر المختار خصه بالإيقاع ، وإلا لكان وقوعه دون الأزيد والأنقص وقوعا ~~للممكن المحدث من غير مرجح ، لأن القادر المختار إذا خص تلك العشرة ~~بالإيقاع فلا بد وأن يكون عالما بأن الواقع عشرة لا أزيد ولا أنقص ، فثبت ~~أن العبد لو كان موجدا لأفعال نفسه لكان عالما بتفاصيلها وأما أنه غير عالم ~~بتفاصيلها فلوجوه أحدها : أن المتكلمين اتفقوا على أن التفاوت بين الحركة ~~السريعة والبطيئة لأجل تخلل السكنات ، فالفاعل للحركة البطيئة قد فعل في ~~بعض الأحياز حركة وفي بعضها سكونا مع أنه لم يخطر ألبتة بباله أنه فعل ههنا ~~حركة وههنا سكونا وثانيها : أن فاعل حركة لا يعرف عدد أجزاء تلك الحركات ~~إلا إذا عرف عدد الأحياز التي بين مبدأ المسكنة ومنتهاها وذلك يتوقف على ~~علمه بأن الجواهر الفردية التي تتسع لها تلك المسافة من أولها إلى آخرها كم ~~هي ؟ ومعلوم أن ذلك غير معلوم وثالثها : أن النائم والمغمى عليه قد يتحرك ~~من جنب إلى جنب مع أنه لا يعلم ماهية تلك الحركة ولا كميتها ورابعها : أن ~~عند أبي علي ، وأبي هاشم ، الفاعل إنما يفعل معنى يقتضي الحصول في الحيز ، ~~ثم إن ذلك المعنى الموجب مما لا يخطر ببال أكثر الخلق ، فظهر بهذه الدلالة ~~أن العبد غير موجد لأفعاله الوجه الثاني : في التمسك بهذه الآية على أن ~~العبد غير موجد أن نقول : إنه تعالى لما ذكر أنه عالم بالسر والجهر وبكل ما ~~في الصدور قال بعده : { ألا يعلم من خلق } وهذا الكلام إنما يتصل بما قبله ~~لو كان تعالى خالقا لكل ما يفعلونه في السر والجهر ، وفي الصدور والقلوب ، ~~فإنه لو لم يكن خالقا لها لم يكن قوله : { ألا يعلم من خلق } مقتضيا كونه ~~تعالى عالما بتلك الأشياء ، وإذا كان كذلك ثبت أنه تعالى هو الخالق لجميع ~~ما يفعلونه في السر والجهر من أفعال الجوارح ومن أفعال القلوب ، ~~PageV30P059 فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد : ألا ms9129 يعلم من خلق ~~الأجسام والعالم الذي خلق الأجسام هو العالم بهذه الأشياء ؟ قلنا : إنه لا ~~يلزم من كونه خالقا لغيره هذه الأشياء كونه عالما بها ، لأن من يكون فاعلا ~~لشيء لا يجب أن يكون عالما بشيء آخر ، نعم يلزم من كونه خالقا لها كونه ~~عالما بها لأن خالق الشيء يجب أن يكون عالما به . # / المسألة الثانية : الآية تحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون { من خلاق ~~} في محل الرفع والمنصوب يكون مضمرا والتقدير ألا يعلم من خلق مخلوقه ~~وثانيها : أن يكون من خلق في محل النصب ويكون المرفوع مضمرا ، والتقدير ألا ~~يعلم الله من خلق والاحتمال الأول أولى لأن الاحتمال الثاني يفيد كونه ~~تعالى عالما بذات من هو مخلوقه ، ولا يقتضي كونه عالما بأحوال من هو مخلوقه ~~والمقصود من الآية هذا لا الأول وثالثها : أن تكون { من } في تقدير ما كما ~~تكون ما في تقدير من في قوله : { والسماء وما بناها } ( الشمس : 5 ) وعلى ~~هذا التقدير تكون ما إشارة إلى ما يسره الخلق وما يجهرونه ويضمرونه في ~~صدورهم وهذا يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى . # أما قوله : { وهو اللطيف الخبير } فاعلم أنهم اختلفوا في { اللطيف } فقال ~~بعضهم : المراد العالم وقال آخرون : بل المراد من يكون فاعلا للأشياء ~~اللطيفة التي تخفى كيفية عملها على أكثر الفاعلين ، ولهذا يقال : إن لطف ~~الله بعباده عجيب ويراد به دقائق تدبيره لهم وفيهم ، وهذا الوجه أقرب وإلا ~~لكان ذكر الخبير بعده تكرارا . # ! 7 < { هو الذى جعل لكم الا رض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه ~~وإليه النشور } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 15 ) هو الذي جعل . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه تعالى بين ~~بالدلائل كونه عالما بما يسرون وما يعلنون ، ثم ذكر بعده هذه الآية على ~~سبيل التهديد ، ونظيره من قال لعبده الذي أساء إلى مولاه في السر : يا فلان ~~أنا أعرف سرك وعلانيتك فاجلس في هذه الدار التي وهبتها منك ، كل هذا الخير ~~الذي هيأته لك ولا ms9130 تأمن تأديبي ، فإني إن شئت جعلت هذه الدار التي هي منزل ~~أمنك ومركز سلامتك منشأ للآفات التي تتحير فيها ومنبعا للمحن التي تهلك ~~بسببها ، فكذا ههنا ، كأنه تعالى قال : أيها الكفار اعلموا أني عالم بسركم ~~وجهركم ، فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي ، فهذه الأرض التي تمشون في ~~مناكبها ، وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم ، أنا الذي ذللتها ~~إليكم وجعلتها سببا لنفعكم ، فامشوا في مناكبها ، فإنني إن شئت خسفت بكم ~~هذه الأرض ، وأنزلت عليها من السماء أنواع المحن ، فهذا هو الوجه في اتصال ~~هذه الآية بما قبلها . # المسألة الثانية : الذلول من كل شيء : المنقاد الذي يذل لك ، ومصدره الذل ~~، وهو الانقياد واللين ، ومنه يقال : دابة ذلول ، وفي وصف الأرض بالذلول ~~أقوال : أحدها : أنه تعالى ما جعلها صخرية خشنة بحيث يمتنع المشي عليها ، ~~كما يمتنع المشي على وجوه الصخرة الخشنة وثانيها : أنه / تعالى جعلها لينة ~~بحيث يمكن حفرها ، وبناء الأبنية منها كما يراد ، ولو كانت حجرية صلبة ~~لتعذر ذلك وثالثها : أنها لو كانت حجرية ، أو PageV30P060 كانت مثل الذهب ~~أو الحديد ، لكانت تسخن جدا في الصيف ، وكانت تبرد جدا في الشتاء ، ولكانت ~~الزراعة فيها ممتنعة ، والغراسة فيها متعذرة ، ولما كانت كفاتا للأموات ~~والأحياء ورابعها : أنه تعالى سخرها لنا بأن أمسكها في جو الهواء ، ولو ~~كانت متحركة على الاستقامة ، أو على الاستدارة لم تكن منقادة لنا . # المسألة الثالثة : قوله : { فامشوا فى مناكبها } أمر إباحة ، وكذا القول ~~في قوله : { وكلوا من رزقه } . # المسألة الرابعة : ذكروا في مناكب الأرض وجوها أحدها : قال صاحب ( الكشاف ~~) : المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ، لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب ~~أرق شيء من البعير ، وأبعده من إمكان المشي عليه ، فإذا صار البعير بحيث ~~يمكن المشي على منكبه ، فقد صار نهاية في الانقياد والطاعة ، فثبت أن قوله ~~: { فامشوا فى مناكبها } كناية عن كونها نهاية في الذلولية وثانيها : قول ~~قتادة والضحاك وابن عباس : إن مناكب الأرض جبالها وآكامها ، وسميت الجبال ~~مناكب ، لأن مناكب الإنسان شاخصة والجبال أيضا شاخصة ، والمعنى أني سهلت ~~عليكم ms9131 المشي في مناكبها ، وهي أبعد أجزائها عن التذليل ، فكيف الحال في ~~سائر أجزائها وثالثها : أن مناكبها هي الطرق ، والفجاج والأطراف والجوانب ~~وهو قول الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل ، ورواية عطاء عن ابن عباس ، واختيار ~~الفراء ، وابن قتيبة قال : مناكبها جوانبها ، ومنكبا الرجل جانباه ، وهو ~~كقوله تعالى : { والله جعل لكم الارض بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا } ( ~~نوح : 19 ، 20 ) أما قوله : { وكلوا من رزقه } أي مما خلقه الله رزقا لكم ~~في الأرض : { وإليه النشور } يعني ينبغي أن يكون مكثكم في الأرض ، وأكلكم ~~من رزق الله مكث من يعلم أن مرجعه إلى الله ، وأكل من يتيقن أن مصيره إلى ~~الله ، والمراد تحذيرهم عن الكفر والمعاصي في السر والجهر ، ثم إنه تعالى ~~بين أن بقاءهم مع هذه السلامة في الأرض إنما كان بفضل الله ورحمته / وأنه ~~لو شاء لقلب الأمر عليهم ، ولأمطر عليهم من سحاب القهر مطر الآفات . فقال ~~تقريرا لهذا المعنى : # ! 7 < { أءمنتم من فى السمآء أن يخسف بكم الا رض فإذا هى تمور } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 16 ) أأمنتم من في . . . . . # > > واعلم أن هذه الآيات نظيرها قوله تعالى : { قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } ( الأنعام : 65 ) وقال : { فخسفنا ~~به وبداره الارض } ( القصص : 81 ) . # واعلم أن المشبهة احتجوا على إثبات المكان لله تعالى بقوله : { ءامنتم * ~~من فى السماء } ، والجواب عنه أن هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها ~~باتفاق المسلمين ، لأن كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطا به من جميع ~~الجوانب ، فيكون أصغر من السماء ، والسماء أصغر من العرش / بكثير ، فيلزم ~~أن يكون الله تعالى شيئا حقيرا بالنسبة إلى العرش ، وذلك باتفاق أهل ~~الإسلام محال ، ولأنه تعالى قال : { قل لمن ما فى * السماوات والارض * قل ~~لله } ( الأنعام : 12 ) فلو كان الله في السماء لوجب أن يكون مالكا لنفسه ~~وهذا محال ، فعلمنا أن هذه الآية يجب صرفها عن ظاهرها إلى التأويل ، ثم فيه ~~وجوه : أحدها : لم لا يجوزأن يكون تقدير الآية : أأمنتم من في السماء عذابه ~~، وذلك ms9132 لأن عادة الله تعالى جارية ، بأنه إنما ينزل البلاء على من يكفر ~~بالله ويعصيه من السماء فالسماء موضع عذابه تعالى ، كما أنه موضع نزول ~~رحمته ونعمته وثانيها : قال أبو مسلم : كانت العرب مقرين بوجود الإله ، ~~لكنهم كانوا يعتقدون أنه في السماء على وفق قول المشبهة ، فكأنه تعالى ~~PageV30P061 قال لهم : أتأمنون من قد أقررتم بأنه في السماء ، واعترفتم له ~~بالقدرة على ما يشاء أن يخسف بكم الأرض وثالثها : تقدير الآية : من في ~~السماء سلطانه وملكه وقدرته ، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله ~~وتعظيم قدرته ، كما قال : { وهو الله فى * السماوات * وفى الارض } ( ~~الأنعام : 3 ) فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين ، فوجب أن ~~يكون المراد من كونه في السموات وفي الأرض نفاذ أمره وقدرته ، وجريان ~~مشيئته في السموات وفي الأرض ، فكذا ههنا ورابعها : لم لا يجوز أن يكون ~~المراد بقوله : { من فى السماء } الملك الموكل بالعذاب ، وهو جبريل عليه ~~السلام ، والمعنى أن يخسف بهم الأرض بأمر الله وإذنه . وقوله : { فإذا هى ~~تمور } قالوا معناه : إن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب ~~وتتحرك ، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها ، فيذهبون والأرض فوقهم تمور ، ~~فتلقيهم إلى أسفل السافلين ، وقد ذكرنا تفسير المور فيما تقدم . # ! 7 < { أم أمنتم من فى السمآء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير } ~~. > 7 ! # < < # | الملك : ( 17 ) أم أمنتم من . . . . . # > > ثم زاد في التخويف فقال : { أم أمنتم من فى السماء أن يرسل عليكم ~~حاصبا } . # قال ابن عباس : كما أرسل على قوم لوط فقال : { إنا أرسلنا عليهم حاصبا } ~~( القمر : 34 ) والحاصب ريح فيها حجارة وحصباء ، كأنها تقلع الحصباء لشدتها ~~، وقيل : هو سحاب فيها حجارة . # ثم هدد وأوعد فقال : { فستعلمون كيف نذير } . # قيل في النذير ههنا إنه المنذر ، يعني محمدا عليه الصلاة والسلام وهو قول ~~عطاء عن ابن عباس والضحاك ، والمعنى فستعملون رسولي وصدقه ، لكن حين لا ~~ينفعكم ذلك ، وقيل : إنه بمعنى الإنذار ، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري ~~إياكم بالكتاب والرسول ، و ( كيف ) في قوله : { كيف نذير } ينبىء ms9133 عما ذكرنا ~~من صدق الرسول وعقوبة الإنذار . # واعلم أنه تعالى لما خوف الكفار بهذه التخويفات أكد ذلك التخويف بالمثال ~~والبرهان أما المثال فهو أن الكفار الذين كانوا قبلهم شاهدوا أمثال هذه ~~العقوبات بسبب كفرهم فقال : # ! 7 < { ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 18 ) ولقد كذب الذين . . . . . # > > يعني عادا وثمود وكفار الأمم ، وفيه وجهانأحدهما : قال الواحدي : { ~~فكيف كان نكير } أي إنكاري وتغييري ، أليس وجدوا العذاب حقا والثاني : قال ~~أبو مسلم : النكير عقاب المنكر ، ثم قال : وإنما سقط الياء من نذيري ، ومن ~~نكيري حتى تكون مشابهة لرؤوس الآي المتقدمة عليها ، والمتأخرة عنها . وأما ~~البرهان فهو أنه تعالى ذكر ما يدل على كمال قدرته ، ومتى ثبت ذلك ثبت كونه ~~تعالى قادرا على إيصال جميع أنواع العذاب إليهم ؛ وذلك البرهان من وجوه : # ! 7 < { أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمان ~~إنه بكل شىء بصير } . > 7 @QB@ < # | الملك : ( 19 ) أولم يروا إلى . . . . . # > > # البرهان الأول : هو قوله تعالى : { أو لم * يروا إلى الطير فوقهم صافات ~~ويقبضن } . PageV30P062 # { صافات } أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها { ويقبضن } ويضممنها ~~إذا ضربن بها جنوبهن . فإن قيل لم قال : { ويقبضن } ولم يقل وقابضات ، قلنا ~~: لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مد الأطراف ~~وبسطها وأما القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو ~~طارىء غير أصلي بلفظ الفعل على معنى أنهن صافات ، ويكون منهن القبض تارة ~~بعد تارة ، كما يكون من السابح . # ثم قال تعالى : { يمسكهن إلا الرحمان } وذلك لأنها مع ثقلها وضخامة ~~أجسامها لم يكن بقاؤها في جو الهواء إلا بإمساك الله وحفظه ، وههنا سؤالان ~~: # السؤال الأول : هل تدل هذه الآية على أن الأفعال الاختيارية للعبد مخلوقة ~~لله ، قلنا : نعم ، وذلك لأن استمساك الطير في الهواء فعل اختياري للطير . # ثم إنه تعالى قال : { ما يمسكهن إلا الرحمان } فدل هذا على أن فعل العبد ~~مخلوق لله تعالى . # السؤال الثاني : أنه تعالى قال في النحل ( 79 ) : { ألم يروا إلى ms9134 الطير ~~مسخرات فى جو السمآء ما يمسكهن إلا الله } وقال ههنا : { ما يمسكهن إلا ~~الرحمان } فما الفرق ؟ قلنا : ذكر في النحل أن الطير مسخرات في جو السماء ~~فلا جرم كان إمساكها هناك محض الإلهية ، وذكر ههنا أنها صافات وقابضات ، ~~فكان إلهامها إلى كيفية البسط ، والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة ~~الرحمن . # ثم قال تعالى : { إنه بكل شىء بصير } وفيه وجهان الوجه الأول : المراد من ~~البصير ، كونه عالما بالأشياء الدقيقة ، كما يقال : فلان بصر في هذا الأمر ~~، أي حذق والوجه الثاني : أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول : إنه تعالى شيء ، ~~والله بكل شيء بصير ، فيكون رائيا لنفسه ولجميع الموجودات ، وهذا هو الذي ~~يقوله أصحابنا من أنه تعالى يصح أن يكون مرئيا وأن كل / الموجودات كذلك ، ~~فإن قيل : البصير إذا عدي بالباء يكون بمعنى العالم ، يقال : فلان بصير ~~بكذا إن كان عالما به ، قلنا : لا نسلم ، فإنه يقال : إن الله سميع ~~بالمسموعات ، بصير بالمبصرات . # ! 7 < { أمن هاذا الذى هو جند لكم ينصركم من دون الرحمان إن الكافرون إلا ~~فى غرور } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 20 ) أم من هذا . . . . . # > > اعلم أن الكافرين كانوا يمتنعون عن الإيمان ، ولا يلتفتون إلى دعوة ~~الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان تعويلهم على شيئين أحدهما : القوة التي ~~كانت حاصلة لهم بسبب مالهم وجندهم والثاني : أنهم كانوا يقولون : هذه ~~الأوثان ، توصل إلينا جميع الخيرات ، وتدفع عنا كل الآفات وقد أبطل الله ~~عليهم كل واحد من هذين الوجهين ، أما الأول فبقوله : { أمن هاذا الذى هو ~~جند لكم ينصركم من دون الرحمان } وهذا نسق PageV30P063 على قوله : { أم ~~أمنتم من فى السماء } ( الملك : 17 ) والمعنى أم من يشار إليه من المجموع ، ~~ويقال : هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الله إن أرسل عذابه عليكم ، ثم ~~قال : { إن الكافرون إلا فى غرور } أي من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل ~~بهم . # ! 7 < { أمن هاذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا فى عتو ونفور } . > 7 ~~@QB@ < # | الملك : ( 21 ) أم من هذا . . . . . # > > # أما الثاني فهو قوله ms9135 : { أمن هاذا الذى يرزقكم إن أمسك رزقه } . # والمعنى : من الذي يرزقكم من آلهتكم إن أمسك الله الرزق عنكم ، وهذا أيضا ~~مما لا ينكره ذو عقل ، وهذا أنه تعالى لو أمسك أسباب الرزق كالمطر والنبات ~~وغيرهما لما وجد رازق سواه فعند وضوح هذا الأمر قال تعالى : { بل لجوا فى ~~عتو ونفور } والمراد أصروا وتشددوا مع وضوح الحق ، في عتو أي في تمرد وتكبر ~~ونفور ، أي تباعد عن الحق وإعراض عنه فالعتو بسبب حرصهم على الدنيا وهو ~~إشارة إلى فساد القوة العملية ، والنفور بسبب جهلهم ، وهذا إشارة إلى فساد ~~القوة النظرية . # واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالعتو والنفور ، نبه على ما يدل على قبح هذين ~~الوصفين . # [ بم فقال تعالى : # ! 7 < { أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى أمن يمشى سويا على صراط مستقيم } . ~~> 7 ! # < < # | الملك : ( 22 ) أفمن يمشي مكبا . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : أكب مطاوع كبه ، يقال : كببته فأكب ~~ونظيره قشعت / الريح السحاب فأقشع ، قال صاحب ( الكشاف ) : ليس الأمر كذلك ~~، و ( جاء ) شيء من بناء أفعل مطاوعا ، بل قولك : أكب معناه دخل في الكب ~~وصار ذا كب ، وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع ، وأنفض أي دخل في النفض ، ~~وهو نفض الوعاء فصار عبارة عن الفقر وألام دخل في اللوم ، وأما مطاوع كب ~~وقشع فهو انكب وانقشع . # المسألة الثانية : ذكروا في تفسير قوله : { يمشى مكبا على وجهه } وجوها : ~~أحدها : معناه أن الذي يمشي في مكان غير مستو بل فيه ارتفاع وانخفاض فيعثر ~~كل ساعة ويخر على وجهه مكبا فحاله نقيض حال من يمشي سويا أي قائما سالما من ~~العثور والخرور وثانيها : أن المتعسف الذي يمشي هكذا وهكذا على الجهالة ~~والحيرة لا يكون كمن يمشي إلى جهة معلومة مع العلم واليقين وثالثها : أن ~~الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق فيتعسف ولا يزال ينكب على وجهه لا يكون ~~كالرجل السوي الصحيح البصر الماشي في الطريق المعلوم ، ثم اختلفوا فمنهم من ~~قال : هذا حكاية حال الكافر في الآخرة ، قال قتادة : الكافر أكب على معاصي ~~الله ms9136 فحشره الله يوم القيامة على وجهه ، والمؤمن كان على الدين الواضح ~~فحشره الله تعالى على الطريق السوي يوم القيامة ، وقال آخرون : بل هذا ~~حكاية حال المؤمن والكافر والعالم والجاهل في الدنيا ، واختلفوا أيضا فمنهم ~~من قال : هذا عام في حق جميع المؤمنين والكفار ، ومنهم من قال : بل المراد ~~منه شخص معين ، فقال مقاتل : المراد أبو جهل والنبي عليه الصلاة والسلام ، ~~وقال عطاء عن ابن عباس : المراد أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب وقال عكرمة هو ~~أبو جهل وعمار بن ياسر . # البرهان الثاني : على كمال قدرته قوله تعالى : # ! 7 < { قل هو الذىأنشأكم وجعل لكم السمع والا بصار والا فئدة قليلا ما ~~تشكرون } . > 7 @QB@ < # | الملك : ( 23 ) قل هو الذي . . . . . # > > PageV30P064 # اعلم أنه تعالى لما أورد البرهان أولا من حال سائر الحيوانات ، وهو وقوف ~~الطير في الهواء ، أورد البرهان بعده من أحوال الناس وهو هذه الآية ، وذكر ~~من عجائب ما فيه حال السمع والبصر والفؤاد ، ولقد تقدم شرح أحوال هذه ~~الأمور الثلاثة في هذا الكتاب مرارا فلا فائدة في الإعادة ، واعلم أن في ~~ذكرها ههنا تنبيها على دقيقة لطيفة ، كأنه تعالى قال : أعطيتكم هذه ~~الإعطاءات الثلاثة مع ما فيها من القوى الشريفة ، لكنكم ضيعتموها فلم ~~تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ، ولا تأملتم في عاقبة ما ~~عقلتموه ، فكأنكم ضيعتم هذه النعم وأفسدتم هذه المواهب ، فلهذا قال : { ~~قليلا ما تشكرون } وذلك لأن شكر نعمة الله تعالى هو أن يصرف تلك النعمة إلى ~~وجه رضاه ، / وأنتم لما صرفتم السمع والبصر والعقل لا إلى طلب مرضاته فأنتم ~~ما شكرتم نعمته ألبتة . # البرهان الثالث : قوله تعالى : # ! 7 < { قل هو الذى ذرأكم فى الا رض وإليه تحشرون } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 24 ) قل هو الذي . . . . . # > > اعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوانات أولا ثم بصفات الإنسان ثانيا ~~وهي السمع والبصر والعقل ، ثم بحدوث ذاته ثالثا وهو قوله : { هو الذى ذرأكم ~~فى الارض } واحتج المتكلمون بهذه الآية على أن الإنسان ليس هو الجوهر ~~المجرد عن التحيز والكمية على ما يقوله الفلاسفة وجماعة ms9137 من المسلمين لأنه ~~قال : { قل هو الذى ذرأكم فى الارض } فبين أنه ذرأ الإنسان في الأرض ، وهذا ~~يقتضي كون الإنسان متحيزا جسما ، واعلم أن الشروع في هذه الدلائل إنما كان ~~لبيان صحة الحشر والنشر ليثبت ما ادعاه من الابتلاء في قوله : { ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور } ( الملك : 2 ) ثم لأجل إثبات هذا ~~المطلوب ، ذكر وجوها من الدلائل على قدرته ، ثم ختمها بقوله : { قل هو الذى ~~ذرأكم فى الارض } ولما كانت القدرة على الخلق ابتداء توجب القدرة على ~~الإعادة لا جرم قال بعده : { وإليه تحشرون } فبين بهذا أن جميع ما تقدم ~~ذكره من الدلائل إنما كان لإثبات هذا المطلوب . # واعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يخوفهم بعذاب الله ~~حكى عن الكفار شيئين أحدهما : أنهم طالبوه بتعيين الوقت . # [ بم وهو قوله تعالى : # ! 7 < { ويقولون متى هاذا الوعد إن كنتم صادقين } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 25 ) ويقولون متى هذا . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو مسلم إنه تعالى قال : يقول بلفظ المستقبل فهذا ~~يحتمل ما يوجد من الكفار من هذا القول في المستقبل ، ويحتمل الماضي ، ~~والتقدير : فكانوا يقولون هذا الوعد . # المسألة الثانية : لعلهم كانوا يقولون ذلك على سبيل السخرية ، ولعلهم ~~كانوا يقولونها إبهاما للضعفة أنه لما لم يتعجل فلا أصل له . # المسألة الثالثة : الوعد المسؤول عنه ما هو ؟ فيه وجهان أحدهما : أنه ~~القيامة والثاني : أنه مطلق العذاب ، وفائدة هذا الاختلاف تظهر بعد ذلك إن ~~شاء الله . PageV30P065 ثم أجاب الله عن هذا السؤال بقوله تعالى : # ! 7 < { قل إنما العلم عند الله وإنمآ أنا نذير مبين } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 26 ) قل إنما العلم . . . . . # > > والمراد أن العلم بالوقوع غير العلم بوقت الوقوع ، فالعلم الأول حاصل ~~عندي ، وهو كاف في الإنذار والتحذير ، أما العلم الثاني فليس إلا لله ، ولا ~~حاجة في كوني نذيرا مبينا إليه . # ! 7 < { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هاذا الذى كنتم به ~~تدعون } . > 7 ! # / < < # | الملك : ( 27 ) فلما رأوه زلفة . . . . . # > > ثم إنه تعالى بين حالهم عند نزول ذلك ms9138 الوعد فقال تعالى : { فلما رأوه ~~زلفة سيئت وجوه الذين كفروا } وفيه مسائل : # المسألة لأولى : قوله { فلما رأوه } الضمير للوعد ، والزلفة القرب ~~والتقدير : فلما رأوه قربا ويحتمل أنه لما اشتد قربه ، جعل كأنه في نفس ~~القرب . وقال الحسن : معاينة ، وهذا معنى وليس بتفسير ، وذلك لأن ما قرب من ~~الإنسان رآه معاينة . # المسألة الثانية : قوله : { سيئت وجوه الذين كفروا } قال ابن عباس : ~~اسودت وعلتها الكآبة والقترة ، وقال الزجاج : تبين فيها السوء ، وأصل السوء ~~القبح ، والسيئة ضد الحسنة ، يقال : ساء الشيء يسوء فهو سيىء إذا قبح ، ~~وسيىء يساء إذا قبح ، وهو فعل لازم ومتعد فمعنى سيئت وجوههم قبحت بأن علتها ~~الكآبة وغشيها الكسوف والقترة وكلحوا ، وصارت وجوههم كوجه من يقاد إلى ~~القتل . # المسألة الثالثة : اعلم أن قوله : { فلما رأوه زلفة } إخبار عن الماضي ، ~~فمن حل الوعد في قوله : { ويقولون متى هاذا الوعد } ( الملك : 25 ) على ~~مطلق العذاب سهل تفسير الآية على قوله فلهذا قال أبو مسلم في قوله : { فلما ~~رأوه زلفة } يعني أنه لما أتاهم عذاب الله المهلك لهم كالذي نزل بعاد وثمود ~~سيئت وجوههم عند قربه منهم ، وأما من فسر ذلك الوعد بالقيامة كان قوله : { ~~فلما رأوه زلفة } معناه فمتى ما رأوه زلفة ، وذلك لأن قوله : { فلما رأوه ~~زلفة } إخبار عن الماضي وأحوال القيامة مستقبلة لا ماضية فوجب تفسير اللفظ ~~بما قلناه ، قال مقاتل : { فلما رأوه زلفة } أي لما رأوا العذاب في الآخر ~~قريبا . # وأما قوله تعالى : { وقيل هاذا الذى كنتم به تدعون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال بعضهم : القائلون هم الزبانية ، وقال آخرون : بل ~~يقول بعضهم لبعض ذلك . # المسألة الثانية : في قوله : { تدعون } وجوه : أحدها : قال الفراء : يريد ~~تدعون من الدعاء أي تطلبون وتستعجلون به ، وتدعون وتدعون واحد في اللغة مثل ~~تذكرون وتذكرون وتدخرون وتدخرون وثانيها : أنه من الدعوى معناه : هذا الذي ~~كنتم تبطلونه أي تدعون أنه باطل لا يأتيكم أو هذا الذي كنتم بسببه وتدعون ~~أنكم لا تبعثون وثالثها : أن يكون هذا استفهاما على سبيل الإنكار ، والمعنى ~~أهذا الذي تدعون ms9139 ، لا بل كنتم تدعون عدمه . # المسألة الثالثة : قرأ يعقوب الحضرمي { تدعون } خفيفة من الدعاء ، وقرأ ~~السبعة { تدعون } مثقلة من الادعاء . # PageV30P066 ! 7 < { قل أرءيتم إن أهلكنى الله ومن معى أو رحمنا فمن يجير ~~الكافرين من عذاب أليم } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 28 ) قل أرأيتم إن . . . . . # > > اعلم أن هذا الجواب هو من النوع الثاني مما قاله الكفار لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم حين خوفهم بعذاب الله ، يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك ، كما قال تعالى : { ~~أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } ( الطور : 30 ) وقال : { بل ظننتم أن ~~لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } ( الفتح : 12 ) ثم إنه تعالى ~~أجاب عن ذلك من وجهين الوجه الأول : هو هذه الآية ، والمعنى قل لهم : إن ~~الله تعالى سواء أهلكني بالإماتة أو رحمني بتأخير الأجل ، فأي راحة لكم في ~~ذلك ، وأي منفعة لكم فيه ، ومن الذي يجيركم من عذاب الله إذا نزل بكم ، ~~أتظنون أن الأصنام تجيركم أو غيرها ، فإذا علمتم أن لا مجير لكم فهلا ~~تمسكتم بما يخلصكم من العذاب وهو العلم بالتوحيد والنبوة والبعث . الوجه ~~الثاني : في الجواب قوله تعالى : # ! 7 < { قل هو الرحمان ءامنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو فى ضلال ~~مبين } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 29 ) قل هو الرحمن . . . . . # > > والمعنى أنه الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فيعلم أنه لا يقبل دعاءكم ~~وأنتم أهل الكفر والعناد في حقنا ، مع أنا آمنا به ولم نكفر به كما كفرتم ، ~~ثم قال : { وعليه توكلنا } لا على غيره كما فعلتم أنتم حيث توكلتم على ~~رجالكم وأموالكم ، وقرىء { فستعلمون } على المخاطبة ، وقرىء بالياء ليكون ~~على وفق قوله : { فمن يجير الكافرين } ( الكافرين : 28 ) . # واعلم أنه لما ذكر أنه يجب أن يتوكل عليه لا على غيره ، ذكر الدليل عليه ~~. # [ بم فقال تعالى : # ! 7 < { قل أرءيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم بمآء معين } . > 7 ! # < < # | الملك : ( 30 ) قل أرأيتم إن . . . . . # > > والمقصود أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه ليريهم قبح ما هم عليه من ms9140 الكفر ~~، أي أخبروني إن صار ماؤكم ذاهبا في الأرض فمن يأتيكم بماء معين ، فلا بد ~~وأن يقولوا : هو الله ، فيقال لهم حينئذ : فلم تجعلون من لا يقدر على شيء ~~أصلا شريكا له في المعبودية ؟ وهو كقوله : { أفرءيتم الماء الذى تشربون * ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو } ( الواقعة : 68 ، 69 ) وقوله : { ~~غورا } أي غائرا ذاهبا في الأرض يقال : غار الماء يغور غورا ، إذا نضب وذهب ~~في الأرض ، والغور ههنا بمعنى الغائر سمي بالمصدر كما يقال : رجل عدل ورضا ~~، والمعين الظاهر الذي تراه العيون فهو من مفعول العين كمبيع ، وقيل : ~~المعين الجاري من العيون من الإمعان في الجري كأنه قيل : ممعن في الجري ، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~. # PageV30P067 < # > 1 ( سورة القلم ) 1 < # > # وهي اثنتان وخمسون آية مكية # ! 7 < { نوالقلم وما يسطرون } . > 7 @QB@ < # | القلم : ( 1 ) ن والقلم وما . . . . . # > > # / { ن }فيه مسألتان : # المسألة الأولى : الأقوال المذكورة في هذا الجنس قد شرحناها في أول سورة ~~البقرة والوجوه الزائدة التي يختص بها هذا الموضع أولها : أن النون هو ~~السمكة ، ومنه في ذكر يونس { وذا النون } ( الأنبياء : 87 ) وهذا القول ~~مروي عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدي ثم القائلون بهذا منهم من قال : إنه ~~قسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى ، ومنهم من ~~قال : إنه قسم بالحوت الذي احتبس يونس عليه السلام في بطنه ، ومنهم من قال ~~: إنه قسم بالحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه والقول الثاني : وهو أيضا مروي ~~عن ابن عباس واختيار الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة ، ومنه قول ~~الشاعر : # % إذا ما الشوق يرجع بي إليهم % % ألقت النون بالدمع السجوم % # فيكون هذا قسما بالدواة والقلم ، فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة ، ~~فإن التفاهم تارة يحصل بالنطق و ( تارة ) يتحرى بالكتابة والقول الثالث : ~~أن النون لوح تكتب الملائكة ما يأمرهم الله به فيه رواه معاوية بن قرة ~~مرفوعا والقول الرابع : أن النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة واعلم أن ms9141 ~~هذه الوجوه ضعيفة لأنا إذا جعلناه مقسما به وجب إن كان جنسا أن نجره وننونه ~~، فإن القسم على هذا التقدير يكون بدواة منكرة أو بسمكة منكرة ، كأنه قيل : ~~وسمكة والقلم ، أو قيل : ودواة والقلم ، وإن كان علما أن نصرفه ونجره أو لا ~~نصرفه ونفتحه إن جعلناه غير منصرف . والقول الخامس : أن نون ههنا آخر حروف ~~الرحمن فإنه يجتمع من الرحمن ن اسم الرحمن فذكر الله هذا الحرف الأخير من ~~هذا الاسم ، والمقصود القسم بتمام هذا الاسم ، وهذا أيضا ضعيف لأن تجويزه ~~يفتح باب ترهات الباطنية ، بل الحق أنه إما أن يكون اسما للسورة أو يكون ~~الغرض منه التحدي أو سائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة . ~~PageV30P068 # المسألة الثانية : القراء مختلفون في إظهار النون وإخفائه من قوله : { ن ~~والقلم } فمن أظهرها فلأنه / ينوي بها الوقف بدلالة اجتماع الساكنين فيها ، ~~وإذا كانت موقوفة كانت في تقدير الانفصال مما بعدها ، وإذا انفصلت مما ~~بعدها وجب التبيين ، لأنها إنما تخفى في حروف الفم عند الاتصال ، ووجه ~~الإخفاء أن همزة الوصل لم تقطع مع هذه الحروف في نحو { الم * الله } ( آل ~~عمران : 1 ) وقولهم في العدد واحد إثنان فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمنا ~~أنها في تقدير الوصل وإذا وصلتها أخفيت النون وقد ذكرنا هذا في { طس } ( ~~النمل : 1 ) و { يس } ، ( يس : 1 ) وقال الفراء : وإظهارها أعجب إلي لأنها ~~هجاء والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل . # وقوله تعالى : { والقلم } فيه قولان : أحدهما : أن القسم به هو الجنس وهو ~~واقع على كل قلم يكتب به من في السماء ومن في الأرض ، قال تعالى : { وربك ~~الاكرم * الذى علمكم * بالقلم * علم الإنسان * لم يعلم } ( العلق : 3 5 ) ~~فمن بتيسير الكتابة بالقلم كما من بالنطق فقال : { خلق الإنسان * علمه ~~البيان } ( الرحمن : 3 ، 4 ) ووجه الانتفاع به أن ينزل الغائب منزلة ~~المخاطب فيتمكن المرء من تعريف البعيد به ما يتمكن باللسان من تعريف القريب ~~والثاني : أن المقسم به هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن أول ما خلق ~~الله ms9142 القلم ، قال ابن عباس : أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب ما هو ~~كائن إلى أن تقوم الساعة ، فجرى بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة من الآجال ~~والأعمال / قال : وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض ، وروى مجاهد ~~عنه قال : أول ما خلق الله القلم فقال : اكتب القدر فكتب ما هو كائن إلى ~~يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه . قال القاضي : هذا الخبر ~~يجب حمله على المجاز ، لأن القلم الذي هو آلة مخصوصة في الكتابة لا يجوز أن ~~يكون حيا عاقلا فيؤمر وينهى فإن الجمع بين كونه حيوانا مكلفا وبين كونه آلة ~~للكتابة محال ، بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله : { ~~إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ( البقرة : 117 ) فإنه ليس هناك أمر ~~ولا تكليف ، بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة ، ~~ومن الناس من زعم أن القلم المذكور ههنا هو العقل ، وأنه شيء هو كالأصل ~~لجميع المخلوقات ، قالوا : والدليل عليه أنه روي في الأخبار أن أول ما خلق ~~الله القلم ، وفي خبر آخر : أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين ~~الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السموات ومن ~~الزبد الأرض ، قالوا : فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك ~~الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد وإلا حصل التناقض . # قوله تعالى : { وما يسطرون } . # اعلم أن ما مع ما بعدها في تقدير المصدر ، فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم ~~، فيكون القسم واقعا بنفس الكتابة ، ويحتمل أن يكون المراد المسطور ~~والمكتوب ، وعلى التقديرين فإن حملنا القلم على كل قلم في مخلوقات الله كان ~~المعنى ظاهرا ، وكأنه تعالى أقسم بكل قلم ، وبكل ما يكتب / بكل قلم ، وقيل ~~: بل المراد ما يسطره الحفظة والكرام الكاتبون ، ويجوز أن يراد بالقلم ~~أصحابه ، فيكون الضمير في { يسطرون } لهم ، كأنه قيل : وأصحاب القلم وسطرهم ~~، أي ومسطوراتهم . وأما إن حملنا القلم على ms9143 ذلك القلم المعين ، PageV30P069 ~~فيحتمل أن يكون المراد بقوله : { وما يسطرون } أي وما يسطرون فيه وهو اللوح ~~المحفوظ ، ولفظ الجمع في قوله : { يسطرون } ليس المراد منه الجمع بل ~~التعظيم ، أو يكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من الأعمال والأعمار ، ~~وجميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة . # واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال : # ! 7 < { مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لاجرا غير ممنون * وإنك لعلى ~~خلق عظيم } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 2 ) ما أنت بنعمة . . . . . # > > اعلم أن قوله : { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : روي عن ابن عباس أنه عليه السلام غاب عن خديجة إلى حراء ~~، فطلبته فلم تجده ، فإذا به وجهه متغير بلا غبار ، فقالت له مالك ؟ فذكر ~~نزول جبريل عليه السلام وأنه قال له : { اقرأ باسم ربك } ( العلق : 1 ) فهو ~~أول ما نزل من القرآن ، قال : ثم نزل بي إلى قرار الأرض فتوضأ وتوضأت ، ثم ~~صلى وصليت معه ركعتين ، وقال : هكذا الصلاة يا محمد ، فذكر عليه الصلاة ~~والسلام ذلك لخديجة ، فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل ، وهو ابن عمها ، وكان ~~قد خالف دين قومه ، ودخل في النصرانية ، فسألته فقال : أرسلي إلي محمدا ، ~~فأرسلته فأتاه فقال له : هل أمرك جبريل عليه السلام أن تدعو إلى الله أحدا ~~؟ فقال : لا ، فقال : والله لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصرا عزيزا ، ثم ~~مات قبل دعاء الرسول ، ووقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش فقالوا : إنه ~~لمجنون ، فأقسم الله تعالى على أنه ليس بمجنون ، وهو خمس آيات من أول هذه ~~السورة ، ثم قال ابن عباس : وأول ما نزل قوله : { سبح اسم ربك } ( الأعلى : ~~1 ) وهذه الآية هي الثانية . # المسألة الثانية : قال الزجاج : { أنت } هو اسم { ما } و { بمجنون } ~~الخبر ، وقوله : { بنعمة ربك } كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون ~~بنعمة ربك كما يقال : أنت بحمد الله عاقل ، وأنت بحمد الله لست بمجنون ، ~~وأنت بنعمة الله فهم ، وأنت بنعمة الله لست بفقير ، ومعناه أن تلك الصفة ~~المحمودة ms9144 إنما حصلت ، والصفة المذمومة إنما زالت بواسطة إنعام الله ولطفه ~~وإكرامه ، وقال عطاء وابن عباس : يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة ، ~~وهو جواب لقولهم : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( ~~الحجر : 6 ) واعلم أنه تعالى وصفه ههنا بثلاثة أنواع من الصفات . # / الصفة الأولى : نفي الجنون عنه ثم إنه تعالى قرن بهذه الدعوى ما يكون ~~كالدلالة القاطعة على صحتها وذلك لأن قوله : { بنعمة ربك } يدل على أن نعم ~~الله تعالى كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة التامة والعقل الكامل والسيرة ~~المرضية ، والبراءة من كل عيب ، والاتصاف بكل مكرمة وإذا كانت هذه النعم ~~محسوسة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون ، فالله تعالى نبه على هذه الدقيقة ~~لتكون جارية مجرى الدلالة اليقينية على كونهم كاذبين في قولهم له : إنه ~~مجنون . # الصفة الثانية : قوله : { وإن لك لاجرا غير ممنون } وفي الممنون قولان : ~~أحدهما : وهو قول الأكثرين ، أن المعنى غير منقوص ولا مقطوع يقال : منه ~~السير أي أضعفه ، والمنين الضعيف ومن الشيء إذا قطعه ، ومنه قول لبيد : ~~PageV30P070 # % غبش كواسب ما يمن طعامها % % # يصف كلابا ضارية ، ونظيره قوله تعالى : { عطاء غير مجذوذ } ( هود : 108 ) ~~. # والقول الثاني : وهو قول مجاهد ومقاتل والكلبي ، إنه غير مقدر عليك بسبب ~~المنة ، قالت المعتزلة في تقرير هذا الوجه : إنه غير ممنون عليك لأنه ثواب ~~تستوجبه على عملك ، وليس بتفضل ابتداء ، والقول الأول أشبه لأن وصفه بأنه ~~أجر يفيد أنه لا منة فيه فالحمل على هذا الوجه يكون كالتكرير ، ثم اختلفوا ~~في أن هذا الأجر على أي شيء حصل ؟ قال قوم معناه : إن لك على احتمال هذا ~~الطعن والقول القبيح أجرا عظيما دائما / وقال آخرون : المراد إن لك في ~~إظهار النبوة والمعجزات ، في دعاء الخلق إلى الله ، وفي بيان الشرع لهم هذا ~~الأجر الخالص الدائم ، فلا تمنعك نسبتها إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا ~~المهم العظيم ، فإن لك بسببه المنزلة العالية عند الله . # الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا كالتفسير لما تقدم ms9145 من قوله : { بنعمة ربك } ~~وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب ، وخطأ وذلك لأن الأخلاق الحميدة ~~والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه ، ومن كان موصوفا بتلك الأخلاق والأفعال ~~لم يجز إضافة الجنون إليه لأن أخلاق المجانين سيئة ، ولما كانت أخلاقه ~~الحميدة كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة ولهذا قال : { قل ما أسئلكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } ( ص: 86 ) أي لست متكلفا فيما يظهر لكم ~~من أخلاقي لأن المتكلف لا يدوم أمره طويلا بل يرجع إلى الطبع ، وقال آخرون ~~: إنما وصف خلقه بأنه عظيم وذلك لأنه تعالى قال له : { أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده } ( الأنعام : 90 ) وهذا الهدى الذي أمر الله تعالى ~~محمدا بالاقتداء به ليس هو معرفة الله لأن ذلك تقليد وهو غير لائق بالرسول ~~، وليس هو الشرائع لأن شريعته مخالفة لشرائعهم فتعين أن يكون المراد منه ~~أمره عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء المتقدمين فيما ~~اختص به من الخلق الكريم ، فكأن كل واحد منهم كان مختصا بنوع واحد ، فلما ~~أمر محمد عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بالكل فكأنه أمر بمجموع ما كان ~~متفرقا فيهم ، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحد من الأنبياء قبله ، ~~لا جرم وصف الله خلقه بأنه عظيم ، وفيه دقيقة / أخرى وهي قوله : { لعلى خلق ~~عظيم } وكلمة على للاستعلاء ، فدل اللفظ على أنه مستعمل على هذه الأخلاق ~~ومستول عليها ، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الجميلة كالمولى بالنسبة إلى ~~العبد وكالأمير بالنسبة إلى المأمور . # المسألة الثانية : الخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان ~~بالأفعال الجميلة . واعلم أن الإتيان بالأفعال الجميلة غير وسهولة الإتيان ~~بها غير ، فالحالة التي باعتبارها تحصل تلك السهولة هي الخلق ويدخل في حسن ~~الخلق التحرز من الشح والبخل والغضب ، والتشديد في المعاملات والتحبب إلى ~~الناس بالقول والفعل ، وترك التقاطع والهجران والتساهل في العقود كالبيع ~~وغيره والتسمح بما يلزم من حقوق من له نسب أو كان صهرا له وحصل له حق آخر . ~~وروي عن ابن عباس ms9146 أنه قال معناه : وإنك لعلى دين عظيم ، وروي أن الله تعالى ~~قال له : ( لم أخلق دينا أحب إلي ولا أرضى عندي من هذا الدين الذي اصطفيته ~~لك ولأمتك ) يعني الإسلام ، واعلم أن هذا القول ضعيف ، وذلك لأن الإنسان له ~~قوتان ، قوة نظرية وقوة عملية ، PageV30P071 والدين يرجع إلى كمال القوة ~~النظرية ، والخلق يرجع إلى كمال القوة العملية ، فلا يمكن حمل أحدهما على ~~الآخر ، ويمكن أيضا أن يجاب عن هذا السؤال من وجهين : الوجه الأول : أن ~~الخلق في اللغة هو العادة سواء كان ذلك في إدراك أو في فعل الوجه الثاني : ~~أنا بينا أن الخلق هو الأمر الذي باعتباره يكون الإتيان بالأفعال الجميلة ~~سهلا ، فلما كانت الروح القدسية التي له شديدة الاستعداد للمعارف الإلهية ~~الحقة وعديمة الاستعداد لقبول العقائد الباطلة ، كانت تلك السهولة حاصلة في ~~قبول المعارف الحقة ، فلا يبعد تسمية تلك السهول بالخلق . # المسألة الثالثة : قال سعيد بن هشام : قلت لعائشة : ( أخبريني عن خلق ~~رسول الله ، قالت ألست قرأ القرآن ؟ قلت : بلى قالت : فإنه كان خلق النبي ~~عليه الصلاة والسلام ) وسئلت مرة أخرى فقالت : كان خلقه القرآن ، ثم قرأت : ~~{ قد أفلح المؤمنون } ( المؤمنون : 1 ) إلى عشرة آيات ، وهذا إشارة إلى أن ~~نفسه المقدسة كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيب ، وإلى كل ما يتعلق بها ، ~~وكانت شديدة النفرة عن اللذات البدنية والسعادة الدنيوية بالطبع ومقتضى ~~الفطرة ، اللهم ارزقنا شيئا من هذه الحالة . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن ~~عائشة قالت : ( ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما ~~دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك ) فلهذا قال تعالى : { ~~وإنك لعلى خلق عظيم } وقال أنس : ( خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ~~سنين ، فما قال لي في شي فعلته لم فعلت ، ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت ) ~~وأقول : إن الله تعالى وصف ما يرجع إلى قوته النظرية بأنه عظيم ، فقال : { ~~وعلمك لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ( النساء : 113 ms9147 ) ووصف ما ~~يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم فقال : { وإنك لعلى خلق عظيم } فلم يبق ~~للإنسان بعد هاتين القوتين شيء ، فدل / مجموع هاتين الآيتين على أن روحه ~~فيما بين الأرواح البشرية كانت عظيمة عالية الدرجة ، كأنها لقوتها وشدة ~~كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة . # واعلم أنه تعالى لما وصفه بأنه على خلق عظيم قال : # ! 7 < { فستبصر ويبصرون } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 5 ) فستبصر ويبصرون # > > أي فسترى يا محمد ويرون يعني المشركين ، وفيه قولان : منهم من حمل ~~ذلك على أحوال الدنيا ، يعني فستبصر ويبصرون الدنيا أنه كيف يكون عاقبة ~~أمرك وعاقبة أمرهم ، فإنك تصير معظما في القلوب ، ويصيرون دليلين ملعونين ، ~~وتستولي عليهم بالقتل والنهب ، قال مقاتل : هذا وعيد بالعذاب ببدر ، ومنهم ~~من حمله على أحوال الآخرة وهو كقوله : { سيعلمون غدا من الكذاب الاشر } ( ~~القمر : 26 ) . # [ بم وأما قوله تعالى : # ! 7 < { بأيكم المفتون } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 6 ) بأيكم المفتون # > > ففيه وجوه : أحدها : وهو قول الأخفش وأبي عبيدة وابن قتيبة : أن ~~الباء صلة زائدة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون كقوله : { تنبت ~~بالدهن } ( المؤمنين : 20 ) أي تنبت الدهن وأنشد أبو عبيدة : PageV30P072 # % نضرب بالسيف ونرجو بالفرج % % # والفراء طعن في هذا الجواب وقال : إذا أمكن فيه بيان المعنى الصحيح من ~~دون طرح الباء كان ذلك أولى ، وأما البيت فمعناه نرجو كشف ما نحن فيه ~~بالفرج أو نرجو النصر بالفرج وثانيها : وهو اختيار الفراء والمبرد أن ~~المفتون ههنا بمعنى الفتون وهو الجنون ، والمصادر تجيء على المفعول نحو ~~المعقود والميسور بمعنى العقد واليسر ، يقال : ليس له معقود رأي أي عقد رأى ~~، وهذا قول الحسن والضحاك ورواية عطية عن ابن عباس وثالثها : أن الباء ~~بمعنى في ومعنى الآية : فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون ، أفي فرقة ~~الإسلام أم في فرقة الكفار ورابعها : المفتون هو الشيطان إذ لا شك أنه ~~مفتون في دينه وهم لما قالوا إنه مجنون فقد قالوا : إن به شيطانا فقال ~~تعالى : سيعلمون غدا بأيهم شيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل ثم ~~قال تعالى : # ! 7 < { إن ms9148 ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 7 ) إن ربك هو . . . . . # > > وفيه وجهان : الأول : هو أن يكون المعنى إن ربك هو أعلم بالمجانين ~~على الحقيقة ، وهم الذي ضلوا عن سبيله وهو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون ~~الثاني : أن يكون المعنى إنهم رموك بالجنون ووصفوا أنفسهم بالعقل وهم كذبوا ~~في ذلك ، ولكنهم موصوفون بالضلال ، وأنت موصوف بالهداية والامتياز الحاصل ~~بالهداية والضلال أولى بالرعاية من الامتياز الحاصل بسبب العقل والجنون ، ~~لأن ذاك / ثمرته السعادة الأبدية ( أ ) و الشقاوة ، وهذا ثمرته السعادة ( أ ~~) و الشقاوة في الدنيا . # ! 7 < { فلا تطع المكذبين } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 8 ) فلا تطع المكذبين # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر ما عليه الكفار في أمر الرسول ونسبته إلى ~~الجنون مع الذي أنعم الله به عليه من الكمال في أمر الدين والخلق ، أتبعه ~~بما يدعوه إلى التشدد مع قومه وقوى قلبه بذلك مع قلة العدد وكثرة الكفار ، ~~فإن هذه السورة من أوائل ما نزل فقال : { فلا تطع المكذبين } يعني رؤساء ~~أهل مكة ، وذلك أنهم دعوه إلى دين آبائه فنهاه الله أن يطيعهم ، وهذا من ~~الله إلهاب وتهييج التشدد في مخالفتهم . ثم قال : # ! 7 < { ودوا لو تدهن فيدهنون * ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشآء بنميم ~~* مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 9 ) ودوا لو تدهن . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال الليث : الإدهان اللين والمصانعة والمقاربة في ~~الكلام ، قال المبرد : داهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر ~~خلاف ما يضمر ، والمعنى تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم ~~فيفعلوا مثل ذلك ويتركوا بعض مالا ترضى فتلين لهم ويلينون لك ، وروى عطاء ~~عن ابن عباس : لو تكفر فيكفرون . # المسألة الثانية : إنما رفع { فيدهنون } ولم ينصب بإضمار أن وهو جواب ~~التمني لأنه قد عدل به إلى PageV30P073 طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ ~~محذوف أي فهم يدهنون كقوله : { فمن يؤمن بربه فلا يخاف } ( الجن : 13 ) على ~~معنى ودوا لو تدهن ms9149 فهم يدهنون حينئذ ، قال سيبويه : وزعم هارون وكان من ~~القراء أنها في بعض المصاحف : ( ودوا لو تدهن فيدهنوا ) . واعلم أنه تعالى ~~لما نهاه عن طاعة المكذبين ، وهذا يتناول النهي عن طاعة جميع الكفار إلا ~~أنه أعاد النهي عن طاعة من كان من الكفار موصفا بصفات مذمومة وراء الكفر ، ~~وتلك الصفات هي هذه : # الصفة الأولى : كونه حلافا ، والحلاف من كان كثير الحلف في الحق والباطل ~~، وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف ومثله قوله : { ولا تجعلوا الله عرضة ~~لايمانكم } ( البقرة : 224 ) . # الصفة الثانية : كونه مهينا ، قال الزجاج : هو فعيل من المهانة ، ثم فيه ~~وجهان أحدهما : أن المهانة هي القلة والحقارة في الرأي والتمييز والثاني : ~~أنه إنما كان مهينا لأن المراد الحلاف / في الكذب ، والكذاب حقير عند الناس ~~. وأقول : كونه حلافا يدل على أنه لا يعرف عظمة الله تعالى وجلاله ، إذ لو ~~عرف ذلك لما أقدم في كل حين وأوان بسبب كل باطل على الاستشهاد باسمه وصفته ~~ومن لم يكن عالما بعظمة الله وكان متعلق القلب بطلب الدنيا كان مهينا ، ~~فهذا يدل على أن عزة النفس لا تحصل إلا لمن عرف نفسه بالعبودية ، وأن ~~مهانتها لا تحصل إلا لمن غفل عن سر العبودية . # الصفة الثالثة : كونه همازا وهو العياب الطعان ، قال المبرد : هو الذي ~~يهمز الناس أي يذكرهم بالمكروه وأثر ذلك يظهر العيب ، وعن الحسن يلوي شدقيه ~~في أقفية الناس وقد استقصينا ( القول ) فيه في قوله : { ويل لكل همزة } ( ~~الهمزة : 1 ) . # الصفة الرابعة : كونه مشاء بنميم أي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم ~~، يقال : نم ينم وينم نما ونميما ونميمة . # الصفة الخامسة : كونه مناعا للخير وفيه قولان : أحدهما : أن المراد أنه ~~بخيل والخير المال والثاني : كان يمنع أهله من الخير وهو الإسلام ، وهذه ~~الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ، وكان له عشرة من البنين وكان يقول لهم ~~وما قاربهم لئن تبع دين محمد منكم أحد لا أنفعه بشيء أبدا فمنعهم الإسلام ~~فهو الخير الذي منعهم ، وعن ابن عباس أنه أبو جهل وعن مجاهد ms9150 : الأسود بن ~~عبد يغوث ، وعن السدي : الأخنس بن شريق . # الصفة السادسة : كونه معتديا ، قال مقاتل : معناه أنه ظلوم يتعدى الحق ~~ويتجاوزه فيأتي بالظلم ويمكن حمله على جميع الأخلاق الذميمة يعني أنه نهاية ~~في جميع القبائح والفضائح . # الصفة السابعة : كونه أثيما ، وهو مبالغة في الإثم . # الصفة الثامنة : العتل وأقوال المفسرين فيه كثيرة ، وهي محصورة في أمرين ~~أحدهما : أنه ذم في الخلق والثاني : أنه ذم في الخلق ، وهو مأخوذ من قولك : ~~عتله إذا قاده بعنف وغلظة ، ومنه قوله تعالى : { فاعتلوه } ( الدخان : 47 ) ~~أما الذين حملوه PageV30P074 على ذم الخلق فقال ابن عباس في رواية عطاء : ~~يريد قوي ضخم . وقال مقاتل : واسع البطن ، وثيق الخلق وقال الحسن : الفاحش ~~الخلق ، اللئيم النفس وقال عبيدة بن عمير : هو الأكول الشروب ، القوي ~~الشديد وقال الزجاج : هو الغليظ الجافي . أما الذين حملوه على ذم الأخلاق ، ~~فقالوا : إنه الشديد الخصومة ، الفظ العنيف . # الصفة التاسعة : قوله : { زنيم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الزنيم أقوال : الأول : قال الفراء : الزنيم هو ~~الدعي الملصق بالقوم وليس منهم ، قال حسان : # % وأنت زنيم نيط في آل هاشم % % كما نيط خلف الراكب القدح الفرد % # والزنمة من كل شيء الزيادة ، وزنمت الشاة أيضا إذا شقت أذنها فاسترخت ~~ويبست وبقيت / كالشيء المعلق ، فالحاصل أن الزنيم هو ولد الزنا الملحق ~~بالقوم في النسب وليس منهم ، وكان الوليد دعيا في قريش وليس من سنخهم ادعاه ~~بعد ثمان عشرة ( ليلة ) من مولده . وقيل : بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت هذه ~~الآية والقول الثاني : قال الشعبي هو الرجل يعرف بالشر واللؤم كما تعرف ~~الشاة بزنمتها والقول الثالث : روى عن عكرمة عن ابن عباس قال : معنى كونه ~~زنيما أنه كانت له زنمة في عنقه يعرف بها ، وقال مقاتل : كان في أصل أذنه ~~مثل زنمة الشاة . # المسألة الثانية : قول { بعد ذلك } معناه أنه بعدما عد له من المثالب ~~والنقائص فهو عتل زنيم وهذا يدل على أن هذين الوصفين وهو كونه عتلا زنيما ~~أشد معايبه لأنه إذا كان جافيا غليظ الطبع قسا قلبه واجترأ على ms9151 كل معصية ، ~~ولأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الولد ، ولهذا قال عليه الصلاة السلام ~~: ( لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده ) وقيل : ههنا { بعد ~~ذلك } نظير { ثم } في قوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } ( البلد : 17 ) ~~وقرأ الحسن ( عتل ) رفعا على الذم . # ثم إنه تعالى بعد تعديد هذه الصفات قال : # ! 7 < { أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الا ~~ولين } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 14 ) أن كان ذا . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { إن كان } يجوز أن يكون متعلقا بما ~~قبله وأن يكون متعلقا بما بعده أما الأول : فتقديره : ولا تطع كل حلاف مهين ~~أن كان ذا مال وبنين ، أي لا تطعه مع هذه المثالب ليساره وأولاده وكثرته ، ~~وأما الثاني : فتقديره لأجل أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~: أساطير الأولين ، والمعنى لأجل أن كان ذا مال وبنين جعل مجازاة هذه النعم ~~التي خولها الله له الكفر بآياته قال أبو علي الفاسي : العامل في قوله : { ~~إن كان } إما أن يكون هو قوله : { تتلى } أو قوله { قال } . أو شيئا ثالثا ~~، والأول باطل لأن { تتلى } قد أضيفت { إذا } إليه والمضاف إليه لا يعمل ~~فيما قبله ألا ترى أنك لا تقول : القتال زيدا حين يأتى تريد حين يأتي زيدا ~~، ولا يجوز أن يعمل فيه أيضا { قال } لأن { قال } جواب { إذا } ، وحكم ~~الجواب أن يكون بعدما هو جواب له ولا يتقدم عليه ، ولما بطل هذان القسمان ~~علمنا أن العامل فيه شيء ثالث دل ما في الكلام عليه وذلك هو يجحد أو يكفر ~~أو يمسك عن قبول الحق أو نحو ذلك ، وإنما جاز أن يعمل المعنى فيه ، وإن كان ~~متقدما عليه لشبهه بالظرف ، والظرف قد تعمل فيه المعاني وإن تقدم عليها ، ~~ويدلك على مشابهته للظرف تقدير اللام معه ، فإن PageV30P075 تقدير الآية : ~~لأن كان ذا مال وإذا صار كالظرف لم يمتنع المعنى من أن يعمل فيه ، كما لم ~~يمتنع من أن يعمل في نحو قوله ms9152 : { ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق ~~جديد } ( سبأ : 7 ) لما كان ظرفا ، والعامل فيه القسم الدال عليه قوله : { ~~إنكم لفى خلق جديد } فكذلك قوله : { أن كان ذا مال وبنين } تقديره : إنه ~~جحد آياتنا ، لأن كان ذا مال وبنين أو كفر بآياتنا ، لأن كان ذا مال وبنين ~~. # / المسألة الثانية : قرىء : { أءن * كان } على الاستفهام ، والتقدير : ~~ألأن كان ذال مال كذب ، أو التقدير : أتطيعه لأن كان ذا مال . وروى الزهري ~~عن نافع : إن كان بالكسر ، والشرط للمخاطب ، أي لا تطع كل حلاف شارطا يساره ~~، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه فكأنه اشترط في الطاعة الغنى ، ونظير صرف ~~الشرط إلى المخاطب صرف الترجى إليه في قوله : { لعله يتذكر } ( طه : 44 ) . # واعلم أنه تعالى لما حكى عنه قبائح أفعاله وأقواله قال متوعدا له : # ! 7 < { سنسمه على الخرطوم } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 16 ) سنسمه على الخرطوم # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الوسم أثر الكية وما يشبهها ، يقال : وسمته فهو موسوم ~~بسمة يعرف بها إما كية ، وإما قطع في أذن علامة له . # المسألة الثانية : قال المبرد : الخرطوم ههنا الأنف ، وإنما ذكر هذا ~~اللفظ على سبيل الاستخفاف به ، لأن التعبير عن أعضاء الناس بالأسماء ~~الموضوعة ، لأشباه تلك الأعضاء من الحيوانات يكون استخفافا ، كما يعبر عن ~~شفاه الناس بالمشافر ، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر . # المسألة الثالثة : الوجه أكرم موضع في الجسد ، والأنف أكرم موضع من الوجه ~~لارتفاعه عليه ، ولذلك جعلوه مكان العز والحمية ، واشتقوا منه الأنفة ، ~~وقالوا : الأنف في الأنف وحمى أنفه ، وفلان شامخ العرنين ، وقالوا في ~~الذليل : جدع أنفه ، ورغم أنفه ، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال ~~والإهانة ، لأن السمة على الوجه شين ، فكيف على أكرم موضع من الوجه . # المسألة الرابعة : منهم من قال : هذا الوسم يحصل في الآخرة ، ومنهم من ~~قال : يحصل في الدنيا ، أما على القول الأول : ففيه وجوه أولها : وهو قول ~~مقاتل وأبي العالية واختيار الفراء : أن المراد أنه يسود وجهه قبل دخول ~~النار ، والخرطوم وإن كان قد خص بالسمة فإن المراد هو الوجه لأن ms9153 بعض الوجه ~~يؤدي عن بعض وثانيها : أن الله تعالى سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف ~~به أهل القيامة ، إنه كان غاليا في عداوة الرسول ، وفي إنكار الدين الحق ~~وثالثها : أن في الآية احتمالا آخر عندي ، وهو أن ذلك الكافر إنما بالغ في ~~عداوة الرسول وفي الطعن في الدين الحق بسبب الأنفة والحمية ، فلما كان منشأ ~~هذا الإنكار هو الأنفة والحمية كان منشأ عذاب الآخرة هو هذه الأنفة والحمية ~~، فعبر عن هذا الاختصاص بقوله : { سنسمه على الخرطوم } ، وأما على القول ~~الثاني : وهو أن هذا الوسم إنما يحصل في الدنيا ففيه وجوه : أحدها : ~~PageV30P076 قال ابن عباس سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما ~~عاش . وروي أنه قاتل يوم بدر فخطم بالسيف في القتال / وثانيها : أن معنى ~~هذا الوسم أنه يصير مشهورا بالذكر الرديء والوصف القبيح في العالم ، ~~والمعنى سنلحق به شيئا لا يفارقه ونبين أمره بيانا واضحا حتى لا يخفى كما ~~لا تخفى السمة على الخراطيم ، تقول العرب للرجل الذي تسبه في مسبة قبيحة ~~باقية فاحشة : قد وسمه ميسم سوء ، والمراد أنه ألصق به عارا لا يفارقه كما ~~أن السمة لا تنمحي ولا تزول ألبتة ، قال جرير : # % لما وضعت على الفرزدق ميسمي % % وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل % # يريد أنه وسم الفرزدق ( والبعيث ) وجدع أنف الأخطل بالهجاء أي ألقى عليه ~~عارا لا يزول ، ولا شك أن هذه المبالغة العظيمة في مذمة الوليد بن المغيرة ~~بقيت على وجه الدهر فكان ذلك كالموسم على الخرطوم ، ومما يشهد لهذا الوجه ~~قول من قال في { زنيم } إنه يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها وثالثها : ~~يروى عن النضر بن شميل أن الخرطوم هو الخمر وأنشد : # % تظل يومك في لهو وفي طرب % % وأنت بالليل شراب الخراطيم % # فعلى هذا معنى الآية : سنحده على شرب الخمر وهو تعسف ، وقيل للخمر ~~الخرطوم كما يقال لها السلافة ، وهي ما سلف من عصير العنب ، أو لأنها تطير ~~في الخياشيم . # ! 7 < { إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ~~ولا ms9154 يستثنون } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 17 ) إنا بلوناهم كما . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما قال : لأجل أن كان ذا مال وبنين ، جحد وكفر وعصى ~~وتمرد ، وكان هذا استفهاما على سبيل الإنكار بين في هذه الآية أنه تعالى ~~إنما أعطاه المال والبنين على سبيل الابتلاء والامتحان ، وليصرفه إلى طاعة ~~الله ، وليواظب على شكر نعم الله ، فإن لم يفعل ذلك فإنه تعالى يقطع عنه ~~تلك النعم ، ويصب عليه أنواع البلاء والآفات فقال : { إنا بلوناهم كما ~~بلونا أصحاب الجنة } أي كلفنا هؤلاء أن يشكروا على النعم ، كما كلفنا أصحاب ~~الجنة ذات الثمار ، أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم ، روي أن واحدا من ~~ثقيف وكان مسلما ، كان يملك ضيعة فيها نخل وزرع بقرب صنعاء ، وكان يجعل من ~~كل ما فيها عند الحصاد نصيبا وافرا للفقراء ، فلما مات ورثها منه بنوه ، ثم ~~قالوا : عيالنا كثير ، والمال قليل ، ولا يمكننا أن نعطي المساكين ، مثل ما ~~كان يفعل أبونا ، فأحرق الله جنتهم ، وقيل : كانوا من بني إسرائيل ، وقوله ~~: { إذ أقسموا } إذ حلفوا : { ليصرمنها } ليقطعن ثمر نخيلهم مصبحين ، أي في ~~وقت الصباح ، قال مقاتل : معناه أغدوا سرا إلى جنتكم ، فاصرموها ، ولا ~~تخبروا المساكين ، وكان أبوهم يخبر المساكين ، فيجتمعون عند صرام جنتهم ، ~~يقال : قد صرم العذق عن النخلة ، وأصرم النخل إذا حان وقت صرامه ، وقوله : ~~{ ولا يستثنون } يعني ولم يقولوا : إن شاء / الله ، هذا قول جماعة المفسرين ~~، يقال : حلف فلان يمينا ليس فيها ثنيا ولا ثنوى ، ولا ثنية ولا مثنوية ولا ~~استثناء وكله واحد ، وأصل هذا كله من الثنى وهو الكف والرد ، وذلك أن ~~الحالف إذا قال : والله لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله غيره ، فقد رد انعقاد ~~ذلك اليمين ، واختلفوا في قوله : { ولا يستثنون } فالأكثرون أنهم إنما لم ~~PageV30P077 يستثنوا بمشيئة الله تعالى لأنهم كانوا كالواثقين بأنهم ~~يتمكنون من ذلك لا محالة ، وقال آخرون : بل المراد أنهم يصرمون كل ذلك ولا ~~يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إلى المساكين . ! ~~7 < { فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * فأصبحت كالصريم ms9155 } . > 7 ! # { < < # | القلم : ( 19 ) فطاف عليها طائف . . . . . # > > طائف من ربك } أي عذاب من ربك ، والطائف لا يكون إلا ليلا أي طرقها ~~طارق من عذاب الله ، قال الكلبي : أرسل الله عليها نارا من السماء فاحترقت ~~وهم نائمون فأصبحت الجنة كالصريم . # واعلم أن الصريم فعيل ، فيحتمل أن يكون بمعنى المفعول ، وأن يكون بمعنى ~~الفاعل وههنا احتمالات أحدها : أنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في ~~هلاك الثمر وإن حصل الاختلاف في أمور أخر ، فإن الأشجار إذا احترقت فإنها ~~لا تشبه الأشجار التي قطعت ثمارها ، إلا أن هذا الاختلاف وإن حصل من هذا ~~الوجه ، لكن المشابهة في هلاك الثمر حاصلة وثانيها : قال الحسن : أي صرم ~~عنها الخير فليس فيها شيء ، وعلى هذين الوجهين الصريم بمعنى المصروم ~~وثالثها : الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه الصرائم ، ~~وعلى هذا شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن ~~الرمال ، وهي لا تنبت شيئا ينتفع به ورابعها : الصبح يسمى صريما لأنه انصرم ~~من الليل ، والمعنى أن تلك الجنة يبست وذهبت خضرتها ولم يبق فيها شيء ، من ~~قولهم : بيض الإناء إذا فرغه وخامسها : أنها لما احترقت صارت سوداء كالليل ~~المظلم ، والليل يسمى صريما وكذا النهار يسمى أيضا صريما ، لأن كل واحد ~~منهما ينصرم بالآخر ، وعلى هذا الصريم بمعنى الصارم ، وقال قوم : سمي الليل ~~صريما ، لأنه يقطع بظلمته عن التصرف وعلى هذا هو فعيل بمعنى فاعل ، وقال ~~آخرون : سميت الليلة بالصريم ، لأنها تصرم نور البصر وتقطعه . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فتنادوا مصبحين * أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 21 ) فتنادوا مصبحين # > > قال مقاتل : لما أصبحوا قال بعضهم لبعض : { اغدوا على حرثكم } ويعني ~~بالحرث الثمار والزروع والأعناب ، ولذلك قال : صارمين لأنهم أرادوا قطع ~~الثمار من هذه الأشجار . فإن قيل : لم لم / يقل اغدوا إلى حرثكم ، وما معنى ~~على ؟ قلنا : لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدوا عليه كما تقول : ~~غدا عليهم العدو ، ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال ، كقولهم : يغدي ms9156 عليهم ~~بالجفنة ويراح ، أي فأقبلوا على حرثكم باكرين . # ! 7 < { فانطلقوا وهم يتخافتون } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 23 ) فانطلقوا وهم يتخافتون # > > أي يتسارون فيما بينهم ، وخفي وخفت وخفد ثلاثتها في معنى PageV30P078 ~~كتم ومنه الخفدود للخفاش ، قال ابن عباس : غدوا إليها بصدفة يسر بعضهم إلى ~~بعض الكلام لئلا يعلم أحد من الفقراء والمساكين . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } . > 7 ! # { < < # | القلم : ( 24 ) أن لا يدخلنها . . . . . # > > ءان } مفسرة ، وقرأ ابن مسعود بطرحها بإضمار القول أي يتخافتون ~~يقولون لا يدخلها والنهي للمسكين عن الدخول نهي لهم عن تمكينه منه ، أي لا ~~تمكنوه من الدخول ( حتى يدخل ) ، كقولك لا أرينك ههنا . ثم قال : # ! 7 < { وغدوا على حرد قادرين } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 25 ) وغدوا على حرد . . . . . # > > وفيه أقوال : الأول : الحرد المنع يقال : حاردت السنة إذا قل مطرها ~~ومنعت ريعها ، وحاردت الناقة إذا منعت لبنها فقل اللبن ، والحرد الغضب ، ~~وهما لغتان الحرد والحرد والتحريك أكثر ، وإنما سمي الغضب بالحرد لأنه ~~كالمانع من أن يدخل المغضوب منه في الوجود ، والمعنى وغدوا وكانوا عند ~~أنفسهم وفي ظنهم قادرين على منع المساكين الثاني : قيل : الحرد القصد ~~والسرعة ، يقال : حردت حردك قال الشاعر : # % أقبل سيل جاء من أمر الله % % يحرد حرد الجنة المغلة % # وقطا حراد أي سراع ، يعني وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط قادرين عند ~~أنفسهم يقولون : نحن نقدر على صرامها ، ومنع منفعتها عن المساكين والثالث : ~~قيل : حرد علم لتلك الجنة أي غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند ~~أنفسهم ، أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان . # ! 7 < { فلما رأوها قالوا إنا لضآلون * بل نحن محرومون } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 26 ) فلما رأوها قالوا . . . . . # > > فيه وجوه أحدها : أنهم لما رأوا جنتهم محترقة ظنوا أنهم قد ضلوا ~~الطريق فقالوا : { إنا لضالون } ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا : { بل ~~نحن محرومون } حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنع الفقراء وثانيها : ~~يحتمل / أنهم لما رأوا جنتهم محترقة قالوا : إنا لضالون حيث كنا عازمين على ~~منع الفقراء ، وحيث كنا نعتقد ms9157 كوننا قادرين على الانتفاع بها ، بل الأمر ~~انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين . # ! 7 < { قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 28 ) قال أوسطهم ألم . . . . . # > > قوله تعالى : { قال أوسطهم } يعني أعدلهم وأفضلهم وبينا وجهه في ~~تفسير قوله : { أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) . { ألم أقل لكم لولا تسبحون } ~~يعني هلا تسبحون وفيه وجوه الأول : قال الأكثرون معناه هلا تستثنون فتقولون ~~: إن شاء الله ، لأن الله تعالى إنما عابهم بأنهم لا يستثنون ، وإنما جاز ~~تسمية قول : إن شاء الله بالتسبيح لأن التسبيح عبارة عن تنزيه الله عن كل ~~سوء ، فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة الله ، لكان ذلك يوجب عودة نقص ~~إلى قدرة الله ، فقولك : إن شاء الله ، يزيل هذا النقص ، فكان ذلك تسبيحا . # واعلم أن لفظ القرآن يدل على أن القوم كانوا يحلفون ويتركون الاستثناء ~~وكان أوسطهم ينهاهم عن ترك الاستثناء ويخوفهم من عذاب الله ، فلهذا حكى عن ~~ذلك الأوسط أنه قال بعد وقوع الواقعة : { ألم أقل لكم لولا تسبحون } . ~~PageV30P079 الثاني : أن القوم حين عزموا على منع الزكاة واغتروا بمالهم ~~وقوتهم قال الأوسط لهم : توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذاب ، فلما رأوا ~~العذاب ذكرهم ذلك الكلام الأول وقال : { لولا تسبحون } فلا جرم اشتغل القوم ~~في الحال بالتوبة و : # ! 7 < { قالوا سبحان ربنآ إنا كنا ظالمين } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 29 ) قالوا سبحان ربنا . . . . . # > > فتكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم به لكن بعد خراب البصرة الثالث : ~~قال الحسن : هذا التسبيح هو الصلاة كأنهم كانوا يتكاسلون في الصلاة وإلا ~~لكانت ناهية لهم عن الفحشاء والمنكر ولكانت داعية لهم إلى أن يواظبوا على ~~ذكر الله وعلى قول : إن شاء الله ، ثم إنه تعالى لما حكى عن ذلك الأوسط أنه ~~أمرهم بالتوبة وبالتسبيح حكى عنهم أشياء أولها : أنهم اشتغلوا بالتسبيح ~~وقالوا في الحال سبحان ربنا عن أن يجري في ملكه شيء إلا بإرادته ومشيئته ، ~~ولما وصفوا الله تعالى بالتنزيه والتقديس اعترفوا بسوء أفعالهم وقالوا إنا ~~كنا ظالمين . وثانيها : # ! 7 < { فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ms9158 } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 30 ) فأقبل بعضهم على . . . . . # > > أي يلوم بعضهم بعضا يقول : هذا لهذا أنت أشرت علينا بهذا الرأي ، ~~ويقول : ذاك لهذا أنت خوفتنا بالفقر ، ويقول الثالث لغيره : أنت الذي ~~رغبتني في جمع المال فهذا هو التلاوم . / ثم نادوا على أنفسهم بالويل : # ! 7 < { قالوا ياويلنآ إنا كنا طاغين } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 31 ) قالوا يا ويلنا . . . . . # > > والمراد أنهم استعظموا جرمهم . ثم قالوا عند ذلك : # ! 7 < { عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ إنآ إلى ربنا راغبون } . > 7 ! # { < < # | القلم : ( 32 ) عسى ربنا أن . . . . . # > > عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها } قرىء { يبدلنا } بالتخفيف والتشديد { ~~إنا إلى ربنا راغبون } طالبون منه الخير راجون لعفوه ، واختلف العلماء ههنا ~~، فمنهم من قال إن ذلك كان توبة منهم ، وتوقف بعضهم في ذلك قالوا : لأن هذا ~~الكلام يحتمل أنهم إنما قالوه رغبة منهم في الدنيا . # ! 7 < { كذلك العذاب ولعذاب الا خرة أكبر لو كانوا يعلمون } . > 7 @QB@ < # | القلم : ( 33 ) كذلك العذاب ولعذاب . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { كذلك العذاب } يعني كما ذكرنا من إحراقها بالنار ، ~~وههنا تم الكلام في قصة أصحاب الجنة . # واعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة أمران أحدهما : أنه تعالى قال : { أن ~~كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الاولين } ( القلم : ~~14 ، 15 ) والمعنى : لأجل أن أعطاه المال والبنين كفر بالله كلا : بل الله ~~تعالى إنما أعطاه ذلك للابتلاء ، فإذا صرفه إلى الكفر دمر الله عليه بدليل ~~أن أصحاب الجنة لما أتوا بهذا القدر اليسير من المعصية دمر الله على جنتهم ~~فكيف يكون الحال في حق من عاند الرسول وأصر على الكفر والمعصية والثاني : ~~أن أصحاب الجنة خرجوا لينتفعوا بالجنة ويمنعوا الفقراء عنها فقلب الله ~~عليهم القضية فكذا أهل مكة لما خرجوا إلى بد حلفوا على أن يقتلوا محمدا ~~وأصحابه ، وإذا رجعوا إلى مكة طافوا بالكعبة وشربوا الخمور ، فأخلف الله ~~ظنهم فقتلوا وأسروا كأهل هذه الجنة . # ثم إنه لما خوف الكفار بعذاب الدنيا قال : { ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون } وهو ظاهر لا حاجة به إلى التفسير . PageV30P080 # ثم ms9159 إنه تعالى ذكر بعد ذلك أحوال السعداء ، فقال : # ! 7 < { إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم } . > 7 @QB@ < # | القلم : ( 34 ) إن للمتقين عند . . . . . # > > # { عند ربهم } أي في الآخرة { جنات النعيم } أي جنات ليس لهم فيه إلا ~~التنعم الخالص لا يشوبه ما ينغصه ، كما يشوب جنات الدنيا ، قال مقاتل : لما ~~نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين : إن الله تعالى فضلنا عليكم في ~~الدنيا ، فلا بد وأن يفضلنا عليكم في الآخرة ، فإن لم يحصل التفضيل ، فلا ~~أقل من المساواة . # / ثم إن الله تعالى أجاب عن هذا الكلام بقوله : # ! 7 < { أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 35 ) أفنجعل المسلمين كالمجرمين # > > ومعنى الكلام أن التسوية بين المطيع والعاصي غير جائزة ، وفي الآية ~~مسائل . # المسألة الأولى : قال القاضي : فيه دليل واضح على أن وصف الإنسان بأنه ~~مسلم ومجرم كالمتنافي ، فالفاسق لما كان مجرما وجب أن لا يكون مسلما ~~والجواب : أنه تعالى أنكر جعل المسلم مثلا للمجرم ، ولا شك أنه ليس المراد ~~إنكار المماثلة في جميع الأمور ، فإنهما يتماثلان في الجوهرية والجسمية ~~والحدوث والحيوانية ، وغيرها من الأمور الكثيرة ، بل المراد إنكار ~~استوائهما في الإسلام والجرم ، أو في آثار هذين الأمرين ، أو المراد إنكار ~~أن يكون أثر إسلام المسلم مساويا لأثر جرم المجرم عند الله ، وهذا مسلم لا ~~نزاع فيه ، فمن أين يدل على أن الشخص الواحد يمتنع أن يجتمع فيه كونه مسلما ~~ومجرما ؟ . # المسألة الثانية : قال الجبائي : دلت الآية على أن المجرم لا يكون ألبتة ~~في الجنة ، لأنه تعالى أنكر حصول التسوية بينهما ، ولو حصلا في الجنة ، ~~لحصلت التسوية بينهما في الثواب ، بل لعله يكون ثواب المجرم أزيد من ثواب ~~المسلم إذا كان المجرم أطول عمرا من المسلم ، وكانت طاعاته غير محبطة ~~الجواب : هذا ضعيف لأنا بينا أن الآية لا تمنع من حصول التسوية في شيء أصلا ~~بل تمنع من حصول التسوية في درجة الثواب ، ولعلهما يستويان فيه بل يكون ~~ثواب المسلم الذي لم يعص أكثر من ثواب من عصى ، على أنا نقول : لم ms9160 لا يجوز ~~أن يكون المراد من المجرمين هم الكفار الذين حكى الله عنهم هذه الواقعة ~~وذلك لأن حمل الجمع المحلى بالألف واللام على المعهود السابق مشهور في ~~اللغة والعرف . # المسألة الثالثة : أن الله تعالى استنكر التسوية بين المسلمين والمجرمين ~~في الثواب ، فدل هذا على أنه يقبح عقلا ما يحكى عن أهل السنة أنه يجوز أن ~~يدخل الكفار في الجنة والمطيعين في النار والجواب : أنه تعالى استنكر ذلك ~~بحكم الفضل والإحسان ، لا أن ذلك بسبب أن أحدا يستحق عليه شيئا . # واعلم أنه تعالى لما قال على سبيل الاستبعاد : { أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين } قرر هذا الاستبعاد بأن قال على طريقة الالتفات : { ما لكم كيف ~~تحكمون } هذا الحكم المعوج ثم قال : # ! 7 < { أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون } . > 7 @QB@ < # | القلم : ( 37 - 38 ) أم لكم كتاب . . . . . # > > # وهو كقوله تعالى : { أم لكم سلطان مبين * فأتوا بكتابكم } ( الصافات : ~~156 ) والأصل تدرسون أن لكم ما تتخيرون بفتح أن لأنه مدرس ، فلما / جاءت ~~اللام كسرت ، وتخير الشيء واختاره ، أي أخذ خيره ونحوه تنخله وانتخله إذا ~~أخذ منخوله . PageV30P081 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون } . ~~> 7 ! # < < # | القلم : ( 39 ) أم لكم أيمان . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : يقال : لفلان على يمين بكذا إذا ضمنته منه وخلقت له على ~~الوقاء به يعني أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد ~~. فإن قيل : إلى في قوله : { إلى يوم القيامة } بم يتعلق ؟ قلنا : فيه ~~وجهان الأول : أنها متعلقة بقوله : { بالغة } أي هذه الأيمان في قوتها ~~وكمالها بحيث تبلغ إلى يوم القيامة والثاني : أن يكون التقدير . أيمان ~~ثابتة إلى يوم القيامة . ويكون معنى بالغة مؤكدة كما تقول جيدة بالغة ، وكل ~~شيء متناه في الصحة والجودة فهو بالغ ، وأما قوله : { إن لكم لما تحكمون } ~~فهو جواب القسم لأن معنى : { أم لكم أيمان علينا } أم أقسمنا لكم . # المسألة الثانية : قرأ الحسن بالغة بالنصب وهو نصب على الحال من الضمير ~~في الظرف . ثم ms9161 قال للرسول عليه الصلاة والسلام : # ! 7 < { سلهم أيهم بذالك زعيم } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 40 ) سلهم أيهم بذلك . . . . . # > > والمعنى أيهم بذلك الحكم زعيم ، أي قائم به وبالاستدلال على سحته ، ~~كما يقوم زعيم القوم بإصلاح أمورهم . ثم قال : # ! 7 < { أم لهم شركآء فليأتوا بشركآئهم إن كانوا صادقين } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 41 ) أم لهم شركاء . . . . . # > > وفي تفسيره وجهان الأول : المعنى أم لهم أشياء يعتقدون أنها شركاء ~~الله فيعتقدون أن أولئك الشركاء يجعلونهم في الآخرة مثل المؤمنين في الثواب ~~والخلاص من العقاب ، وإنماأضاف الشركاء إليهم لأنهم جعلوها شركاء لله وهذا ~~كقوله : { هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء } ( الروم : 40 ) ، الوجه ~~الثاني : في المعنى أم لهم ناس يشاركونهم في هذا المذهب وهو التسوية بين ~~المسلمين والمجرمين ، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في دعواهم ، والمراد ~~بيان أنه كما ليس لهم دليل عقلي في إثبات هذا المذهب ، ولا دليل نقلي وهو ~~كتاب يدرسونه ، فليس لهم من يوافقهم من العقلاء على هذا القول ، وذلك يدل ~~على أنه باطل من كل الوجوه . # واعلم أنه تعالى لما أبطل قولهم ، وأفسد مقالتهم شرح بعد ذلك عظمة يوم ~~القيامة . # ! 7 < { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم ~~ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 42 ) يوم يكشف عن . . . . . # > > فقال : { يوم يكشف عن ساق } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : يوم منصوب بماذا ؟ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منصوب ~~، بقوله : { فليأتوا } في قوله : { فليأتوا بشركائهم } ( القلم : 41 ) وذلك ~~أن ذلك اليوم يوم شديد ، فكأنه تعالى قال : / إن كانوا صادقين في أنها ~~شركاء فليأتوا بها يوم القيامة ، لتنفعهم ونشفع لهم وثانيها : أنه منصوب ~~بإضمار اذكر وثالثها : أن يكون التقدير يوم يكشف عن ساق ، كان كيت وكيت ~~فحذف للتهويل البليغ ، وأن ثم من الكوائن مالا يوصف لعظمته . # المسألة الثانية : هذا اليوم الذي يكشف فيه عن ساق ، أهو يوم القيامة أو ~~في الدنيا ؟ فيه قولان : الأول : وهو الذي عليه الجمهور ، أنه يوم القيامة ~~، ثم في تفسير الساق وجوه : الأول ms9162 : أنه الشدة ، وروي أنه سئل ابن ~~PageV30P082 عباس عن هذه الآية ، فقال : إذا خفي عليكم شيء من القرآن ~~فابتغوه في الشعر ، فإنه ديوان العرب ، أما سمعتم قول الشاعر : # % سن لنا قومك ضرب الأعناق % % وقامت الحرب بنا على ساق % # ثم قال : وهو كرب وشدة وروى مجاهد عنه قال : هو أشد ساعة في القيامة ، ~~وأنشد أهل اللغة أبياتا كثيرة ( منها ) : # % فإن شمرت لك عن ساقها % % فدنها ربيع ولا تسأم % # ومنها : كشفت لكم عن ساقها # وبدا من الشر الصراح # وقال جرير : ألا رب سام الطرف من آل مازن # إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا # وقال آخر : في سنة قد شمرت عن ساقها # حمراء تبرى اللحم عن عراقها # وقال آخر : قد شمرت عن ساقها فشدوا # وجدت الحرب بكم فجدوا # ثم قال ابن قتيبة أصل هذا أن الرجل إذاوقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد ~~فيه ، يشمر عن ساقه ، فلا جرم يقال في موضع الشدة : كشف عن ساقه ، واعلم أن ~~هذا اعتراف من أهل اللغة بأن استعمال الساق في الشدة مجاز ، وأجمع العلماء ~~على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة ، ~~فإذا أقمنا الدلائل القاطعة على أنه تعالى ، يستحيل أن يكون جسما ، فحينئذ ~~يجب صرف اللفظ إلى المجاز ، وأعلم أن صاحب ( الكشاف ) أورد هذا التأويل في ~~معرض آخر ، فقال : الكشف عن الساق مثل في شدة الأمر ، فمعنى قوله : { يوم ~~يكشف عن ساق } يوم يشتد الأمر ويتفاقم ، ولا كشف ثم ، ولا ساق ، كما تقول ~~للأقطع الشحيح : يده مغلولة ، ولا يد ثم ولا غل وإنما هو مثل في البخل ، ثم ~~أخذ يعظم علم البيان ويقول لولاه : لما وقفنا على هذه الأسرار وأقول : إما ~~أن يدعى أنه صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل ، أو يقول : إنه لا يجوز ذلك إلا ~~بعد امتناع حمله على الحقيقة ، والأول باطل بإجماع المسلمين ، ولأنا إن ~~جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفة في أمر المعاد فإنهم يقولون في ~~قوله : { جنات تجرى من تحتها الانهار } ( البقرة : 25 ) ليس هناك ms9163 لا أنهار ~~ولا أشجار ، وإنما هو مثل للذة والسعادة ، ويقولون في قوله : { اركعوا ~~واسجدوا } ( الحج : 77 ) ليس هناك لا سجود ولا ركوع . وإنما هو مثل للتعظيم ~~، ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع وفساد الدين / وأما إن قال : بأنه لا ~~يصار إلى هذا التأويل إلا بعد قيام الدلالة على أنه لا يجوز حمله على / ~~ظاهره ، فهذا هو الذي لم يزل كل أحد من المتكلمين ( إلا ) قال به وعول عليه ~~، فأين هذه الدقائق ، التي استبد هو بمعرفتها والاطلاع عليها بواسطة علم ~~البيان ، فرحم الله أمرا عرف قدره ، وما تجاوز طوره القول الثاني : وهو ~~PageV30P083 قول أبي سعيد الضرير : { يوم يكشف عن ساق } ، أي عن أصل الأمر ~~، وساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر ، وساق الإنسان ، أي يظهر يوم ~~القيامة حقائق الأشياء وأصولها القول الثالث : يوم يكشف عن ساق جهنم ، أو ~~عن ساق العرش ، أو عن ساق ملك مهيب عظيم ، واللفظ لا يدل إلا على ساق ، ~~فأما أن ذلك الساق ساق أي شيء هو فليس في اللفظ ما يدل عليه والقول الرابع ~~: وهو اختيار المشبهة ، أنه ساق الله ، تعالى الله عنه روى عن ابن مسعود ~~عنه عليه الصلاة والسلام : ( أنه تعالى يتمثل للخلق يوم القيامة حين يمر ~~المسلمون ، فيقول : من تعبدون ؟ فيقولون : نعبد الله فيشهدهم مرتين أو ~~ثلاثا ثم يقول : هل تعرفون ربكم ، فيقولون : سبحانه إذا عرفنا نفسه عرفناه ~~، فعند ذلك يكشف عن ساق ، فلا يبقى مؤمن إلا خر ساجدا ، ويبقى المنافقون ~~ظهورهم كالطبق الواحد كأنما فيها السفافيد ) واعلم أن هذا القول باطل لوجوه ~~أحدها : أن الدلائل دلت على أن كل جسم محدث ، لأن كل جسم متناه ، وكل متناه ~~محدث ولأن كل جسم فإنه لا ينفك عن الحركة والسكون ، وكل ما كان كذلك فهو ~~محدث ، ولأن كل جسم ممكن ، وكل ممكن محدث وثانيها : أنه لو كان المراد ذلك ~~لكان من حق الساق أن يعرف ، لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن ، ~~أما لو حملناه على الشدة ، ففائدة التنكير الدلالة على التعظيم ms9164 ، كأنه قيل ~~: يوم يكشف عن شدة ، وأي شدة ، أي شدة لا يمكن وصفها وثالثها : أن التعريف ~~لا يحصل بالكشف عن الساق ، وإنما يحصل بكشف الوجه القول الثاني : أن قوله : ~~{ يوم يكشف عن ساق } ليس المراد منه يوم القيامة ، بل هو في الدنيا ، وهذا ~~قول أبي مسلم قال : أنه لا يمكن حمله على يوم القيامة لأنه تعالى قال في ~~وصف هذا اليوم : { ويدعون إلى السجود } ويوم القيامة ليس فيه تعبد ولا ~~تكليف ، بل المراد منه ، إما آخر أيام الرجل في دنياه كقوله تعالى : { يوم ~~يرون الملئكة لا بشرى } ( الفرقان : 22 ) ثم إنه يرى الناس يدعون إلى ~~الصلوات إذا حضرت أوقاتها ، وهو لا يستطيع الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع ~~نفسا إيمانها ، وإما حال الهرم والمرض والعجز وقد كانوا قبل ذلك اليوم ~~يدعون إلى السجود وهم سالمون مما بهم الآن ، إما من الشدة النازلة بهم من ~~هول ما عاينوا عند الموت أو من العجز والهرم ، ونظير هذه الآية قوله : { ~~فلولا إذا بلغت الحلقوم } ( الواقعة : 83 ) واعلم أنه لا نزاع في أنه يمكن ~~حمل اللفظ على ما قاله أبو مسلم ، فأما قوله : إنه لا يمكن حمله على ~~القيامة بسبب أن الأمر بالسجود حاصل ههنا ، والتكاليف زائلة يوم القيامة ~~فجوابه أن ذلك لا يكون على سبيل التكليف ، بل على سبيل التقريع والتخجيل ، ~~فلم قلتم : إن ذلك غير جائز . # المسألة الثالثة : قرىء : { يوم } بالنون و { * تكشف } بالتاء المنقوطة ~~من فوق على البناء للفاعل والمفعول جميعا والفعل للساعة أو للحال ، أي يوم ~~يشتد الحال أو الساعة ، كما تقول : / كشف الحرب عن ساقها على المجاز . ~~وقرىء ( تكشف ) بالتاء المضمومة وكسر الشين من أكشف إذا دخل في الكشف ، ~~ومنه أكشف الرجل فهو مكشف إذا انقلبت شفته العليا . # قوله تعالى : { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ~~ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } . PageV30P084 # اعلم أنا بينا أنهم لا يدعون إلى السجود تعبدا وتكليفا ، ولكن توبيخا ~~وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا ، ثم إنه تعالى حال ما ms9165 يدعوهم إلى ~~السجود يسلب عنهم القدرة على السجود ، ويحول بينهم وبين الاستطاعة حتى ~~تزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا فيه ، حين دعوا إلى السجود وهم سالموا ~~الأطراف والمفاصل . قال الجبائي : لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل ذلك ~~على أنهم في الدنيا كانوا يستطيعون ، فبطل بهذا قول من قال : الكافر لا ~~قدرة له على الإيمان ، وإن القدرة على الإيمان لا تحصل إلا حال وجود ~~الإيمان والجواب : عنه أن علم الله بأنه لا يؤمن مناف لوجود الإيمان والجمع ~~بين المتنافيين محال ، فالاستطاعة في الدنيا أيضا غير حاصلة على قول ~~الجبائي . # أما قوله : { خاشعة أبصارهم } فهو حال من قوله : { لا يستطيعون * ترهقهم ~~ذلة } يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم ما كانوا مواظبين على خدمة مولاهم مثل ~~العبد الذي أعرض عنه مولاه ، فإنه يكون ذليلا فيما بين الناس ، وقوله : { ~~وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } يعني حين كانوا يدعون إلى الصلوات ~~بالأذان والإقامة وكانوا سالمين قادرين على الصلاة ، وفي هذا وعيد لمن قعد ~~عن الجماعة ولم يجب المؤذن إلى إقامة الصلاة في الجماعة . # ! 7 < { فذرنى ومن يكذب بهاذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } . > 7 ~~! # < < # | القلم : ( 44 ) فذرني ومن يكذب . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما خوف الكفار بعظمة يوم القيامة زاد في التخويف ~~فخوفهم بما عنده ، وفي قدرته من القهر ، فقال : ذرني وإياه ، يريد كله إلي ~~، فإني أكفيكه ، كأنه يقول : يا محمد حسبك انتقاما منه أن تكل أمره إلي ، ~~وتخلي بيني بينه ، فإني عالم بما يجب أن يفعل به قادر على ذلك ، ثم قال : { ~~سنستدرجهم } يقال : استدرجه إلى كذا إذا استنزله إليه درجة فدرجة ، حتى ~~يورطه فيه . وقوله : { من حيث لا يعلمون } قال أبو روق : { سنستدرجهم } أي ~~كلما أذنبوا ذنبا جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار ، فالإستدراج إنما ~~حصل في الاغتناء الذي لا يشعرون أنه استدراج ، وهو الإنعام / عليهم لأنهم ~~يحسبونه تفضيلا لهم على المؤمنين ، وهو في الحقيقة سبب لهلاكهم . ثم قال : # ! 7 < { وأملى لهم إن كيدى متين } . > 7 @QB@ < # | القلم : ( 45 ) وأملي لهم إن . . . . . # > > # أي أمهلهم ms9166 كقوله : { إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } ( آل عمران : 178 ) ~~وأطيل لهم المدة والملاوة المدة من الدهر ، يقال : أملى الله له أي أطال ~~الله له الملاوة والملوان الليل والنهار ، والملأ مقصورا الأرض الواسعة ~~سميت به لامتدادها . وقيل : { وأملى لهم } أي بالموت فلا أعاجلهم به ، ثم ~~إنه إنما سمي إحسانه كيدا كما سماه استدراجا لكون في صورة الكيد ، ووصفه ~~بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك ، واعلم أن الأصحاب تمسكوا بهذه ~~الآية في مسألة إرادة الكائنات ، فقالوا : هذا الذي سماه بالاستدراج وذلك ~~الكيد ، إما أن يكون له أثر في ترجيح جانب الفعل على جانب الترك ، أو يكون ~~له فيه أثر ، والأول باطل ، وإلا لكان هو سائر الأشياء الأجنبية بمثابة ~~واحدة ، فلا يكون استدراجا ألبتة ولا كيدا ، وأما الثاني فهو يقتضي كونه ~~تعالى مريدا لذلك الفعل الذي ينساق إليه ذلك الاستدراج وذلك الكيد ، لأنه ~~إذا PageV30P085 كان تعالى لا يزال يؤكد هذا الجانب ، ويفتر ذلك الجانب ~~الآخر ، واعلم أن تأكيد هذا الجانب لا بد وأن ينساق بالآخرة إلى فعله ~~ودخوله في الوجود ، فلا بد وأن يكون مريدا لدخول ذلك الفعل في الوجود وهو ~~المطلوب ، أجاب الكعبي عنه فقال : المراد سنستدرجهم إلى الموت من حيث لا ~~يعلمون ، وهذا هو الذي تقتضيه الحكمة فإنهم لو عرفوا الوقت الذي يموتون فيه ~~لصاروا آمنين إلى ذلك الوقت ولأقدموا على المعاصي . وفي ذلك إغراء بالمعاصي ~~، وأجاب الجبائي عنه ، فقال : سنستدرجهم إلى العذاب من حيث لا يعلمون في ~~الآخرة ، وأملي لهم في الدنيا توكيدا للحجة عليهم إن كيدي متين فأمهله ~~وأزيح الأعذار عنه ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة فهذا هو ~~المراد من الكيد المتين ، ثم قال : والذي يدل على أن المراد ما ذكرنا أنه ~~تعالى قال قبل هذه الآية : { فذرنى ومن يكذب بهاذا الحديث } ( القلم : 44 ) ~~ولا شك أن هذا التهديد إنما وقع بعقاب الآخرة ، فوجب أن يكون المراد من ~~الاستدراج والكيد المذكورين عقيبه هو عذاب الآخرة ، أو العذاب الحاصل عند ~~الموت ، واعلم أن أصحابنا ms9167 قالوا الحرف الذي ذكرناه وهو : أن هذا الإمهال ~~إذا كان متأديا إلى الطغيان كان الراضي بالإمهال العالم بتأديه إلى الطغيان ~~لا بد وأن يكون راضيا بذلك الطغيان ، واعلم أن قولهم : { سنستدرجهم * إلى * ~~قوله * إن كيدى متين } مفسر في سورة الأعراف . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } . > 7 @QB@ < # | القلم : ( 46 ) أم تسألهم أجرا . . . . . # > > # وهذه الآية مع ما بعدها مفسرة في سورة الطور ، وأقول : إنه أعاد الكلام ~~إلى ما تقدم من قوله : { أم لهم شركاء } ( القلم : 41 ) والمغرم الغرامة أي ~~لم يطلب منهم على الهداية والتعليم أجرا فيثقل عليهم حمل الغرامات في ~~أموالهم فيثبطهم ذلك عن الإيمان . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 47 ) أم عندهم الغيب . . . . . # > > وفيه وجهان الأول : أن عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون منه ثواب ما ~~هم عليه من الكفر والشرك ، فلذلك أصروا عليه ، وهذا استفهام على سبيل ~~الإنكار الثاني : أن الأشياء الغائبة كأنها حضرت في عقولهم حتى إنهم يكتبون ~~على الله أي يحكمون عليه بما شاءوا وأرادوا . # ! 7 < { فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 48 ) فاصبر لحكم ربك . . . . . # > > ثم إنه تعالى لما بالغ في تزييف طريقة الكفار وفي زجرهم عما هم عليه ~~قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { فاصبر لحكم ربك } وفيه وجهان الأول : ~~فاصبر لحكم ربك في إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم والثاني : فاصبر لحكم ربك في ~~أن أوجب عليك التبليغ والوحي وأداء الرسالة ، وتحمل ما يحصل بسبب ذلك من ~~الأذى والمحنة . # ثم قال تعالى : { ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم } وفيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : العامل في { إذ } معنى قوله : { كصاحب الحوت } يريد لا ~~تكن كصاحب الحوت حال ندائه وذلك لأنه في ذلك الوقت كان مكظوما فكأنه قيل : ~~لا تكن مكظوما . PageV30P086 # المسألة الثانية : صاحب الحوت يونس عليه السلام ، إذ نادى في بطن الحوت ~~بقوله : { لا إلاه إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين } ( الأنبياء : 87 ) ~~، { وهو مكظوم ms9168 } مملوء غيظا من كظم السقاء إذا ملأه ، والمعنى لا يوجد منك ~~ما وجد منه من الضجر والمغاضبة ، فتبلى ببلائه . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء وهو مذموم } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 49 ) لولا أن تداركه . . . . . # > > وقرىء ( رحمة من ربه ) ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : لم لم يقل : لولا أن تداركته نعمة من ربه ؟ الجواب : إنما ~~حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود تداركته ~~، وقرأ الحسن : تداركه ، أي تتداركه على حكاية الحال الماضية ، بمعنى لولا ~~أن كان ، يقال : فيه تتداركه ، كما يقال : كان زيد سيقوم فمنعه فلان ، أي ~~كان يقال فيه : سيقوم ، والمعنى كان متوقعا منه القيام . # السؤال الثاني : ما المراد من قوله : { نعمة من ربه } ؟ الجواب : المراد ~~من تلك النعمة ، هو أنه تعالى أنعم عليه بالتوفيق للتوبة ، وهذا يدل على ~~أنه لا يتم شيء من الصالحات والطاعات إلا بتوفيقه وهدايته . # / السؤال الثالث : أين جواب لولا ؟ الجواب : من وجهين الأول : تقدير ~~الآية : لولا هذه النعمة لنبذ بالعراء مع وصف المذمومية ، فلما حصلت هذه ~~النعمة لا جرم لم يوجد النبذ بالعراء مع هذا الوصف ، لأنه لما فقد هذا ~~الوصف : فقد فقد ذلك المجموع الثاني : لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت ~~إلى يوم القيامة ، ثم نبذ بعراء القيامة مذموما ، ويدل على هذا قوله : { ~~فلولا أنه كان من المسبحين * للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون } ( الاصفات : ~~143 ، 144 ) وهذا كما يقال : عرصة القيامة ؛ وعراء القيامة . # السؤال الرابع : هل يدل قوله : { وهو مذموم } على كونه فاعلا للذنب ؟ ~~الجواب : من ثلاثة أوجه الأول : أن كلمة { لولا } دلت على أن هذه المذمومية ~~لم تحصل الثاني : لعل المراد من المذمومية ترك الأفضل ، فإن حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين الثالث : لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة لقوله : { ~~فاجتباه ربه } ( القلم : 50 ) والفاء للتعقيب . # السؤال الخامس : ما سبب نزول هذه الآيات ؟ الجواب : يروى أنها نزلت بأحد ~~حين حل برسول الله ما حل ، فأراد أن يدعوا على الذين انهزموا ، وقيل : حين ~~أراد ms9169 أن يدعو على ثقيف . # ! 7 < { فاجتباه ربه فجعله من الصالحين } . > 7 ! # < < # | القلم : ( 50 ) فاجتباه ربه فجعله . . . . . # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية وجهان أحدهما : قال ابن عباس : رد الله إليه ~~الوحي وشفعه في قومه والثاني : قال قوم : ولعله ما كان رسولا صاحب وحي قبل ~~هذه الواقعة ثم بعد هذه الواقعة جعله الله رسولا ، وهو المراد من قوله : { ~~فاجتباه ربه } والذين أنكروا الكرامات والإرهاص لا بد وأن يختاروا القول ~~الأول . لأن احتباسه في بطن الحوت وعدم موته هناك لما لم يكن إرهاصا ولا ~~كرامة فلا بد وأن يكون معجزة وذلك يقتضي أنه كان رسولا في تلك الحالة . ~~PageV30P087 # المسألة الثانية : احتج الأصحاب على أن فعل العبد خلق الله تعالى بقوله : ~~{ فجعله من الصالحين } فالآية تدل على أن ذلك الصلاح إنما حصل بجعل الله ~~وخلقه ، قال الجبائي : يحتمل أن يكون معنى جعله أنه أخبر بذلك ، ويحتمل أن ~~يكون لطف به حتى صلح إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني والجواب : أن ~~هذين الوجهين اللذين ذكرتم مجاز ، والأصل في الكلام الحقيقة . # ! 7 < { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون ~~إنه لمجنون } . > 7 @QB@ < # | القلم : ( 51 ) وإن يكاد الذين . . . . . # > > # قوله تعالى : { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ~~} فيه مسألتان : # المسألة الأولى : إن مخففة من الثقيلة واللام علمها . # المسألة الثانية : قرىء : { ليزلقونك } بضم الياء وفتحها ، وزلقه وأزلقه ~~بمعنى ويقال : زلق / الرأس وأزلقه حلقه ، وقرىء ليزهقونك من زهقت نفسه ~~وأزهقها ، ثم فيه وجوه أحدها : أنهم من أشدة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا ~~بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك من قولهم : نظر إلي نظرا يكاد ~~يصرعني ، ويكاد يأكلني ، أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله ، قال ~~الشاعر : # % يتقارضون إذا التقوا في موطن % % نظرا يزل مواطىء الأقدام % # وأنشد ابن عباس لما مر بأقوام حددوا النظر إليه : # % نظروا إلي بأعين محمرة % % نظر التيوس إلى شفار الجازر % # وبين الله تعالى أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي صلى الله ~~عليه وسلم للقرآن ms9170 وهو قوله : { لما سمعوا الذكر } الثاني : منهم من حمله ~~على الإصابة بالعين ، وههنا مقامان أحدهما : الإصابة بالعين ، هل لها في ~~الجملة حقيقة أم لا ؟ الثاني : أن بتقدير كونها صحيحة ، فهل الآية ههنا ~~مفسرة بها أم لا ؟ . # المقام الأول : من الناس من أنكر ذلك ، وقال : تأثير الجسم في الجسم لا ~~يعقل إلا بواسطة المماسة ، وههنا لا مماسة ، فامتنع حصول التأثير . # واعلم أن المقدمة الأولى ضعيفة ، وذلك لأن الإنسان إما أن يكون عبارة عن ~~النفس أو عن البدن ، فإن كان الأول لم يمتنع اختلاف النفوس في جواهرها ~~وماهياتها ، وإذا كان كذلك لم يمتنع أيضا اختلافها في لوازمها وآثارها ، ~~فلا يستبعد أن يكون لبعض النفوس خاصية في التأثير ، وإن كان الثاني لم ~~يمتنع أيضا أن يكون مزاج إنسان واقعا على وجه مخصوص يكون له أثر خاص ، ~~وبالجملة فالاحتمال العقلي قائم ، وليس في بطلانه شبهة فضلا عن حجة ، ~~والدلائل السمعية ناطقة بذلك ، كما يروى أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ~~العين حق ) وقال : ( العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر ) . # والمقام الثاني : من الناس من فسر الآية بهذا المعنى قالوا : كانت العين ~~في بني أسد ، وكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء ، فيقول فيه ~~: لم أر كاليوم مثله إلا عانه ، فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة ~~أن يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، فعصمه الله تعالى ، وطعن ~~الجبائي في هذا التأويل وقال : الإصابة بالعين تنشأ عن استحسان الشيء ، ~~والقوم ما كانوا ينظرون إلى الرسول عليه السلام على هذا الوجه ، بل كانوا ~~يمقتونه ويبغضونه ، والنظر على هذا الوجه لا يقتضي الإصابة بالعين . ~~PageV30P088 # واعلم أن هذا السؤال ضعيف ، لأنهم وإن كانوا يبغضونه من حيث الدين لعلهم ~~كانوا يستحسنون فصاحته ، وإيراده للدلائل . وعن الحسن : دواء الإصابة ~~بالعين قراءة هذه الآية . # ! 7 < { وما هو إلا ذكر للعالمين } . > 7 ! # / < < # | القلم : ( 52 ) وما هو إلا . . . . . # > > ثم قال تعالى : { ويقولون إنه لمجنون } وهو على ما افتتح به السورة . # { وما هو } أي وما هذا القرآن ms9171 الذي يزعمون أنه دلالة جنونه { إلا ذكر ~~للعالمين } فإنه تذكير لهم ، وبيان لهم ، وأدلة لهم ، وتنبيه لهم على ما في ~~عقولهم من أدلة التوحيد ، وفيه من الآداب والحكم ، وسائر العلوم مالا حد له ~~ولا حصر ، فكيف يدعى من يتلوه مجنونا ، ونظيره مما يذكرون ، مع أنه من أدلة ~~الأمور على كمال الفضل والعقل . والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب ~~، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV30P089 < # > 1 ( سورة الحاقة ) 1 < # > # خمسون وآيتان مكية # ! 7 < { الحاقة * ما الحآقة * ومآ أدراك ما الحاقة } . > 7 ! # / < < # | الحاقة : ( 1 ) الحاقة # > > المسألة الأولى : أجمعوا على أن الحاقة هي القيامة واختلفوا في معنى ~~الحاقة على وجوه : أحدها : أن الحق هو الثابت الكائن ، فالحاقة الساعة ~~الواجبة الوقوع الثابتة المجيء التي هي آتية لا ريب فيها وثانيها : أنها ~~التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا أعرف ~~حقيقته جعل الفعل لها وهو لأهلها وثالثها : أنها ذوات الحواق من الأمور وهي ~~الصادقة الواجبة الصدق ، والثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة أمور ~~واجبة الوقوع والوجود فهي كلها حواق ورابعها : أن { الحاقة } بمعنى الحقة ~~والحقة أخص من الحق وأوجب تقول : هذه حقتي أي حقي ، وعلى هذا { الحاقة } ~~بمعنى الحق ، وهذا الوجه قريب من الوجه الأول وخامسها : قال الليث : { ~~الحاقة } النازلة التي حقت بالجارية فلا كاذبة لها وهذا معنى قوله تعالى : ~~{ ليس لوقعتها كاذبة } ، ( الواقعة : 2 ) وسادسها : { الحاقة } الساعة التي ~~يحق فيها الجزاء على كل ضلال وهدى وهي القيامة وسابعها : { الحاقة } هو ~~الوقت الذي يحق على القوم أن يقع بهم وثامنها : أنها الحق بأن يكون فيها ~~جميع آثار أعمال المكلفين فإن في ذلك اليوم يحصل الثواب والعقاب ويخرج عن ~~حد الانتظار وهو قول الزجاج وتاسعها : قال الأزهري : والذي عندي في { ~~الحاقة } أنها سميت بذلك لأنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل أي تخاصم ~~كل مخاصم وتغلبه من قولك : حاققته فحققته أي غالبته فغلبته وفلجت عليه ~~وعاشرها : قال أبو مسلم : { الحاقة } الفاعلة من حقت كلمة ms9172 ربك . # المسألة الثانية : الحاقة مرفوعة بالابتداء وخبرها { ما الحاقة } والأصل ~~{ الحاقة } ما هي أي أي شيء هي ؟ تفخيما لشأنها ، وتعظيما لهولها فوضع ~~الظاهر موضع المضمر لأنه أهول لها ومثله قوله : { القارعة * ما القارعة } ~~PageV30P090 ( القارعة : 1 2 ) وقوله : { وما أدراك } أي وأي شيء أعلمك { ~~ما الحاقة } يعني إنك لا علم لك بكنهها ومدى عظمها ، يعني أنه في العظم ~~والشدة بحيث لا يبلغه دراية أحد ولا وهمه وكيفما قدرت حالها فهي أعظم من ~~ذلك { وما } في موضع الرفع على الابتداء و { أدراك } معلق عنه لتضمنه معنى ~~الاستفهام . # ! 7 < { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } . > 7 ! # / قوله تعالى : { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } { < < # | الحاقة : ( 4 ) كذبت ثمود وعاد . . . . . # > > القارعة } هي التي تقرع الناس بالأفزاع والأهوال ، والسماء بالانشقاق ~~والانفطار ، والأرض والجبال بالدك والنسف ، والنجوم بالطمس والانكدار ، ~~وإنما قال : { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } ولم يقل : بها ، ليدل على أن معنى ~~القرع حاصل في الحاقة ، فيكون ذلك زيادة على وصف شدتها . ولما ذكرها وفخمها ~~أتبع ذلك بذكر من كذب بها ، وما حل بهم بسبب التكذيب تذكيرا لأهل مكة ، ~~وتخويفا لهم من عاقبة تكذيبهم . # ! 7 < { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 5 ) فأما ثمود فأهلكوا . . . . . # > > اعلم أن في الطاغية أقوالا : الأول : أن الطاغية هي الواقعة المجاوزة ~~للحد في الشدة والقوة ، قال تعالى : { إنا لما * طغى * الماء } ( الحاقة : ~~1 ) أي جاوز الحد ، وقال : { ما زاغ البصر وما طغى } ( النجم : 17 ) فعلى ~~هذا القول : الطاغية نعت محذوف ، واختلفوا في ذلك المحذوف ، فقال بعضهم : ~~إنها الصيحة المجاوزة في القوة والشدة للصيحات ، قال تعالى : { إنا أرسلنا ~~عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر } ( القمر : 31 ) وقال بعضهم : إنها ~~الرجفة ، وقال آخرون : إنها الصاعقة والقول الثاني : أن الطاغية ههنا ~~الطغيان ، فهي مصدر كالكاذبة والباقية والعاقبة والعافية ، أي أهلكوا ~~بطغيانهم على الله إذ كذبوا رسله وكفروا به ، وهو منقول عن ابن عباس ، ~~والمتأخرون طعنوا فيه من وجهين الأول : وهو الذي قاله الزجاج : أنه لما ذكر ~~في الجملة الثانية نوع الشيء الذي وقع به العذاب ، وهو قوله تعالى ms9173 : { بريح ~~صرصر } ( الحاقة : 6 ) وجب أن يكون الحال في الجملة الأولى كذلك حتى تكون ~~المناسبة حاصلة والثاني : وهو الذي قاله القاضي : وهو أنه لو كان المراد ما ~~قالوه ، لكان من حق الكلام أن يقال : أهلكوا لها ولأجلها والقول الثالث : { ~~بالطاغية } أي بالفرقة التي طغت من جملة ثمود ، فتآمروا بعقر الناقة ~~فعقروها ، أي أهلكوا بشؤم فرقتهم الطاغية ، ويجوز أن يكون المراد بالطاغية ~~ذلك الرجل الواحد الذي أقدم على عقر الناقة وأهلك الجميع ، لأنهم رضوا ~~بفعله وقيل له طاغية ، كما يقول : فلان راوية الشعر ، وداهية وعلامة ونسابة ~~. # ! 7 < { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 6 ) وأما عاد فأهلكوا . . . . . # > > الصرصر الشديدة الصوت لها صرصرة وقيل : الباردة من الصر كأنها التي ~~كرر فيها البرد وكثر فهي تحرق بشدة بردها ، وأما العاتية ففيها أقوال : ~~الأول : قال الكلبي : عتت على خزنتها يومئذ ، فلم يحفظوا كم خرج منها ، ولم ~~يخرج قبل ذلك ، ولا بعده منها شيء إلا بقدر معلوم ، قال عليه الصلاة ~~والسلام : طغى الماء على خزانه يوم / نوح ، وعتت الريح على خزانها يوم عاد ~~، فلم يكن لها عليها سبيل ، فعلى هذا القول : هي عاتية على الخزان الثاني : ~~قال عطاء عن ابن عباس : يريد PageV30P091 الريح عتت على عاد فما قدروا على ~~ردها بحيلة من استتار ببناء أو ( استناد إلى جبل ) ، فإنها كانت تنزعهم من ~~مكامنهم وتهلكهم القول الثالث : أن هذا ليس من العتو الذي هو عصيان ، إنما ~~هو بلوغ الشيء وانتهاؤه ومنه قولهم : عتا النبت ، أي بلغ منتهاه وجف ، قال ~~تعالى : { وقد بلغت من الكبر عتيا } ( مريم : 8 ) فعاتية أي بالغة منتهاها ~~في القوة والشدة . # ! 7 < { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى ~~كأنهم أعجاز نخل خاوية } . > 7 ! # قوله تعالى : { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما } قال مقاتل : ~~سلطها عليهم . وقال الزجاج : أقلعها عليهم ، وقال آخرون : أرسلها عليهم ، ~~هذه هي الألفاظ المنقولة عن المفسرين ، وعندي أن فيه لطيفة ، وذلك لأن من ~~الناس من قال : إن تلك الرياح إنما اشتدت ، لأن ms9174 اتصالا فلكيا نجوميا اقتضى ~~ذلك ، فقوله : { سخرها } فيه إشارة إلى نفي ذلك المذهب ، وبيان أن ذلك إنما ~~حصل بتقدير الله وقدرته ، فإنه لولا هذه الدقيقة لما حصل منه التخويف ~~والتحذير عن العقاب . وقوله : { سبع ليال وثمانية أيام حسوما } الفائدة فيه ~~أنه تعالى لو لم يذكر ذلك لما كان مقدار زمان هذا العذاب معلوما ، فلما قال ~~: { سبع ليال وثمانية أيام } صار مقدار هذا الزمان معلوما ، ثم لما كان ~~يمكن أن يظن ظان أن ذلك العذاب كان متفرقا في هذه المدة أزال هذا الظن ، ~~بقوله : { حسوما } أي متتابعة متوالية ، واختلفوا في الحسوم على وجوه أحدها ~~: وهو قول الأكثرين ( حسوما ) ، أي متتابعة ، أي هذه الأيام تتابعت عليهم ~~بالريح المهلكة ، فلم يكن فيها فتور ولا انقطاع ، وعلى هذا القول : حسوم ~~جمع حاسم . كشهود وقعود ، ومعنى هذا الحسم في اللغة القطع بالاستئصال ، ~~وسمي السيف حساما ، لأنه يحسم العدو عما يريد ، من بلوغ عداوته فلما كانت ~~تلك الرياح متتابعة ما سكنت ساعة حتى أتت عليهم أشبه تتابعها عليهم تتابع ~~فعل الحاسم في إعادة الكي ، على الداء كرة بعد أخرى ، حتى ينحسم وثانيها : ~~أن الرياح حسمت كل خير ، واستأصلت كل بركة ، فكانت حسوما أو حسمتهم ، فلم ~~يبق منهم أحد ، فالحسوم على هذين القولين جمع حاسم وثالثها : أن يكون ~~الحسوم مصدرا كالشكور والكفور ، وعلى هذا التقدير فإما أن ينتصب بفعله ~~مضمرا ، والتقدير : يحسم حسوما ، يعني استأصل استئصالا ، أو يكون صفة ، ~~كقولك : ذات حسوم ، أو يكون مفعولا له ، أي سخرها عليهم للاستئصال ، وقرأ ~~السدي : { حسوما } بالفتح حالا من الريح ، أي سخرها عليهم مستأصلة ، وقيل : ~~هي أيام العجوز ، وإنما سميت بأيام العجوز ، لأن عجوزا من عاد توارت في سرب ~~، فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها ، وقيل : هي أيام العجز وهي ~~آخر الشتاء . # قوله تعالى : { فترى القوم فيها صرعى } أي في مهابها ، وقال آخرون : أي ~~في تلك الليالي / والأيام : { صرعى } جمع صريع . قال مقاتل : يعني موتى ~~يريد أنهم صرعوا بموتهم ، فهم مصرعون صرع الموت . PageV30P092 < < # | الحاقة : ( 7 ) سخرها عليهم سبع . . . . . # > > # ثم قال ms9175 : { كأنهم أعجاز نخل خاوية } أي كأنهم أصول نخل خالية الأجواف لا ~~شيء فيها ، والنخل يؤنث ويذكر ، قال الله تعالى في موضع آخر : { كأنهم ~~أعجاز نخل منقعر } ( القمر : 20 ) وقرىء : ( أعجاز نخيل ) ، ثم يحتمل أنهم ~~شبهوا بالنخيل التي قلعت من أصلها ، وهو إخبار عن عظيم خلقهم وأجسامهم ~~ويحتمل أن يكون المراد به الأصول دون الجذوع ، أي أن الريح قد قطعتهم حتى ~~صاروا قطعا ضخاما كأصول النخل . وأما وصف النخل بالخواء ، فيحتمل أن يكون ~~وصفا للقوم ، فإن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم كالنخل الخاوية الجوف ، ~~ويحتمل أن تكون الخالية بمعنى البالية لأنها إذا بليت خلت أجوافها ، فشبهوا ~~بعد أن أهلكوا بالنخيل البالية ثم قال : # ! 7 < { فهل ترى لهم من باقية } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 8 ) فهل ترى لهم . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الباقية ثلاثة أوجه أحدها : إنها البقية وثانيها : ~~المراد من نفس باقية وثالثها : المراد بالباقية البقاء ، كالطاغية بمعنى ~~الطغيان . # المسألة الثانية : ذهب قوم إلى أن المراد أنه لم يبق من نسل أولئك القوم ~~أحد ، واستدل بهذه الآية على قوله قال ابن جريج : كانوا سبع ليال وثمانية ~~أيام أحياء في عقاب الله من الريح ، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا ، ~~فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر ، فذاك هو قوله : { فهل ترى لهم من باقية ~~} وقوله : { فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } ( الأحقاف : 25 ) . # القصة الثانية قصة فرعون # ! 7 < { وجآء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 9 ) وجاء فرعون ومن . . . . . # > > أي ومن كان قبله من الأمم التي كفرت كما كفر هو ، و ( من ) لفظ عام ~~ومعناه خاص في الكفار دون المؤمنين ، قرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي ، { ومن ~~قبله } بكسر القاف وفتح الباء ، قال سيبويه : قبل لما ولي الشيء تقول : ذهب ~~قبل السوق ، ولى قبلك حق ، أي فيما يليك ، واتسع فيه حتى صار بمنزلة لي ~~عليك ، فمعنى { من قبله } أي من عنده من أتباعه وجنوده والذي يؤكد هذه ~~القراءة ما روي أن ابن مسعود وأبيا وأبا موسى قرؤا : { ومن } روى عن أبي ~~وحده أنه قرأ : { موسى ms9176 ومن معه } أما قوله : { والمؤتفكات } فقد تقدم ~~تفسيرها ، وهم الذين أهلكوا من قوم لوط ، على معنى والجماعات المؤتفكات ، ~~وقوله : { بالخاطئة } فيه وجهان الأول : أن الخاطئة مصدر كالخطأ والثاني : ~~أن يكون المراد بالفعلة / أو الأفعال ذات الخطأ العظيم . # ! 7 < { فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية } . > 7 @QB@ < # | الحاقة : ( 10 ) فعصوا رسول ربهم . . . . . # > > # الضمير إن كان عائدا إلى { فرعون ومن قبله } ( الحاقة : 9 ) ، فرسول ربهم ~~هو موسى عليه السلام ، وإن كان عائدا إلى أهل المؤتفكات فرسول ربهم هو لوط ~~، قال الواحدي : والوجه أن يقال : المراد بالرسول كلاهما للخبر عن الأمتين ~~بعد ذكرهما بقوله ، { فعصوا } فيكون كقوله : { إنا رسول رب العالمين } ( ~~الشعراء : 16 ) وقوله : { فأخذهم أخذة رابية } يقال : ربا الشيء يربو إذا ~~زاد ثم فيه وجهان PageV30P093 الأول : أنها كانت زائدة في الشدة على عقوبات ~~سائر الكفار كما أن أفعالهم كانت زائدة في القبح على أفعال سائر الكفار ~~الثاني : أن عقوبة آل فرعون في الدنيا كانت متصلة بعذاب الآخرة ، لقوله : { ~~أغرقوا فأدخلوا نارا } ( نوح : 25 ) وعقوبة الآخرة أشد من عقوبة الدنيا ، ~~فتلك العقوبة كأنها كانت تنمو وتربو . # القصة الثالثة قصة نوح عليه السلام # ! 7 < { إنا لما طغا المآء حملناكم فى الجارية } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 11 ) إنا لما طغى . . . . . # > > طغى الماء على خزانه فلم يدروا كم خرج وليس ينزل من السماء قطرة قبل ~~تلك الواقعة ولا بعدها إلا بكيل معلوم ، وسائر المفسرين قالوا : { طغى * ~~الماء } أي تجاوز حده حتى علا كل شيء وارتفع فوقه ، و { حملناكم } أي حملنا ~~آباءكم وأنتم في أصلابهم ، ولا شك أن الذين خوطبوا بهذا هم أولاد الذين ~~كانوا في السفينة ، وقوله : { فى الجارية } يعني في السفينة التي تجري في ~~الماء ، وهي سفينة نوح عليه السلام ، والجارية من أسماء السفينة ، ومنه ~~قوله : { وله الجوار } ( الرحمن : 24 ) . # ! 7 < { لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن واعية } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 12 ) لنجعلها لكم تذكرة . . . . . # > > قوله تعالى : { لنجعلها لكم تذكرة } الضمير في قوله : { لنجعلها } ~~إلى ماذا يرجع ؟ فيه وجهان : الأول : قال الزجاج إنه عائد إلى الواقعة التي ~~هي معلومة ، وإن ms9177 كانت ههنا غير مذكورة ، والتقدير لنجعل نجاة المؤمنين ~~وإغراق الكفرة عظة وعبرة الثاني : قال الفراء : لنجعل السفينة ، وهذا ضعيف ~~والأول هو الصواب ، ويدل على صحته قوله : { وتعيها أذن واعية } فالضمير في ~~قوله : { وتعيها } عائد إلى ما عاد إليه الضمير الأول ، لكن الضمير في قوله ~~: { وتعيها } لا يمكن عوده إلى السفينة فكذا الضمير الأول . # قوله تعالى : { وتعيها أذن واعية } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : يقال : لكل شيء حفظته في نفسك وعيته ووعيت العلم ، ~~ووعيت ما قلت ويقال : لكل ما حفظته في غير نفسك : أوعيته يقال : أوعيت ~~المتاع في الوعاء ، ومنه قول الشاعر : # / والشر أخبث ما أوعيت من زاد # واعلم أن وجه التذكير في هذا أن نجاة قوم من الغرق بالسفينة وتغريق من ~~سواهم يدل على قدرة مدبر العالم ونفاذ مشيئته ، ونهاية حكمته ورحمته وشدة ~~قهره وسطوته ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية : ( سألت ~~الله أن يجعلها أذنك يا علي ، قال علي : فما نسيت شيئا بعد ذلك ، وما كان ~~لي أن أنسى ) فإن قيل : لم قال { أذن واعية } على التوحيد والتنكير ؟ قلنا ~~: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم ، ~~وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله فهي السواد الأعظم ~~عند الله ، وأن ما سواها لا يلتفت إليهم ، وإن امتلأ العالم منهم . # المسألة الثانية : قراءة العامة : { وتعيها } بكسر العين ، وروى عن ابن ~~كثير { وتعيها } ساكنة العين كأنه جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة فخذ ~~، فأسكن كما أسكن الحرف المتوسط من فخذ وكبد وكتف ، وإنما فعل ذلك لأن حرف ~~المضارعة لا ينفصل من الفعل ، فأشبه ما هو من نفس الكلمة ، وصار كقول من ~~قال : وهو وهي ومثل ذلك قوله : { ويتقه } ( النور : 52 ) في قراءة من سكن ~~القاف . PageV30P094 # واعلم أنه تعالى لما حكى هذه القصص الثلاث ونبه بها عن ثبوت القدرة ~~والحكمة للصانع فحينئذ ثبت بثبوت القدرة إمكان القيامة ، وثبت بثبوت الحكمة ~~إمكان وقوع القيامة . # ولما ثبت ذلك شرع سبحانه في تفاصيل أحوال القيامة ms9178 فذكر أولا مقدماتها . ~~فقال : # ! 7 < { فإذا نفخ فى الصور نفخة واحدة } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 13 ) فإذا نفخ في . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء { نفخة } بالرفع والنصب ، وجه الرفع أسند الفعل ~~إليها ، وإنما حسن تذكير الفعل للفصل ، ووجه النصب أن الفعل مسند إلى الجار ~~والمجرور ثم نصب نفخة على المصدر . # المسألة الثانية : المراد من هذه النفخة الواحدة هي النفخة الأولى لأن ~~عندها يحصل خراب العالم ، فإن قيل : لم قال بعد ذلك { يومئذ تعرضون } ( ~~الحاقة : 18 ) والعرض إنما يكون عند النفخة الثانية ؟ قلنا : جعل اليوم ~~اسما للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان ، والصعقة والنشور ، والوقوف ~~والحساب ، فلذلك قال : { يومئذ تعرضون } كما تقول : جئته عام كذا ، وإنما ~~كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته . # ! 7 < { وحملت الا رض والجبال فدكتا دكة واحدة } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 14 ) وحملت الأرض والجبال . . . . . # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : رفعت الأرض والجبال ، إما بالزلزلة التي تكون في ~~القيامة ، وإما بريح بلغت من قوة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال ، أو بملك ~~من الملائكة أو بقدرة الله من غير / سبب فدكتا ، أي فدكت الجملتان جملة ~~الأرض وجملة الجبال ، فضرب بعضها ببعض ، حتى تندق وتصير كثيبا مهيلا وهباء ~~منبثا والدك أبلغ من الدق ، وقيل : فبسطتا بسطة واحدة فصارتا أرضا لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا من قولك : اندك السنام إذا انفرش ، وبعير أدك وناقة ~~دكاء ومنه الدكان . # المسألة الثانية : قال الفراء : لا يجوز في دكة ههنا إلا النصب لارتفاع ~~الضمير في دكتا ، ولم يقل : فدككن لأنه جعل الجبال كالواحدة والأرض ~~كالواحدة ، كما قال : { ءان السماوات والارض * كانتا رتقا } ( الأنبياء : ~~30 ) ثم قال تعالى ولم يقل : كن . # ! 7 < { فيومئذ وقعت الواقعة * وانشقت السمآء فهى يومئذ واهية } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 15 ) فيومئذ وقعت الواقعة # > > أي فيومئذ قامت القيامة الكبرى وانشقت السماء لنزول الملائكة : { فهى ~~يومئذ واهية } أي مسترخية ساقطة القوة { كالعهن المنفوش } بعدما كانت محكمة ~~شديدة . # ! 7 < { والملك على أرجآئهآ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } . > 7 ~~@QB@ < # | الحاقة : ( 17 ) والملك على أرجائها . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { والملك على ms9179 أرجائها } وفيه مسائل : PageV30P095 # المسألة الأولى : قوله : { والملك } لم يرد به ملكا واحدا ، بل أراد ~~الجنس والجمع . # المسألة الثانية : الأرجاء في اللغة النواجي يقال : رجا ورجوان والجمع ~~الأرجاء ، ويقال ذلك لحرف البئر وحرف القبر وما أشبه ذلك ، والمعنى أن ~~السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء ، فإن قيل ~~: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى ، لقوله : { فصعق من فى * السماوات * ~~ومن فى الارض } ( الزمر : 68 ) فكيف يقال : إنهم يقفون على أرجاء السماء ؟ ~~قلنا : الجواب من وجهين : الأول : أنهم يقفون لحظة على أرجاء السماء ثم ~~يموتون الثاني : أن المراد الذين استثناهم الله في قوله : { إلا من شاء ~~الله } ( الزمر : 68 ) . # قوله تعالى : { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } فيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا العرش هو الذي أراده الله بقوله { الذين يحملون ~~العرش } ( غافر : 7 ) وقوله : { وترى الملائكة حافين من حول العرش } ( ~~الزمر : 75 ) . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { فوقهم } إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان ~~الأول : وهو الأقرب أن المراد فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء والمقصود ~~التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش الثاني : قال مقاتل : ~~يعني أن الحملة يحملون العرش فوق رؤوسهم . و ( مجيء ) الضمير قبل الذكر ~~جائز كقوله : في بيته يؤتي الحكم . # / المسألة الثالثة : نقل عن الحسن رحمه الله أنه قال : لا أدري ثمانية ~~أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف أو ثمانية آلاف صف . واعلم أن حمله ~~على ثمانية أشخاص أولى لوجوه : أحدها : ما روى عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ( هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين ~~فيكونون ثمانية ) ويروى : ( ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة ~~والعرش فوق رؤوسهم وهم مطرقون مسبحون ) ( وقيل : بعضهم على صورة الإنسان ) ~~وقيل : بعضهم على صورة الأسد وبعضهم على صورة الثور وبعضهم على صورة النسر ~~، وروي ثمانية أملاك في صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين ~~عاما ، وعن شهر بن حوشب أربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد ~~على عفوك بعد ms9180 قدرتك ، وأربعة يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على ~~حلمك بعد علمك الوجه الثاني : في بيان أن الحمل على ثمانية أشخاص أولى من ~~الحمل على ثمانية آلاف وذلك لأن الثمانية أشخاص لا بد منهم في صدق اللفظ ، ~~ولا حاجة في صدق اللفظ إلى ثمانية آلاف ، فحينئذ يكون اللفظ دالا على ~~ثمانية أشخاص ، ولا دلالة فيه على ثمانية آلاف فوجب حمله على الأول الوجه ~~الثالث : وهو أن الموضع موضع التعظيم والتهويل فلو كان المراد ثمانية آلاف ~~، أو ثمانية صفوف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ، فحيث لم يذكر ذلك ~~علمنا أنه ليس المراد إلا ثمانية أشخاص . # المسألة الرابعة : قالت المشبهة : لو لم يكن الله في العرش لكان حمل ~~العرش عبثا عديم الفائدة ، ولا سيما وقد تأكد ذلك بقوله تعالى : { يومئذ ~~تعرضون } ( الحاقة : 18 ) والعرض إنما يكون لو كان الإله حاصلا في العرش ، ~~أجاب أهل التوحيد عنه بأنه لا يمكن أن يكون المراد منه أن الله جالس في ~~العرش وذلك لأن كل من كان حاملا للعرش كان حاملا لكل ما كان في العرش / فلو ~~كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين لله تعالى وذلك محال ، ~~لأنه يقتضي احتياج الله إليهم ، وأن يكونوا أعظم قدرة من الله تعالى وكل ~~ذلك كفر PageV30P096 صريح ، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل فنقول : السبب ~~في هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه ، فخلق لنفسه بيتا ~~يزورونه ، وليس أنه يسكنه ، تعالى الله عنه وجعل في ركن البيت حجرا هو ~~يمينه في الأرض ، إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم ، وجعل ~~على العباد حفظة ليس لأن النسيان يجوز عليه سبحانه ، لكن هذا هو المتعارف ~~فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس إليهم على سرير ووقف ~~الأعوان حوله أحضر الله يوم القيامة عرشا وحضرت الملائكة وحفت به ، لا لأنه ~~يقعد عليه أو يحتاج إليه بل لمثل ما قلناه في البيت والطواف . # ! 7 < { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 18 ms9181 ) يومئذ تعرضون لا . . . . . # > > قوله تعالى : { يومئذ تعرضون } العرض عبارة عن المحاسبة والمساءلة ، ~~شبه ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرف أحواله ، ونظيره قوله : { وعرضوا على ~~ربك صفا } وروى : ( أن في القيامة / ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فاعتذار ~~واحتجاج وتوبيخ ، وأما الثالثة ففيها تنثر الكتب فيأخذ السعيد كتابه بيمينه ~~والهالك كتابه بشماله ) . # ثم قال : { لا تخفى منكم خافية } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية وجهان الأول : تقرير الآية : تعرضون لا يخفى ~~أمركم فإنه عالم بكل شيء ، ولا يخفى عليه منكم خافية ، ونظيره قوله : { لا ~~يخفى على الله منهم شىء } فيكون الغرض منه المبالغة في التهديد ، يعني ~~تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلا الوجه الثاني : المراد لا يخفى يوم ~~القيامة ما كان مخفيا منكم في الدنيا ، فإنه تظهر أحوال المؤمنين فيتكامل ~~بذلك سرورهم ، وتظهر أحوال أهل العذاب فيظهر بذلك حزنهم وفضيحتهم ، وهو ~~المراد من قوله : { يوم تبلى السرائر * فما له من قوة ولا ناصر } وفي هذا ~~أعظم الزجر والوعيد وهو خوف الفضيحة . # المسألة الثانية : قراءة العامة { لا تخفى } بالتاء المنقطة من فوقها ، ~~واختار أبو عبيدة الياء وهي قراءة حمزة ، والكسائي قال : لأن الياء تجوز ~~للذكر والأنثى والتاء لا تجوز إلا للأنثى ، وههنا يجوز إسناد الفعل إلى ~~المذكر وهو أن يكون المراد بالخافية شيء ذو خفاء . وأيضا فقد وقع الفصل ~~ههنا بين الاسم والفعل بقوله : منكم . # واعلم أنه تعالى لما ذكر ما ينتهي هذا العرض إليه قال : # ! 7 < { فأما من أوتى كتابه بيمينه فيقول هآؤم اقرؤا كتابيه } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 19 ) فأما من أوتي . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : هاء صوت يصوت به ، فيفهم منه معنى خذ كأف وحس ، وقال ~~أبو القاسم الزجاجي وفيه لغات وأجودها ما حكاه سيبويه عن العرب فقال : ومما ~~يؤمر به من المبنيات قولهم : هاء يا فتى ، ومعناه تناول ويفتحون الهمزة ~~ويجعلون فتحها علم المذكر كما قالوا : هاك يا فتى ، فتجعل فتحة الكاف علامة ~~المذكر PageV30P097 ويقال للإثنين : هاؤما ، وللجمع هاؤموا وهاؤم والميم في ~~هذا الموضع كالميم في أنتما وأنتم وهذه الضمة التي ms9182 تولدت في همزة هاؤم إنما ~~هي ضمة ميم الجمع لأن الأصل فيه هاؤموا وأنتموا فاشبعوا الضمة وحكموا ~~للإثنين بحكم الجمع لأن الإثنين عندهم في حكم الجمع في كثير من الأحكام . # المسألة الثانية : إذا اجتمع عاملان على معمول واحد ، فإعمال الأقرب جائز ~~بالاتفاق وإعمال الأبعد هل يجوز أم لا ؟ ذهب الكوفيون إلى جوازه والبصريون ~~منعوه ، واحتج البصريون على قولهم : بهذه الآية ، لأن قوله : { هاؤم } ناصب ~~، وقوله : { اقرؤا } ناصب أيضا ، فلو كان / الناصب هو الأبعد ، لكان ~~التقدير : هاؤم كتابيه ، فكان يجب أن يقول : اقرأوه ، ونظيره { اتونى أفرغ ~~عليه قطرا } واعلم : أن هذه الحجة ضعيفة لأن هذه الآية دلت على أن الواقع ~~ههنا إعمال الأقرب وذلك لا نزاع فيه إنما النزاع في أنه هل يجوز إعمال ~~الأبعد أم لا ، وليس في الآية تعرض لذلك ، وأيضا قد يحذف الضمير لأن ظهوره ~~يغني عن التصريح به كما في قوله : { والذكرين الله كثيرا والذكرات } فلم لا ~~يجوز أن يكون ههنا كذلك ، ثم احتج الكوفيون بأن العامل الأول متقدم في ~~الوجود على العامل الثاني ، والعامل الأول حين وجد اقتضى معمولا لامتناع ~~حصول العلة دون المعمول ، فصيرورة المعمول معمولا للعامل الأول متقدم على ~~وجود العامل الثاني ، والعامل الثاني إنما وجد بعد أن صار معمولا للعامل ~~الأول فيستحيل أن يصير أيضا معمولا للعامل الثاني ، لامتناع تعليل الحكم ~~الواحد بعلتين ، ولامتناع تعليل ما وجد قبل بما يوجد بعد ، وهذه المسألة من ~~لطائف النحو . # المسألة الثالثة : الهاء للسكت { فى * كتابيه } وكذا في { حسابيه } وحق ~~هذه الهاءات أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل ، ولما كانت هذه الهاءات ~~مثبتة في المصحف والمثبتة في المصحف لا بد وأن تكون مثبتة في اللفظ ، ولم ~~يحسن إثباتها في اللفظ إلا عند الوقف ، لا جرم استحبوا الوقف لهذا السبب . ~~وتجاسر بعضهم فأسقط هذه الهاءات عند الوصل ، وقرأ ابن محيصن بإسكان الياء ~~بغيرها . وقرأ جماعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف جميعا لاتباع المصحف . # المسألة الرابعة : اعلم أنه لما أوتي كتابيه بيمينه ، ثم إنه يقول : { ~~هاؤم اقرؤا كتابيه ms9183 } دل ذلك على أنه بلغ الغاية في السرور لأنه لما أعطى ~~كتابه بيمينه علم أنه من الناجين ومن الفائزين بالنعيم ، فأحب أن يظهر ذلك ~~لغيره حتى يفرحوا بما ناله . وقيل : يقول ذلك لأهل بيته وقرابته . # ثم إنه تعالى حكى عنه أنه يقول : # ! 7 < { إنى ظننت أنى ملاق حسابيه } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 20 ) إني ظننت أني . . . . . # > > وفيه وجوه الأول : المراد منه اليقين الاستدلالي وكل ما ثبت ~~بالاستدلال فإنه لا ينفك من الخواطر المختلفة ، فكان ذلك شبيها بالظن ~~الثاني : التقدير : إني كنت أظن أني ألاقي حسابي فيؤاخذني الله بسيئاتي ، ~~فقد تفضل علي بالعفو ولم يؤاخذني بها فهاؤم اقرؤا كتابيه وثالثها : روي أبو ~~هريرة أنه عليه السلام قال : ( إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى كتابه ~~فتظهر حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن ، ~~فيقال له : اقلب كفك فينظر فيه فيرى حسناته فيفرح ، ثم يقول : { هاؤم اقرؤا ~~كتابيه * ءان * ظننت * عند * إنى ظننت أنى ملاق حسابيه } PageV30P098 على ~~سبيل الشدة ، وأما الآن فقد فرح الله عني ذلك الغم ، وأما في حق الأشقياء ~~فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا ورابعها : ظننت : أي علمت ، وإنما أجرى مجرى ~~العلم . لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في / العادات والأحكام ، يقال : ~~أظن ظنا كاليقين أن الأمر كيت وكيت وخامسها : المراد إني ظننت في الدنيا أن ~~بسبب الأعمال التي كنت أعملها في الدنيا سأصل في القيامة إلى هذه الدرجات ~~وقد حصلت الآن على اليقين فيكون الظن على ظاهره ، لأن أهل الدنيا لا يقطعون ~~بذلك . # ثم بين تعالى عاقبة أمره فقال : # ! 7 < { فهو فى عيشة راضية } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 21 ) فهو في عيشة . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : وصف العيشة بأنها راضية فيه وجهان الأول : المعنى أنها ~~منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل ، والنسبة نسبتان نسبة بالحروف ونسبة ~~بالصيغة والثاني : أنه جعل الرضا للعيشة مجازأ مع أنه صاحب العيشة . # المسألة الثانية : ذكروا في حد الثواب أنه لا بد وأن يكون منفعة ، ولا بد ~~وأن تكون خالصة عن الشوائب ، ولا ms9184 بد وأن تتكون دائمة ولا بد وأن تكون ~~مقرونة بالتعظيم ، فالمعنى إنما يكون مرضيا به من جميع الجهات لو كان ~~مشتملا على هذه الصفات فقوله : { عيشة راضية } كلمة حاوية لمجموع هذه ~~الشرائط التي ذكرناها . # ! 7 < { فى جنة عالية } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 22 ) في جنة عالية # > > ثم قال : { فى جنة عالية } وهو أن من صار في { عيشة راضية } أي يعيش ~~عيشا مرضيا في جنة عالية ، والعلو إن أريد به العلو في المكان فهو حاصل ، ~~لأن الجنة فوق السموات ، فإن قيل : أليس أن منازل البعض فوق منازل الآخرين ~~، فهؤلاء السافلون لا يكونون في الجنة العالية ، قلنا : إن كون بعضها دون ~~بعض لا يقدح في كونها عالية وفوق السموات ، وإن أريد العلو في الدرجة ~~والشرف فالأمر كذلك ، وإن أريد به كون تلك الأبنية عالية مشرفة فالأمر أيضا ~~كذلك . # ! 7 < { قطوفها دانية } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 23 ) قطوفها دانية # > > ثم قال : { قطوفها دانية } أي ثمارها قريبة التناول يأخذها الرجل كما ~~يريد إن أحب أن يأخذها بيده انقادت له ، قائما كان أو جالسا أو مضطجعا . ~~وإن أحب أن تدنو إلي فيه دنت ، والقطوف جمع قطف وهو المقطوف . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم فى الا يام الخالية } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 24 ) كلوا واشربوا هنيئا . . . . . # > > والمعنى يقال لهم ذلك وفيه مسائل : # المسألة الأولى : منهم من قال قوله : { كلوا } ليس بأمر إيجاب ولا ندب ، ~~لأن الآخرة ليست دار تكليف ، ومنهم من قال : لا يبعد أن يكون ندبا ، إذا ~~كان الغرض منه تعظيم ذلك الإنسان وإدخال السرور في قلبه . # المسألة الثانية : إنما جمع الخطاب في قوله : كلوا بعد قوله فهو في عيشة ~~، لقوله : { فأما من أوتى } ومن مضمن معنى الجمع . PageV30P099 # المسألة الثالثة : قوله : { ما * أسلفتم } أي قدمتم من أعمالكم الصالحة ، ~~ومعنى الإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالإقراض . ~~ومنه يقال : أسلف في كذا إذا قدم فيه ماله ، والمعنى بما عملتم من الأعمال ~~الصالحة : والأيام الخالية ، المراد منها أيام الدنيا والخالية الماضية ، ~~ومنه قوله ms9185 : { وقد خلت القرون من قبلى } و { تلك أمة قد خلت } وقال الكلبي ~~: { بما أسلفتم } يعني الصوم ، وذلك أنهم لما أمروا بالأكل والشرب ، دل ذلك ~~على أنه لمن امتنع في الدنيا عنه بالصوم ، طاعة لله تعالى . # المسألة الرابعة : قوله : { بما أسلفتم } يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك ~~الثواب بسبب عملهم ، وذلك يدل على أن العمل موجب للثواب ، وأيضا لو كانت ~~الطاعات فعلا لله تعالى لكان قد أعطى الإنسان ثوبا لا على فعل فعله الإنسان ~~، وذلك محال وجوابه معلوم . # ! 7 < { وأما من أوتى كتابه بشماله فيقول ياليتنى لم أوت كتابيه * ولم ~~أدر ما حسابيه } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 25 ) وأما من أوتي . . . . . # > > واعلم أنه تعالى بين أنه لما نظر في كتابه وتذكر قبائح أفعاله خجل ~~منها وصار العذاب الحاصل من تلك الخجالة أزيد من عذاب النار ، فقال : ليتهم ~~عذبوني بالنار ، وما عرضوا هذا الكتاب الذي ذكرني قبائح أفعالي حتى لا أقع ~~في هذه الخجالة ، وهذا ينبهك على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب ~~الجسماني ، وقوله : { ولم أدر } أي ولم أدر أي شيء حسابيه ، لأنه حاصل ولا ~~طائل له في ذلك الحساب ، وإنما كله عليه . # ! 7 < { ياليتها كانت القاضية } . > 7 @QB@ < # | الحاقة : ( 27 ) يا ليتها كانت . . . . . # > > # ثم قال : { حسابيه ياليتها كانت القاضية } الضمير في { * يا ليتها } إلى ~~ماذا يعود ؟ فيه وجهان الأول : إلى الموتة الأولى ، وهي وإن لم تكن مذكورة ~~إلا أنها لظهورها كانت كالمذكورة و { ياليتها كانت القاضية } القاطعة عن ~~الحياة . وفيها إشارة إلى الإنتهاء والفراغ ، قال تعالى : { فإذا قضيت } ( ~~الجمعة : 10 ) ويقال : قضى على فلان ، أي مات فالمعنى يا ليت الموتة التي ~~متها كانت القاطعة لأمري ، فلم أبعث بعدها ، ولم ألق ما وصلت إليه ، قال ~~قتادة : تمني الموت ولم يكن في الدنيا عنده شيء أكره من الموت ، وشر من ~~الموت ما يطلب له الموت ، قال الشاعر : # % وشر من الموت الذي إن لقيته % % تمنيت منه الموت والموت أعظم % # والثاني : أنه عائد إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب ، والمعنى ~~: يا ليت هذه الحالة كانت الموتة ms9186 التي قضيت علي لأنه رأى تلك الحالة أبشع ~~وأمر مما ذاقه من مرارة الموت وشدته فتمناه عندها . / ثم قال : # ! 7 < { مآ أغنى عنى ماليه * هلك عنى سلطانيه * خذوه فغلوه * ثم الجحيم ~~صلوه * ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه } . > 7 @QB@ < # | الحاقة : ( 28 - 32 ) ما أغنى عني . . . . . # > > PageV30P100 # { ما أغنى } نفي أو استفهام على وجه الإنكار أي أي شيء أغنى عني ما كان ~~لي من اليسار ، ونظيره قوله : { ويأتينا فردا } وقوله : { هلك عنى سلطانيه ~~} في المراد بلسطانيه وجهان : أحدهما : قال ابن عباس : ضلت عني حجتي التي ~~كنت أحتج بها على محمد في الدنيا ، وقال مقاتل : ضلت عني حجتي يعني حين ~~شهدت عليه الجوارح بالشرك والثاني : ذهب ملكي وتسلطي على الناس وبقيت فقيرا ~~ذليلا ، وقيل معناه : إنني إنما كنت أنازع المحقين بسبب الملك والسلطان ، ~~فالآن ذهب ذلك الملك وبقي الوبال . # واعلم أنه تعالى ذكر سرور السعداء أولا ، ثم ذكر أحوالهم في العيش الطيب ~~وفي الأكل والشرب ، كذا ههنا ذكر غم الأشقياء وحزنهم ، ثم ذكر أحوالهم في ~~الغل والقيد وطعام الغسلين ، فأولها أن تقول : خزنة جهنم خذوه فيبتدر إليه ~~مائة ألف ملك ، وتجمع يده إلى عنقه ، فذاك قوله : { فغلوه } وقوله : { ثم ~~الجحيم صلوه } قال المبرد : أصليته النار إذا أوردته إياها وصليته أيضا كما ~~يقال : أكرمته وكرمته ، وقوله : { ثم الجحيم صلوه } معناه لا تصلوه إلى ~~الجحيم ، وهي النار العظمى لأنه كان سلطانا يتعظم على الناس ، ثم في سلسلة ~~وهي حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء ~~والنظام فهو مسلسل ، وقوله : { ذرعها } معنى الذرع في اللغة التقدير ~~بالذراع من اليد ، يقال : ذرع الثوب يذرعه ذرعا إذا قدره بذراعه ، وقوله : ~~{ سبعون ذراعا } فيه قولان : أحدهما : أنه ليس الغرض التقدير بهذا المقدار ~~بل الوصف بالطول ، كما قال : إن تستغفر لهم سبعين مرة يريد مرات كثيرة ~~والثاني : أنه مقدر بهذا المقدار ثم قالوا : كل ذراع سبعون باعا وكل باع ~~أبعد مما بين مكة والكوفة ، وقال الحسن : الله أعلم بأي ذراع هو ، وقوله ms9187 : ~~{ فاسلكوه } قال المبرد : يقال سلكه في الطريق ، وفي القيد وغير ذلك ~~وأسلكته معناه أدخلته ولغة القرآن سلكته قال الله تعالى : { ما سلككم فى } ~~وقال : { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين } ( الشعراء : 200 ) قال ابن عباس : ~~تدخل السلسلة من دبره وتخرج من حلقه ، ثم يجمع بين ناصيته وقدميه ، وقال ~~الكلبي : كما يسلك الخيط في اللؤلؤ ثم يجعل في عنقه سائرها ، وههنا سؤالات ~~: # السؤال الأول : ما الفائدة في تطويل هذه السلسلة ؟ الجواب : قال سويد بن ~~أبي نجيح : بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة ، وإذا كان الجمع من ~~الناس مقيدين بالسلسة الواحدة كان العذاب على كل واحد منهم بذلك السبب أشد ~~. # / السؤال الثاني : سلك السلسلة فيهم معقول ، أما سلكهم في السلسلة فما ~~معناه ؟ الجواب : سلكه في السلسلة أن تلوى على جسده حتى تلتف عليه أجزاؤها ~~وهو فيما بينها مزهق مضيق عليه لا يقدر على حركة ، وقالوا الفراء : المعنى ~~ثم اسلكوا فيه السلسلة كما يقال : أدخلت رأسي في القلنسوة وأدخلتها في رأسي ~~، ويقال : الخاتم لا يدخل في إصبعي ، والإصبع هو الذي يدخل في الخاتم . # السؤال الثالث : لم قال في سلسلة فاسلكوه ، ولم يقل : فاسلكوه في سلسلة ؟ ~~الجواب : المعنى في تقديم السلسلة على السلك هو الذي ذكرناه في تقديم ~~الجحيم على التصلية ، أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة لأنها أفظع من سائر ~~السلاسل السؤال الرابع : ذكر الأغلال والتصلية بالفاء وذكر السلك في هذه ~~السلسة بلفظ ثم / فما الفرق ؟ الجواب : ليس المراد من كلمة ثم تراخي المدة ~~بل التفاوت في مراتب العذاب . PageV30P101 # واعلم أنه تعالى لما شرح هذا العذاب الشديد ذكر سببه فقال : # ! 7 < { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين } . > ~~7 ! # < < # | الحاقة : ( 33 ) إنه كان لا . . . . . # > > فالأول إشارة إلى فساد حال القوة العاقلة . والثاني إشارة إلى فساد ~~حال القوة العملية ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { ولا يحض على طعام المسكين } فيه قولان : ~~أحدهما : ولا يحض على بذل طعام المسكين والثاني : أن الطعام ههنااسم أقيم ~~مقام الإطعام كما وضع العطاء ms9188 مقام الإعطاء في قوله : # وبعد عطائك المائة الرتاعا # المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف قوله : { ولا يحض على طعام المسكين } ~~فيه دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المساكين أحدهما : عطفه على الكفر ~~وجعله قرينة له والثاني : ذكر الحض دون الفعل ليعلم أن تارك الحض بهذه ~~المنزلة ، فكيف بمن يترك الفعلا . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الكفار يعاقبون على ترك الصلاة ~~والزكاة ، وهو المراد من قولنا : إنهم مخاطبون بفروع الشرائع ، وعن أبي ~~الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين ، ويقول : خلعنا ~~نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع النصف الباقيا وقيل : المراد منه منع ~~الكفار وقولهم : { أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } ( يس : 47 ) . # ثم قال : # ! 7 < { فليس له اليوم هاهنا حميم } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 35 ) فليس له اليوم . . . . . # > > أي ليس له في الآخرة حميم أي قريب يدفع عنه ويحزن عليه ، لأنهم ~~يتحامون ويفرون منه كقوله : { ولا يسئل حميم حميما } وكقوله : { ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } . # [ بم قوله تعالى : # ! 7 < { ولا طعام إلا من غسلين } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 36 ) ولا طعام إلا . . . . . # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين ، فقال : لا أدري ما ~~الغسلين . وقال الكلبي : وهو ماء يسيل من أهل النار من القيح والصديد والدم ~~إذا عذبوا فهو { غسلين } فعلين من الغسل . # المسألة الثانية : الطعام ما هيء للأكل ، فلما هيء الصديد ليأكله أهل ~~النار كان طعاما لهم ، ويجوز أن يكون المعنى أن ذلك أقيم لهم مقام الطعام ~~فسمى طعاما ، كما قال : # تحية بينهم ضرب وجيع # والتحية لا تكون ضربا إلا أنه لما أقيم مقامه جاز أن يسمى به . # PageV30P102 ! 7 < { لا يأكله إلا الخاطئون } . > 7 ! # ثم إنه تعالى ذكر أن الغسلين أكل من هو ؟ فقال : { لا يأكله إلا الخاطئون ~~} < < # | الحاقة : ( 37 ) لا يأكله إلا . . . . . # > > الآثمون أصحاب الخطايا وخطىء الرجل إذا تعمد الذنب وهم المشركون ، ~~وقرىء الخاطيون بإبدال الهمزة ياء والخاطون بطرحها ، وعن ابن عباس أنه طعن ~~في هذه القراءة ، وقال ما الخاطيون كلنا نخطو إنما ms9189 هو الخاطئون ، ما ~~الصابون ، إنما هو الصابئون ، ويجوز أن يجاب عنه بأن المراد الذين يتخطون ~~الحق إلى الباطل ويتعدون حدود الله . # واعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على إمكان القيامة ، ثم على وقوعها ، ~~ثم ذكر أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، ختم الكلام بتعظيم القرآن فقال . # ! 7 < { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 38 ) فلا أقسم بما . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : منهم من قال : المراد أقسم ولا صلة ، أو يكون رد الكلام ~~سبق ، ومنهم من قال : لا ههنا نافية للقسم ، كأنه قال : لا أقسم ، على أن ~~هذا القرآن { قول * رسول كريم } ( الحاقة : 40 ) يعني أنه لوضوحه يستغني عن ~~القسم ، والاستقصاء في هذه المسألة سنذكره في أول سورة { لا أقسم بيوم ~~القيامة } ( القيامة : 1 ) . # المسألة الثانية : قوله : { بما تبصرون * وأنتم تبصرون } يوم جميع ~~الأشياء على الشمول ، لأنها لا تخرج من قسمين : مبصر وغير مبصر ، فشمل ~~الخالق والخلق ، والدنيا والآخرة ، والأجسام والأرواح ، والإنس والجن ، ~~والنعم الظاهرة والباطنة . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنه لقول رسول كريم } . > 7 @QB@ < # | الحاقة : ( 40 ) إنه لقول رسول . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى ذكر في سورة ( التكوير : 1 ) : { إذا الشمس كورت } مثل ~~هذا الكلام ، والأكثرون هناك على أن المراد منه جبريل عليه السلام ، ~~والأكثرون ههنا على أن المراد منه محمد صلى الله عليه وسلم ، واحتجوا / على ~~الفرق بأن ههنا لما قال : { إنه لقول رسول كريم } ذكر بعده أنه ليس بقول ~~شاعر ، ولا كاهن ، والقوم ما كانوا يصفون جبريل عليه السلام بالشعر ~~والكهانة ، بل كانوا يصفون محمدا بهذين الوصفين . وأما في سورة : { إذا ~~الشمس كورت } لما قال : { إنه لقول رسول كريم } ثم قال بعده : { وما هو ~~بقول شيطان رجيم } ( التكوير : 25 ) كان المعنى : إنه قول ملك كريم ، لا ~~قول شيطان رجيم ، فصح أن المراد من الرسول الكريم ههنا هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، وفي تلك السورة هو جبريل عليه السلام ، وعند هذا يتوجه السؤال ~~: أن الأمة مجمعة على أن القرآن كلام الله تعالى ، وحينئذ يلزم أن يكون ~~الكلام الواحد ms9190 كلاما لله تعالى ، ولجبريل ولمحمد ، وهذا غير معقول والجواب ~~: أنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب ، فهو كلام الله تعالى ، بمعنى أنه ~~تعالى هو الذي أظهره في اللوح المحفوظ ، وهو الذي رتبه ونظمه ، وهو كلام ~~جبريل عليه السلام ، بمعنى أنه هو الذي أنزله من السموات إلى الأرض ، وهو ~~كلام محمد ، بمعنى أنه هو الذي أظهره للخلق ، ودعا الناس إلى الإيمان به ، ~~وجعله حجة لنبوته . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 41 ) وما هو بقول . . . . . # > > وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الجمهور : تؤمنون وتذكرون بالتاء المنقوطة من فوق ~~على الخطاب إلا ابن كثير ، PageV30P103 فإنه قرأهما بالياء على المغايبة ، ~~فمن قرأ على الخطاب ، فهو عطف على قوله : { بما تبصرون * وأنتم تبصرون } ( ~~الحاقة : 38 ، 39 ) ومن قرأ على المغايبة سلك فيه مسلك الالتفات . # المسألة الثانية : قالوا : لفظة ما في قوله : { قليلا ما تؤمنون * قليلا ~~ما تذكرون } لغو وهي مؤكدة ، وفي قوله : { قليلا } وجهان الأول : قال مقاتل ~~: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله ، والمعنى لا يؤمنون ~~أصلا ، والعرب يقولون : قلما يأتينا يريدون لا يأتينا الثاني : أنهم قد ~~يؤمنون في قلوبهم ، إلا أنهم يرجعون عنه سريعا ولا يتمون الاستدلال ، ألا ~~ترى إلى قوله : { إنه فكر وقدر } إلا أنه في آخر الأمر قال : { إن هاذا إلا ~~سحر يؤثر } ( المدثر : 24 ) . # المسألة الثالثة : ذكر في نفي الشاعرية { قليلا ما تؤمنون } وفي نفي ~~الكاهنية { ما تذكرون } والسبب فيه كأنه تعالى قال : ليس هذا القرآن قولا ~~من رجل شاعر ، لأن هذا الوصف مباين لصنوف الشعر كلها إلا أنكم لا تؤمنون ، ~~أي لا تقصدون الإيمان ، فلذلك تعرضون عن التدبر ، ولو قصدتم الإيمان لعلمتم ~~كذب قولكم : إنه شاعر ، لمفارقة هذا التركيب ضروب الشعر ، ولا / أيضا بقول ~~كاهن ، لأنه وارد بسبب الشياطين وشتمهم ، فلا يمكن أن يكون ذلك بإلهام ~~الشياطين ، إلا أنكم لا تتذكرون كيفية نظم القرآن ، واشتماله على شتم ~~الشياطين ، فلهذا السبب تقولون : إنه من ms9191 باب الكهانة . # [ بم قوله تعالى : # ! 7 < { تنزيل من رب العالمين } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 43 ) تنزيل من رب . . . . . # > > اعلم أن نظير هذه الآية قوله في الشعراء : { أنه * لتنزيل رب ~~العالمين * نزل به الروح الامين * على قلبك لتكون من المنذرين } ( الشعراء ~~: 192 194 ) فهو كلام رب العالمين لأنه تنزيله ، وهو قول جبريل لأنه نزل به ~~، وهو قول محمد لأنه أنذر الخلق به ، فههنا أيضا لما قال فيما تقدم : { إنه ~~لقول رسول كريم } ( الحاقة : 40 ) أتبعه بقوله : { تنزيل من رب العالمين } ~~حتى يزول الإشكال ، وقرأ أبو السمال : تنزيلا ، أي نزل تنزيلا . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ولو تقول علينا بعض الا قاويل } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 44 ) ولو تقول علينا . . . . . # > > قرىء : { ولو تقول } على البناء للمفعول ، التقول افتعال القول ، لأن ~~فيه تكلفا من المفتعل ، وسمي الأقوال المنقولة أقاويل تحقيرا لها ، كقولك ~~الأعاجيب والأضاحيك ، كأنها جمع أفعولة من القول ، والمعنى ولو نسب إلينا ~~قولا لم نقله . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 45 ) لأخذنا منه باليمين # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الآية وجوه الأول : معناه لأخذنا بيده ، ثم لضربنا ~~رقبته ، وهذا ذكره على سبيل التمثيل بما يفعله الملوك بمن يتكذب عليهم ، ~~فإنهم لا يمهلونه ، بل يضربون رقبته في الحال ، وإنما خص اليمين بالذكر ، ~~لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره ، وإذا أراد أن ~~يوقعه في جيده وأن يلحقه بالسيف ، وهو أشد على المعمول به ذلك العمل لنظره ~~إلى السيف أخذ بيمينه ، ومعناه : لأخذنا بيمينه ، PageV30P104 كماأن قوله : ~~{ لقطعنا منه الوتين } لقطعنا وتينه وهذا تفسير بين وهو منقول عن الحسن ~~البصري القول الثاني : أن اليمين بمعنى القوة والقدرة وهو قول الفراء ~~والمبرد والزجاج ، وأنشدوا قول الشماخ : # % إذا ما راية رفعت لمجد % % تلقاها عرابة باليمين % # والمعنى لأخذ منه اليمين ، أي سلبنا عنه القوة ، والباء على هذا التقدير ~~صلة زائدة ، قال ابن قتيبة : وإنما قام اليمين مقام القوة ، لأن قوة كل شيء ~~في ميامنه والقول الثالث : قال مقاتل : { لاخذنا ms9192 منه باليمين } ( الصافات : ~~28 ) يعني انتقمنا منه بالحق ، واليمين على هذا القول بمعنى الحق ، كقوله ~~تعالى : { إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } أي من قبل الحق . # / اعلم أن حاصل هذه الوجوه أنه لو نسب إلينا قولا لم نقله لمنعناه عن ذلك ~~. إما بواسطة إقامة الحجة فإنا كنا نقيض له من يعارضه فيه ، وحينئذ يظهر ~~للناس كذبه فيه ، فيكون ذلك إبطالا لدعواه وهدما لكلامه ، وإما بأن نسلب ~~عنده القدرة على التكلم بذلك القول ، وهذا هو الواجب في حكمة الله تعالى ~~لئلا يشتبه الصادق بالكاذب . # المسألة الثانية : الوتين هو العرق المتصل من القلب بالرأس الذي إذا قطع ~~مات الحيوان قال أبو زيد : وجمعه الوتن و ( يقال ) ثلاثة أوتنة والموتون ~~الذي قطع وتينه ، قال ابن قتيبة : ولم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه ~~لو كذب لأمتناه ، فكان كمن قطع وتينه ، ونظيره قوله علي السلام : ( ما زالت ~~أكله خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع ابهرى ) والأبهر عرق يتصل بالقلب ، ~~فإذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال : هذا أوأن يقتلني السم وحينئذ صرت كمن ~~انقطع أبهره . ثم قال : # ! 7 < { فما منكم من أحد عنه حاجزين } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 47 ) فما منكم من . . . . . # > > قال مقاتل والكلبي معناه ليس منكم أحد يحجزنا عن ذلك الفعل ، قال ~~الفراء والزجاج : إنما قال حاجزين في صفة أحد لأن أحدا هنا في معنى الجمع ، ~~لأنه اسم يقع في النفي العام مستويا فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، ~~ومنه قوله تعالى : { لا نفرق بين أحد من رسله } ( البقرة : 285 ) وقوله : { ~~لستن كأحد من النساء } ( الأحزاب : 32 ) واعلم أن الخطاب في قوله : { فما ~~منكم } للناس . # واعلم أنه تعالى لما بين أن القرآن تنزيل من الله الحق بواسطة جبريل على ~~محمد الذي من صفته أنه ليس بشاعر ولا كاهن ، بين بعد ذلك أن القرآن ما هو ؟ ~~فقال : # ! 7 < { وإنه لتذكرة للمتقين } . > 7 @QB@ < # | الحاقة : ( 48 ) وإنه لتذكرة للمتقين # > > # وقد بينا في أول سورة البقرة ( 2 ) في قوله : { هدى للمتقين } ما فيه من ~~البحث . ثم قال : # ! 7 < { وإنا لنعلم أن ms9193 منكم مكذبين } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 49 ) وإنا لنعلم أن . . . . . # > > له بسبب حب الدنيا ، فكأنه تعالى قال : أما من اتقى حب الدنيا فهو ~~يتذكر بهذا القرآن وينتفع . وأما من مال إليها فإنه يكذب بهذا القرآن ولا ~~يقربه . PageV30P105 # وأقول : للمعتزلة أن يتمسكوا بهذه الآية على أن الكفر ليس من الله ، وذلك ~~لأنه وصف القرآن بأنه تذكرة للمتقين ، ولم يقل : بأنه إضلال للمكذبين ، بل ~~ذلك الضلال نسبه إليهم ، فقال : وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ، ونظيره قوله ~~في سورة النحل : { وعلى الله قصد السبيل ومنها } ( النحل : ) واعلم أن ~~الجواب عنه ما تقدم . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وإنه لحسرة على الكافرين } . > 7 @QB@ < # | الحاقة : ( 50 ) وإنه لحسرة على . . . . . # > > # الضمير في قوله : { إلى أنه } إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان : الأول : أنه ~~عائد إلى القرآن ، فكأنه قيل : وإن القرآن لحسرة على الكافرين . إما يوم ~~القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين به ، أو في دار الدنيا إذا رأوا دولة ~~المؤمنين والثاني : قال مقاتل : وإن تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم ، ودل ~~عليه قوله : { وإنا لنعلم أن منكم مكذبين } ( الحاقة : 49 ) . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { وإنه لحق اليقين } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 51 ) وإنه لحق اليقين # > > معناه أنه حق يقين ، أي حق لا بطلان فيه ، ويقين لا ريب فيه ، ثم ~~أضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد . ثم قال : # ! 7 < { فسبح باسم ربك العظيم } . > 7 ! # < < # | الحاقة : ( 52 ) فسبح باسم ربك . . . . . # > > إما شكرا على ما جعلك أهلا لإيحائه إليك ، وإما تنزيها له عن الرضا ~~بأن ينسب إليه الكاذب من الوحي ما هو بريء عنه . وأما تفسير قوله : { فسبح ~~باسم ربك } فمذكور في أول سورة : { سبح اسم ربك الاعلى } وفي تفسير قوله : ~~{ بسم الله الرحمان الرحيم } والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلاته وسلامه على ~~سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين . # PageV30P106 < # > 1 ( سورة المعارج ) 1 < # > # أربعون وأربع آيات # ! 7 < { سأل سآئل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع * من الله ذي ~~المعارج } . > 7 ! # / < < # | المعارج : ( 1 ) سأل سائل بعذاب . . . . . # > > اعلم أن قوله تعالى : { سأل } فيه قراءتان منهم من قرأه ms9194 بالهمزة ، ~~ومنهم من قرأه بغير همزة ، أما الأولون وهم الجمهور فهذه القراءة تحتمل ~~وجوها من التفسير : الأول : أن النضر بن الحرث لما قال : { اللهم إن كان ~~هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( ~~الأنفال : 32 ) فأنزل الله تعالى هذه الآية ومعنى قوله : { سأل سائل } أي ~~دعا داع بعذاب واقع من قولك دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه ، ومنه قوله تعالى ~~: { يدعون فيها بكل فاكهة ءامنين } ( الدخان : 55 ) قال ابن الأنباري : ~~وعلى هذا القول تقدير الباء الإسقاط ، وتأويل الآية : سأل سائل عذابا واقعا ~~، فأكد بالباء كقوله تعالى : { وهزى إليك بجذع النخلة } ( مريم : 25 ) وقال ~~صاحب الكشاف لما كان { سأل } معناه ههنا دعا لا جرم عدى تعديته كأنه قال ~~دعا داع بعذاب من الله الثاني : قال الحسن وقتادة لما بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وخوف المشركين بالعذاب قال المشركون : بعضهم لبعض سلوا ~~محمدا لمن هذا العذاب وبمن يقع فأخبره الله عنه بقوله : { سأل سائل بعذاب ~~واقع } قال ابن الأنباري : والتأويل على هذا القول : ( سأل سائل ) عن عذاب ~~والباء بمعنى عن ، كقوله : # % فإن تسألوني بالنساء فإنني % % بصير بأدواء النساء طبيب % # وقال تعالى : { فاسأل به خبيرا } ( الفرقان : 59 ) وقال صاحب ( الكشاف ) ~~: { سأل } على هذا الوجه في تقدير عنى واهتم كأنه قيل : اهتم مهتم بعذاب ~~واقع الثالث : قال بعضهم : هذا السائل هو رسول الله استعجل بعذاب الكافرين ~~، فبين الله أن هذا العذاب واقع بهم ، فلا دافع له قالوا : والذي يدل على ~~صحة هذا التأويل قوله تعالى في آخر الآية : { فاصبر صبرا جميلا } ( المعارج ~~: 5 ) وهذا يدل على أن ذلك السائل هو الذي أمره بالصبر PageV30P107 الجميل ~~، أما القراءة الثانية وهي ( سال ) بغير همز فلها وجهان : أحدهما : أنه ~~أراد { سأل } بالهمزة فخفف وقلب قال : # % / سألت قريش رسول الله فاحشة % % ضلت هذيل بما سالت ولم تصب % # والوجه الثاني : أن يكون ذلك من السيلان ويؤيده قراءة ابن عباس سال سيل ~~والسيل مصدر في معنى السائل ، كالغور بمعنى الغائر ، والمعنى اندفع عليهم ms9195 ~~واد بعذاب ، وهذا قول زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن زيد قالا : سال واد من ~~أودية جهنم بعذاب واقع . أما { سائل } ، فقد اتفقوا على أنه لا يجوز فيه ~~غير الهمز لأنه إن كان من سأل المهموز فهو بالهمز ، وإن لم يكن من المهموز ~~كان بالهمز أيضا نحو قائل وخائف إلا أنك إن شئت خففت الهمزة فجعلتها بين ~~بين ، وقوله تعالى : { بعذاب واقع * للكافرين } فيه وجهان ، وذلك لأنا إن ~~فسرنا قوله : { سأل } بما ذكرنا من أن النضر طلب العذاب ، كان المعنى أنه ~~طلب طالب عذابا هو واقع لا محالة سواء طلب أو لم يطلب ، وذلك لأن ذلك ~~العذاب نازل للكافرين في الآخرة واقع بهم لا يدفعه عنهم أحد ، وقد وقع ~~بالنضر في الدنيا لأنه قتل يوم بدر ، وهو المراد من قوله : { ليس له دافع } ~~وأما إذا فسرناه بالوجه الثاني وهو أنهم سألوا الرسول عليه السلام ، أن هذا ~~العذاب بمن ينزل فأجاب الله تعالى عنه بأنه واقع للكافرين / والقول الأول ~~وهو السديد ، وقوله : { من الله } فيه وجهان الأول : أن يكون تقدير الآية ~~بعذاب واقع من الله للكافرين الثاني : أن يكون التقدير ليس له دافع من الله ~~، أي ليس لذلك العذاب الصادر من الله دافع من جهته ، فإنه إذا أوجبت الحكمة ~~وقوعه امتنع أن لا يفعله الله وقوله : { ذي المعارج } المعارج جمع معرج وهو ~~المصعد ، ومنه قوله تعالى : { ومعارج عليها يظهرون } ( الزخرف : 33 ) ~~والمفسرون ذكروا فيه وجوها أحدها : قال ابن عباس في رواية الكلبي : { ذي ~~المعارج } ، أي ذي السموات ، وسماها معارج لأن الملائكة يعرجون فيها ~~وثانيها : قال قتادة : ذي الفواضل والنعم وذلك لأن لأياديه ووجوه إنعامه ~~مراتب ، وهي تصل إلى الناس على مراتب مختلفة وثالثها : أن المعارج هي ~~الدرجات التي يعطيها أولياءه في الجنة ، وعندي فيه وجه رابع : وهو أن هذه ~~السموات كما أنها متفاوتة في الارتفاع والانخفاض والكبر والصغر ، فكذا ~~الأرواح الملكية مختلفة في القوة والضعف والكمال والنقص وكثرة المعارف ~~الإلهية وقوتها وشدة القوة على تدبير هذا العالم وضعف تلك القوة ، ولعل ms9196 نور ~~إنعام الله وأثر فيض رحمته لا يصل إلى هذا العالم إلا بواسطة تلك الأرواح ، ~~إما على سبيل العادة أولا كذلك على ما قال : { فالمقسمات أمرا } ( الذاريات ~~: 4 ) ، { فالمدبرات أمرا } ( النازعات : 5 ) فالمراد بقوله : { من الله ذي ~~المعارج } الإشارة إلى تلك الأرواح . المختلفة التي هي كالمصاعد لارتفاع ~~مراتب الحاجات من هذا العالم إليها وكالمنازل لنزول أثر الرحمة من ذلك ~~العالم إلى ما ههنا . # ! 7 < { تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } . ~~> 7 ! # < < # | المعارج : ( 4 ) تعرج الملائكة والروح . . . . . # > > وههنا مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن عادة الله تعالى في القرآن أنه متى ذكر ~~الملائكة في معرض / التهويل والتخويف أفرد الروح بعدهم بالذكر ، كما في هذه ~~الآية ، وكما في قوله : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } ( النبأ : 38 ) ~~وهذا يقتضي أن الروح أعظم ( من ) الملائكة قدرا ، ثم ههنا دقيقة وهي أنه ~~تعالى ذكر عند العروج PageV30P108 الملائكة أولا والروح ثانيا ، كما في هذه ~~الآية ، وذكر عند القيام الروح أولا والملائكة ثانيا ، كما في قوله : { يوم ~~يقوم الروح والملائكة صفا } وهذا يقتضي كون الروح أولا في درجة النزول ~~وآخرا في درجة الصعود ، وعند هذا قال بعض المكاشفين : إن الروح نور عظيم هو ~~أقرب الأنوار إلى جلال الله ، ومنه تتشعب أرواح سائر الملائكة والبشر في ~~آخر درجات منازل الأرواح ، وبين الطرفين معارج مراتب الأرواح الملكية ~~ومدارج منازل الأنوار القدسية ، ولا يعلم كميتها إلا الله ، وأما ظاهر قول ~~المتكلمين وهو أن الروح هو جبريل عليه السلام فقد قررنا هذه المسألة في ~~تفسير قوله : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } ( النبأ : 38 ) . # المسألة الثانية : احتج القائلون بأن الله في مكان ، إما في العرش أو ~~فوقه بهذه الآية من وجهين : الأول : أن الآية دلت على أن الله تعالى موصوف ~~بأنه ذو المعارج وهو إنما يكون كذلك لو كان في جهة فوق والثاني : قوله : { ~~تعرج الملئكة والروح إليه } فبين أن عروج الملائكة وصعودهم إليه ، وذلك ~~يقتضي كونه تعالى في جهة فوق والجواب : لما دلت الدلائل على امتناع كونه ms9197 في ~~المكان والجهة ثبت أنه لا بد من التأويل ، فأما وصف الله بأنه ذو المعارج ~~فقد ذكرنا الوجوه فيه ، وأما حرف ( إلى ) في قوله : { تعرج الملئكة والروح ~~إليه } فليس المراد منه المكان بل المراد انتهاء الأمور إلى مراده كقوله : ~~{ وإليه يرجع الامر كله } ( هود : 123 ) المراد الانتهاء إلى موضع العز ~~والكرامة كقوله : { إنى ذاهب إلى ربى } ( الصافات : 99 ) ويكون هذا إشارة ~~إلى أن دار الثواب أعلى الأمكنة وأرفعها . # المسألة الثالثة : الأكثرون على أن قوله : { فى يوم } من صلة قوله { تعرج ~~} ، أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم ، وقال مقاتل : بل هذا من صلة قوله : ~~{ بعذاب واقع } ( المعارج : 1 ) وعلى هذا القول يكون في الآية تقديم وتأخير ~~والتقدير : سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وعلى ~~التقدير الأول ، فذلك اليوم ، إما أن يكون في الآخرة أو في الدنيا ، وعلى ~~تقدير أن يكون في الآخرة ، فذلك الطول إما أن يكون واقعا ، وإما أن يكون ~~مقدرا فهذه هي الوجوه التي تحملها هذه الآية ، ونحن نذكر تفصيلها القول ~~الأول : هو أن معنى الآية أن ذلك العروج يقع في يوم من أيام الآخرة طوله ~~خمسون ألف سنة ، وهو يوم القيامة ، وهذا قول الحسن : قال وليس يعني أن ~~مقدار طوله هذا فقط ، إذ لو كان كذلك لحصلت له غاية ولفنيت الجنة والنار ~~عند تلك الغاية وهذا غير جائز ، بل المراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين ~~الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا . ثم بعد ذلك يستقر أهل النار في دركات ~~النيران نعوذ بالله منها . واعلم أن هذا الطول إنما يكون في حق الكافر ، ~~أما في حق المؤمن فلا ، والدليل عليه الآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى ~~: { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } ( الفرقان : 24 ) واتفقوا ~~على ( أن ) ذلك ( المقيل والمستقر ) هو / الجنة وأماالخبر فما روي عن أبي ~~سعيد الخدري أنه قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما طول هذا اليوم ~~؟ فقال : ( والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن ms9198 حتى يكون عليه أخف من صلاة ~~مكتوبة يصليها في الدنيا ) ومن الناس من قال : إن ذلك الموقف وإن طال فهو ~~يكون سببا لمزيد السرور والراحة لأهل الجنة ، ويكون سببا لمزيد الحزن والغم ~~لأهل النار الجواب : عنه أن الآخرة دار جزاء فلا بد من أن يعجل للمثابين ~~ثوابهم ، ودار الثواب هي الجنة لا الموقف ، فإذن لا بد من تخصيص طول الموقف ~~بالكفار القول الثاني : هو أن هذه المدة واقعة في الآخرة ، لكن على سبيل ~~التقدير لا على سبيل التحقق ، والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء ~~PageV30P109 والحكومة أعقل الخلق وأذكاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة ثم إنه ~~تعالى يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا ، وأيضا ~~الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقي ~~في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ساعة قليلة ، وهذا ~~قول وهب وجماعة من المفسرين القول الثالث : وهو قول أبي مسلم : إن هذا ~~اليوم هو يوم الدنيا كلها من أول ما خلق الله إلى آخر الفناء ، فبين تعالى ~~أنه لا بد في يوم الدنيا من عروج الملائكة ونزولهم ، وهذا اليوم مقدر ~~بخمسين ألف سنة ، ثم لا يلزم على هذا أن يصير وقت القيامة معلوما ، لأنا لا ~~ندري كم مضى وكم بقي القول الرابع : تقدير الآية : سأل سائل بعذاب واقع من ~~الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ثم يحتمل أن يكون المراد منه ~~استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار ، ويحتمل أن يكون المراد تقدير مدته ، ~~وعلى هذا فليس المراد تقدير العذاب بهذا المقدار ، بل المراد التنبيه على ~~طول مدة العذاب ، ويحتمل أيضا أن العذاب الذي سأله ذلك السائل يكون مقدرا ~~بهذه المدة ، ثم إنه تعالى ينقله إلى نوع آخر من العذاب بعد ذلك ، فإن قيل ~~: روى ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية ، وعن قوله : { فى يوم ~~كان مقداره ألف سنة } ( السجدة : 5 ) فقال : أيام سماها الله تعالى هو أعلم ms9199 ~~بها كيف تكون ، وأكره أن أقول فيها مالا أعلم ، فإن قيل : فما قولكم في ~~التوفيق بين هاتين الآيتين ؟ قلنا : قال وهب في الجواب عن هذا ما بين أسفل ~~العالم إلى أعلى شرفات العرش مسيرة خمسين ألف سنة ومن أعلى السماء الدنيا ~~إلى الأرض مسيرة ألف سنة ، لأن عرض كل سماء مسيرة خمسمائة سنة ، وما بين ~~أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى ، فقوله تعالى : { فى يوم } يريد ~~من أيام الدنيا وهو مقدار ألف سنة لو صعدوا فيه إلى سماء الدنيا ، ومقدار ~~ألف سنة لو صعدوا إلى أعالي العرش . # ! 7 < { فاصبر صبرا جميلا } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 5 ) فاصبر صبرا جميلا # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أن هذا متعلق بسأل سائل ، لأن استعجال النضر ~~بالعذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله والتكذيب بالوحي ، وكان ذلك ~~مما يضجر رسول الله صلى الله عليه وسلم / فأمر بالصبر عليه ، وكذلك من يسأل ~~عن العذاب لمن هو فإنما يسأل على طريق التعنت من كفار مكة ، ومن قرأ : { ~~سأل سائل } فمعناه جاء العذاب لقرب وقوعه فاصبر فقد جاء وقت الانتقام . # المسألة الثانية : قال الكلبي : هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر الرسول ~~بالقتال . # ! 7 < { إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 6 ) إنهم يرونه بعيدا # > > الضمير في { يرونه } إلى ماذا يعود ؟ فيه وجهان الأول : أنه عائد إلى ~~العذاب الواقع والثاني : أنه عائد إلى : { يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ~~( المعارج : 4 ) أي يستبعدونه على جهة الإحالة { * و } نحن { يكون قريبا } ~~هينا في PageV30P110 قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر . فالمراد بالبعيد ~~البعيد من الإمكان ، وبالقريب القريب منه . # ! 7 < { يوم تكون السمآء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن * ولا يسأل حميم ~~حميما } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 8 ) يوم تكون السماء . . . . . # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : { يوم تكون } منصوب بماذا ؟ فيه وجوه أحدها : بقريبا ، ~~والتقدير : ونراه قريبا ، يوم تكون السماء كالمهل ، أي يمكن ولا يتعذر في ~~ذلك اليوم وثانيها : التقدير : سأل سائل بعذاب واقع يوم تكون السماء كالمهل ~~والثالث : التقدير يوم تكون السماء كالمهل كان كذا ms9200 وكذا والرابع : أن يكون ~~بدلا من يوم ، والتقدير سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف ~~سنة يوم تكون السماء كالمهل . # المسألة الثانية : أنه ذكر لذلك اليوم صفات : # الصفة الأولى : أن السماء تكون فيه كالمهل وذكرنا تفسير المهل عند قوله : ~~{ بماء كالمهل } قال ابن عباس : كدردى الزيت ، وروى عنه عطاء : كعكر ~~القطران ، وقال الحسن : مثل الفضة إذا أذيبت ، وهو قول ابن مسعود . # الصفة الثانية : أن تكون الجبال فيه كالعهن ، ومعنى العهن في اللغة : ~~الصوف المصبوغ ألوانا ، وإنما وقع التشبيه به ، لأن الجبال جدد بيض وحمر ~~مختلف ألوانها وغرابيب سود فإذا بست وطيرت في الجو أشبهت العهن المنفوش إذا ~~طيرته الريح . # الصفة الثالثة : قوله : { ولا يسئل حميم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال ابن عباس الحميم القريب الذي يعصب له ، وعدم السؤال ~~إنما كان لاشتغال كل أحد بنفسه ، وهو كقوله : { تذهل كل مرضعة عما أرضعت } ~~( الحج : 2 ) وقوله : { يوم يفر المرء من أخيه } إلى قوله { لكل امرىء منهم ~~يومئذ شأن يغنيه } ( عبس : 37 ) ثم في الآية وجوه أحدها : أن يكون / ~~التقدير : لا يسأل حميم عن حميمه فحذف الجار وأوصل الفعل الثاني : لا يسأل ~~حميم حميمه كيف حالك ولا يكلمه ، لأن لكل أحد ما يشغله عن هذا الكلام ~~الثالث : لا يسأل حميم حميما شفاعة ، ولا يسأل حميم حميما إحسانا إليه ولا ~~رفقا به . # المسألة الثانية : قرأ ابن كثير : { ولا يسئل } بضم الياء ، والمعنى لا ~~يسأل حميم عن حميمه ليتعرف شأنه من جهته ، كما يتعرف خبر الصديق من جهة ~~صديقه ، وهذا أيضا على حذف الجار قال الفراء : أي لا يقال لحميم أين حميمك ~~ولست أحب هذه القراءة لأنها مخالفة لما أجمع عليه القراء . # ! 7 < { يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته ~~وأخيه } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 11 ) يبصرونهم يود المجرم . . . . . # > > قوله تعالى : { يبصرونهم } يقال : بصرت به أبصر ، قال تعالى : { بصرت ~~بما لم يبصروا به } ( طه : 96 ) ويقال : بصرت زيد بكذا فإذا حذفت الجار قلت ~~: بصرني زيد كذا فإذا أثبت الفعل للمفعول ms9201 به وقد حذفت الجار PageV30P111 ~~قلت : بصرني زيدا ، فهذا هو معنى يبصرونهم ، وإنما جمع فقيل : يبصرونهم لأن ~~الحميم وإن كان مفردا في اللفظ فالمراد به الكثرة والجميع والدليل عليه ~~قوله تعالى : { فما لنا من شافعين } ( الشعراء : 100 ) ومعنى يبصرونهم ~~يعرفونهم ، أي يعرف الحميم الحميم حتى يعرفه ، وهو مع ذلك لا يسأله عن شأنه ~~لشغله بنفسه ، فإن قيل : ما موضع يبصرونهم ؟ قلنا : فيه وجهان الأول : أنه ~~متعلق بما قبله كأنه لما قال : { ولا يسئل حميم حميما } ( المعارج : 10 ) ~~قيل : لعله لا يبصره فقيل يبصرونهم ولكنهم لاشتغالهم بأنفسهم لا يتمكنون من ~~تساؤلهم الثاني : أنه متعلق بما بعده ، والمعنى أن المجرمين يبصرون ~~المؤمنين حال ما يود أحدهم أن يفدي نفسه لكل ما يملكه ، فإن الإنسان إذا ~~كان في البلاد الشديد ثم رآه عدوه على تلك الحالة كان ذلك في نهاية الشدة ~~عليه . # الصفة الرابعة : قوله : { يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * ~~وصاحبته وأخيه } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المجرم هو الكافر ، وقيل : يتناول كل مذنب . # المسألة الثانية : قرىء { يومئذ } بالجر والفتح على البناء لسبب الإضافة ~~إلى غير متمكن ، وقرىء أيضا : { من عذاب يومئذ } بتنوين { عذاب } ونصب { ~~يومئذ } وانتصابه بعذاب لأنه في معنى تعذيب . # ! 7 < { وفصيلته التى تأويه * ومن فى الا رض جميعا ثم ينجيه } . > 7 @QB@ ~~< # | المعارج : ( 13 - 14 ) وفصيلته التي تؤويه # > > # فصيلة الرجل ، أقاربه الأقربون الذين فصل عنهم وينتهي إليهم ، لأن المراد ~~من الفصيلة المفصولة ، لأن الولد يكون منفصلا من الأبوين . قال عليه السلام ~~: ( فاطمة بضعة مني ) فلما كان هو مفصولا منهما ، كانا أيضا مفصولين / منه ~~، فسميا فصيلة لهذا السبب ، وكان يقال للعباس : فصيلة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، لأن العم قائم مقام الأب ، وأما قوله : { تويه } فالمعنى تضمه ~~انتماء إليها في النسب أو تمسكا بها في النوائب . # وقوله : { ثم ينجيه } فيه وجهان الأول : أنه معطوف على { يفتدي } ( ~~المعارج : 11 ) والمعنى : يود المجرم لو يفتدي بهذه الأشياء ثم ينجيه ~~والثاني : أنه متعلق بقوله : { ومن فى الارض } والتقدير : يود لو يفتدي بمن ~~في الأرض ms9202 ثم ينجيه ، و { ثم } لاستبعاد الإنجاء ، يعني يتمنى لو كان هؤلاء ~~جميعا تحت يده وبذلهم في فداء نفسه ، ثم ينجيه ذلك ، وهيهات أن ينجيه . # [ بم قوله تعالى : # ! 7 < { كلا إنها لظى * نزاعة للشوى } . > 7 ! # { < < # | المعارج : ( 15 ) كلا إنها لظى # > > كلا } ردع للمجرم عن كونه بحيث يود الافتداء ببنيه ، وعلى أنه لا ~~ينفعه ذلك الافتداء ، ولا ينجيه من العذاب ، ثم قال : { أنها } وفيه وجهان ~~الأول : أن هذا الضمير للنار ، ولم يجر لها ذكر إلا أن ذكر العذاب دل عليها ~~والثاني : يجوز أن يكون ضمير القصة ، ولظى من أسماء النار . قال الليث : ~~اللظى ، اللهب الخالص ، يقال : لظت النار تلظى لظى ، وتلظت تلظيا ، ومنه ~~قوله : { نارا تلظى } ولظى علم للنار منقول من اللظى ، وهو معرفة لا ينصرف ~~، فلذلك لم ينون ، وقوله : { نزاعة } مرفوعة ، وفي سبب هذا الارتفاع وجوه ~~الأول : أن تجعل الهاء في أنها عماد ، أو تجعل لظى اسم إن ، ونزاعة خبر إن ~~، كأنه قيل : إن لظى نزاعة والثاني : أن تجعل الهاء ضمير القصة ، ولظى ~~مبتدأ ، ونزاعة خبرا ، وتجعل الجملة خبرا عن ضمير القصة ، والتقدير : إن ~~القصة لظى نزاعة للشوى والثالث : أن ترتفع على الذم ، والتقدير : إنها لظى ~~وهي نزاعة للشوى ، وهذا قول الأخفش والفراء والزجاج . وأما قراءة النصب ~~PageV30P112 ففيها ثلاثة أوجه أحدها : قال الزجاج : إنها حال مؤكدة ، كما ~~قال : { هو الحق مصدقا } وكما يقول : أنا زيد معروفا ، اعترض أبو علي ~~الفارسي على هذا وقال : حمله على الحال بعيد ، لأنه ليس في الكلام ما يعمل ~~في الحال ، فإن قلت في قوله : { لظى } معنى التلظي والتلهب ، فهذا لا ~~يستقيم ، لأن لظى اسم علم لماهية مخصوصة ، والماهية لا يمكن تقييدها ~~بالأحوال ، إنما الذي يمكن تقييده بالأحوال هو الأفعال ، فلا يمكن أن يقال ~~: رجلا حال كونه عالما ، ويمكن أن يقال : رأيت رجلا حال كونه عالما وثانيها ~~: أن تكون لظى اسما لنار تتلظى تلظيا شديدا ، فيكون هذا الفعل ناصبا ، ~~لقوله : { نزاعة } وثالثها : أن تكون منصوبة على الاختصاص ، والتقدير : ~~إنها لظى أعنيها نزاعة للشوى ، ولم تمنع . # المسألة الثالثة ms9203 : { * الشوى } الأطراف ، وهي اليدان والرجلان ، ويقال ~~للرامي : إذا لم يصب المقتل أشوى ، أي أصاب الشوى ، والشوى أيضا جلد الرأس ~~، واحدتها شواة ومنه قول الأعشى : # % / قالت قتيلة ماله % % قد جللت شيبا شواته % # هذا قول أهل اللغة ، قال مقاتل : تنزع النار الهامة والأطراف فلا تترك ~~لحما ولا جلدا إلا أحرقته ، وقال سعيد بن جبير : العصب والعقب ولحم الساقين ~~واليدين ، وقال ثابت البناني : لمكارم وجه بني آدم . واعلم أن النار إذا ~~أفنت هذه الأعضاء ، فالله تعالى يعيدها مرة أخرى ، كما قال : { نارا كلما ~~نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } . # [ بم قوله تعالى : # ! 7 < { تدعوا من أدبر وتولى * وجمع فأوعى } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 17 ) تدعو من أدبر . . . . . # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : اختلفوا في أن لظى كيف تدعو الكافر ، فذكروا وجوها ~~أحدها : أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل : سل الأرض من أشق أنهارك ، وغرس ~~أشجارك ؟ فإن لم تجبك جؤارا ، أجابتك اعتبارا فههنا لما كان مرجع كل واحد ~~من الكفار إلى زاوية من زوايا جهنم ، كأن تلك المواضع تدعوهم وتحضرهم ~~وثانيها : أن الله تعالى يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحا : إلي يا ~~كافر ، إلي يا منافق ، ثم تلتقطهم التقاط الحب وثالثها : المراد أن زبانية ~~النار يدعون فأضيف ذلك الدعاء إلى النار بحذف المضاف ورابعها : تدعو تهلك ~~من قول العرب دعاك الله أي أهلكك ، وقوله : { من أدبر وتولى } يعني من أدبر ~~عن الطاعة وتولى عن الإيمان { وجمع } المال { فأوعى } أي جعله في وعاء ~~وكنزه ، ولم يؤد الزكاة والحقوق الواجبة فيها فقوله : { أدبر وتولى } إشارة ~~إلى الإعراض عن معرفة الله وطاعته ، وقوله : { وجمع فأوعى } إشارة إلى حب ~~الدنيا ، فجمع إشارة إلى الحرص ، وأوعى إشارة إلى الأمل ، ولا شك أن مجامع ~~آفات الدين ليست إلا هذه . # [ بم قوله تعالى : # ! 7 < { إن الإنسان خلق هلوعا } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 19 ) إن الإنسان خلق . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال بعضهم : المراد بالإنسان ههنا الكافر ، وقال آخرون ~~: بل هو على عمومه ، بدليل أنه استثنى منه إلا المصلين . PageV30P113 # المسألة الثانية : يقال : هلع الرجل ms9204 يهلع هلعا وهلاعا فهو هالع وهلوع ، ~~وهو شدة الحرص وقلة الصبر ، يقال : جاع فهلع ، وقال الفراء : الهلوع الضجور ~~، وقال المبرد : الهلع الضجر ، يقال : نعوذ بالله من الهلع عند منازلة ~~الأقران ، وعن أحمد بن يحيى ، قال لي محمد بن عبدالله بن طاهر : ما الهلع ؟ ~~فقلت : قد فسره الله ، ولا تفسير أبين من تفسيره ، هو الذي إذا ناله شر ~~أظهر شدة الجزع ، وإذا ناله خير بخل ومنعه الناس . # المسألة الثالثة : قال القاضي قوله تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا } ~~نظير لقوله : { خلق الإنسان من عجل } وليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف ~~، والدليل عليه أن الله تعالى ذمه عليه والله تعالى لا يذم فعله ، ولأنه ~~تعالى استثنى المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم في ترك هذه الخصلة / المذمومة ، ~~ولو كانت هذه الخصلة ضرورية حاصلة بخلق الله تعالى لما قدروا على تركها . ~~واعلم أن الهلع لفظ واقع على أمرين : أحدهما : الحالة النفسانية التي ~~لأجلها يقدم الإنسان على إظهار الجزع والتضرع والثاني : تلك الأفعال ~~الظاهرة من القول والفعل الدالة على تلك الحالة النفسانية ، أما تلك الحالة ~~النفسانية فلا شك أنها تحدث بخلق الله تعالى ، لأن من خلقت نفسه على تلك ~~الحالة لا يمكنه إزالة تلك الحالة من نفسه ، ومن خلق شجاعا بطلا لا يمكنه ~~إزالة تلك الحالة عن نفسه بل الأفعال الظاهرة من القول والفعل يمكنه تركها ~~والإقدام عليها فهي أمور اختيارية ، أما الحالة النفسانية التي هي الهلع في ~~الحقيقة فهي مخلوقة على سبيل الاضطرار . # [ بم قوله تعالى : # ! 7 < { إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 20 ) إذا مسه الشر . . . . . # > > المراد من الشر والخير الفقر والغنى أو المرض والصحة ، فالمعنى أنه ~~إذا صار فقيرا أو مريضا أخذ في الجزع والشكاية ، وإذا صار غنيا أو صحيحا ~~أخذ في منع المعروف وشح بماله ولم يلتفت إلى الناس ، فإن قيل : حاصل هذا ~~الكلام أنه نفور عن المضار طالب للراحة ، وهذا هو اللائق بالعقل فلم ذمه ~~الله عليه ؟ قلنا : إنما ذمه عليه لأنه قاصر النظر على الأحوال الجسمانية ms9205 ~~العاجلة ، وكان من الواجب عليه أن يكون مشغولا بأحوال الآخرة ، فإذا وقع في ~~مرض أو فقر وعلم أنه فعل الله تعالى كان راضيا به ، لعلمه أن الله يفعل ما ~~يشاء ويحكم ما يريد ، وإذا وجد المال والصحة صرفهما إلى طلب السعادات ~~الأخروية ، واعلم أنه استثنى من هذه الحالة المذكورة المذمومة من كان ~~موصوفا بثمانية أشياء : # ( 22 ) # ! 7 < { إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دآئمون } . > 7 @QB@ < # | المعارج : ( 22 - 23 ) إلا المصلين # > > # أولها قوله : { إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون } فإن قيل : ~~قال : { على صلاتهم دائمون } ثم : { على صلاتهم يحافظون } ( المعارج : 34 ) ~~قلنا : معنى دوامهم عليها أن لا يتركوها في شيء من الأوقات ومحافظتهم عليها ~~ترجع إلى الاهتمام بحالها حتى يؤتى بها على أكمل الوجوه ، وهذا الاهتمام ~~إنما يحصل تارة بأمور سابقة على الصلاة وتارة بأمور لاحقة بها ، وتارة ~~بأمور متراخية عنها ، أما الأمور السابقة فهو أن يكون قبل دخول وقتها متعلق ~~القلب بدخول أوقاتها ، ومتعلق بالوضوء ، وستر العورة وطلب القبلة ، ووجدان ~~الثوب PageV30P114 والمكان الطاهرين ، والإتيان بالصلاة في الجماعة ، وفي ~~المساجد المباركة ، وأن يجتهد قبل الدخول في الصلاة في تفريغ القلب عن ~~الوساوس والإلتفات إلى ما سوى الله تعالى ، وأن يبالغ في الاحتراز عن ~~الرياء والسمعة ، وأما الأمور المقارنة فهو أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا ، ~~وأن يكون حاضر القلب عند القراءة ، فاهما للأذكار ، مطلعا على حكم الصلاة ، ~~وأما الأمور المتراخية فهي أن لا يشتغل بعد إقامة الصلاة باللغو واللهو ~~واللعب ، وأن يحترز كل / الاحتراز عن الإتيان بعدها بشيء من المعاصي . # وثانيها قوله تعالى : # ! 7 < { والذين فىأموالهم حق معلوم * للسآئل والمحروم } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 24 ) والذين في أموالهم . . . . . # > > اختلفوا في الحق المعلوم : فقال ابن عباس والحسن وابن سيرين ، إنه ~~الزكاة المفروضة ، قال ابن عباس : من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه أن لا ~~يتصدق قالوا : والدليل على أن المراد به الزكاة المفروضة وجهان : الأول : ~~أن الحق المعلوم المقدر هو الزكاة ، أما الصدقة فهي غير مقدرة الثاني : وهو ~~أنه تعالى ذكر هذا على ms9206 سبيل الاستثناء ممن ذمه ، فدل على أن الذي لا يعطى ~~هذا الحق يكون مذموما ، ولا حق على هذه الصفة إلا الزكاة ، وقال آخرون : ~~هذا الحق سوى الزكاة ، وهو يكون على طريق الندب والاستحباب ، وهذا قول ~~مجاهد وعطاء والنخعي . وقوله : { للسائل } يعني الذي يسأل { والمحروم } ~~الذي يتعفف عن السؤال فيحسب غنيا فيحرم . # وثالثها قوله : # ! 7 < { والذين يصدقون بيوم الدين } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 26 ) والذين يصدقون بيوم . . . . . # > > أي يؤمنون بالبعث والحشر . # ورابعها قوله تعالى : # ! 7 < { والذين هم من عذاب ربهم مشفقون } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 27 ) والذين هم من . . . . . # > > والإشفاق يكون من أمرين ، إما الخوف من ترك الواجبات أو الخوف من ~~الإقدام على المحظورات ، وهذا كقوله : { والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم ~~وجلة } ( المؤمنون : 60 ) وكقوله سبحانه : { الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم } ( الحج : 35 ) ومن يدوم به الخوف والإشفاق فيما كلف يكون حذرا من ~~التقصير حريصا على القيام بما كلف به من علم وعمل . # ثم إنه تعالى أكد ذلك الخوف فقال : # ! 7 < { إن عذاب ربهم غير مأمون } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 28 ) إن عذاب ربهم . . . . . # > > والمراد أن الإنسان لا يمكنه القطع بأنه أدى الواجبات كما ينبغي ، ~~واحترز عن المحظورات بالكلية ، بل يجوز أن يكون قد وقع منه تقصير في شيء من ~~ذلك ، فلا جرم يكون خائفا أبد . # وخامسها قوله تعالى : # ! 7 < { والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فأنهم غير ملومين * فمن ابتغى ورآء ذالك فأولائك هم العادون } . > 7 @QB@ < # | المعارج : ( 29 - 31 ) والذين هم لفروجهم . . . . . # > > # / وقد مر تفسيره في سورة المؤمنين . PageV30P115 # وسادسها قوله : # ! 7 < { والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 32 ) والذين هم لأماناتهم . . . . . # > > وقد تقدم تفسيره أيضا . # وسابعها قوله : # ! 7 < { والذين هم بشهاداتهم قائمون } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 33 ) والذين هم بشهاداتهم . . . . . # > > قرىء بشهادتهم وبشهاداتهم ، قال الواحدي : والإفراد أولى لأنه مصدر ~~فيفرد كما تفرد المصادر وإن أضيف لجمع كقوله لصوت الحمير . ومن جمع ذهب إلى ~~اختلاف الشهادات ، وكثرت ضروبها فحسن الجمع من جهة الاختلاف ، وأكثر ~~المفسرين قالوا : يعني الشهادات عند الحكام يقومون بها ms9207 بالحق ، ولا ~~يكتمونها وهذه الشهادات من جملة الأمانات إلا أنه تعالى خصها من بينها ~~إبانة لفضلها لأن في إقامتها إحياء الحقوق وفي تركها إبطالها وتضييعها ، ~~وروى عطاء عن ابن عباس قال : يريد الشهادة بأن الله واحد لا شريك له . # وثامنها قوله : # ! 7 < { والذين هم على صلاتهم يحافظون } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 34 ) والذين هم على . . . . . # > > وقد تقدم تفسيره . # ثم وعد هؤلاء وقال : # ! 7 < { أولائك فى جنات مكرمون } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 35 ) أولئك في جنات . . . . . # > > ثم ذكر بعده ما يتعلق بالكفار فقال : # ! 7 < { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 36 ) فمال الذين كفروا . . . . . # > > المهطع المسرع وقيل : الماد عنقه ، وأنشدوا فيه : # % بمكة أهلها ولقد أراهم % % بمكة مهطعين إلى السماع % # والوجهان متقاربان ، روى أن المشركين كانوا يحتفون حول النبي صلى الله ~~عليه وسلم حلقا حلقا وفرقا فرقا يستمعون ويستهزئون بكلامه ، ويقولون : إذا ~~دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد : فلندخلنها قبلهم ، فنزلت هذه الآية فقوله ~~: { مهطعين } أي مسرعين نحوك مادين أعناقهم إليك مقبلين بأبصارهم عليك ، ~~وقال أبو مسلم : ظاهر الآية يدل على أنهم هم المنافقون ، فهم الذين كانوا ~~عنده وإسراعهم المذكور هو الإسراع في الكفر كقوله : { لا يحزنك الذين ~~يسارعون فى الكفر } . ثم قال : # ! 7 < { عن اليمين وعن الشمال عزين } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 37 ) عن اليمين وعن . . . . . # > > وذلك لأنهم كانوا عن يمينه وعن شماله مجتمعين ، ومعنى : { عزين } ~~جماعات في تفرقة واحدها عزة ، وهي العصبة من الناس ، قال الأزهري : وأصلها ~~من قولهم : عزا فلان نفسه إلى بني فلان يعزوها عزوا إذا انتهى إليهم ، ~~والاسم العزوة وكان العزة / كل جماعة اعتزوها إلى أمر واحد ، واعلم أن هذا ~~من المنقوص الذي جاز جمعه بالواو والنون عوضا من المحذوف وأصلها عزوة ، ~~والكلام في هذه كالكلام في { عضين } ( الحجر : 91 ) وقد تقدم ، وقيل : كان ~~المستهزئون خمسة أرهط . ثم قال : # ! 7 < { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 38 ) أيطمع كل امرئ . . . . . # > > والنعيم ضد البؤس ، والمعنى أيطمع كل رجل منهم أن يدخل جنتي كما ~~يدخلها المسلمون . # PageV30P116 ! 7 < { كلا إنا خلقناهم ms9208 مما يعلمون } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 39 ) كلا إنا خلقناهم . . . . . # > > ثم قال : { كلا } وهو ردع لهم عن ذلك الطمع الفاسد . # ثم قال : { إنا خلقناهم مما يعلمون } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : الغرض من هذا الاستدلال على صحة البعث ، كأنه قال : لما ~~قدرت على أن أخلقكم من النطفة ، وجب أن أكون قادرا على بعثكم . # المسألة الثانية : ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها أحدها : أنه ~~لما احتج على صحة البعث دل على أنهم كانوا منكرين للبعث ، فكأنه قيل لهم ~~كلا إنكم منكرون للبعث ، فمن أين تطمعون في دخول الجنة وثانيها : أن ~~المستهزئين كانوا يستحقرون المؤمنين ، فقال تعالى : هؤلاء المستهزئون ~~مخلوقون مما خلقوا ، فكيف يليق بهم هذا الاحتقار وثالثها : أنهم مخلوقون من ~~هذه الأشياء المستقذرة ، فلو لم يتصفوا بالإيمان والمعرفة ، فكيف يليق ~~بالحكيم إدخالهم الجنة . ثم قال : # ! 7 < { فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا ~~منهم وما نحن بمسبوقين * فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى ~~يوعدون } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 40 ) فلا أقسم برب . . . . . # > > يعني مشرق كل يوم من السنة ومغربه أو مشرق كل كوكب ومغربه ، أو ~~المراد بالمشرق ظهور دعوة كل نبي وبالمغرب موته أو المراد أنواع الهدايات ~~والخذلانات { إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين } وهو ~~مفسر في قوله : { وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم } وقوله : { ~~فذرهم يخوضوا } مفسر في آخر سورة والطور ، واختلفوا في أن ما وصف الله نفسه ~~بالقدرة عليه من ذلك هل خرج إلى الفعل أم لا ؟ فقال بعضهم : بدل الله بهم ~~الأنصار والمهاجرين / فإن حالتهم في نصرة الرسول مشهورة ، وقال آخرون بل ~~بدل الله كفر بعضهم بالإيمان ، وقال بعضهم : لم يقع هذا التبديل ، فإنهم أو ~~أكثرهم بقوا على جملة كفرهم إلى أن ماتوا ، وإنما كان يصح وقوع التبديل بهم ~~لو أهلكوا ، لأن مراده تعالى بقوله : { إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا ~~منهم } بطريق الإهلاك ، فإذا لم يحصل ذلك فكيف يحكم بأن ذلك قد وقع ، وإنما ~~هدد تعالى القوم بذلك لكي يؤمنوا ms9209 . # ! 7 < { يوم يخرجون من الا جداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة ~~أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذى كانوا يوعدون } . > 7 ! # < < # | المعارج : ( 43 ) يوم يخرجون من . . . . . # > > ثم ذكر تعالى ذلك اليوم الذي تقدم ذكره فقال : { يوم يخرجون من * ~~عنهم سراعا } وهو كقوله : { فإذا هم من الاجداث إلى ربهم ينسلون } . # قوله تعالى : { كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك ~~اليوم الذى كانوا يوعدون } . # اعلم أن في { نصب } ثلاث قراءات أحدها : وهي قراءة الجمهور { نصب } بفتح ~~النون والنصب كل شيء نصب والمعنى كأنهم إلى علم لهم يستبقون والقراءة ~~الثانية : { نصب } بضم النون وسكون الصاد وفيه وجهان أحدهما : النصب والنصب ~~لغتان مثل الضعف والضعف وثانيهما : أن يكون جمع نصب كشقف PageV30P117 جمع ~~شقف والقراءة الثالثة : { نصب } بضم النون والصاد ، وفيه وجهان أحدهما : أن ~~يكون النصب والنصب كلاهما يكونان جمع نصب كأسد وأسد جمع أسد وثانيهما : أن ~~يكون المراد من النصب الأنصاب وهي الأشياء التي تنصب فتعبد من دون الله ~~كقوله : { وما ذبح على النصب } وقوله : { يوفضون } يسرعون ، ومعنى الآية ~~على هذا الوجه أنهم يوم يخرجون من الأجداث يسرعون إلى الداعي مستبقين كما ~~كانوا يستبقون إلى أنصارهم ، وبقية السورة معلومة ، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى آله ~~وصحبه أجمعين . # PageV30P118 < # > 1 ( سورة نوح عليه السلام ) 1 < # > # عشرون وثمان آيات مكية # ! 7 < { إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب ~~أليم } . > 7 @QB@ < # | نوح : ( 1 ) إنا أرسلنا نوحا . . . . . # > > # / {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك } في قوله : { ءان } وجهان ~~أحدهما : أصله بأن أنذر فحذف الجار وأوصل الفعل ، والمعنى أرسلناه بأن قلنا ~~له : أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإندار الثاني قال الزجاج : يجوز أن تكون ~~مفسرة والتقدير : إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أي أنذر قومك وقرأ ابن مسعود ، ~~{ أنذر } بغير أن على إرادة القول . # ثم قال : { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } قال مقاتل يعني الغرق بالطوفان ~~. # واعلم أن الله تعالى لما أمره بذلك ms9210 امتثل ذلك الأمر . # ! 7 < { قال ياقوم إنى لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو ~~كنتم تعلمون } . > 7 @QB@ < # | نوح : ( 2 - 4 ) قال يا قوم . . . . . # > > # { أن اعبدوا } هو نظير { أن أنذر } ( نوح : 1 ) في الوجهين ، ثم إنه أمر ~~القوم بثلاثة أشياء بعبادة الله وتقواه وطاعة نفسه ، فالأمر بالعبادة ~~يتناول جميع الواجبات والمندوبات من أفعال القلوب وأفعال الجوارح ، والأمر ~~بتقواه يتناول الزجر عن جميع المحظورات والمكروهات ، وقوله : { وأطيعون } ~~يتناول أمرهم بطاعته وجميع المأمورات والمنهيات ، وهذا وإن كان داخلا في ~~الأمر بعبادة الله وتقواه ، إلا أنه خصه بالذكر تأكيدا في ذلك التكليف ~~ومبالغة في تقريره ، ثم إنه تعالى لما كلفهم بهذه الأشياء الثلاثة وعدهم ~~عليها PageV30P119 بشيئين أحدهما : أن يزيل مضار الآخرة عنهم ، وهو قوله : ~~{ يغفر لكم من ذنوبكم } . الثاني : يزيل عنهم مضار الدنيا بقدر الإمكان ، ~~وذلك بأن يؤخر أجلهم إلى أقصى الإمكان . وههنا سؤالات : # / السؤال الأول : ما فائدة { من } في قوله : { يغفر لكم من ذنوبكم } ؟ ~~والجواب من وجوه أحدها : أنها صلة زائدة والتقدير يغفر لكم ذنوبكم والثاني ~~: أن غفران الذنب هو أن لا يؤاخذ به ، فلو قال : يغفر لكم ذنوبكم ، لكان ~~معناه أن لا يؤاخذكم بمجموع ذنوبكم ، وعدم المؤاخذة بالمجموع لا يوجب عدم ~~المؤاخذة بكل واحد من آحاد المجموع ، فله أن يقول : لا أطالبك بمجموع ذنوبك ~~، ولكني أطالبك بهذا الذنب الواحد فقط ، أما لما قال : { يغفر لكم من ~~ذنوبكم } كان تقديره يغفر كل ما كان من ذنوبكم ، وهذا يقتضي عدم المؤاخذة ~~على مجموع الذنوب وعدم المؤاخذة أيضا على كل فرد من أفراد المجموع الثالث : ~~أن قوله : { يغفر لكم من ذنوبكم } هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حتى لأن من ~~آمن فإنه يصير ما تقدم من ذنوبه على إيمانه مغفورا ، أما ما تأخر عنه فإنه ~~لا يصير بذلك السبب مغفورا ، فثبت أنه لا بد ههنا من حرف التبعيض . # السؤال الثاني : كيف قال : { ويؤخركم } مع إخباره بامتناع تأخير الأجل ، ~~وهل ms9211 هذا إلا تناقض ؟ الجواب : قضى الله مثلا أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم ~~الله ألف سنة ، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة سنة ، فقيل لهم ~~: آمنوا { ويؤخركم إلى أجل مسمى } أي إلى وقت سماه الله وجعله غاية الطول ~~في العمر ، وهو تمام الألف ، ثم أخبر أنه إذا انقضى ذلك الأجل الأطول ، لا ~~بد من الموت . # السؤال الثالث : ما الفائدة في قوله { لو كنتم تعلمون } الجواب : الغرض ~~الزجر عن حب الدنيا ، وعن التهالك عليها والإعراض عن الدين بسبب حبها ، ~~يعني أن غلوهم في حب الدنيا وطلب لذاتها بلغ إلى حيث يدل على أنهم شاكون في ~~الموت . [ بم قوله تعالى : # ! 7 < { قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعآئىإلا فرارا } ~~. > 7 ! # < < # | نوح : ( 5 ) قال رب إني . . . . . # > > اعلم أن هذا من الآيات الدالة على أن جميع الحوادث بقضاء الله وقدره ~~، وذلك لأنا نرى إنسانين يسمعان دعوة الرسول في مجلس واحد بلفظ واحد ، ~~فيصير ذلك الكلام في حق أحدهما سببا لحصول الهداية ، والميل والرغبة ، وفي ~~حق الثاني سببا لمزيد العتو والتكبر ، ونهاية النفرة ، وليس لأحد أن يقول : ~~إن تلك النفرة والرغبة حصلتا باختيار المكلف ، فإن هذا مكابرة في المحسوس ، ~~فإن صاحب النفرة يجد قلبه كالمضطر إلى تلك النفرة وصاحب الرغبة يجد قلبه ~~كالمضطر إلى تلك الرغبة ، ومتى حصلت تلك النفرة وجب أن يحصل عقيبه التمرد ~~والإعراض ، وإن حصلت الرغبة وجب أن يحصل عقيبه الانقياد والطاعة ، فعلمنا ~~أن إفضاء سماع تلك الدعوة في حق أحدهما إلى الرغبة المستلزمة لحصول الطاعة ~~والانقياد وفي حق الثاني إلى النفرة المستلزمة لحصول التمرد والعصيان لا ~~يكون إلا بقضاء الله وقدره ، فإن قيل : هب أن حصول النفرة والرغبة ليس ~~باختياره ، لكن حصول / العصيان عند النفرة يكون باختياره ، فإن العبد متمكن ~~مع تلك النفرة أن ينقاد ويطيع ، قلنا : إنه لو حصلت النفرة غير معارضة بوجه ~~من وجوه الرغبة بل خالصة عن جميع PageV30P120 شوائب الرغبة امتنع أن يحصل ~~معه الفعل ، وذلك لأنه عندما تحصل النفرة والرغبة لم يحصل ms9212 الفعل ألبتة ، ~~فعند حصول النفرة انضم إلى عدم المقتضي وجود المانع ، فبأن يصير الفعل ~~ممتنعا أولى ، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على القضاء والقدر . # ! 7 < { وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم فىءاذانهم واستغشوا ~~ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا } . > 7 ! # < < # | نوح : ( 7 ) وإني كلما دعوتهم . . . . . # > > ثم قال تعالى : { وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم } . # اعلم أن نوحا عليه السلام إنما دعاهم إلى العبادة والتقوى والطاعة لأجل ~~أن يغفر لهم ، فإن المقصود الأول هو حصول المغفرة ، وأما الطاعة فهي إنما ~~طلبت ليتوسل بها إلى تحصيل المغفرة ، ولذلك لما أمرهم بالعبادة قال : { ~~يغفر لكم من ذنوبكم } ( نوح : 4 ) فلما كان المطلوب الأول من الدعوة حصول ~~المغفرة لا جرم قال : { وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم } واعلم أنه عليه ~~السلام لما دعاهم عاملوه بأشياء : # أولها : قوله : { جعلوا أصابعهم فىءاذانهم } والمعنى أنهم بلغوا في ~~التقليد إلى حيث جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا الحجة والبينة . # وثانيها : قوله : { واستغشوا ثيابهم } أي تغطوا بها ، إما لأجل أن لا ~~يبصروا وجهه كأنهم لم يجوزوا أن يسمعوا كلامه ، ولا أن يروا وجهه . وإما ~~لأجل المبالغة في أن لا يسمعوا ، فإنهم إذا جعلوا أصابعهم في آذانهم ، ثم ~~استغشوا ثيابهم مع ذلك ، صار المانع من السماع أقوى . # وثالثها : قوله : { وأصروا } والمعنى أنهم أصروا على مذهبهم ، أو على ~~إعراضهم عن سماع دعوة الحق . # ورابعها : قوله : { واستكبروا استكبارا } أي عظيما بالغا إلى النهاية ~~القصوى . # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { ثم إنى دعوتهم جهارا * ثم إنىأعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } . > ~~7 ! # < < # | نوح : ( 8 ) ثم إني دعوتهم . . . . . # > > واعلم أن هذه الآيات تدل على أن مراتب دعوته كانت ثلاثة ، فبدأ ~~بالمناصحة في السر ، فعاملوه بالأمور الأربعة ، ثم ثنى بالمجاهرة ، فلما لم ~~يؤثر جمع بين الإعلان والإسرار ، وكلمة { ثم } دالة على تراخي بعض هذه ~~المراتب عن بعض إما بحسب الزمان ، أو بحسب الرتبة ، لأن الجهار أغلظ / من ~~الإسرار ، والجمع بين الإسرار والجهار أغلظ من الجهار وحده ، فإن قيل : بم ~~انتصب { جهارا } ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : أنه منصوب ms9213 بدعوتهم نصب المصدر ، ~~لأن الدعاء أحد نوعيه الجهار ، فنصب به نصب القرفصاء بقعد لكونها أحد أنواع ~~القعود وثانيها : أنه أريد بدعوتهم جاهرتهم وثالثها : أن يكون صفة لمصدر ~~دعا بمعنى دعاء جهارا ، أي مجاهرا به ورابعها : أن يكون مصدرا في موضع ~~الحال أي مجاهرا . PageV30P121 # [ بم قوله تعالى : # ! 7 < { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا } . > 7 ! # < < # | نوح : ( 10 ) فقلت استغفروا ربكم . . . . . # > > قال مقاتل : إن قوم نوح لما كذبوه زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر ، ~~وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة ، فرجعوا فيه إلى نوح ، فقال نوح : استغفروا ~~ربكم من الشرك حتى يفتح عليكم أبواب نعمه . # واعلم أن الاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات ، ويدل عليه وجوه ~~أحدها : أن الكفر سبب لخراب العالم على ما قال في كفر النصارى : { تكاد * ~~السماوات * يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا * أن دعوا * للرحمان ~~ولدا } ( مريم : 90 ، 91 ) فلما كان الكفر سببا لخراب العالم ، وجب أن يكون ~~الإيمان سببا لعمارة العالم وثانيها : الآيات منها هذه الآية ومنها قوله : ~~{ ولو أن أهل القرىءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات } ( الأعراف : 96 ) { ~~ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم ~~} ( المائدة : 66 ) { وألو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا } ( ~~الجن : 16 ) { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب } ( ~~الطلاق : 2 3 ) { وأمر أهلك بالصلواة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~} ( طه : 132 ) وثالثها : أنه تعالى قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) فإذا اشتغلوا بتحصيل المقصود حصل ما يحتاج ~~إليه في الدنيا على سبيل التبعية ورابعها : أن عمر خرج يستسقي فما زاد على ~~الاستغفار ، فقيل له : ما رأيناك استسقيت ، فقال : لقد استسقيت بمجاديح ~~السماء . المجدح ثلاثة كواكب مخصوصة ، ونوءه يكون عزيزا شبه عمر إلا ~~استغفارا بالأنواء الصادقة التي لا تخطىء ، وعن بكر بن عبدالله : أن أكثر ~~الناس ذنوبا أقلهم استغفارا ، وأكثرهم استغفارا أقلهم ذنوبا ، وعن الحسن : ~~أن رجلا شكا إليه الجدب ، فقال : استغفر الله ، وشكا إليه آخر الفقر ، وآخر ms9214 ~~قلة النسل ، وآخر قلة ريع أرضه ، فأمرهم كلهم بالاستغفار ، فقال له بعض ~~القوم : أتاك رجال يشكون إليك أنواعا من الحاجة ، فأمرتهم كلهم بالاستغفار ~~، فتلا له الآية ، وههنا سؤالات : # الأول : أن نوحا عليه السلام أمر الكفار قبل هذه الآية بالعبادة والتقوى ~~والطاعة ، فأي فائدة في أن أمرهم بعد ذلك بالاستغفار ؟ الجواب : أنه لما ~~أمرهم بالعبادة قالوا له : إن كان الدين القديم الذي كنا عليه حقا فلم ~~تأمرنا بتركه ، وإن كان باطلا فكيف يقبلنا بعد أن / عصيناه ، فقال نوح عليه ~~السلام : إنكم وإن كنتم عصيتموه ولكن استغفروه من تلك الذنوب ، فإنه سبحانه ~~كان غفارا . # السؤال الثاني : لم قال : { إنه كان غفارا } ولم يقل : إنه غفار ؟ قلنا ~~المراد : إنه كان غفارا في حق كل من استغفروه كأنه يقول : لا تظنوا أن ~~غفاريته إنما حدثت الآن ، بل هو أبدا هكذا كان ، فكأن هذا هو حرفته وصنعته ~~. # [ بم وقوله تعالى : # ! 7 < { يرسل السمآء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ~~ويجعل لكم أنهارا } . > 7 ! # < < # | نوح : ( 11 ) يرسل السماء عليكم . . . . . # > > واعلم أن الخلق مجبولون على محبة الخيرات العاجلة ، ولذلك قال تعالى ~~: { وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب } PageV30P122 فلا جرم أعلمهم ~~الله تعالى ههنا أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب ~~والغنى في الدنيا . # والأشياء التي وعدهم من منافع الدنيا في هذه الآية خمسة أولها : قوله : { ~~يرسل السماء عليكم مدرارا } وفي السماء وجوه : أحدها : ( أن ) المطر منها ~~ينزل إلى السحاب وثانيها : أن يراد بالسماء السحاب وثالثها : أن يراد ~~بالسماء المطر من قوله : # % إذا نزل السماء بأرض قوم # % رعيناه وإن كانوا غضابا % # والمدرار الكثير الدرور ، ومفعال مما يستوي فيه المذكر والمؤنث ، كقولهم ~~: رجل أو امرأة معطار ومتفال وثانيها : قوله : { ويمددكم بأموال } وهذا لا ~~يختص بنوع واحد من المال بل يعم الكل وثالثها : قوله : { وبنين } ولا شك أن ~~ذلك مما يميل الطبع إليه . ورابعها : قوله : { ويجعل لكم جنات } أي بساتين ~~وخامسها : قوله : { ويجعل لكم أنهارا } . ثم قال : # ! 7 < { ما لكم لا ترجون لله ms9215 وقارا } . > 7 ! # < < # | نوح : ( 13 ) ما لكم لا . . . . . # > > وفيه قولان : الأول : أن الرجاء ههنا بمعنى الخوف ومنه قول الهذلي : # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # والوقار العظمة والتوقير التعظيم ، ومنه قوله تعالى : { وتوقروه } بمعنى ~~ما بالكم لا تخافون لله عظمة . وهذا القول عندي غير جائز ، لأن الرجاء ضد ~~الخوف في اللغة المتواترة الظاهرة ، فلو قلنا : إن لفظة الرجاء في اللغة ~~موضوعة بمعنى الخوف لكان ذلك ترجيحا للرواية الثابتة بالآحاد على الرواية / ~~المنقولة بالتواتر وهذا يفضي إلى القدح في القرآن ، فإنه لا لفظ فيه إلا ~~ويمكن جعل نفيه إثباتا وإثباته نفيا بهذا الطريق الوجه الثاني : ما ذكره ~~صاحب ( الكشاف ) وهو أن المعنى : مالكم لا تأملون لله توقيرا أي تعظيما ، ~~والمعنى مالكم لا تكونوا على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم و { لله } ~~بيان للموقر ، ولو تأخر لكان صلة للوقار . # [ بم وقوله تعالى : # ! 7 < { وقد خلقكم أطوارا } . > 7 ! # < < # | نوح : ( 14 ) وقد خلقكم أطوارا # > > في موضع الحال كأنه قال : مالكم لا تؤمنون بالله ، والحال هذه وهي ~~حال موجبة للإيمان به { وقد خلقكم أطوارا } أي تارات خلقكم أولا ترابا ، ثم ~~خلقكم نطفا ، ثم خلقكم علقا ، ثم خلقكم مضغا ، ثم خلقكم عظاما ولحما ، ثم ~~أنشأكم خلقا آخر ، وعندي فيه وجه ثالث : وهو أن القوم كانوا يبالغون في ~~الاستخفاف بنوح عليه السلام فأمرهم الله تعالى بتوقيره وترك الاستخفاف به ، ~~فكأنه قال لهم : إنكم إذا وقرتم نوحا وتركتم الاستخفاف به كان ذلك لأجل ~~الله ، فما لكم لا ترجون وقارا وتأتون به لأجل الله ولأجل أمره وطاعته ، ~~فإن كل ما يأتي به الإنسان لأجل الله ، فإنه لا بد وأن يرجوا منه خيرا ووجه ~~رابع : وهو أن الوقار وهو الثبات من وقر إذا ثبت واستقر ، فكأنه قال : { ~~مالكم } وعند هذا تم الكلام ، ثم قال على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار { ~~لا ترجون لله وقارا } ( الجن : 13 ) أي لا ترجون لله ثباتا وبقاء ، فإنكم ~~لو رجوتم ثباته وبقاءه لخفتموه ، ولما أقدمتم على الاستخفاف برسله وأوامره ~~، والمراد من قوله : { ترجون } أي تعتقدون لأن ms9216 الراجي للشيء معتقد له . ~~PageV30P123 # واعلم أنه لما أمر في هذه الآية بتعظيم الله استدل على التوحيد بوجوه من ~~الدلائل : # الأول : قوله : { وقد خلقكم أطوارا } وفيه وجهان : الأول : قال الليث : ~~الطورة التارة يعني حالا بعد حال كما ذكرنا أنه كان نطفة ، ثم علقة إلى آخر ~~التارات الثاني : قال ابن الأنباري : الطور الحال ، والمعنى خلقكم أصنافا ~~مختلفين لا يشبه بعضكم بعضا ، ولما ذكر هذا الدليل من الأنفس على التوحيد ، ~~أتبعه بذكر دليل التوحيد من الآفاق على العادة المعهودة في كل القرآن . . # الدليل الثاني : على التوحيد قوله تعالى : # ! 7 < { ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا * وجعل القمر فيهن نورا ~~وجعل الشمس سراجا } . > 7 ! # < < # | نوح : ( 15 ) ألم تروا كيف . . . . . # > > واعلم أنه تعالى تارة يبدأ بدلائل الأنفس ، وبعدها بدلائل الآفاق كما ~~في هذه الآية ، وذلك لأن نفس الإنسان أقرب الأشياء إليه ، فلا جرم بدأ ~~بالأقرب ، وتارة يبدأ بدلائل الآفاق ، ثم بدلائل الأنفس إما لأن دلائل ~~الآفاق أبهر وأعظم ، فوقعت البداية بها لهذا السبب ، أو لأجل / أن دلائل ~~الأنفس حاضرة ، لا حاجة بالعاقل إلى التأمل فيها ، إنما الذي يحتاج إلى ~~التأمل فيه دلائل الآفاق ، لأن الشبه فيها أكثر ، فلا جرم تقع البداية بها ~~، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : قوله : { سبع سماوات * طباقا } يقتضي كون بعضها منطبقا ~~على البعض ، وهذا يقتضي أن لا يكون بينها فرج ، فالملائكة كيف يسكنون فيها ~~؟ الجواب : الملائكة أرواح فلعل المراد من كونها طباقا كونها متوازية لا ~~أنها متماسة . # السؤال الثاني : كيف قال : { وجعل القمر فيهن نورا } والقمر ليس فيها ~~بأسرها بل في السماء الدنيا ؟ والجواب : هذا كما يقال السلطان في العراق ~~ليس المراد أن ذاته حاصلة في جميع أحياز العراق بل إن ذاته في حيز من جملة ~~أحياز العراق فكذا ههنا . # السؤال الثالث : السراج ضوءه عرضي وضوء القمر عرضي متبدل فتشبيه القمر ~~بالسراج أولى من تشبيه الشمس به الجواب : الليل عبارة عن ظل الأرض والشمس ~~لما كانت سببا لزوال ظل الأرض كانت شبيهة بالسراج ، وأيضا فالسراج له ضوء ~~والضوء أقوى من ms9217 النور فجعل الأضعف للقمر والأقوى للشمس ، ومنه قوله تعالى : ~~{ هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا } ( يونس : 5 ) . # الدليل الثالث : على التوحيد قوله تعالى : # ! 7 < { والله أنبتكم من الا رض نباتا * ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا } ~~. > 7 ! # < < # | نوح : ( 17 ) والله أنبتكم من . . . . . # > > واعلم أنه تعالى رجع ههنا إلى دلائل الأنفس وهو كالتفسير لقوله : { ~~خلقكم أطوارا } ( نوح : 14 ) فإنه بين أنه تعالى PageV30P124 خلقهم من ~~الأرض ثم يردهم إليها ثم يخرجهم منها مرة أخرى ، أما قوله : { أنبتكم من ~~الارض نباتا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في هذه الآية وجهان أحدهما : معنى قوله : { أنبتكم من ~~الارض } أي أنبت أباكم من الأرض كما قال : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ~~ءادم خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) . والثاني : أنه تعالى أنبت الكل من ~~الأرض لأنه تعالى إنما يخلقنا من النطف وهي متولدة من الأغذية المتولدة من ~~النبات المتولد من الأرض . # المسألة الثانية : كان ينبغي أن يقال : أنبتكم إنباتا إلا أنه لم يقل ذلك ~~بل قال : أنبتكم نباتا ، والتقدير أنبتكم فنبتم نباتا ، وفيه دقيقة لطيفة : ~~وهي أنه لو قال : أنبتكم إنباتا كان المعنى أنبتكم إنباتا عجيبا غريبا ، ~~ولما قال : أنبتكم نباتا كان المعنى أنبتكم فنبتم نباتا عجيبا ، وهذا ~~الثاني أولى لأن الإنبات صفة لله تعالى وصفة الله غير محسوسة لنا ، فلا ~~نعرف أن ذلك الإنبات إنبات عجيب كامل إلا / بواسطة إخبار الله تعالى ، وهذا ~~المقام مقام الاستدلال على كمال قدرة الله تعالى فلا يمكن إثباته بالسمع ، ~~أما لما قال : { أنبتكم نباتا } على معنى أنبتكم فنبتم نباتا عجيبا كاملا ~~كان ذلك وصفا للنبات بكونه عجيبا كاملا ، وكون النبات كذلك أمر مشاهد محسوس ~~، فيمكن الاستدلال به على كمال قدرة الله تعالى ، فكان هذا موافقا لهذا ~~المقام فظهر أن العدول من تلك الحقيقة إلى هذا المجاز كان لهذا السر اللطيف ~~، أما قوله : { ثم يعيدكم فيها } فهو إشارة إلى الطريقة المعهودة في القرآن ~~من أنه تعالى لما كان قادرا على الابتداء كان قادرا على الإعادة ، وقوله : ~~{ ويخرجكم إخراجا } أكده بالمصدر ms9218 كأنه قال : يخرجكم حقا لا محالة . # الدليل الرابع : قوله تعالى : # ! 7 < { والله جعل لكم الا رض بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا } . > 7 ! # < < # | نوح : ( 19 ) والله جعل لكم . . . . . # > > أي طرقا واسعة واحدها فج وهو مفسر فيما تقدم . # واعلم أن نوحا عليه السلام لما دعاهم إلى الله ونبههم على هذه الدلائل ~~الظاهرة حكى عنهم أنواع قبائحهم وأقوالهم وأفعالهم . # ! 7 < { قال نوح رب إنهم عصونى واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ~~} . > 7 ! # < < # | نوح : ( 21 ) قال نوح رب . . . . . # > > فالأول قوله : { قال نوح رب إنهم عصونى } وذلك لأنه قال في أول ~~السورة { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } ( نوح : 3 ) فكأنه قال : قلت لهم ~~أطيعون فهم عصوني . # الثاني قوله : { واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } وفيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : ذكر في الآية الأولى أنهم عصوه وفي هذه الآية أنهم ضموا ~~إلى عصيانه معصية أخرى وهي طاعة رؤسائهم الذين يدعونهم إلى الكفر ، وقوله : ~~{ من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } يعني هذان وإن كانا من جملة المنافع ~~في الدنيا إلا أنهما لما صارا سببا للخسارة في الآخرة فكأنهما صارا محض ~~الخسار PageV30P125 والأمر كذلك في الحقيقة لأن الدنيا في جنب الآخرة ~~كالعدم فإذا صارت المنافع الدنيوية أسبابا للخسار في الآخرة صار ذلك جاريا ~~مجرى اللقمة الواحدة من الحلو إذا كانت مسمومة سم الوقت ، واستدل بهذه ~~الآية من قال : إنه ليس لله على الكافر نعمة لأن هذه النعم استدراجات ~~ووسائل إلى العذاب الأبدي فكانت كالعدم ، ولهذا المعنى قال نوح عليه السلام ~~في هذه الآية : { لم يزده ماله وولده إلا خسارا } . # المسألة الثانية : قرىء { وولده } بضم الواو واعلم أن الولد بالضم لغة في ~~الولد ، ويجوز أن يكون جمعا إما جمع ولد كالفلك ، وههنا يجوز أن يكون واحدا ~~وجمعا . # / النوع الثالث : من قبائح أفعالهم قوله تعالى : # ! 7 < { ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا تذرن ءالهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ~~} . > 7 ! # < < # | نوح : ( 22 ) ومكروا مكرا كبارا ms9219 # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : { ومكروا } معطوف على { من لم يزده } ( نوح : 21 ) لأن ~~المتبوعين هم الذين مكروا وقالوا للأتباع : { لا تذرن } ، وجمع الضمير وهو ~~راجع إلى { من } ، لأنه في معنى الجمع . # المسألة الثانية : قرىء { كبارا } و { كبارا } بالتخفيف والتثقيل ، وهو ~~مبالغة في الكبير ، فأول المراتب الكبير ، والأوسط الكبار بالتخفيف ، ~~والنهاية الكبار بالتثقيل ، ونظيره : جميل وجمال وجمال ، وعظيم وعظام وعظام ~~، وطويل وطوال وطوال . # المسألة الثالثة : المكر الكبار هو أنهم قالوا لأتباعهم : { لا تذرن * ~~ودا } فهم منعوا القوم عن التوحيد ، وأمروهم بالشرك ، ولما كان التوحيد ~~أعظم المراتب ، لا جرم كان المنع منه أعظم الكبائر فلهذا وصفه الله تعالى ~~بأنه كبار ، واستدل بهذا من فضل علم الكلام على سائر العلوم ، فقال : الأمر ~~بالشرك كبار في القبح والخزي ، فالأمر بالتوحيد والإرشاد وجب أن يكون كبارا ~~في الخير والدين . # المسألة الرابعة : أنه تعالى إنما سماه { مكرا } لوجهين الأول : لما في ~~إضافة الإلهية إليهم من الحيلة الموجبة لاستمرارهم على عبادتها ، كأنهم ~~قالوا : هذه الأصنام آلهة لكم ، وكانت آلهة لآبائكم ، فلو قبلتم قول نوح ~~لاعترفتم على أنفسكم بأنكم كنتم جاهلين ضالين كافرين ، وعلى آبائكم بأنهم ~~كانوا كذلك ، ولما كان اعتراف الإنسان على نفسه ، وعلى جميع أسلافه بالقصور ~~والنقص والجهل شاقا شديدا ، صارت الإشارة إلى هذه المعاني بلفظ { ءالهتكم } ~~صارفا لهم عن الدين ، فلأجل اشتمال هذا الكلام على هذه الحيلة الخفية سمى ~~الله كلامهم { مكرا } الثاني : أنه تعالى حكى عن أولئك المتبوعين أنهم كان ~~لهم مال وولد ، فلعلهم قالوا لأتباعهم : إن آلهتكم خير من إله نوح ، لأن ~~آلهتكم يعطونكم المال والولد ، وإله نوح لا يعطيه شيئا لأنه فقير ، فبهذا ~~المكر صرفوهم عن طاعة نوح ، وهذا مثل مكر فرعون إذ قال : { أليس لى ملك مصر ~~} ( الزخرف : 51 ) وقال : { أم أنا خير من هاذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين ~~* فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب } ( الزخرف : 52 / 53 ) . # / المسألة الخامسة : ذكر أبو زيد البلخي في كتابه في الرد على عبدة ~~الأصنام أن العلم بأن هذه الخشبة PageV30P126 المنحوتة في هذه ms9220 الساعة ليست ~~خالقة للسموات والأرض ، والنبات والحيوان علم ضروري ، والعلوم الضرورية لا ~~يجوز وقوع الاختلاف فيها بين العقلاء ، وعبادة الأوثان دين كان موجودا قبل ~~مجيء نوح عليه السلام بدلالة هذه الآية ، وقد استمر ذلك الدين إلى هذا ~~الزمان ، وأكثر سكان أطراف المعمورة على هذا الدين ، فوجب حمل هذا الدين ~~على وجه لا يعرف فساده بضرورة العقل ، وإلا لما بقي هذه المدة المتطاولة في ~~أكثر أطراف العالم ، فإذا لا بد وأن يكون للذاهبين إلى ذلك المذهب تأويلات ~~أحدها : قال أبو معشر جعفر بن محمد المنجم : هذه المقالة إنما تولدت من ~~مذهب القائلين بأن الله جسم وفي مكان ، وذلك لأنهم قالوا : إن الله نور هو ~~أعظم الأنوار ، والملائكة الذين هم حافون حول العرش الذي هو مكانه ، هم ~~أنوار صغيرة بالنسبة إلى ذلك النور الأعظم ، فالذين اعتقدوا هذا المذهب ~~اتخذوا صنما هو أعظم الأصنام على صورة إلههم الذي اعتقدوه / واتخذوا أصناما ~~متفاوتة ، بالكبر والصغر والشرف والخسة على صورة الملائكة المقربين ، ~~واشتغلوا بعبادة تلك الأصنام على اعتقاد أنهم يعبدون الإله والملائكة ، ~~فدين عبادة الأوثان إنما ظهر من اعتقاد التجسيم الوجه الثاني : وهو أن ~~جماعة الصابئة كانوا يعتقدون أن الإله الأعظم خلق هذه الكواكب الثابتة ~~والسيارة ، وفوض تدبير هذا العالم السفلي إليها ، فالبشر عبيد هذه الكواكب ~~، والكواكب عبيد الإله الأعظم ، فالبشر يجب عليهم عبادة الكواكب ، ثم إن ~~هذه الكواكب كانت تطلع مرة وتغيب أخرى ، فاتخذوا أصناما على صورها واشتغلوا ~~بعبادتها ، وغرضهم عبادة الكواكب الوجه الثالث : أن القوم الذين كانوا في ~~قديم الدهر ، كانوا منجمين على مذهب أصحاب الأحكام ، في إضافات سعادات هذا ~~العالم ونحوساتها إلى الكواكب ، فإذا اتفق في الفلك شكل عجيب صالح لطلسم ~~عجيب ، فكانوا يتخذون ذلك الطلسم ، وكان يظهر منه أحوال عجيبة وآثار عظيمة ~~، وكانوا يعظمون ذلك الطلسم ويكرمونه ويشتغلون بعبادته ، وكانوا يتخذون كل ~~طلسم على شكل موافق لكوكب خاص ولبرج خاص ، فقيل : كان ود على صورة رجل ، ~~وسواع على صورة امرأة ، ويغوث على صورة أسد ، ويعوق على صورة فرس ، ونسر ~~على صورة ms9221 نسر الوجه الرابع : أنه كان يموت أقوام صالحون فكانوا يتخذون ~~تماثيل على صورهم ويشتغلون بتعظيمها ، وغرضهم تعظيم أولئك الأقوام الذين ~~ماتوا حتى يكونوا شافعين لهم عند الله وهو المراد من قولهم : { ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى } ( الزمر : 3 ) الوجه الخامس : أنه ربما مات ~~ملك عظيم ، أو شخص عظيم ، فكانوا يتخذون تمثالا على صورته وينظرون إليه ، ~~فالذين جاؤا بعد ذلك ظنوا أن آباءهم كانوا يعبدونها فاشتغلوا بعبادتها ~~لتقليد الآباء ، أو لعل هذه الأسماء الخمسة وهي : ود ، وسواع ، ويغوث ، ~~ويعوق ، ونسر ، أسماء خمسة من أولاد آدم ، فلما ماتوا قال إبليس لمن بعدهم ~~: لو صورتم صورهم ، فكنتم تنظرون إليهم ، ففعلوا فلما مات أولئك / قال لمن ~~بعدهم : إنهم كانوا يعبدونهم فعبدوهم ، ولهذا السبب نهى الرسول عليه السلام ~~عن زيارة القبور أولا ، ثم أذن فيها على ما يروى أنه عليه السلام قال : كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها تذكرة السادس : الذين ~~يقولون إنه تعالى جسم ، وإنه يجوز عليه الانتقال والحلول ، لا يستبعدون أن ~~يحل تعالى في شخص إنسان ، أو في شخص صنم ، فإذا أحسوا من ذلك الصنم المتخذ ~~على وجه الطلسم حالة عجيبة ، خطر ببالهم أن الإله حصل في ذلك الصنم ولذلك ~~فإن جمعا من قدماء الروافض لما رأوا أن عليا عليه السلام قلع باب خيبر ، ~~وكان ذلك على خلاف المعتاد قالوا : إن الإله حل في بدنه وإنه هو الإله ~~الوجه السابع : لعلهم اتخذوا تلك الأصنام كالمحراب ومقصودهم بالعبادة هو ~~الله ، فهذا PageV30P127 جملة ما في هذا الباب ، وبعضها باطلة بدليل العقل ~~، فإنه لما ثبت أنه تعالى ليس بجسم بطل اتخاذ الصنم على صورة الإله ، وبطل ~~القول أيضا بالحلول والنزول ، ولما ثبت أنه تعالى هو القادر على كل ~~المقدورات ، بطل القول بالوسايط والطلسمات ، ولما جاء الشرع بالمنع من ~~اتخاذ الصنم ، بطل القول باتخاذها محاريب وشفعاء . # المسألة السادسة : هذه الأصنام الخمسة كانت أكبر أصنامهم ، ثم إنها ~~انتقلت عن قوم نوح إلى العرب ، فكان ود لكلب ، وسواع لهمدان ، ويغوث لمذحج ~~، ويعوق لمراد ms9222 ، ونسر لحمير ولذلك سمت العرب بعبد ود ، وعبد يغوث ، هكذا ~~قيل في الكتب ، وفيه إشكال لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان ، فكيف بقيت ~~تلك الأصنام ، وكيف انتقلت إلى العرب ، ولا يمكن أن يقال : إن نوحا عليه ~~السلام وضعها في السفينة وأمسكها لأنه عليه السلام إنما جاء لنفيها وكسرها ~~فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعيا منه في حفظها . # المسألة السابعة : قرىء : { لا تذرن * ودا } بفتح الواو وبضم الواو ، قال ~~الليث : ود بفتح الواو صنم كان لقوم نوح ، ود بالضم صنم لقريش ، وبه سمي ~~عمرو بن عبد ود ، وأقول : على قول الليث وجب أن لا يجوز ههنا قراءة ود ~~بالضم لأن هذه الآيات في قصة نوح لا في أحوال قريش وقرأ الأعمش : { ولا } ~~بالصرف وهذه قراءة مشكلة لأنهما إن كانا عربيين أو عجميين ففيهما سببا منع ~~الصرف ، إما التعريف ووزن الفعل ، وإما التعريف والعجمة ، فلعله صرفهما ~~لأجل أنه وجد أخواتهما منصرفة ودا وسواعا ونسرا . # واعلم أن نوحا لما حكى عنهم أنهم قالوا لأتباعهم : { كبارا وقالوا لا ~~تذرن ءالهتكم } قال : { وقد أضلوا كثيرا } فيه وجهان : الأول : أولئك ~~الرؤساء قد أضلوا كثيرا قبل هؤلاء الموصين ( بأن يتمسكوا ) بعبادة الأصنام ~~وليس هذا أول مرة اشتغلوا بالإضلال الثاني : يجوز أن يكون الضمير عائدا إلى ~~الأصنام ، كقوله : { إنهن أضللن كثيرا من الناس } ( إبراهيم : 36 ) وأجرى ~~الأصنام على هذا القول مجرى الآدميين كقوله : { ألهم أرجل } ، وأما قوله ~~تعالى : { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } ففيه سؤالان : # الأول : كيف موقع قوله : { ولا تزد الظالمين } ؟ الجواب : كأن نوحا عليه ~~السلام لما / أطنب في تعديد أفعالهم المنكرة وأقوالهم القبيحة امتلأ قلبه ~~غيظا وغضبا عليهم فختم كلامه بأن دعا عليهم . # السؤال الثاني : إنما بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق به أن يدعو الله ~~في أن يزيد في ضلالهم ؟ الجواب : من وجهين : الأول : لعله ليس المراد ~~الضلال في أمر الدين ، بل الضلال في أمر دنياهم ، وفي ترويج مكرهم وحيلهم ~~الثاني : الضلال العذاب لقوله : { إن المجرمين فى ضلال وسعر } ( القمر : 47 ms9223 ~~) . # ! 7 < { مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله ~~أنصارا } . > 7 ! # < < # | نوح : ( 25 ) مما خطيئاتهم أغرقوا . . . . . # > > ثم إنه تعالى لما حكى كلام نوح عليه السلام قال بعده : { مما * ~~خطاياهم * أغرقوا فأدخلوا نارا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ( ما ) صلة كقوله : { فبما نقضهم } ( النساء : 155 ) { ~~فبما رحمة } ( النساء : 159 ) والمعنى من خطاياهم أي من أجلها وبسببها ، ~~وقرأ ابن مسعود : { من } فأخر كلمة ما ، وعلى هذه القراءة لا تكون ما صلة ~~زائدة لأن ما مع ما بعده في تقرير المصدر . PageV30P128 # واعلم أن تقديم قوله : { مما * خطاياهم } لبيان أنه لم يكن إغراقهم ~~بالطوفان ( فإدخالهم النار ) إلا من أجل خطيآتهم ، فمن قال من المنجمين : ~~إن ذلك إنما كان بسبب أنه انقضى في ذلك الوقت نصف الدور الأعظم ، وما يجري ~~مجرى هذه الكلمات كان مكذبا لصريح هذه الآية فيجب تكفيره . # المسألة الثانية : قرىء { خطيئاتهم } بالهمزة وخطياتهم بقلبها ياء ~~وإدغامها و { خطاياهم } و { خطيئاتهم } بالتوحيد على إرادة الجنس ، ويجوز ~~أن يراد به الكفر . واعلم أن الخطايا والخطيئآت كلاهما جمع خطيئة ، إلا أن ~~الأول جمع تكسير والثاني جمع سلامة ، وقد تقدم الكلام فيها في ( البقرة : ~~58 ) عند قوله : { نغفر لكم خطاياكم } وفي ( الأعراف : 161 ) عند قوله : { ~~خطيئاتكم } . # المسألة الثالثة : تمسك أصحابنا في إثبات عذاب القبر بقوله : { أغرقوا ~~فأدخلوا نارا } وذلك من وجهين الأول : أن الفاء في قوله : { فأدخلوا نارا } ~~تدل على أنه حصلت تلك الحالة عقيب الإغراق فلا يمكن حملها على عذاب الآخرة ~~، وإلا بطلت دلالة هذه الفاء الثاني : أنه قال : { فادخلوا } على سبيل ~~الإخبار عن الماضي . وهذا إنما يصدق لو وقع ذلك ، قال مقاتل والكلبي : ~~معناه أنهم سيدخلون في الآخرة نارا ثم عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لصحة ~~كونه وصدق الوعد به كقوله : { ونادى أصحاب النار } ( الأعراف : 50 ) { ~~ونادى أصحاب الجنة } ( الأعراف : 44 ) واعلم أن الذي قالوه ترك للظاهر من ~~غير دليل . فإن قيل : إنما تركنا هذا الظاهر لدليل ، وهو أن من مات في ~~الماء فإنا نشاهده هناك فكيف يمكن أن يقال : إنهم في ms9224 تلك الساعة أدخلوا ~~نارا ؟ والجواب : هذا الإشكال إنما جاء لاعتقاد أن الإنسان هو مجموع هذا ~~الهيكل ، وهذا خطأ لما بينا أن هذا الإنسان هو الذي كان موجودا من أول عمره ~~، مع أنه كان صغير الجثة في أول عمره ، ثم إن أجزاءه دائما في التحلل ~~والذوبان ، ومعلوم أن الباقي غير / المتبدل ، فهذا الإنسان عبارة عن ذلك ~~الشيء الذي هو باق من أول عمره إلى الآن ، فلم لا يجوز أن يقال : إنه وإن ~~بقيت هذه الجثة في الماء إلا أن الله تعالى نقل تلك الأجزاء الأصلية ~~الباقية التي كان الإنسان المعين عبارة عنها إلى النار والعذاب . # ثم قال تعالى : { فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } وهذا تعريض بأنهم ~~إنما واظبوا على عبادة تلك الأصنام لتكون دافعة للآفات عنهم جالبة للمنافع ~~إليهم ، فلما جاءهم عذاب الله لم ينتفعوا بتلك الأصنام ، وما قدرت تلك ~~الأصنام على دفع عذاب الله عنهم ، وهو كقوله : { أم لهم الهة تمنعهم من ~~دوننا } واعلم أن هذه الآية حجة على كل من عول على شيء غير الله تعالى . # ! 7 < { وقال نوح رب لا تذر على الا رض من الكافرين ديارا } . > 7 ! # < < # | نوح : ( 26 ) وقال نوح رب . . . . . # > > قال المبرد : { ديارا } لا تستعمل إلا في النفي العام ، يقال : ما ~~بالدار ديار ولا تستعمل في جانب الإثبات ، قال أهل العربية : هو فيعال من ~~الدور ، PageV30P129 وأصله ديوار فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى ~~، قال الفراء والزجاج : وقال ابن قتيبة : ما بها ديار أي نازل دار . ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } . > 7 ! # < < # | نوح : ( 27 ) إنك إن تذرهم . . . . . # > > فإن قيل : كيف عرف نوح عليه السلام ذلك ؟ قلنا : للنص والاستقراء ، ~~أما النص فقوله تعالى : { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا } وأما ~~الاستقراء فهو أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فعرف طباعهم وجربهم ، ~~وكان الرجل منهم ينطلق بابنه إليه ويقول : احذر هذا فإنه كذاب ، وإن أبي ~~أوصاني بمثل هذه الوصية ، فيموت الكبير ms9225 وينشأ الصغير على ذلك ، وقوله : { ~~ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا } فيه وجهان : أحدهما : أنهم يكونون في علمك ~~كذلك والثاني : أنهم سيصيرون كذلك . # ! 7 < { رب اغفر لى ولوالدى ولمن دخل بيتى مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا ~~تزد الظالمين إلا تبارا } . > 7 ! # < < # | نوح : ( 28 ) رب اغفر لي . . . . . # > > واعلم أنه عليه السلام لما دعا على الكفار قال بعده : { رب اغفر لى } ~~أي فيما صدر عني من ترك الأفضل ، ويحتمل أنه حين دعا على الكفار إنما دعا ~~عليهم بسبب تأذيه منهم ، فكان ذلك الدعاء عليهم كالانتقام فاستغفر عن ذلك ~~لما فيه من طلب حظ النفس . # ثم قال : { ولوالدى } أبوه لمك بن متوشلخ وأمه شمخاء بنت أنوش وكانا ~~مؤمنين ، وقال عطاء : لم يكن بين نوح وآدم عليهما السلام من آبائه كافر ، ~~وكان بينه وبين آدم عشرة آباء . وقرأ الحسن بن علي ( ولولدي ) يريد ساما ~~وحاما . # / ثم قال تعالى : { ولم * دخل بيتى مؤمنا } قيل : مسجدي ، وقيل : سفينتي ~~، وقيل : لمن دخل في ديني ، فإن قيل : فعلى هذا التفسير يصير قوله : { ~~مؤمنا } مكررا ، قلنا : إن من دخل في دينه ظاهرا قد يكون مؤمنا بقلبه وقد ~~لا يكون ، والمعنى ولمن دخل في ديني دخولا مع تصديق القلب . # ثم قال تعالى : { وللمؤمنين والمؤمنات } إنما خص نفسه أولا بالدعاء ثم ~~المتصلين به لأنهم أولى وأحق بدعائه ثم عم المؤمنين والمؤمنات . # ثم ختم الكلام مرة أخرى بالدعاء على الكافرين فقال : { ولا تزد الظالمين ~~إلا تبارا } أي هلاكا ودمارا وكل شيء أهلك فقد تبر ومنه قوله : { إن هؤلاء ~~متبر ما هم فيه } وقوله : { وليتبروا ما علوا تتبيرا } فاستجاب الله دعاءه ~~فأهلكهم بالكلية ، فإن قيل : ما جرم الصبيان حين أغرقوا ؟ والجواب من وجوه ~~الأول : أن الله تعالى أيبس أصلاب آبائهم وأعقم أرحام نسائهم قبل الطوفان ~~بأربعين سنة أو ( تسعين ) فلم يكن معهم صبي حين أغرقوا ، ويدل عليه قوله : ~~{ استغفروا ربكم } إلى قوله { ويمددكم بأموال وبنين } ( نوح : 10 12 ) وهذا ~~يدل بحسب المفهوم على أنهم إذا لم يستغفروا فإنه تعالى لا يمددهم بالبنين ~~الثاني : قال الحسن ms9226 : علم الله براءة الصبيان فأهلكهم بغير عذاب الثالث : ~~غرقوا معهم لا على وجه العقاب بل كما يموتون بالغرق والحرق وكان ذلك زيادة ~~في عذاب الآباء والأمهات إذا أبصروا أطفالهم يغرقون والله سبحانه وتعالى ~~أعلم والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد النبي وآله ~~وصحبه أجمعين . # PageV30P130 < # > 1 ( سورة الجن ) 1 < # > # وهي عشرون وثمان آيات مكية # ! 7 < { قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا ~~* يهدىإلى الرشد فأامنا به ولن نشرك بربنآ أحدا } . > 7 @QB@ < # | الجن : ( 1 - 2 ) قل أوحي إلي . . . . . # > > # / { قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلف الناس قديما وحديثا في ثبوت الجن ونفيه ، فالنقل ~~الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكاره ، وذلك لأن أبا علي بن سينا قال في رسالته ~~في حدود الأشياء الجن حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة ، ثم قال : وهذا شرح ~~للاسم . فقوله : وهذا شرح للاسم يدل على أن هذا الحد شرح للمراد من هذا ~~اللفظ وليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج ، وأما جمهور أرباب الملل ~~والمصدقين للأنبياء فقد اعترفوا بوجود الجن ، واعترف به جمع عظيم من قدماء ~~الفلاسفة وأصحاب الروحانيات ويسمونها بالأرواح السفلية ، وزعموا أن الأرواح ~~السفلية أسرع إجابة إلا أنها أضعف ، وأما الأرواح الفلكية فهي أبطأ إجابة ~~إلا أنها أقوى . واختلف المثبتون على قولين : فمنهم من زعم أنها ليست ~~أجساما ولا حالة في الأجسام بل هي جواهر قائمة بأنفسها ، قالوا : ولا يلزم ~~من هذا أن يقال : إنها تكون مساوية لذات الله لأن كونها ليست أجساما ولا ~~جسمانية سلوب والمشاركة في السلوب لا تقتضي المساواة في الماهية ، قالوا : ~~ثم إن هذه الذوات بعد اشتراكها في هذا السلب أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ~~ماهيات الأعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل فبعضها خيرة ، وبعضها ~~شريرة ، وبعضها كريمة محبة للخيرات ، وبعضها دنيئة خسيسة محبة للشرور ~~والآفات ، ولا يعرف عدد أنواعهم وأصنافهم إلا الله ، قالوا : وكونها ~~موجودات مجردة لا يمنع من كونها عالمة بالخبريات قادرة على الأفعال ، فهذه ~~الأرواح يمكنها أن ms9227 تسمع وتبصر وتعلم الأحوال الخبرية وتفعل الأفعال ~~المخصوصة ، ولما ذكرنا أن ماهياتها مختلفة لا جرم لم يبعد أن يكون في ~~أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة تعجز عنها قدر البشر ، ولا يبعد أيضا ~~أن يكون لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم ، وكما أنه دلت ~~الدلائل الطبية على أن المتعلق الأول للنفس الناطقة التي ليس الإنسان إلا ~~هي ، هي الأرواح وهي أجسام PageV30P131 بخارية لطيفة / تتولد من ألطف أجزاء ~~الدم وتتكون في الجانب الأيسر من القلب ثم بواسطة تعلق النفس بهذه الأرواح ~~تصير متعلقة بالأعضاء التي تسري فيها هذه الأرواح لم يبعد أيضا أن يكون لكل ~~واحد من هؤلاء الجن تعلق بجزء من أجزاء الهواء ، فيكون ذلك الجزء من الهواء ~~هو المتعلق الأول لذلك الروح ثم بواسطة سيران ذلك الهواء في جسم آخر كثيف ~~يحصل لتلك الأرواح تعلق وتصرف في تلك الأجسام الكثيفة ، ومن الناس من ذكر ~~في الجن طريقة أخرى فقال : هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت ~~أبدانها وازدادت قوة وكمالا بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف ~~الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس ~~المفارقة من البدن ، فسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما ~~لهذا البدن ، وتصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في ~~أفعالها وتدبيرها لذلك البدن ، فإن الجنسية علة الضم ، فإن اتفقت هذه ~~الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكا وتلك الإعانة إلهاما ، وإن ~~اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطانا وتلك الإعانة وسوسة . # والقول الثاني : في الجن أنهم أجسام ثم القائلون بهذا المذهب اختلفوا على ~~قولين ، منهم من زعم أن الأجسام مختلفة في ماهياتها ، إنما المشترك بينها ~~صفة واحدة / وهي كونها بأسرها حاصلة في الحيز والمكان والجهة وكونها موصوفة ~~بالطول والعرض والعمق ، وهذه كلها إشارة إلى الصفات ، والاشتراك في الصفات ~~لا يقتضي الإشتراك في تمام الماهية لما ثبت أن الأشياء المختلفة في تمام ~~الماهية لا يمتنع اشتراكها في لازم ms9228 واحد . قالوا : وليس لأحد أن يحتج على ~~تماثل الأجسام بأن يقال : الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد ، وحقيقة واحدة ~~، فيلزم أن لا يحصل التفاوت في ماهية الجسم من حيث هو جسم ، بل إن حصل ~~التفاوت حصل في مفهوم زائد على ذلك ، وأيضا فلأنه يمكننا تقسيم الجسم إلى ~~اللطيف والكثيف ، والعلوي والسفلي ، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام ، ~~فالأقسام كلها مشتركة في الجسمية والتفاوت ، إنما يحصل بهذه الصفات ، وهي ~~اللطافة والكثافة ، وكونها علوية وسفلية قالوا : وهاتان الحجتان ضعيفتان . # أما الحجة الأولى : فلأنا نقول ، كما أن الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد ~~، وحقيقة واحدة ، فكذا العرض من حيث إنه عرض له حد واحد ، وحقيقة واحدة ~~فيلزم منه أن تكون الأعراض كلها متساوية في تمام الماهية ، وهذا مما لا ~~يقوله عاقل ، بل الحق عند الفلاسفة أنه ليس للأعراض ألبتة قدر مشترك بينها ~~من الذاتيات ، إذا لو حصل بينها قدر مشترك ، لكان ذلك المشترك جنسا لها ، ~~ولو كان كذلك لما كانت التسعة أجناسا عالية بل كانت أنواع جنس واحد إذا ثبت ~~هذا فنقول : الأعراض من حيث إنها أعراض لها حقيقة واحدة ، ولم يلزم من ذلك ~~أن يكون بينها ذاتي مشترك أصلا ، فضلا عن أن تكون متساوية في تمام الماهية ~~، فلم لا يجوز أن يكون الحال في الجسم كذلك ، فإنه كما أن الأعراض مختلفة ~~في تمام الماهية ، ثم إن تلك المختلفات متساوية في / وصف عارض وهو كونها ~~عارضة لموضوعاتها ، فكذا من الجائز أن تكون ماهيات الأجسام مختلفة في تمام ~~ماهياتها ثم إنها تكون متساوية في وصف عارض ، وهو كونها مشارا إليها بالحس ~~وحاصلة في الحيز والمكان ، وموصوفة بالأبعاد الثلاثة ، فهذا الاحتمال لا ~~دافع له أصلا . # وأما الحجة الثانية : وهي قولهم : إنه يمكن تقسيم الجسم إلى اللطيف ~~والكثيف فهي أيضا منقوضة بالعرض فإنه يمكن تقسيم العرض إلى الكيف والكم ولم ~~يلزم أن يكون هناك قدر مشترك من الذاتي فضلا PageV30P132 عن التساوي في كل ~~الذاتيات فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا أيضا كذلك ms9229 إذا ثبت أنه لا امتناع ~~في كون الأجسام مختلفة ولم يدل دليل على بطلان هذا الاحتمال ، فحينئذ قالوا ~~: لا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع ~~الهواء في الماهية ثم تكون تلك الماهية تقتضي لذاتها علما مخصوصا وقدرة ~~مخصوصة على أفعال عجيبة ، وعلى هذا التقدير يكون القول بالجن ظاهر الاحتمال ~~وتكون قدرتها على التشكل بالأشكال المختلفة ظاهرة الاحتمال . # القول الثاني : قول من قال : الأجسام متساوية في تمام الماهية ، ~~والقائلون بهذا المذهب أيضا فرقتان . # الفرقة الأولى : زعموا أن البنية ليست شرطا للحياة وهذا قول الأشعري ~~وجمهور أتباعه وأدلتهم في هذا الباب ظاهرة قوية ، قالوا : ولو كانت البنية ~~شرطا للحياة لكان إما أن يقال : إن الحياة الواحدة قامت بمجموع الأجزاء أو ~~يقال : قام بكل واحد من الأجزاء حياة على حدة ، والأول محال لأن حلول العرض ~~الواحد في المحال الكثيرة دفعة واحدة غير معقول ، والثاني أيضا باطل لأن ~~الأجزاء التي منها تألف الجسم متساوية والحياة القائمة بكل واحد منها ~~مساوية للحياة القائمة بالجزء الآخر وحكم الشيء حكم مثله ، فلو افتقر قيام ~~الحياة بهذا الجزء إلى قيام تلك الحياة بذلك الجزء لحصل هذا الافتقار من ~~الجانب الآخر فيلزم وقوع الدور وهو محال ، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ ~~ثبت أن قيام الحياة بهذا الجزء لا يتوقف على قيام الحياة الثانية بذلك ~~الجزء الثاني / وإذا بطل هذا التوقف ثبت أنه يصح كون الجزء الواحد موصوفا ~~بالحياة والعلم والقدرة والإرادة وبطل القول بأن البنية شرط ، قالوا : وأما ~~دليل المعتزلة وهو أنه لا بد من البنية فليس إلا الاستقراء وهو أنا رأينا ~~أنه متى فسدت البنية بطلت الحياة ومتى لم تفسد بقيت الحياة فوجب توقف ~~الحياة على حصول البنية ، إلا أن هذا ركيك ، فإن الاستقراء لا يفيد القطع ~~بالوجوب ، فما الدليل على أن حال من لم يشاهد كحال ما شوهد ، وأيضا فلأن ~~هذا الكلام إنما يستقيم على قول من ينكر خرق العادات ، أما من يجوزها فهذا ~~لا يتمشى على مذهبه والفرق بينهما في ms9230 جعل بعضها على سبيل العادة وجعل بعضها ~~على سبيل الوجوب تحكم محض لا سبيل إليه ، فثبت أن البنية ليست شرطا في ~~الحياة ، وإذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علما ~~بأمور كثيرة وقدرة / على أشياء شاقة شديدة ، وعند هذا ظهر القول بإمكان ~~وجود الجن ، سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة ، وسواء كانت أجزاؤهم كبيرة ~~أو صغيرة . # القول الثاني : أن البنية شرط الحياة وأنه لا بد من صلابة في البنية حتى ~~يكون قادرا على الأفعال الشاقة فههنا مسألة أخرى ، وهي أنه هل يمكن أن يكون ~~المرئي حاضرا والموانع مرتفعة والشرائط من القرب والبعد حاصلة ، وتكون ~~الحاسة سليمة ، ثم مع هذا لا يحصل الإدراك أو يكون هذا ممتنعا عقلا ؟ أما ~~الأشعري وأتباعه فقد جوزوه ، وأما المعتزلة فقد حكموا بامتناعه عقلا ، ~~والأشعري احتج على قوله بوجوه عقلية ونقلية ، أما العقلية فأمران : الأول : ~~أنا نرى الكبير من البعد صغيرا وما ذاك إلا أنا نرى بعض أجزاء ذلك البعيد ~~دون البعض مع أن نسبة الحاسة وجميع الشرائط إلى تلك الأجزاء المرئية كهي ~~بالنسبة إلى الأجزاء التي هي غير مرئية فعلمنا أن مع حصول سلامة الحاسة ~~وحضور المرئي وحصول الشرائط وانتفاء الموانع لا يكون الإدراك واجبا الثاني ~~: أن الجسم الكبير لا معنى له إلا مجموع تلك الأجزاء المتألفة ، فإذا رأينا ~~ذلك الجسم الكبير على مقدار من البعد فقد رأينا تلك الأجزاء ، فإما أن تكون ~~رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية ذلك الجزء الآخر PageV30P133 أو لا تكون ، فإن ~~كان الأول يلزم الدور لأن الأجزاء متساوية فلو افتقرت رؤية هذا الجزء إلى ~~رؤية ذلك الجزء لافتقرت أيضا رؤية ذلك الجزء إلى رؤية هذا الجزء فيقع الدور ~~، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ رؤية الجوهر الفرد على ذلك القدر من ~~المسافة تكون ممكنة ، ثم من المعلوم أن ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من ~~غير أن ينضم إليه سائر الجواهر فإنه لا يرى ، فعلمنا أن حصول الرؤية عند ~~اجتماع الشرائط لا يكون واجبا بل جائزا ms9231 ، وأما المعتزلة فقد عولوا على أنا ~~لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بحضرتنا طبلات وبوقات ولا نراها ولا نسمعها ~~فإذا عارضناهم بسائر الأمور العادية وقلنا لهم : فجوزوا أن يقال انقلبت ~~مياه البحار ذهب وفضة ، والجبال ياقوتا وزبرجدا ، أو حصلت في السماء حال ما ~~غمضت العين ألف شمس وقمر ، ثم كما فتحت العين أعدمها الله عجزوا عن الفرق ، ~~والسبب في هذا التشوش أن هؤلاء المعتزلة نظروا إلى هذه الأمور المطردة في ~~مناهج العادات ، فوهموا أن بعضها واجبة ، وبعضها غير واجبة ، ولم يجدوا ~~قانونا مستقيما ، ومأخذا سليما في الفرق بين البابين ، فتشوش الأمر عليهم ، ~~بل الواجب أن يسوى بين الكل ، فيحكم على الكل بالوجوب ، كما هو قول ~~الفلاسفة ، أو على الكل بعدم الوجوب كما هو قول الأشعري . فأما التحكم في ~~الفرق فهو بعيد ، إذا ثبت هذا ظهر جواز القول بالجن ، فإن أجسامهم وإن كانت ~~كثيفة قوية إلا أنه يمتنع أن لا تراها ، وإن كانوا حاضرين هذا على قول ~~الأشعري فهذا هو تفصيل هذه الوجوه ، وأنا متعجب من هؤلاء المعتزلة أنهم كيف ~~يصدقون ما جاء في القرآن من إثبات الملك والجن مع استمرارهم على مذاهبهم / ~~وذلك لأن القرآن دل على أن للملائكة قوة عظيمة على الأفعال الشاقة ، والجن ~~أيضا كذلك ، وهذه القدرة لا تثبت إلا في الأعضاء الكثيفة الصلبة ، / فإذا ~~يجب في الملك والجن أن يكون كذلك ، ثم إن هؤلاء الملائكة حاضرون عندنا أبدا ~~، وهم الكرام الكاتبون والحفظة ، ويحضرون أيضا عند قبض الأرواح ، وقد كانوا ~~يحضرون عند الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن أحدا من القوم ما كان يراهم ، ~~وكذلك الناس الجالسون عند من يكون في النزع لا يرون أحدا ، فإن وجبت رؤية ~~الكثيف عند الحضور فلم لا نراها وإن لم تجب الرؤية فقد بطل مذهبهم ، وإن ~~كانوا موصفون بالقوة والشدة مع عدم الكثافة والصلابة فقد بطل قولهم : إن ~~البنية شرط الحياة ، وإن قالوا : إنها أجسام لطيفة وحية ، ولكنها للطافتها ~~لا تقدر على الأعمال الشاقة ، فهذا إنكار لصريح القرآن ، وبالجملة فحالهم ~~في الإقرار ms9232 بالملك والجن مع هذه المذاهب عجيب ، وليتهم ذكروا على صحة ~~مذاهبهم شبهة مخيلة فضلا عن حجة مبينة ، فهذا هو التنبيه على ما في هذا ~~الباب من الدقائق والمشكلات ، وبالله التوفيق . # المسألة الثانية : اختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام هل رأى ~~الجن أم لا ؟ . # فالقول الأول : وهو مذهب ابن عباس أنه عليه السلام ما رآهم ، قال : إن ~~الجن كانوا يقصدون السماء في الفترة بين عيسى ومحمد فيستمعون أخبار السماء ~~ويلقونها إلى الكهنة فلما بعث الله محمدا عليه السلام حرست السماء ، وحيل ~~بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت الشهب عليهم فرجعوا إلى إبليس وأخبروه ~~بالقصة فقال : لا بد لهذا من سبب فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها واطلبوا ~~السبب فوصل جمع من أولئك الطالبين إلى تهامة فرأوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا ~~له وقالوا هذا والله هو الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهناك رجعوا إلى ~~قومهم وقالوا يا قومنا { قل أوحى إلى أنه } PageV30P134 فأخبر الله تعالى ~~محمدا عليه السلام عن ذلك الغيب وقال : { قل أوحى * إلى } كذا وكذا ، قال ~~وفي هذا دليل على أنه عليه السلام لم ير الجن إذ لو رآهم لما أسند معرفة ~~هذه الواقعة إلى الوحي فإن ما عرف وجوده بالمشاهدة لا يسند إثباته إلى ~~الوحي ، فإن قيل : الذين رموا بالشهب هم الشياطين والذين سمعوا القرآن هم ~~الجن فكيف وجه الجمع ؟ قلنا : فيه وجهان الأول : أن الجن كانوا مع الشياطين ~~فلما رمي الشياطين أخذ الجن الذين كانوا معهم في تجسس الخبر الثاني : أن ~~الذين رموا بالشهب كانوا من الجن إلا أنه قيل لهم : شياطين كما قيل : ~~شياطين الجن والإنس فإن الشيطان كل متمرد بعيد عن طاعة الله ، واختلفوا في ~~أن أولئك الجن الذين سمعوا القرآن من هم ؟ فروى عاصم عن ذر قال : قدم رهط ~~زوبعة وأصحابه مكة على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعوا قراءة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم انصرفوا فذلك قوله : { وإذا * صرفنا ms9233 إليك نفرا من الجن } ~~( الأحقاف : 29 ) وقيل : كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عددا وعامة جنود ~~إبليس منهم . # القول الثاني : وهو مذهب ابن مسعود أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمسير إليهم ليقرأ القرآن عليهم ويدعوهم إلى الإسلام ، قال ابن مسعود قال ~~عليه الصلاة والسلام : ( أمرت أن أتلو القرآن على الجن / فمن يذهب معي ؟ ~~فسكتوا ، ثم قال الثانية فسكتوا ، ثم قال الثالثة ، فقال : عبدالله قلت أنا ~~أذهب معك يا رسول الله قال : فانطلق حتى إذا جاء الحجون عند شعب ابن أبي دب ~~، خط علي خطا فقال : لا تجاوزه ، ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال ~~الحجل كأنهم رجال الزط يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفها حتى ~~غشوه / فغاب عن بصري فقمت ، فأومأ إلي بيده أن أجلس ، ثم تلا القرآن ، فلم ~~يزل صوته يرتفع ، ولصقوا بالأرض حتى صرت أسمع صوتهم ولا أراهم . وفي رواية ~~أخرى فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنت ؟ قال : أنا نبي الله ~~، قالوا : فمن يشهد لك على ذلك ؟ قال : هذه الشجرة ، تعالي يا شجرة ، فجاءت ~~تجر عروقها لها قعاقع حتى انصبت بين يديه ، فقال على ماذا تشهدين لي ؟ قالت ~~: أشهد أنك رسول الله ، قال : اذهبي ، فرجعت كما جاءت حتى صارت كما كانت . ~~قال ابن مسعود : فلما عاد إلي ، قال : أردت أن تأتيني ؟ قلت : نعم يا رسول ~~الله قال : ما كان ذلك لك ، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن ، ثم ولوا إلى ~~قومهم منذرين ، فسألوني الزاد فزودتهم العظم والبعر ، فلا يستطيبن أحد بعظم ~~ولا بعر . # واعلم أنه لا سبيل إلى تكذيب الروايات ، وطريق التوفيق بين مذهب ابن عباس ~~، ومذهب ابن مسعود من وجوه أحدها : لعل ما ذكره ابن عباس وقع أولا ، فأوحى ~~الله تعالى إليه بهذه السورة ، ثم أمر بالخروج إليهم بعد ذلك كما روى ابن ~~مسعود وثانيها : أن بتقدير أن تكون واقعة الجن مرة واحدة ، إلا أنه عليه ~~السلام أمر بالذهاب إليهم ، وقراءة القرآن عليهم ، إلا أنه عليه السلام ما ~~عرف أنهم ماذا ms9234 قالوا ، وأي شيء فعلوا ، فالله تعالى أوحى إليه أنه كان كذا ~~وقالوا كذا وثالثها : أن الواقعة كانت مرة واحدة ، وهو عليه السلام رآهم ~~وسمع كلامهم ، وهم آمنوا به ، ثم لما رجعوا إلى قومهم قالوا لقومهم على ~~سبيل الحكاية : { قل أوحى إلى أنه } وكان كذا وكذا ، فأوحى الله إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم ما قالوه لأقوامهم ، وإذا كانت هذه الوجوه محتملة فلا ~~سبيل إلى التكذيب . PageV30P135 # المسألة الثالثة : اعلم أن قوله تعالى : { قل } أمر منه تعالى لرسوله أن ~~يظهر لأصحابه ما أوحى الله في واقعة الجن ، وفيه فوائد إحداها : أن يعرفوا ~~بذلك أنه عليه السلام كما بعث إلى الإنس ، فقد بعث إلى الجن وثانيها : أن ~~يعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن عرفوا إعجازه ، فآمنوا ~~بالرسول وثالثها : أن يعلم القوم أن الجن مكلفون كالإنس ورابعها : أن يعلم ~~أن الجن يستمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا وخامسها : أن يظهر أن المؤمن منهم ~~يدعو غيره من قبيلته إلى الإيمان ، وفي كل هذه الوجوه مصالح كثيرة إذا ~~عرفها الناس . # المسألة الرابعة : الإيحاء إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء كالإلهام ~~وإنزال الملك ويكون ذلك في سرعة من قولهم : الوحي الوحي والقراءة المشهورة ~~، { أوحى } بالألف ، وفي رواية يونس / وهرون ، عن أبي عمرو { وحى } بضم ~~الواو بغير ألف وهما لغتان يقال : وحي إليه وأوحى إليه وقرىء { * أحي } ~~بالهمز من غير واو ، وأصله وحي ، فقلبت الواو همزة كما يقال : أعد وأزن { ~~نسفت وإذا الرسل أقتت } ( المرسلات : 11 ) وقوله تعالى : { أنه استمع نفر ~~من الجن } فيه مسائل : # المسألة الأولى : أجمعوا على أن قوله : { أنه استمع } بالفتح وذلك لأنه ~~نائب فاعل { أوحى } فهو كقوله : { وأوحى إلى * هاذا القرءان } ( الأنعام : ~~19 ) وأجمعوا على كسر إنا في قوله : { إنا سمعنا } لأنه مبتدأ محكي بعد ~~القول ، ثم ههنا قراءتان إحداهما : أن نحمل البواقي على الموضعين اللذين ~~بينا أنهم أجمعوا عليهما فما كان من الوحي فتح ، وما كان من قول الجن كسر ، ~~وكلها من قول الجن إلا الآخرين وهما قوله : { وأن المساجد لله } ( الجن ms9235 : ~~18 ) { وأنه لما قام } ( الجن : 19 ) ، وثانيهما : فتح الكل والتقدير : ~~فآمنا به وآمنا بأنه تعالى جد ربنا وبأنه كان يقول سفيهنا وكذا البواقي ، ~~فإن قيل : ههنا إشكال من وجهين أحدهما : أنه يقبح إضافة الإيمان إلى بعض ~~هذه السورة فإنه يقبح أن يقال : وآمنا بأنه كان يقول : سفيهنا على الله ~~شططا والثاني : وهو أنه لا يعطف على الهاء المخفوضة إلا بإظهار الخافض لا ~~يقال : آمنا به وزيد ، بل يقال : آمنا به وبزيد والجواب : عن الإشكالين أنا ~~إذا حملنا قوله : آمنا على معنى صدقنا وشهدنا زال الإشكالان . # المسألة الثانية : { نفر من الجن } جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة ~~روي أن ذلك النفر كانوا يهودا ، وذكر الحسن أن فيهم يهودا ونصارى ومجوسا ~~ومشركين ، ثم اعلم أن الجن حكوا أشياء : # النوع الأول : مما حكوه قوله تعالى : { فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا * ~~يهدى إلى الرشد فئامنا به ولن نشرك بربنا أحدا } أي قالوا لقومهم حين رجعوا ~~إليهم كقوله : { فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين } ( الأحقاف : 29 ) ، { قل ~~أوحى } أي خارجا عن حد أشكاله ونظائره ، و ( عجبا ) مصدر يوضع موضع العجيب ~~ولا شك أنه أبلغ من العجيب ، { يهدى إلى الرشد } أي إلى الصواب ، وقيل : ~~إلى التوحيد { يهدى إلى } أي بالقرآن ويمكن أن يكون المراد فآمنا بالرشد ~~الذي في القرآن وهو التوحيد { ولن نشرك بربنا أحدا } أي ولن نعود إلى ما ~~كنا PageV30P136 عليه من الإشراك به وهذا يدل على أن أولئك الجن كانوا من ~~المشركين . # النوع الثاني : مما ذكره الجن أنهم كما نفوا عن أنفسهم الشرك نزهوا ربهم ~~عن الصاحبة والولد . فقالوا : # ! 7 < { وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 3 ) وأنه تعالى جد . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في الجد قولان : الأول : الجد في اللغة العظمة يقال : ~~جد فلان أي عظم / ومنه الحديث : ( كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد فينا ) ~~أي جد قدره وعظم ، لأن الصاحبة تتخذ للحاجة إليها والولد للتكثر به ~~والاستئناس ، وهذه من سمات الحدوث وهو سبحانه منزه عن ms9236 كل نقص . # القول الثاني : الجد الغنى ومنه الحديث : ( لا ينفع ذا الجد منك الجد ) ~~قال أبو عبيدة : أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه ، وكذلك الحديث الآخر : ( ~~قمت على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها الفقراء وإذا أصحاب الجد محبوسون ) ~~يعني أصحاب الغنى في الدنيا ، فيكون المعنى وأنه تعالى غنى عن الاحتياج إلى ~~الصاحبة والاستئناس بالولد . # وعندي فيه قول ثالث : وهو أن جد الإنسان أصله الذي منه وجوده فجعل الجد ~~مجازا عن الأصل ، فقوله : { تعالى جد ربنا } معناه تعالى أصل ربنا وأصله ~~حقيقته المخصوصة التي لنفس تلك الحقيقة من حيث إنها هي تكون واجبة الوجود ~~فيصير المعنى أن حقيقته المخصوصة متعالية عن جميع جهات التعلق بالغير لأن ~~الواجب لذاته يجب أن يكون واجب الوجود من جميع جهاته ، وما كان كذلك استحال ~~أن يكون له صاحبة وولد . # المسألة الثانية : قرىء { يقول ربنا } بالنصب على التمييز و { جد ربنا } ~~بالكسر أي صدق ربوبيته وحق إلهيته عن اتخاذ الصاحبة والولد ، وكأن هؤلاء ~~الجن لما سمعوا القرآن تنبهوا لفساد ما عليه كفرة الجن فرجعوا أولا عن ~~الشرك وثانيا عن دين النصارى . # النوع الثالث : مما ذكره الجن قوله تعالى : # ! 7 < { وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 4 ) وأنه كان يقول . . . . . # > > السفه خفة العقل والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره ومنه أشط في ~~السوم إذا أبعد فيه أي يقول قولا هو في نفسه شطط لفرط ما أشط فيه . # واعلم أنه لما كان الشطط هو مجاوزة الحد ، وليس في اللفظ ما يدل على أن ~~المراد مجاوزة الحد في جانب النفي أو في جانب الإثبات ، فحينئذ ظهر أن كلا ~~الأمرين مذموم فمجاوزة الحد في النفي تفضي إلى التعطيل ومجاوزة الحد في ~~الإثبات تفضي إلى التشبيه ، وإثبات الشريك والصاحبة والولد وكلا الأمرين ~~شطط ومذموم . # النوع الرابع : قوله تعالى : # ! 7 < { وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 5 ) وأنا ظننا أن . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : معنى الآية أنا إنما أخذنا قول الغير ms9237 لأنا ظننا أنه لا ~~يقال : الكذب على الله ، فلما PageV30P137 سمعنا القرآن علمنا أنهم قد ~~يكذبون ، وهذا منهم إقرار بأنهم إنما وقعوا في تلك الجهالات / بسبب التقليد ~~، وأنهم إنما تخلصوا عن تلك الظلمات ببركة الاستدلال والاحتجاج . # المسألة الثانية : قوله : { كذبا } بم نصب ؟ فيه وجوه أحدها : أنه وصف ~~مصدر محذوف والتقدير أن لن تقول الإنس والجن على الله قولا كذبا وثانيها : ~~أنه نصب نصب المصدر لأن الكذب نوع من القول وثالثها : أن من قرأ : { أن لن ~~تقول } وضع { كذبا } موضع تقولا ، ولم يجعله صفة ، لأن التقول لا يكون إلا ~~كذبا . # النوع الخامس : قوله تعالى : # ! 7 < { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا } . > ~~7 ! # { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } < < # | الجن : ( 6 ) وأنه كان رجال . . . . . # > > فيه قولان : الأول : وهو قول جمهور المفسرين أن الرجل في الجاهلية ~~إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال : أعوذ بسيد هذا الوادي أو بعزيز هذا ~~المكان من شر سفهاء قومه ، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح ، وقال آخرون : كان ~~أهل الجاهلية إذا قحطوا بعثوا رائدهم ، فإذا وجد مكانا فيه كلأ وماء رجع ~~إلى أهله فيناديهم ، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي ~~من أن يصيبنا آفة يعنون الجن ، فإن لم يفزعهم أحد نزلوا ، وربما تفزعهم ~~الجن فيهربون القول الثاني : المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الإنس أيضا ، لكن من شر الجن ، مثل أن يقول الرجل : أعوذ برسول الله من شر ~~جن هذا الوادي ، وأصحاب هذا التأويل إنما ذهبوا إليه ، لأن الرجل اسم الإنس ~~لا اسم الجن ، وهذا ضعيف ، فإنه لم يقم دليل على أن الذكر من الجن لا يسمى ~~رجلا ، أما قوله : { فزادوهم رهقا } قال المفسرون : معناه زادوهم إثما ~~وجرأة وطغيانا وخطيئة وغيا وشرا ، كل هذا من ألفاظهم ، قال الواحدي : الرهق ~~غشيان الشيء ، ومنه قوله تعالى : { ولا يرهق وجوههم قتر } ( يونس : 26 ) ~~وقوله : { ترهقها قترة } ( عبس : 41 ) ورجل مرهق أي يغشاه السائلون . ويقال ~~رهقتنا ms9238 الشمس إذا قربت ، والمعنى أن رجال الإنس إنما استعاذوا بالجن خوفا ~~من أن يغشاهم الجن ، ثم إنهم زادوا في ذلك الغشيان ، فإنهم لما تعوذوا بهم ~~، ولم يتعوذوا بالله استذلوهم واجترؤا عليهم فزادوهم ظلما ، وهذا معنى قول ~~عطاء خبطوهم وخنقوهم ، وعلى هذا القول زادوا من فعل الجن وفي الآية قول آخر ~~وهو أن زادوا من فعل الإنس وذلك لأن الإنس لما استعاذوا بالجن فالجن ~~يزدادون بسبب ذلك التعوذ طغيانا فيقولون : سدنا الجن والإنس ، والقول الأول ~~هو اللائق بمساق الآية والموافق لنظمها . # النوع السادس : قوله تعالى : # ! 7 < { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 7 ) وأنهم ظنوا كما . . . . . # > > اعلم أن هذه الآية والتي قبلها يحتمل أن يكونا من كلام الجن ، ويحتمل ~~أن يكونا من جملة الوحي فإن / كانا من كلام الجن وهو الذي قاله بعضهم مع ~~بعض ، كان التقدير وأن الإنس ظنوا كما ظننتم أيها الجن ، وإن كانا من الوحي ~~كان التقدير : وأن الجن ظنوا كما ظننتم يا كفار قريش وعلى التقديرين فالآية ~~دلت على أن الجن كما أنهم كان فيهم مشرك ويهودي ونصراني ففيهم من ينكر ~~البعث ، ويحتمل أن يكون المراد أنه لا يبعث أحدا للرسالة على ما هو مذهب ~~البراهمة ، واعلم أن حمله على كلام الجن أولى لأن ما قبله وما بعده كلام ~~الجن فإلقاء كلام أجنبي عن كلام الجن في البين غير لائق . PageV30P138 # النوع السابع : قوله تعالى : # ! 7 < { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 8 ) وأنا لمسنا السماء . . . . . # > > اللمس : المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف يقال : لمسه ~~والتمسه ، ومثله الجس يقال : جسوه بأعينهم وتجسسوه ، والمعنى طلبنا بلوغ ~~السماء واستماع كلام أهلها ، والحرس اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في ~~معنى الخدام ولذلك وصف بشديد ولو ذهب إلى معناه لقيل شدادا . # النوع الثامن : قوله تعالى : # ! 7 < { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الا ن يجد له شهابا ~~رصدا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 9 ) وأنا كنا نقعد . . . . . # > > أي كنا نستمع فالآن متى ms9239 حاولنا الاستماع رمينا بالشهب ، وفي قوله : { ~~شهابا رصدا } وجوه أحدها : قال مقاتل : يعني رميا من الشهب ورصدا من ~~الملائكة ، وعلى هذا يجب أن يكون التقدير شهابا ورصدا لأن الرصد غير الشهاب ~~وهو جمع راصد وثانيها : قال الفراء : أي شهابا قد أرصد له ليرجم به ، وعلى ~~هذا الرصد نعت للشهاب ، وهو فعل بمعنى مفعول وثالثها : يجوز أن يكون رصدا ~~أي راصدا ، وذلك لأن الشهاب لما كان معدا له ، فكأن الشهاب راصد له ومترصد ~~له واعلم أنا قد استقصينا في هذه المسألة في تفسير قوله تعالى : { ولقد ~~زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } ( الملك : 5 ) فإن ~~قيل : هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث ، ويدل عليه أمور أحدها : أن جميع ~~الفلاسفة المتقدمين تكلموا في أسباب انقضاض هذه الشهب ، وذلك يدل على أنها ~~كانت موجودة قبل المبعث وثانيها : قوله تعالى : { ولقد زينا السماء الدنيا ~~بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } ذكر في خلق الكواكب فائدتين ، التزيين ~~ورجم الشياطين وثالثها : أن وصف هذا الانقضاض جاء في شعر أهل الجاهلية ، ~~قال أوس بن حجر : # % فانقض كالدري يتبعه % % نقع يثور تخاله طنبا % # وقال عوف بن الخرع : # % يرد علينا العير من دون إلفه % % أو الثور كالدرى يتبعه الدم % # وروى الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( بينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم / جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار ~~فقال : ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية ؟ فقالوا كنا نقول : يموت ~~عظيم أو يولد عظيم ) الحديث إلى آخره ذكرناه في تفسير قوله تعالى : { ولقد ~~زينا السماء الدنيا بمصابيح } قالوا : فثبت بهذه الوجوه أن هذه الشهب كانت ~~موجودة قبل المبعث ، فما معنى تخصيصها بمحمد عيه الصلاة والسلام ؟ والجواب ~~: مبني على مقامين : # المقام الأول : أن هذه الشهب ما كانت موجودة قبل المبعث وهذا قول ابن ~~عباس رضي الله عنهما ، وأبي بن كعب ، روي عن ابن عباس قال : كان الجن ~~يصعدون إلى السماء فيستمعون الوحي فإذا سمعوا PageV30P139 الكلمة زادوا ~~فيها تسعا ، أما الكلمة فإنها ms9240 تكون حقة ، وأما الزيادات فتكون باطلة فلما ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم ، ولم تكن النجوم يرى بها قبل ~~ذلك ، فقال لهم إبليس : ما هذا إلا لأمر حدث في الأرض ، فبعث جنوده فوجدوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي ، الحديث إلى آخره ، وقال أبي بن ~~كعب : لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى بعث رسول الله فرمي بها ، فرأت قريش ~~أمرا ما رأوه قبل ذلك فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون رقابهم ، يظنون أنه ~~الفناء ، فبلغ ذلك بعض أكابرهم ، فقال : لم فعلتم ما أرى ؟ قالوا : رمي ~~بالنجوم فرأيناها تتهافت من السماء ، فقال : اصبروا فإن تكن نجوما معروفة ~~فهو وقت فناء الناس ، وإن كانت نجوما لا تعرف فهو أمر قد حدث فنظروا ، فإذا ~~هي لا تعرف ، فأخبروه فقال : في الأمر مهلة ، وهذا عند ظهور نبي فما مكثوا ~~إلا يسيرا حتى قدم أبو سفيان على أمواله وأخبر أولئك الأقوام بأنه ظهر محمد ~~بن عبدالله ويدعي أنه نبي مرسل ، وهؤلاء زعموا أن كتب الأوائل قد توالت ~~عليها التحريفات فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة بها طعنا منهم في هذه ~~المعجزة / وكذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلفة عليهم ~~ومنحولة . # المقام الثاني : وهو الأقرب إلى الصواب أن هذه الشهب كانت موجودة قبل ~~المبعث إلا أنها زيدت بعد المبعث وجعلت أكمل وأقوى ، وهذا هو الذي يدل عليه ~~لفظ القرآن لأنه قال : { فوجدناها ملئت } ( الجن : 8 ) وهذا يدل على أن ~~الحادث هو الملء والكثرة وكذلك قوله : { نقعد منها مقاعد } أي كنا نجد فيها ~~بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب والآن ملئت المقاعد كلها ، فعلى هذا ~~الذي حمل الجن على الضرب في البلاد وطلب السبب ، إنما هو كثرة الرجم ومنع ~~الاستراق بالكلية . # النوع التاسع : قوله تعالى : # ! 7 < { وأنا لا ندرىأشر أريد بمن فى الا رض أم أراد بهم ربهم رشدا } . > ~~7 ! # < < # | الجن : ( 10 ) وأنا لا ندري . . . . . # > > وفيه قولان : أحدهما : أنا لا ندري أن المقصود من المنع من الاستراق ~~هو أشر أريد بأهل الأرض أم صلاح ms9241 وخير والثاني : لا ندري أن المقصود من ~~إرسال محمد الذي عنده منع من الاستراق هو أن يكذبوه فيهلكوا كما هلك من كذب ~~من الأمم ، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا . # / النوع العاشر : قوله تعالى : # ! 7 < { وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرآئق قددا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 11 ) وأنا منا الصالحون . . . . . # > > أي منا الصالحون المتقون أي ومنا قوم دون ذلك فحذف الموصوف كقوله : { ~~وما منا إلا له مقام معلوم } ( الصافات : 164 ) ثم المراد بالذين هم دون ~~الصالحين من ؟ فيه قولان : الأول : أنهم المقتصدون الذين يكونون في الصلاح ~~غير كاملين والثاني : أن المراد من لا يكون كاملا في الصلاح ، فيدخل فيه ~~المقتصدون والكافرون ، والقدة من قدد ، كالقطعة من قطع . ووصفت الطرائق ~~بالقدد لدلالتها على معنى التقطع والتفرق ، وفي تفسير الآية وجوه أحدها : ~~المراد كنا ذوي طرائق قددا أي ذوي مذاهب مختلفة . قال السدي : PageV30P140 ~~الجن أمثالكم ، فيهم مرجئة وقدرية وروافض وخوارج وثانيها : كنا في اختلاف ~~أحوالنا مثل الطرائق المختلفة وثالثها : كانت طرائقنا طرائق قددا على حذف ~~المضاف الذي هو الطرائق ، وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه . # النوع الحادي عشر : قوله تعالى : # ! 7 < { وأنا ظننآ أن لن نعجز الله فى الا رض ولن نعجزه هربا } . > 7 ~~@QB@ < # | الجن : ( 12 ) وأنا ظننا أن . . . . . # > > # الظن بمعنى اليقين ، و { فى الارض } و { هربا } فيه وجهان الأول : أنهما ~~حالان ، أي لن نعجزه كائنين في الأرض أينما كنا فيها ، ولن نعجزه هاربين ~~منها إلى السماء والثاني : لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرا ، ولن نعجزه ~~هربا إن طلبنا . # النوع الثاني عشر : قوله تعالى : # ! 7 < { وأنا لما سمعنا الهدىءامنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا ~~رهقا } . > 7 @QB@ < # | الجن : ( 13 ) وأنا لما سمعنا . . . . . # > > # { لما سمعنا الهدى } أي القرآن ، قال تعالى : { هدى للمتقين } ( البقرة : ~~2 ) { به إنه } أي آمنا بالقرآن { فلا يخاف } فهو لا يخاف أي فهو غير خائف ~~، وعلى هذا يكون الكلام في تقدير جملة من المبتدأ والخبر ، أدخل الفاء ~~عليها لتصير جزاء للشرط الذي تقدمها ، ولولا ذاك لقيل : لا يخف ms9242 ، فإن قيل : ~~أي فائدة في رفع الفعل ، وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبرا له ووجوب إدخال ~~الفاء ، وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال : لا يخف قلنا : الفائدة فيه أنه ~~إذا فعل ذلك ، فكأنه قيل : فهو لا يخاف ، فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ~~ناج لا محالة ، وأنه هو المختص لذلك دون غيره ، لأن قوله : فهو لا يخاف ~~معناه أن غيره يكون خائفا ، وقرأ الأعمش : { فلا يخفف } ، وقوله تعالى : { ~~بخسا ولا رهقا } البخس النقص ، والرهق الظلم ، ثم فيه وجهان الأول : لا ~~يخاف جزاء بخس ولا رهق ، لأنه لم يبخس أحدا حقا ، ولا ( رهق ) ظلم أحدا ، ~~فلا يخاف جزاءهما الثاني : لا يخاف أن / يبخس ، بل يقطع بأنه يجزي الجزاء ~~الأوفى ، ولا يخاف أن ترهقه ذلة من قوله : { ترهقهم ذلة } . # النوع الثالث عشر : قوله تعالى : # ( 14 ) # ! 7 < { وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولائك تحروا رشدا } ~~. > 7 ! # < < # | الجن : ( 14 ) وأنا منا المسلمون . . . . . # > > القاسط الجائر ، والمقسط العادل ، وذكرنا معنى قسط وأقسط في أول سورة ~~النساء ، فالقاسطون الكافرون الجائرون عن طريق الحق ، وعن سعيد بن جبير : ~~أن الحجاج قال له حين أراد قتله : ما تقول في ؟ قال : قاسط عادل ، فقال ~~القوم : ما أحسن ما قال ، حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل ، فقال الحجاج : يا ~~جهلة إنه سماني ظالما مشركا ، وتلا لهم قوله : { وأما القاسطون } وقوله : { ~~ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ، ( الأنعام : 1 ) { تحروا رشدا } أي قصدوا ~~طريق الحق ، قال أبو عبيدة : تحروا توخوا ، قال المبرد : أصل التحري من ~~قولهم : ذلك أحرى ، أي أحق وأقرب ، وبالحري أن تفعل كذا ، أي يجب عليك . # ثم إن الجن ذموا الكافرين فقالوا : # ! 7 < { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } . > 7 @QB@ < # | الجن : ( 15 ) وأما القاسطون فكانوا . . . . . # > > # وفيه سؤالان : PageV30P141 # الأول : لم ذكر عقاب القاسطين ولم يذكر ثواب المسلمين ؟ الجواب : بل ذكر ~~ثواب المؤمنين وهو قوله تعالى : { تحروا رشدا } ( الجن : 14 ) أي توخوا ~~رشدا عظيما لا يبلغ كنهه إلا الله تعالى ، ومثل هذا لا يتحقق إلا في الثواب ~~. # السؤال الثاني : الجن مخلوقين من ms9243 النار ، فكيف يكونون حطبا للنار ؟ ~~الجواب : أنهم وإن خلقوا من النار ، لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية وصاروا ~~لحما ودما هكذا ، قيل : وههنا آخر كلام الحسن . # ! 7 < { وألو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم مآء غدقا * لنفتنهم فيه ومن ~~يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 16 ) وأن لو استقاموا . . . . . # > > هذا من جملة الموحى إليه والتقدير : قل أوحي إلي أنه استمع نفر وأن ~~لو استقاموا فيكون هذا هو النوع الثاني مما أوحي إليه ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : ( أن ) مخففة من الثقيلة والمعنى : وأوحي إلي أن الشأن ~~والحديث لو استقاموا لكان كذا وكذا . قال الواحدي : وفصل لو بينها وبين ~~الفعل كفصل لا والسين في / قوله : { أن لا * يرجع إليهم قولا } و { علم أن ~~سيكون } . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { استقاموا } إلى من يرجع ؟ فيه ~~قولان : قال بعضهم : إلى الجن الذين تقدم ذكرهم ووصفهم ، أي هؤلاء القاسطون ~~لو آمنا لفعلنا بهم كذا وكذا . وقال آخرون : بل المراد الإنس ، واحتجوا ~~عليه بوجهين الأول : أن الترغيب بالانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بالإنس ~~لا بالجن والثاني : أن هذه الآية إنما نزلت بعدما حبس الله المطر عن أهل ~~مكة سنين ، أقصى ما في الباب أنه لم يتقدم ذكر الإنس ، ولكنه لما كان ذلك ~~معلوما جرى مجرى قوله : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) وقال ~~القاضي : الأقرب أن الكل يدخلون فيه . وأقول : يمكن أن يحتج لصحة قول ~~القاضي بأنه تعالى لما أثبت حكما معللا بعلة وهو الاستقامة ، وجب أن يعم ~~الحكم بعموم العلة . # المسألة الثالثة : الغدق بفتح الدال وكسرها : الماء الكثير ، وقرىء بهما ~~يقال : غدقت العين بالكسر فهي غدقة ، وروضة مغدقة أي كثيرة الماء ، ومطر ~~مغدوق وغيداق وغيدق إذا كان كثير الماء ، وفي المراد بالماء الغدق في هذه ~~الآية ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الغيث والمطر ، والثاني : وهو قول أبي ~~مسلم : أنه إشارة إلى الجنة كما قال : { جنات تجرى من تحتها الانهار } ~~وثالثها : أنه المنافع والخيرات جعل الماء كناية عنها ، لأن الماء أصل ~~الخيرات كلها في الدنيا . # المسألة ms9244 الرابعة : إن قلنا : الضمير في قوله : { استقاموا } راجع إلى ~~الجن كان في الآية قولان : أحدهما : لو استقام الجن على الطريقة المثلى أي ~~لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود ~~لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم ، ونظيره قوله تعالى : ~~{ ولو أن أهل الكتاب ءامنوا واتقوا } ( المائدة : 65 ) وقوله : { ولو أنهم ~~أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لاكلوا } ( المائدة : 66 ) ~~وقوله : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه } ( الطلاق : 2 ، 3 ) وقوله ~~: { فقلت استغفروا ربكم } إلى قوله { ويمددكم بأموال وبنين } ( نوح : 12 ) ~~وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش وكثرة المنافع ، فإن اللائق بالجن هو ~~هذا الماء المشروب والثاني : أن يكون المعنى وأن لو استقام الجن الذين ~~سمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاستماع ولم ينتقلوا عنها ~~إلى الإسلام لوسعنا عليهم الرزق ، ونظيره قوله تعالى : { ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة } ~~PageV30P142 ( الزخرف : 33 ) واختار الزجاج الوجه الأول قال : لأنه تعالى ~~ذكر الطريقة معرفة بالألف واللام فتكون راجعة إلى الطريقة المعروفة ~~المشهورة وهي طريقة الهدى والذاهبون إلى التأويل الثاني استدلوا عليه بقوله ~~بعد هذه الآية { لنفتنهم فيه } فهو كقوله : { إنما نملى لهم ليزدادوا إثما ~~} ( آل عمران : 178 ) ويمكن الجواب عنه أن من آمن فأنعم الله عليه كان ذلك ~~الإنعام أيضا ابتلاء واختبارا حتى يظهر أنه هل يشتغل بالشكر أم لا ، وهل ~~ينفقه في طلب مراضي الله أو في مراضي الشهوة والشيطان ، وأما الذين قالوا : ~~الضمير عائد إلى الإنس ، فالوجهان عائدان فيه بعينه / وههنا يكون إجراء ~~قوله : { لاسقيناهم ماء غدقا } على ظاهره أولى لأن انتفاع الإنس بذلك أتم ~~وأكمل . # المسألة الخامسة : احتج أصحابنا بقوله : { لنفتنهم } على أنه تعالى يضل ~~عباده ، والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هي الاختبار كما يقال : فتنت الذهب ~~بالنار لاخلق الضلال ، واستدلت المعتزلة باللام في قوله { لنفتنهم } على ~~أنه تعالى إنما يفعل لغرض ، وأصحابنا أجابوا أن الفتنة بالاتفاق ليست ms9245 ~~مقصودة فدلت هذه الآية على أن اللام ليست للغرض في حق الله . وقوله تعالى : ~~{ ومن يعرض عن ذكر ربه } أي عن عبادته أو عن موعظته ، أو عن وحيه . يسلكه ، ~~وقرىء بالنون مفتوحة ومضمومة أي ندخله عذابا ، والأصل نسلكه في عذاب كقوله ~~: { ما سلككم فى سقر } ( المدثر : 42 ) إلا أن هذه العبارة أيضا مستقيمة ~~لوجهين الأول : أن يكون التقدير نسلكه في عذاب ، ثم حذف الجار وأوصل الفعل ~~، كقوله : { واختار موسى قومه } ( الأعراف : 155 ) والثاني : أن يكون معنى ~~نسلكه أي ندخله ، يقال : سلكه وأسلكه ، والصعد مصدر صعد ، يقال : صعد صعدا ~~وصعودا ، فوصف به العذاب لأنه ( يصعد فوق طاقة ) المعذب أي يعلوه ويغلبه ~~فلا يطيقه ، ومنه قول عمر : ما تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح ، يريد ~~ما شق علي ولا غلبني ، وفيه قول آخر وهو ما روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن صعدا جبل في جهنم ، وهو صخرة ملساء ، فيكلف الكافر صعودها ثم ~~يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة ~~، فإذا بلغ أعلاها جذب إلى أسفلها ، ثم يكلف الصعود مرة أخرى ، فهذا دأبه ~~أبدا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { سأرهقه صعودا } ( المدثر : 17 ) . # النوع الثالث : من جملة الموحى قوله تعالى : # ! 7 < { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 18 ) وأن المساجد لله . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : التقدير : قل أوحي إلي أن المساجد لله ، ومذهب الخليل ~~أن التقدير : ولأن المساجد لله فلا تدعوا ، فعلى هذا اللام متعلقة ، ( بلا ~~تدعوا ، أي ) فلا تدعوا مع الله أحدا في المساجد لأنها لله خاصة ، ونظيره ~~قوله : { وإن هاذه أمتكم } على معنى ، ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاعبدون ، أي لأجل هذا المعنى فاعبدون . # المسألة الثانية : اختلفوا في المساجد على وجوه أحدها : وهو قول الأكثرين ~~: أنها المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله ويدخل فيها الكنائس والبيع ~~ومساجد المسلمين ، وذلك أن أهل الكتاب يشركون في صلاتهم في البيع والكنائس ~~، فأمر الله المسلمين بالإخلاص والتوحيد وثانيها ms9246 : قال الحسن : أراد ~~بالمساجد البقاع كلها قال عليه الصلاة والسلام : ( جعلت لي الأرض مسجدا ) ~~كأنه تعالى قال : الأرض كلها مخلوقة لله PageV30P143 تعالى فلا تسجدوا ~~عليها لغير خالقها وثالثها : روي عن الحسن أيضا أنه قال : المساجد هي ~~الصلوات فالمساجد على هذا القول جمع مسجد بفتح / الجيم والمسجد على هذا ~~القول مصدر بمعنى السجود ورابعها : قال سعيد بن جبير : المساجد الأعضاء ~~التي يسجد العبد عليها وهي سبعة القدمان والركبتان واليدان والوجه ، وهذا ~~القول اختيار ابن الأنباري ، قال : لأن هذه الأعضاء هي التي يقع السجود ~~عليها وهي مخلوقة لله تعالى ، فلا ينبغي أن يسجد العاقل عليها لغير الله ~~تعالى ، وعلى هذا القول معنى المساجد مواضع السجود من الجسد واحدها مسجد ~~بفتح الجيم وخامسها : قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : يريد بالمساجد ~~مكة بجميع ما فيها من المساجد ، وذلك لأن مكة قبلة الدنيا وكل أحد يسجد ~~إليها ، قال الواحدي : وواحد المساجد على الأقوال كلها مسجد بفتح الجيم إلا ~~على قول من يقول : إنها المواضع التي بنيت للصلاة فإن واحدها بكسر الجيم ~~لأن المواضع والمصادر كلها من هذا الباب بفتح العين إلا في أحرف معدودة وهي ~~: المسجد والمطلع والمنسك والمسكن والمنبت والمفرق والمسقط والمجزر والمحشر ~~والمشرق والمغرب ، وقد جاء في بعضها الفتح وهو المنسك والمسكن والمفرق ~~والمطلع ، وهو جائز في كلها وإن لم يسمع . # المسألة الثالثة : قال الحسن : من السنة إذا دخل الرجل المسجد أن يقول لا ~~إله إلا الله لأن قوله : { فلا تدعوا مع الله أحدا } في ضمنه أمر بذكر الله ~~وبدعائه . # النوع الرابع : من جملة الموحى قوله تعالى : # ! 7 < { وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 19 ) وأنه لما قام . . . . . # > > اعلم أن عبدالله هو النبي صلى الله عليه وسلم في قول الجميع ، ثم قال ~~الواحدي : إن هذا من كلام الجن لا من جملة الموحى ، لأن الرسول لا يليق أن ~~يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة وهذا غير بعيد ، كما في قوله : { يوم * يحشر * ~~المتقين إلى الرحمان وفدا ms9247 } والأكثرون على أنه من جملة الموحى ، إذ لو كان ~~من كلام الجن لكان ما ليس من كلام الجن . وفي خلل ما هو كلام الجن مختلا ~~بعيدا عن سلامة النظم وفائدة هذا الاختلاف أن من جعله من جملة الموحى فتح ~~الهمزة في أن ، ومن جعله من كلام الجن كسرها ، ونحن نفسر الآية على القولين ~~، أما على قول من قال : إنه من جملة الموحى فالضمير في قوله : { كادوا } ~~إلى من يعود ؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها : إلى الجن ، ومعنى { قام يدعوه } أي ~~قام يعبده يريد قيامه لصلاة الفجر حين أتاه الجن ، فاستمعوا القراءة { ~~كادوا يكونون عليه لبدا } ، أي يزدحمون عليه متراكمين تعجبا مما رأوا من ~~عبادته ، واقتداء أصحابه به قائما وراكعا ، وساجدا وإعجابا بما تلا من ~~القرآن ، لأنهم رأوا مالم يروا مثله ، وسمعوا ما لم يسمعوا مثله والثاني : ~~لما قدم رسول الله يعبد الله وحده مخالفا للمشركين في عبادتهم الأوثان ، ~~كاد المشركون لتظاهرهم عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه والثالث : ~~وهو قول قتادة : لما قام عبدالله تلبدت / الإنس والجن ، وتظاهروا عليه ~~ليبطلوا الحق الذي جاء به ويطفئوا نور الله ، فأبى الله إلا أن ينصره ~~ويظهره على من عاداه ، وأما على قول من قال : إنه من كلام الجن ، فالوجهان ~~أيضا عائدان فيه ، وقوله : { لبدا } فهو جمع لبدة وهو ما تلبد بعضه على بعض ~~وارتكم بعضه على بعض ، وكل شيء ألصقته بشيء إلصاقا شديدا فقد لبدته ، ومنه ~~اشتقاق هذه اللبود التي تفرش ويقال : لبدة الأسد لما يتلبد من الشعر بين ~~كتفيه ، ومنه قول زهير : PageV30P144 # % لدى أسد شاكي السلاح مقذف % % له لبد أظفاره لم تقلم % # وقرىء : { لبدا } بضم اللام واللبدة في معنى اللبدة ، وقرىء { لبدا } جمع ~~لابد كسجد وساجد . وقرىء أيضا : { لبدا } بضم اللام والباء جمع لبود كصبر ~~جمع صبور ، فإن قيل : لم سمي محمدا بعبدالله ، وما ذكره برسول الله أو نبي ~~الله ؟ قلنا : لأنه إن كان هذا الكلام من جملة الموحى ، فاللائق بتواضع ~~الرسول أن يذكر نفسه بالعبودية ، وإن كان من كلام الجن كان المعنى ms9248 أن ~~عبدالله لما اشتغل بعبودية الله ، فهؤلاء الكفار لم اجتمعوا ولم حاولوا ~~منعه منه ، مع أن ذلك هو الموافق لقانون العقل ؟ . # ! 7 < { قل إنمآ أدعو ربى ولا أشرك به أحدا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 20 ) قل إنما أدعو . . . . . # > > قرأ العامة قال على الغيبة وقرأ عاصم وحمزة ، { قل } حتى يكون نظيرا ~~لما بعده ، وهو قوله : { قل إنى لا أملك } ( الجن : 21 ) { قل إنى لن ~~يجيرنى } ( الجن : 22 ) قال مقاتل : إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم : ( إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم ، فارجع عن هذا ) فأنزل ~~الله : { قل إنما * ادعوا * ربى } وهذا حجة لعاصم وحمزة ، ومن قرأ { قال } ~~حمل ذلك على أن القوم لما قالوا ذلك ، أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله : { إنما أدعو ربى } فحكى الله ذلك عنه بقوله { قال } أو يكون ذاك من ~~بقية حكاية الجن أحوال الرسول لقومهم . # ! 7 < { قل إنى لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 21 ) قل إني لا . . . . . # > > إما أن يفسر الرشد بالنفع حتى يكون تقدير الكلام : لا أملك لكم غيا ~~ولا رشدا ، ويدل عليه قراءة أبي ( غيا ولا رشدا ) ، ومعنى الكلام أن النافع ~~والضار ، والمرشد والمغوي هو الله ، وإن أحدا من الخلق لا قدرة له عليه . # ! 7 < { قل إنى لن يجيرنى من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا } . > 7 ~~@QB@ < # | الجن : ( 22 ) قل إني لن . . . . . # > > # قوله تعالى : { قل إنى لن يجيرنى من الله * أحدا } قال مقاتل : إنهم ~~قالوا : اترك ما تدعوا إليه ونحن نجيرك ، فقال الله له : { قل إنى لن ~~يجيرنى من الله أحد } . # ثم قال تعالى : { ولن أجد من دونه ملتحدا } أي ملجأ وحرزا ، قال المبرد : ~~{ ملتحدا } مثل قولك منعرجا ، والتحد معناه في اللغة مال ، فالملتحد المدخل ~~من الأرض مثل السرب الذاهب في الأرض . # ! 7 < { إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيهآ أبدا } . > 7 @QB@ < # | الجن : ( 23 ) إلا بلاغا من . . . . . # > > # / قوله تعالى : { إلا بلاغا من الله ورسالاته } ذكروا في هذا الاستثناء ms9249 ~~وجوها أحدها : أنه استثناء من قوله : { لا أملك } ( الجن : 21 ) أي لا أملك ~~لكم ضرا ولا رشدا إلا بلاغا من الله ، وقوله : { قل إنى لن يجيرنى } ( الجن ~~: 22 ) جملة معترضة وقعت في البين لتأكيد نفي الاستطاعة عنه وبيان عجزه على ~~معنى : أنه تعالى إن أراد به سوءا لم يقدر أحد أن يجيره منه ، وهذا قول ~~الفراء . وثانيها : وهو قول الزجاج : أنه نصب على البدل من قوله : { ملتحدا ~~} ( الجن : 22 ) والمعنى : ولن أجد من دونه ملجأ إلا بلاغا ، أي لا ينجيني ~~إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به ، وأقول هذا الاستثناء منقطع لأنه تعالى ~~لما لم يقل ولن أجد ملتحدا بل قال : { ولن أجد من دونه ملتحدا } ، ~~PageV30P145 والبلاغ من الله لا يكون داخلا تحت قوله : { من دونه ملتحدا } ~~لأن البلاغ من الله لا يكون من دون الله ، بل يكون من الله وبإعانته ~~وتوفيقه ثالثها : قال بعضهم : ( إلا ) معناه إن ( لا ) ومعناه : إن لا أبلغ ~~بلاغا كقولك : ( إلا ) قياما فقعودا ، والمعنى : إن لا أبلغ لم أجد ملتحدا ~~، فإن قيل : المشهور أنه يقال بلغ عنه قال عليه السلام : ( بلغوا عني ، ~~بلغوا عني ) فلم قال ههنا : { بلاغا من الله } ؟ قلنا : ( من ) ليست ( بصفة ~~للتبلغ ) إنما هي بمنزلة ( من ) في قوله : { براءة من الله } بمعنى بلاغا ~~كائنا من الله . أما قوله تعالى : { ورسالاته } فهو عطف على { بلاغا } كأنه ~~قال : لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات ، والمعنى إلا أن أبلغ عن الله ~~فأقول : قال الله كذا ناسبا القول إليه وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها ~~من غير زيادة ولا نقصان . # قوله تعالى : { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم } قال الواحدي إن ~~مكسورة الهمزة لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء ولذلك حمل سيبويه قوله : ~~{ ومن عاد فينتقم الله منه } ( المائدة : 95 ) { ومن كفر فأمتعه } ( البقرة ~~: 126 ) { فمن يؤمن بربه فلا يخاف } ( الجن : 13 ) على أن المبتدأ فيها ~~مضمر وقال صاحب ( الكشاف ) وقرىء : { فأن له نار جهنم } على تقدير فجزاؤه ~~أن له نار جهنم ms9250 كقولك : { فأن لله خمسه } ( الأنفال : 41 ) أي فحكمه أن لله ~~خمسه . # ثم قال تعالى : { خالدين فيها أبدا } حملا على معنى الجمع في ( من ) وفي ~~الآية مسألتان : # المسألة الأولى : استدل جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن فساق أهل ~~الصلاة مخلدون في النار وأن هذا العموم يشملهم كشموله الكفار ، قالوا : ~~وهذا الوعيد مشروط بشرط أن لا يكون هناك توبة ولا طاعة أعظم منها ، قالوا : ~~وهذا العموم أقوى في الدلالة على هذا المطلوب من سائر العمومات لأن سائر ~~العمومات ما جاء فيها قوله : { أبدا } فالمخالف يحمل الخلود على المكث ~~الطويل ، أما ههنا ( فقد ) جاء لفظ الأبد فيكون ذلك صريحا في إسقاط ~~الاحتمال الذي ذكره المخالف والجواب : أنا بينا في سورة البقرة وجوه ~~الأجوبة على التمسك بهذه العمومات ، ونزيد ههنا وجوها أحدها : أن تخصيص / ~~العموم بالواقعة التي لأجلها ورد ذلك العموم عرف مشهور ، فإن المرأة إذا ~~أرادت أن تخرج من الدار ساعة فقال الزوج إن خرجت فأنت طالق يفيد ذلك اليمين ~~بتلك الساعة المعينة حتى إنها لو خرجت في يوم آخر لم تطلق ، فههنا أجرى ~~الحديث في التبليغ عن الله تعالى / ثم قال : { ومن يعص الله ورسوله } يعني ~~جبريل : { فأن له نار جهنم } أي من يعص الله في تبليغ رسالاته وأداء وحيه ~~فإن له نار جهنم ، وإذا كان ما ذكرنا محتملا سقط وجه الاستدلال الوجه ~~الثاني : وهو أن هذا الوعيد لا بد وأن يتناول هذه الصورة لأن من القبيح أن ~~يذكر عقيب هذه الواقعة حكما لا تعلق له بها ، فيكون هذا الوعيد وعيدا على ~~ترك التبليغ من الله ، ولا شك أن ترك التبليغ من الله أعظم الذنوب ، ~~والعقوبة المترتبة على أعظم الذنوب ، لا يجوز أن تكون مرتبة على جميع ~~الذنوب ، لأن الذنوب المتفاوتة في الصغر والكبر لا يجوز أن تكون متساوية في ~~العقوبة ، وإذا ثبت أن هذه العقوبة على هذا الذنب ، وثبت أن ما كان عقوبة ~~على هذا الذنب لا يجوز أن يكون عقوبة على سائر الذنوب ، علمنا أن هذا الحكم ~~مختص بهذا الذنب ms9251 وغير متعد إلى سائر الذنوب الوجه الثالث : وهو أنه تعالى ~~ذكر عمومات الوعيد في سائر آيات القرآن غير مقيدة بقيد الأبد ، وذكرها ههنا ~~مقيدة بقيد الأبد ، فلا بد في هذا التخصيص من سبب ، ولا سبب إلا أن هذا ~~الذنب أعظم الذنوب ، وإذا كان السبب في هذا التخصيص هذا المعنى ، علمنا أن ~~هذا الوعيد مختص بهذا الذنب وغير متعد إلى جميع الذنوب ، وإذا ثبت أن هذا ~~الوعيد مختص بفاعل هذا PageV30P146 الذنب ، صارت الآية دالة على أن حال ~~سائر المذنبين بخلاف ذلك لأن قوله : { فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا } ~~معناه أن هذه الحالة له لا لغيره ، وهذا كقوله : { لكم دينكم } أي لكم لا ~~لغيركم . وإذا ثبت أن لهم هذه الحالة لا لغيرهم ، وجب في سائر المذنبين أن ~~لا يكون لهم نار جهنم على سبيل التأبيد ، فظهر أن هذه الآية حجة لنا عليهم ~~. وعلى تمسكهم بالآية سؤال آخر ، وهو أن قوله : { ومن يعص الله ورسوله } ~~إنما يتناول من عصى الله ورسوله بجميع أنواع المعاصي ، وذلك هو الكافر ونحن ~~نقول : بأن الكافر يبقى في النار مؤبدا ، وإنما قلنا إن قوله : { ومن يعص ~~الله ورسوله } إنما يتناول من عصى الله بجميع أنواع المعاصي لأن قوله : { ~~ومن يعص الله } يصح استثناء جميع أنواع المعاصي عنه ، مثل أن يقال ومن يعص ~~الله إلا في الكفر وإلا في الزنا ، وإلا في شرب الخمر ، ومن مذهب القائلين ~~بالوعيد أن حكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا تحت اللفظ وإذا كان ~~كذلك ، وجب أن يكون قوله : { ومن يعص الله } متناولا لمن أتى بكل المعاصي ، ~~والذي يكون كذلك هو الكافر ، فالآية مختصة بالكافر على هذا التقدير ، فسقط ~~وجه الاستدلال بها . فإن قيل : كون الإنسان الواحد آتيا لجميع أنواع ~~المعاصي محال ، لأن من المحال أن يكون قائلا بالتجسم ، وأن يكون مع ذلك ~~قائلا بالتعطيل ، وإذا كان ذلك محالا فحمل الآية عليه غير جائز قلنا : ~~تخصيص العام بدليل العقل جائز ، فقولنا : { ومن يعص الله } يفيد كونه آتيا ~~بجميع أنواع / المعاصي ، ترك ms9252 العمل به في القدر الذي امتنع عقلا حصوله ~~فيبقى متناولا للآتي بجميع الأشياء التي يمكن الجمع بينها ، ومن المعلوم أن ~~الجمع بين الكفر وغيره ممكن فتكون الآية مختصة به . # المسألة الثانية : تمسك القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية فقالوا : ~~تارك المأمور به عاص لقوله تعالى : { أفعصيت أمرى } ( طه : 93 ) ، { لا ~~يعصون الله ما أمرهم } ( التحريم : 6 ) ، { لا * أعصى لك أمرا } ( الكهف : ~~69 ) والعاصي مستحق للعقاب لقوله : { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيها أبدا } . # ! 7 < { حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا } . > ~~7 ! # < < # | الجن : ( 24 ) حتى إذا رأوا . . . . . # > > فإن قيل : ما الشيء الذي جعل ما بعد حتى غاية له ؟ قلنا : فيه وجهان ~~الأول : أنه متعلق بقوله : { يكونون عليه لبدا } ( الجن : 19 ) والتقدير ~~أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة ويستضعفون أنصاره ويستقلون ( عدده ) حتى إذا ~~رأوا ما يوعدون من يوم بدر وإظهار الله له عليهم أو من يوم القيامة ، { ~~فسيعلمون } أيهم أضعف ناصرا وأقل عددا ، الثاني : أنه متعلق بمحذوف دلت ~~عليه الحال من استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده كأنه قيل : هؤلاء لا ~~يزالون على ما هم عليه حتى إذا كان كذا كان كذا ، واعلم أن نظير هذه الآية ~~قوله في مريم : { حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة } ( مريم ~~: 75 ) واعلم أن الكافر لا ناصر له ولا شفيع يوم القيامة على ما قال : { ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع } ( غافر : 18 ) { ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى } ( الأنبياء : 28 ) ويفر كل أحد منهم من صاحبه على ما قال : { يوم ~~يفر المرء من أخيه } ( عبس : 34 ) إلى آخره : { يوم ترونها تذهل كل مرضعة ~~عما أرضعت } ( الحج : 2 ) وأما المؤمنون فلهم العزة والكرامة والكثرة قال ~~تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم } PageV30P147 ( ~~الرعد : 23 ، 24 ) والملك القدوس يسلم عليهم { سلام قولا من رب رحيم } ~~فهناك يظهر أن القوة والعدد في جانب المؤمنين أو في جانب الكفار . # ! 7 < { قل إن أدرىأقريب ما توعدون أم يجعل ms9253 له ربىأمدا } . > 7 ! # < < # | الجن : ( 25 ) قل إن أدري . . . . . # > > قال مقاتل : لما سمعوا قوله : { حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من ~~أضعف ناصرا وأقل عددا } ( الجن : 24 ) قال النضر بن الحرث : متى يكون هذا ~~الذي توعدنا به ؟ فأنزل الله تعالى : { قل إن أدرى أقريب ما توعدون } إلى ~~آخره والمعنى أن وقوعه متيقن ، أما وقت وقوعه فغير معلوم ، وقوله : { أم ~~يجعل له ربى أمدا } أي غاية وبعدا وهذا كقوله : { وإن أدرى أقريب أم بعيد ~~ما توعدون } ( الأنبياء : 109 ) فإن قيل : أليس أنه قال : ( بعثت أنا ~~والساعة كهاتين ) فكان عالما بقرب وقوع القيامة ، فكيف قال : ههنا لا أدري ~~أقريب أم بعيد ؟ قلنا : المراد بقرب وقوعه هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما ~~انقضى ، فهذا القدر من القرب معلوم ، / وأما معنى معرفة القرب القريب وعدم ~~ذلك فغير معلوم . # ! 7 < { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه ~~يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا } . > 7 @QB@ < # | الجن : ( 26 - 27 ) عالم الغيب فلا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من ~~رسول } لفظة ( من ) في قوله : { من رسول } تبيين لمن ارتضى يعني أنه لا ~~يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي يكون رسولا ، قال صاحب ( الكشاف ) ، وفي ~~هذا إبطال الكرامات لأن الذين تضاف الكرامات إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين ~~فليسوا برسل ، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب ، ~~وفيها أيضا إبطال الكهانة والسحر والتنجيم لأن أصحابها أبعد شيء من ~~الإرتضاء وأدخله في السخط ، قال الواحدي : وفي هذا دليل على أن من ادعى أن ~~النجوم تدله على ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك فقد كفر بما في القرآن ~~. # واعلم أن الواحدي يجوز الكرامات وأن يلهم الله أولياءه وقوع بعض الوقائع ~~في المستقبل ونسبة الآية إلى الصورتين واحدة فإن جعل الآية دالة على المنع ~~من أحكام النجوم فينبغي أن يجعلها دالة على المنع من الكرامات على ما قاله ~~صاحب ( الكشاف ) ، وإن ms9254 زعم أنها لا تدل على المنع من الإلهامات الحاصلة ~~للأولياء فينبغي أن لا يجعلها دالة على المنع من الدلائل النجومية ، فأما ~~التحكم بدلالتها على المنع من الأحكام النجومية وعدم دلالتها على الإلهامات ~~الحاصلة للأولياء فمجرد التشهي ، وعندي أن الآية لا دلالة فيها على شيء مما ~~قالوه والذي تدل عليه أن قوله : { على غيبه } ليس فيه صيغة عموم فيكفي في ~~العمل بمقتضاه أن لا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه فنحمله على وقت ~~وقوع القيامة فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر هذا الغيب لأحد فلا ~~يبقى في الآية دلالة على أنه لا يظهر شيئا من الغيوب لأحد ، والذي يؤكد هذا ~~التأويل أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية عقيب قوله : { إن أدرى أقريب ما ~~توعدون أم يجعل له ربى أمدا } ( الجن : 25 ) يعني لا أدري وقت وقوع القيامة ~~، ثم قال بعده : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا } أي وقت وقوع ~~القيامة من الغيب الذي لا يظهره الله لأحد ، وبالجملة فقوله : { على غيبه } ~~لفظ مفرد مضاف ، فيكفي في العمل به حمله على غيب واحد ، فأما العموم فليس ~~في اللفظ دلالة عليه ، فإن قيل : فإذا حملتم ذلك على القيامة فكيف قال : { ~~إلا من ارتضى من رسول } مع أنه لا يظهر هذا الغيب لأحد من رسله ؟ قلنا : بل ~~يظهره عند القرب من إقامة القيامة ، وكيف لا وقد قال : { ويوم تشقق السماء ~~بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا } ( الفرقان : 25 ) ولا شك أن الملائكة ~~PageV30P148 يعلمون في ذلك الوقت قيام القيامة ، وأيضا يحتمل أن يكون هذا ~~الاستثناء منقطعا ، كأنه قال : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه المخصوص وهو ~~قيام القيامة أحدا ، ثم قال بعده : لكن من ارتضى من رسول : { فإنه يسلك من ~~بين يديه ومن خلفه } حفظة يحفظونه من شر مردة الإنس والجن ، لأنه تعالى ~~إنما ذكر هذا الكلام جوابا لسؤال من سأله عن وقت وقوع / القيامة على سبيل ~~الاستهزاء به ، والاستحقار لدينه ومقالته . # واعلم أنه لا بد من القطع بأنه ليس مراد الله ms9255 من هذه الآية أن لا يطلع ~~أحدا على شيء من المغيبات إلا الرسل ، والذي يدل عليه وجوه أحدها : أنه ثبت ~~بالأخبار القريبة من التواتر أن شقا وسطيحا كانا كاهنين يخبران بظهور نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم قبل زمان ظهوره / وكانا في العرب مشهورين بهذا ~~النوع من العلم ، حتى رجع إليهما كسرى في تعرف أخبار رسولنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، فثبت أن الله تعالى قد يطلع غير الرسل على شيء من الغيب ~~وثانيها : أن جميع أرباب الملل والأديان مطبقون على صحة علم التعبير ، وأن ~~المعبر قد يخبر عن وقوع الوقائع الآتية في المستقبل ، ويكون صادقا فيه ~~وثالثها : أن الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملك شاه من ~~بغداد إلى خراسان ، وسألها عن الأحوال الآتية في المستقبل فذكرت أشياء ، ثم ~~إنها وقعت على وفق كلامها . # قال مصنف الكتاب ختم الله له بالحسنى : وأنا قد رأيت أناسا محققين في ~~علوم الكلام والحكمة ، حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة أخبارا على ~~سبيل التفصيل ، وجاءت تلك الوقائع على وفق خبرها ، وبالغ أبو البركات في ~~كتاب المعتبر في شرح حالها ، وقال : لقد تفحصت عن حالها مدة ثلاثين سنة حتى ~~تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخبارا مطابقا . # ورابعها : أنا نشاهد ( ذلك ) في أصحاب الإلهامات الصادقة ، وليس هذا ~~مختصا بالأولياء بل قد يوجد في السحرة أيضا من يكون كذلك نرى الإنسان الذي ~~يكون سهم الغيب على درجة طالعه يكون كذلك في كثير من أخباره وإن كان قد ~~يكذب أيضا في أكثر تلك الأخبار ، ونرى الأحكام النجومية قد تكون مطابقة ~~وموافقة للأمور ، وإن كانوا قد يكذبون في كثير منها ، وإذا كان ذلك مشاهدا ~~محسوسا ، فالقول بأن القرآن يدل على خلافه مما يجر الطعن إلى القرآن ، وذلك ~~باطل فعلمنا أن التأويل الصحيح ما ذكرناه ، والله أعلم . # أما قوله تعالى : { فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا } فالمعنى أنه ~~يسلك من بين يدي من ارتضى للرسالة ، { ومن خلفه رصدا } أي حفظة من الملائكة ~~يحفظونه من ms9256 وساوس شياطين الجن وتخاليطهم ، حتى يبلغ ما أوحى به إليه ، ومن ~~زحمة شياطين الإنس حتى لا يؤذونه ولا يضرونه وعن الضحاك ( ما بعث نبي إلا ~~ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين ( الذين ) يتشبهون بصورة الملك ) . # ! 7 < { ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شىء ~~عددا } . > 7 @QB@ < # | الجن : ( 28 ) ليعلم أن قد . . . . . # > > # قوله تعالى : { ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم } فيه مسائل : # / المسألة الأولى : وحد الرسول في قوله : { إلا من ارتضى من رسول فإنه ~~يسلك من بين يديه ومن خلفه } ( الجن : 27 ) ثم جمع في قوله : { أن قد ~~أبلغوا رسالات ربهم } ونظيره ما تقدم من قوله : { فإن له نار جهنم خالدين } ~~( الجن : 23 ) . PageV30P149 # المسألة الثانية : احتج من قال بحدوث علم الله تعالى بهذه الآية لأن معنى ~~الآية ليعلم الله أن قد أبلغوا الرسالة ، ونظيره قوله تعالى : { حتى نعلم ~~المجاهدين } ( محمد : 31 ) والجواب من وجهين الأول : قال قتادة ومقاتل : ~~ليعلم محمد أن الرسل قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة ، وعلى هذا ، ~~اللام في قوله : { ليعلم } متعلق بمحذوف يدل عليه الكلام كأنه قيل : ~~أخبرناه بحفظ الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ ~~الحق ، ويجوز أن يكون المعنى ليعلم الرسول أن قد أبلغوا أي جبريل والملائكة ~~الذين يبعثون إلى الرسل رسالات ربهم ، فلا يشك فيها ويعلم أنها حق من الله ~~الثاني : وهو اختيار أكثر المحققين أن المعنى ليعلم الله أن قد أبلغ ~~الأنبياء رسالات ربهم ، والعلم ههنا مثله في قوله : { أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } ( آل عمران : 142 ) والمعنى ~~ليبلغوا رسالات ربهم فيعلم ذلك منهم . # المسألة الثالثة : قرىء { ليعلم } على البناء للمفعول . # أما قوله : { وأحاط بما لديهم } فهو يدل على كونه تعالى عالما بالجزئيات ~~، وأما قوله : { وأحصى كل شىء عددا } فهو يدل على كونه عالما بجميع ~~الموجودات ، فإن قيل : إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي ، وقوله : { كل ~~شىء } يدل على كونه غير متناه ، فلزم وقوع التناقض في الآية ، قلنا : لا ms9257 شك ~~أن إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي ، فأما لفظة { كل شىء } فإنها لا تدل ~~على كونه غير متناه ، لأن الشيء عندنا هو الموجودات ، والموجودات متناهية ~~في العدد ، وهذه الآية أحد ما يحتج به على أن المعدوم ليس بشيء ، وذلك لأن ~~المعدوم لو كان شيئا ، لكانت الأشياء غير متناهية ، وقوله : { وأحصى كل شىء ~~عددا } يقتضي كون تلك المحصيات متناهية ، فيلزم الجمع بين كونها متناهية ~~وغير متناهية وذلك محال ، فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشيء حتى يندفع هذا ~~التناقض . # والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلاته وسلامه على ~~سيد المرسلين ، وخاتم النبيين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين . # PageV30P150 < # > 1 ( سورة المزمل عليه السلام ) 1 < # > # وهي عشرون آية مكية # ! 7 < { ياأيها المزمل } . > 7 ! # / < < # | المزمل : ( 1 ) يا أيها المزمل # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : أجمعوا على أن المراد بالمزمل النبي عليه السلام ، ~~وأصله المتزمل بالتاء وهو الذي تزمل بثيابه أي تلفف بها ، فأدغم التاء في ~~الزاي ، ونحوه المدثر في المتدثر ، واختلفوا لم تزمل بثوبه ؟ على وجوه ~~أحدها : قال ابن عباس : أول ما جاءه جبريل عليه السلام خافه وظن أن به مسا ~~من الجن ، فرجع من الجبل مرتعدا وقال : زملوني ، فبينا هو كذلك إذ جاء ~~جبريل وناداه وقال : يا أيها المزمل وثانيها : قال الكلبي : إنما تزمل ~~النبي عليه السلام بثيابه للتهيء للصلاة وهو اختيار الفراء وثالثها : أنه ~~عليه السلام كان نائما بالليل متزملا في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة ، ~~وقيل : يا أيها النائم المتزمل بثوبه قم واشتغل بالعبودية ورابعها : أنه ~~كان متزملا في مرط لخديجة مستأنسا بها فقيل له : { عددا يأيها المزمل * قم ~~اليل } كأنه قيل : اترك نصيب النفس واشتغل بالعبودية وخامسها : قال عكرمة : ~~يا أيها الذي زمل أمرا عظيما أي حمله والزمل الحمل ، وازدمله احتمله . # المسألة الثانية : قرأ عكرمة { المزمل } و { المدثر } ( المدثر : 1 ) ~~بتخفيف الزاي والدال وتشديد الميم والثاء على أنه اسم فاعل أو مفعول ، فإن ~~كان على اسم الفاعل كان المفعول محذوفا والتقدير يا أيها المزمل نفسه ~~والمدثر نفسه وحذف ms9258 المفعول في مثل هذا المقام فصيح قال تعالى : { وأوتيت من ~~كل شىء } أي أوتيت من كل شيء شيئا ، وإن كان على أنه اسم المفعول كان ذلك ~~لأنه زمل نفسه أو زمله غيره ، وقرىء ( يا أيها المتزمل ) على الأصل . # ! 7 < { قم اليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل ~~القرءان ترتيلا } . > 7 @QB@ < # | المزمل : ( 2 - 4 ) قم الليل إلا . . . . . # > > # وقوله تعالى : { قم اليل } فيه مسألتان : PageV30P151 # المسألة الأولى : قال ابن عباس : إن قيام الليل كان فريضة على رسول الله ~~لقوله : { قم اليل } وظاهر الأمر للوجوب ثم نسخ ، واختلفوا في سبب النسخ ~~على وجوه أولها : أنه كان فرضا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثم نسخ بها ~~وثانيها : أنه تعالى لما قال : { قم اليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه ~~قليلا * أو زد عليه } فكان الرجل لا يدري كم صلى وكم بقي من الليل فكان ~~يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب وشق عليهم ذلك حتى ورمت ~~أقدامهم وسوقهم ، فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في آخر هذه السورة : { فاقرءوا ~~ما تيسر منه } ( المزمل : 20 ) وذلك في صدر الإسلام ، ثم قال ابن عباس : ~~وكان بين أول هذا الإيجاب وبين نسخه سنة ، وقال في رواية أخرى : إن إيجاب ~~هذا كان بمكة ونسخه كان بالمدينة ، ثم نسخ هذا القدر أيضا بالصلوات الخمس ، ~~والفرق بين هذا القول وبين القول الأول أن في هذا القول نسخ وجوب التهجد ~~بقوله : { فاقرءوا ما تيسر من القرءان } ( المزمل : 20 ) ثم نسخ هذا بإيجاب ~~الصلوات ، وفي القول الأول نسخ إيجاب التهجد بإيجاب الصلوات الخمس ابتداء ، ~~وقال بعض العلماء : التهجد ما كان واجبا قط ، والدليل عليه وجوه أولها : ~~قوله : { ومن اليل فتهجد به نافلة لك } ( الإسراء : 79 ) فبين أن التهجد ~~نافلة له لا فرض ، وأجاب ابن عباس عنه بأن المعنى زيادة وجوب عليك وثانيها ~~: أن التهجد لو كان واجبا على الرسول لوجب على أمته لقوله : { واتبعوه } ( ~~الأعراف : 158 ) وورود النسخ على خلاف الأصل وثالثها : استدل بعضهم على عدم ~~الوجوب ms9259 بأنه تعالى قال : { نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه } ففوض ذلك ~~إلى رأي المكلف وما كان كذلك لا يكون واجبا وهذا ضعيف لأنه لا يبعد في ~~العقل أن يقول : أوجبت عليك قيام الليل فأما تقديره بالقلة والكثرة فذاك ~~مفوض إلى رأيك ، ثم إن القائلين بعدم الوجوب أجابوا عن التمسك بقوله : { قم ~~اليل } وقالوا ظاهر الأمر يفيد الندب ، لأنا رأينا أوامر الله تعالى تارة ~~تفيد الندب وتارة تفيد الإيجاب ، فلا بد من جعلها مفيدة للقدر المشترك بين ~~الصورتين دفعا للاشتراك والمجاز ، وما ذاك إلا ترجيح جانب الفعل على جانب ~~الترك ، وأما جواز الترك فإنه ثابت بمقتضى الأصل ، فلما حصل الرجحان بمقتضى ~~الأمر وحصل جواز الترك بمقتضى الأصل كان ذلك هو المندوب والله أعلم . # المسألة الثانية : قرأ أبو السمال { قم اليل } بفتح الميم وغيره بضم ~~الميم ، قال أبو الفتح بن جني : الغرض من هذه الحركة الهرب من التقاء ~~الساكنين ، فأي الحركات تحرك فقد حصل الغرض وحكى قطرب عنهم : قم الليل ، ~~وقل الحق برفع الميم واللام وبع الثوب ثم قال : من كسر فعلى أصل الباب ومن ~~ضم أتبع ومن فتح فقد مال إلى خفة الفتح . # قوله تعالى : { إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه } . # اعلم أن الناس قد أكثروا في تفسير هذه الآية وعندي فيه وجهان ملخصان ~~الأول : أن المراد بقوله : { إلا قليلا } الثلث ، والدليل عليه قوله تعالى ~~في آخر هذه السورة : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ونصفه وثلثه ~~} ( المزمل : 20 ) فهذه الآية دلت على أن أكثر المقادير الواجبة الثلثان / ~~فهذا يدل على أن نوم الثلث جائز ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد في ~~قوله : { قم اليل إلا قليلا } هو الثلث ، فإذا قوله : { قم اليل إلا قليلا ~~} PageV30P152 معناه قم ثلثي الليل ثم قال : { نصفه } والمعنى أو قم نصفه ، ~~كما تقول : جالس الحسن أو ابن سيرين ، أي جالس ذا أو ذا أيهما شئت ، فتحذف ~~واو العطف فتقدير الآية : قم الثلثين أو قم النصف أو ms9260 انقص من النصف أو زد ~~عليه ، فعلى هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة ، ويكون الثلث أقصى النقصان ، ~~فيكون الواجب هو الثلث ، والزائد عليه يكون مندوبا ، فإن قيل : فعلى هذا ~~التأويل يلزمكم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك الواجب ، لأنه ~~تعالى قال : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ونصفه وثلثه } فمن ~~قرأ نصفه وثلثه بالخفض كان المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين ، وأقل من النصف ~~، وأقل من الثلث ، فإذا كان الثلث واجبا كان عليه السلام تاركا للواجب ، ~~قلنا : إنهم كانوا يقدرون الثلث بالاجتهاد ، فربما أخطأوا في ذلك الاجتهاد ~~ونقصوا منه شيئا قليلا فيكون ذلك أدنى من ثلث الليل المعلوم بتحديد الأجزاء ~~عند الله ، ولذلك قال تعالى لهم : { علم * ألن * تحصوه } ( المزمل : 20 ) ، ~~الوجه الثاني : أن يكون قوله : { نصفه } تفسيرا لقوله : { قليلا } وهذا ~~التفسير جائز لوجهين الأول : أن نصف الشيء قليل بالنسبة إلى كله والثاني : ~~أن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن عهدة ذلك التكليف بيقين إلا ~~بزيادة شيء قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفا وشيئا ، فيكون الباقي بعد ذلك ~~أقل منه ، وإذا ثبت هذا فنقول : { قم اليل إلا قليلا } معناه قم الليل إلا ~~نصفه ، فيكون الحاصل : قم نصف الليل ، ثم قال : { أو انقص منه قليلا } يعني ~~أو انقص من هذا النصف نصفه حتى يبقى الربع ، ثم قال : { أو زد عليه } يعني ~~أو زد على هذا النصف نصفه حتى يصير المجموع ثلاثة أرباعه ، وحينئذ يرجع ~~حاصل الآية إلى أنه تعالى خيره بين أن يقوم تمام النصف ، وبين أن يقوم ربع ~~الليل ، وبين أن يقوم ثلاثة أرباعه ، وعلى هذا التقدير يكون الواجب الذي لا ~~بد منه هو قيام الربع ، والزائد عليه يكون من المندوبات والنوافل ، وعلى ~~هذا التأويل يزول الإشكال الذي ذكرتم بالكلية لأن قوله : { إن ربك يعلم أنك ~~تقوم أدنى من ثلثى اليل ونصفه وثلثه } ( المزمل : 20 ) يدل على أنه عليه ~~الصلاة والسلام لم يقم ثلثي الليل ، ولا نصفه ولا ثلثه لأن الواجب لما ms9261 كان ~~هو الربع فقط لم يلزم من ترك قيام الثلث ترك شيء من الواجبات ، فزال السؤال ~~المذكور ، والله أعلم . # قوله تعالى : { ورتل القرءان ترتيلا } قال الزجاج : رتل القرآن ترتيلا ، ~~بينه تبيينا ، والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآن ، إنما يتم بأن يتبين ~~جميع الحروف ، ويوفي حقها من الإشباع ، قال المبرد : أصله من قولهم : ثغر ~~رتل إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير ، وقال الليث : الترتيل تنسيق ~~الشيء ، وثغر رتل ، حسن التنضيد ، ورتلت الكلام ترتيلا ، إذا تملهت فيه ~~وأحسنت تأليفه ، وقوله تعالى : { ترتيلا } تأكيد في إيجاب الأمر به ، وأنه ~~مما لا بد منه للقارىء . # / واعلم أنه تعالى لما أمره بصلاة الليل أمره بترتيل القرآن حتى يتمكن ~~الخاطر من التأمل في حقائق تلك الآيات ودقائقها ، فعند الوصول إلى ذكر الله ~~يستشعر عظمته وجلالته ، وعند الوصول إلى الوعد والوعيد يحصل الرجاء والخوف ~~، وحينئذ يستنير القلب بنور معرفة الله ، والإسراع في القراءة يدل على عدم ~~الوقوف على المعاني ، لأن النفس تبتهج بذكر الأمور الإلهية الروحانية / ومن ~~ابتهج بشيء أحب ذكره ، ومن أحب PageV30P153 شيئا لم يمر عليه بسرعة ، فظهر ~~أن المقصود من الترتيل إنما هو حضور القلب وكما المعرفة . # ! 7 < { إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا } . > 7 ! # < < # | المزمل : ( 5 ) إنا سنلقي عليك . . . . . # > > ذكروا في تفسير الثقيل وجوها أحدها : وهو المختار عندي أن المراد من ~~كونه ثقيلا عظم قدره وجلالة خطره ، وكل شيء نفس وعظم خطره ، فهو ثقل وثقيل ~~وثاقل ، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء : { قولا ثقيلا } يعني كلاما ~~عظيما ، ووجه النظم أنه تعالى لما أمره بصلاة الليل فكأنه قال : إنما أمرتك ~~بصلاة الليل لأنا سنلقي عليك قولا عظيما ، فلا بد وأن تسعى في صيرورة نفسك ~~مستعدة لذلك القول العظيم ، ولا يحصل ذلك الاستعداد إلا بصلاة الليل ، فإن ~~الإنسان في الليلة الظلماء إذا اشتغل بعبادة الله تعالى وأقبل على ذكره ~~والثناء عليه ، والتضرع بين يديه ، ولم يكن هناك شيء من الشواغل الحسية ~~والعوائق الجسمانية استعدت النفس هنالك لإشراق جلال الله فيها ، وتهيأت ~~للتجرد التام ms9262 ، والانكشاف الأعظم بحسب الطاقة البشرية ، فلما كان لصلاة ~~الليل أثر في صيرورة النفس مستعدة لهذا المعنى لا جرم قال : إني إنما أمرتك ~~بصلاة الليل لأنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ، فصير نفسك مستعدة لقبول ذلك ~~المعنى ، وتمام هذا المعنى ما قال عليه الصلاة والسلام : ( إن لربكم في ~~أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ) وثانيها : قالوا : المراد بالقول ~~الثقيل القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على ~~المكلفين عامة ، وعلى رسول الله خاصة ، لأنه يتحملها بنفسه ويبلغها إلى ~~أمته ، وحاصله أن ثقله راجع إلى ثقل العمل به ، فإنه لا معنى للتكليف إلا ~~إلزام ما في فعله كلفة ومشقة وثالثها : روى عن الحسن : أنه ثقيل في الميزان ~~يوم القيامة ، وهو إشارة إلى كثرة منافعه وكثرة الثواب في العمل به ورابعها ~~: المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يثقل عند نزول الوحي إليه ، روي أن ~~الوحي نزل عليه وهو على ناقته فثقل عليها ، حتى وضعت جرانها ، فلم تستطع أن ~~تتحرك ، وعن ابن عباس : كان إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربد وجهه ، وعن ~~عائشة رضي الله عنها : ( رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، ~~فيفصم عنه ، وإن جبينه ليرفض عرقا ) وخامسها : قال الفراء : { قولا ثقيلا } ~~أي ليس بالخفيف ولا بالسفساف ، لأنه كلام ربنا تبارك وتعالى وسادسها : قال ~~الزجاج : معناه أنه قول متين في صحته وبيانه ونفعه ، / كما تقول : هذا كلام ~~رزين وهذا قول له وزن إذا كنت تستجيده وتعلم أنه وقع موقع الحكمة والبيان ~~وسابعها : قال أبو علي الفارسي : إنه ثقيل على المنافقين ، من حيث إنه يهتك ~~أسرارهم ، ومن حيث إنه يبطل أديانهم وأقوالهم وثامنها : أن الثقيل من شأنه ~~أن يبقى في مكانه ولا يزول ، فجعل الثقيل كناية عن بقاء القرآن على وجه ~~الدهر كما قال : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) ، ~~وتاسعها : أنه ثقيل بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه ~~بالكلية ، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته ، والفقهاء أقبلوا على البحث ~~عن أحكامه ، وكذا ms9263 أهل اللغة والنحو وأرباب المعاني ، ثم لا يزال كل متأخر ~~يفوز منه فوائد ما وصل إليها المتقدمون ، فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى ~~على الاستقلال بحمله ، فصار كالحمل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله ، ~~وعاشرها : أنه ثقيل لكونه مشتملا على المحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ~~، والفرق بين هذه الأقسام مما لا يقدر عليه إلا العلماء الراسخون ، ~~المحيطون بجميع العلوم العقلية والحكمية ، فلما كان كذلك لا جرم كانت ~~الإحاطة به ثقيلة على أكثر الخلق . # PageV30P154 ! 7 < { إن ناشئة اليل هى أشد وطأ وأقوم قيلا } . > 7 @QB@ < # | المزمل : ( 6 ) إن ناشئة الليل . . . . . # > > # قوله تعالى : { إن ناشئة اليل } يقال : نشأت تنشأ نشأ فهي ناشئة ، ~~والإنشاء الإحداث ، فكل ما حدث ( فهو ناشىء ) فإنه يقال للذكر ناشىء ~~وللمؤنث ناشئة ، إذا عرفت هذا فنقول في الناشئة قولان : أحدهما : أنها ~~عبارة عن ساعات الليل والثاني : أنها عبارة عن الأمور التي تحدث في ساعات ~~الليل ، أما القول الأول ، فقال أبو عبيدة : ناشئة الليل ساعاته وأجزاؤه ~~المتتالية المتعاقبة فإنها تحدث واحدة بعد أخرى ، فهي ناشئة بعد ناشئة ، ثم ~~القائلون بهذا القول اختلفوا ، فمنهم من قال الليل كله ناشئة ، روى ابن أبي ~~مليكة ، قال سألت ابن عباس وابن الزبير عن ناشئة الليل ، فقال الليل كله ~~ناشئة . وقال زين العابدين رضي الله عنه : ناشئة الليل ما بين المغرب إلى ~~العشاء ، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك والكسائي قالوا : لأن ناشئة الليل ~~هي الساعة التي منها يبتدىء سواد الليل ، القول الثاني : هو تفسير الناشئة ~~بأمور تحدث في الليل ، وذكروا على هذا القول وجوها أحدها : قالوا : ناشئة ~~الليل هي النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة أي تنهض ~~وترتفع من نشأت السحابة إذا ارتفعت وثانيها : ناشئة الليل عبارة عن قيام ~~الليل بعد النوم ، قال ابن الأعرابي إذا نمت من أول الليل نومة ثم قمت فتلك ~~النشأة ، ومنه ناشئة الليل ، وعندي فيه وجه ثالث : وهو أن الإنسان إذا أقبل ~~على العبادة والذكر في الليل المظلم في البيت المظلم في موضع لا تصير حواسه ~~مشغولة بشيء ms9264 من المحسوسات ألبتة ، فحينئذ يقبل القلب على الخواطر الروحانية ~~والأفكار الإلهية ، وأما النهار فإن الحواس تكون مشغولة بالمحسوسات فتصير ~~النفس مشغولة بالمحسوسات ، فلا تتفرغ للأحوال الروحانية ، فالمراد من ناشئة ~~الليل تلك الواردات الروحانية / والخواطر النورانية ، التي تنكشف في ظلمة ~~الليل بسبب فراغ الحواس ، وسماها ناشئة الليل لأنها لا تحدث إلا في الليل ~~بسبب أن الحواس الشاغلة للنفس معطلة في الليل ومشغولة في النهار ، ولم يذكر ~~أن تلك الأشياء الناشئة منها تارة أفكار وتأملات ، وتارة أنوار ومكاشفات ، ~~وتارة انفعالات نفسانية من الابتهاج بعالم القدس أو الخوف منه ، أو تخيلات ~~أحوال عجيبة ، فلما كانت تلك الأمور الناشئة أجناسا كثيرة لا يجمعها جامع ~~إلا أنها أمور ناشئة حادثة لا جرم لم يصفها إلا بأنها ناشئة الليل . # أما قوله تعالى : { هى أشد } أي مواطأة وملاءمة وموافقة ، وهي مصدر يقال ~~: واطأت فلانا على كذا مواطأة ووطأة ومنه { عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله ~~} ( التوبة : 37 ) أي ليوافقوا ، فإن فسرنا الناشئة بالساعات كان المعنى ~~أنها أشد موافقة لما يرد من الخشوع والإخلاص ، وإن فسرناها بالنفس الناشئة ~~كان المعنى شدة المواطأة بين القلب واللسان ، وإن فسرناها بقيام الليل كان ~~المعنى مايراد من الخشوع والإخلاص ، وإن فسرناها بما ذكرت كان المعنى أن ~~إفضاء تلك المجاهدات إلى حصول المكاشفات في الليل أشد منه في النهار ، وعن ~~الحسن أشد موافقة بين السر والعلانية لانقطاع رؤية الخلائق . # المسألة الثانية : قرىء : { أشد } بالفتح والكسر وفيه وجهان الأول : قال ~~الفراء : أشد ثبات قدم ، لأن PageV30P155 النهار يضطرب فيه الناس ويتقلبون ~~فيه للمعاش والثاني : أثقل وأغلظ على المصلى من صلاة النهار ، وهو من قولك ~~: اشتدت على القوم وطأة سلطانهم إذا ثقل عليهم معاملتهم معه ، وفي الحديث : ~~( اللهم أشدد وطأتك على مضر ) فأعلم الله نبيه أن الثواب في قيام الليل على ~~قدر شدة الوطأة وثقلها ، ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام : ( أفضل ~~العبادات أحمزها ) أي أشقها . واختار أبو عبيدة القراءة الأولى ، قال : ~~لأنه تعالى لما أمره بقيام الليل ذكر هذه الآية ، فكأنه قال : إنما أمرتك ~~بصلاة الليل ms9265 لأن موافقة القلب واللسان فيه أكمل ، وأيضا الخواطر الليلية ~~إلى المكاشفات الروحانية أتم . # قوله تعالى : { وطأ وأقوم قيلا } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : { أقوم * قليلا } قال ابن عباس : أحسن لفظا ، قال ابن ~~قتيبة : لأن الليل تهدأ فيه الأصوات وتنقطع فيه الحركات ويخلص القول ، ولا ~~يكون دون تسمعه وتفهمه حائل . # المسألة الثانية : قرأ أنس ( وأصوب قيلا ) ، فقيل له : يا أبا حمزة إنما ~~هي : { وأقوم قيلا } فقال أنس : ( إن أقوم ) وأصوب وأهيأ واحد ، قال ابن ~~جني ، وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعاني ، فإذا وجدوها لم ~~يلتفتوا إلى الألفاظ ونظيره ما روى أن أبا سوار الغنوي كان يقرأ : ( فحاسوا ~~خلال الديار ) بالحاء غير المعجمة ، فقيل له : إنما هو جاسوا ، فقال : ~~حاسوا وجاسوا واحدو أنا / أقول : يجب أن نحمل ذلك على أنه إنما ذكر ذلك ~~تفسيرا للفظ القرآن لا على أنه جعله نفس القرآن ، إذ لو ذهبنا إلى ما قاله ~~ابن جني لارتفع الاعتماد عن ألفاظ القرآن ، ولجوزنا أن كل أحد عبر عن ~~المعنى بلفظ رآه مطابقا لذلك المعنى ، ثم ربما أصاب في ذلك الإعتقاد ، ~~وربما أخطأ وهذا يجر إلى الطعن في القرآن ، فثبت أنه حمل ذلك على ما ذكرناه ~~. # ! 7 < { إن لك فى النهار سبحا طويلا } . > 7 ! # < < # | المزمل : ( 7 ) إن لك في . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال المبرد : سبحا أي تقلبا فيما يجب ولهذا سمي السابح ~~سابحا لتقلبه بيديه ورجليه ، ثم في كيفية المعنى وجهان الأول : إن لك في ~~النهار تصرفا وتقلبا في مهماتك فلا تتفرغ لخدمة الله إلا بالليل ، فلهذا ~~السبب أمرتك بالصلاة في الليل الثاني : قال الزجاج : أي إن فاتك من الليل ~~شيء من النوم والراحة فلك في النهار فراغه فاصرفه إليه . # المسألة الثانية : قرىء { * سبخا } بالخاء المنقطة من فوق ، وهو استعارة ~~من سبخ الصوف وهو نفشه ونشر أجزائه ، فإن القلب في النهار يتفرغ بسبب ~~الشواغل ، وتختلف همومه بسبب الموجبات المختلفة ، واعلم أنه تعالى أمر ~~رسوله أولا بقيام الليل ، ثم ذكر السبب في أنه لم خص الليل بذلك دون النهار ms9266 ~~، ثم بين أن أشرف الأعمال المأمور بها عند قيام الليل ما هو . # ! 7 < { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا } . > 7 ! # < < # | المزمل : ( 8 ) واذكر اسم ربك . . . . . # > > وهذه الآية تدل على أنه تعالى أمر بشيئين أحدهما : الذكر ، والثاني : ~~التبتل ، أما الذكر فاعلم أنه إنما قال : { كفورا واذكر اسم ربك } ههنا ~~وقال في آية أخرى : { واذكر ربك في نفسك تضرعا * وخفية } ( الأعراف : 205 ) ~~لأنه لا بد في أول الأمر من ذكر الاسم باللسان مدة ثم يزول الاسم ~~PageV30P156 ويبقى المسمى ، فالدرجة الأولى هي المراد بقوله ههنا : { واذكر ~~اسم ربك } والمرتبة الثانية هي المراد بقوله في السورة الأخرى : { واذكر ~~ربك في نفسك } وإنما تكون مشتغلا بذكر الرب ، إذا كنت في مقام مطالعة ~~ربوبيته ، وربوبيته عبارة عن أنواع تربيته لك وإحسانه إليك ، فما دمت في ~~هذا المقام تكون مشغول القلب بمطالعة آلائه ونعمائه فلا تكون مستغرق القلب ~~به ، وحينئذ يزداد الترقي فتصير مشتغلا بذكر إلهيته ، وإليه الإشارة بقوله ~~: { فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم } ( البقرة : 200 ) وفي هذا المقام يكون ~~الإنسان في مقام الهيبة والخشية ، لأن الإلهية إشارة إلى القهارية والعزة ~~والعلو والصمدية ، ولا يزال العبد يرقى في هذا المقام مترددا في مقامات ~~الجلال والتنزيه والتقديس إلى أن ينتقل منها إلى مقام الهوية الأحدية ، ~~التي كلت العبارات عن شرحها ، وتقاصرت الإشارات عن الانتهاء إليها ، وهناك ~~الانتهاء إلى الواحد الحق ، ثم يقف لأنه ليس هناك نظير في الصفات ، حتى ~~يحصل الانتقال من صفة إلى صفة ، ولا تكون الهوية مركبة حتى / ينتقل نظر ~~العقل من جزء إلى جزء ، ولا مناسبة لشيء من الأحوال المدركة عن النفس حتى ~~تعرف على سبيل المقايسة ، فهي الظاهرة لأنها مبدأ ظهور كل ظاهر ، وهي ~~الباطنة لأنها فوق عقول كل المخلوقات ، فسبحان من احتجب عن العقول لشدة ~~ظهوره واختفى عنها بكمال نوره ، وأما قوله تعالى : { وتبتل إليه تبتيلا } ~~ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أن جميع المفسرين فسروا التبتل بالإخلاص ، وأصل ~~التبتل في اللغة القطع ، وقيل لمريم البتول لأنها انقطعت إلى الله تعالى في ~~العبادة ، وصدقة بتلة ms9267 منقطعة من مال صاحبها . وقال الليث : التبتيل تمييز ~~الشيء عن الشيء ، والبتول كل امرأة تنقبض من الرجال ، لا رغبة لها فيهم . ~~إذا عرفت ذلك فاعلم أن للمفسرين عبارات ، قال الفراء : يقال للعابد إذا ترك ~~كل شيء وأقبل على العبادة قد تبتل أي انقطع عن كل شيء إلى أمر الله وطاعته ~~، وقال زيد بن أسلم التبتل رفض الدنيا مع كل ما فيها والتماس ما عند الله ، ~~واعلم أن معنى الآية فوق ما قاله هؤلاء الظاهريون لأن قوله : { وتبتل } أي ~~انقطع عن كل ما سواه إليه والمشغول بطلب الآخرة غير متبتل إلى الله تعالى ، ~~بل التبتل إلى الآخرة والمغشول بعبادة الله متبتل إلى العبادة لا إلى الله ~~، والطالب لمعرفة الله متبتل إلى معرفة الله لا إلى الله فمن آثر العبادة ~~لنفس العبادة أو لطلب الثواب أو ليصير متعبدا كاملا بتلك العبودية للعبودية ~~فهو متبتل إلى غير الله ، ومن آثر العرفان للعرفان فهو متبتل إلى العرفان ، ~~ومن آثر العبودية لا للعبودية بل للمعبود وآثر العرفان لا للعرفان بل ~~للمعروف ، فقد خاض لجة الوصول ، وهذا مقام لا يشرحه المقال ولا يعبر عنه ~~الخيال ، ومن أراده فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر ولا ~~يجد الإنسان لهذا مثالا إلا عند العشق الشديد إذا مرض البدن بسببه وانحبست ~~القوى وعميت العينان وزالت الأغراض بالكلية وانقطعت النفس عما سوى المعشوق ~~بالكلية ، فهناك يظهر الفرق بين التبتل إلى المعشوق وبين التبتل إلى رؤية ~~المعشوق . # المسألة الثانية : الواجب أن يقال : وتبتل إليه تبتلا أو يقال : بتل نفسك ~~إليه تبتيلا ، لكنه تعالى لم يذكرهما واختار هذه العبارة الدقيقة وهي أن ~~المقصود بالذات إنما هو التبتل فأما التبتيل فهو تصرف PageV30P157 والمشتغل ~~بالتصرف لا يكون متبتلا إلى الله لأن المشتغل بغير الله لا يكون منقطعا إلى ~~الله ، إلا أنه لا بد أولا من التبتيل حتى يحصل التبتل كما قال تعالى : { ~~والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } فذكر التبتل أولا إشعارا بأنه المقصود ~~بالذات وذكر التبتيل ثانيا إشعارا بأنه لا بد منه ولكنه ms9268 مقصود بالغرض . # واعلم أنه تعالى لما أمره بالذكر أولا ثم بالتبتل ثانيا ذكر السبب فيه ~~فقال تعالى : # ! 7 < { رب المشرق والمغرب لا إلاه إلا هو فاتخذه وكيلا } . > 7 ! # < < # | المزمل : ( 9 ) رب المشرق والمغرب . . . . . # > > وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : اعلم أن التبتل إليه لا يحصل إلا بعد حصول المحبة ، ~~والمحبة لا تليق إلا بالله تعالى ، وذلك لأن سبب المحبة إما الكمال وإما ~~التكميل ، أما الكمال فلأن الكمال محبوب لذاته إذ من المعلوم أنه يمتنع أن ~~يكون كل شيء إنما كان محبوبا لأجل شيء آخر ، وإلا لزم التسلسل ، فإذا لا بد ~~من الانتهاء إلى ما يكون محبوبا لذاته ، والكمال محبوب لذاته ، فإن من ~~اعتقد أن فلانا الذي كان قبل هذا بألف سنة كان موصوفا بعلم أزيد من علم ~~سائر الناس مال طبعه إليه وأحبه شاء أم أبى ، ومن اعتقد في رستم أنه كان ~~موصوفا بشجاعة زائدة على شجاعة سائر الناس أحبه شاء أم أبى ، فعلمنا أن ~~الكمال محبوب لذاته وكمال الكمال لله تعالى ، فالله تعالى محبوب لذاته ، ~~فمن لم يحصل في قلبه محبته كان ذلك لعدم علمه بكماله ، وأما التكميل فهو أن ~~الجواد محبوب والجواد المطلق هو الله تعالى فالمحبوب المطلق هو الله تعالى ~~، والتبتل المطلق لا يمكن أن يحصل إلا إلى الله تعالى ، لأن الكمال المطلق ~~له والتكميل المطلق منه ، فوجب أن لا يكون التبتل المطلق إلا إليه ، واعلم ~~أن التبتل الحاصل إليه بسبب كونه مبدأ للتكميل مقدم على التبتل الحاصل إليه ~~بسبب كونه كاملا في ذاته ، لأن الإنسان في مبدأ السير يكون طالبا للحصة ~~فيكون تبتله إلى الله تعالى بسبب كونه مبدأ للتكميل والإحسان ، ثم في آخر ~~السير يترقى عن طلب الحصة كما بينا من أنه يصير طالبا للمعروف لا للعرفان ، ~~فيكون تبتله في هذه الحالة بسبب كونه كاملا فقوله : { رب المشرق والمغرب } ~~إشارة إلى الحالة الأولى التي هي أول درجات المتبتلين وقوله : { لا إلاه ~~إلا هو } إشارة إلى الحالة الثانية التي هي منتهى درجات المتبتلين ومنتهى ~~أقدام الصديقين ، فسبحان من ms9269 له تحت كل كلمة سر مخفي ، ثم وراء هاتين ~~الحالتين مقام آخر ، وهو مقام التفويض ، وهو أن يرفع الاختيار من البين ، ~~ويفوض الأمر بالكلية إليه ، فإن أراد الحق به أن يجعله متبتلا رضي بالتبتل ~~لا من حيث إنه هو ، بل من حيث إنه مراد الحق ، وإن أراد به عدم التبتل رضي ~~بعدم التبتل لا من حيث إنه عدم التبتيل ، بل من حيث إنه مراد الحق ، وههنا ~~آخر الدرجات ، وقوله : { فاتخذه وكيلا } إشارة إلى هذه الحالة ، فهذا ما ~~جرى به القلم في تفسير في هذه الآية ، وفي الزوايا خبايا ، ومن أسرار هذه ~~الآية بقايا { ولو أنما فى الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله } ( لقمان : 27 ) . # المسألة الثانية : { رب } فيه قراءتان إحداهما : الرفع ، وفيه وجهان : ~~أحدهما : على المدح ، والتقدير هو رب المشرق ، فيكون خبر مبتدأ محذوف ، ~~كقوله : { بشر من ذالكم النار } وقوله : { متاع قليل } PageV30P158 ( آل ~~عمران : 197 ) أي تقلبهم متاع قليل والثاني : أن ترفعه بالابتداء ، وخبره ~~الجملة التي هي ، { لا إلاه إلا هو } ، والعائد إليه الضمير المنفصل ، ~~والقراءة الثانية : الخفض ، وفيها وجهان : الأول : على البدل { من ربك } ( ~~المزمل : 8 ) والثاني : قال ابن عباس : على القسم بإضمار حرف القسم كقولك : ~~الله لأفعلن وجوابه : { لا إلاه إلا هو } كما تقول والله لا أحد في الدار ~~إلا زيد ، وقرأ ابن عباس { رب * المشارق والمغارب } . # أما قوله : { فاتخذه وكيلا } فالمعنى أنه لما ثبت أنه لا إله إلا هو لزمك ~~أن تتخذه وكيلا / وأن تفوض كل أمورك إليه / وههنا مقام عظيم ، فإنه لما ~~كانت معرفة أنه لا إله إلا هو توجب تفويض كل الأمور إليه دل هذا على أن من ~~لا يفوض كل الأمور إليه ، فإنه غير عالم بحقيقة لا إله إلا هو ، وتقريره أن ~~كل ما سواه ممكن ومحدث ، وكل ممكن ومحدث ، فإنه مالم ينته إلى الواجب لذاته ~~لم يجب ، ولما كان الواجب لذاته واحدا كان جميع الممكنات مستندة إليه ، ~~منتهية إليه وهذا هو المراد من قوله : { فاتخذه ms9270 وكيلا } وقال بعضهم : { ~~وكيلا } أي كفيلا بما وعدك من النصر والإظهار . # ! 7 < { واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا } . > 7 ! # < < # | المزمل : ( 10 ) واصبر على ما . . . . . # > > المعنى إنك لما اتخذتني وكيلا فاصبر على ما يقولون وفوض أمرهم إلي ~~فإنني لما كنت وكيلا لك أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بإصلاح أمور نفسك ، ~~واعلم أن مهمات العباد محصورة في أمرين كيفية معاملتهم مع الله ، وكيفية ~~معاملتهم مع الخلق ، والأول أهم من الثاني ، فلما ذكر تعالى في أول هذه ~~السورة ما يتعلق بالقسم الأول أتبعه بما يتعلق بالقسم الثاني ، وهو سبحانه ~~جمع كل ما يحتاج إليه من هذا الباب في هاتين الكلمتين ، وذلك لأن الإنسان ~~إما أن يكون مخالطا للناس أو مجانبا عنهم فإن خالطهم فلا بد له من المصابرة ~~على إيذائهم وإيحاشهم ، فإنه إن كان يطمع منهم في الخير والراحة لم يجد ~~فيقع في الغموم والأحزان ، فثبت أن من أراد مخالطة مع الخلق فلا بد له من ~~الصبر الكثير ، فأما إن ترك المخالطة فذاك هو الهجر الجميل ، فثبت أنه لا ~~بد لكل إنسان من أحد هذين الأمرين ، والهجر الجميل أن يجانبهم بقلبه وهواه ~~ويخالفهم في الأفعال مع المدارة والإغضاء وترك المكافأة ، ونظيره { فأعرض ~~عنهم وعظهم } ( النساء : 63 ) { وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) { ~~فأعرض * عم * من تولى عن ذكرنا } ( النجم : 29 ) قال المفسرون : هذه الآية ~~إنما نزلت قبل آية القتال ثم نسخت بالأمر بالقتال ، وقال آخرون : بل ذلك هو ~~الأخذ بإذن الله فيما يكون أدعى إلى القبول فلا يرد النسخ في مثله وهذا أصح ~~. # ! 7 < { وذرنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا } . > 7 ! # < < # | المزمل : ( 11 ) وذرني والمكذبين أولي . . . . . # > > اعلم أنه إذا اهتم إنسان بمهم وكان غيره قادرا على كفاية ذلك المهم ~~على سبيل التمام والكمال قال له : ذرني أنا وذاك أي لا حاجة مع اهتمامي ~~بذاك إلى شيء آخر وهو كقوله : { فذرنى ومن يكذب } ( القلم : 44 ) وقوله : { ~~أولى النعمة } بالفتح التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرة يقال : أنعم بك ~~ونعمك عينا أي أسر عينك وهم ms9271 صناديد قريش وكانوا أهل تنعم وترفه { ومهلهم ~~قليلا } فيه وجهان أحدهما : المراد من القليل الحياة الدنيا والثاني : ~~المراد من القليل تلك المدة القليلة الباقية إلى يوم بدر ، فإن الله أهلكهم ~~في ذلك اليوم . PageV30P159 # / ثم ذكر كيفية عذابهم عند الله فقال : # ! 7 < { إن لدينآ أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا أليما } . > 7 ! # < < # | المزمل : ( 12 ) إن لدينا أنكالا . . . . . # > > أي إن لدينا في الآخرة ما يضاد تنعمهم في الدنيا ، وذكر أمورا أربعة ~~أولها : قوله : { أنكالا } واحدها نكل ونكل ، قال الواحدي : النكل القيد ، ~~وقال صاحب الكشاف : النكل القيد الثقيل وثانيها : قوله : { وجحيما } ولا ~~حاجة به إلى التفسير وثالثها : قوله : { وطعاما ذا غصة } الغصة ما يغص به ~~الإنسان ، وذلك الطعام هو الزقوم والضريع كما قال تعالى : { ليس لهم طعام ~~إلا من ضريع } ( الغاشية : 6 ) قالوا : إنه شوك كالعوسج يأخذ بالحلق يدخل ~~ولا يخرج ورابعها : قوله : { وعذابا أليما } والمراد منه سائر أنواع العذاب ~~، واعلم أنه يمكن حمل هذه المراتب الأربعة على العقوبة الروحانية ، أما ~~الأنكال فهي عبارة عن بقاء النفس في قيد التعلقات الجسمانية واللذات ~~البدنية ، فإنها في الدنيا لما اكتسبت ملكة تلك المحبة والرغبة ، فبعد ~~البدن يشتد الحنين ، مع أن آلات الكسب قد بطلت فصارت تلك كالأنكال والقيود ~~المانعة له من التخلص إلى عالم الروح والصفاء ، ثم يتولد من تلك القيود ~~الروحانية نيران روحانية ، فإن شدة ميلها إلى الأحوال البدنية وعدم تمكنها ~~من الوصول إليها ، يوجب حرقة شديدة روحانية كمن تشتد رغبته في وجدان شيء ، ~~ثم إنه لا يجده فإنه يحترق قلبه عليه ، فذاك هو الجحيم ، ثم إنه يتجرع غصة ~~الحرمان وألم الفراق ، فذاك هو المراد من قوله : { وطعاما ذا غصة } ثم إنه ~~بسبب هذه الأحوال بقي محروما عن تجلي نور الله والانخراط في سلك المقدسين ، ~~وذلك هو المراد من قوله : { وعذابا أليما } والتنكير في قوله : { وعذابا } ~~يدل على أن هذا العذاب أشد مما تقدم وأكمل ، واعلم أني لا أقول المراد بهذه ~~الآيات هو ما ذكرته فقط ، بل أقول إنها تفيد حصول المراتب الأربعة ~~الجسمانية ms9272 ، وحصول المراتب الأربعة الروحانية ، ولا يمتنع حمله عليهما ، ~~وإن كان اللفظ بالنسبة إلى المراتب الجسمانية حقيقة ، وبالنسبة إلى المراتب ~~الروحانية مجازا متعارفا مشهورا . # ثم إنه تعالى لما وصف العذاب ، أخبر أنه متى يكون ذلك فقال تعالى : # ! 7 < { يوم ترجف الا رض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا } . > 7 ! # < < # | المزمل : ( 14 ) يوم ترجف الأرض . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الزجاج : { يوم } منصوب بقول : { إن لدينا أنكالا ~~وجحيما } ( المزمل : 12 ) أي ننكل بالكافرين ونعذبهم يوم ترجف الأرض . # المسألة الثانية : الرجفة الزلزلة والزعزعة الشديدة ، والكثيب القطعة ~~العظيمة من الرمل تجتمع محدودبة وجمعه الكثبان ، وفي كيفية الاشتقاق قولان ~~: أحدهما : أنه من كثب الشيء / إذا جمعه كأنه فعيل بمعنى مفعول والثاني : ~~قال الليث : الكثيب نثر التراب أو الشيء يرمي به ، والفعل اللازم انكثب ~~ينكثب انكثابا ، وسمي الكثيب كثيبا ، لأن ترابه دقاق ، كأنه مكثوب منثور ~~بعضه على بعض لرخاوته ، وقوله : { مهيلا } أي سائلا قد أسيل ، يقال : تراب ~~مهيل ومهيول أي مصبوب ومسيل الأكثر في اللغة مهيل ، وهو مثل قولك مكيل ~~ومكيول ، ومدين ومديون ، وذلك أن الياء تحذف منه الضمة فتسكن ، والواو أيضا ~~ساكنة ، فتحذف الواو PageV30P160 لالتقاء الساكنين ذكره الفراء والزجاج ، ~~وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى يفرق تركيب أجزاء الجبال وينسفها نسفا ~~ويجعلها كالعهن المنفوش ، فعند ذلك تصير كالكثيب ، ثم إنه تعالى يحركها على ~~ما قال : { ويوم نسير الجبال } ( الكهف : 47 ) وقال : { وهى تمر مر السحاب ~~} ( النمل : 88 ) وقال : { وسيرت الجبال } ( النبإ : 20 ) فعند ذلك تصير ~~مهيلا ، فإن قيل لم لم يقل : وكانت الجبال كثبانا مهيلة ؟ قلنا : لأنها ~~بأسرها تجتمع فتصير كثيبا واحدا مهيلا . # واعلم أنه تعالى لما خوف المكذبين أولي النعمة بأهوال القيامة خوفهم بعد ~~ذلك بأهوال الدنيا فقال تعالى : # ! 7 < { إنآ أرسلنآ إليكم رسولا شاهدا عليكم كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا ~~* فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا } . > 7 ! # < < # | المزمل : ( 15 ) إنا أرسلنا إليكم . . . . . # > > واعلم أن الخطاب لأهل مكة والمقصود تهديدهم بالأخذ الوبيل ، وههنا ~~سؤالات : # السؤال الأول : لم نكر الرسول ثم عرف ؟ الجواب : التقدير أرسلنا إلى ms9273 ~~فرعون رسولا فعصاه فأخذناه أخذا وبيلا ، فأرسلنا إليكم أيضا رسولا فعصيتم ~~ذلك الرسول ، فلا بد وأن نأخذكم أخذا وبيلا . # السؤال الثاني : هل يمكن التمسك بهذه الآية في إثبات أن القياس حجة ؟ ~~والجواب : نعم لأن الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى ، ~~فإن قيل : هب أن القياس في هذه الصورة حجة ، فلم قلتم : إنه في سائر الصور ~~حجة ، وحينئذ يحتاج إلى قياس سائر القياسات على هذا القياس ، فيكون ذلك ~~إثباتا للقياس بالقياس ، وإنه غير جائز ؟ قلنا : لا نثبت سائر القياسات ~~بالقياس على هذه الصورة ، وإلا لزم المحذور الذي ذكرتم ، بل وجه التمسك هو ~~أن نقول : لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ~~ظنا يجب اشتراكهما في الحكم ، وإلا لما أورد هذا الكلام في هذه الصورة ، ~~وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم ههنا فإن لقائل أن يقول : لعلهم إنما ~~استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حالة العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية ~~غير موجودة ههنا ، فلا يلزم حصول الأخذ الوبيل ههنا ، ثم إنه تعالى مع قيام ~~هذا الاحتمال جزم / بالتسوية في الحكم فهذا الجزم لا بد وأن يقال : إنه كان ~~مسبوقا بتقرير أنه متى وقع الاشتراك في المناط الظاهر وجب الجزم بالاشتراك ~~في الحكم ، وإن مجرد احتمال الفرق بالأشياء التي لا يعلم كونها مناسبة ~~للحكم لا يكون قادحا في تلك التسوية ، فلا معنى لقولنا القياس حجة إلا هذا ~~. # السؤال الثالث : لم ذكر في هذا الموضع قصة موسى وفرعون على التعيين دون ~~سائر الرسل والأمم ؟ الجواب : لأن أهل مكة ازدروا محمدا عليه الصلاة ~~والسلام ، واستخفوا به لأنه ولد فيهم ، كما أن فرعون ازدرى موسى لأنه رباه ~~وولد فيما بينهم وهو قوله : { ألم نربك فينا وليدا } ( الشعراء : 18 ) . # السؤال الرابع : ما معنى كون الرسول شاهدا عليهم ؟ الجواب : من وجهين ~~الأول : أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم وتكذيبهم الثاني : المراد كونه ~~مبينا للحق في الدنيا ، ومبينا لبطلان ما هم عليه من PageV30P161 الكفر ، ~~لأن الشاهد بشهادته يبين الحق ، ولذلك وصفت بأنها بينة ms9274 ، فلا يمتنع أن يوصف ~~عليه الصلاة والسلام بذلك من حيث إنه بين الحق ، وهذا بعيد لأن الله تعالى ~~قال : { وكذالك جعلناكم أمة وسطا } ( البقرة : 143 ) أي عدولا خيارا { ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } ( البقرة : 143 ) فبين ~~أنه يكون شاهدا عليهم في المستقبل ، ولأن حمله على الشهادة في الآخرة حقيقة ~~، وحمله على البيان مجاز والحقيقة أولى . # السؤال الخامس : ما معنى الوبيل ؟ الجواب : فيه وجهان الأول : الوبيل : ~~الثقيل الغليظ ومنه قولهم : صار هذا وبالا عليهم ، أي أفضى به إلى غاية ~~المكروه ، ومن هذا قيل للمطر العظيم : وابل ، والوبيل : العصا الضخمة ~~الثاني : قال أبو زيد : الوبيل الذي لا يستمرأ ، وماء وبيل وخيم إذا كان ~~غير مريء وكلأ مستوبل ، إذا أدت عاقبته إلى مكروه ، إذا عرفت هذا فنقول ~~قوله : { فأخذناه أخذا وبيلا } يعني الغرق ، قاله الكلبي ومقاتل وقتادة . # ثم إنه تعالى عاد إلى تخويفهم بالقيامة مرة أخرى فقال تعالى : # ! 7 < { فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا * السمآء منفطر به ~~كان وعده مفعولا } . > 7 ! # < < # | المزمل : ( 17 ) فكيف تتقون إن . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي : في الآية تقديم وتأخير ، أي فكيف تتقون ~~يوما يجعل الولدان شيبا إن كفرتم . # المسألة الثانية : ذكر صاحب ( الكشاف ) في قوله : { يوما } وجوها الأول : ~~أنه مفعول به ، أي فكيف تتقون أنفسكم يوم القيامة وهوله إن بقيتم على الكفر ~~والثاني : أن يكون ظرفا أي / وكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في ~~الدنيا والثالث : أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم ، أي فكيف تتقون الله ~~وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة ، والجزاء لأن تقوى الله لا معنى لها إلا خوف ~~عقابه . # المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين الأول : قوله : ~~{ يجعل الولدان شيبا } وفيه وجهان الأول : أنه مثل في الشدة يقال في اليوم ~~الشديد : يوم يشيب نواصي الأطفال والأصل فيه أن الهموم والأحزان ، إذا ~~تفاقمت على الإنسان ، أسرع فيه الشيب ، لأن كثرة الهموم توجب انقصار الروح ~~إلى داخل القلب ، وذلك الانقصار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية ms9275 وانطفاء ~~الحرارة الغريزية وضعفها ، يوجب بقاء الأجزاء الغذائية غير تامة النضج وذلك ~~يوجب استيلاء البلغم على الأخلاط ، وذلك يوجب ابيضاض الشعر ، فلما رأوا أن ~~حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم ، جعلوا الشيب كناية عن الشدة والمحنة ، ~~وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الوالدان شيبا حقيقة ، لأن إيصال الألم ~~والخوف إلى الصبيان غير جائز يوم القيامة الثاني : يجوز أن يكون المراد وصف ~~ذلك اليوم بالطول ، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب ، ولقد ~~سألني بعض الأدباء عن قول المعري : # وظلم يملأ الفودين شيبا PageV30P162 # وقال : كيف يفضل هذا التشبيه الذي في القرآن على بيت المعري ؟ فقلت : من ~~وجوه الأول : أن امتلاء الفودين من الشيب ليس بعجب ، أما صيرورة الولدان ~~شيبا فهو عجيب كأن شدة ذلك اليوم تنقلهم من سن الطفولية إلى سن الشيخوخة ، ~~من غير أن يمروا فيما بين الحالتين بسن الشباب ، وهذا هو المبالغة العظيمة ~~في وصف اليوم بالشدة وثانيها : أن امتلاء الفودين من الشيب معناه ابيضاض ~~الشعر ، وقد يبيض الشعر لعلة مع أن قوة الشباب تكون باقية فهذا ليس فيه ~~مبالغة ، وأما الآية فإنها تدل على صيرورة الولدان شيوخا في الضعف والنحافة ~~وعدم طراوة الوجه ، وذلك نهاية في شدة ذلك اليوم وثالثها : أن امتلاء ~~الفودين من الشيب ، ليس فيه مبالغة لأن جانبي الرأس موضع للرطوبات الكثيرة ~~البلغمية ، ولهذا السبب ، فإن الشيب إنما يحدث أولا في الصدغين ، وبعده في ~~سائر جوانب الرأس ، فحصول الشيب في الفودين ليس بمبالغة إنما المبالغة هو ~~استيلاء الشيب على جميع أجزاء الرأس بل على جميع أجزاء البدن كما هو مذكور ~~في الآية ، والله أعلم . # النوع الثاني : من أهوال يوم القيامة قوله : { السماء منفطر به } وهذا ~~وصف لليوم بالشدة أيضا ، وأن السماء على عظمها وقوتها تنفطر فيه ، فما ظنك ~~بغيرها من الخلائق ، ونظيره قوله : { إذا السماء انفطرت } ( الانفطار : 1 ) ~~وفيه سؤالان : # السؤال الأول : لم لم يقل : منفطرة ؟ الجواب من وجوه : أولها : روى أبو ~~عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء ، إنما قال : { السماء منفطر } ولم يقل : ~~منفطرة ms9276 لأن مجازها مجاز السقف ، تقول : هذا سماء البيت وثانيها : قال ~~الفراء : السماء تؤنث وتذكر ، وهي ههنا في وجوه التذكير / وأنشد شعرا : # % فلو رفع السماء إليه قوما % % لحقنا بالنجوم مع السحاب % # وثالثها : أن تأنيث السماء ليس بحقيقي ، وما كان كذلك جاز تذكيره . # قال الشاعر : # والعين بالإثمد الخيري مكحول # وقال الأعشى : # % فلا مزنة ودقت ودقها % % ولا أرض أبقل إبقالها % # ورابعها : أن يكون السماء ذات انفطار فيكون من باب الجراد المنتشر ، ~~والشجر الأخضر ، وأعجاز نخل منقعر ، وكقولهم امرأة مرضع ، أي ذات رضاع . # السؤال الثاني : ما معنى : { منفطر به } ؟ الجواب من وجوه : أحدها : قال ~~الفراء : المعنى منفطر فيه وثانيها : أن الباء في ( به ) مثلها في قولك ~~فطرت العود بالقدوم فانفطر به ، يعني أنها تنفطر لشدة ذلك اليوم وهوله ، ~~كما ينفطر الشيء بما ينفطر به وثالثها : يجوز أن يراد السماء مثقلة به ~~إثقالا يؤدي إلى انفطارها لعظم تلك الواقعة عليها وخشيتها منها كقوله : { ~~ثقلت فى * السماوات والارض } ( الأعراف : 187 ) . # أما قوله : { كان وعده مفعولا } فاعلم أن الضمير في قوله : { وعده } ~~يحتمل أن يكون عائدا إلى المفعول وأن يكون عائدا إلى الفاعل ، أما الأول : ~~فأن يكون المعنى وعد ذلك اليوم مفعول أي الوعد المضاف إلى ذلك اليوم واجب ~~الوقوع ، لأن حكمة الله تعالى وعلمه يقتضيان إيقاعه ، وأما الثاني : فأن ~~يكون المعنى وعد PageV30P163 الله واقع لا محالة لأنه تعالى منزه عن الكذب ~~وههنا وإن لم يجر ذكر الله تعالى ولكنه حسن عود الضمير إليه لكونه معلوما ، ~~واعلم أنه تعالى بدأ في أول السورة بشرح أحوال السعداء ، ومعلوم أن أحوالهم ~~قسمان أحدهما : ما يتعلق بالدين والطاعة للمولى فقدم ذلك والثاني : ما ~~يتعلق بالمعاملة مع الخلق وبين ذلك بقوله : { واصبر على ما يقولون واهجرهم ~~هجرا جميلا } ( المزمل : 10 ) وأما الأشقياء فقد بدأ بتهديدهم على سبيل ~~الإجمال ، وهو قوله تعالى : { وذرنى والمكذبين } ( المزمل : 11 ) ثم ذكره ~~بعده أنواع عذاب الآخرة ثم ذكر بعده عذاب الدنيا وهو الأخذ الوبيل في ~~الدنيا ، ثم وصف بعده شدة يوم القيامة ، فعند هذا تم البيان ms9277 بالكلية فلا ~~جرم ختم ذلك الكلام بقوله : # ! 7 < { إن هاذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } . > 7 ! # < < # | المزمل : ( 19 ) إن هذه تذكرة . . . . . # > > أي هذه الآيات تذكرات مشتملة على أنواع الهداية والإرشاد { فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا } واتخاذ السبيل عبارة عن الاشتغال بالطاعة والاحتراز ~~عن المعصية . # ! 7 < { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ونصفه وثلثه وطآئفة من ~~الذين معك والله يقدر اليل والنهار علم ألن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما ~~تيسر من القرءان علم أن سيكون منكم مرضى وءاخرون يضربون فى الا رض يبتغون ~~من فضل الله وءاخرون يقاتلون فى سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا ~~الصلواة وءاتوا الزكواة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لانفسكم من خير ~~تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } . > ~~7 @QB@ < # | المزمل : ( 20 ) إن ربك يعلم . . . . . # > > # / قوله تعالى : { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ونصفه وثلثه ~~وطائفة من الذين معك } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : المراد من قوله : { إن ربك يعلم أنك } أقل منهما ، ~~وإنما استعير الأدنى وهو الأقرب للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ~~ما بينهما من الأحياز وإذا بعدت كثر ذلك . # المسألة الثانية : قرىء { ونصفه وثلثه } بالنصب والمعنى أنك تقوم أقل من ~~الثلثين وتقوم النصف ( والثلث ) وقرىء { ونصفه وثلثه } بالجر أي تقوم أقل ~~من الثلثين والنصف والثلث ، لكنا بينا في تفسير قوله : { قم اليل إلا قليلا ~~} ( المزمل : 2 ) أنه لا يلزم من هذا أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام ~~كان تاركا للواجب وقوله تعالى : { وطائفة من الذين معك } وهم أصحابك يقومون ~~من الليل هذا المقدار المذكور . # قوله تعالى : { والله يقدر اليل والنهار } يعني أن العالم بمقادير أجزاء ~~الليل والنهار ليس إلا الله تعالى . # قوله تعالى : { علم أن لن تحصوه } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : الضمير في { أن لن تحصوه } عائد إلى مصدر مقدر أي علم ~~أنه لا يمكنكم إحصاء مقدار كل واحد من أجزاء الليل والنهار على الحقيقة ، ~~ولا ms9278 يمكنكم أيضا تحصيل تلك المقادير على سبيل الطعن والاحتياط إلا مع ~~المشقة التامة ، قال مقاتل : كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما ~~أمر به من قيام ما فرض عليه . PageV30P164 # المسألة الثانية : احتج بعضهم على تكليف مالا يطاق بأنه تعالى قال : { لن ~~تحصوه } أي لن تطيقوه ، ثم إنه كان قد كلفهم به ، ويمكن أن يجاب عنه بأن ~~المراد صعوبته لا أنهم لا يقدرون عليه كقول القائل : ما أطيق أن أنظر إلى ~~فلان إذا استثقل النظر إليه . # وقوله تعالى : { فتاب عليكم } هو عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدر ~~كقوله تعالى : { فتاب عليكم وعفا عنكم فالن باشروهن } ( البقرة : 187 ) ~~والمعنى أنه رفع التبعة عنكم في ترك هذا العمل كما رفع التبعة عن التائب . # قوله تعالى : { فاقرءوا ما تيسر من القرءان } وفيه قولان : الأول : أن ~~المراد من هذه القراءة / الصلاة لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة ، فأطلق اسم ~~الجزء على الكل ، أي فصلوا ما تيسر عليكم ، ثم ههنا قولان : الأول : قال ~~الحسن : يعني في صلاة المغرب والعشاء ، وقال آخرون : بل نسخ وجوب ذلك ~~التهجد واكتفى بما تيسر منه ، ثم نسخ ذلك أيضا بالصلوات الخمس القول الثاني ~~: أن المراد من قوله : { فاقرءوا ما تيسر من القرءان } قراءة القرآن بعينها ~~والغرض منه دراسة القرآن ليحصل الأمن من النسيان قيل : يقرأ مائة آية ، ~~وقيل : من قرأ مائة آية كتب من القانتين ، وقيل : خمسين آية ومنهم من قال : ~~بل السورة القصيرة كافية ، لأن إسقاط التهجد إنما كان دفعا للحرج ، وفي ~~القراءة الكثيرة حرج فلا يمكن اعتبارها . وههنا بحث آخر وهو ما روي عن ابن ~~عباس أنه قال : سقط عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل ~~وصارت تطوعا وبقي ذلك فرضا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . # ثم إنه تعالى ذكر الحكمة في هذا النسخ فقال تعالى : { علم أن لن تحصوه ~~فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرءان علم أن سيكون منكم مرضى وءاخرون ~~يضربون فى } . # واعلم أن تقدير هذه الآية كأنه ms9279 قيل : لم نسخ الله ذلك ؟ فقال : لأنه علم ~~كذا وكذا والمعنى لتعذر القيام على المرضى والضاربين في الأرض للتجارة ~~والمجاهدين في سبيل الله ، أما المرضى فإنهم لا يمكنهم الاشتغال بالتهجد ~~لمرضهم ، وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة ~~، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم ، وهذا السبب ما كان ~~موجودا في حق النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : { إن لك فى ~~النهار سبحا طويلا } ( المزمل : 7 ) فلا جرم ما صار وجوب التهجد منسوخا في ~~حقه . ومن لطائف هذه الآية أنه تعالى سوى بين المجاهدين والمسافرين للكسب ~~الحلال وعن ابن مسعود : ( أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين ~~صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء ) ثم أعاد مرة أخرى ~~قوله : { فاقرءوا ما تيسر منه } وذلك للتأكيد ثم قال : { وإذ أخذنا } يعني ~~المفروضة { وإذ أخذنا } أي الواجبة وقيل : زكاة الفطر لأنه لم يكن بمكة ~~زكاة وإنما وجبت بعد ذلك ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنيا . ~~PageV30P165 # قوله تعالى : { وأقرضوا الله قرضا حسنا } فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه ~~يريد سائر الصدقات / وثانيها : يريد أداء الزكاة على أحسن وجه ، وهو ~~إخراجها من أطيب الأموال وأكثرها نفعا للفقراء ومراعاة النية وابتغاء وجه ~~الله والصرف إلى المستحق وثالثها : يريد كل شيء يفعل من الخير مما يتعلق ~~بالنفس والمال . # ثم ذكر تعالى الحكمة في إعطاء المال فقال : { وما تقدموا لانفسكم من خير ~~تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } ~~وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : تجدوه عند الله خيرا وأعظم أجرا من الذي ~~تؤخره إلى وصيتك عند الموت ، وقال الزجاج : وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه عند الله هو خيرا لكم من متاع الدنيا ، والقول ما قاله ابن عباس . # المسألة الثانية : معنى الآية : وما تقدموا لأنفسكم من خير فإنكم تجدوه ~~عند الله خيرا وأعظم أجرا إلا أنه قال : هو خيرا للتأكيد والمبالغة ، وقرأ ~~أبو السمال هو خير وأعظم ms9280 أجرا بالرفع على الابتداء والخبر ، ثم قال : { ~~واستغفروا الله } لذنوبكم والتقصيرات الصادرة منكم خاصة في قيام الليل { أن ~~الله غفور } لذنوب المؤمنين { رحيم } بهم ، وفي الغفور قولان : أحدهما : ~~أنه غفور لجميع الذنوب ، وهو قول مقاتل والثاني : أنه غفور لمن يصر على ~~الذنب ، احتج مقاتل على قوله بوجهين الأول : أن قوله : { غفور رحيم } ~~يتناول التائب والمصر ، بدليل أنه يصح استثناء كل واحد منهما وحده عنه وحكم ~~الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل والثاني : أن غفران التائب واجب عند الخصم ~~ولا يحصل المدح بأداء الواجب ، والغرض من الآية تقرير المدح فوجب حمله على ~~الكل تحقيقا للمدح / والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين ~~والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين . # PageV30P166 < # > 1 ( سورة المدثر ) 1 < # > # خمسون وست آيات مكية ، وعند بعضهم # أنها أول ما نزل # ! 7 < { ياأيها المدثر } . > 7 ! # / < < # | المدثر : ( 1 ) يا أيها المدثر # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : المدثر ، أصله المتدثر ، وهو الذي يتدثر بثيابه لينام ، ~~أو ليستدفىء ، يقال : تدثر بثوبه ، والدثار اسم لما يتدثر به ، ثم أدغمت ~~التاء في الدال لتقارب مخرجهما . # المسألة الثانية : أجمعوا على أن المدثر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، واختلفوا في أنه عليه الصلاة والسلام لم سمي مدثرا ، فمنهم من أجراه على ~~ظاهره وهو أنه كان متدثرا بثوبه ، ومنهم من ترك هذا الظاهر ، أما على الوجه ~~الأول فاختلفوا في أنه لأي سبب تدثر بثوبه على وجوه أحدها : أن هذا من ~~أوائل ما نزل من القرآن ، روى جابر بن عبد الله أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال : ( كنت على جبل حراء ، فنوديت يا محمد إنك رسول الله ، فنظرت عن يميني ~~ويساري ، فلم أر شيئا ، فنظرت فوقي ، فرأيت الملك قاعدا على عرش بين السماء ~~والأرض ، فخفت ورجعت إلى خديجة ، فقلت : دثروني دثروني ، وصبوا علي ماء ~~باردا ، فنزل جبريل عليه السلام بقوله : { رحيم يأيها المدثر } ) وثانيها : ~~أن النفر الذين آذوا رسول الله ، وهم أبو جهل وأبو لهب وأبو سفيان والوليد ~~بن المغيرة والنضر بن الحرث وأمية بن ms9281 خلف والعاص بن وائل اجتمعوا وقالوا : ~~إن وفود العرب يجتمعون في أيام الحج ويسألوننا عن أمر محمد ، فكل واحد منا ~~يجيب بجواب آخر ، فواحد يقول : مجنون ، وآخر يقول : كاهن ، وآخر يقول : ~~شاعر ، فالعرب يستدلون باختلاف الأجوبة على كون هذه الأجوبة باطلة ، ~~فتعالوا نجتمع على تسمية محمد باسم واحد ، فقال واحد : إنه شاعر ، فقال ~~الوليد : سمعت كلام عبيد بن الأبرص ، وكلام أمية بن أبي الصلت ، وكلامه ما ~~يشبه كلامهما ، وقال آخرون كاهن ، قال الوليد : ومن الكاهن ؟ قالوا : الذي ~~يصدق تارة ويكذب أخرى ، قال الوليد : ما كذب محمد قط ، فقال آخر : إنه ~~مجنون فقال الوليد : ومن يكون المجنون ؟ قالوا : مخيف الناس ، فقال الوليد ~~: ما أخيف بمحمد أحد قط ، ثم قام الوليد وانصرف إلى PageV30P167 بيته ، ~~فقال الناس : صبأ الوليد بن المغيرة ، / فدخل عليه أبو جهل ، وقال مالك : ~~يا أبا عبد شمس ؟ هذه قريش تجمع لك شيئا ، زعموا أنك احتججت وصبأت ، فقال : ~~الوليد مالي إليه حاجة ، ولكني فكرت في محمد . فقلت : إنه ساحر ، لأن ~~الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه وبين الأخوين ، وبين المرأة وزوجها ، ~~ثم إنهم أجمعوا على تلقيب محمد عليه الصلاة والسلام بهذا اللقب ، ثم إنهم ~~خرجوا فصرخوا بمكة والناس مجتمعون ، فقالوا : إن محمدا لساحر ، فوقعت الضجة ~~في الناس أن محمدا ساحر ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اشتد ~~عليه ، ورجع إلى بيته محزونا فتدثر بثوبه ، فأنزل الله تعالى : { رحيم ~~يأيها المدثر * قم فأنذر } وثالثها : أنه عليه الصلاة والسلام كان نائما ~~متدثرا بثيابه ، فجاءه جبريل عليه السلام وأيقظه ، وقال : { رحيم يأيها ~~المدثر قم فأنذر } كأنه قال : له اترك التدثر بالثياب والنوم ، واشتغل بهذا ~~المنصب الذي نصبك الله له . # القول الثاني : أنه ليس المراد من المدثر ، المتدثر بالثياب ، وعلى هذا ~~الاحتمال فيه وجوه أحدها : أن المراد كونه متدثرا بدثار النبوة والرسالة من ~~قولهم : ألبسه الله لباس التقوى وزينه برداء العلم ، ويقال : تلبس فلان ~~بأمر كذا ، فالمراد { رحيم يأيها المدثر } بدثار النبوة { قم فأنذر } ( ~~المدثر : 2 ) وثانيها : أن المتدثر بالثوب ms9282 يكون كالمختفي فيه ، وأنه عليه ~~الصلاة والسلام في جبل حراء كان كالمختفي من الناس ، فكأنه قيل : يا أيها ~~المتدثر بدثار الخمول والاختفاء ، قم بهذا الأمر واخرج من زاوية الخمول / ~~واشتغل بإنذار الخلق ، والدعوة إلى معرفة الحق وثالثها : أنه تعالى جعله ~~رحمة للعالمين ، فكأنه قيل له : يا أيها المدثر بأثواب العلم العظيم ، ~~والخلق الكريم ، والرحمة الكاملة قم فأنذر عذاب ربك . # المسألة الثالثة : عن عكرمة أنه قرىء على لفظ اسم المفعول من دثره ، كأنه ~~قيل له : دثرت هذا الأمر وعصيت به ، وقد سبق نظيره في المزمل . # ! 7 < { قم فأنذر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 2 ) قم فأنذر # > > في قوله : { قم } وجهان أحدهما : قم من مضجعك والثاني : قم قيام عزم ~~وتصميم ، وفي قوله : { فأنذر } وجهان أحدهما : حذر قومك من عذاب الله إن لم ~~يؤمنوا . وقال ابن عباس : قم نذيرا للبشر ، احتج القائلون بالقول الأول ~~بقوله تعالى : { وأنذر } واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله تعالى : { وما ~~أرسلناك إلا كافة للناس } ( سبأ : 28 ) وههنا قول ثالث ، وهو أن المراد ~~فاشتغل بفعل الإنذار ، كأنه تعالى يقول له تهيأ لهذه الحرفة ، فإنه فرق بين ~~أن يقال تعلم صنعة المناظرة ، وبين أن يقال : ناظر زيدا . # ! 7 < { وربك فكبر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 3 ) وربك فكبر # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : ذكروا في تفسير التكبير وجوها أحدها : قال الكلبي : عظم ~~ربك / مما يقوله عبدة الأوثان وثانيها : قال مقاتل : هو أن يقول : الله ~~أكبر ، روى أنه ( لما نزلت هذه الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ~~الله أكبر كبيرا ، فكبرت خديجة وفرحت ، وعلمت أنه أوحى إليه ) وثالثها : ~~المراد منه التكبير في الصلوات ، فإن قيل : هذه السورة نزلت في أول البعث ~~وما كانت الصلاة واجبة في ذلك الوقت ؟ قلنا : لا يبعد أنه كانت له عليه ~~السلام صلوات تطوعية ، فأمر أن يكبر ربه فيها ورابعها : يحتمل عندي أن يكون ~~المراد أنه لما قيل له : { قم فأنذر } قيل بعد ذلك : { وربك فكبر } عن ~~اللغو والعبث . PageV30P168 # واعلم أنه ما أمرك بهذا الإنذار إلا لحكمة بالغة ، ومهمات عظيمة ، لا ~~يجوز لك ms9283 الإخلال بها ، فقوله : { وربك } كالتأكيد في تقرير قوله : { قم ~~فأنذر } وخامسها : عندي فيه وجه آخر وهو أنه لما أمره بالإنذار ، فكأن ~~سائلا سأل وقال : بماذا ينذر ؟ فقال : أن يكبر ربه عن الشركاء والأضداد ~~والأنداد ومشابهة الممكنات والمحدثات ، ونظير قوله في سورة النحل : { أن ~~أنذروا أنه لا إلاه إلا أنا فاتقون } ( النحل : 2 ) وهذا تنبيه على أن ~~الدعوة إلى معرفة الله ومعرفة تنزيهه مقدمة على سائر أنواع الدعوات . # المسألة الثانية : الفاء في قوله : { فكبر } ذكروا فيه وجوها أحدها : قال ~~أبو الفتح الموصلي : يقال : زيدا فاضرب ، وعمرا فاشكر ، وتقديره زيدا اضرب ~~وعمرا اشكر ، فعنده أن الفاء زائدة وثانيها : قال الزجاج : دخلت الفاء ~~لإفادة معنى الجزائية ، والمعنى : قم فكبر ربك وكذلك ما بعده على هذا ~~التأويل وثالثها : قال صاحب ( الكشاف ) : الفاء لإفادة معنى الشرط ، ~~والتقدير : وأي شيء كان فلا تدع تكبيره . # ! 7 < { وثيابك فطهر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 4 ) وثيابك فطهر # > > اعلم أن تفسير هذه الآية يقع على أربعة أوجه أحدها : أن يترك لفظ ~~الثياب والتطهير على ظاهره والثاني : أن يترك لفظ الثياب على حقيقته ، ~~ويحمل لفظ التطهير على مجازه الثالث : أن يحمل لفظ الثياب على مجازه ، ~~ويترك لفظ التطهير على حقيقته والرابع : أن يحمل اللفظان على المجاز أما ~~الاحتمال الأول : وهو أن يترك لفظ الثياب ، ولفظ التطهير على حقيقته ، فهو ~~أن نقول : المراد منه أنه عليه الصلاة والسلام ، أمر بتطهير ثيابه من ~~الأنجاس والأقذار ، وعلى هذا التقدير يظهر في الآية ثلاثة احتمالات أحدها : ~~قال الشافعي : المقصود منه الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة ~~من الأنجاس وثانيها : قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان المشركون ما ~~كانوا يصونون ثيابهم عن النجاسات ، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن ~~النجاسات وثالثها : روي أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلى ~~شاة ، فشق عليه ورجع إلى / بيته حزينا وتدثر بثيابه ، فقيل : { رحيم يأيها ~~المدثر * قم فأنذر } ( المدثر : 1 2 ) ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار { ~~وربك فكبر } ( المدثر : 3 ) عن أن ms9284 لا ينتقم منهم { وثيابك فطهر } عن تلك ~~النجاسات والقاذورات ، الاحتمال الثاني : أن يبقى لفظ الثياب على حقيقته ، ~~ويجعل لفظ التطهير على مجازه ، فهنا قولان : الأول : أن المراد من قوله : { ~~فطهر } أي فقصر ، وذلك لأن العرب كانوا يطولون ثيابهم ويجرون أذيالهم فكانت ~~ثيابهم تتنجس ، ولأن تطويل الذيل إنما يفعل للخيلاء والكبر ، فنهى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك القول الثاني : { وثيابك فطهر } أي ينبغي أن ~~تكون الثياب التي تلبسها مطهرة عن أن تكون مغصوبة أو محرمة ، بل تكون ~~مكتسبة من وجه حلال ، الاحتمال الثالث : أن يبقى لفظ التطهير على حقيقته ، ~~ويحمل لفظ الثياب على مجازه ، وذلك أن يحمل لفظ الثياب على الحقيقة وذلك ~~لأن العرب ما كانوا يتنظفون وقت الاستنجاء ، فأمر عليه الصلاة والسلام بذلك ~~التنظيف وقد يجعل لفظ الثياب كناية عن النفس . # قال عنترة : # % فشككت بالرمح الأصم ثيابه ( أي نفسه % % # ولهذا قال : # % ليس الكريم على القنا بمحرم PageV30P169 % % # الاحتمال الرابع : وهو أن يحمل لفظ الثياب ، ولفظ التطهير على المجاز ، ~~وذكروا على هذا الاحتمال وجوها الأول : وهو قول أكثر المفسرين : وقلبك فطهر ~~عن الصفات المذمومة وعن الحسن : { وثيابك فطهر } قال : وخلقك فحسن ، قال ~~القفال : وهذا يحتمل وجوها أحدها : أن الكفار لما لقبوه بالساحر شق ذلك ~~عليه جدا ، حتى رجع إلى بيته وتدثر بثيابه ، وكان ذلك إظهار جزع وقلة صبر ~~يقتضيه سوء الخلق ، فقيل له : { قم فأنذر } ( المدثر : 2 ) ولا تحملنك ~~سفاهتهم على ترك إنذارهم بل حسن خلقك والثاني : أنه زجر عن التخلق بأخلاقهم ~~، فقيل له : طهر ثيابك أي قلبك عن أخلاقهم ، في الافتراء والتقول والكذب ~~وقطع الرحم والثالث : فطهر نفسك وقلبك عن أن تعزم على الانتقام منهم ~~والإساءة إليهم ، ثم إذا فسرنا الآية بهذا الوجه ، ففي كيفية اتصالها بما ~~قبلها وجهان الأول : أن يقال : إن الله تعالى لما ناداه في أول السورة ، ~~فقال : { رحيم يأيها المدثر } ( المدثر : 1 ) وكان التدثر لباسا ، والدثار ~~من الثياب ، قيل طهر ثيابك التي أنت متدثر بها عن أن تلبسها على هذا التفكر ~~والجزع والضجر من افتراء ms9285 المشركين الوجه الثاني : أن يفسر المدثر بكونه ~~متدثرا بالنبوة ، كأنه قيل : يا أيها المتدثر بالنبوة طهر ما تدثرت به عن ~~الجزع وقلة الصبر ، والغضب والحقد ، فإن ذلك لا يليق بهذا الدثار ، ثم أوضح ~~ذلك بقوله : { ولربك فاصبر } ( المدثر : 7 ) واعلم أن حمل المدثر على ~~المتصف ببعض الصفات جائز ، يقال : فلان طاهر الجيب نقي الذيل ، إذا وصفوه ~~بالنقاء من المعايب ، ويقال : فلان دنس الثياب إذا كان موصوفا بالأخلاق ~~الذميمة ، قال الشاعر : # % فلا أب وابنا مثل مروان وابنه % % إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا % # والسبب في حسن هذه الكناية وجهان الأول : أن الثوب كالشيء الملازم ~~للإنسان ، فلهذا / السبب جعلوا الثواب كناية عن الإنسان ، يقال : المجد في ~~ثوبه والعفة في إزاره والثاني : أن الغالب أن من طهر باطنه ، فإنه يطهر ~~ظاهره الوجه الثاني : في تأويل الآية أن قوله : { وثيابك فطهر } أمر له ~~بالاحتراز عن الآثام والأوزار التي كان يقدم عليها قبل النبوة ، وهذا على ~~تأويل من حمل قوله : { ووضعنا عنك وزرك * الذى أنقض ظهرك } ( الشرح : 2 ، 3 ~~) على أيام الجاهلية الوجه الثاني : في تأويل الآية قال محمد بن عرفة ~~النحوي معناه : نساءك طهرهن ، وقد يكنى عن النساء بالثياب ، قال تعالى : { ~~هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } ( البقرة : 187 ) وهذا التأويل بعيد ، لأن ~~على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها . # ! 7 < { والرجز فاهجر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 5 ) والرجز فاهجر # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في الرجز وجوها الأول : قال العتبي : الرجز ~~العذاب قال الله تعالى : { لئن كشفت عنا الرجز } ( الأعراف : 134 ) أي ~~العذاب ثم سمي كيد الشيطان رجزا لأنه سبب للعذاب ، وسميت الأصنام رجزا لهذا ~~المعنى أيضا ، فعلى هذا القول تكون الآية دالة على وجوب الاحتراز عن كل ~~المعاصي ، ثم على هذا القول احتمالان أحدهما : أن قوله : { والرجز فاهجر } ~~يعني كل ما يؤدي إلى الرجز فاهجره ، والتقدير وذا الزجر فاهجر أي ذا العذاب ~~فيكون المضاف محذوفا والثاني : أنه سمي إلى ما يؤدي إلى العذاب عذابا تسمية ~~للشيء ، باسم ما يجاوره ويتصل به القول الثاني ms9286 : أن الرجز اسم للقبيح ~~المستقذر وهو معنى PageV30P170 الرجس ، فقوله : { والرجز فاهجر } كلام جامع ~~في مكارم الأخلاق كأنه قيل له : اهجر الجفاء والسفه وكل شيء قبيح ، ولا ~~تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين المستعملين للرجز ، وهذا يشاكل تأويل من فسر ~~قوله : { وثيابك فطهر } ( المدثر : 4 ) على تحسين الخلق وتطهير النفس عن ~~المعاصي والقبائح . # المسألة الثانية : احتج من جوز المعاصي على الأنبياء بهذه الآية ، قال ~~لولا أنه كان مشتغلا بها وإلا لما زجر عنها بقوله : { والرجز فاهجر } ~~والجواب المراد منه الأمر بالمداومة على ذلك الهجران ، كما أن المسلم إذا ~~قال : اهدنا فليس معناه أنا لسنا على الهداية فاهدنا ، بل المراد ثبتنا على ~~هذه الهداية ، فكذا ههنا . # المسألة الثالثة : قرأ عاصم في رواية حفص والرجز بضم الراء في هذه السورة ~~وفي سائر القرآن بكسر الراء ، وقرأ الباقون وعاصم في رواية أبي بكر بالكسر ~~وقرأ يعقوب بالضم ، ثم قال الفراء : هما لغتان والمعنى واحد ، وفي كتاب ~~الخليل الرجز بضم الراء عبادة الأوثان وبكسر الراء العذاب ، ووسواس الشيطان ~~أيضا رجز ، وقال أبو عبيدة : أفشى اللغتين وأكثرهما الكسر . # ! 7 < { ولا تمنن تستكثر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 6 ) ولا تمنن تستكثر # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : القراءة المشهورة تستكثر برفع الراء وفيه ثلاثة أوجه ~~أحدها : أن / يكون التقدير ولا تمنن لتستكثر فتنزع اللام فيرتفع وثانيها : ~~أن يكون التقدير لا تمنن أن تستكثر ثم تحذف أن الناصبة فتسلم الكلمة من ~~الناصب والجازم فترتفع ويكون مجاز الكلام لا تعط لأن تستكثر وثالثها : أنه ~~حال متوقعة أي لا تمنن مقدرا أن تستكثر قال أبو علي الفارسي : هو مثل قولك ~~مررت برجل معه صقر صائدا به غدا أي مقدرا للصيد فكذا ههنا المعنى مقدرا ~~الاستكثار ، قال : ويجوز أن يحكي به حالا أتية ، إذا عرفت هذا فنقول ، ~~ذكروا في تفسير الآية وجوها أحدها : أنه تعالى أمره قبل هذه الآية ، بأربعة ~~أشياء : إنذار القوم ، وتكبير الرب ، وتطهير الثياب ، وهجر الرجز ، ثم قال ~~: { ولا تمنن تستكثر } أي لا تمنن على ربك بهذه الأعمال الشاقة ، كالمستكثر ~~لما تفعله ، بل اصبر ms9287 على ذلك كله لوجه ربك متقربا بذلك إليه غير ممتن به ~~عليه . قال الحسن ، لا تمنن على ربك بحسناتك فتستكثرها وثانيها : لا تمنن ~~على الناس بما تعلمهم من أمر الدين ، والوحي كالمستكثر لذلك الإنعام ، فإنك ~~إنما فعلت ذلك بأمر الله ، فلا منة لك عليهم ، ولهذا قال : { ولربك فاصبر } ~~( المدثر : 7 ) ، وثالثها : لا تمنن عليهم بنبوتك لتستكثر ، أي لتأخذ منهم ~~على ذلك أجرا تستكثر به مالك ورابعها : لا تمنن أي لا تضعف من قولهم : حبل ~~منين أي ضعيف ، يقال : منه السير أي أضعفة . والتقدير فلا تضعف أن تستكثر ~~من هذه الطاعات الأربعة التي أمرت بها قبل هذه الآية ، ومن ذهب إلى هذا قال ~~: هو مثل قوله : { أفغير الله تأمرونى أعبد } ( الزمر : 64 ) أي أن أعبد ~~فحذفت أن وذكر الفراء أن في قراءة عبد الله ( ولا تمتن تستكثر ) وهذا يشهد ~~لهذا التأويل ، وهذا القول اختيار مجاهد وخامسها : وهو قول أكثر المفسرين ~~أن معنى قوله : { ولا تمنن } أي لا تعط يقال : مننت فلانا كذا أي أعطيته ، ~~قال : { هاذا عطاؤنا فامنن أو أمسك } ( ص : 39 ) أي فأعط ، أو أمسك وأصله ~~أن من أعطى فقد من ، فسميت العطية بالمن على سبيل الاستعارة ، فالمعنى ولا ~~تعط مالك لأجل أن تأخذ أكثر منه ، وعلى هذا التأويل سؤالات : # السؤال الأول : ما الحكمة في أن الله تعالى منعه من هذا العمل ؟ الجواب : ~~الحكمة فيه من وجوه الأول : لأجل أن تكون عطاياه لأجل الله لا لأجل طلب ~~الدنيا ، فإنه نهى عن طلب الدنيا في قوله : { ولا تمدن عينيك } PageV30P171 ~~( الحجر : 88 ) وذلك لأن طلب الدنيا لا بد وأن تكون الدنيا عنده عزيزة ، ~~ومن كان كذلك لم يصلح لأداء الرسالة الثاني : أن من أعطى غيره القليل من ~~الدنيا ليأخذ الكثير لا بد وأن يتواضع لذلك الغير ويتضرع له ، وذلك لا يليق ~~بمنصب النبوة ، لأنه يوجب دناءة الآخذ ، ولهذا السبب حرمت الصدقات عليه ، ~~وتنفير المأخوذ منه ، ولهذا قال : { أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } ( ~~الطور : 40 ) . # السؤال الثاني : هذا النهي مختص بالرسول ms9288 عليه الصلاة والسلام ، أم يتناول ~~الأمة ؟ الجواب : ظاهر اللفظ لا يفيد العموم وقرينة الحال لا تقتضي العموم ~~لأنه عليه الصلاة والسلام إنما نهى عن ذلك تنزيها لمنصب النبوة ، وهذا ~~المعنى غير موجود في الأمة ، ومن الناس من قال / هذا المعنى في حق الأمة هو ~~الرياء ، والله تعالى منع الكل من ذلك . # السؤال الثالث : بتقدير أن يكون هذا النهي مختصا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم فهو نهي تحريم أو نهي تنزيه ؟ والجواب : ظاهر النهي للتحريم الوجه ~~السادس : في تأويل الآية قال القفال : يحتمل أن يكون المقصد من الآية أن ~~يحرم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي لأحد شيئا لطلب عوض سواء كان ~~ذلك العوض زائدا أو ناقصا أو مساويا ، ويكون معنى قوله : { تستكثر } أي ~~طالبا للكثرة كارها أن ينقص المال بسبب العطاء ، فيكون الاستكثار ههنا ~~عبارة عن طلب العوض كيف كان ، وإنما حسنت هذه الاستعارة لأن الغالب أن ~~الثواب يكون زائدا على العطاء ، فسمى طلب الثواب استكثارا حملا للشيء على ~~أغلب أحواله ، وهذا كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج ولها ولد للحاجة ~~إلى من يربي ولدها فسمي الولد ربيبا ، ثم اتسع الأمر فسمي ربيبا وإن كان ~~حين تتزوج أمه كبيرا ، ومن ذهب إلى هذا القول قال : السبب فيه أن يصير عطاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم خاليا عن انتظار العوض والتفات الناس إليه ، ~~فيكون ذلك خالصا مخلصا لوجه الله تعالى الوجه السابع : أن يكون المعنى ولا ~~تمنن على الناس بما تنعم عليهم وتعطيهم استكثارا منك لتلك العطية ، بل ~~ينبغي أن تستقلها وتستحقرها وتكون كالمتعذر من ذلك المنعم عليه في ذلك ~~الإنعام ، فإن الدنيا بأسرها قليلة ، فكيف ذلك القدر الذي هو قليل في غاية ~~القلة بالنسبة إلى الدنيا ، وهذه الوجوه الثلاثة الأخيرة كالمرتبة فالوجه ~~الأول : معناه كونه عليه الصلاة والسلام ممنوعا من طلب الزيادة في العوض ~~والوجه الثاني : معناه كونه ممنوعا عن طلب مطلق العوض زائدا كان أو مساويا ~~أو ناقصا والوجه الثالث : معناه أن يعطي وينسب نفسه إلى ms9289 التقصير ويجعل نفسه ~~تحت منة المنعم عليه حيث قبل منه ذلك الإنعام الوجه الثامن : معناه إذا ~~أعطيت شيئا فلا ينبغي أن تمن عليه بسبب أنك تستكثر تلك العطية ، فإن المن ~~محبط لثواب العمل ، قال تعالى : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذى ~~ينفق ماله * برب الناس } ( البقرة : 264 ) . # المسألة الثانية : قرأ الحسن : { تستكثر } بالجزم وأكثر المحققين أبوا ~~هذه القراءة ، ومنهم من قبلها وذكروا في صحتها ثلاثة أوجه : أحدها : كأنه ~~قيل : لا تمنن لا تستكثر وثانيها : أن يكون أراد تستكثر فأسكن الراء لثقل ~~الضمة مع كثرة الحركات ، كما حكاه أبو زيد في قوله تعالى : { بلى ورسلنا ~~لديهم يكتبون } بإسكان اللام وثالثها : أن يعتبر حال الوقف ، وقرأ الأعمش : ~~{ تستكثر } بالنصب بإضمار أن كقوله : # % ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى # % وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى % # ويؤيده قراءة ابن مسعود : ولا تمنن أن تستكثر . PageV30P172 # ! 7 < { ولربك فاصبر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 7 ) ولربك فاصبر # > > فيه وجوه : أحدها : إذا أعطيت المال فاصبر على ترك / المن والاستكثار ~~أي أترك هذا الأمر لأجل مرضاة ربك وثانيها : إذا أعطيت المال فلا تطلب ~~العوض ، وليكن هذا الترك لأجل ربك وثالثها : أنا أمرناك في أول هذه السورة ~~بأشياء ونهيناك عن أشياء فاشتغل بتلك الأفعال والتروك لأجل أمر ربك ، فكأن ~~ما قبل هذه الآية تكاليف بالأفعال والتروك ، وفي هذه الآية بين ما لأجله ~~يجب أن يؤتى بتلك الأفعال والتروك وهو طلب رضا الرب ورابعها : أنا ذكرنا أن ~~الكفار لما اجتمعوا وبحثوا عن حال محمد صلى الله عليه وسلم قام الوليد ودخل ~~داره فقال القوم : إن الوليد قد صبأ فدخل عليه أبو جهل ، وقال : إن قريشا ~~جمعوا لك مالا حتى لا تترك دين آبائك ، فهو لأجل ذلك المال بقي على كفره ، ~~فقيل لمحمد : إنه بقي على دينه الباطل لأجل المال ، وأما أنت فاصبر على ~~دينك الحق لأجل رضا الحق لا لشيء غيره وخامسها : أن هذا تعريض بالمشركين ~~كأنه قيل له : { وربك فكبر } ( المدثر : 3 ) لا الأوثان { وثيابك فطهر } ( ~~المدثر : 4 ) ولا تكن كالمشركين نجس البدن ms9290 والثياب { والرجز فاهجر } ( ~~المدثر : 5 ) ولا تقربه كما تقربه الكفار { ولا تمنن تستكثر } ( المدثر : 6 ~~) كما أراد الكفار أن يعطوا الوليد قدرا من المال وكانوا يستكثرون ذلك ~~القليل { ولربك فاصبر } على هذه الطاعات لا للأغراض العاجلة من المال ~~والجاه . # ! 7 < { فإذا نقر فى الناقور } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 8 ) فإذا نقر في . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما تمم ما يتعلق بإرشاد قدوة الأنبياء وهو محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، عدل عنه إلى شرح وعيد الأشقياء وهو هذه الآية ، وههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : الفاء في قوله : { فإذا نقر } للسبب كأنه قال : { اصبر ~~على * أذاهم } فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم ، وتلقى أنت ~~عاقبة صبرك عليه . # المسألة الثانية : اختلفوا في أن الوقت الذي ينقر في الناقور ، أهو ~~النفخة الأولى أم النفخة الثانية ؟ فالقول الأول : أنه هو النفخة الأولى ، ~~قال الحليمي في كتاب المنهاج : أنه تعالى سمى الصور بأسمين أحدهما الصور ~~والآخر الناقور ، وقول المفسرين : إن الناقور هو الصور ، ثم لا شك أن الصور ~~وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان معا ، فإن نفخة الإصعاق تخالف نفخة ~~الإحياء ، وجاء في الأخبار أن في الصور ثقبا بعدد الأرواح كلها ، وأنها ~~تجمع في تلك الثقب في النفخة الثانية ، فيخرج عند النفخ من كل ثقبة روح إلى ~~الجسد الذي نزع منه فيعود الجسد حيا بإذن الله تعالى ، فيحتمل أن يكون ~~الصور محتويا على آلتين ينقر في إحداهما وينفخ في الأخرى فإذا نفخ فيه ~~للإصعاق ، جمع بين النقر والنفخ ، لتكون الصيحة أهد وأعظم ، وإذا نفخ فيه ~~للإحياء لم ينقر فيه ، واقتصر على النفخ ، لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب ~~الصور إلى أجسادها لا تنقيرها من أجسادها ، والنفخة الأولى للتنقير ، وهو ~~نظير صوت الرعد ، فإنه إذا اشتد فربما مات سامعه ، والصيحة الشديدة التي ~~يصيحها رجل بصبي فيفزع منه فيموت ، هذا آخر كلام الحليمي رحمه الله / ولى ~~فيه إشكال ، وهو أن هذا يقتضي أن يكون النقر إنما يحصل عند صيحة الإصعاق ، ~~وذلك اليوم غير شديد PageV30P173 على الكافرين ، لأنهم يموتون في ms9291 تلك ~~الساعة إنما اليوم الشديد على الكافرين عند صيحة الإحياء ، ولذلك يقولون : ~~يا ليتها كانت القاضية ، أي يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى والقول ~~الثاني : إنه النفخة الثانية ، وذلك لأن الناقور هو الذي ينقر فيه ، أي ~~ينكت ، فيجوز أنه إذا أريد أن ينفخ في المرة الثانية ، نقر أولا ، فسمى ~~ناقورا لهذا المعنى ، وأقول في هذا اللفظ بحث وهو أن الناقور فاعول من ~~النقر ، كالهاضوم ما يهضم به ، والحاطوم ما يحطم به ، فكان ينبغي أن يكون ~~الناقور ما ينقر به لا ما ينقر فيه . # المسألة الثالثة : العامل في قوله : { فإذا نقر } هو المعنى الذي دل عليه ~~قوله : { يوم عسير } ( المدثر : 9 ) والتقدير إذا نقر في الناقور عسر الأمر ~~وصعب . # ! 7 < { فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 9 ) فذلك يومئذ يوم . . . . . # > > فيه مسائل . # المسألة الأولى : قوله فذلك إشارة إلى اليوم الذي ينقر فيه في الناقور ، ~~والتقدير فذلك اليوم { يوم عسير } ، وأما { يومئذ } ففيه وجوه : الأول : أن ~~يكون تفسيرا لقوله : { فذلك } لأن قوله : { فذلك } يحتمل أن يكون إشارة إلى ~~النقر ، وأن يكون إشارة إلى اليوم المضاف إلى النقر ، فكأنه قال : فذلك ~~أعني اليوم المضاف إلى النقر { يوم عسير } فيكون { يومئذ } في محل النصب ~~والثاني : أن يكون { يومئذ } مرفوع المحل بدلا من ذلك { ويوم * عسير } خبر ~~كأنه قيل : فيوم النقر { يوم عسير } فعلى هذا يومئذ في محل الرفع لكونه ~~بدلا من ذلك إلا أنه لما أضيف اليوم إلى إذ وهو غير متمكن بني على الفتح ~~الثالث : أن تقدير الآية فذلك النقر يومئذ نقر { يوم عسير } على أن يكون ~~العامل في { يومئذ } هو النقر . # المسألة الثانية : عسر ذلك اليوم على الكافرين لأنهم يناقشون في الحساب ~~ويعطون كتبهم بشمائلهم وتسود وجوههم ويحشرون زرقا وتتكلم جوارحهم فيفتضحون ~~على رؤوس الأشهاد وأما المؤمنون فإنه عليهم يسير لأنهم لا يناقشون في ~~الحساب ويحشرون بيض الوجوه ثقال الموازين ، ويحتمل أن يكون إنما وصفه الله ~~تعالى بالعسر لأنه في نفسه كذلك للجميع من المؤمنين والكافرين على ما ms9292 روى ~~أن الأنبياء يومئذ يفزعون ، وأن الولدان يشيبون إلا أنه يكون هول الكفار ~~فيه أشد ، فعلى القول الأول لا يحسن الوقف على قوله : { يوم عسير } فإن ~~المعنى أنه : على الكافرين عسير وغير يسير ، وعلى القول الثاني يحسب الوقف ~~لأن المعنى أنه في نفسه عسير على الكل ثم الكافر مخصوص فيه بزيادة خاصة وهو ~~أنه عليه غير يسير ، فإن قيل : فما فائدة قوله : { غير يسير } وعسير مغن ~~عنه ؟ الجواب : أما على القول الأول : فالتكرير للتأكيد كما / تقول أنا لك ~~محب غير مبغض وولي غير عدو ، وأما على القول الثاني : فقوله : { عسير } ~~يفيد أصل العسر الشامل للمؤمنين والكافرين وقوله : { غير يسير } يفيد ~~الزيادة التي يختص بها الكافر لأن العسر قد يكون عسرا ، قليلا يسيرا ، وقد ~~يكون عسرا كثيرا فأثبت أصل العسر للكل وأثبت العسر بصفة الكثرة والقوة ~~للكافرين . # المسألة الثالثة : قال ابن عباس : لما قال إنه غير يسير على الكافرين ، ~~كان يسيرا على المؤمنين فبعض من قال بدليل الخطاب قال لولا أن دليل الخطاب ~~حجة وإلا لما فهم ابن عباس من كونه غير يسير على الكافر كونه يسيرا على ~~المؤمن . # PageV30P174 ! 7 < { ذرنى ومن خلقت وحيدا } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 11 ) ذرني ومن خلقت . . . . . # > > أجمعوا على أن المراد ههنا الوليد بن المغيرة ، وفي نصب قوله وحيدا ~~وجوه الأول : أنه نصب على الحال ، ثم يحتمل أن يكون حالا من الخالق وأن ~~يكون حالا من المخلوق ، وكونه حالا من الخالق على وجهين الأول : ذرني وحدي ~~معه فإني كاف في الانتقام منه والثاني : خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد ~~، وأما كونه حالا من المخلوق ، فعلى معنى أني خلقته حال ما كان وحيدا فريدا ~~لا مال له ، ولا ولد كقوله : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } ( ~~الأنعام : 94 ) ، القول الثاني : أنه نصب على الذم ، وذلك لأن الآية نزلت ~~في الوليد وكان يلقب بالوحيد ، وكان يقول أنا الوحيد بن الوحيد ، ليس لي في ~~العرب نظير ، ولا لأبي نظير . فالمراد { ذرنى ومن خلقت } أعني وحيدا . وطعن ~~كثير من المتأخرين ms9293 في هذا الوجه ، وقالوا : لا يجوز أن يصدقه الله في دعواه ~~أنه وحيد لا نظير له ، وهذا السؤال ذكره الواحدي وصاحب الكشاف ، وهو ضعيف ~~من وجوه الأول : أنا لما جعلنا الوحيد اسم علم فقد زال السؤال لأن اسم ~~العلم لا يفيد في المسمى صفة بل هو قائم مقام الإشارة الثاني : لم لا يجوز ~~أن يحمل على كونه وحيدا في ظنه واعتقاده ؟ ونظيره قوله تعالى : { ذق إنك ~~أنت العزيز الكريم } ( الدخان : 49 ) الثالث : أن لفظ الوحيد ليس فيه أنه ~~وحيد في العلو والشرف ، بل هو كان يدعى لنفسه أنه وحيد في هذه الأمور . ~~فيمكن أن يقال : أنت وحيد لكن في الكفر والخبث والدناءة القول الثالث : أن ~~وحيدا مفعول ثان لخلق ، قال أبو سعيد الضرير : الوحيد الذي لا أب له ، وهو ~~إشارة إلى الطعن في نسبه كما في قوله : { عتل بعد ذلك زنيم } ( القلم : 13 ~~) . # ! 7 < { وجعلت له مالا ممدودا } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 12 ) وجعلت له مالا . . . . . # > > في تفسير المال الممدود وجوه الأول : المال الذي يكون له مدد يأتي من ~~الجزء بعد الجزء على الدوام ، فلذلك فسره عمر بن الخطاب بغلة شهر شهر ~~وثانيها : أنه المال الذي يمد بالزيادة ، كالضرع والزرع وأنواع التجارات ~~وثالثها : أنه المال الذي امتد مكانه ، قال ابن عباس : كان ماله ممدودا ما ~~بين مكة إلى الطائف ( من ) الإبل والخيل والغنم / والبساتين الكثيرة ~~بالطائف والأشجار والأنهار والنقد الكثير ، وقال مقاتل : كان له بستان لا ~~ينقطع نفعه شتاء ولا صيفا ، فالممدود هنا كما في قوله : { وظل ممدود } ( ~~الواقعة : 30 ) أي لا ينقطع ورابعها : أنه المال الكثير وذلك لأن المال ~~الكثير إذا عدد فإنه يمتد تعديده ، ومن المفسرين من قدر المال الممدود فقال ~~بعضهم : ألف دينار ، وقال آخرون : أربعة آلاف وقال آخرون : ألف ألف ، وهذه ~~التحكمات مما لا يميل إليها الطبع السليم . # ! 7 < { وبنين شهودا } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 13 ) وبنين شهودا # > > فيه وجهان الأول : بنين حضورا معه بمكة لا يفارقونه البتة لأنهم ~~كانوا أغنياء فما كانوا محتاجين إلى مفارقته لطلب كسب ومعيشة وكان ms9294 هو ~~مستأنسا بهم طيب القلب بسبب حضورهم والثاني : يجوز أن يكون المراد من كونهم ~~شهودا أنهم رجال يشهدون معه المجامع والمحافل وعن مجاهد : كانوا عشرة ، ~~وقيل : سبعة كلهم رجال الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس ~~وعبد PageV30P175 شمس أسلم منهم ثلاثة خالد وعمارة وهشام . # ! 7 < { ومهدت له تمهيدا } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 14 ) ومهدت له تمهيدا # > > أي وبسطت له الجاه العريض والرياسة في قومه فأتممت عليه نعمتي المال ~~والجاه ، واجتماعهما هو الكمال عند أهل الدنيا ، ولهذا المعنى يدعى بهذا ~~فيقال أدام الله تمهيده أي بسطته وتصرفه في الأمور ، ومن المفسرين من جعل ~~هذا التمهيد البسطة في العيش وطول العمر ، وكان الوليد من أكابر قريش ولذلك ~~لقب الوحيد وريحانة قريش . # ! 7 < { ثم يطمع أن أزيد } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 15 ) ثم يطمع أن . . . . . # > > لفظ ثم ههنا معناه التعجب كما تقول لصاحبك : أنزلتك داري وأطعمتك ~~وأسقيتك ثم أنت تشتمني ، ونظيره قوله تعالى : { الحمد لله الذى خلق * ~~السماوات والارض * وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( ~~الأنعام : 1 ) فمعنى ( ثم ) ههنا للإنكار والتعجب ثم تلك الزيادة التي كان ~~يطمع فيها هل هي زيادة في الدنيا أو في الآخرة ؟ فيه قولان الأول : قال ~~الكلبي ومقاتل : ثم يرجو أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي الثاني : أن تلك ~~الزيادة في الآخرة قيل : إنه كان يقول إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة ~~إلا لي ، ونظيره قوله تعالى : { أفرأيت الذى كفر بئاياتنا وقال لاوتين مالا ~~وولدا } ( مريم : 77 ) . # ! 7 < { كلا إنه كان لا ياتنا عنيدا } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 16 ) كلا إنه كان . . . . . # > > ثم قال تعالى : { كلا } وهو ردع له عن ذلك الطمع الفاسد قال المفسرون ~~ولم يزل الوليد في نقصان بعد قوله : { كلا } حتى افتقر ومات فقيرا . # قوله تعالى : { إنه كان لاياتنا عنيدا } إنه تعليل للردع على وجه ~~الاستئناف كأن قائلا قال : لم لا يزاد ؟ فقيل : لأنه كان لآياتنا عنيدا ~~والعنيد في معنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير ، وفي / هذه الآية إشارة ~~إلى أمور كثيرة من صفاته أحدها : أنه ms9295 كان معاندا في جميع الدلائل الدالة ~~على التوحيد والعدل والقدرة وصحة النبوة وصحة البعث ، وكان هو منازعا في ~~الكل منكرا للكل وثانيها : أن كفره كان كفر عناد كان يعرف هذه الأشياء ~~بقلبه إلا أنه كان ينكرها بلسانه وكفر المعاند أفجش أنواع الكفر وثالثها : ~~أن قوله : { إنه كان لاياتنا عنيدا } يدل على أنه من قديم الزمان كان على ~~هذه الحرفة والصنعة ورابعها : أن قوله : { إنه كان لاياتنا عنيدا } يفيد أن ~~تلك المعاندة كانت منه مختصة بآيات الله تعالى وبيناته ، فإن تقديره : إنه ~~كان لآياتنا عنيدا لا لآيات غيرنا ، فتخصيصه هذا العناد بآيات الله مع كونه ~~تاركا للعناد في سائر الأشياء يدل على غاية الخسران . # ! 7 < { سأرهقه صعودا } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 17 ) سأرهقه صعودا # > > أي سأكلفه صعودا وفي الصعود قولان : الأول : أنه مثل لما يلقى من ~~العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق مثل قوله : { يسلكه عذابا صعدا } ( الجن : ~~17 ) وصعود من قولهم : عقبة صعود وكدود شاقة المصعد والثاني : أن صعودا اسم ~~لعقبة في النار كلما وضع يده عليها ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ~~ذابت وإذا رفعها عادت ، وعنه عليه الصلاة والسلام : ( الصعود جبل من نار ~~يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي كذلك فيه أبدا ) . # ثم إنه تعالى حكى كيفية عناده فقال : # ! 7 < { إنه فكر وقدر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 18 ) إنه فكر وقدر # > > يقال : فكر في الأمر وتفكر إذا نظر فيه وتدبر ، ثم لما تفكر رتب في ~~قلبه كلاما وهيأه وهو المراد من قوله : { فقدر } . PageV30P176 # [ بم ثم قال تعالى : # ! 7 < { فقتل كيف قدر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 19 ) فقتل كيف قدر # > > وهذا إنما يذكر عند التعجب والاستعظام ، ومثله قولهم : قتله الله ما ~~أشجعه ، وأخزاه الله ما أشعره ، ومعناه . أنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق ~~بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك ، وإذا عرفت ذلك فنقول إنه يحتمل ههنا ~~وجهين أحدهما : أنه تعجيب من قوة خاطره ، يعني أنه لا يمكن القدح في أمر ~~محمد عليه السلام بشبهة أعظم ولا أقوى مما ذكره هذا القائل والثاني : ~~الثناء ms9296 عليه على طريقة الاستهزاء ، يعني أن هذا الذي ذكره في غاية الركاكة ~~والسقوط . # ثم قال : # ! 7 < { ثم قتل كيف قدر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 20 ) ثم قتل كيف . . . . . # > > والمقصود من كلمه ، ثم ههنا الدلالة على أن الدعاء عليه في الكرة ~~الثانية أبلغ من الأولى . # ثم قال : # ! 7 < { ثم نظر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 21 ) ثم نظر # > > والمعنى أنه أولا : فكر وثانيا : قدر وثالثا : نظر في ذلك المقدر ، ~~فالنظر السابق للاستخراج ، والنظر اللاحق للتقدير ، وهذا هو الاحتياط . ~~فهذه المراتب الثلاثة متعلقة بأحوال قلبه . # / ثم إنه تعالى وصف بعد ذلك أحوال وجهه ، فقال : # ! 7 < { ثم عبس وبسر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 22 ) ثم عبس وبسر # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { عبس وبسر } يدل على أنه كان عارفا في ~~قلبه صدق محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنه كان يكفر به عنادا ، ويدل عليه ~~وجوه : الأول : أنه بعد أن تفكر وتأمل قدر في نفسه كلاما عزم على أنه يظهره ~~ظهرت العبوسة في وجهه ولو كان معتقدا صحة ذلك الكلام لفرح باستنباطه ~~وإدراكه ، ولكنه لما لم يفرح به علمنا أنه كان يعلم ضعف تلك الشبهة ، إلا ~~أنه لشدة عناده ما كان يجد شبهة أجود من تلك الشبهة ، فلهذا السبب ظهرت ~~العبوسة في وجهه الثاني : ما روي أن الوليد مر برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يقرأ حمالسجدة فلما وصل إلى قوله : { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم ~~صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } ( فصلت : 13 ) أنشده الوليد بالله وبالرحم أن ~~يسكت ، وهذا يدل على أنه كان يعلم أنه مقبول الدعاء صادق اللهجة ، ولما رجع ~~الوليد قال لهم : والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ~~ولا من كلام الجن ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه ليعلو وما يعلى ~~عليه ، فقالت قريش : صبأ الوليد ولو صبأ لتصبأن قريش كلها . فقال أبو جهل : ~~أنا أكفيكموه ، ثم دخل عليه محزونا فقال مالك : يا ابن الأخ ؟ فقال : إنك ~~قد صبوت لتصيب من طعام محمد وأصحابه وهذه قريش تجمع لك ms9297 مالا ليكون ذلك عوضا ~~مما تقدر أن تأخذ من أصحاب محمد ، فقال : والله ما يشبعون فكيف أقدر أن آخذ ~~منهم مالا ، ولكني تفكرت في أمره كثيرة فلم أجد شيئا يليق به إلا أنه ساحر ~~، فأقول استعظامه للقرآن واعترافه بأنه ليس من كلام الجن والإنس يدل على ~~أنه كان في ادعاء السحر معاندا لأن السحر يتعلق بالجن والثالث : أنه كان ~~يعلم أن أمر السحر مبني على الكفر بالله ، والأفعال المنكرة ، وكان من ~~الظاهر أن محمدا لا يدعو إلا إلى الله ، فكيف يليق به السحر ؟ فثبت بمجموع ~~هذه الوجوه أنه إنما { عبس وبسر } لأنه كان يعلم أن الذي يقوله كذب وبهتان ~~. # المسألة الثانية : قال الليث : عبس يعبس فهو عابس إذا قطب ما بين عينيه ، ~~فإن أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل : كلح ، فإن اهتم لذلك وفكر فيه قيل : بسر ~~، فإن غضب مع ذلك قيل : بسل . # PageV30P177 ! 7 < { ثم أدبر واستكبر * فقال إن هاذآ إلا سحر يؤثر } . > ~~7 ! # < < # | المدثر : ( 23 ) ثم أدبر واستكبر # > > أدبر عن سائر الناس إلى أهله واستكبر أي تعظم عن الإيمان فقال : { إن ~~هاذا إلا سحر يؤثر } وإنما ذكره بفاء التعقيب ليعلم أنه لما ولى واستكبر ~~ذكر هذه الشبهة ، وفي قوله : { يؤثر } وجهان الأول : أنه من قولهم أثرت ~~الحديث آثره أثرا إذا حدثت به عن قوم في آثارهم ، أي بعدما ماتوا هذا هو ~~الأصل ، ثم صار بمعنى / الرواية عمن كان والثاني : يؤثر على جميع السحر ، ~~وعلى هذا يكون هو من الإيثار . # ثم قال : # ! 7 < { إن هاذآ إلا قول البشر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 25 ) إن هذا إلا . . . . . # > > والمعنى أن هذا قول البشر ، ينسب ذلك إلى أنه ملتقط من كلام غيره ، ~~ولو كان الأمر كما قال لتمكنوا من معارضته إذ طريقتهم في معرفة اللغة ~~متقاربة . # واعلم أن هذا الكلام يدل على أن الوليد إنما كان يقول هذا الكلام عنادا ~~منه ، لأنه روي عنه أنه لما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حم ~~السجدة ) وخرج من عند الرسول عليه السلام قال : سمعت من ms9298 محمد كلاما ليس من ~~كلام الإنس ولا من كلام الجن ، وإن له الحلاوة وإن عليه لطلاوة وأنه يعلو ~~ولا يعلى عليه ، فلما أقر بذلك في أول الأمر علمنا أن الذي قاله ههنا من ~~أنه قول البشر ، إنما ذكره على سبيل العناد والتمرد لا على سبيل الإعتقاد . # ثم قال : # ! 7 < { سأصليه سقر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 26 ) سأصليه سقر # > > قال ابن عباس : { سقر } اسم للطبقة السادسة من جهنم ، ولذلك لا ينصرف ~~للتعريف والتأنيث . # ثم قال : # ! 7 < { ومآ أدراك ما سقر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 27 ) وما أدراك ما . . . . . # > > الغرض التهويل . # ثم قال : # ! 7 < { لا تبقى ولا تذر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 28 ) لا تبقي ولا . . . . . # > > واختلفوا فمنهم من قال : هما لفظان مترادفان معناهما واحد ، والغرض ~~من التكرير التأكيد والمبالغة كما يقال : صد عني وأعرض عني . ومنهم من قال ~~: لا بد من الفرق ، ثم ذكروا وجوها أحدها : أنها لا تبقي من الدم واللحم ~~والعظم شيئا فإذا أعيدوا خلقا جديدا فلا تذر أن تعاود إحراقهم بأشد مما ~~كانت ، وهكذا أبدا ، وهذا رواية عطاء عن ابن عباس وثانيها : لا تبقي من ~~المستحقين للعذاب إلا عذبتهم ، ثم لا تذر من أبدان أولئك المعذبين شيئا إلا ~~أحرقته وثالثها : لا تبقي من أبدان المعذبين شيئا ، ثم إن تلك النيران لا ~~تذر من قوتها وشدتها شيئا إلا وتستعمل تلك القوة والشدة في تعذيبهم . # ثم قال : # ! 7 < { لواحة للبشر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 29 ) لواحة للبشر # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في اللواحة قولان : الأول : قال الليث : لاحه العطش ~~ولوحه إذا غيره ، فاللواحة هي المغيرة . قال الفراء : تسود البشرة بإحراقها ~~والقول الثاني : وهو قول الحسن والأصك : أن معنى اللواحة أنها تلوح للبشر ~~من مسيرة خمسمائة عام ، وهو كقوله : { وبرزت الجحيم لمن يرى } ( النازعات : ~~36 ) ولواحة على هذا القول : من لاح الشيء يلوح إذا لمع نحو البرق ، وطعن ~~القائلون بهذا الوجه في الوجه الأول ، وقالوا : إنه لا يجوز أن يصفها ~~بتسويد البشرة مع قوله إنها : { لا تبقى ولا تذر } ( المدثر : 28 ) . # / المسألة الثانية : قرىء : { لواحة } نصبا على الاختصاص للتهويل ms9299 . ~~PageV30P178 # ثم قال : # ! 7 < { عليها تسعة عشر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 30 ) عليها تسعة عشر # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : المعنى أنه يلي أمر تلك النار ، ويتسلط على أهلها تسعة ~~عشر ملكا ، وقيل : تسعة عشر صنفا ، وقيل : تسعة عشر صفا . وحكى الواحدي عن ~~المفسرين : أن خزنة النار تسعة عشر مالك ، ومعه ثمانية عشر أعينهم كالبرق ، ~~وأنيابهم كالصياصي ، وأشعارهم تمس أقدامهم ، يخرج لهب النار من أفواههم ، ~~ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة ، يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر ، نزعت منهم ~~الرأفة والرحمة ، يأخذ أحدهم سبعين ألفا في كفه ويرميهم حيث أراد من جهنم . # المسألة الثانية : ذكر أرباب المعاني في تقدير هذا العدد وجوها أحدها : ~~وهو الوجه الذي تقوله أرباب الحكمة . أن سبب فساد النفس الإنسانية في قوتها ~~النظرية ، والعملية هو القوى الحيوانية والطبيعية . # أما القوى الحيوانية فهي : الخمسة الظاهرة ، والخمسة الباطنة ، والشهوة ~~والغضب ، ومجموعهما اثنتا عشرة . # وأما القوى الطبيعة فهي : الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية ~~والنامية والمولدة ، وهذه سبعة ، فالمجموع تسعة عشر ، فلما كان منشأ الآفات ~~هو هذه التسعة عشر ، لا جرم كان عدد الزبانية هكذا وثانيها : أن أبواب جهنم ~~سبعة ، فستة منها للكفار ، وواحد للفساق ، ثم إن الكفار يدخلون النار لأمور ~~ثلاثة : ترك الإعتقاد وترك الإقرار وترك العمل ، فيكون لكل باب من تلك ~~الأبواب الستة ثلاثة والمجموع ثمانية عشر ، وأما باب الفساق فليس هناك ~~زبانية بسبب ترك الإعتقاد ولا بسبب ترك القول ، بل ليس إلا بسبب ترك العمل ~~، فلا يكون على بابهم إلا زبانية واحدة فالمجموع تسعة عشر وثالثها : أن ~~الساعات أربعة وعشرون خمسة منها مشغولة بالصلوات الخمس فيبقى منها تسعة عشر ~~مشغولة بغير العبادة ، فلا جرم صار عدد الزبانية تسعة عشر . # المسألة الثالثة : قراءة أبي جعفر ويزيد وطلحة بن سليمان { عليها تسعة ~~عشر } على تقطيع فاعلان ، قال ابن جني في المحتسب : والسبب أن الاسمين كاسم ~~واحد ، فكثرت الحركات ، فأسكن أول الثاني للتخفيف ، وجعل ذلك أمارة القوة ~~اتصال أحد الإسمين بصاحبه ، وقرأ أنس بن مالك { تسعة عشر } قال أبو حاتم : ~~هذه القراءة لا تعرف ms9300 لها وجها ، إلا أن يعني : تسعة أعشر جمع عشير مثل يمين ~~وأيمن ، وعلى هذا يكون المجموع تسعين . # ! 7 < { وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين ءامنوا إيمانا ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين فى قلوبهم مرض والكافرون ~~ماذآ أراد الله بهاذا مثلا كذلك يضل الله من يشآء ويهدى من يشآء وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو وما هى إلا ذكرى للبشر } . > 7 @QB@ < # | المدثر : ( 31 ) وما جعلنا أصحاب . . . . . # > > # قوله تعالى : { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة } روي أنه لما نزل قوله ~~تعالى : { عليها تسعة عشر } ( المدثر : 30 ) قال أبو جهل : لقريش ثكلتكم ~~أمهاتكم ، قال ابن أبي كبشة : إن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الجمع / العظيم ~~، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهما فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة ~~الجمحي وكان شديد البطش : أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنينا فلما ~~قال أبو جهل وأبو الأشد ذلك ، قال المسلمون ويحكم لا تقاس الملائكة ~~بالحدادينا فجرى هذا مثلا في كل شيئين لا يسوى بينهما ، والمعنى لا تقاس ~~الملائكة بالسجانين PageV30P179 والحداد ، السجان الذي يحبس النار ، فأنزل ~~الله تعالى : { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة } واعلم أنه تعالى إنما ~~جعلهم ملائكة لوجوه أحدها : ليكونوا بخلاف جنس المعذبين ، لأن الجنسية مظنة ~~الرأفة والرحمة ، ولذلك بعث الرسول المبعوث إلينا من جنسنا ليكون له رأفة ~~ورحمة بنا وثانيها : أنهم أبعد الخلق عن معصية الله تعالى وأقواهم على ~~الطاعات الشاقة وثالثها : أن قوتهم أعظم من قوة الجن والإنس ، فإن قيل : ~~ثبت في الأخبار ، أن الملائكة مخلوقون من النور ، والمخلوق من النور كيف ~~يطيق المكث في النار ؟ قلنا : مدار القول في إثبات القيامة على كونه تعالى ~~قادرا على كل الممكنات ، فكما أنه لا استبعاد في أن يبقى الحي في مثل ذلك ~~العذاب الشديد أبد الآباد ولا يموت ، فكذا لا استبعاد في بقاء الملائكة ~~هناك من غير ألم . # ثم قال تعالى : { وما جعلنا أصحاب النار ms9301 إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا ~~فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين } وفيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : هذا العدد إنما صار سببا لفتنة الكفار من وجهين الأول : ~~أن الكفار يستهزئون ، يقولون : لم لم يكونوا عشرين ، وما المقتضى لتخصيص ~~هذا العدد بالوجود ؟ الثاني : أن الكفار يقولون هذا العدد القليل كيف ~~يكونون وافين بتعذيب أكثر خلق العالم من الجن والإنس من أول ما خلق الله ~~إلى قيام القيامة ؟ وأما أهل الإيمان فلا يلتفتون إلى هذين السؤالين . # أما السؤال الأول : فلأن جملة العالم متناهية ، فلا بد وأن يكون للجواهر ~~الفردة التي منها تألفت جملة هذا العالم عدد معين ، وعند ذلك يجيء ذلك ~~السؤال ، وهو أنه لم خصص ذلك العدد بالإيجاد ، ولم يزد على ذلك العدد جوهر ~~آخر ولم ينقص ، وكذا القول في إيجاد العالم ، فإنه لما كان العالم محدثا ~~والإله قديما ، فقد تأخر العالم عن الصانع بتقدير مدة غير متناهية ، فلم لم ~~يحدث / العالم قبل أن حدث بتقدير لحظة أو بعد أن وجد بتقدير لحظة ؟ وكذا ~~القول في تقدير كل واحد من المحدثات بزمانه المعين ، وكل واحد من الأجسام ~~بأجزائه المحدودة المعدودة ، ولا جواب عن شيء من ذلك إلا بأنه قادر مختار ، ~~والمختار له أن يرجح الشيء على مثله من غير علة / وإذا كان هذا الجواب هو ~~المعتمد في خلق جملة العالم ، فكذا في تخصيص زبانية النار بهذا العدد . # وأما السؤال الثاني : فضعيف أيضا ، لأنه لا يبعد في قدرة الله تعالى أن ~~يعطي هذا العدد من القدرة والقوة ما يصيرون به قادرين على تعذيب جملة الخلق ~~، ومتمكنين من ذلك من غير خلل ، وبالجملة فمدار هذين السؤالين على القدح في ~~كمال قدرة الله ، فأما من اعترف بكونه تعالى قادرا على مالا نهاية له من ~~المقدورات ، وعلم أنه أحوال القيامة على خلاف أحوال الدنيا زال عن قلبه هذه ~~الاستبعادات بالكلية . # المسألة الثانية : احتج من قال : إنه تعالى قد يريد الإضلال بهذه الآية ، ~~قال لأن قوله تعالى : { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ms9302 } ~~PageV30P180 يدل على أن المقصود الأصلي إنما هو فتنة الكافرين ، أجابت ~~المعتزلة عنه من وجوه أحدها : قال الجبائي : المراد من الفتنة تشديد التعبد ~~ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى قادر على أن يقوي هؤلاء التسعة عشر على مالا ~~يقوى عليه مائة ألف ملك أقوياء وثانيها : قال الكعبي : المراد من الفتنة ~~الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الخالق ~~سبحانه ، وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به وثالثها : أن المراد من ~~الفتنة ما وقعوا فيه من الكفر بسبب تكذيبهم بعدد الخزنة ، والمعنى إلا فتنة ~~على الذين كفروا ليكذبوا به ، وليقولوا ما قالوا ، وذلك عقوبة لهم على ~~كفرهم ، وحاصله راجع إلى ترك الألطاف والجواب : أنه لا نزاع في شيء مما ~~ذكرتم ، إلا أنا نقول : هل لإنزال هذه المتشابهات أثر في تقوية داعية الكفر ~~، أم لا ؟ فإذا لم يكن له أثر في تقوية داعية الكفر ، كان إنزالها كسائر ~~الأمور الأجنبية ، فلم يكن للقول بأن إنزال هذه المتشابهات فتنة للذين ~~كفروا وجه ألبتة ، وإن كان له أثر في تقوية داعية الكفر ، فقد حصل المقصود ~~، لأنه إذا ترجحت داعية الفعل ، صارت داعية الترك مرجوحة ، والمرجوح يمتنع ~~أن يؤثر ، فالترك يكون ممتنع الوقوع ، فيصير الفعل واجب الوقوع والله أعلم ~~، واعلم أنه تعالى بين أن المقصود من إنزال هذا المتشابه أمور أربعة . ~~أولها : { ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } وثانيها : { ويزداد الذين ءامنوا ~~إيمانا } وثالثها : { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون } ورابعها : ~~{ وليقول الذين فى قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهاذا مثلا } واعلم ~~أن المقصود من تفسير هذه الآيات لا يتلخص إلا بسؤالات وجوابات : # السؤال الأول : لفظ القرآن يدل على أنه تعالى جعل افتتان الكفار بعدد ~~الزبانية سببا لهذه الأمور الأربعة ، فما الوجه في ذلك ؟ والجواب : أنه ما ~~جعل افتتانهم بالعدد سببا لهذه الأشياء وبيانه من وجهين الأول : التقدير : ~~وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ، وإلا ليستيقن الذين / أوتوا الكتاب ~~، كما يقال : فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك ، قالوا : والعاطفة قد تذكر في ~~هذا الموضع تارة . وقد تحذف ms9303 أخرى الثاني : أن المراد من قوله : { وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } هو أنه وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر إلا أنه ~~وضع فتنة للذين كفروا موضع تسعة عشر كأنه عبر عن المؤثر باللفظ الدال على ~~الأثر ، تنبيها على أن هذا الأثر من لوازم ذلك المؤثر . # السؤال الثاني : ما وجه تأثير إنزال هذا المتشابه في استيقان أهل الكتاب ~~؟ الجواب : من وجوه أحدها : أن هذا العدد لما كان موجودا في كتابهم ، ثم ~~إنه عليه السلام أخبر على وفق ذلك من غير سابقة دراسة وتعلم ، فظهر أن ذلك ~~إنما حصل بسبب الوحي من السماء فالذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من ~~أهل الكتاب يزدادون به إيمانا وثانيها : أن التوراة والإنجيل كانا محرفين ، ~~فأهل الكتاب كانوا يقرأون فيهما أن عدد الزبانية هو هذا القدر ، ولكنهم ما ~~كانوا يعولون على ذلك كل التعويل لعلمهم بتطرق التحريف إلى هذين الكتابين ، ~~فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوي إيمانهم بذلك ~~واستيقنوا أن ذلك العدد هو الحق والصدق وثالثها : أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يعلم من حال قريش أنه متى أخبرهم بهذا العدد العجيب ، فإنهم ~~يستهزئون به ويضحكون منه ، لأنهم كانوا يستهزئون به في إثبات التوحيد ~~والقدرة والعلم ، مع أن تلك المسائل أوضح وأظهر فكيف في ذكر هذا العدد ~~العجيب ؟ ثم إن استهزاءهم برسول الله وشدة سخريتهم به ما منعه من إظهار هذا ~~الحق ، فعند هذا يعلم كل أحد أنه لو كان غرض محمد صلى الله عليه وسلم طلب ~~الدنيا والرياسة لاحترز عن ذكر هذا PageV30P181 العدد العجيب ، فلما ذكره ~~مع علمه بأنهم لا بد وأن يستهزئوا به علم كل عاقل أن مقصوده منه إنما هو ~~تبليغ الوحي ، وأنه ما كان يبالي في ذلك لا بتصديق المصدقين ولا بتكذيب ~~المكذبين . # السؤال الثالث : ما تأثير هذه الواقعة في ازدياد إيمان المؤمنين ؟ الجواب ~~: أن المكلف مالم يستحضر كونه تعالى عالما بجميع المعلومات غنيا عن جميع ~~الحادثات منزها عن الكذب والحلف لا ms9304 يمكنه أن ينقاد لهذه العدة ويعترف ~~بحقيقتها ، فإذا اشتغل باستحضار تلك الدلائل ثم جعل العلم الإجمالي بأنه ~~صادق لا يكذب حكيم لا يجهل دافعا للتعجب الحاصل في الطبع من هذا العدد ~~العجيب فحينئذ يمكنه أن يؤمن بحقيقة هذا العدد ، ولا شك أن المؤمن يصير عند ~~اعتبار هذه المقامات أشد استحضارا للدلائل وأكثر انقيادا للدين ، فالمراد ~~بازدياد الإيمان هذا . # السؤال الرابع : حقيقة الإيمان عندكم لا تقبل الزيادة والنقصان فما قولكم ~~في هذه الآية ؟ الجواب : نحمله على ثمرات الإيمان وعلى آثاره ولوازمه . # السؤال الخامس : لما أثبت الاستيقان لأهل الكتاب وأثبت زيادة الإيمان ~~للمؤمنين فما الفائدة في قوله بعد ذلك : { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب ~~والمؤمنون } ؟ الجواب : أن المطلوب إذا كان غامضا دقيق الحجة كثير الشبهة ، ~~فإذا اجتهد الإنسان فيه وحصل له اليقين فربما غفل عن / مقدمة من مقدمات ذلك ~~الدليل الدقيق ، فيعود الشك والشبهة ، فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ~~ينافي طريان الارتياب بعد ذلك ، فالمقصود من إعادة هذا الكلام هو أنه حصل ~~لهم يقين جازم ، بحيث لا يحصل عقيبه ألبتة شك ولا ريب . # السؤال السادس : جمهور المفسرين قالوا في تفسير قوله : { الذين فى قلوبهم ~~مرض } إنهم الكافرون وذكر الحسين بن الفضل البجلي أن هذه السورة مكية ولم ~~يكن بمكة نفاق ، فالمرض في هذه الآية ليس بمعنى النفاق ، والجواب : قول ~~المفسرين حق وذلك لأنه كان في معلوم الله تعالى أن النفاق سيحدث فأخبر عما ~~سيكون ، وعلى هذا تصير هذه الآية معجزة ، لأنه إخبار عن غيب سيقع ، وقد وقع ~~على وفق الخبر فيكون معجزا ، ويجوز أيضا أن يراد بالمرض الشك لأن أهل مكة ~~كان أكثرهم شاكين وبعضهم كانوا قاطعين بالكذب . # السؤال السابع : هب أن الاستيقان وانتفاء الارتياب يصح أن يكونا مقصودين ~~من إنزال هذا المتشابه ، فكيف صح أن يكون قول الكافرين والمنافقين مقصودا ؟ ~~الجواب : أما على أصلنا فلا إشكال لأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ، ~~وسيأتي مريد تقرير لهذا في الآية الآتية ، وأما عند المعتزلة فإن هذه ~~الحالة لما وقعت أشبهت ms9305 الغرض في كونه واقعا ، فأدخل عليه حرف اللام وهو ~~كقوله : { ولقد ذرأنا لجهنم } . # السؤال الثامن : لم سموه مثلا ؟ الجواب : أنه لما كان هذا العدد عددا ~~عجيبا ظن القوم أنه ربما لم يكن مراد الله منه ما أشعر به ظاهره بل جعله ~~مثلا لشيء آخر وتنبيها على مقصود آخر / لا جرم سموه مثلا . # السؤال التاسع : القوم كانوا ينكرون كون القرآن من عند الله ، فكيف قالوا ~~: ماذا أراد الله بهذا مثلا ؟ الجواب : أما الذين في قلوبهم مرض ، وهم ~~المنافقون فكانوا في الظاهر معترفين بأن القرآن من عند الله فلا جرم قالوا ~~ذلك باللسان ، وأما الكفار فقالوه على سبيل التهكم أو على سبيل الاستدلال ~~بأن القرآن لو كان من عند الله لما قال مثل هذا الكلام . PageV30P182 # قوله تعالى : { كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء } وجه الاستدلال ~~بالآية للأصحاب ظاهر لأنه تعالى ذكر في أول الآية قوله : { وما جعلنا عدتهم ~~إلا فتنة للذين كفروا } ثم ذكر في آخر الآية : { وليقول الذين فى قلوبهم ~~مرض والكافرون ماذا أراد الله بهاذا مثلا } ثم قال : { كذلك يضل الله من ~~يشاء ويهدى من يشاء } أما المعتزلة فقد ذكروا الوجوه المشهورة التي لهم ~~أحدها : أن المراد من الإضلال منع الألطاف وثانيها : أنه لما اهتدى قوم ~~باختيارهم عند نزول هذه الآيات وضل قوم باختيارهم عند نزولها أشبه ذلك أن ~~المؤثر في ذلك الاهتداء وذلك الإضلال هو / هذه الآيات ، وهو كقوله : { ~~فزادتهم إيمانا } ( التوبة : 124 ) وكقوله : { فزادتهم رجسا } ( التوبة : ~~125 ) وثالثها : أن المراد من قوله : { يضل } ومن قوله : { يهدى } حكم الله ~~بكونه ضالا ويكون مهتديا ورابعها : أنه تعالى يضلهم يوم القيامة عن دار ~~الثواب ، وهذه الكلمات مع أجوبتها تقدمت في سورة البقرة في قوله : { يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا } ( البقرة : 26 ) . # قوله تعالى : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } فيه وجوه : أحدها : وهو ~~الأولى أن القوم استقبلوا ذلك العدد ، فقال تعالى : { وما يعلم جنود ربك ~~إلا هو } فهب أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد منهم من ms9306 الأعوان والجنود ~~مالا يعلم عددهم إلا الله وثانيها : وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو ~~، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له في هذا العدد حكمة لا يعلمها ~~الخلق وهو جل جلاله يعلمها وثالثها : أنه لا حاجة بالله سبحانه في تعذيب ~~الكفار والفساق إلى هؤلاء الخزنة ، فإنه هو الذي يعذبهم في الحقيقة ، وهو ~~الذي يخلق الآلام فيهم ، ولو أنه تعالى قلب شعرة في عين ابن آدم أو سلط ~~الألم على عرق واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة ، فلا يلزم من تقليل ~~عدد الخزنة قلة العذاب ، فجنود الله غير متناهية لأن مقدوراته غير متناهية ~~. # قوله تعالى : { وما هى إلا ذكرى للبشر } الضمير في قوله : { وما هى } إلى ~~ماذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : أنه عائد إلى سقر ، والمعنى وما سقر ~~وصفتها إلا تذكرة للبشر والثاني : أنه عائد إلى هذه الآيات المشتملة على ~~هذه المتشابهات ، وهي ذكرى لجميع العالمية ، وإن كان المنتفع بها ليس إلا ~~أهل الإيمان . # ! 7 < { كلا والقمر * واليل إذ أدبر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 32 ) كلا والقمر # > > ثم قال تعالى : { كلا } وفيه وجوه أحدها : أنه إنكار بعد أن جعلها ~~ذكرى ، أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون وثانيها : أنه ردع لمن ينكر أن ~~يكون إحدى الكبر نذيرا وثالثها : أنه ردع لقول أبي جهل وأصحابه : إنهم ~~يقدرون على مقاومة خزنة النار ورابعها : أنه ردع لهم عن الاستهزاء بالعدة ~~المخصوصة . # ثم قال تعالى : { والقمر * واليل إذ أدبر } وفيه قولان : الأول : قال ~~الفراء والزجاج : دبر وأدبر بمعنى واحد كقبل وأقبل ويدل على هذا قراءة من ~~قرأ إذا دبر ، وروى أن مجاهدا سأل ابن عباس عن قوله : { دبر } فسكت حتى إذا ~~أدبر الليل قال : يا مجاهد هذا حين دبر الليل ، وروى أبو الضحى أن ابن عباس ~~كان يعيب PageV30P183 هذه القراءة ويقول : إنما يدبر ظهر البعير ، قال ~~الواحدي : والقراءتان عند أهل اللغة سواء على ما ذكرنا ، وأنشد أبو علي : # % / وأبى الذي ترك الملوك وجمعهم % % بصهاب هامدة كأمس الدابر % # القول الثاني : قال أبو عبيدة ms9307 وابن قتيبة : دبر أي جاء بعد النهار ، يقال ~~: دبرني أي جاء خلفي ودبر الليل أي جاء بعد النهار ، قال قطرب : فعلى هذا ~~معنى إذا دبر إذا أقبل بعد مضي النهار . # ! 7 < { والصبح إذآ أسفر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 34 ) والصبح إذا أسفر # > > أي أضاء ، وفي الحديث : ( أسفروا بالفجر ) ومنه قوله : { وجوه يومئذ ~~مسفرة } ( عبس : 38 ) أي مضيئة . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { إنها لإحدى الكبر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 35 ) إنها لإحدى الكبر # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا الكلام هو جواب القسم أو تعليل لكلام والقسم معترض ~~للتوكيد . # المسألة الثانية : قال الواحدي : ألف إحدى مقطوع ولا تذهب في الوصل . ~~وروي عن ابن كثير أنه قرأ إنها لإحدى الكبر بحذف الهمزة كما يقال : ويلمه ، ~~وليس هذا الحذف بقياس والقياس التخفيف وهو أن يجعل بين بين . # المسألة الثالثة : قال صاحب ( الكشاف ) : الكبر جمع الكبرى جعلت ألف ~~التأنيث كتاء التأنيث فكما جمعت فعلة على فعل جمعت فعلى عليها ونظير ذلك ~~السوافي جمع السافياء وهو التراب الذي سفته الريح ، والقواصع في جميع ~~القاصعاء كأنهما جمع فاعلة . # المسألة الرابعة : { إنها لإحدى * الكبرى } يعني أن سقر التي جرى ذكرها ~~لإحدى الكبر والمراد من الكبر دركات جهنم ، وهي سبعة : جهنم ، ولظى ، ~~والحطمة ، والسعير ، وسقر ، والجحيم والهاوية ، أعاذنا الله منها . # ! 7 < { نذيرا للبشر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 36 ) نذيرا للبشر # > > نذيرا تمييز من إحدى على معنى أنها لإحدى الدواهي إنذارا كما تقول هي ~~إحدى النساء عفافا ، وقيل : هو حال ، وفي قراءة أبي نذير بالرفع خبر أو ~~بحذف المبتدأ . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 37 ) لمن شاء منكم . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في تفسير الآية وجهان الأول : أن { يتقدم } في موضع ~~الرفع بالابتداء ولمن شاء خبر مقدم عليه كقولك : لمن توضأ أن يصلي ، ومعناه ~~التقدم والتأخر مطلقان لمن شاءهما منكم ، والمراد بالتقدم والتأخر السبق ~~إلى الخير والتخلف عنه ، وهو في معنى قوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر } ( الكهف : 29 ) الثاني : لمن شاء بدل من قوله للبشر ، والتقدير ms9308 : ~~إنها نذير لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ، نظيره { ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع } ( آل عمران : 97 ) . # المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على كون العبد متمكنا من ~~الفعل غير مجبور / عليه وجوابه : أن هذه الآية دلت على أن فعل العبد معلق ~~على مشيئته ، لكن مشيئة العبد معلقة على مشيئة الله تعالى لقوله : ~~PageV30P184 { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } ( الإنسان : 3 ) وحينئذ تصير ~~هذه الآية حجة لنا عليهم ، وذكر الأصحاب عن وجه الاستدلال بهذه الآية ~~جوابين آخرين الأول : أن معنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين التهديد ، كقوله ~~: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ( الكهف : 29 ) الثاني : أن هذه ~~المشيئة لله تعالى على معنى لمن شاء الله منكم أن يتقدم أو يتأخر . # ! 7 < { كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 38 ) كل نفس بما . . . . . # > > قال صاحب ( الكشاف ) : رهينة ليست بتأنيث رهين في قوله : { كل امرىء ~~بما كسب رهين } ( الطور : 21 ) لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصيغة لقيل : ~~رهين ، لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وإنما هي اسم ~~بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم ، كأنه قيل : كل نفس بما كسبت رهن ، ومنه ~~بيت الحماسة : # % أبعد الذي بالنعف نعف كواكب % % رهينة رمس ذي تراب وجندل % # كأنه قال : رهن رمس ، والمعنى كل نفس رهن بكسبها عند الله غير مفكوك إلا ~~أصحاب اليمين ، فإنهم فكوا عن رقاب أنفسهم بسبب أعمالهم الحسنة ، كما يخلص ~~الراهن رهنه بأداء الحق ، ثم ذكروا وجوها في أن أصحاب اليمين من هم ؟ أحدها ~~: قال ابن عباس : هم المؤمنون وثانيها : قال الكلبي : هم الذين قال ( فيهم ~~) الله تعالى : ( هؤلاء في الجنة ولا أبالي ) وهم الذين كانوا على يمين آدم ~~وثالثها : قال مقاتل : هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم لا يرتهنون بذنوبهم ~~في النار ورابعها : قال علي بن أبي طالب عليه السلام وابن عمر : هم أطفال ~~المسلمين ، قال الفراء : وهو أشبه بالصواب لوجهين : الأول : لأن الولدان لم ~~يكتسبوا إثما يرتهنون به والثاني : أنه تعالى ذكر في وصفهم ، فقال ms9309 : { فى ~~جنات يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم فى سقر } وهذا إنما يليق بالولدان ~~، لأنهم لم يعرفوا الذنوب ، فسألوا { ما سلككم فى سقر } ( المدثر : 40 42 ) ~~وخامسها : عن ابن عباس : هم الملائكة . # ! 7 < { فى جنات يتسآءلون * عن المجرمين } . > 7 @QB@ < # | المدثر : ( 40 - 41 ) في جنات يتساءلون # > > # قوله تعالى : { في جنات } أي هم في جنات لا يكتنه وصفها . # ثم قال تعالى : { يتساءلون * عن المجرمين } وفيه وجهان الأول : أن تكون ~~كلمة عن صلة زائدة ، والتقدير : يتساءلون المجرمين فيقولون لهم : ما سلككم ~~في سقر ؟ فإنه يقال سألته كذا ، ويقال : سألته عن كذا الثاني : أن يكون ~~المعنى أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضا عن أحوال المجرمين ، فإن قيل : ~~فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقولوا : ما سلكهم في سقر ؟ قلنا : أجاب صاحب ( ~~الكشاف ) عنه فقال : المراد من هذا أن المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى ~~بينهم وبين المجرمين ، / فيقولون قلنا لهم : { ما سلككم فى سقر } وفيه وجه ~~آخر ، وهو أن يكون المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين ~~هم ؟ فلما رأوهم قالوا لهم : { ما سلككم فى سقر } ( المدثر : 42 ) ~~والإضمارات كثيرة في القرآن . # PageV30P185 ! 7 < { ما سلككم فى سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك ~~نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخآئضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا ~~اليقين } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 42 ) ما سلككم في . . . . . # > > المقصود من السؤال زيادة التوبيخ والتخجيل ، والمعنى ما حبسكم في هذه ~~الدركة من النار ؟ فأجابوا بأن هذا العذاب لأمور أربعة : أولها : { قالوا ~~لم نك من المصلين } وثانيها : لم نك نطعم المسكين ، وهذان يجب أن يكونا ~~محمولين على الصلاة الواجبة ، والزكاة الواجبة لأن ما ليس بواجب ، لا يجوز ~~أن يعذبوا على تركه وثالثها : { وكنا نخوض مع الخائضين } والمراد منه ~~الأباطيل ورابعها : { وكنا نكذب بيوم الدين } أي بيوم القيامة حتى أتانا ~~اليقين ، أي الموت قال تعالى : { حتى يأتيك اليقين } ( الحجر : 99 ) ~~والمعنى أنا بقينا على إنكار القيامة إلى وقت الموت ، وظاهر اللفظ يدل على ~~أن كل أحد من أولئك الأقوام كان موصوفا ms9310 بهذه الخصال الأربعة ، واحتج ~~أصحابنا بهذه الآية على أن الكفار يعذبون بترك فروع الشرائع ، والاستقصاء ~~فيه قد ذكرناه في المحصول من أصول الفقه ، فإن قيل : لم أخر التكذيب ، وهو ~~أفحش تلك الخصال الأربعة ، قلنا أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة ~~كانوا مكذبين بيوم الدين ، والغرض تعظيم هذا الذنب ، كقوله : { ثم كان من ~~الذين ءامنوا } ( البلد : 17 ) . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { فما تنفعهم شفاعة الشافعين } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 48 ) فما تنفعهم شفاعة . . . . . # > > واحتج أصحابنا على ثبوت الشفاعة للفساق بمفهوم هذه الآية ، وقالوا : ~~إن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم ~~شفاعة الشافعين . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { فما لهم عن التذكرة معرضين } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 49 ) فما لهم عن . . . . . # > > أي عن الذكر وهو العظة يريد القرآن أو غيره من المواعظ ، ومعرضين نصب ~~على الحال كقولهم مالك قائما . # / ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بحمر نافرة فقال : # ! 7 < { كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 50 ) كأنهم حمر مستنفرة # > > قال ابن عباس : يريد الحمر الوحشية ، ومستنفرة أي نافرة . يقال : نفر ~~واستنفر مثل سخر ، واستسخر ، وعجب واستعجب ، وقرىء بالفتح ، وهي المنفرة ~~المحمولة على النفار ، قال أبو علي الفارسي : الكسر في مستنفرة أولى ألا ~~ترى أنه قال : { فرت من قسورة } وهذا يدل على أنها هي استنفرت ، ويدل على ~~صحة ما قال أبو علي أن محمد بن سلام . قال : سألت أبا سوار الغنوي ، وكان ~~أعرابيا فصيحا ، فقلت : كأنهم حمر ماذا ؟ فقال : مستنفرة طردها قسورة ، قلت ~~: إنما هو PageV30P186 فرت من قسورة ، قال أفرت ؟ قلت : نعم ، قال فمستنفرة ~~إذا . # ثم قال تعالى : { فرت } يعني الحمر { من قسورة } . # وذكروا في القسورة وجوها أحدها : أنها الأسد يقال : ليوث قساور ، وهي ~~فعولة من القسر وهو القهر ، والغلبة سمي بذلك لأنه يقهر السباع ، قال ابن ~~عباس : الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت كذلك هؤلاء المشركين إذا رأوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم هربوا منه ، كما يهرب الحمار من الأسد ، ثم قال ~~ابن عباس : القسورة ، هي الأسد بلسان ms9311 الحبشة ، وخالف عكرمة فقال : الأسد ~~بلسان الحبشة ، عنبسة وثانيها : القسورة ، جماعة الرماة الذين يتصيدونها ، ~~قال الأزهري : هو اسم جمع للرماة لا واحد له من جنسه وثالثها : القسورة : ~~ركز الناس وأصواتهم ورابعها : أنها ظلمة الليل . قال صاحب ( الكشاف ) : وفي ~~تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، ~~وإطرادها في العدو إذا خافت من شيء . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 52 ) بل يريد كل . . . . . # > > أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نؤمن بك حتى تأتي كل ~~واحد منا بكتاب من السماء عنوانه من رب العالمين إلى فلان بن فلان ، ونؤمر ~~فيه باتباعك ، ونظيره { لن نؤمن * لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرءه } ( ~~الأسراء : 93 ) وقال : { ولو نزلنا عليك كتابا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم } ~~وقيل : إن كان محمد صادقا فليصبح عند رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة من ~~النار ، وقيل : كانوا يقولون بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح ~~مكتوبا على رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك ، وهذا من الصحف المنشرة ~~بمعزل ، إلا أن يراد بالصحف المنشرة ، الكتابات الظاهرة المكشوفة ، وقرأ ~~سعيد بن جبير { صحفا منشرة } بتخفيفهما على أن أنشر الصحف ونشرها واحد ، ~~كأنزله ونزله . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { كلا بل لا يخافون الا خرة } . > 7 ! # { < < # | المدثر : ( 53 ) كلا بل لا . . . . . # > > كلا } وهو ردع لهم عن تلك الإرادة ، وزجر عن اقتراح الآيات . # / ثم قال تعالى : { بل لا يخافون الاخرة } فلذلك أعرضوا عن التأمل ، فإنه ~~لما حصلت المعجزات الكثيرة ، كفت في الدلالة على صحة النبوة فطلب الزيادة ~~يكون من باب التعنت . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { كلا إنه تذكرة * فمن شآء ذكره } . > 7 ! # < < # | المدثر : ( 54 ) كلا إنه تذكرة # > > ثم قال تعالى : { كلا } وهو ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة . # ثم قال تعالى : { إنه تذكرة } يعني تذكرة بليغة كافية { فمن شاء ذكره } ~~أي جعله نصب عينه ، فإن نفع ذلك راجع إليه ، والضمير في { أنه } { * وذكره ~~} للتذكرة في قوله : { الشافعين فما ms9312 لهم عن التذكرة معرضين } ( المدثر : 49 ~~) وإنما ذكر ( ت ) لأنها في معنى الذكر أو القرآن . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { وما يذكرون إلا أن يشآء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة } . > 7 ~~! # { وما يذكرون إلا أن يشاء الله } . # قالت المعتزلة : يعني إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه والجواب : ~~أنه تعالى نفى الذكر PageV30P187 مطلقا ، واستثنى عنه حال المشيئة المطلقة ~~، فيلزم أنه متى حصلت المشيئة أن يحصل الذكر فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه ~~لم تحصل المشيئة ، وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهرية ترك للظاهر ، وقرىء ~~يذكرون بالياء والتاء مخففا ومشددا . # ثم قال تعالى : { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } أي هو حقيق بأن يتقيه ~~عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا ويطيعوا وحقيق بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم ~~إذا آمنوا وأطاعوا ، والله سبحانه وتعالى أعلم . والحمد لله رب العالمين ~~وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين . # PageV30P188 < # > 1 ( سورة القيامة ) 1 < # > # أربعون آية مكية # ! 7 < { لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة } . > 7 ! # / < < # | القيامة : ( 1 ) لا أقسم بيوم . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : المفسرون ذكروا في لفظة { لا } في قوله : { لا أقسم } ~~ثلاثة أوجه : الأول : أنها صلة زائدة والمعنى أقسم بيوم القيامة ونظيره { ~~لئلا يعلم أهل الكتاب } وقوله : { ما منعك أن * لا تسجدوا * فبما رحمة من ~~الله } ( آل عمران : 159 ) وهذا القول عندي ضعيف من وجوه : أولها : أن ~~تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن ، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي ~~إثباتا والإثبات نفيا وتجويزه يفضي إلى أن لا يبقى الاعتماد على إثباته ولا ~~على نفيه وثانيها : أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوله ، فإن ~~قيل : ( فال ) كلام عليه من وجهين : الأول : لا نسلم أنها إنما تزاد في وسط ~~الكلام ، ألا ترى إلى أمرىء القيس كيف زادها في مستهل قصيدته وهي قوله : # % لا وأبيك ابنة العامري % % لا يدعى القوم أني أفر % # الثاني : هب أن هذا الحرف لا يزاد في أول الكلام إلا أن القرآن كله ~~كالسورة الواحدة لاتصال بعضه ms9313 ببعض ، والدليل عليه أنه قد يذكر الشيء في ~~سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى : { وقالوا يأيها * أيها * ~~الذين * نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجر : 6 ) ثم جاء جوابه في سورة ~~أخرى وهو قوله : { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } وإذا كان كذلك ، كان أول هذه ~~السورة جاريا مجرى وسط الكلام والجواب عن الأول : أن قوله لا وأبيك قسم عن ~~النفي ، وقوله : { لا أقسم } نفي للقسم ، فتشبيه أحدهما بالآخر غير جائز ، ~~وإنما قلنا : إن قوله لا أقسم نفي للقسم ، لأنه على وزان قولنا لا أقتل لا ~~أضرب ، لا أنصر ، ومعلوم أن ذلك يفيد النفي . والدليل عليه أنه لو حلف لا ~~يقسم كان البر بترك القسم ، والحنث بفعل القسم ، فظهر أن البيت PageV30P189 ~~المذكور ، ليس من هذا الباب وعن الثاني : أن القرآن كالسورة الواحدة في عدم ~~التناقض ، فإما في أن يقرن بكل آية ما قرن بالآية الأخرى فذلك غير جائز ، ~~لأنه يلزم جواز أن يقرن بكل إثبات حرف النفي في سائر الآيات ، وذلك يقتضي ~~انقلاب كل إثبات نفيا وانقلاب كل نفي إثباتا ، وإنه لا يجوز وثالثها : أن ~~المراد من قولنا : لا صلة أنه لغو باطل ، يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم ~~الكلام ، ومعلوم أن وصف كلام الله تعالى بذلك / لا يجوز القول الثاني : ~~للمفسرين في هذه الآية ، ما نقل عن الحسن أنه قرأ ، لأقسم على أن اللام ~~للابتداء ، وأقسم خبر مبتدأ محذوف ، معناه لأنا أقسم ويعضده أنه في مصحف ~~عثمان بغير ألف واتفقوا في قوله ، ولا أقسم بالنفس اللوامة على لا أقسم ، ~~قال الحسن معنى الآية أني أقسم بيوم القيامة لشرفها ، ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة لخساستها ، وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة وقال لو كان المراد هذا ~~لقال : لأقسمن لأن العرب لا تقول : لأفعل كذا ، وإنما يقولون : لأفعلن كذا ~~، إلاأن الواحدي حكى جواز ذلك عن سيبويه والفراء ، واعلم أن هذا الوجه أيضا ~~ضعيف ، لأن هذه القراءة شاذة ، فهب أن هذا الشاذ استمر ، فما الوجه في ~~القراءة المشهورة المتواترة ؟ ولا يمكن دفعها وإلا ms9314 لكان ذلك قدحا فيما ثبت ~~بالتواتر ، وأيضا فلا بد من إضمار قسم آخر لتكون هذه اللام جوابا عنه ، ~~فيصير التقدير : والله لأقسم بيوم القيامة ، فيكون ذلك قسما على قسم ، وإنه ~~ركيك ولأنه يفضي إلى التسلسل القول الثالث : أن لفظة لا وردت للنفي ، ثم ~~ههنا احتمالان الأول : أنها وردت نفيا لكلام ذكر قبل القسم ، كأنهم أنكروا ~~البعث فقيل : لا ليس الأمر على ما ذكرتم ، ثم قيل أقسم بيوم القيامة ، وهذا ~~أيضا فيه إشكال ، لأن إعادة حرف النفي مرة أخرى في قوه : { ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة } مع أن المراد ما ذكروه تقدح في فصاحة الكلام . # الاحتمال الثاني : أن لا ههنا لنفي القسم كأنه قال : لا أقسم عليكم بذلك ~~اليوم وتلك النفس ولكني أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا نجمع عظامك إذا تفرقت ~~بالموت فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنا قادرون على أن نفعل ذلك ، وهذا القول ~~اختيار أبي مسلم وهو الأصح ، ويمكن تقدير هذا القول على وجوه أخر أحدها : ~~كأنه تعالى يقول : { لا أقسم } بهذه الأشياء على إثبات هذا المطلوب فإن هذا ~~المطلوب أعظم وأجل من أن يقسم عليه بهذه الأشياء ويكون الغرض من هذا الكلام ~~تعظيم المقسم عليه وتفخيم شأنه وثانيها : كأنه تعالى يقول : { لا أقسم } ~~بهذه الأشياء على إثبات هذا المطلوب ، فإن إثباته أظهر وأجلى وأقوى وأحرى ، ~~من أن يحاول إثباته بمثل هذا القسم ، ثم قال بعده : { أيحسب الإنسان ألن ~~نجمع عظامه } ( القيامة : 3 ) أي كيف خطر بباله هذا الخاطر الفاسد مع ظهور ~~فساده وثالثها : أن يكون الغرض منه الاستفهام على سبيل الإنكار والتقدير ~~ألا أقسم بيوم القيامة . ألا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر والنشر حق . # المسألة الثانية : ذكروا في النفس اللوامة وجوها أحدها : قال ابن عباس : ~~إن كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة سواء كانت برة أو فاجرة ، أما ~~البرة فلأجل أنها لم لم تزد على طاعتها ، وأما الفاجرة فلأجل أنها لم لم ~~تشتغل بالتقوى ، وطعن بعضهم في هذا الوجه من وجوه الأول : أن من يستحق ~~الثواب ms9315 لا يجوز أن يلوم نفسه على ترك الزيادة ، لأنه لو جاز منه لوم نفسه ~~على ذلك لجاز من غيره أن يلومها عليه الثاني : أن الإنسان إنما يلوم نفسه ~~عند الضجارة وصيق القلب ، وذلك لا يليق بأهل الجنة حال كونهم في الجنة ، ~~ولأن المكلف يعلم أنه لا مقدار من / الطاعة إلا ويمكن الإتيان بما هو أزيد ~~منه ، فلو كان ذلك موجبا للوم لامتنع الانفكاك عنه وما كان كذلك لا يكون ~~مطلوب الحصول ، ولا يلام على ترك تحصيله والجواب : عن الكل أن يحمل اللوم ~~PageV30P190 على تمني الزيادة ، وحينئذ تسقط هذه الأسئلة وثانيها : أن ~~النفس اللوامة هي النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب ~~أنها تركت التقوى . # ثالثها : أنها هي النفوس الشريفة التي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في ~~الطاعة ، وعن الحسن أن المؤمن لا تراه إلا لائما نفسه ، وأما الجاهل فإنه ~~يكون راضيا بما هو فيه من الأحوال الخسيسة ورابعها : أنها نفس آدم لم تزل ~~تلوم على فعلها الذي خرجت به من الجنة وخامسها : المراد نفوس الأشقياء حين ~~شاهدت أحوال القيامة وأهوالها ، فإنها تلوم نفسها على ما صدر عنها من ~~المعاصي ، ونظيره قوله تعالى : { أن تقول نفس ياحسرتى ياحسرتى على ما فرطت ~~} ( الزمر : 56 ) وسادسها : أن الإنسان خلق ملولا ، فأي شيء طلبه إذا وجده ~~مله ، فحينئذ يلوم نفسه على أني لم طلبته ، فلكثرة هذا العمل سمي بالنفس ~~اللوامة ، ونظيره قوله تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر ~~جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا } ( المعارج : 19 21 ) واعلم أن قوله لوامة ، ~~ينبىء عن التكرار والإعادة ، وكذا القول في لوام وعذاب وضرار . # المسألة الثالثة : إعلم أن في الآية إشكالات أحدها : ما المناسبة بين ~~القيامة وبين النفس اللوامة ، حتى جمع الله بينهما في القسم ؟ وثانيها : ~~المقسم عليه ، هو وقوع القيامة فيصير حاصلة أنه تعالى أقسم بوقوع القيامة ~~وثالثها : لم قال : { لا أقسم بيوم القيامة } ولم يقل : والقيامة ، كما قال ~~في سائر السور ، والطور والذاريات والضحى ؟ والجواب : عن الأول من وجوه ~~أحدها : أن ms9316 أحوال القيامة عجيبة جدا ، ثم المقصود من إقامة القيامة إظهار ~~أحوال النفوس اللوامة . أعني سعادتها وشقاوتها ، فقد حصل بين القيامة ~~والنفوس اللوامة هذه المناسبة الشدية وثانيها : أن القسم بالنفس اللوامة ~~تنبيه على عجائب أحوال النفس على ما قال عليه الصلاة والسلام : ( من عرف ~~نفسه فقد عرف ربه ) ومن أحوالها العجيبة ، قوله تعالى : { وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) وقوله : { إنا عرضنا الامانة } إلى ~~قوله { وحملها الإنسان } ( الأحزاب : 72 ) وقال قائلون : القسم وقع بالنفس ~~اللوامة على معنى التعظيم لها من حيث إنها أبدا تستحقر فعلها وجدها ~~واجتهادها في طاعة الله ، وقال آخرون : إنه تعالى أقسم بالقيامة ، ولم يقسم ~~بالنفس اللوامة ، وهذا على القراءة الشاذة التي رويناها عن الحسن ، فكأنه ~~تعالى قال : { أقسم بيوم القيامة } تعظيما لها ، ولا أقسم بالنفس تحقيرا ~~لها ، لأن النفس اللوامة إما أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها ، وإما ~~أن تكون فاسقة مقصرة في العمل ، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة . # وأما السؤال الثاني : فالجواب عنه ما ذكرنا أن المحققين قالوا : القسم ~~بهذه الأشياء قسم بربها وخالقها في الحقيقة ، فكأنه قيل : أقسم برب القيامة ~~على وقوع يوم القيامة . # / وأما السؤال الثالث : فجوابه أنه حيث أقسم قال : { والطور } { الطور * ~~والذريات } ( الذاريات : 1 ) وأما ههنا فإنه نفي كونه تعالى مقسما بهذه ~~الأشياء ، فزال السؤال والله تعالى أعلم . # ! 7 < { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوى بنانه } ~~. > 7 ! # < < # | القيامة : ( 3 ) أيحسب الإنسان ألن . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في جواب القسم وجوها أحدها : وهو قول الجمهور أنه ~~محذوف على تقدير PageV30P191 ليبعثن ويدل عليه { أيحسب الإنسان ألن نجمع ~~عظامه } ، وثانيها : قال الحسن : وقع القسم على قوله : { بلى قادرين } ، ~~وثالثها : وهو أقرب أن هذا ليس بقسم بل هو نفي للقسم فلا يحتاج إلى الجواب ~~، فكأنه تعالى يقول : لا أقسم بكذا وكذا على شيء ، ولكني أسألك { أيحسب ~~الإنسان ألن نجمع عظامه } . # المسألة الثانية : المشهور أن المراد من الإنسان إنسان معين ، روي أن عدي ~~بن أبي ربيعة ختن الأخنس بن ms9317 شريق ، وهما اللذان كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول فيهما : ( اللهم اكفني شر جاري السوء ) قال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : يا محمد حدثني عن يوم القيامة متى يكون وكيف أمره ؟ ~~فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ~~يا محمد ولم أؤمن بك كيف يجمع الله العظام ؟ فنزلت هذه الآية ، وقال ابن ~~عباس : يريد الإنسان ههنا أبا جهل ، وقال جمع من الأصوليين : بل المراد ~~بالإنسان المكذب بالبعث على الإطلاق . # المسألة الثالثة : قرأ قتادة : { أن لن * نجمع عظامه } على البناء ~~للمفعول ، والمعنى أن الكافر ظن أن العظام بعد تفرقها وصيرورتها ترابا ~~واختلاط تلك الأجزاء بغيرها وبعدما نسفتها الرياح وطيرتها في أباعد الأرض ~~لا يمكن جمعها مرة أخرى وقال تعالى في جوابه : { بلى } فهذه الكلمة أوجبت ~~ما بعد النفي وهو الجمع ، فكأنه قيل : بل يجمعها ، وفي قوله : { قادرين } ~~وجهان الأول : وهو المشهور أنه حال من الضمير في نجمع أي نجمع العظام ~~قادرين على تأليفها جميعها وإعادتها إلى التركيب الأول وهذا الوجه عندي فيه ~~إشكال وهو أن الحال إنما يحسن ذكره إذا أمكن وقوع ذلك الأمر لا على تلك ~~الحالة تقول : رأيت زيدا راكبا لأنه يمكن أن نرى زيد غير راكب ، وههنا كونه ~~تعالى جامعا للعظام يستحيل وقوعه إلا مع كونه قادرا ، فكان جعله حالا جاريا ~~مجرى بيان الواضحات ، وإنه غير جائز والثاني : أن تقدير الآية كنا قادرين ~~على أن نسوي بنانه في الإبتداء فوجب أن نبقي قادرين على تلك التسوية في ~~الانتهاء ، وقرىء قادرون أي ونحن قادرون ، وفي قوله : { على أن نسوى بنانه ~~} وجوه : أحدها : أنه نبه بالبنان على بقية الأعضاء ، أي نقدر على أن نسوي ~~بنانه / بعد صيرورته ترابا كما كان ، وتحقيقه أن من قدر على الشيء في ~~الابتداء قدر أيضا عليه في الإعادة وإنما خص البنان بالذكر لأنه آخر ما يتم ~~خلقه ، فكأنه قيل : نقدر على ضم سلاماته على صغرها ولطافتها بعضها إلى بعض ~~كما كانت أولا من غير نقصان ms9318 ولا تفاوت ، فكيف القول في كبار العظام وثانيها ~~: بلى قادرين على أن نسوي بنانه أي نجعلها مع كفه صفيحة مستوية لا شقوق ~~فيها كخف البعير ، فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة ~~وسائر الأعمال اللطيفة التي يستعان عليها بالأصابع ، والقول الأول أقرب إلى ~~الصواب . # ! 7 < { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 5 ) بل يريد الإنسان . . . . . # > > اعلم أن قوله : { بل يريد } عطف على أيحسب ، فيجوز فيه أن يكون أيضا ~~استفهاما كأنه استفهم عن شيء ثم استفهم عن شيء آخر ، ويجوز أن يكون إيجابا ~~كأنه استفهم أولا ثم أتى بهذا الإخبار ثانيا . وقوله : { ليفجر أمامه } فيه ~~قولان : الأول : أي ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه ، ~~وعن سعيد بن جبير : يقدم الذنب ويؤخر التوبة ، يقول : سوف أتوب حتى يأتيه ~~الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله القول الثاني : ليفجر أمامه ، أي ليكذب ~~بما أمامه من البعث والحساب ، لأن من كذب حقا كان كاذبا وفاجرا ، ~~PageV30P192 والدليل عليه قوله : { يسئل أيان يوم القيامة } ( القيامة : 6 ~~) فالمعنى يريد الإنسان ليفجر أمامه ، أي ليكذب بيوم القيامة وهو أمامه ، ~~فهو يسأل أيان يوم القيامة ، متى يكون ذلك تكذيبا له . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { يسأل أيان يوم القيامة } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 6 ) يسأل أيان يوم . . . . . # > > أي يسأل سؤال مستنعت مستبعد لقيام الساعة ، في قوله : أيان يوم ~~القيامة ، ونظيره يقولون : متى هذا الوعد : واعلم أن إنكار البعث تارة ~~يتولد من الشبهة وأخرى من الشهوة ، أما من الشبهة فهو الذي حكاه الله تعالى ~~بقوله : { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } ( القيامة : 3 ) وتقريره أن ~~الإنسان هو هذا البدن فإذا مات تفرقت أجزاء البدن واختلطت تلك الأجزاء ~~بسائر أجزاء التراب وتفرقت في مشارق الأرض ومغاربها فكان تمييزها بعد ذلك ~~عن غيرها محالا فكان البعث محالا ، واعلم أن هذه الشبهة ساقطة من وجهين ~~الأول : لا نسلم أن الإنسان هو هذا البدن فلم لا يجوز أن يقال : إنه شيء ~~مدبر لهذا البدن فإذا فسد هذا البدن بقي هو حيا كما كان . وحينئذ يكون ms9319 الله ~~تعالى قادرا على أن يرده إلى أي بدن شاء وأراد ، وعلى هذا القول يسقط ~~السؤال ، وفي الآية إشارة إلى هذا لأنه أقسم بالنفس اللوامة ، ثم قال : { ~~أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } وهو تصريح بالفرق بين النفس والبدن الثاني ~~: إن سلمنا أن الإنسان هو هذا البدن فلم قلتم : إنه بعد تفريق أجزائه لا ~~يمكن جمعه مرة أخرى وذلك لأنه تعالى عالم بجميع الجزئيات فيكون عالما ~~بالجزء الذي هو بدن عمرو ، وهو تعالى قادر على كل الممكنات وذلك التركيب من ~~/ الممكنات وإلا لما وجد أولا ، فيلزم أن يكون قادرا على تركيبها . ومتى ~~ثبت كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات قادرا على جميع الممكنات لا يبقى في ~~المسألة إشكال . # وأما القسم الثاني : وهو إنكار من أنكر المعاد بناء على الشهوة فهو الذي ~~حكاه الله تعالى بقوله : { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } ( القيامة : 5 ) ~~ومعناه أن الإنسان الذي يميل طبعه إلى الاسترسال في الشهوات والاستكثار من ~~اللذات لا يكاد يقر بالحشر والنشر وبعث الأموات لئلا تتنغص عليه اللذات ~~الجسمانية فيكون أبدا منكرا لذلك قائلا على سبيل الهزؤ والسخرية أيان يوم ~~القيامة . # ثم إنه تعالى ذكر علامات القيامة فقال : # ! 7 < { فإذا برق البصر * وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان ~~يومئذ أين المفر } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 7 ) فإذا برق البصر # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر من علامات القيامة في هذا الموضع ~~أمورا ثلاثة أولها : قوله : { فإذا برق البصر } قرىء بكسر الراء وفتحها ، ~~قال الأخفش : المكسورة في كلامهم أكثر والمفتوحة لغة أيضا ، قال الزجاج : ~~برق بصره بكسر الراء يبرق برقا إذا تحير ، والأصل فيه أن يكثر الإنسان من ~~النظر إلى لمعان البرق ، فيؤثر ذلك في ناظره ، ثم يستعمل ذلك في كل حيرة ، ~~وإن لم يكن هناك نظر إلى البرق ، كما قالوا : قمر بصره إذا فسد من النظر ~~إلى القمر ، ثم استعير في الحيرة ، وكذلك بعل الرجل في أمره ، أي تحير ودهش ~~، وأصله من قولهم : بعلت المرأة إذا فاجأها زوجها ، فنظرت إليه وتحيرت ، ~~وأما برق ms9320 بفتح الراء ، فهو من البريق ، أي لمع من شدة شخوصه ، وقرأ أبو ~~السمال بلق بمعنى انفتح ، وانفتح يقال : بلق الباب وأبلقته وبلقته فتحته . ~~PageV30P193 # المسألة الثانية : اختلفوا في أن هذه الحالة متى تحصل ؟ فقيل : عند الموت ~~، وقيل : عند البعث وقيل : عند رؤية جهنم ، فمن قال : إن هذا يكون عند ~~الموت ، قال : إن البصر يبرق على معنى يشخص عند معاينة أسباب الموت ، ~~والملائكة كما يوجد ذلك في كل واحد إذا قرب موته ، ومن مال إلى هذا التأويل ~~، قال : إنهم إنما سألوه عن يوم القيامة ، لكنه تعالى ذكر هذه الحادثة عند ~~الموت والسبب فيه من وجهين : الأول : أن المنكر لما قال : { أيان يوم ~~القيامة } ( القيامة : 6 ) على سبيل الاستهزاء فقيل له : إذا برق البصر ~~وقرب الموت زالت عنه الشكوك ، وتيقن حينئذ أن الذي كان عليه من إنكار البعث ~~والقيامة خطأ الثاني : أنه إذا قرب موته وبرق بصره تيقن أن إنكار البعث ~~لأجل طلب اللذات الدنيوية كان باطلا ، وأما من قال بأن ذلك إنما يكون عند ~~قيام القيامة ، قال : لأن السؤال إنما كان عن يوم القيامة ، فوجب أن يقع ~~الجواب بما يكون من خواصه / وآثاره ، قال تعالى : { إنما يؤخرهم ليوم تشخص ~~فيه الابصار } ( إبراهيم : 41 ) ، وثانيها : قوله : { وخسف القمر } وفيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : يحتمل أن يكون المراد من خسوف القمر ذهاب ضوئه كما ~~نعقله من حاله إذا خسف في الدنيا ، ويحتمل أن يكون المراد ذهابه بنفسه ~~كقوله : { فخسفنا به وبداره الارض } ( القصص : 81 ) . # المسألة الثانية : قرىء : { وخسف القمر } ( يس : 40 ) على البناء للمفعول ~~وثالثها : قوله : { وجمع الشمس والقمر } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في كيفية الجمع وجوها أحدها : أنه تعالى قال : { ~~لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر } فإذا جاء وقت القيامة أدرك كل واحد ~~منهما صاحبه واجتمعا وثانيها : جمعا في ذهاب الضوء ، فهو كما يقال : ~~الشافعي يجمع ما بين كذا وكذا في حكم كذا وثالثها : يجمعان أسودين مكورين ~~كأنهما ثوران عقيران في النار ، وقيل : يجمعان ثم يقذفان في البحر ، فهناك ~~نار الله الكبرى ms9321 واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها في قوله ، وخسف القمر ، ~~وجمع الشمس والقمر إنما تستقيم على مذهب من يجعل برق البصر من علامات ~~القيامة ، فأما من يجعل برق البصر من علامات الموت قال معنى : { وخسف القمر ~~} أي ذهب ضوء البصر عند الموت ، يقال عين خاسفة ، إذا فقئت حتى غابت حدقتها ~~في الرأس ، وأصلها من خسفت الأرض إذا ساخت بما عليها ، وقوله : { وجمع ~~الشمس والقمر } كناية عن ذهاب الروح إلى عالم الآخرة / كأن الآخرة كالشمس ، ~~فإنه يظهر فيها المغيبات وتتضح فيها المبهمات ، والروح كالقمر فإنه كما أن ~~القمر يقبل النور من الشمس ، فكذا الروح تقبل نور المعارف من عالم الآخرة ، ~~ولا شك أن تفسير هذه الآيات بعلامات القيامة أولى من تفسيرها بعلامات الموت ~~وأشد مطابقة لها . # المسألة الثانية : قال الفراء : إنما قال جمع ، ولم يقل : جمعت لأن ~~المراد أنه جمع بينهما في زوال النور وذهاب الضوء ، وقال الكسائي ، المعنى ~~جمع النوران أو الضياءان ، وقال أبو عبيدة ، القمر شارك الشمس في الجمع ، ~~وهو مذكر ، فلا جرم غلب جانب التذكير في اللفظ ، قال الفراء ، قلت : لمن ~~نصر هذا القول : كيف تقولون : الشمس جمع والقمر ؟ فقالوا : جمعت ، فقلت ما ~~الفرق بين الموضعين ؟ فرجع عن هذا القول . # المسألة الثالثة : طعنت الملاحدة في الآية ، وقالوا : خسوف القمر لا يحصل ~~حال اجتماع الشمس والقمر والجواب : الله تعالى قادر على أن يجعل القمر ~~منخسفا ، سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس ، أو لم تكن ، والدليل ~~عليه أن الأجسام متماثلة ، فيصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر ، ~~PageV30P194 والله قادر على كل الممكنات ، فوجب أن يقدر على إزالة الضوء عن ~~القمر في جميع الأحوال . # قوله تعالى : { يقول الإنسان يومئذ أين المفر } أي يقول هذا الإنسان ~~المنكر للقيامة إذا / عاين هذه الأحوال أين المفر ، والقراءة المشهورة بفتح ~~الفاء ، وقرىء أيضا بكسر الفاء ، والمفر بفتح الفاء هو الفرار ، قال الأخفش ~~والزجاج : المصدر من فعل يفعل مفتوح العين . وهو قول جمهور أهل اللغة ، ~~والمعنى أين الفرار ، وقول القائل : أين الفرار يحتمل ms9322 معنيين أحدهما : أنه ~~لا يرى علامات مكنة الفرار فيقول حينئذ : أين الفرار ، كما إذا أيس من ~~وجدان زيد يقول : أين زيد والثاني : أن يكون المعنى إلى أين الفرار ، وأما ~~المفر بكسر الفاء فهو الموضع ، فزعم بعض أهل اللغة أن المفر بفتح الفاء كما ~~يكون اسما للمصدر ، فقد يكون أيضا اسما للموضع والمفر بكسر الفاء كما يكون ~~اسما للموضع ، فقد يكون مصدرا ونظيره المرجع . # ! 7 < { كلا لا وزر } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 11 ) كلا لا وزر # > > قوله تعالى : { كلا } وهو ردع عن طلب المفر { لا وزر } قال المبرد ~~والزجاج : أصل الوزر الجبل المنيع ، ثم يقال : لكل ما التجأت إليه وتحصنت ~~به وزر ، وأنشد المبرد قول كعب بن مالك : # % الناس آلت علينا فيك ليس لنا % % إلا السيوف وأطراف القنا وزر % # ومعنى الآية أنه لا شيء يعتصم به من أمر الله . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { إلى ربك يومئذ المستقر } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 12 ) إلى ربك يومئذ . . . . . # > > وفيه وجهان أحدهما : أن يكون المستقر بمعنى الاستقرار ، بمعنى أنهم ~~لا يقدرون أن يستقروا إلى غيره ، وينصبوا إلى غيره ، كما قال : { إن إلى ~~ربك الرجعى } ( العلق : 8 ) { وإلى الله المصير } ( النور : 42 ) { ألا إلى ~~الله تصير الامور } ( الشورى : 53 ) { وأن إلى ربك المنتهى } ( النجم : 12 ~~) الثاني : أن يكون المعنى إلى ربك مستقرهم ، أي موضع قرارهم من جنة أو نار ~~، أي مفوض ذلك إلى مشيئته من شاء أدخله الجنة ، ومن شاء أدخله النار . # ! 7 < { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 13 ) ينبأ الإنسان يومئذ . . . . . # > > بما قدم من عمل عمله ، وبما أخر من عمل لم يعمله ، أو بما قدم من ~~ماله فتصدق به وبما أخره فخلفه ، أو بما قدم من عمل الخير والشر وبما أخر ~~من سنة حسنة أو سيئة ، فعمل بها بعده ، وعن مجاهد أنه مفسر بأول العمل ~~وآخره ، ونظيره قوله : { فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه } ( المجادلة ~~: 6 ) وقال : { ونكتب ما قدموا وءاثارهم } ( يس : 12 ) واعلم أن الأظهر أن ~~هذا الإنباء يكون يوم القيامة عند العرض ، والمحاسبة ووزن ms9323 الأعمال ، ويجوز ~~أن يكون عند الموت وذلك أنه إذا مات بين له مقعده من الجنة والنار . # ! 7 < { بل الإنسان على نفسه بصيرة } . > 7 @QB@ < # | القيامة : ( 14 ) بل الإنسان على . . . . . # > > # اعلم أنه تعالى لما قال : { خلق الإنسان } يومئذ بأعماله ، قال : بل لا ~~يحتاج إلى أن ينبئه غير غيره ، وذلك لأن نفسه شاهدة بكونه فاعلا لتلك ~~الأفعال ، مقدما عليها ، ثم في قوله : { بصيرة } وجهان الأول : قال الأخفش ~~جعله في نفسه بصيرة كما يقال : فلان جود وكرم ، فههنا / أيضا كذلك ، لأن ~~الإنسان بضرورة عقله يعلم PageV30P195 أن ما يقربه إلى الله ويشغله بطاعته ~~وخدمته فهو السعادة ، وما يبعده عن طاعة الله ويشغله بالدنيا ولذاتها فهو ~~الشقاوة ، فهب أنه بلسانه يروج ويزور ويرى الحق في صورة الباطل والباطل في ~~صورة الحق ، لكنه بعقله السليم يعلم أن الذي هو عليه في ظاهره جيد أو رديء ~~والثاني : أن المراد جوارحه تشهد عليه بما عمل فهو شاهد على نفسه بشهادة ~~جوارحه ، وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل وهو كقوله : { يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم } ( النور : 24 ) وقوله : { وتكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم } ( يس : 36 ) وقوله : { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } ~~( فصلت : 20 ) فأما تأنيث البصيرة ، فيجوز أن يكون لأن المراد بالإنسان ~~ههنا الجوارح كأنه قيل : بل جوارح الإنسان ، كأنه قيل بل جوارح الإنسان على ~~نفس الإنسان بصيرة ، وقال أبو عبيدة هذه الهاء لأجل المبالغة كقوله : رجل ~~راوية وطاغية وعلامة . # واعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الإنسان يخبر يوم القيامة ~~بأعماله . ثم ذكر في هذه الآية أنه شاهد على نفسه بما عمل ، فقال الواحدي ~~هذا يكون من الكفار فإنهم ينكرون ما عملوا فيختم الله على أفواههم وينطق ~~جوارحهم . # ! 7 < { ولو ألقى معاذيره } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 15 ) ولو ألقى معاذيره # > > للمفسرين فيه أقوال : الأول : قال الواحدي : المعاذير جمع معذرة يقال ~~: معذرة ومعاذر ومعاذير : قال صاحب ( الكشاف ) جمع المعذرة معاذر والمعاذير ~~ليس جمع معذرة ، وإنما هو اسم جمع لها ، ونحوه المناكير في المنكر ، ~~والمعنى أن الإنسان وإن اعتذر عن ms9324 نفسه وجادل عنها وأتى بكل عذر وحجة ، فإنه ~~لا ينفعه ذلك لأنه شاهد على نفسه القول الثاني : قال الضحاك والسدي والفراء ~~والمبرد والزجاج المعاذير الستور واحدها معذار ، قال المبرد : هي لغة ~~يمانية ، قال صاحب ( الكشاف ) : إن صحت هذه الرواية فذاك مجاز من حيث إن ~~الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة الذنب ، والمعنى على هذا ~~القول : أنه وإن أسبل الستر ليخفي ما يعمل ، فإن نفسه شاهدة عليه . # ! 7 < { لا تحرك به لسانك لتعجل به } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 16 ) لا تحرك به . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : زعم قوم من قدماء الروافض أن هذا القرآن قد غير وبدل ~~وزيد فيه ونقص عنه ، واحتجوا عليه بأنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين ما ~~قبلها : ولو كان هذا الترتيب من الله تعالى لما كان الأمر كذلك . # واعلم أن في بيان المناسبة وجوها أولها : يحتمل أن يكون الاستعجال المنهي ~~عنه ، إنما اتفق للرسول عليه السلام عند إنزال هذه الآيات عليه ، فلا جرم . ~~نهى عن ذلك الاستعجال في هذا الوقت ، وقيل له : { لا تحرك به لسانك لتعجل ~~به } وهذا كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه / شيئا ، فأخذ التلميذ ~~يلتفت يمينا وشمالا ، فيقول : المدرس في أثناء ذلك الدرس لا تلتفت يمينا ~~وشمالا ثم يعود إلى الدرس ، فإذا نقل ذلك الدرس مع هذا الكلام في أثنائه ، ~~فمن لم يعرف السبب يقول : إن وقوع تلك الكلمة في أثناء ذلك الدرس غير مناسب ~~، لكن من عرف الواقعة علم أنه حسن الترتيب وثانيها : أنه تعالى نقل عن ~~الكفار أنهم يحبون PageV30P196 السعادة العاجلة ، وذلك هو قوله : { بل يريد ~~الإنسان ليفجر أمامه } ( القيامة : 5 ) ثم بين أن التعجيل مذموم مطلقا حتى ~~التعجيل في أمور الدين ، فقال : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } وقال في آخر ~~الآية : { كلا بل تحبون العاجلة } ( القيامة : 20 ) ، وثالثها : أنه تعالى ~~قال : { بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره } ( القيامة : 14 15 ~~) فههنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يظهر التعجيل في القراءة مع جبريل ، ~~وكان ms9325 يجعل العذر فيه خوف النسيان ، فكأنه قيل له : إنك إذا أتيت بهذا العذر ~~لكنك تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل ~~واعتمد على هداية الله تعالى ، وهذا هو المراد من قوله : { لا تحرك به ~~لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرءانه } ( القيامة : 16 17 ) ورابعها : ~~كأنه تعالى قال : يا محمد إن غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه وتبلغه إليهم ~~لكن لا حاجة إلى هذا فإن { الإنسان على نفسه بصيرة } ( القيامة : 14 ) وهم ~~بقلوبهم يعلمون أن الذي هم عليه من الكفر وعبادة الأوثان ، وإنكار البعث ~~منكر باطل ، فإذا كان غرضك من هذا التعجيل أن تعرفهم قبح ما هم عليه ، ثم ~~إن هذه المعرفة حاصلة عندهم ، فحينئذ لم يبق لهذا التعجيل فائدة ، فلا جرم ~~قال : { لا تحرك به لسانك } وخامسها : أنه تعالى حكى عن الكافر أنه يقول : ~~أين المفر ، ثم قال تعالى : { كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر } ( ~~القيامة : 11 12 ) فالكافر كأنه كان يفر من الله تعالى إلى غيره فقيل : ~~لمحمد إنك في طلب حفظ القرآن ، تستعين بالتكرار وهذا استعانة منك بغير الله ~~، فاترك هذه الطريقة ، واستعن في هذا الأمر بالله فكأنه قيل : إن الكافر ~~يفر من الله إلى غيره ، وأما أنت فكن كالمضاد له فيجب أن تفر من غير الله ~~إلى الله وأن تستعين في كل الأمور بالله ، حتى يحصل لك المقصود على ما قال ~~: { إن علينا جمعه وقرءانه } ( القيامة : 17 ) وقال في سورة أخرى : { ولا ~~تعجل بالقرءان من قبل إن يقضى إليك وحيه وقل * ربى * زدنى علما } ( طه : ~~114 ) أي لا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار بل اطلبه من الله تعالى وسادسها : ~~ما ذكره القفال وهو أن قوله : { لا تحرك به لسانك } ليس خطابا مع الرسول ~~عليه السلام بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله : { ينبأ الإنسان يومئذ ~~بما قدم وأخر } ( القيامة : 13 ) فكان ذلك للإنسان حال ما ينبأ بقبائح ~~أفعاله وذلك بأن يعرض عليه كتابه فيقال له : { اقرأ كتابك كفى بنفسك ms9326 اليوم ~~عليك حسيبا } ( الإسراء : 14 ) فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدة ~~الخوف وسرعة القراءة فيقال له لا تحرك به لسانك لتعجل به ، فإنه يجب علينا ~~بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك فإذا ~~قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت تلك الأفعال ، ثم إن علينا ~~بيان أمره وشرح مراتب عقوبته ، وحاصل الأمر من تفسير هذه الآية أن المراد ~~منه أنه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله على سبيل التفصيل ، وفيه أشد ~~الوعيد / في الدنيا وأشد التهويل في الآخرة ، ثم قال القفال : فهذا وجه حسن ~~ليس في العقل ما يدفعه وإن كانت الآثار غير واردة به . # المسألة الثانية : احتج من جوز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه ~~الآية ، فقال : إن ذلك الاستعجال إن كان بإذن الله تعالى فكيف نهاه عنه وإن ~~كان لا بإذن الله تعالى فقد صدر الذنب عنه الجواب : لعل ذلك الاستعجال كان ~~مأذونا فيه إلى وقت النهي عنه ، ولا يبعد أن يكون الشيء مأذونا فيه في وقت ~~ثم يصير منهيا عنه في وقت آخر ، ولهذا السبب قلنا : يجوز النسخ . # المسألة الثالثة : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يشتد عليه حفظ التنزيل وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك ~~لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل مخافة أن لا يحفظ ، فأنزل تعالى : { لا تحرك ~~به لسانك } أي بالوحي والتنزيل والقرآن ، وإنما جاز هذا الإضمار وإن لم يجر ~~له ذكر لدلالة الحال عليه ، كما PageV30P197 أضمر في قوله : { إنا أنزلناه ~~فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) ونظير قوله : { ولا تعجل بالقرءان من قبل إن ~~يقضى إليك وحيه } ( طه : 114 ) وقوله : { لتعجل به } أي لتعجل بأخذه . # أما قوله تعالى : # ! 7 < { إن علينا جمعه وقرءانه } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 17 ) إن علينا جمعه . . . . . # > > ففيه مسائل : # المسألة الأولى : كلمة على للوجوب فقوله : إن علينا يدل على أن ذلك ~~كالواجب على الله تعالى ، أما على مذهبنا فذلك الوجوب بحكم الوعد ، وأما ~~على قول المعتزلة : فلأن ms9327 المقصود من البعثة لا يتم إلا إذا كان الوحي ~~محفوظا مبرأ عن النسيان ، فكان ذلك واجبا نظرا إلى الحكمة . # المسألة الثانية : قوله : { إن علينا جمعه } معناه علينا جمعه في صدرك ~~وحفظك ، وقوله : { وقرءانه } فيه وجهان أحدهما : أن المراد من القرآن ~~القراءة ، وعلى هذا التقدير ففيه احتمالان أحدهما : أن يكون المراد جبريل ~~عليه السلام ، سيعيده عليك حتى تحفظه والثاني : أن يكون المراد إنا سنقرئك ~~يا محمد إلى أن تصير بحيث لا تنساه ، وهو المراد من قوله : { سنقرئك فلا ~~تنسى } ( الأعلى : 6 ) فعلى هذا الوجه الأول القارىء جبريل عليه السلام ، ~~وعلى الوجه الثاني القارىء محمد صلى الله عليه وسلم والوجه الثاني : أن ~~يكون المراد من القرآن الجمع والتأليف ، من قولهم : ما قرأت الناقة سلاقط ، ~~أي ما جمعت ، وبنت عمرو بن كلثوم لم تقرأ جنينا ، وقد ذكرنا ذلك عند تفسير ~~القرء ، فإن قيل : فعلى هذا الوجه يكون الجمع والقرآن واحدا فيلزم التكرار ~~، قلنا : يحتمل أن يكون المراد من الجمع جمعه في نفسه ووجوده الخارجي ، ومن ~~القرآن جمعه في ذهنه وحفظه ، وحينئذ يندفع التكرار . # ! 7 < { فإذا قرأناه فاتبع قرءانه } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 18 ) فإذا قرأناه فاتبع . . . . . # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : جعل قراءة جبريل عليه السلام قراءته ، وهذا يدل على ~~الشرف العظيم لجبريل عليه السلام ، ونظيره في حق محمد عليه الصلاة والسلام ~~{ من يطع الرسول فقد أطاع الله } ( النساء : 80 ) . # / المسألة الثالثة : قال ابن عباس : معناه فإذا قرأه جبريل فاتبع قرآنه ، ~~وفيه وجهان الأول : قال قتادة : فاتبع حلاله وحرامه والثاني : فاتبع قراءته ~~، أي لا ينبغي أن تكون قراءتك مقارنة لقراءة جبريل ، لكن يجب أن تسكت حتى ~~يتم جبريل عليه السلام القراءة ، فإذا سكت جبريل فخذ أنت في القراءة ، وهذا ~~الوجه أولى لأنه عليه السلام أمر أن يدع القراءة ويستمع من جبريل عليه ~~السلام ، حتى إذا فرغ جبريل قرأه ، وليس هذا موضع الأمر باتباع ما فيه من ~~الحلال والحرام . قال ابن عباس : فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل ~~عليه جبريل بعد هذه الآية أطرق واستمع ms9328 فإذا ذهب قرأه . # ! 7 < { ثم إن علينا بيانه } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 19 ) ثم إن علينا . . . . . # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : الآية تدل على أنه عليه السلام كان يقرأ مع قراءة جبريل ~~عليه السلام وكان يسأل في PageV30P198 أثناء قراءته مشكلاته ، ومعانيه ~~لغاية حرصه على العلم ، فنهى النبي عليه السلام عن الأمرين جميعا ، أما عن ~~القراءة مع قراءة جبريل فبقوله : { فإذا قرأناه فاتبع قرءانه } ( القيامة : ~~18 ) وأما عن إلقاء الأسئلة في البيان فبقوله : { ثم إن علينا بيانه } . # المسألة الثانية : احتج من جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بهذه الآية . ~~وأجاب أبو الحسين عنه من وجهين الأول : أن ظاهر الآية يقتضي وجوب تأخير ~~البيان عن وقت الخطاب وأنتم لا تقولون به الثاني : أن عندنا الواجب أن يقرن ~~باللفظ إشعارا بأنه ليس المراد من اللفظ ما يقتضيه ظاهره ، فأما البيان ~~التفصيلي فيجوز تأخيره فتحمل الآية على تأخير البيان التفصيلي ، وذكر ~~القفال وجها ثالثا : وهو أن قوله : { ثم إن علينا بيانه } أي ثم إنا نخبرك ~~بأن علينا بيانه ، ونظيره قوله تعالى : { فك رقبة } إلى قوله { ثم كان من ~~الذين ءامنوا } ( البلد : 13 17 ) والجواب عن الأول : أن اللفظ لا يقتضي ~~وجوب تأخير البيان بل يقتضي تأخير وجوب البيان ، وعندنا الأمر كذلك لأن ~~وجوب البيان لا يتحقق إلا عند الحاجة وعن الثاني : أن كلمة ثم دخلت مطلق ~~البيان فيتناول البيان المجمل والمفصل ، وأما سؤال القفال فضعيف أيضا لأنه ~~ترك للظاهر من غير دليل . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ثم أناب * علينا بيانه } يدل على أن ~~بيان المجمل واجب على الله تعالى أما عندنا فبالوعد والتفضل . وأما عند ~~المعتزلة فبالحكمة . # ! 7 < { كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الا خرة } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 20 ) كلا بل تحبون . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : { كلا } ردع لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن عادة العجلة وحث على الأناة والتؤدة ، وقد بالغ في ذلك ~~باتباعه قوله : { بل تحبون العاجلة } كأنه قال : بل أنتم يا بني آدم لأنكم ~~خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في ms9329 كل شيء ، ومن ثم تحبون العاجلة / ~~وتذرون الأخرة ، وقال سائر المفسرين : { كلا } معناه حقا أي حقا تحبون ~~العاجلة وتذرون الآخرة ، والمعنى أنهم يحبون الدنيا ويعملون لها ويتركون ~~الآخرة ويعرضون عنها . # المسألة الثانية : قرىء تحبون وتذرون بالتاء والياء وفيه وجهان الأول : ~~قال الفراء : القرآن إذا نزل تعريفا لحال قوم ، فتارة ينزل على سبيل ~~المخاطبة لهم . وتارة ينزل على سبيل المغايبة ، كقوله تعالى : { حتى إذا ~~كنتم فى الفلك وجرين بهم } ( يونس : 22 ) الثاني : قال أبو علي الفارسي : ~~الياء على ما تقدم من ذكر الإنسان في قوله : { أيحسب الإنسان } ( القيامة : ~~3 ) والمراد منه الكثرة ، كقوله : { إن الإنسان خلق هلوعا } ( المعارج : 19 ~~) والمعنى أنهم يحبون ويذرون ، والتاء على قل لهم ، بل تحبون وتذرون . # ! 7 < { وجوه يومئذ ناضرة } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 22 ) وجوه يومئذ ناضرة # > > قال الليث : نضر اللون والشجر والورق ينضر نضرة ، والنضرة النعمة ، ~~والناضر الناعم ، والنضر الحسن من كل شيء ، ومنه يقال للون إذا كان مشرقا : ~~ناضر ، فيقال : أخضر ناضر ، وكذلك في جميع الألوان ، ومعناه الذي يكون له ~~برق ، وكذلك يقال : شجر ناضر ، وروض ناضر . ومنه قوله عليه السلام : ( نضر ~~الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ) الحديث . أكثر الرواة رواه بالتخفيف ، وروى ~~عكرمة عن الأصمعي : فيه التشديد ، وألفاظ المفسرين مختلفة في تفسير الناضر ~~، ومعناها واحد قالوا : PageV30P199 مسرورة ، ناعمة ، مضيئة ، مسفرة ، ~~مشرقة بهجة . وقال الزجاج : نضرت بنعيم الجنة ، كماقال : { تعرف فى وجوههم ~~نضرة النعيم } ( المطففين : 24 ) . # ! 7 < { إلى ربها ناظرة } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 23 ) إلى ربها ناظرة # > > اعلم أن جمهور أهل السنة يتمسكون بهذه الآية في إثبات أن المؤمنين ~~يرون الله تعالى يوم القيامة . أما المعتزلة فلهم ههنا مقامان أحدهما : ~~بيان أن ظاهره لا يدل على رؤية الله تعالى والثاني : بيان التأويل . # أما المقام الأول : فقالوا : النظر المقرون بحرف إلى ليس اسما للرؤية ، ~~بل لمقدمة الرؤية وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماس لرؤيته ، ونظر العين ~~بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة ، وكالإصغاء بالنسبة ~~إلى السماع ، فكما أن نظر القلب مقدمة للمعرفة ، والإصغاء مقدمة للسماع ، ~~فكذا ms9330 نظر العين مقدمة للرؤية ، قالوا : والذي يدل على أن النظر ليس اسما ~~للرؤية وجوه الأول : قوله تعالى : { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ( ~~الأعراف : 198 ) أثبت النظر حال عدم الرؤية ، فدل على أن النظر غير الرؤية ~~والثاني : أن النظر يوصف بما لا توصف به الرؤية ، يقال : نظر إليه نظرا ~~شرزا ، ونظر غضبان ، ونظر راض ، وكل ذلك لأجل أن حركة الحدقة تدل على هذه ~~الأحوال ، ولا توصف الرؤية بشيءمن ذلك ، فلا يقال : رآه شزرا ، ورآه رؤية ~~غضبان ، أو رؤية راض الثالث : يقال : انظر إليه حتى تراه ، ونظرت إليه ~~فرأيته ، وهذا يفيد كون الرؤية / غاية للنظر ، وذلك يوجب الفرق بين النظر ~~والرؤية الرابع : يقال : دور فلان متناظرة ، أي متقابلة ، فمسمى النظر حاصل ~~ههنا ، ومسمى الرؤية غير حاصل الخامس : قوله الشاعر : # % وجوه ناظرات يوم بدر % % إلى الرحمن تنتظر الخلاصا % # أثبت النظر المقرون بحرف إلى مع أن الرؤية ما كانت حاصلة السادس : احتج ~~أبو علي الفارسي على أن النظر ليس عبارة عن الرؤية ، التي هي إدراك البصر ، ~~بل هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو الجهة التي فيها الشيء الذي يراد رؤيته ، ~~لقول الشاعر : # % فيامي هل يجزي بكائي بمثله % % مرارا وأنفاسي إليك الزوافر % # % وأنى متى أشرف على الجانب الذي % % به أنت من بين الجوانب ناظرا % # قال : فلو كان النظر عبارة عن الرؤية لما طلب الجزاء عليه ، لأن المحب لم ~~يطلب الثواب على رؤية المحبوب ، فإن ذلك من أعظم مطالبه ، قال : ويدل على ~~ذلك أيضا قول الآخر : # % ونظرة ذي شجن وامق % % إذا ما الركائب جاوزن ميلا % # والمراد منه تقليب الحدقة نحو الجانب الذي فيه المحبوب ، فعلمنا بهذه ~~الوجوه أن النظر المقرون بحرف إلى ليس اسما للرؤية السابع : أن قوله : { ~~إلى ربها ناظرة } معناه أنها تنظر إلى ربها خاصة ولا تنظر إلى غيره ، وهذا ~~معنى تقديم المفعول ، ألا ترى إلى قوله : { إلى ربك يومئذ المستقر } ( ~~القيامة : 12 ) إلى ربك يومئذ المساق } ( القيامة : 30 ) { * } ( القيامة : ~~30 ) { ألا إلى الله تصير الامور } ( الشورى : 53 ) { وإليه ترجعون } ( ~~البقرة : 8 ) { وإلى ms9331 الله المصير } ( آ ل عمران : 28 ) { عليه توكلت وإليه ~~أنيب } ( الشورى : 10 ) كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص ، ومعلوم ~~أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ، ولا تدخل تحت العدد PageV30P200 ~~في موقف القيامة ، فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين { لا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } ( يونس : 62 ) فلما دلت الآية على أن النظر ليس ~~إلا إلى الله ، ودل العقل على أنهم يرون غير الله ، علمنا أن المراد من ~~النظر إلى الله ليس هو الرؤية الثامن : قال تعالى : { ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة } ( آل عمران : 77 ) ولو قال : لا يراهم كفي ، فلما نفى النظر ، ~~ولم ينف الرؤية دل على المغايرة ، فثبت بهذه الوجوه ، أن النظر المذكور في ~~هذه الآية ليس هو الرؤية . # المقام الثاني : في بيان التأويل المفصل ، وهو من وجهين الأول : أن يكون ~~الناظر بمعنى المنتظر ، أي أولئك الأقوام ينتظرون ثواب الله ، وهو كقول ~~القائل ، إنما أنظر إلى فلان في حاجتي والمراد أنتظر نجاحها من جهته ، وقال ~~تعالى : { فناظرة بم يرجع المرسلون } ( النمل : 35 ) وقال : { وإن كان ذو ~~عسرة فنظرة إلى ميسرة } ( البقرة : 280 ) لا يقال : النظر المقرون بحرف إلى ~~غير مستعمل في معنى الانتظار ، ولأن الانتظار غم وألم ، وهو لا يليق بأهل ~~السعادة يوم القيامة ، لأنا نقول : الجواب : عن الأول من وجهين الأول : ~~النظر المقرون بحرف إلى قد يستعمل بمعنى الانتظار ، والتوقع والدليل عليه ~~أنه يقال : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي ، والمراد منه التوقع والرجاء ، ~~وقال الشاعر : # % وإذا نظرت إليك من ملك % % والبحر دونك زدتني نعما % # / وتحقيق الكلام فيه أن قولهم في الانتظار نظرت بغير صلة ، فإنما ذلك في ~~الانتظار لمجيء الإنسان بنفسه ، فأما إذا كان منتظرا لرفده ومعونته ، فقد ~~يقال فيه : نظرت إليه كقول الرجل ، وإنما نظري إلى الله ثم إليك ، وقد يقول ~~ذلك من لا يبصر ، ويقول الأعمى في مثل هذا المعنى : عيني شاخصة إليك ، ثم ~~إن سلمنا ذلك لكن لا نسلم إن المراد من إلى ههنا حرف التعدي . بل هو ms9332 واحد ~~الآلاء ، والمعنى : وجوه يومئذ ناضرة نعمة ربها منتظرة . # وأما السؤال الثاني : وهو أن الانتظار غم وألم ، فجوابه أن المنتظر . إذا ~~كان فيما ينتظره على يقين من الوصول إليه ، فإنه يكون في أعظم اللذات . # التأويل الثاني : أن يضمر المضاف ، والمعنى إلى ثواب ربها ناظرة ، قالوا ~~: وإنما صرنا إلى هذا التأويل ، لأنه لما دلت الدلائل السمعية والعقلية على ~~أنه تعالى تمتنع رؤيته وجب المصير إلى التأويل ، ولقائل أن يقول : فهذه ~~الآية تدل أيضا على أن النظر ليس عبارة عن تقليب الحدقة ، لأنه تعالى قال : ~~لا ينظر إليهم وليس المراد أنه تعالى يقلب الحدقة إلى جهنم فإن قلتم : ~~المراد أنه لا ينظر إليهم نظر الرحمة كان ذلك جوابنا عما قالوه . # التأويل الثالث : أن يكون معنى : { إلى ربها ناظرة } أنها لا تسأل ولا ~~ترغب إلا إلى الله ، وهو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام : ( اعبد الله ~~كأنك تراه ) فأهل القيامة لشدة تضرعهم إليه وانقطاع أطماعهم عن غيره صاروا ~~كأنهم ينظرون إليه الجواب : قوله : ليس النظر عبارة عن الرؤية ، قلنا : ~~ههنا مقامان : # الأول : أن تقيم الدلالة على أن النظر هو الرؤية من وجهين : الأول : ما ~~حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام وهو قوله : { أنظر إليك } ( الأعراف : ~~143 ) فلو كان النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جانب PageV30P201 المرئي ، ~~لاقتضت الآية أن موسى عليه السلام أثبت لله تعالى وجهة ومكانا وذلك محال ~~الثاني : أنه جعل النظر أمرا مرتبا على الإرادة فيكون النظر متأخرا عن ~~الإرادة ، وتقليب الحدقة غير متأخر عن الإرادة ، فوجب أن يكون النظر عبارة ~~عن تقليب الحدقة إلى جانب المرئي . # المقام الثاني : وهو الأقرب إلى الصواب ، سلمنا أن النظر عبارة عن تقليب ~~الحدقة نحو المرئي التماسا لرؤيته / لكنا نقول : لما تعذر حمله على حقيقته ~~وجب حمله على مسببه وهو الرؤية ، إطلاقا لاسم السبب على المسبب ، وحمله على ~~الرؤية أولى من حمله على الانتظار ، لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية ولا ~~تعلق بينه وبين الانتظار ، فكان حمله على الرؤية أولى من حمله على الانتظار ~~. # أما ms9333 قوله : النظر جاء بمعنى الانتظار ، قلنا : لنا في الجواب مقامان : # الأول : أن النظر الوارد بمعنى الانتظار كثير في القرآن ، ولكنه لم يقرن ~~ألبتة بحرف إلى كقوله تعالى : { انظرونا نقتبس من نوركم } ( الحديد : 13 ) ~~وقوله : { هل ينظرون إلا تأويله } ( الأعراف : 53 ) { هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله } ( البقرة : 210 ) والذي ندعيه أن النظر المقرون بحرف إلى ~~المعدي إلى الوجوه ليس إلا بمعنى الرؤية / أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ~~ظاهر ، فوجب أن لا يرد بمعنى الانتظار دفعا للاشتراك . # وأما قول الشاعر : # % وجوه ناظرات يوم بدر % % إلى الرحمن تنتظر الخلاصا % # قلنا : هذا الشعر موضوع والرواية الصحيحة : # % وجوه ناظرات يوم بكر % % إلى الرحمن تنتظر الخلاصا % # والمراد من هذا الرحمن مسيلمة الكذاب ، لأنهم كانوا يسمونه رحمن اليمامة ~~، فأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه التخلص من الأعداء ، وأما قول ~~الشاعر : # وإذا نظرت إليك من ملك # فالجواب : أن قوله : وإذا نظرت إليك ، لا يمكن أن يكون المراد منه ~~الانتظار ، لأن مجرد الانتظار لا يستعقب العطية بل المراد من قوله : وإذا ~~نظرت إليك ، وإذا سألتك لأن النظر إلى الإنسان مقدمة المكالمة فجاز التعبير ~~عنه به ، وقوله : كلمة إلى ههنا ليس المراد منه حرف التعدي بل واحد الآلاء ~~، قلنا : إن إلى على هذا القول تكون اسما للماهية التي يصدق عليه أنها نعمة ~~، فعلى هذا يكفي في تحقق مسمى هذه اللفظة أي جزء فرض من أجزاء النعمة ، وإن ~~كان في غاية القلة والحقارة ، وأهل الثواب يكونون في جميع مواقف القيامة في ~~النعم العظيمة المتكاملة ، ومن كان حاله كذلك كيف يمكن أن يبشر بأنه يكون ~~في توقع الشيء الذي ينطلق عليه اسم النعمة ، ومثال هذا أن يبشر سلطان الأرض ~~بأنه سيصير حالك في العظمة والقوة بعد سنة ، بحيث تكون متوقعا لحصول اللقمة ~~الواحدة من الخبز والقطرة الواحدة من الماء ، وكما أن ذلك فاسد من القول : ~~فكذا هذا . # المقام الثاني : هب أن النظر المعدي بحرف إلى المقرون بالوجوه جاء في ~~اللغة بمعنى الانتظار لكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه ، لأن لذة ms9334 الانتظار ~~مع يقين الوقوع كانت حاصلة في الدنيا ، فلا بد وأن يحصل في PageV30P202 ~~الآخرة شيء أزيد منه حتى يحسن ذكره في معرض الترغيب في الآخرة ، ولا يجوز ~~أن يكون ذلك هو قرب الحصول ، لأن ذلك معلوم بالعقل فبطل ما ذكروه من ~~التأويل . # وأما التأويل الثاني : وهو أن المراد إلى ثواب ربها ناظرة ، فهذا ترك ~~للظاهر ، وقوله : إنما صرنا إليه لقيام الدلائل العقلية والنقلية على أن ~~الله لا يرى ، قلنا : بينا في الكتب العقلية ضعف تلك الوجوه ، فلا حاجة ~~ههنا إلى ذكرها والله أعلم . # وقوله تعالى : # ! 7 < { ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 24 ) ووجوه يومئذ باسرة # > > الباسر : الشديد العبوس والباسل أشد منه ، ولكنه غلب في الشجاع إذا ~~اشتد كلوحه ، والمعنى أنها عابسة كالحة قد / أظلمت ألوانها وعدمت آثار ~~السرور والنعمة منها ، لما أدركها من الشقاء واليأس من رحمة الله ، ولما ~~سودها الله حين ميز الله أهل الجنة والنار ، وقد تقدم تفسير البسور عند ~~قوله : { عبس وبسر } ( المدثر : 22 ) وإنما كانت بهذه الصفة ، لأنها قد ~~أيقنت أن العذاب نازل ، وهو قوله : { تظن أن يفعل بها فاقرة } والظن ههنا ~~بمعنى اليقين ، هكذا قاله المفسرون ، وعندي أن الظن إنما ذكر ههنا على سبيل ~~التهكم كأنه قيل : إذا شاهدوا تلك الأحوال ، حصل فيهم ظن أن القيامة حق ، ~~وأما الفاقرة ، فقال أبو عبيدة : الفاقرة الداهية ، وهو اسم للوسم الذي ~~يفقر به على الأنف ، قال الأصمعي : الفقر أن يحز أنف البعير حتى يخلص إلى ~~العظم ، أو قريب منه ، ثم يجعل فيه خشبة يجر البعير بها ، ومنه قيل : عملت ~~به الفاقرة ، قال المبرد : الفاقرة داهية تكسر الظهر ، وأصلها من الفقرة ~~والفقارة كأن الفاقرة داهية تكسر فقار الظهر ، وقال ابن قتيبة : يقال فقرت ~~الرجل ، كما يقال رأسته وبطنته فهو مفقور ، واعلم أن من المفسرين من فسر ~~الفاقرة بأنواع العذاب في النار ، وفسرها الكلبي فقال : الفاقرة هي أن تحجب ~~عن رؤية ربها ولا تنظر إليه . # ! 7 < { كلا إذا بلغت التراقى } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 26 ) كلا إذا ms9335 بلغت . . . . . # > > قوله تعالى : { كلا } قال الزجاج : كلا ردع عن إيثار الدنيا على ~~الآخرة ، كأنه قيل : لما عرفتم صفة سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء في ~~الآخرة ، وعلمتم أنه لا نسبة لها إلى الدنيا ، فارتدعوا عن إيثار الدنيا ~~على الآخرة ، وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة ~~عنكم ، وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلدين ، وقال آخرون : { كلا } ~~أي حقا إذا بلغت التراقي كان كذا وكذا ، والمقصود أنه لما بين تعظيم أحوال ~~الآخرة بين أن الدنيا لا بد فيها من الانتهاء والنفاد والوصول إلى تجرع ~~مرارة الموت . وقال مقاتل : { كلا } أي لا يؤمن الكافر بما ذكر من أمر ~~القيامة ، ولكنه لا يمكنه أن يدفع أنه لا بد من الموت ، ومن تجرع آلامها ، ~~وتحمل آفاتها . # ثم إنه تعالى وصف تلك الحالة التي تفارق الروح فيها الجسد فقال : { إذا ~~بلغت التراقى } وفيه مسألتان : PageV30P203 # المسألة الأولى : المراد إذا بلغت النفس أو الروح أخبر عما لم يجر له ذكر ~~لعلم المخاطب بذلك ، كقوله : { إنا أنزلناه } والتراقي جمع ترقوة . وهي عظم ~~وصل بين ثغرة النحر ، والعاتق من الجانبين . # واعلم أنه يكنى ببلوغ النفس التراقي عن القرب من الموت ، ومنه قول دريد ~~بن الصمة : # % ورب عظيمة دافعت عنها % % وقد بلغت نفوسهم التراقي % # ونظيره قوله تعالى : { وبلغت * الحلقوم } ( الأحزاب : 10 ) . # المسألة الثالثة : قال بعض الطاعنين : إن النفس إنما تصل إلى التراقي بعد ~~مفارقتها عن القلب / ومتى فارقت النفس القلب حصل الموت لا محالة ، والآية ~~تدل على أن عند بلوغها التراقي ، تبقى الحياة حتى يقال فيه : من راق ، وحتى ~~تلتف الساق بالساق والجواب : المراد من قوله : { حتى إذا * بلغت التراقى } ~~أي إذا حصل القرب من تلك الحالة . # ! 7 < { وقيل من راق } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 27 ) وقيل من راق # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في راق وجهان الأول : أن يكون من الرقية يقال : رقاه ~~يرقيه رقية إذا عوذه بما يشفيه ، كما يقال : بسم الله أرقيك ، وقائل هذا ~~القول على هذا الوجه ، هم الذين يكونون حول الإنسان المشرف على الموت ، ثم ms9336 ~~هذا الاستفهام ، يحتمل أن يكون بمعنى الطلب كأنهم طلبوا له طبيبا يشفيه ، ~~وراقيا يرقيه ، ويحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الإنكار ، كما يقول القائل ~~عند اليأس : من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت الوجه ~~الثاني : أن يكون قوله : { من راق } من رقى يرقي رقيا ، ومنه قوله تعالى : ~~{ ولن نؤمن لرقيك } وعلى هذا الوجه يكون قائل هذا القول هم الملائكة . قال ~~ابن عباس : إن الملائكة يكرهون القرب من الكافر ، فيقول ملك الموت من يرقى ~~بهذا الكافر ، وقال الكلبي : يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة ~~الرحمة ، وسبعة من ملائكة العذاب مع ملك الموت ، فإذا بلغت نفس العبد ~~التراقي نظر بعضهم إلى بعض ، أيهم يرقى بروحه إلى السماء فهو { من راق } . # المسألة الثانية : قال الواحدي إن إظهار النون عند حروف الفم لحسن ، فلا ~~يجوز إظهار نون من في قوله : { من راق } وروى حفص عن عاصم إظهار النون في ~~قوله : { من راق } و { بل ران } ( المطففين : 14 ) قال أبو علي الفارسي ، ~~ولا أعرف وجه ذلك ، قال الواحدي ، والوجه أن يقال : قصد الوقف على من وبل ، ~~فأظهرها ثم ابتدأ بما بعدهما ، وهذا غير مرضي من القراءة . # ! 7 < { وظن أنه الفراق } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 28 ) وظن أنه الفراق # > > قال المفسرون : المراد أنه أيقن بمفارقته الدنيا ، ولعله إنما سمي ~~اليقين ههنا بالظن ، لأن الإنسان ما دام يبقى روحه متعلقا ببدنه ، فإنه ~~يطمع في الحياة لشدة حبه لهذه الحياة العاجلة على ما قال : { كلا بل تحبون ~~العاجلة } ( القيامة : 20 ) ولا ينقطع رجاؤه عنها فلا يحصل له يقين الموت ، ~~بل الظن PageV30P204 الغالب مع رجاء الحياة ، أو لعله سماه بالظن على سبيل ~~التهكم . # واعلم أن الآية دالة على أن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد موت البدن ، ~~لأنه تعالى سمى الموت فراقا ، والفرق إنما يكون لو كانت الروح باقية ، فإن ~~الفراق والوصال صفة ، والصفة تستدعي وجود الموصوف . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { والتفت الساق بالساق } . > 7 @QB@ < # | القيامة : ( 29 ) والتفت الساق بالساق # > > # الالتفاف هو الاجتماع ، كقوله تعالى : { جئنا بكم ms9337 لفيفا } ( الإسراء : ~~104 ) وفي الساق قولان : القول الأول : أنه الأمر الشديد ، قال أهل المعاني ~~: لأن الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن ساقه ، فقيل للأمر الشديد : ساق ، ~~وتقول العرب : قامت الحرب على ساق ، أي اشتدت ، قال الجعدي : # % أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها % % وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا % # ثم قال : والمراد بقوله : { والتفت الساق بالساق } أي التفت شدة مفارقة ~~الدنيا ولذاتها وشدة الذهاب ، أو التفت شدة ترك الأهل ، وترك الولد ، وترك ~~المال ، وترك الجاه ، وشدة شماتة الأعداء ، وغم الأولياء ، وبالجملة ~~فالشدائد هناك كثيرة ، كشدة الذهاب إلى الآخرة والقدوم على الله ، أو التفت ~~شدة ترك الأحباب والألياء ، وشدة الذهاب إلى دار الغربة والقول الثاني : أن ~~المراد من الساق هذا العضو المخصوص ، ثم ذكروا على هذا القول وجوها أحدها : ~~قال الشعبي وقتادة : هما ساقاه عند الموت أما رأيته في النزع كيف يضرب ~~بإحدى رجليه على الأخرى والثاني : قال الحسن وسعيد بن المسيب : هما ساقاه ~~إذا التفتا في الكفن والثالث : أنه إذا مات يبست ساقاه ، والتصقت إحداهما ~~بالأخرى . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { إلى ربك يومئذ المساق } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 30 ) إلى ربك يومئذ . . . . . # > > المساق مصدر من ساق يسوق ، كالمقال من قال يقول ، ثم فيه وجهان ~~أحدهما : أن يكون المراد أن المسوق إليه هو الرب والثاني : أن يكون المراد ~~أن السائق في ذلك اليوم هو الرب ، أي سوق هؤلاء مفوض إليه . # ! 7 < { فلا صدق ولا صلى * ولاكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى } . ~~> 7 ! # < < # | القيامة : ( 31 ) فلا صدق ولا . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى شرح كيفية عمله فيما يتعلق بأصول الدين ~~وبفروعه ، وفيما يتعلق بدنياه . أما ما يتعلق بأصول الدين فهو أنه ما صدق ~~بالدين ، ولكنه كذب به ، وأما ما يتعلق بفروع الدين ، فهو أنه ما صلى ولكنه ~~تولى وأعرض ، وأما ما يتعلق بدنياه ، فهو أنه ذهب إلى أهله يتمطى ، ويتبختر ~~، ويختال في مشيته ، واعلم أن الآية دالة على أن الكافر يستحق الذم والعقاب ~~بترك الصلاة كما يستحقهما بترك الإيمان . # المسألة ms9338 الثانية : قوله : { فلا صدق } حكاية عمن ؟ فيه قولان : الأول : ~~أنه كناية عن الإنسان في قوله : { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } ( ~~القيامة : 3 ) ألا ترى إلى قوله : { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } ( القيامة ~~: 36 ) وهو معطوف على قوله : { يسئل أيان يوم القيامة } ( القيامة : 6 ) ~~والقول الثاني : أن الآية نزلت في أبي جهل . # / المسألة الثالثة : في يتمطى قولان : أحدهما : أن أصله يتمطط أي يتمدد ، ~~لأن المتبختر يمد خطاه ، PageV30P205 فقلبت الطاء فيه ياء ، كما قيل : في ~~تقصى أصله تقصص والثاني : من المطا وهو الظهر لأنه يلويه ، وفي الحديث : ( ~~إذا مشت أمتي المطيطي ) أي مشية المتبختر . # المسألة الرابعة : قال أهل العربية : { لا } ههنا في موضع لم فقوله : { ~~فلا صدق ولا صلى } أي لم يصدق ولم يصل ، وهو كقوله : { فلا اقتحم العقبة } ~~( البلد : 11 ) أي لم يقتحم ، وكذلك ما روي في الحديث : ( أرأيت من لا أكل ~~ولا شرب ، ولا استهل ) قال الكسائي : لم أر العرب قالت في مثل هذا كلمة ~~وحدها حتى تتبعها بأخرى ، إما مصرحا أو مقدرا ، أما المصرح فلا يقولون : لا ~~عبدالله خارج حتى يقولون ، ولا فلان ، ولا يقولون : مررت برجل لا يحسن حتى ~~يقولوا ، ولا يجمل ، وأما المقدر فهو كقوله : { فلا اقتحم العقبة } ثم ~~اعترض الكلام ، فقال : { وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام } ( ~~البلد : 12 ، 14 ) وكان التقدير لا فك رقبة ، ولا أطعم مسكينا ، فاكتفى به ~~مرة واحدة ، ومنهم من قال التقدير في قوله : { فلا اقتحم } أي أفلا اقتحم ، ~~وهلا اقتحم . # ! 7 < { أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 34 ) أولى لك فأولى # > > قال قتادة والكلبي ومقاتل : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد ~~أبي جهل . ثم قال : { أولى لك فأولى } توعده ، فقال أبو جهل : بأي شيء ~~تهددني ؟ لا تستطع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا ، وإني لأعز أهل هذا ~~الوادي ، ثم انسل ذاهبا ، فأنزل الله تعالى كما قال له الرسول عليه الصلاة ~~والسلام ، ومعنى قوله : { أولى لك } بمعنى ويل لك ، وهو دعاء عليه ، بأن ~~يليه ms9339 ما يكرهه ، قال القاضي : المعنى بعد ذلك ، فبعدا ( لك ) في أمر دنياك ~~، وبعدا لك ، في أمر أخراك ، وقال آخرون : المعنى الويل لك مرة بعد ذلك ، ~~وقال القفال : هذا يحتمل وجوها أحدها : أنه وعيد مبتدأ من الله للكافرين ~~والثاني : أنه شيء قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعدوه فاستنكره عدو الله ~~لعزته عند نفسه ، فأنزل الله تعالى مثل ذلك والثالث : أن يكون ذلك أمرا من ~~الله لنبيه ، بأن يقولها لعدو الله ، فيكون المعنى { ثم ذهب إلى أهله يتمطى ~~} ( القيامة : 33 ) فقل له : يا محمد : { أولى لك فأولى } أي احذر ، فقد ~~قرب منك مالا قبل لك به من المكروه . # ! 7 < { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 36 ) أيحسب الإنسان أن . . . . . # > > أي مهملا لا يؤمر ، ولا ينهى ، ولا يكلف في الدنيا ولا يحاسب بعمله ~~في الآخرة ، والسدي في اللغة المهمل يقال : أسديت إبلي إسداء أهملتها . # واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة ، قوله : { أيحسب الإنسان ألن ~~نجمع عظامه } ( القيامة : 3 ) أعاد في آخر السورة ذلك ، وذكر في صحة البعث ~~والقيامة دليلين الأول : قوله : { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } ( القيامة : ~~36 ) ونظيره قوله : { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى } ~~( طه : 15 ) وقوله : { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى ~~الارض أم نجعل المتقين كالفجار } ( ص: 28 ) وتقريره أن إعطاء القدرة والآلة ~~والعقل بدون التكليف والأمر بالطاعة والنهي عن المفاسد يقتضي كونه تعالى ~~راضيا بقبائح الأفعال ، وذلك لا يليق بحكمته ، فإذا لا بد من التكليف ~~والتكليف لا يحسن ولا يليق بالكريم الرحيم إلا إذا كان هناك دار الثواب ~~والبعث والقيامة . PageV30P206 # الدليل الثاني : على صحة القول بالحشر الاستدلال بالخلقة الأولى على ~~الإعادة ، وهو المراد من قوله تعالى . # ! 7 < { ألم يك نطفة من منى يمنى } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 37 ) ألم يك نطفة . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : النطفة هي الماء القليل وجمعها نطاف ونطف ، يقول : ألم ~~يك ماء قليلا في صلب الرجل وترائب المرأة ؟ وقوله : { من منى يمنى } أي يصب ~~في الرحم ms9340 ، وذكرنا الكلام في يمنى عند قوله : { من نطفة إذا تمنى } ( النجم ~~: 46 ) وقوله : { أفرءيتم ما تمنون } ( الواقعة : 58 ) فإن قيل : ما ~~الفائدة في يمنى في قوله : { من منى يمنى } ؟ قلنا : فيه إشارة إلى حقارة ~~حاله ، كأنه قيل : إنه مخلوق من المني الذي جرى على مخرج النجاسة ، فلا ~~يليق بمثل هذا الشيء أن يتمرد عن طاعة الله تعالى إلا أنه عبر عن هذا ~~المعنى ، على سبيل الرمز كما في قوله تعالى في عيسى ومريم : { كانا يأكلان ~~الطعام } ( المائدة : 75 ) والمراد منه قضاء الحاجة . # المسألة الثانية : في يمنى في هذه السورة قراءتان التاء والياء ، فالتاء ~~للنطفة ، على تقدير ألم يك نطفة تمنى من المني ، والياء للمني من مني يمنى ~~، أي يقدر خلق الإنسان منه . # ! 7 < { ثم كان علقة فخلق فسوى } . > 7 ! # < < # | القيامة : ( 38 ) ثم كان علقة . . . . . # > > قوله تعالى : { ثم كان علقة } أي الإنسان كان علقة بعد النطفة . # أما قوله تعالى : { فخلق فسوى } ففيه وجهان الأول : فخلق فقدر فسوى فعدل ~~الثاني : فخلق ، أي فنفخ فيه الروح ، فسوى فكمل أعضاءه ، وهو قول ابن عباس ~~ومقاتل . # ! 7 < { فجعل منه الزوجين الذكر والا نثى * أليس ذلك بقادر على أن يحيى ~~الموتى } . > 7 @QB@ < # | القيامة : ( 39 - 40 ) فجعل منه الزوجين . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { فجعل منه } أي من الإنسان { الزوجين } يعني الصنفين . # ثم فسرهما فقال : { الذكر والانثى * أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى } ~~والمعنى أليس ذلك الذي أنشأ هذه الأشياء بقادر على الإعادة ، روي أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال : سبحانك بلى والحمد لله رب العالمين . ~~وصلاته على سيدنا محمد سيد المرسلين وآله وصحبه وسلم . # PageV30P207 < # > 1 ( سورة الإنسان ) 1 < # > # [ إحدى وثلاثون آية مكية # ! 7 < { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } . > 7 ! # / < < # | الإنسان : ( 1 ) هل أتى على . . . . . # > > اتفقوا على أن { هل } ههنا وفي قوله تعالى : { هل أتاك حديث الغاشية ~~} ( الغاشية : 1 ) بمعنى قد ، كما تقول : هل رأيت صنيع فلان ، وقد علمت أنه ~~قد رآه ، وتقول : هل وعظتك هل أعطيتك ، ومقصودك أن ms9341 تقرره بأنك قد أعطيته ~~ووعظته ، وقد تجيء بمعنى الجحد ، تقول : وهل يقدر أحد على مثل هذا ، وأما ~~أنها تجيء بمعنى الاستفهام فظاهر ، والدليل على أنها ههنا ليست بمعنى ~~الاستفهام وجهان الأول : ما روي أن الصديق رضي الله عنه لما سمع هذه الآية ~~قال : يا ليتها كانت تمت فلا نبتلي ، ولو كان ذلك استفهاما لما قال : ليتها ~~تمت ، لأن الاستفهام ، إنما يجاب بلا أو بنعم ، فإذا كان المراد هو الخبر ، ~~فحينئذ يحسن ذلك الجواب الثاني : أن الاستفهام على الله تعالى محال فلا بد ~~من حمله على الخبر . # المسألة الأولى : اختلفوا في الإنسان المذكور ههنا فقال : جماعة من ~~المفسرين يريد آدم عليه السلام ، ومن ذهب إلى هذا قال : إن الله تعالى ذكر ~~خلق آدم في هذه الآية ثم عقب بذكر ولده في قوله : { إنا خلقنا الإنسان من ~~نطفة أمشاج نبتليه } ( الإنسان : 2 ) ، والقول الثاني : أن المراد بالإنسان ~~بنو آدم بدليل قوله : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة } فالإنسان في الموضعين ~~واحد ، وعلى هذا التقدير يكون نظم الآية أحسن . # المسألة الثانية : { حين } فيه قولان : الأول : أنه طائفة من الزمن ~~الطويل الممتد وغير مقدر في نفسه والثاني : أنه مقدر بالأربعين ، فمن قال : ~~المراد بالإنسان هو آدم قال المعنى : أنه مكث آدم عليه السلام أربعين سنة ~~طينا إلى أن نفخ فيه الروح ، وروى عن ابن عباس أنه بقي طينا أربعين سنة ~~وأربعين من صلصال وأربعين من حمأ مسنون فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ، فهو ~~في هذه المدة ما كان شيئا مذكورا ، وقال الحسن : خلق الله تعالى كل الأشياء ~~ما يرى وما لا يرى من دواب البر والبحر في الأيام الستة التي خلق فيها ~~السموات PageV30P208 والأرض وآخر ما خلق آدم عليه السلام وهو قوله : { لم ~~يكن شيئا مذكورا } فإن قبل : إن الطين والصلصال والحمأ المسنون قبل نفخ / ~~الروح فيه ما كان إنسانا ، والآية تقتضي أنه قد مضى على الإنسان حال كونه ~~إنسانا حين من الدهر مع أنه في ذلك الحين ما كان شيئا مذكورا ، قلنا : إن ms9342 ~~الطين والصلصال إذا كان مصورا بصورة الإنسان ويكون محكوما عليه بأنه سينفخ ~~فيه الروح وسيصير إنسانا صح تسميته بأنه إنسان ، والذين يقولون الإنسان هو ~~النفس الناطقة ، وإنها موجودة فبل وجود الأبدان ، فالإشكال عنهم زائل واعلم ~~أن الغرض من هذا التنبيه على أن الإنسان محدث ، ومتى كان كذلك فلا بد من ~~محدث قادر . # المسألة الثالثة : لم يكن شيئا مذكورا محله النصب على الحال من الإنسان ~~كأنه قيل : هل أتى عليه حين من الدهر غير مذكور أو الرفع على الوصف لحين ، ~~تقديره : هل أتى على الإنسان حين لم يكن فيه شيئا . # ! 7 < { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا } . ~~> 7 @QB@ < # | الإنسان : ( 2 ) إنا خلقنا الإنسان . . . . . # > > # قوله تعالى : { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } فيه مسائل : # المسألة الأولى : المشج : في اللغة الخلط ، يقال : مشج يمشج مشجا إذا خلط ~~، والأمشاج الأخلاط ، قال ابن الأعرابي : واحدها مشج ومشيج ، ويقال للشيء ~~إذا خلط : مشيج كقولك : خليط وممشوج ، كقولك مخلوط . قال الهذلي : # % كأن الريش والفوقين منه % % خلاف النصل شط به مشيج % # يصف السهم بأنه قد بعد في الرمية فالتطخ ريشه وفرقاه بدم يسير ، قال صاحب ~~( الكشاف ) : الأمشاج لفظ مفرد ، وليس يجمع بدليل أنه صفة للمفرد وهو قوله ~~: { نطفة أمشاج } ويقال أيضا : نطفة مشيج ، ولا يصح أن يكون أمشاجا جمعا ~~للمشج بل هما مثلان في الإفراد ونظيره برمة أعشار أي قطع مسكرة ، وثوب ~~أخلاق وأرض سباسب ، واختلفوا في معنى كون النطفة مختلطة فالأكثرون على أنه ~~اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة كقوله : { يخرج من بين الصلب والترائب } ( ~~الطارق : 7 ) قال ابن عباس هو اختلاط ماء الرجل وهو أبيض غليظ وماء المرأة ~~وهو أصفر رقيق فيختلطان ويخلق الولد منهما ، فما كان من عصب وعظم وقوة فمن ~~نطفة الرجل ، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة ، قال مجاهد : هي ألوان ~~النطفة فنطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة صفراء ، وقال عبدالله أمشاجها ~~عروقها ، وقال الحسن : يعني من نطفة مشجت بدم وهو دم الحيضة وذلك أن المرأة ~~إذا تلقت ماء ms9343 الرجل وحبلت أمسك حيضها فاختلطت النطفة بالدم ، وقال قتادة : ~~الأمشاج هو أنه يختلط الماء والدم أولا ثم يصير علقة ثم يصير مضغة ، ~~وبالجملة فهو عبارة عن انتقال ذلك الجسم من صفة إلى صفة ، ومن حال إلى حال ~~. وقال قوم : إن الله تعالى جعل في النطفة أخلاطا من الطبائع التي تكون في ~~الإنسان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، والتقدير من نطفة ذات ~~أمشاج فحذف المضاف وتم الكلام ، قال بعض العلماء : الأولى هو أن المراد ~~اختلاط نطفة الرجل والمرأة / لأن الله تعالى وصف النطفة بأنها أمشاج ، وهي ~~إذا صارت علقة فلم يبق فيها وصف أنها نطفة ، ولكن هذا الدليل لا يقدح في أن ~~المراد كونها أمشاجا من الأرض والماء والهواء والحار . PageV30P209 # أما قوله تعالى : { نبتليه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : نبتليه معناه لنبتليه ، وهو كقول الرجل : جئتك أقضي حقك ~~، أي لأقضي حقك ، وأتيتك أستمنحك ، أي لأستمنحك ، كذا قوله : { نبتليه } أي ~~لنبتليه ونظيره قوله : { ولا تمنن تستكثر } ( المدثر : 6 ) أي لتستكثر . # المسألة الثانية : نبتليه في موضع الحال ، أي خلقناه مبتلين له ، يعني ~~مريدين ابتلاءه . # المسألة الثالثة : في الآية قولان : أحدهما : أن فيه تقديما وتأخيرا ، ~~والمعنى { فجعلناه سميعا بصيرا } لنبتليه والقول الثاني : أنه لا حاجة إلى ~~هذا التغيير ، والمعنى إنا خلقناه من هذه الأمشاج لا للبعث ، بل للابتلاء ~~والامتحان . # ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر ، فقال : { ~~فجعلنا * سميعا بصيرا } والسمع والبصر كنايتان عن الفهم والتمييز ، كما قال ~~تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام : { لم تعبد * مالا * يسمع ولا يبصر } ~~( مريم : 42 ) وأيضا قد يراد بالسميع المطيع ، كقوله سمعا وطاعة ، وبالبصير ~~العالم يقال : فلان بصير في هذا الأمر ، ومنهم من قال : بل المراد بالسمع ~~والبصر الحاستان المعروفتان . والله تعالى خصهما بالذكر ، لأنهما أعظم ~~الحواس وأشرفها . # ! 7 < { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } . > 7 @QB@ < # | الإنسان : ( 3 ) إنا هديناه السبيل . . . . . # > > # قوله تعالى : { إنا هديناه السبيل } أخبر الله تعالى أنه بعد أن ركبه ~~وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال ، وفيه ms9344 مسائل : # المسألة الأولى : الآية دالة على أن إعطاء الحواس كالمقدم على إعطاء ~~العقل والأمر كذلك لأن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليا عن معرفة الأشياء ~~، إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل تلك المعارف ، وهي الحواس الظاهرة ~~والباطنة ، فإذا أحس بالمحسوسات تنبه لمشاركات بينها ومباينات ، ينتزع منها ~~عقائد صادقة أولية ، كعلمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان وأن ~~الكل أعظم من الجزء ، وهذه العلوم الأولية هي آلة العقل لأن بتركيباتها ~~يمكن التوصل إلى استعلام المجهولات النظرية ، فثبت أن الحس مقدم في الوجود ~~على العقل ، ولذلك قيل : من فقد حسا فقد علما ، ومن قال : المراد من كونه ~~سميعا بصيرا هو العقل ، قال : إنه لما بين في الآية الأولى أنه أعطاه العقل ~~بين في هذه الآية ، أنه إنما أعطاه العقل ليبين له السبيل ويظهر له أن الذي ~~يجب فعله ما هو . والذي لا يجوز ما هو . # المسألة الثانية : السبيل هو الذي يسلك من الطريق ، فيجوز أن يكون المراد ~~بالسبيل / ههنا سبيل الخير والشر والنجاة والهلاك ، ويكون معنى هديناه ، أي ~~عرفناه وبينا كيفية كل واحد منهما له ، كقوله تعالى : { وهديناه النجدين } ~~( البلد : 10 ) ويكون السبيل اسما للجنس ، فلهذا أفرد لفظه كقوله تعالى : { ~~إن الإنسان * لفى * خسر } ( العصر : 2 ) ويجوز أن يكون المراد بالسبيل ، هو ~~سبيل الهدى لأنها هي الطريقة المعروفة المستحقة لهذا الاسم على الإطلاق ، ~~فأما سبيل الضلالة فإنما هي سبيل بالإضافة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { ~~إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } PageV30P210 ( الأحزاب : 67 ) ~~وإنما أضلوهم سبيل الهدى ، ومن ذهب إلى هذا جعل معنى قوله : { هديناه } أي ~~أرشدناه ، وإذا أرشد لسبيل الحق ، فقد نبه على تجنب ما سواها ، فكان اللفظ ~~دليلا على الطريقين من هذا الوجه . # المسألة الثالثة : المراد من هداية السبيل خلق الدلائل ، وخلق العقل ~~الهادي وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب ، كأنه تعالى قال : خلقتك للابتلاء ثم ~~أعطيتك كل ما تحتاج إليه { ليهلك من هلك عن بينة } ( الأنفال : 42 ) وليس ~~معناه خلقنا الهداية ، ألا ترى أنه ذكر السبيل ، فقال : { هديناه السبيل ms9345 } ~~أي أريناه ذلك . # المسألة الرابعة : قال الفراء : هديناه السبيل ، وإلى السبيل وللسبيل ، ~~كل ذلك جائز في اللغة . # قوله تعالى : { إما شاكرا وإما كفورا } فيه مسائل : # المسألة الأولى : في الآية أقوال : # الأول : أن شاكر أو كفورا حالان من الهاء ، في هديناه السبيل ، أي هديناه ~~السبيل كونه شاكرا وكفورا ، والمعنى أن كل ما يتعلق بهداية الله وإرشاده ، ~~فقد تم حالتي الكفر والإيمان . # والقول الثاني : أنه انتصب قوله شاكرا وكفورا بإضمار كان ، والتقدير سواء ~~كان شاكرا أو كان كفورا . # والقول الثالث : معناه إنا هديناه السبيل ، ليكون إما شاكرا وإما كفورا ~~أي ليتميز شكره من كفره وطاعته من معصيته كقوله : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~} ( هود : 7 ) وقوله : { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين ~~صدقوا } ( العنكبوت : 3 ) وقوله : { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلو أخباركم } ( محمد : 31 ) قال القفال : ومجاز هذه الكلمة ~~على هذا التأويل قول القائل ، قد نصحت لك إن شئت فأقبل ، وإن شئت فاترك ، ~~أي فإن شئت فتحذف الفاء فكذا المعنى : إنا هديناه السبيل فإما شاكرا وإما ~~كفورا ، فتحذف الفاء وقد يحتمل أن يكون ذلك على جهة الوعيد أي إنا هديناه ~~السبيل فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر ، فإنا قد أعتدنا للكافرين كذا ~~وللشاكرين كذا ، كقوله : { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~} ( الكهف : 29 ) . # القول الرابع : أن يكونا حالين من السبيل أي عرفناه السبيل ، أي إما ~~سبيلا شاكرا ، وإما سبيلا كفورا ، ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز . # / واعلم أن هذه الأقوال كلها لائقة بمذهب المعتزلة . # والقول الخامس : وهو المطابق لمذهب أهل السنة ، واختيار الفراء أن تكون ~~إما هذه الآية كإما في قوله : { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } ( التوبة : ~~106 ) والتقدير : { إنا هديناه السبيل } ثم جعلناه تارة { شاكرا } أو تارة ~~{ كفورا } ويتأكد هذا التأويل بما روي أنه قرأ أبو السمال بفتح الهمزة في { ~~أما } ، والمعنى أما شاكرا فبتوفيقنا وأما كفورا فبخذلاننا ، قالت المعتزلة ~~: هذا التأويل باطل ، لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية تهديد الكفار فقال : { ~~إنا أعتدنا للكافرين ms9346 سلاسل وأغلالا وسعيرا } ( الإنسان : 4 ) ولو كان كفر ~~الكافر من الله وبخلقه لما جاز منه أن يهدده PageV30P211 عليه ، ولما بطل ~~هذا التأويل ثبت أن الحق هو التأويل الأول وهو أنه تعالى هدى جميع المكلفين ~~سواء آمن أو كفر ، وبطل بهذا قول المجبرة أنه تعالى لم يهد الكافر إلى ~~الإيمان ، أجاب أصحابنا بأنه تعالى لما علم من الكافر أنه لا يؤمن ثم كلفه ~~بأن يؤمن فقد كلفه بأن يجمع بين العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان وهذا ~~تكليف بالجمع بين المتنافيين ، فإن لم يصر هذا عذرا في سقوط التهديد ~~والوعيد جاز أيضا أن يخلق الكفر فيه ولا يصير ذلك عذرا في سقوط الوعيد وإذا ~~ثبت هذا ظهر أن هذا التأويل هو الحق ، وأن التأويل اللائق بقول المعتزلة : ~~ليس بحق ، وبطل به قول المعتزلة . # المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر نعمه على الإنسان فابتدأ بذكر النعم ~~الدنيوية ، ثم ذكر بعده النعم الدينية ، ثم ذكر هذه القسمة . # واعلم أنه لا يمكن تفسير الشاكر والكفور بمن يكون مشتغلا بفعل الشكر وفعل ~~الكفران وإلا لم يتحقق الحصر ، بل المراد من الشاكر الذي يكون مقرا معترفا ~~بوجوب شكر خالقه عليه والمراد من الكفور الذي لا يقر بوجوب الشكر عليه ، ~~إما لأنه ينكر الخالق أو لأنه وإن كان يثبته لكنه ينكر وجوب الشكر عليه ، ~~وحينئذ يتحقق الحصر وهو أن المكلف ، إما أن يكون شاكرا وإما أن يكون كفورا ~~، واعلم أن الخوارج احتجوا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين المطيع والكافر ~~، قالوا : لأن الشاكر هو المطيع ، والكفور هو الكافر ، والله تعالى نفى ~~الواسطة وذلك يقتضي أن يكون كل ذنب كفرا ، وأن يكون كل مذنب كافرا ، واعلم ~~أن البيان الذي لخصناه يدفع هذا الإشكال ، فإنه ليس المراد من الشاكر الذي ~~يكون مشتغلا بفعل الشكر فإن ذلك باطل طردا وعكسا ، أما الطرد فلأن اليهودي ~~قد يكون شاكرا لربه مع أنه لا يكون مطيعا لربه ، والفاسق قد يكون شاكرا ~~لربه ، مع أنه لا يكون مطيعا لربه ، وأما العكس فلأن المؤمن قد لا ms9347 يكون ~~مشتغلا بالشكر ولا بالكفران ، بل يكون ساكنا غافلا عنهما ، فثبت أنه لا ~~يمكن تفسير الشاكر بذلك ، بل لا بد وأن يفسر الشاكر بمن يقر بوجوب الشكر ~~والكفور بمن لا يقر بذلك ، وحينئذ يثبت الحصر ، ويسقط سؤالهم بالكلية والله ~~أعلم . # ! 7 < { إنآ أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا * إن الا برار يشربون ~~من كأس كان مزاجها كافورا } . > 7 @QB@ < # | الإنسان : ( 4 - 5 ) إنا أعتدنا للكافرين . . . . . # > > # قوله تعالى : { إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا } . # / اعلم أنه تعالى لما ذكر الفريقين أتبعهما بالوعيد والوعد ، وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : الاعتداد هو إعداد الشيء حتى يكون عتيدا حاضرا متى ~~احتيج إليه ، كقوله تعالى : { هاذا ما لدى عتيد } ( ق : 23 ) وأما السلاسل ~~فتشد بها أرجلهم ، وأما الأغلال فتشد بها أيديهم إلى رقابهم ، وأما السعير ~~فهو النار التي تسعر عليهم فتوقد فيكونون حطبا لها ، وهذا من أغلظ أنواع ~~الترهيب والتخويف . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الجحيم بسلاسلها ~~وأغلالها مخلوقة ، لأن قوله تعالى : { أعتدنا } أخبار عن الماضي ، قال ~~القاضي : إنه لما توعد بذلك على التحقيق صار كأنه موجود ، قلنا : هذا الذي ~~ذكرتم ترك للظاهر فلا يصار إليه إلا لضرورة . # المسألة الثالثة : قرىء سلاسلا بالتنوين ، وكذلك { قواريرا قواريرا } ~~ومنهم من يصل بغير تنوين ، ويقف PageV30P212 بالألف فلمن نون وصرف وجهان ~~أحدهما : أن الأخفش قال : قد سمعنا من العرب صرف جميع مالا ينصرف ، قال : ~~وهذا لغة الشعراء لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه ، فجرت ألسنتهم على ~~ذلك الثاني : أن هذه الجموع أشبهت الآحاد ، لأنهم قالوا صواحبات يوسف ، ~~فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة جعلوها في حكمها فصرفوها ، وأما من ترك ~~الصرف فإنه جعله كقوله : { لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد } ( الحج : 40 ) ~~وأما إلحاق الألف في الوقف فهو كإلحاقها في قوله : { الظنونا } فيشبه ذلك ~~بالإطلاق في القوافي . # ثم إنه تعالى ذكر ما أعد للشاكرين الموحدين فقال : { وأغلالا وسعيرا إن ~~الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا } الأبرار جمع بر ، كالأرباب جمع ~~رب ، والقول في حقيقة البر قد تقدم في تفسير قوله ms9348 تعالى : { ولاكن البر من ~~ءامن بالله } ( البقرة : 177 ) ثم ذكر من أنواع نعيمهم صفة مشروبهم ، فقال ~~: { يشربون من كأس } يعني من إناء فيه الشراب ، ولهذا قال ابن عباس ومقاتل ~~: يريد الخمر ، وفي الآية سؤالان : # السؤال الأول : أن مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذا ، فما السبب في ~~ذكره ههنا ؟ الجواب : من وجوه أحدها : أن الكافور اسم عين في الجنة ماؤها ~~في بياض الكافور ورائحته وبرده ، ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته ، ~~فالمعنى أن ذلك الشراب يكون ممزوجا بماء هذه العين وثانيها : أن رائحة ~~الكافور عرض فلا يكون إلا في جسم ، فإذا خلق الله تلك الرائحة في جرم ذلك ~~الشراب سمي ذلك الجسم كافورا ، وإن كان طعمه طيبا وثالثها : أي بأس في أن / ~~يخلق الله تعالى الكافور في الجنة لكن من طعم طيب لذيذ ، ويسلب عنه ما فيه ~~من المضرة ؟ ثم إنه تعالى يمزجه بذلك المشروب ، كما أنه تعالى سلب عن جميع ~~المأكولات والمشروبات ما معها في الدنيا من المضار . # السؤال الثاني : ما فائدة كان في قوله : { كان مزاجها كافورا } ؟ الجواب ~~: منهم من قال : إنها زائدة ، والتقدير من كأس مزاجها كافورا ، وقيل : بل ~~المعنى كان مزاجها في علم الله ، وحكمه كافورا . # ! 7 < { عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 6 ) عينا يشرب بها . . . . . # > > المسألة الأولى : إن قلنا : الكافور اسم النهر كان عينا بدلا منه ، ~~وإن شئت نصبت على المدح ، والتقدير أعني عينا ، أما إن قلنا : إن الكافور ~~اسم لهذا الشيء المسمى بالكافور كان عينا بدلا من محل من كأس على تقدير حذف ~~مضاف ، كأنه قيل : يشربون خمرا خمر عين ، ثم حذف المضاف ، وأقيم المضاف ~~إليه مقامه . # المسألة الثانية : قال في الآية الأولى : { يشربون من كأس } ( الإنسان : ~~5 ) وقال ههنا : يشرب بها ، فذكر هناك من وههنا الباء ، والفرق أن الكأس ~~مبدأ شربهم وأول غايته . وأما العين فبها يمزجون شرابهم فكأن المعنى : يشرب ~~عباد الله بها الخمر ، كما تقول : شربت الماء بالعسل . PageV30P213 # المسألة الثالثة : قوله : { يشرب بها عباد الله } عام فيفيد ms9349 أن كل عباد ~~الله يشربون منها ، والكفار بالاتفاق لا يشربون منها ، فدل على أن لفظ عباد ~~الله مختص بأهل الإيمان ، إذا ثبت هذا فقوله : { ولا يرضى لعباده الكفر } ( ~~الزمر : 7 ) لا يتناول الكفار بل يكون مختصا بالمؤمنين ، فيصير تقدير الآية ~~ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر ، فلا تدل الآية على أنه تعالى لا يريد كفر ~~الكافر . # قوله تعالى : { يفجرونها تفجيرا } معناه يفجرونها حيث شاؤا من منازلهم ~~تفجيرا سهلا لا يمتنع عليهم واعلم أنه سبحانه لما وصف ثواب الأبرار في ~~الآخرة شرح أعمالهم التي بها استوجبوا ذلك الثواب . # ! 7 < { يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا } . > 7 @QB@ < # | الإنسان : ( 7 ) يوفون بالنذر ويخافون . . . . . # > > # فالأول قوله تعالى : { يوفون بالنذر } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الإيفاء بالشيء هو الإتيان به وافيا ، أما النذر فقال ~~أبو مسلم : النذر كالوعد ، إلا أنه إذا كان من العباد فهو نذر ، وإن كان من ~~الله تعالى فهو وعد ، واختص هذا اللفظ في عرف الشرع بأن يقول لله على كذا ~~وكذا من الصدقة ، أو يعلق ذلك بأمر يلتمسه من الله تعالى مثل أن يقول : إن ~~شفى الله مريضي ، أو رد غائبي فعلى كذا كذا ، واختلفوا فيما إذا علق ذلك ~~بما ليس من وجوه البر ، كما إذا قال : إن دخل فلان الدار فعلى كذا ، فمن ~~الناس من جعله كاليمين ، ومنهم من جعله من باب النذر ، إذا عرفت هذا ، ~~فنقول للمفسرين في تفسير الآية أقوال : أولها : أن المراد من النذر هو ~~النذر فقط ، ثم قال الأصم : هذا مبالغة في وصفهم بالتوفر عى أداء الواجبات ~~. لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه كان بما أوجبه الله عليه أوفى ، وهذا / ~~التفسير في غاية الحسن وثانيها : المراد بالنذر ههنا كل ما وجب عليه سواء ~~وجب بإيجاب الله تعالى ابتداء أو بأن أوجبه المكلف على نفسه فيدخل فيه ~~الإيمان وجميع الطاعات ، وذلك لأن النذر معناه الإيجاب وثالثها : قال ~~الكلبي : المراد من النذر العهد والعقد ، ونظيره قوله تعالى : { أوفوا * ~~بعهدى أوف بعهدكم } ( البقرة : 40 ) فسمى فرائضه عهدا ، وقال ms9350 : { أوفوا ~~بالعقود } ( المائدة : 1 ) سماها عقودا لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم ~~الإيمان . # المسألة الثانية : هذه الآية دالة على وجوب الوفاء بالنذر ، لأنه تعالى ~~عقبه بيخافون يوما وهذا يقتضي أنهم إنما وفوا بالنذر خوفا من شر ذلك اليوم ~~، والخوف من شر ذلك اليوم لا يتحقق إلا إذا كان الوفاء به واجبا ، وتأكد ~~هذا بقوله تعالى : { ولا تنقضوا الايمان } ( النحل : 91 ) بعد توكيدها ~~وبقوله : { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم } ( الحج : 29 ) فيحتمل ليوفوا ~~أعمال نسكهم التي ألزموها أنفسهم . # المسألة الثالثة : قال الفراء : وجماعة من أرباب المعاني . كان في قوله : ~~{ كان مزاجها كافورا } ( الإنسان : 5 ) زائدة . وأما ههنا فكان محذوفة ، ~~والتقدير كانوا يوفون بالنذر . ولقائل أن يقول : إنا بينا أن كان في قوله : ~~{ كان مزاجها } ( الإنسان : 5 ) ليست بزائدة ، وأما في هذه الآية فلا حاجة ~~إلى إضمارها ، وذلك لأنه تعالى ذكر في الدنيا أن الأبرار يشربون أي سيشربون ~~، فإن لفظ المضارع مشترك بين الحال والاستقبال ، ثم قال : السبب في ذلك ~~الثواب الذي سيجدونه أنهم الآن { يوفون بالنذر } . # النوع الثاني : من أعمال الأبرار التي حكاها الله تعالى عنهم قوله تعالى ~~: { ويخافون يوما كان شره مستطيرا } . PageV30P214 # واعلم أن تمام الطاعة لا يحصل إلا إذا كانت النية مقرونة بالعمل ، فلما ~~حكى عنهم العمل وهو قوله : { يوفون } حكى عنهم النية وهو قوله : { ويخافون ~~يوما } وتحقيقه قوله عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) وبمجموع هذين ~~الأمرين سماهم الله تعالى بالأبرار وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : أحوال القيامة وأهوالها كلها فعل الله ، وكل ما كان فعلا ~~لله فهو يكون حكمة وصوابا ، وما كان كذلك لا يكون شرا ، فكيف وصفها الله ~~تعالى بأنها شر ؟ الجواب : أنها إنما سميت شرا لكونها مضرة بمن تنزل عليه ~~وصعبة عليه ، كما تسمى الأمراض وسائر الأمور المكروهة شرورا . # السؤال الثاني : ما معنى المستطير ؟ الجواب : فيه وجهان أحدهما : الذي ~~يكون فاشيا منتشرا بالغا أقصى المبالغ ، وهو من قولهم : استطار الحريق ، ~~واستطار الفجر وهو من طار بمنزلة استنفر من نفر ، فإن قيل : كيف يمكن أن ~~يقال : شر ذلك ms9351 اليوم مستطير منتشر ، مع أنه تعالى قال في صفة أوليائه : { ~~لا يحزنهم الفزع الاكبر } ؟ ( الأنبياء : 103 ) ، قلنا : الجواب من وجهين ~~الأول : أن هول القيامة شديد ، ألا ترى أن السموات تنشق وتنفطر وتصير ~~كالمهل ، وتتناثر الكواكب ، وتتكور / الشمس والقمر ، وتفرغ الملائكة ، ~~وتبدل الأرض غير الأرض ، وتنسف الجبال ، وتسجر البحار وهذا الهول عام يصل ~~إلى كل المكلفين على ما قال تعالى : { يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ~~} ( الحج : 2 ) وقال : { يوما يجعل الولدان شيبا } ( المزمل : 17 ) إلا أنه ~~تعالى بفضله يؤمن أولياءه من ذلك الفزع والجواب الثاني : أن يكون المراد أن ~~شر ذلك اليوم يكون مستطيرا في العصاة والفجار . وأما المؤمنون فهم آمنون ، ~~كما قال : { لا يحزنهم الفزع الاكبر } ( الأنبياء : 103 ) { لا خوف عليكم ~~اليوم ولا أنتم تحزنون } ( الزخرف : 68 ) { الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن ~~} ( فاطر : 44 ) إلا أن أهل العقاب في غاية الكثرة بالنسبة إلى أهل الثواب ~~، فأجرى الغالب مجرى الكل على سبيل المجاز . # القول الثاني : في تفسير المستطير أنه الذي يكون سريع الوصول إلى أهله ، ~~وكأن هذا القائل ذهب إلى أن الطيران إسراع . # السؤال الثالث : لم قال : كان شره مستطيرا ، ولم يقل : وسيكون شره ~~مستطيرا ؟ الجواب : اللفظ وإن كان للماضي ، إلا أنه بمعنى المستقبل ، وهو ~~كقوله : { وكان عهد الله } ( الأحزاب : 15 ) ويحتمل أن يكون المراد إنه كان ~~شره مستطيرا في علم الله وفي حكمته ، كأنه تعالى يعتذر ويقول : إيصال هذا ~~الضرر إنما كان لأن الحكمة تقتضيه ، وذلك لأن نظام العالم لا يحصل إلا ~~بالوعد والوعيد ، وهما يوجبان الوفاء به ، لاستحالة الكذب في كلامي ، فكأنه ~~تعالى يقول : كان ذلك في الحكمة لازما ، فلهذا السبب فعلته . # النوع الثالث : من أعمال الأبرار قوله تعالى : # ! 7 < { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه ~~الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } ~~. > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 8 ) ويطعمون الطعام على . . . . . # > > اعلم أن مجامع الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله تعالى ، ~~وإليه الإشارة بقول : { تفجيرا يوفون ms9352 بالنذر } ( الإنسان : 7 ) والشفقة على ~~خلق الله ، وإليه الإشارة بقوله : { ويطعمون الطعام } وههنا مسائل . # المسألة الأولى : لم يذكر أحد من أكابر المعتزلة ، كأبي بكر الأصم وأبي ~~علي الجبائي وأبي القاسم الكعبي ، وأبي مسلم الأصفهاني ، والقاضي عبد ~~الجبار بن أحمد في تفسيرهم أن هذه الآيات نزلت في حق علي بن أبي طالب عليه ~~السلام ، والواحدي من أصحابنا ذكر في كتاب / ( البسيط ) أنها نزلت في حق ~~علي عليه السلام ، وصاحب ( الكشاف ) من المعتزلة ذكر هذه القصة ، فروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما : ( أن الحسن والحسين عليهما السلام مرضا فعادهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس معه ، فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت ~~على ولدك ، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما ، إن شفاهما الله تعالى أن ~~يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شيء فاستقرض علي من شمعون الخيبري ~~اليهودي ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم ~~ووضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل فقال : السلام عليكم أهل بيت ~~محمد ، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة ~~فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صائمين ، فلما أمسوا ~~ووضعواالطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه وجاءهم أسير في الثالثة ، ~~ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ علي عليه السلام بيد الحسن والحسين ودخلوا ~~على الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة ~~الجوع قال : ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في ~~محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها فساءه ذلك ، فنزل جبريل عليه ~~السلام وقال : خذها يا محمد هناك الله في أهل بيتك فأقرأها السورة ) ~~والأولون يقولون : إنه تعالى ذكر في أول السورة أنه إنما خلق الخلق ~~للابتلاء والامتحان ، ثم بين أنه هدى الكل وأزاح عللهم ثم بين أنهم انقسموا ~~إلى شاكر وإلى كافر ثم ذكر وعيد الكافر ثم أتبعه بذكر وعد الشاكر فقال : { ~~إن الابرار يشربون } ( الإنسان : 5 ) وهذه صيغة جمع فتتناول جميع الشاكرين ~~والأبرار ms9353 ، ومثل هذا لا يمكن تخصيصه بالشخص الواحد ، لأن نظم السورة من ~~أولها إلى هذا الموضع يقتضي أن يكون هذا بيانا لحال كل من كان من الأبرار ~~والمطيعين ، فلو جعلناه مختصا بشخص واحد لفسد نظم السورة والثاني : أن ~~الموصوفين بهذه الصفات مذكورون بصيغة الجمع كقوله : { إن الابرار يشربون * ~~يوفون بالنذر ويخافون * من * ويطعمون } ( الإنسان : 5 ، 7 ، 8 ) وهكذا إلى ~~آخر الآيات فتخصيصه بجمع معنيين خلاف الظاهر ، ولا ينكر دخول علي بن أبي ~~طالب عليه السلام فيه ، ولكنه أيضا داخل في جميع الآيات الدالة على شرح ~~أحوال المطيعين ، فكما أنه داخل فيها فكذا غيره من أتقياء الصحابة ~~والتابعين داخل فيها ، فحينئذ لا يبقى للتخصيص معنى ألبتة ، اللهم إلا أن ~~يقال : السورة نزلت عند صدور طاعة مخصوصة عنه ، ولكنه قد ثبت في أصول الفقه ~~أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . # المسألة الثانية : الذين يقولون : هذه الآية مختصة بعلي بن أبي طالب عليه ~~السلام ، قالوا : المراد من قوله : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا } هو ما رويناه أنه عليه السلام أطعم المسكين واليتيم والأسير ، ~~وأما الذين يقولون الآية عامة في حق جميع الأبرار ( فإنهم ) قالوا : إطعام ~~الطعام كناية عن الإحسان إلى المحتاجين والمواساة معهم بأي وجه كان ، وإن ~~لم يكن ذلك بالطعام بعينه ، ووجه ذلك أن أشرف أنواع الإحسان هو الإحسان ~~بالطعام وذلك لأن قوام الأبدان / بالطعام ولا حياة إلا به ، وقد يتوهم ~~إمكان الحياة مع فقد ما سواه ، فلما كان الإحسان لا جرم عبر به عن جميع ~~وجوه المنافع والذي يقوي ذلك أنه يعبر بالأكل عن PageV30P215 جميع وجوه ~~المنافع ، فيقال : أكل فلان ماله إذا أتلفه في سائر وجوه الإتلاف ، وقال ~~تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا ~~} ( النساء : 10 ) وقال : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ( البقرة : ~~188 ) إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى وصف هؤلاء الأبرار بأنهم يواسون ~~بأموالهم أهل الضعف والحاجة ، وأما قوله تعالى : { على حبه } ففيه وجهان ~~أحدهما : أن يكون الضمير للطعام أي ms9354 مع اشتهائه والحاجة إليه ونظيره { ليس ~~البر أن تولوا } ( البقرة : 177 ) { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ~~( آل عمران : 92 ) فقد وصفهم الله تعالى بأنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم على ~~ما قال : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ( الحشر : 9 ) والثاني ~~: قال الفضيل بن عياض على حب الله أي لحبهم لله : واللام قد تقام مقام على ~~، وكذلك تقام على مقام اللام ، ثم إنه تعالى ذكر أصناف من تجب مواساتهم ، ~~وهم ثلاثة أحدهم : المسكين وهو العاجز عن الاكتساب بنفسه والثاني : اليتيم ~~وهو الذي مات كاسبه فيبقى عاجزا عن الكسب لصغره مع أنه مات كسبه والثالث : ~~الأسير وهو المأخوذ من قومه المملوك ( ه ) رقبته الذي لا يملك لنفسه نصرا ~~ولا حيلة ، وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى ههنا هم الذين ذكرهم في قوله : { ~~فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام فى يوم ذى ~~مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة } ( البلد : 11 ، 16 ) وقد ~~ذكرنا اختلاف الناس في المسكين قبل هذا ، أما الأسير فقد اختلفوا فيه على ~~أقوال : أحدها : قال ابن عباس والحسن وقتادة : إنه الأسير من المشركين ، ~~روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يبعث الأسارى من المشركين ليحفظوا وليقام ~~بحقهم ، وذلك لأنه يجب إطعامهم إلى أن يرى الإمام رأيه فيهم من قتل أو فداء ~~أو استرقاق ، ولا يمتنع أيضا أن يكون المراد هو الأسير كافرا كان أو مسلما ~~، لأنه إذا كان مع الكفر يجب إطعامه فمع الإسلام أولى ، فإن قيل : لما وجب ~~قتله فكيف يجب إطعامه ؟ قلنا : القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال ~~أخرى ، ولا يجب إذا عوقب بوجه أن يعاقب بوجه آخر ، ولذلك لا يحسن فيمن ~~يلزمه القصاص أن يفعل به ما هو دون القتل ثم هذا الإطعام على من يجب ؟ ~~فنقول : الإمام يطعمه فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين وثانيها : قال ~~السدي : الأسير هو المملوك وثالثها : الأسير هو الغريم قال عليه السلام : ( ~~غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك ) ورابعها : الأسير ms9355 هو المسجون من أهل القبلة ~~وهو قول مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ، وروى ذلك مرفوعا من طريق الخدري أنه ~~عليه السلام قال : { مسكينا } فقيرا { ويتيما } لا أب له { وأسيرا } قال ~~المملوك : المسجون وخامسها : الأسير هو الزوجة لأنهن أسراء عند الأزواج ، ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم أعوان ) قال ~~القفال : واللفظ يحتمل كل ذلك لأن الأصل الأسر هو الشد بالقد ، وكان الأسير ~~يفعل به ذلك حبسا له ، ثم سمي بالأسير من شد ومن لم يشد فعاد المعنى إلى ~~الحبس . # / واعلم أنه تعالى لما ذكر أن الأبرار يحسنون إلى هؤلاء المحتاجين بين أن ~~لهم فيه غرضين أحدهما : تحصيل رضا الله . وهو المراد من قوله : { إنما ~~نطعمكم لوجه الله } والثاني : الاحتراز من خوف يوم القيامة وهو المراد من ~~قوله : { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { إنما نطعمكم لوجه الله } إلى قوله : { قمطريرا ~~} يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون هؤلاء الأبرار قد قالوا : هذه الأشياء ~~باللسان ، إما لأجل أن يكون ذلك القول منعا لأولئك المحتاجين عن المجازاة ~~بمثله أو بالشكر ، لأن إحسانهم مفعول لأجل الله تعالى فلا معنى لمكافأة ~~الخلق ، وإما أن يكون PageV30P216 لأجل أن يصير ذلك القول تفقيها وتنبيها ~~على ما ينبغي أن يكون عليه من أخلص لله حتى يقتدي غيرهم بهم في تلك الطريقة ~~وثانيها : أن يكونوا أرادوا أن يكون ذلك وثالثها : أن يكون ذلك بيانا وكشفا ~~عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا شيئا . وعن مجاهد أنهم ما تكلموا به ~~ولكن علمه الله تعالى منهم فأثنى عليهم . # المسألة الثانية : اعلم أن الإحسان من الغير تارة يكون لأجل الله تعالى ، ~~وتارة يكون لغير الله تعالى إما طلبا لمكافأة أو طلبا لحمد وثناء وتارة ~~يكون لهما وهذا هو الشرك والأول هو المقبول عند الله تعالى ، وأما القسمان ~~الباقيان فمردودان قال تعالى : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذى ~~ينفق ماله رئاء الناس } ( البقرة : 264 ) وقال : { وما ءاتيتم من ربا ~~ليربوا فى أموال الناس فلا ms9356 يربوا عند الله وما ءاتيتم من زكواة تريدون وجه ~~الله } ( الروم : 39 ) ولا شك أن التماس الشكر من جنس المن والأذى . إذا ~~عرفت هذا فنقول : القوم لما قالوا : { إنما نطعمكم لوجه الله } بقي فيه ~~احتمال أنه أطعمه لوجه الله ولسائر الأغراض على سبيل التشريك ، فلا جرم نفى ~~هذا الاحتمال بقوله : { لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } . # المسألة الثالثة : الشكور والكفور مصدران كالشكر والكفر ، وهو على وزن ~~الدخول والخروج ، هذا قول جماعة أهل اللغة ، وقال الأخفش : إن شئت جعلت ~~الشكور جماعة الشكر وجعلت الكفور جماعة الكفر لقول : { فأبى الظالمون إلا ~~كفورا } ( الإسراء : 99 ) مثل برد وبرود وإن شئت مصدرا واحدا في معنى جمع ~~مثل قعد قعودا وخرج خروجا . # المسألة الرابعة : قوله : { إنا نخاف من ربنا } يحتمل وجهين أحدهما : أن ~~إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لا لإرادة مكافأتكم والثاني : أنا لا ~~نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة ، فإن قيل : ~~إنه تعالى حكى عنهم الإيفاء بالنذر وعلل ذلك بخوف القيامة فقط ، ولما حكى ~~عنهم الإطعام علل ذلك بأمرين بطلب رضاء الله وبالخوف عن القيامة فما السبب ~~فيه ؟ قلنا : الإيفاء بالنذر دخل في حقيقة طلب رضاء الله تعالى ، وذلك لأن ~~النذر هو الذي أوجبه الإنسان على نفسه لأجل الله فلما كان كذلك لا جرم ضم ~~إليه خوف القيامة فقط ، أما الإطعام ، فإنه لا يدخل في حقيقة طلب رضا الله ~~، فلا جرم ضم إليه طلب رضا الله وطلب الحذر من خوف القيامة . # / المسألة الخامسة : وصف اليوم بالعبوس مجازا على طريقتين أحدهما : أن ~~يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولهم : نهارك صائم ، روي أن الكافر يحبس حتى ~~يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران والثاني : أن يشبه في شدته وضراوته ~~بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل . # المسألة السادسة : قال الزجاج : جاء في التفسير أن قمطريرا معناه تعبيس ~~الوجه ، فيجتمع ما بين العينين ، قال : وهذا سائغ في اللغة يقال : اقمطرت ~~الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها يعني أن معنى قمطر في ms9357 ~~اللغة جمع ، وقال الكلبي : قمطريرا يعني شديدا وهو قول الفراء وأبي عبيدة ~~والمبرد وابن قتيبة ، قالوا : يوم قمطرير ، وقماطر إذا كان صعبا شديدا أشد ~~ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء ، قال الواحدي : هذا معنى والتفسير هو ~~الأول . # PageV30P217 ! 7 < { فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا } . > ~~7 ! # < < # | الإنسان : ( 11 ) فوقاهم الله شر . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم أتوا بالطاعات لغرضين طلب رضا الله ~~والخوف من القيامة بين في هذه الآية أنه أعطاهم هذين الغرضين ، أما الحفظ ~~من هول القيامة ، فهو المراد بقوله : { فوقاهم الله شر ذلك اليوم } وسمى ~~شدائدها شرا توسعا على ما علمت ، واعلم أن هذه الآية أحد ما يدل على أن ~~شدائد الآخرة لا تصل إلا إلى أهل العذاب ، وأما طلب رضاء الله تعالى ~~فأعطاهم بسببه نضرة في الوجه وسرورا في القلب ، وقد مر تفسير { ولقاهم } في ~~قوله : { ويلقون فيها تحية } ( الفرقان : 75 ) وتفسير النضرة في قوله : { ~~وجوه يومئذ ناضرة } ( القيامة : 23 ) والتنكير في { * سرورا } للتعظيم ~~والتفخيم . # ! 7 < { وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا * متكئين فيها على الا رائك لا يرون ~~فيها شمسا ولا زمهريرا } . > 7 @QB@ < # | الإنسان : ( 12 - 13 ) وجزاهم بما صبروا . . . . . # > > # والمعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من الجوع والعري ، ~~بستانا فيه مأكل هنيء وحريرا فيه ملبس بهي ، ونظيره قوله تعالى : { ولؤلؤا ~~ولباسهم فيها حرير } ( الحج : 23 ) أقول : وهذا يدل على أن المراد من قوله ~~: { إنما نطعمكم } ( الإنسان : 9 ) ليس هو الإطعام فقط بل جميع أنواع ~~المواساة من الطعام والكسوة ، ولما ذكر تعالى طعامهم ولباسهم ، وصف مساكنهم ~~، ثم إن المعتبر في المساكن أمور : # أحدها : الموضع الذي يجلس فيه فوصفه بقوله : { متكئين فيها على الارائك } ~~وهي السرر في الحجال ، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعت ، وفي نصب متكئين ~~وجهان الأول : قال الأخفش : إنه نصب على الحال ، والمعنى وجزاهم جنة في حال ~~اتكائهم كما تقول : جزاهم ذلك قياما ، والثاني : قال الأخفش : وقد يكون على ~~المدح . # / والثاني : هو المسكن فوصفه بقوله : { لا يرون فيها شمسا ولا ms9358 زمهريرا } ~~وفيه وجهان أحدهما : أن هواءها معتدل في الحر والبرد والثاني : أن الزمهرير ~~هو القمر في لغة طيء هكذا رواه ثعلب وأنشد : # % وليلة ظلامها قد اعتكر % % قطعتها والزمهرير ما زهر % # والمعنى أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها إلى شمس وقمر . # ! 7 < { ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 14 ) ودانية عليهم ظلالها . . . . . # > > والثالث : كونه بستانا نزها ، فوصفه الله تعالى بقوله : { ودانية ~~عليهم ظلالها } وفي الآية سؤالان الأول : ما السبب في نصب { ودانية } ؟ ~~الجواب : ذكر الأخفش والكسائي والفراء والزجاج فيه وجهين أحدهما : الحال ~~بالعطف على قوله : { متكئين } كما تقول في الدار : عبدالله متكئا ومرسلة ~~عليه الحجال ، لأنه حيث قال : عليهم رجع إلى ذكرهم والثاني : الحال بالعطف ~~على محل : { يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } ( الإنسان : 13 ) والتقدير غير ~~رائين فيها شمسا ولا زمهريرا { ودانية عليهم ظلالها } ودخلت الواو للدلالة ~~على أن الأمرين يجتمعان لهم ، كأنه قيل : وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد ~~عن الحر والبرد ، ودنو الظلال عليهم والثالث : أن يكون دانية نعتا للجنة ، ~~والمعنى : وجزاهم جنة دانية ، وعلى هذا الجواب تكون دانية صفة PageV30P218 ~~لموصوف محذوف ، كأنه قيل : وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا ، وجنة أخرى دانية ~~عليهم ظلالها ، وذلك لأنهم وعدوا جنتين ، وذلك لأنهم خافوا بدليل قوله : { ~~إنا نخاف من ربنا } ( الإنسان : 10 ) وكل من خاف فله جنتان ، بدليل قوله : ~~{ ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) وقرىء : { ودانية } بالرفع ~~على أن { ظلالها } مبتدأ { ودانية } خبر ، والجملة في موضع الحال ، والمعنى ~~: { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } ( الإنسان : 13 ) والحال أن ظلالها ~~دانية عليهم . # السؤال الثاني : الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس ، فإن كان لا شمس في ~~الجنة فكيف يحصل الظل هناك ؟ والجواب : أن المراد أن أشجار الجنة تكون بحيث ~~لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار مظلله منها . # قوله تعالى : { وذللت قطوفها تذليلا } ذكروا في ذللت وجهين الأول : قال ~~ابن قتيبة : ذللت أدنيت منهم من قولهم : حائط ذليل إذا كان قصير السمك ~~والثاني : ظللت أي جعلت منقادة ولا تمتنع على ms9359 قطافها كيف شاءوا . قال ~~البراء بن عازب : ذللت لهم فهم يتناولون منها كيف شاءوا ، فمن أكل قائما لم ~~يؤذه ومن أكل جالسا لم يؤذه ومن أكل مضطجعا لم يؤذه . # واعلم أنه تعالى لما وصف طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف بعد ذلك شرابهم وقدم ~~عليه / وصف تلك الأواني التي فيها يشربون فقال : # ! 7 < { ويطاف عليهم بأانية من فضة وأكواب كانت قواريرا * قواريرا من فضة ~~قدروها تقديرا } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 15 ) ويطاف عليهم بآنية . . . . . # > > في الآية سؤالات : # السؤال الأول : قال تعالى : { ويطاف عليهم * بصحاف من ذهب وأكواب } ( ~~الزخرف : 71 ) والصحاف هي القصاع ، والغالب فيها الأكل فإذا كان ما يأكلون ~~فيه ذهبا فما يشربون فيه أولى أن يكون ذهبا لأن العادة أن يتنوق في إناء ~~الشرب مالا يتنوق في إناء الأكل وإذا دلت هذه الآية على أن إناء شربهم يكون ~~من الذهب فكيف ذكر ههنا أنه من الفضة والجواب : أنه لا منافاة بين الأمرين ~~فتارة يسقون بهذا وتارة بذاك . # السؤال الثاني : ما الفرق بين الآنية والأكواب ؟ الجواب : قال أهل اللغة ~~: الأكواب الكيزان التي لا عرى لها ، فيحتمل أن يكون على معنى أن الإناء ~~يقع فيه الشرب كالقدح ، والكوب ما صب منه في الإناء كالإبريق . # السؤال الثالث : ما معنى كانت ؟ الجواب : هو من يكون في قوله : { كن ~~فيكون } أي تكونت قوارير بتكوين الله تفخيما لتلك الخلقة العجيبة الشأن ~~الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين . # السؤال الرابع : كيف تكون هذه الأكواب من فضة ومن قوارير ؟ الجواب : عنه ~~من وجوه أحدها : أن أصل القوارير في الدنيا الرمل وأصل قوارير الجنة هو فضة ~~الجنة فكما أن الله تعالى قادر على أن يقلب الرمل الكثيف زجاجة صافية ، ~~فكذلك هو قادر على أن يقلب فضة الجنة قارورة لطيفة ، فالغرض من ذكر هذه ~~الآية ، التنبيه على أن نسبة قارورة الجنة إلى قارورة الدنيا كنسبة فضة ~~الجنة إلى رمل الدنيا ، فكما أنه لا نسبة بين PageV30P219 هذين الأصلين ، ~~فكذا بين القارورتين في الصفاء واللطافة وثانيها : قال ابن عباس : ليس في ~~الدنيا شيء مما في الجنة ms9360 إلا الأسماء وإذا كان كذلك فكمال الفضة في بقائها ~~ونقائها وشرفها إلا أنه كثيف الجوهر ، وكمال القارورة في شفافيتها وصفائها ~~إلا أنه سريع الانكسار ، فآنية الجنة آنية يحصل فيها من الفضة بقاؤها ~~ونقاؤها ، وشرف جوهرها ، ومن القارورة ، صفاؤها وشفافيتها وثالثها : أنها ~~تكون فضة ولكن لها صفاء القارورة ، ولا يستبعد من قدرة الله تعالى الجمع ~~بين هذين الوصفين ورابعها : أن المراد { * بالقوارير } في الآية ليس هو ~~الزجاج ، فإن العرب تسمى ما استدار من الأواني التي تجعل فيها الأشربة ورق ~~وصفا قارورة ، فمعنى الآية { وأكواب * من فضة } مستديرة صافية رقيقة . # / السؤال الخامس : كيف القراءة في { قواريرا * قوارير } ؟ الجواب : قرئا ~~غير منونين وبتنوين الأول وبتنوينهما ، وهذا التنوين بدل عن ألف الإطلاق ~~لأنه فاصلة ، وفي الثاني لاتباعه الأول لأن الثاني بدل من الأول فيتبع ~~البدل المبدل ، وقرىء : { قوارير * من فضة } بالرفع على هي قوارير ، ~~وقدروها صفة لقوارير من فضة . # أما قوله تعالى : { قدروها تقديرا } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال المفسرون معناه : { قدروها تقديرا } على قدر ريهم ~~لا يزيد ولا ينقص من الري ليكون ألذ لشربهم ، وقال الربيع بن أنس : إن تلك ~~الأواني تكون بمقدار ملء الكف لم تعظم فيثقل حملها . # المسألة الثانية : أن منتهى مراد الرجل في الآنية التي يشرب منها الصفاء ~~والنقاء والشكل . أما الصفاء فقد ذكره الله تعالى بقوله : { كانت قواريرا } ~~وأما النقاء فقد ذكره بقوله : من فضة ، وأما الشكل فقد ذكره بقوله : { ~~قدروها تقديرا } . # المسألة الثالثة : المقدر لهذا التقدير من هو ؟ فيه قولان : الأول : أنهم ~~هم الطائفون الذين دل عليهم قوله تعالى : { ويطاف عليهم } وذلك أنهم قدروا ~~شرابها على قدر ري الشارب والثاني : أنهم هم الشاربون وذلك لأنهم إذا ~~اشتهوا مقدارا من المشروب جاءهم على ذلك القدر . # واعلم أنه تعالى لما وصف أواني مشروبهم ذكر بعد ذلك وصف مشروبهم ، فقال : # ! 7 < { ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 17 ) ويسقون فيها كأسا . . . . . # > > العرب كانوا يحبون جعل الزنجبيل في المشروب ، لأنه يحدث فيه ضربا من ~~اللذع ، فلما كان كذلك وصف الله ms9361 شراب أهل الجنة بذلك ، ولا بد وأن تكون في ~~الطيب على أقصى الوجوه . قال ابن عباس : وكل ما ذكره الله تعالى في القرآن ~~مما في الجنة ، فليس منه في الدنيا إلا الاسم ، وتمام القول ههنا مثل ما ~~ذكرناه في قوله : { كان مزاجها كافورا } . # ! 7 < { عينا فيها تسمى سلسبيلا } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 18 ) عينا فيها تسمى . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن الأعرابي : لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن ، ~~فعلى هذا لا يعرف له اشتقاق ، وقال الأكثرون : يقال شراب سلسل وسلسال ~~وسلسبيل أي عذب سهل المساغ ، وقد زيدت الباء في التركيب PageV30P220 حتى ~~صارت الكلمة خماسية ، ودلت على غاية السلاسة ، قال الزجاج : السلسبيل في ~~اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة ، والفائدة في ذكر السلسبيل هو أن ذلك ~~الشراب يكون في طعم الزنجبيل ، وليس فيه لذعة لأن نقيض اللذع هو السلاسة ، ~~وقد عزوا إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن معناه : سل سبيلا إليها ، وهو ~~بعيد إلا أن يراد أن جملة قول / القائل : سلسبيلا جعلت علما للعين ، كما ~~قيل : تأبط شرا ، وسميت بذلك ، لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا ~~بالعمل الصالح . # المسألة الثانية : في نصب عينا وجهان أحدهما : أنه بدل من زنجبيلا ~~وثانيهما : أنه نصب على الاختصاص . # المسألة الثالثة : سلسبيلا صرف لأنه رأس آية ، فصار كقوله الظنونا ~~والسبيلا ، وقد تقدم في هذه السورة بيان ذلك . واعلم أنه تعالى ذكر بعد ذلك ~~من يكون خادما في تلك المجالس . # ! 7 < { ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } . > ~~7 @QB@ < # | الإنسان : ( 19 ) ويطوف عليهم ولدان . . . . . # > > # فقال : { ويطوف عليهم ولدان مخلدون } وقد تقدم تفسير هذين الوصفين في ~~سورة الواقعة والأقرب أن المراد به دوام كونهم على تلك الصورة التي لا يراد ~~في الخدم أبلغ منها ، وذلك يتضمن دوام حياتهم وحسنهم ومواظبتهم على الخدمة ~~الحسنة الموافقة ، قال الفراء : يقال مخلدون مسورون ويقال : مقرطون . وروى ~~نفطويه عن ابن الأعرابي مخلدون محلون . # والصفة الثالثة : قوله تعالى : { إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } وفي ~~كيفية التشبيه وجوه ms9362 أحدها : شبهوا في حسنهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في ~~مجالسهم ومنازلهم عند اشتغالهم بأنواع الخدمة باللؤلؤ المنثور ، ولو كان ~~صفا لشبهوا باللؤلؤ المنظوم ، ألا ترى أنه تعالى قال : { ويطوف عليهم } ~~فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين وثانيها : أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا ~~انتثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء وثالثها : قال القاضي : هذا من التشبيه ~~العجيب لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقا يكون أحسن في المنظر لوقوع شعاع بعضه على ~~البعض فيكون مخالفا للمجتمع منه . # واعلم أنه تعالى لما ذكر تفصيل أحوال أهل الجنة ، أتبعه بما يدل على أن ~~هناك أمورا أعلى وأعظم من هذا القدر المذكور فقال : # ! 7 < { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 20 ) وإذا رأيت ثم . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : رأيت هل له مفعول ؟ فيه قولان : الأول : قال الفراء : ~~المعنى وإذا رأيت ما ثم وصلح إضمار ما كما قال : { لقد تقطع بينكم } يريد ~~ما بينكم ، قال الزجاج : لا يجوز إضمار ما لأن ثم صلة وما موصولها ، ولا ~~يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة الثاني : أنه ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر ~~والغرض منه أن يشبع ويعم ، كأنه قيل : وإذا وجدت الرؤية ثم ، ومعناه أن بصر ~~الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم كثير وملك كبير ، وثم في موضع ~~النصب على الظرف يعني في الجنة . # المسألة الثانية : اعلم أن اللذات الدنيوية محصورة في أمور ثلاثة . قضاء ~~الشهوة ، وإمضاء / الغضب ، PageV30P221 واللذة الخيالية التي يعبر عنها بحب ~~المال والجاه ، وكل ذلك مستحقر فإن الحيوانات الخسيسة قد تشارك الإنسان في ~~واحد منها ، فالملك الكبير الذي ذكره الله ههنا لا بد وأن يكون مغايرا لتلك ~~اللذات الحقيرة ، وما هو إلا أن تصير نفسه منقشة بقدس الملكوت متحلية بجلال ~~حضرة اللاهوت ، وأما ما هو على أصول المتكلمين ، فالوجه فيه أيضا أنه ~~الثواب والمنفعة المقرونة بالتعظيم فبين تعالى في الآيات المتقدمة تفصيل ~~تلك المنافع وبين في هذه الآية حصول التعظيم وهو أن كل واحد منهم يكون ~~كالملك العظيم ، وأما المفسرون فمنهم من حمل هذا ms9363 الملك الكبير على أن هناك ~~منافع أزيد مما تقدم ذكره ، قال ابن عباس : لا يقدر واصف يصف حسنه ولا طيبه ~~. ويقال : إن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه ~~كمايرى أدناه ، وقيل : لا زوال له وقيل : إذا أرادوا شيئا حصل ، ومنهم من ~~حمله على التعظيم . فقال الكلبي : هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من ~~الكسوة والطعام والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه ، ~~ولا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بعد ~~الاستئذان . # المسألة الثالثة : قال بعضهم قوله : { وإذا رأيت } خطاب لمحمد خاصة ، ~~والدليل عليه أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن دخلت ~~الجنة أترى عيناي ما ترى عيناك ؟ فقال نعم ، فبكى حتى مات ، وقال آخرون : ~~بل هو خطاب لكل أحد . # ! 7 < { عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم ~~شرابا طهورا } . > 7 @QB@ < # | الإنسان : ( 21 ) عاليهم ثياب سندس . . . . . # > > # قوله تعالى : { عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق } فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ نافع وحمزة عاليهم بإسكان الياء والباقون بفتح ~~الياء أما القراءة الأولى : فالوجه فيها أن يكون عاليهم مبتدأ ، وثياب سندس ~~خبره ، والمعنى ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس ، فإن قيل : عاليهم مفرد ، ~~وثياب سندس جماعة ، والمبتدأ إذا كان مفردا لا يكون خبره جمعا ، قلنا : ~~المبتدأ ، وهو قوله : { عاليهم } وإن كان مفردا في اللفظ ، فهو جمع في ~~المعنى ، نظيره قوله تعالى : { مستكبرين به سامرا تهجرون * فقطع دابر القوم ~~} ( المؤمنون : 67 ) كأنه أفرد من حيث جعل بمنزلة المصدر أما القراءة ~~الثانية : وهي فتح الياء ، فذكروا في هذا النصب ثلاثة أوجه الأول : أنه نصب ~~على الظرف ، لأنه لما كان عالي بمعنى فوق أجرى مجراه في هذا الإعراب ، كما ~~كان قوله : { والركب أسفل منكم } كذلك وهو قول أبي علي الفارسي والثاني : ~~أنه نصب على الحال ، ثم هذا أيضا يحتمل وجوها أحدها : قال أبو علي الفارسي ~~: التقدير : ولقاهم نضرة وسرورا حال ما يكون عاليهم ثياب سندس ms9364 وثانيها : ~~التقدير : وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا حال ما يكون عاليهم ثياب سندس ~~وثالثها : أن يكون التقدير ويطوف على الأبرار ولدان ، حال ما يكون الأبرار ~~عاليهم ثياب سندس ورابعها : حسبتهم لؤلؤا منثورا ، حال ما يكون / عاليهم ~~ثياب سندس ، فعلى الاحتمالات الثلاثة الأول : تكون الثياب الأبرار ، وعلى ~~الاحتمال الرابع تكون الثياب ثياب الولدان الوجه الثالث : في سبب هذا النصب ~~، أن يكون التقدير : رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب سندس . # المسألة الثانية : قرأ نافع وعاصم : خضر واستبرق ، كلاهما بالرفع ، وقرأ ~~الكسائي وحمزة : كلاهما بالخفض ، وقرأ ابن كثير : خضر بالخفض ، واستبرق ~~بالرفع ، وقرأ أبو عمرو وعبدالله بن عامر : خضر بالرفع ، PageV30P222 ~~واستبرق بالخفض ، وحاصل الكلام فيه أن خضرا يجوز فيه الخفض والرفع ، أما ~~الرفع فإذا جعلتها صفة لثياب ، وذلك ظاهر لأنها صفة مجموعة لموصوف مجموعة ، ~~وأما الخفض فإذا جعلتها صفة سندس ، لأن سندس أريد به الجنس ، فكان في معنى ~~الجمع ، وأجاز الأخفش وصف اللفظ الذي يراد به الجنس بالجمع ، كما يقال : ~~أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض إلا أنه قال : إنه قبيح ، والدليل ~~على قبحه أن العرب تجيء بالجمع الذي هو في لفظ الواحد فيجرونه مجرى الواحد ~~وذلك قولهم : حصى أبيض وفي التنزيل { من الشجر الاخضر } و { أعجاز نخل ~~منقعر } إذ كانوا قد أفردوا صفات هذا الضرب من الجمع ، فالواحد الذي في ~~معنى الجمع أولى أن تفرد صفته ، وأما استبرق فيحوز فيه الرفع والخفض أيضا ~~معا ، أما الرفع فإذا أريد به العطف على الثياب ، كأنه قيل : ثياب سندس ~~واستبرق وأما الخفض فإذا أريد إضافة الثياب إليه كأنه قيل : ثياب سندس ~~واستبرق ، والمعنى ثيابهما فأضاف الثياب إلى الجنسين كما يقال : ثياب خز ~~وكتان ، ويدل على ذلك قوله تعالى : { ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق } ~~واعلم أن حقائق هذه الآية قد تقدمت في سورة الكهف . # المسألة الثالثة : السندس ما رق من الديباج ، والاستبرق ما غلظ منه ، وكل ~~ذلك داخل في اسم الحرير قال تعالى : { ولباسهم فيها حرير } ثم قيل : إن ~~الذين هذا لباسهم هم الولدان المخلدون ms9365 ، وقيل : بل هذا لباس الأبرار ، ~~وكأنهم يلبسون عدة من الثياب فيكون الذي يعلوها أفضلها / ولهذا قال : { ~~عاليهم } وقيل هذا من تمام قوله : { متكئين فيها على الارائك } ومعنى { ~~عاليهم } أي فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس ، والمعنى أن حجالهم من ~~الحرير والديباج . # قوله تعالى : { وحلوا أساور من فضة } وفيه سؤالات : # السؤال الأول : قال تعالى في سورة الكهف : { أولئك لهم جنات عدن تجرى من ~~تحتهم الانهار يحلون فيها من أساور من ذهب } ( الكهف : 31 ) فكيف جعل تلك ~~الأساور ههنا من فضة ؟ والجواب : من ثلاثة أوجه أحدها : أنه لا منافاة بين ~~الأمرين فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة أو على الجمع كما تفعل ~~النساء في الدنيا وثانيها : أن الطباع مختلفة فرب إنسان يكون استحسانه ~~لبياض الفضة فوق استحسانه لصفرة الذهب ، فالله تعالى يعطي كل أحد ما تكون ~~رغبته فيه أتم ، وميله إليه / أشد وثالثها : أن هذه الأسورة من الفضة إنما ~~تكون للوالدان الذين هم الخدم وأسورة الذهب للناس . # السؤال الثاني : السوار إنما يليق بالنساء وهو عيب للرجال ، فكيف ذكر ~~الله تعالى ذلك في معرض الترغيب ؟ الجواب : أهل الجنة جرد مرد شباب فلا ~~يبعد أن يحلوا ذهبا وفضة وإن كانوا رجالا ، وقيل : هذه الأسورة من الفضة ~~والذهب إنما تكون لنساء أهل الجنة وللصبيان فقط ، ثم غلب في اللفظ جانب ~~التذكير ، وفي الآية وجه آخر ، وهو أن آلة أكثر الأعمال هي اليد وتلك ~~الأعمال والمجاهدات هي التي يتوسل بها إلى تحصيل المعارف الإلهية والأنوار ~~الصمدية ، فتكون تلك الأعمال جارية مجرى الذهب والفضة التي يتوسل بهما إلى ~~تحصيل المطالب ، فلما كانت تلك الأعمال صادرة من اليد كانت تلك الأعمال ~~جارية مجرى سوار PageV30P223 الذهب والفضة ، فسميت الأعمال والمجاهدات ~~بسوار الذهب والفضة ، وعبر عن تلك الأنوار الفائضة عن الحضرة الصمدية بقوله ~~: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } وبالجملة فقوله : { وحلوا أساور من فضة } ~~إشارة إلى قوله : { والذين جاهدوا فينا } وقوله : { وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا } إشارة إلى قوله : { لنهدينهم سبلنا } فهذا احتمال خطر بالبال ، ~~والله أعلم بمراده . # قوله تعالى : { وسقاهم ربهم ms9366 شرابا طهورا } الطهور فيه قولان : الأول : ~~المبالغة في كونه طاهرا ، ثم فيه على هذا التفسير احتمالات أحدها : أنه لا ~~يكون نجسا كخمر الدنيا وثانيها : المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة ~~يعني ما مسته الأيدي الوضرة ، وما داسته الأقدام الدنسة وثالثها : أنها لا ~~تؤول إلى النجاسة لأنها ترشح عرقا من أبدانهم له ريح كريح المسك القول ~~الثاني : في الطهور أنه المطهر ، وعلى هذا التفسير أيضا في الآية احتمالان ~~أحدهما : قال مقاتل : هو عين ماء على باب الجنة تنبع من ساق شجرة من شرب ~~منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد ، وما كان في جوفه من قذر ~~وأذى وثانيهما : قال أبو قلابة : يؤتون الطعام والشراب فإذا كان في آخر ذلك ~~أتوا بالشراب الطهور ، فيشربون فتطهر بذلك بطونهم ، ويفيض عرق من جلودهم ~~مثل ريح المسك ، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور ، مطهرا لأنه يطهر باطنهم ~~عن الأخلاق الذميمة ، والأشياء المؤذية ، فإن قيل : قوله تعالى : { وسقاهم ~~ربهم } هو عين ما ذكر تعالى قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور ، ~~والزنجبيل ، والسلسبيل أو هذا نوع آخر ؟ قلنا : بل هذا نوع آخر ، ويدل عليه ~~وجوه أحدها : دفع التكرار وثانيها : أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه ، ~~فقال : { وسقاهم ربهم } وذلك يدل على فضل في هذا دون غيره وثالثها : ما ~~روينا أنه تقدم إليهم الأطعمة والأشربة / فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب ~~الطهور فيشربون ، / فيطهر ذلك بطونهم ، ويفيض عرقا من جلودهم مثل ريح المسك ~~، وهذا يدل على أن هذا الشراب مغاير لتلك الأشربة ، ولأن هذا الشراب يهضم ~~سائر الأشربة ، ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب ، وهو أنه يجعل سائر الأطعمة ~~والأشربة عرقا يفوح منه ريح كريح المسك ، وكل ذلك يدل على المغايرة ورابعها ~~: وهو أن الروح من عالم الملائكة ، والأنوار الفائضة من جواهر أكابر ~~الملائكة ، وعظمائهم على هذه الأرواح مشبهة بالماء العذب الذي يزيل العطش ~~ويقوى البدن ، وكما أن العيون متفاوتة في الصفاء والكثرة والقوة ، فكذا ~~ينابيع الأنوار العلوية مختلفة ، فبعضها تكون كافورية ms9367 على طبع البرد واليبس ~~، ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والانقباض ، وبعضها تكون ~~زنجبيلية على طبع الحر واليبس ، فيكون صاحب هذه الحالة قليل الالتفات إلى ~~ما سوى الله تعالى قليل المبالاة بالأجسام والجسمانيات ، ثم لا تزال الروح ~~البشرية منتقلة من ينبوع إلى ينبوع ، ومن نور إلى نور ، ولا شك أن الأسباب ~~والمسببات متناهية في ارتقائها إلى واجب الوجود الذي هو النور المطلق جل ~~جلاله وعز كماله ، فإذا وصل إلى ذلك المقام وشرب من ذلك الشراب انهضمت تلك ~~الأشربة المتقدمة ، بل فنيت ، لأن نور ما سوى الله تعالى يضمحل في مقابلة ~~نور الله وكبريائه وعظمته ، وذلك هو آخر سير الصديقين ، ومنتهى درجاتهم في ~~الإرتقاء والكمال ، فلهذا السبب ختم الله تعالى ذكر ثواب الأبرار على قوله ~~: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا } . PageV30P224 # واعلم أنه تعالى لما تمم شرح أحوال السعداء ، قال تعالى : # ! 7 < { إن هاذا كان لكم جزآء وكان سعيكم مشكورا } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 22 ) إن هذا كان . . . . . # > > اعلم أن في الآية وجهين الأول : قال ابن عباس المعنى أنه يقال لأهل ~~الجنة بعد دخولهم فيها ، ومشاهدتهم لنعيمها : إن هذا كان لكم جزاء قد أعده ~~الله تعالى لكم إلى هذا الوقت ، فهو كله لكم بأعمالكم على قلة أعمالكم ، ~~كما قال حاكيا عن الملائكة : إنهم يقولون لأهل الجنة : { سلام عليكم بما ~~صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 24 ) وقال : { كلوا واشربوا * هنيئا بما ~~أسلفتم فى الايام الخالية } ( الحاقة : 24 ) والغرض من ذكر هذا الكلام أن ~~يزداد سرورهم ، فإنه يقال للمعاقب : هذا بعملك الرديء فيزداد غمه وألم قلبه ~~، ويقال للمثاب : هذا بطاعتك ، فيكون ذلك تهنئة له وزيادة في سروره ، ~~والقائل بهذا التفسير جعل القول مضمرا ، أي ويقال لهم : هذا الكلام الوجه ~~الثاني : أن يكون ذلك إخبارا من الله تعالى لعباده في الدنيا ، فكأنه تعالى ~~شرح جواب أهل الجنة ، أن هذا كان في علمي وحكمي جزاء لكم يا معاشر عبادي ، ~~لكم خلقتها ، ولأجلكم أعددتها ، وبقي في الآية سؤالان : # / السؤال الأول : إذا كان فعل العبد خلفا لله ، فكيف يعقل ms9368 أن يكون فعل ~~الله جزاء على فعل الله ؟ الجواب : الجزء هو الكافي ، وذلك لا ينافي كونه ~~فعلا لله تعالى . # السؤال الثاني : كون سعي العبد مشكورا لله يقتضي كون الله شاكرا له ~~والجواب : كون الله تعالى شاكرا للعبد محال إلا على وجه المجاز ، وهو من ~~ثلاثة أوجه الأول : قال القاضي : إن الثواب مقابل لعلمهم ، كما أن الشكر ~~مقابل للنعم الثاني : قال القفال : إنه مشهور في كلام الناس ، أن يقولوا : ~~للراضي بالقليل والمثني به إنه شكور ، فيحتمل أن يكون شكر الله لعباده هو ~~رضاه عنهم بالقليل من الطاعات ، وإعطاؤه إياهم عليه ثوابا كثيرا الوجه ~~الثالث : أن منتهى درجة العبد أن يكون راضيا من ربه مرضيا لربه على ما قال ~~: { أحد يأيتها النفس المطمئنة * ارجعى إلى ربك راضية مرضية } ( الفجر : 27 ~~، 28 ) وكونها راضية من ربه ، أقل درجة من كونها مرضية لربه ، فقوله : { إن ~~هاذا كان لكم جزاء } إشارة إلى الأمر الذي به تصير النفس راضية من ربه ~~وقوله : { وكان سعيكم مشكورا } إشارة إلى كونها مرضية لربه ، ولما كانت هذه ~~الحال أعلى المقامات وآخر الدرجات لا جرم وقع الختم عليها في ذكر مراتب ~~أحوال الأبرار والصديقين . # ! 7 < { إنا نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلا } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 23 ) إنا نحن نزلنا . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم بقوله : ~~{ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } ( الإنسان : 1 ) ~~ثم بين أنه سبحانه خلقه من أمشاج ، والمراد منه إما كونه مخلوقا من العناصر ~~الأربعة أو من الأخلاط الأربعة أو من ماء الرجل والمرأة أو من الأعضاء ~~والأرواح أو من البدن PageV30P225 والنفس أو من أحوال متعاقبة على ذلك ~~الجسم مثل كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ، وعلى أي هذه الوجوه تحمل ~~هذه الآية ، فلذلك يدل على أنه لا بد من الصانع المختار جل جلاله وعظم ~~كبرياؤه . ثم بين بعد ذلك أني ما خلقته ضائعا عاطلا باطلا ، بل خلقته لأجل ~~الابتلاء والامتحان ، وإليه الإشارة بقوله : { نبتليه } ( الإنسان ms9369 : 2 ) ~~وههنا موضع الخصومة العظيمة القائمة بين أهل الجبر والقدر ، ثم ذكر تعالى ~~أني أعطيته جميع ما يحتاج إليه عند الابتلاء والامتحان ، وهو السمع والبصر ~~والعقل ، وإليه الإشارة بقوله : { فجعلناه سميعا بصيرا } ( الإنسان : 2 ) ~~ولما كان العقل أشرف الأمور المحتاج إليها في هذا الباب أفرده عن السمع ~~والبصر ، فقال : { إنا هديناه السبيل } ( الإنسان : 3 ) ثم بين أن الخلق ~~بعد هذه الأحوال صاروا قسمين : منهم شاكر ، ومنهم كفور ، وهذا الإنقسام ~~باختيارهم كما هو تأويل القدرية ، أو من الله على ما هو تأويل الجبرية ، ثم ~~إنه تعالى ذكر عذاب الكفار على الاختصار ، ثم ذكر بعد ذلك ثواب المطيعين ~~على الاستقصاء ، وهو إلى قوله : { وكان سعيكم مشكورا } ( الإنسان : 22 ) ~~واعلم أن الاختصار في ذكر العقاب مع الإطناب في شرح الثواب يدل على أن جانب ~~/ الرحمة أغلب وأقوى ، فظهر مما بينا أن السورة من أولها إلى هذا الموضع في ~~بيان أحوال الآخرة ، ثم إنه تعالى شرع بعد ذلك في أحوال الدنيا ، وقدم شرح ~~أحوال المطيعين على شرح أحوال المتمردين . أما المطيعون فهم الرسول وأمته ، ~~والرسول هو الرأس والرئيس ، فلهذا خص الرسول بالخطاب . واعلم أن الخطاب إما ~~النهي وإما الأمر ، ثم إنه تعالى قبل الخوض فيما يتعلق بالرسول من النهي ~~والأمر ، قدم مقدمة في تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإزالة الغم ~~والوحشة عن خاطره ، وإنما فعل ذلك ، لأن الاشتغال بالطاعة والقيام بعهدة ~~التكليف لا يتم إلا مع فراغ القلب ثم بعد هذه المقدمة . ذكر نهيه عن بعض ~~الأشياء ، ثم بعد الفراغ عن النهي ، ذكر أمره ببعض الأشياء ، وإنما قدم ~~النهي على الأمر ، لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع ، وإزالة مالا ينبغي ~~مقدم على تحصيل ما ينبغي ، ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك أحوال المتمردين ~~والكفار على ما سيأتي تفصيل بيانه ، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن هذه ~~السورة ، وقعت على أحسن وجوه الترتيب والنظام ، فالحمد لله الذي نور عقل ~~هذا المسكين الضعيف بهذه الأنوار ، وله الشكر عليه أبد الآباد . # ولنرجع إلى التفسير ms9370 ، فنقول : أما تلك المقدمة ، فهي : قوله تعالى : { ~~إنا نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلا } واعلم أن المقصود من هذه الآية تثبيت ~~الرسول وشرح صدره فيما نسبوه إليه من كهانة وسحر ، فذكر الله تعالى أن ذلك ~~وحي من الله ، فلا جرم بالغ وكرر الضمير بعد إيقاعه اسما ، لأن تأكيدا على ~~تأكيد أبلغ ، كأنه تعالى يقول : إن كان هؤلاء الكفار يقولون : إن ذلك كهانة ~~، فأنا الله الملك الحق أقول على سبيل التأكيد والمبالغة إن ذلك وحي حق ~~وتنزيل صدق من عندي ، وهذا فيه فائدتان : # إحداهما : إزالة الوحشة المتقدمة الحاصلة بسبب طعن أولئك الكفار / فإن ~~بعض الجهال وإن طعنوا فيه إلا أن جبار السموات عظمه وصدقه . # والثانية : تقويته على تحمل التكليف المستقبل ، وذلك لأن الكفار كانوا ~~يبالغون في إيذائه ، وهو كان يريد مقاتلتهم فلما أمره الله تعالى بالصبر ~~على ذلك الإيذاء وترك المقاتلة ، وكان ذلك شاقا عليه ، فقال له : { أنا * ~~نزلنا عليك القرءان تنزيلا } فكأنه قال له : إني ما نزلت عليك هذا القرآن ~~مفرقا منجما إلا لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين ، ولقد اقتضت ~~تلك الحكمة تأخير الإذن في القتال ، فاصبر لحكم ربك PageV30P226 الصادر عن ~~الحكمة المحضة المبرأ عن العيب والعبث والباطل . # ثم إنه تعالى لما قدم هذه المقدمة ذكر النهي فقال تعالى : # ! 7 < { فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 24 ) فاصبر لحكم ربك . . . . . # > > فإما أن يكون المعنى : { فاصبر لحكم ربك } في تأخير الإذن في القتال ~~ونظيره { فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين } ( الأعراف : 87 ) ~~أو يكون المعنى عاما في جميع التكاليف ، أي فاصبر في كل ما حكم به ربك سواء ~~كان ذلك تكليفا خاصا بك من العبادات والطاعات أو متعلقا بالغير وهو التبليغ ~~وأداء الرسالة ، وتحمل المشاق الناشئة من ذلك ، ثم في الآية سؤالات : # السؤال الأول : قوله : { فاصبر لحكم ربك } دخل فيه أن { لا تطعه * أو ~~كفورا * واذكر } فكأن ذكره بعد هذا تكريرا . الجواب : الأول أمر بالمأمورات ~~، والثاني نهى عن المنهيات ودلالة أحدهما على ms9371 الآخر بالالتزام لا بالتصريح ~~فيكون التصريح به مفيدا . # السؤال الثاني : أنه عليه السلام ما كان يطيع أحدا منهم ، فما الفائدة في ~~هذا النهي ؟ الجواب : المقصود بيان أن الناس محتاجون إلى مواصلة التنبيه ~~والإرشاد ، لأجل ما تركب فيهم من الشهوات الداعية إلى الفساد ، وأن أحدا لو ~~استغنى عن توفيق الله وإمداده وإرشاده ، لكان أحق الناس به هو الرسول ~~المعصوم ، ومتى ظهر ذلك عرف كل مسلم ، لأنه لا بد له من الرغبة إلى الله ~~والتضرع إليه في أن يصونه عن الشبهات والشهوات . # السؤال الثالث : ما الفرق بين الآثم والكفور ؟ الجواب : الآثم هو المقدم ~~على المعاصي أي معصية كانت ، والكفور هو الجاحد للنعمة ، فكل كفور آثم ، ~~أما ليس كل آثم كفورا ، وإنما قلنا : إن الآثم عام في المعاصي كلها لأنه ~~تعالى قال : { ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } ( النساء : 48 ) فسمى ~~الشرك إثما ، وقال : { ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه } ( ~~البقرة : 283 ) وقال { وذروا ظاهر الإثم وباطنه } ( الأنعام : 120 ) وقال : ~~{ يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير } ( البقرة : 219 ) فدلت هذه ~~الآيات على أن هذا الإثم شامل لكل المعاصي ، واعلم أن كل من عبد غير الله ~~فقد اجتمع في حقه هذان الوصفان ، لأنه لما عبد غيره ، فقد عصاه وجحد إنعامه ~~، إذا عرفت هذا فنقول في الآية قولان : الأول : أن المراد شخص معين ، ثم ~~منهم من قال : الآثم ، والكفور هو شخص واحد وهو أبو جهل ، ومنهم من قال : ~~الآثم هو الوليد والكفور هو عتبة ، قال القفال : ويدل عليه أنه تعالى سمي ~~الوليد أثيما في قوله : { ولا تطع كل حلاف مهين } إلى قوله : { مناع للخير ~~معتد أثيم } ( القلم : 10 ، 12 ) وروى صاحب الكشاف أن الآثم هو عتبة . ~~والكفور هو الوليد لأن عتبة كان ركابا للمآثم متعاطيا لأنواع الفسوق ~~والوليد كان غاليا في الكفر ، والقول الأول أولى لأنه متأيد بالقرآن ، يروى ~~أن عتبة بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ارجع عن هذا الأمر حتى ~~أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ms9372 ولدا وقال الوليد : أنا أعطيك من المال حتى ~~ترضى ، فإني من أكثرهم مالا ، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ~~آيات من أول حم السجدة إلى قوله { فان * أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل ~~صاعقة عاد وثمود } ( فصلت : 1 ، 13 ) فانصرفا عنه وقال أحدهما ظننت أن ~~الكعبة ستقع علي . القول الثاني : أن الآثم PageV30P227 والكفور مطلقان غير ~~مختصين بشخص معين ، وهذا هو الأقرب إلى الظاهر ، ثم قال الحسن الآثم هو ~~المنافق والكفور مشركوا العرب / وهذا ضعيف بل الحق ما ذكرناه من أن الآثم ~~عام والكفور خاص . # / السؤال الرابع : كانوا كلهم كفرة ، فما معنى القسمة في قوله : { أو ~~كفورا واذكر } ؟ الجواب : { الكفور } أخبث أنواع الآثم ، فخصه بالذكر ~~تنبيها على غاية خبثه ونهاية بعده عن الله . # السؤال الخامس : كلمة أو تقتضي النهي عن طاعة أحدهما فلم لم يذكر الواو ~~حتى يكون نهيا عن طاعتهما جميعا ؟ الجواب : ذكروا فيه وجهين : الأول : وهو ~~الذي ذكره الزجاج واختاره أكثر المحققين أنه لو قيل : ولا تطعهما لجاز أن ~~يطيع أحدهما لأن النهي عن طاعة مجموع شخصين لا يقتضي النهي عن طاعة كل واحد ~~منهما وحده ، أما النهي عن طاعة أحدهما فيكون نهيا عن طاعة مجموعهما لأن ~~الواحد داخل في المجموع ، ولقائل أن يقول : هذا ضعيف ، لأن قوله : { لا ~~تطعه } هذا وهذا معناه كن مخالفا لأحدهما ، ولا يلزم من إيجاب مخالفة ~~أحدهما إيجاب مخالفتهما معا ، فإنه لا يبعد أن يقول السيد لعبده : إذا أمرك ~~أحد هذين الرجلين فخالفه ، أما إذا توافقا فلا تخالفهما . والثاني : قال ~~الفراء : تقدير الآية لا تطع منهم أحدا سواء كان { أو كفورا واذكر } كقول ~~الرجل لمن يسأله شيئا : لا أعطيك سواء سألت أو سكت . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا النهي عقبه بالأمر ، فقال : # ! 7 < { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن اليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ~~} . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 25 ) واذكر اسم ربك . . . . . # > > وفي هذه الآية قولان : # الأول : أن المراد هو الصلاة قالوا : لأن التقييد بالبكرة والأصيل يدل ~~على أن المراد من قوله ms9373 : { واذكر اسم ربك } الصلوات . ثم قالوا : البكرة هي ~~صلاة الصبح والأصيل صلاة الظهر والعصر { ومن اليل فاسجد له } المغرب ~~والعشاء ، فتكون هذه الكلمات جامعة الصلوات الخمس وقوله : { وسبحه ليلا ~~طويلا } المراد منه التهجد ، ثم اختلفوا فيه فقال بعضهم : كان ذلك من ~~الواجبات على الرسول عليه السلام ، ثم نسخ كما ذكرنا في سورة المزمل ~~واحتجوا عليه بأن قوله : { فاسجد له وسبحه } أمر وهو للوجوب لا سيما إذا ~~تكرر على سبيل المبالغة ، وقال آخرون : بل المراد التطوع وحكمه ثابت . # القول الثاني : أن المراد من قوله : { واذكر اسم ربك } إلى آخر الآية ليس ~~هو الصلاة بل المراد التسبيح الذي هو القول والاعتقاد ، والمقصود أن يكون ~~ذاكرا لله في جميع الأوقات ليلا ونهارا بقلبه ولسانه ، وهو المراد من قوله ~~: { عليما ياأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا ~~} ( الأحزاب : 41 ) . # واعلم أن في الآية لطيفة أخرى وهي أنه تعالى قال : { إنا نحن نزلنا عليك ~~القرءان تنزيلا } ( الإنسان : 23 ) أي / هديناك إلى هذه الأسرار ، وشرحنا ~~صدرك بهذه الأنوار ، وإذ قد فعلنا بك ذلك فكن منقادا مطيعا لأمرنا ، وإياك ~~وأن تكون منقادا مطيعا لغيرنا ، ثم لما أمره بطاعته ، ونهاه عن طاعة غيره ~~قال : { واذكر اسم ربك } وهذا إشارة إلى أن العقول البشرية ليس عندها إلا ~~معرفة الأسماء والصفات ، أما معرفة الحقيقة فلا ، فتارة يقال له : { واذكر ~~اسم ربك } وهو إشارة إلى معرفة الأسماء ، وتارة يقال له : { واذكر ربك في ~~نفسك } وهو PageV30P228 إشارة إلى مقام الصفات ، وأما معرفة الحقيقة ~~المخصوصة التي هي المستلزمة لسائر اللوازم السلبية والإضافية ، فلا سبيل ~~لشيء من الممكنات والمحدثات ، إلى الوصول إليها والاطلاع عليها ، فسبحان من ~~اختفى عن العقول لشدة ظهوره واحتجب عنها بكمال نوره . # واعلم أنه تعالى لما خاطب رسوله بالتعظيم والنهي والأمر عدل إلى شرح ~~أحوال الكفار والمتمردين ، فقال تعالى : # ! 7 < { إن هاؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 27 ) إن هؤلاء يحبون . . . . . # > > والمراد أن الذي حمل هؤلاء الكفار على الكفر ، وترك الالتفات ~~والإعراض عما ينفعهم في ms9374 الآخرة ليس هو الشبهة حتى ينتفعوا بالدلائل ~~المذكورة في أول هذه السورة ، بل الشهوة والمحبة لهذه اللذات العاجلة ~~والراحات الدينية ، وفي الآية سؤالان : # السؤال الأول : لم قال : وراءهم ولم يقل : قدامهم ؟ الجواب : من وجوه ~~أحدها : لما لم يلتفتوا إليه ، وأعرضوا عنه فكأنهم جعلوه وراء ظهورهم ~~وثانيها : المراد ويذرون وراءهم مصالح يوم ثقيل فأسقط المضاف وثالثها : أن ~~تستعمل بمعنى قدام كقوله : { من ورائه جهنم } ( إبراهيم : 16 ) { وكان ~~وراءهم ملك } ( الكهف : 79 ) . # السؤال الثاني : ما السبب في وصف يوم القيامة بأنه يوم ثقيل ؟ الجواب : ~~استعير الثقل لشدته وهوله ، من الشيء الثقيل الذي يتعب حامله ونحوه { ثقلت ~~فى * السماوات والارض } ( الأعراف : 187 ) . # ثم إنه تعالى لما ذكر أن الداعي لهم إلى هذا الكفر حب العاجل ، قال : # ! 7 < { نحن خلقناهم وشددنآ أسرهم وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا } . > ~~7 ! # < < # | الإنسان : ( 28 ) نحن خلقناهم وشددنا . . . . . # > > والمراد أن حبهم للعاجلة يوجب عليهم طاعة الله من حيث الرغبة ومن حيث ~~الرهبة ، أما من حيث الرغبة فلأنه هو الذي خلقهم وأعطاهم الأعضاء السليمة ~~التي بها يمكن الانتفاع باللذات العاجلة ، وخلق جميع ما يمكن الانتفاع به ، ~~فإذا أحبوا اللذات العاجلة ، وتلك اللذات لا تحصل / إلا عند حصول المنتفع ~~وحصول المنتفع به ، وهذان لا يحصلان إلا بتكوين الله وإيجاده ، فهذا مما ~~يوجب عليهم الانقياد لله ولتكاليفه وترك التمرد والإعراض ، وأما من حيث ~~الرهبة فلأنه قدر على أن يميتهم ، وعلى أن يسلب النعمة عنهم ، وعلى أن ~~يلقيهم في كل محنة وبلية ، فلأجل من فوت هذه اللذات العاجلة يجب عليهم أن ~~ينقادوا لله ، وأن يتركوا هذا التمرد ، وحاصل الكلام كأنه قيل لهم : هب أن ~~حبكم لهذه اللذات العاجلة طريقة مستحسنة ، إلا أن ذلك يوجب عليكم الإيمان ~~بالله والإنقياد له ، فلو أنكم توسلتم به إلى الكفر بالله ، والإعراض عن ~~حكمه ، لكنتم قد تمردتم ، وهذا ترتيب حسن في السؤال والجواب ، وطريقة لطيفة ~~: وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال أهل اللغة : الأسر الربط والتوثيق ، ومنه أسر الرجل ~~إذا وثق بالقد وفرس مأسور الخلق وفرس مأسور بالعقب ms9375 ، والمعنى شددنا توصيل ~~أعضائهم بعضا ببعض وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب . # المسألة الثانية : { وإذا شئنا بدلنا أمثالهم } أي إذا شئنا أهلكناهم ~~وآتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم ، وهو كقوله : { على أن نبدل أمثالكم } ~~والغرض منه بيان الاستغناء التام عنهم كأنه قيل : لا حاجة بنا إلى ~~PageV30P229 أحد من المخلوقين ألبتة ، وبتقدير أن تثبت الحاجة فلا حاجة إلى ~~هؤلاء الأقوام ، فإنا قادرون على إفنائهم ، وعلى إيجاد أمثالهم ، ونظيره ~~قوله تعالى : { أن يشاء * يذهبكم أيها الناس ويأت باخرين وكان الله على ~~ذالك قديرا } ( النساء : 133 ) وقال : { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * ~~وما ذالك على الله بعزيز } ( إبراهيم : 19 ، 20 ) ثم قيل : بدلنا أمثالهم ~~أي في الخلقة ، وإن كانوا أضدادهم في العمل ، وقيل : أمثالهم في الكفر . # المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف في قوله : { وإذا شئنا } إن حقه أن ~~يجيء بأن لا بإذا كقوله : { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } ( محمد : 38 ) ~~{ إن يشأ يذهبكم } ( النساء : 133 ) واعلم أن هذا الكلام كأنه طعن في لفظ ~~القرآن ، وهو ضعيف لأن كل واحد من إن وإذا حرف الشرط ، إلا أن حرف إن لا ~~يستعمل فيما يكون معلوم الوقوع ، فلا يقال : إن طلعت الشمس أكرمتك ، أما ~~حرف إذا فإنه يستعمل فيما كان معلوم الوقوع ، تقول : آتيك إذا طلعت الشمس ، ~~فههنا لما كان الله تعالى عالما بأنه سيجيء وقت يبدل الله فيه أولئك الكفرة ~~بأمثالهم في الخلقة وأضدادهم في الطاعة ، لا جرم حسن استعمال حرف إذا . # ! 7 < { إن هاذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا * وما تشآءون إلا أن ~~يشآء الله إن الله كان عليما حكيما } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 29 ) إن هذه تذكرة . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال السعداء وأحوال الأشقياء قال بعده : { ~~إن هاذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا * وما تشاءون إلا أن يشاء الله } ~~والمعنى أن هذه السورة بما فيها من / الترتيب العجيب والنسق البعيد والوعد ~~والوعيد والترغيب والترهيب ، تذكرة للمتأملين وتبصرة للمستبصرين ، فمن شاء ~~الخيرة لنفسه في الدنيا والآخرة اتخذ إلى ربه سبيلا . واتخاذ السبيل إلى ms9376 ~~الله عبارة عن التقرب إليه ، واعلم أن هذه الآية من جملة الآيات التي ~~تلاطمت فيها أمواج الجبر والقدر ، فالقدري يتمسك بقوله تعالى : { فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا } ويقول : إنه صريح مذهبي ونظيره : { فمن شاء فليؤمن ~~ومن شاء فليكفر } والجبري يقول : متى ضمت هذه الآية إلى الآية التي بعدها ~~خرج منه صريح مذهب الجبر ، وذلك لأن قوله : { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } ~~يقتضي أن تكون مشيئة العبد متى كانت خالصة فإنها تكون مستلزمة للفعل ، ~~وقوله بعد ذلك : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } يقتضي أن مشيئة الله ~~تعالى مستلزمة لمشيئة العبد ومستلزم المستلزم مستلزم ، فإذا مشيئة الله ~~مستلزمة لفعل العبد ، وذلك هو الجبر ، وهكذا الاستدلال على الجبر بقوله : { ~~فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } لأن هذه الآية أيضا تقتضي كون المشيئة ~~مستلزمة للفعل ثم التقرير ما تقدم . # واعلم أن الاستدلال على هذا الوجه الذي لخصناه لا يتوجه عليه كلام القاضي ~~إلا أنا نذكره وننبه على ما فيه من الضعف ، قال القاضي : المذكور في هذه ~~الآية اتخاذ السبيل إلى الله ، ونحن نسلم أن الله قد شاءه لأنه تعالى قد ~~أمر به ، فلا بد وأن يكون قد شاءه . وهذا لا يقتضي أن يقال العبد : لا يشاء ~~إلا ما قد شاءه الله على الإطلاق ، إذ المراد بذلك الأمر المخصوص الذي قد ~~ثبت أنه تعالى قد أراده وشاءه . # واعلم أن هذا الكلام الذي ذكره القاضي لا تعلق له بالاستدلال على الوجه ~~الذي ذكرناه ، وأيضا فحاصل ما ذكره القاضي تخصيص هذا العام بالصورة التي مر ~~ذكرها فيما قبل هذه الآية ، وذلك ضعيف ، لأن خصوص ما قبل الآية لا يقتضي ~~تخصيص هذا العام به . لاحتمال أن يكون الحكم في هذه الآية واردا بحيث يعم ~~تلك الصورة وسائر الصور ، بقي في الآية سؤال يتعلق بالإعراب ، وهو أن يقال ~~: ما محل أن PageV30P230 يشاء الله ؟ وجوابه النصب على الظرف ، وأصله إلا ~~وقت مشيئة الله ، وكذلك قراءة ابن مسعود : ( إلا ما شاء الله ) لأن ما مع ~~الفعل كأن معه ms9377 ، وقرىء أيضا يشاءون بالياء . # ثم قال تعالى : { إن الله كان عليما حكيما } أي عليما بأحوالهم وما يكون ~~منهم حيث خلقهم مع علمه بهم . # ثم ختم السورة فقال : # ! 7 < { يدخل من يشآء فى رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما } . > 7 ! # < < # | الإنسان : ( 31 ) يدخل من يشاء . . . . . # > > اعلم أن خاتمة هذه السورة عجيبة ، وذلك لأن قوله : { وما تشاءون إلا ~~أن يشاء الله } ( الإنسان : 30 ) يدل على أن جميع / ما يصدر عن العبد ~~فبمشيئة الله ، وقوله : { يدخل من يشاء فى رحمته والظالمين أعد لهم عذابا ~~أليما } يدل على أن دخول الجنة والنار ليس إلا بمشيئة الله ، فخرج من آخر ~~هذه السورة إلا الله وما هو من الله ، وذلك هو التوحيد المطلق الذي هو آخر ~~سير الصديقين ومنتهى معارجهم في أفلاك المعارف الإلهية ، وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { يدخل من يشاء فى رحمته } إن فسرنا الرحمة ~~الإيمان ، فالآية صريحة في أن الإيمان من الله ، وإن فسرناها بالجنة كان ~~دخول الجنة بسبب مشيئة الله وفضله وإحصانه لا بسبب الاستحقاق ، وذلك لأنه ~~لو ثبت الاستحقاق لكان تركه يفضي إلى الجهل والحاجة المحالين على الله ، ~~والمفضي إلى المحال محال فتركه محال فوجوده واجب عقلا وعدمه ممتنع عقلا ، ~~وما كان كذلك لا يكون معلقا على المشيئة ألبتة ، وأيضا فلأن من كان مديونا ~~من إنسان فأدى ذلك الدين إلى مستحقه لا يقال : بأنه إنما دفع ذلك القدر ~~إليه على سبيل الرحمة والتفضل . # المسألة الثانية : قوله : { والظالمين أعد لهم عذابا أليما } يدل على أنه ~~جف القلم بما هو كائن ، لأن معنى أعد أنه علم ذلك وقضى به ، وأخبر عنه ~~وكتبه في اللوح المحفوظ ، ومعلوم أن التغيير على هذه الأشياء محال ، فكان ~~الأمر على ما بيناه وقلناه . # المسألة الثالثة : قال الزجاج : نصب الظالمين لأن قبله منصوبا ، والمعنى ~~يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين وقوله : { أعد لهم عذابا أليما } ~~كالتفسير لذلك المضمر ، وقرأ عبدالله بن الزبير : والظالمون ، وهذا ليس ~~باختيار لأنه معطوف على يدخل من يشاء وعطف الجملة الإسمية على الجملة ms9378 ~~الفعلية غير حسن ، وأما قوله في حم عسق : { يدخل من يشاء فى رحمته ~~والظالمون } فإنما ارتفع لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه فينصبه في المعنى ~~، فلم يجز أن يعطف على المنصوب قبله ، فارتفع بالابتداء ، وههنا قوله : { ~~أعد لهم عذابا أليما } يدل على ذلك الناصب المضمر ، فظهر الفرق والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم . # PageV30P231 < # > 1 ( سورة المرسلات ) 1 < # > # وهي خمسون آية ميكة # ! 7 < { والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا * والناشرات نشرا * فالفارقات ~~فرقا * فالملقيات ذكرا * عذرا أو نذرا } . > 7 ! # / < < # | المرسلات : ( 1 ) والمرسلات عرفا # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن هذه الكلمات الخمس إما أن يكون المراد منها ~~جنسا وحدا أو أجناسا مختلفة أما الاحتمال الأول : فذكروا فيه وجوها الأول : ~~أن المراد منها بأسرها الملائكة فالمرسلات هم الملائكة الذين أرسلهم الله ~~إما بإيصال النعمة إلى قوم أو لإيصال النقمة إلى آخرين ، وقوله : { عرفا } ~~فيه وجوه : أحدها : متتابعة كشعر العرف يقال : جاؤا عرفا واحدا وهم عليه ~~كعرف الضبع إذا تألبوا عليه والثاني : أن يكون بمعنى العرف الذي هو نقيض ~~النكرة فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة ، فهذا المعنى فيهم ظاهر ~~وإن كانوا لأجل العذاب فذلك العذاب ، وإن لم يكن معروفا للكفار ، فإنه ~~معروف للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم . والثالث : أن يكون ~~مصدرا كأنه قيل : والمرسلات أرسالا أي متتابعة وانتصاب عرفا على الوجه ~~الأول على الحال ، وعلى الثاني لكونه مفعولا أي أرسلت للإحسان والمعروف ~~وقوله : { فالعاصفات عصفا } فيه وجهان الأول : يعني أن الله تعالى لما أرسل ~~أولئك الملائكة فهم عصفوا في طيرانهم كما تعصف الرياح . والثاني : أن هؤلاء ~~الملائكة يعصفون بروح الكافر يقال : عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه ، يقال : ~~ناقة عصوف ، أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريح في السرعة ، وعصفت الحرب ~~بالقوم ، أي ذهبت بهم ، قال الشاعر : # % في فيلق شهباء ملمومة % % تعصف بالمقبل والمدبر % % PageV30P232 # وقوله تعالى : { والناشرات نشرا } معناه أنهم نشروا أجنحتهم عند انحطاطهم ~~إلى الأرض ، أو نشروا الشرائع في الأرض ، أو نشروا ms9379 الرحمة أو العذاب ، أو ~~المراد الملائكة الذين ينشرون / الكتب يوم الحساب ، وهي الكتب التي فيها ~~أعمال بني آدم ، قال تعالى : { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } ~~وبالجملة فقد نشروا الشيء الذي أمروا بإيصاله إلى أهل الأرض ونشره فيهم ~~وقوله تعالى : { فالفارقات فرقا } معناه أنهم يفرقون بين الحق والباطل ، ~~وقوله : { فالملقيات ذكرا } معناه أنهم يلقون الذكر إلى الأنبياء ، ثم ~~المراد من الذكر يحتمل أن يكون مطلق العلم والحكمة ، كما قال : { ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده } ( النحل : 2 ) ويحتمل أن ~~يكون المراد هو القرآن خاصة ، وهو قوله : { الذكر عليه من بيننا بل } وقوله ~~: { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب } وهذا الملقى وإن كان هو جبريل عليه ~~السلام وحده ، إلا أنه يجوز أن يسمى الواحد باسم الجماعة على سبيل التعظيم ~~. # واعلم أنك قد عرفت أن المقصود من القسم التنبيه على جلالة المقسم به ، ~~وشرف الملائكة وعلو رتبتهم أمر ظاهر من وجوه أحدها : شدة مواظبتهم على طاعة ~~الله تعالى ، كما قال تعالى : { ويفعلون ما يؤمرون } ( النحل : 50 ) { لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون } ( الأنبياء : 27 ) وثانيها : أنهم أقسام ~~: فمنهم من يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء ، ومنهم من يرسل للزوم بني آدم ~~لكتابة أعمالهم ؛ طائفة منهم بالنهار وطائفة منهم بالليل ، ومنهم من يرسل ~~لقبض أرواح بني آدم ، ومنهم من يرسل بالوحي من سماء إلى أخرى ، إلى أن ينزل ~~بذلك الوحي ملك السماء إلى الأرض / ومنهم الملائكة الذين ينزلون كل يوم من ~~البيت المعمور إلى الكعبة على ما روي ذلك في الإخبار ، فهذا مما ينتظمه ~~قوله : { والمرسلات عرفا } ثم ما فيها من سرعة السير ، وقطع المسافات ~~الكثيرة في المدة اليسيرة ، كقوله : { تعرج الملئكة والروح إليه فى يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة } ثم ما فيها من نشر أجنحتهم العظيمة عند الطيران ، ~~ونشر العلم والحكمة والنبوة والهداية والإرشاد والوحي والتنزيل ، وإظهار ~~الفرق بين الحق والباطل بسبب إنزال ذلك الوحي والتنزيل ، وإلقاء الذكر في ~~القلب واللسان بسبب ذلك الوحي ، وبالجملة فالملائكة ms9380 هم الوسائط بين الله ~~تعالى ، وبين عباده في الفوز بجميع السعادات العاجلة والآجلة والخيرات ~~الجسمانية والروحانية ، فلذلك أقسم الله بهم . # القول الثاني : أن المراد من هذه الكلمات الخمس بأسرها الرياح ، أقسم ~~الله برياح عذاب أرسلها عرفا ، أي متتابعة كشعر العرف ، كما قال : { يرسل ~~الرياح } ( الروم : 46 ) { وأرسلنا الرياح } ( الحجر : 22 ) ثم إنها تشتد ~~حتى تصير عواصف ورياح رحمة نشرت السحاب في الجو ، كما قال : { وهو الذى ~~يرسل الرياح * بشرا بين * يدى رحمته } ( النمل : 63 ) وقال : { الله الذى ~~يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه فى السماء } ( الروم : 48 ) ويجوز أيضا أن ~~يقال : الرياح تعين النبات والزرع والشجر على النشور والإنبات ، وذلك لأنها ~~تلقح فيبرز النبات بذلك ، على ما قال تعالى : { وأرسلنا الرياح لواقح } ( ~~الحجر : 22 ) فبهذا الطريق تكون الرياح ناشرة للنبات وفي كون الرياح فارقة ~~وجوه أحدها : أن الرياح تفرق بعض أجزاء السحاب عن بعض وثانيها : أن الله ~~تعالى خرب بعض القرى بتسليط الرياح عليها ، كما قال : { وأما عاد فأهلكوا ~~بريح صرصر } ( الحاقة : 6 ) وذلك سبب لظهور الفرق بين أولياء الله وأعداء ~~الله وثالثها : أن عند حدوث الرياح المختلفة ، وترتيب الآثار العجيبة عليها ~~من تموج السحاب وتخريب الديار تصير الخلق مضطرين إلى الرجوع إلى الله ~~PageV30P233 والتضرع على باب رحمته ، فيحصل الفرق بين المقر والمنكر ~~والموحد والملحد ، وقوله : { فالملقيات ذكرا } معناه أن العاقل إذا شاهد ~~هبوب الرياح التي تقلع القلاع ، وتهدم الصخور والجبال ، وترفع الأمواج تمسك ~~بذكر الله والتجأ إلى إعانة الله ، فصارت تلك الرياح كأنها ألقت الذكر ~~والإيمان والعبودية في القلب ، ولا شك أن هذه الإضافة تكون على سبيل المجاز ~~من حيث إن الذكر حصل عند حدوث هذه . # القول الثالث : من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمسة على القرآن ، ~~وعندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن ، فقوله : { والمرسلات } المراد منها ~~الآيات المتتابعة المرسلة على لسان جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، وقوله : { عرفا } أي نزلت هذه الآيات بكل عرف وخير وكيف لا وهي ~~الهادية إلى سبيل النجاة والموصلة ms9381 إلى مجامع الخيرات { فالعاصفات عصفا } ~~فالمراد أن دولة الإسلام والقرآن كانت ضعيفة في الأول ، ثم عظمت وقهرت سائر ~~الملل والأديان ، فكأن دولة القرآن عصفت بسائر الدول والملل والأديان ~~وقهرتها ، وجعلتها باطلة دائرة ، وقوله : { والناشرات نشرا } المراد أن ~~آيات القرآن نشرت آثار الحكمة والهداية في قلوب العالمين شرقا وغربا ، ~~وقوله : { فالفارقات فرقا } فذلك ظاهر ، لأن آيات القرآن هي التي تفرق بين ~~الحق والباطل ، ولذلك سمي الله تعالى القرآن فرقانا ، وقوله : { فالملقيات ~~ذكرا } فالأمر فيه ظاهر ، لأن القرآن ذكر ، كما قال تعالى : { ص والقرءان ~~ذى الذكر } ( ص: 1 ) { وإنه لذكر لك ولقومك } ( الزخرف : 44 ) { وهاذا ذكر ~~مبارك } ، ( الأنبياء : 50 ) وتذكرة كما قال : { وإنه لتذكرة للمتقين } ( ~~الحاقة : 48 ) وذكرى كما قال : { ذكرى للعالمين } ( الأنعام : 90 ) فظهر ~~أنه يمكن تفسير هذه الكلمات الخمسة بالقرآن ، وهذا وإن لم يذكره أحد فإنه ~~محتمل . # القول الرابع : يمكن حملها أيضا على بعثة الأنبياء عليهم السلام { ~~والمرسلات } هم الأشخاص الذين أرسلوا بالوحي المشتمل على كل خير ومعروف ، ~~فإنه لا شك أنهم أرسلوا بلا إله إلا الله ، وهو مفتاح كل خير ومعروف { عرفا ~~فالعاصفات عصفا } معناه أن أمر كل رسول يكون في أول الأمر حقيرا ضعيفا ، ثم ~~يشتد ويعظم ويصير في القوة كعصف الرياح { والناشرات نشرا } المراد منه ~~انتشار دينهم ومذهبهم ومقالتهم { فالفارقات فرقا } المراد أنهم يفرقون بين ~~الحق والباطل والتوحيد والإلحاد { فالملقيات ذكرا } المراد أنهم يدعون ~~الخلق إلى ذكر الله ، ويأمرونهم به ويحثونهم عليه . # القول الخامس : أن يكون المراد أن الرجل قد يكون مشتغلا بمصالح الدنيا ~~مستغرقا في طلب لذاتها وراحاتها ، ففي أثناء ذلك يرد في قلبه داعية الإعراض ~~عن الدنيا والرغبة في خدمة المولى ، فتلك الدواعي هي المرسلات عرفا ، ثم ~~هذه المرسلات لها أثران أحدهما : إزالة حب / ماسوى الله تعالى عن القلب ، ~~وهو المراد من قوله : { فالعاصفات عصفا } والثاني : ظهور أثر تلك الداعية ~~في جميع الجوارح والأعضاء حتى لا يسمع إلا الله ، ولا يبصر إلا الله ، ولا ~~ينظر إلا الله ، فذلك هو قوله : { والناشرات نشرا } ثم عند ذلك ms9382 ينكشف له ~~نور جلال الله فيراه موجودا ، ويرى كل ما سواه معدوما ، فذلك قوله : { ~~فالفارقات فرقا } ثم يصير العبد كالمشتهر في محبته ، ولا يبقى في قلبه ~~ولسانه إلا ذكره ، فذلك قوله : { فالملقيات ذكرا } . # واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة ، وإن كانت غير مذكورة إلا أنها ~~محتملة جدا . وأما الاحتمال الثاني : وهو أن لا يكون المراد من الكلمات ~~الخمس شيئا واحدا ، ففيه وجوه الأول : ما ذكره الزجاج واختيار القاضي ، وهو ~~أن الثلاثة الأول هي الرياح ، فقوله : { والمرسلات عرفا } هي الرياح التي ~~تتصل على PageV30P234 العرف المعتاد { * والعاصفات } ما يشتد منه ، { عصفا ~~والناشرات } ما ينشر السحاب . أما قوله : { فالفارقات فرقا } فهم الملائكة ~~الذين يفرقون بين الحق والباطل ، والحلال والحرام ، بما يتحملونه من القرآن ~~والوحي ، وكذلك قوله : { فالملقيات ذكرا } أنها الملائكة المتحملة للذكر ~~الملقية ذلك إلى الرسل ، فإن قيل : وما المجانسة بين الرياح وبين الملائكة ~~حتى يجمع بينهما في القسم ؟ قلنا : الملائكة روحانيون ، فهم بسبب لطافتهم ~~وسرعة حركاتهم كالرياح القول الثاني : أن الإثنين الأولين هما الرياح ، ~~فقوله : { والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا } هما الرياح ، والثلاثة ~~الباقية الملائكة ، لأنها تنشر الوحي والدين ، ثم لذلك الوحي أثران أحدهما ~~: حصول الفرق بين المحق والمبطل والثاني : ظهور ذكر الله في القلوب ~~والألسنة ، وهذا القول ما رأيته لأحد ، ولكنه ظاهر الاحتمال أيضا ، والذي ~~يؤكده أنه قال : { والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا } عطف الثاني على الأول ~~بحرف الفاء ، ثم ذكر الواو فقال : { والناشرات نشرا } وعطف الإثنين ~~الباقيين عليه بحرف الفاء ، وهذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة ~~الأخيرة القول الثالث : يمكن أيضا أن يقال : المراد بالأولين الملائكة ، ~~فقوله : { والمرسلات عرفا } ملائكة الرحمة ، وقوله : { فالعاصفات عصفا } ~~ملائكة العذاب ، والثلاثة الباقية آيات القرآن ، لأنها تنشر الحق في القلوب ~~والأرواح ، وتفرق بين الحق والباطل ، وتلقي الذكر في القلوب والألسنة ، ~~وهذا القول أيضا ما رأيته لأحد ، وهو محتمل ، ومن وقف على ما ذكرناه أمكنه ~~أن يذكر فيه وجوها ، والله أعلم بمراده . # المسألة الثانية : قال القفال : الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به ~~القسم ms9383 ، والواو في بعض مبني على الأصل ، وهو أن عند أهل اللغة الفاء تقتضي ~~الوصل والتعلق ، فإذا قيل : قام زيد فذهب ، فالمعنى أنه قام ليذهب فكان ~~قيامه سببا لذهابه ومتصلا به ، وإذا قيل : قام وذهب فهما خبران كل واحد ~~منهما قائم بنفسه لا يتعلق بالآخر ، ثم إن القفال لما مهد هذا الأصل فرع ~~الكلام عليه في هذه الآية بوجوه لا يميل قلبي إليها ، وأنا أفرع على هذا ~~الأصل فأقول : أما من / جعل الأولين صفتين لشيء والثلاثة الأخيرة صفات لشيء ~~واحد ، فالإشكال عنه زائل ، وأما من جعل الكل صفات لشيء واحد ، فنقول : إن ~~حملناها على الملائكة ، فالملائكة إذا أرسلت طارت سريعا ، وذلك الطيران هو ~~العصف ، فالعصف مرتب على الإرسال فلا جرم ذكر الفاء ، أما النشر فلا يترتب ~~على الإرسال ، فإن الملائكة أول ما يبلغون الوحي إلى الرسل لا يصير في ~~الحال ذلك الدين مشهورا منتشرا ، بل الخلق يؤذون الأنبياء في أول الأمر ~~وينسبونهم إلى الكذب والسحر والجنون ، فلا جرم لم يذكر الفاء التي تفيد بل ~~ذكر الواو ، بلى إذا حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل ~~وظهور ذكر الحق على الألسنة فلا جرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء ، فكأنه ~~والله أعلم قيل : يا محمد إني أرسلت الملك إليك بالوحي الذي هو عنوان كل ~~سعادة ، وفاتحة كل خير ، ولكن لا تطمع في أن ننشر ذلك الأمر في الحالة ، ~~ولكن لا بد من الصبر وتحمل المشقة ، ثم إذا جاء وقت النصرة أجعل دينك ظاهرا ~~منتشرا في شرق العالم وغربه ، وعند ذلك الانتشار يظهر الفرق فتصير الأديان ~~الباطلة ضعيفة ساقطة ، ودينك هو الدين الحق ظاهرا غالبا ، وهنالك يظهر ذلك ~~الله على الألسنة ، وفي المحاريب وعلى المنابر ويصير العالم مملوأ من ذكر ~~الله ، فهذا إذا حملنا هذه الكلمات الخمس على الملائكة ، ومن عرف هذا الوجه ~~أمكنه ذكر ما شابهه في الرياح وسائر الوجوه والله أعلم . # أما قوله : { عذرا أو نذرا } ففيه مسألتان : PageV30P235 # المسألة الأولى : فيهما قراءتان التخفيف وهو قراءة أبي عمرو وعاصم من ~~رواية ms9384 حفص والباقون قرأوا بالتثقيل ، أما التخفيف فلا نزاع في كونه مصدرا ، ~~والمعنى إعذارا وإنذارا ، وأما التثقيل فزعم أبو عبيدة أنه جمع وليس بمصدر ~~، وأما الأخفش والزجاج فزعما أنه مصدر ، والتثقيل والتخفيف لغتان ، وقرر ~~أبو علي قول الأخفش والزجاج ، وقال : العذر والعذير والنذر والنذير مثل ~~النكر والنكير ، ثم قال أبو علي : ويجوز في قراءة من ثقل أن يكون عذرا جمع ~~عاذر كشرف وشارف ، وكذلك النذر يجوز أن يكون جمع نذير ، قال تعالى : { هاذا ~~نذير من النذر الاولى } ( النجم : 56 ) . # المسألة الثانية : في النصب ثلاثة أوجه ، أما على تقدير كونه مصدرا ~~فوجهان أحدهما : أن يكون مفعولا على البدل من قوله : ذكرا والثاني : أن ~~يكون مفعولا له ، والمعنى والملقيات ذكرا للأعذار والإنذار ، وأما على ~~تقدير كونه جمعا ، فنصب على الحال من الإلقاء والتقدير فالملقيات ذكرا حال ~~كونهم عاذرين ومنذرين . # ! 7 < { إنما توعدون لواقع } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 7 ) إنما توعدون لواقع # > > جواب القسم والمعنى ، إن الذي توعدون به من مجيء / يوم القيامة لكائن ~~نازل ، وقال الكلبي : المراد أن كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع ، ~~واحتج القائلون بالتفسير الأول بأنه تعالى ذكر عقيب هذه الآيات ، علامات ~~يوم القيامة ، فدل على أن المراد من هذه الآية هو القيامة فقط ، ثم إنه ذكر ~~علامات وقوع هذا اليوم . # أولها : قوله تعالى : # ! 7 < { فإذا النجوم طمست } . > 7 @QB@ < # | المرسلات : ( 8 ) فإذا النجوم طمست # > > # وذكرنا تفسير الطمس عند قوله : { ربنا اطمس على أموالهم } ( يونس : 88 ) ~~وبالجملة فيحتمل أن يكون المراد محقت ذواتها ، وهو موافق لقوله : { انتثرت ~~} ( الإنفطار : 2 ) و { * انكذرت } ( التكوير : 2 ) وأن يكون المراد محقت ~~أنوارها ، والأول أولى ، لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار . ويجوز أن يمحق ~~نورها ثم تنتثر ممحوقة النور . # وثانيها : قوله : # ! 7 < { وإذا السمآء فرجت } . > 7 ! # { طمست وإذا السماء فرجت } < < # | المرسلات : ( 9 ) وإذا السماء فرجت # > > الفرج الشق يقال : فرجه الله فانفرج ، وكل مشقوق فرج ، فههنا قوله : ~~فرجت أي شقت نظيره { وإذا السماء * انشقت } ( الانشقاق : 1 ) { ويوم تشقق ~~السماء بالغمام } ( الفرقان : 25 ) وقال ابن قتيبة معناه ، فتحت ms9385 نظيره ، ~~وفتحت السماء قال الشاعر : # % الفارجي باب الأمير المبهم % % # وثالثها : قوله : # ! 7 < { وإذا الجبال نسفت } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 10 ) وإذا الجبال نسفت # > > وفيه وجهان أحدهما : نسفت كالحب المغلث إذا نسف بالمنسف ، ومنه قوله ~~: { لنحرقنه ثم لننسفنه } ونظيره { وبست الجبال بسا } ( الواقعة : 5 ) { ~~وكانت الجبال كثيبا مهيلا } ( المزمل : 14 ) { فقل ينسفها ربى نسفا } ~~والثاني : اقتلعت بسرعة من أماكنها من انتسفت الشيء إذا اختطفته ، وقرىء { ~~طمست } و { فرجت } و { نسفت } مشددة . PageV30P236 # ورابعها : قوله تعالى : # ! 7 < { وإذا الرسل أقتت } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 11 ) وإذا الرسل أقتت # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : أقتت أصلها وقتت ويدل عليه وجوه أحدها : قراءة أبي عمرو ~~وقتت بالواو وثانيها : أن أصل الكلمة من الوقت وثالثها : أن كل واو انضمت ~~وكانت ضمتها لازمة فإنها تبدل على الإطراد همزة أولا وحشوا ، ومن ذلك أن ~~تقول : صلى القوم إحدانا ، وهذه أجوه حسان وأدؤر في جمع دار ، والسبب فيه ~~أن الضمة من جنس الواو ، فالجمع بينهما يجري مجرى جمع المثلين فيكون ثقيلا ~~، ولهذا السبب كان كسر الياء ثقيلا . # أما قوله تعالى : { ولا تنسوا الفضل بينكم } فلا يجوز فيه البدل لأن ~~الضمة غير لازمة ، ألا ترى أنه لا يسوغ في نحو قولك : { هاذا * وعد } أن ~~تبدل . # المسألة الثانية : في التأقيت قولان : الأول : وهو قول مجاهد والزجاج أنه ~~تبيين الوقت الذي فيه يحضرون للشهادة على أممهم ، وهذا ضعيف ، وذلك لأن هذه ~~الأشياء جعلت علامات / لقيام القيامة ، كأنه قيل : إذا كان كذا وكذا كانت ~~القيامة ، ولا يليق بهذا الموضع أن يقال : وإذا بين لهم الوقت الذي يحضرون ~~فيه للشهادة على أممهم قامت القيامة لأن ذلك البيان كان حاصلا في الدنيا ~~ولأن الثلاثة المتقدمة هي الطمس والفرج والنسف مختصة بوقت قيام القيامة ، ~~فكذا هذا التوقيت يجب أن يكون مختصا بوقت قيام القيامة القول الثاني : أن ~~المراد بهذا التأقيت تحصيل الوقت وتكوينه ، وهذا أقرب أيضا إلى مطابقة ~~اللفظ ، لأن بناء التفعيلات على تحصيل تلك الماهيات ، فالتسويد تحصيل ~~السواد والتحريك تحصيل الحركة ، فكذا التأقيت تحصيل الوقت ثم إنه ليس في ~~اللفظ ms9386 بيان أنه تحصيل لوقت أي شيء ، وإنما لم يبين ذلك ولم يعين لأجل أن ~~يذهب الوهم إلى كل جانب فيكون التهويل فيه أشد فيحتمل أن يكون المراد تكوين ~~الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم وأن يكون هو الوقت الذي يجتمعون ~~فيه للفوز بالثواب ، وأن يكون هو وقت سؤال الرسل عما أجيبوا به وسؤال الأمم ~~عما أجابوهم ، كما قال : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } ~~وأن يكون هو الوقت الذي يشاهدون الجنة والنار والعرض والحساب والوزن وسائر ~~أحوال القيامة ، وإليه الإشارة بقوله : { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على ~~الله وجوههم مسودة } . # ! 7 < { لأي يوم أجلت } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 12 ) لأي يوم أجلت # > > أي أخرت كأنه تعالى يعجب العباد من تعظيم ذلك اليوم فقال : لأي يوم ~~أخرت الأمور المتعلقة بهؤلاء : وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من آمن بهم وظهور ~~ما كانوا يدعون الخلق إلى الإيمان به من الأهوال والعرض والحساب ونشر ~~الدواوين ووضع الموازين . # ثم إنه تعالى بين ذلك فقال : # ! 7 < { ليوم الفصل } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 13 ) ليوم الفصل # > > قال ابن عباس رضي الله عنهما : يوم يفصل الرحمن بين الخلائق ، وهذا ~~كقوله : { إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين } . # ثم أتبع ذلك تعظيما ثانيا فقال : # ! 7 < { ومآ أدراك ما يوم الفصل } . > 7 ! # { وما أدراك ما يوم الفصل } < < # | المرسلات : ( 14 ) وما أدراك ما . . . . . # > > أي وما علمك بيوم الفصل وشدته ومهابته . # ثم أتبعه بتهويل ثالث فقال : # ! 7 < { ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 15 ) ويل يومئذ للمكذبين # > > أي للمكذبين بالتوحيد والنبوة والمعاد وبكل ما ورد من الأنبياء عليهم ~~السلام وأخبروا عنه ، بقي ههنا سؤالان . PageV30P237 # السؤال الأول : كيف وقع النكرة مبتدأ في قوله : { ويل يومئذ للمكذبين } ؟ ~~الجواب : هو في أصله مصدر منصوب ساد مسد فعله ، ولكنه عدل به إلى الرفع ~~للدلالة على معنى ثبات الهلاك / ودوامه للمدعو عليه ، ونحوه { سلام عليكم } ~~ويجوز ويلا بالنصب ، ولكن لم يقرأ به . # السؤال الثاني : أين جواب قوله : { فإذا النجوم طمست } ؟ الجواب : من ~~وجهين أحدهما : التقدير : إنما توعدون لواقع ، إذا النجوم طمست ، وهذا ضعيف ms9387 ~~، لأنه يقع في قوله : { فإذا النجوم طمست } ، الثاني : أن الجواب محذوف ، ~~والتقدير { فإذا النجوم طمست } وإذا وإذا ، فحينئذ تقع المجازاة بالأعمال ~~وتقوم القيامة . # ! 7 < { ألم نهلك الا ولين * ثم نتبعهم الا خرين * كذلك نفعل بالمجرمين * ~~ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 16 ) ألم نهلك الأولين # > > اعلم أن المقصود من هذه الصورة تخويف الكفار وتحذيرهم عن الكفر . # فالنوع الأول : من التخويف أنه أقسم على أن اليوم الذي يوعدون به ، وهو ~~يوم الفصل واقع ثم هول فقال : { وما أدراك ما يوم الفصل } ثم زاد في ~~التهويل فقال : { ويل يومئذ للمكذبين } . # والنوع الثاني من التخويف : ما ذكر في هذه الآية . وهو أنه أهلك الكفرة ~~المتقدمين بسبب كفرهم . فإذا كان الكفر حاصلا في هؤلاء المتأخرين ، فلا بد ~~وأن يهلكهم أيضا ثم قال : { ويل يومئذ للمكذبين } كأنه يقول ، أما الدنيا ~~فحاصلهم الهلاك ، وأما الآخرة فالعذاب الشديد وإليه الإشارة بقوله : { خسر ~~الدنيا والاخرة ذالك هو الخسران المبين } وفي الآية سؤالان الأول : ما ~~المراد من الأولين والآخرين ؟ الجواب : فيه قولان : الأول : أنه أهلك ~~الأولين من قوم نوح وعاد وثمود ثم أتبعهم الآخرين قوم شعيب ولوط وموسى كذلك ~~نفعل بالمجرمين وهم كفار قريش ، وهذا القول ضعيف لأن قوله : { نتبعهم ~~الاخرين } بلفظ المضارع فهو يتناول الحال والاستقبال ولا يتناول الماضي ~~ألبتة القول الثاني : أن المراد بالأولين جميع الكفار الذين كانوا قبل محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وقوله : { ثم نتبعهم الاخرين } على الاستئناف على ~~معنى سنفعل ذلك ونتبع الأول الآخر ، ويدل على الاستئناف قراءة عبدالله { * ~~سنتبعهم } ، فإن قيل : قرأ الأعرج ثم نتبعهم بالجزم وذلك يدل على الاشتراك ~~في ألم ، وحينئذ يكون المراد به الماضي لا المستقبل ، قلنا : القراءة ~~الثابتة بالتواتر نتبعهم بحركة العين ، وذلك يقتضي المستقبل ، فلو اقتضت ~~القراءة بالجزم أن يكون المراد هو الماضي لوقع التنافي بين القراءتين ، ~~وإنه غير جائز . فعلمنا أن تسكين العين ليس للجزم للتخفيف كما روي في بيت ~~امرىء القيس : # واليوم أشرب غير مستحقب # ثم إنه تعالى لما بين أنه يفعل بهؤلاء المتأخرين مثل ما يفعل ms9388 بأولئك ~~المتقدمين قال : { إنا كذلك نفعل بالمجرمين } أي هذا الإهلاك إنما نفعله ~~بهم لكونهم مجرمين ، فلا جرم في جميع المجرمين ، لأن عموم PageV30P238 ~~العلة يقتضي عموم الحكم . # ثم قال تعالى : { ويل يومئذ للمكذبين } أي هؤلاء وإن أهلكوا وعذبوا في ~~الدنيا ، فالمصيبة العظمى والطامة الكبرى معدة لهم يوم القيامة . # السؤال الثاني : المراد من الإهلاك في قوله : { ألم نهلك الاولين } هو ~~مطلق الإماتة أو الإماتة بالعذاب ؟ فإن كان ذلك هو الأول لم يكن تخويفا ~~للكفار ، لأن ذلك أمر حاصل للمؤمن والكافر ، فلا يصلح تحذيرا للكافر ، وإن ~~كان المراد هو الثاني وهو الإماتة بالعذاب ، فقوله : { ثم نتبعهم الاخرين * ~~كذلك نفعل بالمجرمين } يقتضي أن يكون الله قد فعل بكفار قريش مثل ذلك ، ومن ~~المعلوم أنه لم يوجد ذلك ، وأيضا فلأنه تعالى قال : { وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم } الجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد منه الإماتة بالتعذيب ، ~~وقد وقع ذلك في حق قريش وهو يوم بدر ؟ سلمنا ذلك ، فلم لا يجوز أن يكون ~~المراد من الإهلاك معنى ثالثا مغايرا للأمرين اللذين ذكروهما وهو الإماتة ~~المستعقبة للذم واللعن ؟ فكأنه قيل : إن أولئك المتقدمين لحرصهم على الدنيا ~~عاندوا الأنبياء وخاصموهم ، ثم ماتوا فقد فاتتهم الدنيا وبقي اللعن عليهم ~~في الدنيا والعقوبة الأخروية دائما سرمدا / فهكذا يكون حال هؤلاء الكفار ~~الموجودين ومعلوم أن مثل هذا الكلام من أعظم وجوه الزجر . # ! 7 < { ألم نخلقكم من مآء مهين * فجعلناه فى قرار مكين * إلى قدر معلوم ~~* فقدرنا فنعم القادرون * ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 20 ) ألم نخلقكم من . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثالث : من تخويف الكفار ووجه التخويف فيه من ~~وجهين : الأول : أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم ، وكلما كانت نعمة الله ~~عليهم أكثر كانت جنايتهم في حقه أقبح وأفحش ، وكلما كان كذلك كان العقاب ~~أعظم ، فلهذا قال عقيب ذكر هذا الإنعام : { ويل يومئذ للمكذبين } . الوجه ~~الثاني : أنه تعالى ذكرهم كونه قادرا على الابتداء ، وظاهر في العقل أن ~~القادر على الابتداء قادر على الإعادة ، فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة ms9389 ، ~~لا جرم قال في حقهم : { ويل يومئذ للمكذبين } وأما التفسير فهو أن قوله : { ~~ألم نخلقكم من ماء مهين } أي من النطفة ، كقوله : { ثم جعل نسله من سلالة ~~من ماء مهين * فجعلناه فى قرار مكين } وهو الرحم ، لأن ما يخلق منه الولد ~~لا بد وأن يثبت في الرحم ويتمكن بخلاف مالا يخلق منه الولد ، ثم قال : { ~~إلى قدر معلوم } والمراد كونه في الرحم إلى وقت الولادة ، وذلك الوقت معلوم ~~لله تعالى لا لغيره كقوله : { إن الله عنده علم الساعة } إلى قوله : { ~~ويعلم ما فى الارحام } ، { فقدرنا } قرأ نافع وعبدالله بن عامر بالتشديد ، ~~وقرأ الباقون بالتخفيف ، أما التشديد فالمعنى إنا قدرنا ذلك تقديرا فنعم ~~المقدرون له نحن ، ويتأكد هذا الوجه بقوله تعالى : { من نطفة خلقه فقدره } ~~ولأن إيقاع الخلق على هذا التقدير والتحديد نعمة من المقدر على المخلوق ~~فحسن ذكره في موضع ذكر PageV30P239 المنة والنعمة ، ومن طعن في هذه القراءة ~~قال : لو صحت هذه القراءة لوجب أن يقال : فقدرنا فنعم المقدرون وأجيب عنه ~~بأن العرب قد تجمع بين اللغتين ، قال تعالى : { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ~~} وأما القراءة بالتخفيف ففيها وجهان : الأول : أنه من القدرة أي فقدرنا ~~على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا { فنعم القادرون } حيث خلقناه في أحسن ~~الصور والهيئات والثاني : أنه يقال : قدرت الشيء بالتخفيف على معنى قدرته ، ~~قال : الفراء العرب تقول : قدر عليه الموت ، وقدر عليه الموت ، وقدر عليه ~~رزقه وقدر بالتخفيف والتشديد ، قال تعالى : { فقدر عليه رزقه } . # ! 7 < { ألم نجعل الا رض كفاتا * أحيآء وأمواتا * وجعلنا فيها رواسى ~~شامخات وأسقيناكم مآء فراتا * ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 25 ) ألم نجعل الأرض . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الرابع : من تخويف الكفار وذلك لأنه ذكرهم ~~بالنعم التي له عليهم في الأنفس ، وفي هذه الآية ذكرهم بالنعم التي له ~~عليهم في الآفاق ، ثم قال في آخر الآية : { ويل يومئذ للمكذبين } والسبب ~~فيه ما قدمنا أن النعم كلما كانت أكثر كانت الجناية أقبح فكان استحقاق الذم ~~عاجلا والعقاب آجلا أشد ، وإنما قدم تلك ms9390 الآية على هذه الآية ، لأن النعم ~~التي في الأنفس كالأصل للنعم التي في الآفاق ، فإنه لولا الحياة والسمع ~~والبصر والأعضاء السليمة لما كان الانتفاع بشيء من المخلوق ممكنا . # واعلم أنه تعالى ذكر ههنا ثلاثة أشياء أولها : الأرض ، وإنما قدمها لأن ~~أقرب الأشياء إلينا من الأمور الخارجية هو الأرض ، ومعنى الكفات في اللغة ~~الضم والجمع يقال : كفت الشيء أي ضممته ، ويقال : جراب كفيت وكفت إذا كان ~~لا يضيع شيئا مما يجعل فيه ، ويقال للقدر : كفت . قال صاحب الكشاف : هو اسم ~~ما يكفت ، كقولهم الضمام والجماع لما يضم ويجمع ، ويقال : هذا الباب جماع ~~الأبواب ، وتقول : شددت الشيء ثم تسمي الخيط الذي تشد به الشيء شدادا ، وبه ~~انتصب أحياء وأمواتا كأنه قيل : كافتة أحياء وأمواتا ، أو بفعل مضمر يدل ~~عليه وهو نكفت ويكون المعنى نكفتكم أحياء وأمواتا ، فينصبان على الحال من ~~الضمير هذا هو اللغة ، ثم في المعنى / وجوه أحدها : أنها تكفت أحياء على ~~ظهرها وأمواتا في بطنها والمعنى أن الأحياء يسكنون في منازلهم والأموات ~~يدفنون في قبورهم ، ولهذا كانوا يسمون الأرض أما لأنها في ضمها للناس كالأم ~~التي تضم ولدها وتكفله ، ولما كانوا يضمون إليها جعلت كأنها تضمهم وثانيها ~~: أنها كفات الأحياء بمعنى أنها تكفت ما ينفصل الأحياء من الأمور المستقذرة ~~، فأما أنها تكفت ( الأحياء ) حال كونهم على ظهرها فلا وثالثها : أنها كفات ~~الأحياء بمعنى أنها جامعة لما يحتاج الإنسان إليه في حاجاته من مأكل ومشرب ~~، لأن كل ذلك يخرج من الأرض والأبنية الجامعة للمصالح الدافعة للمضار مبنية ~~منها ورابعها : أن قوله : { أحياء وأمواتا } معناه راجع إلى الأرض ، والحي ~~ما أنبت والميت مالم ينبت ، بفي في الآية سؤالان : # الأول : لم قيل : { أحياء وأمواتا } على التنكير وهي كفات الأحياء ~~والأموات جميعا ؟ الجواب : هو من PageV30P240 تنكير التفخيم ، كأنه قيل : ~~تكفت أحياء لا يعدون ، وأمواتا لا يحصرون . # السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على وجوب قطع النباش ؟ الجواب : نقل ~~القفال أن ربيعة قال : دلت الآية على أن الأرض كفات الميت فتكون حرزا له ، ~~والسارق ، من ms9391 الحرز يجب عليه القطع . # النوع الثاني : من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وجعلنا ~~فيها رواسى شامخات } فقوله : { رواسى } أي ثوابت على ظهر الأرض لا تزول و { ~~شامخات } أي عاليات ، وكل عال فهو شامخ ، ويقال : للمتكبر شامخ بأنفه ، ~~ومنافع خلقة الجبال قد تقدمت في هذا الكتاب . # النوع الثالث : من النعم قوله تعالى : { وأسقيناكم ماء فراتا } الفرات هو ~~الغاية في العذوبة ، وقد تقدم تفسيره في قوله : { هاذا عذاب * فرات } . # ! 7 < { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون * انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب * ~~لا ظليل ولا يغنى من اللهب * إنها ترمى بشرر كالقصر * كأنه جمالة صفر * ويل ~~يومئذ للمكذبين } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 29 ) انطلقوا إلى ما . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الخامس : من وجوه تخويف الكفار وهو بيان كيفية ~~عذابهم في الآخرة فأما قوله : { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } فالمعنى ~~أنه يقال لهم : { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } من العذاب ، والظاهر أن ~~القائلين هم خزنة النار { * وانطلقوا } الثاني تكرير ، وقرأ / يعقوب { ~~تكذبون انطلقوا } على لفظ الماضي ، والمعنى أنهم انقادوا للأمر لأجل أنهم ~~مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعا منه ، وهذا بعيد لأنه كان ينبغي أن يقال : ~~فانطلقوا بالفاء ، ليرتبط آخر الكلام بأوله ، قال المفسرون : إن الشمس تقرب ~~يوم القيامة من رؤوس الخلائق ، وليس عليهم يومئذ لباس ولا كنان ، فتلفحهم ~~الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم ويمتد ذلك اليوم ، ثم ينجي الله برحمته من ~~يشاء إلى ظل من ظله فهناك يقولون : { فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم } ~~ويقال للمكذبين : { انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } من عذاب الله وعقابه ، ~~وقوله : { إلى ظل } يعني دخان جهنم كقوله : { وظل من يحموم } ثم إنه تعالى ~~وصف هذا الظل بصفات : # الصفة الأولى : قوله : { ذى ثلاث شعب } وفيه وجوه أحدها : قال الحسن : ما ~~أدري ما هذا الظل ، ولا سمعت فيه شيئا وثانيها : قال قوم المراد بقوله : ~~إلى ظل ذي ثلاث شعب كون النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم ، وتسمية ~~النار بالظل مجاز من حيث إنها محيطة بهم ms9392 من كل جانب كقوله : { لهم من فوقهم ~~ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } وقال تعالى : { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم } وثالثها : قال قتادة : بل المراد الدخان وهو من قوله : { ~~أحاط بهم سرادقها } وسرادق النار هو الدخان ، ثم إن شعبة من ذلك الدخان على ~~يمينه وشعبة أخرى على يساره ، وشعبة ثالثة من فوقه . وأقول هذا غير مستبعد ~~لأن الغضب عن يمينه والشهوة عن شماله ، والقوة الشيطانية في دماغه ، ومنبع ~~جميع الآفاق الصادرة عن الإنسان في عقائده ، وفي أعماله ، ليس إلا هذه ~~الثلاثة ، فتولدت من PageV30P241 هذه الينابيع الثلاثة أنواع من الظلمات ، ~~ويمكن أيضا أن يقال : ههنا درجات ثلاثة ، وهي الحس والخيال ، والوهم ، وهي ~~مانعة للروح عن الاستنارة بأنوار عالم القدس والطهارة ، ولكل واحد من تلك ~~المراتب الثلاثة نوع خاص من الظلمة ورابعها : قال قوم : هذا كناية عن كون ~~ذلك الدخان عظيما ، فإن الدخان العظيم ينقسم إلى شعب كثيرة وخامسها : قال ~~أبو مسلم ويحتمل في ثلاث شعب ما ذكره بعد ذلك ، وهو أنه : غير ظليل وأنه لا ~~يغني من اللهب وبأنها ترمى بشرر كالقصر . # الصفة الثانية : لذلك الظل قوله : { لا ظليل } وهذا تهكم بهم وتعريض بأن ~~ظلهم غير ظل المؤمنين ، والمعنى أن ذلك الظل لا يمنع حر الشمس . # الصفة الثالثة : قوله تعالى : { ولا يغنى من اللهب } يقال : أغن عني وجهك ~~، أي أبعده لأن الغني عن الشيء يباعده ، كما أن المحتاج يقاربه ، قال صاحب ~~( الكشاف ) : إنه في محل الجر ، أي وغيره مغن عنهم ، من حر اللهب شيئا ، ~~قال القفال : وهذا يحتمل وجهين أحدهما : أن هذا الظل إنما يكون في جهنم ، ~~فلا يظلهم من حرها ، ولا يسترهم من لهيبها ، وقد ذكر الله في سورة الواقعة ~~الظل فقال : { فى سموم وحميم * وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم } ( ~~الواقعة : 42 ، 44 ) وهذا كأنه في جهنم إذا دخلوها ، ثم قال : { لا بارد ~~ولا كريم } فيحتمل أن يكون قوله : { لا ظليل } في معنى : { لا بارد } وقوله ~~: { ولا يغنى من اللهب } / في معنى : { ولا كريم } أي ms9393 لا روح له يلجأ إليه ~~من لهب النار والثاني : أن تكون ذلك إنما يكون قبل أن يدخلوا جهنم بل عندما ~~يحسبون للحساب والعرض ، فيقال لهم : إن هذا الظل لا يظلكم من حر الشمس ولا ~~يدفع لهب النار ، وفي الآية وجه ثان : وهو الذي قاله قطرب : وهو أن اللهب ~~ههنا هو العطش يقال : لهب لهبا ورجل لهبان وامرأة لهبى . # الصفة الرابعة : قوله تعالى : { إنها ترمى بشرر } قال الواحدي : يقال ~~شررة وشرر وشرارة وشرار ، وهو ما تطاير من النار متبددا في كل جهة وأصله من ~~شررت الثوب إذا أظهرته وبسطته للشمس والشرار ينبسط متبددا ، واعلم أن الله ~~تعالى وصف النار التي كان ذلك الظل دخانا لها بأنها ترمي بالشرارة العظيمة ~~، والمقصود منه بيان أن تلك النار عظيمة جدا ، ثم إنه تعالى شبه ذلك الشرر ~~بشيئين الأول : بالقصر وفي تفسيره قولان : أحدهما : أن المراد منه البناء ~~المسمى بالقصر قال ابن عباس : يريد القصور العظام الثاني : أنه ليس المراد ~~ذلك ، ثم على التقدير ففي التفسير وجوه أحدها : أنها جمع قصرة ساكنة الصاد ~~كتمرة وتمر وجمرة وجمر ، قال المبراد : يقال للواحد من الحطب الجزل الغليظ ~~قصرة والجمع قصر ، قال عبد الرحمن بن عابس : سألت ابن عباس عن القصر فقال : ~~هو خشب كنا ندخره للشتاء نقطعه وكنا نسميه القصر ، وهذا قول سعيد بن جبير ~~ومقاتل والضحاك ، إلا أنهم قالوا : هي أصول النخل والشجر العظام ، قال صاحب ~~( الكشاف ) : قرىء كالقصر بفتحتين وهي أعناق الإبل أو أعناق النخل نحو شجرة ~~وشجر ، وقرأ ابن مسعود كالقصر بمعنى القصر كرهن ورهن ، وقرأ سعيد بن جبير ~~كالقصر في جمع قصرة كحاجة وحوج . # التشبيه الثاني : قوله تعالى : { كأنه جمالة صفر } وفيه مسألتان : ~~PageV30P242 # المسألة الأولى : جمالات جمع جمال كقوهم : رجالات ورجال وبيوتات وبيوت ، ~~وقرأ ابن عباس حمالات بضم الجيم وهو قراءة يعقوب وذكروا وجوها أحدها : قيل ~~: الجمالات بالضم الحبال الغلاظ وهي حبال السفن ، ويقال لها : القلوس ومنهم ~~من أنكر ذلك وقال : المعروف في الحبال إنما هو الجمل بضم الجيم وتشديد ~~الميم وقرىء : { حتى ms9394 يلج الجمل } وثانيها : قيل هي قطع النحاس ، وهو مروي ~~عن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وابن عباس ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه ~~وثالثها : قال الفراء : يجوز أن يكون الجمالات بالضم من الشيء المجمل ، ~~يقال : أجملت الحساب ، وجاء القوم جملة أي مجتمعين ، والمعنى أن هذه الشررة ~~ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر ، وهذا قول الفراء ورابعها : قال الفراء : ~~يجوز أن يقال : جمالات بضم الجيم جمع جمال بضم الجيم وجمال بضم الجيم يكون ~~جمع جمل ، كما يقاله : رخل ورخال ورخال . # القراءة الثاني : جملة بكسر الجيم هي جمع جمل مثل حجر وحجارة ، قال أبو ~~علي : والتاء إنما لحقت جمالا لتأنيث الجمع ، كما لحقت في فحل وفحالة . # / القراءة الرابعة : جملة بضم الجيم وهي القلس ، وقيل : صفر لإرادة الجنس ~~، أما قوله : صفر فالأكثرون على أن المراد منه سود تضرب إلى الصفرة ، قال ~~الفراء : لا ترى أسود من الإبل إلا وهو مشوب صفرة ، والشرر إذا تطاير فسقط ~~وفيه بقية من لون النار كان أشبه بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة . ~~وزعم بعض العلماء أن المراد هو الصفرة لا السواد ، لأن الشرر إنما يسمى ~~شررا ما دام يكون نارا ، ومتى كان نارا كان أصفر / وإنما يصير أسود إذا ~~انطفأ ، وهناك لا يسمى شررا ، وهذا القول عندي هو الصواب . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى شبه الشرر في العظم بالقصر ، وفي اللون ~~والكثرة والتتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر ، وقيل : أيضا إن ابتداء ~~الشرر يعظم فيكون كالقصر ثم يفترق فتكون تلك القطع المتفرقة المتتابعة ~~كالجمالات الصفر ، واعلم أنه نقل عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله : { ~~إنها ترمى بشرر كالقصر } أن هذا التشبيه إنما ورد في بلاد العرب ، وقصورهم ~~قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة ، فبين تعالى أنها ترمى بشرر كالقصر ، فلما ~~سمع أبو العلاء المعري بهذا تصرف فيه وشبهه بالخيمة من الأديم ، وهو قوله : # % حمراء ساطعة الذوائب في الدجى % % ترمى بكل شرارة كطراف % # ثم زعم صاحب الكشاف أنه ذكر ذلك معارضة لهذه الآية ، وأقول : كان الأولى ~~لصاحب ms9395 الكشاف أن لا يذكر ذلك ، وإذ قد ذكره فلا بد لنا من تحقيق الكلام فيه ~~، فنقول : تشبيه الشرارة بالطراف يفيد التشبيه في الشكل والعظم ، أما الشكل ~~فمن وجهين الأول : أن الشرارة تكون قبل انشعابها كالنقطة من النار ، فإذا ~~انشعبت اتسعت فهي كالنقطة التي تتسع فهي تشبه الخيمة فإن رأسها كالنقطة ثم ~~إنها لا تزال تتسع شيئا فشيئا الثاني : أن الشرارة كالكرة أو الأسطوانة فهي ~~شديدة الشبه بالخيمة المستديرة وأما التشبيه بالخيمة في النظم فالأمر ظاهر ~~، هذا منتهى هذا التشبيه . وأما وجه القدح فيه فمن وجوه الأول : أن لون ~~الشرارة أصفر يشوبها شيء من السواد ، وهذا المعنى حاصل في الجمالات ~~PageV30P243 الصفر وغير حاصل في الخيمة من الأديم الثاني : أن الجمالات ~~متحركة والخيمة لا تكون متحركة فتشبيه الشرار المتحرك بالجمالات المتحركة ~~أولى والثالث : أن الشرارات متتابعة يجيء بعضها خلف البعض وهذا المعنى حاصل ~~في الجمالات الصفر وغير حاصل في الطراف الرابع : أن القصر مأمن الرجل وموضع ~~سلامته فتشبيه الشرر بالقصر تنبيه على أنه إنما تولدت آفته من الموضع الذي ~~توقع منه الأمن والسلامة ، وحال الكافر كذلك فإنه كان يتوقع الخير والسلامة ~~من دينه ، ثم إنه ما ظهرت له آفة ولا محنة إلا من ذلك الدين ، والخيمة ليست ~~مما يتوقع منها الأمن الكلي الخامس : أن العرب كانوا يعتقدون أن كل الجمال ~~في ملك الجمال وتمام النعم إنما يحصل بملك النعم ، ولهذا قال تعالى : { ~~ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون } فتشبيه الشرر بالجمال السود ~~كالتهكم بهم ، كأنه قيل لهم : كنتم تتوقعون من دينكم كرامة ونعمة وجمالا ~~إلا أن ذلك الجمال هو هذه الشرارات التي هي كالجمال ، وهذا المعنى غير حاصل ~~في / الطراف السادس : أن الجمال إذا انفردت واختلط بعضها بالبعض فكل من وقع ~~فيما بين أيديها وأرجلها في ذلك الوقت نال بلاء شديدا وألما عظيما ، فتشبيه ~~الشرارات بها حال تتابعها يفيد حصول كمال الضرر ، والطراف ليس كذلك السابع ~~: الظاهر أن القصر يكون في المقدار أعظم من الطراف والجمالات الصفر تكون ~~أكثر في العدد ms9396 من الطراف فتشبيه هذه الشرارات بالقصر وبالجمالات يقتضي ~~الزيادة في المقدار وفي العدد وتشبهها بالطراف لا يفيد شيئا من ذلك ، ولما ~~كان المقصود هو التهويل والتخويف كان التشبيه الأول أولى الثامن : أن ~~التشبيه بالشيئين في إثبات وصفين أقوى في ثبوت ذينك الصفين من التشبيه ~~بالشيء الواحد في إثبات ذينك الوصفين ، وبيانه أن من سمع قوله : { إنها ~~ترمى بشرر كالقصر } تسارع ذهنه إلى أن المراد إثبات عظم تلك الشرارات ، ثم ~~إذا سمع بعد ذلك قوله : { كأنه جمالة صفر } تسارع ذهنه إلى أن المراد كثرة ~~تلك الشرارات وتتابعها ولونها . أما من سمع أن الشرار كالطراف يبقى ذهنه ~~متوقفا في أن المقصود بالتشبيه إثبات العظم أو إثبات اللون ، فالتشبيه ~~بالطراف كالمجمل ، والتشبيه بالقصر وبالجمالات الصفر ، كالبيان المفصل ~~المكرر المؤكد . ولما كان المقصود من هذا البيان هو التهويل والتخويف ، ~~فكلما كان بيان وجوه العذاب أتم وأبين كان الخوف أشد ، فثبت أن هذا التشبيه ~~أتم . التاسع : أنه قال في أول الآية : { انطلقوا إلى ظل } والإنسان إنما ~~يكون طيب العيش وقت الانطلاق ، والذهاب إذا كان راكبا ، وإنما يجد الظل ~~الطيب إذا كان في قصره ، فوقع تشبيه الشرارة بالقصر والجمالات ، كأنه قيل ~~له : مركوبك هذه الجمالات ، وظلك في مثل هذا القصر ، وهذا يجري مجرى التهكم ~~بهم ، وهذا المعنى غير حاصل في الطراف العاشر : من المعلوم أن تطاير القصر ~~إلى الهواء أدخل في التعجب من تطاير الخيمة ، لأن القصر يكون مركبا من ~~اللبن والحجر والخشب . وهذه الأجسام أدخل في الثقل والاكتناز من الخيمة ~~المتخذة إما من الكرباس أو من الأديم ، والشيء كلما كان أثقل وأشد اكتنازا ~~كان تطايره في الهواء أبعد ، فكانت النار التي تطير القصر إلى الهواء أقوى ~~من النار التي تطير الطراف في الهواء ، ومعلوم أن المقصود تعظيم أمر النار ~~في الشدة والقوة ، فكان التشبيه بالقصر أولى الحادي عشر : وهو أن سقوط ~~القصر على الإنسان أدخل في الإيلام والإيجاع من سقوط الطراف عليه ، فتشبيه ~~تلك الشرارات بالقصر يفيد أن تلك الشرارات إذا ارتفعت في الهواء ثم ms9397 سقطت ~~على الكافر فإنها تؤلمه إيلاما شديدا ، فصار ذلك تنبيها على أنه لا يزال ~~يسقط عليه من الهواء شرارات كالقصور بخلاف وقوع الطراف على الإنسان ، فإنه ~~لا يؤلم في الغاية الثاني عشر : أن الجمال في أكثر الأمور تكون موقرة ، ~~فتشبيه الشرارات بالجمال تنبيه على أن مع كل واحد من تلك الشرارات أنواعا ~~من البلاء والمحنة لا يحصي عددهاإلا الله ، فكأنه قيل : تلك الشرارات ~~كالجمالات الموقرة بأنواع المحنة والبلاء ، وهذا المعنى غير حاصل في الطراف ~~فكان التشبيه PageV30P244 بالجمالات أتم . # واعلم أن هذه الوجوه توالت على الخاطر في اللحظة الواحدة ولو تضرعنا إلى ~~الله تعالى في طلب الأزيد / لأعطانا أي قدر شئنا بفضله ورحمته ، ولكن هذه ~~الوجوه كافية في بيان الترجيح والزيادة عليها تعد من الأطناب والله أعلم . # ! 7 < { هاذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون * ويل يومئذ ~~للمكذبين } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 35 ) هذا يوم لا . . . . . # > > نصب الأعمش يوم أي هذا الذي قص عليكم واقع يومئذ ، اعلم أن هذا هو ~~النوع السادس : من أنواع تخويف الكفار وتشديد الأمر عليهم ، وذلك لأنه ~~تعالى بين أنه ليس لهم عذر ولا حجة فيما أتوا به من القبائح ، ولا قدرة لهم ~~على دفع العذاب عن أنفسهم ، فيجتمع في حقه في هذا المقام أنواع من العذاب ~~أحدها : عذاب الخجالة ، فإنه يفتضح على رءوس الأشهاد ، ويظهر لكل قصوره ~~وتقصيره وكل من له عقل سليم ، علم أن عذاب الخجالة أشد من القتل بالسيف ~~والاحتراق بالنار وثانيها : وقوف العبد الآبق على باب المولى ووقوعه في يده ~~مع علمه بأنه الصادق الذي يستحيل الكذب عليه ، على ما قال : { ما يبدل ~~القول لدى } وثالثها : أنه يرى في ذلك الموقف خصماءه الذين كان يستخف بهم ~~ويستحقرهم فائزين بالثواب والتعظيم ، ويرى نفسه فائزا بالخزي والنكال ، ~~وهذه ثلاثة أنواع من العذاب الروحاني ورابعها : العذاب الجسماني وهو مشاهدة ~~النار وأهوالها نعوذ بالله منها فلما اجتمعت في حقه هذه الوجوه من العذاب ~~بل ما هو مما لا يصف كنهه إلا الله ، لا جرم قال تعالى في حقهم ms9398 : { ويل ~~يومئذ للمكذبين } وفي الآية سؤالان : # الأول : كيف يمكن الجمع بين قوله : { هاذا يوم لا ينطقون } وقوله : { ثم ~~إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } وقوله : { والله ربنا ما كنا مشركين } ~~وقوله : { ولا يكتمون الله حديثا } ويروى أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس ~~عن هذا السؤال والجواب : عنه من وجوه أحدها : قال الحسن : فيه إضمار ، ~~والتقدير : هذا يوم لا ينطقون فيه بحجة ، ولا يؤذن لهم فيعتذرون ، لأنه ليس ~~لهم فيما عملوه عذر صحيح وجواب مستقيم ، فإذا لم ينطقوا بحجة سليمة وكلام ~~مستقيم فكأنهم لم ينطقوا ، لأن من نطق بما لا يفيد فكأنه لم ينطق ، ونظيره ~~ما يقال لمن ذكر كلاما غير مفيد : ما قلت شيئا وثانيها : قال الفراء : أراد ~~بقوله : { يوم لا ينطقون } تلك الساعة وذلك القدر من الوقت الذي لا ينطقون ~~فيه ، كما يقول : آتيك يوم يقدم فلان ، والمعنى ساعة يقدم وليس المراد ~~باليوم كله ، لأن القدوم إنما يكون في ساعة يسيرة ، ولا يمتد في كل اليوم ~~وثالثها : أن قوله : { لا ينطقون } لفظ مطلق ، والمطلق لا يفيد العموم لا ~~في الأنواع ولا في الأوقات ، بدليل أنك تقول : فلان لا ينطق بالشر ولكنه ~~ينطق بالخير ، وتارة تقول : فلان لا ينطق بشيء ألبتة ، وهذا يدل على أن ~~مفهوم لا ينطق قدر مشترك / بين أن لا ينطق ببعض الأشياء ، وبين أن لا ينطق ~~بكل الأشياء ، وكذلك تقول : فلان لا ينطق في هذه الساعة ، وتقول : فلان لا ~~ينطق ألبتة ، وهذا يدل على أن مفهوم لا ينطق مشترك بين الدائم والموقت ، ~~وإذا كان كذلك فمفهوم لا ينطق يكفي في صدقه عدم النطق ببعض الأشياء وفي بعض ~~الأوقات ، وذلك لا ينافي حصول النطق بشيء آخر في وقت آخر ، فيكفي في صدق ~~قوله : { لا ينطقون } PageV30P245 أنهم لا ينطقون بعذر وعلة في وقت السؤال ~~، وهذا الذي ذكرناه إشارة إلى صحة الجوابين الأولين بحسب النظر العقلي ، ~~فإن قيل : لو حلف لا ينطق في هذا اليوم ، فنطق في جزء من أجزاء اليوم يحنث ~~؟ قلنا : مبني الإيمان على العرف ، والذي ms9399 ذكرناه بحث عن مفهوم اللفظ من حيث ~~إنه هو ورابعها : أن هذه الآية وردت عقيب قول خزنة جهنم لهم { انطلقوا إلى ~~ظل ذى ثلاث شعب } فينقادون ويذهبون ، فكأنه قيل : إنهم كانوا يؤمرون في ~~الدنيا بالطاعات فما كانوا يلتفتون . أما في هذه الساعة ( فقد ) صاروا ~~منقادين مطيعين في مثل هذا الكليف الذي هو أشق من كل شيء ، تنبيها على أنهم ~~لو تركوا الخصومة في الدنيا لما احتاجوا في هذا الوقت إلى هذا الانقياد ~~الشاق ، والحاصل أن قوله : { هاذا يوم لا ينطقون } متقيد بهذا الوقت في هذا ~~العمل ، وتقييد المطلق بسبب مقدمة الكلام مشهور في العرف ، بدليل أن المرأة ~~إذا قالت : أخرج هذه الساعة من الدار ، فقال الزوج : لو خرجت فأنت طالق ، ~~فإنه يتقيد هذا المطلق بتلك الخرجة ، فكذا ههنا . # السؤال الثاني : قوله : { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } يوهم أن لهم عذرا وقد ~~منعوا من ذكره ، وهذا لا يليق بالحكيم والجواب : أنه ليس لهم في الحقيقة ~~عذر ولكن ربما تخيلوا خيالا فاسدا أن لهم فيه عذرا ، فهم لا يؤذن لهم في ~~ذلك ذكر العذر الفاسد ، ولعل ذلك العذر الفاسد هو أن يقول : لما كان الكل ~~بقضائك وعلمك ومشيئتك وخلقك فلم تعذبني عليه ، فإن هذا عذر فاسد إذ ليس ~~لأحد أن يمنع المالك عن التصرف في ملكه كيف شاء وأراد ، فإن قيل : أليس أنه ~~قال : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ~~وقال : { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا } والمقصود من كل ذلك أن لا يبقى في قلبه ، أن له عذرا ، فهب أن عذره ~~في موقف القيامة فاسد فلم لا يؤذن له في ذكره حتى يذكره ، ثم بيبن له فساده ~~؟ قلنا : لما تقدم الأعذار والإنذار في الدنيا بدليل قوله : { فالملقيات ~~ذكرا * عذرا أو نذرا } كان إعادتها غير مفيدة . # السؤال الثالث : لم لم يقل : ولا يؤذن لهم فيعتذرون ؟ كما قال : { لا * ~~يقضى * عليهم فيموتوا } الجواب : الفاء ههنا للنسق فقط ، ولا يفيد كونه ~~جزاء ألبتة ومثله ms9400 { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له } بالرفع ~~والنصب ، وإنما رفع يعتذرون بالعطف لأنه لو نصب لكان ذلك يوهم أنهم ما ~~يعتذرون لأنهم لم يؤذنوا في الاعتذار ، وذلك يوهم أن لهم فيه عذرا منعوا عن ~~ذكره وهو غير جائز . أما لما رفع كان المعنى أنهم لم يؤذنوا في العذر وهم ~~أيضا لم يعتذروا لا لأجل عدم الإذن بل لأجل عدم العذر في نفسه ، ثم إن فيه ~~فائدة أخرى وهي حصول الموافقة في رءوس الآيات / لأن الآيات بالواو والنون ، ~~ولو قيل : فيعتذروا لم تتوافق الآيات ، ألا ترى أنه قال في سورة اقتربت ~~الساعة : { إلى شىء نكر } فثقل لأن آياتها مثقلة ، وقال في موضع آخر : { ~~وعذبناها عذابا نكرا } وأجمع القراء على تثقيل الأول وتخفيف الثاني ليوافق ~~كل منهما ما قبله . # PageV30P246 ! 7 < { هاذا يوم الفصل جمعناكم والا ولين * فإن كان لكم كيد ~~فكيدون * ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 38 ) هذا يوم الفصل . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع السابع : من أنواع تهديد الكفار ، وهذا القسم ~~من باب التعذيب بالتقريع والتخجيل ، فأما قوله : { هاذا يوم الفصل } فاعلم ~~أن ذلك اليوم يقع فيه نوعان من الحكومة أحدهما : ما بين العبد والرب وفي ~~هذا القسم كل ما يتعلق بالرب فلا حاجة فيه إلى الفصل وهو ما يتعلق بالثواب ~~الذي يستحقه المرء على عمله وكذا في العقاب إنما يحتاج إلى الفصل فيما ~~يتعلق بجانب العبد وهو أن تقرر عليهم أعمالهم التي عملوها حتى يعترفوا . # والقسم الثاني : ما يكون بين العباد بعضهم مع بعض ، فإن هذا يدعى على ذاك ~~أنه ظلمني وذاك يدعى على هذا أنه قتلني فههنا لا بد فيه من الفصل وقوله : { ~~جمعناكم والاولين } كلام موضح لقوله : { هاذا يوم الفصل } لأنه لما كان هذا ~~اليوم يوم فصل حكومات جميع المكلفين فلا بد من إحضار جميع المكلفين لا سيما ~~عند من لا يجوز القضاء على الغائب ، ثم قال : { فإن كان لكم كيد فكيدون } ~~يشير به إلى أنهم كانوا يدفعون الحقوق عن أنفسهم بضروب الحيل والكيد فكأنه ms9401 ~~قال : فههنا إن أمكنكم أن تفعلوا مثل تلك الأفعال المنكرة من الكيد والمكر ~~والخداع والتلبيس فافعلوا ، وهذا كقوله تعالى : { فأتوا بسورة من مثله } ثم ~~إنهم يعلمون أن الحيل منقطعة والتلبيسات غير ممكنة ، فخطاب الله تعالى لهم ~~في هذه الحالة بقوله : { فإن كان لكم كيد فكيدون } نهاية في التخجيل ~~والتقريع ، وهذا من جنس العذاب الروحاني ، فلهذا قال عقيبة : { ويل يومئذ ~~للمكذبين } . # ! 7 < { إن المتقين فى ظلال وعيون * وفواكه مما يشتهون * كلوا واشربوا ~~هنيئا بما كنتم تعملون * إنا كذلك نجزى المحسنين * ويل يومئذ للمكذبين } . ~~> 7 ! # / < < # | المرسلات : ( 41 ) إن المتقين في . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع الثامن : من أنواع تهديد الكفار وتعذيبهم ، ~~وذلك لأن الخصومة الشديدة والنفرة العظيمة كانت في الدنيا قائمة بين الكفار ~~والمؤمنين ، فصارت تلك النفرة بحيث أن الموت كان أسهل على الكافر من أن يرى ~~للمؤمن دولة وقوة ، فلما بين الله تعالى في هذه السورة اجتماع أنواع العذاب ~~والخزي والنكال على الكفار ، بين في هذه الآية اجتماع أنواع السعادة ~~والكرامة في حق المؤمن ، حتى أن الكافر حال ما يرى نفسه في غاية الذل ~~والهوان والخزي والخسران ، ويرى خصمه في نهاية العز والكرامة والرفعة ~~والمنقبة ، تتضاعف حسرته وتتزايد غمومه وهمومه ، وهذا أيضا من جنس العذاب ~~الروحاني ، فلهذا قال في هذه الآية : { ويل يومئذ للمكذبين } وفي الآية ~~مسائل : # المسألة الأولى : قال مقاتل والكلبي : المراد من قوله : { إن المتقين } ~~الذين يتقون الشرك بالله ، وأقول هذا القول عندي هو الصحيح الذي لا معدل ~~عنه ، ويدل عليه وجوه أحدها : أن المتقي عن الشرك يصدق عليه أنه متق ، لأن ~~المتقي عن الشرك ماهية مركبة من قيدين أحدهما : أنه متق والثاني : خصوص ~~كونه عن الشرك ، ومتى وجد المركب ، فقد وجد كل واحد من مفرداته لا محالة ، ~~فثبت أن كل من صدق عليه أنه متق عن الشرك ، فقد صدق عليه أنه متق أقصى ما ~~في الباب ، أن يقال : هذه الآية على هذا التقدير تتناول كل من كان متقيا ~~لأي شيء كان ، إلا أنا نقول كونه كذلك لا يقدح ms9402 فيما قلناه ، لأنه خص كل من ~~لم يكن متقيا عن جميع أنواع الكفر فيبقى فيما عداه حجة لأن العالم الذي دخل ~~التخصيص يبقى حجة فيما عداه وثانيها : أن PageV30P247 هذه السورة من أولها ~~إلى آخرها مرتبة في تقريع الكفار على كفرهم وتخويفهم عليه ، فهذه الآية يجب ~~أن تكون مذكورة لهذا الغرض ، وإلا لتفككت السورة في نظمها وترتيبها ، ~~والنظم إنما يبقى لو كان هذا الوعد حاصلا للمؤمنين بسبب إيمانهم ، لأنه لما ~~تقدم وعيد الكافر بسبب كفره ، وجب أن يقرن ذلك بوعد المؤمن بسبب إيمانه حتى ~~يصير ذلك سببا في الزجر عن الكفر ، فأما أن يقرن به وعد المؤمن بسبب طاعته ~~، فذلك غير لائق بهذا النظم والترتيب ، فثبت بما ذكرنا أن المراد من قوله : ~~{ إن المتقين } كل من كان متقيا عن الشرك والكفر وثالثها : أن حمل اللفظ ~~على المسمى الكامل أولى ، وأكمل أنواع التقوى هو التقوى عن الكفر والشرك ، ~~فكان حمل اللفظ عليه أولى . # المسألة الثانية : أنه تعالى لما بعث الكفار إلى ظل ذي ثلاث شعب أعد في ~~مقابلته للمؤمنين ثلاثة أنواع من النعمة أولها : قوله : { إن المتقين فى ~~ظلال وعيون } كأنه قيل : ظلالهم ما كانت ظليلة ، وما كانت مغنية عن اللهب ~~والعطش أما المتقون فظلالهم ظليلة ، وفيها عيون عذبة مغنية لهم عن العطش ~~وحاجزة بينهم وبين اللهب ومعهم الفواكه التي يشتهونها ويتمنونها ، ولما قال ~~للكفار : { انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب } قال للمتقين : { كلوا واشربوا ~~هنيئا } فإما أن يكون ذلك الإذن من جهة الله تعالى لا بواسطة ، وما أعظمها ~~، أو من جهة الملائكة على وجه الإكرام ، ومعنى { هنيئا } أي خالص اللذة لا ~~يشوبه سقم ولا تنغيص . # / المسألة الثالثة : اختلف العلماء في أن قوله : { كلوا واشربوا } أمر أو ~~إذن قال أبو هاشم : هو أمر ، وأراد الله منهم الأكل والشرب / لأن سرورهم ~~يعظم بذلك ، وإذا علموا أن الله أراده منهم جزاء على عملهم فكما يزيد ~~إجلالهم وإعظامهم بذلك ، فكذلك يريد نفس الأكل والشرب معهم ، وقال أبو علي ~~: ذلك ليس بأمر ، وإنما يريد بقوله : على ms9403 وجه الإكرام ، لأن الأمر والنهي ~~إنما يحصلان في زمان التكليف ، وليس هذا صفة الآخرة . # المسألة الرابعة : تمسك من قال العمل يوجب الثواب بالباء في قوله : { بما ~~كنتم تعملون } وهذا ضعيف لأن الباء للإضافة ، ولما جعل الله تعالى ذلك ~~العمل علامة لهذا الثواب كان الإتيان بذلك العمل كالآلة الموصلة إلى تحصيل ~~ذلك الثواب ، وقوله : { إنا كذلك نجزى المحسنين } المقصود منه أن يذكر ~~الكفار ما فاتهم من النعم العظيمة ، ليعلموا أنهم لو كانوا من المتقين ~~المحسنين لفازوا بمثل تلك الخيرات ، وإذا لم يفعلوا ذلك لا جرم وقعوا فيما ~~وقعوا فيه . # ! 7 < { كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون * ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 46 ) كلوا وتمتعوا قليلا . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع التاسع : من أنواع تخويف الكفار ، كأنه تعالى ~~يقول للكافر حال كونه في الدنيا إنك إنما عرضت نفسك لهذه الآفات التي ~~وصفناها ولهذه المحن التي شرحناها لأجل حبك للدنيا ورغبتك في طيباتها ~~وشهواتها إلا أن هذه الطيبات قليلة بالنسبة إلى تلك الآفات العظيمة ~~والمشتغل بتحصيلها يجري مجرى لقمة واحدة من الحلواء ، وفيها السم المهلك ~~فإنه يقال لمن يريد أكلها ولا يتركها بسبب نصيحة PageV30P248 الناصحين ~~وتذكير المذكرين : كل هذا وويل لك منه بعد هذا فإنك من الهالكين بسببه ، ~~وهذا وإن كان في اللفظ أمرا إلا أنه في المعنى نهي بليغ وزجر عظيم ومنع في ~~غاية المبالغة . # ثم قال تعالى : # ! 7 < { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون * ويل يومئذ للمكذبين } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 48 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > اعلم أن هذا هو النوع العاشر : من أنواع تخويف الكفار كأنه قيل لهم : ~~هب أنكم تحبون الدنيا ولذاتها ولكن لا تعرضوا بالكلية عن خدمة خالقكم بل ~~تواضعوا له فإنكم إن آمنتم ثم ضممتم إليه طلب اللذات وأنواع المعاصي حصل ~~لكم رجاء الخلاص عن عذاب جهنم والفوز بالثواب ، كما قال : { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ثم إن هؤلاء الكفار لا يفعلوا ~~ذلك ولا ينقادون لطاعته ، ويبقون مصرين على جهلهم وكفرهم وتعريضهم أنفسهم ms9404 ~~للعقاب العظيم ، فلهذا قال : { ويل يومئذ للمكذبين } أي الويل لمن يكذب ~~هؤلاء الأنبياء الذين يرشدونهم إلى هذه المصالح الجامعة بين خيرات الدنيا ~~والآخرة ، وههنا مسائل : # / المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما قوله : { وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون } المراد به الصلاة ، وهذا ظاهر لأن الركوع من أركانها ، ~~فبين تعالى أن هؤلاء الكفار من صفتهم أنهم إذا دعوا إلى الصلاة لا يصلون ، ~~وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ، وأنهم حال كفرهم كما ~~يستحقون الذم والعقاب بترك الإيمان ، فكذلك يستحقون الذم والعقاب بترك ~~الصلاة لأن الله تعالى ذمهم حال كفرهم على ترك الصلاة ، وقال قوم آخرون : ~~المراد بالركوع الخضوع والخشوع لله تعالى ، وأن لا يعبد سواه . # المسألة الثانية : القائلون بأن الأمر للوجوب استدلوا بهذه الآية ، لأنه ~~تعالى ذمهم بمجرد ترك المأمور به ، وهذا يدل على أن مجرد الأمر للوجوب ، ~~فإن قيل : إنهم كفار فلكفرهم ذمهم ؟ قلنا : إنه تعالى ذمهم على كفرهم من ~~وجوه كثيرة ، إلا أنه تعالى إنما ذمهم في هذه الآية لأنهم تركوا المأمور به ~~، فعلمنا أن ترك المأمور به غير جائز . # ! 7 < { فبأى حديث بعده يؤمنون } . > 7 ! # < < # | المرسلات : ( 50 ) فبأي حديث بعده . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه السورة إلى آخرها ~~بالوجوه العشرة التي شرحناها ، وحث على التمسك بالنظر والاستدلال والانقياد ~~للدين الحق ختم السورة بالتعجب من الكفار ، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه ~~الدلائل اللطيفة مع تجليها ووضوحها { فبأي حديث بعده يؤمنون } قال القاضي : ~~هذه الآية تدل على أن القرآن محدث لأنه تعالى وصفه بأنه حديث ، والحديث ضد ~~القديم والضدان لا يجتمعان ، فإذا كان حديثا وجب أن لا يكون قديما ، وأجاب ~~الأصحاب أن المراد منه هذه الألفاظ ولا نزاغ في أنها محدثة ، والله تعالى ~~أعلم . والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله ~~أجمعين . # PageV30P249 < # > 1 ( سورة النبأ ) 1 < # > # أربعون آية مكية # ! 7 < { عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم * الذى هم فيه مختلفون } . > 7 ! # < < # | النبأ : ( 1 ) عم يتساءلون # > > فيه ms9405 مسائل : # المسألة الأولى : { عم } : أصله حرف جر دخل ما الاستفهامية ، قال حسان ~~رحمه الله تعالى : # % على ما قام يشتمني لئيم % % كخنزير تمرغ في رماد % # والاستعمال الكثير على الحذف والأصل قليل ، ذكروا في سبب الحذف وجوها ~~أحدها : قال الزجاج لأن الميم تشرك الغنة في الألف فصارا كالحرفين ~~المتماثلين وثانيها : قال الجرجاني إنهم إذا وصفوا ما في استفهام حذفوا ~~ألفها تفرقة بينها وبين أن تكون اسما كقولهم : فيم وبم ولم وعلام وحتام ~~وثالثها : قالوا حذفت الألف لاتصال ما بحرف الجر حتى صارت كجزء منه لتنبىء ~~عن شدة الاتصال ورابعها : السبب في هذا الحذف التخفيف في الكلام فإنه لفظ ~~كثير التداول على اللسان . # المسألة الثانية : قوله { عم يتساءلون } أنه سؤال ، وقوله { عن النبإ ~~العظيم } جواب السائل والمجيب هو الله تعالى ، وذلك يدل على علمه بالغيب ، ~~بل بجميع المعلومات . فإن قيل ما الفائدة في أن يذكر الجواب معه ؟ قلنا لأن ~~إيراد الكلام في معرض السؤال والجواب أقرب إلى التفهيم والإيضاح ونظيره { ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } ( غافر : 16 ) . # المسألة الثالثة : قرأ عكرمة وعيسى بن عمر ( عما ) وهو الأصل ، وعن ابن ~~كثير أنه قرأ عمه بهاء السكت ، ولا يخلو إما أن يجري الوصل مجرى الوقف ، ~~وإما أن يقف ويبتدىء ب { يتساءلون * عن النبإ العظيم } على أن يضمر ~~يتساءلون لأن ما بعده يفسره كشيء مبهم ثم يفسره . PageV31P003 # المسألة الرابعة : ( ما ) لفظة وضعت لطلب ماهيات الأشياء وحقائقها ، تقول ~~ما الملك ؟ وما الروح ؟ وما الجن ؟ والمراد طلب ماهياتها وشرح حقائقها ، ~~وذلك يقتضي كون ذلك المطلوب مجهولا . ثم إن الشيء العظيم الذي يكون لعظمه ~~وتفاقم مرتبته ويعجز العقل عن أن يحيط بكنهه يبقى مجهولا ، فحصل بين الشيء ~~المطلوب بلفظ ما وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه والمشابهة إحدى ~~أسباب المجاز ، فبهذا الطريق جعل { ما } دليلا على عظمة حال ذلك المطلوب ~~وعلو رتبته / ومنه قوله تعالى { وما أدراك ما سجين } ( المطففين : 8 ) ، { ~~وما أدراك ما العقبة } ( البلد : 12 ) وتقوو زيد وما زيد . # المسألة الخامسة : التساؤل هو أن يسأل ms9406 بعضهم بعضا كالتقابل ، وقد يستعمل ~~أيضا في أن يتحدثوا به ، وإن لم يكن من بعضهم لبعض سؤال ، قال تعالى : { ~~وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ( الطور : 25 ) { قال قائل منهم إنى كان لى ~~قرين * يقول * أءنك لمن المصدقين } ( الصافات : 52 , 51 ) فهذا يدل على ~~معنى التحدث فيكون معنى الكلام عم يتحدثون ، وهذا قول الفراء . # المسألة السادسة : أولئك الذين كانوا يتساءلون من هم ، فيه احتمالات : ~~الاحتمال الأول : أنهم هم الكفار ، والدليل عليه قوله تعالى : { كلا ~~سيعلمون * ثم كلا سيعلمون } ( النبأ : 5 , 4 ) الضمير في يتساءلون ، وهم ~~فيه مختلفون وسيعلمون ، راجع إلى شيء واحد وقوله : { كلا سيعلمون } تهديد ~~والتهديد لا يليق إلا بالكفار ، فثبت أن الضمير في قوله : { يتساءلون } ~~عائد إلى الكفار ، فإن قيل فما تصنع بقوله : { هم فيه مختلفون } مع أن ~~الكفار كانوا متفقين في إنكار الحشر ؟ قلنا لا نسلم أنهم كانوا متفقين في ~~إنكار الحشر ، وذلك لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني ، وهم جمهور ~~النصارى / وأما المعاد الجسماني فمنهم من كان شاكا فيه كقوله : { وما أظن ~~الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى } ( فصلت : 50 ) ومنهم ~~من أصر على الإنكار ، ويقول : { إن هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~نحن بمبعوثين } ( المؤمنون : 37 ) ومنهم من كان مقرا به ، لكنه كان منكرا ~~لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد حصل اختلافهم فيه ، وأيضا هب أنهم ~~كانوا منكرين له لكن لعلهم اختلفوا في كيفية إنكاره ، فمنهم من كان ينكره ~~لأنه كان ينكر الصانع المختار ، ومنهم من كان ينكره لاعتقاده أن إعادة ~~المعدوم ممتنعة لذاتها والقادر المختار إنما يكون قادرا على ما يكون ممكنا ~~في نفسه ، وهذا هو المراد بقوله : { هم فيه مختلفون } . # والاحتمال الثاني : أن الذين كانوا يتساءلون هم الكفار والمؤمنون ، ~~وكانوا جميعا يتساءلون عنه ، أما المسلم فليزداد بصيرة ويقينا في دينه ، ~~وأما الكافر فعلى سبيل السخرية ، أو على سبيل إيراد الشكوك والشبهات . # والاحتمال الثالث : أنهم كانوا يسألون الرسول ، ويقولون ما هذا الذي ~~تعدنا به من أمر الآخرة . # أما ms9407 قوله تعالى : { عن النبإ العظيم } ففيه مسائل . # المسألة الأولى : ذكر المفسرون في تفسير النبأ العظيم ثلاثة أوجه : أحدها ~~: أنه هو القيامة وهذا هو الأقرب ويدل عليه وجوه أحدها : قوله : { سيعلمون ~~} والظاهر أن المراد منه أنهم سيعلمون هذا الذي يتساءلون عنه حين لا تنفعهم ~~تلك المعرفة ، ومعلوم أن ذلك هو القيامة وثانيها : أنه تعالى بين كونه ~~قادرا على جميع الممكنات بقوله : { ألم نجعل الارض مهادا } إلى قوله : { ~~يوم ينفخ فى الصور } ( طه : 102 ) PageV31P004 وذلك يقتضي أنه تعالى إنما ~~قدم هذه المقدمة لبيان كونه تعالى قادرا / على إقامة القيامة ، ولما كان ~~الذي أثبته الله تعالى بالدليل العقلي في هذه السورة هو هذه المسألة ثبت أن ~~النبأ العظيم الذي كانوا يتساءلون عنه هو يوم القيامة وثالثها : أن العظيم ~~اسم لهذا اليوم بدليل قوله : { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * ~~يوم يقوم الناس لرب العالمين } ( المطففين : 6 , 4 ) وقوله : { قل هو نبأ ~~عظيم * أنتم عنه معرضون } ( ص : 68 , 67 ) ولأن هذا اليوم أعظم الأشياء لأن ~~ذلك منتهى فزع الخلق وخوفهم منه فكان تخصيص اسم العظيم به لائقا والقول ~~الثاني : { إنه لقرءان } ( الواقعة : 77 ) واحتج القائلون بهذا الوجه ~~بأمرين الأول : أن النبأ العظيم هو الذي كانوا يختلفون فيه وذلك هو القرآن ~~لأن بعضهم جعله سحرا وبعضهم شعرا ، وبعضهم قال إنه أساطير الأولين ، فأما ~~البعث ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم فقد كانوا متفقين على إنكارهما وهذا ~~ضعيف ، لأنا بينا أن الاختلاف كان حاصلا في البعث الثاني : أن النبأ اسم ~~الخبر لا اسم المخبر عنه فتفسير النبأ بالقرآن أولى من تفسيره بالبعث أو ~~النبوة ، لأن ذلك في نفسه ليس بنبأ بل منبأ عنه ، ويقوى ذلك أن القرآن سمي ~~ذكرا وتذكرة وذكرى وهداية وحديثا ، فكان اسم النبأ به أليق منه بالبعث ~~والنبوة والجواب : عنه أنه إذا كان اسم النبأ أليق بهذه الألفاظ فاسم ~~العظيم أليق بالقيامة وبالنبوة لأنه لا عظمة في الألفاظ إنما العظمة في ~~المعاني ، وللأولين أن يقولوا إنها عظيمة أيضا في الفصاحة والاحتواء على ms9408 ~~العلوم الكثيرة ، ويمكن أن يجاب أن العظيم حقيقة في الأجسام مجاز في غيرها ~~وإذا ثبت التعارض بقي ما ذكرنا من الدلائل سليما القول الثالث : أن النبأ ~~العظيم هو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، قالوا وذلك لأنه لما بعث الرسول ~~عليه الصلاة والسلام جعلوا يتساءلون بينهم ماذا الذي حدث ؟ فأنزل الله ~~تعالى : { عما * يتساءلون } وذلك لأنهم عجبوا من إرسال الله محمدا عليه ~~الصلاة والسلام إليهم كما قال تعالى : { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال ~~الكافرون هاذا شىء عجيب } ( ق : 2 ) وعجبوا أيضا أن جاءهم بالتوحيد كما قال ~~: { أجعل الالهة إلاها واحدا إن هاذا لشىء عجاب } ( ص : 5 ) فحكى الله ~~تعالى عنهم مساءلة بعضهم بعضا على سبيل التعجب بقوله : { عم يتساءلون } . # المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه أحدها : وهو ~~قول البصريين أن قوله : { عم يتساءلون } كلام تام ، ثم قال : { عن النبإ ~~العظيم } والتقدير : { يتساءلون * عن النبإ العظيم } إلا أنه حذف يتساءلون ~~في الآية الثانية ، لأن حصوله في الآية الأولى يدل عليه وثانيها : أن يكون ~~قوله : { عن النبإ العظيم } استفهاما متصلا بما قبله ، والتقدير : عم ~~يتساءلون أعن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ، إلا أنه اقتصر على ما ~~قبله من الاستفهام إذ هو متصل به ، وكالترجمة والبيان له كما قرىء في قوله ~~: { أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون } ( الصافات : 16 ) بكسر ~~الألف من غير استفهام لأن إنكارهم إنما كان للبعث ، ولكنه لما ظهر ~~الاستفهام في أول الكلام اقتصر عليه ، فكذا ههنا وثالثها : وهو اختيار ~~الكوفيين أن الآية الثانية متصلة بالأولى على تقدير ، لأي شيء يتساءلون عن ~~النبأ العظيم ، وعم كأنها في المعنى لأي شيء ، وهذا قول الفراء . # ! 7 < { كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون } . > 7 ! # < < # | النبأ : ( 4 ) كلا سيعلمون # > > قال القفال : كلا لفظة وضعت لرد شيء قد تقدم ، هذا هو الأظهر منها في ~~الكلام ، والمعنى ليس الأمر كما يقوله هؤلاء في النبأ العظيم إنه باطل أو ~~إنه لا يكون ، PageV31P005 وقال قائلون كلا معناه حقا ، ثم إنه تعالى ms9409 قرر ~~ذلك الردع والتهديد ، فقال : { كلا سيعلمون } وهو وعيد لهم بأنهم سوف ~~يعلمون أن ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق لا دافع له ، واقع لا ريب فيه ، ~~وأما تكرير الردع ، ففيه وجهان الأول : أن الغرض من التكرير التأكيد ~~والتشديد ، ومعنى ثم الإشعار بأن الوعيد الثاني أبلغ من الوعيد الأول وأشد ~~والثاني : أن ذلك ليس بتكرير ، ثم ذكروا وجوها أحدها : قال الضحاك الآية ~~الأولى للكفار والثانية للمؤمنين أي سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم وسيعلم ~~المؤمنون عاقبة تصديقهم وثانيها : قال القاضي : ويحتمل أن يريد بالأول ~~سيعلمون نفس الحشر والمحاسبة ، ويريد بالثاني سيعلمون نفس العذاب إذا ~~شاهدوه وثالثها : { كلا سيعلمون } ما الله فاعل بهم يوم القيامة { ثم كلا ~~سيعلمون } أن الأمر ليس كما كانوا يتوهمون من أن الله غير باعث لهم ورابعها ~~: { كلا سيعلمون } ما يصل إليهم من العذاب في الدنيا وكما جرى على كفار ~~قريش يوم بدر { ثم كلا سيعلمون } بما ينالهم في الآخرة . # المسألة الثالثة : جمهور القراء قرأوا بالياء المنقطة من تحت في ( سيعلمن ~~) وروي بالتاء المنقطة من فوق عن ابن عامر . قال الواحدي : والأول أولى ، ~~لأن ما تقدم من قوله : { هم فيه مختلفون } ( النبأ : 3 ) على لفظ الغيبة ، ~~والتاء على قل لهم : ستعلمون ، وأقول : يمكن أن يكون ذلك على سبيل الالتفات ~~، وهو ههنا متمكن حسن ، كمن يقول : إن عبدي يقول كذا وكذا ، ثم يقول لعبده ~~: إنك ستعرف وبال هذا الكلام . # ! 7 < { ألم نجعل الا رض مهادا } . > 7 ! # < < # | النبأ : ( 6 ) ألم نجعل الأرض . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم إنكار البعث والحشر ، وأراد إقامة ~~الدلالة على صحة الحشر قدم لذلك مقدمة في بيان كونه تعالى قادرا على جميع ~~الممكنات عالما بجميع المعلومات ، وذلك لأنه مهما ثبت هذان الأصلان ثبت ~~القول بصحة البعث ، وإنما أثبت هذين الأصلين بأن عدد أنواعا من مخلوقاته ~~الواقعة على وجه الإحكام والإتقان ، فإن تلك الأشياء من جهة حدوثها تدل على ~~القدرة ، ومن جهة إحكامها وإتقانها تدل على العلم ، ومتى ثبت هذان الأصلان ~~وثبت أن الأجسام متساوية في قبول ms9410 الصفات والأعراض ، ثبت لا محالة كونه ~~تعالى قادرا على تخريب الدنيا بسمواتها وكواكبها وأرضها ، وعلى إيجاد عالم ~~الآخرة ، فهذا هو الإشارة إلى كيفية النظم . # واعلم أنه تعالى ذكر ههنا من عجائب مخلوقاته أمورا فأولها : قوله : { ألم ~~نجعل الارض مهادا } والمهاد مصدر ، ثم ههنا احتمالات أحدها : المراد منه ~~ههنا الممهود ، أي ألم نجعل الأرض ممهودة / وهذا من باب تسمية المفعول ~~بالمصدر ، كقولك هذا ضرب الأمير وثانيها : أن تكون الأرض وصفت بهذا المصدر ~~، كما تقول : زيد جود وكرم وفضل ، كأنه لكماله في تلك الصفة صارعين تلك ~~الصفة وثالثها : أن تكون بمعنى ذات مهاد ، وقرىء مهدا ، ومعناه أن الأرض ~~للخلق كالمهد للصبي ، وهو الذي مهد له فينوم عليه . # واعلم أنا ذكرنا في تفسير سورة البقرة عند قوله : { جعل لكم الارض فراشا ~~} ( البقرة : 22 ) كل ما يتعلق من الحقائق بهذه الآية . # ! 7 < { والجبال أوتادا } . > 7 ! # وثانيها : قوله تعالى : { والجبال أوتادا } < < # | النبأ : ( 7 ) والجبال أوتادا # > > أي للأرض ( كي ) لا تميد بأهلها ، فيكمل كون الأرض مهادا PageV31P006 ~~بسبب ذلك قد تقدم أيضا . # ! 7 < { وخلقناكم أزواجا } . > 7 ! # وثالثها : قوله تعالى : { وخلقناكم أزواجا } < < # | النبأ : ( 8 ) وخلقناكم أزواجا # > > وفيه قولان : الأول : المراد الذكر والأنثى كما قال : { وأنه خلق ~~الزوجين الذكر والانثى } ( النجم : 45 ) ، والثاني : أن المراد منه كل ~~زوجين و ( كل ) متقابلين من القبيح والحسن والطويل والقصير وجميع ~~المتقابلات والأضداد ، كما قال : { ومن كل شىء خلقنا زوجين } ( الذاريات : ~~49 ) وهذا دليل ظاهر على كمال القدرة ونهاية الحكمة حتى يصح الابتلاء ~~والامتحان ، فيتعبد الفاضل بالشكر والمفضول بالصبر ويتعرف حقيقة كل شيء ~~بضده ، فالإنسان إنما يعرف قدر الشباب عند الشيب ، وإنما يعرف قدر الأمن ~~عند الخوف ، فيكون ذلك أبلغ في تعريف النعم . # ! 7 < { وجعلنا نومكم سباتا } . > 7 ! # < < # | النبأ : ( 9 ) وجعلنا نومكم سباتا # > > ورابعها : قوله تعالى : { وجعلنا نومكم سباتا } طعن بعض الملاحدة في ~~هذه الآية فقالوا : السبات هو النوم ، والمعنى : وجعلنا نومكم نوما ، واعلم ~~أن العلماء ذكروا في التأويل وجوها أولها : قال الزجاج : { سباتا } موتا ~~والمسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع ms9411 عن الحركة ودليله أمران ~~أحداهما : قوله تعالى : { وهو الذى يتوفاكم باليل } ( الأنعام : 60 ) إلى ~~قوله : { ثم يبعثكم } ( الأنعام : 60 ) والثاني : أنه لما جعل النوم موتا ~~جعل اليقظة معاشا ، أي حياة في قوله : { وجعلنا النهار معاشا } ( النبأ : ~~11 ) وهذا القول عندي ضعيف لأن الأشياء المذكورة في هذه الآية جلائل النعم ~~، فلا يليق الموت بهذا المكان وأيضا ليس المراد بكونه موتا ، أن الروح ~~انقطع عن البدن ، بل المراد منه انقطاع أثر الحواس الظاهرة ، وهذا هو النوم ~~، ويصير حاصل الكلام إلى : إنا جعلنا نومكم نوما وثانيها : قال الليث : ~~السبات النوم شبه الغشي يقال سبت المريض فهو مسبوت ، وقال أبو عبيدة : ~~السبات الغشية التي تغشى الإنسان شبه الموت ، وهذا القول أيضا ضعيف ، لأن ~~الغشي ههنا إن كان النوم فيعود الإشكال ، وإن كان المراد بالسبات شدة ذلك ~~الغشي فهو باطل ، لأنه ليس كل نوم كذلك ولأنه مرض فلا يمكن ذكره في أثناء ~~تعديد النعم وثالثها : أن السبت في أصل اللغة هو القطع يقال سبت الرجل رأسه ~~يسبته سبتا إذا حلق شعره ، وقال ابن الأعرابي في قوله : { سباتا } أي قطعا ~~/ ثم عند هذا يحتمل وجوها الأول : أن يكون المعنى : وجعلنا نومكم نوما ~~متقطعا لا دائما ، فإن النوم بمقدار الحاجة من أنفع الأشياء . أما دوامه ~~فمن أضر الأشياء ، فلما كان انقطاعه نعمة عظيمة لا جرم ذكره الله تعالى في ~~معرض الإنعام الثاني : أن الإنسان إذا تعب ثم نام ، فذلك النوم يزيل عنه ~~ذلك التعب ، فسميت تلك الإزالة سبتا وقطعا ، وهذا هو المراد من قول ابن ~~قتيبة : { وجعلنا نومكم سباتا } أي راحة ، وليس غرضه منه أن السبات اسم ~~للراحة ، بل المقصود أن النوم يقطع التعب ويزيله ، فحينئذ تحصل الراحة ~~الثالث : قال المبرد : { وجعلنا نومكم سباتا } أي جعلناه نوما خفيفا يمكنكم ~~دفعه وقطعه ، تقول العرب : رجل مسبوت إذا كان النوم يغالبه وهو يدافعه ، ~~كأنه قيل : وجعلنا نومكن نوما لطيفا يمكنكم دفعه ، وما جعلناه غشيا مستوليا ~~عليكم ، فإن ذلك من الأمراض الشديدة ، وهذه الوجوه كلها صحيحة . # ! 7 < { وجعلنا اليل لباسا ms9412 } . > 7 ! # وخامسها : قوله تعالى : { وجعلنا اليل لباسا } < < # | النبأ : ( 10 ) وجعلنا الليل لباسا # > > قال القفال : أصل اللباس هو الشيء الذي يلبسه الإنسان ويتغطى به ، ~~فيكون ذلك مغطيا له ، فلما كان الليل يغشى الناس بظلمته فيغطيهم جعل لباسا ~~لهم ، PageV31P007 وهذا السبت سمي الليل لباسا على وجه المجاز ، والمراد ~~كون الليل ساترا لهم . وأما وجه النعمة في ذلك ، فهو أن ظلامة الليل تستر ~~الإنسان عن العيون إذا أراد هربا من عدو ، أو بياتا له ، أو إخفاء مالا يحب ~~الإنسان إطلاع غيره عليه ، قال المتنبي : # % وكم لظلام الليل عندي من يد % % تخبر أن المانوية تكذب % # وأيضا فكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جماله وتتكامل قوته ويندفع عنه ~~أذى الحر والبرد ، فكذا لباس الليل بسبب ما يحصل فيه من النوم يزيد في جمال ~~الإنسان ، وفي طراوة أعضائه وفي تكامل قواه الحسية والحركية ، ويندفع عنه ~~أذى التعب الجسماني ، وأذى الأفكار الموحشة النفسانية ، فإن المريض إذا نام ~~بالليل وجد الخفة العظيمة . # ! 7 < { وجعلنا النهار معاشا } . > 7 ! # وسادسها : قوله تعالى : { وجعلنا النهار معاشا } < < # | النبأ : ( 11 ) وجعلنا النهار معاشا # > > في المعاش وجهان أحدهما : أنه مصدر يقال : عاش يعيش عيشا ومعاشا ~~ومعيشة وعيشة ، وعلى هذا التقدير فلا بد فيه من إضمار ، والمعنى وجعلنا ~~النهار وقت معاش والثاني : أن يكون معاشا مفعلا وظرفا للتعيش ، وعلى هذا لا ~~حاجة إلى الإضمار ، ومعنى كون النهار معاشا أن الخلق إنما يمكنهم التقلب في ~~حوائجهم ومكاسبهم في النهار لا في الليل . # ! 7 < { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } . > 7 ! # وسابعها : قوله تعالى : { وبنينا فوقكم سبعا شدادا } < < # | النبأ : ( 12 ) وبنينا فوقكم سبعا . . . . . # > > أي سبع سموات شدادا جمع شديدة / يعني محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها ~~مرور الزمان ، لا فطور فيها ولا فروج ، ونظيره { وجعلنا السماء سقفا محفوظا ~~} ( الأنبياء : 32 ) فإن قيل لفظ البناء يستعمل في أسافل البيت والسقف في ~~أعلاه فكيف قال : { وبنينا فوقكم سبعا } ؟ قلنا البناء يكون أبعد من الآفة ~~والانحلال من السقف ، فذكر قوله : { وبنينا } إشارة إلى أنه وإن كان سقفا ~~لكنه في البعد عن الانحلال ms9413 كالبناء ، فالغرض من اختيار هذا اللفظ هذه ~~الدقيقة . [ # ! 7 < { وجعلنا سراجا وهاجا * وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا * لنخرج به ~~حبا ونباتا * وجنات ألفافا * إن يوم الفصل كان ميقاتا * يوم ينفخ فى الصور ~~فتأتون أفواجا * وفتحت السمآء فكانت أبوابا * وسيرت الجبال فكانت سرابا * ~~إن جهنم كانت مرصادا * للطاغين مأابا * لابثين فيهآ أحقابا * لا يذوقون ~~فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا * جزآء وفاقا } . > 7 ! # < < # | النبأ : ( 13 ) وجعلنا سراجا وهاجا # > > وثامنها : قوله تعالى : { وجعلنا سراجا وهاجا } كلام أهل اللغة مضطرب ~~في تفسير الوهاج ، فمنهم من قال الوهج مجمع النور والحرارة ، فبين الله ~~تعالى أن الشمس بالغة إلى أقصى الغايات في هذين الوصفين ، وهو المراد ~~بكونها وهاجا ، وروى الكلبي عن ابن عباس أن الوهاج مبالغة في النور فقط ، ~~يقال للجوهر إذا تلألأ توهج ، وهذا يدل على أن الوهاج يفيد الكمال في النور ~~، ومنه قول الشاعر يصف النور : # نوارها متباهج يتوهج وفي كتاب الخليل : الوهج ، حر النار والشمس ، وهذا ~~يقتضي أن الوهاج هو البالغ في الحر واعلم أن أي هذه الوجود إذا ثبت ~~فالمقصود حاصل . # وتاسعها : قوله : { } وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا } أما المعصرات ~~ففيها قولان : الأول : وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ، وقول مجاهد ، ~~ومقاتل والكلبي وقتادة : إنها الرياح التي تثير السحاب ودليله قوله تعالى : ~~{ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا } [ الروم : 48 ] فإن قيل على هذا ~~التأويل كان ينبغي أن يقال وأنزلنا بالمعصرات ، قلنا : الجواب من وجهين . ~~الأول : أن المطر إنما ينزل من السحاب ، والسحاب إنما PageV31P008 يثيره ~~الرياح ، فصح أن يقال هذا المطر إنما حصل من تلك الرياح ، كما يقال هذا من ~~فلان ، أي من جهته وبسببه . والثاني : أن ' من ' ههنا بمعنى الباء ، ~~والتقدير : وأنزلنا بالمعصرات أي بالرياح المثيرة للسحاب . ويروى عن عبد ~~الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعكرمة أنهم قرأوا : ' وأنزلنا بالمعصرات ~~' وطعن الأزهري في هذا القول ، وقال الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر ~~، وقد وصف الله تعالى المعصرات بالماء الثجاج . وجوابه : إن الإعصار ليست ~~من رياح المطر ms9414 ، فلم لا يجوز أن تكون المعصرات من رياح المطر ؟ القول ~~الثاني : وهو الرواية الثانية عن ابن عباس واختيار أبي العالية والربيع ~~والضحاك أنها السحاب ، وذكروا في تسمية السحاب بالمعصرات وجوها . أحدها : ~~قال المؤرج : المعصرات السحائب بلغة قريش . وثانيها : قال المازني : يجوز ~~أن تكون المعصرات هي السحائب ذوات الأعاصير فغن السحائب إذا عصرتها ~~الأعاصير لا بد وأن ينزل المطر منها . وثالثها : أن المعصرات هي السحائب ~~التي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك أجز الزرع إذا حان له أن يجز ، ~~ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض ، وأما الثجاج فاعلم أن الثج شدة ~~الانصباب يقال مطر ثجاج ودم ثجاج أي شديد الانصباب . # واعلم أن الثج قد يكون لازما ، وهو بمعنى الانصباب كما ذكرنا ، وقد يكون ~~متعديا بمعنى الصب وفي الحديث < < أفضل الحج العج والثج > > أي رفع الصوت ~~بالتلبية وصب دماء الهدي ، وكان ابن عباس مثجا أي يثج الكلام ثجا في خطبته ~~وقد فسروا الثجاج في هذه الآية على الوجهين ، وقال الكلبي ومقاتل وقتادة ~~الثجاج ههنا المتدفق المنصب ، وقال الزجاج : معناه الصباب كأنه يثج نفسه أي ~~يصب . وبالجملة فالمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به . # قوله تعالى : { لنخرج به حبا ونباتا ، وجنات ألفافا } في الآية مسائل : # المسألة الأولى : كل شيء نبت من الأرض فإما أن لا يكون له ساق وإما أن ~~يكون ، فإن لم يكن له ساق فإما أن يكون له أكمام وهو الحب وإما أن لا يكون ~~له أكمام وهو الحشيش وهو المراد هنا بقوله : { نباتا } وإلى هذين القسمين ~~الإشارة بقوله تعالى : { كلوا وارعوا أنعامكم } [ طه : 54 ] وأما الذي له ~~ساق فهو الشجر فإذا اجتمع منها شيء كثير سميت جنة ، فثبت بالدليل العقلي ~~انحصار ما ينبت في الأرض في هذه الأقسام الثلاثة ، وإنما قدم الله تعالى ~~الحب لأنه هو الأصل في الغذاء ، وإنما ثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات ~~إليه ، وإنما أخر الجنات في الذكر لأن الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية . # المسألة الثانية : اختلفوا في ألفافا ، فذكر صاحب الكشاف أنه لا ms9415 واحد له ~~كالأوزاع والأخياف ، والأوزاع الجماعات المتفرقة والأخياف الجماعات ~~المختلطة ، وكثير من اللغويين أثبتوا له واحدا ، ثم اختلفوا فيه ، فقال ~~الأخفش والكسائي واحدها لف بالكسر ، وزاد الكسائي لف بالضم ، وأنكر المبرد ~~الضم ، وقال بل واحدها لفاء وجمعها لف ، وجمع لف ألفاف ، وقيل : يحتمل أن ~~يكون جمع لفيف كشريف وأشرف نقله القفال رحمه الله ، إذا عرفت هذا فنقول ~~قوله : { وجنات ألفافا } أي ملتفة ، والمعنى أن كل جنة فإن ما فيها من ~~الشجر تكون مجتمعة متقاربة ، ألا تراهم يقولون امرأة لفاء إذا كانت غليظة ~~الساق مجتمعة اللحم يبلغ من PageV31P009 تقاربه أن يتلاصق . # المسألة الثالثة : كان الكعبي من القائلين بالطبائع ، فاحتج بقوله تعالى ~~: { لنخرج به حبا ونباتا } وقال : إنه يدل على بطلان قول من قال : إن الله ~~تعالى لا يفعل شيئا بواسطة شيء آخر . # قوله تعالى : { إن يوم الفصل كان ميقاتا } # اعلم أن التسعة التي عددها الله تعالى نظرا إلى حدوثها في ذواتها وصفاتها ~~، ونظرا إلى إمكانها في ذواتها وصفاتها تدل على القادر المختار ، ونظرا إلى ~~ما فيها من الأحكام والإتقان تدل على أن فاعلها عالم ، ثم إن ذلك الفاعل ~~القديم يجب أن يكون علمه وقدرته واجبين ، إذ لو كانا جائزين لافتقر إلى ~~فاعل آخر ويلزم التسلسل وهو محال ، وإذا كان العلم والقدرة واجبين وجب أن ~~يكون قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات ، وقد ثبت الإمكان ~~وثبت عموم القدرة في الجسمية فكل ما صح على واحد منها صح على الآخر ، فكما ~~يصح على الأجسام السلفية الانشقاق والانفطار والظلمة وجب أن يصح ذلك على ~~الأجسام ، وإذا ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة والعلم ، ثبت أنه تعالى قادر ~~على تخريب الدنيا ، وقادر على إيجاد عالم آخر ، وعند ذلك ثبت أن القول ~~بقيام القيامة ممكن عقلا وإلى ههنا يمكن إثباته بالعقل ، فأما ما وراء ذلك ~~من وقت حدوثها وكيفية حدوثها فلا سبيل إليه إلا بالسمع ، ثم إنه تعالى تكلم ~~في هذه الأشياء بقوله : { إن يوم الفصل كان ميقاتا } ثم إنه تعالى ذكر بعض ~~أحوال القيامة . فأولها ms9416 : قوله : { إن يوم الفصل كان ميقاتا } والمعنى أن ~~هذا اليوم كان في تقدير الله وحكمه حدا تؤقت به الدنيا ، أو حدا للخلائق ~~ينتهون إليه ، أو كان ميقاتا لما وعد الله من الثواب والعقاب ، أو كان ~~ميقاتا لاجتماع كل الخلائق في فصل الحكومات وقطع الخصومات . # وثانيهاك قوله تعالى : { يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا } . # اعلم أن { يوم تنفخ } بدل من يوم الفصل ، أو عطف بيان ، وهذا النفخ هو ~~النفخة الأخيرة التي عندها يكون الحشر ، والنفخ في الصور فيه قولان . ~~أحدهما : أن الصور جمع الصورة ، فالنفخ في الصورة عبارة عن نفخ الأرواح في ~~الأجساد . والثاني : أن الصورة عبارة عن قرن ينفخ فيه . وتمام الكلام في ~~الصور وما قيل فيه قد تقدم في سورة الزمر ، وقوله : { فتأتون أفواجا } ~~معناه أنهم يأتون ذلك المقام فوجا فوجا حتى يتكامل اجتماعهم . قال عطاء : ~~كل نبي يأتي مع أمته ، ونظيره قوله تعالى : { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } ~~[ الإسراء : 71 ] وقيل جماعات مختلفة . وروى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، فقال عليه السلام : < < يا معاذ سألت ~~عن أمر عظيم من الأمور ، ثم أرسل عينيه وقال : يحشر عشرة أصناف من أمتي ~~بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكسون أرجلهم ~~فوق وجوههم يسحبون عليها ، وبعضهم عمي ، وبعضهم صم بكم ، وبعضهم يمضغون ~~ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع ، ~~وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلبون على PageV31P010 جذوع من نار ~~، وبعضهم أشد نتنا من الجيف ، وبعضهم ملبسون جبالا سابغة من قطران لازقة ~~بجلودهم . فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس ، وأما الذين على ~~صورة الخنازير فأهل السحت . وأما المنكسون على وجوههم فأكلة الربا ، وأما ~~العمي فالذين يجورون في الحكم ، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم ، ~~وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم أعمالهم ، ~~وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران ، وأما المصلبون ~~على جذوع من النار فالسعاة بالناس إلى السلطان ، وأما الذين هم ms9417 أشد نتنا من ~~الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله تعالى من أموالهم ، ~~وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء > > . # وثالثها : قوله تعالى : { وفتحت السماء فكانت أبوابا } . # قرأ عاصم وحمزة والكسائي فتحت خفيفة والباقون بالتثقيل والمعنى كثرت ~~أبوابها المنفتحة لنزول الملائكة قال القاضي : وهذا الفتح هو المعنى قوله : ~~{ إذا السماء انشقت } [ الانشقاق : 1 ] ، { وإذا السماء انفطرت } [ ~~الأنفطار : 1 ] إذ الفتح والتشقق والتفطر ، تتقارب ، وأقول : هذا ليس بقوي ~~لأن المفهوم من فتح الباب غير المفهوم من التشقق والتفطر ، فربما كانت ~~السماء أبوابا ، ثم تفتح تلك الأبواب مع أنه لا يحصل في جرم السماء تشقق ~~ولا تفطر ، بل الدلائل السمعية دلت على أن عند حصول فتح هذه الأبواب يحصل ~~التشقق والتفطر والفناء بالكلية ، فإن قيل قوله : { وفتحت السماء فكانت ~~أبوابا } يفيد أن السماء بكليتها تصير ابوابا ، فكيف يعقلق ذلك ؟ قلنا فيه ~~وجوه . أحدها : أن تلك الأبواب لما كثرت جدا صارت كأنها ليست إلا أبوابا ~~منفتحة كقوله : { وفجرنا الأرض عيونا } [ القمر : 12 ] أي كأن كلها صارت ~~عيونا تتفجر . وثانيها : قال الواحدي : هذا من باب تقدير حذف المضاف ، ~~والتقدير فكانت ذات أبواب . وثالثها : أن الضمير في قوله : { فكنت أبوابا } ~~عائد إلى مضمر والتقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبوابا لنزول الملائكة ~~، كما قال تعالى : { وجاء ربك والملك صفا صفا } [ الفجر : 22 ] . # ورابعها : قوله تعالى : { وسيرت الجبال فكانت سرابا } . # اعلم أن الله تعالى ذكر في مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه ~~مختلفة ، ويمكن الجمع بينها على الوجه الذي نقوله ، وهو أن أول أحوالها ~~الاندكاك وهو قوله : { وحملت الأرض والجبال فدكتاب دكة واحدة } [ الحاقة : ~~14 ] . # والحالة الثانية لها : أن تصير { كالعهن المنفوش } [ القارعة : 5 ] وذكر ~~الله تعالى ذلك في قوله : { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ، وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش } [ القارعة : 5 ] وقوله : { يوم تكون السماء كالمهل ، ~~وتكون الجبال كالعهن } [ المعارج : 9 ] . # الحالة الثالثة : أن تصير كالهباء وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت ~~كالعهن وهو قوله : { إذا رجت الأرض رجا ، وبست الجبال بسا ms9418 ، فكانت هباء ~~مبثا } [ لاواقعة : 4 ] . PageV31P011 # الحالة الرابعة : أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها ~~والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها بإرسال الرياح عليها وهو المراد من قوله ~~: { فقل ينسفها ربي نسفا } [ طه : 105 ] . # والحالة الخامسة : أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعا في ~~الهواء كأنها غبار فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساما جامدة وهي ~~في الحقيقة مارة إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها [ صيرها ] منكدة ~~متفتتة ، وهي قوله : { تمر مر السحاب } [ النمل : 88 ] ثم بين أن تلك ~~الحركة حصلت بقهره وتسخيره ، فقال : { ويوم نسير الجبال ، وترى الأرض بارزة ~~} [ الكهف : 47 ] . # الحالة السادسة : أن تصير سرابا ، بمعنى لا شيء ، فمن نظر إلى مواضعها لم ~~يجد فيها شيئا ، كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه ~~فيه لم يجده شيئا والله أعلم . # واعلم أن الأحوال المذكورة إلى ههنا هي : أحوال عامة ، ومن ههنا يصف ~~أهوال جهنم وأحوالها . # فأولها قوله تعالى : { إن جهنم كانت مرصادا } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ ابن يعمر : أن جهنم بفتح الهمزة على تعليل قيام ~~الساعة ، بأن جهنم كانت مرصادا للطاغين ، كأنه قيل كان كذلك لإقامة الجزاء ~~. # المسألة الثانية : كانت مرصادا ، أي في علم الله تعالى ، وقيل صارت ، ~~وهذان القولان نقلهما القفال رحمه الله تعالى ، وفيه وجه ثالث ذكره القاضي ~~، فإنا إذا فسرنا المرصاد بالمرتقب ، أفاد ذلك أن جهنم كانت كالمنتظرة ~~لقدومهم من قديم الزمان ، وكالمستدعية والطالبة لهم . # المسألة الثالثة : في المرصاد قولان . أحدهما : أن المرصاد اسم للمكان ~~الذي يرصد فيه ، كالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل ، والمنهاج اسم ~~للمكان الذي ينهج فيه ، وعلى هذا الوجه فيه احتمالان . أحدهما : أن خزنة ~~جهنم يرصدون الكفار . والثاني : أن مجاز المؤمنين وممرهم كان على جهنم ، ~~لقوله : { وإن منكم إلا واردها } [ مريم : 71 ] فخزنة الجنة يستقبلون ~~المؤمنين عند جهنم ، ويرصدونهم عندها . # القول الثاني : أن المرصاد مفعال من الرصد ، وهو الترقب ، بمعنى أن ذلك ~~يكثر منه ، والمفعال من أبنية المبالغة كالمنظار والمعمار ms9419 والمطعان ، قيل : ~~إنها ترصد أعداء الله وتشق عليهم ، كما قال تعالى : { تكاد تميز من الغيظ } ~~[ الملك : 8 ] قيل : ترصد كل كافر ومنافق ، والقائلون بالقول الأول استدلوا ~~على صحة قولهم بقوله تعالى : { إن ربك لبالمرصاد } [ الفجر : 14 ] ولو كان ~~المرصاد نعتا لوجب أن يقال : إن ربك لمرصاد . # المسالة الرابعة : دلت الاية على أن جهنم كانت مخلوقة لقوله تعالى : { إن ~~جهنم كانت مرصادا } أي معدة ، وإذا كان كذلك كانت الجنة أيضا كذلك ، لأنه ~~لا قائل بالفرق . PageV31P012 # وثانيها : قوله { للطاغين مآبا } وفيه وجهان : إن قلنا إنه مرصاد فقط كان ~~قوله : { للطاغين } من تمام ما قبله ، والتقدير إن جهنم كانت مرصادا ~~للطاغين ، ثم قوله : { مآبا } بدل من قوله : { مرصادا } وإن قلنا : بأنها ~~كانت مرصادا مطلقا للكفار وللمؤمنين ، كان قوله : { إن جهنم كانت مرصادا } ~~كلاما تاما ، وقوله : { للطاغين مآبا } كلام مبتدأ كأنه قيل إن جهنم مرصاد ~~للكل ، ومآب للطاغين خاصة ، ومن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله ~~مرصادا أما من ذهب إلى القول الثاني وقف عليه ، ثم يقول المراد بالطاغين من ~~تكبر على ربه وطغى في مخالفته ومعارضته ، وقوله : { مآبا } أي مصيرا ومقرا ~~. # وثالثها : قوله : { لابثين فيها أحقابا } اعلم أنه تعالى لما بين أن جهنم ~~مآب للطاغين ، وبين كمية استقرارهم هناك ، فقال : { لابثين فيها أحقابا } ~~وههنا مسائل : # المسألة الأولى : قرأ الجمهور { لابثين } وقرأ حمزة لبثين وفيه وجهان . ~~قال الفراء : هما بمعنى واحد يقال لابث ولبث ، مثل طامع وطمع ، وفاره وفره ~~، وهو كثير ، وقال صاحب الكشاف : واللبث أقوى لأن اللابث من وجد منه اللبث ~~، ولا يقال لبث إلا لمن شأنه اللبث ، وهو أن يستقر في المكان ، ولا يكاد ~~ينفك عنه . # المسألة الثانية : قال الفراء : أصل الحقب من الترادف والتتابع ، يقال ~~أحقب إذا أردف ومنه الحقيبة ومنه كل من حمل وزرا فقد احتقب ، فيجوز على هذا ~~المعنى { لابثين فيها أحقابا } أي دهورا متتابعة يتبع بعضها بعضا ، ويدل ~~عليه قوله تعالى : { لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا } [ الكهف ~~: 60 ] يحتمل سنين متتابعة إلى ms9420 أن أبلغ أو آنس ، واعلم أن الأحقاب واحدها ~~حقب وهو ثمانون سنة عند أهل اللغة ، والحقب السنون واحدتها حقبة وهي زمان ~~من الدهر لا وقت له ثم نقل عن المفسرين فيه وجوه . أحدها : قال عطاء ~~والكلبي ومقاتل عن ابن عباس في قوله : { أحقابا } الحقب الواحد بضع وثمانون ~~سنة ، والسنة ثلثمائة وستون يوما ، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا ، ونحو ~~هذا روى ابن عمر مرفوعا . وثانيها : سأل هلال الهجري عليا عليه السلام فقال ~~: الحقب مائة سنة ، والسنة اثنا عشر شهرا ، والشهر ثلاثون يوما ، واليوم ~~ألف سنة . وثالثها : قال الحسن : الأحقاب لا يدري أحد ما هي ، ولكن الحقب ~~الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون . { فإن قيل } قوله ~~أحقابا وإن طالت إلا أنها متناهية ، وعذاب أهل النار غير متناه ، بل لو قال ~~لابثين فيها الأحقاب لم يكن هذا السؤال واردا ، ونظير هذا السؤال قوله في ~~أهل القبلة : { إلا ما شاء ربك } [ هود : 107 ] قلنا : الجواب من وجوه . ~~الأول : أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضي حقب له نهاية وإنما الحقب الواحد ~~متناه ، والمعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا كلما مضى حقب تبعه حقب آخر ، ~~وهكذا إلى الأبد . والثاني : قال الزجاج : المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا ~~لا يذقون في الأحقاب بردا ولا شرابا ، فهذه الأحقاب توقيت لنوع من العذاب ، ~~وهو أن لا يذوقوا بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا ، ثم يبدلون بعد الأحقاب ~~عن الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب . وثالثها : هب أن قوله : { أحقابا ~~} يفيد التناهي ، لكن دلالة هذا على الخروج دلالة المفهوم ، والمنطوق دل ~~على أنهم لا يخرجون قال تعالى : { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم ~~بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } [ المائدة : 37 ] PageV31P013 ولا شك أن ~~المنطوق راجح ، وذكر صاحب الكشاف في الآية وجها آخر وهو أن يكون أحقابا من ~~حقب عامنا إذا قل مطره وخيره ، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه ~~أحقاب . فينتصب حالا عنهم بمعنى لابثين فيها حقبين مجدبين ، وقوله : { لا ~~يذوقون فيها ms9421 بردا ولا شرابا } تفسير له . # ورابعها : قوله تعالى ! 7 < { لا يذقون فيها بردا ولا شرابا ، إلا حميما ~~وغساقا ، جزاء وفاقا } > 7 ! وفيه مسائل : # المسألة الأولى : إن اخترنا قول الزجاج كان قوله : { ولا يذقون فيها بردا ~~ولا شرابا } متصلا بما قبله ، والضمير في قوله : { فيها } عائدا إلى ~~الأحقاب ، وإن لم نقل به كان هذا كلاما مستأنفا مبتدأ ، والضمير في قوله ~~عائدا إلى جهنم . # المسألة الثانية : في قوله : { بردا } وجهان . الأول : أنه البرج المعروف ~~، والمراد أنهم لا يذقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة ، أو ~~ظل يمنع من نار ، ولا يجدون شرابا يسكن عطشهم ، ويزيل الحرقة عن بواطنهم ، ~~والحاصل أنهم لا يجدون هواء باردا . والثاني : البرد ههنا النوم ، وهو قول ~~الأخفش والكسائي والفراء وقطرب والعتبي ، قال الفراء : وإنما سمي النوم ~~بردا لأنه يبرد صاحبه ، فإن العطشان ينام فيبرد بالنوم ، وأنشد أبو عبيدة ~~والمبرد في بيان أن المراد النوم قول الشاعر : # % بردت مراشفها علي فصدني % % عنها وعن رشفاتها البرد % # يعني النوم ، قال المبرد : ومن أمثال العرب : منع البرد البرد أي أصابني ~~من البرد ما منعني من النوم ، وأعلم أن القول الأول أولى لأنه إذا أمكن حمل ~~اللفظ على الحقيقة المشهورة ، فلا معنى لحمله على المجاز النادر الغريب ، ~~والقائلون بالقول الثاني تمسكوا في إثباته بوجهين . الأول : أنه لا يقال ~~ذقت البرد ويقال ذقت النوم . الثاني : أنهم يذقون برد الزمهرير ، فلا يصح ~~أن يقال إنهم ذاقوا بردا ، وهب أن ذلك البرد برد تأذوا به ، ولكن كيف كان ، ~~فقد ذاقوا البرد . والجواب عن الأول : كما أن ذوق البرد مجاز فكذا ذوق ~~النوم أيضا مجاز ، ولأن المراد من قوله { لا يذقون فيها بردا } أي لا ~~يستنشقون فيها نفسا باردا ، ولا هواء باردا ، والهواء المستنشق ممره الفم ~~والأنف فجاز إطلاق لفظ الذوق عليه . والجواب عن الثاني : أنه لم يقل لا ~~يذقون فيها البرد بل قال : لا يذوقون فيها بردا واحدا ، وهو البرد الذي ~~ينتفعون به ويستريحون إليه . # المسألة الثالثة : ذكروا في الحميم أنه الصفر ms9422 المذاب وهو باطل بل الحميم ~~الماء الحار المغلي جدا . # المسألة الرابعة : ذكروا في الغساق وجوها : # أحدها : قال أبو معاذ : كنت أسمع مشايخنا يقولون الغساق فارسية معربة ~~يقولون للشيء الذي يتقذرونه PageV31P014 خاشاك . وثانيها : أن الغساق هو ~~الشيء البارد الذي لا يطاق ، وهو الذي يسمى بالزمهرير . وثالثها : الغساق : ~~ما يسيل من أعين أهل النار وجلودهم من الصديد والقيح والعرق وسائر الرطوبات ~~المستقذرة ، وفي كتاب الخليل غسقت عينه ، تغسق غسقا وغساقا . ورابعها : ~~الغساق هو المنتن ، وجليله ما روي أنه عليه السلام قال : < < لو أن دلوا من ~~الغساق يهراق على الدنيا لأنتن أهل الدنيا > > . وخامسها : أن الغاسق هو ~~المظلم قال تعالى : { ومن شر غاسق إذا وقب } [ الفلق : 3 ] فيكون الغساق ~~شرابا أسود مكروها يستوحش كما يستوحش الشيء المظلم . إذا عرفت هذا فنقول إن ~~فسرنا الغساق بالبارد كان التقدير : لا يذوقون فيها بردا إلا غساقا ولا ~~شرابا إلا حميما ، إلا أنهما جمعا لأجل انتظام الآي ، ومثله من الشعر قول ~~امرئ القيس : # % كأن قلوب الطير رطبا ويابسا % % لدى وكرها العناب والحشف البالي % # والمعنى كأن قلوب الطير رطبا العناب ويابسا الحشف البالي . أما إذا فسرنا ~~الغساق بالصديد أو بالنتن احتمل أن يكون الاستثناء بالحميم والغساق راجعا ~~إلى البرد والشراب معا ، وأن يكون مختصا بالشراب فقط . # أما الاحتمال الأول : فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شرابا إلا ~~الحميم البالغ في الحميم والصديد المنتن . # وأما الاحتمال الثاني : فهو أن يكون التقدير لا يذوقون فيها شرابا إلا ~~الحميم البالغ في السخونة أو الصديد المنتن والله أعلم بمراده ، فإن قيل ~~الصديد لا يشرب فكيف استثنى من الشراب ؟ قلنا : إنه مائع فأمكن أن يشرب في ~~الجملة فإن ثبت أنه غير ممكن كان ذلك استثناء من غير الجنس ووجهه معلوم . # المسألة الخامسة : قرأ حمزة والكسائي وعاصم من رواية حفص عنه غساقا ~~بالتشديد فكأنه فعال بمعنى سيال ، وقرأ الباقون بالتخفيف مثل شراب والأول ~~نعت والثاني اسم . # واعلم أنه تعالى لما شرح أنواع عقوبة الكفار بين فيما بعده أنه : { جزاء ~~وفاقا } وفي المعنى / وجهان ms9423 : الأول : أنه تعالى أنزل بهم عقوبة شديدة بسبب ~~أنهم أتوا بمعصية شديدة فيكون العقاب { وفاقا } للذنب ، ونظيره قوله تعالى ~~: { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) والثاني : أنه { وفاقا } من ~~حيث لم يزد على قدر الاستحقاق ، ولم ينقص عنه وذكر النحوين فيه وجوها : ~~أحدها : أن يكون الوفاق والموافق واحدا في اللغة والتقدير جزاء موافقا ~~وثانيها : أن يكون نصبا على المصدر والتقدير جزاء وافق أعمالهم { وفاقا } ~~وثالثها : أن يكون وصف بالمصدر كما يقال فلان فضل وكرم لكونه كاملا في ذلك ~~المعنى ، كذلك ههنا لما كان ذلك الجزاء كاملا في كونه على وفق الاستحقاق ~~وصف الجزاء بكونه { وفاقا } ورابعها : أن يكون بحذف المضاف والتقدير جزاء ~~ذا وفاق وقرأ أبو حيوة { وفاقا } فعال من الوفق ، فإن قيل كيف يكون هذا ~~العذاب البالغ في الشدة الغير المتناهي بحسب المدة { وفاقا } للإتيان ~~بالكفر لحظة واحدة ، وأيضا فعلى قول أهل السنة إذا كان الكفر واقعا بخلق ~~الله وإيجاده فكيف يكون هذا وفاقا له ؟ وأما على مذهب المعتزلة فكان علم ~~الله بعدم إيمانهم حاصلا ووجود إيمانهم مناف بالذات لذلك العلم فمع قيام ~~أحد المتنافيين كان التكليف بإدخال المنافي الثاني في الوجود ممتنعا لذاته ~~وعينه ، ويكون تكليفا بالجمع بين المتنافيين ، فكيف PageV31P015 يكون مثل ~~هذا العذاب الشديد الدائم وفاقا لمثل هذا الجرم ؟ قلنا يفعل الله ما يشاء ~~ويحكم ما يريد . # واعلم أنه تعالى لما بين على الإجمال أن ذلك الجزاء كان على وفق جرمهم ~~شرح أنواع جرائمهم ، وهي بعد ذلك نوعان : # ! 7 < { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } . > 7 ! # أولهما : قوله تعالى : { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } < < # | النبأ : ( 27 ) إنهم كانوا لا . . . . . # > > وفيه سؤالان : # الأول : وهو أن الحساب شيء شاق على الإنسان ، والشيء الشاق لا يقال فيه ~~إنه يرجى بل يجب أن يقال : إنهم كانوا لا يخشون حسابا والجواب من وجوه : ~~أحدها : قال مقاتل وكثير من المفسرين قوله لا يرجون معناه لا يخافون ، ~~ونظيره قولهم في تفسير قوله تعالى : { مالكم * لا ترجون لله وقارا } ( نوح ~~: 13 ) وثانيها : أن المؤمن لا بد ms9424 وأن يرجو رحمة الله لأنه قاطع بأن ثواب ~~إيمانه زائد على عقاب جميع المعاصي سوى الكفر ، فقوله : { إنهم كانوا لا ~~يرجون حسابا } إشارة إلى أنهم ما كانوا مؤمنين وثالثها : أن الرجاء ههنا ~~بمعنى التوقع لأن الراجي للشيء متوقع له إلا أن أشرف أقسام التوقع هو ~~الرجاء فسمى الجنس باسم أشرف أنواعه ورابعها : أن في هذه الآية تنبيها على ~~أن الحساب مع الله جانب الرجاء فيه أغلب من جانب الخوف ، وذلك لأن للعبد ~~حقا على الله تعالى بحكم الوعد في جانب الثواب ولله تعالى حق على العبد في ~~جانب العقاب ، والكريم قد يسقط حق نفسه ، ولا يسقط ما كان حقا لغيره عليه ، ~~فلا جرم كان جانب الرجاء أقوى في / الحساب ، فلهذا السبب ذكر الرجاء ، ولم ~~يذكر الخوف . # السؤال الثاني : أن الكفار كانوا قد أتوا بأنواع من القبائح والكبائر ، ~~فما السبب في أن خص الله تعالى هذا النوع من الكفر بالذكر في أول الأمر ؟ ~~الجواب : لأن رغبة الإنسان في فعل الخيرات ، وفي ترك المحظورات ، إنما تكون ~~بسبب أن ينتفع به في الآخرة ، فمن أنكر الآخرة ، لم يقدم على شيء من ~~المستحسنات ، ولم يحجم عن شيء من المنكرات ، فقوله : { إنهم كانوا لا يرجون ~~حسابا } تنبيه على أنهم فعلوا كل شر وتركوا كل خير . # ! 7 < { وكذبوا بأاياتنا كذابا } . > 7 ! # والنوع الثاني : من قبائح أفعالهم قوله : { وكذبوا بئاياتنا كذابا } < < # | النبأ : ( 28 ) وكذبوا بآياتنا كذابا # > > اعلم أن للنفس الناطقة الإنسانية قوتين نظرية وعملية ، وكمال الإنسان ~~في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ولذلك قال إبراهيم : { رب هب ~~لى حكما وألحقنى بالصالحين } ( الشعراء : 83 ) { هب لى حكما } ( الشعراء : ~~83 ) إشارة إلى كمال القوة ، النظرية { وألحقنى بالصالحين } إشارة إلى كمال ~~القوة العملية ، فههنا بين الله تعالى رداءة حالهم في الأمرين ، أما في ~~القوة العملية فنبه على فسادها بقوله : { إنهم كانوا لا يرجون حسابا } ( ~~النبأ : 27 ) أي كانوا مقدمين على جميع القبائح والمنكرات ، وغير راغبين في ~~شيء من الطاعات والخيرات . # وأما في القوة النظرية فنبه على فسادها ms9425 بقوله : { وكذبوا بئاياتنا كذابا ~~} أي كانوا منكرين بقلوبهم للحق PageV31P016 ومصرين على الباطل ، وإذا عرفت ~~ما ذكرناه من التفسير ظهر أنه تعالى بين أنهم كانوا قد بلغوا في الرداءة ~~والفساد إلى حيث يستحيل عقلا وجود ما هو أزيد منه ، فلما كانت أفعالهم كذلك ~~كان اللائق بها هو العقوبة العظيمة . فثبت بهذا صحة ما قدمه في قوله : { ~~جزاء وفاقا } ( النبأ : 26 ) فما أعظم لطائف القرآن مع أن الأدوار العظيمة ~~قد استمرت ، ولم ينتبه لها أحد ، فالحمدلله حمدا يليق بعلو شأنه وبرهانه ~~على ما خص هذا الضعيف بمعرفة هذه الأسرار . # واعلم أن قوله تعالى : { وكذبوا بئاياتنا كذابا } يدل على أنهم كذبوا ~~بجميع دلائل الله تعالى في التوحيد والنبوة والمعاد والشرائع والقرآن ، ~~وذلك يدل على كمال حال القوة النظرية في الرداءة والفساد والبعد عن سواء ~~السبيل وقوله : { كذابا } أي تكذيبا وفعال من مصادر التفعيل وأنشد الزجاج : # % لقد طال ماريثتني عن صحابتي % % وعن حوج قضاؤها من شفائنا % # من قضيت قضاء قال الفراء هي لغة فصيحة يمانية ونظيره خرقت القميص خراقا ، ~~وقال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني : الحلو أحب إليك أم العصار ؟ ~~وقال صاحب ( الكشاف ) كنت أفسر آية فقال بعضهم : لقد فسرتها فسارا ما سمع ~~به ، وقرىء بالتخفيف وفيه وجوه : أحدها : أنه مصدر كذب بدليل قوله : # % / فصدقتها أو كذبتها % % والمرء ينفعه كذابه % # وهو مثل قوله تعالى : { أنبتكم من الارض نباتا } ( نوح : 17 ) يعني ~~وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا وثانيها : أن ينصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى ~~كذبوا لأن كل مكذب بالحق كاذب وثالثها : أن يجعل الكذاب بمعنى المكاذبة ، ~~فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة . أو كذبوا بها مكاذبين . لأنهم إذا ~~كانوا عند المسلمين كاذبين ، وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة ~~وقرىء أيضا كذلك وهو جمع كاذب ، أي كذبوا بآياتنا كاذبين ، وقد يكون الكذاب ~~بمعنى الواحد البليغ في الكذب ، يقال رجل كذاب كقولك حسان وبخال ، فيجعل ~~صفة لمصدر كذبوا أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه . # ! 7 < { وكل شىء أحصيناه كتابا } . > 7 ! # واعلم أنه تعالى لما بين أن فساد حالهم في ms9426 القوة العملية وفي القوة ~~النظرية بلغ إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات بين أن تفاصيل تلك الأحوال في ~~كميتها وكيفيتها معلومة له ، وقدر له ما يستحق عليه من العقاب معلوم له ، ~~فقال : { وكل شىء أحصيناه كتابا } < < # | النبأ : ( 29 ) وكل شيء أحصيناه . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الزجاج : { كل } منصوب بفعل مضمر يفسره { أحصيناه } ~~والمعنى : وأحصينا كل شيء وقرأ أبو السمال ، وكل بالرفع على الابتداء . # المسألة الثانية : قوله : { وكل شىء أحصيناه } أي علمنا كل شيء كما هو ~~علما لا يزول ولا يتبدل ، ونظيره قوله تعالى : { أحصاه الله ونسوه } ( ~~المجادلة : 6 ) واعلم أن هذه الآية تدل على كونه تعالى عالما بالجزئيات ، ~~واعلم أن مثل هذه الآية لا تقبل التأويل : وذلك لأنه تعالى ذكر هذا تقريرا ~~لما ادعاه من قوله : { جزاء وفاقا } ( النبأ : 26 ) كأنه تعالى يقول : أنا ~~عالم بجميع ما فعلوه ، وعالم بجهات تلك الأفعال وأحوالها واعتباراتها ~~PageV31P017 التي لأجلها يحصل استحقاق الثواب والعقاب ، فلا جرم لا أوصل ~~إليهم من العذاب إلا قدر ما يكون وفاقا لأعمالهم ، ومعلوم أن هذا القدر ~~إنما يتم لو ثبت كونه تعالى عالما بالجزئيات ، وإذا ثبت هذا ظهر أن كل من ~~أنكره كان كافرا قطعا . # المسألة الثالثة : قوله : { أحصيناه كتابا } فيه وجهان : أحدهما : تقديره ~~أحصيناه إحصاء ، وإنما عدل عن تلك اللفظة إلى هذه اللفظة ، لأن الكتابة هي ~~النهاية في قوة العلم ، ولهذا قال عليه السلام ( قيدوا العلم بالكتابة ) ~~فكأنه تعالى قال : وكل شيء أحصيناه إحصاء مساويا في القوة والثبات والتأكيد ~~للمكتوب ، فالمراد من قوله كتابا تأكيد ذلك الإحصاء والعلم ، واعلم أن هذا ~~التأكيد إنما ورد على حسب مايليق بأفهام أهل الظاهر ، فإن المكتوب يقبل ~~الزوال ، وعلم الله بالأشياء لا يقبل الزوال لأنه واجب لذاته القول الثاني ~~: أن يكون قوله كتابا حالا في معنى مكتوبا والمعنى وكل شيء أحصيناه حال ~~كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ ، كقوله : { وكل شىء أحصيناه فى إمام مبين } ~~أو في صحف الحفظة . # ! 7 < { فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا } . > 7 ! # / ثم قال تعالى : { فذوقوا فلن نزيدكم إلا ms9427 عذابا } . # < < # | النبأ : ( 30 ) فذوقوا فلن نزيدكم . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال العقاب أولا ، ثم ادعى كونه { جزاء ~~وفاقا } ( النبأ : 26 ) ثم بين تفاصيل أفعالهم القبيحة ، وظهر صحة ما ادعاه ~~أولا من أن ذلك العقاب كان { جزاء وفاقا } لا جرم أعاد ذكر العقاب ، وقوله ~~: { فذوقوا } والفاء للجزاء ، فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه ~~من قبائح أفعالهم ، فهذا الفاء أفاد عين فائدة قوله : { جزاء وفاقا } . # المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على المبالغة في التعذيب من وجوه : ~~أحدها : قوله : { فلن نزيدكم } وكلمة لن للتأكيد في النفي وثانيها : أنه في ~~قوله : { كانوا لا يرجون حسابا } ( النبأ : 27 ) ذكرهم بالمغايبة وفي قوله ~~: { فذوقوا } ذكرهم على سبيل المشافهة وهذا يدل على كمال الغضب وثالثها : ~~أنه تعالى عدد وجوه العقاب ثم حكم بأنه جزاء موافق لأعمالهم ثم عدد فضائحهم ~~، ثم قال : { فذوقوا } فكأنه تعالى أفتى وأقام الدلائل ، ثم أعاد تلك ~~الفتوى بعينها ، وذلك يدل على المبالغة في التعذيب قال عليه الصلاة والسلام ~~: ( هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار ، كلما استغاثوا من نوع من ~~العذاب أغيثوا بأشد منه ) بقي في الآية سؤالان : # السؤال الأول : أليس أنه تعالى قال في صفة الكفار : { ولا يكلمهم الله ~~ولا ينظر إليهم } ( آل عمران : 77 ) فهنا لما قال لهم : { فذوقوا } فقد ~~كلمهم ؟ الجواب : قال أكثر المفسرين : تقدير الآية فيقال لهم : فذوقوا ، ~~ولقائل أن يقول على هذا الوجه لا يليق بذلك القائل أن يقول : { فلن نزيدكم ~~إلا عذابا } بل هذا الكلام لا يليق إلا بالله ، والأقرب في الجواب أن يقال ~~قوله : { ولا يكلمهم } أي ولا يكلمهم بالكلام الطيب النافع ، فإن تخصيص ~~العموم غير بعيد لاسيما عند حصول القرينة ، فإن قوله : { ولا يكلمهم } إنما ~~ذكره لبيان أنه تعالى لا ينفعهم ولا يقيم لهم وزنا ، وذلك لا يحصل إلا من ~~الكلام الطيب . PageV31P018 # السؤال الثاني : دلت هذه الآية على أنه تعالى يزيد في عذاب الكافر أبدا ، ~~فتلك الزيادة إما أن يقال : إنها كانت مستحقة لهم أو غير مستحقة ، فإن كانت ms9428 ~~مستحقة لهم كان تركها في أول الأمر إحسانا ، والكريم إذا أسقط حق نفسه ، ~~فإنه لا يليق به أن يسترجعه بعد ذلك ، وأما إن كانت تلك الزيادة غير مستحقة ~~كان إيصالها إليهم ظلما وإنه لا يجوز على الله الجواب : كما أن الشيء يؤثر ~~بحسب خاصية ذاته ، فكذا إذا دام ازداد تأثيره بحسب ذلك الدوام ، فلا جرم ~~كلما كان الدوام أكثر كان الإيلام أكثر ، وأيضا فتلك الزيادة مستحقة ، ~~وتركها في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط ، والله علم بما أراد . # واعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكفار أتبعه بوعد الأخيار وهو أمور : # ! 7 < { إن للمتقين مفازا } . > 7 @QB@ < # | النبأ : ( 31 ) إن للمتقين مفازا # > > # / أولها : قوله تعالى : { إن للمتقين مفازا } أما المتقي فقد تقدم تفسيره ~~في مواضع كثيرة { * ومفازا } يحتمل أن يكون مصدرا بمعنى فوزا وظفرا بالبغية ~~، ويحتمل أن يكون موضع فوز والفوز يحتمل أن يكون المراد منه فوزا بالمطلوب ~~، وأن يكون المراد منه فوزا بالنجاة من العذاب ، وأن يكون المراد مجموع ~~الأمرين ، وعندي أن تفسيره بالفوز بالمطلوب أولى من تفسيره بالفوز بالنجاة ~~من العذاب ، ومن تفسيره بالفوز بمجموع الأمرين أعني النجاة من الهلاك ~~والوصول إلى المطلوب ، وذلك لأنه تعالى فسر المفاز بما بعده وهو قوله : { ~~مفازا حدائق وأعنابا } فوجب أن يكون المراد من المفاز هذا القدر . فإن قيل ~~الخلاص من الهلاك أهم من حصول اللذة ، فلم أهمل الأهم وذكر غير الأهم ؟ ~~قلنا : لأن الخلاص من الهلاك لا يستلزم الفوز باللذة والخير ، أما الفوز ~~باللذة والخير فيستلزم الخلاص من الهلاك ، فكان ذكر هذا أولى . # ! 7 < { حدآئق وأعنابا } . > 7 ! # وثانيها : قوله تعالى : { حدائق وأعنابا } < < # | النبأ : ( 32 ) حدائق وأعنابا # > > والحدائق جمع حديقة ، وهي بستان محوط عليه . من قولهم : أحدقوا به أي ~~أحاطوا به ، والتنكير في قوله : { وأعنابا } يدل على تعظيم حال تلك الأعناب ~~. # ! 7 < { وكواعب أترابا } . > 7 ! # وثالثها : قوله تعالى : { وكواعب أترابا } < < # | النبأ : ( 33 ) وكواعب أترابا # > > كواعب جمع كاعب وهي النواهد التي تكعبت ثديهن وتفلكت أي يكون الثدي ~~في النتوء كالكعب والفلكة . # ! 7 < { وكأسا دهاقا } . > 7 ms9429 ! # ورابعها : قوله تعالى : { وكأسا دهاقا } < < # | النبأ : ( 34 ) وكأسا دهاقا # > > وفي الدهاق أقوال الأول : وهو قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج ~~والكسائي والمبرد ، و { دهاقا } أي ممتلئة ، دعا ابن عباس غلاما له فقال : ~~اسقنا دهاقا ، فجاء الغلام بها ملأى ، فقال ابن عباس : هذا هو الدهاق قال ~~عكرمة ، ربما سمعت ابن عباس يقول : اسقنا وادهق لنا القول الثاني : دهاقا ~~أي متتابعة وهو قول أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد ، قال الواحدي : وأصل ~~هذا القول من قول العرب : أدهقت الحجارة إدهاقا وهو شدة تلازمها ودخول ~~بعضها في بعض ، ذكرها الليث والمتتابع كالمتداخل القول الثالث : يروى عن ~~عكرمة أنه قال : { دهاقا } أي صافية ، والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون ~~جمع داهق ، وهو خشبتان يعصر بهما ، والمراد بالكأس الخمر ، قال الضحاك : كل ~~كأس في القرآن فهو خمر ، التقدير . وخمرا ذات دهاق ، أي عصرت وصفيت بالدهاق ~~. # PageV31P019 ! 7 < { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا } . > 7 ! # وخامسها : قوله : { لا يسمعون فيها لغوا ولا كذبا } < < # | النبأ : ( 35 ) لا يسمعون فيها . . . . . # > > في الآية سؤالان : # الأول : الضمير في قوله : { فيها } إلى ماذا يعود ؟ الجواب فيه قولان ~~الأول : أنها ترجع إلى الكأس ، أي لا يجري بينهم لغو في الكأس التي ~~يشربونها ، وذلك لأن أهل الشراب / في الدنيا يتكلمون بالباطل ، وأهل الجنة ~~إذا شربوا لم يتغير عقلهم ، ولم يتكلموا بلغو والثاني : أن الكناية ترجع ~~إلى الجنة ، أي لا يسمعون في الجنة شيئا يكرهونه . # السؤال الثاني : الكذاب بالتشديد يفيد المبالغة ، فوروده في قوله تعالى : ~~{ وكذبوا بئاياتنا كذابا } ( النبأ : 28 ) مناسب لأنه يفيد المبالغة في ~~وصفهم بالكذب ، أما وروده ههنا فغير لائق ، لأن قوله : { لا يسمعون فيها ~~لغوا ولا كذبا } يفيد أنهم لا يسمعون الكذب العظيم وهذا لا ينفي أنهم ~~يسمعون الكذب القليل ، وليس مقصود الآية ذلك بل المقصود المبالغة في أنهم ~~لا يسمعون الكذب البتة ، والحاصل أن هذا اللفظ يفيد نفي المبالغة واللائق ~~بالآية المبالغة في النفي والجواب : أن الكسائي قرأ الأول بالتشديد والثاني ~~بالتخفيف ، ولعل غرضه ما قررناه في هذا السؤال ms9430 ، لأن قراءة التخفيف ههنا ~~تفيد أنهم لا يسمعون الكذب أصلا ، لأن الكذاب بالتخفيف والكذب واحد لأن أبا ~~علي الفارسي قال : كذاب مصدر كذب ككتاب مصدر كتب فإذا كان كذلك كانت ~~القراءة بالتخفيف تفيد المبالغة في النفي ، وقراءة التشديد في الأول تفيد ~~المبالغة في الثبوت فيحصل المقصود من هذه القراءة في الموضعين على أكمل ~~الوجوه ، فإن أخذنا بقراءة الكسائي فقد زال السؤال ، وإن أخذنا بقراءة ~~التشديد في الموضعين وهي قراءة الباقين ، فالعذر عنه أن قوله : { لا يسمعون ~~فيها لغوا ولا كذبا } إشارة إلى ما تقدم من قوله : { وكذبوا بئاياتنا كذابا ~~} والمعنى أن هؤلاء السعداء لا يسمعون كلامهم المشوش الباطل الفاسد ، ~~والحاصل أن النعم الواصلة إليهم تكون خالية عن زحمة أعدائهم وعن سماع ~~كلامهم الفاسد وأقوالهم الكاذبة الباطلة . # ! 7 < { جزآء من ربك عطآء حسابا } . > 7 ! # ثم إنه تعالى لما عدد أقسام نعيم أهل الجنة قال : { جزاء من ربك عطاء ~~حسابا } < < # | النبأ : ( 36 ) جزاء من ربك . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الزجاج : المعنى جازاهم بذلك جزاء ، وكذلك عطاء لأن ~~معنى جازاهم وأعطاهم واحد . # المسألة الثانية : في الآية سؤال وهو أنه تعالى جعل الشيء الواحد جزاء ~~وعطاء ، وذلك محال لأن كونه جزاء يستدعي ثبوت الاستحقاق ، وكونه عطاء ~~يستدعي عدم الاستحقاق والجمع بينهما متناف والجواب عنه : لا يصح إلا على ~~قولنا : وهو أن ذلك الاستحقاق إنما ثبت بحكم الوعد ، لا من حيث إن الفعل ~~يوجب الثواب على الله ، فذلك نظرا إلى الوعد المترتب على ذلك الفعل يكون ~~جزاء ، ونظرا إلى أنه لا يجب على الله لأحد شيء يكون عطاء . # المسألة الثالثة : قوله : { حسابا } فيه وجوه الأول : أن يكون بمعنى ~~كافيا مأخوذ من قولهم : أعطاني ما أحسبني أي ما كفاني ، ومنه قوله : حسبي ~~من سؤالي علمه بحالي ، أي كفاني من سؤالي ، ومنه قوله : PageV31P020 # % / فلما حللت به ضمني % % فأولى جميلا وأعطى حسابا % # أي أعطى ما كفى والوجه الثاني : أن قوله : حسابا مأخوذ من حسبت الشيء إذا ~~أعددته وقدرته فقوله : { عطاء حسابا } أي بقدر ما وجب له فيما ms9431 وعده من ~~الإضعاف ، لأنه تعالى قدر الجزاء على ثلاثة أوجه ، وجه منها على عشرة أضعاف ~~، ووجه على سبعمائة ضعف ، ووجه على مالا نهاية له ، كما قال : { إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب } ( الزمر : 10 ) ، الوجه الثالث : وهو قول ابن ~~قتيبة : { عطاء حسابا } أي كثيرا وأحسبت فلانا أي أكثرت له ، قال الشاعر : # % ونقفي وليد الحي إن كان جائعا % % ونحسبه إن كان ليس بجائع % # الوجه الرابع : أنه سبحانه يوصل الثواب الذي هو الجزاء إليهم ويوصل ~~التفضل الذي يكون زائدا على الجزء إليهم ، ثم قال : { حسابا } ثم يتميز ~~الجزاء عن العطاء حال الحساب الوجه الخامس : أنه تعالى لما ذكر في وعيد أهل ~~النار : { جزاء وفاقا } ذكر في وعد أهل الجنة جزاء عطاء حسابا أي راعيت في ~~ثواب أعمالكم الحساب ، لئلا يقع في ثواب أعمالكم بخس ونقصان وتقصير والله ~~أعلم بمراده . # المسألة الرابعة : قرأ ابن قطيب : { حسابا } بالتشديد على أن الحساب ~~بمعنى المحسب كالدراك بمعنى المدرك ، هكذا ذكره صاحب ( الكشاف ) . # ! 7 < { رب السماوات والا رض وما بينهما الرحمان لا يملكون منه خطابا } . ~~> 7 ! # واعلم أنه تعالى لما بالغ في وصف وعيد الكفار ووعد المتقين ، ختم الكلام ~~في ذلك بقوله : { رب * السماوات والارض * وما بينهما الرحمان لا يملكون منه ~~خطابا } < < # | النبأ : ( 37 ) رب السماوات والأرض . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : رب السموات والرحمن ، فيه ثلاثة أوجه من القراءة الرفع ~~فيهما وهو قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو ، والجر فيهما وهو قراءة عاصم ~~وعبدالله بن عامر ، والجر في الأول مع الرفع في الثاني ، وهو قراءة حمزة ~~والكسائي ، وفي الرفع وجوه أحدها : أن يكون رب السموات مبتدأ ، والرحمن ~~خبره ، ثم استؤنف لا يملكون منه خطابا وثانيها : رب السموات مبتدأ ، ~~والرحمن صفة ولا يملكون خبره وثالثها : أن يضمر المبتدأ والتقدير هو : { رب ~~* السماوات } هو الرحمن ثم استؤنف : { لا يملكون } ورابعها : أن يكون { ~~الرحمان } و { لا يملكون } خبرين وأما وجه الجر فعلى البدل من ربك ، وأما ~~وجه جر الأول ، ورفع الثاني فجر الأول بالبدل من ربك ، والثاني مرفوع بكونه ~~مبتدأ ms9432 وخبره لا يملكون . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : { * ويملكون } إلى من يرجع ؟ فيه ~~ثلاثة أقوال : الأول : نقل عطاء عن ابن عباس إنه راجع إلى المشركين يريد لا ~~يخاطب المشركون أما المؤمنون فيشفعون يقبل الله ذلك منهم والثاني : قال ~~القاضي : إنه راجع إلى المؤمنين ، والمعنى أن المؤمنين لا يملكون / أن ~~يخاطبوا الله في أمر من الأمور ، لأنه لما ثبت أنه عدل لا يجور ، ثبت أن ~~العقاب الذي أوصله إلى الكفار عدل ، وأن الثواب الذي أوصله المؤمنين عدل ، ~~وأنه ما يخسر حقهم ، فبأي سبب يخاطبونه ، وهذا القول أقرب من الأول لأن ~~الذي جرى قبل هذه الآية ذكر المؤمنين لا ذكر الكفار والثالث : أنه ضمير ~~لأهل السموات والأرض ، وهذا هو الصواب ، فإن أحدا من المخلوقين لا يملك ~~مخاطبة الله ومكالمته . وأما الشفاعات الواقعة بإذنه فغير واردة ~~PageV31P021 على هذا الكلام لأنه نفى الملك والذي يحصل بفضله وإحسانه ، فهو ~~غير مملوك ، فثبت أن هذا السؤال غير لازم ، والذي يدل من جهة العقل على أن ~~أحدا من المخلوقين لا يملك خطاب الله وجوه الأول : وهو أن كل ما سواء فهو ~~مملوكه والمملوك لا يستحق على مالكه شيئا وثانيها : أن معنى الاستحقاق عليه ~~، هو أنه لو لم يفعل لاستحق الذم . ولو فعلة لاستحق المدح ، وكل من كان ~~كذلك كان ناقصا في ذاته ، مستكملا بغيره وتعالى الله عنه وثالثها : أنه ~~عالم بقبح القبيح ، عالم بكونه غنيا عنه ، وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح ~~، وكل من امتنع كونه فاعلا للقبيح ، فليس لأحد أن يطالبه بشيء ، وأن يقول ~~له لم فعلت . والوجهان الأولان مفرعان على قول أهل السنة ، والوجه الثالث ~~يتفرع على قول المعتزلة فثبت أن أحدا من المخلوقات لا يملك أن يخاطب ربه ~~ويطالب إلهه . # ! 7 < { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان ~~وقال صوابا } . > 7 ! # واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أحدا من الخلق لا يمكنه أن يخاطب الله في شيء ~~أو يطالبه بشيء قرر هذا المعنى ، وأكده فقال تعالى : { خطابا يوم ms9433 يقوم ~~الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمان وقال صوابا } . # < < # | النبأ : ( 38 ) يوم يقوم الروح . . . . . # > > وذلك لأن الملائكة أعظم المخلوقات قدرا ورتبة ، وأكثر قدرة ومكانة ، ~~فبين أنهم لا يتكلمون في موقف القيامة إجلالا لربهم وخوفا منه وخضوعا له ، ~~فكيف يكون حال عيرهم . وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : لمن يقول بتفضيل الملك على البشر أن يتمسك بهذه الآية ، ~~وذلك لأن المقصود من الآية أن الملائكة لما بقوا خائفين خاضعين وجلين ~~متحيرين في موقف جلال الله ، وظهور عزته وكبريائه ، فكيف يكون حال غيرهم ، ~~ومعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا إذا كانوا أشرف المخلوقات . # المسألة الثانية : اختلفوا في الروح في هذه الآية ، فعن ابن مسعود أنه ~~ملك أعظم من السموات والجبال . وعن ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقا ~~، وعن مجاهد : خلق على / صورة بني آدم يأكلون ويشربون ، وليس بناس ، وعن ~~الحسن وقتادة هم بنو آدم ، وعلى هذا معناه ذو الروح ، وعن ابن عباس أرواح ~~الناس ، وعن الضحاك والشعبي هو جبريل عليه السلام ، وهذا القول هو المختار ~~عند القاضي . قال : لأن القرآن دل على أن هذا الاسم اسم جبريل عليه السلام ~~، وثبت أن القيام صحيح من جبريل والكلام صحيح منه ، ويصح أن يؤذن له فكيف ~~يصرف هذا الاسم عنه إلى خلق لا نعرفه ، أو إلى القرآن الذي لا يصح وصفه ~~بالقيام . أما قوله : { صفا } فيحتمل أن يكون المعنى أن الروح على الاختلاف ~~الذي ذكرناه ، وجميع الملائكة يقومون صفا واحدا ، ويجوز أن يكون المعنى ~~يقومون صفين ، ويجوز صفوفا ، والصف في الأصل مصدر فينبىء عن الواحد والجمع ~~، وظاهر قول المفسرين أنهم يقومون صفين ، فيقوم الروح وحده صفا ، وتقوم ~~الملائكة كلهم صفا واحدا ، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم ، وقال بعضهم : بل ~~يقومون صفوفا لقوله تعالى : { وجاء ربك والملك صفا صفا } ( الفجر : 22 ) . # المسألة الثالثة : الاستثناء إلى من يعود ؟ فيه قولان : PageV31P022 # أحدهما : إلى الروح والملائكة ، وعلى هذا التقدير ؛ الآية دلت على أن ~~الروح والملائكة لا يتكلمون إلا عند حصول شرطين إحداها : حصول ms9434 الإذن من ~~الله تعالى ، ونظيره قوله تعالى : { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } ( ~~البقرة : 255 ) والمعنى أنهم لا يتكلمون إلا بإذن الله . # والشرط الثاني : أن يقول : صوابا ، فإن قيل : لما أذن له الرحمن في ذلك ~~القول ، علم أن ذلك القول صواب لا محالة ، فما الفائدة في قوله : { وقال ~~صوابا } ؟ والجواب من وجهين : الأول : أن الرحمن أذن له في مطلق القول ثم ~~إنهم عند حصول ذلك الإذن لا يتكلمون إلا بالصواب ، فكأنه قيل : إنهم لا ~~ينطلقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام ، ثم بد ورود ذلك الإذن يجتهدون ، ~~ولا يتكلمون إلا بالكلام الذي يعلمون أنه صدق وصواب ، وهذا مبالغة في وصفهم ~~بالطاعة والعبودية الوجه الثاني : أن تقديره : لا يتكلمون إلا في حق { من ~~أذن له الرحمان وقال صوابا } والمعنى لا يشفعون إلا في حق شخص أذن له ~~الرحمن في شفاعته وذلك الشخص كان ممن قال صوابا ، واحتج صاحب هذا التأويل ~~بهذه الآية على أنهم يشفعون للمذنبين لأنهم قالوا صوابا وهو شهادة أن لا ~~إله إلا الله ، لأن قوله : { وقال صوابا } يكفي في صدقه أن يكون قد قال ~~صوابا واحدا / فكيف بالشخص الذي قال القول الذي هو أصوب الأقوال وتكلم ~~بالكلام الذي هو أشرف الكلمات القول الثاني : أن الاستثناء غير عائد إلى ~~الملائكة فقط بل إلى جميع أهل السموات والأرض ، والمقول الأول أولى لأن عود ~~الضمير إلى الأقرب أولى . # واعلم أنه تعالى لما قرر أحوال المكلفين في درجات الثواب والعقاب ، وقرر ~~عظمة يوم القيامة قال بعده : # ! 7 < { ذلك اليوم الحق فمن شآء اتخذ إلى ربه مأابا } . > 7 @QB@ < # | النبأ : ( 39 ) ذلك اليوم الحق . . . . . # > > # / { ذلك اليوم الحق } ذلك إشارة إلى تقدم ذكره ، وفي وصف اليوم بأنه حق ~~وجوه أحدها : أنه يحصل فيه كل الحق ، ويندمغ كل باطل ، فلما كان كاملا في ~~هذا المعنى قيل : إنه حق ، كما يقال : فلان خير كله إذا وصف بأن فيه خيرا ~~كثيرا ، وقوله : { ذلك اليوم الحق } يفيد أنه هو اليوم الحق وما عداه باطل ~~، لأن أيام الدنيا باطلها ms9435 أكثر من حقها وثانيها : أن الحق هو الثابت الكائن ~~، وبهذا المعنى يقال إن الله حق ، أي هو ثابت لا يجوز عليه الفناء ويوم ~~القيامة كذلك فيكون حقا وثالثها : أن ذلك اليوم هو اليوم الذي يستحق أن ~~يقال له يوم ، لأن فيه تبلى السرائر وتنكشف الضمائر ، وأماأيام الدنيا ~~فأحوال الخلف فيها مكتومة ، والأحوال فيها غير معلومة . # قوله تعالى : { فمن شاء اتخذ إلى ربه مئابا } أي مرجعا ، والمعتزلة ~~احتجوا به على الاختيار والمشيئة ، وأصحابنا رووا عن ابن عباس أنه قال : ~~المراد فمن شاء الله به خيرا هداه حتى يتخذ إلى ربه مآبا . # ! 7 < { إنآ أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول ~~الكافر ياليتنى كنت ترابا } . > 7 ! # < < # | النبأ : ( 40 ) إنا أنذرناكم عذابا . . . . . # > > ثم إنه تعالى زاد في تخويف الكفار فقال : { إنا أنذرناكم عذابا قريبا ~~} يعني العذاب في الآخرة ، وكل ما هو آت قريب ، و ( هو ) كقوله تعالى : { ~~كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } ( النازعات : 46 ) وإنما ~~سماه PageV31P023 إنذارا ، لأنه تعالى بهذا الوصف قد خوف منه نهاية التخويف ~~وهو معنى الإنذار . # ثم قال تعالى : { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : ما في قوله : { ما قدمت يداه } فيه وجهان الأول : أنها ~~استفهامية منصوبة بقدمت ، أي ينظر أي شيء قدمت يداه الثاني : أن تكون بمعنى ~~الذي وتكون منصوبة ينتظر ، والتقدير : ينظر إلى الذي قدمت يداه ، إلا أن ~~على هذا التقدير حصل فيه حذفان أحدهما : أنه لم يقل : قدمته ، بل قال : { ~~قدمت } فحذف الضمير الراجع الثاني : أنه لم يقل : ينظر إلى ما قدمت ، بل ~~قال : ينظر ما قدمت ، يقام نظرته بمعنى نظرت إليه . # المسألة الثانية : في الآية ثلاثة أقوال : الأول : وهو الأظهر أن المرء ~~عام في كل أحد ، لأن المكلف إن كان قدم عمل المتقين ، فليس له إلا الثواب ~~العظيم ، وإن كان قدم عمل الكافرين ، فليس له إلا العقاب الذي وصفه الله ~~تعالى ، فلا رجاء لمن ورد القيامة من المكلفين في أمر سوى هذين ، فهذا هو ~~المراد ms9436 بقوله : { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } فطوبى له إن قدم عمل ~~الأبرار ، وويل له إن قدم عمل الفجار والقول الثاني : وهو قول عطاء : أن ~~المر ههنا هو الكافر ، لأن المؤمن كما ينظر إلى ما قدمت يداه ، فكذلك ينظر ~~إلى عفو الله ورحمته / وأما الكافر الذي لا يرى إلا العذاب ، فهو لا يرى ~~إلا ما قدمت يداه ، لأن ما وصل إليه من العقاب ليس إلا من شؤم معاملته ~~والقول الثالث : وهو قول الحسن ، وقتادة أن المرء ههنا هو المؤمن ، واحتجوا ~~عليه بوجهين الأول : أنه تعالى قال بعد هذه الآية ، { ويقول الكافر الكافر ~~ياليتنى كنت ترابا } فلما كان هذا بيانا لحال الكافر ، وجب أن يكون الأول ~~بيانا لحال المؤمن والثاني : وهو أن المؤمن لما قدم الخير والشر فهو من ~~الله تعالى على خوف ورجاء ، فينتظر كيف يحدث الحال ، أما الكافر فإنه قاطع ~~بالعقاب ، فلا يكون له انتظار أنه كيف يحدث الأمر ، فإن مع القطع لا يحصل ~~الانتظار . # المسألة الثالثة : القائلون : بأن الخير يوجب الثواب والشر يوجب العقاب ~~تمسكوا بهذه الآية ، فقالوا : لولا أن الأمر كذلك ، وإلا لم يكن نظر الرجل ~~في الثواب والعقاب على عمله بل على شيء آخر والجواب عنه : أن العمل يوجب ~~الثواب والعقاب ، لكن بحكم الوعد والجعل لا بحكم الذات . # أما قوله تعالى : { ويقول الكافر الكافر ياليتنى كنت ترابا } ففيه وجوه : ~~{ * أحدها } أن يوم القيامة ينظر المرء أي شيء قدمت يداه ، أما المؤمن فإنه ~~يجد الإيمان والعفو عن سائر المعاصي على ما قال : { به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء } وأما الكافر فلا يتوقع العفو على ما قال : { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به } ( النساء : 48 ) فعند ذلك يقول الكافر : { الكافر ياليتنى كنت ~~ترابا } أي لم يكن حيا مكلفا وثانيها : أنه كان قبل البعث ترابا ، فالمعنى ~~على هذا . يا ليتني لم أبعث للحساب ، وبقيت كما كنت ترابا ، كقوله تعالى : ~~{ حسابيه ياليتها كانت القاضية } ( الحاقة : 27 ) وقوله : { يومئذ يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض } ( النساء ms9437 : 42 ) وثالثها : ~~أن البهائم تحشر فيقتص للجماء من القرناء ثم يقال لها بعد المحاسبة : كوني ~~ترابا فيتمنى الكافر عند ذلك أن يكون هو مثل تلك البهائم في أن يصير ترابا ~~، ويتخلص من عذاب الله وأنكر بعض المعتزلة ذلك . وقال : إنه تعالى إذا ~~أعادها فهي بين معوض وبين متفضل عليه ، وإذا كان كذلك لم يجز أن يقطعها عن ~~المنافع ، لأن ذلك كالإضرار بها ، ولا يجوز ذلك في الآخرة ، ثم إن هؤلاء ~~قالوا : إن هذه الحيوانات إذا انتهت مدة PageV31P024 أعواضها جعل الله كل ~~ما كان منها حسن الصورة ثوابا لأهل الجنة ، وما كان قبيح الصورة عقابا لأهل ~~النار ، قال القاضي : ولا يمتنع أيضا إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة ~~العقل أن يزيل الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ذلك ~~ضررا ورابعها : ما ذكره بعض الصوفية فقال قوله : { الكافر ياليتنى كنت ~~ترابا } معناه يا ليتني كنت متواضعا في طاعة الله ولم أكن متكبرا متمردا ~~وخامسها : الكافر إبليس يرى آدم وولده وثوابهم ، فيتمنى أن يكون الشيء الذي ~~احتقره حين قال : { خلقتني من نار وخلقته من طين } ( ص : 76 ) والله أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة . # PageV31P025 < # > 1 ( سورة النازعات ) 1 < # > # وهي أربعون وست آيات مكية # ! 7 < { والنازعات غرقا * والناشطات نشطا * والسابحات سبحا * فالسابقات ~~سبقا * فالمدبرات أمرا } . > 7 ! # / < < # | النازعات : ( 1 ) والنازعات غرقا # > > فيه مسألتان : # المسألة الأولى : اعلم أن هذه الكلمات الخمس ، يحتمل أن تكون صفات لشيء ~~واحد ، ويحتمل أن لا تكون كذلك ، أما على الاحتمال الأول فقد ذكروا في ~~الآية وجوها أحدها : أنها بأسرها صفات الملائكة ، فقوله : { والنازعات غرقا ~~} هي الملائكة الذين ينزعون نفوس بني آدم فإذا نزعوا نفس الكفار نزعوها ~~بشدة ، وهو مأخوذ من قولهم نزع في القوس فأغرق يقال : أغرق النازع في القوس ~~إذا بلغ غاية المدى حتى ينتهي إلى النصل ، فتقدير الآية : والنازعات إغراقا ~~، والغرق والإغراق في اللغة بمعنى واحد ، وقوله : { والناشطات نشطا } النشط ~~هو الجذب يقال : نشطت الدلو أنشطها وأنشطتها ms9438 نشطا نزعتها برفق ، والمراد هي ~~الملائكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها ، وإنما خصصنا هذا بالمؤمن والأول ~~بالكافر لما بين النزع والنشط من الفرق فالنزاع جذب بشدة ، والنشط جذب برفق ~~ولين فالملائكة ، تنشط أرواح المؤمنين كما تنشط الدلو من البئر فالحاصل أن ~~قوله : { والنازعات غرقا * والناشطات نشطا } قسم بملك الموت وأعوانه إلا أن ~~الأول إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار ، والثاني إشارة إلى كيفية قبض ~~أرواح المؤمنين ، أما قوله : { والسابحات سبحا } فمنهم من خصصه أيضا ~~بملائكة قبض الأرواح ، ومنهم من حمله على سائل طوائف الملائكة ، أما الوجه ~~الأول : فنقل عن علي عليه السلام ، وابن عباس ومسروق ، أن الملائكة يسلون ~~أرواح المؤمنين سلا رفيقا ، فهذا هو المراد من قوله : { والناشطات نشطا } ~~ثم يتركونها حتى تستريح رويدا ، ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق ولطافة كالذي ~~يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق ولطافة لئلا يفرق ، فكذا ههنا يرفقون في ذلك ~~PageV31P026 الاستخراج ، لئلا يصل إليه ألم وشدة / فذاك هو المراد من قوله ~~: { والسابحات سبحا } وأما الذين حملوه على سائر طوائف الملائكة فقالوا : ~~إن الملائكة ينزلون من السماء مسرعين ، فجعل نزولهم من السماء كالسباحة ، ~~والعرب تقول للفرس الجواد ، إنه السابح ، وأما قوله : { فالسابقات سبقا } ~~فمنهم من فسره بملائكة قبض الأرواح يسبقون بأرواح الكفار إلى النار ، ~~وبأرواح المؤمنين إلى الجنة ، ومنهم من فسره بسائر طوائف الملائكة ، ثم ~~ذكروا في هذا السبق وجوها أحدها : قال مجاهد وأبو روق إن الملائكة سبقت ابن ~~آدم بالإيمان والطاعة ، ولا شك أن المسابقة في الخيرات درجة عظيمة قال ~~تعالى : { والسابقون السابقون * أولئك المقربون } ( الواقعة : 10 ) وثانيها ~~: قال الفراء والزجاج : إن الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء لأن ~~الشياطين كانت تسترق السمع وثالثها : ويحتمل أن يكون المراد أنه تعالى ~~وصفهم فقال : { لا يسبقونه بالقول } ( الأنبياء : 27 ) يعني قبل الإذن لا ~~يتحركون ولا ينطقون تعظيما لجلال الله تعالى وخوفا من هيبته ، وههنا وصفهم ~~بالسبق يعني إذا جاءهم اومر ، فإنهم يتسارعون إلى امتثاله ويتبادرون إلى ~~إظهار طاعته ، فهذا هو المراد من قوله : { فالسابقات سبقا } ، وأما قوله ms9439 : ~~{ فالمدبرات أمرا } فأجمعوا على أنهم هم الملائكة : قال مقاتل يعني جبريل ~~وميكائيل ، وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام يدبرون أمر الله تعالى في أهل ~~الأرض ، وهم المقسمات أمرا ، أما جبريل فوكل بالرياح والجنود ، وأما ~~ميكائيل فوكل بالقطر والنبات ، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس ، وأما ~~إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم / وقوم منهم موكلون بحفظ بني آدم ، وقوم ~~آخرون بكتابة أعمالهم وقوم آخرون بالخسف والمسخ والرياح والسحاب والأمطار ، ~~بقي على الآية سؤالان : # السؤال الأول : لم قال : { فالمدبرات أمرا } ، ولم يقل : أمورا فإنهم ~~يدبرون أمورا كثيرة لا أمرا واحدا ؟ والجواب : أن المراد به الجنس ، وإذا ~~كان كذلك قام مقام الجمع . # السؤال الثاني : قال تعالى : إن الأمر كله لله فكيف أثبت لهم ههنا تدبير ~~الأمر . والجواب : لما كان ذلك الإتيان به كان الأمر كأنهله ، فهذا تلخيص ~~ما قاله المفسرون في هذا الباب ، وعندي فيه وجه آخر : وهو أن الملائكة لها ~~صفات سلبية وصفات إضافية ، أما الصفات السلبية فهي أنها مبرأة عن الشهوة ~~والغضب والأخلاق الذميمة ، والموت والهرم والسقم والتركيب من الأعضاء ~~والأخلاط والأركان ، بل هي جواهر روحانية مبرأة عن هذه الأحوال ، فقوله : { ~~والنازعات غرقا } إشارة إلى كونها منزوعة عن هذه الأحوال نزعا كليا من جميع ~~الوجوه وعلى هذا التفسير : { * النازعات } هي ذوات النزع كاللابن والتامر ، ~~وأما قوله : { والناشطات نشطا } إشارة إلى أن خروجها عن هذه الأحوال ليس ~~على سبيل التكليف والمشقة كما في حق البشر ، بل هم بمقتضى ماهياتهم خرجوا ~~عن هذه الأحوال وتنزهوا عن هذه الصفات ، فهاتان الكلمتان إشارتان إلى تعريف ~~أحوالهم السلبية ، وأما صفاتهم الإضافية فهي قسمان أحدهما : شرح قوتهم ~~العاقلة أي كيف حالهم في معرفة ملك الله وملكوته والاطلاع على نور جلاله ~~فوصفهم في هذا المقام بوصفين / أحدهما : قوله : { والسابحات سبحا } فهم ~~يسبحون من أول فطرتهم في بحار جلال الله ثم لا منتهى لسباحتهم ، لأنه لا ~~منتهى لعظمة الله وعلو صمديته ونور جلاله وكبريائه ، فهم أبدا في تلك ~~السباحة وثانيهما : قوله : PageV31P027 { فالسابقات سبقا } وهو إشارة إلى ~~مراتب الملائكة في تلك السباحة فإنه ms9440 كما أن مراتب معارف البهائم بالنسبة ~~إلى مراتب معارف البشر ناقصة ، ومراتب معارف البشر بالنسبة إلى مراتب معارف ~~الملائكة ناقصة ، فكذلك معارف بعض تلك الملائكة بالنسبة إلى مراتب معارف ~~الباقين متفاوتة ، وكما أن المخالفة بين نوع الفرس ونوع الإنسان بالماهية ~~لا بالعوارض فكذا المخالفة بين شخص كل واحد من الملائكة وبين شخص الآخر ~~بالماهية فإذا كانت أشخاصها متفاوتة بالماهية لا بالعوارض كانت لا محالة ~~متفاوتة في درجات المعرفة وفي مراتب التجلي فهذا هو المراد من قوله : { ~~فالسابقات سبقا } فهاتان الكلمتان المراد منهما شرح أحوال قوتهم العاقلة . # وأما قوله : { فالمدبرات أمرا } فهو إشارة إلى شرح حال قوتهم العاملة ، ~~وذلك لأن كل حال من أحوال العالم السفلي مفوض إلى تدبير واحد من الملائكة ~~الذين هم عمار العالم العلوي وسكان بقاع السموات ، ولما كان التدبير لا يتم ~~إلا بعد العلم ، لا جرم قدم شرح القوة العاقلة التي لهم على شرح القوة ~~العاملة التي لهم ، فهذا الذي ذكرته احتمال ظاهر والله أعلم بمراده من ~~كلامه . # واعلم أن أبا مسلم بن بحر الأصفهاني طعن في حمل هذه الكلمات على الملائكة ~~، وقال : واحد النازعات نازعة وهو من لفظ الإناث ، وقد نزه الله تعالى ~~الملائكة عن التأنيث ، وعاب قول الكفار حيث قال : { وجعلوا الملئكة الذين ~~هم عباد الرحمان إناثا } ( الزخرف : 19 ) . # واعلم أن هذا طعن لا يتوجه على تفسيرنا ، لأن المراد الأشياء ذوات النزع ~~، وهذا القدر لا يقتضي ما ذكر من التأنيث . # الوجه الثاني في تأويل هذه الكلمات : أنها هي النجوم وهو قول الحسن ~~البصري ووصف النجوم بالنازعات يحتمل وجوها : أحدها : كأنها تنزع من تحت ~~الأرض فتنجذب إلى ما فوق الأرض / فإذا كانت منزوعة كانت ذوات نزع ، فيصح أن ~~يقال : إنها نازعة على قياس اللابن والتامر وثانيها : أن النازعات من قولهم ~~نزع إليه أي ذهب نزوعا ، هكذا قاله الواحدي : فكأنها تطلع وتغرب بالنزع ~~والسوق والثالث : أن يكون ذلك من قولهم : نزعت الخيل إذا جرت ، فمعنى : { ~~والنازعات } أي والجاريات على السير المقدر والحد المعين وقوله : { غرقا } ~~يحتمل وجهين ms9441 : أحدهما : أن يكون حالا من النازعات أي هذه الكواكب كالغرقى ~~في ذلك النزع والإرادة وهو إشارة إلى كمال حالها في تلك الإرادة ، فإن قيل ~~: إذا لم تكن الأفلاك والكواكب أحياء ناطقة ، فما معنى وصفها بذلك قلنا : ~~هذا يكون على سبيل التشبيه كقوله تعالى : { وكل فى فلك يسبحون } ( الأنبياء ~~: 33 ) فإن الجمع بالواو والنون يكون للعقلاء ، ثم إنه ذكر في الكواكب على ~~سبيل التشبيه والثاني : أن يكون معنى غرقها / غيبوبتها في أفق الغرب ، ~~فالنازعات إشارة إلى طلوعها وغرقا إشارة إلى غروبها أي تنزع ، ثم تغرق ~~إغراقا ، وهذا الوجه ذكره قوم من المفسرين . # أما قوله : { والناشطات نشطا } فقال صاحب ( الكشاف ) : معناه أنها تخرج ~~من برج إلى برج من قولك : ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد . وأقول يرجع ~~حاصل هذا الكلام إلى أن قوله : { والنازعات غرقا } إشارة إلى حركتها ~~اليومية { والناشطات نشطا } إشارة إلى انتقالها من برج إلى برج وهو حركتها ~~المخصوصة بها في أفلاكها الخاصة ، والعجب أن حركاتها اليومية قسرية ، ~~وحركتها من برج إلى برج ليست قسرية ، بل PageV31P028 ملائمة لذواتها ، فلا ~~جرم عبر عن الأول بالنزع وعن الثاني بالنشط ، فتأمل أيها المسكين في هذه ~~الأسرار . # وأما قوله : { والسابحات سبحا } فقال الحسن وأبو عبيدة رحمهما الله : هي ~~النجوم تسبح في الفلك ، لأن مرورها في الجو كالسبح ، ولهذا قال : { كل فى ~~فلك يسبحون } ( الأنبياء : 33 ) . # وأما قوله : { فالسابقات سبقا } فقال الحسن وأبو عبيدة : وهي النجوم يسبق ~~بعضها بعضا في السير بسبب كون بعضها أسرع حركة من البعض ، أو بسبب رجوعها ~~أو استقامتها . # وأما قوله تعالى : { فالمدبرات أمرا } ففيه وجهان أحدهما : أن بسبب سيرها ~~وحركتها يتميز بعض الأوقات عن بعض ، فتظهر أوقات العبادات على ما قال تعالى ~~: { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد } وقال : { يسئلونك عن ~~الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج } ( البقرة : 189 ) وقال : { لتعلموا عدد ~~السنين والحساب } ولأن بسبب حركة الشمس تختلف الفصول الأربعة ، ويخلف بسبب ~~اختلافها أحوال الناس في المعاش ، فلا جرم أضيفت إليها هذه التدبيرات ~~والثاني : أنه ms9442 لما ثبت بالدليل أن كل جسم محدث ثبت أن الكواكب محدثة مفتقرة ~~إلى موجد يوجدها ، وإلى صانع يخلقها ، ثم بعد هذا لو قدرنا أن صانعها أودع ~~فيها قوى مؤثرة في أحوال هذا العالم ، فهذا يطعن في الدين البتة ، وإن لم ~~نقل بثبوت هذه القوى أيضا ، لكنا نقول : أن الله سبحانه وتعالى أجرى عادته ~~بأن جعل كل واحد من أحوالها المخصوصة سببا لحدوث حادث مخصوص في هذا العالم ~~، كما جعل الأكل سببا للشبع ، والشرب سببا للري ، ومماسة النار سببا ~~للاحتراق ، فالقول بهذا المذهب لا يضر الإسلام البتة بوجه من الوجوه ، ~~والله أعلم بحقيقة الحال . # الوجه الثالث : في تفسير هذه الكلمات الخمسة أنها هي الأرواح ، وذلك لأن ~~نفس الميت تنزع ، يقال فلان في النزع ، وفلان ينزع إذا كان في سياق الموت ، ~~والأنفس نازعات عند السياق ، ومعنى { غرقا } أي نزعا شديدا أبلغ ما يكون ~~وأشد من إغراق النازع في القوس وكذلك تنشط لأن النشط معناه الخروج / ثم ~~الأرواح البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الاتصال العلوي ~~بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة ، ومنازل القدس على ~~أسرع الوجوه في روح وريحان ، فعبر عن ذهابها على هذه الحالة بالسباحة ، ثم ~~لا شك أن مراتب الأرواح / في النفرة عن الدنيا ومجبة الاتصال بالعالم ~~العلوي مختلفة فكلما كانت أتم في هذه الأحوال كان سيرها إلى هناك أسبق ، ~~وكلما كانت أضعف كان سيرها إلى هناك أثقل ، ولا شك أن الأرواح السابقة إلى ~~هذه الأحوال أشرف فلا جرم وقع القسم بها ، ثم إن هذه الأرواح الشريفة ~~العالية لا يبعد أن يكون فيها ما يكون لقوتها وشرفها يظهر منها آثار في ~~أحوال هذا العالم فهي { فالمدبرات أمرا } أليس أن الإنسان قد يرى أستاذه في ~~المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها ؟ أليس أن الابن قد يرى أباه في ~~المنام فيهديه إلى كنز مدفون ؟ أليس أن جالينوس قال : كنت مريضا فعجزت عن ~~علاج نفسي فرأيت في المنام واحدا أرشدني إلى كيفية العلاج ؟ أليس أن ~~الغزالي قال : إن الأرواح ms9443 الشريفة إذا فارقت أبدانها ، ثم اتفق إنسان مشابه ~~للإنسان الأول في الروح والبدن ، فإنه لا يبعد أن يحصل للنفس المفارقة تعلق ~~بهذا البدن حتى تصير كالمعاونة للنفس المتعلقة بذلك البدن على أعمال الخير ~~فتسمى تلك المعاونة إلهاما ؟ ونظيره في جانب النفوس الشريرة وسوسة ، وهذه ~~المعاني وإن لم تكن منقولة عن المفسرين إلا أن اللفظ PageV31P029 محتمل لها ~~جدا . # الوجه الرابع : في تفسير هذه الكلمات الخمس أنها صفات خيل الغزاة فهي ~~نازعات لأنها تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب ~~وهي { * ناشطات } لأنها تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب ، من قولهم : ~~ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد ، وهي سابحات لأنها تسبح في جريها وهي ~~سابقات ، لأنها تسبق إلى الغاية ، وهي مدبرات لأمر الغلبة والظفر ، وإسناد ~~التدبير إليها مجاز لأنها من أسبابه . # الوجه الخامس : وهو اختيار أبي مسلم رحمه الله أن هذه صفاة الغزاة ~~فالنازعات أيدي الغزاة يقال : للرامي نزع في قوسه ، ويقال : أغرق في النزع ~~إذا استوفى مد القوس ، والناشطات السهام وهي خروجها عن أيدي الرماة ونفوذها ~~، وكل شيء حللته فقد نشطته ، ومنه نشاط الرجل وهو انبساطه وخفته ، ~~والسابحات في هذا الموضع الخيل وسبحها العدو ، ويجوز أن يعني به الإبل أيضا ~~، والمدبرات مثل المعقبات ، والمراد أنه يأتي في أدبار هذا الفعل الذي هو ~~نزع السهام وسبح الخيل وسبقها الأمر الذي هو النصر ، ولفظ التأنيث إنما كان ~~لأن هؤلاء جماعات ، كما قيل : المدبرات ، ويحتمل أن يكون المراد الآلة من ~~القوس والأوهاق ، على معنى المنزوع فيها والمنشوط بها . # الوجه السادس : أنه يمكن تفسير هذه الكلمات بالمراتب الواقعة في رجوع ~~القلب من غير الله تعالى إلى الله { والنازعات غرقا } هي الأرواح التي تنزع ~~إلى اعتلاق العروة الوثقى ، أو المنزوعة عن محبة غير الله تعالى : { ~~والناشطات نشطا } هي أنها بعد الرجوع عن الجسمانيات تأخذ في المجاهدة ، ~~والتخلق بأخلاق الله سبحانه وتعالى بنشاط تام ، وقوة قوية : { والسابحات ~~سبحا } ثم إنها بعد المجاهدة تسرح في أمر الملكوت فتقطع في تلك البحار ms9444 ~~فتسبح فيها : { فالسابقات سبقا } إشارة إلى تفاوت الأرواح في درجات سيرها ~~إلى الله تعالى : { فالمدبرات أمرا } إشارة إلى أن آخر مراتب / البشرية ~~متصلة بأول درجات الملكية ، فلما انتهت الأرواح البشرية إلى أقصى غاياتها ~~وهي مرتبة السبق اتصلت بعالم الملائكة وهو المراد من قوله : { فالمدبرات ~~أمرا } فالأربعة الأول هي المراد من قوله : { يكاد زيتها يضىء } ( النور : ~~35 ) والخامسة : هي النار في قوله : { ولو لم تمسسه نار } ( النور : 35 ) . # واعلم أن الوجوه المنقولة عن المفسرين غير منقولة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نصا ، حتى لا يمكن الزيادة عليها ، بل إنما ذكروها لكون اللفظ ~~محتملا لها ، فإذا كان احتمال اللفظ لما ذكرناه ليس دون احتماله للوجوه ~~التي ذكروها لم يكن ما ذكروه أولى مما ذكرناه إلا أنه لا بد ههنا من دقيقة ~~، وهو أن اللفظ محتمل للكل ، فإن وجدنا بين هذه المعاني مفهوما واحدا ~~مشتركا حملنا اللفظ على ذلك المشترك : وحينئذ يندرج تحته جميع هذه الوجوه . ~~أما إذا لم يكن بين هذه المفهومات قدر مشترك تعذر حمل اللفظ على الكل ، لأن ~~اللفظ المشترك لا يجوز استعماله لإفادة مفهومية معا ، فحينذ لا نقول مراد ~~الله تعالى هذا ، بل نقول : يحتمل أن يكون هذا هو المراد ، أما الجزم فلا ~~سبيل إليه ههنا . # الاحتمال الثاني : وهو أن تكون الألفاظ الخمسة صفات لشيء واحد ، بل ~~لأشياء مختلفة ، ففيه أيضا وجوه الأول : النازعات غرقا ، هي : القسى ، ~~والناشطات نشطا هي الأوهاق ، والسابحات السفن ، والسابقات الخيل ، ~~والمدبرات الملائكة ، رواه واصل بن السائب : عن عطاء الثاني : نقل عن مجاهد ~~: في PageV31P030 النازعات ، والناشطات ، والسابحات أنها الموت ، وفي ~~السابقات ، والمدبرات أنها الملائكة ، وإضافة النزع ، والنشط ، والسبح إلى ~~الموت مجاز بمعنى أنها حصلت عند حصوله الثالث : قال قتادة : الجميع هي ~~النجوم إلا المدبرات ، فإنها هي الملائكة . # المسألة الثانية : ذكر فالسابقات بالفاء ، والتي قبلها بالواو ، وفي علته ~~وجهان الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : إن هذه مسيبة عن التي قبلها ، كأنه ~~قيل : واللاتي سبحن ، فسبقن كما تقول : قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان ~~سببا ms9445 للذهاب ، ولو قلت : قام وذهب لم تجعل القيام سببا للذهاب ، قال ~~الواحدي : قول صاحب ( النظم ) غير مطرد في قوله : { فالمدبرات أمرا } لأنه ~~يبعد أن يجعل السبق سببا للتدبير ، وأقول : يمكن الجواب عن اعتراض الواحدي ~~رحمه الله من وجهين : الأول : لا يبعد أن يقال : إنها لما أمرت سبحت فسبقت ~~فدبرت ما أمرت بتدبيرها وإصلاحها ، فتكون هذه أفعالا يتصل بعضها ببعض ، ~~كقولك قام زيد ، فذهب ، فضرب عمرا ، الثاني : لا يبعد أن يقال : إنهم لما ~~كانوا سابقين في أداء الطاعات متسارعين إليها ظهرت أمانتهم ، فلهذا السبب ~~فوض الله إليهم تدبير بعض العالم الوجه الثاني : أن الملائكة قسمان ، ~~الرؤساء والتلامذة ، والدليل عليه أنه سبحانه وتعالى قال : { قل يتوفاكم ~~ملك الموت } ( السجدة : 11 ) ثم قال : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا } ( الأنعام : 61 ) فقلنا في التوفيق بين الآيتين : أن ملك الموت هو ~~الرأس ، والرئيس وسائر الملائكة هم التلامذة ، إذا عرفت هذا فتقول : ~~النازعات ، والناشطات / والسابحات ، محمولة على التلامذة الذين هم يباشرون ~~العمل بأنفسهم ، ثم قوله تعالى : { فالسابقات * فالمدبرات } إشارة إلى ~~الرؤساء الذين هم السابقون ، في الدرجة والشرف ، وهم المدبرون لتلك الأحوال ~~والأعمال . # ! 7 < { يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ واجفة * أبصارها ~~خاشعة } . > 7 ! # < < # | النازعات : ( 6 ) يوم ترجف الراجفة # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : جواب القسم المتقدم محذوف أو مذكور فيه وجهان الأول : ~~أنه محذوف ، ثم على هذا الوجه في الآية احتمالات : # الأول : قال الفراء التقدير : لتبعثن ، والدليل عليه ما حكى الله تعالى ~~عنهم ، أنهم قالوا : { أءذا كنا عظاما نخرة } ( النازعات : 11 ) أي أنبعث ~~إذا صرنا عظاما نخرة الثاني : قال الأخفش والزجاج : لننفخن في الصور نفختين ~~ودل على هذا المحذوف ذكر الراجفة والرادفة وهما النفختان الثالث : قال ~~الكسائي : الجواب المضمر هو أن القيامة واقعة وذلك لأنه سبحانه وتعالى قال ~~: { والذريات ذروا } ( الذاريات : 1 ) ثم قال : { إنما توعدون لصادق } ( ~~الذاريات : 5 ) وقال : { والمرسلات عرفا * إنما توعدون لواقع } ( المرسلات ~~: 7 , 1 ) فكذلك ههنا فإن القرآن كالسورة الواحدة القول الثاني : أن الجواب ~~مذكور وعلى هذا القول احتمالات الأول ms9446 : المقسم عليه هو قوله : { قلوب يومئذ ~~واجفة * أبصارها خاشعة } والتقدير والنازعات غرقا أن يوم ترجف الراجفة تحصل ~~قلوب واجفة وأبصارها خاشعة الثاني : جواب القسم هو قوله : { هل أتاك حديث ~~موسى } ( النازعات : 15 ) فإن هل PageV31P031 ههنا بمعنى قد ، كما في قوله ~~: { هل أتاك حديث الغاشية } ( الغاشية : 1 ) أي قد أتاك حديث الغاشية ~~الثالث : جواب القسم هو قوله : { إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى } ( النازعات : ~~26 ) . # المسألة الثانية : ذكروا في ناصب يوم بوجهين أحدهما : أنه منصوب بالجواب ~~المضمر والتقدير لتبعثن يوم ترجف الراجفة ، فإن قيل كيف يصح هذا مع أنهم لا ~~يبعثون عند النفخة الأولى والراجفة هي النفخة الأولى ؟ قلنا المعنى لتبعثن ~~في الوقت الواسع الذي يحصل فيه النفختان ، ولا شك أنهم يبعثون في بعض ذلك ~~الوقت الواسع وهو وقت النفخة الأخرى ، ويدل على ما قلناه أن قوله : { ~~تتبعها الرادفة } جعل حالا عن الراجفة والثاني : أن ينصب يوم ترجف بما دل ~~عليه : { قلوب يومئذ واجفة } أي يوم ترجف وجفت القلوب . # المسألة الثالثة : الرجفة في اللغة تحتمل وجهين أحدهما : الحركة لقوله : ~~{ يوم ترجف الارض والجبال } ( المزمل : 14 ) . الثاني : الهدة المنكرة ~~والصوت الهائل من قولهم : رجف الرعد يرجف رجفا ورجيفا ، وذلك تردد أصواته ~~المنكرة وهدهدته في السحاب ، ومنه قوله تعالى : { فأخذتهم الرجفة } ( ~~الأعراف : 91 ) فعلى هذا الوجه الراجفة صيحة عظيمة فيها هول وشدة كالرعد ، ~~وأما الرادفة فكل شيء جاء بعد شيء آخر يقال ردفه ، أي جاء بعده ، وأما ~~القلوب الواجفة فهي المضطربة الخائفة ، يقال : وجف قلبه يجف وجافا إذا ~~اضطرب ، ومنه إيجاف الدابة ، وحملها على السير الشديد ، وللمفسرين عبارات ~~كثيرة في تفسير الواجفة ومعناها واحد ، قالوا : خائفة وجلة زائدة عن ~~أماكنها قلقة مستوفزة مرتكضة شديدة الاضطراب غير ساكنة ، أبصار أهلها خاشعة ~~، وهو كقوله : { خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى } ( الشورى : 45 ) إذا ~~عرفت هذا فنقول ، اتفق جمهور المفسرين على أن هذه الأمور أحوال يوم القيامة ~~، وزعم أبو مسلم الأصفهاني أنه ليس كذلك ونحن نذكر تفاسير المفسرين ثم نشرح ~~قول أبي مسلم . # أما القول ms9447 الأول : وهو المشهور بين الجمهور ، أن هذه الأحوال أحوال يوم ~~القيامة فهؤلاء ذكروا وجوها أحدها : أن الراجفة هي النفخة الأولى ، وسميت ~~به إما لأن الدنيا تتزلزل وتضطرب عندها / وإما لأن صوت تلك النفخة هي ~~الراجفة ، كما بينا القول فيه ، والراجفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب ~~الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء على ما ذكره تعالى ~~في سورة الزمر ، ثم يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن بين النفختين ~~أربعين عاما ، ويروى في هذه الأربعين يمطر الله الأرض ويصير ذلك الماء ~~عليها كالنطف ، وأن ذلك كالسبب للأحياء ، وهذا مما لا حاجة إليه في الإعادة ~~، ولله أن يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد وثانيها : الراجفة هي النفخة ~~الأولى والرادفة هي قيام الساعة من قوله : { عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى ~~تستعجلون } ( النمل : 72 ) أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعادا لها ~~فهي رادفة لهم لاقترابها وثالثها : الراجفة الأرض والجبال من قوله : { يوم ~~ترجف الارض والجبال } والرادفة السماء والكواكب لأنها تنشق وتنتثر كواكبها ~~على أثر ذلك ورابعها : الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل والرادفة زلزلة ~~ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى القول الثاني : وهو قول أبي مسلم ~~أن هذه الأحوال ليست أحوال يوم القيامة ، وذلك لأنا نقلنا عنه أنه فسر ~~النازعات بنزع القوس والناشطات بخروج السهم ، والسابحات بعدو الفرس ، ~~والسابقات بسبقها ، والمدبرات بالأمور التي تحصل أدبار ذلك الرمي والعدو ، ~~ثم بنى على ذلك فقال الراجفة هي خيل المشركين وكذلك الرادفة ويراد بذلك ~~طائفتان من المشركين غزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV31P032 فسبقت ~~إحداهما الأخرى ، والقلوب الواجفة هي القلقة ، والأبصار الخاشعة هي أبصار ~~المنافقين كقوله : { الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من ~~الموت } ( محمد : 20 ) كأنه قيل لما جاء خيل العدو يرجف ، وردفتها أختها ~~اضطرب قلوب المنافقين خوفا ، وخشعت أبصارهم جبنا وضعفا ، ثم قالوا : / { ~~أءنا لمردودون فى الحافرة } ( النازعات : 10 ) أي نرجع إلى الدنيا حتى ~~نتحمل هذا الخوف لأجلها وقالوا أيضا : { تلك إذا كرة خاسرة } ( النازعات ms9448 : ~~12 ) فأول هذا الكلام حكاية لحال من غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المشركين وأوسطه حكاية لحال المنافقين وآخره حكاية لكلام المنافقين في ~~إنكار الحشر ، ثم إنه سبحانه وتعالى أجاب عن كلامهم بقوله : { فإنما هى ~~زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة } ( النازعات : 14 , 13 ) وهذا كلام أبي ~~مسلم واللفظ محتمل له وإن كان على خلاف قول الجمهور . # قوله تعالى : { قلوب يومئذ واجفة * أبصارها خاشعة } اعلم أنه تعالى لم ~~يقل : القلوب يومئذ واجفة ، فإنه ثبت بالدليل أن أهل الإيمان لا يخافون بل ~~المراد منه قلوب الكفار ، ومما يؤكد ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون : ~~{ أءنا لمردودون فى الحافرة } ( النازعات : 10 ) وهذا كلام الكفار لا كلام ~~المؤمنين ، وقوله : { أبصارها خاشعة } لأن المعلوم من حال المضطرب الخائف ~~أن يكون نظره نظر خاشع ذليل خاضع يترقب ما ينزل به من الأمر العظيم ، وفي ~~الآية سؤالان : # السؤال الأول : كيف جاز الابتداء بالنكرة ؟ الجواب : قلوب مرفوعة ~~بالابتداء وواجفة صفتها وأبصارها خاشعة خبرها فهو كقوله : { ولعبد مؤمن خير ~~من مشرك } ( البقرة : 221 ) . # السؤال الثاني : كيف صحت إضافة الأبصار إلى القلوب ؟ الجواب : معناه ~~أبصار أصحابها بدليل قوله يقولون ، ثم اعلم أنه تعالى حكى ههنا عن منكري ~~البعث أقوالا ثلاثة : # أولها : قوله تعالى : { يقولون * أءنا لمردودون فى الحافرة } يقال رجع ~~فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها فحفرها أي أثر فيها بمشيه فيها ~~جعل أثر قدميه حفرا فهي في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة / كما قيل : ~~{ فى عيشة راضية } ( الحاقة : 21 ) و { ماء دافق } ( الطارق : 6 ) أي ~~منسوبة إلى الحفر والرضا والدفق أو كقولهم نهارك صائم ، ثم قيل لمن كان في ~~أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته ، أي إلى طريقته وفي الحديث : ( ~~إن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته ) أي على أول تأسيسه ~~وحالته الأولى وقرأ أبو حيوة في الحفرة ، والحفرة بمعنى المحفورة يقال : ~~حفرت أسنانه ، فحفرت حفرا ، وهي حفرة ، هذه القراءة دليل على أن الحافرة في ms9449 ~~أصل الكلمة بمعنى المحفور ، إذا عرفت هذا ظهر أن معنى الآية : أنرد إلى أول ~~حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا . # وثانيها : قوله تعالى : { أءذا كنا عظاما نخرة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ حمزة وعاصم ناخرة بألف ، وقرأ الباقون نخرة بغير ~~ألف ، واختلفت الرواية عن الكسائي فقيل : إنه كان لا يبالي كيف قرأها ، ~~وقيل : إنه كان يقرؤها بغير ألف ، ثم رجع إلى الألف ، واعلم أن PageV31P033 ~~أبا عبيدة اختار نخرة ، وقال : نظرنا في الآثار التي فيها ذكر العظام التي ~~قد نخرت ، فوجدناها كلها العظام النخرة ، ولم نسمع في شيء منها الناخرة ، ~~وأما من سواه ، فقد اتفقوا / على أن الناخرة لغة صحيحة ، ثم اختلف هؤلاء ~~على قولين : الأول : أن الناخرة والنخرة بمعنى واحد قال الأخفش هما جميعا ~~لغتان أيهما قرأت فحسن ، وقال الفراء : الناخر والنخر سواء في المعنى ~~بمنزله الطامع والطمع ، والباخل والبخل ، وفي كتاب ( الخليل ) نخرت الخشبة ~~إذا بليت فاسترخت حتى تتفتت إذا مست ، وكذلك العظم الناخر ، ثم هؤلاء الذين ~~قالوا : هما لغتان والمعنى واحد اختلفوا فقال الزجاج والفراء : الناخرة ~~أشبه الوجهين بالآية لأنها تشبه أواخر سائر الآي نحو الحافرة والساهرة ، ~~وقال آخرون : الناخرة والنخر كالطامع والطمع ، واللابث واللبث وفعل أبلغ من ~~فاعل القول الثاني : أن النخرة غير والناخرة غير ، أما النخرة فهو من نخر ~~العظم ينخر فهو نخر مثل عفن يعفن فهو عفن ، وذلك إذا بلي وصار بحيث لو ~~لمسته لتفتت ، وأما الناخرة فهي العظام الفارغة التي يحصل من هبوب الريح ~~فيها صوت كالنخير ، وعلى هذا الناخرة من النخير بمعنى الصوت كنخير النائم ~~والمخنوق لا من النخر الذي هو البلى . # المسألة الثانية : إذا منصوب بمحذوف تقدير إذا كنا عظاما نرد ونبعث . # المسألة الثالثة : اعلم أن حاصل هذه الشبهة أن الذي يشير إليه كل أحد إلى ~~نفسه بقوله : أنا هو هذا الجسم المبني بهذه البنية المخصوصة ، فإذا مات ~~الإنسان فقد بطل مزاجه وفسد تركيبه فتمتنع إعادته لوجوه أحدها : أنه لا ~~يكون الإنسان العائد هو الإنسان الأول إلا إذا دخل التركيب الأول ms9450 في الوجود ~~مرة أخرى ، وذلك قول بإعادة عين ما عدم أولا ، وهذا محال لأن الذي عدم لم ~~يبق له عين ولا ذات ولا خصوصية ، فإذا دخل شيء آخر في الوجود استحال أيقال ~~بأن العائد هو عين ما فني أولا وثانيها : أن تلك الأجزاء تصير ترابا وتتفرق ~~وتختلط بأجزاء كل الأرض وكل المياه وكل الهواء فتميز تلك الأجزاء بأعيانها ~~عن كل هذه الأشياء محال وثالثها : أن الأجزاء الترابية باردة يابسة قشفة ~~فتولد الإنسان الذي لا بد وأن يكون حارا رطبا في مزاجه عنها محال ، هذا ~~تمام تقرير كلام هؤلاء الذين احتجوا على إنكار البعث بقولهم : { أءذا كنا ~~عظاما نخرة } والجواب : عن هذه الشبهة من وجوه أولها : وهو الأقوى : لا ~~نسلم أن المشار إليه لكل أحد بقوله : أنا هو هذا الهيكل ، ثم إن الذي يدل ~~على فساده وجهان الأول : أن أجزاء هذا الهيكل في الزوبان والتبدل ، والذي ~~يشير إليه كل أحد إلى نفسه بقوله أنا ليس في التبدل والمتبدل مغاير لما هو ~~غير متبدل والثاني : أن الإنسان قد يعرف أنه هو حال كونه غافلا عن أعضائه ~~الظاهرة والباطنة / والمشعور به مغاير لما هو غير مشعور به وإلا لاجتمع ~~النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال ، فثبت أن المشار إليه لكل أحد ~~بقوله : أنا ليس هو هذا الهيكل ، ثم ههنا ثلاث احتمالات أحدها : أن يكون ~~ذلك الشيء موجودا قائما بنفسه ليس بجسم ولا بجسماني على ما هو مذهب طائفة ~~عظيمة من الفلاسفة ومن المسلمين وثانيها : أن يكون جسما مخالفا بالماهية ~~لهذه الأجسام القابلة للإنحلال والفساد سارية فيها سريان النار في الفحم ~~وسريان الدهن في السمسم وسريان ماء الورد / في جرم الورد فإذا فسد هذا ~~الهيكل تقلصت تلك الأجزاء وبقيت حية مدركة عاقلة ، إما في الشقاوة أو في ~~السعادة وثالثها : أن يقال : إنه جسم مساو لهذه الأجسام في الماهية إلا أن ~~الله تعالى خصها بالبقاء والاستمرار من أول حال تكون شخص في الوجود إلى آخر ~~عمره ، وأما سائر الأجزاء المتبدلة تارة PageV31P034 بالزيادة وأخرى ~~بالنقصان ms9451 فهي غير داخلة في المشار إليه بقوله أنا فعند الموت تنفصل تلك ~~الأجزاء . وتبقى حية ، إما في السعادة أو في الشقاوة ، وإذا ظهرت هذه ~~الاحتمالات ثبت أنه لا يلزم من فساد البدن وتفرق أجزائه فساد ما هو الإنسان ~~حقيقة ، وهذا مقام حسن متين تنقطع به جميع شبهات منكري البعث . وعلى هذا ~~التقدير لا يكون لصيرورة العظام نخرة بالية متفرقة تأثير في دفع الحشر ~~والنشر ألبتة ، سلمنا على سبيل المسامحة أن الإنسان هو مجموع هذا الهيكل ، ~~فلم قلتم : إن الإعادة ممتنعة ؟ قوله ؟ ( أولا ) : المعدوم لا يعاد : قلنا ~~: أليس أن حال عدمه لم يمتنع عندكم صحة الحكم عليه بأنه يمتنع عوده ، فلم ~~لا يجوز أن لا يمتنع على قولنا أيضا صحة الحكم عليه بالعود ، قول : ثانيا : ~~الأجزاء القليلة مختلطة بأجزاء العناصر الأربعة ، قلنا لكن ثبت أن خالق ~~العالم عام بجميع الجزئيات ، وقادر على كل الممكنات فيصح منه جمعها ~~بأعيانها . وإعادة الحياة إليها . قوله : ثالثا : الأجسام القشفة اليابسة ~~لا تقبل الحياة . قلنا : نرى السمندل ، يعيش في النار ، والنعامة تبتلع ~~الحديدة المحماة ، والحيات الكبار العظام متولدة في الثلوج ، فبطل الاعتماد ~~على الاستقراء ، والله الهادي إلى الصدق والصواب . # ! 7 < { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } . > 7 ! # < < # | النازعات : ( 12 ) قالوا تلك إذا . . . . . # > > النوع الثالث : من الكلمات التي حكاها الله تعالى عن منكري البعث { ~~قالوا تلك إذا كرة خاسرة } والمعنى كرة منسوبة إلى الخسران ، كقولك تجارة ~~رابحة ، أو خاسر أصحابها ، والمعنى أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا ، ~~وهذا منهم استهزاء . # ! 7 < { فإنما هى زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة } . > 7 ! # واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه الكلمات قال : { فإنما هى زجرة واحدة ~~فإذا هم * بالساهرة } < < # | النازعات : ( 13 ) فإنما هي زجرة . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الفاء في قوله : { فإذا هم } متعلق بمحذوف معناه لا ~~تستصعبوها فإنما هي زجرة واحدة ، يعني لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله ~~فإنها سهلة هينة في قدرته . # المسألة الثانية : يقال : زجر البعير إذا صاح عليه ، والمراد من هذه ~~الصيحة النفخة الثانية وهي صيحة ms9452 إسرافيل ، قال المفسرون : يحيهم الله في ~~بطون الأرض فيسمعونها فيقومون ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وما ينظر ~~هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق } ( ص : 15 ) . # المسألة الثالثة : الساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لوجهين ~~الأول : أن / سالكها لا ينام خوفا منها الثاني : أن السراب يجري فيها من ~~قولهم عين ساهرة جارية الماء ، وعندي فيه وجه ثالث : وهي أن الأرض إنما ~~تسمى ساهرة لأن من شدة الخوف فيها يطير النوم من الإنسان ، فتلك الأرض التي ~~يجتمع الكفار فيها في موقف القيامة يكونون فيها في أشد الخوف ، فسميت تلك ~~الأرض ساهرة لهذا السبب ، ثم اختلفوا من وجه آخر فقال بعضهم : هي أرض ~~الدنيا ، وقال آخرون : هي أرض الآخرة لأنهم عند الزجرة والصيحة ينقلون ~~أفواجا إلى أرض الآخرة ولعل هذا الوجه أقرب . # PageV31P035 ! 7 < { هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى ~~* اذهب إلى فرعون إنه طغى } . > 7 ! # < < # | النازعات : ( 15 ) هل أتاك حديث . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة وبين ما قبلها من ~~وجهين : الأول : أنه تعالى حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث حتى ~~انتهوا في ذلك الإنكار إلى حد الاستهزاء في قولهم : { تلك إذا كرة خاسرة } ~~( النازعات : 12 ) وكان ذلك يشق على محمد صلى الله عليه وسلم فذكر قصة موسى ~~عليه السلام ، وبين أنه تحمل المشقة الكثيرة في دعوة فرعون ليكون ذلك ~~كالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم الثاني : أن فرعون كان أقوى من كفار ~~قريش وأكثر جمعا وأشد شوكة ، فلما تمرد على موسى أخذه الله نكال الآخرة ~~والأولى ، فكذلك هؤلاء المشركون في تمردهم عليك إن أصروا أخذهم الله وجعلهم ~~نكالا . # المسألة الثانية : قوله : { هل أتاك } يحتمل أن يكون معناه أليس قد { ~~أتاك حديث موسى } هذا إن كان قد أتاه ذلك قبل هذا الكلام ، أما إن لم يكن ~~قد أتاه فقد يجوز أن يقال : { هل أتاك } كذا ، أم أنا أخبرك به فإن فيه ~~عبرة لمن يخشى . # المسألة الثالثة : الوادي المقدس المبارك المطهر ، وفي ms9453 قوله : { طوى } ~~وجوه : أحدها : أنه اسم وادي بالشام وهو عند الطور الذي أقسم الله به في ~~قوله : { والطور * وكتاب مسطور } ( الطور : 2 , 1 ) وقوله : { وناديناه من ~~جانب الطور الايمن } ( مريم : 52 ) والثاني : أنه بمعنى يا رجل بالعبرانية ~~، فكأنه قال : يا رجل اذهب إلى فرعون ، وهو قول ابن عباس والثالث : أن يكون ~~قوله : { طوى } أي ناداه { طوى } من الليلة { اذهب إلى فرعون } لأنك تقول ~~جئتك بعد { طوى } أي بعد ساعة من الليل والرابع : أن يكون المعنى بالوادي ~~المقدس الذي طوى أي بورك فيه مرتين . # المسألة الرابعة : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { طوى } بضم الطاء غير ~~منون ، وقرأ / الباقون بضم الطاء منونا ، وروي عن أبي عمرو . طوى بكسر ~~الطاء ، وطوى مثل ثنى ، وهما اسمان للشيء المثنى ، والطي بمعنى الثني ، أي ~~ثنيت في البركة والتقديس ، قال القراء : { طوى } واد بين المدينة ومصر ، ~~فمن صرفه قال : هو ذكر سمينا به ذكرا ، ومن لم يصرفه جعله معدولا عن جهته ~~كعمر وزفر ، ثم قال : والصرف أحب إلي إذ لم أجد في المعدول نظيرا ، أي لم ~~أجد اسما من الواو والياء عدل عن فاعلة إلى فعل غير { طوى } . # المسألة الخامسة : تقدير الآية : إذ ناداه ربه وقال اذهب إلى فرعون ، وفي ~~قراءة عبدالله أن اذهب ، لأن في النداء معنى القول . وأما أن ذلك النداء ~~كان بإسماع الكلام القديم ، أو بإسماع الحرف والصوت ، وإن كان على هذا ~~الوجه فكيف عرف موسى أنه كلام الله . فكل ذلك قد تقدم في سورة طه . # المسألة السادسة : أن سائر الآيات تدل على أنه تعالى في أول ما نادى موسى ~~عليه السلام ذكر له أشياء كثيرة ، كقوله في سورة طه : { نودى ياموسى * موسى ~~إنى * أنا ربك } إلى قوله : { لنريك من ءاياتنا الكبرى * اذهب إلى فرعون ~~إنه طغى } ( طه : 24 , 23 ) فدل ذلك على أن قوله ههنا : { اذهب إلى فرعون ~~إنه طغى } من جملة ما ناداه PageV31P036 به ربه ، لا أنه كل ما ناداه به ، ~~وأيضا ليس الغرض أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى فرعون ms9454 فقط ، بل إلى كل من ~~كان في ذلك الطرف ، إلا أنه خصه بالذكر ، لأن دعوته جارية مجرى دعوة كل ذلك ~~القوم . # المسألة السابعة : الطغيان مجاوزة الحد ، ثم إنه تعالى لم يبين أنه تعدى ~~في أي شيء / فلهذا قال بعض المفسرين : معناه أنه تكبر على الله وكفر به ، ~~وقال آخرون : إنه طغى على بني إسرائيل ، والأولى عندي الجمع بين الأمرين ، ~~فالمعنى أنه طغى على الخالق بأن كفر به ، وطغى على الخلق بأن تكبر عليهم ~~واستعبدهم ، وكما أن كمال العبودية ليس إلا صدق المعاملة مع الخالق ومع ~~الخلق ، فكذا كمال الطغيان ليس إلا الجمع بين سوء المعاملة مع الخالق ومع ~~الخلق . # واعلم أنه تعالى لما بعثه إلى فرعون لقنه كلامين ليخاطبه بهما : # ! 7 < { فقل هل لك إلى أن تزكى } . > 7 ! # فالأول : قول تعالى : { فقل هل لك إلى أن تزكى } < < # | النازعات : ( 18 ) فقل هل لك . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : يقال هل لك في كذا ، وهل لك إلى كذا ، كما تقول : هل ~~ترغب فيه ، وهل ترغب إليه ، قال الواحدي : المبتدأ محذوف في اللفظ مراد في ~~المعنى ، والتقدير : هل لك إلى تزكى حاجة أو إربه ، قال الشاعر : # % فهل لكم فيها إلي فإنني % % بصير بما أعيا النطاسي حذيما % # ويحتمل أن يكون التقدير : هل لك سبيل إلى أن تزكى . # / المسألة الثانية : الزكي الطاهر من العيوب كلها ، قال : { أقتلت نفسا ~~زكية } ( الكهف : 74 ) وقال : { قد أفلح من زكاها } ( الشمس : 9 ) وهذه ~~الكلمة جامعة لكل ما يدعوه إليه ، لأن المراد هل لك إلى أن تفعل ما تصير به ~~زاكيا عن كل مالا ينبغي ، وذلك بجمع كل ما يتصل بالتوحيد والشرائع . # المسألة الثالثة : فيه قراءتان : التشديد على إدغام تاء التفعل في الزاي ~~لتقاربهما والتخفيف . # المسألة الرابعة : المعتزلة تمسكوا به في إبطال كون الله تعالى خالقا ~~لفعل العبد بهذه الآية ، فإن هذا استفهام على سبيل التقرير ، أي لك سبيل ~~إلى أن تزكى ، ولو كان ذلك بفعل الله تعالى لانقلب الكلام على موسى ، ~~والجواب عن أمثاله تقدم . # المسأة الخامسة : أنه لما قال ms9455 لهما : { فقولا له قولا لينا } ( طه : 44 ) ~~فكأنه تعالى رتب لهما ذلك الكلام اللين الرقيق ، وهذا يدل على أنه لا بد في ~~الدعوة إلى الله من اللين والرفق وترك الغلظة ، ولهذا قال لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم : { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ( آل عمران : 159 ~~) ويدل على أن الذين يخاشنون الناس ويبالغون في التعصب ، كأنهم على ضد ما ~~أمر الله به أنبياءه ورسله . # ! 7 < { وأهديك إلى ربك فتخشى } . > 7 @QB@ < # | النازعات : ( 19 ) وأهديك إلى ربك . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وأهديك إلى ربك فتخشى } وفيه مسائل : PageV31P037 # المسألة الأولى : القائلون بأن معرفة الله لا تستفاد إلا من الهادي ~~تمسكوا بهذه الآية ، وقالوا : إنها صريحة في أنه يهديه إلى معرفة الله ، ثم ~~قالوا : ومما يدل على أن هذا هو المقصود الأعظم من بعثة الرسل ؛ أمران ~~الأول : أن قوله : { هل لك إلى أن تزكى } يتناول جميع الأمور التي لا بد ~~للمبعوث إليه منها ، فيدخل فيه هذه الهداية فلما أعاده بعد ذلك علم أنه هو ~~المقصود الأعظم من البعثة والثاني : أن موسى ختم كلامه عليه ، وذلك ينبه ~~أيضا على أنه أشرف المقاصد من البعثة والجواب : أنا لا نمنع أن يكون ~~للتنبيه والإشارة معونة في الكشف عن الحق إنما النزاع في إنكم تقولون : ~~يستحيل حصوله إلا من المعلم ونحن لا نحل ذلك . # المسألة الثانية : دلت الآية على أن معرفة الله مقدمة على طاعته ، لأنه ~~ذكر الهداية وجعل الخشية مؤخرة عنها ومفرعة عليها ، ونظيره قوله تعالى في ~~أول النحل : { أن أنذروا أنه لا إلاه إلا أنا فاتقون } ( النحل : 2 ) وفي ~~طه : { إننى أنا الله لا إلاه إلا أنا فاعبدنى } ( طه : 14 ) . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة . قال ~~تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) أي العلماء به ~~، ودلت الآية على أن الخشية ملاك الخيرات ، لأن من خشى الله أتى منه كل خير ~~، ومن أمن اجترأ على كل شر ، ومنه قوله عليه السلام ( من خاف أدلج ، ومن ~~أدلج بلغ ms9456 المنزل ) . # ! 7 < { فأراه الا ية الكبرى } . > 7 ! # / < < # | النازعات : ( 20 ) فأراه الآية الكبرى # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : الفاء في { فأراه } معطوف على محذوف معلوم ، يعني فذهب ~~فأراه ، كقوله : { فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت } ( البقرة : 60 ) أي ~~فضرب فانفجرت . # المسألة الثانية : اختلفوا في الآية الكبرى على ثلاثة أقوال : الأول : ~~قال مقاتل والكلبي : هي اليد ، لقوله في طه : { وأدخل يدك فى جيبك تخرج ~~بيضاء من غير سوء } ( النمل : 12 ) آية أخرى { لنريك من ءاياتنا الكبرى } ( ~~طه : 23 ) القول الثاني : قال عطاء : هي العصا ، لأنه ليس في اليد إلا ~~انقلاب لونه إلى لون آخر ، وهذا المعنى كان حاصلا في العصا ، لأنها لما ~~انقبلت حية فلا بد وأن يكون قد تغير اللون الأول ، فإذا كل ما في اليد فهو ~~حاصل في العصا ، ثم حصل في العصا أمور أخرى أزيد من ذلك ، منها حصول الحياة ~~في الجرم الجمادى ، ومنها تزايد أجزائه وأجسامه ، ومنها حصول القدرة ~~الكبيرة والقوة الشديدة ، ومنها أنها كانت ابتلعت أشياء كثيرة وكأنها فنيت ~~، ومنها زوال الحياة والقدرة عنها ، وفناء تلك الأجزاء التي حصل عظمها ، ~~وزوال ذلك اللون والشكل اللذين بهما صارت العصا حية ، وكل واحد من هذه ~~الوجوه كان معجزا مستقلا في نفسه ، فعلمنا أن الآية الكبرى هي العصاوالقول ~~الثالث : في هذه المسألة قول مجاهد : وهو أن المراد من الآية الكبرى مجموع ~~اليد والعصا ، وذلك لأن سائر الآيات دلت على أن أول ما أظهر موسى عليه ~~السلام لفرعون هو العصا ، ثم أتبعه باليد ، فوجب أن يكون المراد من الآية ~~الكبرى مجموعهما . # PageV31P038 ! 7 < { فكذب وعصى } . > 7 ! # أحدها : قوله تعالى : { فكذب وعصى } < < # | النازعات : ( 21 ) فكذب وعصى # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : معنى قوله : { فكذب } أنه كذب بدلالة ذلك المعجز على ~~صدقه . واعلم أن القدح في دلالة المعجزة على الصدق إما لاعتقاد أنه يمكن ~~معارضته ، أو لأنه وإن امتنعت معارضته لكنه ليس فعلا لله بل لغيره ، إما ~~فعل جنى أو فعل ملك ، أو إن كان فعلا لله تعالى لكنه ما فعله لغرض التصديق ~~، أو إن كان فعله ms9457 لغرض التصديق لكنه لا يلزم صدق المدعى ، فإنه لا يقبح من ~~الله شيء ألبتة ، فهذه مجامع الطعن في دلالة المعجز على الصدق ، وما بعد ~~الآية يدل على أن فرعون إنما منع من دلالته عن الصدق لاعتقاده أنه يمكن ~~معارضته بدليل قوله : { فحشر فنادى } ( النازعات : 23 ) وهو كقوله : { ~~فأرسل فرعون فى المدائن حاشرين } ( الشعرا : 53 ) . # المسألة الثانية : في الآية سؤال وهو أن كل أحد يعلم أن كل من كذب الله ~~فقد عصى ، فما الفائدة في قوله : { فكذب وعصى } ؟ والجواب : كذب بالقلب ~~واللسان ، وعصى بأن أظهر التمرد والتجبر . # / المسألة الثالثة : هذا الذي وصفه الله تعالى به من التكذيب والمعصية ~~مغاير لما كان حاصلا قبل ذلك ، لأن تكذيبه لموسى عليها لسلام وقد دعاه ~~وأظهر هذه المعجزة . يوفى على ما تقدم من التكذيب ومعصيته بترك القبول منه ~~، والحال هذه مخالفة لمعصيته من قبل ذلك . # ! 7 < { ثم أدبر يسعى } . > 7 ! # < < # | النازعات : ( 22 ) ثم أدبر يسعى # > > وثانيها : قوله : { ثم أدبر يسعى } وفيه وجوه أحدها : أنه لما رأى ~~الثعبان أدبر مرعوبا يسعى يسرع في مشيه ، قال الحسن كان رجلا طياشا خفيفا ~~وثانيها : تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته وثالثها : أن يكون المعنى ، ~~ثم أقبل يسعى ، كما يقال : فلان أقبل يفعل كذا ، بمعنى أنشأ يفعل ، فوضع ~~أدبر فوضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال . # ! 7 < { فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الا على } . > 7 @QB@ < # | النازعات : ( 23 - 24 ) فحشر فنادى # > > # وثالثها : قوله : { فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الاعلى } فحشر فجمع ~~السحرة كقوله : { فأرسل فرعون فى المدائن حاشرين } ( الشعراء : 53 ) فنادى ~~في المقام الذي اجتمعوا فيه معه ، أو أمر مناديا فنادى في الناس بذلك ، ~~وقيل قام فيهم خطيبا فقال تلك الكلمة ، وعن ابن عباس كلمته الأولى : { ما ~~علمت لكم من إلاه غيرى } ( القصص : 38 ) والآخرة : { أنا ربكم الاعلى } . # واعلم أنا بينا في سورة ( طه ) أنه لا يجوز أن يعتقد الإنسان في نفسه ~~كونه خالقا للسموات والأرض والجبال والنبات والحيوان والإنسان ، فإن العلم ~~بفساد ذلك ضروري ، فمن تشكك فيه كان مجنونا ، ولو كان ms9458 مجنونا لما جاز من ~~الله بعثة الأنبياء والرسل إليه ، بل الرجل كان دهريا منكرا للصانع والحشر ~~والنشر ، وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي إلا لي ، فأنا ربكم بمعنى ~~مربيكم والمحسن إليكم ، وليس للعالم إله حتى يكون له عليكم أمر ونهي ، أو ~~يبعث إليكم رسولا ، قال القاضي : وقد كان الأليق به بعد ظهور خزيه عند ~~انقلاب العصا حية ، أن لا يقول هذا القول . لأن عند ظهور الذلة والعجز ، ~~كيف يليق أن يقول : { أنا ربكم الاعلى } فدلت هذه الآية على أنه في ذلك ~~الوقت صار كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول . # PageV31P039 ! 7 < { فأخذه الله نكال الا خرة والا ولى } . > 7 ! # واعلم أنه تعالى لما حكى عنه أفعاله وأقواله أتبعه بما عامله به وهو قوله ~~تعالى : { فأخذه الله نكال الاخرة والاولى } < < # | النازعات : ( 25 ) فأخذه الله نكال . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : ذكروا في نصب نكال وجهين الأول : قال الزجاج : إنه مصدر ~~مؤكد لأن معنى أخذه الله ، نكل الله به ، نكال الآخرة والأولى . لأن أخذه ~~ونكله متقاربان ، وهو كما يقال : أدعه تركا شديدا لأن أدعه وأتركه سواء ، ~~ونظيره قوله : { إن أخذه أليم شديد } ( هود : 102 ) ، الثاني : قال الفراء ~~: يريد أخذه الله أخذا نكالا للآخرة والأولى ، والنكال بمعنى التنكيل ~~كالسلام بمعنى التسليم . # / المسألة الثانية : ذكر المفسرون في هذه الآية وجوها أحدها : أن الآخرة ~~والأولى صفة لكلمتي فرعون إحداهما قوله : { ما علمت لكم من إلاه غيرى } ( ~~القصص : 38 ) والأخرى قوله : { أنا ربكم الاعلى } ( النازعات : 24 ) قالوا ~~: وكان بينهما أربعون سنة ، وهذا قول مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ، ~~ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس ، والمقصود التنبيه على أنه ما أخذه ~~بكلمته الأولى في الحال ، بل أمهله أربعين سنة ، فلما ذكر الثانية أخذ بهما ~~، وهذا تنبيه على أنه تعالى يمهل ولا يهمل الثاني : وهو قول الحسن وقتادة : ~~{ نكال الاخرة والاولى } أي عذبه في الآخرة ، وأغرقه في الدنيا الثالث : ~~الآخرة هي قوله : { أنا ربكم الاعلى } ( النازعات : 24 ) والأولى هي تكذيبه ~~موسى حين أراه الآية ، قال القفال : وهذا ms9459 كأنه هو الأظهر ، لأنه تعالى قال ~~: { فأراه الاية الكبرى * فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * فقال ~~أنا ربكم الاعلى } ( النازعات : 24 , 20 ) فذكر المعصيتين ، ثم قال : { ~~فأخذه الله نكال الاخرة والاولى } فظهر أن المراد أنه عاتبه على هذين ~~الأمرين . # المسألة الثالثة : قال الليث : ( النكال ) اسم لمن جعل نكالا لعيره ، وهو ~~الذي إذا رآه أو بلغه خاف أن يعمل عمله ، وأصل الكلمة من الامتناع ، ومنه ~~النكول عن اليمين ، وقيل للقيد نكل لأنه يمنع ، فالنكال من العقوبة هو أعظم ~~حتى يمتنع من سمع به عن ارتكاب مثل ذلك الذنب الذي وقع التنكيل به ، وهو في ~~العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به غيره ، والله أعلم . # ! 7 < { إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى } . > 7 ! # < < # | النازعات : ( 26 ) إن في ذلك . . . . . # > > ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى : { إن فى ذلك لعبرة لمن ~~يخشى } والمعنى أن فيما اقتصصناه من أمر موسى وفرعون ، وما أحله الله ~~بفرعون من الخزي ، ورزق موسى من العلو والنصر عبرة لمن يخشى وذلك أن يدع ~~التمرد على الله تعالى ، والتكذيب لأنبيائه خوفا من أن ينزل به ما نزل ~~بفرعون ، وعلما بأن الله تعالى ينصر أنبياءه ورسله ، فاعتبروا معاشر ~~المكذبين لمحمد بما ذكرناه ، أي اعلموا أنكم إن شاركتموهم في المعنى الجالب ~~للعقاب ، شاركتموهم في حلول العقاب بكم . # ! 7 < { أءنتم أشد خلقا أم السمآء بناها } . > 7 ! # < < # | النازعات : ( 27 ) أأنتم أشد خلقا . . . . . # > > ثم اعلم أنه تعالى لما ختم هذه القصة رجع إلى مخاطبة منكري البعث ، ~~فقال : { أشد خلقا أم السماء بناها } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في المقصود من هذا الاستدلال وجهان الأول : أنه استدلال ~~على منكري البعث فقال : { أشد خلقا أم السماء بناها } فنبههم على أمر يعلم ~~بالمشاهدة . وذلك لأن خلقة الإنسان على صغره PageV31P040 وضعفه ، إذا أضيف ~~إلى خلق السماء على عظمها وعظم أحوالها يسير ، فبين تعالى أن خلق السماء ~~أعظم ، وإذا كان كذلك فخلقهم على وجه الإعادة أولى أن يكون مقدورا لله ~~تعالى فكيف ينكرون ذلك ؟ ونظيره قوله : { أوليس ms9460 الذى خلق * السماوات والارض ~~* بقادر على أن يخلق مثلهم } وقوله : { لخلق * السماوات والارض * أكبر من ~~خلق الناس } ( غافر : 57 ) والمعنى أخلقكم بعد الموت أشد أم خلق السماء أي ~~عندكم ، وفي تقديركم ، فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد والثاني ~~: أن المقصود من هذا الاستدلال بيان كونهم مخلوقين ، وهذا القول ضعيف ~~لوجهين أحدهما : أن من أنكر كون الإنسان مخلوقا فبأن ينكر ( ه ) في السماء ~~كان أولى وثانيهما : أن أول السورة كان في بيان مسألة الحشر والنشر ، فحمل ~~هذا الكلام عليه أولى . # المسألة الثانية : قال الكسائي والفراء والزجاج : هذا الكلام تم عند قوله ~~: { أم السماء } . # ثم قوله تعالى : { بناها } ابتداء كلام آخر ، وعند أبي حاتم الوقف على ~~قوله : { بناها } قال : لأنه من صلة السماء ، والتقدير : أم السماء التي ~~بناها ، فحذف التي ، ومثل هذا الحذف جائز ، قال القفال : يقال : الرجل جاءك ~~عاقل ، أي الرجل الذي جاءك عاقل إذا ثبت أن هذا جائز في اللغة فنقول : ~~الدليل على أن قوله : { بناها } صلة لما قبله أنه لو لم يكن صلة لكان صفة ، ~~فقوله : { بناها } صفة ، ثم قوله : { رفع سمكها } ( النازعات : 28 ) صفة ، ~~فقد توالت صفتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى ، فكان يجب إدخال العاطف فيما ~~بينهما ، كما في قوله : { وأغطش ليلها } ( النازعات : 29 ) فلما لم يكن ~~كذلك علمنا أن قوله : { بناها } صلة للسماء ، ثم قال : { رفع سمكها } ~~ابتداء بذكر صفته ، وللفراء أن يحتج على قوله بأنه لو كان قوله : { بناها } ~~صلة للسماء لكان التقدير : أم السماء ( التي ) بناها ، وهذا يقتضي وجود ~~سماء ما بناها الله ، وذلك باطل . # المسألة الثالثة : الذي يدل على أنه تعالى هو الذي بنى السماء وجوه أحدها ~~: أن السماء جسم ، وكل جسم محدث ، لأن الجسم لو كان أزليا لكان في الأزل ~~إما أن يكون متحركا أو ساكنا ، والقسمان باطلان ، فالقول بكون الجسم أزليا ~~باطل . أما الحصر فلأنه إما أن يكون مستقرا حيث هو فيكون ساكنا ، أو لا ~~يكون مستقرا حيث هو فيكون متحركا ، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يكون متحركا ~~، لأن ماهية ms9461 الحركة تقتضي المسبوقية بالغير ، وماهية الأزل تنافي المسبوقية ~~بالغير والجمع بينهما محال ، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يكون ساكنا ، لأن ~~السكون وصف ثبوتي وهو ممكن الزوال ، وكل ممكن الزوال مفتقر إلى الفاعل ~~المختار ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فكل سكون محدث فيمتنع أن يكون أزليا ~~، وإنما قلنا : إن السكون وصف ثبوتي ، لأنه يتبدل كون الجسم متحركا بكونه ~~ساكنا مع بقاء ذاته ، فأحدهما لابد وأن يكون أمرا ثبوتيا ، فإن كان الثبوتي ~~هو السكون فقد حصل المقصود ، وأن كان الثبوتي هو الحركة وجب أيضا أن يكون ~~السكون ثبوتيا ، لأن الحركة عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان في غيره ~~/ والسكون عبارة عن الحصول في المكان بعد أن كان فيه بعينه ، فالتفاوت بين ~~الحركة والسكون ليس في / الماهية ، بل في المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية ~~بالغير ، وذلك وصف عارضي خارجي عن الماهية ، وإذا كان كذلك فإذا ثبت أن تلك ~~الماهية أمر وجودي في إحدى الصورتين وجب أن تكون كذلك في سورة أخرى ، وإنما ~~قلنا : إن سكون السماء جائز الزوال ، لأنه لو PageV31P041 كان واجبا لذاته ~~لامتنع زواله ، فكان يجب أن لا تتحرك السماء لكنا نراها الآن متحركة ، ~~فعلمنا أنها لو كانت ساكنة في الأزل ، لكان ذلك السكون جائز الزوال ، وإنما ~~قلنا : إن ذلك السكون لما كان ممكنا لذاته ، افتقر إلى الفاعل المختار لأنه ~~لما كان ممكنا لذاته ، فلا بد له من مؤثر ، وذلك المؤثر لا يجوز أن يكون ~~موجبا ، لأن ذلك الموجب إن كان واجبا ، وكان غنيا في إيجابه لذلك المعلول ~~عن شرط لزم من دوامه دوام ذلك الأثر ، فكان يجب أن لا يزول للسكون وإن كان ~~واجبا ومفتقرا في إيجابه لذلك المعلول إلى شرط واجب لذاته ، لزم من دوام ~~العلة ودوام الشرط دوام المعلول ، أما إن كان الموجب غير واجب لذاته ، أو ~~كان شرط إيجابه غير واجب لذاته كان الكلام فيه كالكلام في الأول ، فيلزم ~~التسلسل ، وهو محال أو الإنتهاء إلى موجب واجب لذاته ، وإلى شرط واجب لذاته ~~، وحينئذ يعود الإلزام الأول ms9462 ، فثبت أن ذلك المؤثر لا بد وأن يكون فاعلا ~~مختارا ، فإذا كل سكون ، فهول فعل فاعل مختار ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، ~~لأن المختار إنما يفعل بواسطة القصد ، والقصد إلى تكوين الكائن ، وتحصيل ~~الحاصل محال ، فثبت أن كل سكون فهو محدث ، فثبت أنه يمتنع أن يكون الجسم في ~~الأزل لا متحركا ولا ساكنا ، فهو إذا غير موجود في الأزل ، فهو محدث ، وإذا ~~كان محدثا افتقر في ذاته ، وفي تركيب أجزائه إلى موجد ، وذلك هو الله تعالى ~~، فثبت بالعقل أن باني السماء هو الله تعالى . # الحجة الثانية : كل ما سوى الواجب فهو ممكن وكل ممكن محدث وكل محدث فعل ~~صانع ، إنما قلنا : كل ما سوى الواجب ممكن ، لأنا لو فرضنا موجودين واجبين ~~لذاتيهما لاشتركا في الوجود ولتباينا بالتعيين ، فيكون كل منهما مركبا مما ~~به المشاركة ، ومما به الممايزة ، وكل مركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره فكل ~~مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فكل واحد من ~~الواجبين بالذات ممكن بالذات هذا خلف ، ثم ينقل الكلام إلى ذينك الجزأين ، ~~فإن كانا واجبين ، كان كل واحد من تلك الأجزاء مركبا ويلزم التسلسل ، وإن ~~لم يكونا واجبين كان المفتقر إليهما أولى بعدم الوجود فثبت أن ماعدا الواجب ~~ممكن وكل ممكن فله مؤثر وكل ما افتقر إلى المؤثر محدث ، لأن الافتقار إلى ~~المؤثر لا يمكن أن يتحقق حال البقاء لاستحالة إيجاد الموجد ، فلا بد وأن ~~يكون إما حال الحدوث أو حال العدم ، وعلى التقديرين فالحدوث لازم فثبت أن ~~ما سوى الواجب محدث وكل محدث فلا بد له من محدث ، فلا بد للسماء من بان . # الحجة الثالثة : صريح العقل يشهد بأن جرم السماء لا يمتنع أن يكون أكبر ~~مما هو الآن بمقدار خردلة ، ولا يمتنع أن يكون أصغر بمقدار خردلة ، فاختصاص ~~هذا المقدار بالوقوع دون / الأزيد والأنقص ، لا بد وأن يكون بمخصص ، فثبت ~~أنه لا بد للسماء من بان : فإن قيل لم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خلق ~~شيئا وأعطاه ms9463 قدرة يتمكن ذلك المخلوق بتلك القدرة من خلق الأجسام فيكون خالق ~~السماء وبانيها هو ذلك الشيء ؟ الجواب : من العلماء من قال : المعلوم ~~بالعقل أنه لا بد للسماء من محدث وأنه لا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى ~~قديم والإله قديم واجب الوجود لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، فأما ~~نفي الواسطة فإنما يعلم بالسمع فقوله في هذه الآية : { بناها } يدل على أن ~~باني السماء هو الله لا غيره / ومنهم من قال بل العقل يدل على بطلانه لأنه ~~لما ثبت أن كل ما عداه محدث ثبت أنه قادر لا موجب ، والذي كان مقدورا له ~~إنما صح كونه مقدورا له بكونه ممكنا ، فإنك لو رفعت الإمكان بقي الوجوب أو ~~الامتناع وهما يحيلان المقدورية ، وإذا كان PageV31P042 ما لأجله صح في ~~البعض أن يكون مقدورا لله وهو الإمكان والإمكان عام في الممكنات وجب أن ~~يحصل في كل الممكنات صحة أن تكون مقدورة لله تعالى ، وإذا ثبت ذلك ونسبة ~~قدرته إلى الكل على السوية وجب أن يكون قادرا على الكل ، وإذا ثبت أن الله ~~قادر على الممكنات فلو قدرنا قادرا آخر قدر على بعض الممكنات ، لزم وقوع ~~مقدور واحد بين قادرين من جهة واحدة ، وذلك محال ، لأنه إما أن يقع بأحدهما ~~دون الآخر وهو محال ، لأنهما لما كانا مستقلين بالاقتضاء فليس وقوعه بهذا ~~أولى من وقوعه بذاك أو بهما معا ، وهو أيضا محال لأنه يستغني بكل واحد ~~منهما عن كل واحد منهما ، فيكون محتاجا إليهما معا وغنيا عنهما معا وهو ~~محال ، فثبت بهذا أنه لا يمكن وقوع ممكن آخر بسبب آخر سوى قدرة الله تعالى ~~، وهذا الكلام جيد ، لكن على قول من لا يثبت في الوجود مؤثرا سوى الواحد ، ~~فهذا جملة ما في هذا الباب . # واعلم أنه تعالى لما بين في السماء أنه بناها ، بين بعد ذلك أنه كيف ~~بناها ، وشرح تلك الكيفية من وجوه : # ! 7 < { رفع سمكها فسواها } . > 7 @QB@ < # | النازعات : ( 28 ) رفع سمكها فسواها # > > # أولها : ما يتعلق بالمكان ، فقال تعالى : { رفع سمكها } . # واعلم أن ms9464 امتداد الشيء إذا أخذ من أعلاه إلى أسفله سمي عمقا ، وإذا أخذ ~~من أسفله إلى أعلاه سمي سمكا ، فالمراد برفع سمكها شدة علوها حتى ذكروا أن ~~ما بين الأرض وبينها مسيرة خمسمائة عام ، و ( قد ) بين أصحاب الهيئة مقادير ~~الأجرام الفلكية وأبعاد ما بين كل واحد منها وبين الأرض . وقال آخرون : بل ~~المراد : رفع سمكها من غير عمد . وذلك مما لا يصح إلا من الله تعالى . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { فسواها } وفيه وجهان الأول : المراد ~~تسوية تأليفها ، وقيل : بل المراد نفي الشقوق عنها ، كقوله : { ما ترى فى ~~خلق الرحمان من تفاوت } ( الملك : 3 ) والقائلون بالقول الأول قالوا : { ~~فسواها } عام فلا يجوز تخصيصه بالتسوية في بعض الأشياء ، ثم قال هذا يدل ~~على كون / السماء كرة ، لأنه لو لم يكن كرة لكان بعض جوانبه سطحا ، والبعض ~~زاوية ، والبعض خطا ، ولكان بعض أجزائه أقرب إلينا ، والبعض أبعد ، فلا ~~تكون التسوية الحقيقة حاصلة ، فوجب أن يكون كرة حتى تكون التسوية الحقيقة ~~حاصلة ، ثم قالوا لما ثبت أنها محدثة مفتقرة إلى فاعل مختار ، فأي ضرر في ~~الدين ينشأ من كونها كرة ؟ . # ! 7 < { وأغطش ليلها وأخرج ضحاها } . > 7 @QB@ < # | النازعات : ( 29 ) وأغطش ليلها وأخرج . . . . . # > > # الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وأغطش ليلها وأخرج ضحاها } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أغطش قد يجيء لازما ، يقال : أغطش الليل إذا صار مظلما ~~ويجيء متعديا يقال : أغطشه الله إذا جعله مظلما ، والغطش الظلمة ، والأغطش ~~شبه الأعمش ، ثم ههنا سؤال وهو أن الليل اسم لزمان الظلمة الحاصلة بسبب ~~غروب الشمس ، فقوله : { وأغطش ليلها } يرجع معناه إلى أنه جعل المظلم مظلما ~~، وهو بعيد والجواب : معناه أن الظلمة الحاصلة في ذلك الزمان إنما حصلت ~~بتدبير الله وتقديره : وحيئنذ لا يبقى الإشكال . PageV31P043 # المسألة الثانية : قوله : { وأخرج ضحاها } أي أخرج نهارا ، وإنما عبر عن ~~النهار بالضحى ، لأن الضحى أكمل أجزاء النهار في النور والضوء . # المسألة الثالثة : إنما أضاف الليل والنهار إلى السماء ، لأن الليل ~~والنهار إنما يحدثان بسبب غروب الشمس وطلوعها ، ثم غروبها وطلوعها إنما ~~يحصلان بسبب حركة الفلك ms9465 ، فلهذا السبب أضاف الليل والنهار إلى السماء ، ثم ~~إنه تعالى لما وصف كيفية خلق السماء أتبعه بكيفية خلق الأرض وذلك من وجوه : # ! 7 < { والا رض بعد ذلك دحاها } . > 7 ! # الصفة الأولى : قوله تعالى : { والارض بعد ذلك دحاها } < < # | النازعات : ( 30 ) والأرض بعد ذلك . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : دحاها بسطها ، قال زيد بن عمرو بن نفيل : # % دحاها فلما رآها استوت % % على الماء أرسى عليها الجبالا % # وقال أمية بن أبي الصامت : # % دحوت البلاد فسويتها % % وأنت على طيها قادر % # قال أهل اللغة في هذه اللفظة لغتان دحوت أدحو ، ودحيت أدحى ، ومثله صفوت ~~وصفيت ولحوت العود ولحيته وسأوت الرجل وسأيته وبأوت عليه وبأيت ، وفي حديث ~~علي عليه السلام ( اللهم داحى المدحيات ) أي باسط الأرضين السبع وهو ~~المدحوات أيضا ، وقيل : أصل الدحو الإزالة للشيء من مكان إلى مكان ، ومنه ~~يقال : إن الصبي يدحو بالكرة أي يقذفها على وجه الأرض ، وأدحى النعامة ~~موضعه الذي يكون فيه أي بسطته وأزلت ما فيه من حصى ، حتى يتمهد له ، وهذا ~~يدل على أن معنى الدحو يرجع إلى الإزالة والتمهيد . # / المسألة الثانية : ظاهر الآية يقتضي كون الأرض بعد السماء ، وقوله : في ~~حمالسجدة ، { ثم استوى إلى السماء } ( فصلت : 11 ) يقتضي كون السماء بعد ~~الأرض ، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله : { ثم استوى ~~إلى السماء } ( البقرة : 29 ) ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الوجوه أحدها : أن ~~الله تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء ثانيا ثم دحى الأرض أي بسطها ~~ثالثا ، وذلك لأنها كانت أولا كالكرة المجتمعة ، ثم إن الله تعالى مدها ~~وبسطها ، فإن قيل الدلائل الاعتبارية دلت على أن الأرض الآن كرة أيضا ، ~~وإشكال آخر وهو أن الجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي ، فيستحيل أن ~~يكون هذا الجسم مخلوقا ولا يكون ظاهره مدحوا مبسوطا وثانيها : أن لا يكون ~~معنى قوله { دحاها } : مجرد البسط ، بل يكون المراد أنه بسطها بسطا مهيأ ~~لنبات الأقوات وهذا هو الذي بينه بقوله : { أخرج منها ماءها ومرعاها } ( ~~النازعات : 31 ) وذلك لأن هذا الاستعداد لا ms9466 يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء ~~فإن الأرض كالأم والسماء كالأب ، وما لم يحصلا لم تتولد أولا المعادن ~~والنباتات والحيوانات وثالثها : أن يكون قوله : { والارض بعد ذلك } أي مع ~~ذلك كقوله : { عتل بعد ذلك زنيم } ( القلم : 13 ) أي مع ذلك ، وقولك للرجل ~~أنت كذا وكذا ثم أنت بعدها كذا لا تريد به الترتيب ، وقال تعالى : { فك ~~رقبة * أو إطعام فى يوم ذى مسغبة } إلى قوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } ~~( البلد : 17 ) والمعنى وكان مع هذا من أهل الإيمان بالله ، فهذا تقرير ما ~~نقل عن ابن عباس ومجاهد والسدي وابن جريج أنهم قالوا في قوله : { والارض ~~بعد ذلك دحاها } أي مع ذلك دحاها . PageV31P044 # المسألة الثالثة : لما ثبت أن الله تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء ~~ثانيا ، ثم دحى الأرض بعد ذلك ثالثا ، ذكروا في تقدير تلك الأزمنة وجوها . ~~روي عن عبد الله بن عمر ( خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة ، ومنه دحيت ~~الأرض ) واعلم أن الرجوع في أمثال هذه الأشياء إلى كتب الحديث أولى . # ! 7 < { أخرج منها مآءها ومرعاها } . > 7 @QB@ < # | النازعات : ( 31 ) أخرج منها ماءها . . . . . # > > # الصفة الثانية : قوله تعالى : { أخرج منها ماءها ومرعاها } وفيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : ماؤها عيونها المتفجرة بالماء ومرعاها رعيها ، وهو في ~~الأصل موضع الرعي ، ونصب الأرض والجبال بإضمار دحا وأرسى على شريطة التفسير ~~، وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء ، فإن قيل : هلا أدخل حرف العطف على ~~أخرج قلنا لوجهين ؟ الأول : أن يكون معنى دحاها بسطها ومهدها للسكنى ، ثم ~~فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المشارب والمآكل ~~وإمكان القرار عليها بإخراج الماء والمرعى وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا ~~لها حتى تستقر ويستقر عليها والثاني : أن يكون { أخرج } حالا ، والتقدير ~~والأرض بعد ذلك دحاها حال ما أخرج منها ماء ومرعاها . # / المسألة الثانية : أراد بمرعاها ما يأكل الناس والأنعام ، ونظيره قوله ~~في النحل : { أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون } ( ~~النحل : 10 ) وقال في سورة أخرى : { أنا صببنا الماء ms9467 صبا * ثم شققنا الارض ~~شقا } إلى قوله : { متاعا لكم ولانعامكم } ( عبس : 32 , 25 ) فكذا في هذه ~~الآية واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله : { يرتع ويلعب } ( ~~يوسف : 12 ) وقرىء نرتع من الرعي ، ثم قال ابن قتيبة قال تعالى : { وجعلنا ~~من الماء كل شىء حى } ( الأنبياء : 30 ) فانظر كيف دل بقوله : { ماءها ~~ومرعاها } على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر ~~، والحب والثمر والعصف والحطب ، واللباس والدواء حتى النار والملح ، أما ~~النار فلا شك أنها من العيدان قال تعالى : { أفرءيتم النار التى تورون * ~~أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون * نحن } ( الواقعة : 72 , 71 ) وأما الملح ~~فلا شك أنه متولد من الماء ، وأنت إذا تأملت علمت أن جميع ما يتنزه به ~~الناس في الدنيا ويتلذذون به ، فأصله الماء والنبات ، ولهذا السبب تردد في ~~وصف الجنة ذكرهما ، فقال : { جنات تجرى من تحتها الانهار } ( البقرة : 25 ) ~~ثم الذي يدل على أنه تعالى أراد بالمرعى كل ما يأكله الناس والأنعام قوله ~~في آخر هذه الآية : { متاعا لكم ولانعامكم } ( النازعات : 33 ) . # ! 7 < { والجبال أرساها * متاعا لكم ولانعامكم } . > 7 @QB@ < # | النازعات : ( 32 - 33 ) والجبال أرساها # > > # الصفة الثالثة : قوله تعالى : { والجبال أرساها } والكلام في شرح منافع ~~الجبال قد تقدم . # ثم إنه تعالى لما بين كيفية خلقه الأرض وكمية منافعها قال : { متاعا لكم ~~ولانعامكم } والمعنى أنا إنما خلقنا هذه الأشياء متعة ومنفعة لكم ولأنعامكم ~~، واحتج به من قال : إن أفعال الله وأحكامه معللة بالأغراض والمصالح ، ~~والكلام فيه قد مر غير مرة ، واعلم أنا بينا أنه تعالى إنما ذكر كيفية خلقة ~~السماء والأرض ليستدل بها على كونه قادرا على الحشر والنشر ، فلما قرر ذلك ~~وبين إمكان الحشر عقلا أخبر بعد ذلك عن وقوعه . # PageV31P045 ! 7 < { فإذا جآءت الطآمة الكبرى } . > 7 ! # < < # | النازعات : ( 34 ) فإذا جاءت الطامة . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع وفي اشتقاقها ~~وجوه ، قال المبرد : أخذت فيما أحسب من قولهم : طم الفرس طميما ، إذا ~~استفرغ جهده في الجري ، وطم الماء إذا ملأ ms9468 النهر كله ، وقال الليث : الطم ~~طم البئر بالتراب ، وهو الكبس ، ويقال : طم السيل الركية إذا دفنها حتى ~~يسويها ، ويقال للشيء الذي يكبر حتى يعلو قد طم ، والطامة الحادثة التي تطم ~~على ما سواها ومن ثم قيل : فوق كل طامة طامة ، قال القفال : أصل الطم الدفن ~~والعلو ، وكل ما غلب شيئا وقهره وأخفاه فقد طمه ، ومنه الماء الطامي وهو ~~الكثير الزائد ، والطاغي والعاتي والعادي سواء وهو الخارج عن أمر الله ~~تعالى المتكبر ، فالطامة اسم لكل داهية عظيمة ينسى ما قبلهافي جنبها . # ! 7 < { يوم يتذكر الإنسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى } . > 7 ! # / < < # | النازعات : ( 35 ) يوم يتذكر الإنسان . . . . . # > > المسألة الثانية : قد ظهر بما ذكرنا أن معنى الطامة الكبرى الداهية ~~الكبرى ، ثم اختلفوا في أنها أي شيء هي ، فقال قوم : إنها يوم القيامة لأنه ~~يشاهد فيه من النار ، ومن الموقف الهائل ، ومن الآيات الباهرة الخارجة عن ~~العادة ما ينسى معه كل هائل ، وقال الحسن : إنها هي النفخة الثانية التي ~~عندها تحشر الخلائق إلى موقف القيامة ، وقال آخرون : إنه تعالى فسر الطامة ~~الكبرى بقوله تعالى : { يوم يتذكر الإنسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى } ~~فالطامة تكون اسما لذلك الوقت ، فيحتمل أن يكون ذلك الوقت وقت قراءة الكتاب ~~على ما قال تعالى : { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } ( الإسراء ~~: 13 ) ويحتمل أن تكون تلك الساعة هي الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى ~~الجنة وأهل النار إلى النار ، ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بوصفين : # الأول : قوله تعالى : { يوم يتذكر الإنسان ما سعى } يعني إذا رأى أعماله ~~مدونة في كتابه تذكرها ، وكان قد نسيها ، كقوله : { أحصاه الله ونسوه } ( ~~المجادلة : 6 ) . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { وبرزت الجحيم لمن يرى } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله تعالى : { لمن يرى } أي أنها تظهر إظهارا مكشوفا ~~لكل ناظر ذي بصر ثم فيه وجهان أحدهما : أنه استعارة في كونه منكشفا ظاهرا ~~كقولهم : تبين الصبح لذي عينين . # وعلى هذا التأويل لا يجب أن يراه كل أحد والثاني : أن يكون المراد أنها ms9469 ~~برزت ليراها كل من له عين وبصر ، وهذا يفيد أن كل الناس يرونها من المؤمنين ~~والكفار ، إلا أنها مكان الكفار ومأواهم والمؤمنون يمرون عليها ، وهذا ~~التأويل متأكد بقوله تعالى : { وإن منكم إلا واردها } إلى قوله : { ثم ننجى ~~الذين اتقوا } ( مريم : 72 , 71 ) فإن قيل : إنه تعالى قال في سورة الشعراء ~~: { وأزلفت الجنة للمتقين * وبرزت الجحيم للغاوين } PageV31P046 ( الشعراء ~~: 91 , 90 ) فخص الغاوين بتبريرها لهم ، قلنا : إنها برزت للغاوين ، ~~والمؤمنون يرونها أيضا في الممر ، ولا منافاة بين الأمرين . # المسألة الثانية : قرأ أبو نهيك { وبرزت } وقرأ ابن مسعود : لمن رأى ، ~~وقرأ عكرمة : لمن ترى ، والضمير للجحيم ، كقوله : { إذا رأتهم من مكان بعيد ~~} ( الفرقان : 12 ) وقيل : لمن ترى يا محمد من الكفار الذين يؤذونك . # واعلم أنه تعالى لما وصف حال القيامة في الجملة قسم المكلفين قسمين : ~~الأشقياء والسعداء ، فذكر حال الأشقياء . # ! 7 < { فأما من طغى * وءاثر الحيواة الدنيا * فإن الجحيم هى المأوى } . ~~> 7 ! # < < # | النازعات : ( 37 ) فأما من طغى # > > وفيه مسائل : # / المسألة الأولى : في جواب قوله : { فإذا جاءت الطامة الكبرى } ( ~~النازعات : 34 ) وجهان الأول : قال الواحدي : إنه محذوف على تقدير إذا جاءت ~~الطامة دخل أهل النار النار ، وأهل الجنة الجنة ، ودلى على هذا المحذوف ، ~~ما ذكر في بيان مأوى الفريقين ، ولهذا كان يقول مالك بن معول في تفسير ~~الطامة الكبرى ، قال : إنها إذا سبق أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى ~~النار والثاني : أن جوابه قوله : { فإن الجحيم هى المأوى } وكأنه جزاء مركب ~~على شرطين نظيره إذا جاء الغد ، فمن جاءني سائلا أعطيته ، كذا ههنا أي إذا ~~جاءت الطامة الكبرى فمن جاء طاغيا فإن الجحيم مأواه . # المسألة الثانية : منهم من قال : المراد بقوله : { طغى * وءاثر الحيواة ~~الدنيا } النضر وأبوه الحارث فإن كان المراد أن هذه الآية نزلت عند صدور ~~بعض المنكرات منه فجيد وإن كان المراد تخصيصها به ، فبعيد لأن العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب ، لا سيما إذا عرف بضرورة العقل أن الموجب لذلك الحكم ~~هو الوصف المذكور . # المسألة الثالثة : قوله صغى ، إشارة إلى ms9470 فساد حال القوة النظرية ، لأن كل ~~من عرف الله عرف حقارة نفسه ، وعرف استيلاء قدرة الله عليه ، فلا يكون له ~~طغيان وتكبر ، وقوله : { وءاثر الحيواة الدنيا } إشارة إلى فساد حال القوة ~~العملية ، وإنما ذكر ذلك لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( حب ~~الدنيا رأس كل خطيئة ) ومتى كان الإنسان والعياذ بالله موصوفا بهذين ~~الأمرين ، كان بالغا في الفساد إلى أقصى الغايات ، وهو الكافر الذي يكون ~~عقابه مخلدا ، وتخصيصه بهذه الحالة يدل على أن الفاسق الذي لا يكون كذلك ، ~~لا تكون الجحيم مأوى له . # المسألة الرابعة : تقدير الآية : فإن الجحيم هي المأوى له ، ثم حذفت ~~الصلة لوضوح المعنى كقولك للرجل غض الطرف أي غض طرفك ، وعندي فيه وجه آخر ، ~~وهو أن يكون التقدير : فأن الجحيم هي المأوى ، اللائق بمن كان موصوفا بهذه ~~الصفات والأخلاق . # ! 7 < { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هى المأوى ~~} . > 7 @QB@ < # | النازعات : ( 40 - 41 ) وأما من خاف . . . . . # > > # ثم ذكر تعالى حال السعداء فقال تعالى : { وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى * فإن الجنة هى المأوى } PageV31P047 واعلم أن هذين الوصفين ~~مضادات للوصفين اللذين وصف الله أهل النار بهما فقوله : { وأما من خاف مقام ~~ربه } ضد قوله : { فأما من طغى } ( النازعات : 17 ) وقوله : { ونهى النفس ~~عن الهوى } ضد قوله : { وءاثر الحيواة الدنيا } ( النازعات : 38 ) واعلم أن ~~الخوف من الله ، لا بد وأن يكون مسبوقا بالعلم بالله على ما قال : { إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر : 28 ) ولما كان الخوف من الله هو ~~السبب المعين لدفع الهوى ، لا جرم قدم العلة على المعلول ، وكما دخل في ~~ذينك الصفتين جميع القبائح دخل / في هذين الوصفين جميع الطاعات والحسنات ، ~~وقيل : الآيتان نزلتا في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير ، وقد قتل مصعب ~~أخاه أبا عزيز يوم أحد ، ووقى رسول الله بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه . # ! 7 < { يسألونك عن الساعة أيان مرساها * فيم أنت من ذكراها * إلى ربك ~~منتهاهآ } . > 7 ! # < < # | النازعات : ( 42 ms9471 ) يسألونك عن الساعة . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما بين بالبرهان العقلي إمكان القيامة ، ثم أخبر عن ~~وقوعها ، ثم ذكر أحوالها العامة ، ثم ذكر أحوال الأشقياء والسعداء فيها ، ~~قال تعالى : { يسئلونك عن الساعة أيان مرساها } . # واعلم أن المشركين كانوا يسمعون إثبات القيامة ، ووصفها بالأوصاف الهائلة ~~، مثل أنها طامة وصاخة وقارعة ، فقالوا على سبيل الاستهزاء : { أيان مرساها ~~} فيحتمل أن يكون ذلك على سبيل الإيهام لأتباعهم أنه لا أصل لذلك ، ويحتمل ~~أنهم كانوا يسألون الرسول عن وقت القيامة استعجالا ، كقوله : { يستعجل بها ~~الذين لا يؤمنون بها } ( الشورى : 18 ) ثم في قوله : { مرساها } قولان ~~أحدهما : متى إرساؤها ، أي إقامتها أرادوا متى يقيمها الله ويوجدها ويكونها ~~والثاني : { أيان } منتهاها ومستقرها ، كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث ~~تنتهي إليه . # ثم إن الله تعالى أجاب عنه بقوله تعالى : { فيم أنت من ذكراها } وفيه ~~وجهان الأول : معناه في أي شيء أنت عن تذكر وقتها لهم ، وتبين ذلك الزمان ~~المعين لهم ، ونظيره قول القائل : إذا سأله رجل عن شيء لا يليق به ما أنت ~~وهذا ، وأي شيء لك في هذا ، وعن عائشة ( لم يزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت هذه الآية ) فهو على هذا تعجيب من ~~كثرة ذكره لها ، كأنه قيل : في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها ، ~~والمعنى أنهم يسألونك عنها ، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها ~~. # ثم قال تعالى : { إلى ربك منتهاها } أي منتهى علمها لم يؤته أحدا من خلقه ~~الوجه الثاني : قال بعضهم : { فيم } إنكار لسؤالهم ، أي فيم هذا السؤال ، ~~ثم قيل : { أنت من ذكراها } أي أرسلك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل ذاكرا ~~من أنواع علاماتها ، وواحدا من أقسام أشراطها ، فكفاهم بذلك دليلا على ~~دنوها ووجوب الاستعداد لها ، ولا فائدة في سؤالهم عنها . # ! 7 < { إنمآ أنت منذر من يخشاها } . > 7 @QB@ < # | النازعات : ( 45 ) إنما أنت منذر . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { إنما أنت منذر من يخشاها } وفيه مسائل : PageV31P048 # المسألة الأولى : معنى الآية أنك إنما بعثت للإنذار وهذا المعنى لا ms9472 يتوقف ~~على علمك / بوقت قيام القيامة ، بل لو أنصفنا لقلنا : بأن الإنذار والتخويف ~~إنما يتمان إذا لم يكن العلم بوقت قيام القيامة حاصلا . # المسألة الثانية : أنه عليه الصلاة والسلام منذر للكل إلا أنه خص بمن ~~يخشى ، لأنه الذي ينتفع بذلك الإنذار . # المسألة الثالثة : قرىء منذر بالتنوين وهو الأصل ، قال الزجاج : مفعل ~~وفاعل إذا كان كل واحد منهما لمايستقبل أو للحال ينون ، لأنه يكون بدلا من ~~الفعل ، والفعل لا يكون إلا نكرة ويجوز حذف التنوين لأجل التخفيف ، وكلاهما ~~يصلح للحال والاستقبال ، فإذا أريد الماضي فلا يجوز إلا الإضافة كقوله هو ~~منذر زيد أمس . # ! 7 < { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } < < # | النازعات : ( 46 ) كأنهم يوم يرونها . . . . . # > > وتفسير هذه الآية قد مضى ذكره في قوله : { كأنهم يوم يرون ما يوعدون ~~لم يلبثوا إلا ساعة من نهار } ( الاحقاف : 35 ) والمعنى أن ما أنكروه ~~سيرونه حتى كأنهم أبدا فيه وكأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار ثم ~~مضت { فان قيل } قوله : { أو ضحاها } معناه ضحى العشية وهذا غير معقول لأنه ~~ليس للعشية ضحى : { قلنا } الجواب عنه من وجوه أحدها : قال عطاء عن ابن ~~عباس : الهاء والألف صلة للكلام يريد لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى وثانيها : ~~قال الفراء والزجاج : المراد بإضافة الضحى إلى العشية إضافتها إلى يوم ~~العشية كأنه قيل : إلا عشية أو ضحى يومها ، والعرب تقول : آتيك العشية أو ~~غداتها على ما ذكرنا وثالثها : أن النحويين قالوا يكفي في حسن الإضافة أدنى ~~سبب ، فالضحى المتقدم على عشية يصح أن يقال : إنه ضحى تلك العشية ، وزمان ~~المحنة قد يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة قد يعبر عنه بالضحى ، فالذين ~~يحضرون في موقف القيامة يعبرون عن زمان محنتهم بالعشية وعن زمان راحتهم ~~بضحى تلك العشية فيقولون : كأن عمرنا في الدنيا ما كان إلا هاتين الساعتين ~~، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم . # PageV31P049 < # > 1 ms9473 ( سورة عبس ) 1 < # > # وهي أربعون وآيتان مكية # ! 7 < { عبس وتولى * أن جآءه الا عمى } . > 7 ! # < < # | عبس : ( 1 ) عبس وتولى # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم وأم ~~مكتوم أم أبيه واسمه عبدالله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر ~~بن لؤى وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام ، ~~والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى ~~الإسلام ، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أقرئني وعلمني مما علمك الله ، وكرر ذلك ، فكره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قطعه لكلامه ، وعبس وأعرض عنه فنزلت هذه الآية ، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكرمه ، ويقول : إذا رآه ( مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ) ~~ويقول : هل لك من حاجة ، واستخلفه على المدينة مرتين ، وفي الموضع سؤالات : # الأول : أن ابن أم مكتوم كان يستحق التأديب والزجر ، فكيف عاتب الله ~~رسوله على أن أدب ابن أم مكتوم وزجره ؟ وإنما قلنا : إنه كان يستحق التأديب ~~لوجوه أحدها : أنه وإن كان لفقد بصره لا يرى القوم ، لكنه لصحة سمعه كان ~~يسمع مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم أولئك الكفار ، وكان يسمع أصواتهم ~~أيضا ، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمام النبي صلى الله ~~عليه وسلم بشأنهم ، فكان إقدامه على قطع كلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإلقاء غرض نفسه في البين قبل تمام غرض النبي إيذاء للنبي عليه الصلاة ~~والسلام ، وذلك معصية عظيمة وثانيها : أن الأهم مقدم على المهم ، وهو كان ~~قد أسلم وتعلم ، ما كان يحتاج إليه من أمر الدين ، أما أولئك الكفار فما ~~كانوا قد أسلموا ، وهو إسلامهم سببا لإسلام جمع عظيم ، فإلقاء ابن أم مكتوم ~~، ذلك الكلام في البين كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم ، لغرض قليل وذلك ~~محرم وثالثها : أنه تعالى قال : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم ~~لا يعقلون } ( الحجرات : 4 ) فنهاهم عن مجرد النداء إلا ms9474 في الوقت ، فههنا ~~هذا PageV31P050 النداء الذي صار كالصارف للكفار عن قبول الإيمان وكالقاطع ~~/ على الرسول أعظم مهماته ، أولى أن يكون ذنبا ومعصية ، فثبت بهذا أن الذي ~~فعله ابن أم مكتوم كان ذنبا ومعصية ، وأن الذي فعله الرسول كان هو الواجب ، ~~وعند هذا يتوجه السؤال في أنه كيف عاتبه الله تعالى على ذلك الفعل ؟ . # السؤال الثاني : أنه تعالى لما عاتبه على مجرد أنه عبس في وجهه ، كان ~~تعظيما عظيما من الله سبحانه لابن أم مكتوم ، وإذا كان كذلك فكيف يليق بمثل ~~هذا التعظيم أن يذكره باسم الأعمى مع أن ذكر الإنسان بهذا الوصف يقتضي ~~تحقير شأنه جدا ؟ . # السؤال الثالث : الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذونا في أن يعامل ~~أصحابه على حسب ما يراه مصلحة ، وأنه عليه الصلاة والسلام كثيرا ما كان ~~يؤدب أصحابه ويزجرهم عن أشياء ، وكيف لا يكون كذلك وهو عليه الصلاة والسلام ~~إنما بعث ليؤدبهم وليعلمهم محاسن الآداب ، وإذا كان كذلك كان ذلك التعبيس ~~داخلا في إذن الله تعالى إياه في تأديب أصحابه ، وإذا كان ذلك مأذونا فيه ، ~~فكيف وقعت المعاتبة عليه ؟ فهذا جملة ما يتعلق بهذا الموضع من الإشكالات ~~والجواب عن السؤال الأول من وجهين الأول : أن الأمر وإن كان على ما ذكرتم ~~إلا أن ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء وانكسار قلوب الفقراء ~~، فلهذا السبب حصلت المعاتبة ، ونظيره قوله تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشى } ( الأنعام : 52 ) ، والوجه الثاني : لعل هذا العتاب ~~لم يقع على ما صدر من الرسول عليه الصلاة والسلام من الفعل الظاهر / بل على ~~ما كان منه في قلبه ، وهو أن قلبه عليه الصلاة والسلام كان قد مال إليهم ~~بسبب قرابتهم وشرفهم وعلو منصبهم ، وكان ينفر طبعه عن الأعمى بسبب عماه ~~وعدم قرابته وقلة شرفه ، فلما وقع التعبيس والتولي لهذه الداعية وقعت ~~المعاتبة ، لا على التأديب بل على التأديب لأجل هذه الداعية والجواب عن ~~السؤال الثاني أن ذكره بلفظ الأعمى ليس لتحقير شأنه ، بل كأنه قيل : إنه ~~بسبب عماه استحق ms9475 مزيد الرفق والرأفة ، فكيف يليق بك يا محمد أن تخصه ~~بالغلظة والجواب عن السؤال الثالث أنه كان مأذونا في تأديب أصحابه لكن ههنا ~~لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء ، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على ~~الدين ، فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة . # المسألة الثانية : القائلون بصدور الذنب عن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا ~~بهذه الآية وقالوا : لما عاتبه الله في ذلك الفعل ، دل على أن ذلك الفعل ~~كان معصية ، وهذا بعيد فإنا قد بينا أن ذلك كان هو الواجب المتعين لا بحسب ~~هذا الاعتبار الواحد ، وهو أنه يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء ، وذلك غير ~~لائق بصلابة الرسول عليه الصلاة والسلام ، وإذا كان كذلك ، كان ذلك جاريا ~~مجرى ترك الاحتياط ، وترك الأفضل ، فلم يكن ذلك ذنبا ألبتة . # المسألة الثالثة : أجمع المفسرون على أن الذي عبس وتولى ، هو الرسول عليه ~~الصلاة والسلام ، وأجمعوا ( على ) أن الأعمى هو ابن أم مكتوم ، وقرىء عبس ~~بالتشديد للمبالغة ونحوه كلح في / كلح ، أن جاءه منصوب بتولى أو بعبس على ~~اختلاف المذهبين في إعمال الأقرب أو الأبعد ومعناه عبس ، لأن جاءه الأعمى ، ~~وأعرض لذلك ، وقرىء أن جاءه بهمزتين ، وبألف بينهما وقف على { عبس وتولى } ~~ثم ابتدأ على معنى ألآن جاءه الأعمى ، والمراد منه الإنكار عليه ، واعلم أن ~~في الأخبار عما فرط من رسول الله ثم الإقبال عليه PageV31P051 بالخطاب دليل ~~على زيادة الإنكار ، كمن يشكو إلى الناس جانيا جنى عليه ، ثم يقبل على ~~الجاني إذا حمى في الشكاية مواجها بالتوبيخ وإلزام الحجة . # ! 7 < { وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى } . > 7 ! # < < # | عبس : ( 3 ) وما يدريك لعله . . . . . # > > فيه قولان : الأول : أي شيء يجعلك داريا بحال هذا الأعمى لعله يتطهر ~~بما يتلقن منك ، من الجهل أو الإثم ، أو يتعظ فتنفعه ذكراك أي موعظتك ، ~~فتكون له لطفا في بعض الطاعات ، وبالجملة فلعل ذلك العلم الذي يتلقفه عنك ~~يطهره عن بعض مالا ينبغي ، وهو الجهل والمعصية ، أو يشغله ببعض ما ينبغي ~~وهو الطاعة الثاني : أن الضمير في لعله للكافر ، بمعنى أنت طمعت ms9476 في أن يزكى ~~الكافر بالإسلام أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق : { وما يدريك } أن ~~ما طمعت فيه كائن ، وقرىء فتنفعه بالرفع عطفا على يذكر ، وبالنصب جوابا ~~للعل ، كقوله : { فأطلع إلى إلاه موسى } ( غافر : 37 ) وقد مر . # ! 7 < { أما من استغنى } . > 7 ! # ثم قال : { أما من استغنى } < < # | عبس : ( 5 ) أما من استغنى # > > قال عطاء : يريد عن الإيمان ، وقال الكلبي : استغنى عن الله ، وقال ~~بعضهم : استغنى أثرى وهو فاسد ههنا ، لأن إقبال النبي عليه الصلاة والسلام ~~لم يكن لثروتهم ومالهم حتى يقال له أما من أثرى ، فأنت تقبل عليه ، ولأنه ~~قال : { وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى } ( عبس : 9 , 8 ) ولم يقل : وهو ~~فقير عديم ، ومن قال : أما من استغنى بماله فهو صحيح ، لأن المعنى أنه ~~استغنى عن الإيمان والقرآن ، بماله من المال . # ! 7 < { فأنت له تصدى } . > 7 ! # < < # | عبس : ( 6 ) فأنت له تصدى # > > قال الزجاج : أي أنت تقبل عليه وتتعرض له وتميل إليه ، يقال تصدى ~~فلان لفلان ، يتصدى إذا تعرض له ، والأصل فيه تصدد يتصدى من الصدد ، وهو ما ~~استقبلك وصار قبالتك ، وقد ذكرنا مثل هذا من قوله : { إلا مكاء وتصدية } ( ~~الأنفال : 35 ) وقرىء : تصدى بالتشديد بإدغام التاء في الصاد ، وقرأ أبو ~~جعفر : تصدى ، بضم التاء ، أي تعرض ، ومعناه يدعوك ( داع إلى ) التصدي له ~~من الحرص ، والتهالك على إسلامه . # ! 7 < { وما عليك ألا يزكى } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { وما عليك ألا يزكى } < < # | عبس : ( 7 ) وما عليك ألا . . . . . # > > المعنى لا شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام ، فإنه ليس ~~عليك إلا البلاغ ، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم ~~للاشتغال بدعوتهم . # ! 7 < { وأما من جآءك يسعى * وهو يخشى } . > 7 @QB@ < # | عبس : ( 8 - 9 ) وأما من جاءك . . . . . # > > # / ثم قال : { وأما من جاءك يسعى } أن يسرع في طلب الخير ، كقوله : { ~~فاسعوا إلى ذكر الله } الجمعة : 9 ) . # وقوله : { وهو يخشى } فيه ثلاثة أوجه يخشى الله ويخافه في أن لا يهتم ~~بأداء تكاليفه ، أو يخشى PageV31P052 الكفار وأذاهم في إتيانك ms9477 ، أو يخشى ~~الكبوة فإنه كان أعمى ، وما كان له قائد . # ! 7 < { فأنت عنه تلهى } . > 7 ! # ( ثم قال ) : { فأنت عنه تلهى } < < # | عبس : ( 10 ) فأنت عنه تلهى # > > أي تتشاغل من لهى عن الشيء والتهى وتلهى ، وقرأ طلحة بن مصرف . تتلهى ~~، وقرأ أبو جعفر { تلهى } أي يلهيك شأن الصناديد ، فإن قيل قوله : { فأنت ~~له تصدى * فأنت عنه تلهى } كان فيه اختصاصا ، قلنا نعم ، ومعناه إنكار ~~التصدي والتلهي عنه ، أي مثلك ، خصوصا لا ينبغى أن يتصدى للغني ، ويتلهى عن ~~الفقير . # ! 7 < { كلا إنها تذكرة } . > 7 ! # < < # | عبس : ( 11 ) كلا إنها تذكرة # > > ثم قال : { كلا } وهو ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله . قال ~~الحسن : لما تلا جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات عاد وجهه ، ~~كأنما أسف الرماد فيه ينتظر ماذا يحكم الله عليه ، فلما قال : { كلا } سرى ~~منه ، أي لا تفعل مثل ذلك ، وقد بينا نحن أن ذلك محمول على ترك الأولى . # ثم قال : { إنها تذكرة } وفيه سؤالان : # الأول : قوله : { أنها } ضمير المؤنث ، وقوله : { فمن شاء ذكره } ( عبس : ~~12 ) ضمير المذكر ، والضميران عائدان إلى شيء واحد ، فكيف القول فيه ؟ ~~الجواب : وفيه وجهان الأول : أن قوله : { أنها } ضمير المؤنث ، قال مقاتل : ~~يعني آيات القرآن ، وقال الكلبي : يعني هذه السورة وهو قول الأخفش والضمير ~~في قوله : { فمن شاء ذكره } عائد إلى التذكرة أيضا ، لأن التذكرة في معنى ~~الذكر والوعظ الثاني : قال صاحب ( النظم ) : { إنها تذكرة } يعني به القرآن ~~والقرآن مذكر إلا أنه لما جعل القرآن تذكرة أخرجه على لفظ التذكرة ، ولو ~~ذكره لجاز كما قال في موضع آخر : { كلا إنه تذكرة } ( المدثر : 54 ) ~~والدليل على أن قوله : { إنها تذكرة } المراد به القرآن قوله : { فمن شاء ~~ذكره } . # السؤال الثاني : كيف اتصال هذه الآية بما قبلها ؟ الجواب : من وجهين ~~الأول : كأنه قيل : هذا التأديب الذي أوحيته إليك وعرفته لك في إجلال ~~الفقراء وعدم الالتفات إلى أهل الدنيا أثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل ~~بحفظه أكابر الملائكة الثاني : كأنه قيل : هذا القرآن قد بلغ في العظمة ms9478 إلى ~~هذا الحد العظيم ، فأي حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار ، فسواء قبلوه أو ~~لم يقبلوه فلا تلتفت إليهم ولا تشغل قلبك بهم ، وإياك وأن تعرض عمن آمن به ~~تطييبا لقلب أرباب الدنيا . # ! 7 < { فمن شآء ذكره * فى صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة } . > 7 @QB@ < # | عبس : ( 12 - 14 ) فمن شاء ذكره # > > # / قوله : { فمن شاء ذكره } أي هذه تذكرة بينة ظاهرة بحيث لو أرادوا فهمها ~~والاتعاظ بها والعمل بموجبها لقدروا عليه والثاني : قوله : { فى صحف مكرمة ~~} أي تلك التذكرة معدة في هذه الصحف المكرمة ، والمراد من ذلك تعظيم حال ~~القرآن والتنويه بذكره والمعنى أن هذه التذكرة مثبتة في صحف ، والمراد من ~~الصحف قولان : الأول : أنها صحف منتسخة PageV31P053 من اللوح مكرمة عند ~~الله تعالى مرفوعة في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار مطهر عن أيدي ~~الشياطين ، أو المراد مطهرة بسبب أنها لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة ~~. # ! 7 < { بأيدى سفرة * كرام بررة } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { بأيدى سفرة * كرام بررة } < < # | عبس : ( 15 ) بأيدي سفرة # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : أن الله تعالى وصف الملائكة بثلاثة أنواع من الصفات : # أولها : أنهم سفرة وفيه قولان : الأول : قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل ~~وقتادة : هم الكتبة من الملائكة ، قال الزجاج : السفرة الكتبة واحدها سافر ~~مثل كتبة وكاتب ، وإنما قيل للكتبة : سفرة وللكاتب سافر ، لأن معناه أنه ~~الذي يبين الشيء ويوضحه يقال : سفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها القول الثاني ~~: وهو اختيار الفراء أن السفرة ههنا هم الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين ~~الله وبين رسله ، واحدها سافر ، والعرب تقول : سفرت بين القوم إذا أصلحت ~~بينهم ، فجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته ، كالسفير الذي يصلح به ~~بين القوم ، وأنشدوا : # % وما أدع السفارة بين قومي % % وما أمشى بغش إن مشيت % # واعلم أن أصل السفارة من الكشف ، والكاتب إنما يسمى سافرا لأنه يكشف ، ~~والسفير إنما سمي سفيرا أيضا لأنه يكشف ، وهؤلاء الملائكة لما كانوا وسايط ~~بين الله وبين البشر في البيان والهداية والعلم ، لا جرم سموا سفرة . # الصفة الثانية لهؤلاء الملائكة : أنهم ms9479 { كرام } قال مقاتل : كرام على ~~ربهم ، وقال عطاء : يريد أنهم يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع ~~زوجته للجماع وعند قضاء الحاجة . # الصفة الثانية : أنهم : { بررة } قال مقاتل : مطيعين ، وبررة جمع بار ، ~~قال الفراء : لا يقولون فعلة للجمع إلا والواحد منه فاعل مثل كافر وكفرة ، ~~وفاجر وفجرة القول الثاني : في تفسير الصحف : أنها هي صحف الأنبياء لقوله : ~~{ إن هاذا لفى الصحف الاولى } الأعلى : 18 ) يعني أن هذه التذكرة مثبتة في ~~صحف الأنبياء المتقدمين ، والسفرة الكرام البررة هم أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وقيل هم القراء . # / المسألة الثانية : قوله تعالى : { مطهرة * بأيدى سفرة } يقتضي أن طهارة ~~تلك الصحف إنما حصلت بأيدي هؤلاء السفرة ، فقال القفال في تقريره : لما كان ~~لا يمسها إلا الملائكة المطهرون أضيف التطهير إليها لطهارة من يسمها . # ! 7 < { قتل الإنسان مآ أكفره } . > 7 ! # < < # | عبس : ( 17 ) قتل الإنسان ما . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بدأ بذكر القصة المشتملة على ترفع ~~صناديد قريش على فقراء المسلمين ، عجب عباده المؤمنين من ذلك ، فكأنه قيل : ~~وأي سبب في هذا العجب والترفع مع أن أوله نطفة PageV31P054 قذوة وآخره جيفة ~~مذرة ، وفيها بين الوقتين حمال عذرة ، فلا جرم ذكر تعالى ما يصلح أن يكون ~~علاجا لعجبهم ، وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم ، فإن خلقة الإنسان تصلح لأن ~~يستدل بها على وجود الصانع ، ولأن يستدل بها على القول بالبعث والحشر ~~والنشر . # المسألة الثانية : قال المفسرون : نزلت الآية في عتبة بن أبي لهب ، وقال ~~آخرون : المراد بالإنسان الذين أقبل الرسول عليهم وترك ابن أم مكتوم بسببهم ~~، وقال آخرون : بل المراد ذم كل غني ترفع على فقير بسبب الغنى والفقر ، ~~والذي يدل على ذلك وجوه أحدها : أنه تعالى ذمهم لترفعهم فوجب أن يعم الحكم ~~بسبب عموم العلة وثانيها : أنه تعالى زيف طريقتهم بسبب حقارة حال الإنسان ~~في الابتداء والانتهاء على ما قال : { من نطفة خلقه * ثم أماته فأقبره } ( ~~عبس : 21 , 19 ) وعموم هذا الزجر يقتضي عموم الحكم وثالثها : وهو أن ms9480 حمل ~~اللفظ على هذا الوجه أكثر فائدة ، واللفظ محتمل له فوجب حمله عليه . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { قتل الإنسان } دعاء عليه وهي من أشنع ~~دعواتهم ، لأن القتل غاية شدائد الدنيا وما أكفره تعجب من إفراطه في كفران ~~نعمة الله ، فقوله : { قتل الإنسان } تنبيه على أنهم استحقوا أعظم أنواع ~~العقاب ، وقوله : { ما أكفره } تنبيه على أنواع القبائح والمنكرات ، فإن ~~قيل الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز والقادر على الكل كيف يليق به ~~ذاك ؟ والتعجب أيضا إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء ، فالعالم بالكل كيف يليق ~~به ذاك ؟ الجواب : أن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب وتحقيقة ما ذكرنا أنه ~~تعالى بين أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب لأجل أنهم أتوا بأعظم أنواع ~~القبائح ، واعلم أن لكل محدث ثلاث مراتب أوله ووسطه وآخره ، وأنه تعالى ذكر ~~هذه المراتب الثلاثة للإنسان . # ! 7 < { من أى شىء خلقه } . > 7 ! # أما المرتبة الأولى : فهي قوله : { من أى شىء خلقه } < < # | عبس : ( 18 ) من أي شيء . . . . . # > > وهو استفهام وغرضه زيادة التقرير في التحقير . # ! 7 < { من نطفة خلقه فقدره } . > 7 ! # < < # | عبس : ( 19 ) من نطفة خلقه . . . . . # > > ثم أجاب عن ذلك الاستفهام بقوله : { من نطفة خلقه } ولا شك أن النطفة ~~شيء حقير مهين / والغرض منه أن من كان أصله ( من ) مثل هذا الشيء الحقير ، ~~فالنكير والتجبر لا يكون لائقا به . # ثم قال : { فقدره } وفيه وجوه : أحدها قال الفراء : قدره أطوارا نطفة ثم ~~علقة إلى آخر خلقه وذكرا أو أنثى وسعيدا أو شقيا وثانيها : قال الزجاج : ~~المعنى قدره على الاستواء كما قال : { أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ~~ثم سواك رجلا } ( الكهف : 37 ) ، وثالثها : يحتمل أن يكون المراد وقدر كل ~~عضو في الكمية والكيفية بالقدر اللائق بمصلحته ، ونظيره قوله : { وخلق كل ~~شىء فقدره تقديرا } ( الفرقان : 2 ) . # ! 7 < { ثم السبيل يسره } . > 7 @QB@ < # | عبس : ( 20 ) ثم السبيل يسره # > > # وأما المرتبة الثانية : وهي المرتبة المتوسطة فهي قوله تعالى : { ثم ~~السبيل يسره } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : نصب السبيل بإضمار يسره ، وفسره بيسره . # المسألة الثانية : ذكروا في ms9481 تفسيره أقوالا أحدها : قال بعضهم : المراد ~~تسهيل خروجه من بطن أمه ، قالوا : إنه كان رأس المولود في بطن أمه من فوق ~~ورجلاه من تحت ، فإذا جاء وقت الخروج انقلب ، فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام ~~إلا الله ، ومما يؤكد هذا التأويل أن خروجه حيا من ذلك المنفذ الضيق من ~~أعجب العجائب وثانيها : قال أبو مسلم : المراد من هذه الآية ، هو المراد من ~~قوله : { وهديناه النجدين } ( البلد : 10 ) فهو يتناول التمييز بين كل خير ~~وشر يتعلق بالدنيا ، وبين كل خير وشر يتعلق بالدين أي جعلناه متمكنا من ~~سلوك سبيل الخير والشر ، والتيسير يدخل فيه الإقدار والتعريف والعقل وبعثة ~~الأنبياء ، وإنزال PageV31P055 الكتب وثالثها : أن هذا مخصوص بأمر الدين ، ~~لأن لفظ السبيل مشعر بأن المقصود أحوال الدنيا ( لا ) أمور تحصل في الآخرة ~~. # وأما المرتبة الثانية : وهي المرتبة الأخيرة ، فهي قوله تعالى : { ثم ~~أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره } . # < < # | عبس : ( 21 ) ثم أماته فأقبره # > > واعلم أن هذه المرتبة الثالثة مشتملة أيضا على ثلاث مراتب ، الإماتة ~~، والإقبار ، والإنشار ، أما الإماتة فقد ذكرنا منافعها في هذا الكتاب ، ~~ولا شك أنها هي الواسطة بين حال التكليف والمجازاة ، وأما الإقبار فقال ~~الفراء : جعله الله مقبورا ولم يجعله ممن يلقى للطير والسباع ، لأن القبر ~~مما أكرم به المسلم قال : ولم يقل فقبره ، لأن القابر هو الدافن بيده ، ~~والمقبر هو الله تعالى ، يقال قبر الميت إذا دفنه وأقبر الميت ، إذا أمر ~~غيره بأن يجعله في القبر ، والعرب تقول : بترت ذنب البعير ، والله أبتره ~~وعضبت قرن الثور ، والله أعضبه ، وطردت فلانا عني ، والله أطرده . أي صيره ~~طريدا ، وقوله تعالى : { ثم إذا شاء أنشره } المراد منه الإحياء ( و ) ~~البعث ، وإنما قال : إذا شاء إشعارا بأن وقته غير معلوم لنا ، فتقديمه ~~وتأخيره موكول إلى مشيئة الله تعالى ، وأما سائر الأحوال / المذكورة قبل ~~ذلك فإنه يعلم أوقاتها من بعض الوجوه ، إذا الموت وإن لم يعلم الإنسان وقته ~~ففي الجملة يعلم أنه لا يتجاوز فيه إلا حدا معلوما . ! 7 < { ثم أماته ~~فأقبره * ثم إذا شآء أنشره ms9482 * كلا لما يقض مآ أمره * فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه ! 7 < ط { أنا صببنا المآء صبا * ثم شققنا الا رض شقا * فأنبتنا فيها ~~حبا * وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدآئق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا ~~لكم ولانعامكم * فإذا جآءت الصآخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصاحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه * وجوه يومئذ مسفرة * ~~ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولائك هم الكفرة ~~الفجرة } . > 7 ! # واعلم أن قوله { كلا } ردع للإنسان عن تكبره وترفعه ، أو عن كفره وإصراره ~~على إنكار التوحيد ، وعلى إنكاره البعث والحشر والنشر ، وفي قوله : { لما ~~يقض ما أمره } وجوه . أحدها : قال مجاهد : لا يقضي أحد جميع ما كان مفروضا ~~عليه أبدا ، وهو إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك عن تقصير البتة ، وهذا ~~التفسير عندي فيه نظر ، لأن قوله : { لما يقض } الضمير فيه عائد إلى ~~المذكور السابق ، وهو الإنسان في قوله : { قتل الإنسان ما أكفره } وليس ~~المراد من الإنسان ههنا جميع الناس بل الإنسان الكافر فقوله : { لما يقض } ~~كيف يمكن حمله على جميع الناس ؟ وثانيها : أم يكون المعنى أن الإنسان ~~المترفع المتكبر لم يقض ما أمر به من ترك التكبر ، إذ المعنى أن ذلك ~~الإنسان الكافر لم يقض ما أمر به من التأمل في دلائل الله ، والتدبر في ~~عجائب خلقه وبينات حكمته . وثالثها : قال الأستاذ أبو بكر بن فورك : كلا لم ~~يقض الله لهذا الكافر ما أمره من الإيمان وترك التكبر ، بل أمره بما لم يقض ~~له به . # واعلم أن عادة الله تعالى جارية في القرآن بأنه كلما ذكر الدلائل ~~الموجودة في الأنفس ، فإنه يذكر عقيبها الدلائل الموجودة في الآفاق فجرى ~~ههنا على تلك العادة وذكر الآفاق وبدأ بما يحتاج الإنسان إليه . # فقال : { فلينظر الإنسان إلى طعامه } الذي يعيش به كيف دبرنا أمره ، ولا ~~شك أنه موضع الاعتبار ، PageV31P056 فإن الطعام الذي يتناول الإنسان له ~~حالتان . إحداهما : متقدمة وهي الأمور التي لا بد من وجودها حتى يدخل ذلك ~~الطعام في الوجود . والثانية : متأخرة ، وهي الأمور ms9483 التي لا بد منها في بدن ~~الإنسان حتى يحصل له الانتفاع بذلك الطعام المأكول ، ولما كان النوع الأول ~~أظهر للحسن وأبعد عن الشبهة ، لا جرم اكتفى الله تعالى بذكره ، لأن دلائل ~~القرآن لا بد وأن تكون بحيث ينتفع بها كل الخلق ، فلا بد وأن تكون أبعد عن ~~اللبس والشبهة ، وهذا هو المراد من قوله : { فلينظر الإنسان إلى طعامه } ~~واعلم أن النبت أنما يحصل من القطر النازل من السماء الواقع في الأرض ، ~~فالسماء كالذكر ، والأرض كالأنثى فذكر في بيان نزل القطر . # قوله : { أنا صببنا الماء صبا } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قوله { صببنا } المراد منه الغيث ، ثم انظر في انه كيف ~~حدث الغيث المشتمل على هذه المياه العظيمة ، وكيف بقي معلقا في جو السماء ~~مع غاية ثقله ، وتأمل في أسبابه القريبة والبعيدة ، حتى يلوح لك شيء من ~~آثار نور الله وعدله وحكمته ، وفي تدبير خلقة هذا العالم . # المسألة الثانية : قرئ إنا بالكسر ، وهو على الاستئناف ، وأنا بالفتح على ~~البدل من الطعام والتقدير : { فلينظر الإنسان } إلى أنا كيف { صببنا الماء ~~} قال أبو علي الفارسي : من قرأ بكسر إنا كان ذلك تفسيرا للنظر إلى طعانه ~~كما أن قوله { لهم مغفرة } [ النور : 26 ] تفسير للوعد ، ومن فتح فعلى معنى ~~البدل بدل الاشتمال ، لأن هذه الأشياء تشتمل على كون الطعام وحدوثه ، فهو ~~كقوله : { ويسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } [ البقرة : 217 ] وقوله { ~~قتل أصحاب الأخدود ، النار } [ البروج : 4 ] # قوله تعالى { ثم شققنا الأرض شقا } والمراد شق الأرض بالنبات ، ثم ذكر ~~تعالى ثمانية أنواع من النبات : # أولها : الحب : وهو المشار إليه بقوله : { فأنبتنا فيها حبا } وهو كل ما ~~حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما ، وإنما قدم ذلك لأنه كالأصل في الأغذية ~~. # وثانيها : قوله تعالى { وعنبا } وإنما ذكره بعد الحب لأنه غذاء من وجه ~~وفاكهة من وجه . # وثالثها : قوله تعالى : { وقضبا } وفيه قولان : # الأول : أنه الرطبة وهي التي إذا يبست سميت بالقت ، وأهل مكة يسمونها ~~بالقضب وأصله من القطع ، وذلك لأنه يقضب مرة بعد أخرى ، وكذلك القضيب لأنه ms9484 ~~يقضب أي يقطع . وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل واختيار الفراء وأبي ~~عبيدة والأصمعي . # والثاني : قال المبرد : القضب هو العلف بعينه ، وأصله من أنه يقضب أي ~~يقطع وهو قول ابن عباس والضحاك ومقاتل واختيار الفراء وأبي عبيدة والأصمعي ~~. # والثاني : قال المبرد : القضب هو العلف بعينه ، وأصله من أنه يقضب أي ~~يقطع وهو قول الحسن . # والرابع والخامس : قوله تعالى : { وزيتونا ونخلا } ومنافعهما قد تقدمت في ~~هذا الكتاب . PageV31P057 # وسادسها : قوله تعالى : { وحدائق غلبا } الأصل في الوصف بالغلب الرقاب ~~فالغلب الغلاظ الأعناق الواحد أغلب يقال أسد أغلب . ثم ههنا قولان : # الأول : أن يكون المراد وصف كب حديقة بأن أشجارها متكاثفة متقاربة ، وهذا ~~قول مجاهد ومقاتل قالا : الغلب الملتفة الشجر بعضه من بعض ، يقال : اغلولب ~~العشب واعلولبت الأرض إذا التف عشبها . # والثاني : أن يكون المراد وصف كل واحد من الأشجار بالغلظ والعظم ، قال ~~عطاء عن ابن عباس : يريد الشجر العظام ، وقال الفراء : الغلب ما غلظ من ~~النخل . # وسابعها : قوله : { وفاكهة } وقد استدل بعضهم بأن الله تعالى لما ذكر ~~الفاكهة معطوفة على العنب والزيتون والنخل وجب أن لا تدخل هذه الأشياء في ~~الفاكهة ، وهذا قريب من جهة الظاهر ، لأن المعطوف مغاير للمعطوف عليه . # وثامنها : قوله تعالى : { وأبا } والأب هو المرعى ، قال صاحب الكشاف لأنه ~~يؤب أي يؤم وينتجع ، والأب والأم أخوان ، قال الشاعر : # % جذمنا قيس ونجد دارنا % % لنا الأب به والمكرع % # وقيل : الأب الفاكهة اليابسة لأنها تؤب للشتاء أي تعد ، ولما ذكر الله ~~تعالى ما يتغذى به الناس والحيوان قال : { متاعا لكم ولأنعامكم } . # قال الفراء : خلقناه منفعة ومتعة لكم ولأنعامكم ، وقال الزجاج : هو منصوب ~~لأنه مصدر مؤكد لقوله : { فأنبتنا } لأن إنباته هذه الأشياء إمتاع لجميع ~~الحيوان . # واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء وكان المقصود منها أمورا ثلاثة : ~~أولها : الدلائل الدالة على التوحيد . وثانيها : الدلائل الدالة على القدرة ~~على المعاد . وثالثها : أن هذا الإله الذي أحسن إلى عبيدة بهذه الأنواع ~~العظيمة من الإحسان ، لا يليق بالعاقل أن يتمرد عن طاعته وأن يتكبر على ~~عبيدة ؛ أتبع ms9485 هذه الجملة بما يكون مؤكدا لهذه الأغراض وهو شرح أهوال ~~القيامة ، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمل في ~~الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر ، ويدعوه ذلك أيضا إلى ترك التكبر ~~على الناس ، وإلى التأمل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر ، ~~ويدعوه ذلك أيضا إلى ترك التكبر على الناس ، وإلى إظهار التواضع إلى كل أحد ~~فلا جرم ذكر القيامة فقال : { فإذا جاءت الصاخة } قال المفسرون : يعني صيحة ~~القيامة وهي النفخة الأخيرة ، قال الزجاج : أصل الصخ في اللغة الطعن والصك ~~، يقال صخ رأسه بحجر أي شدخه والغراب يصخ بمنقاره في دبر البعير أي يطعن ، ~~فمعنى الصاخة الصاكة بشدة صوتها لللآذان وذكر صاحب الكشاف وجها آخر فقال : ~~يقال صخ لحديثه مثل أصاخ له ، فوصفت النفخة بالصاخة مجازا لأن الناس يصخون ~~لها أي يستمعون . PageV31P058 # ثم إنه تعالى وصف هول ذلك اليوم بقوله تعالى : { يوم يفر المرء من أخيه ، ~~وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : يحتمل أن يكون المراد من الفرار ما يشعر به ظاهره وهو ~~التباعد والاحتراز والسبب في ذلك الفرار الاحتراز عن المطالبة بالتبعات ، ~~يقول الأخ ما واسيتني بمالك ، والأبوان يقولان قصرت في برنا ، والصاحبة ~~تقول أطعمتني الحرام ، وفعلت وصنعت ، والبنون يقولون ما علمتنا وما أرشدتنا ~~، وقيل : أول من يفر من أخيه هابيل ، ومن أبويه إبراهيم ، ومن صاحبته نوح ~~ولوط ، ومن ابنه نوح ، ويحتمل أن يكون المراد من الفرار ليس هو التباعد ، ~~بل المعنى أنه يوم يفر المرء من موالاة أخيه لاهتمامه بشأنه ، وهو كقوله ~~تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } [ البقرة : 166 ] وأما ~~الفرار من نصرته ، وهو كقوله تعالى : { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا } [ ~~الدخان : 41 ] وأما ترك السؤال وهو كقوله تعالى : { ولا يسأل حميم حميما } ~~[ المعارج : 10 ] . # المسألة الثانية : المراد أن الذين كان المرء في دار الدنيا يفر إليهم ~~ويستجير بهم ، فإنه يفر منهم في دار الآخرة ، ذكروا في فائدة الترتيب كأنه ~~قيل : { يوم يفر المرء من أخيه } بل من ms9486 أبويه فإنهما أقرب من الأخوين بل من ~~الصاحبة والولد ، لأن تعلق القلب بهما من تعلقه بالأبوين . # ثم إنه تعالى لما ذكر هذا الفرار أتبعه بذكر سببه فقال تعالى : { لكل ~~امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } وفي قوله : { يغنيه } وجهان : الأول : قال ابن ~~قتيبة : يغنيه أي يصرفه ويصده عن قرابته وأنشد : # % سيغنيك حرب بني مالك % % عن الفحش والجهل في المحفل % # أي سيشغلك ، ويقال : أغن عني وجهك أي اصرفه . الثاني : قال أهل المعاني : ~~يغنيه أي ذلك الهم الذي بسبب خاصة نفسه قد ملأ صدره ، فلم يبق فيه متسع لهم ~~آخر ، فصار شبيها بالغني في أنه حصل عنده من ذلك المملوك شيء كثير . # واعلم أنه تعالى لما ذكر حال يوم القيامة في الهول ، بين أن المكلفين فيه ~~على قسمين منهم السعداء ، ومنهم الأشقياء فوصف السعداء بقوله تعالى : { ~~وجوه يومئذ مسفرة ، ضاحكة مستبشرة } مسفرة مضيئة متهللة ، من أسفر الصبح ~~إذا أضاء ، وعن ابن عباس : من قيام الليل لما روي من كثرت صلاته بالليل ، ~~حسن وجهه بالنهار ، وعن الضحاك : من آثار الوضوء ، وقيل من طول ما اغبرت في ~~سبيل الله ، وعندي أنه بسبب الخلاص من علائق الدنيا والاتصال بعالم القدس ~~ومنازل الرضوان والرحمة ضاحكة ، قال الكلبي : يعني بالفراغ من الحساب ~~مستبشرة فرحة بما نالت من كرامة الله ورضاه ، واعلم أن قوله مسفرة إشارة ~~إلى الخلاص عن هذا العالم وتبعاته وأما الضاحكة والمستبشرة ، فهما محمولتان ~~على القوة النظرية والعملية ، أو على وجدان المنفعة ووجدان التعظيم . ~~PageV31P059 # ! 7 < { ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ، أولئك هم الكفرة الفجرة } ~~> 7 ! قال المبرد : الغبرة ما يصيبب الإنسان من الغبار ، وقوله : { ترهقها ~~} اي تدركها عن قرب ، كقولك : رهقت الجبل إذا لحقته لسرعة ، والرهق عجلة ~~الهلاك ، والقترة سواد الدخان ، ولا يرى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في ~~الوجه ، كما ترى وجوه الزنوج إذا غبرت ، وكأن الله تعالى جمع في وجوههم بين ~~السواد والغبرة ، كما جمعوا بين الكفر والفجور ، والله أعلم . # واعلم أن المرجئة والخوارج تمسكوا بهذه الآية ، أما المرجئة فقالوا : إن ~~هذه الآية ms9487 دلت على أن أهل القيامة قسمان : أهل الثواب ، وأهل العقاب . دلت ~~على أن أهل العقاب هم الكفرة ، وثبت بالدليل أن الفساق من أهل الصلاة ليسوا ~~بكفرة ، وإذا لم يكونوا من الكفرة كانوا من أهل الثواب ، وذلك يدل على أن ~~صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس له عقاب ، وأما الخوارج فإنهم قالوا : دلت ~~سائر الدلائل على أن صاحب الكبيرة يعاقب ، ودلت هذه الآية على أن كل من ~~يعاقب فإنه كافر ، فيلزم أن كل مذنب فإنه كافر . والجواب : أكثر ما في ~~الباب أن المذكور ههنا هو هذا الفريقان ، وذلك لا يقتضي نفي الفريق الثالث ~~، والله أعلم ؛ والحمد لله رب العالمين وصلاه \ ته على سيد المرسلين محمد ~~النبي وآله وصحبه أجمعين . PageV31P060 < # > 1 ( سورة التكوير ) 1 < # @QE@ 7 < { إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت * ~~وإذا العشار عطلت * وإذا الوحوش حشرت * وإذا البحار سجرت * وإذا النفوس ~~زوجت * وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت * وإذا الصحف نشرت * وإذا السمآء ~~كشطت * وإذا الجحيم سعرت * وإذا الجنة أزلفت * علمت نفس مآ أحضرت * فلا ~~أقسم بالخنس * الجوار الكنس } . > 7 ! بسم الله الرحمن الرحيم # < < # | التكوير : ( 1 ) إذا الشمس كورت # > > اعلم أنه تعالى ذكر اثني عشر شيئا ، وقال : إذا وقعت هذه الأشياء ~~فهنالك { علمت نفس ما أحضرت } [ التكوير : 14 ] . فالأول : قوله تعالى : { ~~إذا الشمس كورت } وفي التكوير وجهان : أحدهما : التلفيف على جهة الاستدارة ~~كتكوير العمامة ، وفي الحديث : < < نعوذ بالله من الحور بعد الكور > > أي ~~من التشتت بعد الألفة . والطي واللف والكور والتكوير واحد ، وسميت كارة ~~القصار كارة لأنه يجمع ثيابه في ثوب واحد ، ثم إن الشيء الذي يلف لا شك أنه ~~يصير مختفيا عن الأعين ، فعبر عن إزالة النور عن جرم الشمس وتصييرها غائبة ~~عن الأعين بالتكوير ، فلهذا قال بعضهم : كورت أي طمست ، وقال آخرون : ~~انكسفت ، وقال الحسن : محي ضوؤها وقال المفضل بن سلمة : كورت أي ذهب ضوؤها ~~، كأنها استترت في كارة . الوجه الثاني : في التكوير يقال : كورت الحائط ~~ودهورته إذا طرحته حتى يسقط ، قال الأصمعي : يقال طعنه فكوره ms9488 إذا صرعه ، ~~فقوله : { إذا الشمس كورت } ، أي ألقيت ورميت عن الفلك ، وفيه قول ثالث : ~~يروى عن عمر أنه لفظة مأخوذة من الفارسية ، فإنه يقال للأعمى كور ، وههنا ~~سؤالان : # السؤال الأول : ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية ؟ الجواب : بل على ~~الفاعلية رافعها فعل مضمر ، يفسره كورت لأن { إذا } يطلب الفعل لما فيه من ~~معنى الشرط . # السؤال الثاني : روي أن الحسن جلس بالبصرة إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن ~~فحدث عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : < < إن الشمس والقمر ثوران مكوران ~~في النار يوم القيامة > > قال الحسن : وما ذنبهما ؟ قال : إني أحدثك عن ~~رسول الله . فسكت الحسن . والجواب : أن سؤال الحسن ساقط ، لأن الشمس والقمر ~~PageV31P061 جمادان فإلقاؤهما في النار لا يكون سببا لمضرتهما ، ولعل ذلك ~~يصير سببا لازدياد الحر في جهنم ، فلا يكون هذا الخبر على خلاف العقل . # الثاني : قوله تعالى : { إذا النجوم انكدرت } أي تناثرت وتساقطت كما قال ~~تعالى : { وإذا الكواكب انتثرت } [ الانفطار : 2 ] والأصل في الانكدار ~~الانصباب ، قال الخليل : يقال انكدر عليهم القول إذا جاءوا أرسالا فانصبوا ~~عليهم ، قال الكلبي : تمطر السماء يومئذ نجوما فلا يبقى نجم في السماء إلا ~~وقع على وجه الأرض ، قال عطاء : وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء ~~والأرض بسلاسل من النور ، وتلك السلاسل في أيدي الملائكة ، فإذا مات في ~~السماء والأرض تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة . # الثالث : قوله تعالى : { وإذا الجبال سيرت } أي عن وجه الأرض كقوله : { ~~وسيرت الجبال فكانت سرابا } [ النبأ : 20 ] أو في الهواء كقوله : { تمر مر ~~السحاب } [ النمل : 88 ] . # الرابع : قوله : { وإذا العشار عطلت } فيه قولان : # القول الأول : المشهور أن ( العشار ) جمع عشراء كالنفاس في جمع نفساء ، ~~وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر ، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة ، ~~وهي أنفس ما يكون عند أهلها وأعزها عليهم ، و { عطلت } قال ابن عباس : ~~أهملها أهلها لما جاءهم من أهوال يوم القيامة ، وليس شيء أحب إلى العرب من ~~النوق الحوامل ، وخوطب العرب بأمر العشار لأن أكثر مالها وعيشها ms9489 من الإبل . ~~والغرض من ذلك ذهاب الأموال وبطلان الأملاك ، واشتغال الناس بأنفسهم كما ~~قال : { يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم } [ الشعراء ~~: 88 ] وقال : { لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } [ الأنعام : 94 ] ~~. # والقول الثاني : أن العشار كناية عن السحاب تعطلت عما فيها من الماء ، ~~وهذا وإن كان مجازا إلا أنه أشبه بسائ ما قبله ، وأيضا فالعرب تشبه السحاب ~~بالحامل ، قال تعالى : { فالحاملات وقرا } [ الذاريات : 2 ] . # الخامس : قوله تعالى : { وإذا الوحش حشرت } كل شيء من دواب البر مما لا ~~يستأنس فهو وحش ، والجمع الوحوش ، { وحشرت } جمعت من كل ناحية ، قال قتادة ~~: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص ، قال المعتزلة : إن الله تعالى يحشر ~~الحيوانات كلها في ذلك اليوم ليعوضها على آلامها التي وصلت إليها في الدنيا ~~بالموت والقتل وغير ذلك ، فإذا عوضت على تلك الآلام ، فإن شاء الله أن يبقى ~~بعضها في الجنة إذا كان مستحسنا فعل ، وإن شاء أن يفنيه أفناه على ما جاء ~~به الخبر ، وأما أصحابنا فعندهم أنه لا يجب على الله شيء بحكم الاستحقاق ، ~~ولكنه تعالى يحشر الوحوش كلها فيقتص للجماء من القرناء ، ثم PageV31P062 ~~يقال لها موتي فتموت ، والغرض من ذكر هذه القصة ههنا وجوه . أحدها : أنه ~~تعالى إذا كان [ يوم القيامة ] يحشر كل الحيوانات إظهارا للعدل ، فكيف يجوز ~~مع هذا أن لا يحشر المكلفين من الإنس والجن ؟ الثاني : أنها تجتمع في موقف ~~القيامة مع شدة نفرتها عن الناس في الدنيا وتبددها في الصحاري ، فدل هذا ~~على أن اجتماعها إلى الناس ليس إلا من هول ذلك اليوم . والثالث : أن هذه ~~الحيوانات بعضها غذاء للبعض ، ثم إنها في ذلك اليوم لا تجتمع ولا يتعرض ~~بعضها لبعض ، وما ذاك إلا لشدة هول ذلك اليوم ، وفي الآية قول آخر لابن ~~عباس وهو أن حشر الوحوش عبارة عن موتها ، يقال - إذا أجحفت السنة بالناس ~~وأموالهم - حشرتهم السنة ، وقرئ حشرت بالتشديد . # السادس : قوله تعالى : { وإذا البحار سجرت } قرئ بالتخفيف والتشديد ، ~~وفيه وجوه : أحدها : أن أصل الكلمة ms9490 من سجرت التنور إذا أوقدتها ، والشيء ~~إذا وقد فيه نشف ما فيه من الرطوبة ، فحينئذ لا يبقى في البحار شيئا واحدا ~~في غاية الحرارة والإحراق ، ويحتمل أن تكون الأرض لما نشفت مياه البحار ربت ~~فارتفعت فاستوت برؤوس الجبال ، ويحتمل أن الجبال لما اندكت وتفرقت أجزاؤها ~~وصارت كالتراب وقع ذلك التراب في أسفل الجبال ، فصار وجه الأرض مستويا مع ~~البحار ، ويصير الكل بحرا مسجورا . وثانيها : أن يكون { سجرت } بمعنى ' ~~فجرت ' وذلك لأن بين البحار حاجزا على ما قال { مرج البحرين يلتقيان ، ~~بينهما برزخ لا يبغيان } [ الرحمن : 19 ] فإذا رفع الله ذلك الحاجز فاض ~~البعض في البعض ، وصارت البحار بحرا واحدا ، وهو قول الكلبي . وثالثها : { ~~سجرت } أوقدت ، قال القفال : وهذا التأويل يحتمل وجوها . الأول : أن تكون ~~جهنم في قعور البحار ، فهي الآن غير مسجورة لقيام الدنيا ، فإذا انتهت مدة ~~الدنيا أوصل الله تأثير تلك النيران إلى البحار ، فصارت بالكلية مسجورة ~~بسبب ذلك . والثاني : أن الله تعالى يلقي الشمس والقمر والكواكب في البحار ~~، فتصير البحار مسجورة بسبب ذلك . والثالث : أن يخلق الله تعالى بالبحار ~~نيرانا عظيمة حتى تتسخن تلك المياه . وأقول هذه الوجوه متكلفة لا حاجة إلى ~~شيء منها ، لأن القادر على تخريب الدنيا وإقامة القيامة لا بد وأن يكون ~~قادرا على أن يفعل بالبحار ما شاء من تسخين ، ومن قلب مياهها نيرانا من غير ~~حاجة منه إلى أن يلقي فيها الشمس والقمر ، وأن يكون تحتها نار جهنم . # واعلم أن هذه العلامات الست يمكن وقوعها في أول زمان تخريب الدنيا ، ~~ويمكن وقوعها أيضا بعد قيام القيامة ، وليس في اللفظ ما يدل على أحد ~~الاحتمالين . أما بالستة الباقية فإنها مختصة بالقيامة . # السابع : قوله تعالى : { وإذا النفوس زوجت } وفيه وجوه . أحدها : قرنت ~~الأرواح بالأجساد وثانيها : قال الحسن : يصيرون فيها ثلاثة أزواج كما قال : ~~{ وكنتم أزواجا ثلاثة ، فأصحاب الميمنة ما اصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ~~ما أصحاب المشأمة ، والسابقون السابقون } [ الواقعة : 8 ] . وثالثها : أنه ~~PageV31P063 يضم كل صنف من كان في طبقته من الرجال والنساء ، فيضم المبرز ~~في ms9491 الطاعات إلى مثله ، والمتوسط إلى مثله وأهل المعصية إلى مثله ، فالتزويج ~~أن يقرن الشيء بمثله ، والمعنى أن يضم كل واحد إلى طبقته في الخير والشر . ~~ورابعها : يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسلطان كما قال : { احشروا ~~الذين ظلموا وأزواجهم } [ الصافات : 22 ] قيل : فزدناهم من الشياطين . ~~وخامسها : قال ابن عباس : زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين وقرنت نفوس ~~الكافرين بالشياطين . وسادسها : قرن كل امرئ بشيعته اليهودي باليهودي ~~والنصراني بالنصراني ، وقد ورد فيه خبر مرفوع . وسابعها : قال الزجاج : ~~قرنت النفوس بأعمالها . واعلم أنك إذا تأملت في الأقوال التي ذكرناها أمكنك ~~أن تزيد عليها ما شئت . # الثامن : قوله تعالى : { وإذا الموءودة سئلت ، بأي ذنب قتلت } فيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : وأد يئد مقلوب من آد يئود أودا ثقل قال تعالى : { ولا ~~يؤوده حفظهما } [ البقرة : 255 ] أي يثقله ؛ لأنه إثقال بالتراب كان الرجل ~~إذا ولدت له بنت فاراد بقار حياتها ألبسها جبة من صوف أو شعر لترعى له ~~الإبل والغنم في البادية ، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا بلغت قامتها ستة ~~أشبار فيقول لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أقاربها وقد حفر لها ~~بئرا في الصحراء فيبلغ بها إلى البئر فيقول لها انظري فيها ثم يدفعها من ~~خلفها ويهيل عليها التراب حتى يستوي البئر بالأرض ، وقيل : كانت الحامل إذا ~~قربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنتا رمتها في الحفرة ، ~~وإذا ولدت ابنا أمسكته ، وههنا سؤالان : # السؤال الأول : ما الذي حملهم على وأد البنات ؟ الجواب : الخوف من لحوق ~~العار بهم من أجلهم أو الخوف من الإملاق ، كما قال تعالى : { ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق } [ الإسراء : 31 ] وكانوا يقولون : إن الملائكة بنات ~~الله فألحقوا البنات بالملائكة ، وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد فافتخر ~~الفرزدق به في قوله : # % ومنا الذي منع الوائدات % % فأحيا الوئيد فلم توأد % # السؤال الثاني : فما معنى سؤال الموءودة عن ذنبها الذي قتلت به ، وهلا ~~شئل الوائد عن موجب قتله لها ؟ الجوال : سؤالها وجوابها تبكيب لقاتلها ، ~~وهو كتبكيت ms9492 النصارى في قوله لعيسى : { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ألهين ~~من دون الله ، قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } [ المائدة : ~~116 ] . # المسألة الثانية : قرئ سألت ، أي خاصمت عن نفسها ، وسألت الله أو قاتلها ~~، وقرئ قتلت بالتشديد ، فإن قيل اللفظ المطابق أن يقال : { سئلت بأي ذنب ~~قتلت } ومن قرأ سألت فالمطابق أن يقرأ { بأي ذنب قتلت } فما الوجه في ~~القراءة المشهورة ؟ قلنا : الجواب من وجهين . الأول : تقدير الآية : وإذا ~~الموءودة سئلت [ أي سئل ] الوائدون عن أحوالها بأي ذنب قتلت . والثاني : أن ~~الإنسان قد يسأل عن حال نفسه عند المعاينة بلفظ المغايبة ؛ كما إذا أردت أن ~~تسال زيدا عن حال من أحواله ، فتقول : ماذا فعل زيد في ذلك المعنى ؟ ويكون ~~زيد هو المسئول ، وهو المسؤول عنه ، فكذا ههنا . PageV31P064 # التاسع : قوله تعالى : { وإذا الصحف نشرت } قرئ بالتخفيف والتشديد يريد ~~صحف الأعمال تطوي صحيفة الإنسان عند موته ، ثم تنشر إذا حوسب ، ويجوز أن ~~يراد نشرت بين أصحابها ، أي فرقت بينهم . # العاشر : قوله تعالى : { وإذا السماء كشطت } أي كشفت وأزيلت عما فوقها ، ~~وهو الجنة وعرش الله ، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة ، والغطاء عن الشيء ، ~~وقرأ ابن مسعود : قشطت ، واعتقاب القاف والكاف كثير ، يقال لبكت الثريد ~~ولبقته ، والكافور والقافور ، قال الفراء : نزعت فطويت . # الحادي عشر : قوله تعالى : { وإذا الجحيم سعرت } أوقدت إيقادا شديدا وقرئ ~~سعرت بالتشديد للمبالغة ، قيل سعرها غضب الله ، وخطايا بني آدم ، واحتج ~~بهذه الآية من قال : النار غير مخلوقة الآن ، قالوا : لأنها تدل على أن ~~تسعيرها معلق بيوم القيامة . # الثاني عشر : قوله تعالى : { وإذا الجنة أزلفت } أي أدنيت من المتقين ، ~~كقوله : { وأزلفت الجنة للمتقين } [ الشعراء : 90 ] . # ولما ذكر الله تعالى هذه الأمور الأثنى عشر ذكر الجزاء المرتب على الشروط ~~الذي هو مجموع هذه الأشياء فقال : { علمت نفس ما أحضرت } ومن المعلوم أن ~~العمل لا يمكن إحضاره ، فالمراد إذن ما أحضرته في صحائفها ، وما أحضرته عند ~~المحاسبة وعند الميزان من آثار تلك الأعمال ، والمراد : ما أحضرت من ~~استحقاق الجنة ms9493 والنار . ( فإن قيل ) : كل نفس تعلم ما أحضرت ، لقوله : { ~~يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محتضرا } [ آل عمران : 30 ] فما معنى قوله { ~~علمت نفس } ؟ قلنا : الجواب من وجهين . الأول : أن هذا هو من عكس كلامهم ~~الذي يقصدون به الإفراط ، وإن كان اللفظ موضوعا للقليل ، ومنه قوله تعالى : ~~{ ربما يود الذين كفروا } [ الحجر : 2 ] كمن يسأل فاضلا مسألة ظاهرة ويقول ~~هل عندك فيها شيء ؟ فيقول : ربما حضر شيء ؛ وغرضه الإشارة إلى أن عنده في ~~تلك المسألة ما لا يقول به غيره . فكذا ههنا . الثاني : لعل الكفار كانوا ~~يتعبون أنفسهم في الأشياء التي يعتقدونها طاعات ثم بدا لهم يوم القيامة ~~خلاف ذلك فهو المراد من هذه الآية . PageV31P065 # قوله تعالى : { فلا أقسم بالخنس ، الجواري الكنس } الكلام في قوله : { لا ~~أقسم } قد تقدم في قوله : { لا أقسم بيوم القيامة } ( القيامة : 1 ) ، { ~~الجوار الكنس } فيه قولان : الأول : وهو المشهور الظاهرة أنها النجوم الخنس ~~جمع خانس ، والخنوس والانقباض والاستخفاء تقول : خنس من بين القوم وانخنس ، ~~وفي الحديث ( الشيطان يوسوس إلى العبد فإذا ذكر الله خنس ) أي انقبض ولذلك ~~سمي الخناس { * والكنس } جمع كانس وكانسة يقال : كنس إذا دخل الكناس وهو ~~مقر الوحش يقال كنس الظباء في كنسها ، وتكنست المرأة إذا دخلت هودجها تشبه ~~بالظبي إذا دخل الكناس . ثم اختلفوا في خنوس النجوم وكنوسها على ثلاثة أوجه ~~فالقول الأظهر : أن ذلك إشارة إلى رجوع الكواكب الخمسة السيارة واستقامتها ~~فرجوعها هو الخنوس وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس ، ولا شك أن هذه حالة ~~عجيبة وفيها أسرار عظيمة باهرة القول الثاني : ما روي عن علي عليه السلام ~~وعطاء ومقاتل وقتادة أنها هي جميع الكواكب وخنوسها عبارة عن غيبوبتها عن ~~البصر في النهار وكنوسها عبارة عن ظهورها للبصر في الليل أي تظهر في ~~أماكنها كالوحش في كنسها والقول الثالث : أن السبعة السيارة تختلف مطالعها ~~ومغاربها على ما قال تعالى : { أقسم برب المشارق والمغارب } ( المعارج : 40 ~~) ولا شك أن فيها مطلعا واحدا ومغربا واحدا هما أقرب المطالع والمغارب إلى ~~سمت ms9494 رؤوسنا ، ثم إنها تأخذ في التباعد من ذلك المطلع إلى سائر المطالع طول ~~السنة ، ثم ترجع إليه فخنوسها عبارة عن تباعدها عن ذلك المطلع ، وكنوسها ~~عبارة عن عودها إليه ، فهذا محتمل فعلى القول الأول يكون القسم واقعا ~~بالخمسة المتحيرة ، وعلى القول الثاني يكون القسم واقعا بجميع الكواكب وعلى ~~هذا الاحتمال الذي ذكرته يكون القسم واقعا بالسبعة السيارة والله أعلم ~~بمراده . # والقول الثاني : أن { الجوار الكنس } وهو قول ابن مسعود والنخعي أنها بقر ~~الوحش ، وقال سعيد بن جبير : هي الظباء ، وعلى هذا الخنس من الخنس في الأنف ~~وهو تقعير في الأنف فإن البقر والظباء أنوفها على هذه الصفة { * والكنس } ~~جمع كانس وهي التي تدخل الكناس والقول هو الأول ، والدليل عليه أمران : # ! 7 < { واليل إذا عسعس } . > 7 ! # / الأول : أنه قال بعد ذلك : { الكنس واليل إذا عسعس } < < # | التكوير : ( 17 ) والليل إذا عسعس # > > وهذا بالنجوم أليق منه ببقر الوحش . # الثاني : أن محل قسم الله كلما كان أعظم وأعلى رتبة كان أولى ، ولا شك أن ~~الكواكب أعلى رتبة من بقر الوحش . # الثالث : أن ( الخنس ) جمع خانس من الخنوس ، وإما جمع خنساء وأخنس من ~~الخنس خنس بالسكون والتخفيف ، ولا يقال : الخنس فيه بالتشديد إلا أن يجعل ~~الخنس في الوحشية أيضا من الخنوس وهو اختفاؤها في الكناس إذا غابت عن ~~الأعين . # قوله تعالى : { واليل إذا عسعس } ذكر أهل اللغة أن عسعس من الأضداد ، ~~يقال : عسعس الليل إذا أقبل ، وعسعس إذا أدبر ، وأنشدوا في ورودها بمعنى ~~أدبر قول العجاج : # % حتى إذا الصبح لها تنفسا % % وانجاب عنها ليلها وعسعسا % # وأنشد أبو عبيدة في معنى أقبل : PageV31P066 # % مدرجات الليل لما عسعسا % % # ! 7 < { والصبح إذا تنفس } . > 7 ! # < < # | التكوير : ( 18 ) والصبح إذا تنفس # > > ثم منهم من قال : المراد ههنا أقبل الليل ، لأن على هذا التقدير يكون ~~القسم واقعا بإقبال الليل وهو قوله : { إذا عسعس } وبإدباره أيضا وهو قوله ~~: { والصبح إذا تنفس } ومنهم من قال : بل المراد أدبر وقوله : { والصبح إذا ~~تنفس } أي امتد ضوءه وتكامل فقوله : { واليل إذا عسعس } ( التكوير : 17 ) ~~إشارة إلى ms9495 أول طلوع الصبح ، وهو مثل قوله : { واليل إذا * أدبر * والصبح ~~إذا أسفر } ( المدثر : 34 , 33 ) وقوله : { والصبح إذا تنفس } إشارة إلى ~~تكامل طلوع الصبح فلا يكون فيه تكرار . # وأما قوله تعالى : { والصبح إذا تنفس } أي إذا أسفر كقوله : { والصبح إذا ~~أسفر } ( المدثر : 34 ) ثم في كيفية المجاز قولان : # أحدهما : أنه إذا أقبل الصبح أقبل بأقباله روح ونسيم ، فجعل ذلك نفسا له ~~على المجاز ، وقيل تنفس الصبح . # والثاني : أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي جلس بحيث لا يتحرك ~~، واجتمع الحزن في قلبه ، فإذا تنفس وجد راحة . فههنا لما طلع الصبح فكأنه ~~تخلص من ذلك الحزن فعبر عنه بالتنفس وهو استعارة لطيفة . # ! 7 < { إنه لقول رسول كريم } . > 7 @QB@ < # | التكوير : ( 19 ) إنه لقول رسول . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال : { إنه ~~لقول رسول كريم }وفيه قولان : # الأول : وهو المشهور أن المراد أن القرآن نزل به جبريل : فإن قيل : ههنا ~~إشكال قوي وهو أنه حلف أنه قول جبريل ، فوجب علينا أن نصدقه في ذلك ، فإن ~~لم نقطع بوجوب حمل / اللفظ على الظاهر ، فلا أقل من الاحتمال ، وإذا كان ~~الأمر كذلك ثبت أن هذا القرآن يحتمل أن يكون كلام جبريل لا كلام الله ، ~~وبتقدير أن يكون كلام جبريل يخرج عن كونه معجزا ، لاحتمال أن جبريل ألقاه ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل الإضلال ، ولا يمكن أن يجاب عنه بأن ~~جبريل معصوم لا يفعل الإضلال ، لأن العلم بعصمة جبريل ، مستفاد من صدق ~~النبي ، وصدق النبي مفرع على كون القرآن معجزا ، وكون القرآن معجزا يتفرع ~~على عصمة جبريل ، فيلزم الدور وهو محال والجواب : الذين قالوا : بأن القرآن ~~إنما كان معجزا للصرفة ، إنما ذهبوا إلى ذلك المذهب فرارا من هذا السؤال ، ~~لأن الإعجاز على ذلك القول ليس في الفصاحة ، بل في سلب تلك العلوم والدواعي ~~عن القلوب ، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى . # القول الثاني : أن هذا الذي أخبركم به محمد من أمر الساعة على ما ms9496 ذكر في ~~هذه السورة ليس بكهانة ولا ظن ولا افتعال ، إنما هو قول جبريل أتاه به وحيا ~~من عند الله تعالى ، واعلم أنه تعالى وصف جبريل ههنا بصفات ست أولها : أنه ~~رسول ولا شك أنه رسول الله إلى الأنبياء فهو رسول وجميع الأنبياء أمته ، ~~وهو المراد من قوله : { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده ~~} ( النحل : 2 ) وقال : { نزل به الروح الامين * على قلبك } ( الشعراء : ~~194 , 193 ) وثانيها : أنه كريم ، ومن كرمه أنه يعطي أفضل العطايا ، وهو ~~المعرفة والهداية والإرشاد . # PageV31P067 ! 7 < { ذى قوة عند ذى العرش مكين } . > 7 ! # < < # | التكوير : ( 20 ) ذي قوة عند . . . . . # > > وثالثها : قوله : { ذى قوة } ثم منهم من حمله على الشدة ، روى أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال لجبريل ( ذكر الله قوتك ، فماذا بلغت ؟ قال رفعت ~~قريات قوم لوط الأربع على قوادم جناحي حتى إذا سمع أهل السماء نباح الكلاب ~~وأصوات الدجاج قلبتها ) وذكر مقاتل أن شيطانا يقال له الأبيض صاحب الأنبياء ~~قصد أن يفتن النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه جبريل دفعة رقيقة وقع بها من ~~مكة إلى أقصى الهند ، ومنهم من حمله على القوة في أداء طاعة الله وترك ~~الإخلال بها من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف ، وعلى القوة في معرفة الله ~~وفي مطالعة جلال الله . # ورابعها : قوله تعالى : { عند ذى العرش مكين } وهذه العندية ليست عندية ~~المكان ، مثل قوله : { ومن عنده لا يستكبرون } وليست عندية الجهة بدليل ~~قوله ( أنا عند المنكسرة قلوبهم ) بل عندية الإكرام والتشريف والتعظيم . ~~وأما { مكين } فقال الكسائي : يقال قد مكن فلان عند فلان بضم الكاف مكنا ~~ومكانة ، فعلى هذا المكين هو ذو الجاه الذي يعطي ما يسأل . # ! 7 < { مطاع ثم أمين } . > 7 ! # < < # | التكوير : ( 21 ) مطاع ثم أمين # > > وخامسها : قوله تعالى : { مطاع ثم } اعلم أن قوله : { ثم } إشارة إلى ~~الظرف المذكور أعني { عند ذى العرش } ( التكوير : 20 ) والمعنى أنه عند ~~الله مطاع في ملائكته المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه ، وقرىء { ~~ثم } تعظيما للأمانة وبيانا لأنها أفضل صفاته ms9497 المعدودة . # / وسادسها : قوله : { أمين } أي هو { أمين } على وحي الله ورسالاته ، قد ~~عصمه الله من الخيانة والزلل . # ! 7 < { وما صاحبكم بمجنون * ولقد رءاه بالا فق المبين * وما هو على ~~الغيب بضنين } . > 7 ! # < < # | التكوير : ( 22 ) وما صاحبكم بمجنون # > > ثم قال تعالى : { وما صاحبكم بمجنون } واحتج بهذه الآية من فضل جبريل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم فقال : إنك إذا وازنت بين قوله : { إنه لقول ~~رسول كريم * ذى قوة عند ذى العرش مكين * مطاع ثم أمين } ( التكوير : 21 , ~~19 ) وبين قوله : { وما صاحبكم بمجنون } ظهر التفاوت العظيم : { ولقد رءاه ~~بالافق المبين } يعني حيث تطلع الشمس في قول الجميع ، وهذا مفسر في سورة ~~النجم { وما هو على الغيب بضنين } أي وما محمد : ( على الغيب بظنين ) } ~~والغيب ههنا القرآن وما فيه من الأنباء والقصص والظنين المتهم يقال : ظننت ~~زيدا في معنى اتهمته ، وليس من الظن الذي يتعدى إلى مفعولين ، والمعنى ما ~~محمد على القرآن بمتهم أي هو ثقة فيما يؤدي عن الله ، ومن قرأ بالضاد فهو ~~من البخل يقال ضننت به أضن أي بخلت ، والمعنى ليس ببخيل فيما أنزل الله ، ~~قال الفراء : يأتيه غيب السماء ، وهو شيء نفيس فلا يبخل به عليكم ، وقال ~~أبو علي الفارسي : المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه كما يكتم ~~الكاهن ذلك ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلوانا ، واختار أبو عبيدة ~~القراءة الأولى لوجهين : أحدهما : أن الكفار لم يبخلوه ، وإنما اتهموه فنفي ~~التهمة أولى من نضي البخل وثانيها : قوله : { * } والغيب ههنا القرآن وما ~~فيه من الأنباء والقصص والظنين المتهم يقال : ظننت زيدا في معنى اتهمته ، ~~وليس من الظن الذي يتعدى إلى مفعولين ، والمعنى ما محمد على القرآن بمتهم ~~أي هو ثقة فيما يؤدي عن الله ، ومن قرأ بالضاد فهو من البخل يقال ضننت به ~~أضن أي بخلت ، والمعنى ليس ببخيل فيما أنزل الله ، قال الفراء : يأتيه غيب ~~السماء ، وهو شيء نفيس فلا يبخل به عليكم ، وقال أبو علي الفارسي : المعنى ~~أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه كما يكتم ms9498 الكاهن ذلك ويمتنع من إعلامه ~~حتى يأخذ عليه حلوانا ، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى لوجهين : أحدهما : ~~أن الكفار لم يبخلوه ، وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نضي البخل وثانيها ~~: قوله : { على الغيب } ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال : فلان ~~ضنين بكذا وقلما يقال على كذا . # ! 7 < { وما هو بقول شيطان رجيم } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { وما هو بقول شيطان رجيم } < < # | التكوير : ( 25 ) وما هو بقول . . . . . # > > كان أهل مكة يقولون : إن هذا القرآن يجيء به شيطان فيلقيه على لسانه ~~، فنفى الله ذلك ، فإن قيل القول بصحة النبوة موقوف على نفي هذا الاحتمال ، ~~فكيف يمكن نفي هذا الاحتمال بالدليل السمعي ؟ { قلنا } بينا أن على القول ~~بالصرفة لا تتوقف صحة النبوة على نفي هذا الاحتمال ، فلا جرم يمكن نفي هذا ~~الاحتمال بالدليل السمعي . # PageV31P068 ! 7 < { فأين تذهبون } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { فأين تذهبون } < < # | التكوير : ( 26 ) فأين تذهبون # > > وهذا استضلال لهم يقال لتارك الجادة اعتسافا ، أين تذهب ؟ مثلت حالهم ~~بحالة في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل ، والمعنى أي طريق تسلكون أبين ~~من هذه الطريقة التي قد بينت لكم ، قال الفراء : العرب تقول إلى أين تذهب ~~وأين تذهب ، وتقول ذهبت الشام وانطلقت السوق ، واحتج أهل الاعتزال بهذه ~~الآية وجهه ظاهر . # ! 7 < { إن هو إلا ذكر للعالمين } . > 7 ! # ثم بين أن القرآن ما هو ، فقال : { إن هو إلا ذكر للعالمين } < < # | التكوير : ( 27 ) إن هو إلا . . . . . # > > أي هو بيان وهداية للخلق أجمعين . # ! 7 < { لمن شآء منكم أن يستقيم } . > 7 ! # / < < # | التكوير : ( 28 ) لمن شاء منكم . . . . . # > > ثم قال : { لمن شاء منكم أن يستقيم } وهو بدل من العالمين ، والتقدير ~~: إن هو إلا ذكر لمن شاء منكم أن يستقيم ، وفائدة هذا الإبدال أن الذين ~~شاؤوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر ، فكأنه لم يوعظ ~~به غيرهم ، والمعنى أن القرآن إنما ينتفع به من شاء أن يستقيم ، ثم بين أن ~~مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله . # ! 7 < { وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين } . > 7 ! # < < # | التكوير : ( 29 ) وما ms9499 تشاؤون إلا . . . . . # > > أي إلا أن يشاء الله تعالى أن يعطيه تلك المشيئة ، لأن فعل تلك ~~المشيئة صفة محدثة فلا بد في حدوثها من مشيئة أخرى فيظهر من مجموع هذه ~~الآيات أن فعل الاستقامة موقوف على إرادة الاستقامة . وهذه الإرادة موقوفة ~~الحصول على أن يريد الله أن يعطيه تلك الإرادة ، والموقوف على الموقوف على ~~الشيء موقوف على ذلك الشيء ، فأفعال العباد في طرفي ثبوتها وانتفائها ، ~~موقوفة على مشيئة الله وهذا هو قول أصحابنا ، وقول بعض المعتزلة إن هذه ~~الآية مخصوصة بمشيئة القهر والإلجاء ضعيف لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية ~~شيء حادث ، فلا بد له من محدث فيتوقف حدوثها على أن يشاء محدثها إيجادها ، ~~وحينئذ يعود الإلزام ، والله أعلم بالصواب . # PageV31P069 < # > 1 ( سورة الانفطار ) 1 < # > # تسع عشرة آية مكية # ! 7 < { إذا السمآء انفطرت * وإذا الكواكب انتثرت * وإذا البحار فجرت * ~~وإذا القبور بعثرت * علمت نفس ما قدمت وأخرت } . > 7 ! # / < < # | الإنفطار : ( 1 ) إذا السماء انفطرت # > > اعلم أن المراد أنه إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة ، ~~فهناك يحصل الحشر والنشر ، وفي تفسير هذه الآيات مقامات الأول : في تفسير ~~كل واحد من هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة وهي ههنا أربعة ، اثنان منها ~~تتعلق بالعلويات ، واثنان آخران تتعلق بالسفليات الأول : قوله : { إذا ~~السماء انفطرت } أي انشقت وهو كقوله : { ويوم تشقق السماء * الغمام } ( ~~الفرقان : 25 ) ، { إذا السماء انشقت } ( الإنشقاق : 1 ) ، { فإذا انشقت ~~السماء فكانت وردة كالدهان } ( الرحمن : 37 ) ، { وفتحت السماء فكانت ~~أبوابا } و { السماء منفطر به } ( المزمل : 18 ) قال الخليل : ولم يأت هذا ~~على الفعل ، بل هو كقولهم : مرضع وحائض ، ولو كان على الفعل لكان منفطرة ~~كما قال : { إذا السماء انفطرت } أما الثاني وهو قوله : { وإذا الكواكب ~~انتثرت } فالمعنى ظاهر لأن عند انتقاض تركيب السماء لا بد من انتثار ~~الكواكب على الأرض . # واعلم أنا ذكرنا في بعض السورة المتقدمة أن الفلاسفة ينكرون إمكان الخرق ~~والالتئام على الأفلاك ، ودليلنا على إمكان ذلك أن الأجسام متماثلة في ~~كونها أجساما ، فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح ms9500 على الآخر ، إنما قلنا ~~: إنها متماثلة لأنه يصح تقسيمها إلى السماوية والأرضية ومورد التقسيم ~~مشترك بين القسمين ، فالعلويات والسفليات مشتركة في أنها أجسام ، وإنما ~~قلنا : إنه متى كان كذلك وجب أن يصح على العلويات ما يصح على السفليات ، ~~لأن المتماثلات حكمها واحد فمتى يصح حكم على واحد منها ، وجب أن ~~PageV31P070 يصح على الباقي ، وأما الإثنان السفليان : فأحدهما : قوله : { ~~وإذا البحار فجرت } وفيه وجوه أحدهما : أنه ينفذ بعض البحار في البعض ~~بارتفاع الحاجز الذي جعله الله برزخا ، وحينئذ يصير الكل بحرا واحدا ، ~~وإنما يرتفع ذلك / الحاجز لتزلزل الأرض وتصدعها . وثانيها : أن مياه البحار ~~الآن راكدة مجتمعة ، فإذا فجرت تفرقت وذهب ماؤها وثالثها : قال الحسن : ~~فجرت أي يبست . # واعلم أن على الوجوه الثلاثة ، فالمراد أنه تتغير البحار عن صورتها ~~الأصلية وصفتها ، وهو كما ذكر أنه تغير الأرض عن صفتها في قوله : { يوم ~~تبدل الارض غير الارض } ( إبراهيم : 48 ) وتغير الجبال عن صفتها في قوله : ~~{ فقل ينسفها ربى نسفا * فيذرها قاعا صفصفا } ( طه : 106 , 105 ) ورابعها : ~~قرأ بعضهم : { فجرت } بالتخفيف ، وقرأ مجاهد : { فجرت } على البناء للفاعل ~~والتخفيف ، بمعنى بغت لزوال البرزخ نظرا إلى قوله : { لا يبغيان } ( الرحمن ~~: 20 ) لأن البغي والفجور أخوان . # وأما الثاني : فقوله : { وإذا القبور بعثرت } فاعلم أن بعثر وبحثر بمعنى ~~واحد ، ومركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما ، والمعنى أثيرت وقلب ~~أسفلها أعلاها وباطنها ظاهرها ، ثم ههنا وجهان أحدهما : أن القبور تبعثر ~~بأن يخرج ما فيها من الموتى أحياء ، كما قال تعالى : { وأخرجت الارض ~~أثقالها } ( الزلزلة : 2 ) والثاني : أنها تبعثر لإخراج ما في بطنها من ~~الذهب والفضة ، وذلك لأن من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أفلاذ كبدها من ~~ذهبها وفضتها ، ثم يكون بعد ذلك خروج الموتى ، والأول أقرب ، لأن دلالة ~~القبور على الأول أتم . # المقام الثاني : في فائدة هذا الترتيب ، واعلم أن المراد من هذه الآيات ~~بيان تخريب العالم وفناء الدنيا / وانقطاع التكاليف ، والسماء كالسقف ، ~~والأرض كالبناء ، ومن أراد تخريب دار ، فإنه يبدأ أولا بتخريب السقف ، وذلك ~~هو قوله ms9501 : { إذا السماء انفطرت } ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب ، ~~وذلك هو قوله : { وإذا الكواكب انتثرت } ثم إنه تعالى بعد تخريب السماء ~~والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض وهو قوله : { وإذا البحار فجرت } ثم إنه ~~تعالى يخرب آخر الأمر الأرض التي هي البناء ، وذلك هو قوله : { وإذا القبور ~~بعثرت } فإنه إشارة إلى قلب الأرض ظهرا لبطن ، وبطنا لظهر . # المقام الثالث : في تفسير قوله : { علمت نفس ما قدمت وأخرت } وفيه ~~احتمالان الأول : أن المراد بهذه الأمور ذكر يوم القيامة ، ثم فيه وجوه ~~أحدها : وهو الأصح أن المقصود منه الزجر عن المعصية ، والترغيب في الطاعة ، ~~أي يعلم كل أحد في هذا اليوم ماقدم ، فلم يقصر فيه وما أخر فقصر فيه ، لأن ~~قوله : { ما قدمت } يقتضي فعلا و { ما } يقتضي تركا ، فهذا الكلام يقتضي ~~فعلا وتركا وتقصيرا وتوفيرا ، فإن كان قدم الكبائر وأخر العمل الصالح ~~فمأواه النار ، وإن كان قدم العمل الصالح وأخر الكبائر فمأواه الجنة ~~وثانيها : ما قدمت من عمل أدخله في الوجود وماأخرت من سنة يستن بها من بعده ~~من خير أو شر وثالثها : قال الضحاك : ما قدمت من الفرائض وما أخرت أي ما ~~ضيعت ورابعها : قال أبو مسلم : ما قدمت من الأعمال في أول عمرها وما أخرت ~~في آخر عمرها ، فإن قيل : وفي أي موقف من مواقف القيامة يحصل هذا العلم ؟ ~~قلنا : أما / العلم الإجمالي فيحصل في أول زمان الحشر ، لأن المطيع يرى ~~آثار السعادة ، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر . وأما العلم ~~التفصيل ، فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة . PageV31P071 # الاحتمال الثاني : أن يكون المراد قيل : قيام القيامة بل عند ظهور أشراط ~~الساعة وانقطاع التكاليف ، وحين لا ينفع العمل بعد ذلك كما قال : { ربك لا ~~ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا } فيكون ما ~~عمله الإنسان إلى تلك الغاية ، هو أول أعماله وآخرها ، لأنه لا عمل له بعد ~~ذلك ، وهذا القول ذكره القفال . # ! 7 < { ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذى خلقك ms9502 فسواك فعدلك * ~~فىأى صورة ما شآء ركبك } . > 7 ! # < < # | الإنفطار : ( 6 ) يا أيها الإنسان . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما أخبر في الآية الأولى عن وقوع الحشر والنشر ذكر ~~في هذه الآية ما يدل عقلا على إمكانه أو على وقوعه ، وذلك من وجهين الأول : ~~أن الإله الكريم الذي لا يجوز من كرمه أن يقطع موائد نعمه عن المذنبين ، ~~كيف يجوز في كرمه أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم ؟ الثاني : أن القادر الذي ~~خلق هذه البنية الإنسانية ثم سواها وعدلها ، إما أن يقال : إنه خلقها لا ~~لحكمة أو لحكمة ، فإن خلقها لا لحكمة كان ذلك عبثا ، وهو غير جائز على ~~الحكيم ، وإن خلقها لحكمة ، فتلك الحكمة ، إما أن تكون عائدة إلى الله ~~تعالى أو إلى العبد ، والأول باطل لأنه سبحانه متعال عن الاستكمال ~~والانتفاع . فتعين الثاني ، وهو أنه خلق الخلق لحكمة عائدة إلى العبد ، ~~وتلك الحكمة إما أن تظهر في الدنيا أو في دار سوى الدنيا . والأول باطل لأن ~~الدنيا دار بلاء وامتحان ، لا دار الانتفاع والجزاء ، ولما بطل كل ذلك ثبت ~~أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى ، فثبت أن الاعتراف بوجود الإله ~~الكريم الذي يقدر على الخلق والتسوية والتعديل يوجب على العاقل أن يقطع ~~بأنه سبحانه يبعث الأموات ويحشرهم ، وذلك يمنعهم من الاعتراف بعدم الحشر ~~والنشر ، وهذا الاستدلال هو الذي ذكر بعينه في سورة التين حيث قال : { لقد ~~خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم } إلى أن قال : { فما يكذبك بعد بالدين } ( ~~التين : 7 , 4 ) وهذه المحاجة تصلح مع العرب الذين كانوا مقرين بالصانع ~~وينكرون الإعادة ، وتصلح أيضا مع من ينفي الإبتداء والإعادة معا ، لأن ~~الخلق المعدل يدل على الصانع وبواسطته يدل على صحة القول بالحشر والنشر ، ~~فإن قيل : بناء هذا الاستدلال على أنه تعالى حكيم ، ولذلك قال في سورة ~~التين بعد هذا الاستدلال : { أليس الله بأحكم الحاكمين } ( التين : 8 ) ~~فكان يجب أن يقول في هذه السورة : ما غرك بربك الحكيم الجواب : أن الكريم / ~~يجب أن يكون حكيما ، لأن إيصال النعمة إلى ms9503 الغير لو لم يكن مبنيا على داعية ~~الحكمة لكان ذلك تبذيرا لا كرما . أما إذا كان مبنيا على داعية الحكمة ~~فحينئذ يسمى كرما ، إذا ثبت هذا فنقول : كونه كريما يدل على وقوع الحشر من ~~وجهين كما قررناه ، أما كونه حكيما فإنه يدل على وقوع الحشر من هذا الوجه ~~الثاني ، فكان ذكر الكريم ههنا أولى من ذكر الحكيم ، هذا هو تمام الكلام في ~~كيفية النظم ، ولنرجع إلى التفسير . أما قوله : { القرءان خلق الإنسان } ~~ففيه قولان : أحدهما : أنه الكافر ، لقوله من بعد ذلك : { كلا بل تكذبون ~~بالدين } ( الإنفطار : 9 ) وقال عطاء عن ابن عباس : نزلت في الوليد بن ~~المغيرة ، وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في ابن الأسد بن كلدة بن أسيد وذلك ~~أنه ضرب PageV31P072 النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله تعالى ، ~~وأنزل هذه الآية والقول الثاني : أنه يتناول جميع العصاة وهو الأقرب ، لأن ~~خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ . أما قوله : { ما غرك بربك الكريم } ~~فالمراد الذي خدعك وسول لك الباطل حتى تركت الواجبات وأتيت بالمحرمات ، ~~والمعنى ما الذي أمنك من عقابه ، يقال : غره بفلان إذا أمنه المحذور من ~~جهته مع أنه غير مأمون ، وهو كقوله : { لا * يغرنكم بالله الغرور } ( لقمان ~~: 33 ) هذا إذا حملنا قوله : { القرءان خلق الإنسان } على جميع العصاة ، ~~وأما إذا حملناه على الكافر ، فالمعنى ما الذي دعاك إلى الكفر والجحد ~~بالرسل ، وإنكار الحشر والنشر / وههنا سؤالات : # الأول : أن كونه كريما يقتضي أن يغتر الإنسان بكرمه بدليل المعقول ~~والمنقول ، أما المعقول فهو أن الجود إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فلما كان ~~الحق تعالى جوادا مطلقا لم يكن مستعيضا ، ومتى كان كذلك استوى عنده طاعة ~~المطيعين ، وعصيان المذنبين ، وهذا يوجب الاغترار لأنه من البعيد أن يقدم ~~الغني على إيلام الضعيف من غير فائدة أصلا ، وأما المنقول فما روي عن علي ~~عليه السلام ، أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه ، فنظر فإذا هو بالباب ، فقال ~~له : لم لم تجبني ؟ فقال : لثقتي بحلمك ، وأمني من عقوبتك ، فاستحسن جوابه ~~، وأعتقه ، وقالوا أيضا ms9504 : من كرم الرجل سوء أدب غلمانه ، ولما ثبت أن كرمه ~~يقتضي الاغترار به ، فكيف جعله ههنا مانعا من الاغترار به ؟ والجواب : من ~~وجوه أحدها : أن معنى الآية أنك لماكنت ترى حلم الله على خلقه ظننت أن ذلك ~~لأنه لا حساب ولا دار إلا هذه الدار ، فما الذي دعاك إلى هذا الاغترار ، ~~وجرأك على إنكار الحشر والنشر ؟ فإن ربك كريم ، فهو لكرمه لا يعاجل ~~بالعقوبة بسطا في مدة التوبة ، وتأخيرا للجزاء إلى أن يجمع الناس في الدار ~~التي جعلها لهم للجزاء ، فالحاصل أن ترك المعاجلة بالعقوبة لأجل الكرم ، ~~وذلك لا يقتضي الاغترار بأنه لا دار بعد هذه الدار وثالثها : أن كرمه لما ~~بلغ إلى حيث لا يمنع من العاصي موائد لطفه ، فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم ~~، كان أولى فإذن كونه كريما يقتضي الخوف الشديد من هذا الاعتبار ، وترك ~~الجراءة والاغترار وثالثها : أن كثرة الكرم توجب الجد والاجتهاد في الخدمة ~~والاستحياء من الاغترار والتواني ورابعها : قال بعض الناس : / إنما قال : { ~~بربك الكريم } ليكون ذلك جوابا عن ذلك السؤال حتى يقول غرني كرمك ، ولولا ~~كرمك لما فعلت لأنك رأيت فسترت ، وقدرت فأمهلت ، وهذا الجواب إنما يصح إذا ~~كان المراد من قوله : { القرءان خلق الإنسان } ليس الكافر . # السؤال الثاني : ما الذي ذكره المفسرون في سبب هذا الاغترار ؟ قلنا وجوه ~~: أحدها : قال قتادة : سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان له وثانيها : قال ~~الحسن : غره حمقه وجهله وثالثها : قال مقاتل : غره عفو الله عنه حين لم ~~يعاقبه في أول أمره ، وقيل : للفضيل بن عياض إذا أقامك الله يوم القيامة ، ~~وقال لك : { ما غرك بربك الكريم } ماذا تقول ؟ قال : أقول غرتني ستورك ~~المرخاة . # السؤال الثالث : ما معنى قراءة سعيد بن جبير ما أغرك ؟ قلنا : هو إما على ~~التعجب وإما على الاستفهام من قولك غر الرجل فهو غار إذا غفل ، ومن قولك ~~بيتهم العدو وهم غارون ، وأغره غيره جعله غارا ، أما قوله تعالى : { الذى ~~خلقك } فاعلم أنه تعالى لما وصف نفسه بالكرم ذكر هذه الأمور الثلاثة ~~كالدلالة على ms9505 تحقق ذلك الكرم أولها : الخلق وهو قوله : { الذى خلقك } ولا ~~شك أنه كرم وجود لأن الوجود خير PageV31P073 من العدم ، والحياة خير من ~~الموت ، وهو الذي قال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ( ~~البقرة : 28 ) ، وثانيها : قوله : { فسواك } أي جعلك سويا سالم الأعضاء ~~تسمع وتبصر ، ونظيره قوله : { أكفرت بالذى خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا } ( الكهف : 37 ) قال ذو النون : سواك أي سخر لك المكونات أجمع ، وما ~~جعلك مسخرا لشيء منها ، ثم أنطق لسانك بالذكر ، وقلبك بالعقل ، وروحك ~~بالمعرفة ، وسرك بالإيمان ، وشرفك بالأمر والنهي وفضك على كثير ممن خلق ~~تفضيلا وثالثها : قوله : { فعدلك } وفيه بحثان : # البحث الأول : قال مقاتل : يريد عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين ~~والرجلين فلم يجعل إحدى اليدين أطول ولا إحدى العينين أوسع ، وهو كقوله : { ~~بلى قادرين على أن نسوى بنانه } ( القيامة : 4 ) وتقريره ما عرف في علم ~~التشريح أنه سبحانه ركب جانبي هذه الجثة على التسوي حتى أنه لا تفاوت بين ~~نصفيه لا في العظام ولا في أشكالها ولا في ثقبها ولا في الأوردة والشرايين ~~والأعصاب النافذة فيها والخارجة منها ، واستقصاء القول فيه لا يليق بهذا ~~العلم ، وقال عطاء عن ابن عباس : جعلك قائما معتدلا حسن الصورة لا كالبهيمة ~~المنحنية ، وقال أبو علي الفارسي : عدل خلقك فأخرجك في أحسن التقويم ، ~~وبسبب ذلك الاعتدال جعلك مستعدا لقبول العقل والقدرة والفكر ، وصيرك بسبب ~~ذلك مستوليا على جميع الحيوان والنبات ، وواصلا بالكمال إلى ما لم يصل إليه ~~شيء من أجسام هذا العالم . # البحث الثاني : قرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف ، وفيه وجوه أحدها : قال أبو ~~علي الفارسي : أن يكون المعنى عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت والثاني : ~~قال الفراء : { فعدلك } أي فصرفك إلى أي صورة شاء ، ثم قال : والتشديد أحسن ~~الوجهين لأنك تقول : عدلتك إلى كذا / كما تقول صرفتك إلى كذا ، ولا يحسن ~~عدلتك فيه ولا صرفتك فيه ، ففي القراءة الأولى جعل في من قوله : { ما يجادل ~~* صورة } صلة للتركيب ، وهو حسن ، وفي القراءة الثانية جعله صلة لقوله : { ~~فعدلك ms9506 } وهو ضعيف ، واعلم أن اعتراض القراء إنما يتوجه على هذا الوجه ~~الثاني ، فأما على الوجه الأول الذي ذكره أبو علي الفارسي فغير متوجه ~~والثالث : نقل القفال عن بعضهم أنهما لغتان بمعنى واحد ، أما قوله : { ما ~~يجادل * صورة ما شاء ركبك } ففيه مباحث الأول : ما هل هي مزيدة أم لا ؟ فيه ~~قولان : الأول : أنها ليست مزيدة ، بل هي في معنى الشرط والجزاء فيكون ~~المعنى في أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك ، وبناء على هذا الوجه ، قال ~~أبو صالح ومقاتل : المعنى إن شاء ركبك في غير صورة الإنسان من صورة كلب أو ~~صورة حمار أو خنزير أو قرد والقول الثاني : أنها صلة مؤكدة والمعنى في أي ~~صورة تقتضيها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة ، فإنه سبحانه يركبك على ~~مثلها ، وعلى هذا القول تحتمل الآية وجوها أحدها : أن المراد من الصور ~~المختلفة شبه الأب والأم ، أو أقارب الأب أو أقارب الأم ، ويكون المعنى أنه ~~سبحانه يركبك على مثل صور هؤلاء ويدل على صحة هذا ما روى أنه عليه السلام ~~قال في هذا الآية : ( إذا استقرت النطفة في الرحم ، أحضرها الله كل نسب ~~بينها وبين آدم ) ، والثاني : وهو الذي ذكره الفراء والزجاج أن المراد من ~~الصور المختلفة الاختلاف بحسب الطول والقصر والحسن والقبح والذكورة ~~والأنوثة ، ودلالة هذه الحالة على الصانع القادر في غاية الظهور ، لأن ~~النطفة جسم متشابه الأجزاء وتأثير طبع الأبوين فيه على السوية ، فالفاعل ~~المؤثر بالطبيعة في القابل المتشابه لا يفعل إلا فعلا واحدا ، فلما اختلفت ~~الآثار والصفات دل ذلك الاختلاف على أن المدبر هو القادر المختار ، قال ~~القفال : PageV31P074 اختلاف الخلق والألوان كاختلاف الأحوال في الغنى ~~والفقر والصحة والسقم ، فكما أنا نقطع أنه سبحانه إنما ميز البعض عن البعض ~~في الغنى والفقر ، وطول العمر وقصره ، بحكمة بالغة لا يحيط بكنهها إلا هو ، ~~فكذلك نعلم أنه إنما جعل البعض مخالفا للبعض ، في الخلق والألوان بحكمة ~~بالغة ، وذلك لأن بسبب هذا الاختلاف يتميز المحسن عن المسيء والقريب عن ~~الأجنبي ، ثم قال : ونحن نشهد ms9507 شهادة لا شك فيها أنه سبحانه لم يفرق بين ~~المناظر والهيئات إلا لما علم من صلاح عباده فيه وإن كنا جاهلين بعين ~~الصلاح القول الثالث : قال الواسطي : المراد صورة المطيعين والعصاة فليس من ~~ركبه على صورة الولاية كمن ركبه على صورة العداوة ، قال آخرون : إنه إشارة ~~إلى صفاء الأرواج وظلمتها ، وقال الحسن : منهم من صوره ليستخلصه لنفسه ، ~~ومنهم من صوره ليشغله بغيره مثال الأول : أنه خلق آدم ليخصه بألطاف بره ~~وإعلاء قدره وأظهر روحه من بين جماله وجلاله ، وتوجه بتاج الكرامة وزينه ~~برداء الجلال والهيبة . # ! 7 < { كلا بل تكذبون بالدين } . > 7 ! # قوله تعالى : { كلا بل تكذبون بالدين } < < # | الإنفطار : ( 9 ) كلا بل تكذبون . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما بين بالدلائل العقلية على صحة القول / بالبعث ~~والنشور على الجملة ، فرع عليها شرح تفاصيل الأحوال المتعلقة بذلك ، وهو ~~أنواع : # النوع الأول : أنه سبحانه زجرهم عن ذلك الاغترار بقوله : { كلا } و { بل ~~} حرف وضع في اللغة لنفي شيء قد تقدم وتحقق غيره ، فلا جرم ذكروا في تفسير ~~{ كلا } وجوها الأول : قال القاضي : معناه أنكم لا تستقيمون على توجيه نعمي ~~عليكم وإر لكم ، بل تكذبون بيوم الدين الثاني : كلا أي ارتدعوا عن الاغترار ~~بكرم الله ، ثم كأنه قال : وإنكم لا ترتدعون عن ذلك بل تكذبون بالدين أصلا ~~الثالث : قال القفال : كلا أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور ~~، لأن ذلك يوجب أن الله تعالى خلق الخلق عبثا وسدى ، وحاشاه من ذلك ، ثم ~~كأنه قال : وإنكم لا تنتفعون بهذا البيان بل تكذبون ، وفي قوله : { تكذبون ~~بالدين } وجهان الأول : أن يكون المراد من الدين الإسلام ، والمعنى أنكم ~~تكذبون بالجزاء على الدين والإسلام الثاني : أن يكون المراد من الدين ~~الحساب ، والمعنى أنكم تكذبون بيوم الحساب . # ! 7 < { وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون } . > 7 ! # النوع الثاني : قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * ~~يعلمون ما تفعلون } . # < < # | الإنفطار : ( 10 ) وإن عليكم لحافظين # > > والمعنى التعجب من حالهم ، كأنه سبحانه قال : إنكم تكذبون بيوم الدين ~~وهو يوم ms9508 الحساب والجزاء ، وملائكة الله موكلون بكم يكتبون أعمالكم حتى ~~تحاسبوا بها يوم القيامة ، ونظيره قوله تعالى : { عن اليمين وعن الشمال ~~قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق : 18 , 17 ) وقوله تعالى : ~~{ وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة } ( الأنعام : 61 ) ثم ههنا مباحث ~~: # الأول : من الناس من طعن في حضور الكرام الكاتبين من وجوه : أحدها : أن ~~هؤلاء الملائكة ، إما أن يكونوا مركبين من الأجسام اللطيفة كالهواء والنسيم ~~والنار ، أو من الأجسام الغليظة ، فإن كان الأول لزم أن PageV31P075 تنتقض ~~بنيتهم بأدنى سبب من هبوب الرياح الشديدة وإمرار اليد والكم والسوط في ~~الهواء ، وإن كان الثاني وجب أن نراهم إذ لو جاز أن يكونوا حاضرين ولا ~~نراهم ، لجاز أن يكون بحضرتنا شموس وأقمار وفيلات وبوقات ، ونحن لا نراها ~~ولا نسمعها وذلك دخول في التجاهل ، وكذا القول في إنكار صحائفهم وذواتهم ~~وقلمهم وثانيها : أن هذا الاستكتاب إن كان خاليا عن الفوائد فهو عبث وذلك ~~غير جائز على الله تعالى ، وإن كان فيه فائدة فتلك الفائدة ، إما أن تكون ~~عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد والأول : محال لأنه متعال عن النفع ~~والضر ، وبهذا يظهر بطلان قول من يقول : إنه تعالى إنما استكتبها خوفا من ~~النسيان الغلط والثاني : أيضا محال ، لأن أقصى ما في الباب أن يقال : فائدة ~~هذا الاستكتاب أن يكونوا شهداء على الناس وحجة عليهم يوم القيامة إلا أن ~~هذه الفائدة ضعيفة ، لأن الإنسان الذي علم أن الله تعالى لا يجور ولا يظلم ~~، لا يحتاج في حقه إلى إثبات هذه الحجة ، والذي لا يعلم ذلك لا ينتفع بهذه ~~الحجة لاحتمال / أنه تعالى أمرهم بأن يكتبوا تلك الأشياء عليه ظلما وثالثها ~~: أن أفعال القلوب غير مرئية ولا محسوسة فتكون هي من باب المغيبات ، والغيب ~~لا يعلمه إلا الله تعالى على ما قال : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا ~~هو } ( الأنعام : 59 ) وإذا لم تكن هذه الأفعال معلومة للملائكة استحال أن ~~يكتبوها والآية تقضي أن يكونوا كاتبين علينا كل ما نفعله ms9509 ، سواء كان ذلك من ~~أفعال القلوب أم لا ؟ والجواب : عن الأول : أن هذه الشبهة لا تزال إلا على ~~مذهبنا بناء على أصلين أحدهما : أن البنية ليست شرطا للحياة عندنا والثاني ~~: أي عند سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط لا يجب الإدراك ، ~~فعلى الأصل الأول يجوز أن تكون الملائكة أجراما لطيفة تتمزق وتتفرق ولكن ~~تبقى حياتها مع ذلك ، وعلى الأصل الثاني يجوز أن يكونوا أجساما كثيفة لكنا ~~لا نراها والجواب : عن الثاني أن الله تعالى إنما أجرى أموره مع عباده على ~~ما يتعاملون به فيما بينهم لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم ، ولما كان ~~الأبلغ عندهم في المحاسبة إخراج كتاب بشهود خوطبوا بمثل هذا فيما يحاسبون ~~به يوم القيامة ، فيخرج لهم كتب منشورة ، ويحضر هناك ملائكة يشهدون عليهم ~~كما يشهد عدول السلطان على من يعصيه ويخالف أمره ، فيقولون له : أعطاك ~~الملك كذا وكذا ، وفعل بك كذا وكذا ، ثم قد خلفته وفعلت كذا وكذا ، فكذا ~~ههنا والله أعلم بحقيقة ذلك الجواب : عن الثالث أن غاية ما في الباب تخصيص ~~هذا العموم بأفعال الجوارح ، وذلك غير ممتنع . # البحث الثاني : أن قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين } وإن كان خطاب ~~مشافهة إلا أن الأمة مجمعة على أن هذا الحكم عام في حق كل المكلفين ، ثم ~~ههنا احتمالان : # أحدهما : أن يكون هناك جمع من الحافظين ، وذلك الجمع يكونون حافظين لجميع ~~بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم . # وثانيهما : أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخرة ، ثم يحتمل ~~أن يكون الموكل بكل واحد من بني آدم واحدا من الملائكة لأنه تعالى قابل ~~الجمع بالجمع ، وذلك يقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، ويحتمل أن يكون الموكل ~~بكل واحد منهم جمعا من الملائكة كما قيل : إثنان بالليل ، وإثنان بالنهار ، ~~أو كما قيل : إنهم خمسة . # البحث الثالث : أنه تعالى وصف هؤلاء الملائكة بصفات أولها : كونهم حافظين ~~وثانيها : كونهم PageV31P076 كراما وثالثها : كونهم كاتبين ورابعها : كونهم ~~يعلمون ما تفعلون ، وفيه وجهان أحدهما : أنهم يعلمون ms9510 تلك الأفعال حتى ~~يمكنهم أن يكتبوها ، وهذا تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له الشهادة إلا بعد ~~العلم والثاني : أنهم يكتبونها حتى يكونوا عالمين بها عند أداء الشهادة . # واعلم أن وصف الله إياهم بهذه الصفات الخمسة يدل على أنه تعالى أثنى ~~عليهم وعظم شأنهم ، وفي تعظيمهم تعظيم لأمر الجزاء ، وأنه عند الله تعالى ~~من جلائل الأمور ، ولولا ذلك لما وكل / بضبط ما يحاسب عليه ، هؤلاء العظماء ~~الأكابر ، قال أبو عثمان : من يزجره من المعاصي مراقبة الله إياه ، كيف ~~يرده عنها كتابة الكرام الكاتبين . # ! 7 < { إن الا برار لفى نعيم * وإن الفجار لفى جحيم * يصلونها يوم الدين ~~* وما هم عنها بغآئبين } . > 7 ! # النوع الثالث : من تفاريع مسألة الحشر قوله تعالى : { إن الابرار لفى ~~نعيم * وإن الفجار لفى جحيم * يصلونها يوم الدين * وهم * عنهم * بغائبين } ~~. # < < # | الإنفطار : ( 13 ) إن الأبرار لفي . . . . . # > > اعلم أن الله تعالى لما وصف الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال ~~العاملين فقال : { إن الابرار لفى نعيم } وهو نعيم الجنة { وإن الفجار لفى ~~جحيم } وهو النار ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : أن القاطعين بوعيد أصحاب الكبائر تمسكوا بهذه الآية ، ~~فقالوا : صاحب الكبيرة فاجر ، والفجار كلهم في الجحيم ، لأن لفظ الجحيم إذا ~~دخل عليه الألف واللام أفاد الاستغراق والكلام في هذه المسألة قد استقصيناه ~~في سورة البقرة ، وههنا نكت زائدة لا بد من ذكرها : قالت الوعيدية حصلت في ~~هذه الآية وجوه دالة على دوام الوعيد أحدها : قوله تعالى : { يصلونها يوم ~~الدين } ويوم الدين يوم الجزاء ولا وقت إلا ويدخل فيه ، كما تقول يوم ~~الدنيا ويوم الآخرة الثاني : قال الجبائي : لو خصصنا قوله : { وإن الفجار ~~لفى جحيم } لكان بعض الفجار يصيرون إلى الجنة ولو صاروا إليها لكانوا من ~~الأبرار وهذا يقتضي أن لا يتميز الفجار عن الأبرار ، وذلك باطل لأن الله ~~تعالى ميز بين الأمرين ، فإذن يجب أن لا يدخل الفجار الجنة كما لا يدخل ~~الأبرار النار والثالث : أنه تعالى قال : { وما هم عنها بغائبين } وهو ~~كقوله : { وما هم بخارجين منها } ( المائدة : 37 ) وإذا ms9511 لم يكن هناك موت ~~ولا غيبة فليس بعدهما إلا الخلود في النار أبد الآبدين ، ولما كان اسم ~~الفاجر يتناول الكافر والمسلم صاحب الكبيرة ثبت بقاء أصحاب الكبائر أبدا في ~~النار ، وثبت أن الشفاعة للمطيعين لا لأهل الكبائر والجواب عنه : أنا بينا ~~أن دلالة ألفاظ العموم على الاستغراق دلالة ظنية ضعيفة والمسألة قطعية . ~~والتمسك بالدليل الظني في المطلوب القطعي غير جائز ، بل ههنا ما يدل على ~~قولنا : لأن استعمال الجمع المعرف بالألف واللام في المعهود السابق شائع في ~~اللغة ، فيحتمل أن يكون اللفظ ههنا عائدا إلى الكافرين الذين تقدم ذكرهم من ~~المكذبين بيوم الدين ، والكلام في ذلك قد تقدم على سبيل الاستقصاء ، سلمنا ~~أن العموم يفيد القطع ، لكن لا نسلم أن صاحب الكبيرة فاجر ، والدليل عليه ~~قوله تعالى في حق الكفار : { أولئك هم الكفرة الفجرة } ( عبس : 42 ) فلا ~~يخلو إما أن يكون المراد { أولئك هم الكفرة } الذين يكونون من جنس الفجرة ~~أو المراد { أولئك هم الكفرة } وهم { الفجرة } والأول : باطل لأن كل كافر ~~فهو فاجر بالإجماع ، فتقييد الكافر بالكافر / الذي يكون من جنس PageV31P077 ~~الفجرة عبث ، وإذا بطل هذا القسم بقي الثاني ، وذلك يفيد الحصر ، وإذا دلت ~~هذه الآية على أن الكفار هم الفجرة لا غيرهم ، ثبت أن صاحب الكبيرة ليس ~~بفاجر على الإطلاق ، سلمنا إن الفجار يدخل تحته الكافر والمسلم ، لكن قوله ~~: { وما هم عنها بغائبين } معناه أن مجموع الفجار لا يكونون غائبين ، ونحن ~~نقول بموجبه : فإن أحد نوعي الفجار وهم الكفار لا يغيبون ، وإذا كان كذلك ~~ثبت أن صدق قولنا إن الفجار بأسرهم لا يغيبون ، يكفي فيه أن لا يغيب الكفار ~~، فلا حاجة في صدقه إلى أن لا يغيب المسلمون ، سلمنا ذلك لكن قوله : { وما ~~هم عنها بغائبين } يقتضي كونهم في الحال في الجحيم وذلك كذب / فلا بد من ~~صرفه عن الظاهر ، فهم يحملونه على أنهم بعد الدخول في الجحيم يصدق عليهم ~~قوله : { وما هم عنها بغائبين } ونحن نحمل ذلك على أنهم في الحال ليسوا ~~غائبين عن استحقاق الكون في ms9512 الجحيم ، إلا أن ثبوت الاستحقاق لا ينافي العفو ~~، سلمنا ذلك لكنه معارض بالدلائل الدالة على العفو وعلى ثبوت الشفاعة لأهل ~~الكبائر ، والترجيح لهذا الجانب ، لأن دليلهم لا بد وأن يتناول جميع الفجار ~~في جميع الأوقات ، وإلا لم يحصل مقصودهم ، ودليلنا يكفي في صحته تناوله ~~لبعض الفجار في بعض الأوقات ، فدليلهم لا بد وأن يكون عاما ، ودليلنا لا بد ~~وأن يكون خاصا والخاص مقدم على العام ، والله أعلم . # المسألة الثانية : فيه تهديد عظيم للعصاة حكي أن سليمان بن عبد الملك مر ~~بالمدينة وهو يريد مكة ، فقال لأبي حازم : كيف القدوم على الله غدا ؟ قال : ~~أما المحسن فكالغائب يقدم من سفره على أهله ، وأما المسيء فكالآبق يقدم على ~~مولاه ، قال : فبكى ، ثم قال : ليت شعري ما لنا عند الله فقال أبو حازم : ~~أعرض عملك على كتاب الله ، قال : في أي مكان من كتاب الله ؟ قال : { إن ~~الابرار لفى نعيم * وإن الفجار لفى جحيم } وقال جعفر الصادق عليه السلام : ~~النعيم المعرفة والمشاهدة ، والجحيم ظلمات الشهوات وقال بعضهم : النعيم ~~القناعة ، والجحيم الطمع ، وقيل : النعيم التوكل ، والجحيم الحرص ، وقيل : ~~النعيم الاشتغال بالله ، والجحيم الاشتغال بغير الله تعالى . # ! 7 < { ومآ أدراك ما يوم الدين * ثم مآ أدراك ما يوم الدين * يوم لا ~~تملك نفس لنفس شيئا والا مر يومئذ لله } . > 7 ! # النوع الرابع : من تفاريع الحشر تعظيم يوم القيامة ، وهو قوله تعالى : { ~~وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس ~~شيئا والامر يومئذ لله } < < # | الإنفطار : ( 17 ) وما أدراك ما . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اختلفوا في الخطاب في قوله : { وما أدراك } فقال بعضهم ~~: هو خطاب للكافر على وجه الزجر له ، وقال الأكثرون : إنه خطاب للرسول ، ~~وإنما خاطبه بذلك لأنه ما كان عالما بذلك قبل الوحي . # / المسألة الثانية : الجمهور على أن التكرير في قوله : { وما أدراك ما ~~يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين } لتعظيم ذلك اليوم ، وقال الجبائي : ~~بل هو لفائدة مجددة ، إذ المراد بالأول أهل النار ، والمراد ms9513 بالثاني أهل ~~الجنة ، كأنه قال : وما أدراك ما يعامل به الفجار في يوم الدين ؟ ثم ما ~~أدراك ما يعامل به الأبرار في يوم الدين ؟ وكرر يوم الدين تعظيما لما يفعله ~~تعالى من الأمرين بهذين الفريقين . # PageV31P078 المسألة الثالثة : في : { يوم لا تملك } قراءتان الرفع ~~والنصب ، أما الرفع ففيه وجهان أحدهما : على البدل من يوم الدين والثاني : ~~أن يكون بإضمار هو فيكون المعنى هو يوم لا تملك ، وأما النصب ففيه وجوه ~~أحدها : بإضمار يدانون لأن الدين يدل عليه وثانيها : بإضمار اذكروا وثالثها ~~: ما ذكره الزجاج يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه يبنى على الفتح لإضافته ~~إلى قوله : { لا تملك } وما أضيف إلى غير المتمكن قد يبنى على الفتح ، وإن ~~كان في موضع رفع أو جر كما قال : # % لم يمنع الشرب منهم غير أن نطقت % % حمامة في غصون ذات أو قال % # فبنى غير على الفتح لما أضيف إلى قوله إن نطقت ، قال الواحدي : والذي ~~ذكره الزجاج من البناء على الفتح إنما يجوز عند الخليل وسيبويه ، إذا كانت ~~الإضافة إلى الفعل الماضي ، نحو قولك على حين عاتبت ، أما مع الفعل ~~المستقبل ، فلا يجوز البناء عندهم ، ويجوز ذلك في قول الكوفيين ، وقد ذكرنا ~~هذه المسألة عند قوله : { هاذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } ( المائدة : 119 ~~) ورابعها : ما ذكره أبو علي وهو أن اليوم لما جرا في أكثر الأمر ظرفا ترك ~~على حالة الأكثرية ، والدليل عليه إجماع القراء والعرب في قوله : { منهم ~~الصالحون ومنهم دون ذالك } ( الأعراف : 168 ) ولا يرفع ذلك أحد . ومما يقوي ~~النصب قوله : { وما أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس } ( القارعة : 4 , 3 ~~) وقوله : { يسئلون أيان يوم الدين * يوم هم على النار يفتنون } ( الذاريات ~~: 13 , 12 ) فالنصب في { يوم لا تملك } مثل هذا . # المسألة الرابعة : تمسكوا في نفي الشفاعة للعصاة بقوله : { يوم لا تملك ~~نفس لنفس شيئا } وهو كقوله تعالى : { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ~~} ( البقرة : 48 ) والجواب : عنه قد تقدم في سورة البقرة . # المسألة الخامسة : أن أهل الدنيا ms9514 كانوا يتغلبون على الملك ويعين بعضهم ~~بعضا في أمور ، ويحمي بعضهم بعضا ، فإذا كان يوم القيامة بطل ملك بنى ~~الدنيا وزالت رياستهم ، فلا يحمي أحد أحدا ، ولا يغني أحد عن أحد ، ولا ~~يتغلب أحد على ملك ، ونظيره قوله : { والامر يومئذ لله } وقوله : { مالك ~~يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) وهو وعيد عظيم من حيث إنه عرفهم أنه لا يغني ~~عنهم إلا البر والطاعة يومئذ دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا من ~~مال وولد وأعوان وشفعاء . قال الواحدي : والمعنى أن الله تعالى لم يملك في ~~ذلك اليوم أحدا شيئا من الأمور ، كما ملكهم في دار الدنيا . قال الواسطي : ~~في قوله : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } إشارة إلى فناء غير الله تعالى ، ~~وهناك تذهب الرسالات والكلمات والغايات ، فمن كانت صفته في الدنيا كذلك ~~كانت دنياه أخراه . # وأما قوله : { والامر يومئذ لله } فهو إشارة إلى أن البقاء والوجود لله ، ~~والأمر كذلك في الأزل وفي اليوم وفي الآخرة ، ولم يتغير من حال إلى حال ، ~~فالتفاوت عائد إلى أحوال الناظر ، لا إلى أحوال المنظور إليه ، فالكاملون ~~لا تتفاوت أحوالهم بحسب تفاوت الأوقات ، كما قال : لو كشف / الغطاء ما ~~ازددت يقينا ، وكحارثة لما أخبر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ~~كأني أنظر وكأني وكأني ) والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله رب ~~العالمين . # PageV31P079 < # > 1 ( سورة المطففين ) 1 < # > # ثلاثون وست آيات مكية # ! 7 < { ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم يخسرون } . > 7 ! # { ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو ~~وزنوهم يخسرون } . # / < < # | المطففين : ( 1 ) ويل للمطففين # > > اعلم أن اتصال أول هذه السورة بآخر السورة المتقدمة ظاهر ، لأنه ~~تعالى بين في آخر تلك السورة أن يوم القيامة يوم من صفته أنه لا تملك نفس ~~لنفس شيئا والأمر كله لله وذلك يقتضي تهديدا عظيما للعصاة ، فلهذا أتبعه ~~بقوله : { ويل للمطففين } والمراد الزجر عن التطفيف ، وهو البخس في المكيال ~~والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية ، وذلك لأن الكثير يظهر فيمنع ms9515 منه ~~، وذلك القليل إن ظهر أيضا منع منه ، فعلمنا أن التطيف هو البخس في المكيال ~~والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية ، وههنا مسائل : # المسألة الأول : الويل ، كلمة تذكر عند وقوع البلاء ، يقال : ويل لك ، ~~وويل عليك . # المسألة الثانية : في اشتقاق لفظ المطفف قولان الأول : أن طف الشيء هو ~~جانبه وحرفه ، يقال : طف الوادي والإناء ، إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم ~~يمتلىء فهو طفافه وطفافه وطففه ، ويقال : هذا طف المكيال وطفافه ، إذا قارب ~~ملأه لكنه بعد لم يمتلىء ، ولهذا قيل : الذي يسيء الكيل ولا يوفيه مطفف ، ~~يعني أنه إنما يبلغ الطفاف والثاني : وهو قول الزجاج : أنه إنما قيل للذي ~~ينقص المكيال والميزان مطفف ، لأنه يكون الذي لا يسرق في المكيال والميزان ~~إلا الشيء اليسير الطفيف ، وههنا سؤالات : # الأول : وهو أن الاكتيال الأخذ بالكيل ، كالاتزان الأخذ بالوزن ، ثم إن ~~اللغة المعتادة أن يقال : اكتلت من فلان ، ولا يقال : اكتلت على فلان ، فما ~~الوجه فيه ههنا ؟ . # الجواب : من وجهين الأول : لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا فيه إضرار ~~بهم وتحامل عليهم ، أقيم على مقام من الدالة على ذلك الثاني : قال الفراء : ~~المراد اكتالوا من الناس ، وعلى ومن / في هذا الموضع PageV31P080 يعتقبان ~~لأنه حق عليه ، فإذا قال اكتلت عليك ، فكأنه قال أخذت ما عليك ، وإذا قال ~~اكتلت منك ، فهو كقوله استوفيت منك . # السؤال الثاني : هو أن اللغة المعتادة أن يقال كالوا لهم ، أو وزنوا لهم ~~، ولا يقال كلته ووزنته فما وجه قوله تعالى : { وإذا كالوهم أو وزنوهم } ؟ ~~والجواب من وجوه : الأول : أن المراد من قوله ( كالوهم أو وزنوهم ) كالوا ~~لهم أو وزنوا لهم ، فحذف الجار وأوصل الفعل . قال الكسائي والفراء : وهذا ~~من كلام أهل الحجاز ، ومن جاورهم يقولون : زنى كذا ، كلى كذا ، ويقولون ~~صدتك وصدت لك ، وكسبتك وكسبت لك ، فعلى هذا الكناية في كالوهم ووزنوهم في ~~موضع نصب الثاني : أن يكون على حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، ~~والتقدير : وإذا كالوا مكيلهم ، أو وزنوا موزونهم الثالث : يروى عن عيسى بن ~~عمر ، وحمزة أنهما ms9516 كانا يجعلان الضميرين توكيدا لما في كالوا ويقفان عند ~~الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا ، وزعم الفراء والزجاج أنه غير جائز ، ~~لأنه لو كان بمعنى كالوهم لكان في المصحف ألف مثبتة قبل هم ، واعترض صاحب ( ~~الكشاف ) على هذه الحجة ، فقال إن خط المصحف لم يراع في كثير منه حد ~~المصطلح عليه في علم الحظ والجواب أن إثبات هذه الألف لو لم يكن معتادا في ~~زمان الصحابة فكان يجب إثباتها في سائر الأعصار ، لما أنا نعلم مبالغتهم في ~~ذلك ، فثبت أن إثبات هذه الألف كان معتادا في زمان الصحابة فكان يجب إثباته ~~ههنا . # السؤال الثالث : ما السبب في أنه قال : { ويل للمطففين * الذين إذا ~~اكتالوا } ولم يقل إذا انزنوا / ثم قال : { وإذا كالوهم أو وزنوهم } فجمع ~~بينهما ؟ أن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فأحدهما يدل على الآخر # السؤال الرابع : اللغة المعتادة أن يقال خسرته ، فما الوجه في أخسرته ؟ ~~الجواب قال الزجاج : أخسرت الميزان وخسرته سواء أي نقصته ، وعن المؤرج ~~يخسرون ينقصون بلغة قريش . # المسألة الثالثة : عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما قدم نبي الله المدينة ~~كانوا من أبخس الناس كيلا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فأحسنوا الكيل ~~بعد ذلك ، وقيل كان أهل المدينة تجارا يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة ~~والملامسة والمخاطرة ، فنزلت هذه الآية ، فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقرأها عليهم ، وقال ( خمس بخمس ) قيل يا رسول الله ، وما خمس بخمس ؟ ~~قال ما نقص قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم ، وما حكموا بغير ما أنزل ~~الله إلا فشا فيهم الفقر ، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ، ولا ~~طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ، ولا منعوا الزكاة إلا حبس ~~عنهم المطر ) . # المسألة الرابعة : الذم إنما لحقهم بمجموع أنهم يأخذون زائدا ، ويدفعون ~~ناقصا ، ثم اختلف العلماء ، فقال بعضهم : هذه الآية دالة على الوعيد ، فلا ~~تتناول إلا إذا بلغ التطفيف حد الكثير ، وهو نصاب السرقة ، وقال آخرون بل ~~ما يصغر ويكبر دخل تحت الوعيد ، لكن بشرط / أن لا ms9517 يكون معه توبة ولا طاعة ~~أعظم منها ، وهذا هو الأصح . # المسألة الخامسة : احتج أصحاب الوعيد بعموم هذه الآية ، قالوا : وهذه ~~الآية واردة في أهل الصلاة لا في الكفار ، والذي يدل عليه وجهان الأول : ~~أنه لو كان كافرا لكان ذلك الكفر أولى باقتضاء هذا الويل من PageV31P081 ~~التطفيف ، فلم يكن حينئذ للتطفيف أثر في هذا الويل ، لكن الآية دالة على أن ~~الموجب لهذا الويل هو التطفيف الثاني : أنه تعالى قال : للمخاطبين بهذه ~~الآية : { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم } ( المطففين : 5 , 4 ) ~~فكأنه تعالى هدد المطففين بعذاب يوم القيامة ، والتهديد بهذا لا يحصل إلا ~~مع المؤمن ، فثبت بهذين الوجهين أن هذا الوعيد مختص بأهل الصلاة والجواب : ~~عنه ما تقدم مرارا ، ومن لواحق هذه المسألة أن هذا الوعيد يتناول من يفعل ~~ذلك ومن يعزم عليه إذ العزم عليه أيضا من الكبائر . واعلم أن أمر المكيال ~~والميزان عظيم ، وذلك لأن عامة الخلق يحتاجون إلى المعاملات وهي مبنية على ~~أمر المكيال والميزان ، فلهذا السبب عظم الله أمره فقال : { والسماء رفعها ~~ووضع الميزان * ألا تطغوا فى الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان } ( الرحمن : 9 , 7 ) وقال : { ولقد أرسلنا * رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } ( الحديد : 25 ) وعن ~~قتادة : ( أوف يا ابن آدم الكيل كما تحب أن يوفي لك ، واعدل كما تحب أن ~~يعدل لك ) وعن الفضيل : بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة ، وقال أعرابي ~~لعبد الملك بن مروان : قد سمعت ما قال الله تعالى في المطففينا أراد بذلك ~~أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم في أخذ القليل ، فما ظنك بنفسك وأنت ~~تأخذ الكثير ، وتأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن . # ! 7 < { ألا يظن أولائك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين } . > 7 ! # < < # | المطففين : ( 4 ) ألا يظن أولئك . . . . . # > > اعلم أنه تعالى وبخ هؤلاء المطففين فقال : { ألا يظن أولئك } الذين ~~يطففون { أنهم مبعوثون * ليوم عظيم } وهو يوم القيامة ، وفي الظن ههنا ~~قولان : الأول : أن المراد منه العلم ، وعلى هذا التقدير ms9518 يحتمل أن يكون ~~المخاطبون بهذا الخطاب من جملة المصدقين بالبعث ، ويحتمل أن لا يكونوا كذلك ~~أما الاحتمال الأول : فهو ما روي أن المسلمين من أهل المدينة وهم الأوس ~~والخزرج كانوا كذلك ، وحين ورد النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك شائعا ~~فيهم ، وكانوا مصدقين بالبعث والنشور ، فلا جرم ذكروا به ، وأما إن قلنا : ~~بأن المخاطبين بهذه الآية ما كانوا مؤمنين بالبعث إلا أنهم كانوا متمكنين ~~من الاستدلال عليه ، لما في العقول من إيصال الجزاء إلى المحسن والمسيء ، ~~أو / إمكان ذلك إن لم يثبت وجوبه ، وهذا مما يجوز أن يخاطب به من ينكر ~~البعث ، والمعنى ألا يتفكرون حتى يعلموا أنهم مبعوثون ، لكنهم قد أعرضوا عن ~~التفكر ، وأراحوا أنفسهم عن متاعبه ومشاقه ، وإنما يجعل العلم الاستدلال ~~ظنا ، لأن أكثر العلوم الاستدلالية راجع إلى الأغلب في الرأي ، ولم يكن ~~كالشك الذي يعتدل الوجهان فيه لا جرم سمي ذلك ظنا القول الثاني : أن المراد ~~من الظن ههنا هو الظن نفسه لا العلم ، ويكون المعنى أن هؤلاء المطففين هب ~~أنهم لا يجزمون بالبعث ولكن لا أقل من الظن ، فإن الأليق بحكمة الله ورحمته ~~ورعايته مصالح خلقه أن لا يهمل أمرهم بعد الموت بالكلية ، وأن يكون لهم حشر ~~ونشر ، وأن هذا الظن كاف في حصول الخوف ، كأنه سبحانه وتعالى يقول : هب أن ~~هؤلاء لا يقطعون به أفلا يظنونه أيضا ، فأما قوله تعالى : { يوم يقوم الناس ~~لرب العالمين } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء { يوم } بالنصب والجر ، أما النصب فقال الزجاج : ~~يوم منصوب بقوله PageV31P082 { مبعوثون } والمعنى ألا يظنون أنهم يبعثون ~~يوم القيامة ، وقال الفراء : وقد يكون في موضع خفض إلا أنه أضيف إلى يفعل ~~فنصب ، وهذا كما ذكرنا في قوله : { يوم لا تملك } وأما الجر فلكونه بدلا من ~~{ يوم عظيم } . # المسألة الثانية : هذا القيام له صفات : # الصفة الأولى : سببه وفيه وجوه أحدها : وهو الأصح أن الناس يقومون ~~لمحاسبة رب العالمين ، فيظهر هناك هذا التطفيف الذي يظن أنه حقير ، فيعرف ~~هناك كثرته واجتماعه ، ويقرب منه قوله تعالى : { ولمن خاف ms9519 مقام ربه جنتان } ~~( الرحمن : 46 ) وثانيها : أنه سبحانه يرد الأرواح إلى أجسادها فتقوم تلك ~~الأجساد من مراقدها ، فذاك هو المراد من قوله : { يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين } وثالثها : قال أبو مسلم معنى : { يقوم الناس } هو كقوله : { ~~وقوموا لله قانتين } ( البقرة : 238 ) أي لعبادته فقوله : { يقوم الناس لرب ~~العالمين } أي لمحض أمره وطعته لا لشيء آخر ، على ما قرره في قوله : { ~~والامر يومئذ لله } . # الصفة الثانية : كيفية ذلك القيام ، روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } قال : ( يقوم أحدكم ~~في رشحه إلى أنصاف أذنيه ) وعن ابن عمر : أنه قرأ هذه السورة ، فلما بلغ ~~قوله { يوم يقوم الناس لرب العالمين } بكى نحيبا حتى عجز عن قراءة ما بعده ~~) . # الصفة الثالثة : كمية ذلك القيام ، روى عنه عليه السلام أنه قال : ( يقوم ~~الناس مقدار ثلثمائة سنة من الدنيا لا يؤمر فيهم بأمر ) وعن ابن مسعود : ( ~~يمكثون أربعين عاما ثم يخاطبون ) وقال ابن عباس : وهو في حق المؤمنين كقدر ~~انصرافهم من الصلاة . # واعلم أنه سبحانه جمع في هذه الآية أنواعا من التهديد ، فقال أولا : { ~~ويل للمطففين } ( المطففين : 1 ) وهذه / الكلمة تذكر عند نزول البلاء ، ثم ~~قال ثانيا : { ألا يظن أولئك } وهو استفهام بمعنى الإنكار ، ثم قال ثالثا : ~~{ ليوم عظيم } والشيء الذي يستعظمه الله لا شك أنه في غاية العظمة ، ثم قال ~~رابعا : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وفيه نوعان من التهديد أحدهما : ~~كونهم قائمين مع غاية الخشوع ونهاية الذلة والانكسار والثاني : أنه وصف ~~نفسه بكونه ربا للعالمين ، ثم ههنا سؤال وهو كأنه قال قائل : كيف يليق بك ~~مع غاية عظمتك أي تهيء هذا المحفل العظيم الذي هو محفل القيلة لأجل الشيء ~~الحقير الطفيف ؟ فكأنه سبحانه يجيب ، فيقول عظمة الإلهية لا تتم إلا ~~بالعظمة في القدرة والعظمة في الحكمة ، فعظمة القدرة ظهرت بكوني ربا ~~للعالمين ، لكن عظمة الحكمة لا تظهر إلا بأن انتصف للمظلوم من الظالم بسبب ~~ذلك القدر الحقير الطفيف ، فإن الشيء كلما كان أحقر ms9520 وأصغر كان العلم الواصل ~~إليه أعظم وأتم ، فلأجل إظهار العظمة في الحكمة أحضرت خلق الأولين والآخرين ~~في محفل القيامة ، وحاسبت المطفف لأجل ذلك القدر الطفيف . وقال الأستاذ أبو ~~القاسم القشيري : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل ، وفي إظهار ~~العيب وإخفائه ، وفي طلب الإنصاف والانتصاف ، ويقال : من لم يرض لأخيه ~~المسلم ما يرضاه لنفسه ، فليس بمنصب والمعاشرة والصحبة من هذه الجملة ، ~~والذي يرى عيب الناس ، ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة ، ومن طلب حق نفسه ~~من الناس ، ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلبه لنفسه ، فهو من هذه الجملة والفتى ~~من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقا . # PageV31P083 ! 7 < { كلا إن كتاب الفجار لفى سجين * ومآ أدراك ما سجين * ~~كتاب مرقوم * ويل يومئذ للمكذبين * الذين يكذبون بيوم الدين * وما يكذب به ~~إلا كل معتد أثيم * إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الا ولين * كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم ~~إنهم لصالوا الجحيم * ثم يقال هاذا الذى كنتم به تكذبون } . > 7 ! # / < < # | المطففين : ( 7 ) كلا إن كتاب . . . . . # > > واعلم أنه سبحانه لما بين عظم هذا الذنب أتبعه بذكر لواحقه وأحكامه ~~فأولها : قوله : { كلا } والمفسرون ذكروا فيه وجوها الأول : أنه ردع وتنبيه ~~أي ليس الأمر على ماهم عليه من التطفيف والغفلة ، عن ذكر البعث والحساب ~~فليرتدعوا ، وتمام الكلام ههنا الثاني : قال أبو حاتم : { كلا } ابتداء ~~يتصل بما بعده على معنى حقا { إن كتاب الفجار لفى سجين } وهو قول الحسن . # النوع الثاني : أنه تعالى وصف كتاب الفجار بالخيبة والحقارة على سبيل ~~الاستخفاف بهم ، وههنا سؤالات . # السؤال الأول : السجين اسم علم لشيء معين أو اسم مشتق عن معنى ؟ قلنا فيه ~~قولان : # الأول : وهو قول جمهور المفسرين : أنه اسم علم على شيء معين ، ثم اختلفوا ~~فيه ، فالأكثرون على أنه الأرض السابعة السفلى ، وهو قول ابن عباس في رواية ~~عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد ، وروى البراء أنه عليه السلام قال : ~~( سجين أسفل سبع أرضين ) قال عطاء الخراساني ms9521 : وفيها إبليس وذريته ، وروى ~~أبو هريرة أنه عليه السلام قال : ( سجين جب في جهنم ) وقال الكلبي ومجاهد : ~~سجين صخرة تحت الأرض السابعة . # القول الثاني : أنه مشتق وسمي سجينا فعيلا من السجن ، وهو الحبس والتضييق ~~كما يقال : فسيق من الفسق ، وهو قول أبي عبيدة والمبرد والزجاج ، قال ~~الواحدي : وهذا ضعيف والدليل على أن سجينا ليس مما كانت العرب تعرفه قوله : ~~{ وما أدراك } أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت وقومك . ولا أقول هذا ضعيف ، ~~فلعله إنما ذكر ذلك تعظيما لأمر سجين . كما في قوله : { بغائبين وما أدراك ~~ما يوم الدين } ( الإنفطار : 17 ) قال صاحب ( الكشاف ) : والصحيح أن السجين ~~فعيل مأخوذ من السجن ، ثم إنه ههنا اسم علم منقول من صف كحاتم وهو منصرف ، ~~لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف ، إذا عرفت هذا ، فنقول قد ذكرنا أن ~~الله تعالى أجرى أمورا مع عباده على ما تعارفوه من التعامل فيما بينهم وبين ~~عظمائهم . فالجنة موصوفة بالعلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين ، ~~والسجين موصوف بالتسفل والظلمة والضيق وحضور الشياطين PageV31P084 ~~الملعونين ، ولا شك أن العلو والصفاء والفسحة وحضور الملائكة المقربين ، كل ~~ذلك من صفات الكمال والعزة ، وأضدادها من صفات النقص والذلة ، فلما أريد ~~وصف الكفرة وكتابهم بالذلة والحقارة ، قيل : إنه في موضع التسفل والظلمة ~~والضيق ، وحضور الشياطين ، ولما وصف كتاب الأبرار بالعزة قيل : إنه { لفى ~~عليين } ( المطففين : 18 ) . و { يشهده المقربون } . # / السؤال الثاني : قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه { فى * سجين } ثم ~~فسر سجينا ب { كتاب مرقوم } فكأنه قيل : إن كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه ~~؟ أجاب القفال : فقال قوله : { كتاب مرقوم } ليس تفسيرا لسجين ، بل التقدير ~~: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ، وإن كتاب الفجار كتاب مرقوم ، فيكون هذا ~~وصفا لكتاب الفجار بوصفين أحدهما : أنه في سجين والثاني : أنه مرقوم ، ووقع ~~قوله : { وما أدراك ما سجين } فيما بين الوصفين معترضا ، والله أعلم . ~~والأولى أن يقال : وأي استبعاد في كون أحد الكتابين في الآخر ، إما بأن ~~يوضع كتاب الفجار في الكتاب الذي ms9522 هو الأصل المرجوع إلى في تفصيل أحوال ~~الأشقياء ، أو بأن ينقل ما في كتاب الفجار إلى ذلك الكتاب المسمى بالسجين ، ~~وفيه وجه ثالث : وهو أن يكون المراد من الكتاب ، الكتابة فيكون في المعنى : ~~كتابة الفجار في سجين ، أي كتابة أعمالهم في سجين ، ثم وصف السجين بأنه { ~~كتاب مرقوم } فيه جميع أعمال الفجار . # السؤال الثالث : ما معنى قوله : { كتاب مرقوم } ؟ قلنا فيه وجوه : أحدها ~~: مرقوم أي مكتوبة أعمالهم فيه وثانيها : قال قتادة : رقم لهم بسوء أي كتب ~~لهم بإيجاب النار وثالثها : قال القفال : يحتمل أن يكون المراد أنه جعل ذلك ~~الكتاب مرقوما ، كما يرقم التاجر ثوبه علامة لقيمته ، فكذلك كتاب الفاجر ~~جعل مرقوما برقم دال على شقاوته ورابعها : المرقوم : ههنا المختوم ، قال ~~الواحدي : وهو صحيح لأن الختم علامة ، فيجوز أن يسمى المرقوم مختوما ~~وخامسها : أن المعنى كتاب مثبت عليهم كالرقم في الثوب ينمحي ، أما قوله : { ~~ويل يومئذ للمكذبين } ففيه وجهان أحدهما : أنه متصل بقوله : { يوم يقوم ~~الناس } أي : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } ( المطففين : 83 ) ويل لمن ~~كذب بأخبار الله والثاني : أن قوله : { مرقوم } معناه رقم برقم يدل على ~~الشقاوة يوم القيامة ، ثم قال : { ويل يومئذ للمكذبين } في ذلك اليوم من ~~ذلك الكتاب ، ثم إنه تعالى أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين فقال : { وما ~~يكذب به إلا كل معتد أثيم * إذا تتلى عليه ءاياتنا قال أساطير الاولين } ~~ومعناه أنه لا يكذب بيوم الدين إلا من كان موصوفا بهذه الصفات الثلاثة ~~فأولها : كونه معتديا ، والاعتداء هو التجاوز عن المنهج الحق وثانيها : ~~الأثيم وهو مبالغة في ارتكاب الإثم والمعاصي . وأقول الإنسان له قوتان قوة ~~نظرية وكمالها في أن يعرف الحق لذاته ، وقوة عملية وكمالها في أن يعرف ~~الخير لأجل العمل به ، وضد الأول أن يصف الله تعالى بما لا يجوز وصفه به ، ~~فإن كل من منع من إمكان البعث والقيامة إنما منع إما لأنه لم يعلم تعلق علم ~~الله بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات ، أو لأنه لم يعلم تعلق قدرة ~~الله بجميع ms9523 الممكنات . فهذا الاعتداء ضد القوة العملية ، هو الاشتغال ~~بالشهوة والغضب وصاحبه هو الأثيم ، وذلك لأن المشتغل بالشهوة والغضب قلما ~~يتفرغ للعبادة والطاعة ، وربما صار ذلك مانعا له عن الإيمان بالقيامة . # وأما الصفة الثالثة : للمكذبين بيوم الدين فهو قوله : { إذا تتلى عليه ~~ءاياتنا قال أساطير الاولين } والمراد منه الذين ينكرون النبوة ، والمعنى ~~إذا تلي عليه القرآن قال أساطير الأولين ، وفيه وجهان أحدهما : أكاذيب ~~PageV31P085 الأولين والثاني : أخبار الأولين وأنه عنهم أخذ أي يقدح في كون ~~القرآن من عند الله بهذا الطريق ، وههنا بحث آخر : وهو أن هذه الصفات ~~الثلاثة هل المراد منها شخص معين أولا ؟ فيه قولان : الأول : وهو قول ~~الكلبي : أن المراد منه الوليد بن المغيرة ، وقال آخرون : إنه النضر بن ~~الحارث ، واحتج من قال : إنه الوليد بأنه تعالى قال في سورة ن: { ولا تطع ~~كل حلاف مهين } إلى قوله { معتد أثيم } إلى قوله { إذا تتلى عليه ءاياتنا ~~قال أساطير الاولين } ( ن : 15 , 10 ) فقيل إنه : الوليد بن المغيرة ، وعلى ~~هذا التقدير يكون المعنى : وما يكذب بيوم الدين من قريش أو من قومك إلا كل ~~معتد أثيم / وهذا هو الشخص المعين والقول الثاني : أنه عام في حق جميع ~~الموصوفين بهذه الصفات ، أما قوله تعالى : { كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون } فالمعنى ليس الأمر كما يقوله من أن ذلك أساطير الأولين ، بل ~~أفعالهم الماضية صارت سببا لحصول الرين في قلوبهم ، ولأهلهم اللغة في تفسير ~~لفظة الرين وجوه ، ولأهل التفسير وجوه أخر ، أما أهل اللغة فقال أبو عبيدة ~~: ران على قلوبنهم غلب عليها والخمر ترين على عقل السكران ، والموت يرين ~~على الميت فيذهب به ، قال الليث : ران النعاس والخمر في الرأس إذا رسخ فيه ~~، وهو يريد رينا ، وريونا ، ومن هذا حديث عمر في أسيفع جهينة لما ركبه ~~الدين ( أصبح قد رين به ) قال أبو زيد : يقال : رين بالرجل يران به رينا ~~إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه . قال أبو معاذ النحوي : الرين أن يسود ~~القلب من الذنوب والطبع أن يطبع ms9524 على القلب وهو أشد من الرين ، والأقفال أشد ~~من الطبع ، وهو أن يقفل على القلب ، قال الزجاج : ران على قلوبهم بمعنى غطى ~~على قلوبهم ، يقال : ران على قلبه الذنب يرين رينا أي غشيه ، والرين كالصدإ ~~يغشى القلب ومثله العين ، أما أهل التفسير ، فلهم وجوه : قال الحسن : ~~ومجاهد هو الذنب على الذنب ، حتى تحيط الذنوب بالقلب ، وتغشاه فيموت القلب ~~، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إياكم والمحقرات من ~~الذنوب ، فإن الذنب على الذنب يوقد على صاحبه جحيما ضخمة ) وعن مجاهد القلب ~~كالكف ، فإذا أذنب الذنب انقبض ، وإذا أذنب ذنبا آخر انقبض ثم يطبع عليه ~~وهو الرين ، وقال آخرون : كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى ~~يسود القلب كله ، وروي هذا مرفوعا في حديث أبي هريرة ، قلت : لا شك أن تكرر ~~الأفعال سبب لحصول ملكة نفسانية ، فإن من أراد تعلم الكتابة فكلما كان ~~إتيانه بعمل الكتابة أكثر كان اقتداره على عمل الكتابة أتم ، إلى أن يصير ~~بحيث يقدر على الإتيان بالكتابة من غير روية ولا فكرة ، فهذه الهيئة ~~النفسانية ، لما تولدت من تلك الأعمال الكثيرة كان لكل واحد من تلك الأعمال ~~أثر في حصول تلك الهيئة النفسانية ، إذا عرفت هذا فنقول : إن الإنسان إذا ~~واظب على الإتيان ببعض أنواع الذنوب ، حصلت في قلبه ملكة نفسانية على ~~الإتيان بذلك الذنب ، ولا معنى للذنب إلا ما يشغلك بغير الله ، وكل ما ~~يشغلك بغير الله فهو / ظلمة ، فإذن الذنوب كلها ظلمات وسواد ، ولكل واحد من ~~الأعمال السالفة التي أورث مجموعها حصول تلك الملكة أثر في حصولها ، فذلك ~~هو المراد من قولهم : كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود ~~القلب ، ولما كانت مراتب الملكات في الشدة والضعف مختلفة ، لا جرم كانت ~~مراتب هذا السواد والظلمة مختلفة ، فبعضها يكون رينا وبعضها طبعا وبعضها ~~أقفالا ، قال القاضي ليس المراد من الرين أن قلبهم قد تغير وحصل فيه منع ، ~~بل المراد أنهم صاروا لإيقاع الذنب حالا بعد حال متجرئين عليه ms9525 وقويت ~~دواعيهم إلى ترك التوبة وترك الإقلاع ، فاستمروا وصعب الأمر عليهم ، ولذلك ~~بين أن علة الرين كسبهم ، ومعلوم إن إكثارهم من اكتساب الذنوب لا يمنع من ~~الإقلاع والتوبة ، وأقول قد بينا أن صدور الفعل حال استواء الداعي ~~PageV31P086 إلى الفعل ، والداعي إلى الترك محال لامتناع ترجيح الممكن من ~~غير مرجح ، فبأن يكون ممتنعا حال المرجوحية كان أولى ، ولما سلم القاضي ~~أنهم صاروا بسبب الأفعال السالفة راجحا ، فوجب أن يكون الإقلاع في هذه ~~الحالة ممتنعا ، وتمام الكلام قد تقدم مرارا في هذا الكتاب . # أما قوله تعالى : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } فاعلم أنهم ذكروا ~~في { كلا } وجوها أحدها : قال صاحب ( الكشاف ) : { كلا } ردع عن الكسب ~~الرائن عن قلوبهم وثانيها : قال القفال : إن الله تعالى حكى في سائر السور ~~عن هذا المعتدي الأثيم أنه كان يقول إن كانت الآخرة حقا ، فإن الله تعالى ~~يعطيه مالا وولدا ، ثم إنه تعالى كذبه في هذه المقالة فقال : { أطلع الغيب ~~أم اتخذ عند الرحمان عهدا } ( مريم : 78 ) قال : { وما أظن الساعة قائمة ~~ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى } ( فصلت : 50 ) ولما كان هذا مما قد ~~تردد ذكره في القرآن ترك الله ذكره ههنا وقال : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون } أي ليس الأمر كما يقولون : من أن لهم في الآخرة حسنى بل هم عن ~~ربهم يومئذ لمحجوبون وثانيها : أن يكون ذلك تكريرا وتكون { كلا } هذه هي ~~المذكورة في قوله : { كلا بل ران } أما قوله : { إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون } فقد احتج الأصحاب على أن المؤمنين يرونه سبحانه قالوا : ولولا ~~ذلك لم يكن للتخصيص فائدة ، وفيه تقرير آخر وهو أنه تعالى ذكر هذا الحجاب ~~في معرض الوعيد والتهديد للكفار ، وما يكون وعيدا وتهديدا للكفار لا يجوز ~~حصوله في حق المؤمن ، فوجب أن لا يحصل هذا الحجاب في حق المؤمن أجابت ~~المعتزلة عن هذا من وجوه أحدها : قال الجبائي : المراد أنهم عن رحمة ربهم ~~محجوبون أي ممنوعون ، كما يقال في الفرائض : الإخوة يحجبون الأم على الثلث ms9526 ~~، ومن ذلك يقال : لمن يمنع عن الدخول هو حاجب ، لأنه يمنع من رؤيته وثانيها ~~: قال أبو مسلم : { لمحجوبون } أي غير مقربين ، والحجاب الرد وهو ضد القبول ~~، والمعنى هؤلاء المنكرون للبعث غير مقبولين عند الله وهو المراد من قوله ~~تعالى : { ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم } ( آل ~~عمران ) ، وثالثها : قال القاضي : الحجاب ليس عبارة عن عدم الرؤية ، فإنه ~~قد يقال : حجب فلان عن الأمير ، وإن كان قد رآه / من البعد ، وإذا لم يكن ~~الحجاب عبارة عن عدم الرؤية سقط الاستدلال ، بل يجب أن يحمل على صيرورته ~~ممنوعا عن وجدان رحمته تعالى ورابعها : قال صاحب ( الكشاف ) : كونهم ~~محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم ، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا ~~للمكرمين لديهم ، ولا يحجب عنهم إلا المهانون عندهم والجواب : لا شك أن من ~~منع من رؤية شيء يقال : إنه حجب عنه ، وأيضا من منع من الدخول على الأمير ~~يقال : إنه حجب عنه ، وأيضا يقال الأم حجبت عن الثلث بسبب الإخوة ، وإذا ~~وجدنا هذه الاستعمالات وجب جعل اللفظ حقيقة في مفهوم مشترك بين هذه المواضع ~~دفعا للاشتراك في اللفظ ، وذلك هو المنع . ففي الصورة الأولى حصل المنع من ~~الرؤية ، وفي الثاني حصل المنع من الوصول إلى قربه ، وفي الثالثة : حصل ~~المنع من استحقاق الثلث ، فيصير تقدير الآية : كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لممنوعون ، والمنع إنما يتحقق بالنسبة إلى ما يثبت للعبد بالنسبة إلى الله ~~تعالى ، وهو إما العلم ، وإما الرؤية ، ولا يمكن حمله على العلم ، لأنه ~~ثابت بالاتفاق للكفار ، فوجب PageV31P087 حمله على الرؤية . أما صرفه إلى ~~الرحمة فهو عدول عن الظاهر من غير دليل ، وكذا ما قاله صاحب ( الكشاف ) : ~~ترك للظاهر من غير دليل ، ثم الذي يؤكد ما ذكرناه من الدليل أقوال المفسرين ~~. قال مقاتل : معنى الآية أنهم بعد العرض والحساب ، لا يرون ربهم ، ~~والمؤمنون يرون ربهم ، وقال الكلبي : يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم ~~لمحجوبون ، والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه ، وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية ms9527 ، ~~فقال : لما حجب أعداءه فلم يروه لا بد وأن يتجلى لأوليائه حتى يروه ، وعن ~~الشافعي لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا ، أما قوله تعالى ~~: { ثم إنهم لصالوا الجحيم } فالمعنى لما صاروا محجوبين في عرصة القيامة ~~إما عن رؤية الله على قولنا / أو عن رحمة الله وكرامته على قول المعتزلة ، ~~فعند ذلك يؤمر بهم إلى النار ثم إذا دخلوا النار ، وبخوا بتكذيبهم بالبعث ~~والجزاء ، فقيل لهم : { هاذا الذى كنتم به تكذبون } في الدنيا ، والآن قد ~~عاينتموه فذوقوه . # ! 7 < { كلا إن كتاب الا برار لفى عليين * ومآ أدراك ما عليون * كتاب ~~مرقوم * يشهده المقربون } . > 7 ! # < < # | المطففين : ( 18 ) كلا إن كتاب . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الفجار المطففين ، أتبعه بذكر حال ~~الأبرار الذين لا يطففون ، فقال : { كلا } أي ليس الأمر كما توهمه أولئك ~~الفجار من إنكار البعث ومن أن كتاب الله أساطير الأولين . واعلم أن لأهل ~~اللغة في لفظ { عليين } أقوالا ، ولأهل التفسير أيضا أقوالا ، أما أهل ~~اللغة قال / أبو الفتح الموصلي : { عليين } جمع علي وهو فعيل من العلو ، ~~وقال الزجاج : إعراب هذا الاسم كإعراب الجمع لأنه على لفظ الجمع ، كما تقول ~~: هذه قنسرون ورأيت قنسرين ، وأما المفسرون فروي عن ابن عباس أنها السماء ~~الرابعة ، وفي رواية أخرى إنها السماء السابعة ، وقال قتادة ومقاتل : هي ~~قائمة العرش اليمنى فوق السماء السابعة ، وقال الضحاك : هي سدرة المنتهى ، ~~وقال الفراء : يعني ارتفاعا بعد ارتفاع لا غاية له ، وقال الزجاج : أعلى ~~الأمكنة ، وقال آخرون : هي مراتب عالية محفوظة بالجلالة قد عظمها الله ~~وأعلى شأنها ، وقال آخرون : عند كتاب أعمال الملائكة ، وظاهر القرآن يشهد ~~لهذا القول الأخير لأنه تعالى قال لرسوله : { وما أدراك ما عليون } تنبيها ~~له على أنه معلوم له ، وأنه سيعرفه ثم قال : { كتاب مرقوم * يشهده المقربون ~~} فبين أن كتابهم في هذا الكتاب المرقوم الذي يشهده المقربون من الملائكة ، ~~فكأنه تعالى كما وكلهم باللوح المحفوظ فكذلك يوكلهم بحفظ كتب الأبرار في ~~جملة ذلك الكتاب الذي هو أم الكتاب على وجه ms9528 الإعظام له ولا يمتنع أن الحفظة ~~إذا صعدت بكتب الأبرار فإنهم يسلمونها إلى هؤلاء المقربين فيحفظونها كما ~~يحفظون كتب أنفسهم أو ينقلون ما في تلك الصحائف إلى ذلك الكتاب الذي وكلوا ~~بحفظه ويصير علمهم شهادة لهؤلاء الأبرار ، فلذلك يحاسبون حسابا يسيرا ، لأن ~~هؤلاء المقربين يشهدون لهم بما حفظوه من أعمالهم ، وإذا كان هذا الكتاب في ~~السماء صح قول من تأول ذلك على أنه في السماء العالية ، فتتقارب الأقوال في ~~ذلك ، وإذا كان الذي ذكرناه أولى . # واعلم أن المعتمد في تفسير هذه الآية ما بينا أن العلو والفسحة والضياء ~~والطهارة من علامات السعادة ، PageV31P088 والسفل والضيق والظلمة من علامات ~~الشقاوة ، فلما كان المقصود من وضع كتاب الفجار في أسفل السافلين ، وفي ~~أضيق المواضع إذلال الفجار وتحقير شأنهم ، كان المقصود من وضع كتاب الأبرار ~~في أعلى عليين ، وشهادة الملائكة لهم بذلك إجلالهم وتعظيم شأنهم ، وفي ~~الآية وجه آخر ، وهو أن المراد من الكتاب الكتابة ، فيكون المعنى أن كتابة ~~أعمال الأبرار في عليين ، ثم وصف عليين بأنه كتاب مرقوم فيه جميع أعمال ~~الأبرار ، وهو قول أبي مسلم . # أما قوله تعالى : { كتاب مرقوم } ففيه تأويلان أحدهما : أن المراد ~~بالكتاب المرقوم كتاب أعمالهم والثاني : أنه كتاب موضوع في عليين كتب فيه ~~ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب ، واختلفوا في ذلك الكتاب ، فقال مقاتل ~~: إن تلك الأشياء مكتوبة لهم في ساق العرش . وعن ابن عباس أنه مكتوب في لوح ~~من زبرجد معلق تحت العرش . وقال آخرون : هو كتاب مرقوم بما يوجب سرورهم ، ~~وذلك بالضد من رقم كتاب الفجار بما يسوءهم ، ويدل على هذا المعنى قوله : { ~~يشهده المقربون } يعني الملائكة الذي هم في عليين يشهدون ويحضرون ذلك ~~المكتوب ، ومن قال : إنه كتاب الأعمال ، قال : يشهد ذلك الكتاب إذا صعد به ~~إلى عليين المقربون من الملائكة كرامة للمؤمن . # ! 7 < { إن الا برار لفى نعيم * على الا رآئك ينظرون * تعرف فى وجوههم ~~نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس ~~المتنافسون * ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب ms9529 بها المقربون } . > 7 ! # / < < # | المطففين : ( 22 ) إن الأبرار لفي . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما عظم كتابهم في الآية المتقدمة عظم بهذه ~~الآية منزلتهم ، فقال : { إن الابرار لفى نعيم } ثم وصف كيفية ذلك النعيم ~~بأمور ثلاثة أولها : قوله : { على الارائك ينظرون } قال القفال : الأرائك ~~الأسرة في الحجال ، ولا تسمى أريكة فيما زعموا إلا إذا كانت كذلك ، وعن ~~الحسن : كنا لا ندري ما الأريكة حتى لقينا رجلا من أهل اليمن أخبرنا أن ~~الأريكة عندهم ذلك . # أما قوله : { ينظرون } ففيه ثلاثة أوجه أحدها : ينظرون إلى أنواع نعمهم ~~في الجنة من الحور العين والولدان ، وأنواع الأطعمة والأشربة والملابس ~~والمراكب وغيرها ، قال عليه السلام : ( يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله ~~وإن أدناهم يتراءى له مثل سعة الدنيا ) والثاني : قال مقاتل : ينظرون إلى ~~عدوهم حين يعذبون في النار والثالث : إذا اشتهوا شيئا نظروا إليه فيحضرهم ~~ذلك الشيء في الحال ، واعلم أن هذه الأوجه الثلاثة من باب أنواع جنس واحد ~~وهو المنظور إليه ، فوجب حمل اللفظ على الكل ، ويخطر ببالي تفسير رابع : ~~وهو أشرف من الكل وهو أنهم ينظرون إلى ربهم ويتأكد هذا التأويل بما إنه قال ~~بعد هذه الآية : { تعرف فى وجوههم نضرة النعيم } والنظر المقرون بالنضرة هو ~~رؤية الله تعالى على ما قال : { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة } ~~PageV31P089 ( القيامة : 23 , 22 ) ومما يؤكد هذا التأويل أنه يجب الابتداء ~~بذكر أعظم اللذات ، وما هو إلا رؤية الله تعالى وثانيها : قوله تعالى : { ~~تعرف فى وجوههم نضرة النعيم } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المعنى إذا رأيتهم عرفت أنهم أهل النعمة بسبب ما ترى في ~~وجوههم من القرائن الدالة على ذلك ثم في تلك القرائن قولان : # أحدهما : أنه ما يشاهد في وجوههم من الضحك والاستبشار ، على ما قال تعالى ~~: { وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة } ( عبس : 39 , 38 ) . # / والثاني : قال عطاء إن الله تعالى يزيد في وجوههم من النور والحسن ~~والبياض ما لا يصفه واصف ، وتفسير النضرة : قد سبق عند قوله : { ناضرة } . # المسألة الثانية : قرىء : { تعرف } على البناء للمفعول { جنات ms9530 النعيم } ~~بالرفع . # وثالثها : قوله : { يسقون من رحيق } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في بيان أن الرحيق ما هو ؟ قال الليث : { * الرحيق } ~~الخمر . وأنشد لحسان . # بردى يصفق بالرحيق السلسل # وقال أبو عبيدة والزجاج : { * الرحيق } من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء ~~يفسده ، ولعله هو الخمر الذي وصفه الله تعالى بقوله : { للشاربين لا فيها ~~غول } ( الصافات : 47 ) . # المسألة الثانية : ذكر الله تعالى لهذا : { * الرحيق } صفات : # الصفة الأولى : قوله : { رحيق مختوم } وفيه وجوه : الأول : قال القفال : ~~يحتمل أن هؤلاء يسقون من شراب مختوم قد ختم عليه تكريما له بالصيانة على ما ~~جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان ، وهناك خمر آخر تجري منها أنهار كما ~~قال : { وأنهار من خمر لذة للشاربين } ( محمد : 15 ) إلا أن هذا المختوم ~~أشرف في الجاري الثاني : قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج : المختوم الذي له ~~ختام أي عاقبة والثالث : روي عن عبدالله في مختوم أنه ممزوج ، قال الواحدي ~~: وليس بتفسير لأن الختم لا يكون تفسيره المزج ، ولكن لما كانت له عاقبة هي ~~ريح المسك فسره بالممزوج ، لأنه لو لم يمتزج بالمسك لما حصل فيه ريح المسك ~~الرابع : قال مجاهد مختوم مطين ، قال الواحدي : كان مراده من الختم بالطين ~~، هو أن لا تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار ، والأقرب من جميع هذه الوجوه ~~الوجه الأول الذي ذكره القفال الصفة الثانية : لهذا الرحيق قوله : { ختامه ~~مسك } وفيه وجوه الأول : قال القفال : معناه أن الذي يختم به رأس قارورة ~~ذلك الرحيق هو المسك ، كالطين الذي يختم به رؤوس القوارير ، فكان ذلك المسك ~~رطب ينطبع فيه الخاتم ، وهذا الوجه مطابق للوجه الأول الذي حكيناه عن ~~القفال في تفسير قوله : { مختوم } ، الثاني : المراد من قوله : { ختامه مسك ~~} أي عاقبته المسك أي يختم له آخره بريح المسك ، وهذا الوجه مطابق للوجه ~~الذي حكيناه عن أبي عبيدة في تفسير قوله : { مختوم } كأنه تعالى قال من ~~رحيق له عاقبة ، ثم فسر تلك العاقبة فقال : تلك العاقبة مسك أي من شربه كان ~~ختم شربه على ريح ms9531 المسك ، وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ، ومقاتل ~~وقتادة قالوا : إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك ، ~~والمعنى لذاذة PageV31P090 المقطع وذكاء الرائحة وأرجها ، مع طيب الطعم ، ~~والختام آخر كل شيء ، ومنه يقال : ختمت القرآن ، والأعمال بخواتيمها ويؤكده ~~قراءة علي عليه السلام ، واختيار الكسائي فإنه يقرأ : ( خاتمه مسك ) أي ~~آخره كما يقال : خاتم النبيين ، قال الفراء : وهما متقاربان في المعنى إلا ~~أن الخاتم اسم والختام مصدر كقولهم : هو كريم الطباع والطابع الثالث : ~~معناه خلطه مسك ، وذكروا أن فيه تطيبا لطعمه . وقيل : بل لريحه وأقول : لعل ~~المراد أن الخمر الممزوج بهذه الأفاويه الحارة مما يعين على الهضم وتقوية / ~~الشهوة ، فلعل المراد منه الإشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم ، وهذا ~~القول رواه سعيد بن جبير عن الأسود عن عائشة تقول المرأة لقد أخذت ختم طيني ~~، أي لقد أخذت أخلاط طيني ، قال أبو الدرداء هو شراب أبيض مثل الفضة ، ~~يحتمون به آخر شربهم ، لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم ~~يبق ذو روح إلا وجد طيب ريحه . # الصفة الثانية : قوله تعالى : { وفى ذلك فليتنافس المتنافسون } قال ~~الواحدي : يقال : نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة إذا ضننت به ولم تحب أن يصير ~~إليه ، والتنافس تفاعل منه كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به ، ~~والمعنى : وفي ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله . # واعم أن مبالغة الله تعالى في الترغيب فيه تدل على علو شأنه ، وفيه إشارة ~~إلى أن التنافس يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم العظيم الدائم ، لا في ~~النعيم الذي هو مكدر سريع الفناء . # الصفة الرابعة : قوله تعالى : { ومزاجه من تسنيم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : تسنيم علم لعين بعينها في الجنة سميت بالتسنيم الذي هو ~~مصدر سنمه إذا رفعه ، إما لأنها أرفع شراب في الجنة ، وإما لأنها تأتيهم من ~~فوق ، على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتنصب في أوانيهم ، وإما لأنها ~~لأجل كثرة ملئها وسرعته تعلو على كل شيء تمر ms9532 به وهو تسنيمه ، أو لأنه عند ~~الجري يرى فيه ارتفاع وانخفاض ، فهو التسنيم أيضا ، وذلك لأن أصل هذه ~~الكلمة للعلو والارتفاع ، ومنه سنام البعير وتسنمت الحائط إذا علوته ، وأما ~~قول المفسرين : فروى ميمون بن مهران أن ابن عباس سأل عن تسنيم ، فقال هذا ~~مما يقول الله : { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين } ( السجدة : 17 ) ~~ويقرب منه ما قال الحسن : وهو أنه أمر أخفاه الله تعالى لأهل الجنة قال ~~الواحدي : وعلى هذا لا يعرف له اشتقاق وهو اسم معرفة ، وعن عكرمة : { من ~~تسنيم } من تشريف : # المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر أن تسنيم عين يشرب بها المقربون ، قال ~~ابن عباس : أشرف شراب أهل الجنة هو تسنيم ، لأنه يشربه المقربون صرفا ، ~~ويمزج لأصحاب اليمين . # واعلم أن الله تعالى لما قسم المكلفين في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام : ~~المقربون ، وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، ثم إنه تعالى لما ذكر كرامة ~~المذكورين في هذه السورة بأنه يمزج شرابهم من عين يشرب بها المقربون ؛ ~~علمنا أن المذكورين في هذا الموضع هم أصحاب اليمين ، وأقول : هذا يدل على ~~أن الأنهار متفاوتة في الفضيلة ، فتسنيم أفضل أنها الجنة ، والمقربون أفضل ~~أهل الجنة ، والتسنيم في الجنة الروحانية هو معرفة الله ولذة النظر إلى وجه ~~الله الكريم ، والرحيق هو الابتهاج بمطالعة عالم الموجودات ، فالمقربون لا ~~يشربون إلا من التسنيم ، أي لا يشتغلون إلا بمطالعة وجهه الكريم ، وأصحاب ~~اليمين يكون شرابهم ممزوجا ، فتارة يكون نظرهم إليه وتارة إلى مخلوقاته . # PageV31P091 المسألة الثانية : عينا نصب على المدح وقال الزجاج : نصب على ~~الحال ، وقوله : { يشرب بها المقربون } كقوله : { يشرب بها عباد الله } ( ~~الإنسان : 6 ) وقد مر . # ! 7 < { إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون * وإذا مروا بهم ~~يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن ~~هاؤلاء لضآلون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين ءامنوا من الكفار ~~يضحكون * على الا رآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } . > 7 ! # / < < # | المطففين : ( 29 ) إن الذين أجرموا . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما وصف ms9533 كرامة الأبرار في الآخرة ذكر بعد ذلك قبح ~~معاملة الكفار معهم في الدنيا في استهزائهم وضحكهم ، ثم بين أن ذلك سينقلب ~~على الكفار في الآخرة ، والمقصود منه تسلية المؤمنين وتقوية قلوبهم ، وفيه ~~مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجهين الأول : أن المراد من قوله : ~~{ إن الذين أجرموا } أكابر المشركين كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصى ~~بن وائل السهمي كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ~~ويستهزئون بهم الثاني : جاء علي عليه السلام في نفر من المسلمين فسخر منهم ~~المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا : رأينا اليوم ~~الأصلع فضحكوا منه ، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل علي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . # المسألة الثانية : أنه تعالى حكى عنهم أربعة أشياء من المعاملات القبيحة ~~فأولها : قوله : إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون أي يستهزئون ~~بهم وبدينهم وثانيها : قوله : { وإذا مروا بهم يتغامزون } أي يتفاعلون من ~~الغمز ، وهو الإشارة بالجفن والحاجب ويكون الغمز أيضا بمعنى العيب وغمزه ~~إذا عابه ، وما في فلان غميزة أي ما يعاب به ، والمعنى أنهم يشيرون إليهم ~~بالأعين استهزاء ويعيبونهم ، ويقولون : انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم ~~ويحرمونها لذاتها ويخاطرون بأنفسهم في طلب ثواب لا يتيقنونه وثالثها : قوله ~~تعالى : { وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا * فاكهين } معجبين بما هم فيه من ~~الشرك والمعصية والتنعم بالدنيا ، أو يتفكهون بذكر المسلمين بالسوء ، قرأ ~~عاصم في رواية حفص عنه : { فكهين } بغير ألف في هذا الموضع وحده ، وفي / ~~سائر القرآن { فاكهين } بالألف وقرأ الباقون فاكهين بالألف ، فقيل : هما ~~لغتان ، وقيل : فاكهين أي متنعمين مشغولين بما هم فيه من الكفر والتنعم ~~بالدنيا وفكهين معجبين ورابعها : قوله تعالى : { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء ~~لضالون } أي هم على ضلال في تركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يدري هل ~~له وجود أم لا ، وهذا آخر ما حكاه تعالى عن الكفار . PageV31P092 # ثم قال تعالى : { وما أرسلوا عليهم حافظين } يعني أن الله تعالى لم يبعث ~~هؤلاء الكفار رقباء على المؤمنين ms9534 ، يحفظون عليهم أحوالهم ويتفقدون ما ~~يصنعونه من حق أو باطل ، فيعبون عليهم ما يعتقدونه ضلالا ، بل إنما أمروا ~~بإصلاح أنفسهم . # أما قوله تعالى : { فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون } ففيه مسألتان ~~: # المسألة الأولى : المعنى أن في هذا اليوم الذي هو يوم تصقع الأعمال ~~والمحاسبة يضحك المؤمن من الكافر ، وفي سبب هذا الضحك وجوه أحدها : أن ~~الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا بسبب ما هم فيه من الضر والبؤس ~~، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين بسبب ما هم فيه من أنواع العذاب ~~والبلاء ، ولأنهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء ، وأنهم قد باعوا ~~باقيا بفان ويرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم ونالوا بالتعب اليسير ~~راحة الأبد / ودخلوا الجنة فأجلسوا على الأرائك ينظرون إليهم كيف يعذبون في ~~النار وكيف يصطرخون فيها ويدعون بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضا الثاني : ~~قال أبو صالح : يقال لأهل النار وهم فيها اخرجوا وتفتح لهم أبوابها ، فإذا ~~رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج ، والمؤمنون ينظرون إليهم على ~~الأرائك ، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم ، فذاك هو سبب الضحك . # المسألة الثانية : قوله : { على الارائك ينظرون } حال من يضحكون أي ~~يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة ~~والكبر . # ثم قال تعالى : { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } ثوب بمعنى أثيب أي ~~الله المثيب ، قال أوس : # % سأجزيك أو يجزيك عني مثوب % % وحسبك أن يثني عليك وتحمدي % # قال المبرد : وهو فعل من الثواب ، وهو ما يثوب أي يرجع إلى فاعله جزاء ما ~~عمله من خير أو شر ، والثواب يستعمل في المكافأة بالشر ، ونشد أبو عبيدة : # % ألا أبلغ أبا حسن رسولا % % فما لك لا تجيء إلى الثواب % # والأولى أن يحمل ذلك على سبيل التهكم كقوله : { ذق إنك أنت العزيز الكريم ~~} ( الدخان : 49 ) والمعنى كأنه تعالى يقول للمؤمنين : هل جازينا الكفار ~~على عملهم الذي كان من جملته ضحكهم بكم واستهزاؤهم بطريقتكم ، كما جازيناكم ~~على أعمالكم الصالحة ؟ فيكون هذا القول زائدا في سرورهم ، لأنه يقتضي ms9535 زيادة ~~في تعظيمهم والاستخفاف بأعدائهم ، والمقصود منها أحوال القيامة . والله ~~أعلم . # PageV31P093 < # > 1 ( سورة الانشقاق ) 1 < # > # وهي عشرون وخمس آيات مكية # ! 7 < { إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت * وإذا الا رض مدت * وألقت ~~ما فيها وتخلت * وأذنت لربها وحقت } . > 7 ! # < < # | الإنشقاق : ( 1 ) إذا السماء انشقت # > > أما انشقاق السماء فقد مر شرحه في مواضع من القرآن ، وعن علي عليه ~~السلام أنها تنشق من المجرة ، أما قوله : { وأذنت لربها } ومعنى أذن له ~~استمع ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي ~~يتغنى بالقرآن ) وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزجاج قول قعنب : # % صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به % % وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا % # والمعنى أنه لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله تعالى في ~~شقها وتفريق أجزائها ، فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع الذي إذا ~~ورد عليه الأمر من جهة المالك أنصت له وأذعن ، ولم يمتنع فقوله : { قالتا ~~أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) يدل على نفاذ القدرة في الإيجاد والإبداع من ~~غير ممانعة أصلا ، وقوله ههنا : { وأذنت لربها } يدل على نفوذ القدرة في ~~التفريق والإعدام والإفناء من غير ممانعة أصلا ، وأما قوله : { وحقت } فهو ~~من قولك هو محقوق بكذا ، وحقيق به . يعني وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع ~~وذلك لأنه جسم ، وكل جسم فهو ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإن الوجود والعدم ~~بالنسبة إليه على السوية ، وكل ما كان كذلك ، كان ترجيح وجوده على عدمه أو ~~ترجيح عدمه على وجوده ، لا بد وأن يكون بتأثير واجب الوجود وترجيحه فيكون ~~تأثير قدرته في إيجاده ، وإعدامه ، نافذا ساريا من غير ممانعة أصلا ، وأما ~~الممكن فليس له إلا القبول والاستعداد ، ومثل هذا الشيء حقيق به أن يكون ~~قابلا للوجود تارة ، وللعدم PageV31P094 أخرى من واجب الوجود ، أما قوله : ~~{ وإذا الارض مدت } ففيه وجهان الأول : أنه مأخوذ من مد الشيء فامتد ، وهو ~~أن تزال حبالها بالنسف كما قال : { ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا ~~} طه : 105 ) يسوي ظهرها ، كما قال : { قاعا صفصفا ms9536 * لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا } ( طه : 105 , 106 ) وعن ابن عباس مدت مد الأديم / الكاظمي ، لأن ~~الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه واستوى والثاني : أنه مأخوذ من مده بمعنى ~~أمده أي يزاد في سعتها يوم القيامة لوقوف الخلائق عليها للحساب ، واعلم أنه ~~لا بد من الزيادة في وجه الأرض سواء كان ذلك بتمديدها أو بإمدادها ، لأن ~~خلق الأولين والآخرين لما كانوا واقفين يوم القيامة على ظهرها ، فلا بد من ~~الزيادة في طولها وعرضها ، أما قوله : { وألقت ما فيها } فالمعنى أنها لما ~~مدت رمت بما في جوفها من الموتى والكنوز ، وهو كقوله : { وأخرجت الارض ~~أثقالها } ( الزلزلة : 2 ) { وإذا القبور بعثرت } ( الإنفطار : 4 ) { بعثر ~~ما فى القبور } ( العاديات : 9 ) وكقوله : { ألم نجعل الارض كفاتا * أحياء ~~وأمواتا } ( المرسلات : 26 , 25 ) وأما قوله : { وتخلت } فالمعنى وخلت غاية ~~الخلو حتى لم يبق في باطنها شيء كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو ، كما ~~يقال : تكرم الكريم ، وترحم الرحيم . إذا بلغا جهدهما في الكرم الرحمة ~~وتكلفا فوق ما في طبعهما ، واعلم أن التحقيق أن الله تعالى هو الذي أخرج ~~تلك الأشياء من بطن الأرض إلى ظهرها ، لكن الأرض وصفت بذلك على سبيل التوسع ~~، وأما قوله : { وأذنت لربها وحقت } فقد تقدم تفسيره إلا أن الأول في ~~السماء وهذا في الأرض ، وإذا اختلف وجه الكلام لم يكن تكرارا . # ! 7 < { ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } . > 7 @QB@ < # | الإنشقاق : ( 6 ) يا أيها الإنسان . . . . . # > > # اعلم أن قوله تعالى : { إذا السماء انشقت } إلى قوله : { القرءان خلق ~~الإنسان } ( الإنشقاق : 6 , 1 ) شرط ولا بد له من جزاء واختلفوا فيه على ~~وجوه أحدها : قال صاحب الكشاف : حذف جواب إذا ليذهب الوهم إلى كل شيء فيكون ~~أدخل في التهويل وثانيها : قال الفراء : إنما ترك الجواب لأن هذا المعنى ~~معروف قد تردد في القرآن معناه فعرف ، ونظيره قوله : { إنا أنزلناه فى ليلة ~~القدر } ( القدر : 1 ) ترك ذكر القرآن لأن التصريح به قد تقدم في سائر ~~المواضع وثالثها : قال بعض المحققين : الجواب هو قوله ms9537 : { فملاقيه } وقوله ~~: { وحقت يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا } ( الإنشقاق : 6 ) معترض ، ~~وهو كقول القائل إذا كان كذا وكذا يا أيها الإنسان ترى عند ذلك ما عملت من ~~خير أو شر ، فكذا ههنا . والتقدير إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله ~~ورابعها : أن المعنى محمول على التقديم والتأخير فكأنه قيل : { وحقت يأيها ~~الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } { إذا السماء انشقت } ( الإنشقاق ~~: 1 ( وقامت القيامة وخامسها : قال الكسائي : إن الجواب في قوله : { فأما ~~من أوتى كتابه } ( الإنشقاق : 7 ) واعترض في الكلام قوله : { وحقت يأيها ~~الإنسان إنك كادح } والمعنى إذا السماء انشقت ، وكان كذا وكذا { فمن أوتى ~~كتابه بيمينه } ( الإسراء : 71 ) فهو كذا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فهو كذا ~~، ونظيره قوله تعالى : { فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ~~} ( البقرة : 38 ) ، وسادسها : قال القاضي : إن الجواب ما دل عليه قوله : { ~~إنك كادح } كأنه تعالى قال : يا أيها الإنسان ترى ما عملت فاكدح لذلك اليوم ~~أيها الإنسان لتفوز بالنعيم / أما قوله : { القرءان خلق الإنسان } ففيه ~~قولان : الأول : أن المراد جنس الناس كما يقال : أيها الرجل ، PageV31P095 ~~وكلكم ذلك الرجل ، فكذا ههنا . وكأنه خطاب خص به كل واحد من الناس ، قال ~~القفال : وهو أبلغ من العموم لأنه قائم مقام التخصيص على مخاطبة كل واحد ~~منهم على التعيين بخلاف اللفظ العام فإنه لا يكون كذلك والثاني : أن المراد ~~منه رجل بعينه ، وههنا فيه قولان : الأول : أن المراد به محمد صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى أنك تكدح في إبلاغ رسالات الله وإرشاد عباده وتحمل الضرر ~~من الكفار ، فأبشر فإنك تلقى الله بهذا العمل وهو غير ضائع عنده الثاني : ~~قال ابن عباس : هو أبي بن خلف ، وكدحه جده واجتهاده في طلب الدنيا ، وإيذاء ~~الرسول عليه السلام ، والإصرار على الكفر ، والأقرب أنه محمول على الجنس ~~لأنه أكثر فائدة ، ولأن قوله : { فأما من أوتى كتابه بيمينه } ( الإنشقاق : ~~7 ) { وأما من أوتى كتابه وراء ظهره } ( الإنشقاق : 10 ) كالنوعين له ، ~~وذلك لا يتم إلا إذا ms9538 كان جنسا ، أما قوله : { إنك كادح } فاعلم أن الكدح ~~جهد الناس في العمل والكدح فيه حتى يؤثر فيها من كدح جلده إذا خدشه ، أما ~~قوله : { إلى ربك } ففيه ثلاثة أوجه أحدها : إنك كادح إلى لقاء ربك وهو ~~الموت أي هذا الكدح يستمر ويبقى إلى هذا الزمان ، وأقول في هذا التفسير ~~نكتة لطيفة ، وذلك لأنها تقتضي أن الإنسان لا ينفك في هذه الحياة الدنيوية ~~من أولها إلى آخرها عن الكدح والمشقة والتعب ، ولما كانت كلمة إلى لانتهاء ~~الغاية ، فهي تدل على وجوب انتهاء الكدح والمشقة بانتهاء هذه الحياة / وأن ~~يكون الحاصل بعد هذه الدنيا محض السعادة والرحمة ، وذلك معقول ، فإن نسبة ~~الآخرة إلى الدنيا كنسبة الدنيا إلى رحم الأم ، فكما صح أن يقال : يا أيها ~~الجنين إنك كادح إلى أن تنفصل من الرحم ، فكان ما بعد الانفصال عن الرحم ~~بالنسبة إلى ما قبله خالصا عن الكدح والظلمة فنرجوا من فضل الله أن يكون ~~الحال فيما بعد الموت كذلك وثانيهما : قال القفال : التقدير إنك كادح في ~~دنياك كدحا تصير به إلى ربك فبهذا التأويل حسن استعمال حرف إلى ههنا ~~وثالثها : يحتمل أن يكون دخول إلى على معنى أن الكدح هو السعي ، فكأنه قال ~~: ساع بعملك { إلى ربك } أما قوله تعالى : { فملاقيه } ففيه قولان : الأول ~~: قال الزجاج : فملاق ربك أي ملاق حكمه لا مفر لك منه ، وقال آخرون : ~~الضمير عائد إلى الكدح ، إلا أن الكدح عمل وهو عرض لا يبقى فملاقاته ممتنعة ~~، فوجب أن يكون المراد ملاقاة الكتاب الذي فيه بيان تلك الأعمال ، ويتأكد ~~هذا التأويل بقوله بعد هذه الآية : { فأما من أوتى كتابه بيمينه } . # ! 7 < { فأما من أوتى كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا * وينقلب ~~إلى أهله مسرورا } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { فأما من أوتى كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا ~~* وينقلب إلى أهله مسرورا } . # / < < # | الإنشقاق : ( 7 ) فأما من أوتي . . . . . # > > فالمعنى فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه { فسوف يحاسب حسابا يسيرا } ~~وسوف من الله واجب وهو كقول القائل : اتبعني فسوف نجد خيرا ms9539 ، فإنه لا يريد ~~به الشك ، وإنما يريد ترقيق الكلام . والحساب اليسير هو أن تعرض عليه ~~أعماله ، ويعرف أن الطاعة منها هذه ، والمعصية هذه ، ثم يثاب على الطاعة ~~ويتجاوز عن المعصية فهذا هو الحساب اليسير لأنه لا شدة على صاحبه ولا ~~مناقشة ، ولا يقال له : لم فعلت هذا ولا يطالب بالعذر فيه ولا بالحجة عليه ~~. فإنه متى طولب بذلك لم يجد عذرا ولا حجة فيفتضح ، ثم إنه عند هذا الحساب ~~اليسير يرجع إلى أهله مسرورا فائزا بالثواب آمنا من العذاب ، والمراد من ~~أهله أهل الجنة من الحور العين أو من زوجاته وذرياته إذا كانوا مؤمنين ، ~~فدلت هذه الآية على أنه سبحانه أعد له ولأهله في الجنة PageV31P096 ما يليق ~~به من الثواب ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : اللهم حاسبني حسابا يسيرا ، قلت وما الحساب اليسير ؟ قال ~~: ينظر في كتابه ويتجاوز عن سيئاته ، فأما من نوقش في الحساب فقد هلك ) وعن ~~عائشة قالت : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من نوقش الحساب فقد هلك ~~) فقلت : يا رسول الله إن الله يقول : { فأما من أوتى كتابه بيمينه * فسوف ~~يحاسب حسابا يسيرا } قال : ( ذلك العرض ، ولكن من نوقش الحساب عذب ) وفي ~~قوله : يحاسب إشكال لأن المحاسبة تكون بين اثنين ، وليس في القيامة لأحد ~~قبل ربه مطالبة فيحاسبه وجوابه : أن العبد يقول : إلهي فعلت المعصية ~~الفلانية ، فكأن ذلك بين الرب والعبد محاسبة والدليل على أنه تعالى خص ~~الكفار بأنه لا يكلمهم ، فدل ذلك على أنه يكلم المطيعين والعبد يكلمه فكانت ~~المكالمة محاسبة . # ! 7 < { وأما من أوتى كتابه ورآء ظهره } . > 7 @QB@ < # | الإنشقاق : ( 10 ) وأما من أوتي . . . . . # > > # أما قوله : { وأما من أوتى كتابه وراء ظهره }فللمفسرين فيه وجوه أحدها : ~~قال الكلبي : السبب فيه لأن يمينه مغلولة إلى عنقه ويده اليسرى خلف ظهره ~~وثانيها : قال مجاهد : تخلع يده اليسرى فتجعل من وراء ظهره وثالثها : قال ~~قوم : يتحول وجهه في قفاه ، فيقرأ كتابه كذلك ورابعها : أنه يؤتي كتابه ~~بشماله من ms9540 وراء ظهره لأنه إذا حاول أخذه بيمينه كالمؤمنين يمنع من ذلك ~~وأوتي من وراء ظهره بشماله فإن قيل أليس أنه قال في سورة الحاقة : { وأما ~~من أوتى كتابه بشماله } ( الحاقة : 25 ) ولم يذكر الظهر والجواب : من وجهين ~~أحدهما : يحتمل أن يؤتى بشماله وراء ظهره على ما حكيناه عن الكلبي وثانيها ~~: أن يكون بعضهم يعطى بشماله ، وبعضهم من وراء ظهره . # ! 7 < { فسوف يدعو ثبورا } . > 7 @QB@ < # | الإنشقاق : ( 11 ) فسوف يدعو ثبورا # > > # أما قوله { فسوف يدعو ثبورا }فاعلم أن الثبور هو الهلاك ، والمعنى أنه ~~لما أوتي كتابه من غير يمينه علم أنه من أهل النار فيقول : واثبوراه ، قال ~~الفراء : العرب تقول فلان يدعوا لهفه ، إذا قال : والهفاه ، وفيه وجه آخر ~~ذكره القفال ، فقال : الثبور مشتق من المثابرة على شيء ، وهي المواظبة عليه ~~فسمي هلاك الآخرة ثبور لأنه لازم لا يزول ، كما قال : { إن عذابها كان ~~غراما } ( الفرقان : 65 ) وأصل الغرام اللزوم والولوع . # ! 7 < { ويصلى سعيرا } . > 7 ! # / أما قوله تعالى : { ويصلى سعيرا } < < # | الإنشقاق : ( 12 ) ويصلى سعيرا # > > ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : يقال : صلى الكافر النار ، قال الله تعالى : { وسيصلون ~~سعيرا } ( النساء : 10 ) وقال : { ونصله جهنم } ( آل عمران : 115 ) وقال : ~~{ إلا من هو صال الجحيم } ( الصافات : 1 ) وقال : { لا يصلاها إلا الاشقى * ~~الذى كذب وتولى } ( الليل : 16 , 15 ) والمعنى أنه إذا أعطى كتابه بشماله ~~من وراء ظهره فإنه يدعو الثبور ثم يدخل النار ، وهو في النار أيضا يدعو ~~ثبورا ، كما قال : { دعوا * هنالك ثبورا } ( الفرقان : 13 ) وأحدهما لا ~~ينفي الآخر ، وإنما هو على اجتماعهما قبل دخول النار وبعد دخولها ، نعوذ ~~بالله منها ومما قرب إليها من قول أو عمل . PageV31P097 # المسألة الثانية : قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو ويصلى بضم الياء والتخفيف ~~كقوله : { لخزنة جهنم } وهذه القراءة مطابقة للقراءة المشهورة لأنه يصلى ~~فيصلى أي يدخل النار . وقرأ ابن عامر ونافع والكسائي بضم الياء مثقلة كقوله ~~: ( وتصلية جحيم ) وقوله : { ثم الجحيم صلوه } ( الحاقة : 31 ) . # ! 7 < { إنه كان فىأهله مسرورا . > 7 ! # أما قوله تعالى : { إنه كان في أهله مسرورا } < < # | الإنشقاق ms9541 : ( 13 ) إنه كان في . . . . . # > > فقد ذكر القفال فيه وجهين أحدهما : أنه كان في أهله مسرورا أي منعما ~~مستريحا من التعب بأداء العبادات واحتمال مشقة الفرائض من الصلاة والصوم ~~والجهاد مقدما على المعاصي آمنا من الحساب والثواب والعقاب لا يخاف الله ~~ولا يرجوه فأبدله الله بذلك السرور الفاني غما باقيا لا ينقطع ، وكان ~~المؤمن الذي أوتي كتابه بيمينه متقيا من المعاصي غير آمن من العذاب ولم يكن ~~في دنياه مسرورا في أهله فجعله الله في الآخرة مسرورا فأبدله الله تعالى ~~بالغم الفاني سرورا دائما لا ينفذ الثاني : أن قوله : { إنه كان فى أهله ~~مسرورا } كقوله : { وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين } ( المطففين : ~~31 ) أي متنعمين في الدنيا معجبين بما هو عليه من الكفر فكذلك ههنا يحتمل ~~أن يكون المعنى أنه كان في أهله مسرورا بما هم عليه من الكفر بالله ~~والتكذيب بالبعث يضحك ممن آمن به وصدق بالحساب ، وقد روى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) . # ! 7 < { إنه ظن أن لن يحور } . > 7 ! # أما قوله : { إنه ظن أن لن يحور } < < # | الإنشقاق : ( 14 ) إنه ظن أن . . . . . # > > فاعلم أن الحور هو الرجوع والمحار المرجع والمصير وعن ابن عباس . ما ~~كنت أدرى ما معنى يحور ، حتى سمعت إعرابية تقول لابنتها حوري أي ارجعي ، ~~ونقل القفال عن بعضهم أن الحور هو الرجوع إلى خلاف ما كان عليه المرء كما ~~قالوا : ( نعوذ بالله من الحور بعد الكور ) فعلى الوجه الأول معنى الآية ~~أنه ظن أن لن يرجع إلى الآخرة أي لن يبعث ، وقال مقاتل وابن عباس : حسب أن ~~لا يرجع إلى الله تعالى ، وعلى الوجه الثاني أنه ظن أن لن يرجع إلى خلاف ما ~~هو عليه في الدنيا من السرور والتنعم . # ! 7 < { بلى إن ربه كان به بصيرا } . > 7 ! # < < # | الإنشقاق : ( 15 ) بلى إن ربه . . . . . # > > ثم قال تعالى : { بلى } أي ليبعثن ، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى ~~أن الله تعالى يبدل سروره بغم لا ينقطع وتنعمه ببلاء لا ينتهي ولا يزول ms9542 . # / أما قوله : { إن ربه كان * بصيرا } فقال الكلبي : كان بصيرا به من يوم ~~خلقه إلى أن بعثه ، وقال عطاء : بصيرا بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاء ~~، وقال مقاتل : بصيرا متى بعثه ، وقال الزجاج : كان عالما بأن مرجعه إليه ~~ولا فائدة في هذه الأقوال ، إنما الفائدة في وجهين ذكرهما القفال الأول : ~~أن ربه كان عالما بأنه سيجزيه والثاني : أن ربه كان عالما بما يعمله من ~~الكفر والمعاصي فلم يكن يجوز في حكمته أن يهمله فلا يعاقبه على سوء أعماله ~~، وهذا زجر لكل المكلفين عن جميع المعاصي . # PageV31P098 ! 7 < { فلا أقسم بالشفق * واليل وما وسق * والقمر إذا اتسق ~~* لتركبن طبقا عن طبق * فما لهم لا يؤمنون } . > 7 @QB@ < # | الإنشقاق : ( 16 - 20 ) فلا أقسم بالشفق # > > # اعلم أن قوله تعالى : { فلا أقسم بالشفق } فيه مسائل : # المسألة الأولى : أن هذا قسم ، وأما حرف لا فقد تكلمنا فيه في قوله تعالى ~~: { لا أقسم بيوم القيامة } ( القيامة : 1 ) ومن جملة الوجوه المذكورة هناك ~~أن لا نفي ورد لكلام قبل القسم وتوجيه هذا الوجه ههنا ظاهر ، لأنه تعالى ~~حكى ههنا عن المشرك أنه ظن أن لن يحور فقوله لا رد لذلك القول وإبطال لذلك ~~الظن ثم قال بعده أقسم بالشفق . # المسألة الثانية : قد عرفت اختلاف العلماء في أن القسم واقع بهذه الأشياء ~~أو يخالفها ، وعرفت أن المتكلمين زعموا أن القسم واقع برب الشفق وإن كان ~~محذوفا ، لأن ذلك معلوم من حيث ورد الحظر بأن يقسم الإنسان بغير الله تعالى ~~. # المسألة الثالثة : تركيب لفظ الشفق في أصل اللغة لرقة الشيء ، ومنه يقال ~~: ثوب شفق كأنه لا تماسك لرقته ، ويقال : للرديء من الأشياء شفق ، وأشفق ~~عليه إذا رق قلبه عليه والشفقة رقة القلب ثم اتفق العلماء على أنه اسم ~~للأثر الباقي من الشمس في الأفق بعد غروبها إلا ما يحكى عن مجاهد أنه قال : ~~الشفق هو النهار ، ولعله إنما ذهب إلى هذا لأنه تعالى عطف عليه الليل فيجب ~~أن يكون المذكور أولا هو النهار فالقسم على هذا الوجه واقع بالليل ms9543 والنهار ~~اللذين أحدهما معاش والثاني سكن وبهما قوام أمور العالم ، ثم اختلفوا بعد ~~ذلك فذهب عامة العلماء إلى أنه هو الحمرة وهو قول ابن عباس والكلبي ومقاتل ~~، ومن أهل اللغة قول الليث والفراء والزجاج . قال صاحب ( الكشاف ) : وهو ~~قول عامة العلماء إلا ما يروى عن أبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه أنه ~~البياض وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه . واحتجوا عليه بوجوه أحدها : قال ~~الفراء : سمعت بعض العرب يقول عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر ، قال : ~~فدل ذلك على أن الشفق هو الحمرة / وثانيها : أنه جعل الشفق وقتا للعشاء ~~الأخيرة فوجب أن يكون المعتبر هو الحمرة لا البياض لأن البياض يمتد وقته ~~ويطول لبثه ، والحمرة لما كانت بقية ضوء الشمس ثم بعدت الشمس عن الأفق ذهبت ~~الحمرة وثالثها : أن اشتقاق الشفق لما كان من الرقة ، ولا شك أن الضوء يأخذ ~~في الرقة والضعف من عند غيبة الشمس فتكون الحمرة شفقا . أما قوله : { واليل ~~وما وسق } فقال أهل اللغة : وسق أي جمع ومنه الوسق وهو الطعام المجتمع الذي ~~يكال ويوزن ثم صار اسما للحمل واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت والراعي ~~يسقها أي يجمعها قال صاحب ( الكشاف ) : يقال وسقه فاتسق واستوسق ونظيره في ~~وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع . وأما المعنى فقال القفال : ~~مجموع أقاويل المفسرين يدل على أنهم فسروا قوله تعالى : { وما وسق } على ~~جميع ما يجمعه الليل من النجوم ورجوع الحيوان عن الانتشار وتحرك ما يتحرك ~~فيه الهوام ، ثم هذا يحتمل أن يكون إشارة إلى الأشياء كلها لاشتمال الليل ~~عليها فكأنه تعالى أقسم بجميع المخلوقات كما قال : { فلا أقسم بما تبصرون * ~~وما لا تبصرون } ( الحاقة : 38 ) وقال سعيد بن جبير ما عمل فيه ، قال ~~القفال : يحتمل أن يكون ذلك هو تهجد العباد فقد مدح الله تعالى بها ~~المستغفرين بالأسحار فيجوز أن يحلف بهم وإنما قلنا : إن الليل جمع هذه ~~الأشياء كلها لأن ظلمته كأنها تجلل PageV31P099 الجبال والبحار والشجر ~~والحيوانات ، فلا جرم صح أن يقال : وسق جميع هذه الأشياء ms9544 ، أما قوله : { ~~والقمر إذا اتسق } فاعلم أن أصل الكلمة من الاجتماع يقال : وسقته فاتسق كما ~~يقال : وصلته فاتصل ، أي جمعته فاجتمع ويقال : أمور فلان متسقة أي مجتمعة ~~على الصلاح كما يقال : منتظمة ، وأما أهل المعاني فقال ابن عباس إذا اتسق ~~أي استوى واجتمع وتكامل وتم واستدار وذلك ليلة ثلاثة عشر إلى ستة عشر ، ثم ~~إنه سبحانه وتعالى بعد أن ذكر ما به أقسم أتبعه بذكر ما عليه أقسم فقال : { ~~لتركبن طبقا * من * طبق } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء : { لتركبن } على خطاب الإنسان في يا أيها الإنسان ~~: { * ولتركبن } بالضم على خطاب الجنس لأن النداء في قوله : { وحقت يأيها ~~الإنسان إنك كادح } ( الإنشقاق : 6 ) للجنس { * ولتركبن } بالكسر على خطاب ~~النفس ، وليركبن بالياء على المغايبة أي ليركبن الإنسان . # المسألة الثانية : الطبق ما طابق غيره يقال : ما هذا يطبق كذا أي لا ~~يطابقه ، ومنه قيل : للغطاء الطبق وطباق الثرى ما يطابق منه ، قيل : للحال ~~المطابقة لغيرها طبق ، ومنه قوله تعالى : { لتركبن طبقا عن طبق } أي حالا ~~بعد حال كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول ، ويجوز أن يكون جمع طبقة ~~وهي المرتبة من قولهم هو على طبقات والمعنى لتركبن أحوالا بعد أحوال هي ~~طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من أهوال القيامة ، ~~ولنذكر الآن وجوه المفسرين فنقول : أما القراءة برفع الياء وهو خطاب الجمع ~~فتحتمل وجوها : أحدها : أن يكون المعنى لتركبن أيها الإنسان أمورا وأحوالا ~~أمرا بعد أمر وحالا بعد حال ومنزلا بعد منزل إلى أن يستقر الأمر على ما ~~يقضي به على الإنسان أول من جنة أو نار فحينئذ يحصل الدوام والخلود ، إما ~~في دار الثواب أو في دار العقاب / ويدخل في هذه الجملة أحوال الإنسان من ~~يكون نطفة إلى أن يصير شخصا ثم يموت فيكون في البرزخ ، ثم يحشر ثم ينقل ، ~~إما إلى جنة وإما إلى نار وثانيها : أن معنى الآية أن الناس يلقون يوم ~~القيامة أحوالا وشدائد حالا بعد حال وشدة بعد شدة كأنهم لما أنكروا ms9545 البعث ~~أقسم الله أن البعث كائن وأن الناس يلقون فيها الشدائد والأهوال إلى أن ~~يفرغ من حسابهم فيصير كل أحد إلى أعدله من جنة أو نار وهو نحو قوله : { بل ~~* وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم } ( التغابن : 7 ) وقوله : { يوم يكشف ~~عن ساق } ( القلم : 42 ) وقوله : { يوما يجعل الولدان شيبا } ( المزمل : 17 ~~) ، وثالثها : أن يكون المعنى أن الناس تنتقل أحوالهم يوم القيامة عما ~~كانوا عليه في الدنيا فمن وضيع في الدنيا يصير رفيعا في الآخرة ، ومن رفيع ~~يتضع ، ومن متنعم يشقى ، ومن شقى يتنعم ، وهو كقوله : { خافضة رافعة } ( ~~الواقعة : 3 ) وهذا التأويل مناسب لما قبل هذه الآية لأنه تعالى لما ذكر ~~حال من يؤتي كتابه وراء ظهره ، أنه كان في أهله مسرورا ، وكان يظن أن لن ~~يحور أخبر الله أنه يحور ، ثم أقسم على الناس أنهم يركبون في الآخرة طبقا ~~عن طبق أي حالا بعد حالهم في الدنيا ورابعها : أن يكون المعنى لتركبن سنة ~~الأولين ممن كان قبلكم في التكذيب بالنبوة والقيامة ، وأما القراءة بنصب ~~الياء ففيها قولان : # الأول : قول من قال : إنه خطاب مع محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا ~~التقدير ذكروا وجهين أحدهما : أن يكون ذلك بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بالظفر والغلبة على المشركين المكذبين بالبعث ، كأنه يقول : أقسم يا محمد ~~لنركبن حالا بعد حال حتى يختم لك بجميل العافية فلا يحزنك تكذيبهم وتماديهم ~~في كفرهم . وفي هذا الوجه احتمال آخر يقرب مما ذكرنا ، وهو أن يكون المعنى ~~أنه يركب حال ظفر وغلبة بعد حال خوف وشدة . PageV31P100 واحتمال ثالث : وهو ~~يكون المعنى أن الله تعالى يبدله بالمشركين أنصارا من المسلمين / ويكون ~~مجاز ذلك من قولهم طبقات الناس ، وقد يصلح هذا التأويل على قراءة من قرأ ~~بضم الباء ، كأنه خطاب للمسلمين بتعريف تنقل الأحوال بهم وتصييرهم إلى ~~الظفر بعدوهم بعد الشدة التي يلقونها منهم ، كما قال : { لتبلون فى أموالكم ~~وأنفسكم } ( آل عمران : 186 ) الآية وثانيها : أن يكون ذلك بشارة لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم بصعوده إلى ms9546 السماء لمشاهدة ملكوتها ، وإجلال الملائكة إياه ~~فيها ، والمعنى لتركبن يا محمد السموات طبقا عن طبق ، وقد قال تعالى : { ~~سبع سماوات * طباقا } ( الملك : 3 ) وقد فعل الله ذلك ليلة الإسراء ، وهذا ~~الوجه مروي عن ابن عباس وابن مسعود وثالثها : لتركبن يا محمد درجة ورتبة ~~بعد رتبة في القرب من الله تعالى . # القول الثاني : في هذه القراءة ، أن هذه الآية في السماء وتغيرها من حال ~~إلى حال ، والمعنى لتركبن السماء يوم القيامة حالة بعد حالة ، وذلك لأنها ~~أولا تنشق كما قال : { إذا السماء انشقت } ( الإنشقاق : 1 ) ثم تنفطر كما ~~قال : { إذا السماء انفطرت } ( الإنفطار : 1 ) ثم تصير : { وردة كالدهان } ~~( الرحمن : 37 ) وتارة : { كالمهل } ( المعارج : 8 ) على ما ذكر الله تعالى ~~هذه الأشياء في آيات من القرآن فكأنه تعالى لما ذكر في أول السورة أنها ~~تنشق أقسم في آخر السورة أنها تنتقل من أحوال إلى أحوال ، وهذا الوجه مروي ~~عن ابن مسعود . # / المسألة الثالثة : قوله تعالى : { عن طبق } أي بعد طبق كقول الشاعر : # % ما زلت أقطع منهلا عن منهل % % حتى أنخت بباب عبدالواحد % # ووجه هذا أن الإنسان إذا صار من شيء إلى شيء آخر فقد صار إلى الثاني بعد ~~الأول فصلحت بعد وعن معاقبة ، وأيضا فلفظة عن تفيد البعد والمجاوزة فكانت ~~مشابهة للفظة بعد . # أما قوله تعالى : { فما لهم لا يؤمنون } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : الأقرب أن المراد { فما لهم لا يؤمنون } بصحة البعث ~~والقيامة لأنه تعالى حكى عن الكافر : { إنه ظن أن لن يحور } ( الإنشقاق : ~~14 ) ثم أفتى سبحانه بأنه يحور فلما قال بعد ذلك : { فما لهم لا يؤمنون } ~~دل على أن المراد : { فما لهم لا يؤمنون } بالبعث والقيامة ، ثم اعلم أن ~~قوله : { فما لهم لا يؤمنون } استفهام بمعنى الإنكار ، وهذا إنما يحسن عند ~~ظهور الحجة وزوال الشبهات ، الأمر ههنا كذلك ، وذلك لأنه سبحانه أقسم ~~بتغييرات واقعة في الأفلاك والعناصر ، فإن الشفق حالة مخالفة لما قبلها وهو ~~ضوء النهار ، ولما بعدها وهو ظلمة الليل ، وكذا قوله : { واليل وما وسق } ~~فإنه يدل على ms9547 حدوث ظلمة بعد نور ، وعلى تغير أحوال الحيوانات من اليقظة إلى ~~النوم ، وكذا قوله : { والقمر إذا اتسق } فأنه يدل على حصول كمال القمر بعد ~~أن كان ناقصا ، إنه تعالى أقسم بهذه الأحوال المتغيرة على تغير أحوال الخلق ~~، وهذا يدل قطعا على صحة القول بالبعث ، لأن القادر على تغيير الأجرام ~~العلوية والسفلية من حال إلى حال وصفة إلى صفة بحسب المصالح ، لا بد وأن ~~يكون في نفسه قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات . ومن كان ~~كذلك كان لا محالة قادرا على البعث والقيامة ، فلما كان ما قبل هذه الآية ~~كالدلالة العقلية القاطعة على صحة البعث والقيامة لا جرم قال على سبيل ~~الاستبعاد : { فما لهم لا يؤمنون } . # المسألة الثانية : قال القاضي : لا يجوز أن يقول الحكيم فيمن كان عاجزا ~~عن الإيمان { فما لهم لا يؤمنون } فلما قال ذلك دل على كونهم قادرين ، وهذا ~~يقتضي أن تكون الاستطاعة قبل الفعل / وأن يكونوا PageV31P101 موجدين ~~لأفعالهم ، وأن لا يكون تعالى خالقا للكفر فيهم . فهذه الآية من المحكمات ~~التي لا احتمال فيها البتة ، وجوابه قد مر غير مرة . # ! 7 < { وإذا قرىء عليهم القرءان لا يسجدون } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { وإذا قرىء عليهم القرءان لا يسجدون } < < # | الإنشقاق : ( 21 ) وإذا قرئ عليهم . . . . . # > > ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أنهم أرباب الفصاحة والبلاغة فعند سماعهم القرآن لا بد ~~وأن يعلموا كونه معجزا ، وإذا علموا صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ووجوب طاعته في الأوامر والنواهي ، فلا جرم استبعد الله منهم عند سماع ~~القرآن ترك السجود والطاعة . # المسألة الثانية : قال ابن عباس والحسن وعطاء والكلبي ومقاتل : المراد من ~~السجود الصلاة / وقال أبو مسلم : الخضوع والاستكانة ، وقال آخرون : بل ~~المراد نفس السجود عند آيات مخصوصة ، وهذه الآية منها . # المسألة الثالثة : روي أنه عليه السلام : ( قرأ ذات يوم : { واسجد واقترب ~~} ( العلق : 19 ) فسجد هو ومن معه من المؤمنين ، وقريش تصفق فوق رؤوسهم ~~وتصفر ) فنزلت هذه الآية واحتج أبو حنيفة على وجوب السجدة بهذا من وجهين ~~الأول : أن فعله صلى الله عليه وسلم ms9548 يقتضي الوجوب لقوله تعالى : { واتبعوه ~~} والثاني : أن الله تعالى ذم من يسمعه فلا يسجد ، وحصول الذم عند الترك ~~يدل على الوجوب . # المسألة الرابعة : مذهب ابن عباس أنه ليس في المفصل سجدة ، وعن أبي هريرة ~~أنه سجد ههنا ، وقال : والله ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسجد فيها ، وعن أنس صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان ، فسجدوا ~~وعن الحسن هي غير واجبة . # ! 7 < { بل الذين كفروا يكذبون } . > 7 @QB@ < # | الإنشقاق : ( 22 ) بل الذين كفروا . . . . . # > > # أما قوله : { بل الذين كفروا } فالمعنى أن الدلائل الموجبة للإيمان ، وإن ~~كانت جلية ظاهرة لكن الكفار يكذبون بها إما لتقليد الأسلاف ، وإما للحسد ~~وإما للخوف من أنهم لو أظهروا الإيمان لفاتتهم مناصب الدنيا ومنافعها . # ! 7 < { والله أعلم بما يوعون } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { يكذبون والله أعلم بما يوعون } < < # | الإنشقاق : ( 23 ) والله أعلم بما . . . . . # > > فأصل الكلمة من الوعاء ، فيقال : أوعيت الشيء أي جعلته في وعاء كما ~~قال : { وجمع فأوعى } ( المعارج : 18 ) والله أعلم بما يجمعون في صدورهم من ~~الشرك والتكذيب فهو مجازيهم عليه في الدنيا والآخرة . # ! 7 < { فبشرهم بعذاب أليم } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { فبشرهم بعذاب أليم } < < # | الإنشقاق : ( 24 ) فبشرهم بعذاب أليم # > > استحقوه على تكذيبهم وكفرهم . # ! 7 < { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } . > 7 ! # أما قوله : { إلا الذين ءامنوا } < < # | الإنشقاق : ( 25 ) إلا الذين آمنوا . . . . . # > > ففيه قولان قال : صاحب ( الكشاف ) الاستثناء منقطع ، وقال : الأكثرون ~~معناه إلا من تاب منهم فإنهم وإن كانوا في الحال كفارا إلا أنهم ~~PageV31P102 متى تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر وهو الثواب العظيم ~~. # وفي معنى : { الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون } وجوه ~~أحدها : أن ذلك الثواب يصل إليهم بلا من ولا أذى وثانيها : من غير انقطاع ~~وثالثها : من غير تنغيص ورابعها : من غير نقصان ، والأولى أن يحمل اللفظ ~~على الكل ، لأن من شرط الثواب حصول الكل ، فكأنه تعالى وعدهم بأجر خالص من ~~الشوائب دائم لا انقطاع فيه ولا نقص ولا بخس ، وهذا نهاية الوعد ms9549 فصار ذلك ~~ترغيبا في العبادات ، كما أن الذي تقدم هو زجر عن المعاصي والله سبحانه ~~وتعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين . # PageV31P103 < # > 1 ( سورة البروج ) 1 < # > # عشرون وآيتان مكية # / اعلم أن المقصود من هذه السورة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~عن إيذاء الكفار وكيفية تلك التسلية هي أنه تعالى بين أن سائر الأمم ~~السالفة كانوا كذلك مثل أصحاب الأخدود ومثل فرعون ومثل ثمود ، وختم ذلك بأن ~~بين أن كل الكفار كانوا في التكذيب ، ثم عقب هذا الوجه بوجه آخر ، وهو قوله ~~: { والله من ورائهم محيط } ( البروج : 20 ) ذكر وجها ثالثا وهو أن هذا شيء ~~مثبت في اللوح المحفوظ ممتنع التغيير وهو قوله : { بل هو قرءان مجيد } ( ~~لبروج : 21 ) فهذا ترتيب السورة . # ! 7 < { والسمآء ذات البروج * واليوم الموعود * وشاهد ومشهود } . > 7 ! # < < # | البروج : ( 1 ) والسماء ذات البروج # > > اعلم أن في البروج ثلاثة أقوال : أحدها : أنها هي البروج الإثنا عشر ~~وهي مشهورة وإنما حسن القسم بها لما فيها من عجيب الحكمة ، وذلك لأن سير ~~الشمس فيها ولا شك أن مصالح العالم السفلي مرتبطة بسير الشمس فيدل ذلك على ~~أن لها صانعا حكيما ، قال الجبائي : وهذه اليمين واقعة على السماء الدنيا ~~لأن البروج فيها ، واعلم أن هذا خطأ وتحقيقه ذكرناه في قوله تعالى : { إنا ~~زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } ( الصافات : 6 ) ، وثانيها : أن البروج ~~هي منازل القمر ، وإنما حسن القسم بها لما في سير القمر وحركته من الآثار ~~العجيبة وثالثها : أن البروج هي عظام الكواكب سميت بروجا لظهورها . وأما ~~اليوم الموعود فهو يوم القيامة ، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، قال القفال : يحتمل أن يكون المراد { واليوم الموعود } لانشقاق ~~السماء وفنائها وبطلان بروجها . وأما الشاهد والمشهود ، فقد أضطرب أقاويل ~~المفسرين فيه ، والقفال أحسن الناس كلاما فيه ، قال : إن الشاهد يقع على ~~شيئين أحدهما : الشاهد الذي تثبت به الدعاوى والحقوق والثاني : الشاهد الذي ~~هو بمعنى الحاضر ، كقوله : { عالم الغيب والشهادة } ( الأنعام : 73 ) ويقال ~~: فلان شاهد وفلان غائب ، وحمل الآية على هذا ms9550 الاحتمال الثاني أولى ، إذ لو ~~كان المراد هو الأول لما خلا لفظ المشهود عن حرف الصلة ، فيقال : مشهود ~~عليه ، أو مشهود له . هذا هو الظاهر ، وقد يجوز أن يكون المشهود / معناه ~~المشهود عليه فحذفت الصلة ، كما في قوله : { إن العهد كان * مسئولا } ( ~~الإسراء : 34 ) أي مسئولا عنه ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إن حملنا ~~الشهود على الحضور احتملت الآية وجوها من التأويل أحدها : أن المشهود هو ~~يوم القيامة ، والشاهد هو الجمع الذي يحضرون فيه ، وهو مروي عن ابن عباس ~~PageV31P104 والضحاك ، ويدل على صحة هذا الاحتمال وجوه الأول : أنه لا حضور ~~أعظم من ذلك الحضور ، فإن الله تعالى يجمع فيه خلق الأولين والآخرين من ~~الملائكة والأنبياء والجن والإنس ، وصرف اللفظ إلى المسمى الأكمل أولى ~~والثاني : أنه تعالى ذكر اليوم الموعود ، وهو يوم القيامة ، ثم ذكر عقيبة : ~~{ وشاهد ومشهود } وهذا يناسب أن يكون المراد بالشاهد من يحضر في ذلك اليوم ~~من الخلائق ، وبالمشهود ما في ذلك اليوم من العجائب الثالث : أن الله تعالى ~~وصف يوم القيامة بكونه مشهودا في قوله : { فويل للذين كفروا من مشهد يوم ~~عظيم } ( مريم : 37 ) وقال : { ذالك يوم مجموع له الناس وذالك يوم مشهود } ~~( هود : 103 ) وقال : { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده } ( الإسراء : 52 ) ~~وقال : { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون } ( يس : 53 ) ~~وطريق تنكيرهما إما ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى : { علمت نفس ما أحضرت } ~~( التكوير : 14 ) كأنه قيل : وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود ، وأما ~~الإبهام في الوصف كأنه قيل : وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما ، وإنما حسن ~~القسم بيوم القيامة للتنبيه على القدرة إذ كان هو يوم الفصل والجزاء ويوم ~~تفرد الله تعالى فيه بالملك والحكم ، وهذا الوجه اختيار ابن عباس ومجاهد ~~وعكرمة والحسن بن علي وابن المسيب والضحاك والنخعي والثوري وثانيها : أن ~~يفسر المشهود بيوم الجمعة وهو قول ابن عمر وابن الزبير : وذلك لأنه يوم ~~يشهده المسلمون للصلاة ولذكر الله . ومما يدل على كون هذا اليوم مسمى ~~بالمشهود خبران الأول : ما روى ms9551 أبو الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ( أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة ~~) والثاني : ما روى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( تحضر ~~الملائكة أبواب المسجد فيكتبون الناس فإذا خرج الإمام طويت الصحف ) وهذه ~~الخاصية غير موجودة إلا في هذا اليوم فيجوز أن يسمى مشهودا لهذا المعنى ، ~~قال الله تعالى : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى غسق اليل } ( الإسراء : 78 ~~) وروى : ( أن ملائكة الليل والنهار يحضرون وقت صلاة الفجر فسميت هذه ~~الصلاة مشهودة لشهادة الملائكة ) فكذا يوم الجمعة وثالثها : أن يفسر ~~المشهود بيوم عرفة والشاهد من يحضره من الحاج وحسن القسم به تعظيما لأمر ~~الحج روي أن الله تعالى يقول للملائكة يوم عرفة : ( أنظروا إلى عبادي شعثا ~~غبرا أتوني من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم وأن إبليس يصرخ ويضع ~~التراب على رأسه لما يرى من ذلك ) والدليل على أن يوم عرفة مسمى بأنه مشهود ~~قوله تعالى : { وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم } ( ~~الحج : 28 , 27 ) ، ورابعها : أن يكون المشهود يوم النحر وذلك لأنه أعظم ~~المشاهد في الدنيا فإنه يجتمع أهل الشرق والغرب في ذلك اليوم بمنى ~~والمزدلفة وهو عيد المسلمين ، ويكون الغرض من القسم به تعظيم أمر الحج ~~وخامسها : حمل الآية على يوم / الجمعة ويوم عرفة ويوم النحر جميعا لأنها ~~أيام عظام فأقسم الله بها كما أقسم بالليالي العشر والشفع والوتر ، ولعل ~~الآية عامة لكل يوم عظيم من أيام الدنيا ولكل مقام جليل من مقاماتها وليوم ~~القيامة أيضا لأنه يوم عظيم كما قال : { ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين } ( المطففين : 6 , 5 ) وقال : { فويل للذين كفروا من مشهد يوم ~~عظيم } ( مريم : 37 ) ويدل على صحة هذا التأويل خروج اللفظ في الشاهد ~~والمشهود على النكرة ، فيحتمل أن يكون ذلك على معنى أن القصد لم يقع فيه ~~إلى يوم بعينه فيكون معرفا أما الوجه الأول : وهو أن يحمل الشاهد على من ~~تثبت الدعوى بقوله ، فقد ms9552 ذكروا على هذا التقدير وجوها كثيرة أحدها : أن ~~الشاهد هو الله تعالى لقوله : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو } ( آل عمران ~~: 18 ) وقوله : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله } ( الأنعام : 19 ) وقوله : ~~{ أو لم * يكف بربك أنه على كل شىء شهيد } PageV31P105 ( فصلت : 53 ) ~~والمشهود هو التوحيد ، لقوله : { شهد الله أنه لا إلاه إلا هو } أو النبوة ~~: { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } وثانيها : أن الشاهد محمد صلى الله ~~عليه وسلم ، والمشهود عليه سائر الأنبياء ، لقوله تعالى : { فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } ( النساء : 41 ) ولقوله تعالى ~~: { إنا أرسلناك شاهدا } ( الفتح : 8 ) وثالثها : أن يكون الشاهد هو ~~الأنبياء ، والمشهود عليه هو الأمم ، لقوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد } ، ورابعها : أن يكون الشاهد هو جميع الممكنات والمحدثات ، ~~والمشهود عليه واجب الوجود ، وهذا احتمال ذكرته أنا وأخذته من قول ~~الأصوليين هذا الاستدلال بالشاهد على الغائب ، وعلى هذا التقدير يكون القسم ~~واقعا بالخلق والخالق ، والصنع والصانع وخامسها : أن يكون الشاهد هو الملك ~~، لقوله تعالى : { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } والمشهود عليه هم ~~المكلفون وسادسها : أن يكون الشاهد هو الملك ، والمشهود عليه هو الإنسان ~~الذي تشهد عليه جوارحه يوم القيامة / قال : { يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم } ( النور : 24 ) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } ( فصلت ~~: 21 ) وهذا قول عطاء الخراساني . وأما الوجه الثالث : وهو أقوال مبنية على ~~الروايات لا على الاشتقاق فأحدها : أن الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم ~~عرفة ، روى أبو موسى الأشعري أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( اليوم ~~الموعود يوم القيامة ، والشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، ويوم ~~الجمعة ذخيرة الله لنا ) وعن أبي هريرة مرفوعا قال : ( المشهود يوم عرفة ، ~~والشاهد يوم الجمعة ، ما طلعت الشمس ولا غربت على أفضل منه فيه ساعة لا ~~يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب له ، ولا يستعيذ من شر إلا ~~أعاذه منه ) وعن سعيد بن المسيب مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ms9553 : ~~( سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد ، والمشهود يوم عرفة ) وهذا قول كثير ~~من أهل العلم كعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وأبي هريرة وابن المسيب ~~والحسن البصري والربيع بن أنس ، قال قتادة : شاهد ومشهود ، يومان عظمهما ~~الله من أيام الدنيا ، كما يحدث أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة ~~وثانيها : أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر / وذلك لأنهما يومان ~~عظمهما الله وجعلهما من أيام أركان أيام الحج ، فهذان اليومان يشهدان لمن ~~يحضر فيهما بالإيمان واستحقاق الرحمة ، وروى أنه عليه السلام ذبح كبشين ، ~~وقال في أحدهما : ( هذا عمن يشهد لي بالبلاغ ) فيحتمل لهذا المعنى أن يكون ~~يوم النحر شاهدا لمن حضره بمثل ذلك لهذا الخبر وثالثها : أن الشاهد هو عيسى ~~لقوله تعالى حكاية عنه : { * } ( فصلت : 21 ) وهذا قول عطاء الخراساني . ~~وأما الوجه الثالث : وهو أقوال مبنية على الروايات لا على الاشتقاق فأحدها ~~: أن الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، روى أبو موسى الأشعري أنه ~~عليه الصلاة والسلام قال : ( اليوم الموعود يوم القيامة ، والشاهد يوم ~~الجمعة ، والمشهود يوم عرفة ، ويوم الجمعة ذخيرة الله لنا ) وعن أبي هريرة ~~مرفوعا قال : ( المشهود يوم عرفة ، والشاهد يوم الجمعة ، ما طلعت الشمس ولا ~~غربت على أفضل منه فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب ~~له ، ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه منه ) وعن سعيد بن المسيب مرسلا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، قال : ( سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد ، والمشهود ~~يوم عرفة ) وهذا قول كثير من أهل العلم كعلي بن أبي طالب عليه السلام ، ~~وأبي هريرة وابن المسيب والحسن البصري والربيع بن أنس ، قال قتادة : شاهد ~~ومشهود ، يومان عظمهما الله من أيام الدنيا ، كما يحدث أن الشاهد يوم ~~الجمعة والمشهود يوم عرفة وثانيها : أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر ~~/ وذلك لأنهما يومان عظمهما الله وجعلهما من أيام أركان أيام الحج ، فهذان ~~اليومان يشهدان لمن يحضر فيهما بالإيمان واستحقاق الرحمة ، وروى أنه عليه ~~السلام ذبح كبشين ، وقال في أحدهما : ( هذا ms9554 عمن يشهد لي بالبلاغ ) فيحتمل ~~لهذا المعنى أن يكون يوم النحر شاهدا لمن حضره بمثل ذلك لهذا الخبر وثالثها ~~: أن الشاهد هو عيسى لقوله تعالى حكاية عنه : { وكنت عليهم شهيدا } ( ~~المائدة : 117 ) ، ورابعها : الشاهد هو الله والمشهود هو يوم القيامة ، قال ~~تعالى : { قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمان وصدق ~~المرسلون } ( يس : 52 ) وقوله : { ثم ينبئهم بما عملوا } ( المجادلة : 7 ) ~~، وخامسها : أن الشاهد هو الإنسان ، والمشهود هو التوحيد لقوله تعالى : { ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) وسادسها : أن ~~الشاهد الإنسان والمشهود هو يوم القيامة / أما كون الإنسان شاهدا فلقوله ~~تعالى : { قالوا بلى شهدنا } ( الأعراف : 172 ) وأما كون يوم القيامة ~~مشهودا فلقوله : { أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هاذا غافلين } ( ~~الأعراف : 172 ) فهذه هي الوجوه الملخصة ، والله أعلم بحقائق القرآن . # PageV31P106 ! 7 < { قتل أصحاب الا خدود * النار ذات الوقود * إذ هم ~~عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } . > 7 ! # < < # | البروج : ( 4 ) قتل أصحاب الأخدود # > > اعلم أنه لا بد للقسم من جواب ، واختلفوا فيه على وجوه أحدها : ما ~~ذكره الأخفش وهو أن جواب القسم قوله : { قتل أصحاب الاخدود } واللام مضمرة ~~فيه ، كما قال : { والشمس وضحاها } ( الشمس : 1 ) { قد أفلح من زكاها } ( ~~الشمس : 9 ) يريد . لقد أفلح ، قال : وإن شئت على التقديم كأنه قيل : قتل ~~أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج وثانيها : ما ذكره الزجاج ، وهو أن جواب ~~القسم : { إن بطش ربك لشديد } ( البروج : 12 ) وهو قول ابن مسعود وقتادة ~~وثالثها : أن جواب القسم قوله : { إن الذين فتنوا } ( البروج : 10 ) الآية ~~كما تقول : والله إن زيدا لقائم ، إلا أنه اعترض بين القسم وجوابه ، قوله : ~~{ قتل أصحاب الاخدود } إلى قوله : { إن الذين فتنوا } ( البروج : 10 , 4 ) ~~ورابعها : ما ذكره جماعة من المتقدمين أن جواب القسم محذوف ، وهذا اختيار ~~صاحب ( الكشاف ) إلا أن المتقدمين ، قالوا : ذلك المحذوف هو أن الأمر حق في ~~الجزاء على الأعمال وقال صاحب ( الكشاف ) : جواب القسم هو الذي يدل عليه ~~قوله : { قتل أصحاب الاخدود } كأنه ms9555 قيل : أقسم بهذه الأشياء ، أن كفار قريش ~~ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود ، وذلك لأن السورة وردت في تثبيت المؤمنين ~~وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على ~~الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم ، ويعلموا أن كفار مكة عند ~~الله بمنزلة أولئك الذين كانوا في الأمم السالفة يحرقون أهل الإيمان بالنار ~~، وأحقاء بأن يقال فيهم : قتلت قريش كما : { قتل أصحاب الاخدود } أما قوله ~~تعالى : { قتل أصحاب الاخدود } ففيه مسائل : # / المسألة الأولى : ذكروا قصة أصحاب الأخدود على طرق متباينة ونحن نذكر ~~منها ثلاثة : # أحدها : أنه كان لبعض الملوك ساحر ، فلما كبر ضم إليه غلام ليعلمه السحر ~~، وكان في طريق الغلام راهب ، فمال قلب الغلام إلى ذلك الراهب ثم رأى ~~الغلام في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس فأخذ حجرا ، وقال : اللهم إن ~~كان الراهب أحب إليك من الساحر فقوني على قتلها بواسطة رمي الحجر إليها ، ~~ثم رمى فقتلها ، فصار ذلك سببا لإعراض الغلام عن السحر واشتغاله بطريقة ~~الراهب ، ثم صار إلى حيث يبرىء الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء ، فاتفق أن ~~عمي جليس للملك فأبرأه فلما رآه الملك قال : من رد عليك نظرك ؟ فقال ربي ~~فغضب فعذبه فدل على الغلام فعذبه فدل على الراهب فأحضر الراهب وزجره عن ~~دينه فلم يقبل الراهب قوله فقد بالمنشار ، ثم أتوا بالغلام إلى جبل ليطرح ~~من ذروته فدعا الله ، فرجف بالقوم فهلكوا ونجا ، فذهبوا به إلى سفينة لججوا ~~بها ليغرقوه ، فدعا الله فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا ، فقال للملك : ~~لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ، ~~وتقول : بسم الله رب الغلام ثم ترميني به ، فرماه فوقع في صدغه فوضع يده ~~عليه ومات ، فقال الناس : آمنا برب الغلام . فقيل للملك : نزل بك ما كنت ~~تحذر ، فأمر بأخاديد في أفواه السكك ، وأوقدت فيها النيران ، فمن لم يرجع ~~منهم طرحه فيها ، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي ~~: يا أماه ms9556 اصبري فإنك على الحق ، فصبرت على ذلك . # الرواية الثانية : روي عن علي عليه السلام أنهم حين اختلفوا في أحكام ~~المجوس قال : هم أهل الكتاب PageV31P107 وكانوا متمسكين بكتابهم وكانت ~~الخمر قد أحلت لهم فتناولها بعض ملوكها فسكر فوقع على أخته فلما صحا ندم ~~وطلب المخرج فقالت له : المخرج أن تخطب الناس فتقول : إن الله تعالى قد أحل ~~نكاح الأخوات ثم تخطبهم بعد ذلك فتقول : بعد ذلك حرمه ، فخطب فلم يقبلوا ~~منه ذلك فقالت له : أبسط فيهم السوط فلم يقبلوا ، فقالت : أبسط فيهم السيف ~~فلم يقبلوا ، فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أتى فيها الذين ~~أرادهم الله بقوله : { قتل أصحاب الاخدود } . # الرواية الثالثة : أنه وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى فدعاهم ~~فأجابوه فصار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير فخيرهم بين النار ~~واليهودية فأبوا ، فأحرق منهم إثني عشر ألفا في الأخاديد ، وقيل سبعين ألفا ~~، وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعا وعرضه إثنا عشر ذراعا ، وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ( أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد ~~البلاء ) فإن قيل : تعارض هذه الروايات يدل على كذبها ، قلنا : لا تعارض ~~فقيل : إن هذا كان في ثلاث طوائف ثلاث مرات مرة باليمن ، ومرة بالعراق ، ~~ومرة بالشام ، ولفظ الأخدود ، وإن كان واحدا إلا أن المراد هو الجمع وهو ~~كثير من القرآن ، وقال القفال : ذكروا في قصة أصحاب الأخدود روايات مختلفة ~~وليس في شيء منها ما يصح إلا أنها متفقة في أنهم قوم من المؤمنين خالفوا ~~قومهم أو ملكا كافرا / كان حاكما عليهم فألقاهم في أخدود وحفر لهم ، ثم قال ~~: وأظن أن تلك الواقعة كانت مشهورة عند قريش فذكر الله تعالى ذلك لأصحاب ~~رسوله تنبيها لهم على ما يلزمهم من الصبر على دينهم واحتمال المكاره فيه ~~فقد كان مشركوا قريش يؤذون المؤمنون على حسب ما اشتهرت به الأخبار من ~~مبالغتهم في إذاء عمار وبلال . # المسألة الثانية : الأخدود : الشق في الأرض يحفر مستطيلا وجمعه الأخاديد ~~ومصدره الخد وهو الشق يقال ms9557 : خد في الأرض خدا وتخدد لحمه إذا صار طرائق ~~كالشقوق . # المسألة الثالثة : يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود القاتلين ، ويمكن ~~أن يكون المراد بهم المقتولين ، والرواية المشهورة أن المقتولين هم ~~المؤمنون ، وروي أيضا أن المقتولين هم الجبابرة لأنهم لما ألقوا المؤمنين ~~في النار عادت النار على الكفرة فأحرقتهم ونجى الله المؤمنين منها سالمين ، ~~وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواقدي وتأولوا قوله : { فلهم عذاب ~~جهنم ولهم عذاب الحريق } ( البروج : 10 ) أي لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم ~~عذاب الحريق في الدنيا . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : ذكروا في تفسير قوله ~~تعالى : { قتل أصحاب الاخدود } وجوها ثلاثة وذلك لأنا إما أن نفسر أصحاب ~~الأخدود بالقاتلين أو بالمقتولين . أما على الوجه الأول ففيه تفسيران ~~أحدهما : أن يكون هذا دعاء عليهم أي لعن أصحاب الأخدود ، ونظيره قوله تعالى ~~: { قتل الإنسان ما أكفره } ( عبس : 17 ) { قتل الخرصون } ( الذاريات : 10 ~~) والثاني : أن يكون المراد أن أولئك القاتلين قتلوا بالنار على ما ذكرنا ~~أن الجبابرة لما أرادوا قتل المؤمنين بالنار عادت النار عليهم فقتلتهم ، ~~وأما إذا فسرنا ، أصحاب الأخدود بالمقتولين كان المعنى أن أولئك المؤمنين ~~قتلوا بالإحراق بالنار ، فيكون ذلك خبرا لادعاء . # المسألة الرابعة : قرىء قتل بالتشديد . أما قوله تعالى : { النار ذات ~~الوقود } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : النار إنما تكون عظيمة إذا كان هناك شيء يحترق بها إما ~~حطب أو غيره ، فالوقود اسم PageV31P108 لذلك الشيء لقوله تعالى : { وقودها ~~* النار * والحجارة } ( البقرة : 24 ) وفي : { ذات الوقود } تعظيم أمر ما ~~كان في ذلك الأخدود من الحطب الكثير . # المسألة الثانية : قال أبو علي : هذا بدل الاشتمال كقولك : سلب زيد ثوبه ~~فإن الأخدود مشتمل على النار . # المسألة الثالثة : قرىء الوقود بالضم ، أما قوله تعالى : { إذ هم عليها ~~قعود } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : العامل في إذ قتل والمعنى لعنوا في ذلك الوقت الذي هم ~~فيه قعود عند الأخدود يعذبون المؤمنين . # المسألة الثانية : في الآية إشكال وهو أن قوله : { هم } ضمير عائد إلى ~~أصحاب الأخدود ، لأن ذلك أقرب المذكورات والضمير في ms9558 قوله : { عليها } عائد ~~إلى النار فهذا يقتضي أن أصحاب الأخدود كانوا قاعدين على النار ، ومعلوم ~~أنه لم يكن الأمر كذلك والجواب : من وجوه أحدها : أن الضمير في هم عائد إلى ~~أصحاب الأخدود ، لكن المراد ههنا من أصحاب الأخدود المقتولون لا القاتلون / ~~فيكون المعنى إذ المؤمنين قعود على النار يحترقون مطرحون على النار وثانيها ~~: أن يجعل الضمير في { عليها } عائد إلى طرف النار وشفيرها والمواضع التي ~~يمكن الجلوس فيها ، ولفظ ، على مشعر بذلك تقول مررت عليها تريد مستعليا ~~بمكان يقرب منه ، فالقائلون كانوا جالسين فيها وكانوا يعرضون المؤمنين على ~~النار ، فمن كان يترك دينه تركوه ومن كان يصبر على دينه ألقوه في النار ~~وثالثها : هب أنا سلمنا أن الضمير في هم عائد إلى أصحاب الأخدود بمعنى ~~القاتلين ، والضمير في عليها عائد إلى النار ، فلم لا يجوز أن يقال : إن ~~أولئك القاتلين كانوا قاعدين على النار ، فإنا بينا أنهم لما ألقوا ~~المؤمنين في النار ارتفعت النار إليهم فهلكوا بنفس ما فعلوه بأيديهم لأجل ~~إهلاك غيرهم ، فكانت الآية دالة على أنهم في تلك الحالة كانوا ملعونين أيضا ~~، ويكون المعنى أنهم خسروا الدنيا والآخرة ورابعها : أن تكون على بمعنى عند ~~، كما قيل في قوله : { ولهم على ذنب } ( الشعراء : 14 ) أي عندي . # أما قوله تعالى : { وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } فاعلم أن قوله : ~~{ شهود } يحتمل أن يكون المراد منه حضور ، ويحتمل أن يكون المراد منه ~~الشهود الذين تثبت الدعوى بشهادتهم ، أما على الوجه الأول ، فالمعنى إن ~~أولئك الجبابرة القاتلين كانوا حاضرين عند ذلك العمل يشاهدون ذلك فيكون ~~الغرض من ذكر ذلك أحد أمور ثلاثة : إما وصفهم بقسوة القلب إذ كانوا عند ~~التعذيب بالنار حاضرين مشاهدين له ، وأما وصفهم بالجد في تقرير كفرهم ~~وباطلهم حيث حضروا في تلك المواطن المنفرة والأفعال الموحشة ، وأما وصف ~~أولئك المؤمنين المقتولين بالجد دينهم والإصرار على حقهم ، فإن الكفار إنما ~~حضروا في ذلك الموضع طمعا في أن هؤلاء المؤمنين إذا نظروا إليهم هابوا ~~حضورهم واحتشموا من مخالفتهم ، ثم إن أولئك ms9559 المؤمنين لم يلتفتوا إليهم ~~وبقوا مصرين على دينهم الحق ، فإن قلت المراد من الشهود إن كان هذا المعنى ~~، فكان يجب أن يقال : وهم لما يفعلون شهود ولا يقال : وهم على ما يفعلون ~~شهود ؟ قلنا : إنما ذكر لفظة على بمعنى أنهم على قبح فعلهم بهؤلاء المؤمنين ~~، وهو إحراقهم بالنار كانوا حاضرين مشاهدين لتلك الأفعال القبيحة . # أما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد من الشهود الشهادة التي تثبت ~~الدعوى بها ففيه وجوه PageV31P109 أحدها : أنهم جعلوا شهودا يشهد بعضهم ~~لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به ، وفوض إليه من التعذيب ~~وثانيها : أنهم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين يؤدون شهادتهم يوم القيامة : ~~{ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } ( النور : 24 ~~) ، وثالثها : أن هؤلاء الكفار مشاهدون لما يفعلون بالمؤمنين من الإحراق ~~بالنار حتى لو كان ذلك من غيرهم لكانوا شهودا عليه ، ثم مع هذا لم تأخذهم ~~بهم رأفة ، ولا حصل في قلوبهم ميل ولا شفقة . # ! 7 < { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد * الذى له ملك ~~السماوات والا رض والله على كل شىء شهيد } . > 7 ! # / < < # | البروج : ( 8 ) وما نقموا منهم . . . . . # > > المعنى وما عابوا منهم وما أنكروا الإيمان ، كقوله : # % ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم % % بهن فلول من قراع الكتائب % # ونظيره قوله تعالى : { هل تنقمون منا إلا أن ءامنا بالله } ( المائدة : ~~59 ) وإنما قال : { إلا أن يؤمنوا } لأن التعذيب إنما كان واقعا على ~~الإيمان في المستقبل ، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوا على ما مضى ، فكأنه ~~قيل : إلا أن يدوموا على إيمانهم ، وقرأ أبو حيوة : { نقموا } بالكسر ، ~~والفصيح هو الفتح ، ثم إنه ذكر الأوصاف التي بها يستحق الإله أن يؤمن به ~~ويعبد فأولها : العزيز وهو القادر الذي لا يغلب ، والقاهر الذي لا يدفع ، ~~وبالجملة فهو إشارة إلى القدرة التامة وثانيها : الحميد وهو الذي يستحق ~~الحمد والثناء على ألسنة عباده المؤمنين وإن كان بعض الأشياء لا يحمده ~~بلسانه فنفسه شاهدة على أن المحمود في الحقيقة هو هو ، كما ms9560 قال : { وإن من ~~شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) وذلك إشارة إلى العلم لأن من لا ~~يكون عالما بعواقب الأشياء لا يمكنه أن يفعل الأفعال الحميدة ، فالحميد يدل ~~على العلم التام من هذا الوجه وثالثها : الذي له ملك السموات والأرض وهو ~~مالكها والقيم بهما ولو شاء لأفناهما ، وهو إشارة إلى الملك التام وإنما ~~أخر هذه الصفة عن الأولين لأن الملك التام لا يحصل إلا عند حصول الكمال في ~~القدرة والعلم ، فثبت أن من كان موصوفا بهذه الصفات كان هو المستحق للإيمان ~~به وغيره لا يستحق ذلك ألبتة ، فكيف حكم أولئك الكفار الجهال يكون مثل هذا ~~الإيمان ذنبا . # واعلم أنه تعالى أشار بقوله : { العزيز } إلى أنه لو شاء لمنع أولئك ~~الجبابرة من تعذيب أولئك المؤمنين ، ولأطفأ نيرانهم ولأماتهم وأشار بقوله : ~~{ الحميد } إلى أن المعتبر عنده سبحانه من الأفعال عواقبها فهو وإن كان قد ~~أمهل لكنه ما أهمل ، فإنه تعالى يوصل ثواب أولئك المؤمنين إليهم ، وعقاب ~~أولئك الكفرة إليهم ، ولكنه تعالى لم يعالجهم بذلك لأنه لم يفعل إلا على ~~حسب المشيئة أو المصلحة على سبيل التفضل ، فلهذا السبب قال : { والله على ~~كل شىء شهيد } فهو وعد عظيم للمطيعين ووعيد شديد للمجرمين . # PageV31P110 ! 7 < { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ~~فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } . > 7 ! # < < # | البروج : ( 10 ) إن الذين فتنوا . . . . . # > > اعلم أنه سبحانه لما ذكر قصة أصحاب الأخدود ، أتبعها بما يتفرع عليها ~~من أحكام الثواب والعقاب فقال : { إن الذين فتنوا المؤمنين } وههنا مسائل : # / المسألة الأولى : يحتمل أن يكون المراد منه أصحاب الأخدود فقط ، ويحتمل ~~أن يكون المراد كل من فعل ذلك وهذا أولى لأن اللفظ عام والحكم عام فالتخصيص ~~ترك للظاهر من غير دليل . # المسألة الثانية : أصل الفتنة الابتلاء والامتحان ، وذلك لأن أولئك ~~الكفار امتحنوا أولئك المؤمنين وعرضوهم على النار وأحرقوهم ، وقال بعض ~~المفسرين الفتنة هي الإحراق بالنار وقال ابن عباس ومقاتل : { فتنوا ~~المؤمنين } حرقوهم بالنار ، قال الزجاج : يقال فتنت الشيء أحرقته والفتن ~~أحجار سود كأنها محترقة ، ومنه قوله تعالى ms9561 : { يوم هم على النار يفتنون } ( ~~الذاريات : 13 ) . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ثم لم يتوبوا } يدل على أنهم لو تابوا ~~لخرجوا عن هذا الوعيد وذلك يدل على القطع بأن الله تعالى يقبل التوبة ، ~~ويدل على أن توبة القاتل عمدا مقبولة خلاف ما يروى عن ابن عباس . # المسألة الرابعة : في قوله : { فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } قولان ~~: # الأول : أن كلا العذابين يحصلان في الآخرة ، إلا أن عذاب جهنم وهو العذاب ~~الحاصل بسبب كفرهم ، وعذاب الحريق هو العذاب الزائد على عذاب الكفر بسبب ~~أنهم أحرقوا المؤمنين ، فيحتمل أن يكون العذاب الأول عذاب برد والثاني عذاب ~~إحراق وأن يكون الأول عذاب إحراق والزائد على الإحراق أيضا إحراق ، إلا أن ~~العذاب الأول كأنه خرج عن أن يسمى إحراقا بالنسبة إلى الثاني ، لأن الثاني ~~قد اجتمع فيه نوعا الإحراق فتكامل جدا فكان الأول ضعيفا ، فلا جرم لم يسم ~~إحراقا . # القول الثاني : أن قوله : { فلهم عذاب جهنم } إشارة إلى عذاب الآخرة : { ~~ولهم عذاب الحريق } إشارة إلى ما ذكرنا أن أولئك الكفار ارتفعت عليهم نار ~~الأخدود فاحترقوا بها . # ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجرى من تحتها الا ~~نهار ذلك الفوز الكبير } . > 7 ! # < < # | البروج : ( 11 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد المجرمين ذكر وعد المؤمنين وهو ظاهر ~~وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : إنما قال : { ذالك الفوز } ولم يقل تلك الدقيقة لطيفة ~~وهي أن قوله : { ذالك } إشارة إلى إخبار الله تعالى بحصول هذه الجنات ، ~~وقوله : { تلك } إشارة إلى الجنات وإخبار الله تعالى عن ذلك يدل على كونه ~~راضيا والفوز الكبير هو رضا الله لا حصول الجنة . PageV31P111 # المسألة الثانية : قصة أصحاب الأخدود ولا سيما هذه الآية تدل على أن ~~المكره على / الكفر بالإهلاك العظيم الأولى له أن يصبر على ما خوف منه ، ~~وأن إظهار كلمة الكفر كالرخصة في ذلك روى الحسن أن مسيلمة أخذ رجلين من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما : تشهد أني رسول الله فقال : ~~نعم فتركه ، وقال للآخر مثله فقال ms9562 : لا بل أنت كذاب فقتله فقال عليه السلام ~~: ( أما الذي ترك فأخذ بالرخصة فلا تبعة عليه ، وأما الذي قتل فأخذ بالفضل ~~فهنيئا له ) . # ! 7 < { إن بطش ربك لشديد * إنه هو يبدىء ويعيد * وهو الغفور الودود * ذو ~~العرش المجيد * فعال لما يريد } . > 7 ! # < < # | البروج : ( 12 ) إن بطش ربك . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات أولا ~~وذكر وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثانيا أردف ذلك الوعد والوعيد ~~بالتأكيد فقال لتأكيد الوعيد : { إن أخذه أليم شديد } ثم إن هذا القادر لا ~~يكون إمهاله لأجل الإهمال ، لكن لأجل أنه حكيم إما بحكم المشيئة أو بحكم ~~المصلحة ، وتأخير هذا الأمر إلى يوم القيامة ، فلهذا قال : { إنه هو يبدىء ~~ويعيد } أي إنه يخلق خلقه ثم يفنيهم ثم يعيدهم أحياء ليجازيهم في القيامة ، ~~فدل الإمهال لهذا السبب لا لأجل الإهمال ، قال ابن عباس : إن أهل جهنم ~~تأكلهم النار حتى يصيروا فحما ثم يعيدهم خلقا جديدا ، فذاك هو المراد من ~~قوله : { إنه هو يبدىء ويعيد } . # ثم قال لتأكيد الوعد : { وهو الغفور الودود } فذكر من صفات جلاله ~~وكبريائه خمسة : # أولها : الغفور قالت المعتزلة : هو الغفور لمن تاب ، وقال أصحابنا : إنه ~~غفور مطلقا لمن تاب ولمن لم يتب لقوله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) ولأن غفران التائب واجب ~~وأداء الواجب لا يوجب التمدح والآية مذكورة في معرض التمدح وثانيها : ~~الودود وفيه أقوال : أحدها : المحب هذا قول أكثر المفسرين ، وهو مطابق ~~للدلائل العقلية ، فإن الخير مقتضى بالذات والشر بالعرض ، ولا بد أن يكون ~~الشر أقل من الخير فالغالب لا بد وأن يكون خيرا فيكون محبوبا بالذات ~~وثانيها : قال الكلبي : الودود هو المتودد إلى أوليائه بالمغفرة والجزاء ، ~~والقول هو الأول وثالثها : قال الأزهري : قال بعض أهل اللغة يجوز أن يكون ~~ودود فعولا بمعنى مفعول كركوب وحلوب ، ومعناه أن عباده الصالحين يودونه ~~ويحبونه لما عرفوا من كماله في ذاته وصفاته وأفعاله ، قال : وكلتا الصفتين ~~مدح لأنه جل ذكره ms9563 إذا أحب عباده المطيعين فهو فضل منه ، وإن أحبه عباده ~~العارفون فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه . / ورابعها : قال القفال : قيل ~~الودود قد يكون بمعنى الحليم من قولهم : دابة ودود وهي المطيعة القياد التي ~~كيف عطفتها انعطفت وأنشد قطرب : # % وأعددت للحرب خيفانة % % ذلول القياد وقاحا ودودا % % PageV31P112 # وثالثها : ذو العرش ، قال القفال : ذو العرش أي ذو الملك والسلطان كما ~~يقال : فلان على سرير ملكه ، وإن لم يكن على السرير ، وكما يقال : ثل عرش ~~فلان إذا ذهب سلطانه ، وهذا معنى متفق على صحته ، وقد يجوز أن يكون المراد ~~بالعرش السرير ، ويكون جل جلاله خلق سريرا في سمائه في غاية العظمة ~~والجلالة بحيث لا يعلم عظمته إلا هو ومن يطلعه عليه ورابعها : المجيد ، ~~وفيه قراءتان إحداهما : الرفع فيكون ذلك صفة لله سبحانه ، وهو اختيار أكثر ~~القراء والمفسرين لأن المجد من صفات التعالي والجلال ، وذلك لا يليق إلا ~~بالله سبحانه ، والفصل والاعتراض بين الصفة والموصوف في هذا النحو غير ~~ممتنع والقراءة الثانية : بالخفض وهي قراءة حمزة والكسائي ، فيكون ذلك صفة ~~العرش ، وهؤلاء قالوا : القرآن دل على أنه يجوز وصف غير الله بالمجيد حيث ~~قال : { بل هو قرءان مجيد } ورأينا أن الله تعالى وصف العرش بأنه كريم فلا ~~يبعد أيضا أن يصفه بأنه مجيد ، ثم قالوا : إن مجد الله عظمته بحسب الوجوب ~~الذاتي وكمال القدرة والحكمة والعلم ، وعظمة العرش علوه في الجهة وعظمة ~~مقداره وحسن صورته وتركيبه / فإنه قيل : العرش أحسن الأجسام تركيبا وصورة ~~وخامسها : أنه فعال لما يريد وفيه مسائل : # المسألة الأولى : فعال خبر مبتدأ محذوف . # المسألة الثانية : من النحويين من قال : { وهو الغفور الودود } خبران ~~لمبتدأ واحد ، وهذا ضعيف لأن المقصود بالإسناد إلى المبتدأ إما أن يكون ~~مجموعها أو كل واحد واحد منهما ، فإن كان الأول كان الخبر واحد الآخرين وإن ~~كان الثاني كانت القضية لا واحد قبل قضيتين . # المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال فقالوا ~~: لا شك أنه تعالى يريد الإيمان فوجب أن يكون فاعلا للإيمان بمقتضى هذه ms9564 ~~الآية وإذا كان فاعلا للإيمان وجب أن يكون فاعلا للكفر ضرورة أنه لا قائل ~~بالفرق ، قال القاضي : ولا يمكن أن يستدل بذلك على أن ما يريده الله تعالى ~~من طاعة الخلق لا بد من أن يقع لأن قوله تعالى : { فعال لما يريد } لا ~~يتناول إلا ما إذا وقع كان فعله دون ما إذا وقع لم يكن فعلا له هذه ألفاظ ~~القاضي ولا يخفي ضعفها . # المسألة الرابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى لا يجب لأحد من ~~المكلفين عليه شيء ألبتة ، وهو ضعيف لأن الآية دالة على أنه يفعل ما يريد ، ~~فلم قلتم : إنه يريد أن لا يعطي الثواب . # المسألة الخامسة : قال القفال : فعال لما يريد على ما يراه لا يعترض عليه ~~معترض ولا يغلبه غالب ، فهو يدخل أولياءه الجنة لا يمنعه منه مانع ، ويدخل ~~أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر ، ويمهل العصاء على ما يشاء إلى أن ~~يجازيهم ويعاجل بعضهم العقوبة إذا شاء ويعذب من شاء منهم / في الدنيا وفي ~~الآخرة يفعل من هذه الأشياء ومن غيرهما ما يريد . # PageV31P113 ! 7 < { هل أتاك حديث الجنود * فرعون وثمود * بل الذين كفروا ~~فى تكذيب * والله من ورآئهم محيط * بل هو قرءان مجيد * فى لوح محفوظ } . > ~~7 ! # < < # | البروج : ( 17 ) هل أتاك حديث . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين حال أصحاب الأخدود في تأذي المؤمنين بالكفار ~~، بين أن الذين كانوا قبلهم كانوا أيضا كذلك ، واعلم أن فرعون وثمود بدل من ~~الجنود ، وأراد بفرعون إياه وقومه كما في قوله من فرعون وملئهم وثمود ، ~~كانوا في بلاد العرب ، وقصتهم عندهم مشهورة فذكر تعالى من المتأخرين فرعون ~~، ومن المتقدمين ثمود ، والمقصود بيان أن حال المؤمنين مع الكفار في جميع ~~الأزمنة مستمرة على هذا النهج ، وهذا هو المراد من قوله : { بل الذين كفروا ~~فى تكذيب } ولما طيب قلب الرسول عليه السلام بحكاية أحوال الأولين في هذا ~~الباب سلاه بعد ذلك من وجه آخر ، وهو قوله : { والله من ورائهم محيط } وفيه ~~وجوه أحدها : أن المراد وصف اقتداره عليهم وأنهم في ms9565 قبضته وحوزته ، كالمحاط ~~إذا أحيط به من ورائه فسد عليه مسلكه ، فلا يجد مهربا يقول تعالى : فهو كذا ~~في قبضتي وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك فلا ~~تجزع من تكذيبهم إياك ، فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم وثانيها : ~~أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقول تعالى : { وأخرى لم تقدروا ~~عليها قد أحاط الله بها } ( الفتح : 21 ) وقوله : { وإذ قلنا لك إن ربك ~~أحاط بالناس } ( الإسراء : 60 ) وقوله : { وظنوا أنهم أحيط بهم } ( يونس : ~~22 ) فهذا كله عبارة عن مشارفة الهلاك ، يقول : فهؤلاء في تكذيبك قد شارفوا ~~الهلاك وثالثها : أن يكون المراد والله محيط بأعمالهم ، أي عالم بها ، فهو ~~مرصد بعقابهم عليها ، ثم إنه تعالى سلى رسوله بعد ذلك بوجه ثالث ، وهو قوله ~~: { بل هو قرءان مجيد } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : تعلق هذا بما قبله ، هو أن هذا القرآن مجيد مصون عن ~~التغير والتبدل ، فلما حكم فيه بسعادة قوم وشقاوة قوم ، وبتأذي قوم من قوم ~~، امتنع تغيره وتبدله ، فوجب الرضا به ، ولا شك أن هذا من أعظم موجبات ~~التسلية . # المسألة الثانية : قرىء : { بل هو } بالإضافة ، أي قرآن رب مجيد ، وقرأ ~~يحيى بن يعمر في لوح واللوح الهواء يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه ~~اللوح المحفوظ ، وقرىء محفوظ / بالرفع صفة للقرآن كما قلنا : { إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ( الحجر : 9 ) . # المسألة الثالثة : أنه تعالى قال ههنا : { فى لوح محفوظ } وقال في آية ~~أخرى : { إنه لقرءان كريم * فى كتاب مكنون } ( الواقعة : 78 , 77 ) فيحتمل ~~أن يكون الكتاب المكنون واللوح المحفوظ واحدا ثم كونه محفوظا يحتمل أن يكون ~~المراد كونه محفوظا عن أن يمسه إلا المطهرون ، كما قال تعالى : { لا يمسه ~~إلا المطهرون } ويحتمل أن يكون المراد كونه محفوظا من اطلاع الخلق عليه سوى ~~الملائكة المقربين ويحتمل أن يكون المراد أن لا يجري عليه تغيير وتبديل . # المسألة الرابعة : قال بعض المتكلمين إن اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرؤنه ~~ولما كانت الأخبار والآثار واردة بذلك وجب التصديق ، والله سبحانه ms9566 وتعالى ~~أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV31P114 < # > 1 ( سورة الطارق ) 1 < # > # سبع عشرة آية مكية # وهي مشتملة على الترغيب في معرفة المبدأ والمعاد # ! 7 < { والسمآء والطارق * ومآ أدراك ما الطارق * النجم الثاقب * إن كل ~~نفس لما عليها حافظ } . > 7 ! # / < < # | الطارق : ( 1 ) والسماء والطارق # > > اعلم أنه تعالى أكثر في كتابه ذكر السماء والشمس والقمر لأن أحوالها ~~في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة ، وأما الطارق فهو كل ما أتاك ~~ليلا سواء كان كوكبا أو غيره فلا يكون الطارق نهارا ، والدليل عليه قول ~~المسلمين في دعائهم : نعوذ بالله من طوارق الليل وروي أنه عليه السلام : ( ~~نهى عن أن يأتي الرجل أهله طروقا ) والعرب تستعمل الطروق في صفة الخيال لأن ~~تلك الحالة إنما تحصل في الأكثر في الليل ، ثم إنه تعالى لما قال : { ~~والطارق } كان هذا مما لايستغنى سامعه عن معرفة المراد منه ، فقال : { وما ~~أدراك ما الطارق } قال سفيان بن عيينة : كل شيء في القرآن ما أدراك فقد ~~أخبر الرسول به وكل شيء فيه ما يدريك لم يخبر به كقوله : { وما يدريك لعل ~~الساعة قريب } ( الشورى : 17 ) ثم قال : { النجم الثاقب } أي هو طارق عظيم ~~الشأن ، رفيع القدر وهو النجم الذي يهتدى به في ظلمات البر والبحر ويوقف به ~~على أوقات الأمطار ، وههنا مسائل : # المسألة الأولى : إنما وصف النجم بكونه ثاقبا لوجوه أحدها : أنه يثقب ~~الظلام بضوئه فينفذ فيه كما قيل : درىء لأنه يدرؤه أي يدفعه وثانيها : أنه ~~يطلع من المشرق نافذا في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء وثالثها : أنه الذي ~~يرى به الشيطان فيثقبه أي ينفذ فيه ويحرقه ورابعها : قال الفراء : { النجم ~~الثاقب } هو النجم المرتفع على النجوم ، والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن ~~السماء ارتفاعا : قد ثقب . # المسألة الثانية : إنما وصف النجم بكونه طارقا ، لأنه يبدو بالليل ، وقد ~~عرفت أن ذلك يسمى طارقا ، أو لأنه يطرق الجني ، أي صكه . # المسألة الثالثة : اختلفوا في قوله : { النجم الثاقب } قال بعضهم : أشير ~~به إلى جماعة النحو / فقيل PageV31P115 الطارق ، كما قيل ms9567 : { إن الإنسان * ~~لفى * خسر } ( العصر : 2 ) وقال آخرون : أنه نجم بعينه ، ثم قال ابن زيد : ~~إنه الثريا ، وقال الفراء : أنه زحل ، لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات ، ~~وقال آخرون : أنه الشهب التي يرجم بها الشياطين ، لقوله تعالى : { فأتبعه ~~شهاب ثاقب } ( الصافات : 10 ) . # المسألة الرابعة : روى أن أبا طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فأتحفه بخبز ولبن ، فبينما هو جالس يأكل إذ انحط نجم فامتلأ ماء ثم نارا ، ~~ففزع أبو طالب ، وقال : أي شيء هذا ؟ فقال : هذا نجم رمي به ، وهو آية من ~~آيات الله ، فعجب أبو طالب ، ونزلت السورة . # واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه : { إن كل نفس ~~لما عليها حافظ } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { لما } قراءتان إحداهما : قراءة ابن كثير ~~وأبي عمرو ونافع والكسائي ، وهي بتخفيف الميم والثانية : قراءة عاصم وحمزة ~~والنخعي بتشديد الميم . قال أبو علي الفاسي : من خفف كانت { ءان } عنده ~~المخففة من الثقيلة ، واللام في { لما } هي التي تدخل مع هذه المخففة ~~لتخلصها من إن النافية ، وما صلة كالتي في قوله : { فبما رحمة من الله } ( ~~آل عمران : 159 ) { إلا قليل } وتكون { ءان } متلقية للقسم ، كما تتلقاه ~~مثقلة . وأما من ثقل فتكون { ءان } عنده النافية ، كالتي في قوله : { ما إن ~~* مكناكم } و { لما } في معنى ألا ، قال : وتستعمل { لما } بمعنى ألا في ~~موضعين أحدهما : هذا والآخر : في باب القسم ، تقول : سألتك بالله لما فعلت ~~، بمعنى ألا فعلت . وروى عن الأخفش والكسائي وأبي عبيدة أنهم قالوا : لم ~~توجد لما بمعنى ألا في كلام العرب . قال ابن عون : قرأت عند ابن سيرين لما ~~بالتشديد ، فأنكره وقال : سبحان الله ، سبحان الله ، وزعم العتبي أن { لما ~~} بمعنى ألا ، مع أن الخفيفة التي تكون بمعنى ما موجودة في لغة هذيل . # المسألة الثانية : ليس في الآية بيان أن هذا الحافظ من هو ، وليس فيها ~~أيضا بيان أن الحافظ يحفظ النفس عماذا . أما الأول : ففيه قولان : الأول : ~~قول بعض المفسرين : أن ذلك الحافظ هو الله تعالى ms9568 . أما في التحقيق فلأن كل ~~وجود سوى الله ممكن ، وكل ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح ~~وينتهي ذلك إلى الواجب لذاته ، فهو سبحانه القيوم الذي بحفظه وإبقائه تبقى ~~الموجودات ، ثم إنه تعالى بين هذا المعنى في السموات والأرض على العموم في ~~قوله : { إن الله يمسك * السماوات والارض * أن تزولا } وبينه في هذه الآية ~~في حق الإنسان على الخصوص وحقيقة الكلام ترجع إلى أنه تعالى أقسم أن كل ما ~~سواه ، فإنه ممكن الوجود محدث محتاج مخلوق مربوب هذا إذا حملنا النفس على ~~مطلق الذات ، أما إذا حملناها على النفس المتنفسة وهي النفس الحيوانية أمكن ~~أن يكون المراد من كونه تعالى حافظا لها كونه تعالى عالما بأحوالها وموصلا ~~إليها جميع منافعها ودافعا عنها جميع مضارها . # والقول الثاني : أن ذلك الحافظ هم الملائكة كما قال : { ويرسل عليكم حفظة ~~} وقال : { عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ~~} ( ق : 18 , 17 ) وقال : { وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين } ( الإنفطار ~~: 11 , 1 ) وقال : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ~~( الرعد : 11 ) . PageV31P116 # وأما البحث الثاني : وهو أنه ما الذي يحفظه هذا الحافظ ؟ ففيه وجوه أحدها ~~: أن هؤلاء الحفظة يكتبون عليه أعماله دقيقها وجليلها حتى تخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا وثانيها : { إن كل نفس لما عليها حافظ } يحفظ ~~عملها ورزقها وأجلها ، فإذا استوفى الإنسان أجله ورزقه قبضه إلى ربه ، ~~وحاصله يرجع إلى وعيد الكفار وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم كقوله : { ~~فلا تعجل عليهم إنما } ثم ينصرفون عن قريب إلى الآخرة فيجازون بما يستحقونه ~~وثالثها : إن كل نفس لما عليها حافظ ، يحفظها من المعاطب والمهالك فلا ~~يصيبها إلا ما قدر الله عليها ورابعها : قال الفراء : إن كل نفس لما عليها ~~حافظ يحفظها حتى يسلمها إلى المقابر ، وهذا قول الكلبي . # واعلم أنه تعالى لما أقسم على أن لكل نفس حافظا يراقبها ويعد عليها ~~أعمالها ، فحينئذ يحق لكل أحد أن يجتهد ويسعى في تحصيل أهم ms9569 المهمات ، وقد ~~تطابقت الشرائع والعقول على أن أهم المهمات معرفة المبدأ ومعرفة المعاد ، ~~واتفقوا على أن معرفة المبدأ مقدمة على معرفة المعاد ، فلهذا السبب بدأ ~~الله تعالى بعد ذلك بما يدل على المبدأ . # ! 7 < { فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من مآء دافق * يخرج من بين الصلب ~~والترآئب } . > 7 ! # < < # | الطارق : ( 5 ) فلينظر الإنسان مم . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الدفق صب الماء ، يقال : دفقت الماء ، أي صببته وهو ~~مدفوق ، أي مصبوب ، ومندفق أي منصب ، ولما كان هذا الماء مدفوقا اختلفوا في ~~أنه لم وصف بأنه دافق على وجوه الأول : قال الزجاج : معناه ذو اندفاق ، كما ~~يقال : دراع وفارس ونابل ولابن وتامر ، أي درع وفرس ونبل ولبن وتمر ، وذكر ~~الزجاج أن هذا مذهب سيبويه الثاني : أنهم يسمون المفعول باسم الفاعل . قال ~~الفراء : وأهل الحجاز أفعل لهذا من غيرهم ، يجعلون المفعول فاعلا إذا كان ~~في مذهب النعت ، كقوله سر كاتم ، وهم ناصب ، وليل نائم ، وكقوله تعالى : { ~~حسابيه فهو فى عيشة راضية } أي مرضية الثالث : ذكر الخليل في الكتاب ~~المنسوب إليه دفق الماء دفقا ودفوقا إذا انصب بمرة ، واندفق الكوز إذا انصب ~~بمرة ، ويقال في الطيرة عند انصباب الكوز ونحوه : دافق خير ، وفي كتاب قطرب ~~: دفق الماء يدفق إذا انصب الرابع : صاحب الماء لما كان دافقا أطلق ذلك على ~~الماء على سبيل المجاز . # / المسألة الثانية : قرىء الصلب بفتحتين ، والصلب بضمتين ، وفيه أربع ~~لغات : صلب وصلب وصلب وصالب : # المسألة الثالثة : ترائب المرأة عظام صدرها حيث تكون القلادة ، وكل عظم ~~من ذلك تريبة ، وهذا قول جميع أهل اللغة . قال امرؤ القيس : # ترائبها مصقولة كالسجنجل # المسألة الرابعة : في هذه الآية قولان : أحدهما : أن الولد مخلوق من ~~الماء الذي يخرج من صلب PageV31P117 الرجل وترائب المرأة . وقال آخرون : ~~إنه مخلوق من الماء الذي يخرج من صلب الرجل وترائبه ، واحتج صاحب القول ~~الثاني على مذهبه بوجهين الأول : أن ماء الرجل خارج من الصلب فقط ، وماء ~~المرأة خارج من الترائب فقط ، وعلى هذا التقدير لا يحصل هناك ماء خارج من ~~بين الصلب ms9570 والترائب ، وذلك على خلاف الآية الثاني : أنه تعالى بين أن ~~الإنسان مخلوق { من ماء دافق } والذي يوصف بذلك هو ماء الرجل ، ثم عطف عليه ~~بأن وصفه بأنه يخرج ، يعني هذا الدافق من بين الصلب والترائب ، وذلك يدل ~~على أن الولد مخلوق من ماء الرجل فقط أجاب : القائلون بالقول الأول عن ~~الحجة الأولى : أنه يجوز أن يقال للشيئين المتباينين : أنه يخرج من بين ~~هذين خير كثير ، ولأن الرجل والمرأة عند اجتماعهما يصيران كالشيء الواحد ، ~~فحسن هذا اللفظ هناك ، وأجابوا عن الحجة الثانية : بأن هذا من باب إطلاق ~~اسم البعض على الكل ، فلما كان أحد قسمي المني دافقا أطلق هذا الاسم على ~~المجموع ، ثم قالوا : والذي يدل على أن الولد مخلوق من مجموع الماءين أن ~~مني الرجل وحده صغير فلا يكفي ، ولأنه روي أنه عليه السلام قال : ( إذا غلب ~~ماء الرجل يكون الولد ذكرا ويعود شبه إليه وإلى أقاربه ، وإذا غلب ماء ~~المرأة فإليها وإلى أقاربها يعود الشبه ) وذلك يقتضي صحة القول الأول . # واعلم أن الملحدين طعنوا في هذه الآية ، فقالوا : إن كان المراد من قوله ~~: { يخرج من بين الصلب والترائب } أن المني إنما ينفصل من تلك المواضع فليس ~~الأمر كذلك ، لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع ، وينفصل عن جميع أجزاء ~~البدن حتى يأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته ، فيصير مستعدا لأن يتولد منه مثل ~~تلك الأعضاء ، ولذلك فإن المفرط في الجماع يستولي الضعف على جميع أعضائه ، ~~وإن كان المراد أن معظم أجزاء المني يتولد هناك فهو ضعيف ، بل معظم أجزائه ~~إنما يتربى في الدماغ ، والدليل عليه أن صورته يشبه الدماغ ، ولأن المكثر ~~منه يظهر الضعف أولا في عينيه ، وإن كان المراد أن مستقر المني هناك فهو ~~ضعيف / لأن مستقر المني هو أوعية المني ، وهي عروق ملتف بعضها بالبعض عند ~~البيضتين ، وإن كان المراد أن مخرج المني هناك فهو ضعيف ، لأن الحس يدل على ~~أنه ليس كذلك الجواب : لا شك أن أعظم الأعضاء معونة في توليد المني هو ~~الدماغ ، والدماغ خليفة ms9571 وهي النخاع وهو في الصلب ، وله شعب كثيرة نازلة / ~~إلى مقدم البدن وهو التريبة ، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين ~~بالذكر ، على أن كلامكم في كيفية تولد المني ، وكيفية تولد الأعضاء من ~~المني محض الوهم والظن الضعيف ، وكلام الله تعالى أولى بالقبول . # المسألة الخامسة : قد بينا في مواضع من هذا الكتاب أن دلالة تولد الإنسان ~~عن النطفة على وجود الصانع المختار من أظهر الدلائل ، لوجوه أحدها : أن ~~التركيبات العجيبة في بدن الإنسان أكثر ، فيكون تولده عن المادة البسيطة ~~أدل على القادر المختار وثانيها : أن اطلاع الإنسان على أحوال نفسه أكثر من ~~اطلاعه على أحوال غيره ، فلا جرم كانت هذه الدلالة أتم وثالثها : أن مشاهدة ~~الإنسان لهذه الأحوال في أولاده وأولاد سائر الحيوانات دائمة ، فكان ~~الاستدلال به على الصانع المختار أقوى ورابعها : وهو أن الاستدلال بهذا ~~الباب ، كما أنه يدل قطعا على وجود الصانع المختار الحكيم ، فكذلك يدل قطعا ~~على صحة البعث والحشر والنشر ، وذلك لأن حدوث الإنسان إنما كان بسبب اجتماع ~~أجزاء كانت متفرقة في بدن الوالدين ، بل PageV31P118 في جميع العالم ، فلما ~~قدر الصانع على جمع تلك الأجزاء المتفرقة حتى خلق منها إنسانا سويا ، وجب ~~أن يقال : إنه بعد موته وتفرق أجزائه لا بد وأن يقدر الصانع على جمع تلك ~~الأجزاء وجعلها خلقا سويا ، كما كان أولا ولهذا السر لما بين تعالى دلالته ~~على المبدأ ، فرع عليه أيضا دلالته على صحة المعاد فقال : # ! 7 < { إنه على رجعه لقادر } . > 7 ! # < < # | الطارق : ( 8 ) إنه على رجعه . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : الضمير في أنه للخالق مع أنه لم يتقدم ذكره ، والسبب ~~فيه وجهان الأول : دلالة خلق عليه ، والمعنى أن ذلك الذي خلق قادر على رجعه ~~الثاني : أنه وإن لم يتقدم ذكره لفظا ، ولكن تقدم ذكر ما يدل عليه سبحانه ، ~~وقد تقرر في بدائة العقول أن القادر على هذه التصرفات ، هو الله سبحانه ~~وتعالى ، فلما كان ذلك في غاية الظهور كان كالمذكور . # المسألة الثانية : الرجع مصدر رجعت الشيء إذا رددته ، والكناية في قوله ms9572 ~~على رجعه إلى أي شيء ترجع ؟ فيه وجهان أولهما : وهو الأقرب أنه راجع إلى ~~الإنسان ، والمعنى أن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء وجب أن يقدر بعد ~~موته على رده حيا ، وهو كقوله تعالى : { قل يحييها الذى أنشأها أول مرة } ( ~~يس : 79 ) وقوله : { وهو أهون عليه } ( الروم : 27 ) وثانيهما : أن الضمير ~~غير عائد إلى الإنسان ، ثم قال مجاهد : قادر على أن يرد الماء في الإحليل ، ~~وقال عكرمة والضحاك : على أن يرد الماء في الصلب . وروي أيضا عن الضحاك أنه ~~قادر على رد الإنسان ماء كما كان قبل ، وقال مقاتل بن حيان : إن شئت رددته ~~من الكبر إلى الشباب ، ومن الشباب إلى الصبا ، ومن الصبا / إلى النطفة ، ~~واعلم أن القول الأول أصح ، ويشهد له قوله : { يوم تبلى السرائر } أي أنه ~~قادر على بعثه يوم القيامة ، ثم إنه سبحانه لما أقام الدليل على صحة القول ~~بالبعث والقيامة ، وصف حاله في ذلك اليوم فقال : # ! 7 < { يوم تبلى السرآئر * فما له من قوة ولا ناصر } . > 7 ! # < < # | الطارق : ( 9 ) يوم تبلى السرائر # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { يوم } منصوب برجعه ومن جعل الضمير في رجعه للماء ~~وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب أو إلى الحالة الأولى نصب الظرف ~~بقوله : { فما له من قوة } أي ماله من قوة ذلك اليوم . # المسألة الثانية : { تبلى } أي تختبر ، والسرائر ما أسر في القلوب من ~~العقائد والنيات ، وما أخفى من الأعمال ، وفي كيفية الابتلاء والاختبار ~~ههنا أقوال : # الأول : ما ذكره القفال معنى الاختبار ههنا أن أعمال الإنسان يوم القيامة ~~تعرض عليه وينظر أيضا في الصحيفة التي كتبت الملائكة فيها تفاصيل أعمالهم ~~ليعلم أن المذكور هل هو مطابق للمكتوب ، ولما كانت المحاسبة يوم القيامة ~~واقعة على هذا الوجه جاز أن يسمى هذا المعنى ابتلاء ، وهذه التسمية غير ~~بعيدة لعباده لأنها ابتلاء وامتحان ، وإن كان عالما بتفاصيل ما عملوه وما ~~لم يعملوه . # والوجه الثاني : أن الأفعال إنما يستحق عليها الثواب والعقاب لوجوهها ، ~~فرب فعل يكون ظاهره حسنا PageV31P119 وباطنه قبيحا ، وربما كان بالعكس ms9573 . ~~فاختبارها ما يعتبر بين تلك الوجوه المتعارضة من المعارضة والترجيح ، حتى ~~يظهر أن الوجه الراجح ما هو ، والمرجوح ما هو . # الثالث : قال أبو مسلم : بلوت يقع على إظهار الشيء ويقع على امتحانه ~~كقوله : { ونبلو أخباركم } وقوله : { ولنبلونكم } ثم قال المفسرون : { ~~السرائر } التي تكون بين الله وبين العبد تختبر يوم القيامة حتى يظهر خبرها ~~من سرها ومؤديها من مضيعها ، وهذا معنى قول ابن عمر رضي الله عنهما : يبدي ~~الله يوم القيامة كل سر منها ، فيكون ذينا في الوجوه وشينا في الوجوه ، ~~يعني من أداها كان وجهه مشرقا ومن ضيعها كان وجهه أغبر . # المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه لا قوة للعبد ذلك اليوم ، لأن قوة ~~الإنسان إما أن تكون له لذاته أو مستفادة من غيره ، فالأول منفي بقوله ~~تعالى : { فما له من قوة } والثاني منفي بقوله : { ولا ناصر } والمعنى ماله ~~من قوة يدفع بها عن نفسه ما حل من العذاب { ولا ناصر } ينصره في دفعه ولا ~~شك أنه زجر وتحذير ، ومعنى دخول من في قوله : { من قوة } على وجه النفي ~~لقليل ذلك وكثيره ، كأنه قيل : ماله من شيء من القوة ولا أحد من الأنصار . # المسألة الرابعة : يمكن أن يتمسك بهذه الآية في نفي الشفاعة ، كقوله ~~تعالى : { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا } ( البقرة : 48 ) إلى قوله ~~: { ولا هم ينصرون } ، الجواب : ما تقدم . # ! 7 < { والسمآء ذات الرجع * والارض ذات الصدع * إنه لقول فصل * وما هو ~~بالهزل * إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } . ~~> 7 ! # / < < # | الطارق : ( 11 ) والسماء ذات الرجع # > > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما فرغ من دليل التوحيد ، والمعاد أقسم قسما ~~آخر ، أما قوله : { والسماء ذات الرجع } فنقول : قال الزجاج الرجع المطر ~~لأنه يجيء ويتكرر . واعلم أن كلام الزجاج وسائر أئمة اللغة صريح في أن ~~الرجع ليس اسما موضوعا للمطر بل سمي رجعا على سبيل المجاز ، ولحسن هذا ~~المجاز وجوه أحدها : قال القفال : كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته ووصل ~~الحروف به ، فكذا المطر لكونه عائدا مرة بعد ms9574 أخرى سمي رجعا وثانيها : أن ~~العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض ~~وثالثها : أنهم أرادوا التفاؤل فسموه رجعا ليرجع ورابعها : أن المطر يرجع ~~في كل عام ، إذا عرفت هذا فنقول للمفسرين أقوال : أحدها : قال ابن عباس : { ~~والسماء ذات الرجع } أي ذات المطر يرجع لمطر بعد مطر وثانيها : رجع السماء ~~إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعا ~~، أي تعطيه مرة بعد مرة وثالثها : قال ابن زيد : هو أنها ترد وترجع شمسها ~~وقمرها بعد مغيبهما ، والقول هو الأول ، أما قوله تعالى : { والارض ذات ~~الصدع } فاعلم أن الصدع هو الشق ومنه قوله تعالى : { يومئذ يصدعون } ( ~~الروم : 43 ) أي يتفرقون وللمفسرين أقوال قال ابن عباس : تنشق عن النبات ~~والأشجار ، PageV31P120 وقال مجاهد : هو الجبلان بينهما شق وطريق نافذ . ~~كما قال تعالى : { وجعلنا فيها فجاجا سبلا } ( الأنبياء : 31 ) وقال الليث ~~: الصدع نبات الأرض ، لأنه يصدع الأرض فتنصدع به ، وعلى هذا سمي النبات ~~صدعا لأنه صادع للأرض ، واعلم أنه سبحانه كما جعل ، كيفية خلقة الحيوان ~~دليلا على معرفة المبدأ والمعاد ، ذكر في هذا القسم كيفية خلقة النبات ، ~~فالسماء ذات الرجع كالأب ، والأرض ذات الصدع كالأم وكلاهما من النعم العظام ~~لأن نعم الدنيا موقوفة على ما ينزل من السماء من المطر متكررا ، وعلى ما ~~ينبت من الأرض كذلك ، ثم إنه تعالى أردف هذا القسم بالمقسم عليه فقال : { ~~إنه لقول فصل } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذا الضمير قولان : # الأول : ما قال القفال وهو : أن المعنى أن ما أخبرتكم به من قدرتي على ~~إحيائكم في اليوم / الذي تبلى فيه سرائركم قول فصل وحق . # والثاني : أنه عائد إلى القرآن أي القرآن فاصل بين الحق والباطل كما قيل ~~: له فرقان ، والأول أولى لأن عود الضمير إلى المذكور السالف أولى . # المسألة الثانية : { قول * فصل } أي حكم ينفصل به الحق عن الباطل ، ومنه ~~فصل الخصومات وهو قطعها بالحكم ، ويقال : هذا فصل أي قاطع للمراء والنزاع ، ~~وقال بعض المفسرين : معناه ms9575 أنه جد حق لقوله : { وما هو بالهزل } أي باللعب ~~، والمعنى أن القرآن أنزل بالجد ، ولم ينزل باللعب ، ثم قال : { وما هو ~~بالهزل } والمعنى أن البيان الفصل قد يذكر على سبيل الجد والاهتمام بشأنه ~~وقد يكون على غير سبيل الجد وهذا الموضع من ذلك ، ثم قال : { إنهم يكيدون ~~كيدا } وذلك الكيد على وجوه . منها بإلقاء الشبهات كقولهم : { إن هى إلا ~~حياتنا الدنيا } ( الأنعام : 29 ) { من يحى العظام وهى رميم } ( يس : 78 ) ~~{ أجعل الالهة إلاها واحدا } ( ص : 5 ) { لولا نزل هاذا القرءان على رجل من ~~القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) { فهى تملى عليه بكرة وأصيلا } ومنها ~~بالطعن فيه بكونه ساحرا وشاعرا ومجنونا ، ومنها بقصد قتله على ما قاله : { ~~وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك } ( الأنفال : 30 ) ثم قال : { ~~وأكيد كيدا } . # واعلم أن الكيد في حق الله تعالى محمول على وجوه : أحدها : دفعه تعالى ~~كيد الكفرة عن محمد عليه الصلاة والسلام ويقابل ذلك الكيد بنصرته وإعلاء ~~دينه تسمية لأحد المتقابلين باسم كقوله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ~~وقال الشاعر : # % ألا لا يجهلن أحد علينا % % فنجهل فوق جهل الجاهلينا % # وكقوله تعالى : { نسوا الله فأنساهم أنفسهم } ( الحشر : 19 ) { يخادعون ~~الله وهو خادعهم } ( النساء : 142 ) وثانيها : أن كيده تعالى بهم هو إمهاله ~~إياهم على كفرهم حتى يأخذهم على غرة ، ثم قال : { فمهل الكافرين } أي لا ~~تدع بهلاكهم ولا تستعجل ، ثم إنه تعالى لما أمره بإمهالهم بين أن ذلك ~~الإمهال المأمور به قليل ، فقال : { أمهلهم رويدا } فكرر وخالف بين اللفظين ~~لزيادة التسكين من الرسول عليه الصلاة والسلام والتصبر وههنا مسائل : ~~PageV31P121 # المسألة الأولى : قال أبو عبيدة : إن تكبير رويد رود ، وأنشد : # % يمشي ولا تكلم البطحاء مشيته % % كأنه ثمل يمشي على ورد % # أي على مهلة ورفق وتؤدة ، وذكر أبو علي في باب أسماء الأفعال رويدا زيدا ~~يريد أرود زيدا ، ومعناه أمهله وارفق به ، قال النحويون : رويد في كلام ~~العرب على ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون اسما للأمر كقولك : رويد زيدا تريد ~~أرود زيد أي خله ودعه وأرفق به ms9576 ولا تنصرف رويد في هذا الوجه لأنها غير ~~متمكنة والثاني : أن يكون بمنزلة سائر المصادر فيضاف إلى ما بعده كما تضاف ~~المصادر تقول : رويد زيد ، كما تقول : ضرب زيد قال تعالى : { فضرب الرقاب } ~~( محمد : 4 ) ، والثالث : أن يكون نعتا منصوبا كقولك : ساروا سيرا رويدا ، ~~ويقولون أيضا : ساروا رويدا ، يحذفون المنعوت / ويقيمون رويدا مقامه كما ~~يفعلون بسائر النعوت المتمكنة ، ومن ذلك قول العرب : ضعه رويدا أي وضعا ~~رويدا ، وتقول للرجل : يعالج الشيء الشيء رويدا ، أي علاجا رويدا ، ويجوز ~~في هذا الوجه أمران أحدهما : أن يكون رويدا حالا والثاني : أن يكون نعتا ~~فإن أظهرت المنعوت لم يجز أن يكون للحال ، والذي في الآية هو ما ذكرنا في ~~الوجه الثالث ، لأنه يجوز أن يكون نعتا للمصدر كأنه قيل : إمهالا رويدا ، ~~ويجوز أن يكون للحال أي أمهلهم غير مستعجل . # المسألة الثانية : منهم من قال : { أمهلهم رويدا } إلى يوم القيامة وإنما ~~صغر ذلك من حيث علم أن كل ما هو آت قريب ، ومنهم من قال : { أمهلهم رويدا } ~~إلى يوم بدر والأول أولى ، لأن الذي جرى يوم بدر وفي سائر الغزوات لا يعم ~~الكل ، وإذا حمل على أمر الآخرة عم الكل ، ولا يمتنع مع ذلك أن يدخل في ~~جملته أمر الدنيا ، مما نالهم يوم بدر وغيره ، وكل ذلك زجر وتحذير للقوم ، ~~وكما أنه تحذير لهم فهو ترغيب في خلاف طريقهم في الطاعات ، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV31P122 < # > 1 ( سورة الأعلى ) 1 < # > # تسع عشر آية مكية # ! 7 < { سبح اسم ربك الاعلى * الذى خلق فسوى * والذى قدر فهدى * ~~والذىأخرج المرعى * فجعله غثآء أحوى } . > 7 @QB@ < # | الأعلى : ( 1 - 5 ) سبح اسم ربك . . . . . # > > # / اعلم أن قوله تعالى : { سبح اسم ربك الاعلى } فيه مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { اسم ربك } قولان : أحدهما : أن المراد ~~الأمر بتنزيه اسم الله وتقديسه والثاني : أن الاسم صلة والمراد الأمر ~~بتنزيه الله تعالى . أما على الوجه الأول ففي اللفظ احتمالات أحدها : أن ~~المراد نزه اسم ربك عن أن تسمي ms9577 به غيره ، فيكون ذلك نهيا على أن يدعى غيره ~~باسمه ، كما كان المشركون يسمون الصنم باللات ، ومسيلمة برحمان اليمامة ~~وثانيها : أن لا يفسر أسماءه بما لا يصح ثبوته في حقه سبحانه نحو أن يفسر ~~الأعلى بالعلو في المكان والاستواء بالاستقرار بل يفسر العلو بالقهر ~~والاقتداء والاستواء بالاستيلاء وثالثها : أن يصان عن الابتذال والذكر لا ~~على وجه الخشوع والتعظيم ، ويدخل فيه أن يذكر تلك الأسماء عند الغفلة وعدم ~~الوقوف على معانيها وحقائقها ورابعها : أن يكون المراد بسبح باسم ربك ، أي ~~مجده بأسمائه التي أنزلتها عليك وعرفتك أنها أسماؤه كقوله : { قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمان } ( الإسراء : 110 ) ونظير هذا التأويل قوله تعالى : ~~{ فسبح باسم ربك العظيم } ( الواقعة : 74 ) ومقصود الكلام من هذا التأويل ~~أمران : أحدهما : { سبح اسم ربك الاعلى } ، أي صل باسم ربك ، لا كما يصلي ~~المشركون بالمكاء والتصدية والثاني : أن لا يذكر العبد ربه إلا بأسماء التي ~~ورد التوقيف بها ، قال الفراء : لا فرق بين { سبح اسم ربك } وبين { فسبح ~~باسم ربك } قال الواحدي : وبينهما فرق لأن معنى { فسبح باسم ربك } نزه الله ~~تعالى بذكر اسمه المنبىء عن تنزيهه وعلوه عما يقول المبطلون ، و { سبح اسم ~~ربك } أي نزه الاسم PageV31P123 من السوء وخامسها : قال أبو مسلم : المراد ~~من الاسم ههنا الصفة ، وكذا في / قوله تعالى : { ولله الاسماء الحسنى ~~فادعوه بها } ( الأعراف : 180 ) أما على الوجه الثاني وهو أن يكون الاسم ~~صلة ويكون المعنى سبح ربك وهو اختيار جمع من المحققين ، قالوا : لأن الاسم ~~في الحقيقة لفظة مؤلفة من حروف ولا يجب تنزيهها كما يجب في الله تعالى ، ~~ولكن المذكور إذا كان في غاية العظمة لا يذكر هو بل يذكر اسمه فيقال : سبح ~~اسمه ، ومجد ذكره ، كما يقال : سلام على المجلس العالي ، وقال لبيد : # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # أي السلام وهذه طريقة مشهورة في اللغة ، ونقول على هذا الوجه : تسبيح ~~الله يحتمل وجهين الأول : أن لا يعامل الكفار معاملة يقدمون بسببها على ذكر ~~الله بما لا ينبغي على ما ms9578 قال : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ~~فيسبوا الله عدوا بغير علم } ، الثاني : أنه عبارة عن تنزيه الله تعالى عن ~~كل ما لا يليق به ، في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله ، وفي أسمائه وفي أحكامه ~~، أما في ذاته فأن يعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض ، وأما في صفاته ، ~~فأن يعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة ، وأما في أفعاله فأن ~~يعتقد أنه مالك مطلق ، فلا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور ، وقالت ~~المعتزلة هو أن يعتقد أن كل ما فعله فهو صواب حسن ، وأنه لا يفعل القبيح ~~ولا يرضى به ، وأما في أسمائه فأن لا يذكر سبحانه إلا بالأسماء التي ورد ~~التوقيف بها ، هذا عندنا وأما عند المعتزلة فهو أن لا يذكر إلا بالأسماء ~~التي لا توهم نقصا بوجه من الوجوه سواء ورد الإذن بها أو لم يرد / وأما في ~~أحكامه فهو أن يعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه . بل إما لمحض المالكية ~~على ما هو قولنا ، أو لرعاية مصالح العباد على ما ( هو ) قول المعتزلة . # المسألة الثانية : من الناس من تمسك بهذه الآية في أن الإسم نفس المسمى ، ~~فأقول : إن الخوض في الاستدلال لا يمكن إلا بعد تلخيص محل النزاع ، فلا بد ~~ههنا من بيان أن الإسم ما هو والمسمى ما هو حتى يمكننا أن نخوض في الاسم هل ~~هو نفس المسمى أم لا ، فنقول : وإن كان المراد من الاسم هو هذا اللفظ ، ~~وبالمسمى تلك الذات ، فالعاقل لا يمكنه أن يقول : الاسم هو المسمى ، وإن ~~كان المراد ، من الاسم هو تلك الذات ، وبالمسمى أيضا تلك الذات كان قولنا ~~الاسم نفس المسمى ، هو أن تلك الذات نفس تلك الذات ، وهذا لا يمكن أن ينازع ~~فيه عاقل ، فعلمنا أن هذه المسألة في وصفها ركيكة . وإن كان كذلك كان الخوض ~~في ذكر الاستدلال عليه أرك وأبعد بل ههنا دقيقة ، وهي أن قولنا : اسم لفظة ~~جعلناها اسما لكل ما دل على معنى غير مقترن بزمان ، والاسم كذلك فيلزم أن ms9579 ~~يكون الاسم إسما لنفسه فههنا الاسم نفس المسمى فلعل العلماء الأولين ذكروا ~~ذلك فاشتبه الأمر على المتأخرين ، وظنوا أن الاسم في جميع المواضع نفس ~~المسمى ، هذا حاصل التحقيق في هذه المسألة ، ولنرجع إلى الكلام المألوف ، ~~قالوا : الذي يدل على أن الاسم نفس المسمى أن أحدا لا يقول سبحان اسم الله ~~وسبحان اسم ربنا فمعنى { سبح اسم ربك } سبح ربك ، والرب أيضا اسم فلو كان ~~غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه ، واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لما ~~بينا / في المسألة الأولى أنه يمكن أن يكون الأمر واردا بتسبيح الاسم ، ~~ويمكن أن يكون المراد تسبيح المسمى وذكر الاسم صلة فيه . ويمكن أن يكون ~~المراد سبح باسم ربك كما يقال : { فسبح باسم ربك العظيم } ( الواقعة : 74 ) ~~ويكون المعنى سبح ربك بذكر أسمائه . PageV31P124 # المسألة الثالثة : روى عن عقبة بن عامر أنه لما نزل قوله تعالى : { فسبح ~~باسم ربك العظيم } قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوها في ~~ركوعكم ) ولما نزل قوله : { سبح اسم ربك الاعلى } قال : ( اجعلوها في ~~سجودكم ) ثم روي في الأخبار أنه عليه السلام كان يقول : في ركوعه : ( سبحان ~~ربي العظيم ) وفي سجوده : ( سبحان ربي الأعلى ) ثم من العلماء من قال : إن ~~هذه الأحاديث تدل على أن المراد من قوله : { سبح اسم ربك } أي صل باسم ربك ~~، ويتأكد هذا الاحتمال بإطباق المفسرين على أن قوله تعالى : { فسبحان الله ~~حين تمسون وحين تصبحون } ( الروم : 17 ) ورد في بيان أوقات الصلاة . # المسألة الرابعة : قرأ علي عليه السلام وابن عمر : سبحان ربي الأعلى * ~~الذي خلق فسوى ولعل الوجه فيه أن قوله : { سبح } أمر بالتسبيح فلا بد وأن ~~يذكر ذلك التسبيح وما هو إلا قوله : { سبحان ربى * الاعلى } . # المسألة الخامسة : تمسكت المجسمة في إثبات العلو بالمكان بقوله : { ربك ~~الاعلى } والحق أن العلو بالجهة على الله تعالى محال ، لأنه تعالى إما أن ~~يكون متناهيا أو غير متناه ، فإن كان متناهيا كان طرفه الفوقاني متناهيا ، ~~فكان فوقه جهة فلا يكون هو سبحانه أعلى من ms9580 جميع الأشياء وأما إن كان غير ~~متناه فالقول : بوجود أبعاد غير متناهية محال وأيضا فلأنه إن كان غير متناه ~~من جميع الجهات يلزم أن تكون ذاته تعالى مختلطة بالقاذورات تعالى الله عنه ~~، وإن كان غير متناه من بعض الجهات ومتناهيا من بعض الجهات كان الجانب ~~المتناهي مغايرا للجانب غير المتناهي فيكون مركبا من جزأين ، وكل مركب ممكن ~~، فواجب الوجود لذاته ممكن الوجود ، هذا محال . فثبت أن العلو ههنا ليس ~~بمعنى العلو في الجهة / مما يؤكد ذلك أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ينافي ~~أن يكون المراد هو العلو بالجهة ، أما قبل الآية فلأن العلو عبارة عن كونه ~~في غاية البعد عن العالم ، وهذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم ~~، أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد بالتخليق والإبداع فيناسب ذلك ، ~~والسورة ههنا مذكورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق الحمد والثناء ~~والتعظيم ، وأما ما بعد هذه الآية فلأنه أردف قوله : { الاعلى } بقوله : { ~~الذى خلق فسوى } والخالقية تناسب العلو بحسب القدرة لا العلو بحسب الجهة . # المسألة السادسة : من الملحدين من قال : بأن القرآن مشعر بأن للعالم ربين ~~أحدهما عظيم والآخر أعلى منه ، أما العظيم فقوله : { فسبح باسم ربك العظيم ~~} وأما الأعلى منه فقوله : { سبح اسم ربك الاعلى } فهذا يقتضي وجود رب آخر ~~يكون هذا أعلى بالنسبة إليه . # واعلم أنه لما دلت الدلائل على أن الصانع تعالى واحد سقط هذا السؤال ، ثم ~~نقول ليس في / هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلى من رب آخر ، بل ليس فيه ~~إلا أنه أعلى ، ثم لنا فيه تأويلات . # الأول : أنه تعالى أعلى وأجل وأعظم من كل ما يصفه به الواصفون ، ومن كل ~~ذكر يذكره به الذاكرون ، فجلال كبريائه أعلى من معارفنا وإدراكاتنا ، ~~وأصناف آلائه ونعمائه أعلى من حمدنا وشكرنا ، وأنواع حقوقه أعلى من طاعاتنا ~~وأعمالنا . # الثاني : أن قوله : { الاعلى } تنبيه على استحقاق الله التنزيه من كل نقص ~~فكأنه قال سبحانه فإنه : { الاعلى } أي فإنه العالي على كل شيء بملكه ~~وسلطانه وقدرته ، وهو كما تقول : اجتنبت الخمر ms9581 المزيلة للعقل أي اجتنبتها ~~بسبب كونها مزيلة للعقل . PageV31P125 # والثالث : أن يكون المراد بالأعلى العالي كما أن المراد بالأكبر الكبير . # المسألة السابعة : روي أنه عليه السلام كان يحب هذه السورة ويقول : ( لو ~~علم الناس علم سبح اسم ربك الأعلى لرددها أحدهم ست عشرة مرة ) وروى : ( أن ~~عائشة مرت بأعرابي يصلي بأصحابه فقرأ : ( سبح اسم ربك الأعلى ، الذي يسر ~~على الحبلى ، فأخرج منها نسمة تسعى ، من بين صفاق وحشا ، أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى ، ألا بلى ألا بلى ) فقالت عائشة : لا آب غائبكم ، ولا ~~زالت نساؤكم في لزبة ) والله أعلم . # أما قوله تعالى : { الذى خلق فسوى * والذى قدر فهدى } فاعلم أنه سبحانه ~~وتعالى لما أمر بالتسبيح ، فكأن سائلا قال : الاشتغال بالتسبيح إنما يكون ~~بعد المعرفة ، فما الدليل على وجود الرب ؟ فقال : { الذى خلق فسوى * والذى ~~قدر فهدى } واعلم أن الاستدلال بالخلق والهداية هي الطريقة المعتمدة عند ~~أكابر الأنبياء عليهم * والدليل عليه ما حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه ~~السلام ، أنه قال : { الذى خلقنى فهو يهدين } ( الشعراء : 78 ) وحكى عن ~~فرعون أنه لما قال لموسى وهرون عليهما السلام : { فمن ربكما ياموسى * موسى ~~} ( طه : 49 ) ؟ قال موسى عليه السلام : { ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه ثم ~~هدى } ( طه : 50 ) وأما محمد عليه السلام فإنه تعالى أول ما أنزل عليه هو ~~قوله : { اقرأ باسم ربك الذى خلق * خلق الإنسان من علق } ( العلق : 2 , 1 ) ~~هذا إشارة إلى الخلق ، ثم قال : { اقرأ وربك الاكرم * الذى علمكم * بالقلم ~~} ( العلق : 4 , 3 ) وهذا إشارة إلى الهداية ، ثم إنه تعالى أعاد ذكر تلك ~~الحجة في هذه السورة ، فقال : { الذى خلق فسوى * والذى قدر فهدى } وإنما ~~وقع الاستدلال بهذه الطريقة كثيرا لما ذكرنا أن العجائب والغرائب في هذه ~~الطريقة أكثر ، ومشاهدة الإنسان لها / واطلاعه عليها أتم ، فلا جرم كانت ~~أقوى في الدلالة ، ثم ههنا مسائل : # المسألة الأولى : قوله : { خلق فسوى } يحتمل أن يريد به الناس خاصة ، ~~ويحتمل أن يريد الحيوان ، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه ، فمن حمله ms9582 على ~~الإنسان ذكر للتسوية وجوها أحدها : أنه جعل قامته مستوية معتدلة وخلقته ~~حسنة ، على ما قال : { لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم } ( التين : 4 ) ~~وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه ، فقال : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ، ~~وثانيها : أن كل حيوان / فإنه مستعد لنوع واحد من الأعمال فقط ، وغير مستعد ~~لسائر الأعمال ، أما الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع أفعال ~~الحيوانات بواسطة آلات مختلفة فالتسوية إشارة إلى هذا وثالثها : أنه هيأ ~~للتكليف والقيام بأداء العبادات ، وأما من حمله على جميع الحيوانات . قال : ~~المراد أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من أعضاء وآلات وحواس ، وقد ~~استقصينا القول في هذا الباب في مواضع كثيرة من هذا الكتاب ، وأما من حمله ~~على جميع المخلوقات ، قال : المراد من التسوية هو أنه تعالى قادر على كل ~~الممكنات عالم بجميع المعلومات ، خلق ما أراد على وفق ما أراد موصوفا بوصف ~~الأحكام والإتقان ، مبرأ عن الفسخ والاضطراب . # المسألة الثانية : قرأ الجمهور : { قدر } مشددة وقرأ الكسائي على التخفيف ~~، أما قراءة التشديد فالمعنى أنه قدر كل شيء بمقدار معلوم ، وأما التخفيف ~~فقال القفال : معناه ملك فهدى وتأويله : أنه خلق فسوى ، وملك ما خلق ، أي ~~تصرف فيه كيف شاء وأراد ، وهذا هو الملك فهداه لمنافعه ومصالحه ، ومنهم من ~~قال : هما لغتان بمعنى واحد ، وعليه قوله تعالى : { فقدرنا فنعم القادرون } ~~بالتشديد والتخفيف . PageV31P126 # المسألة الثالثة : أن قوله : { قدر } يتناول المخلوقات في ذواتها وصفاتها ~~كل واحد على حسبه فقدر السموات والكواكب والعناصر والمعادن والنبات ~~والحيوان والإنسان بمقدار مخصوص من الجثة والعظم ، وقدر لكل واحد منها من ~~البقاء مدة معلومة ومن الصفات والألوان والطعوم والروائح والأيون والأوضاع ~~والحسن والقبح والسعادة والشقاوة والهداية والضلالة مقدارا معلوما على ما ~~قال : { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ( الحجر : ~~21 ) وتفصيل هذه الجملة مما لا يفي بشرحه المجلدات ، بل العالم كله من أعلى ~~اعليين إلى أسفل السافلين ، تفسير هذه الآية . وتفصيل هذه الجملة . # أما قوله : { فهدى } فالمراد أن كل مزاج فإنه مستعد ms9583 لقوة خاصة وكل قوة ~~فإنها لا تصلح إلا لفعل معين ، فالتسوية والتقدير عبارة عن التصرف في ~~الأجزاء الجسمانية وتركيبها على وجه خاص لأجله تستعد لقبول تلك القوى ، ~~وقوله : { فهدى } عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوة ~~مصدرا لفعل معين ، ويحصل من مجموعها تمام المصلحة ، وللمفسرين فيه وجوه ، ~~قال مقاتل : هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها ، وقال آخرون : هداه للمعيشة ~~ورعاه ، وقال آخرون : هدى الإنسان لسبل الخير والشر والسعادة والشقاوة ، ~~وذلك لأنه جعله حساسا دراكا متمكنا من الإقدام على ما يسره والإحجام عما ~~يسوءه كما قال : { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } ( الإنسان : 3 ~~) وقال : { ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها } ( الشمس : 8 , 7 ) ~~وقال السدي : قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج وقال الفراء : قدر ~~فهدى وأضل ، فاكتفى بذكر إحداهما : كقوله : { سرابيل تقيكم الحر } ( النحل ~~: 81 ) وقال آخرون : الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان كقوله : { وإنك ~~لتهدى } ( الشورى : 52 ) أي تدعو / وقد دعى الكل إلى الإيمان ، وقال / ~~آخرون : هدى أي دلهم بأفعاله على توحيده وجلال كبريائه ، ونعوت صمديته ، ~~وفردانيته ، وذلك لأن العاقل يرى في العالم أفعال محكمة متقنة منتسقة ~~منتظمة ، فهي لا محالة تدل على الصانع القديم ، وقال قتادة في قوله : { ~~فهدى } إن الله تعالى ما أكره عبدا على معصية ، ولا على ضلالة ، ولا رضيها ~~له ولا أمره بها ، ولكن رضي لكم الطاعة ، وأمركم بها ، ونهاكم عن المعصية ، ~~واعلم أن هذه الأقوال على كثرتها لا تخرج عن قسمين ، فمنهم من حمل قوله : { ~~فهدى } على ما يتعلق بالدين كقوله : { وهديناه النجدين } ومنهم من حمله على ~~ما يرجع إلى مصالح الدنيا ، والأول أقوى ، لأن قوله : { خلق فسوى * وقدر } ~~يرجع إلى أحوال الدنيا ، ويدخل فيه إكمال العقل والقوى ، ثم أتبعه بقوله : ~~{ فهدى } أي كلفه ودله على الدين ، أما قوله تعالى : { والذى أخرج المرعى } ~~فاعلم أنه سبحانه لما بين ما يختص به الناس أتبعه بذكر ما يختص به غير ~~الناس من النعم : فقال : { والذى أخرج المرعى } أي هو القادر ms9584 على إنبات ~~العشب لا الأصنام التي عبدتها الكفرة ، والمرعى ما تخرجه الأرض من النبات ~~ومن الثمار والزروع والحشيش ، قال ابن عباس : المرعى الكلأ الأخضر ، ثم قال ~~: فجعله غثاء أحوى وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : الغثاء ما يبس من النبت فحملته الأودية والمياه وألوت ~~به الرياح ، وقال قطرب واحد الغثاء غثاءة . # المسألة الثانية : الحوة السواد ، وقال بعضهم : الأحوى هو الذي يضرب إلى ~~السواد إذا أصابته رطوبة ، وفي أحوى قولان : أحدهما : أنه نعت الغثاء أي ~~صار بعد الخضرة يابسا فتغير إلى السواد ، وسبب ذلك PageV31P127 السواد أمور ~~أحدها : أن العشب إنما يجف عند استيلاء البرد على الهواء ، ومن شأن البرودة ~~أنها تبيض الرطب وتسود اليابس وثانيها : أن يحملها السيل فيلصق بها أجزاء ~~كدرة فتسود وثالثها : أن يحملها الريح فتلصق بها الغبار الكثير فتسود القول ~~الثاني : وهو اختيار الفراء وأبي عبيدة ، وهو أن يكون الأحوى هو الأسود ~~لشدة خضرته ، كما قيل : { مدهامتان } أي سوداوان لشدة خضرتهما ، والتقدير ~~الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء ، كقوله : { ولم يجعل له عوجا * قيما } ~~أي أنزل قيما ولم يجعل له عوجا . # ! 7 < { سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شآء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى } . ~~> 7 ! # < < # | الأعلى : ( 6 ) سنقرئك فلا تنسى # > > اعلم أنه تعالى لما أمر محمدا بالتسبيح فقال : { سبح اسم ربك الاعلى ~~} ( الأعلى : 1 ) وعلم محمدا عليه السلام أن ذلك التسبيح لا يتم ولا يكمل ~~إلا بقراءة ما أنزله الله تعالى عليه من القرآن ، لما بينا أن التسبيح الذي ~~يليق به هو الذي يرتضيه لنفسه ، فلا جرم كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ~~ينسى فأزال الله تعالى ذلك الخوف عن قلبه بقوله : { سنقرئك فلا تنسى } وفيه ~~مسائل : # / المسألة الأولى : قال الواحدي : { سنقرئك } أي سنجعلك قارئا بأن نلهمك ~~القراءة فلا تنسى ما تقرؤه ، والمعنى نجعلك قارئا للقرآن تقرؤه فلا تنساه ، ~~قال مجاهد ومقاتل والكلبي : كان عليه السلام إذا نزل عليه القرآن أكثر ~~تحريك لسانه مخافة أن ينسى ، وكان جبريل لا يفرغ من آخر الوحي حتى يتكلم هو ~~بأوله مخافة النسيان ms9585 ، فقال تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } أي سنعلمك هذا ~~القرآن حتى تحفظه ، ونظيره قوله : { ولا تعجل بالقرءان من قبل إن * يقضى * ~~إليك وحيه } ( طه : 114 ) وقوله : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } ثم ذكروا ~~في كيفية ذلك الاستقراء والتعليم وجوها أحدها : أن جبريل عليه السلام سيقرأ ~~عليك القرآن مرات حتى تحفظه حفظا لا تنساه وثانيها : أنا نشرح صدرك ونقوي ~~خاطرك حتى تحفظ بالمرة الواحدة حفظا لا تنساه وثالثها : أنه تعالى لما أمره ~~في أول السورة بالتسبيح فكأنه تعالى قال : واظب على ذلك ودم عليه فإنا ~~سنقرئك القرآن الجامع لعلوم الأولين والآخرين ويكون فيه ذكرك وذكر قومك ~~ونجمعه في قلبك ، ونيسرك لليسرى وهو العمل به . # المسألة الثانية : هذه الآية تدل على المعجزة من وجهين الأول : أنه كان ~~رجلا أميا فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة ولا تكرار ولا كتبة ، ~~خارق للعادة فيكون معجزا الثاني : أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة ، ~~فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة سيقع في المستقبل وقد وقع فكان ~~هذا إخبارا عن الغيب فيكون معجزا ، أما قوله : { فلا تنسى } فقال بعضهم : { ~~فلا تنسى } معناه النهي ، والألف مزيدة للفاصلة ، كقوله : { السبيلا } ( ~~الأحزاب : 67 ) يعني فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ~~ينسيكه ، والقول المشهور أن هذا خبر والمعنى سنقرئك إلى أن تصير بحيث لا ~~تنسى وتأمن النسيان ، كقولك سأكسوك فلا تعرى أي فتأمن العرى ، واحتج أصحاب ~~هذا القول على ضعف القول الأول بأن ذلك القول لا يتم إلا عند التزام مجازات ~~في هذه الآية منها أن النسيان لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فلا يصح ورود ~~الأمر والنهي به ، فلا بد وأن يحمل ذلك على المواظبة على الأشياء التي ~~تنافي النسيان مثل الدراسة وكثرة PageV31P128 التذكر . وكل ذلك عدول عن ~~ظاهر اللفظ . ومنها أن تجعل الألف مزيدة للفاصلة وهو أيضا خلاف الأصل ومنها ~~أنا إذا جعلناه خبرا كان معنى الآية بشارة الله إياه بأني أجعلك بحيث لا ~~تنساه ، وإذا جعلناه نهيا كان معناه ms9586 أن الله أمره بأن يواظب على الأسباب ~~المانعة من النسيان وهي الدراسة والقراءة ، وهذا ليس في البشارة وتعظيم ~~حاله مثل الأول ، ولأنه على خلاف قوله : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } ( ~~القيامة : 16 ) . # أما قوله : { إلا ما شاء الله } ففيه احتمالان أحدهما : أن يقال : هذا ~~الاستثناء غير حاصل في الحقيقة وأنه عليه السلام لم ينس بعد ذلك شيئا ، قال ~~الكلبي : إنه عليه السلام لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئا / وعلى هذا ~~التقدير يكون الغرض من قوله : { إلا ما شاء الله } أحد أمور أحدها : التبرك ~~بذكر هذه الكلمة على ما قال تعالى : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا * ~~إلا أن يشاء الله } ( الكهف : 24 , 23 ) وكأنه تعالى يقول : أنا مع أني ~~عالم بجميع المعلومات وعالم بعواقب الأمور على التفصيل لا أخبر عن / وقوع ~~شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة فأنت وأمتك يا محمد أولى بها وثانيها : ~~قال الفراء : إنه تعالى ما شاء أن ينسى محمد عليه السلام شيئا ، إلا أن ~~المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصير ناسيا لذلك ~~لقدر عليه ، كما قال : { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك } ( الإسراء : ~~86 ) ثم إنا نقطع بأنه تعالى ما شاء ذلك وقال لمحمد عليه السلام : { لئن ~~أشركت ليحبطن عملك } مع أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك ألبتة ، وبالجملة ~~ففائدة هذا الاستثناء أن الله تعالى يعرفه قدرة ربه حتى يعلم أن عدم ~~النسيان من فضل الله وإحسانه لا من قوته وثالثها : أنه تعالى لما ذكر هذا ~~الاستثناء جوز رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما ينزل عليه من الوحي ~~قليلا كان أو كثيرا أن يكون ذلك هو المستثنى ، فلا جرم كان يبالغ في التثبت ~~والتحفظ والتيقظ في جميع المواضع ، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء ~~بقاءه عليه السلام على التيقظ ، في جميع الأحوال ورابعها : أن يكون الغرض ~~من قوله : { إلا ما شاء الله } نفي النسيان رأسا ، كما يقول الرجل لصاحبه : ~~أنت سهيمي فيما أملك ms9587 إلا فيما شاء ( الله ) ، ولا يقصد استثناء شيء . القول ~~الثاني : أن قوله : { إلا ما شاء الله } استثناء في الحقيقة ، وعلى هذا ~~التقدير تحتمل الآية وجوها أحدها : قال الزجاج : إلا ما شاء الله أن ينسى ، ~~فإنه ينسى ثم يتذكر بعد ذلك ، فإذا قد ينسى ولكنه يتذكر فلا ينسى نسيانا ~~كليا دائما ، روى أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة ، فحسب أبي أنها نسخت ، ~~فسأله فقال : نسيتها . وثانيها : قال مقاتل : إلا ما شاء الله أن ينسيه ، ~~ويكون المراد من الإنساء ههنا نسخة ، كما قال : { ما ننسخ من ءاية أو ننسها ~~نأت بخير منها } فيكون المعنى إلا ما شاء الله أن تنساه على الأوقات كلها ، ~~فيأمرك أن لا تقرأه ولا تصلي به ، فيصير ذلك سببا لنسيانه ، وزواله عن ~~الصدور . وثالثها : أن يكون معنى قوله : { إلا ما شاء الله } القلة والندرة ~~، ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع ، بل من الآداب والسنن ، ~~فإنه لو نسي شيئا من الواجبات ولم يتذكره أدى ذلك إلى الخلل في الشرع ، ~~وإنه غير جائز . # أما قوله تعالى : { إنه يعلم الجهر وما يخفى } ففيه وجهان أحدهما : أن ~~المعنى أنه سبحانه عالم بجهرك في القراءة مع قراءة جبريل عليه السلام ، ~~وعالم بالسر الذي في قلبك وهو أنك تخاف النسيان ، فلا تخف فأنا أكفيك ما ~~تخافه والثاني : أن يكون المعنى : فلا تنسى إلا ما شاء الله أن ينسخ ، فإنه ~~أعلم بمصالح العبيد ، فينسخ حيث يعلم أن المصلحة في النسخ . # PageV31P129 ! 7 < { ونيسرك لليسرى } . > 7 ! # < < # | الأعلى : ( 8 ) ونيسرك لليسرى # > > ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اليسرى هي أعمال الخير التي تؤدي إلى اليسر ، إذا عرفت ~~هذا فنقول : للمفسرين فيه وجوه : أحدها : أن قوله : { ونيسرك } معطوف على { ~~* سنقرؤك } وقوله : { الله إنه يعلم الجهر وما يخفى } اعتراض ، والتقدير : ~~سنقرؤك فلا تنسى ، ونوفقك للطريقة التي هي أسهل وأيسر ، يعني في حفظ القرآن ~~وثانيها : قال ابن مسعود : اليسرى الجنة ، والمعنى نيسرك للعمل المؤدى ~~إليها وثالثها : نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه وتعمل به ورابعها : ~~نوفقك للشريعة وهي الحنيفية ms9588 السهلة السمحة ، والوجه الأول أقرب . # المسألة الثانية : لسائل أن يسأل فيقول العبارة المعتادة أن يقال : جعل ~~الفعل الفلاني ميسرا لفلان ، ولا يقال : جعل فلان ميسرا للفعل الفلاني فما ~~الفائدة فيه ؟ ههنا الجواب : أن هذه العبارة كما أنها اختيار القرآن في هذا ~~الموضع ، وفي سورة الليل أيضا ، فكذا هي اختيار الرسول في قوله عليه السلام ~~: ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) وفيه لطيفة علمية ، وذلك لأن ذلك الفعل ~~في نفسه ماهية ممكنة قابلة للوجود والعدم على السوية ، فما دام القادر يبقى ~~بالنسبة إلى فعلها وتركها على السوية امتنع صدور الفعل عنه ، فإذا نرجح ~~جانب الفاعلية على جانب التاركية ، فحينئذ يحصل الفعل ، فثبت أن الفعل ما ~~لم يجب لم يوجد ، وذلك الرجحان هو المسمى بالتيسير ، فثبت أن الأمر ~~بالتحقيق هو أن الفاعل يصير ميسرا للفعل ، لا أن الفعل يصير ميسرا للفاعل ، ~~فسبحان من له تحت كل كلمة حكمة خفية وسر عجيب يبهر العقول . # المسألة الثالثة : إنما قال : { ونيسرك لليسرى } بنون التعظيم لتكون عظمة ~~المعطى دالة على عظمة العطاء ، نظيره قوله تعالى : { إنا أنزلناه } ( يوسف ~~: 2 ) { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) ( إنا أعطيناك الكوثر } ( ~~الكوثر : 1 ) دلت هذه الآية على أنه سبحانه فتح عليه من أبواب التيسير ~~والستهيل ما لم يفتحه على أحد غيره ، وكيف لا وقد كان صبيا لا أب له ولا أم ~~له نشأ في قوم جهال ، ثم إنه تعالى جعله في أفعاله وأقواله قدوة للعالمين ، ~~وهديا للخلق أجمعين . # ! 7 < { * } ( الكوثر : 1 ) دلت هذه الآية على أنه سبحانه فتح عليه من ~~أبواب التيسير والستهيل ما لم يفتحه على أحد غيره ، وكيف لا وقد كان صبيا ~~لا أب له ولا أم له نشأ في قوم جهال ، ثم إنه تعالى جعله في أفعاله وأقواله ~~قدوة للعالمين ، وهديا للخلق أجمعين . # ! 7 < { فذكر إن نفعت الذكرى } . > 7 ! # < < # | الأعلى : ( 9 ) فذكر إن نفعت . . . . . # > > فاعلم أنه تعالى لما تكمل بتيسير جميع مصالح الدنيا والآخرة أمر ~~بدعوة الخلق إلى الحق ، لأن كمال حال الإنسان في أن يتخلق ms9589 بأخلاق الله ~~سبحانه تاما وفوق التمام ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام تاما بمقتضى ~~قوله : { ونيسرك لليسرى } ( الأعلى : 8 ) أمر بأن يجعل نفسه فوق التمام ~~بمقتضى قوله : { فذكر } لأن التذكير يقتضي تكميل الناقصين وهداية الجاهلين ~~، ومن كان كذلك كان فياضا للكمال ، فكان تاما وفوق التمام ، وههنا سؤالات : ~~PageV31P130 # السؤال الأول : أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم ~~سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم ، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله ~~: { إن نفعت الذكرى } ؟ الجواب : أن المعلق بأن على الشيء لا يلزم أن يكون ~~عدما عند عدم ذلك الشيء ، ويدل عليه آيات منها هذه الآية ومنها قوله : { ~~ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا } ( النور : 33 ) ومنها قوله ~~: { واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون } ( البقرة : 172 ) ومنها قوله : { ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم } ( النساء : 101 ) فإن ~~القصر جائز وإن لم يوجد الخوف ، ومنها قوله : { ولم تجدوا كاتبا فرهان } ( ~~البقرة : 283 ) والرهن جائز مع الكتابة ، ومنها قوله : { فلا جناح عليهما ~~أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } والمراجعة جائزة بدون هذا الظن ، ~~إذا عرفت هذا فنقول ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد إحداها : أن من باشر فعلا ~~لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض ، ~~كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الأفضاء ، فلذلك ~~قال : { إن نفعت الذكرى } وثانيها : أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ، ونبه ~~على الأخرى كقوله : { سرابيل تقيكم الحر } ( النحل : 81 ) والتقدير : { ~~فذكر إن نفعت الذكرى } أو لم تنفع وثالثها : أن المراد منه البعث على ~~الانتفاع بالذكرى ، كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق : قد أوضحت لك إن ~~كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع به ورابعها : أن هذا يجري ~~مجرى تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل ~~: ادع فلانا إن أجابك ، والمعنى وما أراه يجيبك وخامسها : أنه عليه السلام ~~دعاهم إلى ms9590 الله كثيرا ، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر ، وكان عليه ~~السلام يحترق حسرة على ذلك فقيل له : { وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرءان ~~من يخاف وعيد } ( ق : 45 ) إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما ~~التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا ~~الشرط . # السؤال الثاني : التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلا بالعواقب ~~، أما علام الغيوم فكيف يليق به ذلك ؟ الجواب : روي في الكتب أنه تعالى كان ~~يقول لموسى : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى } ( طه : 44 ) وأنا ~~أشهد أنه لا يتذكر ولا يخشى . فأمر الدعوة والبعثة شيء وعلمه تعالى ~~بالمغيبات وعواقب الأمور غير ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر . # السؤال الثالث : التذكير المأمور به هل مضبوط مثل أن يذكرهم عشرات مرات ، ~~أو غير مضبوط ، وحينئذ كيف يكون الخروج عن عهدة التكليف ؟ والجواب : أن ~~الضابط فيه هو العرف والله أعلم . # ! 7 < { سيذكر من يخشى } . > 7 ! # < < # | الأعلى : ( 10 ) سيذكر من يخشى # > > ففيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الناس في أمر المعاد على ثلاثة أقسام منهم من ~~قطع بصحته ، ومنهم من جوز وجوده ولكنه غير قاطع فيه لا بالنفي ولا بالإثبات ~~، ومنهم من أصر على إنكاره وقطع بأنه لا يكون فالقسمان الأولان تكون الخشية ~~حاصلة لهما ، وأما القسم الثالث فلا خشية له ولا خوف إذا عرفت ذلك ظهر أن ~~PageV31P131 الآية تحتمل تفسيرين : أحدهما : أن يقال : الذي يخشى هو الذي ~~يكون عارفا بالله وعارفا بكمال قدرته وعلمه وحكمته ، وذلك يقتضي كونه قاطعا ~~بصحة المعاد / ولذلك قال تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( ~~فاطر : 28 ) فكأنه تعالى لما قال : { فذكر إن نفعت الذكرى } بين في هذه ~~الآية أن الذي تنفعه الذكرى من هو ، ولما كان الانتفاع بالذكرى مبنيا على ~~حصول الخشية في القلب ، وصفات القلوب مما لا اطلاع لأحد عليها إلا الله ~~سبحانه وجب على الرسول تعميم الدعوة تحصيلا للمقصود ، فإن المقصود تذكير من ~~ينتفع بالتذكير ، ولا سبيل إليه إلا بتعميم التذكير ms9591 . الثاني : أن يقال : ~~إن الخشية حاصلة للعاملين وللمتوقفين غير المعاندين وأكثر الخلق متوقفون ~~غير معاندين والمعاند فيهم قليل ، فإذا ضم إلى المتوقفين الذين لهم الغلبة ~~العارفون كانت الغلبة العظيمة لغير المعاندين ، ثم إن كثيرا من المعاندين ، ~~إنما يعاندون باللسان ، فأما المعاند في قلبه بينه وبين نفسه فذلك مما لا ~~يكون أو إن كان فهو في غاية الندرة والقلة ، ثم إن الإنسان إذا سمع التخويف ~~بأنه { يصلى النار الكبرى } ( الأعلى : 12 ) وأنه { لا يموت فيها ولا * يحى ~~} ( الأعلى : 13 ) انكسر قلبه فلا بد وأن يستمع وينتفع أغلب الخلق في أغلب ~~الأحوال ، وأما ذلك المعرض فنادر ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر ~~كثير ، فمن هذا الوجه كان قوله : { فذكر إن نفعت الذكرى } يوجب تعميم ~~التذكير . # المسألة الثالثة : السين في قوله : { سيذكر } يحتمل أن تكون بمعنى سوف ~~يذكر وسوف من الله واجب كقوله : { سنقرئك فلا تنسى } ( الأعلى : 6 ) ويحتمل ~~أن يكون المعنى أن من خشي الله فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من ~~التدبر والنظر فهو بعد طول المدة يذكر ، والله أعلم . # المسألة الرابعة : العلم إنما يسمى تذكرا إذا كان قد حصل العلم أولا ثم ~~نسيه وهذه الحالة غير حاصلة للكفار فكيف سمى الله تعالى ذلك بالتذكر ؟ ~~وجوابه : أن لقوة الدلائل وظهورها كأن ذلك العلم كان حاصلا ، ثم إنه زال ~~بسبب التقليد والعناد . فلهذا أسماه الله تعالى بالتذكر . # المسألة الخامسة : قيل : نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان ، وقيل : نزلت ~~في ابن أم مكتوم . أما قوله تعالى : # ! 7 < { ويتجنبها الا شقى * الذى يصلى النار الكبرى } . > 7 ! # < < # | الأعلى : ( 11 ) ويتجنبها الأشقى # > > فاعلم أنا بينا أن أقسام الخلق ثلاثة العارفون والمتوقفون والمعاندون ~~، وبينا أن القسمين الأولين ، لا بد وأن يكون لهما خوف وخشية ، وصاحب ~~الخشية لا بد وأن يستمع إلى الدعوة وينتفع بها ، فيكون الأشقى هو المعاند ~~الذي لا يستمع إلى الدعوة ولا ينتفع بها ، فلهذا قال تعالى : { ويتجنبها ~~الاشقى * الذى * يصلى النار الكبرى } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : ذكروا في تفسير النار ms9592 { الكبرى } وجوها أحدها : قال ~~الحسن : الكبرى نار جهنم ، والصغرى نار الدنيا وثانيها : أن في الآخرة ~~نيرانا ودركات متفاضلة كماأن في الدنيا ذنوبا ومعاصي متفاضلة ، وكما أن ~~الكافر أشقى العصاة كذلك يصلى أعظم النيران وثالثها : / أن النار الكبرى هي ~~النار السفلى ، وهي تصيب الكفار على ما قال تعالى : { إن المنافقين فى ~~الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) . PageV31P132 # المسألة الثانية : قالوا : نزلت هذه الآية في الوليد وعتبة وأبي ، وأنت ~~تعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، لا سيما وقد بينا صحة هذا ~~الترتيب بالبرهان العقلي . # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إن الله تعالى ذكر ههنا قسمين أحدهما ~~: الذي يذكر ويخشى والثاني : الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ، لكن وجود ~~الأشقى يستدعي وجود الشقي فكيف حال هذا القسم ؟ وجوابه : أن لفظة الأشقى لا ~~تقتضي وجود الشقي إذ قد يجري مثل هذا اللفظ من غير مشاركة ، كقوله تعالى : ~~{ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا } ( الفرقان : 24 ) وقيل : ~~المعنى ، ويتجنبها الشقي الذي يصلى كما في قوله : { وهو أهون عليه } ( ~~الروم : 27 ) أي هين عليه ، ومثل قول القائل : # % إن الذي سمك السماء بنى لنا % % بيتا دعائمه أعز وأطول % # هذا ما قيل لكن التحقيق ما ذكرنا أن الفرق الثلاثة ، العارف والمتوقف ~~والمعاند فالسعيد هو العارف ، والمتوقف له بعض الشقاء والأشقى هو المعاند ~~الذي بينا أنه هو الذي لا يلتفت إلى الدعوة ولا يصغى إليها ويتجنبها . أما ~~قوله تعالى : # ! 7 < { ثم لا يموت فيها ولا يحيا } . > 7 ! # < < # | الأعلى : ( 13 ) ثم لا يموت . . . . . # > > ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : للمفسرين فيه وجهان : أحدهما : لا يموت فيستريح ولا ~~يحيا حياة تنفعه ، كما قال : { لا * يقضى * عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها } ( فاطر : 36 ) وهذا على مذهب العرب تقول للمبتلي بالبلاء الشديد ~~لا هو حي ولا هو ميت وثانيهما : معناه أن نفس أحدهم في النار تصير في حلقه ~~فلا تخرج فيموت ، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا . # المسألة الثانية : إنما قيل : { ثم } لأن هذه الحالة أفظع وأعظم من الصلى ~~فهو ms9593 متراخ عنه في مراتب الشدة . أما قوله تعالى : # ! 7 < { قد أفلح من تزكى } . > 7 ! # < < # | الأعلى : ( 14 ) قد أفلح من . . . . . # > > ففيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى لما ذكر وعيد من أعرض عن النظر ~~والتأمل في دلائل الله تعالى ، أتبعه بالوعد لمن تزكى ويطهر من دنس الشرك ~~وثانيهما : وهو قول الزجاج : تكثر من التقوى لأن معنى الزاكي النامي الكثير ~~، وهذا الوجه معتضد بقوله تعالى : { قد أفلح المؤمنون * الذين هم فى صلاتهم ~~خاشعون } ( المؤمنون : 2 , 1 ) أثبت الفلاح للمستجمعين لتلك الخصال وكذلك ~~قوله تعالى في أول البقرة : { وأولائك هم المفلحون } ( البقرة : 5 ) وأما ~~الوجه الأول فإنه معتضد بوجهين : الأول : أنه تعالى لما لم يذكر في الآية ~~ما يجب التزكي عنه علمنا أن المراد هو التزكي عما مر ذكره قبل الآية ، وذلك ~~هو الكفر ، فعلمنا أن المراد ههنا : { قد أفلح من تزكى } عن الكفر الذي مر ~~ذكره قبل هذه الآية والثاني : أن الاسم المطلق ينصرف إلى المسمى الكامل ، ~~وأكمل أنواع التزكية هو تزكية القلب عن ظلمة الكفر فوجب صرف هذا المطلق ~~إليه ، ويتأكد هذا التأويل بما روي عن ابن عباس أنه قال معنى : { تزكى } ~~قول : لا إله إلا الله . PageV31P133 أما قوله تعالى : # ! 7 < { وذكر اسم ربه فصلى } . > 7 ! # < < # | الأعلى : ( 15 ) وذكر اسم ربه . . . . . # > > ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكر المفسرون فيه وجوها . أحدها : قال ابن عباس : ذكر ~~معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له . وأقول : هذا التفسير متعين وذلك لأن ~~مراتب أعمال المكلف ثلاثة أولها : إزالة العقائد الفاسدة عن القلب وثانيها ~~: استحضار معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأسمائه وثالثها : الاشتغال ~~بخدمته . # فالمرتبة الأولى : هي المراد بالتزكية في قوله : { قد أفلح من تزكى } ( ~~الأعلى : 14 ) . # وثانيها : هي المراد بقوله : { وذكر اسم ربه } فإن الذكر بالقلب ليس إلا ~~المعرفة . # وثالثها : الخدمة وهي المراد بقوله : { فصلى } فإن الصلاة عبارة عن ~~التواضع والخشوع فمن استنار قلبه بمعرفة جلال الله تعالى وكبريائه ، لا بد ~~وأن يظهر في جوارحه وأعضائه أثر الخضوع والخشوع . # وثانيها : قال قوم من المفسرين قوله : { قد أفلح من ms9594 تزكى } يعني من تصدق ~~قبل مروره إلى العيد : { وذكر اسم ربه فصلى } يعني ثم صلى صلاة العيد بعد ~~ذلك مع الإمام . وهذا قول عكرمة وأبي العالية وابن سيرين وابن عمر وروي ذلك ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا التفسير فيه إشكال من وجهين ~~الأول : أن عادة الله تعالى في القرآن تقديم ذكر الصلاة على ذكر الزكاة لا ~~تقديم الزكاة على الصلاة والثاني : قال الثعلبي : هذه السورة مكية بالإجماع ~~ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر . أجاب الواحدي عنه بأنه لا يمتنع أن يقال : ~~لما كان في معلوم الله تعالى أن ذلك سيكون أثنى على من فعل ذلك وثالثها : ~~قال مقاتل : { قد أفلح من تزكى } ( الأعلى : 14 ) أي تصدق من ماله وذكر ربه ~~بالتوحيد في الصلاة فصلى له ، والفرق بين هذا الوجه وما قبله أن هذا يتناول ~~الزكاة والصلاة المفروضتين ، والوجه الأول ليس كذلك ورابعها : { قد أفلح من ~~تزكى } ليس المراد منه زكاة المال بل زكاة الأعمال أي من تطهر في أعماله من ~~الرياء والتقصير ، لأن اللفظ المعتاد أن يقال : في المال زكى ولا يقال تزكى ~~قال تعالى : { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } ( فاطر : 18 ) ، وخامسها : قال ~~ابن عباس : { وذكر اسم ربه } أي كبر في خروجه إلى العيد وصلى صلاة العيد ~~وسادسها : المعنى وذكر اسم ربه في صلاته ولا تكون صلاته كصلاة المنافقين ~~حيث يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا . # / المسألة الثانية : الفقهاء احتجوا بهذه الآية على وجوب تكبيرة الافتتاح ~~، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بها على أن تكبيرة الافتتاح ليست من الصلاة ، ~~قال : لأن الصلاة معطوفة عليها والعطف يستدعي المغايرة ، واحتج أيضا بهذه ~~الآية على أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه وأجاب أصحابنا بأن تقدير ~~الآية ، وصلى فذكر اسم ربه ولا فرق بين أن تقول أكرمتني فزرتني وبين أن ~~تقول زرتني فأكرمتني ، ولأبي حنيفة أن يقول : ترك العمل بفاء التعقيب لا ~~يجوز من غير دليل والأولى في الجواب أن يقال : الآية تدل على مدح كل من ms9595 ذكر ~~اسم الله فصلى عقيبه وليس في الآية بيان أن ذلك الذكر هو تكبيرة الافتتاح . ~~فلعل المراد به أن من ذكر الله بقلبه وذكر ثوابه وعقابه دعاه ذلك إلى فعل ~~الصلاة ، فحينئذ يأتي بالصلاة التي أحد أجزائها التكبير ، وحينئذ يندفع ~~الاستدلال . PageV31P134 ثم قال تعالى : # ! 7 < { بل تؤثرون الحيواة الدنيا } . > 7 ! # < < # | الأعلى : ( 16 ) بل تؤثرون الحياة . . . . . # > > وفيه قراءتان : قراءة العامة بالتاء ويؤكده حرف أبي ، أي بل أنتم ~~تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة . قال ابن مسعود : إن الدنيا أحضرت ، ~~وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها ، وإن الآخرة لغيب لنا ~~وزويت عنا ، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل . وقرأ أبو عمرو : يؤثرون بالياء ~~يعني الأشقى . ثم قال تعالى : # ! 7 < { والا خرة خير وأبقى } . > 7 ! # < < # | الأعلى : ( 17 ) والآخرة خير وأبقى # > > وتمامه أن كل ما كان خيرا وأبقى فهو آثر ، فيلزم أن تكون الآخرة آثر ~~من الدنيا وهم كانوا يؤثرون الدنيا ، وإنما قلنا : إن الآخرة خير لوجوه ~~أحدها : أن الآخرة مشتملة على السعادة الجسمانية والروحانية ، والدنيا ليست ~~كذلك ، فالآخرة خير من الدنيا وثانيها : أن الدنيا لذاتها مخلوطة بالآلام ، ~~والآخرة ليست كذلك وثالثها : أن الدنيا فانية ، والآخرة باقية ، والباقي ~~خير من الفاني . ثم قال : # ! 7 < { إن هاذا لفى الصحف الا ولى } . > 7 ! # < < # | الأعلى : ( 18 ) إن هذا لفي . . . . . # > > واختلفوا في المشار إليه بلفظ هذا منهم من قال : جميع السورة ، وذلك ~~لأن السورة مشتملة على التوحيد والنبوة والوعيد على الكفر بالله ، والوعد ~~على طاعة الله تعالى . # ومنهم من قال : بل المشار إليه بهذه الإشارة هو من قوله : { قد أفلح من ~~تزكى } ( الأعلى : 14 ) إشارة إلى تطهير النفس عن كل ما لا ينبغي . أما ~~القوة النظرية فعن جميع العقائد الفاسدة ، وأما في القوة العملية فعن جميع ~~الأخلاق الذمية . # وأما قوله : { وذكر اسم ربه } ( الأعلى : 15 ) فهو إشارة إلى تكميل الروح ~~بمعرفة الله تعالى ، وأما قوله : { فصلى } ( الأعلى : 15 ) فهو إشارة إلى ~~تكميل الجوارح وتزيينها بطاعة الله تعالى . # / وأما قوله : { بل تؤثرون الحيواة الدنيا } ( الأعلى : 15 ) فهو إشارة ~~إلى الزجر ms9596 عن الالتفات إلى الدنيا . # وأما قوله : { والاخرة خير وأبقى } ( الأعلى : 15 ) فهو إشارة إلى ~~الترغيب في الآخرة وفي ثواب الله تعالى ، وهذه أمور لا يجوز أن تختلف ~~باختلاف الشرائع ، فلهذا السبب قال : { إن هاذا لفى الصحف الاولى } وهذا ~~الوجه كما تأكد بالعقل فالخبر يدل عليه ، روى عن أبي ذر أنه قال : قلت هل ~~في الدنيا مما في صحف إبراهيم وموسى ؟ فقال : اقرأ يا أبا ذر { قد أفلح من ~~تزكى } ( الأعلى : 14 ) وقال آخرون : إن قوله هذا إشارة إلى قوله : { ~~والاخرة خير وأبقى } وذلك لأن الإشارة راجعة إلى أقرب المذكورات وذلك هو ~~هذه الآية ، وأما قوله : { لفى الصحف الاولى } فهو نظير لقوله : { وإنه لفى ~~زبر الاولين } وقوله : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } ( الشورى : 13 ~~) . # ! 7 < { صحف إبراهيم وموسى } . > 7 @QB@ < # | الأعلى : ( 19 ) صحف إبراهيم وموسى # > > # فيه قولان : أحدهما : أنه بيان لقوله : { فى الصحف الاولى } ( الأعلى : ~~18 ) والثاني : أن المراد أنه مذكور في صحف جميع الأنبياء التي منها صحف ~~إبراهيم وموسى ، PageV31P135 روي عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كم أنزل الله من كتاب ؟ فقال : مائة وأربعة كتب ، على آدم عشر ~~صحف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف ~~والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وقيل : إن في صحف إبراهيم : ينبغي ~~للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه ، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV31P136 < # > 1 ( سورة الغاشية ) 1 < # > # وهي عشرون وست آيات مكية # ! 7 < { هل أتاك حديث الغاشية * وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة } . > 7 ~~@QB@ < # | الغاشية : ( 1 - 3 ) هل أتاك حديث . . . . . # > > # / اعلم أن في قوله : { هل أتاك حديث الغاشية } مسألتين : # المسألة الأولى : ذكروا في الغاشية وجوها أحدها : أنها القيامة من قوله : ~~{ يوم يغشاهم العذاب } ( العنكبوت : 55 ) إنما سميت القيامة بهذا الاسم ، ~~لأن ما أحاط بالشيء من جميع جهاته فهو غاش له ، والقيامة كذلك من وجوه ~~الأول : أنها ترد على الخلق بغتة وهو كقوله تعالى ms9597 : { أفأمنوا أن تأتيهم ~~غاشية من عذاب الله } ( يوسف : 107 ) ، والثاني : أنها تغشى الناس جميعا من ~~الأولين والآخرين . والثالث : أنها تغشى الناس بالأهوال والشدائد القول ~~الثاني : الغاشية هي النار أي تغشى وجوه الكفرة وأهل النار قال تعالى : { ~~وتغشى وجوههم النار } ( إبراهيم : 50 ) ومن فوقهم غواش } ( الأعراف : 41 ) ~~وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل القول الثالث : الغاشية أهل النار يغشونها ~~ويقعون فيها والأول أقرب ، لأن على هذا التقدير يصير المعنى أن يوم القيامة ~~يكون بعض الناس في الشقاوة ، وبعضهم في السعادة . # المسألة الثانية : إنما قال : { * } ( الأعراف : 41 ) وهو قول سعيد بن ~~جبير ومقاتل القول الثالث : الغاشية أهل النار يغشونها ويقعون فيها والأول ~~أقرب ، لأن على هذا التقدير يصير المعنى أن يوم القيامة يكون بعض الناس في ~~الشقاوة ، وبعضهم في السعادة . # المسألة الثانية : إنما قال : { هل أتاك } وذلك لأنه تعالى عرف رسول الله ~~من حالها ، وحال الناس فيها ما لم يكن هو ولا قومه عارفا به على التفصيل ، ~~لأن العقل إن دل فإنه لا يدل إلا على أن حال العصاة مخالفة لحال المطيعين . ~~فأما كيفية تلك التفاصيل فلا سبيل للعقل إليها ، فلما عرفه الله تفصيل تلك ~~الأحوال ، لا جرم قال : { هل أتاك حديث الغاشية } . # أما قوله تعالى : { وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة } فاعلم أنه وصف لأهل ~~الشقاوة ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : المراد بالوجوه أصحاب الوجوه وهم الكفار ، بدليل أنه ~~تعالى وصف الوجوه بأنها PageV31P137 خاشعة عاملة ناصبة ، وذلك من صفات ~~المكلف ، لكن الخشوع يظهر في الوجه فعلقه بالوجه لذلك ، وهو كقوله : { وجوه ~~يومئذ ناضرة } ( القيامة : 22 ) وقوله : { خاشعة } أي ذليلة قد عراهم الخزي ~~والهوان ، كما قال : { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا * رؤوسهم } ( السجدة : ~~12 ) وقال : { وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفى } ( ~~الشورى : 41 ) وإنما يظهر الذل في الوجه ، لأنه ضد الكبر الذي محله الرأس ~~والدماغ . وأما العاملة فهي التي تعمل الأعمال ، ومعنى النصب الدؤوب في ~~العمل مع التعب . # المسألة الثانية : الوجوه الممكنة في هذه الصفات الثلاثة لا تزيد على ~~ثلاثة ms9598 ، لأنه إما أن يقال : هذه الصفات بأسرها حاصلة في الآخرة ، أو هي ~~بأسرها حاصلة في الدنيا ، أو بعضها في الآخرة وبعضها في الدنيا أما الوجه ~~الأول : وهو أنها بأسرها حاصلة في الآخرة فهو أن الكفار يكونون يوم القيامة ~~خاشعين أي ذليلين ، وذلك لأنها في الدنيا تكبرت عن عبادة الله ، وعاملين ~~لأنها تعمل في النار عملا تتعب فيه وهو جرها السلاسل والأغلال الثقيلة ، ~~على ما قال : { فى سلسلة ذرعها سبعون ذراعا } ( الحاقة : 32 ) وخوضها في ~~النار كما تخوض الإبل في الوحل بحيث ترتقي عنه تارة وتغوص فيه أخرى والتقحم ~~في حر جهنم والوقوف عراة حفاة جياعا عطاشا في العرصات قبل دخول النار في ~~يوم كان مقداره ألف سنة / وناصبين لأنهم دائما يكونون في ذلك العمل قال ~~الحسن : هذه الصفات كان يجب أن تكون حاصلة في الدنيا لأجل الله تعالى ، ~~فلما لم تكن كذلك سلطها الله عليهم يوم القيامة على سبيل العقاب وأما الوجه ~~الثاني : وهو أنها بأسرها حاصلة في الدنيا ، فقيل : هم أصحاب الصوامع من ~~اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجوس ، والمعنى أنها خشعت لله وعملت ~~ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب ، وذلك لأنهم لما اعتقدوا ~~في الله ما لا يليق به ، فكأنهم أطاعوا ذاتا موصوفة بالصفات التي تخيلوها ~~فهم في الحقيقة ما عبدوا الله وإنما عبدوا ذلك المتخيل الذي لا وجود له ، ~~فلا جرم لا تنفعهم تلك العبادة أصلا وأما الوجه الثالث : وهو أن بعض تلك ~~الصفات حاصل في الآخرة وبعضها في الدنيا ففيه وجوه أحدها : أنها خاشعة في ~~الآخرة ، مع أنها كانت في الدنيا عاملة ناصبة ، والمعنى أنها لم تنتفع ~~بعملها ونصبها في الدنيا ، ولا يمتنع وصفهم ببعض أوصاف الآخرة ، ثم يذكر ~~بعض أوصاف الدنيا ثم يعاد ذكر الآخرة ، إذا كان المعنى في ذلك مفهوما فكأنه ~~تعالى قال : وجوه يوم القيامة خاشعة ، لأنها كانت في الدنيا عاملة ناصبة في ~~غير طاعة الله ، فهي إذن تصلى نارا حامية في الآخرة ثانيها : أنها خاشعة ~~عاملة في الدنيا ، ولكنها ناصبة في ms9599 الآخرة ، فخشوعها في الدنيا خوفها ~~الداعي لها إلى الإعراض عن لذائذ الدنيا وطيباتها ، وعملها هو صلاتها ~~وصومها ونصبها في الآخرة هو مقاساة العذاب على ما قال تعالى : { وبدا لهم ~~من الله لم يكونوا يحتسبون } ( الزمر : 47 ) وقرىء عاملة ناصبة على الشتم ، ~~واعلم أنه تعالى بعد أن وصفهم بهذه الصفات الثلاثة شرح بعد ذلك كيفية ~~مكانهم ومشربهم ومطعمهم نعوذ بالله منها . # ! 7 < { تصلى نارا حامية } . > 7 ! # أما مكانهم فقوله تعالى : { تصلى نارا حامية } < < # | الغاشية : ( 4 ) تصلى نارا حامية # > > يقال : صلى بالنار يصلى أي لزمها واحترق بها / وقرىء بنصب التاء ~~وحجته قوله : { إلا من هو صال الجحيم } ( الصافات : 163 ) وقرأ أبو عمرو ~~وعاصم برفع التاء PageV31P138 من أصيلته النار لقوله : { ثم الجحيم صلوه } ~~( الحاقة : 31 ) وقوله : { لخزنة جهنم } وصلوه مثل أصلوه ، وقرأ قوم تصلى ~~بالتشديد ، وقيل : المصلى عند العرب ، أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا ~~كثيرا ، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه ، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على ~~المقلاة أو في التنور ، فلا يسمى مصلى . وقوله : { حامية } أي قد أوقدت ، ~~وأحميت المدة الطويلة ، فلا حر يعدل حرها ، قال ابن عباس : قد حميت فهي ~~تتلظى على أعداء الله . # ! 7 < { تسقى من عين ءانية } . > 7 ! # وأما مشروبهم فقوله تعالى : { تسقى من عين ءانية } < < # | الغاشية : ( 5 ) تسقى من عين . . . . . # > > الآني الذي قد انتهى حره من الإيناء بمعنى التأخير . وفي الحديث : ( ~~أن رجلا آخر حضور الجمعة ثم تخطى رقاب الناس ، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم : آنيت وآذيت ) ونظير هذه الآية قوله : { يطوفون بينها وبين حميم ءان ~~} ( الرحمن : 44 ) قال المفسرون : إن حرها بلغ إلى حيث لو وقعت منها قطرة ~~على جبال الدنيا لذابت . # ! 7 < { ليس لهم طعام إلا من ضريع } . > 7 ! # وأما مطعومهم فقوله تعالى : { ليس لهم طعام إلا من ضريع } < < # | الغاشية : ( 6 ) ليس لهم طعام . . . . . # > > واختلفوا في أن الضريع . ما هو على وجوه أحدها : قال الحسن : لا أدري ~~ما الضريع ولم أسمع فيه من الصحابة شيئا وثانيها : روى عن الحسن أيضا أنه ~~قال ms9600 : الضريع بمعنى المضرع كالأليم والسميع والبديع بمعنى المؤلم والمسمع ~~والمبدع ، ومعناه إلا من طعام يحملهم على أن يضرعوا ويذلوا عند تناوله لما ~~فيه من الخشونة والمرارة والحرار وثالثها : أن الضريع ما يبس من الشبرق ، ~~وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا ، فإذا يبس تحامته وهو سم قاتل ، ~~قال أبو ذويب : # % رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى % % وعاد ضريعا عاد عنه النحائص % # جمع نحوص وهي الحائل من الإبل ، وهذا قول أكثر المفسرين وأكثر أهل اللغة ~~ورابعها : قال الخليل في كتابه : ويقال للجلدة التي على العظم تحت اللحم هي ~~الضريع ، فكأنه تعالى وصفه بالقلة ، فلا جرم لا يسمن ولا يغني من جوع ~~وخامسها : قال أبو الجوزاء : الضريع السلا ، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن ~~جبير أنه شجرة ذات شوك ، ثم قال أبو الجوزاء : وكيف يسمن من كان يأكل ~~الشوكا وفي الخبر الضريع شيء يكون في النار شبيه الشوك أمر من الصبر ، ~~وأنتن من الجيفة وأشد حرا من النار ، قال القفال : والمقصد من ذكر هذا ~~الشراب وهذا الطعام ، بيان نهاية ذلهم وذلك لأن القوم لما أقاموا في تلك ~~السلاسل والأغلال تلك المدة الطويلة عطاشا جياعا ، ثم ألقوا في النار فرأوا ~~فيها ماء وشيئا من النبات ، فأحب أولئك القوم تسكين ما بهم من العطش والجوع ~~فوجدوا الماء حميما لا يروي بل يشوي ، ووجدوا النبات مما لا يشبع ولا يغني ~~من جوع ، فأيسوا وانقطعت أطماعهم في إزالة ما بهم من الجوع والعطش ، كما ~~قال : { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل } ( الكهف : 29 ) / وبين أن هذه ~~الحالة لا تزول ولا تنقطع ، نعوذ بالله منها وههنا سؤالات : # السؤال الأول : قال تعالى في سورة الحاقة : { فليس له اليوم هاهنا حميم * ~~ولا طعام إلا من غسلين } ( الحاقة : 36 , 35 ) وقال ههنا : { ليس لهم طعام ~~إلا من ضريع } والضريع غير الغسلين والجواب : من وجهين الأول : أن النار ~~دركات فمن أهل النار من طعامه الزقوم ، ومنهم من طعامه الغسلين ، ~~PageV31P139 ومنهم من طعامه الضريع ، ومنهم من شرابه الحميم ، ومنهم من ms9601 ~~شرابه الصديد ، لكل باب منهم جزء مقسوم الثاني : يحتمل أن يكون الغسلين من ~~الضريع ويكون ذلك كقوله : مالي طعام إلا من الشاه ، ثم يقول : مالي طعام ~~إلا من اللبن ، ولا تناقض لأن اللبن من الشاة . # السؤال الثاني : كيف يوجد النبت في النار ؟ الجواب : من وجهين : الأول : ~~ليس المراد أن الضريع نبت في النار يأكلونه ، ولكنه ضرب مثله ، أي إنهم ~~يقتاتون بما لا يشبعهم أو يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع الثاني : ~~لم لا يجوز أن يقال : إن النبت يوجد في النار ؟ فإنه لما لم يستبعد بقاء ~~بدن الإنسان مع كونه لحما ودما في النار أبد الآباد ، فكذا ههنا وكذا القول ~~في سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها . أما قوله تعالى : # ! 7 < { لا يسمن ولا يغنى من جوع } . > 7 ! # < < # | الغاشية : ( 7 ) لا يسمن ولا . . . . . # > > فهو مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام أو ضريع ، وأما المعنى ففيه ~~ثلاثة أوجه : أحدها : أن طعامهم ليس من جنس مطاعم الإنس ، وذلك لأن هذا نوع ~~من أنواع الشوك والشوك مما يرعاه الإبل ، وهذا النوع مما ينفر عنه الإبل ، ~~فإذن منفعتا الغذاء منتفيتان عنه ، وهما إماطة الجوع وإفادة القوة والسمن ~~في البدن وثانيها : أن يكون المعنى لا طعام لهم أصلا لأن الضريع ليس بطعام ~~للبهائم فضلا عن الإنس لأن الطعام ما أشبع وأسمن وهو منهما بمعزل ، كما ~~تقول : ليس لفلان ظل إلا الشمس تريد نفي الظل على التوكيد وثالثها : روي أن ~~كفار قريش قالت : إن الضريع لتسمن عليه إبلنا ، فنزلت : { لا يسمن ولا يغنى ~~من جوع } فلا يخلو إما أن يتعنتوا بذلك الكلام كذبا فيرد قولهم بنفي السمن ~~والشبع ، وإما أن يصدقوا فيكون المعنى أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم ~~، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع ، قال القاضي : يجب في كل ~~طعامهم أن لا يغني من جوع لأن ذلك نفع ورأفة ، وذلك غير جائز في العقاب . # ! 7 < { وجوه يومئذ ناعمة } . > 7 ! # < < # | الغاشية : ( 8 ) وجوه يومئذ ناعمة # > > اعلم أنه سبحانه لما ms9602 ذكر وعيد الكفار ، أتبعه بشرح أحوال المؤمنين ، ~~فذكر وصف أهل الثواب أولا ، ثم وصف دار الثواب ثانيا أما وصف أهل الثواب ~~فبأمرين أحدهما : في ظاهرهم ، وهو قوله : { ناعمة } أي ذات بهجة وحسن ، ~~كقوله : { تعرف فى وجوههم نضرة النعيم } ( المطففين : 24 ) أو متنعمة . # ! 7 < { لسعيها راضية } . > 7 ! # / والثاني : في باطنهم وهو قوله تعالى : { لسعيها راضية } < < # | الغاشية : ( 9 ) لسعيها راضية # > > وفيه تأويلان أحدهما : أنهم حمدوا سعيهم واجتهادهم في العمل لله . ~~لما فازوا بسببه من العاقبة الحميدة كالرجل يعمل العمل فيجزى عليه بالجميل ~~، ويظهر له منه عاقبة محمودة فيقول ، ما أحسن ما عملت ، ولقد وفقت للصواب ~~فيما صنعت فيثنى على عمل نفسه ويرضاه والثاني : المراد لثواب سعيها في ~~الدنيا راضية إذا شاهدوا ذلك الثواب ، وهذا أولى إذ المراد أن الذي ~~يشاهدونه من الثواب العظيم يبلغ حد الرضا حتى لا يريدوا أكثر منه ، وأما ~~وصف دار الثواب ، فاعلم أن الله تعالى وصفها بأمور سبعة : # PageV31P140 ! 7 < { في جنة عالية } . > 7 @QB@ < # | الغاشية : ( 10 ) في جنة عالية # > > # أحدها قوله : { فى جنة عالية }ويحتمل أن يكون المراد هو العلو في المكان ~~، ويحتمل أن يكون المراد هو العلو في الدرجة والشرف والمنقبة ، أما العلو ~~في المكان فذاك لأن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض ، قال عطاء : الدرجة مثل ~~ما بين السماء والأرض . # ! 7 < { لا تسمع فيها لاغية } . > 7 @QB@ < # | الغاشية : ( 11 ) لا تسمع فيها . . . . . # > > # وثانيها : قوله : { لا تسمع فيها لاغية }وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في قوله : لا تسمع ثلاث قراآت أحدها : قرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي بالتاء على الخطاب لاغية بالنصب والمخاطب بهذا الخطاب ، يحتمل أن ~~يكون هو النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون لا تسمع يا مخاطب فيها لاغية ، ~~وهذا يفيد السماع في الخطاب كقوله : { وإذا رأيت ثم رأيت } ( الإنسان : 20 ~~) وقوله : { إذا رأيتهم حسبتهم } ( الإنسان : 19 ) ويحتمل أن تكون هذه ~~التاء عائدة إلى وجوه ، والمعنى لا تسمع الوجوه فيها لاغية وثانيها : قرأ ~~نافع بالتاء المنقوطة من فوق مرفوعة على التأنيث لاغية بالرفع وثالثها : ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو ms9603 لا يسمع بالياء المنقوطة من تحت مضمومة على التذكير ~~لاغية بالرفع ، وذلك جائز لوجهين الأول : أن هذا الضرب من المؤنث إذا تقدم ~~فعله . وكان بين الفعل والاسم حائل حسن التذكير ، قال الشاعر : # % إن امرءا غره منكن واحدة % % بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور % # والثاني : أن المراد باللاغية اللغو فالتأنيث على اللفظ والتذكير على ~~المعنى . # المسألة الثانية : لأهل اللغة في قوله : { لاغية } ثلاثة أوجه أحدها : ~~أنه يقال : لغا يلغو لغوا ولاغية ، فاللاغية واللغو شيء واحد ، ويتأكد هذا ~~الوجه بقوله سبحانه : { لا يسمعون فيها لغوا } ( مريم : 62 ) ، وثانيها : ~~أن يكون صفة والمعنى لا يسمع كلمة لاغية وثالثها : قال الأخفش : لاغية أي ~~كلمة ذات لغو كما تقول : فارس ودارس لصاحب الفرس والدرع ، وأما أهل التفسير ~~فلهم وجوه أحدها : أن الجنة منزهة عن اللغو لأنها منزل جيران الله تعالى ~~وإنما نالوها بالجد والحق لا باللغو والباطل ، وهكذا كل مجلس في الدنيا ~~شريف مكرم فإنه يكون مبرأ عن اللغو وكل ما كان أبلغ في هذا كان أكثر جلالة ~~، هذا ما قرره القفال والثاني : قال الزجاج لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة ~~/ والثناء على الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم والثالث : عن ابن ~~عباس يريد لا تسمع فيها كذبا ولا بهتانا ولا كفرا بالله ولا شتما والرابع : ~~قال مقاتل : لا يسمع بعضهم من بعض الحلف عند شراب كما يحلف أهل الدنيا إذا ~~شربوا الخمر وأحسن الوجوه ما قرره القفال الخامس : قال القاضي : اللغو ما ~~لا فائدة فيه ، فالله تعالى نفى عنهم ذلك ويندرج فيه ما يؤذي سامعه على ~~طريق الأولى . # ! 7 < { فيها عين جارية } . > 7 @QB@ < # | الغاشية : ( 12 ) فيها عين جارية # > > # الصفة الثالثة للجنة : قوله تعالى : { فيها عين جارية }قال صاحب الكشاف : ~~يريد عيونا في غاية الكثرة كقوله : { علمت نفس } ( التكوير : 14 ) قال ~~القفال : فيها عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود وتجري لهم كما ~~أرادوا ، قال الكلبي : لا أدري بماء أو غيره . # PageV31P141 ! 7 < { فيها سرر مرفوعة } . > 7 @QB@ < # | الغاشية : ( 13 ) فيها سرر مرفوعة # > > # الصفة ms9604 الرابعة : قوله تعالى : { فيها سرر مرفوعة }أي عالية في الهواء ~~وذلك لأجل أن يرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما أعطاه ربه في الجنة من ~~النعيم والملك ، وقال خارجة بن مصعب : بلغنا أنها بعضها فوق بعض فيرتفع ما ~~شاء الله فإذا جاء ولي الله ليجلس عليها تطامنت له فإذا استوى عليها ارتفعت ~~إلى حيث شاء الله ، والأول أولى ، وإن كان الثاني أيضا غير ممتنع لأن ذلك ~~بما كان أعظم في سرور المكلف ، قال ابن عباس : هي سرر ألواحها من ذهب مكللة ~~بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة في السماء . # ! 7 < { وأكواب موضوعة } . > 7 @QB@ < # | الغاشية : ( 14 ) وأكواب موضوعة # > > ا # الصفة الخامسة : قوله تعالى : { وأكواب موضوعة }لأكواب الكيزان التي لا ~~عرى لها قال قتادة : فهي دون الأباريق . وفي قوله : { موضوعة } وجوه أحدها ~~: أنها معدة لأهلها كالرجل يلتمس من الرجل شيئا فيقول هو ههنا موضوع بمعنى ~~معد وثانيها : موضوعة على حافاة العيون الجارية كلما أرادوا الشرب وجدوها ~~مملوءة من الشرب وثالثها : موضوعة بين أيديهم لاستحسانهم إياها بسبب كونها ~~من ذهب أو فضة أو من جوهر ، وتلذذهم بالشراب منها ورابعها : أن يكون المراد ~~موضوعة عن حد الكبر أي هي أوساط بين الصغر والكبر كقوله : { قدروها تقديرا ~~} . # ! 7 < { ونمارق مصفوفة } . > 7 @QB@ < # | الغاشية : ( 15 ) ونمارق مصفوفة # > > # الصفة السادسة : قوله تعالى : { ونمارق مصفوفة } .النمارق هي الوسائد في ~~قول الجميع واحدها نمرقة بضم النون ، وزاد الفراء سماعا عن العرب نمرقة ~~بكسر النون ، قال الكلبي : وسائد مصفوفة بعضها إلى جانب بعض أينما أراد أن ~~يجلس جلس على واحدة واستند إلى أخرى . # ! 7 < { وزرابي مبثوثة } . > 7 @QB@ < # | الغاشية : ( 16 ) وزرابي مبثوثة # > > # الصفة السابعة : قوله تعالى : { وزرابي مبثوثة }يعني البسط والطنافس ~~واحدها زربية وزربي بكسر الزاي في قول جميع أهل اللغة ، وتفسير مبثوثة ~~مبسوطة منشورة أو مفرقة في المجالس . # ! 7 < { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } . > 7 ! # / < < # | الغاشية : ( 17 ) أفلا ينظرون إلى . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما حكم بمجيء يوم القيامة وقسم أهل القيامة إلى ~~قسمين الأشقياء والسعداء ووصف أحوال الفريقين وعلم أنه لا سبيل ms9605 إلى إثبات ~~ذلك إلا بواسطة إثبات الصانع الحكيم ، لا جرم أتبع ذلك بذكر هذه الدلالة ~~فقال : { أفلا ينظرون إلى الإبل } وجه الاستدلال بذلك على صحة المعاد أنها ~~تدل على وجود الصانع الحكيم ، ومتى ثبت ذلك فقد ثبت القول بصحة المعاد . ~~أما الأول : فلأن الأجسام متساوية في الجسمية فاختصاص كل واحد منها بالوصف ~~الذي لأجله امتاز على الآخر ، لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص وإيجاد قادر ، ~~ولما رأينا هذه الأجسام مخلوقة على وجه الإتقان والإحكام علمنا أن ذلك ~~الصانع عالم ، ولما علمنا أن ذلك الصانع لا بد وأن يكون مخالفا لخلقه في ~~نعت الحاجة والحدوث والإمكان علمنا أنه غني ، فهذا يدل على أن للعالم صانعا ~~قادرا عالما غنيا فوجب أن يكون في غاية الحكمة ، ثم إنا نرى الناس بعضهم ~~محتاجا إلى البعض ، فإن الإنسان الواحد لا يمكنه القيام بمهمات نفسه ، بل ~~لا بد من بلدة يكون كل واحد من أهلها مشغولا بمهم آخر حتى يتنظم من مجموعهم ~~مصلحة كل واحد منهم ، وذلك PageV31P142 الانتظام لا يحسن إلا مع التكليف ~~المشتمل على الوعد والوعيد ، ذلك لا يحصل إلا بالبعث والقيامة وخلق الجنة ~~والنار فثبت أن إقامة الدلالة على الصانع الحكيم توجب القول بصحة البعث ~~والقيامة فلهذا السبب ذكر الله دلالة التوحيد في آخر هذه السورة ، فإن قيل ~~: فأي مجانسة بين الإبل والسماء والجبال والأرض ، ثم لم بدأ بذكر الإبل ؟ ~~قلنا فيه وجهان : الأول : أن جميع المخلوقات متساوية في هذه الدلالة وذكر ~~جميعها غير ممكن لكثرتها وأي واحد منها ذكر دون غيره كان هذا السؤال عائدا ~~، فوجب الحكم بسقوط هذا السؤال على جميع التقادير ، وأيضا فلعل الحكمة في ~~ذكر هذه الأشياء التي هي غير متناسبة التنبيه على أن هذا الوجه من ~~الاستدلال غير مختص بنوع دون نوع بل هو عام في الكل على ما قال : { وإن من ~~شىء إلا يسبح بحمده } ( الإسراء : 44 ) ولو ذكر غيرها لم يكن الأمر كذلك لا ~~جرم ذكر الله تعالى أمورا غير متناسبة بل متباعدة جدا ، تنبيها على أن ms9606 جميع ~~الأجسام العلوية والسفلية صغيرها وكبيرها حسنها وقبيحها متساوية في الدلالة ~~على الصانع الحكيم ، فهذا وجه حسن معقول وعليه الاعتماد الوجه الثاني : وهو ~~أن نبين ما في كل واحد من هذه الأشياء من المنافع والخواص الدالة على ~~الحاجة إلى الصانع المدبر ، ثم نبين إنه كيف يجانس بعضها بعضا . # أما المقام الأول : فنقول الإبل له خواص منها أنه تعالى جعل الحيوان الذي ~~يقتني أصنافا شتى فتارة يقتني ليؤكل لحمه وتارة ليشرب لبنه وتارة ليحمل ~~الإنسان في الأسفار وتارة / لينقل أمتعة الإنسان من بلد إلى بلد وتارة ~~ليكون له به زينة وجمال وهذه المنافع بأسرها حاصلة في الإبل ، وقد أبان ~~الله عز وجل عن ذلك بقوله : { أو لم * يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون } ( يس : ~~72 , 71 ) ، قال : { والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ~~ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الانفس } ( النحل : 7 , 5 ) وإن شيئا من سائر الحيوانات لا ~~يجتمع فيه هذه الخصال فكان اجتماع هذه الخصال فيه من العجائب وثانيها : أنه ~~في كل واحد من هذه الخصال أفضل من الحيوان الذي لا يوجد فيه إلا تلك الخصلة ~~لأنها إن جعلت حلوبة سقت فأروت الكثير ، وإن جعلت أكولة أطعمت وأشبعت ~~الكثير ، وإن جعلت ركوبة أمكن أن يقطع بها من المسافات المديدة ما لا يمكن ~~قطعه بحيوان آخر ، وذلك لما ركب فيها من قوة احتمال المداومة على السير ~~والصبر على العطش والاجتزاء من العلوفات بما لا يجتزىء حيوان آخر ، وإن ~~جعلت حملة استغلت بحمل الأحمال الثقيلة التي لا يستقل بها سواها ، ومنها أن ~~هذا الحيوان كان أعظم الحيوانات وقعا في قلب العرب ولذلك فإنهم جعلوا دية ~~قتل الإنسان إبلا ، وكان الواحد من ملوكهم إذا أراد المبالغة في إعطاء ~~الشاعر الذي جاءه من المكان البعيد أعطاه مائة بعير ، لأن امتلاء العين منه ~~أشد من امتلاء العين من غيره ، ولهذا قال ms9607 تعالى : { ولكم فيها جمال حين ~~تريحون وحين تسرحون } ( النحل : 6 ) ومنها أنى كنت مع جماعة في مفازة ~~فضللنا الطريق فقدموا جملا وتبعوه فكان ذلك الجمل ينعطف من تل إلى تل ومن ~~جانب إلى جانب والجميع كانوا يتبعونه حتى وصل إلى الطريق بعد زمان طويل ~~فتعجبنا من قوة تخيل ذلك بالحيوان أنه بالمرة الواحدة كيف انحفظت في خياله ~~صورة تلك المعاطف حتى أن الذين عجز جمع من العقلاء إلى الاهتداء إليه فإن ~~ذلك الحيوان اهتدى إليه ، ومنها أنها مع كونها في غاية القوة على العمل ~~مباينة لغيرها في الانقياد والطاعة لأضعف الحيوانات كالصبي الصغير ، ~~ومبانية لغيرها أيضا في أنها يحمل عليها وهي باركة ثم تقوم ، فهذه الصفات ~~PageV31P143 الكثيرة الموجودة فيها توجب على العاقل أن ينظر في خلقتها ~~وتركيبها ويستدل بذلك على وجود الصانع الحكيم سبحانه ، ثم إن العرب من أعرف ~~الناس بأحوال الإبل في صحتها وسقمها ومنافعها ومضارها فلهذه الأسباب حسن من ~~الحكيم تعالى أن يأمر بالتأمل في خلقتها . ثم قال تعالى : # ! 7 < { وإلى السمآء كيف رفعت } . > 7 ! # < < # | الغاشية : ( 18 ) وإلى السماء كيف . . . . . # > > أي رفعا بعيد المدى بلا إمساك وبغير عمد . # ! 7 < { وإلى الجبال كيف نصبت } . > 7 ! # < < # | الغاشية : ( 19 ) وإلى الجبال كيف . . . . . # > > نصبا ثابتا فهي راسخة لا تميل ولا تزول . # ! 7 < { وإلى الا رض كيف سطحت } . > 7 ! # < < # | الغاشية : ( 20 ) وإلى الأرض كيف . . . . . # > > سطحا بتمهيد وتوطئة ، فهي مهاد للمتقلب عليها ، ومن / الناس من استدل ~~بهذا على أن الأرض ليست بكرة وهو ضعيف ، لأن الكرة إذا كانت في غاية العظمة ~~يكون كل قطعة منها كالسطح ، وقرأ علي عليه السلام كيف خلقت ورفعت ونصبت ~~وسطحت على البناء للفاعل وتاء الضمير ، والتقدير فعلتها ، فحذف المفعول . # المقام الثاني : في بيان ما بين هذه الأشياء من المناسبة اعلم أن من ~~الناس من فسر الإبل بالسحاب . قال صاحب ( الكشاف ) : ولعله لم يرد أن الإبل ~~من أسماء السحاب ، كالغمام والمزن والرباب والغيم والغين وغير ذلك ، وإنما ~~رأى السحاب مشبها بالإبل في كثير من أشعارهم ، فجوز أن يراد بها السحاب ms9608 على ~~طريق التشبيه والمجاز ، وعلى هذا التقدير فالمناسبة ظاهرة . أما إذا حملنا ~~الإبل على مفهومه المشهور ، فوجه المناسبة بينها وبين السماء والجبال ~~والأرض من وجهين الأول : أن القرآن نزل على لغة العرب وكانوا يسافرون كثيرا ~~، لأن بلدتهم بلدة خالية من الزرع ، وكانت أسفارهم في أكثر الأمر على الإبل ~~، فكانوا كثيرا ما يسيرون عليها في المهامة والقفار مستوحشين منفردين عن ~~الناس ، ومن شأن الإنسان إذا انفرد أن يقبل على التفكر في الأشياء ، لأنه ~~ليس معه من يحادثه ، وليس هناك شيء يشغل به سمعه وبصره ، وإذا كان كذلك لم ~~يكن له بد من أن يشغل باله بالفكرة ، فإذا فكر في ذلك الحال وقع بصره أول ~~الأمر على الجمل الذي ركبه ، فيرى منظرا عجيبا ، وإذا نظر إلى فوق لم ير ~~غير السماء ، وإذا نظر يمينا وشمالا لم ير غير الجبال ، وإذا نظر إلى ما ~~تحت لم ير غير الأرض ، فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلوة والانفراد عن ~~الغير حتى لا تحمله داعية الكبر والحسد على ترك النظر ، ثم إنه في وقت ~~الخلوة في المفازة البعيدة لا يرى شيئا سوى هذه الأشياء ، فلا جرم جمع الله ~~بينها في هذه الآية الوجه الثاني : أن جميع المخلوقات دالة على الصانع إلا ~~أنها على قسمين : منها ما يكون للحكمة وللشهوة فيها نصيب معا ، ومنها ما ~~يكون للحكمة فيها نصيب ، وليس للشهوة فيها نصيب . # والقسم الأول : كالإنسان الحسن الوجه ، والبساتين النزهة ، والذهب والفضة ~~وغيرها ، فهذه الأشياء يمكن الاستدلال بها على الصانع الحكيم ، إلا أنها ~~متعلق الشهوة ومطلوبة للنفس ، فلم يأمر تعالى بالنظر فيها ، لأنه لم يؤمن ~~عند النظر إليها وفيها أن تصير داعية الشهوة غالبة على داعية الحكمة فيصير ~~ذلك مانعا عن إتمام النظر والفكر وسببا لاستغراق النفس في محبته . ~~PageV31P144 # أما القسم الثاني : فهو كالحيوانات التي لا يكون في صورتها حسن ، ولكن ~~يكون داعية تركيبها حكم باللغة وهي مثل الإبل وغيرها ، إلا أن ذكر الإبل ~~ههنا أولى لأن إلف العرب بها أكثر وكذا السماء والجبال والأرض ، فإن دلائل ms9609 ~~الحدوث والحاجة فيها ظاهرة ، وليس فيها ما يكون نصيبا للشهوة ، فلما كان ~~هذا القسم بحيث يكمل نصيب الحكمة فيه مع الأمن من زحمة الشهوة لا جرم أمر ~~الله بالتدبر فيها فهذا ما يحضرنا في هذا الموضع وبالله التوفيق . # ! 7 < { فذكر إنمآ أنت مذكر } . > 7 ! # / < < # | الغاشية : ( 21 ) فذكر إنما أنت . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل على صحة التوحيد والمعاد ، قال ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم : { فذكر إنما أنت مذكر } وتذكير الرسول إنما ~~يكون بذكر هذه الأدلة وأمثالها والبعث على النظر فيها والتحذير من ترك تلك ~~، وذلك بعث منه تعالى للرسول على التذكير والصبر على كل عارض معه ، وبيان ~~أنه إنما بعث لذلك دون غيره ، فلهذا قال : { إنما أنت مذكر } . # ! 7 < { لست عليهم بمسيطر } . > 7 @QB@ < # | الغاشية : ( 22 ) لست عليهم بمصيطر # > > # قال صاحب ( الكشاف ) : { * بمصيطر } بمسلط ، كقوله : { يقولون وما أنت ~~عليهم بجبار } ( ق : 45 ) وقوله : { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } ~~( يونس : 99 ) وقيل : هو في لغة تميم مفتوح الطاء على أن سيطر متعد عندهم ، ~~والمعنى أنك ما أمرت إلا بالتذكير ، فأما أن تكون مسلطا عليهم حتى تقتلهم ، ~~أو تكرههم على الإيمان فلا ، قالوا : ثم نسختها آية القتال ، هذا قول جميع ~~المفسرين ، والكلام في تفسير هذا الحرف قد تقدم عند قوله : { أم هم } ( ~~الطور : 37 ) . أما قوله تعالى : # ! 7 < { إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الا كبر } . > 7 ! # < < # | الغاشية : ( 23 ) إلا من تولى . . . . . # > > ففيه مسائل . # المسألة الأولى : في الآية قولان : أحدهما : أنه استثناء حقيقي ، وعلى ~~هذا التقدير هذا الاستثناء ، استثناء عماذا ؟ فيه احتمالان الأول : أن يقال ~~التقدير : فذكر إلا من تولى وكفر والثاني : أنه استثناء عن الضمير في { ~~سواء عليهم } ( الغاشية : 22 ) والتقدير : لست عليهم بمسيطر إلا من تولى . ~~واعترض عليه بأنه عليه السلام ما كان حينئذ مأمورا بالقتال وجوابه : لعل ~~المراد أنك لا تصبر مسلطا إلا على من تولى القول الثاني : أنه استثناء ~~منقطع عما قبله ، كما تقول في الكلام : قعدنا نتذكر العلم ، إلا أن كثيرا ~~من الناس لا يرغب ms9610 ، فكذا ههنا التقدير لست بمسئول عليهم ، لكن من تولى منهم ~~فإن الله يعذبه العذاب الأكبر الذي هو عذاب جهنم ، قالوا وعلامة كون ~~الاستثناء منقطعا حسن دخول أن في المستثني ، وإذا كان الاستثناء متصلا لم ~~يحسن ذلك ، ألا ترى أنك تقول : عندي مائتان إلا درهما ، فلا تدخل عليه أن ، ~~وههنا يحسن أن ، فإنك تقول : إلا أن من تولى وكفر فيعذبه الله . # المسألة الثانية : قرىء : ( ألا من تولى ) على التنبيه ، وفي قراءة ابن ~~مسعود : ( فإنه يعذبه ) . # المسألة الثالثة : إنما سماه العذاب الأكبر لوجوه أحدها : أنه قد بلغ حد ~~عذاب الكفر وهو الأكبر ، لأن PageV31P145 ما عداه من عذاب الفسق دونه ، ~~ولهذا قال تعالى : { ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر } ( ~~السجدة : 21 ) ، وثانيها : هو العذاب في الدرك الأسفل في النار وثالثها : ~~أنه قد / يكون العذاب الأكبر حاصلا في الدنيا ، وذلك بالقتل وسبي الذرية ~~وغنيمة الأموال ، القول الأول أولى وأقرب . ثم قال تعالى : # ! 7 < { إن إلينآ إيابهم * ثم إن علينا حسابهم } . > 7 @QB@ < # | الغاشية : ( 25 ) إن إلينا إيابهم # > > # وهذا كأنه من صلة قوله : { فيعذبه الله العذاب الاكبر } ( الغاشية : 24 ) ~~وإنما ذكر تعالى ذلك ليزيل به عن قلب النبي صلى الله عليه وسلم حزنه على ~~كفرهم ، فقال : طب نفسا عليهم ، وإن عاندوا وكذبوا وجحدوا فإن مرجعهم إلى ~~الموعد الذي وعدنا ، فإن علينا حسابهم وفيه سؤال : وهو أن محاسبة الكفار ~~إنما تكون لإيصال العقاب إليهم وذلك حق الله تعالى ، ولا يجب على المالك أن ~~يستوفي حق نفسه والجواب : أن ذلك واجب عليه إما بحكم الوعد الذي يمتنع وقوع ~~الخلف فيه ، وإما في الحكمة ، فإنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لكان ذلك ~~شبيها بكونه تعالى راضيا بذلك الظلم وتعالى الله عنه ، فلهذا السبب كانت ~~المحاسبة واجبة وههنا مسألتان : # المسألة الأولى : قرأ أبو جعفر المدني : { إيابهم } بالتشديد . قال صاحب ~~( الكشاف ) : وجهه أن يكون فيعالا مصدره أيب فيعل من الإياب ، أو يكون أصله ~~أوابا فعالا من أوب ، ثم قيل : إيوابا كديوان في دون ، ثم فعل به ما فعل ~~بأصل ms9611 سيد . # المسألة الثانية : فائدة تقديم الظرف التشديد بالوعيد ، فإن { إيابهم } ~~ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام ، وأن حسابهم ليس بواجب إلا عليه ~~، وهو الذي يحاسب على النقير والقطمير ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV31P146 < # > 1 ( سورة الفجر ) 1 < # > # ثلاثون آية مكية # ! 7 < { والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * واليل إذا يسر * هل فى ذلك ~~قسم لذى حجر } . > 7 ! # / < < # | الفجر : ( 1 ) والفجر # > > اعلم أن هذه الأشياء التي أقسم الله تعالى بها لا بد وأن يكون فيها ~~إما فائدة دينية مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد ، أو فائدة دنيوية توجب ~~بعثا على الشكر ، أو مجموعهما ، ولأجل ما ذكرناه اختلفوا في تفسير هذه ~~الأشياء اختلافا شديدا ، فكل أحد فسره بما رآه أعظم درجة في الدين ، وأكثر ~~منفعة في الدنيا . # أما قوله : { والفجر } فذكروا فيه وجوها أحدها : ما روي عن ابن عباس أن ~~الفجر هو الصبح المعروف ، فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب ، أقسم الله ~~تعالى به لما يحصل به من انقضاء الليل وظهور الضوء ، وانتشار الناس وسائر ~~الحيوانات من الطير والوحوش في طلب الأرزاق ، وذلك مشاكل لنشور الموتى من ~~قبورهم ، وفيه عبرة لمن تأمل ، وهذا كقوله : { والصبح إذا أسفر } ( المدثر ~~: 34 ) وقال في موضع آخر ، { والصبح إذا تنفس } ( التكوير : 18 ) وتمدح في ~~آية أخرى بكونه خالفا له ، فقال : { فالق الإصباح } ( الإنعام : 96 ) ومنهم ~~من قال المراد به جميع النهار إلا أنه دل بالابتداء على الجميع ، نظيره : { ~~والضحى } ( الضحى : 1 ) وقوله : { والنهار إذا تجلى } ( الليل : 2 ) ~~وثانيها : أن المراد نفسه صلاة الفجر وإنما أقسم بصلاة الفجر لأنها صلاة في ~~مفتتح النهار وتجتمع لها ملائكة النهار وملائكة الليل كما قال تعالى : { ~~أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى } ( الإسراء : 78 ) أي تشهده ملائكة الليل ~~وملائكة النهار القراءة في صلاة الصبح وثالثها : أنه فجر يوم معين ، وعلى ~~هذا القول ذكروا وجوها الأول : أنه فجر يوم النحر ، وذلك لأن أمر المناسك ~~من خصائص ملة إبراهيم ، وكانت العرب لا تدع الحج وهو يوم عظيم ms9612 يأتي الإنسان ~~فيه بالقربان كأن الحاج يريد أن يتقرب بذبح نفسه ، فلما عجز عن ذلك فدى ~~نفسه بذلك القربان ، / كما قال تعالى : { وفديناه بذبح عظيم } ( الصافات : ~~107 ) الثاني : أراد فجر ذي الحجة لأنه قرن به قوله : { وليال عشر } ولأنه ~~أول شهر هذه PageV31P147 العبادة المعظمة الثالث : المراد فجر المحرم ، ~~أقسم به لأنه أول يوم من كل سنة وعند ذلك يحدث أمورا كثيرة مما يتكرر ~~بالسنين كالحج والصوم والزكاة واستئناف الحساب بشهور الأهلة ، وفي الخبر أن ~~أعظم الشهور عند الله المحرم ، وعن ابن عباس أنه قال : فجر السنة هو المحرم ~~فجعل جملة المحرم فجرا ورابعها : أنه عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها ~~المياه ، وفيها حياة الخلق ، أما قوله : { وليال عشر } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : إنما جاءت منكرة من بين ما أقسم الله به لأنها ليال ~~مخصوصة بفضائل لا تحصل في غيرها والتنكير دال على الفضيلة العظيمة . # المسألة الثانية : ذكروا فيه وجوها أحدها : أنها عشر ذي الحجة لأنها أيام ~~الاشتغال بهذا النسك في الجملة ، وفي الخبر ما من أيام العمل الصالح فيه ~~أفضل من أيام العشر وثانيها : أنها عشر المحرم من أوله إلى آخره ، وهو ~~تنبيه على شرف تلك الأيام ، وفيها يوم عاشوراء ولصومه من الفضل ما ورد به ~~الأخبار وثالثها : أنها العشر الأواخر من شهر رمضان ، أقسم الله تعالى بها ~~لشرفها وفيها ليلة القدر ، إذ في الخبر اطلبوها في العشر الأخير من رمضان ، ~~وكان عليه الصلاة والسلام ، إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد المئزر ، ~~وأيقظ أهله أي كف عن الجماع وأمر أهله بالتهجد ، وأما قوله : { والشفع ~~والوتر } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : الشفع والوتر ، هو الذي تسميه العرب الخسا والزكا ~~والعامة الزوج والفرد / قال يونس : أهل العالية يقولون الوتر بالفتح في ~~العدد والوتر بالكسر في الذحل وتميم تقول وتر بالكسر فيهما معا ، وتقول ~~أوترته أوتره إيتارا أي جعلته وترا ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : ( من ~~استجمر فليوتر ) والكسر قراءة الحسن والأعمش وابن عباس ، والفتح قراءة أهل ~~المدينة وهي لغة حجازية . # المسألة الثانية ms9613 : اضطرب المفسرون في تفسير الشفع والوتر ، وأكثروا فيه ، ~~ونحن نرى ما هو الأقرب أحدها : أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة ، وإنما ~~أقسم الله بهما لشرفهما أما يوم عرفة فهو الذي عليه يدور أمر الحج كما في ~~الحديث الحج عرفة ، وأما يوم النحر فيقع فيه القربان وأكثر أمور الحج من ~~الطواف المفروض ، والحلق والرمي ، ويروى يوم النحر هو يوم الحج الأكبر فلما ~~اختص هذان اليومان بهذه الفضائل لا جرم أقسم الله بهما وثانيها : أن أيام ~~التشريق أيام بقية أعمال الحج فهي أيام شريفة ، قال الله تعالى : { واذكروا ~~الله فى أيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه } ( البقرة : 203 ) ~~والشفع هو يومان بعد يوم النحر ، الوتر هو اليوم الثالث ، ومن ذهب إلى هذا ~~القول قال : حمل الشفع والوتر على هذا أولى من حملهما على العيد وعرفة من ~~وجهين الأول : أن العيد وعرفة دخلا في العشر ، فوجب أن يكون المراد بالشفع ~~والوتر غيرهما / الثاني : أن بعض أعمال الحج إنما يحصل في هذه الأيام ، ~~فحمل اللفظ على هذا يفيد القسم بجميع أيام أعمال المناسك وثالثها : الوتر ~~آدم شفع بزوجته ، وفي رواية أخرى الشفع آدم وحواء والوتر هو الله تعالى ~~ورابعها : الوتر ما كان وترا من الصلوات كالمغرب والشفع ما كان شفعا منها ، ~~روى عمران بن الحصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( هي الصلوات ~~منها شفع ومنها وتر ) وإنما أقسم الله بها لأن الصلاة تالية للإيمان ، ولا ~~يخفى قدرها ومحلها من العبادات وخامسها : الشفع هو الخلق كله لقوله تعالى : ~~{ ومن كل شىء خلقنا زوجين } ( الذاريات : 49 ) وقوله : { وخلقناكم أزواجا } ~~( النبأ : 8 ) والوتر هو الله تعالى ، وقال بعض المتكلمين : لا يصح أن يقال ~~الوتر هو الله لوجوه الأول : أنا بينا أن قوله : { والشفع والوتر } تقديره ~~PageV31P148 ورب الشفع والوتر ، فيجب أن يراد بالوتر المربوب فبطل ما قالوه ~~الثاني : أن الله تعالى لا يذكر مع غيره على هذا الوجه بل يعظم ذكره حتى ~~يتميز من غيره ، وروي أن عليه الصلاة والسلام سمع ms9614 من يقول الله ورسوله ~~فنهاه ، وقال : ( قل الله ثم رسوله ) قالوا : وما روي أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال : ( إن الله وتر يحب الوتر ) ليس بمقطوع به وسادسها : أن شيئا ~~من المخلوقات لا ينفك عن كونه شفعا ووترا فكأنه يقال : أقسم برب الفرد ~~والزوج من خلق فدخل كل الخلق تحته ، ونظيره قوله : { فلا أقسم بما تبصرون * ~~وما لا تبصرون } ( الحاقة : 39 , 38 ) وسابعها : الشفع درجات الجنة وهي ~~ثمانية ، والوتر دركات النار وهي سبعة وثامنها : الشفع صفات الخلق كالعلم ~~والجهل والقدرة والعجز والإرادة والكراهية والحياة والموت ، أما الوتر فهو ~~صفة الحق وجود بلا عدم ، حياة بلا موت ، علم بلا جهل ، قدرة بلا عجز ، عز ~~بلا ذل وتاسعها : المراد بالشفع والوتر ، نفس العدد فكأنه أقسم بالحساب ~~الذي لا بد للخلق منه وهو بمنزلة الكتاب والبيان الذي من الله به على ~~العباد إذ قال : { علم بالقلم * علم الإنسان * لم يعلم } ( العلق : 5 , 4 ) ~~، وقال : { علمه البيان } ( الرحمن : 4 ) . وكذلك بالحساب ، يعرف مواقيت ~~العبادات والأيام والشهور ، قال تعالى : { الشمس والقمر بحسبان } ( الرحمن ~~: 5 ) وقال : { لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذالك إلا بالحق } ( ~~يونس : 5 ) وعاشرها : قال مقاتل الشفع هو الأيام والليالي والوتر هو اليوم ~~الذي لا ليل بعده وهو يوم القيامة الحادي عشر : الشفع كل نبي له اسمان مثل ~~محمد وأحمد والمسيح وعيسى ويونس وذي النون والوتر كل نبي له اسم واحد مثل ~~آدم ونوح وإبراهيم الثاني عشر : الشفع آدم وحواء والوتر مريم الثالث عشر : ~~الشفع العيون الإثنتا عشرة ، التي فجرها الله تعالى لموسى عليه السلام ~~والوتر الآيات التسع التي أوتى موسى في قوله : { ولقد ءاتينا موسى تسع ~~ءايات بينات } ( الإسراء : 101 ) ، الرابع عشر : الشفع أيام عاد والوتر ~~لياليهم لقوله تعالى : { سبع ليال وثمانية أيام حسوما } ( الحاقة : 7 ) ~~الخامس عشر : الشفع البروج الإثنا عشر لقوله تعالى : { جعل فى السماء بروجا ~~} ( الفرقان : 61 ) والوتر الكواكب السبعة السادس عشر : الشفع الشهر الذي ~~يتم ثلاثين يوما ، والوتر الشهر الذي يتم تسعة وعشرين يوما السابع عشر : ~~الشفع ms9615 الأعضاء والوتر القلب ، قال تعالى : { ما جعل الله لرجل من قلبين فى ~~جوفه } ( الأحزاب : 4 ) ، الثامن عشر : الشفع الشفتان / والوتر اللسان قال ~~تعالى : { ولسانا وشفتين } ( البلد : 9 ) التاسع عشر : الشفع السجدتان ~~والوتر الركوع العشرون : الشفع أبواب الجنة لأنها ثمانية والوتر أبواب ~~النار لأنها سبعة ، واعلم أن الذي يدل عليه الظاهر ، أن الشفع والوتر أمران ~~شريفان ، أقسم الله تعالى بهما ، وكل هذه الوجوه التي ذكرناها محتمل ، ~~والظاهر لا إشعار له بشيء من هذه الأشياء على التعيين ، فإن ثبت في شيء ~~منها خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع من أهل التأويل حكم ~~بأنه هو المراد ، وإن لم يثبت ، فيجب أن يكون الكلام على طريقة الجواز لا ~~على وجه القطع ، ولقائل أن يقول أيضا : إني أحمل الكلام على الكل لأن الألف ~~واللام في الشفع والوتر تفيد العموم ، أما قوله تعالى : { واليل إذا يسر } ~~ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : { إذا يسر } إذا يمضي كما قال : { واليل إذا * أدبر } ( ~~المدثر : 33 ) وقوله : { واليل إذا عسعس } ( التكوير : 27 ) وسراها ومضيها ~~وانقضاؤها أو يقال : سراها هو السير فيها ، وقال قتادة : { إذا يسر } أي ~~إذا جاء وأقبل . # المسألة الثانية : أكثر المفسرين على أنه ليس المراد منه ليلة مخصوصة بل ~~العموم بدليل قوله : { واليل إذا * أدبر } { واليل إذا عسعس } ولأن نعمة ~~الله بتعاقب الليل والنهار واختلاف مقاديرهما على PageV31P149 الخلق عظيمة ~~، فصح أن يقسم به لأن فيه تنبيها على أن تعاقبهما بتدبيره مدبر حكيم عالم ~~بجميع المعلومات ، وقال مقاتل : هلي ليلة المزدلفة فقوله : { إذا يسر } أي ~~إذا يسار فيه كما يقال : ليل نائم لوقوع النوم فيه ، وليل ساهر لوقوع السهر ~~فيه ، وهي ليلة يقع السري في أولها عند الدفع من عرفات إلى المزدلفة ، وفي ~~آخرها كما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقدم ضعفة أهله في هذه الليل ، ~~وإنما يجوز ذلك عند الشافعي رحمه الله بعد نصف الليل . # المسألة الثالثة : قال الزجاج : قرىء { إذا يسر } بإثبات الياء ، ثم قال ~~: وحذفها أحب إلي لأنها فاصلة والفواصل تحذف منها ms9616 الياءات ، ويدل عليها ~~الكسرات ، قال الفراء : والعرب قد تحذف الياء وتكتفي بكسرة ما قبلها ، ~~وأنشد : # % كفاك كف ما يبقى درهما % % جودا وأخرى تعط بالسيف الدما % # فإذا جاز هذا في غير الفاضلة فهو في الفاصلة أولى ، فإن قيل : لم كان ~~الاختيار أن تحذف الياء إذا كان في فاصلة أو قافية ، والحرف من نفس الكلمة ~~، فوجب أن يثبت كما أثبت سائر الحروف ولم يحذف ؟ أجاب أبو علي فقال : القول ~~في ذلك أن الفواصل والقوافي موضع وقف والوقف موضع تغيير فلما كان الوقف ~~تغير فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف والإسكان وروم الحركة فيها غيرت هذه ~~الحروف المشابهة للزيادة بالحذف ، وأما من أثبت الياء في يسري في الوصل ~~والوقف فإنه يقول : الفعل لا يحذف منه في الوقف كما يحذف في الأسماء نحو ~~قاض وغاز ، تقول : هو يقضي وأنا أقضي فتثبت الياء ولا تحذف . # وقوله تعالى : { هل فى ذلك قسم لذى حجر } فيه مسألتان : # المسألة الأولى : الحجر العقل سمي به لأنه يمنع عن الوقوع فيما لا ينبغي ~~كما سمي عقلا ونهية / لأنه يعقل ويمنع وحصاة من الإحصاء وهو الضبط ، قال ~~الفراء : والعرب تقول إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها كأنه أخذ ~~من قولهم حجرت على الرجل ، وعلى هذا سمي العقل حجرا لأنه يمنع من القبيح من ~~الحجر وهو المنع من الشيء بالتضييق فيه . # المسألة الثانية : قوله : { هل فى ذلك قسم } استفهام والمراد منه التأكيد ~~كمن ذكر حجة باهرة ، ثم قال : هل فيما ذكرته حجة ؟ والمعنى أن من كان ذا لب ~~علم أن ما أقسم الله تعالى به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد ~~والربوبية ، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه . قال القاضي : وهذه ~~الآية تدل على ما قلنا : أن القسم واقع برب هذه الأمور لأن هذه الآية دالة ~~على أن هذا مبالغة في القسم . ومعلوم أن المبالغة في القسم لا تحصل إلا في ~~القسم بالله ، ولأن النهي قد ورد بأن يحلف العاقل بهذه الأمور . # PageV31P150 ! 7 < { ألم تر كيف فعل ms9617 ربك بعاد * إرم ذات العماد * التى لم ~~يخلق مثلها فى البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الا ~~وتاد * الذين طغوا فى البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب * إن ربك لبالمرصاد } . > 7 ! # < < # | الفجر : ( 6 ) ألم تر كيف . . . . . # > > واعلم أن في جواب القسم وجهين الأول : أن جواب القسم هو قوله : { إن ~~ربك لبالمرصاد } وما بين الموضعين معترض بينهما الثاني : قال صاحب ( الكشاف ~~) : المقسم عليه محذوف وهو لنعذبن الكافرين ، يدل عليه قوله تعالى : { ألم ~~تر } إلى قوله { فصب عليهم ربك سوط عذاب } وهذا أولى من الوجه الأول لأنه ~~لما لم يتعين المقسم عليه ذهب الوهم إلى كل مذهب ، فكان أدخل في التخويف ، ~~فلما جاء بعده بيان عذاب الكافرين دل على أن المقسم عليه أولا هو ذلك . # أما قوله تعالى : { ألم تر } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : ألم تر ، ألم تعلم لأن ذلك مما لا يصح أن يراه الرسول ~~وإنما أطلق لفظ الرؤية ههنا على العلم ، وذلك لأن أخبار عاد وثمود وفرعون ~~كانت منقولة بالتواترا أما عاد وثمود فقد كانا في بلاد العرب وأما فرعون ~~فقد كانوا يسمعونه من أهل الكتاب ، وبلاد فرعون أيضا / متصلة بأرض العرب ~~وخبر التواتر يفيد العلم الضروري ، والعلم الضروري جار مجرى الرؤية في ~~القوة والجلاء والبعد عن الشبهة ، فلذلك قال : { ألم تر } بمعنى ألم تعلم . # المسألة الثانية : قوله : { ألم تر } وإن كان في الظاهر خطابا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم لكنه عام لكل من علم ذلك . والمقصود من ذكر الله تعالى ~~حكايتهم أن يكون زجرا للكفار عن الإقامة على مثل ما أدى إلى هلاك عاد وثمود ~~وفرعون وقومه ، وليكون بعثا للمؤمنين على الثبات على الإيمان . # أما قوله تعالى : { بعاد * إرم ذات العماد } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى ذكر ههنا قصة ثلاث فرق من الكفار المتقدمين ~~وهي عاد وثمود وقوم فرعون على سبيل الإجمال حيث قال : { فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب } ولم يبين كيفية ذلك العذاب ، وذكر في سورة الحاقة بيان ما أبهم في ~~هذه ms9618 السورة فقال : { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية * وأما عاد فأهلكوا بريح ~~صرصر } إلى قوله { وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة } ( الحاقة : 9 ~~) الآية . # المسألة الثانية : عاد هو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح ، ثم إنهم ~~جعلوا لفظة عاد اسما للقبيلة كما يقال لبني هاشم هاشم ولبني تميم تميم ، ثم ~~قالوا للمتقدمين من هذه القبيلة عاد الأولى قال تعالى : { وأنه أهلك عادا * ~~الاولى } ( النجم : 50 ) وللمتأخرين عاد الأخيرة ، وأما إرم فهو اسم لجد ~~عاد ، وفي المراد منه في هذه الآية أقوال : أحدها : أن المتقدمين من قبيلة ~~عاد كانوا يسمون بعاد الأولى فلذلك يسمون بإرم تسمية لهم باسم جدهم والثاني ~~: أن إرم اسم لبلدتهم التي كانوا فيها ثم قبل تلك المدينة هي الإسكندرية ~~وقيل دمشق والثالث : أن إرم أعلام قوم عاد كانوا يبنونها على هيئة المنارة ~~وعلى هيئة القبور ، قال أبو الدقيش : الأروم قبور عاد ، وأنشد : # بها أروم كهوادي البخث PageV31P151 # ومن الناس من طعن في قول من قال : إن إرم هي الإسكندرية أو دمشق ، قال : ~~لأن منازل عاد كانت بين عمان إلى حضرموت وهي بلاد الرمال والأحقاف ، كما ~~قال : { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالاحقاف } ( الأحقاق : 21 ) وأما ~~الإسكندرية ودمشق فليستا من بلاد الرمال . # المسألة الثالثة : إرم لا تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث . # المسألة الرابعة : في قوله : { إرم } وجهان وذلك لأنا إن جعلناه اسم ~~القبيلة كان قوله : { إرم } عطف بيان لعاد وإيذانا بأنهم عاد الأولى ~~القديمة وإن جعلناه اسم البلدة أو الأعلام كان التقدير بعاد أهل إرم ثم حذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامع ، كما في قوله : { واسئل القرية } ( يوسف : ~~82 ) ويدل عليه قراءة ابن الزبير بعاد إرم على الإضافة . # المسألة الخامسة : قرأ الحسن : { بعاد * إرم } مفتوحين وقرىء : { بعاد * ~~إرم } بسكون الراء على / التخفيف كما قرىء : { بورقكم } ( الكهف : 19 ) ~~وقرىء : { بعاد * إرم ذات العماد } بإضافة { إرم } إلى { ذات العماد } ~~وقرىء : { بعاد * إرم ذات العماد } بدلا من فعل ربك ، والتقدير : ألم تر ~~كيف فعل ربك بعاد جعل ذات ms9619 العماد رميما ، أما قوله : { ذات العماد } ففيه ~~مسألتان : # المسألة الأولى : في إعرابه وجهان وذلك لأنا إن جعلنا : { إرم } اسم ~~القبيلة فالمعنى أنهم كانوا بدويين يسكنون الأخبية والخيام والخبار لا بد ~~فيها من العماد ، والعماد بمعنى العمود . وقد يكون جمع العمد أو يكون ~~المراد بذات العماد أنهم طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة وقيل : ~~ذات البناء الرفيع ، وإن جعلناه اسم البلد فالمعنى أنها ذات أساطين أي ذات ~~أبنية مرفوعة على العمد وكانوا يعالجون الأعمدة فينصبونها ويبنون فوقها ~~القصور ، قال تعالى في وصفهم : { أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون } ( الشعراء : ~~128 ) أي علامة وبناء رفيعا . # المسألة الثانية : روي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ثم مات ~~شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها . فسمع بذكر الجنة فقال ~~: ابني مثلها ، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلثمائة سنة وكان عمره ~~تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد ~~والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار ، فلما تم بناؤها سار إليها بأهل ~~مملكته ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء ~~فهلكوا ، وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوصل إلى جنة شداد ~~فحمل ما قدر عليه مما كان هناك وبلغ خبره معاوية فاستحضره وقص عليه ، فبعث ~~إلى كعب فسأله ، فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في ~~زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ~~ثم التفت فأبصر ابن ( أبي ) قلابة فقال : هذا والله هو ذلك الرجل . # أما قوله : { التى لم يخلق مثلها فى البلاد } فالضمير في مثلها إلى ماذا ~~يعود ؟ فيه وجوه : الأول : { لم يخلق مثلها } أي مثل عاد في البلاد في عظم ~~الجثة وشدة القوة ، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع وكان يحمل الصخرة ~~العظيمة فيلقيها على الجمع فيهلكوا الثاني : لم يخلق مثل مدينة شداد في ~~جميع بلاد الدنيا ، وقرأ ابن الزبير { لم يخلق مثلها } أي لم ms9620 يخلق الله ~~مثلها الثالث : أن الكناية عائدة إلى العماد أي لم PageV31P152 يخلق مثل ~~تلك الأساطين في البلاد ، وعلى هذا فالعماد جمع عمد ، والمقصود من هذه ~~الحكاية زجر الكفار فإنه تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل ، مع ~~الذي اختصوا به من هذه الوجوه ، فلأن تكونوا خائفين من مثل ذلك أيها الكفار ~~إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم كان أولى . أما قوله تعالى : { وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد } فقال الليث : الجواب قطعك الشيء كما يجاب الجيب يقال ~~جاب يجوب جوبا . وزاد الفراء يجيب جيبا ويقال : جبت البلاد جوبا أي جلت ~~فيها وقطعتها ، قال ابن عباس : يجوبون البلاد فيجعلون منها بيوتا وأحواضا ~~وما أرادوا من الأبنية ، كما قال : { وتنحتون من الجبال بيوتا } ( الأعراف ~~: 74 ) قيل : أول من نحت الجبال والصخور والرخام / ثمود ، وبنوا ألفا ~~وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة ، وقوله : { بالواد } قال مقاتل : بوادي ~~القرى . # وأما قوله تعالى : { وفرعون * ذى * الاوتاد } فالاستقصاء فيه مذكور في ~~سورة ص ، ونقول : الآن فيه وجوه أحدها : أنه سمي ذا الأوتاد لكثرة جنوده ~~ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا وثانيها : أنه كان يعذب الناس ~~ويشدهم بها إلى أن يموتوا ، روى عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة ~~أوتاد وجعل على صدرها رحا واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء ~~وقالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ، ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته ~~وثالثها : ذي الأوتاد ، أي ذي الملك والرجال ، كما قال الشاعر : # في ظل ملك راسخ الأوتاد # ورابعها : روى قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن تلك الأوتاد كانت ~~ملاعب يلعبون تحتها لأجله ، واعلم أن الكلام محتمل لكل ذلك ، فبين الله ~~تعالى لرسوله أن كل ذلك مما تعظم به الشدة والقول والكثرة لم يمنع من ورود ~~هلاك عظيم بهم ، ولذلك قال تعالى : { الذين طغوا فى البلاد } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : يحتمل أنه يرجع الضمير إلى فرعون خاصة لأنه يليه ، ~~ويحتمل أن يرجع إلى جميع من تقدم ذكرهم ، وهذا هو الأقرب ms9621 . # المسألة الثانية : أحسن الوجوه في إعرابه أن يكون في محل النصب على الذم ~~، ويجوز أن يكون مرفوعا على ( الإخبار ، أي ) هم الذين طغوا أو مجرورا على ~~وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون . # المسألة الثالثة : { طغوا فى البلاد } أي عملوا المعاصي وتجبروا على ~~أنبياء الله والمؤمنين ثم فسر طغيانهم بقوله تعالى : { فأكثروا فيها الفساد ~~} ضد الصلاح فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر ، فالفساد يتناول جميع ~~أقسام الإثم ، فمن عمل بغير أمر الله وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد ثم قال ~~تعالى : { فصب عليهم ربك سوط عذاب } واعلم أنه يقال : صب عليه السوط وغشاه ~~وقنعه ، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم ~~بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة ، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به . ~~قال القاضي : وشبهه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه ، وكان الحسن ~~إذا قرأ هذه الآية قال : إن عند الله أسواطا كثيرة فأخذهم بسوط منها ، فإن ~~قيل : أليس أن قوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها * ~~دابة } ( النحل : 61 ) يقتضي تأخير العذاب إلى الآخرة فكيف الجمع بين هاتين ~~الآيتين ؟ قلنا : هذه الآية تقتضي تأخير تمام الجزاء إلى الآخرة والواقع في ~~الدنيا شيء من ذلك ومقدمة من مقدماته . ثم قال تعالى : { إن ربك لبالمرصاد ~~} تقدم عند قوله : { كانت مرصادا } ( النبأ : 21 ) PageV31P153 ونقول : ~~المرصاد المكان الذي يترقب فيه الراصد مفعال من رصده كالميقات من وقته ، ~~وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه ، وعن بعض العرب أنه قيل ~~له : أين ربك ؟ فقال : بالمرصاد ، وللمفسرين فيه وجوه أحدها : / قال الحسن ~~: يرصد أعمال بني آدم وثانيها : قال الفراء : إليه المصير ، وهذان الوجهان ~~عامان للمؤمنين والكافرين ، ومن المفسرين من يخص هذه الآية إما بوعيد ~~الكفار ، أو بوعيد العصاة ، أما الأول فقال الزجاج : يرصد من كفر به وعدل ~~عن طاعته بالعذاب ، وأما الثاني فقال الضحاك : يرصد لأهل الظلم والمعصية ، ~~وهذه الوجوه متقاربة . # ! 7 < { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ms9622 ربىأكرمن * ~~وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربىأهانن } . > 7 @QB@ < # | الفجر : ( 15 - 16 ) فأما الإنسان إذا . . . . . # > > # اعلم أن قوله : { فأما الإنسان } متعلق بقوله : { إن ربك لبالمرصاد } ( ~~الفجر : 14 ) كأنه قيل : إنه تعالى لبالمرصاد في الآخرة ، فلا يريد إلا ~~السعي للآخرة فأما الإنسان فإنه لا يهمه إلا الدنيا ولذاته وشهواتها ، فإن ~~وجد الراحة في الدنيا يقول : ربي أكرمني ، وإن لم يجد هذه الراحة يقول : ~~ربي أهانني ، ونظيره قوله تعالى في صفة الكفار : { يعلمون ظاهرا من الحيواة ~~الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون } ( الروم : 7 ) وقال : { ومن الناس من ~~يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ~~} ( الحج : 11 ) وهذا خطأ من وجوه أحدها : أن سعادة الدنيا وشقاوتها في ~~مقابلة ما في الآخرة من السعادة والشقاوة كالقطرة في البحر ، فالمتنعم في ~~الدنيا لو كان شقيا في الآخرة فذاك التنعم ليس بسعادة ، والمتألم المحتاج ~~في الدنيا لو كان سعيدا في الآخرة فذاك ليس بإهانة ولا شقاوة ، إذ المتنعم ~~في الدنيا لا يجوز له أن يحكم على نفسه بالسعادة والكرامة ، والمتألم في ~~الدنيا لا يجوز له أن يحكم على نفسه بالشقاوة والهوان وثانيها : أن حصول ~~النعمة في الدنيا وحصول الآلام في الدنيا لا يدل على الاستحقاق فإنه تعالى ~~كثيرا ما يوسع على العصاة والكفرة ، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ~~وإما يحكم المصلحة ، وإما على سبيل الاستدراج والمكر ، وقد يضيق على ~~الصديقين لأضداد ما ذكرنا ، فلا ينبغي للعبد أن يظن أن ذلك لمجازاة وثالثها ~~: أن المتنعم لا ينبغي أن يغفل عن العاقبة ، فالأمور بخواتيمها ، والفقير ~~والمحتاج لا ينبغي أن يغفل عما لله عليه من النعم التي لا حد لها من سلامة ~~البدن والعقل والدين ودفع الآفات والآلام التي لا حد لها ولا حصر ، فلا ~~ينبغي أن يقضي على نفسه بالإهانة مطلقا ورابعها : أن النفس قد ألفت هذه ~~المحسوسات ، فمتى حصلت هذه المشتهيات واللذات صعب عليها الانقطاع عنها وعدم ~~الاستغراق فيها ، أما إذا لم يحصل ms9623 للإنسان شيء من هذه المحسوسات رجعت شاءت ~~أم أبت إلى الله ، واشتغلت بعبودية الله فكان وجدان الدنيا سببا للحرمان من ~~الله ، فكيف يجوز القضاء بالشقاوة والإهانة عند عدم الدنيا ، مع أن ذلك / ~~أعظم الوسائل إلى أعظم السعادات وخامسها : أن كثرة الممارسة سبب لتأكد ~~المحبة ، وتأكد المحبة سبب لتأكد الألم عند الفراق ، فكل من كان ~~PageV31P154 وجدانه للدنيا أكثر وأدوم كانت محبته لها أشد ، فكان تألمه ~~بمفارقتها عند الموت أشد ، والذي بالضد فبالضد ، فإذن حصول لذات الدنيا سبب ~~للألم الشديد بعد الموت ، وعدم حصولها سبب للسعادة الشديدة بعد الموت ، ~~فكيف يقال : إن وجدان الدنيا سعادة وفقدانها شقاوة ؟ . # واعلم أن هذه الوجوه إنما تصح مع القول بإثبات البعث روحانيا كان أو ~~جسمانيا ، فأما من ينكر البعث من جميع الوجوه فلا يستقيم على قوله شيء من ~~هذه الوجوه ، بل يلزمه القطع بأن وجدان الدنيا هو السعادة وفقدانها هو ~~الشقاوة ، ولكن فيه دقيقة أخرى وهي أنه ربما كان وجدان الدنيا الكثيرة سببا ~~للقتل والنهب والوقوع في أنواع العذاب ، فربما كان الحرمان سببا لبقاء ~~السلامة ، فعلى هذا التقدير لا يجوز أيضا لمنكر البعث من جميع الوجوه أن ~~يقضي على صاحب الدنيا بالسعادة ، وعلى فاقدها بالهوان ، فربما ينكشف له أن ~~الحال بعد ذلك بالضد / وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : قوله : { فأما الإنسان } المراد منه شخصين معين أو الجنس ~~؟ الجواب : فيه قولان : الأول : أن المراد منه شخصين معين ، فروي عن ابن ~~عباس أنه عتبة بن ربيعة ، وأبو حذيفة بن المغيرة ، وقال الكلبي : هو أبي بن ~~خلف ، وقال مقاتل : نزلت في أمية بن خلف والقول الثاني : أن المراد من كان ~~موصوفا بهذا الوصف وهو الكافر الجاحد ليوم الجزاء . # السؤال الثاني : كيف سمي بسط الرزق وتقديره ابتلاء ؟ الجواب : لأن كل ~~واحد منهما اختبار للعبد ، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر ، ~~وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع ، فالحكمة فيهما واحدة ، ونحوه ~~قوله تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ( الأنبياء : 35 ) . # السؤال الثالث : لما قال : { فأكرمه } فقد ms9624 صحح أنه أكرمه . وأثبت ذلك ثم ~~إنه لما حكى عنه أنه قال : { ربى أكرمن } ذمه عليه فكيف الجمع بينهما ؟ ~~والجواب : لأن كلمة الإنكار هي قوله : { كلا } فلم لا يجوز أن يقال : إنها ~~مختصة بقوله : { ربى أهانن } سلمنا أن الإنكار عائد إليهما معا ولكن فيه ~~وجوه ثلاثة أحدها : أنه اعتقد حصول الاستحقاق في ذلك الإكرام الثاني : أن ~~نعم الله تعالى كانت حاصلة قبل وجدان المال ، وهي نعمة سلامة البدن والعقل ~~والدين ، فلما لم يعترف بالنعمة إلا عند وجدان المال ، علمنا أنه ليس غرضه ~~من ذلك شكر نعمة الله ، بل التصلف بالدنيا والتكثر بالأموال والأولاد ~~الثالث : أن تصلفه بنعمة الدنيا وإعراضه عن ذكر نعمة الآخرة يدل على كونه ~~منكرا للبعث ، فلا جرم استحق الذم على ما حكى الله تعالى ذلك ، فقال : { ~~ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هاذه أبدا * وما أظن الساعة ~~قائمة } إلى قوله : { أكفرت بالذى خلقك من تراب } ( الكهف : 37 , 35 ) . # / السؤال الرابع لم قال في القسم الأول : { إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه } ~~وفي القسم الثاني : { وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه } فذكر الأول ~~بالفاء والثاني بالواو ؟ والجواب : لأن رحمة الله سابقة على غضبه وابتلاءه ~~بالنعم سابق على ابتلائه بإنزال الآلام ، فالفاء تدل على كثرة ذلك القسم ~~وقبله الثاني على ما قال : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ( النحل : 18 ~~) . # السؤال الخامس : لما قال في القسم الأول : { فأكرمه فيقول ربى أكرمن } ~~يجب أن يقول في القسم الثاني : فأهانه فيقول : { ربى أهانن } لكنه لم يقل ~~ذلك والجواب : لأنه في قوله : { أكرمن } PageV31P155 صادق وفي قوله : { ~~أهانن } غير صادق فهو ظن قلة الدنيا وتقتيرها إهانة ، وهذا جهل واعتقاد ~~فاسد ، فكيف يحكي الله سبحانه ذلك عنه . # السؤال السادس : ما معنى قوله : فقدر عليه رزقه ؟ الجواب : ضيق عليه بأن ~~جعله على مقدار البلغة ، وقرىء فقدر على التخفيف وبالتشديد أي قتر ، وأكرمن ~~وأهانن بسكون النون في الوقف فيمن ترك الياء في الدرج مكتفيا منها بالكسرة ~~. # ! 7 < { كلا بل لا تكرمون اليتيم ms9625 * ولا تحاضون على طعام المسكين * ~~وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما } . > 7 ! # < < # | الفجر : ( 17 ) كلا بل لا . . . . . # > > واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم تلك الشبهة قال : { كلا } وهو ردع ~~للإنسان عن تلك المقالة ، قال ابن عباس : المعنى لم ابتله بالغنى لكرامته ~~علي ، ولم أبتله بالفقر لهوانه علي ، بل ذلك إما على مذهب أهل السنة ، فمن ~~محض القضاء أو القدر والمشيئة ، والحكم الذي تنزه عن التعليل بالعلل ، وإما ~~على مذهب المعتزلة فبسبب مصالح خفية لا يطلع عليها إلا هو ، فقد يوسع على ~~الكافر لا لكرامته ، ويقتر على المؤمن لا لهوانه ، ثم إنه تعالى لما حكى من ~~أقوالهم تلك الشبهة فكأنه قال : بل لهم فعل هو شر من هذا القول ، وهو أن ~~الله تعالى يكرمهم بكثرة المال ، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم ~~، فقال : { بل لا تكرمون اليتيم } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو : { * يكرمون } وما بعده بالياء المنقوطة ~~من تحت ، وذلك أنه لما تقدم ذكر الإنسان ، وكان يراد به الجنس والكثرة ، ~~وهو على لفظة الغيبة حمل يكرمون ويحبون عليه ، ومن قرأ بالتاء فالتقدير قل ~~لهم يا محمد ذلك . # المسألة الثانية : قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن ~~خلف ، فكان يدفعه عن حقه . # / واعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه أحدها : ترك بره ، وإليه الإشارة ~~بقوله : { اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين } والثاني : دفعه عن حقه ~~الثابت له في الميراث وأكل ماله ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { وتأكلون ~~التراث أكلا لما } والثالث : أخذ ماله منه وإليه الإشارة بقوله : { وتحبون ~~المال حبا جما } أي تأخذون أموال اليتامى وتضمونها إلى أموالكم ، أما قوله ~~: { ولا * يحض على طعام المسكين } قال مقاتل : ولا تطعمون مسكينا ، والمعنى ~~لا تأمرون بإطعامه كقوله تعالى : { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض ~~على طعام المسكين } ( الحاقة : 34 , 33 ) ومن قرأ ولا تحاضون أراد تتحاضون ~~فحذف تاء تتفاعلون ، والمعنى : { يحض * بعضكم بعضا * وفى * لا تكرمون ~~اليتيم * ولا تحاضون } بضم التاء من المحاضة ms9626 . # أما قوله : { وتأكلون التراث أكلا لما } ففيه مسائل : PageV31P156 # المسألة الأولى : قالوا : أصل التراث وراث ، والتاء تبدل من الواو ~~المضمومة نحو تجاه ووجاه من واجهت . # المسألة الثانية : قال الليث : اللم الجمع الشديد ، ومنه كتيبة ملمومة ~~وحجر ملموم ، والآكل يلم الثريد فيجعله لقما ثم يأكله ويقال لممت ما على ~~الخوان ألمه أي أكلته أجمع ، فمعنى اللم في اللغة الجمع ، وأما التفسير ~~ففيه وجوه أحدها : قال الواحدي والمفسرون : يقولون في قوله : { أكلا لما } ~~أي شديدا وهو حل معنى وليس بتفسير ، وتفسيره أن اللم مصدر جعل نعتا للأكل ، ~~والمراد به الفاعل أي آكلا لاما أي جائعا كأنهم يستوعبونه بالأكل ، قال ~~الزجاج : كانوا يأكلون أموال اليتامى إسرافا وبدارا ، فقال الله : { ~~وتأكلون التراث أكلا لما } أي تراث اليتامى لما أي تلمون جميعه ، وقال ~~الحسن : أي يأكلون نصيبهم ونصيب صاحبهم ، فيجمعون نصيب غيرهم إلى نصيبهم ~~وثانيها : أن المال الذي يبقى من الميت بعضه حلال ، وبعضه شبهة وبعضه حرام ~~، فالوارث يلم الكل أي يضم البعض إلى البعض ويأخذ الكل ويأكله وثالثها : ~~قال صاحب ( الكشاف ) : ويجوز أن يكون الذم متوجها إلى الوارث الذي ظفر ~~بالمال سهلا مهلا من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلا ~~لما واسعا / جامعا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه ، كما ~~يفعله الوراث البطالون . # أما قوله تعالى : { ويحبون * المال حبا جما } فاعلم أن الجم هو الكثرة ~~يقال : جم الشيء يجم جموما يقال ذلك في المال وغيره فهو شيء جم وجام وقال ~~أبو عمرو جم يجم أي يكثر ، والمعنى : ويحبون المال حبا كثيرا شديدا ، فبين ~~أن حرصهم على الدنيا فقط وأنهم عادلون عن أمر الآخرة . # ! 7 < { كلا إذا دكت الا رض دكا دكا * وجآء ربك والملك صفا صفا * وجىء ~~يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى } . > 7 ! # / < < # | الفجر : ( 21 ) كلا إذا دكت . . . . . # > > اعلم أن قوله : { كلا } ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم أي لا ينبغي أن ~~يكون الأمر هكذا في الحرص على الدنيا وقصر الهمة والجهاد على تحصيلها ~~والاتكال عليها وترك ms9627 المواساة منها وجمعها من حيث تتهيأ من حل أو حرام ، ~~وتوهم أن لا حساب ولا جزاء . فإن من كان هذا حاله يندم حين لا تنفعه ~~الندامة ويتمنى أن لو كان أفنى عمره في التقرب بالأعمال الصالحة والمواساة ~~من المال إلى الله تعالى ، ثم بين أنه إذا جاء يوم موصوف بصفات ثلاثة فإنه ~~يحصل ذلك التمني وتلك الندامة . # الصفة الأولى : من صفات ذلك اليوم قوله : { إذا دكت الارض دكا دكا } قال ~~الخليل : الدك كسر الحائط والجبل والدكداك رمل متلبد ، ورجل مدك شديد الوطء ~~على الأرض ، وقال المبرد : الدك حط المرتفع بالبسط واندك سنام البعير إذا ~~انفرش في ظهره ، وناقة دكاء إذا كانت كذلك ومنه الدكان لاستوائه في ~~الانفراش ، فمعنى الدك على قول الخليل : كسر كل شيء على وجه الأرض من جبل ~~أو شجر حين زلزلت فلم PageV31P157 يبق على ظهرها شيء ، وعلى قول المبرد : ~~معناه أنها استوت في الانفراش فذهبت دورها وقصورها وسائر أبنيتها حتى تصير ~~كالصحرة الملساء ، وهذا معنى قول ابن عباس : تمد الأرض يوم القيامة . # واعلم أن التكرار في قوله : { دكا دكا } معناه دكا بعد دك كقولك حسبته ~~بابا بابا وعلمته حرفا حرفا أي كرر عليها الدك حتى صارت هباء منثورا . ~~واعلم أن هذا التدكدك لا بد وأن يكون متأخرا عن الزلزلة ، فإذا زلزلت الأرض ~~زلزلة بعد زلزلة وحركت تحريكا بعد تحريك انكسرت الجبال التي عليها وانهدمت ~~التلال وامتلأت الأغوار وصارت ملساء ، وذلك عند انقضاض الدنيا وقد قال ~~تعالى : { يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة } ( النازعات : 7 , 6 ) وقال ~~: { وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة } ( الحاقة : 14 ) وقال : { إذا ~~رجت الارض رجا * وبست الجبال بسا } . # الصفة الثانية : من صفات ذلك اليوم قوله : { وجاء ربك والملك صفا صفا } . # واعلم أنه ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على الله تعالى محال ، لأن كل ما ~~كان كذلك كان جسما والجسم يستحيل أن يكون أزليا فلا بد فيه من التأويل ، ~~وهو أن هذا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، ثم ذلك المضاف ما ~~هو ms9628 ؟ فيه وجوه أحدها : وجاء أمر ربك بالمحاسبة والمجازاة وثانيها : وجاء ~~قهر ربك كما يقال جاءتنا بنو أمية أي قهرهم وثالثها : وجاء جلائل آيات ربك ~~لأن هذا يكون يوم القيامة ، وفي ذلك اليوم تظهر العظائم وجلائل الآيات ، ~~فجعل مجيئها مجيئا له تفخيما لشأن تلك الآيات ورابعها : وجاء ظهور ربك ، ~~وذلك لأن معرفة الله تصير في ذلك اليوم ضرورية فصار ذلك كظهوره وتجليه ~~للخلق ، فقيل : { وجاء ربك } أي زالت الشبهة وارتفعت / الشكوك خامسها : أن ~~هذا تمثيل لظهور آيات الله وتبيين آثار قهره وسلطانه ، مثلت حاله في ذلك ~~بحال الملك إذا حضر بنفسه ، فإنه يظهر بمجرد حضوره من آثار الهيبة والسياسة ~~مالا يظهر بحضور عساكره كلها وسادسها : أن الرب هو المربى ، ولعل ملكا هو ~~أعظم الملائكة هو مربي للنبي صلى الله عليه وسلم جاء فكان هو المراد من ~~قوله : { وجاء ربك } . # أما قوله : { والملك صفا صفا } فالمعنى أنه تنزل ملائكة كل سماء فيصطفون ~~صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس . # الصفة الثالثة : من صفات ذلك اليوم قوله تعالى : { وجىء يومئذ بجهنم } ~~ونظيره قوله تعالى : { وبرزت الجحيم للغاوين } ( الشعراء : 91 ) قال جماعة ~~من المفسرين : جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل زمام ~~سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش فتشرد شردة لو تركت لأحرقت ~~أهل الجمع ، قال الأصوليون : ومعلوم أنها لا تنفك عن مكانها ، فالمراد { ~~وبرزت } أي ظهرت حتى رآها الخلق ، وعلم الكافر أن مصيره إليها ، ثم قال : { ~~يومئذ يتذكر الإنسان } واعلم أن تقدير الكلام : إذا دكت الأرض ، وحصل كذا ~~وكذا فيومئذ يتذكر الإنسان ، وفي تذكره وجوه الأول : أنه يتذكر ما فرط فيه ~~لأنه حين كان في الدنيا كانت همته تحصيل الدنيا ، ثم إنه في الآخرة يتذكر ~~أن ذلك كان ضلالا ، وكان الواجب عليه أن تكون همته تحصيل الآخرة الثاني : ~~يتذكر أي يتعظ ، والمعنى أنه ما كان يتعظ في الدنيا فيصير في الآخرة متعظا ~~فيقول : { فقالوا ياليتنا نرد ولا نكذب بئايات ربنا } ( الأنعام : 27 ) ، ~~الثالث : يتذكر يتوب وهو مروي عن ms9629 الحسن ، ثم قال تعالى : { وأنى له الذكرى ~~} { وقد جاءهم رسول مبين } ( الدخان : 13 ) : PageV31P158 # واعلم أن بين قوله : { يتذكر } وبين قوله : { وأنى له الذكرى } تناقضا ~~فلا بد من إضمار المضاف والمعنى ومن أين له منفعة الذكرى . # ويتفرع على هذه الآية مسألة أصوليه ، وهي أن قبول التوبة عندنا غير واجب ~~على الله عقلا ، وقالت المعتزلة : هو واجب . فنقول : الدليل على قولنا أن ~~الآية دلت ههنا على أن الإنسان يعلم في الآخرة أن الذي يعمله في الدنيا لم ~~يكن أصلح له وإن الذي تركه كان أصلح له ، ومهما عرف ذلك لا بد وأن يندم ~~عليه ، وإذا حصل الندم فقد حصلت التوبة ، ثم إنه تعالى نفى كون تلك التوبة ~~نافعة بقوله : { وأنى له الذكرى } فعلمنا أن التوبة لا يجب عقلا قبولها ، ~~فإن قيل القوم : إنما ندموا على أفعالهم لا لوجه قبحها بل لترتب العقاب ~~عليها ، فلا جرم ما كانت التوبة صحيحة ؟ قلنا : القوم لما علموا أن الندم ~~على القبيح لا بد وأن يكون لوجه قبحه حتى يكون نافعا وجب أن يكون ندمهم ~~واقعا على هذا الوجه ، فحينئذ يكونون آتين بالتوبة الصحيحة مع عدم القبول ~~فصح قولنا . # ! 7 < { يقول ياليتنى قدمت لحياتى } . > 7 @QB@ < # | الفجر : ( 24 ) يقول يا ليتني . . . . . # > > # ثم شرح تعالى ما يقوله هذا الإنسان فقال تعالى : { يقول ياليتنى * ليتنى ~~* قدمت لحياتى } وفيه مسألتان : # / المسألة الأولى : للآية تأويلات : # أحدهما : { لدى وقد قدمت } في الدنيا التي كانت حياتي فيها منقطعة ، ~~لحياتي هذه التي هي دائمة غير منقطعة ، وإنما قال : { لحياتى } ولم يقل : ~~لهذه الحياة على معنى أن الحياة كأنها ليست إلا الحياة في الدار الآخرة ، ~~قال تعالى : { وإن الدار الاخرة لهى الحيوان } ( العنكبوت : 64 ) أي لهي ~~الحياة . # وثانيها : أنه تعالى قال في حق الكافر : { ويأتيه الموت من كل مكان وما ~~هو بميت } ( إبراهيم : 17 ) وقال : { فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى } ~~( طه : 74 ) وقال : { ويتجنبها الاشقى * الذى * يصلى النار الكبرى * ثم لا ~~يموت فيها ولا * يحيى } ( الأعلى : 13 , 11 ) فهذه الآية دلت على أن ms9630 أهل ~~النار في الآخرة كأنه لا حياة لهم ، والمعنى فياليتني قدمت عملا يوجب نجاتي ~~من النار حتى أكون من الأحياء . # وثالثها : أن يكون المعنى : فياليتني قدمت وقت حياتي في الدنيا ، كقولك ~~جئته لعشر ليال خلون من رجب . # المسألة الثانية : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الاختيار كان في ~~أيديهم ومعلقا بقصدهم وإرادتهم وأنهم ما كانوا محجوبين عن الطاعات مجترئين ~~على المعاصي وجوابه : أن فعلهم كان معلقا بقصدهم ، فقصدهم إن كان معلقا ~~بقصد آخر لزم التسلسل ، وإن كان معلقا بقصد الله فقد بطل الاعتزال . ثم قال ~~تعالى : # ! 7 < { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد } . > 7 @QB@ < # | الفجر : ( 25 - 26 ) فيومئذ لا يعذب . . . . . # > > # وفيه مسألتان : PageV31P159 # المسألة الأولى : قراءة العامة يعذب ويوثق بكسر العين فيهما قال مقاتل ~~معناه : فيومئذ لا يعذب عذاب الله أحد من الخلق ولا يوثق وثاق الله أحد من ~~الخلق ، والمعنى لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق ، قال ~~أبو عبيدة : هذا التفسير ضعيف لأنه ليس يوم القيامة معذب سوى الله فكيف ~~يقال : لا يعذب أحد في مثل عذابه ، وأجيب عن هذا الاعتراض من وجوه الأول : ~~أن التقدير لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ ، ولا يوثق أحد ~~في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ ، والمعنى مثل عذابه ووثاقه في الشدة ~~والمبالغة الثاني : أن المعنى لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد ، أي ~~الأمر يومئذ أمره ولا أمر لغيره الثالث : وهو قول أبي علي الفارسي : أن ~~يكون التقدير لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه ، فالضمير في عذابه ~~عائد إلى الإنسان ، وقرأ الكسائي لا يعذب ولا يوثق بفتح العين فيها واختاره ~~أبو عبيدة ، وعن أبي عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره ، لما روى أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قرأهما بالفتح والضمير للإنسان الموصوف ، وقيل : ~~هو أبي بن خلف ولهذه القراءة تفسيران أحدهما : لا يعذب أحد مثل عذابه ولا ~~يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه ، لتناهيه في كفره وفساده والثاني : / ~~أنه لا ms9631 يعذب أحد من الناس عذاب الكافر ، كقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~} ( فاطر : 18 ) قال الواحدي وهذه أولى الأقوال . # المسألة الثانية : العذاب في القراءتين بمعنى التعذيب والوثاق بمعنى ~~الإيثاق ، كالعطاء بمعنى الإعطاء في قوله : # % أكفرا بعد رد الموت عن % % وبعد عدائك المائة الرتاعا % # ! 7 < { ياأيتها النفس المطمئنة } . > 7 ! # < < # | الفجر : ( 27 ) يا أيتها النفس . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما وصف حال من اطمأن إلى الدنيا ، وصف حال من أطمأن ~~إلى معرفته وعبوديته ، فقال : { ولا تقتلوا النفس } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : تقدير هذا الكلام . يقول الله للمؤمن : { ولا تقتلوا ~~النفس } فإما أن يكلمه إكراما له كما كلم موسى عليه السلام أو على لسان ملك ~~، وقال القفال : هذا وإن كان أمرا في الظاهر لكنه خبر في المعنى ، والتقدير ~~أن النفس إذا كانت مطمئنة رجعت إلى الله ، وقال الله لها : { فادخلى فى ~~عبادى * وادخلى جنتى } ( الفجر : 30 , 29 ) قال : ومجيء الأمر بمعنى الخبر ~~كثير في كلامهم ، كقولهم : إذا لم تستح فاصنع ما شئت . # المسألة الثانية : الاطمئنان هو الاستقرار والثبات ، وفي كيفية هذا ~~الاستقرار وجوه أحدها : أن تكون متيقنة بالحق ، فلا يخالجها شك ، وهو ~~المراد من قوله : { ولاكن ليطمئن قلبى } ( البقرة : 260 ) وثانيها : النفس ~~الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن ، ويشهد لهذا التفسير قراءة أبي بن كعب ~~يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة ، وهذه الخاصة قد تحصل عند الموت عند سماع ~~قوله : { ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة } ( فصلت : 30 ) وتحصل عند ~~البعث ، وعند دخول الجنة لا محالة وثالثها : وهو تأويل مطابق للحقائق ~~PageV31P160 العقلية ، فنقول : القرآن والبرهان تطابقا على أن هذا ~~الاطمئنان لا يحصل إلا بذكر الله ، أما القرآن فقوله : { ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب } ( الرعد : 28 ) وأما البرهان فمن وجهين الأول : أن القوة ~~العاقلة إذا أخذت تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات ، فكلما وصل إلى سبب ~~يكون هو ممكنا لذاته طلب العقل له سببا آخر ، فلم يقف العقل عنده ، بل لا ~~يزال ينتقل من كل شيء إلى ما هو أعلى منه ، حتى ينتهي في ذلك الترقي ms9632 إلى ~~واجب الوجود لذاته مقطع الحاجات . ومنتهى الضرورات ، فلما وقفت الحاجة دونه ~~وقف العقل عنده واطمأن إليه ، ولم ينتقل عنه إلى غيره ، فإذا كلما كانت ~~القوة العاقلة ناظرة إلى شيء من الممكنات ملتفة إليه استحال أن تستقر عنده ~~، وإذا نظرت إلى جلال واجب الوجود ، وعرفت أن الكل منه استحال أن تنتقل عنه ~~، فثبت أن الاطمئنان لا يحصل إلا بذكر واجب الوجود الثاني : أن حاجات العبد ~~غير متناهية وكل ما سوى الله تعالى فهو متناهي البقاء والقوة إلا بامداد ~~الله ، وغير المتناهي لا يصير مجبورا / بالمتناهي ، فلا بد في مقابلة حاجة ~~العبد التي لا نهاية لها من كمال الله الذي لا نهاية له ، حتى يحصل ~~الاستقرار ، فثبت أن كل من آثر معرفة الله لا لشيء غير الله فهو غير مطمئن ~~، وليست نفسه نفسا مطمئنة ، أما من آثر معرفة الله لشيء سواه فنفسه هي ~~النفس المطمئنة ، وكل من كان كذلك كان أنسه بالله وشوقه إلى الله وبقاؤه ~~بالله وكلامه مع الله ، فلا جرم يخاطب عند مفارقته الدنيا بقوله : { ارجعى ~~إلى ربك راضية مرضية } وهذا كلام لا ينتفع الإنسان به إلا إذا كان كاملا في ~~القوة الفكرية الإلهية أو في التجريد والتفريد . # المسألة الثالثة : اعلم أن الله تعالى ذكر مطلق النفس في القرآن فقال : { ~~ونفس وما سواها } ( الشمس : 7 ) وقال : { تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى ~~نفسك } ( المائدة : 116 ) وقال : { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من * قوة * ~~أعين } ( السجدة : 17 ) وتارة وصفها بكونها أمارة بالسوء ، فقال : { إن ~~النفس لامارة بالسوء } ( يوسف : 53 ) وتارة بكونها لوامة ، فقال : { بالنفس ~~اللوامة } ( القيامة : 2 ) وتارة بكونها مطمئنة كما في هذه الآية . واعلم ~~أن نفس ذاتك وحقيقتك وهي التي تشير إليها بقولك : ( أنا ) حين تخبر عن نفسك ~~بقولك فعلت ورأيت وسمعت وغضبت واشتهيت وتخيلت وتذكرت ، إلا أن المشار إليه ~~بهذه الإشارة ليس هو هذه البنية لوجهين الأول : أن المشار إليه بقولك : ( ~~أنا ) قد يكون معلوما حال ما تكون هذه البنية المخصوصة غير معلومة ، ~~والمعلوم غير ms9633 ما هو غير معلوم والثاني : أن هذه البنية متبدلة الأجزاء ~~والمشار إليه بقولك : ( أنا ) غير متبدل ، فإني أعلم بالضرورة أني أنا الذي ~~كنت موجودا قبل هذا اليوم بعشرين سنة ، والمتبدل غير ما هو غير متبدل ، ~~فإذا ليست النفس عبارة عن هذه البنية ، وتقول : قال قوم إن النفس ليست بجسم ~~لأنا قد نعقل المشار إليه بقوله : ( أنا ) حال ما أكون غافلا عن الجسم الذي ~~حقيقته المختص بالحيز الذاهب في الطول والعرض والعمق . والمعلوم مغاير لما ~~ليس بمعلوم ، وجواب المعارضة بالنفس مذكور في كتابنا المسمى بلباب الإشارات ~~، وقال آخرون : بل هو جوهر جسماني لطيف صاف بعيد عن مشابهة الأجرام ~~العنصرية نوراني سماوي مخالف بالماهية لهذه الأجسام السفلية ، فإذا صارت ~~مشابكة لهذا البدن الكثيف صار البدن حيا وإن فارقته صار البدن ميتا ، وعلى ~~التقدير الأول يكون وصفها بالمجيء والرجوع بمعنى التدبير وتركه ، وعلى ~~التقدير الثاني يكون ذلك الوصف حقيقا . # المسألة الرابعة : من القدماء من زعم أن النفوس أزلية ، واحتجوا بهذه ~~الآية وهي قوله : { ارجعى إلى ربك } فإن هذا إنما يقال : لما كان موجودا ~~قبل هذا البدن . PageV31P161 # واعلم أن هذا الكلام يتفرع على أن هذا الخطاب متى يوجد ؟ وفيه وجهان ~~الأول : أنه إنما يوجد عند الموت ، وههنا تقوى حجة القائلين بتقدم الأرواح ~~على الأجساد ، إلا أنه لا يلزم من تقدمها عليها قدمها الثاني : أنه إنما ~~يوجد عند البعث والقيامة ، والمعنى : ارجعي إلى ثواب ربك ، فادخلي في عبادي ~~، أي ادخلي في الجسد الذي خرجت منه . # / المسألة الخامسة : المجسمة تمسكوا بقوله : { إلى ربك } وكلمة إلى ~~لانتهاء الغاية وجوابه : إلى حكم ربك ، أو إلى ثواب ربك أو إلى إحسان ربك ~~والجواب : الحقيقي المفرع على القاعدة العقلية التي قررناها ، أن القوة ~~العقلية بسيرها العقلي تترقى من موجود إلى موجود آخر ، ومن سبب إلى سبب حتى ~~تنتهي إلى حضرة واجب الوجود ، فهناك انتهاء الغايات وانقطاع الحركات ، أما ~~قوله تعالى : { راضية مرضية } فالمعنى راضية بالثواب مرضية عنك في الأعمال ~~التي عملتها في الدنيا ، ويدل على صحة هذا التفسير ، ما روى ms9634 أن رجلا قرأ ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات ، فقال أبو بكر : ما أحسن هذاا ~~فقال عليه الصلاة والسلام : ( أما إن الملك سيقولها لك ) . ثم قوله تعالى : # ! 7 < { ارجعى إلى ربك راضية مرضية * فادخلى فى عبادى * وادخلى جنتى } . ~~> 7 ! # < < # | الفجر : ( 29 ) فادخلي في عبادي # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : قيل : نزلت في حمزة بن عبد المطلب ، وقيل : في خبيت بن ~~عدي الذي صلبه أهل مكة ، وجعلوا وجهه إلى المدينة ، فقال : اللهم إن كان لي ~~عندك خير فحول وجهي نحو بلدتك ، فحول الله وجهه نحوها ، فلم يستطع أحد أن ~~يحوله ، وأنت قد عرفت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . # المسألة الثانية : قوله : { ادخلى * فى عبادى } أي انضمي إلى عبادي ~~المقربين ، وهذه حالة شريفة ، وذلك لأن الأرواح الشريفة القدسية تكون ~~كالمرايا المصقولة ، فإذا انضم بعضها إلى البعض حصلت فيما بينها حالة شبيهة ~~بالحالة الحاصلة عند تقابل المرايا المصقولة من انعكاس الأشعة من بعضها على ~~بعض ، فيظهر في كل واحد منها كل ما ظهر في كلها ، وبالجملة فيكون ذلك ~~الانضمام سببا لتكامل تلك السعادات ، وتعاظم تلك الدرجات الروحانية ، وهذا ~~هو المراد من قوله تعالى : { وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من ~~أصحاب اليمين } ( الواقعة : 91 , 90 } وذلك هو السعادة الروحانية ، ثم قال ~~: { * } وذلك هو السعادة الروحانية ، ثم قال : { وادخلى جنتى } وهذا إشارة ~~إلى السعادة الجسمانية ، ولما كانت الجنة الروحانية غير متراخية عن الموت ~~في حق السعداء ، لا جرم قال : { فادخلى فى عبادى } فذكر بفاه التعقيب ، ~~ولما كانت الجنة الجسمانية لا يحصل الفوز بها إلا بعد قيام القيامة الكبرى ~~، لا جرم قال : { وادخلى جنتى } فذكره بالواو لا بالفاء ، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV31P162 < # > 1 ( سورة البلد ) 1 < # > # عشرون آية مكية # ! 7 < { لا أقسم بهاذا البلد * وأنت حل بهاذا البلد * ووالد وما ولد * ~~لقد خلقنا الإنسان فى كبد } . > 7 ! # / < < # | البلد : ( 1 ) لا أقسم بهذا . . . . . # > > أجمع المفسرون على أن ذلك البلد هي مكة ، واعلم ms9635 أن فضل مكة معروف ، ~~فإن الله تعالى جعلها حرما آمنا ، فقال في المسجد الذي فيها { ومن دخله كان ~~ءامنا } وجعل ذلك المسجد قبلة لأهل المشرق والمغرب ، فقال : { وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره } ( البقرة : 644 ) وشرف مقام إبراهيم بقوله : { واتخذوا ~~من مقام إبراهيم مصلى } ( البقرة : 125 ) وأمر الناس بحج ذلك البيت فقال : ~~{ ولله على الناس حج البيت } ( آل عمران : 97 ) وقال في البيت : { وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } ( البقرة : 125 ) وقال : { وإذ بوأنا ~~لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بى شيئا } ( الحج : 26 ) وقال : { وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق } وحرم فيه الصيد ، وجعل البيت المعمور بإزائه ، ~~ودحيت الدنيا من تحته ، فهذه الفضائل وأكثر منها لما اجتمعت في مكة لا جرم ~~أقسم الله تعالى بها ، فأما قوله : { وأنت حل } فالمراد منه أمور أحدها : ~~وأنت مقيم بهذا البلد نازل فيه حال به ، كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه ~~عليه الصلاة والسلام مقيم بها وثانيها : الحل بمعنى الحلال ، أي أن الكفار ~~يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرمات ، ثم إنهم مع ذلك ومع إكرام ~~الله تعالى إياك بالنبوة يستحلون إيذاءك ولو تمكنوا منك لقتلوك ، فأنت حل ~~لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك ، عن شرحبيل : يحرمون ~~أن يقتلوا بها صيدا أو يعضوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك ، وفيه تثبيت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، ~~وتعجيب له من حالهم في عدوانهم له وثالثها : قال قتادة : { البلد وأنت حل } ~~أي لست بآثم ، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت ، وذلك أن الله تعالى فتح عليه ~~مكة وأحلها له ، وما فتحت على أحد قبله ، فأحل ما شاء وحرم ما شاء وفعل ما ~~شاء ، فقتل عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس بن صبابة ~~PageV31P163 وغيرهما ، وحرم دار أبي سفيان ، ثم / قال : ( إن الله حرم مكة ~~يوم خلق السموات والأرض ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم ms9636 تحل لأحد قبلي ، ~~ولن تحل لأحد بعدي ، ولم تحل إلا ساعة من نهار ، فلا يعضد شجرها ، ولا ~~يختلي خلالها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد . فقال العباس : ~~إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لبيوتنا وقبورنا ، فقال إلا الإذخر ) . # فإن قيل : هذه السورة مكية ، وقوله : { وأنت حل } إخبار عن الحال ، ~~والواقعة التي ذكرتم إنما حدثت في آخر مدة هجرته إلى المدينة ، فكيف الجمع ~~بين الأمرين ؟ قلنا : قد يكون اللفظ للحال والمعنى مستقبلا ، كقوله تعالى : ~~{ إنك ميت } ( الزمر : 30 ) وكما إذا قلت لمن تعده الإكرام والحباء : أنت ~~مكرم محبو ، وهذا من الله أحسن ، لأن المستقبل عنده كالحاضر بسبب أنه لا ~~يمنعه عن وعده مانع ورابعها : { وأنت حل بهاذا البلد } أي وأنت غير مرتكب ~~في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه تعظيما منك لهذا البيت ، لا كالمشركين ~~الذين يرتكبون فيه الكفر بالله ، وتكذيب الرسل وخامسها : أنه تعالى لما ~~أقسم بهذا البلد دل ذلك على غاية فضل هذا البلد ، ثم قال : { وأنت حل بهاذا ~~البلد } أي وأنت من حل هذه البلدة المعظمة المكرمة ، وأهل هذا البلد يعرفون ~~أصلك ونسبك وطهارتك وبراءتك طول عمرك من الأفعال القبيحة / وهذا هو المراد ~~بقوله تعالى : { هو الذى بعث فى الاميين رسولا منهم } ( الجمعة : 2 ) وقال ~~: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ( التوبة : 128 ) وقوله : { فقد لبثت فيكم ~~عمرا من قبله } ( يونس : 16 ) فيكون الغرض شرح منصب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بكونه من هذا البلد . أما قوله : { ووالد وما ولد } فاعلم أن هذا ~~معطوف على قوله : { لا أقسم بهاذا البلد } وقوله : { وأنت حل بهاذا البلد } ~~معترض بين المعطوف والمعطوف عليه ، وللمفسرين فيه وجوه أحدها : الولد آدم ~~وما ولد ذريته ، أقسم بهم إذ هم من أعجب خلق الله على وجه الأرض ، لما فيهم ~~من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم وفيهم الأنبياء والدعاة إلى ~~الله تعالى والأنصار لدينه ، وكل ما في الأرض مخلوق لهم وأمر الملائكة ~~بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها ، وقد قال الله تعالى : { ولقد كرمنا ~~بنىءادم ms9637 } ( الإسراء : 70 ) فيكون القسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم ، ~~لما ذكرنا من ظهور العجائب في هذه البنية والتركيب ، وقيل : هو قسم بآدم ~~والصالحين من أولاده ، بناء على أن الطالحين كأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم ~~بهائم . كما قال : { إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا } ، { صم بكم عمى ~~فهم لا يرجعون } وثانيها : أن الولد إبراهيم وإسماعيل وما ولد محمد صلى ~~الله عليه وسلم وذلك لأنه أقسم بمكة وإبراهيم بانيها وإسماعيل ومحمد عليهما ~~السلام سكانها ، وفائدة التنكير الإبهام المستقل بالمدح والتعجب ، وإنما ~~قال : { وما ولد } ولم يقل ومن ولد ، للفائدة الموجودة في قوله : { والله ~~أعلم بما وضعت } ( آل عمران : 36 ) أي بأي شيء وضعت يعني موضوعا عجيب الشأن ~~وثالثها : الولد إبراهيم وما ولد جميع ولد إبراهيم بحيث يحتمل العرب والعجم ~~. فإن جملة ولد إبراهيم هم سكان البقاع الفاضلة من أرض الشام ومصر ، وبيت ~~المقدس وأرض العرب ومنهم الروم لأنهم ولد عيصو بن إسحاق ، ومنهم من خص ذلك ~~بولد إبراهيم من العرب / ومنهم من خص ذلك بالعرب المسلمين ، وإنما قلنا : ~~إن هذا القسم واقع بولد إبراهيم المؤمنين لأنه قد شرع في التشهد أن يقال : ~~( كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ) وهم المؤمنين ورابعها : روي عن ابن ~~عباس أنه قال : الولد الذي يلد ، وما ولد الذي لا يلد ، فما ههنا يكون ~~للنفي ، وعلى هذا لا بد عن إضمار الموصول أي ووالد ، والذي ما ولد ، وذلك ~~لا يجوز عند البصريين وخامسها : يعني كل والد PageV31P164 ومولود ، وهذا ~~مناسب ، لأن حرمة الخلق كلهم داخل في هذا الكلام . # وأما قوله تعالى : { لقد خلقنا الإنسان فى كبد } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في الكبد وجوه أحدها : قال صاحب ( الكشاف ) : إن الكبد ~~أصله من قولك كبد الرجل كبدا فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت ، فاتسع فيه ~~حتى استعمل في كل تعب ومشقة ، ومنه اشتقت المكابدة وأصله كبده إذا أصاب ~~كبده ، وقال آخرون : الكبد شدة الأمر ومنه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد ، ومنه ~~الكبد لأنه دم يغلظ ويشتد ، والفرق بين القولين أن ms9638 الأول جعل اسم الكبد ~~موضوعا للكبد ، ثم اشتقت منه الشدة . وفي الثاني جعل اللفظ موضوعا للشدة ~~والغلظ ، ثم اشتق منه اسم العضو الوجه الثاني : أن الكبد هو الاستواء ~~والاستقامة الوجه الثالث : أن الكبد شدة الخلق والقوة ، إذا عرفت هذا فنقول ~~أما على الوجه الأول فيحتمل أن يكون المراد شدائد الدنيا فقط ، وأن يكون ~~المراد شدائد التكاليف فقط ، وأن يكون المراد شدائد الآخرة فقط ، وأن يكون ~~المراد كل ذلك . # أما الأول : فقوله : { لقد خلقنا الإنسان فى كبد } أي خلقناه أطوارا كلها ~~شدة ومشقة / تارة في بطن الأم ، ثم زمان الإرضاع ، ثم إذا بلغ ففي الكد في ~~تحصيل المعاش ، ثم بعد ذلك الموت . # وأما الثاني : وهو الكبد في الدين ، فقال الحسن : يكابد الشكر على السراء ~~، والصبر على الضراء ، ويكابد المحن في أداء العبادات . # وأما الثالث : وهو الآخرة ، فالموت ومساءلة الملك وظلمة القبر ، ثم البعث ~~والعرض على الله إلى أن يستقر به القرار إما في الجنة وإما في النار . # وأما الرابع : وهو يكون اللفظ محمولا على الكل فهو الحق ، وعندي فيه وجه ~~آخر ، وهو أنه ليس في هذه الدنيا لذة البتة ، بل ذاك يظن أنه لذة فهو خلاص ~~عن الألم ، فإن ما يتخيل من اللذة عند الأكل فهو خلاص عند ألم الجوع ، وما ~~يتخيل من اللذات عند اللبس فهو خلاص عن ألم الحر والبرد ، فليس للإنسان ، ~~إلا ألم أو خلاص عن ألم وانتقال إلى آخر ، فهذا معنى قوله : { لقد خلقنا ~~الإنسان فى كبد } ويظهر منه أنه لا بد للإنسان من البعث والقيامة ، لأن ~~الحكيم الذي دبر خلقة الإنسان إن كان مطلوبه منه أن يتألم ، فهذا لا يليق ~~بالرحمة ، وإن كان مطلوبه أن لا يتألم ولا يلتذ ، ففي تركه على العدم كفاية ~~في هذا المطلوب ، وإن كان مطلوبه أن يلتذ ، فقد بينا أنه ليس في هذه الحياة ~~لذة ، وأنه خلق الإنسان في هذه الدنيا في كبد ومشقة ومحنة ، فإذا لا بد / ~~بعد هذه الدار من دار أخرى ، لتكون تلك الدار دار السعادات واللذات ~~والكرمات ms9639 . # وأما على الوجه الثاني : وهو أن يفسر الكبد بالاستواء ، فقال ابن عباس : ~~في كبد ، أي قائما منتصبا ، والحيوانات الأخر تمشي منكسة ، فهذا امتنان ~~عليه بهذه الخلقة . # وأما على الوجه الثالث : وهو أن يفسر الكبد بشدة الخلقة ، فقد قال الكلبي ~~: نزلت هذه الآية في رجل من بني جمح يكنى أبا الأشد ، وكان يجعل تحت قدميه ~~الأديم العكاظي ، فيجتذبونه من تحت قدميه فيتمزق الأديم ولم تزل قدماه ، ~~واعلم أن اللائق بالآية هو الوجه الأول . PageV31P165 # المسألة الثانية : حرف في واللام متقاربان ، تقول : إنما أنت للعناء ~~والنصب ، وإنما أنت في العناء والنصب ، وفيه وجه آخر وهو أن قوله : { فى ~~كبد } يدل على أن الكبد قد أحاط به إحاطة الظرف بالمظروف ، وفيه إشارة إلى ~~ما ذكرنا أنه ليس في الدنيا إلا الكد والمحنة . # المسألة الثالثة : منهم من قال : المراد بالإنسان إنسان معين ، وهو الذي ~~وصفناه بالقوة ، والأكثرون على أنه عام يدخل فيه كل أحد وإن كنا لا نمنع من ~~أن يكون ورد عند فعل فعله ذلك الرجل . # ! 7 < { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } . > 7 ! # < < # | البلد : ( 5 ) أيحسب أن لن . . . . . # > > اعلم أنا إن فسرنا الكبد بالشدة في القوة ، فالمعنى أيحسب ذلك ~~الإنسان الشديد أنه لشدته لا يقدر عليه أحد ، وإن فسرنا المحنة والبلاء كان ~~المعنى تسهيل ذلك على القلب ، كأنه يقول : وهب أن الإنسان كان في النعمة ~~والقدرة ، أفيظن أنه في تلك الحالة لا يقدر عليه أحد ؟ ثم اختلفوا فقال : ~~بعضهم لن يقدر على بعثه ومجازاته فكأنه خطاب مع من أنكر البعث ، وقال آخرون ~~: المراد لن يقدر على تغيير أحواله ظنا منه أنه قوي على الأمور لا يدافع عن ~~مراده ، وقوله : { أيحسب } استفهام على سبيل الإنكار . # ! 7 < { يقول أهلكت مالا لبدا } . > 7 ! # < < # | البلد : ( 6 ) يقول أهلكت مالا . . . . . # > > قال أبو عبيدة : لبد ، فعل من التلبيد وهو المال الكثير بعضه على بعض ~~، قال الزجاج : فعل للكثرة يقال رجل حطم إذا كان كثير الحطم ، قال الفراء : ~~واحدته لبدة ولبد جمع وجعله بعضهم واحدا ، ونظيره قسم وحطم وهو في ms9640 الوجهين ~~جميعا الكثير ، قال الليث : مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته . وقد ذكرنا ~~تفسير هذا الحرف عند قوله : { يكونون عليه لبدا } ( الجن : 19 ) والمعنى أن ~~هذا الكافر يقول : أهلكت في عداوة محمد مالا كثيرا ، والمراد كثرة ما أنفقه ~~فيما كان أهل الجاهلية يسمونه مكارم ، ويدعونه معالي ومفاخر . # ! 7 < { أيحسب أن لم يره أحد } . > 7 ! # < < # | البلد : ( 7 ) أيحسب أن لم . . . . . # > > فيه وجهان الأول : قال قتادة : أيظن أن الله لم / يره ولم يسأله عن ~~ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه الثاني : قال الكلبي : كان كاذبا لم ينفق ~~شيئا ، فقال الله تعالى : أيظن أن الله تعالى ما رآى ذلك منه ، فعل أو لم ~~يفعل ، أنفق أو لم ينفق ، بل رآه وعلم منه خلاف ما قال . # ! 7 < { ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين } . > 7 ~~@QB@ < # | البلد : ( 8 - 10 ) ألم نجعل له . . . . . # > > # واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الكافر قوله : { أيحسب أن لن يقدر عليه ~~أحد } ( البلد : 5 ) أقام الدلالة على كمال قدرته فقال تعالى : { ألم نجعل ~~له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين وعجائب هذه الأعضاء مذكورة في ~~كتب التشريح ، قال أهل العربية : النجد الطريق في ارتفاع فكأنه لما وضحت ~~الدلائل جعلت كالطريق المرتفعة العالية بسبب أنها واضحة للعقول كوضوح ~~الطريق العالي للأبصار ، وإلى هذا التأويل ذهب عامة المفسرين في النجدين ~~وهو أنهما سبيلا الخير والشر ، وعن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : إنما ~~هما النجدان ، نجد الخير ونجد الشر ، ولا يكون نجد الشر ، أحب إلى أحدكم من ~~نجد الخير ) وهذه الآية كالآية في : { هل أتى على الإنسان } إلى قوله : { ~~فجعلناه * سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } ~~PageV31P166 ( الإنسان : 3 , 1 ) وقال الحسن : قال : { أهلكت مالا لبدا } ~~فمن الذي يحاسبني عليه ؟ فقيل : الذي قدر على أن يخلق لك هذه الأعضاء قادر ~~على محاسبتك ، وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ، أنهما الثديان ، ومن قال ~~ذلك ذهب إلى أنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه ، والله تعالى هدى الطفل ~~الصغير حتى ارتضعها ، قال ms9641 القفال : والتأويل هو الأول ، ثم قرر وجه ~~الاستدلال به ، فقال : إن من قدر على أن يخلق من الماء المهين قلبا عقولا ~~ولسانا قولا ، فهو على إهلاك ما خلق قادر ، وبما يخفيه المخلوق عالم ، فما ~~العذر في الذهاب عن هذا مع وضوحه وما الحجة في الكفر بالله من تظاهر نعمه ، ~~وما العلة في التعزيز على الله وعلى أنصار دينه بالمال وهو المعطي له ، وهو ~~الممكن من الانتفاع به . # ! 7 < { فلا اقتحم العقبة } . > 7 @QB@ < # | البلد : ( 11 ) فلا اقتحم العقبة # > > # ثم إنه سبحانه وتعالى دل عباده على الوجوه الفاضلة التي تنفق فيها ~~الأموال ، وعرف هذا الكافر أن إنفاقه كان فاسدا وغير مفيد ، فقال تعالى : { ~~فلا اقتحم العقبة }وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الاقتحام الدخول في الأمر الشديد يقال : قحم يقحم قحوما ~~، واقتحم اقتحاما وتقحم تقحما إذا ركب القحم ، وهي المهالك والأمور العظام ~~والعقبة طريق في الجبل ، وعر ، الجمع العقب والعقاب ، ثم ذكر المفسرون في ~~العقبة ههنا وجهين الأول : أنها في الآخرة وقال عطاء : يريد عقبة جهنم ، ~~وقال الكلبي : هي عقبة بين الجنة والنار ، وقال ابن عمرهي : جبل زلال في ~~جهنم وقال مجاهد والضحاك : هي الصراط يضرب على جهنم ، وهو معنى قول الكلبي ~~: إنها عقبة الجنة / والنار ، قال الواحدي : وهذا تفسير فيه نظر لأن من ~~المعلوم أن ( بني ) هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها ~~فحمل الآية عليه يكون إيضاحا للواضحات ، ويدل عليه أنه لما قال : { وما ~~أدراك ما العقبة } ( البلد : 12 ) فسره بفك الرقبة وبالإطعام الوجه الثاني ~~: في تفسير العقبة هو أن ذكر العقبة ههنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس ~~والشيطان في أعمال البر ، وهو قول الحسن ومقاتل : قال الحسن عقبة الله ~~شديدة وهي مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه من شياطين الإنس والجن ، وأقول ~~هذا التفسير هو الحق لأن الإنسان يريد أن يترقى من عالم الحس والخيال إلى ~~يفاع عالم الأنوار الإلهية ولا شك أن بينه وبينها عقبات سامية دونها صواعق ~~حامية ، ومجاوزتها صعبة والترقي إليها شديد . # المسألة الثانية : أن في الآية ms9642 إشكالا وهو أنه قلما توجد لا الداخلة على ~~المضي إلا مكررة ، تقول : لا جنبني ولا بعدني قال تعالى : { فلا صدق ولا ~~صلى } ( القيامة : 31 ) وفي هذه الآية ما جاء التكرير فما السبب فيه ؟ أجيب ~~عنه من وجوه الأول : قال الزجاج : إنها متكررة في المعنى لأن معنى { فلا ~~اقتحم العقبة } فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينا ، ألا ترى أنه فسر اقتحام ~~العقبة بذلك ، وقوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } ( البلد : 17 ) يدل أيضا ~~على معنى { فلا اقتحم العقبة } ولا آمن الثاني : قال أبو علي الفارسي : ~~معنى { فلا اقتحم العقبة } لم يقتحمها ، وإذا كانت لا بمعنى لم كان التكرير ~~غير واجب كما لا يجب التكرير مع لم ، فإن تكررت في موضع نحو { فلا صدق ولا ~~صلى } فهو كتكرر ولم : نحو { لم يسرفوا ولم يقتروا } ( الفرقان : 67 ) . # المسألة الثالثة : قال القفال : قوله : { فلا اقتحم العقبة } أي هلا أنفق ~~ماله فيما فيه اقتحام العقبة ؟ وأما الباقون فإنهم أجروا اللفظ على ظاهره ~~وهو الإخبار بأنه ما اقتحم العقبة . PageV31P167 ثم قال تعالى : # ! 7 < { ومآ أدراك ما العقبة } . > 7 ! # < < # | البلد : ( 12 ) وما أدراك ما . . . . . # > > فلا بد من تقدير محذوف ، لأن العقبة لا تكون فك رقبة ، فالمراد وما ~~أدراك ما اقتحام العقبة ، وهذا تعظيم لأمر التزام الدين . ثم قال تعالى : # ! 7 < { فك رقبة } . > 7 ! # < < # | البلد : ( 13 ) فك رقبة # > > والمعنى أن اقتحام العقبة هو الفك أو الإطعام ، وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الفك فرق يزيل المنع كفك القيد والغل ، وفك الرقبة فرق ~~بينها وبين صفة الرق بإيجاب الحرية وإبطال العبودية ، ومنه فك الرهن وهو ~~إزالة غلق الرهن ، وكل شيء أطلقته فقد فككته ، ومنه فك الكتاب ، قال الفراء ~~: في المصادر فكها يفكها فكاكا بفتح الفاء في المصدر ولا تقل بكسرها ، ~~ويقال : كانت عادة العرب في الأسارى شد رقابهم وأيديهم فجرى ذلك فيهم وإن ~~لم يشدد ، ثم سمي إطلاق الأسير فكاكا ، قال الأخطل : # % أبنى كليب إن عمى اللذا % % قتلا الملوك وفككا الأغلال % # المسألة الثانية : فك الرقبة قد يكون بأن يعتق الرجل رقبة ms9643 قد يكون بأن ~~يعتق الرجل رقبة من الرق ، وقد يكون بأن يعطي / مكاتبا ما يصرفه إلى جهة ~~فكاك نفسه ، روى البراء بن عازب ، قال : ( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ، قال : عتق ~~النسمة وفك الرقبة قال : يا رسول الله أوليسا واحدا ؟ قال : لا ، عتق ~~النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة ، أن تعين في ثمنها ) وفيه وجه آخر ~~وهو أن يكون المراد أن يفك المرء رقبة نفسه بما يتكلفه من العبادة التي ~~يصير بها إلى الجنة فهي الحرية الكبرى ، ويتخلص بها من النار . # المسألة الثالثة : قرىء : ( فك رقبة ) أو إطعام ، والتقدير هي فك رقبة أو ~~إطعام وقرىء : ( فك رقبة أو أطعم ) على الإبدال من اقتحم العقبة ، وقوله : ~~{ وما أدراك ما العقبة } اعتراض ، قال الفراء : وهو أشبه الوجهين بصحيح ~~العربية لقوله : { ثم كان } ( البلد : 16 ) لأن فك وأطعم فعل ، وقوله : كان ~~فعل ، وينبغي أن يكون الذي يعطف عليه الفعل فعلا ، أما لو قيل : ثم إن كان ~~كان ذلك مناسبا لقوله : { فك رقبة } بالرفع لأنه يكون عطفا للاسم على الاسم ~~. # المسألة الرابعة : عند أبي حنيفة العتق أفضل أنواع الصدقات ، وعند صاحبية ~~الصدقة أفضل ، والآية أدل على قول أبي حنيفة : لتقدم العتق على الصدقة فيها ~~. # ! 7 < { أو إطعام فى يوم ذى مسغبة } . > 7 ! # < < # | البلد : ( 14 ) أو إطعام في . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : يقال : سغب سغبا إذا جاع فهو ساغب وسغبان ، قال صاحب ( ~~الكشاف ) : المسغبة PageV31P168 والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع ~~وقرب في النسب ، يقال : فلان ذو قرابتي وذو مقربتي وترب إذا افتقر ومعناه ~~التصق بالتراب ، وأما أترب فاستغنى ، أي صار ذا مال كالتراب في الكثرة . ~~قال الواحدي : المتربة مصدر من قولهم ترب يترب تربا ومتربة مثل مسغبة إذا ~~افتقر حتى لصق بالتراب . # المسألة الثانية : حاصل القول في تفسير : { يوم ذى مسغبة } ما قاله الحسن ~~: وهو نائم يوم محروص فيه على الطعام ، قال أبو علي : ومعناه ما يقول ~~النحويون في قولهم : ليل ms9644 نائم ونهار صائم أي ذو نوم وصوم . # واعلم أن إخراج المال في وقت القحط والضرورة أثقل على النفس وأوجب للأجر ~~، وهو كقوله : { ليس البر أن تولوا } ( البقرة : 177 ) وقال : { ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا } ( الإنسان : 8 ) وقرأ الحسن : ( ذا مسغبة ) نصبه ~~بإطعام ومعناه أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة . أما قوله تعالى : # ! 7 < { يتيما ذا مقربة } . > 7 ! # < < # | البلد : ( 15 ) يتيما ذا مقربة # > > قال الزجاج : ذا قرابة تقول زيد ذو قرابتي وذو مقربتي ، وزيد / ~~قرابتي قبيح لأن القرابة مصدر ، قال مقاتل : يعني يتيما بينه وبينه قرابة ، ~~فقد اجتمع فيه حقان يتم وقرابة ، فاطعامه أفضل ، وقيل : يدخل فيه القرب ~~بالجوار ، كما يدخل فيه القرب بالنسب . أما قوله تعالى : # ! 7 < { أو مسكينا ذا متربة } . > 7 ! # < < # | البلد : ( 16 ) أو مسكينا ذا . . . . . # > > أي مسكينا قد لصق بالتراب من فقره وضره ، فليس فوقه ما يستره ولا ~~تحته ما يوطئه ، روى أن ابن عباس مر بمسكين لاصق بالتراب فقال : هذا الذي ~~قال الله تعالى ( فيه ) : { أو مسكينا ذا متربة } واحتج الشافعي بهذه الآية ~~على أن المسكين قد يكون بحيث يملك شيئا ، لأنه لو كان لفظ المسكين دليلا ~~على أنه لا يملك شيئا ألبتة ، لكان تقييده بقوله : { ذا متربة } تكريرا وهو ~~غير جائز . # ! 7 < { ثم كان من الذين ءامنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } . > 7 ~~@QB@ < # | البلد : ( 17 ) ثم كان من . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { ثم كان من الذين ءامنوا } أي كان مقتحم العقبة من ~~الذين آمنوا ، فإنه إن لم يكن منهم لم ينتفع بشيء من هذه الطاعات ، ولا ~~مقتحما للعقبة فإن قيل : لما كان الإيمان شرطا للانتفاع بهذه الطاعات وجب ~~كونه مقدما عليها ، فما السبب في أن الله تعالى أخره عنها بقوله : { ثم كان ~~من الذين ءامنوا } ؟ والجواب : من وجوه أحدها : أن هذا التراخي في الذكر لا ~~في الوجود ، كقوله : # % إن من ساد ثم ساد أبوه % % ثم قد ساد قبل ذلك جده % # لم يرد بقوله : ثم ساد أبوه التأخر في الوجود ، وإنما المعنى ، ثم اذكر ~~أنه ساد أبوه ms9645 . كذلك في الآية وثانيها : أن يكون المراد ، ثم كان في عاقبة ~~أمره من الذين آمنوا وهو أن يموت على الإيمان فإن الموافاة شرط الانتفاع ~~بالطاعات وثالثها : أن من أتى بهذه القرب تقربا إلى الله تعالى قبل إيمانه ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم آمن بعد ذلك بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فعند ~~بعضهم أنه يثاب على تلك الطاعات ، قالوا : ويدل عليه ما روي : ( أن حكيم بن ~~حزام بعدما أسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا كنا نأتي بأعمال ~~الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء ؟ فقال عليه السلام : أسلمت على ما ~~قدمت من الخير ) ورابعها : أن المراد من قوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } ~~تراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العنق والصدقة لأن درجة ثواب ~~الإيمان أعظم بكثير من درجة ثواب سائر الأعمال . PageV31P169 # أما قوله تعالى : { وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة } فالمعنى أنه كان ~~يوصي بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات عليه أو الصبر على المعاصي ~~وعلى الطاعات والمحن التي يبتلي بها المؤمن ثم ضم إليه التواصي بالمرحمة ~~وهو أن يحث بعضهم بعضا على أن يرحم المظلوم أو الفقير ، أو يرحم المقدم على ~~منكر فيمنعه منه لأن كل ذلك داخل في الرحمة ، وهذا يدل على أنه يجب على ~~المرء أن / يدل غيره على طريق الحق ويمنعه من سلوك طريق الشر والباطل ما ~~أمكنه ، واعلم أن قوله : { ثم كان من الذين ءامنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة } يعني يكون مقتحم العقبة من هذه الزمرة والطائفة ، وهذه الطائفة ~~هم أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وغيرهم ، فإنهم كانوا مبالغين في الصبر ~~على شدائد الدين والرحمة على الخلق ، وبالجملة فقوله : { وتواصوا بالصبر } ~~إشارة إلى التعظيم لأمر الله ، وقوله : { وتواصوا بالمرحمة } إشارة إلى ~~الشفقة على خلق الله ، ومدار أمر الطاعات ليس إلا على هذين الأصلين وهو ~~الذي قاله بعض المحققين ، إن الأصل في التوصف أمران : صدق مع الحق ؟ وخلق ~~مع الخلق . # ثم إنه سبحانه لما وصف هؤلاء المؤمنين بين أنهم من هم في القيامة فقال : # ! 7 ms9646 < { أولائك أصحاب الميمنة } . > 7 ! # < < # | البلد : ( 18 ) أولئك أصحاب الميمنة # > > وإنما ذكر ذلك لأنه تعالى بين حالهم في سورة الواقعة وأنهم { فى سدر ~~مخضود * وطلح منضود } ( الواقعة : 29 , 28 ) قال صاحب ( الكشاف ) : الميمنة ~~والمشأمة ، اليمين والشمال ، أو اليمين والشؤم ، أي الميامين على أنفسهم ~~والمشائيم عليها . ثم قال تعالى : # ! 7 < { والذين كفروا بأاياتنا هم أصحاب المشأمة } . > 7 ! # < < # | البلد : ( 19 ) والذين كفروا بآياتنا . . . . . # > > فقيل : المراد من يؤتي كتابه بشماله أو وراء ظهره ، وقد تقدم وصف ~~الله لهم بأنهم : { فى سموم وحميم * وظل من يحموم } ( الواقعة : 42 ) إلى ~~غير ذلك . ثم قال تعالى : # ! 7 < { عليهم نار مؤصدة } . > 7 ! # < < # | البلد : ( 20 ) عليهم نار مؤصدة # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الفراء والزجاج والمبرد : يقال آصدت الباب وأوصدته ~~إذا أغلقته ، فمن قرأ مؤصدة بالهمزة أخذها من آصدت فهمز اسم المفعول ، ~~ويجوز أن يكون من أوصدت ولكنه همز على لغة من يهمز الواو وإذا كان قبلها ~~ضمة نحو مؤسي ، ومن لم يهمز احتمل أيضا أمرين : # أحدهما : أن يكون من لغة من قال : أوصدت فلم يهمز اسم المفعول كما يقال : ~~من أوعدت موعد . # الآخر : أن يكون من آصد مثل آمن ولكنه خفف كما في تخفيف جؤنة وبؤس جونة ~~وبوس فيقلبها في التخفيف واوا ، قال الفراء : ويقال من هذا الأصيد والوصيد ~~وهو الباب المطبق ، إذا عرفت هذا فنقول : قال مقاتل { عليهم نار مؤصدة } ~~يعني أبوابها مطبقة فلا يفتح لهم باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح ~~أبد الآباد ، وقيل : المراد إحاطة النيران بهم ، كقوله : { أحاط بهم ~~سرادقها } ( الكهف : 29 ) . # المسألة الثانية : { * المؤصدة } هي الأبواب ، وقد جرت صفة للنار على ~~تقدير : عليهم نار مؤصدة الأبواب ، فكلما تركت الإضافة عاد التنوين لأنهما ~~يتعاقبان ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، وصلى الله على سيدنا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV31P170 < # > 1 ( سورة الشمس ) 1 < # > # ( خمس عشرة آية مكية # ! 7 < { والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها } . > 7 ! # / < < # | الشمس : ( 1 ) والشمس وضحاها # > > قبل الخوض في التفسير لا بد من مسائل : # المسألة الأولى : المقصود من هذه السورة ms9647 الترغيب في الطاعات والتحذير من ~~المعاصي . # واعلم أنه تعالى ينبه عباده دائما بأن يذكر في القسم أنواع مخلوقاته ~~المتضمنة للمنافع العظيمة حتى يتأمل المكلف فيها ويشكر عليها ، لأن الذي ~~يقسم الله تعالى به يحصل له وقع في القلب ، فتكون الدواعي إلى تأمله أقوى . # المسألة الثانية : قد عرفت أن جماعة من أهل الأصول قالوا : التقدير ورب ~~الشمس ورب سائر ما ذكره إلى تمام القسم ، واحتج قوم على بطلان هذا المذاهب ~~، فقالوا : إن في جملة هذا القسم قوله : { يغشاها والسماء وما بناها } ( ~~الشمس : 5 ) وذلك هو الله تعالى فيلزم أن يكون المراد ، ورب السماء وربها ~~وذلك كالمتناقض ، أجاب القاضي عنه بأن قوله : { وما بناها } لا يجوز أن ~~يكون المراد منه هو الله تعالى ، لأن ما لا تستعمل في خالق السماء إلا على ~~ضرب من المجاز ، ولأنه لا يجوز منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه ~~بنفسه ، ولأنه تعالى لا يكاد يذكر مع غيره على هذا الوجه ، فإذا لا بد من ~~التأويل وهو أن { ما } مع ما بعده في حكم المصدر فيكون التقدير : والسماء ~~وبنائها ، اعترض صاحب ( الكشاف ) عليه فقال : لو كان الأمر على هذا الوجه ~~لزم من عطف قوله : { فألهمها } ( الشمس : 8 ) عليه فساد النظم . # المسألة الثالثة : القراء مختلفون في فواصل هذه السورة وما أشبهها نحو : ~~{ واليل إذا يغشى } ، { والضحى * واليل إذا سجى } فقرءوها تارة بالإمالة ~~وتارة بالتفخيم وتارة بعضها بالإمالة وبعضها بالتفخيم ، PageV31P171 قال ~~الفراء : بكسر ضحاها ، والآيات التي بعدها وإن كان أصل بعضها الواو نحو : ~~تلاها ، وصحاها ودحاها ، فكذلك أيضا . فإنه لماابتدئت السورة بحرف الياء ~~أتبعها بما هو من الواو لأن الألف المنقلبة عن الواو قد توافق المنقلبة عن ~~الياء ، ألا ترى أن تلوت وطحوت ونحوهما قد يجوز في أفعالها أن تنقلب إلى ~~الياء نحو : تلى ودحى ، فلما حصلت هذه الموافقة استجازوا إمالته / كما ~~استجازوا إمالة ما كان من الياء ، وأما وجه من ترك الإمالة مطلقا فهو أن ~~كثيرا من العرب لا يميلون هذه الألفات ولا ينحون فيها نحو الياء ms9648 ، ويقوى ~~ترك الإمالة للألف أن الواو في موسر منقلبة عن الياء ، والياء في ميقات ~~وميزان منقلبة عن الواو ولم يلزم من ذلك أن يحصل فيه ما يدل على ذلك ~~الانقلاب ، فكذا ههنا ينبغي أن تترك الألف غير ممالة ولا ينحى بها نحو ~~الياء ، وأما إمالة البعض وترك إمال البعض ، كما فعله حمزة فحسن أيضا ، ~~وذلك لأن الألف إنما تمال نحو الياء لتدل على الياء إذا كان انقلابها عن ~~الياء ولم يكن في تلاها وطحاها ودحاها ألف منقلبة عن الياء إنما هي منقلبة ~~عن الواو بدلالة تلوت ودحوت . # المسألة الرابعة : أن الله تعالى قد أقسم بسبعة أشياء إلى قوله : { قد ~~أفلح } ( الشمس : 9 ) وهو جواب القسم ، قال الزجاج : المعنى لقد أفلح ، لكن ~~اللام حذفت لأن الكلام طال فصار طوله عوضا منها . # قوله تعالى : { والشمس وضحاها } ذكر المفسرون في ضحاها ثلاثة أقوال قال ~~مجاهد والكلبي : ضوؤها ، وقال قتادة : هو النهار كله ، وهو اختيار الفراء ~~وابن قتيبة ، وقال مقاتل : هو حر الشمس ، وتقرير ذلك بحسب اللغة أن نقول : ~~قال الليث : الضحو ارتفاع النهار ، والضحى فويق ذلك ، والضحاء ممدودا امتد ~~النهار ، وقرب أن ينتصف . وقال أبو الهيثم : الضح نقيض الظل وهو نور الشمس ~~على وجه الأرض وأصله الضحى ، فاستثقلوا الياء مع سكون الحاء فقلبوها وقال : ~~ضح ، فالضحى هو ضوء الشمس ونورها ثم سمى به الوقت الذي تشرق فيه الشمس على ~~ما في قوله تعالى : { إلا عشية أو ضحاها } ( النازعات : 46 ) فمن قال من ~~المفسرين : في ضحاها ضوؤها فهو على الأصل ، وكذا من قال : هو النهار كله ، ~~لأن جميع النهار هو من نور الشمس ، ومن قال : في الضحى إنه حر الشمس فلأن ~~حرها ونورها متلازمان ، فمتى اشتد حرها فقد اشتد ضؤوها وبالعكس ، وهذا أضعف ~~الأقوال ، واعلم أنه تعالى إنما أقسم بالشمس وضحاها لكثرة ما تعلق بها من ~~المصالح ، فإن أهل العالم كانوا كالأموات في الليل ، فلما ظهر أثر الصبح في ~~المشرق صار ذلك كالصور الذي ينفخ قوة الحياة ، فصارت الأموات أحياء ، ولا ~~تزال تلك الحياة ms9649 في الازدياد والقوة والتكامل ، ويكون غاية كمالها وقت ~~الضحوة ، فهذه الحالة تشبه أحوال القيامة ، ووقت الضحى يشبه استقرار أهل ~~الجنة فيها ، وقوله : { والقمر إذا تلاها } قال الليل : تلا يتلو إذا تبع ~~شيئا وفي كون القمر تاليا وجوه أحدها : بقاء القمر طالعا عند غروب الشمس ، ~~وذلك إنما يكون في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس ، فإذا القمر ~~يتبعها في الإضاءة ، وهو قول عطاء عن ابن عباس وثانيها : أن الشمس إذا غربت ~~فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب ، وهو قول قتادة والكلبي وثالثها : ~~قال الفراء : المراد من هذا التلو هو أن القمر يأخذ الضوء من الشمس يقال : ~~فلان يتبع فلانا في كذا أي يأخذ منه ورابعها : قال الزجاج : تلاها حين ~~استدار وكمل ، فكأنه يتلو الشمس في الضياء والنور يعني إذا كمل ضوؤه فصار ~~كالقائم مقام الشمس في الإنارة ، وذلك في الليالي / البيض وخامسها : أنه ~~يتلوها في كبر الجرم بحسب الحس ، وفي ارتباط مصالح هذا العالم بحركته ، ~~ولقد ظهر في علم النجوم أن بينهما من المناسبة ما ليس بين الشمس وبين غيرها ~~. # PageV31P172 ! 7 < { والنهار إذا جلاها } . > 7 ! # < < # | الشمس : ( 3 ) والنهار إذا جلاها # > > معنى التجلية الإظهار ، والكشف والضمير في جلاها إلى ماذا يعود ؟ فيه ~~وجهان أحدهما : وهو قول الزجاج : أنه عائد إلى الشمس وذلك لأن النهار عبارة ~~عن نور الشمس . فكلما كان النهار أجلى ظهورا كانت الشمس أجلى ظهورا ، لأن ~~قوة الأثر وكماله تدل على قوة المؤثر ، فكان النهار يبرز الشمس ويظهرها ، ~~كقوله تعالى : { لا يجليها لوقتها إلا هو } أي لا يخرجها الثاني : وهو قول ~~الجمهور أنه عائد إلى الظلمة ، أو إلى الدنيا ، أو إلى الأرض . وإن لم يجر ~~لها ذكر ، يقولون : أصبحت باردة يريدون الغداة ، وأرسلت يريدون السماء . # ! 7 < { واليل إذا يغشاها } . > 7 ! # < < # | الشمس : ( 4 ) والليل إذا يغشاها # > > يعني يغشى الليل الشمس فيزيل ضوءها ، وهذه الآية تقوي القول الأول في ~~الآية التي قبلها من وجهين الأول : إنه لما جعل الليل يغشى الشمس ويزيل ~~ضوءها حسن أن يقال : النهار يجليها ، على ضد ما ms9650 ذكر في الليل والثاني : أن ~~الضمير في يغشاها للشمس بلا خلاف ، فكذا في جلاها يجب أن يكون للشمس حتى ~~يكون الضمير في الفواصل من أول السورة إلى ههنا للشمس ، قال القفال : وهذه ~~الأقسام الأربعة ليست إلا بالشمس في الحقيقة لكن بحسب أوصاف أربعة أولها : ~~الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار . وذلك هو الوقت الذي يكمل فيه انتشار ~~الحيوان واضطراب الناس للمعاش ، ومنها تلو القمر لها وأخذه الضوء عنها ، ~~ومنها تكامل طلوعها وبروزها بمجيء النهار ، ومنها وجود خلاف ذلك بمجيء ~~الليل ، ومن تأمل قليلا في عظمة الشمس ثم شاهد بعين عقله فيها أثر ~~المصنوعية والمخلوقية من المقدار المتناهي ، والتركب من الأجزاء انتقل منه ~~إلى عظمة خالقها ، فسبحانه ما أعظم شأنه . # ! 7 < { والسمآء وما بناها } . > 7 ! # < < # | الشمس : ( 5 ) والسماء وما بناها # > > فيه سؤالات : # السؤال الأول : أن الذي ذكره صاحب ( الكشاف ) من أن { ما } ههنا لو كانت ~~مصدرية لكان عطف { فألهمها } عليه يوجب فساد النظم حق ، والذي ذكره القاضي ~~من أنه لو كان هذا قسما بخالق السماء ، لما كان يجوز تأخيره عن ذكر الشمس ، ~~فهو إشكال جيد ، والذي يخطر ببالي في الجواب عنه : أن أعظم المحسوسات هو ~~الشمس ، فذكرها سبحانه مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمتها ، ثم ذكر ذاته ~~المقدسة بعد ذلك ووصفها بصفات ثلاثة وهي تدبيره سبحانه للسماء والأرض ~~وللمركبات ، ونبه على المركبات بذكر أشرفها وهي النفس ، والغرض من هذا ~~الترتيب هو أن يتوافق العقل والحس على عظمة جرم الشمس ثم يحتج العقل الساذج ~~بالشمس ، بل بجميع السماويات والأرضيات والمركبات على إثبات مبدىء لها ، ~~فحينئذ يحظى العقل ههنا بإدراك / جلال الله وعظمته على ما يليق به ، والحس ~~لا ينازعه فيه . فكان ذلك كالطريق إلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات ~~إلى يفاع عالم الربوبية ، وبيداء كبرياء الصمدية ، فسبحان من عظمت حكمته ~~وكملت كلمته . # السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله : { والسماء وما بناها } ؟ الجواب : ~~أنه سبحانه لما وصف الشمس بالصفات الأربعة الدالة على عظمتها ، أتبعه ببيان ~~ما يدل على حدوثها وحدوث جميع الأجرام ms9651 السماوية ، فنبه بهذه الآية على تلك ~~الدلالة ، وذلك لأن الشمس والسماء متناهية ، وكل متناه فإنه مختص بمقدار ~~معين . مع PageV31P173 أنه كان يجوز في العقل وجود ما هو أعظم منه ، وما هو ~~أصغر منه ، فاختصاص الشمس وسائر السماويات بالمقدار المعين ، لا بد وأن ~~يكون لتقدير مقدر وتدبير مدبر ، وكما أن باني البيت يبنيه بحسب مشيئته ، ~~فكذا مدبر الشمس وسائر السماويات قدرها بحسب مشيئته ، فقوله : { وما بناها ~~} كالتنبيه على هذه الدقيقة الدالة على حدوث الشمس وسائر السماويات . # السؤال الثالث : لم قال : { وما بناها } ولم يقل : ومن بناها ؟ الجواب : ~~من وجهين الأول : أن المراد هو الإشارة إلى الوصفية ، كأنه قيل : والسماء ~~وذلك الشيء العظيم القادر الذي بناها ، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي ~~سواها والثاني : أن ما تستعمل في موضع من كقوله : { ولا تنكحوا ما نكح ~~ءاباؤكم من النساء } ( النساء : 22 ) والاعتماد على الأول . # السؤال الرابع : لم ذكر في تعريف ذات الله تعالى هذه الأشياء الثلاثة وهي ~~السماء والأرض والنفس ؟ والجواب : لأن الاستدلال على الغائب لا يمكن إلا ~~بالشاهد ، والشاهد ليس إلا العالم الجسماني وهو قسمان بسيط ومركب ، والبسيط ~~قسمان : العلوية وإليه الإشارة بقوله : { والسماء } والسفلية وإليه الإشارة ~~بقوله : { والارض } ( الشمس : 6 ) والمركب هو أقسام ، وأشرفها ذوات الأنفس ~~وإليه الإشارة بقوله : { ونفس وما سواها } ( الشمس : 7 ) . أما قوله تعالى ~~: # ! 7 < { والا رض وما طحاها } . > 7 ! # < < # | الشمس : ( 6 ) والأرض وما طحاها # > > ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : إنما أخر هذا عن قوله : { والسماء وما بناها } لقوله : ~~{ والارض بعد ذلك دحاها } ( النازعات : 30 ) . # المسألة الثانية : قال الليث : الطحو كالدحوا وهو البسط ، وإبدال الطاء ~~من الدال جائز ، والمعنى وسعها . قال عطاء والكلبي : بسطها على الماء . # ! 7 < { ونفس وما سواها } . > 7 @QB@ < # | الشمس : ( 7 ) ونفس وما سواها # > > # أما قوله تعالى : { ونفس وما }إن حملنا النفس على الجسد ، فتسويتها تعديل ~~أعضائها على ما يشهد به علم التشريح ، وإن حملناها على القوة المدبرة ، ~~فتسويتها إعطاؤها القوى الكثيرة / كالقوة السامعة والباصرة والمخيلة ~~والمفكرة والمذكورة ، على ما يشهد به علم النفس فإن قيل : لم نكرت ms9652 النفس ؟ ~~قلنا : فيه وجهان أحدهما : أن يريد به نفسا خاصة من بين النفوس ، وهي النفس ~~القدسية النبوية ، وذلك لأن كل كثرة ، فلا بد فيها من واحد يكون هو الرئيس ~~، فالمركبات جنس تحته أنواع ورئيسها الحيوان ، والحيوان جنس تحته أنواع ~~ورئيسها الإنسان ، والإنسان أنواع وأصناف ورائيسها النبي . والأنبياء كانوا ~~كثيرين ، فلا بد وأن يكون هناك واحد يكون هو الرئيس المطلق ، فقوله : { ~~طحاها ونفس } إشارة إلى تلك النفس التي هي رئيسة لعالم المركبات رياسة ~~بالذات الثاني : أن يريد كل نفس ، ويكون المراد من التنكير التكثير على ~~الوجه المذكور في قوله : { علمت نفس ما أحضرت } وذلك لأن الحيوان أنواع لا ~~يحصى عددها إلا الله على ما قال بعد ذكر بعض الحيوانات : { ويخلق * مالا * ~~تعلمون } ولكل نوع نفس مخصوصة متميزة PageV31P174 عن سائرها بالفضل المقوم ~~لماهيته ، والخواص اللازمة لذلك الفصل ، فمن الذي يحيط عقله بالقليل من ~~خواص نفس البق والبعوض ، فضلا عن التوغل في بحار أسرار الله سبحانه . أما ~~قوله تعالى : # ! 7 < { فألهمها فجورها وتقواها } . > 7 ! # < < # | الشمس : ( 8 ) فألهمها فجورها وتقواها # > > فالمعنى المحصل فيه وجهان الأول : أن إلهام الفجور والتقوى ، إفهامها ~~وإعقالهما ، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح وتمكينه من اختيار ما شاء منهما ، ~~وهو كقوله : { وهديناه النجدين } ( البلد : 10 ) وهذا تأويل مطابق لمذاهب ~~المعتزلة ، قالوا : ويدل عليه قوله بعد ذلك : { قد أفلح من زكاها * وقد خاب ~~من دساها } ( الشمس : 10 , 9 ) وهذا الوجه مروى عن ابن عباس وعن جمع من ~~أكابر المفسرين والوجه الثاني : أنه تعالى ألهم المؤمن المتقي تقواه وألهم ~~الكافر فجوره ، قال سعيد بن جبير : ألزمها فجورها وتقواها ، وقال ابن زيد : ~~جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها بالفجور ، واختار الزجاج ~~والواحدي ذلك ، قال الواحدي : التعليم والتعريف والتبيين ، غير والإلهام ~~غير ، فإن الإلهام هو أن يوقع الله في قلب العبد شيئا ، وإذا أوقع في قلبه ~~شيئا فقد ألزمه إياه . وأصل معنى الإلهام من قولهم : لهم الشيء ، والتهمه ~~إذا ابتلعه ، وألهمته ذلك الشيء أي أبلغته ، وهذا هو الأصل ثم استعمل ذلك ~~فيما يقذفه ms9653 الله تعالى في قلب العبد ، لأنه كالإبلاغ ، فالتفسير الموافق ~~لهذا الأصل قول ابن زيد ، وهو صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه ، ~~وفي الكافر فجوره ، وأما التمسك بقوله : { قد أفلح من زكاها } فضعيف لأن ~~المروي عن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلبي أن المعنى قد أفلحت ~~وسعدت نفس زكاها الله تعالى وأصلحها وطهرها ، والمعنى وفقها للطاعة ، هذا ~~آخر كلام الواحدي وهو تام . وأقول قد ذكرنا أن الآيات الثلاثة ذكرت للدلالة ~~على كونه سبحانه مدبرا للأجسام العلوية والسفلية البسيطة والمركبة ، فههنا ~~لم يبق شيء مما في عالم المحسوسات إلا وقد ثبت بمقتضى ذلك التنبيه أنه واقع ~~بتخليقه وتدبيره ، بقي شيء / واحد يختلج في القلب أنه هل هو بقضائه وقدره ~~وهو الأفعال الحيوانية الاختيارية ، فنبه سبحانه بقوله : { فألهمها فجورها ~~وتقواها } على أن ذلك أيضا منه وبه وبقضائه وقدره ، وحينئذ ثبت أن كل ما ~~سوى الله فهو واقع بقضائه وقدره . وداخل تحت إيجاده وتصرفه . ثم الذي يدل ~~عقلا على أن المراد من قوله : { فألهمها فجورها وتقواها } هو الخذلان ~~والتوفيق ما ذكرنا مرارا أن الأفعال الاختيارية موقوفة على حصول الاختيارات ~~، فحصولها إن كان لا عن فاعل فقد استغنى المحدث عن الفاعل ، وفيه نفي ~~الصانع ، وإن كان عن فاعل هو العبد لزم التسلسل ، وإن كان عن الله فهو ~~المقصود ، وأيضا فليجرب العاقل نفسه . فإنه ربما كان الإنسان غافلا عن شيء ~~فتقع صورته في قلبه دفعة ، ويترتب على وقوع تلك الصورة في القلب ميل إليه ، ~~ويترتب على ذلك الميل حركة الأعضاء وصدور الفعل ، وذلك يفيد القطع بأن ~~المراد من قوله : { فألهمها } ما ذكرناه لا ما ذكره المعتزلة . # ! 7 < { قد أفلح من زكاها } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { قد أفلح من زكاها } < < # | الشمس : ( 9 ) قد أفلح من . . . . . # > > فاعلم أن التزكية عبارة عن التطهير أو عن الإنماء ، وفي الآية قولان ~~أحدهما : أنه قد أدرك مطلوبه من زكى نفسه بأن طهرها من الذنوب بفعل الطاعة ~~ومجانبة المعصية PageV31P175 والثاني : قد أفلح من زكاها الله ، وقبل ~~القاضي هذا التأويل ms9654 ، وقال المراد منه أن الله حكم بتزكيتها وسماها بذلك ، ~~كما يقال في العرف : إن فلانا يزكي فلانا ، ثم قال : والأول أقرب ، لأن ذكر ~~النفس قد تقدم ظاهرا ، فرد الضمير عليه أولى من رده على ما هو في حكم ~~المذكور لا أنه مذكور . # واعلم أنا قد دللنا بالبرهان القاطع أن المراد ، بألهمها ما ذكرناه فوجب ~~حمل اللفظ عليه . وأما قوله بأن هذا محمول على الحكم والتسمية فهو ضعيف ، ~~لأن بناء التفعيلات على التكوين ، ثم إن سلمنا ذلك لكن ما حكم الله به ~~يمتنع تغيره ، لأن تغير المحكوم به يستلزم تغير الحكم من الصدق إلى الكذب ، ~~وتغير العلم إلى الجهل وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال . أما قوله ذكر ~~النفس قد تقدم ، قلنا : هذا بالعكس أولى ، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن عود ~~الضمير إلى الأقرب أولى من عوده إلى الأبعد ، وقوله : { فألهمها } أقرب إلى ~~قوله : { ما } منه إلى قوله : { ونفس } فكان الترجيح لما ذكرناه ، ومما ~~يؤكد هذا التأويل ما رواه الواحدي في البسيط عن سعيد بن أبي هلال أنه عليه ~~السلام كان إذا قرأ : { قد أفلح من زكاها } وقف وقال : ( اللهم آت نفسي ~~تقواها ، أنت وليها وأنت مولاها ، وزكها أنت خير من زكاها ) . أما قوله ~~تعالى : # ! 7 < { وقد خاب من دساها } . > 7 @QB@ < # | الشمس : ( 10 ) وقد خاب من . . . . . # > > # فقالوا : { دساها } أصله دسسها من التدسيس ، وهو إخفاء الشيء في الشيء ، ~~فأبدلت إحدى السينات ياء ، فأصل دسى دسس ، كما أن أصل تقضى البازي تقضض ~~البازي ، وكما قالوا : الببت والأصل لببت ، وملبي والأصل ملبب ، ثم نقول : ~~أما / المعتزلة فذكروا وجوها توافق قولهم : أحدها : أن أهل الصلاح يظهرون ~~أنفسهم ، وأهل الفسق يخفون أنفسهم ويدسونها في المواضع الخفية ، كما أن ~~أجواد العرب ينزلون الربا حتى تشتهر أماكنهم ويقصدهم المحتاجون ، ويوقدون ~~النيران بالليل للطارقين . وأما اللئام فإنهم يخفون أماكنهم عن الطالبين ~~وثانيها : { خاب من دساها } أي دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم وثالثها ~~: { من دساها } في المعاصي حتى انغمس فيها ورابعها : { من دساها } من دس في ~~نفسه ms9655 الفجور ، وذلك بسبب مواظبته عليها ومجالسته مع أهلها وخامسها : أن من ~~أعرض عن الطاعات واشتغل بالمعاصي صار خاملا متروكا منسيا ، فصار كالشيء ~~المدسوس في الاختفاء والخمول . وأما أصحابنا فقالوا : المعنى خابت وخسرت ~~نفس أضلها الله تعالى وأغواها وأفجرها وأبطلها وأهلكها ، هذه ألفاظهم في ~~تفسير { دساها } قال الواحدي رحمه الله : فكأنه سبحانه أقسم بأشرف مخلوقاته ~~على فلاح من طهره وخسار من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير ~~نفسه أو إهلاكها بالمعصية من غير قدر متقدم وقضاء سابق . أما قوله تعالى : # ! 7 < { كذبت ثمود بطغواهآ } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { كذبت ثمود بطغواها } < < # | الشمس : ( 11 ) كذبت ثمود بطغواها # > > قال الفراء : الطغيان والطغوى مصدران إلا أن الطغوى أشبه برؤوس ~~الآيات فاختير لذلك وهو كالدعوى من الدعاء وفي التفسير وجهان : أحدهما : ~~أنها فعلت التكذيب بطغيانها ، كما تقول : ظلمني بجراءته على الله تعالى ، ~~والمعنى أن طغيانهم حملهم على التكذيب به هذا هو القول المشهور والثاني : ~~أن الطغوى اسم لعذابهم الذي أهلكوا به ، والمعنى كذبت بعذابها أي لم يصدقوا ~~رسولهم فيما أنذرهم به من العذاب ، وهذا لا يبعد لأن معنى الطغيان في اللغة ~~مجاوزة القدر المعتاد فيجوز PageV31P176 أن يسمى العذاب الذي جاءهم طغوى ~~لأنه كان صيحة مجاوزة للقدر المعتاد أو يكون التقدير كذبت بما أوعدت به من ~~العذاب ذي الطغوى ويدل على هذا التأويل قوله تعالى : { كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة } ( الحاقة : 4 ) أي بالعذاب الذي حل بها ، ثم قال : { فأما ثمود ~~فأهلكوا بالطاغية } ( الحاقة : 5 ) فسمى ما أهلكوا به من العذاب طاغية . # ! 7 < { إذ انبعث أشقاها } . > 7 ! # < < # | الشمس : ( 12 ) إذ انبعث أشقاها # > > انبعث مطاوع بعث يقال : بعثت فلانا على الأمر فانبعث له ، والمعنى ~~أنه كذبت ثمود بسبب طغيانهم حين انبعث أشقاها وهو عاقر الناقة وفيه قولان : ~~أحدهما : أنه شخص معين واسمه قدار بن سالف ويضرب به المثل يقال : أشأم من ~~قدار ، وهو أشقى الأولين بفتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني : ~~يجوز أن يكونوا جماعة ، وإنما جاء على لفظ الوحدان لتسويتك في ms9656 أفعل التفضيل ~~إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث تقول : هذان أفضل الناس ~~وهؤلاء أفضلهم ، وهذا يتأكد بقوله : { فكذبوه فعقروها } ( الشمس : 14 ) ~~وكان يجوز أن يقال أشقوها كما يقال أفاضلهم . أما قوله تعالى : # ! 7 < { فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها } . > 7 ! # / < < # | الشمس : ( 13 ) فقال لهم رسول . . . . . # > > ففيه مسائل : # المسألة الأولى : المراد من الرسول صالح عليه السلام { ناقة الله } أي ~~أنه أشار إليه لما هموا بعقرها وبلغه ما عزموا عليه ، وقال لهم هي : { ناقة ~~الله } وآيته الدالة على توحيده وعلى نبوتي ، فاحذروا أن تقوموا عليها بسوء ~~، واحذروا أيضا أن تمنعوها من سقياها ، وقد بينا في مواضع من هذا الكتاب ~~أنه كان لها شرب يوم ولهم ولمواشيهم شرب يوم ، وكانوا يستضرون بذلك في أمر ~~مواشيهم ، فهموا بعقرها ، وكان صالح عليه السلام يحذرهم حالا بعد حال من ~~عذاب ينزل بهم إن أقدموا على ذلك ، وكانت هذه الحالة متصورة في نفوسهم ، ~~فاقتصر على أن قال لهم : { ناقة الله وسقياها } لأن هذه الإشارة كافية مع ~~الأمور المتقدمة التي ذكرناها . # المسألة الثانية : { ناقة الله } نصب على التحذير ، كقولك الأسد الأسد ، ~~والصبي الصبي بإضمار ذروا عقرها واحذروا سقياها ، فلا تمنعوها عنها ، ولا ~~تستأثروا بها عليها . # ! 7 < { فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } . > 7 ! # < < # | الشمس : ( 14 ) فكذبوه فعقروها فدمدم . . . . . # > > ثم بين تعالى أن القوم لم يمتنعوا عن تكذيب صالح ، وعن عقر الناقة ~~بسبب العذاب الذي أنذرهم الله تعالى به وهو المراد بقوله : { فكذبوه ~~فعقروها } ثم يجوز أن يكون المباشر للعقر واحدا وهو قدار ، فيضاف الفعل ~~إليه بالمباشرة ، كما قال : { فتعاطى فعقر } ويضاف الفعل إلى الجماعة ~~لرضاهم بما فعل ذلك الواحد . قال قتادة : ذكر لنا أنه أبى أن يعقرها حتى ~~بايعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم ، وهو قول أكثر المفسرين . وقال ~~الفراء : قيل إنهما كانا إثنين . # أما قوله تعالى : { فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها } فاعلم أن في ~~الدمدمة وجوها أحدها : قال الزجاج : معنى دمدم أطبق عليهم العذاب ، يقال : ~~دمدمت على الشيء إذا أطبقت عليه ، ويقال : ناقة مدمومة ، PageV31P177 أي ms9657 قد ~~ألبسها الشحم ، فإذا كررت الإطباق قلت دمدمت عليه . قال الواحدي : الدم في ~~اللغة اللطخ ، ويقال للشيء السمين : كأنما دم بالشحم دما ، فجعل الزجاج ~~دمدم من هذا الحرف على التضعيف نحو كبكبوا وبابه ، فعلى هذا معنى دمدم ~~عليهم ، أطبق عليهم العذاب وعمهم كالشيء الذي يلطخ به من جميع الجوانب ~~الوجه الثاني : تقول للشيء : يدفن دمدمت عليه ، أي سويت عليه ، فيجوز أن ~~يكون معنى فدمدم عليهم ، فسوى عليهم الأرض بأن أهلكهم فجعلهم تحت التراب ~~الوجه الثالث : قال ابن الأنباري : دمدم غضب ، والدمدمة الكلام الذي يزعج ~~الرجل ورابعها : دمدم عليهم أرجف الأرض بهم رواه ثعلب عن ابن الأعرابي ، ~~وهو قول الفراء ، أما قوله : { فسواها } يحتمل وجهين ، وذلك لأنا إن فسرنا ~~الدمدمة بالإطباق والعموم ، كان معنى { فسوى } / الدمدمة عليهم وعمهم بها ، ~~وذلك أن هلاكهم كان بصيحة جبريل عليه السلام ، وتلك الصيحة أهلكتهم جميعا ، ~~فاستوت على صغيرهم وكبيرهم ، وإن فسرناها بالتسوية ، كان المراد فسوى عليهم ~~الأرض . # ! 7 < { ولا يخاف عقباها } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { ولا يخاف عقباها } < < # | الشمس : ( 15 ) ولا يخاف عقباها # > > ففيه وجوه أولها : أنه كناية عن الرب تعالى إذ هو أقرب المذكورات ، ~~ثم اختلفوا فقال بعضهم : لا يخاف تبعة في العاقبة إذ العقبى والعافية سواء ~~، كأنه بين أنه تعالى يفعل ذلك بحق . وكل ما فعل ما يكون حكمة وحقا فإنه لا ~~يخاف عاقبة فعله . وقال بعضهم : ذكر ذلك لا على وجه التحقيق لكن على وجه ~~التحقير لهذا الفعل ، أي هو أهون من أن تخشى فيه عاقبة ، والله تعالى يجل ~~أن يوصف بذلك ، ومنهم من قال : المراد منه التنبيه على أنه بالغ في التعذيب ~~، فإن كل ملك يخشى عاقبة ، فإنه يتقي بعض الاتقاء ، والله تعالى لما لم يخف ~~شيئا من العواقب ، لا جرم ما اتقى شيئا وثانيها : أنه كناية عن صالح الذي ~~هو الرسول أي ولا يخاف صالح عقبى هذا العذاب الذي ينزل بهم وذلك كالوعد ~~لنصرته ودفع المكاره عنه . لو حاول محاول أن يؤذيه لأجل ذلك وثالثها : ~~المراد أن ذلك الأشقى الذي ms9658 هو أحيمر ثمود . فيما أقدم من عقر الناقة { ولا ~~يخاف عقباها } وهذه الآية وإن كانت متأخرة لكنها على هذا التفسير في حكم ~~المتقدم ، كأنه قال : ( { إذ انبعث أشقاها * ولا يخاف عقباها * لا ندرى أشر ~~أريد بمن فى الارض أم أراد بهم ربهم رشدا * وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ~~كنا طرائق قددا * وأنا ظننا أن لن نعجز الله فى الارض ولن نعجزه هربا * ~~وأنا لما سمعنا الهدىءامنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف } والله أعلم ، روي ~~أن صالحا لما وعدهم العذاب بعد ثلاث ، قال التسعة الذين عقروا الناقة : ~~هلموا فلنقتل صالحا ، فإن كان صادقا فأعجلناه قبلنا ، وإن كان كاذبا ~~ألحقناه بناقته . فأتوه ليبيتوه فدمغتهم الملائكة بالحجار ، فلما أبطأوا ~~على أصحابهم أتوا منزل صالح ، فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح : ~~أنت قتلتهم ثم هموا به فقامت عشيرته دونه لبسوا السلاح وقالوا لهم : والله ~~لا تقتلونه قد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث ، فإن كان صادقا زدتم ربكم ~~عليكم غضبا ، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون ، فانصرفوا عنه تلك ~~الليلة فأصبحوا وجوههم مصفرة فأيقنوا بالعذاب فطلبوا صالحا ليقتلوه فهرب ~~صالح والتجأ إلى سيد بعض بطون ثمود وكان مشركا فغيبه عنهم فلم يقدروا عليه ~~ثم شغلهم عنه ما نزل بهم من العذاب ، فهذا هو قوله : { ولا يخاف عقباها } ~~والله أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV31P178 < # > 1 ( سورة الليل ) 1 < # > # إحدى وعشرون آية مكية # ( سورة الليل ) قال القفال رحمه الله : نزلت هذه السورة في أبي بكر ~~وإنفاقه على المسلمين ، وفي أمية بن خلف وبخله وكفره بالله ، إلا أنها وإن ~~كانت كذلك لكن معانيها عامة للناس ، ألا ترى أن الله تعالى قال : { إن ~~سعيكم لشتى } ( الليل : 4 ) ، وقال : { فأنذرتكم نارا تلظى } ( الليل : 14 ~~) ويروى عن علي عليه السلام أنه قال : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في جنازة فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدنا حوله فقال : ما ~~منكم نفس منفوسة إلا وقد علم الله ms9659 مكانها من الجنة والنار ، فقلنا يا رسول ~~الله أفلا نتكل ؟ فقال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) { فأما من أعطى ~~واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى } ( الليل : 7 , 5 ) فبان بهذا ~~الحديث عموم هذه السورة . # ! 7 < { واليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى } . > 7 ! # < < # | الليل : ( 1 ) والليل إذا يغشى # > > اعلم أنه تعالى أقسم بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه ويسكن ~~الخلق عن الاضطراب ويغشاهم النوم الذي جعله الله راحة لأبدانهم وغذاء ~~لأرواحهم ، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى ، لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما ~~كان في الدنيا من الظلمة ، وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم وتتحرك ~~الطير من أوكارها والهوام من مكامنها ، فلو كان الدهر كله ليلا لتعذر ~~المعاش ولو كان كله نهارا لبطلت الراحة ، لكن المصلحة كانت في تعاقبهما على ~~ما قال سبحانه : { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة } ( الفرقان : 62 ) ، { ~~وسخر لكم الشمس والقمر } ( إبراهيم : 33 ) أما قوله : { واليل إذا يغشى } ~~فاعلم أنه تعالى لميذكر مفعول يغشى ، فهو إما الشمس من قوله : { واليل إذا ~~يغشاها } ( الشمس : 4 ) وإما النهار من قوم : { وهو الذى * والنهار } ( ~~الرعد : 3 ) وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله : { إذ * وقب } ) الفلق : 3 ~~) وقوله : { والنهار إذا تجلى } أي ظهر بزوال ظلمة الليل ، أو ظهر وانكشف ~~بطلوع الشمس . # ! 7 < { وما خلق الذكر والا نثى } . > 7 @QB@ < # | الليل : ( 3 ) وما خلق الذكر . . . . . # > > # وفيه مسائل : PageV31P179 # المسألة الأولى : في تفسيره وجوه أحدها : أي والقادر العظيم القدرة الذي ~~قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد ، وقيل : هما آدم وحواء وثانيها : ~~أي وخلقه الذكر والأنثى وثالثها : ما بمعنى من أي ومن خلق الذكر والأنثى ، ~~أي والذي خلق الذكر والأنثى . # / المسألة الثانية : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { والذكر * والانثى } ~~وقرأ ابن مسعود : ( والذي خلق الذكر والأنثى ) وعن الكسائي : { وما خلق ~~الذكر والانثى } بالجر ، ووجهه أن يكون معنى : { وما خلق } أي وما خلقه ~~الله تعالى ، أي مخلوق الله ، ثم يجعل الذكر والأنثى بدلا منه ، أي ومخلوق ~~الله الذكر والأنثى ، وجاز ms9660 إضهار اسم الله لأنه معلوم أنه لا خالق إلا هو . # المسألة الثالثة : القسم بالذكر والأنثى يتناول القسم بجميع ذوي الأرواح ~~الذين هم أشرف المخلوقات ، لأن كل حيوان فهو إما ذكر أو أنثى والخنثى فهو ~~في نفسه لا بد وأن يكون إما ذكرا أو أنثى ، بدليل أنه لو حلف بالطلاق ، أنه ~~لم يلق في هذا اليوم لا ذكرا ولا أنثى ، وكان قد لقى خنثى فإنه يخنث في ~~يمينه . # ! 7 < { إن سعيكم لشتى } . > 7 ! # < < # | الليل : ( 4 ) إن سعيكم لشتى # > > هذا الجواب القسم ، فأقسم تعالى بهذه الأشياء ، أن أعمال عباده لشتى ~~أي مختلفة في الجزاء وشتى جمع شتيت مثل مرضى ومريض ، وإنما قيل للمختلف : ~~شتى ، لتباعد ما بين بعضه وبعضه ، والشتات هو التباعد والافتراق ، فكأنه ~~قيل : إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض ، لأن بعضه ضلال وبعضه هدى ، وبعضه ~~يوجب الجنان ، وبعضه يوجب النيران ، فشتان ما بينهما ، ويقرب من هذه الآية ~~قوله : { لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة } ( الحشر : 20 ) وقوله : { ~~أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا } ( السجدة : 18 ) وقوله : { ساء ما ~~يحكمون وخلق الله السماوات والارض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا ~~يظلمون أفرأيت من } ( الجاثية : 21 ) وقال : { ولا الظل } ( فاطر : 21 ) ~~قال المفسرون : نزلت هذه الآية في أبي بكر وأبي سفيان . # ! 7 < { فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من ~~بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى } . > 7 @QB@ < # | الليل : ( 5 - 10 ) فأما من أعطى . . . . . # > > # ثم إنه سبحانه بين معنى اختلاف الأعمال فيما قلناه من العاقبة المحمودة ~~والمذمومة والثواب والعقاب ، فقال : { لشتى فأما من أعطى واتقى * وصدق ~~بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره ~~للعسرى } . # < < # | الليل : ( 5 ) فأما من أعطى . . . . . # > > وفي قوله أعطى وجهان : أحدهما : أن يكون المراد إنفاق المال في جميع ~~وجوه الخير من عتق الرقاب وفك الأسارى وتقوية المسلمين على عدوهم كما كان ~~يفعله أبو بكر سواء كان ذلك واجبا أو نفلا ، وإطلاق هذا كالإطلاق في قوله : ~~{ ومما رزقناهم ينفقون } ( الأنفال : 3 ) فإن المراد ms9661 منه كل ذلك إنفاقا في ~~سبيل الله سواء كان واجبا أو نفلا ، وقد مدح الله قوما فقال : { ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } ( الإنسان : 8 ) وقال في آخر هذه ~~السورة : { وسيجنبها الاتقى * الذى * يؤتى ماله يتزكى * وما لاحد عنده من ~~نعمة تجزى * إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى } PageV31P180 ( الليل : 20 , 17 ) ~~، وثانيهما : أن قوله : { أعطى } يتناول إعطاء حقوق المال وإعطاء حقوق ~~النفس في طاعة الله تعالى ، يقال : فلان أعطى الطاعة وأعطى السعة وقوله : { ~~واتقى } فهو إشارة إلى الاحتراز عن كل مالا ينبغي ، وقد ذكرنا أنه هل من ~~شرط كونه متقيا أن يكون محترزا عن الصغائر أم لا في تفسير قوله تعالى : { ~~هدى للمتقين } ( البقرة : 2 ) وقوله : { وصدق بالحسنى } فالحسنى فيها وجوه ~~أحدها : أنها قول لا إله إلا الله ، والمعنى : فأما من أعطى واتقى وصدق ~~بالتوحيد والنبوة حصلت له الحسنى ، وذلك لأنه لا ينفع مع الكفر إعطاء مال ~~ولا اتقاء محارم ، وهو كقوله : { أو إطعام فى يوم ذى مسغبة } إلى قوله : { ~~ثم كان من الذين ءامنوا } ( البلد : 17 , 14 ) وثانيها : أن الحسنى عبارة ~~عما فرضه الله تعالى من العبادات على الأبدان وفي الأموال كأنه قيل : أعطى ~~في سبيل الله واتقى المحارم وصدق بالشرائع ، فعلم أنه تعالى لم يشرعها إلا ~~لما فيها من وجوه الصلاح والحسن وثالثها : أن الحسنى هو الخلف الذي وعده ~~الله في قوله : { وما أنفقتم من شىء فهو يخلفه } ( سبأ : 39 ) والمعنى : ~~أعطى من ماله في طاعة الله مصدقا بما وعده الله من الخلف الحسن ، وذلك أنه ~~قال : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } ( البقرة : 261 ) فكان ~~الخلف لما كان زائدا صح إطلاق لفظ الحسنى عليه ، وعلى هذا المعنى : { وكذب ~~بالحسنى } أي لم يصدق بالخلف ، فبخل بماله لسوء ظنه بالمعبود ، كما قال ~~بعضهم : منع الموجود ، سوء ظن بالمعبود ، وروي عن أبي الدرداء أنه قال : ( ~~ما من يوم غربت فيه الشمس إلا وملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا ~~الثقلين . اللهم أعط كل منفق خلفا وكل ممسك تلفا ) ورابعها ms9662 : أن الحسنى هو ~~الثواب ، وقيل : إنه الجنة ، والمعنى واحد ، قال قتادة : صدق بموعود الله ~~فعمل لذلك الموعود ، قال القفال : وبالجملة أن الحسنى لفظة تسع كل خصلة ~~حسنة ، قال الله تعالى : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } ( التوبة ~~: 52 ) يعني النصر أو الشهادة ، وقال تعالى : { ومن يقترف حسنة نزد له فيها ~~حسنا } ( الشورى : 23 ) فسمى مضاعفة الأجر حسنى ، وقال : { إن لى عنده ~~للحسنى } ( فصلت : 50 ) . # وأما قوله : { فسنيسره لليسرى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في تفسير هذه اللفظة وجوه أحدها : أنها الجنة وثانيها : ~~أنها الخير وقالوا في العسرى : أنها الشرك وثالثها : المراد منه أن يسهل ~~عليه كل ما كلف به من الأفعال والتروك ، والمراد من العسرى تعسير كل ذلك ~~عليه ورابعها : اليسرى هي العود إلى الطاعة التي أتى بها أولا ، فكأنه قال ~~فسنيسره لأن يعود إلى الإعطاء في سبيل الله ، وقالوا : في العسرى ضد ذلك أي ~~نيسره لأن يعود إلى البخل والامتناع من أداء الحقوق المالية ، قال القفال : ~~ولكل هذه الوجوه مجاز من اللغة ، وذلك لأن الأعمال بالعواقب ، فكل ما أدت ~~عاقبته إلى يسر وراحة وأمور محمودة ، فإن ذلك من اليسرى ، وذلك وصف كل ~~الطاعات ، وكل ما أدت عاقبته إلى عسر / وتعب فهو من العسرى ، وذلك وصف كل ~~المعاصي . # المسألة الثانية : التأنيث في لفظ اليسرى ، ولفظ العسرى فيه وجوه أحدها : ~~أن المراد من اليسرى والعسرى إن كان جماعة الأعمال ، فوجه التأنيث ظاهر ، ~~وإن كان المراد عملا واحدا رجع التأنيث إلى الخلة أو الفعلة ، وعلى هذا من ~~جعل يسرى هو تيسير العود ( ة ) إلى ما فعله الإنسان من الطاعة رجع التأنيث ~~إلى العود ( ة ) ، وكأنه قال : فسنيسره للعود ( ة ) التي هي كذا وثانيها : ~~أن يكون مرجع التأنيث إلى الطريقة فكأنه قال : PageV31P181 للطريقة اليسرى ~~والعسرى وثالثها : أن العبادات أمور شاقة على البدن ، فإذا علم المكلف أنها ~~تفضي إلى الجنة سهلت تلك الأفعال الشاقة عليه ، بسبب توقعه للجنة ، فسمى ~~الله تعالى الجنة يسرى ، ثم علل حصول اليسرى في أداء الطاعات بهذه اليسرى ~~وقوله : { فسنيسره ms9663 لليسرى } بالضد من ذلك . # المسألة الثالثة : في معنى التيسير لليسرى والعسرى وجوه : وذلك لأن من ~~فسر اليسرى بالجنة فسر التيسير لليسرى بإدخال الله تعالى إياهم في الجنة ~~بسهولة وإكرام ، على ما أخبر الله تعالى عنه بقوله : { والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب * سلام عليكم } ( الرعد : 24 , 23 ) وقوله : { طبتم ~~فادخلوها خالدين } ( الزمر : 73 ) وقوله : { سلام عليكم بما صبرتم فنعم ~~عقبى الدار } ( الرعد : 24 ) وأما من فسر اليسرى بأعمال الخير فالتيسير لها ~~هو تسهيلها على من أراد حتى لا يعتريه من التثاقل ما يعتري المرائين ~~والمنافقين من الكسل ، قال الله تعالى : { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } ~~( البقرة : 45 ) وقال : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } ( النسار ~~: 142 ) وقال : { ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الارض } ( التوبة : 38 ) فكان التيسير هو التنشيط . # المسألة الرابعة : استدل الأصحاب بهذه الآية على صحة قولهم في التوفيق ~~والخذلان ، فقالوا : إن قوله تعالى : { فسنيسره لليسرى } يدل على أنه تعالى ~~خص المؤمن بهذا التوفيق ، وهو أنه جعل الطاعة بالنسبة إليه أرجح من المعصية ~~، وقوله : { فسنيسره للعسرى } يدل على أنه خص الكافر بهذا الخذلان ، وهو ~~أنه جعل المعصية بالنسبة إليه أرجح من الطاعة ، وإذا دلت الآية على حصول ~~الرجحان لزم القوم بالوجوب لأنه لا واسطة بين الفعل والترك ، ومعلوم أن حال ~~الاستواء يمتنع الرجحان ، فحال المرجوحية أولى بالامتناع ، وإذا امتنع أحد ~~الطرفين وجب حصول الطرف الآخر ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض . أجاب ~~القفال رحمه الله عن وجه التمسك بالآية من وجوه أحدها : أن تسمية أحد ~~الضدين باسم الآخر مجاز مشهور ، قال تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( ~~الشورى : 40 ) وقال : { فبشرهم بعذاب أليم } ( الإنشقاق : 24 ) فلما سمى ~~الله فعل الألطاف الداعية إلى الطاعات تيسيرا لليسرى ، سمى ترك هذه الألطاف ~~تيسيرا للعسرى وثانيها : أن يكون ذلك على جهة إضافة الفعل إلى المسبب له ~~دون الفاعل . كما قيل في الأصنام : { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } ( ~~إبراهيم : 36 ) وثالثها : أن يكون ذلك على سبيل الحكم ms9664 به والإخبار عنه ~~والجواب : عن الكل أنه عدول عن الظاهر ، وذلك غير جائز ، لاسيما أنا بينا ~~أن الظاهر من جانبنا متأكد بالدليل العقلي القاطع ، ثم / إن أصحابنا أكدوا ~~ظاهر هذه الآية بما روى عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : ( ما من نفس منفوسة إلا وقد علم الله مكانها من الجنة والنار ، ~~قلنا : أفلا نتكل ؟ قال : لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) أجاب القفال عنه ~~بأن الناس كلهم خلقوا ليعبدوا الله ، كما قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون } ( الذاريات : 56 ) واعلم أن هذا ضعيف لأنه عليه السلام إنما ذكر ~~هذا جوابا عن سؤالهم ، يعني اعملوا فكل ميسر لما وافق معلوم الله ، وهذا ~~يدل على قولنا : أن ما قدره الله على العبد وعلمه منه فإنه ممتنع التغيير ~~والله أعلم . # المسألة الخامسة : في دخول السين في قوله : { فسنيسره } وجوه أحدها : أنه ~~على سبيل الترفيق والتلطيف وهو من الله تعالى قطع ويقين ، كما في قوله : { ~~اعبدوا ربكم } { لعلكم تتقون } PageV31P182 ( البقرة : 21 ) وثانيها : أن ~~يحمل ذلك على أن المطيع قد يصير عاصيا ، والعاصي قد يصير بالتوبة مطيعا ، ~~فهذا السبب كان التغيير فيه محالا وثالثها : أن الثواب لما كان أكثره واقعا ~~في الآخرة ، وكان ذلك مما لم يأت وقته ، ولا يقف أحد على وقته إلا الله ، ~~لا جرم دخله تراخ ، فأدخلت السين لأنها حرف التراخي ليدل بذلك على أن الوعد ~~آجل غير حاضر ، والله أعلم . أما قوله تعالى : # ! 7 < { وما يغنى عنه ماله إذا تردى } . > 7 ! # < < # | الليل : ( 11 ) وما يغني عنه . . . . . # > > فاعلم أن ما هنا يحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الإنكار ، ويحتمل أن ~~يكون نفيا . وأما { تردى } ففيه وجهان الأول : أن يكون ذلك مأخوذا من قولك ~~: تردى من الجبل : قال الله تعالى : { والمتردية والنطيحة } ( المائدة : 3 ~~) فيكون المعنى : تردى في الحفرة إذا قبر ، أو تردى في قعر جهنم ، وتقدير ~~الآية : إنا إذا يسرناه للعسرى ، وهي النار تردى في جهنم ، فماذا يغني عنه ~~ماله الذي بخل به وتركه لوارثه ms9665 ، ولم يصحبه منه إلى آخرته ، التي هي موضع ~~فقره وحاجته شيء ، كما قال : { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } ( الأنعام : 94 ) وقال : { ونرثه ما يقول ~~ويأتينا فردا } ( مريم : 80 ) أخبر أن الذي ينتفع الإنسان به هو ما يقدمه ~~الإنسان من أعمال البر وإعطاء الأموال في حقوقها ، دون المال الذي يخلفه ~~على ورثته الثاني : أن تردى تفعل من الردى وهو الهلاك يريد الموت . أما ~~قوله تعالى : # ! 7 < { إن علينا للهدى } . > 7 ! # < < # | الليل : ( 12 ) إن علينا للهدى # > > فاعلم أنه تعالى لما عرفهم أن سعيهم شتى في العواقب وبين ما للمحسن ~~من اليسرى وللمسيء من العسرى ، أخبرهم أنه قد قضى ما عليه من البيان ~~والدلالة والترغيب والترهيب والإرشاد والهداية فقال : { إن علينا للهدى } ~~أي إن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه ~~التعبد وشرح ما يكون المتعبد به مطيعا مما يكون به عاصيا ، إذ كنا إنما ~~خلقناهم لننفعهم ونرحمهم ونعرضهم للنعيم المقيم ، فقد فعلنا ما كان / فعله ~~واجبا علينا في الحكمة ، والمعتزل احتجوا بهذه الآية على صحة مذهبهم في ~~مسائل إحداها : أنه تعالى أباح الأعذار وما كلف المكلف إلا ما في وسعه ~~وطاقته ، فثبت أنه تعالى لا يكلف بما لا يطاق وثانيها : أن كلمة على للوجوب ~~، فتدل على أنه قد يجب للعبد على الله شيء وثالثها : أنه لو لم يكن العبد ~~مستقلا بالإيجاد لما كان في وضع الدلائل فائدة ، وأجوبة أصحابنا عن مثل هذه ~~الوجوه مشهورة ، وذكر الواحدي وجها آخر نقله عن الفراء فقال المعنى : إن ~~علينا للهدى والإضلال ، فترك الإضلال كما قال : { سرابيل تقيكم الحر } ( ~~النحل : 81 ) وهي تقي الحر والبرد ، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء ~~، قال : يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي ، وأحول بين أعدائي أن يعملوا ~~بطاعتي فذكر معنى الإضلال ، قالت المعتزلة : هذا التأويل ساقط لقوله تعالى ~~: { وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر } ( النحل : 9 ) فبين أن قصد السبيل ~~على الله ، وأما جور السبيل فبين ms9666 أنه ليس على الله ولا منه ، واعلم أن ~~الاستقصاء قد سبق في تلك الآية . PageV31P183 أما قوله تعالى : # ! 7 < { وإن لنا للا خرة والا ولى } . > 7 ! # < < # | الليل : ( 13 ) وإن لنا للآخرة . . . . . # > > ففيه وجهان الأول : أن لنا كل ما في الدنيا والآخرة فليس يضرنا ترككم ~~الاهتداء بهدانا ، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم ، بل نفع ذلك وضره عائدان ~~عليكم ولو شئنا لمنعناكم من المعاصي قهرا ، إذ لنا الدنيا والآخرة ولكننا ~~لا نمنعكم من هذا الوجه ، لأن هذا الوجه يخل بالتكليف ، بل نمنعكم بالبيان ~~والتعريف ، والوعد والوعيد الثاني : أن لنا ملك الدارين نعطي ما نشاء من ~~نشاء ، فيطلب سعادة الدارين منا ، والأول أوفق لقول المعتزلة ، والثاني ~~أوفق لقولنا . أما قوله تعالى : # ! 7 < { فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاهآ إلا الا شقى * الذى كذب وتولى } ~~. > 7 ! # < < # | الليل : ( 14 ) فأنذرتكم نارا تلظى # > > تلظى أي تتوقد وتتلهب وتتوهج ، يقال : تلظت النار تلظيا ، ومنه سميت ~~جهنم لظى ، ثم بين أنها لمن هي بقوله : { لا يصلاها إلا الاشقى } قال ابن ~~عباس : نزلت في أمية بن خلف وأمثاله الذين كذبوا محمدا والأنبياء قبله ، ~~وقيل : إن الأشقى بمعنى الشقي كما يقال : لست فيها بأوحد أي بواحد ، ~~فالمعنى لا يدخلها إلا الكافر الذي هو شقي لأنه كذب بآيات الله ، وتولى أي ~~أعرض عن طاعة الله . واعلم أن المرجئة يتمسكون بهذه الآية في أنه لا وعيد ~~إلا على الكفار ، قال القاضي : ولا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ، ويدل ~~على ذلك ثلاثة أوجه أحدها : أنه يقتضي أن لا يدخل النار { إلا الاشقى * ~~الذى كذب وتولى } فوجب في الكافر الذي لم يكذب ولم يتول أن لا يدخل النار ~~وثانيها : أن هذا إغراء بالمعاصي ، لأنه بمنزلة أن يقول الله تعالى : لمن ~~صدق بالله ورسوله ولم / يكذب ولم يتول : أي معصية أقدمت عليها ، فلن تضرك ، ~~وهذا يتجاوز حد الإغراء إلى أن تصير كالإباحة ، وتعالى الله عن ذلك وثالثها ~~: أن قوله تعالى : من بعد { وسيجنبها الاتقى } ( الليل : 17 ) يدل على ترك ~~هذا الظاهر لأنه معلوم من حال الفاسق ms9667 ، أنه ليس بأتقى ، لأن ذلك مبالغة في ~~التقوى ، ومن يرتكب عظائم الكبائر لا يوصف بأنه أتقى ، فإن كان الأول يدل ~~على أن الفاسق لا يدخل النار ، فهذا الثاني يدل على أن الفاسق لا يجنب ~~النار ، وكل مكلف لا يجنب النار ، فلا بد وأن يكون من أهلها ، ولما ثبت أنه ~~لا بد من التأويل ، فنقول : فيه وجهان الأول : أن يكون المراد بقوله : { ~~نارا تلظى } نارا مخصوصة من النيران ، لأنها دركات لقوله تعالى : { إن ~~المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) فالآية تدل على أن ~~تلك النار المخصوصة لا يصلاها سوى هذا الأشقى ، ولا تدل على أن الفاسق وغير ~~من هذا صفته من الكفار لا يدخل سائر النيران الثاني : أن المراد بقوله : { ~~نارا تلظى } النيران أجمع ، ويكون المراد بقوله : { لا يصلاها إلا الاشقى } ~~أي هذا الأشقى به أحق ، وثبوت هذه الزيادة في الاستحقاق غير حاصل إلا لهذا ~~الأشقى . واعلم أن وجوه القاضي ضعيفة . # أما قوله أولا : يلزم في غير هذا الكافر أن لا يدخل النار فجوابه : أن كل ~~كافر لا بد وأن يكون مكذبا للنبي في دعواه ، ويكون متوليا عن النظر في ~~دلالة صدق ذلك النبي ، فيصدق عليه أنه أشقى من سائر العصاة ، وأنه { كذب ~~وتولى } وإذا كان كل كافر داخلا في الآية سقط ما قاله القاضي . # وأما قوله ثانيا : إن هذا إغراء بالمعصية فضعيف أيضا ، لأنه يكفي في ~~الزجر عن المعصية حصول الذم في العاجل وحصول غضب الله بمعنى أنه لا يكرمه ~~ولا يعظمه ولا يعطيه الثواب ، ولعله يعذبه بطريق آخر ، فلم يدل دليل على ~~انحصار طريق التعذيب في إدخال النار . PageV31P184 # وأما قوله ثالثا : { وسيجنبها الاتقى } فهذا لا يدل على حال غير الأتقى ~~إلا على سبيل المفهوم ، والتمسك بدليل الخطاب وهو ينكر ذلك فكيف تمسك به ؟ ~~والذي يؤكد هذا أن هذا يقتضي فيمن ليس بأتقى دخول النار ، فيلزم في الصبيان ~~والمجانين أن يدخلوا النار وذلك باطل . # وأما قوله رابعا : المراد منه نار مخصوصة ، وهي النار التي تتلظى فضعيف ~~أيضا ، لأن ms9668 قوله : { نارا تلظى } يحتمل أن يكون ذلك صفة لكل النيران ، وأن ~~يكون صفة لنار مخصوصة ، لكنه تعالى وصف كل نار جهنم بهذا الوصف في آية أخرى ~~، فقال : { كلا إنها لظى * نزاعة للشوى } . # وأما قوله : المراد إن هذا الأشقى أحق به فضعيف لأنه ترك للظاهر من غير ~~دليل ، فثبت ضعف الوجوه التي ذكرها القاضي ، فإن قيل : فما الجواب عنه على ~~قولكم ، فإنكم لا تقطعون بعدم وعيد الفساق ؟ الجواب : من وجهين : الأول : ~~ما ذكره الواحدي وهو أن معنى : { لا يصلاها } لا يلزمها في حقيقة اللغة ، ~~يقال : صلى الكافر النار إذا لزمها مقاسيا شدتها وحرها ، وعندنا أن هذه ~~الملازمة لا تثبت إلا للكافر ، أما الفاسق فإما أن لا يدخلها أو إن دخلها ~~تخلص منها الثاني : أن يخص عموم هذا الظاهر بالآيات الدالة على وعيد الفساق ~~، والله أعلم . قوله تعالى : # ! 7 < { وسيجنبها الا تقى * الذى يؤتى ماله يتزكى * وما لاحد عنده من ~~نعمة تجزى } . > 7 ! # < < # | الليل : ( 17 ) وسيجنبها الأتقى # > > معنى سيجنبها أي سيبعدها ويجعل منها على جانب يقال : جنبته الشيء أي ~~بعدته وجنبته عنه ، وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : أجمع المفسرون منا على أن المراد منه أبو بكر رضي الله ~~تعالى عنه . واعلم أن الشيعة بأسرهم ينكرون هذه الرواية ، ويقولون : إنها ~~نزلت في حق علي بن أبي طالب عليه السلام والدليل عليه قوله تعالى : { ~~ويؤتون الزكواة وهم راكعون } ( المائدة : 55 ) فقوله : { الاتقى * الذى * ~~يؤتى ماله يتزكى } إشارة إلى ما في الآية من قوله : { يؤتون الزكواة وهم * ~~راكعون } ولما ذكر ذلك بعضهم في محضري قلت : أقيم الدلالة العقلية على أن ~~المراد من هذه الآية أبو بكر وتقريرها : أن المراد من هذا الأتقى هو أفضل ~~الخلق ، فإذا كان كذلك ، وجب أن يكون المراد هو أبو بكر ، فهاتان المقدمتان ~~متى صحتا صح المقصود ، إنما قلنا : إن المراد من هذا الأتقى أفضل الخلق ~~لقوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } ( الحجرات : 13 ) والأكرم هو ~~الأفضل ، فدل على أن كل من كان أتقى وجب أن يكون أفضل ، فإن قيل : الآية ms9669 ~~دلت على أن كل من كان أكرم كان أتقى ، وذلك لا يقتضي أن كل من كان أتقى كان ~~أكرم ، قلنا وصف كون الإنسان أتقى معلوم مشاهد ، ووصف كونه أفضل غير معلوم ~~ولا مشاهد ، والإخبار عن المعلوم بغير المعلوم هو الطريق الحسن ، أما عكسه ~~فغير مفيد ، فتقدير الآية كأنه وقعت الشبهة في أن الأكرم عند الله من هو ؟ ~~فقيل : هو الأتقى ، وإذا كان كذلك كان التقدير أتقاكم أكرمكم عند الله ، ~~فثبت أن الأتقى المذكور ههنا لا بد وأن يكون أفضل الخلق عند الله ، فنقول : ~~لا بد وأن يكون المراد به أبا بكر لأن الأمة مجمعة على أن أفضل الخلق بعد ~~رسول الله ، إما أبو بكر أو علي ، ولا يمكن حمل هذه الآية على علي بن أبي ~~طالب ، فتعين حملها على أبي بكر ، وإنما قلنا : إنه لا يمكن حملها على علي ~~بن أبي طالب لأنه قال في صفة هذا الأتقى : { وما لاحد عنده من نعمة تجزى } ~~PageV31P185 وهذا الوصف لا يصدق على علي بن أبي طالب ، لأنه كان في تربية ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخذه من أبيه وكان يطعمه ويسقيه ، ويكسوه ، ~~ويربيه ، وكان الرسول منعما عليه نعمة يجب جزاؤها ، أما أبو بكر فلم يكن ~~للنبي عليه الصلاة والسلام عليه دنيوية ، بل أبو بكر كان ينفق على الرسول ~~عليه السلام بل كان للرسول عليه السلام عليه نعمة الهداية والإرشاد إلى ~~الدين ، إلا أن هذا لا يجزى ، لقوله تعالى : { ما أسألكم عليه من أجر } ( ~~الفرقان : 57 ) والمذكور ههنا ليس مطلق النعمة بل نعمة تجزى ، فعلمنا أن ~~هذه الآية لا تصلح لعلي بن أبي طالب ، وإذا ثبت أن المراد بهذه الآية من ~~كان أفضل الخلق وثبت أن ذلك الأفضل من الأمة ، إما أبو بكر أو علي ، وثبت ~~أن الآية غير صالحة لعلي ، تعين / حملها على أبي بكر رضي الله عنه ، وثبت ~~دلالة الآية أيضا على أن أبا بكر أفضل الأمة ، وأما الرواية فهي أنه كان ~~بلال ( عبدا ) لعبد الله بن جدعان ، فسلح على الأصنام ms9670 فشكا إليه المشركون ~~فعله ، فوهبه لهم ، ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم ، فأخذوه وجعلوا ~~يعذبونه في الرمضاء وهو يقول : أحد ، أحد ، فمر به رسول الله ، وقال : ~~ينجيك أحد ، أحد . ثم أخبر رسول الله أبا بكر أن بلالا يعذب في الله : فحمل ~~أبو بكر رطلا من ذهب فابتاعه به ، فقال المشركون : ما فعل ذلك أبو بكر إلا ~~ليد كانت لبلال عنده ، فنزل : { وما لاحد عنده من نعمة تجزى } { إلا ابتغاء ~~وجه ربه الاعلى } ( الليل : 20 ) وقال ابن الزبير وهو على المنبر : كان أبو ~~بكر يشتري الضعفة من العبيد فيعتقهم ، فقال له أبوه : يا بني لو كنت تبتاع ~~من يمنع ظهرك ، فقال : منع ظهري أريد . فنزلت هذه الآية . # المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) في محل : { يتزكى } وجهان : إن ~~جعلت بدلا من يؤتي فلا محل له ، لأنه داخل في حكم الصلة ، والصلات لا محل ~~لها . وإن جعلته حالا من الضمير في { يؤتى } فمحله النصب . # ! 7 < { إلا ابتغآء وجه ربه الا على * ولسوف يرضى } . > 7 @QB@ < # | الليل : ( 20 - 21 ) إلا ابتغاء وجه . . . . . # > > # فيه مسائل : # المسألة الأولى : { ابتغاء وجه ربه } مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أي { ~~ما * لاحد عنده } ( الليل : 19 ) نعمة { إلا ابتغاء وجه ربه } كقولك ما في ~~الدار أحدا إلا حمارا ، وذكر الفراء فيه وجها آخر وهو أن يضمر الإنفاق على ~~تقدير : ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ، كقوله : { وما تنفقون إلا ~~ابتغاء وجه الله } ( البقرة : 272 ) . # المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى بين أن هذا : { الاتقى * الذى * يؤتى ~~ماله يتزكى } ( الليل : 18 , 17 ) لا يؤتيه مكافأة على هدية أو نعمة سالفة ~~، لأن ذلك يجري مجرى أداء الدين ، فلا يكون له دخل في استحقاق مزيد الثواب ~~بل إنما يستحق الثواب إذا فعله ، لأجل أن الله أمره به وحثه عليه . # المسألة الثالثة : المجسمة تمسكوا بلفظة الوجه والملحدة تمسكوا بلفظة { ~~ربه الاعلى } وإن ذلك يقضي وجود رب آخر ، وقد تقدم الكلام على كل ذلك . # المسألة الرابعة : ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الإمامة ، فقال ~~: الآية ms9671 الواردة في حق علي عليه السلام : { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد ~~منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } PageV31P186 ~~( الإنسان : 10 , 9 ) والآية الواردة في حق أبي بكر : { إلا ابتغاء وجه ربه ~~الاعلى * ولسوف يرضى } فدلت الآيتان على أن كل واحد منهما إنما فعل ما فعل ~~لوجه الله إلا أن آية علي تدل على أنه فعل ما فعل لوجه الله ، وللخوف من ~~يوم القيامة على ما قال : { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } وأما ~~آية أبي بكر فإنها دلت على أنه فعل ما فعل لمحض وجه الله من غير أن يشوبه ~~طمع فيما يرجع إلى رغبة في ثواب / أو رهبة من عقاب ، فكان مقام أبي بكر ~~أعلى وأجل . # المسألة الخامسة : من الناس من قال : ابتغاء الله بمعنى ابتغاء ذاته وهي ~~محال ، فلا بد وأن يكون المراد ابتغاء ثوابه وكرامته ، ومن الناس من قال : ~~لا حاجة إلى هذا الإضمار ، وحقيقة هذه المسألة راجعة إلى أنه هل يمكن أن ~~يحب العبد ذات الله ، أو المراد من هذه المحبة محبة ثوابه وكرامته ، وقد ~~تقدم الكلام في هذه المسألة في تفسير قوله : { والذين ءامنوا أشد حبا لله } ~~( البقرة : 165 ) . # المسألة السادسة : قرأ يحيى بن وثاب : { إلا ابتغاء وجه ربه } بالرفع على ~~لغة من يقول : ما في الدار أحد إلا حمارا وأنشد في اللغتين ، قوله : # % وبلدة ليس بها أنيس % % إلا اليعافير وإلا العيس % # أما قوله : { ولسوف يرضى } فالمعنى أنه وعد أبا بكر أن يرضيه في الآخرة ~~بثوابه ، وهو كقوله لرسوله صلى الله عليه وسلم : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ~~( الضحى : 5 ) وفيه عندي وجه آخر ، وهو أن المراد أنه ما أنفق إلا لطلب ~~رضوان الله ، ولسوف يرضى الله عنه ، وهذا عندي أعظم من الأول لأن رضا الله ~~عن عبده أكمل للعبد من رضاه عن ربه ، وبالجملة فلا بد من حصول الأمرين على ~~ما قال : { راضية مرضية } ( الفجر : 28 ) والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى ~~الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم ms9672 . # PageV31P187 < # > 1 ( سورة الضحى ) 1 < # > # إحدى عشرة آية مكية # وأنا على عزم أن أضم إلى تفسير هذه السورة ما فيها من اللطائف التذكارية ~~. # ! 7 < { والضحى * واليل إذا سجى } . > 7 @QB@ < # | الضحى : ( 1 - 2 ) والضحى # > > # لأهل التفسير في قوله : { والضحى } وجهان : أحدهما : أن المراد بالضحى ~~وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقي شعاعها وثانيها : الضحى هو ~~النهار كله بدليل أنه جعل في مقابلة الليل كله . # وأما قوله : { واليل إذا سجى } فذكر أهل اللغة في { سجى } ثلاثة أوجه ~~متقاربة : سكن وأظلم وغطى أما الأول : فقال أبو عبيد والمبرد والزجاج : سجى ~~أي سكن يقال : ليلة ساجية أي ساكنة الريح ، وعين ساجية أي فائزة الطرف . ~~وسجى البحر إذا سكنت أمواجه ، وقال في الدعاء : # يا مالك البحر إذا البحر سجى # وأما الثاني : وهو تفسير سجى بأظلم . فقال الفراء : سجى أي أظلم وركد في ~~طوله . # وأما الثالث : وهو تفسير سجى بغطى ، فقال الأصمعي وابن الأعرابي سجى ~~الليل تغطيته النهار ، مثل ما يسجى الرجل بالثوب ، واعلم أن أقوال المفسرين ~~غير خارجة عن هذه الوجوه الثلاثة فقال ابن عباس : غطى الدنيا بالظلمة ، ~~وقال الحسن : ألبس الناس ظلامه ، وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير : ~~إذا أقبل الليل غطى كل شيء ، وقال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد : سكن ~~بالناس ولسكونه معنيان أحدهما : سكون الناس فنسب إليه كما يقال ليل نائم ~~ونهار صائم والثاني : هو أن سكونه عبارة عن استقرار ظلامه PageV31P188 ~~واستوائه فلا يزداد بعد ذلك ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : ما الحكمة في أنه تعالى في السورة الماضية قدم ذكر الليل ~~، وفي هذه السورة أخره ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : أن بالليل والنهار ينتظم ~~مصالح المكلفين ، والليل له فضيلة السبق لقوله : { وجعل الظلمات والنور } ( ~~الأنعام : 1 ) وللنهار فضيلة النور ، بل الليل كالدنيا والنهار كالآخرة ، ~~فلما كان لكل واحد فضيلة ليست للآخر ، لا جرم قدم هذا على ذاك تارة وذاك ، ~~على هذا أخرى ، / ونظيره أنه تعالى قدم السجود على الركوع في قوله : { ~~واسجدى واركعى } ( آل عمران : 43 ) ثم قدم الركوع على ms9673 السجود في قوله : { ~~اركعوا واسجدوا } ( الحج : 77 ) وثانيها : أنه تعالى قدم الليل على النهار ~~في سورة أبي بكر لأن أبا بكر سبقه كفر ، وههنا قدم الضحى لأن الرسول عليه ~~الصلاة والسلام ما سبقه ذنب وثالثها : سورة والليل سورة أبي بكر ، وسورة ~~الضحى سورة محمد عليه الصلاة والسلام ثم ما جعل بينهما واسطة ليعلم أنه لا ~~واسطة بين محمد وأبي بكر ، فإذا ذكرت الليل أولا وهو أبو بكر ، ثم صعدت ~~وجدت بعده النهار وهو محمد ، وإن ذكرت والضحى أولا وهو محمد ، ثم نزلت وجدت ~~بعده ، والليل وهو أبو بكر ، ليعلم أنه لا واسطة بينهما . # السؤال الثاني : ما الحكمة ههنا في الحلف بالضحى والليل فقط ؟ والجواب : ~~لوجوه أحدها : كأنه تعالى يقول : الزمان ساعة ، فساعة ساعة ليل ، وساعة ~~نهار ، ثم يزداد فمرة تزداد ساعات الليل وتنقص ساعات النهار ، ومرة بالعكس ~~فلا تكون الزيادة لهوى ولا النقصان لقلى . بل للحكمة ، كذا الرسالة وإنزال ~~الوحي بحسب المصالح فمرة إنزال ومرة حبس ، فلا كان الإنزال عن هوى ، ولا ~~كان الحبس عن قلى وثانيها : أن العالم لا يؤثر كلامه حتى يعمل به ، فلما ~~أمر الله تعالى بأن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ، لم يكن بد من ~~أن يعمل به ، فالكفار لما ادعوا أن ربه ودعه وقلاه ، قال : هاتوا الحجة ~~فعجزوا فلزمه اليمين بأنه ما ودعه ربه وما قلاه وثانيها : كأنه تعالى يقول ~~: انظروا إلى جوار الليل مع النهار لا يسلم أحدهما عن الآخر بل الليل تارة ~~يغلب وتارة يغلب فكيف تطمع أن تسلم على الخلق . # السؤال الثالث : لم خص وقت الضحى بالذكر ؟ الجواب : فيه وجوه أحدها : أنه ~~وقت اجتماع الناس وكمال الأنس بعد الاستيحاش في زمان الليل / فبشروه أن بعد ~~استيحاشك بسبب احتباس الوحي يظهر ضحى نزول الوحي وثانيها : أنها الساعة ~~التي كلم فيها موسى ربه ، وألقى فيها السحرة سجدا ، فاكتسى الزمان صفة ~~الفضيلة لكونه ظرفا ، فكيف فاعل الطاعة ا وأفاد أيضا أن الذي أكرم موسى لا ~~يدع إكرامك ، والذي قلب قلوب السحرة حتى سجدوا ms9674 يقلب قلوب أعدائك . # السؤال الرابع : ما السبب في أنه ذكر الضحى وهو ساعة من النهار ، وذكر ~~الليل بكليته ؟ الجواب : فيه وجوه أحدها : أنه إشارة إلى أن ساعة من النهار ~~توازي جميع الليل كما أن محمدا إذا وزن يوازي جميع الأنبياء والثاني : أن ~~النهار وقت السرور والراحة ، والليل وقت الوحشة والغم فهو إشارة إلى أن ~~هموم الدنيا أدوم من سرورها ، فإن الضحى ساعة والليل كذا ساعات ، يروى أن ~~الله تعالى لما خلق العرش أظلت غمامة سوداء عن يسارة ، ونادت ماذا أمطر ؟ ~~فأجيبت أن امطري الهموم والأحزان مائة سنة ، ثم انكشفت فأمرت مرة أخرى بذلك ~~وهكذا إلى تمام ثلاثمائة سنة ، ثم بعد ذلك أظلت عن يمين العرش غمامة بيضاء ~~ونادت : ماذا أمطر ؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة ، فلهذا السبب ترى الغموم ~~والأحزان دائمة ، والسرور قليلا / ونادرا PageV31P189 وثالثها : أن وقت ~~الضحى وقت حركة الناس وتعارفهم فصارت نظير وقت الحشر ، والليل إذا سكن نظير ~~سكون الناس في ظلمة القبور ، فكلاهما حكمة ونعمة لكن الفضيلة للحياة على ~~الموت ، ولما بعد الموت على ما قبله ، فلهذا السبب قدم ذكر الضحى على ذكر ~~الليل ورابعها : ذكروا الضحى حتى لا يحصل اليأس من روحه ، ثم عقبه بالليل ~~حتى لا يحصل الأمن من مكره . # السؤال الخامس : هل أحد من المذكرين فسر الضحى بوجه محمد والليل بشعره ؟ ~~والجواب : نعم ولا استبعاد فيه ومنهم من زاد عليه فقال : والضحى ذكور أهل ~~بيته ، والليل إناثهم ، ويحتمل الضحى رسالته والليل زمان احتباس الوحي ، ~~لأن في حال النزول حصل الاستئناس وفي زمن الاحتباس حصل الاستيحاش ، ويحتمل ~~والضحى نور علمه الذي به يعرف المستور من الغيوب : والليل عفوه الذي به ~~يستر جميع الغيوب . ويحتمل أن الضحى إقبال الإسلام بعد أن كل غريبا والليل ~~إشارة إلى أنه سيعود غريبا ، ويحتمل والضحى كمال العقل ، والليل حال الموت ~~، ويحتمل أقسم بعلانيتك التي لا يرى عليها الخلق عيبا ، وبسرك الذي لا يعلم ~~عليه عالم الغيب عيبا . # ! 7 < { ما ودعك ربك وما قلى } . > 7 ! # < < # | الضحى : ( 3 ) ما ودعك ربك . . . . . # > > فيه ms9675 مسائل : # المسألة الأولى : قال أبو عبيدة والمبرد : ودعك من التوديع كما يودع ~~المفارق ، وقرىء بالتخفيف أي ما تركك ، والتوديع مبالغة في الوداع ، لأن من ~~ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك والقلى البغض . يقال : قلاة يقليه قلى ومقلية ~~إذا أبغضه ، قال الفراء : يريد وما قلاك ، وفي حذف الكاف وجوه أحدها : حذفت ~~الكاف اكتفاء بالكاف الأولى في ودعك ، ولأن رؤس الآيات بالياء ، فأوجب ~~اتفاق الفواصل حذف الكاف وثانيها : فائدة الإطلاق أنه ما قلاك ولا ( فلا ) ~~أحد من أصحابك . ولا أحدا ممن أحبك إلى قيام القيامة ، تقريرا لقوله : ( ~~المرء مع من أحب ) . # المسألة الثانية : قال المفسرون : أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم . فقال المشركون : قد قلاه الله وودعه ، فأنزل الله تعالى عليه هذه ~~الآية ، وقال السدي : أبطأ عليه أربعين ليلة فشكا ذلك إلى خديجة ، فقالت : ~~لعل رنك نسيك أو قلاك ، وقيل : إن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له : يا محمد ~~ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، وروي عن الحسن أنه قال : أبطأ على الرسول صلى ~~الله عليه وسلم الوحي ، فقال لخديجة : ( إن ربي ودعني وقلاني ، يشكو إليها ~~، فقالت : كلا والذي بعثك بالحق ما ابتدأك الله بهذه الكرامة إلا وهو يريد ~~أن يتمها لك ) فنزل : { ما ودعك ربك وما قلى } وطعن الأصوليون في هذه ~~الرواية ، وقالوا : إنه لا يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يظن أن الله ~~تعالى ودعه وقلاه ، بل يعلم أن عزل النبي عن النبوة غير جائز في حكمة الله ~~تعالى ، ويعلم أن نزول الوحي يكون بحسب المصلحة ، وربما كان الصلاح تأخيره ~~، وربما كان خلاف ذلك ، فثبت أن هذا / الكلام غير لائق بالرسول عليه الصلاة ~~والسلام ، ثم إن صح ذلك يحمل على أنه كان مقصوده عليه الصلاة والسلام أن ~~يجربها ليعرف قدر علمها ، أو ليعرف الناس قدر علمها ، واختلفوا في قدر مدة ~~انقطاع الوحي ، فقال ابن جريج : اثنا عشر يوما ، وقال الكلبي : خمسة عشر ~~يوما ، وقال ابن عباس : خمسة وعشرون يوما ، وقال السدي ومقاتل : أربعون ~~يوما ، PageV31P190 واختلفوا في ms9676 سبب احتباس جبريل عليه السلام ، فذكر أكثر ~~المفسرين أن اليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح وذي ~~القرنين وأصحاب الكهف ، فقال : ( سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله ) فاحتبس ~~عنه الوحي ، وقال ابن زيد : السبب فيه كون جرو في بيته للحسن والحسين ، ~~فلما نزل جبريل عليه السلام ، عاتبه رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فقال ~~: ( أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة ) وقال جندب بن سفيان : ~~رمى النبي عليه الصلاة بحجر في إصبعه ، فقال : # % هل أنت إلا أصبع دميت % % وفي سبيل الله ما لقيت % # فأبطأ عنه الوحي ، وروي أنه كان فيهم من لا يقلم الأظفار وههنا سؤالان . # السؤال الأول : الروايات التي ذكرتم تدل على أن احتباس الوحي كان عن قلى ~~: { قلنا } أقصى ما في الباب أن ذلك كان تركا للأفضل والأولى ، وصاحبه لا ~~يكون ممقوتا ولا مبغضا ، وروى أنه عليه الصلاة والسلام قال لجبريل : ( ما ~~جثتني حتى اشتقت إليك ، فقال جبريل : كنت إليك أشوق ولكني عبدا مأمورا ) ~~وتلا : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } ( مريم : 64 ) . # السؤال الثاني : كيف يحسن من السلطان أن يقول لأعظم الخلق قربة عنده : ~~إني لا أبغضك تشريفا له ؟ الجواب : أن ذلك لا يحسن ابتداء ، لكن الأعداء ~~إذا ألقوا في الألسنة أن السلطان يبغضه ، ثم تأسف ذلك المقرب فلا لفظ أقرب ~~إلى تشريفه من أن يقول له : إني لا أبغضك ولا أدعك ، وسوف ترى منزلتك عندي ~~. # المسألة الثالثة : هذه الواقعة تدل على أن القرآن من عند الله ، إذ لو ~~كان من عنده لما امتنع . # ! 7 < { وللا خرة خير لك من الا ولى } . > 7 ! # < < # | الضحى : ( 4 ) وللآخرة خير لك . . . . . # > > واعلم أن في اتصاله بما تقدم وجوها أحدها : أن يكون المعنى أن انقطاع ~~الوحي لا يجوز أن يكون لأنه عزل عن النبوة ، بل أقصى ما في الباب ، أن يكون ~~ذلك لأنه حصل الاستغناء عن الرسالة ، وذلك أمارة الموت فكأنه يقال : انقطاع ~~الوحي متى حصل دل على الموت ، لكن الموت خير لك . فإن مالك عند ms9677 الله في ~~الآخرة خير وأفضل مما لك في الدنيا وثانيها : لما نزل : { ما ودعك ربك } ( ~~الضحى : 3 ) حصل له بهذا تشريف عظيم ، فكأنه استعظم هذا التشريف فقيل له : ~~{ وللاخرة خير لك من الاولى } أي هذا التشريف وإن كان عظيما إلا أن مالك ~~عند الله في الآخرة خير وأعظم وثالثها : ما يخطر / ببالي ، وهو أن يكون ~~المعنى وللأحوال الآتية خير لك من الماضية كأنه تعالى وعده بأنه سيزيده كل ~~يوم عزا إلى عز ، ومنصبا إلى منصب ، فيقول : لا تظن أني قليتك بل تكون كل ~~يوم يأتي فإني أزيدك منصبا وجلالا ، وههنا سؤالان : # السؤال الأول : بأي طريق يعرف أن الآخرة كانت له خيرا من الأولى ؟ الجواب ~~: لوجوه أحدها : كأنه تعالى يقول له إنك في الدنيا على خير لأنك تفعل فيها ~~ما تريد ، ولكن الآخرة خير لك لأنا نفعل فيها ما نريد وثانيها : الآخرة خير ~~لك يجتمع عندك أمتك إذ الأمة له كالأولاد قال تعالى : { وأزواجه أمهاتهم } ~~PageV31P191 ( الأحزاب : 6 ) وهو أب لهم ، وأمته في الجنة فيكون كأن أولاده ~~في الجنة ، ثم سمى الولد قرة أعين ، حيث حكى عنهم : { هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين } ( الفرقان : 74 ) وثالثها : الآخرة خير لك لأنك ~~اشتريتها ، أما هذه ليست لك ، فعلى تقدير أن لو كانت الآخرة أقل من الدنيا ~~لكانت الآخرة خيرا لك ، لأن مملوكك خير لك مما لا يكون مملوكا لك ، فكيف ~~ولا نسبة للآخرة إلى الدنيا في الفضل ورابعها : الآخرة خير لك من الأولى ~~لأن في الدنيا الكفار يطعنون فيك أما في الآخرة فأجعل أمتك شهداء على الأمم ~~، وأجعلك شهيدا على الأنبياء ، ثم أجعل ذاتي شهيدا لك كما قال : { وكفى ~~بالله شهيدا * محمد رسول الله } ( الفتح : 29 , 28 ) وخامسها : أن خيرات ~~الدنيا قليلة مشوبة منقطعة ، ولذات الآخرة كثيرة خالصة دائمة . # السؤال الثاني : لم قال : { وللاخرة خير لك } ولم يقل خير لكم ؟ الجواب : ~~لأنه كان في جماعته من كانت الآخرة شرا له ، فلو أنه سبحانه عمم لكان كذبا ~~، ولو خصص المطيعين بالذكر لافتضح المذنبون والمنافقون ms9678 . ولهذا السبب قال ~~موسى عليه السلام : { كلا إن معى ربى سيهدين } ( الشعراء : 62 ) وأما محمد ~~صلى الله عليه وسلم قالذي كان معه لما كان من أهل السعادة قطعا ، لا جرم ~~قال : { إن الله معنا } ( التوبة : 40 ) إذ لم يكن ثم إلا نبي وصديق ، وروي ~~أن موسى عليه السلام خرج للاستسقاء ، ومعه الألوف ثلاثة أيام فلم يجدوا ~~الإجابة ، فسأل موسى عليه السلام عن السبب الموجب لعدم الإجابة . فقال : لا ~~أجيبكم ما دام معكم ساع بالنميمة ، فسأل موسى من هو ؟ فقال : ( إني ) أبغضه ~~فكيف أعمل عمله ، فما مضت مدة قليلة حتى نزل الوحي بأن ذلك النمام قد مات ، ~~وهذه جنازته في مصلى ، كذا فذهب موسى عليه السلام إلى تلك المصلى ، فإذا ~~فيها سبعون من الجنائز ، فهذا ستره على أعدائه فكيف على أوليائه . ثم تأمل ~~فإن فيه دقيقة لطيفة ، وهي أنه عليه السلام قال : ( لولا شيوخ ركع ) وفيه ~~إشارة إلى زيادة فضيلة هذه الأمة ، فإنه تعالى كان يرد الألوف لمذنب واحد ، ~~وههنا يرحم المذنبين لمطيع واحد . # ! 7 < { ولسوف يعطيك ربك فترضى } . > 7 ! # < < # | الضحى : ( 5 ) ولسوف يعطيك ربك . . . . . # > > واعلم اتصاله بما تقدم من وجهين الأول : هو أنه تعالى لما بين أن ~~الآخرة : خير له من الأولى ولكنه لم يبين أن ذلك التفاوت إلى أي حد / يكون ~~. فبين بهذه الآية مقدار ذلك التفاوت ، وهو أنه ينتهي إلى غاية ما يتمناه ~~الرسول ويرتضيه الوجه الثاني : كأنه تعالى لما قال : { وللاخرة خير لك من ~~الاولى } ( الضحى : 4 ) فقيل ولم قلت إن الأمر كذلك ، فقال : لأنه يعطيه كل ~~ما يريده وذلك مما لا تتسع الدنيا له ، فثبت أن الآخرة خير له من الأولى ، ~~واعلم أنه إن حملنا هذا الوعد على الآخرة فقد يمكن حمله على المنافع ، وقد ~~يمكن حمله على التعظيم ، أما المنافع ، فقال ابن عباس : ألف قصر في الجنة ~~من لؤلؤ أبيض ترابه المسك وفيها ما يليق بها ، وأما التعظيم فالمروى عن علي ~~بن أبي طالب عليه السلام وابن عباس ، أن هذا هو الشفاعة في الأمة ، يروى ms9679 ~~أنه عليه السلام لما نزلت هذه الآية قال : إذا لا أرضى وواحد من أمتي في ~~النار ، واعلم أن الحمل على الشفاعة متعين ، ويدل عليه وجوه أحدها : أنه ~~تعالى أمره في الدنيا بالاستغفار فقال : { أستغفر * لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات } ( محمد : 19 ) فأمره بالاستغفار والاستغفار عبارة عن طلب ~~المغفرة ، ومن طلب شيئا فلا شك أنه لا يريد الرد ولا يرضى به وإنما ~~PageV31P192 يرضى بالإجابة ، وإذا ثبت أن الذي يرضاه الرسول صلى الله عليه ~~وسلم هو الإجابة لا الرد ، ودلت هذه الآية على أنه تعالى يعطيه كل ما ~~يرتضيه . علمنا أن هذه الآية دالة على الشفاعة في حق المذنبين والثاني : ~~وهو أن مقدمة الآية مناسبة لذلك كأنه تعالى يقول لا أودعك ولا أبغضك بل لا ~~أغضب على أحد من أصحابك وأتباعك وأشياعك طلبا لمرضاتك وتطييبا لقلبك ، فهذا ~~التفسير أوفق لمقدمة الآية والثالث : الأحاديث الكثيرة الواردة في الشفاعة ~~دالة على أن رضا الرسول عليه الصلاة والسلام في العفو عن المذنبين ، وهذه ~~الآية دلت على أنه تعالى يفعل كل ما يرضاه الرسول فتحصل من مجموع الآية ~~والخبر حصول الشفاعة ، وعن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : رضاء جدي أن ~~لا يدخل النار موحد ، وعن الباقر ، أهل القرآن يقولون : أرجى آية قوله : { ~~قل ياعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم } ( الزمر : 53 ) وإنا أهل البيت نقول ~~: أرجى آية قوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } والله إنها الشفاعة ليعطاها ~~في أهل لا إله إلا الله حتى يقول رضيت ، هذا كله إذا حملنا الآية على أحوال ~~الآخرة ، أما لو حملنا هذا الوعد على أحوال الدنيا فهو إشارة إلى ما أعطاه ~~الله تعالى من الظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة ودخول الناس في الدين ~~أفواجا ، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم وبث عساكره وسراياه في بلاد ~~العرب ، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن ، و ( ما ) ~~هدم بأيديهم من ممالك الجبابرة ، وأنهبهم من كنوز الأكاسرة ، وما قذف في ~~أهل الشرق والغرب من الرعب وتهييب الإسلام وفشو الدعوة ، واعلم أن الأولى ms9680 ~~حمل الآية على خيرات الدنيا والآخرة ، وههنا سؤالات . # السؤال الأول : لم لم يقل : يعطيكم مع أن هذه السعادات حصلت للمؤمنين ~~أيضا ؟ الجواب : لوجوه : أحدها : أنه المقصود وهم أتباع وثانيها : أني إذا ~~أكرمت أصحابك فذاك في الحقيقة إكرام لك ، لأني أعلم أنك بلغت في الشفقة ~~عليهم إلى حيث تفرح بإكرامهم فوق / ما تفرح بإكرام نفسك ، ومن ذلك حيث تقول ~~الأنبياء : نفسي نفسي ، أي أبدأ بجزائي وثوابي قبل أمتي ، لأن طاعتي كانت ~~قبل طاعة أمتي ، وأنت تقول : أمتي أمتي ، أي أبدأ بهم ، فإن سروري أن أراهم ~~فائزين بثوابهم وثالثها : أنك عاملتني معاملة حسنة ، فإنهم حين شجوا وجهك ، ~~قلت : ( اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) وحين شغلوك يوم الخندق عن الصلاة ~~، قلت : ( اللهم املأ بطونهم نارا ) فتحملت الشجة الحاصلة في وجه جسدك ، ~~وما تحملت الشجة الحاصلة في وجه دينك ، فإن وجه الدين هو الصلاة ، فرجحت ~~حقي على حقك ، لا جرم فضلتك ، فقلت من ترك الصلاة سنين ، أو حبس غيره عن ~~الصلاة سنين لا أكفره ، ومن آذى شعرة من شعراتك ، أو جزء من نعلك أكفره . # السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله : { ولسوف } ولم لم يقل : وسيعطيك ~~ربك ؟ الجواب : فيه فوائد إحداها : أنه يدل على أنه ما قرب أجله ، بل يعيش ~~بعد ذلك زمانا وثانيها : أن المشركين لما قالوا : ودعه ربه وقلاه فالله ~~تعالى رد عليهم بعين تلك اللفظة ، فقال : { ما ودعك ربك وما قلى } ( الضحى ~~: 3 ) ثم قال المشركون : سوف يموت محمد ، فرد الله عليهم ذلك بهذه اللفظة ~~فقال : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } . # السؤال الثالث : كيف يقول الله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ؟ الجواب : ~~هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام جبريل عليه السلام معه ، لأنه كان شديد ~~الاشتياق إليه وإلى كلامه كما ذكرنا ، فأراد الله تعالى أن يكون هو المخاطب ~~له بهذه البشارات . PageV31P193 # السؤال الرابع : ما هذه اللام الداخلة على سوف ؟ الجواب : قال صاحب ( ~~الكشاف ) : هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة ، والمبتدأ محذوف تقديره ~~: ولأنت سوف يعطيك ربك والدليل على ما قلنا أنها إما ms9681 أن تكون لام القسم ، ~~أو لام الابتداء ، ولام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد ، ~~فبقي أن تكون لام ابتداء ، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من ~~المبتدأ والخبر ، فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر ، وأن يكون أصله : ولأنت سوف ~~يعطيك ، فإن قيل ما معنى الجمع بين حرفي التوكيد والتأخير ؟ قلنا معناه : ~~أن العطاء كائن لا محالة ، وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة . # ! 7 < { ألم يجدك يتيما فآوى } . > 7 ! # < < # | الضحى : ( 6 ) ألم يجدك يتيما . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : أن اتصاله بما تقدم هو أنه تعالى يقول : { ألم يجدك ~~يتيما } فقال الرسول : بلى يا رب ، فيقول : انظر ( أ ) كانت طاعاتك في ذلك ~~الوقت أكرم أم الساعة ؟ فلا بد من أن يقال : بل الساعة فيقول الله : حين ~~كنت صبيا ضعيفا ما تركناك بل ربيناك ورقيناك إلى حيث صرت مشرفا على / شرفات ~~العرش وقلنا لك : لولاك ما خلقنا الأفلاك ، أتظن أنا بعد هذه الحالة نهجرك ~~ونتركك . # المسألة الثانية : { ألم يجدك } من الوجود الذي بمعنى العلم ، والمنصوبان ~~مفعولا وجد والوجود من الله ، والمعنى ألم يعلمك الله يتيما فآوى ، وذكروا ~~في تفسير اليتيم أمرين الأول : أن عبد الله بن عبد المطلب فيما ذكره أهل ~~الأخبار توفي وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به ، ثم ولد رسول الله ~~فكان مع جده عبد المطلب ومع أمه آمنة ، فهلكت أمه آمنة وهو ابن ست سنين ~~فكان مع جده ، ثم هلك جده بعد أمه بسنتين ورسول الله ابن ثمان سنين . وكان ~~عبد المطلب يوصي أبا طالب به لأن عبد الله وأبا طالب كانا من أم واحدة ، ~~فكان أبو طالب هو الذي يكفل رسول الله بعد جده إلى أن بعثه الله للنبوة ، ~~فقام بنصرته مدة مديدة ، ثم توفي أبو طالب بعد ذلك فلم يظهر على رسول الله ~~يتم البتة فأذكره الله تعالى هذه النعمة ، روى أنه قال أبو طالب يوما لأخيه ~~العباس : ألا أخبرك عن محمد بما رأيت منه ؟ فقال : بلى فقال : إني ضممته ms9682 ~~إلي فكيف لا أفارقه ساعة من ليل ولا نهار ؛ ولا أأتمن عليه أحدا حتى أني ~~كنت أنومه في فراشي ، فأمرته ليلة أن يخلع ثيابه وينام معي ، فرأيت الكراهة ~~في وجهه لكنه كره أن يخالفني ، وقال : يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ~~ثيابي إذ لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي ، فتعجبت من قوله وصرفت بصري حتى ~~دخل الفراش فلما دخلت معه الفراش إذا بيني وبينه ثوب والله ما أدخلته فراشي ~~فإذا هو في غاية اللين وطيب الرائحة كأنه غمس في المسك ، فجهدت لأنظر إلى ~~جسده فما كنت أرى شيئا وكثيرا ما كنت أفتقده من فراشي فإذا قمت لأطلبه ~~ناداني ها أنا يا عم فارجع ، ولقد كنت كثيرا ما أسمع منه كلاما يعجبني وذلك ~~عند مضي الليل وكنا لا نسمي على الطعام والشراب ولا نحمده بعده ، وكان يقول ~~في أول الطعام : بسم الله الأحد . فإذا فرغ من طعامه قال : الحمدلله ، ~~فتعجبت منه ، ثم لم أر منه كذبة ولا ضحكا ولا جاهلية ولا وقف مع صبيان ~~يلعبون . # واعلم أن العجائب المروية في حقه من حديث بحيرى الراهب وغيره مشهورة . # التفسير الثاني لليتيم : أنه من قولهم درة يتيمة ، والمعنى ألم يجدك ~~واحدا في قريش عديم النظير PageV31P194 فآواك ؟ أي جعل لك من تأوي إليه وهو ~~أبو طالب ، وقرىء فأوى وهو على معنيين : إما من أواه بمعنى آواه ، وإما من ~~أوى له إذا رحمه ، وههنا سؤالان : # السؤال الأول : كيف يحسن من الجود أن يمن بنعمة ، فيقول : { ألم يجدك ~~يتيما فاوى } ؟ والذي يؤكد هذا السؤال أن الله تعالى حكى عن فرعون أنه قال ~~: { ألم نربك فينا وليدا } ( الشعراء : 18 ) في معرض الذم لفرعون ، فما كان ~~مذموما من فرعون كيف يحسن من الله ؟ الجواب : أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك أن ~~يقوي قلبه ويعده بدوام النعمة ، وبهذا يظهر الفرق بين هذا الامتنان وبين ~~امتنان فرعون ، لأن امتنان فرعون محبط ، لأن الغرض فما بالك لا تخدمني ، ~~وامتنان الله بزيادة نعمه ، كأنه يقول : مالك تقطع عني رجاءك ألست ms9683 شرعت في ~~تربيتك ، أتظنني تاركا لما صنعت ، بل لا بد / وأن أتمم عليك وعلى أمتك ~~النعمة ، كما قال : { ولاتم نعمتى عليكم } ( البقرة : 150 ) أما علمت أن ~~الحامل التي تسقط الولد قبل التمام معيبة ترد ، ولو أسقطت أو الرجل أسقط ~~عنها بعلاج تجب الغرة وتستحق الذم ، فكيف يحسن ذلك من الحي القيوم ، فما ~~أعظم الفرق بين مان هو الله ، وبين مان هو فرعون ، ونظيره ما قاله بعضهم : ~~{ ثلاثة رابعهم كلبهم } ( الكهف : 22 ) في تلك الأمة ، وفي أمة محمد : { ما ~~يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ( المجادلة : 7 ) فشتان بين أمة رابعهم ~~كلبهم ، وبين أمة رابعهم ربهم . # السؤال الثاني : أنه تعالى من عليه بثلاثة أشياء ، ثم أمره بأن يذكر نعمة ~~ربه ، فما وجه المناسبة بين هذه الأشياء ؟ الجواب : وجه المناسبة أن نقول : ~~قضاء الدين واجب ، ثم الدين نوعان مالي وإنعامي والثاني : أقوى وجوبا ، لأن ~~المالي قد يسقط بالإبراء والثاني : يتأكد بالإبراء ، والمالي يقضي مرة ~~فينجو الإنسان منه والثاني : يجب عليك قضاؤه طول عمرك ، ثم إذا تعذر قضاء ~~النعمة القليلة من منعم هو مملوك ، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم ~~العظيم ، فكأن العبد يقول : إلهي أخرجتني من العدم إلى الوجود بشرا سويا ، ~~طاهر الظاهر نجس الباطن ، بشارة منك أن تستر على ذنوبي بستر عفوك ، كما ~~سترت نجاستي بالجلد الظاهر ، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حد لها ولا ~~حصر ؟ فيقول تعالى الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق عبيدي ما فعلته في حقك ، ~~كنت يتيما فآويتك فافعل في حق الأيتام ذلك ، وكنت ضالا فهديتك فافعل في حق ~~عبيدي ذلك ، وكنت عائلا فأغنيتك فافعل في حق عبيدي ذلك ثم إن فعلت كل ذلك ~~فاعلم أنك إنما فعلتها بتوفيقي لك ولطفي وإر ، فكن أبدا ذاكرا لهذه النعم ~~والألطاف . # ! 7 < { ووجدك ضآلا فهدى } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { ووجدك ضالا فهدى } < < # | الضحى : ( 7 ) ووجدك ضالا فهدى # > > فاعلم أن بعض الناس ذهب إلى أنه كان كافرا في أول الأمر ، ثم هداه ~~الله وجعله نبيا ، قال الكلبي : { ووجدك ms9684 ضالا } يعني كافرا في قوم ضلال ~~فهداك للتوحيد ، وقال السدي : كان على دين قومه أربعين سنة ، وقال مجاهد : ~~{ ووجدك ضالا } عن الهدى لدينه واحتجوا على ذلك بآيات أخر منها قوله : { ما ~~كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : 52 ) وقوله : { وإن كنت من ~~قبله لمن الغافلين } ( يوسف : 3 ) وقوله : { لئن أشركت ليحبطن عملك } ( ~~الزمر : 65 ) فهذا يقتضي صحة ذلك منه ، وإذا دلت هذه الآية على الصحة وجب ~~حمل قوله : { ووجدك ضالا } عليه ، وأما الجمهور من العلماء PageV31P195 فقد ~~اتفقوا على أنه عليه السلام ما كفر بالله لحظة واحدة ، ثم قالت المعتزلة : ~~هذا غير جائز عقلا لما فيه من التنفير ، وعند أصحابنا هذا غير ممتنع عقلا ~~لأنه جائز في العقول أن يكون الشخص كافرا فيرزقه الله الإيمان ويكرمه ~~بالنبوة ، إلا أن الدليل السمعي قام على أن هذا الجائز لم يقع وهو قوله ~~تعالى : { ما ضل صاحبكم وما غوى } ( النجم : 2 ) ثم ذكروا في تفسير هذه ~~الآية وجوها كثيرة أحدها : ما روي عن ابن عباس والحسن والضحاك وشهر بن حوشب ~~: { ووجدك ضالا } عن معالم النعمة / وأحكام الشريعة غافلا عنها فهداك إليها ~~، وهو المراد من قوله : { ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان } ( الشورى : ~~52 ) وقوله : { وإن كنت من قبله لمن الغافلين } ( يوسف : 3 ) وثانيها : ضل ~~عن مرضعته حليمة حين أرادت أن ترده إلى جده حتى دخلت إلى هبل وشكت ذلك إليه ~~فتساقطت الأصنام ، وسمعت صوتا يقول : إنما هلاكنا بيد هذا الصبي ، وفيه ~~حكاية طويلة وثالثها : ما روي مرفوعا أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ضللت ~~عن جدي عبد المطلب وأنا صبي ضائع ، كاد الجوع يقتلني ، فهداني الله ) ذكره ~~الضحاك ، وذكر تعلقه بأستار الكعبة ، وقوله : # % يا رب رد ولدي محمدا % % اردده ربي واصطنع عندي يدا % # فما زال يردد هذا عند البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة وبين يديه محمد ~~وهو يقول : لا ندري ماذا نرى من ابنك ، فقال عبد المطلب ولم ؟ قال : إني ~~أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم ، فلما أركبته ms9685 أمامي قامت ~~الناقة ، كأن الناقة تقول : يا أحمق هو الإمام فكيف يقوم خلف المقتدى وقال ~~ابن عباس : رده الله إلى جده بيد عدوه كما فعل بموسى حين حفظه على يد عدوه ~~ورابعها : أنه عليه السلام لما خرج مع غلام خديجة ميسرة أخذ كافر بزمام ~~بعيره حتى ضل ، فأنزل الله تعالى جبريل عليه السلام في صورة آدمي ، فهداه ~~إلى القافلة ، وقيل : إن أبا طالب خرج به إلى الشأم فضل عن الطريق فهداه ~~الله تعالى وخامسها : يقال : ضل الماء في اللبل إذا صار مغمورا ، فمعنى ~~الآية كنت مغمورا بين الكفار بمكة فقواك الله تعالى حتى أظهرت دينه وسادسها ~~: العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة ، كأنه تعالى يقول : كانت تلك ~~البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله ومعرفته إلا أنت ، ~~فأنت ، شجرة فريدة في مفازة الجهل فوجدتك ضالا فهديت بك الخلق ، ونظيره ~~قوله عليه السلام : ( الحكمة ضالة المؤمن ) وسابعها : ووجدك ضالا عن معرفة ~~الله تعالى حين كنت طفلا صبيا ، كما قال : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم ~~لا تعلمون شيئا } ( النحل : 78 ) فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة / ~~والمراد من الضال الخالي عن العلم لا الموصوف بالاعتقاد الخطأ وثامنها : ~~كنت ضالا عن النبوة ما كنت تطمع في ذلك ولا خطر شيء من ذلك في قلبك ، فإن ~~اليهود والنصارى كانوا يزعمون أن النبوة في بني إسرائيل فهديتك إلى النبوة ~~التي ما كنت تطمع فيها ألبتة وتاسعها : أنه قد يخاطب السيد ، ويكون المراد ~~قومه فقوله : { ووجدك ضالا } أي وجد قومك ضلالا ، فهداهم بك وبشرعك وعاشرها ~~: وجدك ضالا عن الضالين منفردا عنهم مجانبا لدينهم ، فكلما كان بعدك عنهم ~~أشد كان ضلالهم أشد ، فهداك إلى أن اختلطت بهم ودعوتهم إلى الدين المبين ~~الحادي عشر : وجدك ضالا عن الهجرة ، متحيرا في يد قريش متمنيا فراقهم وكان ~~لا يمكنك الخروج بدون إذنه تعالى ، فلما أذن له ووافقه الصديق عليه وهداه ~~إلى خيمة أم معبد ، وكان ما كان من حديث سراقه ، وظهور القوة في الدين كان ~~ذلك المراد بقوله ms9686 : { فهدى } ، الثاني عشر : ضالا عن القبلة ، فإنه كان ~~يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له / وما كان يعرف أن ذلك هل يحصل له أم لا ، ~~فهداه الله بقوله : { فلنولينك قبلة ترضاها } ( البقرة : 144 ) فكأنه سمي ~~ذلك التحير بالضلال الثالث عشر : أنه حين ظهرها له جبريل عليه السلام في ~~أول أمره ما كان يعرف PageV31P196 أهو جبريل أم لا ، وكان يخافه خوفا شديدا ~~، وربما أراد أن يلقي نفسه من الجبل فهداه الله حتى عرف أنه جبريل عليه ~~السلام الرابع عشر : الضلال بمعنى المحبة كما في قوله : { إنك لفى ضلالك ~~القديم } ( يوسف : 95 ) أي محبتك ، ومعناه أنك محب فهديتك إلى الشرائع التي ~~بها تتقرب إلى خدمة محبوبك الخامس عشر : ضالا عن أمور الدنيا لا تعرف ~~التجارة ونحوها ، ثم هديتك حتى ربحت تجارتك ، وعظم ربحت حتى رغبت خديجة فيك ~~، والمعنى أنه ما كان لك وقوف على الدنيا ، وما كنت تعرف سوى الدين ، ~~فهديتك إلى مصالح الدنيا بعد ذلك السادس عشر : { ووجدك ضالا } أي ضائعا في ~~قومك ؛ كانوا يؤذونك ، ولا يرضون بك رعية ، فقوي أمرك وهداك إلى أن صرت ~~آمرا واليا عليهم السابع عشر : كنت ضالا ما كنت تهتدي على طريق السموات ~~فهديتك إذ عرجت بك إلى السموات ليلة المعراج الثامن عشر : ووجدك ضالا أي ~~ناسيا لقوله تعالى : { أن تضل إحداهما } ( البقرة : 282 ) فهديتك أي ذكرتك ~~، وذلك أنه ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال بسبب الهيبة ، فهداه الله ~~تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال : ( لا أحصي ثناء عليك ) التاسع عشر : أنه ~~وإن كان عارفا بالله بقلبه إلا أنه كان في الظاهر لا يظهر لهم خلافا ، فعبر ~~عن ذلك بالضلال العشرون : روى علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : ( ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين ، كل ~~ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك ، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى ~~أكرمني الله برسالته ، فإني قلت ليلة لغلام من قريش ، كان يرعى معي بأعلى ~~مكة ، لو حفظت ms9687 لي غنمي حتى أدخل مكة ، فأسمر بها كما يسمر الشبان ، فخرجت ~~أريد ذلك حتى أتيت أول دار من دور مكة ، فسمعت عزفا بالدفوف والمزامير ، ~~فقالوا فلان ابن فلان يزوج بفلانة ، فجلست أنظر إليهم وضرب الله على أذني ~~فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس ، قال فجئت صاحبي ، فقال ما فعلت ؟ فقلت ما ~~صنعت شيئا ، ثم أخبرته الخبر ، قال : ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ، فضرب ~~الله على أذني فما أيقظني إلا مس الشمس ، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى ~~أكرمني الله تعالى برسالته ) . # ! 7 < { ووجدك عآئلا فأغنى } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { ووجدك عائلا فأغنى } < < # | الضحى : ( 8 ) ووجدك عائلا فأغنى # > > ففيه مسائل : # المسألة الأولى : العائل هو ذو العيلة ، وذكرنا ذلك عند قوله : { أن لا * ~~تعولوا } ( النساء : 3 ) ويدل عليه قوله تعالى : { وإن خفتم عيلة } ( ~~التوبة : 28 ) ثم أطلق العائل على الفقير ، وإن لم يكن له عيال ، وههنا في ~~تفسير العائل قولان : # الأول : وهو المشهور أن المراد هو الفقير ، ويدل عليه ما روى أنه في مصحف ~~عبد الله : / ( ووجدك عديما ) وقرىء عيلا كما قرىء سيحات ، ثم في كيفية ~~الإغناء وجوه الأول : أن الله تعالى أغناه بتربية أبي طالب ، ولما اختلت ~~أحوال أبي طالب أغناه ( الله ) بمال خديجة ، ولما اختل ذلك أغناه ( الله ) ~~بمال أبي بكر ، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار ، ثم ~~أمره بالجهاد ، وأغناه بالغنائم ، وإن كان إنما حصل PageV31P197 بعد نزول ~~هذه السورة ، لكن لما كان ذلك معلوم الوقوع كان كالواقع ، روي أنه عليه ~~السلام : ( دخل على خديجة وهو مغموم ، فقالت له مالك ، فقال : الزمان زمان ~~قحط فإن أنا بذلت المال ينفذ مالك فأستحي منك ، وإن لم أبذل أخاف الله ، ~~فدعت قريشا وفيهم الصديق ، قال الصديق : فأخرجت دنانير وصبتها حتى بلغت ~~مبلغا لم يقع بصري على من كان جالسا قدامي لكثرة المال ، ثم قالت : اشهدوا ~~أن هذا المال ماله إن شاء فرقه ، وإن شاء أمسكه ) الثاني : أغناه بأصحابه ~~كانوا يعبدون الله سرا حتى قال عمر حين أسلم : أبرز أتعبد ms9688 اللات جهرا ونعبد ~~الله سرا ! فقال عليه السلام : حتى تكثر الأصحاب ، فقال حسبك الله وأنا ~~فقال تعالى : { حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } ( الأنفال : 64 ) فأغناه ~~الله بمال أبي بكر ، وبهيبة عمر ) الثالث : أغناك بالقناعة فصرت بحال يستوي ~~عندك الحجر والذهب ، لا تجد في قلبك سوى ربك ، فربك غني عن الأشياء لا بها ~~، وأنت بقناعتك استغنيت عن الأشياء ، وإن الغنى الأعلى الغنى عن الشيء لا ~~به ، ومن ذلك أنه عليه السلام خير بين الغنى والفقر ، فاختار الفقر الرابع ~~: كنت عائلا عن البراهين والحجج ، فأنزل الله عليك القرآن ، وعلمك مالم تكن ~~تعلم فأغناك . # القول الثاني في تفسير العائل : أنت كنت كثير العيال وهم الأمة ، فكفاك . ~~وقيل فأغناهم بك لأنهم فقراء بسبب جهلهم ، وأنت صاحب العلم ، فهداهم على ~~يدك ، وههنا سؤالات . # السؤال الأول : ما الحكمة في أنه تعالى اختار له اليتم ؟ قلنا فيه وجوه ~~أحدها : أن يعرف قدر اليتامى فيقوم بحقهم وصلاح أمرهم ، ومن ذلك كان يوسف ~~عليه السلام لا يشبع . فقيل له في ذلك : فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجياع ~~وثانيها : ليكون اليتيم مشاركا له في الاسم فيكرم لأجل ذلك ، ومن ذلك قال ~~عليه السلام : ( إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه ، ووسعوا له في المجلس ) ~~وثالثها : أن من كان له أب أو أم كان اعتماده عليهما ، فسلب عنه الولدان ~~حتى لا يعتمد من أول صباه إلى آخر عمره على أحد سوى الله ، فيصير في ~~طفوليته متشبها بإبراهيم عليه السلام في قوله : حسبي من سؤالي ، علمه بحالي ~~، وكجواب مريم : { أنى لك هاذا قالت هو من عند الله } ( آل عمران : 37 ) . ~~ورابعها : أن العادة جارية بأن اليتيم لا تخفى عيوبه بل تظهر ، وربما زادوا ~~على الموجود فاختار تعالى له اليتيم ، ليتأمل كل أحد في أحواله ، ثم لا ~~يجدوا عليه عيبا فيتفقون على نزاهته ، فإذا اختاره الله للرسالة لم يجدوا ~~عليه مطعنا وخامسها : جعله يتيما ليعلم كل أحد أن فضيلته من الله ابتداء ~~لأن الذي له أب ، فإن أباه يسعى في تعليمه وتأديبه وسادسها : أن ms9689 اليتم ~~والفقر نقص في حق / الخلق ، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام / مع هذين ~~الوصفين أكرم الخلق ، كان ذلك قلبا للعادة ، فكان من جنس المعجزات . # السؤال الثاني : ما الحكمة في أن الله ذكر هذه الأشياء ؟ الجواب : الحكمة ~~أن لا ينسى نفسه فيقع في العجب . # السؤال الثالث : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سألت ~~ربي مسألة وددت أني لم أسألها ، قلت : اتخذت إبراهيم خليلا ، وكلمت موسى ~~تكليما ، وسخرت مع داود الجبال ، وأعطيت سليمان كذا وكذا ، وأعطيت فلانا ~~كذا وكذا ، فقال : ألم أجدك يتيما فآويتك ؟ ألم أجدك ضالا فهديتك ؟ ألم ~~أجدك عائلا فأغنيتك ؟ قلت : بلى . فقال : ألم أشرح لك صدرك ؟ قلت : بلى ، ~~قال : ألم أرفع لك ذكرك ؟ قلت : بلى قال : PageV31P198 ألم أصرف عنك وزرك ؟ ~~قلت : بلى ، ألم أوتك مالم أوت نبيا قبلك وهي خواتيم سورة البقرة ؟ أم ~~أتخذك خليلا كما اتخذت إبراهيم خليلا ؟ ) فهل يصح هذا الحديث قلنا : طعن ~~القاضي في هذا الخبر فقال : إن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون مثل ذلك ~~إلا عن إذن ، فكيف يصح أن يقع من الرسول مثل هذا السؤال . ويكون منه تعالى ~~ما يجري مجرى المعاتبة . # ! 7 < { فأما اليتيم فلا تقهر } . > 7 ! # < < # | الضحى : ( 9 ) فأما اليتيم فلا . . . . . # > > وقرىء فلا تكهر ، أي لا تعبس وجهك إليه ، والمعنى عامله بمثل ما ~~عاملتك به ، ونظيره من وجه : { وأحسن كما أحسن الله إليك } ( القصص : 77 ) ~~ومنه قوله عليه السلام : ( الله الله فيمن ليس له إلا الله ) وروي : أنها ~~نزلت حين صاح النبي صلى الله عليه وسلم على ولد خديجة ومنه حديث موسى عليه ~~السلام حين : ( قال : إلهي بم نلت ما نلت ؟ قال : أتذكر حين هربت منك ~~السخلة ، فلما قدرت عليها قلت : أتعبت نفسك ثم حملتها ، فلهذا السبب جعلتك ~~وليا على الخلق ، فلما نال موسى عليه السلام النبوة بالإحسان إلى الشاة ~~فكيف بالإحسان إلى اليتيم ، وإذا كان هذا العتاب بمجرد الصياح أو العبوسية ~~في الوجه ، فكيف إذا أذله أو أكل ماله ، عن أنس عن النبي عليه الصلاة ~~والسلام ms9690 : ( إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن ، ويقول تعالى : من ~~أبكى هذا اليتيم الذي واريت والده التراب ، من أسكته فله الجنة ) . # ! 7 < { وأما السآئل فلا تنهر } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { وأما السائل فلا تنهر } < < # | الضحى : ( 10 ) وأما السائل فلا . . . . . # > > يقال : نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره ، وفي المراد من السائل ~~قولان : أحدهما : وهو اختيار الحسن أن المراد منه من يسأل العلم ونظيره من ~~وجه : { عبس وتولى * أن جاءه الاعمى } ( عبس : 1 ، 2 ) وحينئذ يحصل الترتيب ~~، لأنه تعالى قال له أولا : { ألم يجدك يتيما فاوى * ووجدك ضالا فهدى * ~~ووجدك عائلا فأغنى } ( الضحى : 6 ، 8 ) ثم اعتبر هذا الترتيب ، فأوصاه ~~برعاية حق اليتيم ، ثم برعاية حق من يسأله عن العلم والهداية ، ثم أوصاه ~~بشكر نعم الله عليه / والقول الثاني : أن المراد مطلق السائل ولقد عائب ~~الله رسوله في القرآن في شأن الفقراء في ثلاثة مواضع أحدها : أنه كان جالسا ~~وحوله صناديد قريش ، إذ جاء ابن أم مكتوم الضرير ، فتخطى رقاب الناس حتى ~~جلس بين يديه ، وقال : علمني مما علمك الله ، فشق ذلك عليه فعبس وجهه فنزل ~~{ عبس وتولى } ( عبس : 1 ) ، والثاني : حين قالت له قريش : لو جعلت لنا ~~مجلسا وللفقراء مجلسا آخر فهم أن يفعل ذلك فنزل قوله : { واصبر نفسك مع ~~الذين يدعون ربهم } ( الكهف : 28 ) والثالث : كان جالسا فجاءه عثمان بعذق ~~من ثمر فوضعه بين يديه فأراد أن يأكل فوقف سائل بالباب ، فقال : رحم الله ~~عبدا يرحمنا ، فأمر بدفعه إلى السائل فكره عثمان ذلك ، وأراد أن يأكله ~~النبي عليه السلام فخرج واشتراه من السائل ، ثم رجع السائل ففعل ذلك ثلاث ~~مرات ، وكان يعطيه النبي عليه السلام إلى أن قال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم : أسائل أنت أم بائع ؟ فنزل : { وأما السائل فلا تنهر } . # ! 7 < { وأما بنعمة ربك فحدث } . > 7 @QB@ < # | الضحى : ( 11 ) وأما بنعمة ربك . . . . . # > > PageV31P199 # ثم قوله تعالى : { وأما بنعمة ربك فحدث }وفيه وجوه أحدها : قال مجاهد : ~~تلك النعمة هي القرآن ، فإن القرآن أعظم ما أنعم الله به على محمد ms9691 عليه ~~السلام ، والتحديث به أن يقرأه ويقرىء غيره ويبين حقائقه لهم وثانيها : روي ~~أيضا عن مجاهد : أن تلك النعمة هي النبوة ، أي بلغ ما أنزل إليك من ربك ~~وثالثها : إذا وفقك الله فراعيت حق اليتيم والسائل ، وذلك التوفيق نعمة من ~~الله عليك فحدث بها ليقتدي بك غيرك ، ومنه ما روي عن الحسين بن علي عليه ~~السلام أنه قال : إذا عملت خيرا فحدث إخوانك ليقتدوا بك ، إلا أن هذا إنما ~~يحسن إذا لم يتضمن رياء ، وظن أن غيره يقتدي به ، ومن ذلك لما سئل أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام عن الصحابة فأثنى عليهم وذكر خصالهم ، فقالوا له ~~: فحدثنا عن نفسك فقال : مهلا ، فقد نهى الله عن التزكية فقيل له : أليس ~~الله تعالى يقول : { وأما بنعمة ربك فحدث } فقال : فإني أحدث ، كنت إذا ~~سئلت أعطيت وإذا سكت ابتديت ، وبين الجوانح علم جم فاسألوني ، فإن قيل : ~~فما الحكمة في أن أخر الله تعالى حق نفسه عن حق اليتيم والعائل ؟ قلنا : ~~فيه وجوه أحدها : كأنه يقول أنا غني وهما محتاجان وتقديم حق المحتاج أولى ~~وثانيها : أنه وضع في حظهما الفعل ورضي لنفسه بالقول وثالثها : أن المقصود ~~من جميع الطاعات استغراق القلب في ذكر الله تعالى ، فجعل خاتمة هذه الطاعات ~~تحدث القلب واللسان بنعم الله تعالى حتى تكون ختم الطاعات على ذكر الله ، ~~واختار قوله : { فحدث } على قوله فخبر ، ليكون ذلك حديثا عند لا ينساه ، ~~ويعيده مرة بعد أخرى ، والله أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله ~~وصحبه وسلم . # PageV31P200 < # > 1 ( سورة الشرح ) 1 < # > # ثمان آيات مكية # يروى عن طاووس وعمر بن عبدالعزيز أنهما كانا يقولان هذه السورة وسورة ~~الضحى سورة واحدة وكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة وما كانا يفصلان بينهما ~~ببسم الله الرحمن الرحيم والذي دعاهما إلى ذلك هو أن قوله تعالى : { ألم ~~نشرح لك } كالعطف على قوله : { ألم يجدك يتيما } وليس كذلك لأن الأول : كان ~~نزوله حال اغتمام الرسول صلى الله عليه وسلم من إيذاء الكفار فكانت حال ~~محنة وضيق صدر والثاني : يقتضي ms9692 أن يكون حال النزول منشرح الصدر طيب القلب ، ~~فأنى يجتمعان . # ! 7 < { ألم نشرح لك صدرك } . > 7 ! # < < # | الشرح : ( 1 ) ألم نشرح لك . . . . . # > > استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار ، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه ~~، فكأنه قيل : شرحنا لك صدرك ، وفي شرح الصدر قولان : # الأول : ما روى أن جبريل عليه السلام أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله ~~وأنقاه من المعاصي ثم ملأه علما وإيمانا ووضعه في صدره . # واعلم أن القاضي طعن في هذه الرواية من وجوه : أحدها : أن الرواية أن هذه ~~الواقعة إنما وقعت في حال صغره عليه السلام وذلك من المعجزات ، فلا يجوز أن ~~تتقدم نبوته وثانيها : أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام ، والمعاصي ليست ~~بأجسام فلا يكون للغسل فيها أثر ثالثها : أنه لا يصح أن يملأ القلب علما ، ~~بل PageV32P003 الله تعالى يخلق فيه العلوم والجواب : عن الأول : أن تقويم ~~المعجز على زمان البعثة جائز عندنا ، وذلك هو المسمى بالإرهاص ، ومثله في ~~حق الرسول عليه السلام كثير . # وأما الثاني والثالث : فلا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه ~~من قلب الرسول عليه السلام علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي ، ويحجم عن ~~الطاعات ، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لكون صاحبه مواظبا على الطاعات ~~محترزا عن السيئات ، فكان ذلك كالعلامة للملائكة على كون صاحبه معصوما ، ~~وأيضا فلأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . # / والقول الثاني : أن المراد من شرح الصدر ما يرجع إلى المعرفة والطاعة ، ~~ثم ذكروا فيه وجوها أحدها : أنه عليه السلام لما بعث إلى الجن والإنس فكان ~~يضيق صدره عن منازعة الجن والإنس والبراءة من كل عابد ومعبود سوى الله ، ~~فآتاه الله من آياته ما اتسع لكل ما حمله وصغره عنده كل شيء احتمله من ~~المشاق ، وذلك بأن أخرج عن قلبه جميع الهموم وما ترك فيه إلا هذا الهم ~~الواحد ، فما كان يخطر بباله هم النفقة والعيال ، ولا يبالي بما يتوجه إليه ~~من إيذائهم ، حتى صاروا في عينه دون الذباب لم يجبن خوفا من وعيدهم ، ولم ~~يمل ms9693 إلى مالهم ، وبالجملة فشرح الصدر عبارة عن علمه بحقارة الدنيا وكما ~~الآخرة ، ونظيره قوله : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } وروى أنهم قالوا : يا رسول الله أينشرح ~~الصدر ؟ قال : نعم ، قالوا : وما علامة ذلك ؟ قال : ( التجافي عن الغرور ، ~~والإنابة إلى دار الخلود ، والإعداد للموت قبل نزوله ) وتحقيق القول فيه أن ~~صدق الإيمان بالله ووعده ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا والرغبة في ~~الآخرة والاستعداد للموت وثانيها : أنه انفتح صدره حتى أنه كان يتسع لجميع ~~المهمات لا يقلق ولا يضجر ولا يتغير ، بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح ~~الصدر مشتغل بأداء ما كلف به ، والشرح التوسعة ، ومعناه الإراحة من الهموم ~~، والعرب تسمى الغم والهم ضيق صدر كقوله : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك } ~~وههنا سؤالات : # الأول : لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب ؟ والجواب : لأن محل الوسوسة هو ~~الصدر على ما قال : { يوسوس فى صدور الناس } فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها ~~بدواعي الخير هي الشرح ، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب ، وقال ~~محمد بن علي الترمذي : القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذي يقصده الشيطان ~~، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب ، فإذا وجد مسلكا أغار فيه ~~ونزل جنده فيه ، وبث فيه من الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حيئنذ ولا ~~يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة ، وإذا طرد العدو في الابتداء منع وحصل ~~الأمن ويزول الضيق وينشرح الصدر ويتيسر له القيام بأداء العبودية . # السؤال الثاني : لم قال : { ألم نشرح لك صدرك } ولم يقل ألم نشرح صدرك ؟ ~~والجواب : من وجهين أحدهما : كأنه تعالى يقول لام بلام ، فأنت إنما تفعل ~~جميع الطاعات لأجلي كما قال : { لا * ليعبدون * وأقم الصلواة لذكرى } فأنا ~~أيضا جميع ما أفعله لأجلك وثانيها : أن فيها تنبيها على أن منافع الرسالة ~~عائدة إليه عليه السلام ، كأنه تعالى قال : إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلي ~~. PageV32P004 # السؤال الثالث : لم قال : { ألم نشرح } ولم يقل ألم أشرح ؟ والجواب : إن ~~حملناه على نون التعظيم ms9694 ، فالمعنى أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة ، ~~فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة لا تصل العقول إلى كنه جلالتها ، وإن حملناه ~~على نون الجميع ، فالمعنى كأنه تعالى يقول : لم أشرحه وحدي بل أعملت فيه ~~ملائكتي ، فكنت ترى الملائكة حواليك وبين يديك حتى يقوي قلبك ، فأديت / ~~الرسالة وأنت قوي القلب ولحقتهم هيبة ، فلم يجيبوا لك جوابا ، فلو كنت ضيق ~~القلب لضحكوا منك ، فسبحان من جعل قوة قلبك جبنا فيهم ، وانشراح صدرك ضيقا ~~فيهم . # ! 7 < { ووضعنا عنك وزرك * الذىأنقض ظهرك } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { ووضعنا عنك وزرك * الذى أنقض ظهرك } < < # | الشرح : ( 2 ) ووضعنا عنك وزرك # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال المبرد : هذا محمول على معنى ألم نشرح لا على لفظه ~~، لأنك لا تقول ألم وضعنا ولكن معنى ألم نشرح قد شرحنا ، فحمل الثاني على ~~معنى الأول لا على ظاهر اللفظ ، لأنه لو كان معطوفا على ظاهره لوجب أن يقال ~~: ونضع عنك وزرك . # المسألة الثانية : معنى الوزر ثقل الذنب ، وقد مر تفسيره عند قوله : { ~~وهم يحملون أوزارهم } وهو كقوله تعالى : { ليغفر * الله لك * ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر } . # وأما قوله : { أنقض ظهرك } فقال علماء اللغة : الأصل فيه أن الظهر إذا ~~أثقل الحمل سمع له نقيض أي صوت خفي ، وهو صوت المحامل والرحال والأضلاع ، ~~أو البعير إذا أثقله الحمل فهو مثل لما كان يثقل عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أوزاره . # المسألة الرابعة : احتج بهذه الآية من أثبت المعصية للأنبياء عليهم ~~السلام والجواب : عنه من وجهين الأول : أن الذين يجوزون الصغائر على ~~الأنبياء عليهم السلام حملوا هذه الآية عليها ، لا يقال : إن قوله : { الذى ~~أنقض ظهرك } يدل على كونه عظيما . فكيف يليق ذلك بالصغائر ، لأنا نقول : ~~إنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اعتمام النبي صلى الله ~~عليه وسلم بوقوعه منه وتحسره مع ندمه عليه ، وأما إنما وصفه بذلك لأن ~~تأثيره فيما يزول به من الثواب عظيم ، فيجوز لذلك ما ذكره الله تعالى . هذا ~~تقرير الكلام على ms9695 قول المعتزلة وفيه إشكال ، وهو أن العفو عن الصغيرة واجب ~~على الله تعالى عند القاضي ، والله تعالى ذكر هذه الآية في معرض الامتنان ، ~~ومن المعلوم أن الامتنان بفعل الواجب غير جائز الوجه الثاني : أن يحمل ذلك ~~على غير الذنب ، وفيه وجوه أحدها : قال قتادة : كانت للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ذنوب سلفت منه في الجاهلية قبل النبوة ، وقد أثقلته فغفرها له وثانيها ~~: أن المراد منه تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها وحفظ ~~موجباتها والمحافظة على حقوقها ، فسهل الله تعالى ذلك عليه ، وحط عنه ثقلها ~~بأن يسرها عليه حتى تيسرت له وثالثها : الوزر ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة ~~الخليل . وكان لا يقدر على منعهم إلى أن قواه الله ، وقال له : { أن اتبع ~~ملة إبراهيم } . ورابعها : أنها ذنوب أمته صارت كالوزر عليه ، ماذا يصنع في ~~حقهم إلى أن قال : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } فأمنه من العذاب في ~~العاجل ، ووعد له الشفاعة في الآجل وخامسها : معناه عصمناك عن الوزر الذي ~~ينقض ظهرك ، لو كان ذلك PageV32P005 الذنب حاصلا ، فسمى العصمة وضعا مجازا ~~، فمن ذلك ما روى أنه حضر وليمة / فيها دف ومزامير قبل البعثة ليسمع ، فضرب ~~الله على أذنه فلم يوقظه إلا حر الشمس من الغد وسادسها : الوزر ما أصابه من ~~الهيبة والفزع في أول ملاقاة جبريل عليه السلام ، حين أخذته الرعدة ، وكاد ~~يرمي نفسه من الجبل ، ثم تقوى حتى ألفه وصار بحالة كاد يرمي بنفسه من الجبل ~~لشدة اشتياقه وسابعها : الوزر ما كان يلحقه من الأذى والشتم حتى كاد ينقض ~~ظهره وتأخذه الرعدة ، ثم قواه الله تعالى حتى صار بحيث كانوا يدمون وجهه ، ~~و ( هو ) يقول : ( اللهم اهد قومي ) وثامنها : لئن كان نزول السورة بعد موت ~~أبي طالب وخديجة ، فلقد كان فراقهما عليه وزرا عظيما ، فوضع عنه الوزر ~~برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياة فارتفع له الذكر ، فلذلك قال : { ~~ورفعنا لك ذكرك } وتاسعها : أن المراد من الوزر والثقل الحيرة التي كانت له ~~قبل البعثة ، وذلك ms9696 أنه بكمال عقله لما نظر إلى عظيم نعم الله تعالى عليه ، ~~حيث أخرجه من العدم إلى الوجود وأعطاه الحياة والعقل وأنواع النعم ، ثقل ~~عليه نعم الله وكاد ينقض ظهره من الحياء ، لأنه عليه السلام كانيرى أن نعم ~~الله عليه لا تنقطع ، وما كان يعرف أنه كيف كان يطيع ربه ، فلما جاءته ~~النبوة والتكليف وعرف أنه كيف ينبغي له أن يطيع ربه ، فحيئذ قل حياؤه وسهلت ~~عليه تلك الأحوال ، فإن اللئيم لا يستحي من زيادة النعم بدون مقابلتها ~~بالخدمة ، والإنسان الكريم النفس إذا كثر الإنعام عليه وهو لا يقابلها بنوع ~~من أنواع الخدمة ، فإنه يثقل ذلك عليه جدا ، بحيث يميته الحياة ، فإذا كلفه ~~المنعم بنوع خدمه سهل ذلك عليه وطاب قلبه . # ! 7 < { ورفعنا لك ذكرك } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { ورفعنا لك ذكرك } . # < < # | الشرح : ( 4 ) ورفعنا لك ذكرك # > > واعلم أنه عام في كل ما ذكروه من النبوة ، وشهرته في الأرض والسموات ~~، اسمه مكتوب على العرش ، وأنه يذكر معه في الشهادة والتشهد ، وأنه تعالى ~~ذكره في الكتب المتقدمة ، وانتشار ذكره في الآفاق ، وأنه ختمت به النبوة ، ~~وأنه يذكر في الخطب والأذان ومفاتيح الرسائل ، وعند الختم وجعل ذكره في ~~القرآن مقرونا بذكره : { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ، { ومن يطع الله ~~ورسوله } و { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ويناديه باسم الرسول والنبي ، ~~حين ينادي غيره بالاسم يا موسى يا عيسى ، وأيضا جعله في القلوب بحيث ~~يستطيبون ذكره وهو معنى قوله تعالى : { سيجعل لهم الرحمان ودا } كأنه تعالى ~~يقول : أملأ العالم من أتباعك كلهم يثنون عليك ويصلون عليك ويحفظون سنتك ، ~~بل ما من فريضة من فرائض الصلاة إلا ومعه سنة فهم يمتثلون في الفريضة أمري ~~، وفي السنة أمرك وجعلت طاعتك طاعتي وبيعتك بيعتي { من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله } { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } لا تأنف السلاطين من ~~أتباعك ، بل جراءة لأجهل الملوك أن ينصب خليفة من غير قبيلتك ، فالقراء ~~يحفظون ألفاظ منشورك ، والمفسرون يفسرون معاني فرقانك ، والوعاظ يبلغون ~~وعظك / بل العلماء والسلاطين يصلون إلى خدمتك ms9697 ، ويسلمون من وراء الباب عليك ~~، ويمسحون وجوههم بتراب روضتك ، ويرجون شفاعتك ، فشرفك باق إلى يوم القيامة ~~. # PageV32P006 ! 7 < { فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا } . > 7 ! # قال تعالى : { فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا } < < # | الشرح : ( 5 ) فإن مع العسر . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أن المشركين كانوا يعيرون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر ، ويقولون : إن كان غرضك من هذا الذي ~~تدعيه طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة ، فشق ذلك على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى سبق إلى وهمه أنهم إنما رغبوا عن الإسلام ~~لكونه فقيرا حقيرا عندهم ، فعدد الله تعالى عليه مننه في هذه السورة ، وقال ~~: { ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك } أي ما كنت فيه من أمر الجاهلية ، ~~ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل عن قلبه ما حصل فيه من التأذي بسبب أنهم ~~عيروه بالفقر ، والدليل عليه دخول الفاء في قوله : { فإن مع العسر يسرا } ~~كأنه تعالى قال لا يحزنك ما يقول وما أنت فيه من القلة ، فإنه يحصل في ~~الدنيا يسر كامل . # المسألة الثانية : قال ابن عباس : يقول الله تعالى : خلقت عسرا واحدا بين ~~يسرين ، فلن يغلب عسر يسرين ، وروى مقاتل عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ~~قال : ( لن يغلب عسر يسرين ) وقرأ هذه الآية ، وفي تقرير هذا المعنى وجهان ~~الأول : قال الفراء والزجاج : العسر مذكور بالألف واللام ، وليس هناك معهود ~~سابق فينصرف إلى الحقيقة ، فيكون المراد بالعسر في اللفظين شيئا واحدا . ~~وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير ، فكان أحدهما غير الآخر ، وزيف ~~الجرجاني هذا وقال : إذا قال الرجل : إن مع الفارس سيفا ، إن مع الفارس ~~سيفا ، يلزم أن يكون هناك فارس واحد ومعه سيفان ، ومعلوم أن ذلك غير لازم ~~من وضع العربية الوجه الثاني : أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى ، كما ~~كرر قوله : { ويل يومئذ للمكذبين } ويكون الغرض تقرير معناها في النفوس ~~وتمكينها في القلوب ، كما يكرر المفرد في قولك ms9698 : جاءني زيد زيد ، والمراد ~~من اليسرين : يسر الدنيا وهو ما تيسر من استفتاح البلاد ، ويسر الآخرة وهو ~~ثواب الجنة ، لقوله تعالى : { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } وهما ~~حسن الظفر وحسن الثواب ، فالمراد من قوله : ( لن يغلب عسر يسرين ) هذا ، ~~وذلك لأن عمر الدنيا بالنسبة إلى يسر الدنيا ، ويسر الآخرة كالمغمور القليل ~~، وههنا سؤالان . # الأول : ما معنى التنكير في اليسر ؟ جوابه : التفخيم ، كأنه قيل : إن مع ~~اليسر يسرا ، إن مع العسر يسرا عظيما ، وأي يسر . # السؤال الثاني : اليس لا يكون مع العسر ، لأنهما ضدان فلا يجتمعان الجواب ~~: لما / كان وقوع اليسر بعد العسر بزمان قليل ، كان مقطوعا به فجعل ~~كالمقارن له . # ! 7 < { فإذا فرغت فانصب } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { فإذا فرغت فانصب } < < # | الشرح : ( 7 ) فإذا فرغت فانصب # > > وجه تعلق هذا بما قبله أنه تعالى لما عدد عليه نعمه السالفة ، ووعدهم ~~بالنعم الآتية ، لا جرم بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة ، فقال : { ~~فإذا فرغت فانصب } أي PageV32P007 فاتعب يقال : نصب ينصب ، قال قتادة ~~والضحاك ومقاتل : إذا فرغت من الصلاة المكتوبة { فانصب * إلى ربك } في ~~الدعاء وارغب إليه في المسألة يعطك ، وقال الشعبي : إذا فرغت من التشهد ~~فادع لدنياك وآخرتك ، وقال مجاهد : إذا فرغت من أمر دنياك فانصب وصل ، وقال ~~عبد الله : إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل ، وقال الحسن : إذا ~~فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ، وقال علي بن أبي طلحة : إذا كنت صحيحا ~~فانصب ، يعني اجعل فراغك نصبا في العبادة يدل عليه ما روى أن شريحا مر ~~برجلين يتصارعان ، فقال : الفارغ ما أمر بهذا إنما قال الله : { فإذا فرغت ~~فانصب } وبالجملة فالمعنى أن يواصل بين بعض العبادات وبعض ، وأن لا يخلي ~~وقتا من أوقاته منها ، فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى . # ! 7 < { وإلى ربك فارغب } . > 7 ! # وأما قوله تعالى : { وإلى ربك فارغب } < < # | الشرح : ( 8 ) وإلى ربك فارغب # > > ففيه وجهان أحدهما : اجعل رغبتك إليه خصوصا ولا تسأل إلا فضله متوكلا ~~عليه وثانيها : ارغب في سائر ما تلتمسه دينا ودنيا ms9699 ونصرة على الأعداء إلى ~~ربك ، وقرىء فرغب أي رغب الناس إلى طلب ما عنده ، والله سبحانه وتعالى أعلم ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV32P008 < # > 1 ( سورة التين ) 1 < # > # وهي ثمان آيات مكية # ! 7 < { والتين والزيتون * وطور سينين * وهاذا البلد الا مين } . > 7 ! # { والتين والزيتون * وطور * سينين * وهاذا البلد الامين } . # < < # | التين : ( 1 ) والتين والزيتون # > > اعلم أن الإشكال هو أن التين والزيتون ليسا من الأمور الشريفة ، فكيف ~~يليق أن يقسم الله تعالى بهما ؟ فلأجل هذا السؤال حصل فيه قولان : # الأول : أن المراد من التين والزيتون هذان الشيآن المشهوران ، قال ابن ~~عباس : هو تينكم وزيتونكم هذا ، ثم ذكروا من خواص التين والزيتون أشياء . # أما التين فقالوا إنه غذاء وفاكهة ودواء ، أما كونه غذاء فالأطباء زعموا ~~أنه طعام لطيف سريع الهضم لا يمكث في المعدة يلين الطبع ويخرج الترشح ويقلل ~~البلغم ويطهر الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل ويسمن البدن ويفتح ~~مسام الكبد والطحال وهو خير الفواكه وأحمدها ، وروى أنه أهدي لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه ، ثم قال لأصحابه : ( كلوا فلو قلت ~~إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها ~~تقطع البواسير وتنفع من النقرس ) وعن علي بن موسى الرضا عليهما السلام : ~~التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر وهو أمان من الفالج ، وأما كونه دواء ، ~~فلأنه يتداوى به في إخراج فضول البدن . # واعلم أن لها بعدما ذكرنا خواص : أحدها : أن ظاهرها كباطنها ليست كالجوز ~~ظاهره قشر ولا كالتمر باطنه قشر ، بل نقول : إن من الثمار ما يخبث ظاهره ~~ويطيب باطنه ، كالجوز والبطيخ ومنه ما يطيب ظاهره دون باطنه كالتمر والإجاص ~~. # أما التين فإنه طيب الظاهر والباطن وثانيها : أن الأشجار ثلاثة : شجرة ~~تعد وتخلف وهي شجرة PageV32P009 الخلاف ، وثانية تعد وتفي وهي التي تأتي ~~بالنور أولا بعده بالثمر كالتفاح وغيره ، وشجرة تبذل قبل الوعد ، وهي التين ~~لأنها تخرج الثمرة قبل أن تعد بالورد ، بل لو غيرت العبارة لقلت هي شجرة ms9700 ~~تظهر المعنى قبل الدعوى ، بل لك أن تقول : إنها شجرة تخرج الثمرة قبل أن ~~تلبس نفسها بورد أو بورق ، والتفاح والمشمش وغيرهما تبدأ بنفسها ، ثم ~~بغيرها ، أما شجرة التين فإنها تهتم بغيرها / قبل اهتمامها بنفسها ، فسائر ~~الأشجار كأرباب المعاملة في قوله عليه السلام : ( ايد بنفسك ثم بمن تعول ) ~~وشجرة التين كالمصطفى عليه السلام كان يبدأ بغيره فإن فضل صرفه إلى نفسه ، ~~بل من الذين أنثى الله عليهم في قوله : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة } ، وثالثها : أن من خواص هذه الشجرة أن سائر الأشجار إذا اسقطت ~~الثمرة من موضعها لم تعد في تلك السنة ، إلا التين فإنه يعيد البذر وربما ~~سقط ثم يعود مرة أخرى ورابعها : أن التين في النوم رجل خير غني فمن نالها ~~في المنام نال مالا وسعة ، ومن أكلها رزقه الله أولادا وخامسها : روى أن ~~آدم عليه السلام لما عصى وفارقته ثيابه تستر بورق التين ، وروى أنه لما نزل ~~وكان متزرا بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعمها بعض ~~ورق التين ، فرزقها الله الجمال صورة والملاحة معنى وغير دمها مسكا ، فلما ~~تفرقت الظباء إلى مساكنها رأى غيرها عليها من الجمال ما أعجبها ، فلما كانت ~~من الغد جاءت الظباء على أثر الأولى إلى آدم فأطعمها من الورق فغير الله ~~حالها إلى الجمال دون المسك ، وذلك لأن الأولى جاءت لآدم لا إجل الطمع ~~والطائفة الأخرى جاءت للطمع سرا وإلى آدم ظاهرة ، فلا جرم غير الظاهر دون ~~الباطن ، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة فاكهة من وجه وإدام من ~~وجه ودواء من وجه ، وهي في أغلب البلاد لا تحتاح إلى تربية الناس ، ثم لا ~~تقتصر منفعتها غذاء بدنك ، بل هي غذاء السراج أيضا وتولدها في الجبال التي ~~لا توجد فيها شيء من الدهنية البتة / وقيل : من أخذ ورق الزيتون في المنام ~~استمسك بالعروة الوثقى ، وقال مريض لابن سيرين : رأيت في المنام كأنه قيل ~~لي : كل اللامين تشف ، فقال : كل الزيتون فإنه لا شرقية ولا غربية ، ثم قال ms9701 ~~المفسرون : التي والزيتون اسم لهذين المأكولين وفيهما هذه المنافع الجليلة ~~، فوجب إجراء اللفظ على الظاهر ، والجزم بأن الله تعالى أقسم بهما لما ~~فيهما هذه المصالح والمنافع . # القول الثاني : أنه ليس المراد هاتين الثمرتين ، ثم ذكروا وجوها أحدها : ~~قال ابن عباس : هما جبلان من الأرض المقدسة ، يقال لهما : بالسريانية طور ~~تينا ، وطور زيتا ، لأنهما منبتا التين والزيتون ، فكأنه تعالى أقسم بمنابت ~~الأنبياء ، فالجبل بالتين لعيسى عليه السلام . والزيتون الشأم مبعث أكثر ~~أنبياء بني إسرائيل ، والطور مبعث موسى عليه السلام ، والبلد الأمين مبعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، فيكون المراد من القسم في الحقيقة تعظيم ~~الأنبياء وإعلاء درجاتهم وثانيها : أن المراد من التين والزيتون مسجدان ، ~~ثم قال ابن زيد : التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس ، وقال آخرون : ~~التين مسجد أصحاب أهل الكف ، والزيتون مسجد إيليا ، وعن ابن عباس التين ~~مسجد نوح المبني على الجودي ، والزيتون مسجد بيت المقدس ، والقائلون بهذا ~~القول إنما ذهبوا إليه لأن القسم بالمسجد أحسن لأنه موضع العبادة والطاعة ، ~~فلما كانت هذه المساجد في هذه المواضع التي يكثر فيها التين والزيتون ، لا ~~جرم اكتفى بذكر التين والزيتون وثالثها : / المراد من التين والزيتون بلدان ~~، فقال كعب : التين دمشق والزيتون بيت المقدس ، وقال شهر بن حوشب : التين ~~الكوفة ، والزيتون الشام ، وعن الربيع هما جبلان بين همدان وحلوان ، ~~والقائلون بهذا القول ، إنما ذهبوا إليه لأن اليهود والنصارى والمسلمين ~~ومشركي قريش كل واحد منهم يعظم بلدة من هذه البلاد ، PageV32P010 فالله ~~تعالى أقسم بهذه البلاد بأسرها ، أو يقال : إن دمشق وبيت المقدس فيهما نعم ~~الدنيا ، والطور ومكة فيهما نعم الدين . # أما قوله تعالى : { وطور سينين } فالمراد من { الطور } الجبل الذي كلم ~~الله تعالى موسى عليه السلام عليه ، واختلفوا في { سينين } والأولى عند ~~النحويين أن يكون سينين وسينا اسمين للمكان الذي حصل فيه الجبل أو ضيفا إلى ~~ذلك المكان ، وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عكرمة : { الطور } ~~الجبل { * وسينين } الحسن بلغة الحبشة ، وقال مجاهد : { وطور سينين } ~~المبارك ، وقال الكلبي : هو الجبل المشجر ذو ms9702 الشجر ، وقال مقاتل : كل جبل ~~فيه شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط قال الواحدي : والأولى أن يكون ~~سينين اسما للمكان الذي به الجبل ، ثم لذلك سمي سينين أو سينا لحسنه أو ~~لكونه مباركا ، ولا يجوز أن يكون سينين نعتا للطور لإضافته إليه . # أما قوله تعالى : { وهاذا البلد الامين } فالمراد مكة والأمين : الآمن ~~قال صاحب الكشاف : من أمن الرجل أمانة فهو أمين وأمانته أن يحفظ من دخله ~~كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه ، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول من أمنه ~~لأنه مأمون الغوائل ، كما وصف بالأمن في قوله : { حرما ءامنا } يعني ذا أمن ~~، وذكروا في كونه أمينا وجوها أحدها : أن الله تعالى حفظه عن الفيل على ما ~~يأتيك شرحه إن شاء الله تعالى وثانيها : أنها تحفظ لك جميع الأشياء فمباح ~~الدم عند الالتجاء إليها آمن من السباع والصيود تستفيد منها الحفظ عند ~~الالتجاء إليها وثالثها : ما روى أن عمر كان يقبل الحجر ، ويقول : إنك حجر ~~لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما ~~قبلتك ، فقال له علي عليه السلام : إما أنه يضر وينفع إن الله تعالى لما ~~أخذ على ذرية آدم الميثاق كتبه في رق أبيض / وكان لهذا الركن يومئذ لسان ~~وشفتان وعينان ، فقال : افتح فاك فألقمه ذلك الرق وقال : تشهد لمن وافاك ~~بالموافاة إلى يوم القيامة ، فقال عمر : لأبقيت في قوم لست فيهم يا أبا ~~الحسن . # ! 7 < { لقد خلقنا الإنسان فىأحسن تقويم } . > 7 ! # < < # | التين : ( 4 ) لقد خلقنا الإنسان . . . . . # > > المراد من الإنسان هذه الماهية والتقويم تصبير الشيء على ما ينبغي أن ~~يكون في التألف والتعديل ، يقال : قومته تقويما فاستقام وتقوم ، وذكروا في ~~شرح ذلك الحسن وجوها أحدها : أنه تعالى خلق كل ذي روح مكبا على وجهه إلا ~~الإنسان فإنه تعالى خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده وقال الأصم : في ~~أكمل عقل وفهم وأدب وعلم وبيان ، والحاصل أن القول الأول راجع إلى الصورة ~~الظاهرة ، والثاني إلى / السيرة الباطنة ، وعن يحيى بن أكثم القاضي ms9703 أنه فسر ~~التقويم بحسن الصورة ، فإنه حكى أن ملك زمانه خلا بزوجته في ليلة مقمرة ، ~~فقال : إن لم تكوني أحسن من القمر فأنت كذا ، فأفتى الكل بالحنث إلا يحيى ~~بن أكثم فإنه قال : لا يحنث ، فقيل له : خالفت شيوخك ، فقال : الفتوى ~~بالعلم ولقد أفتى من هو أعلم منا وهو الله تعالى فإنه يقوله : { لقد خلقنا ~~الإنسان فى أحسن تقويم } وكان بعض الصالحين يقول : إلهنا أعطيتنا في الأولى ~~أحسن الأشكال ، فأعطنا في الآخرة أحسن الفعال ، وهو العفو عن الذنوب ، ~~والتجاوز عن العيوب . # PageV32P011 ! 7 < { ثم رددناه أسفل سافلين } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { ثم رددناه أسفل سافلين } < < # | التين : ( 5 ) ثم رددناه أسفل . . . . . # > > ففيه وجهان : الأول : قال ابن عباس : يريد أرذل العمر ، وهو مثل قوله ~~: يرد إلى أرذل العمر ، قال ابن قتيبة : السافلون هم الضعفاء والزمني ، ومن ~~لا يستطيع حيلة ولا يجد سبيلا ، يقال : سفل يسفل فهو سافل وهم سافلون ، كما ~~يقال : علا يعلو فهو عال وهم عالون ، أراد أن الهرم يخرف ويضعف سمعه وبصره ~~وعقله وتقل حيلته ويعجز عن عمل الصالحات ، فيكون أسفل الجميع ، وقال الفراء ~~: ولو كانت أسفل سافل لكان صوابا ، لأن لفظ الإنسان واحد ، وأنت تقول : هذا ~~أفضل قائم ولا تقول : أفضل قائمين ، إلا أنه قيل : سافلين على الجمع لأن ~~الإنسان في معنى جمع فهو كقوله : { والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون } وقال : { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم } . # والقول الثاني : ما ذكره مجاهد والحسن ثم رددناه إلى النار ، قال علي ~~عليه السلام : وضع أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو ~~أسفل سافلين ، وعلى هذا التقدير فالمعنى ثم رددناه إلى أسفل سافلين إلى ~~النار . # ! 7 < { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون } . > 7 ~~@QB@ < # | التين : ( 6 ) إلا الذين آمنوا . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } فاعلم أن هذا ~~الاستثناء على القول الأول منقطع ، والمعنى ولكن الذين كانوا صالحين من ~~الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء الله ms9704 أياهم بالشيخوخة ~~والهرم ، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة وعلى تخاذل نهوضهم ، وأما ~~على القول الثاني فالاستثناء متصل ظاهر الاتصال . # أما قوله تعالى : { فلهم أجر غير ممنون } ففيه قولان : أحدهما : غير ~~منقوص ولا مقطوع وثانيهما : أجر غير ممنون أي لا يمن به عليهم ، وأعلم أن ~~كل ذلك من صفات الثواب ، لأنه يجب أن يكون غير منقطع وأن لا يكون منعصا ~~بالمنة . # ! 7 < { فما يكذبك بعد بالدين } . > 7 @QB@ < # | التين : ( 7 ) فما يكذبك بعد . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { فما يكذبك بعد بالدين }وفيه سؤالان : # / الأولى : من المخاطب بقوله : { فما يكذبك } ؟ الجواب فيه قولان : ~~أحدهما : أنه خطاب للإنسان على طريقة الالتفات ، والمراد من قوله : { فما ~~يكذبك } أن كل من أخبر عن الواقع بأنه لا يقع فهو كاذب ، والمعنى فما الذي ~~يلجئك إلى هذا الكذب والثاني : وهو اختيار الفراء أنه خطاب مع محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، والمعنى فمن يكذبك يا أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل ~~بالدين . # السؤال الثاني : ما وجه التعجب ؟ الجواب : أن خلق الإنسان من النطفة ~~وتقويمع بشرا سويا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي ، تم ~~تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر دليل واضح على قدرة الخالقة على الحشر ~~والنشر ، فمن شاهد هذه الحالة ثم بقي مصرا على إنكار الحشر فلا شيء أعجب ~~منه . # PageV32P012 ! 7 < { أليس الله بأحكم الحاكمين } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { أليس الله بأحكم الحاكمين } < < # | التين : ( 8 ) أليس الله بأحكم . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : ذكروا في تفسيره وجهين أحدهما : أن هذا تحقيق لما ذكر ~~من خلق الإنسان ثم رده إلى أرذل العمر ، يقول الله تعالى : أليس الذي فعل ~~ذلك بأحكم الحاكمين صنعا وتدبيرا ، وإذا ثبتت القدرة والحكمة بهذه الدلالة ~~صح القول بإمكان الحشر ووقوعه ، أما الإمكان فبالنظرة إلى القدرة ، وأما ~~الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة ، كما قال تعالى : { ~~وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذالك ظن الذين كفروا } . والثاني ~~: أن هذا تنبيه من الله تعالى لنبيه عليه السلام بأنه يحكم بينه وبين خصومه ms9705 ~~يوم القيامة بالعدل . # المسألة الثانية : قال القاضي : هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى ~~لا يفعل القبيح ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم ، فإنه ~~لو كان الفاعل لأفعال العباد هو الله تعالى لكان كل سفه وكل أمر بسفه وكل ~~ترغيب في سفه فهو من الله تعالى ومن كان كذلك فهو أسفه السفهاء ، كما أنه ~~لا حكمة ولا أمر بالحكمة ولا ترغيب في الحكمة إلا من الله تعالى ، ومن كان ~~كذلك فهو أحكم الحكماء ، ولما ثبت في حقه تعال الأمران لم يكن وصفه بأنه ~~أحكم الحكماء أولى من وصفه بأنه أسفه السفهاء . ولما امتنع هذا الوصف في ~~حقه تعالى علمنا أنه ليس خالقا لأفعال العباد والجواب : المعارضة بالعلم ~~والداعي ، ثم نقول : السفيه من قامت السفاهة به لا من خلق السفاهة ، كما أن ~~المتحرك والساكن من قامت الحركة والسكون به لا من خلقهما ، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم بالصواب ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV32P013 < # > 1 ( سورة العلق ) 1 < # > # تسع عشرة آية مكية # زعم المفسرون : أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن وقال آخرون : الفاتحة ~~أول ما نزل ثم سورة العلق . # ! 7 < { اقرأ باسم ربك الذى خلق } . > 7 @QB@ < # | العلق : ( 1 ) اقرأ باسم ربك . . . . . # > > # { اقرأ باسم ربك } اعلم أن في الباء من قوله : { باسم ربك } قولين : ~~أحدهما : قال أبو عبيدة : الباء زائدة ، والمعنى : اقرأ اسم ربك ، كما قال ~~الأخطل : # % هن الحرائر لا ربات أخمرة % % سود المحاجر لا يقرأن بالسور % # ومعنى اقرأ اسم ربك ، أي أذكر اسمه ، وهذا القول ضعيف لوجوه أحدها : أنه ~~لو كان معناه اذكر اسم ربك ما حسن منه أن يقول : ما أنا بقارىء ، أي لا ~~أذكر اسم ربي وثانيها : أن هذا الأمر لا يليق بالرسول ، لأنه ما كان له شغل ~~سوى ذكر الله ، فكيف يأمره بأن يشتغل بما كان مشغولا به أبدا وثالثها : أن ~~فيه تضييع الباء من غير فائدة . # القول الثاني : أن المراد من قوله : { اقرأ } أي اقرأ القرآن ، إذ ~~القراءة ms9706 لا تستعمل إلا فيه قال تعالى : { فإذا قرأناه فاتبع قرءانه } وقال ~~: { وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث } وقوله : { باسم ربك } يحتمل ~~وجوها أحدها : أن يكون محل باسم ربك النصب على الحال فيكون التقدير : اقرأ ~~القرآن مفتتحا باسم ربك أي قل : باسم الله ثم اقرأ ، وفي هذا دلالة على أنه ~~يجب قراءة التسمية PageV32P014 في ابتداء كل سورة كما أنزل الله تعالى وأمر ~~به ، وفي هذه الآية رد على من لا يرى ذلك واجبا ولا يبتدىء بها وثانيها : ~~أن يكون المعنى اقرأ القرآن مستعينا باسم ربك كأنه يجعل الاسم آلة فيما ~~يحاوله من أمر الدين والدنيا ، نظيره كتبت بالقلم ، وتحقيقه أنه لما قال له ~~: { اقرأ } فقال له : لست بقارىء ، فقال : { اقرأ اسم ربك } أي استعن باسم ~~ربك واتخذه آلة في تحصيل هذا الذي عسر عليك وثالثها : أن قوله : { اقرأ ~~باسم ربك } أي اجعل هذا الفعل لله وافعله لأجله كما تقول : بنيت هذه الدار ~~باسم الأمير وصنعت هذا الكتاب باسم الوزير ولأجله ، فإن العبادة / إذا صارت ~~لله تعالى ، فكيف يجترىء الشيطان أن يتصرف فيما هو لله تعالى ؟ فإن قيل : ~~كيف يستمر هذا التأويل في قولك : قبل الأكل بسم الله ، وكذا قبل كل فعل ~~مباح ؟ قلنا : فيه وجهان أحدهما : أن ذلك إضافة مجازبة كما تضيف مجازية كما ~~تضيف ضيعتك إلى بعض الكبار لتدفع بذلك ظلم الظلمة ، كذا تضيف فعلك إلى الله ~~ليقطع الشيطان طمعه عن مشاركتك ، فقد روى أن من لم يذكر اسم الله شاركه ~~الشيطان في ذلك الطعام والثاني : أنه ربما استعان بذلك المباح على التقوى ~~على طاعة الله فيصير المباح طاعة فيصح ذلك التأويل فيه . # أما قوله : { ربك } ففيه سؤالان : # أحدها : وهو أن الرب من صفات الفعل ، والله من أسماء الذات وأسماء الذات ~~أشرف من أسماء الفعل ، ولأنا قد دللنا بالوجوه الكثيرة على أن اسم الله ~~أشرف من اسم الرب ، ثم إنه تعالى قال ههنا : { باسم ربك } ولم يقل : اقرأ ~~باسم الله كما قال في التسمية المعروفة : { بسم الله الرحمان الرحيم ms9707 } ~~وجوابه : أنه أمر بالعبادة ، وبصفات الذات ، وهو لا يستوجب شيئا ، وإنما ~~يستوجب العبادة بصفات الفعل ، فكان ذلك أبلغ في الحث على الطاعة ، ولأن هذه ~~السورة كانت من أوائل ما نزل على ما كان الرسول عليه السلام قد فزع ~~فاستماله ليزول الفزع ، فقال : هو الذي رباك فكيف يفزعك ؟ فأفاد هذا الحرف ~~معنيين أحدهما : ربيتك فلزمك القضاء فلا تتكاسل والثاني : أن الشروع ملزم ~~للاتمام ، وقد ربيتك منذ كذا فكيف أضيعك ، أي حين كنت علقا لم أدع تربيتك ~~فبعد أن صرت خلقا نفيسا موحدا عارفا بي كيف أضيعكا . # السؤال الثاني : ما الحكمة في أنه أضاف ذاته إليه / فقال : { باسم ربك } ~~؟ الجواب : تارة يضيف ذاته إليه بالربوبية كما ههنا ، وتارة يضيفه إلى نفسه ~~بالعبودية ، أسرى بعبده ، نظيره قوله عليه السلام : ( علي مني وأنا منه ) ~~كأنه تعالى يقول : هو لي وأنا له ، يقرره قوله تعالى : { من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله } أو نقول : إضافة ذاته إلى عبده أحسن من إضافة العبد إليه ، إذ ~~قد علم في الشاهد أن من له إبنان ينفعه أكبرهما دون الأصغر ، يقول : هو ~~ابني فحسب لما أنه ينال منه المنفعة ، فيقول الرب تعالى : المنفعة تصل مني ~~إليك ، ولم تصل منك إلى خدمة ولا طاعة إلى الآن ، فأقول : أنا لك ولا أقول ~~أنت لي ، ثم إذا أتيت بما طلبته منك من طاعة أو توبة أضفتك إلى نفسي فقلت : ~~أنزل على عبده { قل ياعبادى الذين أسرفوا } . # السؤال الثالث : لم ذكر عقيب قوله : { ربك } قوله : { الذى خلق } ؟ ~~الجواب : كأن العبد يقول : ما الدليل على أنك ربي ؟ فيقول : لأنك كنت بذاتك ~~وصفاتك معدوما . ثم صرت موجودا فلا بد لك في ذاتك وصفاتك من خالق ، وهذا ~~الخلق والإيجاد تربية فدل ذلك على أني ربك وأنت مربوبي . # PageV32P015 ! 7 < { خلق الإنسان من علق } . > 7 @QB@ < # | العلق : ( 2 ) خلق الإنسان من . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { الذى خلق * خلق الإنسان من علق } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في تفسير هذه الآية ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون قوله : ~~{ الذى خلق } لا يقدر له مفعول ms9708 ، ويكون المعنى أنه الذي حصل منه الخلق ~~واستأثر به لا خالق سواه والثاني : أن يقدر له مفعول ويكون المعنى أنه الذي ~~خلق كل شيء ، فيتناول كل مخلوق ، لأنه مطلق ، فليس حمله على البعض أولى من ~~حمله على الباقي ، كقولنا : الله أكبر ، أي من كل شيء ، ثم قوله بعد ذلك : ~~{ خلق الإنسان من علق } تخصيص للإنسان بالذكر من بين جملة المخلوقات ، إما ~~لأن التنزيل إليه أو لأنه أشرف ما على وجه الأرض والثالث : أن يكون قوله : ~~{ اقرأ باسم ربك الذى خلق } مبهما ثم فسره بقوله : { خلق الإنسان من علق } ~~تفخيما لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته . # المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية على أنه لا خالق غير الله ~~تعالى ، قالوا : لأنه سبحانه جعل الخالقية صفة مميزة لذات الله تعالى عن ~~سائر الذوات ، وكل صفة هذا شأنها فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها ، قالوا : ~~وبهذا الطريق عرفنا أن خاصية الإلهية هي القدرة على الاختراع ومما يؤكد ذلك ~~أن فرعون لما طلب حقيقة الإله ، فقال : { وما رب العالمين } قال موسى : { ~~ربكم ورب ءابائكم الاولين } والربوبية إشارة إلى الخلالقية التي ذكرها ههنا ~~، وكل ذلك يدل على قولنا . # المسألة الثالثة : اتفق المتكلمون على أن أول الواجبات معرفة الله تعالى ~~، أو النظر في معرفة الله أو القصد إلى ذلك النظر على الاختلاف المشهور ~~فيما بينهم ، ثم إن الحكيم سبحانه لما أراد أن يبعثه رسولا إلى المشركين ، ~~لو قال له : اقرأ باسم ربك الذي لا شريك له ، لأبوا أن يقبلوا ذلك منه ، ~~لكنه تعالى قدم ذلك مقدمة تلجئهم إلى الاعتراف به كما يحكى إن زفر لما بعثه ~~أبو حنيفة إلى البصرة لتقرير مذهبه ، فلما ذكر أبو حنيفة زيفوه ولم يلتفتوا ~~إليه ، فرجع إلى أبي حنيفة . وأخبره بذلك ، فقال إنك لم تعرف طريق التبليغ ~~، لكن ارجع إليهم ، واذكر في المسألة أقاويل أئمتهم ثم بين ضعفها ، ثم قل ~~بعد ذلك : ههنا قول آخر ، واذكر قولي وحجتي ، فإذا تمكن ذلك في قلبهم ، فقل ~~: هذا قول أبي حنيفة لأنهم حينئذ يستحيون فلا ms9709 يردون ، فكذا ههنا أن الحق ~~سبحانه يقول : إن هؤلاء عباد الأوثان ، فلو أثنيت علي وأعرضت عن الأوثان ~~لأبوا ذلك ، لكن اذكر لهم أنهم هم الذين خلقوا من العلقة فلا يمكنهم إنكاره ~~، ثم قل : ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك إلى الوثن لعلمهم ~~بأنهم نحتوه ، فبهذا التدريج يقرون بأني أنا المستحق للثناء دون الأوثان ، ~~كما قال تعالى : { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } ثم لما صارت الإلهية ~~موقوفة على الخالقية وحصل القطع بأن من لم يخلق لم يكن إلها ، فلهذا قال ~~تعالى : { أفمن يخلق كمن لا يخلق } ودلت الآية على أن القول بالطبع باطل ، ~~لأن المؤثر فيه إن كان حادثا افتقر إلى مؤثر آخر ، وإن كان قديما فإما أن ~~يكون موجبا / أو قادرا ، فإن كان موجبا لزم أن يقارنه الأثر فلم يبق إلا ~~أنه مختار وهو عالم لأن التغير حصل على الترتيب الموافق للمصلحة . # المسألة الرابعة : إنما قال : { من علق } على الجمع لأن الإنسان في معنى ~~الجمع ، كقوله : { إن الإنسان * لفى * خسر } . # PageV32P016 ! 7 < { اقرأ وربك الا كرم * الذى علم بالقلم } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { اقرأ وربك الاكرم * الذى علمكم * بالقلم } < < # | العلق : ( 3 ) اقرأ وربك الأكرم # > > ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال بعضهم : اقرأ أولا لنفسك ، والثاني للتبليغ أو ~~الأول للتعلم من جبريل والثاني للتعليم . أو قرأ في صلاتك ، والثاني خارج ~~صلاتك . # المسألة الثانية : الكرم إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فمن يهب السكين ممن ~~يقتل به نفسه فهو ليس بكريم ، ومن أعطى ثم طلب عوضا فهو ليس بكريم ، وليس ~~يجب أن يكون العوض عينا بل المدح والثواب والتلخص عن المذمة كله عوض ، ~~ولهذا قال أصحابنا : إنه تعالى يستحيل أن يفعل فعلا لغرض لأنه لو فعل فعلا ~~لغرض لكان حصول ذلك الغرض أولى له من لا حصوله ، فحينئذ يستفيد بفعل ذلك ~~الشيء حصول تلك الأولوية ، ولو لم يفعل ذلك الفعل لما كان يحصل له تلك ~~الأولوية ، فيكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره وذلك محال ، ثم ذكروا في بيان ~~أكرميته تعالى وجوها ms9710 أحدها : أنه كم من كريم يحلم وقت الجناية ، لكنه لا ~~يبقى إحسانه على الوجه الذي كان قبل الجناية ، وهو تعالى أكرم لأنه يزيد ~~بإحسانه بعد الجناية ، ومنه قول القائل : # متى زدت تقصيرا تزد لي تفضلا # كأني بالتقصير أستوجب الفضلا وثانيها : إنك كريم لكن ربك أكرم وكيف لا ~~وكل كريم ينال بكرمه نفعا إما مدحا أو ثوابا أو يدفع ضررا . أما أنا ~~فالأكرم إذ لا أفعله إلا لمحض الكرم وثالثها : أنه الأكرم لأن له الابتداء ~~في كل كرم وإحسان وكرمه غير مشوب بالتقصير ورابعها : يحتمل أن يكون هذا حثا ~~على القراءة أي هذا الأكرم لأنه يجازيك بكل حرف عشرا أو حثا على الإخلاص ، ~~أي لا تقرأ لطمع ولكن لأجلي ودع على أمرك فأنا أكرم من أن لا أعطيك ما لا ~~يخطر ببالك ، ويحتمل أن المعنى تجرد لدعوة الخلق ولا تخف أحدا فأنا أكرم من ~~أن آمرك بهذا التكيف الشاق ثم لا أنصرك . # المسألة الثالثة : أنه سبحانه وصف نفسه بأنه : { خلق الإنسان من علق } ~~وثانيا بأنه علقة وهي بالقلم ، ولا مناسبة في الظاهر بين لأمرين ، لكن ~~التحقيق أن أول حوال الإنسان كونه علقة وهي أخس الأشياء وآخر أمره هو ~~صيرورته عالما بحقائق الأشياء ، وهو أشرف مراتب المخلوقات فكأنه تعالى يقول ~~: انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب فلا بد لك من مدبر مقدر ينقلك من ~~تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة ، ثم فيه تنبيه على أن العلم ~~أشرف الصفات / الإنسانية ، كأنه تعالى يقول : الإيجاد والإحياء والإفدار ~~والرزق كرم وربوبية ، أما الأكرم هو الذي أعطاك العلم لأن العلم هو النهاية ~~في الشرف . # المسألة الرابعة : قوله : { باسم ربك الذى خلق * خلق الإنسان من علق } ~~إشارة إلى الدلالة العقلية الدالة على كمال القدرة والحكمة والعلم والرحمة ~~، وقوله : { الذى علمكم * بالقلم } إشارة إلى الأحكام المكتوبة التي لا ~~سبيل إلى معرفتها إلا بالسمع ، فالأول كأنه إشارة إلى معرفة الربوبية ~~والثاني إلى النبوة ، وقدم الأول على الثاني تنبيها على أن معرفة الربوبية ~~غنية عن النبوة ، وأما النبوة ms9711 فإنها محتاجة إلى معرفة الربوبية . # المسألة الخامسة : في قوله : { علم بالقلم } وجهان أحدهما : أن المراد من ~~القلم الكتابة التي PageV32P017 تعرف بها الأمور الغائبة ، وجعل القلم ~~كناية عنها والثاني : أن المراد علم الإنسان الكتاب بالقلم وكلا القولين ~~متقارب ، إذ المراد التنبيه على فضيلة الكتابة ، يروى أن سليمان عليه ~~السلام سأل عفريتا عن الكلام ، فقال : ريح لا يبقى ، قال : فما قيده / قال ~~: الكتابة ، فالقلم صياد يصيد العلوم يبكي ويضحك ، بركوعه تسجد الأنام ، ~~وبحركته تبقى العلوم على مر الليالي والأيام ، نظيره قول زكريا : { إذ نادى ~~ربه نداء خفيا } أخفى وأسمع فكذا القلم لا ينطق ثم يسمع الشرق والفرب ، ~~فسبحانه من قادر بسوادها جعل الدين منورا ، كما أنه جعلك بالسواد مبصرا ، ~~فالقلم قوام الإنسان والإنسان قوام العين ، ولا تقل القلم نائب اللسان ، ~~فإن القلم ينوب عن اللسان واللسان لا ينوب عن القلم ، التراب طهور ، ولو ~~إلى عشر حجج ، والقلم بدل ( عن اللسان ) ولو ( بعث ) إلى المشرق والمغرب . # ! 7 < { علم الإنسان ما لم يعلم } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { علم الإنسان لم يعلم } < < # | العلق : ( 5 ) علم الإنسان ما . . . . . # > > فيحتمل أن يكون المراد علمه بالقلم وعلمه أيضا غير ذلك ولم يذكر واو ~~النسق ، وقد يجري مثل هذا في الكلام تقول : أكرمتك أحسنت إليك ملكتك ~~الأموال وليتك الولايات ، ويحتمل أن يكون المراد من اللفظين واحدا ويكون ~~المعنى : علم الإنسان بالقلم مالم يعلمه ، فيكون قوله : { علم الإنسان لم ~~يعلم } بيانا لقوله : { علم بالقلم } . # ! 7 < { كلا إن الإنسان ليطغى } . > 7 ! # قال تعالى : { كلا إن الإنسان ليطغى } < < # | العلق : ( 6 ) كلا إن الإنسان . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أكثر المفسرين على أن المراد من الإنسان ههنا إنسان ~~واحد وهو أبو جهل ، ثم منهم من قال : نزلت السورة من ههنا إلى آخرها في أبي ~~جهل . وقيل : نزلت من قوله : { أرأيت الذى ينهى * عبدا } إلى آخر السورة في ~~أبي جهل . قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء أبو جهل ~~، فقال : ألم أنهك عن هذا ؟ فزجره النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال ms9712 / أبو ~~جهل : والله إنك لتعلم أني ى كثر أهل الوادي ناديا ، فأنزل الله تعالى : { ~~فليدع ناديه * سندع الزبانية } قال ابن عباس : والله لو دعا ناديه لأخذته ~~زبانية الله ، فكأنه تعالى لما عرفه أنه مخلوق من علق فلا يليق به التكبر ، ~~فهو عند ذلك ازداد طغيانا وتعززا بماله ورياسته في مكة . ويروى أنه قال : ~~ليس بمكة أكرم مني . ولعله لعنه الله قال ذلك ردا لقوله : { وربك الاكرم } ~~ثم القائلون بهذا القول منهم من زعم أنه ليست هذه السورة من أوائل ما نزل . ~~ومنهم من قال : يحتمل أن يكون خمس آيات من أول السورة نزلت أولا ، ثم نزلت ~~البقية بعد ذلك في شأن أبي جهل ، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضم ذلك ~~إلى أول السورة ، لأن تأليف الآيات إنما كان يأمر الله تعالى ، ألا ترى أن ~~قوله تعالى : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } آخر ما نزل عند المفسرين ~~م هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل القول الثاني : أن المراد من ~~الإنسان المذكور في هذه الآية جملة الإنسان ، والقول الأول وإن كان أظهر ~~بحسب الروايات ، إلا أن هذا القول أقرب بحسب الظاهر ، لأنه تعالى بين أن ~~الله سبحانه مع أنه خلقه من علقة ، PageV32P018 وأنعم عليه بالنعم التي ~~قدمنا ذكرها ، إذ أغناه ، وزاد في النعمة عليه فإنه يطغى ويتجاوز الحد في ~~المعاصي واتباع هوى النفس ، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة ، ثم إنه تعالى ~~أكد هذا الزجر بقوله : { إن إلى ربك الرجعى } أي إلى حيث لا مالك سواه ، ~~فتقع المحاسبة على ما كان منه من العمل والمؤاخذة بحسب ذلك . # المسألة الثانية : قوله : { كلا } فيه وجوه أحدها : أنه ردع وزجر لمن كفر ~~بنعمة الله بطغيانه ، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه وثانيها : قال مقاتل ~~: كلا لا يعلم الإنسان إن الله هو الذي خلقه من العلقة وعلمه بعد الجهل ، ~~وذلك لأنه عند صيرورته غنيا يطغى ويتكبر ، ويصير مستغرق القلب في حب الدنيا ~~فلا يتفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها وثالثها ms9713 : ذكر الجرجاني صاحب ~~النظم أن { كلا } ههنا بمعنى حقا لأنه ليس قبله ولا بعده شيء تكون { كلا } ~~ردا له ، وهذا كما قالوه في : { كلا والقمر } فإنهم زعموا أنه بمعنى : أي ~~والقمر . # المسألة الثالثة : الطغيان هو التكبر والتمرد ، وتحقيق الكلام في هذه ~~الآية أن الله تعالى لما ذكر في مقدمة السورة دلائل ظاهرة على التوحيد ~~والقدرة والحكمة بحيث يبعد من العاقل أن لا يطلع عليها ولا يقف على حقائقها ~~. أتبعها بما هو السبب الأصلي في الغفلة عنها وهو حب الدنيا والاشتغال ~~بالمال والجاه والثروة والقدرة ، فإنه لا سبب لعمى القلب في الحقيقة إلا ~~ذلك . فإن قيل : إن فرعون ادعى الربوبية ، فقال الله تعالى في حقه : { اذهب ~~إلى فرعون إنه طغى } وههنا ذكر في أبي جهل : { ليطغى } فأكده بهذه اللام ، ~~فما السبب في هذه الزيادة ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : أنه قال لموسى : { ~~اذهب إلى فرعون إنه طغى } وذلك قبل أن يلقاه موسى / وقبل أن يعرض عليه ~~الأدلة ، وقبل أن يدعي الربوبية . وأما ههنا فإنه تعالى ذكر هذه الآية ~~تسلية لرسوله حين رد عليه أقبح الرد وثانيها : أن فرعون مع كمال سلطته ما ~~كان يزيد كفره على القول ، وما كان ليتعرض لقتل موسى عليها السلام ولا ~~لإيذائه . وأما أبو جهل فهو مع قلة جاهه كان / يقصد قتل النبي صلى الله ~~عليه وسلم وإيذاءه وثالثها : أن فرعون أحسن إلى موسى أولا ، وقال آخرا : { ~~ءامنت } . وأما أبو جهل فكان يحسد النبي في صباه ، وقال في آخر رمقه : ~~بلغوا عني محمدا أني أموت ولا أحد أبغض إلي منه ورابعها : أنهما وإن كانا ~~رسولين لكن الحبيب في مقابلة الكليم كاليد في مقابلة العين ، والعاقل يصون ~~عينه فوق ما يصون يده ، بل يصون عينه باليد ، فلهذا السبب كانت المبالغة ~~ههنا أكثر . # ! 7 < { أن رءاه استغنى } . > 7 @QB@ < # | العلق : ( 7 ) أن رآه استغنى # > > # أما قوله تعالى : { أن رءاه استغنى } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الأخفش : لأن رآه فخذف اللام ، كما يقال : أنكم ~~لتطغون أن رأيتم غناكم . # المسألة الثانية : قال الفراء ms9714 إنما قال : { أن رءاه } ولم يقل : رأى نفسه ~~كما يقال : قتل نفسه لأن رأى من الأفعال التي تستدعي اسما وخبرا نحو الظن ~~والحسبان ، والعرب تطرح النفس من هذا الجنس فنقول : رأيتني وظننتني وحسبتني ~~فقوله : { أن رءاه استغنى } من هذا الباب . # المسألة الثالثة : في قوله : { استغنى } وجهان : أحدهما : استغنى بماله ~~عن ربه ، والمراد من الآية ليس هو الأول ، لأن الإنسان قد ينال الثروة فلا ~~يزيد إلا تواضعا كسليمان عليه السلام ، فإنه كان يجالس PageV32P019 ~~المساكين ويقول : ( مسكين جالس مسكينا ) وعبد الرحمن بن عوف ما طغى مع كثرة ~~أمواله ، بل العاقل يعلم أنه عند الغنى يكون أكثر حاجة إلى الله تعالى منه ~~حال فقره ، لأنه في حال فقره لا يتمنى إلا سلامة نفسه ، وأما حال الغنى ~~فإنه يتمنى سلامة نفسه وماله ومماليكه ، وفي الآية وجه ثالث : وهو أن سين { ~~استغنى } سين الطالب والمعنى أن الإنسان رأى أن نفسه إنما نالت الغنى لأنها ~~طلبته وبذلت الجهد في الطلب فنالت الثروة والغنى بسبب ذلك الجهد ، لا أنه ~~نالها بإعطاء الله وتوفيقه ، وهذا جهل وحمق فكم من باذل وسعه في الحرص ~~والطلب وهو يموت جوعا ، ثم ترى أكثر الأغنياء في الآخرة يصيرون مدبرين ~~خائفين ، يريهم الله أن ذلك الغنى ما كان بفعلهم وقوتهم . # المسألة الرابعة : أول السورة يدل على مدح العلم وآخرها على مذمة المال ، ~~وكفى بذلك مرغبا في الدين والعلم ومنفرا عن الدنيا والمال . # ! 7 < { إن إلى ربك الرجعى } . > 7 @QB@ < # | العلق : ( 8 ) إن إلى ربك . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { إن إلى ربك الرجعى }وفيه مسائل : # المسألة الأولى : هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديدا ~~له وتحذيرا من عاقبة الطغيان . # المسألة الثانية : { الرجعى } المرجع والرجوع وهي بأجمعها مصادر ، يقال : ~~رجع إليه رجوعا / ومرجعا ورجعى على وزن فعلى ، وفي معنى الآية وجهان : ~~أحدهما : أنه يرى ثواب طاعته وعقاب تمرده وتكبره وطغيانه ، ونظيره قوله : { ~~ولا تحسبن الله غافلا } إلى قوله : { إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار } ~~وهذه الموعظة لا تؤثر إلا في قلب من له قدم صدق ms9715 ، أما الجاهل فيغضب ولا ~~يعتقد إلا الفرح العاجل والقول الثاني : أنه تعالى يرده ويرجعه إلى النقصان ~~والفقر والموت ، كما رده من النقصان إلى الكمال ، حيث نقله من الجمادية إلى ~~الحياة ، ومن الفقر إلى الغنى ، ومن الذل إلى العز ، فما هذا التعزز والقوة ~~. # المسألة الثالثة : روى أن أبا جهل قال للرسول عليه الصلاة والسلام : ~~أتزعم أن من استغنى طغى ، فاجعل لنا جبال مكة ذهبا وفضة لعلنا نأخذ منها ~~فنطغى ، فندع ديننا ونتبع دينك ، فنزل جبريل وقال : إن شئت فعلنا ذلك ، ثم ~~إن لم يؤمنوا فعلنا بهم مثل ما فعلنا بأصحاب المائدة ، فكف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الدعاء إبقاء عليهم . # ! 7 < { أرأيت الذى ينهى * عبدا إذا صلى } . > 7 ! # قوله تعالى : { أرأيت الذى ينهى * عبدا إذا صلى } < < # | العلق : ( 9 ) أرأيت الذي ينهى # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : روى عن أبي جهل لعنه الله أنه قال : هل يعفر محمد وجهه ~~بين أظهركم ؟ قالوا : نعم ، قال : فوالذي يحلف به لئن رأيته لأطأن عنقه ، ~~ثم إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فنكص على عقبيه ، ~~فقالوا له : مالك يا أبا الحكم ؟ فقال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا ~~شديدا . وعن الحسن أن أمية بن PageV32P020 خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة . # واعلم أن ظاهر الآية أن المراد في هذه الآية هو الإنسان المتقدم ذكره ، ~~فلذلك قالوا : إنه ورد في أبي جهل ، وذكروا ما كان منه من التوعد لمحمد ~~عليه الصلاة والسلام حين رآه يصلي ، ولا يمتنع أن يكون نزولها في أبي جهل ، ~~ثم يعم في الكل ، لكن ما بعده يقتضي أنه في رجل بعينه . # المسألة الثانية : قوله : { أرأيت } خطاب مع الرسول على سبيل التعجب ، ~~ووجه التعجب فيه أمور أحدها : أنه عليه السلام قال : اللهم أعز الإسلام إما ~~بأبي جعل بن هشام أو بعمر ، فكأنه تعالى قال له : كنت تظن أنه يعز به ~~الإسلام ، أمثله يعز به الإسلام ، وهو : { ينهى * عبدا إذا صلى } وثانيها : ~~أنه كان يلقب بأبي الحكم ، فكأنه تعالى يقول ms9716 : كيف يليق به هذا اللقب وهو ~~ينهى العبد عن خدمة ربه ، أيوصف بالحكمة من يمنع عن طاعة الرحمن ويسجد ~~للأوثانا وثالثها : أن ذلك الأحمق يأمر وينهى ، ويعتقد أنه يجب على الغير ~~طاعته ، مع أنه ليس بخالق ولا رب ، ثم إنه ينهى عن طاعة الرب والخالق ، ألا ~~يكون هذا غاية الحماقة . # المسألة الثالثة : قال : { ينهى * عبدا } ولم يقل : ينهاك ، وفيه فوائد ~~أحدها : أن التنكير في عبدا يدل على كونه كاملا في العبودية ، كأنه يقول : ~~إنه عبد لا يفي العالم بشرح بيانه وصفة إخلاصه في / عبوديته يروى : في هذا ~~المعنى أن يهوديا من فصحاء اليهود جاء إلى عمر في أيام خلافته فقال : ~~أخبرني عن أخلاق رسولكم ، فقال عمر : اطلبه من بلال فهو أعلم به مني . ثم ~~إن بلالا دله على فاطمة ثم قاطمة دلته على علي عليه السلام ، فلما سأل عليا ~~عنه قال : صف لي متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه ، فقال الرجل : هذا لا ~~يتيسر لي ، فقال علي : عجزت عن وصف متاع الدنيا وقد شهد الله على قلته حيث ~~قال : { قل متاع الدنيا قليل } فكيف أصف أخلاق النبي وقد شهد الله تعالى ~~بأنه عظيم حيث قال : { وإنك لعلى خلق عظيم } فكأنه تعالى قال : ينهى أشد ~~الخلق عبودية عن العبودية وذلك عين الجهل والحمق وثانيها : أن هذا أبلغ في ~~الذم لأن المعنى أن هذا دأبه وعادته فينهى كل من يرى وثالثها : أن هذا ~~تخويف لكل من نهى عن الصلاة ، روى عن علي عليه السلام أنه رأى في المصلى ~~أقواما يصلون قبل صلاة العيد ، فقال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يفعل ذلك ، فقيل له : ألا تنهاهم ؟ فقال : أخشى أن أدخل تحت قوله : { ~~أرأيت الذى ينهى * عبدا إذا صلى } فلم يصرح بالنهي عن الصلاة ، وأخذ أبو ~~حنيفة منه هذا الأدب الجميل حيث قال له أبو يوسف : أيقول المصلي حين يرفع ~~رأسه من الركوع : اللهم اغفر لي ؟ قال : يقول ربنا لك الحمد ويسجد ولم يصرح ~~بالنهي ورابعها : أيظن أبو جهل أنه لو ms9717 لم يسجد محمد لي لا أجد ساجدا غيره ، ~~إن محمد عد واحد ، ولي من الملائكة المقربين مالا يحصيهم إلا أنا وهم دائما ~~في الصلاة والتسبيح وخامسها : أنه تفخيم لشأن النبي عليه السلام يقول : إنه ~~مع التنكير معرف ، نظيره الكناية في سورة القدر حملت على القرآن ولم يسبق ~~له ذكر { أسرى بعبده } { أنزل على عبده } { وأنه لما قام } . # ! 7 < { أرءيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى } . > 7 @QB@ < # | العلق : ( 11 - 12 ) أرأيت إن كان . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { أرءيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى } وفيه مسائل ~~: PageV32P021 # المسألة الأولى : قوله : { أرأيت } خطاب لمن ؟ فيه وجهان الأول : أنه ~~خطاب للنبي عليه السلام ، والدليل عليه أن الأول وهو قوله : { أرأيت الذى ~~ينهى * عبدا } للنبي صلى الله عليه وسلم والثالث وهو قوله : { أرءيت إن كذب ~~وتولى } للنبي عليه الصلاة والسلام فلو جعلنا الوسط لغير النبي لخرج الكلام ~~عن النظم الحسن ، يقول الله تعالى يا محمد : أرأيت إن كان هذا الكافر ، ولم ~~يقل : لو كان إشارة إلى المستقبل كأنه يقول : أرأيت إن صار على الهدى ، ~~واشتغل بأمر نفسه ، أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة ، فلو ~~اختار الدين والهدى والأمر بالتقوى ، أما كان ذلك خيرا له من الكفر بالله ~~والنهي عن خدمته وطاعته ، كأنه تعالى يقول : تلهف عليه كيف فوت على نفسه ~~المراتب العالية وقنع بالمراتب الدنيئة . # القول الثاني : أنه خطاب للكافر ، لأن الله تعالى كالمشاهد للظالم ~~والمظلوم ، وكالمولى الذي قام بين يديه عبدان ، وكالحاكم الذي حضر عنده ~~المدعى ، والمدعى عليه فخاطب هذا مرة ، وهذا / مرة . فلما قال للنبي : { ~~أرأيت الذى ينهى * عبدا إذا صلى } التفت بعد ذلك إلى الكافر ، فقال : أرأيت ~~يا كافر إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمرا بالتقوى أتنهاه مع ذلك . # المسألة الثانية : ههنا سؤال وهو أن المذكور في أول الآية . هو الصلاة ~~وهو قوله : { أرأيت الذى ينهى * عبدا إذا صلى } والمذكور ههنا أمران ، وهو ~~قوله : { أرءيت إن كان على الهدى } في فعل الصلاة ، فلم ضم ms9718 إليه شيئا ثانيا ~~، وهو قوله : { أو أمر بالتقوى } ؟ جوابه : من وجوه أحدها : أن الذي شق على ~~أبي جهل من أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام هو هذان الأمران الصلاة ~~والدعاء إلى الله ، فلا جرم ذكرهما ههنا وثانيها : أن النبي عليه الصلاة ~~والسلام كان لا يوجد إلا في أحد أمرين ، إما في إصلاح نفسه ، وذلك بفعل ~~الصلاة أو في إصلاح غيره ، وذلك بالأمر بالتقوى وثالثها : أنه عليه السلام ~~كان في صلاته على الهدى وآمرا بالتقوى ، لأن كل من رآه وهو في الصلاة كان ~~يرق قلبه . فيميل إلى الإيمان ، فكان فعل الصلاة دعوة بلسان الفعل ، وهو ~~أقوى من الدعوة بلسان القول . # ! 7 < { أرءيت إن كذب وتولى } . > 7 @QB@ < # | العلق : ( 13 ) أرأيت إن كذب . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { أرءيت إن كذب وتولى }وفيه قولان . # القول الأول : أنه خطاب مع الرسول عليه الصلاة والسلام ، وذلك لأن ~~الدلائل التي ذكرها في أول هذه السورة جلية ظاهرة ، وكل أحد يعلم ببديهة ~~عقله ، أن منع العبد من خدمة مولاه فعل باطل وسفه ظاهر ، فإذن كل من كذب ~~بتلك الدلائل وتولى عن خدمة مولاه بل منع غيره عن خدمة مولاه يعلم بعقله ~~السليم أنه على الباطل ، وأنه لا يفعل ذلك إلا عنادا ، فلهذا قال تعالى ~~لرسوله : أرأيت يا محمد إن كذب هذا الكافر بتلك الدلائل الواضحة ، وتولى عن ~~خدمة خالقه ، ألم يعلم بعقله أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة ويعلمها ~~، أفلا يزجره ذلك عن هذه الأعمال القبيحة والثاني : أنه خطاب للكافر ، ~~والمعنى إن كان يا كافر محمد كاذبا أو متوليا ، ألا يعلم بأن الله يرى حتى ~~ينتهي بل احتاج إلى نهيك . # ! 7 < { ألم يعلم بأن الله يرى } . > 7 @QB@ < # | العلق : ( 14 ) ألم يعلم بأن . . . . . # > > # أما قوله : { ألم يعلم بأن الله يرى }ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : المقصود من الآية التهديد بالحشر والنشر ، والمعنى أنه ~~تعالى عالم بجميع المعلومات PageV32P022 حكيم لا يهمل ، الم لا يعزب عن ~~علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، فلا بد وأن يوصل جزاء كل أحد إليه ~~بتمامه ms9719 فيكون هذا تخويفا شديدا للعصاة ، وترغيبا عظيما لأهل الطاعة . # المسألة الثانية : هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل فكل من نهى من طاعة ~~الله فهو شريك أبي جهل في هذا الوعيد ، ولا يرد عليه المنع من الصلاة في ~~الدار المغصوبة والأوقات المكروهة ، لأن المنهى عنه غير الصلاة وهو المعصية ~~، ولا يرد المولى بمنع عبده عن قيام الليل / وصوم التطوع وزوجته عن ~~الاعتكاف ، لأن ذلك لاستيفاء مصلحته بإذن ربه لا بغضا لعبادة ربه . # ! 7 < { كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة * فليدع ~~ناديه * سندع الزبانية } . > 7 ! # < < # | العلق : ( 15 ) كلا لئن لم . . . . . # > > ثم قال تعالى : { كلا } وفيه وجوه أحدها : أنه ردع لأبي جهل ومنه له ~~عن نهيه عن عبادة الله تعالى وأمره بعبادة اللات وثانيها : كلا لن يصل أبو ~~جهل إلى ما يقول إنه يقتل محمدا أو يطأ عنقه ، بل تلميذ محمد هو الذي يقتله ~~ويطأ صدره وثالثها : قال مقاتل : كلا لا يعلم أن الله يرى وإن كان يعلم لكن ~~إذا كان لا ينتفع بما يعلم فكأنه لا يعلم . # ثم قال تعالى : { لئن لم ينته } أو عما هو فيه : { لنسفعا بالناصية ناصية ~~كاذبة خاطئة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { لنسفعا } وجوه أحدها : لنأخذن بناصيته ~~ولنسحبنه بها إلى النار ، والسفع القبض على الشيء ، وجذبه بشدة ، وهو كقوله ~~: { فيؤخذ بالنواصى والاقدام } وثانيها : السفع الضرب ، أي لنلطمن وجهه ~~وثالثها : لنسودن وجهه ، قال الخليل : تقول للشيء إذا لفحته النار لفحا ~~يسيرا يغير لون البشرة قد سفعته النار ، قال : والسفع ثلاثة أحجار يوضع ~~عليها القدر سميت بذلك لسوادها ، قال : والسفعة سواد في الخدين . وبالجملة ~~فتسويد الوجهعلامة الإذلال والإهانة ورابعها : لنسمنه قال ابن عباس في قوله ~~: { سنسمه على الخرطوم } إنه أبو جهل خامسها : لنذلنه . # المسألة الثانية : قرىء لنسفعن بالنون المشددة ، أي الفاعل لهذا الفعل هو ~~الله والملائكة ، كما قال : { فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين } ~~وقرأ ابن مسعود لأسعفن ، أي يقول الله تعالى يا محمد . أنا الذي أتولى ~~إهانته ، نظيره : { هو الذى أيدك ms9720 } ، { هو الذى أنزل السكينة } . # المسألة الثالثة : هذا السفع يحتمل أن يكون المراد منه إلى النار في ~~الآخرة وأن يكون المراد منه في الدنيا ، وهذا أيضا على وجوه أحدها : ما روى ~~أن أبا جهل لما قال : إن رأيته يصلي لأطأن عنقه ، فأنزل الله هذه السورة ، ~~وأمره جبريل عليه السلام بأن يقرأ على أبي جهل ويخر لله ساجدا في آخرها ~~ففعل ، فعدا إليه أبو جهل ليطأ عنقه ، فلما دنا منه نكص على عقبيه راجعا ، ~~فقيل له مالك ؟ قال : إن بيني وبينه فخلا فاغرا فاه لو مشيت إليه لالتقمني ~~، وقيل : كان جبريل وميكائيل عليهما السلام على كتفيه في صورة الأسد ~~والثاني : أن يكون المراد يوم بدر فيكون ذلك بشارة بأنه تعالى يمكن ~~المسلمين من ناصيته حتى يجرونه إلى القتل إذا عاد إلى النهي ، فلما عاد لا ~~جرم مكنهم الله تعالى من ناصيته يوم بدر ، روى أنه لما نزلت سورة الرحمن ~~PageV32P023 { علم القرءان } قال عليه السلام : لأصحابه من يقرؤها منكم على ~~رؤساء قريش ، فتثاقلوا مخافة أذيتهم ، فقام ابن مسعود وقال : أنا يا رسول ~~الله ، فأجلسه عليه السلام ، ثم قال : من يقرؤها عليهم فلم يقم إلا ابن ~~مسعود ، ثم ثالثا كذلك إلى أن أذن له ، وكان عليه السلام يبقى عليه لما كان ~~يعلم من ضعفه وصغر / جثته ، ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة ، ~~فافتتح قراءة السورة ، فقام أبو جهل فلطمه فشق أذنه وأدماه ، فانصرف وعيناه ~~تدمع ، فلما رآه النبي عليه السلام رق قلبه وأطرق رأسه مغموما ، فإذا جبريل ~~عليه السلام يجيء ضاحكا مستبشرا ، فقال : يا جبريل تضحك وابن مسعود يبكيا ~~فقال : ستعلم ، فلما ظهر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ ~~في المجاهدين ، فأخذ يطالع القتلى . فإذا أبو جهل ، مصروع يخور ، فخاف أن ~~تكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح على منخره من بعيد فطعنه ، ولعل هذا معنى ~~قوله : { سنسمه على الخرطوم } ثم لما عرف عجزه ولم يقدر أن يصعد على صدره ~~لضعفه فارتقى إليه بحيلة ، فلما رآه أبو جهل قال ms9721 : يا رويعي الغنم لقد ~~ارتقيت مرتقى صعبا ، فقال ابن مسعود : الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ، فقال ~~أبو جهل : بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إلي منه في حياتي ولا أبغض إلي ~~منه في حال مماتي ، فروى أنه عليه السلام لما سمع ذلك قال : ( فرعوني أشد ~~من فرعون موسى فإنه قال { ءامنت } وهو قد زاد عتوا ) ثم قال لابن مسعود : ~~اقطع رأسي بسيفي هذا لأنه أحد وأقطع ، فلما قطع رأسه لم يقدر على حمله ، ~~ولعل الحكيم سبحانه إنما خلقه ضعيفا لأجل أن لا يقوى على الحمل لوجوه : ~~أحدها : أنه كلب والكلب يجر والثاني : لشق الأذن فيقتص الأذن بالأذن ~~والثالث : لتحقيق الوعيد المذكور بقوله : { لنسفعا بالناصية } فتجر تلك ~~الرأس على مقدمها ، ثم إن ابن مسعود لما لم يطقه شق أذنه وجعل الخيط فيه ~~وجعل يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل بين يديه يضحك ، ويقول ~~: يا محمد أذن بأذن لكن الرأس ههنا مع الأذن ، فهذا ما روى في مقتل أبي جهل ~~نقلته معنى لا لفظا ، الخاطىء معنى قوله : { لنسفعا بالناصية } . # المسألة الرابعة : الناصية شعر الجبهة وقد يسمى مكان الشعر الناصية ، ثم ~~إنه تعالى كنى ههنا عن الوجه والرأس بالناصية ، ولعل السبب فيه أن أبا جهل ~~كان شديد الاهتمام بترجيل تلك الناصية وتطييبها ، وربما كان يهتم أيضا ~~بتسويدها فأخبره الله تعالى أنه يسودها مع الوجه . # المسألة الخامسة : أنه تعالى عرف الناصية بحرف التعريف كأنه تعالى يقول : ~~الناصية المعروفة عندكم ذاتها لكنها مجهولة عندكم صفاتها ناصية وأي ناصية ~~كاذبة قولا خاطئة فعلا ، وإنما وصف بالكذب لأنه كان كاذبا على الله تعالى ~~في أنه لم يرسل محمدا وكاذبا على رسوله في أنه ساحر أو كذاب أو ليس بنبي ، ~~وقيل : كذبه أنه قال : أنا أكثر أهل هذا الوادي ناديا ، ووصف الناصية بأنها ~~خاطئة لأن صاحبها متمرد على الله تعال قال الله تعالى : { لا يأكله إلا * ~~المؤمنون } والفرق بين الخاطىء والمخطىء أن الخاطىء معاقب مؤاخذ والمخطىء ~~غير مؤاخذ ، ووصف الناصية بالخاطئة الكاذبة كما وصف ms9722 الوجوه بأنها ناظرة في ~~قوله تعالى : { إلى ربها ناظرة } . # المسألة السادسة : { ناصية } بدل من الناصية ، وجاز إبدالها من المعرفة ~~وهي نكرة ، لأنها وصفت فاستقلت بفائدة . PageV32P024 # / المسألة السابعة : قرىء ناصية بالرفع والتقدير هي ناصية ، وناصية ~~بالنصب وكلاهما على الشتم ، واعلم أن الرسول عليه السلام لما أغلظ في القول ~~لأبي جهل وتلا عليه هذه الآيات ، قال : يا محمد بمن تهددني وأني لأكثر هذا ~~الوادي ناديا ، فافتخر بجماعته الذين كانوا يأكلون حطامه ، فنزل قوله تعالى ~~: { فليدع ناديه * سندع الزبانية } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قد مر تفسير النادي عند قوله : { وتأتون فى ناديكم ~~المنكر } قال أبو عبيدة : ناديه أي أهل مجلسه ، وبالجملة فالمراد من النادي ~~أهل النادي ، ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله ، وسمى ناديا لأن ~~القوم يندون إليه ندا وندوة ، ومنه دار الندوة بمكة ، وكانوا يجتمعون فيها ~~للتشاور ، وقيل : سمي ناديا لأنه مجلس الندى والجود ، ذكر ذلك على سبيل ~~النهكم أي : أجمع أهل الكرم والدفاع في زعمك لينصروك . # المسألة الثانية : قال أبو عبيدة والمبرد : واحد الزبانية زبنية وأصله من ~~زبنية إذا دفعته وهو متمرد من إنس أو جن ، ومثله في المعنى والتقدير عفرية ~~يقال : فلان زبنية عفرية ، وقال الأخفش : قال بعضهم واحده الزباني ، وقال ~~آخرون : الزابن ، وقال آخرون : هذا من الجمع الذي لا واحد له من لفظه في ~~لغة الغرب مثل أبابيل وعباديد وبالجملة فالمراد ملائكة العذاب / ولا شك ~~أنهم مخصوصون بقوة شديدة . وقال مقاتل : هم خزنة جهنم أرجلهم في الأرض ~~ورؤسهم في السماء ، وقال قتادة : الزبانية هم الشرط في كلام العرب وهم ~~الملائكة الغلاظ الشداد ، وملائكة النار سموا الزبانية لأنهم يزبنون الكفار ~~أي يدفعونهم في جهنم . # المسألة الثالثة : في الآية قولان : الأول : أي فليفعل ما ذكره من أنه ~~يدعو أنصاره ويستعين بهم في مباطلة محمد ، فإنه لو فعل ذلك فنحن ندعو ~~الزبانية الذين لا طاقة لناديه وقومه بهم ، قال ابن عباس : لو دعا ناديه ~~لأخذته الزبانية من ساعته معاينة ، وقيل : هذا إخبار من الله تعالى بأنه ~~يجر في الدنيا كالكلب ms9723 وقد فعل به ذلك يوم بدر ، وقيل : بل هذا إخبار بأن ~~الزبانية يجرونه في الآخرة إلى النار القول الثاني : أن في الآية تقديما ~~وتأخيرا أي لنسفعا بالناصية وسندع الزبانية في الآخرة ، فليدع هو ناديه ~~حينئذ فليمنعوه . # المسألة الرابعة : الفاء في قوله : { فليدع ناديه } تدل على المعجز ، لأن ~~هذا يكون تحريضا للكافر على دعوة ناديه وقومه ، ومتى فعل الكافر ذلك ترتب ~~عليه دعوة الزبانية ، فلما لم يجترىء الكافر على ذلك دل على ظهور معجزة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . # المسألة الخامسة : قرىء : { * ستدعى } على المجهول ، وهذه السير ليست ~~للشك عسى / من الله واجب الوقوع ، وخصوصا عند بشارة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بأن ينتقم له من عدوه ، ولعل فائدة السين هو المراد من قوله عليه ~~السلام : ( لأنصرنك ولو بعد حين ) . # PageV32P025 ! 7 < { كلا لا تطعه واسجد واقترب } . > 7 @QB@ < # | العلق : ( 19 ) كلا لا تطعه . . . . . # > > # ثم قال : { فاقرة كلا } وهو ردع لأبي جهل ، وقيل : معناه لن يصل إلى ما ~~يتصلف به من أنه يدعو ناديه ولئن دعاهم لن ينفعوه ولن ينصروه ، وهو أذل ~~وأحقر من أن يقاومك ، ويحتمل : لن ينال ما يتمنى من طاعتك له حين نهاك عن ~~الصلاة ، وقيل معناه : ألا لا تطعه . # ثم قال : { لا تطعه } وهو كقوله : { فلا تطع المكذبين } ، { واسجد } وعند ~~أكثر أهل التأويل أراد به صل وتوفر على عبادة الله تعالى فعلا وإبلاغا ، ~~وليقل فكرك في هذا العدو فإن الله مقويك وناصرك ، وقال بعضهم : بل المراد ~~الخضوع ، وقال آخرون : بل المراد نفس السجود في الصلاة . # ثم قال : { واقترب } والمراد وابتغ بسجودك قرب المنزلة منربك ، وفي ~~الحديث : ( أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد ) وقال بعضهم المراد : اسجد ~~يا محمد ، واقترب يا أبا جهل منه حتى تبصر ما ينالك من أخذ الزبانية إياك ، ~~فكأنه تعالى أمره بالسجود ليزداد غيظ الكافر ، كقوله : { ليغيظ بهم الكفار ~~} والسبب الموجب لازدياد الغيظ هو أن الكفار كان يمنعه من القيام ، فيكون ~~غيظه وغضبه عند مشاهدة السجود أتم ، ثم قال عند ذلك : { واقترب } منه يا ms9724 ~~أبا جهل وضع قدمك عليه ، فإن الرجل ساجد مشغول بنفسه ، وهذا تهكم به ~~واستحقار لشأنه ، والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم . # PageV32P026 < # > 1 ( سورة القدر ) 1 < # > # خمس آيات مكية # ! 7 < { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } . > 7 ! # { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } < < # | القدر : ( 1 ) إنا أنزلناه في . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أن المراد : إنا أنزلنا القرآن في ~~ليلة القدر ، ولكنه تعالى ترك التصريح بالذكر ، لأن هذا التركيب يدل على ~~عظم القرآن من ثلاثة أوجه أحدها : أنه أسند إنزاله إليه وجعله مختصا به دون ~~غيره والثاني : أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر . شهادة له بالنباهة ~~والاستغناء عن التصريح ، ألا ترى أنه في السورة المتقدمة لم يذكر اسم أبي ~~جهل ولم يخف على أحد لاشتهاره ، وقوله : { فلولا إذا بلغت الحلقوم } لم ~~يذكر الموت لشهرته ، فكذا ههنا والثالث : تعظيم الوقت الذي أنزل فيه . # المسألة الثانية : أنه تعالى قال في بعض المواضع : { إنى } كقوله : { إني ~~جاعل فى الارض خليفة } وفي بعض المواضع { أنا } كقوله : { إنا أنزلنا * فى ~~ليلة القدر } . { إنا نحن نزلنا الذكر } ، { إنا أرسلنا نوحا } ، { إنا ~~أعطيناك الكوثر } . وأعلم أن قوله : { أنا } تارة يراد به التعظيم ، وحمله ~~على الجمع محال لأن الدلائل دلت على وحدة الصانع ، ولأنه لو كان في الآلهة ~~كثرة لانحطت رتبة كل واحد منهم عن الإلهية ، لأنه لو كان كل واحد منهم ~~قادرا على الكمال لاستغنى بكل واحد منهم عن كل واحد منهم ، وكونه مستغنى ~~عنه نقص في حقه فيكون الكل ناقصا ، وإن لم يكن كل واحد منهم قادرا على ~~الكمال كان ناقصا ، فعلمنا أن قوله : { أنا } محمول على التعظيم لا على ~~الجمع . # المسألة الثالثة : إن قيل : ما معنى إنه أنزل في ليلة القدر ، مع العلم ~~بأنه أنزل نجوما ؟ قلنا فيه وجوه : PageV32P027 أحدهما : قال الشعبي : ~~ابتداء بإنزاله ليلة القدر لأن البعث كان في رمضان والثاني : قال ابن عباس ~~: أنزل إلى سماء الدنيا جملة ليلة القدر ، ثم إلى الأرض نجوما ، كما قال : ~~{ فلا ms9725 أقسم بمواقع النجوم } وقد ذكرنا هذه المسألة في قوله : { شهر رمضان ~~الذى أنزل فيه القرآن } لا يقال : فعلى هذا القول لم لم يقل : أنزلناه إلى ~~السماء ؟ لأن إطلاقه يوهم الإنزال إلى الأرض ، لأنا نقول : إن إنزاله إلى ~~السماء كإنزاله إلى الأرض ، لأنه لم يكن ليشرع في أمر ثم لا يتمه ، وهو ~~كغائب جاء إلى نواحي البلد / يقال : جاء فلان ، أو يقال الغرض من تقريبه ~~وإنزاله إلى سماء الدنيا أن يشوقهم إلى نزوله كمن يسمع الخبر بمجيء منشور ~~لوالده أو أمه ، فإنه يزداد شوقه إلى مطالعته كما قال : # وأبرح ما يكون الشوق يوما # إذا دنت الديار من الديار وهذا لأن السماء كالمشترك بيننا وبين الملائكة ~~، فهي لهم مسكن ولنا سقف وزينة ، كما قال : { وجعلنا السماء سقفا } فإنزاله ~~القرآن هناك كإنزاله ههنا والوجه الثالث في الجواب : أن التقدير أنزلنا هذا ~~الذكر : { فى ليلة القدر } أي في فضيلة ليلة القدر وبيان شرفها . # المسألة الرابعة : القدر مصدر قدرت أقدر قدرا ، والمراد به ما يمضيه الله ~~من الأمور ، قال : { إنا كل شىء خلقناه بقدر } والقدر ، والقدر واحد إلا ~~أنه بالتسكين مصدر وبالفتح اسم ، قال الواحدي : القدر في اللغة بمعنى ~~التقدير ، وهو جعل لشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان ، واختلفوا ~~في أنه لم سميت هذه الليلة ليلة القدر ، على وجوه أحدهما : أنها ليلة تقدير ~~الأمور والأحكام ، قال عطاء ، عن ابن عباس : أن الله قدر ما يكون في كل تلك ~~السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية ، ~~ونظيره قوله تعالى : { فيها يفرق كل أمر حكيم } واعلم أن تقدير الله لا ~~يحدث في تلك الليلة ، فإنه تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض ~~في الأزل ، بل المراد إظهار تلك الليلة المقادير للملائكة في تلك الليلة ~~بأن يكتبها في اللوح المحفوظ ، وهذا القول اختيار عامة العلماء الثاني : ~~نقل عن الزهري أنه قال : { ليلة القدر } ليلة العظمة والشرف من قولهم لفلان ~~قدر عند فلان ، أي منزلة وشرف ، ويدل عليه قوله ms9726 : { ليلة القدر خير من ألف ~~شهر } ثم هذا يحتمل وجهين أحدهما : أن يرجع ذلك إلى الفاعل أي من أتى فيها ~~بالطاعات صار ذا قدر وشرف وثانيهما : إلى الفعل أي الطاعات لها في تلك ~~الليلة قدر زائد وشرف زائد ، وعن أبي بكر الوراق سميت : { ليلة القدر } ~~لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر ، على لسان ملك ذي قدر ، على أمة لها قدر ، ولعل ~~الله تعالى إنما ذكر لفظة القدر في هذه السورة ثلاث مرات لهذا السبب . # والقول الثالث : ليلة القدر ، أي الضيق فإن الأرض تضيق عن الملائكة . # المسألة الخامسة : أنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه أحدها : أنه تعالى ~~أخفاها ، كما أخفى سائر الأشياء ، فإنه أخفى رضاه في الطاعات ، حتى يرغبوا ~~في الكل ، وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في كل الدعوات ، وأخفى الاسم ~~الأعظم ليعظموا كل الأسماء ، وأخفى في الصلاة الوسطى ليحافظوا على الكل ، ~~وأخفى قبول التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة ، وأخفى وقت الموت ~~ليخاف المكلف ، فكذا أخفى هذه PageV32P028 الليلة ليعظموا جميع ليالي رمضان ~~وثانيها : كأنه تعالى يثول : لو عينت ليلة القدر ، وأنا عالم بتجاسركم على ~~المعصية ، فربما دعتك الشهوة في / تلك الليلة إلى المعصية ، فوقعت في الذنب ~~، فكانت معصيتك مع علمك أشد من معصيتك لا مع علمك ، فلهذا السبب أخفيتها ~~عليك ، روى أنه عليه السلام دخل المسجد فرأى نائما ، فقال : يا علي نبهه ~~ليتوضأ ، فأيثظه علي ، ثم قال علي : يا رسول الله إنك سباق إلى الخيرات ، ~~فلم لم تنبهه ؟ قال : لأن رده عليك ليس بكفر ، ففعلت ذلك لتخف جنايته لو ~~أبى ، فإذا كان هذا رحمة الرسول ، فقس عليه رحمة الرب تعالى ، فكأنه تعالى ~~يقول : إذا علمت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر ، وإن غصيت ~~فيها اكتسب عقاب ألف شهر ، ودفع العقاب أولى من جلب الثواب وثالثها : أني ~~أخفيت هذه الليلة حتى يجتهد المكلف في طلبها ، فيكتسب ثواب الاجتهاد ~~ورابعها : أن العبد إذا لم يتيقن ليلة القدر ، فإنه يجتهد في الطاعة في ~~جميع ليالي رمضان ، على رجاء أنه ms9727 ربما كانت هذه الليلة هي ليلة القدر ، ~~فيباهي الله تعالى بهم ملائكته ، يقول : كنتم تقولون فيهم يفسدون ويسفكون ~~الدماء . فهذا جده واجتهاده في الليلة المظنونة ، فكيف لو جعلتها معلومة ~~لها فحينئذ يظهر سر قوله : { إني أعلم * مالا * تعلمون } . # المسألة السادسة : اختلفوا في أن هذه الليلة هل تستتبع اليوم ؟ قال ~~الشعبي : نعم يومها كليلتها ، ولعل الوجه فيه أن ذكر الليالي يستبع الأيام ~~، ومنه إذا نذر اعتكاف ليلتين الزمناه بيوميهما قال تعالى : { وهو الذى جعل ~~اليل والنهار خلفة } أي اليوم يخلف ليلته وبالضد . # المسألة السابعة : هذه الليلة هل هي باقية ؟ قال الخليل : من قال إن ~~فضلها لنزول القرآن فيها يقول انقطعت وكانت مرة ، والجمهور على أنها باقية ~~، وعلى هذا هل هي مختصة برمضان أم لا ؟ روى عن ابن مسعود أنه قال : من يقم ~~الحول يصبها ، وفسرها عكرمة بليلة البراءة في قوله : { إنا أنزلناه فى ليلة ~~مباركة } والجمهور على أنها مختصة برمضان واحتجوا عليه بقوله تعالى : { شهر ~~رمضان الذى أنزل فيه القرآن } وقال : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } فوجب ~~أن تكون ليلة القدر في رمضان لئلا يلزم التناقص / وعلى هذا القول اختلفوا ~~في تعيينها على ثمانية أقوال ، فقال ابن رزين : ليلة القدر هي الليلة ~~الأولى من رمضان ، وقال الحسن البصري : السابعة عشرة ، وعن أنس مرفوعا ~~التاسعة عشرة ، وقال محمد بن إسحاق : الحادية والعشرون . وعن ابن عباس ~~الثالثة والعشرون ، وقال ابن مسعود : الرابعة والعشرون ، وقال أبو ذر ~~الغفاري : الخامسة والعشرون ، وقال أبي بن كعب وجماعة من الصحابة : السابعة ~~والعشرون ، وقال بعضهم : التاسعة والعشرون . أما الذين قالوا : إنها الليلة ~~الأولى ( فقد ) قالوا : روى وهب أن صحف إبراهيم أنزلت في الليلة الأولى من ~~رمضان والتوراة ليست ليال مضين من رمضان بعد صحف إبراهيم بسبعمائة سنة ، ~~وأنزل الزبور على داود لثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان بعد التوراة بخمسمائة ~~عام وأنزل الإنجيل على عيسى لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان بعد الزبور ~~بستمائة عام وعشرين عاما ، وكان القرآن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~في كل ms9728 ليلة قدر من السنة إلى السنة كان جبريل عليه السلام ينزل به من بيت ~~العزة من السماء / السابعة إلى سماء الدنيا ، فأنزل الله تعالى القرآن في ~~عشرين شهرا في عشرين سنة ، فلما كان هذا الشهر هو الشهر الذي حصلت فيه هذه ~~الخيرات العظيمة ، لا جرم كان في غاية الشرف والقدر والرتبة فكانت الليلة ~~الأولى منه ليلة القدر ، وأما الحسن البصري فإنه قال : هي ليلة سبعة عشر ، ~~لأنها ليلة كانت صبيحتها وقعة بدر ، وأما التاسعة PageV32P029 عشرة فقد روى ~~أنس فيها خبرا ، وأما ليلة السابع والعشرين فقد مال الشافعي إليه لحديث ~~الماء والطين ، والذي عليه المعظم أنها ليلة السابع والعشرين ، وذكروا فيه ~~أمارات ضعيفة أحدها : حديث ابن عباس أن السورة ثلاثون كلمة ، وقوله : { هى ~~} هي السابعة والعشرون منها وثانيها : روى أن عمر سأل الصحابة ثم قال لابن ~~عباس : غص يا غواص فقال زيد بن ثابت : أحضرت أولاد المهاجرين وماأحضرت ~~أولادنا . فقال عمر : لعلك تقول : إن هذا غلام ، ولكن عنده ما ليس عندكم . ~~فقال ابن عباس : أحب الأعداد إلى الله تعالى الوتر أحب الوتر إليه السبعة ، ~~فذكر السموات السبع والأرضين السبع والأسبوع ودركات النار وعدد الطواف ~~والأعضاء السبعة ، فدل على أنها السابعة والعشرون وثالثها : نقل أيضا عن ~~ابن عباس ، أنه قال : { ليلة القدر } تسعة أحرف ، وهو مذكور ثلاث مرات ~~فتكون السابعة والعشرين ورابعها : أنه كان لعثمان بن أبي العاص غلام ، فقال ~~: يا مولاي إن البحر يعذب ماؤه ليلة من الشهر ، قال : إذا كانت تلك الليلة ~~، فأعلمني فإذا هي السابعة والعشرون من رمضان . وأما من قال : إنها الليلة ~~الأخيرة قال : لأنها هي الليلة التي تتم فيها طاعات هذا الشهر ، بل أول ~~رمضان كآدم وآخره كمحمد ، ولذلك روى في الحديث ، يعتق في آخر رمضان بعدد ما ~~أعتق من أول الشهر ، بل الليلة الأولى كمن ولد له ذكر ، فهي ليلة شكر ، ~~والأخيرة ليلة الفراق ، كمن مات له ولد ، فهي ليلة صبر ، وقد علمت فرق ما ~~بين الصبر والشكر . # ! 7 < { ومآ أدراك ما ليلة القدر } . > 7 @QB@ < # | القدر ms9729 : ( 2 ) وما أدراك ما . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وما أدراك ما ليلة القدر } يعني ولم تبلغ درايتك غاية ~~فضلهاومنتهى علو قدرها ، ثم إنه تعالى بين فضيلتها من ثلاثة أوجه : # ! 7 < { ليلة القدر خير من ألف شهر } . > 7 @QB@ < # | القدر : ( 3 ) ليلة القدر خير . . . . . # > > # الأول : قوله تعالى : { ليلة القدر خير من ألف شهر } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في تفسير الآية وجوه أحدها : أن العبادة فيها { خير من ~~ألف شهر } ليس فيها هذه الليلة ، لأنه كالمستحيل أن يقال إنها : { خير من ~~ألف شهر } فيها هذه الليلة ، وإنما كان كذلك لما يزيد الله فيها من المنافع ~~والأرزاق وأنواع الخير وثانيها : قال مجاهد : كان في بني إسرائيل رجل يقوم ~~الليل حتى يصبح ثم يجاهد حتى يمسي فعل ذلك ألف شهر ، فتعجب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمسلمون من ذلك ، فأنزل الله هذه الآية ، أي ليلة القدر ~~لأمتك خير من ألف شهر لذلك الإسرائيلي الذي حمل السلاح ألف شهر وثالثها : ~~قال مالك بن أنس : أرى / رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أعمار الناس ، ~~فاستقصر أعمار أمته ، وخاف أن لا يبلغوا من الأعمال مثل ما بلغه سائر الأمم ~~، فأعطاه الله ليلة القدر وهي خير من ألف شهر لسائر الأمم ورابعها : روى ~~القاسم بن فضل عن عيسى بن مازن ، قال : قلت للحسن بن علي عليه السلام يا ~~مسود وجوه المؤمنين عمدت إلى هذا الرجل فبايعت له يعني معاوية ، فقال : إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأى في منامه بني أمية يطؤن منبره واحدا ~~بعد واحد ، وفي رواية ينزون على منبره نزو القردة ، فشق ذلك عليه فأنزل ~~الله تعالى : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } إلى قوله : { خير من ألف شهر } ~~يعني ملك بني أمية قال القاسم فحسبنا ملك بني أمية ، فإذا هو ألف شهر . طعن ~~القاضي في هذه الوجوه فقال : ما ذكر من { ألف شهر } في أيام بني أمية بعيد ~~، لأنه تعالى لا يذكر فضلها بذكر ألف شهر مذمومة ، وأيام بني أمية كانت ~~مذمومة . PageV32P030 # واعلم أن هذا الطعن ms9730 ضعيف ، وذلك لأن أيام بني أمية كانت أياما عظيمة بحسب ~~السعادات الدنيوية ، فلا يمتنع أن يقول الله تعالى إني : أعطيتك ليلة هي في ~~السعادات الدينية أفضل من تلك السعادات الدنيوية . # المسألة الثانية : هذه الآية فيها بشارة عظيمة وفيها تهديد عظيم ، أما ~~البشارة فهي أنه تعالى ذكر أن هذه الليلة خير ، ولم يبين قدر الخيرية ، ~~وهذا كقوله عليه السلام لمبارزة علي عليه السلام مع عمرو بن عبد ود ( ~~العامري ) أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة ، فلم يقل مثل عمله بل قال : ~~أفضل كأنه يقول : حسبك هذا من الوزن والباقي جزاف . # واعلم أن من أحياها فكأنما عبد الله تعالى نيفا وثمانين سنة ، ومن أحياها ~~كل سنة فكأنه رزق أعمارا كثيرة ، ومن أحيا الشهر لينالها بيقين فكأنه أحيا ~~ثلاثين قدرا ، يروى أنه يجاء يوم القيامة بالإسرائيلي الذي عبد الله ~~أربعمائة سنة ، ويجاء برجل من هذه الأمة ، وقد عبد الله أربعين سنة فيكون ~~ثوابه أكثر ، فيقول الإسرائيلي : أنت العدل ، وأرى ثوابه أكثر ، فيقول : ~~إنهكم كنتم تخافون العقوبة المعجلة فتعبدون ، وأمة محمد كانوا آمنين لقوله ~~: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ثم إنهم كانوا يعبدون ، فلهذا السبب ~~كانت عبادتهم أكثر ثوابا ، وأما التهديد فهو أنه تعالى توعد صاحب الكبيرة ~~بالدخول في النار ، وأن إحياء مائة ليلة من القدر لا يخلصه عن ذلك العذاب ~~المستحق بتطفيف حبة واحدة ، فلهذا فيه إشارة إلى تعظيم حال الذنب والمعصية ~~. # المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : ( أجرك على قدر نصبك ) ومن المعلوم أن الطاعة في ألف شهر أضق من ~~الطاعة في ليلة واحدة ، فكيف يعقل استواؤهما ؟ والجواب : من وجوه : أحدها : ~~أن الفعل الواحد قد يختلف حاله في الحسن والقبح بسبب اختلاف الوجوه المنضمة ~~إليه / ألا ترى أن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بكذا درجة ، مع أن ~~الصورة قد تنتقض فإن المسبوق سقطت عنه ركعة واحدة ، وأيضا / فأنت تقول لمن ~~يرجم : إنه إنما يرجم إنه زان فهو قول حسن ، ولو ms9731 قلته للنصراني فقذف يوجب ~~التعزيز ، ولو قلته للمحصن فهو يوجب الحد ، فقد اختلفت الأحكام في هذه ~~المواضع ، مع أن الصورة واحدة في الكل ، بل لو قلته في حق عائشة كان كفرا ، ~~ولذلك قال : { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } وذلك لأن هذا طعن في حق ~~عائشة التي كانت رحلة في العلم ، لقوله عليه السلام : ( خذوا ثلثي دينكم من ~~هذه الحميراء ) وطعن في صفوان مع أنه كان رجلا بدريا ، وطعن في كافة ~~المؤمنين لأنها أم المؤمنين ، وللولد حق المطالبة بقذف الأم وإن كان كافرا ~~، بل طعن في النبي الذي كان أشد خلق الله غيره ، بل طعن في حكمة الله إذ لا ~~يجوز أن يتركه حتى يتزوج بامرأة زانية ، ثم القائل بقوله : هذا زان ، فقد ~~ظن أن هذه اللفظة سهلة مع أنها أثقل من الجبال ، فقد ثبت بهذا أن الأفعال ~~تختلف آثارها في الثواب والعقاب لاختلاف وجوهها ، فلا يبعد أن تكون الطاعة ~~القليلة في الصورة مساوية في الثواب للطاعات الكثيرة والوجه الثاني : في ~~الجواب أن مقصود الحكيم سبحانه أن يجر الخلق إلى الطاعات فتارة يجعل ثمن ~~الطاعة ضعفين ، فقال : { إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } ومرة عشرا ، ~~ومرة سبعمائة ، وتارة بحسب الأزمنة ، وتارة بحسب الأمكنة ، والمقصود الأصلي ~~من الكل جر المكلف إلى الطاعة وصرفه عن الاشتغال بالدنيا ، فتارة يرجح ~~البيت وزمزم على سائر البلاد ، وتارة يفضل رمضان على سائر الشهور ، وتارة ~~PageV32P031 يفضل الجمعة على سائر الأيام ، وتارة يفضل ليلة القدر على سائر ~~الليالي ، والمقصود ما ذكرناه الوجه الثاني : من فضائل هذه الليلة . # ! 7 < { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر } . > 7 @QB@ < # | القدر : ( 4 ) تنزل الملائكة والروح . . . . . # > > # قوله تعالى : { تنزل الملائكة والروح فيها } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن نظر الملائكة على الأرواح ، ونظر البشر على ~~الأشباح ، ثم إن الملائكة لما رأوا روحك محلا للصفات الذميمة من الشهوة ~~والغضب ما قبلوك . فقالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويفسك الدماء ، وأبواك ~~لما رأوا قبح صورتك في أول الأمر حين كنت ms9732 منيا وعلقة ما قبلوك أيضا ، بل ~~أظهروا النفرة ، واستقذروا ذلك المني والعلقة ، وغسلوا ثيابهم عنه ، ثم كم ~~احتالوا للإسقاط والإبطال ، ثم إنه تعالى لما أعطاك الصورة الحسنة فالأبوان ~~لما رأوا تلك الصورة الحسنة قبلوك ومالوا إليك ، فكذا الملائكة لما رأوا في ~~روحك الصورة الحسنة وهي معرفة الله وطاعته أحبوك فنزلوا إليك معتذرين عما ~~قالوه أولا ، فهذا هو المراد من قوله : { تنزل الملائكة } فإذا نزلوا إليك ~~رأوا روحك في ظلمة ليل البدن ، وظلمة القوى الجسمانية فحينئذ يعتذرون عما ~~تقدم : { ويستغفرون للذين ءامنوا } . # المسألة الثانية : أن قوله تعالى : { تنزل الملائكة } يقتضي ظاهره نزول ~~كل الملائكة ، ثم / الملائكة لهم كثرة عظيمة لا تحتمل كلهم الأرض ، فلهذا ~~السبب اختلفوا فقال بعضهم : إنها تنزل بأسرها إلى السماء الدنيا ، فإن قيل ~~الإشكال بعد باق لأن السما مملوءة بحيث لا يوجد فيها موضع إهاب إلا وفيه ~~ملك ، فكيف تسع الجميع سماء واحدة ؟ قلنا : يقضي بعموم الكتاب على خبر ~~الواحد ، كيف والمروي إنهم ينزلون فوجا فوجا فمن نازل وصاعد كأهل الحج ~~فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة بالكلية لكن الناس بين داخل وخارج ، ولهذا ~~السبب مدت إلى غاية طلوع الفجر فلذلك ذكر بلفظ : { تنزل } الذي يفيد المرة ~~بعد المرة . # والقول الثاني : وهو اختيار الأكثرين أنهم ينزلون إلى الأرض وهو الأوجه ، ~~لأن الغرض هو الترغيب في إحياء هذه الليلة ، ولأنه دلت الأحاديث على أن ~~الملائكة ينزلون في سائر الأيام إلى مجالس الذكر والدين ، فلأن يحصل ذلك في ~~هذه الليلة مع علو شأنها أولى ، ولأن النزول المطلق لا يفيد إلا النزول من ~~السماء إلى الأرض ، ثم اختلف من قال : ينزلون إلى الأرض على وجوه : أحدها : ~~قال بعضهم : ينزلون ليروا عبادة البشر وحدهم واجتهادهم في الطاعة وثانيها : ~~أن الملائكة قالوا : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } فهذا يدل على أنهم كانوا ~~مأمورين بذلك النزول فلا يدل على غاية المحبة . # وأما هذه الآية وهو قوله : { بإذن ربهم } فإنها تدل على أنهم استأذنوا ~~أولا فأذنوا ، وذلك يدل على غاية المحبة ، لأنهم كانوا يرغبون إلينا ~~ويتمنون ms9733 لقاءنا . لكن كانوا ينتظرون الإذن ، فإن قيل قوله : { وإنا لنحن ~~الصافون } ينافي قوله : { تنزل الملائكة } قلنا نصرف الحالتين إلى زمانين ~~مختلفين PageV32P032 وثالثها : أنه تعالى وعد في الآخرة أن الملائكة : { ~~يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم } فههنا في الدنيا إن اشتغلت بعبادتي ~~نزلت الملائكة عليك حتى يدخلوا عليك للتسلم والزيارة ، روى عن علي عليه ~~السلام : ( أنهم ينزلون ليسلموا علينا وليشفعوا لنا فمن أصابته التسليمة ~~غفر له ذنبه ) ورابعها : أن الله تعالى جعل فضيلة هذه الليلة في الاشتغال ~~بطاعته في الأرض فهم ينزلون إلى الأرض لتصير طاعاتهم أكثر ثوابا ، كما أن ~~الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعته هناك أكثر ثوابا ، وكل ذلك ترغيب للإنسان ~~في الطاعة وخامسها : أن الإنسان يأتي بالطاعات والخيرات عند حضور الأكابر ~~من العلماء والزهاد أحسن مما يكون في الخلوة / فالله تعالى أنزل الملائكة ~~المقربين حتى أن المكلف يعلم أنه إنما يأتي بالطاعات في حضور أولئك العلماء ~~العباد الزهاد فيكون أتم وعن النقصان أبعد وسادسها : أن من الناس من خص لفظ ~~الملائكة ببعض فرق الملائكة ، عن كعب أن سدرة المنتهى على حد السماء ~~السابعة مما يلي الجنة ، فهي على حد هواء الدنيا وهواء الآخرة ، وساقها في ~~الجنة وأغصانها تحت الكرسي فيها ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله يعبدون الله ~~ومقام جبريل في وسطها ، ليس فيها ملك إلا وقد أعطى الرأفة والرحمة للمؤمنين ~~ينزلون مع جبريل ليلة القدر ، فلا تبقى بقعة من الأرض إلا وعليها ملك ساجد ~~أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات ، وجبريل لا يدع أحدا من الناس إلا صافحهم ~~، وعلامة ذلك من اقشعر جلده ورق قلبه ودمعت عيناه ، فإن ذلك من مصافحة ~~جبريل عليه السلام ، من قال فيها ثلاث مرات : لا إله إلا الله غفر له ~~بواحدة ، ونجاه من النار بواحدة ، وأدخله الجنة بواحدة ، وأول من يصعد ~~جبريل حتى يصير أمام الشمس فيبسط جناحين أخضرين لا ينشرهما إلا تلك الساعة ~~من تلك الليلة ثم يدعو ملكا ملكا ، فيصعد الكل ويجتمع نور الملائكة ونور ~~جناح جبريل عليه السلام ، فيقيم ms9734 جبريل ومن معه من الملائكة بين الشمس وسماء ~~الدنيا يومهم ذلك مشغولين بالدعاء والرحمة والاستغفار للمؤمنين ، ولمن صام ~~رمضان احتسابا ، فإذا أمسوا دخلوا سماء الدنيا فيجلسون حلقا حلقا فتجمع ~~إليهم ملائكة السماء فيسألونهم عن رجل رجل وعن امرأة امرأة ، حتى يقولوا : ~~ما فعل فلان وكيف وجدتموه ؟ فيقولون : وجدناه عام أول متعبدا ، وفي هذا ~~العام مبتدعا ، وفلان كان عام أول مبتدعا ، وهذا العام متعبدا ، فيكفون عن ~~الدعاء للأول ، ويشتغلون بالدعاء للثاني ، ووجدنا فلانا تاليا ، وفلانا ~~راكعا ، وفلانا ساجدا ، فهم كذلك يومهم وليلتهم حتى يصعدوا السماء الثانية ~~وهكذا يفعلون في كل سماء حتى ينتهوا إلى السدرة . فتقول لهم السدرة : يا ~~سكاني حدثوني عن الناس فإن لي عليكم حقا ، وإني أحب من أحب الله ، فذكر كعب ~~أنهم يعدون لها الرجل والمرأة بأسمائهم وأسماء آبائهم ، ثم يصل ذلك الخبر ~~إلى الجنة ، فتقول الجنة : اللهم عجلهم إلي ، والملائكة ، وأهل السدرة ~~يقولون : آمين آمين ، إذا عرفت هذا فنقول ، كلما كان الجمع أعظم ، كان نزول ~~الرحمة هناك أكثر ، ولذلك فإن أعظم الجموع في موثق الحج ، لا جرم كان نزول ~~الرحمة هناك أكثر ، فكذا في ليلة القدر يحصل مجمع الملائكة المقربين ، فلا ~~جرم كان نزل الرحمة أكثر . # المسألة الثالثة : ذكروا في الروح أقوالا أحدها : أنه ملك عظيم ، لو ~~التقم السموات والأرضين كان ذلك له لقمة واحدة وثانيها : طائفة من الملائكة ~~لا تراهم الملائكة إلا ليلة القدر ، كالزهاد الذين لا نراهم إلا يوم العيد ~~وثالثها : خلق من خلق الله يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة ، ولا من ~~الإنس ، ولعلهم خدم أهل الجنة ورابعها : يحتمل أنه عيسى عليه السلام لأنه ~~اسمه ، ثم إنه ينزل في مواقفة الملائك ليطلع على أمة محمد وخامسها : أنه ~~القرآن : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } وسادسها : الرحمة ~~PageV32P033 قرىء : { لا * يبنى اذهبوا فتحسسوا من } بالرفع كأنه تعالى ، ~~يقول : الملائكة ينزلون رحمتي تنزل في أثرهم فيجدون سعادة الدنيا وسعادة ~~الآخرة وسابعها : الروح أشرف الملائكة وثامنها : عن أبي نجيح الروح هم ~~الحفظة والكرام الكاتبون فصاحب اليمين يكتب إتيانه بالواجب ms9735 ، وصاحب الشمال ~~يكتب تركه للقبيح ، والأصح أن الروح ههنا جبريل . وتخصيصه بالذكر لزيادة ~~شرفه كأنه تعالى يقول الملائكة في كفة والروح في كفة . # أما قوله تعالى : { بإذن ربهم } فقد ذكرنا أن هذا يدل على أنهم كانوا ~~مشتاقين إلينا ، فإن / قيل : كيف يرغبون إلينا مع علمهم بكثرة معاصينا ؟ ~~قلنا : إنهم لا يقفون على تفصيل المعاصي روى أنهم يطالعون اللوح ، فيرون ~~فيه طاعة المكلف مفصلة ، فإذا وصلوا إلى معاصيه أرخى الستر فلا ترونها ، ~~فحينئذ يقول : سبحان من أظهر الجميل ، وستر على القبيح ، ثم قد ذكرنا فوائد ~~في نزولهم ونذكر الآن فوائد أخرى وحاصلها أنهم يرون في الأرض من أنواع ~~الطاعات أشياء ما رأوها في عالم السموات أحدها : أن الأغنياء يجيئون ~~بالطعام من بيوتهم فيجعلونه ضيافة للفقراء والفقراء يأكلون طعام الأغنياء ~~ويعبدون الله ، وهذا نوع من الطاعة لا يوجد في السموات وثانيها : أنهم ~~يسمعون أنين العصاة وهذا لا يوجد في السموات وثالثها : أنه تعالى قال : ( ~~لأنين المذنبين أحب إلي من زجل المسبحين ) فقالوا : تعالوا نذهب إلى الأرض ~~فنسمع صوتا هو أحب إلى ربنا من صوت تسبيحنا ، وكيف لا يكون أحب وزجل ~~المسبحين إظهار لكمال حال المطيعين ، وأنين العصاة إظهار لغفارية رب الأرض ~~والسموات ( وهذه هي المسألة الأولى ) . # المسألة الثانية : هذه الآية دالة على عصمة الملائكة ونظيرها قوله : { ~~وما نتنزل إلا بأمر ربك } وقوله : { لا يسبقونه بالقول } وفيها دقيقة وهي ~~أنه تعالى لم يقل : مأذونين بل قال : { بإذن ربهم } وهو إشارة إلى أنهم لا ~~يتصرفون تصرفا ما إلا بإذنه ، ومن ذلك قول الرجل لامرأته إن خرجت إلا بإذني ~~، فإنه يعتبر الإذن في كل خرجة . # المسألة الثالثة : قوله : { ربهم } يفيد تعظيما للملائكة وتحقيرا للعصاة ~~، كأنه تعالى قال : كانوا لي فكنت لهم ، ونظيره في حقنا : { إن ربكم الله ~~الذى خلق * السماوات والارض } وقال لمحمد عليه السلام : { وإذ قال ربك } ~~ونظيره ما روى أن داود لما مرض مرض الموت قال : إلهي كن لسليمان كما كنت لي ~~، فنزل الوحي وقال : قل لسليمان فليكن لي كما كنت لي ، وروى ms9736 عن إبراهيم ~~الخليل عليه السلام أنه فقد الضيف أياما فخرج بالسفرة ليلتمس ضيفا فإذا ~~بخيمة ، فنادى أتريدون الضيف ؟ فقيل : نعم ، فقال للمضيف : أيوجد عندك إدام ~~لبن أو عسل ؟ فرفع الرجل صخرتين فضرب إحداهما بالأخرى فانشقا فخرج من ~~إحداهما اللبن ومن الأخرى العسل ، فتعجب إبراهيم وقال : إلهي أنا خليلك ولم ~~أجد مثل ذلك الإكرام ، فماله ؟ فنزل الوحي يا خليلي كان لنا فكنا له . ~~PageV32P034 # أما قوله تعالى : { من كل أمر } فمعناه تنزل الملائكة والروح فيها من أجل ~~كل أمر ، والمعنى أن كل واحد منهم إنما نزل لمهم آخر ، ثم ذكروا فيه وجوها ~~أحدها : أنهم كانوا في أشغال كثيرة فبعضهم للركوع وبعضهم للسجود ، وبعضهم ~~بالدعاء ، وكذا القول في التفكر والتعليم ، وإبلاغ الوحي ، وبعضهم لإدراك ~~فضيلة الليلة أو ليسلموا على المؤمنين وثانيها : وهو قول الأكثرين / من أجل ~~كل أمر قدر في تلك السنة من خير أو شر ، وفيه إشارة إلى أن نزولهم إنما كان ~~عبادة ، فكأنهم قالوا : ما نزلنا إلى الأرض لهوى أنفسنا ، لكن لأجل كل أمر ~~فيه مصلحة المكلفين ، وعم لفظ الأمر ليعم خير الدنيا والآخرة بيانا منه ~~أنهم ينزلون بما هو صلاح المكلف في دينه ودنياه كأن السائل يقول : من أين ~~جئت ؟ فيقول : مالك وهذا الفضول ، ولكن قل : لأي أمر جئت لأنه حظك وثالثها ~~: قرأ بعضهم : { من كل * امرىء } أي من أجل كل إنسان ، وروى أنهم لا يلقون ~~مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه ، قيل : أليس أنه قد روى أنه تقسم الآجال ~~والأرزاق ليلة النصف من شعبان ، والآن تقولون : إن ذلك يكون ليلة القدر ؟ ~~قلنا : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله يقدر المقادير في ~~ليلة البراءة ، فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها ) وقيل : يقدر ليلة ~~البراءة الآجال والأرزاق / وليلة القدر يقدر الأمور التي فيها الخير ~~والبركة والسلامة ، وقيل : يقدر في ليلة القدر ما يتعلق به إعزاز الدين ، ~~وما فيه النفع العظيم للمسلمين ، وأما ليلة البراءة فيكتب فيها أسماء من ~~يموت ويسلم إلى ملك الموت . # ! 7 < { سلام هى ms9737 حتى مطلع الفجر } . > 7 @QB@ < # | القدر : ( 5 ) سلام هي حتى . . . . . # > > # الوجه الثالث : من فضائل هذه الليلة . قوله تعالى : { سلام هى حتى مطلع ~~الفجر } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : في قوله سلام وجوه أحدها : أن ليلة القدر ، إلى طلوع ~~الفجر سلام أي تسلم الملائكة على المطيعين ، وذلك لأن الملائكة ينزلون فوجا ~~فوجا من ابتداء الليل إلى طلوع الفجر فترادف النزول لكثرة السلام وثانيها : ~~وصفت الليلة بأنها سلام ، ثم يجب أن لا يستحقر هذا السلام لأن سبعة من ~~الملائكة سلموا على الخليل في قصة العجل الحنيذ ، فازداد فرحع بذلك على ~~فرحع بملك الدنيا ، بل الخليل لما سلم الملائكة عليه صار نار نمروذ عليه { ~~بردا وسلاما } أفلا تصير ناره تعالى ببركة تسليم الملائكة علينا بردا ~~وسلاما لكن ضيافة الخليل لهم كانت عجلا مشويا وهم يريدون منا قلبا مشويا ، ~~بل فيه دقيقة ، وهي إظهار فضل هذه الأمة ، فإن هناك الملائكة ، نزلوا على ~~الخليل ، وههنا نزلوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وثالثها : أنه سلام ~~من الشرور والآفات ، أي سلامة وهذا كما يقال : إنما فلان حج وغزو أي هو ~~أبدا مشغول بهما ، ومثله : ( فإنما هي إقبال وإدبار ) . # وقالوا تنزل الملائكة والروح في ليلة القدر بالخيرات والسعادات ولا ينزل ~~فيها من تقدير المضار شيء فما ينزل في هذه الليلة فهو سلام ، أي سلامة ونفع ~~وخير ورابعها : قال أبو مسلم : سلام أي الليلة سالمة عن الرياح والأذى ~~والصواعق إلى ما شابه ذلك وخامسها : سلام لا يستطيع الشيطان فيها سوءا ~~وسادسها : PageV32P035 أن الوقف عند قوله : { من كل أمر * سلام } فيتصل ~~السلام بما قبله ومعناه أن تقدير الخير والبركة والسلامة يدوم إلى طلوع ~~الفجر ، وهذا الوجه ضعيف وسابعها : / أنها من أولها إلى مطلع الفجر سالمة ~~في أن العبادة في كل واحد من أجزائها خير من ألف شهر ليست كسائر الليالي في ~~أنه يستحب للفرض الثلث الأول وللعبادة النصف وللدعاء السحر بل هي متساوية ~~الأوقات والأجزاء وثامنها : سلام هي ، أي جنة هي لأن من أسماء الجنة دار ~~السلام أي الجنة المصوغة ms9738 من السلامة . # المسألة الثانية : المطلع الطلوع يقال : طلع الفجر طلوعا ومطلعا ، ~~والمعنى أنه يدوم ذلك السلام إلى طلوع الفجر ، ومن قرأ بكسر اللام فهو اسم ~~لوقت الطلوع وكذا مكان الطلوع مطلع قاله الزجاج : أما أبو عبيدة والفراء ~~وغيرهما فإنهم اختاروا فتح اللام لأنه بمعنى المصدر ، وقالوا : الكسر اسم ~~نحو المشرق ولا معنى لاسم موضع الطلوع ههنا بل إن حمل على ما ذكره الزجاج ~~من اسم وقت الطلوع صح ، قال أبو علي : ويمكن حمله على المصدر أيضا ، لأن من ~~المصادر التي ينبغي أن تكون على المفعل ما قد كسر كقولهم علاء المكبر ~~والمعجز ، قوله : { ويسئلونك عن المحيض } فكذلك كسر المطلع جاء شاذا عما ~~عليه بابه . والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم . # PageV32P036 < # > 1 ( سورة البينة ) 1 < # > # وهي ثمانية آيات مدنية # ! 7 < { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم ~~البينة * رسول من الله يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة * وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءتهم البينة } . > 7 ! # { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ~~* رسول من الله يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة * وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } . # < < # | البينة : ( 1 ) لم يكن الذين . . . . . # > > إعلم أن في الآية مسائل : # المسألة الأولى : قال الواحدي في كتاب البسيط : هذه الآية من أصعب ما في ~~القرآن نظما وتفسيرا ، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء ، ثم إنه رحمه الله ~~تعالى لم يلخص كيفية الإشكال فيها وأنا أقول : وجه الإشكال أن تقدير الآية ~~: { لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم البينة } التي هي الرسول ، ثم ~~إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا لكنه معلوم ، إذ المراد هو الكفر ~~الذي كانوا عليه ، فصار التقدير : لم يكن الذين كفروا منفكين ، عن كفرهم ~~حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول ، ثم إن كلمة حتى لانتهاء الغاية فهذه ~~الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان ms9739 الرسول ، ثم قال بعد ذلك ~~: { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } وهذا يقتضي ~~أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول عليه السلام ، فحينئذ يحصل بين الآية ~~الأولى والآية الثانية مناقضة في الظاهر ، هذا منتهى الإشكال فيما أظن ~~والجواب : عنه من وجوه أولها : وأحسنها الوجه الذي لخصه صاحب الكشاف . وهو ~~أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأوثان ، كانوا يقولون قبل مبعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم : لا ننفك عما نحن عليه من ديننا ، ولا نتركه حتى ~~PageV32P037 يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل . وهو ~~محمد عليه السلام ، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ، ثم قال : { وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب } يعني / أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق ~~على الحق إذا جاءهم الرسول ، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا ~~مجيء الرسول ، ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه : لست ~~أمتنع مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى ، فلما رزقه ~~الله الغنى ازداد فسقا فيقول واعظه : لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر ، وما ~~عمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار بذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما ، ~~وحاصل هذا الجواب يرجع إلى حرف واحد ، وهو أن قوله : { لم يكن الذين كفروا ~~منفكين } عن كفرهم : { حتى تأتيهم البينة } مذكورة حكاية عنهم ، وقوله : { ~~وما تفرق الذين أوتوا الكتاب } هو إخبار عن الواقع ، والمعنى أن الذي وقع ~~كان على خلاف ما ادعوا وثانيها : أن تقدير الآية ، لم يكن الذين كفروا ~~منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة . وعلى هذا التقدير يزول الإشكال هكذا ~~ذكره القاضي إلا أن تفسير لفظة حتى بهذا ليس من اللغة في شيء وثالثها : أنا ~~لا نحمل قوله : { منفكين } على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد ~~بالمناقب والفضائل والمعنى لم يكن الذين كفروا منفكين عن ذكر محمد بالمناقب ~~والفضائل حتى تأتيهم البينة قال ابن عرفة : أي حتى أتتهم ، فاللفظ لفظ ~~المضارع ومعناه الماضي / وهو كقوله ms9740 تعالى : { ما تتلوا * الشياطين } أي ما ~~تلت ، والمعنى أنهم ما كانوا منفكين عن ذكر مناقبه ، ثم لما جاءهم محمد ~~تفرقوا فيه ، وقال كل واحد فيه قولا آخر رديا ونظيره قوله تعالى : { وكانوا ~~من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } والقول ~~المختار في هذه الآية هو الأول ، وفي الآية وجه رابع وهو أنه تعالى حكم على ~~الكفار أنهم ما كانوا منفكين عن كفرهم إلى وقت مجيء الرسول ، وكلمة حتى ~~تقتضي أن يكون الحال بعد ذلك ، بخلاف ما كان قبل ذلك ، والأمر هكذا كان لأن ~~ذلك المجموع ما بقوا على الكفر بل تفرقوا فمنهم من صار مؤمنا ، ومنهم من ~~صار كافرا ، ولما لم يبق حال أولئك الجمع بعد مجيء الرسول كما كان قبل ~~مجيئه ، كفى ذلك في العمل بمدلول لفظ حتى ، وفيها وجه خامس : وهو أن الكفار ~~كانوا قبل مبعث الرسول منفكين عن التردد في كفرهم بل كانوا جازمين به ~~معتقدين حقيقته ، ثم زال ذلك الجزم بعد مبعث الرسول ، بل بقوا شاكين ~~متحيرين في ذلك الدين وفي سائر الأديان ، ونظيره قوله : { كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين } والمعنى أن الدين الذي كانوا ~~عليه صار كأنه اختلط بلحمهم ودمهم فاليهودي كان جازما في يهوديته وكذا ~~النصراني وعابد الوثن ، فلما بعث محمد عليه الصلاة والسلام : اضطربت ~~الخواطر والأفكار وتشكك كل أحد في دينه ومذهبه ومقالته ، وقوله : { منفكين ~~} مشعر بهذا لأن انفكاك الشيء عن الشيء هو انفصاله عنه ، فمعناه أن قلوبهم ~~ما خلت عن تلك العقائد وما انفصلت عن الجزم بصحتها ، ثم إن بعد المعبث لم ~~يبق الأمر على تلك الحالة . # المسألة الثانية : الكفار كانوا جنسين أحدهما : أهل الكتاب كفرق اليهود ~~والنصارى وكانوا كفارا بإحداثهم في دينهم ما كفروا به كقولهم : { عزير ابن ~~الله } و : { المسيح ابن الله } وتحريفهم / كتاب الله ودينه والثاني : ~~المشركون الذين كانوا لا ينسبون إلى كتاب ، فذكر الله تعالى الجنسين بقوله ~~: { الذين كفروا } على الإجمال ثم أردف ذلك الإجمال بالتفضل ، وهو قوله : { ~~من ms9741 أهل الكتاب والمشركين } وههنا سؤالان : PageV32P038 # السؤال الأول : تقدير الآية : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ومن ~~المشركين فهذا يقتضي أن أهل الكتاب منهم كافر ومنهم ليس بكافر ، وهذا حق ، ~~وأن المشركين منهم كافر ومنهم ليس بكافر ، ومعلوم أن ليس بحق والجواب : من ~~وجوه أحدها : كلمة من ههنا ليست للتبعيض بل للتبيين كقوله : { فاجتنبوا ~~الرجس من الاوثان } وثانيها : أن الذين كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، ~~بعضهم من أهل الكتاب ، وذلك لأن النصارى مثلثة واليهود عامتهم مشبهة ، وهذا ~~كله شرك ، وقد يقول القائل : جاءني العقلاء والظرفاء يريد بذلك قوما ~~بأعيانهم يصفهم بالأمرين . وقال تعالى : { الركعون الساجدون الامرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود } وهذا وصف لطائفة واحدة ، ~~وفي القرآن من هذا الباب كثير ، وهو أن ينعت قوم بنعوت شتى ، يعطف بعضها ~~على بعض بواو العطف ويكون الكل وصفا لموصوف واحد . # السؤال الثاني : المجوس هل يدخلون في أهل الكتاب ؟ قلنا : ذكر بعض ~~العلماء أنهم داخلون في أهل الكتاب لقوله عليه السلام : ( سنوليهم سنة أهل ~~الكتاب ) وأنكره الآخرون قال : لأنه تعالى إنما ذكر من الكفار من كان في ~~بلاد العرب ، وهم اليهود والنصارى ، قال تعالى حكاية عنهم : { أن تقولوا ~~إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } والطائفتان هم اليهود والنصارى . # السؤال الثالث : ما الفائدة في تقديم أهل الكتاب في الكفر على المشركين ؟ ~~حيث قال : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } ؟ الجواب : أن ~~الواو لا تفيد الترتيب ، ومع هذا ففيه فوائد أحدها : أن السورة مدنية فكأن ~~أهل الكتاب هم المقصودون بالذكر وثانيها : أنهم كانوا علماء بالكتب فكانت ~~قدرتهم على معرفة صدق محمد أتم ، فكان إصرارهم على الكفر أقبح وثالثها : ~~أنهم لكونهم علماء يقتدي غيرهم بهم فكان كفرهم أصلا لكفر غيرهم ، فلهذا ~~قدموا في الذكر ورابعها : أنهم لكونهم علماء أشرف من غيرهم فقدموا في الذكر ~~. # السؤال الرابع : لم قال من أهل الكتاب ، ولم يقل من اليهود والنصارى ؟ ~~الجواب : لأن قوله : { من أهل الكتاب } يدل على كونهم علماء ، وذلك يقتضي ~~إما مزيد تعظيم ، فلا ms9742 جرم ذكروا بهذا اللقب دون اليهود والنصارى ، أو لأن ~~كونه عالما يقتضي مزيد قبح في كفره ، فذكروا بهذا الوصف تنبيها على تلك ~~الزيادة من العقاب . # / المسألة الثانية : هذه الآية فيها أحكام تتعلق بالشرع أحدها : أنه ~~تعالى فسر قوله : { الذين كفروا } بأهل الكتاب وبالمشركين ، فهذا يقتضي كون ~~الكل واحدا في الكفر ، فمن ذلك قال العلماء : الكفر كله ملة واحدة ، ~~فالمشرك يرث اليهودي وبالعكس والثاني : أن العطف أوجب المغايرة ، فلذلك ~~نقول : الذمي ليس بمشرك ، وقال عليه السلام : ( غيرنا كحي نسائهم ولا آكلي ~~ذبائحهم ) فأثبت التفرقة بين الكتابي والمشرك الثالث : نبه بذكر أهل الكتاب ~~أنه لا يجوز الاغترار بأهل العلم إذ قد حدث في أهل القرآن مثل ما حدث في ~~الأمم الماضية . # المسألة الرابعة : قال القفال : الانفكاك هو انفراج الشيء عن الشيء وأصله ~~من الفك وهو الفتح PageV32P039 والزوال ، ومنه فككت الكتاب إذا أزلت ختمه ~~ففتحته ، ومنه فكاك الرهن وهو زوال الإنغلاق الذي كان عليه ألا ترى أن ضد ~~قوله : انفك الرهن ، ومنه فكاك الأسير وفكه ، فثبت أن انفكاك الشيء عن ~~الشيء هو أن يزيله بعد التحامه به ، كالعظم إذا انفك من مفصله ، والمعنى ~~أنهم متشبثون بدينهم تشبثا قويا لا يزيلونه إلا عند مجيء البينة ، أما ~~البينة فهي الحجة الظاهرة التي بها يتيمز الحق من الباطل فهي من البيان أو ~~البينونة لأنها تبين الحق من الباطل ، وفي المراد من البينة في هذه الآية ~~أقوال : # الأول : أنها هي الرسول ، ثم ذكروا في أنه لم سمي الرسول بالبينة وجوها ~~الأول : أن ذاته كانت بينة على نبوته ، وذلك لأنه عليه السلام كان في نهاية ~~الجد في تقرير النبوة والرسالة ، ومن كان كذابا متصنعا فإنه لا يتأتى منه ~~ذلك الجد المتناهي ، فلم يبق إلا أن يكون صادقا أو معتوها والثاني : معلوم ~~البطلان لأنه كان في غاية كمال العقل ، فلم يبق إلا أنه كان صادقا الثاني : ~~أن مجموع الأخلاف الحاصلة فيه كان بالغا إلى حد كمال الإعجاز ، والجاحظ قرر ~~هذا المعنى ، والغزالي رحمه الله نصره في كتاب المنقذ ، فإذا ms9743 لهذين الوجهين ~~سمي هو في نفسه بأنه بينة الثالث : أن معجزاته عليه الصلاة والسلام كانت في ~~غاية الظهور وكانت أيضا في غاية الكثرة فلاجتماع هذين الأمرين جعل كأنه ~~عليه السلام في نفسه بينة وحجة ، ولذلك سماه الله تعالى : { سراجا * منيرا ~~} . واحتج القائلون بأن المراد من البينة هو الرسول بقوله تعالى بعد هذه ~~الآية : { رسول من الله } فهو رفع على البدن من البينة ، وقرأ عبد الله : { ~~رسولا } حال من البينة قالوا : والألف واللام في قوله : { البينة } للتعريف ~~أي هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى ، أو يقال : ~~إنها للتفخيم أي هو : { البينة } التي لا مزيد عليها أو البينة كل البينة ~~لأن التعريف قد يكون للتفخيم وكذا التنكير وقد جمعهما الله ههنا في حق ~~الرسول عليه لسلام فبدأ بالتعريف وهو لفظ البينة ثم ثنى بالتنكير فقال : { ~~رسول من الله } أي هو رسول ، وأي رسول ، ونظيره ما ذكره الله تعالى في ~~الثناء على نفسه فقال : { ذو العرش المجيد } ثم قال : { فعال } فنكر بعد ~~التعريف . # القول الثاني : أن المراد من { البينة } مطلق الرسل وهو قول أبي مسلم قال ~~: المراد من قوله : / { حتى تأتيهم البينة } أي حتى تأتيهم رسل من ملائكة ~~الله تتلوا عليهم صحفا مطهرة وهو كقوله : { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السماء } وكقوله : { بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة } ~~. # القول الثالث : وهو قتادة وابن زيد : { البينة } هي القرآن ونظيره قوله : ~~{ أو لم * تأتيهم * بينة ما فى الصحف الاولى } ثم قوله بعد ذلك : { رسول من ~~الله } لا بد فيه من مضاف محذوف والتقدير : وتلك البينة وحي : { رسول من ~~الله يتلو صحفا مطهرة } . # أما قوله تعالى : { يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة } فاعلم أن الصحف ~~جمع صحيفة وهي ظرف للمكتوب ، وفي : { * المطهرة } وجوه : أحدها : { مرفوعة ~~مطهرة } عن الباطل وهي كقوله : { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~} وقوله : { مرفوعة مطهرة } ، وثانيها : مطهرة عن الذكر القبيح فإن القرآن ~~يذكر بأحسن الذكر ويثني عليه أحسن ms9744 الثناء وثالثها : أن يقال : مطهرة أي ~~ينبغي أن لا يمسها إلا المطهرون ، كقوله تعالى : { فى كتاب مكنون * لا يمسه ~~إلا المطهرون } . PageV32P040 # واعلم أن المطهرة وإن جرت نعتا للصحف في الظاهر فهي نعت لما في الصحف وهو ~~القرآن وقوله : { كتاب } فيه قولان : { أحدهما } المراد من الكتب الآيات ~~المكتوبة في الصحف والثاني : قال صاحب النظم : الكتب قد يكون بمعنى الحكم : ~~{ كتب الله لاغلبن } ومنه حديث العسيف : ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) أي ~~بحكم الله فيحتمل أن يكون المراد من قوله : { كتب قيمة } أي أحكام قيمة أما ~~القيمة ففيها قولانالأول : قال الزجاج : مستقيمة لا عوج فيها تبين الحق من ~~الباطل من قام يقوم كالسيد والميت ، وهو كقولهم : قام الدليل على كذا إذا ~~ظهر واستقام الثاني : أن تكون القيمة بمعنى القائمة أي هي قائمة مستقلة ~~بالحجة والدلالة ، من قولهم قام فلان بالأمر يقوم به إذا أجراه على وجهه ، ~~ومنه يقال للقائم بأمر القوم القيم ، فإن قيل : كيف نسب تلاوة الصحف ~~المطهرة إلى الرسول مع أنه كان أميا ؟ قلنا : إذا تلا مثلا المسطور في تلك ~~الصحف كان تاليا ما فيها وقد جاء في كتاب منسوب إلى جعفر الصادق أنه عليه ~~السلام كان يقرأ من الكتاب ، وإن كان لا يكتب ، ولعل هذا كان من معجزاته ~~صلى الله عليه وسلم . # وأما قوله تعالى : { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة } ففيه مسائل . # المسألة الأولى : في هذه الآية سؤال ، وهو أنه تعالى ذكر في أول السورة ، ~~أهل الكتاب والمشركين ، وههنا ذكر أهل الكتاب فقط ، فما السبب فيه ؟ وجوابه ~~: من وجوه أحدها : أن المشركين لم يقروا على دينهم فمن آمن فهو المراد ومن ~~لم يؤمن قتل ، بخلاف أهل الكتاب الذين يقرون على كفرهم ببذل الجزية وثانيها ~~: أن أهل الكتاب كانوا عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب أنهم ~~وجدوها في كتبهم ، فإذا وصفوا بالتفرق مع العلم كان من لا كتاب له أدخل في ~~هذا الوصف . # / المسألة الثانية : قال الجبائي : هذه الآية تبطل قول القدرية الذين ms9745 ~~قالوا : إن الناس تفرقوا في الشقاوة والسعادة في أصلاب الآباء قبل أن ~~تأتيهم البينة والجواب : أن هذا ركيك لأن المراد منه أن علم الله بذلك ~~وإرادته له حاصل في الأزل ، أما ظهروه من المكلف فإنما وقع بعد الحالة ~~المخصوصة . # المسألة الثالثة : قالوا : هذه الآية دالة على أن الكفر والتفرق فعلمهم ~~لا أنه مقدر عليهم لأنه قال : { إلا من بعد ما جاءتهم البينة } ، ثم قال : ~~{ أم الكتاب } أي أن الله وملائكته آتاهم ذلك فالخير والتوفيق مضاف إلى ~~الله ، والشر والتفرق والكفر مضاف إليهم . # المسألة الرابعة : المقصود من هذه الآية تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أي لا يغمنك تفرقهم فليس ذلك لقصور في الحجة بل لعنادهم ، فسلفهم هكذا ~~كانوا لم يتفرقوا في السبت وعبادة العجل : { إلا من بعد ما جاءتهم البينة } ~~فهي عادة قديمة لهم . # ! 7 < { ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفآء ويقيموا ~~الصلواة ويؤتوا الزكواة وذلك دين القيمة } . > 7 @QB@ < # | البينة : ( 5 ) وما أمروا إلا . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلواة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة } وفيه مسائل : PageV32P041 # المسألة الأولى : في قوله : { وما أمروا } وجهان : أحدهما : أن يكون ~~المراد : { وما أمروا } في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي ، فيكون ~~المراد أنهم كانوا مأمورين بذلك إلا أنه تعالى لما أتبعه بقوله : { وذلك ~~دين القيمة } علمنا أن ذلك الحكم كما أنه كان مشروعا في حقهم فهو مشروع في ~~حقنا وثانيها : أن يكون المراد : وما أمر أهل الكتاب على لسان محمد صلى ~~الله عليه وسلم إلا بهذه الأشياء ، وهذا أولى ، لثلاثة أوجه : أحدها : أن ~~الآية على هذا التقدير تفيد شرعا جديدا وحمل كلام الله على ما يكون أكثر ~~فائدة أولى وثانيها : وهو أن ذكر محمد عليه السلام قد مر ههنا وهو قوله : { ~~حتى تأتيهم البينة } وذكر سائر الأنبياء عليهم السلام لم يتقدم وثالثها : ~~أنه تعالى ختم الآية بقوله : { وذلك دين القيمة } فحكم بكون ما هو متعلق ~~هذه الآية دينا قيما فوجب أن يكون شرعا ms9746 في حقنا سواء قلنا : بأنه شرع من ~~قبلنا أو شرع جديد يكون هذا بيانا لشرع محمد عليه الصلاة والسلام وهذا قول ~~مقاتل . # المسألة الثانية : في قوله : { إلا ليعبدوا الله } دقيقة وهي أن هذه ~~اللام لام الغرض ، فلا يمكن حمله على ظاهره لأن كل من فعل فعلا لغرض فهو ~~ناقص لذاته مستكمل بذلك الغرض ، فلو فعل الله فعلا لكان ناقصا لذاته ~~مستكملا بالغير وهو محال ، لأن ذلك الغرض إن كان قديما / لزم من قدمه قدم ~~الفعل ، وإن كان محدثا افتقر إلى غرض آخر فلزم التسلسل وهو محال ولأنه إن ~~عجز عن تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة فهو عاجز ، وإن كان قادرا عليه ~~كان توسيط تلك الواسطة عبثا ، فثبت أنه لا يمكن حمله على ظاهره فلا بد فيه ~~من التأويل . ثم قال الفراء : العرب تجعل اللام في موضع أن في الأمر ~~والإرادة كثيرا ، من ذلك قوله تعالى : { يريد الله ليبين لكم * يريدون ~~ليطفئوا } وقال في الأمر : { وأمرنا لنسلم } وهي في قراءة عبد الله : { وما ~~أمروا إلا * ءان * عبد الله } فثبت أن المراد : وما أمروا إلا أن يعبدوا ~~الله مخلصين له الدين . والإخلاص عبارة عن النية الخالصة ، والنية الخالصة ~~لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة ، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلا ~~بد وأن يكون منوبا ، ثم قالت الشافعية : الوضوء مأمور به في قوله تعالى : { ~~يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى } ودلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن ~~يكون منويا ، فيلزم من مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء منويا ، وأما ~~المعتزلة فإنهم يوجبون تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض ، لا جرم أجروا ~~الآية على ظاهرها فقالوا معنى الآية : وما أمروا بشيء إلا لأجل أن يعبدوا ~~الله ، والإستدلال على هذا القول أيضا قوي ، لأن التقدير وما أمروا بشيء ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين في ذلك الشيء ، وهذا أيضا يقتضي اعتبار ~~النية في جميع المأمورات . فإن قيل : النظر في معرفة الله مأمور به ويستحيل ~~اعتبار النية فيه . لأن النية لا يمكن ms9747 اعتبارها إلا بعد المعرفة ، فما كان ~~قبل المعرفة لا يمكن اعتبار النية فيه . قلنا : هب أنه خص عموم الآية في ~~هذه الصورة بحكم الدليل العقلي الذي ذكرتم فيبقى في الباقي حجة . # المسألة الثالثة : قوله : { أمروا } مذكور بلفظ ما لم يسم فاعله وهو : { ~~كتب عليكم الصيام } { كتب عليكم القصاص } قالوا : فيه وجوه أحدها : كأنه ~~تعالى يقول العبادة شاقة ولا أريد مشقتك إرادة أصلية بل إرادتي لعبادتك ~~كإرادة الوالدة لحجامتك ، ولهذا لما آل الأمر إلى الرحمة قال : { كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة } ، { كتب فى قلوبهم الإيمان } وذكر في الواقعات إذا أراد ~~الأب من ابنه عملا يقول له أولا : ينبغي أن تفعل هذا ولا يأمره PageV32P042 ~~صريحا ، لأنه ربما يرد عليه فتعظم جنايته ، فههنا أيضا لم يصرح بالأمر لتخف ~~جناية الراد وثانيها : أنا على القول بالحسن والقبح العقليين ، نقول : كأنه ~~تعالى يقول : لست أنا الآمر للعبادة فقط ، بل عقلك أيضا يأمرك لأن النهاية ~~في التعظيم لمن أوصل إليك ( أن ) نهاية الإنعام واجبة في العقول . # المسألة الرابعة : اللام في قوله : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله } تدل ~~على مذهب أهل السنة حيث قالوا : العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب ~~الجنة ، أو إلى البعد عن عقاب النار ، بل لأجل أنك عبد وهو رب ، فلو لم ~~يحصل في الدين ثواب ولا عقاب البتة ، ثم أمرك بالعبادة . وجبت لمحض ~~العبودية ، وفيها أيضا إشارة إلى أنه من عبد الله للثواب والعقاب ، ~~فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب ، والحق واسطة ، ونعم ما قيل : من ~~آثر العرفان للعرفان فقد قال : بالثائي / ومن آثر العرفان لا للعرفان ، بل ~~للمعروف ، فقد خاض لجة الوصول . # المسألة الخامسة : العبادة هي التذلل ، ومنه طريق معبد ، أي مذلل ، ومن ~~زعم أنها الطاعة فقد أخطأ ، لأن جماعة عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام ، ~~وما أطاعوهم ولكن في الشرع صارت اسما لكل طاعة الله ، أديت له على وجه ~~التذلل والنهاية في التعظيم ، واعلم أن العبادة بهذا المعنى لا يستحقها إلا ~~من يكون واحدا في ذاته وصفاته الذاتية ، والقعلية ، فإن كان مثل ms9748 لم يجز أن ~~يصرف إليه النهاية في التعظيم ، ثم نقول : لا بد في كون الفعل عبادة من ~~شيئين أحدهما : غاية التعظيم ، ولذلك قلنا : إن صلاة الصبي ، ليست بعبادة ، ~~لأنه لا يعرف عظمة الله ، فلا يكون فعله في غاية التعظيم والثاني : أن يكون ~~مأمورا به ، ففعل اليهودي ليس بعبادة ، وإن تضمن نهاية التعظيم ، لأنه غير ~~مأمور به ، والنكتة الوعظية فيه ، أن فعل الصبي ليس بعبادة لفقد التعظيم ~~وفعل اليهودي ليس بعبادة لفقد الأمر ، فكيف يكون ركوعك الناقص عبادة ولا ~~أمر ولا تعظيم ؟ . # المسألة السادسة : الإخلاص هو أن يأتي بالفعل خالصا لداعية واحدة ، ولا ~~يكون لغيرها من الدواعي تأثير في الدعاء إلى ذلك الفعل ، والنكت والوعظية ~~فيه من وجوه أحدها : كأنه تعالى يقول عبدي لا تسع في إكثار الطاعة بل في ~~إخلاصها لأني ما بذلت كل مقدوري لك حتى أطلب منك كل مقدورك ، بل بذلت لك ~~البعض ، فأطلب منك البعض نصفا من العشرين ، وشاة من الأربعين ، لكن القدر ~~الذي فعلته لم أرد بفعله سواك ، فلا ترد بطاعتك سواي ، فلا تستثن من طاعتك ~~لنفسك فضلا من أن تستثنيه لغيرك ، فمن ذلك المباح الذي يوجد منك في الصلاة ~~كالحكة والتنحنح فهو حظ استثنيته لنفسك فانتفى الإخلاص ، وأما الإلتفات ~~المكروه فذا حظ الشيطان وثانيها : كأنه تعالى قال : يا عقل أنت حكيم لا ~~تميل إلى الجهل والسفه وأنا حكيم لا أفعل ذلك البتة ، فإذا لا تريد إلا ما ~~أريد ولا أريد إلا ما تريد ، ثم إنه سبحانه ملك العالمين والعقل ملك لهذا ~~البدن ، فكأنه تعالى بفضله قال : الملك لا يخدم الملك لكن ( لكي ) نصطلح ~~أجعل جميع ما أفعله لأجلك : { هو الذى خلق لكم فى الارض جميعا } فاجعل أنت ~~أيضا جميع ما تفعله لأجلي : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~} . # واعلم أن قوله : { مخلصين } نصب على الحال فهو تنبيه على ما يجب من تحصيل ~~الإخلاص منابتداء الفعل إلى انتهائه ، والمخلص هو الذي يأتي بالحسن لحسنه ، ~~والواجب لوجوبه ، فيأتي بالفعل لوجهه PageV32P043 مخلصا لربه ، لا يريد ~~رياء ms9749 ولا سمعة ولا غرضا آخر ، بل قالوا : لا يجعل طلب الجنة مقصودا ولا ~~النجاة عن النار مطلوبا وإن كان لا بد من ذلك ، وفي التوراة : ما آريد به ~~وجهي فقليله كثير وما أريد به غير وجهي فكثيره قليل . وقالوا من الإخلاص أن ~~لا يزيد في العبادات عبادة أخرى لأجل الغير ، مثل الواجب من الأضحية شاة ، ~~فإذا ذبحت إثنتين واحدة لله وواحدة للأمير لم يجز لأنه شرك ، وإن زدت في ~~الخشوع ، لأن الناس يرونه لم يجز ، فهذا إذا خلطت بالعبادة عبادة / أخرى ، ~~فكيف ولو خلطت بها محظورا مثل أن تتقدم على إمامك ، بل لا يجوز دفع الزكاة ~~إلى الوالدين والمولودين ولا إلى العبيد ولا الإماء لأنه لم يخلص ، فإذا ~~طلبت بذلك سرور والدك أو ولدك يزول الإخلاص ، فكيف إذا طلبت مسرة شهوتك كيف ~~يبقى الإخلاص ؟ وقد اختلفت ألفاظ السلف في معنى قوله : { مخلصين } قال ~~بعضهم : مقرين له بالعبادة ، وقال آخرون : قاصدين بقلوبهم رضا الله في ~~العبادة ، وقال الزجاج : أي يعبدونه موحدين له لا يعبدون معه غيره ، ويدل ~~على هذا قوله : { وما أمروا إلا ليعبدوا إلاها واحدا } . # أما قوله تعالى : { حنفاء ويقيموا الصلواة ويؤتوا الزكواة } ففيه أقوال : # الأول : قال مجاهد : متبعين دين إبراهيم عليه السلام ، ولذلك قال : { ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } وهذا التفسير ~~فيه لطيف كأنه سبحانه لما علم أن التقليد مستول على الطباع لم يستجز منعه ~~عن التقليد بالكلية ولم يستجز التعويل على التقليد أيضا بالكلية ، فلا جرم ~~ذكر قوما أجمع الخلق بالكلية على تزكيتهم ، وهو إبراهيم ومن معه ، فقال : { ~~قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم والذين معه } فكأنه تعالى قال : إن كنت ~~تقلد أحدا في دينك ، فكن مقلدا إبراهيم ، حيث تبرأ من الأصنام وهذا غير ~~عجيب فإنه قد تبرأ من نفسه حين سلمها إلى النيران ، ومن ماحين بذله للضيفان ~~، ومن ولده حين بذله للقربان ، بل روى أنه سمع سبوح قدوس فاستطابه ، ولم ير ~~شخصا فاستعاده ، فقال : أما بغير أجر فلا ، فبذل ms9750 كل ما ملكه فظهر له جبريل ~~عليه السلام ، وقال : حق لك حيث سماك خليلا فخذ مالك ، فإن القائل : كنت ~~أنا ، بل انقطع إلى الله حتى عن جبريل حين قال : أما إليك فلا ، فالحق ~~سبحانه كأنه يقول : إن كنت عابدا فاعبد كعبادته ، فإذا لم تترك الحلال ~~وأبواب السلاطين ، أما تترك الحرام وموافقة الشياطين ، فإن لم تقدر على ~~متابعة إبراهيم ، فاجتهد في متابعة ولده الصبي ، كيف إنقاد لحكم ربه مع ~~صفره ، فمد عنقه لحكم الرؤبا ، وإن كنت دون الرجل فاتبع الموسوم بنقصان ~~العقل ، وهو أم الذبيح ، كيف تجرعت تلك الغصة ، ثم إن المرأة الحرة نصف ~~الرجل فإن الإثنتين يقومان مقام الرجل الواحد في الشهادة والإراث ، ~~والرقيقة نصف الحرة بدليل إن للحرة ليلتين من القسم فهاجر كانت ربع الرجل ، ~~ثم أنظر كيف أطاعت ربها فتحملت المحنة في ولادها ثم صبرت حين تركها الخليل ~~وحيدة فريدة في جبال مكة بلا ماء ولا زاد وانصرف ، لا يكلمها ولا يعطف ~~عليها ، قالت آلله أمرك بهذا ؟ فأومأ برأسه نعم ، فرضيت بذلك وصبرت على تلك ~~المشاق . # والقول الثاني : المراد من قوله : { حنفاء } أي مستقيمين والحنف هو ~~الاستقامة ، وإنما سمي مائل القدم أحنف على سبيل التفاؤل ، كقولنا : للأعمى ~~بصير وللمهلكة مفازة ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا } { اهدنا الصراط المستقيم } . PageV32P044 # والقول الثالث : قال ابن عباس رضي الله عنهما حجاجا ، وذلك لأنه ذكر ~~العباد أولا ثم قال : { حنفاء } وإنما قدم الحج على الصلاة لأن في الحج ~~صلاة وإنفاق مال الرابع : قال أبو قلابة / الحنيف الذي آمن بجميع الرسل ولم ~~يستثن أحدا منهم ، فمن لم يؤمن بأفضل الأنبياء كيف يكون حنيفا الخامس : ~~حنفاء أي جامعين لكل الدين إذ الحنيفية كل الدين ، قال عليه السلام : ( ~~بعثن بالحنيفية السهلة السمحة ) السادس : قال قتادة : هي الختان وتحريم ~~نكاح المحارم أي مختونين محرمين لنكاح الأم والمحارم ، فقوله : { حنفاء } ~~إشارة إلى النفي ، ثم أردفه بالإثبات ، وهو قوله : { ويقيموا الصلواة } ~~السابع : قال أبو مسلم : أصله من الحنف في الرجل ، وهو إدبار إبهامها عن ms9751 ~~أخوانها حتى يقبل على إبهام الأخرى ، فيكون الحنيف هو الذي يعدل عن الأديان ~~كلها إلى الإسلام الثامن : قال الربيع بن أنيس : الحنيف الذي يستقبل القبلة ~~بصلاته ، وإنما قال ذلك لأنه عند التكبير يقول : وجهت وجهي للذي فطر ~~السموات والأرض حنيفا ، وأما الكلام في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقد مر ~~مرارا كثيرة ، ثم قال : { وذلك دين القيمة } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قال المبرد والزجاج : ذلك دين الملة القيمة ، فالقيمة ~~نعت لموصوف محذوف ، والمراد من القيمة إما المستقيمة أو القائمة ، وقد ~~ذكرنا هذين القولين في قوله : { كتب قيمة } وقال الفراء : هذا من إضافة ~~النعت إلى المنعوت ، كقوله : { إن هاذا لهو حق اليقين } والهاء للمبالغة ~~كما في قوله : { كتب قيمة } . # المسألة الثانية : في هذه الآية لطائف إحداها : أن الكمال في كل شيء إنما ~~يحصل إذا حصل الأصل والفرع معا ، فقوم أطنبوا في الأعمال من غير إحكام ~~الأصول ، وهم اليهود والنصارى والمجوس ، فإنهم ربما اتعبوا أنفسهم في ~~الطاعات ، ولكنهم ما حصلوا الدين الحق ، وقوم حصلوا الأصول وأهملوا الفروع ~~، وهم المرجثة الذين قالوا : لا يضر الذنب مع الإيمان ، والله تعالى خطأ ~~الفريقين في هذه الآية ، وبين أنه لا بد من العلم والإخلاص في قوله : { ~~مخلصين } ومن العمل في قوله : { ويقيموا الصلواة ويؤتوا الزكواة } ثم قال : ~~وذلك المجموع كله هو { دين القيمة } أي البينة المستقيمة المعتدلة ، فكمال ~~أن مجموع الأعضاء بدن واحد كذا هو المجموع دين واحد فقلب دينك الإعتقاد ~~ووجهه الصلاة ولسانه الواصف لحقيقته الزكاة لأن باللسان يظهر قدر فضلك ~~وبالصدقة يظهر قدر دينك ، ثم إن القيم من يقوم بمصالح من يعجز عن إقامة ~~مصالح نفسه فكأنه سبحانه يقول : القائم بتحصيل مصالحك عاجلا وآجلا هو هذا ~~المجموع ، ونظيره قوله تعالى : { دينا قيما } وقوله في القرآن : { قيما ~~لينذر بأسا شديدا } لأن القرآن هو القيم بالإرشاد إلى الحق ، ويؤيده قوله ~~عليه السلام : ( من كان في عمل الله كان الله في عمله ) وأوحى الله تعالى ~~إلى داود عليه السلام : ( يا دنيا من خدمك فاستخدميه ، ومن خدمني فاخدميه ) ~~، وثانيها ms9752 : أن المحسنين في أفعالهم هم مثل الحق سبحانه وذلك بالإحسان إلى ~~عبيده والملائكة ، وذلك بأنهم اشتغلوا بالتسبيح ، لخالقهم فالإحسان من الله ~~لا من الملائكة ، والتعظيم والعبودية من الملائكة لا من الله ، ثم إن ~~الإنسان إذا حضر عرصة القيامة فيقول الله مباهيا بهم : ملائكتي هؤلاء ~~أمثالكم سبحوا وهللوا ، بل في بعض الأفعال أمثالي أحسنوا / وتصدقوا ، ثم ~~إني أكرمكم يا ملائكتي بمجرد ما أتيتم به من العبودية وأنتم تعظموني بمجرد ~~ما فعلت من الإحسان ، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين ؛ أقاموا الصلاة أتوا ~~بالعبودية وآتوا الزكاة أتوا بالإحسان ، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين وهم ~~صبروا على الأمرين / فتتعجب الملائكة منهم وينصبون إليهم النظارة ، ~~PageV32P045 فلهذا قال : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم ~~بما صبرتم } أفلا يكون هذا الدين قيما وثالثها : أن الدين كالنفس فحياة ~~الدين بالمعرفة ثم النفس العالمة بلا قدرة كالزمن العاجز ، والقادرة بلا ~~علم مجنونة فإذا اجتمع العلم والقدرة كانت النفس كاملة فكذا الصلاة للذين ~~كالعلم والزكاة كالقدرة ، فإذا اجتمعتا سمي الدين قيمة ورابعها : وهو فائدة ~~الترتيب أن الحكم تعالى أمر رسوله أن يدعوهم إلى أسهل شيء ، وهو القول ~~والاعتقاد فقال : { مخلصين } ثم لما أجابوه زاده ، فسألهم الصلاة التي بعد ~~أدائها تبقى النفس سالمة كما كانت ، ثم لما أجابوه وأراد منهم الصدقة وعلم ~~أنها تشق عليهم قال : ( لا زكاة في مال يحول عليه الحول ) ثم لما ذكر الكل ~~قال : { وذلك دين القيمة } . # المسألة الثالثة : احتج من قال : الإيمان عبادة عن مجموع القول والاعتقاد ~~والعمل بهذه الآية ، فقال : مجموع القول والفعل والعمل هو الدين والدين هو ~~الإسلام والإسلام هو الإيمان فادا مجموع القول والفعل والعمل هو الإيمان ، ~~لأنه تعالى ذكر في هذه الآية مجموع الثلاثة . ثم قال : { وذلك دين القيمة } ~~أي وذلك المذكور هو دين القيمة وإنما قلنا : إن الدين هو ازسلام لقوله ~~تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام } وإنما قلنا : إن الإسلام هو الإيمان ~~لوجهين الأول : أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولا عند الله ~~تعالى لقوله تعالى ms9753 : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } لكن ~~الإيمان بالإجماع مقبول عند الله ، فهو إذا عين الإسلام والثاني : قوله ~~تعالى : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها * غير بيت من ~~المسلمين } فاستثناء المسلم من المؤمن ، يدل على أن الإسلام يصدق عليه ، ~~وإذا ثبتت هذه المقدمات ، ظهر أن مجموع هذه الثلاثة أعني القول والفعل ~~والعمل هو الإيمان ، وحينئذ يبطل قول من قال : الإيمان اسم لمجرد المعرفة ، ~~أو المجرد الإقرار أولهما معا والجواب : لم لا يجوز أن تكون الإشارة بقوله ~~: { وذلك } إلى الإخلاص فقط ؟ والدليل عليه أنا على هذا التقدير لا نحتاج ~~إلى الإضمار أولى ، وأنتم تحتاجون إلى الإضمار ، فتقولون : المراد وذلك ~~المذكور ، ولا شك أن عدم الإضمار أولى ، سلمنا أن قوله : { وذلك } إشارة ~~إلى مجموع ما تقدم لكنه يدل على أن ذلك المجموع هو الدين القيم ، فلم قلتم ~~: إن ذلك المجموع هو الدين ، وذلك لأن الدين غير ، والدين القيم ، فالدين ~~هو الدين الكامل المستقبل بنفسه ، وذلك إنما يكون إذا كان الدين حاصلا ، ~~وكانت آثاره ونتائجهة معه حاصلة أيضا ، وهي الصلاة والزكاة ، وإذا لم يوجد ~~هذا المجموع ، لم يكن الدين القيم حاصلا ، لكن لم قلتم : إن أصل الدين لا ~~يكون حاصلا والنزاع ما وقع إلا فيه ؟ والله أعلم . # ! 7 < { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم خالدين فيهآ ~~أولائك هم شر البرية } . > 7 ! # قوله تعالى : { إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم ~~خالدين فيها أولئك هم شر البرية } . # < < # | البينة : ( 6 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الكفار أولا في قوله : { لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين } ثم ذكر ثانيا حال المؤمنين في قوله : { ~~وما أمروا إلا ليعبدوا الله } أعاد في آخر هذه السورة PageV32P046 ذكر كلا ~~الفريقين ، فبدأ أيضا بحال الكفار ، فقال : { إن الذين كفروا } واعلم أنه ~~تعالى ذكر من أحوالهم أمرين أحدهما : الخلود في نار جهنم والثاني : أنهم شر ~~الخلق ، وههنا سؤالات : # السؤال الأول : لم قدم أهل الكتاب ms9754 على المشركين في الذكر ؟ الجواب : من ~~وجوه أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يقدم حق الله سبحانه على حق ~~نفسه ، ألا ترى أن القوم لما كسروا رباعيته قال : ( اللهم اهد قومي فإنهم ~~لا يعلمون ) ولما فاتته صلاة العصر يوم الخندق قال : ( اللهم املأ بطونهم ~~وقبورهم نارا ) فكأنه عليه السلام قال : كانت الضربة ثم على وجه الصورة ، ~~وفي يوم الخندق على وجه السيرة التي هي الصلاة ، ثم إنه سبحانه قضاه ذلك ~~فقال : كما قدمت حقي على حقك فأنا أيضا أقدم حقك على حق نفسي ، فمن ترك ~~الصلاة طول عمره لا يكفر ومن طعن في شعرة من شعراتك يكفر . إذا عرفت ذلك ~~فنقول : أهل الكتاب ما كانوا يطعنون في الله بل في الرسول ، وأما المشركون ~~فإنهم كانوا يطعنون في الله ، فلما أراد الله تعالى في هذه الآية أن يذكر ~~سوء حالهم بدأ أولا في النكاية بذكر من طعن في محمد عليه الصلاة والسلام ~~وهم أهل الكتاب ، ثم ثانياف بذكر من طعن فيه تعالى وهم المشركون وثانيها : ~~أن جناية أهل الكتاب في حق الرسول عليه السلام كانت أعظم ، لأن المشركين ~~رأوه صغيرا ونشأ فيهما بينهم ، ثم سفه أحلامهم وأبطل أديانهم ، وهذا أمر ~~شاق ، أما أهل الكتاب فقد كانوا يستفتحون برسالته ويقرون بمبعثه فلما جاءهم ~~أنكروه مع العلم به فكانت جنايتهم أشد . # السؤال الثاني : لم ذكر : { كفروا } بلفظ الفعل : { والمشركين } باسم ~~الفاعل ؟ والجواب : تنبيها على أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر ~~لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل ، ومقرين بمبعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، ثم إنهم كفروا بذلك بعد مبعثه عليه السلام بخلاف المشركين فإنهم ~~ولدوا على عبادة الأوثان وإنكار الحشر والقيامة . # السؤال الثالث : أن المشركين كانوا ينكرون الصانع وينكرون النبوة وينكرون ~~/ القيامة ، أما أهل الكتاب فكانوا مقرين بكل هذه الأشياء إلا أنهم كانوا ~~منكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان كفر أهل الكتاب أخف من كفر ~~المشركين ، وإذا كان كذلك فكيف يجوز التسوية بين الفريقين في العذاب ؟ ~~والجواب : يقال : بئر ms9755 جهنام إذا كان بعيد القعر ، فكأنه تعالى يقول تكبروا ~~طلبا للرفعة فصاروا إلى أسفل السافلين ، ثم إن الفريقين وإن اشتراكا في ذلك ~~لكنه لا ينافي اشتراكهم في هذا القدر تفاوتهم في مراتب العذاب ، واعلم أن ~~الوجه في حسن هذا العذاب أن الإساءة على قسمين إساءة إلى من أساء إليك ~~وإساءة إلى من أحسن إليك ، وهذا القسم الثاني هو أقبح القمسين والإحسان ~~أيضا على قسمين إحسان إلى من أحسن إليك ، وإحسان إلى من أساء إليك ، وهذا ~~أحسن القسمين ، فكان إحسان الله إلى هؤلاء الكفار أعظم أنواع الإحسان ~~وإساءتهم وكفرهم أقبح أنواع الإساءة / ومعلوم أن العقوبة إنما تكون بحسب ~~الجناية ، فبالشتم تعزير وبالقذف حد وبالسرقة قط ، وبالزنا رجم ، وبالقتل ~~قصاص ، بل شتم المماثل يوجب التعزير ، والنظر الشزر إلى الرسول يوجب القتل ~~، فلما كانت جناية هؤلاء الكفار أعظم الجنايات ، لا جرم استحقوا أعظم ~~العقوبات ، وهو نار PageV32P047 جهنم ، فإنها نار في موضع عميق مظلم هائل ~~لا مفر عنه البتة ، ثم كأنه قال قائل : هب أنه ليس هناك رجاء الفرار ، فهل ~~هناك رجاء الإخراج ؟ فقال : لا بل يبقون خالدين فيها ، ثم كأنه قيل : فهل ~~هناك أحد يرق قلبه عليهم ؟ فقال : لا بل يذمونهم ، ويلعنونهم لأنهم شر ~~البرية . # السؤال الرابع : ما السبب في أنه لم يقل : ههنا خالدين فيها أبدا ، وقال ~~في صفة أهل الثواب : { خالدين فيها أبدا } ؟ والجواب : من وجوه أحدها : ~~التنبيه على أن رحمته أزيد من غضبه وثانيها : أن العقوبات والحدود ~~والكفارات تتداخل ، أما الثواب فأقسامه لا تتداخل وثالثها : روى حكاية عن ~~الله أنه قال : يا داود حببني إلى خلقي ، قال : وكيف أفعل ذلك ؟ قال : اذكر ~~لهم سعة رحمتي ، فكان هذا من هذا الباب . # السؤال الخامس : كيف القراءة في لفظ البرية ؟ الجواب : قرأ نافع البريئة ~~بالهمز ، وقرأ الباقون بغير همز وهو من برأ الله الخلق ، والقياس فيها ~~الهمز إلا أنه ترك همزه ، كالنبي والذرية والخابية ، والهمزة فيه كالرد إلى ~~الأصل المتروك في الاستعمال ، كما أن من همز النبي كان كذلك وترك الهمز فيه ~~أجود ms9756 ، وإن كان الهمز هو الأصل ، لأن ذلك صار كالشيء المرفوض المتروك . ~~وهمز من همز البرية يدل على فساد قول من قال : إنه من البرأ الذي هو التراب ~~. # السؤال السادس : ما الفائدة في قوله : هم شر البرية ؟ الجواب : أنه يفيد ~~النفي والإثبات أي هم دون غيرهم ، واعلم أن شر البرية جملة يطول تفصيلها ، ~~شر من السراق ، لأنهم سرقوا من كتاب الله ، صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وشر من قطاع الطريق ، لأنهم قطعوا طريق الحق على الخلق ، وشر من الجهال ~~الأجلاف ، لأن الكبر مع العلم يكون كفر عناد فيكون أقبح . # واعلم أن هذا تنبيه على أن وعيد علماء السوء أعظم من وعيد كل أحد . # السؤال السابع : هذه الآية هل هي مجراة على عمومها ؟ الجواب : لا بل هي ~~مخصوصة بصورتين إحداهما : أن من تاب منهم وأسلم خرج عن الوعيد والثانية : ~~قال بعضهم : لا يجوز أن يدخل في الآية من مضي من الكفار ، لأن فرعون كان ~~شرا منهم ، فأما الآية الثانية وهي الآية الدالة على ثواب المؤمنين فعامة ~~فيمن تقدم وتأخر ، لأنهم أفضل الأمم . # ! 7 < { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولائك هم خير البرية } . > 7 ~~@QB@ < # | البينة : ( 7 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > # قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } ~~فيه مسائل : # المسألة الأولى : الوجه في حسن تقديم الوعيد على الوعد وجوه أحدها : أن ~~الوعيد كالدواء ، والوعد كالغذاء ، ويجب تقديم الدواء حتى إذا صار البدن ~~نقيا انتفع بالغذاء ، فإن البدن غير النقي كلما عذوته زدته شرا ، هكذا قاله ~~بقراط في كتاب الفصول وثانيها : أن الجلد بعد الدبغ يصير صالحا للمدارس ~~والخف ، أما قبله فلا ، ولذلك فإن الإنسان متى وقع في محنة أو شدة رجع إلى ~~الله ، فإذا نال الدنيا أعرض ، على ما قال : { فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون } وثالثها : أن فيه بشارة ، كأنه تعالى يقول : لما لم يكن بد من ~~الأمرين ختمت بالوعد الذي هو بشارة مني في أني أختم أمرك بالخير ، ألست كنت ~~نجسا في PageV32P048 مكان نجس ، ثم أخرجتك ms9757 إلى الدنيا طاهرا ، أفلا أخرجك ~~إلى الجنة طاهرا ! . # المسألة الثانية : احتج من قال : إن الطاعات ليست داخلة في مسمى الإيمان ~~بأن الأعمال الصالحة معطوفة في هذه الآية على الإيمان ، والمعطوف غير ~~المعطوف عليه . # المسألة الثالثة : قال : { إن الذين ءامنوا } ولم يقل : إن المؤمنين ~~إشارة إلى أنهم أقاموا سوق الإسلام حال كساده ، وبذلوا الأموال والمهج ~~لأجله ، ولهذا السبب استحقوا الفضيلة العظمى كما قال : { لا يستوى منكم من ~~أنفق من قبل الفتح وقاتل } ولفظة : { ءامنوا } أي فعلوا الإيمان مرة . # واعلم أن الذين يعتبرون الموافاة يحتجون بهذه الآية ، وذلك لأنها تدل على ~~أن من أتى بالإيمان مرة واحدة فله هذا الثواب ، والذي يموت على الكفر لا ~~يكون له هذا الثواب ، فعلمنا أنه ما صدر الإيمان عنه في الحقيقة قبل ذلك . # المسألة الرابعة : قوله : { وعملوا الصالحات } من مقابلة الجمع بالجمع ، ~~فلا يكلف الواحد بجميع الصالحات ، بل لكل مكلف حظ فحظ الغني الإعطاء ، وحظ ~~الفقير الأخذ . # المسألة الخامسة : احتج بعضهم بهذه الآية في تفضيل البشر على الملك ، ~~قالوا : روى أبو هريرة أنه عليه السلام قال : ( أتعجبون من منزلة الملائكة ~~من الله تعالى والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة ~~أعظم من ذلك ، واقرؤا إن شئتم : أن الذين آمنوا وعملوا / الصالحات أولئك هم ~~خير البرية ) . # واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لوجوه : أحدها : ما روى عن يزيد النحوي أن ~~البرية بنو آدم من البرا وهو التراب فلا يدخل الملك فيه البتة وثانيها : أن ~~قوله : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } غير مختص بالبشر بل يدخل فيه ~~الملك وثالثها : أن الملك خرج عن النص بسائر الدلائل ، قالوا : وذلك لأن ~~الفضيلة إما مكتسبة أو موهوبة ، فإن نظرت إلى الموهوبة فأصلهم من نور وأصلك ~~من حمأ مسنون ، ومسكنهم دار لم يترك فيها أبوك مع الزلة ومسكنكم أرض هي ~~مسكن الشياطين ، وأيضا فمصالحنا منتظمة بهم ورزقنا في يد البعض وروحنا في ~~يد البعض ، ثم هم العلماء ونحن المتعلمون ، ثم أنظر إلى عظيم همتهم لا ~~يميلون إلى محقرات الذنوب ، ومن ms9758 ذلك فإن الله تعالى لم يحك عنهم سوى دعوى ~~الإلهية حين قال : { ومن يقل منهم إنى إلاه من دونه } أي لو أقدموا على ذنب ~~فهمتهم بلغت غاية لا يليق بها إلا دعوى الربوبية ، وأنت أبدا عبد البطن ~~والفرج ، وأما العبادة فهم أكثر عبادة من النبي لأنه تعالى مدح النبي ~~بإحياء ثلثي الليل وقال فيهم : { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } ومرة : ~~{ لا يسئمون } وتمام القول في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة . # ! 7 < { جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيهآ ~~أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه } . > 7 @QB@ < # | البينة : ( 8 ) جزاؤهم عند ربهم . . . . . # > > # قوله تعالى : { جزاؤهم عند ربهم جنات عدن * تجرى من تحتها الانهار خالدين ~~فيها أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه } . PageV32P049 # اعلم أن التفسير ظاهر ونحن نذكر ما فيها من اللطائف في مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن المكلف لما تأمل وجد نفسه مخلوقا من المحن ~~والآفات ، فصاغه من أنجس شيء في أضيق مكان إلى أن خرج باكيا لا للفراق ولكن ~~مشتكيا من وحشة الحبس ليرحم ، كالذي يطلق من الحبس يغلبه البكاء ليرحم ، ثم ~~لم يرحم بل شدته القابلة ولم يكن مشدودا في الرحم ثم لم يمض قليل مدة حتى ~~ألقوا في المهد وشدوه بالقماط ، ثم لم يمض قليل حتى أسلموه إلى أستاذ يحبسه ~~في المكتب ويضربه على التعليم وهكذا إلى أن بلغ الحلم ، ثم بعد ذلك شد ~~بمسامير العقل والتكليف ، ثم إن المكلف يصير كالمتحير ، يقول : من الذي ~~يفعل في هذه الأفعال مع أنه ما صدرت عني جناية ا فلم يزل يتفكر حتى ظفر ~~بالفاعل ، فوجده عالما لا يشبه العالمين ، وقادرا لا يشبه القادرين ، وعرف ~~أن كل ذلك وإن كان صورته صورة المحنة ، لكن حقيقته محض الكرم والرحمة ، ~~فترك الشكاية وأقبل على الشكر ، ثم وقع في قلب العبد أن يقابل إحسانه ~~بالخدمة له والطاعة ، فجعل قلبه مسكنا لسطان عرفانه ، فكأن الحق قال : عبدي ~~أنزل معرفتي في قلبك حتى / لا يخرجها منه ms9759 شيء أو يسبقها هناك فيقول العبد : ~~يا رب أنزلت حب الثدي في قلبي ثم أخرجته ، وكذا حب الأب والأم ، وحب الدنيا ~~وشهواتها وأخرجت الكل . أما حبك وعرفانك فلا أخرجهما من قلبي ، ثم إنه لما ~~بقيت المعرفة والمحبة في أرض القلب انفجر من هذا الينبوع أنهار وجداول ، ~~فالجدول الذي وصل إلى العين حصل منه الاعتبار ، والذي وصل إلى الأذن حصل ~~منه استماع مناجاة الموجودات وتسبيحاتهم ، وهكذا في جميع الأعضاء والجوارح ~~، فيقول الله : عبدي جعلت قلبك كالجنة لي وأجريت فيه تلك الأنهار دائمة ~~مخلدة ، فأنت مع عجزك وقصورك فعلت هذا ، فأنا أولى بالجود والكرم والرحمة ~~فجنة بجنة ، فلهذا قال : { جزاؤهم عند ربهم جنات عدن * تجرى من تحتها ~~الانهار } بل كأن الكريم الرحيم يقول : عبدي أعطاني كل ما ملكه ، وأنا ~~أعطيته بعض ما في ملكي ، وأنا أولى منه بالكرم والجود ، فلا جرم جعلت هذا ~~البعض منه موهوبا دائما مخلدا ، حتى يكون دوامه وخلوده جابرا لما فيه من ~~النقصان الحاصل بسبب البعضية . # المسألة الثانية : الجزاء اسم لما يقع به الكفاية ، ومنه اجتزت الماشية ~~بالحشيش الرطب عن الماء ، فهذا يفيد معنيين أحدهما : أنه يعطيه الجزاء ~~الوافر من غير نقص والثاني : أنه تعالى يعطيه ما يقع به الكفاية ، فلا يبقى ~~في نفسه شيء إلا والمطلوب يكون حاصلا ، على ما قال : { ولكم فيها ما تشتهى ~~أنفسكم } . # المسألة الثانية : قال : { جزآؤهم } فأضاف الجزاء إليهم ، والإضافة ~~المطلقة تدل على الملكية فكيف الجمع بينه وبين قوله : { الذى أحلنا دار ~~المقامة من فضله } والجواب : أما أهل السنة فإنهم يقولون : إنه لو قال ~~الملك الكريم : من حرك أصبعه أعطيته ألف دينار ، فهذا شرط وجزاء بحسب اللغة ~~وبحسب الوضع لا بحسب الاستحقاق الذاتي ، فقوله : { جزآؤهم } يكفي في صدقه ~~هذا المعنى وأما المعتزلة فإنهم قالوا : في قوله تعالى : { الذى أحلنا دار ~~المقامة من فضله } إن كلمة من لابتداء الغاية / فالمعنى أن استحقاق هذه ~~الجنان ، إنما حصل بسبب فضلك السابق فإنك لولا أنك خلقتنا وأعطيتنا القدرة ~~والعقل وأزلت الأعذار وأعطيت الألطاف وإلا لما وصلنا إلى ms9760 هذه الدرجة . فإن ~~قيل : فإذا كان لا حق PageV32P050 لأحد عليه في مذهبكم ، فما السبب في ~~التزام مثل هذا الأنعام ؟ قلنا : أتسأل عن إنعامه الأمسى حال عدمنا ؟ أو عن ~~إنعامه اليومي حال التكليف ؟ أو عن إنعامه في غد القيامة ؟ فإن سألت عن ~~الأمسى فكأنه يقول : أنا منزه عن الإنتفاع والمائدة مملوءة من المنافع فلو ~~لم أخلق الخلق لضاعت هذه المنافع ، فكما أن من له مال ولا عيال له فإنه ~~يشتري العبيد والجواري لينتفعوا بماله ، فهو سبحانه اشترى من دار العدم هذا ~~الخلق لينتفعوا بملكه ، كما روى : ( الخلق عيال الله ) وأما اليومي ~~فالنعمان يوجب الإتمام بعد الشروع . فالرحمن أولى . وأما الغد فأنا مديونهم ~~بحكم الوعد والإخبار فكيف لا أفي بذلك . # / المسألة الرابعة : في قوله : { عند ربهم } لطائف : # أحدها : قال بعض الفقهاء : لو قال : لا شيء لي على فلان ، فهذا يختص ~~بالديون وله أن يدعي الوديعة ، ولو قال : لا شيء لي عند فلان انصرف إلى ~~الوديعة دون الدين ، ولو قال : لا شيء لي قبل فلان انصرف إلى الدين ~~والوديعة معا ، إذا عرفت هذا فقوله : { عند ربهم } يفيد أنه وديعة والوديعة ~~عين ، ولو قال : لفلان على فهو إقرار بالدين ، والعين أشرف من الدين فقوله ~~: { عند ربهم } يفيد أنه كالمال المعين الحاضر العتيد ، فإن قيل : الوديعة ~~أمانة وغير مضمونة والدين مضمون والمضمون خير مما كان غير مضمون ، قلنا : ~~المضمون خير إذا تصور الهلاك فيه وهذا في حق الله تعالى محال ، فلا جرم ~~قلنا : الوديعة هناك خير من المضمون . # وثانيها : إذا وقعت الفتنة في البلدة ، فوضعت مالك عند إمام المحلة على ~~سبيل الوديعة صرت فارغ القلب ، فههنا ستقع الفتنة في بلدة بدنك ، وحينئذ ~~تخاف الشيطان من أن يغيروا عليها ، فضع وديعة أمانتك عندي فإني أكتب لك به ~~كتابا يتلى في المحاريب إلى يوم القيامة وهو قوله : { جزاؤهم عند ربهم } ~~حتى أسلمه إليك أحوج ما تكون إليه وهو في عرصة القيامة . # وثالثها : أنه قال : { عند ربهم } وفيه بشارة عظيمة ، كأنه تعالى يقول : ~~أنا الذي ربيتك أولا حين ms9761 كنت معدوما صفر اليد من الوجود والحياة والعقل ~~والقدرة ، فخلقتك وأعطيتك كل هذه الأشياء فحين كنت مطلقا أعطيتك هذه ~~الأشياء ، وما ضيعتك أترى أنك إذا اكتسبت شيئا وجعلته وديعة عندي فأنا ~~أضيعها ، كلا إن هذا مما لا يكون . # المسألة الخامسة : قوله : { جزاؤهم عند ربهم جنات } فيه قولان : # أحدهما : أنه قابل الجمع بالجمع ، وهو يقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، كما ~~لو قال لأمر أتيه أو عبديه : إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما كذا فيحمل هذا ~~على أن يدخل كل واحد منهما دارا على حدة ، وعن أبي يوسف لم يحنث حتى يدخلا ~~الدارين ، وعلى هذا إن ملكتما هذين العبدين ، ودليل القول الأول : { جعلوا ~~أصابعهم فىءاذانهم واستغشوا ثيابهم } فعلى القول الأول بين أن الجزاء لكل ~~مكلف جنة واحدة ، لكن أدنى تلك الجنات مثل الدنيا بما فيها عشر مرات كذا ~~روى مرفوعا ، ويدل عليه قوله تعالى : { وملكا كبيرا } PageV32P051 ويحتمل ~~أن يراد لكل مكلف جنات ، كما روى عن أبي يوسف وعليه يدل القرآن ، لأنه قال ~~: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ثم قال : { ومن دونهما جنتان } فذكر أربعا ~~للواحد ، والسبب فيه أنه بكى من خوف الله ، وذلك البكاء إنما نزل من أربعة ~~أجفان إثنان دون الإثنين ، فاستحق جنتين دون الجنتين ، فحصلت له أربع جنات ~~، لسكبه البكاء من أربعة أجفان ، ثم إنه تعالى قدم الخوف في قوله : { ولمن ~~خاف مقام ربه جنتان } وأخر الخوف في هذه الآية لأنه ختم السورة بقوله : { ~~ذلك لمن خشى ربه } وفيه إشارة إلى أنه لا بد من / دوام الخوف ، أما قبل ~~العمل فالحاصل خوف الاختلال ، وأما بعد العمل فالحاصل خوف الخلاف ، إذ هذه ~~العبادة لا تليق بتلك الحضرة . # المسألة السادسة : قوله : { عدن } يفيد الإقامة : { لا يخرجون منها } { ~~وما هم منها بمخرجين } { لا يبغون عنها حولا } يقال : عدن بالمكان أقام ، ~~وروى أن جنات عدن وسط الجنة ، وقيل : عدن من المعدن أي هي معدن النعيم ~~والأمن والسلامة ، قال بعضهم : إنها سميت جنة إما من الجن أو الجنون أو ~~الجنة أو الجنين ، فإن كانت من الجن فهم ms9762 المخصوصون بسرعة الحركة يطوفون ~~العالم في ساعة واحدة فكأنه تعالى قال : إنها في إيصال المكلف إلى مشتهياته ~~في غاية الإسراع . مثل حركة الجن ، مع أنها دار إقامة وعدن ، وإما من ~~الجنون فهو أن الجنة ، بحيث لو رآها العاقل يصير كالمجنون ، لولا أن الله ~~بفضله يثبته ، وإما من الجنة فلأنها جنة واقية تقيك من النار ، أو من ~~الجنين ، فلأن المكلف يكون في الجنة في غاية التنعم ، ويكون كالجنين لا ~~يمسه برد ولا حر { لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا } . # المسألة السابعة : قوله : { تجرى } إشارة إلى أن الماء الجاري ألطف من ~~الراكد ، ومن ذلك النظر إلى الماء الجاري ، يزيد نورا في البصر بل كأنه ~~تعالى قال : طاعتك كانت جارية ما دمت حيا على ما قال : { واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين } فوجب أن تكون أنهار إكرامي جارية إلى الأبد ، ثم قال : من ~~تحتها إشارة إلى عدم التنغيص ، وذلك لأن التنغيص في البستان ، أما بسبب عدم ~~الماء الجاري فذكر الجري الدائم ، وإما بسبب الغرق والكثرة ، فذكر من تحتها ~~، ثم الألف واللام في الأنهار للتعريف فتكون منصرفة إلى الأنهار المذكورة ~~في القرآن ، وهي نهر الماء واللبن والعسل والخمر ، واعلم أن النهار ~~والأنهار من السعة والضياء ، فلا تسمى الساقية نهرا ، بل العظيم هو الذي ~~يسمى نهرا بدليل قوله : { وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره وسخر لكم ~~الانهار } فعطف ذلك على البحر . # المسألة الثامنة : اعلم أنه تعالى لما وصف الجنة أتبعه بما هو أفضل من ~~الجنة وهو الخلود أولا والرضا ثانيا ، وروى أنه عليه السلام قال : ( إن ~~الخلود في الجنة خير من الجنة ورضا الله خير من الجنة . # أما الصفة الأولى : وهي الخلود ، فاعلم أن الله وصف الجنة مرة بجنات عدن ~~ومرة بجنات النعيم ومرة بدار السلام ، وهذه الأوصاف الثلاثة إنما حصلت لأنك ~~ركبت إيمانك من أمور ثلاثة اعتقاد وقول وعمل . # وأما الصفة الثانية : وهي الرضا ، فاعلم أن العبد مخلوق من جسد وروح ، ~~فجنة الجسد هي الجنة الموصوفة وجنة الروح هي رضا الرب ، والإنسان مبتدأ ~~أمره ms9763 من عالم الجسد ومنتهى أمره من عالم العقل والروح ، فلا جرم ابتدأ ~~بالجنة وجعل المنتهى هو رضا الله ، ثم إنه قدم رضى الله عنهم على قوله : ~~PageV32P052 { ورضوا عنه } لأن الأزلي هو المؤثر في المحدث ، والمحدث لا ~~يؤثر في الآزلي . # المسألة التاسعة : إنما قال : { رضى الله عنهم } ولم يقل رضي الرب عنهم ~~ولا سائر الأسماء / لأن أشد الأسماء هيبة وجلالة لفظ الله ، لأنه هو الاسم ~~الدال على الذات والصفات بأسرها أعني صفات الجلال وصفات الإكرام ، فلو قال ~~: رضي الرب عنهم لم يشعر ذلك بكمال طاعة العبد لأن المربي قد يكتفي بالقليل ~~، أما لفظ الله فيفيد غاية الجلالة والهيبة ، وفي مثل هذه الحضرة لا يحصل ~~الرضا إلا بالفعل الكامل والخدمة التامة ، فقوله : { رضى الله عنهم } يفيد ~~تطرية فعل العبد من هذه الجهة . # المسألة العاشرة : اختلفوا في قوله : { رضى الله عنهم } فقال بعضهم : ~~معناه رضي أعمالهم ، وقال بعضهم : المراد رضي بأن يمدحهم ويعظمهم ، قال : ~~لأن الرضا عن الفاعل غير الرضا بفعله ، وهذا هو الأقرب ، وأما قوله : { ~~ورضوا عنه } فالمراد أنه رضوا بما جازاهم من النعيم والثواب . # أما قوله تعالى : { ذلك لمن خشى ربه } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : الخوف في الطاعة حال حسنة قال تعالى : { والذين يؤتون ~~ما ءاتوا وقلوبهم وجلة } ولعل الخشية أشد من الخوف ، لأنه تعالى ذكره في ~~صفات الملائكة مقرونا بالإشفاق الذي هو أشد الخوف فقال : { هم من خشية ربهم ~~مشفقون } والكلام في الخوف والخشية مشهور . # المسألة الثانية : هذه الآية إذا ضم إليها آية أخرى صار المجموع دليلا ~~على فضل العلم والعلماء ، وذلك لأنه تعالى قال : { إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء } فدلت هذه الآية على أن العالم يكون صاحب الخشية ، وهذه الآية وهي ~~قوله : { ذلك لمن خشى ربه } تدل على أن صاحب الخشية تكون له الجنة فيتولد ~~من مجموع الآيتين أن الجنة حق العلماء . # المسألة الثالثة : قال بعضهم : هذه الآية تدل على أن المرء لا ينتهي إلى ~~حد يصير معه آمنا بأن يعلم أنه من أهل الجنة ، وجعل هذع الآية ms9764 دالة عليه . ~~وهذا المذهب غير قوي ، لأن الأنبياء عليهم السلام قد علموا أنهم من أهل ~~الجنة ، وهم مع ذلك من أشد العباد خشية لله تعالى ، كما قال عليه الصلاة ~~والسلام : ( أعرفكم بالله أخوفكم من الله ، وأنا أخوفكم منه ) والله سبحانه ~~وتعالى أعلم . وصلى الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV32P053 < # > 1 ( سورة الزلزلة ) 1 < # > # وهي ثمان آيات مكية # ! 7 < { إذا زلزلت الا رض زلزالها } . > 7 @QB@ < # | الزلزلة : ( 1 ) إذا زلزلت الأرض . . . . . # > > # { إذا زلزلت الارض زلزالها } ههنا مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في المناسبة بين أول هذه السورة وآخر السورة ~~المتقدمة وجوها أحدها : أنه تعالى لما قال : { جزاؤهم عند ربهم } فكأن ~~المكلف قال : ومتى يكون ذلك يا رب فقال : { إذا زلزلت الارض زلزالها } ~~فالعالمون كلهم يكونون في الخوف ، وأنت في ذلك الوقت تنال جزاؤك وتكون آمنا ~~فيه ، كما قال : { وهم من فزع يومئذ ءامنون } وثانيها : أنه تعالى لما ذكر ~~في السورة المتقدمة وعيد الكافر ووعد المؤمن أراد أن يزيد في وعيد الكافر ، ~~فقال : أجازيه حين يقول الكافر السابق ذكره : ما للأرض تزلزل ، نظير قوله : ~~{ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } ثم ذكر الطائفتين فقال : { فأما الذين اسودت ~~وجوههم } { وأما الذين ابيضت وجوههم } ثم جمع بينهم في آخر السورة فذكر ~~الذرة من الخير والشر . # المسألة الثانية : في قوله : { إذا } بحثان أحدهما : أن لقائل أن يقول : ~~{ إذا } للوقت فكيف وجه البداية بها في أول السورة ؟ وجوابه : من وجوه ~~الأول : كانوا يسألونه متى الساعة ؟ فقال : { إذا زلزلت الارض } كأنه تعالى ~~قال : لا سبيل إلى تعيينه بحسب وقته ولكني أعينه بحسب علاماته ، الثاني : ~~أنه تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في ~~هذه الساعة جماد فكأنه قيل : متى يكون ذلك ؟ فقال : { إذا زلزلت الارض } . # البحث الثاني : قالوا كلمة : { ءان } في المجوز ، { وإذا } في المقطوع به ~~، تقول : إن دخلت الدار فأنت PageV32P054 طالق لأن الدخول يجوز ، أما إذا ~~أردت التعليق بما يوجد قطعا لا تقول : إن بل تقول : إذا ( نحو إذا ) جاء غد ~~فأنت ms9765 طالق لأنه يوجد لا محالة . هذا هو الأصل ، فإن استمل على خلافه فمجاز ~~، فلما كان الزلزال مقطوعا به قال : { إذا زلزلت } . # المسألة الثالثة : قال الفراء : الزلزال بالكسر المصدر والزلزال بالفتح ~~الاسم ، وقد قرىء بهما ، وكذلك الوسواس هم الاسم أي اسم الشيطان الذي يوسوس ~~إليك ، والوسواس بالكسر / المصدر ، والمعنى : حركت حركة شديدة ، كما قال : ~~{ إذا رجت الارض رجا } وقال قوم : ليس المراد من زلزلت حركت ، بل المراد : ~~تحركت واضطربت ، والدليل عليه أنه تعالى يخبر عنها في جميع السورة كما يخبر ~~عن المختار القادر ، ولأن هذا أدخل في التهويل كأنه تعالى يقول : إن الجماد ~~ليضطرب لأوائل القيامة ، أما آن لك أن تضطرب وتتيقظ من غفلتك ويقرب منه : { ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } واعلم أن زل للحركة المعتادة ، وزلزل ~~للحركة الشديدة العظيمة ، لما فيه من معنى التكرير ، وهو كالصرصر في الريح ~~، ولأجل شدة هذه الحركة وصفها الله تعالى بالعظم فقال : { إن زلزلة الساعة ~~شىء عظيم } . # المسألة الرابعة : قال مجاهد : المراد من الزلزلة المذكورة في هذه الآية ~~النفخة الأولى كقوله : { يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة } أي تزلزل في ~~النفخة الأولى ، ثم تزلزل ثانيا فتخرج موتاها وهي الأثقال ، وقال آخرون : ~~هذه الزلزلة هي الثانية بدليل أنه تعالى جعل من لوازمها أنها تخرج الأرض ~~أثقالها ، وذلك إنما يكون في الزلزلة الثانية . # المسألة الخامسة : في قوله : { زلزالها } بالإضافة وجوه أحدها : القدر ~~اللائق بها في الحكمة ، كقولك : أكرم التقي إكرامه وأهن الفاسق إهانته ، ~~تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة والثاني : أن يكون المعنى زلزالها ~~كله وجميع ما هو ممكن منه / والمعنى أنه وجد من الزلزلة كل ما يحتمله المحل ~~والثالث : { زلزالها } الموعود أو المكتوب عليها إذا قدرت تقدير الحي ، ~~تقريره ماروى أنها تزلزل من شدة صوت إسرافيل لما أنها قدرت تقدير الحي . # ! 7 < { وأخرجت الأرض أثقالها } . > 7 @QB@ < # | الزلزلة : ( 2 ) وأخرجت الأرض أثقالها # > > # أما قوله : { وأخرجت الارض أثقالها } ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : في الأثقال قولان : { أحدهما } أنه جمع ثقل وهو متاع ~~البيت : { وتحمل أثقالكم } جعل ما في جوفها ms9766 من الدفائن أثقالا لها ، قال ~~أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان ~~فوقها فهو ثقل عليها ، وقيل : سمي الجن والإنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم ~~إذا كانوا في بطنها ويثقلون عليها إذا كانوا فوقها ، ثم قال : المراد من ~~هذه الزلزلة ، الزلزلة الأولى يقول : أخرجت الأرض أثقالها ، يعني الكنوز ~~فيمتلىء ظهر الأرض ذهبا ولا أحد يلتفت إليه ، كأن الذهب يصيح ويقول : أما ~~كنت تخرب دينك ودنياك لأجليا أو تكون الفائدة في إخراجها كما قال تعالى : { ~~يوم * يحمى عليها فى نار جهنم } ومن قال : المراد من هذه الزلزلة الثانية ~~وهي بعد القيامة . قال : تخرج الأثقال يعني الموتى أحياء كالأم تلده حيا ، ~~وقيل : تلفظه الأرض ميتا ، كما دفن ثم يحييه الله تعالى . والقول الثاني : ~~PageV32P055 أثقالها : أسرارها فيومئذ تكشف الأسرار ، ولذلك قال : { يومئذ ~~تحدث أخبارها } فتشهد لك أو عليك . # / المسألة الثانية : أنه تعالى قال في صفة الأرض : { ألم نجعل الارض ~~كفاتا } ثم صارت بحال ترميك وهو تقرير لقوله : { تذهل كل مرضعة عما أرضعت } ~~وقوله : { يوم يفر المرء } . # ! 7 < { وقال الإنسان ما لها } . > 7 @QB@ < # | الزلزلة : ( 3 ) وقال الإنسان ما . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { وقال الإنسان } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : مالها تزلزل هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها ، ~~وذلك إما عند النفخة الأولى حين تلفظ ما فيها من الكنوز والدفائن ، أو عند ~~النفخة الثانية حين تلفظ ما فيها من الأموات . # المسألة الثانية : قيل : هذا قول الكافر وهو كما يقولون : { ياويلنا من ~~بعثنا من مرقدنا } فأما المؤمن فيقول : { هذا ما وعد الرحمان وصدق المرسلون ~~} وقيل : بل هو عام في حق المؤمن والكافر أي الإنسان الذي هو كنود جزوع ~~ظلوم الذي من شأنه الغفلة والجهالة : يقول : مالها وهو ليس بسؤال بل هو ~~للتعجب ، لما يرى من العجائب التي لم تسمع بها الآذان . ولا تطلق بها لسان ~~، ولهذا قال : الحسن إنه للكافر والفاجر معا . # المسألة الثالثة : إنما قال : { * مالها } على غير المواجهة لأنه يعاتب ~~بهذا الكلام نفسه ، كأنه يقول : يا نفس ما ms9767 للأرض تفعل ذلك يعني يا نفس أنت ~~السبب فيه فإنه لولا معاصيك لما صارت الأرض كذلك فالكفار يقولون : هذا ~~الكلام والمؤمنون يقولون : { وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن } . # ! 7 < { يومئذ تحدث أخبارها } . > 7 ! # < < # | الزلزلة : ( 4 ) يومئذ تحدث أخبارها # > > أما قوله تعالى : { يومئذ تحدث أخبارها } فاعلم أن ابن مسعود قرأ : { ~~تحدث أخبارها } وسعيد بن جبير تنبيء ثم فيه سؤالات : # الأول : أين مفعولا تحدث ؟ الجواب : قد حذف أولهما والثاني أخبارها وأصله ~~تحدث الخلق أخبارها إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق ~~تعظيما . # السؤال الثاني : ما معنى تحديث الأرض ؟ قلنا فيه وجوه : أحدها : وهو قول ~~أبي مسلم يومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله فكأنها حدثت بذلك ، كقولك الدار ~~تحدثنا بأنها كانت مسكونة فكذا انتقاض الأرض بسبب الزلزلة تحدث أن الدنيا ~~قد انقضت وأن الآخرة قد أقبلت والثاني : وهو قول الجمهور : أن الله تعالى ~~يجعل الأرض حيوانا عاقلا ناطفا ويعرفها جميع ما عمل أهلها فحينئذ تشهد لمن ~~أطاع وعلى من عصي ، قال عليه السلام : ( أن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل ~~عمل عمل عليها ) ثم تلا هذه الآية وهذا على مذهبنا غير بعيد لأن البنية ~~عندنا ليست شرطا لقبول الحياة ، فالأرض مع بقائها على شكلها ويبسها وقشفها ~~يخلق الله فيها الحياة والنطق ، والمقصود كأن الأرض تشكو من العصاة / وتشكر ~~من أطاع الله ، فنقول : إن فلانا صلى وزكى وصام PageV32P056 وحج في ، وإن ~~فلانا كفر وزنى وسرق وجار ، حتى يود الكافر أن يساق إلى النار ، وكان علي ~~عليه السلام : إذا فرغ بيت المال صلى فيه ركعتين ويقول : لتشهدن أني ملأتك ~~يحق وفرغك بحق والقول الثالث : وهو قول المعتزلة : أن الكلام يجوز خلقه في ~~الجماد ، فلا يبعد أن يخلق الله تعالى في الأرض حال كونها جمادا أصواتا ~~مقطعة مخصوصة فيكون المتكلم والشاهد على هذا التقدير هو الله تعالى . # السؤال الثالث : إذ ويومئذ ما ناصبهما ؟ الجواب : يومئذ بدل من إذا ~~وناصبهما تحدث . # السؤال الرابع : لفظ التحديث يفيد الاستئناس وهناك لا استئناس فما وجه ~~هذا اللفظ الجواب ms9768 : أن الأرض كأنها تبث شكواها إلى أولياء الله وملائكته . # ! 7 < { بأن ربك أوحى لها } . > 7 ! # < < # | الزلزلة : ( 5 ) بأن ربك أوحى . . . . . # > > أما قوله تعالى : { بأن ربك أوحى لها } ففيه سؤالان : # السؤال الأول : بم تعلقت الباء في قوله : { بأن ربك } ؟ الجواب : بتحدث ، ~~ومعناه تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها . # السؤال الثاني : لم لم يقل أوحى إليها ؟ الجواب : فيه وجهان الأول : قال ~~أبو عبيدة : { أوحى لها } أي أوحى إليها وأنشد العجاج : # ( أوحى لها القرار فاستقرت ) # الثاني : لعله إنما قال لها : أي فعلنا ذلك لأجلها حتى تتوسل الأرض بذلك ~~إلى التشفي من العصاة . # ! 7 < { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } . > 7 @QB@ < # | الزلزلة : ( 6 ) يومئذ يصدر الناس . . . . . # > > # قوله تعالى : { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } الصدور ضد الورد ~~فالوارد الجائي والصادر والمنصرف واشتاتا متفرقين ، فيحتمل أن يردوا الأرض ~~، ثم يصدرون عنها الأرض إلى عرصة القيامة ، ويحتمل أن يردوا عرصة القيامة ~~للمحاسبة ثم يصدرون عنها إلى موضع الثواب والعقاب ، فإن قوله : { أشتاتا } ~~أقرب إلى الوجه الأول ولفظة الصدر أقرب إلى الوجه الثاني ، وقوله : { ليروا ~~أعمالهم } أقرب إلى الوجه الأول لأن رؤية أعمالهم مكتوبة في الصحائف أقرب ~~إلى الحقيقة من رؤية جزاء الأعمال ، وإن صح أيضا أن يحمل على رؤية جزاء ~~الأعمال ، وقوله : { أشتاتا } فيه وجوه أحدها : أن بعضهم يذهب إلى الموقف ~~راكبا مع الثياب الحسنة وبياض الوجه والمنادى ينادي بين يديه : هذا ولي ~~الله ، وآخرون يذهب بهم سود الوجوه حفاة عراة مع السلاسل والأغلال والمنادي ~~ينادي بين يديه هذا عدو الله وثانيها : أشتاتا أي كل فريق مع شكله اليهودي ~~مع اليهودي والنصراني مع النصراني وثالثها : أشتاتا من أقطار الأرض من كل ~~ناحية ، ثم إنه سبحانه ذكر المقصود وقال : { ليروا أعمالهم } قال بعضهم : ~~ليروا صحائف أعمالهم ، لأن الكتابة يوضع بين يدي الرجل فيقول : هذا طلاقك ~~وبيعك هل تراه والمرئي وهو الكتاب وقال آخرون : ليروا جزاء أعمالهم ، وهو ~~الجنة أو النار ، وإنما أوقع اسم العمل على الجزاء لأنه الجزاء وفاق ، ~~فكأنه / نفس العمل بل المجاز في ذلك أدخل ms9769 من الحقيقة ، وفي قراءة النبي صلى ~~الله عليه وسلم : { ليروا } بالفتح . # PageV32P057 ! 7 < { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره } . > 7 ! # < < # | الزلزلة : ( 7 ) فمن يعمل مثقال . . . . . # > > ثم قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : { مثقال ذرة } أي زنة ذرة قال الكلبي : الذرة أصغر ~~النمل ، وقال ابن عباس : إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما ~~لزق به من التراب مثقال ذرة فليس من عبد عمل خيرا أو شرا قليلا أو كثيرا ~~إلا أراه الله تعالى إياه . # المسألة الثانية : في رواية عن عاصم : { يره } برفع الياء وقرأ الباقون : ~~{ يره } بفتحها وقرأ بعضهم : { يره } بالجزم . # المسألة الثالثة : في الآية إشكال وهو أن حسنات الكافر محبطة بكفره ~~وسيئات المؤمن مغفورة ، إما ابتداء وإما بسبب اجتناب الكبائر ، فما معنى ~~الجزاء بمثاقيل الذرة من الخير والشر ؟ . # واعلم أن المفسرين أجابوا عنه من وجوه : أحدها : قال أحمد بن كعب القرظي ~~: { فمن يعمل مثقال ذرة } من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا حتى ~~يلقى الآخرة ، وليس له فيها شيء ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا ، ويدل على ~~صحة هذا التأويل ما روى أنه عليه السلام قال لأبي بكر : ( يا أبا بكر ما ~~رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى ~~توفاها يوم القيامة ) وثانيها : قال ابن عباس : ليس من مؤمن ولا كافر عمل ~~خيرا أو شرا ءلا أراه الله إياه ، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته ويثيبه ~~بحسناته ، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته وثالثها : أن حسنات ~~الكافر وإن كانت محبطة بكفره ولكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات ~~انحبطت من عقاب كفره ، وكذا القول في الجانب الآخر فلا يكون ذلك قادحا في ~~عموم الآية ورابعها : أن تخصص عموم قوله : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ~~ونقول : المراد فمن يعمل من السعداء مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل من ~~الأشقياء مثقال ذرة شرا ms9770 يره . # المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : إذا كان الأمر إلى هذا الحد فأين ~~الكرم ؟ والجواب : هذا هو الكرم ، لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف ، ~~والكريم لا يحتمله وفي الطاعة تعظيم ، وإن قل فالكريم لا يضيعه ، وكأن الله ~~سبحانه يقول لا تحسب مثقال الذرة من الخير صغيرا ، فإنك مع لؤمك وضعفك لم ~~تضيع مني الذرة ، بل اعتبرتها ونظرت فيها ، واستدللت بها على ذاتي وصفاتي ~~واتخذتها مركبا به وصلت إلي ، فإذا لم تضيع ذرتي أفأضيع ذرتكا ثم التحقيق ~~أن المقصود هو النية والقصد ، فإذا كان العمل قليلا لكن النية خالصة فقد ~~حصل المطلوب ، وإن كان العمل كثيرا والنية دائرة فالمقصود فائت ، ومن ذلك ~~ما روى عن كعب : لا تحقروا شيئا من المعروف ، فإن رجلا دخل الجنة بإعارة ~~إبرة في سبيل الله ، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت / المقدس فدخلت ~~الجنة . وعن عائشة : ( كانت بين يديها عنب فقدمته إلى نسوة بحضرتها ، فجاء ~~سائل فأمرت له بحبة من ذلك العنب فضحك بعض من كان عندها ، فقالت : إن فيما ~~ترون مثاقيل الذرة وتلت هذه الآية ) ولعلها كان غرضها التعليم ، وإلا فهي ~~كانت في غاية السخاوة . روى : ( أن ابن الزبير بعث إليها بمائة ألف وثمانين ~~ألف درهم في غرارتين ، فدعت بطبق وجعلت تقسمه بين الناس ، فلما أمست قالت : ~~يا جارية فطوري هلمي فجاءت بخبز ويزت ، فقيل لها : أما أمسكت النار درهما ~~نشتري به لحما نفطر عليه ، فقالت : لو ذكرتيني لفعلت PageV32P058 ذلك ) ~~وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن ~~يعطيه التمرة والكسرة والجوزة / ويقول ما هذا بشيء ، وإنما نؤجر على ما ~~نعطيا وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير ، ويقول : لا شيء علي من هذا إنما ~~الوعيد بالنار على الكبائر ، فنزلت هذه الآي ترغيبا في القليل من الخير ~~فإنه يوشك أن يكثر ، وتحذيرا من اليسير من الذنب فإنه يوشك أن يكبر ، ولهذا ~~قال عليه السلام : ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ) ~~والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على ms9771 سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~. # PageV32P059 < # > 1 ( سورة العاديات ) 1 < # > # إحدى عشرة آية مكية # ! 7 < { والعاديات ضبحا } . > 7 ! # { والعاديات ضبحا } . # < < # | العاديات : ( 1 ) والعاديات ضبحا # > > اعلم أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدت ، وهو صوت ليس بصهيل ولا ~~حمحمة ، ولكنه صوت نفس ، ثم اختلفوا في المراد بالعاديات على قولين : # الأول : ما روى عن علي عليه السلام وابن مسعود أنها الإبل ، وهو قول ~~إبراهيم والقرظي روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( بينا أنا جالس في ~~الحجر إذا أتاني رجل فسألني عن العاديات ضبحا ، ففسرتها بالخيل فذهب إلى ~~عليه عليه السلام وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت ، فقال : ادعه ~~لي فلما وقفت على رأسه ، قال : تفتي الناس بما لا علم لك به ، والله إن ~~كانت لأول غزوة في الإسلام بدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس ~~للمقداد { والعاديات ضبحا } الإبل من عرفة إلى مزدلفة ، ومن المزدلفة إلى ~~منى ، يعني إبل الحاج ، قال ابن عباس : فرجعت عن قولي إلى قول علي عليه ~~السلام ) ويتأكد هذا القول بما روى أبي في فضل السورة مرفوعا : ( من قرأها ~~أعطى من الأجر بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعا ) وعلى هذا القول : { ~~فالموريات قدحا } أن الحوافر ترمى بالحجر من شدة العدو فتضرب به حجرا آخر ~~فتورى النار أو يكون المعنى الذين يركبون الإبل وهم الحجيج إذا أوقدوا ~~نيرانهم بالمزدلفة { فالمغيرات } الإغارة سرعة السير وهم يندفعون صبيحة يوم ~~النحر مسرعين إلى منى { فأثرن به * نفعا } يعني غبارا بالعدو وعن محم د بن ~~كعب النقع ما بين المزدلفة إلى منى { فوسطن به جمعا } يعني مزدلفة لأنها ~~تسمى الجمع لاجتماع الحاج بها ، وعلى هذا التقدير ، فوجه القسم به من وجوه ~~أحدها : ما ذكرنا من المنافع الكثيرة فيه في قوله : { أفلا ينظرون إلى ~~الإبل } PageV32P060 وثانيها : كأنه تعريض بالآدمي الكنود فكأنه تعالى يقول ~~: إني سخرت مثل هذا لك وأنت متمرد عن طاعتي وثالثها : الغرض بذكر إبل الحج ~~الترغيب في الحج ، كأنه تعالى يقول : جعلت ذلك الإبل مقسما ms9772 به ، فكيف أضيع ~~/ عملكا وفيه تعريض لمن يرغب الحج ، فإن الكنود هو الكفور ، والذي لم يحج ~~بعد الوجوب موصوف بذلك ، كما في قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت } ~~إلى قوله : { ومن كفر } . # القول الثاني : قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعطاء وأكثر المحققين ~~: أنه الخيل ، وروى ذلك مرفوعا . قال الكلبي : بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سرية إلى أناس من كنانة فمكث ما شاء الله أن يمكث لا يأتيه منهم خبر ~~فتخوف عليها . فنزل جبريل عليه السلام بخبر مسيرها ، فإن جعلنا الألف ~~واللام في : { والعاديات } للمعهود السابق كان محل القسم خيل تلك السرية ، ~~وإن جعلناهما للجنس كان ذلك قسما بكل خيل عدت في سبيل الله . # واعلم أن ألفاظ هذه الآيات تنادي أن المراد هو الخيل ، وذلك لأن الضبح لا ~~يكون إلا للفرس ، واستعمال هذا اللفظ في الإبل يكون على سبيل الاستعارة ، ~~كما استعير المشافر والحافر للإنسان ، والشفتان للمهر ، والعدول من الحقيقة ~~إلى المجاز بغير ضرورة لا يجوز ، وأيضا فالقدح يظهر بالحافر مالا يظهر بخف ~~الإبل ، وكذا قوله : { فالمغيرات صبحا } لأنه بالخيل أسهل منه بغيره ، وقد ~~روينا أنه ورد في بعض السرايا ، وإذا كان كذلك فالأقرب أن السورة مدنية ، ~~لأن الإذن بالقتال كان بالمدينة ، وهو الذي قاله الكلبي : إذا عرفت ذلك ~~فههنا مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى إنما أقسم بالخيل لأن لها في العدو من الخصال ~~الحميدة ما ليس لسائر الدواب ، فإنها تصلح للطلب والهرب والكر والفر ، فإذا ~~ظننت أن النفع في الطلب عدوت إلى الخصم لتفوز بالغنيمة / وإذا ظننت أن ~~المصلحة في الهرب قدرت على أشد العدو ، ولا شك أن السلامة إحدى الغنيمتين ، ~~فأقسم تعالى بفرس الغازي لما فيه من منافع الدنيا والدين ، وفيه تنبيه على ~~أن الإنسان يجب عليه أن يمسكه لا للزينة والتفاخر ، بل لهذه المنفعة ، وقد ~~نبه تعالى على هذا المعنى في قوله : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~وزينة } فأدخل لام التعليل على الركوب وما أدخله على الزينة وإنما قال : { ~~صبحا } لأنه أمارة يظهر به التعب ms9773 وأنه يبذل كل الوسع ولا يقف عند التعب ، ~~فكأنه تعالى يقول : إنه مع ضعفه لا يترك طاعتك ، فليكن العبد في طاعة مولاه ~~أيضا كذلك . # المسألة الثانية : ذكروا في انتصاب { ضبحا } وجوها أحدها : قال الزجاج : ~~والعاديات تضبح ضبحا وثانيها : أن يكون { والعاديات } في معنى والضابحات ، ~~لأن الضبح يكون مع العدو ، وهو قول الفراء وثالثها : قال البصريون : ~~التقدير : والعاديات ضابحة ، فقوله : { ضبحا } نصب على الحال . # ! 7 < { فالموريات قدحا } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { فالموريات قدحا } . # / < < # | العاديات : ( 2 ) فالموريات قدحا # > > فاعلم أن الإيراء إخراج النار ، والقدح الصك تقول : قدح فأورى وقد ~~فأصلد ، ثم في تفسير الآية وجوه PageV32P061 أحدها : قال ابن عباس : يريد ~~ضرب الخيل بحوافرها الجبل فأورت منه النار مثل الزبد إذا قدح ، وقال مقاتل ~~: يعني الخيل تقدحن بحوافرهن في الحجارة نارا كنار الحباحب والحباحب اسم ~~رجل كان بخيلا لا يوقد النار إلا إذا نام الناس ، فإذا انتبه أحد أطفأ ناره ~~لئلا ينتفع بها أحد . فشبهت هذه النار التي تنقدح من حوافر الخيل بتلك ~~النار التي لم يكن فيها نفع ومن الناس من يقول : إنها نعل الحديد يصك الحجر ~~فتخرج النار ، والأول أبلغ لأن على ذلك التقدير تكون السنابك نفسها كالحديد ~~وثالثها : قال قوم : هذه الآيات في الخيل ، ولكن إبراؤها أن تهبج الحرب بين ~~أصحابها وبين عدوهم ، كما قال تعالى : { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها ~~الله } ومنه يقال للحرب إذا التحمت : حمى الوطيس وثالثها : هم الذين يغزون ~~فيورون بالليل نيرانهم لحاجتهم وطعامهم { فالموريات } هم الجماعة من الغزاة ~~ورابعها : إنها هي الألسنة توري نار العداوة لعظم ما تتكلم به وخامسها : هي ~~أفكار الرجال توري نار المكر والخديعة ، روى ذلك عن ابن عباس ، ويقال : ~~لأقدحن لك ثم لأورين لك ، أي لأهيجن عليك شرا وحربا ، وقيل : هو المكر إلا ~~أنه مكر بإيقاد النار ليراهم العدو كثيرا ، ومن عادة العرب عند الغزو إذا ~~قربوا من العدو أن يوقدوا نيرانا كثيرة ، لكي إذا نظر العدو إليهم ظنهم ~~كثيرا وسادسها : قال عكرمة : الموريات قدحا الأسنة وسابعها : { فالموريات ~~قدحا } أي فالمنجحات ms9774 أمرا ، يعني الذين وجدوا مقصودهم وفازوا بمطلوبهم من ~~الغزو والحج ، ويقال للمنجح في حاجته : وروى زنده ، ثم يرجع هذا إلى ~~الجماعة المنجحة ، ويجوز أن يرجع إلى الخيل ينجح ركبانها قال جرير : # % وجدنا الأزد أكرمهم جوادا % % وأوراهم إذا قدحوا زنادا % # ويقال : فلان إذا قدح أورى ، وإذا منح أورى ، واعلم أن الوجه الأول أقرب ~~لأن لفظ الإيراء حقيقة في إيراء النار ، وفي غيره مجاز ، ولا يجوز ترك ~~الحقيقة بغير دليل . # ! 7 < { فالمغيرات صبحا } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { فالمغيرات صبحا } < < # | العاديات : ( 3 ) فالمغيرات صبحا # > > يعني الخيل تغير على العدو وقت الصبح ، وكانوا يغيرون صباحا لأنهم في ~~الليل يكونون في الظلمة فلا يبصرون شيئا ، وأما النهار فالناس يكونون فيه ~~كالمستعدين للمدافعة والمحاربة ، أما هذا الوقت فالناس يكونون فيه في ~~الغفلة وعدم الاستعداد . وأما الذين حملوا هذه الآيات على الإبل ، قالوا : ~~المراد هو الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى ، والسنة أن لا ~~تغير حتى تصبح ، ومعنى الإغارة في اللغة الإسراع ، يقال : أغار إذا أسرع ~~وكانت العرب في الجاهلية تقول : أشرق ثبير كيما نغير . أي نسرع في الإفاضة ~~. # ! 7 < { فأثرن به نقعا } . > 7 ! # أما قوله : { فأثرن به نقعا } < < # | العاديات : ( 4 ) فأثرن به نقعا # > > ففيه مسائل : # / المسألة الأولى : في النقع قولان : أحدهما : أنا هو الغبار وقيل : إنه ~~مأخوذ من نقع الصوت إذا ارتفع ، PageV32P062 فالغبار يسمى نقعا لارتفاعه ، ~~وقيل : هو من النقع في الماء ، فكأن صاحب الغبار غاص فيه ، كما يغوص الرجل ~~في الماء والثاني : النقع الصباح من قوله عليه الصلاة والسلام : ( مالم يكن ~~نقع ولا لقلقة ) أي فهيجن في المغار عليهم صياح النوائح ، وارتفعت أصواتهن ~~، ويقال : ثار الغبار والدخان ، أي ارتفع وثار القطا عن مفحصه ، وأثرن ~~الغبار أي هيجنه ، والمعنى أن الخيل أثرن الغبار لشدة العدو في الموضع الذي ~~أغرن فيه . # المسألة الثانية : الضمير في قوله : به إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه أحدها : ~~وهو قول الفراء أنه عائد إلى المكان الذي انتهى إليه ، والموضع الذي تقع ~~فيه الإغارة ، لأن في قوله : { فالمغيرات صبحا } دليلا ms9775 على أن الإغارة لا ~~بد لها من وضع ، وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عما لم يجز ذكره بالتصريح ~~كقوله : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } وثانيها : إنه عائد إلى ذلك الزمان ~~الذي وقعت فيه الإغارة ، أي فأثرن في ذلك الوقت نقعا وثالثها : وهو قول ~~الكسائي أنه عائد إلى العدو ، أي فأثرن بالعدو نقعا ، وقد تقدم ذكر العدو ~~في قوله : { والعاديات } . # المسألة الثالثة : فإن قيل : على أي شيء عطف قوله : { فأثرن } قلنا : على ~~الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه ، والتقدير واللائي عدون فأورين ، وأغرن ~~فأثرن . # المسألة الرابعة : قرأ أبو حيوة : { فأثرن } بالتشديد بمعنى فأظهرن به ~~غبارا ، لأن التأثير فيه معنى الإظهار ، أو قلب ثورن إلى وثرن وقلب الواو ~~همزة . # ! 7 < { فوسطن به جمعا } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { فوسطن به جمعا } < < # | العاديات : ( 5 ) فوسطن به جمعا # > > ففيه مسألتان : # المسألة الأولى : قال الليث : وسطت النهر والمفازة أسطها وسطا وسطة ، أي ~~صرت في وسطها ، وكذلك وسطتها وتوسطتها ، ونحو هذا ، قال الفراء : والضمير ~~في قوله : { به } إلى ماذا يرجع فيه وجوه أحدها : قال مقاتل : أي بالعدو ، ~~وذلك أن العاديات تدل على العدو ، فجازت الكناية عنه ، وقوله : { جمعا } ~~يعني جمع العدو ، والمعنى صرن بعدوهن وسط جمع العدو ، ومن حمل الآيات على ~~الإبل ، قال : يعني جمع مني وثانيها : أن الضمير عائد إلى النقع أي : { * ~~وسطن } بالنقع الجمع وثالثها : المراد أن العاديات وسطن ملبسا بالنقع جمعا ~~من جموع الأعداء . # المسألة الثانية : قرىء : { نقعا فوسطن } بالتشديد للتعدية ، والباء ~~مزيدة للتوكيد كقوله : { وأتوا به } وهي مبالغة في وسطن ، واعلم أن الناس ~~أكثروا في صفة الفرس ، وهذا القدر الذي ذكره الله أحسن ، وقال عليه الصلاة ~~والسلام : ( الخيل معقود بنواصيها الخير ) ، وقال أيضا : ( ظهرها حرز / ~~وبطنها كنز ) واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به ، ذكر المقسم عليه وهو ~~أمور ثلاثة : # ! 7 < { إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير ~~لشديد } . > 7 ! # أحدها : قوله : { إن الإنسان لربه لكنود } < < # | العاديات : ( 6 ) إن الإنسان لربه . . . . . # > > قال الواحدي : أصل الكنود منع الحق والخير ms9776 والكنود الذي PageV32P063 ~~يمنع ما عليه ، والأرض الكنود هي التي لا تنبت شيئا ثم للمفسرين عبارات ، ~~فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة : الكنود هو الكفور قالوا : ~~ومنه سمي الرجل المشهور كندة لأنه كند أباه ففارقه ، وعن الكلبي الكنود ~~بلسان كندة العاصي وبلسان بني مالك البخيل ، وبلسان مضر وربيعة الكفور ، ~~وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن : { * الكنود } هو الكفور ~~الذي يمنع رفده ، ويأكل وحده ، ويضرب عبده ، وقال الحسن : { * الكنود } ~~اللوام لربه يعد المحن والمصائب ، وينسى النعم والراحات ، وهو كقوله : { ~~وأما إذا ما ابتلاه * ربه * فقدره * عليه رزقه * فيقول ربى أهانن } . # واعلم أن معنى الكنود لا يخرج عن أن يكون كفرا أو فسقا ، وكيفما كان فلا ~~يمكن حمله على كل الناس ، فلا بد من صرفه إلى كافر معين ، أو إن حملناه على ~~الكل كان المعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه ~~وتوفيقيه من ذلك ، والأول قول الأكثرين قالوا : لأن ابن عباس قال : إنها ~~نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي ، وأيضا فقوله : { أفلا ~~يعلم إذا بعثر ما فى القبور } لا يليق إلا بالكافر ، لأن ذلك كالدلالة على ~~أنه منكر لذلك الأمر . # الثاني : من الأمور التي أقسم الله عليها قوله : { وإنه على ذلك لشهيد } ~~وفيه قولان : أحدهما : أن الإنسان على ذلك أي على كنوده لشهيد يشهد على ~~نفسه بذلك ، أما لأنه أمر ظاهر لا يمكنه أن يجحده ، أو لأنه يشهد على نفسه ~~بذلك في الآخرة ويعترف بذنوبه القول الثاني : المراد وإن الله على ذلك ~~لشهيد قالوا : وهذا أولى لأن للضمير عائد إلى أقرب المذكورات والأقرب ههنا ~~هو لفظ الرب تعالى ويكون ذلك كالوعيد والزجر له عين المعاصي من حيث إنه ~~يحصى عليه أعماله ، وأما الناصرون للقول الأل فقالوا : إن قوله بعد ذلك : { ~~وإنه لحب الخير لشديد } الضمير فيه عائد إلى الإنسان ، فيجب أن يكون الضمير ~~في الآية التي قبله عائدا إلى الإنسان ليكون النظم أحسن . # الأمر الثالث : مما أقسم الله ms9777 عليه قوله : { وإنه لحب الخير لشديد } ~~الخير المال من قوله تعالى : { إن ترك خيرا } وقوله : { وإذا مسه الخير ~~منوعا } وهذالأن الناس يعدون المال فيما بينهم خيرا كما أنه تعالى سمي ما ~~ينال المجاهد من الجراح وأذى الحرب سوءا في قوله : { لم يمسسهم سوء } ~~والشديد البخيل الممسك ، يقال : فلان شديدة ومتشدد ، قال طرفة : # % أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي % % عقيلة مال الفاحش المتشدد % # ثم في التفسيري وجوه أحدها : أنه لأجل حب المال لبخيل ممسك وثانيها : أن ~~يكون المراد من الشديدة القرى ، ويكون المعنى وإنه لحب المال وإيثار الدنيا ~~وطلبها قوي مطيق ، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمه ضعيف ، تقول : هو شديد ~~لهذا الأمر وقوي له ، وإذا كان مطيقا له ضابطا وثالثها : أراد إنه لحب ~~الخيرات غير هني منبسط ولكنه شديد منقبض ورابعها : قال الفراء : يجوز أن ~~يكون المعنى وإنه لحب الخير لشديد الحب يعني أنه يحب المال ، ويحب كونه ~~محبا له ، إلا أنه اكتفى بالحب الأول عن الثاني ، كما قال : { اشتدت به ~~الريح في يوم عاصف } أي في يوم عاصف الريح فاكتفى بالأولى عن الثانية ~~وخامسها : قال قطرب : أي إنه شديد حب الخير ، كقولك إنه لزيد ضروب أي أنه ~~ضروب زيد . # PageV32P064 ! 7 < { أفلا يعلم إذا بعثر ما فى القبور } . > 7 ! # واعلم أنه تعالى لما عد عليه قبائح أفعاله خوفه ، فقال : { أفلا يعلم إذا ~~بعثر ما فى القبور } < < # | العاديات : ( 9 ) أفلا يعلم إذا . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : القول في : { بعثر } مضى في قوله تعالى : { وإذا القبور ~~بعثرت } وذكرنا أن معنى : { بعثرت } بعث وأثير وأخرج ، وقرىء بحثر . # المسألة الثانية : لقائل أن يسأل لم قال : { بعثر ما فى القبور } ولم يقل ~~: بعثر من في القبور ؟ ثم إنه لما قال : ما في القبور ، فلم قال : { إن ~~ربهم بهم } ولم يقل : إن ربها بها يومئذ لخبيير ؟ الجواب عن السؤال الأول : ~~هو أن ما في الأرض من غير المكلفين أكثر فأخرج الكلام على الأغلب ، أو يقال ~~: إنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء بل بعد البعث يصيرون ms9778 كذلك ، ~~فلا جرم كان الضمير الأول ضمير غير العقلاء ، والضمير الثاني ضمير العقلاء ~~. # ! 7 < { وحصل ما فى الصدور } . > 7 @QB@ < # | العاديات : ( 10 ) وحصل ما في . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وحصل ما فى الصدور }قال أبو عبيدة ، أي ميز ما في ~~الصدور ، وقال الليث : الحاصل من كل شيء ما بقي وثبت وذهب سواه ، والتحصيل ~~تمييز ما يحصل والاسم الحصيلة قال لبيد : # % وكل امرىء يوما سيعلم سعيه % % إذا حصلت عند الإله الحصائل % # وفي التفسير وجوه أحدها : معنى حصل جمع في الصحف ، أي أظهرت محصلا مجموعا ~~وثانيها : أنه لا بد من التمييز بين الواجب ، والمندوب ، والمباح ، ~~والمكروه ، والمحظور ، فإن لكل واحد ومنه قيل للمنخل : المحصل وثالثها : أن ~~كثيرا ما يكون باطن الإنسان بخلاف ظاهره ، أما في يوم القيامة فإنه تتكشف ~~الأسرار وتبتهك الأستار ، ويظهر ما في البواطن ، كما قال : { يوم * تبلى ~~السرائر } . # واعلم أن حظ الوعظ منه أن يقال : إنك تستعد فيما لا فائدة لك فيه ، فتبني ~~المقابرة وتشتري / التابوت ، وتفصل الكفن ، وتغزل العجوز الكفن ، فيقال : ~~هذا كله للديدان ، فأين حظ الرحمنا بل المرأة إذا كانت حاملا فإنها تعد ~~للطفل ثيابا ، فإذا قلت لها : لا طفل لك فما هذا الاستعداد ؟ فتقول : أليس ~~يبعثر ما في بطني ؟ فيقول الرب لك : ألا يبعثر ما في بطن الأرض ، فأين ~~الاستعداد ، وقرىء وحصل بالفتح والتخفيف بمعنى ظهر . # ! 7 < { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } . > 7 ! # ثم قال : { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } < < # | العاديات : ( 11 ) إن ربهم بهم . . . . . # > > اعلم أن فيه سؤالات : # الأول : أنه يوهم أن علمه بهم في ذلك اليوم إنما حصل بسبب الخبرة ، وذلك ~~يقتضي سبق الجهل وهو على الله تعالى محال : { * الجواب } من وجهين أحدهما : ~~كأنه تعالى يقول : إن من لم يكن عالما ، فإنه يصير بسبب الاختبار عالما ، ~~فمن كان لم يزل عالما أن يكون خبيرا بأحوالكا وثانيهما : أن فائدة تخصيص ~~ذلك الوقت في قوله : { فزع يومئذ } مع كونه عالما لم يزل أنه وقت الجزاء ، ~~وتقريره لمن الملك كأنه يقول : لا حاكم PageV32P065 يروج حكمه ولا عالم ~~تروج فتواه ms9779 يومئذ إلا هو ، وكم عالم لا يعرف الجواب وقت الواقعة ثم يتذكره ~~بعد ذلك ، فكأنه تعالى يقول : لست كذلك . # السؤال الثاني : لم خص أعمال القلوب بالذكر في قوله : { وحصل ما فى ~~الصدور } وأهمل ذكر أعمال الجوارح ؟ الجواب : لأن أعمال الجوارح تابعة ~~لأعمال القلب . فإنه لولا البواعث والإرادات في القلوب لما حصلت أفعال ~~الجوارح ، ولذلك إنه تعالى جعلها الأصل في الذم ، فقال : { قلبه والله } ~~والأصل في المدح ، فقال : { وجلت قلوبهم } . # السؤال الثالث : لم قال : { وحصل ما فى الصدور } ولم يقل : وحصل ما في ~~القلوب ؟ الجواب : لأن القلب مطية الروح وهو بالطبع محب لمعرفة الله وخدمته ~~، إنما المنازع في هذا الباب هو النفس ومحلسها ما يقرب من الصدر ، ولذلك ~~قال : { يوسوس فى صدور الناس } وقال : { أفمن شرح الله صدره للإسلام } فجعل ~~الصدر موضعا للإسلام . # السؤال الرابع : الضمير في قوله : { إن ربهم بهم } عائد إلى الإنسان وهو ~~واحد والجواب : الإنسان في معنى الجمع كقوله تعالى : { إن الإنسان * لفى * ~~خسر } ثم قال : { إلا الذين ءامنوا } ولولا أنه للجمع وإلا لما صح ذلك . ~~واعلم أنه بقي من مباحث هذه الآية مسألتان : # المسألة الأولى : هذه الآية تعدل على كونه تعالى عالما بالجزئيات ~~الزمانيات ، لأنه تعالى نص على كونه عالما بكيفية أحوالهم في ذلك اليوم ~~فيكون منكره كافرا . # المسألة الثانية : نقل أن الحجاج سبق على لسانه أن بالنصب ، فأسقط اللام ~~من قوله : { لخبير } حتى لا يكون الكلام لحنا ، وهذا يذكر في تقرير فصاحته ~~، فزعم بعض المشايخ أن هذا كفر لأنه قصد لتغيير المنزل . ونقل عن أبي ~~السماءل أنه قرأ على هذا الوجه ، والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV32P066 < # > 1 ( سورة القارعة ) 1 < # > # إحدى عشرة آية مكية # { سورة * القارعة * إحدى * عشرة * ءاية } اعلم أنه سبحانه وتعالى لما ختم ~~السورة المتقدمة بقوله : { الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير } فكأنه قيل : ~~وما ذلك اليوم ؟ فقيل هي القارعة . # ! 7 < { القارعة * ما القارعة * ومآ أدراك ما القارعة } . > 7 ! # { القارعة * ما القارعة * وما أدراك ما القارعة ms9780 } < < # | القارعة : ( 1 ) القارعة # > > اعلم أن فيه مسائل : # المسألة الأولى : القرع الضرب بشدة واعتماد ، ثم سميت الحادثة العظيمة من ~~حوادث الدهر قارعة ، قال الله تعالى : { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما ~~صنعوا قارعة } ومنه قولهم : العبد يقرع بالعصا ، ومنه المقرعة وقوارع ~~القرآن وقرع الباب ، وتقارعوا تضاربوا بالسيوف ، واتفقوا على أن القارعة ~~اسم من أسماء القيامة ، واختلفوا في لمية هذه التسمية على وجوه أحدها : أن ~~سبب ذلك هو الصيحة التي تموت منها الخلائق ، لأن في الصيحة الأولى تذهب ~~العقول ، قال تعالى : { فصعق من فى * السماوات * ومن فى الارض } وفي ~~الثانية تموت الخلائق سوى إسرافيل ، ثم يميته الله ثميحييه ، فينفخ الثالثة ~~فيقومون . وروى أن الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة ، ~~فيحيي الله كل جسد بتلك النفخة الواصلة إليه من تلك الثقبة المعينة ، والذي ~~يؤكد هذا الوجه قوله تعالى : { ما ينظرون إلا صيحة واحدة * فإنما هى زجرة ~~واحدة } وثانيها : أن الأجرام العلوية والسفلية يصطكان اصطكاكا شديدا عند ~~تخريب العالم ، فبسبب تلك القرعة سمي يوم القيامة بالقارعة وثالثها : أن ~~القارعة هي التي تقرع الناس بالأهوال والإفزاع ، وذلك في السموات بالانشقاق ~~والإنفطار ، وفي الشمس والقمر بالتكور ، وفي الكواكب بالانتثار ، وفي ~~الجبال بالدك والنسف ، وفي الأرض بالطي والتبديل ، وهو قول الكلبي ورابعها ~~: أنها تقرع أعداء الله بالعذاب والخزي والنكال ، وهو قول مقاتل ، قال بعض ~~المحققين وهذا أولى من قول PageV32P067 الكلبي لقوله تعالى : { وهم من فزع ~~يومئذ ءامنون } . # المسألة الثانية : في إعراب قوله : { القارعة * ما القارعة } وجوه أحدها ~~: أنه تحذير وقد / جاء التحذير بالرفع والنصب تقول : الأسد الأسد ، فيجوز ~~الرفع والنصب وثانيها : وفيه إضمار أي ستأتيكم القارعة على ما أخبرت عنه في ~~قوله : { إذا بعثر ما فى القبور } وثالثها : رفع بالابتداء وخبره : { ما ~~القارعة } وعلى قول قطرب الخبر . { وما أدراك ما القارعة } فإن قيل : إذا ~~أخبرت عن شيء بشيء فلا بد وأن تستفيد منه علما زائدا ، وقوله : { وما أدراك ~~} يفيد كونه جاهلا به فكيف يعقل أن يكون هذا خبرا ؟ قلنا : قد حصل لنا بهذا ms9781 ~~الخبر علم زائد ، لأنا كنا نظن أنها قارعة كسائر القوارع ، فبهذا التجهيل ~~علمنا أنها قارعة فاقت القوارع في الهول والشدة . # المسألة الثالثة : قوله : { وما أدراك ما القارعة } فيه وجوه أحدها : ~~معناه لا علم لك بكنهها ، لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها وهم أحد ولا فهمه ~~، وكيفما قدرته فهو أعظم من تقديرك كأنه تعالى قال : قوارع الدنيا في جنب ~~تلك القارعة كأنها ليست بقوارع ، ونار الدنيا في جنب نار الآخرة كأنها ليست ~~بنار ، ولذلك قال في آخر السورة : { نار حامية } تنبيها على أن نار الدنيا ~~في جنب تلك ليست بحامية ، وصار آخر السورة مطابقا لأولها من هذا الوجه . ~~فإن قيل : ههنا قال : { وما أدراك } وقال في آخر السورة : { فأمه } ولم يقل ~~: وماأدراك ما هاوية فما الفرق ؟ قلنا : الفرق أن كونها قارعة أمر محسوس ، ~~أما كونها هاوية فليس كذلك ، فظهر الفرق بين الموضعين وثانيها : أن ذلك ~~التفصيل لا سبيل لأحد إلى العلم به إلا بأخبار الله وبيانه ، لأنه بحث عن ~~وقوع الوقعات لا عن وجوب الواجبات ، فلا يكون إلى معرفته دليل إلا بالسمع . # المسألة الرابعة : نظير هذه الآية قوله : { الحاقة * ما الحاقة * وما ~~أدراك ما الحاقة } ثم قال المحققون قوله : { القارعة * ما القارعة } أشد من ~~قوله : { الحاقة * ما الحاقة } لأن النازل آخرا لا بد وأن يكون أبلغ لأن ~~المقصود منه زيادة التنبيه ، وهذه الزيادة لا تحصل إلا إذا كانت أقوى ، ~~وأما بالنظر إلى المعنى ، فالحاقة أشد لكونه راجعا إلى معنى العدل ، ~~والقارعة أشد لما أنها تهجم على القلوب بالأمر الهائل . # ! 7 < { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش } ~~. > 7 @QB@ < # | القارعة : ( 4 - 5 ) يوم يكون الناس . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { يوم يكون الناس كالفراش * وتكون الجبال كالعهن المنفوش ~~} . # قال صاحب الكشاف : الظرف نصب بمضمر دلت عليه القارعة ، أي تقرع يوم يكون ~~الناس كذا . # واعلم أنه تعالى وصف ذلك اليوم بأمرين الأول : كون الناس فيه : { كالفراش ~~المبثوث } قال الزجاج : الفراش هو الحيوان الذي يتهافت في النار ، وسمي ~~فراشا لتفرشه وانتشاره ، ثم إنه / تعالى ms9782 شبه الخلق وقت البعث ههنا بالفراش ~~المبثوث ، وفي آية أخرى بالجراد المنتشر . أما وجه التشبيه بالفراش ، فلأن ~~الفراش PageV32P068 إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة ، بل كل واحدة منها تذهب ~~إلى غير جهة الأخرى ، يدل هذا على أنهم إذا بعثوا فزعوا ، واختلفوا في ~~المقاصد على جهات مختلفة غير معلومة ، والمبثوث المفرق ، يقال : بثه إذا ~~فرقه . وأما وجه التشبيه بالجراد فهو في الكثرة . قال الفراء : كغوغاء ~~الجراد يركب بعضه بعضا ، وبالجملة فالله سبحانه وتعالى شبه الناس في وقت ~~البعث بالجراد المنتشر ، وبالفراش المبثوث ، لأنهم لما بعثوا يموج بعضهم في ~~بعض كالجراد والفراش ، ويأكد ما ذكرنا بقوله تعالى : { فتأتون أفواجا } ~~وقوله : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } وقوله في قصة يأجوج ومأجوج : { ~~وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض } فإن قيل : الجراد بالنسبة إلى الفراش ~~كبار ، فكيف شبه الشيء الواحد بالصغير والكبير معا ؟ قلنا : شبه الواحد ~~بالصغير والكبير لكن في وصفين . أما التشبيه بالفراش فبذهاب كل واحدة إلى ~~غير جهة الأخرى . وأما بالجراد فبالكثرة والتتابع ، ويحتمل أن يقال : إنها ~~تكون كبارا أولا كالجراد ، ثم تصير صغارا كالفراش بسبب احتراقهم بحر الشمس ~~، وذكروا في التشبيه بالفراش وجوها أخرى أحدها : ما روى أنه عليه السلام ~~قال : ( الناس عالم ومتعلم ، وسائر الناس همج رعاع ) فجعلهم الله في الأخرى ~~كذلك : { جزاء وفاقا } وثانيها : أنه تعالى إنما أدخل حرف التشبيه ، فقال : ~~{ كالفراش } لأنهم يكونون في ذلك اليوم أذل من الفراش ، لأن الفراش لا يعذب ~~، وهؤلاء يعذبون ، ونظيره : { كالانعام بل هم أضل } . # الصفة الثانية : من صفات ذلك اليوم قوله تعالى : { وتكون الجبال كالعهن ~~المنفوش } العهن الصوف ذو الألوان ، وقد مر تحقيقه عند قوله : { وتكون ~~الجبال كالعهن } والنفش فك الصوف حتى ينتفش بعضه عن بعض ، وفي قراءة ابن ~~مسعود : كالصوف المنفوش . # واعلم أن الله تعالى أخبر أن الجبال مختلفة الألوان على ما قال : { ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود } ثم إنه سبحانه يفرق ~~أجزاءها ويزيل التأليف والتركيب عنها فيصبر ذلك مشابها للصوف الملون ~~بالألوان المختلفة إذا جعل منفوشا ، وههنا ms9783 مسائل : # المسألة الأولى : إنما ضم بين حال الناس وبين حال الجبال ، كأنه تعالى ~~نبه على أن تأثير تلك القرعة في الجبال هو أنها صارت كالعهن المنفوش ، فكيف ~~يكون حال الإنسان عند سماعهاا فالويل ثم الويل لابن آدم إن لم تتداركه رحمة ~~ربه ، ويحتمل أن يكون المراد أن جبال النار تصير كالعهن المنفوش لشدة ~~حمرتها . # المسألة الثانية : قد وصف الله تعالى تغير الأحوال على الجبال من وجوه ~~أولها : أن تصير قطعا ، كما قال : { دكت الارض دكا } ، وثانيها : أن تصير ~~كثيبا مهيلا ، كما قال : { وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب } ~~ثم تصير كالعهن المنفوش / وهي أجزاء كالذر تدخل / من كوة البيت لا تمسها ~~الأيدي ، ثم قال : في الرابع تصير سرابا ، كما قال : { وسيرت الجبال فكانت ~~سرابا } . # المسألة الثالثة : لم يقل : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث والجبال ~~كالعهن المنفوش بل قال : { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } لأن التكوير في ~~مثل هذا المقام أبلغ في التحذير . # PageV32P069 ! 7 < { فأما من ثقلت موازينه } . > 7 ! # واعلم < < # | القارعة : ( 6 ) فأما من ثقلت . . . . . # > > أنه تعالى لماوصف يوم القيامة قسم الناس فيه إلى قسمين فقال : { فأما ~~من ثقلت موازينه } واعلم أن في الموازين قولين : أحدهما : أنه جمع موزون ~~وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله ، وهذا قول الفراء قال : ونظيره يقال ~~: عندي درهم بميزان درهمك ووزن درهمك وداري بميزان دارك ووزن دارك أي ~~بحذائها والثاني : أنه جمع ميزان ، قال ابن عباس : الميزان له لسان وكفتان ~~لا يوزن فيه إلا الأعمال فيؤتى بحسنات المطيع في أحسن صورة ، فإذا رجح ~~فالجنة له ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة فيخف وزنه فيدخل النار . وقال ~~الحسن : في الميزان له كفتان ولا يوصف ، قال المتكلمون : إن نفس الحسنات ~~والسيئات لا يصح وزنهما ، خصوصا وقد نقضيا ، بل المراد أن الصحف المكتوب ~~فيها الحسنات والسيئات توزن ، أو يجعل النور علامة الحسنات والظلمة علامة ~~السيئات ، أو تصور صحيفة الحسنات بالصورة الحسنة وصحيفة السيئات بالصورة ~~القبيحة فيظهر بذلك الثقل والخفة ، وتكون الفائدة في ذلك ظهور حال صاحب ms9784 ~~الحسنات في الجمع العظيم فيزداد سرورا ، وظهور حال صاحب السيئات فيكون ذلك ~~كالفضيحة له عند الخلائق . # ! 7 < { فهو فى عيشة راضية } . > 7 ! # < < # | القارعة : ( 7 ) فهو في عيشة . . . . . # > > أما قوله تعالى : { فهو فى عيشة راضية } فالعيشة مصدر بمعنى العيش ، ~~كالخيفة بمعنى الخوف ، وأما الراضية فقال الزجاج : معناه أي عيشة ذات رضا ~~يرضاها صاحبها وهي كقولهم لابن ، وتامر بمعنى ذو لبن وذو تمر ، ولهذا قال ~~المفسرون : تفسيرها مرضية على معنى يرضاها صاحبها . # ! 7 < { وأما من خفت موازينه } . > 7 @QB@ < # | القارعة : ( 8 ) وأما من خفت . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { وأما من خفت موازينه } أي قلت : حسناته فرجحت السيئات ~~على الحسنات قال أبو بكر رضي الله عنه : إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه ~~باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم ، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن ~~يكون ثقيلا ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل في الدنيا ~~وخفته عليهم ، وحق لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفا ، وقال مقاتل : ~~إنما كان كذلك لأن الحق ثقيل والباطل خفيف . ! 7 < { فأمه هاوية * ومآ ~~أدراك ما هيه } . > # / < < # | القارعة : ( 9 ) فأمه هاوية # > > أما قوله تعالى : { فأمه هاوية } ففيه وجوه : أحدها : أن الهاوية من ~~أسماء النار وكأنها النار العميقة يهوى أهل النار فيها مهوى بعيدا ، ~~والمعنى فمأواه النار ، وقيل : للمأوى أم على سبيل التشبيه بالأم التي لا ~~يقع الفزع من الولد إلا إليها وثانيها : فأم رأسه هاوية في النار ذكره ~~الأخفش ، والكلبي ، وقتادة قال : لأنهم يهوون في النار على رؤوسهم وثالثها ~~: أنهم إذا دعوا على الرجل بالهلاك قالوا : هوت أمه لأنه إذا هوى أي سقط ~~وهلك فقد هوت أمه حزنا وثكلا ، فكأنه قيل : { وأما من خفت موازينه } فقد ~~هلك . # 7 ! # ثم قال تعالى : { وما أدراك } قال صاحب الكشاف : هيه ضمير الداهية التي ~~دل عليها قوله : PageV32P070 { موازينه فأمه هاوية } في التفسير الثالث : ~~أو ضمير هاوية : والهاء للسكت فإذا وصل جاز حذفها والاختيار الوقف بالهاء ~~لاتباع المصحف والهاء ثابتة فيه ، وذكرنا الكلام في هذه الهاء عند قوله : { ~~لم يتسنه * فبهداهم * القاضية ms9785 * ما أغنى عنى ماليه } . # ! 7 < { نار حامية } . > 7 ! # < < # | القارعة : ( 11 ) نار حامية # > > ثم قال تعالى : { نار حامية } والمعنى أن سائر النيران بالنسبة إليها ~~كأنها ليست حامية ، وهذا القدر كاف في التنبيه على قوة سخونتها ، نعوذ ~~بالله منها ومن جميع أنواع العذاب ، ونسأله التوفيق وحسن المآب : { ربنا ~~وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } . # PageV32P071 < # > 1 ( سورة التكاثر ) 1 < # > # ثمان آيات مكية # ! 7 < { ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر } . > 7 @QB@ < # | التكاثر : ( 1 - 2 ) ألهاكم التكاثر # > > # { ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر } فيه مسائل : # المسأة الأولى : الإلهاء الصرف إلى اللهو . واللهو الانصراف إلى ما يدعو ~~إليه الهوى ، ومعلوم أن الانصراف إلى الشيء يقتضي الإعراض عن غيره ، فلهذا ~~قال أهل اللغة : ألهاني فلان عن كذا أي أنساني وشغلني ، ومنه الحديث : ( أن ~~الزبير كان سمع صوت الرعد لهى عن حديثه ) أن تركه وأعرض عنه ، وكل شيء ~~تركته فقد لهيت عنه ، والتكاثر التباهي بكثرة المال والجاه والمناقب يقال : ~~تكاثر القوم تكاثرا إذا تعادلوا مالهم من كثرة المناقب ، وقال أبو مسلم : ~~التكاثر تفاعل عن الكثرة والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون ~~بين الإثنين فيكون مفاعله ، ويحتمل تكلف الفعل تقول : تكارهت على كذا إذا ~~فعلته وأنت كاره ، وتقول : تباعدت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه وتقول : ~~تغافلت ، ويحتمل أيضا الفعل بنفسه كما تقول : تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه ~~، ولفظ التكاثر في هذه الآية ويحتمل الوجهين الأولين ، فيحتمل التكاثر ~~بمعنى المفاعلة لأنه كم من إثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه : { أنا أكثر ~~منك مالا وأعز نفرا } ويحتمل تكلف الكثرة فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ~~ماله ، واعلم أن التفاخر والتكاثر شيء واحد ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ~~وتفاخر بينكم } . # المسألة الثانية : اعلم أن التفاخر إنما يكون بإثبات الإنسان نوعا من ~~أنواع السعادة لنفسه ، وأجناس السعادة ثلاثة : # فأحدها : في النفس والثانية : في البدن والثالثة : فيما يطيف بالبدن من ~~خارج ، أما التي في النفس PageV32P072 فهي العلوم والأخلاق الفاضلة وهما ~~المرادان بقوله حكاية عن ms9786 إبراهيم : { رب هب لى حكما وألحقنى بالصالحين } ~~وبهما ينال البقاء الأبدي والسعادة السرمدية . # وأما التي في البدن فهي الصحة والجمال وهي المرتبة الثانية ، وأما التي ~~تطيف بالبدن من خارج فقسمان : ة أحدهما : ضروري وهو المال والجاه والآخر ~~غير ضروري وهو الأقرباء والأصدقاء / وهذا الذي عددناه في المرتبة الثالثة ~~إنما يراد كله للبدن بدليل أنه إذا تألم عضو من أعضائه فإنه يجعل المال ~~والجاه فداء له . # وأما السعادة البدنية فالفضلاء من الناس إنما يريدونها للسعادة النفسانية ~~فإنه ما لم يكن صحيح البدن لم يتفرغ لاكتساب السعادات النفسانية الباقية ، ~~إذا عرفت هذا فنقول : العاقل ينبغي أن يكون سعيه في تقديم الأهم على المهم ~~، فالتفاخر بالمال والجاه والأعوان والأقرباء تفاخر بأخس المراتب من أسباب ~~السعادات ، والاشتغال به يمنع الإنسان من تحصيل السعادة النفسانية بالعلم ~~والعمل ، فيكون ذلك ترجيحا لأخس المراتب في السعادات على أشرف المراتب فيها ~~، وذلك يكون عكس الواجب ونقيض الحق ، فلهذا السبب ذمهم الله تعالى فقال : { ~~ألهاكم التكاثر } ويدخل فيه التكاثر بالعدد وبالمال والجاه والأقرباء ~~والأنصار والجيش ، وبالجملة فيدخل فيه التكاثر بكل ما يكون من الدنيا ~~ولذاتها وشهواتها . # المسألة الثالثة : قوله : { ألهاكم } يحتمل أن يكون إخبارا عنهم ، ويحتمل ~~أن يكون استفهاما بمعنى التوبيخ والتقويع أي أألهاكم ، كما قرىء أنذرتهم ~~وأأنذرتهم ، وإذا كنا عظاما وأئذا كنا عظاما . # المسألة الرابعة : الآية دلت على أن التكاثر والتفاخر مذموم والعقل دل ~~على إن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقية غير مذموم ، ومن ذلك ما روى ~~من تفاخر العباس بأن السقاية بيده ، وتفاخر شيبة بأن المفتاح بيده إلى أن ~~قال علي عليه السلام : وأنا قطعت خرطوم الكفر بسيفي فصار الكفر مثلة ~~فأسلمتم فشق ذلك عليهم فنزل قوله تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج } الآية ~~وذكرنا في تفسير قوله تعالى : { وأما بنعمة ربك فحدث } أنه يجوز للإنسان أن ~~يفتخر بطاعاته ومحاسن أخلاقه إذا كان يظن أن غيره يقتدي به ، فثبت أن مطلق ~~التكاثر ليس بمذموم ، بل التكاثر في العلم والطاعة والأخلاق الحميدة ، هو ~~المحمود ، وهو أصل الخيرات ، فالألف واللام في ms9787 التكاثر ليسا للاستغراق ، بل ~~للمعهود السابق ، وهو التكاثر في الدنيا ولذاتها وعلائقها ، فإنه هو الذي ~~يمنع عن طاعة الله تعالى وعبوديته ، ولما كان ذلك مقررا في العقول ومتفقا ~~عليه في الأديان ، لا جرم حسن إدخال حرف التعريف عليه . # المسألة الخامسة : في تفسير الآية وجوه أحدها : { ألهاكم التكاثر } ~~بالعدد روى أنها نزلت في بني سهم وبني عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر فكان بنو ~~عبد مناف أكثر فقال : بنو سهم عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع ~~أحيائكم وأمواتكم ، ففعلوا فزاد بنو سهم ، فنزلت الآية وهذه الرواية مطابقة ~~لظاهر القرآن ، لأن قوله : { حتى زرتم المقابر } يدل على أنه أمر مضى . ~~فكأنه تعالى يعجبهم من أنفسهم ، ويقول هب أنكم أكثر منهم عددا فماذا ينفع ، ~~والزيارة إتيان الموضع ، وذلك يكون لأغراض كثيرة ، وأهمها وأولاها بالرعاية ~~ترقيق القلب وإزالة حب الدنيا / فإن مشاهدة القبور تورث ذلك على ما قال ~~عليه السلام : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإن في زيارتها ~~تذكرة ) ثم إنكم زرتم القبور ، بسبب قساوة القلب والاستغراق في PageV32P073 ~~حب الدنيا فلما انعكست هذه القضية ، لا جرم ذكر الله تعالى ذلك في معرض ~~التعجيب . # والقول الثاني : أن المراد هو التكاثر بالمال واستدلوا عليه بما روى مطرف ~~بن عبد الله بن الشخير عن أبيه ، أنه عليه السلام كان يقرأ : { ألهاكم } ~~وقال ابن آدم : يقول مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنبت ، أو ~~لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ، والمراد من قوله : { حتى زرتم المقابر } ~~أي حتى متم وزيارة القبر عبارة عن الموت ، يقال لمن مات : زار قبره وزار ~~رمسه ، قال جرير للأخطل : # زار القبور أبو مالك # فأصبح ألأم زوارها أي مات فيكون معنى الآية : ألهاكم حرصكم على تكثير ~~أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت ، وأنتم على ذلك ، يقال حمله على هذا ~~الوجه مشكل من وجهين الأول : أن الزائر هو الذي يزور ساعة ثم ينصرف ، ~~والميت يبقى في قبره ، فكيف يقال : إنه زار القبر ؟ والثاني : أن قوله : { ~~حتى زرتم المقابر } إخبار عن الماضي ms9788 ، فكيف يحمل على المستقبل ؟ والجواب : ~~عن السؤال الأول أنه قد يمكث الزائر ، لكن لا بد له من الرحيل ، وكذا أهل ~~القبور يرحلون عنها إلى مكان الحساب والجواب : عن السؤال الثاني من وجوه ~~أحدها : يحتمل أن يكون المراد من كان مشرفا على الموت بسبب الكبر ، ولذلك ~~يقال فيه : إنه على شفير القبر وثانيها : أن الخبر عمن تقدمهم وعظا لهم ، ~~فهو كالخبر عنهم ، لأنهم كانوا على طريقتهم ، ومنه قوله تعالى : { ويقتلون ~~} وثالثها : قال أبو مسلم : إن الله تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة ~~تعييرا للكفار ، وهم في ذلك الوقت قد تقدمت منهم زيارة القبور . # القول الثالث : { حامية ألهاكم } الحرص على المال وطلب تكثيره حتى منعتم ~~الحقوق المالية إلى حين الموت ، ثم تقول في تلك الحالة : أوصيت لأجل الزكاة ~~بكذا ، ولأجل الحج بكذا . # القول الرابع : { ألهاكم التكاثر } فلا تلتفتون إلى الدين ، بل قلوبكم ~~كأنها أحجار لا تنكسر البتة إلا إذا زرتم المقابر ، هكذا ينبغي أن تكون ~~حالكم ، وهو أن يكون حظكم من دينكم ذلك القدر القليل من الانكسار / ونظيره ~~قوله تعالى : { قليلا ما تشكرون } أي لا أقنع منكم بهذا القدر القليل من ~~الشكر . # المسألة السادسة : أنه تعالى لم يقل : { ألهاكم التكاثر } عن كذا وإنما ~~لم يذكره ، لأن المطلق أبلغ في الذم لأنه يذهب الوهم فيه كل مذهب ، فيدخل ~~فيه جميع ما يحتمله الموضع ، أي : ألهاكم التكاثر عن ذكر الله وعن الواجبات ~~والمندوبات في المعرفة والطاعة والتفكر والتدبر ، أو نقول : إن نظرنا إلى ~~ما قبل هذه الآية فالمعنى : ألهاكم التكاثر عن التدبر في أمر القارعة ~~والاستعداد لها قبل الموت ، وإن نظرنا إلى الأسفل فالمعنى ألهاكم التكاثر ، ~~فنسيتم القبر حتى زرتموه . # ! 7 < { كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون } . > 7 ! # < < # | التكاثر : ( 3 ) كلا سوف تعلمون # > > أما قوله تعالى : { كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون } فهو يتصل ~~بما قبله وبما بعده أما الأول ، PageV32P074 فعلى وجه الرد والتكذيب أي ليس ~~الأمر كما يتوهممه هؤلاء من أن السعادة الحقيقية بكثرة العدد والأولاد ، ~~وأما اتصاله بما بعده ، فعلى ms9789 معنى القسم أي حقا سوف تعلمون لكن حين يصير ~~الفاسق تائبا ، والكافر مسلما ، والحريص زاهدا ، ومنه قول الحسن : لا يغرنك ~~كثرة من ترى حولك فإنك تموت وحدك ، وتحاسب وحدك ، وتقريره : { يوم يفر ~~المرء * ويأتينا فردا * ولقد جئتمونا فرادى } إلى أن قال : { وتركتم ما ~~خولناكم } وهذا يمنعك عن التكاثر ، وذكروا في التكوير وجوها أحدها : أنه ~~للتأكيد ، وأنه وعيد بعد وعيد كما تقول : للمنصوح أقول لك ، ثم أقول لك لا ~~تفعل وثانيها : أن الأول عند الموت حيث يقال له : لا بشرى والثاني في سؤال ~~القبر : من ربك ؟ والثالث عند النشور حين ينادي المنادي ، فلأن شقى شقاوة ~~لا سعادة بعدها أبدا وحين يقال : { وامتازوا اليوم } وثالثها : عن الضحاك ~~سوف تعلمون ، أيها الكفار : { ثم كلا سوف تعلمون } أيها المؤمنون ، وكان ~~يقرؤها كذلك ، فالأول وعيد والثاني وعد ورابعها : أن كل أحد يعلم قبح الظلم ~~والكذب وحسن العدل والصدق لكن لا يعرف قدر آثارها ونتائجها ، ثم إنه تعالى ~~يقول : سوف تعلم العلم المفضل لكن التفصيل يحتمل الزائد فمهما حصلت زيادة ~~لذة ، ازداد علما ، وكذا في جانب العقوبة فقسم ذلك على الأحواس ، فعند ~~المعاينة يزداد ، ثم عند البعث ، ثم عند الحساب ، ثم عند دخول الجنة والنار ~~، فلذلك وقع التكرير وخامسها : أن إحدى الحالتين عذاب القبر والأخرى عذاب ~~القيامة ، كما روى عن ذر أنه قال : كنت أشك في عذاب القبر ، حتى سمعت علي ~~بن أبي طالب عليه السلام يقول : إن هذه الآية تدل على عذاب القبر ، وإنما ~~قال : { ثم } لأن بين العالمين والحياتين موتا . # ! 7 < { كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين ~~اليقين } . > 7 @QB@ < # | التكاثر : ( 5 - 7 ) كلا لو تعلمون . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها ~~عين اليقين } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اتفقوا على أن جواب لو محذوف ، وأنه ليس قوله : { لترون ~~الجحيم } جواب لو ويدل عليه وجهان أحدهما : أن ما كان جواب لو فنفيه إثبات ~~، وإثباته نفي ، فلو كان قوله : { لترون الجحيم } جوابا للو لوجب أن لا ~~تحصل ms9790 هذه الرؤية ، وذلك باطل ، فإن هذه الرؤية واقعة قطعا ، فإن قيل : ~~المراد من هذه الرؤية رؤيتها بالقلب في الدنيا ، ثم إن هذه الرؤية غير ~~واقعة قلنا : ترك الظاهر خلاف الأصل والثاني : أن قوله : { ثم لتسئلن يومئذ ~~عن النعيم } إخبار عن أمر سيقع قطعا ، فعطفه على مالا يوجد ولا يقع قبيح في ~~النظم ، واعلم أن ترك الجواب / في مثل هذا المكان أحسن ، يقول الرجل للرجل ~~: لو فعلت هذا أي لكان كذا ، قال الله تعالى : { لو يعلم الذين كفروا حين ~~لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم } ولم يجيء له جواب وقال : { ولو ~~ترى * إذا * وقفوا على ربهم } إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في جواب لو وجوها ~~أحدها : قال الأخفش : { لو تعلمون علم اليقين } ما ألهاكم التكاثر وثانيها ~~: قال أبو مسلم لو علمتم ماذا يجب عليكم لتمسكتم به أو لو علمتم لأي أمر ~~خلقتم لاشتغلتم به وثالثها : أنه حذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب فيكون ~~التهويل أعظم ، وكأنه قال : { لو * علمتم * علم اليقين } لفعلتم مالا يوصف ~~ولا يكتنه ، ولكنكم ضلال وجهلة ، وأما قوله : { لترون الجحيم } فاللام يدل ~~على أنه جواب قسم محذوف ، والقسم لتوكيد الوعيد ، وأن ما أوعدا به مما لا ~~مدخل فيه للريب وكرره معطوفا بثم تغليظا للتهديد وزيادة في التهويل . ~~PageV32P075 # المسألة الثانية : أنه تعالى أعاد لفظ كلا وهو للزجر ، وإنما حسنت ~~الإعادة لأنه عقبه في كل موضع بغير ما عقب به الموضع الآخر ، كأنه تعالى ~~قال : لا تفعلوا هذا فإنكم تستحقون به من العذاب كذا لا تفعلوا هذا فإنكم ~~تستوجبون به ضررا آخر ، وهذا التكرير ليس بالمكروه بل هو مرضي عندهم ، وكان ~~الحسن رحمه الله يجعل معنى { كلا } في هذا الموضع بمعنى حقا كأنه قيل حقا : ~~{ لو تعلمون علم اليقين } . # المسألة الثالثة : في قوله : { علم اليقين } وجهان أحدهما : أن معناه ~~علما يقينا فأضيف الموصوف إلى الصفة ، كقوله تعالى : { ولدار الاخرة } وكما ~~يقال : مسجد الجامع وعام الأول والثاني : أن اليقين ههنا هو الموت والبعث ~~والقيامة ، وقد سمي الموت يقينا في ms9791 قوله : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ~~ولأنهما إذا وقعا جاء اليقين ، وزال الشك فالمعنى لو تعلمون علم الموت وما ~~يلقى الإنسان معه وبعده في القبر وفي الآخرة لم يلهكم التكاثر والتفاخر عن ~~ذكر الله ، وقد يقول الإنسان : أنا أعلم علم كذا أي أتحققه ، وفلان يعلم ~~علم الطب وعلم الحساب ، لأن العلوم أنواع فيصلح لذلك أن يقال : علمت علم ~~كذا . # المسألة الرابعة : العلم من أشد البواعث على العمل ، فإذا كان وقت العمل ~~أمامه كان وعدا وعظة ، وإن كان بعد وفاة وقت العمل فحينئذ يكون حسرة وندامة ~~، كما ذكر أن ذا القرنين لما دخل الظلمات ( وجد خرزا ) ، فالذين كانوا معه ~~أخذوا من تلك الخرز فلما خرجوا من الظلمات وجدوها جواهر ، ثم الأخذون كانوا ~~في الغم أي لما لم يأخذوا أكثر مما أخذوا / والذين لم يأخذوا كانوا أيضا في ~~الغم ، فهكذا يكون أحوال أهل القيامة . # المسألة الخامسة : في الآية تهديد عظيم للعلماء فإنها دلت على أنه لو حصل ~~اليقين بما في التكاثر والتفاخر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر ، وهذا ~~يقتضي أن من لم يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلا له فالويل ~~للعالم الذي لا يكون عاملا ثم الويل له . # المسألة السادسة : في تكرار الرؤية وجوه أحدها : أنه لتأكيد الوعيد أيضا ~~لعل القوم / كانوا يكرهون سماع الوعيد فكرر لذلك ونون للتأكيد تقتضي كون ~~تلك الرؤية اضطرارية ، يعني لو خليتم ورأيكم ما رأيتموها لكنكم تحملون على ~~رؤيتها شئتم أم أبيتم وثانيها : أن أولهما الرؤية من البعيد : { إذا رأتهم ~~من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا } وقوله : { وبرزت الجحيم لمن يرى } والرؤية ~~الثانية إذا صاروا إلى شفير النار وثالثها : أن الرؤية الأولى عند الورود ~~والثانية عند الدخول فيها ، قيل : هذا التفسير ليس بحسن لأنه قال : { ثم ~~لتسئلن } والسؤال يكون قبل الدخول ورابعها : الرؤية الأولى للوعد والثانية ~~المشاهدة وخامسها : أن يكون المراد لترون الجحيم غير مرة فيكون ذكر الرؤية ~~مرتين عبارة عن تتابع الرؤية واتصالها لأنهم مخلدون في الجحيم فكأنه قيل ~~لهم : على جهة الوعيد ، لئن كنتم ms9792 اليوم شاكين فيها غير مصدقين بها فسترونها ~~رؤية دائمة متصلة فتزول عنكم الشكوك وهو كقوله : { ما ترى فى خلق الرحمان ~~من تفاوت * إلى * قوله * فارجع البصر * كرتين } بمعنى لو أعدت النظر فيها ~~ما شئت لم تجد فطورا ولم يرد مرتين فقط ، فكذا ههنا ، إن قيل : ما فائدة ~~تخصيص الرؤية الثانية باليقين ؟ قلنا : لأنهم في المرة الأولى رأوا لهبا لا ~~غير ، وفي المرة الثانية رأوا نفس الحفرة وكيفية السقوط فيها وما فيها من ~~الحيوانات المؤذية ، ولا شك PageV32P076 أن هذه الرؤية أجلى ، والحكمة في ~~النقل من العلم الأخفى إلى الأجلى التفريع على ترك النظر لأنهم كانوا ~~يقتصرون على الظن ولا يطلبون الزيادة . # المسألة السابعة : قراءة العامة لترون بفتح التاء ، وقرىء بضمها من رأيته ~~الشيء ، والمعنى أنهم يحشرون إليها فيرونها ، وهذه القراءة تروي عن ابن ~~عامر والكسائي كأنهما أرادا لترونها فترونها ، ولذلك قرأ الثانية : { ثم ~~لترونها } بالفتح ، وفي هذه الثانية دليل على أنهم إذا أروها رأوها وفي ~~قراءة العامة الثانية تكرير للتأكيد ولسائر الفوائد التي عددناها ، واعلم ~~أن قراءة العامة أولى لوجهين الأول : قال الفراء : قراءة العامة أشبه بكلام ~~العرب لأنه تغليظ ، فلا ينبغي أن الجحيم لفظه الثاني : قال أبو علي المعنى ~~في : { لترون الجحيم } لترون عذاب الجحيم ، ألا ترى أن الجحيم يراها ~~المؤمنون أيضا بدلالة قوله : { وإن منكم إلا واردها } وإذا كان كذلك كان ~~الوعيد في رؤية عذابها لا في رؤية نفسها يدل على هذا قوله : { إذ يرون ~~العذاب } وقوله : { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب } وهذا يدل على أن لترون ~~أرجح من لترون . # ! 7 < { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } . > 7 @QB@ < # | التكاثر : ( 8 ) ثم لتسألن يومئذ . . . . . # > > # قوله تعالى : { اليقين ثم لتسئلن يومئذ عن }فيه قولان : # المسألة الأولى : في أن الذي يسأل عن النعيم من هو ؟ فيه قولان : # أحدهما : وهو الأظهر أنهم الكفار ، قال الحسن : لا يسأل عن النعيم إلا ~~أهل النار ويدل عليه وجهان الأول : ما روى أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية ، ~~قال يا رسول الله : أرأيت / أكلة أكلتها معك في ms9793 بيت أبي الهيثم بن التيهان ~~من خبز شعير ولحم وبسر وماء عذب أن تكون من النعيم الذي نسأل عنه ؟ فقال ~~عليه الصلاة والسلام : إنما ذلك للكفار ، ثم قرأ : { وهل * نجزى إلا الكفور ~~} والثاني : وهو أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه ، وذلك لأن الكفار ألهاهم ~~التكاثر بالدنيا والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله تعالى والاشتغال بشكره ، ~~فالله تعالى يسألهم عنها يوم القيامة حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه سببا ~~لسعادتهم هو كان من أعظم أسباب الشقاء لهم في الآخرة . # والقول الثاني : أنه عام في حق المؤمن والكافر واحتجوا بأحاديث ، روى أبو ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أول ما يسأل عنه العبد يوم ~~القيامة عن النعيم فيقال له : ألم نصحح لك جسمك ونروك من المار البارد ) ~~وقال محمود بن لبيد : لما نزلت هذه السورة قالوا : يا رسول الله عن أبي ~~نعيم : نسأل ؟ إنما هما الماء والتمر وسيوفنا على عواتقنا والعدو حاضر ، ~~فعن أي نعيم نسأل ؟ قال : ( إن ذلك سيكون ) وروى عن عمر أنه قال : أي نعيم ~~نسأل عنه يا رسول الله وقد أخرجنا من ديارنا وأموالنا ؟ فقال صلى الله عليه ~~وسلم : ( ظلال المساكن والأشجار والأخبية التي تقيكم من الحر والبرد والماء ~~البارد في اليوم الحار ) وقريب منه : ( من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه ~~وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) وروى أن شابا أسلم في ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمه رسول الله سورة ألهاكم ثم زوجه ~~رسول الله امرأة فلما دخل عليها ورآى الجهاز العظيم والنعيم الكثير خرج ~~وقال : لا أريد ذلك فسأله النبي عليه الصلاة والسلام عنه فقال : ألست ~~علمتني : { ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم } PageV32P077 وأنا لا أطيق الجواب ~~عن ذلك . وعن أنس لما نزلت الآية قام محتاج فقال : هل علي من النعمة شيء ؟ ~~قال : الظل والنعلان والماء البارد . وأشهر الأخبار في هذا ما روى أنه عليه ~~الصلاة والسلام خرج ذات ليلة إلى المسجد ، فلم يلبث أن جاء أبو بكر فقال ms9794 : ~~ما أخرجك يا أبا بكر ؟ قال : الجوع ، قال : والله ما أخرجني إلا الذي أخرجك ~~، ثم دخل عمر فقال : مثل ذلك ، فقال : قوموا بنا إلى منزل أبي الهيثم ، فدق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الباب وسلم ثلاث مرات فلم يجب أحد فانصرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت امرأته تصيح كنا نسمع صوتك لكن أردنا ~~أن تزيد من سلامك فقال لها : خيرا ، ثم قالت : بأبي أنت وأمي إن أبا الهيثم ~~خرج يستعذب لنا الماء ، ثم عمدت إلى صاع من شعير فطحنته وخبزته ورجع أبو ~~الهيثم فذبح عناقا وأتاهم بالرطب فأكلوا وشربوا فقال عليه الصلاة والسلام : ~~( هذا من النعيم الذي تسألون عنه ) وروى أيضا : ( لا تزول قدما عبد حتى ~~يسأل عن أربع عن عمره وماله وشبابه وعمله ) وعن معاذ عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ( أن العبد ليسأل يوم القيامة حتى عن كحل عينيه ، وعن فتات ~~الطينة بأصبعه ، عن لمس ثوب أخيه ) واعلم أن الأولى أن يقال : السؤال يعم ~~المؤمن والكافر ، لكن سؤال الكافر توبيخ لأنه ترك الشكر ، وسؤال المؤمن ~~سؤال تشريف لأنه شكر وأطاع . # المسألة الثانية : ذكروا في النعيم المسئول عنه وجوها أحدها : ما روى أنه ~~خمس : شبع / البطون وبارد الشراب ولذة النوم وإظلال المساكن واعتدال الخلق ~~وثانيها : قال ابن مسعود : إنه الأمن والصحة والفراغ وثالثها : قال ابن ~~عباس : إنه الصحة وسائر ملاذ المأكول والمشروب ورابعها : قال بعضهم : ~~الانتفاع بإدراك السمع والبصر وخامسها : قال الحسن بن الفضل : تخفيف ~~الشرائع وتيسير القرآن وسادسها : قال ابن عمر : إنه الماء البارد وسابعها : ~~قال الباقر : إنه العافية ، ويروى أيضا عن جابر الجعفي قال : دخلت على ~~الباقر فقال : ما تقول أرباب التأويل في قوله : { ثم لتسئلن يومئذ عن ~~النعيم } ؟ فقلت : يقولون الظل والماء البارد فقال : لو أنك أدخلت بيتك ~~أحدا وأقعدته في ظل وأسقيته ماء باردا أتمن عليه ؟ فقلت : لا ، قال : فالله ~~أكرم من أن يطعم عبده ويسقيه ثم يسأله عنه ، فقلت : ما تأويله ؟ قال : ~~النعيم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أنعم ms9795 الله به على هذا العالم ~~فاستنقذهم به من الضلالة ، أما سمعت قوله تعالى : { لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا } الآية القول الثامن : إنما يسألون عن الزائد ~~مما لا بد منه من مطعم وملبس ومسكن . والتاسع : وهو الأولى أنه يجب حمله ~~على جميع النعم ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أن الألف واللام يفيدان ~~الاستغراق وثانيها : أنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى الباقي ~~لاسيما وقد دل الدليل على أن المطلوب من منافع هذه الدنيا اشتغال العبد ~~بعبودية الله تعالى وثالثها : أنه تعالى قال : { خالدون يابنى إسراءيل ~~اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } والمراد منه جميع النعم من فلق البحر ~~والإنجاء من فرعون وإنزال المن والسلوى فكذا ههنا ورابعها : أن النعيم ~~التام كالشيء الواحد الذي له أبعاض وأعضاء فإذا أشير إلى النعيم فقد دخل ~~فيه الكل ، كما أن الترياق اسم للمعجون المركب من الأدوية الكثيرة فإذا ذكر ~~الترياق فقد دخل الكل فيه . # واعلم أن النعم أقسام فمنها ظاهرة وباطنة ، ومنها متصلة ومنفصلة ، ومنها ~~دينية ودنيوية ، وقد ذكرنا أقسام السعادات بحسب الجنس في تفسير أول هذه ~~السورة ، وأما تعديدها بحسب النوع والشخص فغير ممكن على ما قاله تعالى : { ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } واستعن في معرفة نعم الله PageV32P078 ~~عليك في صحة بدنك بالأطباء ، ثم هم أشد الخلق غفلة ، وفي معرفة نعم الله ~~عليك بخلق السموات والكواكب بالمنجمين ، وهم أشد الناس جهلا بالصانع ، وفي ~~معرفة سلطان الله بالملوك ، ثم هم أجهل الخلق ، وأما الذي يروى عن ابن عمر ~~أنه الماء البارد فمعناه هذا من جملته ، ولعله إنما خصه بالذكر لأنه أهون ~~موجود وأعز مفقود ، ومنه قول ابن السماك للرشيد : أرأيت لو احتجت إلى شربة ~~ماء في فلاة أكنت تبذل فيه نصف الملك ؟ فلا تغتر بملك كانت الشربة الواحدة ~~من الماء قيمته مرتين ؛ أو لأن أهل النار يطلبون الماء أشد من طلبهم لغيره ~~، قال تعالى : { أن أفيضوا علينا من الماء } أو لأن السورة نزلت في ~~المترفين ، وهم المختصون بالماء البارد ms9796 والظل ، والحق أن السؤال يعم المؤمن ~~والكافر عن جميع النعيم سواء كان مما لا بد منه ( أولا ) ، وليس كذلك لأن ~~كل ذلك يجب أن يكون / مصروفا إلى طاعة الله لا إلى معصيته ، فيكون السؤال ~~واقعا عن الكل ، ويؤكده ما روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( لا ~~تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن ~~شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل ~~به ) فكل النعيم من الله تعالى داخل فيما ذكره عليه الصلاة والسلام . # المسألة الثالثة : اختلفوا في أن هذا السؤال أين يكون ؟ . # فالقول الأول : أن هذا السؤال إنما يكون في موقف الحساب ، فإن قيل : هذا ~~لا يستقيم ، لأنه تعالى أخبر أن هذا السؤال متأخر عن مشاهدة جهنم بقوله : { ~~ثم لتسئلن } وموقف السؤال متقدم على مشاهدة جهنم ؟ قلنا : المراد من قوله : ~~{ ثم } أي ثم أخبركم أنكم تسألون يوم القيامة ، وهو كقوله : { فك رقبة * أو ~~إطعام فى يوم ذى مسغبة } إلى قوله : { ثم كان من الذين ءامنوا } . # القول الثاني : أنهم إذا دخلوا النار سئلوا عن النعيم توبيخا لهم ، كما ~~قال : { كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها } وقال : { ما سلككم فى سقر } ولا ~~شك أن مجيء الرسول نعمة من الله ، فقد سئلوا عنه بعد دخولهم النار ، أو ~~يقال : إنهم إذا صاروا في الجحيم وشاهدوها ، يقال لهم : إنما حل بكم هذا ~~العذاب لأنكم في دار الدنيا اشتغلتم بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم من هذه ~~النار ، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة الفائزين ~~بالدرجات ، فيكون ذلك من الملائكة سؤالا عن نعيمهم في الدنيا ، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV32P079 < # > 1 ( سورة العصر ) 1 < # > # ثلاث آيات مكية # ! 7 < { والعصر } . > 7 @QB@ < # | العصر : ( 1 ) والعصر # > > # { والعصر } اعلم أنهم ذكروا في تفسير العصر أقوالا . # الأول : أنه الدهر ، واحتج هذا القائل بوجوه أحدها : ما روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه أقسم بالدهر ms9797 ، وكان عليه السلام يقرأ : والعصر ونوائب ~~الدهر إلا أنا نقول : هذا مفسد للصلاة ، فلا نقول : إنه قرأه قرآنا بل ~~تفسيرا ، ولعله تعالى لم يذكر الدهل لعلمه بأن الملحد مولع بذكره وتعظيمه ~~ومن ذلك ذكره في : { هل أتى } ردا على فساد قولهم : بالطبع والدهر وثانيها ~~: أن الدهر مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء ، والصحة ~~والسقم ، والغنى والفقر ، بل فيه ما هو أعجب من كل عجب ، وهو أن العقل لا ~~يقوى على أن يحكم عليه بالعدم ، فإنه مجزأ مقسم بالسنة ، والشهر ، واليوم ، ~~والساعة ، ومحكوم عليه بالزيادة والنقصان والمطابقة ، وكونه ماضيا ومستقبلا ~~، فكيف يكون معدوما ؟ ولا يمكنه أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل ~~للقسمة والماضي والمستقبل معدومان ، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود ؟ ~~وثالثها : أن بقية عمر المرء لا قيمة له ، فلو ضيعت ألف سنة ، ثم تبث في ~~اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد فعلمت حينئذ أن أشرف ~~الأشياء حياتك في تلك اللمحة ، فكأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم ، ~~فلذلك أقسم به ونبه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها المكلف ، وإليه ~~الإشارة بقوله : { وهو الذى جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو ~~أراد شكورا } ورابعها : وهو أن قوله تعالى في سورة الأنعام : { قل لمن ما ~~فى * السماوات والارض * قل الله } إشارة إلى المكان والمكانيات ، ثم قال : ~~{ وله ما سكن فى اليل والنهار } وهو إشارة إلى الزمان والزمانيات ، وقد ~~بينا هناك أن الزمان PageV32P080 أعلم وأشرف من المكان ، فلما كان كذلك كان ~~القسم بالعصر قسما بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته وخامسها : أنهم كانوا ~~يضيفون الخسران إلى نوائت الدهر ، فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر ~~نعمة حاصلة لا عيب فيها ، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان وسادسها : أنه ~~تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك ، فإذا لم يكن في مقابلته / كسب صار ~~ذلك النقصان عن الخسران ، ولذلك قال : { لفى * خسر } ومنه قول القائل : # إنا لنفرح بالأيام نقطعها # وكل يوم مضى نقص من الأجل فكأن المعنى : والعصر ms9798 العجيب أمره حيث يفرح ~~الإنسان بمضيه لظنه أنه وجد الربح مع أنه هدم لعمره وإنه لفي خسر والقول ~~الثاني : وهو قول أبي مسلم : المراد بالعصر أحد طرفي النهار ، والسبب فيه ~~وجوه أحدها : أنه أقسم تعالى بالعصر كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعا من ~~دلائل القدرة فإن كل بكرة كأنها القيامة يخرجون من القبور وتصير الأموات ~~أحياء ويقام الموازين وكل عشية تشبه تخريب الدنيا بالصعق والموت ، وكل واحد ~~من هاتين الحالتين شاهد عدل ثم إذا لم يحكم الحاكم عقيب الشاهدين عد خاسرا ~~فكذا الإنسان الغافل عنهما في خسر وثانيها : قال الحسن رحمه الله : إنما ~~أقسم بهذا الوقت تنبيها على أن الأسواق قد دنا وقت انقطاعها وانتهاء ~~التجارة والكسب فيها ، فإذا لم تكتسب ودخلت الدار وطاف العيال عليك يسألك ~~كل أحد ما هو حقه فحينئذ تخجل فتكون من الخاسرين ، فكذا نقول : والعصر أي ~~عصر الدنيا قد دنت القيامة و ( أنت ) بعد لم تستعد وتعلم أنك تسأل غدا عن ~~النعيم الذي كنت فيه في دنياك ، وتسأل في معاملتك مع الخلق وكل أحد من ~~المظلومين يدعي ما عليك فءذا أنت خاسر ، ونظيره : { اقترب للناس حسابهم وهم ~~فى غفلة معرضون } / وثالثها : أن هذا الوقت معظم ، والدليل عليه قوله عليه ~~السلام : ( من حلف بعد العصر كاذبا لا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم ~~القيامة ) فكما أقسم في حق الرابح بالضحى فكذا أقسم في حق الخاسر بالعصر ~~وذلك لأنه أقسم بالضحى في حق الرابح وبشر الرسول أن أمره إلى الإقبال وههنا ~~في حق الخاسر توعده أن أمره إلى الإدبار ، ثم كأنه يقول بعض النهار : باق ~~فيحثه على التدارك في البقية بالتوبة ، وعن بعض السلف : تعلمت معنى السورة ~~من بائع الثلج كان يصيح ويقول : ارحموا من يذوب رأسه ماله ، ارحموا من يذوب ~~رأس ماله فقلت : هذا معنى : { إن الإنسان * لفى * خسر } يمر به العصر فيمضي ~~عمره ولا يكتسب فإذا هو خاسر . # القول الثالث : وهو قول مقاتل : أراد صلاة العصر ، وذكروا فيه وجوها ~~أحدها : أنه تعالى أقسم بصلاة العصر ms9799 لفضلها بدليل قوله : { حافظوا على } ~~صلاة العصر في مصحف حفصة وقيل في قوله : { تحبسونهما من بعد الصلواة ~~فيقسمان بالله } إنها صلاة العصر وثانيها : قوله عليه السلام : ( من فاتته ~~صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) وثالثها : أن التكليف في أدائها أشق ~~لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم ورابعها ~~: روى أن امرأة كانت تصيح في سكك المدينة وتقول : دلوني على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فرآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألها ماذا حدث ؟ قالت : ~~يا رسول الله إن زوجي غاب عني فزنيت فجاءني ولد من الزنا فألقيت الولد في ~~دن من الخل حتى مات ، ثم بعنا ذلك الخل فهل لي من توبة ؟ فقال عليه السلام ~~: أما الزنا فعليك الرجم ، أما قتل الولد فجزاؤه جهنم ، وأما بيع الخل فقد ~~ارتكبت PageV32P081 كبيرا ، لكن ظننت أنك تركت صلاة / صلاة العصر ) ففي هذا ~~الحديث إشارة إلى تفخيم أمر هذه الصلاة وخامسها : أن صلاة العصر بها يحصل ~~ختم طاعات النهار ، فهي كالتوبة بها يختم الأعمال ، فكما تجب الوصية ~~بالتوبة كذا بصلاة العصر لأن الأمور بخواتيمها ، فأقسم بهذه الصلاة تفخيما ~~لشأنها ، وزيادة توصية المكلف على أدائها وإشارة منه أنك إن أديتها على ~~وجهها عاد خسرانك ربحا ، كما قال : { إلا الذين ءامنوا } وسادسها : قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا ~~يكلمهم ولا يزكيهم ( عد ) منهم رجل حلف بعد العصر كاذبا ) { فان قيل } صلاة ~~العصر فعلنا ، فكيف يجوز أن يقال : أقسم الله تعالى به ؟ والجواب : أنه ليس ~~قسما من حيث إنها فعلنا ، بل من حيث إنها أمر شريف تعبدنا الله تعالى بها . # القول الرابع : أنه قسم بزمان الرسول عليه السلام ، واحتجوا عليه بقوله ~~عليه السلام : ( إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجيرا ، فقال ~~: من يعمل من الفجر إلى الظهر بقيراط ، فعملت اليهود ، ثم قال : من يعمل من ~~الظهر إلى العصر بقيراط ، فعملت النصارى ، ثم ثال : من يعمل من العصر إلى ~~المغبر بقراطين ، فعملتم أنتم ، فغضبت ms9800 اليهود والنصارى ، وقالوا : نحن أكثر ~~عملا وأقل أجرا ! فقال الله : وهل نقصت من أجركم شيئا ، قالوا : لا ، قال : ~~فهذا فضلى أوتيه من أشاء ، فكنتم أقل عملا وأكثر أجرا ) فهذا الخبر دل على ~~أن العصر هو الزمان المختص به وبأمته ، فلا جرم أقسم الله به ، فقوله : { ~~والعصر } أي والعصر الذي أنت فيه فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية ~~وبمكانه في قوله : { وأنت حل بهاذا البلد } وبعمره في قوله : { لعمرك } ~~فكأنه قال : وعصرك وبلدك وعمرك ، وذلك كله كالظرف له ، فإذا وجب تعظيم حال ~~الظرف فقس حال المظروف ، ثم وجه القسم ، كأنه تعالى يقول : أنت يا محمد ~~حضرتهم ودعوتهم ، وهم أعرضوا عنك وما التفتوا إليك ، فما أعظم خسرانهم وما ~~أجل خذلانهم . # ! 7 < { إن الإنسان لفى خسر } . > 7 @QB@ < # | العصر : ( 1 ) والعصر # > > # قوله تعالى : { إن الإنسان * لفى * خسر } وفيه مسائل : # المسألة الأولى : الألف واللام في الإنسان ، يحتمل أن تكون للجنس ، وأن ~~تكون للمعهود السابق ، فلهذا ذكر المفسرون فيه قولين الأول : أن المراد منه ~~الجنس وهو كقولهم : كثر الدرهم في أيدي الناس ، ويدل على هذا القول استثناء ~~الذين آمنوا من الإنسان والقول الثاني : المراد منه شخص معين ، قال ابن ~~عباس : يريد جماعة من المشركين كالوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، ~~والأسود بن عبد المطلب . وقال مقاتل : نزلت في أبي لهب ، وفي خبر مرفوع / ~~إنه أبو جهل ، وروى أن هؤلاء كانوا يقولون : إن محمدا لفي خسر ، فأقسم ~~تعالى أن الأمر بالضد مما توهمون . # المسألة الثانية : الخسر الخسران ، كما قيل : الكفر في الكفران ، ومعناه ~~النقصان وذهاب رأس المال ، ثم PageV32P082 فيه تفسيران ، وذلك لأنا إذا ~~حملنا الإنسان على الجنس كان معنى الخسر هلاك نفسه وعمره ، إلا المؤمن ~~العامل فإنه ما هلك عمره وماله ، لأنه اكتسب بهما سعادة أبدية ، وإن حملنا ~~لفظ الإنسان على الكافر كان المراد كونه في الضلالة والكفر إلا من آمن من ~~هؤلاء ، فحينئذ يتخلص من ذلك الخسار إلى الربح . # المسألة الثالثة : إنما قال : { لفى * خسر } ولم يقل : لفي الخسر ، لأن ~~التنكير يفيد التهويل تارة والتحقير ms9801 أخرى ، فإن حملنا على الأول كان المعنى ~~إن الإنسان لفي خسر عظيم لا يعلم كنهه إلا لله ، وتقريره أن الذنب يعظم ~~بعظم من في حقه الذنب ، أو لأنه وقع في مقابلة النعم العظيمة ، وكلا ~~الوجهين حاصلان في ذنب العبد في حق ربه ، فلا جرم كان ذلك الذنب في غاية ~~العظم ، وإن حملناه على الثاني كان المعنى أن خسران الإنسان دون خسران ~~الشيطان ، وفيه بشارة أن في خلقي من هو أعصى منك ، والتأويل الصحيح هو ~~الأول . # المسألة الرابعة : لقائل : أن يقول قوله : { لفى * خسر } يفيد التوحيد ، ~~مع أنه في أنواع من الخسر والجواب : أن الخسر الحقيقي هو حرمانه عن خدمة ~~ربه ، وأما البواقي وهو الحرمان عن الجنة ، والوقوع في النار ، فبالنسبة ~~إلى الأول كالعدم ، وهذا كماأن الإنسان في وجوده فوائد ، ثم قال : { وما ~~خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } أي لما كان هذا المقصود أجل المقاصد كان ~~سائر المقاصد بالنسبة إليه كالعدم . # واعلم أن الله تعالى قرن بهذه الآية قرائن تدل على مبالغته تعالى في بيان ~~كون الإنسان في خسر أحدها : قوله : { لفى * خسر } يفيد أنه كالمغمور في ~~الخسران ، وأنه أحاط به من كل جانب وثانيها : كلمة إن ، ، فإنها للتأكيد ~~وثالثها : حرف اللام في لفي خسر ، وههنا احتمالان : # الأول : في قوله تعالى : { لفى * خسر } أي في طريق الخسر ، وهذا كقوله في ~~أكل أموال اليتامى : { إنما يأكلون فى بطونهم نارا } لما كانت عاقبته النار ~~. # الاحتمال الثاني : أن الإنسان لا ينفك عن خسر ، لأن الخسر هو تضييع رأس ~~المال ، ورأس ماله هو عمره ، وهو قلما ينفك عن تضييع عمره ، وذلك لأن كل ~~ساعة تمر بالإنسان ؛ فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسران ، وإن ~~كانت مشغولة بالمباحات فالخسران أيضا حاصل ، لأنه كما ذهب لم يبق منه أثر ، ~~مع أنه كان متمكنا من أن يعمل فيه عملا يبقى أثره دائما ، وإن كانت مشغولة ~~بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها ، أو بغيرها على وجه أحسن من ذلك ~~، لأن مراتب الخضوع والخشوع لله غير متناهية ms9802 ، فإن مراتب جلال الله وقهره ~~غير متناهية ، وكلما كان علم الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر ، ~~فكان تعظيمه / عند الإتيان بالطاعات أتم وأكمل / وترك الأعلى والاقتصار ~~بالأدنى نوع خسران ، فثبت أن الإنسان لا ينفك البتة عن نوع خسران . # واعلم أن هذه الآية كالتنبيه على أن الأصل في الإنسان أن يكون في الخسران ~~والخيبة ، وتقريره أن سعادة الإنسان في حب الآخرة والإعراض عن الدنيا ، ثم ~~إن الأسباب الداعية إلى الآخرة خفية ، والأسباب الداعية إلى حب الدنيا ~~ظاهرها ، وهي الحواس الخمس والشهوة والغضب ، فلهذا السبب صار أكثر الخلق ~~مشتغلين بحب الدنيا مستغرقين في طلبها ، فكانوا في الخسران والبوار ، فإن ~~قيل : إنه تعالى قال في سورة PageV32P083 التين : { لقد خلقنا الإنسان فى ~~أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين } فهناك يدل على أن الابتداء من الكمال ~~والانتهاء إلى النقصان ، وههنا يدل على أن الابتداء من النقصان والانتهاء ~~إلى الكمال ، فكيف وجه الجمع ؟ قلنا : المذكور في سورة التين أحوال البدن ، ~~وههنا أحوال النفس فلا تناقض بين القولين . # ! 7 < { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ~~} . > 7 @QB@ < # | العصر : ( 3 ) إلا الذين آمنوا . . . . . # > > # قوله تعالى : { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } . # اعلم أن الإيمان والأعمال الصالحة قد تقدم تفسيرهما مرارا ، ثم ههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : احتج من قال : العمل غير داخل في مسمى الإيمان ، بأن ~~الله تعالى عطف عمل الصالحات على الإيمان ، ولو كان عمل الصالحات داخلا في ~~مسمى الإيمان لكان ذلك تكريرا ولا يمكن أن يقال : هذا التكرير واقع في ~~القرآن ، كقوله تعالى : { وإذا * أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } ~~وقوله : { وملئكته * وجبريل وميكال } لأنا نقول هناك : إنما حسن ، لأن ~~إعادته تدل على كونه أشرف أنواع ذلك الكلي ، وعمل الصالحات ليس أشرف أنواع ~~الأمور المسماة بالإيمان ، فبطل هذا التأويل . قال الحليمي : هذا التكرير ~~واقع لا محالة ، لأن الإيمان وإن لم يشتمل على عمل الصالحات ، لكن قوله : { ~~وعملوا الصالحات } يشتمل على الإيمان ، فيكون قوله : { * وعملواا لصالحات } ~~مغنيا عن ذكر قوله : { ذلك بأن الذين كفروا ms9803 } وأيضا فقوله : { وعملوا ~~الصالحات } يشتمل على قوله : { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } فوجب أن ~~يكون ذلك تكرارا ، أجاب الأولون وقالوا : إنا لا نمنع ورود التكرير لأجل ~~التأكيد ، لكن الأصل عدمه ، وهذا القدر يكفي في الاستدلال . # المسألة الثانية : احتج القاطعون بوعيد الفساق بهذه الآية ، قالوا : ~~الآية دلت على أن الإنسان في الخسارة مطلقا ، ثم استثنى : { الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات } والمعلق على الشرطين مفقود عند فقد أحدهما ، فعلمنا أن ~~من لم يحصل له الإيمان والأعمال الصالحة ، لا بد وأن يكون في الخسار في ~~الدنيا وفي الآخرة ، ولما كان المستجمع لهاتين الخصلتين في غاية القلة ، ~~وكان الخسار / لازما لمن لم يكن مستجمعا لهما كان الناجي أقل من الهالك ، ~~ثم لو كان الناجي أكثر كان الخوف عظيما حتى لا تكون أنت من القليل ، كيف ~~والناجي أقل ؟ أفلا ينبغي أن يكون الخوف أشدا . # المسألة الثالثة : أن هذا الاستثناء فيه أمور ثلاثة أحدها : أنه تسلية ~~للمؤمن من فوت عمره وشبابه ، لأن العمل قد أوصله إلى خير من عمره وشبابه ~~وثانيها : أنه تنبيه على أن كل ما دعاك إلى طاعة الله فهو الصلاح ، وكل ما ~~شغلك عن الله بغيره فهو الفساد وثالثها : قالت المعتزلة : تسمية الأعمال ~~بالصالحات تنبيه على أن وجه حسنها ليس هو الأمر على ما يقوله الأشعرية ، ~~لكن الأمر إنما ورد لكونها في أنفسها مشتملة على وجوه الصلاح ، وأجابت ~~الأشعرية بأن الله تعالى وصفها بكونها صالحة ، ولم يبين أنها صالحة بسبب ~~وجوه عائدة إليها أو بسبب الأمر . # المسألة الرابعة : لسائل أن يسأل ، فيقول : إنه في جانب الخسر ذكر الحكم ~~ولم يذكر السبب وفي جانب PageV32P084 الربح ذكر السبب ، وهو الإيمان والعمل ~~الصالح ، ولم يذكر الحكم فما الفرق قلنا : إنه لم يذكر سبب الخسر لأن الخسر ~~كما يحصل بالفعل ، وهو الإقدام على المعصية يحصل بالترك ، وهو عدم الإقدام ~~على الطاعة ، أما الربح فلا يحصل إلا بالفعل ، فلهذا ذكر سبب الربح وهو ~~العمل ، وفيه وجه آخر ، وهو أنه تعالى في جانب الخسر أبهم ولم يفصل ، وفي ~~جانب الربح فصل ms9804 وبين ، وهذا هو اللائق بالكرم . # أما قوله تعالى : { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } . # فاعلم أنه تعالى لما بين في أهل الاستثناء أنهم بإيمانهم وعملهم الصالح ~~خرجوا عن أن يكونوا في خسر وصاروا أرباب السعادة من حيث إنهم تمسكوا بما ~~يؤديهم إلى الفوز بالثواب والنجاة من العقاب وصفهم بعد ذلك بأنهم قد صاروا ~~لشدة محبتهم للطاعة لا يقتصرون على ما يخصهم بل يوصون غيرهم بمثل طريقتهم ~~ليكونوا أيضا سببا لطاعات الغير كما ينبغي أن يكون عليه أهل الدين وعلى هذا ~~الوجه قال تعالى : { وأبكارا يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا } ~~فالتواصي بالحق يدخل فيه سائر الدين من علم وعمل ، والتواصي بالصبر يدخل ~~فيه حمل النفس على مشقة التكليف في القيام بما يجب ، وفي اجتنابهم ما يحرم ~~إذ الإقدام على المكروه ، والإحجام عن المراد كلاهما شاق شديد ، وههنا ~~مسائل : # المسألة الأولى : هذه الآية فيها وعيد شديد ، وذلك لأنه تعالى حكم ~~بالخسار على جميع الناس إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة ، وهي ~~الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، فدل ذلك على أن ~~النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور وإنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه ~~فكذلك يلزمه في غيره أمور ، منها الدعاء إلى الدين والنصيحة والأمر / ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن يحب له ما يحب لنفسه ، ثم كرر التواصي ~~ليضمن الأول الدعاء إلى الله ، والثاني الثبات عليه ، والأول الأمر ~~بالمعروف والثاني النهي عن المنكر ، ومنه قوله : { وانه عن المنكر واصبر } ~~وقال عمر : رحم الله من أهدى إلى عيوبي . # المسألة الثانية : دلت الآية على أن الحق ثقيل ، وأن المحن تلازمة ، ~~فلذلك قرن به التواصي . # المسألة الثالثة : إنما قال : { وتواصوا } ولم يقل : ويتواصون لئلا يقع ~~أمرا بل الغرض مدحهم بما صدر عنهم في الماضي ، وذلك يفيد رغبتهم في الثبات ~~عليه في المستقبل . # المسألة الرابعة : قرأ أبو عمرو : { بالصبر } بشم الباء شيئا من الحرف ، ~~لا يشبع قال أبو علي : وهذا مما يجوز في الوقف ، ولا يكون في الوصل إلا على ~~إجراء الوصل مجرى الوقف ms9805 ، وهذا لا يكاد يكون في القراءة ، وعلى هذا ما يروى ~~عن سلام بن المنذر أنه قرأ ، والعصر بكسر الصاد ولعله وقف لانقطاع نفس أو ~~لعارض منعه من إدراج القراءة ، وعلى هذا يحمل لا على إجراء الوصل مجرى ~~الوقف ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ~~وصحبه وسلم . # PageV32P085 < # > 1 ( سورة الهمزة ) 1 < # > # تسع آيات مكية # ! 7 < { ويل لكل همزة لمزة } . > 7 ! # { ويل لكل همزة لمزة } < < # | الهمزة : ( 1 ) ويل لكل همزة . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : الويل لفظة الذم والسخط ، وهي كلمة كل مكروب يتولون ~~فيدعو بالويل وأصله وي لفلان ثم كثرت في كلامهم فوصلت باللام ، وروى أنه ~~جبل في جهنم إن قيل : لم قال : ههنا : { ويل } وفي موضع آخر : { ولكم الويل ~~} ؟ قلنان : لأن ثمة قالوا : { أن قالوا إنا كنا ظالمين } فقال : { ولكم ~~الويل } وههنا نكر لأنه لا يعلم كنهه إلا الله ، وقيل : في ويل إنها كلمة ~~تقبيح ، وويس استصغار وويح ترحم ، فنبه بهذا على قبح هذا الفعل ، واختلفوا ~~في الوعيد الذي في هذه السورة هل يتناول كل من يتمسك بهذه الطريقة في ~~الأفعال الرديئة أو هو مخصوص بأقوام معينين ، أما المحققون فقالوا : إنه ~~عام لكل من يفعل هذا الفعل كائنا من كان وذلك لأن خصوص السبب لا يقدح في ~~عموم اللفظ وقال آخرون : إنه مختص بأناس معينين ، ثم قال عطاى والكلبي : ~~نزلت في الأخنس بن شريق كان يلمز الناس ويغتابهم وخاصة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وقال مقاتل : نزلت في الوليد بن المغيرة كان يغتاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم من ورائه ويطعن عليه في وجهه ، وقال محمد بن إسحاق : ما ~~زلنا نسمع أن هذه السورة نزلت في أمية بن خلف ، قال الفراء : وكون اللفظ ~~عاما لا ينافي أن يكون المراد منه شخصا معينا ، كما أن إنسانا لو قال : لك ~~لا أزورك أبدا فتقول : أنت كل من لم يزرني لا أزوره وأنت إنما تريده بهذه ~~الجملة العامة وهذا هو المسمى في أصول الفقه بتخصيص العام بقرينة العرف ms9806 . ~~PageV32P086 # المسألة الثانية : الهمز الكسر قال تعالى : { هماز مشاء } واللمز الطعن ~~والمراد الكسر من أعراض الناس والغض منهم والطعن فيهم ، قال تعالى : { ولا ~~تلمزوا أنفسكم } وبناء فعله يدل على أن ذلك عادة منه قد ضري بها ونحوهما ~~اللعنة والضحكة ، وقرىء : { ويل لكل همزة لمزة } بسكون الميم وهي المسخرة ~~التي تأتي بالأوابد والأضاحيك فيضحك منه ويشتم وللمفسرين ألفاظا أحدها : ~~قال ابن عباس : الهمزة المغتاب ، واللمزة العياب وثانيها : قال أبو زيد : ~~الهمزة باليد واللمزة / باللسان وثالثها : قال أبو العالية : الهمزة ~~بالمواجهة واللمزة بظهر الغيب ورابعها : الهمزة جهرا واللمزة سرا بالحاجب ~~والعين وخامسها : الهمزة واللمزة الذي يلقب الناس بما يكرهون وكان الوليد ~~بن المغيرة يفعل ذلك ، لكنه لا يليق بمنصب الرياسة إنما ذلك من عادة السقاط ~~ويدخل فيه من يحاكي الناس بأقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا . وقد حكى ~~الحكم بن العاص مشية النبي صلى الله عليه وسلم فنفاه عن المدينة ولعنه ~~وسادسها : قال الحسن : الهمزة الذي يهمز جليسه يكسر عليه عينه واللمزة الذي ~~يذكر أخاه بالسوء ويعيبه وسابعها : عن أبي الجوزاء قال : قلت لابن عباس : { ~~ويل لكل همزة لمزة } من هؤلاء الذين يذمهم الله بالويل فقال : هم المشاؤون ~~بالنميمة المفرقون بين الأحبة الناعتون للناس بالعيب . # واعلم أن جميع هذه الوجوه متقاربة راجعة إلى أصل واحد وهو الطعن وإظهار ~~العيب ، ثم هذا على قسمين فإنه إما أن يكون بالجد كما يكون عند الحسد ~~والحقد ، وإما أن يكون بالهزل كما يكون عند السخرية والإضحاك ، وكل واحد من ~~القسمين ، إما أن يكون في أمر يتعلق بالدين ، وهو ما يتعلق بالصورة أو ~~المشي ، أو الجلوس وأنواعه كثيرة وهي غير مضبوطة ، ثم إظهار العيب في هذه ~~الأقسام الأربعة قد يكون لحاضر ، وقد يكون لغائب ، وعلى التقديرين فقد يكون ~~باللفظ ، وقد يكون بإشارة الرأس والعين وغيرهما / وكل ذلك داخل تحت النهي ~~والزجر ، إنما البحث في أن اللفظ بحسب اللغة موضوع لماذا ، فما كان اللفظ ~~موضوعا له كان منهيا بحسب اللفظ ، ومالم يكن اللفظ موضوعا له كان داخلا تحت ~~النهي بحسب القياس ms9807 الجلي ، ولما كان الرسول أعظم الناس منصبا في الدين كان ~~الطعن فيه عظيما عند الله ، فلا جرم قال : { ويل لكل همزة لمزة } . # ! 7 < { الذى جمع مالا وعدده } . > 7 @QB@ < # | الهمزة : ( 2 ) الذي جمع مالا . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { الذى * جمع مالا وعدده } وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : { الذى } بدل من كل أو نصب على ذم ، وإنما وصفه الله ~~تعالى بهذا الوصف لأنه يجري مجرى السبب والعلة في الهمز واللمز وهو إعجابه ~~بما جمع من المال ، وظنه أن الفضل فيه لأجل ذلك فيستنقص غيره . # المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي وابن عامر جمع بالتشديد والباقون ~~بالتخفيف والمعنى في جمع وجمع واحد متقارب ، والفرق أن { جمع } بالتشديد ~~يفيد أنه جمعه من ههنا وههنا ، وأنه لم يجمعه في يوم واحد ، ولا في يومين ، ~~ولا في شهر ولا في شهرين ، يقال : فلان يجمع الأموال أي يجمعها من ههنا ~~وههنا ، وأما جمع بالتخفيف ، فلا يفيد ذلك ، وأما قوله : { مالا } فالتنكير ~~فيه يحتمل وجهين أحدهما : أن يقال : PageV32P087 المال اسم لكل ما في ~~الدنيا كما قال : { المال والبنون زينة الحيواة الدنيا } فمال الإنسان ~~الواحد بالنسبة إلى مال كل الدنيا حقير ، فكيف يليق به أن يفتخر بذلك / ~~القليل والثاني : أن يكون المراد منه التعظيم أي مال بلغ في الخبث والفساد ~~أقصى النهايات . فكيف يليق بالعاقل أن يفتخر به ؟ أما قوله : { وعدده } ~~ففيه وجوه أحدها أنه مأخوذ من العدة وهي الذخيرة يقال : أعددت الشيء لكذا ~~وعددته إذا أمسكته له وجعلته عدة وذخيرة لحوادث الدهر وثانيها : عدده أي ~~أحصاه وجاء التشديد لكثرة المعدود كما يقال : فلان يعدد فضائل فلان ، ولهذا ~~قال السدي : وعدده أي أحصاه يقول : هذا لي وهذا لي يلهيه ماله بالنهار فإذا ~~جاء الليل كان يخفيه وثالثها : عدده أي كثره يقال : في بني فلان عدد أي ~~كثرة ، وهذان القولان الأخيران راجعان إلى معي العدد ، والقول الثالث إلى ~~معنى العدة ، وقرأ بعضهم وعدده بالتخفيف وفيه وجهان أحدهما : أن يكون ~~المعنى جمع المال وضبط عدده وأحصاه وثانيهما : جمع ماله وعدد قومه الذين ~~ينصرونه من ms9808 قولك فلان ذو عدد وعدد إذا كان له عدد وافر من الأنصار والرجل ~~متى كان كذلك كان أدخل في التفاخر . # ! 7 < { يحسب أن ماله أخلده } . > 7 @QB@ < # | الهمزة : ( 3 ) يحسب أن ماله . . . . . # > > # ثم وصفه تعالى بضرب آخر من الجهل فقال : { يحسب أن ماله أخلده } . # واعلم أن أخلده وخلده بمعنى واحد ثم في التفسير وجوه أحدها : يحتمل أن ~~يكون المعنى طول المال أمله ، حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله ، يحسب أن ~~ماله تركه خالدا في الدنيا لا يموت وإنما قال : { أخلده } ولم يقل : يخلده ~~لأن المراد يحسب هذا الإنسان أن المال ضمن له الخلود وأعطاه الأمان من ~~الموت وكأنه حكم قد فرغ منه ، ولذلك ذكره على الماضي . قال الحسن : ما رأيت ~~يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه كالموت وثانيها : يعمل الأعمال ~~المحكمة كتشييد البنيان بالآجر والجص ، عمل من يظن أنه يبقى حيا أو لأجل أن ~~يذكر بسببه بعد الموت وثالثها : أحب المال حبا شديدا حتى اعتقد أنه : إن ~~انتقص مالي أموت ، فلذلك يحفظه من النقصان ليبثى حيا ، وهذا غير بعيد من ~~اعتقاد البخيل ورابعها : أن هذا تعريض بالعمل الصالح وأنه هو الذي يخلد ~~صاحبه في الدنيا بالذكر الجميل وفي الآخر في النعيم المقيم . # أما قوله تعالى : { كلا } ففيه وجهان أحدهما : أنه ردع له عن حسبانه أي ~~ليس الأمر كما يظن أن المال يخلده بل العلم والصلاح ، ومنه قول علي عليه ~~السلام : مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر ، والقول ~~الثاني معناه حقا : { لينبذن } واللام في : { لينبذن } جواب القسم المقدر ~~فدل ذلك على حصول معنى القسم في كلا . # ! 7 < { كلا لينبذن فى الحطمة * ومآ أدراك ما الحطمة } . > 7 @QB@ < # | الهمزة : ( 4 ) كلا لينبذن في . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { لينبذن فى الحطمة * وما أدراك ما الحطمة }فإنما ذكره ~~بلفظ النبذ الدال على الإهانة ، لأن الكافر كان يعتقد أنه من أهل الكرامة ، ~~وقرىء لنبذان أي هو وماله ولينبذن بضم الذال أي هو وأنصاره ، وأما : { ~~الحطمة } فقال المبرد : إنها النار التي تحطم ms9809 كل من وقع / فيها ورجل حطمة ~~أي شديد الأكل يأتي على زاد القوم ، وأصل الحطم في اللغة الكسر ، ويقال : ~~شر الرعاء الحطمة ، يقال : راع حطمة وحطم بغير هاء كأنه يحطم الماشية أي ~~يكسرها عند سوقها لعنفه ، قال المفسرون : الحطمة اسم من أسماء النار وهي ~~الدركة الثانية من دركات النار ، وقال مقاتل : هي تحطم العظام وتأكل اللحوم ~~حتى تهجم على القلوب ، PageV32P088 وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : ( إن الملك ليأخذ الكافر فيكسره على صلبه كما توضع الخشبة على الركبة ~~فتكسر ثم يرمى به في النار ) . # واعلم أن الفائدة في ذكر جهنم بهذا الاسم ههنا وجوه : أحدها : الاتحاد في ~~الصورة كأنه تعالى يقول : إن كنت همزة لمزة فوراءك الحطمة والثاني : أن ~~الهامز بكسر عين ليضع قدره فيلقيه في الحضيض فيقول تعالى : وراءك الحطمة ، ~~وفي الحطم كسر فالحطمة تكسرك وتلقيك في حضيض جهنم لكن الهمزة ليس إلا الكسر ~~بالحاجب ، أما الحطمة فإنها تكسر كسرا لا تبقي ولا تذر الثالث : أن الهماز ~~اللماز يأكل لحم الناس والحطمة أيضا اسم للنار من حيث إنها تأكل الجلد ~~واللحم ، ويمكن أن يقال : ذكر وصفين الهمز واللمز ، ثم قابلهما باسم واحد ~~وقال : خذ واحدا مني بالإثنين منك فإنه يفي ويكفي ، فكأن السائل يقول : كيف ~~يفي الواحد بالإثنين ؟ فقال : إنما تقول : هذا لأنك لا تعرف هذا الواحد ~~فلذلك قال : { وما أدراك ما الحطمة } . # ! 7 < { نار الله الموقدة } . > 7 @QB@ < # | الهمزة : ( 6 ) نار الله الموقدة # > > # أما قوله تعالى : { نار الله } فالإضافة للتفخيم أي هي نار لا كسائر ~~النيران : { الموقدة } التي لا تخمد أبدا أو : { الموقدة } بأمره أو بقدرته ~~ومنه قول علي عليه السلام : عجبا ممن يعصى الله على وجه الأرض والنار تسعر ~~من تحته ، وفي الحديث : ( أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت ، ثم ألف سنة حتى ~~ابيضت ، ثم ألف سنة حتى اسودت فهي الآن سوداء مظلمة ) . # ! 7 < { التى تطلع على الا فئدة } . > 7 @QB@ < # | الهمزة : ( 7 ) التي تطلع على . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { التى تطلع على الافئدة } .فاعلم أنه يقال ms9810 : طلع الجبل ~~واطلع عليه إذا علاه ، ثم في تفسير الآية وجهان : الأول : أن النار تدخل في ~~أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم ، ولا شيء في بدن الإنسان ~~ألطف من الفؤاد ، ولا أشد تألما منه بأدنى أذى مماسه ، فكيف إذا اطلعت نار ~~جهنم واستولت عليه . ثم إن الفؤاد مع استيلاء النار عليه لا يحترق إذ لو ~~احترق لمات ، وهذا هو المراد من قوله : { لا يموت فيها ولا يحيى } ومعنى ~~الاطلاع هو أن النار تنزل من اللحم إلى الفؤاد والثاني : أن سبب تخصيص ~~الأفئدة بذلك هو أنها مواطن الكفر والعقائد الخبيثة والنيات الفاسدة ، ~~واعلم أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النار تأكل أهلها حتى إذا ~~اطلعت على أفئدتهم انتهت ، ثم إن الله تعالى يعيد لحمهم وعظمهم مرة أخرى . # ! 7 < { إنها عليهم مؤصدة } . > 7 @QB@ < # | الهمزة : ( 8 ) إنها عليهم مؤصدة # > > # أما قوله تعالى : { إنها عليهم مؤصدة }فقال الحسن : { مؤصدة } أي مطبقة ~~من أصدت الباب / وأوصدته لغتان ، ولم يقل : مطبقة لأن المؤصدة هي الأبواب ~~المغلقة ، والإطباق لا يفيد معنى الباب . # واعلم أن الآية تفيد المبالغة في العذاب من وجوه أحدها : أن قوله : { ~~لينبذن } يقتضي أنه موضع له قعر عميق جدا كالبئر وثانيها : أنه لو شاء يجعل ~~ذلك الموضع بحيث لا يكون له باب لكنه بالباب يذكرهم الخروج ، فيزيد في ~~حسرتهم وثالثها : أنه قال : { عليهم مؤصدة } ولم يقل : مؤصدة عليهم لأن ~~قوله : { عليهم مؤصدة } يفيد أن المقصود أولا كونهم بهذه الحالة ، وقوله ~~مؤصدة عليهم لا يفيد هذا المعنى بالقصد الأول . # PageV32P089 ! 7 < { فى عمد ممددة } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { فى عمد ممددة } < < # | الهمزة : ( 9 ) في عمد ممددة # > > ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء في عمد بضمتين وعمد بسكون الميم وعمد بفتحتين ، ~~قال الفراء : عمد وعمد وعمد مثل الأديم والإدم والأدم والإهاب والأهب ~~والأهب ، والعقيم والعقم والعقم وقال المبرد وأبو علي : العمد جمع عمود على ~~غير واحد ؛ أما الجمع على واحد فهو العمد مثل زبور وزبر ورسول ورسل . # المسألة الثانية : العمود كل مستطيل من ms9811 خشب أو حديد ، وهو أصل للبناء ، ~~يقال : عمود البيت للذي يقوم به البيت . # المسألة الثالثة : في تفسير الآية وجهان الأول : أنها عمد أغلقت بها تلك ~~الأبواب كنحو ما تغلق به الدروب ، وفي بمعنى الباء أي أنها عليهم مؤصدة ~~بعمد مدت عليها ، ولم يقل : بعمد لأنها لكثرتها صارت كأن الباب فيها والقول ~~الثاني : أن يكون المعنى : { إنها عليهم مؤصدة } حال كونهم موثقين : { فى ~~عمد } مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص ، اللهم أجرنا منها يا أكرم ~~الأكرمين . # PageV32P090 < # > 1 ( سورة الفيل ) 1 < # > # خمس آيات مكية # ! 7 < ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } . > 7 @QB@ < # | الفيل : ( 1 ) ألم تر كيف . . . . . # > > # { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } . # روى أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصخمة النجاشي بنى كنيسة ~~بصنعاء وسماها القليس وأراد أن يصرف إليها الحاج فخرج من بني كنانة رجل ~~وتغوط فيها ليلا فأغضبه ذلك . # وقيل : أججت رفقة من العرب نارا فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمن ~~الكعبة فخرج بالحبشة ومعه فيل اسمه محمود وكان قويا عظيما ، وثمانية أخرى ، ~~وقيل : إثنا عشر ، وقيل : ألف ، فلما بلغ قريبا من مكة خرج إليه عبد المطلب ~~وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبأ جيشه ، وقدم الفيل فكانوا كلما ~~وجهوه إلى جهة الحرم برك ولم يبرح ، وإذا وجهوه إلى جهة اليمن أو إلى سائر ~~الجهات هرول ، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليهم فيها ~~فعظم في عين أبرهة وكان رجلا جسيما وسيما ، وقيل : هذا سيد قريش ، وصاحب ~~عير مكة فلما ذكر حاجته ، قال : سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ~~ودين آبائك فألهاك عنه ذود أخذلك ، فقال أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعك عنه ~~، ثم رجع وأتى البيت وأخذ بحلقته وهو يقول : # لا هم إن المرء يمنع حله فامنع حلالك PageV32P091 وانصر على آل الصلي # ب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم # ومحالهم عدوا محالك إن كنت تاركهم وكع # بتنا فأمر ما بدالك ويقول : # يا رب لا أرجو لهم سواكا ms9812 # يا رب فامنع عنهم حماكا فالتفت وهو يدعو ، فإذا هو بطير من نحو اليمن ، ~~فقال : والله إنها لطير غريبة ما هي بنجدية ولا / تهامية ، وكان مع كل طائر ~~حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة وعن ابن ~~عباس أنه رأى منها عند أم هانيء نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفارى ، ~~فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره ، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ~~فهلكوا في كل طريق ومنهل ، ودوى أبرهة فتساقطت أنامله ، وما مات حتى انصدع ~~صدره عن قلبه ، وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه ، حتى بلغ النجاشي ~~فقص عليه القصة ، فلما أتمها وقع عليه الحجر وخر ميتا بين يديه ، وعن عائشة ~~قالت : ( رأيت قائد الفيل ) وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان ، ثم في الآية ~~سؤالات . # الأول : لم قال : { ألم تر } مع أن هذه الواقعة وقعت قبل المبعث بزمان ~~طويل ؟ الجواب : المراد من الرؤية العلم والتذكير ، وهو إشارة إلى أن الخبر ~~به متواتر فكان العلم الحاصل به ضروريا مساويا في القوة والجلاء للرؤية ، ~~ولهذا السبب قال : لغيره على سبيل الذم : { أو لم * يروا كم أهلكنا قبلهم ~~من القرون } لا يقال : فلم قال : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } ~~لأنا نقول : الفرق أن مالا يتصور إدراكه لا يستعل فيه إلا العلم لكونه ~~قادرا ، وأما الذي يتصور إدراكه كفرار الفيل ، فإنه يجوز أن يستعمل فيه ~~الرؤية . # السؤال الثاني : لم قال : { ألم تر كيف فعل ربك } ولم يقل : ألم تر ما ~~فعل ربك ؟ الجواب : لأن الأشياء لها ذوات ، ولها كيفيات باعتبارها يدل على ~~مداومتها وهذه الكيفية هي التي يسميها المتكلمون وجه الدليل ، واستحقاق ~~المدح إنما يحصل برؤية هذه الكيفيات لا برؤية الذوات ولهذا قال : { أفلم ~~ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها } ولا شك أن هذه الواقعة كانت دالة ~~على قدرة الصانع وعلمه وحكمته ، وكانت دالة على شرف محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، وذلك لأن مذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيسا ~~لنبوتهم ms9813 وإرهاصا لها / ولذلك قالوا : كانت الغمامة تظله ، وعند المعتزلة ، ~~أن ذلك لا يجوز ، فلا جرم زعموا أنه لا بد وأن يقال : كان في ذلك الزمان ~~نبي ( أو خطيب ) كخالد بن سنان أو قس بن ساعدة ، ثم قالوا : ولا يجب أن ~~يشتهر وجودهما ، ويبلغ إلى حد التواتر ، لا حتمال أنه كان مبعوثا إلى جمع ~~قليلين ، فلا جرم لم يشتهر خبره . # واعلم أن قصة الفيل واقعة على الملحدين جدا ، لأنهم ذكروا في الزلازل ~~والرياح والصاعق وسائر PageV32P092 الأشياء التي عذب الله تعالى بها الأمم ~~أعذارا ضعيفة ، أما هذه الواقعة فلا تجرى فيها تلك الأعذار ، لأنها ليس في ~~شيء من الطبائع والحيل أن يقبل طير معها حجارة ، فتقصد قوما دون قوم ~~فتقتلهم ، ولا يمكن أن يقال : إنه كسائر الأحاديث الضعيفة لأنه لم يكن بين ~~عام الفيل ومبعث الرسول إلا نيف وأربعون سنة ويوم تلا الرسول هذه السورة ~~كان قد بقي بمكة جمع شاهدوا تلك الواقعة ، ولو كان النقل ضعيفا لشافهوه ~~بالتكذيب ، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا سبب للطعن فيه . # / السؤال الثالث : لم قال : { فعل } ولم يقل : جعل ولا خلق ولا عمل ~~الجواب : لأن خلق يستعمل لابتداء الفعل ، وجعل للكيفيات قال تعالى : { خلق ~~* السماوات والارض * وجعل الظلمات والنور } وعمل بعد الطلب وفعل عام فكان ~~أولى لأنه تعالى خلق الطيور وجعل طبع الفيل على خلاف ما كانت عليه ، وسألوه ~~أن يحفظ البيت ، ولعله كان فيهم من يستحق الإجابة ، فلو ذكر الألفاظ ~~الثلاثة لطال الكلام فذكر لفظا يشمل الكل . # السؤال الرابع : لما قال : ربك ، ولم يقل : الرب ؟ الجواب : من وجوه ~~أحدها : كأنه تعالى قال : إنهم لما شاهدوا هذا الانتقام ثم لم يتركوا عبادة ~~الأوثان ، وأنت يا محمد ما شاهدته ثم اعترفت بالشكر والطاعة ، فكأنك أنت ~~الذي رأيت ذلك الانتقام ، فلا جرم تبرأت عنهم واخترتك من الكل ، فأقول : ~~ربك ، أي أنا لك ولست لهم بل عليهم وثانيها : كأنه تعالى قال : إنما فعلت ~~بأصحاب الفيل ذلك تعظيما لك وتشريفا لمقدمك ، فأنا كنت مربيا لك قبل قومك ، ~~فكيف ms9814 أترك تربيتك بعد ظهورك ، ففيه بشارة له عليه السلام بأنه سيظفر . # السؤال الخامس : قوله : { ألم تر كيف فعل ربك } مذكور في معرض التعجب ~~وهذه الأشياء بالنسبة إلى قدرة الله تعالى ليست عجيبة ، فما السبب لهذا ~~التعجب ؟ الجواب : من وجوه أحدها : أن الكعبة تبع لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~، وذلك لأن العلم يؤدي بدون المسجد أما لا مسجد بدون العالم فالعالم هو ~~الدر والمسجد هو الصدف ، ثم الرسول الذي هو الدر همزه الوليد ولمزه حتى ضاق ~~قلبه ، فكأنه تعالى يقول : إن الملك العظيم لما طعن في المسجد هزمته ~~وأفنيته ، فمن طعن فيك وأنت المقصود من الكل ألا أفنيه وأعدمها إن هذا ~~لعجيب وثانيها : أن الكعبة قبلة صلاتك وقلبك قبلة معرفتك ، ثم أنا حفظت ~~قبلة عملك عن الأعداء ، أفلا تسعى في حفظ قبلة دينك عن الآثام والمعاصيا . # السؤال السادس : لم قال : { أصحاب * الفيل } ولم يقل : أرباب الفيل أو ~~ملاك الفيل ؟ الجواب : لأن الصاحب يكون من الجنس ، فقوله : { أصحاب * الفيل ~~} يدل على أن أولئك الأقوام كانوا من جنس الفيل في البهيمية وعدم الفهم ~~والعقل ، بل فيه دقيقة ، وهي : أنه إذا حصلت المصاحبة بين شخصين ، فيقال : ~~للأدون إنه صاحب الأعلى ، ولا يقال : للأعلى إنه صاحب الأدون ، ولذلك يقال ~~: لمن صحب الرسول عليه السلام : إنهم الصحابة ، فقوله : { أصحاب * الفيل } ~~يدل على أن أولئك الأقوام كانوا أقل حال وأدون منزلة من الفيل ، وهو المراد ~~من قوله تعالى : { بل هم أضل } ومما يؤكد ذلك أنهم كلما وجهوا الفيل إلى ~~جهة PageV32P093 الكعبة كان يتحول عنه ويفر عنه ، كأنه كان يقول : لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق عزمي حميد فلا أتركه وهم ما كانوا يتركون تلك ~~العزيمة الردية فدل ذلك على أن الفيل كان أحسن حالا منهم . # / السؤال السابع : أليس أن كفار قريش كانوا ملأوا الكعبة من الأوثان من ~~قديم الدهر ، ولا شك أن ذلك كان أقبح من تخريب جدران الكعبة ، فلم سلط الله ~~العذاب على من قصد التخريب ، ولم يسلط العذاب على من ملأها من الأوثان ؟ ~~والجواب : لأن ms9815 وضع الأوثان فيها تعد على حق الله تعالى ، وتخريبها تعد على ~~حق الخلق ، ونظيره قاطع الطريق ، والباغي والقاتل يقتلون مع أنهم مسلمون ، ~~ولا يقتل الشيخ الكبير والأعمى وصاحب الصومعة والمرأة ، وإن كانوا كفار ، ~~لأنه لا يتعدى ضررهم إلى الخلق . # السؤال الثامن : كيف القول في إعراب هذه الآية ؟ الجواب : قال الزجاج : ~~كيف في موضع نصب بفعل لا بقوله : { ألم تر } لأن كيف من حروف الاستفهام . # ! 7 < { ألم يجعل كيدهم فى تضليل } . > 7 ! # واعلم أنه تعالى ذكر ما فعل بهم . فقال : { ألم يجعل كيدهم فى تضليل } < ~~< # | الفيل : ( 2 ) ألم يجعل كيدهم . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن الكيد هو إرادة مضرة بالغير على الخفية ، إن ~~قيل : فلم سماه كيدا وأمره كان ظاهرا ، فإنه كان يصرح أنه يهدم البيت ؟ ~~قلنا : نعم ، لكن الذي كان في قلبه شر مما أظهر ، لأنه كان يضمر الحسد ~~للعرب ، وكان يريد صرف الشرف الحاصل لهم بسبب الكعبة منهم ومن بلدهم إلى ~~نفسه وإلى بلدته . # المسألة الثانية : قالت المعتزلة : إضافة الكيد إليهم دليل على أنه تعالى ~~لا يرضى بالقبيح ، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته ، كقوله : { يأذن لى } ~~والجواب : أنه ثبت في علم النحو أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، فلم لا ~~يكفي في حسن هذه الإضافة وقوعه مطابقا لإرادتهم واختيارهم ؟ . # المسألة الثالثة : { فى تضليل } أي في تضييع وإبطال يقال : ضلل كيده إذا ~~جعله ضالا ضائعا ونظيره قوله تعالى : { وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال } ~~وقيل لامرىء القيس : الملك الضليل ، لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه . بمعنى ~~أنهم كادوا البيت أولا ببناء القليس وأرادوا أن يفتتحوا أمره بصرف وجوه ~~الحاج إليه ، فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه ، ثم كادوه ثانيا بإرادة هدمه ~~فضلل بإرسال الطير عليهم ، ومعنى حرف الظرف كما يقال : سعى فلان في ضلال ، ~~أي سعيهم كان قد ظهر لكل عاقل أنه كان ضلال وخطأ . # ! 7 < { وأرسل عليهم طيرا أبابيل } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { وأرسل عليهم طيرا أبابيل } وفيه < < # | الفيل : ( 3 ) وأرسل عليهم طيرا . . . . . # > > سؤالات : # السؤال الأول : لم ms9816 قال : { طيرا } على التنكير ؟ والجواب : إما للتحقير ~~فإنه مهما كان أحقر كان صنع الله أعجب وأكبر ، أو للتفخيم كأنه يقول : طيرا ~~وأي طير ترمى بحجارة صغيرة فلا تخطىء المقتل . # / السؤال الثاني : ما الأبابيل الجواب : أما أهل اللغة قال أبو عبيدة : ~~أبابيل جماعة في تفرقة ، يقال : جاءت PageV32P094 الخيل أبابيل أبابيل من ~~ههنا وههنا ، وهل لهذه اللفظة واحد أم لا ؟ فيه قولان : الأول : وهو قول ~~الأخفش والفراء : أنه لا واحد لها وهو مثل الشماطيط والعباديد ، لا وحد لها ~~والثاني : أنه له واحد ، ثم على هذا القول ذكروا ثلاثة أوجه أحدها : زعم ~~أبو جعفر الرؤاسي وكان ثقة مأمونا أنه سمع واحدها إبالة ، وفي أمثالهم : ~~ضغث على إبالة ، وهي الحزمة الكبيرة سميت الجماعة من الطير في نظامها ~~بالإبالة وثانيها : قال الكسائي : كنت أسمع النحويين يقولون : إبول وأبابيل ~~كعجول وعجاجيل وثالثها : قال الفراء : ولو قال قائل : واحد الأبابيل إيبالة ~~كان صوابا كما قال : دينار ودنانير . # السؤال الثالث : ما صفة تلك الطير ؟ الجواب : روى ابن سيرين عن ابن عباس ~~قال : كانت طيرا لها خراطيم كخراطيم الفيل وأكل كأكف الكلاب ، وروى عطاء ~~عنه قال : طير سود جاءت من قبل البحر فوجا فوجا ، ولعل السبب أنها أرسلت ~~إلى قوم كان في صورتهم سواد اللون وفي سرهم سواد الكفر والمعصية ، وعن سعيد ~~بن جبير أنها بيض صغار ولعل السبب أن ظلمة الكفر انهزمت بها ، والبياض ضد ~~السواد ، وقيل : كانت خضرا ولها رءوس مثل رءوس السباع ، وأقول : إنها لما ~~كانت أفواجا ، فلعل كل فوج منها كان على شكل آخر فكل أحد وصف ما رأى ، وقيل ~~: كانت بلقاء كالخطاطيف . # ! 7 < { ترميهم بحجارة من سجيل } . > 7 ! # ثم قال تعالى : { ترميهم بحجارة من سجيل } < < # | الفيل : ( 4 ) ترميهم بحجارة من . . . . . # > > وفيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ أبو حيوة : يرميهم أي الله أو الطير لأنه اسم جمع ~~مذكر ، وإنما يؤنث على المعنى . # المسألة الثانية : ذكروا في كيفية الرمي وجوها أحدها : قال مقاتل : كان ~~كل طائر يحمل ثلاثة أحجار ، واحد في منقاره واثنان في رجليه يقتل كل ms9817 واحد ~~رجلا ، مكتوب على كل حجر اسم صاحبه ما وقع منها حجر على موضع إلا خرج من ~~الجانب الآخر ، وإن وقع على رأسه خرج من دبره وثانيها : روى عكرمة عن ابن ~~عباس ، قال : لما أرسل الله الحجارة على أصحاب الفيل لم يقع حجر على أحد ~~منهم إلا نفط جلده وثار به الجدري ، وهو قول سعيد بن جبير ، وكانت تلك ~~الأحجار أصغرها مثل العدسة ، وأكبرها مثل الحمصة . # واعلم أن من الناس من أنكر ذلك ، وقال : لو جوزناأن يكون في الحجارة التي ~~تكون مثل العدسة من الثقل ما يقوى به على أن ينفذ من رأس الإنسان ويخرج من ~~أسفله ، لجوزنا أن يكون الجبل العظيم خاليا عن الثقل وأن يكون في ومن ~~التينة ، وذلك يرفع الأمان عن المشاهدات ، فإنه متى / جاز ذلك فليجز أن ~~يكون بحضرتنا شموس وأقمار ولا نراها ، وأن يحصل الإدراك في عين الضرير حتى ~~يكون هو بالمشرق ويرى بقعة في الأندلس ، وكل ذلك محال . واعلم أن ذلك جائز ~~على مذهبنا إلا أن العادة جارية بأنها لا تقع . # المسألة الثالثة : ذكروا في السجيل وجوها أحدها : أن السجيل كأنه علم ~~للديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار ، كما أن سجينا علم لديوان أعمالهم ، ~~كأنه قيل : بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون ، واشتقاقه من الإسجال ، ~~وهو الإرسال ، ومنه السجل الدلو المملوء ماء ، وإنما سمي ذلك الكتاب بهذا ~~الاسم PageV32P095 لأنه كتب فيه العذاب ، والعذاب موصوف بالإرسال لقوله ~~تعالى : { وأرسل عليهم طيرا أبابيل } وقوله : { فأرسلنا عليهم الطوفان } ~~فقوله : { من سجيل } أي مما كتبه الله في ذلك الكتاب وثانيها : قال ابن ~~عباس : سجيل معناه سنك وكل ، يعني بعضه حجر وبعضه طين وثالثها : قال أبو ~~عبيدة : السجيل الشديد ورابعها : السجيل اسم لسماء الدنيا وخامسها : السجيل ~~حجارة من جهنم ، فإن سجيل اسم من أسماء جهنم فأبدلت النون باللام . # ! 7 < { فجعلهم كعصف مأكول } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { فجعلهم كعصف مأكول } < < # | الفيل : ( 5 ) فجعلهم كعصف مأكول # > > ففيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في تفسير العصف وجوها ذكرناها في قوله : { والحب ~~ذو العصف ms9818 } وذكروا ههنا وجوها : أحدها : أنه ورق الزرع الذي يبقى في الأرض ~~بعد الحصاد وتعصفه الرياح فتأكله المواشي وثانيها : قال أبو مسلم : العصف ~~التبن لقوله : { ذو العصف والريحان } لأنه تعصف به الريح عند الذر فتفرقه ~~عن الحب ، وهو إذا كان مأكولا فقد بطل ولا رجعة له ولا منعة فيه وثالثها : ~~قال الفراء : هو أطراف الزرع قبل أن يدرك السنبل ورابعها : هو الحب الذي ~~أكل لبه وبقي قشره . # المسألة الثانية : ذكروا في تفسير المأكول وجوها أحدها : أنه الذي أكل ، ~~وعلى هذا الوجه ففيه احتمالان : # أحدهما : أن يكون المعنى كزرع وتبن قد أكلته الدواب ، ثم ألقته روثا ، ثم ~~يجف وتتفرق أجزاؤه ، شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث ، إلا أن العبارة ~~عنه جاءت على ما عليه آداب القرآن ، كقوله : { كانا يأكلان الطعام } وهو ~~قول مقاتل ، وقتادة وعطاء عن ابن عباس . # والاحتمال الثاني : على هذا الوجه أن يكون التشبيه واقعا بورق الزرع إذا ~~وقع فيه الأكال ، وهو أن يأكله الدود الوجه الثاني : في تفسير قوله : { ~~مأكول } هو أنه جعلهم كزرع قد أكل حبه وبقي تبنه ، وعلى هذا التقدير يكون ~~المعنى : كعصف مأكول الحب كما يقال : فلان حسن أي حسن الوجه ، فأجرى مأكول ~~على العصف من أجل أنه أكل حبه لأن هذا المعنى معلوم وهذا / قول الحسن الوجه ~~الثالث : في التفسير أن يكون معنى : { مأكول } أنه مما يؤكل ، يعني تأكله ~~الدواب يقال : لكل شيء يصلح للأكل هو مأكول والمعنى جعلهم كتبن تأكله ~~الدواب وهو قول عكرمة والضحاك . # المسألة الثالثة : قال بعضهم : إن الحجاج خرب الكعبة ، ولم يحدث شيء من ~~ذلك ، فدل على أن قصة الفيل ما كانت على هذا الوجه وإن كانت هكذا إلا أن ~~السبب لتلك الواقعة أمر آخر سوى تعظيم الكعبة والجواب : أنا بينا أن ذلك ~~وقع إرهاصا لأمر محمد صلى الله عليه وسلم ، والإرهاص إنما يحتاج إليه قبل ~~قدومه ، أما بعد قدومه وتأكد نبوته بالدلائل القاطعة فلا حاجة إلى شيء من ~~ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ms9819 آله ~~وصحبه وسلم . # PageV32P096 < # > 1 ( سورة قريش ) 1 < # > # وهي أربع آيات مكية # ! 7 < { لإيلاف قريش } . > 7 ! # { < < # | قريش : ( 1 ) لإيلاف قريش # > > لإيلاف قريش إيلافهم اعلم أن ههنا مسائل : # المسألة الأولى : اللام في قوله : { لإيلاف } تحتمل وجوها ثلاثة ، فإنها ~~إما أن تكون متعلقة بالسورة التي قبلها أو بالآية التي بعدها ، أولا تكون ~~متعلقة لا بما قبلها ، ولا بما بعدها أما الوجه الأول : وهو أن تكون متعلقة ~~بما قبلها ، ففيه احتمالات : # الأول : وهو قول الزجاج وأبي عبيدة أن التقدير : { فجعلهم كعصف مأكول } ~~لإلف قريش أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش ، وما قد ألفوا من رحلة ~~الشتاء والصيف ، فإن قيل : هذا ضعيف لأنهم إنما جعلوا : { كعصف مأكول } ~~لكفرهم ولم يجعلوا كذلك لتأليف قريش ، قلنا هذا السؤال ضعيف لوجوه أحدها : ~~أنا لا نسلم أن الله تعالى إنما فعل بهم ذلك لكفرهم ، فإن الجزاء على الكفر ~~مؤخر للقيامة ، قال تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } وقال : { ولو ~~يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } ولأنه تعالى لو فعل ~~بهم ذلك لكفرهم ، لكان قد فعل ذلك بجميع الكفار ، بل إنما فعل ذلك بهم : { ~~لإيلاف قريش } ولتعظيم منصبهم وإظهار قدرهم وثانيها : هب أن زجرهم عن الكفر ~~مقصود لكن لا ينافي كون شيء آخر مقصود حتى يكون الحكم واقعا بمجموع الأمرين ~~معا وثالثها : هب أنهم أهلكوا لكفرهم فقط ، إلا أن ذلك الإهلاك لما أدى إلى ~~إيلاف قريش ، جاز أن يقال : أهلكوا لإيلاف قريش ، كقوله تعالى : { ليكون ~~لهم عدوا وحزنا } وهم لم يلتقطوه لذلك ، لكن لما آل الأمر إليه حسن أن يمهد ~~عليه الالتقاط . PageV32P097 # الاحتمال الثاني : أن يكون التقدير : { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ~~لإيلاف قريش } كأنه تعالى قال : كل ما فعلنا بهم فقد فعلناه ، لإيلاف قريش ~~، فإنه تعالى جعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ، حتى صاروا كعصف ~~مأكول ، فكل ذلك إنما كان لأجل إيلاف قريش . # / الاحتمال الثالث : أن تكون اللام في قوله : { لإيلاف } بمعنى إلى كأنه ~~قال : فعلنا كل ما ms9820 فعلنا في السورة المتقدمة إلى نعمة أخرى عليهم وهي ~~إيلافهم : { رحلة الشتاء والصيف } تقول : نعمة الله نعمة ونعمة لنعمة سواء ~~في المعنى ، هذا قول الفراء : فهذه احتمالات ثلاثة توجهت على تقدير تعليق ~~اللام بالسورة التي قبل هذه ، وبقي من مباحث هذا القول أمران : # الأول : أن للناس في تعليق هذه اللام بالسورة المتقدمة قولين : أحدهما : ~~أن جعلوا السورتين سورة واحدة واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن السورتين لا ~~بد وأن تكون كل واحدة منهما مستقلة بنفسها ، ومطلع هذه السورة لما كان ~~متعلقا بالسورة المتقدمة وجب أن لا تكون سورة مستقلة وثانيها : أن أبي بن ~~كعب جعلهما في مصحفه سورة واحدة وثالثها : ما روى أن عمر قرأ في صلاة ~~المغرب في الركعة الأولى والتين ، وفي الثانية ألم تر ولإيلاف قريش معا ، ~~من غير فصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم : القول الثاني : وهو المشهور ~~المستفيض أن هذه السورة منفصلة عن سورة الفيل ، وأما تعلق أول هذه السورة ~~بما قبلها فليس بحجة على ما قالوه ، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة ~~وكالآية الواحدة يصدق بعضها بعضا ويبين بعضها معنى بعض ، ألا ترى أن الآيات ~~الدالة على الوعيد مطلقة ، ثم إنها متعلقة بآيات التوبة وبآيات العفو عنه ~~من يقول به ، وقوله : { إنا أنزلناه } متعلق بما قبله من ذكر القرآن ، وأما ~~قوله : إن أبيا لم يفصل بينهما فهو معارض بإطباق الكل على الفصل بينهما ، ~~وأما قراءة عمر فإنها لا تدل على أنهما سورة واحدة لأن الإمام قد يقرأ ~~سورتين . # البحث الثاني : فيما يتعلق بهذا القول بيان : أنه لم صار ما فعله الله ~~بأصحاب الفيل سببا لإيلاف قريش ؟ فنقول : لا شك أن مكة كانت خالية عن الزرع ~~والضرع على ما قال تعالى : { بواد غير ذى زرع } إلى قوله : { فاجعل أفئدة ~~من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات } فكان أشراف أهل مكة يرتحلون ~~للتجارة هاتين الرحتلين ، ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من ~~الأطعمة والثياب ، وهم إنما كانوا يربحون في أسفارهم ، ولأن ملوك النواحي ~~كانوا يعظمون أهل مكة ، ويقولون ms9821 : هؤلاء جيران بيت الله وسكان حرمه وولاة ~~الكعبة حتى إنهم كانوا يسمون أهل مكة أهل الله ، فلو تم للحبشة ما عزموا ~~عليه من هدم الكعبة ، لزال عنهم هذا العز ولبطلت تلك المزايا في التعظيم ~~والاحترام ولصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون من كل جانب ويتعرض ~~لهم في نفسهم وأموالهم ، فلما أهلك الله أصحاب الفيل ورد كيدهم في نحرهم ~~ازداد وقع أهل مكة في القلوب ، وازداد تعظيم ملوك الأطراف لهم فازدادت تلك ~~المنافع والمتاجر ، فلهذا قال الله تعالى : { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب ~~الفيل } { لإيلاف قريش * رحلة الشتاء والصيف } . والوجه الثاني : فيما يدل ~~على صحة هذا القول أن قوله تعالى في آخر هذه السورة : { فليعبدوا رب هاذا ~~البيت * الذى } إشارة إلى أول سورة الفيل ، كأنه قال : PageV32P098 ~~فليعبدوا رب هذا البيت ، الذي قصده أصحاب الفيل ، ثم إن رب البيت دفعهم عن ~~مقصودهم لأجل إيلافكم ونفعكم لأن الأمر بالعبادة إنما يحسن مرتبا على إيصال ~~المنفعة ، فهذا يدل على تعلق أول هذه السورة بالسورة المتقدمة . # القول الثاني : وهو أن اللام في : { لإيلاف } متعلقة بقوله : { فليعبدوا ~~} وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير : فليعبدوا رب هذا البيت ، لإيلاف قريش ~~. أي ليجعلوا عبادتهم شكرا لهذه النعمة واعترافا بها ، فإن قيل : فلم دخلت ~~الفاء في قوله : { فليعبدوا } ؟ قلنا : لما في الكلام من معنى الشرط ، وذلك ~~لأن نعم الله عليهم لا تحصى ، فكأنه قيل : إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبده ~~لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة . # القول الثالث : أن تكون هذه اللام غير متعلقة ، لا بما قبلها ولا بما ~~بعدها ، قال الزجاج : قال قوم : هذه اللام لام التعجب ، كأن المعنى : ~~اعجبوا لإيلاف قريش ، وذلك لأنهم كل يوم يزدادون غيا وجهلا وانغماسا في ~~عبادة الأوثان ، والله تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم ، وينظم أسباب ~~معايشهم ، وذلك لا شك أنه في غاية التعجب من عظيم حلم الله وكرمه ، ونظيره ~~في اللغة قولك لزيد وما صنعنا به . ولزيد وكرامتنا إياه . وهذا اختيار ~~الكسائي والأخفش والفراء . # المسألة الثانية : ذكروا في الإيلاف ثلاثة ms9822 أوجه أحدها : أن الإيلاف هو ~~الإلف قال علماء اللغة : ألفت الشيء وألفته إلفا وإلافا وإيلافا بمعنى واحد ~~، أي لزمته فيكون المعنى لإلف قريش هاتين الرحلتين فتتصلا ولا تنقطعا ، ~~وقرأ أبو جعفر : لإلف قريش . وقرأ الآخرون لإلاف قريش ، وقرأ عكرمة ليلاف ~~قريش وثانيها : أن يكون هذا من قولك : لزمت موضع كذا وألزمنيه الله ، كذا ~~تقول : ألفت كذا ، وألفنيه الله ويكون المعنى إثبات الألفة بالتدبير الذي ~~فيه لطف ألف بنفسه إلفا وآلفه غيره إيلافا ، والمعنى أن هذه الألفة إنما ~~حصلت في قريش بتدبير الله وهو كقوله : { ولاكن الله ألف بينهم } وقال : { ~~وألف بين * قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا } وقد تكون المسرة سببا للمؤانسة ~~والاتفاق ، كما وقعت عند انهزام أصحاب الفيل لقريش ، فيكون المصدر ههنا ~~مضافا إلى المفعول / ويكون المعنى لأجل أن يجعل الله قريشا ملازمين ~~لرحلتيهم وثالثها : أن يكون الإيلاف هو التهيئة والتجهيز وهو قول الفراء ~~وابن الأعرابي : فيكون المصدر على هذا القول مضافا إلى الفاعل ، والمعنى ~~لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا ، وقرأ أبو جعفر ليلاف بغير همز ~~فحذف همزة الإفعال حذفا كليا وهو كمذهبه في يستهزءون وقد مر تقريره . # المسألة الثالثة : التكرير في قوله : { لإيلاف قريش * إيلافهم } هو أنه ~~أطلق الإيلاف أولا ثم جعل المقيد بدلا لذلك المطلق تفخيما لأمر الإيلاف ~~وتذكيرا لعظيم المنة فيه ، والأقرب أن يكون قوله : { لإيلاف قريش } عاما ~~بجمع كل مؤانسة وموافقة كان بينهم ، فيدخل فيه مقامهم / وسيرهم وجميع ~~أحوالهم ، ثم خص إيلاف الرحلتين بالذكر لسبب أنه قوام معاشهم كما في قوله : ~~{ وجبريل } وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة ، تقول العرب : ~~ألفت كذا أي لزمته ، والإلزام ضربان إلزام بالتكليف والأمر ، وإلزام ~~بالمودة والمؤانسة فإنه ءذا أحب المرء شيئا لزمه ، ومنه : { وألزمهم كلمة ~~التقوى } كما أن الإلجاء ضربان أحدهما : لدفع الضرر كالهرب من السبع ~~والثاني : لطلب النفع العظيم ، كمن يجد مالا عظيما ولا مانع من أخذه لا ~~عقلا ولا شرعا ولا حسا فإنه يكون كالملجأ إلى الأخذ ، وكذا الدواعي التي ~~PageV32P099 تكون دون الالجاء ، مرة ms9823 تكون لدفع الضرر وأخرى لجلب النفع ، ~~وهو المراد في قوله : { إيلافهم } . # المسألة الرابعة : اتفقوا على أن قريشا ولد النضر بن كنانة ، قال عليه ~~الصلاة والسلام : ( إنا بني النضر بن كنانة لأنفقوا أمنا ولا ننتفي من ~~أبينا ) وذكروا في سبب هذه التسمية وجوها أحدها : أنه تصغير القرش وهو دابة ~~عظيمة في البحر تعبث بالسفن ، ولا تنطلق إلا بالنار وعن معاوية أنه سأل ابن ~~عباس : بم سميت قريش ؟ قال : بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل ، تعلو ولا تعلى ~~، وأنشد : # وقريش هي التي تكسن البح # ر بها سميت قريش قريشا والتصغير للتعظيم ، ومعلوم أن قريشا موصوفون بهذه ~~الصفات لأنها تلي أمر الأمة ، فإن الأئمة من قريش وثانيها : أنه مأخوذ من ~~القرش وهو الكسب لأنهم كانوا كاسبين بتجاراتهم وضربهم في البلاد وثالثها : ~~قال الليث : كانوا متفرقين في غير الحرم ، فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى ~~اتخذوها مسكنا ، فسموا قريشا لأن التقرش هو التجمع ، يقال : تقرش القوم إذا ~~اجتمعوا ، ولذلك سمي قصي مجمعا ، قال الشاعر : # أبو كم قصي كان يدعى مجمعا # به جمع الله القبائل من فهر ورابعها : أنهم كانوا يسدون خلة محاويج الحاج ~~، فسموا بذلك قريشا ، لأن القرش التفتيش قال ابن حرة : # أيها الشامت المقرش عنا # عند عمرو وهل لذاك بقاء # ! 7 < { إيلافهم رحلة الشتآء والصيف } . > 7 @QB@ < # | قريش : ( 2 ) إيلافهم رحلة الشتاء . . . . . # > > # قوله تعالى : { رحلة الشتاء والصيف } فيه مسائل : # المسألة الأولى : قال الليث : الرحلة اسم الارتحال من القول للمسير ، وفي ~~المراد من هذه الرحلة قولان : الأول : وهو المشهور ، قال المفسرون : كانت ~~لقريش رحلتان رحلة بالشتاء إلى اليمن لأن اليمن أدفأ وبالصيف إلى الشأم ، ~~وذكر عطاء عن ابن عباس أن السبب في ذلك هو أن قريشا إذا أصاب واحدا منهم ~~مخمصة خرج هو وعياله إلى موضع وضربوا على أنفس خباء حتى يموتوا ، / إلى أن ~~جاء هاشم بن عبد مناف ، وكان سيد قومه ، وكان له ابن يقال له : أسد ، وكان ~~له ترب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه فشكا إليه الضرر والمجاعة فدخل أسد على ms9824 ~~أمه يبكي فأرسلت إلى أولئك بدقيق وشحم فعاشوا فيه أياما ، ثم أتى ترب أسد ~~إليه مرة أخرى وشكا إليه من الجوع فقام هاشم خطيبا في قريش ، فقال : إنكم ~~أجدبتم جدبا تقلون فيه وتذلون ، وأنتم أهل حرم الله وأشراف ولد آدم والناس ~~لكم تبع قالوا : نحن تبع لك فليس عليك منا خلاف فجمع كل بني أب على ~~الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام للتجارات ، فما ربح ~~الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم ، فجاء الإسلام وهم على ~~ذلك ، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش ، قال الشاعر ~~فيهم : # الخالطين فقيرهم بغنيهم # حتى يكون فقيرهم كالكافي واعلم أن وجه النعمة والمنة فيه أنه لو تم ~~لأصحاب الفيل ما أرادوا ، لترك أهل الأقطار تعظيمهم وأيضا لتفرقوا وصار ~~حالهم كحال اليهود المذكور في قوله : { وقطعناهم في الارض أمما } ~~PageV32P100 واجتماع القبيلة الواحدة في مكان واحد أدخل في النعمة من أن ~~يكون الاجتماع من قبائل شتى ، ونبه تعالى أن من شرط السفر المؤانسة والألفة ~~، ومنه قوله تعالى : { ولا جدال في الحج } والسفر أحوج إلى مكارم الأخلاق ~~من الإقامة القول الثاني : أن المراد ، رحلة الناس إلى أهل مكة فرحلة ~~الشتاء والصيف عمرة رجب وحج ذي الحجة لأنه كان أحدهما شتاء والآخر صيفا ~~وموسم منافع مكة يكون بهما ، ولو كان يتم لأصحاب الفيل ما أرادوا لتعطلت ~~هذه المنفعة . # المسألة الثانية : نصب الرحل بلإيلافهم مفعولا به ، وأراد رحلتي الشتاء ~~والصيف ، فأفرد لأمن الإلباس كقوله : كلوا في بعض بطنكم ، وقيل : معناه ~~رحلة الشتاء ورحلة الصيف ، وقرىء رحلة بضم الراء وهي الجهة . # ! 7 < { فليعبدوا رب هاذا البيت } . > 7 @QB@ < # | قريش : ( 3 ) فليعبدوا رب هذا . . . . . # > > # قوله تعالى : { فليعبدوا رب هاذا البيت } اعلم أن الإنعام على قسمين ~~أحدهما : دفع الضرر والثاني : جلب النفع والأول أهم وأقدم ، ولذلك قالوا : ~~دفع الضرر عن النفس واجب أما جلب النفع ( فإنه ) غير واجب ، فلهذا السبب ~~بين تعالى نعمة دفع الضرر في سورة الفيل ونعمة جلب النفع في هذه ms9825 السورة ، ~~ولما تقرر أن الإنعام لا بد وأن يقابل بالشكر والعبودية ، لا جرم أتبع ذكر ~~النعمة بطلب العبودية فقال : { فليعبدوا } وههنا مسائل : # المسألة الأولى : ذكرنا أن العبادة هي التذلل والخضوع للمعبود على غاية ~~ما يكون . ثم قال بعضهم : أراد فليوحدوا رب هذا البيت لأنه هو الذي حفظ ~~البيت دون الأوثان ، ولأن التوحيد مفتاح العبادات ، ومنهم من قال : المراد ~~العبادات المتعلقة بأعمال الجوارح / ثم ذكر كل قسم من أقسام العبادات ، ~~والأولى حمله على الكل لأن اللفظ متناول للكل إلا ما أخرجه الدليل ، وفي ~~الآية وجه آخر ، وهو أن يكون معنى فليعبدوا أي فليتركوا رحلة الشتاء والصيف ~~وليشتغلوا بعبادة رب هذا البيت فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف ، ولعل ~~تخصيص لفظ الرب تقرير لما قالوه لأبرهة : إن للبيت ربا سيحفظه ، ولم يعولوا ~~في ذلك على الأصنام فلزمهم لإقرارهم أن لا يعبدوا سواه ، كأنه يقول : لما ~~عولتم في الحفظ علي فاصرفوا العبادة والخدمة إلي . # المسألة الثانية : الإشارة إلى البيت في هذا النظم تفيد التعظيم فإنه ~~سبحانه تارة أضاف العبد إلى نفسه فيقول : يا عبادي وتارة يضيف نفسه إلى ~~العبد فيقول : وإلهكم كذا في البيت ( تارة ) يضيف نفسه إلى البيت وهو قوله ~~: { فليعبدوا رب هاذا البيت } وتارة يضيف البيت إلى نفسه فيقول : { طهرا ~~بيتى } . # ! 7 < { الذىأطعمهم من جوع وءامنهم من خوف } . > 7 @QB@ < # | قريش : ( 4 ) الذي أطعمهم من . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { الذى أطعمهم من جوع } وفي هذه الإطعام وجوه أحدها : أنه ~~تعالى لما آمنهم بالحرم حتى لا يتعرض لهم في رحلتيهم كان ذلك سبب إطعامهم ~~بعدما كانوا فيه من الجوع ثانيها : قال مقاتل : شق عليهم الذهاب إلى اليمن ~~والشام في الشتاء والصيف لطلب الرزق ، فقذف الله تعالى في قلوب الحبشة أن ~~يحملوا الطعام في السفن إلى مكة فحملوه ، وجعل أهل مكة يخرجون إليهم بالإبل ~~والخمر ، ويشترون طعامهم من جدة على مسيرة ليلتين وتتابع ذلك ، فكفاهم الله ~~مؤونة الرحلتين ثالثها : قال الكلبي : PageV32P101 هذه الآية معناها أنهم ~~لما كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم دعا عليهم ms9826 ، فقال : ( اللهم اجعلها ~~عليهم سنين كسني يوسف ) فاشتد عليهم القحط وأصابهم الجهد فقالوا : يا محمد ~~ادع الله فإنا مؤمنون ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخصبت البلاد ~~وأخصب أهل مكة بعد القحط ، فذاك قوله : { أطعمهم من جوع } ثم في الآية ~~سؤالات : # السؤال الأول : العبادة إنما وجبت لأنه تعالى أعطى أصول النعم ، والإطعام ~~ليس من أصول النعم ، فلما علل وجوب العبادة بالإطعام ؟ والجواب : من وجوه ~~أحدها : أنه تعالى لما ذكر إنعامه عليهم بحبس الفيل وإرسال الطير وإهلاك ~~الحبشة ، وبين أنه تعالى فعل ذلك لإيلافهم ، ثم أمرهم بالعبادة ، فكان ~~السائل يقول : لكن نحن محتاجون إلى كسب الطعام والذب عن النفس ، فلو ~~اشتغلنا بالعبادة فمن ذا الذي أيطعمنا ، فقال : الذي أطعمهم من جوع ، قبل ~~أن يعبدوه ، ألا يطعمهم إذا عبدوها وثانيها : أنه تعالى بعد أن أعطى العبد ~~أصول النعم أساء العبد إليه ، ثم إنه يطعمهم مع ذلك ، فكأنه تعالى يقول : ~~إذا لم تستح من أصول النعم ألا تستحي من إحساني إليك بعد إساءتك وثالثها : ~~إنما ذكر الإنعام ، لأن البهيمة تطيع من يعلفها ، فكأنه تعالى يقول : لست ~~دون البهيمة . # السؤال الثاني : أليس أنه جعل الدنيا ملكا لنا بقوله : { خلق لكم ما فى ~~الارض جميعا } / فكيف تحسن المنة علينا بأن أعطانا ملكنا ؟ الجواب : أنظر ~~في الأشياء التي لا بد منها قبل الأكل حتى يتم الطعام ويتهيأ ، وفي الأشياء ~~التي لا بد منها بعد الأكل حتى يتم الانتفاع بالطعام المأكول ، فإنك تعلم ~~أنه لا بد من الأفلاك والكواكب ، ولا بد من العناصر الأربعة حتى يتم ذلك ~~الطعام ، ولا بد من جملة الأعضاء على اختلاف أشكالها وصورها حتى يتم ~~الانتفاع بالطعام ، وحينئذ تعلم أن الإطعام يناسب الأمر بالطاعة والعبادة . # السؤال الثالث : المنة بالإطعام لا تليق بمن له شيء من الكرم ، فكيف ~~بأكرم الأكرمين ؟ الجواب : ليس الغرض منه المنة ، بل الإرشاد إلى الأصلح ، ~~لأنه ليس المقصود من الأكل تقوية الشهوة المانعة عن الطاعة ، بل تقوية ~~البنية على أداء الطاعات ، فكأن المقصود من الأمر بالعبادة ذلك . # السؤال الرابع ms9827 : ما الفائدة في قوله : { من جوع } ؟ الجواب : فيه فوائد ~~أحدها : التنبيه على أن أمر الجوع شديد ، ومنه قوله تعالى : { وهو الذى ~~ينزل الغيث من بعد ما قنطوا } وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أصبح آمنا ~~في سربه ) الحديث وثانيها : تذكيرهم الحالة الأولى الرديئة المؤلمة وهي ~~الجوع حتى يعرفوا قدر النعمة الحاضرة وثالثها : التنبيه على أن خير الطعام ~~ما سد الجوعة ، لأنه لم يقل : وأشبعهم لأن الطعام يزيل الجوع ، أما الإشباع ~~فإنه يورث البطنة . # أما قوله تعالى : { الذى أطعمهم من } ففي تفسيره وجوه أحدها : أنهم كانوا ~~يسافرون آمنين لا يتعرض لهم أحد ، ولا يغير عليهم أحد لا في سفرهم / ولا في ~~حضرهم وكان غيرهم لا يأمنون من الغارة في السفر والحضر ، وهذا معنى قوله : ~~{ أو لم * يروا أنا جعلنا حرما ءامنا } ثانيها : أنه آمنهم من زحمة أصحاب ~~الفيل وثالثها : قال الضحاك والربيع : وآمنهم من خوف الجزام ، فلا يصيبهم ~~ببلدتهم PageV32P102 الجذام ورابعها : آمنهم من خوف أن تكون الخلافة في ~~غيرهم وخامسها : آمنهم بالإسلام ، فقد كانوا في الكفر يتفكرون ، فيعلمون أن ~~الدين الذي هم عليه ليس بشيء ، إلا أنهم ما كانوا يعرفون الدين الذي يجب ~~على العاقل أن يتمسك به وسادسها : أطعمهم من جوع الجهل بطعام الوحي ، ~~وآمنهم من خوف الضلال ببيان الهدى ، كأنه تعالى يقول : يا أهل مكة كنتم قبل ~~مبعث محمد تسمون جهال العرب وأجلافهم ، ومن كان ينازعكم كانوا يسمون أهل ~~الكتاب ، ثم أنزلت الوحي على نبيكم ، وعلمتكم الكتاب والحكمة حتى صرتم الآن ~~تسمون / أهل العلم والقرآن ، وأولئك يسمون جهال اليهود والنصارى ، ثم إطعام ~~الطعام الذي يكون غذاء الجسد يوجب الشكر ، فإطعام الذي هو غذاء الروح ، ألا ~~يكون موجبا للشكرا وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : لم لم يقل : عن جوع وعن خوف ؟ قلنا : لأن معنى عن أنه جعل ~~الجوع بعيدا عنهم ، وهذا يقتضي أن يكون ذلك التبعيد مسبوقا بمقاشاة الجوع ~~زمانا ، ثم يصرفه عنه ، ومن لا تقتضي ذلك ، بل معناه أنهم عندما يجوعون ~~يطعمون ، وحين ما يخافون يؤمنون . # السؤال الثاني : لم ms9828 قال : من جوع ، من خوف على سبيل التنكير ؟ الجواب : ~~المراد من التنكير التعظيم . أما الجوع فلما روينا : أنه أصابتهم شدة حتى ~~أكلوا الجيف والعظام المحرقة . وأما الخوف ، فهو الخوف الشديد الحاصل من ~~أصحاب الفيل ، ويحتمل أن يكون المراد من التنكير التحقير ، يكون المعنى أنه ~~تعالى لما لم يجوز لغاية كرمه إبقاءهم في ذلك الجوع القليل والخوف القليل ، ~~فكيف يجوز في كرمه لو عبدوه أن يهمل أمرهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه : { ~~أطعمهم من جوع } دون جوع : { الذى أطعمهم من } دون خوف ، ليكون الجوع ~~الثاني ، والخوف الثاني مذكرا ما كانوا فيه أولا من أنواع الجوع والخوف ، ~~حتى يكونوا شاكرين من وجه ، وصابرين من وجه آخر ، فيستحقوا ثواب الخصلتين . # السؤال الثالث : أنه تعالى إنما أطعمهم وآمنهم إجابة لدعوة إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام أما في الإطعام فهو قوله : { وارزق أهله } وأما الأمان فهو ~~قوله : { اجعل هاذا البلد امنا } وإذا كان كذلك كان ذلك منة على إبراهيم ~~عليه السلام ، فكيف جعله منة على أولئك الحاضرين ؟ والجواب : أن الله تعالى ~~لما قال : { إنى جاعلك للناس إماما } قال إبراهيم : { ومن ذريتى } فقال ~~الله تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين } فنادى إبراهيم بهذا الأدب ، فحين ~~قال : { رب اجعل هاذا البلد امنا * وارزق أهله من الثمرات } قيده بقوله : { ~~من ءامن بالله } فقال الله : لا حاجة إلى هذا التقيد ، بل ومن كفر فأمتعه ~~قليلا ، فكأنه تعالى قال : أما نعمة الأمان فهي دينية فلا تحصل إلا لمن كان ~~تقيا ، وأما نعمة الدنيا فهي تصل إلى البر والفاجر والصالح والطالح ، وإن ~~كان كذلك كان إطعام الكافر من الجوع ، وأمانه من الخوف إنعاما من الله ~~ابتداء عليه لا بدعوة إبراهيم ، فزال السؤال . والله سبحانه وتعالى أعلم ، ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV32P103 < # > 1 ( سورة الماعون ) 1 < # > # سبع آيات مكية # ! 7 < { أرءيت الذى يكذب بالدين } . > 7 ! # { أرءيت الذى يكذب بالدين } < < # | الماعون : ( 1 ) أرأيت الذي يكذب . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرأ بعضهم أريت بحذف الهمزة ، قال الزجاج : وهذا ليس ~~بالاختيار ، لأن الهمزة ms9829 إنما طرحت من المستقبل نحو يرى وأرى وترى ، فأما ~~رأيت فليس يصح عن العرب فيها ريت ، ولكن حرف الاستفهام لما كان في أول ~~الكلام سهل إلغاء الهمزة ، ونظيره : # % صاح هل ريت أو سمعت براع % % رد في الضرع ما قرى في العلاب % # وقرأ ابن مسعود أرأيتك بزيادة حرف الخطاب كقوله : { قال أرءيتك هاذا الذى ~~* على } . # المسألة الثانية : قوله : { أرأيت } معناه هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من ~~هو ، فإن لم تعرفه : { فهو * الذى يدع اليتيم } . # واعلم أن هذا اللفظ وإن كان في صورة الاستفهام ، لكن الغرض بمثله ~~المبالغة في التعجب كقولك : أرأيت فلانا ماذا ارتكب ولماذا عرض نفسه ؟ ثم ~~قيل : إنه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، وقيل : بل خطاب لكل عاقل أي ~~أرأيت يا عاقل هذا الذي يكذب بالدين بعد ظهور دلائله ووضوح تبيانه أيفعل ~~ذلك لا لغرض ، فكيف يليق بالعاقل جر العقوبة الأبدية إلى نفسه من غير غرض ~~أو لأجل الدنيا ، فكيف يليق بالعاقل أن يبيع الكثير الباقي بالقليل الفاني ~~. # المسألة الثالثة : في الآية قولان : أحدهما : أنها مختصة بشخص معين ، ~~وعلى هذا القول ذكروا PageV32P104 أشخاصا ، فقال ابن جريج : نزلت في أبي ~~سفيان كان ينحر جزورين في كل أسبوع ، فأتاه يتيم فسأله لحما فقرعه بعصاه ، ~~وقال مقاتل : نزلت في العاص بن وائل السهمي ، وكان من صفته الجمع بين ~~التكذيب بيوم القيامة ، والإتيان بالأفعال القبيحة ، وقال السدي : نزلت في ~~الوليد بن المغيرة ، وحكى الماوردي أنها نزلت في أبي جهل ، وروى أنه كان ~~وصيا ليتيم ، فجاءه وهو عريان يسأله شيئا من مال نفسه ، فدفعه ولم يعبأ به ~~فأيس الصبي ، فقال له أكابر قريش : قل لمحمد يشفع لك ، وكان / غرضهم ~~الاستهزاء ولم يعرف اليتيم ذلك ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتمس ~~منه ذلك ، وهو عليه الصلاة والسلام ما كان يرد محتاجا فذهب معه إلى أبي جهل ~~فرحب به وبذل المال لليتيم فعيرة قريش ، فقالوا : صبوت ، فقال : لا والله ~~ما صبوت ، لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم أجبه يطعنها ms9830 في ، ~~وروى عن ابن عباس أنها نزلت في منافق جمع بين البخل والمراءاة والقول ~~الثاني : أنه عام لكل من كان مكذبا بيوم الدين ، وذلك لأن إقدام الإنسان ~~على الطاعات وإحجامه عن المحظورات إنما يكون للرغبة في الثواب والرهبة عن ~~العقاب ، فإذا كان منكرا للقيامة لم يترك شيئا من المشتهيات واللذات ، فثبت ~~أن إنكار القيامة كالأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصي . # المسألة الرابعة : في تفسير الدين وجوه أحدها : أن يكون المراد من يكذب ~~بنفس الدين والإسلام إما لأنه كان منكرا للصانع ، أو لأنه كان منكرا للنبوة ~~، أو لأنه كان منكرا للمعاد أو لشيء من الشرائع ، فإن قيل : كيف يمكن حمله ~~على هذا الوجه ، ولا بد وأن يكون لكل أحد دين والجواب : من وجوه أحدها : أن ~~الدين المطلق في اصطلاح أهل الإسلام ، والقرآن هو الإسلام قال : الله تعالى ~~: { إن الدين عند الله الإسلام } أما سائر المذاهب فلا تسمى دينا إلا بضرب ~~من التقييد كدين النصارى واليهود وثانيها : أن يقال : هذه المقالات الباطلة ~~ليست بدين ، لأن الدين هو الخضوع لله وهذه المذاهب إنما هي خضوع للشهوة أو ~~للشبهة وثالثها : وهو قوله أكثر المفسرين . أن المراد أرأيت الذي يكذب ~~بالحساب والجزاء / قالوا : وحمله على هذا الوجه أولى لأن من ينكر الإسلام ~~قد يأتي بالأفعال الحميدة ويحترز عن مقابحها إذا كان مقرا بالقيامة والبعث ~~، أما المقدم على كل قبيح من غير مبالاة فليس هو إلا المنكر للبعث والقيامة ~~. # ! 7 < { فذلك الذى يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين } . > 7 @QB@ < # | الماعون : ( 2 - 3 ) فذلك الذي يدع . . . . . # > > # ثم قال تعالى : { فذلك الذى يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين } . # واعلم أنه تعالى ذكر في تعريف من يكذب الدين وصفين أحدهما : من باب ~~الأفعال وهو قوله : { فذلك الذى يدع اليتيم } والثاني : من باب التروك وهو ~~قوله : { ولا يحض على طعام المسكين } والفاء في قوله فذلك للسببية أي لما ~~كان كافرا مكذبا كان كفره سببا لدع اليتيم ، وإنما اقتصر عليهما على معنى ~~أن الصادر عمن يكذب بالدين ليس إلا ذلك ms9831 ، لأنا نعلم أن المكذب بالدين لا ~~يقتصر على هذين بل على سبيل التمثيل ، كأنه تعالى ذكر في كل واحد من ~~القسمين مثالا واحدا تنبيها بذكره على سائر القبائح ، أو لأجل أن هاتين ~~الخصلتين ، كماأنهما قبيحان منكران بحسب الشرع فهما أيضا مستنكران بحسب ~~المروءة والإنسانية ، أما قوله : { يدع اليتيم } فالمعنى أنه يدفعه بعنف ~~وجفوة كقوله : { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } وحاصل الأمر في دع اليتيم ~~أمور أحدها : دفعه / عن حقه وماله بالظلم والثاني : ترك المواساة ~~PageV32P105 معه ، وإن لم تكن المواساة واجبة . وقد يذم المرء بترك النوافل ~~لاسيما إذا أسند إلى النفاق وعدم الدين والثالث : يزجره ويضربه ويستخف به ، ~~وقرىء يدع أي يتركه ، ولا يدعوه بدعوة ، أي يدعوا جميع الأجانب ويترك ~~اليتيم مع أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( ما من مائدة أعظم من مائدة ~~عليها يتيم ) وقرىء يدعو اليتيم أي يدعوه رياء ثم لا يطعمه وإنما يدعوه ~~استخداما أو قهرا أو استطالة . # واعلم أن في قوله : { يدع } بالتشديد فائدة ، وهي أن يدع بالتشديد معناه ~~أنه يعتاد ذلك فلا يتناول الوعيد من وجد منه ذلك وندم عليه ، ومثله قوله ~~تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } سمى ذنب المؤمن ~~لمما لأنه كالطيف والخيال يطرأ ولا يبقى ، لأن المئمن كما يفرغ من الذنب ~~يندم ، إنما المكذب هو الذي يصر على الذنب . # أما قوله : { ولا يحض على طعام المسكين } ففيه وجهان أحدهما : أنه لا يحض ~~نفسه على طعام المسكين وإضافة الطعام إلى المسكين تدل على أن ذلك الطعام حق ~~المسكين ، فكأنه منه المسكين مما هو حقه ، وذلك يدل على نهاية بخله وقساوة ~~قلبه وخساسة طبعه والثاني : لا يحض غيره على إطعام ذلك المسكين بسبب أنه لا ~~يتقد في ذلك الفعل ثوابا ، والحاصل أنه تعالى جعل علم التكذيب بالقيامة ~~الإقدام على إيذاء الضعيف ومنع المعروف ، يعني أنه لو آمن بالجزاء وأيقن ~~بالوعيد لما صدر عنه ذلك ، فموضع الذنب هو التكذيب بالقيامة ، وههنا سؤالان ~~: # السؤال الأول : أليس قد لا يحض المرء في كثير من الأحوال ms9832 ولا يكون آثما ؟ ~~الجواب : لأنه غيره ينوب منابه أو لأنه لا يقبل قوله أو لمفسدة أخرى ~~يتوقعها ، أما ههنا فذكر أنه لا يفعل ذلك ( إلا ) لما أنه مكذب بالدين . # السؤال الثاني : لم لم يقل : ولا يطعم المسكين ؟ والجواب : إذا منع ~~اليتيم حقه فكيف يطعم المسكين من مال نفسه ، بل هو بخيل من مال غيره ، وهذا ~~هو النهاية في الخسة ، فلأن يكون بخيلا بمال نفسه أولى ، وضده في مدح ~~المؤمنين : { وتواصوا بالمرحمة * وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } . # ! 7 < { فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون } . > 7 @QB@ < # | الماعون : ( 4 - 5 ) فويل للمصلين # > > # ثم قال تعالى : { فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون } وفيه مسائل ~~: # المسألة الأولى : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه أحدها : أنه ~~لا يفعل إيذاء اليتيم والمنع من الإطعام دليلا على النفاق فالصلاة لا مع ~~الخضوع والخضوع أولى أن تدل على النفاق ، لأن الإيذاء والمنع من النفع ~~معاملة مع المخلوق ، أما الصلاة فإنها خدمة للخالق ، وثانيها : كأنه لما ~~ذكر إيذاء اليتيم وتركه للحض كأن سائلا قال : أليس إن الصلاة تنهي عن ~~الفحشاء والمنكر ؟ فقال له : الصلاة كيف تنهاه عن هذا الفعل المنكر وهي ~~مصنوعة من عين الرياء / والسهو وثالثها : كأنه يقول : إقدامه على إيذاء ~~اليتيم وتركه للحض ، تقصير فيما يرجع إلى الشفقة على خلق الله ، وسهوه في ~~الصلاة تقصير فيما يرجع إلى التعظيم لأمر الله ، فلما وقع التقصير في ~~الأمرين فقد كملت شقاوته ، فلهذا قال : { فويل } واعلم أن هذا اللفظ إنما ~~PageV32P106 يستعمل عند الجريمة الشديدة كقوله : { ويل للمطففين * فويل لهم ~~مما كتبت أيديهم * ويل لكل همزة لمزة } ويروى أن كل أحد ينوح في النار بحسب ~~جريمته ، فقائل يقول : ويلي من حب الشرف ، وآخر يقول : ويلي من الحمية ~~الجاهلية ، وآخر يقول : ويلي من صلاتي ، فلهذا يستحب عند سماع مثل الآية ، ~~أن يقول : المرء ويلي إن لم يغفر لي . # المسألة الثانية : الآية دالة على حصول التهديد العظيم بفعل ثلاثة أمور ~~أحدها : السهو عن الصلاة وثانيها : فعل المراءاة وثالثها : منع الماعون ، ~~وكل ms9833 ذلك من باب الذنوب ، ولا يصير المرء به منافقا فلم حكم الله بمثل هذا ~~الوعيد على فاعل هذه الأفعال ؟ ولأجل هذا الإشكال ذكر المفسرون فيه وجوها ~~أحدها : أن قوله : { فويل للمصلين } أي فويل للمصلين من المنافقين الذين ~~يأتون بهذه الأفعال ، وعلى هذا التقدير تدل الآية على أن الكافر له مزبد ~~عقوبة بسبب إقدامه على محظورات الشرع وتركه لواجبات الشرع ، وهو يدل على ~~صحة قول الشافعي : إن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع ، وهذا الجواب هو ~~العتمد وثانيها : ما رواه عطاء عن ابن عباس أنه لو قال الله : في صلاتهم ~~ساهون ، لكان هذا الوعيد في المؤمنين لكنه قال : { عن صلاتهم ساهون } ~~والساهي عن الصلاة هو الذي لا يتذكرها ويكون فارغا عنها ، وهذا القول ضعيف ~~لأن السهو عن الصلاة لا يجوز أن يكون مفسرا بترك الصلاة ، لأنه تعالى أثبت ~~لهم الصلاة بقوله : { فويل للمصلين } وأيضا فالسهو عن الصلاة بمعنى الترك ~~لا يكون نفاقا ولا كفرا فيعود الإشكال ، ويمكن أن يجاب عن الاعتراض الأول ~~بأنه تعالى حكم عليهم بكونهم مضلين نظرا ءلى الصورة وبأنهم نسوا الصلاة ~~بالكلية نظرا إلى المعنى كما قال : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ~~وإذا قاموا إلى الصلواة قاموا كسالى يراءون } ويجاب عن الاعتراض الثاني بأن ~~النسيان عن الصلاة هو أن يبقى ناسيا لذكر الله في جميع أجزاء الصلاة وهذا ~~لا يصدر إلا عن المنافق الذي يعتقد أنه لا فائدة في الصلاة ، أما المسلم ~~الذي يعتقد فيها فائدة عينية يمتنع أن لا يتذكر أمر الدين والثواب والعقاب ~~في شيء من أجزاء الصلاة ، بل قد يحصل له السهو في الصلاة بمعنى أنه يصير ~~ساهيا في بعض أجزاء الصلاة ، فثبت أن السهو في الصلاة من أفعال المؤمن ~~والسهو عن الصلاة من أفعال الكافر وثالثها : أن يكون معنى : { ساهون } أي ~~لا يتعهدون أوقات صلواتهم ولا شرائطها / ومعناه أنه لا يبالي سواء صلى أو ~~لم يصل ، وهو قول سعد بن أبي وقاص ومسروق والحسن ومقاتل . # المسألة الثالثة : اختلفوا في سهو الرسول عليه الصلاة والسلام في ms9834 صلاته ، ~~فقال كثير من العلماء : إنه عليه الصلاة والسلام ما سها ، لكن الله تعالى ~~أذن له في ذلك الفعل حتى يفعل ما يفعله / الساهي فيصير ذلك بيانا لذلك ~~الشرع بالفعل والبيان بالفعل أقوى ، ثم بتقدير وقوع السهو منه فالسهو على ~~أقسام أحدها : سهو الرسول والصحابة وذلك منجبر تارة بسجود السهو وتارة ~~بالسنن والنوافل والثاني : ما يكون في الصلاة من الغفلة وعدم استحضار ~~المعارف والنيات والثالث : الترك لا إلى قضاء والإخراج عن الوقت ، ومن ذلك ~~صلاة المنافق وهي شر من ترك الصلاة لأنه يستهزىء بالدين بتلك الصلاة . # ! 7 < { الذين هم يرآءون } . > 7 @QB@ < # | الماعون : ( 6 ) الذين هم يراؤون # > > # أما قوله تعالى : { الذين هم يراءون } فاعلم أن الفرق بين المنافق ~~والمرائي ؛ أن المنافق هو المظهر للإيمان المبطن للكفر ، والمرائي المظهر ~~ما ليس في قلبه من زيادة خشوع ليعتقد فيه من يراه أنه متدين ، أو تقول : ~~المنافق لا يصلي سرا والمرائي تكون صلاته عند الناس أحسن . PageV32P107 # اعلم أنه يجب إظهار الفرائض من الصلاة والزكاة لأنها شعائر الإسلام ~~وتاركها مستحق للعن فيجب نفي التهمة بالإظهار . إنما الإخفاء في النوافل ~~إلا إذا أظهر النوافل ليقتدي به ، وعن بعضهم أنه رأى في المسجد رجلا يسجد ~~للشكر وأطالها ، فقال : ما أحسن هذا لو كان في بيتكا لكن مع هذا قالوا : لا ~~يترك النوافل حياء ولا يأتى بها رياء ، وقلما يتيسر اجتناب الرياء ، ولهذا ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة ~~الظلماء على المسح الأسود ) فإن قيل : ما معنى المراءاة ؟ قلنا هي مفاعلة ~~من الإرادة لأن المرائي يرى الناس عمله ، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب ~~به . # واعلم أن قوله : { عن صلاتهم ساهون } يفيد أمرين : إخراجها عن الوقت ، ~~وكون الإنسان غافلا فيها ، قوله : { الذين هم يراءون } يفيد المراءاة ، ~~فظهر أن الصلاة يجب أن تكون خالية عن هذه الأحوال الثلاثة . # ! 7 < { ويمنعون الماعون } . > 7 ! # < < # | الماعون : ( 7 ) ويمنعون الماعون # > > ثم لما شرح أمر الصلاة أعقبه بذكر الصلاة فقال : { ويمنعون الماعون } ~~وفيه أقوال : الأول : وهو قول أبي بكر ms9835 وعلي وابن عباس وابن الحنفية وابن ~~عمر والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك : هو الزكاة ، وفي حديث ~~أبي : ( من قرأ سورة { أرأيت } غفر الله له إن كان للزكاة مؤديا ) وذلك ~~يوهم أن { الماعون } هو الزكاة ، ولأن الله تعالى ذكره عقيب الصلاة ، ~~فالظاهر أن يكون ذلك هو الزكاة والقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين ، أن ~~{ الماعون } اسم لما لا يمنع في العادة ويسأله الفقير والغني ، ينسب مانعه ~~إلى سوء الخلق ولؤم الطبيعة كالفأس والقدر والدلو والمقدحة والغربال ~~والقدوم ، ويدخل فيه الملح والماء والنار . فإنه روى : ( ثلاثة لا يحل ~~منعها ، الماء والنار والملح ) ومن ذلك أن يلتمس جارك أن يخبز في تنورك ، ~~أو يضع متاعه عندك يوما أو نصف يوم ، وأصحاب هذا القول قالوا : الماعون ~~فاعول من المعن . وهو الشيء / القليل ومنه ماله سعته ولا معنة أي كثير و ( ~~لا ) قليل ، وسميت الزكاة ماعونا ، لأنه يؤخذ من المال ربع العشر ، فهو ~~قليل من كثير ، ويسمى ما يستعار في العرف كالفأس والشفرة ماعونا ، وعلى هذا ~~التقدير يكون معنى الآية الزجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة ، فإن البخل ~~بها يكون في نهاية الدناءة والركاكة ، والمنافقون كانوا كذلك ، لقوله تعالى ~~: { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } وقال : { مناع للخير معتد أثيم } ~~قال العلماء : ومن الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله مما يحتاج إليه ~~الجيران ، فيعيرهم ذلك ولا يقتصر على الواجب والقول الثالث : قال الفراء : ~~سمعت بعض العرب يقول : الماعون هو الماء وأنشدني فيه : # يمج بعيره الماعون مجا # ولعله خصه بذلك لأن أعز مفقود وأرخص موجود ، وأول شيء يسأله أهل النار ~~الماء ، كما قال : { أن أفيضوا علينا من الماء } وأول لذة يجدها أهل الجنة ~~هو الماء ، كما قال : { وسقاهم ربهم } القول الرابع : { الماعون } حسن ~~الانقياد ، يقال : رض بعيرك حتى يعطيك الماعون ، أي حتى يعطيك الطاعة . ~~PageV32P108 # واعلم أن الأولى أن يحمل على كل طاعة يخف فعلها لأنه أكثر فائدة ، ثم قال ~~المحققون في الملاءمة : بين قوله : { يراءون } وبين قوله : { ويمنعون ~~الماعون } كأنه تعالى يقول الصلاة لي والماعون ms9836 للخلق ، فما يجب جعله لي ~~يعرضونه على الخلق وما هو حق الخلق يسترونه عنهم فكأنه لا يعامل الخلق ~~والرب إلا على العكس { فان قيل } لم لم يذكر الله اسم الكافر بعينه ؟ فإن ~~قلت للستر عليه ، قلت لم لم يستر على آدم بل قال : { وعصى * ءادم * ربه } ؟ ~~والجواب : أنه تعالى ذكر زلة آدم لكن بعد موته مقرونا بالتوبة ليكون لطفا ~~لأولاده ، أنه أخرج من الجنة بسبب الصغيرة فكيف يطمعون في الدخول مع ~~الكبيرة ، وأيضا فإن وصف تلك الزلة رفعة له فإنه رجل لم يصدر عنه إلا تلك ~~الزلة الواحدة ثم تاب عنها مثل هذه التوبة . # ولنختم تفسير هذه السورة بالدعاء : إلهنا ، هذه السورة في ذكر المنافقين ~~والسورة التي بعدها في صفة محمد صلى الله عليه وسلم فنحن وإن لم نصل في ~~الطاعة إلى محمد عليه الصلاة والسلام وإلى أصحابه ، لم نصل في الأفعال ~~القبيحة إلى هؤلاء المنافقين ، فاعف عنا بفضلك يا أرحم الراحمين ، وصلى ~~الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV32P109 < # > 1 ( سورة الكوثر ) 1 < # > # ثلاث آيات مكية # ! 7 < { إنآ أعطيناك الكوثر } . > 7 ! # { إنا أعطيناك الكوثر } . # < < # | الكوثر : ( 1 ) إنا أعطيناك الكوثر # > > اعلم أن هذه السورة على اختصارها فيها لطائف : أحداها : أن هذه ~~السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة ، وذلك لأن في السورة المتقدمة وصف الله ~~تعالى المنافق بأمور أربعة : أولها : البخل وهو المراد من قوله : { يدع ~~اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين } الثاني : ترك الصلاة وهو المراد من ~~قوله : { الذين هم عن صلاتهم ساهون } والثالث : المراءاة في الصلاة هو ~~المراد من قوله : { الذين هم يراءون } والرابع : المنع من الزكاة وهو ~~المراد من قوله : { ويمنعون الماعون } فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك ~~الصفات الأربع صفات أربعة ، فذكر في مقابلة البخل قوله : { إنا أعطيناك ~~الكوثر } أي إنا أعطيناك الكثير ، فأعط أنت الكثير ولا تبخل ، وذكر في ~~مقابلة : { الذين هم عن صلاتهم ساهون } قوله : { فصل } أي دم على الصلاة ، ~~وذكر في مقابلة : { الذين هم يراءون } قوله : { لربك } أي ائت بالصلاة لرضا ~~ربك ، لا لمراءاة ms9837 الناس ، وذكر في مقابلة : { ويمنعون الماعون } قوله : { ~~وانحر } وأراد به التصدق بلحم الأضاحي ، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة ، ثم ~~ختم السورة بقوله : { إن شانئك هو الابتر } أي المنافق الذي يأتي بتلك ~~الأفعال القبيحة المذكورة في تلك السورة سيموت ولا يبقى من دناه أثر ولا ~~خبر ، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل ، وفي الآخرة الثواب ~~الجزيل . # والوجه الثاني : في لطائف هذه السورة أن السالكين إلى الله تعالى لهم ~~ثلاث درجات : { * أعلاها } أن PageV32P110 يكونوا مستغرقين بقلوبهم ~~وأرواحهم في نور جلال الله وثانيها : أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات ~~البدنية وثالثها : أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانصباب إلى اللذات ~~المحسوسة والشهوات العاجلة ، فقوله : { الماعون إنا أعطيناك الكوثر } إشارة ~~إلى المقام الأول / وهو كون روحه القدسية متميزة عن سائر الأرواح البشرية ~~بالكم والكيف . أمابالكم فلأنها أكثر مقدمات ، وأما بالكيف فلأنها أسرع ~~انتقالا من تلك المقدمات إلى النتائج من سائر الأرواح ، وأما قوله : { فصل ~~لربك } فهو إشارة إلى المرتبة الثانية ، وقوله : { وانحر } إشارة إلى ~~المرتبة الثالثة ، فإن منع النفس عن اللذات العاجلة جار مجرى النحر والذبح ~~، ثم قال : { إن شانئك هو الابتر } ومعناه أن النفس التي تدعوك إلى طلب هذه ~~المحسوسات والشهوات العاجلة ، أنها دائرة فانية ، وإنما الباقيات الصالحات ~~خير عند ربك ، وهي السعادات الروحانية والمعارف الربانية التي هي باقية ~~أبدية . ولنشرع الآن في التفسير قوله تعالى : { إنا أعطيناك الكوثر } اعلم ~~أن فيه فوائد : # الفائدة الأولى : أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور ، وكالأصل ~~لما بعدها من السور . أما أنها كالتتمة لما قبلها من السور ، فلأن الله ~~تعالى جعل سورة : { والضحى } في مدح محمد عليه الصلاة والسلام وتفصيل ~~أحواله ، فذكر في أول السورة ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته أولها : قوم : { ما ~~ودعك ربك وما قلى } ، وثانيها : قوله : { وللاخرة خير لك من الاولى } ~~وثالثها : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ثم ختم هذه السورة بذكر ثلاثة أحوال ~~من أحواله عليه السلام فيما يتعلق بالدنيا وهي قوله : { ألم يجدك يتيما ~~فاوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى ms9838 } . # ثم ذكر في سورة : { ألم نشرح } أنه شرفه بثلاثة أشياء أولها : { ألم نشرح ~~لك صدرك } وثانيها : { ووضعنا عنك وزرك * الذى أنقض ظهرك } ، وثالثها : { ~~ورفعنا لك ذكرك } . # ثم إنه تعالى شرفه في سورة : { * التين } بثلاثة أنواع من التشريف أولها ~~: أنه أقسم ببلده وهو قوله : { سينين وهاذا البلد الامين } ، وثانيها : أنه ~~أخبر عن خلاص أمته عن النار وهو قوله : { إلا الذين ءامنوا } ، وثالثها : ~~وصولهم إلى الثواب وهو قوله : { فلهم أجر غير ممنون } . # ثم شرفه في سورة اقرأ بثلاثة أنواع من التشريفات أولها : { اقرأ باسم ربك ~~} أي اقرأ القرآن على الحق مستعينا باسم ربك وثانيها : أنه قهر خصمه بقوله ~~: { فليدع ناديه * سندع الزبانية } ، وثالثها : أنه خصه بالقربة التامة وهو ~~: { واسجد واقترب } . # وشرفه في سورة القدر بليلة القدر التي لها ثلاثة أنواع من الفضيلة أولها ~~: كونها : { خيرا من * ألف شهر } ، وثانيها : نزول : { الملائكة والروح ~~فيها } وثالثها : كونها : { سلاما * حتى مطلع الفجر } . # وشرفه في سورة : { لم يكن } بأن شرف أمته بثلاثة تشريفات أولها : أنهم : ~~{ خير البرية } وثانيها : { ءان * جزاؤهم عند ربهم جنات } ، وثالثها : رضا ~~الله عنهم . PageV32P111 # وشرفه في سورة إذا زلزلت بثلاث تشريفات : أولها : قوله : { يومئذ تحدث ~~أخبارها } وذلك يقتضي أن الأرض تشهد يوم القيامة لأمته بالطاعة والعبودية ~~والثاني : قوله : { يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم } وذلك يدل على ~~أنه تعرض عليهم طاعاتهم فيحصل لهم الفرح والسرور ، وثالثها : قوله : { فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ومعرفة الله لا شك أنها أعظم من كل عظيم فلا بد ~~وأن يصلوا إلى ثوابها ثم شرفه في سورة العاديات بأن أقسم بخيل الغزاة من ~~أمته فوصف / تلك الخيل بصفات ثلاث : { والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * ~~فالمغيرات صبحا } . # ثم شرف أمته في سورة القارعة بأمور ثلاثة أولها : فمن ثقلت موازينه ~~وثانيها : أنهم في عيشة راضية وثالثها : أنهم يرون أعداءهم في نار حامية . # في شرفه في سورة الهاكم بأن بين أن المعرضين عن دينه وشرعه يصيرون معذبين ~~من ثلاثة أوجه أولها : أنهم يرون الجحيم وثانيها : أنهم يرونها عين اليقين ~~وثالثها : أنهم يسألون ms9839 عن النعيم . # ثم شرف أمته في سورة والعصر بأمور ثلاثة أولها : الإيمان : { إلا الذين ~~ءامنوا } ، وثانيها : وعملوا الصالحات وثالثها : إرشاد الخلق إلى الأعمال ~~الصالحة ، وهو التواصي بالحق ، والتواصي بالصبر . # ثم شرفه في سورة الهمزة بأن ذكر أن من همز ولمز ، فله ثلاثة أنواع من ~~العذاب أولها : أنه لا ينتفع بدنياه البتة ، وهو قوله : { يحسب أن ماله ~~أخلده * كلا } وثانيها : أنه ينبذ في الحطمة ، وثالثها : أنه يغلق عليه تلك ~~الأبواب حتى لا يبقى له رجاء في الخروج ، وهو قوله : { إنها عليهم مؤصدة } ~~. # ثم شرف في سورة الفيل بأن رد كيد أعدائه في نحرهم من ثلاثة أوجه أولها : ~~جعل كيدهم في تضليل وثانيها : أرسل عليهم طير أبابيل وثالثها : جعلهم كعصف ~~مأكول . # ثم شرفه في سورة قريش بأنه راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه أولها : ~~جعلهم مؤتلفين متوافقين لإيلاف قريش وثانيها : أطعمهم من جوع وثالثها : أنه ~~آمنهم من خوف . # وشرفه في سورة الماعون ، بأن وصف المكذبين بدينه بثلاثة أنواع من الصفات ~~المذمومة أولها : الدناءة واللؤم ، وهو قوله : { يدع اليتيم * ولا يحض على ~~طعام المسكين } وثانيها : ترك تعظيم الخالق ، وهو قوله : { عن صلاتهم ساهون ~~* الذين هم يراءون } وثالثها : ترك انتفاع الخلق ، وهو قوله : { ويمنعون ~~الماعون } . # ثم إنه سبحانه وتعالى لما شرفه في هذه السور من هذه الوجوه العظيمة ، قال ~~بعدها : { إنا أعطيناك الكوثر } أي إنا أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة ~~المذكورة في السورة المتقدمة التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا ~~بحذافيرها ، فاشتغل أنت بعبادة هذا الرب ، وبإرشاد عباده إلى ما هو الأصلح ~~لهم ، أما عبادة الرب فإما بالنفس ، وهو قوله : { فصل لربك } وإما بالمال ، ~~وهو قوله : { وانحر } وأما إرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم في دينهم ~~ودنياهم ، فهو قوله : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } فثبت أن هذه ~~السورة كالتتمة لما قبلها من السور ، وأما أنها كالأصل لما بعدها ، فهو أنه ~~تعالى يأمره بعد هذه السورة بأن PageV32P112 يكفر جميع أهل الدنيا بقوله : ~~{ قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ومعلوم أن ms9840 عسف الناس على مذاهبهم ~~وأديانهم أشد من عسفهم على أرواحهم وأموالهم ، وذلك أنهم يبذلون أموالهم ~~وأرواحهم في نصرة أديانهم ، فلا جرم كان الطعن في مذاهب الناس يثير من ~~العداوة والغضب مالا يثير سائر المطاعن ، فلما أمره بأن يكفر جميع أهل ~~الدنيا ، ويبطل أديانهم لزم أن يصير جميع أهل الدنيا في غاية العداوة له ، ~~وذلك مما يحترف عنه كل أحد من الخلق فلا يكاد يقدم عليه ، وانظر إلى موسى ~~عليه السلام كيف / كان يخاف من فرعون وعسكره . وأما ههنا فإن محمدا عليه ~~السلام لما كان مبعوثا إلى جميع أهل الدنيا ، كان كل واحد من الخلق ، ~~كفرعون بالنسبة إليه ، فدبر تعالى في إزالة هذا الخوف الشديد تدبيرا لطيفا ~~، وهو أنه قدم على تلك السورة ، هذه السورة فإن قوله : { إنا أعطيناك ~~الكوثر } يزيل عنه ذلك الخوف من وجوه أحدها : أن قوله : { إنا أعطيناك ~~الكوثر } أي الخير الكثير في الدنيا والدين ، فيكون ذلك وعدا من الله إياه ~~بالنصرة والحفظ ، وهو كقوله : { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك ~~من الناس } } وقوله : { * } وقوله : { إلا * تنصروه فقد نصره الله } ومن ~~كان الله تعالى ضامنا لحفظه ، فإنه لا يخشى أحدا وثانيها : أنه تعالى لما ~~قال : { إنا أعطيناك الكوثر } وهذا اللفظ يتناول خيرات الدنيا وخيرات ~~الآخرة ، وأن خيرات الدنيا ما كانت واصلة إليه حين كان بمكة ، والخلف في ~~كلام الله تعالى محال ، فوجب في حكمة الله تعالى إبقاؤه في دار الدنيا إلى ~~حيث يصل إليه تلك الخيرات ، فكان ذلك كالبشارة له والوعد بأنهم لا يقتلونه ~~، ولا يقهرونه ، ولا يصل إليه مكرهم بل يصير أمره كل يوم في الازدياد ~~والقوة وثالثها : أنه عليه السلام لما كفروا وزيف أديانهم ودعاهم إلى ~~الإيمان اجتمعوا عنده ، وقالوا : إن كنت تفعل هذا طلبا للمال فنعطيك من ~~المال ما تصير به أغنى الناس ، وإن كان مطلوبك الزوجة نزوجك أكرم نسائنا ، ~~وإن كان مطلوبك الرياسة فنحن نجعلك رئيسا على أنفسنا ، فقال الله تعالى : { ~~إنا أعطيناك الكوثر } أي لما أعطاك خالق السموات والأرض خيرات الدنيا ms9841 ~~والآخرة ، فلا تغتر لما لهم ومراعاتهم ورابعها : أن قوله تعالى : { إنا ~~أعطيناك الكوثر } يفيد أن الله تعالى تكلم معه لا بواسطة ، فهذا يقوم مقام ~~قوله : { وكلم الله موسى تكليما } بل هذا أشرف لأن المولى إذا شافه عبده ~~بالتزام التربية والإحسان كان ذلك أعلى مما إذا شافهه في غير هذا المعنى / ~~بل يفيده قوة في القلب ويزيل الجبن عن النفس ، فثبت أن مخاطبة الله إياه ~~بقوله : { إنا أعطيناك الكوثر } مما يزيل الخوف عن القلب والجبن عن النفس ، ~~فقدم هذه السورة على سورة : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } حتى يمكنه ~~الاشتغال بذلك التكليف الشاق والإقدام على تكفير جميع العالم ، وإظهار ~~البراءة عن معبودهم فلما امتثلت أمري ، فانظر كيف أنجزت لك الوعد ، وأعطيتك ~~كثرة الأتباع والأشياع ، إن أهل الدنيا يدخلون في دين الله أفواجا ، ثم إنه ~~لما تم أمر الدعوة وإظهار الشريعة ، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب ~~والباطن ، وذلك لأن الطالب إما أن يكون طلبه مقصورا على الدنيا ، أو يكون ~~طالبا للآخرة ، أما طالب الدنيا فليس له إلا الخسار والذل والهوان ، ثم ~~يكون مصيره إلى النار ، وهو المراد من سورة تبت ، وأما طالب الآخرة فأعظم ~~أحواله أن تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها صور الموجودات ، وقد ثبت في ~~العلوم العقلية أن طريق الخلق في معرفة الصانع على وجهين : منهم من عرف ~~الصانع ، ثم توسل بمعرفتع إلى معرفة مخلوقاته ، وهذا هو الطريق الأشرف ~~الأعلى ، ومنهم من عكس وهو طريق الجمهور . PageV32P113 # ثم إنه سبحانه ختم كتابه الكريم بتلك الطريق التي هي أشرف الطريقين ، ~~فبدأ بذكر صفات / الله وشرح جلاله ، وهو سورة : { قل هو الله أحد } ثم ~~أتبعه بذكر مراتب مخلوقاته في سورة : { قل أعوذ برب الفلق } ثم ختم بذكر ~~مراتب النفس الإنسانية ، وعند ذلك ختم الكتاب ، وهذه الجملة إنما يتضح ~~تفصيلها عند تفسير هذه السورة على التفصيل ، فسبحان من أرشد العقول إلى ~~معرفة هذه الأسرار الشريفة المودعة في كتابه الكريم . # الفائدة الثانية : في قوله : { إنا أعطيناك الكوثر } هي أن كلمة : { أنا ~~} تارة يراد بها ms9842 الجمع وتارة يراد بها التعظيم . # أما الأول : فقد دل على أن الإله واحد ، فلا يمكن حمله على الجمع ، إلا ~~إذا أريد أن هذه العطية مما سعى في تحصيلها الملائكة وجبريل وميكائيل ~~والأنبياء المتقدمون ، حين سأل إبراهيم إرسالك ، فقال : { ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم } وقال موسى : رب اجعلني من أمة أحمد . وهو المراد من قوله : { ~~وما كنت * بجانب الغربى إذ قضينا إلى موسى الامر } وبشر بك المسيح في قوله ~~: { ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد } . # وأما الثاني : وهو أن يكون ذلك محمولا على التعظيم ، ففيه تنبيه على عظمة ~~العطية لأن الواهب هو جبار السموات والأرض والموهوب منه ، هو المشار إليه ~~بكاف الخطاب في قوله تعالى : { إنا أعطيناك } والهبة هي الشيء المسمى ~~بالكوثر ، وهو ما يفيد المبالغة في الكثرة ، ولما أشعر اللفظ بعظم الواهب ~~والموهوب منه والموهوب ، فيالها من نعمة ما أعظمها ، وما أجلها ، وياله من ~~تشريف ما أعلاه . # الفائدة الثالثة : أن الهدية وإن كانتقليلة لكنها بسبب كونها واصلة من ~~المهدي العظيم تصير عظيمة ، ولذلك فإن الملك العظيم إذا رمى تفاحة لبعض ~~عبيده على سبيل الإكرام يعد ذلك إكراما عظيما ، لا لأن لذة الهدية في نفسها ~~، بل لأن صدورها من المهدي العظيم يوجب كونها عظيمة ، فههنا الكوثر وإن كان ~~في نفسه في غاية الكثرة ، لكنه بسبب صدوره من ملك الخلائق يزداد عظمة ~~وكمالا . # الفائدة الرابعة : أنه لما قال : { أعطيناك } قرن به قرينة دالة على أنه ~~لا يسترجعها ، وذلك لأن من مذهب أبي حنيفة أنه يجوز للأجنبي أن يسترجع ~~موهوبه ، فإن أخذ عوضا وإن قل لم يجز له ذلك الرجوع ، لأن من وهب شيئا ~~يساوي ألف دينار إنسانا ، ثم طلب منه مشطا يساوي فلسا فأعطاه ، سقط حق ~~الرجوع فههنا لما قال : { إنا أعطيناك الكوثر } طلب منه الصلاة والنحر ~~وفائدته إسقاط حق الرجوع . # الفائدة الخامسة : أنه بنى الفعل على المبتدأ ، وذلك يفيد التأكيد ~~والدليل عليه أنك لما ذكرت الاسم المحدث عنه عرف العقل أنه يخبر عنه بأمر ~~فيصبر مشتاقا إلى معرفة أنه بماذا ms9843 يخبر عنه ، فإذا ذكر ذلك الخبر قبله قبول ~~العاشق لمعشوقه ، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفى الشبهة / ومن ههنا تعرف ~~الفخامة في قوله : { فإنها لا * لاولى الابصار } فإنه أكثر فخامة مما لو ~~قال : فإن الأبصار لا تعمى ، ومما يحقق قولنا قول الملك العظيم لمن يعده ~~ويضمن له : أنا أعطيك ، أنا أكفيك ، أنا أقوم بأمرك . وذلك إذا كان الموعود ~~به أمرا عظيما . فلما تقع المسامحة به فعظمه يورث الشك في الوفاء به ، فإذا ~~أسند إلى المتكفل العظيم ، فحينئذ يزول ذلك الشك ، وهذه الآية من هذا الباب ~~لأن الكوثر شيء عظيم ، قلما تقع المسامحة به . فلما PageV32P114 قدم ~~المبتدأ ، وهو قوله : { أنا } صار ذلك الإسناد مزيلا لذلك الشك ودافعا لتلك ~~الشبهة . # الفائدة السادسة : أنه تعالى صدر الجملة بحرف التأكيد الجاري محرى القسم ~~، وكلام الصادق مصون عن الخلف ، فكيف إذا بالغ في التأكيد . # الفائدة السابعة : قال : { أعطيناك } ولم يقل : سنعطيك لأن قوله : { ~~أعطيناك } يدل على أن هذا الإعطاء كان حاصلا في الماضي ، وهذا فيه أنواع من ~~الفوائد إحداها : أن من كان في الزمان الماضي أبدا عزيزا مرعي الجانب مقضي ~~الحاجة أشرف ممن سيصير كذلك ، ولهذا قال عليه السلام : ( كنت نبيا وآدم بين ~~الماء والطين ) وثانيها : أنها إشارة إلى أن حكم الله بالإسعاد والإشفاء ~~والإغناء والإفقار ، ليس أمرا يحدث الآن ، بل كان حاصلا في الأزل وثالثها : ~~كأنه يقول : إنا قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في الوجود فكيف نهمل أمرك ~~بعد وجودك واشتغالك بالعبودية ا ورابعها : كأنه تعالى يقول : نحن ما ~~اخترناك وما فضلناك ، لأجل طاعتك ، وإلا كان يجب أن لا نعطيك إلا بعد ~~إقدامك على الطاعة ، بل إنما اخترناك بمجرد الفضل والإحسان منا إليك من غير ~~موجب ، وهو إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام : ( قبل من قبل لا لعلة ، ~~ورد من رد لا لعلة ) . # الفائدة الثامنة : قال : { أعطيناك } ولم يقل أعطينا الرسول أو النبي أو ~~العالم أو المطيع ، لأنه لو قال ذلك لأشعر أن تلك العطية وقعت معللة بذلك ~~الوصف ، فلما قال : { أعطيناك } علم ms9844 أن تلك العطية غير معللة بعلة أصلا بل ~~هي محض الاختيار والمشيئة ، كما قال : { نحن قسمنا * الله * يصطفى من ~~الملائكة رسلا ومن الناس } . # الفائدة التاسعة : قال أولا : { إنا أعطيناك } ثم قال ثانيا : { فصل لربك ~~وانحر } وهذا يدل على أن إعطاؤه للتوفيق والإرشاد سابق على طاعاتنا ، وكيف ~~لا يكون كذلك وإعطاؤه إيانا صفته وطاعتنا له صفتنا ، وصفة الخلق لا تكون ~~مؤثرة في صفة الخالق إنما المؤثر هو صفة الخالق في صفة الخلق ، ولهذا نقل ~~عن الواسطي أنه قال : لا أعبد ربا يرضيه طاعتي ويسخطه معصيتي . ومعناه أن ~~رضاه وسخطه قديمان وطاعتي ومعصيتي محدثتان والمحدث لا أثر له في قديم ، بل ~~رضاه عن العبد هو الذي حمله على طاعته فيما لا يزال ، وكذا القول في السخط ~~والمعصية . # الفائدة العاشرة : قال : { أعطيناك الكوثر } ولم يقل : آتيناك الكوثر ، ~~والسبب فيه أمران / الأول : أن الإيتاء يحتمل أن يكون واجبا وأن يكون تفضلا ~~، وأما الإعطاء فإنه بالتفضل أشبه فقوله : { إنا أعطيناك الكوثر } يعني هذه ~~الخيرات الكثيرة وهي الإسلام والقرآن والنبوة والذكر الجميل في الدنيا ~~والآخرة ، محض التفضل منا إليك وليس منه شيء على سبيل الاستحقاق والوجوب / ~~وفيه بشارة من وجهين أحدهما : أن الكريم إذا شرع في التربية على سبيل ~~التفضل ، فالظاهر أنه لا يبطلها ، بل كان كل يوم يزيد فيها الثاني : أن ما ~~يكون سبب الاستحقاق ، فإنه يتقدر بقدر الاستحقاق ، وفعل العبد متناه ، ~~فيكون الاستحقاق الحاصل بسببه متناهيا ، أما التفضل فإنه نتيجة كرم الله ~~غير متناه ، فيكون تفضله أيضا غير متناه ، فلما دل قوله : { أعطيناك } على ~~أنه تفضل لا استحقاق أشعر ذلك بالدوام والتزايد أبدا . فإن قيل : أليس قال ~~: { سبعا من المثاني والقرءان } ؟ قلنا : الجواب من وجهين الأول : أن ~~الإعطاء يوجب التمليك ، PageV32P115 والملك سبب الاختصاص ، والدليل عليه ~~أنه لما قال سليمان : { هب لى * ملكا } فقال : { هاذا عطاؤنا فامنن أو أمسك ~~} ولهذا السبب من حمل الكوثر على الحوض قال : الأمة تكون أضيافا له ، أما ~~الإيتاء فإنه لا يفيد الملك ، فلهذا قال في القرآن : { ءاتيناك } فإنه لا ~~يجوز ms9845 للنبي أن يكتم شيئا منه الثاني : أن الشركة في القرآن شركة في العلوم ~~ولا عيب فيها ، أما الشركة في النهر ، فهي شركة في الأعيان وهي عيب الوجه ~~الثاني : في بيان أن الإعطاء أليق بهذا المقام من الإيتاء ، هو أن الإعطاء ~~يستعمل في القليل والكثير ، قال الله تعالى : { وأعطى قليلا وأكدى } أما ~~الإيتا ، فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم ، قال الله تعالى : { وآتاه الله ~~الملك * ولقد ءاتينا * داوود * منا فضلا } والأتي السيل المنصب ، إذا ثبت ~~هذا فقوله : { إنا أعطيناك الكوثر } يفيد تعظيم حال محمد صلى الله عليه ~~وسلم من وجوه أحدها : يعني هذا الحوض كالشيء القليل الحقير بالنسبة إلى ما ~~هو مدخر لك من الدرجات العالية والمراتب الشريفة ، فهو يتضمن البشارة ~~بأشياء هي أعظم من هذا المذكور وثانيها : أن الكوثر إشارة إلى الماء ، كأنه ~~تعالى يقول : الماء في الدنيا دون الطعام ، فإذا كان نعيم الماء كوثرا ، ~~فكيف سائر النعيم وثالثها : أن نعيم الماء إعطاء ونعيم الجنة إيتاء ورابعها ~~: كأنه تعالى يقول : هذا الذي أعطيتك ، وإن كان كوثرا لكنه في حقك إعطاء لا ~~إيتاء لأنه دون حقك ، وفي العادة أن المهدي إذا كان عظيما فالهدية وإن كانت ~~عظيمة ، إلا أنه يقال : إنها حقيرة أي هي حقيرة بالنسبة إلى عظمة المهدي له ~~فكذا ههنا وخامسها : أن نقول : إنما قال فيما أعطاه من الكوثر أعطيناك لأنه ~~دنيا ، والقرآن إيتاء لأنه دين وسادسها : كأنه يقول : جميع ما نلت مني عطية ~~وإن كانت كوثرا إلا أن الأعظم من ذلك الكوثر أن تبقى مظفرا وخصمك أبتر ، ~~فإنا أعطيناك بالتقدمة هذا الكوثر ، أما الذكر الباقي والظفر على العدو فلا ~~يحسن إعطاؤه إلا بعد التقدمة بطاعة تحصل منك : { فصل لربك وانحر } أي فاعبد ~~لي وسل الظفر بعد العبادة فإني أوجبت على كرمي أن بعد كل فريضة دعوة ~~مستجابة ، كذا روى في الحديث المسند ، فحينئذ أستجيب فيصير / خصمك أبتر وهو ~~الإيتاء ، فهذا ما يخطر بالبال في تفسير قوله تعالى : { إنا أعطيناك } أما ~~الكوثر فهو في اللغة فوعل من الكثرة وهو ms9846 المفرط في الكثرة ، قيل : لأعرابية ~~رجع ابنها من السفر ، بم آب ابنك ؟ قالت : آب بكوثر ، أي بالعدد الكثير ، ~~ويقال للرجل الكثير العطاء : كوثر ، قال الكميت : # وأنت كثير يا ابن مروان طيب # وكان أبوك ابن الفضائل كوثرا ويقال للغبار إذا سطع وكثر كوثر هذا معنى ~~الكوثر في اللغة ، واختلف المفسرون فيه على وجوه الأول : وهو المشهور ~~والمستفيض عند السلف والخلف أنه نهر في الجنة ، روى أنس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( رأيت نهرا في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فضربت ~~بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر / فقلت : ما هذا ؟ قيل : الكوثر ~~الذي أعطاك الله ) وفي رواية أنس : ( أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، ~~فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك ~~الماء فاز بالرضوان ) ولعله إنما سمي ذلك النهر كوثرا إما إنه أكثر أنهار ~~الجنة ماء وخيرا أو لأنه انفجر منه أنهار الجنة ، كما روى أنه ما في الجنة ~~بستان إلا وفيه من الكوثر نهر جار ، أو لكثر الذين يشربون منها ، أو لكثرة ~~ما فيها من المنافع على ما قال عليه السلام : ( إنه نهر وعدنيه ربي فيه خير ~~كثير ) القول الثاني : أنه حوض والأخبار فيه مشهورة ووجه التوفيق بين هذا ~~القول ، والقول الأول أن يقال : لعل النهر ينصب في الحوض أو لعل الأنهار ~~إنما تسيل من ذلك PageV32P116 الحوض فيكون ذلك الحوض كالمنبع والقول الثالث ~~: الكوثر أولاده قالوا : لأن هذه السورة إنما نزلت ردا على من عابه عليه ~~السلام بعدم الأولاد ، فالمعنى أنه يعطيه نسلا يبقون على مر الزمان ، فانظر ~~كم قتل من أهل البيت ، ثم العالم ممتلىء منهم ، ولم يبق من بني أمية في ~~الدنيا أحد يعبأ به ، ثم أنظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر ~~والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكية وأمثالهم القول الرابع ~~: الكوثر علماء أمته وهو لعمري الخير الكثير لأنهم كأنبياء بني إسرائيل ، ~~وهم يحبون ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشرون ms9847 آثار دينه وأعلام شرعه ~~، ووجه التشبيه أن الأنبياء كانوا متفقين على أصول معرفة الله مختلفين في ~~الشريعة رحمة على الخلق ليصل كل أحد إلى ما هو صلاحه ، كذا علماء أمته ~~متفقون بأسرهم على أصول شرعه ، لكنهم مختلفون في فروع الشريعة رحمة على ~~الخلق ، ثم الفضيلة من وجهين أحدهما : أنه يروى أنه يجاء يوم القيامة بكل ~~نبي ويتبعه أمته فربما يجيء الرسول ومعه الرجل والرجلان ، ويجاء بكل عالم ~~من علماء أمته ومعه الأولف الكثيرة فيجتمعون عند الرسول فربما يزيد عدد ~~متبعي بعض العلماي على عدد متبعيألف من الأنبياء الوجه الثاني : أنهم كانوا ~~مصيبين لأتباعهم النصوص المأخوذة من الوحي ، وعلماء هذه الأمة يكونون ~~مصيبين مع كد الاستنباط والاجتهاد ، أو على قول البعض : إن كان بعضهم مخطئا ~~لكن المخطىء يكون أيضا مأجورا القول الخامس : الكوثر هو النبوة ، ولا شك ~~أنها الخير الكثير لأنها المنزلة التي هي ثانية الربوبية / ولهذا قال : { ~~من يطع الرسول فقد أطاع الله } وهو شطر الإيمان بل هي كالغصن في معرفة الله ~~تعالى ، لأن معرفة النبوة لا بد وأن يتقدمها معرفة ذات الله وعلمه وقدرته ~~وحكمته ، ثم إذا حصلت معرفة النبوة فحينئذ يستفاد منها معرفة بقية السفات ~~كالسمع والبصر والصفات الخيرية والوجدانية على قول بعضهم ، تم لرسولنا الحظ ~~الأوفر من هذه المنقبة ، لأنه الذكور قبل سائر الأنبياء والمبعوث بعدهم ، ~~ثم هو مبعوث إلى الثقلين ، وهو الذي يحشر قبل كل الأنبياء ، ولا يجوز ورود ~~الشرع على نسخه وفضائله أكثر من أن تعد وتحصى . ولنذكر ههنا قليلا منها ، ~~فنقول : إن كتاب آدم عليه السلام كان كلمات على ما قال تعالى : { فتلقىءادم ~~من ربه كلمات } وكتاب إبراهيم أيضا كان كلمات على ما قال : { وإذا * ابتلى ~~إبراهيم ربه بكلمات } وكتاب موسى كان صحفا ، كما قال : { صحف إبراهيم وموسى ~~} أما كتاب محمد عليه السلام ، فإنه هو الكتاب المهيمن على الكل ، قال : { ~~ومهيمنا عليه } وأيضا فإن آدم عليه السلام إنما تحدى بالأسماء المنثورة ~~فقال : { أنبئونى بأسماء هؤلاء } ومحمد عليه الصلاة والسلام إنما تحدى ~~بالمنظوم : { قل لئن ms9848 اجتمعت الإنس والجن } وأما نوح عليه السلام ، فإن الله ~~أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء / وفعل في محمد صلى الله عليه وسلم ما هو ~~أعظم منه . روى أن النبي عليه الصلاة والسلام : ( كان على شط ماء ومعه ~~عكرمة بن أبي جهل ، فقال : لئن كنت صادقا فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب ~~الآخر فليسبح ولا يغرق ، فأشار الرسول إليه ، فانقلع الحجر الذي أشار إليه ~~من مكانه ، وسبح حتى صار بين يدي الرسول عليه السلام وسلم عليه ، وشهد له ~~بالرسالة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يكفيك هذا ؟ قال : حتى يرجع إلى ~~مكانه ، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام ، فرجع إلى مكانه ، وأكرم إبراهيم ~~فجعل النار عليه بردا وسلاما ، وفعل في حق محمد أعظم من ذلك . عن محمد بن ~~حاطب قال : ( كنت طفلا فانصب القدر علي من النار ، فاحترق جلدي كله فحملتني ~~أمي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت : هذا ابن حاطب احترق كما ترى ~~فتفل PageV32P117 رسول الله صلى الله عليه وسلم على جلدي ومسح بيده على ~~المحترق منه ، وقال : أذهب البأس ، رب الناس ، فصرت صحيحا لا بأس بي ) ~~وأكرم موسى ففلق له البحر في الأرض ، وكرم محمدا ففلق له القمر في السماء ، ~~ثم أنظر إلى فرق ما بين السماء والأرض ، وفجر له الماء من الحجر ، وفجر ~~لمحمد أصابعه عيونا ، وأكرم موسى بأن ظلل عليه الغمام ، وكذا أكرم محمدا ~~بذلك فكان الغمام يظلله ، وأكرم موسى باليد البيضاء ، وأكرم محمدا بإعظم من ~~ذلك وهو القرآن العظيم ، الذي وصل نوره إلى الشرق والغرب ، وقلب الله عصا ~~موسى ثعبانا ، ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين ، ~~فانصرف مرعوبا ، وسبحت الجبال مع داود وسبحت الأحجار في يده ويد أصحابه ، ~~وكان داود إذا مسك الحديد لان ، وكان هو لما مسح الشاة الجرباء درت ، وأكرم ~~داود بالطير المحشورة ومحمدا بالبراق ، وأكرم عيسى عليه السلام بإحياء ~~الموتى ، وأكرمه بجنس ذلك حين أضافه اليهود بالشاة المسمومة ، فلما وضع ~~اللقمة في فمه أخبرته ، وأبرأ الأكمه والأبرص ms9849 ، روى / أن امرأة معاذ بن ~~عفراء أتته وكانت برصاء ، وشكت ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فمسح ~~عليها رسول الله بغصن فأذهب الله البرص ، وحين سقطت حدقة الرجل يوم أحد ~~فرفعها وجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فردها إلى مكانها ، ~~وكان عيسى يعرف ما يخفيه الناس في بيوتهم ، والرسول عرف ما أخفاه عمه مع أم ~~الفضل ، فأخبره فأسلم العباس لذلك ، وأما سليمان فإن الله تعالى رد له ~~الشمس مرة ، وفعل ذلك أيضا للرسول حين نام ورأسه في حجر علي فانتبه وقد ~~غربت الشمس ، فردها حتى صلى ، وردها مرة أخرى لعلي فصلى العصر في وقته ، ~~وعلم سليمان منطق الطير ، وفعل ذلك في حق محمد ، روى أن طيرا فجع بولده ~~فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فقال : أيكم فجع هذه بولدها ؟ فقال رجل : أنا ، ~~فقال : أردد إليها ولدهاا وكلام الذئب معه مشهور ، وأكرم سليمان بمسيرة ~~غدوة شهرا وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة ، وكان حماره يعفور يرسله ~~إلى من يريد فيجيء به ، وقد شكوا إليه من ناقة أنها أغيلت ، وأنهم لا ~~يقدرون عليها فذهب إليها ، فلما رأته خضعت له ، وأرسل معاذا إلى بعض ~~النواحي ، فلما وصل إلى المفازة ، فإذا أسد جاثم فهاله ذلك ولم يستجر ( ىء ~~) أن يرجع ، فتقدم وقال : إني رسول رسول الله فتبصبص ، وكما انقاد الجن ~~لسليمان ، فكذلك انقادوا لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وحين جاء الأعرابي ~~بالضب ، وقال لا أؤمن بك حتى يؤمن بك هذا الضب ، فتكلم الضب معترفا برسالته ~~، وحين كفل الظبية حين أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة ~~وحنت الحنانة لفراقه ، وحين لسعت الحية عقب الصديق في الغار ، قالت : كنت ~~مشتاقة إليه منذ كذا سنين فلم حجبتني عنها وأطعم الخلق الكثير ، من الطعام ~~القليل ومعجزاته أكثر من أن تحصى وتعد ، فلهذا قدمه الله على الذين اصطفاهم ~~/ فقال : { وإذا * أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } فلما كانت ~~رسالته كذلك جاز أن يسميها الله تعالى كوثرا ، فقال : { إنا أعطيناك الكوثر ~~} القول السادس : الكوثر ms9850 هو القرآن ، وفضائله لا تحصى ، { ولو أن * ما فى ~~الارض * من شجرة } { حولا قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى } القول السابع ~~: الكوثر الإسلام ، وهو لعمري الخير الكثير ، فإن به يحصل خير الدنيا ~~والآخرة . وبفواته يفوت خير الدنيا وخير الآخرة ، وكيف لا والإسلام عبارة ~~عن المعرفة ، أو مالا بد فيه من المعرفة ، قال : { ومن * يؤتى الحكمة * فقد ~~أوتى خيرا كثيرا } وإذا كان الإسلام خيرا كثيرا فهو الكوثر ، فإن قيل : لم ~~خصه بالإسلام ، مع أن نعمه عمت الكل ؟ قلنا : لأن الإسلام وصل منه إلى غيره ~~، فكان عليه السلام كالأصل فيه القول الثامن : PageV32P118 الكوثر كثرة ~~الأتباع والأشياع ، ولا شك أن له من الأتباع مالا يحصيهم إلا الله ، وروى ~~أنه عليه الصلاة والسلام ، قال : ( أنا دعوة خليل الله إبراهيم ، وأنا بشرى ~~عيسى ، وأنا مقبول الشفاعة يوم القيامة ، فبينا أكون مع الأنبياء ، إذ تظهر ~~لنا أمة من الناس فنبتدرهم بأبصارنا ما منا من نبي إلا وهو يرجو أن تكون ~~أمته ، فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء ، فأقول : أمتي ورب الكعبة ~~فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يظهر لنا مثلا ما ظهر أولا / فنبتدرهم بأبصارنا ~~ما من نبي إلا ويرجو أن تكون أمته فإذا هم غر محجلون من آثار الوضوء فأقول ~~: أمتي ورب الكعبة ، فيدخلون الجنة بغير حساب ، ثم يرفع لنا ثلاثة أمثال ما ~~قد رفع فنبتدرهم ، وذكر كما ذكر في المرة الأولى والثانية ، ثم قال : { * ~~ليدخلن } ثلاث فرق من أمتي الجنة قبل أن يدخلها أحد من الناس ) ولقد قال ~~عليه الصلاة والسلام : ( تناكحوا تناسلوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم ~~يوم القيامة ، ولو بالسقط ) فإذا كان يباهي بمن لم يبلغ حد التكليف ، فكيف ~~بمثل هذا الجم الغفير ، فلا جرم حسن منه تعالى أن يذكره هذه النعمة الجسيمة ~~فقال : { الماعون إنا أعطيناك الكوثر } القول التاسع : { الكوثر } الفضائل ~~الكثيرة التي فيه ، فإنه باتفاق اومة أفضل من جميع الأنبياء ، قال المفضل ~~بن سلمة : يقال رجل كوثر إذا كان سخيا كثير الخير ، وفي صحاح اللغة : { ~~الكوثر } السيد الكثير الخير ms9851 ، فلما رزق الله تعالى أن يذكره تلك النعمة ~~الجسيمة فيقول : { إنا أعطيناك الكوثر } القول العاشر : الكوثر رفعة الذكر ~~، وقد مر تفسيره في قوله : { ورفعنا لك ذكرك } القول الحادي عشر : أنه ~~العلم قالوا : وحمل الكوثر على هذا أولى لوجوه أحدها : أن العلم هو الخير ~~الكثير قال : { وعلمك لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } وأمره بطلب ~~العلم ، فقال : { وقل رب زدنى علما } وسمي الحكمة خيرا كثيرا ، فقال : { ~~ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا } وثانيها : أنا إما أن نحمل الكوثر ~~على نعم الآخرة ، أو على نعم الدنيا ، والأول غير جائز لأنه قال : أعطينا ، ~~ونعم الجنة سيعطيها لا أنه أعطاها ، فوجب حمل الكوثر على ما وصل إليه في ~~الدنيا ، وأشرف الأمور الواصلة إليه في الدنيا هو العلم والنبوة داخلة في ~~العلم ، فوجب حمل اللفظ على العلم وثالثها : أنه لما قال : { أعطيناك ~~الكوثر } قال عقيبه : { فصل لربك وانحر } والشيء الذي يكون متقدما على ~~العبادة هو المعرفة ، ولذلك قال في سورة النحل : { أن أنذروا أنه لا إلاه ~~إلا أنا فاتقون } وقال في طه : { إننى أنا الله لا إلاه إلا أنا فاعبدنى } ~~فقدم في السورتين المعرفة على العبادة / ولأن فاء الموجب للعبادة ليس إلا ~~العلم ، القول الثاني عشر : أن الكوثر هو الخلق الحسن ، قالوا : الانتفاع ~~بالخلق الحسن عام ينتفع به العالم والجاهل والبهيمة والعاقل ، فأما ~~الانتفاع بالعلم ، فهو مختص بالعقلاء ، فكان نفع الخلق الحسن أعم ، فوجب ~~حمل الكوثر عليه ، ولقد كان عليه السلام كذلك كان للأجانب كالوالد يحل ~~عقدهم ويكفي مهمهم ، وبلغ حسن خلقه إلى أنهم لما كسروا سنه ، قال : ( اللهم ~~اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) القول الثالث عشر : الكوثر هو المقام المحمود ~~الذي هو الشفاعة ، فقال في الدنيا : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ~~وقال في الآخرة : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) وعن أبي هريرة قال عليه ~~السلام : ( إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم ~~القيامة ) القول الرابع عشر : أن المراد من الكوثر هو هذه السورة ، قال : ~~وذلك لأنها ms9852 مع / قصرها وافية بجميع منافع الدنيا والآخرة ، وذلك لأنها ~~مشتملة على المعجز من وجوه أولها : أنا إذا حملنا PageV32P119 الكوثر على ~~كثرة الأتباع ، أو على كثرة الأولاد ، وعدم انقطاع النسل كان هذا إخبارا عن ~~الغيب ، وقد وقع مطابقا له ، فكان معجزا وثانيها : أنه قال : { فصل لربك ~~وانحر } وهو إشارة إلى زوال الفقر حتى يقدر على النحر ، وقد وقع فيكون هذا ~~أيضا إخبارا عن الغيب وثالثها : قوله : { إن شانئك هو الابتر } وكان الأمر ~~على ما أخبر فكان معجزا ورابعها : أنهم عجزوا عن معارضتها مع صغرها ، فثبت ~~أن وجه الإعجاز في كمال القرآن ، إنما تقرر بها لأنهم لما عجزوا عن ~~معارضتها مع صغرها فبأن يعجزوا عن معارضة كل القرآن أولى ، ولما ظهر وجه ~~الإعجاز فيها من هذه الوجوه فقد تقررت النبوة وإذا تقررت النبوة فقد تقرر ~~التوحيد ومعرفة الصانع ، وتقرر الدين والإسلام ، وتقرر أن القرآن كلام الله ~~وإذا تقررت هذه الأشياء تقرر جميع خيرات الدنيا والآخرة فهذه السورة جارية ~~مجرى النكتة المختصرة القوية الوافية بإثبات جميع المقاصد فكانت صغيرة في ~~الصورة كبيرة في المعنى ، ثم لها خاصية ليست لغيرها وهي أنها ثلاث آيات ، ~~وقد بينا أن كل واحدة منها معجز فهي بكل واحدة من آياتها معجز وبمجموعها ~~معجز وهذه الخاصية لا توجد في سائر السور فيحتمل أن يكون المراد من الكوثر ~~هو هذه السورة القول الخامس عشر : أن المراد من الكوثر جميع نعم الله على ~~محمد عليه السلام ، وهو المنقول عن ابن عباس لأن لفظ الكوثر يتناول الكثرة ~~الكثيرة ، فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على الباقي فوجب ~~حملها على الكل ، وروى أن سعيد بن جبير ، لما روى هذا القول عن ابن عباس ~~قال له بعضهم : إنا ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة ، فقال سعيد : النهر الذي ~~في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه ، وقال بعض العلماء ظاهر ~~قوله : { إنا أعطيناك الكوثر } يقتضي أنه تعالى قد أعطاه ذلك الكوثر فيجب ~~أن يكون الأقرب حمله على ما آتاه ms9853 الله تعالى من النبوة والقرآن والذكر ~~الحكيم والنصرة على الأعداء ، وأما الحوض وسائر ما أعد له من الثواب فهو ~~وإن جاز أن يقال : إنه داخل فيه لأن ما ثبت بحكم وعد الله فهو كالواقع إلا ~~أن الحقيقة ما قدمناه لأن ذلك وإن أعد له فلا يصح أن يقال : على الحقيقة ~~إنه أعطاه في حال نزول هذه السورة بمكة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن من أقر ~~لولده الصغير بضيعة له يصح أن يقال : إنه أعطاه تلك الضيعة مع أن الصبي في ~~تلك الحال لا يكون أهلا للتصرف والله أعلم . # ! 7 < { فصل لربك وانحر } . > 7 ! # قوله تعالى : { فصل لربك وانحر } < < # | الكوثر : ( 2 ) فصل لربك وانحر # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { فصل } وجوه الأول : أن المراد هو الأمر ~~بالصلاة ، فإن قيل : اللائق عند النعمة الشكر ، فلم قال : فصل ولم يقل : ~~فاشكر ؟ الجواب : من وجوه الأول : / أن الشكر عبارة عن التعظيم وله ثلاثة ~~أركان أحدها : يتعلق بالقلب وهو أن يعلم أن تلك النعمة منه لا من غيره ~~والثاني : باللسان وهو أن يمدحه والثالث : بالعمل وهو أن يخدمه ويتواضع له ~~، والصلاة مشتملة على هذه المعاني ، وعلى ما هو أزيد منها فالأمر بالصلاة ~~أمر بالشكر وزيادة فكان الأمر بالصلاة أحسن وثانيها أنه لو قال فاشكر لكان ~~ذلك يوهم أنه ما كان شاكرا لكنه كان من أول أمره عارفا بربه مطيعا له شاكرا ~~لنعمه ، أما الصلاة فإنه إنما عرفها بالوحي ، قال : { ما كنت تدرى ما ~~الكتاب ولا الإيمان } الثالث : أنه في أول ما أمره بالصلاة . قال محمد عليه ~~الصلاة والسلام : كيف أصلي ولست على الوضوء ، فقال الله : { إنا أعطيناك ~~الكوثر } PageV32P120 ثم ضرب جبريل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضأ ~~فقيل له عند ذلك : فصل ، فأما إذا حملنا الكوثر على الرسالة ، فكأنه قال : ~~أعطيتك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات وأشرفها الصلاة فصل لربك ~~القول الثاني : فصل لربك أي فاشكر لربك ، وهو قول مجاهد وعكرمة ، وعلى هذا ~~القول ذكروا في فائدة الفاء في قوله فصل ms9854 وجوها أحدها : التنبيه على أن شكر ~~النعمة يجب على الفور لا على التراخي وثانيها : أن المراد من فاء التعقيب ~~ههنا الإشارة ، إلى ما قرره بقوله : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ~~ثم إنه خص محمدا صلى الله عليه وسلم في هذا الباب بمزيد مبالغة ، وهو قوله ~~: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ولأنه قال له : { فإذا فرغت فانصب } أي ~~فعليك بأخرى عقيب الأولى فكيف بعد وصول نعمتي إليك ، ألا يجب عليك أن تشرع ~~في الشكر عقيب ذلك القول الثالث : فصل أي فادع الله لأن الصلاة هي الدعاء ، ~~وفائدة الفاء على هذا التقدير كأنه تعالى يقول : قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا ~~عليك : { * بالكوثر } فكيف بعد سؤالك لكن : ( سل تعطه واشفع تشفع ) وذلك ~~لأنه كان أبدا في هم أمته ، واعلم أن القول الأول أولى لأنه أقرب إلى عرف ~~الشرع . # المسألة الثانية : في قوله : { لربك وانحر } قولان : # الأول : وهو قول عامة المفسرين : أن المراد هو نحر البدن والقول الثاني : ~~أن المراد بقوله : { وانحر } فعل يتعلق بالصلاة ، إما قبلها أو فيها أو ~~بعدها ، ثم ذكروا فيه وجوها : أحدها : قال الفراء : معناها استقبل القبلة ~~وثانيها : روى الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام قال : لما نزلت هذه ~~السورة قال النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل : ( ما هذه النحيرة التي ~~أمرني بها ربي ؟ قال ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع ~~يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت فإنه صلاتنا ، ~~وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع وإن لكل شيء زينة ، وزينة الصلاة ~~رفع اليدين عند كل تكبيرة ) وثالثها : روى عن علي بن أبي طالب أنه فسر هذا ~~النحر بوضع اليدين على النحر في الصلاة ، وقال : رفع اليدين قبل الصلاة ~~عادة المستجير العائذ ، ووضعها على النحر عادة الخاضع الخاشع ورابعها : قال ~~عطاء : معناه اقعد بين السجدتين حتى يبدو نحرك وخامسها : روى عن الضحاك ، ~~وسليمان التيمي أنهما قالا : { * انحر } / معناه ارفع يديك عقيب الدعاء إلى ~~نحرك ، قال الواحدي : وأصل هذه الأقوال كلها من ms9855 النحر الذي هو الصدر يقال ~~لمذبح البعير النحر لأن منحره في صدره حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر ~~فمعنى النحر في هذا الموضع هو إصابة النحر كما يقال : رأسه وبطنه إذا أصاب ~~ذلك منه . وأما قول الفراء إنه عبارة عن استقبال القبلة فقال ابن الأعرابي ~~: النحر انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب وهو أن ينصب نحره بإزاء ~~القبلة ، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا ، وقال الفراء : منازلهم تتناحر أن ~~تتقابل وأنشد : # أبا حكم هل أنت عم مجالد # وسيد أهل الأبطح المتناحر والنكتة المعنوية فيه كأنه تعالى يقول الكعبة ~~بيتي وهي قبلة صلاتك وقلبك وقبلة رحمتء ونظر عنايتي فلتكن القبلتان ~~متناحرتين قال : الأكثرون حمله على نحر البدن أولى لوجوه أحدها : هو أن ~~الله تعالى كلما ذكر الصلاة في كتابه ذكر الزكاة بعدها وثانيها : أن القوم ~~كانوا يصلون وينحرون للأوثان فقيل له : فصل وانحر لربك وثالثها : أن هذه ~~الأشياء آداب الصلاة وأبعاضها فكانت داخلة تحت قوله : { الكوثر فصل لربك } ~~فوجب PageV32P121 أن يكون المراد من النحر غيرها لأنه يبعد أن يعطف بعض ~~الشيء على جميعه ورابعها : أن قوله : { فصل } إشارة إلى التعظيم لأمر الله ~~، وقوله : { وانحر } إشارة إلى الشفقة على خلق الله وجملة العبودية لا تخرج ~~عن هذين الأصلين وخامسها : أن استعمال لفظة النحر على نحر البدن أشهر من ~~استعماله في سائر الوجوه المذكورة ، فيجب حمل كلام الله عليه ، وإذا ثبت ~~هذا فنقول استدلت الحنفية على وجوب الأضحية بأن الله تعالى أمره بالنحر ، ~~ولا بد وأن يكون قد فعله ، لأن ترك الواجب عليه غير جائر ، وإذا فعله النبي ~~عليه الصلاة والسلام وجب علينا مثله لقوله : { واتبعوه } ولقوله : { ~~فاتبعونى يحببكم الله } وأصحابنا قالوا : الأمر بالمتابعة مخصوص بقوله : ( ~~ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم الضحى والأضحى والوتر ) . # المسألة الثالثة : اختلف من فسر قوله : { فصل } بالصلاة على وجوه الأول : ~~أنه أراد بالصلاة جنس الصلاة لأنهم كانوا يصلون لغير الله ، وينحرون لغير ~~الله فأمره أن لا يصلي ولا ينحر إلا لله تعالى ، واحتج من جوز تأخير بيان ~~المجمل ms9856 بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى أمر بالصلاة مع أنه ما بين كيفية هذه ~~الصلاة أجاب أبو مسلم ، وقال : أراد به الصلاة المفروضة أعني الخمس وإنما ~~لم يذكر الكيفية ، لأن الكيفية كانت معلومة من قبل القول الثاني : أراد ~~صلاة العيد والأضحية لأنهم كانوا يقدمون الأضحية على الصلاة فنزلت هذه ~~الآية ، قال المحققون : هذا قول ضعيفلأن عطف الشيء على غيره بالواو لا يوجب ~~الترتيب القول الثالث : عن سعيد بن جبير صل الفجر بالمزدلفة وانحر بمنى ، ~~والأقرب القول الأول لأنه لا يجب إذا قرن ذكر النحر بالصلاة أن تحمل الصلاة ~~على ما بقع يوم النحر . # / المسألة الرابعة : اللام في قوله : { لربك } فيها فوائد الفائدة الأولى ~~: هذه اللام للصلاة كالروح للبدن ، فكما أن البدن من الفرق إلى القدم ، ~~إنما يكون حسنا ممدوحا إذا كان فيه روح أما إذا كان ميتا فيكون مرميا ، كذا ~~الصلاة والركوع والسجود ، وإن حسنت في الصورة وطالت ، لو لم يكن فيها لام ~~لربك كانت ميتة مرمية ، والمراد من قوله تعالى لموسى : { اتل ما * لذكرى } ~~وقيل : إنه كانت صلاتهم ونحرهم للصنم فقيل له : لتكن صلاتك ونحرك لله . # الفائدة الثانية : كأنه تعالى يقول : ذكر في السورة المتقدمة أنهم كانوا ~~يصلون للمراءآة فصل أنت لا للرياء لكن على سبيل الإخلاص . # المسألة الخامسة : الفاء في قوله : { فصل } تفيد سببية أمرين أحدهما : ~~سببية العبادة كأنه قيل : تكثير الإنعام عليك يوجب عليك الاشتغال بالعبودية ~~والثاني : سببية ترك المبالاة كأنهم لما قالوا له : إنك أبتر فقيل له : كما ~~أنعمنا عليك بهذه النعم الكثيرة ، فاشتغل أنت بطاعتك ولا تبال بقولهم ~~وهذيانهم . # واعلم أنه لما كانت النعم الكثيرة محبوبة ولازم المحبوب محبوب / والفاء ~~في قوله : { فصل } اقتضت كون الصلاة من لوازم تلك النعم ، لا جرم صارت ~~الصلاة أحب الأشياء للنبي عليه الصلاة والسلام فقال : ( وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة ) ولقد صلى حتى تورمت قدماه ، فقيل له : أوليس قد غفر لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر ؟ فقال : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) فقوله : ( أفلا أكون عبدا ~~شكورا ) إشارة إلى أنه ms9857 يجب على الاشتغال بالطاعة بمقتضى الفاء في قوله : { ~~فصل } . PageV32P122 # المسألة السادسة : كان الأليق في الظاهر أن يقول : إن أعطيناك الكوثر ، ~~فصل لنا وانحر . لكنه ترك ذلك إلى قوله : { فصل لربك } لفوائد إحداها : أن ~~وروده على طريق الالتفات من أمهات أبواب الفصاحة وثانيها : أن صرف الكلام ~~من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة ومهابة ، ومنه قول الخلفاء لمن ~~يخاطبونهم : يأمرك أمير المؤمنين ، وينهاك أمير المؤمنين وثالثها : أن قوله ~~: { إنا أعطيناك } ليس في صريح لفظه أن هذا القائل هو الله أو غيره ، وأيضا ~~كلمة إنا تحتمل الجمع كما تحتمل الواحد المعظم نفسه ، فلو قال : صل لنا ، ~~لنفي ذلك الاحتمال وهو أنه ما كان يعرف أن هذه الصلاة لله وحده أم له ~~ولغيره على سبيل التشريك ، فلهذا ترك اللفظ ، وقال : { فصل لربك } ليكون ~~ذلك إزالة لذلك الاحتمال وتصريحا بالتوحيد في الطاعة والعمل لله تعالى . # المسألة السابعة : قوله : { فصل لربك } أبلغ من قوله : فصل لله لأن لفظ ~~الرب يفيد التربية المتقدمة المشار إليها بقوله : { إنا أعطيناك الكوثر } ~~ويفيد الوعد الجميل في المستقبل أنه يربيه ولا يتركه . # المسألة الثامنة : في الآية سؤالان : أحدهما : أن المذكور عقب الصلاة هو ~~الزكاة ، فلم كان المذكور ههنا هو النحر ؟ والثاني : لما لم يقل : ضحي حتى ~~يشمل جميع أنواع / الضحايا ؟ والجواب : عن الأول ، أما على قول من قال : ~~المراد من الصلاة صلاة العيد ، فالأمر ظاهر فيه ، وأما على قول من حمله على ~~مطلق الصلاة ، فلوجوه أحدها : أن المشركين كانت صلواتهم وقرابينهم للأوثان ~~، فقيل له : اجعلهما لله وثانيها : أن من الناس من قال : إنه عليه السلام ~~ما كان يدخل في ملكه شيء من الدنيا ، بل كان يملك بقدر الحاجة ، فلا جرم لم ~~تجب الزكاة عليه ، أما النحر فقد كان واجبا عليه لقوله : ( ثلاث كتبت علي ~~ولم تكتب على أمتي ؛ الضحى والأضحى والوتر ) وثالثها : أن أعز الأموال عند ~~العرب ، هو الإبل فأمره بنحرها وصرفها إلى طاعة الله تعالى تنبيها على قطع ~~العلائق النفسانية عن لذات الدنيا وطيباتها ، روى أنه عليه السلام أهدى ms9858 ~~مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب فنحر هو عليه السلام حتى ~~أعيا ، ثم أمر عليا عليه السلام بذلك ، وكانت النوق يزدحمن على رسول الله ، ~~فلما أخذ على السكين تباعدت منه والجواب عن الثاني : أن الصلاة أعظم ~~العبادات البدنية فقرن بها أعظم أنواع الضحايا ، وأيضا فيه إشارة إلى أنك ~~بعد فقرك تصير بحيث تنحر المائة من الإبل . # المسألة التاسعة : دلت الآية على وجوب تقديم الصلاة على النحر ، لا لأن ~~الواو توجب الترتيب ، بل لقوله عليه السلام : ( ابدؤا بمابدأ الله به ) . # المسألة العاشرة : السورة مكية في أصح الأقوال ، وكان الأمر بالنحر جاريا ~~مجرى البشارة بحصول الدولة ، وزوال الفقر والخوف . # ! 7 < { إن شانئك هو الا بتر } . > 7 ! # قوله تعالى : { إن شانئك هو الابتر } < < # | الكوثر : ( 3 ) إن شانئك هو . . . . . # > > وفي الآية مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها أحدها : أنه عليه السلام كان ~~يخرج من المسجد ، والعاص بن وائل السهمي يدخل فالتقيا فتحدثا ، وصناديد ~~قريش في المسجد ، فلما دخل قالوا من الذي كنت PageV32P123 تتحدث معه ؟ فقال ~~: ذلك الأبتر ، وأقول : إن ذلك من إسرار بعضهم مع بعض ، مع أن الله تعالى ~~أظهره ، فحينئذ يكون ذلك معجزا ، وروى أيضا أن العاص بن واثل كان يقول : إن ~~محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده ، فإذا مات انقطع ذكره واسترحم منه ، ~~وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة ، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي ~~وعامة أهل التفسير القول الثاني : روى ن ابن عباس لما قدم كعب بن الأشراف ~~مكة أتاه جمامة قريش فقالوا : نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيد أهل ~~المدينة ، فنحن خير أم هذا الأبتر من قومه ، يزعم أنه خير منا ؟ فقال : بل ~~أنتم خير منه فنزل : { إن شانئك هو الابتر } ونزل أيضا : { ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت } ، والقول الثالث : ~~قال عكرمة وشهر بن حوشب : لما أوحى الله إلى رسوله ودعا قريشا إلى الإسلام ~~، قالوا : بتر محمد أي خالفنا وانقطع / عنا ، فأخبر تعالى ms9859 أنهم هم ~~المبتورون القول الرابع : نزلت في أبي جهل فإنه لما مات ابن رسول الله قال ~~أبو جهل : إن أبغضه لأنه أبتر ، وهذا منه حماقة حيث أبغضه بأمر لم يكن ~~باختياره فإن موت الابن لم يكن مراده القول الخامس : نزلت في عمه أبي لهب ~~فإنه لما شافهه بقوله : تبا لك كان يقول في غيبته : إنه أبتر والقول السادس ~~: أنها نزلت في عقبة بن أبي معيط ، وإنه هو الذي كان يقول ذلك ، واعلمأنه ~~لا يبعد في كل أولئك الكفرة أن يقولوا مثل ذلك فإنهم كانوا يقولون فيه ما ~~هو أسوأ من ذلك ، ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول ~~فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه . # المسألة الثانية : الشنآن هو البغض . والشانىء هو المبغض ، وأما البتر ~~فهو في اللغة استئصال القطع يقال : بترته أبتره بترا وبتر أي صار أبتر وهو ~~مقطع الذنب ، ويقال : الذي لا عقب له أبتر ، ومنه الحمار الأبتر الذي لا ~~ذنب له ، وكذلك لمن انقطع عنه الخير . # ثم إن الكفار لما وصفوه بذلك بين تعالى أن الموصوف بهذه الصفة هو ذلك ~~البمغض على سبيل الحضر فيه ، فإنك إذا قلت : زيدهو العالم يفيد أنه لا عالم ~~غيره ، إذا عرفت هذا فقول الكفار فيه عليه الصلاة والسلام : إنه أبتر لا شك ~~أنهم لعنهم الله أرادوا به أنه انقطع الخير عنه . # ثم ذلك إما أن يحمل على خير معين ، أو على جميع الخيرات أما الأول : ~~فيحتمل وجوها أحدها : قال السدي : كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من ~~أولاده بتر ، فلما مات ابنه القاسم وعبد الله بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا ~~: بتر فليس له من يقوم مقامه ، ثم إنه تعالى بين أن عدوه هو الموصوف بهذه ~~الصفة ، فإنا نرى أن نسل أولئك الكفرة قد انقطع ، ونسله عليه الصلاة ~~والسلام كل يوم يزداد وينمو وهكذا يكون إلى قيام القيامة وثانيها : قال ~~الحسن : عنوا بكونه أبتر أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه ، والله تعالى بين ~~أن خصمه هو الذي يكون كذلك ، فإنهم ms9860 صاروا مدبرين مغلوبين مقهورين ، وصارت ~~رايات الإسلام عالية ، وأهل الشرق والغرب لعا متواضعة وثالثها : زعموا أنه ~~أبتر لأنه ليس له ناصر ومعين ، وقد كذبوا لأن الله تعالى هو مولاه ، وجبريل ~~وصالح المؤمنين ، وأما الكفرة فلم يبق لهم ناصر ولا حبيب ورابعها : الأبتر ~~هو الحقير الذليل / روى أن أبا جهل اتخذ ضيافة لقوم ، ثم إنه وصف رسول الله ~~بهذا الوصف ، ثم قال : قوموا حتى نذهب إلى محمد وأصارعه وأجعله ذليلا حقيرا ~~، فلما وصلوا إلى دار خديجة وتوافقوا على ذلك أخرجت خديجة بساطا ، فلما ~~تصارعا جعل أبو جهل يجتهد في أن يصرعه ، وبقي النبي عليه الصلاة والسلام ~~واقفا PageV32P124 كالجبل ، ثم بعد ذلك رماه النبي صلى الله عليه وسلم على ~~أقبح وجه ، فلما رجع أخذه باليد اليسرى ، لأن اليسرى للاستنجاء ، فكان نجسا ~~فصرعه على الأرض مرة أخرى ووضع قدمه على صدره ، فذكر بعض القصاص أن المراد ~~من قوله : { إن شانئك هو الابتر } هذه الواقعة وخامسها : أن الكفرة لما ~~وصفوه بهذا الوصف ، قيل : { إن شانئك هو الابتر } أي الذي قالوه فيك كلام ~~فاسد يضمحل ويفنى ، وأما المدح الذي ذكرناه فيك ، فإنه باق على وجه الدهر ~~وسادسها : أن رجلا قام إلى الحسن بن علي عليهما السلام ، وقال : سودت وجوه ~~المؤمنين بأن تركت الإمامة لمعاوية ، فقال : لا تؤذيني يرحمك الله ، فإن ~~رسول الله رأى بني أمية في المنام يصعدون منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك ، ~~فأنزل الله تعالى : { إنا أعطيناك الكوثر } { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ~~فكان ملك بني أمية كذلك ، ثم انقطعوا وصاروا مبتورين . # المسألة الثالثة : الكفار لما شتموه ، فهو تعالى أجاب عنه من غير واسطة ، ~~فقال : { إن شانئك هو الابتر } وهكذا سنة الأحباب ، فإن الحبيب إذا سمع من ~~يشتم حبيبه تولى بنفسه جوابه ، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم ، وذكر مثل ~~ذلك في مواضع حين قالوا : { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفى خلق جديد * أفترى على الله كذبا أم به جنة } فقال سبحانه : { بل ~~الذين لا يؤمنون بالاخرة فى العذاب والضلال ms9861 البعيد } وحين قالوا : هو مجنون ~~أقسم ثلاثا ، ثم قال : { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } ولما قالوا : { لست ~~مرسلا } أجاب فقال : { يس * والقرءان الحكيم * إنك لمن المرسلين } وحين ~~قالوا : { لتاركو ءالهتنا لشاعر مجنون بل } رد عليهم وقال : { بل جاء بالحق ~~وصدق المرسلين } فصدقه ، ثم ذكر وعيد خصمائه ، وقال : { إنكم * يروا العذاب ~~الاليم } وحين قال حاكيا : { أم يقولون شاعر } قال : { وما علمناه الشعر } ~~ولما حكى عنهم قوله : { وقال الذين كفروا إن هاذا إلا إفك افتراه وأعانه } ~~سماهم كاذبين بقوله : { فقد * جاءوا ظلما وزورا } ولما قالوا : { ما لهاذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الاسواق } أجابهم فقال : { وما أرسلنا قبلك من ~~المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون فى الاسواق } فما أجل هذه الكرامة ~~. # المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى لما بشره بالنعم العظيمة ، وعلم تعالى ~~أن النعمة لا تهنأ إلا إذا صار العدو مقهورا ، لا جرم وعده بقهر العدو ، ~~فقال : { إن شانئك هو الابتر } وفيه لطائف إحداها : كأنه تعالى يقول : لا ~~أفعله لكي يرى بعض أسباب دولتك ، وبعض أسباب محنة نفسه فيقتله الغيظ ~~وثانيها : وصفه بكونه شانئا ، كأنه تعالى يقول : هذا الذي يبغضك لا يقدر ~~على شيء آخر سوى أنه يبغضك ، والمبغض إذا عجز عن الإيذاء ، فحينئذ يحترق ~~قلبه غيظا وحسدا ، فتصير تلك العداوة من أعظم أسباب حصول المحنة لذلك العدو ~~وثالثها : أن هذا الترتيب يدل على أنه إنما صار أبتر / لأنه كان شانئا له ~~ومبغضا ، والأمر بالحقيقة كذلك ، فإن من عادى محسودا فقد عادى الله تعالى ، ~~لاسيما من تكفل بإعلان شأنه وتعظيم مرتبته ورابعها : أن العدو وصف محمدا ~~عليه الصلاة والسلام بالقلة والذلة ، ونفسه بالكثرة والدولة ، فقلب الله ~~الأمر عليه ، وقال العزيز من أعزه الله ، والذليل من أذله الله ، فالكثرة ~~والكوثر لمحمد عليه السلام ، والأبترية والدناءة والذلة للعدو ، فحصل بين ~~أول السورة وآخرها نوع من المطابقة لطيف . PageV32P125 # المسألة الخامسة : اعلم أن من تأمل في مطالع هذه السورة ومقاطعها عرف أن ~~الفوائد التي / ذكرناها بالنسبة إلى ما استأثر الله بعلمه من فوائد هذه ~~السورة كالقطرة ms9862 في البحر . روى عن مسيلمة أنه عارضها فقال : إنا أعطيناك ~~الجماهر ، فصل لربك وجاهر ، إن مبغضك رجل كافر ، ولم يعرف المخذول أنه ~~محروم عن المطلوب لوجوه أحدها : أن الألفاظ والترتيب مأخوذان من هذه السورة ~~، وهذا لا يكون معارضة وثانيها : أنا ذكرنا أن هذه السورة كالتتمة لما ~~قبلها ، وكالأصل لما بعدها ، فذكر هذه الكلمات وحدها يكون إهمالا لأكثر ~~لطائف هذه السورة وثالثها : التفاوت العظيم الذي يقر به من له ذوق سليم بين ~~قوله : { إن شانئك هو الابتر } وبين قوله : إن مبغضك رجل كافر ، ومن لطائف ~~هذه السورة أن كل أحد من الكفار وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف آخر ~~، فوصفه بأنه لا ولد له ، وآخر بأنه لا معين له ولا ناصر له ، وآخر بأنه لا ~~يبقى منه ذكر ، فالله سبحانه مدحه مدحا أدخل فيه كل الفضائل ، وهو قوله : { ~~إنا أعطيناك } لأنه لما لم يقيد ذلك الكوثر بشيء دون شيء ، لا جرم تناول ~~جميع خيرات الدنيا والآخرة ، ثم أمره حال حياته بمجموع الطاعات ، لأن ~~الطاعات إما أن تكون طاعة البدن أو طاعة القلب ، أما طاعة البدن فأفضله ~~شيئان ، لأن طاعة البدن هي الصلاة ، وطاعة المال هي الزكاة ، وأما طاعة ~~القلب فهو أن لا يأتي بشيء إلا لأجل الله ، واللام في قوله : { اقنتى لربك ~~} يدل على هذه الحالة ، ثم كأنه نبه على أن طاعة القلب لا تحصل إلا بعد ~~حصول طاعة البدن ، فقدم طاعة البدن في الذكر ، وهو قوله : { فصل } وأخر ~~اللام الدالة على طاعة القلب تنبيها على فساد مذهب أهل الإباحة في أن العبد ~~قد يستغني بطاعة قلبه عن طاعة جوارحه ، فهذه اللام تدل على بطلان مذهب ~~الإباحة ، وعلى أنه لا بد من الإخلاص ، ثم نبه بلفظ الرب على علو حاله في ~~المعاد ، كأنه يقول : كنت ربيتك قبل وجودك ، أفأترك تربيتك بعد مواظبتك على ~~هذه الطاعات ، ثم كما تكفل أولا بإفاضة النعم عليه تكفل في آخر السورة ~~بالذب عنه وإبطال قول أعدائه ، وفيه إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول بإفاضة ms9863 ~~النعم ، والآخر بتكميل النعم في الدنيا والآخرة ، والله سبحانه وتعالى أعلم ~~. # PageV32P126 < # > 1 ( سورة الكافرون ) 1 < # > # ست آيات مكية # اعلم أن هذه السورة تسمى سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة ، وروى ~~أن من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن ، والوجه فيه أن القرآن مشتمل على الأمر ~~بالمأمورات والنهي عن المحرمات ، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق ~~بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح وهذه السورة مشتملة على النهي عن المحرمات ~~المتعلقة بأفعال القلوب فتكون ربعا للقرآن والله أعلم . # ! 7 < { قل ياأيها الكافرون } . > 7 @QB@ < # | الكافرون : ( 1 ) قل يا أيها . . . . . # > > # { قل ياأهل * أيها * الكافرون } . # اعلم أن قوله تعالى : { السماء كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده ~~وعدا علينا إنا كنا فاعلين ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الارض ~~يرثها عبادى الصالحون إن فى هاذا لبلاغا لقوم عابدين وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين } ثم كان مأمورا بأن يدعو إلى الله بالوجه الأحسن : { الكتاب إلا ~~بالتى هى أحسن } ولما كان الأمر كذلك ، ثم إنه خاطبهم بيا أيها الكافرون ~~فكانوا يقولون : كيف يليق هذا التعليظ بذلك الرفق فأجاب بأني مأمور بهذا ~~الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي فكان المراد من قوله : قل تقرير هذا ~~المعنى وثانيها : أنه لما قيل له : { وأنذر عشيرتك الاقربين } وهو كان يحب ~~أقرباءه لقوله : { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى القربى } ~~PageV32P127 فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر ~~بالتصريح بتلك الخشونة والتغليظ فقيل له : { قل } ، وثالثها : أنه لما قيل ~~له : { يعملون ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته } فأمر بتبليغ كل من أنزل عليه فلما قال الله تعالى له : { قل ياأهل ~~* أيها * الكافرون } نقل هو عليه السلام هذا الكلام بجملته كأنه قال : إنه ~~تعالى أمرني بتبليغ كل ما أنزل علي والذي أنزل علي هو مجموع قوله : { قل ~~ياأهل * أيها * الكافرون } فأنا أيضا أبلغه إلى الخلق هكذا ورابعها : أن ~~الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع ، وأنه هو الذي خلقهم ورزقهم ، على ما ms9864 قال ~~تعالى : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ليقولن الله } والعبد ~~يتحمل من مولاه مالا يتحمله من غيره ، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء : { ~~فأولئك هم الكافرون } لجوزوا أن يكون هذا كلام محمد ، فلعلهم ما كانوا ~~يتحملونه منه وكانوا يؤذونه . أما لما سمعوا قوله : { قل } علموا أنه ينقل ~~هذا التغليظ عن خالق السموات والأرض ، فكانوا يتحملونه ولا يعظم تأذيهم به ~~وخامسها : أن قوله : { قل } يوجب كونه رسولا من عند الله ، فكلما قيل له : ~~{ قل } كان ذلك كالمنشور الجديد في ثبوت رسالته ، وذلك يقتضي المبالغة في ~~تعظيم الرسول ، فإن الملك إذا فوض مملكته إلى بعض عبيده ، فإذا كان يكتب له ~~كل شهر وسنة منشورا جديدا دل ذلك على غاية اعتنائه بشأنه ، وأنه على عزم أن ~~يزيده كل يوم تعظيما وتشريفا وسادسها : أن الكفار لما قالوا : نعبد إلهك ~~سنة ، وتبعد آلتنا سنة ، فكأنه عليه السلام قال : استأمرت إليه فبه . فقال ~~: { قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } وسابعها : الكفار ~~قالوا فيه : السوء ، فهو تعالى زجرهم عن ذلك ، وأجابهم وقال : { إن شانئك ~~هو الابتر } وكأنه تعالى قال : حين ذكروك بسوء ، فأنا كنت المجيب بنفسي ، ~~فحين ذكروني بالسوء وأثبتوا لي الشركاء ، فكن أنت المجيب : { قل ياأهل * ~~أيها * الكافرون * لا أعبد ما } وثامنها : أنهم سموك أبتر ، فإن شئت أن ~~تستوفي منهم القصاص ، فاذكرهم بوصف ذم بحيث تكون صادقا فيه : { قل ياأهل * ~~أيها * الكافرون } لكن الفرق أنهم عابوك بما ليس من فعلك وأنت تعيبهم بما ~~هو فعلهم وتاسعها : أن بتقدير أن تقول : يا أيها الكافرون لا أعبد ما ~~تعبدونه ، والكفار يقولون : هذا كلام ربك أم كلامك ، فإن كان كلام ربك فربك ~~يقول : أنا لا أعبد هذه الأصنام ، ونحن لا نطلب هذه العبادة من ربك إنما ~~نطلبها منك ، وإن كان هذا كلامك فأنت قلت من عند نفسك إني لا أعبد هذه ~~الأصنام ، فلم قلت : إن ربك هو الذي أمرك بذلك ، أما لما قال : قل ، سقط ~~هذا الاعتراض لأن قوله : { قل } يدل على أنه مأمور من عند ms9865 الله تعالى بأن ~~لا يعبدها ويتبرأ منها وعاشرها : أنه لو أنزل قوله : { فأولئك هم الكافرون ~~} لكان يقرؤها عليهم لا محالة ، لأنه لا يجوز أن يخون في الوحي إلا أنه لما ~~قال : { قل } كان ذلك كالتأكيد في إيجاب تبليغ هذا الوحي إليهم ، والتأكيد ~~يدل على أن ذلك الأمر أمر عظيم . فبهذا الطريق تدل هذه الكلمة على أن الذي ~~قالوه وطلبوه من الرسول أمر منكر في غاية القبح ونهاية الفحش الحادي عشر : ~~كأنه تعالى يقول كانت التقية جائزة عند الخوف ، أما الآن لما قوينا قلبك ~~بقولنا : { إنا أعطيناك الكوثر } وبقولنا : { إن شانئك هو الابتر } فلا ~~تبال بهم ولا تلتفت إليهم و : { قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما ~~تعبدون } الثاني عشر : أن خطاب الله تعالى مع العبد من غير واسطة يوجب ~~التعظيم ألا ترى أنه تعالى ذكر من أقسام إهانة الكفار ، إنه تعالى لا ~~يكلمهم ، فلو قال : { فأولئك هم الكافرون } لكان ذلك من حيث أنه خطاب ~~مشافهة يوجب التعظيم ، ومن حيث أنه وصف لهم بالكفر يوجب الإيذاء فينجبر ~~الإيذاء بالإكرام ، أما لما قال : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } فحينئذ ~~يرجع تشريف PageV32P128 / المخاطبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وترجع ~~الإهانة الحاصلة لهم بسبب وصفهم بالكفر إلى الكفار ، فيحصل فيه تعظيم ~~الأولياء ، وإهانة الأعداء ، وذلك هو النهاية في الحسن الثالث عشر : أن ~~محمدا عليه السلام كان منهم ، وكان في غاية الشفقة عليهم والرأفة بهم ، ~~وكانوا يعلمون منه أنه شديد الاحتراز عن الكذب ، والأب الذي يكون في غاية ~~الشفقة بولده ، ويكون في نهاية الصدق والبعد عن الكذب ثم إنه يصف ولده بعيب ~~عظيم فالولد إن كان عاقلا يعلم أنه ما وصفه بذلك مع غاية شفقته عليه إلا ~~لصدقه في ذلك ولأنه بلغ مبلغا لا يقدر على إخفائه ، فقال تعالى : { قل } يا ~~محمد لهم : { أيها * الكافرون } ليعلموا أنك لما وصفتهم بذلك مع غاية شفقتك ~~عليهم وغاية احترازك عن الكذب فهو موصوفون بهذه الصفة القبيحة ، فربما يصير ~~ذلك داعيا لهم إلى البراءة من هذه الصفة والاحتراز عنها ms9866 الرابع عشر : أن ~~الإيذاء والايحاش من ذوي القربى أشد وأصعب من الغير فأنت من قبيلتهم ، ~~ونشأت فيما بين أظهرهم فقل لهم : { فأولئك هم الكافرون } فلعله يصعب ذلك ~~الكلام عليهم ، فيصير ذلك داعيا لهم إلى البحث والنظر والبراءة عن الكفر ~~الخامس عشر : كأنه تعالى يقول : ألسنا بينا في سورة : { والعصر * إن ~~الإنسان * لفى * خسر * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر } وفي سورة الكوثر : { إنا أعطيناك الكوثر } وأتيت بالإيمان ~~والأعمال الصالحات ، بمقتضى قولنا : { فصل لربك وانحر } بقي عليك التواصي ~~بالحق والتواصي بالصبر ، وذلك هو أن تمنعهم بلسانك وبرهانك عن عبادة غير ~~الله ، فقل : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } السادس عشر : كأنه ~~تعالى يقول : يا محمد أنسيت أنني لما أخرت الوحي عليك مدة قليلة ، قال ~~الكافرون : إنه ودعه ربه وقلاه ، فشق عليك ذلك غاية المشقة / حتى أنزلت ~~عليك السورة ، وأقسمت بالضحى : { واليل إذا سجى } أنه : { ودعك ربك وما قلى ~~} فلما لم تستجز أن أتركك شهرا ولم يطب قلبك حتى ناديت في العالم بأنه : { ~~ما ودعك ربك وما قلى } أفتستجيز أن تتركني شهرا وتشتغل بعبادة آلهتهم فلما ~~ناديت بنفي تلك التهمة ، فناد أنت أيضا في العالم بنفي هذه التهمة و : { قل ~~ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما } ، السابع عشر : لما سألوا منه أن ~~يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة ، فهو عليه السلام سكت ولم يقل شيئا ، لا ~~لأنه جوز في قلبه أن يكون الذي قالوه حقا ، فإنه كان قاطعا بفساد ما قالوه ~~لكنه عليه السلام ، توقف في أنه بماذا يجيبهم ؟ أبأن يقيم الدلائل العقلية ~~على امتناع ذلك أو بأن يزجرهم بالسيف أو بأن ينزل الله عليهم عذابا ، ~~فاغتنم الكفار ذلك السكوت وقالوا : إن محمدا مال إلى ديننا ، فكأنه تعالى ~~قال : يا محمد إن توقفك عن الجواب في نفس الأمر حق ولكنه أوهم باطلا ، ~~فتدارك إزالة ذلك الباطل ، وصرح بما هو الحق و : { قل ياأهل * أيها * ~~الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } الثامن عشر : أنه عليه السلام لما قال له ~~ربه ms9867 ليلة المعراج : أثن علي استولى عليه هيبة الحضرة الإلهية فقال : لا ~~أحصي ثناء عليك ، فوقع ذلك السكوت منه في غاية الحسن فكأنه / قيل له : إن ~~سكت عن الثناء رعاية لهيبة الحضرة فأطلق لسانك في مذمة الأعداء و : { قل ~~ياأهل * أيها * الكافرون } حتى يكون سكوتك الله وكلامك الله ، وفيه تقرير ~~آخر وهو أن هيبة الحضرة سلبت عنك قدرة القول فقل : ههنا حتى إن هيبة قولك ~~تسلب قدرة القول عن هؤلاء الكفار التاسع عشر : لو قال له : لا تعبد ما ~~يعبدون لم يلزم منه أن يقول بلسانه : { لا أعبد ما تعبدون } أما لما أمره ~~بأن يقول بلسانه : { لا أعبد ما تعبدون } يلزمه أن لا يعبد ما يعبدون إذ لو ~~فعل ذلك لصار كلامه كذبا ، فثبت أنه لما قال له قل : { لا أعبد ما تعبدون } ~~فلزمه أن يكون منكرا لذلك بقلبه ولسانه وجوارحه . ولو قال له : لا تعبد ما ~~يعبدون لزمه تركه ، PageV32P129 أما لا يلزمه إظهار إنكاره باللسان ، ومن ~~المعلوم أن غاية الإنكار إنما تحصل إذا تركه في نفسه وأنكره بلسانه فقوله ~~له : { قل } يقتضي المبالغة في الأنكار ، فلهذا قال : { قل لا * أعبد ما ~~تعبدون } ، العشرون : ذكر التوحيد ونفي الأنداد جنة للعارفين ونار للمشركين ~~فاجعل لفظك جنة للموحدين ونارا للمشركين و : { قل ياأهل * أيها * الكافرون ~~* لا أعبد ما تعبدون } الحادي والعشرون : أن الكفار لما قالوا نعبد إلهك ~~سنة ، وتعبد آلهتنا سنة سكت محمد فقال : إن شافهتهم بالرد تأذوا ، وحصلت ~~النفرة عن الإسلام في قلوبهم ، فكأنه تعالى قال له : يا محمد لم سكت عن ~~الرد ، أما الطمع فيما يعدونك من قبول دينك ، فلا حاجة بك في هذا المعنى ~~إليهم : { فإنا * أعطيناك الكوثر } وأما الخوف منهم فقد أزلنا عنك ، الخوف ~~بقولنا : { أنا * شانئك هو الابتر } فلا تلتفت إليهم ، ولا تبال بكلامهم ، ~~{ وقل * قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } الثاني والعشرون : أنسيت ~~يا محمد أني قدمت حقك على حق نفسي ، فقلت : { لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين } فقدمت أهل الكتاب في الكفر على ms9868 المشركين لأن طعن ~~المشركين في ، فقدمت حقك على حق نفسي وقدمت أهل الكتاب في الذم على ~~المشركين ، وأنت أيضا هكذا كنت تفعل فإنهم لما كسروا سنك قلت : ( اللهم أهد ~~قومي ) ولما شغلوك يوم الخندق عن الصلاة قلت : ( اللهم املأ بطونهم نارا ) ~~فههنا أيضا قدم حقي على حق نفسك وسواء كنت خائفا منهم ، أو لست خائفا منهم ~~فأظهر إنكار قولهم : { وقل * قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } ~~الثالث والعشرون : كأنه تعالى يقول : قصة امرأة زيد واقعة حقيرة بالنسبة ~~إلى هذه الواقعة ، ثم إنني هناك ما رضيت منك أن تضمر في قلبك شيئا ولا ~~تظهره بلسانك ، بل قلت لك على سبيل العتاب : { وتخفى فى نفسك ما الله مبديه ~~وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } فإذا كنت لم أرض منك في تلك الواقعة ~~الحقيرة إلا بالإظهار ، وترك المبالاة بأقوال الناس فكيف أرضى منك في هذه ~~المسألة ، وهي أعظم المسائل خطرا بالسكوت ، قل بصريح لسانك : { واشكروا لله ~~إن كنتم إياه تعبدون } الرابع والعشرون : يا محمد ألست قلت لك : { ولو شئنا ~~لبعثنا فى كل قرية نذيرا } ثم إني مع هذه القدرة راعيت جانبك وطيبت قلبك ~~وناديت في العالمين بأني لا أجعل الرسالة مشتركة بينه وبين غيره ، بل ~~الرسالة له لا لغيره حيث قلت : { ولاكن رسول الله وخاتم النبيين } / فأنت ~~مع علمك بأنه يستحيل عقلا أن يشاركني غيري في المعبودية أولى أن تنادي في ~~العالمين بنفي هذه الشركة . فقل : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ~~الخامس والعشرون : كأنه تعالى يقول : القوم جاؤك وأطمعوك في متابعتهم لك ~~ومتابعتك لدينهم فسكت عن الأنكار والرد ، ألست أنا جعلت البيعة معك بيعة ~~معي حيث قلت : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } وجعلت متابعتك ~~متابعة لي حيث قلت : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله } ثم ~~إني ناديت في العالمين وقلت : { أن الله برىء * عن المشركين * ورسوله } ~~فصرح أنت أيضا بذلك ، و : { قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما ~~تعبدون } ، السادس والعشرون : كأنه تعالى يقول : ألست أرأف بك ms9869 من الولد ~~بولده ، ثم العرى والجوع مع الوالد أحسن من الشبع مع الأجانب ، كيف والجوع ~~لهم لأن أصنامهم جائعة عن الحياة عارية عن الصفات وهم جائعون عن العلم ~~عارون عن التقوى ، فقد جربتني ، ألم أجدك PageV32P130 يتيما وضالا وعائلا ، ~~ألم نشرح لك صدرك ، ألم أعطك بالصديق خزينة وبالفاروق هيبة وبعثمان معونة ، ~~وبعلي علما ، ألم أكف أصحاب الفيل حين حاولوا تخريب بلدتك ، ألم أكف أسلافك ~~رحلة الشتاء والصيف ، ألم أعطك الكوقر ، ألم أضمن أن خصمك أبتر ، ألم يقل ~~جدك في هذه الأصنام بعد تخريبها : { لم تعبد * مالا * يسمع ولا يبصر ولا ~~يغنى عنك شيئا } فصرح بالبراءة عنها و : { قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا ~~أعبد ما تعبدون } السابع والعشرون : كأنه تعالى يقول : يا محمد ألست قد ~~أنزلت عليك : { فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا } ثم إن واحدا لو ~~نسبك إلى والدين لغضبت ولأظهرت الإنكار ولبالغت فيه ، حتى قلن : ( ولدت من ~~نكاح ولم أولد من سفاح ) فإذا لم تسكت عند التشريك في الولادة ، فكيف سكت ~~عند التشريك في العبادة ا بل أظهر الإنكار ، وبالغ في التصريح به ، و : { ~~قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } ، الثامن والعشرون : ~~كأنه تعالى يقول يا محمد ألست قد أنزلت عليك : { أفمن يخلق كمن لا * ~~فاعبدوه أفلا تذكرون } فحكمت بأن من سوى بين الإله الخالق وبين الوثن ~~الجماد في المعبودية لا يكون عاقلا بل يكون مجنونا / ثم إني أقسمت وقلت : { ~~ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون } والكفار يقولون : إنك ~~مجنون ، فصرح برد مقالتهم فإنها تفيد براءتي عن عيب الشرك ، وبراءتك عن عيب ~~الجنون و : { قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } ، التاسع ~~والعشرون : أن هؤلاء الكفار سموا الأوثان آلهة ، والمشاركة في الاسم لا ~~توجب المشاركة في المعنى ، ألا ترى أن الرجل والمرأة يشتركان في الإنسانية ~~حقيقة ، ثم القيمية كلها حظ الزوج لأنه أعلم وأقدر ، ثم من كان أعلم وأقدر ~~كان له كل الحق في القيمية ، فمن لا قدرة له ولا علم البتة كيف ms9870 يكون له حق ~~في القيومية ، بل ههنا شيء آخر : وهو أن امرأة لو ادعاها رجلان فاصطلحا ~~عليها لا يجوز ، ولو أقام كل واحد منها بينة على أنها زوجته لم يقض لواحد ~~منهما ، والجارية بين إثنين لا تحل لواحد منهما ، فإذا لم يحز حصول زوجة ~~لزوجين ، ولا أمة بين موليين في حل الوطء / فكيف يعقل عابد واحد بين ~~معبودينا بل من جوز أن يصطلح الزوجان على أن تحل الزوجة لأحدهما شهرا ، ثم ~~الثاني شهرا آخر كان كافرا ، فمن جوز الصلح بين الإله والصنم ألا يكون ~~كافرا فكأنه تعالى يقول لرسوله : إن هذه المقالة في غاية القبح فصرح ~~بالإنكار وقل : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } الثلاثون : كأنه ~~تعالى يقول أنسيت أني لما خيرت نساءك حين أنزلت عليك : { قل لازواجك إن ~~كنتن تردن الحيواة الدنيا وزينتها } إلى قوله : { أجرا عظيما } ثم خشيت من ~~عائشة أن تختار الدنيا ، فقلت لها : لا تقولي شيئا حتى تستأمري أبويك ، ~~فقالت : أفي هذا استأمر أبوي بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة ا فناقصة ~~العقل ما توقفت فيما يخالف رضاي أتتوقف فيما يخالف رضاي وأمري مع أني جبار ~~السموات والأرض : { قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } ~~الحادي والثلاثون : كأنه تعالى يقول : يا محمد ألست أنت الذي قلت : من كان ~~يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يوقفن مواقف التهم ، وحتى أن بعض المشايخ قال ~~لمريده الذي يريد أن يفارقه : لا تخاف السلطان قال : ولم ؟ قال : لأنه يوقع ~~الناس في أحد الخطأين ، وإما أن يعتقدوا أن السلطان متدين ، لأنه يخالطه ~~العالم الزاهد ، أو يعتقدوا أنك فاسق مثله ، وكلاهما خطأ ، فإذا ثبت أنه ~~يجب البراءة عن موقف التهم فسكوتك يا محمد عن هذا الكلام يجر إليك تهمة ~~الرضا بذلك ، لاسيما وقد سبق أن الشيطان ألقى فيما بين قراءتك : تلك ~~الغرانيق العلي منها الشفاعة ترتجي ، فأزل عن نفسك هذه التهمة و : { قل ~~ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } PageV32P131 الثاني ~~والثلاثون : الحقوق في الشاهد نوعان حق من أنت تحت يده ms9871 ، وهو مولاك ، وحق ~~من هو تحت يدك وهو الولد ، ثم أجمعنا على أن خدمة المولى مقدمة على تربية ~~الولد ، فإذا كان حق المولى المجازي مقدما ، فبأن يكون حق المولى الحقيقي ~~مقدما كان أولى ، ثم روى أن عليا عليه السلام إستأذن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في التزوج بابنة أبي جهل فضجر وقال : لا آذن لا آذن لا آذن أن فاطمة ~~بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ويسرني ما يسرها والله لا يجمع بين بنت عدو الله ~~، وبنت حبيب الله ، فكأنه تعالى يقول : صرحت هناك بالرد وكررته على سبيل ~~المبالغة رعاية لحق الولد ، فههنا أولى أن تصرح بالرد ، وتكرره رعاية لحق ~~المولى فقل : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ولا أجمع في القلب ~~بين طاعة الحبيب وطاعة العدو الثالث والثلاثون : يا محمد ألست قلت لعمر : ~~رأيت قصرا في الجنة ، فقلت : لمن ؟ فقيل : لفتى من قريش ، فقلت : من هو ، ~~فقالوا : عمر فخشيت غيرتك فلم أدخلها حتى قال عمر : أو أغار عليك يا رسول ~~الله ، فكأنه تعالى قال : خشيت غيرة عمر فما دخلت قصره أفما تخشى غيرتي في ~~أن تدخل قلبك طاعة غيري ، ثم هناك أظهرت الامتناع فههنا أيضا أظهر الامتناع ~~و : { قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } ، الرابع ~~والثلاثون : أترى أن نعمتي عليك دون نعمة الوالدة ، ألم أربك ؟ ألم أخلقك ؟ ~~ألم أرزقك ؟ ألم أعطك الحياة والقدرة والعقل والهداية والتوفيق ؟ ثم حين ~~كنت طفلا عديم العقل وعرفت تربية الأم فلو أخذتك امرأة أجمل وأحسن وأكرم من ~~أمك لأظهرت النفرة ولبكيت / ولو أعطتك الثدي لسددت فمك تقول لا أريد غير ~~الأم لأنها أول المنعم علي ، فههنا أولى أن تظهر النفرة فنقول : لا أعبد ~~سوى ربي لأنه أول منعم علي فقل : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ~~الخامس والثلاثون : نعمة الإطعام دون نعمة العقل والنبوة ، ثم قد عرفت أن ~~الشاة والكلب لا ينسيان نعمة الإطعام ولا يميلان إلى غير من أطعهما فكيف ~~يليق بالعاقل أن ينسى نعمة الإيجاد والإحسان فكيف في حق ms9872 أفضل الخلق : { قل ~~ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } السادس والثلاثون : مذهب ~~الشافعي أنه يثبت حق الفرقة بواسطة الإعسار بالنفقة فإذا لم تجد من الأنصار ~~تربية حصلت لك حق الفرقة لو كنت متصلا بها ، { لم تعبد * مالا * يسمع ولا ~~يبصر ولا يغنى عنك شيئا } فبتقدير أن كنت متصلا بها ، كان يجب أن تنفصل ~~عنها وتتركها ، فكيف وما كنت متصلا بها أيليق بك أن تقرب الاتصال بها { قل ~~ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } السابع والثلاثون : هؤلاء ~~الكفار لفرط حماقتهم ظنوا أن الكثرة في الإلهية كالكثرة في المال يزيد به ~~الغني وليس الأمر كذلك بل هو كالكثرة في العيال تزيد به الحاجة فقل : يا ~~محمد لي إله واحد أقوم له في الليل وأصوم له في النهار ، ثم بعد لم أتفرغ ~~من قضاء حق ذرة من ذرات نعمه ، فكيف ألتزم عبادة آلهة كثيرة : { قل ياأهل * ~~أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } الثامن والثلاثون : أن مريم عليها ~~السلام لما تمثل لها جبريل عليه السلام : { قالت إنى أعوذ بالرحمان منك إن ~~كنت تقيا } فاستعاذت أن تميل إلى جبريل دون الله أفتستجيز مع كمال رجوليتك ~~أن تميل إلى الأصنام : { قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } ~~التاسع والثلاثون : مذهب أبي حنيفة أنه لا يثبت حق الفرقة بالعجز عن النفقة ~~ولا بالعنة الطارئة يقول : لأنه كان قيما فلا يحسن الإعراض عنه مع أنه تعيب ~~فالحق سبحانه يقول : كنت قيما ولم أتعيب ، فكيف يجوز الإعراض عني : { قل ~~ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } الأربعون : هؤلاء الكفار ~~كانوا معترفين بأن الله خالقهم : { ولئن سألتهم من خلق * السماوات والارض ~~ليقولن الله } وقال في موضع آخر : { أرونى ماذا خلقوا من الارض } فكأنه ~~تعالى يقول : PageV32P132 هذه الشركة إما أن تكون مزارعة وذلك باطل ، لأن ~~البذر مني والتربية والسقي مني ، والحفظ مني ، فأي شيء للصنم ، أو شركة ~~الوجوه وذلك أيضا باطل أترى أن الصنم أكثر شهرة وظهورا مني ، أو شركة ~~الأبدان وذلك أيضا باطل ، ون ذلك يستدعي الجنسية ms9873 ، أو شركة العنان ، وذلك ~~أيضا باطل ، لأنه لا بد فيه من نصاب فما نصاب الأصنام ، أو يقول ليس هذه من ~~باب الشركة لكن الصنم يأخذ بالتغلب نصيبا من الملك / فكأن الرب يقول : ما ~~أشد جهلكم إن هذا الصنم أكثر عجزا من الذبابة : { إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا } فأنا أخلق البذر ثم ألقيه في الأرض ، فالتربية ~~والسقي والحفظ مني . ثم إن من هو أعجز من الذبابة يأخذ بالقهر والتغلب ~~نصيبا مني ، ما هذا بقول يليق بالعقلاء : { قل ياأهل * أيها * الكافرون * ~~لا أعبد ما تعبدون } الحادي والأربعون : أنه لا ذرة في عالم المحدثات إلا ~~وهي تدعو العقول إلى معرفة الذات والصفات / وأما الدعاة إلى معرفة أحكام ~~الله فهم الأنبياء عليهم السلام ، ولما كان كل بق وبعوضة داعيا إلى معرفة ~~الذاتي والصفات قال : { إن الله لا * يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها } ، ذلك لأن هذه البعوضة بحسب حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة الله ~~بحسب تركيبها العجيب تدعوا إلى علم الله وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها بقدر ~~معين تدعو إلى إرادة الله ، فكأنه تعالى يقول : مثل هذا الشيء كيف يتسحيا ~~منه ، روى أن عمر رضي الله عنه كان في أيام خلافته دخل السوق فاشترى كرشا ~~وحمله بنفسه فرآه على من بعيد فتنكب على عن الطريق فاستقبله عمر وقال له : ~~لم تنكبت عن الطريق ؟ فقال علي : حتى لا تستحي ، فقال : وكيف أستحي من حمل ~~ما هو غذائيا فكأنه تعالى يقول : إذا كان عمر لا يستحي من الكرش الذي هو ~~غذاؤه في الدنيا فكيف أستحي عن ذكر البعوض الذي يعطيك غذاء دينك ، ثم كأنه ~~تعالى يقول : يا محمد إن نمروذ لما ادعى الربوبية صاح عليه البعوض بالإنكار ~~، فهؤلاء الكفار لما دعوك إلى الشرك أفلا تصيح عليهم أفلا تصرح بالرد عليهم ~~: { قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } وإن فرعون لما ادعى ~~الإلهية فجبريل ملأ فاه من الطين فإن كنت ضعيفا فلست أضعف من بعوضة نمروذ ، ~~وإن كنت قويا فلست ms9874 أقوى من جبريل ، فأظهر الإنكار عليهم و : { قل ياأهل * ~~أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون } الثاني والأربعون : كأنه تعالى يقول ~~يا محمد : { قل } بلسانك : { لا أعبد ما تعبدون } واتركه قرضا علي فإني ~~أقضيك هذا القرض على أحسن الوجوه ، ألا ترى أن النصراني إذا قال : أشهد أن ~~محمدا رسول الله فأقول أنا لا أكتفي بهذا مالم تصرح بالبراءة عن النصرانية ~~، فلما أوجبت على كل مكلف أن يتبرأ بصريح لسانه عن كل دين يخالف دينك فأنت ~~أيضا أوجب على نفسك أن تصرح برد كل معبود غيري فقل : { قل يأيها الكافرون ~~لا أعبد ما تعبدون } الثالث والأربعون : أن موسى عليه السلام كان في طبعه ~~الخشونة فلما أرسل إلى فرعون قيل له : { فقولا له قولا لينا } وأما محمد ~~عليه السلام فلما أرسل إلى الخلق أمر بإظهار الخشونة تنبيها على أنه في ~~غاية الرحمة ، فقيل له : { قل ياأهل * أيها * الكافرون * لا أعبد ما تعبدون ~~} . # أما قوله تعالى : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : { فلينظر أيها } ، قد تقدم القول فيها في مواضع ، والذي ~~نزيده ههنا ، أنهروى عن علي عليه السلام أنه قال : يا نداء النفس وأي نداي ~~القلب ، وها نداء الروح ، وقيل : يا نداء الغائب وأي للحاضر ، وها للتنبيه ~~، كأنه يقول : أدعوك ثلاثا ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجهلك الخفي ، ومنهم ~~من قال : أنه تعالى جمع بين يا الذي هو للبعيد ، وأي الذي هو للقريب ، كأنه ~~تعالى يقول : معاملتك معي وفرارك عني يوجب PageV32P133 البعد البعيد ، لكن ~~إحساني إليك ، ووصول نعمتي إليك توجب القرب القريب : { ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد } وإنما قدم يا الذي يوجب البعد على أي الذي يوجب القرب / كأنه ~~يقول : التقصير منك والتوفيق مني ، ثم ذكرها بعد ذلك لأن / ما يوجب البعد ~~الذي هو كالموت وأي يوجب القرب الذي هو كالحياة ، فلما حصلا حصلت حالة ~~متوسطة بين الحياة والموت ، وتلك الحالة هي النوم ، والنائم لا بد وأن ينبه ~~وها كلمة تنبيه ، فلهذا السبب ختمت حروف النداء بهذا الحرف . # المسألة الثانية ms9875 : روى في سبب نزول هذه السورة أن الوليد بن المغيرة ~~والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، قالوا لرسول الله ~~تعالى : حتى نعبد إلهك مدة ، وتعبد آلهتنا مدة ، فيحصل مصلح بيننا وبينك ، ~~وتزول العداوة من بيننا ، فإن كان أمرك رشيدا أخذنا منه حظا ، وإن كان ~~أمرنا رشيدا أخذت منه حظا ، فنزلت هذه السورة ونزل أيضا قوله تعالى : { قل ~~أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون } فتارة وصفهم بالجهل وتارة بالكفر ~~، واعلم أن الجهل كالشجرة ، والكفر كالثمرة ، فلما نزلت السورة وقرأها على ~~رؤوسهم شتموه وأيسوا منه ، وههناسؤالات : # السؤال الأول : لم ذكرهم في هذه السورة بالكافرين ، وفي الأخرى بالجاهلين ~~؟ الجواب : لأن هذه السورة بتمامها نازلة فيهم ، فلا بد وأن تكون المبالغة ~~ههنا أشد ، وليس في لدنيا لفظ أشنع ولا أبشع من لفظ الكافر ، وذلك لأنه صفة ~~ذم عند جميع الخلق سواء كان مطلقا أو مقيدا ، أما لفظ الجهل فإنه عند ~~التقييد قد لا يذم ، كقوله عليه السلام في علم الأنساب : ( علم لا ينفع ~~وجهل لا يضر ) . # السؤال الثاني : لما قال تعالى في سورة : { لم تحرم } يا أيها الذين ~~كفروا ، ولم يذكر قل ، وههنا ذكر قل ، وذكره باسم الفاعل والجواب : الآية ~~المذكورة في سورة لم تحزم : إنما تقال لهم يوم القيامة وثمة لا يكون الرسول ~~رسولا إليهم فأزال الواسطة وفي ذلك الوقت يكونون مطيعين لا كافرين . فلذلك ~~ذكره بلفظ الماضي ، وأما ههنا فهم كانوا موصوفين بالكفر ، وكان الرسول ~~رسولا إليهم ، فلا جرم قال : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } . # السؤال الثالث : قوله ههنا : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } خطاب مع ~~الكل أو مع البعض ؟ الجواب : لا يجوز أن يكون قوله : { لا أعبد ما تعبدون } ~~خطابا مع الكل ، لأن في الكفار من يعبد الله كاليهود والنصارى فلا يجوز أن ~~يقول لهم : { لا أعبد ما تعبدون } ولا يجوز أيضا أن يكون قوله : { ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد } خطابا مع الكل ، لأن في الكفار من آمن وصار بحيث يعبد ~~اللهد فإذن وجب أن يقال : إن قوله : { فأولئك ms9876 هم الكافرون } خطاب مشافهة مع ~~أقوام مخصوصين وهم الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة ، والحاصل ~~أنا لو حملنا الخطاب على العموم دخل التخصيص ، ولو حملنا على أنه خطاب ~~مشافهة لم يلزمنا ذلك ، فكان حمل الآية على هذا المحمل أولى . # ! 7 < { لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما ~~عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد } . > 7 @QB@ < # | الكافرون : ( 2 ) لا أعبد ما . . . . . # > > # أما قوله تعالى : { لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا ~~أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد } PageV32P134 ففيه مسائل : # المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : أحدهما : أنه لا تكرار فيها ~~والثاني : أن فيها تكرارا أما الأول : فتقريره عن وجوه أحدها : أن الأول ~~للمستقبل ، والثاني للحال والدليل على أن الأول للمستقبل أن لا تدخل إلا ~~على مضارع في معنى الاستقبال ، أن ترى أن لن تأكيد فيما ينفيه لا ، وقال ~~الخليل : في أن أصله لا أن ، إذا ثبت هذا فقوله : { لا أعبد ما تعبدون } أي ~~لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم ولا أنتم فاعلون في ~~المستقبل ما أطلبه منكم من عبادة إلهي ، ثم قال : { ولا أنا عابد ما عبدتم ~~} أي ولست في الحال بعابد معبودكم ولا أنتم في الحال بعابدين لمعبودي الوجه ~~الثاني : أن تقلب الأمر فتجعل الأول للحال والثاني للاستقبال والدليل على ~~أن قول : { ولا أنا عابد ما عبدتم } للاستقبال أنه رفع لمفهوم قولنا : أنا ~~عابد ما عبدتم ولا شك أن هذا للاستقبال بدليل أنه لو قال : أنا قاتل زيدا ~~فهم منه الاستقبال الوجه الثالث : قال بعضهم : كل واحد منهما يصلح للحال ~~وللاستقبال ، ولكنا نخص أحداها بالحال ، والثاني بالاستقبال دفعا للتكرار ، ~~فإن قلنا : إنه أخبر عن الحال ، ثم عن الاستقبال ، فهو الترتيب ، وإن قلنا ~~: أخبر أولا عن الاستقبال ، فلأنه هو الذي دعوه إليه ، فهو الأهم فبدأ به ، ~~فإن قيل : ما فائدة الإخبار عن الحال وكان معلوما أنه ما كان يعبد الصنم ، ~~وأما الكفار فكانوا يعبدون ms9877 الله في بعض الأحوال ؟ قلنا : أما الحكاية عن ~~نفسه فلئلا يتوهم الجاهل أنه يعبدها سرا خوفا منها أو طمعا إليها وأما نفيه ~~عبادتهم . فلأن فعل الكافر ليس بعبادة أصلا : { * الوجه الرابع } وهو ~~اختيار أبي مسلم أن المقصود من الأولين المعبود وما بمعنى الذي ، فكأنه ~~قالا : لا أعبد الأصنام ولا تعبدون الله ، وأما في الأخيرين فما مع الفعل ~~في تأويل المصدر أي لا أعبد عبادتكم المبنية على الشرك وترك النظر ، ولا ~~أنتم تعبدون عبادتي المبنية على اليقين ، فإن زعمتم أنكم تعبدون إلهي ، كان ~~ذلك باطلا لأن العبادة فعل مأمور به وما تفعلونه أنتم ، فهو منهي عنه ، ~~وغير مأمور به الوجه الخامس : أن تحمل الأولى على نفي الاعبتار الذي ذكروه ~~، والثانية على النفي العام المتناول لجميع الجهات فكأنه أولا قال : { ~~يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } رجاء أن تعبدوا الله ، ولا أنتم تعبدون ~~الله رجاء أن أعبد أصنامكم ، ثم قال : ولا أنا عابد صنمكم لغرض من الأغراض ~~، ومقصود من المقاصد البتة بوجه من الوجوه : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ~~بوجه من الوجوه ، واعتبار من الاعتبارات ، ومثاله من يدعو غيره إلى الظلم ~~لغرض التنعيم ، فيقول : لا أظلم لغرض بل لا أظلم أصلا لا لهذا الغرض ولا ~~لسائر الأغراض القول الثاني : وهو أن نسلم حصول التكرار ، وعلى هذا القول ~~العذر عنه من ثلاثة أوجه الأول : أن التكرير يفيد التوكيد وكلما كانت ~~الحاجة إلى التأكيد أشد كان التكرير / أحسن ، ولا موضع أحوج إلى التأكيد من ~~هذا الموضع ، لأن أولئك الكفار رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~هذا المعنى مرارا ، وسكت رسول الله عن الجواب ، فوقع في قلوبهم أنه عليه ~~السلام قد مال إلى دينهم بعض الميل / فلا جرم دعت الحاجة إلى التأكيد ~~والتكرير في هذا النفي والإبطال الوجه الثاني : أنه كان القرآن ينزل شيئا ~~بعد شيء ، وآية بعد آية جوابا عما يسألون فالمشركون قالوا : استلم بعد ~~آلهتنا حتى نؤمن بإلهك فأنزل الله : { ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد ms9878 } ثم قالوا بعد مدة تعبد آلهتنا شهرا ونعبد إلهك شهرا فانزل ~~الله : { ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد } ولما كان هذا ~~الذي ذكرناه محتملا لم يكن التكرار على هذا الوجه مضرا البتة الوجه الثالث ~~: أن الكفار ذكروا تلك الكلمة مرتين تعبد آلهتنا شهرا ونعبد إلهك شهرا ~~وتعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة . فأتى PageV32P135 الجواب على التكرير ~~على وفق قولهم وهو ضرب من التهكم فإن من كرر الكلمة الواحدة لغرض فاسد ~~يجازي بدفع تلك الكلمة على سبيل التكرار استخفافا به واستحقارا لقوله . # المسألة الثانية : في الآية سؤال وهو أن كلمة : { ما } لا تتناول من يعلم ~~فهب أن معبودهم كان كذلك فصح التعبير عنه بلفظ ما لكن معبود محمد عليه ~~الصلاة والسلام هو أعلم العالمين فكيف قال : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } ~~أجابوا عنه من وجوه أحدها : أن المراد منه الصفة كأنه قال : لا أعبد الباطل ~~وأنتم لا تعبدون الحق وثانيها : أن مصدرية في الجملتين كأنه قال : لا أعبد ~~عبادتكم ولا تعبدون عبادتي في المسقبل ، ثم قال : ثانيا لا أعبد عبادتكم ~~ولا تعبدون عبادتي في الحال وثالثها : أن يكون ما بمعنى الذي وحينئذ يصح ~~الكلام ورابعها : أنه لما قال أولا : { لا أعبد ما تعبدون } حمل الثاني ~~عليه ليتسق الكلام كقوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } . # المسألة الثالثة : احتج أهل الجبر بأنه تعالى أخبر عنهم مرتين بقوله : { ~~ولا أنتم عابدون ما أعبد } والخبر الصدق عن عدم الشيء يضاد وجود ذلك الشي ~~فالتكليف بتحصيل العبادة مع وجود الخبر الصدق بعدم العبادة تكليف بالجمع ~~بين الضدين ، واعلم أنه بقي في الآية سؤالات : # السؤال الأول : أليس أن ذكر الوجه الذي لأجله تقبح عبادة غير الله كان ~~أولى من هذا التكرير ؟ الجواب بل قد يكون التأكيد والتكرير أولى من ذكر ~~الحجة ، إما لأن المخاطب بليد ينتفع بالمبالغة والتكرير ولا ينتفع بذكر ~~الحجة أو لأجل أن محل النزاع يكون في غاية الظهور فالمناظرة في مسألة الجبر ~~والقدر حسنة ، أما القائل : بالصنم فهو إما مجنون يجب ms9879 شده أو عاقل معاند ~~فيجب قتله ، وإن لم يقدر على قتله فيجب شتمه ، والمبالغة في الأنكار عليه ~~كما في هذه الآية . # السؤال الثاني : أن أول السورة اشتمل على التشديد ، وهو النداء بالكفر ~~والتكرير وآخرها على اللطف والتساهل ، وهو قوله : { لكم دينكم ولى دين } ~~فكيف وجه الجمع بين الأمرين ؟ / الجواب : كأنه يقول : إني قد بالغت في ~~تحذيركم على هذا الأمر القبيح ، وما قصرت فيه ، فإن لم تقبلوا قولي ، ~~فاتركوني سواء بسواء . # السؤال الثالث : لما كان التكرار لأجل التأكيد والمبالغة فكان ينبغي أن ~~يقول : لن أعبد ما تعبدون ، لأن هذا أبلغ ، ألا ترى أن أصحاب الكهف لما ~~بالغوا قالوا : { لن ندعوا من دونه إلاها } والجواب : المبالغة إنما يحتاج ~~إليها في موضع التهمة ، وقد علم كل أحد من محمد عليه السلام أنه ما كان ~~يعبد الصنم قبل الشرع ، فكيف يعبده بعد ظهور الشرع ، بخلاف أصحاب الكهف ~~فإنه وجد منهم ذلك فيما قبل . # ! 7 < { لكم دينكم ولى دين } . > 7 ! # أما قوله تعالى : { لكم دينكم ولى دين } < < # | الكافرون : ( 6 ) لكم دينكم ولي . . . . . # > > ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قال ابن عباس : لكم كفركم بالله ولي التوحيد والإخلاص ~~له ، فإن قيل : فهل يقال : إنه أذن لهم في الكفر قلنا : كلا فإنه عليه ~~السلام ما بعث إلا للمنع من الكفر فكيف يأذن فيه ، ولكن المقصود منه أحد ~~أمور أحدها : أن المقصود منه التهديد ، كقوله اعملوا ما شئتم وثانيها : ~~كأنه يقول : إني نبي مبعوث PageV32P136 إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة ، ~~فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني فاتركوني ولا تدعوني إلى الشرك وثالثها : { ~~لكم دينكم } فكونوا عليه إن كان الهلاك خيرا لكم { ولي * دينى } لأني لا ~~أرفضه القول الثاني : في تفسير الآية أن الدين هو الحساب أي لكم حسابكم ولي ~~حسابي ، ولا يرجع إلى كل واحد منا من عمل صاحبه أثر البتة القول الثالث : ~~أن يكون على تقدير حذف المضاف أي لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني وحسبهم جزاء ~~دينهم وبالا وعقابا كما حسبك جزاء دينك تعظيما وثوابا القول الرابع : الدين ~~العقوبة ms9880 : { ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله * العنكبوت لو كانوا يعلمون ~~* إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شىء وهو العزيز الحكيم * وتلك الامثال ~~نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون * خلق الله السماوات والارض } القول ~~الخامس : الدين الدعاء ، فادعو الله مخلصين له الدين ، أي لكم دعاؤكم { وما ~~دعاء الكافرين إلا فى ضلال } { وإن تدعوهم * لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم } ثم ليتها تبقى على هذه الحالة فلا يضرونكم ، بل يوم القيامة ~~يجدون لسانا فيكفرون بشرككم ، وأما ربي فيقول : { ويستجيب الذين ءامنوا } { ~~ادعونى أستجب لكم } { أجيب دعوة الداع إذا دعان } القول السادس : الدين ~~العادة ، قال الشاعر : # يقول لها وقد دارت وضيني # أهذا دينها أبدأ وديني معناه لكم عادتكم المأخوذة من أسلافكم ومن ~~الشياطين ، ولي عادتي المأخوذة من الملائكة والوحي ، ثم يبقى كل واحد منا ~~على عادته ، حتى تلقوا الشياطين والنار ، وألقى الملائكة والجنة . # / المسألة الثانية : قوله : { لكم دينكم } يفيد الحصر ، ومعناه لكم دينكم ~~لا لغيركم ، ولي ديني لا لغيري ، وهو إشارة إلى قوله : { وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى * ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي أنا مأمور بالوحي والتبليغ ، ~~وأنتم مأمورون بالامتثال والقبول ، فأنا لمافعلت ما كلفت به خرجت من عهدة ~~التكليف ، وأماإصراركم على كفركم ، فذلك ممالا يرجع إلي منه ضرر البتة . # المسألة الثانية : جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة ، ~~وذلك غير جائز لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبر فيه ، ثم ~~يعمل بموجبه ، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم ، وصلى الله على سيدنا ، ~~وعلى آله وصحبه وسلم . # PageV32P137 < # > 1 ( سورة النصر ) 1 < # > # وهي ثلاث آيات مدنية # ! 7 < { إذا جآء نصر الله والفتح } . > 7 @QB@ < # | النصر : ( 1 ) إذا جاء نصر . . . . . # > > # { إذا جاء نصر الله } في الآية لطائف : # إحداها : أنه تعالى لما وعد محمدا بالتربية العظيمة بقوله : { ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى } وقوله : { إنا أعطيناك الكوثر } لا جرم كان يزداد كل يوم ~~أمره ، كأنه تعالى قال : يا محمد لم يضيق قلبك ، ألست حين لم تكن مبعوثا لم ~~أضيعك ms9881 بل نصرتك بالطير الأبابيل ، وفي أول الرسالة زدت فجعلت الطير ملائكة ~~ألن يكفيكم : { أن يمدكم ربكم * بخمسة ءالاف } ثم الآن أزيد فأقول إني أكون ~~ناصرا لك بذاتي : { إذا جاء نصر الله } فقال : إلهي إنما تتم النعمة إذا ~~فتحت لي دار مولدي ومسكني فقال : { والفتح } فقال : إلهي لكن القوم إذا ~~خرجوا ، فأي لذة في ذلك فقال : { ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا } ~~ثم كأنه قال : هل تعلم يا محمد بأي سبب وجدت هذه التشريفات الثلاثة إنما ~~وجدتها لأنك قلت في السورة المتقدمة : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما ~~تعبدون } وهذا يشتمل على أمور ثلاثة أولها : نصرتني بلسانك فكان جزاؤه : { ~~إذا جاء نصر الله } وثانيها : فتحت مكة قلبك بعسكر التوحيد فأعطيناك فتح ~~مكة وهو المراد من قوله ، والفتح والثالث : أدخلت رعية جوارحك وأعضائك في ~~طاعتي وعبوديتي فأنا أيضا أدخلت عبادي في طاعتك ، وهو المراد من قوله : { ~~يدخلون فى دين الله أفواجا } ثم إنك بعد أن وجدت هذه الخلع الثلاثة فابعث ~~إلى حضرتي بثلاث أنواع من العبودية تهادوا تحابوا ، إن نصرتك فسبح ، وإن ~~فتحت مكة فاحمد وإن أسلموا ، فاستغفر ، وإنما وضع في مقابلة : { نصر الله } ~~تسبيحه ، لأن التسبيح هو تنزيع الله عن مشابهة المحدثات ، يعني تشاهد أنه ~~نصرك ، فإياك أن تظن أنه PageV32P138 إنما نصرك لأنك تستحق منه ذلك النحر ، ~~بل اعتقد كونه منزها عن أن يستحق عليه أحد من الخلق شيئا ، ثم جعل في مقابل ~~فتح مكة الحمد لأن النعمة لا يمكن أن تقابل إلا بالحمد ، ثم جعل في مقابلة ~~دخول الناس في الدين الاستغفار وهو المراد من قوله : { واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات } أي كثرة الأتباع مما يشغل / القلب بلذة الجاه ~~والقبول ، فاستغفر لهذا القدر من ذنبك ، واستغفر لذنبهم فإنهم كلما كانوا ~~أكثر كانت ذنوبهم أكثر فكان احتياجهم إلى استغفارك أكثر الوجه الثاني : أنه ~~عليه السلام لما تبرأ عن الكفر وواجههم بالسوء في قوله : { فأولئك هم ~~الكافرون } كأنه خاف بعض القوم فقلل من تلك الخشونة فقال : { لكم دينكم ولى ~~دين } فقيل : يا ms9882 محمد لا تخف فإني لا أذهب بك إلى النصر بل أجيء بالنصر ~~إليك : { إذا جاء نصر الله } نظيره : ( زويت الأرض ) يعني لا تذهب إلى ~~الأرض بل تجيء الأرض إليك ، فإن سئمت المقام وأردت الرحلة ، فمثلك لا يرتحل ~~إلا إلى قاب قوسين : { سبحان الذى أسرى بعبده } بل أزيد على هذا فأفضل ~~فقراء أمتك على أغنيائهم ثم آمر الأغنياء بالضحايا ليتخذوها مطايا فإذا بقي ~~الفقير من غير مطية أسوق الجنة إليه : { وأزلفت الجنة للمتقين } الوجه ~~الثالث : كأنه سبحانه قال : يا محمد إن الدنيا لا يصفو كدرها ولا تدوم ~~محنها ولا نعيمها فرحت بالكوثر فتحمل مشقة سفاهة السفهاء حيث قالوا : اعبد ~~آلهتنا حتى نعبد إلهك فلما تبرأ عنهم وضاق قلبه من جهتهم قال : أبشر فقد ~~جاء نصر الله فلما استبشر قال : الرحيل الرحيل أما علمت أنه لا بد بعد ~~الكمال من الزوال ، فاستغفره أيها الإنسان لا تحزن من جوع الربيع فعقيبه ~~غنى الخريف ولا تفرح بغنى الخريف فعقيبه وحشة الشتاء / فكذا من تم إقباله ~~لا يبقى له إلا الغير ومنه إذا تم أمر دنا نقصه # توقع زوالا إذا قيل تم إلهي لم فعلت كذلك قال : حتى لا نضع قلبك على ~~الدنيا بل تكون أبدا على جناح الارتحال والسفر الوجه الرابع : لما قال في ~~آخر السورة المتقدمة : { لكم دينكم ولى دين } فكأنه قال : إلهي وما جزائي ~~فقال : نصر الله فيقول : وما جزاء عمي حين دعاني إلى عبادة الأصنام فقال : ~~{ تبت يدا أبى لهب } فإن قيل : فلم بدأ بالوعد قبل الوعيد ، قلنا : لوجوه ~~أحدها : لأن رحمته سبقت غضبه والثاني : ليكن الجنس متصلا بالجنس فإنه قال : ~~{ ولى دين } وهو النصر كقوله : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ~~اسودت وجوههم } ، وثالثها : الوفاء بالوعد أهم في الكرم من الوفاء ~~بالانتقام ، فتأمل في هذه المجانسات الحاصلة بين هذه السور مع أن هذه السور ~~مع أن هذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة وتلك السورة منأوائل ما نزل ~~بمكة ليعلم أن ترتيب هذه السور من الله وبأمره الوجه الخامس ms9883 : أن في السورة ~~المتقدمة لم يذكر شيئا من أسماء الله ، بل قال : ما أعبد بلفظ ما ، كأنه ~~قال : لا أذكر اسم الله حتى لا يستخفوا فتزداد عقوبتهم ، وفي هذه السورة ~~ذكر أعظم أساميه لأنها منزلة على الأحباب ليكون ثوابهم بقراءته أعظم فكأنه ~~سبحانه قال لا تذكر اسمي مع الكافرين حتى لا يهينوه واذكره مع الأولياء حتى ~~يكرموه الوجه السادس : قال النحويون : إذا منصوب بسبح ، والتقدير فسبح بحمد ~~ربك إذا جاء نصر الله ، كأنه سبحان يقول : جعلت الوقت ظرفا لما تريده وهو ~~النصر والفتح والظفر . وملأت ذلك الظرف من هذه / الأشياء ، وبعثته إليك فلا ~~ترده علي فارغا ، بل املأه من العبودية ليتحقق معنى : ( تهادوا تحابوا ) ~~فكأن محمدا عليه السلام قال : بأي شيء PageV32P139 أملأ ظرف هديتك وأنا ~~فقير ، فيقول الله في المعنى : إن لم تجد شيئا آخر فلا أقل من تحريك اللسان ~~بالتسبيح والحمد والاستغفار ، فلمافعل محمد عليه الصلاة والسلام ذلك حصل ~~معنى تهادوا ، لا جرم حصلت المحبة ، فلهذا كان محمد حبيب الله الوجه السابع ~~: كأنه تعالى يقول : إذا جاءك النصر والفتح ودخول الناس في دينك ، فاشتغل ~~أنت أيضا بالتسبيح والحمد والاستغفار ، فإني قلت : ( لئن شكرتم لأزدينكم ) ~~فيصير اشتغالك بهذه الطاعات سببا لمزيد درجاتك في الدنيا والآخرة ، ولا ~~تزال تكون في الترقي حتى يصير الوعد بقولي : { أعطيناك الكوثر } الوجه ~~الثامن : أن الإيمان إنما يتم بأمرين : بالنفي والإثبات وبالبراءة والولاية ~~، فالنفي والبراءة قوله : { لا أعبد ما تعبدون } والإثبات والولاية قوله : ~~{ إذا جاء نصر الله } فهذه هي الوجوه الكلية المتعلقة بهذه السورة . # واعلم أن في الآية أسرارا ، وإنما يمكن بيانها في معرض السؤال والجواب . # السؤال الأول : ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف الفتح على النصر ؟ ~~الجواب : من وجوه أحدها : النصر هو الإعانة على تحصيل المطلوب ، والفتح هو ~~تحصيل المطلوب الذي كان متعلقا ، وظاهر أن النصر كالسبب الفتح ، فلهذا بدأ ~~يذكر النصر وعطف الفتح عليها وثانيها : يحتمل أن يقال : النصر كمال الدين ، ~~والفتح الإقبال الدنيوي الذي هو تمام النعمة ، ونظير هذه الآية قوله : { ~~اليوم ms9884 أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى } وثالثها : النصر هو الظفر في ~~الدنيا على المنى ، والفتح بالجنة ، كماقال : { وفتحت أبوابها } وأظهر ~~الأقوال في النصر أنه الغلبة على قريش أو على جميع العرب . # السؤال الثاني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبدا منصورا ~~بالدلائل والمعجزات ، فما المعنى من تخصيص لفظ النصر بفتح مكة ؟ والجواب : ~~من وجهين أحدهما : المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع ، إنما جعل ~~فظ النصر المطلق دالا على هذا النصر المخصوص ، لأن هذا النصر لعظم موقعه من ~~قلوب أهل الدنيا جعل ما قبله كالمعدوم ، كماأن المثاب عند دخول الجنة يتصور ~~كأنه لم يذق نعمة قط ، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى : { وزلزلوا ~~حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله } ، وثانيهما : لعل المراد ~~نصر الله في أمور الدنيا الذي حكم به لأنبيائه كقوله : { إن أجل الله إذا ~~جاء لا يؤخر } . # السؤال الثالث : النصر لا يكون إلا من الله ، قال تعالى : { وما النصر ~~إلا من عند الله } فما الفائدة في هذا التقييد وهو قوله : { نصر الله } ؟ ~~والجواب معناه نصر لا يليق إلا بالله ولا يليق أن يفعله إلا الله أو لا ~~يليق إلا بحكمته ويقال : هذا صنعة زيد إذا كان زيد مشهورا بإحكام الصنعة ، ~~والمراد منه تعظيم حال تلك الصنعة ، فكذا ههنا ، أو نصر الله لأنه إجابة ~~لدعائهم : { متى نصر الله } فيقول هذا الذي سألتموه . # / السؤال الرابع : وصف النصر بالمجيء مجاز وحقيقته إذا وقع نصر الله فما ~~الفائدة في ترك الحقيقة وذكر المجاز ؟ الجواب فيه إشارات : إحداها : أن ~~الأمور مربوطة بأوقاتها وأنه سبحانه قدر لحدوث كل حادث أسبابا معينة ~~وأوقاتا مقدرة يستحيل فيها التقدم والتأخر والتغير والتبدل فإذا حضر ذلك ~~الوقت وجاء ذلك الزمان PageV32P140 حضر معه ذلك الأثر وإليه الإشارة بقوله ~~: { وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ، وثانيها : ~~أن اللفظ دل على أن النصر كان كالمشتاق إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك ~~لأن ذلك النصر كان مستحقا له بحكم الوعد ms9885 فالمقتضى كان موجودا إلا أن تخلف ~~الأثر كان لفقدان الشرط فكان كالثقيل المعلق فإن ثقله يوجب الهوى إلا أن ~~العلاقة مانعة فالثقيل يكون كالمشتاق إلى الهوى ، فكذا ههنا النصر كان ~~كالمشتاق إلى محمد صلى الله عليه وسلم وثالثها : أن عالم العدم عالم لا ~~نهاية له وهو عالم الظلمات إلا أن في قعرها ينبوع الجود والرحمة وهو ينبوع ~~جود الله وإيجاده ، ثم انشعبت بحار الجود والأنوار وأخذت في السيلان ، ~~وسيلانها يقتضي في كل حين وصولها إلى موضع ومكان معين فبحار رحمة الله ~~ونصرته كانت آخذة في السيلان من الأزل فكأنه قيل : يا محمد قرب وصولها إليك ~~ومجيئها إليك فإذا جاءتك أمواج هذا البحر فاشتغل بالتسبيح والتحميد ~~والاستغفار فهذه الثلاثة هي السفينة التي لا يمكن الخلاص من بحار الربوبية ~~إلا بها ، ولهذا السبب لما ركب أبوك نوح بحر القهر والكبرياء استعان بقوله ~~: { بسم الله مجراها ومرساها } . # السؤال الخامس : لا شك أن الذين أعانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~فتح مكة هم الصحابة من المهاجرين والأنصار ، ثم إنه سمي نصرتهم لرسول الله ~~: { نصر الله } فما السبب في أن صار الفعل الصادر عنهم مضافا إلى الله ؟ ~~الجواب : هذا بحر يتفجر منه بحر سر القضاء والقدر ، وذلك لأن فعلهم فعل ~~الله ، وتقريره أن أفعالهم مسندة إلى ما في قلوبهم من الدواعي والصوارف ، ~~وتلك الدواعي والصوارف أمور حادثة فلا بد لها من محدث وليس هو العبد ، وإلا ~~لزم التسلسل ، فلا بد وأن يكون الله تعالى ، فيكون المبدأ الأول والمؤثر ~~الأبعد هو الله تعالى ، ويكون المبدأ الأقرب هو العبد . فمن هذا الاعتبار ~~صارت النصرة المضافة إلى الصحابة بعينها مضافة إلى الله تعالى ، فإن قيل : ~~فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد مفرعا على فعل الله تعالى ، ~~وهذا يخالف النصر ، لأنه قال : { إن تنصروا الله ينصركم } فجعل نصرنا له ~~مقدما على نصره لنا والجواب : أنه لا امتناع في أن يصدر عن الحق فعل ، ~~فيصير ذلك سببا لصدور فعل عنا ، ثم الفعل عنا ينساق إلى فعل ms9886 آخر يصدر عن ~~الرب ، فإن أسباب الحوادث ومسبباتها متسلسلة على ترتيب عجيب يعجز عنإدراك ~~كيفيته أكثر العقول البشرية . # السؤال السادس : كلمة : { إذا } للمستقبل ، فههنا لما ذكر وعدا مستقبلا ~~بالنصر ، قال : { إذا جاء نصر الله } فذكر ذاته باسم الله ، ولما ذكر النصر ~~الماضي حين قال : { ولئن جاء نصر من ربك ليقولن } فذكره بلفظ الرب ، فما ~~السبب في ذلك ؟ الجواب : لأنه تعالى بعد وجود الفعل صار ربا ، وقبله ما كان ~~ربا لكن كان إلها . # السؤال السابع : أنه تعالى قال : { إن تنصروا الله ينصركم } وإن محمدا ~~عليه السلام نصر الله حين قال : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } ~~فكان واجبا بحكم هذا الوعد أن ينصره الله ، فلا جرم قال : { إذا جاء نصر ~~الله } فهل تقول بأن هذا النصر كان واجبا عليه ؟ الجواب : أن ما ليس بواجب ~~قد يصير واجبا بالوعد ، ولهذا قيل : وعد الكريم ألزم من دين الغريم ، كيف ~~ويجب على الوالد نصرة ولده ، وعلى المولى نصرة عبده ، بل يجب النصر على ~~الأجنبي إذا تعين بأن كان واحدا اتفاقا ، وإن كان مشغولا بصلاة نفسه ، ثم ~~PageV32P141 اجتمعت هذه الأسباب في حقه تعالى فوعده مع الكرم وهو أرأف ~~بعبده من الوالد بولده والمولى بعبده وهو ولي بحسب الملك ومولى بحسب ~~السلطنة ، وقيوم للتدبير وواحد فرد لا ثاني له فوجب عليه وجوب الكرم نصرة ~~عبده ، فلهذا قال : { إذا جاء نصر الله } . # أما قوله تعالى : { والفتح } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : نقل عن ابن عباس أن الفتح هو فتح مكة وهو الفتح الذي ~~يقال له : فتح الفتوح روى أنه لما كان صلح الحديبية وانصرف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أغار بعض من كان في عهد قريش على خزاعة وكانوا في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجاء سفير ذلك القوم وأخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فعظم ذلك عليه ، ثم قال : أما إن هذا العارض ليخبرني أن الظفر ~~يجيء من الله ، ثم قال لأصحابه : أنظروا فإن أبا سفيان يجيء ويلتمس أن يجدد ~~العهد فلم ms9887 تمض ساعة أن جاء الرجل ملتمسا لذلك فلم يجبه الرسول ولا أكابر ~~الصحابة فالتجأ إلى فاطمة فلم ينفعه ذلك ورجع إلى مكة آيسا وتجهز رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المسير لمكة ، ثم يروى أن سارة مولاة بعض بني هاشم ~~أتت المدينة فقال عليه السلام لها : جئت مسلمة ؟ قالت : لا لكن كنتم ~~الموالي وبي حاجة ، فحث عليها رسول الله بني عبد المطلب فكسوها وحملوها ~~وزودوها فأتاها حاطب بعشرة دنانير واستحملها كتابا إلى مكة نسخته : اعلموا ~~أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم ، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر ، فبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا عليه السلام وعمارا في جماعة وأمرهم أن ~~يأخذوا الكتاب وإلا فاضربوا عنقها ، فلما أدركوها جحدت وحلفت فسل علي عليه ~~السلام سيفه ، وقال الله : ما كذبنا فأخرجته من عقيصة شعرها ، واستحضر ~~النبي حاطبا وقال : ما حملك عليه ؟ فقال : والله ما كفرت منذ أسلمت ولا ~~أحببتهم منذ فارقتهم ، لكن كنت غريبا في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم ~~قرابات بمكة يحمون أهاليهم فخشيبت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا ، فقال ~~عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق / فقال : وما يدريك يا عمر لعل الله قد ~~اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر ، ثم ~~خرج رسول الله إلى أن نزل بمر الظهران ، وقدم العباس وأبو سفيان إليه ~~فاستأذنا فأذن لعمه خاصة فقال أبو سفيان : إما أن تأذن لي وإلا أذهب بولدي ~~إلى المفازة فيموت جوعا وعطشا فرق قلبه ، فأذن له وقال له : ألم يأن أن ~~تسلم وتوحد ؟ فقال : أظن أنه واحد ، ولو كان ههنا غير الله لنصرنا ، فقال : ~~ألم يأن أن تعرف أني رسوله ؟ فقال : إن لي شكا في ذلك ، فقال العباس : أسلم ~~قبل أن يقتلك عمر ، فقال : وماذا أصنع بالعزى ، فقال عمر : لولا أنك بين ~~يدي رسول الله لضربت عنقك ، فقال : يا محمد أليس الأولى أن تترك هؤلاء ~~الأوباش وتصالح قومك وعشيرتك ، فسكان مكة عشيرتك وأقارب ، و ( لا ) تعرضهم ms9888 ~~للشن والغارة ، فقال عليه السلام : هؤلاء نصروني وأعانوني وذبوا عن حريمي ، ~~وأهل مكة أخرجوني وظلموني ، فإن هم أسروا فبسوء صنيعهم ، وأمر العباس بأن ~~يذهب به ويوقفه على المرصاد ليطالع العسكر ، فكانتالكتيبة تمر عليه ، فيقول ~~من هذا ؟ فيقول العباس هو فلان من أمراء الجند إلى أن جاءت الكتيبة الخضراء ~~التي لا يرى منها إلا الحدق ، فسأل عنهم ، فقال العباس : هذا رسول الله ، ~~فقال : لقد أوتي ابن أخيك ملكا عظيما ، فقال العباس : هو النبوة ، فقال ~~هيهات النبوة ، ثم تقدم PageV32P142 ودخل مكة ، وقال : إن محمدا جاء بعسكر ~~لا يطيقه أحد ، فصاحت هند وقالت : اقتلوا هذا المبشر ، وأخذت بلحيته فصاح ~~الرجل ودفعها عن نفسه ، ولما سمع أبو سفيان أذان القوم للفجر ، وكانوا عشرة ~~آلاف فزع لذلك فزعا شديدا وسأل العباس ، فأخبره بأمر الصلاة ، ودخل رسول ~~الله مكة على راحلته ولحيته على قربوس سرجه كالساجد تواضعا وشكرا ، ثم ~~التمس أبو سفيان الأمان ، فقال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فقال : ~~ومن تسع داري ، فقال : ومن دخل المسجد فهو آمن فقال : ومن يسع المسجد ، ~~فقال : من ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ثم وقف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على باب المسجد ، وقال : لا إله إلا الله وحده صدق وعده ~~ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم قال : يا أهل مكة ما ترون إني فاعل بكم ، ~~فقالوا : خير أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء فاعتقهم ~~، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء ومن ذلك كان علي عليه السلام يقول لمعاوية : ~~أنى يستوي المولى والمعتق يعني اعتقناكم حين مكننا الله من رقابكم ولم يقل ~~: اذهبوا فأنتم معتقون ، بل قال : الطلقاء ، لأن المعتق يجوز أن يرد إلى ~~الرق ، والمطلقة يجوز تعاد إلى رق النكاح وكانوا بعد على الكفر ، فكان يجوز ~~أن يخونوا فيستباح رقهم مرة أخرى ولأن الطلاق يخص النسوان ، وقد ألقوا ~~السلاح وأخذوا المساكن كالنسوان ، ولأن المعتق يخلى سبيله يذهب حيث شاء ، ~~والمطلقة تجلس في البيت للعدة ، وهم أمروا بالجلوس بمكة كالنسوان ms9889 ، ثم إن ~~القوم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام ، فصاروا يدخلون في ~~دين الله أفواجا ، روى أنه عليه السلام صلى ثمان ركعات : أربعة صلاة الضحى ~~، وأربعة أخرى شكرا لله نافلة ، فهذه هي / قصة فتح مكة ، والمشهور عند ~~المفسرين أن المراد من الفتح في هذه السورة هو فتح مكة ، ومما يدل على أن ~~المراد بالفتح فتح مكة أنه تعالى ذكره مقرونا بالنصر . وقد كان يجد النصر ~~دون الفتح كبدر ، والفتح دون النصر كأجلاء بني النضير ، فإنه فتح البلد لكن ~~لم يأخذ القوم ، أما يوم فتح مكة اجتمع له الأمران النصر والفتح ، وصار ~~الخلق له كالأرقاء حتى أعتقهم القول الثاني : أن المراد فتح خيبر ، وكان ~~ذلك على يد علي عليه السلام ، والقصة مشهورة ، روى أن أستصحب خالد بن ~~الوليد ، وكان يساميه في الشجاعة ، فلما نصب السلم قال لخالد : أتتقدم ؟ ~~قال : لا ، فلما تقدم علي عليه السلام سأله كم صعدت ؟ فقال : لا أدري لشدة ~~الخوف ، وروى أنه قال : لعلي عليه السلام ألا تصارعني ، فقال : ألست صرعتك ~~؟ فقال : نعم لكن ذاك قبل إسلامي ، ولعل عليا عليه السلام إنما امتنع عن ~~مصارعته ليقع صيته في الإسلام أنه رجل يمتنع عنه علي / أو كان علي يقول ~~صرعتك حين كنت كافرا ، أما الآن وأنت مسلم فلا يحسن أن أصرعك القول الثالث ~~: أنه فتح الطائف وقصته طويلة والقول الرابع : المراد النصر على الكفار ، ~~وفتح بلاد الشرك على الإطلاق ، وهو قول أبي مسلم والقول الخامس : أراد ~~بالفتح ما فتح الله عليه من العلوم ، ومنه قوله : { وقل رب زدنى علما } لكن ~~حصول العلم لا بد وأن يكون مسبوقا بانشراح الصدر وصفاء القلب ، وذلك هو ~~المراد من قوله : { إذا جاء نصر الله } ويمكن أن يكون المراد بنصر الله ~~إعانته على الطاعة والخيرات ، والفتح هو انتفاع عالم المعقولات والروحانيات ~~. # المسألة الثانية : إذا حملنا الفتح على فتح مكة ، فللناس في وقت نزول هذه ~~السورة قولان : أحدهما : أن فتح مكة كان سنة ثمان ، ونزلت هذه السورة سنة ~~عشر ، وروى أنه عاش ms9890 بعد نزول هذه السورة سبعين يوما ، ولذلك سميت سورة ~~التوديع والقول الثاني : أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة ، وهو وعد لرسول ~~الله أن ينصره على أهل مكة ، وأن يفتحها عليه ، ونظيره قوله تعالى : { إن ~~الذى فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد } PageV32P143 وقوله : { إذا جاء نصر ~~الله والفتح } يقتضي الاستقبال ، إذ لا يقال فيما وقع : إذا جاء وإذا وقع ، ~~وإذا صح هذا القول صارت هذه الآية من جملة المعجزات من حيث إنه خبر وجد ~~مخبره بعد حين مطابقا له ، والإخبار عن الغيب معجز فإن قيل : لم ذكر النصر ~~مضافا إلى الله تعالى ، وذكر الفتح بالألف واللام ؟ الجواب : الأولف واللام ~~للمعهود السابق ، فينصرف إلى فتح مكة . # ! 7 < { ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا } . > 7 ! # قوله تعالى : { ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا } < < # | النصر : ( 2 ) ورأيت الناس يدخلون . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : رأيت يحتمل أن يكون معناه أبصرت ، وأن يكون معناه علمت ~~، فإن كان معناه أبصرت كان يدخلون في محل النصب على الحال ، والتقدير : ~~ورأيت الناس حال دخولهم / في دين الله أفواجا ، وإن كان معناه علمت كان ~~يدخلون في دين الله مفعولا ثانيا لعلمت ، والتقدير : علمت الناس داخلين في ~~دين الله . # المسألة الثانية : ظاهر لفظ الناس للعموم ، فيقتضي أن يكون كل الناس ~~كانوا قد دخلوا في الوجود مع أن الأمر ما كان كذلك الجواب : من وجهين الأول ~~: أن المقصود من الإنسانية والعقل ، إنما هو الدين والطاعة ، على ما قال : ~~{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } فمن أعرض عن الدين الحق وبقي على ~~الكفر ، فكأنه ليس بإنسان ، وهذا المعنى هو المراد من قوله : { أولئك ~~كالانعام بل هم أضل } وقال : { وإذا قيل لهم ءامنوا } وسئل الحسن بن علي ~~عليه السلام . من الناس ؟ فقال : نحن الناس ، وأشياعنا أشباه الناس ، ~~وأعداؤنا النسناس ، فقبله علي عليه السلام بين عينيه ، وقال : الله أعلم ~~حيث يجعل رسالته ، فإن قيل : إنهم إنما دخلوا في الإسلام بعد مدة طويلة ~~وتقصير كثير ، فكيف استحقوا هذا المدح العظيم ؟ قلنا : هذا فيه ms9891 إشارة إلى ~~سعة رحمة الله ، فإن العبد بعد أن أتى بالكفر والمعصية طول عمره ، فإذا أتى ~~بالإيمان في آخر عمره يقبل إيمانه ، ويمدحه هذا المدح العظيم ، ويروي أن ~~الملائكة يقولون لمثل هذا الإنسان : أتيت وإن كنت قد أتيت . ويروى أنه عليه ~~السلام قال : ( لله أفرح بتوبة أحدكم من الضال الواجد ، والظمآن الوارد ) ~~والمعنى كان الرب تعالى يقول : ربيته سبعين سنة ، فإن مات على كفره فلا بد ~~وأن أبعثه إلى النار ، فحينئذ يضيع إحساني إليه في سبعين سنة ، فكلما كانت ~~مدة الكفر والعصيان أكثر كانت التوبة عنها أشد قبولا الوجه الثاني : في ~~الجواب ، روى أن المراد بالناس أهل اليمن ، قال أبو هريرة : لما نزلت هذه ~~السورة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الله أكبر جاء نصر الله ~~والفتح ، وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم الإيمان يمان والفقه يمان ~~والحكمة يمانية ، وقال : أجد نفس ربكم من قبل اليمن ) . # المسألة الثالثة : قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمون : إن إيمان ~~المقلد صحيح ، واحتجوا بهذه الآية ، قالوا : إنه تعالى حكم بصحة إيمان ~~أولئك الأفواج وجعله من أعظم المنن على محمد عليه السلام ، ولو لم يكن ~~إيمانهم صحيحا لما ذكره في هذا المعرض ، ثم إنا نعلم قطعا أنهم ما كانوا ~~عالمين حدوث الأجساد بالدليل ولا إثبات كونه تعالى منزها عن الجسمية ~~والمكان والحيز ولا إثبات كونه تعالى عالما بجميع المعلومات التي لا نهاية ~~لها ولا إثبات قيام المعجز التام على يد محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا ~~إثبات أن قيام المعجز كيف يدل على الصدق والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا ~~عالمين بهذه الدقائق ضروري ، فعلمنا أن إيمان المقلد PageV32P144 صحيح ، ~~ولا يقال : إنهم كانوا عالمين بأصول دلائل هذه المسائل لأن أصول هذه ~~الدلائل ظاهرة ، بل إنما كانوا جاهلين بالتفاصيل إلا أنه ليس من شرط كون ~~الإنسان مستدلا كونه عالما بهذه التفاصيل ، لأنا نقول : ءن الدليل لا يقبل ~~الزيادة والنقصان ، فإن الدليل إذا كان مثلا مركبا من عشر مقدمات ، فمن علم ~~تسعة / منها ، وكان في المقدمة ms9892 العاشرة مقلدا كان في النتيجة مقلدا لا ~~محالة لأن فرع التقليد أولى أن يكون تقليدا وإن كان عالما بمجموع تلك ~~المقدمات العشرة استحال كون غيره أعرف منه بذلك الدليل / لأن تلك الزيادة ~~إن كانت جزأ معتبرا في دلالة هذا الدليل لم تكن المقدمات العشرة الأولى ~~تمام الدليل ، فإنه لا بد معها من هذه المقدمة الزائدة ، وقد كنا فرضنا تلك ~~العشرة كافية ، وإن لم تكن الزيادة معتبرة في دلالة ذلك الدليل كان ذلك ~~أمرا منفصلا عن ذلك الدليل غير معتبر في كونه دليلا على ذلك المدلول ، فثبت ~~أن العلم بكون الدليل دليلا لا يقبل الزيادة والنقصان ، فأما أن يقال : إن ~~أولئك الأعراب كانوا عالمين بجميع مقدمات دلائل هذه المسائل بحيث ما شذ ~~عنهم من تلك المقدمات واحدة ، وذلك مكابرة أو ما كانوا كذلك . فحينئذ ثبت ~~أنهم كانوا مقلدين ، ومما يؤكذ ما ذكرنا ما روى عن الحسن أنه قال : لما فتح ~~رسول الله مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا : إذا ظفر بأهل الحرم وجب ~~أن يكون على الحق ، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل ، وكل من أرادهم ~~بسوء ثم أخذوا يدخلون في الإسلام أفواجا من غير قتال ، هذا ما رواه الحسن ، ~~ومعلوم أن الاستدلال بأنه لما ظفر بأهل مكة وجب أن يكون على الحق ليس بجيد ~~، فعلمنا أنهم ما كانوا مستدلين بل مقلدين . # المسألة الرابعة : دين الله هو الإسلام لقوله تعالى : { إن الدين عند ~~الله الإسلام } ولقوله : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } ~~وللدين أسماء أخرى ، منها الإيمان قال الله تعالى : { فأخرجنا من كان فيها ~~من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } ومنها الصراط قال ~~تعالى : { صراط الله الذى له ما فى * السماوات وما في الارض } ومنها كلمة ~~الله ، ومنها النور : { ليطفئوا نور الله } ومنها الهدي لقوله : { يهدى به ~~من يشاء } ومنها العروة : { فقد استمسك بالعروة الوثقى } ومنها الحبل : { ~~واعتصموا بحبل الله } ومنها صبغة الله ، وفطرة الله ، وإنما قال : { فى دين ~~الله } ولم يقل : في دين ms9893 الرب ، ولا سائر الأسماء لوجهين الأول : أن هذا ~~الاسم أعظم الأسماء لدلالته على الذات والصفات ، فكأنه يقول : هذا الدين إن ~~لم يكن له خصلة سوى أنه دين الله فإنه يكون واجب القبول والثاني : لو قال : ~~دين الرب لكان يشعر ذلك بأن هذا الدين إنما يجب عليك قبوله لأنه رباك ، ~~وأحسن إليك وحينئذ تكن طاعتك له معللة بطلب النفع ، فلا يكون الإخلاص حاصلا ~~، فكأنه يقول أخلص الخدمة بمجرد أني إله لا لنفع يعود إليك . # المسألة الخامسة : الفوج : الجماعة الكثيرة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها ~~بعدما كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا وإثنين إثنين ، وعن جابر بن عبد الله ~~أنه بكى ذات يوم فقيل له : ما يبكيك فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : ( دخل الناس في دين الله أفواجا ، وسيخرجون منه أفواجا ) نعوذ ~~بالله من السلب بعد العطاء . # ! 7 < { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } . > 7 @QB@ < # | النصر : ( 3 ) فسبح بحمد ربك . . . . . # > > PageV32P145 # قوله تعالى : { فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توبا } فيه مسائل : # المسألة الأولى : أنه تعالى أمره بالتسبيح ثم بالحمد ثم بالاستغفار ، ~~ولهذا الترتيب فوائد : # الفائدة الأولى : اعلم أن تأخير النصر سنين مع أن محمدا كان على الحق مما ~~يثقل على القلب ويقع في القلب أني إذا كنت على الحق فلم لا تنصرني ولم سلطت ~~هؤلاء الكفرة علي فلأجل الاعتذار عن هذا الخاطر أمر بالتسبيح ، أما على ~~قولنا : فالمراد من هذا التنزيه أنك منزه عن أن يستحق أحد عليك شيئا بل كل ~~ما تفعله فإنما تفعله بحكم المشيئة الإلهية فلك أن تفعل ما تشاء كما تشاء ~~ففائدة التسبيح تنزيه الله عن أن يستحق عليه أحد شيئا ، وأما على قول ~~المعتزلة : ما فائدة التنزيه هو أن يعلم العبد أن ذلك التأخير كان بسبب ~~الحكمة والمصلحة لا بسبب البخل وترجيح الباطل على الحق ، ثم إذا فرغ العبد ~~عن تنزيه الله عما لا ينبغي فحينئذ يشتغل بحمده على ما أعطى من الإحسان ~~والبر ، ثم حينئذ يشتغل بالاستغفار لذنوب نفسه الوجه الثاني : أن ms9894 للسائرين ~~طريقين فمنهم من قال : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله بعده ، ومنهم من قال : ~~ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله ، ولا شك أن هذا الطريق أكمل ، أما بحسب ~~المعالم الحكمية ، فلأن النزول من المؤثر إلى الأثر أجل مرتبة من الصعود من ~~الأثر إلى المؤثر ، وأما بحسب أفكار أرباب الرياضات فلأن ينبوع النور هو ~~واجب الوجود وينبوع الظلمة ممكن الوجود ، فالاستغراق في الأول يكون أشرف لا ~~محالة ، ولأن الاستدلال بالأصل على التبع يكون أقوى من الاستدلال بالتبع ~~على الأصل ، وإذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على هذه الطريقة التي هي أشرف ~~الطريقين وذلك لأنه قدم الاشتغال بالخالق على الاشتغال بالنفس فذكر أولا من ~~الخالق أمرين أحدهما : التسبيح والثاني : التحميد ، ثم ذكروا في المرتبة ~~الثالثة الاستغفار وهو حالة ممزوجة من الالتفات إلى الخالق وإلى الخلق . # واعلم أن صفات الحق محصورة في السلب والإيجاب والنفي والإثبات والسلوب ~~مقدمة على الإيجابات فالتسبيح إشارة إلى التعرض للصفات السلبية التي لواجب ~~الوجود وهي صفات الجلال ، والتحميد إشارة إلى الصفات الثبوتية له ، وهي ~~صفات الإكرام ، ولذلك فإن القرآن يدل على تقدم الجلال على الإكرام ، ولما ~~أشار إلى هذين النوعين من الاستغفار بمعرفة واجب الوجود نزل منه إلى ~~الاستغفار لأن الاستغفار فيه رؤية قصور النفس ، وفيه رؤية جود الحق ، وفيه ~~طلب لما هو الأصلح والأكمل للنفس ، ومن المعلوم أن بقدر اشتغال العبد ~~بمطالعة غير الله يبقى محروما عن مطالعة حضرة جلال الله ، فلهذه الدقيقة ~~أخر ذكر الاستغفار عن التسبيح والتحميد الوجه الثالث : أنه إرشاد للبشر إلى ~~التشبه بالملكية ، وذلك لأن أعلى كل نوع أسفل / متصل بأسفل النوع الأعلى ~~ولهذا قيل : آخر مراتب الإنسانية أول مراتب الملكية ثم الملائكة ذكروا في ~~أنفسهم { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } PageV32P146 فقوله ههنا : { فسبح بحمد ~~ربك } إشارة إلى التشبه بالملائكة في قولهم : { ونحن نسبح بحمدك } وقوله ~~ههنا : { واستغفره } إشارة إلى قوله تعالى : { ونقدس لك } لأنهم فسروا قوله ~~: { ونقدس لك } أي نجعل أنفسنا مقدسة لأجل رضاك والاستغفار يرجع معناه أيضا ~~إلى تقديس ms9895 النفس ، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ادعوا لأنفسهم أنهم سبحوا ~~بحمدي ورأوا ذلك من أنفسهم ، وأما أنت فسبح بحمدي واستغفر من أن ترى تلك ~~الطاعة من نفسك بل يجب أن تراها من توفيقي وإحساني / ويحتمل أن يقال : ~~الملائكة كما قالوا : في حق أنفسهم : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } قال ~~الله في حقهم : { ويستغفروا * للذين ءامنوا } فأنت يا محمد استغفر للذين ~~جاؤوا أفواجا كالملائكة يستغفرون للذين آمنوا ويقولون : { ربنا فاغفر * ~~للذين * تابوا واتبعوا سبيلك } الوجه الرابع : التسبيح هو التطهير ، فيحتمل ~~أن يكون المراد طهر الكعبة من الأصنام وكسرها ثم قال : { بحمد ربك } أن ~~ينبغي أن يكون إقدامك على ذلك التطهير بواسطة الاستغفار بحمد ربك ، وإعانته ~~وتقويته ، ثم إذا فعلت ذلك فلا ينبغي أن ترى نفسك آتيا بالطاعة اللائقة به ~~، بل يجب أن ترى نفسك في هذه الحالة مقصرة ، فاطلب الاستغفار عن تقصيرك في ~~طاعته والوجه الخامس : كأنه تعالى يقول يا محمد إما أن تكون معصوما أو لم ~~تكن معصوما فإن كنت معصوما فاشتغل بالتسبيح والتحميد ، وإن لم تكن معصوما ~~فاشتغل بالاستغفار فتكون الآية كالتنبيه على أنه لا فراغ عن التكليف في ~~العبودية كما قال : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } . # المسألة الثانية : في المراد من التسبيح وجهان الأول : أنه ذكر الله ~~بالتنزه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فقال تنزيه الله عن كل سوء ~~وأصله من سبح فإن السابح يسبح في الماء كالطير في الهواء ويضبط نفسه من أن ~~يرسب فيه فيهلك أو يتلوث من مقر الماء ومجراه والتشديد للتبعيد لأنك تسبحه ~~أي تبعده عما لا يجوز عليه ، وإنما حسن استعماله في تنزيه الله عما لا يجوز ~~عليه من صفات الذات والفعل نفيا وإثباتا لأن السمكة كما أنها لا تقبل ~~النجاسة فكذا الحق سبحانه لا يقبل مالا ينبغي البتة فاللفظ يفيد التنزيه في ~~الذات والصفات والأفعال والقول الثاني : أن المراد بالتسبيح الصلاة لأن هذا ~~اللفظ وارد في القرآن بمعنى الصلاة قال تعالى : { فسبحان الله حين تمسون ~~وحين تصبحون } وقال : { فسبح ms9896 بحمد ربك * قبل طلوع الشمس } والذي يؤكده أن ~~هذه السورة من آخر ما نزل ، وكان عليه السلام في آخر مرضه يقول : ( الصلاة ~~وما ملكت أيمانكم ) جعل يلجلجها في صدره وما يقبض بها لسانه ، ثم قال بعضهم ~~: عني به صلاة الشكر صلاها يوم الفتح ثمان ركعات ) وقال آخرون : هي صلاة ~~الضحى ، وقال آخرون : صلي ثمان ركعات أربعة للشكر وأربعة الضحى وتسمية ~~الصلاة بالتسبيح لما أنها لا تنفك عنه وفيه تنبيه : على أنه يجب تنزيه ~~صلاتك عن أنواع النقائص في الأقوال والأفعال ، واحتج / أصحاب القول الأول ~~بالأخبار الكثيرة الواردة في ذلك ، روت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد نزول هذه السورة يكثر أن يقول : سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك ~~وأتوب إليك ، وقالت أيضا : كان الرسول يقول كثيرا في ركوعه سبحانك اللهم ~~وبحمدك اللهم اغفر لي وعنها أيضا كان نبي الله في آخر أمره لا يقوم ولا ~~يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلى قال سبحان الله وبحمده فقلت يا رسول الله إنك ~~تكثر من قولة سبحان الله وبحمده قال : إني أمرت بها ، وقرأ : { إذا جاء نصر ~~الله } وعن ابن مسعود : ( لما نزلت هذه السورة كان عليه السلام يكثر أن ~~يقول : سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الغفور ) وروى ~~أنه قال : ( إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة ) . # المسألة الثانية : الآية تدلى على فضل التسبيح والتحميد حيث جعل كافيا في ~~أداء ما وجب عليه من شكر نعمة النصر والفتح ، ولم لا يكون كذلك وقوله : ( ~~الصوم لي ) من أعظم الفضائل للصوم فإنه أضافه إلى ذاته ، ثم إنه جعل صدف ~~الصلاة مساويا للصوم في هذا التشريف : { وأن المساجد لله } فهذا يدل على أن ~~الصلاة أفضل من الصوم بكثير / ثم إن الصلاة صدف للأذكار ولذلك قال : { ~~ولذكر الله أكبر } وكيف لا يكون كذلك ، والثناء عليه مما مدحه معلوم عقلا ~~وشرعا أما كيفية الصلاة فلا PageV32P147 سبيل إليها إلا بالشرع ولذلك جعلت ~~الصلاة كالمرصعة من التسبح والتكبير . فإن قيل : عدم وجوب التسبيحات يقتضي ~~أنها ms9897 أقل درجة من سائر أعمال الصلاة . قلنا الجواب عنه من وجوه : أحدها : ~~أن سائر أفعال الصلاة مما لا يميل القلب إليه فاحتيج فيها إلى الإيجاب أما ~~التسبيح والتهليل فالعقل داع إليه والروح عاشق عليه فاكتفى بالحب الطبيعي ~~ولذلك قال : { والذين ءامنوا أشد حبا } ، وثانيها : أن قوله : { فسبح } أمر ~~والأمر المطلق للوجوب عند الفقهاء ، ومن قال : الأمر المطلق للندب قال : ~~إنه ههنا للوجوب بقرينة أنه عطف عليه الاستغفار والاستغفار واجب ومن حق ~~العطف التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه وثالثها : أنها لو وجبت لكان ~~العقاب الحاصل بتركها أعظم إظهارا لمزيد تعظيمها فترك الإيجاب خوفا من هذا ~~المحذور . # المسألة الرابعة : أما الحمد فقد تقدم تفسيره ، وأما تفسير قوله : { فسبح ~~بحمد ربك } فذكروا فيه وجوها : أحدها : قال صاحب الكشاف أي قل : { سبحان ~~الله * والحمد لله } متعجبا مما أراك من عجيب أنعامه أي اجمع بينهما تقول : ~~شربت الماء باللبن إذا جمعت بينهما خلطا وشربا وثانيها : أنك إذا حمدت الله ~~فقد سبحته لأن التسبيح داخل في الحمد لأن الثناء عليه والشكر له لا بد وأن ~~يتضمن تنزيهه عن النقائص لأنه لا يكون مستحقا للثناء إلا إذا كان منزها عن ~~النقص ولذلك جعل مفتاح القرآن بالحمد لله وعند فتح مكة قال : الحمد لله ~~الذي نصر عبده ، ولم يفتتح كلامه بالتسبيح فقوله : { فسبح بحمد ربك } معناه ~~سبحه بواسطة أن تحمده أي سبحه بهذا الطريق وثالثها : / أن يكون حالا ، ~~ومعناه سبح حامدا كقولك : اخرج بسلاحك أي متسلحا ورابعها : يجوز أن يكون ~~معناه سبح مقدرا أن تحمد بعد التسبيح كأنه يقول : لا يتأتى لك الجمع لفظا ~~فاجمعهما نية كما أنك يوم النحر تنوي الصلاة مقدرا أن تنحر بعدها ، فيجتمع ~~لك الثوابان في تلك الساعة كذا ههنا وخامسها : أن تكون هذه الباء هي التي ~~في قولك : فعلت هذا بفضل الله ، أي سبحه بحمد الله وإرشاده وإنعامه ، لا ~~بحمد غيره ، ونظيره في حديث الإفك قول عائشة : ( بحمد الله لا بحمدك ) ~~والمعنى : فسبحه بحمده ، فإنه الذي هداك دون غيره ، ولذلك روى أنه عليه ms9898 ~~السلام كان يقول : ( الحمد لله على الحمد لله ) وسادسها : روى السدي بحمد ~~ربك ، أي بأمر ربك وسابعها : أن تكون الباء صلة زائدة ، ويكون التقدير : ~~سبح حمد ربك ، ثم فيه احتمالات أحدها : اختر له أطهر المحامد وأزكاها ~~والثاني : طهر محامد ربك عن الرياء والسمعة ، والتوسل بذكرها إلى الأغراض ~~الدنيوية الفاسدة والثالث : طهر محامد ربك عن أن تقول : جئت بها كما يليق ~~به . وإليه الإشارة بقوله : { وما قدروا الله حق قدره } وثامنها : أي ائت ~~بالتسبيح بدلا عن الحمد الواجب عليك ، وذلك لأن الحمد إنما يجب في مقابلة ~~النعم ، ونعم الله علينا غير متناهية ، فحمدها لا يكون في وسع البشر ، ~~ولذلك قال : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } فكأنه تعالى يقول : أنت ~~عاجز عن الحمد ، فأت بالتسبيح والتنزيه بدلا عن الحمد وتاسعها : فيه إشارة ~~إلى أن التسبيح والحمد أمر أن لا يجوز تأخير أحدهما عن الثاني ، ولا يتصور ~~أيضا أن يؤتى بهما معا ، فنظيره من ثبت له حق الشفعة وحق الرد بالعيب ، وجب ~~أن يقول : اخترت الشفعة بردي ذلك المبيع ، كذا قال : { فسبح بحمد ربك } ~~ليقعا معا ، فيصير حامدا مسبحا في وقت واحد معا وعاشرها : أن يكون المراد ~~سبح قلبك / أي طهر قلبك بواسطة مطالعة حمد ربك ، فإنك إذا رأيت أن الكل من ~~الله ، فقد طهرت قلبك عن الالتفات إلى نفسك وجهدك ، فقوله : { فسبح } إشارة ~~إلى نفي ما سوى الله تعالى ، وقوله : { بحمد ربك } إشارة PageV32P148 إلى ~~رؤية كل الأشياء من الله تعالى . # المسألة الخامسة : في قوله : { واستغفره } وجوهأحدها : لعله عليه السلام ~~كان يتمنى أن ينتقم ممن آذاه ، ويسأل الله أن ينصره ، فلما سمع : { إذا جاء ~~نصر الله } استبشر ، لكن لو قرن بهذه البشارة شرط أن لا ينتقم لتنغصت عليه ~~تلك البشارة ، فذكر لفظ الناس وأنهم يدخلون في دين الله وأمره بأن يستغفر ~~للداخلين لكن من المعلوم أن الاستغفار لمن لا ذنب له لا يحسن فعلم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بهذا الطريق أنه تعالى ندبه إلى العفو وترك الانتقام ، ~~لأنه لما أمره بأن ms9899 يطلب لهم المغفرة فكيف يحسن منه أن يشتغل بالانتقام منهم ~~؟ ثم ختم بلفظ التواب كأنه يقول : إن قبول التوبة حرفته فكل من طلب منه ~~التوبة أعطاه كما أن البياع حرفته بيع الأمتعة التي عنده فكل من طلب منه ~~شيئا من تلك الأمتعة باعه منه ، سواء كان المشتري عدوا أو وليا ، فكذا الرب ~~سبحانه يقبل التوبة سواء كان التائب مكيا أو مدنيا ، ثم إنه عليه السلام ~~امتثل أمر الرب تعالى فحين قالوا له : أخ كريم وابن أخ كريم قال لهم : / { ~~لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم } أي أمرني أن استغفر لكم فلا يجوز أن ~~يردني وثالثها : أن قوله : { واستغفره } إما أن يكون المراد واستغفر الله ~~لنفسك أو لأمتك ، فإن كان المراد هو الأول فهو يتفرع على أنه هل صدرت عنه ~~معصية أم لا فمن قال : صدرت المعصية عنه ذكر في فائدة الاستغفار وجوها : ~~أحدها : أنه لا يمتنع أن تكون كثرة الاستغفار منه تؤثر في جعل ذنبه صغيرة ~~وثانيها : لزمه الاستغفار ليصير الاستغفار جابرا للذنب الصغير فلا ينتقض من ~~ثوابه شيء أصلا ، وأما من قال : ما صدرت المعصية عنه فذكر في هذا الاستغفار ~~وجوها : أحدها : أن استغفار النبي جار مجرى التسبيح وذلك لأنه وصف الله ~~بأنه غفار وثانيها : تعبده الله بذلك ليقتدي به غيره إذ لا يأمن كل مكلف عن ~~تقصير يقع منه في عبادته ، وفيه تنبيه على أنه مع شدة اجتهاده وعصمته ما ~~كان يستغني عن الاستغفار فكيف من دونه وثالثها : أن الاستغفار كان عن ترك ~~الأفضل ورابعها : أن الاستغفار كان بسبب أن كل طاعة أتى بها العبد فإذا ~~قابلها بإحسان الرب وجدها قاصرة عن الوفاء بأداء شكر تلك النعمة ، فليستغفر ~~الله لأجل ذلك وخامسها : الاستغفار بسبب التقصير الواقع في السلوك لأن ~~السائر إلى الله إذا وصل إلى مقام في العبودية ، ثم تجاوز عنه فبعد تجاوزه ~~عنه يرى ذلك المقام قاصرا فيستغفر الله عنه ، ولما كانت مراتب السير إلى ~~الله غير متناهية لا جرم كانت مراتب هذا الاستغفار غير متناهية ms9900 ، أما ~~الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد واستغفره لذنب أمتك فهو أيضا ظاهر ، ~~لأنه تعالى أمره بالاستغفار لذنب أمته في قوله : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات } فههنا لما كثرت الأمة صار ذلك الاستغفار أوجب وأهم ، وهكذا إذا ~~قلنا : المراد ههنا أن يستغفر لنفسه ولأمته . # المسألة السادسة : في الآية إشكال ، وهو أن التوبة مقدمة على جميع ~~الطاعات ، ثم الحمد مقدم على التسبيح ، لأن الحمد يكون بسبب الإنعام ، ~~والإنعام كما يصدر عن المنزه فقد يصدر عن غيره ، فكان ينبغي أن يقع ~~الابتداء بالاستغفار ، ثم بعده يذكر الحمد ، ثم بعده يذكر التسبيح ، فما ~~السبب في أن صار مذكورا على العكس من هذا الترتيب ؟ وجوابه : من وجوه أولها ~~: لعله ابتدأ بالأشرف ، فالأشرف نازلا إلى الأخس فالأخس ، تنبيها على أن ~~النزول من الخالق إلى الخلق أشرف من الصعود من الخلق إلى الخالق وثانيها : ~~فيه تنبيه على أن التسبيح والحمد الصادر عن العبد إذا صار مقابلا بجلال ~~الله وعزته صار عين الذنب ، فوجب الاستغفار منه وثالثها : للتسبيح والحمد ~~إشارة إلى التعظيم لأمر الله ، والاستغفار إشارة إلى الشفقة على خلق ~~PageV32P149 ( الله ) ، والأول كالصلاة ، والثاني كالزكاة ، وكما أن الصلاة ~~مقدمة على الزكاة ، فكذا ههنا . # المسألة السابعة : الآية تدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه ~~الإعلان بالتسبيح والاستغفار ، وذلك من وجوه أحدها : أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان مأمورا بإبلاغ السورة / إلى كل الأمة حتى يبقى نقل القرآن ~~متواترا ، وحتى نعلم أنه أحسن القيام بتبليغ الوحي ، فوجب عليه الإتيان ~~بالتسبيح والاستغفار على وجه الإظهار ليحصل هذا الغرض وثانيها : أنه من ~~جملة المقاصد أن يصير الرسول قدوة للأمة حتى يفعلوا عند النعمة والمحنة ، ~~ما فعله الرسول من تجديد الشكر والحمد عند تجديد النعمة وثالثها : أن ~~الأغلب في الشاهد أن يأتي بالحمد في ابتداء الأمر ، فأمر الله رسوله بالحمد ~~والاستغفار دائما ، وفي كل حين وأوان ليقع الفرق بينه وبين غيره ، ثم قال : ~~واستغفره حين نعيت نفسه إليه ليفعل الأمة عند اقتراب آجالهم مثل ذلك . # المسألة الثامنة : في الآية سؤالات أحدها : وهو ms9901 أنه قال : { إنه كان توبا ~~} على الماضي وحاجتنا إلى قبوله في المستقبل وثانيها : هلا قال : غفارا كما ~~قاله : في سورة نوح وثالثها : أنه قال : { نصر الله } وقال : { فى دين الله ~~} فلم لم يقل : بحمد الله بل قال : { بحمد ربك } والجواب : عن الأول من ~~وجوه أحدها : أن هذا أبلغ كأنه يقول : ألست أثنيت عليكم بأنكم : { خير أمة ~~أخرجت للناس } ثم من كان دونكم كنت أقبل توبتهم كاليهود فإنهم بعد ظهور ~~المعجزات العظيمة ، وفلق البحر ونتق الجبل ، ونزول المن والسلوى عصوا ربهم ~~. وأتوا بالقبائح ، فلما تابوا قبلت توبتهم فإذا كنت قابلا للتوبة ممن ~~دونكم أفلا أقبلها منكم وثانيها : منذ كثير كنت شرعت في قبول توبة العصاة ~~والشروع ملزم على قبول النعمان فكيف في كرم الرحمن وثالثها : كنت توابا قبل ~~أن آمركم بالاستغفار أفلا أقبل وقد أمرتكم بالاستغفار ورابعها : كأنه إشارة ~~إلى تخفيف جنايتهم أي لستم بأول من جنى وتاب بل هو حرفتي ، والجناية مصيبة ~~للجاني والمصيبة إذا عمدت خفت وخامسها : كأنه نظير ما يقال : # لقد أحسن الله فيما مضى # كذلك يحسن فيما بقي والجواب : عن السؤال الثاني من وجوه أحدها : لعله خص ~~هذه الأمة بزيادة شرف لأنه لا يقال في صفات العبد غفار ، ويقال : تواب إذا ~~كان آتيا بالتوبة ، فيقول تعالى : كنت لي سميا من أول الأمر أنت مؤمن ، ~~وأنا مؤمن ، وإن كان المعنى مختلفا فتب حتى تصير سميا لي آخر الأمر ، فأنت ~~تواب ، وأنا تواب ، ثم إن التواب في حق الله ، هو أنه تعالى يقبل التوبة ~~كثيرا فنبه على أنه يجب على العبد أن يكون إتيانه كثيرا وثانيها : إنما قيل ~~: توابا لأن القائل قد يقول : أستغفر اا وليس بتائب ، ومنه قوله : ( ~~المستغفر بلسانه المصر بقلبه كالمستهزىء بربه ) إن قيل : فقد يقول : أتوب ، ~~وليس بتائب ، قلنا : فإذا يكون كاذبا ، لأن التوبة اسم للرجوع والندم ، ~~بخلاف الاستغفار فإنه لا يكون كاذبا فيه ، فصار تقدير الكلام ، واستغفره ~~بالتوبة ، وفيه تنبيه على أن خواتيم الأعمال يجب أن تكون بالتوبة ~~والاستغفار ، وكذا خواتيم الأعمال ، وروى أنه ms9902 لم يجلس مجلسا إلا ختمه ~~بالاستغفار والجواب : عن السؤال الثالث أنه تعالى راعى العدل فذكر اسم ~~الذات مرتين وذكر اسم الفعل مرتين أحدهما : الرب والثاني : التواب ، ولما ~~كانت التربية تحصل أولا والتوابية آخرا ، لا جرم ذكر اسم الرب أولا واسم ~~التواب آخرا . PageV32P150 # / المسألة التاسعة : الصحابة اتفقوا على أن هذه السورة دلت على أنه نعي ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم روى أن العباس عرف ذلك وبكى فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ما يبكيك فقال : نعيت إليك نفسك فقال : الأمر كما تقول ، ~~وقيل : إن ابن عباس هو الذي قال ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : ( لقد أوتي ~~هذا الغلام علما كثيرا ) روى أن عمر كان يعظم ابن عباس ويقربه ويأذن له مع ~~أهل بدر ، فقال عبدالرحمن : أتأذن لهذا الفتى معنا ، وفي أبنائنا من هو ~~مثله ؟ فقال : لأنه ممن قد علمتم قال ابن عباس : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي ~~معهم فسألهم عن قول الله : { إذا جاء نصر الله } وكأنه ما سألهم إلا من ~~أجلي فقال بعضهم : أمر الله نبيه إذا فتح أن يستغفره ويتوب إليه ، فقلت : ~~ليس كذلك ولكن نعيت إليه نفسه فقال عمر : ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم ، ~~ثم قال : كيف تلومونني عليه بعدما ترون ، وروى أنه لما نزلت هذه السورة خطب ~~وقال : ( إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين لقائه والآخرة فاختار لقاء ~~الله ) فقال السائل : وكيف دلت هذه السورة على هذا المعنى ؟ الجواب : من ~~وجوه أحدها : قال بعضهم : إنما عرفوا ذلك لما روينا أن الرسول خطب عقيب ~~السورة وذكر التخيير وثانيها : أنه لما ذكر حصول النصر والفتح ودخول الناس ~~في الدين أفواجا دل ذلك على حصول الكال والتمام ، وذلك يعقبه الزوال كما ~~قيل : # إذا تم شيء دنا نقصه # توقع زوالا إذا قيل تم وثالثها : أنه أمره بالتسبيح والحمد والاستغفار ~~مطلقا واشتغاله به يمنعه عن الاشتغال بأمر الأمة فكان هذا كالتنبيه على أن ~~أمر التبليغ قد تم وكمل ، وذلك يوجب الموت لأنه لو بقي بعد ذلك لكان ms9903 ~~كالمعزول عن الرسالة وأنه غير جائز ورابعها : قوله : { واستغفره } تنبيه ~~على قرب الأجل كأنه يقول قرب الوقت ودنا الرحيل فتأهب للأمر ، ونبهه به على ~~أن سبيل العاقل إذا قرب أجله أن يستكثر من التوبة وخامسها : كأنه قيل له : ~~كان منتهى مطلوبك في الدنيا هذا الذي وجدته ، وهو النصر والفتح والاستيلاء ~~، والله تعالى وعدك بقوله : { والاخرة خير * لك من الاولى } فلما وجدت أقصى ~~مرادك في الدنيا فانتقل إلى الآخرة لتفوز بتلك السعادات العالية . # المسألة العاشرة : ذكرناأن الأصح هو أن السورة نزلت قبل فتح مكة . وأما ~~الذين قالوا : إنها نزلت بعد فتح مكة ، فذكر الماوردي أنه عليه السلام لم ~~يلبث بعد نزول هذه السورة إلا ستين يوما مستديما للتسبيح والاستغفار ، وقال ~~مقاتل : عاش بعدها حولا ونزل : { اليوم أكملت لكم دينكم } فعاش بعده ثمانين ~~يوما ثم نزل آية الكلالة ، فعاش بعدها همسين يوما ، ثم نزل : { لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم } فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما ثم نزل : { واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله } فعاش بعدها أحد عشر يوما وفي رواية أخرى عاش بعدها ~~سبعة أيام ، والله أعلم كيف كان ذلك . # PageV32P151 < # > 1 ( سورة المسد ) 1 < # > # خمس آيات مكية بالاتفاق } # اعلم أنه تعالى قال : { } # اعلم أنه تعالى قال : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ثم بين في ~~سورة : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } أن محمدا عليه الصلاة والسلام أطاع ~~ربه وصرح بنفي عبادة الشركاء والأضداد وأن الكافر عصى ربه واشتغل بعبادة ~~الأضداد والأنداد ، فكأنه قيل : إلهنا ما ثواب المطيع ، وما عقاب العاصي ؟ ~~فقال : ثواب المطيع حصول النصر والفتح والاستيلاء في الدنيا والثواب الجزيل ~~في العقبى ، كما دل عليه سورة : { إذا جاء نصر الله } وأما عقاب العاصي فهو ~~الخسار في الدنيا والعقاب العظيم في العقبى ، كما دلت عليه سورة : { تبت } ~~ونظيره قوله تعالى في آخر سورة الأنعام : { وهو الذى جعلكم خلائف الارض ~~ورفع بعضكم فوق بعض درجات } فكأنه قيل : إلهنا أنت الجواد المنزه عن البخل ~~والقادر المنزه عن العجز ، فما السبب في هذا التفاوت ؟ فقال : { ليبلوكم * ~~فيما ms9904 * ءاتاكم } فكأنه قيل : إلهنا فإذا كان العبد مذنبا عاصيا فكيف حاله ؟ ~~فقال : في الجواب : { إن ربك سريع العقاب } وإن كان مطيعا منقادا كان جزاؤه ~~أن الرب تعالى يكون غفورا لسيئاته في الدنيا رحيما كريما في الآخرة ، ~~وذكروا في سبب نزول هذه السورة وجوها أحدها : قال ابن عباس : كان رسول الله ~~يكتم أمره في أول المبعث ويصلي في شعاب مكة ثلاث سنين إلى أن نزل قوله ~~تعالى : { وأنذر عشيرتك الاقربين } فصعد الصفا ونادى يا آل غالب فخرجت إليه ~~غالب من المسجد فقال أبو لهب : هذه غالب قد أتتك فما عندك ؟ ثم نادى يا آل ~~لؤي فرجع من لم يكن من لؤي فقال أبو لهب : هذه لؤي قد أتتك فما عندك ؟ ثم ~~قال يا آل مرة فرجع من لم يكن من مرة ، فقال أبو لهب : هذه لؤي قد أتتك فما ~~عندك ؟ ثم قال : يا آل مرة فرجع من لم يكن من مرة ، فقال أبو لهب : هذه مرة ~~قد أتتك فما عندك ؟ ثم قال يا آل كلاب ، ثم قال بعده : يا آل قصي ، فقال ~~أبو لهب : هذه قصي قد أتتك فيما عندك ؟ فقال : إن الله أمرني أن أنذر ~~عشيرتي الأقربين وأنتم الأقربون ، اعلموا أني لا أملك لكم من الدنيا حظا ~~ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله فأشهد بها لكم عند ربكم ~~فقال أبو لهب عند ذلك : تبا لك ألهذا دعوتنا ، فنزلت السورة وثانيها : روى ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد الصفا ذات يوم وقال : يا صباحاه ~~فاجتمعت إليه قريش فقالوا : مالك ؟ قال : أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو ~~مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني ؟ قالوا : بلى قال : فإني نذير لكم بين ~~يدي عذاب PageV32P152 شديد ، فقال عند ذلك أبو لهب ما قال فنزلت السورة ~~وثالثها : أنه جمع أعمامه وقدم إليهم طعاما في صحفة فاستحقروه وقالوا : إن ~~أحدنا يأكل كل الشاة ، فقال : كلوا فأكلوا حتى شبعوا ولم ينقص من الطعام ~~إلا اليسير ، ثم قالوا : فما عندك ؟ فدعاهم إلى الإسلام ms9905 فقال أبو لهب ما ~~قال ، وروى أنه قال أبو لهب : فمالي إن أسلمت فقال : ما للمسلمين ، فقال : ~~أفلا أفضل عليهم ؟ فقال / النبي عليه الصلاة والسلام بماذا تفضلا فقال : ~~تبا لهذا الدين يستوي فيه أنا وغيري ورابعها : كان إذا وفد على النبي وفد ~~سألوا عمه عنه وقالوا : أنت أعلم به فيقول لهم : إنه ساحر فيرجعون عنه ولا ~~يلقونه ، فأتاه وفد فقال لهم مثل ذلك فقالوا : لا ننصرف حتى نراه فقال : ~~إنا لم نزل نعالجه من الجنون فتبا له وتعسا ، فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك فحزن ونزلت السورة . # ! 7 < { تبت يدآ أبى لهب وتب } . > 7 ! # قوله تعالى : { تبت يدا أبى لهب } < < # | المسد : ( 1 ) تبت يدا أبي . . . . . # > > اعلم أن قوله : { تبت } فيه أقاويل أحدها : التباب الهلاك ، ومنه ~~قولهم شابة أم تابة أي هالكة من الهرم ، ونظيره قوله تعالى : { وما كيد ~~فرعون إلا فى تباب } أي في هلاك ، والذي يقرر ذلك ن الأعرابي لما واقع أهله ~~في نهار رمضان قال : هلكت وأهلكت ، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام ما ~~أنكر ذلك ، فدل على أنه كان صادقا في ذلك ، ولا شك أن العمل إما أن يكون ~~داخلا في الإيمان ، أو إن كان داخلا لكنه أضعف أجزائه ، فإذا كان بترك ~~العمل حصل الهلاك ، ففي حق أبي لهب حصل ترك الإعتقاد والقول والعمل ، وحصل ~~وجود الإعتقاد الباطل ، والقول الباطل ، والعمل الباطل ، فكيف يعقل أن لا ~~يحصل معنى الهلاك ، فلهذا قال : { تبت } وثانيها : تبت خسرت ، والتياب هو ~~الخسران المفضي إلى الهلاك ، ومنه قوله تعالى : { وما زادوهم غير تتبيب } ~~أي تخسير بدليل أنه قال في موضع آخر : غير تخسير وثالثها : تبت خابت ، قال ~~ابن عباس : لأنه كان يدفع القوم عنه بقوله : إنه ساحر ، فينصرفون عنه قبل ~~لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب فكان لا يتهم ، فلما نزلت السورة ~~وسمع بها غضب وأظهر العداوة الشديدة فصار متهما فلم يقبل قوله في الرسول ~~بعد ذلك ، فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه ، ولعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب ms9906 ~~بيده على كتف الوافد عليه ، فيقول : انصرف راشدا فإنه مجنون ، فإن المعتاد ~~أن من يصرف إنسانا عن موضع وضع يده علي كتفه ودفعه عن ذلك الموضع ورابعها : ~~عن عطاء تبت أي غلبت لأنه كان يعتقد أن يده هي العليا وأنه يخرجه من مكة ~~ويذله ويغلب عليه وخامسها : عن ابن وثاب ؛ صفرت يداه على كل خير ، وإن قيل ~~: ما فائدة ذكر اليد ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : ما يرى أنه أخذ حجرا ليرمي ~~به رسول الله ، روى عن طارق المحاربي أنه قال : رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في السوق يقول : يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا ، ~~ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه ، / لا تطيعوه فإنه كذاب ، فقلت : ~~من هذا ، فقالوا : محمد وعمه أبو لهب وثانيها : المراد من اليدين الجملة ~~كقوله تعالى : { ذالك بما قدمت يداك } ومنه قولهم : يداك أو كتا ، وقوله ~~تعالى : { مما عملت أيدينا } وهذا التأويل متأكد بقوله : { وتب } وثالثها : ~~تبت يداه أي دينه ودنياه أولاه وعقباه ، أو لأن بأحدى اليدين تجر المنفعة ، ~~وباوخرى تدفع المضرة ، أو لأن اليمنى سلاح والأخرى جنة ورابعها : روى أنه ~~عليه السلام لما دعاه نهارا فأبى ، فلما جن الليل ذهب إلى داره مستنا بسنة ~~نوح ليدعوه ليلا كما دعاه نهارا ، فلما دخل عليه قال له : جئتني معتذرا ~~فجلس النبي عليه PageV32P153 السلام أمامه كالمحتاج ، وجعل يدعوه إلى ~~الإسلام وقال : إن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت ، فقال : لا ~~أومن بك حتى يؤمن بك هذا الجدي ، فقال عليه الصلاة والسلام للجدي : من أنا ~~؟ فقال رسول الله : وأطلق لسانه يثني عليه ، فاستولى الحسد على أبي لهب ، ~~فأخذ يدي الجدي ومزقه وقال : تبا لك أثر فيك السحر ، فقال الجدي : بل تبا ~~لك ، فنزلت السورة على وفق ذلك : { تبت يدا أبى لهب } لتمزيقه يدي الجدي ~~وخامسها : قال محمد بن إسحاق : يروى أن أبا لهب كان يقول : يعدني محمد ~~أشياء ، لا أرى أنها كائنة يزعم أنها بعد الموت ، فلم يضع في يدي من ذلك ms9907 ~~شيئا ، ثم ينفخ في يديه ويقول : تبا لكما ما آرى فيكما شيئا ، فنزلت السورة ~~. # أما قوله تعالى : { وتب } ففيه وجوه أحدها : أنه أخرج الأول مخرج الدعاء ~~عليه كقوله : { قتل الإنسان ما أكفره } والثاني مخرج الخبر أي كان ذلك وحصل ~~، ويؤيده قراءة ابن مسعود وقد تب وثانيها : كل واحد منهما إخبار ولكن أراد ~~بالأول هلاك عمله ، وبالثاني هلاك نفسه ووجهه أن المرء إنما يسعى لمصلحة ~~نفسه وعمله ، فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين وثالثها : { تبت يدا ~~أبى لهب } يعني ماله ومنه يقال : ذات اليد { وتب } هو بنفسه كما يقال : { ~~خسروا أنفسهم وأهليهم } وهو قول أبي مسلم ورابعها : { تبت يدا أبى لهب } ~~يعني نفسه : { وتب } يعني ولده عتبة على ما روى أن عتبة بن أبي لهب خرج إلى ~~الشأم مع أناس من قريش فلما هموا أن يرجعوا قال لهم : عتبة بلغوا محمدا عني ~~أني قد كفرت بالنجم إذا هوى ، وروى أنه قال ذلك في وجه رسول الله وتفل في ~~وجهه ، وكان مبالغا في عداوته ، فقال : اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فوقع ~~الرعب في قلب عتبة وكان يحترز فسار ليلة من الليالي فلما كان قريبا من ~~الصبح ، فقال له أصحابه : هلكت الركاب فما زالوا به حتى نزل وهو مرعوب ~~وأناخ الإبل حوله كالسرادق فلسط الله عليه الأسد وألقى السكينة على الإبل ~~فجعل الأسد يتخلل حتى افترسه ومزقه ، فإن قيل : نزول هذه السورة كان قبل ~~هذه الوقعة ، وقوله : { وتب } إخبار عن الماضي ، فكيف يحمل عليه ؟ قلنا : ~~لأنه كان في معلومه تعالى أنه يحصل ذلك / وخامسها : { تبت يدا أبى لهب } ~~حيث لم يعرف حق ربه { وتب } حيث لم يعرف حق رسوله وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : لماذا كناه مع أنه كالكذب إذا لم يكن له ولد اسمه لهب ، ~~وأيضا فالتكنية من باب التعظيم ؟ والجواب : عن الأول أن التكنية قد تكون ~~اسما ، ويؤيذه قراءة من قرأ تبت يدا أبو لهب كما يقال : علي بن أبو طالب ~~ومعاوية بن أبو سفيان ، فإن هؤلاء أسماؤهم كناهم ms9908 ، وأما معنى التعظيم فأجيب ~~عنه من وجوه أحدها : أنه لما كان اسما خرج عن إفادة التعظيم والثاني : أنه ~~كان اسمه عبد العزي فعدل عنه إلى كنيته والثالث : أنه لما كان من أهل النار ~~ومآله إلى نار ذات لهب وافقت حاله كنيته ، فكان جديرا بأن يذكر بها ، ويقال ~~أبو لهب : كما يقال : أبو الشر للشرير وأبو الخير للخير الرابع : كنى بذلك ~~لتلهب وجنتيه وإشراقهما ، فيجوز أن يذكر بذلك تهكما به واحتقارا له . # السؤال الثاني : أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان نبي الرحمة والخلق ~~العظيم ، فكيف يليق به أن PageV32P154 يشافه عمه بهذا التغليظ الشديد ، ~~وكان نوح مع أنه في نهاية التغليظ على الكفار قال في ابنه الكافر إن ابني ~~من أهلي وإن وعدك الحق ، وكان إبراهيم عليه السلام يخاطب أباه بالشفقة في ~~قوله : يا أبت يا أبت وأبوه كان يخاطبه بالتغليظ الشديد ، ولما قال له : { ~~لارجمنك واهجرنى مليا } قال : { سلام عليك سأستغفر لك ربي } وأما موسى عليه ~~السلام فلما بعثه إلى فرعون قال له ولهرون : { فقولا له قولا لينا } مع أن ~~جرم فرعون كان أغلظ من جرم أبي لهب ، كيف ومن شرع محمد عليه الصلاة والسلام ~~أن الأب لا يقتل بابنه قصاصا ولا يقيم الرجم عليه وإن خاصمه أبوه وهو كافر ~~في الحرب فلا يقتله بل يدفعه عن نفسه حتى يقتله غيره والجواب : من وجوه ~~أحدها : أنه كان يصرف الناس عن محمد عليه الصلاة والسلام بقوله : إنه مجنون ~~والناس ما كانوا يتهمونه ، لأنه كان كالأب له ، فصار ذلك كالمانع من أداء ~~الرسالة إلى الخلق فشافهه الرسول بذلك حتى عظم غضبه وأظهر العداوة الشديدة ~~، فصار بسبب تلك العداوة متهما في القدح في محمد عليه الصلاة والسلام ، فلم ~~يقبل قوله فيه بعد ذلك وثانيها : أن الحكمة في ذلك ، أن محمدا لو كان يداهن ~~أحدا في الدين ويسامحه فيه ، لكانت تلك المداهنة والمسامحة مع عمه الذي هو ~~قائم مقام أبيه / فلما لم تحصل هذه المداهنة معه انقطعت الأطماع وعلم كل ~~أحد أنه لا يسامح أحدا ms9909 في شيء يتعلق بالدين أصلا وثالثها : أن الوجه الذي ~~ذكرتم كالمتعارض ، فإن كونه عما يوجب أن يكون له الشفقة العظيمة عليه ، ~~فلما انقلب الأمر وحصلت العداوة العظيمة ، لا جرم استحق التغليظ العظيم . # السؤال الثالث : ما السبب في أنه لم يقل قل : { تبت يدا أبى لهب وتب } ~~وقال في سورة الكافرون : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } ؟ الجواب : من ~~وجوه الأول : لأن قرابة العمومة تقتضي / رعاية الحرمة فلهذا السبب لم يقل ~~له : قل ذلك لئلا يكون مشافها لعمه بالشتم بخلاف السورة الأخرى فإن أولئك ~~الكفار ما كانوا أعماما له الثاني : أن الكفار في تلك السورة طعنوا في الله ~~فقال الله تعالى : يا محمد أجب عنهم : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } وفي ~~هذه السورة طعنوا في محمد ، فقال الله تعالى أسكت أنت فإني أشتمهم : { تبت ~~يدا أبى لهب } الثالث : لما شتموك ، فاسكت حتى تندرج تحت هذه الآية : { ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } وإذا سكت أنت أكون أنا المجيب عنك ، ~~يروى أن أبا بكر كان يؤذيه واحد فبقي ساكتا ، فجعل الرسول يدفع ذلك الشاتم ~~ويزجره ، فلما شرع أبو بكر في الجواب سكت الرسول ، فقال أبو بكر : ما السبب ~~في ذلك ؟ قال : لأنك حين كنت ساكتا كان الملك يجيب عنك ، فلما شرعت في ~~الجواب انصرف الملك وجاء الشيطان . # واعلم أن هذا تنبيه من الله تعالى على أن من لا يشافه السفيه كان الله ~~ذابا عنه وناصرا له ومعينا . # السؤال الرابع : ما الوجه في قراءة عبد الله بن كثير المكي حيث كان يقرأ ~~: { أبى لهب } ساكنة الهاء ؟ الجواب : قال أبو علي : يشبه أن يكون لهب ولهب ~~لغتين كالشمع والشمع والنهر والنهر ، وأجمعوا في قوله : { سيصلى نارا ذات ~~لهب } على فتح الهاء ، وكذا قوله : { ولا يغنى من اللهب } وذلك يدل على أن ~~الفتح أوجه من الإسكان ، وقال غيره : إنما اتفقوا على الفتح في الثانية ~~مراعاة لو فاق الفواصل . # ! 7 < { مآ أغنى عنه ماله وما كسب } . > 7 ! PageV32P155 # قوله تعالى : { ما أغنى عنه ماله وما كسب } < < # | المسد : ( 2 ) ما أغنى عنه ms9910 . . . . . # > > في الآية مسائل : # المسألة الأولى : ما في قوله : { ما أغنى } يحتمل أن يكون استفهاما بمعنى ~~الإنكار ، ويحتمل أن يكون نفيا ، وعلى التقدير الأول يكون المعنى أي تأثير ~~كان لماله وكسبه في دفع البلاء عنه ، فإنه لا أحدا كثر مالا من قارون فهل ~~دفع الموت عنه ، ولا أعظم ملكا من سليمان فهل دفع الموت عنه ، وعلى التقدير ~~الثاني يكون ذلك إخبارا بأن المال والكسب لا ينفع في ذلك . # المسألة الثانية : ما كسب مرفوع وما موصولة أو مصدرية يعني مكسوبه أو ~~كسبه ، يروى أنه كان يقول : إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي منه ~~نفسي بمالي وأولادي ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ثم ذكروا في المعنى ~~وجوها : أحدها : لم ينفعه ماله وما كسب بماله يعني رأس المال والأرباح ~~وثانيها : أن المال هو الماشية وما كسب من نسلها ، ونتاجها ، فإنه كان صاحب ~~النعم والنتاج وثالثها : { ماله } الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه ~~ورابعها : قال ابن عباس : { ما كسبت } ولده ، والدليل عليه قوله عليه ~~السلام : ( إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ) وقال عليه ~~السلام : ( أنت ومالك لأبيك ) وروى أن بني أبي لهب احتكموا إليه فاقتتلوا ~~فقام يحجز بينهم فدفعه بعضهم فوقع : فغضب فقال : أخرجوا عني الكسب / الخبيث ~~وخامسها : قال الضحاك : ما ينفعه ماله وعمله الخبيث يعني كيده في عداوة ~~رسول الله وسادسها : قال قتادة : { وما كسب } أي عمله الذي ظن أنه منه على ~~شيء كقوله : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل } وفي الآية سؤالات : # السؤال الأول : قال ههنا : { ما أغنى عنه ماله وما كسب } وقال في سورة : ~~{ واليل إذا يغشى } } وما يغني عنه ماله إذا تردى } فما الفرق ؟ الجواب : ~~التعبير بلفظ الماضي يكون آكد كقوله : { * } وما يغني عنه ماله إذا تردى } ~~فما الفرق ؟ الجواب : التعبير بلفظ الماضي يكون آكد كقوله : { * } فما ~~الفرق ؟ الجواب : التعبير بلفظ الماضي يكون آكد كقوله : { ما أغنى عنى ~~ماليه } وقوله : { أتى أمر الله } . # السؤال الثاني : ما أغنى عنه ماله وكسبه فيماذا ؟ الجواب ms9911 : قال بعضهم في ~~عداوة الرسول : فلم يغلب عليه ، وقال بعضهم : بل لم يغنيا عنه في دفع النار ~~ولذلك قال : { سيصلى } . # ! 7 < { سيصلى نارا ذات لهب } . > 7 ! # قوله تعالى : { سيصلى نارا ذات لهب } < < # | المسد : ( 3 ) سيصلى نارا ذات . . . . . # > > وفيه مسائل . # المسألة الأولى : لما أخبر تعالى عن حال أبي لهب في الماضي بالتباب وبأنه ~~ما أغنى عنه ماله وكسبه ، أخبر عن حاله في المستقبل بأنه : { سيصلى نارا } ~~. # المسألة الثانية : { سيصلى } قرىء بفتح الياء وبضمها مخففا ومشددا . # المسألة الثالثة : هذه الآيات تضمنت الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه ~~أحدها : الإخبار عنه بالتباب والخسار ، وقد كان كذلك وثانيها : الإخبار عنه ~~بعدم الانتفاع بماله وولده ، وقد كان كذلك . روى أبو رافع PageV32P156 مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان ~~الإسلام دخل بيتنا ، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت أنا ، وكان ~~العباس يهاب القوم ويكتم إسلامه ، وكان أبو لهب يخلف عن بدر ، فبعث مكانه ~~العاص بن هشام ، ولم يتخلف رجل منهم إلا بعث مكانه رجلا آخر ، فلما جاء ~~الخبر عن واقعة أهل بدر وجدنا في أنفسنا قوة ، وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل ~~القداح ألحيها في حجرة زمزم ، فكنت جالسا هناك وعندي أم الفضل جالسة ، وقد ~~سرنا ما جاءنا من الخبر إذا أقبل أبو لهب يجر رجليه ، فجلس على طنب الحجرة ~~وكان ظهري إلى ظهره ، فبينا هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحرث ~~بن عبد المطلب ، فقال له أبو لهب : كيف الخبر يا ابن أخي ؟ فقال : لقينا ~~القوم ومنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف أرادوا ، وايم الله مع ذلك تأملت ~~الناس ، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض ، قال أبو رافع : ~~فرفعت طنب الحجرة ، ثم قلت : أولئك والله الملائكة ، فأخذني وضربني على ~~الأرض ، ثم برك علي فضربني وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل إلى عمود ~~فضربته على رأسه وشجته ، وقالت : تستضعفه أن غاب سيده ، والله نحن مؤمنون ~~منذ أيام كثيرة ، وقد صدق فيما قال : فانصرف ذليلا ، فوالله ms9912 ما عاش إلا سبع ~~ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته ، / ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما ~~يدفناه حتى أنتين في بيته ، وكانت قريش تتقي العدسة وعدواها كما يتقي الناس ~~الطاعون ، وقالوا نخشى هذه القرحة ، ثم دفنوه وتركوه ، فهذا معنى قوله : { ~~ما أغنى عنه ماله وما كسب } وثالثها : الإخبار بأنه من أهل النار ، وقد كان ~~كذلك لأنه مات على الكفر . # المسألة الرابعة : احتج أهل السنة على وقوع تكليف مالا يطاق بأن الله ~~تعالى كلف أبا لهب بالإيمان ، ومن جملة الإيمان تصديق الله في كل ما أخبر ~~عنه ، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار ، فقد صار مكلفا بأنه ~~يؤمن بأنه لا يؤمن ، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال . وأجاب ~~الكعبي وأبو الحسين البصري بأنه لو آمن أبو لهب لكان لهذا الخبر خبرا بأنه ~~آمن ، لا بأنه ما آمن ، وأجاب القاضي عنه فقال : متى قيل : لو فعل الله ما ~~أخبر أنه لا يفعله فكيف يكون ؟ فجوابنا : أنه لا يصح الجواب عن ذلك بلا أو ~~نعم . # واعلم أن هذين الجوابين في غاية السقوط ، أما الأول : فلأن هذه الآية ~~دالة على أن خبر الله عن عدم إيمانه واقع ، والخبر الصدق عن عدم إيمانه ~~ينافيه وجود الإيمان منافاة ذاتية ممتنعة الزوال فإذا كان كلفه أن يأتي ~~بالإيمان مع وجود هذا الخبر فقد كلفه بالجمع بين المتنافيين . # وأما الجواب الثاني : فأرك من الأول لأنا لسنا في طلب أن يذكروا بلسانهم ~~لا أو نعم ، بل صريح العقل شاهد بأن بين كون الخبر عن عدم الإيمان صدقا ، ~~وبين وجود الإيمان منافاة ذاتية ، فكان التكليف بتحصيل أحد المتضادين حال ~~حصول الآخر تكليفا بالجمع بين الضدين ، وهذا الإشكال قائم سواء ذكر الخصم ~~بلسانه شيئا أم بقي ساكتا . # ! 7 < { وامرأته حمالة الحطب } . > 7 @QB@ < # | المسد : ( 4 ) وامرأته حمالة الحطب # > > # أما قوله تعالى : { وامرأته حمالة الحطب } ففيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء ومريئنه بالتصغير وقرىء حمالة الحطب بالنصب على ~~الشتم ، قال صاحب الكشاف : وأنا أستحب هذه القراءة وقد توسل ms9913 إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بجميل من أحب شتم أم جميل وقرىء بالنصب والتنوين والرفع ~~. PageV32P157 # المسألة الثانية : أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية ، ~~وكانت في غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . # وذكروا في تفسير كونها حمالة الحطب وجوها : أحدها : أنها كانت تحمل حزمة ~~من الشوك والحسك فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ، فإن قيل : إنها كانت ~~من بيت العز فكيف يقال : إنها حمالة الحطب ؟ قلنا : لعلها كانت مع كثرة ~~مالها خسيسة أو كانت لشدة عداوتها تحمل بنفسها الشوك والحطب ، لأجل أن ~~تليقه في طريق رسول الله وثانيها : أنها كانت تمشي بالنميمة يقال : الممشاء ~~بالنمائم المفسد بين الناس : يحمل الحطب بينهم ، أي يوقد بينهم النائرة ، ~~ويقال للمكثار : هو حاطب / ليل وثالثها : قول قتادة : أنها كانت تعير رسول ~~الله بالفقر ، فعيرت بأنها كانت تحتطب والرابع : قول أبي مسلم وسعيد بن ~~جبير : أن المراد ما حملت من الآثام في عداوة الرسول ، لأنه كالحطب في ~~تصيرها إلى النار ، ونظيره أنه تعالى شبه فاعل الإثم بمن يمشي وعلى ظهره ~~حمل ، قال تعالى : { فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا } وقال تعالى : { ~~يحملون أوزارهم على ظهورهم } وقال تعالى : { وحملها الإنسان } . # المسألة الثالثة : امرأته إن رفعته ، ففيه وجهان أحدهما : العطف على ~~الضمير في سيصلى ، أي سيصلي هو وامرأته . وفي جيدها في موضع الحال والثاني ~~: الرفع على الإبتداء ، وفي جيدها الخبر . # المسألة الرابعة : عن أسماء لما نزلت { تبت } جاءت أم جميل ولها ولولة ~~وبيدها حجر ، فدخلت المسجد ، ورسول الله جالس ومعه أبو بكر ، وهي تقول : # مذمما قلينا ودينه أبينا وحكمه عصينا # فقال أبو بكر : يا رسول الله قد أقبلت إليك فأنا أخاف أن تراك ، فقال ~~عليه السلام : ( إنها لا تراني ) وقرأ : { وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا } وقالت لأبي بكر : قد ذكر لي ~~أن صاحبك هجاني ، فقال أبو بكر : لا ورب هذا البيت ما هجاك ، فولت وهي تقول ~~: # قد علمت قريش أني بنت سيدها # وفي ms9914 هذه الحكاية أبحاث : # الأول : كيف جاز في أم جميل أن لا ترى الرسول ، وترى أبا بكر والمكان ~~واحد ؟ الجواب : أما على قول أصحابنا فالسؤال زائل ، لأن عند حصول الشرائط ~~يكون الإدراك جائزا لا واجبا ، فإن خلق الله الإدراك رأى وإلا فلا ، وأما ~~المعتزلة فذكروا فيه وجوها أحدها : لعله عليه السلام أعرض وجهه عنها وولاها ~~ظهره ، ثم إنها كانت لغاية غضبها لم تفتش ، أو لأن الله ألقى في قلبها خوفا ~~، فصار ذلك صارفا لها عن النظر وثانيها : لعل الله تعالى ألقى شبه إنسان ~~آخر على الرسول ، كما فعل ذلك بعيسى وثالثها : لعل الله تعالى حول شعاع ~~بصرها عن ذلك السمت حتى أنها ما رأته . # واعلم أن الإشكال على الوجوه الثلاثة لازم ، لأن بهذه الوجوه عرفنا أنه ~~يمكن أن يكون الشيء حاضر ولا نراه ، وإذا جوزنا ذلك فلم لا يجوز أن يكون ~~عندنا فيلات وبوقات ، ولا نراها ولا نسمعها . PageV32P158 # البحث الثاني : أن أبا بكر حلف أنه ما هجاك ، وهذا من باب المعاريض ، لأن ~~القرآن لا يسمى هجوا ، ولأنه كلام الله لا كلام الرسول ، فدلت هذه الحكاية ~~على جواز المعاريض . # / بقي من مباحث هذه الآية سؤالان : # السؤال الأول : لم لم يكتف بقوله : { وامرأته } بل وصفها بأنها حمالة ~~الحطب ؟ الجواب : قيل : كان له امرأتان سواها فأراد الله تعالى أن لا يظن ~~ظان أنه أراد كل من كانت امرأة له ، بل ليس المراد إلا هذه الواحدة . # السؤال الثاني : أن ذكر النساء لا يليق بأهل الكرم والمروءة ، فكيف يليق ~~ذكرها بكلام الله ، ولا سيما امرأة العم ؟ الجواب : لما لم يستبعد في امرأة ~~نوح وامرأة لوط بسبب كفر تينك المرأتين ، فلأن لا يستعبد في امرأة كافرة ~~زوجها رجل كافر أولى . # ! 7 < { فى جيدها حبل من مسد } . > 7 ! # قوله تعالى : { فى جيدها حبل من مسد } < < # | المسد : ( 5 ) في جيدها حبل . . . . . # > > قال الواحدي : المسد في كلام العرب الفتل ، يقال مسد الحبل يمسده ~~مسدا إذا أجاد فتله ، ورجل ممسود إذا كان مجدول الخلق ، والمسد ما مسد أي ~~فتل من أي ms9915 شيء كان ، فيقال لما فتل من جلود الإبل ، ومن الليف والخوص مسد . ~~ولما فتل من الحديد أيضا مسد ، إذا عرفت هذا فنقول ذكر المفسرون وجوها ~~أحدها : في جيدها حبل مما مسد من الحبال لأنها كانت تحمل تلك الحزمة من ~~الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون ، والمقصود بيان خساستها تشبيها ~~لها بالحطابات إيذاءه لها ولزوجها وثانيها : أن يكون المعنى أن حالها يكون ~~في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل الحزمة من الشوك ، ~~فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم وفي جيدها حبل من ~~سلاسل النار . # فإن قيل : الحبل المتخذ من المسد كيف يبقى أبدا في النار ؟ قلنا : كما ~~يبقى الجلد واللحم والعظم أبدا في النار ، ومنهم من قال : ذلك المسد يكون ~~من الحديد ، وظن من ظن أن المسد لا يكون من الحديد خطأ ، لأن المسد هو ~~المفتول سواء كان من الحديد أو من غيره ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، ~~والحمد لله رب العالمين . # PageV32P159 < # > 1 ( سورة الاخلاص ) 1 < # > # أربع آيات مكية # ! 7 < { قل هو الله أحد } . > 7 ! # { قل هو * أحد } < < # | الإخلاص : ( 1 ) قل هو الله . . . . . # > > قبل الخوض في التفسير لا بد من تقديم فصول : # الفصل الأول : روى أبي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ~~قرأ سورة قل هو الله أحد ، فكأنما قرأ ثلث القرآن وأعطى من الأجر عشر حسنات ~~بعدد من أشرك بالله وأمن بالله ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( من قرأ قل ~~هو الله أحد مرة واحدة أعطى من الأجر كمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~وأعطى من الأجر مثل مائة شهيد ) ، وروى : ( أنه كان جبريل عليه السلام مع ~~الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أقبل أبو ذر الغفاري ، فقال جبريل : هذا ~~أبو ذر قد أقبل ، فقال عليه الصلاة والسلام : أو تعرفونه ؟ قال : هو أشهر ~~عندنا منه عندكم ، فقال عليه الصلاة والسلام : بماذا نال هذه الفضيلة ؟ قال ~~لصغره في نفسه وكثرة قراءته قل هو الله أحد ) وروى أنس قال : ( كنا في تبوك ms9916 ~~فطلعت الشمس مالها شعاع وضياء وما رأيناها على تلك الحالة قط قبل ذلك فعجب ~~كلنا ، فنزل جبريل وقال : إن الله أمر أن ينزل من الملائكة سبعون ألف ملك ~~فيصلوا على معاوية بن معاوية ، فهل لك أن تصلي عليه ثم ضرب بجناحه الأرض ~~فأزال الجبال وصار الرسول عليه الصلاة والسلام كأنه مشرف عليه فصلى هو ~~وأصحابه عليه ، ثم قال : بم بلغ ما بلغ ؟ فقال جبريل : كان يحب سورة ~~الإخلاص ) وروى : ( أنه دخل المسجد فسمع رجلا يدعو ويقول أسألك يا ألله يا ~~أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فقال : غفر لك غفر ~~لك غفر لك ثلاث مرات ) وعن سهل بن سعد : ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وشكا إليه الفقر فقال : إذا دخلت بيتك فسلم إن كان فيه أحد وإن لم يكن ~~فيه أحد فسلم على نفسك ، واقرأ قل هو الله أحد مرة واحدة ففعل الرجل فأدر ~~الله عليه رزقا حتى أفاض على جيرانه ) وعن أنس : ( أن رجلا كان يقرأ في ~~جميع صلاته : { قل هو الله أحد } PageV32P160 فسأله الرسول عن ذلك فقال : ~~يا رسول الله إني أحبها ، فقال : حبك إياها / يدخلك الجنة ) وقيل من قرأها ~~في المنام : أعطي التوحيد وقلة العيال وكثرة الذكر لله ، وكان مستجاب ~~الدعوة . # الفصل الثاني : في سبب نزولها وفيه وجوه الأول : أنها نزلت بسبب سؤال ~~المشركين ، قال الضحاك : إن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا : شققت عصانا وسببت آلهتنا ، وخالفت دين آبائك ، فإن ~~كنت فقيرا أغنيناك ، وإن كنت مجنونا داويناك ، وإن هويت امرأة زوجناكها ، ~~فقال عليه الصلاة والسلام : لست بفقير ، ولا مجنون ، ولا هويت امرأة ، أنا ~~رسول الله أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته ، فأرسلوه ثانية وقالوا : قل ~~له بين لنا جنس معبودك ، أمن ذهب أو فضة ، فأنزل الله هذه السورة ، فقالوا ~~له : ثلثمائة وستون صنما لا تقوم بحوائجنا ، فكيف يقوم الواحد بحوائج الخلق ~~؟ فنزلت : { والصافات } إلى قوله : { إن إلاهكم لواحد } فأرسلوه ms9917 أخرى ، ~~وقالوا : بين لنا أفعاله فنزل : { إن ربكم الله الذى خلق * السماوات والارض ~~} الثاني : أنها نزلت بسبب سؤال اليهود روى عكرمة عن ابن عباس ، أن اليهود ~~جاؤا إلى رسول الله ومعهم كعب بن الأشرف ، فقالوا : يا محمد هذا الله خلق ~~الخلق ، فمن خلق الله ؟ فغضب نبي الله عليه السلام فنزل جبريل فسكنه ، وقال ~~: اخفض جناحك يا محمد ، فنزل : { قل هو الله أحد } فلما تلاه عليهم قالوا : ~~صف لنا ربك كيف عضده ، وكيف ذراعه ؟ فغضب أشد من غضبه الأول ، فأتاه جبريل ~~بقوله : { وما قدروا الله حق قدره } الثالث : أنها نزلت بسبب سؤال النصارى ~~، روى عطاء عن ابن عباس ، قال : قدم وفد نجران ، فقالوا : صف لنا ربك أمن ~~زبرجد أو ياقوت ، أو ذهب ، أو فضة ؟ فقال : إن ربي ليس من شيء لأنه خالق ~~الأشياء فنزلت : { قل هو الله أحد } قالوا : هو واحد ، وأنت واحد ، فقال : ~~ليس كمثله شيء ، قالوا : زدنا من الصفة ، فقال : { الله الصمد } فقالوا : ~~وما الصمد ؟ فقال : الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج ، فقالوا : زدنا فنزل ~~: { لم يلد } كما ولدت مريم : { ولم يولد } كما ولد عيسى : { ولم يكن له ~~كفوا أحد } يريد نظيرا من خلقه . # الفصل الثالث : في أساميها ، اعلم أن كثرة الألقاب تدل على مزيد الفضيلة ~~، والعرف يشهد لما ذكرناه فأحدها : سورة التفريد وثانيها : سورة التجريد ~~وثالثها : سورة التوحيد ورابعها : سورة الإخلاص لأنه لم يذكر في هذه السورة ~~سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال ، ولأن من اعتقده كان مخلصا في دين ~~الله ، ولأن من مات عليه كان خلاصه من النار ، ولأن ما قبله خلص في ذم أبي ~~لهب فكان جزاء من قرأه أن لا يجمع بينه وبين أبي لهب وخامسها : سورة النجاة ~~لأنها تنجيك عن التشبيه والكفر في الدنيا ، وعن النار في الآخرة وسادسها : ~~سورة الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله ولأن من عرف الله على هذا ~~الوجه فقد والاه فبعد محنة رحمة كما بعد منحة نعمة وسابعها : سورة النسبة ~~لما روينا أنه ورد جوابا لسؤال ms9918 من قال : أنسب لنا ربك ، ولأنه عليه السلام ~~قال لرجل من بني سليم : ( يا أخا بني سليم استوص / بنسبة الله خيرا ) وهو ~~من لطيف المباني ، لأنهم لما قالوا : أنسب لنا ربك ، فقال : نسبة الله هذا ~~والمحافظة على الأنساب من شأن العرب ، وكانوا يتشددون على من يزيد في بعض ~~الأنساب أو ينقص ، فنسبة الله في هذه السورة أولى بالمحافظة عليها وثامنها ~~: سورة المعرفة لأن معرفة الله لا تتم إلا بمعرفة هذه السورة ، روى جابر أن ~~رجلا صلى فقرأ : قل هو الله أحد فقال النبي عليه الصلاة والسلام : إن هذا ~~عبد عرف ربه فسميت سورة المعرفة لذلك وتاسعها : سورة الجمال قال عليه ~~الصلاة والسلام : ( إن الله جميل يحب الجمال ) فسألوه عن ذلك PageV32P161 ~~فقال : أحد صمد لم يلد ولم يولد لأنه إذا لم يكن واحدا عديم النظير جاز أن ~~ينوب ذلك المثل منابه وعاشرها : سورة المقشقشة ، يقال : تقشيش المريض مما ~~به ، فمن عرف هذا حصل له البرء من الشرك والنفاق لأن النفاق مرض كما قال : ~~{ فى قلوبهم مرض } الحادي عشر : المعوذة ، روى أنه عليه السلام دخل على ~~عثمان بن مظعون فعوذه بها وباللتين بعدها ، ثم قال : ( نعوذ بهن فما تعوذت ~~بخير منها ) والثاني عشر : سورة الصمد لأنها مختصة بذكره تعالى والثالث عشر ~~: سورة الأساس ، قال عليه الصلاة والسلام : ( أسست السموات السبع والأرضون ~~السبع على قل هو الله أحد ) ومما يدل عليه أن القول بالثلاثة سبب لخراب ~~السموات والأرض بدليل قوله : { تكاد * السماوات * يتفطرن منه وتنشق الارض ~~وتخر الجبال } فوجب أن يكون التوحيد سببا لعمارة هذه الأشياء وقيل السبب ~~فيه معنى قوله تعالى : { لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا } الرابع عشر : ~~سورة المانعة روى ابن عباس أنه تعالى قال : لنبيه حين عرج به أعطيتك سورة ~~الإخلاص وهي من ذخائر كنوز عرشي ، وهي المانعة تمنع عذاب القبر ولفحات ~~النيران الخامس عشر : سورة المحضر لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت ~~السادس عشر : المنفرة لأن الشيطان ينفر عند قراءتها السابع عشر : البراءة ~~لأنه روى أنه عليه ms9919 السلام رأى رجل يقرأ هذه السورة ، فقال : أما هذا فقد ~~برىء من الشرك ، وقال عليه السلام : من قرأ سورة قل هو الله أحد مائة مرة ~~في صلاة أو في غيرها كتبت له براءة من النار الثامن عشر : سورة المذكرة ~~لأنها تذكر العبد خالص التوحيد فقراءة السورة كالوسمة تذكرك ما تتغافل عنه ~~مما أنت محتاج إليه التاسع عشر : سورة النور قال الله تعالى : { الله نور * ~~السماوات والارض } فهو المنور للسموات والأرض ، والسورة تنور قلبك وقال ~~عليه السلام : ( إن لكل شيء نور ونور القرآن قل هو الله أحد ) ونظيره أن ~~نور الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة ، فصارت السورة للقرآن كالحدقة ~~للإنسان العشرون : سورة الأمان قال عليه السلام : ( إذا قال العبد لا إله ~~إلا الله دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي ) . # الفصل الرابع : في فضائل هذه السورة وهي من وجوه الأول : اشتهر في ~~الأحاديث أن قراءة هذه السورة تعدل قراءة ثلث القرآن ، ولعل الغرض منه أن ~~المقصود الأشرف من جميع الشرائع والعبادات ، معرفة ذات الله ومعرفة صفاته ~~ومعرفة أفعاله ، وهذه السورة مشتملة / على معرفة الذات ، فكانت هذه السورة ~~معادلة لثلث القرآن ، وأما سورة : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } فهي ~~معادلة لربع القرآن ، لأن المقصود من القرآن إما الفعل وإما الترك وكل واحد ~~منهما فهو إما في أفعال القلوب وإما في أفعال الجوارح فالأقسام أربعة ، ~~وسورة : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } لبيان ما ينبغي تركه من أفعال ~~القلوب ، فكانت في الحقيقة مشتملة على ربع القرآن ، ومن هذا السبب اشتركت ~~السورتان أعني : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } ، و : { قل هو الله أحد } ~~في بعض الأسامي فهما المقشقشتان والمبرئتان ، من حيث إن كل واحدة منهما ~~تقيد براءة القلب عما سوى الله تعالى ، إلا أن : { قل ياأهل * أيها * ~~الكافرون } يفيد بلفظه البراءة عما سوى الله وملازمة الاشتغال بالله و : { ~~قل هو الله أحد } يفيد بلفظه الاشتغال بالله وملازمة الإعراض عن غير الله ~~أو من حيث إن : { قل ياأهل * أيها * الكافرون } تفيد براءة القلب عن سائر ~~المعبودين سوى ms9920 الله ، و : { قل هو الله أحد } تفيد براءة المعبود عن ~~PageV32P162 كل مالا يليق به الوجه الثاني : وهو أن ليلة القدر لكونها صدقا ~~للقرآن كانت خيرا من ألف شهر فالقرآن كله صدف والدر هو قوله : { قل هو الله ~~أحد } فلا جرم حصلت لها هذه الفضيلة الوجه الثالث : وهو أن الدليل العقلي ~~دل على أن أعظم درجات العبد أن يكون قلبه مستنيرا بنور جلال الله وكبريائه ~~، وذلك لا يحصل إلا من هذه السورة ، فكانت هذه السورة أعظم السور ، فإن قيل ~~: فصفات الله أيضا مذكورة في سائر السور ، قلنا : لكن هذه السورة لها خاصية ~~وهي أنها لصغرها في الصورة تبقى محفوظة في القلوب معلومة للعقول فيكون ذكر ~~جلال الله حاضرا أبدا بهذا السبب ، فلا جرم امتازت عن سائر السور بهذه ~~الفضائل وليرجع الآن إلى التفسير . # قوله تعالى : { قل هو الله أحد } فيه مسائل : # المسألة الأولى : اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذا لجنة أن تنال ~~ما يوافق عقلك وشهوتك ، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه ، ~~ولا كان القبر سجنا على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه ، ثم ~~إن معرفة الله تعالى مما يريدها الهوى والعقل ، فصارت جنة مطلقة ، وبيان ما ~~قلنا : أن العقل يريد أمينا تودع عنده الحسنات ، والشهوة تريد غنيا يطلب ~~منه المستلذات ، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه ~~، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غني ، فإنه ينشط للانتجاع إليه ، بل ~~العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه ~~في النعم المتربصة ، فلما عرفاه كما أراده عالما وغنيا تعلقا بذيله ، فقال ~~العقل : لا أشكر أحدا سواك ، وقالت الشهوة : لا أسأل أحدا إلا إياك ، ثم ~~جاءت الشبهة فقالت : يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلا ؟ ويا شهوة كيف ~~اقتصرت عليه ولعل ههنا بابا آخر ؟ فبقي العقل متحيرا وتنغصت عليه تلك ~~الراحة ، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق ~~سبحانه قال : كيف ms9921 أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري ، فبعث الله ~~رسوله وقال : لا تقله من عند نفسك ، بل قل هو الذي عرفته صادقا / يقول لي : ~~{ قل هو الله أحد } فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال ~~بالعقل ، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه ~~بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه ~~وقدرته وصحة المعجزات ، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع ~~كل ما علم بالعقل والسمع معا ، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما ~~، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى : { لو كان ~~فيهما الهة إلا الله لفسدتا } . # المسألة الثانية : اعلم أنهم أجمعوا على أنه لا بد في سورة : { قل ياأهل ~~* أيها * الكافرون } من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة : { تبت ~~} وأما في هذه السورة فقد اختلفوا ، فالقراءة المشهورة : { قل هو الله أحد ~~} وقرأ أبي وابن مسعود . بغير قل هكذا : { هو الله أحد } وقرأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، بدون قل هو هكذا : { الله أحد * الله الصمد } فمن أثبت قل ~~قال : السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره ، بل يحكي كل ما يقال له ، ~~ومن حذفه قال : لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلوما للنبي عليه الصلاة والسلام ~~. # المسألة الثالثة : اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوها أحدها : أن هو كناية ~~عن اسم الله ، فيكون قوله : الله مرتفعا بأنه خبر مبتدأ ، ويجوز في قوله : ~~{ أحد } ما يجوز في قولك : زيد أخوك قائم الثاني : أن PageV32P163 هو كناية ~~عن الشأن ، وعلى هذا التقرير يكون الله مرتفعا بالابتداء وأحد خبره ، ~~والجملة تكون خبرا عن هو ، والتقدير الشأن والحديث : هو أن الله أحد ، ~~ونظيره قوله : { فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا } إلا أن هي جاءت على ~~التأنيث ، لأن في التفسير : اسما مؤنثا ، وعلى هذا جاء : { فإنها لا * ~~لاولى الابصار } أما إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة ، ~~كقوله ms9922 : { إنه من يأت ربه مجرما } والثالث : قال الزجاج : تقدير هذه الآية ~~أن هذا الذي سألتم عنه هو الله أحد . # المسألة الرابعة : في أحد وجهان أحدهما : أنه بمعنى واحد ، قال الخليل : ~~يجوز أن يقال : أحد إثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للخفيف ~~وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة ، والمكسورة كقولهم : وجوه وأجوه ~~وسادة وأسادة والقول الثاني : أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين قال ~~الإهري : لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى لا يقال : رجل أحد ولا درهم ~~أحدكما يقال : رجل واحد أي فرد به بل أحد صفة من صفات الله تعالى استأثر ~~بها فلا يشركه فيها شيء . ثم ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوها أحدها ~~: أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه وثانيها : أنك إذا قلت : ~~فلان لا يقاومه واحد ، جاز أن يقال : لكنه يقاومه إثنان بخلاف الأحد ، فإنك ~~لو قلت : فلان لا يقاومع أحد لا يجوز أن يقال : لكنه يقاومه إثنان / ~~وثالثها : أن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي ، تقول في الإثبات ~~رأيت رجلا واحدا وتقول في النفي : ما رأيت أحدا فيفيد العموم . # المسألة الخامسة : اختلف القراء في قوله : { أحد * الله الصمد } فقراءة ~~العامة بالتنوين وتحريكه بالكسر هكذا أحدن الله ، وهو القياس الذي لا إشكال ~~فيه / وذلك لأن التنوين من أحد ساكن ولام المعرفة من الله ساكنة ، ولما ~~التقى ساكنان حرك الأول منهما بالكسر ، وعن أبي عمرو ، أحد الله بغير تنوين ~~، وذلك أن النون شابهت حروف اللين في أنها تزاد كما يزدن فلما شابهتها ~~أجريت مجراها في أن حذفت ساكنة لالتقاء الساكنين كما حذفت الألف والواو ~~والياء لذلك نحو غزا القوم ويغزو القوم ، ويرمي القوم ، ولهذا حذفت النون ~~الساكنة في الفعل نحو : { لم يك } { ولا تك فى * مرية } فكذا ههنا حذفت في ~~أحد الله لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف . # وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله : { عزير ابن الله } وروى أيضا عن أبي ~~عمرو : { أحد * الله } وقال : أدركت القراء يقرؤونها كذلك وصلا على ms9923 السكون ~~، قال أبو علي : قد تجري الفواصل في الإدراج مجراها في الوقف وعلى هذا قال ~~من قال : { فأضلونا السبيلا * ربنا } { وما أدراك * صبيا * قال إنى عبد ~~الله } لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف أجراه في الوصل ~~مجراه في الوقف لاستمرار الوقف عليه وكثرته في ألسنتهم ، وقرأ الأعمش : { ~~قل هو الله * الواحد } فإن قيل : لماذا ؟ قيل : أحد على النكرة ، قال ~~الماوردي : فيه وجهان أحدهما : حذف لام التعريف على نية إضمارها والتقدير ~~قل : هو الله الأحد والثاني : أن المراد هو التنكير على سبيل التعظيم . # المسألة السادس : اعلم أن قوله : { هو الله أحد } ألفاظ ثلاثة وكل واحد ~~منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين فالمقام الأول : مقام المقربين وهو ~~أعلى مقامات السائرين إلى الله وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء ~~وحقائقها من حيث هي هي ، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لأن الحق هو الذي ~~لذاته PageV32P164 يجب وجوده ، وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا ~~نظر إليه من حيث هو هو كان معدوما ، فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق سبحانه ~~، وقوله : { هو } إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه ~~لما كان معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين ، فلا جرم كان قولنا : هو ~~إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى ~~مميز ، لأن الافتقار إلى المميز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان ، وقد بينا ~~أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط ، فلهذا السبب كانت لفظة : ~~{ هو } كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء ، المقام الثاني : وهو مقام ~~أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول ، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجودا ~~وشاهدوا الخلق أيضا موجودا ، فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو ~~كافيا في الإشارة إلى الحق ، بل لا بد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق ~~: فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة هو ، فقيل : لأجلهم هو / الله ، لأن ~~الله هو الموجود الذي يفتقر إليه ما ms9924 عداه ، ويستغني هو عن كل ما عداه ~~والمقام الثالث : وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها ، وهم ~~الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من ~~واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم ردا على هؤلاء وإبطال لمقالاتهم فقيل : { قل ~~هو الله أحد } . # وههنا بحث آخر : أشرف وأعلى مما ذكرناه وهو أن صفات الله تعالى إما أن ~~تكون إضافية وإما أن تكون سلبية ، أما الإضافية فكقولنا : عالم ، قادر مربد ~~خلاق ، وأما السلبية فكقولنا : ليس بجسم ولا بجوهر ولا بعرض والمخلوقات تدل ~~أولا على النوع الأول من الصفات وثانيا على النوع الثاني منها ، وقولنا : ~~الله يدل على مجامع الصفات الإضافية ، وقولنا : أحد يدل على مجامع الصفات ~~السلبية ، فكان قولنا : { الله أحد } تاما في إفادة العرفان الذي يليق ~~بالعقول البشرية / وإنما قلنا : إن لفظ الله يدل على مجامع الصفات الإضافية ~~، وذلك لأن الله هو الذي يستحق العبادة ، واستحقاق العبادة ليس إلا لمن ~~يكون مستبدا بالإيجاد والإبداع والاستبداد بالإيجاد لا يحصل إلا لمن كان ~~موصوفا بالقدرة التامة والإرادة النافذة والعلم المتعلق بجميع المعلومات من ~~الكليات والجزئيات . وهذه مجامع الصفات الإضافة ، وأما مجامع الصفات ~~السلبية فهي الأحدية ، وذلك لأن المراد من الأحدية كون تلك الحقيقة في ~~نفسها مفردة منزهة عن أنحاء التركيب ، وذلك لأن كل ماهية مركبة فه مفتقرة ~~إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى ~~غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فكل مركب فهو ممكن لذاته ، ~~فالإله الذي هو مبدأ لجميع الكائنات ممتنع أن يكون ممكنا ، فهو في نفسه فرد ~~أحد وإذا ثبتت الأحدية ، وجب أن لا يكون متحيزا لأن كل متحيز فإن يمينه ~~مغاير ليساره ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم ، فالأحد يستحيل أن يكون متحيزا ~~، وإذا لم يكن متحيزا لم يكن في شيء من الأحياز والجهاد ويجب أن لا يكون ~~حالا في شيء ، لأنه مع محله لا يكون أحدا ، ولا يكون محلا لشيء ، لأنه مع ~~حاله ms9925 لا يكون أحدا ، وإذا لم يكن حالاف ولا محلا لم يكن متغيرا البتة لأن ~~التغير لا بد وأن يكون من صفة إلى صفة ، وأيضا إذا كان أحدا وجب أن يكون ~~واحدا إذ لو فرض موجودان واجبا الوجود لاشتركا في الوجوب ولتمايزا في ~~التعين وما به المشاركة غير ما به الممايزة فكل واحد منهما مركب ، فثبت أن ~~كونه أحدا يستلزم كونه واحدا فإن قيل : كيف يعقل كون الشيء أحدا ، فإن كل ~~حقيقة توصف بالأحدية فهناك تلك الحقيقة من تلك الأحدية ومجموعهما فذاك ثالث ~~ثلاث لا أحد الجواب : أن الأحدية لازمة لتلك الحقيقة فالمحكوم عليه ~~بالأحدية هو تلك الحقيقة لا المجموع الحاصل منها ومن تلك الأحدية ، فقد لاح ~~بما PageV32P165 ذكرنا أن قوله : { الله أحد } كلام متضمن لجميع صفات الله ~~تعالى من الإضافيات والسلوب وتمام الكلام في هذا الباب مذكور في تفسير قوله ~~: { وإلاهكم إلاه واحد } . # ! 7 < { الله الصمد } . > 7 @QB@ < # | الإخلاص : ( 2 ) الله الصمد # > > # قوله تعالى : { الله الصمد } فيه مسائل : # المسألة الأولى : ذكروا في تفسير : { الصمد } وجهين الأول : أنه فعل ~~بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده ، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج ، ~~قال الشاعر : # % ألا بكر الناعي بخير بني أسد % % بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد % # وقال أيضا : # % علوته بحسامي ثم قلت له % % خذها حذيف فأنت السيد الصمد % # والدليل على صحة هذا التفسير ما روى ابن عباس : ( أنه لما نزلت هذه الآية ~~قالوا : ما الصمد ؟ قال عليه السلام هو السيد الذي يصمد إليه في الحوائج ) ~~وقال الليث : صمدت صمد هذا الأمر أي قصدت قصده والقول الثاني : أن الصمد هو ~~الذي لا جوف له ، ومنه يقال : لسداد القارورة الصماد ، وشيء مصمد أي صلب ~~ليس فيه رخاوة ، وقال قتادة : وعلى هذا التفسير : الدال فيه مبدلة من التاء ~~وهو المصمت ، وقال بعض المتأخرين من أهل اللغة : الصمد هو الأملس من الحجر ~~الذي لا يقبل الغبار ولا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء ، واعلم أنه قد استدل ~~قوم من جهال المشبهة بهذه الآية في أنه تعالى جسم ms9926 ، وهذا باطل لأنا بينا أن ~~كونه أحدا ينافي جسما فمقدمة هذا الآية دالة على أنه لا يمكن أن يكون ~~المراد من الصمد هذا المعنى ، ولأن الصمد بهذا التفسير صفة الأجسام ~~المتضاغطة وتعالى الله عن ذلك ، فإذن يجب أن يحمل ذلك على مجازه ، وذلك لأن ~~الجسم الذي يكون كذلك يكون عديم الانفعال والتأثر عن الغير وذلك إشارة إلى ~~كونه سبحانه واجبا لذاته ممتنع التغير في وجوده وبقائه وجميع صفاته ، فهذا ~~ما يتعلق بالبحث اللغوي في هذه الآية . # وأما المفسرون فقد نقل عنهم وجوه ، بعضها يليق بالوجه الأول وهو كونه ~~تعالى سيدا مرجوعا إليه في دفع الحاجات ، وهو إشارة إلى الصفات الإضافية ، ~~وبعضها بالوجه الثاني وهو كونه تعالى واجب الوجود في ذاته وفي صفاته ممتنع ~~التغير فيهما وهو إشارة إلى الصفات السلبية وتارة يفسرون الصمد بما يكون ~~جامعا للوجهين . # أما النوع الأول : فذكروا فيه وجوها : الأول : الصمد هو العالم بجميع ~~المعلومات لأن كونه سيدا مرجوعا إليه في قضاء الحاجات لا يتم إلا بذلك ~~الثاني : الصمد هو الحليم لأن كونه سيدا يقتضي الحلم والكرم الثالث : وهو ~~قول ابن مسعود والضحاك الصمد هو السيد الذي قد انتهى سؤدده الرابع : قال ~~الأصم : الصمد هو الخالق للأشياء ، وذلك لأن كونه سيدا يقتضي ذلك الخامس : ~~قال السدي : الصمد هو المقصود في الرغائب ، المستغاث به عند المصائب السادس ~~: قال الحسين بن الفضل البجلي : الصمد هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ~~، لا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه السابع : أنه السيد المعظم الثامن : أنه ~~PageV32P166 الفرد الماجد لا يقضي في أمر دونه . # / وأما النوع الثاني : وهو الإشارة إلى الصفات السلبية فذكروا فيه وجوها ~~: الأول : الصمد هو الغني على ما قال : { وهو الغنى الحميد } الثاني : ~~الصمد الذي ليس فوقه أحد لقوله : { وهو القاهر فوق عباده } ولا يخاف من ~~فوقه ، ولا يرجو من دونه ترفع الحوائج إليه الثالث : قال قتادة : لا يأكل ~~ولا يشرب : { وهو يطعم ولا يطعم } الرابع : قال قتادة : الباقي بعد فناء ~~خلقه : { كل من عليها فان } الخامس : قال ms9927 الحسن البصري : الذي لم يزل ولا ~~يزال ، ولا يجوز عليه الزوال كان ولا مكان ، ولا أين ولا أواه ، ولا عرش ~~ولا كرسي ، ولا جني ولا إنسي وهو الآن كما كان السادس : قال يمان وأبو مالك ~~: الذي لا ينام ولا يسهو الثامن : قال ابن كيسان : هو الذي لا يوصف بصفة ~~أحد التاسع : قال مقاتل بن حبان : هو الذي لا عيب فيه العاشر : قال الربيع ~~بن أنس : هو الذي لا تغتريه الآفات الحادي عشر : قال سعيد بن جبير : إنه ~~الكامل في جميع صفاته ، وفي جميع أفعاله الثاني عشر : قال جعفر الصادق : ~~إنه الذي يغلب ولا يغلب الثالث عشر : قال أبو هريرة : إنه المستغنى عن كل ~~أحد الرابع عشر : قال أبو بكر الوراق : إنه الذي أيس الخلائق من الاطلاع ~~على كيفيته الخامس عشر : هو الذي لا تدركه الأبصار السادس عشر : قال أبو ~~العالية ومحمد القرظي : هو الذي لم يلد ولم يولد ، لأنه ليس شيء إلا سيورث ~~، ولا شيء يولد إلا وسيموت السابع عشر : قال ابن عباس : إنه الكبير الذي ~~ليس فوقه أحد الثامن عشر : أنه المنزه عن قبول النقصانات والزيادات ، وعن ~~أن يكون موردا للتغيرات والتبدلات ، وعن إحاطة الأزمنة والأمكنة والآنات ~~والجهات . # وأما الوجه الثالث : وهو أن يحمل لفظ الصمد على الكل وهو محتمل ، لأنه ~~بحسب دلالته على الوجوب الذاتي يدل على جميع السلوب ، وبحسب دلالته على ~~كونه مبدأ للكل يدل على جميع النعوت الإلهية . # المسألة الثانية : قوله : { الله الصمد } يقتضي أن لا يكون في الوجود صمد ~~سوى الله ، وإذا كان الصمد مفسرا بالمصمود إليه في الحوائج ، أو بما لا ~~يقبل التغير في ذاته لذم أن لا يكون في الوجود موجود عكذا سوى الله تعالى ، ~~فهذه الآية تدل على أنه لا إله سوى الواحد ، فقوله : { الله أحد } إشارة ~~إلى كونه واحدا ، بمعنى أنه ليس في ذاته تركيب ولا تأليف بوجه من الوجوه ، ~~وقوله : { الله الصمد } إشارة إلى كونه واحدا ، بمعنى نفي الشركاء والأنداد ~~والأضداد . وبقي في الآية سؤالان : # السؤال الأول : لم جاء أحد ms9928 منكرا ، وجاء الصمد معرفا ؟ الجواب : الغالب ~~على أكثر أوهام الخلق أن كل موجود محسوس ، وثبت أن كل محسوس فهو منقسم ، ~~فإذا مالا يكون منقسما لا يكون خاطرا بيان أكثر الخلق ، وأما الصمد فهو ~~الذي يكون مصمودا إليه في الحوائج ، وهذا كان معلوما للعرب بل لأكثر الخلق ~~على ما قال : { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } وإذا كانت / الأحدية ~~مجهولة مستنكرة عند أكثر الخلق ، وكانت الصمدية معلومة الثبوت عند جمهور ~~الخلق ، لا جرم جاء لفظ أحد على سبيل التنكير ولفظ الصمد على سبيل التعريف ~~. PageV32P167 # السؤال الثاني : ما الفائدة في تكرير لفظة الله في قوله : { الله أحد * ~~الله الصمد } ؟ الجواب : لو لم تكرر هذه اللفظة لوجب في لفظ أحد وصمد أن ~~يردا ، إما نكرتين أو معرفتين ، وقد بينا أن ذلك غير جائز ، فلا جرم كررت ~~هذه اللفظة حتى يذكر لفظ أحد منكرا ولفظ الصمد معرفا . # ! 7 < { لم يلد ولم يولد } . > 7 ! # قوله تعالى : { لم يلد ولم يولد } < < # | الإخلاص : ( 3 ) لم يلد ولم . . . . . # > > فيه سؤالات : # السؤال الأول : لم قدم قوله : { لم يلد } على قوله : { ولم يولد } مع أن ~~في الشاهد يكون أولا مولودا ، ثم يكون والدا ؟ الجواب : إنما وقعت البداءة ~~بأنه لم يلد ، لأنهم ادعوا أن له ولدا ، وذلك لأن مشركي العرب قالوا : { ~~الملائكة * بنات * الله وقالت * اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ~~ابن الله } ولم يدع أحد أن له والدا فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال : { لم ~~يلد } ثم أشار إلى الحجة فقال : { ولم يولد } كأنه قيل : الدليل على امتناع ~~الولدية اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره . # السؤال الثاني : لماذا اقتصر على ذكر الماضي فقال : { لم يلد } ولم يقل : ~~لن يلد ؟ الجواب : إنما اقتصر على ذلك لأنه ورد جوابا عن قولهم ولد الله ~~والدليل عليه قوله تعالى : { ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله } فلما ~~كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم وهم إنما قالوا ذلك في الماضي ، لا ~~جرم وردت الآية على وفق قوله . # السؤال الثالث : لم قال ههنا : { لم ms9929 يلد } وقال في سورة بني إسرائيل : { ~~ولم يتخذ ولدا } ؟ الجواب : أن الولد يكون على وجهين : أحدهما : أن يتولد ~~منه مثله وهذا هو الولد الحقيقي والثاني : أن لا يكون متولدا منه ولكنه ~~يتخذه ولدا ويسميه هذا الاسم ، وإن لم يكن ولدا له في الحقيقة ، والنصارى ~~فريقان : منهم من قال : عيسى ولد الله حقيقة ، ومنهم من قال : إن الله ~~اتخذه ولدا تشريفا له ، كما اتخذ إبراهيم خليلا تشريفا له ، فقوله : { لم ~~يلد } فيه إشارة إلى نفي الوالد في الحقيقة ، وقوله : { لم يتخذ ولدا } ~~إشارة إلى نفي القسم الثاني ، ولهذا قال : { لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك ~~فى الملك } لأن ازنسان قد يتخذ ولدا ليكون ناصرا ومعينا له على الأمر ~~المطلوب ، ولذلك قال في سورة أخرى : { وقالوا اتخذ الرحمان ولدا سبحانه هو ~~الغنى } وإشارة إلى ما ذكرنا أن اتخاذ الولد إنما يكون عند الحاجة . # السؤال الرابع : نفي كونه تعالى والدا ومولودا ، هل يمكن أن يعلم بالسمع ~~أم لا ، وإن كان لا يمكن ذلك فما الفائدة في ذكره ههنا ؟ الجواب : نفي كونه ~~تعالى والدا مستفاد من العلم بأنه تعالى ليس بجسم ولا متبعض ولا منقسم ، ~~ونفي كونه تعالى مولودا مستفاد من العلم بأنه تعالى / قديم ، والعلم بكل ~~واحد من هذين الأصلين متقدم على العلم بالنبوة والقرآن ، فلا يمكن أن يكونا ~~مستفادين من الدلائل السمعية . بقي أن يقال : فلما لم يكن استفادتهما من ~~السمع ، فما الفائدة في ذكرهما في هذه السورة ؟ قلنا : قد بينا أن المراد ~~من كونه أحدا كونه سبحانه في ذاته وماهيته منزها عن جميع أنحاء التراكيب ، ~~وكونه تعالى صمدا معناه كونه واجبا لذاته ممتنع التغير في ذاته وجميع صفاته ~~، وإذا كان كذلك فالأحدية والصمدية يوجبان نفي الولدية PageV32P168 ~~والمولودية ، فلما ذكر السبب الموجب لانتفاء الوالدية والمولودية ، لا جرم ~~ذكر هذين الحكمين ، فالمقصود من ذكرهما تنبيه الله تعالى على الدلالة ~~العقلية القاطعة على انتفائهما . # السؤال الخامس : هل في قوله تعالى : { لم يلد ولم يولد } فائدة أزيد من ~~نفي الولدية ونفي المولودية ؟ قلنا : فيه ms9930 فوائد كثيرة ، وذلك لأن قوله : { ~~الله أحد } إشارة إلى كونه تعالى في ذاته وماهيته منزها عن التركيب ، وقوله ~~: { الله الصمد } إشارة إلى نفي الأضداد والأنداد والشركاء والأمثال وهذان ~~المقامان الشريفان مما حصل الاتفاق فيهما بين أرباب الملل والأديان / وبين ~~الفلاسفة ، إلا أن من بعد هذا الموضع حصل الاختلاف بين أرباب الملل وبين ~~الفلاسفة ، فإن الفلاسفة قالوا : إنه يتولد عن واجب الوجود عقل ، وعن العقل ~~عقل آخر ونفس وفلك ، وهكذا على هذا الترتيب حتى ينتهي إلى العقل الذي هو ~~مدبر ما تحت كرة القمر ، فعلى هذا القول يكون واجب الوجود قد ولد العقل ~~الأول الذي هو تحته ، ويكون العقل الذي هو مدبر لعالمنا هذا كالمولود من ~~العقول التي فوقه ، فالحق سبحانه وتعالى نفي الوالدية أولا ، كأنه قيل : ~~إنه لم يلد العقول والنفوس ، ثم قال : والشيء الذي هو مدبر أجسادكم ~~وأرواحكم وعالمكم هذا ليس مولودا من شيء آخر ، فلا والد ولا مولود ولا مؤثر ~~إلا الواحد الذي هو الحق سبحانه . # ! 7 < { ولم يكن له كفوا أحد } . > 7 ! # قوله سبحانه : { ولم يكن له كفوا أحد } < < # | الإخلاص : ( 4 ) ولم يكن له . . . . . # > > فيه سؤالان : # السؤال الأول : الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير ~~مستقر ولا يقدم ، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه ، فما باله ورد مقدما في ~~أفصح الكلام ؟ والجواب : هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الله ، ~~واللفظ الدال على هذا المعنى هو هذا الظرف ، وتقديم الأهم أولى ، فلهذا ~~السبب كان هذا الظرف مستحقا للتقديم . # السؤال الثاني : كيف القراءة في هذه الآية ؟ الجواب : قرىء : { كفوا } ~~بضم الكاف والفاء وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء ، والأصل هو الضم ثم ~~يخفف مثل طنب وطنب وعنق وعنق ، وقال أبو عبيدة : يقال كفو وكفء وكفاء كله ~~بمعنى واحد وهو المثل ، وللمفسرين فيه أقاويل أحدها : قال كعب وعطاء : لم ~~يكن له مثل ولا عديل ، ومنه المكافأة في الجزاء لأنه / يعطيه ما يساوي ما ~~أعطاه وثانيها : قال مجاهد : لم يكن صاحبة كأنه سبحانه وتعالى قال ms9931 : لم يكن ~~أحد كفؤا له فيصاهره ، ردا على من حكى الله عنه قوله : { وجعلوا بينه وبين ~~الجنة نسبا } فتفسير هذه الآية كالتأكيد لقوله تعالى : { لم يلد } وثالثها ~~: وهو التحقيق أنه تعالى بين لما بين أنه هو المصمود إليه في قضاء الحوائج ~~ونفي الوسائط من البين بقوله : { لم يلد ولم يولد } على ما بيناه ، فحينئذ ~~ختم السورة بأن شيئا من الموجودات يمتنع أن يكون مساويا له في شيء من صفات ~~الجلال والعظمة ، أما الوجود فلا مساواة فيه لأن وجوده من مقتضيات حقيقته ~~فإن حقيقته غير قابلة للعدم من حيث هي هي ، وأما سائر الحقائق ، فإنها ~~قابلة للعدم ، وأما العلم فلا مساواة فيه لأن علمه ليس بضروري ولا ~~باستدلالي ولا مستفاد من الحس ولا من الرؤية ولا يكون في معرض الغلط والزلل ~~وعلوم المحدثات كذلك ، وأما القدرة فلا مساواة فيها وكذا الرحمة والجود ~~والعدل والفضل والإحسانا واعلم أن PageV32P169 هذه السورة أربع آيات ، وفي ~~ترتيبها أنواع من الفوائد : # الفائدة الأولى : أن أول السورة يدل على أنه سبحانه واحد ، والصمد على ~~أنه كريم رحيم لأنه لا يصمد إليه حتى يكون محسنا و : { لم يلد ولم يولد } ~~على أنه غني على الإطلاق ومنزه عن التغيرات فلا يبخل بشيء أصلا ، ولا يكون ~~جوده لأجل جر نفع أو دفع ضر ، بل بمحض الإحسان وقوله : { ولم يكن له كفوا ~~أحد } إشارة إلى نفي مالا يجوز عليه من الصفات . # الفائدة الثانية : نفي الله تعالى عن ذاته أنواع الكثرة بقوله : { أحد } ~~ونفي النقص والمغلوبية بلفظ الصمد ، ونفي المعلولية والعلية بلم يلد ولم ~~يولد ، ونفي الأضداد والأنداد بقوله : { ولم يكن له كفوا أحد } . # الفائدة الثالثة : قوله : { أحد } يبطل مذهب الثنوية القائلين بالنور ~~والظلمة ، والنصارى في التثليث ، والصابئين في الأفلاك والنجوم ، والآية ~~الثانية تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى الله لأنه لو وجد خالق آخر لما كان ~~الحق مصمودا إليه في طلب جميع الحاجات ، والثالثة تبطل مذهب اليهود في عزير ~~، والنصارى في المسيح ، والمشركين في أن الملائكة بنات الله ، والآية ~~الرابعة تبطل ms9932 مذهب المشركين حيث جعلوا الأصنام أكفاء له وشركاء . # الفائدة الرابعة : أن هذه السورة في حق الله مثل سورة الكوثر في حق ~~الرسول لكن الطعن في حق الرسول كان بسبب أنهم قالوا : إنه أبتر لا ولد له ، ~~وههنا الطعن بسبب أنهم أثبتوا لله ولدا ، وذلك لأن عدم الولد في حق الإنسان ~~عيب ووجود الولد عيب في حق الله تعالى ، فلهذا السبب قال ههنا : { قل } حتى ~~تكون ذابا عني / وفي سورة : { إنا أعطيناك } أنا أقول ذلك الكلام حتى أكون ~~أنا ذابا عنك ، والله سبحانه وتعالى أعلم . PageV32P170 < # > 1 ( المقدمة ) 1 < # > # بسم الله الرحمن الرحيم # قبل الخوض في التفسير لا بد من تقديم فصلين : # الفصل الأول : سمعت بعض العارفين فسر هاتين السورتين على وجه عجيب ، فقال ~~إنه سبحانه لما شرح أمر الإلهية في سورة الإخلاص الإخلاص ذكر هذه السورة ~~عقيبها في شرح مراتب مخلوقات الله فقال أولا : { قل أعوذ برب الفلق } وذلك ~~لأن ظلمات العدم غير متناهية ، والحق سبحانه هو الذي فلق تلك الظلمات بنور ~~التكوين والإيجاد والإبداع ، فلهذا قال : { قل أعوذ برب الفلق } ثم قال : { ~~من شر ما خلق } والوجه فيه أن عالم الممكنات على قسمين عالم الأمر وعالم ~~الخلق على ما قال : { ألا له الخلق والأمر } [ الأعراف : 54 ] وعالم الأمر ~~كله خيرات محضة بريئة عن الشرور والآفات ، أما عالم الخلق وهو عالم الأجسام ~~والجسمانيات ، فالشر لا يحصل إلا فيه ، وإنما سمي عالم الأجسام والجسمانيات ~~بعالم الخلق ؛ لأن الخلق هو التقدير ، والمقدار من لواحق الجسم ، فلما كان ~~الأمر كذلك ، لا جرم قال : أعوذ بالرب الذي فلق ظلمات بحر العدم بنور ~~الإيجاد والإبداع من الشرور الواقعة في عالم الخلق وهو عالم الأجسام ~~والجسمانيات ، ثم من الظاهر أن الأجسام ، إما أثرية أو عنصرية والأجسام ~~الأثرية خيرات ، لأنها بريئة عن الاختلال والفطور ، على ما قال : { ما ترى ~~في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور } [ الملك : 3 ] وأما ~~العنصريات فهي إما جماد أو نبات أو حيوان ، أما الجمادات فهي خالية عن جميع ~~القوى ms9933 النفسانية ، فالظلمة فيها خالصة والأنوار عنها بالكلية زائلة ، وهي ~~المراد من قوله : { ومن شر غاسق إذا وقب } وأما النبات فالقوة العادية ~~النباتية هي التي تزيد في الطول والعرض والعمق معا ، فهذه النباتية كأنها ~~تنفث في العقد الثلاثة ، وأما الحيوان فالقوى الحيوانية هي الحواس الظاهرة ~~والحواس الباطنية والشهوة والغضب وكلها تمنع الروح الإنسانية عن الانصباب ~~إلى عالم الغيب ، والاشتغال بقدس جلال الله وهو المراد من قوله : { ة من شر ~~حاسد إذا حسد } ثم إنه لم يبق من السفليات بعد هذه المرتبة سوى النفس ~~الإنسانية ، وهي المستعيذة ، فلا تكون مستعاذا منها ، فلا جرم قطع هذه ~~السورة وذكر بعدها في سورة الناس مراتب درجات النفس الإنسانية في الترقي ، ~~وذلك لأنها بأصل فطرتها مستعدة لأن تنتقش بمعرفة الله تعالى ومحبته إلا ~~أنها تكون أول الأمر خالية عن هذه المعارف بالكلية ، ثم إنه من المرتبة ~~الثانية يحصل فيها علوم أولية بديهية يمكن التوصل بها إلى استعلام ~~المجهولات الفكرية ، ثم في آخر تلك المجهولات الفكرية من القوة إلى الفعل ، ~~قوله تعالى : { قل أعوذ برب الناس } [ الناس : 1 ] إشارة إلى المرتبة ~~الأولى من مراتب النفس الإنسانية وهي حال كونها خالية من جميع العلوم ~~البديهية والكسبية ، وذلك لأن النفس في تلك المرتبة تحتاج إلى مرب يربيها ~~ويزينها بتلك المعارف البديهية ، ثم في المرتبة الثانية وهي عند حصول هذه ~~العلوم البديهية يحصل لها ملكة من الانتقال منها إلى استعلام العلوم ~~الفكرية وهو المراد من قوله : { ملك الناس } [ الناس : 2 ] ثم في المرتية ~~الثالثة وهي عند خروج تلك العلوم الفكرية من القول إلى الفعل يحصل الكمال ~~PageV32P171 التام للنفس وهو المراد من قوله : { إله الناس } [ الناس : 3 ] ~~فكأن الحق يسمي نفسه بحسب كل مرتبة من مراتب النفس الإنسانية بما يليق بتلك ~~المرتبة ، ثم قال : { من شر الوسواس الخناس } [ الناس : 4 ] والمراد منه ~~القوة الوهمية ، والسبب في إطلاق اسم الخناس على الوهم أن العقل والوهم ، ~~قد يتساعدان على تسليم بعض المقدمات ، ثم إذا آل الأمر إلى النتيجة فالعقل ~~يساعد على النتيجة والوهم ms9934 يخنس ، ويرجع ويمتنع عن تسليم النتيجة ، فلهذا ~~السبب يسمى الوهم : بالخناس . ثم بين سبحانه أن ضرر هذا الخناس عظيم على ~~العقل ، وأنه قلما ينفك أحد عنه فكأنه سبحانه بين في هذه السورة مراتب ~~الأرواح البشرية ونبه على عدوها ونبه على ما به يقع الامتياز بين العقل ~~وبين الوهم ، وهناك آخر درجات مراتب النفس الإنسانية ، فلا جرم وقع ختم ~~الكتاب الكريم والفرقان العظيم عليه . # الفصل الثاني : ذكروا في سبب نزول هذه السورة وجوها : أحدها : روي أن ~~جبريل عليه السلام أتاه وقال إن عفريتا من الجن يكيدك ، فقال إذا أويت إلى ~~فراشك قل أعوذ برب السورتين . وثانيها : أن الله تعالى أنزلهما عليه ليكونا ~~رقية من العين ، وعن سعيد بن المسيب أن قريشا قالوا : تعالوا نتجوع فنعين ~~محمدا ففعلوا ، ثم أتوه وقالوا ما أشد عضدك ، وأقوى ظهرك وأنظر وجهك ، ~~فأنزل الله تعالى المعوذتين . وثالثها : وهو قول جمهور المفسرين ، أن لبيد ~~بن أعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى عشرة عقدة وفي وتر ~~دسه في بئر يقال لها ذروان فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واشتد عليه ~~ذلك ثلاث ليال فنزلت المعوذتان لذلك ، وأخبره جبريل بموضع السحر فأرسل عليا ~~عليه السلام وطلحة وجاءوا به ، وقال جبريل للنبي حل عقدة ، وقرأ آية ففعل ~~وكان كلما قرأ آية انحلت عقدة فكان يجد بعض الخفة والراحة . # واعلم أن المعتزلة أنكروا ذلك بأسرهم ، قال القاضي هذه الرواية باطلة ، ~~وكيف يمكن القول بصحتها ، والله تعالى يقول : { والله يعصمك من الناس } [ ~~المائدة : 67 ] وقال : { ولا يفلح الساحر حيث أتى } [ طه : 69 ] ولأن ~~تجويزه يفضي غلى القدح في النبوة ، لأنه لو صح ذلك لكان من الواجب أن يصلوا ~~إلى الضرر لجميع الأنبياء والصالحين ، ولقدروا على تحصيل الملك العظيم ~~لأنفسهم ، وكل ذلك باطل ، ولأن الكفار كانوا يعيرونه بأنه مسحور ، فلو وقعت ~~هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في تلك الدعوة ، ولحصل فيه عليه السلام ذلك ~~العيب ، ومعلوم أن ذلك غير جائز . قال الأصحاب : هذه القصة قد صحت عند ~~جمهور ms9935 أهل النقل ، والوجوه المذكورة قد سبق الكلام عليها في سورة البقرة ~~أما قوله : الكفار كانوا يعيبون الرسول عليه السلام بأنه مسحور ، فلو وقع ~~ذلك لكان الكفار صادقين في ذلك القول . فجوابه : أن الكفار كانوا يريدون ~~بكونه مسحورا أنه مجنون أزيل عقله بواسطة السحر ، فلذلك ترك دينهم ، فأما ~~أن يكون مسحورا بألم يجده في بدنه فذلك مما لا ينكره أحد ، وبالجملة فالله ~~تعالى ما كان يسلط عليه لا شيطانا ولا إنسيا ولا جنيا يؤذيه في دينه وشرعه ~~ونبوته ، فأما في الإضرار ببدنه فلا يبعد ، وتمام الكلام في هذه المسألة قد ~~تقدم في سورة البقرة ولنرجح إلى التفسير . PageV32P172 < # > 1 ( سورة الفلق ) 1 < # > # خمس آيات مدنية # ! 7 < { قل أعوذ برب الفلق } . > 7 ! # قوله تعالى : { قل أعوذ برب الفلق } < < # | الفلق : ( 1 ) قل أعوذ برب . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : في قوله : { قل } فوائد أحدها : أنه سبحانه لما أمر ~~بقراءة سورة الإخلاص تنزيها له عما لا يليق به في ذاته وصفاته ، وكان ذلك ~~من أعظم الطاعات ، فكأن العبد قال : إلهنا هذه الطاعة عظيمة جدا لا أثق ~~بنفسي في الوفاء بها ، فأجاب بأن قال : { قل * أعوذ برب الفلق } أي استعذ ~~بالله ، والتجيء إليه حتى يوفقك لهذه الطاعة على أكمل الوجوه وثانيها : أن ~~الكفار لما سألوا الرسول عن نسب الله وصفته ، فكأن الرسول عليه السلام قال ~~: كيف أنجو من هؤلاء الجهال الذين تجاسروا وقالوا : فيك مالا يليق بك ، ~~فقال الله : { قل أعوذ برب الفلق } أي استعذ بي حتى أصونك عن شرهم وثالثها ~~: كأنه تعالى يقول : من التجأ إلى بيتي شرقته وجعلته آمنا فقلت : ومن دخله ~~كان آمنا فالتجىء أنت أيضا إلي حتى أجعلك آمنا : { فقل * أعوذ برب الفلق } ~~. # المسألة الثانية : اختلفوا في أنه هل يجوز الاستعانة بالرقي والعوذ أم لا ~~؟ منهم قال : إنه يجوز واحتجوا بوجوه أحدها : ما روى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اشتكى فرقاه جبريل عليه السلام ، فقال : بسم الله أرقيك من كل ~~شيء يؤذيك ، والله يشفيك وثانيها : قال ابن عباس : كان رسول الله ms9936 صلى الله ~~عليه وسلم يعلمنا من الأوجاع كلها والحمى هذا الدعاء : ( بسم الله الكريم ، ~~أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ، ومن شر حر النار ) وثالثها : قال ~~عليه السلام : من دخل على مريض لم يحضره أجله ؛ فقال : أسأل الله العظيم رب ~~العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات شفى ورابعها : عن علي عليه السلام قال : ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض قال : ( أذهب ~~PageV32P173 البأس رب الناس ، اشف أنت الشافي ، لا شافي إلا أنت ) وخامسها ~~: عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ~~يقول : ( أعيذكما بكلمات الله التامة من شيطان وهامة ، ومن / كل عين لامة ) ~~ويقول : هكذا كان أبي إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق وسادسها : قال ~~عثمان بن أبي العاص الثقفي : قدمت على رسول الله وبي وجع قد كاد يبطلني ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعل يدك اليمنى عليه ، وقل بسم ~~الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد ) سبع مرات ففعلت ذلك فشفاني الله ~~وسابعها : روى أنه عليه السلام كان إذا سافر فنزل منزلا يقول : ( يا أرض ، ~~ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما يخرج منك ، وشر ما يدب ~~عليك ، وأعوذ بالله من أسد وأسود وحية وعقرب ، ومن شر ساكني البلد ووالد ~~وما ولد ) وثامنها : قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا ~~اشتكى شيئا من جسده قرأ : { قل هو الله أحد } والمعوذتين في كفه اليمنى ~~ومسح بها المكان الذي يشتكي ومن الناس من منع من الرقي لما روى عن جابر ، ~~قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقي ، وقال عليه السلام : ( إن ~~لله عبادا لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون ) وقال عليه السلام : ( ~~لم يتوكل على الله من اكتوى واسترقى ) وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون النهي ~~عن الرقي المجهولة التي لا تعرف حقائقها ، فأما ما كان له أصل موثوق ، فلا ~~نهي عنه ، واختلفوا في ms9937 التعليق ، فروى أنه عليه السلام قال : ( من علق شيئا ~~وكل إليه ) وعن ابن مسعود : إنه رأى على أم ولده تميمة مربوطة بعضدها ، ~~فجذبها جذبا منيعا فقطعها ، ومنهم من جوزه ، سئل الباقر عليه السلام عن ~~التعويذ يعلق على الصبيان فرخص فيه ، واختلفوا في النفث أيضا / فروى عن ~~عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه إذا ~~اشتكى بالمعوذات ويمسح بيده ، فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وجعه الذي توفي فيه طفقت أنقث عليه بالمعوذات التي كان ينفث بها على نفسه ، ~~وعنه عليه السلام : ( أنه كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ فيهما ~~بالمعوذات ، ثم مسح بهما جسده ) ومنهم من أنكر النفث ، قال عكرمة : لا ~~ينبغي للرقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد . وعن إبراهيم قال : كانوا يكرهون ~~النفث في الرقي ، وقال بعضهم : دخلت على الضحاك وهو وجيع ، فقلت : ألا ~~أعوذك يا أبا محمد ؟ قال : بلى ولكن لا تنفث ، فعوذته بالمعوذتين . قال ~~الحليمي : الذي روى عن عكرمة أنه ينبغي للراقي أن لا ينفث ولا يمسح ولا ~~يعقد ، فكأنه ذهب فيه إلى أن الله تعالى جعل النفث في العقد مما يستعاذ منه ~~، فوجب أن يكون منهيا عنه إلا أن هذا ضعيف ، لأن النفث في العقد إنما يكون ~~مذموما إذا كان سحرا مضرا بالأرواح والأبدان . فأما إذا كان هذا النفث ~~لإصلاح الأرواح والأبدان وجب أن لا يكون حراما . # المسألة الثالثة : أنه تعالى قال في مفتاح القراءة : { فاستعذ بالله } ~~وقال ههنا : { أعوذ برب الفلق } وفي موضع آخر : { وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين } وجاء في الأحاديث : { أعوذ * بكلمات * الله } ولا شك أن أفضل ~~أسماء الله هو الله ، وأما الرب فإنه قد يطلق على غيره ، قال تعالى : { ~~ءأرباب متفرقون خير } فما السبب في أنه تعالى عند الأمر بالتعوذ لم يقل : ~~أعوذ بالله بل قال : { برب الفلق } ؟ وأجابوا عنه من وجوه : أحدها : أنه في ~~قوله : { وإذا قرأت القرءان * فاستعذ بالله } إنما أمره بالاستعاذة هناك ~~لأجل قراءة القرآن ، وإنما ms9938 أمره بالاستعاذة ههنا في هذه السورة لأجل حفظ ~~النفس والبدن عن السحر ، والمهم الأول أعظم ، فلا جرم ذلك هناك الاسم ~~الأعظم وثانيها : أن الشيطان يبالغ حال منعك من العبادة أشد مبالغة في ~~إيصال الضر إلى بدنك وروحك ، فلا جرم ذكر الاسم PageV32P174 الأعظم هناك ~~دون ههنا وثالثها : أن اسم الرب يشير إلى التربية فكأنه جعل تربية الله له ~~فيما تقدم وسيلة إلى تربيته له في الزمان الآتي ، أو كان العبد يقول : ~~التربية والإحسان حرفتك فلا تهملني ، ولا تخيب رجائي ورابعها : أن بالتربية ~~صار شارعا في الإحسان ، والشروع ملزم وخامسها : أن هذه السورة آخر سور ~~القرآن فذكر لفظ الرب تنبيها على أنه سبحانه لا تنقطع عنك تربيته وإحسانه ، ~~فإن قيل : إنه ختم القرآن على اسم الإله حيث قال : { ملك الناس * إلاه ~~الناس } قلنا : فيه لطيفة وهي كونه تعالى قال : قل أعوذ بمن هو ربي ولكنه ~~إله قاهر لوسوسة الخناس فهو كالأب المشفق الذي يقول ارجع عند مهماتك إلى ~~أبيك المشفق عليك الذي هو كالسيف القاطع والنار المحرقة لأعدائك فيكون هذا ~~من أعظم أنواع الوعد بالإحسان والتربية وسادسها : كان الحق قال لمحمد عليه ~~السلام : قلبك لي فلا تدخل فيه حب غيري ، ولسانك لي فلا نذكر به أحدا غيري ~~، وبدنك لي فلا تشغله بخدمة غيري ، وإن أردت شيئا فلا تطلبه إلا مني ، فإن ~~أردت العلم فقل : { رب زدنى علما } وإن أردت الدنيا فاسألوا الله من فضله ، ~~وإن خفت ضررا فقل : { أعوذ برب الفلق } فإني أنا الذي وصفت نفسي بأني خالق ~~اوصباح . وبأني فالق الحب والنوى ، وما فعلت هذه الأشياء إلا لأجلك ، فإذا ~~كنت أفعل كل هذه الأمور لأجلك ، أفلا أصونك عن عن الآفات والمخافات . # المسألة الرابعة : ذكروا في : { الفلق } وجوها أحدها : أنه الصبح وهو قول ~~الأكثرين قال الزجاج : لأن الليل يفلق عنه الصبح ويفرق فعل بمعنى مفعول ~~يقال : هو أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح وتخصيصه في التعوذ لوجوه الأول ~~: أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضا ms9939 أن ~~يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه الثاني : أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء ~~الفرج ، فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظرا لطلوع الصباح كذلك الخائف ~~يكون مترقيا لطلوع صباح النجاح الثالث : أن الصبح كالبشري فإن الإنسان في ~~الظلام يكون كلحم على وضم ، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج ~~، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ، فالحق سبحانه يقول : ~~{ قل أعوذ برب } يعطي إنعام فلق الصبح قبل السؤال ، فكيف بعد السؤال الرابع ~~: قال بعضهم : إن يوسف عليه السلام لما ألقى في الجب وجعت ركبته وجعا شديدا ~~فبات ليلته ساهرا فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل عليه السلام بإذن الله ~~يسليه ويأمره بأن يدعوا ربه فقال : يا جبريل ادع أنت وأؤمن أنا فدعا جبريل ~~وأمن يوسف فكشف الله ما كان به من الضر ، فلما طاب وقت يوسف قال جبريل : ~~وأنا أدعو أيضا / وتؤمن أنت ، فسأل يوسف ربه أن يكشف الضر عن جميع أهل ~~البلاء في ذلك الوقت ، فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل ، ~~وروى أن دعاءه في الجب : يا عدتي في شدتي ويا مؤنسي في وحشتي ويا راحم ~~غربتي ويا كاشف كربتي ويا مجيب دعوتي ، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحق ~~ويعقوب ارحم صغر سني وضعف ركني وقلة حيلتي يا حي يا قوم يا ذا الجلال ~~والإكرام الخامس : لعل تخصيص الصبح بالذكر في هذا الموضع لأنه وقت دعاء ~~المضطرين وإجابة الملهوفين فكأنه يقول : قل أعوذ برب الوقت الذي يفرج فيه ~~عن كل مهموم السادس : يحتمل أنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم ~~القيامة لأن الخلق كالأموات والدور كالقبور ، ثم منهم من يخرج من داره ~~مفلسا عريانا لا يلتفت إليه ، ومنهم من كان مديونا فيجر إلى الحبس ، ومنهم ~~من كان ملكا مطاعا فتقدم إليه المراكب ويقوم الناس بين يديه ، كذا في يوم ~~القيامة بعضهم مفلس عن الثواب عار عن لباس التقوى يجر إلى الملك الجبار ، ~~ومن عبد كان مطيعا لربه ms9940 في الدنيا فصار ملكا مطاعا في العقبى PageV32P175 ~~يقدم إليه البراق السابع : يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه وقت ~~الصلاة الجامعة لأحوال القيامة فالقيام في الصلاة يذكر القيام يوم القيامة ~~كما قال : { يوم يقوم الناس لرب العالمين } والقراءة في الصلاة تذكر قراءة ~~الكتب والركوع في الصلاة يذكر من القيامة قوله : { ناكسوا * رؤوسهم } ~~والسجود في الصلاة يذكر قوله : { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } والقعود ~~يذكر قوله : { وترى كل أمة جاثية } فكان العبد يقول : إلهي كما خلصتني من ~~ظلمة الليل فخلصني من هذه الأهوال ، وإنما خص وقت صلاة الصبح لأن لها مزيد ~~شرف على ما قال : { أقم الصلواة لدلوك الشمس إلى } أي تحضرها ملائكة الليل ~~والنهار الثامن : أنه وقت الاستغفار والتضرع على ما قال : { والمستغفرين ~~بالاسحار } القول الثاني : في الفلق أنه عبارة عن كل ما يفلقه الله كالأرض ~~عن النبات : { إن الله فالق الحب والنوى } والجبال عن العيون : { وإن منها ~~يتفجر منه الانهار } والسحاب عن الأمطار والأرحام عن الأولاد والبيض عن ~~الفرخ والقلوب عن المعارف ، وإذا تأملت الخلق تبين لك أن أكثره عن انقلاب ، ~~بل العدم كأنه ظلمة والنور كأنه الوجود ، وثبت أنه كان الله في الأزل ولم ~~يكن معه شيء البتة فكأنه سبحانه هو الذي فلق بحار ظلمات العدم بأنوار ~~الإيجاد والتكوين والإبداع ، فهذا هو المراد من الفلق ، وهذا التأويل أقرب ~~من وجوه أحدها : هو أن الموجود إما الخالق وإما الخلق / فإذا فسرنا الفلق ~~بهذا التفسير صار كأنه قال : قل أعوذ برب جميع الممكنات ، ومكون كل ~~المحدثات والمبدعات . فيكون التعظيم فيه أعظم ، ويكون الصبح أحد الأمور ~~الداخلة في هذا المعنى وثانيها : أن كل موجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ~~، والممكن لذاته يكون موجودا بغيره ، معدوما في حد ذاته ، فإذن كل ممكن فلا ~~بد له من مؤثر يؤثر فيه حال حدوثه ويبقيه حال بقائه ، فإن الممكن حال بقائه ~~يفتقر إلى المؤثر والتربية ، إشارة لا إلى حال الحدوث بل إلى حال البقاء ، ~~فكأنه يقول : إنك لست محتاجا إلى حال / الحدوث فقط بل ms9941 في حال الحدوث وحال ~~البقاء معا في الذات وفي جميع الصفات ، فقوله : { برب الفلق } يدل على ~~احتياج كل ما عداه إليه حالتي الحدوث والبقاء في الماهية والوجود بحسب ~~الذوات والصفات وسر التوحيد لا يصفو عن شوائب الشرك إلا عند مشاهدة هذه ~~المعاني ، وثالثها : أن التصوير والتكوين في الظلمة أصعب منه في النور ، ~~فكأنه يقول : أنا الذي أفعل ما أفعله قبل طلوع الأنوار وظهور الأضواء ومثل ~~ذلك مما لا يتأتى إلا بالعلم التام والحكمة البالغة وإليه الإشارة بقوله : ~~{ هو الذي يصوركم في الارحام كيف يشاء لا إلاه إلا هو العزيز الحكيم } . # القول الثالث : أنه واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض ~~الفلق والجمع فلقان ، وعن بعض الصحابة أنه قدم الشام فرآى دور أهل الذمة ~~وما هم فيه من خصب العيش فقال لا أبالي ، أليس من ورائهم الفلق ، فقيل : ~~وما الفلق ؟ قال : بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره ، ~~وإنما خصه بالذكر ههنا لأنه هو القادر على مثل هذا التعذيب اعظيم الخارج عن ~~حد أوهام الخلق ، ثم قد ثبت أن رحمته أعظم وأكمل وأتم من عذابه ، فكأنه ~~يقول : يا صاحب العذاب الشديد أعوذ برحمتك التي هي أعظم وأكمل وأتم وأسبق ~~وأقدم من عذابك . # ! 7 < { من شر ما خلق } . > 7 ! PageV32P176 # قوله تعالى : { من شر ما خلق } < < # | الفلق : ( 2 ) من شر ما . . . . . # > > وفيه مسألتان : # المسألة الأولى : في تفسير هذه الآية وجوه أحدها : قال عطاء عن ابن عباس ~~: يريد إبليس خاصة لأن الله تعالى لم يخلق خلقا هو شر منه ولأن السورة إنما ~~نزلت في الاستعاذة من السحر ، وذلك إنما يتم بإبليس وبأعوانه وجنوده ~~وثانيها : يريد جهنم كأنه يقول : قل أعوذ برب جهنم ومن شدائد ما خلق فيها ~~وثالثها : { من شر ما خلق } يريد من شر أصناف الحيوانات المؤذياب كالسباع ~~والهوام وغيرهما ، ويجوز أن يدخل فيه من يؤذيني من الجن والإنس أيضا ووصف ~~أفعالها بأنها شر ، وإنما جاز إدخال الجن والإنسان تحت لفظة ما ، لأن ~~الغلبة ms9942 لما حصلت في جانب غير العقلاء حسن استعمال لفظة ما فيه ، لأن العبرة ~~بالأغلب أيضا ويدخل فيه شرور الأطعمة الممرضة وشرور الماء والنار ، فإن قيل ~~الآلام الحاصلة عقيب الماء والنار ولدغ الحية والعقرب حاصلة بخلق الله ~~تعالى ابتداء ، على قول أكثر المتكلمين ، أو متولدة من قوى خلقها الله ~~تعالى في هذه الأجرام ، على ما هو قول جمهور الحكماء وبعض المتكلمين ، وعلى ~~التقديرين فيصير حاصل الآية أنه تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يستعيذ ~~بالله من الله ، فما معناه ؟ قلنا : وأي بأس بذلك ، ولقد صرح عليه السلام ~~بذلك ، فقال : ( وأعوذ بك منك ) ورابعها : أراد به ما خلق من الأمراض ~~والأسقام والقحط وأنواع المحن والآفات ، وزعم الجبائي والقاضي أن هذا ~~التفسير باطل ، لأن فعل الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شر ، قالوا : / ~~ويدل عليه وجوه الأول : أنه يلزم على هذا التقدير أن الذي أمر بالتعوذ منه ~~هو الذي أمرنا أن نتعوذ به ، وذلك متناقض والثاني : أن أفعال الله كلها ~~حكمة وصواب ، وذلك لا يجوز أن يقال : إنه شر والثالث : أن فعل الله لو كان ~~شرا لوصف فاعله بأنه شرير ويتعالى الله عن ذلك والجواب : عن الأول أنا بينا ~~أنه لا امتناع في قوله أعوذ بك منك ؟ وعن الثاني أن الإنسان لما تألم به ~~فإنه يعد شرا ، فورد اللفظ على وفق قوله ، كما في قوله : { وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها } وقوله : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وعن ~~الثالث أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية ، ثم الذي يدل على جواز تسمية ~~الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى : { إذا مسه الشر جزوعا } وقوله : ~~{ وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض } وكان عليه السلام : ( وأعوذ بك من شر ~~طوارق الليل والنهار ) . # المسألة الثانية : طعن بعض الملحدة في قوله : { قل أعوذ برب الفلق * من ~~شر ما خلق } من وجوه أحدها : أن المستعاذ منه أهو واقع بقضاء الله وقدره ، ~~أولا بقضاء الله ولا بقدره ؟ فإن كان الأول فكيف أمر بأن يستعيذ بالله منه ~~، وذلك لأن ms9943 ما قضى الله به وقدره فهو واقع ، فكأنه تعالى يقول : الشيء الذي ~~قضيت بوقوعه ، وهو لا بد واقع فاستعذ بي منه حتى لا أوقعه ، وإن لم يكن ~~بقضائه وقدره فذلك يقدح في ملك الله وملكوته وثانيها : أن المستعاذ منه إن ~~كان معلوم الوقوع فلا دافع له ، فلا فائدة في الاستعاذة وإن كان معلوم ~~اللاوقوع ، فلا حاجة إلى الاستعاذة وثالثها : أن المستعاذ منه إن كان مصلحة ~~فكيف رغب المكلف في طلب دفعه ومنعه ، وإن كان مفسدة فكيف خلقه وقدره ، ~~واعلم أن الجواب عن أمثال هذه الشبهات ، أن يقال إنه : { لا يسأل عما يفعل ~~} وقد تكرر هذا الكلام في هذا الكتاب . # ! 7 < { ومن شر غاسق إذا وقب } . > 7 ! PageV32P177 # قوله تعالى : { ومن شر غاسق إذا وقب } < < # | الفلق : ( 3 ) ومن شر غاسق . . . . . # > > ذكروا في الغاسق وجوها أحدها : أن الغاسق هو اليل إذا عظم ظلامه من ~~قوله : { أقم الصلواة لدلوك } ومنه غسقت العين إذا امتلأت دمعا وغسقت ~~الجراحة إذا امتلأت دما ، وهذا قول الفراء وأبي عبيدة ، وأنشد ابن قيس : # % إن هذا الليل قد غسقا % % واشتكيت الهم والأرقا % # وقال الزجاج الغاسق في اللغة هو البارد ، وسمي الليل غاسقا لأنه أبرد من ~~النهار ، ومنه قوله إنه الزمهرير وثالثها : قال قوم : الغاسق والغساق هو ~~السائل من قولهم : غسقت العين تغسق غسقا إذا سالت بالماء ، وسمي الليل ~~غاسقا لانصباب ظلامه على الأرض ، أما الوقوب فهو الدخول في شيء آخر بحيث ~~يغيب عن العين ، يقال : وقب يقب وقوبا إذا دخل ، الوقبة النقرة لأنه يدخل ~~فيها الماء ، والإيقاب إدخال الشيء في الوقبة ، هذا ما يتعلق باللغة ~~وللمفسرين في الآية أقوال : / أحدها : أن الغاسق إذا وقب هو الليل إذا دخل ~~، وإنما أمر أن يتعوذ من شر الليل لأن في الليل تخرج السباع من آجامها ~~والهوام من مكانها ، ويهجم السارق والمكابر ويقع الحريق ويقل فيه الغوث ، ~~ولذلك لو شهر ( معتد ) سلاحا على إنسان ليلا فقتله المشهور عليه لا يلزمه ~~قصاص ، ولو كان نهارا يلزمه لأنه يوجد فيه الغوث ، وقال قوم : إن في الليل ms9944 ~~تنتشر الأرواح المؤذية المسماة بالجن والشياطين ، وذلك لأن قوة شعاع الشمس ~~كأنها تقهرهم ، أما في الليل فيحصل لهم نوع استيلاء وثانيها : أن الغاسق ~~إذا وقب هو القمر ، قال ابن قتيبة : الغاسق القمر سمي به لأنه يكسف فيغسق ، ~~أي يذهب ضؤوه ويسود ، ( و ) وقوبه دخوله في ذلك الاسوداد ، روى أبو سلمة عن ~~عائشة أنه أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها وأشار إلى القمر ، وقال ~~: ( استعيذي بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب ) قال ابن قتيبة : ومعنى ~~قوله : تعوذي بالله من شره إذا وقب أي إذا دخل في الكسوف ، وعندي فيه وجه ~~آخر : وهو أنه صح أن القمر في جرمه غير مستنير بل هو مظلم ، فهذا هو المراد ~~من كونه غاسقا ، وأما وقوبه فهو انمحاء نوره في آخر الشهر ، والمنجمون ~~يقولون : إنه في آخر الشهر يكون منحوسا قليل القوة لأنه لا يزال ينتقص نوره ~~فبسبب ذلك تزداد نحوسته ، ولذلك فإن السحرة إنما يشتغلون بالسحر المورث ~~للتمريض في هذا الوقت ، وهذا مناسب لسبب نزول السورة فإنها إنما نزلت لأجل ~~أنهم سحروا النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التمريض وثالثها : قال ابن زيد : ~~الغاسق إذا وقب يعني الثريا إذا سقطت قال ، وكانت الأسقام تكثر عند وقوعها ~~، وترتفع عند طلوعها ، وعلى هذا تسمى الثريا غاسقا ، لانصبابه عند وقوعه في ~~المغرب ، ووقوبه دخوله تحت الأرض وغيبوبته عن الأعين ورابعها : قال صاحب ~~الكشاف : يجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيات ووقوبه ضربة ونقبه ، ~~والوقب والنقب واحد ، واعلم أن هذا التأويل أضعف الوجوه المذكورة وخامسها : ~~الغاسق : { إذا وقب } هو الشمس إذا غابت وإنما سميت غاسقا لأنها في الفلك ~~تسبح فسمي حركتها وجريانها بالغسق ، ووقوبها غيبتها ودخلولها تحت الأرض . # ! 7 < { ومن شر النفاثات فى العقد } . > 7 ! # قوله تعالى : { ومن شر النفاثات فى العقد } < < # | الفلق : ( 4 ) ومن شر النفاثات . . . . . # > > فيه مسائل : # المسألة الأولى : في الآية قولان : الأول : أن النفث النفخ مع ريق ، هكذا ~~قاله صاحب الكشاف ، ومنهم PageV32P178 من قال : إنه النفخ فقط ، ومنه قوله ~~عليه السلام : إن ms9945 جبريل نفث في روعي والعقد جمع عقدة ، والسبب فيه أن ~~الساحر إذا أخذ في قراءة الرقية أخذ خيطا ، ولا يزال يعقد عليه عقدا بعد ~~عقد وينفث في تلك العقد ، وإنما أنت النفاثات لوجوه أحدها : أن هذه الصناعة ~~إنما تعرف بالنساء لأنهن يعقدن وينفثن ، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط ~~القلب بذلك الأمر وإحكام الهمة والوهم فيه ، وذلك إنما يتأتى من النساء ~~لقلة علمهن وشدة شهوتهن ، فلا جرم كان / هذا العمل منهن أقوى ، قال أبو ~~عبيدة : { النفاثات } هن بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وثانيها : أن المراد من : { النفاثات } النفوس وثالثها : المراد ~~منها الجماعات ، وذلك لأنه كلما كان اجتماع السحرة على العمل الواحد أكثر ~~كان التأثير أشد القول الثاني : وهو اختيار أبي مسلم : { من شر النفاثات } ~~أي النساء في العقد ، أي في عزائم الرجال وآرائهم وهو مستعار من عقد الحبال ~~، والنقث وهو تليين العقدة من الحبل بريق يقذفه عليه ليصير حله سهلا ، ~~فمعنى الآية أن النساء لأجل كثرة حبهن في قلوب الرجال يتصرفن في الرجال ~~يحولنهم من رأي إلى رأي ، ومن عزيمة إلى عزيمة ، فأمر الله رسوله بالتعوذ ~~من شرهن كقوله : { إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } فلذلك عظم ~~الله كيدهن فقال : { إن كيدكن عظيم } . # واعلم أن هذا القول حسن ، لولا أنه على خلاف قول أكثر المفسرين . # المسألة الثالثة : أنكرت المعتزلة تأثير السحر ، وقد تقدمت هذه المسألة ، ~~ثم قالوا : سبب الاستعاذة من شرهن لثلاثة أوجه أحدها : أن يستعاذ من إثم ~~عملهن في السحر والثاني : أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن والثالث : أن ~~يستعاذ من إطعامهن الأطعمة الرديئة المورثة للجنون والموت . # ! 7 < { ومن شر حاسد إذا حسد } . > 7 ! # قوله تعالى : { ومن شر حاسد إذا حسد } < < # | الفلق : ( 5 ) ومن شر حاسد . . . . . # > > من المعلوم أن الحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه ، ~~ولا يكاد يكون كذلك إلا ولو تمكن من ذلك بالحيل لفعل ، فلذلك أمر الله ~~بالتعوذ منه ، وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوفى ms9946 ويتحرز منه دينا ودينا ، ~~فلذلك لما نزلت فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولها لكونها مع ما ~~يليها جامعة في التعوذ لكل أمر ، ويجوز أن يراد بشر الحاسد إثمه وسماجة ~~حاله في وقت حسده وإظهاره أثره . بقي هنا سؤالان : # السؤال الأول : قوله : { من شر ما خلق } عام في كل ما يستعاذ منه ، فما ~~معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد الجواب : تنبيها على أن ~~هذه الشرور أعظم أنواع الشر . # السؤال الثاني : لم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه ؟ الجواب : عرف ~~النفاثات لأن كل نفاثة شريرة ، ونكر غاسقا لأنه ليس كل غاسق شريرا ، وأيضا ~~ليس كل حاسد شريرا ، بل رب حسد يكون محمودا وهو الحسد في الخيرات . # والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه ~~وسلم . # PageV32P179 < # > 1 ( سورة الناس ) 1 < # > # وهي ست آيات مدنية # ! 7 < { قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إلاه الناس } . > 7 @QB@ < # | الناس : ( 1 - 3 ) قل أعوذ برب . . . . . # > > # { قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إلاه الناس } فيه مسائل : # المسألة الأولى : قرىء : { قل أعوذ } بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام ~~ونظيره : { فخذ أربعة من الطير } وأيضا أجمع القراء على ترك الإمالة في ~~الناس ، وروى عن الكسائي الإمالة في الناس إذا كان في موضع الخفض . # المسألة الثانية : أنه تعالى رب جميع المحدثات ، ولكنه ههنا ذكر أنه رب ~~الناس على التخصيص وذلك لوجوه أحدها : أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في ~~صدور الناس فكأنه قيل : أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك ~~عليهم أمورهم وهو إلهم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب ~~بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم وثانيها : أن أشرف المخلوقات في العالم هم ~~الناس وثالثها : أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان ، فإذا قرأ الإنسان هذه ~~صار كأنه يقول : يا رب يا ملكي يا إلهي . # المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ملك الناس * إلاه الناس } هما عطف بيان ~~كقوله : سيرة أبي حفص عمر الفاروق ، فوصف أولا بأنه رب الناس ثم الرب قد ~~يكون ملكا وقد لا يكون ms9947 ، كما يقال : رب الدار ورب المتاع قال تعالى : { ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } فلا جرم بينه بقوله : { ملك ~~الناس } ثم الملك قد يكون إلها وقد لا يكون فلا جرم بينه بقوله : { إلاه ~~الناس } لأن الإله خاص به وهو سبحانه لا يشركه فيه غيره وأيضا بدأ بذكر ~~الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه ، وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه ~~وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملكه ، فثنى بذكر الملك ~~، ثم لما علم أن PageV32P180 العبادة لازمة له واجبة عليه ، وعرف أن معبوده ~~مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله ، فلهذا ختم به ، وأيضا أول ما يعرف العبد ~~من ربه كونه مطيعا لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة ، وهذا هو الرب ، ثم ~~لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات / إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق ~~، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكا ، لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره ويكون ~~هو غنيا عن غيره ، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء ~~فوق وصف الواصفين وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته ، فحينئذ يعرفه ~~إلها . # المسألة الرابعة : السبب في تكرير لفظ الناس أنه إنما تكررت هذه الصفات ، ~~لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار ، ولأن هذا التكرير يقتضي مزيد شرف ~~الناس ، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه ربا للناس ، ملكا للناس ، إلها ~~للناس . ولولا أن الناس أشر مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ~~ربا وملكا وإلها لهم . # المسألة الخامسة : لا يجوز ههنا مالك الناس ويجوز : { مالك يوم الدين } ~~في سورة الفاتحة ، والفرق أن قوله : { رب * الناس } أفاد كونه مالكا لهم ~~فلا بد وأن يكون المذكور عقيبه هذا الملك ليفيد أنه مالك ومع كونه مالكا ~~فهو ملك ، فإن قيل : أليس قال في سورة الفاتحة : { رب العالمين } ثم قال : ~~{ مالك يوم الدين } فليزم وقوع التكرار هناك ؟ قلنا اللفظ دل على أنه رب ~~العالمين ، وهي الأشياء الموجودة في الحال ، وعلى أنه مالك ليوم الدين أي ~~قادر عليه ms9948 فهناك الرب مضاف إلى شيء والمالك إلى شيء آخر فلم يلزم التكرير ، ~~وأما ههنا لو ذكر المالك لكان الرب والمالك مضافين إلى شيء واحد ، فيلزم ~~منه التكرير فظهر الفرق ، وأيضا فجواز القراءات يتبع النزول لا القياس ، ~~وقد قرىء مالك لكن في الشواذ . # ! 7 < { من شر الوسواس الخناس } . > 7 @QB@ < # | الناس : ( 4 ) من شر الوسواس . . . . . # > > # قوله تعالى : { من شر الوسواس الخناس } الوسواس اسم بمعنى الوسوسة ، ~~كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وأما المصدر فوسواس بالكسر كزلزال والمراد به ~~الشيطان سمي بالمصدر ، كأنه وسوسة في نفسه لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف ~~عليه ، نظيره قوله : { إنه عمل غير صالح } والمراد ذو الوسواس وتحقيق ~~الكلام في الوسوسة قد تقدم في قوله : { فوسوس لهما الشيطان } وأما الخناس ~~فهو الذي عادته أن يخنس منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والنفاثات ، ~~عن سعيد بن جبير إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى ، فإذا غفل وسوس ~~إليه . # ! 7 < { الذى يوسوس فى صدور الناس } . > 7 @QB@ < # | الناس : ( 5 ) الذي يوسوس في . . . . . # > > # قوله تعالى : { الذى * يوسوس فى صدور الناس } . # اعلم أن قوله : { الذى * يوسوس } يجوز في محله الحركات الثلاث فالجر على ~~الصفة والرفع والنصب على الشتم ، ويحسن أن يقف القارىء على الخناس ويبتدىء ~~الذي يوسوس ، على أحد هذين الوجهين . # PageV32P181 ! 7 < { من الجنة والناس } . > 7 @QB@ < # | الناس : ( 6 ) من الجنة والناس # > > # أما قوله تعالى : { من الجنة والناس } ففيه وجوه : # أحدها : كأنه يقول الوسواس الخناس قد يكون من الجنة وقد يكون من الناس ~~كما قال : { شياطين الإنس والجن } وكما أن شيطان الجن قد يوسوس تارة ويخنس ~~أخرى فشيطان الإنس يكون كذلك ، وذلك لأنه يرى نفسه كالناصح المشفق ، فإن ~~زجره السامع يخنس ، ويترك الوسوسة ، وإن قبل السامع كلامه بالغ فيه وثانيها ~~: قال قوم قوله : { من الجنة والناس } قسمان مندرجان تحت قوله في : { صدور ~~الناس } كأن القدر المشترك بين الجن والإنس ، يسمى إنسانا والإنسان أيضا ~~يسمى إنسانا فيكون لفظ الإنسان واقعا على الجنس والنوع بالاشتراك ، والدليل ~~على أن لفظ الإنسان يندرج فيه الجن والإنس ما روى أنه جاء نفر ms9949 من الجن فقيل ~~لهم : من أنتم فقالوا : أناس من الجن ، أيضا قد سماهم الله رجالا في قوله : ~~{ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن } فجاز أيضا أن يسميهم ههنا ~~ناسا ، فمعنى الآية على هذا التقدير أن هذا الوسواس الخناس شديد الخنث لا ~~يقتصر على إضلال الإنس بل يضل جنسه وهم الجن ، فجدير أن يحذر العاقل شره ، ~~وهذا القول ضعيف ، لأن جعل الإنسان اسما للجنس الذي يندرج فيه الجن والإنس ~~بعيد من اللغة لأن الجن سموا جنا لاجتنانهم والإنسان إنسانا لظهوره من ~~الإيناس وهو الإبصار ، وقال صاحب الكشاف : من أراد تقرير هذا الوجه ، ~~فالأولى أن يقول : المراد من قوله : { يوسوس فى صدور الناس } أي في صدور ~~الناس كقوله : { يوم يدعو * الداع } وإذا كان المراد من الناس الناسي ، ~~فحينئذ يمكن تقسيمه إلى الجن والإنس لأنهما هما النوعان الموصوفان بنسيان ~~حق الله تعالى وثالثها : أن يكون المراد أعوذ برب الناس من الوسواس الخناس ~~ومن الجنة والناس كأنه استعاذ بربه من ذلك الشيطان الواحد ، ثم استعاذ بربه ~~من الجميع الجنة والناس . # واعلم أن هذه السورة لطيفة أخرى : وهي أن المستعاذ به في السورة الأولى ~~مذكور بصفة واحدة وهي أنه رب الفلق ، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات ~~، وهي الغاسق والنفاثات والحاسد ، وأما في هذه السورة فالمستعاذ به مذكور ~~بصفات ثلاثة : وهي الرب والملك والإله والمستعاذ منه آفة واحدة ، وهي ~~الوسوسة ، والفرق بين الموضعين أن الثناء يجب أن يتقدر بقدر المطلوب ، ~~فالمطلوب في السورة الأولى سلامة النفس والبدن ، والمطلوب في السورة ~~الثانية سلامة الدين ، وهذا تنبيه على أن مضرة الدين وإن قلت : أعظم من ~~مضار الدنيا وإن عظمت ، والله سبحانه وتعالى أعلم . # PageV32P182 ms9950